Advertisement

مروج الذهب 004



الكتاب : مروج الذهب
المؤلف : أبو الحسن على بن الحسين بن على المسعودي
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] المولد، واستأذنه الرشيد، فأذن له، فسار إلى شاطىء الفرات من بلاد الأنبار وهَيْتَ، وتوسط البر مما يلي السماوة، وكتب الهادي إليه يأمره بالقدوم فأكثر الرشيد التعلل، وبسط الهادي لسانه في شتمه، وسنح للهادي الخروج نحو بلاد الحديثة، فمرض هناك، وانصرف وقد ثقل في العلة، فلم يجسر أحد من الناس على الدخول عليه إلاصغار الخدم، ثم أشار إليهم أن يحضروا الخيزران أمه، فصارت عند رأسه، فقال لها: أنا هالك في هذه الليلة، وفيها يلي أخي هارون، وأنت تعلمين ما قضى به أصل مولدي بالري، وقد كنت أمرتك بأشياء ونهيتك عن أخرى، مما اوجبته سياسة الملك، لا موجبات الشرع من برك، ولم اكن بك عاقاً، بل كنت لك صائناً وبرا واصلاً، ثم قضى قابضاً على يدها، واضعاً لها على صدره. وكان مولده بالري: وكذلك مولد هرون الرشيد، فكانت تلك الليلة فيها وفاة الهادي، وولآية الرشيد، ومولد المأمون.
الهادى ورجل ذو ذنوب
ويقال: إن الهادي أوْقَفَ بين يديه رجلاً من أولياء الدولة ذا أجرام كثيرة، فجعل الهادي يذكره ذنوبه، فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين، اعتذاري مما تقرعني به رَدّ عليك، وإقراري بما ذكرت يوجب ذنباً علي، ولكني أقول:
فإن كُنْتَ تَرْجُو في العُقُوبةِ رَاحَة ... فلا تَزْهَدَنْ عِنْدَ المُعَافاةِ في الأجر
فأطلقه ووصله.
بين الهادي والرشيد
وحدث عدة من الأخباريين من ذوي المعرفة بأخبار الدولة، أن موسى قال لهارون أخيه: كأنى بك تحدث نفسك بتمام الرؤيا، وتؤمل ما أنت عنه بعيد، ومن دون ذلك خرْطُ القَتَاد، فقال له هارون: يا أمير المؤمنين من تكبر وضع، ومن تواضع رفع، ومن ظلم خذل، وإن وصل الأمر إلي وَصَلْتُ مَنْ قطعت، وبررت من حرمت، وصيرت أولادك أعلى من أولادي، وزوجتهم بناتي، وقضيت بذلك حقَّ الإمام المهدي، فأنجلى عن موسى الغضب، وبان السرور في وجهه، وقال: ذلك الظن بك يا أب جعفر، ادْنُ مني، فقام هارون فقبَّلَ يده، ثم ذهب ليعود إلى مجلسه، فقال موسى: والشيخ الجليل، والملك النبيل، لا جلستَ إلا معي في صدر المجلس، ثم قال: يا خَزاني! احمل إلى أخي الساعة ألف ألف دينار، فإذا فتح الخراج فاحمل إليه نصفه، فلما أرادا هارون الانصراف قدَمت دابته إلى البساط.
رؤيا المهدي لولديه الهادي والرشيد
قال عمرو الرومي: فسألت الرشيد عن الرؤيا، فقال: قال المهدي: رأيت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيباً، وإلى هارون قضيباً، فأما قضيب موسى فأورَقَ أعلاه قليلاً: وأما قضيب هارون فأورق من أوله إلى آخره، فقَصَّ الرؤيا على الحكيم بن إسجاق الصيمريّ، وكان يَعْبُرها، فقال له: يملكان جميعاً، فأما موسى فتقل أيامه، وأما هارون فيبلغ أخر ما عاش خليفة، وتكون أيامه أحسن الأيام، ودهره احسن الدهور.
قال عمرو الرومي: فلما أفضت الخلافة إلى هارون زَوَّج حمدونة ابنته من جعفربن موسى، وفاطمة من إسماعيل بن موسى، ووفى له ما وعده.
حاز الهادي سيف عمرو بن معد يكرب الصمصامة
المهدي موسى الهادي سيف عمرو بن معد يكرب الصمصامة فدعا به موسى بعد ما ولي الخلافة، فوضعه بين يديه، وملء مِكْتَل دنإنير، وقال لحاجبه: ائذن للشعراء، فلما دخلوا أمرهم أن يقولوا في السيف، فبدأهم ابن يامين البصري فقال:
حَازَ صَمْصَأمةَ الزُّبْيَدِي عمروٍ ... مِنْ جَمِيع الأنام مُوسَى الأمين
سَيْفُ عمرو، وكان فِيمَا سَمِعْنَا ... خَيْرَمَا أغْمِدَتْ عَلَيْهِ الجُفُونُ
اوْقَدَتْ فَوْقَهُ الصَّوَاعِقُ نَاراً ... ثُمَّ شَابَتْ فِيهِ الذُّعَافِ المَنُونُ
وَإذا مَا شَهرْتَهُ تَبْهَرُ الشَّمْسَ ... ضِيَاءً فَلَمْ تَكَدْ تَسْتَبِين
وكأن الفرِنْدَ والجوهر الجَا ... رِيَ في صفحتيه ماء مَعِينُ
ما يُبَالي إذا الضريبة حانت ... أشمال سَطَتْ بِهِ أم يمين
وهي أبيات كثيرة، فقال له الهادي: لك السيف والمكتل، فخذهما، ففرق المكتل على الشعراء، وقال: دخلتم معي وَحُرِمْتُمْ من أجلي، وفي السيف عوض، ثم بعث إليه الهادي فأشترى منه السيف بخمسين ألفاً.
(1/497)

وللهادي أخبار حسان وإن كانت أيامه قَصُرَتْ، وقد أتينا على ذكرها في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وباللّه التأييد.
ذكر خلافة هارون الرشيد
بويع هارونُ الرشيد بنُ المهديِّ يومَ الجمعة صبيحةَ الليلةِ التي مات فيها الهادي، بمدينة السلام، وذلك لاثنتي عشرة ليلة بقِيَت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة، ومات بِطُوسَ بقرية يقال لها سناباذ، يوم السبت لأربع لَيَال خَلَوْنَ من جمادي الاخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، فكانت ولآيته ثلاثاً وعشربن سنة وستة اشهر، وقيل: ثلاثاً وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يوماً ووليَ الخلافة وهو ابن أحدى وعشرين سنة وشهرين ومات وهو ابن أربع وأربعين سنة وأربعة اشهر.
ذكر جمل من أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
الرشيد يستوزر يحيى بن خالد البرمكي
ولما افْضَتِ الخلافة إلى الرشيد دعا بيحيى بن خالد فقال له: يا ابَتِ، أنت أجلستني في هذا المجلس ببركتك ؤَيُمْنك وحسن تدبيرك، وقد قَلدْتك الأمر، وَدَفَعَ خاتمه إليه، ففي ذلك يقول الموصلي:
ألم ترأن الشمس كانت سَقِيمَةً ... فلما وَلَى هارونُ أشْرَقَ نورها
بيُمْنِ أمين اللَّه هارون ذي الندى ... فَهرُونُ واليها، ويحيى وزيرها
وماتت رَيْطَة بنت أبي العباس السَّفاح لشهور خَلَتْ من أيام الرشيد، وقيل: في آخر أيام الهادي، وماتت الخيزران أم الهادي والرشيد في سنة ثلاث وسبعين ومائة، ومشى الرشيد أمام جنازتها، وكانت غلة الخيزران مائة ألف ألف وستين ألف ألف درهم، وفيها مات محمد بن سليمان، وقَبَضَ الرشيد أمواله بالبصرة وغيرها، فكان مبلغها نيفاً وخمسين ألف ألف درهم سوى الضياع والدور والمستَغلات، وكان محمد بن سليمان يغل كل يوم مائة ألف درهم.
محمد بن سليمان وسوار القاضي يعترضهما مجنون
وحكي أن محمد بن سليمان ركب يوماً بالبصرة وسوَار القاضي يسايره في جنازة ابنة عم له، فأعترضه مجنون كان بالبصرة يعرف. برأس النعجة، فقال له: يا محمد، أمن العدل أن تكون نحلتك في كل يوم مائة ألف درهم وأنا اطلب نصف درهم فلا أقدر عليه؟ ثم التفت إلى سَوَّار فقال: إن كان هذا عدلاً فأنا أكفر به، فأسرع إليه غلمان محمد، فكَفّهُمْ عنه، وأمر له بمائة درهم، فلما انصرف محمد وسَوَّار معه اعترضه رأس النعجة فقال له: لقد كرم اللهّ منصبك، وشرف أبوتك، وحَسَّن وجهك، وعظم قدرك، وأرجو أن يكون ذلك لخير يريده اللّه بك، ولان يجمع اللّه لك الدارين، فدنا منه سَوَّار فقال: يا خبيث، ما كان هذا قولك في البداءة، فقال له: سألتك بحق اللّه وبحق الأمير إلاما أخبرتني في أي سورة هذه الآية: " فإن أعْطوا منها رَضُوا وإن لم يُعْطَوْا منها إذا هم يسخطون " قال: في براءة، قال: صدقت، فبرىء اللهّ ورسوله منك، فضحك محمد ابن سليمان حتى كاد يسقط عن دابته.
ولما بنى محمد بن سليمان قصره على بعض الأنهار دخل إليه عبد الصمد بن شيب بن شبة، فقال له محمد: كيف ترى بنائي؟ قال: بنيت أجل بناء، بأطيب فناء، وأوسع فضاء، وأرقِّ هواء، على احسن ماء، بين صراري وحسان وظباء، فقال محمد: بناء كلامك أحْسَنُ من بنائنا، وقيل: أن صاحب الكلام والباني للقصر هو عيسى بن جعفر، على ما حدث به محمد بن زكرياء الغلابي، عن الفضل بن عبد الرحمن بن شبيب بن شبة، وفي هذا القصر يقول ابن أبي عُيَيْنة:
زُرْواديَ القصر، نعم القصر والوادي ... لا بُدَّ من زَوْرَة من غير ميعاد
زره فليس له شبه يُقَاربه ... من منزل حاضرٍ ان شئت أو باد
ترقى قراقيره والعيس واقفة ... والضب والنون والملاح والحادي
وفي سنة خمس وسبعين ومائة مات الليث بن سعد، المصري، الفهمي، ويكنى أبا الحارث، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وكان قد حج سنة ثلاث عشرة ومائة وسمع من نافع.
موت شريك النخعي القاضي
(1/498)

وفي سنة خمس وسبعين ومائةَ مات شريك بن عبد اللّه بن سنان النَّخَعِيُّ القاضي، وكان يكنى أبا عبد اللّه، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وكان مولده ببخارى، وليس بشريك بن عبد اللّه بن أبي أنمر الليثي، لان ابن أبي أنمر مات في سنة أربعين ومائة، وإنما ذكرنا ذلك لأنهما يتشابهان في الأباء والأمهات، وبينهما تسع وثلاثون سنة، وكان شريك بن عبد اللهّ النخعي يتولّى القضاء بالكوفة أيام المهديِّ، ثم عزله موسى الهادي، وكان شريك مع فهمه وعلمه ذكياً فطناً، وكان قد جرى بينه وبين مصعب بن عبد اللّه كلام بحضرة المهدي فقال له مصعب: أنت تنتقص أبا بكر وعمرو، فقال: وللّه ما أنتقص صلَّكَ وهو دونهما.
وذُكِرَ معاوية عند شريك بالحلم، فقال: ليس بحليم من سَفِهَ الحقَّ وقاتل عليَّ بن أبي طالب.
وشم من شريك رائحة النبيذ، فقال له أصحاب الحديث: لوكانت هذه الرائحة منا لاستحيينا، فقال: لأنكم أهل الريبة.
موت مالك بن أنس الإمام
ومات في أيام الرشيد أبو عبد اللّه مالك بن انس بن أبي عأمر، الأصبحيُّ، وهو ابن تسعين سنة، وحمل به ثلاث سنين، وذلك في ربيع الأول، وقيل: أنه صلى عليه ابن أبي ذئب، على ما ذكر من التنازع في وفاة ابن أبي ذئب، وذكر الواقديُّ أن مالكاً كان يأتي المسجد، ويشهد الصلوات والجمع والجنائز، ويعود المرضى، ويقضي الحقوق، ثم ترك ذلك كله، ثم قيل له فيه، فقال: ليس كل انسان يقدرأن يتكلم بُعذْرِه.
وسعى به إلى جعفربن سليمان، وقيل له: أنه لا يرى أيمان بيعتكم شيئاً فضربه بالسياط، ومُذَ لذلك حتى انخلع كتفأهُ.
وفي السنة التي مات فيها مالك كانت وفاة حَمَّاد بن زيد، وهي سنة تسع وسبعين ومائة.
وفي سنة إحدى وستين ومائة مات عبد الله بن المبارك، المروزي، الفقيه، بهَيْتَ بعد منصرفه من طرسوس.
القاضي أبو يوسف
وفي سنة اثنتين وثمانين ومائة مات أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي وهو ابن تسع وستين سنة، وهو رجل من الأنصار، وولي القضاء سنة ست وستين ومائة في أيام خروج الهادي إلى خرْجَان، وأقام على القضاء إلى ان مات خمس عشرة سنة.
قال المسعودي: وقد كانت أم جعفر كتبت مسألة إلى أبي يوسف تستفتيه فيها، فأفتاها بما وافق مرادها على حسب ما أوجبته الشريعة عنده وأداه اجتهاده إليه، فبعثت إليه بحق فضة فيه حقان من فضة في كل حق لون من الطيب، وجام ذهب فيه دراهم، وجام فضة فيه دنإنير، وغلمان وتخوت من ثياب، وحمار وبغل، فقال له بعض من حضره: قال رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم " من أهديت له هدية فجلساؤه شركاؤه فيها " فقال أبو يوسف: تأولت الخبر على ظاهره، والاستحسان قد منع من إمضائه، ذاك إذ كان هدايا الناس التمر واللبن، لا في هذا الوقت وهدايا الناس اليوم العَيْنُ والوَرِقُ وغيره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
بين عبد الله بن مصعب الزبيري وموسى بن عبد اللّه بن الحسن الطالبي
بحضرة الرشيد
وذكر الفضل بن الربيع قال: صار إليَ عبدُ اللّه بن مصعب بن ثابت بن عبد اللهّ بن الزبير، فقال: إن موسى بن عبد اللهّ بن الحسن بن الحسن بن علي قد أراداني على البَيعة له، فجمع الرشيد بينهما، فقال الزبيري لموسى: سعيتم علينا وأردتم نقض دولتنا، فالتفت إليه موسى فقال: ومَنْ أنتم؟ فغلب على الرشيد الضحك حتى رفع رأسه إلى السقف حتى لا يظهر منه، ثم قال موسى يا أمير المؤمنين، هذا الذي ترى المُشَنع عليَّ خرج واللهّ مع أخي محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسنبن علي عليَّ جدك المنصور، وهو القائل من أبيات:
قوموا ببيعتكم ننْهَضْ بطاعتنا ... إن الخلافة فيكم يا بني حسن
(1/499)

في شعر طويل، وليس سعايته يا أمير المؤمنين حُبّاً لك، ولا مراعاة لدولتك، ولكن بُغْضاً لنا جميعاً أهل البيت، ولو وجد من ينتصر به علينا جميعاً لكان معه، وقد قال باطلاً وأنا مستحلفه، فأن حلف إني قلت ذلك فدمي لأمير المؤمنين حلال فقال الرشيد احلف له يا عبد اللّه، فلما أراده موسىِ على اليمين تلكأ وامتنع، فقال له الفضل: لم تمنع وقد زعمت آنفأ أنه قال لك ما ذكرته، قال عبد اللّه: فأنا أحلف له، قال موسى: قل تَقَلّدْتُ الحول والقوة دون حول اللّه وقوته إلى حولي وقوتي إن لم يكن ما حكيته عني حقاً، فحلف له، فقال موسى: اللّه اكبر، حدثني أبي عن جدي عن أبيه عن جده عليٍّ عن رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم إنه قال " ما حلف أحد بهذه اليمين وهو كاذب إلا عجل اللّه له العقوبة قبل ثلاثة " واللّه ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ، وها أنا يا أمير المؤمنين بين يديك وفي قَبْضَتك، فتقدم بالتوكيل علي، فإن مضت ثلاثة أيام ولم يحدث على عبد اللّه بن مصعب حادث فدمي لأمير المؤمنين حلال، فقال الرشيد للفضل: خذ بيد موسى فليكن عندك حتى أنظرفي أمره.
قال الفضل: فواللّه ما صليت العصر من ذلك اليوم حتى سمعتُ الصُّرَاخَ من دار عبد اللهّ بن مصعب، فأمرت من يتعرف خبره، فعرفت إنه قد أصابه الجُذَام، وإنه قد تورَم واسْودَ، فصرت إليه، فواللهّ ما كدت أعرفه لإنه صار كالزِّقِّ العظيم ثم اسودَّ حتى صار كالفحم، فصرت إلى الرشيد فعرفته خبره، فما إنقضى كلامي حتى أتى خبر وفاته، فبادرت بالخروج، وأمرت بتعجيل أمره والفراغ منه، وتوليت الصلاة عليه، فلما دَلّوْه في حفرته لم يستقر فيها حتى انخسفت به وخرجت منه رائحة مفرطة النتن، فرأيت أحمال شوك تمر في الطريق فقلت: علي بذلك الشوك، فأتيت به، فطرح في تلك الوهدة، فما استقر حتى انخسفت ثانية، فقلت عليَّ بألواح ساج، فطرحت على موضع قبره، ثم طرح التراب عليها، وانصرفت إلى الرشيد فعرفته الخبر وما عاينت من الأمر فأكثر التعجب من ذلك، وأمرني بتخلية موسى بن عبد اللّه رضي اللّه عنه، وإن أعطيه ألف دينار، وأحضر الرشيد موسى فقال له: لم عَدَلْت عن اليمين المتعارفة بين الناس؟ قال: لإنا رَوَيْنَا عن جَدِّنا رضي اللّه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم " منْ حلف بيمين مَجدَ اللهّ فيها استحيا اللهّ من تعجيل عقوبته. وما من أحد حلف بيمين كاذبة نازع اللّه فيها حَوْلَه وقوته إلا عَجَّلَ اللّه له العقوبة قبل ثلاث " .
وقيل: إن صاحب هذا الخبر هو يحيى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي أخو موسى بن عبد اللّه، ورضوان اللّه عليهم!.
وكان يحيى قد سار إلى الدًيْلَم مستجيراً، فباعه صاحب الدَّيْلَم من عامل الرشيد بمائة ألف درهم، فقتل، رحمه اللّه!.
وقد روي من وجه آخر على حسب تباين النسخ وطرق الرواية في ذلك في كتب الأنساب والتواريخ إن يحيى ألقِيَ في بركة فيها سباع قد جُوِّعت، فأمسكت عن أكله، ولاذَتْ بناحية، وهابت الدُّنُوَّ إليه، فبنى عليه ركن بالجص والحجر وهو حَي.
ظهور محمد بن جعفر، ثم هربه إلى المغرب
وقد كان محمد بن جعفربن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي كرم اللّه وجهه سار إلى مصر، فطُلِبَ، فدخل المغرب، واتصل ببلاد تَهَرْتَ السفلى، واجتمع إليه خلق من الناس، فظهر فيهم بعدل وحسن استقامة، فمات هنالك مسموماً، وقد أتينا على كيفية خبره وما كان من أمره في كتاب حدائق الأذهان، في أخبار أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وتفرقهم في البلدان.
الرشيد يحج آخر حجة
وفي سنة ثمانية وثمانين ومائة حجَ الرشيد، وهي آخر حَجَّةٍ حَجهَا، فذكر عن أبي بكر بن عياش وكان من عليه أهل العلم إنه قال وقد اجتاز الرشيد بالكوفة فدب حال منصرفه من هذه الحجة: لا يعود إلى هذه الطريق، ولا خليفة من بني العباس بعده أبداً، فقيل له: أضَرب من الغيب؟ قال: نعم، قيل: بوَحْي؟ قال: نعم، قيل: إليك؟ قال: لا، إلى محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك أخبر عنه علي رضي الله عنه المقتول في هذا الموضع، وأشار إلى الموضع الذي قتل فيه علي بالكوفة، رضي الله عنه
موت الكسائي ومحمد بن الحسن الشيباني
(1/500)

وفي سنة تسع وثمانين ومائة وذلك في أيام الرشيد مات عليُّ بن حمزة الكسائي صاحب القراءات، ويكنى أبا الحسن، وكان قد شَخَصَ مع الرشيد إلى الري فمات بها، وكذلك مات محمد بن الحسن الشيباني القاضي، ويكنى أبا عبد اللّه، ودفن بالري وهو مع الرشيد، وتطير من وفاة محمد بن الحسن لرؤيا كان رأها في نومه.
يحيى بن خالد سخط الرشيد على عبد الملك بن صالح
وفي هذه السنة كانت وفاة يحيى بن خالد بن بَرْمك.
وفي سنة ثمان وثمانين ومائة كان سخط الرشيد على عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، فحدَّثَ يموت بن المزرع عن الرياشي، قال: سمعت الأصمعي يقول: كنت عند الرشيد، وأتى بعبد الملك بن صالح يَرْفُلُ في قيوده، فلما نظر إليه قال: هيه يا عبد الملك، كأني واللّه أنظر إليك وشؤبوبها قد همع، وإلى عارضها قد لمع، وكأني بالوعيد قد أقلع عن براجم بلا معاصم، ورؤوس بلا غلاصم، مهلاً مهلاً بني هاشم، واللّه سَهُل لكم الوَعْر، وصفا لكم الكدر، وألقت إليكم الأمور أزِمَّتَهَا، فخذوا حذركم مني قبل حلول داهية خَبُوط باليد والرجل، فقال له عبد الملك: أفذا أتكلم أم توأما؟ فقال: توأماً، قال: فاتق الله يا أمير المؤمنين فيما وَلاّك وراقبه في رعاياك التي استرعاك، قد سهلت لك واللّه الوعور، وجمعت على خوفك ورجائك الصدور، وكنت كما قال أخو جعفر بن كلاب.
ومقام ضَيِّق فَرَّجْته ... بلسان أو بيان أوجَدَلْ
لو يقوم الذيلُ أو فَيَّاله ... زَلَّ عن مثل مقامي أوزَحل
قال: فأرادا يحيى بن خالد البرمكي أن يضع من مقام عبد الملك عند الرشيد، فقال له: يا عبد الملك، بلغني إنك حَقُود، فقال: أصلح اللّه الوزير!! إن يكن الحقد هو بقاء الخير والشر عندي إنهما لباقيان في قلبي، فالتَفَتَ الرشيد إلى الأصمعي، فقال: يا أصمعي حررها فواللّه ما احتجَّ أحد للحقد بمثل ما احتجّ به عبد الملك، ثم أمر به فردَّ إلى محبسه، ثم التفت إلى الأصمعي، فقال: واللهّ والله يا أصمعيُّ لقد نظرتُ إلى موضع السيف من عنقه مراراً، يمنعني من ذلك إبقائي على قومي في مثله.
أهديت للرشيد سمكة فمنعها عنه ابن يختيشوع الطبيب
حدث يوسف بن إبراهيم بن المهدي، قال: حدثني سليمان الخادم الخراساني مولى الرشيد، إنه كان واقفاً على رأس الرشيد بالحِيرَةِ وهو يتغدَّى إذ دخل عون العِبَادِيُّ، وكان صاحب الحيرة، وفي يده صحفة فيها سمكة منعوتة بالسمن فوضعها بين يديه ومعه محبس قد أتخذ لها، فحاول الرشيد أكل شيء منها فمنعه جبريل بن بختيشوع، وأشار جبريل إلى صاحب المائدة أن يشيلها عن المائدة ويعزلها له، ففطن له الرشيد، فلما رفعت المائدة وغسل الرشيد يده وخرج جبريل أمرني الرشيد باتباعه وإن أكبسه في منزله وهو يأكل فأرجع إليه بخبره، ففعلت ما أمرني به وأحسب إن أمري لم يَخْفَ على جبريل فيما تبينت من تحرزه، فإنه صار إلى موضع من دار عون، ودعا بالطعام فأحضر له، وفيه السمكة، فدعا بأقداح ثلاثة، فجعل في واحد منها قطعة من السمك وصب عليها خمراً من خمر طير ناباذ وهي قرية بين الكوفة والقادسية ذات كروم وأشجار ونخل ورياض تخرقها الأنهار من كل القاع من الفرات، شرابها موصوف بالجودة كوصف القطربلي فصبه على السمكة وقال: هذا أكل جبريل، وجعل في قدح آخر قطعة منها، وصَبَّ عليها ماء بثلج شديد البرودة، وقال: هذا أكل أمير المؤمنين أعزه اللّه إن لم يخلط السمك بغيره، وجعل في القَدَح الثالث قطعة من السمكة وجعل قطعاً من اللحم من الوان مختلفة، من شواء ومن حلوى ومن بوارد ويقول، ومن سائر ما قدم إليه من الألوان، من كل واحد منها جزأ يسيراً مثل اللقمة، واللقمتين، وصَبَّ عليها ماء بثلج، وقال:
(2/1)

هذا أكل أمير المؤمنين خلط السمك بغيره، من الطعام ودفع الثلاثة الأقداح إلى صاحب المائدة، وقال: احتفظ بها إلى أن ينتبه أمير المؤمنين أعزه اللّه، ثم أقبل جبريل على السمكة فأكل منها حتى تَضَلّع، وكان كلما عطش دعا بقدح من الخمر الصرف فشربه، ثم نام، فلما انتبه الرشيد من نومه سالذي عما عندي من خبر جبريل، وهل أكل من السمكة شيئا أم لم يأكل، فأخبرته بالخبر، فأمر بإحضار الأقداح الثلاثة فوجد ما في القدح الأول وهو الذي ذكر جبريل إنه أكله وصَبَّ عليه الخمر الصرف قد تفتت وانماع واختلط، ووجد ما في القدح الثاني الذي قال جبريل إنه أكل أمير المؤمنين وصب عليه الماء بالثلج قد ربا وصار على النصف مما كان، ونظر إلى القدح الثالث الذي قال جبريل وهذا أكل أمير المؤمنين إن خلط السمك بغيره قد تغيرت رائحته وحدثت له سُهُوكة شديدة كاد الرشيد أن يتقايأ حين قرب منه، فأمرني بحمل خمسة آلاف دينار إلى جبريل وقال: من يلومني على محبة هذا الرجل الذي يدبرني بهذا التدبير؟ فأوصْلتُ إليه المال.
رؤيا للرشيد يؤمر بالتخلية عن موسى بن جعفر
وذكر عبد اللهّ بن مالك الخزاعي وكان على دار الرشيد وشرطته قال:أاتاني رسول الرشيد في وقت ما جاءني فيه قط، فانتزعني من موضعي، ومنعني من تغيير ثيابي، فراعني ذلك منه فلما صرت إلى الدار سبقني الخادم، فعرَّفَ الرشيد خبري، فأذن لي في الدخول عليه، فدخلت، فوجدته قاعداً على فراشه، فسلمت، فسكت ساعة، فطار عقلي وتضاعَفَ الجزع عليَّ ثم قال لي: يا عبد اللّه، أتدري لم طلبتك في هذا الوقت؟ قلت: لا والله يا أمير المؤمنين، قال: إني رأيت الساعة في منامي كأن حَبَشِيّاً قد أتاني ومعه حربة فقال لي: إن تَخَلِّ عن موسى بن جعفر الساعة وإلا نحرتك بهذه الحربة، فاذهبْ فخلّ عنه، فقلت: يا أمير المؤمنين أطلق موسى بن جعفر؟ ثلاثاً، قال: نعم امض الساعة حتى تطلق موسى ابن جعفر واعطه ثلاثين ألف درهم، وقل له: إن أحببت المقام قِبَلَنَا فلك عندي ما تحب، وإن أحببت المضيَّ إلى المدينة فالإذن في ذلك إليك قال: فمضيت إلى الحبس لآخرجه، فلما رأني موسى وثب إلي قائماً وظن إني قد أمرت فيه بمكروه. فقلت: لا تخف، وقد أمرني أمير المؤمنين بإطلاقك، وأن أدفع إليك ثلاثين ألف درهم، وهو يقول لك: إن أحببت المقام قبلنا فلك ما تحب، وإن أحببت الإنصراف إلى المدينة فالأمر في ذلك مُطْلَق إليك. وأعطيته الثلاثين ألف درهم، وخليت سبيله، وقلت لقد رأيت من أمرك عجباً، قال: فإني أخبرك: بينما أنا نائم إذ اتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا موسى، حبست مظلوماً فقل هذه الكلمات فإنك لا تبيت هذه الليلة في الحبس، فقلت: بأبي وأمي ما أقول؟ فقال: قل يا سامع كل صوت، ويا سابق الفوْت، ويا كاسي العظام لحماً ومنشرها بعد الموت أسألك بأسمائك الحسنى وبإسمك الأعظم الأكبر المخزون المكنون الذي لم يطلع عليه أحد من المخلوقين، يا حليماً ذا أناة لا يُقْوي على أناته ياذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً، ولا يُحْصَى عمداً، فرج عني، فكان ما ترى.
إبراهيم بن المهدي يغني لأسود
وذكر حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: قال إبراهيم و المهدي: حججت مع الرشيد، فبينا نحن في الطريق وقد إنفردتُ أسير وحدي وأنا على دابتي، إذ غلبتني عيناي، فسلكَتْ بي الدابة غير الطريق، فانتبهت وأنا على غير الجادَّة، فاشتدَّ بي الحر، فعطشْتُ عطث شديداً، فارتفع لي خباء، فقصدته، فإذا بِقبَّةٍ وبجنبها بئر ماء بقرب مَزْرَعة، وذلك بين مكة والمدينة، ولم أر بها إنسياً، فاطلعت في القبة فإذا أنا بأسود نائم، فأحَسً بي ففتح عينيه كأنهما إجانتا دم، فاستوى جالساً، وإذا هو عظيم الصورة، فقلت: يا أسود، اسقني من هذا الماء،: فقال يا أسود اسْقِنِي من هذا الماء، محاكياً لي، وقال: إن كنت عطشاناً فأنزل واشرب، وكان تحتي برذون خبيث نَفُور، فخشيت أن أنزل عنه فينفر، فضربت رأس البرذون، وما نفعنيِ الغناء قط إلا في ذلك، وذلك إني رفعت عقيرتي وأنا أغني:
كفنونيِ إن مت في دِرْع أروَى ... واستقوا لي من بئرعُرْوةَ ماء
فلها مربع بجنب أجاج ... ومصيف بالقصر قصر قباء
سخنة في الشتاء، باردة في ال ... صيف، بدْز في الليلة الظلماء
(2/2)

فرفع الأسود رأسه إلي، وقال: أيما أحب إليك: إن أسقيك ماء،وحده أو ماء وسويقاً، قلت: الماء والسويق، فآخرج قَعْباً له فصب السويق في القدح فسقاني، وأقبل يضرب بيده على رأسه وصدره، ويقول: واحر صَدْرَاه، وانارات اللهب في فؤادي، يا مولاي زدني وأنا ازيدك، وشربت السويق، ثم قال لي: يا مولاي، إن بينك وبين الطريق أميالاً،ولست أشك إنك تعطش، لكن أملأ قربتي هذه واحملها قدامك، فقلت: افعل قال: فملأ قربته وسار قُداَأمي وهو يحجل في مشيته غير خارج عن الإيقاع، فإذا أمسكت لاستريح أقبل علي فقال: يا مولاي، أما عطشت، فأغنيه النصب، إلى إن أوقفني على الجادة، ثم قال لي: سِرْ رعاك اللّه ولا سلبك ما كساك من هذه النعم، بكلام عجمي معناه هذا الدعاء، ضقت بالقافلة والرشيد كان قد فَقَدَني، وقد بَثَ البُخْتَ والخيل في البر يطلبونني، فسُرَّ بي حين رأني، فأتيته، فقصصت عليه الأمر، فقال: علي بأسود، فما كان إلا هنيهة حتى مثل بين يديه، فقال له: ويلك!! ما حر صدرك، فقال: يا مولاي ميمونة، قال: ومَنْ ميمونة؟ قال: بنت حبشية، قال: ومن حبشية؟ قال: بنت بلال يا مولاي، فأمر من يستفهمه، فإذا الأسود عبد لبني جعفر الطيار، وإذا السوداء التي يهواها لقوم من ولد الحسن بن علي، فأمر الرشيد بابتياعها له، فأبى مواليها أن يقبلوا لها ثمناً، ووهبوها للرشيد، فاشترى الأسود وأعتقه، وزوجه منها، ووهب له من ماله بالمدينة حديقتين وثلثمائة دينار.
ودخل ابن السماك على الرشيد يوماً وبين يديه حمامة تلتقط حباً، فقال له: صفها وأوجز، فقال: كأنما تنظر من ياقوتتين، وتلتقط بدرتين، وتطأ على عقيقتين، وأنشدونا لبعضهم:
هتفت هاتفة آ ... ذَنَها ألف ببين
ذاتُ طَوْقٍ مثل عَ ... طْف السنون أقنى الطرفين
وتراها ناظرة ... نحوك من ياقوتتين
ترجع الأنفاس من ث ... قبين كاللؤلؤتين
وترى مثل الب ... ساتين لها قادمتين
ولها لحيان كالصد ... غين من عرعرتين
ولها ساقان حمرا ... وان متل الوردتين
نسجت فوق جناح ... يها لها برنوستين
وهي طاووسية ال ... لّون بنان المنكبين
تحت ظل من ظلال الأي ... ك صافي الكتفين
فَقَدَتْ إلفاً فناجت ... من تباريح وبين
فَهْيَ تبكيه بلا دم ... ع جمود المقلتين
وهي لاتصبغ عينا ... ها كما تصبغ عيني
بين الرشيد ومعن بن زائدة
ودخل مَعْنُ بن زائدة على الرشَيد وقد كان وجد عليه، فمشى فقارب الخطو فقال له هارون: كبرت واللّه يا معن، قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين قال: وإن فيك على ذلك لبقية، قال: هي لك يا أمير المؤمنين، قال: وإنك لجَلْدٌ، قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين. فرضي عنه وولاه.
قال: وعرض كلامه هذا على عبد الرحمن بن زيد زاهد أهل البصرة فقال: وَيْحَ هذا ا! ما ترك لربه شيئاً.
وقال الرشيد يوماً لمعن بن زائدة: إني قد أعددتك لأمر كبير، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعدَ لك مني قلباً معقوداً بنصيحتك، ويداً مبسوطة بطاعتك، وسيفأ مشحوذاً عَلَى عدوك، فإن شئت فقل، وقيل: إن هذا الجواب من كلام يزيد بن مزيد.
بين الرشيد والكسائي
(2/3)

وقال الكسائي : دخلت على الرشيد، فلما قضيت حقَّ التسليم والدعاء وثَبْتُ للقيام، فقال: اقعد، فلم أزل عنده حتى خَفَّ عامة من كان في مجلسه، ولم يبق إلا خاصته، فقال لي: يا عَلِي، ألا تُحِب أن ترى محمداً وعبد اللّه، قلت: ما أشوقني إليهما يا أمير المؤمنين، وأسرنىِ بمعاينة نعمة اللّه عَلَى أمير المؤمنين فيهما، فأمر بإحضارهما، فلم ألبث أن أقبلا ككوكبي أفق يزينهما هدوء ووقار، وقد غضا أبصارهما، وقاربا خطوهما حتى وقفا عَلَى باب المجلس، فسلما عَلَى أبيهما بالخلافة، ودَعَوَا له بأحسن الدعاء. فأمرهما بالدُّنو منه فدنَوَا فصيَّرَ محمداً عن يمينه وعبد اللّه عن يساره، ثم أمرني ان استقرئهما وأسألهما، ففعلت، فما سألتهما عن شيء إلا أحسنا الجواب فيه والخروج منه، فسر بذلك الرشيد حتى تبينته فيه. ثم قال لي: يا عليُّ، كيف ترى مذهبهما وجوابهما. فقلت: يا أمير المؤمنين هما كما قال الشاعر:
أرى قَمَريْ مَجْدٍ وفرعَيْ خلافة ... يزينهما عرق كريم ومحتد
يا أمير المؤمنين هما فرع زكا أصله، وطاب مَغْرِسه، وتمكنت في الثرى عروقه، وعذبت مشاربه، أبوهما أغر، نافذ الأمر، واسع العلم، عظيم الحلم، يحكمان بحكمه، ويستضيئان بنوره، وينطقان بلسانه، ويتقلبان في سعادته، فأمتع اللّه أمير المؤمنين بهما، وأنس جميع الأمة ببقائه وبقائهما ثم قلت لهما: هلى ترويان من الشعر شيئاً؟ فقالا: نعم، ثم أنشدني محمد:
وإني لَعف الفقر مشترك الغنى ... وتارك شكل لايوافقه شكلي
وأجعل مالي دون عِرْضِيَ جنَّة ... لنفسي، ومفضال بما كان من فضل
ثم انشد عبد الله:
بكرت تلومُكَ مَطْلَعَ الفجر ... ولقد تلوم بغير ماتدري
مَلَكَ الأمورعليّ مقتدر ... يُعْطِي إذا ماشاء من يُسْر
ولربَّ مغتبط بمرزئة ... ومفجع بنوائب الدهر
وترى قَنَاتِي حين يغمدها ... عَضُّ الثقاف بطيئَةَ الكسر
فما رأيت أحداً من أولاد الخلفاء وأغصان هذه الشجرة المباركة أذرب السنا ولا أحسن ألفاظاً ولا أشد اقتداراً على تأدية ما حفظا منهما، ودعوت لهما دعاء كثيراً، وأمنَ الرشيد على دُعَائِي، ثم ضمهما إليه، وجمع يده عليهما، فلم يبسطها حتى رأيت الدموع تنحدر على صدره، ثم أمرهما بالخروج، فلما خرجا أقبل عليَّ فقال: كأنك بهما وقد حمَّ القضاء، ونزلت مقادير السماء، وبلغ الكتاب أجله، شد تشتّتتْ كلمتهما، واختلف أمرهما، وظهر تعاديهما، ثم لم يبرح ذلك بهما حتى تسفك الدماء، وتقتل القتلى، وتهتك ستور النساء، ويتمنى كثير من الأحياء أنهم في عداد الموتى، قلت: أيكون ذلك يا أمير المؤمنين لأمر رؤي في أصل مولدهما أو لأثر وقع لأمير المؤمنين في مولدهما، فقال: لا واللهّ إلا بأثر واجب حملته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء.
وصية الرشيد لمؤدب الأمين الأحمر النحوي
قال الأحمر النحوي: بعث إليَ الرشيدُ لتأديب ولده محمد الأمين، فلما دخلت قال: يا أحمر، إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه، وثمرة قلبه، فصَيَّر َيدك عليه مبسوطَة، وطاعتك عليه واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين، اقرئه القرآن، وعرفه الأثار، وَرَوه ِالأشعار، وعلمه السنن، وبصره مواقع الكلام وبدأه، وامنعه الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا إليه، وَرَفْع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه، ولا تمرنَّ بك ساعة إلا وأنت مغتنم فيها فائدة تفيده إياها، من غير أن تَخْرُق به فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فَيَسْتَحْلِيَ الفراغ ويألفه، وقوِّمْهُ ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهُمَا فعليك بالشدة والغلظة.
العماني عند الرشيد يحرضه على تجديد العهد للأمين
(2/4)

ويقال: أن العمانيَ الشاعر قام بحضرة الرشيد خطيباً فلم يزل يقرظ محمداً ويُحَرضه على تجديد العهد له، فلما فرغ من كلامه قال له: أبشر يا عماني بولاية العهد له، فقال: إي واللّه يا أمير المؤمنين سُرُور العُشْبِ بالغيث، والمراة البنورِ بالولد، والمريض المدنف بالبرء، لأنه نسيجُ وَحْدِه، وحامي مجده، وشبيه حده، قال: فما تقول في عبد الله؟. قال: مَرْعًى ولا كالسَّعْدَان فتبسم الرشيد وقال: قاتله الله! من أعرابي ما أعرفه بمواضع الرغبة، أما واللهّ إني لأتعرف في عبد الله حَزْمَ المنصور، ونسك المهدي، وعز نفس الهادي، واللهّ لو شاء اللهّ أن أنسبه إلى الرابعة لنسبته إليها.
حرص الرشيد على ولاية عهده
قال الأصمعي: بينما أنا أسامر الرشيد ذات ليلة إذ رأيته قد قلق قلقاً شديداً فكان يقعد مرة ويضطجع مرة ويبكي آخرى ثم أنشا يقول:
قَلِّد أمورعباد الفه ذا ثقة ... موحَّدَ الرأي لا نكس ولا برم
واترك مقالة أقوام ذوي خطل ... لا يفهمون إذا ما معشر فهموا
فلما سمعت منه ذلك علمت أنه يريد أمراً عظيماً، ثم قال لمسرور الخادم: علي بيحيى، فما لبث أن أتاه فقال: يا أبا الفضل، إن رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم مات في غير وصية والإسلام جَذَع، والإيمان جديد، وكلمة العرب مجتمعة، قد آمنَهَا اللهّ تعالى بعد الخوف، وأعَزَهَا بعد الذل، فما لبث إن ارْتَدَّ عامة العرب على أبي بكر، وكان من خبره ما قد علمت، وأن أبا بكر صير الأمر إلى عمر، فسلّمتِ الأمة له، ورضيت بخلافته، ثم صيرها عمر شُورَى فكان بعده ما قد بلغك من الفتن حتى صارت إلى غير أهلها، وقد عنيت بتصحيح هذا العهد وتصييره إلى مَنْ أرضى سيرته، وأحمد طريقته، وأثق بحسن سياسته، وأمن ضعفه ووَهنه، وهو عبد اللّه، وبنو هاشم مائلون إلى محمد بأهوائهم، وفيه ما فيه من الإنقياد لهواه، والتصرف مع طويته، والتبذير لما حوته يده، ومشاركة النساء والإماء في رأيه، وعبد الله المرضِيُّ الطريقة، الأصيل الرأي، الموثوق به في الأمر العظيم، فإن مِلْتُ إلى عبد اللّه أسخطت بني هاشم، وإن أفردت محمدا أبالأمر لم أمن تخليطه على الرعية. فأشِرْ عليَّ في هذا الأمر برأيك مشورة يعم فضلها ونفعها، فإنك بحمد اللّه مُبَارك الرأي لطيف النظر، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كل زلة مستقالة وكل رأي يتلافى خلا هذا العهد، فإن الخطأ فيه غير مأمون، والزلة فيه لا تستدرك، وللنظر فيه مجلس غير هذا، فعلم الرشيد أنه يريد الخلوة، فأمرني بالتنحي، فقمت وقعدت ناحية بحيث أسمع كلامهما، فما زالا في مناجاة ومناظرة طويلة حتى مضى الليل، وافترقا على إن عقد الأمر لعبد الله بعد محمد.
ودخلت أم جعفر على الرشيد فقالت: ما أنصفت ابنك محمداً حيث وَلّيتْه العراق وأعْرَيته عن العمد والقواد، وصيرت ذلك إلى عبد اللّه دونه، فقال لها: وما أنت وتميز الاعمال واختبار الرجال؟ إني وَلّيت ابنك السِّلْم، وعبد اللّه الحرب، وصاحب الحرب أحْوَجُ إلى الرجال من المسالم، ومع هذا فإنا نتخوف ابنك على عبد اللّه، ولا نتخوف عبد اللّه على إبنك إن بويع.
الرشيد يعلق كتاب العهد في الكعبة
وفي سنة ست وثمانين ومائة خرج الرشيد حاجاً ومعه وَلِيَّا عَهْدِهِ: الأمين والمأمون، وكتب الشرطين بينهما وعَلَّقهما في الكعبة.
وحكي عن ابراهيم الحَجَبيِّ إن الكتاب لما رفع ليعلق بالكعبة وقع، فقلت في نفسي: وقع قبلَ أن يرتفع، إن هذا الأمر سريع إنتقاضه قبل تمامه.
وحكي عن سعيد بن عامر البصري قال: حججت في هذه السنة وقد استعضم الناسُ أمر الشرط والإيمان في الكعبة، فرأيت رجلاً من هُذَيْلٍ يقود بغيره وهو يقول:
وبيعة قد نكثت أيمَانها ... وفتنة قد سُعِّرَت نيرانها
فقلت له: وَيْحك ما تقول؟! قال: أقول إن السيوف سَتُسَل، والفتنة ستقع، والتنازع في الملك سيظهر قلت: وكيف ترى ذلك؟ قال: أما ترى البعير واقفاً والرجلان يتنازعان والغُراأبان قد وقعا على الدَّم والتطخا به، واللّه لا يكون آخر هذا الأمر إلا محاربة وَشَرّاً.
(2/5)

ويروى إن الأمين لمَّا حلفَ للرشيد بما حلفَ له به، وأرادا الخروج من الكعبة رَدَّ جعفر بن يحيى، وقال له: فإن غدرتَ بأخيك خَذَلَك الله حتى فعل ذلك ثلاثاً في كلها يحلف له، وبهذا السبب اضطغنت أم جعفر على جعفر بن يحيى، فكانت أحد من حَرَّض الرشيد على أمره وبعثته على ما نزل به.
قال المسعودي: وفي سنة سبع وثمانين ومائة بايع الرشيد لإبنه القاسم بولاية العهد بعد المأمون، فإذا افضت الخلافة إلى المأمون كان أمره إليه، إن شاء إن يقرّه أقرّه، وإن شاء أن يخلعه خلعه.
وفاة الفضيل بن عياض
وفي هذه السنة وهي سنة سبع وثمانين ومائة توفي الفضَيْلُ بن عياض ويكنى أبا علي، وكان مولده بخراسان، وقدم الكوفة، وسمع من المنصور ابن المعتمر وغيره، ثم تعبد وانتقل إلى مكة فأقام بها إلى أن مات.
حدث سفيان بن عُيَيْنَةَ قال: دعانا الرشيد، فدخلنا عليه ودخل الفضيل أخرنا مقنعاً رأسه بردائه، فقال لي: يا سفيان، أيهم أمير المؤمنين؟ فقلت: هذا، وأومأت إلى الرشيد، فقال له: أنت يا حَسَنَ الوجه، الذي أمر هذه الأمة في يدك وعنقك، لقد تَقَلَّدْتَ أمراً عظيماً، فبكى الرشيد، ثم أتى كل رجل منا ببدرة، فكلٌ قبلها إلا الفضيل، فقال له الرشيد: يا أبا علي، إن لم تستحلها فأعطها ذادين، وأشبع بها جائعاً واكْسً بها عرياناً، فاستعفى منها، فلما خرجنا قلت له: يا أبا علي، اخطأت، ألا أخذتها وصرفتها في أبواب البر، فأخذا بلحيتي ثم قال: يا أبا محمد، أنت فقيه البلد والمنظور إليه وتغلط مثل هذا الغلط؟ لو طابت لأولئك لطابت لي.
موت موسى بن جعفر الطالبي
وقبض موسى بن جعفربن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب ببغداد مسموماً، لخمس عشرة سنة خلت من ملك الرشيد، سنة ست وثمانين ومائة، وهو ابن أربع وخمسين سنة، وقد ذكرنا في رسالةِ بيان أسماء الأئمة القطعية من الشيعة: أسماءهم، وأسماء أمهاتهم، ومواضع قبورهم، ومقادير أعمارهم، وكم عاش كل واحد منهم مع أبيه ومن أدرك من أجداده رضي الله عنهم.
من شعر العتابي في الرشيد.
ولكلثوم العتابي في الرشيد من أبيات:
إمام لَهُ كَفٌّ يَضُمًّ بَنَانها ... عَصَا الدِّينِ ممنوع مِنَ البر عُودُهَا
وَعَين مُحِيط بالبَرِيّةِ طَرْفُهَا ... سَوَاءٌ عليها قُرْبًهَا وبعيدها
وأسمعَ يقظاناً يبيت مُنَاجِياً ... له في الحشا مُسْتَوْدَعات يكيدها
سَمِيعٌ إذا ناداه مِنْ قَعْرِ كُرْبَةٍ ... مُنَادٍ كَفَتْهً دعوة لا يُعيدها
حدث يموت بن المزرع قال: حدثني خالد عن عمرو بن بحر الجاحظ قال:
العتابي ينال من أبي نواس
كان كلثوم يضع من قدر أبي نُوَاسٍ، فقال له راوية أبي نوَاس يوماً: كيف تضع مِنْ قدر أبي نُوَاس وهو الذي يقول:
إذا نَحْنُ أثنينا عليكَ بِصَالح ... فأنت الذي نُثْنِي وَفَوْقَ الذي نُثْنِي لغيركَ
وإن جَرَتِ الألفاظُ مِنَّا بِمِدْحَة ... لغيرك إنسَاناً فأنت الذي نَعْنِي
قال العتابي: هذا سرقَهُ، قال: ممن؟ قال: من أبي الهذيل الجمحي قال: حيث يقول ماذا؟ قال: حيث يقول:
وإذا يقال لبعضهم نِعْمَ الفتى ... فإبْنُ المُغِيرَة ذلك النعم
عَقُمَ النسَاءُ فلا يجِئن بمثله ... إن النِّسَاءَبمثله عُقْمُ
قال: فقد أحسن في قوله:
فَتَمَشَّتْ في مفاصلهم ... كَتَمَشِّي البرء في السَّقَم
قال: سرقَةُ أيضاً، قال له: وممن؟ قال: من شَوْسَة الفقعسي، قال: حيث يقول ماذا؟ قال: حيث يقول:
إذا ماسَقِيمٌ حَلَّ عنها وكَاءَهَا ... تَصَعَّدَفِيهِ بُرْؤُهَ اوَتَصَوّبَا
وإان خَالطَتْ منه الحشا خِلْت أنه ... على سالف الأيام لم يَبْقَ موصبَا
قال: فقد أحسن في قوله:
وما خُلِقَتْ إلا لِبَذْلٍ أكُفُّهُم ... وأقْدَامهُمْ إلا لأعْوَادِ مِنْبِرِ
قال: قد سرقَهُ أيضاً، قال: ممن؟ قال: من مَرْوان بن أبي حفصة، قال: حيث يقول ماذا؟ قال: حيث يقول:
وماخُلِقَتْ إلا لبَذْلٍ أكُفُّهُم ... وأالسُنُهُمْ إلالتَحْبِير ِمَنْطِق
(2/6)

فيوماً يُبَارُونَ الرِّيَاحَ سَمَاحَة ... ويوماً لِبَذْل الخَاطِبِ المُتَشدق
قال: فسكت الرَّاوية، ولو أتى بشعره كله لقال سرقَهُ.
أبو العتاهية وعتبة
وحدث أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب قال: كان أبو العتاهية قد أكثر مسألة الرشيد في عُتْبَة، فوعده بتزويجها أانه يسألها في ذلك: فإن أجابت جهزها وأعطاه مالاً عظيماً، ثم إن الرشيد سَنَحَ له شغل استمر به، فَحُجِبَ أبو العتاهية عن الوصول إليه، فدفع إلى مسرور الخادم الكبير ثلاث مراوح، فدخل بها على الرشيد وهو يتبسم، وكانت مجتمعة، فقرأ على واحدة منها مكتوباً:
ولقد تَنَسَّمْتُ الرياحَ لحاجَتِي ... فإذا لها مِنْ رَاحَتَيْهِ شَمِيمُ
فقال: أحسن الخبيث، وإذا على الثانية:
أعْلَقْتُ نفسي من رجائك ماله ... عَنَق يحثُّ إليك بي ورسيم
فقال: قد أجاد، وإذا على الثالثة:
ولربما اسْتَيأسْتُ ثم أقول: لا ... إن الذي ضَمِنَ النجاحَ كريم
فقال: قاتله اللهّ!! ما أحسن ما قال، ثم دعا به، وقال: ضمنت لك يا أبا العتاهية وفي غد نقضي حاجتك إن شاء اللهّ، وبعث إلى عتبة إن لي إليك حاجة فانتظريني الليلة في منزلك، فأكبرت ذلك وأعظمته، وصارت إليه تستعفيه، فحلف أن لا يذكر لها حاجته إلا في منزلها، فلما كان في الليل سار إليها ومعه جماعة من خَوَاصِّ خدمه، فقال لها: لست أذكر حاجتي أو تضمنين قضاءها، قالت: أنا امتُكَ وأمرك نافذ فيّ ما خلا أمر أبي العتاهية فإني حلفت لأبيك رضي اللّه عنه بكل يمين يحلف بها بر وفاجر وبالمشي إلى بيت الله الحرام حافية كلما انقضت عني حجة وجبت عليَّ أخرى لا أقتصر منها على الكفارة، وكلما أفدت شيئاً تصدقت به إلا ما أصلي فيه، وبكت بين يديه، فَرَقَّ لها ورحمها وانصرف عنها، وغدا عليه أبو العتاهية وهو لا يشك في الظفر بها فقال له الرشيد: واللهّ ما قصَرْتُ في أمرك، ومسرور وحسين ورشيد وغيرهم شُهُودٌ لي بذلك، وشرح له الخبر، قال أبو العتاهية: فلما أخبرني بذلك مكثت ملياً لا أدري أين أنا، ثم قلت: الآن يئست منها إذ رَدَّتكَ، وعلمت إنها لا تجيب أحداً بعدك، فلبس ابو العتاهية الصوف، وقال في ذلك من أبيات:
قَطّعَتُ مِنْكِ حَبَائِلَ الآمال ... وَحَطَطْتُ عن ظَهْرِ المَطِيِّ رِحَالِي
وَوَجَدْتُ بَرْدَ اليأس بَيْنَ جَوَانحِي ... فَغَنِيتُ عن حِلً وعن تَرْحَال
وذكر إنه لما اتصل بالرشيد قول أبي العتاهية في عُتْبة:
ألا إن ظَبْياً للخليفةِ صادني ... ومالي على ضبي الخليفة مِنْ عدوى
غضب الرشيد وقال: أسخر منا فعبث، وأمر بحبسه، فدفعه إلى تنْجَاب صاحب عقوبته، وكان فَظّاً غليظاً، فقال أبو العتاهية:
تَنْجَاب لا تَعْجَل ... علي فليسَ ذَا مِنْ رائهِ
ماخِلْت هذا في مَخَا ... يِل ضَوْ ءِبَرقِ سمَائِهِ
وكان من أشعاره في الحبس بعد ما طال مكثه:
إنما أنت رَحْمَةٌ وَسَلامه ... زادكَ اللَّهُ غِبْطَةً وَكَرَامه
قيل لي: قد رَضِيت عَنَي، فمن لي ... أن أرى لي على رِضَاكَ عَلامه
ْ فقال الرشيد: للّه أبوه! لو رأيته ما حبسته، وإنما سمحت نفسي بحبسه لأنه كان غائباً عني، وأمر بإطلاقه: وأبو العتاهية الذي يقول:
نُرَاعُ لِذِكْرِ الموتِ ساعةَ ذِكْره ... وَنَغْتَرُّ بالدُّنْيَا فَنَلْهُو وَنَلْعَبُ
ونحن بَنُو الدنيا خُلِقْنَا لغيرها ... وماكُنْت فيهِ فهوشَيْءٌ مُحَبَّبُ
وهو الذي يقول أيضاً:
حُتُوفُهَارَصَد، وعيشُهَا رَنَق ... وَكَدًّهَا نكَد، وَمُلْكًهَا دوَلُ
وهو الذي يقول:
المَرْءُ في تأخِيرِ مُدَّتِه ... كالثوب يَبْلَى بعد جِدَّتِهِ
عجباً لمنتبه يُضَيِّعُ ما ... يحتاج فيه ليوم رَقْدَتِهِ
وقال:
لا تأمن الدنيا على غدرها ... كم غَدَرَتْ قَبْلُ بأمثالكا
قد أجْمَعَ الناسُ على ذمها ... وما أرى منهم لها تاركا
إنما أنت مستعير لما سَو ... فَ تردَّنَ، والمُعارُ يُرَدُّ
(2/7)

كيف يهوى امرؤ لذاذة أيا ... مٍ عليه الانفاس فيها تُعَدَّ
وقال:
حياتك أنفاسٌ تعدُّ، فكلما ... مضى نَفَسٌ منهانقصت به جُزْءَا
يميتًكَ ما يحييك في كل ساعة ... ويحدوك حادٍ ما يريد بك الهزءا
ألا يا موت لم أر منك بدا ... أتيت بما يخيف ولا تُحَابي
كأنك قد هجمت على مَشِيبِي ... كما هجم المشيب على شبابي
نسيت الموت فيما قد نسيت ... كأني لم أجِدْ أحداً يموت
أليس الموت غاية كل حي ... فمالي لا أبادر ما يفوت
وقال:
وعَظَتْكَ أجْدَاثٌ صُمُت ... وبكتك ساكنة خفت
وتكلَمت عن أعظم ... تَبْلَى وعن صور سبت
وأرَتْكَ قبرك في القبو ... ر وانت حَيئٌ لم تمت
ومُشَيِّدٍ داراً ليسكن ظلها ... سكن القبورَ، ودَارَهُ لم يَسْكُنِ
إسحاق الموصلي يغني للرشيد: حدث إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: بينا أنا ذات ليلة عند الرشيد أغنيه إذ طرب لغنائي، وقال: لا تبرحْ، ولم أزل أغنيه حتى نام، فأمسكت، ووضعت العود في حجري،، جلست مكاني، فإذا بشاب صبيح الوجه حسن القَدِّ عليه مقطَّعأت خز وهيئة جميلة، فدخل وسلم وجلس، فجعلت أعجب من دخوله في ذلك الوقت إلى ذلك الموضع بغير استئذان، ثم قلت في نفسي: عسى بعض ولد الرشيد ممن لا نعرفه ولم نره، فضرب بيده إلى العود، فأخذه ووضعه في حجره وجَسَّه، فرأيت أنه جس أحسن خلق اللهّ، ثم أصلحه إصلاحاً ما أدري ما هو، ثم ضرب ضرباً، فما سمعت أذني صوتاً أجود منه، ثم إندفع يغني:
ألا عَلِّلاني قبل إن نتفرَّفا ... وهات اسقني صرفاً شراباً مُرَوَّقاً
فقد كاد ضوء الصبح أن يَفْضَحَ الدجى ... وكاد قميص الليل أن يتمزَّقَا
ثم وضع العود من حجره، وقال: يا عاضَّ بَظْرِ أمه، إذا فنيت فغن هكذا، ثم خرج، فقمت على أثره، فقلت للحاجب: من الفتى الذي خرج الساعة؟ فقال: ما دخل هنا أحد ولا خرج قلت: نعم الساعة مرَّ بين يَدَيَّ فَتًى صفته كيت وكيت، قال: لا واللّه ما دخل أحد ولا خرج فبقيت متعجباً، فبقي متعجبا، وقال: لقد صادَفتَ شيطاناً، ثم قال: أعِدْ عليً الصوت، فأعدته عليه، فطرب طرباً شديداً، وأمر لي بجائزة، وانصرفت.
جماعة المغنين عند الرشيد
(2/8)

وحدث إبراهيم الموصلي قال: جمع الرشيد ذات يومٍ المغنين، فلم يبق أحد من الرؤساء إلا حضر، وكنت فيهم، وحضر معنا مسكين المدني، ويعرف بأبي صدقة، وكان يوقع بالقضيب، مطبوعاً حذذقاً، طيب العشرة، مليح البادرة، فاقترح الرشيد وقد عمل فيه النبيذ صوتاً، فأمر صاحب الستارة ابنَ جامعٍ أن يغنيه، ففعل، فلم يطرب عليه، ثم فعل مثل ذلك بجماعة ممن حضر، فلم يحرك منه أحد، فقال صاحب الستار لمسكين المدني: يأمرك أمير المؤمنين إن كنت تحسن هذا الصوت فغنيه؟ قال إبراهيم: فاندفع فغناه، فأمسكنا جميعاً مُتعجبين من جراءة مِثله على الغناء بحضرتنا في صوت قد قصرنا فيه عن مراد الخليفة، قال إبراهيم: فلما فرغ منه سمعت الرشيد يقول وقد رفع صوته: يا مسكين أعده، فأعاده بقوة ونشاط واجتماع قلب، فأحسن فيه كل الإحسان فقال الرشيد: أحسنت واللّه يا مسكين وأجملت، ورفعت الستارة بيننا وبينه قال مسكين: يا أمير المؤمنين إن لهذا الصوت خبراً عجيباً قال: وما هو؟ قال: كنت عبداً خيّاطاً لبعض آل الزبير، وكان لمولاي عليَّ ضريبة أدفع إليه كل يوم درهمين، فإذا دفعت ضريبتي تصرفت في حوائجي، وكنى مُولَعاً بالغناء محباً له فخطت يوماً قميصاً لبعض الطالبِيِّينَ، فدفع إلي درهمين وتغديت عنده وسقاني أقداحاً، فخرجت وأنا جذلان، فلقيتني سوداء على رقبتها جَرَّة وهي تغني هذا الصوت، فأذهلني عن كل مُهِمٍّ وأنساني كل حاجة، فقلت: بصاحب هذا القبر والمنبر إلا ألقيْتِ عليَّ هذا الصوتَ، فقالت: وحق صاحب هذا القبر والمنبر لا ألقيته عليك! إلا بدرهمين، فأخرجت واللّه يا أمير المؤمنين الدرهمين فدفعتهما إليها فأنزلت الجرة عن عاتقها واندفعت، فما زالت تردده حتى كأنه مكتوب في صدري، ثم انصرفتُ إلى مولاي، فقال لي هَلمَّ خراجك، فقلت: كان وكان، فقال: يا ابن اللخناء. ألم أتقدم إليك إني لا أقبل لك عذراً في حبة تكسرها. وبَطَحَنِي وضربني خمسين جريدة بأشد ضرب يكون وحلق لحيتي ورأسي، فبتُّ يا أمير المؤمنين من أسوأ خلق اللّه حالاً، وأنسيت االصوت مما نالذي فلما أصبحت غدوت نحو الموضع الذي لقيتها فيه وبقيت متحيراً لا أعرف اسمها ولا منزلها، إذ نظرتُ بها مقبلة، فانسيت كل ما نالذي وملت إليها، فقالت: أنسِيت الصوت ورَبِّ الكعبة، فقلت: الأمر كما ذكرت، وعرفتها ما مر بي من حلق الرأس واللحية، فقالت: وحق القبر ومن فيه لا فعلت إلا بدرهمين، فأخرجت جلمي ورهنته على درهمين، فدفعتهما إليها، فأنزلت الجرة عن رأسها واندفعت، فمرت فيه ثم قالت: كأني بك وقد أخذات مكان الآربعة دراهم أربعة ألاف دينار، من الخليفة، ثم إندفعت تغنيه وتوقع على جرتها، فلم تَزَل تردده حتى رسخ في صدري، ثم مضت، وانصرفت إلى مولاي وَجِلاً، فقال: هلم خراجك، فلويت لساني، فقال: يا ابن اللخناء، ألم يكفك ما مر عليك بالأمس، فقلت: إني أعرفك إني اشتريت بخراجي أمس واليوم هذا الصوت، واندفعت أغنيه، فقال لي: ويحك معك هذا الصوت منذ يومين ولم تعلمني، امرأته طالق لو كنت قلته أمس لاعتقتك فأما حلق الرأس واللحية فلا حيلة لي فيهما، وأما خراجك فقد وهبه اللهّ لك إلى إن ينبت شعرك، قال: فضحك الرشيد وقال: ويلك!! ما أدري أيما أحسن: حديثك، أم غناؤك؟ وقد أمرت لك بما ذكرته السوداء، فقبضه وانصرف! والشعر:
قف بالمنازل ساعة فتأمل ... هل بالديار لرائد من منزل؟
ما بالديار من البلى فلقد أرى ... فلسوف أحمل للبلى في محمل
الرشيد يجري حلبة الخيل
(2/9)

واجرى الرشيد الخيل يوماً بالرقة، فلما أرسلت صار إلى مجلسه في صدر الميدان حيث توافى إليه الخيل، فوقف على فرسه وكان في اوائلها سوابق من خيله يقدمها فرسان في عنان واحد لا يتقدم أحدهما صاحبه، فتأملها فقال: فرسي والله، ثم تأمل الأخر فقال: فرس ابني المأمون، قال: فجاءا يحتكان أمام الخيل، وكان فرسه السابق وفرس المأمون الثانية، فسر بذلك، ثم جاء الخيل بعد ذلك، فلما إنقضى المجلس وهَمَّ بالانصراف قال الأصمعي وكان حاضراً وقد تبيَّنَ سرور الرشيد للفضل بن الربيع: يا أبا العباس، هذا يوم من الأيام فأحب أن توصلني إلى أمير المؤمنين، وقام الفضل فقال: يا أمير المؤمنين، هذا الأصمعي يذكر شيئاً من أمر الفرسين يزيد الله به أمير المؤمنين سروراً، قال: هاته، فلما دنا قال: ما عندك يا أصمعي؟ قال: يا أمير المؤمنين، كنت وابنك اليوم في فرسيكما كما قالت الخنساء :
جَارى أباه فأقبلا وهما ... يتنازعان مُلاءَةَ الحُضْر
وهما كأنهما وقد بَرَزا ... صَقْرَان قد حَطا على وكر
برزت صفيحة وجه والده ... ومضى على غُلَوَائِهِ يجري
أولى فأولى أن يقاربه ... لولا جلال السن والكبر
طبق سمك يتكلف ألف درهم
حدث إبراهيم بن المهدي قال: استزرت الرشيد بالرقة، فزارني، وكان يأكل االطعام الحار قبل البارد، فلما وضعت البوارد رأى فيما قرب إليه منها جام قريص مثل قريص السمك، فاستصغر القطع، وقال: لم صَغر طباخك تقطيع السمك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه ألسنة السمك، قال: فيشبه أن يكون في هذا الجام مائة لسان، فقال مراقب خادمه: يا أمير المؤمنين، فيها أكئر من مائة وخمسين، فاستحلفه عن مبلغ ثمن السمك، فأخبره إنه قام بأكثر من ألف درهم، فرفع الرشيد يده وحلف أن لا يطعم شيئاً دون أن يُحْضِره ألف درهم فلما حضر المال أمر أن يتصدق به. وقال: أرجو أن يكون كفارة لسَرَفِكَ في إنفاقك على جام سمك ألف درهم، ثم ناول الجام بعض خدمه وقال: أخرج من دار أخي، ثم إنظر أول سائل تراه فادفعه إليه، قال إبراهيم: وكان شراء الجام على الرشيد بمائتين وسبعين دينارا، فغمزت بعض خدمي للخروج مع الخادم ليبتاع الجام ممن يصير إليه، وفطن الرشيد فقال له: يا غلام إذا دفعته إلى سائل فقل له يقول لك أمير المؤمنين إحذر أن تبيعه بأقل من مائتي دينار فإنه خير منها، ففعل الخادم ذلك، فوالله ما أمكن خادمي أن يخلصه من السائل إلا بمائتي دينار.
أحسن الأسماء وأسمجها
وقال إبراهيم بن المهدي: كنت أنا والرشيد على ظهر حَرَّاقة وهو يريد نحو الموصل والمدادون يمدون، والشطرنج بين أيدينا، فلما فرغنا قال لي الرشيد: يا إبراهيم ما أحسن الأسماء عندك؟ قلت: اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فما الثاني بعده؟ قلت: اسم هرون اسم أمير المؤمنين، قال: فما أسمجها، قلت: إبراهيم، فزارني وقال: ويلك!! أليس هو اسم إبراهيم خليل الرحمن جل وعز، قلت بشؤم هذا الإسم لقي ما لقي من نمرود، قال: وإبراهيم ابن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، قلت: لا جَرَمَ لما سمي بهذا الاسم لم يعِشْ، قال: فإبراهيم الإمام، قلت: بحرفة اسمه قتله مروان الجعدي في جراب النورة، وأزيدك يا أمير المؤمنين إبراهيم بن الوليد خلع، وإبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن قتل، ولم أجد أحداً سمي بهذا الاسم إلا رأيته مقتولاً أو مضروباً أو مطروداً، فما انقضى كلامي حتى سمعت مًلاحاً على بعض الحَرَّاقات يهتف بأعلى صوته: يا إبراهيم يا عاض كذا وكذا من أمه مدَّ، فالتفت إلي الرشيد فقلت: يا أمير المؤمنين، أصدقت قولي إن اشأم الأسماء إبراهيم فضحك حتى فحص برجله.
أدب مخاطبة الأمراء
(2/10)

قال: وكنت يوماً عنده فإذا رسول عبد اللّه قد أتى، ومعه أطباق خيزران عليها مناديل، ومعه كتاب، فجعل الرشيد يقرأ الكتاب ويقول: بَرَّه اللّه ووصله فقلت: يا أمير المؤمنين من هذا الشي أطنبت في شكره حتى نشركك في جميل شكره؟ قال: هذا عبد اللّه بن صالح، ثم كشف المنديل، فإذا أطباق بعضها فوق بعض: في أحدها فستق، وفي الأخر بندق، إلى غير ذلك من الفاكهة، فقلت: يا أمير المؤمنين ما في هذا البر ما يستحق به هذا الدعاء، إلا أن يكون في الكتاب شيء قد خفي عليَّ، فنبذه إلي، فإذا فيه: دخلت يا أمير المؤمنين بستاناً لي في داري عمرته بنعمتك، وقد أينعت فواكهه، فأخذت من كل شيء، وصيرته في أطباق قُضْبَان ووجهته إلى أمير المؤمنين ليصل إلي من بركة دعائه مثل ما وصل إليَ من نوافل بره، قلت: ولا واللّه ما في هذا أيضاً ما يستحق به هذا، فقال: يا غبي أما ترى كيف كنى بالقضبان عن الخيزران إعظاماً لأمنَا رحمها اللّه تعالى.
رجل يتعرض للرشيد بقصة فيثيبه بأربعة ألاف دينار
ويروي إنه وقف رجل من بني أمية للرشيد على الطريق وبيده كتاب كالقصة، فإذا فيه أربعة أبيات، وهي:
يا أمين اللَّه، إني قائل ... قَوْلَ في لب وصدق وحَسَبْ
لكُمُ الفضل علينا، ولنا ... بكُمُ الفضل على كل العرب
عبد شمس كان يتلو هاشماً ... وهما بعدُ لأم ولأب
فصِل الأرحام منا، إنما ... عبدُ شمسٍ عمُّ عبد المطلب
فاستحسن ذلك الرشيد فأمر له لكل بيت بألف دينار، وقال: لو زدتنا لزدناك.
السكر أطيب أو المشان
وكان الرشيد ذات يوم وأبو يوسف القاضي وعبد الوهاب الكوفي في مجلسه، فتذاكروا الرطَبَ، فقال أبو يوسف: السكر أطيب من المشان، وقال عبد الوهاب: المشان أطيب، فقال الرشيد، ليحضر الطعام، ودعا بعدة من بني هاشم كانوا هناك، فاقبلوا جميعاً على السكر، وتركوا المَشَان، فقال الرشيد: قَضَوْا عليك يا أبا عبد الرحمن وهم لا يعلمون، فقال أبو عبد الرحمن: إني لم أر مشان قط أردأ من هذا، فقال له أبو يوسف: هكذا هما إذا اجتمعا.
ودخل عبد الملك بن صالح عَلَى الرشيد، فقال له الحاجب: إن أمير المؤمنين قد أصيب في هذه الليلة بولد وولد له ولد، فعزِّوهَنَ، فلما مثل قال: يا أمير المؤمنين، سرك الله فيما ساءك، وجعل هذه لهذه ثواباً للصابر وجزاء للشاكر.
علة الرشيد
ولما اشتدت علة الرشيد وصار إلى طوس سنة ثلاث وتسعين ومائة هَوَّنَ عليه الأطباء علَّته، فأرسل إلى متطبب فارسي كان هناك، فأراه ماءه مع قوارير شتى، فلما إنتهى إلى قارورته قال: عَرَفُوا صاحب هذا الماء إنه هالك فليوص فإنه لا براء له من هذه العلة، فبكى الرشيد وجعل يردد هذين البيتين:
إن الطبيب بطبه ودوائه ... لايستطيع دفاع محذور القضا
ماللطبيب يموت بالداء الذي ... قد كان يبرىء مثله فيما مضى؟
واشتد ضعفه، وأرْجَفَ الناس بموته، فدعا بحمار ليركبه، فلما صار عليه سقطتَ فخذاه فلم يثبت على السرج، فقال: إنزلوني صدق المرجفون، ثم دعا بأكفان فاختار منها ما أرادا، وأمر بحفر قبر، فلما اطلع فيه قال: ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه ثم دعا بأخي رافع، فقال: أزعجتموني حتى تجشّمْتُ هذه الأسفار مع علتي وضعفي، وكان أخو رافع ابن الليث ممن خرج عليه، قال: لأقْتُلَنّكَ قتلة ما قتل مثلها أحد قبلك، ثم أمر ففصل عضوا عضواً، واستأمن من رافع بعد ذلك على المأمون، وقد ذكرنا خبره في غير هذا الكتاب، ثم دعا من كان بعسكره من بني هاشم فقال: إن كل مخلوق ميت، وكل جديد بَال، وقد نزل بي ما ترون وأنا أوصيكم بثلاث: الحفظ لأمانتكم، والنصيحة لأئمتكم، واجتماع كلمتكم وانظروا محمداً وعبد اللّه فمن بغى منهما على صاحبه فردُوهُ عن بغيه وقبحوا له بغيه ونكثه، وأقطع في ذلك اليوم أموالاً كثيرة وضياعاً ورباعاً.
شعر لأبي العتاهية يبكي الرشيد
(2/11)

قال الرياشي: قال الأصمعي: دخلت علىِ الرشيد وهو ينظر في كتاب ودموعُه تنحدر على خَدَّيْه، فظللت قائماً حتى سكن، وحان منه التفاتة فقال: أجلس يا أصمعي، أرأيت ما كان؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: أما واللّه لو كان لأمر الدنيا ما رأيت هذا، ورمى بقرطاس فإذا فيه شعر لأبي العتاهية بخط جليل، وهو:
هل أنت مُعتبرٌ بمن خَلِيَت ... منه غَدَاةَ مضى دساكره
وبمن أذلَّ الموت مصرعه ... فتبرأت منه عشائره
وبمن خَلَتْ منه أسِرتُه ... وبمن خلت منه منابره
أين الملوك وأين غيرهُم؟ ... صاروا مصيراً أنت صائره
يا مُؤثر الدنيا بلذته ... والمستعد لمن يفاخره
نَلْ ما بدا لك إن تنال من الدنيا فإن الموت آخره
ثم قال الرشيد: كأني واللّه أخاطَبُ بذلك دون الناس فلم يلبث بعد إلا يسيراً حتى مات.
قال المسعودي: قد ذكرنا جملاً وجوامع من أخبار الرشيد فيما سلف من كتبنا، وفي هذا الكتاب، ولم نذكر فيما سلف من أخبار الرشيد في هذا الكتاب شيئاً من أخبار البرامكة، فلنذكر الأن جملاً من أخبارهم في باب نفرعه له، نذكر فيه السعود من أيامهم والنحوس، وإن كنا قد أتينا على سائر أخبارهم والزُهْر من أيامهم فيما سلف من كتبنا واللّه ولي التوفيق.
ذكر جمل من أخبار البرامكة
وما كان منهم في أيامهم
أسماهم خالد بن برمك
لم يبلغ مبلغ خالد بن برمك أحد من ولده في جودة رأيه وبأسه وجميع خلاله، لا يحيى في رأيه ووفور عقله ولا الفضل في جوده وبراعته ولا جعفر بن يحيى في كتابته وفصاحته، ولا محمد بن يحيى في سروه وبعد همته، ولا موسى بن يحيى في شجاعته وبأسه، وفيمن ذكرنا يقول أبو الغول الشاعر:
أولاد يحيى بن خالد وهُم ... أربعة سيد ومتبوع
الخير فيهم إذا سألت بهم ... مُفَرقٌ فيهمُ ومجموع
سبب نكبتهم
ولما أفْضَتِ الخلافة إلى الرشيد استوزر البرامكة، فاحتازوا الأموال دونه حتى كان يحتاج إلى اليسير من المال فلا يقدر عليه، وكان إيقاعه بهم في سنة سبع وثمانين ومائة، واختلف في سبب ذلك: فقيل احتياز الأموال، وأنهم أطلقوا رجلاً من آل أبي طالب كان في أيديهم، وقيل غير ذلك، واللهّ أعلم.
الفضل بن يحيى يتشاغل بالصيد فيزجره أبوه بأمر الرشيد
ويحكى أنه ورد على الرشيد يوماً كتاب صاحب إلي يد بخراسإن، ويحيى بن خالد بين يديه، يذكر فيه إن الفضل بن يحيى تشاغَلَ بالصيد وادمان اللذات عن النظر في أمور الرعية، فلما قرأه الرشيد رمى به ليحيى، وقال له: يا أبت اقرأ هذا الكتاب، واكتب إليه كتاباً يَرْدَعُه عن مثل هذا، فمدَّ يده إلى دواة الرشيد وكتب إلى الفضل على ظهر كتاب صاحب البريد: حفظك اللّه يا بني، وأمتع بك، قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه من التشاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية ما أنكره، فعاود ما هو أزيَنُ بك، فإنه من عاد إلى ما يزينه أو يشينه لم يعرفه أهل دهره إلا به، والسلام، وكتب في أسفله هذه الأبيات:
أنصَبْ نهاراً في طِلاب العلا ... واصبرعلى فقد لقاء الحبيب
حتى إذا الليل بدا مُقْبِلاً ... واستترت فيه وجوه العيوب
فبادِرِ الليل بما تشتهي ... فإنما الليل نهار الأريب
كم من فَتًى تحسبه ناسكا ... يستقبل الليل بأمرعجيب
ألقَى عليه الليلُ أستاره ... فبات في لهو وعيش خصيب
ولذة الأحمق مكشوفَة ... يسعى بها كل عدو رقيب
والرشيد ينظر إلى ما يكتب يحيى فلما فرغ قال له: أبلغت يا أبت، فلما ورد الكتاب على الفضل لم يفارق المسجد نهاراً إلى أن إنصرف عن عمله قال إسجاق بن إبراهيم الموصلي: كنت عند الرشيد يوماً، وأحضر البرامكة الشراب، وأحضر يحيى بن خالد جارية فغنت:
أرِقْتُ حتى كأني أعشق الأرَقَا ... وذُبْتُ حتى كان السقم لي خُلِقَا
وفاض دمعي على قلبي فأغرقه ... يا من رأى غرقاً في الماء محترقا
(2/12)

فقال الرشيد: لمن هذا، فقيل: لخالد بن يزيد الكاتب قال: علي به قال خالد: فأحضرت، فقال للجارية: أعيدي، فأعادت، فقال لي: لمن هذا؟ فقلت: لي يا أمير المؤمنين، فبينا نحن كذلك إذ أقبلت وصيفة معها تفاحة عليها مكتوب بغإلية:
سرورك ألهاك عن مَوْعدِي ... فصيرتُ تفاحتي تَذْكُرَه
فأخذ الرشيد تفاحة آخرى وكتب عليها:
تقاضيت وعدي ولم أنسه ... فتفاحتي هذه معذره
ثم قال له: ياخالد، قل في هذا شيئاً، فقال:
تفأحة خرجت بالدرمن فيها ... أشْهى إليَ من الدنيا وما فيها
بيضاء في حمرة غلت بغالية ... كأنما قطفت من خَد مهديها
جعفر البرمكي عند الأصمعي: حدث الجاحظ عمن أخبره عن أنس بن أبي شيخ، قال: ركب جعفر بن يحيى ذات يوم، وأمر خادماً له أن يحمل معه ألف دينار، وقال له: سأجعل طريقي على الأصمعي، فإذا حدثني فرأيتني ضحكت فأجعلها بين يديه، ونزل جعفر عند الأصمعي، فجعل الأصمعي يحدثه بكل أعجوبة ونادرة تطرب وتضحك، فلم يضحك.، وخرج من عنده، فقال له أنس بن أبي شيخ: رأيت منك عجبَاً، أمرت بألف دينار للأصمعي وقد حركك بكل مضحكة، وليس من عادتك أن ترد إلى بيت مالك ما قد خرج عنه، فقال له: ويحك!! إنه قد وصل إليه من أموالنا مائة ألف درهم قبل هذه المرة، فرأيت في داره حُبّاً مكسوراً وعليه دراعة خَلَق، ومقعداً وسخاً، وكل شيء رأيته عنده رثاً، وأنا أرى إن لسان النعمة أنطق من لسانه، وإن ظهور الصنيعة أمدح وأهجى من مدحه وهجائه، فعلى أي وجه أعطيه إذا كانت الصنيعة لم تظهر عنده ولم تنطق النعمة بالشكر عنه.
وفي الرشيد وجعفر بن يحيى يقول الشَاعر:
ليهن الرشيد خلافاته ... وأمر الذي قد وهى عقده
أضاف إلى بيعة بيعة ... فقام بها جعفر وَحده
بنو بَرْمَكٍ أَّسسوا ملكه ... وَشدوا لوارثه عهْدَهُ
مجلس عند يحيى بن خالد
وقد كان يحيى بن خالد ذا علم ومعرفة وبحث ونظر، وله مجلس يجتمع فيه أهل الكلام من أهل الإسلام وغيرهم من أهل الأراء والنحل، فقال لهم يحيى وقد اجتمعوا عنده: قد أكثرتم الكلام في الكمون والظهور، والقدم والحدوث، والإثبات والنفي، والحركة والسكون، والمماسَّة والمباينة، والوجود والعدم، والجر والطفرة، والأجسأم والأعراض، والتعديل والتجريح ونفي الصفات وإثباتها، والاستطاعة والأفعال والكمية والكيفية، والمضاف، والإمامة أنصٌ هي أم اختيار، وسائر ما توردونه من الكلام في الأصول والفروع، فقولوا الآن في العشق عَلَى غير منازعة، وليورد كل واحد منكم ما سنح له فيه، وخطر إيراده بباله.
حديث لهم عن العشق
فقال علي بن هيثم وكان أماميَّ المذهب من المشهورين من متكلمي الشيعة: أيها الوزير، العشق ثمرة المشاكلة، وهو دليل تَمَازُج الروحين، وهومن بحر اللطافة، ورقة الصنيعة، وصفاء الجوهر وليس يحدُّ لسعته، والزيادة فيه نقصان من الجسد.
وقال أبو مالك الحضرمي، وهو خارجي المذهب وهم الشراة: أيها الوزير، العشق نَفْثُ السحر، وهو أخفى وأحر من الجمر، ولا يكون إلا بازدواج الطَّبْعَين، وامتزاج الشكلين، وله نفوذ في القلب كنفوذ صَيَب المُزْنِ في خلل الرمل وهو ملك على الخصال تنقاد له العقول، وتستكين له الأراء.
وقال الثالث: وهو محمد بن الهذيل العَلاف، وكان معتزليّ المذهب وشيخ البصريين: أيها الوزير، العشق يَختم على النواظر، ويطبع على آلأفئدق، مرتقى في الأجساد، ومسرعة في الأكباد، وصاحبه متصرف الظنون، متغير الأوهام، لا يصفو له، ولا يسلم له موعود، تسرع إليه النوائب، وهو جرعة من نقيع الموت، وبقية من حياض الثكل، غير إنه من أريحية تكون في الطبع، وطلاوة توجد في الشمائل، وصاحبه جَوَاد لا يُصْغِي إلى داعية المنع، ولا يسنح به نازعُ العذل.
(2/13)

وقال الرابع: وهو هشام بن الحكم الكوفي شيخ الأمامية في وقته وكبير الصنعة في عصره: أيها الوزير، العشق حِبَالةٌ نَصَبَهَا الدهر فلا يصيد بها إلا أهل التخالص في النوائب، فإذا عَلِقَ المحب في شبكتها ونشب في اثنائها فأبعد به أن يقوم سليماً أو يتخلص وشيكاً، ولا يكون إلا من اعتدال الصورة، وتكافؤ في الطريقة، وملاءمة في الهمة، له مقتل في صميم الكبد، ومهجة القلب، يعقد اللسان الفصيح، ويترك المالك مملوكاً والسيد خَوَلا حتى يخضع لعبد عبده.
وقال النَّظام إبراهيم بن يَسَار المعتزلي وكان نُظَّار البصريين في عصره: أيها الوزير العشق أرَقُّ من السراب، وأدبُّ من الشراب، وهو من طينة عَطِرَة عجنت في إناء الجلالة، حلو المجتنى ما اقصد، فإذا أفرط عاد خبلا قاتلأ، وفساداً معضلأ، لا يطمع في إصلاحه، له سحابة غزيرة تهمي على القلوب، فَتُعْشِب شعفا، وَتُثْمر كلفا، وصريعُه دائم اللوعة، ضيق المتنفس، مُشَارف الزمن، طويل الفكر، إذا أجَنَّه الليل أرق، وإذا أوضحه النهار قلق، صومه البلوى، وإفطاره الشكوى.
ثم قال السادس والسابع والثامن والتاشع والعاشر وَمَنْ يليهم، حتى طال الكلام في العشق بألفاظ مختلفة ومعان تتقارب وتتناسب، وفيما مر دليل عليه.
العشق وعلة وقوعه
قال المسعودي: تنازع الناس ممن تقدم وتآخر في ابتداء وقوع الهوى وكيفيته، وهل ذلك من نظر وسماع، واختيار واضطرار، وما علة وقوعه بعد إن لم يكن، وزواله بعد كونه، وهل ذلك فعل النفس الناطقة أو الجسم وطباعه، فقال بقراط: هو امتزاج النفسين، كما لو امتزج الماء بماء مثله عسر تخليصه بحيلة من الإحتيال، والنفس ألطف من الماء، وَأرَقُّ مسلكاً، فمن أجل ذلك لا تزيله الليإلي، ولا تخلقه الدهور ولا يدفعه دافع دق عن الأوهام مَسْلَكه، وخفىِ عن الأبصار موضعه وحارت العقول عن كيفية تمكنه غير أن ابتداء حركته من القلب، ثم تسير إلى سائر الأعضاء، فتظهر الرِّعدَة في الأطراف، والصفرة في الألوان، واللجلجة في الكلام، والضعف في الرأي والويل والعثار حتى ينسب صاحبه إلى النقص.
وذهب بعض الأطباء إلى أن العشق طمع يتولد في القلب وينمى وتجتمع إليه مواد من الحرص فإذا قوي زاد بصاحبه الإهتياج واللجاج والتمادي والتفكر والأماني والهيمان والأحزان وضيق الصدر وكثرة الفكر وقلة الطعم وفساد العقل ويبس الدماغ، وذلك إن التمادي في الطمع للدَّم محرق، " فإذا احترق استحال إلى السوْدَاء، فإذا قويت جلبت الفكر فتستعلي الحرارة، وتلتهب الصفراء، ثم تستحيل الصفراء إلى الفساد فتلحق حينئذ بالسوداء، وتصير مادة لها، فتقوى، ومن طبائع السوداء الفكر، فإذا فسد الفكر اختلطت الكيموسات بالفساد، ومع الإختلاط تكون الفدامة ونقصان العقل ورجاء ما لا يكون ولا يتمٍ فحينئذ يشتد ما به، فيموت أو يقتل نفسه، وربما شهق فتخفى روحه أربعاً وعشرين ساعة فيظن إنه مات فيقبرونه حَياً، وربما تَنَفَّسَ الصُّعَدَاء فتخفى روحه في تامور قلبه، وينضم القلب ولا ينفرج حتى يموت، وربما ارتاح وتشوق بالنظر، ويرى من يحب فَجْاة، وأنت ترى العاشق إذا سمع ذِكْرَ من يحب كيف يهرب دمه ويَحُولُ لونه.
وقال بعضهم: إن الله خلق كلِ روح مدورة على هيئة الكرة، وجزأها أنصافاً، وجعل في كل جسد نصفأ، فكلُّ جسدٍ لقي الجسد فيه النصف الذي قطع من النصف الذي معه كان بينهما عِشْق ضرورة للمناسبة القديمة. وتفاوت أحوال الناس في ذلك من القوة والضعف على قدر طبائعهم.
ولأهل هذه المقالة خَطْب طويل فيما ذكرنا. وإن النفوس نورية جوهر بسيط نزل من علو إلى هذه الأجساد فسكنها، وإن النفوس تلي بعضا على حسب مجاورتها في عالم النفس في القرب والبعد، وذهب إلى هذا المذهب جماعة ممن يظهر الإسلام، واعتلُّوا بدلائل من القرآن والسنن ودلائل القياس عند أنفسهم. من ذلك قوله عز وجل: " يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي " قالوا: فالرجوع إلى الحال لا يكون إلا بعد كون متقدم، ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه سعيد بن أبي مريم قال: أخبرنا يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " .
(2/14)

وذهب إلى هذا القول جماعة من الأعراب، ففي ذلك يقول جميل ابن عبد اللهّ بن مَعْمَر العُذْرِي في بُثَيْنة:
تَعَلّقَ روحي رُوحَهَا قبل خَلْقنا ... وَمِنْ قبل ماكُنا نطَافاً، وفي المهد
فزاد كما زِدْنَا، فأصبح ناميا ... وليس وإن مُتْنَا بمنتقض العهد
ولكنه بَاقٍ على كلَ حالة ... وزائرنا في ظلمة القَبْرِ واللحد
وقال جالينوس: المحبة تقم بين العاقلين لتشاكلهما فى العقل، ولا تقع بين الأحمقين وإن كانا شكلين في الحمق، لأن العقل يجري على ترتيبِ، فيجوز أن يتفق فيه إثنان على طريق واحدة، والحمق لا يجري على ترَتيبٍ، ولا يجوز أن يتفق فيه إثنان.
وَقَسَّمَ بعض العرب الهوى فقال:
ثلأثة أحباب، فحبٌّ عَلأقَةٌوَحُبٌّ تِمِلاق، وَحُبٌّ هو القَتْل
وقال الصوفية من البغداديين: إن اللّه عز وجل إنما امتحن الناس بالهوى ليأخذوا أنفسهم بطاعة من يهوونه، ليشق عليهم سخطه، وَيَسُرَّهم رضاه. فيسبتدل بذلك على قدر طاعة اللّه، إذ كان لا مثل له، ولا نظير وهو خالقهم غير محتاج إليهم، ورازقهم مبتدئاً بالمنِّ عليهم فإذا أوجبوا على أنفسهم طاعة سواه، كان تعالى أحْرَى أن يتبع رضاه.
وللباطنية المتصوفة في هذا كلام كثير وخطب طويل.
وقال أفلاطون: ما أدري ما الهوى، غير إنه جنون إلهي، والهوى لا محمود ولا مذموم.
وكتب بعض ظًرَفاء الكُتَّاب إلى أخ له: إني صادفت منك جوهر نفسي، فأنا غير محمود على الإنقياد إليك بغير زمام لأن النفس يتبع بعضها بعضاً.
وللناس ممن خلف وسلف من الفلاسفة والفلكيين والإسلاميين وغيرهم كلام كثير في العشق، وقد أتينا على ذلك في كتابنا أخبار الزمان ومن أباده الحدثان، من الامم الماضية والأجيال الخالية، والممالك الداثرة وإنما خرجنا مما كُنَّا فيه أنفاً من أخبار البرامكة عند ذكرنا العشق، فتغلغل بنا الكلام إلى إيراد لُمَع مما قيل في ذلك.
فلنرجع الآن إلى ما كنا فيه من أخبارهم، واتسَاق أيامهم، وانتظامها لهم بالسعود، ثم انعكاسها إلى النحوس.
الرشيد يزوج اخته العباسة لجعفر البرمكي
(2/15)

ذكر ذو معرفة بأخبار البرامكة أنه لما بلغ جعفر بن يحيى بن خالد بن بَرْمَك ويحيى بن خالد والفضل وغيرهم من آل برمك ما بلغوا من الملك، وتناهوا إليه من الرياسة، واستقامت لهم، الأمور، حتى قيل: أن أيامهم عَرُوسٌ وسرور دائم لا يزول، قال الرشيد لجعفر بن يحيى: وَيْحك يا جعفر!! إنه ليس في الأرض طلعة أنا بها آنس، ولا إليها أميل، وأنا بها أشد استمتاعاً وآنساً مني برؤيتك وأن للعباسة أختي مني موقعاً ليس بدون ذلك، وقد نظرت في أمري معكما، فوجدتني لا أصبر عنك ولا عنها، ورأيتني ناقص الحظ والسرور منك يوم أكون معها، وكذاك حكمي منك في يوم كوني معك دونها، وقد رأيت شيئاً يجتمع لي به السرور، وتتكاثف لي به اللذة والآنس، فقال: وفقك اللّه يا أمير المؤمنين! وعزم لك على الرشد في أمورك كلها! قال الرشيد: قد زوجتكما تزويجاً تملك به مجالستها والنًظَرَ إليها والاجتماع بها في مجلس أنا معكما فيه لا سوى ذلك فزوجه الرشيد بعد امتناع كان من جعفر إليه في ذلك، وأشهد له مَنْ حضره من خدمه وخاصة مَواليه، وأخذ الرشيد عليه عهد اللّه ومواثيقه وغليظ أيمانه أنه لا يخلو بها، ولا يجلس معها، ولا يظله وأياها سَقْفُ بيتٍ إلا وأمير المؤمنين الرشيد ثالثهما، فحلف له جعفر على ذلك، ورضي به، وألزمه نفسه، وكانوا يجتمعون على هذه الحالة التي وصفناها وجعفر في ذلك صارف بصره عنها، مزوَرٌّ بوجهه هيبة لأمير المؤمنين، ووفاء بعهده وأيمانه ومواثيقه على ما وافقه الرشيد عليه وعَلِقَتْه العباسة، وأضمرت الاحتيال عليه وكتبت إليه رقعة، فردَ رسولها وشتمه وتهدده، وعادت فعاد لمثل ذلك، فلما استحكم اليأس عليها قصدت لأمه، ولم تكن بالحازمة، فاستمالتها بالهَدايا من نفيس الجواهر والألطاف، وما أشبه ذلك من كثرة المال وألطاف الملوك، حتى إذا ظننت أنها لها في الطاعة كالأمةِ، وفي النصيحة والإشفاق كالوالدة، ألقت إليها طَرَفأ من الأمر الذي تريده، وأعلمتها ما لها في ذلك من حميد العاقبة، وما لإبنها من الفخر والشرف بمصاهرة أمير المؤمنين، وأوهمتها أن هذا الأمر إذا وقع كان به أمان لها ولولدها من زوال النعمة وسقوط مرتبته، فاستجابت لها أم جعفر، ووعدتها بأعمال الحيلة في ذلك، وأنها تلطف لها حتى تجمع بينهما، فأقبلت على جعفر يوماً فقالت له: يا بنيَ، قد وُصفت لي وصيفة في بعض القصورمن تربية الملوك قد بلغت من الأدب والمعرفة والظرْفِ والحلاوة مع الجمال الرائع والقَدِّ البارع والخصال المحمودة ما لم يُرَ مثله، وقد عزمت على اشترائها لك، وقد قرب الأمر بيني وبين مالكها، فاستقبل جعفر كلامها بالقبول، وعلفقت بذلك قلبه، وتطلعت إليها نفسُه، وجعلت تمطله، حتى اشتد شوقه، وقويت شهوته، وهو في ذلك يلح عليها بالتحريك والإقتضاء، فلما علمت أنه قد عجز عن الصبر واشتد به القلق قالت له: أنا مُهْدِيتها إليك ليلة كذا وكذا.
(2/16)

وبعثَتْ إلى العباسة فأعلمتها بذلك، فتأهَبَتْ بمثل ما تتأهب به مثلها وسارت إليها في تلك الليلة، وانصرف جعفرفي تلك الليلة من عند الرشيد، وقد بقيَ في نفسه من الشراب فضلة لما قد عزم عليه، فدخل منزله، وسأل عن الجارية، فخبر بمكانها، فأدخلت على فتى سكران لم يكن بصورتها عالماً، ولا على خَلْقها واقفاً، فقام إليها فواقعها، فلما قضى حاجته منها قالت له: كيف رأيت حيل بنات الملوك، قال: وأي بنات الملوك تعنين، وهو يرى أنها منِ بعض بنات الروم، فقالت له: أنا مولاتك العباسة بنت المهدي، فوثب فزِعاً قد زال عنه سكره ورجع إليه عقله، فأقبل على أمه وقال: لقد بِعْتِنِي بالثمن الرخيص، وحملتني على المركب الوَعْرِ، فانظري ما يؤول إليه حالي، وانصرفت العباسة مشتملة منه على حَمْلٍ، ثم ولدت غلاماً، فوكلت به خادماً من خدمَها يُقال له رياش وحاضنة تسمى برة، فلما خافت ظهور الخبر وانتشاره وجَّهت الصبيَّ والخادم والحاضنة إلى مكة، وأمرتهما بتربيته، وطالت مدة جعفر، وغلب هو وأبوه وأخوته على أمر المملكة، وكانت زبيدةُ أم جعفر زوجُ الرشيد من الرشيد بالمنزلة التي لا يتقدمها أحد من نظرائها، وكان يحيى بن خالد لا يزال يتفقد أمر حرم الرشيد ويمنعهن من خدمة الخدم، فشكت زبيدة إلى الرشيد. فقال ليحيى بن خالد: يا أبت، ما بال أم جعفر تشكوك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أمتَّهم أنا في حرمك وتدبير قصرك عندك، فقال: لا واللّه، لا تقبل قولها، قال الرشيد: فلست أعاودك، فازداد يحيى لها منعاً، وعليها في ذلك غِلْظَة، وكان يأمر بقَفْل أبواب الحرم بالليل، ويمضي بالمفاتيح إلى منزله، فبلغ ذلك من أم جعفر كل مبلغ، فدخلت ذات يوم على الرشيد فقالت: يا أمير المؤمنين، ما يحمل يحيى على ما لا يزال يفعله من منعه إياي من خدمي ووضْعه إياي في غيرموضعي، فقال لها الرشيد: يحيى عندي غيرمتهم في حرِمي، فقالت: إن كان كذلك لحفظ ابنه مما ارتكبه، فقال: وما ذاك؟ فَخبرَته بالخبر وقصَت عليه قصة العباسة مع جعفر، فسقط في يده، وقال لها: هل لك على ذلك من دليل أو شاهد؟ قالت: وأي دليل أدل من الولد؟ قال: وأين الولد؟ قالت: قد كان ههنا، فلما خافت ظهور أمره وَجَّهته إلى مكة، فقال لها: أفيعلم هذا أحد غيرك؟ قالت: ما في قصرك جارية إلا وقد علمت به، فأمسَكَ عن ذلك، وطَوَى عليه كَشْحاً، وأظهر أنه يريد الحج، فخرج هو وجعفر بن يحيي، وكتبت العباسة إلى الخادم والحاضنة أن يخرجا بالصبي إلى اليمن.
فلما صار الرشيد إلى مكة وَكَّلَ مَنْ يثق به بالفحص والبحث عن أمر الصبي والداية والخادم فوجد الأمر صحيحاً، فلما قضى حجه ورجع أضمر في البرامكة على إزالة نعمهم، فأقام ببغداد مُدَيدَة، ثم خرج إلى الأنبار، فلما كان في اليوم الذي عزم فيه على قتل جعفر دعا بالسندي بن شاهك، فأمره بالمضي إلى مدينة السلام والتوكيل بدور البرامكة ودور كُتَّابهم وأبنائهم وقراباتهم، وأن يجعل سراً من حيث لا يكلم به أحداً حتى يصل إلى بغداد، ثم يُفضي بذلك لمن يثق به من أهله وأعوانه، فامتثل السندي ذلك، وقعد الرشيد وجعفر عنده في موضع يعرف في الأنبار بالعمر، فأقاما يومهما بأحسن هيئة وأطيب عيش، فلما انصرف جعفرمن عنده خرج الرشيد حتى ركب مشيعاً له ثم رجع الرشيد فجلس على كرسي، وأمر بما كان بين يديه فرفع فمضى جعفر إلى منزله وفيه فضلة من الشراب، ودعا بأبي زكار المغني الطنبوري وابن أبي شيخ كاتبه ومدَت ستارة، وجلس جواريه خلفها يضربن ويغنين، وأبو زكار يغنيه:
مايريدُ الناس مِنّا ... ما ينام الناس عَنَا
إنما هَمّتهم أن ... يُظهروا ما قد دَفَنَّا
(2/17)

وأمر الرشيد من ساعته ياسراً خادِمَهُ المعروف برخلة فقال له: إني أندبك لأمر ما أرى محمداً ولا القاسم له أهلاً ولا موضعاً، ورأيتك به مستقلاً ناهضاً، فحقق ظني، واحذر أن تخالف أمري فيكون ذلك سبباً لسقوط منزلتك عندي وفساد حالك لديَ فقال: يا أمير المؤمنين، لو أمرتني أن أدْخِلَ السيف في بطني وآخرجه من ظهري بين يديك لفعلت، فمُرْني بأمرك فإني والله مسرع، فقال: ألست تعرف جعفر بن يحيى البرمكي؟ قال: يا أمير المؤمنين وهل أعرف سواهُ، أو يُنكر مثل جعفر؟ قال: ألم تر تشييعي إياه عند خروجه؟ قال: بلى، قال: فامض الساعة إليه فأتني برأسه على أي حالة تجلى عليها، فأرتج على ياسر الكلام وأخذته رعدحَة ووقف لا يحير جواباً، فقال: يا ياسر، ألم أتقدم إليك بترك الخلاف عليّ؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، ولكن الخطب أجل من ذلك، والأمر الذي نَدَبَنِي إليه أمير المؤمنين وددت لو أني كنت مت قبل أن يجري على يدي منه شيء فقال: دع عنك هذا وامض لما قد أمرتك فمضى ياسرٌ حتى دخل على جعفر وهو على حال لهوه، فقال له: إن أمير المؤمنين قد أمرني فيك بكيت وكيت، فقال جعفر: إن أمير المؤمنين يمازحني بأصناف من المزاح فأحسب أن هذا جنس منه، فقال: والله ما رأيته إلا جاداً، قال: فإن يكن الأمر كما قلت فهو إذاً سكران، قال: لا واللهّ ما افتقدت من عقله شيئاً، ولا ظننته شرب نبيذاً في يومه مع ما رأيت من عبادته، قال له: فإن لي عليك حقوقاً لم تجد لها مكافأة في وقت من الأوقات إلا هذا الوقت، قال: تجدني إلى ذلك سريعاً إلا فيما خالف أمير المؤمنين، قال: فارجع إليه فأعلمه أنك قد نفذت ما أمرك به فإن أصبح نادماً كانت حياتي على يديك جارية، وكانت لك عندي نعمة مجددة، وان أصبح على مثل هذا الرأي نفذت ما أمرت به في غد، قال: ليس إلى ذلك سبيل، قال: فأصبر معك إلى مضرب أمير المؤمنين حتى أقف بحيث اسمع كلامه ومراجعته أياك، فإذا ابديت عذراً ولم يقنع إلا بمصيرك إليه برأسي خرجت فأخذت رأسي من قرب، قال له: أما هذا فنعم، فمضَيَا جميعاً إلى مضرب الرشيد فدخل إليه ياسر فقال: قد أخذت رأست، يا أمير المؤمنين، وها هو ذا بالحضرة، فقال له: ائتني به وإلا واللهّ قتلتك قبله، فخرج فقال له: أسمعت الكلام، قال: فشأنك وما أمرت به، فأخرج جعفر من كمه منديلاً صغيراً فعصب به عينيه ومَدَّ رقبته فضربها ياسر وأدخل رأسه إلى الرشيد فلما رأى الرأس بين يديه أقبل عليه، وجعل يذكره بذنوبه، ثم قال: يا ياسر ائتني بفلان وبفلان، فلما أتى بهم قال لهم: اضربوا عنق ياسر، فإني لا أقدر أن أنظر إلى قاتل جعفر.
وقال الاصمعي: وَجَّهَ إلي الرشيدُ في تلك الليلة، فلما أدخلت إليه قال: يا أصمعي، قد قلتُ شعراً فأسمعه، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأنشد:
لو ان جعفر هاب أسباب الردى ... لَنَجَا بمهجته طِمِرمُلْجَمُ
ولكان من حَذَرِ المنون بحيث لا ... يسمو إليه به العُقَابُ القَشْعَمُ
لكنه لما تقارَبَ وقته ... لم يَدْفَع الحَدَثَان عنه مُنجِّمُ
مدة سلطان البرامكة ورثاء الشعراء لهم
قال الأصمعي: ورجعت إلى منزلي فلم أصل إليه حتى تحدث الناس بقتل جعفر، وأصيب على باب قصر علي بن عيسى بن ماهان بخراسان في صبيحة الليلة التي قتل فيها جعفروأوقع بالبرامكة مكتوب بقلم جليل:
إن المساكين بنو بَرْمَك ... صُبَّتْ عليهم غِيَرُالدهْرِ
إن لنا في أمرهم عبرة ... فليعتبرساكنُ ذا القصر
قال المسعودي: وكان مدة دولة البرامكة وسلطانهم وأيامهم النضرة الحسنة من استخلاف هارون الرشيد إلى أن قتل جعفر بن يحيى بن خالد ابن بَرْمَكٍ سبع عشرة سنة وسبعة أشهروخمسة عشريوماً، وقد رثتهم الشعراء بمَرَاثٍ كثيرة، وذكرت أيامهم فمن ذلك قول علي بن أبي معاذ:
يا أيهَا المغتَرُّ بالدَّهْرِ ... والدهر ذو صَرْفٍ وذو غدْرِ
لا تامنِ الدَّهْرَ وصَوْلاته ... وكن مِنَ الدهر على حِذْرِ
إن كنت ذا جهل يتصريفه ... فانظر إلى المصلوب بالجسر
فإن فيه عِبْرة،فاعتبر ... يا ذا الحِجَا والعقل والفكْرِ
(2/18)

وخذ من الدنيا صفا عيشها ... وأجر مع الدَّهْرِ كما يَجْرِي
كان وزيرَ القائم المُرْتضى ... وذا الحَجَا والفضل والذكْرِ
وكانت الدنيا بأقطَارِها ... إليه في البَرِّوفي البَحْرِ
يشَيِّدُ المُلْكَ بآرائه ... وكان فيه نافذ الأمر
فبينما جعفر في ملكه ... عشية الجمعة بالعمر
يطيرُفي الدنيا بأجناحِه ... يأملُ طولَ الخُلدِ والعمْرِ
إذ عَثَرَ الدهْرُ به عَثْرَة، ... يا ويلنا مِنْ عثرةِ الدهْرِ
وزَلَّتِ النَعْلُ بهِ زَلّة ... كانت له قاصِمَة الظهْر
فَغُودِرَالبائسُ في ليلةِ ال ... سبت قتيلاً مطْلع الفجْرِ
وأصبح الفضل بن يحيى وقد ... أحِيطَ بالشيخ ومايدرِي
وجيءَ بالشيخ وأولادهِ ... يحيى معاً في الغلِّ والأسْر
والبَرْمَكِيِّينَ وأتباعهم ... مَنْ كان في الآفاقِ والمِصْر
كأنما كانوا علي مَوْعِدٍ ... كموعد الناس إلى الحشْرِ
وأصبحوا للناس أحدُوثَة ... سبحان ذي السلطان والأمر
وممن رثاهم فا سْتُحسن قولُهُ أشجعُ السُّلَمِي، فقال من قصيدة:
ألان أرَحْنَا واستراحَتْ رِكابُنَا ... وأمسَكَ مَنْ يُجْدِي وَمَنْ كان يَجْتَدِي
فَقُل لِلمطايا: قد أمنْتِ مِنَ السُّرَى ... وطَيِّ الذيافي فَدْفَداً بعدَ فَدْفَدِ
وقل العطايا بعد فَضْلٍ: تَعًطّلِي ... وقل للرزايا: كل يوم تَجددِي
ودونكِ سيفاً برْمَكِياً مُهَنَّداً ... أصيبَ بسيفٍ هاشِمِيٍّ مُهَنَّدِ
وقال فيهم سَلْم الخاسر:
خَوَت أنجُمُ الجدوى وشلّتْ يَدُ النَّدَى ... وغَاضَتْ بحَارُالجُودِ بعد البَرَامكِ
هَوَتْ أنجُمٌ كانت لأبناءِ بَرْمَكٍ ... بها يَعْرِفُ الهادي قَوِيمَ المسالك
وقال فيهم صالح الأعرابي:
لقد خان هذا الدهرأبناء برمكٍ ... وأي مُلوكٍ لم تَخُنْهَا دُهُورُها؟
ألم يَكُ يحيى والي الأرض كلها ... فأضحَى كمن وارَتْهُ منها قُبُورُهَا
وقال فيهم أبو حزرة الأعرابي، وقيل أبو نُوَاس:
مارَمَى الدهْرُآل برمك لمَّا ... أن رَمَى مُلْكَهُمْ بأمربديع
إن دهْراً لم يَرْعَ حقاً ليحيى ... غيرُرَاعٍ حقاً لآل الربيع
وقال فيه بعض الشعراء فأحسن:
يابني برمك واهاً لكُم ... ولأيامكُمُ المقْتَبَلَهْ
كانت الدنيا عَرُوساً بكُمُ ... وَهِيَ اليوم ثَكُول أرْمَلَه
وقال أشْجَعُ فيهم:
ولّى عن الدنيا بنو بَرْمك ... فلو تَوالى الناس ما زادا
كأنما أيامهم كلها ... كانت لأهل الأرض أعيادا
ولآخر فيهم من أبيات:
كأن أيامهم من حُسْن بَهْجَتِهَا ... مواسم الحج والأعياد والجُمَع
وقال منصور النمري:
أندُبْ بني برمك لدنيا ... تبكي عليهم بكلِّ واد
كانت بهم بُرْهَةً عَرُوساً ... فاضحَتِ إليوم في حِدَاد
وقال دعبل الخزاعي:
ألم تَرَصَرْفَ الدهرفي آل برمك ... وفي ابن نهيك والقُرُون التي تخلو
لقد غَرَس القوم النخيل تمكناً ... فماحصدوا إلاكماحصد البقل
وقال أشْجَعُ فيهم أيضاً:
قد سَارَدهْر ببني بَرْمَكٍ ... ولم يَدَعْ فيهم لنا بُقْيا
كانوا أولي الخيرِوهم أهله ... فارتفع الخيرعن الدنيا
ولما قتل جعفروقبض على يحيى والفضل، وضيق عليهما المحابس، واشتد بهما الجهد،وترادف عليهما البلاء قال الفضل بن يحيى يذكرماهما فيه:
إلى اللَّه فيما نابَنَا نَرْفَعُ الشكوى ... ففي يده كشفُ المضَرَّة والبَلْوَى
خرجنا من الدنيا ونحن مِنَ أهلها ... فلا نحن في الأموات فيها ولا الأحيا
(2/19)

إذا جاءنا السجِّان يوماً لحاجةٍ ... عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا
وكان الرشيد كثيرا ما ينشد بعد نكبة البرامكة:
إن استهانتها إذاوقعَت ... لَبِقدْرِما تعلو بها رُتَبُهْ
وإذا بَدَتْ للنمل أجنحة ... حتى يطيرفقددَنا عَطَبُهْ
وقال محمد بن عبد الرحمن الهاشمي: دخلت علىِ والدتي يوم نَحْرٍ، فوجدتها وعندها أمراة بَرْزَةٌ متكلمة في اثواب رَثةٍ فقالت لي: أتعرف هذه؟ قلت: لا، قالت: هذه عبادة أم جعفر بن يحيى، فأقبلت عليها بوجهي أحدثها وأعظمها ثم قلت لها: يا أماه ما اعْجَبُ ما رأيت؟ قالت: يا بني لقد أتى عيدٌ مثلُ هذا وأنا على رأسي أربعمائة وصيفة، وإني لأعدُّ ابني عاقالي ولقد أتى عليَّ هذا العيد وما أتمنى سوى جلد شاتين افترش أحدهما وألتحف الآخر، قال: فدفعت إليها خمسمائة درهم، فكادت تموت فرحاً بها، ولم تزل تختلف إلينا حتى فَرَّق الموت بيننا.
وحكي عن بعض عمومة الرشيد انه صار إلى يحيى بن خالد عند تغيّر الرشيد له قبل الايقاع بهم، فقال له: ان أمير المؤمنين قد أحب جمع الأموال، وقد كثر ولده فهو يريد ان يعقد لهم الضياع، وقد كثر عليك وعلى أصحابك عنده فلو نظرت إلى ضياعهم واموالهم فجعلتها لولد أمير المؤمنين، وتقربت إليه بها رَجَوْتُ أن يكون لك السلامة، وان يرجع لك أمير المؤمنين، فقال له يحيى: واللّه لأن تزول النعمة عني أحب إلي من أن أزيلها عن قوم كنت سببها إليهم.
(2/20)

وذكر الخليل بن الهيثم الشعبي - وكان قد وكله الرشيد بيحيى والفضل في الحبس - قال: أتاني مسرور الخادمُ ومعه جماعة من الخدم، ومع خادم منهم منديل ملفوف، فسبق إلى نفسي ان الرشيد قد تعطَّفَ عليهم، فوجَّه إليهم بلطف، فقال لي مسرور: آخرج الفضل بن يحيى، فلما مثل بين يديه قال له: ان أمير المؤمنين يقول لك: إني قد أمرتك ان تصدقني عن أموالكم فزعمت أنك قد فعلت، وقد صح عندي أنك ابقيت لك أموالاً، وقد أمرت مسرورا ان لم تطلعه عليها ان يضربك مائتي سوط، فقال له الفضل: قُتِلْتُ واللّه يا أبا هاشم، فقال له مسرور: يا أبا العباس أرى لك أنك لا تؤثر مالك على مهجتك، فأني لا آمن أن أنفذ ما أمرت به فيك أن إلي على نفسك، فرفع الفضل رأسه إلى السماء وقال له: يا أبا هاشم، ما كذبت بأمير المؤمنين، ولو كانت الدنيا لي وخيرت بين الخروج منها وبين أن اقرع مقرعة لا خترت الخروج منها، وأمير المؤمنين يعلم. وأنت تعلم أنا كنا نصون أعراضَنَا بأموالنا، وكيف صرنا اليوم نصون أموالنا منكم بأنفسنا، فأن كنت أمرت بشيء فامض له، فأمر بالمنديل فنفض، فسقط منه أسواط بأثمارها، فضرب مائَتْي سوط، وتولّى ضربه أولئك الخدم، فضربوه أشد الضرب الذي يكون بغير معرفة، فكادوا يأتون على نفسه، فخافنا عليه الموت، فقال الخليل بن الهيثم لوكيله المعروف بأبي يحيى: أن هنا رجلاً قد كان في الحبس، وهو بَصِيرٌ بالعلاج لمثل هذا أو شبهه، فصر إليه وأسأله أن يعالجه، قال: فأنهيت إليه ذلك، فقال: لعلك تريد أن تعالج الفضل بن يحيى، فقد بلغني ما صنع به. فقلت: أياه أريد، قال: فامض بنا إليه حتى اعالجه، فلما رآه قال: أحسبه ضربه خمسين سوطاً، قال: أنه ضربه مائتي سوط، قال: ما اظن الا أن هذا اثر خمسين سوطاً، ولكن يحتاج أن ينام على بارِيّةٍ وأدوس صدره ساعة، فجزع الفضل من ذلك، ثم أجاب إليه، ففعل ذلك به، ولم يزل يدوس صدره، ثم أخذا بيده فجذبه حتى أقامه عن البارية، فتعلق بها من لحم ظهره شيء كثير، ثم جعل يختلف إليه ويعالجه إلى أن نظريوماً إليه فخر ساجداً، فقلت: ما لك. فقال: يا أبا يحيى، قد برىء أبو العباس،ادْنُ مني حتى ترى، قال: فدنوت منه فأراني في ظهره لحما نابتاً، ثم قال لي: أتحفظ قولي هذا اثَرُ خمسين سوطاً. قلت: نعم، قال: واللهّ لو ضُرِبَ ألف سوط ما كان اثرها بأشد من ذلك الاثر، وأنما قلت ذلك لكي تقوى نفسه فيعينني على علاجه، فلما خرج الرجل قال لي الفضل: يا أبا يحيى، قد احتجت عشرة آلاف درهم، فسِرْ إلى المعروف بالنسائي وأعلمه حاجتي إليها، قال: فأتيته بالرسالة، فأمر بحملها إليه، فقال: يا أبا يحيى، أحب أن تمضي بها إلى هذا الرجل، وتعتذر إليه، وتسأله قبول ما وجهت به، قال: فمضيت إليه فوجدته قاعدا على حصير وطنبور له معلق ودساتيج فيها نبيذ وأداة رثة، فقال: ما حاجتك يا أبا يحيى: فأقبلت أعتذر عن الفضل، واذكر ضيق الأمر عليه، وأعلمته بما وَجَّه به إليه، فامتعض من ذلك ونحر حتى أفزعني، وقال: عشرة آلاف درهم، يرددها، فجَهَدْت كل الجهد أن يقبلها، فأبى، فصرت إلى الفضل، فأعلمته، فقال لي: استقلَّها واللّه، ثم قال لي الفضل: أحب أن تعود إلى النسائي ثأنية وتعلمه أني احتجت إلى عشرة آلاف درهم آخرى، فإذا دفعها إليك فسر بالكل إلى الرجل، قال: فقبضت من النسائي عشرة آلاف آخرى ورجعت إلى الرجل ومعي المال، وعَرَّفْته الخبر، فأبى أن يقبل شيئاً منه، فقال:أنا أعالج فتى من الأبناء بِكِرَاء. إذهب عني، فواللّه لو كانت عشرين ألف ما قبلتها، فرجعت إلى الفضل واخبرته الخبر، فقال لي: يا أبا يحيى، حدثَني بأحسن ما رأيت أو بلغك من أفعالنا، قال: فجعلت أحدثه ملياً، فقال: دع عنك هذا، فواللّه أن ما فعله هذا الرجل أحسن من كل ما فعلناه في أيامنا كلها.
وقتل جعفربن يحيى وهو ابن خمس وأربعين سنة، وقيل اقل من ذلك ومات يحيى بن خالد بالرقة في سنة تسع وثمانين ومائة على ما قدمنا.
قال المسعودي: وللرشيد أخبار حسان وسير، وقد قدمنا ذكرها فيما سلف من كتبنا في ذكر أخبار ملوك الروم بعد ظهور الاسلام، وما كان بينه وبين نَقْفُورفيما تقدم من هذا الكتاب.
(2/21)

وللبرامكة أخبار حسان، وما كان منهم من الإفضال بالمعروف واصطناع المكارم، وغير ذلك من عجائب أخبارهم وسيرهم وما مدحتهم الشعراء به، ومراثيهم، وقد أتينا على جميع ذلك في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط، وأنما نورد في هذا الكتاب لمعاً من الأخبار لم يتقدم لها أيراد في ما تقدم من كتبنا، وكذلك ذكرنا بدء أخبارهم قبل ظهور الاسلام. وكونهم على بيت النوبهار، وهو بيت النار ببلخ المقدم ذكرها فيما سلف من هذا الكتاب، وعلة تسميته بَرْمَك، وخبر برمك الأكبر مع ملوك الترك، وخبرهم بعد ظهور الإسلام، وما كان منهم في أيام بني أمية كهشام بن عبد الملك وغيره، وما كان منهم في أيام المنصور، واكتفينا بما ذكرناه في هذا الكتاب من هذه التلويحات من أخبارهم واللمع من آثارهم.
ذكر خلافة محمد الأمين
وبويع محمد بن هارون في اليوم الذي مات فيه هارون الرشيد، وهو يوم السبت لأربع ليال خَلَوْنَ من جمادي الأولى، بطُوسَ، سنة ثلاث وتسعين ومائة، وتقدم ببيعته رجاء الخادم، وكان القيم ببيعته الفضل بن الربيع، وكان محمد يكنى بأبي موسى. وأمه زُبَيدة ابنة جعفر بن أبي جعفر بالرصافة وكان مولده بالرصافة. وَقُتل وهو ابن ثلاث وثَلاثين سنة وستة أشهر وثلاثة عشر يوماً. ودُفنت جثته ببغداد. وَحُمِل رأسه إلى خراسان. وكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر وقيل: تسعة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر وستة أيام، على حسب ما وجدنا من اختلاف التواريخ وتباينها. وقيل: أن محمدا افْضَتِ الخلافة إليه وهو ابن اثنتين وعشرين سنة وسبعة أشهر وأحد وعشرين يوماً، وكان أصغر من المأمون بستة أشهر، وكانت أيامه في الحصار من خَلْعِه إلى مقتله سنة ونصفاً وثلاثة عشريوماً، حبس فيها يومين.
ذكر جمل من أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
كيف جاءه خبر الولاية
قبض الرشيد والمأمون بمَرْوَ، وبعث صالح بن الرشيد رجاء الخادم مولى محمد الأمين، إلى محمد، فأتاه بالخبر في اثني عشر يوماً إلى مدينة السلام يوم الخميس للنصف من جمادي الآخرة.
رؤيا زبيدة أيام خملت بالأمين وعند مولده وبعده
وذكر جماعة من الأخباريين وممن عُنِيَ بأخبار العباسيين كالمدائني، والعتبي وغيرهما أن زُبَيْدَةَ رأت في المنام ليلة عَلِقَتْ بمحمد كأن ثلاث نسوة دخلن عليها وهي بمجلس، قعدت اثنتان عن يمينها وواحدة عن يسارها، فدنت أحداهن، فجعلت يدها على بطن أم جعفر، ثم قالت: ملك فخم عظيم، ثقيل الحمل، نكد الأمر، ثم فعلت الثانية كما فعلت الأولى، وقالت: ملك ناقص الجد، مفلول الحد، ممذوق الود، تجور أحكامه، وتخونه أيامه، ثم فعلت الثالثة كما فعلت الثانية، وقالت: ملك قصاف، عظيم إلايلاف، كثير الخلاف، قليل الأنصاف، قالت: فأستيقظت وأنا فَزِعَة، فلما كان في الليلة التي وضعت فيها محمداً دخلن عَلًيَ وأنا نائمة كما كُنَ دخلن. فقعدن عند رأسي، ونظرن في وجهي، ثم قالت إحداهن: شجرة نضرة، وريحانة حسنة، وروضة زاهرة، ثم قالت الثانية: عين غدقة قليل لبثها سريع فناؤها عجل ذهابها وقالت الثالثة:عدو لنفسه، ضعيف في بطشه، سريع إلى غشه، مُزَال عن عرشه، فأستيقظت من نومي وأنا فَزِعَة بذلك، وأخبرت بذلك بعض قَهَارِمتي، فقالت: بعض ما يطرق النائم، وعبث من عبث التوابع، فلما تم فصاله أخذت مرقدي ليلة ومحمد أمامي في مهلى، إذ بهن قد وقفن على رأسي وأقبلن على ولدي محمد، فقالت أحداهن: ملك جبار، مِتْلاف مهذار، بعيد الآثار، سريع العثار، ثم قالت الثانية: ناطق مخصوم، ومحارب مهزوم، وراغب محروم، وشقي مهموم، وقالت الثالثة: احفروا قبره، ثم شقوا لحده، قدموا أكفانه، وأعدوا جهازه، فإن موته خير من حياته. قالت: فأستيقظت وأنا مضطربة وَجِلَة، وسألت مفسري الاحلام والمنجمين، فكل يخبرني بسعادته وحياته وطول عمره، وقلبي يأبى ذلك، ثم زجرت نفسي وقلت: وهل يدفع إلاشفاق والحذر وإلاحتراُز واقعَ القدر، أو يقدر أحد أن يدفع عن أحبابه الأجل؟.
موت ابن عياش وعزم الأمين على خلع أخيه
وفي سنة ثلاث وتسعين ومائة مات أبو بكر بن عياش الكوفي الأسدي وهوابن ثمان وتسعين سنة، بعد موت الرشيد بثماني عشرة ليلة.
(2/22)

ولما هَمَّ محمد بخلع المأمون شاورَ عبد اللّه بن حازم، فقال له: أنشدك اللّه يا أمير المؤمنين، إلا تكون أول الخلفاء نكث عهدي، ونقض ميثاقه. واستخف بيمينه، فقال: اسكت أسْكَتَ اللّه فاك، فعبد الملك بن صالح كان أفضل منك رأياً حيث يقول: لا يجتمع فحلان في هجمة. وَجَمَعَ القواد وشاورهم فأتبعوه في مراده إلى أن بلغ إلى هرثمة بن حازم، فقال: يا أمير المؤمنين: لن ينصحك من كذبك، ولن يغشك من صدقك، لا تجرىء القواد على الخلع فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك، فأن الغادر مخذول، والناكث مغلول. ودخل علي. بن عيسى بن ماهان، فتبسم محمد وقال: لكن شيخ هذه الدعوة، وباب هذه الدولة، لا يخالف إمامه، ولا يوهن طاعته، ثم رفعا إلى موضع ما رفعه إليه فيما مضى، فكان علي بن عيسى أول من أجاب إلى خلع المأمون، فَسَيَّرَه في عظيم نحو خراسان، فلما قرب من الري قيل له: إن طاهر بن الحسين مقيم بها، وقد كان يظن أن طاهراً لا يثبت له، فقال: واللّه ما طاهر إلا شوكة من أغصاني وشرارة من ناري، وما مثل طاهريؤمَّر على جيش، وما بينه وبين الموت إلا أن تقع عينه على سوادكم، فإن السِّخَال لا تقوى على نِطَاح الكِبَاش، والثعالب لا تقدر على لقاء الاسْدِ، فقال له ابنه: ابعث طلائع وَارْتَدْ موضعاً لعسكرك، فقال: ليس مثل طاهر يستعدُّ له بالمكايد ويستظهر له بالاحتراز والتحفظ، أن حال طاهر يؤدي إلى أمرين: إما أن يتحصَّنَ بالري فيثب به أهلها ويكفونا مؤنته، أو يخليها ويُدْبر راجعاً، لو قد قربت خيولنا منه، فقال له ابنه: إن الشرارة ربما صارت ضِرَاماً، فقال: اسكت إن طاهراً ليس قرنا في هذا الموضع، وأنما تحترس الرجال من أقرانها، وسار علي بن عيسى حتى دنت عساكره من الري، وتبين ما عليه طاهر من الجد وأهبة الحرب وضم الأطراف، فعدل إلى رُسْتَاق من رساتيق الري متياسراً عن الطريق، فنزل به، وانبسطت عساكره، وأقبل طاهر في نحو من أربعة آلاف فارس، فأشرف على عساكرعلي بن عيسى وتبين كثرتها وعدة ما فيها، فعلم أن لا طاقة له بذلك الجيش، فقال لخواص من معه: نجعلها خارجية، وَكَردَسَ خيله كراديس، وصمد في نحو القلب في سبعمائة من الخوارزمية وغيرهم من فراسن خراسان، وخرج إليه من القلب العباس بن الليث مولى المهدي، وكان فارساً، فقصده طاهر وضم يديه على سيفه فأنثنى العباس وأنضم المعروف بداود سياه إلى علي بن علي وقد اختلط الناس، فضربه ضربة فأتى عليه، وكان علي في ذلك الوقت على برذون كميت أرجل، وتمالأ على رأسه الرجال، وتنازعوا في خاتمه ورأسه، فذبحه رجل يعرف بطاهربن الراجي، وقبض آخر على خصلة من شعر لحيته، وآخر على خاتمه، وكان سبب هزيمة الجيش ضربة طاهر بيديه جميعاً للعباس بن الليث، وبذلك سمي طاهر ذا اليمينين، لجمعه يَدَيْه على السيف.
وذكر أحمد بن هشام - وكان من وجوه القواد - قال: جئت إلى مضرب طاهروقد توهم أني قُتِلتُ في المعركة ومعي رأس عليّ وقد شد، فقال: البشرى، هذه خصلة من رأس عليّ مع غرمي في المخلاة، فطرحة قدامه، ثم أتى بجثته، وقد شُدَّت يداه ورجلاه، كما يفعل بالدوابِّ إذ مالت، فأمر به طاهر فألقي في بئر، وكتب إلى في الرياستين الفضل بن سهل بالخبر، فكان في الكتاب: أطال اللّه بَقَاءَكَ، وَكَبَتَ أعداءك، كتابي إليك، ورأس علي بن عيسى بين يدي وخاتمه في أصبعي، والحمد لله ربّ العالمين، فسر المأمون بذلك، وَسُلّم عليه في ذلك الوقت بالخلافة. وقد كانت أم جعفر لا تعلق من الرشيد، فشاور بَعْضَ مجالسيه من الحكماءِ وشكا ذلك إليه، فأشار عليه بأن يُغِيرَها، فأن إبراهيم الخليل عليه السلام كانت عنده سارة، فلم تكن تعلق منه، فلما وهبت له هاجر علقت منه بإسماعيل فغارت سارة عند ذلك، فعلقت بإسحاق، فأشتر الرشيد أم المأمون، فاستخلاها، فعلقت بالمأمون، فغارت أم جعفر عند ذلك فعلقت بمحمد.
(2/23)

قال المسعودي: وقد قَدَّمنا التنازع في ذلك - أعني قصص إبراهيم وإسماعيل وإسحاق عليهم السلام، وقول من ذهب إلى أن إسحاق هو المأمور بذبحه، ومن قال: بل إسماعيل، وما ذكر كل فريق منهم في ذلك، وقد تناظر في ذلك السلف والخلف، فمن ذلك ما جرى بين عبد اللّه بن عباس وبين مولاه عِكْرِمَة، وقد قال عكرمة: مَنِ المأمور بذبحه، فقال: إسماعيل، واحتجَّ بقول اللّه عزّ وجلّ: " ومن وراء إسحاق، يعقوب " إلا ترى أنه بَشّرَ إبراهيم بولادة إسحاق فكيف يأمره بذبحه فقال له عِكْرِمَة:أنا أوجدك أن الذبيح إسحاق من القرآن، واحتجَّ بقول الله عز وجل: " وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث، ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب، كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق " فنعمته على إبراهيم: أن نجاه من النار، ونعمته على إسحاق: أن فَدَاه بالذِّبْح، وكانت وفاة عكرمة مولى ابن العباس سنة خمس ومائة، ويكنى أبا عبد اللّه، مات في اليوم الذي مات فيه كُثَيِّر عزة، فقال الناس: مات عظيم الفقهاء وأهل العلم وكبير الشعراء، وفيها كانت وفاة الشعبي.
الأمين ينصب مجلس غناء وهومحاصر
وحدث يوسف بن إبراهيم الكاتب قال: حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي قال: بعثَ إلي الأمين محمد، وهو محاصَرٌ، فصرت إليه، فإذا هوجالس في طارمة خشبها من عود وصندل عشرة في عشرة، وإذا سليمان بن أبي جعفر المنصور معه في جوف الطارمة، وهي قبة كان أتخذ لها فراشاً مُبَطّناً بأنواع الحرير والديباج المنسوج بالذهمب الأحمر وغير ذلك من أنواع الإبريسم، فسلمت فإذا قُدامة قدح بلور مخروز فيه شراب ينفذ مقداره خمسة أرطال، وبين يحيى سليمان قدح مثله، فجلست بإزاء سليمان، فأتيت بقدح كالأول والثاني، قال: فقال: أنما بعثت إليكما لما بلغني قدوم طاهر بن الحسين إلى النهروان، وما قد صنع في أمرنا من المكروه، وقابَلَنَ! به من الإساءة، فدعوتكما لافرج بكما وبحديثكما، فأقبلنا نحدثه ونؤنسه حتى سَلا عما كان يجده وفرح، ودعا بجارية من خواص جواريه تسمى ضعفاً، قال: فتطيَّرْتُ من اسمها ونحن على تلك الحال، فقال لها: غنَينا، فوضعت العود في حجرها وغنت:
كُلَيْبٌ لَعَمْرِي كان أكثرناصراً ... وأكثرحزماً منك ضُرِّج بالدم
فتطير من قولها، ثم قال لها: اسكتي قبحك اللّه، ثم عاد إلى ما كان عليه من الغم والإقطاب فأقبلنا نحادثه ونبسطه، إلى أن سلا وضحك، ثم أقبل عليها وقال لها: هات ما عندك، فغنت،
هُممُ قَتَلُوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرَتْ يوماً بكسرى مَرازِبه
فأسكتها وزأرها وعاد إلى الحالة الأولى، فسليناه حتى عاد الى الضحك، فأقبل عليها الثالثة فقال: غني، فغنت:
كأن لم يكن بين الحَجُون إلى الصَّفا ... أنيس ولم يَسْمُرْبمكة سامر
بلى نحن كنَّا أهلهَا فأبادَنَا ... صُرُوفُ الليالي والجدُودُ العوائر
وقيل: بل إنها غنت:
أما وربِّ السُّكُون والحَرَكِ ... إن المنايا كثيرة الشّرَكِ
فقال لها: قومي عني فعل اللّه بك كذا وكذا وصنع بك، فقامت فعثرت بالقدح الذي كان بين يديه فكسرته، فأنهرق الشراب، وكانت ليلِ قمراء، ونحن على شاطىء دجلة في قصره المعروف بالخلد: فسمعنا قائل يقول قُضَيَ الأمر الذي فيه تستفتيان قال ابن المهدي: فقمت وقد وثب. فسمعت منشداً من ناحية القصر ينشد هذين البيتين:
لاتعجبَنَّ من العَجَبْ ... قدجاءمايقضي العجب
قد جاء أمر فادِخ فيه لذي عجب عجب
قال: فما قعدنا معه بعدها إلى أن قتل.
وكان الأمين معجباً بأم ولده نظم وهي أم موسى الذي كان سما الناطق بالحق، وأرادا خِلع المأمون والعَقْد له من بعده، فهلكت أم موسى نظم، فجزع عليها جزعااً شديداً، فلما اتصل الخبر بأم جعفر زبيدة قالت: احملوني إلى أمير المؤمنين، فحملت إليه، فأستقبلها وقال: يا سيدتي ماتت نظم، فقالت:
نفسي فداؤك لا يذهب بك اللّهف ... ففي بقائِك مماقدمضى خلَفُ
عُوِّضْت موسى فهانت كل مرزئة ... مابعدموسى على مفقودة أسَفُ
لهو الأمين وقت الحصار
(2/24)

وذكر إبراهيم بن المهدي قال: استأذنت على الأمين يوماً، وقد اشتد الحصار عليه من كل وجه، فأبوا أن يأذنوا لي بالدخول عليه، إلى أن كاثرت ودخلت، فإذا هو قد تطلع إلى دجلة بالشباك، وكان في وسط قصره بركة عظيمة لها مخترق إلى الماء في دجلة، وفي المخترق شباك حديد، فسلمت عليه وهو مقبل على الماء والخدم، والغلمان قد أنتشروا إلى تفتيش الماء، وهو كالواله، فقال لي وقد ثنيت بااسلام وكررت: لا تدري يا عمي، فمقرطتي قد ذهبت في البركة إلى دجلة، والمقرطة: سمكة كانت قد صيدت له وهي صغيرة فقرطها حلقتين من ذهب فيهما حَبَّتَا در وقيل: ياقوت قال: فخرجت وأنا آيس من فلاحه، وقلت: لو ارتدع من وقت لكان هذا الوقت.
صفات الأمين
وكان محمد في نهاية الشدة والقوة والبطش والبهاء والجمال، إلا أنه كان عاجز الرأي ضعيف التدبير، غير مفكر في أمره.
وحكي أنه اصطبح يوماً، وقد كان خرج أصحاب اللبابيد والحراب على البغال - وهم الذين كانوا يصطادون السباع - إلى سبع كان بلغهم خبره بناحية كوثى والقصر، فاحتالوا في السبع إلى أن أتوا به في قفص من خشب على جمل،بخْتي، فَحُطَّ بباب القصر وأدخل، فمثل في صحن والأمين مصطبح، فقال: خلوا عنه وشيلوا باب القفص، فقيل له: يا أمير المؤمنين، أنه سبع هائل أسود وحش، فقال: خلوا عنه، فشالوا باب القفص، فخرج سبع أسود له شعرعظيم مثل الثور، فزأروضرب بذنبه إلى الأض، فتهارب الناس، وغلقت الأبواب في وجهه، وبقي الأميز وحده جالساً في موضعه غير مكترث بالأسد، فقصده الأسد حتى دنا منه، فضرب الأمين بيده إلى مرفقة أرمنية، فأمتنع منه بها، ومًدّ السبع يد إليه، فجذبها الأمين وقبض على أصل إذنيه، وغمزه ثم هَزَّه أو دفع به الى خلف فوقع السبع ميتاً على مؤخره، وتبادر الناسُ الأمين فإذا أصابعا ومفاصل يديه قد زالت عن مواضعها، فأتى بمجبر بند عظام أصابعه الى مواضعها، وجلس كأنه لم يعمل شيئاً، فشقوا بطن الأسد فإذا مرارته قد أنشقت عن كبده.
نبوءة بخلع الأمين
وحكي أن المنصور جلس ذات يوم ودخل إليه بنو هاشم من أهله، فقال لهم وهو مستبشر، أما علمتم أن محمداً المهدي ولد البارحة له ولى ذكر، وقد سميناه موسى، فلما سمع القوم ذلك وجموا وكأنما حَثَا في وجوههم الرماد، وسكتوا ولم يحيروا جوابا، فنظر إليهم المنصور فقال لهم: هذا موضع دعاء وتهنئة، وأراكم قد سكتم، ثم استرجع، فقال لهم: كأني بكم لما أخبرتكم بتسميتي أياه موسى اغتممتم به، لأن المولود المسمى بموسى ابن محمد هو الذي على رأسه تختلف الكلمة وتسفك الدماء وتنتهب الخزائن، ويضطرب الملك، ويقتل أبوه، وهو المخلوع من الخلافة، ليس هو ذا، لا، ولا هذا زمانه، واللّه أن جَدَّ هذا المولود يعني هرون الرشيد - لم يولد بعد، قال: فدعوا له وهنوه وهنوا المهدي. وكان هذا موسى الهادي أخا الرشيد.
وكان العهد الذي كتبه الرشيد بين الأمين والمأمون وأودعه الكعبة أن الغادر منهما خارجٌ من الأمر، أيهما غدر بصاحبه، والخلافة للمغدور وذكر ياسر خادم أم جعفر، وكان من خَوَاصها أنه لما أحيط بمحمد دخلت عليه أم جعفر باكيه، فقال لها: مه، أنه ليس بجزع النساء وهلعهن عُقِدَتْ التيجان، وللخلافة سياسة لا تسعها صدور المراضع، وراءك وراءك.
ويقال: أن محمداً قصف عند طاهر، فبينا طاهر في بستانه إذ ورد كتاب من محمد بخطه، فإذا فيه بسم اللّه الرحمن الرحيم، أعلم أنه ما قام لنا مذ قمنا قائم بحقنا وكان جزاؤه منا إلا السيف، فأنظر لنفسك أو دع قال: فلم يزل واللّه يتبين موقع الكتاب من طاهر، فلما رجع إلى خراسان آخرجه إلى خاصته، وقال لهم: واللّه ما هذا كتاب مضعوف، ولكنه كتاب مخذولي.
ولم يكن فيمن سلف من الخلفاء إلى وقتنا هذا - وهوسنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - مَنْ أبوه وأمه من بني هاشم، إلا عليُّ بن أبي طالب كرم اللّه وجهه، ومحمد بن زُبَيْدَة.
وفي محمد بن زُبَيدَة يقول أبو الغول:
ملك أبوه وَأمه من نَبْعَة ... منهاسرَاجُ الأمة الوَهَّاجُ
شربت بمكة من ذرى بطحائها ... ماءالنبوة ليس فيه مِزَاجُ
وفي سنة أربع وتسعين ومائة كان ابتداؤه بالغدر بالمأمون.
عبد الملك بن صالح بن علي
(2/25)

وفي سنة سبع وتسعين ومائة مات بالرقة عبدُ الملك بن صالح بن علي في أيام الأمين، وكان عبد الملك أفْصَحَ ولد العباس في عصره، يقال: أن الرشيد لما أجتاز ببلاد مَنْبج من أرض الشام نظر إلى قصر مشيد، وبستان مُعْتَمّ بالأشجار كثير الثمار، فقال لعبد الملك: لمن هذا القصر. قال: هو لك ولي بك يا أمير المؤمنين، قال: فكيف بناء القصر. قال: دون منازلك وفوق منازل الناس، قال: فكيف مدينتك. قال: عَذْبه الماء، باردة الهواء، صلبة الموطأ، قليلة الأعواء، قال: كيف ليلها. قال: سَحَر كله، وقال له: يا أبا عبد الرحمن، ما أحسن بلادكم، ثم قال: فكيف لا تكون كذلك وهي تربة حمراء، وسنبلة صفراء، وشجرة خضراء، فَيَافِي فِيحٌ، وجبال وضيح، بين قيصوم وشيح، فألتفت الرشيد إلى الفضل بن الربيع فقال: ضربُ السياط أهْوَنُ عَلًي من هذا الكلام.
ولما سمى محمد ابنه موسى الناطق بالحق وأخذا له العهد على الناس الفضل بن الربيع وزيرُه، وموسى يومئذ لا ينطق بأمر، ولا يعرف حسناً ولا يعقل قبيحاً، ولا يخلو من الحاجة إلى من يخدمه في ليله ونهاره ويقظته ومنامه وقيامه وقعوده، وأحْضَنَه علي بن عيسى بن ماهان، قال في ذلك رجل أعمى من أهل بغداد يعرف بعده بن أبي طالب:
أضاع الخلافة غِشًّ الوزير ... وَفِسْقُ الإمام وَرأي المشير
وما ذاك إلا طريق الغُرُور ... وشر المسالك طُرْقُ الغُرُور
فعال الخليفة أعجوبة ... وأعجب منه فعال الوزير
وأعجب من ذا وذا أننَا ... نبايع للطفل فينا الصغير
ومَنْ ليس يُحْسِن مسح أنفه ... ولم يخل من نتنه حِجْرُظِيرْ
وما ذاك إلا بباغٍ وغاو ... يريدان نَقْضَ الكتاب المنير
وهذان لولا انقلاب الزمان ... أفي العيرهذان أم في النفير
ولكنها فِتَنٌ كالجبا ... ل نرتع فيها بصنع الحقير
ولما قتل طاهربن الحسين علي بن عيسى بن ماهان سار فنزل حلوان، وذلك على خمسة أيام من مدينة السلام، فتعجب الناس من زيادة أمره، وإدبار أصحاب الأمين وهزيمتهم على كل حال، وأيقنت القلوب بغلبة طاهر وظهور المأمون، وأسقط في يدي الفضل بن الربيع وأصحابه، فقال الشاعرالأعمى في ذلك، وكان مأمونيَاً متعصباً على محمد بن زُبَيْدة مع المأمون، وكان من أهل بغداد، ومقامه بها، من أبيات:
عجبتُ لمعشريَرْجُون نُجْحاً ... لأمر ما تتم له الأمور
وكيف يتم ماعَقدُوا وراموا ... وأسُ بنائهم منه الفجُور
أهَابَ إلى الضلال بهم غَوي ... وشيطان مواعده غرور
يصيب بهم ويلعب كل لعب ... كمالعبت بشاربها الخمور
وكادوا الحق والمأمون غدرا ... وليس بمفلح أبداً غَدُور
هوالعدل النجيب البَرُّفينا ... تضمن حبه مِنا الصدور
وعاقبة الأمور له يقينا ... به شهد الشريعة والزبور
فيملِك أربعينَ لها وفاء ... تتم به الأهلةُ والشهور
فكيدوا أجمعين بكل كيد ... وكيدكم له فيه السسرور
وبلغ محمداً فجمع قواده وبطانته عندما ظهر من أمر طاهر، وشاورهم وقال: أحضروا لي غناءكم كما أحضرت خراسان لعبد اللّه غناءها، وكانت كما قال أعشى ربيعة:
ثم ما هابوا ولكن قدموا ... كبش غارات إذا لاقى نَطح
أما والله حدَثْتُ بأحاديث الأمم السالفة، وقرأت كتب حروبها وقصص من أقام دولها، فما رأيت في حديثهم حديثاً لرجل منهم - وأبي - كهذا الرجل في إقدامه وسياسته، وقد قصدني وأجترأ عليَّ، وتملى الهامة العظيمة من الجند ومجمع القواد وساسة الحروب، فهاتوا اليوم ما عندكِم، فقالوا: يُبْقِي الله أمير المؤمنين، يكفيه كما كَفَى الخلفاء قبله بَغيَ من بَغى عليهم.
ولما انهزم جيش محمد بين يدي طاهر، ولم يقم له قائمة منهم قال سليمان بن أبي جعفر: لعن الله الغدار، ماذا جلب على الأمة بغدره وسوء رأيه، وأبعد الله نسبه من أهل الفضل، ما أسْرَعَ ما أنتصر اللّه للمأمون بكبش المشرق يعنى طاهراً وفي ذلك يقول الشاعر:
تبا لدى الآثام والمتزندق ... ماذا دَعَاه إلى العظيم الموِبِقِ
(2/26)

والغدر بالبر الزكيِّ أخي التقى ... والسائس المأمون غير الأخرق
زين الخلافة والإمامة والنهى ... أهل السماحة والندى المتدفق
أن تغدروا جهلاً بوارث أحمد ... ووصِي كل مُسدَّدٍ وموفّق
فالله للمأمون خير مُوَازر ... والماجد القممام كبش المشرق
من الأمين إلى طاهر بن الحسين
ولما أحيط بمحمد من الجانب الشرقي والغربي، وكان هرثمة بن أعْيَنَ نازلا مما يلي النهروان بالقرب من باب خراسان، وثلاثة أبواب، وطاهر من الجانب الغربي مما يلي الياسرية وباب المحول والكُنَاسة، جمع قواده فقال: الحمد للّه الذي يَضَعُ من يشاء بقدرته ويرفع، والحمد لله الذى يعطى بقدرته من يشاء ويمنع، والحمد لله الذي يقبض ويبسط وإليه المصير، أحمده على نوائب الزمان، وخذلان الأعوان، وتشتت الحال، وكسوف البال، وصلى. اللّه على محمد رسوله وآله وسلم، وقال: إني لأفارقكم بقلب مُوجَع، ونفس حزينة، وحَسْرَة عظيمة، وأني محتال لنفسي، فأسأل الله أن يلطف بي بمعونته، ثم كتب إلى طاهر: أما بعد، فإنك عبد مأمور تنصحت فنصحت، وحاربت فنصرت وقد يُغْلَب الغالب، ويخذل المفلح، وقد رأيت الصلاح في معاونة أخي، والخروج إليه من هذا السلطان، إذا كان أولى به وأحَق، فأعطِنِي الأمان على نفسي وولدي وأمي وجدتي وخدمي وحاشيتي وأنصاري وأعواني حتى آخرج إليك وأتبرأ من هذا الأمر إلى أخي، فأن رأى الوفاء لي بأمانك، وإلا كان أولى وأحق، قال: فلما قرأ طاهر الكتاب قال: الأن لما ضيق خناقه، وهِيض جناحه، وانهزم فسَّاقُه، لا والذي نفسي بيده حتى يضع يده في يدي، وينزل على حكمي، فعند ذلك كتب إلى هرثمة يسأله النزول على حكم أمانه.
وقد كان المخلوع جَهَزَ جماعة من رجاله من الأبناء وغيرهم ممن استأمن إليه لدفع المأمونية عنه، فمالوا نحو هرثمة، وكان طاهر بن الحسين يمد هرثمة بالرجال، ولم يلق هرثمة مع ذلك كثيرَ كَيْدٍ، فلما مال مَنْ ذكرنا إلى حرب هرثمة وعلى الجيش بشر وبشير الأزْديان بعث إليهما طاهر يتوعَدُهما، فلم يأمنا صَوْلته، لإشرافه على الفتح، فخليا عن الجيش وأنفضَّ الجمع، وكان طاهر قد نزل في البستان المعروف بباب الكباش الطاهري، ففي ذلك يقول بعض العَيارين من أهل بغداد ومن أهل السجون:
لنا من طاهر يومٌ ... عظيم الشأن والخَطْب
علينا فيه بالأنجا ... د عن هَرْثمه الكَلْبِ
منا لأبي الطيب ... يوم صادق الكَرْبِ
أتاه كل طرار ... ولص كان ذا نقب
وعريان على جنبيه ... آثار من الضرْبِ
إذا ما حل من شرق ... أتيناه من الغَرْبِ
وضاق الأمر بمحمد الأمين ففرق في قُوَّاده المحدَثِينَ دون غيرهم خمسمائة ألف درهم وقارورة غالية، ولم يُعْطِ قدماء أصحابه شيئاً، فأتت طاهراً عيونه وجواسيسه بذلك، فراسلهم وكاتبهم، ووعَدَهم ومَناهم، وأغرى الاصاغر بالقادة حتى غضبوا لذلك، وشَغَّبُوا على الأمين، وذلك يوم الاربعاء لست ليال خلون من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائه، فقال رجل من المشعَبة على الأمين:
قل لأمين الناس في نفسه ... ما شَتّتَ الجُنْد سوى الغاليه
وطاهر نفسي فى طاهربرُسْلِه والعدَّةِ الكافيِه
أضحى زِمَائم الملك في كفه ... مقابلا للفئة الباغيه
يا ناكثاً أسْلَمه نكثه ... عيوبه من حيَنْه فاشيه
قدجاءك الليث بشداته ... مستكلباً في أسُدٍ ضاريه
فاهرب فلا مهرب من مثله ... إلا إلى النار أو الهاويه
ونقل طاهر من الياسرية، فنزل بباب الأنبار، وحاصر أهل بغداد، وغادى القتال وراوحَهُ، حتى تواكل الفريقان، وخربت الديار، وعفت الآثار، وغلت الأسعار، وذلك في سنة ست وتسعين ومائة، وقاتل الأخ أخاه، والابن أباه، هؤلاء محمدية وهؤلاء مأمونية، وهدمت المنازل،وأحرقت الديار، وانتهبت الأموال، فقال الأعمى في ذلك المعروف بعده بن أبي طالب:
تقطعت الأرحام بين العشائر ... وأسلمهم أهل التقى والبصائر
فَذَاكَ انتقام الله من خلقه بهم ... لما اجترموه من ركوب الكبائر
(2/27)

فلا نحن أظهرنا من الذنب توبة ... ولا نحن أصلحنا فساد السرائر
ولم نستمع من واعظ ومُذَكَرَ ... فينجع فينا وعْظُ ناه وآمر
فنبكي على الإسلام لما تقطعت ... رجاه، ورَجّى خَيْرَهَا كل كافر
فأصبح بعض الناس يقتل بعضهم ... فمن بين مقهور ذليل وقاهر
وصاررئيس القوم يحمل نفسه ... وصار رئيساً فيهمُ كُلُّ شاطر
فلا فاجر للبريحفظ حرمة ... ولا يستطيع البَر دفعاً لفاجر
فمن قائم يدعو إلى الجهد عامدا ... ومن أول قد سن عنا لآخر
تراهم كأمثال الذئاب رأت دَما ... فأمتهُ لا تلوي على زجر زاجر
إذا هم الأعداء أول منزل ... بسعيهمُ قاموا بِهَدْم الأواخر
فأصبحتِ الأغتام بين بيوتهم ... تَحًثهم بالمرْهفات البَواتر
وأصبح فُسَّاق القبائل بينهم ... تشدُّ على أقرانها بالخناجر
فنبكي لقتلى من صديق ومن أخ ... كريم، ومن جار شفيق مجاور
ووالدة تبكي بحزن على ابنها ... فيبكي لها من رحمةٍ كلُّ طائر
وذات حليل أصبحت وهْيَ أيم ... وتبكي عليه بالدموع البوادر
تقول له: قد كنت عزاً وناصراَ ... فَغُيِّبَ عني اليوم عِزَي وناصري
وأبْتُ لإحراق وهدْم منازل ... وقتل وإنهاب اللُّهى والذخائر
وإبراز رَبات الخدور حَوَاسراً ... خرجن بلا خُمْرٍ ولا بمآزر
تراهَا حَيارى ليس تعرف مذهباً ... نوافر أمثال الظباء النوافر
كأن لم تكن بغداد أحسن منظراً ... ومَلْهًى رأته عينُ لاهِ ونَاظر
بلى، هكذا فإذهب حسنها ... وبدَّر منها الشمل حكَم المقادر
وحَلَّ بهم ما حَل بالناس قبلهم ... فأضحوا أحاديثاً لِبَادٍ وحاضر
أبغداد، يا دار الملوك، ومجتنى ... صنوف المنى، يا مستقرَّ المنابر
ويا جنة الدنيا، ويا مَطْلَبَ الغنى ... ومستنبط الأموال عند المتاجر
أبيني لنا: أين الذين عهدتهم ... يحلون في روض من العيش زاهر؟
وَأين الملوك في المواكب تغتدي ... تشبه حسناً بالنجوم الزواهر؟
وأين القُضَاة الحاكمون برأيهم ... لورد أمور مشكلات الأوامر؟
أو القائلون الناطقون بحكمة ... وَرَصْفِ كلام من خطيب وشاعر
وأين مراح للملوك عهدتها ... مزخرفة فيهاصنوف الجواهر
تُرَشُّ بماء المسك وَالوَرْد أرضها ... يفوح بها من بعد ريح المجامرِ
ورَاحَ الندامى فيه كل عشية ... إلى كل فَياضٍ كريم العناصر
ولهو قِيان تستجيب لنغمها ... إذا هو لَبَّاهَا حنين المزاهر
فما للملوك الغُرِّمن آل هاشم ... وأشياعهم فيها اكتفوا بالمفاخر
يروحون في سلطانهم وكأنهم ... يروحون في سُلْطان بعض العشائر
تخاذل عما نَالهُمْ كبراؤهم ... فَنَالهُمُ بالكره أيدي الأصاغر
فأقسم لوأن الملوك تَنَاصَرُوا ... لَذَلًتْ لها خوفاً رقاب الجبابر
(2/28)

وبعث هرثمة بن أعين بن زهيربن المسيب الضبي من الجانب الشرقي، فنزل الماطر مما يلي كالواذا، وَعَشّر ما في السفن من أموال التجار الواردة من البصرة وواسط، ونصب على بغداد المنجنيقات، ونزل في رقة كلواذا والجزيرة، فتأذى الناس به، وصمد نحوه خلق من العَيَّارين وأهل السجون، وكانوا يقاتلون عُرَاةً في أوساطهم التبابين والميازر، وقد أتخذوا لرؤوسهم دواخل من الخوص وسموها الخوذ، وَدرَقاً من الخوص والبواري قد قُيِّرَت وحشيت بالحصى والرمل، على كل عشرة منهم عريف، وعلى كل عشرة عرفاء نقيب، وعلى كل عشرة نقباء قائد، وعلى كل عشرة قواد أمير، ولكل في مرتبة من المركوب على مقدارما تحت يده،فالعريف له أناس مركبهم غير ما ذكرنا من المقاتلة، وكذلك النقيب والقائد والأمير، ونادى عُرَاة قد جعل في أعناقهم الجلاجل والصوف الأحمر والأصفر، ومقاود قد اتخذت لهم، ولجم وأذناب من مكانس ومَذَابَّ، فيأتي العريف وقد أركب واحداً وقدامه عشرة من المقاتلة على رؤوسهم خوذ الخوص وَعَرَقُ البواري، ويأتي النقيب والقائد والأمير كذلك، فتقف النظارة يتظرون إلى حربهم مع أصحاب الخيول الفرةِ الجواشن والدروع والتجافيف والسواعد والرماح والدرق التبتية، فهؤلاء عراة وهؤلاء على ما ذكرنا من العدَة فكانت للعُرَاة على زهير، وأتاه المدَدُ من هرثمة، فأنهزمت العُرَاة، ورمت بهم خُيُولُهم، وتحاصروا جميعاً، وأخذهم السيف، فقتل منهم خلق، وقتل من النظارة خلق، فقال في ذلك الأعمى، وذكر رَمْيَ زهير بالمنجنيق:
لا تقرب المنجنيق والحَجَرَا ... وقد رأيت القتيل إذ قبرا
بَاكَرَكيلا يفوته خبر ... راح قَتِيلاوخَلّفَ الخبرا
أرادا ألا يقال: كان لهم ... أمر، فلم يدر ما به أمرا
ياصاحب المنجنيق مافعلت ... كفاك؟ لم تُبْقِيا ولم تذرا
كان هواه سوى الذي أمراهيهات أن يغلب الهوى القدرا فلما ضاق الأمر بالأمين في أرْزَاقِ الجند ضرب أنية الذهب والفضة سِراً، وأعطى رجاله، وتحيز إلى طاهر الحربيةُ وغيرها من الأرباض مما يلي باب الأنبَار، وباب حرب، وباب قطر بل، فصارت الحرب في وسط الجانب الغربي، وعملت المنجنيقات بين الفريقين، وكثر الحريق وَالهَدْم ببغداد وَالكَرْخ وغيره من الجانبين، حتى درست محاسنها، واشتد الأمر، وتنقل الناس من موضع إلى موضع، وعم الخوف، فقال الشاعر:
من ذا أصابَكِ يا بغداد بالعين ... ألم تكوني زماناً قُرة العين؟
ألم يكن فيك قوم كان قربهمُ ... وَكان مسكنهم زيناً من الزين؟
صَاحَ الزمان بهم بالبين فانقرضوا ... ماذا لقيت بهم من لوعة البين؟
أستورع اللّه قَوْماً ماذكرتهمُ ... إلاتحدَّرَماء الدمع من عيني
كانوا ففرقهم دهروَصَدعهم ... والدهريصدع ما بين الفريقين
ولم تزل الحرب قائمة بين الفريقين أربعةَ عَشَرَ شهراً، وضاقت بغداد بأهلها، وتعطلت المساجد، وتركت الصلاة، ونزل بها ما لم ينزل بها قط مثله، مذ بناها أبو جعفر المنصور، وقد كان لأهل بغداد في أيام حرب لمستعين والمعتز حرب نحو هذا من خروج العًيّارين إلى الحرب وقد أتخذوا خيلاً منهم وأمراء كالملقب بنينويه خالويه وغيرهم، يركب الواحد منهم على واحد من العَيَّارين ويسير إلى الحرب في خمسين ألف عُرَاة، ولم ينزل بأهل بغداد شر من هذا الحرب حرب المأمون والمخلوع، وقد استعظم أهل بغداد ما نزل بهم في هذا الوقت في سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة من خروج أبي إسحاق المتقي للّه عنهم، وما كان قبل هذا الوقت من البريديين، وابن رائق وتوزون التركي، وما دفعوا إليه من الوَحْشَة بخروج أبي محمد الحسن بن أبي الهيجاء عبد اللّه بن حمدان الملقب بناصر الدولة، وأخيه علي بن عبد اللهّ الملقب بسيف الدولة عليهم، لبعد العهد مما حلَّ بالمنازل بها، وطول السنين، وغيبة ذلك عنه وبُعْدِهم منه، وتقدم مثل أولئك العيارين الذين كانوا في ذلك العصر، واشتد الأمر بين المأمونية والعراة وغيرهم من أصحاب المخلوع، وَحُوصِر محمد في قصره من الجانب الغربي، فكان بينهم في بعض الأيام وقعة تَفانى فيها خلق كثير من الفريقين، فقال في ذلك حُسَيْن الخليع:
(2/29)

لنا النصر بعون الله ... والكَرَّة لا الفرَّهْ
وللمرَّاقِ أعدائك ... يَوْمُ السُّوء وَالبرهْ
وكأس تلفظ الموت ... كريه طعمها مرهْ
سَقَوْنَا وسقيناهم ... ولكن لهم آخرهْ
أمينَ اللِّه ثق باللَّه ... تُعْطَ الصبر وَالنُّصْرَهْ
كِل الأمر إلى اللّه ... كَلاكَ اللَّه ذو القدْرِهْ
كذاك الحرب أحْياناً ... علينا ولنا مَرَهْ
وقعة دار الرقيق
وكانت وقعة آخرى عظيمة بشارع دار الرقيق هلك فيها خلق كثير، وكثر القتل في الطرق والشوارع، ينادي هذا بالمأمون والأخر بالمخلوع، ويقتل بعضهم بعضاً، وأنتهبت الدور، فكان الفوز لمن نجا بنفسه من رجل وامرأة بما يسلم معه إلى عسكر طاهر فيأمن على نفسه وماله، وفي ذلك يقول الشاعر:؟؟؟
بَكَتْ عيني عَلَى بغداد لما ... فَقَدْت غضارة العيش الأنيق
تَبذَلنا هموماً من سرور ... ومن سَعَةِ تَبَدًلنا بضيق
أصابتنا من الحُسَّادِ عَين ... فأفنت أهلها بالمنجنيق
فقوم أحرقوا بالنار قصرا ... ونائحة تَنُوح عَلَىغريق
وصائحة تنادي: يا صحابى ... وقائلة تنادي: يا شقيقي
وَحَوْرَاء المدامع ذات دل ... مُضَمًخَة المجاسد بالخلُوق
تنادي بالشفيق، فلا شفيق ... وقد فقد الشفيق مع الرفيق
وقوم أخرجوا من ظل دنيا ... متاعهمُ يباع بكل سُوق
ومغترب. بعيد الدار ملْقًى ... بلا رأس بقارعة الطريق
توسَطَ من قتالهكمُ جميعاَ ... فما يَدرُونَ من أي الفريق
فلا ولد يقيم عَلَى أبيه ... وقد هرب الصديق عن الصديق
ومهما أنسَ من شيء تَوَلى ... فأني ذاكر دار الرقيق
صرامة العراة
وسأل قائد من قوَاد خراسان طاهراً أن يجعل له الحرب في يومها له فيه، ففعل طاهر له ذلك، فخرج القائد وقد حقرهم، وقال: ما يبلغ من كيد هؤلاء، ولا سلاح معهم، مع ذوي البأس والنجدة والسلاح والعدَّة، فبصر به بعض العراة وقد راماه مدة طويلة حتى فنيت سهام القائد، وظن أن العريان فنيت حجارته، فرماه بحجر بقيت في المخلاة، وقد حمل عليه القائد، فما أخطأ عينه، وثناه بحجرآخر، فكاد يصرع القائد عن فرسه، ووقعت البيضة عن رأسه، فكَر راجعاً وهو يقول: ليس هؤلاء بناسٍ، هؤلاء شياطين، ففي ذلك يقول أبويعقوب الخريمي:
الكَرْخ أسواقُه مُعَطَّلَة ... يستن عَيًارُهَا وعابرها
خَرَّجَتِ الحربُ من أراذلهم ... أسُود غِيل عَلَتْ قساورها
وقال علي الأعمى :
خَرًجَتْ هذه الحُرُوبُ رجال ... لا لقحطان، لا، ولا لنزار
معشر في جواشن الصوف يغدو ... ن إلى الحرب كالليوث الضوَارِي
ليس يدْرُونَ ما الفرار إذا ما ... الأبطال عاذوا من الفنا بالفرَار
واحد منهمُ يشدُ على الذين ... عرْيان ما له من إ زَار
ويقول الفتى إذا طعن الطعنة: ... خُذْهَا من الفتى العيارِ
الوقائع الحاسمة
واشتَدّ القتال في كل يوم، وصبر الفريقان جميعاً، وصار حامية المخلوع وجنده العُرَاة أصحاب خُوَذ الخوص ودرق البواري، وضايق طاهر القوم، وأقبل يقتطع من بغداد الشارع بعد الشارع، ويصير في حيزه أهل تلك الناحية معاونين له في حربه، وأقبل الهدم يكثر فيما ليس من حيزه، ثم جعل يحفر الخنادق بينه وبين أصحاب المخلوع في مواضع الدور والمنازل والقصور، وأصحاب طاهر في قوة وإقبال، وأصحاب المخلوع في نقص وإدبار، وأصحاب طاهر يهدمون، وأصحاب المخلوع يأخذون بعض الدور من خشب وأثواب وغير ذلك، وينهبون المتاع، فقال رجل من المحمدية:
لنا كل يوم ثلمة لانسدُّهَا ... يزيدون فيما يطلبون وننقص
إذا هَدَمُوا داراً أخذنا سُقُوفها ... ونحن لأخرى مثلها نتربص
(2/30)

يثيرون بالطبل القنيص، وإن بدا ... لهم وَجْهُ صيدٍ من قريب تقنَّصوا
وقد أفسدوا شرق البلاد ... وغربها علينا فما ندْرِي إلى أين نشخص
إذا حَضَرُوا قالوا بما يبصرونه ... وإن لم يروا شيئاً قبيحاً تخرصوا
وقد رخصت قراؤنا في قتالهم ... وما قتل المقتول إلا المرخص
ولما نظرطاهر إلى صبر أصحاب المخلوع على هذه الحال الصعبة قطع عنهم مَوَادَّ الأقوات وغيرها من البصرة وواسط وغيرهما من الطرق، فكان الخبز في حد المأمونية عشرين رطلاً بدرهم، وفي حد المحمدية رطل بدرهم.، وضاقت النفوس وَأيسُوا من الفرج، واشتد الجوع، وسر من سار إلى حيز طاهر، وأسف من بقي مع المخلوع، وتقدم طاهر في سائر أصحابه من مواضع كثيرة، وقصد باب الكباش فأشتدَ القتال، وتبادرت الرؤوس، وعمل السيف والنار، وصبر الفريقان، وكان القتل أعم في أصحاب طاهر، وَفَني خلق من العراة أصحاب مخالى الحجارة والآجر وخوذ الخوص ودرق الحصر والبواري ورماح القصب وأعلام الخرق وبوقات القصب وقرون البقر، وكان ذلك في يوم الأحد، ففي ذلك يقول الأعمى:
وقعة يَوْم الأحد ... كانت حَدِيثَ الأبد
كم جَسَدٍ أبَصرته ... مُلْقًى وكم من جَسَدِ
وناظر كانت له ... مَنية بالرصد
أتاه سَهْمٌ عائر ... فَشَقَّ جوف الكبدِ
وآخر ملتهب ... مثل التهاب الأسد
وقائل: قد قتلوا ... ألفاً ولمَّا يَزِدِ
فقائل: أكثر، بل ... مالهُمُ من عدد
قلت لمطعون وفيه ... طعنة لم تئد؟
من أنت، ياويلك يا ... مسكين من محمد
فقال: لامن نسب ... دَان، ولا من بلد
ولاأنا للغي قا ... تَلْتُ ولا للرَّشَد
ولا لشيء عاجل ... يصيرمنه في يدي
ولما ضاق بمحمدٍ الحال واشتدَ به الحصار أمر قائداً من قواده يقال له ذريح أن يتبع أصحاب الأموال والودائع والذخائر من أهل الملة وغيرهم، وقَرَن معه آخر يعرف بالهرش، فكانا يهجمان على الناس، ويأخذان بالظنَة، فأجتبيا بذلك السبب أموالاً كثيرة، فهرب الناس بعلة الحج، وَفَر الأغنياء من ذريح والهرش ففي ذلك يقول علي الأعمي:
أظهروا الحج وما يَبْغُونَه ... بل من الهرش يريدون الهرب
كم أناس أصبحوا في غبطة ... رَكَضَ الليل عليهم بالعَطَبْ
كل مَنْ زار ذريح بيته ... لَقِيَ الذل ووافاه الحَرث
في شعر له طويل.
ولما عَمَّ البلاد أهل الستر أجتمع التجار بالكرخ على مكاتبة طاهر أنهم ممنوعون منه ومن الخروج إليه، ومغلوبٌ عليهم وعلى أموالهم، وأن العُرَاة والباعة هم آلافة، فقال بعضهم: أنكم أن كاتبتم طاهراً لم تأمنوا صَوْلة المخلوع بذلك، فدعوهم فإن اللّه مهلكهم، وقال قائلهم:
دعوا أهل الطريق فعن قريب ... تنالهمُ مخاليب الهَصُورِ
فتهتك حُجْبَ أكباد شداد ... وشيكا ما تصير إلى القبور
فإن اللّه مهلكهم جميعاً ... لأسباب التمرد والفجور
وثارت العُرَاة ذات يوم في نحو مائة ألف بالرِّماح والقصب والطرادات من القراطيس على رؤوسها، ونفخوا في بوقات القصب وقرون البقر، ونهضوا مع غيرهم من المحمدية، وزحفوا من مواضع كثيرة نحو المأمونية، فبعث إليهم طاهر بعدة قُوَّاد وأمراء من وجوه كثيرة، فأشتد الجلاد، وكثر القتل، وكانت للعُرَاة على المأمونية إلى الظهر، وكان يوم الأثنين، ثم ثارت المأمونية على العُرَاة من أصحاب محمد، فغرق منهم وقتل وأحرق نحو عشرة آلاف، وفي ذلك يقول الشاعر الأعمى:
بالأمير الطاهربن الحسين ... صبحُونَا صبيحة الأثنين
جمعوا جمعهم فثار إليهم ... كل صُلْب القناة والساعدين
يا قتيل العُرَاة مُلْقَى على الشط ... تَطَاهُ الخيول في الجانيين
ما الذي كان في يديك إذا ما ... اصطلح الناس أية الخلتيْنِ
(2/31)

أوزير أم قائد، بل بعيد ... أنت من ذين موضِعَ الفرْقَدَين
كم بَصِير غدا بعينين كي ... ينظر ما حالهم فراح بعين
ليس يخطُونَ ما يريدون، ما إن ... يقصدوا منهمُ سوى الناظرين
واشتد الأمر بمحمد المخلوع، فباع ما في خزائنه سراً، وفرق ذلك أرزاقاً فيمن معه، ولمِ يبق معه ما يعطيهم، وكثرت مطالبتُهم أياه، وضيق عليه طاهر، وكان نازلاً بباب الأنبار في بستان هنالك، فقال محمد: وورت أن اللّه قتل الفريقين جميعاًَ، فما منهم إلا عدو، مَنْ مَعِي، ومن عليُّ، أما هؤلاء فيريدون مالي، وأما أولئك فيريدون نفسي، وقال:
تَفَرَّقوا ودَعُوني ... يا معشرالأعوان
فكلكم ذو وجوه ... كثيرة الألوان
وما أرى غيرإ فْكٍ ... وتُرهات الأماني
ولست أملك شيئاً ... فسألوا إخواني
فالويل فيما دهاني ... أني من نازل البستان
يعني طاهربن الحسين.
ولما اشتدَّ الأمر عليه وجدّ به ونزل هرثمة بن أعين بالجانب الشرقي، وطاهر بالجانب الغربي، وبقي محمد في مدينة أبي جعفر، شاور من حضره من خواصه في النجاة بنفسه، فكل أدلى برأى، وأشار بوجه، فقال قائل منهم: تكاتب ابن الحسين وتحلف له بما يثق به أنك مفوض أمرك إليه، لعله أن يجيبك إلى ما تريد منه، فقال: ثكلتك أمك! لقد أخطأت الرأي في طلبي المشورة منك، أما رأيت ثار رجل لا يؤول إلى عذر. وهل كان المأمون لو اجتهد لنفسه وتولّى الأمر برأيه بالغاً عُشْرَ ما بلغه له طاهر. ولقد د سَسْت وفحصتُ عن رأيه، فما رأيته يطلب إلا تأثيل ر المكارم وبُعْدَ الصيت والوفاء، فكيف أطمع في استذلاله بالأموال وفي غدره والاعتماد في عقله؟ ولو قد أجاب إلى طاعتي وأنصرف إلي، ثم ناصَبَنِي جميعُ الترك والديلم ما اهتممت بمناصبتهم، ولكنت كما قال أبو الأسود الدؤلي في الأزد عند إجارتها زياد بن أبيه:
فلمّا رآهم يطلبون وزيره ... وساروا إلية بعد طول تَمَارِ
أتى الأزْدَ إذ خاف التي لا بَقَالها ... عليه، وكان الرأي رأي زياد
فقالوا له: أهلاً وسهلاً ومرحباً ... أصَبْتَ فكاشِفْ من أرَدْتَ وعَادِ
فأصبح لا يخشى من الناس كلهم ... عدواً، ولو ما لوا بقوة عاد
(2/32)

واللّه لوددت أنه أجابني إلى ذلك بأبحته خزائني، وفَوَّضْتُ إليه ملكي، ورضيت بالمعاش تحت يديه، ولا أظنني مُفْلِته، ولوكانت لي ألف نفس. فقال السندي: صدقت واللّه يا أمير المؤمنين، ولو أنك أبوه الحسين بن مصعب ما استبقاك، فقال محمد: وكيف لنا بالخلاص إلى هَرْثَمة ولات حين مناص؟ وراسلَ هرثمة، ومال إلى جنبته، فوعده هرثمة بكل ما أحب، وأنه يمنعه ممن يريد قتله، وبلغ ذلك طاهراً، فأشتد عليه وزاد غيظه وحنقه، ووعده هرثمة أن يأتيه في حَرَّاقة إلى مَشْرَعة باب خراسان فيصير به إلى عسكره هو ومن أحب، فلما همَّ محمد بالخروج في تلك الليلة - وهي ليلة الخميس، لخمس ليال بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة - دخل إليه الصعاليك من أصحابه، وهم فتيان الأبناء والجند، فقالوا له: يا أمير المؤمنين، ليس معك من ينصحك، ونحن سبعة آلاف رجل مقاتلة، وفي إصطبلك سبعة آلاف فرس يحمل كل منه على فرس وتفتح بعض أبواب المدينة، ونخرج في هذه الليلة، فما يُقْدِم علينا أحد إلى أن نصير إلى بلد الجزيرة وديار ربيعة، فَنجْبِي الأموال، ونجمع الرجال، ونتوسط الشام، وندخل مصر، ويكثر الجيوش والمال، وتعود الدولة مقبلة جديدة، فقال: هذا واللّه الرأي، فعزمِ على ذلك وهَمَّ. به وجَنَح إليه، وكان لطاهر في جوف دار الأمين غلمان وخدَم من خاصة الأمين يبعثون إليه بالأخبار ساعة فساعة، فخرج الخبر إلى طاهر من وقته، فخاف طاهر، وعلم أنه الرأي أن فعله، فبعث إلى سليمان بن أبي جعفر وإلى ابن نهيك والسندي بن شاهك - وكانوا مع الأمين - أن لم تزيلوه عن هذا الرأي لأخربَنَ دياركم وضياعكم ولأزيلًنّ نعمكم. ولأتلفنَّ نفوسكم، فدخلوا على الأمين في ليلتهم، فأزالوه عن ذلك الرأي، وأتاه هرثمة في الحرَّاقة إلى باب خراسان، ودعا الأمين بفرس يقال له الزهيري، أغر محجل أدهم محذوف، ودعا الأمين بابنيه موسى وعبد اللهّ فعانقهما وشمهما وبكى، وقال: اللّه خليفتي عليكما، فلست أدري أألتقي معكما بعدها أو لا،وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود وقُدامه شمعة، حتى أتى باب خراسان إلى المشْرَعة والحراقة قائمة فنزل ودخل الحراقة، فقبَّل هرثمة بين عينيه، وقد كان طاهر نمي إليه خروجه، فبعث بالرجال من الهرَوِية وغيرهم والملاحين في الزوارق على الشط، فدفعت الحراقة، ولم يكن مع هرثمة عدة من رجاله، فأتى أصحاب طاهر عُرَاة فغاصوا تحت الحراقة فأنقلبت بمن فيها، فلم يكن لهرثمة شاغل إلا أن نجا بِحُشَاشة نفسه، فتعلق بزورق وصعد إليه من الماء ومضى إلى عسكره من الجانب الشرقي، وشق محمد ثيابه عن نفسه وسَبَحَ فوقع نحو السراة إلى عسكر قرين الديراني غلام طاهر، فأخذه بعض السواس حين شم منه رائحة المسك والطيب، فأتى به قريناً فأستاذن فيه طاهراً، فأتاه الإذن في الطريق وقد حمل إلى طاهر، فقتل في الطريق وهو يصيح: إنا للّه وإنا إليه راجعون،أنا ابن عَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم،وأخو المأمون، والسيوفُ تأخذه حتى بَرَدَ، وأخذوا رأسه، وكانت ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة.
(2/33)

وذكر أحمد بن سلام - وقد كان مع الأمين في الحَراقة حين انقلبت - فسبح فقبض عليه بعض أصحاب طاهر وأرادا قتله، فأرغبه في عشرة آلاف درهم، وأنه يحملها إليه في صبيحة تلك الليلة، قال: فأدخلتُ بيتاً مظلماً فبَيْنَاأنا كذلك إذ دخل عَليَ رجل عُرْيان عليه سراويل وعمامة قد تلثم بها، وعلى كتفه خِرْقَة، فجعلوه معي، وتقدموا إلى مَنْ في الدارفي حفظنا، فلما استقر في الدار حَسَر العمامة عن وجهه فإذا هو محمد، فاستعبرت واسترجعت فيما بيني وبين نفسي، وجعل ينظر إلي ثم قال: أيهم أنت؟. قلت:أنا مولاك يا سيدي، قال: وأي الموالي أنت، قلت: أحمد بن سلام، قال: أعرفك بغير هذا، كنت تأتيني بالرّقة، قلت: نعم، يا أحمد، قلت: لبيك يا سيدي، قال: أدنُ مني وَضُمَنِي إليك فأني أجد وَحْشَة شديدة، قال: فضممته إليَ، فإذا قلبه يخفق خفقاناً شديداً، ثم قال: أخْبِرْنِي عن أخي المأمون أحَي هو؟ قلت له: فهذا القتال عمن أذَن؟ قال: قبحهم اللّه، ذكروا أنه مات، قلت: قبح اللّه وزراءك! فهم أوردوك هذا الموْرِدَ، فقال لي: يا أحمد ليس هذا موضع عتاب، فلا تقل في وزرائي إلا خيراً فما لهم ذنب، ولست بأول مَنْ طلب أمراً فلم يقدر عليه، قلت: ألبس إزاري هذا وَارْم بهذه الخرقة التي عليك، فقال: يا أحمد مَنْ كان حاله مثل حالي فهذه له كثير، ثم قال لي: يا أحمد ما أشُكُّ أنهم سيحملونني إلى أخي أفَترَى أخي قاتلي؟ قلت: كلا، أن الرحم ستعطفه عليك، فقال لي: هيهات؟! الملك عقيم لا رحم له، فقلت له: أن أمان هرثمة أمان أخيك، قال فلقنته الأستغفار وذكر اللّه، فبينا نحن كذلك إذ فتح باب البيت فدخل علينا رجل عليه سلاح فاطلَع في وجه محمد مستثبتاً له، فلما أثبته معرفَةً خرج وأغلق الباب، وإذا هومحمد الطاهري، قال: فعلمت أن الرجل مقتول، وقد كان بقي عَلَيَّ من صرتي الوتر، فخفت أن أقتل ولم أوتر، فقمت لأوتر، فقال لي: يا أحمد لا تبعد منّي وَصَل بقربي، فأني أجد وَحْشَة شديدة، فدنوت منه، فقلً ما لبثنا حتى سمعنا حركة الخيل وَدقَّ باب الدار، ففتح الباب فإذا قوم من العجم بأيديهم السيوف مُصْلَتة، فلما أحَسَ بهم محمد قام قائماً وقال: إنا لله وأنا إليه راجعون، ذهبت واللّه نفسي في سبيل اللّه، أما من حيلة؟ أما من مُغِيث؟ وجاءوا حتى قاموا على باب البيت الذي نحن فيه، وجعل بعضهم يقول لبعض: تقدم، ويدفع بعضهم بعضاً ة فأخذ محمد بيده وسادة وجعل يقول: أنا ابن عمّ رسول الله،أنا ابن هارون الرشيد،أنا أخو المأمون، الله الله في دمي، فدخل عليه رجل منهم مولى لطاهر فضربه بالسيف ضربة وقعت في مقدم رأسه، وضرب محمد وجهه بالوساة التي كانت في يده، واتكأ عليه ليأخذا السيف من يده، فصاح بالفارسية: قتلني الرجل، فدخل منهم جماعة فنَخَسَه أحدهم بسيفه في خاصرته، وَكَبُّوه فذبحوه من قَفاه، وأخذوا رأسه، ومضوا به إلى طاهر.
وقد قيل في كيفية قتله غير هذا، وقد أتينا على التنازع في ذلك في الكتاب الأوسط.
وأتى بخادمه كوثر وكان حَظِيّه، معه الخاتم وَالبُرْدُ والسيف والقضيب، فلما أصبح طاهر أمر برأسه فنصب على باب من أبواب بغداد يعرف بباب الحديد نحو قُطْربلَ في الجانب الغربي، إلى الظهر، ودُفنت جثته في بعض تلك البساتين.
(2/34)

ولما وضع رأس الأمين بين يدي طاهر قال: اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاءُ، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعزمن تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير، أنك على كل شيء قدير وَحُمِل الرأس إلى خراسان إلى المأمون في منديل والقطنُ عليه والأطْلِيَةُ، فاسترجع المأمون وبكى واشتد تأسفه عليه، فقال له الفضل بن سهل: الحمد لله يا أمير المؤمنين على هذه النعمة الجليلة، فإن محمداً كان يتمنى أن يراك بحيث رأيته، فأمر المأمون بنصب الرأس في صَحْنِ الدار على خشبة، وأعطى الجند، وأمر كل من قبض رزقه أن يلعنه، فكان الرجل يقبض ويلعن الرأس، فقبض بعض العجم عَطَاءه، فقيل له: العن هذا الرأس، فقال: لعن اللّه هذا ولعن والديه وما ولدا وأدخلهم في كذا وكذا من أمهاتهم، فقيل له: لعنت أمير المؤمنين، وذلك بحبث يسمعه المأمون منه فتبَسَّمَ وتغافل، وأمر بحَطِّ الرأس، وترك ذلك المخلوع، وطيب الرأس وجعله في سَفَطٍ، وردهُ إلى العراق فدفن مع جثته، ورحم اللّه أهل بغداد وخلصهم مما كانوا فيه من الحصار والجزع والقتل، ورثاه الشعراء، وقالت زبيمة أم جعفر والدته:
أودى بإلفك من لم يترك الناسا ... فامنح فؤادك عن مقتولك الياسا
لًمّا رأيتُ المنايا قد قَصَدْنَ له ... أصَبْنَ منه سواد القلب وَالراسا
فبتُ متكئاً أرْعَى النُّجُومَ لَه ... إخَال سنته في الليل قِرْطَاسَا
والموت دان له، وَالهَم قارنه ... حتى سَقَاه التي أودت بها الكَاسَا
رزئته حين بَاهَيْتُ الرِّجَال به ... وقد بنيت به للدهرأساسا
فليس مَنْ مات مَردوداً لنا أبداً ... حتى يَرُدَّ علينا قبله نَاسَا
ورَثَتْهُ زوجته لُبَابة ابنة علي بن المهدي، ولم يكن دخل بها، فقالت:
أبكيك لا للنعم وَالأنس ... بل للمعالي والسيف والترس
أبكي على سيد فُجِعْتُ به ... أرْمَلَنِي قبل ليلة العرس
يا مالكاً بالعَرَاءِ مُطَّرَحا ... خانته أشْرَاطه مع الحرس
ولما قتل محمد دخل إلى زبيدة بعضُ خدمها، فقال لها: ما يجلسك وقد قتل أمير المؤمنين محمد،! فقالت: وَيْلَك!! وما أصنع؟ فقال: تخرجين فتطلبين بثأره كما خرجَتْ عائشة تطلب بدم عثمان، فقالت: أخسأ لا أم لك، ما للنساء وطلب الثِّأْر ومنازلة الأبطال؟ ثم أمرت بثيابها فسودت، ولبست مسحاً من شَعَرٍ، ودعت بدواة وقرطاس، وكتبت إلى المأمون:
لخير إمام قام من خيرعُنْصُر ... وَأفضل رَاق فوق أعواد منبر
ووارث علم الأولين وفخرهم ... وللملك المأمون من أم جعفر
كَتَبْتُ وعيني تستهلُّ دموعُهَا ... إليك ابن عمي من جُفُوني ومحجري
أصِبْتُ بأدنى الناس منك قرابة ... وَمَنْ زال عن كبدي فقَلَّ تَصبرِي
أتى طاهر، لا طهَرَ الله طاهراً، ... وما طاهر في فعله بمُطهَر
فأبرزني مكشوفة الوجه حاسراً ... وأنهبَ أموالي وَآخربَ أدؤري
يعزُّعَلَى هارون ما قد لَقِيتُهُ ... وما نالذي من ناقص الخلق أعور
فإن كان ما أسْدَى لأمر أمرته ... صبرتُ لأمرمن قديرمقدَر
فلما قرأ المأمون شعرها بكى ثم قال: اللهم إني أقول كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه لما بلغه قتلُ عثمان: والله ما قتلت، ولا أمرت، ولا رضيت اللهم جلَلْ قلب طاهرحزنَاً! قال المسعودي: وللمخلوع أخبار وسير غير ما ذكرنا قد أتينا عليها في كتابينا في أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط، فأغنى ذلك عن ذكرها في هذا الكتاب، والله - سبحانه - ولي التوفيق.
/ذكر خلافة المأمون
(2/35)

وبويع المأمونُ عبدُ اللّه بن هارُونَ الرشيد، وكُنْيته أبو جعفر، وأًمه باذغيسية، واسمها مراجل، وقيل: إن كُنْيته أبو العباس، وهو ابن ثمان وعشرين سنةً وشهرين، وتوفي بالبديدون على عين القشيرة، وهي عين يخرج منها النهر المعروف بالبديدون، وقيل: إن اسمها بالرومية أيضاً رقة، وحُمِلَ إلى طرسوس، فدفن بها على يسار المسجد، سنة ثمانيَ عَشَرَةَ ومائتين، وهو ابن تسع وأربعين سنةً، فكانت خلافته إحدى وعشرين سنة، منها أربعة عشر شهراً كان يحارب أخاه محمد بن زُبَيدَةَ على ما ذكرنا، وقيل: سنتان وخمسة أشهر، وكان أهل خُرَاسَان في تلك الحروب يُسَلَمُون عليه بالخلافة، وَيًدْعَى له على المنابر في الأمصار والحرمين والكور والسهل والجبل مما حَوَاه طاهر وَغَلَبَ عليه، وسلِّم على محمدٍ بالخلافة مَنْ كان ببغداد خاصة لا غيرها.
ذكر جمل من أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
المأمون والفضل بن سهل
وغلب على المأمون الفَضْلُ بن سهل، حتى ضايقه في جارية أراد شراءها، فقتله، وادعى قوم أن المأمون دَسَّ عليه من قتله، ثم سلّم عليه الوزراء بعد ذلك: منهم أحمد بن خالد الأحول، وعمرو بن مَسْعَدَة، وأبو عبادة، وكل هؤلاء سلّم عليهم برسم الوزارة.
ومات عمرو بن مَسْعَدَة سنة سبع عشرة ومائتين، فعرض لماله، ولم يعرض لمال وزير غيره.
وغلب على المأمون آخراً الفَضْلُ بن مروان، ومحمد بن يزداذ.
علي بن موسى الرضا
وفي خلافته قبض علي بن موسى الرضا مسموماً بِطُوس، ودُفن هنالك وهو يومئذ ابن تسع وأربعين سنةً وستة أشهر، وقيل غير ذلك.
المأمون وعمه إبراهيم
وهجا المأمونَ إبراهيمُ بن المهدي المعروف بابن شكلَة عَمُّه، وكان المأمون يظهر التشيع، وابن شِكْلَة التسنن، فقال المأمون:
إذا المُرْجِيُّ سَرَّكَ أن تراه ... يَمُوتُ لحينه من قبل مَوْتهْ
فَجدد على ذِكْرى عَليٍّ ... وَصَلِّ عَلَى النبيِّ وآل بيته
فأجابه إبراهيم رَادّاً عليه:
إذا الشِّيعِيُّ جَمْجَمَ في مَقَالٍ ... فَسَرَّكَ أن يبوح بذات نَفْسِهْ
فَصَلِّ عَلَى النبيِّ وَصَاحِبَيْهِ ... وَزِيرَيْهِ وَجَارَيْهِ بِرَمْسِهْ
ولِإبراهيم بن المهدي مع المأمون أخبار حسان، هي موجودة في كتاب الأخبار لِإبراهيم بن المهدي.
المأمون وأبو دلف
ودخل أبو دُلَف القاسمُ بن عيسى الْعِجْلِيُّ على المأمون، فقال له: يا قاسم، ما أحْسَنَ أبياتَكَ في صفة الحرب، ولذاذتَكَ بها، وزهدك في المغنيات! قال: يا أمير المؤمنين، أي أبيات هي؟ قال: قولك:
لِسَلِّ السيوف وشَقِّ الصفوف ... ونَفْض التراب وضرب الْقُلَلْ
قال: ثم ماذا يا قاسم؟ قال:
ولبس العَجَاجة والخافقات ... تُريِكَ المنايا بروس الأسَلْ
وقد كشفَتْ عن شَبَا نابها ... عروس المنية بين الشعَلْ
وجاءت تَهَادىَ وأبناؤها ... كأنَّ عليهم شُرُوقَ الطفَلْ
خَروس نَطُوق إذا استنطقت ... جهول يطيش على من جهل
إذا خطبت أخذت مهرها ... رؤوسا تساقَطُ بين القُلَلْ
ألذ وأشهر من المسمعات ... وشرب المدامة في يوم طَلّ
أنا ابن الحسام وتِرْبُ الصِّفَاح ... ورَيْب المنون وقرب الأجل
ثم قال: يا أمير المؤمنين، هذه لذتي مِع أعدائك، وقوَتي مع أوليائك، ويدي معك، ولئن استلَذَّ مستلذ شيئاً من المعاقرة مِلْتُ إلى المصادمة والمحاربة، قال: يا قاسم، إذا كان هذا النمط من الأشعار شأنك واللذة لذتك فما ذا تركت للوسنان مما خلفت، وأظهرت له من قليل ما سترت؟ قال: يا أمير المؤمنين، وأي أشعاري؟ قال: حيث تقول:
أيها الرِاقد المؤرِّقُ عيني ... نَمْ هنيئاً لك الرقاد اللذيذ
عَلِمَ اللَه أنَ قلبيَ ممَّا ... قد جنت مُقْلَتَاكَ فيه وَقيذُ
قال: يا أمير المؤمنين، سهوة بعد سهرة غلبت، وذلك قسم متقدم، وهذا ظن متأخر، قال: يا قاسم، ما أحسن ما قال صاحبُ هذين البيتين:
(2/36)

أذمُّ لك الأيامَ في ذات بيننا ... وما للَيَالي في الذي بيننا عُذْرُ
إذا لم يكن بين المحبين زَوْرَة ... سوى ذكر شيء قد مضى درَسَ الفكر
قال أبو دلف: ما أحسن ما قال يا أمير المؤمنين!! هذا السيد الهاشمي والملك العباسي، قال: وكيف أدَتْكَ الفطنة، ولم تداخلك الظنَة، حتى تحقّقْتَ أني صاحبهما، ولم يداخلك الشك فيهما، قال: يا أمير المؤمنين، إنما الشعر بساط صوف، فعن خَلَط الشعر بنقيِّ الصوف ظهر رونقه عند التصنيف، ونار ضوءه عند التأليف.
من كلمات المأمون
وكان المأمون يقول: يغتفر كل شيء إلا القَدْح في الملك، وإفشاء السر، والتعرض للحرم.
وقال المأمون: أخرِ الحرب ما استطعت، فإن لم تجد منها بداً فاجعلها في آخر النهار.
وذكر أنه من كلام أنوشروان.
وكان المأمون يقول: أعْيَتِ الحيلة في الأمر إذا أقبل أن يُدْبر، وإذا، أدبر أن يُقْبل.
ولما تأتى الملك للمأمون وخلص قال: هذا جسيم لولا أنه عديم، وهذا ملك لولا أنه بعده هُلْك، وهذا سرور لولا أنه غرور، وهذا يوم لو كان يوثق بما بعده.
وكان المأمون يقول: البشر مَنْظَرٌ مُونق، وخَلْقٌ مشرق، وزارع للقلوب، وحلٌّ مألوف، وفضل منتشر، وثناء بسيط، وتحَف للأحرار، وفَرْعٌ رحيب، وأول الحسنات، وذريعة إلى الجاه، وأحمد للشِّيَم، وباب لرضا العامة، ومفتاح لمحبة القلوب.
وكان المأمون يقول: سادة الناس في الدنيا الأسْخِياء، وفي الآخرة الأنبياء وإن الرزق الواسع لمن لا يستمتع به بمنزلة طعام على ميزاب البخل، لو كان طريقاً ما سلكته، ولو كان قميصاً ما لبسته.
وحضر المأمون إملاكاًً لبعض أهل بيته، فسأله بعض مَنْ حضر أن يخطب، فقال: الحمد للّه، الحمد اللّه، والصلاة على المصطفى رسول اللّه، وخَيْرُ ما عُمِلَ به كتابُ اللّه، قال اللّه تعالى: " وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم، إن يكونوا فقَرَاء يُغْنِهم اللّه مِن فضله، واللّه واسع عليم " ولو لم يكن في المناكحة آية محكمة ولا سنة مُتّبعة إلا ما جعل اللّه في ذلك من تأليف البعيد والقريب لَسَارَعَ إليه الموفَّقُ المصيب، وبادر إليه العاقل النجيب، وفلان مَنْ قد عرفتموه في نسب لم تجهلوه، خَطَب إليكم فتاتكم فلانة، وبذل لها من الصداق كذا وكذا، فشفّعوا شافعنا، وأنكحوا خاطبنا، وقولوا خيراً تحمدوا عليه وتؤجَرُوا، أقول قولي هذا وأستغفر اللّه لي ولكم.
بين ثمامة ويحيى بن أكثم عند المأمون
وذكر ثُمَامَةُ بن أشْرَسَ قال: كنا يوماً عند المأمون، فدخل يحيى بن أكثم - وكان قد ثقل عليه موضعي منه - فتذاكرنا شيئاً من الفقه، فقال يحيى في مسألة دارت: هذا قول عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وابن عمر وجابر، قلت: أخطأوا كلهم، وأغفلوا وجه الدلالة، فاستعظم مني ذلك يحيى وأكبره، وقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا يخطِّئ أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كلهم، فقال المأمون: سبحان اللّه!! أكذا يا ثُمَامة؟ قلت: يا أمير المؤمنين، إن هذا لا يبالي ما قاله ولا ما شَنَّع به، ثم أقبلت عليه فقلت: ألست تزعم أن الحق في واحد عند اللّه عزّ وجلّ. قال: نعم، قلت: فزعمت أن تسعة أخطأوا وأصاب العاشر، وقلت أنا: أخطأ العاشر، فما أنكرت. قال: فنظر المأمون إلي وتبسمَ، وقال: لم يعلم أبو محمد أنك تجيب هذا الجواب، قال يحيى: وكيف ذلك؟ قلت: ألست تقول: إن الحق في واحد. قال: بلى، قلت: فهل يخلِي اللّه عزّ وجلّ هذا الحق من قائل يقول به من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، قلت: أفليس من يخالفه ولم يقل به فقد أخطأ عندك الحق؟ قال: نعم، قلت: فقد دخلت فيما عِبْتَ، وقلت بما أنكرت وبه شنعت، وأنا أوضح دلالة منك، لأني خطأتهم في الظاهر، وكل مصيب عند اللّه الحق، وإنما خطأتهم عند الخلاف، وأدَّتْنِى الدلالة إلى قول بعضهم، فخطأت من خالفني، وأنت خطأت من خالفك في الظاهر وعند اللّه عزّ وجلّ.
وفد الكوفة والمأمون
(2/37)

وقدم وَفْدً الكوفة إلى بغداد، فوقفوا للمأمون، فأعْرَضَ عنهم، فقال شيخ منهم: يا أمير المؤمنين، يدُكَ أحق يدٍ بتقبيل، لعلوها في المكارم، وبعدها من المآثم، وأنت يوسفي العفو في قلة التَّثرِيب، مَنْ أرادك بسوء جعله اللّه حَصِيدَ سيفك، وطريد خوفك، وذليل دولتك، فقال: يا عمرو، نِعْمَ الخطيب خطيبهم، اقْض حوائجهم فقضيت.
المأمون والزنادقة ومعهم طفيلي
وذكر ثُمَامة بن أشْرَسَ قال: بلغ المأمون خبر عشرة من الزنادقة ممن يذهب إلى قول مانِي، ويقول بالنور والظلمة، من أهل البصرة، فأمر بحملهم إليه بعد أن سُمُّوا واحداً واحداً، فلما جًمِعُوا نظر إليهم طُفَيْلي فقال: ما اجتمع هؤلاء إلا لصنيع، فدخل في وَسَطهم، ومضى معهم، وهو لا يعلم بشأنهم، حتى صار بهم الموكلون إلى السفينة، فقال الطفيلي: نزهة لا شك فيها، فدخل معهم السفينة، فما كان بأسرع من أن جيء بالقًيُود، فقيد القوم والطفيلي معهم، فقال الطفيلي: بلغ أمر تطفيلي إلى القيود، ثم أقبل على الشيوخ فقال: فَدَيْتكم أيش أنتم؟ قالوا: بل أيش أنت. ومن أنت من إخواننا؟ والله ما أثري غير أني واللّه رجل طفيلي خرجت في هذا اليوم من منزلي فلقيتكم فرأيت منظراً جميلاً وعَوَارِضَ حسنة وبزة ونعمة فقلت: شيوخ وكهول وشَبَابٌ جمعوا لوليمة، فدخلت في وسطكم، وحاذبت بعضكم كأني في جملة أحدكم، فصرتم إلى هذا الزورق، فرأيته قد فُرِش بهذا الفرش ومهد ورأيت سفراً مملوءة وجُرُباً وسلالاً، فقلت: نزهة يمضون إليها إلى بعض القصور والبساتين، إن هذا اليوم مبارك، فابتهجت سروراً، إذ جاء هذا الموكل بكم فقيدكم وقيدني معكم، فورد علي ما قد أزال عقلي، فأخبروني ما الخبر، فضحكوا منه وتبسموا وفرحوا به وسُرُّوا، ثم قالوا: الآن قد حصلت في الِإحصاء، وأوثقت في الحديد، وأما نحن فمانية غُمز بنا إلى المأمون، وسندخل إليه، ويسائلنا عن أحوالنا، ويستكشفنا عن مذهبنا، ويدعونا إلى التوبة والرجوع عنه بامتحاننا بضروب من المحن: منها إظهار صورة ماني لنا، ويأمرنا أن نَتْفُلَ عليها، ونتبرأ منها، ويأمرنا بذبح طائر ماء، وهو الحُّرَّاج، فمن أجابه إلى ذلك نجا، ومن تخلف عنه قتل، فإذا دعيت وامتحنت فأخبر عن نفسك واعتقادك على حسب ما تؤدِّيك الدلالة إلى القول به، وأنت زعمت أنك طفيلي، والطفيلي يكون معه مدَاخلات وأخبار، فاقْطَعَ سَفَرَنا هذا إلى مدينة بغداد بشيء من الحديث وأيام الناس، فلما وصلوا إلى بغداد وأدخلوا على المأمون جعل يدعو بأسمائهم رجلاً رجلًا فيسأله عن مذهبه، فيخبره بالِإسلام، فيمتحنه ويدعوه إلى البراءة من ماني ويظهر له صورته، ويأمره أن يَتْفُلَ عليها والبراءة منها، وغير ذلك، فيأبون، فيمرهم على السيف، حتى بلغ إلى الطفيلي بعد فراغه من العشرة، وقد استوعبوا عدة القوم، فقال المأمون للموكلين: مَنْ هذا. قالوا: واللّه ما ندري، غير أنا وجدناه مع القوم فجئنا به، فقال له المأمون: ما خبرك؟ قال: يا أمير المؤمنين، امرأتي طالق إن كنت أعرف من أقوالهم شيئاً، وإنما أنا رجل طفيلي، وقَصَ عليه خبره من أوله إلى آخره، فضحك المأمون، ثم أظهر له الصورة، فلعنها وتبرأ منها، وقال: أعطونيهَا حتى أسْلَحَ عليها، واللّه ما أدري ما ماني: أيهودياً كان أم مُسْلماً، فقال المأمون: يؤدَّبُ على فرط تطفله ومخاطرته بنفسه.
إبراهيم بن المهدي يتطفل
وكان إبراهيم بن المهدي قائماً بين يدي المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين، هَبْ لي ذنبه وأحدثك بحديث عجب في التطفيل عن نفسي، قال: قل يا إبراهيم.
(2/38)

قال: يا أمير المؤمنين، خرجت يوماً فمرت في سِكَكِ بغداد متطرفاً، حتى انتهيت إلى موضع، فشممت رائحة أبازير من جناح في دار عالية، وقدور قد فاح قتارها، فتاقت نفسي إليها، فوقفت على خيّاط فقلت: لمن هذا الدار. فقال: لرجل من التجار من البزازين، قلت: ما اسمه. قال: فلان بن فلان، فرفعت طرفي إلى الجناح، فإذا فيه شباك، فنظرت إلى كف قد خرجت من الشباك وَمِعْصَم ما رأيت أحْسَنَ منهما قط، فشغلني يا أمير المؤمنين حُسْنُ الكف والمعصم عن رائحة القدور، فبقيت باهتاً وقد ذُهِلَ عقلي، ثم قلت للخياط: هو ممن يشرب النبيذ؟ قال: نعم، وأحسب أن عنده اليوم دعوة، ولا ينادم إلا تجاراً مثله مستورين فأنا كذلك إذا أقبل رجلان نبيلان راكبان من رأس الحرب، فقال لي الخياط: هذان منادماه، قلت: ما أسماهما. وما كُنَاهُمَا؟ فقال: فلان وفلان، فحركت دابتِي حتى دخلت بينهما، وقلت: جعلت فداكما، قد استبطأ كما أبو فلان أعَزَّه اللّه، وسايرتهما حتى انتهينا إلى الباب، فَقَدَّمَانِي، فدخلت وَدَخَلا، فلما رآني صاحبُ المنزل لم يَشُك إلا أني منهما بسبيل، فرحَّبَ وأجلسني في أجَلَ موضع، فجيء يا أمير المؤمنين بالمائدة وعليها خبز نظيف، وأتينا بتلك الألوان، فكان طعمها أطيب من رائحتها، فقلت في نفسي: هذه الألوان قد أكلتها، وبقي الكف والمعصم، ثم رفع الطعام فغسلنا أيدينا، ثم صرنا إلى مجلس المنادمة، فإذا هو أنْبَلُ مجلس وَأجَلُ فرش، وجعل صاحب المجلس يلطف بي ويقبل عليَّ بالحديث، والرجلان لا يشكان أنه مني بسبيل، وإنما كان ذلك الفعل منه بي لمَا ظَنَّ أني منهما بسبيل، حتى إذا شربنا أقداحاً خرجت علينا جارية تتثنى كأنها غُصْنُ بَانٍ، فسلّمت غير خَجِلَة، وهيئت لها وسادة، وأتي بعُودٍ فوضع في حجرها، فجسًتْهُ فتبينت الحذق في جسها، ثم اندفعت تغني:
توهَّمها طَرْفِي فآلَمَ خَدَّها ... فصار مكان الوهم من نظري أثْرُ
وَصافحها كَفِّي فآلم كفها ... فمن لَمْس كفي في أناملها عقرُ
ومَرَّتْ بقلبي خاطراً فجرحتها ... ولم أر شيئاً قَط يَجْرحُه الفكر
فهيجت واللّه يا أمير المؤمنين عليّ بلابلي، وطربت لحسن غنائها وحذقها، ثم اندفعت تغني:
أشَرْتُ إليها: هل علمت مودتي ... فردَّتْ بطرف العين: إني على العهد
فحدث عن الإِظهار عمداً لسرها ... وحادت عن الإِظهار أيضاً على عمد
فصحت: السلامة، وجاءني من الطرب ما لا أملك معه النفس ولا المصبر، واندفعت تغني:
أليس عجيباً أن بيتاً يضمني ... وإياك لا نخلو ولا نتكلَّمُ
سوى أعْيُنٍ تشكو الهوى بجفونها ... وترجيع أحشاء على النار تضرم
إشارة أفواه وغَمْزً حواجب ... وتكسير أجفان وكفّ يسلّم
فحسدتها واللّه يا أمير المؤمنين على حِذْقها، ومعرفتها بالغناء، وإصابتها معنى الشعر، وأنها لم تخرج من الفن الذي ابتدأته، فقلت: بقي عليك يا جارية شيء، فغضبت وضربت بعودها الأرض، ثم قالت: متى كنتم تُحْضِرُون مجالسكم البُغَضَاء؟ فندمت على ما كان مني، ورأيت القوم قد تغيروا إليَّ، فقلت: أليس ثَمَّ عُودٌ؟ قالوا: بلى يا سيدنا، فأتيت بعود، فأصلحت من شأنه ما أردت، واندفعت أغني:
ما للمنازل لا يُجِبْنَ حزينا؟ ... أصممن أم بَعُدَ المَدَى فبلينا؟
رَاحُوا العشيَّةَ روحة مذكورة ... إن متن متن، وإن حيين حيينا
فما استتممته جيداً حتى خرجت الجارية فأكَبَّتْ على رجلي تقبلها، وهي تقول: المعذرة واللهّ لك يا سيدي، فما سمعت مَنْ يغني هذا الصوت مثلك، وقام مولاها وكل من كان عنده فصنعوا كصنعها، وطرب القوم، واستحثوا الشرب فشربوا بالطاسة ثم اندفعت أغني:
أبا للّه هل تُمْسِينَ لا تذكرينني ... وقد سَجمَتْ عيناي من ذكرك الدَمَا
إلى اللّه أشكو بُخْلَهَا وسَمَاحتي ... لها عسل مني وتبذل علقما
فردِّي مصَاب القلب أنت قتلته ... ولا تتركيه ذاهل العقل مغرما
إلى اللّه أشكو أنها أجنبية ... وأنِّي لها بالود ما عشت مكرما
(2/39)

فجاء من طرب القوم يا أمير المؤمنين ما خشيت أن يخرجوا من عقولهم، فأمسكت ساعة، حتى إذا هدأ القوم اندفعت أغني الثالثة:
هذا محبك مَطْوِيٌّ على كمده ... صَبٌّ مدامعُه تجري على جَسدهْ
له يَدٌ تسأل الرحْمنَ راحته ... مما به ويَدٌ أخرى على كبده
يا من رأى كَلِفاً مستهتراً أسفاً ... كانت منيته في عينِهِ ويده
فجعلت الجارية يا أمير المؤمنين تصيح: السلامة، هذا واللّه الغناء يا مولاي، وسكر القوم، وخرجوا من عقولهم، وكان صاحب المنزل جيد الشراب ونديماه عونه، فأمر غلمانه مع غلمانهم بحفظهم وصرفهم إلى منازلهم، وخلوت معه فشربنا أقداحاً، ثم قال: يا سيدي، ذهب واللّه ما خَلَا من أيامي باطلاً، إذ كنت لا أعرفك، فمن أنت يا مولاي. فلم يزل يلح عليّ حتى أخبرته فقام فقبل رأسي، وقال: يا سيدي، وإني أعجب أن يكون هذا الأدب إلا لمثلك، وإذا أنا منذ اليوم مع الخلافة ولا أعلم، وسألني عن قصتي وكيف حَمَلْتُ نفسي على ما فعلته، فأخبرته خبر الطعام والكف والمعصم، فقال: يا فلانة، لجارية له، قولي لفلانة تنزل، فجعل ينزل إليَّ جواريه واحدة واحدة، فأنظر إلى كفها وأقول: ليست هي، حتى قال: واللّه ما بقي غير أمي وأختي، ولأنزلِنَّهُما إليك، فعجبت من كرمه وسَعَةِ صدره، فقلت له: جعلت فداك، أبدأ بالأخت قبل الأم، فعسى أن تكون صاحبتي، فقال: صدقت، ففعل، فلما رأيت كفَهَا ومعصمها قلت: هي هي، جعلت فداك، فأمر غلمانه من فَوْرِه فصاروا إلى عشرة مشايخ من جِلّةِ جيرانهم فأحضروا، وجيء ببدرتين فيهما عشرون ألف درهم، ثم قال: هذه أختي فلانة، وأنا أشهدكم أني قد زوجتها من سيدي إبراهيم بن المهدي، وأمهرتها عنه عشرين ألف درهم، فرضيت وقبلتُ النكاح، ودفعت إليها البدرة الواحدة، وفرقت الأخرى على المشايخ، وقلت لهم: اعذروا فهذا الذي حضرني في هذا الوقت، فقبضوها وانصرفوا، ثم قال: يا سيدي أمهد لك بعض البيوت تنام مع أهلك، فأحْشَمَنِي واللّه يا أمير المؤمنين ما رأيت من كرمه وسعة صدره، فقلت: بل أحضر عمارية وأحملها إلى منزلي، فقال: افعل ما شئت، فأحضرت عمارية وحملتها إلى منزلي، فوحقك يا أمير المؤمنين لقد حمل إلي من الجهاز ما ضاق عنه بعض دوري.
فتعجب المأمون من كرم ذلك الرجل، وأطلق الطفيلي، وأجازه بجائزة حسنة وأمر إبراهيمَ بإحضار ذلك الرجل، فصار بعدُ من خواص المأمون وأهل مودته، ولم يزل معه على أفضل الأحوال السارة في المنادمة وغيرها.
؟إسحاق الموصلي وكلثوم العتابي عند المأمون
(2/40)

وذكر المبرد وثعلب قالا: كان كلثوم العَتَابي واقفاً بباب المأمون، فجاء يحيى بن أكثم، فقال له العتَّابي: إنْ رأيت أن تعلم أمير المؤمنين بمكاني، قال: لست بحاجب، قال: قد علمت، ولكنك ذو فضل، وذو الفضل مِعْوَانٌ، قال: سلكت بي غير طريق، قال: إن اللّه قد ألحقك بجاه ونعمة منه، فهما مقيمان عليك بالزيادة إن شكرت، وبالتقتير إن كفرت، وأنا لك اليوم خَيْرٌ منك لنفسك، أدعوك لما فيه زيادة نعمتك وأنت تأبى ذلك، ولكل شيء زكاة، وزكاة الجاه بَذْلُه للمستعين، فدخل يحيى فأخبر المأمون الخبر، فأدخل إليه العتابي، وفي المجلس إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فأمره بالجلوس، وأقبل يسأله عن أحواله وشأنه، فيجيبه بلسان ناطق، فاستظرفه المأمون، وأخذ في مُدَاعبته، فظن الشيخ أنه قد استخَص به، فقال: يا أمير المؤمنين، الإِيناس قبل الإِبساس، فاشتبه عليه قولُه، فنظر إلى إسحاق فغمزه بعينه ثم قال: ألف دينار، فأتى بها فوضعت بين يدي العَتَّابي، ثم دعا إلى المفاوضة، وأغْرَى المأمونُ إسحاقَ بالعبث به، فأقبل إسحاق يعارضه في كل باب يذكره ويزيد عليه، فعجب منه، وهو لا يعلم أنه إسحاق، ثم قال: أيأذن أمير المؤمنين في مسألة هذا الرجل عن اسمه ونسبه. فقال: افعل، فقال له العتابي: من أنت. وما اسمك. قال: أنا من الناس واسمي كل بصل! فقال له العتابي: أما النسبة فقد عرفت، وأما الاسم فمنكر، وما كل بصل من الأسماء؟ فقال له إسحاق: ما أقَلّ إنصافَكَ، وما كلثوم؟ والبصل أطيب من الثوم، قال العتابي: قاتلك اللّه! ما أمْلَحَكَ!! ما رأيت كالرجل حلاوة، أفيأذن أمير المؤمنين في صِلَته بما وصلني به فقد واللّه غلبني، فقال له المأمون: بل ذلك مُرَفّر عليك ونأمر له بمثله، فانصرف إسحاق إلى منزله، ونادمه بقية يومه.
العتابي
وكان العتابي من أرض جند قنسرين والعواصم، وسكن الرقة من ديار مُضَرَ، وكان من العلم والقراءة والأدب والمعرفة والترسل وحسن النظم للكلام وكثرة الحفظ وحسن الإِشارة وفصاحة اللسان وبراعة البيان وملوكية المجالسة وبراعة المكاتبة وحلاوة المخاطبة وجَوْدَة الحفظ وصحة القريحة على ما لم يكن كثير من الناس في عصره.
وذكر أنه قال: كاتبُ الرجل لسانُه، وحاجبه وَجْهُه، وجليسه كله، ونظم في ذلك شعراً، فقال:
لسان الْفَتَى كاتبه ... وَوَجْهُ الفتى حاجبه
وَنَدْمَانه كلُّه ... وكل له واجبه
وذكر عنه أنه قال: إذا وليت عملاً فانظر مَنْ كاتبك، فإنما يعرف مقدارك مَنْ بعد عنك بكاتبك، واستعقل حاجبك، فإنما يقضي عليك الوفود قبل الوصول إليك بحاجبك، واستكرم واستظرف جليسك ونديمك، فإنما يُوزَنُ الرجل بمن معه.
بين كاتب ونديم
وقد فاخر كاتب نديماً فقال الكاتب: أنا معونة وأنت مؤونة، وأنا للجد وأنت للهزل، وأنا للشدة وأنت للذة، وأنا للحرب وأنت للسلم، فقال النديم: أنا للنعمة وأنت للنقمة، وأنا للحُظْوَة وأنت للمهنة، وتقوم وأجلس، وتحتشم وأنا مؤنس، تدأب لحاجتي، وتَشْقَى بما فيه سعادتي، وأنا شريك وأنت معين، وأنا قرين وأنت تابع، وإنما سميت نديماً للنَّدَم على مفارقتي.
وللعتابي أخبار حسان، وتصنيفات مِلَاحٌ، في ذكرها خروجٌ عما إليه قصدنا، ونحوه يَمَّمنا، وإنما ذكرنا عنه هذه الفصول لتغلغل الكلام بنا إليها وتشعبه نحوها.
رجل يرفع قصة للمأمون
(2/41)

وحكى الجوهري عن العتبي، عن عباس الديري، قال: رفع رجل قصة إلى المأمون، وسأله أن يأذن له في الدخول عليه، والاستماع منه، فأذن له، فدخل فسلّم، فقال له المأمون: تكلم بحاجتك، قال: أخبر أمير المؤمنين أن مصائب الدهر وأعاجيب الأيام ومحن الزمان قصدتني فأخذت مني ما كانت الدنيا أعطتني، فلم تبق لي ضيعة إلا خربت ولا نهر إلا اندقر، ولا منزل إلا تهدَّمَ، ولا مال إلا ذهب، وقد أصبحْتُ لا أملك سَبَداً ولا لَبَداً، وعليً دَيْن كثير، ولي عيال وأطفال وصبية صغار، وأنا شيخ كبير، قد قَعَدَت بي المطالب، وكبرت عني المكاسب، وبي حاجة إلى نظر أمير المؤمنين وعطفه، قال: فبينما هو في الكلام إذ ضرَطَ، فقال: وهذا يا أمير المؤمنين من عجائب الدهر ومحنته، ولا واللّه ما ظهر مني قط إلا في موضعه، فقال المأمون لجلسائه: ما رأيت قط أقوى قلباً ولا أرْبَطَ جأشاً ولا أشَدَّ نفساً من هذا الرجل، ثم أمر له بخمسين ألف درهم مُعَجًلة.
المأمون وأبو العتاهية
قال أبو العتاهية: وَجَّه إليَّ المأمون يوماً فصِرْتُ إليه، فألفيته مُطْرِقاً متفكراً مغموماً، فأحجمت عن الدنو إليه وهو على تلك الحال، فرفع رأسه وأشار بيده: أن ادْنُ، فدنوت، فأطْرَقَ ملياً ثم رفع رأسه فقال: يا إسماعيل، شأن النفس الملَلُ، وحُبًّ الاستطراف، والأنس بالوحدة، كما نأنس بالألفة، قلت: أجل يا أمير المؤمنين، ولي في هذا بيت شعر، قال: وما هو؟ قلت:
لا يُصْلح النَّفْسَ إذ كان مُصَرّفة ... إلا التنقُّلُ من حال إلى حال
قال: أحسنت زدني، فقلت: لا أقدر على ذلك، وآنسته بقية يومه، وأمر لي بمال، فانصرِفت.
المأمون ورجل عامي
ويحكى أن المأمون أمر بعض خواصِّهِ من خَدَمِه أن يخرج فلا يرى أحداً في الطريق إلا أتى به كائناً مَنْ كان من رفيع أو خسيس، فأتاه برجل من العامة، فدخل وعنده المعتصم أخوه ويحيى بن أكثم ومحمد بن عمرو الرومي، وقد طبخ كل واحد منهم قِدْراً، فقال محمد بن إبراهيم الطاهري للرجل العامي: هؤلاء من خواص أمير المؤمنين فأجبهم عما يسألون، فقال المأمون: إلى أين خرجت في هذا الوقت وقد بقي عليك من الليل ثلاث ساعاتٍ؟ فقال: غرني القمر، وسمعت تكبيراً فلم أشك أنه أذان، فقال له المأمون: اجلس، فجلس، فقال له المأمون: قد طبخ كل واحد منا قِدْراً هو ذا يقدِّمُ إليك من كل واحد منها قَدْراً فذق ذلك فأخبر عن فضائلها وما ترى من طيبها، فقال: هاتوا، فقدمت في طبق كبير كلها موضوعة عليه لا تمييز بينها، ولكل واحدة ممن طبخها علامة، فبدأ فذاق قِدْراً طبخها المأمون فقال: زه، وأكل منها ثلاث لقمات، وقال: أما هذه فكأنها مسكة وطباخها حكيم نظيف ظريف مليح، ثم ذاق قدر المعتصم، فقال: هذه واللّه فكأنها والأولى من يد واحدة خرجَتَا، وبحكمة متساوية طبختا، ثم ذاق قدر محمد بن عمرو الرومي فقال: وهذه قِدْرُ طباخٍ ابن طباخ أجاد، ما أحكمه، ثم ذاق قدر يحيى بن أكثم القاضي فأعرض بوجهه، وقال: شه، هذه واللّه جعل طباخها فيها مكان بصلها خرا، فضحك القوم وذهب بهم الضحك كلَّ مَذْهَب، وقعد يحادثهم ويطايبهم ويتلهَّى معهم، وطابوا معه، فلما برق الفجر قال له المأمون: لا يخرجَنَّ منك ما كنا فيه، وعلم أنه علم بهم، فوَصَله بأربعة آلاف دينار، وقَسَّط له على أصحاب القدور كل واحد منهم على قدر مرتبته، وقال: إياك أن تعود إلى الخروج في مثل هذا الوقت مرةَ أخرى، فقال: لا أعدمكم الله الطبيخ ولا أعدمني الخروج، فسألوه عن تجارته، وعرفوا منزله، وجعل يعدُّ في خدمة المأمون وخمدة الجميع، وصار في جملتهم.
عيّ المأمون عن جواب ثلاثة
(2/42)

وحدث أبو عباد الكاتب - وكان خاصّاً بالمأمون قال: قال لي المأمون: ما أعياني إلا جواب ثلاثة أنفس: صرت إلى أم ذي الرياستين أعزيها عنه فقلت: لا تأسَيْ عليه ولا تَحْزَنِي لفقده، فإن اللّه قد أخْلَفَ عليك مني ولداً يقوم لك مقامه، فمهما كنت تنبسطين إليه فيه فلا تنقبضين عني منه، فبكت، ثم قالت: يا أمير المؤمنين، وكيف لا أحزن على ولد أكسبني ولداً مثلك. وأتيت برجل قد تنبأ فقلت له: مَنْ أنت؟ قال: موسى بن عمران عليه السلام، فقلت: ويحك!! إن موسى بن عمران عليه السلام كانت له آياتٌ ودلالاتٌ بَانَ بها أمره، منها أنه ألقى عصاه فابتعلت كَيْدَ السَّحَرة، ومنها إخراجه يَدَه من جيبه وهي بيضاء، وجعلت أعدد عليه ما أتى به موسى بن عمران عليه السلام من دلائل النبوة، وقلت له: لو أتيتني بشيء واحدٍ من علاماته أو آية من آياته كنت أول من آمن بك، وإلا قتلتك، فقال: صدقت، إلا أني أتيت بهذه العلامات لما قال فرعون أنا ربكم الأعلى، فإن قلت أنت كذلك أتيتك من العلامات بمثل ما أتيته به، والثالثة أن أهل الكوفة اجتمعوا يَشْكُونَ عاملاً كنت أحمد مذهبه وأرتضي سيرته، فوجَّهت إليهم إني أعلم سيرة الرجل، وأنا عازم على القعود لكم في غداة غَدٍ، فاختاروا رجلاً يتولى المناظرة عنكم، فأنا أعلم بكثرة كلامكم، فقالوا: ما فينا من نرتضيه لمناظرة أمير المؤمنين، إلا رجل أطروش، فإن صبر أمير المؤمنين عليه تفضل بذلك، فوعدتهم الصبر عليه، وحضروا من الغد، فأمرت بالرجال فدخلوا والأطروش، فلما مثل بين يديَّ أمرتهم بالجلوس، ثم قلت له: ما تشكون من عاملكم؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هو شر عامل في الأرض، أما في أول سنة ولينا فإنا بعنا أثاثاتنا وعَقَارنَا، وفي السنة الثانية بعنا ضياعنا وذخائرنا، وفي السنة الثالثة خرجنا عن بلدنا فاستغثنا بأمير المؤمنين ليرحم شكوانا ويطَوَّلَ علينا بالأمر بصَرْفِه عنا، فقلت له: كذبت لا أمان لك، بل هو رجل أحمدْتُ سيرتَهُ ومذهبه، وارتضيت دينه وطريقته، واخترته لكمِ لمعرفتي بكثرة سخطكم على عمالكم، قال: يا أمير المؤمنين، صدقْت وكذبْت أنا! ولكن هذا العامل الذي ارتضيت دينه وأمانته وعفته وعدله وانصافه، كيف خصصتنا به هذه السنين دون البلاد التي قد ألزمك اللّه عز وجل من العناية بأمورها مثل ما ألزمك من العناية بأمرنا؟ فاستعمله على هذه البلاد حتى يشملهم من إنصافة وعدله مثل الذي شملنا، فقلت له: قم في غير حفظ الله، فقد عزلته عنكم.
مناظرة المأمون للفقهاء
(2/43)

وكان يحيى بن أكثم يقول: كان المأمون يجلس للمناظرة في الفقه يوم الثلاثاء، فإذا حضر الفقهاء ومَنْ يناظره من سائر أهل المقالات أُدخلوا حجرة مفروشة، وقيل لهم: انزعوا أخفافكم، ثم أحضرت الموائد، وقيل لهم: أصيبوا من الطعام والشراب وجَددوا الوضوء، ومن خُفّه ضيق فلينزعه، ومن ثقلت عليه قَلَنْسوته فليضعها، فإذا فرغوا أتوا بالمجامر فبخروا وطيبوا، ثم خرجوا فاستدناهم حتى يدنوا منه، ويناظرهم أحسن مناظرة، وأنْصَفَهَا وأبعدَهَا من مناظرة المتجبرين، فلا يزالون كذلك إلى أن تزول الشمس، ثم تُنْصَبُ الموائد الثانية فيطعمون وينصرفون، قال: فإنه يوماً لَجَالِسٌ إذ دخل عليه علي بن صالح الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين، رجل واقف بالباب عليه ثياب بيض غلاظ مشمرة، ويطلب الدخول للمناظرة، فقلت: إنه بعض الصوفية، فأردت بأن أشير أن لا يؤذن له، فبدأ المأمون فقال: ائذن له، فدخل رجل عليه ثيابٌ قد شمرها ونعله في يده، فوقف على طرف البساط فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال المأمون: وعليك السلام، فقال: أتأذن لي في الدنو منك. قال: ادْن، فدنا، ثم قال: اجلِسْ، فجلس، ثم قال: أتأذن في كلامك. فقال: تكلم بما تعلم أن للّه فيه رِضاً، قال: أخبرني عن هذا المجلس الذي أنت قد جلسته أباجتماع من المسلمين عليك، ورضاً منك، أم بالمغالبة لهم والقوة عليهم بسلطانك؟ قال: لم أجلسه باجتماع منهم ولا بمغالبة لهم، إنما كان يتولَّى أمر المسلمين سلطان قبلي أحْمَدَه المسلمون إما على رضا وإما على كره، فعقد لي ولآخر معي ولاية هذا الأمر بعده في أعناق مَنْ حضرهُ من المسلمين، فأخذ على من حضر بيتَ الله الحرام من الحاجِّ البَيْعَةَ لي ولآخر معي فأعطوه ذلك إما طائعين وإما كارهين، فمضى الذي عقد له معي على هذه السبيل التي مضى عليها، فلما صار الأمر إليَّ علمت أني أحتاج إلى اجتماع كلمة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على الرضا، ثم نظرت فرأيت أني متى تخلّيْتُ عن المسلمين اضطرب حبل الإِسلام ومرج عهدهم، وانتقضت أطرافه، وغلب الهرج والفتنة، ووقع التنازع، فتعطلَتْ أحكام اللّه سبحانه وتعالى، ولم يحجَّ أحد بيته، ولم يجاهد في سبيله، ولم يكن لهم سلطان يجمعهم ويَسُوسهم، وانقطعت السبل، ولم يؤخذ لمظلوم من ظالم، فقمت بهذا الأمر حياطة للمسلمين، ومجاهداً لعدوهم، وضابطاً لسبلهم، وآخذاً على أيديهم إلى أن يجتمع المسلمون على رجل تتفق كلمتهم على الرضا به فأسلِّم الأمر إليه، وأكون كرجل من المسلمين، وأنت أيها الرجل رسولي إلى جماعة المسلمين، فمتى اجتمعوا على رجل ورَضُوا به خرجت إليه من هذا الأمر، فقال: السلام عليكم ورحمة اللهّ وبركاته، وقام، فأمر المأمون علي بن صالح الحاجب بأن ينفذ في طلبه مَنْ يعرف مقصده، ففعل ذلك، ثم رجع وقال: وَجَّهت يا أمير المؤمنين من اتبع الرجل فمضى إلى مسجد فيه خمسة عشر رجلاً في هيئته وزيه فقالوا له: لقيت الرجل. فقال: نعم! قالوا: فما قال لك. قال: ما قال لي إلا خيراً، ذكر أنه ضَبَطَ أمور المسلمين إلى أن تأمن سُبُلُهم، ويقوم بالحج والجهاد في سبيل اللّه، ويأخذ للمظلوم من الظالم، ولا يعطل الأحكام، فإذا رضي المسلمون برجل سلّم الأمر إليه وخرج منه، وقالوا: ما نرى بهذا بأساً، وافترقوا، فأقبل المأمون على يحيى، فقال: كفينا مؤونة هؤلاء بأيسر الخطب، فقلت: الحمد للّه الذي ألهمك يا أمير المؤمنين الصواب والسداد في القول والفعل.
يحيى بن أكثم قاضي البصرة
قال المسعودي: وكان يحيى بن أكثم وقد ولي قضاء البصرة قبل تأكد الحال بينه وبين المأمون، فرفع إلى المأمون أنه أفسد أولادهم بكثرة لواطه، فقال المأمون: لو طعنوا عليه في أحكامه قبل ذلك منهم، قالوا: يا أمير المؤمنين، قد ظهرت منه الفواحش وارتكاب الكبائر، واستفاض ذلك عنه، وهو القائل يا أمير المؤمنين في صفة الغِلْمَان وطبقاتهم ومراتبهم في أوصافهم قوله المشهور فقال المأمون: وما الذي قال. فدفعت إليه القصة فيها جُمَلٌ مما رمى به وحكى عنه في هذا المعنى، وهو قوله:
أربعة تَفْتِنُ ألحاظهم ... فعين من يَعْشَقهم ساهره
فواحد ذنياه في وجهه ... منافق ليست له آخره
وآخر دنياه مفتوحة ... من خَلْفِهِ آخره وافره
(2/44)

وثالث قد حاز كلتيهما ... قد جمع الدنيا مع الآخره
ورابع قد ضاع ما بينهم ... ليست له دنيا ولا آخره
فأنكر المأمون ذلك في الوقت واستعظمه، وقال: أيكم سمع هذا منه؟ قالوا: هذا مستفاض من قوله فينا يا أمير المؤمنين، فأمر بإخراجهم عنه، وعَزَلَ يحيى عنهم.
وفي يحيى وما كان عليه بالبصرة يقول ابن أبي نعيم:
يا ليت يحيى لم يلده أكْثَمُهْ ... ولم تطأْ أرضَ العراق قَدَمُهْ
ألْوَط قاضٍ في العراق نَعْلَمه ... أي دواة لم يلفها قلمه
وأي شِعْبٍ لم يَلِجْهُ أرقمه
وضرب الدهر ضرباته فاتصل يحيى بالمأمون ونادمه، ورخَّصَ له في أمور كثيرة، فقال له يوماً: يا أبا محمد، من الذي يقول:
قاضٍ يري الحدَّ في الزناء، ولا ... يرى على من يلوط من بأس
قال: ذلك ابن أبي نعيم يا أمير المؤمنين، وهو القائل:
أمِيرُنَا يرتشي وحاكمنا ... يلوط والرأس شر ما راس
قاضٍ يرى الحدَّ في الزناء ولا ... يرى على من يلوط من باس
ما أحسب الجور ينقضي وعلى ال ... أمة وَالٍ من آل عباس
فأطرق المأمون خجلاً ساعة، ثم رفع رأسه وقال: يُنْفَى ابن أبي نعيم إلى السند.
وكان يحيى إذا ركب مع المأمون في سفر ركب معه بمنطقة وقَبَاء وسيف بمعاليق وساسية، وإذا كان الشتاء ركب في أقْبِيَةِ الخز وقلانس السمُّور والسروج المكشوفة، وبلغ من إذاعته ومجاهرته باللواط أن المأمون أمره أن يفرض بنفسه فرضاً يركبون بركوبه ويتصرفون في أُموره، ففرض أربعمائة غلام مُرْداً اختارهم حسان الوجوه، فافتضح بهم، وقال في ذلك راشد بن إسحاق يذكر ما كان من أمر يحيى في الفرض:
خليليَّ انظرا متعجِبَيْنِ ... لأظرف منظر مَقَلَتْهُ عَيْنِي
لفرض ليس يقبل فيه إلا ... أسيل الخدّ ِحلوُ المُقْلَتين
وإلا كلّ أشقَر أكْثَمِيٍّ ... قليلُ نبات شعرِ العارِضَيْن
يُقَدَّم دونَ موقفِ صَاحِبيه ... بقدر جمالِهِ وبقبح ذين
يقودُهُمُ إلى الهيجاءِ قاض ... شديد الطعن بالرمح الرُّدَيْنِي
إذا شهد الوَغى منهم شجاعُ ... تجدَّل للجبين ولليدين
يقودهم على عِلْمٍ وحِلْمٍ ... ليوم سلامة لا يوم حَيْنِ
وصار الشيخ منحنياً ... عليه بمدمجه يجوزُ الركبتين
يغادرهم إلى الأذهان صَرْعى ... وكلهم جريحُ الخصيتين
وفيه يقول راشد أيضاً:
وكنا نرجِّي أن نرى العدل ظاهراً ... فأعقبنا بعد الرجاء قُنُوطُ
متى تَصْلُح الدنيا ويصلح أهْلُهَا ... وقاضي قضاة المسلمين يلوط
وكان يحيى بن أكثم بن عمرو بن أبي رباح من أهل خراسان من مدينة مَرْوَ، وكان رجلاً من بني تميم، وسخط عليه المأمون في سنة خمس عشرة ومائتين وذلك بمصر، وبعث به إلى العراق مغضوبَاً عليه، وكان قد كتب الحديث وتفقّه للبصريين كعثمان البَتَيِّ وغيره وله مصنفات في الفقه وفي فروعه وأصوله، وكتاب أفرده سماه بكتاب التنبيه يردُّ فيه على العراقيين وبينه وبين أبي سليمان أحمد بن أبي عُوَاد بن علي مناظرات كثيرة.
وفاة الِإمام الشافعي
(2/45)

وفي خلافة المأمون كانت وفاة أبي عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبد الله بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف الشافعي، في رجب ليلة الجمعة، وذلك سنة أربع ومائتين، ودفن صبيحة الليلة، وِهو ابن أربع وخمسين سنة، وصلى عليه السري بن الحكم أميرُ مصر يومئذَ، كذلك ذكر عكرمة بن محمد بن بشر عن الربيع بن سليمان المؤذن، وذكر أيضاً محمد بن سفيان بن سعيد المؤذن وغيرهما عن الربيع بن سليمان مثل ذلك، ودفن الشافعي بمصر بحومة قبور الشهداء في مقبرة بني عبد الحكم، وبين قبورهم وعند رأسه عمود من الحجر كبير، وكذلك عند رجليه، وعلى العالي الذي عند رأسه حفر قد كتب فيه في ذلك الحجر هذا قبر محمد بن إدريس الشافعي أمين الله وما ذكرنا فمشهور بمصر، والشافعي يتفق نسبه مع بني هاشم وبني أمية في عبد مناف، لأنه من ولد المطلب بن عبد مناف، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " نحن وبنو المطلب كهاتين " وأشار بإصبعيه مضمومتين، وقد كانت قريش حاصَرَتْ بني المطلب مع بني هاشم في الشِّعْبِ.
وحدثني فقير بن مسكين عن المزني بهذا، وكان فقير يحدث عن المزني، وكان سماعنا من فقير بن مسكين بمدينة أسوان بصعيد مصر، قال: قال المزني: دخلت على الشافعي غداة وفاته، فقلت له: كيف أصبحت يا أبا عبد اللّه. قال: أصبحت من الدنيا رَاحِلاً، ولإخواني مفارقاً، وبكأس المنية شارباً، ولا أدري إلى الجنة تصير روحي فأهنيها أم إلى النار فأعزيها، وأنشأ يقول:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جَعَلْتُ الرجا مني لعفوك سُلّما
تَعَاظَمَنِي ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما
وفاة أبي داود الطيالسي وابن الكلبي
وفي هذه السنة التي مات فيها الشافعي - وهي سنة أربع ومائتين - مات أبو داود سليمان بن داود الطيالسي، وهو ابن إحدى وتسعين سنة، وفيها مات هشام بن محمد بن السائب الكلبي.
وادَّعى رجل النبوة بالبصرة أيام المأمون، فحمل إليه مُوثَقاً بالحديد، فمثل بين يديه، فقال له: أنت نبي مرسل؟ قال: أما الساعة فأنا مُوثَقٌ، قال: ويلك! مَنْ غرك. قال: أبهذا تُخَاطَبُ الأنبياء؟ أما واللّه لولا أني مُوثَقٌ لأمرت جبريل أن يُدمْدِمها عليكم؛ قال له المأمون: والموثَقَ لا تجَاب له دعوة. قال: الأنبياء خاصة إذا قُيدَتْ لا يرتفع دعاؤها، فضحك المأمون، وقال: من قيدك. قال: هذا الذي بين يديك، قال: فنحن نطلقك وتأمر جبريل أن يدمدمها، فإن أطاعك آمنَا بك وصدقناك، فقال: صدق اللّه إذ يقول: " فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم " . إن شئت فافعل، فأمر بإطلاقه، فلما وجد راحة العافية قال: يا جبريل، ومَدَّ بها صوته، ابعثوا من شئتم فليس بيني وبينكم الآن عمل، غيري يملك الأموال وأنا لا شيء معي، ما يذهب لكم في حاجة إلا كشخان فأمر بإطلاقه والإِحسان إليه.
المأمون ورجل يدعي أنه إبراهيم الخليل
وحدث ثُمَامة بن أشرس قال: شهدت مجلساً للمأمون وقد أتى برجل ادعى أنه إبراهيم الخليل، فقال له المأمون: ما سمعت بأجرأ على اللّه من هذا قلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في كلامه، قال: شأنك وإياه، قلت: يا هذا إن إبراهيم عليه السلام كانت له براهين، قال: وما براهينه؟ قلت: أضْرِمَتْ له النار وألقي فيها فكانت برداً وسلاماً، فنحن نُضْرِمُ لك ناراً ونطرحك فيها فإن كانت عليك بَرْداً وسلاماً كما كانت عليه آمَنَّا بك وصدقناك، قال: هات ما هو ألْيَنُ عليّ من هذا، قلت: فبراهين موسى عليه السلام، قال: وما هي؟ قلت: ألْقَى العصا فإذا هي حية تسعى تَلْقَفُ، ما يأفكون، وضرب بها البحر فانفلق، وبياض يده من غير سوء، قال: هذا أصعب، ولكن هات ما هو ألين عليّ من هذا قلت: فبراهين عيسى عليه السلام، قال: وما براهينه؟ قلت: إحياء الموتى، فقطع الكلام في براهين عيسى وقال: جِئْتَ بالطامَّةِ الكبرى، دعني من براهين هذا، قلت: فلا بد من براهين، قال: ما معي من هذا شيء، وقد قلت لجبريل إنكم توجهونَنِي إلى شياطين فأعطوني حجة أذهب بها وإلا لم أذهب، فغضب جبريل عليه السلام عليّ، وقال: جئت بالشر من ساعة، اذهب أولاً فانظر ما يقول لك القوم، فضحك المأمون وقال: هذا من الأنبياء التي تصلح للمنادمة.
(2/46)

وفي سنة ثمان وتسعين ومائة خَلَعَ المأمون أخاه القاسم بن الرشيد من ولاية العهد.
خروج أبي السرايا وابن طباطبا وقوم من العلويين
وفي سنة تسع وتسعين ومائة خرج أبو السَّرَايَا السري بن منصور الشيباني بالعراق، واشتدَّ أمره، ومعه محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو ابن طَبَاطَبا، ووثب بالمدينة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن على رحمهم اللّه، ووثب بالبصرة علي بن محمد بن جعفر بن محمد بن على بن الحسن بن علي عليهم السلام، وزيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، فغلبوا على البصرة.
وفي هذه السنة مات ابن طباطبا الذي كان يدعو إليه أبو السَّرَايَا، وأقام أبو السرايا مكانه محمد بن محمد بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي.
وظهر في هذه السنة باليمن - وهي سنة تسع وتسعين ومائة - إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي، وظهر في أيام المأمون بمكة ونواحي الحجاز محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين رحمهم اللّه، وذلك في سنة مائتين، ودعا لنفسه، وإليه دعت السبطية من فرق الشيعة وقالت بإمامته، وقد افترقوا فرقاً: فمنهم مَنْ غَلاَ، ومنهم من قصر، وسلك طريق الإمامية، وقد ذكرنا في كتاب المقالات في أصول الديانات وفي كتاب أخبار الزمان من الأًمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الداترة، في الفن الثلاثين من أخبار خلفاء بني العباس ومن ظهر في أيامهم من الطالبيين، وقيل: إن محمد بن جعفر هذا دعا في بْدء أمره وعنفوان شبابه إلى محمد بن إبراهيم بن طَبَاطَبَا صاحب أبي السرايا، فلما مات ابن طَبَاطَبَا - وهو محمد بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن - دعا لنفسه، وتَسَمَّى بأمير المؤمنين، وليس في آل محمد ممن ظهر لِإقامة الحق ممن سلف وخَلَفَ قبله وبعده مَنْ تَسَمَّى بأمير المؤمنين غير محمد بن جعفر هذا، وكان يسمى بالديباجة، لحسنه وبهائه، وما كان عليه من البهاء والكمال، وكان له بمكة ونواحيها قصص حمل فيها إلى المأمون بخراسان، والمأمون يومئِذٍ بِمَرْو، فأمنه المأمون، وحمله معه إلى جرجان فلما صار المأمون مات محمد بن جعفر، فدفن بها، وقد أتينا على كيفية وفاته وما كان من أمره وغيره مم آل أبي طالب ومقاتلهم ببقاع الأرض في كتابنا حدائق الأذهان في أخبار آل أبي طالب ومقاتلهم في بقاع الأرض.
ظهور ابن الأفطس
وظهر في أيام المأمون أيضاً بالمدينة الحسين بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي، وهو المعروف بابن الأفْطَس، وقيل: إنه دعا في بدء أمره إلى ابن طَبَاطَبَا، فلما مات ابن طَبَاِطَبَا دعا إلى نفسه والقول بإمامته وسار إلى مكة فأتى الناس وهم بِمِنَى، وعلى الحاج داود بن عيسى بن موسى الهاشمي، فهرب داود، ومضى الناس إلى عرفة، ودفعوا إلى مُزْدَلفة بغير إنسان عليهم من ولد العباس، وقد كان ابن الأفْطَس وَافى الموقف بالليل، ثم صِار إلى المزدلفة والناس بغير إمام، فصلى بالناس، ثم مضى إلى منَى، فنحَرَ ودخل مكة، وجَرَّد البيت مما عليه من الكسوة إلا القَبَاطي البيض فقط.
الظفر بأبي السرايا
وفي سنة مائتين ظفر حماد المعروف بالكندغوش بأبي السرايا، فأتى به الحسن بن سهل، فقتله وصلبه على الجسر ببغداد، وقد أتينا في كتابنا أخبار الزمان على خبر أبي السرايا وخروجه وما كان منه في خروجه وقتله عبدوس بن محمد بن أبي خالد ومن كان معه من قواد الأبناء واستباحته عسكره.
قال المسعودي: وفي سنة مائتين بعث المأمون برَجَاء بن أبي الضحاك وياسر الخادم إلى علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي الرضا لإِشخاصه، فحمل إليه مكرماً، وفيها أمر المأمون بإحصاء ولد العباس من رجالهم ونسائهم وصغيرهم وكبيرهم، فكان عددهم ثلاثة وثلاثين ألفاً.
المأمون وعلي بن موسى الرضا
(2/47)

ووصل إلى المأمونُ أبو الحسن علي بن موسى الرضا، وهو بمدينة مَرْوَ، فأنزله المأمون أحسنَ إنزال، وأمر المأمون بجميع خواص الأولياء، وأخبرهم أنه نظر في ولد العباس، وولد علي رضي الله عنهم، فلم يجد في وقته أحداً أفْضَلَ ولا أحَقَّ بالأمر من علي بن موسى الرضا، فبايَعَ له بولاية العهد، وضرب اسمه على الدنانير والدراهم، وزوّج محمد بن علي بن موسى الرضا بابنته أم الفضل، وأمر بإزالة السواد من اللباس والأعلام وأظهر بدلاً من ذلك الخضرة في اللباس والأعلام وغير ذلك ونمي ذلك إلى مَنْ بالعراق من ولد العباس، فأعْظَمُوهُ إذ علموا أن في ذلك خروج الأمر عنهم، وَحَجَّ بالناس إبراهيم بن موسى بن جعفر أخو الرضا بأمر المأمون، واجتمع مَنْ بمدينة السلام من ولد العباس ومواليهم وشيعتهم على خلع المأمون ومبايعة إبراهيم بن المهدي المعروف بابن شِكْلَةَ، فبويع له يوم الخميس لخمس ليالٍ خَلَوْنَ من المحرم سنة اثنتين ومائتين، وقيل: إن ذلك في سنة ثلاث ومائتين.
مقتل الفضل بن سهل
وفي سنة اثنتين ومائتين قتل الفضل بن سهل ذو الرياستين في حمامٍ غِيلَةً، وذلك بمدينة سرخس من بلاد خُرَاسان، وذلك في دار المأمون في مسيره إلى العراق فاستعظم المأمون ذلك وقتل قَتَلَتَه، وسار المأمون إلى العراق.
موت علي بن موسى الرضا
وَقُبِضَ عليُّ بن موسى الرضا بطوس لعنب أكله وأكثر منه، وقيل: إنه كان مسموماً، وذلك في صفر سنة ثلاث ومائتين، وصلى عليه المأمون، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وقيل: سبع وأربعين سنة وستة أشهر. وكان مولده بالمدينة سنة ثلاث وخمسين ومائة للهجرة، وكان المأمون زَوَّجَ ابنته أم حبيبة لعلي بن موسى الرضا، فكانت إحدى الأختين تحت محمد بن علي بن موسى، والأخرى تحت أبيه علي بن موسى.
إبراهيم بن المهدي يخرج على المأمون
واضطربت بغداد في أيام إبراهيم بن المهدي، وثارت الرويبضة، وسموا أنفسهم المطوعة، وهم رؤساء العامة والتوابع، ولما قرب المأمون من مدينة السلام صلى إبراهيم بن المهدي بالناس في يوم النحر، واختفى في يوم الثاني من النحر، وذلك في سنة ثلاث ومائتين، فخلعه أهْلُ بغداد، وكان دخوله المأمون بغداد سنة أربع ومائتين، ولباسه الخضرة، ثم غير ذلك، وعاد إلى لباس السواد، وذلك حين قدم طاهر بن الحسين من الرقة إليه.
خروج بابك الخرمي
وفي سنة أربع ومائتين كان القحط العظيم ببلاد المشرق والوباء بخراسان وغيرها، وفيها كان خروج بابك الخَرّمِيِّ ببلاد البدين في أصحاب جاويذان بن شهرك، وقد قَدَمنا ذكرنا بلاد بابك، وهي البدين من أرض أذربيجان والران والبيلقان فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا لجبل القبخ والباب والأبواب ونهر الراس وجريانه نحو بلاد البدين.
الظفر بإبراهيم
وَبَثَّ المأمون عيونه في طلب إبراهيم بن المهدي، وقد علم باختفائه فيها، فظفر به ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شهر ربيع الآخر سنة سبع ومائتين في زيّ امرأة، ومعه امرأتان، أخذه حارس بن أسود في الدرب المعروف بالطويل ببغداد، فأدخل إلى المأمون فقال: هيه يا إبراهيم، فقال: يا أمير المؤمنين، وليُّ الثأر مُحَكَّم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، ومن تناوله الزمان واستولى عليه الاغترار بما مدَ له من أسباب الشقاء أمكن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك اللّه فوق كل ذي عفو، كما جعل كل في ذنب دوني، فإن تُعَاقِبْ فبحقك، وإن تَعْفُ فبفضلك، قال: بل العفو يا إبراهيم، فكَبَّرَ ثم خَرَّ ساجداً، فأمر المأمون فصيرت المقنعة التي كانت عليه على صدره ليرى الناس الحال التي أخذ عليها، ثم أمر به فصير في دار الحرس أياماً ينظر الناسُ إليه، ثم حول إلى أحمد بن أبي خالد، ثم رضي عنه من بعد أن كان وكَلَ به، فقال إبراهيم في ذلك من كلمة له:
إن الذي قَسَمَ المكارم حَازَهَا ... من صُلْبِ آدم للإمام السابع
جمع القلوبَ عليك جامعُ أهلها ... وَحَوَى ودادك كل خير جامع
فبذلتَ أعظم ما يقوم بحمله ... وُسْعُ النفوس من الفعال البارع
وَعَفَوْتَ عَمَّنْ لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع إليك بشافع
زواج المأمون ببوران بنصَ الحسن بن سهل
(2/48)

وانحدر المأمون إلى فم الصلح في شعبان سنة تسع ومائتين، وأمْلَكَ بخديجة ابنة الحسن بن سهل التي تسمى بوران، ونثر الحسن في ذلك الِإملاك من الأموال ما لم ينثره ولم يفعله ملك قط في جاهلية ولا في إسلام، وذلك أنه نثر على لهاشميين وَالقُوَّاد والكُتَّاب والوُجُوه بَنَادقَ مسكٍ فيها رِقَاعٌ بأسماء ضِيَاعٍ وأسماء جَوَارٍ وصفات دواب وغير ذلك، فكانت البندقية إذا وقعت في يد الرجل فتحها، فقرأ ما فيها فيجد على قدر إقباله وسعوده فيها، فيمضي إلى الوكيل الذي نصب لذلك، فيقول له: ضيعة يقال لها فلانة الفلانية من طَسُّوج كذا من رُسْتَاق كذا، وجارية يقال لها فلانة الفلانية، ودابة صفتها كذا، ثم نثر بعد ذلك على سائر الناس الدنانير والدراهم وَنَوافِجَ المسك وبَيْضَ العنبر، وأنفق على المأمون وَقُوَّاده وعلى جميع أصحابه ومن كان معه من جنوده أيام مقامه عنده حتى المكارين والحمالين والملاحين وكل من ضمه العسكر من تابع ومتبوع مرتزق وغيره، فلم يكن أحد من الناس يشتري شيئاً في عسكر المأمون مما يطعم ولا مما تعتلفه البهائم، فلما أراد المأمون أن يصعد في دجلة منصرفاً إلى مدينة السلام قال للحسن: حَوَائِجَكَ يا أبا محمد، قال: نعم يا أمير المؤمنين، أسألك أن تحفظ عَلَي مكاني من قلبك، فإنه لا يتهيأ لي حفظه إلا بك، فأمر المأمون بحمل خراج فارس وكور الأهواز إليه سنة، فقالت في ذلك الشعراء فأكثرت، وأطنبت الخطباء في ذلك وتكلمت، فمما استظرف مما قيل في ذلك من الشعر قولُ محمد بن حازم الباهلي:
بارك اللّه للحَسَنْ ... وَلبُورَانَ في الْخَتَنْ
يا ابن هارون قد ظَفِرْ ... تَ ولكن ببنت من
فلما نمي هذا الشعر إلى المأمون قال: واللهّ ما ندري خيراً أراد أم شَرّاً.
أهل المأمون يحملونه على قتل إبراهيم بن المهدي
ودخل إبراهيم بن المهدي يوماً على المأمون بعد مدة من الظفر به، فقال: إن هذين يحملانِنِي على قتلك - يعني المعتصم أخاهُ والعباس بن المأمون - فقال: ما أشارا عليك إلا بما يُشَار به على مثلك، ولكن تَدَعُ ما تخاف لما نرجو، وأنشد:
ردَدْتَ مالي ولم تَبْخَلْ عَلَيَّ به ... وقبل رَدِّكَ مالي قد حَقَنْتَ دمي
فبؤت منها وما كافيتها بِيَدٍ ... هما الحياتان من موت ومن عدم
البر وَطّأ منك العذر عندك لي ... فيما أتيت ولم تعذل ولم تلم
وقام عُذْرُكَ بي فاحْتَجَّ عندك لِي ... مقام شاهد عدل غير مُتَّهَم
ولإِبراهيم أخبار حسان، وأشعار ملاح، وما كان من أمره في حاك اختفائه في سويقة غالب ببغداد، وتنقله من موضع إلى موضع بها، وخبره في الليلة التي قبض عليه فيها، قد أتينا على جميعها فيما سمينا من كتبنا التي كتابُنَا هذا تَالٍ لها ومنبه عليها.
وقد صَنَّف يوسف بن إبراهيم الكاتب صاحب إبراهيم بن المهدي كتباً منها كتابه في أخبار المتطببين مع الملوك في المأكل والمشارب والملابس، وغير ذلك، وكتابه المعروف بكتاب إبراهيم بن المهدي في أنواع الأخبار، وغير ذلك من كتبه.
من أخبار إبراهيم بن المهدي
(2/49)

ومن أحسن ما اختير من أخبار إبراهيم في حال تنقله واختفائه ببغداد خبره مع المزين، وهو أن المأمون لما دخل بغداد على ما ذكرنا فيما سلف من هذا الباب من بَثِّهِ العيون طالباً لإِبراهيم بن المهدي، وجعل لمن دَلَّ عليه جُعْلاً خطيراً من المال، قال إبراهيم: فخرجت في يوم صائف في وقت الظهر لا أدري أين أتَوَجَّهُ، فصرت إلى زُقَاق ولا مَنْفَذَ له، فرأيت أسْوَدَ على باب دارٍ، فصرت إليه وقلت له: أعندك موضع أقيم فيه ساعة من نهار؟ فقال: نعم، وفتح بابه، فدخلت إلى بيت فيه حصير نظيف ووسادة جلد نظيفة، ثم تركني وأغلق الباب في وجهي وَمَضَى، فتوهمته قد سمع الجعالة فِيَّ، وأنه خرج ليدل عَلَيَ، فبينما أنا كذلك إذ أقبل ومعه طبق عليه كل ما يحتاج إليه من خبز ولحم، وقدر جديد وآلتها، وَجَرَة نظيفة، وكيزان نظاف، كل ذلك جديد، وقال لي: جعلني اللهّ فداك، إني حَجَّام، وإني أعلم أنك تَتَقَذّر ما أتَوَلاّهُ، فشأنك بما لم تقع عليه يدي، وكانت بي حاجة شديدة إلى الطعام، فقمت فطبخت لنفسي قدراً ما أذكر أني أكلت أطيَبَ منها، ثم قال لي بعد ذلك: هل لك في النبيذ؟ فقلت: ما أكره ذلك، ففعل مثل فعله في الطعام، وأتاني بكل شيء نظيف لم يَمَسَّ شيئاً منه بيده، ثم قال لي بعد ذلك: أتأذن لي جعلني اللّه فداك أن أقعد ناحية منك، فأتي بنبيذ فأشرب منه سروراً بك؟ قال: فقلت: أفْعَلْ ذلك، فلما شرب ثلاثاً دخل خزانة له وأخرج منها عُوداً وقال: يا سدي، وليس من قدْرِي أن أسألك أن تغني، ولكن قد وجبت عليك حرمتي، فإن رأيت أن نشرف عبدك بأن تغنيه، قال: فقلت: وكيف توهمت عَلَيَّ أني أحسن الغناء. فقال متعجباً: يا سبحان اللّه!! أنت أشهر من أن لا أعرفك، أنت إبراهيم بن المهدي الذي جعل المأمون لمن دَلَّ عليك مائة ألف درهم، قال: فلما قال لي ذلك تناولْت. العود، فلما هممت بالغناء قال: يا سيدي أتجعل ما تغنيه ما أقترحه عليك؟ قلت: هات، فاقترح ثلاثة أصوات أتَقَدَّمُ فيها كلَّ مَنْ غَنَّى، قلت: هَبْكَ عرفتني، هذه الأصوات من أين لك بمعرفتها؟ قال: أنا أخدم إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وكثيراً ما كنت أسمعه يذكر المحسنين وما يُجِيدُونَة، ولم أتوهم أني أسمع ذلك منك في منزلي، فغنيته، وأنست به، واستظرفته. فلما كان الليلُ خرجت من عنده، وقد كنت حملت معي خريطة فيها دنانير، فقلت له: خذها فاصرفها في بعض مُؤْنتك، ولك عندنا مزيد إن شاء اللّه تعالى. فقال: ما أعجب هذا!! واللّه عزمت على أن أعرض عليك جملة ما عندي، وأسألك أن تتفضل بقبولها، ثم أجللتك عن ذلك، وامتنع من قبول شيء، ومضى حتى دَلّنِي على الموضع الذي احتجت إليه، وانصرف، وكان آخر العهد به.
يزيد بن هارون
وفي سنة ست ومائتين - وذلك في خلافة المأمون - مات يزيد بن هارون بن زادان الواسطي، وله تسع وثمانون سنة، وكان مولده سنة سبعَ عشرَةَ ومائةٍ وهو مولى لبني سُلَيم، وكان أبوه يخدم في مطبخ زياد بن أبيه وعبيد الله بن زياد ومصعب بن الزبير والحجاج بن يوسف، ويزيد هذا عند أهل الحديث من عِلْيتهم، وعظيم من عظمائهم، وكانت وفاته بواسط العراق.
موت جماعة من أهل العلم
وفيها مات جرير بن خًزَيمة بن حازم، وشيبة بن سَوَّار المدني، والحجاج بن محمد الأعور الفقيه، وعبد اللّه بن نافع الصائغ المدني مولًى لبني مخزوم، ووهب بن جرير، ومؤمل بن إسماعيل، وروح بن عبادة، وفيها مات الهيثم بن عديٍّ وكان يغمز عليه نسبه، وفيه يقول القائل:
إذا نَسَبْتَ عَدِيّاً في بني ثُعَل ... فقدِّم الدال قبل العين في النسب
قصة وفاء وإيثار
(2/50)

وفي سنة تسع ومائتين مات الواقدي، وهو محمد بن عمرو بن واقد مولًى لبني هاشم، وهو صاحب السير والمغازي، وقد ضعف في الحديث، وذكر ابن أبي الأزهر قال: حدثني أبو سهل الرازي، عمن حدثه، عن الواقدي قال: كان لي صديقان أحدهما هاشمي، وكنا كنفس واحدة، فنالتني ضَيْقة شديدة، وحضر العيد، فقالت امرأتي: أما نحن في أنفسنا فنصبر على البؤس والشدة، وأما صبياننا هؤلاء فقد قَطعوا قلبي رحمة لهم؛ لأنهم يَرَوْنَ صبيان الجيران قد تَزَئنُوا في عيدهم وأصلحوا ثيابهم، وهم على هذه الحال من الثياب الرثّةِ، فلوا احْتَلْتَ بشيء تصرفه في كسوتهم، قال: فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة عليَ لما حضر، فوجه إليّ كيساً مختوماً ذكر أن فيه ألف درهم، فما استقر قراري حتى كتب إليَّ الصديقُ الآخر يشكو مثل ما شكوت إلى صاحبي، فوجهت إليه الكيس بحاله، وخرجت إلى المسجد فأقمت فيه ليلي مستحيياً من امرأتي، فلما دخلت عليها استحسنت ما كان مني ولم تعنفني عليه، فبينا أنا كذلك إذ وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، فقال لي: أصْدُقْنِي عما فعلته فيما وجهت إليك، فعرفته الخبر على جهته، فقال: إنك وجهت إلي وما أملك على الأرض إلا ما بعثْتُ به إليك، وكتبت إلى صديقنا أسأله المواساة، فوجه بكيسي بخاتمي، قال: فتواسينا الألف ثلاثاً بعد أن أخرجنا إلى المرأة قبل ذلك مائة درهم، ونمي الخبر إلى المأمون، فدعاني، فشرحت له الخبر، فأمر لنا بسبعة آلاف دينار: لكل واحد ألفا دينارٍ، وللمرأة ألف دينار، وقُبِضَ الواقدي وهو ابن سبع وسبعين سنة.
وفيها كانت وفاة يحيى بن الحسن بن زيد بن علي بن الحسين بن علي ببغداد، وصلى عليه المأمون، وقد أتينا على خبره فيما سلف من كتبنا.
بين أزهر وأبي جعفر المنصور
وفيها مات أزْهَرُ السمان، وكان صديقاً لأبي جعفر المنصور في أيام بني أمية وكانا قد سافرا جميعاً وسمعا الحديث، وكان المنصور يألفه، ويأنس إليه، ويكبر عنده، فلما أفْضَتِ الخلافة إليه أشْخَصَ إليه من البصرة، فسأله المنصور عن زوجته وبناته، وكان يعرفهنَّ بأسمائهم، وأظهر بره وإكرامه، ووَصَله بأربعة آلاف درهم، وأمره أن لا يقدم إليه مستمحاً، فلما كان بعد حَوْلٍ صار إليه، فقال له: ألم آمرك أن لا تسير إليّ مستميحاً، فقال له: ما صرت إليك إلا مسلماً ومجدداً بك عهداً، قال: ما أرى الأمر كما ذكرت، فأمر له بأربعة آلاف درهم، وأمره أن لا يصير إليه مسلماً ولا مستميحاً، فلما كان بعد سنة صار إليه، فقال: إني لم أقدم عليك للأمرين اللذين نهيتني عنهما، وإنما بلغني أن علة عرضت لأمير المؤمنين فأتيته عائداً، فقال: ما أظنك أتيت إلا مستوصلاً، فأمر له بأربعة آلاف درهم، فلما كان بعد الحول ألح عليه بناتُه وزوجتُه، وقلن له: أمير المؤمنين صديقُكَ فارجِع إليه، فقال: ويحكن!! ماذا أقول له وقد قلت له أتيتك مستميحاً ومسلماَ وعائداً؟ ماذا أقول في هذه المرة؟ وبم أحتجُّ؟ فأبوا على الشيخ إلا الِإلحاح، فخرج فأتى المنصور وقال: لم آتك مسترفداً، ولا زائراً، ولا عائداً، وإنما جئت لسماع حديث كنا سمعناه جميعاً في بلد كذا من فلان عن النبي صلى الله عليه وسلم و فيه اسم من أسماء اللهّ تعالى مَنْ سأل اللّه به لم يرده ولم يخيب دعوته، فقال له المنصور: لا تُرِده فإني قد جَرَّبْته فليس هو بمستجاب، وذلك أني مذ جئتني أسأل اللّه به أن لا يردَّك إلي، وها أنت ترجع لا تنفك من قولك مسلماً أو عائداً أو زائراً؟ ووصله بأربعة آلاف درهم، وقال له: قد أعيتني فيك الحيلة فصر إني متى شئت
مقتل ابن عائشة
وفي سنة تسع ومائتين ركب المأمون إلى المطبق بالليل حتى قتل ابن عائشة، وهو رجل من ولد العباس بن عبد المطلب، واسمه إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم الِإمام أخي أبي العباس والمنصور، وقتل معه محمد بن إبراهيم الإفريقي وغيره، وابن عائشة هذا أول عباسي صُلِبَ في الإِسلام، وتمثل المأمون حين قتله بقول الشاعر:
إذا النار في أحجارها مُسْتَكِنَّة ... متى ما يُهِجْهَا قادح تتضرم
(2/51)

وكان رجل من ولد العباس بن علي بن أبي طالب فو مال وثروة وعز ومنعة وفهم وبلاغة، وهو العباس العلوي، بمدينة السلام، وكان المعتصم يَشْنؤه لحالٍ كانت بينهما، فمكن في نفس المأمون أنه شانئ له ولدولته، ماقِتٌ لأيامه، فلما كان في تلك الليلة لحق العباس بالمأمون على الجسر فقال له المأمون: ما زلت تنتظرها حتى وقعت، فقال: أعيذك باللّه يا أمير المؤمنين، ولكني ذكرت قول اللّه عزّ وجلّ " ما كان لأهل المدينة ومَنْ حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول اللّه، ولا يركبوا بأنفسهم عن نفسه " هذه فحسن موقع ذلك منه، ولم يزل يسايره حتى بلغ المطبق، فلما قتل ابن عائشة قال: يأذن أمير المؤمنين في الكلام. قال: تكلم، قال: اللّه اللّه في الدماء، فإن الملك إذا ضَرِيَ بها لم يصبر عنها، ولم يُبْقِ على أحد، قال: لو سمعت هذا الكلام منك قبل أن أركب ما ركبت ولا سفكت دماً، وأمر له بثلاثمائة ألف درهم.
وقد أتينا على خبر ابن عائشة هذا، وما أراد من الإِيقاع بالمأمون، وما كان من أمره في كتابنا شي أخبار الزمان.
موت أبي عبيدة معمر بن المثنى
وفي سنة إحدى عشرة ومائتين عات أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنى بالبصرة، وكان يرى رأي الخوارج، وبلغ نحواً من مائة سنة، ولم يحضر جنازته أحد من الناس، حتى أكترى لها من يحملها، ولم يكن يسلم عليه شريف ولا وضيع إلا تكلم فيه، وله مصنفات حِسَان في أيام العرب وغيرها: منها كتاب المثالب، ويذكر فيه أنصاب العرب وفسادها، ويرميهم بما تسيء الناسَ ذِكْره، ولا يحسن وصفه، وكان أبو نُوَاسٍ الحسن بن هانئ كثير العبث به، وكان أبو عبيدة يقعد في مسجد البصرة إلى سارية من سَوَارية، فكتب أبو نُوَاس عليها في غيبته عنها بهذين البيتين يُعَرِّضُ به:
صَلّى الإِلهُ عَلَى لوطٍ وشيعته ... أبا عُبيدة قل باللّه آمينا
وأنت عندي بلا شك يقيتُهمْ ... مذ احتلمت وقد جاوزت تسعينا
فلما جاء أبو عُبيدة ليجلس في مجلسه ويستند على تلك السارية رأى ذلك، فقال: هذا فعلُ الماجِنِ اللواط أبي نواس، حُكّوه وإن كان فيه صلاة على نبي.
موت أبي العتاهي وشيء من أخباره
وفي هذه السنة - وهي سنة إحدى عشرة ومائتين - مات أبو العتاهية إسماعيلُ بن القاسم، الشاعر، متنسكاً لابساً للصوف، وكان له مع الرشيد أخبار حسان: من ذلك ما قدمنا ذكره فيما سلف من هذا الكتاب، ومنها أن الرشيد أمر ذات يوم بحمله إليه، وأمر أن لا يكلم في طريقه، ولا يعلم ما يراد منه، فلما صار في بعض الطريق كتب له بعض مَنْ معه في الطريق: إنما يراد قتلك، فقال أبو العتاهية من فوره:
ولعل ما تخشاه ليس بكائن ... ولعل ما ترجُوهُ سوف يكون
ولعل ما هَوَّنْتَ ليس بهين ... ولعل ما شَدَّدْتَ سوف يهون
وحج في بعض الحجج مع الرشيد، فنزل الرشيد يوماً عن راحلته، ومشى ساعة، ثم أعيا، فقال: هل لك يا أبا العتاهية أن تستند إلى هذا الميل؟ فلما قعد الرشيد أقبل على أبي العتاهية وقال له: يا أبا العتاهية، حركنا، فقال:
هب الدنيا توَاتيكا ... أليس الموت يأتيكا؟
ألا يا طالِبَ الدنيا ... دع الدنيا لشانيكا
وما تصنع بالدنيا ... وظل الميل يكفيكا
ولأبي العتاهية أخبار وأشعار كثيرة حسان، قد قدمنا فيما سلف من كتبنا جملاً مما اختير من شعره وما انتخب من قوافيه، وكذلك قدمنا من ذلك لمعاً فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار خلفاء بني العباس، ومما استحسن من ذلك قوله:
أحْمَدٌ قال لي ولم يدْرِ ما بي: ... أتحب الغداة عشية حقا؟
فتنفّسْتُ ثم قلت: نعم حُبّاً جرى فِي العروق عِرْقاً فعرقا
ليتني مُتُّ فاسترحْتُ فإني ... أبداً ما حييت منها مُلَقى
لا أراني أبقى ومن يَلْقَ ما لا ... قَيْتُ من لوعة الجوى ليس يبقى
فاحْتَسِبْ صحبتي، وقل: رحمة اللّه على صاحِب لنا مات عشقا
أنا عَبْدٌ لها وإن كنت لا أر ... زَقُ منها والحًمد للَّه عتقا
ومما استحسن من شعره أيضاً قوله:
يا عُتْبَ مالي ولَكِ ... يا ليتنِي لم أرَكِ
ملكتني فانتهكي ... ما شئت أن تنتهكي
(2/52)

أبِيِتُ ليلي ساهراً ... أرعى نجوم الفَلَكِ
مفترشاً جَمْرَ الغَضَى ... ملتحفاً بالْحَسَكِ
ومن قوافيه الغريبة وأشعاره المستحسنة قوله:
أخِلاي بي شَجْوٌ، وليس بكم شَجْوُ ... وكل امرئ من شَجْوِ صاحبه خِلْوُ
رأيت الهوى جَمْرَ الغضى، غير أنه ... على حَرِّه في صدر صاحبه خُلْوُ
أذاب الهوى جسمي وعظمي ... وقُوتي فلم يَبْقَ إلاَّ الروِحُ والبدن النِّضْو
وما من حبيب نال ممن يحبه ... هوى صادقاً إلا يداخِله زَهْوُ
إني لنائي الطًرفِ مِنْ غير خُلَّتي ... ومالي سواها من حديثٍ ولا لَهْوُ
لها دون إخْوَاني وأهل مودتي ... من الود مني فَضْلَة، ولها العفْوُ
ومما انتخب من شعره واستحسنه الناس من قولهِ قولُه:
يا لهذه نفسي عَلَى الذِي اجتنبت ... بأي جرْم ترونها عَتَبَتْ
جارك اللَهُ بِئس ما صَنَعَتُ ... بي في هواهَا وبِئس ما ارتكبت
أتيتها زائراً فما انتجزت ... وَعْدِيَ إذْ جئتها وما احتسبت
كم من ديونٍ واللَهُ يعلمها ... لنا عليها لم تُقْضَ إذ وجبت
ما وهبَتْ لي مِنْ فضلها عِدَةً ... إلا استرد تْ جميع ما وهبت
فأيُ خَيْرٍ وأيُّ مَنْفَعَةٍ ... لِذَاتِ دَلٍّ تريقِ ما حلبت؟
اللًه بيني وبين ظالمتي ... طلبتُ منها وصالها فأبَت
ماذا عليها لو أنها بعثت ... منها رسولاً إليَّ أو كتبت
رغبت في وصلها وقد زَهِدَتْ ... عتبة في وصلنا وما رغبت
وكان أبو العتاهية قبيح الوجه، مليح الحركات، حلو الإِنشاد، شديد الطرب، ومن مليح شعره أيضاً قولُهُ:
من لم يذُقْ لصبَابة طعمَاً ... فلقد آحَطْتُ بطعمها علمَا
إني منحت مودتي سَكَناً ... فرأيته قد عَدَها جًرْماً
يا عُتْبَ ما أبقيت من جسدي ... لحماً ولا أبقيت لي عظما
يا عتب ما أنا من صنيعك بي ... أعمى ولكنً الهوى أعمى
إن الذي لم يدر ما كلَفِي ... ليرى عَلَى وجهي به وَسْمَا
وله أشعار خرج فيها عن العَرُوض مثل قوله:
هُم القاضي بيت يطرب ... قال القاضي لما عوتب
ما في الدنيا إلا مذنب ... هذا عذر القاضي واقلب
وزنه فَعْلُنْ فعلن أربع مرات، وقد قال قوم: إن العرب لم تقل على وزن هذا شعراً، ولا ذَكَره الخليل ولا غيره من العروضيين .
الزيادة في العروض على الخليل
قال المسعودي: وقد زاد جماعة من الشعراء على الخليل بن أحمد في العروض: من ذلك المديد، وهو ثلاثة أعاريض وستة ضروب عند الخليل، وفيه عروض رابع وضربان مُحْدَثان؛ فالضرب الأول من العروض الرابعة المحدثة قول الشاعر:
مَنْ لعين لا تنام ... دمعها سَحٌّ سجام
والضرب الثاني من العروض الرابعة المحدثة قول الشاعر:
يا لبكر لا تَنُوا ... ليس ذا حين ونا
وغير ذلك مما قد تكلموا فيه، وذكروه في هذا المعنى من الزيادات مما قد أتينا على وصفه وقدمنا من ذكره في كتابنا في أخبار الزمان.
أبو العباس الناشئ
وقد صنف أبو العباس عبد اللّه بن محمد الناشئ الكاتب الأنباري على الخليل بن أحمد في ذلك كتاباً ذكر فيه أنواعاً من هذا المعنى مما خرج فيه الخليل بن أحمد عن تقليد العرب إلى باب التعسف والنظر ونصب العلل عن أوضاع الجدل، كان ذلك له لازماً، ولما أورده كاسراً، وللناشئ أشعار كثيرة حسان: منها قصيدة واحدة نحو من أربعة آلاف بيت قافية واحدة نونية منصوبة يذكر فيها أهل الآراء والنحل والمذاهب والملل، وأشعار كثيرة ومصنفات واسعة في أنواع من العلوم، فمما جوَّد فيه قولُه حين سار من العراق إلى مصر، وبها كانت وفاته، وذلك في سنة ثلاث " وتسعين ومائتين على حسب ما قدمنا ذكره:
(2/53)

يا ديار الأحباب هَلْ مِنْ مُجيب ... عنك يشفي غليل نائي المزار؟
ما أجابت ولكِنِ الصمتُ منهاَ ... فيه للسائلين طول اعتبار
إن تكن أوحَشَتْ فبعد أنيسٍ ... أو خَلَتْ منهمُ فبعد قرار
قد لهونا بها زماناً وحيناً ... ووصلنا الأسحار بالأسحار
واغتبقنا على صَبُوحٍ ولهوٍ ... وحنين النايات والأوتار
بين وَرْدٍ ونرجِسٍ وخزَامى وبنفس وسوسن وبَهَارِ
وأقاح وكل صنف من النَّوْ ... ر الشهيِّ الْجَنَى والْجُلّنَارِ
فرمتنا الأيامُ أحسن ما كنا على حين غَفْلة واغترار
فافترقنا من بعد طول اجتماع ... ونأينا بعد اقتراب الديار
نداء المأمون في أمر معاوية وسببه
وفي سنة اثنتي عشرة ومائتين نادى منادي المأمون: برئت الذمة من أحد من الناس ذكر معاوية بخير أو قدمه على أحد من أصحاب رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم: وتكلم في أشياء من التلاوة أنها مخلوقة، وغير ذلك، وتنازعَ الناس في السبب الذي من أجله أمر بالنداء في أمر معاوية؛ فقيل في ذلك أقاويل: منها أن بعض سُمّاره حَدَّث بحديث عن مطرف بن المغيرة بن شعبة الثقفي، وقد ذكر هذا الخبر الزبير بن بكار في كتابه في الأخبار المعروفة بالموفقيات التي صنفها للموفق، وهو ابن الزبير، قال: سمعت المدائني يقول: قال مطرف بن المغيرة بن شعبة: وَفَدْتُ مع أبي المغيرة إلى معاوية، فكان أبي يأتيه يتحدث عنه ثم ينصرف إليَّ فيذكر معاوية ويذكر عقله ويعجب مما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العَشَماء، فرأيته مغتماً، فانتظرته ساعة، وظننت أنه لشيء حدث فينا أو في عملنا، فقلت له: ما لي أراك مغتماً منذ الليلة. قال: يا بني، إني جئت من عند أخْبَثِ الناس، قلت له: وما ذاك. قال: قلت له وقد خلوت به: إنك قد بلغت منا يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عَدْلاً وبسطت خيراً فإنك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصَلْتَ أرحامهم فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه، فقال لي: هيهات هيهات!! مَلَكَ أخوتَيْمٍ فعدل وفعل ما فعل، فواللّه ما عدا أن هلك فهلك ذكره، إلا أن يقول قائل: أبو بكر، ثم ملك أخو عَدِيٍّ، فاجتهد وشَمَّر عشر سنين، فواللّه ما عدا أن هلك فهلك ذكره، إلا أن يقول قائل: عمر، ثم ملك أخونا عثمان فملك رجلٌ لم يكن أحد في مثل نسبه، فعمل ما عمل وعمل به فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره، وذكر ما فعلَ به، وإن أخا هاشم يُصْرَخُ به في كل يوم خمس مرات: أشهد أن محمداً رسول الله، فأي عمل يبقى مع هذا؟ لا أمَ لك؛ والله ألا دفنا دفنا، وإن المأمون لما سمع هذا الخبر بعثه ذلك على أن أمر بالنداء على حسب ما وصفنا، وأنشئت الكتب إلى الآفاق بلعنه على المنابر، فأعْظَمَ الناسُ ذلك وأكبروه، واضطربت العامة منه فأشير عليه بترك ذلك، فأعرض عما كان هَمَّ به.
وفاة أبي عاصم النبيل، وجماعة من أهل العلم
وفي خلافة المأمون كانت وفاة أبي عاصم النبيل، وهو الضحاك بن مخلد بن سنان الشيباني، وذلك في سنة اثنتي عشرة ومائتين، وفيها مات محمد بن يوسف الفارابي.
وفي سنة خمس عشرة ومائتين - وذلك في خلافة المأمون - مات هوذة بن خليفة بن عبد اللّه بن أبي بكر، ويكنى بأبي الأشهب، ببغداد، وهو ابن سبعين سنة، ودفن بباب البردان، في الجانب الشرقي، وفيها مات محمد بن عبد اللّه بن المثنىِ بن عبد اللّه بن أنس بن مالك الأنصاري، وفيها مات إسحاق بن الطباع، بأذنَةَ من الثغر الشامي، ومعاوية بن عمرو، ويكنى بأبي عمرو، وقبيصة بن عقبة، ويكنى بأبي عامر، من بني عامر بن صَعْصَعْةَ.
وفي سنة سبعَ عشرَةَ ومائتين دخل المأمون مصر، وقتل بها عبدوس، وكان قد تغلب عليها.
غزو الروم
وفي سنة ثمان عشرة ومائتين غزا المأمون أرض الروم، وقد كان شرع في بناء الطوانة، مدينة من مدنهم على فم الدرب، مما يلي طرسوس، وعمد إلى سائر حصون للروم، ودعاهم إلى الإِسلام، وخيرهم بين الإِسلام والجزية والسيف، وذلل النصرانية، فأجابه خلق من الروم إلى الجزية.
علة المأمون وموته
(2/54)

قال المسعودي: وأخبرنا القاضي أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن زيد الدمشقي بدمشق، قال: لما توجَّه المأمون غازياً، ونزل البديدون، جاءه رسول ملك الروم فقال له: إن الملك يخيرك بين أن يَرُدَّ عليك نفقتك التي أنفقتها في طريقك من بلدك إلى هذا الموضع، وبين أن يخرج كل أسير من المسلمين في بلد الروم بغير فداء ولا درهم ولا دينار، وبين أن يعمر لك كل بلد للمسلمين مما خربت النصرانية ويرعَّه كما كان، وترجع عن غَزَاتِكَ، فقّام المأمون ودخل خيمة، فصلى ركعتين، واستخار اللهّ عزّ وجلّ وخرج، فقال للرسول: قل له، أما قولك تَرُدًّ عليَّ نفقتي، فإني سمعت اللّه تعالى يقول في كتابه، حاكياً عن بلقيس: " وإنِّي مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون، فلما جاء سليمان قال: أتمدونني بمال؟ فما أتاني اللّه خيرٌ مما آتاكم، بل أنتم بهديتكم تفرحون " وأما قولك: إنك تخرج كل أسير من المسلمين في بلد الروم، فما في يدك إلا أحد رجلين: إما رجل طلب اللّه عز وجل والدار الآخرة، فقد صار إلى ما أراد، وإما رجل يطلب الدنيا، فلا فَكَّ اللّه أسْرَهُ، وأما قولك: إنك تعمر كل بلد للمسلمين قد خربته الروم، فلو أني قلعت أقصى حجر في بلاد الروم ما اعتضت بامرأة عثرت عثرة في حال أسرها، فقالت: وامحمداه وامحمداه، عُدْ إلى صاحبك، فليس بيني وبينه إلا السيف، يا غلام اضرب الطبل، فرحل، فلم ينثن عن غَزَاتِهِ، حتى فتح خمسة عشر حصناً، وانصرف من غزاته، فنزل على عَيْن البديدون، المعروفة بالقشيرة على حسب ما قدمنا في هذا الكتاب، فأقام هنالك حتى ترجع رُسُله من الحصون، فوقف على العين ومنبع الماء، فأعجبه بَرْدُ ماتها وصفاؤه وبياضه وطيب حسن الموضع وكثرة الخضرة، فأمر بقطع خشب طوال وأمر به فبسط على العين كالجسر، وجعل فوقه كالأزج من الخشب وورق الشجر، وجلس تحت الكنيسة التي قد عقدت له والماء تحته، وطرح في الماء درهم صحيح فقر أكتابته وهو في قرار الماء لصفاء الماء، ولم يقدر أحد يدخل يده في الماء من شدة بَرْده، فبينما هو كذلك إذ لاحت سمكة نحو الذراع كأنها سبيكة فضة، فجعل لمن يخرجها سَبْقاً، فبحر بعض الفراشين فأخذها وصعد، فلما صارت على حرف العين أو على الخشب الذي عليه المأمون اضطربت وأفلتت من يد الفراش فوقعت في الماء كالحجر
(2/55)

فنضح من الماء على صدر المأمون ونحره وتَرْقُوتهِ فبلّتْ ثوبه، ثم انحدر الفراش ثانية فأخذها ووضعها بين يدي المأمون في منديل تضطرب، فقال المأمون: تُقْلَى الساعة، ثم أخذته رعدة من ساعته، فلم يقدر يتحرك من مكانه، فغطى باللحف والدواويج، وهو يرتعد كالسعفة، ويصيح: البرد البرد، ثم حول إلى المضرب ودثر وأوقدت النيرانُ حوله، وهو يصيح: البرد البرد، ثم أتى بالسمكة وقد فرغ من قلبها فلم يقدر على الذوق منها، وشَغَله ما هو فيه عن تناول شيء منها، ولمَّا اشتد به الأمر سأل المعتصم بختيشوع وابن ماسويه في ذلك الوقت عن المأمون وهو في سكرات الموت، وما الذي يدل عليه علم الطب من أمره؟ وهل يمكن برؤه وشفاؤه؟ فتقدم ابن ماسويه، فأخذ إحدى يديه وبختيشوع الأخرى، وأخذا المجسة من كلتا يديه، فوجدا نبضة خارجاً عن الاعتدال، مُنْنِراً بالفناء والإِنحلال، والتزقت أيديهما ببشرته لِعَرَقٍ كان يظهر منه من سائر جسمه، كالزيت، أو كلعاب بعض الأفاعي، فأخبر المعتصم بذلك، فسألهما عن ذلك، فأنكرا معرفته، وأنهما لم يجدا في شيء من الكتب، وأنه دال على انحلال الجسد، وأفاق المأمون من غَشْيته، وفتح عينيه من رَقْدته، فأمر بإحضار أناس من الروم، فسألهم عن اسم الموضع والعين، فأحضر له عدة من الأساري والأدلة، وقيل لهم: فسروا هذا الاسم القشيرة، فقيل له: تفسيره مُدّ رجليك، فلما سمعها اضطرب من هذا الفال وتَطَيَّرَ به، وقال: سَلُوهم ما أسم الموضع بالعربية، فقالوا: الرقة، وكان فيما عمل من مولد المأمون أنه يموت بالموضع المعروف بالرقة، وكان المأمون كثيراً ما يحيد عن المقام بمدينة الرقة فرقا من الموت، فلما سمع هذا من الروم علم أنه الموضع الذي وُعِدَ فيه فيما تقم من مولده، وأن فيه وفاته، وقيل: إن اسم البديدون تفسير مُدَ رجليك، والله أعلم بكيفية ذلك، فأحضر المأمون الأطباء حوله يؤمل خلاصه مما هو فيه، فلما ثقل قال: أخرجوني اشْرِفُ على عسكري، وأنظر إلى رجالي، وأتبين ملكي، وذلك في الليل، فأخرج فأشرف على الخيم والجيش وانتشاره وكثرته وما قد أوقد من النيران، فقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه، ثم رُدَّ إلى مرقدي وَأجْلَسَ المعتصم رَجُلاً يشهده لما ثقل، فرفع الرجل صوته ليقولها، فقال له ابن ماسوية: لا تَصِحْ فواللّه ما يفرق بين ربه وبين ماني في هذا الوقت، ففتح المأمون عينيه من ساعته، وبهما من العظم والكبر الاحمرار ما لم يُرَ مثله قط، وأقبل يحاول البطش بيديه بابن ماسوية، ورام مخاطبته، فعجز عن ذلك، فرمي بطرفه نحو السماء، وقد امتلأت عيناه دموعاً، فانطلق لسانه من ساعته، وقال: يا مَنْ لا يموت أرحم مَنْ يموت، وقضى من ساعته، وذلك في يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بَقِيَت من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، وحمل إلى طرطوس، فدفن بها، على حسب ما قدمنا في أول أخباره من هذا الكتاب.
قال المسعودي: وللمأمون أخبار حسان وَمَعَانٍ وسير ومجالسات وأشعار وأخلاق جميلة، قد أتينا على مبسوطها فيما سلف من كتبنا، فأغنى ذلك عن ذكرها.
وفي المأمون يقول أبو سعيد المخزومي:
هل رأيت النجوم أغنت عَنِ المأ ... مُون شيئاً وَمُلْكِهِ المَأْنُوس
خلفوهً بعرصتي طرسوس ... مِثل ما خَلّفُوا أباه بِطُوس
وكان المأمُون كثيراً ما ينشد هذه الأبيات:
وَمَنْ لا يزل غَرَضَاَ للمنو ... ن يَترُكْنَهُ ذات يوم عميدا
فإن هن أخطأنه مرة ... فيوشك مخطئها أن يعودا
فبينا يحيد وتخطينه ... قصدن فأعجلنه أن يحيدا
ذكر خلافة المعتصم
(2/56)

وبويع المعتصمُ في اليوم الذي كانت فيه وفاة المأمون على عين الديدون، وهو يوم الخميس لثلاثَ عَشَرَةَ ليلةً بَقِيتْ من رجب سنة ثمان عشرة ومائتين، واسمه محمد بن هارون، ويكنى أبا إسحاق، وكان بينه وبين العباس بن المأمون في ذلك الوقت تنازع في المجلس، ثم إنقاد العباسُ إلى بيعته، والمعتصم يومئِذٍ ابن ثمان وثلاثين سنة وشهرين، وأُمه يُقال لها ماردة بنت شبيب، وقيل: إنه بويع سنة تسع عشرة ومائتين، وتوفي بسُرَّ مَنْ رأى سنة سبع وعشرين، وهو ابن ست وأربعين سنة وعشرة أشهر، فكانت خلافته ثمان سنين وثمانية أشهر، وقبره بالجَوْسَقِ بُسَّر مَنْ رأى على ما ذكرنا.
ذكر جمل من أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
ابن الزيات وزير المعتصم
وأحمد بن أبي دؤاد
واسْتَوْزَرَ المعتصمُ محمدَ بن عبد الملك إلى آخر أيامه، وغلب عليه أحمد بن أبي دؤُاد، ولم يزل محمد بن عبد الملك في أيام المعتصم والواثق إلى أن ولي المتوكل، وكان في نفسه عليه شيء، فقتله، وسنذكر لمعاً من خبر مقتله فيما يرد من هذا الكتاب في أخبار المتوكل، وإن كنا قد أتينا على ذلك ملخصاً في الكتاب الأوسط.
حب المعتصم للعمارة
وكان المعتصم يحب العمارة، ويقول: إن فيها أموراً محمودة، فأولها عمران الأرض التي يحيى بها العالم، وعليها يزكو الخراج، وتكثر الأموال، وتعيش البهائم، وترخص الأسعار، ويكثر الكسب، ويتسع المعاش، وكان يقول لوزيره محمد بن عبد الملك: إذا وجدت موضعاً متى أنفقت فيه عشرة دراهم جاءني بعد سنة أحد عشر درهماً فلا تؤامرني فيه
بأس المعتصم وقوته
وكان المعتصم ذا بأس وشدة في جسمه، وشجاعة في قلبه، فذكر أحمد بن أبي دُؤَاد - وكان به أنساً - قال: لما أنكر المعتصم نفسه وقوته دخلت عليه يوماً وعنده ابن ماسويه، فقال المعتصم فقال لي: لا تبرح حتى أخرج إليه، فقلت ليحيى بن ماسويه: ويحك!! إني أرى أمير المؤمنين قد حال لونه، ونقصت قوته، وذهبت سَوْرَته، فكيف تراه أنت؟ قال: هو واللهّ زبرة من زُبَرِ الحديد، إلا أن في يديه فأساً يضرب بها تلك الزبرة، فقلت: وكيف ذاك؟ قال: كان قبل ذلك إذا أكل السمك اتخذ له صباغاً من الخل والكراويا والكمون والسذاب والكرفس والخردل والمجوز فأكله بذلك الصباغ، يدفع أذى السمك وأضراره بالعصب، وإذا أكل الرؤوس اتخذت له أصباغ تدفع أذاها وتلطفها، وكان في أكثر أموره يلطف غذاءه ويكثر مشورتي، فصار اليوم إذا أنكرت عليه شيئاً خالفني، وقال: آكل هذا على رغم أنف ابن ماسويه فما أقدر أن أصنع، قال: وهو خلف الستر يسمع ما نحن فيه، فقلت: ويلك يا أبا يحيى!! أدخل أصبعك في عينيه، قال: جعلت فداك، ما أقْدِرُ أرُده ولا أجترئ عليه في خلاف، فلما فرغ من كلامه خرج علينا المعتصم، فقال لي: ما الذي كنت فيه مع ابن ماسويه. قلت: ناظرته يا أمير المؤمنين في لونك الذي أراه حائلاً، وفي قلة طعمك الذي قد هَدَّ جوارحي وَأنْحَلَ جسمي، قال: فما قال لك؟ قلت: شكا أنك كنت تقبل منه ما يشير به عليك وكنت ترى في ذلك على ما يحب، وأنك الآن تخالفه، قال: فما قلت له أنت. قال: فجعلت أصرف الكلام، قال: فضحك وقال: هذا بعد ما دخل في عيني أو قبل ذلك. قال: فَارْفَضَضْتُ عَرَقاً، وعلمت أنه قد سمع ما كنا فيه، ورأى ما قد داخلني، فقال: يغفر اللهّ لك يا أحمد، لقد فرحت بما ظننت أنه أحزنك إذ سمعته وعلمت أنه نوع من أنواع الانبساط والأنس.
المعتصم وعلي بن الجنيد
(2/57)

وكان المعتصم بأنس بعلي بن الجنيد الإِسكافي، وكان عجيب الصورة عجيب الحديث، فيه سلامة أهل السواد، فقال المعتصم يوماً لمحمد بن حماد: اذهب بالغَدَاة إلى علي بن الجنيد، فقل له تهيأ حتى يزاملني، فأتاه، فقال: إن أمير المؤمنين يأمرك أن تُزَامله، فتهيأ لشروط مزاملة الخلفاء ومعادلتهم فقال علي بن الجنيد: وكيف أتهيأ؟ أهيئ لي رأساً غير رأسي؟ أأشتري لحية غير لحيتي! أأزيد في قامتي! أنا متهيئ وفضلة، قال: لست تحري بعدُ ما شروط مزاملة الخلفاء ومعادلتهم! فقال عليُّ بن الجنيد: وما هي؟ هات يا من تَدرِي، قال له ابن حماد، وكان أديباً ظريفاً، وكان برسم الحجَّاب: شرط المعادلة الإِمتاع بالحديث والمذاكرة والمناولة، وأن لا يبزق، ولاَ يسعل، ولا يتنحنح، ولا يمخط، وألا يتقدم الرئيسَ في الركوب إشفاقاً عليه من المسل، وأن يتقدمه في النزول، فمتى لم يفعل المعادل هذا كان هو والمثقلة الرصاص التي تعدل بها القبة سَوَاءً، وليس له أن ينام وإن نام الرئيس، بل يأخذ نفسه بالتيقظِ، ومراعاة حال مَنْ هو معه وما هو راكبه؛ لأنهما إذا ناما جميعاً فمال جانب لا يشعر بميله كان في ذلك ما لا خفاء به، وعليُّ بن الجنيد ينظر إليه، فلما أكثر عليه في هذا الوصف والشروط قطع عليه كلامه وقال كما يقول أهل السوَاد: آه حرها، أذهب له فقل له: ما يُزَامِلك إلا مَنْ أمُّه زانية وهو كشخان، فرجع ابن حماد، فقال للمعتصم ما قال، فضحك المعتصم وقال: جئني به، فجاءه، فقال: يا عليُّ، أبعث إليك تزاملني فلا تفعل. فقال: إن رسولك هذا الجاهل الأزعر جاءني بشروط حَسان الشاشي وخالويه المحاكي فقال: لا تبزق، ولا تفعل كذا، وافعل كذا، وجعل يمطَطُ في كلامه، ويفرقع في صاداته، ويشْير بيديه، ولا تسعل، ولا تعطس، وهذا لا يقوم لي،. ولا أقدر عليه، فإن رضيت أن أزاملك فإن جاءني الفُسَاء فَسَوْتُ عليك وضَرَطْتُ، وإذا جاءك أنت فأده فافْسُ واضرط، وإلا فليس بيني وبينك عمل، فضحك المعتصم حتى فحص برجليه، وذهب به الضحك كل مذهب، وقال: نعم زاملني على هذه الشريطة، قال: نعم وكرامَةً، فزامَلَهُ فيِ قبة على بغلٍ، فسارا ساعة، وتوسَّطَا البر، فقال علي: يا أمير المؤمنين حضَر ذلك المتاعُ فما ترى؟ قال: ذلك إليك إذا شِئْتَ، قال: تحضر ابن حماد، فأمر المعتصم بإحضاره، فقال له عليٌ: تعالى حتى أسَارَكَ، فلما دنا منه فَسَا، وناوله كمه، وقال: أجدُ دبيب شيء في كُمِّي فانظر ما هو، فأدخل رأسه، فشم رائحة الكنيف، فقال: ما أرى شيئاً، ولكني لم أعلم أن في جوف ثيابك كنيفاً، والمعتصم قد غَطى فمه بكمه، وقد ذهب به الضحك كل مذهب، ثم جعل يفسو فُسَاء متصلاً، ثم قال لابن حماد: قلت لي لا تسعل ولا تبزق ولا تمخط، فلم أفعل ولكني أخْرَى عليك، قال: فاتصل فساؤه والمعتصم يخرج رأسه من العمارية، ثم قال للمعتصم: قد نضجت القدر، وأريد أخْرَى، فقال المعتصم ورفع صوته حين كثر ذلك عليه: وَيْلَكَ! يا غلام الأرض، الساعة أموت.
(2/58)

ودخل عليٌّ بن الجنيد الإِسكافي يوماً على المعتصم فقال له بعد أن ضاحكه وهازَلَه: يا عليُّ، مالي لا أراك ويلك!؟ أنسيت الصحبة وما حَفِظْتَ الموثق. فقال له حينئذٍ: بالغ الكلام الذي أريد أن أقوله قلته أنت، ما أنت إلا إبليس، فضحك، ثم قال: لم لا تجيئني. قال: آه، كم أجيء فلا أصل إليك، أنت اليوم نبيل، فكأنك من بني مارية وبَنُو مَارَيةَ أناس من أهل السواد يَضْرِبُ بهم أهلُ السواد الأمثال لكبرهم في نفوسهم، فقال له المعتصم: هذا سندان التركي، وأشار إلى غلام على رأسه بيديه مِذَبةٌ، وقال له: يا سندان، إذا حضر عليّ فأعلمني وإن أعطاك رقعة فأوضحلها إليَ، وإن حَمَّلك رسالة فأخبرني بها، قال: نعم يا سيدي، وانصرف علي فأقام أياماً ثم جاء يطلب سندان فقالوا: هو نائم، فانصرف ثم عاد، فقالوا: هو داخل، ولا تصل إليه، فانصرف وعاد، فقالوا: هو عند أمير المؤمنين، فاحْتَالَ حتى دخل عند المعتصم من جهة أخرى، فضاحكه ساعة وعاتبه، وقال له: يا عليّ، ألك حاجة. قال: نعم يا أمير المؤمنين، إن رأيت سندان التركي؛ فأقره مني السلام، فضحك وقال: ما حالُه. قال: حالُه أنك جعلْتَ بيني وبينك إنساناً رأيتك قبل أن أراه، وقد اشتقْتُ إليه فأسألك أن تبلغه مني السلام، فغلب المعتصمَ الضحكُ، وجمع بينه وبين سندان ثانية وأكد عليه في مراعاة أمره، فكان لا يمنع منه.
المعتصم وشيخ زلق حماره في الطين
وعَبَر المعتصم من سُر مَنْ رأى من الجانب الغربي - وذلك في يوم مَطِيرٍ، وقد تبع ذلك ليلة مطيرة - وانفردَ من أصحابه، وإذا حمار قد زلق ورمى بما عليه من الشوك، وهو الشوك الذي توقد به التنانير بالعراق، وصاحُبه شيخٌ ضعيف واقتص ينتظر إنساناً يمر فيعينه على حمله، فوَقف عليه، وقال: مالك يا شيخ؟ قال: فديتك! حماري وقع عنه هذا الحمل، وقد بقيت أنتظر إنساناً يعينني على حمله، فذهب المعتصم ليخرج الحمار من الطين، فقال الشيخ: جعلت فداك تفسد ثيابك هذه وطيبك الذي أشمه من أجل حماري هذا؟ قال: لا عليك، فنزل واحتمل الحمار بيد واحدة وأخرجه من الطين، فبهت الشيخ وجعل ينظر إليه ويتعجب منه، ويترك الشغل بحماره ثم شَدَّ عنان فرسه في وسطه وأهوى إلى الشوك وهو حُزْمَتَانِ فحملهما فوضعهما على الحمار، ثم دنا من غدير فغسل يديه واستوى على فرسه، فقال الشيخ السوادي: رضي اللّه عنك، وقال بالنبطية: أشقل غرمى تاحوتكا، وتفسير ذلك، فديتك يا شاب، وأقبلت الخيول، فقال لبعض خاصته: أعْطِ هذا الشيخ أربعة آلاف درهم، وكن معه حتى تجاوز به أصحاب المسالح، وتبلغ به قريته.
وفاة جماعة من العلماء
وفي سنة تسع عشرة ومائتين كانت وفاة أبي نُعَيْم الفضل بن دُكَيْنِ مولى آل طلحة بن عبيد اللّه بالكوفة، وبشر بن غياث المريسي، وعبد اللّهَ ابن رجاء الغُدَاني.
محمد بن علي بن موسى بن جعفر
وفيها ضَرَب المعتصم أحمد بن حنبل ثمانية وثلاثين سوطاً ليقول بخلق القران.
وفي هذه السنة - وهي سنة تسع عشرة ومائتين - قبض محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وذلك لخمس خلون من في الحجة، ودفن ببغداد في الجانب الغربي بمقابر قريش مع جده موسى بن جعفر، وصَلّى عليه الواثق، وقبض وهو ابن خمس وعشرين سنة، وقبض أبوه علي بن موسى الرضا ومحمد أبن سبع سنين وثمانية أشهر، وقيل غير ذلك، وقيل: إن أم الفضل بنت المأمون لما قدمت معه من المدينة إلى المعتصم سمَتْه، وإنما ذكرنا من أمره ما وصفنا لأن أهل الإِمامة اختلفوا في مقدار سنه عند وفاة أبيه، وقد أتينا على ما قيل في ذلك في رسالة البيان، في أسماء الأئمة وما قالت في ذلك الشيعةُ من القطعية.
محمد بن القاسم، العلوي
(2/59)

وفي هذه السنة - وهي سنة تسع عشرة ومائتين - أخاف المعتصم محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بِن علي بن أبي طالب رحمهم الله، وكان بالكوفة من العبادة والزهد والورع في نهاية الوصف، فلما خاف على نفسه هرب فصار إلى خراسان، فتنقَلَ من مواضع كثيرة من كُوَرِهَا كمرو وسرخس والطالقان ونَسَا، فكانت له هناك حروب وكوائن، وانقاد إليه وإلى إمامته خلق كثير من الناس، ثم حمله عبد اللّه بن طاهر إلى المعتصم، فحبسه في أزج اتخذه في بستان بسُرَّ مَنْ رأى، وقد تنوزع في محمد بن القاسم، فمن قائل يقول: إنه قتل بالسم، ومنهم من يقول: إن ناساً من شيعته من الطالقان أتوا ذلك البستان فتأتَّوْا للخدمة فيه من غَرْسٍ وزراعة، واتخذوا سلالم من الحبال واللبود والطالقانية ونقبوا الأزج وأخرجوه فذهبوا به، فلم يعرف له خبر إلى هذه الغاية، وقد انقاد إلى إمامته خلق كثير من الزَّيدية إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - ومنهم خلق كثير يزعمون أن محمداً لم يمت، وأنه حي يرزق، وأنه يخرج فيملؤها عدلاً كما ملئت جوراً، وأنه مهديُّ هذه الأمة، وأكثر هؤلاء بناحية الكوفة وجبال طبرستان والدَّيْلَم وكثير من كُوَرِ خراسان، وقول هؤلاء في محمد بن القاسم نحو قول رافضة الكيسانية في محمد بن الحنفية، ونحو من قول الواقفية في موسى بن موسى بن جعفر، وهم الممطورة، بهذا تعرف هذه الطائفة من بين فرق الشيعة، وقد أتينا على وصف قولهم في كتابنا في المقالات في أصول الديانات ووصف قول غُلاتهم من المعنوية وغيرهم من المحمدية وسائر فرق أهل الباطل ممن قال بتنقل الأرواح في أنواع الأشخاص من بهائم الحيوان وغيره في كتابنا المترجم بكتاب سر الحياة.
جمع المعتصم للأتراك
وكان المعتصم يحب جمع الأتراك وشراءهم من أيدي مواليهم، فاجتمع له منهم أربعة آلاف، فألبسهم أنواع الديباج والمناطق المذهبة والحلية المذهبة، وأبانهم بالزي عن سائر جنوده، وقد كان اصطنع قوماً من حوف مصر ومن حوف اليمن وحوف قيس، فسماهم المغاربة، واستعدَّ رجالَ خراسانَ من الفراغنة وغيرهم من الأشروسية، فكثر جيشه، وكانت الأتراك تؤذَي العوامَّ بمدينة السلام بجريها الخيولَ في الأسْوَاق وما ينال الضعفاء والصبيان من ذلك، فكان أهل بغداد ربما ثاروا ببعضهم فقتلوه عند صَدْمِه لامرأةٍ أو شيخٍ كبير أو صبي أو ضرير، فعزم المعتصم على النقلة منهم، وأن ينزل في فضاء من الأرض، فنزل البراذان على أربعة فراسخ من بغداد، فلم يستطب هواءها، ولا اتسع له هواؤها، ففم يزل يتنقل ويتقرَّى الموضع والأماكن إلى دِجْلةً وغيرها حتى انتهى إلى الموضع المعروف بالقاطول، فاستطاب الموضع، وكان هناك قرية يسكنها خلق من الجرامقة وناس من النَّبَطِ على النهر المعروف بالقاطول آخذاً من دجلة، فبنى هناك قصراً وبنى الناسُ وانتقلوا من مدينة السلام، وخلت من السكان إلا اليسير، وكان فيما قاله بعض العَيّارِينَ في ذلك معيراً للمعتصم بانتقاله عنهم:
أيا ساكن القَاطُول بين الْجَرَامِقَهْ ... تركْتَ ببغداد الكِباشَ البَطَارِقَهْ
ونالت مَنْ مع المعتصم شدة عظيمة لبرد الموضع وصلابة أرضه، وتأذّوْا بالبناء؟ ففي ذلك يقول بعض من كان في الجيش:
قالوا لنا إن بالقاطول مَشْتَانا ... فنحن نأمل صنع اللّه مولانا
الناس يأتمرون الرأي بينهمُ ... واللّه في كل يوم مُحْدِثٌ شانا
تخطيط سامرا
(2/60)

ولما تأذى المعتصم بالموضع وتعفر البناء فيه خرج يتقرَّى المواضع، فانتهى إلى موضع سَامُرا، وكان هناك للنصارى دَيْر عادي، فسأل بعض أهل الدير عن اسم الموضع، فقال: يعرف بسامرا، قال له المعتصم: وما معنى سامرا؟ قال: نجدها في الكتب السالفة والأمم الماضية أنها مدينة سام بن نوح، قال له المعتصم: ومن أي بلادٍ هي؟ وإلام تضاف؟ قال: من بلاد طبرهان، وإليها تضاف، فنظر المعتصم إلى فَضَاء واسع تسافر فيه الأبصار، وهواء طيب، وأرض صحيحة، فاسْتَمْرَاها واستطاب هواءها، وأقام هنالك ثلاثاً يتصيد في يوم، فوجد نفسه تَتوقُ إلى الغذاء، وتطلب الزيادة على العادة الجارية، فعلم أن ذلك لتأثير الهواء والتربة والماء، فلما استطاب الموضع دعا بأهل الدَّيْرِ فاشترى منهم أرضهم بأربعة آلاف دينار، وارتاد لبناء قصره موضعاً فيها، فأسس بنيانه، وهو الموضع المعروف بالوزيرية بسُرَّ من رأى، وإليها يضاف التين الوزيري، وهو أعذب الأتيان وأرَقّها قشراً، وأصغرها حباً، لا يبلغه تين الشام، ولا يلحقه تين أرجان وحلوان، فارتفع البنيان، وأحضر له الفَعَلَة والصناع وأهل المهن من سائر الأمصار، ونقل إليها من سائر البقاع أنواع الغُروس والأشجار، فجعل للأتراك قطائع متحيزة، وجاورهم بالفراغنة والأشروسية وغيرهم من مدن خراسان على قدر قربهم منهم في بلادهم، وأقطع أشنان التركي وأصحابه من الأتراك الموضع المعروف بكرخ سامرا، ومن الفراغنة مَنْ أنزلهم الموضِعَ المعروف بالعمري والجسر، واختطت الخطط، واقتطعت، القطائع والشوارع والحروب، وأفْرِدَ أهْلُ كل صنعة بسوق، وكذلك التجار، فبنى الناس، وارتفع البناء، وشيدت الدور والقصور، وكثرت العمارة، واستنبطت المياه، وجرت من دجلة وغيرها، وتسامع الناس أن دار ملك قد اتخذت، فقصدوها وأجهزوا إليها من أنواع الأمتعة وسائر ما ينتفع به الناس وغيرهم من الحيوان، وكثر العيش، واتسع الرزق، وشملهم الِإحسان، وعمهم العدل فاتسع الخصب، وأقبلت الأرض وكان بَدء ما وصفنا فيما فعله المعتصم سنة إحدى وعشرين ومائتين.
خروج بابك الخرمي
(2/61)

واشتد أمر بابك الخرمي ببلاد الران والبيلقان، وكثرت عترته في تلك البلاد وسار عساكره نحو تلك الأمصار، ففرق الجيوش، وهزم العساكر، وقتل الوُلاةَ، وأفنى الناس، فسير إليه المعتصم الجيوش وعليها الأفشين، وكثرت حروبه واتصلت، وضاق بابك في بلاده حتى انفضَ جمعه، وقتل رجاله، وامتنع بالجبل المعروف بالبدين من أرضَ الران، وهي بلاد بابك، وبه يعرف هذا الموضع إلى هذا الوقت، فلما استشعر بابك ما نزل به وأشرف عليه هرب من موضعه، وزال عن مكانه، فتنكر هو وأخوه وولده وأهله ومَنْ تبعه من خواصه، وقد تزيَّا بزي السفر وأهل التجارة والقوافل، فنزل موضعاً من بلاد أرمينية من أعمال سهل بن سنباط من بطارقة أرمينية على بعض المياه، وبالقرب منهم راعي غنم، فابتاعوا منه شاة، وساموا شراء شيء من الزاد لهم، فمضى من فَوْرِه إلى سهل بن سنباط الأرميني، فأخبره الخبر، وقال: هو بابك لا شك فيه، وقد كان الأفشين لما هرب بابك من موضعه وزال عن جبله خشي أن يعتصم ببعض الخبال المنيعة أو يتحصن ببعض القلاع، أو ينضاف إلى بعض الأمم القاطنة ببعض تلك الديار فيكثر جمعه وينضاف إليه فُلاّل عسكره، فيرجع إلى ما كان من أمره، فأخنه الطرق، وكاتب البطارقة في الحصون والمواضع من بلاد أرمينية وأذربيجان والران والبيلقان، وضمن في ذلك الرغائب، فلما سمع سهل بن سنباط من الراعي ما أخبره به سار من فَوْرِه فيمن حَضَره من عدده وأصحابه حتى أتى الموضع الذي فيه بابك، فترجَّل له، ودَنَا منه، وسلم عليه بالملك، وقال له: أيها الملك، قُمْ إلى قصرك الذي فيه ولِيُّكَ وموضع يمنعك اللّه فيه من عدوك، فسار معه إلى أن أتى قلعته، وأجلسه على سريره، ورفع منزلته، ووطأ له منزله ومن معه، وقدّمت المائدة، وقعد سهل يأكل معه، فمال له بابك، بجهله وقلة معرفته بما هو فيه وما دفع إليه - : أمثلك يأكل معي. فقام سهل عن المائدة، وقال: أخطأت أيها الملك، وأنت أحق من احتمل عبده إذ كانت منزلتي ليست بمنزلة من يأكل مع الملوك، وجاءه بحداد، وقال له: مُدَّ رجلك أيها الملك، وأوْثَقَه بالحديد، فقال له بابك: أغدراً يا سهل! قال: يا ابن الخبيثة إنما أنت راعي غنم وَبَقَر، ما أنت والتدبير للملك ونظم السياسات وتدبير الجيوش! وقيد مَنْ كان معه، وأرسل إلى الأفشين يخبره الخبر، وأن الرجل عنده، فسرَّحَ إليه الأفشين أربعة آلاف فارس عليهم الحديد، وعليهم خليفة يُقال له بوماد، فتسلموا بابك ومن معه، وأتي به إلى الأفشين ومعه سهل بن سنباط، فرفع الأفشين منزلة سهل، وخلع عليه، وجمله، وتَوّجه، وقاد بين يديه، وأسقط عنه الخراج، فأطلقه، وأطلقت الطيور إلى المعتصم، وكتب إليه بالفتح، فلما وصل إليه ذلك ضَج الناس بالتكبير، وعَمَّهم الفرح، وأظهروا السرور، وكتبت الكتب إلى الأمصار بالفتح، وقد كان أفنى عساكر السلطان، فسار الأفشين ببابك، وتنقل بالعساكر، حتى أتى سُرَّ مَنْ رأى، وذلك سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وتلقى الأفشينَ هارونُ بن المعتصم وأهلُ بيت الخلافة ورجال الدولة، ونزل بالموضع المعروف بالقاطول على خمسة فراسخ من سامرا، وبعث إليه بالفيل الأشْهَبِ، وكان قد حمله بعض ملوك الهند إلى المأمون، وكان فيلاً عظيماً قد جلل بالديباج الأحمر والأخضر وأنواع الحرير الملون، ومعه ناقة عظيمةٌ بُخْتِية قد جللت بما وصفنا، وحمل إلى الأفشين دُرَاعَة من الديباج الأحمر منسوجة بالذهب قد رُصِّعَ صدرها بأنواع الياقوت والجوهر، ودراعة دونها، وقلنسوة عظيمة كالبرنس ذات سفاسك بألوان مختلفة، وقد نظم على القلنسوة كثير من اللؤلؤ والجوهر، وألبس بابك الدراعة الجليلة، وألبس أخوه الأخرى، وجعلت القلنسوة على رأس أخيه نحوها، وقُدِّمَ إليه الفيل، وإلى أخيه الناقة، فلما رأى صورة الفيل استعظمه وقال: ما هذه الدإبة العظيمة؟ واستحسن الدراعة، وقال: هذه كرامة ملك عظيم جليل، إلى أسير فقد العز ذليل، أخطأته الأقدار، وزالت عنه الجدود، وتَوَرَّطته المحن، إنها لفرجة تقتضي ترحة، وضرب له المصاف صفين في الخيل والرجال والسلاح والحديد والرايات والبنود، من القاطول إلى سَامُرَّا، ملا واحد متصل غير منفصل، وبابك على الفيل وأخوه وراءه على الناقة، والفيل يخطر بين الصفين به، وبابك ينظر إلى ذات اليمين وذات الشمال، ويميز الرجال والعُمَد، ويظهر الأسف والحنين
(2/62)

على ما فاته من سفك دمائهم، غير مستعظم لما يرى من كثرتهم، وذلك يوم الخميس لليلتين خَلَتَا من صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ولم ير الناس مثل ذلك اليوم، ولا مثل تلك الزينة، ودخل الأفشين على المعتصم فرفع منزلته، وأعلى مكانه، وأتى ببابك فَطَوَّفَ به بين يديه، فقال له المعتصم: أنت بابك؟ فلم يجب، وكررها عليه مراراً، وبابك ساكت، فمال بليه الأفشين وقال: الويل لك! أمير المؤمنين يخاطبك وأنت ساكت؟ فقال: نعم أنا بابك، فسجد المعتصم عند ذلك، وأمر بقطع يديه ورجليه. ما فاته من سفك دمائهم، غير مستعظم لما يرى من كثرتهم، وذلك يوم الخميس لليلتين خَلَتَا من صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ولم ير الناس مثل ذلك اليوم، ولا مثل تلك الزينة، ودخل الأفشين على المعتصم فرفع منزلته، وأعلى مكانه، وأتى ببابك فَطَوَّفَ به بين يديه، فقال له المعتصم: أنت بابك؟ فلم يجب، وكررها عليه مراراً، وبابك ساكت، فمال بليه الأفشين وقال: الويل لك! أمير المؤمنين يخاطبك وأنت ساكت؟ فقال: نعم أنا بابك، فسجد المعتصم عند ذلك، وأمر بقطع يديه ورجليه.
قال المسعودي: ورأيت في كتاب أخبار بغداد أنه لما وقف بابك بين يديه لم يكلمه مَلِيّاً، ثم قال له: أنت بابك. قال: نعم، أنا عبدك وغلامك، وكان اسم بابك الحسن، واسم أخيه عبد اللّه، قال: جَرِّدُوه، فسَلَبَه الخَدامُ ما عليه من الزينة، وقطعت يمينه، وضرب بها وجهه، وفعل مثل ذلك بيساره، وثلث برجليه، وهو يتمرغ في النطع في دمه، وقد كان تكلم بكلام كثير يرغب في أموال عظيمة قبله، فلم يلتفت إلى قوله، وأقبل يضرب بما بقي من زنديه وجهه، وأمر المعتصم السّيَاف أن يدخل السيف بين ضلعين من أضلاعه أسفل من القلب ليكون أطول لعذابه، ففعل، ثم أمر بجز لسانه وصلب أطرافه مع جسده فصلب ثم حمل الرأس إلى مدينة السلام، ونصب على الجسر، لما كان في نفوس الناس من استفحال أمره، وعظم شأنه، وكثرة جنوده، وإشرافه على إزالة مُلكٍ وقلب ملة وتبديلها، وحمل أخوه عبد اللّه مع الرأس إلى مدينة السلام، ففعل به إسحاق بن إبراهيم أميرها ما فعل بأخيه بابك بسامرا، وصلبت جثة بابك على خشبة طويلة في أقاصي سامرا، وموضعه مشهور إلى هذه الغاية يعرف بخشبة بابك، وإن كانت سامرا في هذا الوقت قد خلا منها ساكنها، وبَانَ عنها قاطنها، إلا يسيراً من الناس في بعض المواضع بها.
ولما قتل بابك وأخوه وكان مرت أمره ما تقدم ذكره قام في مجلس المعتصم الخطباء فتكلموا، وقالت الشعراء: فمن قام في ذلك اليوم إبراهيم بن المهدي فقال شعراً بدلاً من الخطبة، وهو:
يا أمين اللّه، إن الحمد للَّه كثيرا
هكذا النصر فلا زا ... ل لك اللَّه نصيرا
وعلى الأعداء أعطيت من اللَّه ظَهِيرَا
وهنيئاً هَيّأ اللَّه لك الفتح الخطيرا
فَهْوَ فتح لم ير الناس له فتحاً نظيرا
وَجَزَى الأفْشِينَ عبدا ... للَّه خيراً وَحُبُورَا
فلقد لاقَى به بَا ... بَكُ يوماً قَمْطَرِيرَا
ذاك مولاك الذي ألْفَيْتَهُ جَلْداً صَبُورَا
لك حَتى ضَرَجَ السيْف له خداً نَضِيرَا
ضَرْبَةً ألقت عَلَى الدَّهْرِ له في الوَجه نُورَا
وتوج الأفشين بتاج من الذهب مرصع بالجوهر، وإكليل ليس فيه من الجوهر إلا الياقوت الأحمر والزمرد الأخضر قد شبك بالذهب، وألبس وشاحين، وزوج المعتصم الحسن بن الأفشين بأترجة بنت أشناس، وزفت إليه، وأقيم لها عُرْسٌ يجاوز المقدار في البهاء والجمال، وكانت توصف بالجمال والكمال، ولما كان من ليلة الزفاف ما عم سروره خواصَ الناس وكثيراً من عوامهم، قال المعتصم أبياتاً يصف حسنهما وجمالهما واجتماعهما، وهي:
زفت عَرُوسٌ إلى عَرُوس ... بنت رئيس إلى رئيس
أيهما كان ليت شعري ... أجَلَّ في الصدر والنفوس
أصاحب المُرْ هذه المحلى ... أم ذو الوشاحين وَالشّمُوس
غزو الروم زبطرة
(2/63)

وفي هذه السنة - وهي سنة ثلاث وعشرين ومائتين - خرج توفيل ملك الروم في عساكره ومعه ملوك برجان والبرغر والصقالبة، وغيرهم ممن جاورهم من ملوك الأُمم، حتى نزل على مدينة زِبَطْرَةَ من الثغر الخزري، فافتتحها بالسيف، وقتل الصغير والكبير وسبى وأغار على بلاد ملطية، فضج الناس في الأمصار، واستغاثوا في المساجد والديار، فدخل إبراهيم بن المهدي على المعتصم، فأنشده قائماً قصيدةً طويلةً يذكر فيها ما نزل بمن وصفنا ويحضه على الانتصار ويحثه على الجهاد، فمنها:
يا غارة اللّه قد عاينت فانتهكي ... هتك النِّسَاء وما منهن يرتكب
هَبِ الرجال على أجرامها قتلت ... ما بال أطفالها بالذبح تنتهب
هزيمة الروم
وإبراهيم بن المهدي أول من قال في شعره يَا غَارَةَ اللَّه.
فخرج المعتصم من فَوْرِه نافراً عليه دُرَّاعَةٌ من الصوف بيضاء، وقد تعمم بعمامة الغُزَاة، فعسكر في غربي دجلة، وذلك يوم الاثنين، لليلتين خَلَتَا من جمادى الأولى من سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ونصبت الأعلام على الجسر، ونوعي في الأمصار بالنفير والسير مع أمير المؤمنين، فسارت إليه العساكر والمطوعة من سائر الإِسلام، وجعل على مقدمته أشناس التركي، ويتلوه محمد بن إبراهيم، وعلى ميمنته إيتاخ التركي، وعلى ميسرته جعفر بن دينار الخياط وعلى سَاقَتِهِ بُغَا الكبير ويتلوه دينار بن عبد اللّه وعلى القلب عجيف، وسار المعتصم من الثغور الشامية، ودخل من درب السلامة، ودخل الأفْشِينُ من درب الحدث، ودخل الناس من سائر الدروب، فلم يكن يحصي الناس العدد، ولا يضبطون كثرة، فمن مكثر ومقلل؛ فالمكثر يقول: خمسمائة ألف، والمقل يقول: مائتي ألف؛ ولقي ملك الروم الأفْشِين، فحاربه فهزمه الأفْشين، وقتل أكثر بطارقته وأصحابه، وحَمَاهُ رجل من المتنصرة يقال له نصير في خلق من أصحابه، وقد كان الأفشين قصر عن أخذ الملك في ذلك اليوم حين ولّي، وقال: هو ملك، والملوك تُبْقِي بعضاً على بعض، وفتح المعتصم حصوناً كثيرة، ونزل على مدينة عمورية، ففتحها اللّه على يديه، وخرج إليه لاوي البطريق منها، وَسَلَّمَهَا إليه، وأسر البطريق الكبير منها، وهو باطس، وقتل منها ثلاثين ألفاً، وأقام المعتصم عليها أربعة أيام يهدم ويحرق، وأراد المسير إلى القسطنطينية، والنزول على خليجها، والحيلة في فتحها بَرّاً وبحراً، فأتاه ما أزعجه وأزاله عما كان عزم عليه من أمر العباس بن المأمون، وأن ناساً قد بايعوه، وأنه كاتب طاغية الروم، فأعجل المعتصم في مسيره وحبس العباس وشيعته.
وفي هذه السنة مات العباس بن المأمون.
خروج المازيار صاحب طبرستان وموته
وفي سنة خمس وعشرين ومائتين أدخل بن قارن بن بندارهرمس صاحب جبال طبرستان إلى سامرا وقد كان أصطنعه المأمون، فعصى في أيام المعتصم، وكثرت عساكره، واتسعت جيوشه، وكتب المعتصم إليه يأمره بالحضور، فأبى، فكتب المعتصم إلى عبد اللّه بن طاهر يأمره بحربه، فسير إليه من نيسابور عمه الحسن بن الحسين بن مصعب، فنزل مدينة السارية من بلاد طبرستان، بعد حروب كثيرة كانت له مع المازيار، وأتت الحسن بن الحسين عيونُه بركوب محمد بن قارن - وهو المازيار - إلى الصيد في نفر يسير، فبادره الحسن وناوشه الحرب، فأسر وحمل إلى سامرا فأقر على الأفشين: أنه بعثه على الخروج والعصيان، لمذهبٍ كانوا اجتمعوا عليه، وَدِينٍ اتفقوا عليه من مذاهب الثنوية والمجوس، وقبض على الأفشين قبل قدوم المازيار بسامرا بيوم، وأقر عليه كاتب له يقال له: سابور، فضرب المازيار بسوط حتى مات، بعد أن شهر وصلب إلى جانب بابك، وقد كان المازيار رَغَبَ المعتصم في أموال كثيرة يحملها إليه إن هو مَنَّ عليه بالبقاء، فأبى قبول ذلك، وتمثل:
إنَّ الأسود أسود الغيل همتها ... يوم الكريهة لي المَسْلُوب لا السلب
ومالت خشبة مازيار إلى خشبة بابك، فتدانت أجسامهما، وقد كان صلب في ذلك الموضع باطس بَطْرِيق عمورية، وقد انحنت نحوهما خشبته، ففي ذلك يقول أبو تمام حبيب بن أوس من كلمة له:
ولقد شفَى الأحشاء من بُرَحَائِهَا ... إذ صار بَاَبَكُ جَارَ مَازِيارِ
ثانيه في كَبِدِ السماء ولم يكن ... لاثنين ثَانٍ إذ هُمَا في الغار
(2/64)

فَكأنَمَا انْحَنَيَا لكيما يَطْوِيَا ... عن باطس خبراً من الأخْبَارِ
ومات الأفشين في الحبس بعد أن جمع بينه وبين مازيار، فأقر عليه، وأخرج الأفشين ميتاً، فصلب بباب العامة، وأحضرت أصنام زعموا أنها كانت حملت إليه، فألقيت عليه، وأضرمت النار، فأتَتْ على الجميع.
موت أبي دلف العجلي
وفي سنة ست وعشرين ومائتين مات أبو دُلَفَ القاسم بن عيسى العجلي، وكان سيد أهله، ورئيس عشريته، من عجل وغيرها من ربيعة، وكان شاعراً مجيداً، وشجاعاً بطلاً، مغنياً مصيباً، وهو القائل:
يوماً تراني عَلَى طِمِرٍّ ... أجَلَّ في الصدر والنفوس
ويوم لهو أحثّ كاسا ... وخلف أذني قضيب آس
وذكر أن أبا دُلَفَ طعن فارساً، فنفذت الطعنة إلى أن وصل السنان إلى فارس أخر كان من خلفه فقتلهما ففي ذلك يقول بكر بن النطاح من كلمة له:
قالوا: وينظم فارسَيْنِ بطعنة ... يوم الهياج ولا نراه كليلا
لا تعجبوا فَلَوَ أنَّ طول قنالَه ... ميل إذا نَظَمَ الفوارس ميلا
وذكر عيسى بن أبي دُلَف أن أخاه دُلَفَ - وبه كان يكنى أبوه أبا دُلَفَ - كان ينتقص علي بن أبيِ طالب، ويضع منه ومن شيعته، وبنسبهمِ إلى الجهل، وأنه قال يوماً - وهو في مجلس أبيه، ولم يكن أبوه حاضراَ - : إنهم يزعمون أن لا ينتقص عليّاً أحد إلا كان لغير رشدةٍ، وأنتم تعلمون غيرة الأمير، يعني أباه، وأنه لا يتهيأ الطعن على أحد من حرمه، وأنا أبغض عليّاً، قال: فما كان بأوْشَكَ من أن خرج أبو دُلَفَ، فلما رأيناه قُمْنَا له، فقال: قد سمعت ما قاله دُلَفُ، والحديث لا يكذب، والخبر الوارد في هذا المعنى لا يختلف، هو وَاللَّهِ لزَنْيَةٍ وَحَيْضَة، وذلك أني كنت عليلاً فبعثت إلَيَّ أختي جاريةً لها، كنت بها معجباً، فلم أتمالك أن وقعت عليها وكانت حائضاً فعلقت به، فلما ظهر حَمْلها وَهَبتها لي.
عداوة أبي دلف وابنه
فبلغ من عداوة دُلف هذا لأبيه ونصبه ومخالفته له لأن الغالب على أبيه التشيع والميل إلى علي أن شنع عليه بعد وفاته، وهو ما حدث به حمد بن علس القُوهِسْتَانِي قال: حدثنا دُلَفُ بن أبي دلف، قال: رأيت في المَنَام آتياً أتاني بعد موت أبي، فقال لي: أجبِ الأمير، فقمت معه، فأدخلني داراً وَحْشَة وَعْرَة، وأصعدني على درج منها، ثم أدخلني غرفة في حيطانها أثر النار، وفي أرضها أثر الرماد، وإذا به عُريان واضع رأسه بين ركبتيه، فقال كالمستفهم: دُلف. قلت: دُلف، فأنشأ يقول:
فلو أنا إذا مُتْنَا تُرِكْنَا ... لكان الموت رَاحَة كل حَيِّ
ولكِنَّا إذا متْنَا بُعِثْنا ... وَنسْأَل بعده عَنْ كل شي
ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم، وانتبهت.
موت جماعة من العلماء
وفي خلافة المعتصم - وذلك في سنة أربع وعشرين ومائتين - مات جماعه من نقلَة الأخبار وعِلْيَة أصحاب الحديث: منهم عمرو بن مرزوق الباهليّ البصريّ، وأبو النعمان حازم بن الفضل السدوسي، وأبو أيوب سليمان بن حرب الواشجي البصري من الأزد، وسعيد بن الحكم بن أبي مريم البصري، وأحمد بن عبد اللّه الغُدَاني، وسليمان الشاذ كوني، وعلي المدني.
وفي سنة سبع وعشرين ومائتين مات بِشْرٌ الْحَافِي ببغداد، وكان من بلاد مَرْوَ، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطياليسي بالبصرة، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، وعبد اللهّ بن الوهاب الجمحي، وإبراهيم بن يسار الرَّمَادِي، وقيل: إن فيها كانت وفاة محمد بن كثير العبدي، والصحيح أن وفاته كانت في سنة ثلاث وعشرين ومائتين.
قال المسعودي: وفي سنة سبع وعشرين ومائتين كانت وفاة المعتصم، على دجلة في قصره المعروف بالخاقاني، يوم الخميس لثماني عشرة ليلة بَقِيَت من شهر ربيع الأول، وقيل: لساعَتين من ليلة الخميس: وهو ابن ثمان وأربعين سنة، وقل: ست وأربعين سنة، على ما قَدَّمنا في صدر هذا الباب، وكان مولده بالخلد ببغداد سنة ثمانين ومائة في الشهر الثامن من السنة، وهو ثامن الخلفاء، والثامن من ولد العباس، ومات عن ثمانية بنين، وثمان بنات.
(2/65)

وللمعتصم أخبار حسان، وما كان من أمره في فتح عَمُورِيَّةَ، وما كان من حُرُوبه قبل الخلافة في السفارة نحو الشام ومصر، وغير ذلك، وما كان منه بعد الخلافة، وما حَكَى عنه من حُسْن السيرة واستقامة الطريقة أحمدُ بن أبي دُؤَاد القاضي، ويعقوب بن إسحاق الكندي، في لمع أوْرَدَها في رسالته المترجمة بسبيل الفضائل، وقد أتينا على جميع ذلك في كتابنا في أخبار الزمان والكتاب الأوسط، وقد ذكرنا في هذا لمعاً مُنَبِّهَة على ما سلف، وباعثة على دَرْس ما تقدم.
ذكر خلافة الواثق باللّه
وبويع هارونُ بنُ محمدِ بن هارونَ الواثقُ باللهّ، ويكنى بأبي جعفر، وأُمه أُمًّ ولد رومية، وتسمى قَرَاطِيسَ، وذلك في اليوم الذي كانت فيه وفاة المعتصم، وهو يوم الخميس لثماني عشرة ليلة خَلَتْ من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، وبُويع وهو ابن إحدى وثلاثين سنة وتسعة أشهر وتوفي بسامرا وهو ابن سبع وثلاثين سنة وستة أشهر، وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوماً، وقيل: إنه توفي في يوم الأربعاء لست بَقِينَ من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وهو ابن أربع وثلاثين سنة، ووزيره محمد بن عبد الملك، على حسب ما قدَّمنا في أيام المعتصم من هذا الكتاب، والتواريخ متباينة في مقادير أعمارهِم وأيامهم في الزيادة والنقصان.
ذكر لمع من أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
صفات الواثق
كان الواثق كثير الأكل والشرب، واسع المعروف، متعطفاً على أهل بيته، متفقداً لرعيته، وسلك في المذهب مذهب أبيه وعمه من القول بالعدل.
وغلب عليه أحمد بن أبي دُؤَاد، ومحمد بن عبد الملك الزيات، فكان لا يَصْدُر إلا عن رأيهما، ولا يعتب عليهما فيما رَأيَاه، وقلدهما الأمر وفوّض إليهما ملكه.
أعرابي يصف الواثق وأعوانه
(2/66)

وذكر أبو تمام حبيب بن أوس الطائي الجاسمي، نسبة إلى جاسم - وهي قرية من أعمال دمشق بين بلاد الأردن ودمشق بموضع يعرف بالجولان، ويعرف بجاسم على أميال من الجابية وبلاد نوى، وهي من مراعي أيوب عليه السلام - قال: خرجت في أول أيام الواثق إلى سُر من رأى، فلما قربت منها لقيني أعرابي، فأردت أن أعلم خبر العسكر منه، فقلت: يا أعرابي، ممن أنت؟ قال: من بني عامر، فقلت: وكِيف علمك بعسكر أمير المؤمنين قال: قَتَلَ أرضاً عالمها، قلت: ما تقول في أمير المؤمنين؟ قال: وَثقَ بالله فكفاه، أشْجَى العاصية، وَقَصَم العادية، وعدل في الرعية، ورغب عن كل في جناية، قلت: فما تقول في أحمد بن أبي دُؤَاد؟ قال: هَضَبَة لا ترَام، وجبل لا يضام، تشحذ له المدى، وتنصب له الحبائل، حتى إذا قيل قد هلك وثب وَثْبَة الذئب، وَخَتَل خَتْلَة الضب، قلت: فما تقول في محمد بن عبد الملك الزيات؟ قال: وسع الداني شره، ووصل إلى البعيد ضره، له في كل يوم صريع لا يرى فيه أثر نَابِ ولا مِخْلَب، قلت: فما تقول في عمرو بن فرج؟ قال: ضخم نهم، استَعذب الدم، ينصبه القوم تُرْساً للوغى، قلت: فما تقول في الفضل بن مروان؟ قال: رجل نُبِشَ بعد ما قبر، ليس تعدُّ له حياة في الأحياء، وعليه خَفْتة الموتى، قلت: فما تقول في أبي الوزير؟ قال: تخاله كبش الزنادقة، أما تراه إذا أخمله الخليفة سَمِن وَرَتَع، وإذا هزه أمطر فأمْرَعَ، قلت: فما تقول في أحمد بن الخصيب؟ قال: ذاك أكل أكلة نهم، لزرق زرقة بشم، قلت: فما تقول في إبراهيم أخيه؟ قال: أموات غير أحياء وما يشعرون أيَّانَ يبعثون، قلت: فما تقول في أحمد بن إبراهيم. قال: للّه دره! أي فاعل هو؟ وأي صابر هو؟ اتخذ الصبر دِثَاراً، والجود شعاراً، وأهون عليه بهم، قلت: فما تقول في المُعَلى بن أيوب؟ قال: ذاك رجل خير، نصيح السلطان، عفيف اللسان، سلم من القوم وسلموا منه، قلت: فما تقول في إبراهيم بن رَبَاح؟ قال: ذاك رجل أوثقه كرمه، وأسلمه فَضْله، وله دعاء لا يسلمه، صرب لا يخله، وفوقه خليفة لا يظلمه، قلت: فما تقول في الحسن ابنه؟ قال: ذاك عود نُضَار، غُرِس في منابت الكرم، حتى إذا اهتز حصدوه، قلت: فما تقول في نجاح بن سلمة؟ قال: للّه دره!! أي طالب وِتر، ومدرك ثأر؟ يلتهب كأنه شعلة نار، له من الخليفة في الأحيان جلسة تزيل نعماً، وتُحِلُّ نقماً، قلت: يا أعرابي، أين منزلك حتى آتيك؟ قال: اللهم غَفْراً مالي منزل، أنا أشتمل النهار، وألتحف الليل، فحيثما أدركني الرقاد رقَدْت، قلت: فكيف رضاك عن أهل العسكر. قال: لا أخلق وجهي بمسألتهم، إن أعطوني لم أحمدهم، وإن منعوني لم أفهم، وإني كما قال هذا الغلام الطائي:
وما أبالي وَخَيْرُ القول أصْدَقُه ... حَقَنْتَ لي ماء وجهي أو حقنت دمي
قلت: فأنا قائل هذا الشعر، قال: أئنك أنت الطائي؟ قلت: نعم، قال: للّه أبوك، وأنت القائل:
ماجُودُ كَفِّكَ إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي وقد أخلقته عِوَضُ
قلت: نعم، قال: أنت أشعر أهل زمانك.
وفي رواية أُخرى ليست في الكتاب: قلت: أنشدني شيئاً من شعرك، فأنشدني:
أقول وجنح الدجا مُلْبَدُ ... وللّيّل في كلِّ فَجٍّ يَدُ
ونحن ضجيعان فيِ مُجْسَد ... فاللَّه ما ضمِّنَ المجسَدُ
فيا غَدُ إن كنْت بي مُحْسِناً ... فلا تَدْنُ من ليلتي يا غَدُ
ويا ليلة الوصل لا تنفدي ... كما ليلة الهجر لا تنفدُ
فقلت: لله أبوك!! ورددته معي حتى لقيت ابن أبي عُوَادٍ وحدثته بخبره، فأوصله إلى الواثق، فأمر له بألف دينار، وأخذ له من سائر الكتَّاب وأهل الدولة ما أغناه به، وأغنى عقبه بعده.
وهذا الخبر فمخرجه عن أبي تمام، فإن كان صادقاً فيما قال، ولا أراه، فقد أحسن الأعرابي في الوصف، وإن كان أبو تمام هو الذي صنعه وَعَزَاه إلى هذا الأعرابي فقد قَصَر في نظمه، إذ كانت منزلته أكبر من هذا.
أبو تمام الطائي
وكانت وفاة أبي تمام بالموصل سنة ثمان وعشرين ومائتين، وكان خليعاً ماجناً فيِ بعض أحواله، وربما أداه ذلك إلى ترك موجبات فرضه، تماجناً لا إعتقاداً.
(2/67)

وحدث محمد بن يزيد المبرد، عنِ الحسن بن رجاء، قال: صار إليَ أبو تمام وأنا بفارس، فأقام عندي مقاماً طويلاً، ونمي إليَّ من غير وجه أنه لا يصلي، فوكلت به مَنْ يراعيه، ويتفقده في أوقات الصلاة، فوجدت الأمر على ما اتصل بي عنه، فعاتبته على فعله ذلك، فكان من جوابه أن قال: أتراني أنشط للشخوص إليك من مدينه السلام وأتجشم هذه الطرقاتْ الشاقة، وأكسل عن ركعات لا مئونة عليَّ فيها، لو كنت أعلم أن لمن صلاها ثواباً أو على مَنْ تركها عقاباً، قال: فهممت واللّه بقتله، ثم تخوَّفْتُ أن يصرف الأمر إلى غير جهته، وهو القائل:
وأحق الأنَام أن يَقْضِيَ الدَّيْنَ ... امْرُؤ كَانَ لِلإِله غَرِيمَاً
وهذا قول مباين لهذا الفعل، والناس في أبي تمام في طرفَيْ نقيض: متعصب له يعطيه أكثر من حقه، ويتجاوز به في الوصف قدره، ويرى أن شعره فوق كل شعر، أو منحرف له معاند، فهو ينفي عنه حسنه، ويعيب مختاره، ويستقبح المعاني الظريفة التي سَبَقَ إليِها وتفرد بها.
وذكر عبد اللّه بن الحسن بن سعد، أن المبرد قال: كنت في مجلس القاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق، وحضر جماعة سَمَّاهم منهم لحارثي الذي قال فيه علي بن الجهم الشامي:
لم يَطْلعا إلا لآبدة ... الحارثِيُّ وَكَوْكَب الذنب
فجرى ذلك الشعر وإن كان الكلام تسلسل إلى ذكر أبي تمام وشعره، وأن الحارثي أنشد لأبي تمام معاتبة أحسن فيها، وأن المبرد استحيا أن يستعيد الحارثي الشعر، أو يكتبه منه لأجل القاضي، قال ابن سعد: فأعلمت المبرد أني أحفظ الشعر، فأنشدته إياه، فاستحسنه واستعاده مني مراراً حتى حفظه مني، وهو:
جعلت فداك! عبد اللَّه عندي ... بعقب النأي عنه والبعاد
له لُمَة من الفتيان بيض ... قَضَوْا حق الصداقة والوداد
دعوتهُم عليك وَكُنْتُ ممن أنَادِيه ... على النّوَبِ الشداد
قال: وسألته عن أبي تمام والبحتري أيهما أشعر؟ قال: لأبي تمام استخراجات لطيفة، ومعان ظريفة، وجيدة أجود من شعر البحتري، ومن شعر مَنْ تَقَدَّمه من المحدَثِينَ، وشعر البحتري أحسن استواء من شعر أبي تمام، لأن البحتري يقول القصيدة كلها، فتكون سليمة من طعن طاعن أو عيب عائب، وأبو تمام يقول البيت النادر ويتبعه البيت السخيف، وما أشبهه إلا بغائص البحر يخرج الحرة والمَخْشلبة فيجعلهما في نظام واحد، وإنما يؤتي هو وكثير من الشعراء من البخل بأشعارهم، وإلا فلو أسقط من شعره على كثرة عدده ما أنكر منه لكان أشعر نظرائه، فدعاني هذا القول منه إلى أن قرأت عليه شعر أبي تمام، وأسقطت خواطئه وكل ما ذُمَّ من شعره، وأفردت جيده، فوجدت ما يتمثل به ويجري على ألسنة العامة وكثير من الخاصة مائة وخمسين بيتاً، ولا أعرف شاعراً جاهليّاً ولا إسلاميّاً يتمثل له بهذا المقدار من الشعر، ثم قال المبرد: وبالبحتري يُخْتَمُ الشعر، وأنشدني له بيتين زعم المبرد أنهما لو أضيفا إلى شعر زهير لجازا فيه، وهما:
وما سَفَهُ السفيه وإن تَعَدَى ... بأنْجَعَ فيك من حلم الحليم
متى أحْفَظْتَ ذا كرمٍ تَخَطّى ... إليك ببعض أفعال اللئيم
قال: وكان مما ذكرناه من شعر البحتري في هذا المجلس وَقدمّه محمد بن يزيد على نظرائه قولُه في أبني صاعد بن مخلد:
وإذا رأيت مخايل ابْنَيْ صَاعِدٍ ... أدَتْ إليك مخايل ابني مَخْلَدِ
كالفرقدين إذا تأمل ناظر ... لم يَعْلُ موضع فرقد من فرقد
وقوله:
مَنْ شاكِرٌ عني الْخَلِيفَةَ لِلذِي ... أولاهُ مِنْ بِرٍّ وَمِنْ إحسان؟
حتى لقد أفْضَلْتُ من إفْضَالِه ... وأريت نهج الجود حيث أراني
أغْنَتْ يداه يدي، وَشَر جوده ... بخلي فأفقرني كما أغناني
ووثقت بالخلق الجميل معجلا ... منه وأعطيت الذي أعطاني
وقوله:
وددتُ بياضُ السيفِ يوم لقيتنني ... مكان بياض الشيب كان بمفرقي
وقوله:
دنوتَ تواضعاً وعلوت قدراً ... فَشأنَاكَ انحدار وارتفاع
كذاك الشمس تَبْعُدُ أن تًسَامى ... ويدنو الضوء منها والشعاع
وقوله في الفتح بن خاقان، وقد نزل إلى أسَد فقتله:
(2/68)

حملت عليه السيف، لا عَزْمُكَ انثنى ... ولا يَدُكَ ارتدَّتْ، ولا حَدُّه نَبَا
فأحجم لما لم يجد فيك مطمعاً ... وصَمَّم لما لم يجد منك مهربا
وكنت متى تجمع يمينك والعلا ... لدى ضيْغَم لم تبق للسيف مضربا
وقوله:
ما زال صرف الدهر يؤيس صَفْقتِي ... حتى رَهَنْتُ على المشيب شَبَابِي
وقوله في المنتصر:
وإن عليّاً لأوْلى بكم ... وأزكى بداً عندكم من عمر
وكلٌّ له فَضْلُه والحجو ... لُ البراذين دون الغُرَرْ
وقوله:
تعيب الغانيات عليَّ شيبي ... ومن لي أن أمَتَّعُ بالمشيب
ثم ذكر انتقاض الصلح بين عشيرته فقال:
إذا ما الجرح زمَّ على فساد ... تبيَّنَ فيه تفريطُ الطبيبِ
وقوله:
وللسهْمُ الشريد أخَفُّ عِبْئاً ... على الرامي من السهم المصيب
وقوله:
وما منع الفَتْحُ بن خاقان نيلَهُ ... ولكنها الأيام تُعْطِي وتحرم
سحاب خَطَابِي جوعه وهو مُسْبِلِ ... وبحر عَدَانِي فيضه وهو مُفْعمُ
وبحر أضاء الأرض شرقاً ومغرباً ... ومَوْضِعُ رُجلي منه أسور مظلم
أأشكو نداهُ بعد أن وَسِعَ الورى ... ومن ذا يذم الغيث إلا مذمم؟
وذكر محمد بن أبي الأزهر قال: كان إبراهيم بن المدبر - مع محلِّهِ في العلم والأدب والمعرفة - يُسيء الرأي في أبي تمام، ويحلف أنه لا يحسن شيئاً قط، فقلت له يوماً: ما تقول في قول مَنْ يقول:
غدا الشيب بفَوْدَيَّ خطة ... سبيل الردى منها إلى النفس مَهْيَعُ
هو الزور يجفو والمعاشر يجتوي ... وَذو الِإلف يُقْلَى والجديد يرقّعُ
له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسْي أسْفَعُ
ونحن نرجِّيه على الكره والرضا ... وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع
وفيمن يقول:
فإن ترم عن عمرو تداعى به المدى ... فخانَكَ حتى لم تَجِدْ فيه مترعا
فما كنت إلا السيف لاقَى ضريبة ... فقَطعها ثم انثنى فتقطعا
وفيمن يقول:
شرف على أول الزمان وإنما ال ... شرف المناسب ما يكون كريما
وفيمن يقول:
إذا أحسن الأقوام أن يَتَطَاولوا ... بلا نعمة أحْسَنْتَ أن تتطَوَّلاَ
وفيمن يقول:
ممطر لي الحياة والمال لا ألقاك إلا مستوهباً أو وَهُوبَا
وإذا ما أردت كنت رِشاءَ ... وإذا ما أردت كنت قَليبا
وفي القائل:
خشعوا لصولتك التي عًوّدْتهم ... كالموت يأتي ليس فيه عثار
فالمشي همس والنداء إشارة ... خوف انتقامك والحديث سِرَارُ
أيامنا معقودة أطرافُهَا ... بك، والليالي كُلَّهَا أسحار
تَنْدى عُفَاتك للعُفَاة ويغتدى ... رفقاً إلى زوارك الزوار
وفيمن يقول:
إذا أوْهَدْت أرضاً كان فيها ... رضاك فلا نحنُّ إلى رُبَاهَا
قال ابن أبي الأزهر: فواللّه لكأني أغريت ابن المدبر بأبي تمام، حتى سَبَّه ولعنه، فقلت: إذا فعلت ذلك لقد حدثني المعروف بأبي عمرو بن الحسن الطوسي الراوية أن أباه وَجَّه به إلى ابن الأعَرابي يقرأ عليه أشعار هُذَيْل، قال: فمرت بنا أراجيز، فأنشدته أرجوزة لأبي تمام، لم أنسبْهَا إليه، وهي:
وعاذِلٍ عذلته في عذله ... فظن أني جاهل من جهله
ما غبن المغبون مثل عقله ... مَنْ لك يوماً بأخيك كله
لبست رَيْعَانِي فدعني أبْلهِ ... ومَلكٍ في كبره ونبله
وسوقة في قوله وفعله ... بذلْتُ مدحي فيه باغي بذله
فجزَّ حبل أملي من وصله ... من بعدما استعبدني بمَطْلِهِ
ثم اغتدى معتذراً بجهله ذا عَنَقٍ ... في الجهل لم يخلِّه
يَلْحَظُنِي في جده وَهَزْله ... يعجب من تعجبي من بخله
(2/69)

لحظ الأسير حلقات كَبْلهِ ... حتى كأني جئته بعذله
يا واحداً منفرداً بعدله ... أكسبتُكَ المالَ فلا تملّه
ما يصنع الغِمْدُ بغير نصله ... والمدح إن لم يك عند أهله
فقال لابنه: أكتبها، فكتبها على ظهر كتاب من كتبه، فقال له: جعلت فداك! إنها لأبي تمام، فقال: خرق خرق.
وهذا من ابن المدبر قبيح مع علمه، لأن الواجب أن لا يُدْفَعَ إحسان محسن عدُوّاً كان أو صديقاً، وأن تؤخذ الفائدة من الوضيع والرفيع، فقد روي عن أمير المؤمنين على أنه قال: الحكمة ضالة المؤمن؛ فخذ ضالتك ولو من أهل الشرك. وقد ذكر عن بزرجمهر بن البختكان - وكان من حكماء الفرس، وقد قدمنا ذكره فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار ملوك ساسان وهم الفرس الثانية. أنه قال: أخذت من كل شيء أحسن ما فيه، حتى من الكلب والهرة والخنزير والغراب، قيل له: ما أخذت من الكلب؟ قال: إلْفَهُ لأهله، وذَبَّه عن صاحبه، قيل: فما أخذت من الغراب؟ قال: شدة حذره، قيل: فمن الخنزير؟ قال: بكوره في حوائجه، قيل: فمن الهرة؟ قال: حسن نغمتها وتملّقَها لأهلها عند المسألة.
ومَنْ عاب مثلَ هذه الأشعار التي ترتاح لها القلوب، وتُحَرِّك بها النفوس، وتصغي إليها الأسماع، وتشحذ بها الأذهان، ويعلم كل من له قريحة وفضل ومعرفة أن قائلها قد يبلغ في الِإجادة أبعد غاية وأقصى نهاية، فإنما غَضَّ من نفسه، وطعن على معرفته واختياره.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: الهوى إلهٌ معبود، واحتج بقوله تعالى: " أْفَرَأَيْتَ مَنِ اْتَّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ " .
ولأبي تمام أشعار حسان، ومعانٍ لطافٌ، واستخراجات بديعة.
وحكي عن بعض العلماء بالشعر أنه سئل عن أبي تمام، فقال: كأنه جمع شعر العالم، فانتخب جوهره، وقد كان أبو تمام ألّفِ كتاباً وسَمَّاه: الحماسة وفي الناس من يسميه كتاب الخبية انتخب فيه شعر الناس ظهر بعد وفاته.
وقد صنف أبو بكر الصولي كتاباً جمع فيه أخبار أبي تمام وشعره وتصرفه في أنواع علومه ومذاهبه، واستدل الصولي على ما وصف عن أبي تمام بما يوجد من شعره، من ذلك قوله في صفة الخمر:
جَهْمية الأوصاف، إلا أنهم ... قد لَقّبوها جوهر الأشياء
وقد رثته الشعراء بعد وفاته، والأدباء من إخوانه: منهم الحسن بن وهب الكاتب، وكان شاعراً ظريفاً له حظّ في المنثور والمنظوم، فقال:
سقى بالموصِل الجَدَثَ الغريبا ... سحائِبُ ينتحبن له نحيبا
إذا أطللنه أطللن فيه ... شعيب المزن يتبعها شعيبا
ولَطمت البروقُ له خدودا ... وشَقّقت الوعودُ له جيوباً
فإنَّ تراب ذاك القبر يحوي ... حبيبا كان يدعى لي حبيبا
لبيباً شاعراً فطناً أديباً ... أصيل الرأي في الْجُلّى أريبا
إذا شاهَدتْه رواك فيما ... يسرك رقة منه وطيبا
أبا تمام الطائِيّ، إنَّا ... لقينا بعدك العجب العجيبا
فقدْنَا منك علقا لا ترانا ... نصيب له مدى الدنيا ضريبا
وكنت أخاً لنا أبْلَى إلينا ... ضميرَ الود والنسب القريبا
فلما بِنْتَ كدرت الليالي ... قريب الدار والأقصى الغريبا
وأبدى الدهر أقبح صَفْحَتيه ... ووجها كالحا قطرياً
فأحْر بأن يطيب الموت فيه وأحر بعيشنا أن لا يطيبا
وللحسن أشعار حسان ومعان جياد؛ منها قوله:
أبت مقلتاك لفرط الحَزَنْ ... عليك الرُّقَادَ وبرد الوَسَنْ
وحق لعيني أن لا تناما ... وقلبك مختلس مرتهن
وبين الجوانح داء دفين ... لعمرك مستتر قد كَمَنْ
نجيّ الهموم وقرن الكلوم ... ووهي الحلوم وبعد الوطَنْ
شديد النفار، كثير العثار ... خليع العذار يجرُّ الرسَنْ
أفي كل يوم تُطِيلُ الوقوف ... تناجي الديار وتبكي الدِّمَنْ؟
وتستخير الدار عن أهلها ... وَتُذْرِي الدموع على من ظَعَنْ
كأنك لم تر فيما مضى من الدهر ذا صَبوَة مفتتن
(2/70)

عذرتك أيام شَرْخ الشباب ... وفرعك فرع نضير الغُصَنْ
فأما وقد زال ظل الشَّبَا ... بِ عنك وَوَلّى كأنْ لم يكن
وألبسك الشيب بعد الشَبَاب ... قناعِ بياض كلون القُطُنْ
وصرت قَنًى في عيون الحساَ ... نِ يَخُنكَ عهداً وإن لم تَخَنْ
وَيَصْدِفْنَ عنك إذا رمتهنَّ ... وَكُنْتَ لهم زَمَاناً سكن
فما لك عُذْر وأنت امْرؤٌ ... بما فيه رشدك طَبٌّ فطن
وفي خلافة الواثق مات عليّ بن الْجَعْد مولى بني مخزوم، وكان من عليّة أصحاب الحديث وأهل النقل، وذلك في سنة ثلاثين ومائتين.
وفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين قَتَلَ الواثِقُ أحمد بن نصر الخزاعي في المحنة على القرآن.
قال المسعودي: وكان يحضر مجلس الواثق فتى برسم الندماء وكان يقوم قائماً لصغر سنه، ولم يكن لذلك يُلْحَقُ في الجلوس بمراتب ذوي الأسنان وكان ذكيّاً مأفوناً له في الِإفاضة مع الجلساء في كل ما يعرض لهم الكلام فيه، والتكلم بما يسنح ويختلج في صدره: من مثل سائر، وبيت شاعر، وحديث ممتع، وجواب مُسْرع، قال: وكان الواثق من شدة الشهوة للطعام والنهمة فيه على الحالة المشهورة المتعالمة، فقال لهم الواثق يوماً: ما تختارون من النَقْل؟ فبعض، قال: نبات السكر، وبعض قال: رمان، وبعض قال: تفاح، وبعض قال: قصب السكر ينضج بماء الورد، وبعض أخرجته الفلسفة إلى النقيض، فمال: ملح يغلي، وبعض قال: صبر يمحى بمذاب النبيذ، ويجلى على سَوْرَة الشراب ومرارة النقل، قال: ما صنعتم شيئاً، ولكن ما تقول أنت يا غلام. قال: خشكنانج مسير، فوافق ذلك مراد الواثق وقرع به ما في نفسه، وقال: أصبت وأحسنت بارك اللّه لكم، وكان ذلك أول جلوسه.
محمد بن علي بن موسى
وقيل: إن أبا جعفر محمد بن علي بن موسى الرضا عليهم الرضوان توفي في خلافة الواثق، وقد بلغ من السن ما قَدَّمناه في خلافة المعتصم من هذا الكتاب، وقيل: إنه كتب إلى الواثق: يا أمير المؤمنين! ليس من أحد وإن ساعَدَتْهُ المقادير بمستخلص غضارة عيش إلا من خلال مكروه، ومَنْ ترك معاجلة الدرك انتظار مؤاجلة الأشياء سلبته الأيام فرصته، فإن شرط الزمان الآفات، وحكم الدهر السلب.
عبد اللّه بن طاهر: وفي سنة ثلاثين ومائتين - وذلك في خلافة الواثق - توفي أبو العباس عبد اللّه بن طاهر بن الحسين في ربيع الأول من هذه السنة، وفيه يقول الشاعر، وَقتَ كون عبد اللّه بن طاهر بمصر:
يقول أنَاس: إنَّ مصر بعيدة ... وما بعدت مصر وفيها ابنُ طاهِر
وأبعد من مصر رجال تَرَاهُمُ ... بحضرتنا معروفُهُمْ غير حاضر
عن الخير مَوْتَى، ما تبالي أزرتهم ... على طمع أم زرت أهل المقابر
مجلس للواثق في الفلسفة والطب
وكان الواثق باللّه محباً للنظر، مكرماً لأهله، مبغضاً للتقليد وأهله، محباً للِإشراف على علوم الناس وآرائهم، ممن تقدم وتأخر من الفلاسفة وغيرهم من الشرعيين، فحضرهم ذات يوم جماعة من الفلاسفة والمتطببين، فجرى بحضرته أنواع من علومهم في الطبيعيات وما بعد ذلك من الِإلهيَّات، فقال لهم الواثق: قد أحببت أن أعلم كيفية إدراك معرفة الطب ومأخذ أصوله أذلك من الحس أم من القياس والسنة؟ أم يدرك بأوائل العقل؟ أم على ذلك وطريقه يعلم عندكم من جهة السمع، كما يذهب إليه جماعة من أهل الشريعة؟ وقد كان ابن بختيشوع وابن ماسويه وميخائيل فيمن حضر، وقيل: إن حنين بن إسحاق وسلمويه فيمن حضر في هذا المجلس أيضاً.
(2/71)

فقال منهم قائل: زعم طوائف من الأطباء وكثير من متقدميهم أن الطريق الذي يدرك به الطب هو التجربة فقط، وحَدُّوه بأنه علم يتكرر الحس على محسوس واحد في أحوال متغايرة، فيوجد بالحس في آخر الأحوال كما يوجد في أولها، والحافظ لذلك هو المجرب، وزعموا أن التجربة ترجع إلى مَبَادٍ أربعة هن لها أوائل ومقدمات، وبها علمت وصحت، وإليها تنقسم التجربة، فصارت بذلك أجزاء لها، فزعموا أن قسماً من تلك الأقسام طبيعي، وهو ما تفعله الطبيعة في الصحيح والمريض: من الرعاف، والعرق، والِإسهال، والقيء التي تُعْقِبُ في المشاهدة منفعة أو ضرراً. وقسماً عرضياً، وهو ما يعرض للحيوان من الحوادث والنوازل، وذلك كما يعرض للِإنسان أن يجرح أو يسقط فيخرج منه دم قليل أو كثير، أو يشرب في مرضه أو صحته ماء بارداً أو شراباً، فيعقب في المشاهدة منفعة أو ضرراً، وقسماً إرادياً، وهو ما يقع من قبل النفس الناطقة، وذلك كمثل منام يراه الِإنسان،. وهو أن يرى كأنه عالج مريضاً به علة مشاهدة معقولة بشيء من الأشياء معروف فيبرأ ذلك المريض من مرضه، أو يخطر مثل ذلك بباله في حال فكره، فيتردد ويعطب ظنه بعطبه فيجربه بأن يفعله كما يرى في منامه، فيجده كما يرى أو يخالف ذلك، ويفعله مراراً، فيجده كذلك. وقسماً هو نقل، وهو على ثلاثة أقسام: إما أن ينقل الدواء الواحد من مرض إلى مرض يشبهه، وذلك كالنقلة من ورم الحمرة إلى المعروف بالنَّمْلَة، وإما من عضو إلى عضو يشبهه، وذلك كالنقلة من العضد إلى الفخد، وإما من دواء إلى دواء يشبهه، كالنقلة من السفرجل إلى الزعرور في علاج انطلاق البطن، وكل ذلك لا يعمل به عندهم إلا بالتجربة.
وذهبت طائفة أُخرى منهم إلى أن الحيلة في تقريب أمر صناعة الطب وتسهيلها أن تُرَدَّ أشخاص من العلل ومُوَلّداتها إلى الأصول الحاضرة الجامعة لها، إذ كان لا غاية لتولدها، وأن يستدل على الَدواء من نفس الطبيعة والمرض الحاضر الموجود في الحال والوقت، عون الأسباب المؤثرة الفاعلة التي عدمت، ودون الأزمان والأوقات والأسباب والعادات، ومعرفة طبائع الأعضاء وحدودها، والرصد والتحفظ لكل ما يكون في كل علّة وجدت أو لم توجد، وَبَرْهَنُوا بأن زعموا أن من المعلومات الظاهرة التي لا ريب فيها أن الضدين لا يجوز اجتماعهما في حال، وأن وجود أحدهما ينفي وجود الآخر في الحال لا محالة، قالوا: وليس هذا كشيء ظاهر يستدل به على كل شيء خفي، والشيء الظاهر يحتمل الوجود، فيختلف في الاِستدلال، فيكون القطع على ما يوجبه غير بين، وهذا قول جماعة من حذاق المتطببين وأهل التقدم في اليونانيين مثل نامونيس وساساليس وغيرهما، وهم قوم يعرفون بأصحاب الطب الجبلي.
(2/72)

قال الواثق لهم جميعاً: فأخبروني عن جمهورهم الأعظم إلامِ يذهبون في ذلك. فقالوا: إلى القياس، قال: وكيف ذلك. قالوا جميعاَ: زعمت هذه الطائفة أن الطريق والقانون إلى معرفة الطب مأخوذ من مُقَدِّمات أوَّلَّية، فمنها طبائع الأبدان والأعضاء وأفعالها، ومنها معرفة الأبدان في الصحة والمرض، ومعرفة الأهْوِيَةِ واختلافها، والأعمال والصنائع، والعادات والأطعمة والأشربة والأسفار، ومعرفة قُوَى الأمراض، وقالوا: ثبت في الشاهد أن الحيوان يختلف في صورته وطباعه، وكذلك أعضاؤه مختلفة في طباعها وَصُوَرها، وأن الأجساد الحيوانية تتغير بالأهْوِيَة المحيطة بها وبالحركة والسكون والأغذية من المأكول والمشروب والنوم واليقظة واستفراغ ما يخرج من الجسد واحتباسه والأعراض النفسانية من الغم والحزن والغضب والهم، قالوا: والغرض بالطب في تدبير الأجسام حفظ الصحة الموجودة في البدن الصحيح، واجتلابها للعليل، فالواجب أن يكون حفظ الصحة إنما هو بمعرفة الأسباب المصححة، فالواجب على الطبيب لا محالة من هذه المقدمات التي قد صحت إذا أراد علاج المريض النظر في طبائع الأمراض والأبدان والأغذية والعادات والأزمان والأوقات الحاضرة والأسباب ليستدل بجميع ذلك، وهذا يا أمير المؤمنين قول أبقراط وجالينوس فيمن تقدم وتأخر عنهم، قالوا: وقد اختلفت هذه الطائفة في كثير من الأغذية والأدوية، مع اتفاقهم على ما وصفنا، وذلك لاختلافهم في كيفية الاستدلال؛ فمنهم من زعم أنه يستدل على طبيعة الشيء من الأغذية والأدوية بطعمه أو ريحه أو لونه أو قوامه أو فعله أو تأثيره في الجسد، وزعموا أن الوثيقة في الاستدلال بالأجزاء إذا كانت الألوان والأرايح وسائر ما ذكرنا من أفعال الطبائع الأربع، كما أن الإسخان والتبريد والتليين فعل لها، وزعمت طائفة أخرى منهم أن أصح الشهادات وأثبت القضايا في الحكم على طبيعة الدواء والغذاء بما أخذ من فعله في الجسد دون الطعم والرائحة، وما سوى ذلك، فإن الاستدلال بما سوى الفعل والتأثير لا يقطع به، ولا يعول في الحكم على طبيعة الدواء المفرد والمركب.
قال الواثق لحنين من بين الجماعة: ما أول آلات الغذاء من الِإنسان؟ قال: أول آلات الغذاء من الإِنسان الفم، وفيه الأسنان، والأسنان اثنتان وثلاثون سناً، منها في اللّحْي الأعلى ستة عشر سناً، وفي اللّحْي الأسفل كذلك، ومن ذلك أربعة في كل واحد من اللحيين عِرَاضٌ محدود الأطراف تسميها الأطباء من اليونانيين القواطع وذلك أن بها يقطع ما يحتاج إلى قطعه من الأطعمة اللينة، كما يقطع هذا النوع من المأكول بالسكين، وهي الثنايا والرَّبَاعِيَاتُ، وعن جنبي هذه الأربعة في كل واحد من اللحيين سِنَانٍ رؤوسهما حَافَةٌ وأصولهما عريضة، وهي الأنياب، وبها يكسر كل ما يحتاج إلى تكسيره من الأشياء الصلبة مما يؤكل، وعن جَنْبَي النابين في كل واحد من اللحْيَيْنِ خمس أسنان أخر عوارض خشن، وهي الأضراس، ويسميها اليونانيون الطواحن، لأنها تطحن ما يحتاج إلى طحنه مما يؤكل، وكل واحد من الثنايا والربَاعِيَاتِ والأنياب له أصل واحد، وأما الأضراس فما كان منها في اللَّحْي الأعلى فله ثلاثة أصول، خلا الضرسين الأقصيين، فإنه ربما كان لكل واحد منهما أصول أربعة، وما كان من الأضراس في اللّحْي الأسفل فلكل واحد منها أصلان، نجلا الضرسين الأقْصَيَيْنِ؛ فإنه ربما كان لكل واحد منهما أصول ثلاثة، وإنما احتج إلى كثرة أصول الأضراس عون سائر الأسنان لشدة قوة العمل بها، وخصت العليا منها بالزيادة في الأصول لتعلقها بأعلى الفم.
قال الواثق: أحسنت فيما ذكرت من هذه الآلات، فصنف لي كتاباً تذكر فيه جميع ما يحتاج إلى معرفته من ذلك، فصنف له كتاباً جعله ثلاث مقالات، يذكر فيه الفرق بين الغذاء والدواء والمسهل وآلات الجسد.
الواثق وحنين بن إسحاق أيضاً
(2/73)

وقد ذكر أن الواثق سأل حُنَيْناً في هذا المجلس وفي غيره عن مسائل كثيرة، وأن حُنَيْناً أجاب عن ذلك، وصنف في كل ذلك كتاباً ترجمه بكتاب المسائل الطبيعية يذكر فيه أنواعاً من العلوم، فكان مما سأل الواثق حُنَيْناً من المسائل، وقيل: بل أحْضَرَ له الواثق نديماً من ندمائه فكان يسأله بحضرتا والواثق يسمع ويتعجب مما يوِرده السائل والمجيب، إلى أن قال: في الأشياء المغيرة للهواء. قال حُنيْنٌ: خمس، وهي أوقات السنة، وطلوع الكواكب وغروبها، والرياح والبلدان، والبحار.
أوقات السنة
قال السائل: فكم هي أوقات السنة؟ قال حُنَيْن: أربع: الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء؛ فمزاج الربيع معتدل في الحرارة والرطوبة، ومزاج الصيف حار يابس، ومزاج الخريف بارد يابس، ومزاج الشتاء بارد رطب.
الكواكب: قال السائل: أخبرني عن كيفية تغيير الكواكب للهواء، قال حنين: إن الشمس متى قربت منها أو قربت هي من الشمس كان الهواء أزيد سُخُونةً، وخاصة كلما كانت أعظم، ومتى بعدت الشمس أو بعدت هي من الشمس كان الهواء أزيد برداً.
الرياح
قال السائل: أخبرني عن كيفية أعداد الرياح، قال حنين: أربع: الشَّمَال، والجنوب، والصَبَا، والدَّبور، فأما قوة الشّمال فباردة يابسة، وأما الجنوب فحارة رطبة، وأما الصَبا والدًبور فمعتدلان، يخر أن الصَبا أمْيَلُ إلى الحرارة واليبس، والدًبور أميل إلى البرودة والرطوبة من الصبا.
البلدان
قال: فأخبرني عن أحوال البلدان في ذلك، قال: هي أربع؛ الأول الارتفاع، والثاني الانخفاض، والثالث مجاور الجبال والبحار، والرابع طبيعة تربة الأرض، والنواحي أربع، وهي: الجنوب، والشمال، والمشرق، والمغرب، فناحية الجنوب أسْخَنُ، وناحية الشمال أبرد، وأما ناحيتا المشرق والمغرب فمعتدلتان، واختلاف البلدان بارتفاعها وانخفاضها؛ لأن ارتفاعها يجعلها أبرد، وانخفاضها يجعلها أسخن، والبلدان تختلف بحسب مجاورة الجبال لها؛ لأن الجبل متى كان من البلد في ناحية الجنوب جعل ذلك البلد أزيد برداً لأنه يستره من الرياح الجنوبية، وإنما تهبُّ فيه الريح الشمالية فقط، ومتى كان الجبل من البلد في ناحية الشمال جعل ذلك البَلَدَ أسْخَنَ.
تأثير البحار في البلدان
قال: فأخبرني عن اختلاف البلدان عند مجاورتها البحار كيف اختلفت؟.
قال حنين: إن كان البحر من البلد في ناحية الجنوب، فإن ذلك البلد يسخن ويرطب، وإن كان في ناحية الشمال كان ذلك البلد أبرد.
قال السائل: فأخبرني عن البلدان كيف اختلفت بحسب طبيعة تربتها، قال: إن كانت أرضها حَجَرِيّةً جعلت ذلك البلد أبرد وأخف وإن كانت تربة البلد حصبانية جعلت ذلك البلد أخف وأسخن وإن كانت طيناً جعلته أبرد وأرطب.
قال: فَلِمَ اختلف الهواء من قبل البحار. قال: إذا جاورت نقائع ماء أو جيفاً أو بُقُولاً عَفِنَةً أو غير ذلك مما يتعفن تغير هواؤها.
فلما كثر هذا الكلام من السائل والمجيب أضْجَرَ ذلك الواثقَ، فقطع ذلك، وأجاز كل واحد ممن حضر، ثم أمرهم أن يخبر كل واحد منهم عما حضره في الزهد في هذا العالم الذي هو عالم الدُثُورِ والفناء والغُرور فذكر كل واحد منهم ما سَنَحَ له من الأخبار عن زهد الفلاسفة من اليونانيين والحكماء المتقدمين كسقراط وديوجانس.
نطق الحكماء على جدث الإسكندر
قال الواثق: قد أكثرتم فيما وصفتم، وقد أحسنتم الحكاية فيما ذكرتم، فليخبرني كل واحد عن أحسن ما سمع من نطق الحكماء الذين حضروا وفاة الإسكندر، وقد جعل في التابوت الأحمر.
فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين، كل ما ذكروه حَسَنٌ، وأحْسَنُ ما نطق به مَنْ حضر ذلك المشهد من الحكماء ديوجانس، وقد قيل: إنه لبعض حكماء الهند، فقال: إن الإسكندر أمس أنْطَقُ منه اليوم، وهو اليومَ أوْعَظُ منه أمس.
وقد أخذ هذا المعنى من قول الحكيم أبو العتاهية حيث قال:
كَفَى حَزَناً بدفنك ثَم إنِّي ... نَفَضتُ تراب قبرك مِنْ يَدَيَّا
وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوْعَظُ منك حَيَّا
فاشتد بكاء الواثق، وعلا نحيبه، وبكى معه كل من حضر من الناس، ثم قام من فَوْرِه ذلك وهو يقول:
وصروف الدهر في تقديره ... خُلِقَتْ فيها انخفاضٌ وَانْحِدَارْ
(2/74)

بينما المَرْءُ على إعلائها ... إذْ هَوَى في هُوةٍ منها فَحَارْ
إنما متْعَةُ قوم ساعة ... وحياة المَرْءُ ثوب مُسْتَعَارْ
قال المسعودي: وللواثق أخبار حِسَانٌ مما كان في أيامه من الأحداث وما كان يجري من المباحثة في مجلسه الذي عَقَده للنظر بين الفقهاء والمتكلمين في أنواع العلوم من العقليات والسمعيات في جميع الفروع والأصول، وقد أتينا على ذكرها فيما سلف من كتبنا، وسنورد فيما يرد من هذا الكتاب في باب خلافة القاهر باللّه بن المعتضد باللّه جُمَلاً من الأخبار في أخلاق الخلفاء من بني العباس لمعنى أْوجَبَ إيرادها في باب خلافة القاهر.
واعتلَّ الواثق فصلَّى بالناس يوم النحر أحمد بن أبي دُوَاد، وكان قاضي القُضاة، فدعا في خطبته للواثق، فقال: اللهم اشفه مما ابتليته، وقد قَدَّمنا ذكر وقت وفاته فيما سلف من أخباره في هذا الباب، فأغنى ذلك عن إعادته.
ذكر خلافة المتوكل على اللّه
وبويع جعفر بن محمد بن هارون، ولقب المنتصر باللّه، فلما كان في اليوم الثاني لقبه أحمد بن أبي دُوَاد المتوكل على اللّه وذلك في اليوم الذي مات فيه الواثقُ أخوه، وهو يوم الأربعاء لست بَقِينَ من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، ويكنى بأبي الفضل، وبويع له وهو ابن سبع وعشرين سنة وأشهر، وقُتل وهو ابن إحدى وأربعين سنة فكانت خلافته أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسع لَيَالٍ، وأمه أُم ولد خُوَارزمية يقال لها شجاع، وقُتل ليلة الأربعاء لثلاث خَلَوْنَ من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين.
ذكر جمل من أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
أمره بترك الجدل وإظهار السنة
ولما أفْضَتِ الخلافة إلى المتوكل أمر بترك النظر والمباحثة في الجدال، وَالتَّرْك لما كان عليه الناسُ في أيام المعتصم والواثق والمأمون وأمر الناس بالتسليم والتقليد، وأمر شيوخ المحدثين بالتحديث وإظهار السف والجماعة، وأظهر لباس ثياب الملحمة، وفضل ذلك على سائر الثياب، وَاتَّبَعَهُ مَنْ في داره على لبس ذلك، وشمل الناس لبسه، وبالغوا في ثمنه اهتماماً بعمله، واصطنع الجيد منها؛ لمبالغة الناس فيها، وميل الراعي والرعية إليها، فالباقي في أيدي الناس إلى هذه الغاية من تلك الثياب يعرف بالمتوكلية، وهي نوع من ثياب الملحم نهاية في الحسن والصبغ وجودة الصنع.
أحدث اللعب والمضاحك
وكانت أيام المتوكل أحسن أيام وَأَنْضَرَهَا، من استقامة الملك، وشمول الناس بالأمن والعدل، ولم يكن المتوكل ممن يوصف في عطائه وبذله بالجود، ولا بتركه وإمساكه بالبخل، ولم يكن أحد ممن سلف مر خلفاء بني العباس ظهر في مجلسه اللعب والمضاحك والهزل مما قد استفاض في الناس تركه إلا المتوكل، فإنه السابق إلى ذلك وَالمُحْدِثُ له، وأحْدَثَ أشياء من نوع ما ذكرنا فاتبعه فيها الأغلب من خواصه وأكثر رعيته، فلم يكن في وزرائه والمتقدمين من كًتابه وقواده مَنْ يوصف بجود ولا إفضال، أو يتعالى عن مجون وطرب.
غلب عليه الفتح بن خاقان
وكان الفتح بن خاقان التركي مولاه أغْلَبَ الناس عليه، وأقربهم منه، وأكثرهم تقدماً عنده، ولم يكن الفتح - مع هذه المنزلة من الخلافة - ممن يُرْجَى فضله ويخاف شره، وكان له نصيب من العلم، ومنزلة من الأدب، وألف كتاباً في أنواع من الأدب ترجمه بكتاب البستان.
أحدث البناء الحيري
وأحدث المتوكل في أيامه بناء لم يكن الناس يعرفونه، وهو المعروف بالحيري والكمين والأروقة، وذلك أن بعض سُمَّاره حَدَّثه في بعض الليالي أن بعض ملوك الحيرة من النعمانية من بني نَصر أحدث بنياناً في دار قراره، وهي الحيرة، على صورة الحرب وهيئتها للهجهِ بها وميله نحوها لئلا يغيب عنه ذكرها في سائر أحواله، فكان الرواق فيه مجلس الملك وهو الصدرُ، والكمان ميمنه وميسرة، ويكون في البيتين اللذين هما الكمان من يقرب منه من خواصه، وفي اليمين منهما خزانة الكسوة، وفي الشمال ما احتيج إليه من الشراب، والرواق قد عم فضاؤه الصدر والكمين والأبواب الثلاثة على الرواق، فسمي هذا البنيان إلى هذا الوَقْت بالحيري والكمين، إضافة إلى الحيرة، واتبع الناس المتوكل في ذلك ائتماماً بفعله، واشتهر إلى هذه الغاية.
أخذه البيعة لأولاده الثلاثة
(2/75)

وبايع المتوكلُ لبنيه الثلاثة: محمد المنتصر باللّه، وأبي عبد اللهّ المعتز باللّه، والمستعين باللّه، وفي ذلك يقول ابن المدبر في ذكره لهذه البيعة:
يا بيعة مثل بيعة الشَّجَرَهْ ... فيها لكل الخلائق الخِيَرَهْ
أكَّدَهَا جعفر وصيرها ... إلى بنيه الثلاثة البَرَرَهْ
وفي ذلك يقول علي بن الجهم:
قل للخليفة جعفر: يا ذا الندى ... وابن الخلائف والأئمة والهدى
لما أردت صلاح دين محمد ... ولَيْتَ عهد المسلمين محمدا
وثنيت بالمعتز بعد محمد ... وجعلت ثالثهم أعَزّ َمؤيدا
وكان استخلاف المتوكل على اللّه بعد أن استخلف أبو العباس السفاح بمائة سنة، وبعد موت العباس بن عبد المطلب بمائتي سنة، وقد قيل غير ذلك، والله أعلم، على تفاوت التواريخ في كمية أوقاتهم وعَدَدِ سِنِيهِمْ والزيادة في الأيام والشهور ونقصانها من مدة ملكهم.
سخطه على ابن الزيات
وقد كان سخط المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات بعد خلافته بأشهر، فقبض أمواله وجميع ما كان له، وقلد مكانه أبا الوزير، وقد كان ابن الزيات اتخذ للمصادَرِين والمغضوب عليهم تَنُّوراً من الحديد رؤوس مساميره إلى داخل قائمة مثل رؤوس المسَالِّ في أيام وزارته للمعتصم والواثق، فكان يعذب الناس فيه، فأمر المتوكل بإدخاله في ذلك التنور، فقال محمد بن عبد الملك الزيات للموكل به أن يأذن له في دواة وبطاقة ليكتب فيها ما يريد، فأستأذن المتوكل في ذلك، فأذن له، فكتب:
هي السبيل فمن يوم إلى يوم ... كأنه ما تُرِيكَ العين في النوم
لأجزعَنَّ رويداً إنها دُوَل ... دنيا تنقل من قوم إلى قوم
قال: وتشاغل المتوكل في ذلك اليوم فلم تَصِل الرقعة إليه، فلما كان الغد قرأها فأمر بإخراجه فوجده ميتاً، وكان حَبْسُه في ذلك التنور إلى أن مات أربعين يوماً، وكان كاتباً بليغاً، وشاعراً مجيداً، وهو القائل في تحريض المأمون على إبراهيم بن المهدي عمه حين خرج عليه:
ألم تر أن الشيءَ للشيء علة ... تكون له كالنار تقدح بالزَّنْدِ
كذلك جَرّبنا الأمور، وإنما ... يدلُّكَ ما قد كان قبل على البعد
وظَنَي بإبراهيم أن فكاكه ... سيبعث يوماً مثل أيامه النكد
تذكَرْ أمير المؤمنين قيامه ... وأيامه في الهزل منه وفي الجد
إذا هَزَّ أعواد المنابر باسمه ... تغنَّى بليلي أو بميَّةَ أو هند
في شعر طويل جداً.
ومن شعره قوله في مرثية للمعتصم باللّه:
وظل له سيف النبي كأنما ... مدامعه من شدة الحزن تَنْرِفُ
حمائله والبُرْدُ تشهد أنه ... هو الطيب الأولى الذي كان يعرف
أقول ومن حق الذي قلت أنني ... أقول وأثني بعد ذاك وأحلف
لما هابَ أهل الظلم مثلك سائساً ... ولا أنْصفَ المظلوم مثلُكَ منصف
وقد أتينا على أخباره وما استحسن من أشعاره في الكتاب الأوسط.
وزراؤه
فكانت أيام أبي الوزير في الوزارة يسيرة، وقد كان اتخذ للوزارة محمد بن الفضل الجرجراني، ثم صرفه فاستكتب عبيد اللّه بن يحيى سنة ثلاث وثلاثين ومائتين إلى أن قتل، وقد أتينا في الكتاب الأوسط على أخباره واتصاله بالمتوكل وأخبار الفتح بن خاقان.
المبرد ومجنون بدير هرقل
وذكر محمد بن يزيد المبرد قال: ذكرت للمتوكل لمنازعة جرت بينه وبين الفتح بن خاقان في تأويل آية وتنازَعَ الناسُ في قراءتها، فبعث إلى محمد بن القاسم بن محمد بن سليمان الهاشمي، وكانت إليه البصرة، فحملني إليه مكرماً، فلما اجتزت بناحية النعمان بين واسط وبغداد ذكر لي أن بدير هرقل جماعة من المجانين يُعالَجُونَ، فلما حاذيته دعتني نفسي إلى دخوله، فدخلته ومعي شات ممن يرجع إلى دين وأدب؛ فإذا أنا بمجنون من المجانين قد دنا إلي، فقلت: ما يقعدك بينهم وأنت بائن عنهم؟ فكسر جفنه ورفع عقيرته، وأنشأ يقول:
إن وصفوني فَناحِلُ الجَسَدِ ... أو فَتْشوني فأبيض الكبد
(2/76)

أضْعَفَ وجدي وزاد في سَقَمِي ... أن لست أشكو الهوى إلى أحد
وضعت كَفِّي على فؤاديَ من ... حَرِّ الأسى وانطوْيت فوق يدي
آه من الحب آه من كبدي ... إن لم أمت في غد فبعد غد
كأن قلبي إذا ذكرتهمُ فريسة ... بين ساعَدَيْ أسَدِ
فقلت: أحسنت للّه درك! زدني، فأنشأ يقول:
ما أقْتَلَ البين للنفوس!! وما ... أوْجعَ فقد الحبيب للكبد!!
عَرضْتُ نفسي من البلاء لما ... أسرف في مهجتي وفي جَلَدِي
يا حسرتي أن أموت معتقلاً ... بين اعتلاج الهموم والكَمِدِ
في كل يوم تفيض معولة ... عيني لعضو يموت في جسدي
فقلت: أحسنت للّه درك! ولا فضّ فوك! زدني، فأنشأ يقول:
اللَه يعلم أنني كَمِدُ ... لا أستطيع أبثُّ ما أجد
نفسان لي نفس تضمنها ... بلد، وأخرى حازها بلد
وأرى المقيمة ليس ينفعها ... صبر، وليس يُعِينها جَلَدُ
وأظنّ غائبتي كشاهدتي ... بمكانها تجد الذي أجد
فقلت: واللّه أحسنت، فاستزتده، فقال: أراك كلما أنشدتك استزدتني، وما ذاك إلا لفرط أدب أو فراق شجن، فأنْشِدْنِي أنت أيضاً، فقلت للذي معي: أنشده، فأنشأ يقول:
عَذْلٌ وَبَيْن وتوديع ومرتحل ... أي العيون على ذا ليس تَنْهَمِلُ؟
تألفَه ما جلدي من بعدهم جلد ... ولا اختزان دموعي عنهمُ بَخَلُ
بلى، وحرمة ما ألقيْنَ من خبل ... قلبي إليهنَ مشتاق وقد رحلوا
وعدت أن البحار السبع لي مَدَدٌ ... وأن جسمي دموع كلها همل
وأنَ لي بدلاً من كل جانحة ... في كل جارحة يوم النوى مُقَلُ
لا درَّ درُّ النوى لو صادفَتْ جبلاً ... لا نهدَّ منها وشيكا ذلك الجبل
الهجر والبين والواشون والإِبل ... طلائع يتراءى أنها الأجل
فقال المجنون: أحسنت، وقد حضرني في معنى ما أنشدت إلى شعر، أفأنشده؟ قلت: هات: فأنشأ يقول:
ترحًلُوا ثم نيطت دونهم سُجُفٌ ... لو كنت أملكهم يوماً لما رحلوا
يا حادِيَ العِيس مهلاكي نودعها ... رفقاً قليلاً ففي توديعها الأجل
ما راعني اليوم شيء غير فقدهم ... لما استقلّت وسارت بالدُّمى الإِبل
إني على العهد لم أنْقُضْ مودتهم ... فليت شعري وطال الدهر ما فعلوا
قال المبرد: فقال الفتى الذي معي: ماتوا، فقال المجنون: آه آه، إن ماتوا فسوف أموت، وسقط ميتاً، فما برحْتُ حتى غسل وكفن وصليت عليه ودفنْتُه.
البحتري ينشد المتوكل
ووردتُ سر من رأى، فأدخلت على المتوكل وقد عمل فيه الشراب، فسئلت عن بعض ما وردتُ له؛ فأجبت، وبين يدي المتوكل البحتريُ الشاعر، فابتدأ ينشده قصيدة يمدح بها المتوكل، وفي المجلس أبو العنبس الصيمري، فأنشد البحتري قصيدته التي أولها:
عن أي ثغر تبتسم؟ ... وبأي طرف تحتكم؟
حسن يضيء بحسنه ... والحسن أشبه بالكرم
قل للخليفة جعفر المتوكل ابن المعتصم
المرتَضَى ابن المجتبى ... والمنعم ابن المنتقم
أما الرعية فَهْي من ... أمَنَاتِ عدلك في حَرَمْ
ياباني المجد الذي ... قد كان قوض فانهدمْ
اسْلمْ لدين محمد ... فإذا سلمت فقد سلم
نلنا الهدى بعد العمى ... بك، والغنى بعد العَدَمْ
فلما انتهى إلى ذلك مشى القهقرى للانصراف، فوثب أبو العنبس فقال: يا أمير المؤمنين، تأمر برده، فقد واللّه عارضته في قصيدته هذه، فأمر برده، فأخذ أبو العنبس ينشد شيئاً لولا أن في تركه بَتْراً للخبر لما ذكرناه، وهو:
من أي سَلْح تلتقم ... وبأي كف تلتطم
أدخلت رأس البحتر ... يِّ أبي عُبَادة في الرَّحِمْ
(2/77)

ووصل ذلك بما أشبهه من الشَّتْم، فضحك المتوكل حتى استلقى على قفاه، وفحصَ برجله اليسرى، وقال: يُدْفع إلى العنبس عشرة آلاف درهم، فقال الفتح: يا سيدي البحتري الذي هُجي وأسمع المكروه ينصرف خائباً؟ قال: ويدفع للبحتري عشرة آلاف درهم، قال: يا سيدي وهذا البصريُ الّذي أشخصناه من بلده، لا يشركهم فيما حصلوه. قال: ويدفع إليه عشرة آلاف درهم، فانصرفنا كلنا في شفاعة الهزل، ولم ينفع البحتريَ جده واجتهاده وحزمه.
حمار أبي العنبس
ثم قال المتوكل لأبي العنبس: أخبرني عن حمارك ووفاته وما كان من شعره في الرؤيا التي أريتها، قال: نعم يا أمير المؤمنين، كان أعقل من القضاة، ولم يكن له جريرة ولا زلّة، فاعتلَّ علة على غفلة، فمات منها، فرأيته فيما يرى النائم، فقلت له: يا حماريِ، ألم أبرد لك الماء، وأنق لك الشعير، وأحسن إليك جَهْدِي. فلم مُت على غفلة؟ وما خبرك؟ قال: نعم، لما كان في اليوم الذي وقَفْتَ على فلان الصيدلاني تكلمه في كذِا وكذا مرت بي أتان حسناء، فرأيتها فأخذَتْ بمجامع قلبي؟ فعشقتها واشتد وجدي بها، فمتُّ كمداً متأسفاً، فقلت له: يا حماري، فهل قلت في ذلك شعراً. قال: نعم، وأنشدني:
هامَ قلبي بأتان ... عند باب الصيدلاني
تيمتني يوم رُحْنَا ... بثناياها الحسان
وبخذَيْنِ أسيلين كلون الشنقراني
فبها مُتَّ ولو عشت إذاً طَالَ هواني
قال: قلت: يا حماري، فما الشنقراني؟ فقال: هذا من غريب الحمير، فطرب المتوكل وأمر الملهين والمغنين أن يغنوا ذلك اليوم بشعر الحمار، وفرح في ذلك اليوم فرحاً شديداً، وسُرَّ سروراً لم يُرَ مثله، وزاد في تكرمة أبي العنبس وجائزته.
المتوكل وعلي بن محمد العلوي
وحدث أبو عبد اللّه محمد بن عرفة النحوي قال: حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال: قال المتوكل لأبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي اللهّ عنه، ما يقول ولد أبيك في العباس بن عبد المطلب؟ قال: وما يقول ولد أبي يا أمير المؤمنين في رجل افترض اللّه طاعة بنيه على خلقه وافترض طاعته على بنيه؟ فأمر له بمائة ألف درهم، وإنما أراد أبو الحسن طاعة اللّه على بنيه، فعرَّضَ.
وقد كان سعي بأبي الحسن علي بن محمد إلى المتوكل، وقيل له: إن في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته، فوجه إليه ليلاً من الأتراك وغيرهم مَنْ هجم عليه في منزله على غفلة ممن في داره، فوجده في بيت وحده مغلق عليه وعليه مِدْرَعة من شَعَرٍ، ولا بساط في البيت إلا الرمل والحصى، وعلى رأسه مِلحَفة من الصوف متوجهاً إلى ربه يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد، فأخذ على ما وجد عليه، وحمل إلى المتوكل في جَوْفِ الليل، فمثل بين يديه والمتوكل يشرب وفي يده كأس، فلما رآه أعْظَمه وأجلسه إلى جَنبِه، ولم يكن في منزله شيء مما قيل فيه، ولا حالة يتعلل عليها بها فناوله المتوكل الكأس الذي في يده، فقال: يا أمير المؤمنين، ما خامر لحمي ودمي قط، فأعْفِنِي منه، فعافاه، وقال: أنشدني شعراً أستحسنه، فقال: إني لقليل الرواية للأشعار، فقال: لا بد أن تنشدني فأنشده:
باتوا على قُلَل الأجْبَال تحرسهم ... غُلْبُ الرجال فما أغنتهمُ القُلَلُ
واستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم ... فأودعوا حُفَراً، يا بئس ما نزلوا
ناداهمُ صارخ من بعد ما قبروا ... أين الأسرة والتيجان والحلل؟
أين الوجوه التي كانت مُنَعَّمة ... من دونها تضرب الأستار والكِلَلُ
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم ... تلك الوجوه عليها الدود يقتتلُ
قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا ... فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكِلُوا
وطالما عمروا دوراً لتحصنهم ... ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا
وطالما كنزوا الأموال وادَّخروا ... فخلفوها على الأعداء وارتحلوا
أضحت مَنَازِلُهم قفْراً مُعَطلة ... وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا
(2/78)

قال: فأشفق كل من حضر على عَلِيٍّ، وظن أن بادرة تبدر منه إليه، قال: واللّه لقد بكى المتوكل بكاءً طويلًا حتى بلت دموعه لحيته، وبكى مَنْ حضره، ثم أمر برفع الشراب، ثم قال له: يا أبا الحسن، أعليك دَيْنٌ؟ قال: نعم أربعة آلاف دينار، فأمر بدفعها إليه، ورده إلى منزله من ساعته مكرماً.
وفاة ابن سماعة القاضي الحنفي
قال: وكانت وفاة محمد بن سماعة القاضي محمد بن الحسن - وصاحب أبي حنيفة في خلافة المتوكل، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وهو ابن مائة سنة، صحيح الجسم والعقل والحواس، يفتض الأبكار، ويركب الخيل التي تقطف وتعنق، لم ينكر من نفسه شيئاً. وحكى ابنه سماعة بن محمد قال: قال لي أبي محمد بن سماعة: وجدت في حياة سَوَار بن عبد اللّه قاضي المنصور كتاباً له بخطه أراه من شعره أو أبيات استحسنها، وهي:
سَلَبْتِ عظامي لحمَها فتركتِها ... عوارِيَ في أجلادها تتكسر
وأخْلَيْتِ منها مُخّهَا فكأنها ... قوارير في أجوافها الريح تَصْفِرُ
إذا سمعت ذكر الفراق ترعّدت ... فرائصها من خوف ما تتحذر
خذي بيدي، ثم ارفعي الثوب وانظري ... ضَنَى جَسَدي لكنني أتستر
ولمحمد بن سماعة تصنيفات حسان في الفقه، وروايات عر محمد بن الحسن وغيره، منها كتاب نوادر المسائل عن محمد بن الحسن في أُلوف أوراق.
موت يحيى بن معين وجماعة من الأنباه
وفي هذه السنة - وهي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين - مات يحيى بن معين، وفي سنة خمس وثلاثين ومائتين مات أبو بكر بن أبي شيب والقواريري، وكانا من عِلْيَةِ أصحاب الحديث وحُفاظهم، وفيها مات إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وكان على بغداد، وولي ابنه مكانه، وله أخبار حسان قد أتينا على غررها في كتابنا أخبار الزمان.
قصة سجين
ومن ظريف أخباره والمستحسن مما كان في أيامه وسيره ببغداد ما حدث به عنه موسى بن صالح بن شيخ بن عميرة الأسدي أنه رأى في منامه كأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: " أطلق القاتل " ، فارتاع لذلك رَوْعاً عظيماً، ونظم في الكتب الواردة لأصحاب الحبوس فلم يجد فيها ذكر قاتل، فأمر بإحضار السندي وعباس، فسألهما: هل رفع إليهما أحد ادعى عليه بالقتل. فقال له العباس: نعم، وقد كتبنا بخبره، فأعاد النظر، فوجد الكتاب في أضعاف القراطيس، وإذا الرجل قد شهد عليه بالقتل وأقربه، فأمر إسحاق بإحضاره، فلما دخل عليه ورأى ما به من الارتياع قال له: إن صدقتني أطلقتك، فابتدأ يخبره بخبره، وذكر أنه كان هو وعدَّة من أصحاب يرتكبون كل عظيمة، ويستحلُّونَ كل محرم، وأنه كان اجتماعهم في منزل بمدينة أبي جعفر المنصور يعتكفون فيه على كل بلية، فلما كان في هذا اليوم جاءتهم عجوز كانت تختلف إليهم للفساد، ومعها جارية بارعة الجمال، فلما توسطت الجارية الدار صرخت صرخة، فبادرْتُ إليها من بين أصحابي، فأدخلتها بيتاً وسَكَّنْتُ روعها، وسألتها عن قصتها، فقالت: اللهّ اللّه فيَّ، فإن هذه العجوز خدعتني وأعلمتني أن في خزانتها حُقاً لم يُر مثله، فشوقتني إلى النظر إلى ما فيه، فخرجت معها واثقة بقولها، فهجمت بي عليكم، وجَدِّي رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم وأمي فاطمة، وأبي الحسن بن علي، فاحفَظُوهُمْ فيَ، قال الرجل: فضمنت خلاصها، وخرجت إلى أصحابي فعرفتهم بذلك فكأني أغريتهم بها، وقالوا: لمَا قضيت حاجتك منها أردت صرفنا عنها، وبادروا إليها، وقمت دونها أمنع عنها، فتفاقم الأمر بيننا إلى أن نالتني جراح، فعمدت إلى أشدهم كان في أمرها وأكلبهم على هتكها فقتلته، ولم أزل أمنع عنها إلى أن خَلصتها سالمة، وتخلصت الجارية آمنة مما خافته على نفسها، فأخرجتها من الدرا، فسمعتها تقول: سترك اللّه كما سترتني، وكان لك كما كنت لي، وسمع الجيران الضجة فتبادروا إلينا والسكين في يدي والرجل يتشخَطُ في دمه، فرفعتُ على هذه الحالة، فقال له إسحاق: قد عرفت لك ما كان من حفظك للمرأة، ووهبتك للّه ورسوله، قال: فوحقِّ من وهبتني له لا عاودت معصية ولا دخلت في ريبة حتى ألقىِ اللّه، فأخبره إسحاق بالرؤيا التي رآها، وأن الله لم يضيع له ذلك، وعَرَض عليه براً واسِعاً، فأبى قبول شيء من ذلك.
رضاه عن يحيى بن أكثم
(2/79)

وفي سنة تسع وثلاثين ومائتين رضي المتوكل عن أبي محمد يحيى ابن أكثم الصيفي، فأشخص إلى سر من رأى، وولي قضاء القضاة، وسخط على أحمد بن أبي دواد وولده أبي الوليد محمد بن أحمد، وكان على القضاء، وأخذ من أبي الوليد مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار وجوهراً بأربعين ألف دينار، وأحضر إلى بغداد، وقد كان أبو عبد اللّه أحمد بن أبي عُوَاد فُلِج بجد موت عدوه ابن الزيات بسبعة وأربعين يوماً، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.
وفاة ابن أبي دؤاد
وفي سنة أربعين ومائتين كانت وفاة أبي عبد اللّه أحمد بن أبي دؤاد بعد وفاة ولده أبي الوليد محمد بن أحمد بعشرين يوماً، وكان ممن أجْرَى اللّه الخير على يديه على ما اشتهر من أمره، وسَهَل اللّه سبيله إليه، وحَبِّب إليه المعروف وفعله.
منزلة ابن أبي دؤاد عند المعتصم
وذكر أن المعتصم كان بالجوسق يوماً مع نُدمَائه - وقد عزم على الإصطباح، وأمر كل واحد منهم أن يطبخ قِدْراً - إذ بصر بسلامة غلام ابن أبي دؤاد، فقال: هذا غلام ابن أبي دواد يتعرف خبرنا، والساعة يأتي فيقول: فلان الهاشمي، وفلان القرشي، وفلان الأنصاري، وفلان العربي، فيعطلنا بحوائجه عما عزمنا عليه، وأنا أشهدكم أني لا أقضي اليوم له حاجة، فلم يكن بين قوله وبين استئذان الأتباع لأبي عبد اللّه إلا هنيهة، فقال لجلسائه: كيف ترون قولي؟ قالوا: فلا تأذن له، قال: سوءاً لكم، حُمَّى سنة أهْوَنُ عليَ من ذلك، ودخل، فما هو إلا أن سلم وجلس وتكلم حتى أسْفَرَ وجه المعتصم وضحكتَ إليه جوارحه، ثم قال له. يا أبا عبد اللّه قد طبخ كل واحد من هؤلاء قِدْراً، وقد جعلناك حكماً في طبخها، قال: فلتحضر ثم آكل ثم أحكم بحكم بعلم، فحملت إليه القُدُورُ ووضعت بين يديه، فجعل يأكل من أول قدر أكلاً تاماً، فقال له المعتصم: هذا ظلم، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأني أراك قد أمعنت في هذا اللون، وستحكم لصاحبه، قال: يا أمير المؤمنين عليَ أن آكل من هذه القدور كلها كما أكلت من هذا القدر، فتبسم له المعتصم وقال له: شأنك إذا، فأكل كما قال، ثم قال: أما هذه فقد أحْسَنَ طابخها إذا كثر فلفلها وأقل كمونها، وأما هذه فقد أجاد طابخها إذ أكثر خَلّها وأقل زَيتَهَا، وأما هذه فقد طيبها طابخها باعتدال توابلها، وأما هذه فقد حقق مَنْ عملها بقلة مائها وكثرة مرقها، حتى وصف القدور كلها بصفاتٍ سُرَّ أهلها بها، ثم أكل مع القوم كما أكلوا أنْظَفَ أكْلٍ وأحسنه، مرة يحدثهم بأخبار الأكَلَةِ في صدر الِإسلام: معاوية بن أبي سفيان، وعبيد اللّه بن زياد، والحجاج بن يوسف، وسليمان بن عبد الملك، ومرة يحدثهم عن أكَلَة دهره مثل ميسرة التَّضَار، ودورق القصاب، وحاتم الكيال، وإسحاق الحمامي، فلما رفعت الموائد قال له المعتصم: ألك حاجة يا أبا عبد الله. قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: اذكرها فإن أصحابنا يريدون أن يتشاغلوا، قال: نعم يا أمير المؤمنين رجل من أهلك وَطئِه الدهر فغير حاله وخشن معيشته، قال: ومَنْ هو؟ قال: سليمان بن عبد اللّه النوفلي، قال: قدر له ما يصلحه، قال: خمسين ألف درهم، قال: أنفذت ذلك له، قال: وحاجة أخرى، قال: وما هي؟ قال: ضِيَاعُ إبراهيم بن المعتمر تردُهَا له، قال: قد فعلت، قال: وحاجة أخرى، قال: قد فعلت، قال: فواللّه ما خرج حتى سأل ثلاث عشرةَ حاجَةَ لا يردُّه عن شيء منها، حتى قام خطيباً فقال في خطبته: يا - أمير المؤمنين، عمرك الله طويلًا، فبعمرك تُخْصِب جنات رعيتك، ويلين عيشهم، وتثمر أموالهم، ولا زلت ممتعاً بالسلامة، مَحْبُوّاً بالكرامة، مرفوعاً عنك حوادث الأيام وغِيَرُها، ثم انصرف؛ فقال المعتصم: هذا والله يتزين بمثله، ويبتهج بقربه، ويعدل ألوفاً من جنسه، أما رأيتم كيف دخل؟ وكيف سلم؟ وكيف تكلم؟ وكيف أكل؟ وكيف وصف القدور ثم انبسط في الحديث؟ وكيف طاب به أكلنا؟ ما يردُّ هذا عن حاجة إلا لئيم الأصل خبيث الفرع، واللّه لو سألني في مجلسي هذا ما قيمته عشرة آلاف ألف درهم ما رَعَدْته عنها، وأنا أعلم أنه يكسبني بها في الدنيا حمداً وفي الآخرة ثواباً.
وفي أحمد بن أبي دواد يقول الطائي:
لقد أنْسَتْ مساويَ كلِّ دهرٍ ... مَحَاسنُ أحمد بْنِ أبي دواد
فما سافرتُ في الآفاق إلا ... ومن جَدْواه راحلتي وزادي
(2/80)

مقيم الظَنِّ عندك والأماني ... وإن قَلِقَتْ ركَابي في البلاد
المتوكل يشتهي قدراً طبخها ملاحون
وحكي عن الفتح بن خاقان قال: كنت عند المتوكل وقد عزم على الضَبُوح بالجعفري، وقد وَجَّه خلف الندماء والمغنين، قال: فجعلنا نطوف وهو متكئ علي وأنا أحادثه، حتى وصلنا إلى موضع يشرف منه على الخليج، فدعا بكرسي فقعد عليه، وأقبل يحادثني، إذ بصر بسفينة مشدودة بالقُرْب من شاطئ الخليج، ومَلّاح بين يديه قدر كبيرة يطبخ فيها سكباج من لحم بقر، وقد فاحت روائحها، فقال: يا فتح رائحة قدر سكباج واللّه، ويحك، أما ترى ما أطيب رائحتها، عليَّ بها على حالها، فبادر الفراشون فانتزعوها من بين يدي الملاحين، فلما عاين الملاحون أصحاب السفينة ما فعل بهم ذهبت نفوسهم فَرَقاً وخوفاً، وجاءوا المتوكل بالقدر تفور كهيئتها، فوضعت بين أيدينا، فاستطاب ريحها واستحسن لونها، ودعا برغيف فكسر منه كسرة ودفعها إليَّ، وأخذ هو منه مثلها، وأكل كل واحد منا ثلاث لُقم، وأقبل الندماء والمغنون، فجعل يلقم كل واحد منهم لقمة من القدر، وأقبل الطعام ووضعت الموائد، فلما فرغ من أكله أمر بتلك القدر ففرغت وغسلت بين يديه، وأمر أن تملأ دراهم، فجيء بَبَدره ففرغت فيها، فَفَضَلَ من الدراهم مقدار ألفي درهم، فقال لخادم كان بين يديه: خذ هذه القدر فامض بها حتى تدفعها لأصحاب السفينة، وقل لهم: هذا ثمن ما أكلنا من قدركم، وادفع إلى مَنْ طبخها ما فضل من هذه البَدْرَة منِ الدراهم هِبَةً له على تجويده طبخها، قال الفتح: فكان المتوكل كثيراً ما يقول إذا ذكر قدر الملاح: ما أكلت أحسن من سكباج أصحاب السفينة في ذلك اليوم.
وأخبرنا أبو القاسم جعفر بن محمد بن محمد بن حمدان الموصلي الفقيه بجهينة، وكان من حديثة الموصل: قال: حدثنا أبو الحسن الصالحي، قال: قال الجاحظ: ذُكرتُ لأمير المؤمنين المتوكل لتأديب بعض ولده، فلما راني استبشع مَنْظَرِي، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وَصَرَفَنِي، وخرجت من عنده، فلقيت محمد بن إبراهيم وهو يريد الإِنصراف إلى مدينة السلام، فعرض علي الخروج معه والإِنحدار في حَرَّاقته، فركبنا فيها، فلما أتينا كم نهر القاطول وخرجنا من سامرا نصب ستارته وأمر بالغناء، فاندفعت عَوَّادة فغنت:
كلَّ يوم قطيعة وعتاب ... ينقضي دهرنا ونحن غِضَاب
ليت شعري أنا خُصِصْتُ بهذا ... دون ذا الخلق أم كذا الأحباب
وسكتت، فأمر الطنْبُورية فغنت:
وارحمتا للعاشقينا ... ما إنْ أرى لهمُ مُعِينا
كم يُهْجَرُونَ ويصرمو ... ن ويقطعون فيصبرونا
قال: فقالتَ لها العَوَادة: فيصنعون ماذا؟ قالت: هكذا يصنعون، وضربت بيدها إلى الستارة فهتكتها وبَرَزَتْ كأنها فلقة قمر فزجَتْ بنفسها إلى الماء، وعلى رأس محمد غلامٌ يضاهيها في الجمال وبيده مِذَبّة، فلما رأى ما صنعت ألقى المِذَبة من يده وأتى الموضع ونظر إليها وهي تمر بين الماء فأنشأ يقول:
وأنا الذي غرقتني ... بعد القضا لو تعلمينا
فزج بنفسه في أثرها، فأدار الملاح الحراقة فإذا هما معتنقان، ثم غاصا فلم يُرَيَا، فهال ذلك محمداً واستعظمه، وقال: يا عمرو لتحدثني حديثاً يسليني عن فقد هذين وإلا ألحقتك بهما، قال: فحضرني حديث يزيد بن عبد الملك، وقد قعد للمظالم وعرضت عليه القصص، فمرت به قصة فيها: إن رأى أمير المؤمنين أعزه اللّه أن يخرج جاريته فلانة حتى تغنيني ثلاثة أصوات فعل، فاغتاظ يزيد، وأمر من يخرج إليه ويأتيه برأسه، ثم أمر بأن يتبع الرسول برسول آخر يأمره أن يُدْخِلَ إليه الرجل، فلما وقف بين يديه قال له: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: الثقة بحلمك والاتكال على عفوك، فأمره بالجلوس حتى لم يبق أحد من بني أمية إلا خرج، ثم أمر فأخرجت الجارية ومعها عُودُهَا، فقال لها الفتى: غني:
أفاطم مَهْلاً بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
فغنته، فقال له يزيد: قل، قال: غني:
تألقَ البَرْقُ نجديّاً، فقلت له: ... يا أيها البرق إني عنك مشغول
يكفيك عني عدو ثائر حنق ... في كفه صارم كالملح مسلول
(2/81)

فغنته، فقال: قل: قال: تأمر لي برطل خمر، فما استتم شرابه حتى وثب وصعد على أعلى قبة ليزيد فرمى بنفسه على دماغه، فمات، فقال يزيد: إنا لله وإنا إليه راجعون، أتراه الأحمق الجاهل ظن أني أخرج إليه جاريتي وأردها إلى مالي، يا غلمان، خذوا بيدها واحملوها إلى أهله إن كان له أهل، وإلا فبيعوها فانطلقوا بها إلى أهله، فلما توسطت الدار نظرت إلى حفرة في دار يزيد قد أعدت للمطر، فجذبت نفسها من أيديهم وأنشأت تقول:
من مات عشقاً فليمت هكذا ... لا خير في عشق بلا موت
فزختْ بنفسها على دماغها فماتت، فسري عن محمد وأحسن صلتي، وقيل: إن هذا الخبر إنما كان مع سليمان بن عبد الملك وليس هذا عن يزيد بن عبد الملك قال: فذكرت هذا الحديث لأبي عبد اللّه محمد بن جعفر الأنباري بالبصرة فقال: أنا أخبرك بنحو من هذا الحديث الذي حدثتني به، حدثني فائق الخادم، وكان مولى لمحمد حُمَيْد الطوسي، أن محمد بن حُمَيْد كان جالساً مع ندمائه يوماً، فغنت جارية من وراء الستارة:
يا قَمَرَ القصر متى تطلع ... أشْقَى وغيري بك يستمتع
إن كان رَبِّي قد قضى ما رأى ... منك على رأسي فما أصنع
وعلى رأس محمد غلام بيده قَدَحٌ يسقيه، فرمى بالقدح عن يده وقال: تصنعين هكذا، ورمى بنفسه من الدار إلى دجلة، فهتكت الجارية الستارة، ثم رَمَتْ بنفسها على إثره، فنزلت الغلمة خلفهما، فلِم يجدوا أحداً منهما، فقطع محمد الشراب، وقام عن مجلسه.
سخط المتوكل على الرخجي
قال المسعودي: وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين سخط المتوكل علىِ عمر بن الفرج الرخجي، وكان من عِلْيَةِ الكتاب، وأخذ منه مالاً وجوهراً نحو مائة ألف وعشرين ألف دينار، وأخذ من أخيه نحواً من مائة ألف ألف دينار، ثم صولح محمد على أحد وعشرين ألف ألف درهم على أن يرد إليه ضياعه، ثم غضب عليه غضبة ثانية، وأمر أن يُصْفَعَ في كل يوم، فأحصي ما صفع فكان ستة آلاف صفعة، وألبسه جبة صوف، ثم رضي عنه، وسخط عليه ثالثة، وأحدر إلى بغداد، وأقام بها حتى مات.
وأهدى الموبذان إلى المتوكل قارورة دهن، وكتب إليه: إن الهدية إذا كانت من الصغير إلى الكبير فلطفت ودقت كان أبهى لها وأحسن، وإن كانت من الكبير إلى الصغير فعظمت كان أرفع لها وأنفع.
وفاة الِإمام أحمد بن حنبل
قال المسعودي: وكانت وفاة أحمد بن حنبل في خلافة المتوكل بمدينة السلام، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين، ودُفن بباب حَرْبِ في الجانب الغربي، وصلى عليه محمد بن طاهر، وحضر جنازته خلقَ من الناس لم ير مثل ذلك اليوم والاجتماع في جنازة مَنْ سلف قبله، وكان للعامة فيه كلام كثير جرى بينهم بالعكس والضد في الأًمور: منها أن رجلاً منهم كان ينادي: الْعَنُوا الواقف عند الشبهات، وهذا بالضد عما جاء عن صاحب الشريعة عليه السلام في ذلك، وكان عظيم من عظمائهم ومقدم فيهم يقف موقفَاَ بعد موقف أمام الجنازة وينادي بأعلى صوته:
وأظلمت الدنيا لفقد محمد ... وأظلمت الدنيا لفقد ابن حنبل
يريد بذلك أن الدنيا أظلمت عند وفاة محمد عليه الصلاة والسلام، وأنها أظلمت عند موت ابن حنبل، كظلمتها عند موت الرسول صلى الله عليه وسلم.
انقضاض الكواكب
وفي هذه السنة انْقَضّتِ الكواكب الانقضاض الذي لم ير مثله قط، وذلك في ليلة الخميس لستٍ خَلَوْنَ من جمادى الآخرة، وقد كان في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة انقضاض لكوكب عظيم هائل، وهي الليلة التي وقعت فيها القرامطة بحاجِّ العراق من طريق الكوفة، وذلك في ذي القعدة من سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
وفاة جماعة من أهل العلم
(2/82)

وفي السنة التي مات فيها ابن حنبل كانت وفاة محمد بن عبد اللّه بن محمد الِإسكافي، وكان من أهل النظر والبحث ومن عِلْيَةِ أهل العدل، وكانت وفاة جعفر بن المبشر سنة أربع ومائتين، وكان من كبار أهل العَدْلية وأهل الديانة من البغداديين، ومات جعفر بن حرب سنة ست وثلاثين ومائتين، وهو رجل من هَمْدَانَ وَوُجُوه قحطان، وإلى أبيه يضاف شارع باب حرب في الجانب الغربي من مدينة السلام، وهو شيخ البغداديين من المتكلمين ومات عيسى بن طغج سنة خمس وأربعين ومائتين، وكان من حُذاقهم وأهل الديانات منهم، وذكر أبو الحسن الخياط أن أبا الهذيل محمد بن الهذيل كانت وفاته سنة سبع وعشرين ومائتين، ثم تنازع أصحابه في مولده فقال قوم: سنة إحدى وثلاثين ومائة وقال قوم: سنة أربع وثلاثين ومائة، وقد كان أبو الهذيل هذا اجتمع مع هشام بن الحكم الكوفي الحرار، وكان هشام شيخ المجسمة والرافضة في وقته ممن وافقه على مذهبه، وكان أبو الهذيل يذهب إلى نفي التجسيم ورفع التشبيه، وإلى ضد قول هشام في التوحيد والإِمامة، فقال هشام لأبي الهذيل: إذا زعمت أن الحركة ترى فَلِمَ لا زعمت أنها تلمس؟ قال: لأنها ليست بجسم فيلمس؛ لأن اللمس إنما يقع على الأجسام، فقال له هشام: فقل أيضاً إنها لا ترى؛ لأن الرؤية إنما تقع على الأجسام، فرجع أبو الهذيل سائلًا فقال له: من أين قلت إن الصفة ليست الموصوفَ ولا غيره. قال هشام: من قبل أنه يستحيل أن يكون فعلي أنا يستحيل أن يكون غيري؟ لأن التغاير إنما أوقِعُهُ على الأجسام والأعيان القائمة بأنفسها، فلما لم يكن فعلي قائماً بنفسه، ولم يجز أن يكون فعلي أنا وجب أنه لا أنا ولا غيري، وعلة أخرى أنت قائل بها: زعمت يا أبا الهذيل أن الحركة ليست مماسة ولا مباينة؟ لأنها عندك مما لا يجوز عليه المماسة ولا المباينة، فلذلك قلت أنا: إن الصفة ليست أنا ولا غيري، وعتبي في أنها ليست أنا ولا غيري علتًكَ في أنها لا تماس ولا تباين، فانقطع أبو الهذيل ولم يردَ جواباً.
وفاة جماعة من المعتزلة
وكانت وفاة أبي موسى الفَرَّاء سنة ست وعشرين ومائتين، وكان من شيوخ العَدْلية وكبار المتكلمين من البغداديين، ومات واصل بن عطاء - ويكنى بأبي حذيفة - في سنة إحدى وثلاثين ومائة، وهو شيخ المعتزلة وقديمها، وأول من أظهر القول بالمنزلة بين المنزلتين، وهو أن الفاسق من أهل الملة ليس بمؤمن ولا كافر، وبه سميت المعتزلة، وهو الاعتزال، وقد قدَّمنا فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار بني أمية قول المعتزلة في الأصول الخمسة، فأغنى ذلك عن إعادته، وكذلك فيما سلف من كتبنا على الشرح والِإيضاح، وقد بينا فيما سلف من هذا الكتاب خبر عمرو بن عُبَيْد ووفاته، وكان شيخ المعتزلة والمقدَّمُ فيها، وأن وفاته كانت سنة أربع وأربعين ومائة، وقد كان عمرو بنِ عُبَيْد اجتمع مع هشام بن الحكم، وهشام يذهب إلى القول بأن الإِمامة نصٌ من اللّه ورسوله على عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، وعلى مَنْ يلي عصره من ولده الطاهرين كالحسن والحسين، ومن يلي أيامهم، وعمرو يذهب إلى أن الإمامة اختيار من الأمة في سائر الأعصار فقال هشام لعمرو بن عبيد: لم خلق اللّه لك عينين؟ قال: لأنظر بهما إلى ما خلق اللّه من السموات والأرض وغير ذلك فيكون ذلك دليلاً لي عليه، فقال هشام: فلم خلق اللّه لك سمعاً؟ قال: لأسمع به التحليل والتحريم والأمر والنهي، فقال له هشام: لم خلق اللّه لك لساناً؟ فقال عمرو: لأعبر به عما في قلبي وأخاطب به من افترض عليّ أمره ونهيه، قال هشام: فلم خلق اللّه لك قلباً؟ قال عمرو: لتكون هذه الحواسُ مؤدية إليه فيكون مميزاً بين منافعها ومضارها، قال هشام: فكان يجوز أن يخلق الله سائر حواسك ولا يخلق لك قلباً تؤدي هذه الحواسُّ إليه. قال عمرو: لا، فقال هشام: ولم. قال: لأن القلب باعث لهذه الحواس على ما يصبحِ له، فلو لم يخلق الله فيها انبعاثاً من نفسها استحال أن لا يخلق لها باعثاً يبعثها على ما خلقت له إلا بخلق القلب، فيكون هو الباعث لها على ما تفعله، والمميز لها بين مضارها ومنافعها، ويكون الإِمام من الخلق بمنزلة القلب من سائر الحواس إذ كانت الحواس راجعة إلى القلب لا إلى غيره، ويكون سائر الخلق راجعين إلى الِإمام لا إلى غيره، فلم يأت عمرو بفرق يعرف.
(2/83)

وهذا الذي حكيناه ذكره أبو عيسى محمد بن هارون الوراق ببغداد في كتابه المعروف بكتاب المجالس، وكانت وفاة أبي عيسى ببغداد في الجانب الغربي في الموضع المعروف بالرملة سنة سبع وأربعين ومائتين، وله تصنيفات حسان كثيرة منها كتابة في المقالات في الِإمامة وغيرها من النظر.
ابن الراوندي
وكانت وفاة أبي الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندى برحبة مالك بن طَوْقٍ، وقيل: ببغداد سنة خمس ومائتين، وله نحو من أربعين سنة، وله كتب مصنفة مائة كتاب وأربعة عشر كتاباً.
وقد ذكرنا في كتابنا في أخبار الزمان وفاة أرباب المقالات وأهل المذاهب والجدل والآراء والنحل، وأخبارهم ومناظراتهم وتباينهم في مذاهبهم وكذلك في الكتاب الأوسط، إلى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وإنما يسنح لنا ذكر بعضهم في هذا الكتاب فنذكر لهم لمعاً، وكذلك غيرهم من الفقهاء وأصحاب الحديث.
وفاة الصولي الكاتب
وفيها مات إبراهيم بن العباس الصُّوليُّ، الكاتب، وكان كاتباً بليغاً، وشاعراً مجيداً، لا يعلم فيمن تقم وتأخر من الكتاب أشعر منه، وكان يكتسب في حداثته بشعره، ورحل إلى الملوك والأمراء ومدحهم طلباً لجدواهم.
وذكر رجل من الكُتّاب أن إسحاق بن إبراهيم أخا زيد بن إبراهيم حدثه أنه كان يتقلد الصيمرة والسيروان، وأن إبراهيم بن العباس اجتاز به يريد خراسان، والمأمون بها، وقد بايع بالعهد لعلي بن موسى الرضا، وقد امتدحه بشعر يذكر فيه فضل آل علي وأنهم أحق بالخلافة من غيرهم، قال: فاستحسنت القصيدة وسألته أن ينسخها لي، ففعل، ووهبت له ألف درهم، وحملته على دابة، وضرب الدهر من ضربه إلى أن ولي ديوان الضياع مكان موسى بن عبد الملك، وكنت أحد عمال موسى، وكان يحب أن يكشف أسباب موسى، فعزلني، وأمر أن تعمل مؤامرة فعملت، وكثر علي فيها، وحضرت للمناظرة عنها، فجعلت أحتج بما لا يدفع، فلا يقيله، ويحكم لي الكتًابُ فلا يلتفت إلى حكمهم، ويُسْمِعني في خلال ذلك قذعا من الكلام إلى أن أوجب علي الكُتَاب اليمين على باب من الأبواب فحلفت عليه فقال: ليست يمين السلطان عندك يمينَاً لأنك رافضي، فقلت له: تأذن لي فيِ الدنو منك؟ فأذن لي، فقلت له: ليس مع تعرضك بمهجتي للقتل صبر، وهاهو المتوكل إن كاتبت إليه بما أسمع منك لم آمنه على نفسي، وقد احتملت كل شيء إلا الرفض.
والرافضيُّ: من زعم أن علي بن أبي طالب أفضل من العباس، وأن ولده أحَقُّ من ولد العباس بالخلافة، قال: ومن قال ذلك. قلت: أنت وخطك عندي به، وأخبرته بالشعر، فواللّه ما هو إلا أن قلت ذلك له حتى سُقِط في يده، ثم قال: أحضر الدفتر الذي بخطي، فقلت له: هيهات!! لا واللهّ أو توثق لي بما أسكُنُ إليه أنك لا تطالبني بشيء مما جرى على يدي، وتخرق هذه المؤامرة، ولا تنظر لي في حساب، فحلف لي على ذلك بما سكنْتُ إليه، وخرق العمل المعمول، وأحضرته الدفتر، فوضعه في خفه، وانصرفت وقد زالت عني المطالبة.
ولإِبراهيم بن العباس مكاتبات قد دوّنت، وفصول حسان من كلامه قد جمعت، وقد أتينا على كثير منها في الكتاب الأوسط، فما استحسن من فصوله وإن كانت كلها في نهاية الجودة وانتخبناه من كلامه: وقديماً غَذت المعصية أبناءها فحلبت عليهم من دَرِّهَا مرضعة، وبسطت لهم من أمانيها مطمعة، وركبت فيهم مخاطرها مُوضِعَة، حتىِ إذا رَتَعُوا فأمنوا، وركبوا فاطمأنوا، وانقضى رَضَاع وآن فِطَامٌ، سقتهم سُمّاً، ففجرت مجاري ألبانها منها دماً، وأعقبتهمِ من غذائها مُرّاً، وحَطتْ بهم من معقل إلى عقال، ومن عز إلىِ حسرة، قتلاً وأسراً، وإباحة وقسراً، وقَلَّ من أوضع في الفتنة مرهجاً في لهبها ومقتحماً عند ضلالها إلا استقحمته آخذة بمُخَنقِهِ، وموهِنَة بالحق كيده، حتى تجعله لعاجله جزراً، ولآجله حطباً، وللحق موعظة، وللباطل حجة، ذلك لهم جزاء في الدنيا، ولعذاب الآخرة أكبر وما ربك بظلام للعبيد.
وله أشعار حسان، فمما استحسن من شعره الذي لم يسبقه عند جماعة أهل الأدب أحدٌ من زمانه قوله:
لنا إبِلٌ كوم يضيقُ بها الفَضَا ... وَيَفْتَرًّ عنها أرضها وسماؤها
فمن عونها أن تُسْتَبَاح دماؤنا ... ومن دوننا أن يستدم دماؤها
حِمًى وقِرًى فالموت دون مرامها ... وأهْوَنُ خطب في الحقوق فناؤها
وقوله:
(2/84)

ولكنَّ الجواد أبا هشام ... وفيُّ الغيب مأمون المغيب
غنيٌّ عنك ما استغنيتَ عنه ... وطَلاّع عليك مع الخطوب
وقوله:
هب الزمان رماني ... الشأن في الخِلاّنِ
فيمنٍ رَمَانِيَ لمَّا ... رأى الزمَان زَمَانِي
ومن ذخرْتُ زمَانِي ... شنأت في الخلان
ومن ذخرت لنفسي ... فعاد ذُخْرَ الزمان
لو قيل لي خًذْ أمَاناً ... من أعظم الحدثان
لما أخذتُ أمَاناً ... إلا من الِإخوان
وقوله:
وإذا جَزَى اللّه امرأ بفعَالِهِ ... فجرى أخا لك ماجداً سمحَا
نبهتَهُ مِنْ كذبه فكَأنما ... نبهت إذ نبهتَهُ صُبْحَا
ومما يجب على الرؤساء أن يحفظوه قوله:
تزيده الأيامُ إن أقْبَلَتْ ... حزماً وعلماً بتصَارِيفها
كأنها في وقت إسعافها ... تسمعه صوتَ تخاريفها
ومما أحسن فيه وبَرَّزَ عن نظرائه قوله:
سَقْياً وَرَعْياً لأيام لنا سلفت ... بكيت منها فصرتُ اليوَم أبكيهَا
كذاك أيامنا لا شك نندبها ... إذا تَقَضت ونحنُ اليومَ نشكُوها
وقوله:
أولى البرية طراً أن تواسيه ... عند السرور لمن واساك في الحزن
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخَشِنِ
وقوله:
لا تَلُمْنِي فإنَّ همك أن تُثْرِي وَهَمِّي مكارمُ الأخلاق
كيف يستطيع حفظ ما جمعت كفاه مَنْ ذاق لذة الإِنفاق
وقوله:
أسدٌ ضارٍ إذا ما هِجْته ... وأبٌ بَر إذا ما قَدَرَا
يعلم الأقصى إذا أثْرَى، ولا ... يعلم الأدنى إذا ما افتقرا
وكان إبراهيم بن العباس يقول: مثل أصحاب السلطان مثل قوم عَلَوْا جبلاً ثم وقعوا منه، فكان أقربهم إلى التلف أبعدهم من الارتقاء، وكان إبراهيم يدعي خؤولة العباس بن الأحنف الشاعر.
العباس بن الأحنف
وحكى أبو العباس أحمد بن جعفر بن حمدان القاضي، عن سليمان بن الحسن بن مخلد، عن أبيه الحسن، قال: أنشد إبراهيم بن ألعباس قول العباس بن الأحنف:
إن قال لم يفعل، وإن سيل لم ... يبذل، وإن عوتب لم يُعْتِب
صَب بهجراني، ولو قال لي: ... لا تشرب البارد لم أشرب
فقال: هذا واللّه الشعر الحسن المعنى، السهل اللفظ، العذب المستمع، القليل النظير، ما سمعت كلاماً أجزل منه في رقة، ولا أسهل في صعوبة، ولا أبلغ في إنصاف، من هذا، فقال له الحسن: كلامك واللهّ أحسن من شعره: ومما استحسن من شعر العباس بن الأحنف قوله:
تحمل عظيم الذنب ممن تحبه ... وإن كنت مظلوماً فقل: أنا ظالم
فَطُوبى لما أعفى من الليل ساعة ... وذاق اغتماضا؛ إن ذاك لناعَم
وقوله:
اصرف فؤادك يا عباس معتمداً ... عنها، وَإِلّا تَمُتْ في حبها كمدا
لو أنها من وراء الروم في بلد ... ما كنت أسكن إلا ذلك البلدا
يا من شكا شوقه من هول غيبته ... اصبر لعلك تلقى ما تحب غدا
وقوله:
أغَبَّ الزيارة لما بدا ... له الهجر أو بعض أسبابه
وما صدَ عنَّا، ولكنه ... طريد ملالة أحبابه
وفاة العباس بن الأحنف
حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي قال: حدثنا الرياشي، قال: ذكر جماعة من أهل البصرة قالوا: خرجنا نريد الحج، فلما كنا ببعض الطريق إذا غلامٌ واقف على المحجَّة وهو ينادي: يا أيها الناس، هل فيكم أحد من أهل البصرة؟ قال: فملنا إليه وقلنا له: ما تريد. قال: إن مولاي لما به يريد أن يوصيكم، فملنا معه، فإذا بشخص مُلْقًى على بعد من الطريق تحت شجرة لا يُحيِرُ جواباً، فجلسنا حوله، فأحَسَّ بنا، فرفع طرفه، وهو لا يكاد يرفعه ضعفاً، وأنشأ يقول:
يا غريب الدار عن وطنه مفرداً ... يبكي على شَجَنِهْ
كلما جَدّ َالبكاء به ... دَبَّتِ الأسقام في بدنه
(2/85)

ثم أغمى عليه طويلَاً، وإنا لجلوس حوله إذ أقبل طائر فوقع على أعلى الشجرة، وجعل يغرد، ففتح الفتى عينيه وجعل يسمع تغريد الطائر، ثم قال:
ولقد زاد الفؤاد شَجًى ... طائر يبكي على فَنَنِهْ
شَفّه ما شَفِّنِي فبكى ... كلنا يبكي على سَكَنِهْ
قال: ثم تنفس تنفساً فاضت نفسه منه، فلم نبرح من عنده حتى غسلناه وكفناه وتولّينا الصلاة عليه، فلما فرغنا من دفنه سألنا الغلام عنَه، فقال: هذا العباس بن الأحنف.
وقد أخبرنا بهذا الخبز أبو إسحاق الزجاجي النحوي، عن أبي العباس المبرد، عن المازني، قال: حدثنا جماعة من أهل البصرة بما ذكرناه.
وكانت وفاة أبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي سنة أربعين ومائتين.
نفى المتوكل علي بن الجهم
وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين نَفَى المتوكل عليَّ بن الجهم الشاعر إلى خُرَاسان، وقيل: في سنة تسع وثلاثين ومائتين، وقد أتينا على خبره وما كان من أمره ورجوعه بعد ذلك إلى العراق، وخروجه يريد السفر، وذلك في سنة تسع وأربعين ومائتين، فلما صار بالقرب من حلب من بلاد قنسرين والعواصم بالموضع المعروف بخشبات لقيته خيل الكلبيين فقتلته، فقال في ذلك وهو في الشرق:
أزيد في الليل ليلُ ... أم سال بالصبح سَيْلُ؟
ذكرت أهل دُجَيْلٍ ... وأين مني دُجَيْلَ؟
وكان علي بن الجهم السامِيُّ هذا - مع انحرافه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وإظهاره التسنن مطبوعاً مقتدراً على الشعر؛ عذب الألفاظ، غزير الكلام، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب طعم من طعن على نسبه، وما قال الناس في عقب لسَامَةَ بن لؤي بن غالب، وقول علي بن محمد بن جعفر العلوي الشاعر:
وسَامَةُ منا فأما بنوه ... فأمرهُمُ عندنا مُظْلِم
أناس أتونا بأنسابهم ... خُرَافَة مضطجِعٍ يحلم
وقلت لهم مثل قول النبي ... وكل أقاويله محكم
إذا ما سئلت ولم تدر ما ... تقول فقل ربنا أعلم
وقول العلوي فيه أيضاً:
لو اكتنفت النَّضْرَ أو مَعَدّا ... أو اتخذت البيت كهفاً مَهْدَا
وزمزما شريعة ووردا ... والأخشبين محضرا ومَبْدَار
ما ازددت إلا من قريش بعدا ... أو كنت إلا مصقليا وَغْدَ
وإنما أعدنا ذكر هذا الشعر في هذا الموضع - وإن كنا قد قدمنا فيه سلف من هذا الكتاب - لما سنح لنا من ذكر علي بن الجهم في أيام المتوكل، ولما احتجنا إليه عند ذكرنا لشعر علي بن الجهم وإجابته العلوي على هذا الشعر، فكان ما أجاب به علي الجهم لعلي بن محمد بن جعفر العلوي:
لم تُذِقْنِي حلاوة الإِنصاف ... وتعسّفْتنِي أشَدَّ اعتساف
وتركت الوفاء علما بما فيه وأسْرَفْتَ غاية الإِسراف
غير أني إذا رجعت إلى حق بني هاشم بن عبد مناف
لم أجدلي إلى التّشَفًي سبيلا ... بقواف ولا بغير قواف
ليَ نفس تأبى الدنية والأشراف لا تعتمي على الأشرف
وله في الحبس شعر معروف لم يسبقه إلى معناه أحد، وهو قوله:
قالوا: حبست، فقلت: ليس بضائري ... حبسي، وأي مهند لا يُغْمَد؟
أو ما رأيت الليث يألفَ غِيَلهُ ... كبرا، وأوباش السباع تردد
والشمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفَرْقَدُ
والنار في أحجارها مخبوأة ... لا تُصْطَلَى إن لم تُثِرْهَا الأزنُدُ
والحبس ما لم تَغْشَه لدنية ... شنعاء نِعْمَ المنزل المستورد
بيت يجحد للكريم كرامة ... وُيزَارُ فيه ولا يزور ويحفد
لو لم يكن في الحبس إلا أنه ... لا يستذلُّكَ بالحجاب الأعبُدُ
ومما أحسن فيه قوله:
خليليَ ما أحْلى الهوى وأمَرَّهُ ... وأعلَمَنِي بالحلو منه وبالمر
بما بيننا من حرمة هل رأيتما ... أرق من الشكوى وأقسى من الهجر؟
وأفصح من عين المحب لسره ... ولاسيما إن أطْلَقَتْ عَبرة تجري
ومما اختير من قوله:
(2/86)

حسرَتْ عَنِّيَ القناعَ ظلومُ ... وتولتْ ودمعها مسجوم
شر ما أنكرت تصرم عهد ... لم يَدُمْ لي وأي عهد يدوم؟
أنكرت ما رأت برأسي وقالت: ... أمشيب أم لؤلؤ منظوم
قلت: أولاهما علمت، فقالت: ... آية يستثيرها المهموم
ليس هَمِّي من الهموم التي يحسن فيها العزاء والتسليم
إن أمراً أخْنَى عليَّ بشيب الرأس في ليلة لأمْرٌ عظيم
ليس عندي وإن تَعَزَّيت إلا ... طاعة حرة وقلب سليم
ومن جيد شعره:
هي النفس ما حَمَّلْتها تتحمل ... وللدهر أيام تجور وتعدل
وعاقبة الصبر الجميل جميلة ... وأكمل أخلاق الرجال التفضل
ولا عار إن زالت عن المرء نعمة ... ولكن عاراً أن يزول التجمل
وما المال إلا حسرة إن تركته ... وغنم إذا قَدَّمته متعجَّلُ
ومما اعتذر فيه فأحسن قوله في المتوكل:
إنَ ذًلَّ السؤال والاعتذار ... خُطّة صعبة على الأحرار
ليس من باطل يوردها المر ... ء ولكن سوابق الأقدار
فارْضَ للسائل الخضوع وللقا ... رف ذنباً بذلة الاعتذار
إن تجافَيْتَ مُنْعِماً كنت أوْلى ... مَنْ تجافي عن الذنوب الكبار
أو تُعَاقِبْ فأنت أعرف بالله، وليس العقاب منك بعار
ومما جود فيه قوله لما قيد:
فقلت لها والدمع شتى طريقه ... ونار الهوى بالقلب يذْكُو وقودها
فلا تجزعي إمَّا رأيت قيوده ... فإن خلاخيل الرجال قيودها
وكان في لسانه فضل قَلَّ مَنْ سَلِم معه منه، وكان محمد بن عبد اللّه منحرفاً عنه، فاستشفع عليه بوصيف التركي حتى أصلح له ناحيته، ثم فسد عليه وصيف، فاستشفع عليه بمحمد بن عبد اللّه، وكتب إليه:
الحمد للَه شكراً ... قلوبنا في يديه
صار الأمير شفيعاً ... إلى شفيعي إليه
وله أشعار نادرة، وأمثال سائرة، أخترنا منها ما قدمنا ذكره واقتصرنا بذلك عن غيره، وقد رثاه جماعة من الشعراء بعد قتله، منهم أبو صاعد، فقال:
أريقي الدمعِ واجتنبي الهجوعا ... وصُوبي شمل وَجْدِك أن يضيعا
وقولي: إن كهف بني لؤي ... غَدَا بالشام منجدلاً صريعا
عزاء يا بني جَهْم بن بدر ... فقد لاقيتمُ خَطْباً فَظِيعا
أمَا واللَّه لو تَدْرِي المَنَايَا ... بما لاقَيْتُمُ لبكَتْ نَجيعا
ثوى كهف الأرامل واليتامى ... ومن كان الزمان به ربيعا
فَتًى كان السهام على الأعادي ... وليثاً دون حادثة منيعاً
قال: وفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين كان خروج المتوكل من دمشق إلى سُرِّ من رأى، فكان بين خروجه منها ورجوعه إليها ثلاثة أشهر وسبعة أيام، وفي خروجه يقول يزيد المهلبي شعراً طويلاً اخترنا منه قوله:
أظن الشام يَشْمَت بالعراق ... إذا عزم الإِمام على انطلاق
فإن تَدَع العراق وساكنيها ... فقد تُبْلَى المليحة بالطلاق
ولما نزل دمشق أبى أن ينزل المدينة لتكاثف هواء الغُوطَة عليها وما يرتفع من بخار مياهها، فنزل قصر المأمون، وذلك بين داريّا ودمشق، على ساعة من المدينة، في أعلى الأرض، وهذا الموضع بدمشق يُشْرف على المدينة وأكثر الغوطَة ويعرف عصر المأمون إلى هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
المتوكل في دمثسق
(2/87)

وذكر سعيد بن نكيس قال: كنت واقفاً بين يدي المتوكل في مَضْرِبه بدمشق إذ شَغَبَ الجند واجتمعوا وضَجُّوا يطلبون الأعْطِيَةَ، ثم خرجوا إلى تجريد السلاح والرمي بالنشاب، وأقبلت أرى السهام ترتفع في الرواق، فقال لي: يا أبا سعيد، ادع لي رجاء الحضاري، فدعوته، فقال له: يا رجاء، أما ترى ما خرجِ إليه هؤلاء. فما الرأي عندك. فقال: يا أمير المؤمنين، قد كنت مُشْفقاَ في هذا السفر من مثل هذا، فأشرت بما أشرت من تأخيره، فمال أمير المؤمنين إليه، وقال: دَعْ ما مضى وقل الآن مما حضر برأيك، فقال: يا أمير المؤمنين، توضع الأغطية، فقال له: فهذا ما أرادوا، وفيه مع ما خرجوا إليه ما يعلم، قال: يا أمير المؤمنين، مُرْ بهذا فإن الرأي بعده، فأمر عبيد اللّه بن يحيى بوضع الأعطية فيهم، فلما خرج المال وبدئ بإنفاقه دخل رجاء فقال: مُرِ الآن يا أمير المؤمنين بضرب الطبل للرحيل إلى العراق، فإنهم لا يأخذون مما أخرج إليهم شيئاً، ففعل ذلك، فترك الناس الأعطية فرجعوا حتى إن المُعْطِيَ ليتعلق بالرجل ليعطيه رزقه فلا يأخذه.
الأتراك يدبرون وقيعة
قال سعيد: وقد كان الأتراك قد رأوا أنهم يقتلون المتوكل بدمشق، فلم يمكنهم فيه حيلة بسبب بُغَا الكبير، فإنهم دبِّرُوا في إبعاده عنه، فطرحوا في مضرب المتوكل الرقاع يقولون فيها: إن بُغَا دبر أن يقتل أمير المؤمنين، والعلامة في ذلك أن يركب في يوم كذا في خيله ورجله، فيأخذ عليه أطراف عسكره، ثم يأخذ جماعة من الغلمان العجم يدخلون عليه فيفتكون به، فقرأ المتوكل الرقاع فبهت مما تضمنته، ودخل في قلبه من بُغَا كل مدخل، وشكَا إلى الفتح ذلك، وقال له في أمر بًغَا والإِقدام عليه، وشاوره في ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الذي كتب الرقاع قد جعل للأمر دلائل في وقت بعينه سَمّاه له من ركوب الرجل بالأطراف من العسكر وتوكيله بنواحيه، وبعد ذلك يتبين الأمر، وأنا أرى أن تمسك، فإن صح هذا الدليل نظرنا كيف نفعل، وإن بطل ما كتب به فالحمد للّه، وأقبلت الرقاع تطرح في كلِ وقت على جهة التنصح، وأن في أعناق من كتبها بيعة لم يجد معها بداً من النصح والصدق، فلما علموا بما علم به الخليفة وتمكن به ما عندهم من الأمر كتبوا رقاعاً فطرحوها في مضرب بُغَا يقولون فيها: إن جماعة من الغلمان والأتراك قد عزموا على الفتك بالخليفة في عسكره، ودبَّرُوا ذلك، واتفقوا عليه، وتعاقدوا على أن يأتوه من نواحي كذا، ونواحي كذا، فاللّه اللّه إلا ما احترست لأمير المؤمنين، وحرسته في هذه الليلة من هذه المواضع، وحَصَّنتها بنفسك ومن تثق به، فإنا قد نصحنا وصدقنا، وأكثروا طرح الرقاع بهذا المعنى والتوكيد في حراسة الخليفة، فلما وقف بُغَا عليها وتتابعت عليه لم يأمن أن يكون ما كتب إليه فيها حقاً، مع ما كان وقع عليه من الأمر قبل ذلك، فلما كانت الليلة التي ذكروها جمع جيوشه وأمرهم بالركوب بالسلاح وركب بهم إلى المواضع التي ذكرت، فأخذها على المتوكل وحرسها، واتصل الخبر بالمتوكل فلم يشك أن ما كتب له حق، فأقبل يتوقع مَنْ يوافيه فيفتك به، وسهر ليلته، وامتنع من الأكل والشرب، فلم يزل على تلك الحال إلى الغَدَاة، وبُغَا يحرسه، والأمر عند المتوكل على خلاف ذلك، وقد اتهم بُغَا، واستوحش من فعله، فلما عزم المتوكل على الانصراف قال له: يا بُغَا، قد أبت نفسي مكَانك مني، و رأيت أن أقلدك هذا الصقع وأقر عليك ما كان لك من رزق وحِبَاء ونُزُد ومعونة وكل سبب، فقال: أنا عبدك يا أمير المؤمنين فافعل ما شئت وأمرني بما أحببت، فخلفه بالشام وانصرف، فأحدث الموالي عليه ما أحدثوا، فلم يعلم المتوكل وجه الحيلة، ولم يعلم كل واحد منهما الحيلة في ذلك إلى أن تمت الحيلة.
تدبير المؤامرة ضد المتوكل
(2/88)

قال: ولما عزم بُغَا الصغير على قتل المتوكل دعا بباغر التركي، وكان قد اصطنعه واتخذه وملأ عينه من الصِّلات، وكان مقداماً أهوج، فقال له: يا باغر أنت تعلم محبتي لك وتقديمي إياك وإيثاري لك وإحساني إليك، وإني قد صرت عندك في حد من لا يُعْصَى له أمر ولا يخرج عن محبته، وأريد أن آمرك بشيء عَرفني كيف قلبك فيه، فقال: أنت تعلم كيف أفعل فقل لي ما شئت حتى أفعله، قال: إن ابني فارس قد أفسد عليّ عملي وعزم على قتلي وسَفْكِ دمي، وقد صح عندي ذلك منه، قال: فتريد مني ماذا؟ قال: أريد أن يدخل علي غداً فالعلامة بيننا أن أضع قلنسوتي في الأرض، فإذا أنا وضعتها في الأرض فاقتله، قال: نعم، ولكن أخاف أن يبدو لك أو تجد في نفسك عليَّ، قال: قد آمنك اللّه من ذلك. فلما دخل فارس حضر باغر ووقف موقف الضارب، فلم يزل يراعي بُغَا أن يضع قلنسوته، فلم يفعل، وظن أنه نسي، فغمزه بعينه أن افعل؟ قال: لا، فلما لم ير العلامة وانصرف فارس قال لي بُغَا: اعلم أني فكرت في أنه حَدَثٌ وأنه ولدي، وقد رُمْتُ أن أستخلصه هذه المرة، فقال له باغر: أنا قد سمعت وأطعت وأنت أعلم وما دبرت وقدرت عليه فيه صلاحه؟ ثم قال له: وهاهنا أمر أكبر من ذلك وأهم فعرفني كيف تريد أن تكون فيه، قال له: قل ما شئت حتى أفعله، قال: أخي وصيف قد صح عندي أنه يربًرَّ وَعَلَى رفقائي، وأن مكاننا قد ثقل عليه، وأنه عًولَ على أن يقتلنا ويفنينا وينفرد بالأمور، قال: فماذا تريد أن يُصْنَعُ به؟ قال: افعل هذا فإنه يصير إليّ غداً فالعلامة أن أنزل عن المصلّى الذي يكون معي قاعداً عليه، فإذا رأيتني نزلت عنه فضع سيفك عليه واقتله؟ قال: نعم، فلما صار وصيف إلى بُغَا حضر باغر وقام مقام المستعد، فلم ير العلامة حتى قام وصيف وانصرف، قال: فقال له بُغَا: يا باغر إني فكرت في أنه أخي وأني قد عاقدته وحلفت له، فلم أستجز أن أفعل ما دبرته، ووصله وأعطاه. ثم إنه أمسك عنه مدة مديدة ودعا به فقال: يا باغر، قد حضرت حاجة أكبر من الحاجة التي قدمتها فكيف قلبك. قال: قلبي على ما تحبُّ فقل ما شئت حتى أفعله، فقال: هذا المنتصر قد صح عندي أنه على إيقاع التدبير عَلًيّ وَعَلَى غيري حتى يقتلنا وأريد أن أقتله، فكيفَ ترى نفسك في ذلك. ففكر باغر في ذلك ونكس رأسه طويلاً وقال: هذا لا يجيء منه شيء، قال: وكيف. قال: يقتل الابن والأبُ باق؟ إذاً لا يستوي لكم شيء ويقتلكم أبوه كلكم به. قال: فما ترى عندك. قال: نبدأ بالأب أولاً فنقتله، ثم يكون أمر الصبي أيسر من ذلك، فقال له: ويحك ويُفعل هذا ويًتهيأ؟ قال: نعم أفعله وأدخل عليه حتى أقتله، فجعل يردد عليه، فيقول: لا تفعل غير هذا، ثم قال له: فادخل أنت في أثري فإن قتلته وإلا فاقتلني وضَعْ سيفك عَلًيّ، وقل: أراد أن يقتل مولاه، فعلم بُغَا حينئذ أنه قاِتله وتوجه له في التدبير في قتل المتوكل.
وفي سنة سبع وأربعين ومائتين توفيت شجاع أم المتوكل، وصلى عليها المنتصر، وذلك في شهر ربيع الآخر.
مقتل المتوكل
ثم قتل المتوكل بعد وفاتها بستة أشهر، ليلة الأربعاء لثلاث ساعات خلت من الليل، وذلك لثلاث خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين وقيل: لأربع خلون من شوال سنة سبع وأربعين.
(2/89)

وكان مولده بفم الصلح، حدث البحتري قال: اجتمعنا ذات ليلة مع الندماء في مجلس المتوكل فتذاكرنا أمر السيوف، فقال بعض من حضر: بلغني يا أمير المؤمنين أنه وقع عند رجل من أهل البصرة سيف من الهند ليس له نظير ولم يُرَ مثله، فأمر المتوكل بكتاب إلى عامل البصرة يطلبه بشرائه بما بلغ، فنفذت الكتب على البريد وورد جواب عامل البصرة بأن السيف اشتراه رجل من أهل اليمن، فأمر المتوكل بالبعث إلى اليمن بطلب السيف وابتياعه، فنفذت الكتب بذلك، قال البحتريُّ: فبينا نحن عند المتوكل إذ دخل عليه عبيد اللّه بن يحيى والسيف معه، وعَرَّفه أنه ابتيع من صاحبه باليمن بعشرة آلاف درهم، فسر بوجوده، وحمد اللّه على ما سهل من أمره، وانتضاه فاستحسنه، وتكلم كل واحد منا بما يحب، وجعله تحت ثني فراشه، فلما كان من الغداة قال للفتحِ: اطلب لي غلاماً تثق بنجدته وشجاعته أدفع له هذا السيف ليكون واقفاً به على رأسي لا يفارقني في كل يوم ما عمت جالساً، قال: فلم يستتم الكلام حتى أقبل باغر التركي فقال الفتح: يا أمير المؤمنين، هذا باغر التركي قد وصف لي بالشجاعة والبسالة، وهو يصلح لما أراد أمير المؤمنين، فدعا به المتوكل فدفع إليه السيف، وأمره بما أراد، وتقدم أن يزاد في مرتبته، وأن يضعف له الرزق، قال البحتريُ: فواللّه ما انتضى ذلك السيف ولا خرج من غمده من الوقت الذي دفع إليه إلاَّ في الليلة التي ضربه فيها باغر بهذا السيف. قال البحتريُ: لقد رأيت من المتوكل في الليلة التي قتل فيها عجباً، وذلك أننا تذاكرنا أمر الكِبْرِ، وما كانت تستعمله الملوك من الجبرية، فجعلنا خوض في ذلك وهو يتبرأ منه، ثم حَوَّلَ وجهه إلى القبلة فسجد وعفر وبهه بالتراب خضوعاً للّه عز وجل، ثم أخذ من ذلك التراب فنثره في لحيته ورأسه، وقال: إنما أنا عبد اللّه، وإن من صار إلى التراب لحقيق أن يتواضع ولا يتكبر.
قال البحتري: فتطيرت له من ذلك، وأنكرت ما فعله من نَثْرِه الترابَ على رأسه ولحيته، ثم قعد للشراب، فلما عمل فيه غنى من حضره من المغنين صوتاً استحسنه، ثم التفت إلى الفتح فقال: يا فتح، ما بقي أحد سمع هذا الصوت من مخارق غيري وغيرك، ثم أقبل على البكاء.
(2/90)

قال البحتري: فتطيرت من بكائه وقلت هذه ثانية؛ فإنا في ذلك إذ أقبل خادم من خدم قبيحة ومعه منديل وفيه خلعة وجهت بها إليه قبيحة، فقال له الرسول: يا أمير المؤمنين تقول لك قبيحة: إني استعملت هذه الخلعة لأمير المؤمنين واستحسنتها ووجهت بها لتلبسها، قال: فإذا فيها دراعة حمراء لم أر مثلها قط، ومُطْرَفُ خز أحمر كأنه ديبقي من رقَّتهِ، قال: فلبس الخلعة والتَحَفَ بالمطرف. قال البحتري: فتصيدت لأبدره بنادرة تكون سبباً لأخذ المطرف فإني على ذلك إذ تحرك المتوكل فيه وقد كان التف عليه المطرف فجذبه جذبة فخرقه من طرفه إلى طرفه، قال: فأخذه ولفه ودفعه إلى خادم قبيحة الذي جاءه بالخلعة، وقال: قل لها احتفظي بهذا المطرف عندك ليكون كفناً لي عند وفاتي، فقلت في نفسي: إنا للّه وأنا إليه راجعون، انقضت واللّه المدة؛ وسكر المتوكل سكراً شديداً، قال: وكان من عادته أنه إذا تمايل عند سكره أن يقيمه الخدم الذين عند رأسه، قال: فبينما نحن كذلك ومضى نحو ثلاث ساعات من الليل إذ أقبل باغر ومعه عشرة نفر من الأتراك وهم متلثمون والسيوف في أيديهم تبرق في ضوء تلك الشمع، فهجموا علينا، وأقبلوا نحو المتوكل حتى صعد باغر ومعه آخر من الأتراك على السرير، فصاح بهم الفتح: ويلكم!! مولاكم؟ فلما رآهم الغلمان ومَنْ كان حاضراً من الجلساء والندماء تطايروا على وجوههم، فلم يبق أحد في المجلس غير الفتح وهو يحاربهم ويمانعهم قال البحتري: فسمعت صيحة المتوكل وقد ضربه باغر بالسيف الذي كان المتوكل دفعه إليه على جانبه الأيمن، فَقَمَّه إلى خاصرته، ثم ثنّاه على جانبه الأيسر ففعل مثل ذلك، وأقبل الفتح يمانعهم عنه فَبَعَجَه واحد منهم بالسيف الذي كَان معه في بطنه فأخرجه منِ متنه، وهو صابر لا يتنحَّى ولا يزول، قال البحتري: فما رأيت أحداً كَان أقْوَى نفساً ولا أكرم منه، ثم طرح بنفسه على المتوكل، فماتا جميعاً، فلفا في البساط الذي قتلا فيه، وطرحا ناحية، فلم يزالا على حالتهما في ليلتهما وعامة نهارهما حتى استقرت الخلافة للمنتصر، فأمر بهما فدفنا جميعاً، وقيل: إن قبيحة كفنته بذلك المطرف المخرق بعينه.
وقد كان بُغَا الصغير توحش من المتوكل فكان المنتصر يجتذب قلوب الأتراك، وكان أوتامش غلام الواثق مع المنتصر، فكان المتوكل يبغضه لذلك، وكان أوتامش يجتذب قلوب الأتراك إلى المنتصر، وعبيد الله بن خاقان الوزير والفتح بن خاقان منحرفين عن المنتصر مائلين إلى المعتز، وكانا قد أوْغَرا قلب المتوكل على المنتصر، فكان المنتصر لا يُبْعِدُ المتوكل أحداً من الأتراك إلا اجتذبه، فاستمال قلوب الأتراك وكثيراً من الفراغنة والإشروسية، إلى أن كان من الأمر ما ذكرناه.
وقد ذكر في كيفية قتل المتوكل غير ما ذكرنا، وهذا ما اخترناه في هذا الموضع، إذ كان أحسن ألفاظاً وأقرب مأخذاً، وقد أتينا على جميع ما قيل في ذلك قي الكتاب الأوسط، فأغنى ذلك عن تكراره في هذا الكتاب.
ولم يكن المتوكل يوماً أشد سروراً منه في اليوم. الذي قتل فيه؟ فلقد أصبح في هذا اليوم نشيطاً فرحاً مسروراً، وقال: كأني أجد حركة الدم. فاحتجم في ذلك اليوم، وأحضر الندماء والملهين، فاشتد سروره وكثر فرحه، فانقلب ذلك الفرح ترحاً والسرور حزناً؛ فمن ذا الذي يغتر بالدنيا ويسكن إليها، ويأمن الغدر والنكبات فيها إلا جاهل مغرور؟ فهي دار لا يدوم نعيمها، ولا يتم فيها سرور، ولا يؤمن فيها محذور، قد قرنت منها السراء بالضراء، والشحة بالرخاء، والنعيم بالبلوى؟ ثم يتبعها الزوال، فمع نعيمها البؤس، ومع سرورها الحزن، ومع محبوبها المكروه، ومع صحتها السقم، ومع حياتها الموت، ومع فراحاتها الترحات، ومع لذاتها الآفات، عزيزها ذليل، وقويُّها مَهِين، وغنيها محروب وعظيمهما مسلوب، ولا يبقى إلا الحي الذي لا يموت ولا يزول ملكه وهو العزبز الحكيم.
وفي ذلك يقول البحتري في غدر المنتصر بأبيه وفتكه به، من قصيدة له:
أكَان ولي العهد أضمر غَدْرَةً ... فمن عَجَبِ أو وُلِّيَ العهد غادرُهْ
فلا مُلِّيَ الباقي تراث الذي مضى ... ولا حملتَ ذاك الدعاء منابره
وصف أيام المتوكل
(2/91)

وكانت أيام المتوكل في حسنها ونَضَارتها ورفاهية العيش بها وحمد الخاص والعام لها ورضاهم عنها أيام سراء لا ضراء، كما قال بعضهم: كانت خلافة المتوكل أحسن من أمْن السبيل، ورخص السعر، وأماني الحب، وأيام الشباب؟ وقد أخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
قربك أشهى موقعاً عندنا ... من لين السعر وأمن السبيل
ومن ليالي الحب موصولة ... بطيب أيام الشباب الجميل
قال المسعودي: وقد قيل: إنه لم تكن النفقات في عصر من الأعصار ولا وقت من الأوقات مثلها في أيام المتوكل.
ويُقال: إنه أنفق على الهاروني والجوسق الجعفري أكْثَرَ من مائة ألْف ألْف درهم، هذا مع كَثرة الموالي والجند والشاكرية ودرور العطاء لهم وجليل ما كانوا يقبضونه في كُل شهر من الجوائز والهبات.
ويُقال: إنه كان له أربعة آلاف سرية وطئهن كلهن، ومات وفي بيوت الأموال أربعة آلاف ألْف دينار وسبعة آلاف ألْف درهم، ولا يعلم أحد في صناعته في جد ولا هزل إلا وقد حَظِيَ في دولته، وسعد بأيامه، ووصل إليه نصيب وافر من ماله.
الحسين الخليع بين يدي المتوكل
وذكر محمد بن أبي عون قال: حضرت مجلس المتوكل على اللّه في يوم نيروز، وعنده محمد بن عبد اللّه بن طاهر، وبين يديه الحسين بن الضحاك الخليع الشاعر، فغمز المتوكل خادماً على رأسه حَسَنَ الصورة أن يسقي الحسين كأساً ويحييه بتفاحة عنبر، ففعل ذلك، ثم التفت إلى الحسين فقال: قل فيه أبياتاً، فأنشأ يقول:
وكالدرة البيضاء حَيا بعنبر ... من الورد يسعى في قَرَاطِقَ كالورد
له عَبَثَات عند كل تحية ... بعينيه تستدعي الخليَّ إلى الوجد
تمنيت أن أسْقَى بكفيه شربة ... تذكرني ما قد نسيت من العهد
سقى اللّه دهراً لم أبِتْ فيه ساعة ... من الليل إلا من حبيب على وعد
قال المتوكل: أحسنت واللّه، يُعْطى لكل بيت مائة دينار، فقال محمد بن عبد الله: ولقد أجاب فأسرع، وذكر فأوجع، ولولا أن يَدَ أمير المؤمنين لا تطاولها يد لأجزلت له العطاء ولو بالطرف والتالد، فقال المتوكل عند ذلك: يعطى لكل بيت ألف دينار.
قال: ويروى أنه لما أتي بمحمد بن المغيث إلى المتوكل وقد دعا له بالنطع والسيف، قال له: يا محمد ما دعاك إلى المشاقّة؟ قال: الشقوة يا أمير المؤمنين، وأنت ظل اللّه الممدود بينه وبين خلقه، وإن لي فيك لظنين أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك، وهو العفو عن عبدك، وأنشأ يقول:
أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي ... إمامَ الهدى والعَفْوُ بالحر أجمل
وهل أنا إلاجبلة من خطيئة ... وعفوك من نور النبوة يجمل
تضاءل ذَنْبِي عند عفوك قلة ... فمن لي منك والمَنًّ أفضل
لأنك خير السابقين إلى العُلاَ ... وإنك خَيْرَ الفعلتين ستفعل
فقال المتوكل: أفعل خيرهما، وأمُنُّ عليك، ارجع إلى منزلك، قال ابن المغيث: يا أمير المؤمنين، اللّه أعلم حيث يجعل رسالته.
من رثاء المتوكل
ولما قتل المتوكل رثته الشعراء؛ فمن رثاه علي بن الجهم، فقال من قصيدة له:
عَبِيدُ أمير المؤمنين قتلنه ... وأعظم آفات الملوك عبيدها
بني هاشم، صبراً فكل مصيبة ... سَيَبْلى على وجه الزمان جديدها
وفيه يقول يزيد بن محمد المهلبي من قصيدة طويلة:
جاءت منيته والعين هاجعة ... هلا أتته المنايا والْقَنا قِصَدُ
عَلَتْكَ أسياف مَنْ لا دونه أحد ... وليس فوقك إلا الواحد الصمد
خليفة لم ينل ما ناله أحد ... ولم يَضِعْ مثله روح ولا جسد
وفيه يقول بعض الشعراء:
سرت ليلاً منيته إليه ... وقد خَلّى منادمه وناما
فقالت: قم، فقام، وكم أقامت ... أخا مُلْكٍ إلى هُلْك فقاما
وفيه يقول الحسين بن الضحاك الخليع:
إن اللياليَ لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد إحسان
أما رأيت خُطُوبَ الدهر ما فعلت ... بالهاشميِّ وبالفتح بن خاقان
محبوبة جارية المتوكل
(2/92)

وذكر علي بن الجهم قال: لما أفْضَتِ الخلافة إلى أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله أهدى إليه الناس على أقدارهم، وأهدى إليه ابن طاهر هدية فيها مائتا وصيفة ووصيف، وفي الهدية جارية يقال لها محبوبة كانت لرجل من أهل الطائف قد أدبها وثقفها وعلمها من صنوف العلم وكانت تقول الشعر وتلحنه وتغني به على العود وكانت تحسن كلِ ما يحسنه علماء الناس، فحسن موقعها من المتوكل، وحَلّتْ من قلبه محلاً جليلاً لم يكن أحد يعد لها عنده، قال علي: فدخلتُ عليه يوماً للمنادمة، فلما استقر بي المجلس قام فدخل بعض المقاصير، ثم خرج وهو يضحك، فقال لي: ويلك يا علي، دخلت فرأيت قَيْنَة قد كتبت في خدها بالمسك جعفراً فما رأيت أحسن منه، فقل فيه شيئاً، فقلت: يا سيدي، وحدي أو أنا ومحبوبة، قال: لا، بل أنت ومحبوبة، قال: فدعت بدواة وقرطاس، فسبقتْنِي إلى القول، ثم أخذت العود فتزنمت، ثم خفقت عليه حتى صاغت له لحناً وتضاحكت منه ملياً، ثم قالت: يا أمير المؤمنين، تأذن لي؟ فأذن لها، فغنت:
وكاتبة في الخد بالمسك جعفرا ... بنفسي محطُّ المسك من حيث أثرا
لئن أودَعَتْ خطا من المسك خَدَّهَا ... لقد أودعت قلبي من الوجد أسطرا
فيا من لمملوك يظل مليكُه ... طيعاً له فيما أسًرَ وأجهرا
ويا من لعيني مَنْ رأى مثل جعفر ... سقى اللَه صوبَ المستهلات جعفرا
قال علي: وتبلدت خواطري حتى كأني ما أحسن حرفاً من الشعر، قال: فقال لي المتوكل: ويلك يا علي!! ما أمرتك به، فقلت: يا سيدي أقِلْنِي فواللّه لقد عَزَبَ عن ذهني، فلم يزل يضرب به على رأسي ويعيرني به إلى أن مات.
قال علي: ودخلت عليه أيضاً لأنادمه، فقال لي: ويلك يا علي، علمت أني غاضبت محبوبة، وأمرتها بلزوم مقصورتها، ونهيت الحشم عن الدخول إليها، وأنفت من كلامها. فقلت: يا سيدي، إن كنت غاضبتها اليوم فصالحها غداً، ويديم اللّه سرور أمير المؤمنين، ويمدُّ في عمره، قال: فأطرق مليّاً، ثم قال للندماء: انصرفوا، وأمر برفع الشراب، فرفع، فلما كان من غد دخلْتُ إليه، فقال: ويلك يا علي، إني رأيت البارحة في النوم أني قد صالحتها، فقالت جارية يُقال لها شاطر كانت تقف أمامه: واللّه لقد سمعت الساعة في مقصورتها هينمة لا أدري ما هي، فقال لي: قم ويلك حتى ننظر ما هي، فقام حافياً وقمت أتبعه حتى قربنا من مقصورتها، فإذا هي تخفق عوداً وتترنم بشيء كأنها تصوغ لحناً، ثم رفعت عقيرتها وتغنت:
أدور في القصر لا أرى أحداً ... أشكو إليه ولا يكلمني
حتى كأني أتَيْتُ معصيةً ... ليس لها توبة تخلصني
فَمَنْ شفيعٌ لنا إلى ملك ... قد زارني في الكَرَى وصالحني
حتى إذا ما الصباحُ عاد لنا ... عاد إلى هجره وصَارَمَني
قال: فصفق المتوكل طرباً، فصفقت معه، فدخل إليها فلم تزل تقبِّل رجل المتوكل وتمرغ خديها على التراب حتى أخذ بيدها، ورجعنا وهي ثالثتنا.
قال علي: فلما قتل المتوكل ضمت هي وكثير من الوصائف إلى بُغَا الكبير، فدخَلْتُ عليه يوماً للمنادمة، فأمر بهَتْكِ الستارة، وأمر بالْقَينات فأقبلن يرفلن في الحلي والحلل، وأقبلت محبوبة حاسرة من الحلى والحلل، عليها بياض، فجلَسَتْ مُطْرِقة منكسة، فقال لها وصيف، غني، قال: فاعتّلتْ عليه، فقال: أقسمت عليك، وأمر بالْعُود فوضع في حجرها، فلما لم تجد بُدّاً من القول تركَ العود في حجرها، ثم غنت عليه غناء مرتجلاً:
أي عيش يَلَذُّ لي ... لا أرِى فيه جعفرا
ملك قد رأيتهُ ... في نجِيعٍ مُعَفّرا
كل من كان ذا خَبَا ... ل وسقم فقد بَرَا
غير محبوبة التي ... لوً ترى الموت يُشتَرَى
لاشترته بما حوته يداها لِتُقبرا
قال: فغضب عليها وصيف وأمر بسجنها، فسجنت، وكان آخر العهد بها.
قال المسعودي: ومات في خلافة المتوكل جماعة من أهل العلم ونقلة الأثر وحفاظ الحديث: منهم علي بن جعفر المديني بسامرا يوم الاثنين لثلاث بَقِينَ من في الحجة سنة أربع وثلاثين ومائتين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة وأشهر.
(2/93)

وتنوزع في السنة التي مات فيها ابن المديني، وقد قَدَّمنا فيما سلف من هذا الكتاب " السنة التي قيل فيها إن وفاته كانت فيها.
وفي هذه السنة مات أبو الربيع بن الزهراني، وقد تنوزع في السنة التي مات فيها يحيى بن معين؛ فمنهم مَنْ رأى ما قَدَّمنا في هذا الكتاب ومنهم مَنْ رأى - وهو الأكثر - أنه مات في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، ويكنى بأبي زكريا مولى بني مرة، وقد بلغ من السن خمساً وسبعين سنة وأشهراً، بالمدينة، وقيل: إن في هذه السنة كانت وفاة أبي الحسن علي بن محمد المدائني الأخبازي، وقيل: مات في أيام الواثق في سنة ثمان وعشرين ومائتين، وفيها كانت وفاة مسمد بن مُسَرْهد، واسمه عبد الملك بن عبد العزيز.
وفيها مات الحماني الفقيه، وابن عائشة واسمه عبد اللّه بن محمد بن حفص، ويكنى بأبي عبد الرحمن، وهو من تَيمْ قريش.
وفي خلافة المتوكل مات هُدْبة بن خالد، وشيبان بن فروخ الأبلي، وإبراهيم بن محمد الشافعي، وذلك في سنة ست وثلاثين ومائتين.
وفي سنة سبع وثلاثين ومائتين - مات العباس بن الوليد النرسي بالبصرة وعبد اللّه بن أحمد النّرْسِي، وعبيد الله بن معاذ العنبري.
وفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين مات إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهوية، وبشر بن الوليد القاضي الكندي صاحب أبي يوسف، وقد قيل: إن في هذه السنة مات العباس بن الوليد النّرْسِي.
وفي سنة تسع وثلاثين ومائتين مات عثمان بن أبي شَيْبَة الكوفي بالكوفة، والصَّلْتُ بن مسعود الجَحْدَري.
وفي سنة أربعين ومائتين مات شباب بن خليفة اِلعصفري، وعبد الواحد بن عتاب.
وفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين مات هشام بن عمار الدمشقي، وحميد بن مسعود الناجي، وعبد اللهّ بن معاوية الجمحي، وفيها مات يحيى بن أكثم القاضي في الرَّبَذَة، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب.
وفي سنة ست وأربعين ومائتين مات محمد بن المصطفى الحمصي، وعنبسة بن إسحاق بن شمر، وموسى بن عبد الملك.
قال المسعودي: وللمتوكل أخبار وسِيرَ حِسَان غير ما ذكرنا، وقد أتينا عليها على الشرح والِإيضاح في كتابنا أخبار الزمان، واللهّ الموشق للصواب.
ذكر خلافة المنتصر باللّه
وبويع محمد بن جعفر المنتصر في صبيحة الليلة التي قُتل فيها المتوكل، وهي ليلة الأربعاء لثلاث خَلَوْنَ من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين، ويكنى بأبي جعفر، وأمه أم ولد يُقال لها حبشية، رومية، واستخلف وهو ابن خمس وعشرين سنة، وكانت بيعته بالقصر المعروف بالجعفري الذي أحدث بناءه المتوكل، ومات سنة ثمان وأربعين ومائتين، وكانت خلافته ستة أشهر.
ذكر جمل من أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
الموضع الذي قتل فيه المتوكل
كان الموضع الذي قتل فيه المتوكل هو الموضع الذي قَتَلَ فيه شيرويه أباه كسرى أبرويز، وكان الموضع يعرف بالماخورة، وكان مقام المنتصر بعد أبيه في الماخورة سبعة أيام، ثم انتقل عنه وأمر بتخريب ذلك الموضع.
(2/94)

وحكي عن أبي العباس محمد بن سهل قال: كنت أكتب لعتاب بن عتاب على ديوان جيش الشاكرية في خلافة المنتصر، فدخلت إلى بعض الأرْوقَة، فإذا هو مفروش ببساط سوسنجرد ومسند ومصلى ووسائد بالحمرة والزرقة، وحول البساط دارات فيها أشخاصُ ناسٍ وكتابة بالفارسية، وكنت أحسن القراءة بالفارسية، وإذا عن يمين المصلى صورة ملك، وعلى رأسه تاج كأنه ينطق، فقرأت الكتابة فإذا هي صورة شيروية القاتل لأبيه أبرويز الملك مَلَك ستة أشهر ثم رأيت صور ملوك شتى، ثم انتهى بي النظر إلى صورة عن يسار المصلى عليها مكتوب صورة يزيد بن الوليد بن عبد الملك قاتل ابن عمه الوليد بن يزيد بن عبد الملك ملك ستة أشهر فتعجبتَ من ذلك واتفاقه عن يمين مقعد المنتصر وعن شماله، فقلت: لا أرى يدوم ملكه أكثر من ستة أشهر، فكان واللّه كذلك، فخرجت من الرواق إلى مجلس وَصِيف وبُغَا، وهما في الدار الثانية، فقلت لوصيف: أعَجَزَ هذا الفَرَّاش أن يفرش تحت أمير المؤمنين إلا هذا البساط الذي عليه صورة يزيد ابن الوليد قاتل ابن عمه وصورة شيرويه قاتل أبيه أبرويز، وعاشا ستة أشهر بعد ما قَتَلاَ، فجزع وصيف من ذلك وقال: عليَّ بأيوب بن سليمان النصراني خازن الفُرُش، فمثل بين يديه، فقال له وصيف: لم تجد ما يفرش في هذا اليوم تحت أمير المؤمنين إلا هذا البساط الذي كان تحت المتوكل ليلة الحادثة وعليه صورة ملك الفرس وغيره، وقد كان نالته آثار من الدماء. قال: سألني أمير المؤمنين المنتصر عنه، وقال: ما فعل البساط. فقلت: عليه آثار دماء فاحشة، وقد عزمت أن لا أفرشه من ليلة الحادثة، فقال: لم لا تغسله وتَطويه؟ فقلت: خشيت أن يشيع الخبر عند من يرى ذلك البساط من أثر الحادثة، فقال: إن الأمر أشهر من ذلك، يريد قتل الأتراك لأبيه المتوكل، فطويناه وبسطناه تحته، فقال وصيف وبُغَا: إذا قام أمير المؤمنين من مجلسه فخذه وأحرقه بالنار، فلما قام أحرق بحضرة وصيف وَبُغَا، فلما كان بعد أيام قال لي المنتصر: افرش ذلك البساط الفلاني، قلت: وأين ذلك البساط؟ فقال: وما الذي كان من أمره؟ فقلت: إن وصيفاً وبُغَا أمراني بإحراقه، قال: فسكَتَ ولم يُعِدْ في أمره شيئاً إلى أن مات.
وقد كان المنتصر طرب في هذه الأيام، فدعا ببنّان بن الحارث العواد، وكان مطرباً مجيداً، وقد كان غضب عليه، فأحضره فغناه:
لقد طال عهدي بالِإمام محمد ... وما كُنت أخشى أن يطول به عهدي
فأصبحتُ ذا بُعْدٍ وداري قريبة ... فيا عجباً من قرب داري ومن بُعْدِي
رأيتك في بُرْدِ النبي محمد ... كَبدر الدجا بين العمامة والبُرْدِ
فيا ليت أن العيد عاد ليَوْمه ... فإني رأيت العيد وَجْهَك لي يُبْدِي
وكان ذلك ثاني يوم عيد الأضحى، وقد كان المنتصر صَلّى بالناس في هذا العيد، ومما غنى به من الشعر للمنتصر في ذلك اليوم:
رأيتك في المنام أقلّ بخلاً ... وأطْوَعَ منك في غير المنام
فليت الصبح باد ولا نراه ... وليت الليل أخِّرَ ألْفَ عام
ولو أن النعاس يُبَاعُ بيعاً ... لأغليت النعاس على الأنام
ومن شعر المنتصر أيضاً مما غني بحضرته:
إني رأيتك في المنام كأنما ... أعطيتتي من ريق فيك البارِدِ
وكأن كَفّك في يَدِي وكأنما ... بتنا جميعاً في لحاف واحِد
ثم انتبهتُ ومعصماكِ كلاهما ... بيدي اليمين وفي يمينك ساعدي
ظللت يومي كله متراقداً ... لأراكِ في نومي ولستُ براقد
وزير المنتصر بن الخصيب
وقد كان استوزر أحمد بن الخصيب وندم على ذلك، وكان نفي عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان، وذلك أن أحمد بن الخصيب ركب ذات يوم فتظلم إليه متظلم بقصةٍ، فأخرج رجله من الركاب فزجَّ بها في صدر المتظلم فقتله، فتحدث الناس بذلك، فقال بعض شعراء الزمان:
قل للخليفة يا ابن عم محمد ... اشكُلْ وزيرك، إنه رَكَّالُ
أشكله عن رَكْل الرجال فإن ترد ... مالاً فعند وزيرك الأموال
وزير المقتدر
(2/95)

قال المسعودي: ولو لحق هذا الشاعر الوزير حامد بن العباس في وزارته للمقتدر بالله لرأى منه قريباً، مما ظهر من ابن الخصيب، وذلك أنه خاطبه مخاطِبٌ ذات يوم، فقلب ثيابه على كتفه ولَكَمَ حَلْقَهُ.
ولقد دخلت عليه ذات يوم أمُّ موسى القهرمانة الهاشمية، أو غيرها من القَهَارِمة، فخاطبته في شيء من الأموال عن رسالة المقتدر، فكان مما خاطبها به أن قال:
اضرطي والتقطي ... واحسبي لا تغلطي
فأخجلها ذلك، فقطعها عما له قصدت، فمضت من فَوْرِها إلى المقتدر والسيدة فأخبرتهما بذلك، فأمر القِيَان أن يغنين ذلك اليوم بهذا الكلام، وكان يوم طرب وسرور.
وقد أتينا على خبره وأخبار غيره من وزراء بني العباس وكُتَاب بني أمية إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - في الكتاب الأوسط.
مرض المنتصر وموته
وأخبرت عن أبي العباس أحمد بن محمد بن موسى بن الفُرَاتِ قال: كان أحمد بن الخصيب سيء الرأي في والدي، وكان عاملاً له، فجاءني مخبر من خَدَم الخاصة فقال: إن الوزير قد ندب لأعمالكم فلاناً، وقد أمره في والدك بكل مكروه، وأن يُصَادره على جملة من المال غليظة ذكَرها، فقعدت وعندي بعض أصدقائنا من الكُتَّاب أبادر بالكتاب إلى والدي بذلك، فاشتغلت عن جليسي الكاتب فاتكأ على الوسادة وغفا، فانتبه مرعوباً، وقال: إني قد رأيت رؤياً عجيبة، رأيت أحمد بن الخصيب واقفاً في هذا الموضع وهو يقول لي: يموت الخليفة المنتصر إلى ثلاثة أيام، قال: قلت له: الخليفة في الميدان يلعب بالصولجان، وهذه الرؤيا من البلغم والمرار وقد قدمنا الطعام، فما استتممنا الكلام حتى دخل علينا داخل فقال: رأيت الوزير بدار الخاصة غير مُسْفِر الوجه، وإني سألْتُ عن سبب ذلك فقيل لي: إن الخليفة المنتصر انصرف من الميدان وهو عرق، فدخل الحمام ونام في الباذهنج فضربه الهواء، وركبته حمى هائلة، فدخل عليه أحمد بن الخصيب فقال له: يا سيدي، أنت متفلسف وحكيم الزمان تنزل من الركُوب تبعاً فتدخل الحمام ثم تخرج عَرِقاً فتنام في الباذهنج؟ فقال له المنتصر أتخاف أن أموت؟! رأيت في المنام البارحة آتياً أتاني فقال لي: تعيش خمساً وعشرين سنة، فعلمت أن ذلك بشارة في المستقبل من عمري، وأني أبقى في الخلافة هذه المدة، قال: فمات في اليوم الثالث، فنظروا فإذا هو قد استوفى خمساً وعشرين سنة.
وقد ذكر جماعة من أصحاب التواريخ أن المنتصر ضربته الريح يوم الخميس لخمسٍ بَقِينَ من شهر ربيع الأول، ومات مع صلاة العصر لخمس لَيَالٍ خَلَوْنَ من ربيع الآخر، وصلّىِ عليه أحمد بن محمد المستعين، وكان أول خليفة من بني العباس أظهر قبره، وذلك أن أُمه حبشية سألت ذلك، فأذن لها، ؤأظهرته بسامرا.
الخلاف في سبب موت المنتصر
وقد قيل: إن الطيفوري الطبيب سَمَّه في مشراط حَجَمَه به، وقد كان عزم على تفريق جمع الأتراك، فأخرج وصيفاً في جمع كثير إلى غَزَاة الصائفة بطرسوس، ونظر يوماً إلى بُغَا الصغيرَ - وقد أقبل في القصر، وحوله جماعة من الأتراك - فأقبل على الفضل بن المأمون، فقال: قتلني اللّه إن لم أقتلهم وأفرق جمعهم، بقتلهم المتوكل على اللّه، فلما نظرت الأتراكُ إلى ما يفعل بهم، وما قد عَزَمَ عليه، وجدوا منه الفرصة.
وقد شكا ذات يوم حرارة، فأراد الحجامة، فخرج له من ألف م ثلاثمائة عرهم، وشرب شربة بعد ذلك فحلت، قواه، ويُقال: إن السم كان في مبضع الطبيب حين فَصَده.
وقد ذكر ابن أبي الدنيا، عن عبد الملك بن سليمان بن أبي جعفر، قال: رأيت في نومي المتوكل والفتح بن خاقان، وقد أحاطت بهما نار، وقد جاء محمد المنتصر فاستأذن عليهما، فمنع الوصول، ثم أقبل المتوكل عليّ فقال: يا عبد الملك قل لمحمد: بالكأس الذي سقيتنا تشرب، قال: فلما أصبحت غَدوْت على المنتصر فوجَدْته محموماً، فواظبت على عيادته، فسمعته في آخر علته يقول: عَجَّلْنَا فَعُوجلنا فمات من ذلك المرض.
من صفات المنتصر
وكان المنتصر واسع الاحتمال، راسخ العقل، كثير المعروف، راغباً في الخير، سخيّاً، أديباً، عفيفاً، وكان يأخذ نفسه بمكارم الأخلاق، وكثرة الإِنصاف، وحسن المعاشرة، بما لم يسبقه خليفة إلى مثله.
وكان وزيره أحمد بن الخصيب قليل الخير، كثير الشر، شديد الجهل.
صنيع المنتصر بآل أبي طالب
(2/96)

وكان آل أبي طالب قبل خلافته في محنة عظيمة، وخوف على دمائهم، قد مُنعوا زيارة قبر الحسين والغريّ من أرض الكوفة، وكذلك منع غيرهم من شيعتهم حضور هذه المشاهد، وكان الأمر بذلك من المتوكل سنة ست وثلاثين ومائتين وفيها أمر المعروف بالذيريج بالسير إلى قبر الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما وهَدْمِه ومَحْوِ أرضه وإزالة أثره، وأن يعاقب من وجد به، فبذل الرغائب لمن تقدم على هذا القبر، فكل خشي العقوبة، وأحْجَمَ، فتناول الذيريج مِسْحَاة وهدم أعالي قبر الحسين، فحينئذ أقدم الفَعَلَة فيه، وأنهم انتهوا إلى الحفرة وموضع اللحد فلم يروا فيه أثر رمة ولا غيرها، ولم تزل الأمور على ما ذكرنا إلى أن استخلف المنتصر، فأمَّنَ الناس، وتقدم بالكف عن آل أبي طالب، وترك البحث عن أخبارهم، وأن لا يمنع أحد زيارة الحيرة لقبر الحسين رضي الله تعالى عنه، ولا قبر غيره من آل أبي طالب، وأمر برد فدَكَ إلى ولَدِ الحسن والحسين، وأطْلَقَ أوقاف آل أبي طالب، وترك التعرض لشيعتهم ودفع الأذى عنهم، وفي ذلك يقول البحتري من أبيات له:
وإن علياً لأوْلى بكم ... وأزكى يداً عندكم من عمر
وكل له فَضْلُه، والحجو ... ل يوم التراهن دون الغرر
وفي ذلك يقول يزيد بن محمد المهلبي - وكان من شيعة آل أبي طالب - وما كان امتحن به الشيعة في ذلك الوقت وأغريت بهم العامة:
ولقد بررت الطالبية بعدما ... ذموا زماناً بعدها وزمانا
وَرَعَدْتَ ألفة هاشم، فرأيتهم ... بعد العداوة بينهم إخوانا
آنست ليلَهُمُ وجُدْتَ عليهمُ ... حتى نَسُوا الأحقاد والأضغانا
لو يعلم الأسلاف كيف بَرَرْتَهم ... لرأوك أثقل مَنْ بها ميزانا
خلع أخويه من ولاية العهد
وفي سنة ثمان وأربعين ومائتين خلع المنتصر باللّه أخويه المعتز وإبراهيم من ولاية العهد بعده، وقد كان المتوكل على الله أخذ لهم العهد في كتب كتبها وشروط اشترطها، وأفرد لكل واحد منهم جزءاً، من الأعمال رَسَمَه له وجعل ولي عهده والتالي لملكه محمداً المنتصر، وتالي المنتصر وولي عهده المعتز، وتالي المعتز وولي عهده إبراهيم المؤيد، وأخذت البيعة على الناس بما ذكرنا، وفرق فيها أموالاً وعًمّ الناس بالجوائز والصَلَات، وتكلمت في ذلك الخطباء، ونطقت به الشعراء، فمما اختير من قولهم في ذلك قول مروان أبي الجنوب من قصيدة:
ثلاثة أملاك؛ فأما محمد ... فنور هُدَى يَهْدِي به اللّه من يهدي
وأما أبو عبد الإِله فإنه ... شبيهك في التقوى وُيجْدِي كما تجدي
وذو الفضل إبراهيم للناس عصمة ... تَقِي وفِي بالوعيد، وبالوعد
فأولهم نور، وثانيهمُ هدى، ... وثالثهم رشد، وكلهم مَهْدِي
وقوله للمتوكل مما أجاد فيه وأحسن:
يا عاشر الخلفاء دمْتَ ممتعاً ... بالملك تعقد بعدهم للعاشر
حتى تكون إمامهم وكأنهم ... زُهْرُ النجوم دَنَتْ لبدر زاهر
وفي بيعة المتوكل لمن ذكرنا من ولمه الثلاثة بولاية العهد يقول الشاعر المعروف بالسلمي من أبيات له:
لقد شَد ركن الدين بالبيعة الرضا ... وطائر سعد جعفر بن محمد
بمنتصر بالله أثبت ركنه ... وأكَّدَ بالمعتز قبل المؤيد
وممن قال في ذلك فأحسن القول، وأجاد النظم، إدريس بن أبي حفصة حيث يقول:
إن الخلافة ما لها عن جعفر ... نورِ الهدى وبنيه من تحويل
فإذا قضى منها الخليفَةُ جعفر ... وطَرا، ومَلَّ وليس بالمملول
فمحمد بعد الخليفة جعفرللناس لا فقدوه خيرُ بديل
فبقاء ملكك وانتظار محمد ... خير لنا وله من التعجيل
خروج الشاري باليمن
وقد كان خرج أيام المنتصر بناحية اليمن والبوازيج والموصل أبو العمود الشاري، فحكم واشتد أمره فيمن انضاف إليه من المحكمة من ربيعة وغيرهم من الأكراد، فسرح إليه المنتصر جيشاً عليهم سيما التركي، فكانت له مع الشاري حروب، فأسِرَ الشاري، وأتي به المنتصر، فجاد عليه بالعفو، وأخذ عليه العهد، وخَلّى سبيله.
(2/97)

وحكى عنه وزيره أحمد بن الخصيب بن الضحاك الجرجاني أنه قال حين رضي عن الشاري: إن لذة العفو أعذب من لذة التشفي، وأقبح أفعال المقتدر الانتقام.
وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، قال: رأى بعض الكتاب في المنام في الليلة التي استخلف في صبيحتها المنتصر كأن قائلَاَ يقول:
هذا الإِمام المنتصر ... والْمَلِكُ الحادي عشر
وأمره إذا أمر ... كالسيف ما لاقى بَتَرْ
وطرفه إذا نظر ... كالدهر في خير وشر
وقد كان أظهر الإِنصاف في الرعية فمالت إليه قلوب الخاصة والعامة مع شدة الهيبة منها له.
وحدثني أبو الحسن أحمد بن علي بن يحيى المعروف بابن النديم، قال: حدثنا علي بن يحيى المنجم، قال: ما رأيت أحداً مثل المنتصر ولا أكرم أفعالاً بغير تبجح منه، ولا تكلف، لقد رآني يوماً وأنا مغموم شديد الفكر بسبب ضيعة مجاورة لضيعتي، وكنت أحب شراءها، فلم أزل أعمل الحيلة عند مالكها حتى أجابني إلى بيعها، ولم يكن عندي في ذلك الوقت قيمة ثمنها، فصرت إلى المنتصر وأنا على تلك الحال، فتبين الانكسار في وجهي، وشغل القلب، فقال لي: أراك مفكراً فما قضيتك؟ فجعلت أرْوِي عنه خبري، وأستر قصتي، فاستحنفني، فصدقته عن خبر الضيعة، فقال لي المنتصر: فكم مبلغ ثمنها، فقلت: ثلاثون ألف درهم، قال: فكم عندك منها. قلت: عشرة آلاف، فأمسك عني ولم يجبني، وتشاغل عني ساعة، ثم دعا بدواة وبطاقة، ثم وقع فيها بشيء لا أدري ما هو، وأشارَ إلى خادم كان على رأسه بما لم أفهم، فمضى الغلام مسرعاً، وأقبل يشغلني بالحديث وُيطَاعمني الكلام، إلى أن أقبل الغلام فوقف بين يديه، فنهض المنتصر وقال لي: يا علي، إذا شئت فانصرف إلى منزلك، وقد كنت قدرت عند مسألته أنه سيأمر لي بالثمن أو نصفه، فأتيت وأنا لا أعقل غماً، فلما وصلت إلى داري استقبلني وكيلي فقال: إن خادم أمير المؤمنين صار إلينا ومعه بغل عليه بدرتان، فسلمهما إليِّ وأخذ خطي بقبضهما، قال: فداخلني من الفرح والسرور ما لم أملك به نفسي، ودخلت وأنا لا أصدق قول الوكيل، حتى أخرج إلي البحرتين، فحمدت اللّه تعالى على ما حَبَاه لي، ووجهت في وقتي إلى صاحب الضيعة فوفيته الثمن، وتشاغلت سائر يومي بتسليمها والِإشهاد بها على البائع، ثم بكرت إلى المنتصر من الغد، فما أعاد علي حرفَاً، ولا سألني عن شيء من خبر الضيعة حتى فرق الموت بيننا.
حديث عن العشق
قال المسعودي: وذكر الفضل بن أبي طاهر في كتابه في أخبار المؤلفين قال: حدثني أبو عثمان سعيد بن محمد الصغير مولى أمير المؤمنين، قال: كان المنتصر في أيام إمارته ينادمه جماعة من أصحابه، وفيهم صالح بن محمد المعروف بالحريري، فجرى في مجلسه ذات يوم ذكر الحب والعشق، فقال المنتصر لبعض مَنْ في المجلس: أخبرني عن أي شيء أعظم عند النفس فَقْداً، وهي به أشد تفجعاً. قال: فَقْدُ خِلٍّ مُشَاكل، وموت شكل موافق، وقال آخر ممن حضر: ما أشد جولة الرأي عند أهل الهوى! وفِطام النفس عند الصبا، وقد تصدعت أكباد العاشقين من لوم العاذلين، فلوم العاذلين قُرْطٌ في آذانهم، ولوعات الحب نيران في أبدانهم، مع دموع المعاني، كغروب السَّوَاني، وإنما يعرف ما أقول، من أبكته المغاني والطلول، وقال آخر: مسكين العاشق، كل شيء عدوه: هبوب الرياح يُقْلِقه، ولمعان البرق يؤرقه، والعذل يؤلمه، والبعد ينحله، والذكر يسقمه، والقرب يهيجه، والليل يضاعف بلاءه، والرقاد يَهْرُبُ منه. ورسوم الدار تحرقه، والوقوف على الطلوع يبكيه. ولقد تداوت منه العشاق بالقرب والبعد. فما نجع فيه دواء. ولا هداه عزاء. ولقد أحسن الذي يقول:
وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يملُّ، وأنَّ النأي يَشْقِي من الوجد
بكل تداوينا فلم يُشْفَ ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد
(2/98)

فكل قال: وأكثر الخطب في ذلك، فقال المنتصر لصالح بن محمد الحريري: يا صالح، هل عشقت قط. قال: إي واللّه أيها الأمير، وإن بقايا ذلك لَفِي صدري قال: ويلك لمن؟ قال: أيها الأمير، كنت ألف الرصافة في أيام المعتصم. وكانت لقَيْنَةَ أم ولد الرشيد جارية تخرج في حوائجها وتقوم في أمرها، وتلقى الناس عنها، وكانت قينة تتولى أمر القصر إذ ذاك، وكانت الجارية تمر بي فأحتشمها وأعاينها، ثم راسلتها فطردت رسولي وهددتني، وكنت أقعد على طريقها لأكلمها، فإذا رأتني ضحكت وغمزت الجواري بالعَبَثِ بي والهزء، ثم فارقتها وفي قلبي منها نار لا تخمد وغليل لا يبرد ووجد يتجمد فقال له المنتصر: فهل لك أن أحضرها وأزوجكها إن كانت حرة أو أشتريها إن كانت أمة؟ فقال: والله أيها الأمير إن بي إلى ذلك أعظم الفاقة وأشد الحاجة، قال: فدعا المنتصر بأحمد بن الخصيب وسأله أن يوجه له في ذلك غلاماً من غلمانه منفرداً ويكتب معه كتابَاً مؤكداً إلى إبراهيم بن إسحاق وصالح الخادم المتولى لأمر الحرم بمدينة السلام، فمضى الرسول وقد كانت قينة أعتقتها وخرجت من حد الجواري إلى حد النساء البوالغ، فحملها إلى المنتصر، فلما حضرت نَظَرْتُ إليها، فإذا عجوز قد حدبت وعنست وبها بقية من الجمال، فقال لها: أتحبين أن أزوجك. قالت: إنما أنا أمتك أيها الأمير ومولاتك، فافعل ما بدا لك، فأحضر صالحاً وأملكه بها وأمهرها؟ ثم مزح به فأحضر جوزاً مرصصاً وفركاً مخلقاً فنشره عليه، وأقامت مع صالح مدة طويلة، ثم مَلّهَا ففارقها، وقال يعقوب التمار في ذلك:
منح اللّه أبا الفضل حياة لا تُنَغّصْ
وتولاه فقد با ... لغ في الحب وأخلص
عاشقاً كان على التز ... ويج للعقد تَحَرَّص
من هوى مَنْ شعرها يخضب بالحنا المعفص
فتراه عندما ينْصُلُ كالبرد المحرصِ
فهي من أملح خلق اللَه في التاج المفصص
رُزقَ الصبر عليها فتأتى وتربص
شيخة هام بها مِنْ ... وجْلِىِ شيخ مقرفص
قرنصت في عهد نوح ... صاحب الفلك وقرنص
أيَّ حظ نال لولا الفرك والجوز المرصص
ليته قد جعل الأمر إليها وتخلص
فأبو الجوزان منها ... حين يدنو يتقلص
صنيعه مع عاشق
(2/99)

وذكر أبو عثمان سعيد بن محمد الصغير، قال: كان المنتصر في أيام إمارته وَجّهني إلى مصر في بعض أموره للسلطان، فعشقت جارية كانت لبعض النخاسين عرضت للبيع، محسنة في الصنعة مقبولة في الخلقة قائمة على الوزن من المحاسن والكمال، فساومت مولاها فأبى أن يبيعها إلا بألف دينار، ولم يكن ثمنها متهيئاً معي، فأزعجني السفر وقد عَلِقَهَا قلبي، فأخذني المُقِيمُ المُقْعِدُ من حبها، وندمت على ما فاتني من شرائها. فلما قدمت فرغت مما وجهني إليه وأديت إليه ما عملت حمد أثري فيه، وسألني عن حاجتي وخبري، فأخبرته بمكان الجارية وكَلَفِي بها، فأعرض عني وجعل لا يزداد إلا حمة وقلبي لا يزداد إلا كَلَفاً وصبري لا يزداد إلا ضعفاً، وسليت نفسي عنها بغيرها، فكأني أغريتها ولم تتسل عنها، وجعل المنتصر كلما دخلت إليه وخرجت من عنده يذكرها ويهيج شوقي إليها، وتحَيّلْت إليه بندمائه وأهل الأنس به وخاص من يحظى من جواريه وأمهات أولاده وجدته أم الخليفة أن يشتريها لي، وهو لا يجيبني إلى ذلك، ويعيرني بقلة الصبر وكان قد أمر أحمد بن الخصيب أن يكتب إلى عامل مصر في ابتياعها وحملها إليه من حيط لا أعلم، فحملت إليه وصارت - عنده، فنظر إليها وسمع منها فعذرني فيها، ودفعها إلى قَيِّمَة جواريه فأصلحت من شأنها، فلما كان يوماً من الأيام استجلسني وأمرها أن تخرج إلى الستارة، فلما سمعت غناءها عرفتها، وكرهت أن أعلمه أني قد عرفتها، حتى ظهر فيَّ ما كتمت، وغلب عليّ صبري، فقال: مالك يا سعيد؟ قلت: خيراً أيها الأمير، قال: فاقترحَ عليها صوتاً كنت قد أعلمته أني سمعته منها، وأني أستحسنه من غنائها، فغنته فقال: أتعرف هذا الصوت. قلت: إي واللّه أيها الأمير، وكنت أطمع في صاحبته، فأما الآن فقد أيست منها، وكنت كالقاتل نفسه بيده وكالجالب الحتف إلى حياته، فقال: واللّه يا سعيد ما اشتريتها إلا لك ويعلم اللّه أني ما رأيت لها وجهاً إلا ساعةَ دخلت عليها وقد استراحت من ألم السفر، وخرجت من شحوبة التبذل فهي لك، فدعوت له بما أمكنني من الدعاء، وشكره عني مَنْ حضره من الجلساء، وأمر بها فهيئت وحملتَ إليَ فردت إليَ حياتي بعد أن أشرفت على الهلكة، ولا أحد عندي أحظى منها ولا ولد أحب إليَ من ولدها.
شهادة الحمير
ومن ملاحات أحاديث الملهين المجان ما ذكره أبو الفضل بن أبي طاهر قال: حدثني أحمد بن الحارث الجزار عن أبي الحسن المدائني وأبي علي الحرمازي قالا: كان بمكة سفيه يجمع بين الرجال والنساء على أفحش الريب وكان من أشراف قريش، ولم يذكر اسمه، فشكا أهل مكة ذلك إلى الوالي فغرّبه إلى عرفات، فاتخذها منزلاً ودخل إلى مكة مستتراً فلقي بها حرفاؤه من الرجال والنساء، فقال: وما يمنعكم مني؟ فقالوا: وأين بك وأنت بعرفات؟ فقال: حمار بدرهمين وصرتم إلى الأمن والنزهة والخلوة واللذة قالوا: نشهد إنك لصادق؟ فكانوا يأتونه، فكثر ذلك حتى أفسد على أهل مكة أحداثهم وحواشيهم، فعادوا بالشكية إلى أميرهم، فأرسل إليه فأتي به فقال: أي عدو اللّه طردتك من حرم اللّه فصرت إلى المشعر الأعظم تفسد فيه وتجمع بين الخبائث. فقال: أصلح اللّه الأمير! إنهم يكذبون عليَّ ويحسدونني! فقالوا للوالي: بيننا وبينه واحدة تجمع حُمُرَ المكارين وترسلها إلى عرفات فإن لم تقصد إلى بيته لما تعودت من إتيان السفهاء والفُجَّار إياه فالقول ما قال؛ فقال الوالي: إن في هذا لدليلاً، وأمر بجمع الحمر فجمعت ثم أرسلت فقصدت منزله، وأتاه أمناؤه فقال: ما بعد هذا شيء، جَرِّدوه! فلما نظر إلى السياط قال: ولا بد من ضربي؟ قال: لا بد يا عدو اللّه، قال: اضرب فواللّه ما في هذا شيء بأشد من أن يسخر بنا أهل العراق ويقولون: أهلُ مكة يجيزون شهادة الحمير مع تقريعهم لنا بقول شهادة الواحد مع يمين الطالب، قال: فضحك الوالي وقال: لا أضربك اليوم، وأمر بتخلية سبيله وترك التعرض له.
(2/100)

قال المسعودي: وللمنتصر باللّه أخبار حسان وأشعار ومُلَح ومنادمات ومكاتبات ومراسلات قبل الخلافة، وقد أتينا على مبسوطها وما استحسناه منها مما لم نورده في هذا الكتاب في كتابنا أخبار الزمان من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدائرة، وكذلك في الكتاب الأوسط؛ إذ كنا ما ضمنَّاه كل كتاب منها لم نتعرض لذكره في الآخر، ولو كان كذلك لم يكن بينها فرق وكان الجميع واحداً، وسنورد بعد فراغنا من هذا الكتاب كتاباً نضمنه فنوناً من الأخبار على غير نظم من التأليف ولا ترتيب من التصنيف على حسب ما يسْنَحُ من فوائد الأخبار ويخلله بالآداب وفنون الآثار، تالياً لما سلف من كتبنا ومعقباً لما تقدم من تصنيفنا. إن شاء الله تعالى.
ذكر خلافة المستعين بالله
وبويع أحمد بن محمد بن المعتصم في اليوم الذي توفي فيه المنتصر، وهو يوم الأحد لخمس خَلَوْنَ من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين. ويكنى بأبي العباس، وكانت أمه أم ولد صقلبية يُقال لها مخارق، وخلع نفسه، وسلم الخلافة إلى المعتز، فكانت خلافته ثلاث سنين وثمانية أشهر - وقيل: ثلاث سنين وتسعة أشهر - وكانت وفاته يوم الأربعاء لثلاث خَلَوْنَ من شوال سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وقتل وهو ابن خمس وثلاثين سنة.
ذكر جمل هن أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
وزراؤه وكتابه
واستوزر المستعين بالله أبا موسى أوتامش، وكان المتولي لأمر الوزارة والقَيم بها كاتباً لأوتامش يُقال له شجاع بن القاسم، وبعد أن قتل أوتامش وكاتبه شجاع صار على وزارته أحمد بن صالح بن شيرزاد، ولما قَتَلَ وصيف وبُغَا باغر التركي تعصبت الموالي، وانحدر وصيف وبُغَا إلى مدينة السلام، والمستعين معهما، فأنزلاه دار محمد بن عبد اللّه بن طاهر، وذلك في المحرم سنة إحدى وخمسين ومائتين، والمستعين لا أمر له، والأمر لبُغَا ووصيف، وكان من حصار بغداد ما ذكرناه في الكتاب الأوسط؟ وفي المستعين باللّه يقول بعض الشعراء في هذا العصر:
خليفة في قَفَص ... بين وصيف وبُغَا
يقول ما قالا لهَ ... كما يقول الببَّغَا
وقد كان المستعين نَفَى أحمد بن الخصيب إلى إقريطش سنة ثمان وأربعين ومائتين، ونَفَى عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى برقة، واستوزر عيسى بن فرخشانشاه، وقَلَد سعيد بن حميد ديوان الرسائل.
سعيد بن حميد
وكان سعَيد حافظاً لما يُسْتحسن من الأخبار، ويُسْتجاد من الأشعار، متصرفاً في فنون العلم، ممتعاً إذا حَدَث، مفيداً إذا جُولسَ، وله أشعار كثيرة حسان؟ فَفما يُستحسن ويختار من شعره قوله:
وكنت أخَوَفُهُ بالدعاء ... وأخْشَى عليه من المأثم
فلما أقام على ظلمه ... تركت الدعاء على الظالم
وقوله:
أسيدتي مالي أراكِ بخيلةً ... مقيمٌ على الحرمان مَنْ يستزيدها
فأصْبَحْتِ كالدنيا ننم صروفها ... ونُتْبِعها ذّماً ونحن عبيدها
وقوله:
اللَّه يعلم، والدنيا مُوَلٌيَة ... والعيش منتقل، والدهر ذو دوَل
فَلَلْفِرَاق وإن هاجت فجيعتهعليك أخوف في قلبي من الأجل
وكنت أفرح بالدنيا ولذتها ... واليأس يحكم للأعداء في الأمل
وقوله:
وما كان حبيبها لأول نظرة ... ولا غمرة من بعدها فَتَجَلَّتِ
ولكنها الدنيا تولت، وما الذي ... يُسَلِّي عن الدنيا إذا ما تولت.
وقوله:
كأن انحدار الدمع حين تُجِيلُه ... على خدِّها الرَّيَّان دُرٌّ عَلَى دُرّ
إلا أن سعيداً - على ما وصفنا عنه من الأدب - كان يتنصب، ويظهر التسنن والتخيل، وظهر عنه الإِنحراف عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وعن الطاهرين من ولده، وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
ما رأينا لسعيد بن حُمَيْدٍ من شبيه
ما له يؤذي رسول اللّه في شَتْم أخيه
إنه الزنديق مستو ... لٍ على دين أبيه
وكان سعيد بن حميد من أبناء المجوس، وفيه يقول بعض الشعراء، وهو أبو علي البصير:
رأس من يَدَّعي البلاغة مني ... ومن الناس كلهم في حِر أمِّهِ
وأخونا ولست أعني سعيد بن حُمَيد تؤرخ الكتب باسمه
(2/101)

وكان لسعيد بن حُمَيْد وأبي علي البصير وأبي العَيْنَاء معاتبات ومكاتبات ومداعبات، وقد أتينا على ذكرها في الكتاب الأوسط.
؟أبو علي البصير
وكان أبو علي البصير من أطبع الناس في زمانه، لا يزال يأتي بالبيت النادر، والمثل السائر، الذي لا يأتي به غيره، وكان ابن مَيَّادة بسوء اختياره يرى أنه أشعر من جرير، ويحسبه مقدماً على أهل عصره، وهو فوق نظرائه في وقته، ودون البحتري فمن مشهور شعره قوله في المعلى ابن أيوب:
لعمر أبيك ما نُسِبَ المُعَلّى ... إلى كرم، وفي الدنيا كريم
ولكنَ البلاد إذا اقْشَعَرَّت ... وصَوَّح نبتُهَا رُعِيَ الهشيم
ومما استحسن له من شعره قوله:
إذا ما اغتدت طلابة العلم مالها ... من العلم إلا ما يخلّدُ في الكتب
غدوت بتشمير وجد عليهم ... فمحبرتي سمعي ودفترها قلبي
ومما استحسن من قوله وهو يريد الحج:
خرجنا نبتغي مكة حُجَّاجاً وعُمَّارا
فلما شارف الحير ... ة راعي إبلِي حارا
فقلت: احْطط بها رحلي ... ولا تعبأ بمن جارا
فصادفنا بها لهواً ... وبستاناً وخَمَّارا
وظبياً عاقداً بين النقا والخصر زُنَّارا
فما ظَنُّكَ بالحلفا ... ء إن أشعلَتَهَا نارا
ظهور يحيى بن عمر الطالبي
وظهر في هذه السنة، وهي سنة ثمان وأربعين ومائتين، بالكوفة أبو الحسن يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن عبد اللّه بن إسماعيل بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب الطيار، وأمه فاطمة بنت الحسين بن عبد اللّه بن إسماعيل بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب الطيار وقيل: إن ظهوره كان بالكوفة سنة خمسين ومائتين فقتل وحمل رأسه إلى بغداد وصلب، فضج الناس من ذلك، لما كان في نفوسهم من المحبة له، لأنه استفتح أموره بالكَفِّ عن الدماء، والتَّوَرُّع عن أخذ شيء من أموال الناس، وأظهر العدل والإِنصاف، وكان ظهوره لذلّ نزل به، وجفوة لحقته، ومحنة نالته من المتوكل وغيره من الأتراك، ودخل الناس إلى محمد بن عبد اللّه بن طاهر يهنئونه بالفتح، ودخل فيهم أبو هاشم الجعفري - وهو داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، بينه وبين جعفر الطيار ثلاثة آباء - ولم يكن يعرف في ذلك الوقت أقعد نسباً في آل أبي طالب وسائر بني هاشم وقريش منه، وكان ذا زهد وورع ونسك وعلم، صحيح العقل سليم الحواس منتصب القامة، وقبره مشهور، وقد أتينا على خبره وما روي عنه من الرواية عن أبيه ومَنْ شاهد من سلفه في كتاب حدائق الأذهان في أخبار آل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لابن طاهر: أيها الأمير، إنك لتهنأ بقتل رجل لو كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حيّاً لعُزِّي به، فلم يجبه محمد وخرج من داره وهو يقول: يا بني طاهر، البيتين، قد كان المستعين أمر بنصب الرأس، فأمر ابن طاهر بإنزاله لما رأى الناس وما هم عليه، وفي ذلك يقول أبو هاشم الجعفري:
يا بني طاهر كُلوه وَبيَّا ... إن لحم النبي غير مَرِيِّ
إن وتراً يكون طالبه اللّه لَوِتْرٌ بالْفَوْتِ غير حَرِيِّ
وقد رُثِيَ أبو الحسين يحمى بن عمر بأشعار كثيرة، وقد أتينا على خبر مقتله وما رثي به من الشعر في الكتاب الأوسط، ومما رثي به ما قاله فيه أحمد بن طاهر الشاعر من قصيدة طويلة:
سلام على الِإسلام فهو مودع ... إذا ما مضى آل النبي فودًعُوا
فَقَدْنا العلا والمجد عند افتقادهم ... وأضحت عروش المكرمات تَضعَضْعَ
أتجمعُ عَيْنُ بين نوم ومضجع ... ولابن رسول اللّه في الترب مضجع
فقد أقفرَتْ دار النبي محمد ... من الدين والِإسلام، فالدار بَلْقَعُ
وقُتِّلَ آل المصطفى في خلالها ... وبُحِّدَ شمل منهمُ ليس يجمع
ألم تر آل المصطفى كيف تصطفي ... نفوسَهُمُ أمُ المنون فتتبع
بني طاهر، واللؤم منكم سجية ... وللغدر منكم حاسر ومُقَنعُ
قواطعكم في الترك غير قواطع ... ولكنها في آل أحمد تقطع
(2/102)

لكم كُل يوم مشرب من دمائهم ... وغُلتها من شربها ليس تَنْقَعُ
وما حكم للطالبيين شرع ... وفيكم رماح الترك بالقتل شُرع
لكمَ مرتع في دار آل محمد ... وداركُمُ للترك والجيش مرتع
أخِلتم بأن الله يرعى حقوقكم ... وحَقُّ رسول اللّه فيكم مضيًعُ؟
وأضحوا يُرَجُّون الشفاعة عنده ... وليس لمن يرميه بالوتر يشفع
فيغلب مغلوب، ويقتل قاتل ... ويخفض مرفوع، ويدنى المرفع
قال: وكان يحيى دَيِّناً، كثير التعطف والمعروف على عوام الناس، بارّاً بخواصهم، واصِلاً لأهل بيته، مؤثراً لهم على نفسه، مُثْقَل الظهر بالطالبيات، يجهد نفسه ببرهِنً والتحنن عليهم، لم تظهر له زلة، ولا عرفت له خزية.
ولما قتل يحيى جزعت عليه نفوس الناس جزعاً كثيراً، ورثاه القريب والبعيد، وحزن عليه الصغير والكبير، وجزع لقتله المليء والدنيء، وفي ذلك يقول بعض شعراء عصره ومَنْ جزع على فقده:
بكَت الخيل شَجْوَها بعد يحيى ... وبكاهُ المهندُ المصقول
وبكَته العراق شرقاً وغرباً ... وبكاهُ الكتاب والتنزيل
والمصلى والبيت والركن والحِجْرُ جميعاً لهم عليه عَوِيل
كيف لم تسقط السماء علينا ... يوم قالوا: أبو الحسين قتيل
وبناتُ النبيَ يندبن شَجْواً ... مُوجَعَات، دموعُهُنّ تسيل
ويُؤَبًنَّ للرزية بدر ... فقده مفظع عزيز جليل
قَطعت وجهه سيوف الأعادي ... بأبي وجهه الوسيم الجميل
وليحيى الفتى بقلبي غليل ... كيف يؤذي بالجسم ذاك الغليل
قَتْلُه مذكر لقتل علي ... وحسين، ويوم أودي الرسول
فصلاة الإِلهِ وقفا عليهم ... ما بكى مُوجَسٌ وَحنَّ ثكُول
وكان ممن رثاه علي بن محمد بن جعفر العلوي الحماني الشاعر، وكان ينزل بالكوفة في حمان، فأضيف إليهم فقال:
يا بقايا السلف الصا ... لح والتجْر الربيح
نحن للأيام من بينِ قتيل وجريح
خاب وَجْهُ الأرض كم ... غيَّب من وجه صبيح
آه من يومك ما أو ... داه للقلب القريح
وفيه يقول:
تَضَوع مسكا جانِبُ القبر إذ ثوى ... وما كان لولا شِلْوُه يتضَوعُ
مصارع فتيان كرام أعزّة ... أتيح ليس الخير منهنَّ صرعُ
وقوله:
أنّى لقوميَ من أحساب قومكم ... بمسجد الخيف في بحبوحة الخيف
ما علّق السيف منا بابن عاشرة ... إلاَّ وهمته أمضى من السيف
وقد كان علي بن محمد بن جعفر العلوي هذا - وهو أخو إسماعيل العلوي لأمه - لما دخل الحسن بن إسماعيل الكُوفة - وهو صاحب الجيش الذي لقي يحيى بن عمر - قعد عن سلامه، ولم يمض إليه، ولم يتخلّفْ عن سلامه أحد من آل علي بن أبي طالب الهاشميين، وكان علي بن محمد الحماني نقيبهم بالكوفة وشاعرهم ومفرسهم ولسانهم، ولم يكن أحد بالكوفة من آل علي بن أبي طالب يتقدمه في ذلك الوقت، فتفقده الحسن بن إسماعيل، وسأل عنه، وبعث بجماعة فأحضروه، فأنكر الحسن تخلفه عن سلامه، فأجابه علي بن محمد بجواب مستقل آيس من الحياة، فقال: أردت أن آتيك مهنياً بالفتح، وداعياً بالظفر، وأنشد شعراً لا يقوم على مثله مَنْ يرغب في الحياة، وهو:
قتلت أعز من ركب المطايا ... وجئتك أسْتَلِينُكَ في الكلام
وعَز عَلَي أن ألقاك إلا ... وفيما بيننا مَدُ الحسام
ولكنً الْجَنَاحَ إذا أهيضت ... قَوَادُهُ يَرِفُّ على الأكام
فقال له الحسن بن إسماعيل: أنت موتور، فلست أنكر ما كان منك، وخلع عليه، وحمله إلى منزله.
بين الموفق وعلي بن محمد العلوي
قال: وكان أبو أحمد الموفق باللهّ حبس علي بن محمد العلوي لأمر شنع به عليه من أنه يريد الظهور، فكتب إليه من الحبس:
قد كان جدك عبد اللَه خَيْرَ أب ... لابْنَيْ علي حُسَيْن الخيرِ وَالْحِسَنِ
(2/103)

فالكَفُّ يوهن منها كل أنملةً ... ما كان من أختها الأخرى من الْوَهَنِ
فلما وصل هذا الشعر إليه كفل وخلى إلى الكوفة.
وله أشعار ومراث في أخيه إسماعيل وغيره من أهله، وفي ذم الشيب، قد أتينا على كثير من ذكرها في كتابنا أخبار الزمان عند ذكر أخبار الطالبين، وفي كتاب مزاهر الأخبار، وطرائف الآثار، في أخبار آل النبي صلى الله عليه وسلم.
ومما رَثَى به علي بن محمد أيضاً أبا الحسين يحيى بن عمر فأجاد فيه وافتخر على غيرهم من قريش قوله:
لعمري لئن سُرت قريش بهُلكِهِ ... لما كان وَقَافاً غَدَاةَ التوقف
فإن مات تلقاء الرماح فإنه ... لمِنْ مَعْشَر يَشْنَوْنَ موت التترف
فلا تشتموا فالقوم من يبق منهمُ ... على سنن منهم مقام المخلف
لهم معكم إما جدعتم أنوفكم ... مقامات ما بين الصَّفَا وَالمُعَرف
تراث لهم من آدم ومحمد ... إلى الثقلين من وصايا ومصحف
وفيه يقول أيضاً في الشيب:
قد كان حين بدا الشباب به ... يَقَقَ السوالف حالك الشَّعْرِ
وكأنه قمر تَمَنْطَقَ في ... أفق السماء بدارهَ البدر
يا ابن الذي جعلت فضائله ... فَلَكَ العلا وقلائد السور
من أسرة جعلت مَخَايلهم ... للعالمين مخايل النطر
تتهيب الأقدار قدرهم ... فكأنهم قدر على قدر
والموت لا تشوى رميته ... فلك العلا ومواضع الغرر
ومن مراثيه المستحسنة فيِ أخيه:
هذا ابن أُمي عديل الروح في جسدي ... شق الزمان به قلبي إلى كبدي
فاليوم لم يبق شيء أستريح به ... إلا تَفَتُّتُ أعضائي من الكمد
أو مقلة بخَفِيِّ الهم باكية ... أو بيت مرثية تبقى على الأبد
تُرَى أناجيك فيها بالدموع وقد ... نام الخليُّ ولم أهجع ولم أكَدِ
من لي بمثلك يا نور الحياة ويا ... يُمْنَى يديَّ التي شَلّتْ من العضل
من لي بمثلك أدعوه لحادثة ... يُشْكَى إليه ولا يشكو إلى أحد
قد ذقت أنواع ثُكْلٍ كُنْتَ أبلَغَها ... على القلوب وأجناها على كبدي
قل للردى لا تغادر بعده أحداً ... وللمنية من أحببت فاعتمدي
إن الزمان تَقَضى بعد فرقته ... والعيش آذن بالتفريق والنكد
وكانت وفاة علي بن محمد العلوي في خلافة المعتمد في سنة ستين ومائتين.
ظهور الحسن بن زيد العلوي
وفي خلافة المستعين - وذلك في سنة خمسين ومائتين - ظهر ببلاد طبرستان الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللهّ تعالى عنهم، فغلب عليها وعلى جرجان بعد حروب كثيرة وقتال شديد، وما زالت في يده إلى أن مات سنة سبعين ومائتين، وخَلَفَه أخوه محمد بن زيد فيها إلى أن حاربه رافع بن هرثمة، ودخل محمد بن زيد إلى الديلم في سنة سبع وسبعين ومائتين، فصارت في يده، وبايعه بعد ذلك رافع بن هرثمة وصار في جملته، وانقاد لدعوته، والقول بطاعته، وكان الحسن بن زيد ومحمد بن زيد يدعوان إلى الرضا من آل محمد، وكذلك مَنْ طرأ بعدهما ببلاد طبرستان - وهو الحسن بن علي الحسني المعروف بالأطروش ووللده - ثم الداعي الحسن بن القاسم الذي قتله أسفار بطبرستان، وكان الحسن بن القاسم من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب وقد أتينا على خبر سائر آل أبي طالب بطبرستان، ومن ظهر منهم بالمشرق والمغرب وغير ذلك من بقاع الأرض إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - في كتابنا أخبار الزمان وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً من سائر ما يجب ذكره، لئلا يخلو هذا الكتاب من ذكرهم.
ظهور محمد بن جعفر
وظهر في هذه السنة - وهي سنة خمسين ومائتين - بالري محمد بن جعفر بن الحسن، ودعا للحسن بن زيد صاحب طبرستان، وكانت له حروب بالري مع أهل خراسان من المسودة، فأسر وحمل إلى نيسابور إلى محمد بن عبد اللّه بن طاهر، فمات في محبسه بنيسابور.
ظهور أحمد بن عيسى العلوي
(2/104)

وظهر بعده بالري أحمد بن عيسى بن علي بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ودعا إلى الرضا من آل محمد، وحارب محمد بن طاهر، وكان بالري، فانهزم عنه وسار إلى مدينة السلام، فدخلها العلويَ.
ظهور الكركي بقزوين
وفي هذه السنة - وهي سنة خمسين ومائتين - ظهر بقزوين الكركي وهو الحسن بن إسماعيل بن محمد بن عبد اللّه بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم، وهو من ولد الأرقط، وقيل: إن اسم الكركي الحسن بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن عبد اللّه بن علي بق الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، فحاربه موسى بن بُغَا، وصار الكركي إلى الديلم، ثم وقع إلى الحسن بن زيد الحسيني فهلك قبله.
ظهور الحسين بن محمد العلوي
وظهر بالكوفة الحسين بن محمد بن حمزة بن عبد اللهّ بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فسرح إليه محمد بن عبد اللّه بن طاهر من بغداد جيشاً عليه ابن خاقان فانكشف الطالبي واختفى لترك أصحابه له، وتخلفهم عنه، وكان ذلك في سنة إحدى وخمسين ومائتين.
عزم على أخذ البيعة لابنه
وفي سنة تسع وأربعين ومائتين عقد المستعين لابنه العباس على مكة والمدينة والبصرة والكوفة، وعزم على البيعة له، فأخرها لصغر سنه، وكان عيسى بن فرخاتشاء قال لأبي علي البصير الشاعر أن يقول في ذلك شعراً يشير فيه بالبيعة له، فقال في ذلك قصيدة طويلة يقول فيها:
بك اللّه حاط الدين وانْتَاشَ أهله ... من الموقف الدَحْض الذي مثله يْرْىِ
فولِّ ابنك العباس عهدك إنه ... له موضع واكتب إلى الناس بالعهد
فإن خَففته السن فالعقل بالغ ... به رتبة الشيخ الموفّقِ للرشد
وقد كان يحيى أوتي العلم قبله صبياً، وعيسى كَلّم الناس في المهد.
بين محمد بن طاهر وأبي العباس المكي
وقال أبو العباس المكي: كنت أنادم محمد بن طاهر بالري قبل مواقعته الطالبيين، فما رأيته في وقت من الأوقات أشد سروراً منه ولا أكثر نشاطاً قبل ظهور العلوي بالري، وذلك في سنة خمسين ومائتين، وقد كنت عنده ليلة أتحدث، والخير وافد والسَّتْرُ مسبل، إذ قال: كأني أشتهي الطعام فما آكل. قلت: صدر دراج أو قطعة من جلي باردَة، قال: يا غلام، هات رغيفاً وخلاً وملحاً، فأكلا من ذلك، فلما كان في الليلة الثانية قال: يا أبا العباس، كأني جائع فما ترى أن آكل. قلت: ما أكَلْتَ البارحة، فقال: أنت لا تعرف فرق ما بين الكلامين، قلت البارحة: كأني أشتهي الطعام، وقلت الليلة: كأني جائع، وبينهما فرق، فدعا بالطعام، ثم قال لي: صف لي الطعام والشراب والطيب والنساء والخيل، قلت: أيكون ذلك منثوراً أو منظوماً؟ قال: لا، بل منثوراً، قلت: أطيب الطعام ما لقي الجوع بطعم وافق شهوة، قال: فما أطيب الشراب. قلت: كأس مدام تبرد بها غليلك، وتعاطي بها خليلك، قال: فأي السماع أفضل. قلت: أوتار أربعة، وجارية متربعة، غناؤها عجيب، وصوتها مصيب، قال: أي الطيب أطيب؟ قلت: ريح حبيب تحبه، وقرب ولد ترثه، قال: فأي النساء أشهى؟ قلت: من تخرج من عندها كارِهاً، وترجع إليها والهاً. قال: فأي الخيل أفرهُ؟ قلت: الأشدق الأعين الذي إذا طُلِبَ سبق، وإذا طَلَبَ لحق، قال: أحسنت، يا بشر أعطه مائة فى ينار، قلت: وأين تقع مني مائتا دينار. قال: أو قد زدت نفسك مائة دينار. يا غلام أعطه المائة كما ذكرنا، والمائة الأخرى لحسن ظنه بنا، فانصرفت بمائتي دينار، فما كان بين هذا الحديث وبين تنحيه من الري إلا جمعة.
معرفة المستعين بالأخبار
وكان المستعين حسن المعرفة بأيام الناس وأخبارهم، لهجاً بأخبار الماضين.
وحدث محمد بن الحسن بن دُرَيْد قال: أخبرني أبو البيضاء مولى جعفر الطيار، وكان طيب الحديث، قال: وَفَدْنَا في أيام المستعين من المدينة إلى سامرا وفينا جماعة من آل أبي طالب وغيرهم من الأنصار، فأقمنا ببابه نحواً من شهر، ثم وصلنا إليه، فكل تكلّم وعبر عن نفسه فقرب وانس، وابتدأ بذكر المدينة ومكة وأخبارهما، وكنت أعرف الجماعة بما شرع فيه، فقلت: أيأذن أمير المؤمنين في الكلام. قال: ذلك إليك، فشرعت معه فيما قد إليه وتسلسل بنا الكلام إلى فنون من العلم في أخبار الناس، ثم انصرفنا وأقيم لنا الإِنزال والإفضال.
عروة بن حزام
(2/105)

فلما كان في أول الليل جاءنا خادم ومعه سدة من الأتراك وفرسان، فحملت على جنيبة كانت معهم، وأتى بي إلى المستعين فإذا هو جالس في الجوسق، فقربني وأدناني، ثم أخذ بعد أن انسني في أخبار العرب وأيامها، وأهل التتيم، فانتهى بنا الكلام إلى أخبار العذْرِيين والمتيمين، فقال لي: ما عندك من أخبار عُرْوَة بن حزام، وما كان منه مع عَفْرَاء فقلت: يا أمير المؤمنين، إن عُرْوَة بن حزام لما انصرف من عند عفراء بنت عقال توفي وَجْداً بها وصبابة إليهما، فمر به رَكْبٌ فعرفوه، فلما انتهوا إلى منزل عفراء صاح صائح منهم:
ألا أيها القصرُ المغفل أهله ... نَعينا إِلَيْكُمْ عروة بن حزام
ففهمت صوته، وأشرفت عليه، وقالت:
ألَا أيها الرَّكْب المجدُّونَ وَيْحَكُمْ ... بِحَقٍّ نعيتم عروة بن حزام.
فأجابها رجل من القوم، فقال:
نعم قد تركناه بأرض بعيدة ... مقيماً بها في سَبْسَبٍ وأكام
فقالت لهم:
فإن كان حَقّاً مَا تَقُولُونَ فأعْلَمُوا ... بأن قد نعيتم بَدرَ كل ظلام
فلا لَقِيَ الفتيانُ بَعْدكَ لَذّةً ... ولا رجعوا من غيبة بسلام
ولا وضعت أنثى شريفاً كمثله ... ولا فرحت من بعده بغلام
ولا لا بلغتم حيث وجهتم ... له ونغصتم لذات كُلّ طعمام
ثم سألتهم: أين دفنوه؟ فأخبروها، فصارت إلى قبره، فلما قاربته قالت: أنزلوني فإني أريد قضاء حاجة، فأنزلوها فانسلتْ إلى قبره فأكَبّتْ عليه، فما راعهم إلا صوتها، فلما سمعوه بادروا إليها، فإذا هي ممتدة على القبر قد خرجت نَفْسُهَا، فدفنوها إلى جانب قبره. قال: فقال لي: فهل عندك من خبره غير ما ذكرت؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، هذا ما أخبرنا به مالك بن الصباح العدوي، عن الهيثم بن علي بن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: بعثني عثمان بن عفان مصدقاً في بني عُذْرَة في بلاد حي منهم يُقال لهم بنو منبذة، فإذا ببيت جديد منحاش عن الحي، فملت إليه، فإذا بشاب قائم في ظل البيص، وإذا عجوز جالسة في كسر البيت، فلما رآني ترنم بصوت ضعيف يقول:
جعلت لِعَرَّاف اليمامة حكمه ... وَعَرَّاف نجد إن هما شَفَيَانِي
فقالا: نعم، نشفي من الداء كله ... وقاما مع العوَّاد يبتدران
فما تركَا لي رُقْيَةً يعرفانها ... ولا شَرْبَة إلا بها سقياني
وقالا: شفاك اللّه، واللّه ما لنا ... بما حُمِّلَتْ منك الضلوع يدان
فلهفي على عفراء لهفاً كأنه ... على النحر والأحشاء حَدُّ سنان
فعفراء أحظى الناس عندي مَوَدَّة ... وعفراء عَنِّي المُعْرِضُ المتداني
وإني لأهوى الحشر إذ قيل: إنَّنِي ... وعفراء يوم الحشر ملتقيان
ألا لَعَنَ اللّه الوُشاة وَقَوْلَهُمْ: ... فُلاَنَة أضحت خُلّةً لفلان
ثم شهق شهقة خفيفة، فنظرت في وجهه فإذا هو قد مات، فقلت: أيها العجوز، ما أظن هذا النائم بفناء بيتك إلا قد مات، قالت: وأنا واللّه أظن ذلك، فنظرت في وجهه، وقالت: فَاضَ ورَبِّ الكعبة، فقلت: منِ هذا. فقالت: عروة بن حزام العذري، وأنا أمه، واللّه ما سمعت له أنّةَ من سنة إلا في صدر يومي هذا، فإني سمعته يقول:
من كان من أمهاتي باكياً أبداً ... فاليوم إنِّي أرَانِي فيه مقبوضَا
تسمعِيه فإني غير سامعة ... إذا علوت رقاب القوم معروضَا
قال: فأقمت حتى شهدت غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، قال: فقال عثمان: ومما دعاك إلى ذلك؟ قلت: إكتساب الأجر فيه واللّه، قال: فوصل الجماعة وفَضّلني عليهم في الجائزة.
حديث عن مجنون بني عامر
(2/106)

قال المسعودي: ولمن سلف من المُتيَّمين أخبار عجيبة، وأشعار حسان، فمن ذلك ما حدثنا به أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي القاضي، قال: حدثنا محمد بن سلام الجمحي، قال: أخبرني أبو الهياج بن سابق النجدي، ثم الثقفي، قال: خرجت إلى أرض بني عامر، لا لشيء إلا للقاء المجنون، فإذا أبوه شيخ كبير، وإذا إخوته رجال، وإذا نِعَم ظاهرة وخير كثير، فسألتهم عن المجنون؛ فاستعبروا، وقال الشيخ، كان والله أبَرَّ هؤلاء عندي؟ فهوى امرأة من قومه، والله ما كانت تطمع في مثله؛ فلما عرف أمره وأمرها كره أبوها أن يزوجها منه؛ فزوجها من رجل آخر؟ فقيدناه، فكان يعض شفتيه ولسانه حتى خشينا أن يقطعهما؛ فلما رأينا ذلك خَلّيْنَا سبيله؟ ففر في هذه الفَيَافِي يذهب إليه في كل يوم بطعامه فيوضع له بحيث يراه، فإذا عاينه جاء فأكل، وإذا خلقت ثيابه جاءوه بثياب، فوضعت بحيث يراها، فسألتهم أن يدلُّوني عليه، فدلوني على فتى من الحي، وقالوا: إنه لم يزل صديقاً له، وليس يأنس بأحد سواه، فسألته أن يدلني عليه؟ فقال: إن كنت تريد شعره فكل شعره عندي إلى أمس وأنا ذاهب إليه غداً؟ فإن كان قد ذكر شيئاً أتيتك به، قلت: أريد أن تدلني عليه، قال: إن رآك يفر منك، وأخاف أن يذهب مني فيما بعد، فيذهب شعره، فأبيت إلا أن يدلني، فقال: اطلبه في هذه الصحراء، فإذا رأيته فَادْنُ منه مستأنساً، فإنه يتهددك ويتوعدك أن يرميك بشيء في يده، فاجلس كأنك لا تنظر إليه والْحَظْهُ، فإذا رأيته قد سكن. فاجهد أن تروى لقيس بن فريح شيئاً فإنه معجب به، قال: فخرجت إليه يومي، فوجدته بعد العصر جالساً على تل، يخط بإصبعه خطوطاً، فدنوت منه غير منقبض، ففرَّ والله كما يفرًّ الوحش من الِإنسان، وإلى جانبه أحجار، فتناول منها واحداً، فأقبلت حتى جلست قريباً منه، فمكثت ساعة، وهو كأنه نافر، فلما طال جلوسي سَكَنَ، وأقبل يعبث بإصبعه، فنظرت إليه، وقلت: أحسن واللّه قيس بن فريح، حيث يقول:
وإني لَمُفْنِ دَمْعِ عينيَ بالبكا ... حِذاراً لما قد كان أو هو كائن
وقالوا: غداَ! أو بعد ذاك بليلة ... فراق حَبيب لم يَبِنْ وَهْوَ بائن
وما كنت أخشى أن تكون مَنِيَّتِي ... بكفي إلّاَ أنَّ مَا حَانَ حائن
قال: فبكى واللّه حتى سالت دموعه، ثم قال: أنا واللّه أشعر منه، حيث أقول:
أبى القلب إلا حبها عامرية ... لها كُنْية عمرو، وليس لها عمرو
تكاد يدي تَنْدَى إذا ما لمستها ... وينبت في أطرافها الورق الخضر
عجبت لسعي الدَّهْر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
فيا حبها زِدْنِي جَوًى كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
قال: ثم نهض، فانصرفت، ثم عُدْتُ من الغد، فأصبته، ففعلت فعلي بالأمس، وفعل مثل فعله، فلما أنس قلت: أحسن واللّه قيس بن فريح، حيث يقول، قال: ماذا، قلت:
هَبُوبي امرأ إنْ تحسنوا فهو شاكر ... لذاك، وإن لم تحسنوا فهو صافح
فإن يك قوم قد أشاروا بهجرنا ... فإن الذي بيني وبينك صالح
قال: فبكى، وقال: أنا واللّه أشعر منه، حيث أقول:
وادنيَتني حتى إذا ما سبيتني ... بقول يحل العُصمَ سهل الأباطح
تجافَيْتِ عني حيث مالِيَ حيلة ... وَخَلّفْت ما خَلّفْت بين الجوانح
ثم ظهرت لنا ظبية، فوثب في إثرها فانصرفت، ثم عدت في اليوم الثالث فلم أصادفه، فرجعت، فأخبرتهم؛ فوجهوا الذي كان يذهب بطعامه فرجع، وأخبرهم أن الطعام على حاله! ثم غدوت مع إخوته! فطلبناه يومنا وليلتنا! فلما أصبحنا أصبناه في واد كثير الحجارة، وإذا هو ميت، فاحتمله إخوته، ورجعت إلى بلدي.
وفاة بغا الكبير
قال المسعودي: وفي سنة ثمان وأربعين ومائتين كانت وفاة بُغَا الكبير التركي. وقد نَيَّفَ على التسعين سنة، وقد كان باشَرَ من الحروب ما لم يباشره أحد، فما أصابته جراحة قط، وتقلّد ابنُه موسى بن بُغَا ما كان يتقلّده، وضم إليه أصحابه، وجعلت له قيادته، وكان بُغَا دَيِّناً من بين الأتراك، وكان من غلمان المعتصم، يشهد الحروب العظام، ويباشرها بنفسه، فيخرج منها سالماً، ويقول: الأجل جوشن .
(2/107)

بُغَا يرى رسول اللّه في الحلم
ولم يكن يلبس على بدنه شيئاً من الحديد، فعذل في ذلك، فقال: رأيت في نومي النبيَّ صلى الله عليه وسلم ومعه جماعة من أصحابه فقال لي: يا بُغَا، أحسنت إلى رجل من أمتي فدعا لك بدعوات استجيبت له فيك، قال: فقلت: يا رسول اللّه ومَنْ ذلك الرجل؟ قال: الذي خَفَصته من السباع، فقلت: يا رسول اللّه، سَلْ ربك أن يطيل عمري، فرفع يديه نحو السماء وقال: اللّهم أطِلْ عمره، وأتم أجله، فقلت: يا رسول اللّه، خمس وتسعون سنة، فقال رجل كان بين يديه: ويُوَقّى من الآفات، فقلت للرجل: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، فاستيقظت من نومي، وأنا أقول: علي بن أبي طالب.
قصة له مع طالبي
وكان بُغَا كثير التعطف والبر للطالبيين، فقيل له: من كان ذلك. الرجل الذي خلصته من السباع. قال: كان أتى المعتصم برجل قد رمي ببدعة، فجرت بينهم في الليل مخاطبة في خلوة، فقال لي المعتصم: خذه فألقه إلى السباع، فأتيت بالرجل إلى السباع لألقيه إليها وأنا مُغْتَاظ عليه، فسمعته يقول: اللهم إنك تعلم ما تكلمت إلا فيك، ولم أرد بذلك غيرك، وتقرباً إليك بطاعتك، وإقامة الحق على من خالفك، أفتسلمني؟ قال: فارتعدْتُ وداخلتني له رِقًة، وملئ قلبي له رعباً، فجذبته عن طرف بركة السباع، وقد كدت أن أَزُجَّ به فيها، وأتيت به حجرتي فأخفيته فيها، وأتيت المعتصم فقال: هيه، قلت: ألقيته، قال: فما سمعته يقول؟ قلت: أنا عجمي وهو يتكلم بكلام عربي ما أدري ما يقول، وقد كان الرجل أغْلَظَ، فلما كان في السحر قلت للرجل: قد فتحت الأبواب وأنا مخرجك مع رجال الحرس، وقد آثرتك على نفسي، ووَقَيْتكَ بروحي، فاجْهَدْ ألاَّ تظهر في أيام المعتصم، قال: نعم، فما خبرك. قال: هجم رجل من عماله في بلدنا على ارتكاب المكاره والفُجُور وإماتة الحق ونَصْر الباطل، فسَرَى ذلك إلى فساد الشريعة، وهَدْم التوحيد، فلم أجد عليه ناصراً، فوثبت عليه في ليلة فقتلته؟ لأن جرمه كان يستحق به في الشريعة. أن يفعل به ذلك.
بيّن المستعين والأتراك
قال المسعودي: ولما انحدر المستعين ووصيف وبُغَا إلى مدينة السلام اضطربت الأتراك والفراغنة وغيرهم من الموالي بسامرا، وأجمعوا على بعث جماعة إليه يسألونه الرجوع إلى دار مكة، فصار إليه عدة وجوه الموالي ومعهم البُرْدُ والقَضِيبُ وبعض الخزائن ومائتا ألف دينار، ويسألونه الرجوع إلى دار ملكه، واعترفوا بذنوبهم، وأقَرُّوا بخطئهم، وضمنوا ألا يعودوا ولا غيرهم من نظرائهم إلى شيء من ذلكِ مما أنكره عليهم، وتذللوا وخضعوا، فأجيبوا بما يكرهون، وانصرفوا إلى سر من رأى فأعلموا أصحابهم وأخبروهم بما نالهم، وإياسهم من رجوع الخليفة.
الموالي يجمعون على بيعة المعتز
وقد كان المستعين اعتقل المعتز والمؤيد حين انحدر إلى بغداد، ولم يأخذهما معه، وقد كان حذر من محمد بن الواثق حين انحداره فأخفه معه، ثم إنه هرب منه بعدُ في حال الحرب، فأجمع الموالي على إخراج المعتز والمبايعة له والاِنقياد إلى خلافته، ومحاربة المستعين وناصريه ببغداد، فأنزلوه من الموضع المعروف بلؤلؤة الجوسق، وكان معتقلاً فيه مع أخيه المؤيد، فبايعوه، وذلك يوم الأربعاء لإِحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة إحدى وخمسين ومائتين، وركب من غد ذلك اليوم إلى دار العامة، فأخذ البيعة على الناس، وخَلَعَ على أخيه المؤيد، وعقد له عقدين أسود وأبيض، فكان الأسود لولاية العهد بعده، والأبيض لولاية الحرمين وتقلدهما، وانبثّتِ الكتب في سامرا بخلافة المعتز باللّه إلى سائر الأمصار، وأرخت باسم جعفر بن محمد الكاتب، وأحْدَرَ أخاه أبا أحمد مع عدة من الموالي لحرب المستعين إلى بغداد، فنزل عليها، فكان أول حرب جرت بينهم ببغداد بين أصحاب المعتز والمستعين، وهرب محمد بن الواثق إلى المعتز باللّه، ولم تزل الحرب بينهم وبين أهل بغداد للنصف من صفر من هذه السنة، فلما نشبت الحرب بينهم كانت أمور المعتز تَقْوَى، وحالة المستعين تضعف، والفتنة عامة.
(2/108)

فلما رأى محمد بن عبد اللّه بن طاهر ذلك كاتب المعتز وجَنَحَ إليه، ومال إلى الصلح على خلع المستعين، وقد كانت العامة ببغداد - حين علمت ما قد عزم عليه من خلع المستعين - ثارت مُنْكِرة لذلك، متحيزة إلى المستعين، ناصرة له، فأظهر محمد بن عبد اللّه المستعين على أعلى قصره، فخاطبته العامة وعليه البردة والقَضِيبُ، فأنكر ما بلغهم من خلعه، وشكر محمد بن عبد اللهّ بن طاهر، ثم التقى محمد بن عبد اللّه بن طاهر وأبو أحمد الموفق بالشماسية، فاتفقا على خلع المستعين على أن له الأمان ولأهله وولده وما حوته أيديهم من أملاكهم، وعلى أنه ينزل مكة هو ومن شاء من أهله، وأن يقيم بواسطة العراق إلى وقت مسيره إلى مكة، فكتب له المعتز على نفسه شروطاً أنه متى نقضِ شيئاً من ذلك فاللّه ورسوله منه بَرَاء، والناسُ في حل من بيعته، وعهوداً يطول ذكرها، وقد خذل المعتز بعد ذلك لمخالفتها حين عالج في نقضها، فخلع المستعين نَفْسَه من الخلافة، وذلك يوم الخميس لثلاث خَلَوْنَ من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين، فكان له مذ وافى مدينة السلام إلى أن خلع سنة كاملة، وكانت خلافته - منذ تقلد الأمر على ما بيناه آنفاً إلى أن زال عنه ملكه - ثلاث سنين وثمانية أشهر وثمانية عشر يوماً على ما ذكرناه من الخلاف، وأحدر إلى دار الحسن بن وهب ببغداد، وجمع بينه وبين أهله وولده، ثم أحدر إلى واسط، وقد وكل به أحمد بن طولون التركي، وذلك قبل ولايته مصر، وعلم عجز محمد بن عبد اللّه بن طاهر عن قيامه بأمر المستعين حين استجار به وخِذْلانه إياه وميله إلى المعتز باللّه، وفي ذلك يقول بعض شعراء العصر من أهل بغداد:
أطافت بنا الأتراك حَوْلاً مَجُرَّما ... وما برحَتْ في جُحْرها أمُّ عامر
أقامت على ذُلٍّ بها ومَهَانة ... فلما بَدَتْ أبدت لنا لؤم غادر
ولم تَرْع حق المستعين فأصبحت ... تعين عليه حادثات المقادر
لقد جمعت لؤما وخبثاً وذِلّةً ... وأبقت لها عاراً على آل طاهر
ولما كان من الأمر ما قدمناه من خلع المستعين انصرف أبو أحمد الموفق من بغداد إلى سامرا، فخلع عليه المعتز، وتوج، ووشح بوشاحين، وخلع على من كان معه من قواده، وقدم على المعتز عبيدُ اللّه بن عبد اللّه بن طاهر أخو محمد بن عبد اللّه بالبُرْدِ والقضيب والسيف وبجوهر الخلافة، ومعه شاهك الخادم، وكتب محمد بن عبد اللّه إلى المعتز في شاهك: إن من أتاك بإرث رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم لجدير أن لا تخفر ذمته.
وخلع المستعين وعلى وزارته أحمد بن صالح بن شيراذاد.
موت المستعين
ولما كان في شهر رمضان من هذه السنة - وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين - بعث المعتز باللّه سعيد بن صالح الحاجب ليلقى المستعين، وقد كان في جملة مَنْ حمله من واسط، فلقيه سعيد وقد قرب من سامرا فقتله واحتز رأسه وحمله إلى المعتز باللّه، وترك جثته ملقاة على الطريق حتى تولى دفنها جماعة من العامة.
وكانت وفاة المستعين باللّه يوم الأربعاء لست خَلَوْنَ من شوال سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وهو ابن خمس وثلاثين سنة، على ما قدمنا في صدر هذا الباب.
وذكر شاهك الخادم قال: كنت عديلاً للمستعين عند إشخاص المعتز له إلى سامرا، ونحن في عمارية، فلما وصل إلى القاطول تَلَقَاه جيش كثير، فقال: يا شاهك أنْظَرْ مَنْ رئيس القوم؟ فإن كان سعيد الحاجب فقد هلكت، فلما عاينته قلت: هو واللّه سعيد، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهَبَتْ والله نفسي، وجعل يبكي، فلما قرب سعيد منه جعل يقنعه بالسوط، ثم أضجعه وَقَعَدَ على صدره واحتز رأسه، وحمله على ما ذكرنا، واستقامت الأمور للمعتز، واجتمعت الكلمة عليه.
وللمستعين أخبار غير ما ذكرناه في هذا الكتاب، وأوردناه في هذا الباب، وقد أتينا على ذكرها في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وإنما ذكرنا ما أوردنا في هذا الكتاب لئلا يتوهم أنا أغفلنا ذكرها أو عًزَبَ عنا فهمها، فإنا بحمد اللّه لم نترك شيئاً من أخبار الناس وسيرهم وما جرى في أيامهم إلا وقد ذكرناه، وأوردنا في كتبنا أحْسَنَهُ، وفوق كل في علم عليم، واللّه الموفق للصواب.
ذكر خلافة المعتز باللّه
(2/109)

بويع المعتز باللهّ، وهو الزبير بن جعفر المتوكل، وأمه أُم ولد يقال لها قبيحة، ويكنى أبا عبد اللّه، وله يومئذ ثمان عشرة سنة، بعد خَلْع المستعين لنفسه، وذلك يوم الخميس لليلتين خَلَتَا من المحرم، وقيل: لثلاث خَلَوْنَ منه، سنة اثنتين وخمسين ومائتين على ما قَدَّمنا، وبايعه القُوَّاد والموالي والشاكرية وأهل بغداد، وخطب له في المسجد الجامع ببغداد في الجانبين.
ثم خلع المعتز نفسه يوم الاثنين لثلاث بَقِينَ من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، ومات بعد أن خلع نفسه بستة أيام.
فكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر، ودُفن بسامرا، فجملة أيامه منذ بُويع بسامرا قبل خلع المستعين إلى اليوم الذي فيه أربع سنين وستة أشهر وأياماً، ومنذ بًويع له بمدينة السلام ثلاث سنين وسبعة أشهر وكرفي وله أربع وعشرين سنة.
ذكر جمل هن أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
قول الناس في خلعه نفسه
ولما خلع المستعين بالله وأحْمِرَ إلى واسط - بعد أن أشْهَدَ على نفسه أنه قد بَرِئَ من الخلافة وأنه لا يصلح لها، لما رأى من الخلاف الواقع، وأنه قد جعل الناس في حل من بيعته - قالت في ذلك الشعراء فأكثرت، ووصفته في شعرها فأغرقت، فقال في ذلك البحتري من قصيدة طويلة:
إلى وَاسِطٍ خلف الدَّجَاج، ولم يَكُنْ ... لينبت في لَحْم الدجاج مخالب
وفي ذلك يقول الشاعر المعروف بالكناني من قصيدة:
إني أراك من الفراق جَزُوعا ... أمْسَى الإِمام مُسَيَّراً مخلوعا
وغدا الخليفة أحمد بن محمد ... بعد الخلافة والبهاء خليعا
كانت به الأيام تضحك زهرة ... وهو الربيع لمن أراد ربيعاً
فأزاله المقدور مِنْ رتب العُلاَ ... فثوى بِوَاسِط لا يحس رجوعا
وكان بين خلع المستعين وقتله تسعة أشهر ويوم.
وفاة جماعة من أهل العلم
ومات في خلافة المستعين جماعة من أهل العلم والمحدِّثين: منهم أبو هاشم محمد بن زيد الرفاعي، وأيوب بن محمد الوراق، وأبو كريب محمد بن العلاء الهمداني بالكوفة، وأحمد بن صالح المصري، وأبو الوليد السَّرِيُّ الدمشقي، وعيسى بن حماد زغبة المصري بمصر، ويكنى أبا موسى، وأبو جعفر بن سوار الكوفي، وذلك في سنة ثمان وأربعين ومائتين.
وفي خلافة المستعين - وذلك في سنة تسع وأربعين ومائتين - كانت وفاة الحسن بن صالح البزار، وكان من عِلْيَة أصحاب الحديث، وهشام بن خالد الدمشقي، ومحمد بن سليمان الجهني بالمصيصة، والحسن بن محمد بن طالوت، وأبو حفص الصيرفي بسامرا؛ ومحمد بن زنبور المكي بمكة، وسليمان بن أبي طيبة، وموسى بن عبد الرحمن البرقي.
وفي خلافة المستعين - وذلك في سنة خمسين ومائتين - مات إبراهيم بن محمد التميمي، قاضي البصرة، ومحمود بن خداش، وأبو مسلم أحمد بن أبي شعيب الحراني؛ والحارث بن مسكين المصري، وأبو طاهر أحمد بن عمرو بن السرح، وغير هؤلاء ممن أعرضنا عن ذكره، من شيوخ المحدثين وَنَقَلَة الآثار، ممن قد أتينا على ذكرهم من أول زمن الصحابة، إلى وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - في سنة ست، من كتابنا المترجم بالأوسط، وإنما نذكر من وفاة من ذكرنا لئلا نخلي هذا الكتاب من نبذ مما يحتاج إلى ذكره على قدر الطالب له.
فص من الياقوت الأحمر
وقد كان المستعين في سنة ثمان وأربعين ومائتين أخرج من خزانة الخلافة فص ياقوت أحمر، يعرف بالجبلي، وكانت الملوك تصونه، وكان الرشيد اشتراه بأربعين ألف دينار، ونقش عليه اسمه أحمد، ووضع ذلك الفص في إصبعه، فتحدَّث الناس بذلك، وقد ذكر أن ذلك الفص قد تداولته الملوك من الأكاسرة وقد نقش في قديم الزمان، وذكر أنه لم ينقشه ملك إلا مات قتيلاً، وكان الملك إذا مات وجلس تاليه في الملك حك النقش، فتداولته في اللبس الملوك، وهو غير منقوش، فيقع للنادر من الملوك فينقشه، وكان ياقوتاً أحمر، يضيء بالليل كضياء المصباح إذا وضع في بيت لا مصباح فيه أشرق، ويرى فيه بالليل تماثيل تلوح، وله خبر ظريف، وقد ذكرناه في كتابنا أخبار الزمان في ذكر خواتم ملوك الفرس، وقد كان هذا الفص ظهر في أيام المقتدر، ثم خفي أثره بعد ذلك.
بعض ما قيل في المعتز
(2/110)

وشد كان جماعة من الشعراء قالوا في المعتز - حين استتم له الأمر واستقامت له الخلافة، وخلعها المستعين - أقوالاً كثيرة، فمن ذلك قول مروان بن أبي الجنوب من قصيدة طويلة:
إن الأمور إلى المعتز قد رَجَعَتْ ... والمستعينُ إلى حالاته رَجَعَا
قد كان يعلم أن المُلْكَ ليس له ... وأنه لك لكن نَفْسَهُ خدعا
وفي ذلك يقول رجل من أهل سامرا، وقد قيل إنه البحتري:
للَه عَزُ عصابة تركية ... رَدوا نوائب دهرهم بالسيف
قتلوا الخليفة أحمد بن محمد ... وكَسَوا جميع الناس ثوب الخوف
وطَغَوْا فأصبح ملكنا متقسماً ... وإمامنا فيه شبيه الضيف
وفي المعتز ورجوع الأمر إليه واتفاق الكلمة عليه يقول أبو علي البصير:
آبَ أمرُ الإِسلام خَيْرَ مآبه ... وغدا الملك ثابتاً في نِصَابهْ
مستقراً قراره مطمئناً ... آهلا بعد نأيه واغترابه
فاحمد اللّه وَحْلَى والتمس بالعفو عمن هفا جزيل ثوابه
وزراء المعتز
وكان على وزارة المعتز جعفر بن محمد، ثم استوزر جماعة، فكانت الكتب تخرج باسم صالح بن وصيف كأنه مرسوم بالوزارة.
وكانت وفاة أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد في خلافة المعتز باللّه.
وذلك في يوم الاثنين لأربع بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين ومائتين، وهو ابن أربعين سنة، وقيل: ابن اثنتين وأربعين سنة، وقيل: أكثر من ذلك، وسمع في جنازته جارية تقول: ماذا لقينا في يوم الاثنين قديماً وحديثاً. وصلى عليه أحمد بن المتوكل على اللّه، في شارع أبي أحمد، وفي داره بسامرا، ودفن هناك.
علي بن محمد الطالبي
حدثنا ابن الأزهر، قال: حدثني القاسم بن عباد، قال: حدثني يحيى بن هرثمة، قال: وَجَّهني المتوكل إلى المدينة لِإشخاص علي بن محمد بن علي بن موسىِ بن جعفر لشيء بلغه عنه؛ فلما صرت إليها ضجَّ أهلها وعجوا ضجيجاً وعجيجاً ما سمعت مثله، فجعلت أسكنهم وأحلف لهم أني لم أومر فيه بمكروه، وفتشت بيته، فلم أجد فيه إلا مصحفاً ودعاء، وما أشبه ذلك، فأشخصته وتولّيْتُ خدمته وأحسنت عشرته، فبينا أنا نائم يوماً من الأيام، والسماء صاحية، والشمس طالعة؛ إذ ركب وعليه ممطر، وقد عقد ذنب دابته، فعجبت من فعله، فلم يكن بعد ذلك إلا هنيهة حتى جاءت سحابة فأرخت عَزَاليها، ونالنا من المطر أمر عظيم جداً، فالتفت إليَّ، وقال: أنا أعلم أنك أنكرت ما رأيت وتوهمت أني علمت من الأمر ما لا تعلمه، وليس ذلك كما ظننت، ولكن نشأتُ لبادية، فأنا أعرف الرياح التي يكون في عقبها المطر، فلما أصبحت هَبتْ ريح لا تخلف وشممت منها رائحة المطر، فتأهبت لذلك. فلما قدمت مدينة السلام بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري - وكان على بغداد - فقال لي: يا يحيى، إن هذا الرجل قد وَلَدَهُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، والمتوكل منْ تعلم، وإن حرضته على قتله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خَصْمَكَ، فقلت: والله ما وقفت له إلا على كل أمر جميل.
فصرت إلى سامرا، فبدأت بوصيف التركي، وكنت من أصحابه، فقال: واللّه لئن سَقَطَتْ من رأس هذا الرجل شَعْرَة لا يكون المطالِبً بها غيري، فعجبت من قولهما، وعَرَّفت المتوكل ما وقفت عليه، وما سمعته من الثناء عليه، فأحسن جائزته، وأظهر بره وتكرمته.
(2/111)

وحدثني محمد بن الفرج بمدينة جرجان في المحلة المعروفة ببئر أبي عنان قال: حدثني أبو دعامة، قال: أتيت علي بن محمد بن علي بن موسى عائداً في علّته التي كانت وفاته منها في هذه السنة، فلما هممت بالانصراف قال لي: يا أبا دعامة قد وجب حَقّكَ، أفلا أحدثك بحديث تُسَرُّ به؟ قال: فقلت له: ما أحوجني إلى ذلك يا ابن رسول اللّه، قال: حدثني أبي محمد بن علي، قال: حدثني أبي علي بن موسى، قال: حدثني أبي موسى بن جعفر، قال: حدثني جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي محمد بن علي، قال: حدثني أبي عليُّ بن الحسين، قال: حدثني أبي الحسين بن علي، قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب، رضي اللّه عنهم! قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم " اكتب يا علي " قال: قلت: وما أكتب؟ قال لي: " اكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم، الإِيمان ما وقرته القلوب وصدقته الأعمال، والإِسلام ما جرى به اللسان وحلت به المناكحة " قال أبو دعامة: فقلت: يا ابن رسول اللّه، ما أدري أيهما أحسن: الحديث أم الإِسناد؟ فقال: إنها لصحيفة بخط علي بن أبي طالب بإملاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نتوارثها صاغراً عن كابر.
قال المسعودي: وقد ذكرنا خبر علي بن محمد بن موسى رضي اللّه عنه مع زينب الكذابة بحضرة المتوكل، ونزوله رضي اللّه عنه! إلى بركة السباع، وتذللها له، ورجوع زينب عما ادعته من أنها ابنة الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام وأن اللّه تعالى أطال عمرها إلى ذلك الوقت، في كتابنا أخبار الزمان وقيل: إنه مات مسموماً، عليه السلام.
موت محمد بن عبد اللّه بن طاهر
قال المسعودي: وفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين - وذلك في خلافة المعتز - مات محمد بن عبد اللهّ بن طاهر، للنصف من ذي القعدة، بعد قتل وصيف بثلاثة عشر يوماً، والقمر مخسوف وكان من الجد والكرم، وغزارة الأدب، وكثرة الحفظ، وحسن الإِشارة، وفصاحة اللسان، وملوكية المجالسة، على ما لم يكن عليه أحد من نظرائه في عصره وفيه يقول الحسين بن علي بن طاهر من قصيدة له:
خُسف البدر والأمير جميعاً ... فانجلى البدرُ والأمير غَمِيدٌ
عاود البدر نوره لتجليه ... ونور الأمير ليس يعودُ
يا خسوفين ليلة الأحد النحس أحَلّتكما هناك السعود
واحد كان حده مثل حد السيف والنار شُبَ فيها الوقودُ
ماني الموسوس
وذكر أبو العباس المبرد قال: ارتاح محمد بن عبد الله بن طاهر يوماً للمنادمة، وقد حضره ابن طالوت، وكان وزيره وأخصَّ الناس به، وأحضرهم لخلواته، فأقبل عليه، وقال: لا بد لنا اليوم من ثالث تطيب لنا به المعاشرة، وتلذ بمنادمته المؤانسة، فمن ترى أن يكون؟ وأعْفِنَا أن يكون شرير الأخلاق، أو دنس الأعراق، أو ظاهر الِإملاق، قال: فأعملت الفكر، وقلت: أيها الأمير، خطر ببالي رجل ليس علينا من مجالسته من مؤونة، وقد برئ من إبرام المُجَالس، وخلا من ثقل المؤانس، خفيف الوطأة إذا أحببت، سريع الوثبة إذا أردت، قال: ومن ذلك. قلت: ماني الموسوس، قال: أحسنت واللّه فليتقدم إلى أصحاب الثمانية والعشرين الربع في طلبه يرفعوه رفعة، فما كان بأسرع من أن اقتنصه صاحبُ الكَرْخ، فصار به إلى باب الأمير، فأخذ وحذف ونظف وأدخل الحمام وألبس ثياباً وأدخل عليه، فقال: السلام عليك أيها الأمير، فقال محمد: وعليك السلامُ يا ماني، أما آن لك أن تزورنا على حين تَوَقانٍ منا إليك ومنازعة قلوب منا نحوك. فقال ماني: الشوق شديد، والحب عتيد، والزار بعيد، والحجاب صعب، والبواب فظ، ولو سهل لنا في الِإذن لسهلت علينا الزيارة، فقال: ألْطَفْتَ في الاستئذان فليلطف لك في الِإذن، لا يمنع ماني أي وقت ورد من ليل أو نهار، ثم أذن له في الجلوس، فجلس، ودعا بالطعام فأكل، ثم غسل يديه وأخذ مجلسه، وكان محمد قد تَشوَقَ إلى السماع من مؤنسة جارية بنت المهدي، فأحضرت، فكان أول ما غنت به:
ولَسْتُ بنَاس إذْ غَمَوْا فتحمَّلُوا ... دموعي على الأحباب من شدَة الوجدِ
وقولي وقد زالتَ بليلٍ حُمُولُهم: ... بواكر نجد لا يكَن آخر العهدِ
فقال ماني: أحسنت، وبحق الأمير إلا ما زدت فيه:
وقمت أناجي الفكر والدمع حائر ... بمُقْلَة موقوف على الضرِّ والجهد
(2/112)

ولم يعدني هذا الأمير بغيرة ... على ظالم قد لج في الهجر والصد
فاندفعت تغنيه، فقال له محمد: أعاشق أنت يا ماني؟ فاستحيا، وغمزه ابن طالوت أن لا يبوح له بشيء فيسقط من عينيه، فقال: مبلغ طرب وشوق كان كامناً فظهر، وهل بعد الشيب صَبْوَة؟ ثم اقترح محمد على مؤنسة هذا الصوت:
حَجَبُوهَا عن الرياح لأني ... قلت: يا ريحُ بَلِّغيها السلاما
لو رَضُوا بالحجاب هان ولكن ... منعوها عند الرياح الكلاما
فغنته، فطرب محمد، ودعا برطل فشرب، فقال ماني: ما على قائل هذا الشعر لو زاد فيه:
فَتَنَفّسْتُ ثم قلت لطَيْفِي: ... إن زُرْتَ طيفها إلماما
خُصَهُ بالسلام مني فأخشَى ... يمنعوها لشقوتي أن تنامَا
لكان أثقب لزند الصَّبَابة بين الأحشاء، وأشَدَّ تغلغلاً إلى الكبد الصَّدْيا من زلال الماء، مع حسن تأليف نظامه، والانتهاء بالمعنى إلى نهاية تمامه، فقال محمد: أحسنت يا ماني، ثم أمر مؤنسة بإلحاقهما بالبيتين الأولين والغناء بهما، ففعلت، ثم غنت بهذين البيتين:
يا خليليَّ ساعة لا تريما ... وعلى ذي صبابة فأقيما
ما مررنا بدار زينب إلا ... هَتَكَ الدمعُ سِرَّنَا المكتوما
فاستحسنه محمد، فقال ماني: لولا رهبة التعدِّي لأضَفْتُ إلى هذين البيتين بيتين لَا يَرِدَانِ على سمع ذي لب فيصدران إلا عن استحسان لهما، فقال محمد: يا ماني، الرغبة في حسن ما تأتي به حائلةٌ دون كل رهبة، فهات ما عندك، فقال:
ظبية كالهلال لو تلحظ الصخر ... بطَرْفِ لغادرته هشيماً
وإذا ما تبسَّمَتْ خِلْتُ إيما ... ضَ بروقٍ أو لؤلؤاً منظوماً
فقال: أحسنت يا ماني، فأجز هذا الشعر:
لم تَطِبِ اللذات إلا بمنِ ... طابت بها اللذات مأنوسه
غنت بصوت أطْلَقَتْ عَبْرَةَ ... كانت بسجن الصبر محبوسه
فقال ماني:
وكيف صبر النفوس عن غادة ... أظلمها إن قلت طاووسه
وجُرْتُ إن سًمّيتها بانة ... في جنة الفردوس مغروسه
وغَيْرُ عَدْلٍ إن عدلنا بها ... جوهرة في البحر مغموسه
ثم سكت، فقال محمد: ما عدا في وصفه لها، فقال ماني:
جَلّتْ عن الوصف فما فكرة ... تلحقها بالنعت محسوسه
فقال محمد: أحسنت، فقالت مؤنسة: وجب شكرك يا ماني، فساعدك دهرك، وعطف علمك إلْفُكَ، وقارنك سرورك، وفارقك محذورك، والله يديم لنا ذلك ببقاء مَنْ به اجتمع شملنا، فقال لها ماني عند قولها: وعطف عليك إلفك! مجيباً:
ليس لي إلْفٌ فيعطفني ... فارقَتْ نفسي الأباطيل
أنا موصول بنعمة من ... حَبْلُه بالمجد موصول
أنا مغبوط بنعمة من ... طَبْعُه بالخير مأمول
فأومأ إليه ابن طالوت بالقيام، فنهض وهو يقول:
ملك قل النظير له ... زانه الغُرُ البهاليل
طاهريٌّ في مواكبه ... عُرْفُه في الناس مبذول
دم مَنْ يشقى بصارمه ... مَعْ هبوب الريح مطلول
يا أبا العباس صُنْ أدباً ... حَدُّه بالدهر مَفْلُول
فقال محمد: وجب جزاؤك لشكرك على غير نعمة سبقت، ثم أقبل على ابن طالوت فقال: ليست خساسة المرء، ولا اتضاع الدهر، ولا نبو العين عن الظاهر بمذهب جوهرية الأدب المركب في الِإنسان، وما أخطأ صالح بن عبد القدوس حيث يقول:
لا يعجبك من يصون ثيابَهُ ... خَوْفَ الغبار وعِرْضُه مبذول
فلربما افتقر الفتى فرأيته ... دنس الثياب وعرضه مغسول
قال ابن طالوت: فما رأيت أحْضَرَ ذهناً منه، إذ تقول الجارية: عطف عليك إلفك وإنشاده عند قولها ذلك:
ليس لي إلف فيعطفني ... فارقت نفسي الأباطيل
قال: فلم يزل محمد مُجْرِيا عليه رزقَه حتى توفي.
المعتز وولاة العهد
(2/113)

ونمي إلى المعتز أن المؤيد يدبر عليه، وأنه قد استمال جماعة من الموالي، فحبس المؤيد وأبا أحمد - وهما لأب وأم - وطولب المؤيد بأن يخلع نفسه من ولاية العهد، فضُرِبَ أربعين عصا إلى أن أجاب، وأشهد على نفسه بذلك، ثم اتصل بالمعتز أن جماعة من الأتراك اجتمع رأيهم على إخراج المؤيد من حبسه، فلما كان يوم الخميس لثمان بقين من رجب سنة اثنتين وخمسين ومائتين أخرج المؤيد ميتاً، وأحضر القضاة والفقهاء حتى رأوه ولا أثر فيه، فيقال: إنه أدرج في لحاف مسموم وشد طرفاه حتى مات فيه، وضيق حبس أبي أحمد، فكان بين دخوله سر من رأى وما لقي بها من الِإكرام وبين حبسه ستة أشهر وثلاثة أيام، ثم أشخص إلى البصرة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان بعد قتل المؤيد بخمسيِن يوماً، ورتب إسماعيل بن قبيحة - وهو أخو المعتز لأبيه وأمه - مكان المؤيد في ولاية العهد - واجتمع قواد الموالي إلى المعتز فسألوه الرضا عن وصيف وبُغَا، فأجابهم إلى ذلك.
وفي هذه السنة مات زرافة صاحب دار المتوكل بمصر.
وقد كان يوسف بن إسماعيل العلوي غلب على مكة فمات في هذه السنة فخلفه بعد وفاته أخوه محمد بن يوسف، وكان أسن منه بعشرين سنة، فنال الناس في هذه السنة بسببه جَهْدٌ شديد، فبعث المعتز بأبي الساج الأشروسي إلى الحجاز؛ فهرب محمد بن يوسف، وقتل خلق من أصحابه.
وفيها أوقع الحسن بن زيد الحسيني بسليمان بن عبد اللّه بن طاهر، فأخرجه عن طبرستان.
وفي هذه السنة قدم إلى سامرا عيسى بن الشيخ الشيباني من مصر، ومعه مال كثير، وستة وسبعون رجلاً من سائر والد أبي طالب من ولد علي وجعفر وعَقيل كانوا قد خرجوا من الحجاز خَوْفَ الفتنة والجهد النازل بالحجاز إلى مصر، فحملوا منها، فأمر المعتز بتكفيلهم، والتخلية عنهم؛ لما وقف عليه من أمرهم.
وولي عيسى ابن الشيخ فلسطين.
وفي هذه السنة - وهي سنة ثلاث وخمسين ومائتين - مات صفوان العقيلي صاحب ديار مُضرَ في حبس سامرا.
وفي هذه السنة كان قتل أهل كَرْحٍ سامرا من الفراغنة والأتراك لوصيف التركي، وتخلّص بُغَا منهم، واشتد أمر مساور الشاري؛ ورتب صالح بن وصيف في موضع وصيف.
موت بُغَا الصغير
في سنة أربع وخمسين ومائتين خرج من سامرا إلى ناحية الموصل، فانتهبت الموالي داره، وانفضِّ من كان معه من الجيش، وانحدر في زَوْرَق متنكراً فوقع به بعض المغاربة بجسر سامرا، فقتل ونصب رأسه بسامرا، وهو بُغَا الصغير، ثم أخذ الرأس إلى مدينة السلام فنصب على الجسر.
وكان المعتز في حياة بُغَا لا يلتذُّ بالنوم، ولا يخلع سلاحه، لا في ليل ولا في نهار، خوفاً من بُغَا، وقال: لا أزال على هذه الحالة حتى أعلم لبغا رأسي أو رأسه لي، وكان يقول: إني لأخاف أن ينزل عليَّ بغَا من السماء أو يخرج عليَّ من الأرض، وقد كان بُغَا عزم على أن ينحدر سراً فيصل إلى سامرا في الليل، ويصرف الأتراك عن المعتز، ويفيض فيهم الأموال فكان من أمره ما وصفنا.
الأتراك والمعتز
(2/114)

ولما رأى الأتراك إقْدام المعتز على قتل رؤسائهم، وإعمالَهُ الحيلَةَ في فنائهم، وأنه قد اصطنع المغاربة والفراغنة دونهم صاروا إليه بأجمعهم، وذلك لأربع بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، وجعلوا يقرعونه بذنوبه، ويوبخونه على أفعاله، وطالبوه بالأموال، وكان المدبر لذلك صالح بن وصيف مع قُوَّاد الأتراك، فلجَّ وأنكر أن يكون قبله شيء من المال، فلما حصل المعتز في أيديهم بعث إلى مدينة السلام في محمد بن الواثق الملقب بالمهتدي، وقد كان المعتز نَفَاه إليها واعتقله فيها، فأتي به في يوم وليلة إلى سامرا، فتلقَّاه الأولياء في الطريق، ودخل إلى الجوسق، وأجاب المعتز إلى الخلع، على أن يعطوه الأمان أن لا يُقْتَلَ وأن يؤمنوه على نفسه وماله وولده، وأبى محمد بن الواثق أن يقعد في سرير الملك أو يقبل البيعة حتى يرف المعتز ويسقى كلامه، فأتي بالمعتز وعليه قميص مدنس وعلى رأسه منديل، فلما رآه محمد بن الواثق وَثَبَ إليه فعانقه، وجلسا جميعاً على السرير، فقال له محمد بن الواثق: يا أخي، ما هذا الأمر؟ قال المعتز: أمر لا أطيقه، ولا أقوم به، ولا أصْلُح له، فأراد المهتدي أن يتوسَّط أمره، ويصلح الحال بينه وبين الأتراك، فقال المعتز: لا حاجة لي فيها، ولا يَرْضَوْننِي لها، قال المهتدي: فأنا في حلّ من بيعتك، قال: أنت في حل وَسَعَةٍ، فلما جعله في حل من بيعته حَوَلَ وجهه عنه، فأقيم عن حضرته، ورُدَّ إلى محبسه، فقُتِلَ في محبسه بعد أن خلع بستة أيام، على ما قدمنا في صدر هذا الباب.
وقد قالت الشعراء في خلع المعتز وقتله فأكثرت، ورثته فأحسنت، فمن ذلك قول بعض أهل ذلك العصر من قصيدة له:
عَيْنُ لا تبخلي بسفح الدموع ... واندبي خير فاجع مفجوع
خانه الناصح الشفيق ونالته أكُفُّ الردى بحَتْفٍ سريع
بَكَرَ الترك ناقمين عليه ... خالعيه أفديه من مخلوع
قَتَلُوهُ ظلماً وجوراً فألفو ... ه كريم الأخلاق غير جَزُوع
كان يغشى بحسنه بهجة البد ... ر فتلقاه مُظْهِراً للخضوع
وترى الشمس تستكين فلا تشرق إمَّا رأته وقت الطلوع
لم يهابوا جيشاً ولا رهبوا السيف، فَلَهْفِي على القتيل الخليع
أصبح الترك مالكي الأمر والعا ... لم ما بين سامع ومطيع
وترى اللّه فيهمُ مالك ... الأمر سيخزيهمُ بقتل ذريع
وقال فيه آخر من قصيدة طويلة:
أصْبَحَتْ مقلتي بدَمْع سفوحا ... حين قالوا: أضحى الِإمام ذبيحا
قتلوه ظلماً وجوراً وغدراً ... حين أهْدَوْا إليه حتفاً مُرِيحَا
نَضَرَ اللّه ذلك الوجه وجهاً ... وسقى اللّه ذلك الروح روحا
أيها الترك سوف تلقون للدهر سيوفا لا تستبل الجريحا
فاستعدُّوا للسيف عاقبه الأمر فقد جئتم فعالا قبيحا
وقال آخر من قصيدة طويلة أيضاً:
أصبحت مقلتي تَسُحُّ الدموعا ... إذ رأت لسيد الأنام خليعا
لهف نفسي عليه ما كان أعلا ... ه وأسْرَاه تابعاً متبوعا
ألزموه ذَنْباً على غير جرم ... فثوى فيهم قتيلاً صريعا
وبنو عمه وعَمِّ أبيه ... أظهروا ذلة وأبدوا خضوعاً
ما بهذا يصحَّ مُلْك ولا يغرى عدو ولا يكون جميعا
وكان المعتز أول خليفة أظهر الركوب بحلية الذهب، وكان مَا سلف قبله من خلفاء بني العباس - وكذلك جماعة من بني أًمية - يركبون بالحلية الخفيفة من الفضة والمَنَاطق وأنجاد السيوف والسُّروج واللُّجم، فلما ركب المعتز بحلية الذهب اتبعه الناس في فعل ذلك.
وكذلك المستعين قبله أحْدَثَ لبس الأكمام الواسعة، ولم يكن يعهد ذلك، فجعل عرضها ثلاثة أشبار ونحو ذلك، وصَغَّر القلانس، وكانت قبل ذلك طوالاً كأقباع القضاء.
وفي سنة خمس وخمسين ومائتين ظهر بالكوفة علي بن زيد وعيسى بن جعفر العلوي، فسرح إليهما المعتز سعيد بن صالح المعروف بالحاجب في جيش عظيم، فانهزم الطالبيان لتفرق أصحابهما عنهما.
(2/115)

وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب وفاة إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن موسى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم! وما نال أفلَ المدينة وغيرهم من أهل الحجاز في أيامه من الجهد والضيق، وما كان من أمر أخيه بعد وفاته، وهو محمد بن يوسف، مع أبي الساج وحربه إياه، ولما انكشف من بين يدي أبي الساج سار إلى اليمامة والبحرين، فغلب عليها، وخلفه بها عقبه المعروف ببني الأخضر إلى اليوم، وقد كان ظهَرَ بناحية المدينة بعد ذلك ابن لموسى بن عبد اللّه بن موسى بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
بعض الطالبيين الذين نالهم مكروه
قال المسعودي: وقد ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان سائر أخبار من ظهر من آل أبي طالب، ومن مات منهم في الحبس وبالسم، وغير ذلك من أنواع القتل: منهم عبد اللّه بن محمد بن علي بن أبي طالب، وهو أبو هاشم، سقاه عبد الملك بن مروان السم، ومحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، حمله سعيد الحاجب من البصرة، فحبس حتى مات، وكان معه ابنه علي، فلما مات الأب خُليَ عنه، وذلك في أيام المستعين، وقيل غير ذلك، وجعفر بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، قتله ابن الأغلب بأرض المغرب، والحسن بن يوسف بن إبراهيم بن موسى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، قتله العباس بمكة، وحمل في أيام المعتز من الري علي بن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد ومات في حبسه، وحَمَلَ سعيدٌ الحاجب من المدينة موسى بن عبد اللّه بن موسى بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان من النسك والزهد في نهاية الوصف، وكان معه إدريس بن موسى، فلما صار سعيد بناحية زبالة من جادة الطريق اجتمع خلق من العرب من بني فزارة وغيرهم لأخذ موسى من يده، فَسَمَّه فمات هنالك، وَخلَصَت بنو فزارة ابنه إدريس بن موسى.
وفي خلافة المعتز في سنة اثنتين وخمسين ومائتين كان بُدًوّ الفتنة بين البلالية والسعدية بالبصرة، وما نتج من ذلك من ظهور صاحب الزنج.
وللمعتز أخبار حسان غير ما ذكرنا قد أتينا على مبسوطها في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وباللّه التوفيق.
ذكر خلافة المهتدي باللّه
وبويع المهتدي محمد بن هارون الواثق قبل الظهر من يوم الأربعاء، لليلة بَقِيَتْ من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، وأمه أم ولد رومية يقال لها قرب، ويكنى بأبي عبد اللّه، وله يومئِذٍ سبع وثلاثين سنة، وقيل: تسع وثلاثون سنة، وإنه قتل ولم يستكمل الأربعين سنة في سنة ست وخمسين ومائتين، فكانت ولايته أحد عشر شهراً، ودُفن بسامرا، وقيل: إن مولده كان في سنة ثماني عشرة ومائتين.
ذكر جمل من أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
واستوزر المهتدي باللّه جماعة - على قصر مدته - فسلموا منه من قتل وغيره، منهم عيسى بن فَرْخَانْشَاه.
قبة المظالم وشيء من سيرته
وبنى المهتدي قبة لها أربعة أبواب، وسماها قبة المظالم، وجلس فيها للعام والخاص للمظالم، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وحرم الشراب، ونهى عن القيام، وأظهر العدل، وكان يحضر كل جمعة إلى المسجد، ويخطب الناس ويؤم بهم، فثقلت وطأته على العامة في الخاصة بحمله إياهم على الطريق الواضحة، فاستطالوا خلافته، وسئموا أيامه؛ وعملوا الحيلة عليه حتى قتلوه، وذلك أن موسى بن بُغَا الكبير كان عاملاً غائباً بالري مشتغلاً بحرب آل أبي طالب كالحسن بن زيد الحسني، وما كان من الديلم ببلاد قزوين ودخولهم إياها عَنْوَة وقتلهم أهْلَهَا، فلما نمي إلى موسى بن بُغَا قتل المعتز، وما كان من أمر صالح بن وصيف والأتراك في ذلك قَفَلَ من تلك الديار متوجهاً إلى سامرا، منكراً لما جرى على المعتز.
الخلاف في مقتل المعتز
(2/116)

وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في ذكر أخبار المعتز قَتْلَ المعتز مجملاً ولم نبين كيفية قتله، وتنازع الناس في ذلك مفصلاً، ورأيت أصحاب السير والتواريخ وذوي العناية بأخبار الدول قد تباينوا في مقتله: فمنهم من ذكر أن المعتز مات في حَبْسه في خلافة المهتدي بالله على ما قدمنا من التاريخ حتْفَ أنفه، ومنهم من ذكر أنه منع في حبسه من الطعام والشراب فمات عند قطع مواد الغذاء عنه من المأكل والمشرب، ومنهم من رأى أنه حقن بالماء الحار المغلي، فمن أجل ذلك حين أخرج إلى الناس وجدوا جوفه وارماً، والأشْهَرُ في الأخباريين ممن عني بأخبار العباسيين أنه أدخل حماماً وأكره في دخوله إياه، وكان الحمام محميّاً ومنع الخروج منه، ثم تنازع هؤلاء: فمنهم من قال إنه ترك في الحمام حتى فاضت نفسه، ومنهم من ذكر أنه أخرج بعد أن كادت نفسه تتلف للحمى، ثم أسقي شربة ماء مقرورة بثلج، فنثرت الكبد وغيره، فخمد من فوره، وذلك ليومين خَلَوَا من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، وقد أتينا على مبسوط هذه الأخبار وتنازعهم في هذه الآثار في كتابنا أخبار الزمان.
بين المهتدي وموسى بن بُغَا
ولما اتصل بالمهتدي مسير موسى بن بُغَا إلى دار الخلافة أنكر ذلك، وكاتَبَه بالمقام في موضعه، وأن لا يحل عن مركزه للحاجة إليه، فأبى موسى بن بُغَا إلا إغذاذ المسير والسرعة فيه، حتى وافى سامرا، وذلك في سنة ست وخمسينِ ومائتين، وصالح بن وصيف يدبر الأمر مع المهتدي، فلما دنا موسى من سامرا صاحت العامة في مواضعها والغوغاء في طرقاتها: يا فرعون، قد جاء موسى، وكان صالح بن وصيف قد نفر عن المهتدي حين علم بموافاة موسى، وقال: إن المهتدي راسَلَ موسى في السر في المسير إلى سامرا، والشخوص إليها، وكاتبه في ظاهر الأمر وراسله أن لا يقدم، وكان رجل من قواد الأتراك يُقال له بايكيال قد غلب على الأمر أيضاً، وترأس، فدخل موسى سامرا حتى انتهى إلى مجلس المهتدي وهو جالس للمظالم، والدار غاصَّة بخواص الناس وعوامهم، فشِرع أصحاب موسى فدخلوا الدار، وجعلوا يخرجون العامة منها بأشد ما يكون من الضرب بالدبابيس والطبرزينات والعسف، فضجَّتْ العامة، فقام المهتدي منكراً عليهم فعلَهُمْ بمن في الدرا، فلم يرجعوا عما هم عليه فتنحَّى مُغْضَبا، فقدم إليه فرس فركب وقد استشعر منهم الغَدْرَ، فمضى به إلى دار يارجوج، وقد كان موسى بن بُغَا انصرف عن دار المهتدي لما نظر إلى ضَجة العامة فيها، فنزل تلك الدار، فسير بالمهتدي إليها، فأقام فيها ثلاثاً عند موسى بن بُغَا فأخذ عليه موسى العهود والمواثيق ألا يغدر به، وكان أكثر الجيش مع موسى بن بُغَا وكان فيه ديانة وتقشف، حتى إن الجند تأسوْا به، ولم يكن يشرب النبيذ، وكان المهتدي في أخلاقه شَرَاسة، فنافر موسى، وكاد الأمر أن ينفرج، والحال أن يتسع، غير أن موسى تعطف عليه، وأعملا الحيلة في قتل صالح بن وصيف، وخاف موسى أن يكون صالح بن وصيف يعمل الحيلة عليهم في حال اختفائه، فبثَّ في طلبه العيون، حتى وقع عليه، فلما علم صالح هجومهم عليه قاتل ومانع عن نفسه، فقتل واحتز رأسه وأتي به إلى موسى بن بُغَا، ومنهم من رأى أنه أحمي له حمام وأدخل إليه فمات فيه، على حسب ما فعل بالمعتز.
مقتل المهتدي
(2/117)

وقوى أمر مُسَاور الشاري، ودنا في عسكره من سامرا، وعمَّ الناسَ بالأذى، وانقطعت السابلة، وظهرت الأعراب، فأخرج المهتدي باللّه موسى بن بُغَا وبايكيال إلى حرب الشاري، وخرج معهما فشيعهما، ثم قَفَلا من غير أن يلقيا شَرّاً، فلما استشعر المهتدي رجوعهما خرج فعسكر بجسر سامرا في جمع من المغاربة والفراغنة وغيرهم من الرسوم ليحارب بايكيال، وقد قيل إن بايكيال أقرأ موسى كتاباً للمهتدي بقتل موسى وَالفَتْك به، وإنه كتب إلى موسى بمثل ذلك، وإنهما علما بتضريب الأمر بينهما، فرجَعَا عما خرجا إليه، وأشرف بايكيال على المهتدي فانصرف موسى على ظهر سامرا متحرجاً لقتال المهتدي، فكانت بين المهتدي وبين بايكيال حرب عظيمة قتل فيها خلق كثير من الناس، وانكشف بايكيال، واستظهر المهتدي عليه، فخرج كمين بايكيال على المهتدي وفيه يارجوجِ التركي فولّى المهتلي وأصحابه، ودخل سامرا مستغيثاً بالعامة مستنصراَ بالناس يصيح في الأسواق فلا مغيث، وقدامه أُناس من الأنصار، فمضى مؤيساً من النصر إلى دار ابن خيعونة بسامرا مختفياً، فهجموا عليه وعزلوه، وحملوه منها إلى دار يارجوج، وقيل له: أتريد أن تحمل الناس على سيرة عظيمة لم يعرفوها؟ فقال: أريد أن أحملهم على سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته والخلفاء الراشدين، فقيل له: إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مع قوم قد زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة كِأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وأنت إنما رجالكم ما بين تركي وخزَرِي وفرغاني ومغربي وغير ذلك من أنواع الأعاجم لا يعلمون ما يجب عليهم من أمر آخرتهم، وإنما غرضهم ما استعجلوه من هذه الدنيا، فكيف تحملهم على ما ذكرت من الواضحة؟ فكثر منهم ومنه الكلام والمراجعة في هذا المعنى وأشباهه، ثم انقادوا إليه على حسب ما ظهر للناس من ذلك، فلما كاد الأمر أن يتم قام فيهم سليمان بن وهب الكاتب - وقيل: غيره - وقال: هذا سوء رأي منكم، وخطأ في تدبيركمِ، إن أعطاكم بلسانه فنيته فيكم غير هذا، قال: وسيأتي عليكم جميعاً، ويفرق جمعكم، فلما سمعوا هذا القول استرجعوا وجاءوه بالخناجر، فكان أول من جرحه ابن عم لبايكيال، جرحَه بخنجر في أوداجه، وانكبِّ عليه فالتقم الجرح والدم يفور منه، وأقبل يمصُّ الدم حتى روي منه، والتركي سكران، فلما رويٍ من دم المهتدي قام قائماً وقد مات المهتدي، فقال: يا أصحابنا قد رَوِيت من دم المهتدي كما رَوِيتُ في هذا اليوم من الخمر.
وقد تنوزع فيما ذكرنا من قتل المهتدي، والأشْهَرُ ما ذكرناه من قتله بالخناجر، ومنهم من رأى أنه عصرت مذاكيره حتى مات، ومنهم من رأى أنه جعل بين لوحين عظيمين وشد بالحبال إلى أن مات، وقيل: قتل خنقاً، وقيل: كبس عليه بالبسط والوسائد حتى مات.
فلما مات داروا به ينوحون ويبكون عليه، وندموا على ما كان منهم من قتله، لما تبينوا من نسكه وزهده، وقيل: إن ذلك كان يوم الثلاثاء لأربع عشرة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، وكان موسى بن بغا ويارجوج التركي غير داخلين في فعل الأتراك.
سبب حنق الأتراك
وكان حَنَقُ الأتراك على المهتدي بسبب قتله بايكيال، وذلك أن بايكيال وقع بيد المهتدي فضرب عنقه، ورمى به إلى أصحابه، ومنهم من رأى أنه قتل في الحرب المتقدم ذكرها في الموضع المعروف بجسر سامرا. وقد كان المهتدي لما أفْضَتِ الخلافة إليه أخرج أحمد بن إسرائيل الكاتب وأبا نوح الكاتب إلى باب العامة بسامرا يوم الخميس لثلاث خلون من شهر رمضان، فضرب كل واحد منهما خمسمائة سوط، فماتا، وذلك لأمور كانت منهما استحقّا عند المهتدي فيما يجب في - الشريعة أن يفعل بهما ذلك.
وقتل المهتدي وله من الولد سبعة عشر ذكراً وست بنات.
ابن المدبر
وقد كان المهتدي وَلّى أحمد بن المدبر خَرَاجَ فلسطين، وكانت له معه أخبار قد أتينا على جميعها فيما سلف من كتبنا، وأخبار ابن المدبر لما - وصل إلى فلسطين وما حمل إلى سامرا، وقيل: إن المعتز باللّه كان أخرجه إلى الشام، ولأحمد بن المدبر أخبار حسان، ولِإبراهيم بن المدبر أخيه مع صاحب الزنج أخبار حين أسره.
مع طفيلي
(2/118)

قال المسعودي: فمن أخبار أحمد بن المدبر المستحسنة مما دوَّنَهَا الناسُ في أخبار الطفيليين أن أحمد كان قليل الجلوس للمنادمة، وكان له سبعة ندماء لا يأنس بغيرهم، ولا ينبسط إلى سواهم، قد اصطفاهم لعشرته، وأخذهم لمنادمته، كل رجل منهم قد انفرد بنوع من العلمِ لا يساويه فيه غيره، وكان طفيلي يعرف بابن دَرَّاجِ من أكمل الناس أدباً، وأخفهم روحاً، وأشدهم في كل مليحة افتناناَ، فلم يزل يحتال إلى أن عرف وقت جلوس أحمد بن المدبر للندماء، فتزيَّا في زي ندمائه، ودخل في جملتهم، وظن حاجبه أن ذلك بعلم من صاحبه ومعرفة من أولئك الندماء، ولم ينكر شيئاً من حاله، وخرج أحمد بن المدبر فنظر إليه بين القوم، فقال لحاجبه: اذهب إلى ذلك الرجل فقل له: ألك حاجة؟ فسقط في يدِ الحاجب وعلم أن الحيلة قد تمت عليه، وأن ابن المدبر لا يرضى في عقوبته إلا بقتله فمر وهو يجرًّ برجليه، فقال له: الأستاذ يقول لك ألك حاجة. فقال: قل له لا، فقال له: ارجع إليه فقل له: ما جُلُوسُكَ؟ فقال: الساعة جلسنا يا بغيض، فقال: ارجع إليه فقل له: أي شيء أنت. فقال: قل له طفيلي يرحمك اللّه، قال: إن الطفيلي يُحْتَمل على دخوله بيوتَ الناس وإفساده عليهم ما يريدونه من الخلوة بندمائهم والخوض في أسرارهم لخصال: منها أن يكون لاعباً بالشطرنج أو بالنرد، أو ضاربَاَ بالعود أو الطنبور، فقال: أيدك اللّه أنا أحسن هذه الأشياء كلها، قال: وفي أي وظيفة أنت منها؟ قال: فيِ العُلْيَا من جميعها، قال لبعض ندمائه: لاعبه بالشطرنج فقال الطفيلي: أصلح اللّه الأستاذ فإن قُمِرْتُ. قال: أخرجناك من ديارنا، قال: فإن قَمَرْتُ؟ قال: أعطيناك ألف درهم، قال: فإن رأيت أيدك اللّه أن تحضر الألف درهم فإن في حضورها قوة للنقس وايقان بالظّفَرِ، فأحضرت فلعبا فغلب الطفيلي ومد يده ليأخذ الدراهم، فقالَ الحاجب لينفي عن نفسه بعض ما وقع فيه: أعزك الله إنه زعم أنه في الطبقة العليا، وابن فلان غلامُك يغلبه، فأحضر الغلام، فغلب الطفيلي، فقال له: انصرف، فقال: أحضروا النرد، فأحضرت فلوعب فَغَلَبَ، فقال الحاجب: ولا هذا يا سيدي في الطبقة العليا من النرد، ولكن بوابنا فلان يغلبه، فأحضر البواب، فغلب الطفيلي، فقال له: أخرج، فقال: يا سيدي فالعود، فأتى بالعود، فضرب فأصاب، وغنى فأطرب، فقال الحاجب: يا سيدي في جوارنا شيخٌ هاشمي يُعَلِّم القيان أحْذَقُ منه، فأحضر الشيِخ فكان أطرب منه، فقال له: اخرج، فقال: فالطنبور، فأعطي طنبوراً فضرب ضرباً لم ير الناس أحسن منه، وغنى غناء في النهاية، فقال الحاجب: أعز اللهّ الأستاذ، فلان المحتكر في أوارنا أحْذَقُ منه، فأحضر المحتكر فكان أحذق منه وأطيب، فقال له ابن المدبر: قد تقصينا لك بكل جهد فأبت حرفتك إلا طردك من منزلنا، فقال: يا سيدي بقيت معي بابة حسنة، قال: ما هي؟ قال: تأمر لي بقوس بندق مع خمسين بندقة رصاص، ويقام هذا الحاجب على أربع وأرميه في دبره بهن جميعاً وإن أخطأت بواحدة منهن ضربت رقبتي، فضج الحاجب من ذلك، ووجد ابن المدبر في ذلك شفاء لنفسه وعقوبة ومكافأة له على ما فَرَطَ منه في إدخال الطفيلي إلى مجلسه، فأمر بإكافين فأحضرا وجعل أحدهما فوق الآخر وشُدَّ الحاجب فوقهما، وأمر بالقوس والبندق فدفع إلى الطفيلي، فرمى به فما أخطأه، وخلي عن الحاجب وهو يتأوه لما به، فقال له الطفيلي: أعلى باب الأستاذ من يحسن مثل هذا. فقال: يا قرْنَان ما دام البرجاس استي فلا!.
وللطفيليين أخبار حسان مثل خبر بنان الطفيلي مع المتوكل في اللوزينج، وما ابتدأ من العدد من الواحد إلى ما فوقه من القران، ولغيره منهم ما قد أتينا على ذكره في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، على الشرح والتمام والكمال، وإنما نورد في هذا الكتاب لمعاً مما لم يتقدم له ذكر فيما سلف من كتبنا في هذا المعنى.
سيرة المهتدي
(2/119)

وقد كان المهتدي باللّه ذهب في أمره إلى القصد والدين، فقرَّبَ العلماء، ورفع من منازل الفقهاء وعمهم ببِّرهِ، وكان يقول: يا بني هاشم، دعوني حتى أسلك مسلك عمر بن عبد العزيز فأكون فيكم مثل عمر بن عبد العزيز في بني أميّة، وقلل من اللباس والفرش والمطعم والمشرب، وأمر بإخراج آنية الذهب والفضة من الخزائن فكُسرت وضربت دنانير ودراهم، وعمد إلى الصور التي كانت في المجالس فمحيت، وذَبَحَ الكباش التي كان تنَاطَحُ بها بين يدي الخلفاء والديوك، وقتل السباع المحبوسة، ورفع بُسُط الديباج وكل فرش لم ترد الشريعة بإباحته، وكانت الخلفاء قبله تنفق على موائدها في كل يوم عشرة آلاف درهم، فأزال ذلك وجعل لمائدته وسائر مؤنة في كل يوم نحو مائة درهم، وكان يواصل الصيام.
وقيل: إنه لما قتل استخرج رحله من الموضع الذي كان يأوي إليه، فأصيب له سفط مقفل، فتوهموا أن فيه مالاً أو جوهراً، فلما فتح وجد فيها جبة صوف وغل، وقيل: جبة شعر، فسألوا من كان يخدمه فقال: كان إذا جَنَ الليل لبسها، وغلَّ نفسه، وكان يركع ويسجد إلى أن يدركه الصباح، وإنه كان ينام من الليل ساعة من بعد العشاء الآخرة ثم يقوم، وإنه سمعه بعض من كان يأنس إليه قبل أن يقتل وقد صلى المغرب وقد دنا ين إفطاره وهو يقول: اللهم إنه قد صَحَ عن نبيك محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: ثلاثة لا تحجب لهم دعوة عن اللّه: دعوة الِإمام العادل، وقد أجهدت نفسي في العدل على رعيتي، ودعوة المظلوم، وأنا مظلوم، ودعوة الصائم حتى يفطر، وأنا صائم، وجعل يدعو عليهم وأن يُكْفى شرهم.
(2/120)

وذكر صالح بن علي الهاشمي قال: حضرت يوماً من الأيام جلوس المهتدي للمظالم، فرأيت من سهولة الوصول إليه ونفوذ الكُتب عنه إلى النواحي فيما يتظلم به إليه ما استحسنته، فأقبلت أرْمُقُهُ ببصري إذا نظر في القصص، فإذا رجع طرفه إليَّ أطرقْتُ، فكأنه علم ما في نفسي، فقال لي: يا صالح، أحْسَبُ أن في نفسك شيئاً تحب أن تذكره، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأمَسك، فلما فرغ من جلوسه أمرني أن لا أبرح ونهض فجلَسْت جلوساً طوَيلاً، ثم دعاني فدخلت إليه وهو على حصير الصلاة، فقال لي: يا صالح، أتحدثني بما في نفسك أو أحدثك به. قلت: بل هو من أمير المؤمنين أحسن، فقال: كأني بك قد استحسنت ما رأيت من مجلسنا، فقْلتَ: أي حليفة إن لم يكن يقول بخلق القرآن، فقلت: نعم، فقال: قد كنت على ذلك برهة من الدهر حتى أقدم على الواثق شيخ من أهل الفقه والحديث من أهل أذَنَه من الثغر الشامي مقيد طُوَال، حسن الهيئة، فسلم عليه غير هائب، ودعا فأوجز، فرأيت الحياء منه في حماليق عين الواثق والرحمة له، فقال له: يا شيخ أجب أبا عبد اللّه أحمد بن أبي دؤاد فيما يسألك عنه، فقال:. يا أمير المؤمنين، أحمد يقلّ ويضعف عن المناظرة، فرأيت الواثق قد صار في مكان الرقة والرحمة له غضباً، فقال له: أبو عبد اللّه يضعف عن المناظرة؛ فقال له: هَوَن عليك يا أمير المؤمنين، أتأذن في كلامه؟ فقال له الواثق: قد أذنت لك، فأقبل الشيخ على أحمد فقال له: يا أحمد ماذا دعوت الناس إليه؟ فقال: إلى القول بخلق القرآن، فمال الشيخ: مقالتك هذه التي دَعَوْتَ الناس إليها من القول بخلق القرآن، داخلة في الدين فلا يكون الدين تاماً إلا بالقول بها. قال: نعم، قال الشيخ: رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دعا الناسَ إليها أو تركهم. قال: تركهم، قال: فعلمها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أو لم يَعْلَمْهَا؟ قال: علمها، قال: فلم دعوت الناس إلى ما يَدْعُهم إليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وتَرَكَهم منه؟ فأمسك أحمد، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، هذه واحدة، ثم قال له بعد ساعة: يا أحمد، قال اللّه في كتابه العزيز: " اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكمِ نعمتي، ورضيت لكم الِإسلام دينَاً " فقلت أنت: لا يكون الدين تاماَ إلا بمقالتكم بخلق القرآن، فاللهّ أصدق في إكماله وإتمامه أو أنت في نقصانك؟ فأمسك، قال الشيخ: يا أمير المؤمنين وهذه ثانية، ثم قال له بعد ساعة: أخبرني يا أحمد عن قول الله عزّ وجلّ في كتابه: " يا أيها الرسول بَلِّغْ ما أنزل إليك من ربك " الآية فمقالتك هذه التي دعوت الناسَ إليها بَلّغه الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة أم لا؟ فأمسك، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، وهذه ثالثة، ثم قال بعد ساعة: أخبرني يا أحمد لما علم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من مقالتك هذه التي دعوت الناس إليها وإلى القول بها من خلق القرآن أوَسِعَهُ أن أمْسَكَ عنهم أم لا؟ قال أحمد: بل اتسع له ذلك، فقال: وكذلك لأبي بكر وعمر، وكذلك لعثمان، وكذلك لعلىِ، رضي اللهّ عنهم! قال: نعم، فصرف وجهه إلى الواثق وقال: يا أمير المؤمنين، وإذا لم يتسع لنا ما اتسع لرسول اللهّ صلى الله عليه وسلم ولأصحابه فلا وَسَّع الله عينا، فقال الواثق: نعم لا وَسَّعَ اللهّ علينا إن لم يتسع لنا ما اتسع لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولأصحابه، ثم قال الواثق: اقطعوا قيده، فلما فكوا قيده عنه جاذب عليه، فقال الواثق: دعوه، ثم قال للشيخ: لم جاذبت عليه. قال: لأني عقدت في نيتي أن أجاذب عليه، فإذا أخذته أوصيت أن يجعل بين كفني وبدنىِ حتى أقول: يا رب، سَلْ عبدك هذا لم قَيَّدنِي ظلماً وأراع فيَّ أهلي، فبكى الواثق، وبكى الشيخ وكل من حضر، ثم قال له الواثق: يا شيخ، اجعلني في حِلٍّ فقال: يا أمير المؤمنين، ما خرجت من منزلي حتى جعلتك في حل إعظاماً لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولقرابتك منه، فتهلّلَ وجه الواثق وسره، ثم قال له: أقم عندي آنس بك، فقال: مكاني في ذلك الثغر أنفع، أنا شيخ كبير، ولي حاجة، قال: سَلْ ما بدا لك، قال: يأذن أمير المؤمنيِن لي في الرجوع إلى الموضع الذي أخرجَنِي منه هذا الظالم، قال: قد أذنت لك، وأمر له جائزة، فلم يقبلها، فرجعت من ذلك الوقت عن تلك المقالة. وأحسب أن الواثق رَجَعَ عنها.
(2/121)

قال: وعرض على المهتدي يوماً دفاتر خزائن الكتب، فإذا على ظهر كتابٍ منها هذه الأبيات قالها المعتز باللّه وكتبها بخصها، وهي:
إنَي عرفت علاج الطب من وَجَعِي ... وما عرفت علاج الْحُبّ والخدع
جزعت للحب، والحمىَّ صبرت لها ... إنِّي لأعجب من صبري ومن جزعي
مَنْ كان يشغله عن إلْفِهِ وجع ... فليس يشغلني عن حُبِّكُم وجعي
وما أمَلُّ حبيبي ليتني أبدا ... مع الحبيب وَيَا لَيْتَ الحبيب معي
فقطَّبَ وجه المهتدي باللّه، وقال: حدَث وسلطان الشباب، وكان المهتدي كثيراً ما ينشد البيت الأول من هذا الشعر.
خبر نوف عن علي بن أبي طالب
وذكر محمد بن علي الربعي - وكان ممن يكثر ملازمة المهتدي وكان حسن المجلس، عارفاً بأيام الناس وأخبارهم - قال: كنت أبايتُ في الليالي المهتدي فقال لي ذات ليلة: أتعرف خبر نوف الذي حكاه عن عليّ بن أبي طالب حين كان يُبَايته؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، ذكر نوف قال: رأيت عليّاً رضي اللّه عنه ليلة قد أكثر الخروج والدخول والنظر إلى السماء، ثم قال لي: يا نوف، أنائم أنت؟ قال: قلت: بل رامِقٌ أرمق بعيني منذ الليلة يا أمير المؤمنين، فقال لي: يا نوف، طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، اُولئك قوم اتخذوا أرض اللّه بساطاً، وترابها ثياباً، وماءها طِيباً، والكتاب شعاراً، والدعاء في دثاراً، ثم قرضوا الدنيا قرضاً على منهاج المسيح ابن مريم عليه السلام، يا نوف، إن اللّه تعالى أوحى إلى عبده عيسى عليه السلام أنْ قُلْ لبني إسرائيل ألّا يدخلوا إليً إلا بقلوب وَجِلَة، وأبصار خاشعة، وأكًف نقية، وَأعْلِمْهُمْ أني لا أجيب لأحد منهم دعوة ولأحَدٍ من خلقي قبلهم مَظْلمة. قال محمد بن علي الربعي: فواللّه لقد كتب المهتدي هذا الخبر بخطه، وقد كنت أسمعه في جوف الليل وقد خلا بربه في بيت كان لخلوته وهو يبكي ويقول: يا نوف، طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، ويمرُّ في الخبر إلى آخره، إلى أن كان من أمره ما كان مع الأتراك وقتلهم إياه.
علة حب الدنيا
قال محمد بن علي: قلت للمهتدي ذات يوم - وقد خَلَوْت به، وقد أكثرنا من ذكر آفات الدنيا ومَنْ رَغِبَ فيها، ومن انحرف عنها وزهد فيها - : يا أمير المؤمنين، ما للِإنسان العاقل المميز مع علمه بجميع آفات الدنيا وسرعة إنتقالها وزوالها وغرورها لطلابها يحبها ويأنس إليها؟ قال المهتدي: حقَّ ذلك له، منها خُلق فهي أمة، وفيها نشأ فهي عَيْشُه، ومنها قدر رزقه فهي حياته، وفيها يعاد فهي كِفَانُه، وفيها اكتسب الجنة فهي مبدأ سعادته، والدنيا ممرّ الصالحين إلىِ الجنة، فكيف لا يحب طريقاً تأخذ بسالكها إلى الجنة في نعيم مقيم خالداَ مخلداً إن كان من أهلها.!.
وقيل: إن هذا الكلام في جوِاب علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم، وأجاب به سائلاً سأله عن ذلك، وهو مأخوذ من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللهّ عنه، حين مدح الدنيا وذمَّ الذامَ لها، على حسب ما قَدَّمنا فيما سلف من هذا الكتاب في باب ذكر زهده وأخباره.
خروج صاحب الزنج بالبصرة
قال المسعودي: وكان خروج صاحب الزنج بالبصرة في خلافة المهتدي، وذلك في سنة خمس وخمسين ومائتين، وكان يزعم أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وأكْثَرُ الناس يقول: إنه دَعِىُّ آل أبى طالب ينكرونه وكان من
(2/122)

أهل قرية من أعمال الريِّ يُقال لها ورزنين، وظهر من فعله ما دلَّ على تصديق مما رمى به من أنه كان يرى رأي الأزارقة من الخوارج؛ لأن أفعاله في قتل النساء والأطفال وغيرهم من الشيخ الفاني وغيره ممن لا يستحق القتل يشهد بذلك عليه، وله خطبة يقول في أولها: اللّه أكبر الله أكبر، لا إلهَ إلا اللّه واللّه أكبر، ألا لا حكم إلا اللّه، وكان يرى الذنوب كلها شِرْكاً، وكان أنصاره الزنج، وكان ظهوره ببئر نخل بين مدينة الفتح وكرخ البصرة في ليلة الخميس لثلاث بَقِينَ من شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين وغلب على البصرة في سنة سبع وخمسين ومائتين، وقتل ليلة السبت لليلتين خَلَتا من صفر سنة سبعين ومائتين، وذلك في خلافة المعتمد على اللّه، وقد صنف الناسُ في أخباره وحروبه وما كان من أمره كتباً كثيرة، وكان أولَ من صنف أخباره وما كان من بَدْءِ أمره ووقوعه إلى بلاد البحرين، وما كان من خبره مع الأعراب محمد بن الحسن بن سهل بن أخي في الرياستين الفضل بن سهل صاحب المأمون، وهو الرجل الذي كان من أمره مع المعتضد باللّه قد ذكرناه واشتهر قبل ذلك في الناس، وما كان من أمره إلى أن جعله كَدَجَاج على النار وجِلًد ينتفخ ويتقرقع.
وقد ذكر الناس صاحب الزنج في أخبار المبيضة وكتبهم، وقد أتينا على جميع خبره وَبْدء خبر البلالية والسعدية بالبصرة في الكتاب الأوسط، فأغنى ذلك عن إعادته، وسنورد في هذا الكتاب في الموضع المستحق له لمعاً من ذكره، وما كان من أمره في مقتله.
عمرو بن بحر الجاحظ
قال المسعودي: وفي هذه السنة وهي سنة خمس وخمسين ومائتين، وقيل: سنة ست وخمسين ومائتين، كانت وفاة عمرو بن بحر الجاحظ بالبصرة في المحرم، ولا يعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتباً منه، مع قوله بالعثمانية، وقد كان أبو الحسن المدائني كثير الكتب، إلا أن أبا الحسن المدائني كان يؤدي ما سمع، وكتب الجاحظ - مع إنحرافه المشهور - تجلو صدأ الأذهان، وتكشف واضح البرهان، لأنه نظمها أحْسَنَ نظم، ورصفها أحسن رصف، وكساها من كلامه أجْزَلَ لفظ، وكان إذا تخوَّفَ مَلَلَ القارئ وسآمة السامع خرج من جد إلى هزل، ومن حكمة بليغة إلى نادرة ظريفة، وله كتب حسان: منها كتاب البيان والتبيين، وهو أشرفها، لأنه جمع فيه بين المنثور والمنظوم، وغُرَر الأشعار، ومستحسن الأخبار، وبليغ الخطب، ما لو اقتصر عليه مقتصر عليه لاكتفى به، وكتاب الحيوان، وكتاب الطفيليين، وكتاب البخلاء، وسائر كتبه في نهاية الكمال، مما لم يقصد منها إلى نصب ولا إلى دفع حق، ولا يُعْلَم ممن السلف وخلف من المعتزلة أفْصَح منه، وكان غُلاَمَ إبراهيم بن سًيّار النَّظام، وعنه أخذ، ومنه تَعَلّم.
وحدث يموت بن المزرع - وكان الجاحظ خاله - قال: دخل إلي خالي أناسٌ من البصرة من أصدقائه في العلة التي مات فيها، فسألوه عن حاله، فقال: عليل من مكانين: من الأسقام، وَالدَّيْنِ، ثم قال: أنا في هذه العلة المتناقضة التي يتخوف من بعضها التلف وأعظمها نيف وسبعون سنة، يعني عمره.
قال يموت بن المزرع: وكان يَطْلِي نصفه الأيمن بالصندل والكافور لشدة حرارته، والنصف الآخر لو قُرض بالمقاريض ما شعر به من خدره وبرده.
قال ابن المزرع: وسمعته يقول: رأيت بالبصرة رجلاً يروح ويغدو في حوائج الناس، فقلت له: قد أتعبت بذلك بدنك، وأخلقت ثيابك، وأعجفْتَ بِرْذَوْنك، وقتلت غلامك، فما لك راحة ولا قَرَار، فلو اقتصدت بعض الاقتصاد، قال: سمعت تغريد الأطيار في الأسحار، في أعالي الأشجار، وسمعت محسنات القيان على الأوتار فما طربت طربي لنغمة شاكر أوليته معروفاً أو سعيت له في حاجة.
يموت بن المزرع
وكان يموت لا يعود مريضاً خوفاً من أن يتطير باسمه، وله أخبار حسان، وأشعار جياد، وقد كان سكن طبرية من بلاد الأردن من الشام فمات بها، وذلك بعد الثلاثمائة، وكان من أهل العلم والنظر والمعرفة والجبل، وله ولد يُقال له مهلهل بن يموت بن المزرع، وهو شاعر مجيد من شعراء هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وفيه يقول أبوه يموت بن المزرع:
مهلهل قد حَلَبْتُ شُطُورَ دهر ... فكافحني بها الزمَنُ العنوت
وجاريت الرجال بكل ربع ... فأذعن لي اِلحثالة والرتوت
(2/123)

فأوجع ما أجِنُّ عليه قلبي ... كَرِيمٌ عَضَه زمن عتوت
كفى حزنا ًبِضَيْعَة ذي قديم ... وأبناء العبيد لها التخوت
وقد أسْهَرْتُ عيني بعد غَمْض ... مَخَافَة أن تَضِيعَ إذا فَنِيتُ
وفي لطف المهيمن لي عَزَاءَ ... بمثلك إن فنيت وإن بقيتُ
وإن يشتد عظمك بعد موتيِ ... فلا تقطعك جائحة سنوت
وقل: بالعلم كان أبي جَوَاداً ... يُقال: ومن أبوك؟ فقل: يموت
تُقرّ لك الأباعد والأداني ... بعلم ليس يجحده البهوت
وللمهتدي أخبار حسان قد أتينا على ذكرها فيما سلف من كتبنا، واللّه ولي التوفيق.
ذكر خلافة المعتمد على اللّه
وبويع المعتمد أحمد بن جعفر المتوكل يوم الثلاثاء لأرْبَعَ عَشْرَةَ ليلةً بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومائتين، وهو ابن خمس وعشرين سنة، ويكنى أبا العباس، وأمه أم ولد كوفية يُقال لها فتيان، ومات في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين، وهو ابن ثمان وأربعين سنة، فكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة.
ذكر جمل من أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
وزراؤه
ولما أفْضَتِ الخلافة إلى المعتمد على اللّه استوزَرَ عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل، فلما مات عبيد الله استوزر الحسن بن مخلد، ثم صارت الوزارة إلى سليمان بن وهب، ثم صارت إلى صاعد.
حرب صاحب الزنج
وخلع المعتمد على أخيه أبي أحمد الموفق وعلى مفلح، يوم الخميس مستهلَّ ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومائتين، وأشخصهما إلى البصرة لمحاربة صاحب الزنج، فأوقع مفلح التركي بصاحب الزنج يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين ومائتين، فأصاب مفلحاً سهم في صُدْغِه، فأصبح يوم الأربعاء ميتاً، وحمل إلى سامرا فدفن بها، وانصرف أبو أحمد عن محاربه صاحب الزنج.
الإمام الثاني عشر
وفي سنة ستين ومائتين قبض أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام في خلافة المعتمد، وهو ابن تسع وعشرين سنة، وهو أبو المهديِّ المنتظر، والإِمام الثاني عشر عند القطِعيَّة من الإِمامية، وهم جمهور الشيعة وقد تنازع هؤلاء في المنتظر من آل النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة الحسن بن علي وافترقوا على عشرين فرقة، وقد ذكرنا حِجَاجَ كل طائفة منهم لما اجتبته لنفسها واختارته لمذهبها، في كتابنا المترجم بسر الحياة وفي كتاب: المقالات، في أصول الديانات وما ذهبوا إليه من الغيبة وغير ذلك.
وقد كان المهتدي سير بقبيحة أم المعتز وعبد اللّه بن المعتز وإسماعيل بن المتوكل وطلحة بن المتوكل وعبد الوهاب بن المنتصر إلى مكة، فلما أفْضَتِ الخلافة إلى المعتمد بعث بحملهم إلى سامرا.
يعقوب الصفار
وفي سنة اثنتين وستين ومائتين كان مسير يعقوب بن الليث الصَفّار نحو العراق في جيوش عظيمة، فلما نزل دير العاقول على شاطئ دِجْلَة بين واسط وبغداد، وقد أتينا في كتابنا أخبار الزمان على بَدْء خبر يعقوب بن الليث ببلاد سجستان، وكونه في حال صغره صفاراً، وخروجه من مطوعة سجستان إلى حرب الشراة، واتصاله بدرهم بن نصر، وخبر شادرق مدينةِ الشراة مما يلي بلاد سجستان المعروفة، بأوق، وترقي الأمر بيعقوب إلى أن كان من أمره ودخوله بلاد زابلستان - وهي بلاد فيروز بن كبك ملك زابلستان - وما كان من أمره مع رسول ملك الهند على جسر بسط ودخوله بلاد هَرَاةَ ثم بلخ، وإعماله الحيلَةَ إلى أن دخل بلاد نيسابور، وقبضه على محمد بن طاهر بن عبد اللّه بن طاهر بن الحسين، ثم دخوله إلى بلاد طبرستان، ومواقعته الحسن بن زيد الحسني، مع ما قدمنا قبل وصفنا من خبر حمزة بن أدرك الخارجي، وما كان من أمره في أيام عبد اللّه بن طاهر، وإليه تضاف الحمزية من الخوارج، وانتهينا بأخبار يعقوب بن الليث من بدئه إلى غايته ووفاته ببلاد جندي سابور من كُوَرِ الأهواز.
(2/124)

فلما نزل يعقوب بن الليث دير العاقول خرج المعتمد فعسكر يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة اثنتين وستين ومائتين في الموضع المعروف بالقائم بسامرا، واستخلف ابنه المفوض، ووصل المعتمد إلى سيب بني كوما يوم الخميس لخمس خلون من رجب من هذه السنة، فواقع الصفار يوم الأحد لتسع خلون من رجب من السنة في الموضع المعروف باضطربد بين السيب ودير العاقول، فهزم الصفار، واستباح عسكره، وأخذ من أصحابه نحو عشرة آلاف رأس من الدواب، وذلك أنه فجر عليه النهر المعروف بالسيب، فغشي الماء الصحراء، وعلم الصفار أن الحيلة قد توجَّهَت عليه، وقد كان حمل على أصحاب السلطان في ذلك اليوم بضْعَ عشرَةَ حملةً، وغرق إبراهيم بن سيما، وقتل بيده خلقاً كثيراً، لبطعن محمد بن أوتاش التركي، وكان يتوهم أنه خادم، وقال لأصحابه: ما رأيت في عسكرهم مثل هذا الخادم، وقد كان الصفار في هذا اليوم قصد الميمنة - وكان عليها موسى بن بُغَا - وقتل خلقاً كثيراً من الناس منهم المغربي المعروف بالمبرقع، ونجا الصفار بنفيه والخواصّ من أوليائه، واتبعه جيش المعتمد وأهل القرى والسواد، فغنم الأكثر من ماله وعدده، واستنقذ محمد بن طاهر بن عبد اللّه بن طاهر، وكان مقيداً، كان أسره من نيسابور على ما قدمنا، ومعه علي بن الحسين من قريش، وأتى الموفق - وكان في القلب - محمد بن طاهر فَفَكَّ قيوده وخلع عليه، ورده إلى مرتبته. وقيل: إن السبب في هزيمة الصفار في ذلك اليوم - مع ما ذكرنا من فجر النهر وارتطام الخيول فيه - أن نصيرا الديلمي مولى سعيد بن صالح الحاجب كان في الشذوات في بطن دجلة، فوافى مؤخر عسكر الصفار وسواده، فخرج من الشذوات فطرح النار في الإِبل والبغال والحمير والخيول، وكان في عسكره خمسة آلاف جمل بُخْتي من جمازيات وغيرها؛ فتفرقت الإِبل في العسكر، وشردت البغال والخيل، واضطرب الناس في مصاف الصفار لما سمعوه ورأوه في عسكره وسواده من ورائهم، فكانت الهزيمة على الصفار بما ذكرنا، وُيقال: إن يعقوب بن الليث قال في سفرته هذه أبياتاً، وفي مسيره، وأنه خرج منكراً على المعتمد ومن معه من الموالي إضاعَتَهُمُ الدين، وإهمالهم أمر صاحب الزنج، فقال:
خراسان أحْوِيهَا وأعمال فارس ... وما أنا من ملك العراق بآيس
إذا ما أمور الدين ضاعت وأهملت ... ورَثّتْ فصارت كالرسوم الدوارس
خرجْتُ بعون اللّه يمنا ونصرة ... وصاحب رايات الهدى غير حارس
وكانت وفاة الصفار يوم الثلاثاء لسبع بقين من شوال سنة خمس وستين ومائتين، على ما ذكرنا بجندي سابور.
وخلف في بيت ماله خمسين ألف ألف عرهم وثمانمائة ألف دينار، وخلفه أخوه عمرو بن الليث مكانه.
سياسة الصفار
وكانت سياسة يعقوب بن الليث لمن معه من الجيوش سياسة لم يسمع بمثلها فيمن سلف من الملوك في الأمم الغابرة من الفرس وغيرهم ممن سلف وخلف، وحسن انقيادهم لأمره، واستقامتهم على طاعته لما كان قد شملهم من إحسانه، وغمرهم من بره، وملأ قلوبهم من هيبته.
طاعة أتباعه له
(2/125)

فمما ذكر من ظهور طاعتهم له أنه كان بأرض فارس، وقد أباح الناس أن يرتعوا، ثم حدث أمر أراد النقلة والرحيل من تلك الكورة فناس مناديه بقطع الدواب عن الرتع، وأنه رؤي رجل من أصحابه قد أسرع إلى دابته والحشيش في فمها، فأخرجه من فيها مخافة أن تلوكه بعد سماعه النداء، وأقبل على الدابة مخاطباً فقال بالفارسية: أمير المؤمنين دوابر أزتر بريدند، وتفسير ذلك: اقطعوا الدواب عن الرطبة، وأنه رؤي في عسكره في ذلك الوقت رجل من قواعده ذو مرتبة والدرع الحديد على بدنه لا ثوب بينه وبين بشرته، فقيلِ له في ذلك، فقال: ناس منادي الأمير: ألبسوا السلاح، وكنت عرياناً أغتسل من جنابة، فلم يسعني التشاغل بلبس الثياب عن السلاح، وكان الرجل إذا أتاه راغباً في خدمته مؤثراً للانقطاع إليه لفرَّسَ فيه؟ فإذا أعجبه منظره امتحن خبره واستبرأ ما عنده من رمي أو طعان أو غير ذلك من ثقافة، فإذا رأى منه ما يعجبه سأله عن خبره وحاله، ومن أين أقبل، ومع من كان، فإذا وافقه ما سمعه منه قال له: أصدقني عما معك من المال والمتاع والسلاح، فيقف على جميع ما معه، ثم يبعث أناساً قد رتبوا لذلك، فيبيعون جميع ذلك، ويجعلونه عيناً أو وَرقاً، ويدفع إليه، ويثبت في الديوان، ثم تزيح علله في اللباس والسلاح والمأكل والمشرب والدواب والبغال والحمير من إصطبله، حتى لا يفقد الوجعل جميع ما يحتاج إليه من أمره على قدر مكانه ومرتبته، فإن نقم عليه بعد ذلك مذهبه، ولم يرض اختياره، سلبه جميِع ما أنعم به عليه، حتى يخرج من عسكره نحو ما دخل إليه، محتملاً بما معه من ذلك العين والوَرِق، إلا أن يكون ذلك الرجل معتضداً، فيصير له فضل من أرزاقه، فلا يمنعه ما كان له من متقدم ماله، وكانت جميع ثوابه ملكاً له وإن أعلافها من قبله، ولها ساسة ووكلاء يقومون بأمرها، إلا خصوص دوابهم التي تكون عندهم إلا أن ملكها له، واتخذ لنفسه عريشاً من خشب يشبه السرير، حيثما توجه من مسيره، فيكثر الجلوس عليه، ويشرف منه على أهل معسكره، وعلى قضيم دوابه، ويرمق الخلل من وكلائه، فإذا رأى شيئاً يكرهه بادر بتغييره، وقد كان انتخب من أصحابه ألف رجل على اختيار لهم، والغنى الظاهر منهم، والنكاية في حروبهم، فجعلهم أصحاب الأعمدة الذهب، كل عمود منها فيه ألف مثقال من الذهب، ثم يليهم في اللباس والغنى فوج ثان هم أصحاب الأعمدة الفضة، فإذا كان في الأعياد، أو في الأيام التي يحتاج فيها إلى مباهاة الأعداء والاحتفال، دفع إليهم تلك الأعمدة، وإنما ضربت هذه الأعمدة عُمَّةً للنوائب.
وسئل بعض ثقاته، ممن ينظر حاله، عن اشتغاله في خلواته، وعن مجالسته معِ أهل بطانته، وهل يسمر مع أحد أو يجالسه، فذكر أنه لا يطالع أحداً على سره، ولا يعرف أحد بتدبيره وعزمه، وأكثر نهاره خالياً بنفسه يفكر فيما يريده، ويظهر غير ما يضمره، ولا يشرك أحد فيما يدبره برأِي ولا غيره، وإن تفرجه واشتغاله بغلمان صغار يتخذهم، ويؤدِّبهم، ويُخرجهم، ويدعوهم، ويدفع لهم ما قد عمله لهم من السيور، يتضاربون بها بين يديه، ففي هذا أكثر شغله إذا فرغ من تدبيره.
ولما واقع الصفار الحسن بن زيد الحسني بطبرستان - وذلك في سنة ستين ومائتين، وقيل: سنة تسع وخمسين ومائتين - وانكشف الحسن بن زيد وأمعن يعقوب في الطلب، وكانت معه رسل السلطان قد قصدوه بكتب ورسالة من المعتمد، وهم راجعون من طلب الحسن بن زيد، قال له بعضهم لما رأى من طاعة رجاله وما كان منهم في تلك الحرب: ما رأيت أيها الأمير كاليوم، قال له الصفار: وأعجب منه ما أريك إياه، ثم قربوه من الموضع الذي كان فيه عسكر الحسن بن زيد، فوجدوا البدر والكراع والسلاح والعدد، وجميع ما خلف في العسكر حين الهزيمة على حالة: لم يلتبس أحد من أصحابه منه بشيء، ولا دنوا إليه، معسكرين بالقرب منه من حيث يرونه بالموضع الذي خلفهم فيه الصفار، فقال له الرسول: هذه سياسة ورياضة راضهم الأمير بها إلى أن تأتّي له منهم ما أراده.
وكان لا يجلس إلا على قطعة مسح، يشبه أن يكون طوله سبعة أشبار في عرض ذراعين أو أرجح، وإلى جانبه ترسه وعليه اتكاؤه، وليس في مضربه شيء غيره، فإذا أراد أن ينام من ليله أو نهاره، اضطجع على ترسه، ونزع راية فيجعلها مخدته، وأكثر لباسه خفتان مصبوغ فاختي.
(2/126)

وكان من سنته أن للقواد والرؤساء والعظماء عنده مراتب في الدخول بباب مضربه، بحيث تقع عينه عليهم، ويَرَى مداخلهم، فيمرون مع أطناب الشقاق إلى خيمة مضروبة، بحيث لا يرى هو موضعها، لكنه يرى مداخلهم إليها، ومخرجهم منها، فمن احتاج إليه منهم، واحتاج، إلى كلامه أو أمره أو نهيه، دعاه فأمره، وكان دخولهم بحيث يقع نظره عليهم عوضاً من السلام عليه، ولم يكن لأحد أن يتقدم إلى باب مجلسه إلا رجل من خواصه، يعرف بالعزيز، وإخوته، وله من وراء خيمته خيمة تقرب من أطناب مجلسه، فيها غلمان من خواصه، فإذا احتاج إلى أمر يأمر به صاح بهم، فخرجوا إليه، وإلا فهو في أكثر نهاره وليله في ذلك الموضع لا يقومون على رأسه، وخيمته من داخل أخبية مطنبة، كلها يدور فيها ؟؟؟ نقص صفحة 218 219 220 221 من الكتاب يقع عليه الإحصاء، ولا يعلم ذلك إلا عالم الغيب، فيما فَتَحَ من هذه الأمصار والبلدان والضياع وأباد من أهلها، والمقلل يقول: أفنى من الناس خمسمائة ألف نفر، وكلا الفريقين يقول في ذلك ظناً وحَدْساً، إذا كان شيئاً لا يحرك ولا يضبط.
وكان مقتله على ما بينا آنفاً سنة سبعين ومائتين، وذلك في خلافة المعتمد.
صاعد بن مخلد
وقد كان الموفق بعد ذلك وجه بصاعد بن مخلد في سنة اثنتين وسبعين ومائتين إلى حرب الصفّار، فأمَرهُ على مَنْ معه من الجيوش، وشَيَّعه الموفق، فلما صار إلى بلاد فارس تجبر واشتدَ سلطانه، وانصرف من المدائن في بعض الأيام فاحتجم في خفة ورانة عليه، ونمي ذلك إلى الموفق وما هو عليه من التجبر، فقال في ذلك أبو محمد عبد اللّه بن الحسين بن سعد القطربلِيُ الكاتب في قصيدة طويلة اقتصرنا منها على ما نذكره، وهو:
تكفر لما طغى ... ودان بدين العجم
وأصبح في خفة ... وفي رانة محتجم
فأشخصه الموفق إلى واسط، فكان مدة مقامه في الوزارة سبع سنين إلى أن قبض عليه وعلى أخيه عبدون النصراني.
وماتت جارية لصاعد بعد حبسه، وكانت الغالبَةَ على أمره، وكان يُقال لها جعفر، وماتت بعدها بأيام أمُ الموفق؛ ففي ذلك يقول عبد الله بن الحسين بن سعد من أبيات له:
أخَذَتْ جعفر برأس القطار ... ثم قالت: آذنتكم بالبوار
فأجابت أمُّ الأمير وقالت: ... قد أتيناك أول الزُوَار
وسيأتيك صاعد عن قريب ... كتبه للبلاء في الاستطار
وأحصى ما وجد لصاعد من الرقيق والمتاع والكسوة والسلاح والآلات في خاصة نفسه، دون ما وجد لأخيه عبدون، فكان مبلغه ثلاثمائة ألف دينار، وكان مبلغ غَلّته في سائر ضياعه ألف ألف وثلاثمائة ألف.
ومات صاعد في الحبس، وذلك في سنة ست وسبعين ومائتين.
وفاة جماعة من الأعيان
وفي سنة سبعين ومائتين كانت وفاة أبي سليمان داود بن علي الإِصبهاني، الفَقِيه ببغداد، وفيها مات أبو أيوب سليمان بن وهب الكاتب، وأحمد بن طولون، وذلك بمصر يوم السبت لعشر خَلَوْنَ من ذي القعدة من سنة سبعين ومائتين، وله خمس وستون سنة.
أحمد بن طولون وابنه
وكانت ولاية أحمد بن طولون سبع عشرة سنة، وكان بين الظفر بصاحب الزنج ومرض أحمد بن طولون عشرة أشهر، ولما يئس أحمد بن طولون من نفسه بايع لابنه أبي الجيش بالأمر من بعده، فلما توفي جَنَدَ أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون العَهْدَ لنفسه.
وقعة الطواحين
(2/127)

ووجَّه الموفق ابنُه أبا العباس لمحاربة أبي الجيش خمارويه في سنة إحدى وسبعين ومائتين، فكانت الوقعة بينهما بالطواحين من أعمال فلسطين يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من شوال في هذه السنة، فكانت الهزيمة على أبي الجيش، واحتوى أبو العباس على جميع عسكره، وأفْلت أبو الجيش في جماعة من قُوَّاده حتى أتى الفسطاط، وتخلف غلامه سعد الأعسر فواقع أبا العباس، فهزمه واستباح عسكره، وقتل رؤساء قُوَّاده، وجِلةَ أصحابه، ومضى أبو العباس لا يُلْوِي على شيء حتى أتى العراق، وقلد أبو الجيش أمر وزراته عَليَّ بن أحمد المادراني، وأبو بكر محمد بن عَلِيِّ بن أحمد المادراني هو المعتقل في يد الإِخشيد محمد بن طغج في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - وقد كان عَلَى وزارته بمصر هو وولده الحسين بن محمد، فلما استوزر الِإخشيد أبا الحسن عَلِيَّ بن خلف بن طباب وانفصل من دمشق إلى الفسطاط قبض عليه وعلى أخيه إبراهيم بن خلف واستوزر أبا الحسن محمدِ بن عبد الوهاب.
الربيع المراعي
وفي سنة سبعين ومائتين كانت وفاة الربيع بن سليمان، المراثي، المؤذن، صاحب محمد بن إدريس الشافعي، والراوي لأكثر كتبه عنه بمصر.
وأخبرنا أبو عبد اللّه الحسن بن مروان المصري وغيره، عن الربيع بن سليمان قال: استعار الشافعي من محمد بن الحسن الكوفي شيئاً من كتبه! فلم يبعث بها إليه، فكتب إليه الشافعي:
يا، قل لمن لم تر عين مَنْ رآه مثله
من كان من قدراءه ... ما قد رأى مَنْ قبله
ومن كلامنا له ... حيث عقلنا عقله
لأن ما يجنه ... فاق الكمال كله
العلم يَنْهى أهله ... أن يمنعوه أهله
لعلّه يبذله ... لأهله لعلّه
فبعث إليه محمد بن الحسن بأكثر كتبه التي سأل عنها.
المعتمد والموفق
وبايع المعتمد لابنه جعفر، وسماه المفوض إلى اللّه، وقد كان المعتمد آثر اللذة، واعتكف على الملاهي، وغلب أخوه أبو أحمد الموفق على الأمور وتدبيرها، ثم حظر على المعتمد وحبسه، فكان أول خليفة قهر وحبس وحجر عليه، ووكل به بفم الصلح، وقد كان قبل ذلك هرب وصار إلى حديثة الموصل، فبعث الموفق بصاعد إلى سامرا، وكتب إلى إسحاق بن كنداج فردَّه من حديثة الموصل.
خروج أحمد بن طولون
وفي سنة أربع وستين ومائتين كان خروج أحمد بن طولون من مصر مظهراً للغزو في عساكر كثيرة وخلق من المطوعة قد انجذبوا معه من مصر وفلسطين، فقَبْلً وصوله إلى دمشق مات ماجور التركي بدمشق، وقد كان عليها، فدخلها أحمد، واحتوى على جميع تركته من الخزائن وغيرها، وسبار منها إلى حمص، وسار منها إلى بلاد أنطاكية، ووصلت مقدمته إلى بلاد الإسكندرية من شاطئ بحر الروم، ووصل هو إلى الموضع المعروف ببغراس من جبل اللكام، وقد تقدمته المطوعة والغزاة إلى الثغر الشامي، ثم عطف هو راجعاً من غير أن يكون تقدم إلى الناس معرفة ذلك منه، حتى نزل مدينة إنطاكية، وفيها يومئذ سيما الطويل في عدة منيعة من الأتراك وغيرهم وقد قدمنا فيما تقدم من هذا الكتاب الخبر عن كيفية بناء إنطاكية وقصة سورها، والملك الباني لها، وصفة سورها في السهل والجبل. وقد كان قبل نزول أحمد بن طولون على أنطاكية وقع بين سيما وبين أحمد المؤيد حروبٌ كثيرة ببلاد جند قنسرين والعواصم من أرض الشام، وكان سيما الطويل قط عم أذاه أهلها من قَتْل وأخذ مال، وكان نزول ابن طولون على باب من أبوابها يعرف بباب فارس تلقاء السوق، وقد أحاطت عساكره بها، ونزل غلامه المعروف بلؤلؤ على باب من أبوابها يعرف بباب البحر، وقد كان لؤلؤ بعد ذلك انحدر إلى السلطان مستأمناً، فأتى الموفق وهو مُنَازِل لصاحب الزنج، فكان من أمره وقتل صاحب الزنج ما قدمنا ذكره فيما سلف من كتبنا من وقوع المشاجرة بين أصحاب لؤلؤ وأصحاب الموفق كما قدمنا أيهم القاتل لصاحب الزنج، وكادت الحال أن تنفرج بينهم في فلك اليوم حتى قيل في عسكر الموفق:
كيفما شئتم فقولوا ... إنما الفتح لِلولُو
(2/128)

فكان ابن طولون على أنطاكية في آخر سنة أربع وستين ومائتين، وكان افتتاحه إياها فتي سنة خمس وستين ومائتين بالحيلة من دخلها من بعض أهلها بالليل، وقد أخفوا بحواسهم سورها فتحدر بعضهم مما يلي الجبل وباب فارس، فأتى ابن طولون وقد يئس من فتحها لمنعتها وحَصَانة سورها، فوعدوه فتحها، فضم إليهم عدة من رجاله فتسلقوا من حيث نزلوا، واستعد هو في عسكره وأخذ أهبته، وسيما في داره، فما انفرج عمود الصبح إلا والطولونية قد كَثرُوا على سورها، ونزلوا منحدرين إليها، وارتفع الصوت وكثر الضجيج، وركب سيما فيمن تسرع معه من خواصه، فأرسلت عليه امرأة من أعالي سطح حَجَرَ رَحَا فأتت عليه، وأخذ بَعْضُ من عرفه رأسه فأتى به ابن طولون وقد دخل من باب فارس ونزل على عين هنالك ومعه الحسين بن عبد الرحمن القاضي المعروف بابن الصابوني الأنطاكي الحنفي، فعاث أصحابُ ابن طولون ساعة بإنطاكية، وشمل الناس أذاهم، ثم رفع ذلك لساعتين من النهار، وارتحل ابن طولون يوم الثغر الشامي، فأتي المصيصة وإذَنَةَ، وامتنع طرسوس وفيها يا يزمان الخادم، فلم يكن له في فتحها حيلة، فرجع عنها وقد أراد الغزو - على ما قيل، والله أعلم لأمر بلغه أن العباس ولده قد عصى عليه وفزع أن يحال بينه وبين مصر - فحثَّ في السير ودخل الفسطاط، ولحق العباس ببرقة من بلاد المغرب خوفاً من أبيه وقد حمل معه ما أمكنه حمله من الخزائن والأموال والعدد، وقد أتينا على ما جرى بين أحمد بن طولون وولده العباس من المراسلات في كتابنا أخبار الزمان.
يازمان غلام الفتح بن خاقان
وكانت وفاة يازمان الخادم في أرض النصرانية غازياً في جيش الِإسلام تحت الحصن المعروف بكوكب، وكان مولى الفتح بن خاقان، فحمل إلى طرسوس، فدفن بباب الجهاد، وذلك للنصف من رجب سنة ثمان وسبعين ومائتين، وكان معه في تلك الغَزَاة من أمراء السلطان المعروف بالعجيفي وابن أبي عيسى وكان على إمرة طرسوس، وكان يازمان في نهاية البلاغة في الجهاد في البر والبحر، وكان معه رجال من البحريين لم ير مثلهم ولا أشد منهم، وكان له في العدو نكاية عظيمة، وكان العدو يهابه وتفرغ منه النصرانية في حصونها، ولم ير في الثغور الشامية والجزَرِية - بعد عمرو بن عبيد اللّه بن مروان الأقْطَع صاحب ملطية، وعلي بن يحيى الأرمني صاحب الثغور الشامية - أشد إقداماً على الروم من يازمان الخادم.
عمرو بن عبيد اللّه الأقطع
وكانت وفاة عمرو بن عبيد اللّه الأقطع، وعلي بن يحيى الأرمني في سنة واحدة، استشهدا جميعاً، وذلك في سنة تسع وأربعين ومائتين في خلافة المستعين باللّه.
وقد كان عمرو بن عبيد اللّه غازياً في تلك السنة في المَلْطِيِّين، فلقي ملك الروم في خمسين ألفَاً، فصبر الفريقان جميعاً، فاستشهد عمرو بن جميد اللّه ومن كان معه من المسلمين إلا اليسير، وذلك يوم الجمعة للنصف من رجب من هذه السنة.
علي بن يحيى الأرمني
وقد كان علي بن يحيى الأرمني انصرف عن الثغر الشامي وولي أرمينية ثم صرف عنها. فلما صار إلى بلاد مَيافارقين ديار بكر عدل إلى ضياع له هنالك ووقع النفير، فخرج مسرعاً وقد أغارت جيوش الروم، فقَتَلَ علي بن يحيى مقدار أربعمائة نفس، والروم لا تعلم أنه علي بن يحيى الأرمني.
وأخبرني بعض الروم - ممن كمان قد أسلم وحبسن إسلامه - أن الروم صورت عشرة أنفس في بعض كنائسها من أهل البأس والنجدة والمكايد في النصرانية والحيلة من المسلمين: منهم الرجل الذي بعث به معاوية حين احتال عَلَى البطريق فأسره من القسطنطينية، فأقاد منه بالضرب ورده إلى القسطنطينية؛ وعبد الله البطال، وعمرو بن عيد اللّه، وعلي بن يحيى الأرمني، والعريل بن بكار، وأحمد بن أبي قطيفة، وقرنياس البيلقاني صاحب مدينة إبريق - وهي اليوم للروم - وكان بطريق البيالقة، وكانت وفاته في سنة تسع وأربعين ومائتين؟ وحرس حارس أخت قرنياس؛ ويازمان الخادم في موكبه والرجال حوله، وأبو القاسم بن عبد الباقي؟ وقد أتينا على وصف مذهب البيالقة واعتقادهم وهو مذهب بين النصرانية والمجوسية، وقد دخلوا في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - في جملة الروم، وقد فسرنا خبرهم في كتابنا أخبار الزمان.
من حمية معاوية
(2/129)

فأما خبر معاوية وما ذكرناه من خبر الرجل الذي أسرَ البطريق من مدينة القسطنطينية، فهو أن المسلمين غَزَوْا في أيام معاوية، فأسر جماعة منهم، فأوقفوا بين يدي الملك، فتكَلم بعض أسارى المسلمين، فدنا منه بعض البطارقة ممن كان واقفاً بين يدي الملك فلَطَمَ حُرَّ وجهه فآلمه - وكان رجلًا من قريش - فصاح: وا إسلاماه، أين أنت عنا يا معاوية؟ إذ أهملتنا وضيعت ثغورنا وحكمت العدو في ديارنا وعمائنا وأعراضنا، فنمي الخبر إلى معاوية فآلمه، وامتنع من لذيذ الطعام والشراب، فخلا بنفسه وامتنع من الناس، ولم يظهر ذلك لأحد من المخلوقين، ثم أجمل الأمر في إعمال الحيلة بإقامة الفداء بين المسلمين والروم إلى أن فادى بذلك الرجل، فلما صار الرجل إلى دار الِإسلام دعاه معاوية فبره وأحسن إليه، ثم قال له: لم نهملك ولم نضيعك ولا أبَحْنا عمك وعرضك، ومعاوية مع ذلك يجيل الرأي ويعمل الحيلة، ثم بعث إلى رجل من ساحل دمشق من مدينة صور، وكان به عارفاً، كثير الغزوات في البحر، صملّ من الرجال، مرطان بالرومية، فأحضره وخَلَا به وأخبره بما قد عزم عليه، وسأله إعمال الحيلة فيه والتأتي له فتوافقا على أن يدفع للرجل مالاً عظيماً يبتاع به أنواعاً من الطّرَفِ والمُلَح والجهاز والطيب والجوهر وغير ذلك، وابّتني له مركب لا يلحق في جريه سرعة، ولا يدرك في مسيره بنياناً عجيباً، فسار الرجل حتى أتى مدينة قبرس فاتصل برئيسها وأخبره أن معه جارية للملك، وأنه يريد التجارة إلى القسطنطينية، قاصداً إلى الملك وخواصه بذلك، فروسِلَ الملك بذلك، وأعلم بحال الرجل، فأذن له في الدخول، فدخل خليج القسطنطينية، وسار فيه حتى انتهى إلى القسطنطينية، وقد أتينا على مقدار مسافة هذا الخليج، واتصاله بالبحر الرومي وبحر مانطس عند ذكرنا البحار فيما سلف من هذا الكتاب. فلما وصل إلى القسطنطينية أهدى للملك وجميع بطارقته، وبايعهم وشاراهم، ولم يعط للبطريق الذي لطمَ وجه القرشي شيئاً، وقصده إلى ذلك البطريق الذي لطم الرجل القرشي، وتأتى الصوري في الأمر على حسب ما رسمه له معاوية، وأقبل الرجل من القسطنطينية إلى الشام، وقد أمره البطارقة والملك بابتياع حوائج ذكرها، وأنواع من الأمتعة وصفوها، فلما صار إلى الشام سار إلى معاوية سراً، وذكر له من الأمر ما جرى، فابتيع له جميع ما طلب منه وما علم أن رغبتهم فيه، وتقدم إليه فقال: إن ذلك البطريق إذا عُدت إلى كرتك هذه سيعذلك عن تخلفك عن بره واستهانتك به، فاعتفر إليه ولاطفه بالقصد والهدايا، واجعله القيم بأمرك، والمتفقد لأحوالك، وانظر ماذا يطلب منك حين أوْ بِكَ إلى الشام، فإن منزلتك ستعلو وأحوالك تزداد عندهم، فإذا أتقنت جميع ما أمرتك به وعلمت غرض البطريق منك وأي شيء يأمرك بابتياعه لتكون الحيلة بحسب ذلك، فلما رجع الصوري إلى القسطنطينية ومعه جميع ما طلب منه والزيادة على ما لم يطلب منه زادت منزلته وارتفعت أحواله عند الملك والبطارقة وسائر الحاشية، فلما كان في بعض الأيام وهو يريد الدخول إلى الملك قبض عليه ذلك البطريق في دار الملك وقال له: ما ذَنْبِي إليك؟ وبماذا استحقِّ غيري أن تقصده وتقضي حوائجه وتُعْرِض عني؟ فقال له الصوري: أكثر من ذكرت ابتدأني وأنا رجل غريب أدخل إلى هذا الملك والبلد كالمتنكر من أساري المسلمين وجواسيسهم، لئلا ينمُّوا بخبري ويعنوا بأمري إلى المسلمين فيكُون في ذلك فَقدِي، وإذ قد علمت ميلك إليَّ فلست أحب أن يعتني بأمري سواك ولا يقوم به عند الملك وغيره غيرك، فأمُرْنِي بجميع حوائجك وجميع ما يعرض من أمورك بأرض الإِسلام.
(2/130)

وأهدى إلى البطريق هدية حسنة من الزجاج المخروط والطيب والجواهر والطرائف والثياب، ولم يزل هذا فعله يتردد من الروم إلى معاوية، ومن معاوية إلى الروم، ويسأله الملك والبطريق وغيره من البطارقة الحوائج، والحيلة لا تتوجه لمعاوية حتى مضى على ذلك سنين فلما كان في بعضها قال البطريق للصوري، وقد أراد الخروج إلى دار الِإسلامِ: قد اشتهيت أن تغمرني قضاء حاجة وتمنَّ بها علي: أن تبتاع لي بساطاً سوسنجرد بمخاده ووسائده يكون فيه من أنواع الألوان من الحمرة والزرقة وغيرهما، ويمون من صفته كذا وكذا، ولو بلغ ثمنه كل مبلغ، فأنْعَمَ له بذلك، وكان من شأن الصوري إذا ورد إلى القسطنطينية تكون مركبهُ بالقرب من موضع ذلك البطريق، وللبطريق ضيعة سرية وفيها قصر مشيد ومنتزه حسن على أميال من القسطنطينية راكبة على الخليج، وكان البطريق أكثر أوقاته في ذلك المنتزه، وكانت الضيعة يلي فم الخليج مما يلي بحر الروم والقسطنطينية، فانصرف الصوري إلى معاوية سراً، وأخبره بالحال؛ فأحضر معاوية بساطاً بوسائد ومخادّ ومجلس؟ فانصرف به الصوري مع جميع ما طلب منه من دار الِإسلام، وقد تقدم إليه معاوية بالحيلة وكيفية إيقاعها، وكان الصوري فيما وصفنا من هذه المدة قد صار كأحدهم في المؤانسة وفي العشرة، وفي الروم طَمَع وشَرَه، فلما دخل من البحر إلى خليج القسطنطينية - وقد طابت له الريح، وقد قرب من ضيعة البطريق - أخذ الصوري خبر البطريق من أصحاب القوارب والمراكب؟ فأخبر أن البطريق في ضيعته، وذلك أن الخليج طوله نحو من ثلاثمائة ميل وخمسين ميلاً بين هذين البحرين وهما الرومي ومانطس، على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب، والضياع والعمائر على هذا الخليج من حافيته، والمراكب تختلف والقوارب بأنواع المتاع والأقوات إلى القسطنطينية، وهذه المراكب لا تحصى في هذا الخليج كثرة، فلما علم الصوري أن البطريق في ضيعته فرش ذلك البساط ونضد ذلك الصدر والمجلس بالوسائد والمخادِ في صحن المركب ومجلسه، والرجال تحت المجلس بأيديهم المجاذيف مشكلة قائمة غير قاذفين بها، ولا يعلم بهم أنهم في بطن المركب إلا مَنْ ظهر منهم في المركب عمله، والريح في القلع، والمركب مار في الخليج كأنه سهم قد خرج من كبد قوس لا يستطيع القائم على الشط أن يملأ بصره منه؛ لسرعة سيره واستقامته في جريه، فأشرف على قصر البطريق وهو جالس في مستشرفه مع حرمه وقد أخذت منه الخمر وعَلَاهُ الطرب وذهب به الفرح والسرور كل مذهب فلما رأى البطريق مركب الصوري غَنَى طرباً، وصاح فرحاً وسروراً وابتهاجاً بقدومه، فدنا من أسفل القصر، وحط القلع، وأشرف البطريق على المركب، فنظر إلى ما فيه من حسن ذلك البساط ونظم ذلك الفرش كأنه رياض تزهر، فلم يستطع اللبث في موضعه حتى نزل قبل أن يخرج ذلك الصوري من مركبه إليه، فطلع المركب.
(2/131)

فلما استقرت قدمه في المركب ودَنَا من المجلس ضرب الصوري بعقبه على مَنْ تحت البساط من الوقوف - وكانت علامة بينه وبين الرجال الذي في بطن المركب - فما استقر دقه بقده حتى اختطف المركب بالمجاذيف فإذا هو في وسط الخليج يطلب البحر لا يلوي على شيء، وارتفع الصوت، ولم يدر ما الخبر لمعاجلة الأمر، فلم يكن الليل حتى خرج من الخليج وتوسَّطَ البحر، وقد أوثق البطريق كِتَافاً، وطابت له الريح، وأسعده الجد، وحملته المجاذيف في ذلك الخليج، فتعلق في اليوم السابع بساحِل الشام، ورأى البر، وحمل الرجل، فكانوا في اليوم الثالث عشر حضوراً بين يدي معاوية بالفرح والسرور لإِثلاجة بالأمر وتمام الحيلة، وأيقن معاوية بالظفر وعلو الجد، فقال: علي بالرجل القرشي، فأتي به، وقد حضره خواص الناس، فأخلوا مجالسهم، وانغصَّ المجلس بأهله، فقال معاوية للقرشي: قم فاقتصَّ من هذا البطريق الذي لَطَمَ وجهك على بساط معظم الروم؛ فإنا لن نضيعك ولا أبحنا دمك وعرضك، فقام القرشي ودنا من البطريق، فقال له معاوية: انظر لا تتعدَّ ما جرى عليك منه، واقتص منه على حسب ما صنع بك، ولا تتعد، وراع منا أوجب اللّه عليك من المماثلة، فَلَطَمه القرشي لطماتٍ، ووكزه في حلقه، ثم انكبَّ القرشي على يديِ معاوية وأطرافه لقبلها، وقال: ما أضاعك مَنْ سَوّدك، وخاب فيك أمَلُ من أملك، أنت ملك لا تضام، تمنع حماك، وتصون رعيتك، وأغْرَقَ في دعائه ووصفه، وأحسن معاوية إلىِ البطريق، وخاب عليه وبَرَّه، وحمل معه البساط، وأضاف إلى ذلك أُموراً كثيرة وهدايا إلى الملك، وقال له: ارجع إلى ملكك، وقل له: تركت ملك العرب يقيم الحدود على بساطك، ويقتص لرعيته في دار مملكتك وسلطانك، وقال للصوري: سر معه حتى تأتي الخليج فتطرحه فيه ومن كان أسِرَ معه ممن بادر فصعد المركب من غلمان البطريق وخاصته، فحملوا إلى صور مكرمين، وحملوا في المركب، فطابت لهم الريح، فكانوا في اليوم الحادي عشر متعلقين ببلاد الروم، وقربوا من فم الخليج، وإذا به ؛قد أحكم بالسلاسل والمنعة من الموكلين به، فطرح البطريِق ومن معه وانصرف الصوري راجعاً، وحمل البطريق من ساعته إلى الملك ومعه الهدايا والأمتعة، فتباشرت الروم بقدومه، وتلقوه مهنئين له من الأسر فكافأ الملك معاوية على ما كان من فعله بالبطريق والهدايا؛ فلم يكن يستضام أسير من المسلمين في أيامه، وقال الملك: هذا أمكر الملوك وأدهَى العرب، ولهذا قدمته العرب عليها، فساس أمرها، واللّه لوهم بأخذي لتمت له الحيلة عليَّ.
وقد أتينا على خبر معاوية فيما سلف من هذا الكتاب، وأتينا على مبسوطه وأخبار الوافدين والوافدات عليه من الأمصار فيما سلف من كتبنا وإن كنا قد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب من أخبار معاوية جملاً.
ولملوك الروم وبطارقتها - ممن سلف وخلف إلى هذا الوقت - أخبار حسان مع ملوك بني أمية والخلفاء من بني العباس في المَغَازي والسرَايا وغيرها، وكذلك لأهل الثغور الشامية والجزرية إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - وقد أتينا على مبسوطها فيما سلف من كتبنا، وقدمنا في هذا الكتاب جملاً من أخبارهم ومقادير أعمارهم وأيامهم، ولمعاً من سيرهم، وكذلك أخبرنا عن ملوك الأمم وسيرهم.
محبة المعتمد للهو
قال المسعودي: وكان المعتمد مشغوفاً بالطرب، والغالب عليه المعاقرة ومحبة أنواع اللهو والملاهي، وذكر عبيد الله بن خرداذبه أنه دخل عليه ذات يوم، وفي المجلس عدة من ندمائه من ذوي العقول والمعرفة والحجى، فقال له: أخبرني عن أول من اتخذ العود، قال ابن خرداذبه: قد قيل في ذلك يا أمير المؤمنين أقاويل كثيرة: أول من اتخذ العود لمك بن متوشلخ بن محويل بن عاد بن خنوخ بن فابن بن آدم، وذلك أنه كان له ابن يحبه حبَاً شديداً، فمات، فعلَّقه بشجرة، فتقطعت أوصاله، حتى بقي منه فخفه والساق والقدم والأصابع، فأخذ خشباً فرققه وألصقه، فجعل صدر العود كالفخذ، وعنقه كالساق، ورأسه كالقدم، والملاوي كالأصابع، والأوتار كالعروق، ثم ضرب به وناح عليه، فنطق العود، قال الحمدوني:
وناطق بلسانٍ لا ضمير له ... كأنه فَخِذٌ إلى قم
يُبدي ضمير سواه في الحديث كما ... يُبْدِي ضمير سواه منطق القلم
(2/132)

واتخذ توبل بن لمك الطبول والدفوف، وعملت ضلال بنت لمك المعازف، ثم اتخذ قوم لوط الطنابير، يستميلون بها الغلمان ثم اتخذ الرعاة والأكراد نوعاً مما يصفر به، فكانت أغنامهم إذا تفرقت صفروا فاجتمعت؟ ثم اتخذ الفرس النَّايَ للعود، والدياتي للطنبور، والسرياني للطبل، والسنج الصنج، وكان غناء الفرس بالعيدان والصنوج، وهي لهم، ولهم النغم والِإيقاعات والمقاطع والطروق الملوكية، وهي سب طروق: فأولها سكاف، وهو أكثرها استعمالاً لتنقل الأنهار، وهو أفصح مقاطع، وأمرسه، وهو أجمعها لمحاسن النغم، وأكثرها تصعداً وانحداراً وما دار وسنان، وهو أثقلها، وسايكاد، وهو المحبوب للأرواح، وسيسم وهو المختلس المنقل، وحويعران، وهو الدرج الموقوف على نغمة، وكان غناء أهل خراسان وما والاها بالزنج، وعليه سبعة أوتار، وإيقاعه يشبه أيضاً الصنج، وكان غناء أهل الري وطبرستان والديلم بالطنابير، وكانت الفرس تقم الطنبور على كثير من الملاهي، وكان غناء النبط والجرامقة بالغيروارات، وإيقاعها يشبه إيقاع الطنابير.
وقال فندروس الرومي: جعلت الأوتار أربعة بإزاء الطبائع، فجعلت الزير بإزاء المرة الصفراء، والمثنى بإزاء الدم، والمثلث بإزاء البلغم والبم بإزاء المرة السوداء.
مِلاهي الروم
وللروم من الملاهي الأرغل، وعليه ستة عشر وتراً، وله صوت بعيد المذهب وهو من صنعة اليونانيين، والسلبان، وله أربعة وعشرون وتراً وتفسيره ألف صوت، ولهم اللورا، وهي الرباب، وهي من خشب، ولهم خمسة أوتار، ولهم القيثارة، ولها اثنا عشر وتراً، ولهم الصلنج وهو من جلود العجاجيل، وكل هذه معازف مختلفة الصفة، ولهم الأرغن، وهو ذو منافخ من الجلود والحديد.
وللهند الكنكلة، وهو وتر واحد يمد على قرعة فيقوم مقام العود والصنج.
حداء العرب
قال: وكان الحُدَاء في العرب قبل الغناء، وقد كان مضر بن نزار بن معد سقط عن بعير في بعض أسفاره فانكسرت يده، فجعل يقول: يا يَدَاه يا يَدَاه، وكان من أحسن الناس صوتاً، فاستوسقت الِإبل وطاب لها السير، فاتخذه العرب حُدَاء برجز الشعر، وجعلوا كلامه أول الحداء فمن قول الحادي:
يا هادياً يا هادياً ... ويا يداه يا يداه
فكان الحًدَاء أولَ السماع والترجيع في العرب، ثم اشتق الغناء من الحُدَاء، ونحْنَ نساء العرب على موتاها، ولم تكن أُمة من الأُمم بعد فارس والروم أوْلَعَ بالملاهي والطرب من العرب، وكان غناؤهم النصب ثلاثة أجناس: الركباني، والسناد الثقيل، والهزج الخفيف.
أول الغناء في العرب
وكان أول من غَنَى من العرب الجرادتان، وكانتا قينتين على عهد عاد لمعاوية بن بكر العملقي، وكانت العرب تسمي القينة الكربنة، والعود المزهر، وكان غناء أهل اليمن بالمعازف وإيقاعها جنس واحد، وغناؤهم جنسان: حنفي، وحميري، والحنفي أحسنهما، ولم تكن قريش تعرف من الغناء إلا النصب، حتى قدم النضر بن الحارث بن كلَدَة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي من العراق وافداً على كسرى بالحِيرَةِ؛ فتعلم ضرب العود والغناء عليه؟ فقدم مكة فعلّم أهلها، فاتخذوا القينات.
أثر الغناء
والغناء يرق الذهن، ويلين العريكة، ويبهج النفس ويَسُرُّهَا، ويشجع القلب، ويسخي البخيل، وهو مع النبيذ يعاونان على الحزن الهادم للبدن، وُيحْدِثان له نشاطاً، ويفرجان الكرب، والغناء على الانفراد يفعل ذلك، وفضل الغناء على المنطق كفضل المنطق على الخَرَس والبرء على السقم، وقد قال الشاعر:
لا تبعثن على همومك إذ ثَوَتْ ... غير المدام ونغمة الأوتار
فللَّه در حكيم استنبطه، وفيلسوف استخرجه، أي غامض أظهرة؟ وأي مكنون كَشَفَ؟ وعلى أي فن دَلَّ. وإلى أي علم وفضيلة سبق؟ فذلك نسيجُ وَحْلِىِ وقريع دهره.
وقد كانت الملوك تنام على الغناء ليسري في عروقها السرور، وكانت ملوك الأعاجم لا تنام إِلا على غناء مطرب، أو سمر لذيذ، والعربية لا تنوم وَلَدَهَا وهو يبكي، خوْفَ أن يسري الهم في جسده، ويدب في عروقه، ولكنها تنازعه وتضاحكه حتى ينام وهو فَرِحٌ مسرور، فينمو جسده، ويصفو لونه ودمه، ويشف عقله، والطفل يرتاح إلى الغناء، ويستبدل ببكائه ضحكاً.
(2/133)

وقد قال يحيى بن خالد بن برمك: الغناء ما أطرَبَكَ فأرْقَصَكَ، وأبكاك فأشْجَاكَ، وما سوى ذلك فبلاءهم.
قال المعتمد: قد قلتَ فأحسنتَ، ووصفتَ فأطنبتَ، وأقمت شي هذا اليوم سُوقاً للغناء، وعيداً لأنواع الملاهي، وإن كلامك لمثل الثوب المُوَشَّى، يجتمع فيه الأحمر، والأصفر، والأخضر، وسائر الألوان؛ فما صفة المغني الحاذق.
قال ابن خرداذبه: المغني الحاذق يا أمير المؤمنين: من تمكن من أنفاسه، ولطف في اختلاسه، وتفرع في أجناسه.
أنواع الطرب
قال المعتمد: فعلى كم تنقسم أنواع الطرب؟.
قال: على ثلاثة أوجه يا أمير المؤمنين، وهي طرب محرك، مستخف الأريحية، ينعش النفس، ودواعي الشيم عند السماع، وطرب شجن محزن، لا سيما إذا كان الشعر في وصف أيام الشباب، والشوق إلى الأوطان، والمراثي لمن عدم الصبر من الأحباب، وطرب يكون في صفاء النفس ولطافة الحس، ولا سيما عند سماع جودة التأليف، وإحكام الصنعة، إذ كان مَنْ لا يعرفه ولا يفهمه لا يسرّه، بل تراه متشاغلاً عنه، فذلج كالحجر الجَلْمد، والجماد الصَّلْد، سواء وُجُوده وعَدَمُه، وقد قال يا أمير المؤمنين بعض الفلاسفة المتقدمين، وكثير من حكماء اليونانيين: مَن عرضت له آفة في حاسة الشم كَرهَ رائحة الطيب، ومن غَلُطَ حسه كره سماع الغناء، وتشاغل عنه، وعَابَهُ، وذمَّهُ.
منزلة الايقاع وألقابه
قال المعتمد: فما منزلة الِإيقاع وأنواع الطروق وفنون النغم؟.
قال: قد قال في ذلك يا أمير المؤمنين مَنْ تقدم: إن منزلة الِإيقاع من الغناء بمنزلة العروض من الشعر، وقد أوضحوا الِإيقاع، ووَسَمُوه بسمات، ولَقّبُوه بألقاب، وهو أربعة أجناس: ثقيل الأول، وخفيفه، وثقيل الثاني، وخفيفة، والرمل الأول، وخفيفه، والهزج، وخفيفه، والِإيقاع: هو الوزن، ومعنى أوقع وَزَنَ، ولم يوقع: خرج من الوزن، والخروج إبطاء عن الوزن أو سرعة؛ فالثقيل الأول: نقره ثلاثة ثلاثة، اثنتان ثقيلتان بطيئتان، ثم نَقْرَة واحدة، وخفيف ثقيل الثاني: نقره اثنتان متواليتان، وواحدة بطيئة، واثنتان مزدوجتان، وخفيف الرمل: نقره اثنتان اثنتان مزدوجتان، وبين كل زوج وَقْفة، والهزج: نقره واحدة واحدة مستويتان ممسكة، وخفيف الهزج: نقره واحدة واحدة متساويتان في نسق واحد أخف قدراً من الهزج، والطرائق ثمان: الثقيلان الأول والثاني، وخفيفاهما، وخفيف الثقيل الأول منهما يسمى بالمَاخُورِيِّ، وإنما سُمَيَ بذلك لأن إبراهيم بن ميمون الموصلي - وكان من أبناء فارس، وسكن الموصل - كان كثير الغناء في هذه المواخير، بهذه الطريقة، والرمل وخفيفه، ويتفرع من كل واحد من هذه الطرائق مزموم مطلق، وتختلف مواقع الأصابع فيها فيحدث لها ألقاباً تميزها، كالمعصور، والمخبول، والمحثوث، والمخدوع، والأدراج.
والعُودُ عند أكثر الأمم وجُلِّ الحكماء يوناني، صَنَعَهُ أصحاب الهندسة على هيئة طبائع الِإنسان؛ فإن اعتدلت أوتاره على الأقدار الشريفة جَانَسَ الطبائع فأطرب، والطّرَبُ: رَدُّ النفس إلى الحال الطبيعية دفعة، وكان وَتَر مثل الذي يليه ومثل ثلثه. والدستبان الذي يلي الأنف موضوع على خط التسع من جملة الوَتر والذي يلي المشط موضوع على خط الربع من جملة الوتر فهذه يا أمير المؤمنين جوامع في صفة الِإيقاع ومنتهى حدوده.
ففرح المعتمد في هذا اليوم، وخلع على ابن خرداذبه، وعلى مَنْ حضره من ندمائه، وفَضَّله عليهم، وكان يوم لهو وسرور.
الرقص وأنواعه
فلما كان في صبيحة تلك الليلة دعا المعتمد مَنْ حضره في اليوم الأول، فلما أخذوا مراتبهم من المجلس قال لبعض مَنْ حضره من ندمائه ومغنيه صف لي الرقص وأنواعه، والصفة المحمودة من الرقص، واذكر لي شمائلُه.
(2/134)

فقال المسؤول: يا أمير المؤمنين، أهل الأقاليم والبلدان مختلفون في رقصهم من أهل خراسان وغيرهم، فجملة الإيقاع في الرقص ثمانية أجناس: الخفيف، والهزَج، والرمل، وخفيف الرمل، وخفيف الثقيل الثاني، وثقيله وخفيف الثقيل الأول، وثقيله، والراقص يحتاج إلى أشياء في طباعه، وأشياء في خِلْقته، وأشياء في عمله؟ فأما ما يحتاج إليه في طباعه فخفة الروح، وحسن الطبع على الِإيقاع، وأن يكون طالبه مرحاً إلى التدبير في رقصه والتصرف فيه، وأما ما يحتاج إليه في خِلْقته فطول العنق والسوالف، وحسن الدَّلَ والشمائل، والتمايل في الأعطاف، ورقة الخصر والخفة وحسن أقسام الخلق ووَاقع المناطق، واستدارة الثياب من أسافلها ومخارج النفس، والإِراحة، والصبر على طول الغاية، ولطافة الأقدام، ولين الأصابع، وإمكان لينها في نقلها وفيما يتصرف فيه من أنواع الرقص من الإِبل، ورقص الكرة، وغيره، ولين المفاصل، وسرعة الانتقال في الدوَران، ولين الأعطاف. وأما ما يحتاج إليه في عمله فكثرة التصرف في ألوان الرقص، وإحكام كل حد من حدوده، وحسن الاستدارة، وثبات القدمين على مدارهما، واستواء ما تعمل يُمْنى الرِّجْل ويسراها، حتى يكون في ذلك واحداً. ولوضع القدم ورفعها وجهان: أحدهما أن يوافق بذلك الإِيقاع، والآخر أن يتثبط، فأكثر ما يكون هو فيه أمكن وأحسن فليكن ما يوافق الِإيقاع فهو من الحب والحسن سواء، وأما ما يتثبط به فأكثر ما يكون هو فيه أمكن وأحسن؟ فليسكُن ما يوافق الِإيقاع مترافعاً، وما يتثبط به متسافلاً .
قال المسعودي: وللمعتمد مجالسات ومذاكرات ومجالس قد دُوَنت في أنواع من الأدب، منها: مدح النديم، وذكر فضائله، وذم التفرد بشرب النبيذ، وما قيل في ذلك من المنثور والشعر، وما قيل في أخلاق النديم وصفاته وعفافه وأمْنِ عَبَثِه، والتداعي إلى المنادمات والمراسلات في ذلك، وعدد أنواع الشرب في الكَثرة، وهيئة السماع وأقسامه وأنواعه، وأصول الغناء ومباديه في العرب وغيرها من الأمم، وأخبار الأعلام من مشهوري المغنين المتقدمين والمحدثين، وهيئة المجالس، ومنازل التابع والمتبوع وكيفية مراتبهم، وتعبية مجالس الندماء والتحيات كما قال العطوي في ذلك:
حيِّ التحية أصحاب التحيات ... القائلين إذا لم تَسْقِهم: هاتِ
أما الغداة فَسَكْرى في نعيمهم ... وبالعشيِّ فَصَرْعَى غير أموات
وبين ذلك قَصْفٌ لا يُعَادِلُه ... قصف الخليفة من لهو ولذات
وقد أتينا على وصف جميع ذلك في كتابنا أخبار الزمان مما لم يتقدم نه ذكر كصُنوف الشراب، والاستعمال لأنواع النّقْل إذا وضع ذلك في المناقل والأطباق فنضد نضداً، ورصف رصفاً، والِإبانة عن المراتب في ذلك، ووصف جمل آداب الطبيخ مما يحتاج التابع إلى معرفته، والأديب إلى فهمه من المتولدات في معرفة الألوان، ومقادير التوابل والأبزار، وأنواع المحادثات، وغسل اليدين بحضرة الرئيس، والمقام عن مجلسه، وإدارات الكاسات، وما حكي في ذلك عن الأسلاف من ملوك الأمم وغيرهم، وما قيل في الِإكثار والِإقلال من الشراب، وما ورد في ذلك من الأخبار، وطلب الحاجات والاستمناحات من أهل الرياسة على المعاقرات، وهيئة النديم وما يلزمه لنفسه، وما يلزم الرئيس لنديمه، والفرق بين التابع والمتبوع، والنديم والمنادم، وما قال الناس في العلة التي من أجلها سمي النديم نديماً، وكيفية الأدب في لعب الشطرنج، والفرق بينها وبين النِّرْد، وما ورد في ذلك من الأخبار، وانتظمت فيه من الدلائل والآثار، وما ورد عن العرب في أسماء الخمر ووُرُود التحريم فيها، وتنازع الناس في رد غيرها من أنواع الأنبذة عليها قياساً، وَوصْف أنواع آنيتها، ومن كان يشربها في الجاهلية ومن حَرمها، وَوَصْف السكر، وما قال الناس في ذلك، وكيفية وقوعه: أمن اللّه أم من خلقه؟ وغير ذلك مما لحق بهذا الباب، واتصل بهذه المعاني، وإنما نذكر هذه اللمع منبهين بها على ما قدمنا فيما سلف من كتبنا.
ثورة تنتهي بموت الموفق وقيام المعتضد
(2/135)

وكان أبو العباس المعتضد محبوساً فلما خرج أبوه الموفق إلى الجبل خلفه بدار الوزير إسماعيل بن بلبل، وكان مضُيّقاً عليه، إلى أن وافى الموفق من أذربيجان عليلاً مدنفاً مورماً في بيت من الخشب قد اتخذ له مبطناً بالخز والحرير وفي أسفله حلق قد جعل فيها الدهن فتحمله الرجال على أكتافها نوائب وكان وصوله إلى بغداد يوم الخميس لليلتين خَلَتَا من صفر سنة ثمان وسبعين. ومائتين، فأقام بمدينة السلام أياماً فاشتدت عِلّته؛ وأرجف بموته؛ وانصرف إسماعيل بن بلبل وقد يئس منه، فوجه إسماعيل بن بلبل إلى كفهمن، وقيل: إلى بكتمر - وكان موكلاً بالمعتضد بالمدائن، غلى أقل من يوم من مدينة السلام - أن ينصرف بالمعتضد والمفوض إلى الله ابنه إلى بغداد، فدخل المعتضد إليها في يومه، واتصل بإسماعيل صلاح الموفق، فانحدر ومعه المعتضد والمفوض في طيارة إلى دار ولده، وقد كان يأنس الخادم ومؤنس الخادم وصافي الحرمي وغيرهم من خدم الموفق وغلمانه، أخرجوا أبا العباس من الموضع الذي كان فيه محبوسا، وساروا به إلى الموفق، وأحضر إسماعيل بن بلبل والمعتضد والمفوض معه، وكثر اضطراب القوَاد والموالي، وأسرعت العامة وسائر الخدم في النهب، فانتهبوا دار إسماعيل بن بلبل، ولم تبق دار جليل ولا كاتب نبيل إلا نهبوها، وفتحت الجسور، وأبواب السجون، ولم يبق أحد في المطبق ولا في الحديد إلا أخرج، وكان أمراً فظيعاً غليظاً، وخدم على أبي العباس، وعلى إسماعيل بن بلبل، وانصرف كل واحد منهما إلى منزله، فلم يجد إسماعيل في داره ما يقعد عليه، حتى وَجَّه إليه الشاه ابن ميكال ما قعد عليه، وقام بأمر طعامه وشرابه، وقد كان إسماعيل أسْرَعَ في بيوت الأموال، وأسرف في النفقات والجوائز والخلع والعطايا، وأمَدَّ العرب وأجزل لهم الأنزال والأرزاق، واصطنع بني شيبان من العرب وغيرهم من ربيعة، وكان يزعم أنه رجل من بني شيبان، وطالَبَ بخراج سًنَةٍ مبهمة، فثقل على الرعية، وكثر الداعي عليه، ومكث الموفق بعد ذلك ثلاثة أيام، ثم توفي ليلة الخميس، لثلاث بقين من صفر سنة ثمان وسبعين، ومات وله تسع وأربعون سنة، وأمه أم ولد روميّة، يقال لها: أسحر، وكان اسم الموفق طلحة، وفيه يقول الشاعر:
لما استظل بظل الملك واجتمعت ... له الأمورِ فمنقاد ومقسور
حُطَتْ عليه لمقدارٍ مَنيتُه ... كذاك تَصْنعُ بالناس المقاديرُ
فلما مات الموفق قام المعتضد بأمور الناس في التدبير فكان أبيه الناصر، وهو الموفق، وخلع جعفر المفوض من ولاية العهد، وقام إسماعيل بن بلبل في الوزارة بعد شغب كثير كان في مدينة السلام، وكان لأبي عبد اللّه بن أبي الساج ولخادمه وصيف خطب جليل، وقيد إسماعيل بن بلبل، ووجه أبو العباس إلى عبد اللّه بن سليمان بن وهب فأحضره وخلع عليه ورد إليه أمر كتابه، وذلك في يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر سنة ثمان وسبعين ومائتين، ولم يزل إسماعيل بن بلبل يعذّبُ بأنواع العذاب، وجعل في عنقه غل فيه رمانة حديد، والغل والرمانة مائة وعشرون رطلاً، وألبس جبة صوف قد صيرت في ودك الأكارع، وعلق معه رأس ميت؛ فلم يزل على ذلك حتى مات في جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين ومائتين، ودفن بِغُلِّهِ وقيوده، وأمر المعتضد بضرب جميع الآنية التي كانت في خزانته، فضربت وفرقت في الجند.
غداء المعتمد الذي مات عقيبه
قال المسعودي: وقد كان المعتمد قعد للغداء واصطبح يوم الاثنين لِإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب الفرد سنة تسع وسبعين ومائتين، فلما كان عند العصر قدم الطعام، فقال: يا موشكيره - للموكل به - ما فعلت الرؤوس بأرقابها. وقد كان قم من الليل أن يقدم له رؤوس حملان، وقد فصل فيها أرقابها، فقدمت، وكان معه على المائدة رجل من ندمائه وسُمَّاره يعرف بقف الملقم؟ ورجل يعرف بخلف المضحك؛ فأول من ضرب بيده إلى الرؤوس الملقم، فانتزع أذن واحد منها، ولقمه في الرقاق، وغمسها في الأصباغ، وأهوى بها إلى فِيهِ، وأمعن في الأكل وأما المضحك فإنه يقتلع اللهازم والأعين، فأكلوا وأكل المعتمد، وأتموا يومهم؛ فأما الملقم صاحب اللقمة الأولى فإنه تهرأ في الليل، وأما المضحك فإنه مات قبل الصباح، وأما المعتمد فأصبح ميتاً قد لحق بالقوم.
(2/136)

ودخل إسماعيل بن حماد القاضي إلى المعتضد وعليه السواد، فسلم عليه بالخلافة، وكان أول مَنْ سلّم عليه بها، وحضر الشهود منهم أبو عوف والحسين بن سالم وغيرهم من العدول حتى أشرفوا على المعتمد ومعهم بدر غلام المعتضد يقول: هل ترون به من بأس أو أثر مات فجأة، وقتلته مداومته لشرب النبيذ، فنظروا إليه فإذا ليس به من أثر، فغسل وكفن وجعل في تابوت قد اعد له وحُمِل إلى سامرا فدفن بها.
وذكروا - واللّه أعلم - أن سبب وفاته أنه سقي نوعاً من السم في شرابهم الذي كانوا يشربونه، وهو نوع يُقال له البيش يحمل من بلاد الهند وجبال الترك والتبت، وربما وجدوه في سنبل الطيب، وهو ألوان ثلاثة، وفيه خواص عجيبة.
وللمعتمد أخبار حسان وما كان في أيامه من الكوائن والحوادث مما كان بخراسان من حروب الصفار وغيره، وما كان من ولد أبي دُلَفَ بأرض الجبل، وما كان من العرب من الطولونية وما كان بديار بكر من بلاء وأسر وغيرهما من أحمد بن عيسى ابن الشيخ، وما كان باليمن، قد أتينا على مبسوطها وجميع ذلك كله والغُرَر منه وما حدث في كل سنة من أيامه من الحوادث في كتابينا: أخبار الزمان والأوسط، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الكتاب.
ذكر خلافة المعتضد باللّه
وبويع أبو العباس أحمد بن طلحة المعتضد باللّه، في اليوم الذي مات فيه المعتمد على اللّه عمه وهم يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين، وأمه أم ولد رومية يُقال لها ضرار، وكانت وفاته يوم الأحد لسبع بَقِينَ من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين؛ فكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر ويومين، وتوفي بمدينة السلام وله سبع وأربعون سنة، وقيل: إنه ولي الخلافة ابن إحدى وثلاثين سنة، وتوفي سنة تسع وثمانين - على ما ذكرنا - وله أربعون سنة وأشهر، على تباين أصحاب التواريخ في كتبهم، وما أرَّخُوه في أيامهم، واللّه الموفق.
ذكر جمل من أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
حال الرعية في أيامه
ولما أفْضَتِ الخلافة إلى المعتضد باللّه سكنت الفتن، وصلحت البلدان، وارتفعت الحروب، ورخصت الأسعار، وهدأ الهرج، وسالمه كل مخالف، وكان مُظَفَّراً قد دانت له الأمور، وانفتح له الشرق والغرب، وأديل له في أكثر المخالفين عليه وَالمُنَابذين له، وظفر بهارون الشاري.
وكان صاحب المملكة والقيم بأمر الخلافة بدر مولاه، وإليه جميع المعارف في جميع الآفاق، وإليه أمر الجيوش وسائر القواد.
مالية الدولة في عهده
وخلف المعتضد في بيوت الأموال تسعة آلاف ألف دينار، ومن الوَرِقِ أربعين ألف ألف درهم، ومن الدواب والبغال والجمازات والحمير والجمال اثني عشر ألف رأس، وكان مع ذلك شحيحاً بخيلًا ينظر فيما لا ينظر فيه العوام.
تقتيره
وحكى عبد اللّه بن حمدون - وكان نديمه وخاصته، وممن كان يأنس به في خلواته - أنه أمر أن تنقص حَشَمُه ومن كان يجري عليه الأنزال من كل رغيف أوقية، وأن يبتدأ بأمر خبزه، لأن للوصائف عدداً من الرغفان فيها ثلاث لذا وأربع لذا وأكثر من ذلك، قال ابن حمدون: فتعجبت من ذلك في أول أمره، ثم تبينت القصة؛ فإذا أنه يتوفر من ذلك في كل شهر مال عظيم، وتقدم إلى خَزَّانه أن يختار له من الثياب التسترية والدبيقية أحسنها لتقطيعها لنفسه.
أنواع من قسوته
وكان مع ذلك قليل الرحمة، كثير الِإقدام، سفاكاً للدماء، شديد الرغبة في أن يمثل بمن يقتله.
وكان إذا غضب على القائد النبيل، والذي يختصه من غلمانه أمر أن تحفر له حفيرة بحضرته ثم يدلى على رأسه فيها، ويطرح التراب عليه، ونصفه الأسفل ظاهر على التراب، ويداس التراب، فلا يزال كذلك حتى تخرج روحه من دبره.
وذكر من عذابه أنه كان يأخذ الرجل فيكتف وَيُقَيده فيؤخذ القطن فيحشى في أذنه وخيشومه وفمه، وتوضع المنافخ في دبره حتى ينتفخ ويعظم جسده ثم يسد الدبر بشيء من القطن، ثم يفصد، وقد صار كالجمل العظيم، من العرقين اللذين فوق الحاجبين، فتخرج النفس من ذلك الموضع، وربما كان يقام الرجل في أعلى القصر مجرداَ مُوثَقاً ويرمى بالنشاب حتى يموت.
(2/137)

واتخذ المطامير، وجعل فيها صنوف العذاب، وجعل عليها نجاح الحرمي المتولي لعذاب الناس، ولم يكن له رغبة إلا في النساء والبناء؛ فإنه أنفق على قصره المعروف بالثريا أربعمائة ألف دينار، وكان طول قصره المعروف بالثريا ثلاثة فراسخ.
وأقر عبيد اللّه بن سليمان على وزارته، فلما مات استوزر القاسم بن عبيد اللّه.
وقد كان المعتضد في هذه السنة - وهي سنة تسع وسبعين ومائتين - ركب يوم الفطر - وهو يوم الاثنين - إلى مصلى اتخذه بالقرب من داره، فصلى بالناس وكبر في الركعة الأولى ست تكبيرات، وفي الآخرة تكبيرة واحدة، ثم صعد المنبر، فحصر ولم تسمع له خطبة؛ ففي ذلك يقول بعض الشعراء:
حصر الإِمام ولم يبين خطبة ... للناس في حل ولا إحرام
ما ذاك إلا من حياء، لم يكن ... ما كان من عي ولا إفحام
زواجه بنت خمارويه
وفي هذه السنة قدم الحسن بن عبد اللّه المعروف بابن الجصاص رسولاً من مصر لخمارويه بن أحمد، ومعه هدايا كثيرة وأموال جليلة وطراز، فوصل إلى المعتضد يوم الاثنين لثلاث خَلَوْنَ من شوال، وخلع عليه وعلى سبعة نفر معه، ثم سعى في تزويج ابنة خمارويه من عليّ المكتفي، فقال المعتضد: إنما أراد أن يتشرَّفَ بنا، وأنا أزيد في تشريفه، أنا أتزوجها، فتزوجها، وتولى ابن الجصاص أمرها وحمل جهازها؛ فيقال: إنه حمل معها جوهراً لم يجتمع مثلُه عند خليفة قط؛ فاقتطع ابن الجصاص بعضه، وأعلم قَطْر الذي بنت خمارويه أن ما أخذ مُودَع لها عنده إلى وقت حاجتها إليه؛ فماتت والجوهر عنده؛ فكان ذلك سبب غناه واستقلاله، وقد كانت لابن الجصاص محن بعد ذلك في أيام - المقتدر، وما كان من القَبْض عليه، وما أخذ منه من الأموال بهذا السبب وغيره، وحمل المعتضد صداق قطر الندى وهو بمدينة بلد إلى أبي الجيش، وكان الصداق ألف ألف درهم، وغير ذلك من المتاع والطيب ولطائف الصين والهند والعراق، وكان مما خص به أبا الجيش في نفسه وَحَبَاه به بَدْرَة من الجوهر المثمن فيها در وياقوت وأنواع من الجوهر ووشاح وتاج وإكليل، وقيل: قلنسوة، وكرزن. وكان وصولهم إلى مصر في رجب سنة ثمانين ومائتين، وانحدر المعتضد من مدينة بلد والموصل بعد أن حمل ما وصفنا إلى مدينة السلام في الماء.
ابن الجصاص
وحدث أبو سعيد أحمد بن الحسين بن منقذ قال: دخلت يوماً على الحسن بن الجصاص وإذا بين يديه سفط. مبطن بالحرير فيه جوهر قد نظم منه سبح؛ فرأيت شيئاً حسناً ووقع في نفسي أن عددها يجاوز العشرين، فقلت له: جعلني اللّه فداك! كم عدد ما في كل سبحة؟ فقال لي: مائة حبة، وزن كل حبة كوزن صاحبتها لا تزيد ولا تنقص، وقد عدلت كل سبحة وزن صاحبتها، وإذا بين يديه سبائك ذهب توزن بقَبَّان كما يوزن الحطب؛ فلما خرجت من عنده تلقاني أبو العيناء فقال لي: يا أبا سعيد، علي أي حال تركت هذا الرجل. فوصفت له ما رأيت، فقال رافعاً رأسه إلى السماء: اللهم إن كنت لم تُسَاوِ بيني وبينه في الغنى، فَسَاوِ بيني وبينه في العمى، ثم اندفع يبكي، فقلت: يا أبا عبيد اللّه، ما شأنك. فقال: لا تنكر ما رأيت مني، لو رأيتَ ما رأيتُ لضعفت، ثم قال: الحمد للّه على هذه الحالة، وقال: يا أبا سعيد، ما حَمَدْتُ اللّه تعالى على العمى إلا في وقتي هذا؛ فقلت لمن يخبر حال ابن الجصاص: بأي شيء ختم هذا السبح؟ فقال: بياقوتة حمراء لعل قيمتها أكثر مما تحتها.
أبوّ العيناء
وكانت وفاة أبي العيناء سنة اثنتين وثمانين ومائتين بالبصرة في جمادى الآخرة، وكان يكنى بأبي عبيد اللّه، وكان قد انحدر من مدينة السلام إلى البصرة في زورق فيه ثمانون نفساً في هذه السنة فغرق الزورق، ولم يتخلص مما كان فيه إلا أبو العيناء، وكان ضريراً، تعَلَّقَ بأطراف الزورق فأخرج حَيّاً، وتلف كل من كان معه، فبعد أن سلم ودخل البصرة مات.
وكافي لأبي العيناء من اللسان وسرعة الجواب والذكاء ما لم يكن عليه أحد من نُظَرَائِه، وله أخبار حسان وأشعار ملاح مع أبي علي البصير وغيره، وقد أتينا على ذكرها فيما سلف من كتبنا.
(2/138)

وحضر مجلس بعض الوزراء، فتعارضوا حديث بعض البرامكة وكرمهم وما كانوا عليه من الجود، فقال الوزير لأبي العيناء، وقد كان أمْعَنَ في وصفهم وما كانوا عليه من البذل والإِفضال: قد أكْثَرْت من ذكرهم ووصفك إياهم، وإنما هذا من تصنيف الوَرَاقين وتأليف المحسنين، فقال له أبو العيناء: فلم لا يكذب الوَرَّاقون عليك أيها الوزير بالبذل والجود؟ فأمْسَكَ عنه الوزير، وتعجب الناس من إقدامه عليه.
واستأذن يوماً على الوزير صاعد بن مخلد، فقال له الحاجب: الوزير مشغول فانتظر، فلما أبطأ إذنه قال للحاجب: ما صنع الوزير. قال: يصفَتي، قال: صدقت لكل جديد لذة، يعيره بأنه حديث عهد بالإِسلام.
وقد كان أبو العيناء دخل على المتوكل في قصره المعروف بالْجَعْفَرِي، وذلك في سنة ست وأربعين ومائتين، فقال له: كيف قولك في دارنا هذه؟ فقال: إن الناس بَنَوْا الدور في الدنيا، وأنت بنيت الدنيا في دارك، فاستحسن ذلك ثم قال له: كيف شربك النبيذ. فقال: أعجز عن قليله، وأفتضح من كثيره، فقال له: دَعْ هذا عنك ونادمنا، فقال: أنا امرؤ محجوب، والمحجوب تتخطرف إشارته، ويجور قصده، وينظر منه. إلى ما لا ينظر إليه، وكل مَنْ في مجلسك يخدمك، وأنا أحتاج أن أخْدَمَ، وأخرى لست آمن أن تنظر إلَيَّ بعين رَاضٍ وقلبك غضبان، أو بعين غضبان وقلبك رَاضٍ، ومتى لم أمَيِّز بين هاتين هلكت، فأختار العافية على التعرض للبلاء، فقال: بَلَغنا عنك بَذَاء، قال: يا أمير المؤمنين، قد مدح الله تعالى وذم فقال: " نعم العبد إنه أواب " جل ذكره: " هماز مشاء بنميم " الآية فإن لم يكن البذاءَ بمنزلة العقرب يلدغ النبي والذمي فلا ضَيْرَ في ذلك، قال الشاعر:
إذا أنا بالمعروف لم أك صاقداً ... ولم أشتم النَكْسَ اللئيم المذمما
ففيمَ عَرَفْتُ الخير والشر باسمه ... وَشَق لي اللّه المدامع والفما
قال: من أين أنت؟ قال: من البصرة، قال: ما تقول فيها؟ قال ماؤها أجاج، وحرها عذاب، وتطيب في الوقت الذي تطيب فيه جهنم. وكان وزيره عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان واقفاً على رأسه، قال: ما تقول في عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان؟ قال: نعم العبد، منقسم بين ميمون؟ قال: يد تسرق، واست تضرط، وهو بمنزلة يهودي قد سرق نصف خزينة، له إقدام ومعه إحكام، إحسانه تكلف، وإساءته طبيعة فأضحكه ذلك منه، ووصله وصرفه.
هدايا الصفار للمعتضد
وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين ورَدَتْ هدايا من قبل عمرو بن الليث الصفار: منها مائة دابة من مَهَاري خراسان وجمازات كثيرة وصناديق كثيرة وأربعة آلاف ألف درهم، وكان معها صنم من صُفْر على مثال امرأة لها أربعة أيْدٍ وعليها وشاحان من فضة مُرَصَّعَانِ بالجوهر الأحمر والأبيض، وبين يحيى هذا التمثال أصنام صغار لها أيد ووجوه وعليها الحلي والجوهر، وكان هذا التمثال على عَجَلٍ قد عمل على مقدارها تجره الجمازات؛ فصير بذلك أجمع إلى دار المعتضد؛ ثم رد هذا التمثال إلى مجلس الشرطة في الجانب الشرقي؛ فنصب للنساء ثلاثة أيام ثم رد إلى دار المعتضد، وذلك في يوم الخميس لأربع خلون من شهر ربيع الآخر من هذه السنة؛ فسمت العامة هذا التمثال شغلاً؛ لاشتغالهم عن أعمالهم بالنظر إليه عدة هذه الأيام.
وقد كان عمرو بن الليث قد حمل هذا الصنم من مدن افتتحها من بلاد الهند ومن جبالها مما يلي بلاد بسط ومعبر وبلاد الحوار، وهي ثغور في هذا الوقت - وهيِ سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - مما يليها من الأكافر والأمم - المختلفة حَضرٌ وبدْو، فمن الحضر بلاد كابل وبلاد باميان! وهي بلاد متصلة ببلاد زابلستان والرخج، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار الأمم الماضية والملوك الغابرة أن زابلستان تعرف ببلاد فيروز بن كبك - ملك زابلستان.
وقد كان عيسى بن علي بن ماهان دخل في طلب الخوارج في أيامِ الرشيد إلى السند وجبالها والقندهار والرخج وزابلستان، ويقتل ويفتح فتوحاً لم يتقدم مثلها في تلك الديار؛ ففي ذلك يقول الأعمى الشاعر المعروف بابن العذافر القمي:
كاد عيسى يكون ذا القرنين ... بلغ المغربين والمشرقين
لم يَدَع كابلاً ولا زابلستا ... ن فما حولها إلى الرخجين
(2/139)

وقد قدمنا فيما سلف من كتبنا الأخبار عن قلاع فيروز بن كبك الملك ببلاد زابلستان التي ليس في قلاع العالم على ما ظهر للناس من ذوي العناية والتنقير ومَنْ أكثر في الأرض المسيَر أحْصَنُ منها، ولا أمنع ولا أعلى في الجو، ولا أكثر عجائل منها وذكرنا عجائب تلك الديار إلى بلاد الطبسين وبلاد خراسان واتصالها بسجستان، وعجائب المشرقين والمغربين من عامر وغامر، وما في العامرمن الأمم المختلفة الخلق والخُلق.
قدوم أهل البصرة على المعتضد
وقد كان أهل البصرة وردوا على المعتضد في مراكب بحرية بيض مشحمة بالشحم والنورة على ما في بحرهم، ووفد فيها خلق من خطبائهم ومتكلميهم وأهل الرياسة والشرف والعلم: منهم أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، وكان مولى آل جُمَح من قريش، وكان ولي القضاء بعد ذلك، يشكون إلى المعتضد ما نزل بهم من محن الزمان، وجدبٍ لحقهم، وجَوْرٍ من العمال اعتورهم، وألحوا بالصياح والضجيج في مراكبهم في دجلة، فجلس لهم المعتضد من وراء حجاب، وأمر الوزير القاسم بن عبيد اللّه وغيره من كتاب الدواوين بالجلوس لهم من حيث يسمع المعتضد خطابهم، فيقصون لهم بما يشكونه من حكم الدواوين، ثم أذن للبصريين فدخلوا، وأبو خليفة في أولهم، عليهم الطيالسة الزرق والأقناع على رؤوسهم، ذوو عوارض جميلة وهيئة حسنة، فاستحسن المعتضد ما رأى منهم، وكان المبتدئ منهم بالنطق أبو خليفة؛ فقال: غمر العامر، ودَثَرَ الظاهر، واختلفت العَوَّاء، وخسفت الجوزاء، وأناخت علينا المصائب، واعتورتنا المحن، وقام كل رجل منا في ظلمة، واصطلمت الضياع، وانخفضت القلاع، فانظر إلينا بعين الِإمام، تستقيم لك الأيام، وتنقاد لك الأنام، وإلا فنحن البصريون لا نُدْفَع عن فضيلة، ولا نتنافس عن جليلة. وسَجعَ في كلامه، وأغرق في خطابه، فقال له الوزير: أحسبك مؤدباً أيها الشيخ، فقال له: أيها الوزير، المؤدبون أجلسوك هذا المجلس، قال له الوزير: كم في خمس من الِإبل. قال له أبو خليفة: الخبيرَ سألت؛ في خمس من الِإبل شاة، وفي العشر شاتان؛ ثم مضى في وصف فرائض الِإبل واصفَاً لما يجب فيها، ذاكراً للتنازع في موضعه منها؛ ثم شرع في البقر والغنم، بلسان فصيح وخطاب حسن في إيجاز من خطاب وبيان من الوصف؟ فبعث المعتضد - وقد أعجبة ما سمع، وأكثر لذلك من الضحك، - بخادم إلى الوزير، فقال له: أكتب لهم عما يريدون، وأجبهم إلى ما سألوه، ولا تصرفهم إلا شاكرين؛ فهذا شيطان قذف به البحر، ومثله فَلْيَفِدْ على الملوك.
أبو خليفة الجمحي
وكان أبو خليفة لا يتكلف الإِعراب، بل قد صار له كالطبْع، لدوام استعماله إياه من عنفوان حداثته، وكان ذا محل من الِإسناد.
(2/140)

وله أخبار ونوادر حسان قد دونت: منها أن بعض عمال الخراج - بالبصرة كان مصروفاً عن عمله، وأبو خليفة مصروفْاً عن قضائه، فبعث العامل إلى أبي خليفة أن مبرمان النحوي صاحب أبي العباس المبرد قد زارني في هذا اليوم إلى بعض الأنهار والبساتين، فأتوه مبكرين مع من حضرنا من أصحابنا، وسألوه الحضور معهم، فجلسوا في سمارية متفكهين قد غيروا ظواهر زيهم حتى أتوا نهراً من أنهار البصرة واستحسنوا بعض البساتين فقدموا إليه وخرجوا إلى الشط وجلسوا تحت النخل على شط النهر وقم إليهم ما حُمل معهم من الطعام وكان أيام المبادي وهي الأيام التي يُثْمِر فيها الرطب فيكبسونه في القواصر تمراً، وتكون حينئذ البساتين مشحونة بالرجال ممن يعمل في التمر من الأكَرَة، وهم الزراع وغيرهم؛ فلما أكلوا قال بعضهم لأبي خليفة غير مكن له خوفاً أن يعرفه مَنْ حضر ممن ذكرنا من الأكَرَةِ والعمال في النخل: أخبرني أطال اللّه بقاءك عن قول اللّه عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسكم وأهليكم ناراً " هذه الواو ما موقعها من الِإعراب. قال أبو خليفة: موقعها رفع، وقوله: " قوا " هو أمر للجماعة من الرجال، قال له: كيف تقول للواحد من الرجال والاثنين؟ قال: يُقال للواحد من الرجال: قِ، وللاثنين قيا، وللجماعة: قوا، قال: كيف تقول للواحدة من النساء وللاثنتين منهن وللجماعة منهن؟ قال أبو خليفة: يُقال للواحدة: قي، وللاثنتين: قيا، وللجماعة: قِينَ. قال: فأسألك أن تعجل بالعَجَلةِ كيف يقال للواحد من الرجال وللاثنين وللجماعة والواحدة من النساء والاثنتين منهن والجماعه منهن؟ قال أبو خليفة عجلان: قِ قيا قوا قي قيا قين، وكان بالقرب منهم جماعة من الأكَرَةِ، فلما سمعوا ذلك استعظموه، وقالوا: يا زنادقة، أنتم تقرءون القرآن بحروف الدجاج، وعَدوْا عليهم فصفعوهم، فما تخلص أبو خليفة والقوم الذين كانوا معه من أيديهم إلا بعد كد طويل.
وقد أتينا على نوادر أبي خليفة ومخاطبته لبغلته حين ألقته وما تكلم به حين دخول اللص إلى داره وغير ذلك في كتابنا الأوسط.
وكانت وفاة أبي خليفة بالبصرة في سنة خمس وثلاثمائة.
ابن الشيخ في آمد
وفي سنة ست وثمانين ومائتين في ربيع الأول نزل المعتضد على آمد، وذلك بعد وفاة أحمد بن عيسى بن الشيخ عبد الرزاق، وقد تحصن بها ولده محمد بن أحمد بن عيسى بن عبد الرزاق، فَبَثَ جيشه حولها وحاصرها، فحدث علقمة بن عبد الرزاق قال: حدثنا رواحة بن عيسى بن عبد الملك، عن شعبة بن شهاب اليشكري، قال: وَجه أبي المعتضد إلى محمد بن عيسى بن الشيخ لأخذ بالحجة عليه، فلما صرت إليه واتصل الخبر بأم الشريف أرسلت إلي، فقالت: يا ابن شهاب، كيف خَلَّفْتَ أمير المؤمنين؟ قال: فقلت: خَلَّفْتُه واللّه ملكاً جذلاً، وحكماً عدلاً، أماراً بالمعروف، فعّالاً للخير، متعززاً على أهل الباطل، متذللاً للحق، لا تأخذة في الله لومة لائم، قال: فقالت لي: هو واللّه أهل لذلك ومستحقه ومستوجبه، وكيف لا يكون ذلك كذلك وهو ظل اللّه الممدود على بلاده، وخليفته المؤتمن على عباده، أعزَّ به دينه، وأحيا به سُنّته، وثبَّت به. شريعته، ثم قال لي؛ وكيف رأيت صاحِبِنَا؟ تعني ابن أخيها محمد بن أحمد، قال: فقلت: رأيت غلاماً حَدَثاً معجباً قد استحوذ عليه السفهاء فاستمدَّ بآرائهم وأنْصَتَ لأقوالهم، فهم يزخرفون له الكلام، ويوردونه النّدَمَ، فقالت لي: فهل لك أن ترْجع إليه بكتاب فلعلنا أن نَحُل ما عَقَدَه السفهاء؛ قال: قلت: أجل، فكتبَتْ إليه كتاباً لطيفاً حسناً أجزلت فيه الموعظة، وأخلصت فيه النصيحة، وكتبت في آخره هذه الأبيات:
أقْبَلْ نصيحة أمَّ قلبها وَجِعٌ ... عليك، خوفاً وإشفاقاً، وقُلْ سَدَدَا
واستعمل الفكر في قولي فإنك إن ... فَكَّرْتَ ألفَيْتَ في قولي لك الرّشَدَا
ولا تَثِقْ برجال في قلوبهمُ ... ضغائن تبعث الشَنْان والحسدَا
مثل النعاج خمول في بيوتهم ... حتى إذا أمنوا ألفيتهم أسُدَا
وَداوِ ذلك والأدواء ممكنة ... وإذ طبيبك قد ألْقَي إليك يَدَا
واعطِ الخليفة ما يرضيه منك ولا ... تَمْنَعْهُ مالاً ولا أهلاً ولا ولدا
(2/141)

واردد أخا يشكر ردَاً يكون له ... رِدْءاً من السوء لم تُشْمِتْ به أحدا
قال: فأخذْتُ الكتاب، وسرت به إلى محمد بن أحمد، فلما نظر فيه رمى به إليَ، ثم قال: يا أخا يشكر، بآراء النساء تُسَاس الدول، ولا بعقولهن يُساس الملك، ارجع إلى صاحبك، فرجعت إلى أمير المؤمنين؛ فأخبرته الخبر عن حقه وصدقه، فقال: وأين كتاب أم الشريف؟ قال: فأظهرته، فلما عرضت عليه أعجبه شعرها وعقلها، ثم قال: إني لأرجو أن أشفعها في كثير من القوم؛ فلما كان في فتح آمِدَ ما كان ونزل محمد بن أحمد على الأمان لما عظم القتال وَجَّه إليَّ أميرُ المؤمنين فقال: يا شعلة بن شهاب؛ هل عندكم علم من أم الشريف؟ قال: قلت: لا واللّه يا أمير المؤمنين، قال: امْض مع هذا الخادم فإنك تَجِدُها في جملة نسائها، قال: فمضيت، فلما بصرت بي أسفرت عن وجهها وأنشأت تقول:
رَيْبُ الزمان وصَرْفُه ... وعتؤُه كشف القناعا
وأذَلَّ بعد العز منّا الصَعْبَ والبطل الشجاعا
ولقد نصحت فما أُطعت، وكما حرمت بأن أطاعا
فأبى بنا المقدور إلاَّ ... أن نُقَسَّم أو نباعا
يا ليت شعري هل ترى ... يوماً لفرقتنا اجتماعا
قال: ثم بكت وضربت بيدها على الأخرى، ثم قال لي: يا ابن شهاب، كأني واللّه كنت أرى ما أرى، فإنا للّه وإنا إليه راجعون، قال: فقلت لها: إن أمير المؤمنين قد وَجهَنِي إليك، وما ذاك إلاَ لحسن رأي منه فيك، قالت: فهل لك أن توصل إليه كتابي هذا بما فيه. قلت: نعم، فكتبت إليه بهذه الأبيات:
قل للخليفة والِإمام المرتضى ... وابن الخَلاَئِفِ من قريش الأبطح
بك أصلح اللّه البلاد وأهْلَهَا ... بعد الفساد وطالما لم تصلح
وتزحزحت بك قبة العز التي ... لولاك بعد اللّه لم تتزحزح
وأراك رَبُّكَ ما تحبُّ فلا ترى ... ما لا يُحِبُّ فَجُدْ بعفوك واصْفَح
يا بهجة الدنيا وبَدْرَ ملوكهاهَبْ ظالميّ ومفسديّ لمصلح
قال: فأخذت الكتاب، وسرت به إلى أمير المؤمنين، فلما عرضت عليه الأبيات أعجبته، وأمر أن يحمل إليها تُخُوت من الثياب وجملة من المال، وإلى ابن أخيها محمد بن أحمد مثل ذلك، وشَفّعها في كثير من أهلها ممن عظم جرمه واستحق العقوبة عليه.
حرب مع رافع بن ليث
وكتب المعتضد إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلَفَ بمواقعة رافع بن ليث وذلك في سنة تسع وسبعين ومائتين، فسار أحمد بن عبد العزيز إلى رافع، والتَقَوْا بالري لسبع بقين من ذي القعدة من هذه السنة، وأقامت الحرب بينهم أياماً، ثم كانت على رافع بن ليث، فولّى، وركب أصحاب ابن أبي دُلَفَ أكتافهم، واستولوا على عسكرهم، وكان وصول هذا الخبر إلى بغداد لست خلون من ذي الحجة من هذه السنة.
محمد بن الحسن بن سهل يدعو لرجل طالبي
(2/142)

وفي سنة ثمانين ومائتين أخذ ببغداد رجل يعرف بمحمد بن الحسن بن سهل ابن أخي في الرياستين الفضل بن سهل، يلقب بشميلة، ومعه عبيد اللّه بن المهتدي، ولمحمد بن الحسن بن سهل هذا تصنيفات في أخبار المبيضة، وله كتاب مؤلف في أخبار علي بن محمد صاحب الزنج حسب ما ذكرنا من أمره فيما سلف من هذا الكتاب، فأقرَّ عليه جماعة من المستأمنة من عسكر العلوي وأصيبت له جرائد فيها أسماء رجال قد أخذ عليهم البيعة لرجل من آل أبي طالب، وكانوا قد عزموا على أن يظهروا ببغداد في يوم بعينه، ويقتلوا المعتضد، فأدخلوا إلى المعتضد، فأبى مَنْ كان مع محمد بن الحسن أن يقروا وقالوا: أما الرجل الطالبي فإنا لا نعرفه، وقد أخذت علينا البيعة له ولم نَرَهُ، وهذا كان الواسطَةَ بيننا وبينه، يعنون محمد بن الحسن، فأمر بهم فقتلوا، واستبقى شميلة طمعاً في أن يدلّه على الطالبي، وخلّى عبيد الله كل، المهتدي لعلمه ببراءته، ثم أراد المعتضد باللّه بمحمد بن الحسن بجميع الجهات أن يدلّه على الطالبي الذيَ أخذ له العهد على إلى جال، فأبى، وجرَى بينه وبين المعتضد خطب طويل، وكان في مخاطبته للمعتضد أن قال: لو شَوَيْتَنِي على النار ما زدتك على ما سمْعتَ مني، ولم أقر على مَنْ دعوت الناسَ إلى طاعته وأقررت بإمامته، فاصنع ما أنت له صانع، فقال له المعتضد: لسنا نعذبك إلا بما ذكرت، فذكر أنه جعل في حديدة طويلة أدخلت في دبره وأخرجت من فمه وأمسك بأطرافها على نار عظيمة حتى مات بحضرة المعتضد وهو يسبه ويقول فيه العظائم، والأشهر أنه جعل بين رماح ثلاثة وشُدَّ بأطرافها وكتف وجعل فوق النار من غير أن يماسها وهو في الحديدة يدار عليها ويشوى كما يشوى الدجاج وغيرها إلى أن تفرقع جسمه، وأخرج فصلب بين الجسرين من الجانب الغربي.
محاربة بني شيبان
وفي هذه السنة كان خروج المعتضد في طلب الأعراب من بني شيبان، وقد كانوا عَتَوْا وأكثروا الفساد، وأوقع بهم مما يلي الجزيرة والزاب في الموضع المعروف بوادي الذئاب، فقَتَل وأسَرَ وساق الذراري وسار إلى الموصل.
وفي هذه السنة افتتح أبو عبد اللّه بن أبي الساج المراغَةَ من بلاد أذربيجان، فقبض على عبد الله بن الحسين، واستصفى أمواله، ثم أتى عليه بعد ذلك.
فتح عمان
وفي هذه السنة كانت وفاة أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلَفَ.
وفي هذه السنة افتتح أحمد بن ثور عمان، وكان مسيره إليها من بلاد البحرين، فواقع الشراة من الأباضية، وكانوا في نحو من مائتي ألف، وكان إمامهم الصَّلْت بن مالك ببلاد بروى من أرض عمان؛ وكانت له عليهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وحمل كثيراً من رؤوسهم إلى بغداد فنصبت بالجسر.
وفيها دخل المعتضد بغداد منصرفا من الجزيرة.
وفي هذه السنة كان دخول عمرو بن الليث نيسابور.
؟ابنة ابن أبي الساج
وفي هذه السنة نقلت ابنة محمد بن أبي الساج إلى بدرٍ غلام المعتضد، وقد أتينا على خبر ابن أبي الساج وما كان من تزويجه ابنته لبدر بحضرة المعتضد وما كان من خبر ابن أبي الساج ورحلته عن باب خراسان متوجهاً إلى أذربيجان في الكتاب الأوسط.
مسير إسماعيل بن أحمد إلى أرض الترك
وفي هذه السنة سار إسماعيل بن أحمد - بعد وفاة أخيه نصر بن أحمد واستيلائه على إمرة خراسان - إلى أرض الترك، ففتح المدينة الموصوفة من مدنهم بدار الملك، وأسر خاتون زوجة الملك، وأسر خمسة عشر ألفاً من الترك وقتل منهم عشرة آلاف، ويقال: إن هذا الملك يقال له طنكش، وهذا الاسم سِمَة لكل ملك مَلَكَ هذا البلد من ملوكهم، وأراه من الجنسين المعروفين بالخدلجية، وقد أتينا فيما سلف من هذا الكتاب على جمل من أخبار الترك وأجناسهم وأوطانهم، وكذلك فيما سلف من كتبنا.
بين وصيف وعمرو بن عبد العزيز
(2/143)

وفي سنة إحدى وثمانين ومائتين كانت الحرب بين وصيف خادم ابن أبي الساج وعمرو بن عبد العزيز ببلاد الجبل، وكان من أمره ما ذكرنا فيما سلف من كتبنا، وكان المعتضد خرج في هذه السنة إلى الجبل لأمور بلَغته: منها قصة محمد بن زيد العلوي الحسيني صاحب بلاد طبرستان، فولّى ولده عليّاً المكتفي الري، وأنزله بها، وأضاف إليه قزوين وزنجان وأبهر وقم وهمذان، وانصرف المعتضد إلى بغداد وقد قلد عمرو بن عبد العزيز أصبهان وكرخ أبي دُلَفَ وفيها استأمن إلى المكتفي على كوره، وسار إلى المعتضد في عدة كثيرة، وفيها سار طغج بن شبيب أبو الِإخشيد صاحب مصر في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - في عساكر كثيرة من دمشق، فدخل طرسوس غازياً وافتتح ملوريه مما يلي بلاد برغوث وعرب الراهب.
وفي هذه السنة نزل المعتضد على حمدان بن حمدون وقد تحصن في القلعة المعروفة بالصوارة نحو عين الزعفران، وسارع إسحاق بن أيوب العنبري إلى طاعة المعتضد، ودخل في عسكره، واستأمن الحسين بن حمدان بن حمدون ومن كان معه من أصحابه إلى المعتضد، وقد أتينا على خبر حمدان بن حمدون وما كان من أمره وصعوده الجبل الجودي وعبوره دجلة وكاتبه النصراني ودخول عسكر المعتضد ليلاً إلى إسحاق بن أيوب حتى أتى به إلى المعتضد، وإخراب المعتضد لهذه القلعة، وقد كان حمدان أنْفَقَ عليها أموالاً جليلة، وهو حمدان بن حمدون بن الحارث بن منصور بن لقمان، وهو جد أبي محمد الحسن بن عبد اللّه الملقب بناصر الدولة في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - وما كان من الحسين بن حمدان في طلبه هارونَ الشاري، وما كان من أخْذِ الحسين بن حمدان إياه، بعد هذا الموضع فيما يَرِدُ من هذا الكتاب.
مقتل أبي الجيش خمارويه
قال المسعودي: وفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين ذًبِحَ أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون بدمشق في ذي القعدة، وقد كان بَنَى في سفح الجبل أسفل من دير مروان قصراً، وكان يشرب فيه في تلك الليلة، وعنده طغج، وكان الذي تولى ذلك خادماً من خدميهم، وأتى بهم على أميال فقتلوا وصلبوا، ومنهم من رُميَ بالنشاب، ومنهم من شرح لحمه من أفخاذه وعجيزته، وأكله السودان من مماليك أبي الجيش.
الخصيان
وقد أتينا على أخبار الخدم من السودان والصقالبة والروم والصين، وذلك أن أهل الصين يَخْصُون كثيراً من أولادهم كفعل الروم بأولادهم، وما اجتمع عليه الخصيان من التضاد، وذلك لما حدث بهم من قطع هذا العضو، في كتابنا أخبار الزمان وما أحدثته الطبيعة فيهم عند ذلك كما قاله الناس فيهم وما ذكروه من الصفات.
وذكر المدائني أن معاوية بن أبي سفيان دخل ذات يوم على امرأته فاختة - وكانت ذات عقل وحزم - ومعه خصي، وكانت مكشوفة الرأس، فلما رأت معه الخصي غَطّتْ رأسها، فقال لها معاوية: إنه خصي، فقالت: يا أمير المؤمنين، أترى المثلة به أحلَّتْ له ما حرم اللّه عليه. فاسترجع معاوية. وعلم أن الحق ما قالته، فلم يُدْخِل بعد ذلك على حرمه خادماً، وإن كان كبيراً فانياً.
وقد تكلم الناس فيهم، وذكروا الفرق بين المجبوب والمسلوب، وأنهم رجال مع النساء ونساء مع الرجال، وهذا خَلْف من الكلام، وفاسد من المقال، بل هم رجال، وليس في عدم عضو من أعضاء الجسد ما يوجب إلحاقهم بما ذكروا، ولا عدم نبت اللحية محيلاً، لهم عما وصفوا، ومن زعم أنهم بالنساء أشبه فقد أخبر عن تغيير فعل الباري جل وعز، لأنه خَلَقَهم رجالاً لا نساء وذُكْرَانا، لا إناثاً، وليس في الجناية عليهم ما يلقب أعيانهم، ويزيل خَلقَ الباري جل وعز لهم، وقد قلنا في علة عدم نتن الآباط في الخدم وما قالته الفلاسفة فيما سلف من كتبنا، لأن الدم بطيء لا يوجد لآباطه رائحة، وهذا من فضائل الخدم.
نقل جثه خمارويه إلى مصر
وَحُمِلَ أبو الجيش في تابوت إلى مصر، وورد الخبر بذلك إلى مصر يوم الأحد لخمس ليال خَلَوْنَ من ذي الحجة، وكان ذبحه الأيام بقيت من ذي القعدة، فبويع لابنه جيش - وكان خماروَيه به يكنى - من الغد يوم الاثنين، وأتي بأبي الجيش إلى مصر، فأخرج من التابوت، وجعل على السرير، وذلك على باب مصر، وخرج ولده الأمير جيش، وسائر الأمراء والأولياء، فتقدم القاضي أبو عبد اللّه محمد بن عبدة المعروف بالعبداني وصلى عليه، وذلك في الليل.
(2/144)

فحكى أبو بشر الدولابي عن أبي عبد اللّه النجاري - وكان شيخاً من أهل العراق، وكان يقرأ في دور آل طولون وَمَقَابرهم - أنه كان في تلك الليلة ممن يقرأ عند القبر، وقد قدم أبو الجيش ليُدَلّى في القبر، ونحن نقرأ جماعة من القراء سبعة سورة الدخان، فأحدر من السرير، ودلِّيَ في القبر، وانتهَيْنَا من السورة في هذا الوقت إلى قوله عز وجل: " خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم، ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم، ذق إنك أنت العزيز الكريم " قال: فخفضنا أصواتنا وأدغمنا حياء ممن حضر.
من حزم المعتضد
ومما ذكر من خبر المعتضد وحزمه في الأُمور وحيله أنه أطلق من بيت المال لبعض الرسوم في الجند عشرِ بدَرٍ، فحملت إلى منزل صاحب عطاء الجيش ليصرفها فيهم، فنقب منزله في تلك الليلة، وأخذت العشر البدر، فلما أصبح نظر إلى النقب ولم ير المال، فأمر بإحضار صاحب الحرس، وكان على الحرس يومئذٍ مؤنس العجلي، فلما أتاه قال له: إن هذا المال للسلطان والجند، ومتى لم تأت به أو بالذي نقبه وأخذ المال ألزمك أمير المؤمنين غرمه، فجد في طلبه، وطلب اللص الذي جَسَرَ على هذا الفعل، فصار إلى مجلسه، وأحضر التوابين والشرط، والتوابون: هم شيوخ أنواع اللصوص الذين قد كبروا وتابوا، فإذا جرت حادثة علموا مِنْ فِعْل مَنْ هي، فدلُّوا عليه، وربما يتقاسمون اللصوص ما سرقوه، فتقدم إليهم في الطلب، وتهدَّدهم، وأوعدهم، وطالبهم، فتفرق القوم في الدروب والأسواق والغرف والمواخير ودكاكين الرواسين ودور القمار. فما لبثوا أن أحضروا رجلاً نحيفاً ضعيف الجسم رث الكسوة هين الحالة فقالوا: يا سيدي هذا صاحب الفعلة وهو غريب من غير هذا البلد، وأطبق القوم كلهم على أنه صاحب النقب ولص المال، فأقبل عليه مؤنس العجلي فقال له: ويلك!! مَنْ كان معك. وَمن أعانك؟ وأين أصحابك؟ ما أظنك تقدر على عشر بدر وحدك في ليلة، ما كنتم إلا عشرة سة، فأقر لي بالمال إن كان مجتمعاً، وعلىِ أصحابك إن سم، فما زاده على الِإنكار شيئاً، فأقبل يترفقُ به ويَعِدُه أن ظم جائزته، ويعده بكل جميل على رده والِإقرار به، ويتوعده مكروه وهو على جحوده وإنكاره، فلما غاظه ذلك وأنكره ويئس من إقراره أخذ في عقوبته ومساءلته، فضربه بالسوط والقلوس والمقارع والدرة على ظهره وبطنه وقفاه ورأسه وأسفل رجليه وكعابه وعضله، حتى لم يكن للضرب فيه موضع، وبلغ به ذلك إلى حالة لا يعقل فيها ولا نطق، فلم يقر بشيء، فبلغ ذلك المعتضد، فأحضر صاحب الجيش، فقال له: ما صنعت في المال؟ فأخبره الخبر، فقال له: ويلك!! تأخذ لصاً قد سرق من بيت المال عشر بدر فتبلغ به الموت والتلف حتى يهلك الرجل ويضيع المال، فأين حيل الرجال قال: يا أمير المؤمنين ما أعلم الغيب، ولم تكن لي في أمره حيلة غير ما فعلت، قال: أحضرني الرجل فأتي به وقد حمل في جل، فوضع بين يديه وقد قل، فسأله فأنكر، فقال له: ويلك!! إن مُت لم ينفعك، وإن برئت من هذا الضرب ونجوت لم أدعك تصل إليه، فلك الأمان والضمان على ما تصلح به حالتك ويحمد به أمرك فأبى إلا الإنكار، فقال: علي بأهل الطب، فأحضروا، فقال: خذوا هذا الرجل إليكم فعالجوه بأرفق العلاج، وواظبوا عليه بالمراهم والغذاء والتعاهد، واجتهدوا أن تبرئوه في أسرع وقت، فأخذوه إليهم، وأخرج مالاً مكان المال وأمر بتفريقه على الجند، فيقال: إنه بريء وصلح في أيام يسيرة، ثم واظبوا عليه بالطعام والشراب والوطاء والطيب حتى صَحَّ وقوي جسمه وظهر لونه ورجعت إليه نفسه، ثم ذكر به، فأمر بإحضاره، فلما حضر بين يديه سأله عن حاله، فدعا وشكر، وقال:
(2/145)

أنا بخير ما أبقى اللّه أمير المؤمنين، ثم سأله عن المال، فعاد إلى الِإنكار، فقال له: ويلك!!! لست تخلو من أن تكون أخذته وحدك كله أو وصل إليك بعضه، فإن كنت أخذته كله، فإنك تنفقه في أكل وشرب ولهو، ولا أظنك تفنيه قبل موتك، وإن مت فعليك وزره، وإن كنت أخذت بعضه سمحنا لك به، فأقر لنا به، وأقر على أصحابك، فإني أقتلك إن لم تقر، ولا ينفعك بقاء المال بعدك، ولا يبالي أصحابك بقتلك، ومتى أقررت دفعت إليك عشرة آلاف درهم، وأخذت لك من أصحاب الجسر مثل ذلك، ورسمتك من التوابين، وأجريت لك في كل شهر عشرة دنانير تكفيك لأكلك ؤشربك وكسوتك وطيبك، وتكون عزيزاً، وتنجو من القتل، وتتخلص من الِإثم، فأبى إلا الِإنكار، فاستحلف باللّه فحلف وأظهر له مصحفاً واستحلفه فحلف عليه، فقال: إني سأظهر على المال، فإن أنا ظهرت عليه بعد هذه اليمين قتلتك ولم أستبقك، فأبى إلاَّ الِإنكار، فقال له: فضع يدك على رأسي واحلف بحياتي، فوضع يده على رأسه وحلف بحياته أنه ما أخذه وأنه مظلوم متهم، وأن التوابين قد تبرءوا به، فقال له المعتضد: فإن كنت قد كذبت قتلتك وأنا بريء من دمك. قال: نعم، فأمر بإحضار ثلاثين أسود بحيثَ يراهم ويرونه، وأمرهم أن يتناوبوا في ملازمته، فأتت عليه أيام وهو قاعد لا يتكئ ولا يستند و لا يستلقي ولا يضطجع، وكلما خفق خَفْقَاً وجئ فكه وقمع رأسه، حتى إذا ضعف وقارب التلف أمر بإحضاره، فأعاد عليه ما كان خاطبه به واستحلفه باللّه وبغير ذلك من الأيمان، فحلف على ذلك كله وبما لم يستحلفه به أنه ما أخذ المال ولا يعرف من أخذه، فقال المعتضد لمن حضر: قلبي يشهد أنه بريء، وأن ما يقول حق خَفْقَةً، وأن التوابين قد عرفوا صاحبه، وقد أثمنا في هذا الرجل، وسأله أن يجعله في حِلً، ففعل، ثم أمر بإحضار مائدة عليها طعام، وأحضر بارد الشراب، وأمره بالجلوس والأكل والشراب، فأقبل يأكل ويشرب، ويُحَثّ على الأكل، ويلقم ويعاد الشراب عليه ويكرر، حتى لم يبق للأكل والشراب موضع، ثم أمر ببخور وطيب فبخر وطيب، وأتى له بحشية ريش فوطئ له ومهد، فلما استلقى واستراح وغفا أمر بإزعاجه وسرعة إيقاظه، فحمل من موضعه حتى أقعد بين يديه وفي عينيه الوَسَنُ، فقال له: حدثني كيف صنعت: وكيف نقبت: ومن أين خرجت؟ وإلى أين ذهبت بالمال؟ ومَن كان معك؟ قال: ما كنت إلا وحدي، وخرجت من النقب الذي دخلت منه، وكان مقابل الدرا حمام له كوم شوك يوقد به، فأخذت المال ورفعت ذلك الشوك والقماش والقصب فوضعته تحته وغَطَّيته، وهو هنالك، فأمر برده إلى فراشه، فردوه وأضجعوه عليه، ثم أمر بإحضار المال، فأحضر عن آخره، وأحضر مؤنس العجلي، وأحضر الوزير والجلساء، وقد غطى المال بالبساط ناحية من المجلس، ثم أمر بإيقاظ اللص وقد اكتفى في النوم وذهب عنه الوَسَنُ، فقال له بحضرة الجميع مثل قوله الأول، فجحد وأنكر، فأمر بكشف البساط، وقال له: ويلك!! أليس هذا المال؟ أليس فعلت كذا وكذا. يصف له ما كان حَدَّثه به، فأسقط في يد اللص، ثم أمر فقبض على يديه ورجليه وأوثق، ثم أمر بمنفاخ في دبره، وأتي بقطن فحشي في أذنيه وفمه وخيشومه، وأقبل ينفخ، وخلى عن يديه ورجليه من الوثاق؛ وأمسك بالأيدي وقد صار كأعظم ما يكون من الزِّقاق المنفوخة، وقد ورم سائر أعضائه وعظم جسمه، وعيناه قد امتلأتا وبرزَتَا، فلما كاد أن ينشقَّ أمر بعض الأطباء فضربه في عرقين فوق الحاجبين، وهما في الجبين، فأقبلت الريح تخرج منهما مع الدم ولها صوت وصفير إلى أن خمد وتلف، وكان ذلك أعظم منظر رؤي في ذلك اليوم من العذاب، وقيل: إن البدَرَ كانت عَيْناً وإن عددها كان أكثر مما وصفنا.
ابن المغازلي المضحك
(2/146)

وقد كان ببغداد رجل يتكلم على الطريق، ويقصًّ على الناس بأخبار ونوادر ومَضَاحَك ويعرف بابن المغازلي - وكان في نهاية الحذق لا يستطيع من يراه ويسمع كلامه أن لا يضحك - قال ابن المغازلي: فوقفت يوماً في خلافة المعتضد على باب الخاصة أضحك وأنادر؛ فحضر حلقتي بعضُ خدمة المعتضد، فأخذت في حكاية الخدم، فأعجب الخادم بحكايتي، وأشغف بنوادري، ثم انصرف عني، فلم يلبث أن عاد وأخذ بيدي، قال: إني لما انصرفت عن حلقتك دخلت فوقفت بين يدي المعتضد أمير المؤمنين، فذكرت حكايتك وما جرى من نوادرك فاستضحكت، فرآني أمير المؤمنين، فأنكر ذلك مني، وقال: ويلك!! مالك. فقلت: يا أمير المؤمنين على الباب رجل يعرف بابن المغازلي يُضْحِك ويحاكي، ولا يدع حكاية أعرابي وتركي ومكي ونجدي ونبطي وزنجي وسندي وخادم إلا حكاها، ويخلط ذلك بنوادر تضحك الثكول وتُصْبي الحليم، وقد أمرني بإحضارك ولي نصف جائزتك، فقلت له وقد طمعت في الجائزة السنية: يا سيدي، أنا ضيف وعليَّ عَيْلَة، وقد مَنَّ اللّه عليَّ بك فما عليك إن أخذت بعضها سدسها أو ربعها، فأبى إلا نصفها، فطمعت في النصف وقنعت به، فأخذ بيدي وأدخلني عليه، فسلمت وأحسنت، ووقفت في الموضع الذي أوقفت فيه، فردَّ عليَّ السلام، وقد كان ينظر في كتاب، فلما نظر في أكثره أطبقه ثم رفع رأسه إليَّ وقال لي: أنت ابن المغازلي؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: قد بلغني أنك تحكي وتُضحِك، وأنك تأتي بحكايات عجيبة ونوادر طريفة، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، الحاجة تَفْتق الحيلة، أجمع بها الناس، وأتقرب إلى قلوبهم بحكايتها، ألتمس برّهم، وأتعيش بما أناله منهم، قال: فهات ما عندك، وخُذْ في فنك، فإن أضحكتني أجزتك بخمسمائة درهم، وإن لم أضحك فما لي عليك؟ فقلت للحَيْنِ والخذلان: ما معي إلا قَفَاي فاصفعه ما أحببت، وكي شئت، وبما شئت، فقال لي: قد أنصفتَ، إن ضحكت فلك ما ضمنت، وإن أنا لم أضحك صفعتك بهذا الجراب عَشْرَ صفعات، فقلت في نفسي: ملك لا يصفع إلا بشيء يسير، وبشيء خفيف هَيِّن، ثم التفت وإذا أنا بجراب أدَم ناعم في زاوية البيت، فقلصَ في نفسي: ما أخطأ حَزْري، ولا أخْلَفَ ظني، وما عسى أن يكون من جِرَابِ فيه ريح، إن أنا أضحتكه ربحت، وإن أنا لم أضحكه فأمر عشر صفَعات بِجِرَاب منفوخ هَيِّن، ثم أخذت في النوادر والحكايات والنفاسة والعبارة، فلم أدع حكاية أعرابي ولا نحوي ولا مُخَنث ولا قَاضٍ ولا زُطِّي ولا نَبَطِي ولا سندي ولا زنجي ولا خادم ولا تركي ولا شطارة ولا عيارة؛ ولا نادرة ولا حكاية إلا أحضرتها وأتيت بها، حتى نفد جميع ما عندي وتصدَّعَ رأسي وانقطعت وسكت، وَفَتَرْت وَبَرَدْت، فقال لي: هيه، هات ما عندك، وهو مغضب لا يضحك ولا يبتسم ولم يبق ورائي خادم إلا هرب، ولا غلام إلا ذهب لما استَفَزَّهم الضحك وورد عليهم من الأمر، فقلت: يا أمير المؤمنين قد نفد والله ما معي، وتصدَّعَ رأسي، وذهب معاشي، وما رأيت قط مثلك، وما بقيت لي إلا نادرة واحدة، فقال: هاتها، فقلت. يا أمير المؤمنين وعَدْتني أن تصفعني عشراً وجعلتها مكان الجائزة، فأسألك أن تضعف الجائزة وتضيف إليها عشراً، فأراد أن يضحك فاستمسك، ثم قال: نفعل، يا غلام خذ بيده، فأخذ بيدي ومددت قَفَاي فصفعت بالجِرَاب صفعة، فكأنما سقط علىِ قَفَاي قلعة، وإذا فيه حصى مُدَوِّر كأنه صنجات، فصفعت له عشراً كادت أن تنفصل رقبتي وينكسر عنقي طَنت أُذناي، وقدح الشعاع من عيني، فلما استوفيت العشرة صِحْت: يا سيدي، نصيحة، فرفع الصفح عني بعد أن عزم على إيفاء ما كنت سألته من إضعاف جائزتي، فقال: ما نصيحتك؟ فقلت: يا سيدي، إنه ليس في الديانة أحسن من الأمانة، ولا أقبح من الخيانة، وقد ضمنت للخادم الذي أدخلني عليك نصف الجائزة على قلتها أو كثرتها، وأمير المؤمنين أطال اللّه بقاءه بفضله وكرمه قد أضْعَفَهَا، فقد استوفيت نصفها، وبقي لخادمك نصفها، فضحك حتى استلقى، واستفزه ما كان قد سمعه مني أولاً، وتحامل له وصبر عليه، فما زال يضرب بيده ويفحص برجله ويمسك بمَرَاق بطنه، حتى إذا سكن ضحكه ورجَعَتْ إليه نفسه قال: عليَّ بفلان الخادم، فأني به، وكان طُوَالاً، فأمر بصفعه، فقالَ: يا أمير المؤمنين، أي شيء قضيتي؟ وأي جناية جنايتي؟ فقلت له: هذه جائزتي، وأنت شريكي، وقد استوفيت نصفها، وبقي نصيبك من منها
(2/147)

فلما أخذه الصفع وطرق قَفَاه الصافع أقبلت عليه أقول له: قلت لك: إني ضعيف مُعْيِل وَشَكَوت إليك الحاجة والمسكنة، وأقول لك: يا سيدي، لا تأخذ نصفها، لك سدسها، لك ربعها، وأنت تقول: ما آخذ إلا نصفها، ولو علمت أن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه جوائزه صَفع وهبتها لك كلها، فعاد إلى الضحك من قولي للخادم، وعتابي له، فلما استوفى صفعه وسكن أمير المؤمنين من ضحكه أخرج من تحت تكأته صرَّة قد كان أعَدَّهَا فيها خمسمائة درهم، ثم قال له وقد أراد الانصراف: قِفْ، هذه كنت أعددتها لك، فلم يَدَعْكَ فضولك حتى أحضرت لك شريكاً فيها، ولعلني كنت أمنعه منها. فقلت: يا أمير المؤمنين، أين الأمانة وقبح الخيانة؟ ووعِدْت أنك كنت تدفعها كلها إليه، وتصفعه مع العشرة عشرة أُخرى، وتدفع له الخمسمائة درهم، فقسم الدراهم بيننا، وانصرفنا.فلما أخذه الصفع وطرق قَفَاه الصافع أقبلت عليه أقول له: قلت لك: إني ضعيف مُعْيِل وَشَكَوت إليك الحاجة والمسكنة، وأقول لك: يا سيدي، لا تأخذ نصفها، لك سدسها، لك ربعها، وأنت تقول: ما آخذ إلا نصفها، ولو علمت أن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه جوائزه صَفع وهبتها لك كلها، فعاد إلى الضحك من قولي للخادم، وعتابي له، فلما استوفى صفعه وسكن أمير المؤمنين من ضحكه أخرج من تحت تكأته صرَّة قد كان أعَدَّهَا فيها خمسمائة درهم، ثم قال له وقد أراد الانصراف: قِفْ، هذه كنت أعددتها لك، فلم يَدَعْكَ فضولك حتى أحضرت لك شريكاً فيها، ولعلني كنت أمنعه منها. فقلت: يا أمير المؤمنين، أين الأمانة وقبح الخيانة؟ ووعِدْت أنك كنت تدفعها كلها إليه، وتصفعه مع العشرة عشرة أُخرى، وتدفع له الخمسمائة درهم، فقسم الدراهم بيننا، وانصرفنا.
وفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين كانت وفاة إسماعيل بن إسحاق القاضي، والحارث بن أبي أُسامة، وهلال بن العلاء الرقي.
حرب هارون الشاري
(2/148)

وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين نزل المعتضد تكريت، وسار الحسين بن حمدان في الأولياء لحرب هارون الشاري، فكانت بينهم حرب عظيمة كانت للحسين بن حمدان عليه، فأتى به المعتضد أسيراً بغير أمان، ومعه أخوه فدخل المعتضد بغداد، وقد نُصِبَتْ له القباب، وزينت له الطرقات، وَعَبَّأ المعتضد باللّه جيوشه بباب الشماسية أحسن ما يكون من التعبئة وأكمل هيئة، فاشتقوا بغداد إلى القصر المعروف بالحسني، ثم خلع المعتضد على الحسين بن حمدان خِلَعاً شَرَّفَه بها، وطوقه بطوق من ذهب، وخلع على جماعة من فُرْسَانه ورؤساء أصحابه وأهله، وشهرهم في الناس كرامة لما كان من فعلهم وحسن بلائهم، ثم أمر بالشاري فأركب فيلاً وعليه دُرَّاعَة ديباج، وعلى رأسه برنس خز طويل، وخلفه أخوه على جمل فالج وهو ذو السنامين، وعليه دُرَّاعة ديباج وبرنس خز، وسيرهما في أثر الحسين بن حمدان وأصحابه، ثم دخل المعتضد في أثره عليه قَبَاء أسود وقلنسوة محدودة على فرس صناي عن يساره أخوه عبد اللّه بن الموفق، وخلفه بدر غلامه، وأبو القاسم عبيد اللّه بن سليمان بن وهب وزيره وابنه القاسم بن عبيد اللّه، فأكثر الناسُ الدعاء له، وتكاثف الناس في منصرفهم من الجانب الشرقي إلى الغربي، فأنخسف بهم كرسي الجسر الأعلى، وسقط على زورق مملوء ناساً، فغرق فيِ هذا اليوم نحو من ألف نفس ممن عرف عون من لم يعرف، واستخرج الناس من دجلة بالكلاليب وبالغَاصَةِ، وارتفع الضجيج، وكثر الصُّرَاخ من الجانبين جميعاً، فبينما الناس كذلك إذ أخرج بعض الغَاصَةِ صبيّاَ عليه حلى فاخرة من ذهب وجوهر، فبصر به شيخ من النظارة طَرَّار، فجعل يلطم وجهه حتى أدمى أنفه، ثم تمرغ في التراب، وأظهر أنه ابنه، وجعل يقول: يا سيدي، لم تَمُتْ إذ أخرجوك صحيحاً سيويّاً لم يأكلك السمك، ولم تمت، حبيبي ليتني كحلت عيني بك مرة قتل الموت، وأخذه فحمله على حمار ثم مضى به، فما برح القوم الذين رأوا من الشيخ ما رأوا حتى أقبل رجل معروف باليسار مشهور من التجار حين بلغه الخبر وهو لا يشك إلا أن الصبي في أيديهم، وليس يهمه ما كان عليه من حلى وثياب، وإنما أراد أن يكفنه ويصلي عليه ويدفنه، فخبره الناس بالخبر، فبقي هو ومن معه من التجار متعجبين مبهوتين، وسألوا عنه واستبحثوا، فإذا لا عين ولا أثر، وعَرَفَ تَوَابُو هذا الجسر هذا الشيخ المحتال فأيأسوا أبا الغريق منه، وذكروا أنه شيخِ قد أعياهم أمره وحيرهم كيده، وأنه بلغ من حيله وخبثه ودهائه أنه أتى يوماً من أول الصباح إلى باب بعض العُدُول الكبار المشهورين بالرياسة واليسار ومعه جرة فارغة قد حملها على عاتقه وفأس وزنبيل، فقام في ثوب خَلَقٍ، ولم يتكلم حتى وضع الفأس في الدكاكين التي على باب ذلك العَدْلِ فهدمها، وجعل ينقي الآجر ويعزله، فسمع ذلك العدل بهدمها، ووقع الفأس والهدم، فخرج لينظر فإذا الشيخ دائب يهدم دكاكينه التي على باب دارِهِ، فقال: يا عبد اللّه، أي شيء تصنع؟ ومَنْ أمرك بهذا. فجعل الشيخ يعمل عمله، ولا يلتفت إلى العدل، ولا يكلمه، فاجتمع الجيران وهما في المحاورة، فأخذوا بيد الشيخ، فوكزه هذا، ودفعه هذا، فالتفت إليهم، فقال: مالكم؟ ويلكم!! أي شيء تريدون مني. أما تستحون. تعبثون بي وأنا شيخ كبير.! فقالوا: ما لنا والعَبَثَ بك؟ وَيْحَك!! مَنْ أمرك بهذا؟ قال: وَيْحَكم!! أمرني صاحِبُ الدار، فقالوا: هذا صاحب الدار يكلمك، قال: لا واللّه ما هو هذا، فلما سمعوا كلامه وغفلته رحموه، وقالوا: هذا مجنون أو مخدوع خَدَعَهُ بعض جيران هذا العدل ممن قد حسده على ما أنعم اللّه تعالى به عليه، وهم الذين حملوا هذا الشيخ على هذا الفعل؛ فلما منعوه من الهدم مضى إلى الجرة التي جاء بها - وقد كان وضعها إلى جانب الباب - فأدخل يده فيها كأنه خبأ ثيابه بها، فصرخ وبكى، فلم يَشُكَّ العدلُ أن محتالاً خدعة وأخذ ثيابه، فقال: وأي شيء ذهب لك. قال: قميص جديد اشتريته أمس وَمِلْحَفَة لبيتي وسَرَاويل، فرقوا له جميعاً، ودَعاه العَدْلُ فكساه ووهب له دراهم كثيرة، ووهب له الجيرانُ دراهم كثيرة، وانصرف غانماً، وهذا الشيخ كان يُعْرف بالعقاب، ويكنى بأبي الباز، وله أخبار عجيبةَ وحيل لطيفة وهو الذي احتال للمتوكل، حين بايعه بختيشوع الطبيب أنه إن سرق من داره شيئاً يعرفه في ثلاث ليال ذكرت من ذلك الشهر فعليه أن
(2/149)

يحمل إلى خزانة أمير المؤمنين عشرة آلاف دينار، وإن خرجت هذه الليالي ولم يتم عليه ما ذكرنا فله الضيعة المعين ذكرها في المبايعة، فأتي بهذا الشيخ في عنفوان شبابه إلى المتوكل، فضمن للمتوكل أن يأخذ من دار بختيشوع شيئاً لا ينكره، وقد كان بختيشوع حَرَس داره وحصنها في هذه الليالي، فاحتال هذا الشيخ المعروف بالعقاب بحيل لطيفة إلى أن سرق بختيشوع وجعله في صندوق وأتى به المتوكل، في خبر ظريف، وأنه رسول لعيسى ابن مريم نزل إلى بختيشوع بشمع أسْرَجَه وتخليط عمله وبنج في طعام اتخذه أطعَمَه لحراس داره في تلك الليلة، وقد ذكرنا ذلك في كتابنا أخبار الزمان وهذا الشيخ قد بَرَّزَ في مكايده وما أورده من حيله على دالة المحتالة وغيرها من سائر المكارين والمحتالين ممن سلف وخلف منهم.مل إلى خزانة أمير المؤمنين عشرة آلاف دينار، وإن خرجت هذه الليالي ولم يتم عليه ما ذكرنا فله الضيعة المعين ذكرها في المبايعة، فأتي بهذا الشيخ في عنفوان شبابه إلى المتوكل، فضمن للمتوكل أن يأخذ من دار بختيشوع شيئاً لا ينكره، وقد كان بختيشوع حَرَس داره وحصنها في هذه الليالي، فاحتال هذا الشيخ المعروف بالعقاب بحيل لطيفة إلى أن سرق بختيشوع وجعله في صندوق وأتى به المتوكل، في خبر ظريف، وأنه رسول لعيسى ابن مريم نزل إلى بختيشوع بشمع أسْرَجَه وتخليط عمله وبنج في طعام اتخذه أطعَمَه لحراس داره في تلك الليلة، وقد ذكرنا ذلك في كتابنا أخبار الزمان وهذا الشيخ قد بَرَّزَ في مكايده وما أورده من حيله على دالة المحتالة وغيرها من سائر المكارين والمحتالين ممن سلف وخلف منهم.
الكيمياء
ولطلاب صنعة الكيمياء من الذهب والفضة وأنواع الجوهر من اللؤلؤ وغيره وصنعة أنواع الإِكسيرات من الإِكسير المعروف بالفرار وغيره وإقامة الزئبق وصنعته فضة وغير ذلك من خُدَعِهم وحيلهم في القرع والمغناطيس والتقطير والتكليس والبوادق والحطب والفحم والمنافخ أخبار عجيبة وحيل في هذا المعنى قد أتينا على ذكرها ووجوه الخدع فيها وكيفية الاحتيال بها في كتابنا أخبار الزمان وما ذكروه في ذلك من الأشعار، وما عَزَوْهُ إلى من سلف من اليونانيين والروم، مثل قلموبطرة الملكة، ومارية، وما ذكره خالد بن يزيد بن معاوية في ذلك، وهو عند، أهل هذه الصنعة من المتقدمين فيهم، في شعره الذي يقول فيه:
خذ الطلق مع الأشق ... وما يوجد في الطرق
وشيئاً يشبه البرقا ... فدبِّرْهُ بلا حرق
فإن أحببت مولاكا ... فقد سُوِّدْتَ في الخلق
وقد صنف يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي رسالة في ذلك، وجعلها مقالتين يذكر فيها تعذر فعل الناس لما انفردت الطبيعة بفعله، وخُدَعَ أهل هذه الصناعة وحِيَلَهم، وتَرْجَمَ هذه الرسالة بإبطال دعوى المدعين صنعة الذهب والفضة من غير معادنها، وقد نقض هذه الرسالة على الكندي أبو بكر محمد بن زكريا الرازي الفيلسوف صاحب الكتاب المنصوري في صناعة الطب الذي هو عشر مقالات، وأرى القول أن ما ذكره الكندي فاسد، وأن ذلك قد يتأتى فعله، ولأبي بكر بن زكريا في هذا المعنى كتب قد صنفها، وأفرد كل واحد منها بنوع من الكلام في هذه الصنعة في الأحجار المعدنية والشعر وفي ذلك من كيفية الأعمال، وهذا باب قد تنازع الناس فيه من فعل قارون وغيره، ونحن نعوذ بالله من التهوس فيما يخسف الدماغ، ويذهب بنور الأبصار، ويكسف الألوان من بخار التصعيدات ورائحة الزاجات وغيرها من الجمادات.
جيش بن خمارويه وأصحابه
وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين كان الفداء بالأسْرِ بين المسلمين والروم في شعبان، وكان بدؤه الثلاثاء، وفيه كان مسير جيش بن خمارَوَيه بن أحمد بن طولون من الشام إلى مصر في جيوشه، فخالفه طغج بدمشق بعد ذلك.
(2/150)

وفيها خرج عن عسكر جيش بن خمارويه خاقان المفلحي وبندقة بن كمجور بن كنداج فساروا إلى وادي القرى، ودخلوا مدينة السلام، فخلع عليهم المعتضد، وفيها كان الشغب بمصر، وقتل علي بن أحمد المارداني أبو محمد المارداني المقبوض عليه في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - بمصر، وقبض على جيش بن خماروبه، ونصب أخوه هارون بن خمارويه مكانه، وكانوا قد نقموا على جيش تقدمه لغلامه نجح المعروف بالطولوني وأخيه سلامة المعروف بالمؤتمن، وقد كان أخوه سلامة هذا بعد ذلك صحب جماعة من الخلفاء منهم القاهر والراضي، وأراه مع المتقي في هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين كانت وفاة أبي عمرو مقدام بن عمرو الرعيني بمصر، ليومين بَقِيَا من شهر رمضان، وكان من جِلّةِ الفقهاء، ومن كبار أصحاب مالك.
وفيها وَلّى المعتضدُ يوسفَ بن يعقوب القضاء بمدينة السلام، وخلع عليه، وانتدبه للجانب الشرقي.
مصادرة ابن الطيب السرخسي ومقتله
وفي هذه السنة - وهي سنة ثلاث وثمانين ومائتين - قبض المعتضد على أحمد بن الطيب بن مروان السرخسي صاحب يعقوب بن إسحاق الكندي، وسَلّمه إلى بحر غلامه، ووَجَّه إلى داره مَنْ قبض على جميع ماله، وقرر جواريه على المال حتى استخرجوه، فكان جملة ما حصل من العين والوَرِقِ وثمن الآلات خمسين ومائة ألف دينار، وكان ابن الطيب قد ولي الحِسْبَة ببغداد، وكان موضعه من الفلسفة لا يُجْهَل، وله مصنفات حسان في أنواع من الفلسفة وفنون من الأخبار.
وقد تنازع الناس في كيفية قتله، والسبب الذي من أجله كان قتل المعتضد إياه، وقد أتينا على ما قيل في ذلك في كتابنا المترجم بالأوسط، فأغنى ذلك عن إعادته في ذلك الكتاب.
وفيها ورد الخبر بقتل عمرو بن الليث لرافع بن هَرْثَمة.
وفي سنة أربع وثمانين ومائتين أدخل إلى بغداد رأس رافع بن هرثمة، ثم صُلِبَ ساعة من نهار، ثم رُدَّ إلى دار السلطان.
ثورة
وفي هذه السنة كان لأهل بغداد ثورة مع السلطان لصياحهم بالخدم السودان: يا عقيق، صب ماء واطرح دقيق، يا عاق، يا طويل الساق، وذلك أن الخدم في دار السلطان منهم اجتمعوا فكلموا المعتضد بما يلحقهم في الأزقة والشوارع والحروب وسائر الطرق من الصغير والكبير من العوام، فأمر المعتضد بجماعة من العامة، فضربوا بالسياط، فشغب العامة لذلك.
وفي هذه السنة ظهر للمعتضد شخص في صور مختلفة في داره، فكان تارة يظهر في صورة راهب في لحية بيضاء وعليه لباس الرُّهْبَان، وتارة يظهر شاباً حسن الوجه ذا لحية سوداء بغير تلك البِزَّة، وتارة يظهر شيخاً أبيض اللحية ببِزَّة التجار، وتارة يظهر بيده سيف مسلول، وضرب بعض الخدم فقتله، فكانت الأبواب تؤخذ وتغلق فيظهر له أين كان في بيت أو صحن أو غيره، وكان يظهر له في أعلى الدار التي بناها، فأكثر الناس القول في ذلك، واستفاض الأمر، واشتهر في خواص الناس وعوامهم، وسارت به الركبان، وانتشرت به الأخبار والقول في ذلك على حسب ما كان يقع لكل واحد منهم، فمن قائل: إن شيطاناً مَرِيداً صمد له يظهر فيؤذيه، ومنهم من يقول: إن بعض مؤمني الجن رأى ما هو عليه من المنكر وسَفْك الدماء فظهر له رادعاً وعن المنكر زاجراً، ومنهم من رأى أن ذلك بعض خدمهِ كان قد هوى بعض جواريه فاحتال بحيلة فلسفية من بعض العقاقير الخاصة فيضعها في فمه فلا يحرك بحاسة البصر، وكل ذلك ظن وحسبان، فأحضر المعتضد المعزمين، واشتدَّ قَلَقُه، واستوحش، وجاز عليه أمره، فقتل وغرق جماعة من خدمه وجواريه، وضرب وحبس جماعة منهم، وقد أتينا على الخبر في ذلك وما حكي عن أفلاطون في هذا المعنى، وعلى خبر شغب أم المقتدر باللّه والسبب الذي من أجله حبسها المعتضد وأراد قطع أنفها والتشويه بها في كتابنا أخبار الزمان.
وفي هذه السنة وَرَدَ الخبر بقتل أبي الليث الحارث بن عبد العزيز بنِ أبي دُلَف بسيفه لنفسه في الحرب، وذلك أن سيفه كان على عاتقه مشهراً فكبابه فرسه فذبحه سيفه، فأخذ عيسى النوشري رأسه وأنفذه إلى بغداد.
يوم الأجفر
(2/151)

وفي سنة خمس وثمانين ومائتين وقع صالح بن مدرك الطائي في نبهان وسنبس وغيرهم من طيئ بالحاج، وعلى الحاج جيء الكبير، وكانت لجيء مع صالح ومَنْ معه من الطائيين حرب عظيمة في الموضع المعروف بقاع الأجفر، وتشوش الحاج وأخذهم السيف، فمات عطشاً وقتلاً خلائقُ من الحاج، وأصاب جيء ضربات كثيرة، وكانت العرب ترتجز في ذلك اليوم وتقول:
ما إن رأى الناس كيوم الأجفر ... الناس صَرْعَى والقبور تحفر
وأخذ من الناس نحو من ألفي دينار.
وفاة إبراهيم بن محمد الحربي الفقيه
وفي هذه السنة - وهي سنة خمس وثمانين ومائتين - كانت وفاة أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفقيه المحدث في الجانب الغربي، وله خمس وثمانون سنة، وكانت وفاته يوم الاثنين لسبع بقين من ذي الحجة، ودفن مما يلي باب الأنبار وسارعِ السكبش والأسد، وكان صدوقاً عالماً فصيحاً جواداً عفيفاً، وكان زاهداَ عابداً ناسكاً، وكان - مع ما وصفنا من زهده وعبادته - ضاحك السن، ظريف الطبع، سلس القياد، ولم يكن معه تجبر ولا تكبر، وربما مزح مع أصدقائه بما يستحسن منه، ويُسْتقبح من غيره، وكان شيخ البغداديين في وقته، وظريفهم، وناسكهم، وزاهدهم، ومسندهم في الحديث، وكان يتفقه لأهل العراق، وكان له مجلس يوم الجمعة في المسجد الجامع الغربي.
وأخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن جابر قال: كنت أجلس يوم الجمعة في حلقة إبراهيم الحربي، وكان يجلس إلينا غلامان في نهاية الحسن والجمال من الصورة والبزَّة من أبناء التجار من الكرخيين، وبزَّتهما واحدة، كأنهما روحان في جسد، إن قاما قاما معاً، وإن قعدا قعدا معاً، فلما كان في بعض الجمع حضر أحدهما وقد بان الاصفرار بوجهه والانكسار في عينيه، فتوسمت أن غيبة الآخرة لعلة وقد لحق الحاضر من أجل ذلك الانكسار، فلما كان الجمعة الثانية حضر الغائب ولم يحضر الذي كان في الجمعة الأولى منهما، وإذا الصفرة والِإنكسار بين في لونه ونشاطه، فعلمت أن ذلك للفراق الواقع بينهما، ولأجل الألفة الجامعة لهما، فلم يزالا يتسابقان في كل جمعة إلى الحلقة، فأيهما سبق صاحبه إلى الحلقة لم يجلس الآخر، فصح عندي ما كان تقدم في نفس جواز كونه، فلما كان في بعض الجمع حضر أحدهما فجلس إلينا، وجاء الآخر فأشرف على الحلقة، فإذا صاحبه قد سبق، إذا المسبوق المطلع إلى الحلقة قد خنقته العَبْرة، فتبينت ذلك في حماليق عينيه، وإذا في يسراه رقاع مكتوبة فقبض بيمينه رقعة من تلك الرقاع وحذف بها في وسط الحلقة، وانساب بين الناس ماراً مستحياً، وأنا أرْمُقه ببصري، وكذلك جماعة ممن كان جالساً في الحلقة، وكان إلى جانبي على اليمين أبو عبد اللّه علي بن الحسين بن حوثرة، وذلك في عنفوان الشباب وأوان الحداثة، فوقعت الرقعة بين يحي إبراهيم الحربي، فقبضس عليها ونَشَرَها وقرأها، وكان من شأنه فعل ذلك إذا وقعت فىِ يده رقعة فيها دعاء أن يدعو لصاحبها مريضاً كان أو غير ذلك، ويؤمِّنُ على دعائه مَنْ حضر، فلما قرأ الرقعة أقبل يتأمل ما فيها تأملاً شافياً لأنه رأى ملقيها، ثم قال: اللهم اجمع بينهما، وألِّف بين قلوبهما، واجعل ذلك مما يقرب منك ويُزْلِف لديك، وأمَّنُوا على دعائه كما جرت العادة منهم بفعله، ثم أعرج الرقعة بسبَّابته وإبهامه وحذفني بها، فتأملت ما فيها، وقد كنت مستطلعاً نحوها لتبين الملقى لها، فإذا فيها مكتوب:
عَفَا اللَّه عن عبد أعَانَ بدعوة ... لًخِلّين كانا دائمين على الود
إلى أن وشى واشي الهوى بنميمة ... إلى ذاك من هذا فحالا عن العهد
فكانت الرقعة معي فلما كانت الجمعة الثانية حضرا معاً وإذا الاصفرار والانكسار قد زالا عنهما، فقلت لابن حوثرة: إني لأرى الدعوة قد سبقت لهما بالإِجابة من اللّه تعالى، وإن دعا الشيخ كأن على التمام إن شاء اللّه تعالى؛ فلما كان في تلك السنة كنت ممن حج فكأني أنظر إليهما بين مِنِى وعرفات محرمين جميعاً، فلم أزل أراهما متآلفين إلى أن كهلا، وأرى أنهما في صف أصحاب الديباج في الكرخ، أو غيره من الصفوف.
إبراهيم بن جابر القاضي
(2/152)

قال المسعودي: وهذا الخبر سمعته من إبراهيم بن جابر القاضي قبل ولايته القضاء، وهو يومئذ ببغداد يعالج الفقر، ويتلقاه من خالقه بالرضا، ناصراً للفقر على الغنى، فما مضت أيام حتى لقيته بحلب من بلاد قنسرين والواصم من أرض الشام، وذلك في سنة تسع وثلاثمائة، وإذا هو بالضد عما عهدته، متولياً القضاء على ما وصفنا، ناصراً ومشرفاً للغنى على الفقر، فقلت له: أيها القاضي، تلك الحكاية التي كنت تحكيها عن الوالي الذي كان بالري، وأنه قال لك: إن الخواطر اعترضتن بين منازل الفقراء والأغنياء، فرأيت في النوم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فقال لي: يا فلان؟ ما أحَسَنَ تواضع الأغنياء للفقراء شكراً لله تعالى وأحسن من ذلك تعزز الفقراء على الأغنياء ثقة باللّه تعالى، فقال لي؛ إن الخلق تحت التدبير لا ينفكون من أحكامه في جميع متصرفاتهم، وكنت كثيراً ما أسمعه فيما وصفنا من حال فقره يذمُ ذوي الحرص على الدنيا، ويذكر في ذلك خبراً عن علي كرم اللّه وجهه - وهو أن عليّاً عليه السلام كان يقول: ابنَ آدمَ؛ لا تتحمل هَم يومك الذي لم يأتِ على يومك الذي أنت فيه؛ فإنه إن يكن من أجَلِكَ يأت اللّه فيه برزقك، واعلم أنك لن تكتسب شيئاً فوق قُوتك إلاَّ كنت خازناً فيه لغيرك - فركب بعد ذلك الهماليج من الخيل.
ولقد أخبرت أنه قطع لزوجته أربعين ثوباً تسترياً وقصباً وأشباه ذلك من الثياب على مقراض واحد، وخَلَّفَ مالاً عظيماً لغيره.
وفاة المبرد
وفي هذه السنة - وهي سنة خمس وثمانين ومائتين - وكانت وفاة أبي العباس محمد بن يزيد النحوي المعروف بالمبرد، ليلة الاثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة، وله تسع وسبعون سنة، ودفن بمقابر باب الكوفة من الجانب الغربي بمدينة السلام.
وفي سنة ست وثمانين ومائتين مات محمد بن يونس الكوفي المحدث، ويكنى بأبي العباس، يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة، وله مائة سنة وست سنين، ودفن بمقابر باب الكوفة من الجانب الغربي، وكان عالي الِإسناد.
وفي هذه السنة كان الفَزَعُ من أبي سعيد الجنابي بالبصرة ومن معه بالبحرين خوفاً من أن يكبسها، وكتب الواثقي - وهو أحمد بن محمد، وكان على حربها - إلى المعتضد بذلك، فأطلق لسورها أربعة عشر ألف دينار فبنيت وحصنت.
أبو الأغر والأعراب
وفي هذه السنة ظفر أبو الأغر خليفة بن المبارك السلمي بصالح بن مدرك الطائي بناحية فيد مكراً في ذهابهم إلى مكة، وقد كانت الأعراب جمعت لأبي الأغر ليستنقذوا صالحاً من يده، فواقعهم وقتل رئيسهم جحش بن ذيال وجماعة معه، وأخذ رأسه، فلما علم صالح بن مدرك بقتل جحش بن ذيال يئس من الخلاص من يد أبي الأغر، فلما نزل المنزل المعروف بمنزلة القرشي أتاهم غلام بطعام فاستلب منه سكَيناً وقتل نفسه، فأخذ أبو الأغر رأسه وأظهره بالمدينة، فتباشر الحاجُّ، وكانت لأبي الأغر في رجوعه وقعة عظيمة اجتمع هو ونحرير وغيرهما من أمراء قوافل الحاج مع الأعراب، وكانت الأعراب قد اجتمعت وتحشدت من طيئ وأحلافها، فكانت رَجَّالتها نحواً من ثلاثة آلاف راجل، والخيل نحواً من ذلك، فكانت الحرب بينهم ثلاثاً، وذلك بين معدان القرشي والحاجز، ثم انهزمت الأعراب وسلم الناس، وكان ممن تولى مع أبي الأغر الحيلة على صالح بن مدرك سعيد بن عبد الأعلى.
ودخل أبو الأغر مدينة السلام وقدَّامه رأس صالح وجحش ورأس غلام لصالح أسود، وأربعة أساري، وهم بنو عم صالح بن محرك، فخلع السلطان في ذلك اليوم على أبي الأغر، وطًوّقه بطوق من ذهب، ونصب الرؤوس على الجسر من الجانب الغربي، وأدخل الأساري المطبق.
أحداث
وفي هذه السنة مات إسحاق بن أيوب العبيدي وكان على حرب ديار ربيعة. وفيها شخص العباس بن عمر الغنوي إلى البصرة لحرب القَرَامطة بالبحرين.
وفي هذه السنة كانت الحرب بين إسماعيل بن أحمد وعمرو بن الليث صاحب بلخ فأسر عمرو، وقد أتينا على كيفية أسره في الكتاب الأوسط.
(2/153)

وفي رجب من هذه السنة، وهي سنة سبع وثمانين ومائتين كان خروج العباس بن عمرو من البصرة في جيش عظيم ومعه خلق من المطوعة نحو هجر، فالتقى هو وأبو سعيد الجنابي، فكانت بينهم وقائع انهزم فيها أصحاب العباس، وأسر وقتل من أصحابه نحو سبعمائة صبراً، دون من هلك من الرمل والعطش، فأحرقت الشمس أجسادهم؛ ثم إن أبا سعيد من علَى العباس بن عمرو بعد ذلك فأطلقه فصار إلى المعتضد فخلع عليه وبعد هذه الوقعة افتتح أبو سعيد مدينة هجر بعد حصار طويل، وقد أتينا على مبسوط هذه الحروب والسبب الذي من أجله كانت تخلية أبي سعيد العباس بن عمرو الغنوي في كتابنا الأوسط، وما كان من أمر العباس عمرو مع مَنْ بالبحرين من قومه وعصبتهم له.
الداعي العلوي
وفي هذه السنة - وهي سنة سبع وثمانين ومائتين - كان مسير الداعي العلوي من طبرستان إلى بلد جرجان في جيوش كثيرة من الديلم وغيرهم فلقيته جيوش المسودة من قبل إسماعيل بن أحمد، وعليها محمد هارون، فكانت وقعة لم ير مثلها في ذلك العصر، وصبَرَ الفريقان جميعاً وكانت للمبيضة على المسودة، ثمِ كانت مكيدة من محمد بن هارون لما رأى من ثبوت الديلم على مَصَافها، فلم ينقض صفوفه، وولى فأسرعت الديلم ونقضت صفوفها، فرجعت عليهم المسودة، وأخذ السيف، فقتل منهم بشر كثير وأصاب الداعي ضربات، وذلك أن أصحابه لما نقضوا صفوفهم في الغنيمة ولم يعرجوا عليه ثبت مع من وقف لنصره فكرت عليهم الجيوش، فأسفرت الحرب وقد أثخِنَ يا لكُلُوم، وأسر ولى زيد بن محمد بن زيد وغيره، وبقى محمد الداعي أياماً يسيرة، وتوفى لما ناله، فدفن بباب جرجان وتبره هناك معظم إلى هذه الغاية.
وقد أتينا على خبره بطبرستان وغيرها وما كان من سيرته، وخبر بكر بن عبد العزيز بن أبي دلف حين دخل إليه مسنامناً في كتابنا أخبار الزمان وكذلك ذكرنا خبر يحيى بن الحسين الحسني الرسي باليمن، وتظافره هو وأبو سعد بن يعفر على كان من حروبهم باليمن مع القَرَامطة، وما كان من أمرهم مع علي بن الفضل صاحب المذيخرة، وما كان من قصته وخبر وفاته، وقصة شيخ لاعة صاحب قلعة نحل، وحبر وللى إلى هذا الوقت بها - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - ونزول يحيى بن الحسين الرسي مدينة صعدة من بلاد اليمن، وخبر ولده أبي القاسم، وخبر ولد ولده إلى هذه الغاية وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً منبهين على ما قدمنا من تصنيفنا مما بطناه من أخبار من ذكرناه وشرحنا من قصصهم وسيرهم وما كان منهم.
المعتضد ووصيف الخادم
(2/154)

وفي هذه السنة - وهي سنة ثمان وثمانين ومائتين - كان دخول المعتضد إلى الثغر الشامي في طلب وصيف الخادم، وراسله رشيق المعروف بالخزامي، واستأمن بالمعتضد وصيف البكتمري وغيره من القواد قواد الخادم، وأصحابه، ولد كان وصيف الخادم لما أخِذَ الأكثر من أصحابه أراد الدخول إلى أرض الروم تعلق بالدروب، وقد كان المعتضد أسرع في السير من بغداد وسَتَرَ أخباره ولم يعلم بذلك وصيف مع شدة حذره وتفقده لأمره، حتى عبر المعتضد الفرات وسار إلى الشام، فلم يُفْلح جسد المعتضد لذلك لما أتعب نفسه في سرعة السير، وقد كان المعتضد لما توسط الثغر الشامي خلف سواده بالكنيسة السوداء، وجرد القواد في طلب وصيف، فساروا في طلبه خمسة عشر ميلاً إلى أن أدركه أوائل الخيل وفيهم خاقان المفلحي ووصيف موشكين وعلى كورة وغيرهم من القواد، فقاتلهم وصيف، وذلك في الموضع المعروف بدرب الجب، فلما أشرف المعتضد ووصيف قد خَذَلَه أصحابه وتفرق عنه جمعه أسر وأتي به المعتضد، فسلمه إلى مؤنس الخادم، وأمن جميع أصحابه إلا نفراً انضافوا إليه من الثغر الشامي وغيره وأحرق المعتضد المراكب الحربية، وحمل من طرسوس أبا إسحاق إمام الجامع، وأبا عمير عدي بن أحمد بن عبد الباقي صاحب مدينة أذَنَةَ من الثغر الشامي وغيرهم من البحريين مثل البغيل وابنه، وكان دخول المعتضد إلى مدينة السلام في المساء لسبع خلون من صفر سنة ثمان وثمانين ومائتين، ودخل جعفر بن المعتضد وهو المقتدر وبدر الكبير وسائر الجيش عَلَى الظهر، وقد زينت الطرق، وبين أيدي وصيف الخادم عَلَى جمل فالج وعليه دراعة ديباج وبرنس، وخلة عَلَى جمل آخر البغيل، وخلف البغيل ابنه على جمل آخر، وخلف البغيل على جمل آخر رجل من أهل الشام يعرف بابن المهندس، وقد لبسوا الدراريع من الحرير الأحمر والأصفر، وعلى رؤوسهم البرانس وطُوِّق وسُوِّرَ خاقان المفلحي وغيره من القواد ممن أبْلَى في ذلك اليوم الذي كان فيه أسر وصيف الخادم، وقد كان المعتضد أراد استحياء وصيف الخادم وأسف على كوت مثله لشهامته وحسن حيله وإقدامه، ثم قال: ليس في طبع هذا الخادم أن يرأسه أحد، بل في طبعه أن يرؤس في نفسه؛ وقد كان بعث إليه بعد أن قبض عليه وأوثق بالحديد: هل لك من شهوة؟ قال: نعم، باقة من الريحان أشمها، وكتب من سير الملوك الغابرة أنظر فيها، فلما رجع الرسول إلى المعتضد وأخبره بما سأله أمر له بما طلب، وأمر من يراعي نظرة في الكتب، في أي فصل ينظر؟ فأخبر أو يديم النظر في سير الملوك وحروبها ومحنها، عون سائر ما حمل إلى حضرته من الدفاتر، فتعجب المعتضد وقال: هو يُهَوِّنُ على نفسه الموت.
وفي هذه السنة كانت وفاة أبي عبيد اللّه محمد بن أبي الساج بأذربيجان، فاختلفت كلمة أصحابه وغلمانه بعده؟ فمنهم من انحاز إلى أخيه يوسف بن أبي الساج، ومنهم من انحاز إلى ولده بودار.
وفي هذه السنة - وهي سنة ثمان وثمانين ومائتين - كانت وفاة أبي علي بشر بن موسى بن صالح بن صبيح بن عمير، المحدث، وله ثمان وسبعون سنة، ودفن في الجانب الغربي بمقابر باب التين.
وفي هذه السنة أدخل عمرو بن الليث إلى مدينة السلام في جمادى الأولى، قدم به عبد اللّه بن الفتح رسول السلطان، فشهر عمرو، وأركب على جمل فالج وقد ألبس دراعة ديباج وخلفه بحر والوزير القاسم بن لبيد اللّه في الجيش، فأتوا به الثريا، فرآه المعتضد، ثم أدخل المطامير، وقد كان في هذا الوقت ثارت عساكر الشاكرية من قبل طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث غضباً لجده عمرو، ولحقته ببلاد الأهواز، وخرجت عن حدود فارس، واضطرب الأمر، وبعث المعتضد عبد اللّه بن الفتح وأشناس إلى إسماعيل بن أحمد ومعهما هدايا، منها: مائة بدنة ديباج، منسوجة بالذهب، مُرَصَّعَة بالجوهر، ومنطقة ذهب مرَصَّعَة بالجوهر، وغير ذلك من الجواهر، وثلاثمائة ألف دينار ليفرقها في أصحابه، ويبعثهم إلى بلاد سجستان إلى حرب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث، وأمر عبد اللّه بن الفتح أن يحمل في طريقه من خراج ما يجتاز به ن بلاد الجبل عَشَرَةَ آلاف ألف درهم، ويضيفها إلى الثلاثمائة ألف دينار، سار بدر غلام المعتضد باللّه في عساكره إلى بلاد فارس من هذه السنة، فنزل شيراز، وانكشف عن البلد الشاكرية.
وفاة وصيف الخادم
(2/155)

وفي أول يوم من المحرم - وهو يوم الثلاثاء من سنة تسعِ وثمانين ومائتين - توفي وصيف الخادم، فأخرج وصلب على الجسر بدقَ بلا رأس، وقد كان الخدم سألوا المعتضد أن يستروا عورته، فأباح لهم ذلك، فألبس ثياباً، وَلُفَّ عليه ثوب جديد، وخيط على مكان الثياب من سرته إلى الركبتين، وطلى بدنه بالصبر وغيره من الأطلية القابضة والماسكة لأجزاء جسمه، فأقام مَصْلُوباً على الجسر لا يبلى إلى سنة ثلاثمائة في خلافة المقتدر باللّه.
وفي هذه السنة شغب الجند والعامة، فعمدت العامة إليه تماجُناً وحطوه من فوق الخشبة، وقالوا: قد وجب علينا حق الأستاذ أبي علي وصيف الخادم لطول مجاورته لنا وصبره علينا، ولا يبلى على هذه الخشبة، فلفوه في رداء بعضهم، وحملوه على أكتافهم، وهم نحو من مائة ألف من الناس: يرقصون ويغنون ويصيحون حوله: الأستاذ، الأستاذ، فلما ضجروا من ذلك طرحوه في دجلة فغرق في ذلك اليوم منهم قوم في دجلة وذلك أنهم شَيِّعوه في الماء سباحة، فغرق منهم في جرية الماء خلق كثير.
أبو الفوارس القرمطي
وفي هذه السنة أتي بجماعة من القَرَامطة من ناحية الكوفة، منهم المعروف بأبي الفوارس فأدخلوا على الجمل، فأمر المعتضد باللّه بقتل أبي الفوارس بعد أن قطعت يداه ورجلاه، وصلب إلى جانب وصيف الخادم، ثم حول إلى ناحية الكنائس مما يلي الياسرية من الجانب الغربي، فصلب مع قَرَامطة هناك.
وقد كان لأهل بغداد في قتل أبي الفوارس هذا أراجيف كثيرة وذلك أنه لمِّا قُدِّمَ ليضرب عنقه أشاعت العامة أنه قال لمن حضر قتله من العوام: هذه عمامتى تكون قبلك، فإني راجع بعد أربعين يوماً، فكان يجتمع في كل يوم خلائق من العوام تحت خشبته ويحصون الأيام ويقتتلون ويتناظرون في الطرق في ذلك، فلما تمت الأربعون يوماً - وقد كان كثر لغطهم، واجتمعوا، فكان بعضهم يقول: هذا جسده، ويقول آخر: قد مًر، وإنما السلطان قتل رجلاً آخر وصلبه لكي لا يفتتن الناس - فكثر تنازع الناس في ذلك حتى نودي بتفريقهم، فترك التنازع والخوض فيه.
المعتضد والطالبيون
وكان ورد مال من محمد بن زيد من بلاد طبرستان ليفرق في آل أبي طالب سِرّاً، فغمز بذلك إلى المعتضد، فأحْضَرَ الرجل الذي كان يحمل المال إليهم، فأنكر عليه إخفاء ذلك، وأمره بإظهاره، وقَرَّبَ آل أبي طالب، وكان السبب في ذلك قرب النسب، ولما أخبَرَنَا به أبو الحسن محمد بن عليّ الوراق الأنطاكي، الفقيه المعروف بابن الغنوي بأنطاكية، قال: أخبرني محمد بن يحيى بن أبي عباد الجليس، قال: رأى المعتضد بالله وهو في سجن أبيه كأن شيخاً جالساً على دجلة، يمدُّ يَدَهُ إلى ماء دجلة، فيصير في يده وتجفُّ دجلة، ثم يردُّه من يده، فتعود دجلة كَما كانت، قال: فسألت عنه، فقيل لي: هذا علي بن أبي طالب عليه السلام! قال: فقمت إليه وَسَلّمت عليه، فقال: يا أحمد، إن هذا الأمر صائر إليك، فلا تتعرض لولدي، ولا تؤذِهِمْ، فقلت: السمع والطاعة يا أمير المؤمنين.
وغَمّ الناسَ تأخُّرُ الخراج عنهم، وكان إنعام المعتضد عليهم، فقالت الشعراء في ذلك وأكثرت، ووصفت في أشعارها ذلك وأطْنَبَتْ، فممن وصف فأحسن يحيى بن علي المنجم، فقال:
يا مُحْيي الشرف اللّبَابْ ... وَمُجَددَ الملك الخراب
ومعيد رُكْن الدِّين فينا ... ثابتاً بعد اضطراب
فَت الملوك مبرزاً ... فَوْت المبرز في الحِلاَب
اسْعَد بنيروز جمعت الشكر فيه إلى الثواب
قدمت في تَأخِيرِ مَا ... قد قَدَّمُوه إلى الصَوَاب
وقوله:
يَوْم نيروزك يَوْم ... واحد لا يَتَأَخَّرْ
من حَزِيرَان يُوَافِي ... أبَداً في أحد عَشَرْ
وصول قطر الندى للمعتضد
وكان وصول قطر الندى بنت خمارويه إلى مدينة السلام مع ابن الجصاص في ذي الحجة سنة إحدى وثمانين ومائتين؛ ففي ذلك يقول علي بن العباس الرومي:
يا سيد العرب الذي زُفَتْ له ... باليمن والبركات سيدة العجم
أسْعَد بها كسعودها بك ... إنها ظفرت بما فوق المطالب والهمم
ظفرت بِمَلأىْ نَاظِرَيْهَا بهجةً ... وضمير هانُبْلاً، وَكَفّيْهَا كَرَم
(2/156)

شمس الضحى زفت إلى بدر الدجى ... فتكشفت بهما عن الدنيا الظُّلَم
ولما دخل عمرو بن الليث مدينة السلام من المصلى العتيق رافعاً يديه يدعو وهو على جمل فالج، وهو ذو السنامين، وكان أنفذهُ إلى المعتضد في هدايا تَقدَمت له قبل أسره، فقال في ذلك الحسن بن محمد بن فهم:
ألم تَرَ هذا الدهر كيف صُروفه ... يَكُون عسيراً مرّةَ ويسيرا
وَحَسْبُكَ بالصفّار نُبْلاً وَعِزٌة ... يروح وَيَغْدُو في الجيوش أميرا
حَبًاهُم بأجمال، ولم يَدْرِ أنَّه ... عَلَى جمل منها يُقَاد أسيرا
وفي ذلك يقول محمد بن بَسّام:
أيهَا المُعْتَرّ بالدنيا أما أبصرت عَمْرَا
مُقْبلاً قد أركب الفا ... لج بعد الملك قَسْرَا
وعليه بُرْنُسُ السخْطَة إذلالاً وَقَهْرَا
رافعاً كَفّيْهِ يدعو اللَه إسراراً وَجَهْرَا
أن ينجيه من القَتْل وأن يعمل صفْرَا
ولما ظَهَرَ قتل محمد بن هارون لمحمد بن زيد العلوي أظهر المعتضد لذلك النكير والحزن، تأسفاً على قتله.
وكانت وفاة نصر بن أحمد صاحب ما ورَاء نهر بلخ في أيام المعتضدُ، وذلك في سنة تسع وثمانين ومائتين، وصار الأمر إلى أخيه إسماعيل بن أحمد.
وفاة جماعة من الأعيان
وكانت وفاة أحمد بن أبي طاهر الكاتب صاحب كتاب - أخبار بغداد سنة ثمانين ومائتين.
وفيها كانت وفاة أحمد بن محمد القاضي الذي يحدث.
وفي سنة إحدى وثمانين ومائتين كانت وفاة أبي بكر عبد اللّه بن محمد بن أبي الدنيا القرشي مؤدِّبِ المكتفي باللّه، في المحرم، وهو صاحب الكتب المصنفة في الزهد وغيره.
وفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين كانت وفاة أبي سهل محمد بن أحمد الرازي القاضي المحدِّثِ.
وإنما نذكر وفاة هؤلاء لدخولهم في التاريخ، وَحَمْل الناس العِلْمَ عنهم من الآثار عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.
وكانت وفاة عبيد اللّه بن شريك المحدث في سنة خمس وثمانين ومائتين ببغداد.
وفيها كانت وفاة بكر بن عبد العزيز بن أبي دُلَفَ بطبرستان.
وفيها مات محمد بن الحسين الجنيد.
وفي سنة ثمان وثمانين ومائتين مات أبو علي بشر بن موسى بن صالح بن شيخ بن عميرة البغدادي، وكانت وفاة أبيه أبي محمد موسى بن صالح بن شيخ بن عميرة الأسدي في سنة سبع وخمسين ومائتين في خلافة المعتمد على اللّه، وله نيف وتسعون سنة، وقُبِضَ ولده وهو ابن تسع وتسعين سنة.
وفيها مات أبو المُثَنَّى معاذ بن المُثَنَّى بن معاذ العنبري في أيام المعتضد.
قال المسعودي: وقد ذكرنا من اشتهر من الفقهاء والمحدثين وغيرهم من أهل الآراء والأدب في كتابينا أخبار الزمان والأوسط وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً مُلَوِّحين على ما سلف.
وفاة المعتضد
وكانت وفاة المعتضد لأربع ساعات خلت من ليلة الاثنين لثمانٍ بَقِينَ من ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين، في قصره المعروف بالحسني، بمدينة السلام، وقيل: إن وفاته كانت بسمّ إسماعيل بن بلبل قبل قتله إياه، فكان يَسْرِي في جسده، ومنهم من ذكر أن جسمه تحلل في مسيره في طلب وصيف الخادم على ما ذكرنا، ومنهم مَنْ رأى أن بعض جواريه سًمَتْهُ في منديل أعطته إياه يتنشَّفُ به، وقيل غير ذلك مما عنه أعرضنا.
وقد كان أوصى أن يُدْفَنَ في دار محمد بن عبد اللّه بن طاهر، في الجانب الغربي من الدار المعروفة بدار الرخام، فلما اعتراه الغَشْيُ ووقع للموت شَكُوا في وفاته، فتقدم الطبيب إلى بعض أعضائه فجسه فأحس به وهو على ما به من السكرات، فأنف من ذلك وَرَكَلَه برجله فقلبه أذرعاً، فيقال: إن الطبيب مات منها، ومات المعتضد من ساعته، وسمع ضجة وهو على ما به من الحال، ففتح عينيه، وأشار بيديه كالمستفهم، فقال له مؤنس الخادم: يا سيدي، الغلمان قد ضجوا عند القاسم بن عبيد اللّه، فأطلقنا لهم العَطَاء، فقَّطب وهمهم في سكرته، فكادت أنْفُسُ الجماعة أن تخرج من هَيْبته، وحمل إلى دار محمد بن عبد اللّه بن طاهر، فدفن بها.
قال المسعودي: وللمعتضد أخبار وسير وحروب؟ مسير في الأرض غير ما ذكرنا، قد أتينا على ذكرها والغُرَر من مبسوطها في كتابينا: أخبار الزمان والأوسط.
ذكر خلافة المكتفي باللّه
(2/157)

وبويع المكتفي باللّه - وهو علي بن أحمد المعتضد - بمدينة السلام، في اليوم الذي كانت فيه وفاة أبيه المعتضد، وهو يوم الاثنين لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين، وأخَذَ له البيعة القاسم بن عبيد الله، والمكتفي يومئذ بالرقة، وللمكتفي يومئذ نيف وعشرون سنة، ويكنى بأبي محمد، فكان وصول المكتفي إلى مدينة السلام من الرقة يوم الاثنين لسبع ليال بقين من جمادى الأولى سنة تسع وثمانين ومائتين، وكان دخوله في المساء، ونزل قصر الحسنى على دجلة، وكانت وفاته يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين وهو يومئذ ابن إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر، فكانت خلافته ست سنين وسبعة أشهر واثنين وعشرين يوماً، وقيل: ست سنين وستة أشهر وستة عشر يوماً، على تباين الناس في تواريخهم، واللّه أعلم.
ذكر جمل من أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
اسم علي في الخلفاء
ولم يتقلد الخلافَةَ إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - من خلافة المكتفي بالله من اسمه علي إلا علي بن أبي طالب والمكتفي.
ردّ المظالم إلى أهلها
ولما نزل المكتفي قصر الحسني في اليوم الذي كان فيه دخوله إلي مدينة السلام خلع على القاسم بن عبيد اللّه، ولم يخلع على أحد من القُوًاد، وأمر بهدم المطامير التي كان المعتضد اتخذها لعذاب الناس، وإطلاق من كان محبوساً فيها، وأمر بردِّ المنازل التي كان المعتضد اتخدها لموضع المطامير إلى أهلها، وفرق فيهم أموالاً، فمالت قلوب الرعية إليه، وكثر الداعي له بهذا السبب.
وغلب عليه القاسمَ بن عُبَيد اللهّ وفاتك مولاه ثم غلب عليه بعد وفاة القاسم بن عبيد اللّه وزيره العباس بن الحسن وفاتك، وقد كان القاسم بن عبيد اللّه أوقع بمحمد بن غالب الأصبهاني، وكان يتقلد ديوان الرسائل وكان ذا علم ومعرفة، وأوقع بمحمد بن بشارِ وابن منسارة لشيء بلغه عنهم، فأوثقهم بالحديد، وأحْدَرَهُمْ إلى البصرة، فيقال: إنهم غرقوا في الطريق، ولم يعرف لهم خبر إلى هذه الغاية؛ ففي ذلك يقول علي بن بسام:
عذرناك في قتلك المسلمين ... وقلنا: عداوة أهل الملل
فهذا المناريُّ ما ذنبه ... ودينكما واحد لم يزل
إيقاعه ببدر
وقد كانت الحال انفرجت بين القاسم بن عبيد اللّه وبدر قبل هذا الوقت، فلما استخلف المكتفي أغراه القاسم ببدر، وكان ميل جماعة من القواد عن بدر فساروا إلى حضرة السلطان، وسار بدر إلى واسط، فأخرج القاسم المكتفي إلى نهر ذيال، فعسكر هنالك، وجعل في نفس المكتفي من بدر كل حالة يقدر عليها من الشر، وأغراه به، فأحضر القاسم أبا حازم القاضي وكان ذا علم ودراية فأمره عن أمير المؤمنين بالمسير إلى بدر فيأخذ له الأمان ويجيء به معه ويضمن له عن أمير المؤمنين ما أحَبَّ، فقال أبو حازم: ما كنت أبلِّغُ عن أمير المؤمنين رسالة لم أسمعها منه، فلما امتنع عليه أحضر أبا عمرو محمد بن يوسف القاضي فأرسل به إلى بدر في شذاء، فأعطاه الأمان والعهود والمواثيق عن المكتفي، وضمن له أن لا يسلمه عن يده إلا عن رؤية أمير المؤمنين، فخلى عسكره، وجلس معه في الشذاء مُصْعِدِينَ فلما انتهوا إلى ناحية المدائن والسبب تلقاه جماعة من الخدم فأحاطوا بالشذاء، وتنحى أبو عمرو عنه إلى طيار فركب فيه، وقرب بدر إلى الشط، وسألهم أن يصلي ركعتين، وذلك في يوم الجمعة لست خلون من شهر رمضان سنة تسبع وثمانين ومائتين قبل الزوال من ذلك اليوم، فأمهلوه للصلاة، فلما كان في الركعة الثانية قطعت عنقه وأخذ رأسه فحمل إلى المكتفي، فلما وضع الرأس بين يدي المكتفي سجد وقال: الآن ذقت طعم الحياة ولذة الخلافة.
ودخل المكتفي إلى مدينة السلام يِوم الأحد لثمان خلون من شهر رمضان؛ ففي محمد بن يوسف القاضي يقول بعض الشعراء في ضمانة لبدر العهودَ والمواثيقَ عن المكتفي:
قل لقاضي مدينة المنصور ... بِمَ أحللت أخْذَ رأس الأمير؟
بعد إعطائه المواثيقَ والعهدَ وَعَقْدَ الأمان في منشور
أيْنَ أيمانك التي يشهد اللّه علىِ ... أنها يمين فُجُورِ؟
أين تأكيدك الطَلاَقَ ثلاثاً ... ليس فيهنَّ نية التخيير؟
(2/158)

أن كَفِّيْكَ لا تفارق كَفّيْه إلى أن ترى مَلِيكَ السرير
يا قليل الحياء يا أكذب الأمة يا شاهداً شهادة زور
ليس هذا فعل القضاة، ولا تُحْسِنُ أمثاله ولاة الجسور
قد مضى من قتلت في رمضان ... راكعاً بعد سَجْدة التكبير
أي ذنب أتَيْتَ في الجمعة الزهراء ... في خير خير خير الشهور؟
فأعِدَّ الجواب للحَكَم العا ... دل من بعد منكر ونكير
يا بنىِ يوسف بن يعقوب أضْحَى ... أهْلُ بغداد منكُمُ في غرور
شَتَّتَ اللّه شملكم، وأراني ... بكم الذل بعد ذل الوزير
أنتم كلكم فداء أبي حازم ... المستقيم كل الأمور
منزلة بدر
قالوا: وكان بدر حراً، وهو بدر بن خير من موالي المتوكل، وكان بدر في خدمة ناشئ غلام الموفق صاحب ركابه، ثم اتصل بالمعتضد، وقرب من قلبه وخفَّ بين يديه في أيام الموفق، وكان للمعتضد غلام يُقال له فاتك، وكان من أغلى غلمانه، فبعُدَ من قلبه، وانحطت مرتبته، وكان السبب في ذلك أن المعتضد غضب على بعض جواريه فأمر ببيعها، فدسَّ فاتك من ابتاعها له، فكان السبب في إبعاده من قلب المعتضد عند نموِّ ذلك إليه، وزاد أمر بدر، وعَلَتْ مرتبته، حتى كان يلتمس الحوائج به من المعتضد، وكانت الشعراء تقرن مدح بدر بمدح المعتضد، وكذلك من خاطبه فيما عدا المنظوم من الكلام.
قال المسعودي: وأخبرني أبو بكر محمد بن يحيى الصولي النديم الشطرنجي بمدينة السلام، قال: كان لي وعد على المعتضد، فما ظفرت به حتى عملت قصيدة ذكرت فيها بدراً أولها:
أيها الهاجر مَزْحاً لا مجد ... أجَزَاءُ الود أن يُلْقَى بصد؟
لأمير المؤمنين المعتضد ... بَحْرُ جودٍ ليس يعدوه أحد
وأبو النجم لمن يقصده ... جدول منه إلى البحر يَرِدْ
قد مضى الفطر إلى الأضحى وقد ... آن أن يقرب وعد قد بعد
ما اقتضائي الوَعْدَ أنْ لَسْتُ عَلَى ... ثقة من أنه أخْذٌ بيد
غير أن النفس تهوى عاجلاً ... وسوا أعطى كريم أو وَعَدْ
قال: فضَحِكَ وأمر بما وعدنى به.
وأخبرنا محمد بن النديم بمدينة السلام، قال: سمعت المعتضد يقول: أنا آنَفُ من هبة القليل، ولا أرى الدنيا لو كانت لي أموالها وجمعت عندي تفي بقدر جودي، والناس يزعمون أني بخيل، أتراهم لا يعلمون أني جعلت أبا النجم بيني وبينهم أعرف ما مبلغ ما ينفقه يوماً فيوماً لو كنت بخيلاً ما أطلقت ذلك له.
واخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الفقيه الوَزَاقُ الأنطاكي بمدينة أنطاكية قال: أخبرني إبراهيم بن محمد الكاتب، عن يحيى بن علي المنجم النديم قال: كنت يوماً بين يدي المعتضد وهو مُقَطِّب، فأقبل بدر، فلما رآه من بعيد ضحك وقال لي: يا يحيى، من الذي يقول من الشعراء:
في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب وَجِيهٌ حيثما شَفَعا
فقلت: يقوله الحكم بن قنبرة المارني البصري، فقال: للّه عرهُ أنشدني هذا الشعر، فأنشدته:
وَيْلِي عَلَى مَنْ أطار النوم فامتنعا ... وزاد قلبي على أوجاعه وَجَعا
كأنما الشمس في أعطافه لمعت ... حسناً، أو البدر من أزراره طلعا
مستقبل بالذي يهوى وإن كثرت ... منه الذُّنُوبُ ومعذور بما صنعا
في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب وَجِية حيثما شفعا
قال: وأخذ قوله:
أو البدر من أزراره طلعا
أحمد بن يحمى بن العراف الكوفي فقال:
بدا وكأنما قمر ... على أزراره طلعا
يحثُ المسك من عرق الجبين بنانه ولعَا
ظهور القرمطي بالشام
(2/159)

في سنة تسبع وثمانين ومائتين ظهر القِرْمِطِيُ بالشام، وكان من حروبه مع طغج وعساكر المصريين ما قد اشتهر خبره، وقد أتيا على ذكره فيما سلف من كتبنا وما كان من خروج المكتفي إلى الرقة وأخذ القَرَامِطة وذلك في سنة إحدى وتسعين ومائتين، وكذلك ما كان من ذكرويه بل مهرويه ووقوعه بالحاج في سنة أربع وتسعين ومائتين إلى أن قتل وأدخل إلى مدينة السلام.
فداء الغدر وفداء التمام
قال المسعودي: وكان فداء الغدر في ذي القعدة من سنة اثنتين وتسعين ومائتين باللامس بعد أن فادوا بجماعة من المسلمين والروم، ثم إن الروم غدروا بعد ذلك، وكان فداء التمام باللامس بين الروم والمسلمين على التمام في شوال من سنة خمس وتسعين ومائتين، والأمير في الفداءين جميعاً رستم وكان على الثغور الشامية، فكان عِدَّة من فدى من المسلمين في فداء ابن طغان في سنة ثلاث وثمانين ومائتين - على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب من ذكره - ألفي نفس وأربعمائة وخمساً وتسعين نفساً من ذكر وأنثى - وكان عدة من فدى به من المسلمين في الغمر ألفاً ومائة وأربعاً وخمسين نفساً، وعمد من فودي به في فداء التمام ألفين وثمانمائة واثنتين وأربعين نفساً.
مالية الدولة
ومات المكتفي وقد خَلّف في بيوت الأموال من العَيْنِ ثمانية آلاف ألف دينار ومن الوَرِق خمسة وعشرين ألف ألف درهم ومن الدواب والبغال والجمازات وغيرها تسعة آلاف رأس، وكان مع ذلك بخيلاً ضيقاً.
وأخبرنا أبو الحسن أحمد بن يحيى المنجم المعروف بابن النديم، وكان من حُذّاق أهل النظر والبحث وأهل الرياسة من أهل التوحيد والعدل، وفي أخيه علي بن يحيى يقول أبو هفان:
لِرَبِيع الزمان في الْحَوْل وقت ... وابْنُ يحيى في كل وقْتٍ رَبيع
رجل على المكارم سُوق ... يَشْترِي دَهْرَه ونحن نبيع
وظيفته من الطعام
قال: وكانت وظيفة المكتفى باللّه عشرة ألوان في كل يوم، وجَدْيٌ في كل جمعة، وثلاث جامات حلواء، وكان يردد عليه الحلواء، وكان على مائدته بعض خدمه، وأمره أن يحصى ما فضل من الخبز، فما كان من المكسر عزله للثريد، وما كان من الصحاح رُدَ إلى مائدته من الغد، وكذلك كان يفعل بالبوارد والحلواء.
نهب ضياعاً من أهلها
وأمر أن يتخذ له قصر بناحية الشماسية بإزاء قطربل، فأخذ بهذا السبب ضياعاً كثيرة ومَزَارع كانت في تلك النواحي بغير ثمن من مُلاَّكها، فكثر الداعي عليه، فلم يستتم ذلك البناء حتى توفي، وكان هذا الفعل مشاكلاً لفعل أبيه المعتضد - في بناء المطامير.
قسوة وزيره
وكان وزيره القاسم بن عبيد اللّه عظيم الهيبة، شديد الِإقدام، سفاكاً للدماء، وكان الكبير والصغير على رعب وخوف منه، لا يعرف أحد منهم لنفسه نعمة معه.
وفاة الوزير
وكانت وفاته عشية الأربعاء لعشر خلون من ربيع الآخر سنة إحدى وتسعين ومائتين، وله نيف وثلاثون سنة؛ ففي ذلك يقول بعض أهل الأدب، وأراه عبد اللّه بن الحسن بن سعد:
شربنا عَشِيّةَ مات الوزير ... ونَشْرَب يا قوم في ثالثه
فلا قدَّسَ اللّه تلك العظامَ ... ولا بارك اللّه في وارثه
مقتل عبد الواحد بن الموفق
وكان ممن قتل القاسم بن عبيد اللّه عبد الواحد بن الموفق، وكان معتقلاً عند مؤنس الفحل فبعث إليه حتى أخذ برأسه، وذلك في أيام المكتفي، وقد كان المعتضد يُعِزًّه ويميل إليه ميلاً شديداً، ولم يكن لعبد الواحد همة في خلافة ولا سمو إلى رياسة، بل كان همته في اللعب مع الأحداث، وقد كان المكتفي أخبر أنه راسل عمة من غلمانه الخاصة، وكل به مَنْ يراعي خبره وما يظهر من قوله إذا أخذ الشراب منه، فسمع منه وقد طرب وهو ينشد شعر العتابي حيث يقول:
تلوم على تَرْك الغِنَى باهليَّةٌ ... طَوَى الدهر عنها من طريف وتالد
رَأتْ حَوْلَهَا النسوان يمشين خلسة ... مُقَلّدَةً أجيادُهَا بالقلائد
أسَرَّكِ أني نلت ما نال جعفر ... من الملك أو ما نال يحيى بن خالد
وأن أمير المؤمنين أغَصنِي ... مُعَصَّهُمَا بالْمُرْهَفَاتِ البوادر
(2/160)

دَرِينِي تجئني مِيتَتِي مطمئنة ... ولم أتَجَشَّم هَوْل تلك الموارد
فإنَّ نفيسات الأُمور مَشُوبة ... بمستوعاتٍ في بطون الأساود
وإن الّذي يسمو إلى دَرَك العلا ... مُلَقًّى بأسباب الردى والمكايد
فقال له بعض ندمائه وقد أخذ منه الشراب: يا سيدي، أين أنت عما تمثل به يزيد بن المهلب:
تأخّرْتُ أستبقي الحياة فلم أجِدْ ... حياةً لنفسي مِثْلَ أن أتَقَدَمَا
فقال له عبد الواحد: مَهْ، لقد أخطأت الغرض، وأخطأ ابن المهلب، وأخطأ قائل هذا البيت، وأصاب أبو فرعون التميمي حيث يقول، قال النديم: حيث يقول ماذا. قال:
وما بيَ شيء في الوغى غير أنني ... أخاف على فَخارتي أن تحطما
ولو كنت مُبْتاعاً من السوق مثلها ... لَدَى الروع ما باليت أن أتقدما
فلما انتهى ذلك إلى المكتفي ضحك، وقال: قد قلت للقاسم ليس عَمْي عبدُ الواحد ممن تسمو همته إليها، هذا قول مَنْ ليس له همة غيم فرجه وجوفه وأمرد يعانقه وكلاب يهارش بها وكباش يناطح بها وديوك يقاتل بها، أطلقوا لعمى كذا وكذا، فلم يزل القاسم بعبد الواحد حتى قتله.
وقد كان المكتفي لما أن مات القاسم وتبين قتله لعبد الواحد أراد نبش القاسم من قبره، وضَرْبه بالسوط، وَحَرْقه بالنار، وقد قيل غير ذلك، والله أعلم.
مقتل ابن الرومي
وممن أهلكه القاسم بن عبيد اللّه على ما قيل بالسم في خشكنانجة علي بن العباس بن جُرَيْج الرومي، وكان منشؤه ببغداد ووفاته بها، وكان من مختلفي معاني الشعراء، والمجودين في القصير والطويل، متصرفاً في المذهب تصرفاً حسناً، وكان أقل أدواته الشعر، ومن محكم شعره وجيده قولُه:
رأيت الدهر يَجْرَحُ ثم يَأْسُو ... يعوض أو يُسَلِّي أو يُنَسي
أبَتْ نفسي الهلوع لفَقْد شيءٍ ... كَفَى حَزَناً لنفسي فَقْدُ نفسي
ومن قوله العجيب الذي ذهب إلى معاني فلاسفة اليونانيين وَمَنْ مَهَرَ من المتقدمين قوله في القصيدة التي قالها في صاعد بن مخلد:
لما تُؤْذِنُ الدنيا به من زوالها ... يكونُ بكاءُ الطِّفْل سَاعَةَ يُوضَعُ
وإلا فما يُبْكِيهِ منها، وإنها ... لأفسحُ مما كان فيه وَأوْسَعُ؟
ومما دقَّ فيه فأحسن وذهب إلى معنى لطيف من النظر على ترتيب الجدليين وطريقة حُذَّاق المتقدمين قوله:
غموض الشيء حين تَذَبُّ عنه ... يقلل ناصر الخصم المحقق
تضيقُ عقولُ مستمعيه عنه ... فيقضي للمجل على المدقق
ومما أجاد فيه في وصف القناعة قولُه:
إذا ما شئت أن تعلم يوماً كذب الشهوه
فَكُلْ ما شئت يصدرك ... عن المرة والحلوه
وَطَأ ما شئت يحصنك ... عن الحسناء في الخَلْوه
وكم أنْسَاك ما تهوا ... ه نيلُ الشيء لم تَفوَهْ
وقوله:
بأبي حسنُ وجهك اليوسفيِّ ... يا كفيَّ الهوى وفوق الكَفِيِّ
فيه وَرْدٌ ونرجسٌ، وعجيب ... اجتماع الشتوي والصيفي
وقوله في العنب الرازقي:
ورازقِيٍّ مُخْطَف الخصور ... كأنه مخازن البلور
ألين في المس من الحرير ... وَرِيحُهُ كماءِ وَرْدٍ جوري
لو أنه يبقى على الدهور ... لقَرَّطُوه للحسان الحور
ولابن الرومي أخبار حسان مع القاسم بن عبيد الله الوزير، وأبي الحسن علي بن سليمان الأخفش النحوي، وأبي إسحاق الزجَاج النحوي.
وكان ابن الرومي الأغلب عليه من الأخلاط السوداء، وكان شَرِهاً نَدماً، وله أخبار تدل على ما ذكرناه من هذه الجمل مع أبي سهل إسماعيل بن علي النُّوبَخْتي وغيره من آل نوبخت.
وفاة جماعة من الأعيان
وفي سنة تسعين ومائتين مات عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، يوم السبت لعشر بَقِينَ من جمادى الآخرة.
وفي سنة إحدى وتسعين ومائتين كانت وفاة أبي العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب، ليلة السبت لثمان بَقِينَ من جمادى الأولى، ودُفن في مقابر باب الشام في حجرة اشتريت له، وَخَلَّف إحدى وعشرين ألف درهم وألفي دينار، وغلة بشارع باب الشام قيمتها ثلاثة آلاف دينار.
(2/161)

من أخبار ثعلب
ولم يزل أحمد بن يحيى مقدماً عند العلماء منذ أيام حداثته إلى أن كبر وصار إماماً في صناعته، ولم يخلف وارثاً ألا ابنه لابنه، فرد ماله عليها، وكان هو ومحمد المبرد عالمين قد ختم بهما الأدباء، وكانا كما قال بعض الشعراء من المحدثين:
أيا طالب العلم لا تجهلَنْ ... وعُذْ بالمبرد أو ثعلب
تجد عند هذَيْنِ علم الورى ... ولا تك كالجمل الأجرب
علوم الخلائق مقرونة ... بهذين في الشرق والمغرب
وكان محمد بن يزيد المبرد يحب أن يجتمع في المناظرة مع أحمد بن يحيى ويستكثر منه، وكان أحمد بن يحيى يمتنع من ذلك.
وأخبرنا أبو القاسم جعفر بن حمدان الموصلي الفقيه - وكان صديقهما - قال: قلت لأبي عبد الله الدينوري ختنِ ثعلب: لِمَ يأب أحمد بن يحيى الاجتماع مع المبرد. قال لي: أبو العباس محمد بن يزيد حسن العبارة، حلو الِإشارة، فصيح اللسان، ظاهر البيان، وأحمد بن يحيى مَذْهَبُه مذهب المعلمين، فإذا اجتمعا في مَحْفل حكم لهذا على الظاهر إلى أن يعرف الباطن.
وأخبرنا أبو بكر القاسم بن بشار الأنباري النحوى، أن أبا عبد الله الدينوريَ هذا كان يختلف إلى أبي العباس المبرد يقرأ عليه كتاب سيبويه عمر وبن عثمان بن قنبر، فكان ثعلب يَعْذِله على ذلك، فلم يكن ذلك يردعه.
وقيل: إن وفاة أحمد بن يحيى ثعلب كانت في سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
وفاة جماعة من العلماء
وفي هذه السنة - وهي سنة إحدى وتسعين ومائتين - مات محمد بن محمد الجذوعي القاضي، وله أخبار عجيبة فيما كان به من المذهب قد أتينا على وصفه ونوادره فيها وما كان له من التعزز في الكتاب الأوسط.
- وفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين كانت وفاة أبي حازم عبد العزيز بن عبد الحميد القاضي، يوم الخميس لسبع ليال خلون من جمادى الآخرة من هذه السنة ببغداد، وله نيف وتسعون سنة.
وفي هذه السنة تغلب ابن الخليجي على مصر.
وفيها وقع الحريق العظيم، فأحرق بباب الطاق نحواً من ثلاثمائة دكان وأكثر.
وظفر بابن الخليجي في سنة ثلاث وتسعين ومائتينِ بمصر، وأدخل إلى بغداد، وقد أشْهِرَ، وقدامه أربعة وعشرون إنساناً من أصحابه منهم صندل المزاحمي الخادم الأسود، وذلك للنصف من شهر رمضان من هذه السنة.
وفي سنة أربع وتسعين ومائتين ماسَ موسى بن هارون بن عبد اللّه بن مروان البزاز المحدث، المعروف بالحمال، في يوم الخميس لِإحدى عشرة ليلة بقيت من شعبان ببغداد، ويكنى أبا عمران، وهو ابن نيف وثمانين سنة، ودفن في مقابر باب حرب إلى جانب أحمد بن حنبل.
وقد قدمنا العذر فيما سلف من هذا الكتاب لذكرنا وفاة هؤلاء الشيوخ إذ كان الناس في أغراضهم مختلفين، وفي طلبهم الفوائد متباينين، وربما قد يقف على هذا الكتاب من لا غرض له فيما ذكرناه فيه ويكون غرضه معرفة وفاة هؤلاء الشيوخ.
وكانت وفاة أبي مسلم إبراهيم بن عبد اللّه الكجي البصري المحدث في المحرم سنة اثنتين وتسعين ومائتين وهو ابن اثنتين وتسعين سنة وكان مولده في شهر رمضان - سنة مائتين.
وقبض أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب وهو في سن أبي مسلم على ما ذكرتا من تنازع الناس في تاريخ وفاته، وقد كان أبو العباس أحمد بن يحيى قد ناله صَمَمُ وزاد عليه قبل موته، حتى كان المخاطب له يكتب ما يريده في رقاع.
وصف القطائف
وأخبرنا محمد بن يحيى الصولي الشطرنجي قال: كُنا يوماً نأكل بين يدي المكتفي، فوضعت بين أيدينا قطائف رفعت من بين يديه في نهاية النضارة ورقة الخبز وإحكام العمل، فقال: هل وصفت الشعراء هذا؟ فقال له يحيى بن علي: نعم، قال أحمد بن يحيى فيها:
قطائف قد حُشِيَتْ باللوز ... والسكر الماذِيً حَشْوَ الموز
تسبح في آذيِّ دهن الجوز ... سررت لما وقعت في حَوْزِي
فئ سُرُور عباس بقرب فَوْز
قال: وأنشدته لابن الرومي قوله:
وأتت قطائف بعد ذاك لطائف
فقال: هذا يقتضي ابتداء: فأنشدني الشعر من أوله، فأنشدته لابن الرومي:
وَخَبِيصَة صَفْرَاء دينارية ... ثمناً ولوناً زَفَهَا لك حَزْوَر
عظمت فكادت أن تكون إوزة ... وثوت فكاد إهابها يتفطر
(2/162)

طفقت تجود بوبلها جوذابة ... فإذا لُبَاب اللوز فيها السكر
نعم السماء هناك ظل صبِيبُهَا ... يَهْمِي، ونجم الأرض ظلت تمْطِر
يا حسنها فوق الخوان ودهنها ... قدامها بصهيرها يتفرغر
ظَلْنَا نُقَشر جلدها عن لحمها ... وكأن تبراً عن لجين يُقْشَر
وتقدمَتْهَا قبل ذاك ثرائد ... مثل الرياض بمثلهنَ يُصَدر
وَمُرَقًقَات كلهن مزخرف ... بالبيض منها ملبس ومدثر
وأتت قطائف بعد ذاك لطائف ... تَرْضَى اللهاة بها وَيرْضَى الحنجر
ضحك الوجوه من الطبرزد فوقها ... دمع العيون مع الدهان يقطر
وصف اللوزينج
فاستحسن المكتفي باللّه الأبيات، وأومأ إليَ أن أكتبها له، فكتبتها له.
قال محمد بن يحيى الصولي: وأكلنا يوماً بين يديه بعد هذا بمقدار شهر، فجاءت لوزينجة، فقال: هل وصف ابن الرومي اللوزينج؟ فقلت: نعم، فقال: أنشدنيه، فأنشدته:
لا يخطئني منك لوزينج ... إذا بَدَا أعجب أو عَجَّبَا
لم يُغْلِقِ الشهوة أبوابها ... إلا أبَتْ زلفاه أن يحجبا
لو شاء أن يذهب في صخرة ... لَسَهَّلَ الطيبُ له س مَذْهَبَا
يدور بالنفخة في جامه ... دوراً ترى الدهن له لولبا
عاون فيه منظرٌ مخبراً ... مستحسن سَاعَدَ مستعذبا
كَالحسن المحسن في شدوه ... ثم فأضحى مغرياً مطربا
مستكشف الحَشْو، ولكنه ... أرَقّ جلداً من نسيم الصبا
كأنما قُدَّاْ جلابيبه ... من أعين القَطْر الذي قببا
يُخَال من رقة أجزائه ... شارك في الأجنحة الجُنْدَبَا
لو أنه صُورَ من خبزه ... ثغر لكان الواضحَ الأشْنَبَا
من كل بيضاءَ يودّ الفتى ... أن يجعل الكف لها مَرْكَبَا
مدهونة زرقاء مدفونة ... شهباء تحكى الأزرَقَ الأشهبا
ذِيقَ له اللوز فما مُرَّةٌ ... مَرَّتْ على الذائق إلا أبى
وانتقد السكر نقاده ... وشارفوا في نقده المذهبا
فلا إذا العين رأتها نَبَتْ ... ولا إذا الضرس علاها نبا
فحفظها المكتفي، فكان يُنْشِدُهَا.
من شعر المكتفي
ومما استحسن من شعر المكتفي لنفسه:
إني كَلِفْتُ، فلا تَلْحُوا، بجارية ... كأنها الشمس، بل زادت على الشمس
لها من الحسن أعْلاَه؛ فرؤيتها ... سَعْدي، وَغَيْبَتُهَا عن ناظري نحسي
وللمكتفي أيضاً:
بلغ النفس ما اشْتَهَتْ ... فإذا هِي قد اشْتَفَتْ
إنما العيش ساعة ... أنت فيها وما انقضت
كل من يعذل الحبَّ ... إذا ما هَدَا سكت
وله أيضاً:
مَنْ لي بأن يعلم ما ألْقَى ... فيعرف الصَّبْوَةَ والعشقا
مازال لي عبداً، وَحُبِّي له ... صَيَّرني عبداً له رِقّا
أعْتِقَ من رقي، ولكنني ... من حبه لا أملك العتقا
شراب الدوشاب
وأخبرنا أبو عبد اللّه إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي المعروف بنفطويه، قال: أخبرنا أبو محمد عبد اللّه بن حمدون، قال: تذاكرنا يوماً بحضرة المكتفي أصناف الأشربة، فقال: فيكم مَنْ يحفظ في نبيذ الدوشاب شيئاً؟ فأنشدته قول ابن الرومي:
إذا أجَدْتَ حبه وَدِبْسَهُ ... ثم أجَدْتَ ضربه وَمَرْسَهُ
ثم أطلت في الِإناء حَبْسَه ... شربت منه البابليَ نفسه
فقال المكتفي: قبحه اللهّ!! ما أشْرَهَهُ!! لقد شَوَّقَنِي في هذا اليوم إلى شرب الدوشاب.
قصة هريسة
(2/163)

وقدم الطعام، فوضع بين أيدينا طيفورية عظيمة فيها هريسة، وقد جعل في وسطها مثل السكرجة الضخمة مملوءة من دسم الدجاج؛ فضحكت وخطر ببالي خبر الرشيد مع أبَانَ القاري، فلحطني المكتفي، وقال: يا أبا عبد اللّه؛ ما هذا الضحك؟ فقلت: خبر ذكرته في الهريسة يا أمير المؤمنين ودهن الدجاج مع جدك الرشيد، فقال: وما هو؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، ذكر العتبي والمدائني أن أبَانَ القاري تَغَنَى مع الرشيد، فجاءوا بهريسة عجيبة في وسطها مثل السكرجة الضخمة على هذا المثال من دهن الدجاج، قال أبان: فاشتهيت من ذلك الدسم، وأجللت الرشيد من أن أمد يدي فأغمس فيه، قال: ففتحت بإصبعي فيه فتحاً يسيراً، فانقلب الدسم نحوي، فقال الرشيد: يا أبان، أخرقتها لتغرق أهلها؟ فقال أبان: لا يا أمير المؤمنين، ولكن سقناهُ لبلد ميت، فضحك الرشيد حتى أمسك صدره.
هدية من أبي مضر بن الأغلب
وفي سنة خمس وتسعين ومائتين وردت إلى مدينة السلام هدية زيادة الله بن عبد اللّه، ويكنى أبا مضر، وكانت الهدية مائتي خادم أسود، وأبيض، ومائة وخمسين جارية، ومائة من الخيل العربية، وغير ذلك من اللطائف.
آل الأغلب بأفريقية
وقد كان الرشيد في سنة أربع وثمانين ومائة - وذلك بالرقة - قلد إبراهيم بن الأغلب أمر إفريقية من أرض المغرب، فلم يزل آل الأغلب أمراء إفريقية حتى أخرج عنها زيادة اللّه بن عبد اللّه هذا في سنة ست وتسعين ومائتين، وقيل: في سنة خمس وتسعين ومائتين، أخرجه من المغرب أبو عبد اللّه المحتسب الداعية الذي ظهر في كتامة وغيرها من البربر، فدعا إلى عبيد اللّه صاحب المغرب، وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب توليه المنصور للأغلب بن سالم السعدي المغرب.
علة المكتفي
قال: واشتدت علة المكتفي باللّه بالذرب، فأحضر محمد بن يوسف القاضي وعبد اللّه بن علي بن أبي الشوارب، فأشهدهما على وصيته بالعهد إلى أخيه جعفر، وقد قَدَّمنا ذكر وفاته فيما سلف من هذا الكتاب فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
قال المسعودي: وللمكتفي باللّه أخبار حسان، وما كان في عصره من الكوائن في قصة ابن البلخي بمصر، وأمر القِرْمِطي بالشام، وأمر ذكرويه وخروجه على الحاجِّ، وغير ذلك مما كان في خلافته، وقد أتينا على جميع ذلك في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، فأغنى ذلك عن إعادة ذكره.
ذكر خلافة المقتدر باللّه
وبويع المقتدر باللّه جعفر بن أحمد في اليوم الذي توفي فيه أخوه المكتفي باللّه، وكان يوم الأحد لثلاثَ عشرةَ ليلةً خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين، ويكنى أبا الفضل، وأًمه أُم ولد يُقال لها شغب، وكَذلك أمِ المكتفي أمِ ولد يُقال لها ظَلُوم، وقيل غير ذلك، وكَان له يَوْم بويع ثلاث عشرةَ سنةَ، وقتل ببغداد بعد صلاة العصر يوم الأربعاء لثلاث ليالٍ بَقِينَ من شوال سنة عشرين وثلاثمائة، فكانت خلافته أربعاً وعشرين سنة وأحد عشر شهراً وستة عشر يوماً، وبلغ من السن ثمانية وثلاثين سنة وخمسة عَشَرَ يوماً، وقد قيل في مقدار عمره غير ما ذكرنا، واللّه أعلم.
ذكر جمل من أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
مقتل وزيره
وبويع المقتدر وعلى وزارته العباس بن الحسن إلى أن وَثَبَ الحسين ابن حمدان، ووصيف بن سوارتكين، وغيرهما من الأولياء على العباس بن الحسن فقتلوه وفاتكاً معه، وذلك في يوم السبت لِإحدى عَشرَةَ ليلةً بقيت من ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين، وكان من أمر عبد الله بن المعتز ومحمد بن داود وغيرهما ما قد اتضح في الناس واشتهر، وأتينا على ذكره في الكتاب الأوسط وغيره في أخبار المقتدر باللّه.
وقد صنف جماعة من الناس أخبار المقتدر مجتمعة مع أخبار غيره من الخلفاء ومُفْرَده، وعمل ذلك في أخبار الدولة من أخبار بغداد، وقد صنف أبو عبد اللّه بن عبدوس الجهشياري أخبار المقتدر باللّه في ألوف من الأوراق، ووقع لي منها أجزاء يسيرة.
وأخبرني غير واحد من أهل الحراية أن ابن عبدوس صنف أخبار المقتدر في ألف ورقة، وإنما نذكر من أخبار كل واحد منهم لمعاً، وإنما الغرض جوامع من أخبارهم تَبْعث على دَرْسه وحفظ ما فيه ونَسْخِه.
عبد اللّه بن المعتز
(2/164)

وكان عبد اللّه المعتز أديباً، بليغاً، شاعراً، مطبوعاً، مجوداً، مقتدراً على الشعر، قريب المأخذ، سَهْلَ اللفظ، جيد القريحة، حسن الاختراع للمعاني، فمن ذلك قوله:
تقول العاذلات: تَعَزَّ عنها ... وأطْفِ لهيب قلبك بالسُّلو
وكيف وقًبْلَةٌ منها اختلاسا ... ألذ من الشماتة بالعَدُو؟
وقوله:
ضعيفةٌ أجفانه ... والقلب منه حَجَرُ
كأنما ألحاظه ... من فعله تعتذر
وقوله:
تولَّى الجهل، وانقطع العتاب، ... ولاح الشيب، وافتضح الخضاب
لقد أبغضت نفسي في مشيبي ... فكيف تحبني الخود الكعاب؟
وقوله:
عجبا للزمان في حالتيه ... وبَلاَءٍ دفعت منه إليه
رُبَّ يوم بكيت فيه فلما ... صرت في غيره بكيت عليه
وقوله في أبي الحسن علي بن محمد بن الفُرَات الوزير:
أبا حسن ثَبَتِّ فيِ الأرض وَطْأتي ... وأدركتني في المعضلات الهزاهز
وألبستني درعاً عليَّ حصينة ... فناديت صرف الدهر هل من مبارز
وقوله أيضاً:
ومن شر أيام الفتى بَذْلُ وجهه ... إلى غير من خَفّتْ عليه الصنائع
متى يدرك الِإحسان من لم تكن له ... إلى طلب الِإحسان نفس تنازع
وقوله:
فإن شئت عادتني السقاة بكأسها ... وقد فَتَحَ الِإصباح في ليلة فَمَا
فخلت الدجا والفجر قد مَدّ خيطه ... رداءً مُوَشّى بالكواكب مُعْلَما
وقوله:
وأبكي إذا ما غاب نجم كأنني ... فقدْتُ صديقاً أو رُزِئْتُ حميما
فلو شق من طرف الليالي كواكب ... شققت لها من ناظريَّ نجوماً
ومما أحسن فيه قوله في عبيد اللّه بن سليمان:
لآل سليمانَ بْنِ وهب صنائع ... إليَّ ومعروف لديَّ تقدَّمَا
همُ علَّموا الأيام كيف تَبَرُّنِي ... وهم غَسَلُوا من ثوب والدي الدما
وقوله عند وفاة المعتصم باللّه:
قضوا ما قضوا من حقه ثم قدموا ... إما ما يؤمٌّ الخلق بين يديه
وصَلَّوْا عليه خاشعين كأنهم ... صفوفٌ قيام للسلام عليه
وقوله في فصادة المعتضد باللّه:
يا دماً سال من فراع الِإمام ... أنت أزكى من عنبر ومدام
قد ظنناك إذ جريت إلى الطّسْتِ ... دموعاً من مقلتَيْ مستهام
إنما غرق الطبيب شبا المبضع في نفس مهجة الِإسلام
وقوله:
اصبر على حسد الحسو ... د فإنَّ صبرك قاتُلهْ
فالنار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله
وقوله:
يطوف بالراح بيننا رَشَأ ... مُحَكَّم في القلوبِ والمُقَل
يكاد لحظ العيون حين بدا ... يسفك من خده دمَ الخجَل
وقوله:
رَشَأ يتيه بحسن صورته ... عَبَثُ الفتورِ بلحظ مقلته
وكأن عقرب صُدْغه وقفت ... لما دنت من نار وجنته
وقوله:
إذا اجتنى وردة من خده فمه ... تكونت تحتها أخرى من الخجل
وفاة محمد بن داود الاصفهاني
قال: وكانت وفاة أبي بكر محمد بن داود بن علي بن خلف الأصبهاني الفقيه سنة ست وتسعين ومائتين، وكان ممن قد علا في رتبة الأدب، وتصرف في بحار اللغة، وتفنّنَ في موارد المذاهب، وأشفى على أغراض المطالب، وكان عالماً بالفقه منفرداً، وواحداً فيه فريداً، وألف في عنفوان صباهُ وقبل كماله وانتهائه الكتاب المعروف بالزهرة، ثم تناهت فكرته، ونسقت قوته، فصنف في الفقهيات ككتابه الوصول إلى معرفة الأصول، وكتاب الِإنذار، وكتاب الأعذار والِإيجاز، وكتابه المعروف بالانتصار على محمد بن جرير وعبد اللّه بن شرشير وعيسى بن إبراهيم الضرير.
ومما قال فيه فأحسن في عنفوان شبابه، وأثبته في كتابه المترجم بالزهرة، وعَزَاهُ إلى بعض أهل عصره، وإن كان محسناً في سائر كلامه من منظومه ومنثوره قولُه:
على كبدي من خيفة البين لوعةٌ ... يكاد لها قلبي أسىً يتصدَّعُ
يخاف وقوع البينِ والشمل جامع ... فيبكي بعين دَمْعُهَا متسرع
(2/165)