Advertisement

مروج الذهب 005



الكتاب : مروج الذهب
المؤلف : أبو الحسن على بن الحسين بن على المسعودي
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] فلو كان مسروراً بما هو واقع ... كما هو محزون بما يتوقعّ
لكان سواءً برؤه وسقامه ... ولكنَّ وشك البين أدهى وأوجع
وقوله:
تمتع من حبيبك بالوَدَاع ... إلى وقت السرور بالاجتماع
فكم جَرَّبْت من وصل وهجر ... ومن حال ارتفاع واتِّضَاع
وكم كأس أمر من المنايا ... شربت فلم يضق عنها ذراعي
فلم أر في الذي لاقيت شيئاً ... أمَرَّ من الفراق بلا وداع
تعالى اللّه كُل مواصلات ... وإن طالت تؤول إلى انقطاع
وقوله:
لا خير في عاشق يُخْفِي صَبَابته ... بالقول والشوقُ في زَفْرَاتِهِ بادي
يخفي هواه وما يخفى على أحد ... حتى على العيس والركبان والحادي
وفاة علي بن بسام
وفي سنة ثلاث وثلاثمائة في خلافة المقتدر باللّه كانت وفاة علي بن محمد بن نصر بن منصور بن بَسَّام، وكان شاعراً لسناً، مطبوعاً في الهجاء، ولم يسلم منه وزير ولا أمير ولا صغير ولا كبير. وله هجاء في أبيه وإخوته وسائر أهل بيته، فمما قال في أبيه محمد بن نصر:
بَنَى أبو جعفر داراً فشيدَهَا ... ومثله لخيار الدور بَنَّاء
فالجوع داخلها، والذل خارجها ... وفي جوانبها بؤس وضَرَّاء
ما ينفع الدار من تشييد حائطها ... وليس داخلها خبز ولا ماء
وله فيه:
هَبْكَ عُمِّرْتَ عمر عشرين نسراً ... أترى أنني أموت وتبقى
فلئن عشتُ بعد يومك يوماً ... لأشُقنَّ جيب مالك شقا
وله فيه:
رأى الجوع طبا، فهو يحمي ويحتمي ... فلست ترى في داره غير جائع
ويزعم أن الفقر في الجود والسخا ... وأنْ ليس حظ في إكتساب الصنائع
لقد أمن الدنيا ولم يخش صَرْفَهَا ... ولم يدر أن المرء رهنُ الفجائع
وأنشدني أبو الحسن محمد بن علي الفقيه الوَرَّاق الأنطاكي بأنطاكية، لعلي بن محمد بن بسام، يهجو الموفق والوزير أبا الصقر إسماعيل بن بلبل، والطائي - أمير بغداد، وعبدون النصراني، أخا صاعد، وأبا العباس بن بَسْطَام، وحامد بن العباس وزير المقتدر باللّه بعد ذلك، إسحاق بن عمران، أمير الكوفة يومئذ:
أيرجو المُوَفَّقُ نَصْرَ الإِله ... وأمر العباد إلى دانيه
رمن قبلها كان أمر العباد ... لَعَمْرُ أبيك إلى زانيه
فإن رضيت رضيت أنه ... كدالية فوقها دالية
وظل ابن بُلبل يُدْعَى الوزير ... ولم يَكُ في الأعصر الخاليه
وطحان طي تولى الْجُسُورَ ... وَسَقْيَ الفرات وزْرقاميه
وبحكم عبدون في المسلمين ... ومن مثله تؤخذ الْجَاليه
وأحول بَسْطام ظل المشير ... وكان يَحُوكُ ببرزاطيه
وحامد يا قوم لو أمره ... إلَيً لألزمته الراويه
نعم ولأرجعته صاغراً ... إلى بيع رمان حضراويه
وإسحاق عمران يدعى الأمير ... لداهية أيما داهية
فهذي الخلافة قد وَدَعَتْ ... وَظَفَتْ على عرشها خاويه
فَخَلِّ الزمان لأوغاده ... إلى لعنة اللّه والهاويه
فيا ربّ قد ركب الأرذلون ... ورجليَ من رجلهم عاليه
فإن كنت حامِلَنَا مثلهم ... وإلا فأرحل بني الزانيه
جمع في شعره هذا جميع رؤساء أهل الدولة في ذلك العصر.
وأنشد أبو إسحاق الزّجَاج النحوي صاحب المبرد لابن بسام في المعتضد، وقد خَتَنَ ابنه جعفراً المقتدر:
انصرف الناس من ختان ... يدعون من جوعهم حزاما
فقلت: لا تعجبوا لهذا ... فهكذا تخْتَنُ اليتامى
وله أيضاً في المعتضد:
إلى كم لا نرى ما نرتجيه ... ولا ينفكُّ من أملٍ كَذُوب
لئن سَمَّوْكَ معتضداً فإني ... أظنك سوف تعضد عن قريب
(2/166)

وله في الوزير العباس بن الحسن، وابن عمرويه الخراساني، وكان أمير بغداد يومئذ:
لعن اللّه الذي ... قَلّدَ عباس الوزاره
والذي وَلّى ابن عمرو ... يه ببغداد الإماره
فوزير شنج الوجه ... بطين كالغراره
وقفاً فيه سناما ... ن ورأس كالخياره
وأمير أعجميٌّ ... كحمار ابن حماره
رحل الِإسلام عنا ... بتوليه الِإداره
وأنشدني في أبي الحسن جَحْظَة البرمكي المغني:
لجحظة المحسن عندي يد ... أشْكُرُهَا منه إلى المَحْشَرِ
لما أراني وَجْهَ برذونه ... وصانني عن وجهه المنكر
وله في أبيه محمد بن نصر بن منصور بن بسام:
خبيصة تعقد من سُكَّره ... وبُرْمَةٌ تطبخ من قنبر
عند فتى أسمح من حاتم ... يطبخ قدرين على مجمره
وليس ذا في كل أيامه ... لكنه في الدعوة المُنْكَرَه
في يوم لهو فظيع هائل ... ومجمع اللذات والقرقره
يقول للأكل من خبزه: ... تَعْساً لهذا البطن ما أكبره
وله في أبيه أيضاً:
خبز أبي جعفر طباشيرُ ... فيه الأفاويهُ والعقاقيرُ
فيه دواء لكل مُعْضِلة ... للبطن والصدر والبواسير
وقصعة مثل مدهن صغراً ... تزعق من حولها النواظير
ونَيْبلُ ما ترتجيه من يده ... ما ليس تجري به المقادير
وله فيه:
بعثت لأستهديه عَيْراً ولم أكن ... لأعلم أن العير صار لنا صهراً
فَوَجَّه لي كي نستوي في ركوبه ... فيركبه بطناً وأركبه ظهراً
وقال في جماعة من الرؤساء:
قل للرؤوس ومن تُرْجى نوافلهم ... ومن يؤمل فيه الرِّفْدُ والعمل
إن تشغلوني بأعمال أصيرها ... شغلاً وإلا ففي أعراضكم شُغُلُ
وله أيضاً:
ما لي رأيتك دائباً ... مستسخطاً أبداً لرزقك
ارجع إلى ما تستحق فإن قوتك فوق حقك
وله في عبيد اللّه بن سليمان الوزير:
عبيد الله ليس له مَعَاد ... ولا عَقْل وليس له سَدَاد
رددت إلى الحياة فعدت عنها ... لقول اللّه: لو رُدوا لعادوا
وله في القاسم بن عبيد اللّه بن سليمان:
قل للمولّى دولة السلطان: ... عند الكمال تَوَقُّعُ النقصان
كم من وزير قد رأيت معظماً ... أضحى بدار مَذلّة وهوان
وله في عبيد اللّه بن سليمان:
لا بد يا نفس من سجود ... في زمن القرد للقرود
هبتْ لك الريح يا ابن وهب ... فخذ لها أهبة الركود
وله في إسماعيل بن بلبل الوزير:
لأبي الصقر دولة ... مثله في التخلُّفِ
مُزْنَةٌ حين أطمَعَتْ ... آذنت بالتكشف
وله في العباس بن حسن الوزير:
تحمَّلَ أوزار البرية كلها ... وزير بظلم العالمين يجاهر
ألم تر أسباب الذين تقدموا ... وكيف أتتهم بالبلاء الدوائر
وله في الوزير صاعد بن مخلد:
سجدنا للقرود رجاء دنيا ... حوَتْها دوننا أيدي القرود
فما نالت أناملُنَا بشيء ... عملنا سوى ذل السجود
وله في العباس بن الحسن الوزير:
بَنَيْتَ على دجلة مجلساً ... تباهى به فِعْلَ مَنْ قد مضى
فلا تفرحَنَ فكم مثل ذا ... رأيناه ما تم حتى انقضى
وله في الوزيرعلي بن محمد بن الفرات:
وقفت شهوراً للوزير أعُدُّهَا ... فلم تثنه نحوي الحقوقُ السوالفُ
فلا هو يرعى لي رعاية مثله ... ولا أنا استحي الوقوف وآنَفُ
وله في أبي جعفر محمد بن جعفر الغربلي:
سألت أبا جعفر ... فقال: يَدي تَقْصُرُ
فقلت له: عاجلاً ... يكون كما تذكر
وله فيه:
لحية كَثَّةٌ أضر بها النَتْفُ ووجه مُشَوَّهٌ ملعون
قلت لما بدا يجمجم في القو ... ل وَيَهْذِي كأنه مجنون:
(2/167)

صدق اللّه أنت مَنْ ذكَرَ ... اللّه مَهِينٌ ولا يكاد يبين
وله في ابن المَرْزُبَانِ، وقد كان سأله دابة فمنعه:
بَخِلْتَ عني بمقرف عطب ... فلن تراني ماعشت أطلبه
وإن تكن صُنْتَه فما خلق ... اللّه مصوناً وأنت تركبه
وله مما أحسن فيه:
تضمن لي في حاجتي ما أحبه ... فلما اقتضيت الوعد قَطّب واعتلى
وصَيَّر عذراً شُغَله واتصاله ... ولولا اتصال الشّغل ما كان أشغلا
ولعلي بن محمد بن بسام في هذه المعاني أشعار كثيرة، اكتفينا بذكر البعض عن إيراد ما هو أكثر منه في هذا الكتاب، لما قدمنا ذكره فيما سلف قبله من الكتب، وقد كان أبوه محمد بن نصر بن منصور في غاية السرو والمروءة، وكان رجلًا مترفاً، حسن الزي، ظاهر المروءة، مشغوفاً بالناء.
وذكر أبو عبد اللّه القمي قال: دخلت عليه يوماً شاتياً، شديد البرد ببغداد، فإذا هو في قبة واسعة قد طليت بالطين الأحمر الأرمني، وهو يلوح بريقاً، فقدرت أن تكون القبة عشرين ذراعاً في مثله، وفي وسطها كانون بزرافين إذا اجتمع ونُصبَ كان مقداره عشرة أذرع في مثلها، وقد ملىء جمر الغَضَى، وهو جالس في صدر القبة، عليه غِلاَلة تسترية، وما فضل عن الكانون مفروش بالديباج الأحمر، فأجلسني بالقرب منه، فكدت أتلظّى، فدفع إلي جام ماء الورد وقد مزج بالكافور، فمسحت به وجهي، ثم رأيته قد استسقى ماء، فأتوه بماء رأيت فيه ثلجاً، فلم يكن لي وُكْدٌ إلا قطع ما بيني وبينه، ثم خرجت من عنده إلى برد مائع، وقد قال لي: لا يصلح هذا البيت لمن يريد الخروج منه.
طعام محمد بن نصر
قال: ودخلت عليه في بعض الأيام وهو جالس في موضع آخر في داره، وقد رفعه على بركة، وفي صدره صفة، وهو يُشْرِف منها على البستان، وعلى حِيرِ الغزلان، وحظيرة القماري وأشباهها، فقلت له: يا أبا جعفر، أنت واللّه جالس في الجنة، قال: فليس ينبغي لك أن تخرج من الجنة حتى تصطبح فيها، فما جلست واستقر بي المجلس حتى أتوه بمائدة جزع لم أر أحسن منها، وفي وسطها جام جزع ملونة، وقد لوى على جنباتها الذهب الأحمر، وهي مملوءة من ماء ورد، وقد جعل سافاً على ساف، كهيئة الصومعة من صدور الدجاج، وعلى المائدة سكرجات جزع فيها الأصباغ وأنواع الملح، ثم أتينا بسنبوسق يفور وبعدهُ جامات اللوزينج، ورفعت المائدة، وقمنا من فورنا إلى موضع الستارة، فقدم بين أيدينا إجانة صيني بيضاء قد كومت بالبنفسج والخيري، وأخرَى مثلها قد عبئ فيها التفاح الشامي قدرنا مقدار ما حضر فيها ألف تفاحة، فما رأيت طعاماً أنظف منه ولا ريحاناً أظرف منه، فقال لي: هذا حَقُّ الصَّبُوح، فما أنسى إلى الساعة طِيبَ ذلك اليوم.
قال المسعودي: وإنما ذكرنا هذا الخبر عن محمد بن نصر ليعلم أن علي بن محمد ابنه أخبر عنه بعدما كان عليه، وأنه لم يسلم من لسانه إنسان، وله أخبار وهجو كثير في الناس قد أتينا على مبسوطها فيما سلف من كتبنا، وما كان من قوله في القاسم بن عبيد اللّه، ودخوله إلى المعتضد وهو يلعب بالشطرنج ويتمثل بقول علي بن بسام:
حَيَاةُ هذا كموت هذا ... فليس تخلو من المصائب
فلما شال رأسه نظر إلى القاسم فاستحيا، فقال: يا قاسم، اقْطَعْ لسان ابن بَسَّامٍ عنك، فخرج القاسم مبادراً ليقطع لسانه، حتى قال له المعتضد: بالبر والشغل ولا تعرض له بسوء، فولاه القاسم البريد والجسر بجند قنسرين والعواصم من أرض الشام، وما كان من قوله في أسَدِ بن جَهْوَر الكاتب وخبره معه وما عم بهجائه أسداً وغيره من الكتاب وهو:
تَعِسر الزمان لقد أتى بعجائب ... ومحا رُسُومَ الظرف والآداب
أو ما ترى أسَدَ بن جَهْور قد غدا ... متشبهاً بأجلّةِ الكتاب
وأتى بأقوام لو انبسطت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتاب
وزراء المقتدر
ولما قتل العباس بن الحسن استوزر المقتدر علي بن محمد بن موسى بن الفرات يوم الأربعاء لأربع ليال خلون من ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين فكانت وزارته إلى أن سخط عليه ثلاث سنين وتسعة أشهر وأياماً.
(2/168)

واستوزر محمد بن عبيد اللّه بن يحمى بن خاقان في اليوم الذي سخط فيه على علي بن محمد بن موسى بن الفرات، وهو يوم الأربعاء لأربع خلون من ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين وخلع عليه ولم يخلع على أحد غيره، وقبض عليه يوم الاثنين لعشر خَلَوْنَ من المحرم سنة إحدى وثلاثمائة.
وخير على الوزير علي بن عيسى بن داود بن الجراح يوم الثلاثاء لِإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة إحدى وثلاثمائة، وقبض عليه يوم الاثنين لثمان خلون من ذيَ الحجة سنة أربع وثلاثمائة.
واستوزر علي بن محمد بن الفرات ثانية، وخلع عليه يوم الاثنين لثمان خلون من ذيَ الحجة سنة أربع وثلاثمائة، وقبض عليه يوم الخميس لأربع بقين من جمادى الأولي سنة ست وثلاثمائة.
وخلع علي الوزير حامد بن العباس يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثمائة، وأطلق علي بن عيسى في اليوم الثاني من وزارته، وهو يوم الأربعاء، وفوضت الأمور إليه، وقبض على حامد بن العباس.
واستوزر علي بن محمد بن الفرات، وهي الثالثة من وزارته، وقد كان ولده محسن بن علي هو الغالب على الأُمور في هذه الوزارة، فأتى على جماعة من الكتاب ثم قبض عليه وعلى ولده، على حسب ما قدمنا من خبرهما في صدر هذا الباب.
واستوزر المقتدر عبد اللّه بن محمد بن عبيد اللّه الخاقاني، ثم استوزر بعده أحمد بن عبيد اللّه الخصيبي، ثم استوزر علي بن عيسى ثانية، ثم استوزر أبا علي محمد بن علي بن مقلة، تم استوزر بعده سليمان بن الحسن بن مخلد، ثم استوزر بعده عبيد اللّه بن محمد الكلواذي، ثم استوزر بعده الحسين بن القاسم بن عبيد اللّه بن سليمان بن وهب، وهو المقتول بالرقة، ثم استوزر بعده الفضل بن جعفر بن موسى بن الفرات.
مقتل المقتدر
وقتل المقتدر بالله ببغداد وقت صلاة العصر يوم الأربعاء لثلاث ليال بقين من شوال سنة عشرين وثلاثمائة، وكان قتله في الوقعة التي كانت بينه وببن مؤنس الخادم بباب الشماسية من الجانب الشرقي، وتولّى دفن المقتدر العامة وكان وزيره في ذلك اليوم أبا الفتح الفضل بن جعفر بن موسى بن الفرات على حسب ما ذكرنا.
وذكر أن الفضل أخذ الطالع في وقت ركوب المقتدر بالله إلى الوقعة التي قتل فيها، فقال له المقتدر: أي وقت هو؟ فقال. وقت الزوال، فقطّبَ له المقتدر، وأراد أن لا يخرج حتى أشرفت عليه خيل مؤنس، فكان آخر العهد به من ذلك الوقت.
السادس من بني العباس
وكل سادس من خلفاء بني العباس مخلوع مقتول، فكان السادس منهم محمد بن هارون المخلوع، والسادس الآخر: المستعين، والسادس الآخر: المقتدر باللّه.
وللمقتدر أخبار حسان، وما كان في أيامه من الحروب والوقائع، وأخبار ابن أبي الساج وأخبار مؤنس وأخبار سليمان بن الحسن الحماني وما كان منه بمكة في سنة عشرة وثلاثمائة وغيرها، وما كان في المشرق والمغرب وقد أتينا على جميع ذلك في كتابنا أخبار الزمان مفصلاً، وفي الكتاب الأوسط مجملاً، وذكَرنا منه في هذا الكتاب لمعاً، وأرجو أن يفسح اللّه لنا في البقاء ويمدَّ لنا في العمر ويسعدنا بطول الأيام، فنعقب تأليف هذا الكتاب بكتاب آخر نضمنه فنون الأخبار، وأنواعاً من ظرائف الآثار، على غير نظم من تأليف، ولا ترتيب من تصنيف، على حسب ما يسنح من فوائد الأخبار، ويوجد من نوادر الآثار، ونترجمه بكتاب وصلِ المجالس بجوامع الأخبار ومخلط الآداب، تالياً لما سلف من كتبنا، ولاحقاً لما تقدم من تصنيفنا.
وفاة موسى بن إسحاق الأنصاري
كانت وفاة موسى بن إسحاق الأنصاري القاضي في خلافة المقتدر، وذلك في سنة سبع وتسعين ومائتين، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة الفقيه الكوفي، ودفن في الجانب الشرقي، وكان هذان من علماء أهل الحديث وكبار أهل النقل.
غرق البيت الحرام
وورد الخبر إلى مدينة السلام بأن أركان البيت الحرام الأربعة غرقت حتى عَمَّ الغرق الطواف وفاضَتْ بئر زمزم، وأن ذلك لم يعهدوه فيما سلف من الزمان.
وفيات
وفيها كانت وفاة يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد القاضي، وذلك في شهر رمضان بمدينة السلام، وهو ابن خمس وتسعين سنة، وقيل: إن في هذه السنة كانت وفاة محمد بن داود بن علي بن خلف الأصبهاني الفقيه، وقد قدمنا ذكْره، وأن وفاته كانت في سنة ست وتسعين ومائتين وإنما حكينا الخلاف في ذلك.
(2/169)

وفي هذه السنة - وهي سنة سبع وتسعين ومائتين - كانت وفاة ابن أبي عوف البروري المعدل ببغداد، وذلك في شوال، وهو ابن نيف وثمانين سنة، ودفن في الجانب الغربي.
وإنما نذكُر هؤلاء لنقلهم السنن، واشتهارهم بذلك، وحاجة أهل العلم وأصحاب الآثار إلى معرفة وقت وفاتهم.
وفيها مات أبو العباس أحمد بن مسروق المحدث وهو ابن أربع وثمانين سنة، ودفن بباب آل حرب من الجانب الغربي.
وقد قدمنا في هذا الكتاب أخبار مَنْ ظهر من آل أبي طالب في أيام بني أُمية وبين العباس، وفي غيره مما سلف من كُتُبنا، وما كان من أمرهم من قَتْل أو حَبْس أو حرب.
ظهور طالبي في مصر
وقد كان ظهر بصعيد مصر أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فقتله أحمد بن طولون، بعد أقاصيص وقد أتينا عليها فيما سلف من كُتُبنا.
وإنما نذكُر مَنْ ظهر من آل أبي طالب واللمع من أخبارهم في هذا الكتاب لاشتراطنا فيه على أنفسنا من إيراد ذكْرِهم ومقاتلهم، وغير ذلك من أخبارهم من منذ قتل أمير المؤمنين إلى الوقت الذي ينتهي إليه تصنيفنا لهذا الكتاب.
وكانت وفاة يحيى بن الحسين الحسني الرسيّ بعد أن قطن بمدينة صَعْدَةَ من أرض اليمن في سنة ثمان وسبعين ومائتين، وقام بعده ولده الحسن بن يحيى.
وكان ظهور ابن الرضا - وهو محسن بن جعفر بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد - في أعمال دمشق في سنة ثلاثمائة، وكانت له مع أبي العباس أحمد بن كيغلغ وقعة فقتل صبراً، وقيل: قتل في المعركة، وحمل رأسه إلى مدينة السلام فنصب على الجسر الجديد بالجانب الغربي.
ظهور الأطروش العلوي
وظهر ببلاد طبرستان والديلم الأطروش - وهو الحسن بن علي - وأخرج عنها المسودة، وذلك في سنة إحدى وثلاثمائة، وقد كان ذا فهم وعلم ومعرفة بالآراء والنحل، وقد كان أقام في الديلم سنين، وهم كُفّار على دين المجوسية ومنهم جاهلية، وكذلك الجيل، فدعاهم إلى اللّه عز وجلّ، فاستجابوا وأسلموا، وقد كان للمسلمين بإزائهم ثغور مثل قزوين وغيرها. وبنى في الديلم مساجد، والديلم زعم كثير من الناس من ذوي المعرفة بالنسب أنهم من ولد باسل بن ضبة بن أدَد وأن الْجيل من تميم، وقد قيل: إن دخول الأطروش إلى طبرستان كان في أول يوم من المحرم سنة إحدى وثلاثمائة، وإن في هذا اليوم دخل صاحب البحرين البصرة، وقتل أميرها طمسك المفلحي، وقد أتينا على خبر الأطروش العلوي وخبر ولده وخبر أبي محمد الحسن بن القاسم الحسني الداعي واستيلائه على طبرستان ومقتله، وما كان من الجيل والديلم في أمره في كتابنا أخبار الزمان.
وفيات
وكانت وفاة أبي العباس أحمد بن عمر بن سُرَيج القاضي في سنة ست وثلاثمائة.
وكانت وفاة أبي جعفر محمد بن جرير الطبري الفقيه ببغداد في سنة عشر وثلاثمائة، وكانت وفاة أبي إسحاق إبراهيم بن جابر القاضي بحلب، وأدخل الليث بن علي بن الليث بن الصفار إلى مدينة السلام على الفيل في سنة سبع وتسعين ومائتين وقدامه الجيش وحوله، وقد شهر، وقيل: إن الليث أدخل إلى مدينة السلام في سنة ثمان وتسعين ومائتين.
وفي هذه السنة - وهي سنة ثمان وتسعين ومائتين - مات ببغداد أبو بكر محمد بن سليمان المروزي، المحدث، صاحب الجاحظ، وقيل أيضاً: إن وفاته كانت في سنة ثمان وتسعين.
أحداث
وفي هذه السنة كان دخول فارس صاحب مراكب الروم وحربها إلى ساحل الشام، فافتتح حصن القبة بعد حرب طويل، وعدم مغيث بغيثهم من المسلمين، وافتتح مدينة اللاذقية فسبى منها خلقاً كثيراً، ووقع بالكوفة بَرَدٌ عظيم الواحدة رطل بالبغداي، وريح مظلمة، وذلك في شهر رمضان، وانهدم كثير من المنازل والبنيان، وكان فيها رَجْفة عظيمة هلك فيها خلق كثير من الناس، هذا كان بالكوفة في سنة تسع وتسعين ومائتين وكان بمصر في هذه السنة زلزلة عظيمة، وفيها طلع نجم الذنب.
(2/170)

وفيما غزا دمنانة صاحب الغزو بالبحر الرومي في مراكب المسلم جزيرة قبرص، وقد كانوا نَقَضُوا العهد الذي كان في صدر الِإسلام: ألا يعينوا الروم على المسلمين ولا المسلمين على الروم، وأن خراجه نصفه للمسلمين ونصفه للروم، وأقام دمنانة في هذه الجزيرة أربعة أشهر يَسْبِ ويحرق ويفتح مواضع قد تحصن فيها، وقد أتينا على خبر هذه الجزيرة فيه سلف من هذا الكتاب عند إخبارنا عن جمل البحار وَمَبَادي الأنهار ومطارحها؛ فمنع ذلك من إعادة وصفها.
موت ابن ناجية
وفي سنة إحدى وثلاثمائة مات عبد اللّه بن ناجية المحدث بمدينة السلام، وكان مولده في سنة اثنتي عشرة ومائتين.
ابن الجصاص
وكان القبض على ابن الجَصَّاص الجوهري بمدينة السلام في سنة اثنتين وثلاثمائة، والذي صح مما قبض من ماله من العين والوَرِقِ والجوهر والفرش والثياب والمستغلات خمسة آلاف ألف وخمسمائة ألف دينار.
وفاة القاسم بن الحسن بن الأشيب
وفيها مات القاسم بن الحسن بن الأشيب - ويكنى أبا محمد - يوم الاثنين لليلتين بَقِيَتَا من جمادى الأولى، وكان من كبار العلماء والمحدثين، ودُفن في الجانب الغربي في الشارع المعروف بشارع الحمالين، وحضر جنازته محمد بن يوسف القاضي، وأبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول القاضي، وغيرهما من الفقهاء والعدول والكتاب وأهل الدولة، وهو أبو أبي عمران موسى بن القاسم بن الحسن المعروف بابن الأشيب، وهو كبير من فقهاء الشافعيين في هذا الوقت.
غارة البربر على مصر
وفي هذه السنة - وهي سنة اثنتين وثلاثمائة - ورد الجيش من الغرب؛ فكان لأهل مصر من أصحاب السلطان معهم بمصر حروب عظيمة، وقتل فيها خلق كثير، واستأمن رجل من وجوه البرابرة يعرف بأبي جرة إلى السلطان، وسار إلى مدينة السلام، فخلع عليه.
ابن أبي الساج
وفي سنة سبع وثلاثمائة أدخل يوسف بن أبي الساج إلى مدينة السلام، وقد شهر على الجمل الفالج وعليه دراعة الديباج التي لبسها عمرو بن الليث ووصيف الخادم، وعلى رأسه برنس طويل بشقائق وجلاجل، وحوله الجيوش ومؤنس الخادم وراءه مع سائر أرباب الدولة من أصحاب السيوف، وقد أتينا على خبر هذه الوقعة التي أسَرَ فيها مؤنسٌ الخادم ابْنَ أبي الساج بناحية أردبيل، ومن حضرها من الأمراء مثل ابن أبي الهيجاء عبد اللّه بن حمدان، وعلي بن حسان، وأبي الفضل المروي، وأحمد بن علي أخي صعلوك، وغيرهم من الأمراء والقواد، وذكرنا تخليلة المقتدر لابن أبي الساج، وخروجه من ديار ربيعة ومضر ومسيره إلى أعماله من بلاد أذربيجان وأرمينية، وما كان من غلامه سبك واستيلائه على عمل مولاه ومفارقته الفارقي، وما كان من سائر أخبار ابن أبي الساج ومسيره إلى واسط، ثم مسيره إلى الكوفة، وما كان من خبره في حربه لأبي طاهر سليمان بن الحسن الجنابي وأسره إياه وقتله له نحو الأنبار وهيت حين أشرف على سواده بليق ونظيف غلام ابن أبي الساج، وما كان في هذه الوقعة وَهَزْمه لبليق ونظيف، ومسير القرمطي ونزوله على هيت، وغير ذلك، وذلك في سنة خمس عشرة وثلاثمائة، فيما سلف من كتبنا، وكذلك ذكرنا ما كان من مؤنس الخادم، ومن كان معه من أولياء السلطان من القتال لجيش صاحب المغرب بمصر، وذلك في سنة سبع وثلاثمائة.
ذكر خلافة القاهر باللّه
وبويع القاهر محمدُ بن أحمد المعتضد باللّه يوم الخميس لليلتين بَقِيَتَا من شوال سنة عشرين وثلاثمائة، ثم خلع يوم الأربعاء لخمس خَلَوْنَ من جمادى الأولى سَنَةَ اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وَسُمِلَتْ عيناه، وكانت خلافته سنة وستة أشهر وستة أيام، ويكنى بأبي منصور، وأمه أم ولد.
ذكر جمل من أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
وزراؤه
واستوزر القاهر أبا علي محمد بن علي بن مُقْلَةَ في سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ثم عزله، واستوزر أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبيد اللّه بن سليمان ثم عزله واستوزر أبا العباس أحمد بن عبيد اللهّ الخصيبي.
أخلاقه
(2/171)

وكانت أخلاقه لا تكاد تحصل ، لتقلبه وتلونه، وكان شَهْماً شديد البطش بأعدائه، وأبَادَ جماعة من أهل الدولة، منهم مؤنس الخادم، وبليق، وعلي بن بليق، فهابه الناس وَخَشُوا صَوْلته، واتخذ حربة يحملها في يده إذا سعى في داره ويطرحها بين يديه في حال جلوسه، ويباشر الضرب بتلك الحربة لمن يريد قَتْله، فسكن من كان يستعمل على مَنْ قبله من الخلفاء التشغب والتوثب عليهم، وكان قليل التثبت في أمره، مَخوفَ السطوة، فأدَّاهُ ما وصفنا من فعله إلى أن احتيل عليه في داره فقبض عليه، وسملت كلتا عينيه وهو حي في هذا الوقت في الجانب الغربي في دار ابن طاهرِ، على ما نُمِيَ إلينا من خبره واتصل بنا من أمره، وذلك أن الراضي باللّه غيَّبَ خبره وقطع ذكره، فلما بويع إبراهيم المتقي باللّه أصيب القاهر معتقلاً في بعض المقاصير، فأمر به إلى دار ابن طاهر، فاعتقل بها إلى هذه الغاية على ما وصفنا.
الخراساني الأخباري يصف الخلفاء العباسيين للقاهر باللّه
وذكر محمد بن علي العبدي الخراساني الأخباري، وكان القاهر به آنساً، قال: خلا بي القاهر فقال: اصدقني أو هذه - وأشار إلي بالحربة - فرأيت واللّه الموتَ عيَاناً بيني وبينه، فقلت: أصدقك يا أمير المؤمنين، فقال لي: انظر، يقولها ثلاثاً، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: عما أسألك عنه، ولا تُغَيِّبْ عني شيئاً، ولا تحسن القصة، ولا تسجع فيها، ولا تسقط منها شيئاً، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: أنت عَلاَّمة بأخبار خلفاء بني العباس في أخلاقهم وشيمهم من أبي العباس السفاح فمن دونه، فقلت: على أن لي الأمان يا أمير المؤمنين، قال: ذلك لك.
وصف السفاح
قال: قلت: أما أبو العباس السفاح، فكان سريعاً إلى سفْك الدماء، واتَبعه عماله في الشرق والغرب في فعله، وَاسْتَنُّوا بسيرته، مثل محمد بن الأشعث بالمغرب، وصالحٍ بن علي بمصر، وخازم بن خزيمة، وحميد بن قَحْطَبة، وكان مع ذلك بحرا سَمْحاً وَصُولاً جواداً بالماء، وسلك مَنْ ذكرنا من عماله وغيرهم ممن كان في عصره سبيله، وذهبوا مذهبه مؤتمين به.
وصف المنصور
قال: وأخبرني عن المنصور، قلت: الصدق يا أمير المؤمنين.
قال: الصدق.
قلت: كان واللّه أول من أوقع الفُرْقَةَ بين ولد العباس بن عبد المطلب وبين آل أبي طالب، وقد كان قبل ذلك أمرهم واحداً، وكان أول خليفة قَرَّبَ المنجمين وعمل بأحكام النجوم، وكان معه نُوبَخْتُ المجوسيًّ المنجم، وأسلم على يديه، وهو أبو هؤلاء النوبختية، وإبراهيم الفزاري المنجم، صاحب القصيدة في النجوم، وغير ذلك من علوم النجوم وهيئة الفلك، وعلي بن عيسى الإِسطرلابي المنجم، وهو أول خليفة ترجمت له الكتب من اللغات العجمية إلى العربية، منها: كتاب كليلة ودمنة وكتاب السندهند، وترجمت له كتُبُ أرسطاطاليس، من المنطقيات وغيرها، وترجم له كتاب المجسطي لبطليموس، وكتاب الأرتماطيقي، وكتاب إقليدس وسائر الكتب القديمة من اليونانية، والرومية، والفهلوية، والفارسية، والسريانية، وأًخرجت إلى الناس، فنظروا فيها، وتعلقوا إلى علمها، وفي أيامه وضع محمد بن إسحاق كتاب المغازي، والسير: وأخبار المبتدأ ولم تكن قبل ذلك مجموعة ولا معروفة ولا مُصَنَّفة، وكان أول خليفة استعمل مواليه وغلمانه في أعماله وصرفهم في مهماته، وقَدَّمهم على العرب، فامتثل ذلك الخلفاء من بعده من ولده، فسقطت وبادت العرب، وزال بأسها، وذهبت مراتبها، وأفضَتِ الخلافة إليه، وقد نظر في العلم، وقرأ المذاهب، وارتاض في الآرأء، ووقف على النِّحَل، وكتب الحديث، فكثرت في أيامه روايات الناس، واتسعت عليهم علومهم.
وصف المهدي
قال القاهر: قد قلت فأحسنت، وعبرت فبينت، فأخبرني عن المهدي كيف كانت أخلاقه؟.
(2/172)

قلت: كان سَمْحاً سخياً جواداً، فسلك الناس في عصره سبيله، وذهبوا في أمرهم مَذْهَبه، واتسعوا في مساعيهم، وكان من فعله في ركوبه أن يحمل مع بِدَرَ الدنانير والدراهم، فلا يسأله أحد إلا أعطاه، وإن سكت ابتدأه المفرق بين يديه، وقد تقدم بذلك إليه، وأمعن في قتل الملحدين، والمداهنين عن الدين لظهورهم في أيامه، وإعلانهم باعتقاداتهم في خلافته؛ لما انتشر من كتب ماني وابن دَيْصَان، ومرقيون مما نقله عبد اللّه بن المقفع، وغيره، وترجمت من الفارسية والفهلوية إلى العربية، وما صنفه في ذلك ابن أبي العرجاء، وحماد عَجْرَدٍ، ويحيى بن زياد، ومطيع بن إياس: من تأييد المذاهب المانية، والدَّيْصَانية، والمرقيونية، فكثر بذلك الزنادقة، وظهرت آراؤهم في الناس، وكان المهدي أول من أمر الجدليين من أهل البحث من المتكلمين بتصنيف الكتب على الملحدين ممن ذكرنا من الجاحدين وغيرهم، وأقاموا البراهين على المعاندين، وأزالوا شُبَهَ الملحدين، فأوضحوا الحق للشاكين، وشرع في بناء المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم على ما هما عليه إلى هذه الغاية، وبَنى بيت المقدس، وقد كان هدمته الزلازل.
وصف الهادي
قال: فأخبرني عن الهادي على قصر أيامه كيف كانت أخلاقه وشيمه؟.
قلت: كان جَبَّاراً عظيماً، وأول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف المُرْهَفة، والأعمدة المشهورة، والقِسِيِّ الموتورة، فسلك عماله طريقته، ويمموا منهجه، وكثر السلاح في عصره.
قال: لقد أجَدْتَ في وصفك، وبالغت فيما ذكَرت من قولك فأخبرني عن الرشيد كَنص كَانت طريقته.
وصف الرشيد
قلت: كان مواظباً على الحج، متابعاً للغزو، واتخِاذ المصانع والآبار والبرك والقصور في طريق مكة، وأظهر ذلك بها وبمنَى وعَرَفَات ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فعمَّ الناسَ إحسانُه، مع ما قرن به من عدله، ثم بنى الثغور، ومَدَّن المدن، وحَصَّن فيها الحصون، مثل طرسوس وأذنة، وعلى المصيصة ومرعش، وأحكم بناء الحرب، وغير ذلك من دور السبب والمواضع للمرابطين، واتبعه عماله، وسلكوا طريقته، وقَفَتْهُ رعيف مقتدية بعمله، مُسْتَنِدة بإمامته، فقمع الباطل، وأظهر الحق، وأنار الأعلام، وبرز على سائر الأُمم، وكان أحسن الناس في أيامه فِعلاً أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور لما أحدثته من بناء دور السبيل بمكة، واتخاذ المصانع والبرك والآبار بمكة، وطريقها المعروفة إلى هذه الغاية، وما أحدثته من الدور للتسبيل بالثغر الشامي وطرسوس وما أوقفت على ذلك من الوقوف، وما ظهر في أيامه من فعل البرامكة وجُودِهم وإفضالهم وما اشتهر عنهم من أفعالهم. وكان الرشيد أول خليفة لعب بالصولجان في الميدان ورمى بالنشاب في البرجاس، ولعب بالأكْرة والطبطاب. وقرب الحذَاق في ذلك فعم الناس ذلك الفعل. وكان أول من لعب بالشطرنج من خلفاء بني المعباس، وبالنرد وقدم اللعاب، وأجرى عليهم الرزق، فسمى الناس أيامه - لنضارتها، وكثرة خيرها وخصبها - أيام العروس، وكثير مما يجاوز النعت وبتفاوت فيه الوصف.
وصف أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور
قال القاهر: فأراك قد قصرت في تفصيل أفعال أم جعفر، فلم ذلك؟ قلت: يا أمير المؤمنين ميلاً إلى الاقتصار، وطلباً للإِيجاز.
(2/173)

قال: فتناول الحربة وهَزَّهَا، فرأيت الموت الأحمر في طرفها، ثم برق عينيه مع ذلك فاستسلمت، وقلت: هذا ملك الموت، ولم أشك أنه يقبض روحي، فأهوى بها نحوي، فزُغْتُ منها، فاسترجع وقد أخطأتني، فقال: ويلك!! أبغضت ما فيه عيناك، ومَلِلْتَ الحياة. قلت: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: أخبار أُم جعفر زدني منها، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، كان من فعلها وحسن سيرتها في الجد والهزل ما بَرَزَتْ فيه على غيرها، فأما الجد والآثار الجميلة التي لم يكن في الِإسلام مثلها، مثل حفرها العين المعروفة بعين المشاش بالحجاز، فإنها حفرتها، ومهدت الطريق لمائها في كل خَفْض ورفع وسَهْل وجبل ووَعْر، حتى أخرجتها من مسافة اثني عشر ميلاً إلى مكة، فكان جملة ما أنفقت عليها - مما ذكر وأحصى - ألف ألف وسبعمائة ألف دينار، وما قَدَّمت ذكره من المصانع والدور والبرك والآبار بالحجاز والثغور، وإيقافها الأُلوف على ذلك، دون ما كان في وقتها من البذل، وما عم أهل الفاقة من المعروف والخصب، وأما الوجه الثاني - مما تتباهى به الملوك في أعمالهم، وينعمون به في أيامهم ويصونون به دُوَلَهم، ويدون في أفعالهم وسيرهم - فهو أنها أوَّلُ من اتخذ الآلة من الذهب والفضة المكلَّلَة بالجوهر، وصنع لها الرفيع من الوَشْي، حتى بلغ الثوب من الوشي الذي اتخذ لها خمسين ألف دينار، وهي أول من اتخذ الشاكرية من الخدم والجواري، يختلفون على الدواب في جهاتها، ويذهبون في حوائجها برسائلها وكتبها، وأول من اتخذ القباب من الفضة والأبنوس والصندل وكلاليبها من الذهب والفضة ملبسة بالوشي والسمور والديباج وأنواع الحرير من الأحمر والأصفر والأخضر والأزرق، واتخذت الخفاف المرصَّعَة بالجوهر وشمع العنبر، وتشبه الناس في سائر أفعالهم بأم جعفر.
ولما أفضى الأمر إلى ولدها يا أمير المؤمنين قَدَّمَ الخدَمَ، وآثرهم، ورفع منازلهم، ككوثر وغيره من خَدَمِه، فلما رأت أُم جعفر شدة شغفه بالخدم واشتغاله بهم اتخذت الجواري المقدودات الحسان الوجوه، وعممت رؤوسهن، وجعلت لهن الطًّرَر والأصْدَاغَ والأقفية، وألبستهن الأقبية والقراطق والمناطق، فماست قدودهن، وبرزت أردافهم، وبعثت بهن إليه، فاختلفن في يديه، فاستحسنهن واجتذبن قلبه إليهن، وأبرزهن للناس من الخاصة والعامة، واتخذ الناس من الخاصة والعامة الجواريَ المطمومات؛ وألبسوهن الأقبية والمناطق، وسموهن الغلاميات.
فلما سمع القاهر ذلك الوصف ذهب به الفرح والطرب والسرور، ونادى بأعلى صوته: يا غلام، قَدَح على وصف الغلاميات، فبادر جَوَارٍ كثيرة قَدُهن واحد، توهمتهن غلماناً بالقَرَاطِقِ والأقبية والطرر والأقفية ومناطق الذهب والفضة، فأخذ الكأس بيده، فأقبلْتُ أتأمل صفاء جوهر الكأس ونورية الشراب، وشعاعه، وحسن أولئك الجواري، والحربة بين يديه، وأسرع في شربه، فقال: هيه.
وصف المأمون
فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، ثم أفْضَى الأمر إلى المأمون، فكان في بَدء أمره - لما غلب عليه الفضل بن سهل وغيره - ويستعمل النظر في أحكام النجوم وقضاياها، وينقاد إلى موجباتها، ويذهب مذاهب من سلف من ملوك ساسان كأردشير بن بابك وغيره، واجتهد في قراءة الكتب القديمة، وأمعن في درسها، وواظب على قراءتها، فافتن في فهمها، وبلغ درايتها؟ فلما كان من الفضل بن سهل في الرياستين ما اشتهر وقَدِمَ العراق انصرف غن ذلك كله، وأظهر القول بالتوحيد والوعد والوعيد، وجالس المتكلمين، وقرب إليه كثيراً من الجدليين المبرزين والمناظرين كأبي الْهُذَيْل وأبي إسحاق إبراهيم بن سَيَّار النّظّام وغيرهم ممن وافقهم وخالفهم، وألزم مجلسه الفقهاء، وأهل المعرفة من الأدباء، وأقدمهم من الأمصار، وأجرى عليهم الأرزاق، فرغب الناسُ في صنعة النظر، وتَعلموا البحث والجَدَلَ، ووضع كل فريق منهم كتباً ينصر فيها مذهبه ويؤيد بها قوله، وكان أكثر الناس عفواً، وأشدهم احتمالاً، وأحسنهم مقدرة، وأجودهم بالمال الرغيب، وأبذلهم للعطايا، وأبعدهم من التسافة واتًبَعه وزراؤه وأصحابه في فعله، وسلكوا سبيله، وذهبوا مذهبه.
وصف المعتصم
(2/174)

ثم المعتصم، فإنه يا أمير المؤمنين سلك في النحلة رأى أخيه المأمون، وغَلَبَ عليه حب الفروسية، والتشبه بالملوك الأعاجم في الآلة، ولبس القَلاَنس والشاشيات فلبسها الناس اقتداء بفعله، وائتماماً به، فسميت المعتصميات، وعم الناس إفضاله، وأمِنَتِ به السبل في أيامه، وشمل الناس إحسانه.
وصف الواثق
ثم هارون بن محمد الواثق، فإنه اتبع ديانة أبيه، وعمه، وعاقب المخالف، وامتحن الناس، وكثر معروفه، وأمر القضاة في سائر الأمصار أن لا يقبلوا شهادة مَنْ خالفه، وكان كثير الأكل، واسع العطاء سهل الانقياد متحبباً إلى رعيته.
وصف المتوكل
ثم المتوكل يا أمير المؤمنين، فإنه خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الاعتقاد، ونَهَى عن الجدل والمناظرة في الآراء وعاقَبَ عليه، وأمر بالتقليد، وأظهر الرواية للحديث، فحسنت أيامه، وانتظمت دولته، ودام ملكه، وغير ذلك يا أمير المؤمنين مما اشتهر من أخلاقه.
قال القاهر: قد سمعت كلامك وكأني مشاهد للقوم على ما وصفت؛ معاين لهم فيما ذكرت، ولقد سَرَّنِي ما سمعت منك، ولقد فتحت أبواب السياسة، وأخبرت عن طرق الرياسة، ثم أمر لي بجائزة عجل لي عطاءها في وقتها، ثم قال لي: إذا شئت فقم، فقصت، وقام على أثري بحربته، فخيل واللّه لي أنه يرميني بها من ورائي، ثم عَطفَ نحو دار الخدم، فما مضت إلا أيام يسيرة حتى كان من أمره ما ظهر.
قال المسعودي: وهذا الرجل الذي أخْبَرْتُ عنه بهذا الحديث له أخبار حسان، وهو حي يرزق إلى هذه الغاية، وهي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، مداحاً للملوك، معاشراً لأهل الرياسات، حسن الفهم، جيد الرأي.
وفاة ابن دريد
وفي خلافة القاهر باللّه - وهي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة - كانت وفاة أبي بكر محمد بن الحسن بن درَيْدٍ ببغداد، وكان ممن قد بَرَعَ في زمننا هذا في الشعر، وانتهى في اللغة، وقام مقام الخليل بن أحمد فيها، وأورد أشياء في اللغة لم تُوجَدْ في كتب المتقدمين، وكان يذهب في الشعر كل مذهَب، فطوراً يجزل، وطوراً يرقُّ، وشعره أكثر من أن نحصيه أو يأتي علًيه كتابنا هذا، فمن جيد شعره قصيدته المقصورة التي مدح بها الشاه ابن ميكال، ويُقال: إنه أحاط فيها بأكثر المقصور وأولها:
إمَّا تَرَيْ رأسِيَ حاكى لونُهُ ... طُرَّةَ صبح تحت أذيال الدُّجى
واشتعل المبيضُّ في مسوده ... مثل اشتعال النار في جَزْل الْغَضَى
ومنها:
إن الجديدين إذا ما استولَيا ... على جديد أدْنَيَاه للبِلَى
وفيها يقول:
لست إذا مَا أبْهَظَتْنِي غَمْرَةٌ ... ممن يقول: بَلَغَ السيل الزُّبى
ومنها:
وإن ثَوَتْ بين ضلوعي زَفْرَةٌ ... تملأ ما بين الرجا إلى الرَّجَا
وقد عارضه في هذه القصيدة المقصورة جماعة من الشعراء، منهم أبو القاسم علي بن محمد بن داود بن فَهْم التّنُوخي الأنطاكي، وهو في وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، بالبصرة في جملة البريديين، وأول قصيدته المقصورة التي يمدح فيها تَنُوخَ وقومه من قُضَاعة:
لولا انتهائي لم أُطِعْ نَهْيَ النهى ... أيَّ مدى يطْلُبُ مَنْ جاز المَدَى
إن كُنْت أقصرت فما أقصر قلبٌ دامياً تُدْمِيه ألحاظُ الدُّمَى
وَمُقْلَة إن مقلت أهل الغضا ... أغْضَتْ وفي أجفانها جمر الغضى
وفيها يقول:
وكم ظباء رَعْيُهَا ألحاظها ... أسرع في الأنفسِ من حَدِّ الظُّبى
أسْرَعُ من حرف إلى جر ومن ... حب إلى حَبَةِ قلب وَحَشى
قضاعة بن مالك بن حمير ... ما بعده لِلْمُرْتقين مُرْتَقَى
وقد سبق إلى المقصورة أبو المقاتل نصر بن نصير الحلواني في محمد بن زيد الداعي الحسني بطبرستان بقوله:
قفا خليليً على تلك الرُّبى ... وسائلاها أين هاتيك الدُّمَى؟
أين اللواتي ربعت ربُوعها ... عليك؟ باستنجادها تَسْفِي الْجَوَى؟
ولابن ورقاء في المقصورة أيضاً:
ما شئت قل هي المها هي القنا ... جواهر بكين أعطاف الدمى
(2/175)

وممن تأخر موته بعد موت ابن دُرَيد العُمَاني أبو عبد اللّه المفجع، وكان كاتباً شاعراً بصيراً بالغريب، وهو صاحب الباهلي المصري الذي كان يناقض ابن درَيد، فمما جَوَّدَ فيه المفجع قوله:
ألا طرب الفؤاد إلى رُدَيْنِ ... ودون مزارها ذو الجهلتين
ألَمَّ خَيَالها وَهْناً برحْلي ... فولّى رعية الشرطين عيني
وقد أتينا على ما كان في أيام القاهر - مع قصر مدته - من الكوائن في الكتاب الأوسط، فمنع ذلك من ذكره في هذا الكتاب.
ذكر خلافة الراضي باللّه
وبويع الراضي باللّه محمدُ بنُ جعفرٍ، المقتدرُ، ويكنى أبا العباس، يوم الخميس لست خَلَوْنَ من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، فأقام في الخلافة إلى أن مضى من ربيع الأول عشرةُ أيام، سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، ومات حَتْفَ أنْفِهِ بمدينة السلام، وكانتً خلافته ست سنين وَأحَدَ عَشَرَ شهراً وثلاثة أيام، وأُمُّه أُم ولد يُقال لها ظَلُوم.
ذكر جمل من أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
وزراؤه
وَاسْتَوْزر الراضي أبا علي محمد بن علي بن مُقْلَةَ، ثم اسْتَوْزر أبا علي عبد الرحمن بن عيسى بن داود بن الْجَرَّاح، ثم أبا جعفر محمد بن القاسم الكَرْخِي، ثم أبا القاسم سليمان بن الحسن بن مَخْلَد، ثم أبا الفتح الفضل بن جعفر بن الفُرَات، ثم أبا عبد الرحمن بن محمد البريدي.
من شعر الراضي
وكان الراضي أديباً شاعراً ظريفاً، وله أشعار حِسَانٌ في معانٍ مختلفة، إن لم يكن ضَاهَى بها ابن المعتز فما نقص عنه، فمن ذلك قوله في وصف حاله وحال معشوقه إذا التقيا:
يصفرُّ وجهي إذا تَأَمَله ... طرفي ويحمرُّ وَجْهه خجلا
حتى كأنَّ الذي بوَجْنَته ... من دم وجهي إليه قد نقلا
ومن جيد شعره قوله:
يا رُبَّ ليل قد دنا مَزَارُه ... يسترني ومؤنسي أزراره
سَاقٍ مليحُ القد كدجاره ... سراجه ووجهه مناره
يشهد لي ببذله زُنَّاره ... تَاهَ بخد ظَهَرَ احْمِرَاره
مَاسَ مع الحمرة جُلّنَارُهُ ... أيَّ كثيب قد حوى إزَارُهُ؟
وأي غصن ضُمِّنَتْ أزراره ... طَوْع الكؤوس غَرَّه عذاره
إخفاؤه تعتاده أمراره ... لا كان لهو لم يثر غباره
وقد كان أبو بكر الصولي يروي كثيراً من أشعار الراضي، ويذكر حسن أخلاقه وجميل أخباره، وارتياضه بالعلم وفنون الأدب، وإشرافه على علوم المتقدمين، وخوْضه في بحار الجدليين من أهل الدراية والمتفلسفين.
من محاسن الصولي أبي بكر
وذكر أن الراضي رأى في بعض منتزهاته بالثريا بستاناً مُونقاً، وزهراً رائقاً، فقال لمن حضر من ندمائه: هل رأيتم أحسن من هذا؟ فكل قال أشياء ذهب فيها إلى مدحه ووصف محاسنه، وأنها لا يفي بها شيء من زهرات الدنيا، فقال: لعبُ الصولي الشطرنج واللّه أحسن من هذا الزهر ومن كل ما تصفون.
وذكر أن الصولي في بَدْء دخوله إلى المكتفي، وقد كان ذكر له بجودة لعبه الشطرنج، وكان الماوردي اللاعب مقدماً عنده، متمكناً من قلبه معجباً بلعبه، فلعبا جميعاً بحضرة المكتفي، فحمل المكتفي حسن رأيه في الماوردي وتقم الحرمة والألفة على نصْرَته وتشجيعه حتى أدهش ذلك الصولي في أول وَهْلَة، فلما اتصل اللعب بينهما وجمعِ له الصولي غايته وقصد قصده، غلبه غلباً لا يكاد يرد عليه شيئاً، وتبين حسن لعبه للمكتفي، فعدل عن هواه ونصره للماوردي، وقال له: صار ماء وردك بَوْلاً.
قال المسعودي: وقد تناهى بنا الكلام وتغلغل بنا التصنيف إلى جمل من أخبار الشطرنج، وما قيل فيها، مع ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا لأخبار الهند ومبادئ اللعب بالشطرنجِ والنرد، واتصال ذلك بالأجسام العُلوية والأجرام السماوية، فلنذكر جملاً مما ذكر في ذلك، مما لم يتقدم له ذكر فيما سلف من هذا الكتاب.
الخليل بن أحمد
(2/176)

وذكر عمرو بن بحر الجاحظ في كتابه في تفضيل صنعة الكلام، وهي الرسالة المعروفة بالهاشمية، أن الخليل بن أحمد من أجْل إحسانه في النحو والعروض وضع كتاباً في الإيقاع وتراكيب الأصوات، وهو لم يعالج وتَراً قط، ولامَسَّ بيده قضيباً قط، ولا كثرت مشاهدته للمغنين، وكتب كتاب في الكلام، ولو جهد كلِ بليغ في الأرض أن يتعمد ذلك الخطأ والتعقيد لما وقع له، ولو أن ممرواً استغرق قوَى مرته في الهذيان لَمَا تهيأ له مثل ذلك منه، ولا يتأتى مثل ذلك لأحد إلا بخذلان الذي لا يقي منه شيء، قال الجاحظ: ولولا أن أسخف الكتاب وأهجر الرسالة وأخرجها من حد الجد إلى الهزل حكيت صدر كتابه في التوحيد وبعض ما وصفه في العدل، قال: ولم يرضَ بذلك حتى عمد إلى الشطرنج فزاده في الدولاب حملاً، فلعبت به أُناسٌ من حاشية الشطرنجيين، ثم رموا به.
أنواع آلات الشطرنج
وقد ذكر الناس ممن سلف وخلف أن جميع آلات الشطرنج على اختلاف هيآتها ستُّ صُوَرٍ لم يظهر في اللعب غيرها، فأولها الآلة المربعة المشهورة، وهي ثمانية أبيات في مثلها، ونسبت إلى قدماء الهند، ثم الآلة المستطيلة، وأبياتها أربعة في ستة عشر، والأمثلة تنصب فيها في أول وهلة في أربعة صفوف من كلا الوجهين، حتى تكون الدوابُّ منها في صفين، والبيادق أيضاً أمامها صفين، ومسيرها كمسير أمثلة الصورة الأولى، والآلة المربعة - وهي عشرة في مثلها - والزيادة في أمثلتها قطعتاذ تسميان الدبابتين، ومسيرهما كمسير الشاه إلا أنهما يأخذان وُيؤْخَذَانِ، ثم الآلة المدورة المنسوبة إلى الروم، ثم الآلة المدورة النجومية التي تسمى الفلكية، وأبياتها اثنا عشر على عدد بروج الفلك، مقسومة نصفين، وينقل فيها سبعة أمثلة مختلفة الألوان على عدد الخمسة الأنجم والنيرين وعلى ألوانهما.
وقد بينا فيما سلف من أخبار الهند كيفية اتصالها بالأجسام السماوية، وما قيل في عشقها للأشخاص العُلْوية، وأن تحرك الفلك لعشقه لما فوقه، وقولهم في النفس ونزولها عن عالم العقل إلى عالم الحس حتى نسيت بعد الذكر وجهلت بعد العلم، وغير ذلك من تخاليطهم مما يتصل علمه عندهم بمنصوبات الشطرنج.
ثم آلة أخرى تسمى الجوارحية، استحدثت في زماننا هذا، وهي سبعة أبيات في ثمانية، وأمثلتها اثنا عشر في كل جهة منها ستة، كل واحد من الستة يسمى باسم جارحة من جوارح الإِنسان التي بها يميز وينطق ويسمع ويبصر ويبطش ويَسْعَى، وهي سائر الحواس، والحاسُّ المشترك، وهو الذي من القلب.
وقد ذكرت الهند وغيرها من اليونانيين والفرس والروم وغيرهم ممن لعب بها كيفية صورها ونَصبها ومباديها ووجوه عللها والغرائب فيها وتصنيف القوائم والمفردات وأنواع ظرائف المنصوبات.
وقد استعمل لُعَّاب الشطرنج عليها فنون الهزل والنوادر المدهشة فزعم كثير منهم أن ذلك مما يبعث على لعبها وانصباب المواد وصحيح الأفكار إليها، وأن ذلك بمنزلة الِإرتجاز الذي يستعمله أهلُ القتال عند اللقاء والحادي عند الِإعياء والمائح للغَرْب عند الاستقاء، وأن ذلك عُدَة للاعب كما أن الشعر والارتجاز من عدة المحَارب.
وقد قيل فيما وصفنا أشعار كثيرة مما قاله بعض اللُّعَّاب؛ فمن ذلك:
نوادر الشطرنج في وقتها ... أحَرُّ من ملتهب الجمر
كم من ضعيف اللعب كانت له ... عوناً على مستحسن القَمْرِ
ومما قيل فيها فأحسن قائلها وبالغ في وصف اللعب بها:
أرض مربعة حمراء من أدمٍ ... ما بين إلْفَيْنِ موصوفين بالكرم
تذاكرا الحرب فاحتالا لها شَبَها ... من غير أن يَسْعَيَا فيها بسَفْك دم
هذا يُغِيرُ على هذا، وذاك على ... هذا يغير وعين الحرب لم تنم
فانظر إلى الخيل قد جاشت بمعرفة ... في عسكرين بلا طَبْل ولاَ علم
ومما قيل فيها فبولغ في وصفها، واستوعب النظر لأكثر معانيها، قاله أبو الحسن بن أبي البغل الكاتب، وكان من جِلّة الكتاب وكبار العمال وممن اشتهر بمعرفتها واللعب بها، وهو:
فتى نَصَبَ الشطرنج كيما يرى ... بها عواقب لا تَسْمُو لها عينُ جاهل
وأبصر أعْقَابَ الأحاديث في غد ... بعيني مُجِدّ في مَخِيلَة هازل
(2/177)

فأجدىَ على السلطان في ذاك أنه ... أراه بها كيف اتقاء الغوائل
وتصريف ما فيها إذا ما اعتبرته ... شبيه بتصريف القنا والقنابل
كلمات في النرد
قال المسعودي: فأما ما قيل في النرد وأوصافها فقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب كيفية نصبها والمحدِثَ للعبها، على ما حكي من التنازع في ذلك عند ذكرنا أخبار الهند، وفيها عند ذوي المعرفة بها ضروب اللعب وفنون من الترتيب، ووجوه من النصب، إلا أن عدد البيوت واحد زيادة فيها ولا نقصان، على ما تقدم في ذلك من علمها والمعهود في أصولها، وأن الفصين فيها مُحَكمان، واللاعب بهما وإن لم يكن مختاراً ولا خارجاً عن حكم الفصين فيها وقضائهما محتاج إلى أن يكون صحب النقل وسابقه صحيح الحساب حسن الترتيب جيده.
وقد قيل في لعبها ووصفها وإحكام الفصين فيها وقضائهما على لُعابها أشعار كثيرة بالغوا بالقول فيها، وأغرقوا في استيعاب معانيها، من ذلك قول بعضهم:
لا خير في النَّرْدِ لا يغني ممارسَهَا ... حُسْنً الذكاء إذا ما كان محروما
تريك أفعال فَصَيْهَا بحكمهما ... ضدين في الحال ميموناً ومشؤوماً
فما تكاد ترى فيها أخا أدب ... يفوته القَمْرُ إلا كان مظلوما
وأخبرني أبو الفتح محمود بن الحسين السندي بن شاهك الكاتب المعروف بكشاجم، وكان من أهل العلم والرواية والمعرفة والأدب، أنه كتب إلى صديق له يذم النرد، وكان بها مشتهراً، أبياتاً، وهي:
أيها المعجب المفاخر بالنَّرْ ... د ليُزْهى بها على الِإخوان
قد لعمري حرصت جهداً على قَمْرك لو لم تواتك الفصان
غير أن الأريب يكذبه الظن ويَبْكِي لشدة الحرمان
وإذا ما القضاء جاءت بحكم ... لم يجدْعن قضائها الخصمان
ولعمري ما كنت أول إنسا ... نٍ تمنى فأخلفته الأماني
وأنشدني أبو الفتح أيضاً لأبي نُوَاس:
ومأمورة بالأمر تأتي بغيره ... ولم تتبع في ذاك غَيّاً ولا رشدا
إذا قلت لم تفعل وليست مطيعة ... وأفعل ما قالت فَصِرْتُ لها عبدا
وقد قدمنا في باب أخبار ملوك الهند فيما سلف من هذا الكتاب قول من قال في النرد والفصين: إنها جعلت مثلاً للمكاسب، وإنها لا تنال بالكَيْس ولا بالحيل، وما ذكر عن أردشير بن بابك في ذلك أنه أول من لعب بها، وأرى تقلب الدنيا بأهلها، وجعل بيوتها اثني عشر على ترتيب عدد الشهور، وإن كلابها ثلاثون كلباً بعدد أيام الشهور، وإن الفصين مثال للقدر وَتَلَعُّبِهِ بأهل هذا العالم، وغير ذلك مما وصفنا من أحوالها، وما قدمنا من ذكرها في هذا الكتاب وغيره مما سلف من كتبنا.
وذكر بعض أهل النظر من الإِسلاميين أن واضع الشطرنج كان عَدْلياً مستطيعاً فيما يفعل، وأن واضع النرد كان مجبراً، فتبين باللعب بها أنه لا صُنْعَ له فيها، بل تصرفه فيها على ما يوجبه القَدَرُعليه بها.
العروضي يحكي عن الراضي وسعة إطلاعه
(2/178)

وذكر العروضي - وهو ممن كان أدَّبَ الراضي وغيره من الخلفاء وأبنائهم - قال: حدثت الراضي ذات يوم خبراً لقتيبة بن مسلم الباهلي في الكبر وغيره من الخصال التي توجد في أهل الرياسات مما يحمد فيهم وما يكره منهم من الأخلاق، فكتب ذلك في حال صباه وعنفوان حداثته ولقد رأيته مواظباً على درسه إلى أن استكمل إتقانه في مجلسه، فداخل عند ذلك طرب وفرح وأريحية لم أعهدها منه، ثم قال لي وقد أقبل عليَّ: لعل الزمان أن يبلغ بي أن أتأدب بهذه الخصال، وأكون في مرتبة من يرتاض بهذه الآداب، وهو أنه قيل لقتيبة بن مسلم وهو وَالٍ على خراسان للحجاج ومحاربٌ للترك: لو وجهت فلاناً - لرجل من أصحابه - إلى حرب بعض الملوك على الجيش، فقال قتيبة: إنه رجل عظيم الكبر، ومَنْ عظم كبره اشتد عجبه، ومن أعجب برأيه لم يشاور كفياً، ولم يؤامر نصيحاً ومَنْ تَبَجّحَ بالإِعجاب وفخر بالاستبداد، كان من الصنع بعيداً، ومن الخذلان قريباً، والخطأ مع الجماعة خير من الصواب مع الفرقة، ومن تكبر على عدوه حَقَره، وإذا حَقَره تهاون بأمره، ومن تهاون بأمر عدوه ووثق بأمر قوته وسكن إلى جميعِ عُدّته قَل احتراسه، ومن قل احتراسه كثر عِثَاره؛ وما رأيت عظيماً تكبر على صاحب حرب قَطُّ إلا كان منكوب ومهزوماً من قَطَاةٍ، وأحذر من عَقْعَق، وأشد إقداماً من أسد، وأوثب من فهد، وأحقد من جمل، وأروغ من ثعلب، وأسخى من ديك، وأشح من ظبي، وأحرس من كركي ، وأحفظ من كلب، وأصبر من ضب، وأجمع من النمل، وإن النفس إنما تسمح بالعناية على قدْر الحاجة، وتتحفظ على قدر الخوف، وتطمع على قدر السبب، وقد قيل على وجه الدهر: ليس لمعجَبٍ رأيٌ، ولا لمتكبر صديق، ومن أحب أن يُحَبَ تحبب
بين معاوية وقيس بن سعد
قال العروضي: وتذاكرنا يوماً بحضرة الراضي باللّه في حال صباه - وقد حضر جماعة من ذوي العلم والمعرفة بأخبار الناس ممن غَبَرَ - فانتهى الأمر إلى خبر معاوية بن أبي سفيان حين ورد عليه كتاب من ملك الروم يرسل إليه سراويل أجْسَم رجل عنده، فقال معاوية: لا أعلمه إلا قيس بن سعد، فقال لقيس: إذا انصرفت فابعث إلي بسراويلك، فخَلَعَهَا ورمى بها، فقال معاوية: هلا بعثت بها من منزلك، فقال قيس:
أردت لكيما يعلم الناسُ أنها ... سراويلً قيسٍ والوفود شهود
وأن لا يقولوا: غاب قيس وهذه ... سراويل عَادٍ قد نمته ثمود
فقال قائل ممن حضر: قد كان جَبَلَةُ بن الأيهم أحد ملوك بني غَسَّان طوله اثنا عشر شبراً، فإذا ركب مسحت قدماه الأرض، فقال له الراضي للّه: قد كان قيس بن سعد هذا المذكور إذا ركب تخط قدماه الأرض، وإذا مشى بين الناس يتوهمون أنه راكب، وقد كان جَدِّي عليُّ بن عبد اللّه بن العباس طويلاً جميلاً يتعجب الناس من طوله، وكان يقول: كنت إلى منكب عبد اللّه بن عباس، وكان عبد اللّه إلى منكب جَدِّي العباس، وكان العباس بن عبد المطلب إذا طاف بالبيت يرى كأنه فُسْطَاط أبيض، قال: فتعجب واللّه مَنْ حضر من إيراده هذا الخبر ومن كلامه مع صغر سنه.
طير الكيكم
ثم تذاكرنا عجائب البلدان، وما خصَّ به كل صقع من الأرض من أنواع النبات والحيوان والجماد من أنواع الجواهر وغيرها، فقال لي قائل ممن حضر: إن أعجب ما في الدنيا طير يكون بأرض طبرستان على شاطئ الأنهار شبيه بالبَاشِقِ، وأهل طبرستان يسمونه بالكيكم، وهو صياحه الذي يصيح به، ولا يصيح في السنة إلا في هذا الفصل يعني الربيع فإذا صاح اجتمعت عليه العصافير وصغار الطيور مما يكون في المياه وغيرها؛ فتزقُه من أول النهار، حتى إذا كان في آخره أخذ واحداً مما قرب من الطير فأكله، وكذلك يفعل في كل يوم إلى أن ينقضي هذا الفصل الربيعي فإذا انقضى ذلك انعكست عليه الطيور فلا تزال تجتمع عليه وتضربه وتطرده، وهو يَهْرُبُ منها ولا يسمع له صوت إلى الفصل الربيعي، وهو طير حسن موشى حسن العينين، قال: وذكر علي بن زيد الطبيب الطبري صاحب كتاب فردوس الحكمة أن هذا الطائر ليس يكاد يُرَى، ولم ترَ قط قدماه على الأرض معاً، بل يطأ على الأرض بإحدى قدميه على البدل لا يطأ الأرض بهما معاً في حالة واحدة، قال: وقد ذكر الجاحظ أن هذا الطير من إحدى عجائب الدنيا، وذلك أنه لا يطأ الأرض بقدميه، بل بأحداهما، خوفاً على الأرض أن تنخسف به من تحته.
(2/179)

قال: والعجب الثاني دودة تكون من المثقال إلى الثلاثة تضيء بالليل كضوء الشمع، وتطير بالنهار، ويرى لها أجنحة خضراء مَلْساء، ولا جناحين لها، غذاؤها التراب لا تشبع منه قط، خوفاً أن يَفْنَى تراب الأرض فتهلك جوعاً، وفيها خواص كثيرة ومنافع واسعة.
قال: والعجب الثالث أعجب من الطير والدودة، من يكري نفسه للقتل، يعني المرتزقة من الجند.
فاستحسن هذا الخبر مَنْ حضر، فقال أبو العباس الراضي معارضاً لهذا المخبر الذي أخبر بالخبر الأول: قد ذكر عمرو بنِ بحر الجاحظ أن أعجب ما في الدنيا ثلاث؛ البوم لا يظهر بالنهار خوفاً أن تصيبها العين لحسنها وجمالها، ولما قد تصور في نفسها أنها أحسن الحيوان؛ فتظهر بالليل، والعجب الثاني الكركي، لا يطأ بقدميه الأرض، بل بإحداهما، فإذا وطىء بإحداهما لا يعتمد عليها اعتماداً قوياً، ومشى بالتأني، خوفاً من أن تنخسف الأرض من تحته، لثقله، والعجب الثالث الطائر الذي يقعد على بُثُوقِ الماء من الأنهار إذا انخرقت، الذي يعرف بمالك الحزين على شبه الكركي خوفاً من الماء أن يفنى من الأرض فيموت عطشاً.
قال العروضي: فافترق مَنْ حضره وكلُّ متعجب من الراضي مع صباه وصغر سنه كيف تتأتى منه هذه المذاكرات، مع أن من حضره من أهل الرأي والسن والمعرفة.
قال المسعودي: وقد أتينا فيما سلف من كتبنا على عجائب الأرض والبحار وما فيها من عجائب البنيان والحيوان والجماد والمائع والرجراج؛ فأغنى ذلك عن إيرادها في هذا الموضع.
وإنما نذكر أخبار الراضي وما كان من أمر في صباه وما أخبر عنه مؤدبه به، ونظمنا من أخباره ما تأتى لنا ذكره في هذا الكتاب.
الراضي يعد العروضي بمنحة إذا أضحكه
وأخبرنا العروضي قال: سمرت عند الراضي في ليلة شاتية صهَابية؛ فرأيته قلقاً متململاً؛ فقلت له: يا أمير المؤمنين، أرى منك خصالاً لم أعهدها، وضيق صدر لم أعرفه؛ فقال له: دع عنك هذا، وحدثني بحديث فإن أنت أزلت بحديثك ما أجده من الهم فلك ما عليَّ وما تحتي، على أن أشترط عليك إزالة بالضحك، قلت: يا أمير المؤمنين، رَحَلَ رجل من بني هاشم إلى ابن عمه بالمدينة؛ فأقام عنده حولاً لم يدخل مُسْتَرَاحاً؛ فلما كان بعد الحول أراد الرجوع إلى الكوفة، فحلف عليه ابن عمه أن يقيم عنده أياماً أخر، فأقام، وكان للرجل قَيْنَتَانِ، فقال لهما: أما رأيتما ابن عمي وظَرْفَه؟ أقام عندنا حولاً لم يدخل الخلاء، فقالَتَا له: فعلينا أن نصنع له شيئاً لا يجد معه بداً من الخلاء، قال: شأنكما وذلك، فعمدَتَا إلى خشب العُشَر، فدقتاه، وهو مسهل، وطرحتاه في شرابه، فلما حضر وَقت شرابهما قَدَّمتاه إليه، وَسَقَتَا مولاهما من غيره، فلما أخذ الشراب مأخذه منه تناوم المولى، وتمغص الفتى من جوفه فقال للتي تليه: يا سيدتي، أين الخلاء؟ فقالت لها صاحبتها: ما يقول لك؟ قالت: يسألك أن تغنيه:
خَلَا من آل فاطمَةَ الديار ... فمنزلُ أهلها منها قِفَارُ
فغنته، فقال الفتى: أطنهما كوفيتين وما فهمتا عني، ثم التفت إلى الأخرى، فقال لها: يا سيدتي، أين الحُشُّ؟ فقالت لها صاحبتها: ما يقول لك. قالت: يسألك أن تغنيه:
أوْحَشَ الدقرات فالدير منها ... فعناها بالمنزل المعمور
فغنته، فقال الفتى: أظنهما عراقيتين وما فهمتا عني، ثم التفت إلى الأخرى فقال لها: أعزك اللّه أين المتوضأ؟ فقالت لها صاحبتها: ما يقول لك؟ قالت: يسألك أن تغنيه:
تَوَضأ للصلاة وصَلِّ خمساً ... وآذن بالصلاة على النبي
فغنته، فقال: أظنهما حجازيتين وما فهمتا عني، ثم التفت إلى الأخرى فقال لها: يا سيدتي أين الكنيف؟ قالت لها صاحبتها: ما يقول لك. قالت: يسألك أن تغنيه:
تكنَّفَنِي الواشون من كل جانب ... ولو كان واش واحد لكفانيا
فغنته، فقال: أظنهما يمانيتين وما فهمتا عني، ثم التفت إلى الأخرى، فقال لها: يا هذه أين المستراح؟ فقالت لها صاحبتها: ما قال لك. قالت: يسألك أن تغنيه:
ترك الفكاهة والمزاحا ... وقَلَا الصبابة واستراحا
فغنته، والمولى يسمع ذلك وهو متناوم، فلما اشتد به الأمر أنشأ يقول:
تكنفني السُّلَاحُ وأضجروني ... على ما بي بتكرير الأغاني
(2/180)

فلما ضاق عن ذاك اصطباري ... ذَرَقْت به على وجه الزواني
ثم إنه حَل سراويله وسَلَحَ عليهما، فتركهما آية للناظرين، وانتبه المولى في أثر ذلك، فلما رأى ما نزل بجواريه قال: يا أخي، ما حملك على هذا الفعل. قال: يا ابن الفاعلة لك جَوَارٍ يَرَيْنَ المخرج صراطاً مستقيماً لا يدللنني عليه، فلم أجد جزاء غير هذا؟ ثم رحل عنه، قال: فذهب بالراضي الضحك كلَّ مذهبِ، وسَلّم إليَّ كل ما كان عليه وتحته من لباس وفرش، فكان مبلغ ثمن ذلك نَحواً من ألف دينار.
لبس المأمون الخضرة ثم السواد
وذكر الصولي قال: قال لي الراضي: ما كان السبب في لبس المأمون الخضرة ورفعه السواد ثم لبسه السواد بعد ذلك؟ قلت: هو ما أخبرنا به محمد بن زكريا الغلابي قال: حدثنا يعقوب بن جعفر بن سليمان قال: لما قدم المأمون بغداد اجتمع الهاشميون إلى زينب بنت سليمان بن علي، وكانت أقْعَدَ ولد العباس نسباً، وأكبرهم سناً، فسألوها أن تكلم أمير المؤمنين المأمون، في تغييره الخضرة، فضمنت لهم ذلك، وجاءت إلى المأمون فقالت: يا أمير المؤمنين، إنك على بِرِّ أهلك من ولد علي بن أبي طالب أقْدَرُ منك على برهم لنا من غيرِ أن تزيل سنة من مضى من آبائك، فدع لباسك الخضرة، ولا تُطْمعن أحداً فيما كان منك، قال لها: يا عمة ما كلمني أحد في هذا المعنى بكلام أوقع من كلامك، ولا أقصد منه لما أردت، لكن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم توفي فولى الإمرة أبو بكر، فقد عرفت ما كان من أمره فينا أهل البيت، ثم وليها عمر فلم يتعدَّ فيها فعل من تقدمه، ثم وليها عثمان فأقبل على بني أُمية وأعرض عن غيرهم، ثم آل الأمر إلى علي بن أبي طالب من غير صفو كصفوها لغيره بل مَشُوبة بالأكدار، فولي مع ذلك عبد اللّه بن العباس البصرة، وولي عبيد اللّه بن العباس اليمن، وولي قُثَمَ البحرين، وما ترك منهم أحداً إلا ولاهُ، فكانت هذه في أعناقنا حتى كافأته في ولده بما فعلت، ولا يكون بعد هذا إلا ما تحبون، ثم رجع إلى لُبْس السواد، وللمأمون يا أمير المؤمنين شعر يشاكل معنى ما ذكرت من هذا الخبر وهو قوله:
ألامُ على شكر الوَصِيِّ أبي الحسن ... وذلك عندي من عجائب ذا الزمن
خليفة خير الناس، والأوَّلُ الذي ... أعان رسول اللّه في السر والعلن
ولولاه ما عُدَّتْ لهاشِمٍ إمرة ... وكانت على الأيام تقضى وتمْتهنْ
فولى بني العباس ما اختص غيرهم ... ومن مسه أولى بالتكرم والمنن
فأوضح عبد اللّه بالبصرة الهدى ... وفاض عبيد اللّه جوداً على اليمن
وقَسمَ أعمال الخلافة بينهم ... فلا زلت مربوطاً بذا الشكر
بين القاهر والراضي
(2/181)

وكان القاهر قد عمد إلى كثير من الأموال عند قتله لمؤنس وبليق وابنه علي وغيرهم فغيَّبَهَا، فلما قبض عليه وسُمِلت عيناه وأفضت الخلافة إلى الراضي طولب القاهر بالأموال، فأنكر أن يكون عنده شيء من ذلك، فأوذي وعُذِّب بأنواع من العذاب، وكل ذلك لا يزيده إلا إنكاراً، فأخذه الراضي وقربه وأدناه، وطالت مجالسته وإياه، وإكرامه له، وأعطاه حق العمومية والسن والتقدم في الخلافة، ولاطفه وأحسن إليه غاية الإِحسان، وكان للقاهر في بعض الحصون بستان نحو من جريب قد غرس فيه النارنج وقد حمل إليه من البصرة وعمان مما حمل من أرض الهند، قد اشتبكت أشجاره، ولاحت ثماره كالنجوم من أحمر وأصفر، وبين ذلك أنواع الغروس والرياحين والزمر، وقد جعل مع ذلك في الصحن أنواع الأطيار من القَمَاري والدباسي والشحارير والببغاء، مما قد جلب إليه من الممالك والأمصار، وكان ذلك في غاية الحسن، وكان القاهر كثير الشرب عليه، والجلوس في تلك المجالس، فلما أفْضَتِ الخلافة إلى الراضي اشتد شغفه بذلك الموضع، فكان يداوم الجلوس والشرب فيه، ثم إن الراضي رَفَقَ بالقاهر، وأعلمه بما هو فيه من مطالبة الرجال بالأموال والحاجة إليها، ولا شيء قِبَلَه منها، وسأله أن يُسْعفه بما عنده منها إذ كانت الدولة له، وأن يدبر تدبيره، ويرجع في كل الأمور إلى قوله، وحلف له بالأيمان الوكيدة أن لا يسعى في قتله ولا الإضرار به ولا بأحد من ولده، فأنعم له القاهر بذلك، وقال: ليس لي مال إلا في بستان النارنج؛ فصار الراضي إلى البستان وسأله عن الموضع، فقال له القاهر: قد حجب بصري فلست أعرف موضعه، ولكن مر بحفرة فإنك تظهر على الموضع ولا يخفى عليك مكان ذلك، فحفر البستان، وقلع تلك الأشجار والغروس والأزهار حتى لم يبق منه موضع إلا حفره، وبولغ في حفره فلم يجد شيئاً، فقال له الراضي: فما هاهنا شيء مما ذكرت، فما الذي حملك على ما صنعت؟ فقال له القاهر: وهل عندي من المال شيء؟ إنما كانت حَسْرَتِي على جلوسك في هذا الموضع وتمتعك به، وكان لذتي من الدنيا، فتأسفت على أن يمتع به بعدي غيري، فتأسف الراضي على ما توجَّهَ عليه من الحيلة في أمر ذلك البستان، وندم على قبوله منه، وأبعد القاهر، فلم يكن يدنو منه خوفاً على نفسه أن يتناول بعض أطرافه.
خلق الراضي وعاداته
وكان الراضي كثير الاستعمال للطيب، حسن الهيئة، سخياً، جواداً، حسن المذاكرة بأخبار الناس وأيامهم، مقرباً لأهل العلم والأدب والمعرفة، كثير الدنو منهم، فائضاً بجوده عليهم، ولم يكن ينصرف عنه أحد من ندمائه في كل يوم إلا بصلة أو خلعة أو طيب، وكانوا عدة ندماء: منهم محمد بن يحيى الصولي، وابن حمدون النديم، وغيرهما، فعوتب على كثرة إفضاله على مَنْ يحضره من الجلساء، فقال: أنا أستحسن فعل أمير المؤمنين أبي العباس السفاح؛ لأنه كانت فيه فضائل لا تكاد تجتمع في أحد، لا يحضره نديم ولا مغن مُلْهٍ ولا قَيْنَة فينصرف إلا بصلة أو كسوة قَلّتْ أو كثرت، وكان لا يؤخر إحسان محسن لغد، ويقول العجب من إنسان يفرح إنساناً فيتعجل السرور ويؤخر ثواب مَنْ سره تسويفاً وعِدَةً، فكان أبو العباس في كل ليلة أو يوم يقعد لشغله لا ينصرف أحد ممن حضره إلا مسروراً، ونحن إن لم تتأت لنا الأُمور كتأتيها لمن سلف فإنا نواسي جلساءنا، بل إخواننا، ببعض ما حضرنا، وكان سخياً على سائر الأشياء لا يستكثر لأحد من ندمائه كثرة ما يصل إليه على طول الأيام، حتى كان بعضهم ربما يتأخر عن الحضور لما يترادف عليه من فضله، وكان الغالب عليه من الخدم وزيرك، ومن الغلمان ذكي وغيره.
الراضي باللّه وبجكم التركي
وحدث أبو الحسن العروضي مؤدب الراضي قال: اجتزت في يوم مهرجان بدجلة بدار بَجْكم التركي؛ فرأيت من الهرج والملاهي واللعب والفرح والسرور ما لم أر مثله، ثم دخلت إلى الراضي بالله فوجدته خالياً بنفسه قد اعتراه هَمّ؛ فوقفت بين يديه، فقال لي: ادن، فدنوت؛ فإذا بيده دينار ودرهم، في الدينار نحو من مثاقيل ، وفي الدرهم كذلك، عليهما صورة بَجْكم شاك في سلاحه وحوله مكتوب:
إنما العز فأعْلَم ... للأمِير المُعَظَّم
لسيد الناس بَجْكم
(2/182)

ومن الجانب الآخر الصورة بعينها، وهو جالس في مجلسه كالمفكر المطرق فقال الراضي: أما ترى صنع هذا الإِنسان، وما تسمو إليه همته، وما تحدثه به نفسه؟ فلم أجبه بشيء، وأخذت به في أخبار من مضى من الخلفاء وسيرهم في أتباعهم، ثم نقلته إلى أخبار ملوك الفرس وغيرها، وما كانت تَلْقَاه من أتباعها، وصبرهم عليهم، وحسن سياستهم لذلك، حتى تصلح أمورهم، وتستقيم أحوالهم؛ فسلا عما عرض لنفسه، ثم قلت: ما يمنع أمير المؤمنين أن يكون كالمأمون في هذا الوقت حيث يقول:
صِل الندمان يوم المهرجان ... بصافٍ من مُعَتَّقَة الدِّنَان
بكأس خُسْرُوَانى عتيق ... فإن العيد عيد خسروانى
وَجَنِّبْنِي الزبيبين طُرّاً ... فشأن ذوي الزبيب خلاف شاني
فأشربها وأزعمها حراماً ... وأرجو عفو رب ذي امتنان
ويشربها ويزعمها حلالاً ... وتلك على الشَقِيِّ خطيئتان
قال: فطرب وأخذته أريَحِيَّته، فقال لي: صدقت، تَرْكُ الفرح في مثل هذا اليوم عجز، وأمر بإحضار الجلساء، وقعد في مجلس التاج على دجلة، فلم أر يوماً كان أحسن منه في الفرح والسرور، وأجاز في ذلك اليوم من حَضَرَه من الندماء والمغنين والملهين بالدنانير والدراهم والخلع وأنواع الطيب، وأتته هدايا بَجْكم وألطَافه من أرض العجم، فسُرَّ في ذلك اليوم وجميع من حضره.
قال المسعودي: وقد أتينا على ما كان في أيام الراضي من الكوائن والحوادث مجملاً ومفصلاً في كتابنا أخبار الزمان، ومن أباده الحدثان، من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدائرة وما كان من أمره في حال خروجه مع بَجْكم إلى بلاد الموصل وديار ربيعة، وما كان بين بَخكم وأبى محمد الحسن بن عبد اللّه بن حَمدَان المسمى بعد ذلك بناصر الدولة، وَقَصْدُنَا فيما ذكرنا في هذا الكتاب إلى الاختصار، دون الشرح والإكثار، إذ كان في الإكثار من الأخبار ثقل على القلوب، ومَلَل للسامع، وقليل الأخبار، يغني عن كثير الإقتدار.
ذكر خلافة المتقي للّه
وبويع المتقي للّه، وهو أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ المقتدر، لعشر خَلَوْنَ من ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وخلع وَسُمِلَتْ عيناه يوم السبت لثلاث خَلَوْنَ من صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وكانت خلافته ثلاث سنين وَأحَدَ عَشَرَ شهراً وثلاثة وعشرين يوماً، وأمه أًم ولد.
ذكر جمل من أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
وزراؤه
ولما أفْضَتِ الخلافة إلى المتقي للّه أقَرَّ على الوزارة سليمان بن أحسن بن مَخْلَد، ثم استوزر أبا الحسن أحمد بن محمد بن ميمون، وكان كاتبه قبل الخلافة، ثم استوزر أبا إسحاق محمد بن أحمد القَرَارِيطِي، ثم استوزر أبا العباس أحمد بن عبد اللّه الأصبهاني، ثم استوزر أبا الحسن علي بن محمد بن مُقْلَة، وَغَلَبَ على الأمر أبو الوفاء توزون التركي.
انتقاض الأمر عليه
(2/183)

واشتد أمر البريديين بالبصرة، ومنعوا السفن أن تصعد، وعظم جيشهم، وكثرت رجالهم، وصار لهم جيشان: جيش في الماء في الشذوات والطيارات والسميريات والزبازبِ، وهذه أنواع من المراكب يُقَاتَلُ فيها صغار وكبار، وجيش في البر عظيم، واصطنعوا الرجل، وبذلوا الرغائب، فانضاف إليهم حجرية السلطان وغلمانه، وصار جيش السلطان الأتراك والديلم والجبل ونفراً من القرامطة، وكلُّ ذلك مع توزون، وكان توزون من رفقاء بَجْكم والخواص من أصحابه، فانحدر توزون إلى واسط لحرب البريديين، وكانوا ملكوا واسط وتغلبوا عليها، فكانت بينهم سِجَالاً، والمتقي للّه لا أمر له، ولا نَهْي، فكاتب المتقي أبا محمد الحسن بن عبد اللّه بن حمدان ناصر الدولة، وأخاه أبا الحسن على بن عبد اللّه سيف الدولة أن يُنْجِدوه ويستنقذوه مما هو فيه، ويفوض إليهما الملك والتدبير، وقد كان قبل ذلك خرج إليهم وتوزون في جمليهم منضاف وغيره من الأتراك والدَيْلم، وذلك عند قتلهم محمد بن رائق في سنة ثلاثين وثلاثمائة، وانحدارهم إلى مدينة السلام، واستيلائهم على الملك والقيام به وحربهم البريديين، وما كان بينهم من الوقائع إلى أن توجهَ عليهم ما ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان من خروج أبي محمد الحسن بن عبد اللّه من الحضرة إلى الموصل، ولوحق أخيه أبي الحسن علي بن عبد اللّه، وخَلاَصه مما دَبَّرَه عليه توزون وجعجع التركي، وخرج المتقي إلى الموصل، فلما بلغ توزونَ ذلك رجع إلى بغداد وقصد بني حَمْدَان، فكان التقاؤهم بعكبرا، فكانت بينهم سِجَالاً، ثم كانت لتوزون عليهم، فرجع إلى بغداد، ثم أجمعوا له أيضاً، ورجعوا إليه، فتركهم حتى قربوا إلى بغداد، فخرج عليهم فلقيهم فهزمهم بعد مواقعات كانت بينهم، وسار وراءهم حتى دخل الموصل، وخرج عنها إلى مدينة بلد، فصالحوه على مالٍ حملوه إليه، فرجع إلى بغداد وهو مُسْتَظْهر بمن معه من الأتراك والجبل والديلم وكمال العدة والكراع، وسار المتقي إلى نصيبين، ورجع عنها إلى الرقة فنزلها، وذلك لأيام بقين من شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وكاتب الإِخشيد محمد بن طغجِ صاحب مصر فسار إلى الرقة وحمل إليه مالاً كثيراً، وأهدى إليه غلماناً وأثاثاً، وضم إليه قائداً من قواده، وجَفَل أمره، وزاد في حاله، وبَرَّ جميع من معه من وزيره أبي الحسن علي بن محمد بن مقلة، وقاضي القضاة أحمد بن عبد اللّه بن إسحاق الخرقي، وسلام الحاجب المعروف بأخي نجح الطولوني، وجماعة الوجوه والغلمان، ثم لم يعبر الإِخشيد محمد بن طغج إلى الرقة ولا إلى شيء من جانب الجزيرة وديار مُضَرَ، وعبر المتقي، وسار إلى معسكره من الجانب الشامي؛ فكانت بينهم خطوب وأيمان وعهود، وأبو الحسن علي بن عبد اللّه بن حَمْدَان مقيم بحران على طول مُقَام المتقي بالرقة، وقد كان أبو عبد اللّه الحسين بن سعيد بن حَمْدَان سار عن حلب وبلاد حمص عند مسير الإخشيد إلى بلاد قنسرين والعواصم، فانفَضَّ جمعه، وتفرق جنده عنه، وانضافوا إلى أبي الحسن علي بن عبد اللّه، واتصلت كُتُبُ توزون بالمتقي، وتواترت رسله يسأله الرجوع إلى الحضرة، وأشهد توزون مَنْ حضره من القضاة والفقهاء والشهود، وأعطى العهود والمواثيق بالسمع والطاعة للمتقي، والتصرف به بين أمره ونهيه، وترك الخلاف عليه، وأنفذ إليه كتب القضاة والشهود بما بذل من الأيمان وأعطى من العهود، وأشار بنو حمدان على المتقي أن لا ينحدر، وخَوَّفوه من توزون، وحَذَّروه أمره، فإنه لا يأمنه على نفسه؛ فأبى إلا مخالفتهم والثقة بما ورد عليه من توزون، وقد كان بنو حمدان أنققوا على المتقي نفقةً واسعة عظيمة طول مقامه عندهم واجتيازه بهم؛ يكثر وصفها ويعسر علينا في التحصيل إيرادها بإكثار المخبرين لنا بتحديدها، وانصرف الإخشيد عن الفُرَات متوجهاً نحو مصر، وانحدر المتقي في الفرات، فتلقاه أبو جعفر بن شيرزاد كاتب توزون بأحسن لقاء، وأقام له الأتراك، ومضى في إنحداره حتى دخل النهر المعروف بنهر عيسى، وسار إلى الضيعة المعروفة بالسندية على شاطئ هذا النهر، فتلقاه توزون هنالك، وتَرجلَ له ومشى بين يديه؛ فأقسم عليه أن يركب ففعل، حتى وافى به إلى المضرب الذي كان ضَرَبَه له عَلى الشط من نهر عيسى، وذلك على شَوْطٍ من مدينة السلام، فأقام هنالك، وأنفذ رسلاً إلى دار طاهر ليحضر المستكفي، فلما حصل
(2/184)

المستكفي في المضرب قبض على المتقي، ونهب جميع ما كان معه، وقبض على وزيره أبي الحسن علي بن محمد بن مُقْلَة، وعلى قاضيه أحمد بن عبد اللّه بن إسحاق، ونهب جميع المسكر، وانصرف القائد الذي كان الإخشيد ضمه إلى المتقي ومن معه إلى صاحبهم، وأحضر المستكفي فبويع له، وكُحِلَ المتقي، فصاح وصاح النساء والخدم لصياحه، فأمر توزون بضرب الدبادب حول المضرب، فخفي صُرَاخ الخدم، وأدخل إلى الحضرة، مسمول العينين، وأخذ منه البردة والقضيب والخاتم، وسُلَمَ إلى المستكفي باللَه، وبلغ ذلك القاهر فقال: قد صرنا اثنين نحتاج إلى ثالث، يُعَرِّض بالمستكفي بالله.في في المضرب قبض على المتقي، ونهب جميع ما كان معه، وقبض على وزيره أبي الحسن علي بن محمد بن مُقْلَة، وعلى قاضيه أحمد بن عبد اللّه بن إسحاق، ونهب جميع المسكر، وانصرف القائد الذي كان الإخشيد ضمه إلى المتقي ومن معه إلى صاحبهم، وأحضر المستكفي فبويع له، وكُحِلَ المتقي، فصاح وصاح النساء والخدم لصياحه، فأمر توزون بضرب الدبادب حول المضرب، فخفي صُرَاخ الخدم، وأدخل إلى الحضرة، مسمول العينين، وأخذ منه البردة والقضيب والخاتم، وسُلَمَ إلى المستكفي باللَه، وبلغ ذلك القاهر فقال: قد صرنا اثنين نحتاج إلى ثالث، يُعَرِّض بالمستكفي بالله.
المتقي يطلب رجلاً إخبارياً يأنس به
وحدث محمد بن عبد اللّه الدمشقي قال: لما نزل المتقي الرقة كنت فيمن يتصرف بين يديه، وأقرب منه في الخدمة، لطول صحبته، فقال لي في بعض الأيام في الرقة وهو جالس في داره مشرفاً على الفرات: اطلب لي رجلاً إخبارياً يحفظ أيام الناس أتفرج إليه في خلواتي وأستريح به في الأوقات، قال: فسألت بالرقة عن رجل بهذا الوصف، فأرشدت إلى رجل بالرقة كهل لازم لمنزله، فصرت إليه، ورَغّبته في الدخول إلى المتقي باللّه، فقام معي كالمكره، وصرنا إلى المتقي فأعلمته إحضاري للرجل الذي طلبه، فلما خلا وجهه دعا به واستدناه، فوجد عنده ما أراد، فكان معه أيام مقَامِه بالرقة، فلما انحدَرَ كان معه في الزورق، فلما صار إلى فم نهر سعيد وذلك بين الرقة والرحبة - أرِقَ المتقي ذات ليلة، فقال للرجل: ما تحفظ من أشعار المبيضة وأخبارها؟ شمر الرجل في أخبار آل أبي طالب إلى أن صار إلى أخبار الحسن بن زيد وأخيه محمد بن زيد بن الحسن وما كان من أمرهما ببلاد طبرستان، وذكر كثيراً من محاسنهما، وقصْد أكمل العلم والأدب إياهما، وما قالت الشعراء فيهما، فقال له المتقي: أتحفظ شعر أبي المقاتل نصر بن نصير الحلواني في محمد بن زيد الحسني الداعي؟ قال: لا يا أمير المؤمنين لكن معي غلام لي قد حفظ بحداثة سنه وحدة مزاجه وغلبة الهمة لطلب العلم والأدب عليه ما لم أحفظ من أخبار الناس وأيامهم وأشعارهم، قال: أحضره، ولِمَ أخفيت عني خبر مثل هذا فيكون حضوره زيادة في أنسنا؟ فأحضر الغلام من زورق آخر، فوقف بين يديه، فقال له صاحبه: أتحفظ قصيدة أبي المقاتل في ابن زيد؟ قال: نعم، قال المتقي: أنْشِدْنِيهَا، فابتدأ ينشده إياها:
لا تقل بُشْرى وقل لي بُشْرَيان ... غُرَّةُ الداعي ويوم المهرجان
خَلِقَتْ كَفَّاهُ موتاً وحياة ... وَحَوَتْ أخلاقه كُنْهَ الجنان
فَهْوَ فصل في زمان بدوي ... وابن زيد مالك رِقَّ الزمان
فَهْوَ للكل بكل مستقل ... بالعَطَايا والمنايا والأمان
أوْحَدٌ قام بتشييد المباني ... فبهِ اسْتُنْبِطَ أجناسُ المعان
مُسْرِف في الجود من غير اعتذارٍ ... وعظيم البر من غير امتنان
وهو مَنْ أرسى رسول اللّه فيه ... وعلياه المعلى والحسان
سيد عرق فيه السيدان ... والذي يكبر عن ذكر الحصان
مُخْتَفٍ فكرته في كل شيءٍ ... فَهْوَ في كل محلٍّ ومكان
يعرفُ الدهر على ما غاب عنه ... فيرى المضمر في شخص العِيَان
يتناءى لفظنا عنه ولكن ... هو بالأوصاف في الأذهان دان
أخرجت ألفاظه ما في الخفايا ... وكَفَاهُ الدهر نطق الترجمان
(2/185)

كافرٌ باللّه جهراً والمثاني ... كلُّ من قال: له في الخلق ثان
وإذا ما أسبغ الدرع عليه ... وانكفت يمناه بالسيف اليمان
بعثَتْ سطوته في الموت رُعْباً ... أيقن الموت بأنَّ الموت فان
يحدقُ الأبطالَ بالألحاظ حتى ... يترك المقدام في شخص الجبان
مَلَكُ الموت يناديه أجرني ... منك كم تغزو بضرب وطعان؟
لاتكلفنيَ فوقَ الوُسع وارفق ... فلقد مَلَّكك اللّه عِنَان
يا شقيق القدَرِ المحتوم كم قد ... رُضْتُ بالصَّيْلم عمداً ذا حِرَان
لك يومان فيوم من ليان ... يقتفي يوم أرون أرونانُ
أنْجَزَتْ كفاك وعداً ووعيداً ... وأحاطت لك بالدنيا اليدان
فإذا ما أروت اليمنى حِبَاء ... هَصَّتِ اليسرى بإرواء السنان
جَدَّتَا في النفع وَالضرّ ِبداراً ... فهما في كل حالٍ ضرتان
أرَّخَتْ كفاك في الآفاق حتى ... ما تلاقى بسواك الشفتان
قدّمتك المدَحُ الغُرُّ وصالت ... لك أيضاً في أعاديك الهجان
أنت لا تَحْوِي بمعقولٍ كتاب ... لك شأن خارج عن كك شان
لك أثقال أيادٍ مثقلات ... عجزت عن حملهنَّ الثقلان
إنما مدحك وَحْيٌ وزَبُورٌ ... والذي ضمت عليه الدفتان
هاكها جوهرة تبرية تو ... لي وجوه الموت تكفين الحنان
يا إمام الدين خُذْهَا من إمامٍ ... ملكَتْ أشعاره سَبْقَ الرهام
واستمع للرمَل الأول ممن ... كشف المحنة من غير امتحان
فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن ... ستة أجزاؤها عند الوزان
كرة الآفاق لا تَطْلُعُ إلا ... صارت الريح لها كالصَّوْلجان
جليت في صنعة الألفاظ مما ... يرتجيه كل ذي عفو وجان
أنت تحكي جَنَّةَ الخلد طباعاً ... والقوافي فيك كالحور الحسان
فَابْقَ للشعر بقاء الشعر والشك ... ر مع الدهر فنعم الباقيان
عُمْرُ رَضْوى بل ثَبير وشآم ... وأرَام وشماريخ أبان
شهد اللّه على ما في ضميري ... فاستمع لفظيَ ترجيع أذان
حسناتِ ليس فيها سيآت ... مدحه الداعي اكتبا يا كاتبان
فلم يزل المتقي كلما مر به بيت استعاده، ثم أمر الغلام بالجلوس، فلما كان في اليوم الذي لقيه فيه ابن شير زاد الكاتب سمعه ينشد هذا البيت:
لا تقل بشرى وقل لي بشرتان
فقال له الغلام، وقد كان أنس به: يا أمير المؤمنين:
دَامَتِ البشرى فقل لي بشرتان
وقد كان أنشده أولاً القصيدة لا تقل بشرىَ وأنشده ثانياً هذا الوجه دامت البشر فقل لي بشريان وذكر له خبر أبي المقاتل مع الداعي، فواللّه ما زال المتقي يقول لا تقل بُشْرَى ولا يختار في ذلك الوجه غير ذلك؛ فقال له الرقي والغلام: والله لتطيَّرْنا لأمير المؤمنين اختباره إنشاد هذا البيت على هذا الوجه، فكان من أمره ما ذكرنا.
ومن صفات الخيل
(2/186)

وحدث محمد بن عبد اللّه الدمشقي قال: لما انحدرنا مع المتقي من الرحبة وصرنا إلى مدينة عانة دعا بالرقي وكلامه فحادثاه، وتسلسل بهم القول إلى فنون من الأخبار، إلى أن صاروا إلى ذكر الخيل، فقال المتقي: أيكم يحفظ خبر سليمان بن ربيعة الباهلي مع عمر بن الخطاب فقال الغلام: ذكر أبو عمرو بن الْعَلاَء يا أمير المؤمنين أن سليمان بن ربيعة الباهلي كان يُهَجِّنُ الخيل ويعربها في زمن عمر بن الخطاب، فجاءه عمرو بن معد يكرب بفرس كميت فكتبه هَجيناً، فاستعدى عليه عمر وشكاه إليه، فقال سليمان: ادع بإناء رَجْرَاج قصير الجُدَر، فدعا به، فصبَّ فيه ماء، ثم أتى بفرس عتيق لا شك في عتقه، فأسرع وبرك وشرب، ثم أتى بفرس عمرو الذي كان هجن فأسرع فصب سنبكَه ومد عنقه كما فعل العتيق، ثم ثَنَى أحد السنبكين قليلاً فشرب، فلما رأى ذلك عمر بن الخطاب وكان ذلك بمحضره قال: أنت سليمان الخيل، فقال المتقي: فما عندكم عن الأصمعي وغيره من علماء العرب في صفاتها؟ قال الرقي: ذكر الرياشي عن الأصمعي قال: إذا كان الفرس طويل أوظِفَهِ اليدين قصير أوْظِفَةِ الرجلين طويل الذراعين قصير الساقين طويل الفخذين طويل العضدين مفرع الكتفين لم يكد يُسْبَقُ، وقال: إذا سلم من الفرس شيآن لم يضره عيب سواهما: مغروز عنقه في كاهله، ومغروز عجزه في صلبه، وإذا جادت حوافره فهو هو، وأنشدنا المبرد:
ولقد شهدت الخيل تحمل شِكَّتِي ... عَتَدٌ كسرحان القصيمة مِنهب
فرس إذا استقبلته فكأنه ... في العين جزع من أوال مشرب
وإذا اعترضت له استوَتْ أقطاره ... فكأنه مستدبر متصوب
وسأل يا أمير المؤمنين معاوية مطر بن دراج: أي الخيل أفضل وأوجز؟ فقال: الذي إذا استقبلته قلت نافر، وإذا استدبرته قلت زاخر، وإذا استعرضته قلت زافر، سوطه عنانه، وهَوَاه أمامه، قال: فأي البراذين شر؟ قال: الغليظ الرقبة، الكثير الجَلَبة، الذي إذا أرسلته قال: أمسكني، وإذا أمسكته قال: أرسلني، قال الغلام: أحسن ما قيل في الفرس ووصفه قول بعضهم:
خير ما يركَبُ الشجاع إذا ما ... قيل يوماً ألا اركبوا للغِوَار
كلُّ نَهْدٍ أقَبَّ معتدل الخلق متين الشّظَى عتيق النِّجَارا
سلجم اللحْي واسع السَّحْر حد الأذن وافي الدماغ والوجه عار
ما حَمَتْه الحرار واشتذَ عليا ... ه فأكْدَى مُحْدَوْدِباً بالعوار
محضر القصر مكرب الرسغ دامي الإبْطِ ساعى الجفون والأشفار
مُشْرِف مُقْبل يخبّ إذا أد ... بَرَ مُسْتَدْبر ككر مغار
فَهْوَ في خلقه طوال ورحب ... وعراض إلى سداد قصار
طال هاديه والذراعانْ والأضلاع منه فقيم في جفار
ثم طالت وأبدت فخذاه ... فهو كفت الوثوب ثبت الخيار
والرحيب الفروج والجلد والمشفر قُدَّام منخر كالوجار
والعريض الوظيف والجنب والأو ... راك والجبهة العريض الفقار
والحديد الفؤاد والسمع والعر ... قوب والطرف حدة في وقار
فهو صافي الأديم والعين والحا ... فر غمر بديهة الِإحضار
والقصير الكُرَاع والظهر والرسغ القصير العسيب والصلب وار
لم تخن متنه القطاة ولم يسلمه تركيبها إلى استئخار
مطمئن النسور بين حزام ... كل لأم أحًمَ كالمنقار
يكفت المشي كالذي يتخطّى ... طُنُباً أو يشق كالمسمار
وإذا ما استمرَّمن غير ما بأ ... س به مانع من استمرار
لَانَ فاهْتزَ مقبلاً فإذا أد ... برَ أهوى متابع الإدبار
في تعاقيب كالتماثيل أو كالجن أو كالظباء أو كالحوار
فإذا ما طَحَا به الجري فالعقبان تهوي كواسر الأعسار
من أخبار حلبة الخيل
(2/187)

فلما كان في الليلة الثانية دعابهما، فقال: عُودَا إلى ما كنتما عليه البارحة، واشْرَعا في أخبار الحلائب ومراتب الخيل فيها، قال الغلام: يا أمير المؤمنين، أذكر قولاً جامعاً أخبرني به كلاب بن حمزة العقيلي، قال: كانت العرب ترسل خيلها عشرة عشرة أو أسفل، والقصب تسعة ولا يدخل الحجرة المحجرة من الخيل إلا ثمانية، وهذه أسماؤها: الأول السابق، وهو المجلِّي، قال أبو الهندام كلاب: إنما سمى المجلي لأنه جَلّى عن صاحبه ما كان فيه من الكرب والشدة، وقال الفراء: إنما سمى المجلي لأنه يُجَلِّي عن وجه صاحبه، والثاني المصلِّي؛ لأنه وضع جَحْفَلته على قَطاة المجلِّي، وهي صَلاَه، والصلا: عَجْب الذنب بعينه، والثالث المسلِّي؛ لأنه كان شريكاً في السبق، وكانت العرب تعدُ من كل ما تختار ثلاثة، أو لأنه سَلى عن صاحبه بعض همه بالسبق، والرابع التالي، سمي بذلك لأنه تلا هذا المسلِّيَ في حال دون غيره، والخامس المرتاح، وهو المفتعل من الراحة؛ لأن في الراحة خمس أصابع لا يعد منها غيرهن، وإذا أومأت العرب من العلا إلى خمس فتح الذي يومئ بها يَلَى وفرق أصابعه الخمس، وذلك أيضاً ما يؤمنون به من غير عقد الحساب، ثم يكون بعدها إلى أن تكون عشرة فيفتح الذي يومئ بها يديه جميعاً، ويقابل الخمس أصابع بالخمس، فلما كان الخامس مثل خامسة الأصابع وهي الخنصر سمي مرتاحاً، وسمى السادس حظياً؛ لأن له حَظّاً، وقيل: لأن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أعطى السادس قضيبه، وهي آخر حظوظ خيل الحلبة، غير أنه له حظ، وسمي السابع العاطف، لدخوله الحجرة لأنه قد عطف بشيء وإن قل، وحسن إذا كان قد دخل الحرجة المحجورة، وسمي الثامن المؤمل على القلب والتفاؤل كما سموا الفَلاَة مَفَازة واللّدِيغ سليماً، وكنوا الحبشي أبا البيضاء، ونحو ذلك، فكذلك سموا الخائب المؤمل، أي أنه يؤمل وإن كان خائباً؛ لأنه قرب من بعض ذوات الحظوظ بعد، والتاسع اللّطيم؛ لأنه لو رام الحجرة للطم دونها لأنه أعظم جرماً من السابعِ والثامن، والعاشر السكيت لأن صاحبه يعلوه خشوع وذلة ويَسْكُت حزناً وغماً، فكانوا يجعلون في عنق السكيت حبلاً ويحملون عليه قرداً، ويدفعون للقرد سوطاً؛ فيركضه القرد ليعير بذلك صاحبه، وأنشد في ذلك الوليد بن حصن الكلبي:
إذا أنت لم تَسْبِقْ وكنت مُخَلَّفاً ... سُبِقْتَ إذا لم تدع بالقرد والحبل
وإن تك حقّاً بالسكيت مخلفاً ... فتورث مولاك المذلة بالنبل
أما ذكره النبل فإن بعضهم كان يفعل ذلك: ينصب فرسه ثم يرميه بالنبل حتى يتعجف، وقد فعل ذلك النعمان بفرسه النهب، قال كلاب بن حمزة: ولم نعلم أحداً من العرب في الجاهلية والإسلام وصَفَ خيل الحلبة العشرة بأسمائها وصفاتها وذكَرَها على مراتبها غير محمد بن يزيد بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان، وكان بالجزيرة بالقرية المعروفة بحصن مَسْلَمة من إقليم بَلسْخ من كورة الرقة من ديار مضر فإنه قال في ذلك:
شهدنا الرهان غداة الرهان ... بمَجْمَمَةٍ ضَمَّهَا الموسِمُ
نقود إليها مقاد الجميع ... ونحن بصنعتهما أقْوَم
غدونا بمقوودة كالقداح ... غدت بالسعود لها الأنْجُمُ
مقابلة نسبة في الصريح ... نما هُنَّ للأكرم الأكرمُ
كُمَيْت إذا ما يباطى يبل ... يفوت الخطوط إذا يُلْجَم
فمنهنَّ أحوى ممر أغر ... وأجود ذو غرة أرثم
تلألأ في وجهه فرجة ... كان تلألؤها المرزم
فقيدت لمدخور ما عندها ... لمنتظري أنها تنجم
عليهن سحم صغار الشخوص ... نماهم لحام أتى أسحم
كأنهم فوق أشباحها ... زرازير في سُقف حُوَّمُ
فصفت على الحبل في محضر ... بلى أمره ثقة مسلم
تراضوْا به حكماً بينهم ... فبالحق بينهمُ يحكم
وربك بالسبق عن ساعة ... من الناس كلهمُ أعْلَمُ
فقلت ونحن على جدة ... من الأرض نيرها مظلم
(2/188)

لقد فرغ اللّه مما يكون ... ومهما يكن فَهْوَ لا يُكْتَمُ
فأقبل في أمرنا نارٌ ... كما يُقْبل الوابل المثجم
وأتبع فَوْضَى ومرفضة ... كما ارفَضَّ من سلكه المنظم
أو السرب سرب القطاراعه ... من الجو شوانق مظلم
فواصل من كل قسطالة ... كأن عَثَانينها الْعَنْدَمُ
وللمرء من فرج ما تستثير ... سنابكهنَّ سنا مضرم
فجّلى الأغر وصَلّى الكميت ... وسَلّى فلم يُذْمَم الأدهم
وأردفها رابع تالياً ... وأين من المنجد المتهِمُ؟
وما ذمَّ مرتاحها خامساً ... وقد جاء يقدم ما يقدم
وجاء الحَظِيُّ لها سادساً ... فأسهمه حَظَّه المسهم
وسابعها العاطف المستحير ... يكاد لحيرته يُحْرَم
وجاء المؤمل فيها يخيب ... وعَنَّ له الطائر الأشأم
وجاء اللطيم لها تاسعاً ... فمن كان ناحية يُلطَمُ
يخبُّ السكيت على إثره ... وذِفْرَاهُ من قبة أعظم
كأن جوانبه بين ذي ... جمانة نِيطَ بها قمقم
إذا قيل مَنْ ربُّ ذا لم يُحِرْ ... من الخزي بالصمت يستعصم
ومن لا يعد للحلاب الجياد ... وشيك لعمرك ما يندم
وما ذو اقتضاب لمجهولها ... كمن ينتميها ويستلزم
فَرُحْنَا بسبق شُهِرْنَا به ... ونيل به الفخر والمغنم
وأحرزن عن قَصَبَات الرهان ... رغائب أثقالها تقسم
بُرُودٌ من القصب مَوْشِيَّة ... وأكسية الخز والملحم
فراحت عليهنَ منشورة ... كأن حَوَاشِيَهُنَّ الدَّمُ
ومن وَرِق صامت بدرة ... ينوء بها الأغلب الأعصم
فَفُضَّتْ لِنَهْب خواتيمها ... وبدرتنا الدَّهْرَ لا تختم
نوزِّعها بين خُدَّامها ... ونحن لها منهمُ أخدم
وإنا لنرنبط المعربا ... ت في اللَّزَبَاتِ فما ترزم
يعدُّ لها المحض بعد الحليب ... كما يصلح الصبية المفطم
ويَخْلطها بصميم العيال ... بمن له حب هو المحرم
مشاربها الصافيات العذاب ... ومطعمها فَهُوَ المطْعَمُ
فهنَّ بأكناف أبياتنا ... صَوَافِنُ يصهلن أو حُوَّم
ومال محمد بن يزيد في كلمته هذه إلى أنه لاحَظ للثامن، وجعل للسابع حظاً في السبق، والهندسة إجراء الخيل وتجربتها فيما دون الغاية، وإنما سميت الحَلْبة حلبة لأن العرب تحلب إليها خيولها من كل مكان.
قال المتقي: أثْبتَا ما يجري في هذه الأوقات ودَوِّنَاهُ، فلم يزالا معه في ذلك يجددُ لهما البر إلى أن كان من أمره ما قد اشتهر.
وقد تناهى بنا الكلام إلى هذا الموضع من خلافة المتقي؟ فلنذكر الآن بعض من اشتهر شعره في هذا الوقت واستفاض في الناس وظهر.
أبو نصر الخبزأرزي
فمنهم أبو القاسم نصر بن أحمد الخبزأرزي، وهو أحد المطبوعين المجودين في البديهة المعروفين بالغزل؟ فمن جيد شعره قوله:
أنضى الهوى جسدي وبَدَّلَنِي به ... جَسَداً تكوَّنَ من هوى متجسد
ما زال إيجاد الهوى عدمي إلى ... أن صرت لو أعدمته لم أوجد
ومن جيد شعره ما عاتب به ابن لنكك الشاعر، وهو:
لم لا تَرَى لصداقتي تصديقا ... فينا، ولم تَدْعُ الصديق صديقا؟
ذو العقل لا يرضى بوَسْم صداقة ... حتى يرى لحقوقها تحقيقا
فلمن يرجِّي الحق أن يدعى أخا ... وعلى الرفيق بأن يكون رفيقا
إن غاب غاب محافظاً أو حَلَّ كا ... ن مداعباً أو قال كان صدوقا
وفي هذا الشعر يقول:
ويكاد مَنْ عَلِقَ الهوى بفؤاده ... مما تفكر أن يُرَى زنديقا
وقوله:
(2/189)

أعليك أعْتِبُ أم على الأيام؟ ... بَدَأتْ، وكنت مؤكداً بتمام
قطع التواصُلَ قربنا بتواعد ... وَقَطَعْتَ أنت تواصل الأقلام
هلا ألفت إذ الزمان مُشتَت ... والإِلف للأرواح لا الأجسام
وفى هذا الشعر يقول:
عذراً أبا عيسى عَسَى لك في الْقِلا ... عُذْرٌ، وذا علم بلا إعلام
من غابتِ الأخبارُ عنه وَدِينُهُ ... دِينُ الإِمامةِ قال بالأوهام
خذ من فَرَائدك الذي أعطيتني ... فالدرُّ درك والنظام نظامي
حِكَمٌ معانيها معانيك التي ... فَضَّلْتَهَا لي، والكلام كلامي
وشعره في الغزل وغيره أكثر من أن نأتي عليه، وأكثر الغناء المحدَثِ في وقتنا هذا من شعره، وقد أشيع بموته وأن البريدي غَرقَهُ لأنه كان هجاه، وقيل: بل هرب من البصرة ولحق بهَجَرَ والأحْسَاء بأبي طاهر بن سليمان بن الحسن صاحب البحرين.
مقتل بجكم
قال المسعودي: وقد أتينا على أخبار المتقي وما كان في أيامه من الكوائن والأحداث على الشرح والإِيضاح في الكتاب الأوسط الذي كتابُنَا هذا تَالٍ له، وإنما نذكر من أخبارهم في هذا الكتاب لمعاً لاشتراطنا فيه على أنفسنا الاختصار والإيجاز، وكذلك أتينا على خبر مقتل بَجْكم التركي، وكان مقتله في رجب سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وما كان من أمره مع الأكراد بناحية واسط، وما كان من كورتكين الديلمي واستيلائه على جيش بَجْكم، وانحدار محمد بن رائق من الشام ومحاربته كورتكين بعكبرا، ومخاتلته إياه، ودخوله الحضرة، وما كان بينهم من الوقعة بالحضرة إلى أن انهزم كورتكين، واستولى محمد بن رائق على الأمر، وما كان من البريديين وموافاتهم الحضرة، وخروج المتقىِ عنها مع محمد بن رائق الموصلي، في كتابنا المترجم بأخبار الزمان فأغْنى ذلك عن إعادته في هذا الكتاب، واللّه الموفق للصواب.
ذكر خلافة المستكفي باللّه
وبويع المستكفي بالله، وهو أبو القاسم عبدُ اللّه بن علي المكتفي، يوم السبت لثلاث خَلَوْنَ من صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وخُلِعَ في شعبان سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، لسبع بَقِينَ من هذا الشهر، فكانت خلافته سنة وأربعة أشهر إلا أياماً، وأُمه أُم ولد.
ذكر جمل من أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
(2/190)

قد قدَّمنا عندما ذكرنا خَيْر المتقي للّه أن المستكفي بويع له بالسبق على نهر عيسى من أعمال بادوريا بإزاء القرية المعروفة بالسندية في الوقت الذي سمِلَتْ فيه عينا المتقي، بايع به أبو الوفاء توزون وسائر مَنْ حضر من القُوَاد وأهل الدولة، وأهل عصره من القضاة منهم القاضي أبو الحسن محمد بن الحسين بن أبي الشوارب وجماعة من الهاشميين، فصلّى بهم في يومهم ذلك المغربَ والعشاء، وسار حتى نزل في يوم الأحد بالشَّماسية، فلما كان في يوم الاثنين انحدر في الماء راكباً في الطيار الذي يسمى الغزل، وعليه قلنسوة طويلة محدودة، ذكِرَ أنها كانت لأبيه المكتفي باللّه، وعلى رأسه توزون التركي ومحمد بن محمد بن يحيى بن شيرزاد وجماعة منِ غلمانه، وسُلّم إليه المتقي ضريراً، وأحمد بن عبد اللّه القاضي مقبوضاً عليه، وحضر بعد ذلك سائر القضاة والهاشميين، فبايعوا له، واستوزر أبا الفرج محمد بن علي السامريَّ مدة، تم غضب عليه، وغلب على أمره محمد بن شيرزاد، وجلس للناس، وسأل عن القضاة، وكَشَفَ عن أمر شهود الحضرة، فأمر بإسقاط بعضهم، وأمر باستتابة بعضهم من الكذب وقبول بعضهم لأشياء كان قد علمها منهم قبل الخلافة، فامتثل القضاة ما أمر به من ذلك، واستقضى على الجانب الشرقي محمد بن عيسى المعروف بابن أبي موسى الحنفي، وعلى الجانب الغربي محمد بن الحسين بن أبي الشوارب الأموي الحنفي، فقالت العامة: إلى هاهُنا انتهى سلطانه، وانتهى في الخلافة أمره وَنَهْيُه، وقد كان بينه وبين الفضل بن المقتدر الذي يسمى بالمطيع قبل ذلك مجاورة في دار ابن طاهر، وعداوة في اللعب بالحمام وتطييرها، واللعب بالكِبَاش والديوك والسمان، وهو الذي يسمى بالشام النفخ. فلما حُمل المستكفي إلى نهر عيسى ليبايع له هرب المطيع من داره، وعلم أنه سيأتي عليه، فلما استقرت للمستكفي طلب المطيع، فلم يقف له على خبر، فهدمَ داره، وأتى على جميع ما قدر عليه من بستان وغيره.
المستكفي وغلام ضمه له توزون
وذكر أبو الحسن علي بن أحمد الكاتب البغدادي، قال: لما استخلف المستكفي ضم إليه توزونُ غلاماً تركياً من غلمانه يقف بين يديه، وكان للمستكفي غلام قد وقف على أخلاقه ونشأ في خدمته؛ فكان المستكفي يميل إلى غلامه، وكان توزون يريد من المستكفي أن يقدم المضموم إليه على غلامه الأول؛ فكان المستكفي يبعث بالغلام التركي في حوائجه، اتباعاً لمراضاة توزون، فلا يبلغ له ما يبلغ غلامه.
من أخبار الحجاج مع أهل الشام
قال: وأقبل المستكفي يوماً على محمد بن محمد بن يحيى بن شيرزاد الكاتب، فقال له: أتعرف خبر الحجاج بن يوسف مع أهل الشام؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، قال: ذكروا أن الحجاج بن يوسف كان قد اجْتَبَى قوماً من أهل العراق وجَدَ عندهم من الكِفاية ما لم يجد عند مختصيِّه من الشاميين؛ فشق ذلك على الشاميين وتكلموا فيه، فبلغ إليه كرمهم؛ فركب في جماعة من الفريقين، وأوْغَلَ بهم في الصحراء؛ فلاَحَ لهم من بُعْدٍ قطارُ إبل؛ فدعا برجل من أهل الشام، فقال له: أمْض فاعرف ما هذه الأشباح، واسْتَقْص أمرها، فلم يلبث أن جاء وأخبره أنها إبل فقال: أمحملة هي؟ أم غير محملة؟ قال: لا أدري، ولكِني أعود وأتعرف ذلك، وقد كان الحجاج أتبعه برجل آخر من أهل العراق، وأمر بمثل ما كان أمَرَ الشاميَّ، فلما رجع العراقي أقبل عليه الحجاج وأهل الشام يسمعون، ما هي؟ قال: إبل، قال: وكم عددها؟ قال: ثلاثون، قال وما تحمل. قال: زيتاً، قال: ومن أين صَدَرَتْ! قال: من موضع كذا قال: وأين قصدت؟ قال: موضع كذا، قال: ومَنْ ربها؟ قال: فلان فالتفت إلى أهل الشام، فقال:
ألام على عمرو، ولو مات أو نأى ... لقلَّ الذي يُغْنِي غَنَاءَكَ يا عمرو
فقال ابن شيرزاد: فقد قال: يا أمير المؤمنين بعضُ أهل الأدب في هذا المعنى:
شر الرسولين مَنْ يحتاج مرسلُه ... منه إلى العَوْدِ، والأمران سيَّان
كذاك ما قال أهل العلم في مَثَلٍ ... طريقُ كلِّ أخي جهلٍ طريقان
قال المستكفي: ما أحسن ما وصف البحتري الرسول بالذكاء بقوله:
وكأنَّ الذكاء يبعث منه ... في سواد الأمور شُعْلَةَ نار
(2/191)

وعلم ابن شيرزاد استثقال المستكفي لغلام توزون؛ فأخبر توزون بذلك فأعفاه منه، وأزاله عن خدمته.
مسامرة في وصف الخمر
وحَدَّثَ أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق المعروف بابن الوكيل البغدادي قال: كان أبي قديماً في خدمة المكتفي، فلما كان من أمره ما اشتهر، صرت في خدمة ابنه عبد اللّه بن المكتفي، فلما أفْضَتِ الخلافة إليه كنت أخَصِّ الناس به؛ فرأيته في بعض الأيام وعنده جماعة من ندمائه ممن كان يعاشرهم قبل الخلافة من جيرانه بناحية دار ابن طاهر، وقد تذاكروا الخمر وأفعالها، وما قال الناس فيها من المنثور والمنظوم، وما وصفت به، فقال بعض مَنْ حضر: يا أمير المؤمنين، ما رأيت أحداً وصف الخمرة بأحسن من وصف بعض من تأخر؛ فإنه ذكر في بعض كتبه في الشراب ووصفه أنه ليس في العالم شيء واحد أخذ من أمهاته الأربع فَضِيلَتَهَا وابتزَهَا أكرم خواصها إلا الخمرة؛ فلها لون النار، وهو أحسن الألوان، وَلدُونَة الهواء، وهي ألين المجسَّاتِ، وعذوبة الماء، وهي أطيب المذاقات، وَبَرْدُ الأرض، وهي ألذ المشروبات، قال: وهذه الأربع وإن كُنَّ في جميع المآكل والمشارب متركبة فليس الغالب عليه ما وصفنا من الغالب على الخمر، قال واصفها: قد قلت في اجتماع الصفات التي ذكرنا فيها:
لست أرى كالراح في جَمْعِهَا ... لأربع هُنَّ قِوَامُ الورى
عذوبة الماء ولينُ الهوا ... وسخنة النار وبرد الثرى
ولما كانت الراح بالموضع الذي وصفناها به، من الفضل على سائر ما ينال من هذه الدنيا، كانت الأوصاف أحسن لها من سائر ما ينال ويوصف من صنوف اللذات والمدح بها بما تبعث من فنون الشهوات.
قال: فأما شعاع الخمر فإنه يشبه بكل شيء نوري، من شمس وقمر ونجم ونار، وغير ذلك من الأشياء النورية، فأما لونها فيحتمل أن يشبه بكل أحمر في العالم وأصفر، من ياقوت وعقيق وذهب، وغير ذلك من الجواهر النفيسة والحلى الفاخرة. قال: وقد شبهها الأولون بدم الذبيح، ودم الجَوْفِ، وشبهها غيرهم بالزيت والرازقي وغيرهما، وتشبيهها بالجوهر الأكرم أفضل لها، وأحسن في مدحها.
قال: فأما صفاؤها فيحتمل أن يشبه بكل ما يقع عليه اسم الصفاء وقد قال بعض الشعراء المتقدمين في صفائها:
تُرِيكُ القَذَى من دونها وَهْيَ دونه
وهذا أحسن ما قاله الشعراء في وصف الخمر، قال: وقد أتى أب نُوَاسٍ في وصفها ووصف طعمها وريحها وحسنها ولونها وشعاعها وفعلها في النفس وصفة آلاتها وظروفها وأدْنَانِهَا، وحال المنادمات عليها والاصطباح، والاغتباق، وغير ذلك من أحوالها، بما يكاد يغلق به باب وصفها، لولا اتِّسَاع الأوصاف لها، واحتمالها إياها، وأنّها لا تكاد تحصر ولا يبلغ إلى غاياتها، قال: وقد وصف أبو نُوَاسٍ نورها فقال:
فكأنها في كفه ... شمس وراحته قمر
وقال:
فعلت في البيت إذ مُزِجَتْ ... مثل فعل الصبح في الظُّلَم
فاهتدى سَاري الظَّلاَم بهَا ... كاهتداء السَّفْرِ بِالعلم
وقال أيضاً:
بنت عشر صَفَتْ ورقَّتْ فلو صبَّتْ على الليل راح كل ظلام
وقال أيضاً:
إذا عَبَّ فيها شاربُ القوم خِلْتَه ... يُقَبِّلُ في داج من الليل كَوْكَبَا
ترى حيثما كانت من البيت مشرقاً ... وما لم تكن فيه من البيت مغربا
وقال أيضاً:
وكأن شاربها لفَرْطِ شعاعها ... في الكأس يكرع في ضِيَا مقباس
وقال أيضاً:
فقلت له: ترفق بي فإني ... رأيت الصبح من خلل الديار
فقال تعجباً مني: أصُبْحٌ ... ولا صبح سوى ضوء العُقَارِ
وقام إلى الدنان فَسَدَ فاها ... فعاد الليل مصبوغ الِإزار
وقال أيضاً:
وحمراء قبل المزج صفراء دونه ... كأن شعاع الشمس يلقاك دونها
وقال:
كأن ناراً بها مُحَرَّشة ... تهابها تارة وتخشاها
وقال أيضاً:
حمراء لولا إنكسار الماء لاختطفت ... نور النواظر من بين الحماليق
وقال أيضاً:
ينقضًّ منها شعاع كلما مزجت ... كالشُّهْبِ تنقضُّ في إثْر العفاريت
وقال:
عُتَقَتْ في الدنان حتى استفادت ... نور شمس الضحى وبَرْدَ الظلام
وقال:
(2/192)

فجوزَهَا عني عُقَارا ترى لها ... إلى الشرف الأعلى شعاعا مطنبا
وقال:
قال: ابْغِنِي المصباح، قلت لَه: اتئدْ ... حَسْبِي وحَسْبُكَ ضوؤها مصباحا
فسكبت منها في الزجاجة شربة ... كانت لنا حتى الصباح صباحا
قال: وله في هذا الفن أشياء كثيرة قد وصفها في مشابهة النار ومجانسة الأنوار والرفع للظلام، وتصيير الليل نهاراً والظلم أنواراً، مما هو إغراق الواصف واشتطاط المادح، قال: وليس إلى صفة لونها ونورها ما هو أحسن مما وصفها، إذ ليس بعد الأنوار شيء في الحسن، قال: فداخل المستكفي سرور وفرح وابتهاج بما وصف، فقال: ويحك!! فرج عني في هذا الوصف، قال: نعم يا سيدي.
قال عبد اللّه بن محمد الناشئ: وقد كان المستكفي تَرَكَ النبيذ حين أفْضَتِ الخلافة إليه، فدعا بها من وقته، ودعا إلى شربها، وقد كان المستكفي - حين أفضت الخلافة إليه - طَلَبَ الفضل بن المقتدر، على حسب ما قدمنا، لما كان بينهما من العداوة فيما ذكرنا، وغير ذلك مما عنه أعرضنا، فهرب الفضل، وقيل: إنه هرب إلى أحمد بن بُوَيْهِ الديلمي متنكراً، وأحسن إليه أحمد ولم يظهره، فلما مات توزون ودخل الديلمي إلى بغداد وخرج عنها صار إلى ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن عبد اللّه بن حَمْدَان، وانحدر معه هو وابن عمه عبد اللّه بن أبي العلاء، فكان بينه وبين ابن بُوَيْهِ الديلمي من الحرب ما قد اشتهر، وانحاز الديلمي إلى الجانب الغربي ومعه المستكفي والمطيع مُخْتَفٍ ببغداد، والمستكفي يطلبه أشدَّ الطلب، وأنزل المستكفي في بيعة النصارى المعروفة بدُرْنَا من الجانب الغربي.
لابن المعتز في وصف سلة كوامخ
فذكر أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق المعروف بابن الوكيل، ومنزلتُهُ من خدمة المستكفي ما قدمنا، قال: كان المستكفي في سائر أوقاته فازعاً وَجِلاً من المطيع أن يلي الخلافة، ويُسَلّم إليه فيحكم فيه بما يريد، فكان صدره يضيق لذلك، فيشكو ذلك في بعض الأوقات إلى من ذكرنا ممن كان يألفه من ندمائه فيشجعونه ويهونون عليه أمر المطيع، إلى أن قال لهم في بعض الأيام: قد اشتهيت أن نجتمع في يوم كذا كذا فنتذاكر أنواع الأطعمة وما قال الناس في ذلك منظوماً، فاتفق معهم على ذلك، فلما كان في اليوم الذي - حضروا أقبل المستكفي فقال: هاتوا، ما الذي أعَدَّه كل واحد منكم. فقال واحد منهم: قد حضرني يا أمير المؤمنين أبيات لابن المعتز يصف سلة فيها سكارج كوامخ، فقال: هاتها، قال:
أمتع بسلة قضبان أتتك وقد ... حَفَتْ جوانبها الجامات أسطار
فيها سكارج أنواع مصففة ... حمر وصفر وما فيهنَّ إنكار
فيهن كامخ طرخون مبوهرة ... وكامخ أحمر فيها وكبار
أعطته شمسُ الضحى لوناً فجاء به ... كأنه من ضياء الشمس عطار
فيهنَّ كامخ مَرْزَ نجُوشَ قابله ... من القرنفل نوع منه مختار
وكامخ الدار صيني فليس له ... في الطعم شِبْة ولا في لونه عار
كأنه المسك ريحاً في تنسمه ... حريف في طعمه والريح معطار
وكامخ الزَّعْتر البريِّ إن له ... لوناً حكاه لدينا المسك والقار
وكامخ الثوم لما أن بصرت به ... أبصرت عطراً له بالأكل أمَّارُ
كأن زيتونها فيها ظلام دُجًى ... في الجنب منه من الممقور أسفار
إذا تأملت ما فيهن من بصل ... كأنهنَّ لجين حَشْوُهُ نار
وسَلْجَمٌ مستدير القد خالطه ... طعم من الخل قد حازته أسطار
كأن أبيضه فيه وأحمره ... دراهم صففت فيهن دينار
في كل ناحية منها يلوح لها نجم ... إلينا بضوء الفجر نظَّارُ
كأنها زهرة البستان قابَلَهَا ... بدر وشمس وإظلام وأنوار
في وصف سلة نوادر
قال المستكفي: تحضر هذه الجونة بعينها على هذا الوصف، وهاتوا، فلسنا نأكل اليوم إلا ما تصفون، فقال آخر من الجلساء: يا أمير المؤمنين لمحمود بن الحسين الكاتب المعروف بكشاجم في صفة سلة نوادر:
(2/193)

متى نَنْشَطُ للأكل ... فقد أصلحت الجونه
وقد زَينها الطاهي ... لنا أحْسَنَ ما زينه
فجاءت وَهْيَ من أطي ... ب ما يؤكل مشحونه
فمن جَدْي شَوَيْنَاهُ ... وعصبنا مصارينه
ونضدنا عليه نعنع البقل وطرخونه
وفرخ وافر الزور ... أجَدْنَا لك تسمينه
وطيهوج وفروج ... أجَدْنَا لك تطجينه
وسنبوسجة مقلو ... ة في إثر طردينه
وحمراء من البيض ... إلى جانب زيتونه
وأوساط شَطِيرَاتٍ ... بزيت الماء مدهونه
يولدن لذي التخمة ... جوعاً ويُشَهِّينَهْ
تدرنج بكسور الندِّ ... بالعنبر معجونه
وحريف من الجبْنِ ... به الأوساط مقرونه
وطلع كاللالي في ... سموط الغيد مكنونه
وخل ترعف الانا ... ف منه وهي مختونه
وباذنحان بوران ... بخه نَفْسُك مفتونه
وهليون وعهدي بك تستعذب هليونه
ولوزينجة في الدهن والسكر مَدْفُونَهْ
وعندي لك رستيجة مطبوخ وقنينة
وساق وَعَدَتْ بالوصل ... منه عطفة النونه
له شدة ألحاظ ... وفي ألفاظه لينه
وقُمْرِيُّ يغنيك ... لحوناً غير ملحونه
ألا يا من لمحزون ... نأى عن دار محزونه
فما عذرك في أن لا ... ترى من سكره طينه
لابن الرومي في وصف وسط
فقال المستكفي: أحسنت وأحسن القائل فيما وصف، ثم أمر بإحضار كل ما يجري في وصفه مما يمكن إحضاره، ثم قال: هاتوا، مَنْ معه شيء في هذا المعنى؟ فقال آخر: في هذا المعنى لابن الرومي في صفة وسط:
يا سائلي عن مجمع اللذات ... سألت عنه أنْعَتَ النُّعَّاتِ
فهاك ما أنشأته من قصه ... مسلماً من شوبه ونقصه
خذ يا مريد المأكل اللذيذ ... جردقَتَيْ خبز من السميذ
لم تر عيناً ناظِرٍ مثليهما ... فقشر الحرفين عن وجهيهما
حتى إذا ما صارتا طفاطفا ... فاضفُ على إحداهما تفايفا
من لحم فروج ولحم فَرْخٍ ... تذوب جوذاباهما بالنفخ
واجعل عليها أسطراً من لوز ... معارضات أسطراً من جوز
إعجابها الجبن مع الزيتون ... وشكلها النعنع بالطرخون
حتى ترى بينهما مثل اللبن ... مقسومة كأنها وَشْيُ اليمن
واعمد إلى البيض السليق الأحمر ... فَدَرْهِم الوَسطَ به وَدَنَرِ
وَتَرِّب الأسطر بالملح، ولا ... تكثر ولكن قدراً معتدلا
وَرَدِّدٍ الَعينين فيه لحظا ... فإن للعينين منه حظا
وَمَتع العين به مَلِيّاً ... وأطبق الخبز وكل هنيا
وأمسك بنابيك وأكدم كدما ... تسرع فيما قد بنيت هَدْمَا
طوراً ترى كحلقة الدولاب ... حروفه ودوره كالداب
وتارة مثل الرحى بِلا سَغَبْ ... قد شذبت عنها بنابيك الشذب
لهفي عليها وأنا الزعيم ... بمعدة شيطانها رجيم
في وصف سنبوسج
وقال آخر: يا أمير المؤمنين، لإسحاق بن إبراهيم الموصلي في صفه سنبوسج:
يا سائلي عن أطيب الطعام ... سألت عنه أبْصَرَ الأنام
أعمد إلى اللحم اللطيف الأحمر ... فَدُقَّهُ بالشحم غير مُكْثر
واطرح عليه بصلاً مدورا ... وكرنباً رطباً جنياً أخضرا
والق السذاب بعده موفراً ... ودار صيني وكف كزبرا
وبعده شيء من القرنفل ... وزنجبيلٍ صالح وفلفل
وكَفّ كمون وشيء من مري ... وملء كَفّيْنِ بملح تدمر
فدُقّهُ يا سيدي شديداً ... ثم أوْقِد النار له وقودا
(2/194)

واجعله في القدر وَصُبَّ الماء ... من فوقه واجعل له غطاء
حتى إذا الماء فنى وَقَلا ... ونشفته النار عنه كلا
فلفه إن شئت في رُقَاقِ ... ثم احكم الأطراف بالإلزاق
أو شئت خذ جزءاً من العجين ... معتدل التقريك مستلين
فابسطه بالسويق مستديراً ... ثم اطفرن أطرافه تطفيرا
وَصُبَّ في الطابق زيتاً طيباً ... ثم اقْلُهُ بالزيت قلياً عجبا
وضعه في جام له لطيف ... ووسطه من خردل حريف
وكله أكلا طيباً بخردل ... فهو ألَذُّ المأكل المعجل
في وصف هليون
فقال آخر: يا أمير المؤمنين، لمحمود بن الحسين بن السندي كشاجم الكاتب في وصف هليون:
لنا رماح في أعاليها أوَدْ ... مُفَتَلاَت الجسم فتلاً كَالمَسَدْ
مستحسنات ليس فيها من عُقَدْ ... لها رؤوس طالعات في جَسَدْ
مكسوة من صنعة الفَرْد الصَّمَدْ ... منتصبات كالقداح في العمد
ثوب من السندس من فوق بَرَدْ ... قد أشربت حمرة لون يتقد
كأنها ممزوجة حمرة خد ... قد قرصت حمرَتَهُ كَفُّ حرد
فخالطته حمرة خد وَيَدْ ... كأنها في صحن جامِ أو بَرَدْ
مُنَضِّدَات كتناضيد الزَّرَدْ ... نسائج العسجد حسناً منتضد
كأنها مطرف خز قد مهد ... لو أنها تبقى على طول الأبد
كانت فصوصاً لخواتيم الخرد ... من فوقها مري عليها يطرد
يجول في جانبها جَزْر ومد ... قكْسُوَة من زيتها ثوب زبد
كأنه من فوقه حين لبد ... شراك تبر أو لجين قد مسد
فلو رآها عابد أو مجتهد ... أفْطَرَ مما يشتهيها وَسَجَدْ
فلما فرع منها قال له المستكفي: هذا مما يتعذر وجوده في هذا الوقت بهذا الوصف في هذا البلد، إلا أن نكتب إلى الإخشيد محمد بن طغج يحمل إلينا من ذلك البر من دمشق، فأنشدونا فيما يمكن وجوده.
في وصف أرزية
قال آخر: يا أمير المؤمنين، لمحمد بن الوزير المعروف بالحافظ الدمشقي في صفة أرزية:
للَّه در أرزَّةٍ وافى بها ... طاهٍ كحسن البدر وسط سماء
أنقى من الثلج المضاعف نَسْجُه ... من صنعة الأهواء والأنداء
وكأنها في صحفة مقدودة ... بيضاء مثل الدرة البيضاء
بَهَرَتْ عيون الناظرين بضوئها ... وتريك ضوء البدر قبل مساء
وكأن سُكَّرَها على أكْنَافها ... نُورٌ تَجَسَّدَ فوقها بضياء
في وصف هريسة
فقال آخر: يا أمير المؤمنين، أنشدت لبعض المتأخرين في هريسة:
ألَذًّ ما يأكله الإنسان ... إذا أتى من صيفه نيسان
وطالت الجديان والخرفان ... هريسة يصنعها النسوان
لهنَّ طيب الكف والإتقان ... يُجْمَع فيها الطير والحملان
وتلتقي في قِدْرِهَا الأدهان ... واللحم والألية والشحمان
وبعده إوزة سمان ... وَالْحِنْطَةُ البيضاء والجلبان
وبعد هذا اللوز والإِبان ... جَوَّدَهَا بطَحْنِهِ الطَّحان
وبعده الملح وخولنجان ... قد تعبت لعقدها الأبدان
تخجل من رؤيتها الألوان ... إذا بدت يحملها الغلمان
تضمها الصحفة والْخِوان ... وفوقها كالقَبْوِ خيزران
يمسكه سقف له حيطان ... مُقَبَّبٌ وما له أركان
أبرزها للأكِل الولدان ... تفتر من لهيبها العينان
والمرء فيها فله مكان ... يؤثرها الْجَائِع والشبعان
ويشتهيها الأهل والضيفان ... لها على أضرابها السلطان
تصفو بها العقول والأذهان ... وانتفعت بأكلها الأبدان
أبدعها في عصره ساسان ... وأعجبت كسرى أنو شروان
(2/195)

إذا رآها الجَائِع الغَرْثَانُ ... لم يُعْطَ صبراً معها الجيعان
في وصف المضيرة
وقال آخر: يا أمير المؤمنين، لبعض المتأخرين في صفة المَضِيرَة:
إنَّ المَضِيرَةَ في الطعام ... كالبدر في ليل التمام
إشراقها فوق الموا ... ئد كالضياء على الظلام
مثل الهلال إذا بدا للناس ... في خَلَل الغمام
في صحفة مملوءة للناس ... من جزع التِّهَام
قد أعجبت لأبي هريرة ... إذ أتت بين الطعام
حتى لقد مال الهوى ... بهواه عن طلب الصيام
ولقد رأى في أكلها ... حَظّا فبادر بالقيام
ولقد تنكَّبَ أن يكو ... ن مؤاكلاً عند الِإمام
إذ ليس ثَمَّ مَضِيرَةٌ ... تشفي السقيم من السَّقَام
لا غَرْوَ في إتيانها ... من غير إتيان الحرام
فهي اللذيذة والغريبة ... والعجيبة في الأنام
في وصف جوذابة
وقال آخر: يا أمير المؤمنين، لمحمود بن الحسين في صفة جوذابة:
جوذابة من أرز فائق ... مصفرة في اللون كالعاشق
عجيبة مشرقة لونُهَا ... من كَفِّ طاهٍ محكم حاذق
نسيجة كالتبر في حُمْرَة ... وَرْدِية من صنعة الخالق
بسكر الأهواز مصبوغة ... فطعمها أحلى من الرائق
غريقة في الدهن رَجْرَاجَة ... تَدُور بالنَّفْخ من الذائق
لينة ملمسها زبدة ... وريحها كالعنبر الفائق
كأنها في جامها إذ بَدَتْ ... تزهر كالكوكب في الغاسق
عقيقة صفْرَتُهَا فاقعِ ... في جيد خودٍ بَضّة عاتق
أحلى من الأمن أتى مؤمناً ... إلى فؤاد قلقٍ خافق
في وصف جوذابة
وقال آخر: يا أمير المؤمنين، معي لبعض المحدثين في صفة جوذابة:
وجوذابة مثل لون العقيق ... وفي الطعم عندي كطعم الرحيق
منِ السكر المحض معمولة ... ومن خالص الزعفران السحيق
مُغرَّقة بشحوم الدَّجَاج ... وبالشحم، أكْرِمْ بها من غريق
لذيذةُ طعمٍ إذا استعملت ... وفي اللون منها كلون الخلوق
عليها اللالئ من وفقها ... تضم جوانبها ضم ضِيقْ
يُرَدِّدها في الإِنا نفخة ... وما في حلاوتها من مطِيق
في وصف قطائف
وقال آخر: يا أمير المؤمنين، لمحمود بن الحسين كشاجم في صفة قطائف:
عندي لأصحابي إذا اشتدَّ السغب ... قطائف مثل أضابير الكتب
كأنه إذا ابتدى من الكثب ... كَوَافر النحل بياضاً قد ثقب
قد مَجَّ دهن اللوز مما قد شرب ... وَابْتَل مما عام فيه وَرَسَبْ
وجاء ماء الورد فيه وذهب ... فهي عليه حَبب فوق حَبَبْ
إذا رآه واله القلب طرب ... مدرج تدريج أبناء الكتب
أطيب منه أن تراه ينتهب ... كل امرئ لَذَّتُهُ فيما أحب
لأبي نواس في وصف باطرنجا
فأقبل المستكفي على معلم كان يعلمه في صباه طيب النفس، وكان يضحك منه ويستطرفه، فقال له: قد أنشدنا ما سمعت، فأنشدنا أنت، قال: لا أدري ما قال هؤلاء، وما أنشدوا، غير أني مضيت في أمس يومنا هذا أدور حتى أتيت باطرنجا، فرأيت رياضها، فذكرت قول أبي نُوَاس فيها، فواللّه لقد شجاني، وذهب بي كل مذهب، فقال له المستكفي: وما الذي قال أبو نُوَاس، ووصف من أمرها؟ قال:
نومُ عينيك يا ابن وهب غِرَارُ ... ولنار الهوى بقلبك نار
باطرنجا بها ثَوَائي ولي فيها إذا دارت الكؤوس اعتبار
من حديثي أني مررت بها يَوْ ... ماً وقلبي من الهوى مُسْتَطَار
وبها نَرْجِسٌ ينادي غلامي ... قف فقد أدرَكَتْ لدينا العقار
وتغنَّى الدرَّاج واستمطر اللهو وجادت بِنَوْرِهَا الأزهار
(2/196)

فانثنينا إلى رياض عيون ... ناظرات ما إنْ بهِنَ احْوِرَارُ
ومكان الجفون منها ابيضاض ... ومكان الأحداق منها اصفرار
بينما نحن عندها صَرَخَ الوَرْ ... دُ: إلينا يا أيُّهَا السُّمَّار
عندنا قهوة تغافل عنها ... دهرها فالوجود منها خُمَارُ
وانثنينا للورد من غير أن تنبو عَنِ النّرْجِس المُضَاعف دار
فرأى النّرْجِس الذي صنع الوَرْ ... د، فنادى مستصرخاً: يا بَهَارُ
ورأى الورد عسكرين من الصفر فنادى فجاءه الْجُلَّنَارُ
واستجاشا تُفّاحَ لُبْنَان لمَّا ... حَمِيَتْ من وطيسها الأوتار
واستجاش البَهَارُ جيشاً من الأتْرُجِّ فيه صِغَارُه والكبار
فرأيت الربيع في عسكَرِ الصفر وقلبي يشفه الاحْمِرَارُ
ليس إلا لحمرة من خُدُودٍ ... من أنَاس بَغَوْا علينا وَجَارُوا
فلم أر المستكفي منذ ولي الخلافة أشد سروراً منه في ذلك اليوم، وأجاز جميع مَنْ حضر من الجلساء والمغنين والملهين، ثم أحضر ما حضره في وقته من عَيْنٍ وَوَرِقٍ مع ضيق الأمر إليه، فواللّه ما رأيت له بعد ذلك يوماً مثله، حتى قَبَضَ عليه أحمد بن بُوَيْهِ الديلمي، وسَمَلَ عينيه، وذلك أن الحرب لما طالت بين أبي محمد الحسين بن عبد اللّه بن حمدان - وكان في الجانب الشرقي ومع الأتراك - وابن عمه الحسين بن سعيد بن حمدان، وبين أحمد بن بُوَيْهِ الديْلَمِي في الجانب الغربي، والمستكفي معه، اتهم الديلمي المستكفي بمسألة بني حَمْدَان ومكاتبتهم بأخباره، وإطلاعهم على أسراره، مع ما كان تقدم له في نفسه، فَسَمَلَ عينيه، ووَلّى المطيع، وأعمل الديلمي الحيلة في البيان بالديلم، فحملهم في السفن مع بوقات ودسَّابات فيِ الليل، وألقاهم في مواضع كثيرة من الشارع إلى الجانب الشرقي؛ فتَوَجَّهَتْ له على بني حَمْدَان الحيلة فخرجوا نحو الموصل من بعد أحداث كثيرة بين الأتراك وبينهم ببلاد تكريت، واستوثق الأمر لأحمد بْن بُوَيْهِ الديلمي، وشرع في عمارة البلد، وسد البُثُوقَ، على حسب ما ينمو إلينا من أخباره، واتصل بنا من أفعاله، على بعد الدار، وفساد السبل، وانقطاع الأخبار، وكوننا ببلاد مصر والشام.
قال المسعودي: ولم يتأتَّ لنا من أخبار المستكفي - مع قِصَرِ أيامه - غير ما ذكرنا، واللّه الموفق للصواب.
ذكر خلافة المطيع للّه
وبويع المطيع للّه - وهو أبو القاسم الفضل بن جعفر المقتدر - لسبع بَقِينَ من شعبان سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وقيل: إنه بويع في جمادى الأولى من هذه السنة، وغَلَبَ على الأمر ابن بُوَيْهِ الديلمي، والمطيع في يده لا أمر له ولا نَهْيَ، ولا خلافة تعرف، ولا وزارة تذكر، وقد كان أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد يدبر الأمر بحضرة الديلمي، قيماً بأمر الوزارة برسم الكتابة، ولم يُخَاطَبْ بالوزارة إلى أن استأمن الحسين بن عبد اللّه بن حَمْدَان إلى الجانب الغربي، وخرج معه عند خروجه إلى ناحية الموصل، إلى أن اتَّهَمَهُ بتغريته الأتْرَاك عليه؛ فسمل عينيه، وقد قيل: إن أبا الحسن علي بن محمد بن علي بن مُقْلَة يعرض الكتب على الديلمي والمطيع، ويتصرف برسم الكتابة، لا برسم الوزارة في هذا الوقت، وهو جمادي الأولي سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ولم نفرد بجوامع تاريخ المطيع باباً مفصلاً عن أخباره كإفرادنا لغيره مما سلف ذكره في هذا الكتاب لأنا في خلافته بَعْدُ.
قال المسعودي: وقد كُنَّا شرطنا على أنفسنا في صَدْر كتابنا هذا أن نذكر مَقَاتل آل أبي طالب، ومن ظهر منهم في أيام بني أمية وبني العباس، وما كان من أمرهم من قتل أو حبس أو ضرب، ثم ذكرنا ما تأتى لنا ذكره من أخبارهم، من قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، وبقي علينا من ذلك ما لم نورده، وقد ذكرناه في هذا الموضع، وِفَاء بما تقدم من شرطنا في هذا الكتاب.
طالبي يظهر بصعيد مصر أيام ابن طولون
فمن ذلك أنه ظهر بصعيد مصر أحمد بن عبد اللّه بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فقتله أحمد بن طولون، بعد أقاصيص قد أتينا على ذكرها فيما سلف من كتبنا، وذلك نحو سنة سبعين ومائتين.
(2/197)

وكان خروج أبي عبد الرحمن العجمي على أحمد بن طولون بصعيد مصر وما كان من أمره إلى أن قتل.
ظهور محسن بن الرضا بدمشق
ومن ذلك ظهور ابن الرضا، وهو محسن بن جعفر بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم، في أعمال دمشق سنة ثلاثمائة، فكان له مع أميرها أحمد بن كيغلغ أحداث فقتل صبراً، وقيل: قتل في المعركة، وحمل رأسه إلى مدينة السلام فنصب على الجسر الجديد بالجانب الغربي.
ظهور الأطروش بطبرستان
وظهر ببلاد طبرستان والديلم الأطروش، وهو الحسن بن علي بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم، وأخر عنها المسودة، وذلك في سنة إحدى وثلاثمائة، وقد كان أقام في الديلم والجبل سنين، وهم جاهلية ومنهم مجوس؛ فدعاهم إلى اللّه تعالى فاستجابوا وأسلموا إلا قليلاً منهم في مواضع من بلاد الجبل والديلم في جبال شاهقة وقلاع وأوْدِية ومواضع خشنة على الشرك إلى هذه الغاية، وبنى في بلادهم مساجد، وقد كان للمسلمين بإزائهم ثغور مثل قزوين وشالوس وغيرهما من بلاد طبرستان، وقد كان بمدينة شالوس حصن منيع وبنيان عظيم بنته ملوك فارس، يسكن فيه الرجال المرابطون بإزاء الديلم، ثم جاش الإسلام فكان كذلك إلى أن هدمه الأطروش وقد كان بين الأطروش والحسن بن القاسم الحسني الداعي حروب على بلاد طبرستان، فكانت بينهم سجالاً، وكان الحسن بن القاسم الحسني الداعي وَافى الريَ، وذلك في سنة سبْعَ عشرة وثلاثمائة في جيوش كثيرة من الجبل والديلم ومعه ماكان بن كاكي الديلمي أحد فتاك الديلم ووجوهها فأخرج عساكر نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد صاحبه عنها، فكتب المقتدر إلى نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان يُنْكر عليه ذلك ويقول: إني ضمَّنْتُكَ المال والدم، فأهملت أمر الرعية؛ وأضعفتها، وأهملت البلد، حتى دخلته المبيضة، وألزمه إخراجهم عنه، فوقع اختيار نصر صاحب خراسان على إنقاذ رجل من أصحابه من الجبل، يقال له أسفار بن شيرويه، وأخرج معه ابن المحتاج، وهو أمير من أمراء خراسان، في جيش كثير ليحارب مَنْ مع الداعي وماكان بن كاكي من الديلم لما كان بين الجبل والديلم من الضغائن والتنافر، فسار أسفار بن شيرويه الجبلي فيمن معه من الجيوش إلى حدود الري، فكانت الوقعة بين أسفار بن شيرويه الجبلي وبين ما كان بن كاكي الديلمي، فاستأمن أكثر أصحاب ماكان بن كاكي الديلمي وقواده، مثل مشير وتلْجين وسليمان بن شركلة الأشكري ومرد الأشكري وهشونه بن أومكر في آخرين من قواد الجبل، فحمل عليهم ماكان في نفر يسير من غلمانه سبع عشرة حملة، وصبرت له عساكر خراسان ومن معه من الأتراك، فولّى ماكان ودخل بلاد طبرستان، وانهزم الداعي بين يديه، وماكان على حاميته؛ فلحقته خيول خراسان والجبل والديلم والأتراك، فيهم أسفار بن شيرويه، ومضى ماكان لكثرة الخيول وانحاز الداعي وقد لحق بقرب آمل قصبة بلاد طبرستان إلى طاحونة هنالك وقد تخلى عنه من كان معه من الأنصار، فقتل هنالك، ولحق ماكان بالديلم، واستولى أسفار بن شيرويه على بلاد طبرستان، والري، وجرجان، وقزوين، وزنجان، وأبره، وقم، وهمذان، والكرخ، ودعا لصاحب خراسان واستوثقت له الأُمور، وعظمت جيوشه وكثرت عُدَّته، فتجبر وطغى، وكان لا يدين بملة الإسلام، وعصى صاحب خراسان وخالف عليه، وأراد أن يعقد التاج على رأسه، وينصب بالري سريراً من ذهب للملك، ويتملك على ما في يديه مما قد ذكرنا من البلاد ويحارب السلطان وصاحب خراسان.
(2/198)

فسير المقتدر هارون بن غريب في الحال نحو قزوين فكانت له معه حروب، فانكشف هارون وقتل من أصحابه خلق كثير، وذلك بباب قزوين، وقد كان أهل قزوين عاونوا أصحاب السلطان، فقتلوا منهم عِدّة، فكانت لهم بعد هزيمة هارون بن غريب مع الديلم حروب، وسار إليهم أسفار بن شيرويه؛ فأتى على خَلْقٍ عظيم بها، وملك القلعة التي في وسط قزوين، وتدعى بالفارسية: كشوين وهو الحصن الذي كان للمدينة أولاً في نهاية المَنَعَة، مما كانت الفرس جعلته ثغراً بإزاء الدَّيلم وشحنته بالرجال، لأن الديلم والجبل - مذ كانوا - لم ينقادوا إلى ملّة، ولا استحبوا شرعاً ثم جاء الإِسلام، وفتح اللّه على المسلمين البلاد، فجعلت قزوين للديلم ثغراً هي وغيرها، مما أطاف ببلاد الديلم والجبل وقصدها المطوعة والغزاة؛ فرابطوا وغزوا ونفروا منها، إلى أن كان من أمر الحسن بن علي العلويِّ الداعي الأطروش؛ وإسلام من ذكْرنا من ملوك الجبل والديلم على يديه ما تقدم ذكره في صدر هذا الباب من خبره، والآن قد فسدت مذاهبهم وتغيرت آراؤهم وألحد أكثرهم، وقد كان قبل ذلك جماعة من ملوك الديلم يدخلون في الإسلام، وينصرون مَنْ ظهر ببلاد طبرستان من آل أبي طالب، مثل الحسن ومحمد ابني زيد الحسيني؛ وخَرَّب أسفار بن شيرويه قزوين لماكان من فعل أهلها ومعاونتهم أصحاب السلطان على رجاله، وقلع أبوابها، وسبى، وأباح الفروج، وسمع المؤذن يؤذن على صومعة الجامع، فأمر أن ينكس منها على أمِّ رأسه، وخرب المساجد، ومنع الصلوات، فاستغاث الناس - في المساجد في أمصار المشرق، واستفحل أمره، وسار صاحب خراسان يريد الريَّ لحرب أسفار بن شيرويه في عساكره وانفصل عن مدينة بخارى، وهي دار مملكة صاحب خراسان في هذا الوقت، وعبر نهر بلخ فنزل مدينة نيسابور، وسار أسفار بن شيرويه إلى الري، وجمع عساكره، وضم إليه رجاله من الأطراف، وعزم على محاربة صاحب خراسان فأشار عليه وزيره - وهو مطرف الجرجاني، وكان يخاطب بالرئيس - أن يلاطف صاحب خراسان، ويراسله ويطمعه في المال وإقامة الدعوة؛ فإن الحرب تارات، وأوقاتها سجال، والإنفاق عليها من رأس المال، فإن جَنح إلى ما دعوته إليه وراسلته به، وإلا فالحرب بين يديك، لأن من معك من الأتراك وأكثر فرسان خراسان إنما هم رجاله، وإنما قد تملكتهم بالِإحسان إليهم، ولا تدري لعله إذا قرب منك صاروا مع صاحبهم، فقبل قوله: وأمر بمكاتبته، فلما وردت الكتب على صاحب خراسان أبى أن يقبل شيئاً من ذلك، وعزم على المسير إليه، فأشار عليه وزيره أن يقبل منه ما بذل، وأن يَرْضى منه بما تحمل من الأموال وإقامة الدعوة، فإن الحرب عَثَرَاتُهَا لا تُقَال، ولا يدرى إلى ما تؤول، لأن الرجلِ قوي بالمال والرجال، فإن هزم لم يكن في ذلك كبير فتح، إذ كان رجلاً من رجالك انتدبته لحرب عدوك وضممت إليه عساكرك وغلمانك، فخالف عليك، وإن كانت وعائذ باللّه عليك لم تستقل من ذلك، فشاوَرَ صاحب خراسان ذوي الرأي من قواده وأصحابه فيما قال وزيره فسددوا رأيه، وصَوَّبوا قوله، فجنح إلى قولهم، وما أشير عليه، فأجاب أسفار بن شيرويه إلى ما سأل، وأعطاه ما طلب، من بعد شروط اشترطها عليه من حمل أموال وغير ذلك، فلما ورد الكتاب على أسفار بن شيرويه قال لوزيره: هذه أموال عظيمة قد اشترط علينا حملها، ولا سبيل إلى إخراجها من بيت المال، فالواجب أن نستفتح خراج هذه البلاد.
(2/199)

فقال له وزيره: إن في استفتاح الخراج في غير وقته مضرة على أرباب الضياع، وخراب البلاد، وجلاء لكثير من أهل الضياع قبل إدراك غلاتهم، قال له أسفار: فما الوجه؟ قال الوزير: الخراج إنما يخص بعض الناس من أرباب الضياع خاصة، وهاهنا وجه يعم سائر الناس من أرباب الضياع وغيرهم من المسلمين، سائر أهل الملل من أهل هذه البلاد وغيرهم عن الغرباء، من غير ضرر عليهمِ ولا كثير مؤنة، بل إعطاء شيء يسير، وهو أن تجعل على كل رأس ديناراً، فيكون في ذلك ما اشترط علينا حمله من المال وزيادة عليه كثيرة، فأمره أسفار بذلك، فكتب أهل الأسواق والمحال من المسلمين وأهل الذمة حتى وصل في الإِحصاء إلى مَنْ في الفنادق والخانات من الغرباء من التجار وغيرهم، وحشَرَ الناس إلى دار الخراج بالري وسائر أعمالها، فطولبوا بهذه الجزية، فمن أدى كتب له براءة بالأداء مختومة على حسب ما تكتب براءة أهل الذمة عند أدائهم الجزية في سائر الأمصار، فأخبرني جماعة من أهل الري وغيرهم ممن طرأ عليهم من الغرباء من التجار وغيرهم - وأنا يومئذ بالأهواز وفارس - أنهم أدوا هذه الجزية وأخفوا هذه البراءة بأدائها، فاجتمع من ذلك أموال عظيمة حمل منها ما اشترط عليه، وكان الباقي من ذلك ألف ألف دينار ونيفاً، وقيل: أضعاف ما ذكرنا على حسب الخلائق الذين بالري وأعمالها، ورجع صاحب خراسان إلى بخارى، وعظم أمر أسفار على خلاف ما عهد، وبعث برجل من أصحابه كان صاحب جيش من الجبل يُقال له مرداويج بن زياد إلى ملك من ملوك الديلم مما يلي قَزْوِين، وهو صاحب الطرم من أرض الديلم، وهو ابن أسْوَار المعروف بسلار الذي ولده في هذا الوقت صاحب أذربيجان وغيرها، ليأخذ عليه البيعة لأسفار بن شيرويه والعَهدَ والدخول في طاعته، فسار مرداويج إلى سلار فتشاكيَا ما نزل بالإسلام من أسفار بن شيرويه، وإخرابه البلاد، وقتله الرعية؛ وتركه العمارة والنظر في عواقب الأمور، فتحالفا وتعاقدا على التظافر على أسفار والتعاون على حربه، وقد كان أسفار سار في عساكره إلى قَزْوين؛ وقرب من تُخوم الديلم من أرض الطرم من مملكة ابن أسوار منتظراً لصاحبه مرداويج بن زياد وأنه إن لم يَنْقَذِ ابن أسوار إلى طاعته ورجع إليه رسوله بما لا يحب وطئ بلاده، وسلار هذا هو خَالُ علي بن وهوذان المعروف بابن حسان ملك أخر كن ملوك الديلم، وهو الذي قتل بالري، قتله ابن أسوار هذا في خبر بطول ذكره.
(2/200)

فلما قرب مرداويج من عساكر أسفار راسَلَ قواده وكاتبهم في معاونته على الفتك بأسفار، وأعلمهم مظاهرة سلار عليه، وقد كان القواد وسائر أصحابه سئموا أيامه، ومَلُّوا دولته، وكرهوا سيرتَه، فأجابوا مرداويج إلى ذلك، فلما دنا من الجيش استشعر أسفار بن شيرويه البلاد، وعلم ضجةَ الحيلة عليه، وأن لا ناصر له من أصحابه ولا غيرهم لما تقدم من سوء سيرته؛ فهرب في نفر من غلمانه، فوافى مرداويج وقد فاته أسفار، فاستولى على الجيش وحاز الخزائن والأموال، وأحضر وزير أسفار المعروف بمطرف الجرجاني، فاستخرج منه الأموال، وأخذ البيعة على القواد والرجال، وفرق فيهم الأموال من الأرزاق والجوائز، وزاد في أنزالهم، وأحسن إليهم بما لم يكونوا يعرفونه من أسفار، ومضى أسفار إلى نحو مدينة السارية من بلاد طبرستان فلم يجد له ملجأ يقصده، وحار في أمره، فرجع يريد قلعة من قلاع الديلم منيعة تعرف بقلعة الموت، وكان فيها شيخ من شيوخ الديلم يعرف بأبي موسى مع عِدَّةٍ من الرجال قِبَلهُ ذخائر أسفار بن شيرويه وكثير من خزائنه وأمواله، وكان مرداويج لما توجَّه له ذلك وملك الجيش والأموال خرج يتصيد على أميال من قزوين نحو الطريق الذي سلكه أسفار ليستعلم أمره، وأي البلاد سلك، وإلى أي القلاع لجأ، فمال إلى القلعة فنظر إلى خيل يسيرة في بعض الأودية؛ فأسرع أصحابه نحوها ليأخذوا خبرها فوجدوا أسفار بن شيرويه في عِدةٍ يسيرة من غلمانه يؤمُّ القلعة ليأخذ ماله فيها من الأموال ويجمع الرجال من الديلم والجبل ويعود إلى حرب مرداويج. فلما وقعت عينه عليه نزل فذبحه من ساعته، وأقبل رجال الديلم والجبل نحو مرداويج؛ لما ظهر من بَذْله وإحسانه إلى جنده، وتسامع الناس بإدْرَاره الأرزاقَ على جنده، فقصدوه من سائر الأمصار، فعظمت عساكره، وكثرت جيوشه، واشتد أمره، ولم يَسْعه ما في يديه من الأمصار، ولا كفى رجاله ما فيها من الأموال، ففرق قواده إلى بلاد قم وكرخ ابن أبي دلف والبرج وهمذان وأبهر وزبجان، فكان ممن أنفذ إلى همذان ابن أخت له في جيش كثيف مع جماعة من قواده ورجاله، وكان بها جيش للسلطان مع أبي عبد اللّه محمد بن خلف الدينوري السرماني، ومعه خفيف غلام أبي الهيجاء عبد اللّه بن حَمْدَان في جماعة من قواد السلطان؛ فكانت لهم مع الديلم حروب متصلة ووقائع كثيرة، وعاون أهل همذان أصحاب السلطان، فقتل من رجال مرداويج خلق كثير من الديلم والجبل نحو أربعة آلاف.
(2/201)

وقتل ابن أخت مرداويج صاحب الجيش والمعروف بأبي الكراديس بن علي بن عيسى الطلحي، وكان من وجوه قواد مرداويج، وولت الديلم نحو مرداويج أوْحَشَ هزيمة، فلما أتاه الخبر وضَجَّتْ أخته ورأى ما نزل بها من أمر ولدها سار عن الري في جيوشه حتى نزل مدينة همذان على الباب المعروف بباب الأسد، وإنما سمي هذا البابُ بباب الأسد لأن أسداً من حجارة كان على رَبْوَة من الأرض على الطريق المؤدية إلى الري فيَ وجَادَّةِ خراسان أعظم ما يكون من الأسد كالثور العظيم أو كالجبل البارك كأنه أسد حي حتى يدنو الِإنسان منه فيعلم أنه حجر قد صور أحسن صورة ومثل أقرب ما يكون من تمثيل الأسد، فكان أهل همذان يتوارثون أخبارهم عن أسلافهم مستفيضاً فيهم أن الإسكندر بن فيلبس بَنَى همذان حين انصرف من بلاد خراسان ورجوعه من مطافه من الهند والصين وغيرهما، وأن ذلك الأسد جعل طِلّسْماً للمدينة وسرها، وأن خراب البلد وفناء أهله وهدم سورها والقتل الذريع يكون عند كسر ذلك الأسد وقَلْعه من موضعه، وأن ذلك من وجهة الديلم والجبل، وكان أهل همذان يمنعون من يجتاز بهم من العساكر والسابلة والمتولعة من أحداثهم أن يقلبوا ذلك الأسد أو يكسروا شيئاً منه، ولم يكن ينقلب لعظمه وصلبه حجره إلا بالخلق الكثير من الناس، وقد كان عسكر مرداويج الذي سيره مع ابن أخته إلى همذان نزلوا على هذا الباب وانبسطوا في تلك الصحراء قبل الوقعة بينهم وبين أصحاب السلطان، فقلب على ما ذكر هذا الأسد فكسر، فكان من أمر الواقعة ما ذكرنا، وذلك على طريق الولع من الديلم، فلما سار مرداويج ونزل على هذا الباب، ونظر إلى مصارع أصحابه، وقتل أهل همذان لابن أخته اشتد غضبه لذلك، فكانت بينه وبين أهل همذان ثورة، ثم ولى القوم وقد أسلمهم قبل ذلك أصحاب السلطان، ورحلوا عنهم، فقتلوا في اليوم الأول في قول المقلِّل من الناس على ما ذكر لنا ممن أدركه الإِحصاء ممن حمل السلاح في المعركة، نحواً من أربعين ألفاً، وأقام السيف يعمل فيهم ثلاثة أيام والنار والسبي، ثم نادى برفع السيف في اليوم الثالث، وأمَنَ بقيتهم، وناس أن تخرج البلد ومستوروه إليه، فلما سمعوا النداء أمَّلُوا الفرج، فخرج من وثق بنفسه، من الشيوخ وأهل الستر، ومن لحق بهم، فخرجوا إلى المصلى، فدخل إليه صاحب عذابه.
(2/202)

وكان يقال له: السقطي، فسأله عن أمره فيهم، فأمره أن يطوف بهم الديلم والجبل بحرابهم وخناجرهم فيؤتي عليهم، فأطافت بهم الرجال من الديلم، قأتى على القوم جميعاً، وألحقوا بمن مضى منهم، وبعث منها بقائد من قواده، يعرف بابن علان القزويني وكان يلقب بخواجة، وذلك أن أهل خراسان إذا عَظّموا الشيخ فيهم سَمَّوه خواجة، في عسكر من عساكره إلى مدينة الدينور، ومن همذان إليها ثلاثة أيام، فدخلها بالسيف، وقتل من أهلها في اليوم الأول سبعة عشر ألفاً في قول المقلل، والمكثر يقول: خمسة وعشرين ألفاً، فخرج إليه في مستوري أهل الدينور وصوفيتها وزهادها رجل يُقال له بن مشاد وبيده مصحف قد نشره فقال لابن علان المعروف بخواجه أيها الشيخ، اتَّقِ اللّه وارفع السيف عن هؤلاء المسلمين، فلا ذنب لهم ولا جناية يستحقون بها ما قد نزل بهم، فأمر بأخذ المصحف من يده، فضرب به وجهه، ثم أمر به فذبح، وسبى الأموال والدماء والفروج، وبلغت عساكر مرداويج وجنوده إلى الموضع المعروف بالشجرتين، وهو فرز بين بلاد الجبل وأعمال حلوان مما يلي العراق، وذلك بين يلادطرر والمطامير ومرج القلعة، قتلاً وسَبْياً، وغنم الأموال ثم ولت جيوشه راجعة وقد غنمت الأموال، وقتلت الرجال، وملكت الأولاد، وأخذوا الغلمان وتملَّكوهم، وسَبَوْا من بلاد الدينور وقرماسين والزبيديه إلى حيث ما بلغوا مما وصفنا من البلاد مما أدركه الإِحصاء من الجواري العواتق والغلمان في قول المقلل خمسين ألفاً، وفي قول المكثر مائة ألف، فلما تم لمرداويج ما وصفنا وحملت إليه الأموال والغنائم بعث بها إلى أصبهان بجماعة من قواده في قطعة من عساكره، فملكوها، وأقيمت لهم الأنزال، والغلوفات، وعمرت لهم قصور أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلَفَ العِجْلِيِّ، وهيئت له البساتين والرياض، وزرع له فيها أنواع الرياحين على حسب ما كان في آل عبد العزيز، فسار مرداويج إلى أصبهان، فنزلها وهو في نحو خمسين ألفاً، وقيل: أربعين، سوى ماله بالري وقم وهمذان، وسائر أعماله من العساكر، وقد كان أنفذ جماعهَ من قواده وعساكره مع أبي الحسن محمد بن وهبان الفضيلي، وهو الذي استأمن بعد ذلك إلى السلطان، ثم قصد بعد ذلك إلى محمد بن رائق، وهو بالرقة من بلاد ديار مضر، قبل دخول الشام ومحاربته الإخشيد محمد بن طغج، فاحتال عليه رافع القرمطي.
وكان من قواد ابن رائق، حتى فرق بينه وبين عسكره وغرقه في الفرات، وذلك نحو رحبة مالك بن طَوْق، وقد أتينا على خبره، وما كان من الحيلة في أمره، ومدة بقائه في الماء مقيداً إلى أن خرج، ثم قتل بعد ذلك، في الكتاب الأوسط في أخبار محمد رائق، وسار ابن وهبان فيمن معه من العساكر إلى صقع كور الأهواز، وذلك على طريق مناذر وتستر وأيذج، واحتوى على هذه البلاد وجبى أموالها، وحمل ذلك إلى مرداويج فطَغَى مرداويج وتكبر، وعظمت جيوشه وأمواله وعساكره، وضرب سريراً من الذهب، رُصِّعَ له بالجوهر، وعملت له بدلة وتاج من الذهب، وجمع في ذلك أنواع الجواهر، وقد كان سأل عن تيجان الفرس وهيآتها، فصورت له ومُثِّلَتْ فاختار منها تاج أنوشروان بن قباذ.
(2/203)

وكان نمي إليه من كتابه ومن أطاف به من أتباعه، من دُهَاة العالم وشياطينه، أن الكواكب ترمي بشعاعها إلى بلاد أصبهان، فيظهر بها ديانة، وينصب بها سرير ملك، ويُجْبى له كنوز الأرض، وأن الملك الذي يليها يكون مصفر الرجلين ويكون من صفته كيت وكيت، وأن مدة عمره في الملك كذا وكذا، ثم يتلوه من ولده من بعده في هذه المملكة أربعون ملكاً، وقربوا له الزمان في ذلك وحددوه وتقربوا إليه بأشياء من هذه المعاني مما مال إليه هَوَاه واستدعاه منهم واستهواه وأظهر أنه المصفر الرجلين الذي يتملك الأرض، وكان معه من الأتراك نحو أربعة آلاف مماليك له في خاصته، دون مَنْ في عسكره من الأتراك، مع ما عنده من الأمراء والأتراك، وكان سيء الصحبة لهم، كثير القتل فيهم، فعملوا على قتله، وتحالفوا وقد كان على المسير إلى مدينة السلام، والقبض على الملك، وتوليه أصحابه مدن الإِسلام بأسرها في شرق البلاد وغربها مما في يد ولد العباس، وغيرهم، فأقْطَعَ الدور ببغداد لأهله، ولم يشك أن الأمر في يده والملك له، فخرج ذات يوم إلى الصيد وهو فرح مسرور، وانصرف وهو كذلك لما قد تم له من الأمر وتأتى له من الملك، فدخل الحمام بعد رجوعه في قصر أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلَفَ العِجْلِيِّ بأصبهان فدخل إليه غلام من وجه الأتراك، وهو بجكم، وكان من خواص الغلمان، ومعه ثلاثة نَفَرٍ من وجوه الأتراك أرى أحدهم توزون مدبر الدولة بعد بجكم، فقتلوه، فخرج بجكم ومن معه، وقد كان أعلم الأتراك بذلك فكانوا له متأهبين دون سائر مَنْ في العسكر، فركبوا من فَوْرِهِم - وذلك في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة في خلافة الراضي - وتفرق الجيش عند وقوع الضجة. وانتهب بعض الناس بعضاً، وأخذت الخزائن وانتهبت الأموال، ثم إن الجبل والديلم ثابوا واجتمعوا وتشاوروا، وقالوا: إن بقينا على ما نحن عليه من التحزب بغير رئيس ننقاد إليه هلكنا، فاجتمع أمرهم على مبايعة وشمكير أخي مرداويج، وتفسير وشمكير بالعربية الأخذ وتفسير مرداويج معلق الرجال، وقد يكتب مزداويجِ بالزاي فبايعوا وشمكير بعد أن تفرق كثير من الجيش، ففرق فيهم كثيراً مما بقي من الأموال، وأحسن إليهم، وَتَوَجَّهَ فيمن معه من العساكر إلى الريِّ فنزلها، وسار بجكم التركي فيمن معه منَ الأتراك وقد جمعوا أنفسهم إلى أن يخلصوا من الديلم، وسار إلى بلاد الدِّينَوَرِ فجبى منها الخراج وأخذ كثيراً من الأموال، وسار إلى النهروان على أقل من يومين من مدينة السلام، فراسل الراضي، وكان الغالب على أمره الساجية وعدة من الغلمان الحجرية، فأبوا أن يتركوه يصل إلى الحضرة خوفاً أن يغلب على الدولة، فمضى بجكم لما منع من الحضرة إلى واسط إلى محمد بن رائق، وكان مقيماً بها، فأدناه، وَحَيَّاه، وغلب عليه، وقوى أمر بجكم واصطنع الرجال، وضعف أمر ابن رائق عنه، فكان من أمره ما قد اشتهر، وقد قدمنا ذكره فيما سلف من كتبنا: من اختفائه وخروج بجكم مع الراضي إلى الموصل ومعهم علي بن خلف بن طباب إلى ديار بني حَمْدَان من بلاد الموصل وديار ربيعة، وظهور محمد بن رائق ببغداد، ومعونة الغَوْغَاء له، ومسيره إلى دار السلطان وقتله لابن برد السيرافي، وخروجه عن الحضرة ومن تبعه من الجبل والقرامطة، مثل رافع وعمارة وغيرهما، وكانوا أنصاره، ومسيره إلى ديار مضر، ونزوله الرقة وما كان بينه وبين نميرة، ودخول يأنس المؤنسي في جملته، ومسيره إلى جند قنسرين والعواصم، وإخراجه طريفاً السكري عنها وتوليته الثغر الشامي.
(2/204)

وقد أتينا في الكتاب الأوسط الذي كتابُنَا هذا تَالٍ له، والأوسَطُ تال لكتابنا أخبار الزمان، ومن أباده الحدثان من الأًمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الداثرة على ما كان منه، ومحاربته الِإخشيد محمد بن طغج بالعريش من بلاد مصر، وانكشافه، ورجوعه إلى دمشق، وما كان من قتله لأخي الإخشيد محمد بن طغج باللجون من بلاد الأردن، وما كان قبل وقعة العريش بينه وبين عبد اللّه بن طغج، وما كان معه من القواد، وانكشافهم عنه، واستئمان من استأمن منهم إليه مثل محمد بن تكين الخاصة وتكين الخاقاني غلام خاقان المفلحي وغيرهما، وغير ذلك من أخباره وأخبار غيره، وذكرنا مقتل طريف السكري في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة على باب طرسوس، وما كان من وقعته مع الثميلية، وهم غلمان ثميل الخادم، فأغنى ذلك عن إعادته مبسوطاً في هذا الكتاب.
وإنما تغلغل بنا الكلام في التصنيف فيما ذكرنا من أخبار الديلم والجبل وما كان من أمر أسفار بن شيرويه ومرداويج عند ذكرنا لآل أبي طالب وأمر الداعي الحسن بن القاسم الحسني صاحب طبرستان ومقتله، وخبر الأطروش الحسن بن علي الحسني.
قال المسعودي: وقد أتينا على ذكر سائر الأحداث والكوائن في أيام مَنْ ذكرنا من الخلفاء والملوك في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وذكرنا في هذا الكتاب ما يكتفي به الناظِرُ فيه، وانتهى بنا التصنيف فيه إلى هذا الوقت، وهو جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ونحن بفسطاط مصر، والغالب على أمر الدولة والحضرة أبو الحسن أحمد بنْ الديلمي المسمَّى مُعِز الدولة، وأخوه الحسن بن بُوِيْهِ صاحب بلاد أصبهان وكُوَرِ الأهواز وغيرها المسمى ركن الدولة، وأخوهما الأكبر، والرئيس فيهم المعظم عليُّ بن بُوَيْهِ الملقب بعميد الدولة المقيم بأرض فارس، والمدبر منهم لأمر المطيع أحمدُ بن بُوَيْهِ مُعِزُّ الدولة، وهو المحارب للبريديين بأرض البصرة، والمطيع معه على حسب ما ينمو إلينا من أخبارهم، ودلننا في كتابنا هذا بالقليل على الكثير، وبالخبر اليسير على الجليل الخطير، وذكرنا في كل كتاب من هذه الكتب ما لن نذكره في الآخر إلا ما لا يسع تركه، ولم نجد بداً من إيراده لما دعت الضرورة إلى وصفه، وأتينا على أخبار أهل كل عصر وما حَدَث فيه من الأحداث، وما كان فيه من الكوائن إلى وقتنا هذا، مع ما أسلفناه في هذا الكتاب من ذكرنا البر والبحر، والعامر منهما والغامر، والملوك وسيرها، والأمم وأخبارها.
وأرجو أن يَفْسَحَ اللّه تعالى لنا في البقاء، ويمد لنا في العمر، ويسعدنا بطول الأيام؛ فنعقب تأليف هذا الكتاب بكتاب آخر نضمنه فنوناً من الأخبار، وأنواعاً من طرائف الآثار، على غير نَظْم من التأليف، ولا ترتيب من التصنيف، على حسب ما يَسْنَحُ من فوائد الأخبار، ويوجد من نوادر الآثار، ونترجمه بكتاب وصل المجالس بجوامع الأخبار ومختلط الآثار تالياً لما سلف من كتبنا، ولاحقاً بما تقدم من تصنيفنا.
وجميع ما أوردناه في هذا الكتاب لا يَسَعُ ذوي الدراية جهله، ولا يُعْذَرُ في تركه والتغافل عنه؛ فممن عَدَّ أبواب كتابي هذا ولم يمعن النظر في قراءة كل باب منه لم يبلغ حقيقة ما قلنا، ولا عرف للعلم مقداره؛ فلقد جمعنا ما فيه في عدَّة السنين باجتهاد وتعب عظيم، وَجَوَلان في الأسفار، وطواف في البلدان من الشرق والغرب في كثير من الممالك غير مملكة الإسلام.
فمن قرأ كتابنا هذا فليتدبره بعين المحبة، وليتفضل بهمته بإصلاح ما أنكر منه مما غَيَّره الناسخ وصَحَّفه الكاتبُ، وليرع لي نسبة العلم، وحرمة الأدب، وموجبات الرواية، وما تجشمت من التعب فيها، فإن منزلتي فيه وفي نظمه وتأليفه بمنزلة من وَجَدَ جوهراً منثوراً ذا أنواع مختلفة وفنون متباينة فَنَظَمَ منها سلكاً، واتخذ عقداً نفيساً، ثميناً باقياً لطلابه.
وليعلم من نظر فيه أني لم أنتصر فيه لمذهب، ولا تحيزت إلى قَوْلٍ، ولا حكيت عن الناس إلا مجالس أخبارهم، ولم أعرض فيه لغير ذلك.
فلنذكر الآن الباب الثاني من جماع التاريخ على حسب ما قدمنا الوَعْدَ بإيراده في صدر هذا الكتاب وباللّه أستعين، وعليه أتوكل.
ذكر جامع التاريخ الثاني من الهجرة
إلى هذا الوقت
تقدمة
وهو جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة الذي فيه انتهينا من الفراغ من هذا الكتاب.
(2/205)

قد أفردنا فيما سلف من هذا الكتاب باباً في تاريخ العالم والأنبياء والملوك إلى مولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومَبْعثه إلى هجرته، ثم ذكرنا هجرته إلى وفاته، وأيام الخلفاء والملوك إلى هذا الوقت، على حسب ما يوجبه الحساب وما في كتب السير وأصحاب التواريخ ممن عُنِيَ بأخبار الخلفاء والملوك، ولم نعرض فيما ذكرنا من ذلك لما في كتب الزيجات مما ذكره أصحاب النجوم، على حسب ما يوجبه تاريخهم، فلنذكر في هذا الباب جميع ما أثبتوه في كتب زيجات النجوم من الهجرة إلى هذا الوقت المؤرخ، ليكون ذلك أكثر لفائدة الكتاب، وأجمع لمعرفة تباين أصحاب التواريخ من الأخباريين والمنجمين وما اتفقوا عليه من ذلك.
المبدأ ومقابلة من تاريخ الإسكندر
فالذي وجدناه من ذلك في كتاب الزيجات أن الابتداء في يوم الجمعة مستهلَّ المحرم سنة إحدى للتروية، وذلك يوم ستة عشر من تموز سنة تسعمائة وثلاثة وثلاثين لذي القرنين، وكانت هجرة النبي من مكة إلى المدينة سنة إحدى بعد أن مضى منها شهران وثمانية أيام، فمكث بها حتى قبض صلى الله عليه وسلم تسع سنين وأحد عشر شهراً واثنين وعشرين يوماً؛ فذلك عشر سنين وشهران - أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه: سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام، فذلك اثنتا عشرة سنة وخمسة أشهر وثمانية أيام.
زمن عمر
عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: عشر سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوماً، فذلك اثنتان وعشرون سنة وأحد عشر شهراً وخمسة وعشرون يوماً.
وكانت الشورى بعد عمر ثلاثة أيام، فذلك اثنتان وعشرون سنة وأحد عشر شهراً وثمانية وعشرون يوماً.
عثمان
عثمان بن عفان رضي اللّه عنه: إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً وتسعة عشر يوماً فذلك أربع وثلاثون سنة وأحد عشر شهراً وسبعة عشر يوماً.
علي
علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: أربع سنين وسبعة أشهر، فذلك تسع وثلاثون سنة وثمانية أشهر وسبعة عشر يوماً.
وإلى بيعة معاوية بن أبي سفيان ستة أشهر وثلاثة أيام، فذلك أربعون سنة وشهران وعشرون يوماً.
معاوية
معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنه: تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وخمسة وعشرون يوماً، فذلك تسع وخمسون سنة وستة أشهر وخمسة وعشرون يوماً.
يزيد بن معاوية
يزيد بن معاوية: ثلاث سنين وثمانية أشهر، فذلك ثلاث وستون سنة وشهران وخمسة عشر يوماً.
معاوية بن يزيد
معاوية بن يزيد بن معاوية: ثلاثة أشهر واثنين وعشرين يوماً، فذلك ثلاث وستون سنة وستة أشهر وسبعة أيام.
مروان
مروان بن الحكم: أربعة أشهر، فذلك ثلاث وستون سنة وعشرة أشهر وسبعة أيام.
عبد اللَّه بن الزبير
عبد اللّه بن الزبير: ثمان سنين وخمسة أشهر، فذلك اثنتان وسبعون سنة وثلاثة أشهر وسبعة أيام.
عبد الملك بن مروان
عبد الملك بن مروان حتى قتل ابن الزبير: سنة وشهرين وستة أيام، فذلك ثلاث وسبعون سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام.
ذكر أيام بني مروان بن الحكم
عبد الملك بن مروان بن الحكم: اثنتي عشرة سنة وأربعة أشهر وخمسة أيام.
الوليد بن عبد الملك: تسع سنين وتسعة أشهر وعشرين يوماً.
سليمان بن عبد الملك: سنتين وسبعة أشهر وعشرين يوماً.
عمر بن عبد العزيز بن مروان: سنتين وخمسة أشهر وثلاثة عشر يوماً.
يزيد بن عبد الملك: أربع سنين ويوماً واحداً.
هشام بن عبد الملك: تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وسبعة أيام، فذلك مائة سنة وأربعة وعشرون سنة وثلاثة أشهر وستة أيام.
الوليد بن يزيد بن عبد الملك حتى قتل: سنة وشهرين وعشرين يوماً، فذلك مائة سنة وخمس وعشرون سنة وخمسة أشهر وسبعة وعشرون يوماً، وكانت الفتنة بعد مقتله شهرين وخمسة وعشرين يوماً، فذلك مائة سنة وخمس وعشرون سنة وثمانية أشهر وعشرون يوماً.
يزيد بن الوليد بن عبد الملك: شهرين وسبعة أيام، فذلك مائة وخمس وعشرون سنة وأحد عشر شهراً ويوم واحد.
إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك حتى خلع: شهرين وأحد عشر يوماً، فذلك مائة سنة وست وعشرون سنة وشهر واثنا عشر يوماً.
مروان بن محمد حتى قتل: خمس سنين وشهرين، فذلك مائة سنة وإحدى وثلاثون سنة وثلاثة أشهر واثنا عشر يوماً.
ذكر الخلفاء من بني هاشم
(2/206)

أبو العباس عبد اللّه بن محمد: أربع سنين وثمانية أشهر ويومين فذلك مائة سنة وخمس وثلاثون سنة وأحد عشر شهراً وأربعة عشر يوماً، وحتى انتهت البيعة إلى المنصور أربعة عشر يوماً، فذلك مائة سنة وخمس وثلاثون سنة وأحد عشر شهراً وثمانية وعشرون يوماً.
أبو جعفر عبد اللّه بن محمد المنصور: إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهراً وثمانية أيام فذلك مائة وسبع وخمسون سنة وأحد عشر شهراً وستة أيام وحتى انتهى الخبر إلى المهدي اثني عشر يوماً؛ فذلك مائة وسبع وخمسون سنة وأحد عشر شهراً وثمانية عشر يوماً.
المهدي: عشر سنين وشهراً واحداً وخمسة أيام، فذلك مائة سنة وثمانية وستون سنة وثلاثة عشر يوماً، وحتى انتهى الخبر إلى الهادي ثمانية أيام، فذلك مائة سنة وثمان وستون سنة وشهر واحد ويوم واحد.
الهادي: سنة واحدة وشهراً واحداً وخمسة عشر يوماً، فذلك مائة سنة وتسع وستون سنة وشهران وستة عشر يوماً.
الرشيد: ثلاثاً وعشرين سنة وشهرين وستة عشر يوماً، فذلك مائة واثنتان وتسعون سنة وخمسة أشهر وثلاثة أيام، وحتى انتهى الخبر إلى الأمين ابنه اثنا عشر يوماً، فذلك مائة سنة واثنتان وتسعون سنة وخمسة أشهر وخمسة عشر يوماً.
الأمين حتى خلع وحبس: ثلاث سنين وخمسة وعشرين يوماً، فذلك مائة وخمس وتسعون سنة وستة أشهر وعشرة أيام، ومكث محبوساً يومين، فذلك مائة وخمس وتسعون سنة وستة أشهر واثنا عشر يوماً، وأخرج وبويع له وحارب وحوصر حتى قتل سنة وستة أشهر وثلاثة عشر يوماً.
المأمون: عشرين سنة وخمسة أشهر واثنين وعشرين يوماً، فذلك مائتان وسبع عشرة سنة وستة أشهر وتسعة عشر يوماً.
المعتصم: ثمان سنين وثمانية أشهر ويومين؛ فذلك مائتان وستة وعشرون سنة وشهران وتسعة عشر يوماً.
الواثق: خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام؛ فذلك مائتان وإحدى وثلاثون سنة وأحد عشر شهراً وأربعة وعشرون يوماً.
المتوكل: أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وسبعة أيام؛ فذلك مائتان وست وأربعون سنة وتسعة أشهر ويوم واحد.
المنتصر: ستة أشهر، فذلك مائتان وسبع وأربعون سنة وثلاثة أشهر ويوم واحد، وإلى أن انْحَدَرَ المستعين إلى مدينة السلام سنتين وتسعة أشهر وثلاثة أيام، فذلك مائتان وخمسون سنة وأربعة أيام وإلى أن بويع للمعتز بسامرا عشرة أيام، فذلك مائتان وخمسون سنة وأربعة عشر يوماً وإلى أن خطب للمعتز بمدينة السلام أحَدَ عشر شهراً وعشرين يوماً، فذلك مائتان وإحدى وخمسون سنة وأربعة أيام، وإلى أن خلع المعتز ثلاث سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوماً، فذلك مائتان وأربع وخمسون سنة وستة أشهر وسبعة وعشرون يوماً، وإلى بيعة المهتدي يومين، فذلك مائتان وأربع وخمسون سنة وسبعة أشهر.
المهتدي: أحد عشر شهراً وثمانية عشر يوماً، فذلك مائتان وخمس وخمسون سنة وستة أشهر وسبعة عشر يوماً.
المعتمد: ثلاثاً وعشرين سنة وثلاثة أيام، فذلك مائتان وثمان وسبعون سنة وستة أشهر وعشرون يوماً.
المعتضد: تسع سنين وتسعة أشهر ويومين، فذلك مائتان وثمان وثمانون سنة وثلاثة أشهر واثنان وعشرون يوماً.
المكتفي: ست سنين وستة أشهر وعشرين يوماً، فذلك مائتان وأربع وتسعون سنة وعشرة أشهر واثنا عشر يوماً.
المقتدر حتى خلع: إحدى وعشرين سنة وشهرين وخمسة أيام، فذلك ثلاثمائة سنة وست عشرة سنة وتسعة عشر يوماً.
ابن المعتز حتى خلع: يومين، فذلك ثلاثمائة سنة وست عشرة سنة وأحد وعشرون يوماً.
المقتدر حتى قتل: ثلاث سنين وتسعة أشهر وثمانية أيام، فذلك ثلاثمائة وتسع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسعة عشر يوماً.
القاهر حتى خلع: سنة وستة أشهر وعشرة أيام، فذلك ثلاثمائة سنة وإحدى وعشرون سنة وأربعة أشهر وتسعة أيام.
الراضي: ست سنين وأحد عشر شهراً وثمانية أيام، فذلك ثلاثمائة وثمانية وعشرون سنة وثلاثة أشهر وسبعة عشر يوماً.
المتقي: ثلاث سنين وتسعة أشهر وسبعة عشر يوماً، فذلك ثلاثمائة واثنتان وثلاثون سنة وشهر واحد وثلاثة أيام.
المستكفي: سنة وثلاثة أشهر، فذلك ثلاثمائة سنة وثلاث وثلاثون سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام.
المطيع للّه إلى غرة جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة: سنتين وثمانية أشهر وخمسة عشر يوماً، فذلك ثلاثمائة وخمس وثلاثون سنة وأربعة أشهر إلا ثلاث ليال.
(2/207)

قال المسعودي: وسِنُو الهجرة قمرية، وبين هذا التاريخ وتاريخ أصحاب الأخبار والسير تفاوت من زيادات الشهور والأيام، ومُعَوَّلنا - فيما ذكرنا من التاريخ من الهجرة إلى هذا الوقت - على ما وجدنا في كتب الزيجات، إذ كان أهل هذه الصناعة يُرَاعُونَ هذه الأوقات، ويحصلون علمها على التحديد، والذي نقلناه من التاريخ فمن زيج أبي عبد اللّه محمد بن جابر البناني وغيره من الزيجات إلى هذا الوقت، فأما ما قدمنا ذكره في هذا الكتاب - من الهجرة إلى هذا الوقت - فإنا نعيد ذكره مفصلاً في هذا الباب، لكي يقرب تناوله على الطالب به، ولا يبعد عما ذكرناه من الزيجات.
من مبعث الرسول
فالذي صح من تاريخ أصحاب السير والأخبار من أهل النقل والآثار، أنه بعث صلى الله عليه وسلم، وهو ابن أربعين سنة، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهاجر عشراً، وقبض وهو ابن ثلاث وستين سنة، صلى الله عليه وسلم.
أبو بكر: سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام.
عمر بن الخطاب: عشر سنين وستة أشهر وأربع لَيَالٍ.
عثمان بن عفان: اثنتا عشرة سنة إلا ثمانية أيام.
علي بن أبي طالب: أربع سنين وتسعة أشهر وثمان لَيَالٍ.
الحسن بن علي: ستة أشهر وعشرة أيام.
معاوية بن أبي سفيان: تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة وعشرين يوماً.
يزيد بن معاوية: ثلاث سنين وثمانية أشهر إلا ثمان لَيَالٍ.
معاوية بن يزيد: شهراً واحداً وأحد عشر يوماً.
مروان بن الحكم: ثمانية أشهر وخمسة أيام.
عبد الملك بن مروان: إحدى وعشرين سنة وشهراً ونصفاً.
الوليد بن عبد الملك: تسع سنين وثمانية أشهر ويومين.
سليمان بن عبد الملك: سنتين وثمانية أشهر وخمسة أيام.
عمر بن عبد العزيز: سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام.
يزيد بن عبد الملك: أربع سنين وشهراً ويومين.
هشام بن عبد الملك: تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وإحدى عشرة الوليد بن يزيد: سنة وشهرين واثنين وعشرين يوماً. يزيد بن الوليد: خمسة أشهر وليلتين.
مروان بن محمد: خمس سنين وعشرة أيام.
عبد الله بن محمد السفاح: أربع سنين وتسعة أشهر.
المنصور: اثنتين وعشرين سنة إلا تسع لَيَالٍ.
المهدي: عشر سنين وشهراً وخمسة عشر يوماً.
الهادي: سنة وثلاثة أشهر.
الرشيد: ثلاثاً وعشرين سنة وستة أشهر.
الأمين: أربع سنين وستة أشهر.
المأمون: إحدى وعشرين سنة سَوَاء.
المعتصم: ثمان سنين وثمانية أشهر.
الواثق: خمس سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوماً.
المتوكل: أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسع لَيَال.
المنتصر: ستة أشهر.
المستعين: ثلاث سنين وثمانية أشهر.
المعتز: أربع سنين وستة أشهر.
المهتدي: أحد عشر شهراً.
المعتمد: ثلاثاً وعشرين سنة.
المعتضد: تسع سنين وتسعة أشهر ويومين.
المكتفي: ست سنين وسبعة أشهر واثنين وعشرين يوماً.
المقتدر: أربعاً وعشرين سنة وأحد عشر شهراً وستة عشر يوماً.
القاهر: سنة وستة أشهر وستة أيام.
الراضي: ست سنين وأحد عشر شهراً وثمانية أيام.
المتقي: ثلاث سنين وأحد عشر شهراً وثلاثاً وعشرين يوماً.
المستكفي: سنة وثلاثة أشهر.
المطيع إلى غرة جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة: سنة وثمانية أشهر وخمسة عشر يوماً.
ونحن نؤمل من الله تعالى البقاء والزيادة في العمر، لنزيد في هذا الكتاب ما يحدث في أيامهم، وما يكون في المستقبل من دولتهم.
فهذا جمل التاريخ من الهجرة إلى هذا الوقت، وهو جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وقد أوردنا في الكتاب ما ذكر الفريقان جميعاً، لكي لا يبعد فهم ذلك على مريح والطالب له، إن شاء اللّه تعالى.
والتاريخ من المولد إلى هذا الوقت معلوم، ومن المبعث إلى الوفاة معروف غير مجهول، ولا يتعذّرُ تناوله على ذي الدراية من هذا الكتاب، إلا أن مُعَوَلَ الناس أن بدء التاريخ من الهجرة، على حسب ما بينا فيما سلف من كتبنا من مشاورة عمر الناس في التاريخ عند حدوث أمُورٍ وجب تدوينها، وما قاله الناس من كل فريق منهم، وأخذه بقول علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، أن يؤرخ بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وتركه أرض الشرك، وأن ذلك كان من عمر رضي اللّه عنه في سنة سبع عشر أو ثماني عشرة، على حسب التنازع في ذلك، واللّه أعلم.
ذكر تسمية من حج بالناس
من أول الإسلام إلى سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة
(2/208)

أول من حج بالناس نيابة عن الرسول
قال المسعودي: فتح رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مكة في شهر رمضان، سنة ثمان من الهجرة، ورجع إلى المدينة، واستعمل عَتَّابَ بن أسيد بن أبي العيص بن أمية على مكة، فحج بالناس سنة ثمان، وقيل: بل حج الناس أوْزَاعاً ليس عليهم أحد.
ثم حج أبو بكر
ثم كانت سنة تسع، فحج بالناس أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه، حين خرج من المدينة مع ثلاثمائة، وبعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم معه عشرين بَدَنَةً، ثم أرسل على أثره علي بن أبي طالب، رضي اللّه عنه، فأدركه بالعَرج ومعه سورة براءة، فأذَّنَ بها يوم النحر عند العقبة، فأقام أبو بكر الحجًّ، وخطب أبو بكر بمكة قبل التّرْوِية بيوم، ويوم عرفة بعرفة، ويوم النحر بمنى.
حجة الوداع
ثم كانت سنة عشر، فحجَّ بالناس سيد المرسلين، رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وفي هذه السنة توفي.
أيام الخلفاء الراشدين
ثم كانت سنة إحدى عشرة، فحج بالناس عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.
ثم كانت سنة اثنتي عشرة، فحج بالناس أبو بكر الصديق، رضي اللّه عنه.
ثم كانت سنة ثلاث عشرة، فحج بالناس عبد الرحمن بن عَوْفٍ رضي اللّه عنه.
ثم كانت سنة أربع عشرة، فحج بالناس عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.
ثم كانت سنة خمس عشرة، فحج بالناس عمر بن الخطاب، ثم كانت ست عشرة فحج بالناس عمر بن الخطاب، ثم كانت سنة سبع عشرة، فحج بالناس عمر بن الخطاب، ثم كانت سنة ثمان عشرة، فحج بالناس عمر بن الخطاب ثم كانت سنة تسع عشرة، فحج بالناس عمر بن الخطاب، ثم كانت سنة عشرين، فحج بالناس عمر بن الخطاب، ثم كانت سنة إحدى وعشرين، فحج بالناس عمر بن الخطاب، ثم كانت سنة اثنتين وعشرين، فحج بالناس عمر بن الخطاب، ثم كانت سنة ثلاث وعشرين، فحج بالناس عمر بن الخطاب، ثم قتل رضي اللّه عنه آخر ذي الحجة.
ثم كانت سنة أربع وعشرين فحج بالناس عبد الرحمن بن عَوْفٍ.
ثم كانت سنة خمس وعشرين، فحج بالناس عثمان بن عفان، إلى سنة أربع وثلاثين.
ثم كانت سنة خمس وثلاثين، فحج بالناس عبد اللّه بن عباس بأمر عثمان، وهو محصور.
ثم كانت سنة ست وثلاثين، فحج بالناس عبد اللّه بن عباس.
ثم كانت سنة سبع وثلاثين، بعث علي بن أبي طالب على الموسم عبد الله بن العباس، وبعث معاوية بن أبي سفيان يزيد بن شجرة الرهاوي، فاجتمعا بمكة، وَتَنَازعا الِإمارة ولم يُسَلَم أحدهما لصاحبه، فاصطلحا على أن يصلي بالناس شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد اللّه بن عبد العُزَّى بن عثمان بن عبد الدار حاجب البيت الجمحي، ففعل ذلك.
ثم كانت سنة ثمان وثلاثين فحج بالناس قُثَمُ بن عباس نائب مكة.
ثم كانت سنة تسع وثلاثين فحج بالناس شيبة بن عثمان.
ثم كانت سنة أربعين والتنازع بين معاوية والحسن بن علي في الخلافة، فحج بالناس المغيرةُ بن شعبة عن كتابِ، يُقال: إنه افتعله عن معاوية.
في زمن بني أمية
(2/209)

ثم كانت سنة إحدى وأربعين فحج بالناس عُتْبَةُ بن أبي سفيان، ثم كانت سنة اثنتين وأربعين، فحج بالناس عُتْبَةُ بن أبي سفيان، ثم كانت سنة ثلاث وأربعين فحج بالناس مروان بن الحكم، ثم كانت سنة أربع وأربعين حج معاوية بن أبي سفيان، ثم كانت سنة خمس وأربعين حج بالناس مروان بن الحكم، ثم كانت سنة ست وأربعين حج بالناس عتبة بن أبي سفيان، ثم كانت سنة سبع وأربعين حج بالناس عتبة بن أبي سفيان ثم كانت سنة ثمان وأربعين حج بالناس مروان بن الحكم، ثم كانت سنة تسع وأربعين حج بالناس سعيد بن العاص، ثم كانت سنة خمسين حج بالناس يزيد بن معاوية، ثم كانت سنة إحدى وخمسين فحج بالناس معاوية بن أبي سفيان، ثم كانت سنة اثنتين وخمسين، حج بالناس سعيد بن العاص عامين، ثم كانت سنة أربع وخمسين، حج بالناس مروان بن الحكم، ثم كانت سنة خمس وخمسين، حج بالناس مروان بن الحكم، ثم كانت سنة ست وخمسين فحج بالناس عتبة بن أبي سفيان، ثم كانت سنة سبع وخمسين حج بالناس الوليد بن عتبة عامين، ثم كانت سنة تسع وخمسين، حج بالناس عثمان بن محمد بن أبي سفيان، ثم كانت سنة ستين حج بالناس عمرو بن سعيد بن العاص، ثم كانت سنة إحدى وستين، حج بالناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ثم كانت سنة اثنين وستين، حج بالناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ثم كانت سنة ثلاث وستين، حج بالناس عبد اللّه بن الزبير، إلى سنة إحدى وسبعين، ثم كانت سنة اثنتين وسبعين فحج بالناس الحجاجُ بن يوسف فأتوا مِنِى ولم يطوفوا بالبيت العتيق، ثم كانت سنة ثلاث وسبعين فحج بالناس الحجاجُ أيضاً، وقتل عبد اللّه بن الزبير، ثم كانت سنة أربع وسبعين فحج بالناس الحجاج بن يوسف، ثم كانت سنة خمس وسبعين حج بالناس عبد الملك بن مروان، ثم كانت سنة ست وسبعين حج بالناس إلى سنة ثمانين إِبَانُ بن عثمان بن عفان، ثم كانت سنة إحدى وثمانين حج بالناس سليمان بن عبد الملك بن مروان، ثم كانت سنة اثنتين وثمانين حج بالناس أبَانُ بن عثمان بن عفان، ثم كانت سنة ثلاث وثمانين حج بالناس إلى سنة خمس وثمانين هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي، ثم كانت سنة ست وثمانين حج بالناس العباسُ بن الوليد بن عبد الملك، ثم كانت سنة سبع وثمانين حج بالناس عمر بن عبد العزيز بن مروان، ثم كانت سنة ثمان وثمانين حج بالناس الوليد بن عبد الملك، ثم كانت سنة تسع وثمانين حج بالناس عمر بن عبد العزيز، ثم كانت سنة تسعين حج بالناس عمر بن عبد العزيز، ثم كانت سنة إحدى وتسعين حج بالناس الوليد بن عبد الملك، ثم كانت سنة اثنتين وتسعين حج بالناس عمر بن عبد العزيز، ثم كانت سنة ثلاث وتسعين حج بالناس عثمان بن الوليد بن عبد الملك وقيل: بل عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، ثم كانت سنة أربع وتسعين حج بالناس مَسْلَمة بن عبد الملك، ثم كانت سنة خمس وتسعين حج بالناس بشر بن الوليد بن عبد الملك، ثم كانت سنة ست وتسعين حج بالناس أبو بكر محمد بن عمرو بن حَزْم، ثم كانت سنة سبع وتسعين حج بالناس سليمان بن عبد الملك، ثم كانت سنة ثمان وتسعين حج بالناس عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، ثم كانت سنة تسع وتسعين حج بالناس أبو بكر محمد بن عمرو بن حَزْم، ثم كانت سنة مائة حج بالناس أبو بكر أيضاً، ثم كانت سنة إحدى ومائة حج بالناس عبد العزيز بن عبد اللّه أمير مكة، ثم كانت سنة اثنتين ومائة حج بالناس عبد الرحمن بن الضحاك الفهريًّ، ثم كانت سنة ثلاث ومائة حج بالناس عبد اللّه بن كعب بن عمير بن سبع بن عوف بن نصر بن معاوية النَصْرِيًّ، ثم كانت سنة أربع ومائة حج فيها أيضاً، ثم كانت سنة خمس ومائة حج بالناس إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزوميًّ، ثم كانت سنة ست ومائة حج بالناس هشام بن عبد الملك، ثم كانت سنة سبع ومائة حج بالناس إبراهيم بن هشام المخزوميُّ، إلى سنة اثنتي عشرة ومائة. ثم كانت سنة ثلاث عشرة ومائة حج بالناس سليمان بن هشام بن عبد الملك. ثم كانت سنة أربع عشرة ومائة حج بالناس خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم بن العاص بن أمية، ثم كانت سنة خمس عشرة ومائة حج بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل بن الوليد بن المغيرة، ثم كانت سنة ست عشرة ومائة حج بالناس الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وهو ولي عهد، ثم كانت سنة سبع عشرة
(2/210)

ومائة حج بالناس خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، وقيل: مَسْلَمة بن عبد الملك، ثم كانت سنة ثمان عشرة ومائة حج بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل، ثم كانت سنة تسع عشرة ومائة حج بالناس مَسْلَمة بن هشام بن عبد الملك أبو شاكر، وقيل: بل مسلمة بن عبد الملك، ثم كانت سنة عشرين ومائة حج بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل، ثم كانت سنة إحدى وعشرين ومائة حج بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل، إلى سنة أربع وعشرين ومائة، ثم كانت سنة خمس وعشرين ومائة حج بالناس يوسف ابن أخي الحجاج بن يوسف، ثم كانت سنة ست وعشرين ومائة حج بالناس عمر بن عبد اللّه بن عبد الملك، ثم كانت سنة سبع وعشرين ومائة حج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، ثم كانت سنة ثمان وعشرين ومائة حج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز. ثم كانت سنة تسع وعشرين ومائة حج بالناس عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان، وكان أبو حمزة المختار بن عوف الخارجِيُّ من الأزد داعيَةُ المعروف بطالب الحق قد وقف وخرج تلك السنة، فكلّمه الناس حتى نزل عبدُ الواحد يصلي بالناس ويخرج إلى منزله، ثم كانت سنة ثلاثين ومائة حج بالناس محمد بن عبد الملك بن مروان، ثم كانت سنة إحدى وثلاثين ومائة حج بالناس الوليد بن عروة بن محمد بن عطية السعدي بكتاب افتعله على لسان عمه عبد الملك بن محمد وهو والي الحجاز واليمن لمروانً بن محمد.مائة حج بالناس خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، وقيل: مَسْلَمة بن عبد الملك، ثم كانت سنة ثمان عشرة ومائة حج بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل، ثم كانت سنة تسع عشرة ومائة حج بالناس مَسْلَمة بن هشام بن عبد الملك أبو شاكر، وقيل: بل مسلمة بن عبد الملك، ثم كانت سنة عشرين ومائة حج بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل، ثم كانت سنة إحدى وعشرين ومائة حج بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل، إلى سنة أربع وعشرين ومائة، ثم كانت سنة خمس وعشرين ومائة حج بالناس يوسف ابن أخي الحجاج بن يوسف، ثم كانت سنة ست وعشرين ومائة حج بالناس عمر بن عبد اللّه بن عبد الملك، ثم كانت سنة سبع وعشرين ومائة حج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، ثم كانت سنة ثمان وعشرين ومائة حج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز. ثم كانت سنة تسع وعشرين ومائة حج بالناس عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان، وكان أبو حمزة المختار بن عوف الخارجِيُّ من الأزد داعيَةُ المعروف بطالب الحق قد وقف وخرج تلك السنة، فكلّمه الناس حتى نزل عبدُ الواحد يصلي بالناس ويخرج إلى منزله، ثم كانت سنة ثلاثين ومائة حج بالناس محمد بن عبد الملك بن مروان، ثم كانت سنة إحدى وثلاثين ومائة حج بالناس الوليد بن عروة بن محمد بن عطية السعدي بكتاب افتعله على لسان عمه عبد الملك بن محمد وهو والي الحجاز واليمن لمروانً بن محمد.
في عهد بني العباس
(2/211)

قال المسعودي: فهذا آخر ما حج بنو أمية، ثم كانت سنة اثنتين وثلاثين ومائة فحج بالناس داود بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، ثم كانت سنة ثلاث وثلاثين ومائة حج بالناس زياد بن عبيد اللّه بن عبيد اللّه بن عبد المَدَان الحارثي، ثم كانت سنة أربع وثلاثين ومائة حج بالناس عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس، ثم كانت سنة خمس وثلاثين ومائة حج بالناس سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، ثم كانت سنة ست وثلاثين ومائة حج بالناس أبو جعفر المنصور، وفيها بويع لأبي جعفر المنصور، ثم كانت سنة سبع وثلاثين ومائة حج بالناس إسماعيل بن علي بن عبد اللّه بن العباس، ثم كانت سنة ثمان وثلاثين ومائة حج بالناس الفضل بن صالح بن علي، ثم كانت سنة تسع وثلاثين ومائة حج بالناس العباس بن محمد بن علي، ثم كانت سنة أربعين ومائة حج بالناس أبو جعفر المنصور، ثم كانت سنة إحدى وأربعين ومائة حج بالناس صالح بن علي، ثم كانت سنة اثنتين وأربعين ومائة حج بالناس إسماعيل بن علي، ثم كانت سنة ثلاث وأربعين ومائة حج بالناس عيسى بن موسى بن محمد بن علي، ثم كانت سنة أربع وأربعين ومائة حج بالناس أبو جعفر المنصور ثم كانت سنة خمس وأربعين ومائة فحج بالناس السَّرِيُ بن عبد اللّه بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب، ثم كانت سنة ستة وأربعين ومائة حج بالناس عبد الوهاب بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس، ثم كانت سنة سبع وأربعين ومائة حج بالناس أبو جعفر المنصور، ثم كانت سنة ثمان وأربعين ومائة فحج بالناس جعفر بن أبي جعفر المنصَور وقيل: محمد بن إبراهيم الإمام، وقيل: بل المنصور، ثم كانت سنة تسع وأربعين ومائة حج بالناس عبد الوهاب بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي، ثم كانت سنة خمسين ومائة حج بالناس عبد الصمد بن علي، ثم كانت سنة إحدى وخمسين ومائة حج بالناس محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي، ثم كانت سنة اثنتين وخمسين ومائة حج بالناس أبو جعفر المنصور، ثم كانت سنة ثلاث وخمسين ومائة حج بالناس المهدي محمد بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي، ثم كانت سنة أربع وخمسين ومائة حج بالناس محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي 4 ثم كانت سنة خمس وخمسين ومائة حج بالناس عبد الصمد بن علي، ثم كانت سنة ست وخمسين ومائة حج بالناس العباس بن محمد بن علي، ثم كانت سنة سبع وخمسين ومائة حج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي، ثم كانت سنة ثمان وخمسين ومائة حج بالناس إبراهيم بن يحيى أيضاً، ثم كانت سنة تسع وخمسين ومائة حج بالناس يزيد بن منصور بن عبد اللّه بن شهير بن يزيد بن منّوب الحميري، ثم كانت سنة ستين ومائة حج بالناس المهدي محمد بن المنصور، ثم كانت سنة إحدى وستين ومائة فحج بالناس الهادي موسى بن المهدي، وهو ولي عهد، ثم كانت سنة اثنتين وستين ومائة حج بالناس إبراهيم بن جعفر بن أبي جعفر، ثم كانت سنة ثلاث وستين ومائة حج بالناس علي بن محمد بن المهدي، ثم كانت سنة أربع وستين ومائة حج بالناس صالح بن أبي جعفر، ثم كانت سنة خمس وستين ومائة حج بالناس صالح أيضاً، ثم كانت سنة ست وستين ومائة حج بالناس محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي، ثم كانت سنة سبع وستين ومائة حج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي، ثم كانت سنة ثمان وستين ومائة حج بالناس علي بن محمد الهادي، ثم كانت سنة تسع وستين ومائة حج بالناس سليمان بن أبي جعفر المنصور، ثم كانت سنة سبعين ومائة حج بالناس هارون الرشيد، ثم كانت سنة إحدى وسبعين ومائة حج بالناس يعقوب بن المنصور.
(2/212)

ثم كانت سنة اثنتين وسبعين ومائة فحج بالناس عبد الصمد بن علي، ثم كانت سنة ثلاث وسبعين ومائة حج بالناس هارون الرشيد، خرج محرماً من عسكره إلى مكة، ثم كانت سنة أربع وسبعين ومائة حج بالناس هارون الرشيد إلى سنة تسع وسبعين ومائة، ثم كانت سنة ثمانين ومائة حج بالناس موسى بن عيسى بن محمد بن علي، ثم كانت سنة إحدى وثمانين ومائة حج بالناس هارون الرشيد، ثم كانت سنة اثنتين وثمانين ومائة حج بالناس موسى بن عيسى، ثم كانت سنة ثلاث وثمانين ومائة، حج بالناس العباس بن موسى المهدي، ثم كانت سنة أربع وثمانين ومائة حج بالناس إبراهيم بن المهدي، ثم كانت سنة خمس وثمانين ومائة حج بالناس المنصور بن المهدي، ثم كانت سنة ست وثمانين ومائة حج بالناس هارون الرشيد، ثم كانت سنة سبع وثمانين ومائة حج بالناس عبد اللّه بن العباس بن محمد بن علي، وقيل: منصور بن المهدي، ثم كانت سنة ثمان وثمانين ومائة حج بالناس هارون الرشيد، ثم كانت سنة تسع وثمانين ومائة حج بالناس العباس بن موسى بن عيسى بن محمد بن علي، ثم كانت سنة تسعين ومائة حج بالناس عيسى بن موسى بن محمد، ثم كانت سنة إحدى وتسعين ومائة حج بالناس العباس بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي جعفر المنصور، ثم كانت سنة اثنتين وتسعين حج بالناس العباس بن عبد اللّه أيضاً، ثم كانت سنة ثلاث وتسعين ومائة حج بالناس داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي، ثم كانت سنة أربع وتسعين ومائة حج بالناس علي بن الرشيد، ثم كانت سنة خمس وتسعين ومائة حج بالناس داود بن عيسى بن موسى، ثم كانت سنة ست وتسعين ومائة حج بالناس العباس بن موسى، إلى ثمان وتسعين، ثم كانت سنة تسع وتسعين ومائة حج بالناس محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي، ووثب ابنُ الأفْطَس العلويُ بمكة فقبض عليها فتنحى محمد بن داود، وخرج الناس، فوقفوا بغير إمام، فلما كانوا بالمزدلفة طلع عليهم ابن الأفْطَس فأقام لهم باقي حجتهم، ثم كانت سنة مائتين حج بالناس أبو إسحاق المعتصم، ثم كانت سنة إحدى ومائتين حج بالناس إسحاق بن موسى بن عيسى بن محمد بن علي، ثم كانت سنة اثنتين ومائتين حج بالناس إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، وهو أول طالبي أقام للناس الحج في الإِسلام، على أنه أقامه متغلباً عليه، لا مُوَلّى من قبل خليفة وكان ممن سَعَى في الأرض بالفساد، وقتل أصحاب إبراهيم بن عبيد الحجبي وغيره في المسجد الحرام، ويزيد بن محمد بن حنظلة المخزوم وغيره من أهل العبادة، ثم كانت سنة ثلاث ومائتين حج بالناس عبد اللّه، جعفر بن سليمان بن علي، ثم كانت سنة أربع ومائتين حج بالناس عبد اللّه بن الحسن بن عبد اللّه ابن العباس بن علي بن أبي طالب، من قبل المأمون، وهو واليه على الحرمين، ثم كانت سنة خمس ومائتين حج بالناس عبيد اللّه بن الحسن أيضاً، ثم كانت سنة ست وسبع ومائتين حج بالناس أبو عيسى بن الرشيد، ثم كانت سنة ثمان ومائتين حج بالناس صالح بن الرشيد، ومعه زبيدة ، إلى سنة عشر ومائتين، ثم كانت سنة إحدى عشرة ومائتين حج بالناس إسحاق بن العباس بن محمد بن علي، ثم كانت سنة اثنتي عشرة ومائتين حج بالناس المأمون، ثم كانت سنة ثلث عشرة ومائتين حج بالناس أحمد بن العباس، ثم كانت سنة أربع عشر ومائتين حج بالناس إسحاق بن العباس بن محمد بن علي، ثم كانت سنة خمس عشرة ومائتين حج بالناس عبد اللّه بن عبيد اللّه أيضاً.
(2/213)

ثم كانت إلى ست عشرة ومائتين حج بالناس عبد اللّه بن عبيد اللّه أيضاً، ثم كانت سنة سبع عشرة ومائتين حج بالناس سليمان بن عبد اللّه بن سليمان بن علي، ثم كانت سنة ثمان عشرة ومائتين حج بالناس سليمان أيضاً، ثم كانت سنة تسع عشرة ومائيتن حج بالناس صالح بن العباس بن محمد، ثم كانت سنة عشرين ومائتين حج بالناس صالحِ بن العباس أيضاً، ثم كانت سنة إحدى وعشرين ومائتين حج بالناس أيضاً صالح بن العباس بن محمد، ثم كانت سنة اثنتين وعشرين ومائتين حج بالناس محمد بن داود بن عيسى محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، ثم كذلك إلى سنة ست وعشرين ومائتين، ثم كانت سبع وعشرين ومائتين حج بالناس المتوكل بن المعتصم بن الرشيد، ثم كانت سنة ثمان وعشرين ومائتين حج بالناس إلى سنة خمس وثلاثين ومائتين محمد بن داود بن عيسى، ثم كانت سنة ست وثلاثين ومائتين حج بالناس محمد المنتصر بن المتوكل، ومعه جدته شاجع، ثم كانت سنة سبع وثلاثين ومائتين حج بالناس علي بن موسى بن جعفر بن المنصور، ثم كانت سنة ثمان وثلاثين ومائتين إلى سنة إحدى وأربعين ومائتين حج بالناس عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن علي بن عبد الله بن عباس، ثم كانت سنة اثنتين وأربعين ومائتين حج بالناس إلى سنة أربع وأربعين ومائتين عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ثم كانت سنة خمس وأربعين ومائتين حج بالناس إلى سنة ثمان وأربعين ومائتين محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الِإمام، ثم كانت سنة تسع وأربعين ومائتين حج بالناس عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله، ثم كانت سنة خمسين ومائتين حج بالناس جعفر بن الفضل بن موسى بن عيسى بن موسى، ويلقب بشاشات، ثم كانت سنة إحدى وخمسين ومائتين، فوقف بالناس إسماعيل بن يوسف لعلويُّ المقدم ذكره فيما مضى من هذا الكتاب، وَبَطَلَ الحج إلا بسيراً لأن إسماعيل هذا طلع على الحاج وهم بعرفَةَ في جموعه، فقتل من المسلمين خلقاً عظيماً حتى زعموا أنه كان يسمع بالليل تلبية القتلى، وكان شأنه في الفساد عظيماً، ثم كانت سنة اثنتين وخمسين ومائتين حج بالناس كعب البقر محمد بن أحمد بن عيسى بن جعفر بن المنصور، ثم كانت سنة ثلاث وخمسين ومائتين حج بالناس عبد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله الرسِّيُّ، ثم كانت سنة أربع وخمسين ومائتين حج بالناس علي بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علي، ثم كانت سنة خمس وخمسين ومائتين حج بالناس علي بن الحسن أيضاً.
(2/214)

ثم كانت سنة ست وخمسين ومائتين حج بالناس كعب البقر محمد بن أحمد بن عيسى بن جعفر بن المنصور، ثم كانت سنة سبع وخمسين ومائتين حج بالناس الفضل بن العباس بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علي، ثم كانت سنة ثمان وخمسين ومائتين حج بالناس الفضل بن العباس أيضاً، ثم كانت سنة تسع وخمسين ومائتين حج بالناس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي بن برّية، ثم كانت سنة ستين ومائتين حج بالناس ابن برّية أيضاً، ثم كانت سنة إحدى وستين حج بالناس الفضل بن العباس بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علي، ثم كانت سنة اثنتين وستين ومائتين حج بالناس الفضل بن العباس أيضاً، ثم كانت سنة ثلاث وستين ومائتين حج بالناس الفضل بن العباس أيضاً، ثم كانت سنة أربع وستين ومائتين حج بالناس إلى سنة ثمان وسبعين ومائتين خمس عشرة حجة متوالية هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس، ثم كانت سنة تسع وسبعين ومائتين حج بالناس إلى سنة سبع وثمانين ومائتين تسع حجج متوالية أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن داود بن عيسى بن موسى، ثم كانت سنة ثمان وثمانين ومائتين حج بالناس محمد بن هارون بن العباس بن إبراهيم بن عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور، ثم كانت سنة تسع وثمانين ومائتين حج بالناس الفضل بن عبد الملك بن عبد اللّه بن العباس بن محمد بن علي، ولم يزل يحج بالناس كل سنة إلى سنة خمس وثلاثمائة، ثم كانت سنة ست وثلاثمائة حج بالناس أحمد بن العباس بن محمد بن عيسى بن سليمان بن محمد بن إبراهيم الإمام، وهو المعروف بأخي أم موسى الهاشمية قهرمانة شغب أُم المقتدر باللّه، ثم كانت سنة سبع وثلاثمائة حج بالناس أحمد بن العباس أيضاً، ثم كانت سنة ثمان وثلاثمائة حج بالناس إلى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة إسحاق بن عبد الملك بن عبد الله بن عبيد اللّه بن العباس بن محمد، ثم كانت سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة حج بالناس الحسن بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس، ثم كانت سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة حج بالناس أبو طالب عبد السميع بن أيوب بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس بن محمد بن محمد خليفةً لعمه الحسن، وكذلك سنة أربع عشر وثلاثمائة، ثم كانت سنة خمس عشرة وثلاثمائة حج بالناس عبد اللّه بن سليمان بن محمد الأكبر عبد اللّه بن عبيد اللّه بن محمد المعروف بأبي أحمد الأزرق خليفةً للحسن بن عبد العزيز العباسي، ثم كانت سنة ست عشرة وثلاثمائة حج بالناس أبو أحمد الأزرق أيضاً، ثم كانت سنة سبع عشرة وثلاثمائة، فدخل سليمان بن الحسن صاحب البحرين مكة، وقد حضر عمر بن الحسن بن عبد العزيز المقدم نسبُ أبيه لإقامة الحج خليفةً لأبيه، فكان من أمر الناس ما كان فيما قَدَّمنا ذكره فيما سلف من هذا الكتاب، ولم يتم حج في موسم سنة سبع عشرة وثلاثمائة هذه من أجل حادثة القَرَامِطَة لعنهم اللّه إلا لقوم يسير غزواً، وأقيم حجهم دون إمام، وكانوا رَجَّالة، ثم كانت سنة ثمان عشرة وثلاثمائة فحج بالناس عمر بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي خليفةً لأبيه الحسن بن عبد العزيز، ثم كانت سنة تسع عشرة وثلاثمائة حج بالناس فيها جعفر بن علي بن سليمان خليفةً للحسن بن عبد العزيز، ثم كانت سنة عشرين وثلاثمائة حج بالناس فيها عمر بن الحسن بن عبد العزيز خليفةً لأبيه أيضاً، ولم يزل يحج بالناس إلى سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وهو على قضاء مكة في هذا الوقت، وهو جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وإليه قضاء مصر وغيرها.
المؤلف يختم كتابه بذكر صنيعه وتخويف من يغيِّر في كتابه
(2/215)

قال أبو الحسن علي بن الحسين بنِ علي المسعودي رحمه اللّه: قد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب أنواعاَ من الأخبار، وفنوناً من العلم من أخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والملوك وسيرها، والأمم وأخبارها وأخبار الأرض والبحار، وما فيها من العجائب والآثار، وما اتصل بذلك، ليستدل به على ما سلف من كتبنا، ومدخلاً إلى ما تقدم من تصنيفنا في أنواع العلوم مما قَدَمنا ذكره، ولم نترك نوعاً من العلوم، ولا فَنّاً من الأخبار، ولا طريفاً من الآثار، إلا أوردناه في هذا الكتاب مُفَصَلا، أو ذكرناه مجملاً، أو أشرنا إليه بضرب من الإشارات، أو لَوّحْنَا إليه بِفَحْوَى من العبارات، من أخبار العجم والعرب والكوائن والأحداث في سائر الأُمم، فمن حَرَّفَ شيئاً من معنى هذا الكتاب، أو أزال ركناً من مَبْنَاه، أو طَمَسَ واضحة من معانيه، أو لَبًسَ شاهرة من تراجمه، أو غَيَّره، أو بَدَّله، أو انتحله، أو اختصره، أو نسبة إلى غيرنا، أو أضافه إلى سوانا، أو أسقط منه ذكرنا، فوافاه من غضب اللّه وسرعة نقمته وفَوَادح بلاياه ما يعجز عنه صَبْرُه، ويَحَار له فكره، وجعله اللّه مُثْلَةً للعالمين، وعبرة للمعتبرين، وآية للمتوسمين، وسلبه اللّه ما أعطاه، وحال بينه وبين ما أنعم به عليه من قوة ونعمة مُبْدِعُ السموات والأرض، من أيِّ الملل كان أو الآراء، إنه على كل شيء قدير، وقد جعلنا هذا التخويف في أول كتابنا هذا وآخره، وكذلك نقول في سائر ما تقدم من تصنيفنا، ونظمناهُ من تأليفنا، فليراقب امرؤ ربه، وليحاذر منقلبه، فالمدة يسيرة، والمسافة قصيرة، وإلى اللّه المصير.
معذرة المؤلف
وقد قَدًمنا الاعتذار فيما سلف من هذا الكتاب من سَهْوٍ إن عَرَضَ، أو تصحيف أو تغيير من الكاتب إن وقع، ولما قد دُفِعْنَا إليه، من الأسفار المتواترة، والحركة المتصلة: تارة مُشَرِّقين، وتارة مغربين، وطوراً متيامنين، وطوراً متشائمين، وما يلحقنا من سهو الإِنسانية، ويصحبنا منِ عجز البشرية، عن بلوغ الغاية، وتَقَصِّي النهاية، ولو كان لا يؤلف كتاباً إلا مَنْ حَوَى جميع العلوم إذاً ما ألف أحد كتاباً، ولا أتى له تصنيف؛ لأن اللّه عز وجل يقول: " وَفَوْقَ كلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيِمِ " جعلنا الله ممن يُؤْثر طاعته، وَيُوَفّقُ لرشده، ونسأله أن يمحو بخير شَرّاً، وبِجد هَزْلاً، ثم يعي علينا بعد ذلك بعفوه، ويتغمدنا بفَضْله، إنه جَوَاد مَنَّان، لا إلهَ إلا هو رب العرش العظيم وصلى اللّه على سيد الأنام محمدٍ وعلى آله الطاهرين وسلم تسليماً.
(2/216)