Advertisement

مفاكهة الخلان في حوادث الزمان 001



الكتاب: مفاكهة الخلان في حوادث الزمان
المؤلف: شمس الدين محمد بن علي بن خمارويه بن طولون الدمشقي الصالحي الحنفي (المتوفى: 953هـ)
وضع حواشيه: خليل المنصور
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى، 1418 هـ - 1998 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] القسم الأول
سنة أربع وثمانين وثمانمائة
... كان عقد قران بنت زين الدين الهديري على ابن السيد تاج الدين الصلتي، برهان الدين إبراهيم، على مبلغ أشرفية ... وأرسل أربع قراريب زجاج أمياه وسكراً، وأباليح ثمرة، وشقتين حرير، وعقده مولانا الشيخ تقي الدين، خال أبيها، بالمشهد، بعد صلاة الظهر، وقبل له والده، وكان حاضر العقد جدها لأبيها الشيخ شهاب الدين، والشيخ شمس الدين الخطيب، والشيخ غرس الدين اللدي، والشيخ شهاب الدين الصيرفي، ورضي الدين بن الغزي، والشيخ شمس الدين النيربي، والشيخ شمس الدين بن البزة، وشربوا سكرا. وفيه ثار هواء كثير، وقطعت الأنهار.
وفي يوم الاثنين ثالثه، صام النصارى.
ولبس القاضي نجم الدين بن مفلح الحنبلي خلعته بدمشق وقريء توقيعه بالجامع الأموي على العادة، قرأه نور الدين محمود بن الباعوني نائب كاتب السر؛ كما قرأ توقيع قاضي الحنفية التاج بن عربشاه المار ذكره القاضي بهاء الدين الحجيني، ولم يلبس النائب الخلعة للقاضي نجم الدين لمعاكسته لأجل بلصة منه بطلب مبلغ ولم يركب على العادة، ولم يطلع وردة القضاة من الباب، والكلام كثير في لبس القاضي الحنبلي من جهة النائب.
ووقع من أبي بكر الحريري المتصوف كلام فاحش في حق عز الدين الناصري بسبب العذراوية، فضربه ثم أخذه إلى القاضي
(1/7)

المالكي، وأراد ضربه، فوقع فيه شفاعة من مولانا الشيخ تقي الدين، فرفع للحبس - وفيه أراد النائب عرض العسكر بالمصطبة، ولبس بعض العسكر وطلع إليها، فوقع مطر كثير إلى آخر النهار.
وفي يوم الأحد تاسعة ليلاً سافر النائب، وحصل للناس شوطة.
وفي يوم الاثنين عاشره عيد الناس. وفيه دخل النائب بين الصلاتين من جهة العناية، وقدامه نحو الأربعين رأساً من العرب على رماح من أعلى، كبسهم على مكان يسمى الحمراء، شرقي قرية ضمير أو قبليها، وعيد في ضمير وغنم منهم شيئاً كثيراً؛ ثم دخل بعده بساعة نحو الألف جمل غالبها نوق. وصادف وقت دخوله جاء من تحت القلعة جماعة ومعهم وحوش مصادة على حمير، ما بين ضباع وأتياس وعنيزات وثعالب وغيرها، فالتقوا معه عند مدرسة الزنجيلية، وأشار أن يكونوا قدامه، إشارة إلى صيد وحوش البرية من الآدميين وغيرهم.
وفي اليوم السبت خامس عشره كان أو الأعجاز - وفي يوم الاثنين سابع عشره عرض النائب العسكر، وهم ملبسون بالسلاح الكامل، في المصطبة، وذكر أنه بمرسوم من السلطان، وكذلك عرضوا في سائر بلاد السلطان.
وفي يوم الجمعة عشريه شاع بدمشق وفاة أبي ذر بن الحافظ برهان الدين بن القوف، المحدث الحلبي، توفي بحلب - وفيه عقد مجلس بالقضاة الثلاثة، وحضر القاضي برهان الدين بن المعتمد، بسبب زاوية العدوية، وابن محرز، ولم يتحرر شيء.
وفيه جاءت أنهار دمشق، وهو آخر الأعجاز، وطلع شيخ الإسلام تقي الدين إلى زملكا والرشيدية للفرجة على زهر اللوز والمشمش. وولد للقاضي محي الدين الإخنائي ولد، شقيق سيدي إبراهيم، كناه بأبي الفضل.
وفي يوم الاثنين رابع عشريه جاء الحاج محمد الدقي إلى القاضي صلاح الدين العدوي، ومعه مطالعة الشيخ شهاب الدين بن المحوجب بسبب عمارة الجامع الأموي، وشرع في عمارته بمباشرة الأمير يشبك الحمزاوي،
(1/8)

والبداة بمشهد الزيلع.
وفي يوم السبت ثاني عشريه كان أول فصل الربيع، ونقلت الشمس للحمل، وكان يوماً مطيراً كثير الهواء.

سنة خمس وثمانين وثمانمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين ابن أخ المستنجد بالله وسلطان مصر والشام وما معهما الملك الأشراف أبو النصر قايتباي الجركسي، ونائبه بدمشق قانصوة اليحياوي، وقاضيها وكاتب سرها قطب الدين الخيضري الشافعي، وهو مقيم بالقاهرة له مدة، والحنفي تاج الدين بن عربشاه، والمالكي شهاب الدين المريني المغربي، والحنبلي نجم الدين بن مفلح، وناظر الجيش موفق الدين العباسي الحموي، ونائب القلعة علاء الدين بن شاهين، والحاجب الكبير يشبك العلاي، ودوادار السلطان يلباي الأينالي.
استهلت بيوم الاثنين المبارك، وهو رابع عشر آذار من أشهر الروم.
وحصل فيه ريح شديدة، وزاد النهر زيادة قوية، والثمار غالبها أزهرت، وخرج بعض الورق. - وفي يوم الأربعاء ثالثه توفي القاضي زين عبد الرحمن الزرعي الحنفي فجأة، وكان رجلاً ديناً خيراً، عين نواب القاضي الحنفي، عفيفاً في مباشرته، متوفقاً في الأمور؛ وولي قاضي القضاة الحنفي بطرابلس، وإقامته بها مع أولاده كثيرة، وهو يدعى أنه ابن عم بني قاضي عجلون، وكان كثير الترداد إلى دمشق، ويحب الإقامة بها أكثر من طرابلس، حصل له جدور من رأسه إلى حلقه، وصلي عليه بالجامع الأموي، ودفن بمقبرة الفراديس بالقرب من تربة الناصر بن برقوق.
وفيه أطلق مقدم الزبداني ابن العزقي من السجن بسفارة شخص يدعى سيدي عمر بن النيربي التاجر الحلبي، المقيم الآن بدمشق، وكان في السجن من حريق الجامع قد أشرف على القتل، فخلصه الله تعالى على يد هذا الرجل، لأن له دخلا في الدولة. والعمل كثير في الجامع الأموي، والمعلمون من المسلمين: عبد الوهاب الحلبي وابن العجلونية ومحمد بن المؤذن والأعسر والدفيه ابن التازي وأخيه عبد الوهاب.
وفي يوم الخميس رابعه ذكر أنه حصل لبعض التفاح الفاطمي والسكري بعض شوطة من
(1/9)

الهواء المتقدم.
وفيه سافر النائب وجميع الجند إلى جهة الغرب، واختلفت الأقوال فيه، فمن قائل إنه توجه إلى الخربة، ومن قائل إلى الغور، ومن قائل إلى الغرب، ومن قائل إلى حرب شيخ جبل نابلس لأمر اتفق بينه وبين يونس كاشف الرملة، خرق حرمته ووضعه في زنجير ومشاه إلى لد، وخرق طبلخانته، وأهانه إهانة بالغة، ثم أطلقه بعد ذلك، والله أعلم بحقيقة الحال.
وفي يوم الاثنين ثامنه جاء جماعة من القاهرة إلى حماة، وأخبروا بأنه جاء مبشر إلى القاهرة من الحجاز الشريف في ثالث عشري الحجة، وأخبر بأن السلطان طيب، ووصل إلى مكة المشرفة، وحج واجتمع بمحمد بن بركات سلطان مكة المشرفة، وأقبل عليه السلطان وتسالما على الأرض؛ ثم إن السلطان ضيف محمد بن بركات، وتصدق بمثانية الآف دينار؛ وهو راجع صحبة الحاج إلى القاهرة، وكتب بأنه لا يلاقيه أحد إلى البركة.
وفي يوم الجمعة ثاني عشره جاء كتاب من إياس نائب بيروت إلى القاضي صلاح الدين العدوي بأن شخصاً من الفرنج جاء في كريب وهو من أهل قبرس، وأخبر بأن صاحب رودس أرسل يخبرهم بأن السلطان ابن عثمان أنزل في البحر تعميرة نحو الخمسمائة قطعة، وفي البر خلقاً كثيراً، ولم يعلم أين يتوجهون.
وفي ليلة السبت ثالث عشره سافر القاضي شهاب الدين بن الفرفور متوجهاً إلى القاهرة، ومعه شمس الدين الكيزاني، وزين الدين عبد الرزاق الزرعي، والقاضي عز الدين الكوكاجي، والشيخ علاء الدين بن سالم، وركب معه يودعه القاضي تاج الدين بن عربشاه الحنفي، وناظر الجيش الموفق العباسي، وحاجب الحجاب، وعلاء الدين البصروي، وشمس الدين الخطيب، ومحيي الدين الإخنائي.
وفي يوم الأحد رابع عشره توجه الفقراء إلى زقاق القرائيين بين النهرين، وكبسوا مكاناً يعمل فيه البوزة، فأراقوها وأمسكوا من يعملها نفرين تركمان، فذكرا أن شاد الشراب
(1/10)

خاناه أرسل خلف أحدهما إلى حلب ليعلمها لأجل المماليك، وله جعلٌ على ذلك في كل شهر، فكتب عليهما ورقة بحضور مولانا شيخ الإسلام تقي الدين بالمشهد، مع حضور القاضي شهاب الدين الطرابلسي نائب المالكي، ويشبك الحاجب الثاني شاد عمارة الجامع، والشيخ إبراهيم الأقباعي، والشيخ أبي الفضل القدسي، والشيخ أبي العباس البادراي، ونور الدين الأزبكي.
وفي يوم الأربعاء سابع عشره جاء الخبر من بيروت بقضية البحر العثمانية، وهي أن ابن بداق أرسل إلى نائب حلب يستأذنه في الدخول إلى بلادها خوفاً من العثامنة لقصدهم له.
وفي يوم الخميس ثامن عشره ورد كتاب النائب من الخربة لحاجب الحجاب بأنه وصل كتاب من نائب غزة إليه على يد ساع، يذكر فيه أنه لاقى السلطان إلى عقبة أيلة، وأنه واصل في ساقة الحاج متوجهاً للقاهرة، وأمر بدق البشائر، فدقت، ورمي بالمكاحل، ونودي بالزينة؛ كل ذلك بواسطة نقيب القلعة أيدكي حمار وهو من مماليك السلطان.
ووصل كتاب السيد كمال الدين بن حمزة وشهاب الدين بن المحوجب من القاهرة، وفيه تعريض لبعض ذلك لمولانا الشيخ تقي الدين المنوه به.
وفي يوم الجمعة ثاني عشره عقد مجلس عند شباك مشهد النائب من الجامع الأموي، بسبب حمام بين النهرين، من شهاب الدين الرقاوي المتكلم على وقف المنصوري وواضع اليد على الحمام المذكور، بحضور الحاجب الكبير والقضاة الثلاثة والقاضي برهان الدين بن المعتمد، وانفصل المجلس من غير شيء.
وفي آخره حصل من ابن الحزيزاتي التاجر استطالة على القاضي محيي الدين الإخنائي بالحلبية من الجامع الأموي، وكان أبو بكر بن منجك حاضراً، ثم اجتمعوا عند شمس الدين الخطيب، وازداد الأمر، فجاؤوا إلى قاعة المشهد من الجامع الأموي عند مولانا الشيخ تقي الدين المنوه به، وحصل خباط كثير، وطلب من ابن الحزيزاتي الصلح، واستمروا إلى قريب المغرب، ثم انفصل المجلس عن غير شيء.
(1/11)

وفي يوم السبت عشرينه مر شخص على زاوية الشيخ العداس ومعه معجون عبارة عن الحشيشة مخلوطة بدبس، فقام إليه الشيخ عبد القادر النحاس من جماعة الفقراء، وشخص من جهته، ورميا ما معه وأزالاه، وكتب عليه إشهاد أنه لا يبيعه، فراح الرجل من ساعته للقلعة وشكى، فأرسلوا نحو العشرين نقيباً أو أكثر إلى الثلاثين، فاحتملوا عبد القادر إلى القلعة وحبس بها، وكان ذلك وقت الظهر، فأرسل مولانا الشيخ المنوه به خلف القاضي صلاح الدين العدوي بسبب ذلك، وأن يخلص عبد القادر المذكور؛ فركب للقلعة واستمر إلى العصر ولم يفد ركوبه شيئاً، ثم مر على بيت الحاجب الكبير فركب الحاجب إلى القلعة، فلم يفد ركوبه شيئاً أيضاً، فرجع إلى مولانا الشيخ إلى المشهد وأخبر بما وقع، واستمروا ساعة جيدة، ثم أمرهم الشيخ أن يركبوا مرة ثانية للقلعة، فركب الحاجب والعدوي وشخص من مماليك السلطان يدعى برد بك من الألوف للقلعة، واستمروا إلى قرب المغرب، وجاؤوا ولم يفد ركوبهم شيئاً، وأيس من خروج عبد القادر من القلعة، واستمر مولانا الشيخ، والشيخ شمس الدين الخطيب، والسيد شمس الدين الحسيني، والقاضي شهاب الدين بن النحاس، ومن معهم من الفقراء، على باب المشهد، واتفقوا أن يجمعوا الغوغاء ثاني يوم ويكبرون لتخليص عبد القادر؛ فبينما هم كذلك وإذا بعبد القادر قد جاء ومعه عبد القادر مقدم القلعة الكبير، وفرج المقدم الثاني، ففرح الناس بذلك، وخلصه الله تعالى لا على يد أحد من الخلق، وكان المتولى حبسه أيديكي النقيب، وهو جلب خليع هزيع، وينقر بنفسه ويرقص بين الناس على باب القلعة في الزينة الآمر بها وفوق برج الخليلية، ويرمي المكاحل، ودار مع الزفة في الليل، ولا شك في جنونه بل ولا فسقه، فمن الله تعالى قضم الجبابرة.
وفي يوم الأحد حادي عشريه نودي بتقوية الزينة.
وفيه جاء ديوان القلعة أبو الفضل موسى إلى مولانا الشيخ، واعتذر عن النقيب بسبب ما وقع منه من جهة عبد القادر النحاس.
وفي يوم الاثنين ثاني عشريه نودي بتقوية الزينة أيضاً، وختمت الحوانيت التي ما زين أهل.
وجاء النقيب بنفسه إلى المشهد ليعتذر لمولانا الشيخ فلم يجده.
وفي يوم الأربعاء رابع عشريه جاء يكتب الحاج، وفيها أنها كانت سنة طيبة، ووردت كتب من القاهرة بأن السلطان دخلها في سادس عشر هذا الشهر.
وفي يوم السبت سابع عشريه آخر الليل ولد ولدٌ لمولانا الشيخ، ولد من زوجته المصرية، وسمي عبد الرحيم.
وفي يوم الأحد ثامن
(1/12)

عشريه دخل في آخره بعض سوقة من الحجاج وأخبروا بأنهم فارقوا المحمل من الزرقاء، وأنه يبيت ليلة الاثنين الطيبة.
وفي يوم الاثنين تاسع عشريه دخل بعض الحجاج، وسلم مولانا الشيخ على سيدي الشيخ محمد الحسيني، وجماعة منهم: القاضي برهان الدين بن المعتمد، والقاضي محيي الدين الإخنائي، والشيخ أبو الفضل القدسي، والشيخ شمس الدين الكفر سوسي، والشيخ محيي الدين النعيمي، وفرس عليه الشيخ محمد بسبب كلام بلغه عنه آذى به الشيخ شمس الدين الصفدي الرجل الصالح، وسلم آخر النهار على البرهان ابن الكيال، وأخبر بأمور منها أن الوقفة كانت الاثنين، وأن السلطان زار المدينة الشريفة في الطلعة، وأرسل لأمير حاج الشامي أن يتعوق يومين إلى أن يزور ويسافر، ثم يدخل الركب الشامي، وحصل لهم بذلك شدة ودعوا عليه؛ وأن السلطان وقف بهم وسعى ماشياً حافياً، وطاف مع الناس الخاص والعام، وسافر على الهجن متوجهاً للقاهرة لأجل أمر بلغه كما قيل، واستمر معه صاحب الينبع إلى أسفل العقبة، وأن قاضي ركب الشام الشيخ شمس الدين القدسي ذهاباً وإياباً، وأنه فقد من الشاميين في معان في العود من التجار شخص يقال له البازد من أهل حارة خان السلطام، وأن النهر ضعيف بواسطة البرد في الطلعة، وأنه أخذ من الشاميين في الطلعة نحو الثلاثين جملاً بما عليها، وشكى على أميرالركب الشامي للسلطان ففرس عليه، وأنه أخذ من الحجاج من الزلاقات شخص استفكه الشيخ محمد في العلا أو غيرها.
وفي يوم الثلاثاء سلخه دخل غالب الحجاج ولم يتأخر غير المحمل وأمير الحاج، وطلع مولانا الشيخ وسلم عليه في القبة.
وفي يوم الأربعاء مستهل صفر منها دخل المحمل وأمير الحاج لا غير.
وذكر أن النائب تحول من الخربة إلى مكان في آخر حوران يدعى عين الحصا، مكان مليح، فيه الماء كثير والربي، وغيره، وهو منزل الأعراب.
وفي يوم السبت رابعه حصل صقع الورد والكرم والمشمش والأنجاص وغيره، ولا قوة إلا بالله.
وفي يم الأحد خامسه جاء هجان من القاهرة للقلعة من جهة البهار بأن العرب شكوا للسلطان على من ظلمهم، وحصل لناظر الجيش
(1/13)

نكد بسبب ذلك، وخصوصاً من خلل في وزنه.
وفي يوم الثلاثاء سابعه سافرت الزردخانة للقاهرة من قلعة دمشق على العادة، وسافر عبد الرحمن الحريري بسبب العمري وفتنته، ورجع من يومه من رأس القبيبات لكون الفرس عرجت.
وفي يوم الأربعاء ثامنه حصلت حكومة عند القاضي الحنفي ابن عربشاه بالقلعة بين أناس جمالين ووكيل عن وزير ابن عثمان الحاج في هذه السنة، فتوجه الحق للجمالة على الوكيل المذكور بمبلغ أشرفية ذهب سبعمائة، وثبت الحق لهم وحكم به؛ وكان ذلك بحضور يشبك حاجب الحجاب، ثم ذكر أنه توقف في ذلك، وربما رجع عن الحكم، فحصل له بهدلة من الحضور والعوام، وما لا خير فيه من الكلام السيء، وقيل إنه رجم من العوام، وكان الشيخ خير البلعاوي مساعد الجمالين، وحصل منه للقاضي كلام لا يليق مواجهته، كل ذلك بواسطة رجوعه عن الحق والحكم به، فما وسع القاضي إلا الهرب ببغلته.
وفي يوم الجمعة عاشره قيل إن ابن البطخاص نائب قلعة صفد قتل بالقرب من بلاد غزة، ومسك نائبها سبياي، وطلب للقاهرة في حديد بسببه.
ورحل نائب الشام من حوران إلى المرج، ثم وصل يوم تاريخه، وذكر أنه طلب حريمه إلى عنده وراحوا إليه في محفة.
وفي يوم الأربعاء خامس عشره حصل حركة من عبد القادر النحاس بسبب مساعدته لأناس من جهته، اقتضت أنه أخذ في جماعة من النقباء لبيت دوادار النائب في إهانة بليغة كما ذكر، ثم أخذ من هنا لبيت حاجب الحجاب نائب الغيبة في زنجير بإهانة أزيد، وما ذاك إلا بواسطة موت رضيع الشاكين، أتهم بأنه أرجف أمه واستمر يتحرك إلى أن مات، فأخذه أبوه وطلع آخر النهار وشكى للنائب في المرج على عبد القادر المذكور، فرده النائب إلى نائب الغيبة الحاجب، فبات عبد القادر في بيت الحاجب في الترسيم إلى أن عملت مصلحته ثاني يوم، وأطلق آخر النهار على يد مولانا الشيخ.
وذكر أن النائب لما رجع من حوران إلى المرج عادت العرب إليها، فنادى بالرجوع إلى حوران والإقامة شهرين.
وذكر أن الأمير مقلد، كبير العرب حضر عند النائب، فشتمه وسبه وعنفه تعنيفاً كثيراً وأشرف منه على التلف، فقام الأمراء الكبار على أرجلهم وشفعوا فيه، وأنهم يتداركون البلاد، ولم يتم الأمر.
وفيه وقع كلام بين ناظر الجيش والقاضي الحنبلي بسبب قضية البهار وصار في الأنفس شيء بسبب ذلك.
وفي يوم الجمعة سابع عشره في عصره هاج ريح شديد، واستمر إلى ثاني يوم وقت الظهر، وتساقط من ذلك الثمار وعدة أشجار.
وأشيع أن السلطان لما رجع من الحجاز
(1/14)

الشريف حصل منه ما كان فيه وأعظم، ومسك ناظر الجيش المقسي وابن ضرير وطلب منهما مالاً جزيلاً، فقالا المقسي: ما معي شيء والمال في الجهات، وما معه إلا روحه خذها، فأمر بسلخه، فأخذ وسمر على جمل في القاهرة وسلمهما للوالي، فشفع القاضي كاتب السر بأن يشنقا أخف عليهما من السلخ، ثم إن الخليفة طلع إليه وشفع فيهما، وقال: إيش يقول الناس في البلاد إن السلطان أمر بقتل مباشريه على مال، وتلطف به إلى أن صفح عنهما وسجنهما على المال.
وفي يوم الأحد تاسع عشره قيل إن بهاء الدين الباعوني ورضي الدين الغزي كل منهما له بنت صغيره، زوج كل منهما بنته بالآخر لأمر بينهما.
ووقعت قضية بين عبد الله الباعوني وابن البانياسي وابن الناعوري والشهاب البقاعي ونقيب القلعة، من جهة غيضة من غياض السلطان، اقتضى الحال إلى مسكهم والكلام الوحش لبعضهم، وأخذ الخشب والغيضة منهم للسطان والإشهاد عليهم بذلك.
وفي يوم الاثنين عشريه جاءت أخبار بأن سيف البدوي الخياري وعربه اقتتلوا مع نائب حماة أزدمر وأمير كبير بها، وأنهما قتلا، والحاجب على جانبه على خطة.
وفي يوم الثلاثاء حادي عشريه في آخره توفي الشيخ علي الحلاق المقيم بمدرسة البادرائية، كان في خدمة الشيخ محمد الحسيني ومولانا الشيخ تقي الدين المنوه بذكره، والقاضي زين الدين قريبه نازل بخلوة بالبادرائية له مدة من أيام القاضي ولي الدين ابن قاضي عجلون عندهم، وخلف مالاً كثيراً نحو الخمسمائة دينار ذهباً، وفضة وأثاثاً، وكان يدعي ضيق اليد حتى كان يأخذ الزكاة.
وتوفي علاء الدين المصري الشافعي المدعو بالغزالي، وبلقب بأبي قتيبة.
وفيه فرس النائب على نفيب القلعة وأوهجه بسبب فلاحي داريا، كان أمسكهم النائب بسبب فقيه داريا المقتول، فأطلعهم من الحبس بغير مشورة، وحبس الشاكين، فشكوا على النقيب للنائب فلم يلتفت إليه، ثم بعد ذلك طلع النقيب للمرج، فهو قاعد وإذا بهم جاؤوا وشكوا عليه، فشتمه، وقال له: يا خنزير يا كلب والله أوسطك، أنت حاكم الشام، تحكم برأيك؟ إلى غير ذلك من الكلمات، فأكب على رجلي النائب يقبلهما إلى أن سكت عنه، وقال له: امسك الذين أطلقتهم واحبسهم وإلا وسطتك؛ ثم قال للمقدمين بالقلعة: يا خنازير، الكل منكم، والله أوسطكم
(1/15)

الآن؛ فما خرجوا إلا وهم يتشاهدون مما فعل بهم، ففي الحال نزل النقيب وأطلق المسجونين من السجن، وقال: ما بقيت أحكم شيئاً؛ ونادى بذلك خوفاً من النائب.
وفي يوم الخميس ثالث عشريه شاعت الأخبار بأنه حصل للمغل بعض صقعة وغالبها في القمح في حمى أطراف البلاد.
وذكر فيه أن نائب حماة قتل من أهلها نحو المائتين.
وفي يوم الجمعة رابع عشريه أشيع بأنه جاء مرسوم السلطان لأيدكي نقيب القلعة، أنه يكون شادا على عمارة الجامع الأموي.
وفي يوم الثلاثاء حادي عشريه في آخره جاء النائب من المرج في أناس قلائل للإشراف على الجامع، ثم رد إلى المرج. وذكر أنه عين الأمير جاني بك التنمي أحد الألوف إلى حماة ومعه مماليك من الأمراء وغيرهم، نحو المائتين، يقعدون هناك إلى أن يرد من القاهرة ما يعتمد عليه.
وفي هذه الجمعة ظهر من الشيخ برهان الدين الناجي، تعصب مع برهان الدين البقاعي لما نكلم في الإمام حجة الإسلام الغزالي، ولا قوة إلا بالله. وفي يوم الأربعاء ثاني عشريه جاء محمد المزي قريب القاضي الحنبلي، ومعه خلعة الاستمرار لمخدومه القاضي الحنبلي.
وباكير البندقدار أحد الحجاب الصغار بخلعة من السلطان لابسها، ومعه قصاد يعقوب بن حسن باك الذين كانوا توجهوا معه لما كان السلطان بالحجاز الشريف.
وجاء الشيخ أحمد العجلوني من بيروت، وأخبر بأنه تواترت الأخبار ثمة بأن السلطان ابن عثمان معسكر على رودس يحاصرها وقد أحاط بها ظفره الله بها.
وجاء النقيب القلعة مرسوم بأن يكون مشاركاً للقاضي صلاح الدين العدوي في عمارة الجامع الأموي.
وحصلت خبطة به بين يشبك الحمزاوي وأبي الفضل المصري ديوان نقيب القلعة، وتطلب صناع العمل مولانا الشيخ أمتع الله بحياته بعد أن بطلوا، فهمدهم.
ثم حصلت خبطة مع محمد الأكاوي صبي القاضي محيي الدين الإخنائي وجماعة الفقراء المجاورين، بسبب الماء المأخوذ من الطالع الذي كان واصلا قبل ذلك للسبيل والمرتفع عند القيمرية، لما ظهر هذه الأيام، وأخذ ماءه الأحياء والأموات.
وحصل بين عبد القادر النحاس وشهاب الدين الرملي خبطة أيضاً، وهي أن الرملي كان ماراً عند مسجد الرأس وإذا بعبد القادر مار على الرصيف، فضايقه الرملي، وقال له: انزل من أسفل، فقال له عبد القادر: ما ينزل إلا أنت؛ فشكى عليه الرملي للمالكي برسول، وطلبه فجاء إلى المالكي فأصلح بينهما.
وفي يوم الاثنين سلخه لبس القاضي نجم الدين بن مفلح الحنبلي خلعة من السلطان صوف أخضر بفرو سمور
(1/16)

بالاستمرار، ولبسها من المرج الشامي ومر على السبعة ومسجد القصب، ومعه الحنفي ابن عربشاه والمالكي المريني، وقدامهم الحرافيش، فلما أن كانوا تجاه الجامع الجديد عثرت بغلة الحنفي فسقط قماشه عن رأسه تحت أرجل الدواب، وبقي ساعة مكشوف الرأس إلى أن لبسه وهو نازل.
وجاء مرسوم لنقيب القلعة أن يكون مشاركاً في عمارة الجامع، ووقع الخباط.
وفي يوم السبت ثاني ربيع الأول منهم رحل النائب من المرج إلى عيون الحصا بحوران.
وجاء السيد كمال الدين بن حمزة من القاهرة.
وسافر جاني بك التنمي بمن معه إلى حماة من المرج.
وجاء مرسوم لنقيب القلعة بأنه لا يقرب أبا الفضل المصري ويخرجه من القلعة.
وفي يوم الأربعاء سادسه توفي المصري المنعم، وكان له مدة بدمشق، وكان صوته حسناً بخيلاً به، توفي بالمارستان النوري.
ووصل الخبر بوفاة عمر صبي بدر الدين بن أقطوان وتربيته، غريقاً في نيل مصر، وكان شاباً في أول عمره.
وتوفي بدمشق بهاء الدين بن الحاج محمد المعمار، والده كان، أي والده، شيخاً كبيراً عند جلبان نائب الشام، مقدماً عنده وفيه إنسانية، وانتشأ هذا الولد في نعمة مع قراءة القرآن وغيره، وكانت والدته منتمية لبيت القاضي برهان الدين قاضي عجلون، فيها الخير والبركة، فلما توفي والده انفرط أمره إلى أن بقي في باب ابن النابلسي لما كان بدمشق نقيباً إلى أن نزل سلطانهم ومات، ذكر أنه وقع في قضية وحشة، أمسكه يلباي دوادار السلطان فضربه وحبسه، فمات في حبسه.
وفي يوم الجمعة ثامنه فوض القاضي نجم الدين الحنبلي لشخص يدعى الشيخ علاء الدين البغدادي نيابة الحكم، بعد الصلاة بالمدرسة الجوزية، وألبسه ما كان عليه، فرجية صوف مختم أبيض، كان لوالده، وكان ناب لشهاب الدين بن عبادة، وهو من أهل العلم في مذهبه.
وفي يوم الاثنين حادي عشره حفر الطالع بالذهبيين وعمل النازل للسبيل والمرتفق الذي ظهر بالقرب من القيمرية، ونقر جرف صغير، ويعمل به ثلاث أصابع للسبيل والمرتفق، ولمن تقلد الباقي فديا، لأن المال صلة للسبيل والمرتفق، فلم يوافق محيي الدين الإخنائي وظهر منه كراهيته لذلك، وقال: ما أتبرع وشركائي إلا بإصبعين ونصف.
وفي ليلة الثلاثاء ثاني عشره دخل ولد السيد تاج الدين الصلتي على بنت القاضي محيى الدين الإخنائي، المتقدم ذكر عقدهما.
وفي يوم الخميس حادي عشريه جاء كتاب جمال الدين يوسف العدوي أنه سيرد مرسوم بالقبض على أبي الفضل المصري ديوان نقيب القلعة،
(1/17)

وتجهيزه في الحديد للقاهرة.
وفي يوم السبت ثالث عشريه نودي بمشاعلي بأقطار المدينة، على عمر بن الصابوني ناظر الجوالي: من ظلم اليهود والنصارى عليه بالأبواب الشريفة، ومرسومه إليه بأن يسافر إلى القاهرة.
وفي يوم الخميس ثامن عشريه توفي شهاب الدين أحمد بن دلامة التاجر، كان شاباً حسناً، عنده بعض قدر وإنسانية ومحاشمة، رحمه الله.
وجاء خاصكي من القاهرة على هجن، له ثمانية أيام، ونزل عند الحاجب الكبير؛ وذكر أنه جاء بسبب سيف البدوي؛ ليروح إليه النائب بنفسه وعسكره، ويمسكه أي موضع كان.
وفي يوم السبت سلخه ورد كتاب من ابن سليم من بيروت بأن السلطان ابن عثمان له عسكر على رودس ستمائة قطعة، وأنهم خربوا البرج الذي عمره أسرى المسلمين، وهو مشرف على أخذها.
وذكر أن الجراد بالغوطة، وهو كثير ببيت فوقا، قرية بالغوطة، ولم يزد شيئاً ولله الحمد.
وفي يوم الثلاثاء ثالث ربيع الآخر منها، نادى النائب بالتجريدة، والعرض يوم الخميس ببلدان من الغوطة.
وفي يوم الأربعاء رابعه حضر مولانا الشيخ تقي الدين المنوه بذكره بالمدرسة الشاميه البرانية، وحضر سيدي عبد الرحيم بن القاضي ناظر الجيش موفق الدين بالناصرية الجوانية ودرس بها، أخذه من العماد إسماعيل الحنفي.
وفي يوم الخميس خامسه وقع الصلح بين القاضي محيي الدين الإخنائي وابن عم الإخنائي وابن عم مولانا الشيخ تقي الدين، وكان وقع بينهما بسبب الطالع للسبيل والمرتفق المتقدم ذكره، ببيت السيد كمال الدين؛ ركب السيد وقاضي القضاة إلى بيت نجم الدين الحنبلي إلى بيت القاضي محيي الدين، وجاء البيت السيد مخبرنا المشار إليه ومعه القاضي علاء الدين البصروي للمشهد، ثم جاء السيد ومعه شهاب الدين بن حجي وشمس الدين الواعظ الحنفي والشيخ إبراهيم التاجر آخر النهار إلى مسجد مولانا الشيخ، فقرأ الشيخ إبراهيم الفاتحة ودعا، ثم خرجوا.
ولبس القاضي صلاح الدين العدوي خلعة السلطان بالاستمرار من الاصطبل، وركب مع أهل المجلس كلهم، وكان يوماً مشهوداً.
ووصل عبد القادر بن الكاتب وقد ولي ترجمة السلطان عوضاً عن عمر الترجمان، وأودع هذا بالقلعة. ودخل النائب ليلاً.
وفي يوم الاثنين تاسعه حضر السيد كمال الدين بدار السعادة في إفتاء دار العدل نيابة عن
(1/18)

القاضي محب الدين ابن قاضي عجلون.
وفي يوم الجمعة ثالث عشره ظهر الخبر بدمشق بوفاة الشيخ الإمام العالم العلامة سراج الدين العبادي، توفي بالقاهرة فجأة وكان من كبار علماء الشافعية بها، رحمه الله.
وفي يوم السبت رابع عشره سافر النائب إلى جهة حماة، ومعه العسكر جميعه والأمراء.
وفيه طلع للصالحية عدة مماليك وخطفوا سبع شاشات، فتبعهم شخص من المأخوذ منهم الشاشات من جسر الأبيض إلى طواحين الأستاذ، فرد عليه واحد منهم وضربه بسيف في رأسه، فلقه نصفين فمات، فحمل للمدرسة وغسل ودفن، ثم تبعهم شخص أيضاً من المأخوذ منهم الشاشات إلى قرية دومة وأخذ شاشه منهم، ثم شكا عليهم للنائب في الوطاق، فتطلبهم النائب، وقال للشاكي: تعال إلى جهة، ذكرها، لنفحص عنهم لما نعرض العسكر بها.
وفي يوم الخميس ثاني عشره نزل نائب صفد بعسكره بالقبة.
وفي يوم الجمعة عشريه وصل الحاج محمد الطحينة قاصد القاضي صلاح الدين العدوي من القاهرة، وعلى يده مستندات للشامية البرانية: التدريس لمولانا الشيخ تقي الدين المنوه بذكره، والنظر للقاضي صلاح الدين العدوي؛ نزل عن ذلك يحيى بن حجي بمبلغ ذهبٍ سلمهم إياه، ودخل في القضية الشيخ شهاب الدين بن المحوجب.
وفيه دخل نائب صفد ونزل بالميدان الأخضر.
وصلي على الشيخ سراج الدين العبادي صلاة الغائب؛ وعلى زين العابدين من ذرية سيدي الشيخ عبد القادر الكيلاني، أعاد الله من بركته، توفي بالقاهرة أيضاً.
وجاء الخبر بأن فريقاً من عرب آل خالد خرجوا على قفلٍ عراقي في برية قرية ضمير، نحو ثلاثة آلاف جمل كانوا متوجهين إلى دمشق، فأخذوهم عن آخرهم، وكان معهم شخص من مقدمي وادي بردا، يقال له عبد المنعم بن العزقي، من كبارهم، له مدة قد خرج عن الطاعة فهرب إلى الحسا، والتف على ابن جبر، فأعطاه نحو ثلاثين جملاً، ثم أخذت منه وقتله الله على يدهم، ولله الحمد.
ومما أخبر به محمد الطحينة أن مخيم العسكر المصري فارقه بالريدانية الدوادار الكبير، ومن معه من الأمراء، وعزمهم التوجه للبلاد الشامية. وأن ابن كاتب السر ابن مزهر ولي حسبة القاهرة.
وفي يوم الأحد ثاني عشريه جاء الشيخ عبد الرحمن الحريري من القاهرة، ومعه مراسيم
(1/19)

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، للنائب، ومعه واحد مطلق أيضاً.
وفي يوم الثلاثاء رابع عشريه لبس علاء الدين بن شاهين نائب القلعة خلعة رضا. وسافر نائب صفد متوجهاً للبلاد الشامية. وفي يوم الأربعاء خامس عشريه ختمت الدروس بالشامية. وجاء شمس الدين بن حلو من القاهرة، وأخبر بأنه فرق الدوادار الكبير بالخانقاه، وتاني بك قرا ببليس.
وفي يوم الأحد سلخه نودي بإبطال المحرمات بمرسوم السلطان المقدم للحاجب، وهو المطلق، وكانت حركة الحاجب مع سيدي محمد بن محمد الحسيني بالمشهد بحضور مولانا الشيخ، بسبب الجمال المأخوذة من خان ولي الله الشيخ تقي الدين الحسيني لسخرة دوادار السلطان الكبير، وانفصل المجلس على خير بعد أن أسمعه سيدي محمد كلمات مبكية، وهو يشبك العلاي.
وفي يوم الأربعاء ثالث جمادى الأولى منها، سافر الحاجب وأبو بكر بن عبد القادر وسيدي إبراهيم بن منجك وغيرهم لملتقى الدوادار الكبير. وفي يوم الجمعة خامسه توفي الشيخ الإمام العلامة علاء الدين على المرداوي الحنبلي، كان أكبر نواب الحنبلي، ومفتي الحنابلة، وكان ديناً عفيفاً ألف التنقيح، وعليه عمل الحنابلة بالشام، وعدة مؤلفات، وقد ذكرته في كتابي التمتع بالإقران بين تراجم الشيوخ والأقران بأوسع من هذه الترجمة.
وفي يوم السبت سادسه وصل بعض جماعة الدوادار الكبير، وبعض أمراء منهم تأتي بك قرا.
وفي يوم الاثنين ثامنه نزل الدوادار الكبير بالقبة بعد العصر. وفي يوم الثلاثاء تاسعه دخل ونزل بالقصر. وفي يوم الأربعاء عاشره دخل برسباي قرا حاجب الحجاب بالقاهرة ونزل المصطبة. ودخل الدوادار الكبير الجامع وزاره، ودخل مشهد مولانا الشيخ تقي الدين وشارفه، وكان مشغولاً بالوضوء، فخرج إليه ولم يجتمع به.
وفي يوم الجمعة ثاني عشره أقيمت الجمعة بالجامع الذي أنشأه الأمير مكي حيوط،
(1/20)

قبلي مما قبر عاتكة شرقي الشويكة، على الجانب الغربي والشمالي من بستان الصاحب، وهو جامع حسن نزه أخذه من بيته وجعله جامعاً، ووقف عليه جهات عديدة؛ وخطب بالجامع المذكور شمس الدين البيضاوي الشافعي.
وفي يوم السبت ثالث عشره سافر تاني بك قرا. وفي يوم الأحد خامس عشره طلع طلب الدوادار وقت الغداء متوجهاً للقصير، وطلع هو بباقي العسكر قبيل العصر، ومعه القضاة والحاجب وناظر الجيش وابن منجك ويونس بن مبارك وابن شاد بك وإسماعيل الحنفي؛ وألبس الحاجب خلعة بطرفين على عادة السلطان، ولناظر الجيش وابن منجك وابن المبارك وابن شاد بك وإسماعيل الحنفي.
وفي يوم الاثنين سادس عشره دخل نائب القلعة وصلاح الدين العدوي بخلعتين من عنده، وأخذه مع المحتسب برددار، وجعل مكانه مملوكاً من جماعته نيابة عنه.
وفي يوم الثلاثاء سابع عشره قيل إن قاضي مصر الشافعي وقاضيها المالكي، أعادهما السلطان بعد أن كان انحرف عليهما بسبب ما.
وفي يوم السبت حادي عشريه شاعت الأخبار بأن السلطان شنق ابن المقسي ناظر الخاص بالقاهرة، وابن البقري شيخ بلاد مصر، على مال تجمد عليهما. وفيه خرب بيوت بنات الخطا بحارة البغيل، بين جامع التوبة وجامع الجديد، بعد أن اشتريت القيسارية من ابن الصقر التاجر بمبلغ أشرفية ثلاثين، ثم انتقلت بنات الخطا إلى جوار المدرسة اليونسية بالشرف الأعلى بإشارة ابن الدواداري الشرابدار وابن الخياطة الوالي، بعد أن نقلوا الناس من بيوتهم أسكنوهن.
وفي يوم الاثنين ثالث عشريه توفي تقي الدين أبو بكر البقاعي، الساكن جوار مدرسة الصابونية الشافعي، وكان كبير الطائفة البقاعيين الساكنين هناك، ومستشارهم، ذكر أنه تمخول ومات بها - وفيه اجتمع خلق كثير بسبب الخمارات وغيرها بالمشهد من الجامع الأموي - وذكر عن ابن رمضان الشاهد بخارج باب الجابية كلام في حق الطائفة الفقراء، فأحضر للمشهد، وأنكر بعد أن عنف بكلام كثير، فتاب واستغفر ما وقع منه - وفي يوم الجمعة سادس عشريه لبس الموفق العباسي خلعةً للاستمرار، وطلب إلى عند الدوادار الكبير إلى حمص، وأن يأخذ معه ديوان الجيش ويسافر به يوم تاريخه بعد الخلعة.
ولبس الحاجب خلعة للاستمرار
(1/21)

ونيابة الغيبة. وفي يوم الاثنين سلخه جاء قاصد لابن دلامة الزين عبد الرحمن من القاهرة، شكت عليه جماعة منهم ابن أخته ابن الجفيني بسبب تركة أمه.
وفي يوم الثلاثاء مستهل جمادى الآخر منها، سافر نقيب القلعة للإشراف على خان وادي التيم - وعقد عقد رضي الدين بن الغزي الشافعي على بنت المرحوم شيخ الإسلام زين الدين خطاب البكر، من بنت علي بن الدقيق الحمصي، وفي الثالثة عشرة، ببيت أمها بنت علاء الدين الحنفي، بحضور مولانا الشيخ تقي الدين المنوه به وشيخنا شيخ الإسلام زين الدين بن العيني؛ ولي تزويجها ابن عم أبيها زوج أختها لأبيها ناصر الدين محمد معه على مذهب الحنفية، على مبلغ ذهب مائة وخمسين.
وفي يوم الخميس ثالثه دخل زين الدين الحسباني من القاهرة نائب الحنفي، وبيده عدة وظائف كانت بيد بدر الدين ابن قاضي أذرعات، الملقب بضفدع: السبكية وجامع جديد وتربة الزنجيلية وغير ذلك مع الجوهرية، ووظائف ابن السرادسة بالمارستان النوري، بمبلغ ذهب إليه به.
وفي يوم الجمعة رابعه توفي شهاب الدين أحمد الصالحي الكاتب، كان يخط الخط المنسوب، وكان ديناً، أشقر قصيراً، ثم انتقل إلى سويقة ساروجا؛ وممن كتب عليه هناك مشائخ الإسلام نجم الدين وتقي الدين وأخوهما القاضي زين الدين بنو قاضي عجلون وغيرهم.
وفي يوم السبت خامسه وصل الماء للسبيل والرتفق عند القيمرية من جهة الغرب، وإلى قناة الأحد القريبة للقيمرية من جهة الشرق، التي ينزل إليها في درج، أخذ الماء من الطالع عن الذهبيين، وقدر ذلك ثلاثة أصابع، أثاب الله تعالى الساعي في ذلك الثواب الجزيل.
وفي ليلة الأحد سادسه سافر حاجب الحجاب وابن شادبك الأستادرار إلى برج بني عامر، ليسلما البلاد لابن طراباي عوضاً عن أبيه المقتول، بإشارة دوادار السلطان الكبير.
وفي يوم الاثنين رابع عشره فوض قاضي الحنفية تاج الدين بن عربشاه لعمي الجمال بن طولون الصالحي نيابة القضاء، بواسطة شيخ العلامة زين الدين بن العيني الصالحي، ثم استنابه في حضور إفتاء دار العدل الشريف، ثم نزل له عنه.
وفي هذا اليوم صيح عند المحراب المالكية بالجامع الأموي على شهاب الدين أحمد العجرموشي البقاعي المؤذن المعروف بزمكحل القوال، وكان رئيس المؤذنين بجامع بني أمية، ذا صوت حسن، يضرب به المثل، وكان يقرأ الموالد الشريفة، وهو من جماعة الشيخ تقي الدين الأذرعي، فتوفي - وفي يوم
(1/22)

الاثنين سادسه دخل عمر بن الصابوني من القاهرة، ولبس خلعة نظر الجوالي، وله مدة بالقاهرة - ولبس عبد القادر بن الكاتب نصف الترجمة.
وفي يوم الثلاثاء سابعه فوض قاضي الحنفية التاج، لأمين الدين بن الحسباني نيابة القضاء.
وفي يوم السبت ثامن عشره توفي الشيخ برهان الدين البقاعي الشافعي، وكان له مدة سنين مقيم بالقاهرة ثم جاء إلى دمشق، ونزل عند القاضي صلاح الدين العدوي، وتلقاه مولانا الشيخ تقي الدين المنوه بذكره والسيد كمال الدين وغيرهما إلى القنيطرة؛ ثم حصل من الشيخ تقي الدين حركة، ثم وقع بينهما وانتشا شرور كثيرة، وآخر الأمر صنف سباً في حجة الإسلام الغزالي فازداد الأمر وتوالى، ودفن بالحمرية في التربة المجددة؛ وقد أطلت ترجمته في غير ما موضع من التعليقات.
وفي يوم الأربعاء ثاني عشريه توفي عمر بن الصابوني ناظر الجوالي، ودفن بتربة عمه، وكان والده تاجراً بالدهشة، وكان يحفظ القرآن. وصحت الأخبار بأن الأمير أزدمر الأينالي، الذي كان مع السلطان بمكة المشرفة، طلبه وسط السنة، فأنزل في البحر إلى أن وصل لبلاد الصعيد إلى قوص، ثم ادعى عليه عند قضاتها، وأقيمت عليه البينة بشيء يقتضي ضرب عنقه، فضربت ولله الحمد. وفي يوم الجمعة رابع عشريه وصل ناظر الجيش الموفق من حلب، ومعه أخوه كمال الدين المالكي - وفي ليلة الأحد سادس عشريه جاء شهاب الدين بن المحوجب من القاهرة.
وفي يوم الجمعة مستهل شعبان منها، حصل رعد وبرق، ثم نزل مطر ثم برد، وتزايد إلى أن نزل فيه شيء قدر بيض الحمام، أو بندق الطين، نحو عشر درج رمل، وكان في أوائل تشرين الأول - وفي يوم السبت ثانيه توفي مهتار السلطان، جاء بسبب عمل خيمة للسلطان، وابن الملاح الحداد، أبو صهر الشيخ علاء الدين البصروي، وهو أخو برهان الدين الملاح الفقيه، كما يقال: وفي يوم الأحد ثالثه وصل الخبر من حلب بأن الدوادار الكبير يشبك طلب من أهلها مشاة لتذهب إلى قلعة ماردين، التي فيها مال المتوفى حسن باك والد يعقوب باك، حسبما أشار عليه الخواجا ابن الصوا المشرقي، ومن ذرية تمر وكيل السلطان بتلك الناحية ثم أشار عليه بأن يأخذ منهم مالاً فلم يسهل عليهم ذلك، فلما رجع ابن الصوا من تشييع الزردخانة ووصل إلى حلب، ثار أهلها للشر وارادوا قتال الروادار، فقال: إيش كنت أنا، روحوا للخواجا ابن الصوا، فلما سمعوا ذلك ذهبوا إليه ليقتلوه فهرب، فأدركوه في حارة الكلاسة، فجروه برجليه إلى تحت قلعة حلب، فأحرقوه، وأراح الله العباد والبلاد منه.
وفي يوم الأربعاء سابعه وصل محب الدين الأسلمي من جهة حلب، معتقل عليه إلى دمشق، بعد ضرب وإهانة، ومسك دواداره محمد يوم تاريخه، ورسم عليه في دار النيابة.
وذكر الشيخ أبو الفضل بن الإمام النائب العربي، أنه لما كان بمنزلة عيون التجار، طلع عليه قطاع الطريق أخذو له خرجاً فيه جميع ملكه، من قماش ومال غيره ذلك، نعوذ بالله من زوال النعم.
وفي يوم الخميس سابعه نودي على الفضة العتيقة من القايتبايية والخشقدمية والأينالية واليلباييه والتمر بغاوية بطالة، وضربوا فضة جديدة، والعتق بالميزان، وتعتمد المائة العتق نحو أربعة دراهم، وإلى عشرة، ورجم العوام المنادي.
وفي يوم السيت تاسعه كان ختان سيدي محمد بن مولانا الشيخ تقي الدين المنوه به، وابن عمه أبي اليمن، وابن ناصر الدين شاد عرطوز، بالبحرة بعد عشاء الآخرة - وفي يوم الثلاثاء ثاني عشره ابتدئ بعمارة درب الصالحية من جهة الشبلية من جسر طاحون السمرية تحت طاحونة عين الكرش.
وفي يوم الجمعة خامس عشره توفي الشيخ الصالح العالم العلامة المقرئ غرس الدين خليل اللدي الشافعي، الأشعري الاعتقاد بعد أن توضأ لصلاة الصبح وأراد أن يصلي، فتوفي قبل الصلاة بعد أن انقطع أربعة أيام، وكانت جنازته مشهودة، ودفن بمقبرة باب الصغير، رحمه الله رحمة واسعة - وفي يوم الاثنين ثامن عشره أسلم شخص يهودي عطار، يدعى عبد الحق، حانوته تجاه باب دار الطعم العتيقة - وفي يوم الأربعاء عشريه كانت وليمة عرس عبد الرحيم بن الموفق على بنت عمه كمال الدين.
وفي يوم الخميس حادي عشريه جاء قرابة العدول بالحوطة على تركة عمر بن الصابوني؛
(1/23)

ومعه مرسوم بعزل الحموي الحنفي ونقيب الأشراف السيد إبراهيم والمحتسب يونس البرددار المصري، وأن يختاروا من يصلح.
وفي يوم الخميس ثاني عشريه حصل مطاولة بين مولانا الشيخ تقي الدين المنوه به وابن عمه القاضي محب الدين وعلاء الدين البصروي، ببيت السيد كمال الدين، بعد المغرب، وكان شمس الدين الخطيب وشهاب الدين الحمرواي حاضرين، وانفصل المجلس عن فساد، ثم ثاني يوم قبل الظهر حصل الصلح ببيت السيد، وجاء البصروي إلى عند مولانا الشيخ للبيت.
وفيه جلس نقيب القلعة لابن سكر بعد أن مسكه من مدرسة النورية بحضور القاضي الحنفي بها، ثم ضربه. ووصل كتاب زين الدين بن دلامة بأنه ولي نظر الجوالي.
وفي يوم السبت مستهل رمضان منها، كان رؤية الهلال ليلته رفيعاً جداً.
وفي يوم الاثنين ثالثه اجتمع القضاة والفقهاء والترك والمشايخ بالربعات الشريفات والأعلام بالجامع الأموي، والشيخ محمد الحسيني والشيخ إبراهيم الأقباعي والشيخ خليل الصمادي والخاص والعام، أما الفقهاء والمشائخ فجلسوا عن يسار محراب الصحابة، وأما القضاة والترك: الحاجب ونائب القلعة وحاجب ثاني وناظر الجيش، بالمحراب المذكور وحدهم، وقريئ القرآن العزيز وأديرت الربعات، وذكروا الله تعالى ثم ذكر ذلك: لمن يهدى؟ فأهدى للسلطان؛ ثم قرئ المرسوم بعزل السيد إبراهيم من نقابة الأشراف والمحتسب من حسبة دمشق، وأن يختاروا أحداً يصلح، أما الأشراف فاختاروا السيد علاء الدين بن نقيب الأشراف، فلم يقبل ولم يحضر؛ وأما المحتسب فأحالوا الأمر إلى السلطان، وانفصل المجلس على ذلك إلى قرب الظهر، وكان القارئ للمرسوم الخطيب النابتي، على كرسي، وكان صلاح الدين الوكيل ونقيب القلعة غائبين بالبقاع لأجل تركة مقدم ألف.
وحصل في هذه الأيام برد شديد وزمت إلى الغاية، ولا في كانون ما يأتي مثله، نسأل الله العافية، وفي يوم الأربعاء خامسه توفي بدر الدين بن الزهري الشافعي، كان من نواب القاضي الشافعي، وكان ممن يشتغل على الشيخ بدر الدين ابن قاضي شهبة، وهو من ذرية العلماء لكن لم يكن عالماً، رحمه الله تعالى.
وفي يوم الجمعة سابعه صلي على شخص توفي بالقدس الشريف كان صالحاً، يدعى أبا طاهر، رحمه الله تعالى.
وفي يوم السبت ثامنه اسفيض بدمشق وفاة شهاب الدين أحمد المشهور بزعبوب الشافعي، توفي بكفر كنا، كان كتابه التنبيه يحفظه، وأراد الكتابة بالشامية البرانية فداركته المنية، وفيه توفي إمام الشامية
(1/24)

هذه شهاب الدين أحمد، وكان قد كف بصره في آخر عمره، وكان شاهداً على بابها قديماً، وكان مشاركاً في عدة أشياء، رحمهما الله تعالى.
وفي يوم الاثنين رابع عشريه شاعت الأخبار بأن العسكر انكسر كسرة فظيعة وقتل أناس كبار، أخبر بذلك مملوك شادبك أمير كبير الشام؛ ثم تبين أنه قتل الدوادار الكبير يشبك الظاهري، قتله الأمير بياندر، وأخذ رأسه معه، مع جماعة من النواب، منهم قانصوه اليحياوي نائب الشام، ومنهم جاني باك ألماس نائب صفد، إلى يعقوب باك بن حسن باك بن قرا أيلوك بمدينة تبريز، ثم أفلت نائب الشام هذا فدخل حلب في رجب سنة ست، فعزل من الشام ونفي إلى بيت المقدس.
وفي يوم الأربعاء سادس عشريه كان آخر تشرين الثاني.
وفي يوم الخميس سابع عشريه دخل زين الدين بن عبد الرحمن بن دلامة ناظر الجوالي بخلعة، بعد أن نزل بتربة تنم. وفي يوم السبت تاسع عشريه وصل مملوك من مماليك النائب، وأخبر بأخبار مزعجة عن العسكر. وختم على موجود النائب، ورفع جند دواداره، ومحمد دوادار الدوادار، للقلعة.
وفي يوم الأحد مستهل شوال منها، عيّد الناس، وكانوا صلوا التراويح في ليلته، ولم ير الناس الهلال إلى رق واحدة، وإذا هم يكبرون في المآذن، وذكر أن اثنين جاءا إلى عند علاء الدين البصروي من أهل قبر عاتكة، وهو في صلاة التراويح بالجامع الأموي، وشهدا بأنهما رأياه وجماعة من كفر سوسيا.
وفيه هلك النجم السامري الطبايعي وله مدة في ذلك، وكان قد تقدم فيه، وله مدة ضعيف؛ ورؤيت له مقامات حسنة تدل على أنه ختم له بخير، والعلم عند الله، وأعقب ولدا نجيباً في الطب.
وفي يوم الاثنين ثانيه نزل السراق على محمد بن المزلق، وجرحوا بوابه، ولم يجدوه في البيت، وأخذوا صندوقاً فيه أشياء كثيرة جليلة.
وفيه دخل شادبك أمير كبير الشام، من جهة حلب، وفي أناس قلائل جداً، على هيئة زرية، وهو ضعيف في محفة. وفيه جاء مرسوم بأنه عين أربع مقدمين، وترك معهم، عونة للعسكر.
(1/25)

وفي يوم السبت سابعه دخل الحاج الحلبي بكرة النهار، وأميرهم يوسف الحمزاوي، وهو ركب مليح، كان زمام بنت الحمزاوي نائب الشام.
وفي يوم الأحد ثامنه، كان حدث قبله بنحو خمسة أيام، إن أهل القبيبات الفوقانية، وميدان الحصا الذي عند جامع منجك، وقع بينهم بسبب قيس ويمن دعوى جاهلية، واقتتلوا وحصل بينهم جراح، وقتل من القبيبات على ما ذكر ثلاثة أنفار، فطلع الحاجب الكبير إليهم بسبب ذلك، وكبس على أهل القبيبات ومسك منهم نحو العشرة أنفس فأكثر، وضربهم وبالغ من بعضهم بالمقارع، وهرب الغرماء إلى جهة داريا، وجرح من مماليك الحاجب جماعة، وهم إلى الآن محبوسون عنده، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الاثنين تاسعه كان أول فصل الشتاء؛ وفي آخره وصل الأمير جاني بك الأبح أحد الألوف وأخبر بأمور كثيرة، وصل معه محب الدين بن الفرفور صاحب ديوان الجيش، ومعه أمراء من الشام: تمراز التمربغاوي، وابن شاهين حاجب ثالث، وكسباي وغيرهم، وأخبر المحب بأمور، منها أن الباش ضربت رقبته بعد أن مسك على هيئة بشعة، وحشى سلخة الرأس تبنا، ومعه رأس ابن بداق، وأرسلا لتوريز لابن حسن باك، ومسك نائب حلب ازدمر قريب السلطان، ونائب طرابلس بردبك المعمار، لم يعلم له خبر ولا أثر، وتاني بك قرا أحد المقدمين بمصر أسر، وكذا برسباي قرا حاجب الحجاب، وبرد بك أحد الألوف بدمشق، وأينال الخسيف الأمير الكبير بحلب.
وفي يوم الثلاثاء عاشره دخل الحجاج الحمويون، وسافر الشيخ علي الدقاق مع سيدي علي بن القاري التاجر إلى الحجاز الشريف على درب المصري.
وسقط شخص من الصناع من سقف مشهد الزيلع، فمات من ساعته.
وفي يوم الأربعاء حادي عشره جاء قاصد كاتب السر من القاهرة وأخبر بوفاة قاضي القضاة شمس الدين الأمشاطي الحنفي، وكان من قضاة العدل بالنسبة لهذا الزمان، يتكلم كلمة الحق ولو على السلطان؛ وعلى يد هذا القاصد مرسوم السلطان بأن يسافر القاضي شرف الدين بن عيد الحنفي مكرماً للقاهرة، ويعطى ثمن مركوب وغيره.
وجاء الشيخ محمد بن الحصني من القاهرة أيضاً، وكان له اجتماع كثير بالترك الكبار.
وفي يوم الجمعة ثالث عشره صلي على القاضي شمس الدين محمد الأمشاطي الحنفي، بالجامع الأموي غائبة.
وفيه تولى المحب بن القصيف قضاء الحنفية، عوضاً عن التاج بن عربشاه.
وفي يوم الأحد خامس عشره سافر الحاج الشامي ونزل القبة، وأميرهم يلباي دوادار السلطان بدمشق، وهو قليل جداً، لكن الغرب من الحلبيين وغيرهم كثيرة، وقاضيهم شمس الدين الكفرسوسي الشافعي، ومعهم من الشاميين عماد الدين إسماعيل النابلسي الأنصاري، وبرهان الدين السوبيني، وشمس الدين بن الجهيني، وإبراهيم بن الوراق، وشهاب الدين بن الصايغ؛ وفي كانون الأول ثمانية عشر يوماً.
وفي يوم الاثنين سادس عشره دخل شخص من العسكر يسمى قانصوه الشامي مقدم المماليك بالقاهرة، أفرج عنه القرا أيلوكية؛ وجاء قانصوه دوادار الدوادار هارباً منهم.
واللحم قليل جداً ولا يوجد.
وأشيع بأنه جاء مرسوم بأنه عين أمير كبير أزبك وثلاثة مقدمين معه، بأن ينزلوا إلى حلب ويضموا إليهم مماليك السلطان المنكسرة، ومن سلم من العسكر يعود إلى حلب.
وفي يوم السبت حادي عشرة توفيت بنت السيد كمال الدين المالكي، زوجة السيد عبد الرحيم، بعد أن دخل بها وهي بكر.
وفي يوم الاثنين ثالث عشريه جاء الخبر بأن تاني بك قرا جاء لحلب، وما ذاك إلا أنه لم نفسه، وأنه من أبناء العرب، وأنه خطيب، وكان رجلاً مستعرباً.
وفيه نودي على الدراهم العتق بطالة، فلم تسمع العامة وأرادوا ضرب المنادي.
وفي يوم الجمعة سابع عشريه نودي على الفضة قبيل الصلاة بإشارة مولانا الشيخ المنوه به، بعد أن اجتمع به نائب القلعة والقاضي صلاح الدين الوكيل بالبادرائية، ووقع الاتفاق بأن الفضة العتق والجدد وزن كل اثني عشر درهماً ونصف درهم بأشرفي ذهب؛ ومشى الحال على هذا بعد أن كان الخلق في غاية الضيق والحصر، وغلقت الحوانيق بسبب ذلك، وتقطعت الأسباب؛ واللحم في غاية الشحتة، ولا يوجد إلا بعسر شديد، وهو في غاية الوحاشة: الرطل بأربعة والفتح بمبلغ مائة وخمسين.
وفي يوم السبت ثامن عشريه دخل رضي الدين بن الغزي على بنت المرحوم الشيخ زين الدين خطاب من بنت الدقيق.
وفي يوم الاثنين سلخه سافر القاضي شرف الدين بن عيد للقاهرة.
وفي يوم الأحد سادسه ذي القعدة جاء كتاب عبد الرحمن الخليلي من جماعة القاضي شهاب الدين المريني، وفيه أن تاج الدين بن عربشاه عزل وولي محب الدين بن القصيف بثلاثة آلاف ذهباً.
وفي يوم الأربعاء تاسعه، بعد حضور مولانا الشيخ تقي الدين المنوه به الشامية البرانية، ركب إلى خمارة الدوادار الكبير وأزالها، ولله الحمد.
وفي يوم الأحد ثالث عشره توفي جمعة الشاهد بباب جامع التوبة.
وفي يوم الاثنين رابع عشره دخل مماليك السلطان متوجهين ثانياً للبلاد الشامية، وفارقوا أمير كبير في غزة.
وفي يوم الأربعاء سادس عشره نزل مولانا الشيخ تقي الدين للمولى السيد كمال الدين بن حمزة، ابن أخته، عن نصف نظر الركنية الشافعية، ونصف تدريسها، ونصف تدريس الفلكية، وأمضى ذلك؛ ورغب عن ثلث إعادة الدرس بالشامية البرانية للمشار إليه قبيل تاريخه، وقرر فيه الصلاح بن العدوي، وبذلك عن ذلك كله ذهباً ثلاثمائة وخمسين، دفع ذلك بالحضرة والمعاينة، بعد التمليك لها للمشار إليه النازل، وثبت ذلك، وحكم فيه قاضي القضاة نجم الدين الحنبلي بشهادة الشهابين ابن طوق وابن الصميدي.
وفي يوم السبت تاسع عشره ثار ريح عظيم، واستمر إلى نصف الليل.
ووصل الأمير أحد المقدمين من القاهرة ويسمى وردبش، وغضب السلطان على أمير من مقدمي الألوف بالقاهرة يدعى خاير بك بن حديد، بسبب ندبه لكفالة الشام، فلم يفعل، فأرسله لقلعة الصبيبة، ثم تحرر أنه جاء صحبة أزبك للتجريدة، ووصل خاير بك إلى قلعة دمشق ليلاً.
وفي يوم الاثنين حادي عشريه نزل أمير كبير أزبك قبة يلبغا.
(1/29)

وفي يوم الثلاثاء ثاني عشريه دخل ونزل بالقصر، وسافر وردبش إلى جهة حلب، ونودي أن نائب الشام قانصوه اليحياوي مستمر في كفالته عن إذن أمير كبير، وأطلق بعض مباشريه.
وفي يوم الأربعاء ثالث عشريه ألبس أمير كبير المذكور مباشري هذا الكافل خلعا: الأستادار وابن الخياطة البرددار ومحب الدين الأسلمي كاتب الخزانة.
وفي يوم الخميس رابع عشريه دخل الأمير أزبك للجامع الأموي، ودخل إلى عند مولانا الشيخ للمشهد؛ ثم أرسل خلفه إلى القصر، واستشاره فيمن يولى محتسباً، وأنهم يختارونه من المتعممين.
وفي يوم الاثنين سادس عشريه سافر الأمير الكبير أزبك ونزل بالمصطبة.
وفي يوم الأحد سابع عشريه سافر من المصطبة بعد صلاة الصبح.
وفي كتب شهاب الدين العذاري بالشامية البرانية على أربعين مسألة على العادة، وهي بالنسبة إليه لا بأس بها.
وفي يوم الجمعة مستهل ذي الحجة منها، كان أول شباط.
وفي يوم الخميس ثامنه ذكر أن رضي الدين الغزي سعى في القاهرة عند القاضي قطب الدين الخيضري في نيابة القضاء في دمشق بمبلغ ذهب تسعمائة، دفع شيئاً، وكتب عليه الباقي إلى المغل بحجة، وأرسل إلى القاضي سراج الدين يفوض إليه.
وفي يوم الخميس عاشره عيّد الناس عيد الأضحى.
وجاءت الأخبار بأن القاضي شرف الدين موسى بن عيد لبس قضاء الحنفية كذلك بالقاهرة، وأن له اثنين وعشرين يوماً قد لبس.
وفي يوم الأربعاء خامس عشره وصل بداق، أخو سوار المتولى مكانه، في الحديد مع مماليك السلطان محتقظاً عليه، وأدخلوه القلعة.
وفي وم الجمعة رابع عشريه بعد صلاتها، ركب مولانا الشيخ، وحاجب الحجاب يشبك العلاي، وسيدي محمد بن الشيخ محب الدين الحسيني، والشيخ إبراهيم بن الشيخة أحمد الأقباعي، وغيرهم من الفقراء، لإزالة الخمور والمنكرات، فأراقوا خمراً كثيراً، ومن جملة ذلك خمارة عند بيت الأمير قرقماس التنمي، أحد الأمراء المقدمين، بحارة القصر، بجوار المدرسة الأسدية، وذكر أنها ببيته، فلما توجهوا إلى بيته حولوها، فلما رجعوا عند جامع تنكز فعنفوه، فأنكر أنها لم تكن له، فقيل له أنها لمماليكك وغلمانك وجماعتك، وأفضى الحال بعد يومين إلى أنه جاء هو والأمير جاني بك التنمي أحد المقدمين، والقاضي صلاح الدين العدوي، والقاضي محب الدين، وعلاء الدين البصري، وتاب واستغفر.
وفي يوم الأحد سادس عشريه وقع موسى العلماوي، وهو شاب شافعي المذهب من
(1/30)

أهل القرآن، في حق الله تعالى، طولب بشيء، فقال: ما يخرج من هذا المكان ولو حارب العزة؛ فرفع أمره للقاضي المالكي نائب الحكم شمس الدين المطماطي، فأمر بحبسه والتضييق عليه في سجن الدير، فبلغ القاضي برهان الدين بن المعتمد نائب الحكم الشافعي فحكم بإسلامه، فاستشاط قاضي القضاة المالكي شهاب الدين المريني وأمر بالتضييق عليه في السجن أكثر ما كان، إلى أن أطلق في يوم الثلاثاء ثامن عشريه بواسطة مولانا الشيخ، وكان الرسول لقاضي القضاة المالكي شهاب الدين الحمراوي، وكان في السجن في قيد وغل تلك الليلة.
وفي آخر هذه السنة بلغني أن المدرستين اللتين ببنائهما أمر السلطان لما حج، انتهتا، وهما مدرسة بمكة المشرفة لصق الحرم الشريف بين بابي الرحمة والسلام، بمنارة، وأخرى بالمدينة الشريفة لصق الحرم النبوي بين بابي الرحمة والسلام أيضاً، ورتب فيهما تعاليم للطلبة؛ ولما كان حج، كان معه أخو المحدث شمس الدين السخاوي، فكتب جميع ما يقع للسلطان في سفره، ليدون ذلك أخوه.

سنة ست وثمانين وثمانمائة
... خرجت زوجة القاضي شرف الدين بن عيد للقاهرة، ولم يأت إلى الآن خبر زوجها، وودعها القاضي محب الدين بن القصيف راكباً أمام جمل المحارة إلى خارج البلد! وفي يوم الجمعة بعد صلاتها ثاني عشريه صلى بالجامع الأموي غائبة على الشمس القدسي المتقدم ذكره، بعد أن خطب شيخنا سراج الدين بن الصيرفي أعلى منبر المقصورة الجديد، بعد فراغ الجامع المذكور من عمارته، بعد حريقة النار.
وفي يوم الثلاثاء سادس عشريه دخل المحمل الشريف من القبة، وأميرهم يلباي دوادار السلطان بدمشق كما قدمنا، وهو من الشجعان لكنه في غاية من الظلم؛ وجاور شمس الدين محمد الكفرسوسي الشافعي.
وفيه عزل القاضي قطب الدين الخيضري، وهو يومئذٍ بمصر، عن وظيفة قضاء الشافعية، وتولاها مكانه صلاح الدين محمد بن عبد القادر العدوي البقاعي؛ وعزل موفق الدين العباسي عن نظر جيش دمشق، وتولاها عنه شهاب الدين أحمد بن الخيضري في كتابة
(1/31)

السر عوضاً عن والده.
وفي يوم الخميس ثامن عشريه ذكر أنه في بلاد الروم، بلاد ابن عثمان، حصل خسف في ثلاث مدن وقرى، وقيل في خمسة، نسأل الله العفو والعافية، وهذا من أشراط الساعة.
وفي يوم الجمعة تاسع عشريه تمت عمارة الجامع الأموي من كل وجه، وخطب الشيخ سراج الدين بن الصيرفي؛ قال الشيخ شهاب الدين بن طوق: وهي أول خطبة، خطب على منبره في مكانه المعتاد بعد العمارة، انتهى.
وقد قدمنا أنه خطب قبل ذلك مرة، وعليه مشى الشيخ محيي الدين النعيمي في ذيله وهذا هو الصواب، وحضر القضاة، والحاجب الكبير، والدوادار الكبير، ونائب القلعة، وناظر الجيش، وقرئت ختمة شريفة للسلطان بالجامع الأموي بعد الصلاة.
وفي يوم الأحد مستهل صفر الخير منها، كان أول نيسان.
وحصل اجتماعية بالمشهد من هذا الجامع، بسبب يلباي أمير الحاج وما حصل منه في الطريق من ظلم الحجاج، خصوصاً الغرب، من جهة المواريث - وفيه عزل صلاح الدين العدوي عن قضاء الشافعية بدمش، وتولاها عنه شهاب الدين بن الفرفور، وذلك مضافاً لنظر الجيش.
وفي يوم الاثنين ثانيه دخل متسلم نائب الشام قجماس، ويدعى شادبك الخزندار.
واجتمع مولانا الشيخ تقي الدين والشيخ محمد بن الحصني بالجامع، بسبب يلباي والحجاج. وحصل للكرم صقعة.
وفيه ذكر أنه وصل الخبر إلى دمشق بأن القاضي شرف الدين بن عيد الحنفي بمصر، توفي إلى رحمة الله تعالى، ومعه شخص آخر، بواسطة الزلزلة كما قدمنا، سقطت شرافة من مدرسة الصالحين عليهما فماتا معا، وقيل معهما أربعة أيضاً.
وفيه قبض على موفق الدين ناظر الجيش ورفع للقلعة.
وفي يوم الجمعة سادسه صلي على القاضي شرف الدين بن عيد بالجامع الأموي صلاة الغيبة، وكان ديناً خيراً، وله مدة في نيابة الحكم بدمشق، ثم لما جاء السلطان للبلاد الشمالية، ودخل دمشق في العود، تكلموا في ولاية الشيخ زين الدين بن العيني، فولى كرهاً ثم امتنع، فرسم السلطان أن ينظروا أحداً يصلح، ثم ولي شرف الدين هذا؛ وكان أبوه شاهداً من سكان طواحين الأستاذ، وكان مركزه بباب الزنجيلية، أخل العين، ولم يكن من المعتبرين، حنفي
(1/32)

المذهب، ونشأ ولده هذا على قراءة وخير إلى أن فضل، وسبب تحنفه أنه أسره تيمور، واستمر في تلك البلاد إلى أن كبر واشتغل على مذهب أبي حنيفة، وكان عزمه أن يشتغل على مذهب الشافعي، ثم إنه لازم الشيخ يوسف المغربي الحنفي، وكان قرأ عليه القرآن، فاشتغل عليه في مذهب أبي حنيفة، وكان يروح معه إلى طاحون داخل باب السلامة، يكتب عليها، فيقرأ عليه هناك إلى أن توفي، ودخل الجامع الأموي واشتغل على علماء الحنفية كالشيخ قوام الدين، ثم ولي نيابة القضاء، وآل آمره إلى ما آل رحمه الله تعالى.
وفيه توفي الشيخ علي الفحام المغربي، كان حانوته تجاه مسجد الرأس، وذلك من داخل باب الفراديس، يبيع بها الحطب والفحم وغير ذلك، وكان شيخاً صالحاً رحمه الله تعالى.
وفي يوم السبت سابعه دخل إلى دمشق من القاهرة أمير مقدم ألف، متوجهاً إلى حلب، ويدعى تاني بك الجمالي.
وسرق في ليلته ثلاثة حوانيت لتجار النصارى، جوار خان السلطان، شمالي النقلية من جهة الفواخرة، وكان ذلك قبل أن تقفل الأسواق ودوران زفة القلعة، واستمر الصوت عاقداً على السراق إلى حارة الشويكة، وتبعهم حاجب الحجاب ثم رجع، وخرجوا جماعةً على الصوت فضربوا شخصاً فجرح.
وفيه توفي في المارستان النوري أبو بكر بن الخابوري، وهو من ذرية ابن منيح، من الأصلاء ذوي البيوت.
وفي يوم الاثنين تاسعه سافر تاني بك الجمالي بك الجمالي إلى جهة حلب.
وفي يوم الأربعاء حادي عشره ورد كتابان من القاهرة من جمال الدين العدوي قريب الصلاحي، ومن القاضي قطب الدين الخيضري، للبدر بن الصاحب، بولاية صلاح الدين العدوي قضاء الشافعية بدمشق، وشهاب الدين بن الفرفور نظر الجيش بها، ونجم الدين بن الخيضري كتابة السر بها أيضاً؛ وذكر أنهم لبسوا في يوم واحد، وقد قدمنا ذكره، بعد أن كانت وظيفة القضاء انتظمت لابن الفرفور، وطلع ليلبسها، فقال السلطان: وليت هذا القضاء؛ يعني الصلاحي، وهذا نظر الجيش، يعني ابن الفرفور، فتمنع بعض شيء، فأكره على لبسها، وتغير السلطان من تمنعه، هكذا قيل، فلبسها بكرهٍ؛ وهذا كتابة السر، يعني الخيضري، فسبحان الفعال لما يريد.
وفيه جاء الخبر بموت أبي بكر بن عبد الباسط، وهو أكبر أولاده.
وفي يوم الجمعة ثالث عشره صلي على الشيخ العالم المحدث نجم الدين محمد المدعو عمر بن
(1/33)

فهد المكي صلاة الغائب، وهو من بيت كبير بمكة المشرفة، وله رحلات في طلب الحديث لمصر ودمشق وحلب وغيرها، وترجمته طويلة ذكرتها في غير هذا الموضع.
فيه توفي برهان الدين إبراهيم الآمدي الصالحي الحنفي، كان من أكابر الناس، وبيده وظيفة استيفاء الأوقاف، وكان فيه إنسانية لصحبته للكبار.
وفي يوم الأحد خامس عشره جاء كتاب السيد إبراهيم بن عجلان من القاهرة بأن ابن الفرفور ولي قضاء الشافعية بدمشق، عن صلاح الدين العدوي، مضافاً لنظر الجيش، ووكالة السلطان، ونظر القلعة، باثنين وثلاثين ألف دينار؛ وكان صلاح الدين ذهب لبيت الدوادار ومعه عشرة آلاف دينار، فلم يمض له، ورسم عليه بسبب ذلك، هكذا قيل.
وفي يوم الخميس تاسع عشره طلع مولانا الشيخ تقي الدين لعمارة جسر ابن شواش، الراكب على نهر بردى بالوادي الفوقاني، ومعلم وفعلة وقنبايلة وشواة، وغيرهم نحو العشرين نفساً.
وجاء مرسوم للحاجب من القاهرة بسبب القاضي الحنبلي، وفيه أنه اتصل بمسامعنا كيت وكيت، فقرئ عليه، ثم بعد ذلك طلب منه ألفا دينار، إما أن يقوم بها، أو يودع بالقلعة، أو يضمن عليه، فطلبه ورسم عليه ترسيم حشمة؛ فطلب الحنبلي شهاب الدين بن المحوجب، وشمس الدين الواعظ الحنفي، واتفق الحال على أن يضمن عليه، فضمنه شمس الدين المذكور والشهاب بن الصميدي، وشمس الدين الحداد، والرجيحي قريبه، وغيرهم، على ذلك، وتوزعوها، وطلع إلى بيته بعد العصر.
وفيه جاء مرسوم آخر للسيد علاء الدين بن نقيب الأشراف، أن يحضر للقاهرة، طيب القلب منشرح الصدر، وذكر أنه لأجل وظيفة قضاء الحنفية بالقاهرة.
وفيه قيل توفي تقي الدين البقاعي، الشاهد بالشامية؛ وتقي الدين أبو بكر بن المدني، أحد أصلاء الصالحية وكان والده كاتب السر بدمشق.
وفيه جاء الخبر بأن صلاح الدين العدوي على ما هو عليه من الوكالة ونظر القلعة، وابن الفرفور على القضاء ونظر الجيش، بستة وعشرين ألفاً.
وفيه سافر الشيخ نور الدين الحلي الشافعي للقاهرة.
وفي يوم الأحد ثاني عشريه انتهت عمارة جسر ابن شواش.
وجاء مبشر النائب بأنه وصل للرملة؛ ومبشر القاضي بن الفرفور، وهو يونس مملوك القطبي الحلبي، بقضاء القضاء،
(1/34)

ونظر الجيش، ومضافاتهما؛ وكتاب للشيخ سراج الدين بن الصيرفي بسماع الدعوى، والثبوت، والخطابة؛ والقاضي الحنفي بالتقرير، ونظر المارستان، وغيره نيابة؛ ولمحب الدين بن الفرفور قريبه، نيابة نظر الجيش - وفي يوم السبت ثامن عشريه جاء بهاء الدين بن الباعوني من القاهرة. ونزل الكافلي بالكسوة. وفي يوم الأحد تاسع عشريه نزل الكافلي القبة.
وفي يوم الاثنين مستهل ربيع الأول منها، دخل نائب الشام قجماس الإسحاقي الظاهري، ومعه نجم الدين بن الخيضري كاتب السر، استعلاء لا بخلعة.
وسلم مولانا الشيخ تقي الدين على الكافلي، في المبيت في دار النيابة.
وفي يوم الثلاثاء ثانيه كان أول أيار.
ورسم الكافلي على يلباي دوادار السلطان بالمسجد الذي بدار النيابة لأجل قضية الحجاج، ونودي في البلد من ظلم عليه بملك الأمراء.
وفي يوم الأربعاء ثالثه توفي الشيخ تاج الدين عبد الوهاب بن عثمان بن بنت سيدي الشيخ أحمد الأقباعي الصرخدي عمر، ودفن إلى جانب جده الشيخ أحمد من جهة القبلة، رحمه الله تعالى، وكان أقباعياً من حين كان أمرد، ومن حياة جده يعاني الأوراد والأذكار، وكان له كل ليلة سبت وقت يجتمع عنده الخاص والعام من علماء وقضاة وغيرهم، وكان ذخائر زمانه، وقد أدركه الشيب بعض شيء، رحمه الله تعالى.
ورفع في الدوادار قصص كثيرة فلم تفد، ووعدوا إلى يوم السبت، وأطلق آخر النهار، واختلفت الأقوال في سبب أمره، فقيل إن حاجب الحجاب كفله كفالة وجه؛ والظاهر أنهم حموه من جهة ابن الناعوري وإرثه، وقصدهم أكله لا غير.
وجاء من القاضي الشافعي كتب لجماعة النواب، مثل: ابن المعتمد، والبصروي، والإخنائي، على عادتهم في التولية.
وفي يوم السبت سادسه ختن القاضي محيي الدين الإخنائي ولده سيدي إبراهيم خفية، ولم يعلم به أحد.
وفي يوم الأحد سابعه لبس زين الدين عمر بن السنوسي من الكافلي خلعة بالحسبة.
وورد كتب من القاهرة من بهاء الدين بن العيني، وأبي البقا بن الجيعان بسبب ما كتبه الحموي الحنفي على يد خاص مهتار السلطان، من مرافعات الناس، وكتاب سيدي يحيى بن حجي
(1/35)

أيضاً للشيخ بهاء الدين بن العيني بسبب ذلك أيضاً وغيره، وأن ابن الفرفور أضيف إليه الوكالة، ونظر القلعة، ووكالة بيت المال، بثلاثين ألف دينار، كل ذلك أخبره شهاب الدين بن حجي عن كاتب السر.
وورد خبر من القدس الشريف أن جماعة من نصارى الحبش، نحو ثلاثة آلاف نفس، دخلوا القدس لزيارة القيامة، وأن كبيرهم بشاش أبيض كبير، وأنه جلس على كرسي من ذهب نصب له بها، ولما دخل رفعت أذياله جواكين من ذهب، وأنه أمر بضرب الناقوس، فوافق ضربه وقت الآذان؛ فلم يسمع الآذان؛ وملخص القضية أن كل ذلك فيه إظهار دين النصرانية، في تلك الأماكن الشريفة، والأوطان المعظمة، فسمع شخص من المسلمين ثابت الإيمان، فاستغاث: يا للإسلام؛ وأنكر ذلك، فضربه النصارى بالأسلحة، وقيل إنه مات رحمه الله، وأراح البلاد والعباد من حكام السوء مما حل بالإسلام والمسلمين، إنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي هذه الأيام أشيع بدمشق عن قاضيين من الأربعة إشاعة فاحشة، ولعلها تكون كذباً، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولا جزى الله خيراً من ابتكرها، وعمل قماش، سمي القاضي فوق.
وفي يوم الخميس حادي عشره حصل للسيد كمال الدين، الذي كان يفتي بدار العدل، أن القاضي محيي الدين، وحضر معه القاضي برهان الدين بن المعتمد في الإفتاء المشار إليه، النزول له عنه من مولانا الشيخ تقي الدين، وجلس تحته.
ووضع في محراب الجامع الأموي عامودين رخام أبيض منهرين، أخذا من مدرسة البهائية بطرف الصالحية من جهة الغرب، وهي تحت نظر ابن عربشاه، بواسطة أيدكي نقيب القلعة، فأنكر الشيخ عز الدين بن الحمراء الحنفي عليهم، ولم يسمع له، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الأحد حادي عشريه حصل حريق وقت الغداء الكبير، طلعت النار من الطبقة الكبيرة الراكبة على الفرن حول حمام سامة، وتداركوها وطفئت. وولي يونس الرددار الحسبة.
وفي يوم الخميس خامس عشريه ولي عبد القادر، أخو أبي بكر الدوادار، الحسبة من جهة نائب الشام، كان في أيام أخيه متوليها. وعمل النائب المولد الشريف.
وفي يوم الاثنين تاسع عشريه لبس إبراهيم بن شاد بك الجلباني خلعة أستادار السلطان بالإقرار، ونيابة
(1/36)

الصلت وعجلون.
وألبس القاضي برهان الدين بن المعتمد من نائب الشام خلعة ... في يوم الثلاثاء سلخه توفي محمد بن حسين بن الشجاع الذهبي فجأة بعد ... وطلع إلى جامع يلبغا، واستمر به إلى أن صلى المغرب ثم خرج ... فهو داخل في العتبة وسقط مغشياً عليه ...
وفي يوم الأربعاء مستهل ربيع الآخر منها، كان حراً شديداً.
وفي يوم الجمعة ثالثه كان أول حزيران.
وفي يوم السبت رابعه تواترت الأخبار بوفاة السلطان محمد بن عثمان سلطان الروم.
وفي ليلته ركب النائب والحاجب وباقي العسكر إلى المرج بسبب خيل أخذت للنائب نحو ستين فرساً، ولم يصح ركوب النائب.
وفيه أجلس الشمس بن البانياسي، ابن بنت الشيخ داود الصالحي، الملقب بشواحيط، على السجادة من بدر الدين حسن بن برهان، وحضر الشيخ شمس الدين خطيب السقيفة، والشيخ إبراهيم الأقباعي.
وفي يوم الخميس تاسعه دخل جاني بك الطويل، الذي كان ممسوكاً عند ابن حسن باك بتوريز.
وجاء محمد المزين من القاهرة وخفف عن أستاذه النجم بن مفلح الحنبلي ألف دينار.
وكان وليمة كتاب صدر الدين بن شمس الدين ابن خطيب السقيفة، على بنت زوجة والده، وحضر جمع كثير، وقرأ الشيخ إبراهيم الناجي مولداً، وكان ذلك بالصالحية ببيت أمها، بالقرب من بيت شهاب الدين بن دلامة، أسفل زقاق الخواجا إبراهيم من جهة الشرق.
وفي يوم الاثنين ثالث عشره لبس القاضي نجم الدين الحنبلي خلعة الاستمرار، وابن الجمل معلمة دار الضرب، وابن شاد بك نيابة عجلون والصلت وما مع ذلك، في الشهر الماضي؛ ثم فوض القاضي نجم الدين نيابة لمحيي الدين بن القادر الرجيحي ويعرف والده بابن النميس، كان أميناً على طاحون الكنيسة، جوار السيد ابن شرحبيل، وخولة بنت الأزور، رضي الله عنهما، وهو قريبه من جهة النساء، وكان والده من خدام الشيخ رسلان ورباه والد
(1/37)

هذا القاضي البرهان، وصلى به بالقرآن العزيز، وأقرأه كتباً في مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه.
وفي يوم الأربعاء ثاني عشريه كبر الناس في المآذن على ابن شاد بك بسبب عدم السكر، وسعره الرطل بأربعة عشر، فطرحه بثمانية وعشرين.
وفي يوم الخميس ثالث عشريه طلب يلباي دوادار السلطان من القلعة، بسبب مرسوم جاء إليه، بسبب ابن الناعوري وغيره؛ ونودي عليه بدمشق: من ظلمه وقهره فليتقدم.
وشكى على ابن شاد بك أهل سوق الطواقيين وسوق جقمق بسبب السكر، وأشار النائب أن يكون بثلاثة وعشرين درهماً فلم يذعن أحد، ومولانا الشيخ تقي الدين مصمم على خمسة عشر.
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشريه سافر الشيخ أحمد الدهيناتي بسبب طرح السكر، ومعه كتب من مولانا الشيخ لكاتب السر ابن مزهر، والشيخ زكريا، ولابن الصابوني، ولقطب الدين الخيضري، ولإمام السلطان الكركي، ولابن الجيعان نائب كاتب السر، وأبي البقاء أخيه ولسيدي يحيى بن حجي، ولشمس الدين بن الزمن، وابن الفيض، والمهمندار، والشيخ علي الجبرتي؛ ومن سيدي الشيخ محمد بن الحسيني لكاتب السر، وابن الصابوني، والشيخ زكريا، وأولاد الشيخ كمال الدين إمام الكاملية.
وفي يوم الأربعاء تاسع عشريه انفصلت قضية السكر باثنين وعشرين بكلفته.
وفيه ورد كتاب كاتب السر وقطب الدين الخيضري بأن يحرر ما ذكر عن القاضيين مما قيل في حقهما من الفاحشة، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الاثنين رابع جمادى الأولى منها، لبس يلباي، بعد أن أفرج عنه، خلعة الاستمرار بالدوادارية، قيل على عشرة آلاف دينار، والمؤخر عذاب النار، وانتقام العزيز الجبار، من الأشرار لعباده الأخيار.
وأشيع في هذه الأيام أن سيف البدوي أمير الشام العاصي جهز له السلطان خلعة إلى نائب الشام، فجهزها له إلى نائب حماة على يد شخص من كبراء حماة، يدعى الحاج علي بن العبيس كبير الأكراد بحماة، فلما ... في قضيتها، وثب إليه شخص فضربه في بطنه، فقتله، وأراح الله البلاد والعباد منه، ويظهر ... ظنا منهم أنه برأيه
(1/38)

وعلمه، ويظهر أنه مظلوم.
وفيه كملت عمارة ... بالجامع الأموي، ومنع النساء كما فعله نائب الشام برد بك البشمقدار، وهي سنته رحمه الله تعالى.
وفي يوم الخميس سابعه وصل جماعة من بلدان طرسوس أسرى.
وفي يوم الجمعة ثامنه بدئ باستخراج دراهم من التجار، وأهل الخير، للأسرى، بالجامع الأموي، ثم بالبادرائية، ثم بالقيمرية الكبرى. وفيه وصل القاضي صلاح الدين لداريا.
وفي يوم الاثين حادي عشره دخل الصلاحي من القاهرة، ولبس خلعة بوظائفه على العادة؛ ولبس جاني بك التنمي خلعة أمرة الحج؛ وكتب نقيب القلعة أيدكي محضرين بسبب عمارة الجامع الأموي والأسواق، وكتب النائب والقضاة، وأرسل إلى مولانا الشيخ فلم يكتب فيهما شيئاً.
وفي يوم الخميس رابع عشره حصل بين سراج الدين بن الصيرفي وعلاء الدين البصروي بسبب قضية في مدرسة الخضرية قيل الظهر، ظهر فيها كائن بينهما في بواطنهم، أدى ذلك لشتم وسب ولعن، وأمر سراج الدين مملوكه أن يأتي بعصاه، وضرب البصروي.
وفي يوم الجمعة خامس عشره خطب السراج بن الصرفي على عادته، وبكى واستغاث بهم من قوله: يا عباد الله أغيثوني، انصروني، إلى غير ذلك، وبقي للناس ضجيج ونحيب، فلما فرغت الصلاة أشاع الناس أن الصلاة ما صحت، وأن يعيدوها ظهراً، وأرسلوا يستفتون مولانا الشيخ في ذلك، فأشار بالصلح، فلم يرضوا، ولم يجتمعا به، ثم اجتمعا بملك الأمراء وشكيا، فأشار بالصلح، ورجح جانب الشيخ سراج الدين.
وفي ليلة السبت بعد العشاء سادس عشره جاء جماعة من بيت حاجب الحجاب، وقبضوا على القاضي شهاب الدين أحمد بن يونس، قاضي صفد، من بيت ابن قياس، ورفع للقلعة.
وفي يوم الاثنين ثامن عشره قيل إن زين الدين سلطان، ديوان جاني بك حاجب الحجاب بالشام كان، توفي بالقاهرة.
وفي يوم الجمعة ثاني عشريه دخل دمشق الأمير محمد جم الشهير بالجمجمة ابن السلطان مراد بن محمد بن محمد بن عثمان أخو أبي يزيد، سلطان الروم يومئذ، لأبيه، بعد وفاة أبيه في هذه السنة، فاراً من أخيه. ودخل إلى حلب في مائة نفس بعد أن طلب الإذن من الملك الأشرف قايتباي في الحضور بين يديه، فبرزت المراسيم بإكرامه فدخل دمشق مكرماً، ثم دخل حمام الحاجب بصالحيتها بحضوري، وقيل لي إنه كان نائب طوقات.
(1/39)

وفي يوم السبت ثالث عشريه أفرج صفد شهاب الدين بن يونس وطلب لصفد؛ وتوفي من كان عنده وهو شمس الدين محمد بن قياس، رحمة الله تعالى. ووصل السيد إبراهيم للقبة.
وفي يوم الاثنين خامس عشريه دخل السيد إبراهيم وألبس طرحة خضراء بنيابة السادة الأشراف بدمشق، وقرئ له مرسوم بدار النيابة بالوصية به، وأن يقرأ له توقيعه بالجامع الأموي، وهذا من العزيز، فإن العادة ما يقرأ توقيع بالجامع إلا لقضاة القضاة، ولم يركبوا معه من الجامع لبيته.
وفي يوم الثلاثاء سادس عشريه وصل مرسوم بطلب نقيب القلعة محتفظاً عليه، وكتب محضر أعلى القلعة بأنه ... شكا عليه عودة النابلسي الليبي للسلطان.
وفي يوم السبت سلخه سافر نقيب القلعة هذا للقاهرة.
وفي يوم الأحد مستهل جمادى الآخرة منها، توفي الشيخ شهاب الدين العجلوني الكبة، رحمه الله، وكان رجلاً مباركاً ديناً من أهل القرآن، وانتشأ له ولدٌ لا بأس به.
وفي يوم الأربعاء رابعه وصل أمير آخور نائب الشام قانصوه اليحياوي، ومعه كتب سفه من توريز إلى جماعة الأتراك، بأنه أطلق ومن معه من النواب وغيرهم؛ وهو أول آب.
وفي يوم الثلاثاء سابعه وصل الشيخ أحمد الدهيناتي، وفارق القاضي شهاب الدين بن الفرفور من سدود، وعلى يد الشيخ أحمد ثلاثة مراسيم: واحد للنائب بسبب طرح السكر، بأن يجمع السماسرة أرباب الخبرة ويقام ثمنه ويعطى ثلاثة دراهم زيادة على سعره؛ ومرسوم لشاد بك كذلك، ولابنه إبراهيم مثله.
ووقف النائب والقضاة على نهر داعية على السلسلة بين باب توما ودباغة الفراء وأقيمت البينة لأهل داعية بأن الذي فتحه أهل المنيحة حق أهل داعية، فأمر بسده، وإذا بشخص يقال له محمد الخليلي المؤذن الفراء يشهد بأن أهل داعية حقهم من مكان فوق بيت طبرس الأقباعي كان يسمى الزينبي، وهذه الدار بتركة حيدر كان يسدونه ويفتحه أهل المنيحة، فأمر النائب بفتحه بمعد ما سدوه وساعد القاضي نجم الدين الحنبلي، وأخرج من كمه كتاباً بأن في زمن بني أمية شكا أهل البلاد قلة الماء، فأمر لنهر يزيد بشيء، ولبقية الأنهر
(1/40)

بشيء، ولنهر داعية بشيء وهذا شيء لا عبرة به في الشرع؛ وانفصل المجدلس على هذا.
ثم في آخر النهار وقفوا للنائب بدار النيابة، وحضر الحنبلي المذكور والمالكي، ولم يدركهم الحنفي، وتقاولوا؛ وساعد القاضي برهان الدين بن القطب الحنفي، فأشار النائب بأن يسد ويحضر هؤلاء بينة؛ وهؤلاء بينة، وينظر في البينتين؛ وممن شهد لأهل داعية الشيخ إبراهيم الأقباعي، والمعلم القابوني الحريري، وشمس الدين نقيب الأقباعي، والفقيه الدباغ، وغيرهم؛ والذي يظهر أن الحق مترجح في جهة أهل داعية، غير أن المنيحة والبلاط لهم جاه أمير كبير أزبك والكافلي.
وفي يوم الاثنين تاسعه سافر الجماعة لملتقى القاضي الشافعي ابن الفرفور، ووصلوا لسعسع، ولم يتأخر أحد سوى مولانا الشيخ ثبته الله تعالى، ورجع الملاقون إلا الخطيب والبصروي؛ ونزل يوم الجمعة القبة.
وفي يوم السبت رابع عشره دخل القاضي الشافعي بالخلعة ونزل النيابة، ثم ركب للجامع الأموي، وقرئ توقيعه على العادة، قرأه حافظ الدين، وما فيه زيادة، وإنما هو على عادة من تقدمه، ومعه نظر الجيش أيضاً؛ ولم ينزل معه أحد من الترك للجامع لقراءة التوقيع، ثم ركب إلى بيته، وركب معه الجماعة، ومد مدة ببيته بالبحرة، ثم سلم عليه مولانا الشيخ ببيته بعد ذلك؛ وطبخت المدة ببيت ابن سليم تجاه بيته ابن سليم تجاه بيته، خلف حائط خلاوي البادرائية الغربي، فتعلقت النار بالأكانين، وحفر طاقة، فعدت لخلوة زين الدين بن قداح، وطفئت النار ولله الحمد، وهو المسلم.
وفي يوم الأحد خامس عشره كان أول السنبلة في دمشق.
وفي يوم الاثنين سادس عشره قدم ابن شاد بك مرسوم السلطان بسبب السكر الطرح، ومما فيه: أن الرعية رفعت إلينا أنه طرح السكر بمبلغ ثلاثين درهماً الرطل، وحصل لهم الضرر الزائد، ومرسومنا بأن يجمع المعلمين والسماسرة، ويقوم بحيث لا يحصل الحيف على الرعية والديوان؛ وهذا بالنسبة من السلطان إنصاف، وقال الكافلي في المجلس: ينسبونني إلى مساعدة الرعية؛ يعني ابن شاد بك.
وفي يوم الأربعاء ثالث عشره سافر الأسرى الذين من طرابلس مسلحين منفكين مجبوري الخاطر، أدام الله النفع لمن كان السبب في ذلك، ونفع ببركة علومه وأثاب المعطين الثواب الجزيل؛ وسافر معهم الشيخ عبد الرحمن الحمصاني قاصد مولانا الشيخ إلى طرابلس، والأمير أزبك الظاهري أحد الأمراء بطرابلس، وهو إنسان مليح فيه الخير بالنسبة إلى أبناء جنسه.
(1/41)

وفي يوم الخميس ثاني عشره توفي معمار السلطان ابن الزفيك ابن معمار السلطان الجلبي، في القاهرة، في حبس المقشرة، بعد ضربه بالعصي والمقارع من السلطان، بسبب الخان الذي عمره السلطان بوادي التيم.
ووصل من القاهرة، من القاضي قطب الدين الخيضري، مطالعة لمولانا الشيخ جواب مطالعته بسبب السكر، وأنه ساعد غاية المساعدة، وأن السلطان مصمم على ابن شاد بك.
وجاء من عماد الدين إسماعيل الناصري كتب بأنه مستمر على وظائفه المأخوذة عن القاضي علاء الدين بن قاضي عجلون، وأنه ولي نظر الجوالي، وترشح لقضاء الحنفية.
وفيه فوض قاضي القضاة ابن الفرفور النيابة لمحيي الدين بن أحمد بن غازي، وهو من بيت ابن جماعة من جهة النساء، وعنده طلب علم، ووالده من التجار، قدسي الأصل؛ وذكر أنه ببذل مال.
وفي يوم الجمعة عشريه توفي البستاني بجنة القاضي محيي الدين داخل المدينة، وذكر أن أخاً للسيد تاج الدين الصلتي ضربه فمات؛ وشكوا للنائب فغضب وجاء أخوه لمولانا الشيخ وتواصى عليه، فأرسل لدار النيابة، فردوهم إلى الشرع الشريف. - وفي يوم السبت حادي عشريه مات يونس المصري برددار النيابة، كان قد ولي الحسبة ثم الآن استدار النيابة، كان من الأشرار. - وفيه قضية السكر، وانفصل الحال فيه عن الرطل بستة عشر درهماً كلفة، وساعد النجم الخيضري والصلاحي العدوي، ولم يتكلم القضاءة بشيء، بل الحنفي ساعد للدولة.
وفي يوم الجمعة سابع عشريه كان السيد كمال الدين بجرود، وخطب بها، وكان مع القاضي برهان الدين بن المعتمد والشهاب بن طوق، ثم خطب بالجمعة الثانية.
وفي ليلة الثلاثاء ثالث رجب منها، خرج محمد الجمجمة وجماعته من دمشق قاصدين القدس، ثم مصر، ثم الحجاز، فحج في هذه السنة، ثم جهزه السلطان وأيده بأمور على أخيه على أن يأخذ الملك منه، فخرج من مصر، وترك أمه وولده بها ونزل إلى أخيه، فلما علم به أرسل له عسكراً فكسره، ففر إلى بلاد الفرنج، فأرسل لهم أخوه مالاً وأكرمهم ليضبطوا أخاه في بلادهم ولا يمكنوه من الخروج منها، وهذا كان السبب في معاداة ملك الروم لسلطان مصر، ومع أن ملك الحبشة أرسل له هدية لها قيمة كثيرة، منها سنجق بقصبة ماس يساوي مجموعها ثلاثين ألف دينار، فغار منها سلطان مصر، فأهداها له؛ ولم يهنئه بالملك قبل ذلك، ومات أخوه ولم يرسل يعزيه في موته فتأكدت العداوة.
(1/42)

وفي يوم الثلاثاء تاسعه شاعت وفاة الشيخ عبد الرحمن الخليلي، كان من جماعة الأخصاصيين، مباركاً، يحب أهل الخير والفقراء، مقيماً الخانقاه السميساطي، رحمه الله تعالى.
وفي يوم الجمعة ثاني عشرة توفيت أم الهنا بنت القاضي محب الدين بن قاضي عجلون، زوجة ابن دلامة ناظر الجوالي، نفساء، ولدت بنتاً، ولها منه بنت أخرى، وختم على حوائجها قبل وفاتها، وهي تنظر وتشاهد ذلك، وحضر جنازتها الخاص والعام من الفقهاء والترك، ودفنت عند أخوتها أشقائها، عند بتربة الفراديس أهلها من جهة الأم، بعد العصر. - وما مقلد، أمير العرب الأموي، وقاضي أذرعات، الساكن بحارة باب المصلى.
وفي يوم الجمعة ثامن عشره فوض القاضي الشافعي لبهاء الدين بن الباعوني نيابته. - وفي يوم السبت عشريه كان أول الخريف. - وفيه تحدث بأمور حدثت بالقاهرة، منها: أن السلطان عزل القاضي الشافعي ولي الدين الأسيوطي، وولي الشيخ زكريا غيباً بعد الحلف عليه، وعزل المالكي، ورسم على كاتب السر ابن مزهر إلى آخر النهار، فطلع ولده إلى السلطان، فتدخل، فنزلا وقد ألبس خلعة الرضا؛ ومسك مهتارة رمضان وصادره، وبهدل أمامه البرهان بن الكركي، وأمر بهدم عمارته التي بناها فهدمت.
وفي يوم الجمعة سادس عشريه تولى عماد الدين إسماعيل الناصري قضاء الحنفية بدمشق، عوضاً عن قاضي القضاة المحب بن القصيف.
وفيه تقدم شخص من الأمراء الأربعينات يدعى تمراز، مملوك تمربغا السلطان، كان بمرتفقات بناها عند حدرة ملك، آخر الآخذة لسويقة ساروجا، أحدث ذلك في الطريق لأجل قبة بمحراب بناها هناك، وكان عزمه أن يبنى فوقها طبقة، فأمره مولانا الشيخ بهدم ذلك، وأن ذلك لا يجوز، فهدم.
وتكلم مع ابن شاد بك في طرح السكر، الذي أسود كالقطارة من طبخه ثانية، وأن يعمل
(1/43)

كل رطل بأحد عشر درهماً ودرهم كلفة، بعد استيلاء الناس عليه، فحطت المسألة على هذا.
وفيه جاء قاصد من جهة كاتب السر، بأن السلطان رضي عليه وألبسه خلعة الاستمرار، وكان يوماً مشهوداً، وبولاية القاضي المالكي ابن تقي وقضية رمضان لم تصح، وأن العسكر السلطاني يشتي بحلب.
وخطب قاضي القضاة الشافعي وقبلها فوض لشهاب الدين بن الحمصي، رئيس المؤذنين بالجامع الأموي، نيابة القضاء ببذل.
وفيه توفي أحمد بن بركة الحريري، بخلوته بالخاتونية التي عند جامع تنكز، كان عامياً ويعاني النظم، وهو من أهل مسجد القصب، وكان أبوه صيرفاً هناك، يجلس عند باب الخوخة على تخت صغير، إلى جانب الإمام، تجاه الفرن.
وفي ليلة السبت الذي يليه نزل السراق على سوق التجار، الذي يلي خان السلطان تحت القلعة، تجاه النقلية، وهذه ثاني مرة، وكان والي المدينة هناك وجرحوا فرسه.
وفيه خربت المصطبة المجددة لصيق حائط الرماية من جهة الغرب، بإشارة مولانا الشيخ.
وجاء مرسوم يطلب السراج بن الصيرفي والعلاء البصروي، بسبب ما وقع بينهما من التشاجر.
وفيه تعرض لتبطيل الخطبة وصلاة الجمعة، لما وقع في الخطبة من الخباط من الشيخ سراج الدين، من قطع الموالاة فيها بالكلام الأجنبي.
وفي يوم الاثنين تاسع عشريه لبس النائب خلعة أتت على يد دواداره من مصر.
وفي هذا الشهر أخربوا سوق باب البريد ليعاد أحسن ما كان، على كيفية غير الأولى.
وفي يوم الأربعاء مستهل شعبان منها، دخل نقيب القلعة أيدكي بخلعة الاستمرار، وسير النائب والقضاة إلى جهة القبة، ودخل معه، واسمتر القضاة معه للقلعة، وذلك بعد طلبه والتضييق عليه.
وفي يوم الجمعة ثالثه خطب قاضي القضاة الشافعي ووقع بعض خلل في الخطبة، وفي القراءة في سورة الغاشية في " وجوهٌ يومئذٍ ناعمةٌ ".
وفي يوم الاثنين سادسه دخل برد بك مملوك السلطان، من الأمراء المطلقين، ومعه أحد الألوف بدمشق، وطلع النائب والعسكر لملتقاه.
وفي يوم الأربعاء ثامنه فوض القاضي الشافعي لشخص حموي، كان بوابا بالبادرائية، ثم تعاطى الشهادة عند شرف الدين بن عيد نائب الحنفي، وكان أبوه خبازاً يدعى عثمان، نيابة القضاء ببذل مال، ولا قوة إلا بالله.
وسقط حبس الدم بباب البريد على
(1/44)

المحابيس، فمات بعضهم وسلم بعضهم، وذلك بسبب هدم سوق باب البريد، وهدم الناحية الشمالية بسوق باب البريد.
وفي ليلة ثالث عشر رمضان منها، نزلت صاعقة على هلال المئذنة تجاه الحجرة النبوية، ثم على سطح المسجد، فاحترق غالب الحرم، وصعدت الرأس إلى الريس، وكان من أهل العلم، بالمئذنة فاحترق، واحترق في الحرم عالم آخر خرج من بيته لطلب ولده.
وفي يوم الاثنين ثالث ذي القعدة منها، لبس نائب الشام تشريفاً آخر بالاستمرار، أحمر، على يد دواداره، لأجل ما قيل من إعادة قانصوه اليحياوي إلى نيابة الشام؛ وورد على يده مرسوم بالقبض على الأمير الكبير شاد بك الجلباني والحوطة على ماله، لما بلغه عنه أنه لما أتى راجعاً من كسرة بياندر، وقتل الدوادار يشبك، دخل دمشق بطبل وزمر على عادة المنصورين، فقرئ المرسوم وقبض عليه بدار السعادة واحتيط على ماله، وحبس بقاعة الخرندار بدار السعادة، ثم استمر نحو شهرين.
وفي رابع عشري ذي القعدة منها، فوض قاضي القضاة لشهاب الدين الرملي نيابة قضاء الشافعية عنه.
قلت، قال الشهاب الحمصي: وفي يوم الاثنين رابع شوال منها، أذن العصر بالجامع الأموي مرتين، وصليت العصر مرتين، وكان يوم غيم - وفي يوم السبت سادس عشره ورد مرسوم السلطان بالإفراج عن الأمير خير بك حديد من قلعة دمشق، وأن يعطى من القلعة المذكورة ألف دينار، ويجهز إلى الحجاز الشريف، ويرجع إلى القاهرة معزوزاً مكرماً. وفيه ورد الخبر بأن السلطان رسم بنفي قانصوه اليحياوي إلى القدس الشريف، فقرئ عليه المرسوم في الطريق، وهو في خدمة الأمير أزبك، ثم رفع إلى القدس الشريف.
وفي يوم الأحد ثالث ذي القعدة منها، توفي برهان الدين إبراهيم المؤذن بالجامع الأموي، الشهير بالجرن الأسود، وكان كثير الخطب في أعراض الخلق - وفي ورد الخبر بحريق الحرم الشريف، على ساكنه أفضل الصلاة والسلام، وذكر أنهم رأوا الطيور تطفئ في النار، ولا قوة إلا بالله؛ وأرسل السلطان أخذ جماعة من الصناع الذين عمروا الجامع الأموي، منهم محمد الكفتي، الذي شال أوتار الجامع الأموي في عمارته، وسبب حريقه صاعقة نزلت من السماء، وسيأتي ذلك.
(1/45)

سنة سبع وثمانين وثمانمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين ابن أخ المستنجد بالله، وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك أبو النصر قايتنباي؛ ونائبه بدمشق قجماس الإسحاقي الظاهري.
وفي يوم الجمعة رابع المحرم منها، توفي فجأة القاضي محيى الدين الزرعي الطرابلسي الحنفي، ودفن بمقبرة باب الفراديس، وكان من الأخيار - وفي يوم الثلاثاء خامس عشره توفي فجأة، فيما قيل الشيخ الفاضل شمس الدين محمد بن أحمد الحمصي الشافعي الشاهد، وكان من الأجواد وأعيان الموقعين بدمشق، ودفن بمقبرة باب الصغير.
وفي يوم الخميس سابع عشره سافر من دمشق إلى حماة يشبك حاجب الحجاب، وكان على نيابة حماة.
وفي يوم الاثنين حادي عشريه دخل إلى دمشق سيباي حاجب الحجاب الجديد، عوضاً عن يشبك المتقدم ذكره، الذي راح إلى حماة نائباً لها؛ وكان سيباي المذكور نائب غزة، وراح عوضه إلى غزة نائب الكرك، وأعطيت الكرك لجاني بك الذي كان نائباً بصفد.
وفي يوم الثلاثاء ثاني عشريه أطلق الأمير الكبير كان شادبك، وجعل عليه مال وغيره، وخرج إلى بيته بطالاً بشفاعة النائب، فإن كلمته لا ترد عند السلطان.
وفي يوم الخميس رابع عشريه دخل إلى دمشق الأمير الكبير الجديد جاتم، الذي كان نائب حماة، وهو مملوك نائب جدة، عوضاً عن شاد بك الجلباني المتقدم، وكان له يوم مشهود.
وفي يوم السبت سادس عشريه دخل الحاج الشامي إلى دمشق، وأخبر الثقات منهم أن سبب الحريق الذي وقع بالحرم الشريف، أن شخصاً من الأخيار يدعى شمس الدين؛ رئيس الؤذنين، قد رأى قبل وقوع الحريق بليلتين ما يدل عليه، وأخبر به القاضي، فلما كان الليلة التي أراد الله سبحانه فيها ذلك، كان هذا الرجل المتقدم ذكره يسبح في المئذنة ليلاً في رمضان، وإذا بصاعقة وقعت، فاحترق الرجل المذكور الذي رأى المنام، واحترق الحرم النبوي بأجمعه، ولم يسلم منه شيء إلا قبة الزيت والضريح الشريف، وما لاصقه لا غير.
(1/46)

ثم أخبر أيضاً أن شخصاً رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وهو يقول: يا فلان أراد الله وقوع البلاء بأمتي فتلقيته بنفسي عنهم؛ وكما قال فإن الأماكن الملاصقة للحرم لم يحترق منها شيء، حتى أن بعضهم ذكر طيوراً كانت ترد النار، وكتب بذلك محضر بالمشاهدة؛ فانظر يا أخي هذا الأمر فإنا لله وإنا إليه راجعون؛ ومن أحسن ما نظم في ذلك القصيدة المسماة: بكافي أولى العقول، في الحادث بمسجد الرسول، في كراسة؛ وذكر أنهم شرعوا في تعديله قبل دخول الحاج حين وردت المراسيم بعمارته، وأن يكون المشد خير بك حديد الذي كان محبوساُ بقلعة دمشق، فأبى، وقال: هذا عمارته طويلة؛ واستمر منفياً بمكة، فواحزناه عليه فإن ذلك يدل على سوء طويته، والله يعلم المفسد من المصلح.
وفي يوم تاريخه أطلق ... إبراهيم نقيب الأشراف من الترسيم. وأصلح بينه وبين ابن سكر، بسبب قضية العبد الحبشي الذي ادعى عليه أنه اختلسه مائتي أشرفي، وعزله عن النقابة.
وفي يوم الخميس خامس عشر صفر منها، دخل إلى دمشق قاضي القضاة عماد الدين الحنفي، وقرأ توقيعه نائبه في الحكم القاضي شمس الدين الحلبي، وهذه لم تكن عادته، بأن نائبه يقرأ التوقيع.
وفي يوم الأربعاء ثامن عشريه دخل إلى دمشق السلطان الجمجمة بن عثمان، وقد حصل له من الأشرف قايتباي غاية الإكرام، وجهزه إلى الحج، وتكلف عليه الأموال الكثيرة، وحج حجة عظيمة لم يحجها أحد من الملوك، وأعطاه العطايا، وقدم له ما يصلح للملوك، وجهزه إلى دمشق، وقيل إن السلطان ساع في الصلح بينه وبين أخيه - وفي يوم الجمعة سلخه توفي العماد ... من المشهورين بأحكام الأمور الدنيوية.
وفي ييوم الخميس سادس ربيع الأول منها، لبس من قبل السلطان خلعة نقابة.... الشهابي بن عجلان وكان لبس قبلها خلعة من قبل النائب - وفي يوم الجمعة سابعه سافر من
(1/47)

دمشق السلطان الجمجمة بن عثمان إلى البلاد الحلبية، وعزمه دخول أنطاكية - وفي يوم الخميس ثالث عشره توفي الشيخ الإمام العالم العلامة الشيخ قاسم التركماني الحنفي ... قيل فجأة، ومولده سنة عشر وثمانمائة، وتفقه بالشيخ عيسى البغدادي، وأفتى مدة ثم ترك ذلك تورعاً، وكانت وفاته بمنزله جوار المدرسة ... ودفن بمقبرة باب الصغير - وفي يوم تاريخه دخل إلى دمشق، بخلعة من قبل السلطان، المقر الشمسي بن المزلق، وهي خلعة رضا.
وفي.... ربيع الآخر منها، توفي القاضي برهان الدين إبراهيم بن عصرون، مباشر الجامع الأموي، وكان من ظرفاء الناس، ودفن بسفح قاسيون ... عشره طلب رجل من بعلبك إلى دمشق، يدعي التعرف نسب إليه ألفاظ كفر صريح، فوضع في حبس الدم بدمشق، ثم أحضره كاتب السر وضربه بالسياط وأشهره، ثم حبسه إلى أن يعقد له مجلس، فوقع بين القضاة بسببه، فحكم بإسلامه وأطلق. - وفي يوم الثلاثاء رابع عشريه ورد مرسوم السلطان بعمارة المنارة الغربية المحترقة بالجامع الأموي، وترصيص بقية الجملونات إن وجد رصاص، كل ذلك من مال السلطان.
وفي يوم الخميس ثالث جمادى الأولى منها، بلغني أن في يوم الأربعاء خامس عشر الشهر قبله، وهو أول فصل الصيف، ويوم ختم الدرس بالشامية البرانية، كتب شيخنا شمس الدين الكفرسوسي على أربعين مسألة بالشامية، سألها إياه شيخنا تقي الدين بن قاضي عجلون.
وفي يوم الخميس هذا توفي الأمير الكبير بدمشق شاد بك الجلباني وكان يدعي العلم، وكان قبل ذلك يعد من الجبابرة، ثم لينه ما وقع كما قدمنا، وختم على حواصله ودفن بتربته عند القنوات بالمدرسة التي عمرها.
وفي هذا اليوم وصل السيد إبراهيم نقيب الأشراف كان، وكان من أمره أنه سافر إلى القاهرة ليشكو حاله إلى السلطان، فأرسله في
(1/48)

الحديد هو وابن عمه إلى ملك الأمراء قجماس نائب دمشق، قلما قدم صادف أن هذا النائب في حوران، فذهب إليه، فرق عليه وأمر بشيل الحديد من رقبته، ووجهه إلى بيته، وأمره أن يعطي الأشراف حقوقهم، والله غالب على أمره.
وفي يوم الجمعة ثامن عشره توفي، قيل فجأة، الشيخ الفاضل المفنن، عين الموقعين بدمشق، زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن الأسدي الشهير بابن الجاموس الشافعي، وكان ينظم الشعر الحسن، وله فضيلة تامة، وجمع تذكرة تعرض في أولها لمسموعاته، وصلي عليه بالجامع الأموي، ودفن بمقبرة باب الصغيرة. - وفي يوم الثلاثاء ثاني عشريه توفي الخواجا برهان الدين الوراق؛ وسليمان دلالة الأملاك.
وفي يوم الاثنين خامس جمادى الآخرة منها، توفي فجأة فيما قيل، الشيخ الفاضل تقي الدين ابن الخياطة، نقيب قاضي القضاة الحنفي، وصلى عليه بجامع منجك، ودفن بمقبرة باب الفراديس - وفي يوم الاثنين سادس عشريه وصل إلى دمشق مغلباي الصغير الخاصكي من قبل السلطان، وعلى يده مراسيم وخلعة لأمير العرب ابن عم سيف، لأنه قتل ابن عمه سيفا، وكان سيف هذا قتل نائب حماة، وحصل منه أمور.
وفي يوم الجمعة مستهل رجب منها، فرغت عمارة الصاغة الجديدة وقف الجامع الأموي، التي كانت حرقت قبل تاريخه مع حريق الجامع، وعمرت من مال الجامع. - وفي يوم الثلاثاء خامسه توفي، قيل فجأة، الشيخ العالم الفاضل تقي الدين البقاعي الحنبلي، قاضي الفسوخ. - وفي يوم الجمعة تاسع عشريه توفي كذلك الشيخ الصالح المعمر محمد الأقباعي، المؤذن بالجامع الأموي، وكان من الصالحين، ودفن بمقبرة باب الفراديس.
وفي يوم الجمعة سادس شعبان منها، وصل إلى دمشق من القاهرة قاضي القضاة محب الدين بن القصيف الحنفي المعزول، وشيخنا العلامة أقضى القضاة سراج الدين بن الصيرفي، وأقضى القضاة فخر الدين الحموي الشافعيان، وكانوا سافروا من دمشق إلى القاهرة بسبب ما وقع لهم من قاضي القضاة عماد الدين إسماعيل الحنفي، المتولي أمر نظر جامع تنكز، وما اختلق عليهم الأعادي؛ فعند ذلك لما وصلوا إلى القاهرة حصل لهم الإكرام من السلطان، وأنعم على قاضي القضاة محب الدين بن القصيف بوظيفة نظر مدرسة القصاعين وتدريسها، عوضاً عن العلامة قاسم الحنفي.
(1/49)

وفي يوم الأحد ثامنه توفي العالم الفاضل تقي الدين بن برهان الدين المغربي الحكيم، رئيس الأطباء بدمشق، ودفن بمقبرة باب الصغير، وكان له فضيلة تامة، وكان اشتغل في أول أمره على مذهب الإمام الشافعي وحفظ كتاب المنهاج ثم رجع واشتغل على مذهب الإمام مالك وحفظ مختصر الشيخ خليل، ثم اشتغل بعد موت والده طبيباً وبرع، وصار يعالج الأكابر، وكان من جملة من يعالجهم ملك الأمراء بدمشق قجماس، حصل له ببدنه ضعف فعالجه إلى أن أشرف على العافية، فدخل عليه وقت آذان الفجر إلى دار السعادة، فقال: يا مولانا ملك الأمراء كيف نمتم الليلة؟ فقال النائب له: كان على بعض حمى، وشرع النائب يحادث الحكيم إلى أن طال النائب مع الحكيم الكلام، فبقي النائب يحادث الحكيم والحكيم لا يرد عليه، فقال لبعض جماعته: انظروا إيش أمر الحكيم؟ فاضطرب الحكيم، فحرك فإذا هو قد مات، فانظر أمر هذه الدنيا، كيف جاء هذا الحكيم من بيته على رجليه ورجع إليه في نعش، فسبحان الحي الذي لا يموت.
وفي عشية يوم الخميس ثاني عشره توفي الفخر بن البيروتي الحريري، معلم السلطان. وفي يوم السبت رابع عشره توفي الشيخ علي المجذوب، المقيم بباب الجامع الأموي وكان كثير التلاوة للقرآن، وذكر عنه مكاشفات. - وفي يوم الثلاثاء سابع عشره توفي فجأة الشيخ الصالح العابد الزاهد الفضل إبراهيم ابن الشيخ الصالح ولي الله أحمد الأقباعي، ودفن بتربة الشيخ رسلان. - وفي ثاني عشري شعبان المذكور توفي الشيخ الرباني علاء الدين علي المحلي، بثغر رشيد، ولم يصلّ عليه بدمشق صلاة الغائب.
وفي يوم الاثنين مستهل رمضان منها، وقع بين القضاة ونائب الشام قجماس، بسبب نهر القنوات ونهر بانياس، وكان في دار النائب عيطة مهولة، وأعلام وربعات، وركب النائب والقضاة إلى مقسم الماء، وهدم ما كان بني في نهر القنوات، ونقص عما كان البناء، ثم أعيد أقل ما بني أولاً، وكان في هذه الواقعة أغراض القضاة متخالفة، والله يعلم المفسد من المصلح. - وفي يوم السبت ثالث عشره توفي الشيخ الأجل الصالح المبارك شمس الدين الغزولي، ودفن بمقبرة باب الفراديس.
وفي يوم الأربعاء رابع عشريه مسك نائب الشام جماعة من مدرسة أبي عمر، التي
(1/50)

بصالحية دمشق، وضربهم بالمقارع وأشهرهم في جنازير، وذلك بعد أن كبس المدرسة فهربوا منه للجبل، فمسك منهم بعض أنفس، ثم وضع الجميع في الحبس، وسبب ذلك أن صبياً، يقال له ابن موسك، ختم في جامع الحنابلة الذي في الصالحية، فلما فرغ الصبي من الختم، قامت العامة على عادتهم يخطفون الشمع، فقام شخص من المدارسة ليضرب، فجاء الضرب على القناديل فكسرهم فانكب الزيت على خلعة الصبي، فشكوا للنائب، فحصل من قال للنائب، وهو القاضي نجم الدين بن مفلح، هؤلاء من المدارسة مناحيس، فوقع ما تقدم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي سابع شوال منها، توفي القاضي صلاح الدين بن كبك، قاضي ثغر دمياط والصعيد، ولم يصلّ عليه بدمشق صلاة الغائب.
وفي يوم الجمعة رابع عشريه توفي الإمام العالم العلامة، الحبر البحر الفهامة، جامع أشتات الفضائل، شمس الدين محمد بن حامد الصفدي، وكان كثير الذكر والعبادة، وله مواعيظ، وله يد في سائر العلوم، حتى في علم الميقات ووضع الآلات والبسائط وغيرها، وتوفي بمدينة صفد، وكان يتهم بحب ابن عربي وهو قليل التفوه به، ومولده سنة ثمان وثمانمائة، وصلي عليه بالجامع الأحمر جوار منزله وكانت له جنازة حافلة.
وفي يوم السبت ثالث ذي القعدة منها، توفي التقي بن الأيدوني، ويحكى عنه حكايات من جهة البخل. وفي يوم الأربعاء رابع عشره توفي الشيخ شمس الدين الزحلي، المؤذن بالجامع الأموي، ويحكي عنه حكايات من جهة الكرم، ودفنا بمقبرة باب الصغير. - وفي خامس عشريه وقع سيل عظيم بمكة المشرفة حتى هدم عواميد المطاف، ووجد في الحرم أكثر من سبعين رجلاً ماتوا بالغرق، وخرب نحو ثلاثمائة بيت، وبلغ السيل سبعة أذرع على ما أخبر بذلك قاضي القضاة محب الدين الحنفي.
وفي يوم الخميس رابع عشر ذي الحجة منها، تولى الأمير آقبردي أستادار السلطان بدمشق، عوضاً عن الأمير إبراهيم بن شاد بك الجلباتي، وكان أقبردي المذكور له سنين في حبس القلعة بدمشق، فورد المرسوم بالإفراج عنه يوم الأربعاء ثالث عشره، ولبس ثاني يوم؛ ثم بعد ذلك بأيام هرب الأمير إبراهيم المذكور من دمشق ليلاً إلى عند العرب، وأخذ عياله ونساءه، فأصبح أرباب الدولة والحكام ليطالبوه فلم يجدوا أحداً، فسافر ملك الأمراء قجماس
(1/51)

وحاجب الحجاب وأركان الدولة وغيرهم، فلم يجدوه ولم يعرفوا خبراً شافياً، والعامة تقول إنه سافر إلى بلاد حسن باك في العجم.

سنة ثمان وثمانين وثمانمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين ابن أخ المستنجد بالله يوسف العباسي؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الأشراف قايتباي، ونائبه بدمشق قجماس الإسحاقي الظاهري.
وفي يوم الخميس سادس المحرم منها، تولى الأمير يونس بن مبارك حاجب ثاني بدمشق، عوضاً عن يشبك الحمزاوي.
(/)

وفي يوم الخميس ثالث عشره توفي الأمير صارم الدين إبراهيم ابن الأمير ناصر الدين محمد بن إبراهيم بن منجك، ودفن بتربته في جامع منجك بالقبيبات، وحج بالركب الثاني ثلاث مرات.
وفي يوم الثلاثاء رابع عشريه توفي الشيخ أحمد بن شاه شيخ الصوابية العجمي، وخرج في جنازته القضاة ونائب الشام وغيرهم، وكان من مبتدأ أمره أنه جاء من بلاد العجم، وانقطع في هذا المكان الذي يدعى اليوم بالصوابية، وهي تربة بسفح جبل قاسيون تحت قبة سيار، فزوجه قاضي القضاة عماد الدين الباعوني جاريته، ثم أقبل عليه الناس وعمر له الأتراك في المكان المذكور، وكان يقيم الوقت في كل أربعاء بليلتها، ويهرع الناس إليه، ودفن فوق الصوابية.
وفي يوم الاثنين تاسع عشريه قدم الحجاج، وأخبروا بعمارة الحرم النبوي، على ساكنه أفضل الصلاة والسلام، الذي تقدم الكلام على حريقه، وأنه عمر الآن عمارة عظيمة، عمره السلطان قايتباي من ماله، وكان مشد العمارة الخواجا شمس الدين بن الزمن، لكنه لم يكمل، وأخبروا أيضاً أن سبب تأخيرهم إلى اليوم الذي قدموا فيه أنه حصل عليهم في الحسا مشقة عظيمة، لم يعهد مثلها، بسب الثلج الذي نزل عليهم، وأنه قتل به خلق كثير وجمال، وذهب للناس أموال لا تعد ولا تحصى، فنسأل الله اللطف بنا وبهم وبالمسلمين.
وفي يوم الخميس رابع عشرين صفر ورد مرسوم السلطان بطلب قاضي القضاة نجم الدين بن مفلح، وشيخنا أقضى القضاة ناصر الدين بن زريق الحنبليين، وإحضارهما إلى الديار المصرية، بسبب شكوى أهل مدرسة أبي عمر الذين ضربوا بالمقارع، وتقدمت الإشارة إليهم.
وورد فيه أيضاً مرسوم السلطان بطلب أقضى القضاة برهان الدين بن القطب الحنفي. وطلب الخواجا بدر الدين حسن بن الجارة، بسبب شكوى سيدي أبي بكر من الديوان عليهما؛ والطلب لهذه الجماعة في غيبة نائب الشام، فإنه مسافر في عمارة قناة الرحبة، والله يحسن العافية.
وفيه توفي سيدي محمد دوادار ملك الأمراء قانصوه اليحاوي، وهو الذين عمر الخزائن للمؤذنين بالجوامع، وخصوصاً الجامع الأموي، وكانت وفاته بمصر.
وفي يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأول منها، دخل نائب الشام إلى دمشق من عمارة قناة الرحبة وغيرها. - وفي يوم السبت ثامن عشره سافر إلى القاهرة قاضي القضاة نجم الدين مفلح بالطلب المتقدم، وصحبته أقضى القضاة برهان الدين بن القطب. - وفيه، والصحيح في رابع عشره، توفي العلامة نجم الدين سيدي يحيى ابن قاضي القضاة بهاء الدين بن قاضي القضاة نجم الدين عمر بن حجي الشافعي، وصلي عليه صلاة الغيبة بالجامع الأموي بدمشق.
وفيه توفي بدمشق أتابك العساكر بها، الأمير جانم، وكان من مماليك الأمير جاني بك الظاهري خشقدم، ولي نيابة عين تاب، ثم نيابة البيرة، ثم نيابة حماة، ثم الأمرة الكبرى بدمشق، وقدمها في رابع عشر المحرم سنة سبع وثمانين، واستمر إلى أن مات، ودفن بمقبرة الأمير خشكلدي البيهقي بمقبرة الصوفية.
وفي يوم الخميس سابع ربيع الآخر منها، قدم إلى دمشق سلطان خراسان، وهو من أولاد تمرلنك، ومعه جمع كثير، ونزل في القصر، وكان قبل ذلك قد حج وزار بيت المقدس، وحضر على السلطان الملك الأشرف قايتباي، وحصل له منه الإكرام الزائد، وأوصى به في سائر البلاد - وفي يوم الاثنين ثامن عشره توفي الأمير جانم بدمشق، وكان له فضيلة، وكان يكتب كتابة عظيمة - وفيه جاء إلى دمشق جراد عظيم.
وفي مستهل جمادى الأولى منها، خرج من مصر تمراز الظاهري أمير سلاح، وهو ابن أخت السلطان قايتباي، وصحبته أزبك الصغير خازندار الظاهري أحد مقدمي الألوف، للذهاب إلى دولات أخي سوار الغادري.
وفي يوم الخميس ثالث عشره توفي سيدي الأمير أبو بكر بن الأمير صارم الدين بن منجك، وكان بين وفاته ووالده أربعة أشهر، وكان سافر من القاهرة، وألبسه السلطان عوض والده، فدخل إلى دمشق بخلعة، وقعد أياماً ومرض - وفي يوم الأربعاء سادس عشريه توفي الخواجا شمس الدين أحمد بن حسن، ودفن بمقبرة باب الصغير بدمشق، وكان كثير الصدقات والمعروف، خصوصاً في السر، ويعطي لمن يعمر الرصفات والقناطر والسبل وغيرها، ويقول له....

سنة تسع وثمانين وثمانمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله عبد العزيز بن يعقوب؛ وسلطان مصر والشام وما معهما الملك قايتباي، ونائبه بدمشق قجماس الإسحاقي الظاهري.
وفي المحرم منها، وصل الحاج وأخبروا بأن الحرم النبوي كملت عمارته على أحسن حالة، وعمر على الضريح الشريف النبوي قبة، على سكنها أفضل الصلاة والسلام.
وفي يوم الأحد ثالث عشرين صفر منها، كبر العامة على المآذن بالجامع الأموي على حاجب الحجاب بدمشق سيباي، بسبب ضربه لرجل من مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، ظلماً على ما ذكر.
وفي يوم الثلاثاء مستهل ربيع الآخر منها، توفي الفاضل شمس الدين محمد بن الكاتب، ودفن بمقبرة باب الصغير.
وفي يوم الخميس سادس عشر جمادى الأولى منها، توفي الشيخ بدر الدين بن البطيخي، ودفن بمقبرة باب الصغير. وفي يوم الجمعة سابع عشره توفي فجأة القاضي جمال الدين عبد الله ابن قاضي القضاة عماد الدين يوسف الباعوني الشافعي، ودفن بتربتهم بالسفح.
وفي يوم السبت تاسعه جمادى الآخرة توفي الشيخ أبو السعد الموقع، ودفن بمقبرة باب الفراديس - وفي يوم الجمعة توفي، قيل فجأة، الشيخ أمين الدين محمد بن محمد بن حمدان، رئيس السادة المؤذنين بالجامع الأموي، ودفن بسفح قاسيون.
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشره جمادى الآخرة دخل إلى دمشق الأمير تمراز أمير
(1/54)

سلاح الظاهري، ابن أخت السلطان قايتباي، وقال الشهاب الحمصي: كان خال السلطان وهو رأس باشي العساكر، وصحبته الأمير أزبك الصغير الخزندار الظاهري والأمير أينال الفقيه والأمير مغلباي وغيرهم من الأمراء، ومن مماليك السلطان ما يزيد على الألف، متوجهين إلى عدو السلطان المخذول أخي سوار المسمى علي دولة، وأصله دولات، ابني سليمان ناصر الدين ابن ذو الغادر، وقتاله، وأخذ مدينة أدنة من أبي يزيد بن عثمان، وقد تقدمهم إلى حلب بقية هذه العساكر، ونائب الشام قجماس، وبقية النواب ينتظرونهم إلى أن يصلوا إليهم، ويتوجهوا بأجمعهم إلى علي دولة، اللهم أصلح أحوال المسلمين.
وفي هذا اليوم أمر الأمير تمراز المذكور بإشهار المنادة أن سعر الدارهم الجديدة الوازنة نصف سعر العتيقة الناقصة، وأن الأشرفي من الخمسين إلى اثنين وخمسين، بعد أن ذهب للناس في ذلك أموال كثيرة. وفي هذا اليوم بلغني أنه في سابع هذا الشهر، فوض القاضي شهاب الدين ابن الفرفور لقريبنا تقي الدين أبي بكر بن أحمد الأخن، الشهير بابن قاضي زرع، نيابة القضاء.
وفي سابع عشريه عزل القاضي شهاب الدين بن الفرفور، قاضي قضاة الشافعية بدمشق، وولي مكان قاضي القضاة شمس الدين محمد بن بدر الدين حسن بن شمس الدين محمد بن المزلق الأنصاري الشافعي، واستمر نظر الجيش بيد قاضي القضاة شهاب الدين بن الفرفور.
وفي يوم السبت مستهل رجب منها، فوض شهاب الدين بن الفرفور قاضي الشافعية، ولم يكن وصل إليه خبر عزله، لشهاب الدين أحمد العذاري الحلبي الدمشقي نيابة القضاء بمبلغ ثمانين أشرفياً؛ وأعاد الحموي بعد عزله. - وفي يوم الثلاثاء رابعه شاع كذباً بين الناس أن السلطان قايتباي مات، وكان يومئذٍ الأمير تمراز ومن معه بمصطبة السلطان بأرض برزة، لم يسافروا، فتشوشوا لذلك، ثم في سادسه سافروا. - ثم أعيدت الدارهم الجديدة الوازنة إلى ما كانت عليه العتيقة.
وفي يوم الأحد تاسعه توفي الشيخ المسلك شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد بن الأخصاصي، فجأة، والصحيح أنه لم يتوف فجأة، ولذا ذكرته في كتابي التمتع. وفي يوم الجمعة رابع عشره توفي القاضي بهاء الدين بن الفرفور ديوان الجيش، ودفن بمقبرة الشيخ رسلان، وكان له جنازة حافلة.
(1/55)

وفي يوم الثلاثاء ثامن عشره وصل الخبر من مصر إلى الشمس بن المزلق بدمشق بأن السلطان قايتباي ولاه قضاء الشافعية بدمشق. وفي يوم الخميس عشريه لبس خلعة القضاء بدمشق قاضي القضاة شمس الدين بن المزلق، من اصطبل دار السعادة، من حضرة نائب الغيبة الحاجب الكبير سيباي، ثم دخل من باب الفرج إلى الجامع الأموي، فقرأ توقيعه شيخنا العلامة أقضى القضاة سراج الدين بن الصيرفي الشافعي.
وفي يوم الاثنين مستهلّ شعبان منها، توفي الأمير جاني بك التنمي، أحد مقدمي الألوف بدمشق، وكان أمير الحاج الشامي، ودفن بقبة القلندرية، وفي تربة باب الصغير. وفي يوم الجمعة ثاني عشره صلي غائبة بالجامع الأموي على شيخ الإسلام شمس الدين محمد بن محمد بن عبد المنعم الجوجري، والعلامة نور الدين السنهوري المالكي، والشيخ شهاب الدين المشهدي، المصريين. - وفي يوم الاثنين سلخه لبس خلعة أمرة الحاج بدمشق الأمير علي شاهين نائب القلعة، عوضاً عن الأمير جاني بك المتوفي المذكور.
وفي يوم الأحد سادس رمضان منها، وردت مراسيم السلطان بالكشف على السامرة بما أخذوه من ماء نهر ثورا بدمشق والترسيم عليهم وحملهم إلى القاهرة، فركب أركان الدولة إلى ماء النهر فوجدوا هناك، كان بالحمام وخرب، فاشتروا الماء، وأخذوا زائداً على حقهم.
وفي يوم الثلاثاء ثامنه سافر إلى القاهرة قاضي القضاة شهاب الدين بن الفرفور، لأنه طلب الحضور فأجيب إلى ذلك. - وفي يوم السبت ثاني عشره.

سنة تسعين وثمانمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله عبد العزيزي بن يعقوب العباسي؛ وسلطان مصر والشام وما معهما الملك الأشرف أبو النصر قايتباي الجركسي الظاهري، وهو الثالث والأربعون من الملوك التركية بعد الأيوبيين؛ ونائبه بدمشق قجماس الإسحاقي الظاهري،
(1/56)

وهو واصل ومعه يلباي دوادار السلطان، وهو الذي ثبت معه في الوقعة، وسودون والطويل وبقية العكسر تأخر في حلب، وتحرر أن عسكر الروم متفق مع علي دولات، والقضاة: من الشافعية شمس الدين المزلق، ومن الحنفية عماد الدين إسماعيل الناصري، ومن المالكية برهان الدين أحمد المريني، ومن الحنابلة النجم بن مفلح، والأتابكي بمصر أزبك الظاهري.
وفي مستهلها رجع نائب الشام قجماس إلى دمشق من وقعة علي دولات، وزينت دمشق يومئذٍ لدخوله. وفي منتصف ليلة الجمعة رابعه احترق الفرن الذي تحت القلعة، مع بعض سوق المارستان، والرابع حول الفرن. وفي يوم الجمعة حادي عشره كبر السواد الأعظم، وحملوا الأعلام بالجامع الأموي على النائب قجماس، بسبب سلاخوره لقبضه السيد الشريف المنتسب لسيدي الشيخ عبد القادر الكيلاني، لما أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وحرق الحشيش، فأرضى الناس النائب المذكور بالتأييد لهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه معهم في ذلك.
وفي يوم الثلاثاء خامس عشره ورد مرسوم شريف من مصر بأن يرمى على أكابر دمشق، وعين به جماعة، كل واحد منهم على قدره، شعيراً عدة خمسة آلاف غرارة، بثمنه، من الملا الذي بالقلعة.
وفي مستهل صفر يوم الأربعاء منها، نادى نائب الشام قجماس باجتماع الجيش بالسلاح في دار السعادة، فظن الناس أنه يكبس العرب، ثم بعد ساعة من اجتماعهم بالسلاح تبين أنه يريد كبس أهل الشاغور، فراجعه القضاة في ذلك، فأرسلهم إليهم، فذهبوا ثم أتوه بأكابرهم، فأكد عليهم في قبض المناحيس، وإن لم يفعلوا يخرب الشاغور.
وفي يوم الثلاثاء رابع عشر صفر شاع بدمشق أن الحاجب الكبير سيباي انفصل منها، وولي نيابة حماة، وأن يلباي دوادار السلطان بدمشق، تولى حاجباً كبيراً مكان سيباي المذكور. وفي ليلة الثلاثاء هجم الحرامية على الخواجا شمس الدين بن القونصي، أحد مشائخنا بالإجازة في الصالحية، وذبحوه وسريته التي كان يحبها، وأخذوا ماله، ويقال إن طواشيه بشير هو الفاعل مع جماعة لذلك. وفي هذه الليلة هجم الحرامية على ابن الحوارني
(1/57)

الأقباعي، بحارة الأقباعية، وأخذوا ماله ومال جماعة معه، وقتلوا ثلاثة أنفس.
وفي يوم الجمعة مستهل ربيع الأول لبس يلباي دوادار السلطان بدمشق كان، تشريف الكبرى من الحجوبية بدمشق. وأعاد مكبس الفاكهة بدار البطيخ، وفي ليلة الأحد ثالثه احترق نصف سوق الشاغور. وفيه صلب النائب قجماس جماعة بالمشنقة، وقطع أيديهم.
وفي ليلة الاثنين رابعه احترق سوق القبيبات، لصيق جامع كريم الدين، وقد كان احترق في يوم الجمعة بعد العصر والناس في الصلاة عاشر جمادى الآخرة، سنة خمسين. وفي يوم الجمعة سابعه لبس نائب الشام قجماس تشريفاً بالاستمرار. وفي سداس عشره سافر الأمير سيباي من دمشق لنيابة حماة، نقلاً من الحجوبية الكبرى بدمشق إليها.
وفي يوم السبت مستهل ربيع الآخر منها، أمر نائب الشام قجماس بإطلاق الأمير بداغ، بضم الباء الموحدة أوله وبالغين المعجمة آخره، ابن سليمان الغادري، أخي سوار وعلي دولات وعبد الرزاق، ومن سجن قلعة دمشق، بغير إذن من السلطان، للذهاب معه لقتال أخيه علي دولات، فأطلق، فأهدى له أركان الدولة ما يحتاج إليه، خيلاً ومالاً وقماشاً وزاداً.
وفي ثامن ربيع الآخر منها، خرج نائب الشام قجماس من دمشق إلى مصطبة السلطان مجرداً سائراً لقتال علي دولات، وسافر معه أمراء دمشق، ولم يترك أحداً غير دواداره أزبك، وأخذ بداغاً معه؛ فلما صار الجميع بالمصطبة المذكورة رد بداغاً إلى القلعة كما كان، وأخذ منه جميع ما كان أجازه به وهو وغيره.
وفي عاشره دخل جاني بك نائب كرك الشوبك دمشق، دوا دار لأستاذه السلطان قايتباي بها، مبادراً للسلام على نائب الشام قجماس بالمصطبة، فسلم عليه ثم رجع ليتجهز للسفر خلفه لقتال علي دولات، إلى أن يصل مرسومه والتشريف بالدوادارية.
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشره، بعد العصر، هبت ريح شديدة من جهة المزة على باب الجابية ومسجد الذبان والقبيبات، فكسرت شجراً كثيراً، ثم سكنت، ثم ثارت أيضاً في أثناء الليل، وهي ليلة الأربعاء، فخربت بيوتاً كثيرة، وشجراً كثيراً أيضاً، وسقطت شجرة جوز على بيت بقرية ببيلا، فيه رجلان أخوان، فوقع عليهما البيت فماتا ليلتها. وفي يوم الجمعة
(1/58)

حادي عشرينه صلي بالجامع الأموي على قاضي بلد الجليل، ولم أعرفه. وفيه دخل دمشق عجلا، رأس نوبة النوب بمصر، برسباي قرا الظاهري، في مدة ثمانبة أيام، ولم يعلم أحداً ما جاء لأجله، وهو قاصد البلاد الشمالية.
وفي بعد عشاء ليلة الخميس سابع عشري ربيع الآخر منها، هجم الحرامية بنشاب وغيره، على سوق جقمق، داخل باب الجابية، وأخذوا للنصارى وغيرهم، عدة سبع حوانيت قماشاً وغيره، ثم على سوق البزورية وأخذوا حانوت ناصر الدين الصيرفي على باب القشر ثامن عشريه صلي بالجامع الأموي غائبه قاضي القضاة الشافعية بالقاهرة كان، العلامة أبي السعادات البلقيني، وترجم بأن فيه طيش شديد.
وفي يوم الثلاثاء ثاني جمادى الأولى منها، دخل دمشق من مصر أحد مقدمي الألوف بمصر، تاني بك الجمالي الظاهري، وأحد مقدمي الألوف بها أيضاً أزبك الصغير من خازندار الظاهري، وجماعة آخرون، قاصدين علي دولات. وفي هذا اليوم، وهو سابع عشر أيار، جرى على ألسنة الناس أن المشمش الحموي يسقط من قبة شجره، وقد سبق أوانه بأيام مع برد هذه الأيام، فسبحان من هذا من بعض قدرته. وفي ثالثه دخل من مصر إلى دمشق باش العسكر المصري قبل الظهر، فوقع بدمشق مطر عظيم وبرد كبار، أعظمها نحو الأوقية. وفي يوم الأحد سابعه دخل دمشق رجل جراد عظيمة، ثم ذهبت في يومها فلم يعلم أين ذهبت ثم رجعت.
وفي يوم الخميس حادي عشره خرج من دمشق باش العسكر المصري بمن معه قاصدين علي دولات. وفي يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى منها، صلي بالجامع الأموي غائبة على القاضي سعد الدين الحنفي العجمي، ثم الدمشقي ثم القدسي، إمام الصخرة المقرئ، توفي بالقدس الشريف؛ وعلى حافظ الدين الموقع نائب كاتب السر النجمي بن الخيضري، توفي بحلب في ثاني عشر الشهر المذكور، ودفن في مكان ثم أخرج من قبره ودفن بتربة ابن السفاح.
(1/59)

وفي هذا اليوم تعصب جماعة على شيخنا المحب أبي الفضل بن الإمام، شيخ مدرسة الخواجا شمس الدين بن النحاس، ويعرف أيضاً بابن الجابي الصفدي، وشاع في الناس يومئذٍ أن القاضي فخر الدين عثمان الحموي، ثم الدمشقي، نائب قاضي القضاة المزلقي الشافعي، نادى عليه بالمنع من الإفتاء والتدريس والوعظ بإذن القاضي المزلقي في ذلك، فصاح أبو الفضل المشار إليه في مكانه، داخل مقصورة الجامع الأموي، وأسمع قاضي القضاة المزلقي وهو في مجلس صلاته على باب الخطابة، أن منعه تعصب عليه.
فلما سمع المزلقي ذلك أنكر على فخر الدين نائبه، وطلبه من بيته قرب الجرن الأسود، فحضر ومعه أخو صهره، كان، قاضي القضاة محب الدين بن القصيف، ودخلا بيت الخطابة، وحصل منهما كلام لا طائل تحته، وإنما موجبه أن أبا الفضل سعى في إنقاذ رجل من ديوانه من تهمة وقع فيها بكلام صبي صغير، سب لفخر الدين المذكور ثم وشى بينهما واش بالنميمة، أوغر صدور كل من أبي الفضل وقاضي القضاة محب الدين بن القصيف وأخيه وفخر الدين المذكور ومن يلوذ بهم.
فلما كان بعد صلاة العصر طلب المزلقي كلا من فخر الدين وأبي الفضل إلى بيت الخطابة، فامتنع أبو الفضل من الحضور، وكان غفلة منه، وإذا لو حضر لا نتصر وظهر الكذب من الوشاة بينهم، فخرج قاضي القضاة المزلقي من بيت الخطابة وذهب معه جماعة، منهم فخر الدين المذكور، فعرش بعض الناس على المزلقي وعلى فخر الدين في حال مرورهم على محراب الحنفية إلى أن خرجوا من باب الزيادة، فندم أبو الفضل وأمر بكتب ورقة ليذهب بها إلى بيت المزلقي يذكر فيها أموراً، وطال الكلام في ذلك، فاجمتع شيخنا المحيوي النعيمي بقاضي القضاة محب الدين بن القصيف، فذكر له أن فلاناً وشاة الواشي، إن ثم لهم وعليهم ولأبي الفضل وعليه.
وفي يوم الخميس خامس عشرينه وصل الخبر إلى دمشق على يد مملوك الخواجا ابن الحزمي بأن قاضي القضاة الشهابي بن الفرفور أعيد إلى قضاء الشافعية، وعزل قاضي القضاة الشمس المزلقي، وأن بهاء الدين بن جمال الدين بن الباعوني واصل بذلك إلى دمشق.
وفي يوم الجمعة سادس عشرينه حضر الشمس المزلقي إلى الجامع، وصلى على عادته، ودخل بيت الخطابة بعد أن خطب عنه سراج الدين بن الصيرفي، وذكر في خطبته فضل
(1/60)

طلحة رضي الله عنه؛ وبعد صلاة الجمعة صعد أبو الفضل على الكرسي العالي تجاه محراب الحنفية، واجتمع في مجلسه جم غفير، وسرد أحاديث كثيرة عن ظهر قلبه في تحريم الغيبة والنميمة، وفي فضل العلماء وأهل الخير، ثم أظهر العتب على المزلقي، والحال أنه بريء مما أنهى عنه وأظهر أن فخر الدين المذكور من تلامذته، ممن أحسن إليه وأقامه، وأظهر أنه رجل فقير، وذكر أشياء يطول ذكرها؛ ولما نزل ودخل المقصورة فحوم له جماعة ووشوا له.
وفي حال صعود أبي الفضل هذا للكرسي صاح العوام ورفعوا أصواتهم، واجتمعوا على الأمير أزبك نائب الغيبة بسبب الشاب البلاصي، رأس نوبة، الشهير بالقدسي، ليسلمه لهم ليحرقوه، فجاء الأمير أزبك إلى بيت الخطابة ليستشير قاضي القضاة المزلقي في ذلك، وقد تكالب العوام ورفعوا أصواتهم على باب الخطابة، فأرضاهم ووعدهم بقتله، ثم خرج من بيت الخطابة وذهب إلى بيته من باب الزيادة.
وشاع في هذا اليوم بين الناس، أن أبا يزيد بن عثمان أخذ من مملكة سلطاننا بلاداً كثيرة، وأن قصده الزحف على هذه المملكة.
وفي يوم السبت سابع عشرين جمادى الأولى هذه، دخل بهاء الدين الباعوني، الموعود بدخوله دمشق، ومعه من قاضي القضاة ابن الفرفور للقاضي محب الدين ابن قاضي عجلون، أن يتولى أمر الخطابة والعرض والتفويض لجماعة مخصوصة نيابة عنه؛ وأخبر بهاء الدين المذكور أن المزلقي لما عزله السلطان عن القضاء بدمشق عوضه كتابة السر بها، وعزل نجم الدين الخيضري منها، وأن المزلقي يجلس فيها بدار العدل فوق القاضي الحنفي؛ فركب نائب القلعة ابن شاهين ونائب الغيبة أزبك وغيرهما إلى المزلقي وعرضا عليه ذلك، فامتنع من الدخول في ذلك.
وفي يوم الجمعة رابع جمادى الآخرة منها، خطب القاضي محب الدين ابن قاضي عجلون عن قاضي القضاة الشهابي بن الفرفور، ومدح الناس له - وفي بكرة هذا اليوم قام أهل قرية المزة وكبروا على مملوك السلطان دواداره بدمشق، ونزلوا إلى المدينة إلى بيته، ثم كبروا عليه بالجامع قبل الصلاة وبعدها، وأظهروا التظلم منه، فخفض عنهم بعض ذلك - وفي يوم الخميس عاشره وصل من مصر لمملوك السلطان ودواداره بدمشق، واسمه جاني بك الطويل، تشريف باستقراره في الدوادارية المذكورة، وأن يلحق العسكر لقتال علي دولات، والحال أنه لم يكن بقي في دمشق من أرباب الدولة غيره، ونائب القلعة علي بن شاهين المتأهب لأمرة الحاج، ونائب الغيبة أزبك دوادار النائب.
وقد زحفت العربان على البلاد، وعلى نواحي دمشق وأطرافها، فخرج إليهم نائب الغيبة
(1/61)

المذكور، فلم يقدر على العاصين منهم، فالتجأ إليهم الطائعون منهم خوفاً من العاصين، فأخذ مالهم ومواشيهم ودخل به دمشق؛ فثاني يوم بعد صلاة الجمعة بالجامع الأموي حضر فيه جماعة من العربان الطائعين، أصحاب البوش المأخوذ، ونساؤهم وأولادهم، حتى دخل نساؤهم مقصورة الجامع الأموي، واستغاثوا وأظهروا التظلم من العرب العاصيين من جنسهم، ثم من نائب الغيبة المذكور لأجل بوشهم، وتراموا على الناس في رد بوشهم....

سنة إحدى وتسعين وثمانمائة
... وفي ثاني عشره خطب بالجامع الأموي نيابةً الشيخ سراج الدين الصيرفي، وانقطع محب الدين بن قاضي عجلون - وفي رابع عشره طلع القمر مكسوفاً، واستمر بعد العشاء نحو أربعين درجة.
وفي ثامن عشري ربيع الأول منها، أطلق ابن العدوي من القلعة، بعد أن أورد عشرة آلاف دينار مما عنده، وأعطى الخاصكي ألفاً، وتكلف أربعة أخرى، ثم توجه بعدها إلى مصر، واستدان ثمانية وعشرين ألف دينار.
وفي تاسع عشر ذي القعدة منها، وصل مرسوم بأن محمد بن شاهين ولي نيابة القلعة، عوضاً عن أبيه، بعشرة آلاف دينار.
وفي يوم العيد من ذي الحجة منها، صلى النائب بالمصلى، وخطب القاضي الشافعي به، وحضر المالكي والحنبلي، وأركان الدولة على العادة.

سنة اثنين وتسعين وثمانمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله عبد العزيز بن يعقوب؛ وسلطان مصر والشام وما معهما الملك الأشرف أبو النصر قايتباي؛ ونائبه بدمشق قجماس الإسحاقي الظاهري؛ والقضاة بها: الحنفي زين الدين عبد الرحمن بن أحمد الحسباني، والشافعي شهاب الدين بن الفرفور، والمالكي شهاب الدين المريني، والحنبلي نجم الدين بن مفلح؛ والأمير
(1/62)

الكبير جانم مملوك السلطان؛ والحاجب الكبير يلباي الأينالي؛ والحاجب الثاني أحمد بن شاهين؛ ودوادار السلطان جاني بك الطويل؛ ونائب القلعة محمد بن شاهين؛ ونقيبها الأيدكي؛ ودوادار النائب طراباي مملوكه؛ وكاتب السر أمين الدين الحسباني؛ وناظر الجيش القاضي الشافعي المذكور؛ وكاتب الخزانة المحب الأسلمي؛ والمحتسب عبد القادر.
وفي يوم الجمعة ثالث المحرم منها، صلي بالجامع الأموي غائبة على قاضي القضاة العلامة برهان الدين بن ظهيرة المكي توفي بها في سادس ذي القعدة من السنة الماضية.
وفي يوم السبت عاشره دخل إلى دمشق من البلاد الشمالية أولاد بنت ابن قرمان قاصدين مصر، وقيل إن معهم صنجقاً من صناجق أبي يزيد بن عثمان، وأنهم ظهروا عليه وعلى جماعته، وإنهم أتوا إلى السلطان يطلبون منه تدارك البلاد، وإنهم يكفونه أمر ابن عثمان، وقيل هربوا من ابن عمهم الذي ببلادهم، لكونهم ركبوا مع عسكر سلطاننا عليه وعلى عسكر ابن عثمان.
وفي يوم السبت حادي عشره لبس النائب خلعة جاءته من مصر، بطرازين مذهبين، من أوائل القبيبات، لأنه كان يوماً مطيراً عقب أيام مثلجة، فحصل عليه وعلى الترك والقضاة مشقة من كثرة الوحل والبرد، وخرج اليهود في سبتهم لملاقاته إلى عند أبواب مصلى العيدين، مع المطر الشديد والوحل والإهانة الشديدة من الأعوام ضرباً وشتماً، ودخل المدينة يسوق الناس عجلاً.
وفي يوم الاثنين سابع عشريه فوض نائب الشام نيابة صفد لحاجب الحجاب يلباي بمبلغ عشرين ألف دينار، عوضاً عن نائبها مملوك السلطان أينال الخسيف، الذي كان أميراً كبيراً بحلب، وهو رفيق جاني بك الطويل دوادار السلطان يومئذٍ بدمشق، فإنه قد استقر في مشدية شراب خاناة المقام الشريف بمصر، وكان السلطان رسم لنائب الشام بشنقه بسبب تسببه لموت نائب قلعة صفد، ثم سامحه وذلك بمقتضى مرسوم شريف إليه أن يقرر في نيابتها من يقع اختياره عليه بالمبلغ المذكور من: سودون الطويل الذي في الحج الشريف، ومن يونس، ومن يلباي حاجب الحجاب، فإن وقع الاختيار فيها على يلباي المذكور، ودخل فيها، يقرر في
(1/63)

الحجوبية مكان من يقع اختياره عليه من الغائبين، بمبلغ عشرة آلاف دينار، لكونهم قد نقصوا فعلهم في التجريدة؛ ثم تبين أن أينال الخسيف المذكور استقر في الحجوبية الكبرى بدمشق، وأن مملوك السلطان جاني بك قد استقر في الحجوبية الثانية بدمشق أيضاً، وفي أمرة ميسرة التي كانت بيد يوسف بن جلبان، وأطلق ابن جلبان المذكور من المقشرة على ستة آلاف دينار.
وفي يوم الجمعة رابع عشريه، عقب الصلاة، خرج يلباي من دمشق إلى نيابة صفد خروجاً حافلاً، وخرج نائب الشام لوداعه.
وفي يوم الخميس سلخه دخل الوفد الشريف من الحجاز إلى دمشق، بعد مشقة حصلت لهم من حمل وادي قرية من أرض حوران، وأخبروا أن الحجة كانت طيبة.
وفي يوم الخميس سابع صفر منها، دخل من مصر إلى دمشق نائب قلعتها محمد بن علي بن شاهين، المتوفى والده في رمضان من السنة الماضية.
وفي يوم الاثنين ثامن عشره خرج النائب وأرباب الدولة والقضاة والمشاة بالعدد إلى قبة يلبغا، لملاقاة حسن بك بن هرسك صهر أبي يزيد بن عثمان ملك الروم، فأمطرت السماء ثم أثلجت، ثم دخل دمشق والنائب قدامه خدمة له، وقد اشتد الثلج، فحصل للناس شدة بذلك.
وكان قبل ذلك بنحو نصف شهر ورد على النائب مطالعة الأمير قانصوه خمسمائة متسلم حسن المذكور، بأن المقام الشريف عفى عنه وأطلقه، وأن يخرج إليه بعسكر دمشق ويلاقى بالإكرام الوافر.
وفي يوم تاسع عشره دخل حسن المذكور إلى الجامع الأموي، وصلى فيه عند محراب الحنفية، وفي المقصورة، وشرقي محراب المالكية، وتصدق على الفقراء.
وفي يوم الخميس حادي عشريه خلع النائب عليه خلعة حمراء معظمة وخرج في خدمته لوداعه لسفره إلى بلاده، والقضاء سلموا عليه ولم يخرجوا في خدمته.
وفي يوم الاثنين رابع عشر ربيع الآخر منها، دخل من مصر إلى دمشق حاجب الحجاب أينال الخسيف الأشرفي وتلقاه أرباب الدولة باحتفال عظيم، على يمينه نائب الشام، وقدامه رفيقه دوادار السلطان جاني بك الطويل، كلاهما من مماليك السلطان؛ ثم شرع في عمارة الربوة وألزم ملاكها العمارة، وزعم أن ذلك بمرسوم شريف.
(1/64)

وفي أوائل ربيع الآخر أراد القاضي الشافعي أن ينقض حكم نائب الحنفي، كمال الدين بن سلطان، في تزويج صغيرة، فانتصر له الشيخ عز الدين بن الحمراء، وحصل بينهم شر، واستمروا في ذلك مدة في عدة مجالس.
وفي هذه الأيام وصل يوسف بن حلبان، بعد إفراج السلطان عنه من المقشرة، إلى دمشق، بعد شفاعة النائب فيه على ستة آلاف دينار، ورسم عليه بالمدرسة العذراوية خلف دار السعادة، حتى باع غالب أملاكه في ذلك.
وفي يوم الأحد ثاني عشر جمادى الأولى منها، تولى شهاب الدين بن الصاحب نيابة القضاء، عن قاضي القضاة الفرفوري، وقد تقدم أنه كان قاضي ركب الشامي في السنة المتقدمة، وعجب الناس لذلك.
وفي يوم الاثنين ثالث عشره دخل من مصر إلى دمشق مملوك السلطان تاني بك الأشرفي، حاجباً ثانياً وأمير ميسرة.
وفي يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة منها، فوض قاضي القضاة الشافعي نيابة القضاء أيضاً لعفيف الدين شعيب العزاوي، وعجب الناس لذلك أيضاً.
وفي يوم الخميس خامس عشره دخل من مصر إلى دمشق نقيب قلعتها محمد بن سكر عوضاً عن مملوك السلطان الأيدكي الأشرفي.
وفي يوم الخميس ثاني عشريه دخل من مصر إلى دمشق ناصر الدين محمد بن أيوب، الذي كان نائب القدس، أستاداراً للأغراض السلطانية بدمشق عوضاً عن حمزة الشعث، الذي تولى بعد آقبردي المقتول، وذلك بعد حبس ناصر الدين بالقاهرة ومصادرته بها، ثم اعتقل حمزة المنفصل بقلعة دمشق.
وفي آخر هذا الشهر زعم مغربي أن ببستان الأعجام بمحلة باب السريجة بدمشق مطلب مكنوز، فحضر الحاجب الكبير أينال الخسيف وهرع الناس إليه، ثم حط الأمر فظهر أنه كذب كثير.
وفي يوم الاثنين رابع رجب منها، لبس مملوك السلطان، وأحد مقدمي الألوف بدمشق، برد بك الأشرفي، تشريف أمرة الوفد الشامي من حضرة النائب.
وفي يوم الاثنين حادي عشره خرج النائب من دمشق إلى سطح المزة، قاصداً البلاد الصفدية للحساب بين نائبها ... المنفصل وبين نائبها المستجد يلباي.
وفي هذا اليوم عزل النائب من الحسبة ناصر الدين محمد بن الغلام، وأعاد الحسبة إلى عبد القادر أخي ... برد بك،
(1/65)

كان قبل هذه الأيام قد وصل من مصر وغرم مالاً، هو وقطب الدين الجندي والعمري، للمقام الشريف، بعد تهديد من السلطان بسبب قتل أنسباي مملوك جاني بك الطويل المتقدم ذكره.
وفي عشية يوم الأحد رابع عشريه دخلت من مصر إلى دمشق قاصدة بلادها، أم محمد جم، المتقدم ذكرها في سنة ست وثمانين وثمانمائة، ودخل معها خلق كثير.
وفي هذا الشهر قدم رجل من بلاد حسن باك، وأظهر مستندات ثابتة من ذرية واقف الخانقاة الكججانية بالشرف الأعلى، وأراد أخذها بشرط الواقف، بعد أن تأنق فيها قاضي القضاة الشافعي شهاب الدين بن الفرفور، وغرم عليها مالاً كثيراً، وكان قد استنزل عنها إسماعيل الناصري الذي أخذها عن قاضي الحنفية علاء الدين بن قاضي عجلون.
وفي عشية يوم السبت سابع شعبان منها، رجع النائب إلى دمشق من البلاد الصفدية.
وفي يوم الثلاثاء سابع عشره فوض القاضي الشافعي للشاب محب الدين بن أيوب نيابة القضاء، وعجب الناس لذلك.
وفي يوم الخميس تاسع عشره وصل الخبر من مصر إلى دمشق بعزل القاضي الشافعي من نظر الجيش بدمشق، وتولية المحيوي عبد القادر بن محمد الغزي ناظر الجوالي يومئذٍ؛ وأن العلامة قطب الدين الخيضري تولى قاضي القضاة بالقاهرة مكان العلامة زكريا، وأنه وضع في الترسيم في ثاني شعبان المذكور، ثم تبين أنه على وظيفته، وأن جماعته صادرهم السلطان بالترسيم عليهم، لكنه امتنع من الخطبة بالسلطان، فخطب عوضه قطب الدين المذكور.
وفي هذه الأيام بلغنا وفاة مطلقته بنت الخليفة المستنجد بالله يوسف؛ ووفاة فتح الدين البلقيني، وكان سعى على الشيخ زكريا في قضاء مصر بنحو عشرة آلاف دينار، فمات ولم يولها؛ ووفاة القاضي بدر الدين بن قاضي القضاة علم الدين البلقيني نائب زكريا.
وفيها دخل من مصر إلى دمشق، أمين الدين ابن قاضي الحنفية زين الدين الحسباني، معزولاً من كتابة السر بدمشق، ونزل بمنزل قاضي القضاة علاء الدين ابن قاضي عجلون شرقي جيرون، نائباً عن والده في العرض وغيره، واستمر والده في مصر. - وفيها نقص الجانب القبلي من جامع البزوري بمحلة قبر عاتكة، ووسع إلى جهة القبلة نحو خمسة أذرع،
(1/66)

وجعل له ثلاث حنايا على عمودي حجر، قرب المحراب القديم، الذي تاريخه إلى هذا الشهر شعبان من هذه السنة، مائة وأربعون سنة، وكانت توسعته من مال الحاج علي بن الملاح البغدادي بحارة رستم المتوفى سنة إحدى وتسعين وثانمائة، السنة قبلها، في ثالث رمضانها، ومن مال رجل يقال له ابن عبد السلام، نذر له مائة دينار، وقام على صرفها على الجامع المذكور شيخ سوق الدهشة أحمد، الملقب بحاتم، من حارة رستم المذكورة، وجرى بين أهل المحلة شرور في كيفية التوسعة والبناء، حتى حضر إليه غالب أكابر دمشق.
وفي ليلة الثلاثاء تاسع رمضان منها، دخل من مصر إلى دمشق دوادار رابع بمصر، واسمه جان بلاط، قيل إنه ساقٍ خاص، وتلقاه أرباب الدولة خلا النائب قجماس، فجلس له في وسط الإصطبل، لتوعكه من حيث قدم من البلاد الصفدية كما تقدم، فقرئ ما معه بالاصطبل، وملخص أمره أنه جاء ليصادر أهل البلاد الشامية، كغزة والقدس وصفد وحماة وطرابلس وحلب، قيل إن السلطان جعل تسفيره نحو أربعين ألف دينار وهو شاب، أو كهل، شكله حسن، وكان مما أتى على يديه قبل رمضان لبيت المقدس، مرسوم شريف، وفرس كنبوش، ونفقة وافرة، لقانصوه اليحياوي، وأن يتوجه إلى القاهرة، فامتثل ذلك، لكن طلب إذناً من السلطان بالمهلة عليه ليصوم رمضان ببيت المقدس، فأجيب، ثم صلى العيد ببيت المقدس وتوجه في الحال إلى القاهرة.
وفي يوم الخميس حادي عشره لبس المحيوي الغزي ناظر الجوالي، خلعة وظيفة نظر الجيش الدمشقية. - وفي ليلة الاثنين ثاني عشريه سافر الخاصكي المتقدم ذكره من دمشق إلى البلاد الشمالية بعد أن فعل بدمشق من الظلم ما لا يعبر عنه، وأخذ على كل مسجد مالاً، ولو كان فقيراً، وعلى كل تربة، وعلى كل مدرسة كذلك، ولم ينظر في أمورها ومصالحها بل في مصلحة نفسه، ومصلحة السلطان ولا قوة إلا بالله، ثم مرض بحماة مرضاً شديداً. وفي يوم الثلاثاء ثالث عشريه وصلت سراً الخواجا ابن الشاغوري زوجة الشهابي بن البرهاني النابلسي، ثم زوجة نائب صفد يلباي، ميتة في سحلية في محفة، من صفد إلى مقابر باب الصغير، عن صبي للشهابي المذكور، وعن آخر صغير وبنت من نائب صفد المذكور.
وفي يوم الأربعاء كان عيد الفطر، واستمر قجماس النائب مريضاً لم يركب، بل شاع عند الناس أنه على خطة، وكان مقيماً ببيت ابن دلامة بالصالحية، وأتى به ليلة الاثنين قبل
(1/67)

العيد بيومين في محفة إلى اصطبل دار السعادة، وعيد به وهو على خطة. وفي عصر يوم الخميس ثاني العيد توفي بالإصطبل المذكور، ودفن بالتربة التي أنشأها داخل باب النصر، غروب الشمس من اليوم المذكور، وفي جواز هذه التربة خانقاة مجاورين وشيخ لهم، وأوقاف داره، وعدة أيام كفالته الشام ست سنين وثمانية شهور، وكان قد صالح الخاصكي المتقدم ذكره على بقية الأوقاف الدمشقية بألف ومائة دينار. - وفي ثاني يوم، يوم الجمعة، توفي بواب مقصورة الأموي محمود.
وفي يوم الاثنين سادس شوال منها، هرب من قلعة دمشق الأمير بداق أخو سوار، ورمى الحبل الذي نزل إلى الخندق منه. وفيه توفي بالقاهرة قاضي قضاة حلب جلال الدين أبو البقا بن الشحنة الشافعي، وقد عزل بالحسفاوي. وفي يوم الثلاثاء سابعه اجتمع أهل ميدان الحصى، ونزلوا إلى الجامع بأعلام وذكر الله تعالى، وصحبتهم الشيخ إبراهيم التاجي، يشتكون على الحاجب أينال الخسيف نائب الغيبة ... بغير حق، وأنهم يطلبونه إلى الجامع الأموي فلم يحضر، وتعلل عليهم بأنه في شغل السلطان لأجل تحصيل غريمه بداق، وتخبطت دمشق، وعند الله حسن العاقبة.
وفي يوم الخميس تاسعه دخل الوفد الحلبي إلى دمشق، وأميرهم ولد نائب حلب، ومعه أمه، في تجميل عظيم، وثقل كثير. وفي يوم الجمعة سابع عشره دخل دمشق جماعة من جماعة الهارب بداق ممسوكين، مسكهم نائب حمص وأرسلهم إلى دمشق، فضربهم نائب الغيبة. وفيه دخل من مصر إلى دمشق الأمير ماس فرج، من أمراء يعقوب باك بن حسن باك، بتشريفٍ حسن من السلطان، وعلى يديه مكاتبات جواباً لأستاذه يعقوب باك في سؤاله للسلطان بالعطف على سلطان الروم أبي يزيد بن عثمان، مضمونها: إن أراد أبو يزيد ذلك فليسلم إلينا بلادنا، أدنه وطرسوس وقرمان، وإن أراد المحاربة فأنا أنزل إليه بالعسكر بنفسي.
وفي عشية الجمعة المذكور خرج أوائل الوفد الحلبي إلى قبة يلبغا، والكسوة، وخان
(1/68)

ذي النون، وفيهم مفتي حلب العلامة عثمان الكردي وجماعته. وفي بكرة يوم السبت ثامن عشره خرج أميرهم ابن نائب حلب، ودواداريته صحبته، وأمه في محفة حافلة، وصحبتها نحو عشرة روايا، ثم خرج أمير الوفد الشامي، وجماعته كعدة جماعة الأمير الحلبي نحو الأربعين مملوكاً، ثم خرج المحمل، وخلع نائب الغيبة على الأميرين بقية يلبغا، وقدم أمير الوفد الشامي برد بك أمير ميسرة وقاضي الركب الشامي شهاب الدين الرملي نائب الشهابي بن الفرفور.
وفي يوم الاثنين عشريه لبس الشاب بدر الدين بن المرحوم بدر الدين أخي قاضي القضاة الشافعي الفرفوري وظيفة كتابة السر بدمشق، بعد شغورها مدة عن أمين الدين بن الحسباني، ولبس معه عمه خلعة الاستمرار في قضاء الشافعية.
وفيه ورد مرسوم شريف بأن لا يثقل على مماليك المرحوم قجماس، ولا يشوش عليهم أحد، وكان الحاجب أراد أن يعتقل تمرباي دوادار قجماس بالقلعة فامتنع من ذلك تمرباي واعتضد بالمماليك المذكورة، واستمر بتربة أستاذه، وكان قجماس قد أوصى وأرسل وصيته إلى السلطان، وأخبره فيها بجميع ماله بالقاهرة وبدمشق، فلما خرج قاصده من القاهرة وتوجه إلى دمشق، رأي سيف أستاذه قجماس صحبة حاجب ثاني تاني بك الأشرفي، فرجع صحبته وطلب من السلطان مرسوماً، فخرج له المرسوم المذكور.
وفيه ورد الخبر بأن قانصوه دوادار ثاني الألفي، قد عينه السلطان للخروج وللحوطة على تركة قجماس المذكور، وأنه واصل. - وفي يوم الخميس ثاني عشريه دخل جماعة من سوقة المزيريبة إلى دمشق، وأخبروا بغلو الأسعار بها لكثرة الحاج، وخراب البلاد، ورجع جماعة من الحج لأجل ذلك. وفي ليلة الجمعة ويومها وقع المطر الجديد بدمشق، وهو رابع عشريه.
وفيه صلى قاصد يعقوب باك بالجامع الأموي، ومعه نقباء جيش دمشق، والمهمندار وجماعته، وصعد منارة العروس، وجلس بالبارز الوسطاني، ومعه الجماعة المذكورون، ثم نزلوا معه وطاف جوانب الجامع، وجيرون، ثم عاد وخرج من باب البريد، ثم سافر إلى بلاده بجماعته يوم السبت أو الأحد، وقد كان حادثه الريس شمس التيزيني، فوجده يشكر
(1/69)

قايتباي على إحسانه لكنه يستعجزه لكونه يدع مماليكه بمصر وغيرها يظلمون الناس ولكثرة خراب البلاد بسبب الظلم، فالله يحسن العاقبة.
وفي بكرة يوم الخميس سلخه دخل من مصر إلى دمشق دوادار ثاني قانصوه الألفي الأشرفي، للحوطة على تركة النائب قجماس، وصحبته تاني بك حاحب ثاني الذي سافر بسيف النائب المذكور، وصل به في ستة أيام، فإنه سافر به ليلة الجمعة يوم الوفاة، ووصل إلى القاهرة يوم الأربعاء، ودخلا دمشق في تجمل حافل بتشريفين حافلين، ونزل للحوطة بدار السعادة كالنائب، ثم أمر في الحال بإشهار النداء في البلد بأن: من قهر، من ظلم، فعليه بالأمير الدوادار الألفي، حسبما ورد به المرسوم الشريف، ثم قرئت المراسيم، وفيها يوضع مباشرو المتوفى قجماس بالقلعة، ففي الحال قبض عليهم، ووضعوا بالقلعة في اليوم المذكور عجلاً.
وفي يوم الثلاثاء خامس ذي القعدة منها، أمر قانصوه الألفي، بدار السعادة بمسك القاضي شهاب الدين بن الفرفور، والترسيم عليه، فبات بها ليلة أو ليلتين، وطلب منه مالاً وسبت ذلك أن فلاحي القاضي المذكور ببلد كفر حونة اجتمعوا بفلاح الأمير خير بك أمير عشرين بدمشق، وعصوه عليه عندهم في أوائل هذه السنة، فأتى إليه عندهم ليأخذه، فهاش الفلاح على أستاذه خير بك المذكور، ورماه بسهم فقتله، فرحل أهل البلد وخربت بسبب ذلك، فأراد القاضي أن يزيل عنهم الخوف وراضى عنهم بمال، ثم في هذه الأيام مسك بسبب ذلك ليأخذوا منه مالاً، وجرى ما جرى.
وفي يوم الجمعة ثامنه صلي بالجامع الأموي غائبة على قاضي القضاة الشافعية بحلب، جلال الدين أبي البقا بن الشحنة. وفي يوم الجمعة بعد الصلاة، خامس عشره، صلوا مرتين بالجامع الأموي على ثلاثة أنفس حاضرين أحدهم الحموي، كان هو وأخوه المرحوم جمال الدين يوسف، المتوفي في صفر من هذه السنة، بخدمة قاضي القضاة عماد الدين الباعوني، من جملة شهوده.
وفي يوم الأحد سابع عشره ورد مرسوم شريف بإهدام المسجد الذي على باب جيرون، على يسرة المار إلى جهة باب توما، جوار بيت قاضي القضاة علاء الدين بن قاضي عجلون، الذي ذكره جماعة من العلماء، منهم العلامة أبو شامة، ومنهم علاء الدين بن
(1/70)

العطار لما حدث به من البدع من طائفة الروافض؛ وفي هذه السنة والتي قبلها كثر الكلام بسببه، فأزيل جداره في هذا اليوم، وانتصر أهل السنة على الميتدعين بحمد الله.
وفيه ورد مرسوم بأن يورد جماعة القلعة للمقام الشريف مبلغ عشرة آلاف دينار، ثلثها على ابن سكر نقيبها ونائبها محمد بن شاهين، والثلث على البحرية، والثلث على جماعة القلعة، وضرب بعضهم مبرحاً، وهو تاني بك وآخرين معه، واستمروا في شدة بالغة، وموجب ذلك كونهم فرطوا في التحفظ على بداق أخي سوار حتى هرب كما تقدم. وفي يوم الخميس حادي عشريه استقر الأمير جاني بك دوادار السلطان في وظيفة الجوالي.
وفي ثاني يوم عيد الأضحى، وهو يوم الثلاثاء حادي عشر ذي الحجة منها، أظهر جاني بك الطويل، دوادار السلطان بدمشق، ما كان في قلبه في البغضاء لتمرباي دوادار قجماس، ظناً منه أنه تمرباي قاتل مملوكه أنسباي كما تقدم، ووقع بين مماليكه ومماليك قجماس في اليوم المذكور الضرب الشديد فغضب الألفي الحواط على جاني بك حمية لتمرباي ومماليك قجماس، وأراد العود إلى مصر غضباً، فرمى عليه أرباب الدولة وراضوه، فكاتب في ذلك للسلطان.
وفي يوم الاثنين سابع عشره، وهو ثالث كانون الأجرد العشرون من برج القوس، أعيد واستقر في نيابة الشام قانصوه اليحياوي، ولبس ذلك من حضرة السلطان بقلعة مصر، مكان قجماس الإسحاقي. وفي تاسع عشره غلا سعر القمح والشعير، وبرز مرسوم الحواط بالمناداة بدمشق، بأن لا يبيع حاضر لجلاب قمحاً ولا شعيراً، فتخبطت دمشق؛ وأمس زادت الأسعار وصغر قطع الخبز، وطلبه الناس، وبيعت غرارة القمح بأربعمائة وعشرين، والشعير بمائة وسبعين، ورجم العوام عبد القادر المحتسب، لكونه ... يتعانى صناعة الطحانة والخبازة، ويتاجر في القمح، ويأخذ المشاهرة من كل صناعة.
وفي يوم السبت ثاني عشريه ركب الحواط ومنادٍ ينادي بأن من له حانوت يفتحه ويبيع
(1/71)

وإلا شنق، فإن الخبز تغير وخف، وله أيام وهو قليل. وفي يوم الأحد ثالث عشريه وصل الخاصكي جان بلاط راجعاً من البلاد الشمالية، ونزل ببيت ابن منجك شرقي الأموي، الذي كان حمام الصحن قديماً.
وفي يوم الاثنين رابع عشريه دخل من مصر إلى دمشق قاضي القضاة الحنفية زين الدين عبد الرحمن الحسباني، وصحبته مملوك شاب خاصكي من أقارب السلطان، ليسلمه جميع الجهات التي كانت بيد قاضي القضاة علاء الدين ابن قاضي عجلون، وتلقاه القضاة على العادة، ونائب الغيبة أينال الخسيف، والأمير الكبير جانم، ونائب القلعة محمد بن علي بن شاهين، وأما الحواط فخرج يسلم عليه في القبة قبل ذلك، فلم يجده لأنه بات بقرية صحنايا، لأن فيها شيئاً تحت تكلمه، وقرئ توقيعه بالجامع الأموي، قرأه نائبه بهاء الدين الحجيني، ونزل ببيت المستوفي جوار الجامع.
وفي يوم الأربعاء سادس عشريه، اجتمع فقراء دمشق، وذهبوا إلى الحواط، بسبب قضية حصلت لهم من والي النبيطون، وذكروا خمارة الحاجب ودوادار السلطان وغيرها، فنادى بإبطال المحرمات في الحال. وفي ليلة الجمعة ثامن عشريه نزل الحرامية على بيت الضياء بالجسر الأبيض بالصالحية، وجرحوه وأرادوا قتله وولده.
ورأيت في تاريخ العلاي البصروي.
وفي رابع عشر صفر منها، قبيل الفجر، كسف القمر، واستمر مكسوفاً إلى طلوع الشمس. وفي حادي عشريه فوض القاضي المالكي نيابة الحكم لشهاب الدين بن النحاس بشفاعة النائب، وكان له مدة معزولاً. وفيه تولى أينال الخسيف الحجوبية الكبرى بدمشق، عوضاً عن يلباي، وتولى يلباي نيابة صفد. وفيه جاء الخبر بأن شهاب الدين بن بري نقل من الترسيم بمصر من بيت الوالي إلى بعض الخدام بالقلعة، وله ثلاث سنين.
وفي يوم الأحد مستهل ربيع الأول منها، جاء الخبر بعزل ابن الحسباني من كتابة السر وأطلق من الترسيم بعد غرامة، ووالده معوق فيه بسبب تتمة المبلغ الذي عليه من جهة قضاء الحنيفة، وغريمه عماد الدين الحنفي المنفصل بمصر في بيت الوالي، بسبب المال الذي عليه.
(1/72)

ويوم الثلاثاء مستهل ربيع الآخر منها، وصل أينال الخسيف، من عتقاء السلطان، إلى دمشق متولياً الحجوبية الكبرى، وذهب يلباي إلى صفد.
وفي ثامن عشر جمادى الأولى فوض القاضي الشافعي لمحيي الدين الناصري، أخي عماد الدين الحنفي، ليحكم على مذهب أبي حنيفة، بإشارة النائب، ومنع من الحكم كمال الدين بن سلطان الحنفي، ثم بعد أيام رضى وأذن له.
وفي رجب منها، ضرب أينال الخسيف الحاجب الكبير شمس الدين المعري، من طلبة الشافعية، بسبب مدرسة تغري برمش، والنجم محمد بن القاضي شمس الدين بن مزلق، ورسم عليهما. وفيه ورد الخبر بعزل القاضي الشافعي من نظر الجيش، وتولية عبد القادر الغزي نظر الجيش، الذي هو الآن ناظر الجوالي؛ وبتولية بدر الدين ابن أخي القاضي الشافعي نظر الجوالي.
وفي رمضان، وكان مستهله الاثنين منها، وصل الأمير جان بلاط الأشرفي، ونزل بالقصر بالميدان، ومعه ديوان عبد القادر القصروي من جماعة بيت ابن الجيعان، ومعه مرسوم بالتحريز على الأوقاف، فوضعوا عليها أزيد من أربعة آلاف دينار، فعرضوها بالمدرسة البادرائية بحضور القضاة الثلاثة والشيخ تقي الدين. وفي ثاني عشريه سافر الأمير جان بلاط إلى حلب. وفي سادس عشريه وصل الخبر بتولية القاضي بدر الدين ابن أخي القاضي الشافعي كتابة السر؛ وأعيد نظر الجوالي إلى عبد القادر الغزي مضافاً إلى نظر الجيش، وهذا على خطة.
وفي سابع شوال منها، هرب بداق الغادري من القلعة وهو أخو سوار، وله نحو سنتين أو سنة محبوس بالقلعة، وواطأه على ذلك الحارس من ناحية باب الحديد، وحصل لأهل القلعة اضطراب. وفي تاسعه وصل كتاب من الأمير جان بلاط إلى حاجب الحجاب، بأن يرفع محب الدين الأسلمي كاتب خزانة النائب وعبد اللطيف ديوانه إلى القلعة، فرفع، وغيب السيد الموقع، وأما دوادار النائب وجماعته، فقعدوا بتربة النائب أستاذهم قجماس، وامتنعوا من الذهاب إلى القلعة.
وفي عاشره وضعوا محمد بن شاهين نائب القلعة، ومحمد بن سكر نقيبها، في جامع القلعة، فرسما عليهما بسبب بداق. - وفي سادس عشره حضر عبد بداق
(1/73)

وواحد من خدمه مرسماً عليها عليهما، مسكا بحمص فضربا، فأقرا أنه لما خرج من القلعة أقام عند قراكز بسويقة ساروجا يومين، ثم ذهب، فرفعوا قراكز إلى القلعة بعد أن احتاطوا على موجوده. وفي رابع عشره توفي عبد القادر الغزي ناظر الجيش بدمشق. وفي خامس عشره مات عبد القادر بن الكاتب ترجمان السلطان، وكان عدوا للذي ذكر قبله من جهة نظر الجيش ومتعلقاته.
وفي خامس عشر ذي القعدة منها، سافر القاضي رضي الدين الغزي إلى مصر، وكذا القاضي عز الدين الكوكاجي الحنبلي قاصداً للقاضي الشافعي.
وفي سادس عشر ذي الحجة منها، سافر القاضي بهاء الدين الباعوني إلى مصر، ومعه زوجته المصرية، خائفا من القاضي رضى الدين أن يدق عليه في أمر البيمارستان النوري.

سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة
وفي يوم الجمعة سلخه صلى النائب بالجامع الأموي صلاة الجمعة، ثم لما خرج نودي على بابه الغربي من جهة باب البريد، بأن سكان وقف الجامع لا يعطون أحدا من المستحقين شيئا، ومن كان له شيء فليطالب ملك الأمراء.
وفي يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر منها، لبس الأيدكي تشريف نيابة القلعة من بين يدي النائب، بإذن المقام الشريف، على خمسة آلاف دينار معجلة، وخمسة مؤخرة، وجلس مكان نائب القلعة ورسم على المعزول ابن شاهين حتى يؤدي خمسة آلاف دينار. وفي هذه الأيام نودي بدمشق بأن رجال أهل الذمة، إذا دخلوا الحمام، يجعلون في أوساطهم حبلا، وفي أوساط نسائهم جرسا.
وفي يوم الأحد سادس عشره خرجت سرية كبيرة من عند النائب، نجدة لأمير الأمراء جانباي المرابط حوالي زرع. - وفي يوم الثلاثاء ثاني عشره دخل دمشق عدة كثيرة من العرب، قيل عرب سعيدة، وقد أحيط بهم قتلاً وقطعاً وضرباً وربطاً، فشنق جماعة منهم وقطع رؤوس جماعة، ودخل معهم جمال كثيرة أخذها النائب.
وفي يوم الجمعة رابع عشره وقع كاشف حوران بالطائفة المشهورة بهيثم، بعد أن أكرمهم النائب، وكتب لهم مرسوماً، فأظهروا المرسوم للكاشف المذكور فلم يلتفت له، وقتل
(1/74)

منهم نحو الثلاثين رجلاً، وشق بطون نساء حوامل، وقتل صبيانا كثيرة، وأخذ أغنامهم وبقرهم وإناثهم، وفعل فيهم أفعالاً لا تصدر من أهل الحرب، فلا قوة إلا بالله، فإن هؤلاء قيل إنهم سوقة العرب.
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشره كتب تقي الدين قاضي عجلون لعبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري أربعين مسألة، وكتب عليها عشية اليوم المذكور.
وثاني يوم وهو يوم الأربعاء، لما حضرنا الشامية على العادة، بلغنا ذلك، وأن عبد الرحمن يقرأ ما كتبه على الأربعين المذكورة، فحضر علاء الدين البصروي وولده والجماعة على العادة، فلما حضر تقي الدين بالكراسة التي كتب فيها عبد الرحمن المذكور، وأخذ الكراس من تقي الدين، وشرع في قراءة المسائل المذكورة، والاجوبة التي كتبها، فضبط عليه في ذلك أماكن، وختم بنحو ثلاث مسائل خطأ أيضا ردت عليه في المجلس.
ولما قال: والله أعلم، صاح شديدا عبد الرحمن الخصال نقيب الشيخ تقي الدين، وقال: هذه الخساسة بالسور، وأشار إلى جهة الكاتب، فاشتغل الحاضرون بصياحه، ثم تبين أن الخساسة منعهم تقي الدين أن يبيعوا الخس على قني دمشق، لتشويشهم على الناس، فحضروا بباب الشامية ليدبر لهم أمراً، فتفرق الطلبة من الشامية، واستمر تقي الدين والبصروي وولده وآخرون، لأجل التدبير المذكور، ولأجل أناس آخرين جبرهم أينال الخسيف على استئجار حمام الربوة الذي عمره بالظلم، ليتشفعوا بأهل العلم في إزالة هذه المظلمة عنهم، قال ذلك شيخنا المحيوي النعيمي في ذيله.
وفي يوم السبت ثاني عشريه تحدى الحاجب الخسيف على قاضي المالكية بسبب حمايته على فلاحين من القرعون، فيها حصة وقف المالكية، وجاؤوا إلى عند القاضي المذكور، فأرسل الخسيف مماليكه باللبس الكامل إلى بيته ليقبضوا عليهم، فامتنع المالكي المذكور من الحكم بسبب ذلك، إلى أن تلافاه النائب واعتذر إليهم الخسيف.
وفي يوم الثلاثاء خامس عشريه نودي من قبل النائب على الفلوس، كل أوقية بدرهم وربع، وكل زنة أربعين بدرهم، وكانت قد كثرت قبل ذلك مع وقوف حال الناس.
(1/75)

وفي يوم ... الفقهاء بالمدرسة الشامية الحضور بها، وكان قد حضر تاج الدين بن زهرة، وجلس عن يمين المدرس تقي الدين.
وفي يوم الخميس ... قاضي الحنفية زين الدين الحسباني بالقلعة، على دين لأمير آخور كبير، فاعتقل بها أياماً، ثم ... النائب بالخانقاه الكججانية من أول اليوم إلى آخره.
وفيه تجرأ شمس الدين بن ... بالجامع الأموي، ولم ينتصر له أحد من الحنفية، فلا قوة إلا بالله.
وفي ليلة ... قبيحة شنيعة فحبسها في بيته وحجر عليها، فتركها زوجها وذهب إلى بيته ... على إذهاب روحه، وأرسلت صبياً صغيراً وراء أصحابها ... فأدخلوه أو اقتلوه، فجاء جماعة منهم مملوك محمود بن قاضي أذرعات ... إن أمانتهم عليه، وجلست على ركبة فوق ... ثم كتفت نفسها وأظهرت ... تزينوا من الأخت ... النائب فأمر ... شرع النائب ودواداره في استحضار عرفاء الحارات لأجل استخلاص مال من الناس، كما فعل النائب قجماس قبله، ونادى لهم بأن لا يحتمي عليهم أحد، وعوتب في ذلك، فقال: كما فعل من قبلي على جاري العادة؛ وبعض الناس عذره لكونه لم يدخل إليه من بلاده شيء لكونه تولى جريداً قبل إدراك المغل، وأخذ الحواط على تركة قجماس غالب ما هو يرسمه.
وفي يوم الاثنين سادس عشره دخل من مصر إلى دمشق تمراز القجماسي، كان أمير
(1/76)

آخور قجماس النائب المتوفى، وخرج القضاة إلى ملتقاه إلى خارج دمشق، ودخل لابساً لخلعة النقابة؛ وأما ابن سكر المعزول فرسم عليه مع ابن شاهين نائب القلعة بمقام أبي الدرداء.
وفيه وصل نور الدين بن العصياتي الحمصي من القدس، راجعاً إلى حمص.
وفي يوم الخميس تاسع عشره خرج النائب من دار العدل بالشاش والقماش، وخلفه نحو خمسمائة ملبس بالعدد الكاملة، قاصداً البلاد الشمالية لقتال أبي يزيد ملك الروم، ثم نزل على المصطبة.
وفي يوم الجمعة عشرينه صلي بالجامع الأموي عقب الجمعة على امرأة حاضرة، وعلى غائبين أحدهما الشيخ برهان الدين الأنصاري، توفي ببلد الخليل، والثاني العالم العلامة المفتي بحماة ابن الدنيق، توفي بحماة في عشر الثمانين، وتولى بآخر عمره نيابة القضاء بها.
وفي ليلة الأحد ثاني عشريه سافر النائب من المصطبة إلى البلاد الشمالية؛ والحال ... بنحو تسعة أشرفية، والخبز الماوي معاددة كل أربعة خمس أواق بدرهم، والمفروك بنحو ثلاثة الرطل، والأرز بنحو خمسة، والدبس بنحو ثلاثة، وحال الناس متوقف.
وفي يوم الاثنين ثالث عشريه أخذ السيد إبراهيم نقيب الأشراف من القلعة إلى مصر في الحديد.
وفيه قبض على القاضي الحنفي الزين الحسباني، ووضع بالقلعة بمرسوم السلطان، لأجل مال في جهته للحاجب الثاني بدمشق، وأن يدفعه وهو في الترسيم وإلا جهز إلى مصر.
وفي يوم الجمعة بعد صلاتها سابع عشريه صلي غائبة بالجامع الأموي على الشيخ العلامة شمس الدين بن قاسم الشافعي المصري، توفي بالقاهرة.
وفي بكرة يوم الأحد تاسع عشريه، وصل من مصر إلى قبة يلبغا خاصكي من مماليك السلطان، اسمه قائم الدهشة، ليصادر الناس ويستخلص منهم مالاً، بواسطة أحمد بن صبح الذي كان السلطانة قد أهانه في السنة قبلها، ثم سافر مع الألفي الحواط فتوجه للسلطان بمصادرة أهل دمشق، فسبق ابن صبح المذكور الدهشة إلى دمشق بنحو خمسة أيام، وكان قد فارقه من المنية، فغيب وتوارى عند ذلك أعيان دمشق، وهم لعمري معذورون، فإن النائب قد أخذ من غالب الناس على أملاكهم مالاً وشوش على غالبهم بذلك، لأن حال الناس متوقف من غلاء القمح والشعير والأرز.
(1/77)

وفي بكرة يوم الاثنين سلخه، دخل من مصر إلى دمشق قائم الدهشة المتقدم ذكره، في تجمل كثير وحفلة زائدة، وهو شاب أشقر ذو قامة حسنة، وسكن في بيت عمره جندر الدوادار جوار بيت أبي طالب ... ؛ ودخل معه دمشق المحب الأسلمي، ونزل الجماعة كلهم بالإصطبل وقرئت المراسيم، ثم لبس المحب خلعة نظر قلعة دمشق منه، وخرج من باب السلامة، ثم دخل من باب توما إلى بيته، والجماعة معه، ما خلا الشافعي، والمغاني والمكاحل قدامه ... وصلاح الدين العدوي مغيب إلى الآن.
وفي بكرة يوم الثلاثاء مستهل جمادى الآخرة منها، رجع من مصر إلى دمشق ... بخلعة خضراء بفرو، وقد شكا على غريمه المعزول منها السيد إبراهيم، ثم أمره السلطان بالرجوع إلى دمشق.... طريق مصر، ودخل الفقراء قدامه بالأعلام، ودق الزامر، ونزل بالإصطبل ... جماعة من جماعة عدوهم ابن باكلوا بقرية دمر فاقتتلوا وقتل جماعة من ... ، ثم حضروا.... بعد أن أخذ منهم مال، وطرد ابن باكلوا، ثم حصل ... الشافعي خلعة وسافر دواداره القدسي بمحفة إلى كاتب السر ... عشية هذا اليوم قبض أحمد بن صبح وحبس بالقلعة ... باختياره وترتيبه صناعة ليظهر ... القلوب..... وفي هذا اليوم أعاد السلطان ... وكل أولاده أمين الدين ببيت ... أخبر عذرها ... ما وقع، ولا قوة إلا بالله، لكنه له يد في الصناعة والتوريق وخط حسن، وهو خفيف الروح، ميلاده سنة اثنين وثلاثين وثمانمائة، قدم علينا دمشق أول هذه السنة.
(1/78)

وفي بكرة يوم الخميس عاشره لبس الأيدكي المتقدم ذكره تشريفاً سلطانياً بنيابة القلعة، على حكم ما ألبسه نائب الشام. وفيه استقر تقي الدين عبد الرحيم بن موفق الدين العباسي ناظر الجيش في كتابة سر دمشق عوضاً عن بدر الدين ابن أخي القاضي الشافعي. وفي يوم الخميس عاشره فوض قانم دهشة أمره الحاج لجان بلاط، وألبسه خلعة، ونظر الجوالي لابن أرغون شاه، وألبسه خلعة.
وفيه سافر العسكر الشامي إلى جهة حلب، منهم الأمير الكبير جانم. وفيه دخل أول المماليك السلطانية من مصر إلى دمشق قاصدين ابن عثمان، ونودي بها بالاحتفاظ على الأولاد والنساء منهم، فإنهم قد قتلوا في مرة ثلاثة أنفس وعاثوا في الطريق وغيره.
وفي ليلة الاثنين رابع عشره ذبح رجل طباخ بمحلة جسر الزلابية. وفي هذا اليوم فوض قاضي القضاة الفرفوري إلى جمال الدين بن خطيب حمام الورد، وكان قبل ذلك قد ناب عن ابن أخيه في كتابة السر.
وفي يوم السيت تاسع عشره عرض مشاه أهل الشاغور بالاصطبل واجتمع خلق كثير للتفرج عليهم، ثم خرجوا ومروا على حارة المزابل فتقاتل زعر الحارتين، وقتل نحو العشرة وتجرح جماعات، وغلقت الأسواق، وذلك كله من خفة جندر الدوادار، ولا قوة إلا بالله، هذا مع وقوف الحال.
وفي بكرة يوم الاثنين حادي عشريه بلغنا أن مقدم الزبداني، ووادي بردى، عز الدين بن العزقي، هجم هو وجماعته على المقدم محمد بن باكلوا في بيت من قرية دمر، فقتله، وقتل معه جماعة آخرين، ونهبت بلاد كثيرة، وسبي حريم كثيرة، ولا قوة إلا بالله، وكان ابن باكلوا ترك التقدمة، لكن لما جاء النائب خدمه ابن العزقي فرسم عليه، ووعده بالتقدمة، فلما سافر النائب إلى التجريدة العثمانية عهد إلى دواداره جندر بأن يوليه إذا كمل المال الذي عليه، فكمل مبلغ ألفي دينار، فلما ورد كتاب الأمير الكبير أزبك أتابك العسكر بالتوصية بابن باكلوا أرسل الدوادر جندر إلى ابن باكلوا وخلع عليه، فخرج إلى البلاد، وعصى عز الدين المذكور وتتبع ابن باكلوا إلى أن قتله، بعد أن حرق ابن باكلوا قرية الصبورة لكون أهلها من جهة ابن العزقي.
(1/79)

وفيه لبس المحب الأسلمي خلعة نظر الجوالي، وعزل ابن أرغون شاه. وفي هذه الأيام قيل إن الشافعي ألبس شعيباً خلعة نيابة الحرمين، وزف وركب قدامة ابن خطيب حمام الورد والكوكاجي وغيرها، وأنه التزم أن يستخرج مائة ألف درهم، تصرف للحرمين، والتزم له القاضي في مقابلة ذلك بمائة دينار. وفيها شاع أيضاً بدمشق أن الحنفي الحسباني فوض لفطين الصفدي نيابة الحكم، وهو في الأصطبل في الترسيم إلى الآن قبل عزله.
وجرت قضية بميدان الحصى، وهي أن إبراهيم بن شبل وابن السيد أبي النجا وابن سليمان التاجر، وهذان أمردان، وابن الجرموش علي، على سد فيه، وصدر الدين بن الموصلي وهذان والأول محششون، اجتمعوا على خمر وصبية، قيل وكان الاجتماع لأجل ابن سليمان، وأن الصبية طلعت من عندهم، ولم يعطوها شيئاً، وأخذوا لها شيئاً، فعلم بذلك دمارة العواني فلبلب وفتح فمه وقال.
وفي يوم الأربعاء مستهل رجب منها، خرج أتابك العساكر أزبك الظاهري باش العسكر المصري من القاهرة، متوجهاً إلى ابن عثمان ولم يترك وراءه منهم أحداً. وفي يوم الخميس ثاني رجب المذكور أطلع القاضي الشافعي على مسطور بيد امرأة من ذرية قرأ بغا، مكتوب بشهود القدس، فيه على المرحوم إسماعيل بن عبد الله العاتكي المشهور بالكفتي، من سنة سبعين، بمبلغ نحو ثلاثمائة دينار، وهو مثبوت بغزة وأتت به إلى دمشق، فعرضه القاضي الشافعي ولم يتفقد أحواله، ثم قامت بينة عند بعض من فوض إليه نيابة الحكم وهو عفيف الدين شعيب، فأثبته ونفذه، والحال أنه لم يكن فيه حكم، وكان الصواب أن يوصله فقط.
فلما أدعت به على ورثة إسماعيل المذكور روجع القاضي الشافعي في ذلك، وقيل له إن إسماعيل لم يدخل القدس في سنة سبعين، وإنه كان مقيماً بدمشق وإن اسم أبيه غير ما سمته في المسطور، فلم يزل الجماعة بها إلى أن ظهر أنه زور، فأخذ وقطع وصولحت على ستة وعشرين أشرفياً، ولولا أن معها من مماليك السلطان جماعة جمعت لها لما أعطيت شيئاً، وكان القاضي الشافعي أوقع بها فعلاً؛ وقد نشأ في هذه الأيام التزوير بدمشق، ولا قوة إلا بالله.
وفيه رجع القاضي كاتب السر ابن مزهر من قرية الفند، قريبة من نابلس، إلى مصر، بعد أن جهز أمر المشاة للتجريدة العثمانية، هو والدواودار الكبير آقبردي وتخلف الدوادار المذكور، وفي يوم الجمعة ثالثه بعد الصلاة قبض إبراهيم المقبلي أحد المعدلين المشهورين بكثرة المال، قبضه الخاصكي قانم دهشة وأهانه إهانة بالغة، وقبض معه شخصاً يعرف بابن حسين الرافضي، قيل إنه ترجمان الفرنج وعنده كانون ذهب، وأهانه، وكان صحبة إبراهيم
(1/80)

أحمد بن صبح، فضربه الخاصكي ضرباً مبرحاً ووعده بالمقارع، وكان ممن ضربه بيده بإشارة الخاصكي ابن رمضان الموصلي بقبر عاتكة وناصر الدين بن الحزيزاتي الجندي، ثم أعاده مزنجراً إلى القلعة، وطلب من إبراهيم مالاً كثيراً، قيل لأنه كتب لابن صبح كتاباً بخطه بشكوى على الخاصكي المذكور.
وفي يوم الثلاثاء سابعة حرق العوام شخصاً أتى بمرسوم شريف، بأن يشارك السماسرة من كل ستة دراهم درهمين، ويمنعهم من التفتيش على القمح، بعد هروبه واستجارته بضريح زكريا بالجامع الأموي، وبعد أن ضربه شخص بسكين بالجامع فأدماه، وبعد أن سحب إلى شرقي جيرون بالخراب، فحرق هنالك.
وفي ليلة الخميس تاسعه سافر القاضي الشافعي للسلام على القاضي كاتب السر ابن مزهر في بلاد نابلس، ولم يعلم بسفره منها، وأقام سراج الدين مقامه في العرض والإمضاء والتقرير، وظن بعض الناس فيه إنه إنما غيب عن العسكر المصري. وفي يوم الجمعة سابع عشره دخل دمشق من مصر أحد مقدمي الألوف، وزردكاش المقام الشريف، يشبك الجمالي الظاهري دخولاً مهماً.
وفي يوم السبت ثامن عشره دخل دمشق، أيضاً منها، أمير آخور المقام الشريف قانصوه خمسمائة الأشرفي، وهو صهر أتابكي العساكر أزبك الظاهري، وصحبته قاضي الحنيفة عماد الدين إسماعيل الناصري المعاد إلى القضاء في ثامن جمادى الآخرة كما تقدم، بخلعة بيضاء. وفي يوم الاثنين العشرين منه دخل إلى دمشق أيضاً منها، الأمير أزبك الخزندار أحد مقدمي الألوف، وأما أتابك العساكر فسافر على طريق وادي التيم، وصحبته تاني بك الجمالي.
وفي يوم الثلاثاء حادي عشريه بلغنا أن دوادار نائب حلب هرب من قلعة إياس، وكان هرب قبله أهلها منها لما أراد ان يسد بابها جميعه، وكان سد منه نحو نصفه، فهرب لهروبهم إلى عند نائب دمشق، ولم يخبره بأنه تركها مفتوحة إلا بعد أيام فتداركها، فوجد العثمانيون سبقوه إليها فملكوا جميع ما فيها، وكان فيها من كل نوع ما لا يمكن حصره.
وفي يوم الخميس ثالث عشريه دخل دمشق أيضاً منها، الأمير سلاح تمراز ابن أخت السلطان، وصحبته راس نوبة النوب تغري بردي ططر. وفي يوم الجمعة رابع عشريه دخل دمشق أيضاً منه، أمير مجلس برسباي قرا الظاهري، وأحد مقدمي الألوف تاني بك قرا، ودخل معهما ثقل الأمير الكبير أزبك الأتابك، وأما ما هو فقد علمت أنه ذهب على وادي التيم عجلاً.
(1/81)

وفي هذه الأيام، في غيبة القاضي الشافعي، وجد بالجامع الأموي ورقات، فيها نظم، هجي فيه القاضي المذكور ونوابه واحداً بعد واحد، وهو نحو الأربعةعشر نائباً، وظن بعضهم أنه نظم قطب الدين ابن القاضي كمال الدين ابن سلطان الديوان، وهو شاب طالب علم على مذهبنا في حدود الحديثة العشرين، لأنه سعى عنده في وظيفة من وظائف المرحوم مفتي الحنيفة ابن العيني فلم يقرره فيها، فأطلق لسانه فيه وفي نوابه، منهم الخطيب ابن الصيرفي بكلمات، منها: الكفر.
وفي يوم الاثنين رابع شعبان منها، لبس أحد الألوف برد بك خلعة أمرة الحج.
وفيه دخل خاصكي القود أمير آخور.
وفيه شاع بدمشق وفاة الشيخ بدر الدين بن زهرة بطرابلس، وصلي عليه غائبة بالجامع الأموي يوم الجمعة ثامنه.
وفي يوم السبت سادس عشره قدم القاضي الشافعي من سفره، الذي كان فيه لأجل القاضي كاتب السر ابن مزهر، فلم يدركه، ثم مر على بلاده تفقدها. - وفيه جاء جماعة من العسكر وأخبروا أنه ذهب على جرائد الخيل إلى جهة علي دولات، وأرسل بركهم إلى حلب، وضربوا بعض المكارية والمشاة.
وفي يوم الخميس حادي عشريه هجم أوائل المشاة، ومعهم ابن إسماعيل شيخ بلاد نابلس، وأوائل العسكر، إلى داخل باب الملك، من طريق دلوا عليه، فخرج عليهم من خلفهم كمين ابن عثمان من البحر وغيره، وذهب خلفهم جانب عظيم من العسكر، وأخذوهم وسطا، وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وغرق من الفريقين آخرون، منهم مشد الشون، ونائب حماة سيباي.
وفي يوم الجمعة عقب الصلاة تاسع عشريه اجتمع قاضي القضاة الحنابلة، وفضلاء الشافعية، عند القاضي الشافعي، وطلب القاضي شمس الدين الحلبي، أحد نواب الحنفية، وكلمه الشافعي في الحكم للنفس، فقال: مذهبي لي أن أحكم لنفسي، فوقع به، وأمر بحبسه، وحصل له إهانة وبهدلة وشماتة بعض أبناء جنسه فيه، وكان قبل ذلك معجباً بكثرة العلم.
وفي هذا اليوم تحدث بعض الناس أن هلال شعبان كان أوله الخميس، وأسند رؤيته إلى رجال، وأخبر بذلك القاضي برهان الدين بن المعتمد، ولم يثبت بطريقة، وأخبر المؤقتون بأن هلال رمضان ليلة السبت هذه على نحو ثمان درج، ثم ثبت عليه أن أول شعبان يوم الخميس، ثم أشعلت قناديل الجوامع في هذه الليلة، وأصبح الناس صياماً.
وقد رخص حينئذٍ البطيخ الأصفر بحيث أن رطله بنحو ربع درهم، وقريب منه الأخضر، والعنب الداراني بنحو نصف، ومثله الزيني والدراق النيربي، والخبز بنحو درهم ونصف، أو
(1/82)

ربع، والمعروك بدرهمين إلا ربعاً، والغرارة رأس سعره مائتان وعشرون درهماً، والزيت القنطار بخمسمائة.
وفي يوم الجمعة سابع رمضان منها، قبل عصرها دقت البشائر بقلعة دمشق، وشاع أن عسكر ابن عثمان انكسر شاليشه بباب الملك، وفرح الناس بذلك.
وفي يوم السبت ثامنه انكسر نائب الشام ورجع، وانحاز إلى تحت صنجق نائب حلب، وشاعت كسرتهم، وهرب ابن إسماعيل شيخ جبل نابلس، وابن الحنش، وأستادار الغور.
وفي يوم الاثنين عاشره هجم العسكر القبلي على عسكر ابن عثمان، وقتلوا منهم خلقا، وانتصروا عليهم.
وفي يوم الاثنين سابع عشره وصل الخبر إلى دمشق، ودقت البشائر بقلعتها، وشاع بين الناس ذلك، وأن عسكرنا انتصر مرة ثانية على عسكر ابن عثمان.
وفي يوم الأربعاء تاسع عشره وصل إلى دمشق رؤوس جماعات من عسكر ابن عثمان مقطعة، ثلاثين رأساً، وصنجق من صنجاقه، وتلقاها الناس وهرعوا إليها، وكان يوماً عظيماً.
وفي صحبة يوم الخميس العشرين منه، زينت دمشق زينة عظيمة لأجل النصرة، وكان ذلك بأمر دوادار النائب جندر، وهو خفة منه وقلة عقل، وكان القياس الحسن أن يأمر باجتماع أهل الخير والعلماء بالجامع، وأن يقرؤوا الأنعام، ويختم البخاري، ويدعى للسلطان وللعسكر بالنصر والتأييد في هذا العشر الشريف.
وفي يوم الثلاثاء ثاني شوال سافر قاضي القضاة كان، شمس الدين بن بدر الدين المزلقي الأنصاري إلى مصر مطلوباً.
وفي يوم الاثنين سابعه تحرك عرب بلاد حوران، جانباي المرواي أمير البلاد، وعامر مقلد، وخاف جلابة القمح منهم. - وفي يوم السبت ثالث عشره طرد الأمير جانباي البدوي أمير آل مري لعامر بن مقلد عن حوران وتبعه، والتقى الجمعان بأرض المرج من غوطة دمشق، فانكسر عامر بن مقلد، وهرب إلى عند آل علي بالمرج المذكور، فخرج آل علي بأميرهم بحر على جناباي فقتلوا منه جماعة، وأخذوا منه خيلاً وكسروه، وردوه إلى حوران مكسوراً، بعد أن طلبوا من نائب الغيبة جندرة نجدة لهم على رد جانباي عنهم، فخرجت النجدة فلم تر أحداً، فقدموا لجندر من الخيل التي أخذوها من جانباي ورجع.
وفي يوم الخميس ثامن عشر شوال المذكور خرج الحاج من دمشق إلى الحجاز
(1/83)

الشريف، وأميرهم جان بلاط الذي حج بهم سنة إحدى وتسعين وثمانمائة، وقاضيهم السيد كريم الدين بن صدر الدين بن عجلان، استقر به الشافعي ثم ولاه.
وفيه ورد مراسيم شريفة بإعادة الزيني عبد الرحمن الحسباني إلى قضاء الحنفية بدمشق، والترسيم على العمادي إسماعيل الناصري، وتولية المحب الأسلمي نظر جيش دمشق، عوضاً عن موفق الدين العباسي المتوفى، وأخبر الحسباني بذلك في منام رآه صبيحة سابع عشرين رمضان، وهو أن السلطان فوض إليه وإلى المحب في ورقة، ثم جاءت المراسيم بتوليتهما بذلك في اليوم المذكور، وهو عجب.
وفي ليلة الجمعة تاسع عشره توفي الخاصكي قانم دهشة، المتقدم ذكره، بدمشق، بعد ظلمه الكثير ومصادرته بها، ألحقه الله بغريمة ابن صبح العواني، المتوفي في يوم الجمعة عاشر رجب منها.
وفيه شاع بدمشق بأن عرب الجورة، بأرض الجورة الرملية، خرجوا على الشمس المزلقي فسلبوه ثيابه وأخذوا ...

سنة أربع وتسعين وثمانمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله عبد العزيز بن يعقوب؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الأشرف أبو النصر قايتباي؛ ونائبه بدمشق فانصوة اليحياوي، والقضاة بها: الحنفي زين الدين الحسباني، والشافعي شهاب الدين بن الفرفور، والمالكي شهاب الدين المريني، والحنبلي نجم الدين بن مفلح، والأمير الكبير قانم مملوك السلطان؛ والحاجب الكبير أينال الخسيف، والحاجب الثاني مملوك السلطان تاني بك الأشرفي، ودوادار السلطان ... ؛ ونائب القلعة مملوك السلطان الأيدكي؛ ونقيبها الأمير تماز القجماسي؛ ودوادار النائب جندر؛ وكاتب السر الزيني العباسي الحموي، وناظر الجيش المتشرف بالإسلام محب الدين؛ ونائب دمشق قانصوه مقيم على أدنة بعد أخذها، وبيد القاضي الشافعي مشيخة الشيوخ، ونظر المارستان، والحرمين، وخطابة الأموي.
وفي يوم عاشوراء خرج كنز الكفر من كنيسة مريم بالخراب إلى السكة، فصدمته دابة فسقط، ووطأته دابة أخرى خلفها فمات، قال شيخنا المحيوي النعيمي في ذيلة: وبلغني أن
(1/84)

ابن قطين شيخ سوق الجوخيين والخلعيين، وهو شاب كان من سنين عرض المنهاج وعدة كتب على الخليفة، وعلى جماعات، كان قد عزر بعض أهل الذمة من الجوخيين لأجل تدليسه في بيع الجوخ، ويسميه حالة البيع مبلولاً، ولم يكن إلا نصف بل، فوشى الذمي إلى الكنز، فأراد أن يشوش عليه من جهة السلطان، فذهب الشيخ المذكور إلى ضريح نور الدين الشهيد ودعا عليه عنده ونذر على نفسه، إن نجاه الله منه أن يصلح قبته، فوقع له ما وقع ومات.
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشر المحرم منها، وصل النائب إلى دمشق، وفرح الناس بدخوله لعله يزيل الظلم، فلم يغير شيئاً مما فعله مملوكه جندر.
وفي يوم الثلاثاء سادس عشريه وصلت الكتب من الوفد الشريف، وأخبروا فيها بأنها حجة طيبة، وأن الوقفة كانت الجمعة.
وفي يوم الخميس ثامن عشريه قبض على وكيل بيت المال القاضي صلاح الدين العدوي، وعلى ناظر الجيش محب الدين المسلاتي، بالقلعة.
وفي يوم الأحد مستهل صفر منها، وصل إلى دمشق حجاج بيته.
وفي يوم الثلاثاء عاشره دخل دمشق من حلب أوائل الجلبان الذين كانوا في قتال عسكر ابن عثمان، ثم تزايدوا، وحصل تشويش في دواب الناس ونسائهم وأولادهم وغير ذلك، ولا قوة إلا بالله.
وفيه عزل النائب مملوكه جندر من الدوادارية، وولاها غيره.
وفي يوم الاثنين سادس عشره لبس النائب وأولاده الأربعة خلعاً من قبة يلبغا، ودخل أولاده قدامه، قدام القضاة، وكان يوماً مشهوداً، والعجب أن الخلع الخمسة المذكورة حرير أحمر بفرو قاقم هيئة واحدة، بحيث قيل إنهم من شقة واحدة، وبحيث يقال إن الأولاد كانوا حاضرين تفصيل خلعهم بالقاهرة.
وفي يوم الثلاثاء سابع عشره بعث النائب سرية، فيهم دواداره جندر، على الصالحية للقبض إلى مقدم الزبداني عز الدين بن العزقي، فهاش عليهم وعلى الدوادار، فضربه أحدهم بسيف فرمى رقبته، وأتوا برأسه وثيابه إلى النائب، فنودي عليه وعلق في المشنقة، وفرح غالب الناس بذلك لكونه كان ظالماً، وهو الذي قتل في العام الماضي المتقدم ابن باكلوا، واستمرت جثته ملقاة بالصالحية إلى أن خرج النائب للسلام على ابن أخت السلطان الأمير تمراز، وقد دخل يومئذٍ دمشق من البلاد الشمالية من التجريدة، وأطلع النائب على الجثة المذكورة فأمر بأن تعلق في شجرة توت بالقرب من اليغمورية.
(1/85)

وفي صبحة هذا اليوم، بعد الفجر، سافر الأمير قانصوه خمسمائة من دمشق إلى مصر، وقد مكث بدمشق ثلاثة أيام، ودخل تمراز المذكور، ثم أزبك الخزندار، وسافروا واحداً بعد واحد، بعد وقوع ثلج بدمشق وشدة برد، وشدة ظلم من الجلبان، وفارقوا الباش الأتابك أزبك الظاهري في قارا، ثم دخل دمشق يوم الاثنين رابع عشريه وصلى الجمعة بالأموي، دخل من باب البريد إلى الصحن، ثم إلى محرب الصحابة من باب جب الهريشة، وصلى الجمعة ثم خرج منه إلى الصحن، وخرج من باب النفطيين والطبرادارية، ودعا له الجم الغفير من الناس، وفرق عليهم الدراهم عند الجقمقية، ثم سافر بكرة يوم السبت تاسع عشريه ولم يتخلف بعده من الأمراء أحد، وكان يوماً حافلاً، خرج النائب وأولاده قدامه.
وفي هذه الأيام ورد مرسوم شريف بالقبض على الشريف محمد الذي استسلمه الشافعي، فحبس بالقلعة، فلما وصل الأمير الأتابك أزبك ضمنه جماعة، وأخرج ليذهب معه إلى مصر فهرب، ثم في ليلة السبت خامس ربيع الأول الآتي أعيد إلى القلعة بعد أن قبض عليه.
وفي يوم الأحد سلخ صفر نادى النائب في دمشق بالاحتراس على الدواب والأولاد والنساء، من المماليك المنقطعة خلف الباش في طريق البلاد الحلبية، مشاة وعراة. وفي هذه الأيام وصل دوادار السلطان الكبير آقبردي إلى بلاد الغور، وخرج إليه من دمشق هدايا أرباب الدولة.
وفي يوم الاثنين خامس عشر ربيع الأول منها، لبس نائب القلعة الأيدكي خلعة بمرسوم من السلطان، وركب معه أرباب المناصب بدمشق، وكان موكباً حافلاً. وفي يوم الخميس خامس عشريه جاءت زيادة على نهر بردى حتى دخل الماء إلى سوق الخلعيين وقيسارية الفواخرة وخان الظاهر، وبقي تحت القلعة بحرة واحدة. وفي يوم الجمعة سادس عشريه أمر النائب بإحراق كل شيء بني تحت القلعة، وأن لا يبقى شيء ما يمنع الركب.
فيه تولي شمس الدين الكفر سوسي نصف تدريس ونظر المجاهدية بالخواصين، واستنزل عن ذلك أخي المتوفى زين الدين عمر بن الكازروني البعلبكي المعروف بالطرابلسي،
(1/86)

عن تصدير الجامع وعن صحابة الحرمين؛ وتولى القاضي عفيف الدين شعيب العزي نصف تدريس الظاهرية الجوانية، عن الزيني عبد الرحيم العباسي، كاتب السر يومئذٍ بدمشق.
وفي يوم السبت سابع عشريه سافر النجمي الخيضري إلى مصر، وخرج لوداعه صهره قاضي القضاة شهاب الدين الفرفوري، وهو الذي سفره عجلاً لما سمع من بعضهم أن والده قطب الدين مات بالقاهرة، ثم تبين عقب سفره أنه كذب، وإنما كان يحصل له توعك، ثم أخذ في العافية، ودخل مصر ليلة الأحد ثاني عشر ربيع الآخر، فوجد والده مستغرقاً ولم يفق عليه تلك الليلة ولا يومها، ولا ليلة الاثنين، ثم قضى بكرته.
وفي يوم السبت رابع ربيع الآخر منها، غضب النائب على جندر المعزول من الدوادارية، لكونه تجرأ بحضرته على الداودار الجديد، فوضعه النائب في زنجير ثقيل، ثم أمر به إلى سجن الدم حافياً مكشوف الرأس، فبات ليلة واحدة، ثم شفع فيه فخلع عيه، وأخرج معزولاً.
وفي يوم الاثنين سابع عشريه سافر الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون إلى مصر مطلوباً، بسبب الشاب المتصوف العمري، الذي جعله السلطان حجة في طلبه وطلب غيره. وفي هذه الأيام حدث برد كثير، تلف منه تفاح كثير، ومشمش، وغير ذلك، وحصل للأطفال منه سعال كثير.
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشريه أخرج قاضي الحنفية زين الدين الحسباني من الترسيم من بيت الأمير الكبير جانم، لأجل دين عليه وقدره ألف دينار، وقد بقي عليه نحو مائتين وخمسين ديناراً، ضمنها عنه جماعته، وطلب منه أن يخلع عليه، فخلع عليه وجاء بالخلعة لابسها ليسلم على النائب، فتجاهل النائب عليه، وقال له: من ولاك؟ فقال: السلطان، فقال: في أين كنت، ولم تحضر المواكب؟ قال: كنت في بيت الأمير الكبير مرسماً علي، فقال: الأمير الكبير يرسم على قاضي القضاة الحنفية؟ فقال: من خلع عليك؟ قال: هو؛ ولبس خلعة الأمير الكبير، ثم توعده على ما قيل، فخرج من عنده إلى الصالحية، ثم أخذت الخلعة منه حتى يعطي المباشرين، وقيل إنه ركب بسرج مغرق، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الأحد ثالث جمادى الأولى منها، سافر القاضي الشافعي إلى بلاد إقطاعه، وأقام سراج الدين عوضه. وفي يوم الخميس سابعه ظهر على شهاب الدين الهديري
(1/87)

الصالحي، أحد المعدلين من جماعة قاضي الحنفية، كتاب تزوير بخطه على القاضي برهان الدين بن المعتمد، ثم أثبته زوراً على شمس الدين الحلبي، ثم نفذه على أمين الدين ابن قاضي الحنفية، وظهر الزور ببيت محب الدين بن القصيف، وأراد بعضهم أن يجعل التزوير في جانب قاضي جهة عسال شهاب الدين أحمد بن أحمد بن عبد الله الأجدع الأنف، فتحرر أنه تزوير الهديري المذكور، فمنعوه.
وفي يوم الأحد عاشره تحرك الهواء، ودخل دمشق رجل جراد، خاف الناس عاقبها. وفيه وصل إلى دمشق خاصكي بالحوطة على تركة الشيخ قطب الدين الخيضري، المتقدم ذكر وفاته. وفي هذه الأيام أمر النائب بعمل فرس من خشب، فشاع بين الناس بأنه ورد عليه مرسوم شريف بسلخ محمد بن شاهين، الذين كان نائب القلعة لما هرب منها بداغ أخو سوار، لكونه معتقلاً عليه في القلعة، وأن ابن سكر، الذي كان نقيبها إذا ذاك، صلبه السلطان على باب زويلة، فلما بلغ محمد المذكور ذلك تودع من حريمه وأولاده وأيقن بالهلاك، فبلغ النائب ذلك، فأمر بتطييب قلبه وتأوه له.
وفي بكرة يوم الاثنين ثامن عشره خرج النائب، بعد خروج يرقه وثقله وجميع ما يحتاج إليه، حتى البندق الرصاص، من دمشق إلى بلاد حوران، وخرج قدامة أولاده الثلاثة الكبار، ملبسين بغير خوذ بل شاشاً، ومعهم أرماح، وفي رأس كل شاش ريشة نعام كبيرة، وكان إلى جانب النائب، المالكي عن يمينه، والحنبلي عن يساره، والشافعي كان مسافراً، والحنفي لم يخرج، وكان خروجاً حافلاً لأجل العرب العصاة، نصرة لأمير آل مري جانباي العدوي على عامر بن مقلد، وحرساً لمغل حوران منهم، ثم لما رجع الناس من توديعه، خلع على مملوكه الخزندار نيابة الغيبة، ونودي له بذلك.
وفي ليلة الأربعاء عشرينه مسك الخواجا ابن الزقيق مع ابنة خطا على ما قيل، فغرمه نائب الغيبة نحو خمسمائة دينار.
وفي يوم الثلاثاء سادس عشريه شاع بدمشق بأن حضر الناصري الحنفي الملقب بكبش العجم، أخو قاضي الحنفية المعزول المسجون بالقلعة إسماعيل، بأنه جن وزنجر في الحديد، نسأل الله السلامة.
(1/88)

وفي يوم الخميس ثامن عشريه سافر جماعة قطب الدين الخيضري إلى مصر مطلوبين. وفي يوم الجمعة سلخه، عقب الجمعة بالجامع الأموي، صلوا غائبة على العلامة بدر الدين بن الغرس الحنفي توفي بمصر.
وفي يوم السبت مستهل جمادى الآخرة، نودي بدمشق بن جهات قطب الدين الخيضري لها الحماية والرعاية والأمان. وفيه دخل جماعة من الترك قيل إنهم من أوائل عسكر التجريدة لابن عثمان من مصر. وفي هذه الأيام عاد الجراد بدمشق وبلدانها. وفي يوم الخميس ثالث عشره دخل من مصر إلى دمشق محمود مملوك ابن المغربي، لابساً تشريفاً بمعلمية السلطان.
وفي يوم الاثنين سابع عشره دخل إلى دمشق نائب البيرة الشرفي يونس، وصحبته دوادار السلطان بحلب أركماس، والأول حاجب كبير، والثاني دوادار السلطان بدمشق. وفي هذه الأيام شاع بدمشق ونواحيها أن كبير الجان قال لامرأة في النوم: من لم يتحن بالحناء أصيب؛ واشتهر ذلك في الناس وتحنى غالبهم، ونفقت الحناء بسبب ذلك. وفي يوم الخميس عشرينه ورد مرسوم شريف بمحاسبة أهل المارستان النوري، فرسم على محيي الدين الإخنائي، وعلى ابن شعبان، وعلى عبد القادر بن عثمان.
وفي يوم السبت ثاني عشريه رجع قاضي القضاة شهاب الدين بن الفرفور، من سفره إلى إقطاعه، إلى دمشق، وسلم الناس عليه. وفي يوم الثلاثاء في ليلة خامس عشرينه نقب الحرامية على السيد محمد بن أبي النجا، القريب العهد بالعرس، وأخذوا غالب القماش الذي يملكه، والذي استعاره، وهو نائم مع العروس بصحن الدار، من جهة نهر قليط، قبلي تربة تنم، بميدان الحصى. في يوم الأربعاء سادس عشريه دخل النائب من حوران إلى دمشق.
وفي أواخر ليلة السبت تاسع عشريه وقع مطر كثير شديد، بغتة والناس نيام فوق الأسطحة، في أيار، فبلَّ الفرش واللحف والمخاد، وهرب الناس من تحته، واستمرت السماء مغيمة تمطر وقتاً، وتصحو وقتاً، إلى بعد طلوع الشمس. وفي هذه الأيام ورد مرسوم بطلب جماعة من كبار المعدلين بدمشق، بسبب تركة، منهم المحب بن سالم المصري، ثم الدمشقي، ومنهم نقيب الشافعي ابن الأربلي، فأرجعها الخاصكي من الطريق، وأخذ منهما
(1/89)

نحو خمسمائة دينار. وشاع بدمشق أن السلطان سلخ وكليه بحلب ابن الديوان، وسلخ قبله ابنه وهو ينظر إليه، فماتا وطيف بهما بمصر، وحزن المصريون عليهما.
وفي بكرة الأحد ثامن رجب منها، دخل من مصر إلى دمشق، باش العسكر المصري، الأمير قانصوه الشامي، مدخلاً حافلاً، بثقل كثيرة، للتجريدة على ابن عثمان، وكان تقدمه غالب العسكر إلى حلب، ووقع بها فتنة في هذه الأيام بسبب المماليك السلطانية، فأخرجوهم إلى ظاهر حلب، ولم يمكنوهم من النزول بها.
وفي ليلة الأحد المذكورة احترق أماكن حول جامع الجوزة قبلي حمام إسرائيل، إلى قبيل عمارة السلطان الجديدة بنحو خمسين ذراعاً. وفي ثاني ليلة الاثنين زحفت النار على عمارة السلطان، ثم على سوق مسجد القصب، إلى أن وصلت إلى شرقي خان البقسماط، غربي دار الأطعمة طولاً، وعرضا إلى آخر سويقة القاضي، قدام جامع ابن منجك، واحترق خلق كثير، لأن الناس غالبهم نيام فوق الأسطحة، ولم يفق إلا والنار من تحته.
وفي بكرة يوم الخميس حادي عشره سافر الأمير قانصوه الشامي من دمشق إلى حلب، وقد أطلع على أهوال الحريق وما احترق فيه من مماليك السلطان والخيل والنساء والأطفال، ولا قوة إلا بالله. وفي يوم الجمعة ثاني عشره عقب صلاة الجمعة، خلع على الأمير برد بك أمير ميسرة بأمرة الحاج. وفيه شاع بدمشق أنه وقع بحلب أيضاً حريق كبير على وفق ما وقع بدمشق، وتبين أنه احترق بمصر العتيقة جانب كبير.
وفي يوم الثلاثاء سلخه قطع أيدي نسوة ثلاثة من نساء النورة، دخلن بيت امرأة من عقربا وأخذن موجودها، فقام الصوت عليهن، فلحقهم أهل البلد وأتوا بهن إلى أستاذهم النائب، فقطعهن بعد أن روجع فيهن، قيل، إنما قطعهن إنكاءً وحمقاً على حاميهن دوادار السلطان.
وفي يوم الأحد خامس شعبان منها، دخل دمشق قاصد الأمير على دولات الغادري، وصحبته أمير كبير من أمراء أبي يزيد بن عثمان، اسمه إسكندر، ممسوكاً مزنجراً، وهو راكب، وعلى رأسه، على عادة بلاده، طرطور بدائر ذهب كثير، وصحبته صناجق منكوسة، ودخلوا
(1/90)

به دار السعادة، ثم خرجوا به، وقد وضع عنه الحديد، وهو مرسم عليه، وقد خلع على القاصد المذكور، ورجعو إلى الميدان الأخضر ونزلوا بالقصر، ثم استراحوا وسافروا إلى مصر.
وفي يوم الجمعة عاشره مرت على أشجار قرية المزة رجل جراد كثيرة في ساعة واحدة، رعت أوراق التين والقنبيط وغير ذلك، ثم سافرت إلى جهة القبلة في اليوم المذكور. وفي يوم السبت حادي عشره سافر إلى مصر مطلوباً قاض القضاة نجم الدين بن مفلح، والشاب أمين الدين بن عبادة، الذي توفي والده، وصحبتهما جماعة مطلوبين.
وفي هذه الأيام كملت محاسن الجامع الذي وسع بمحلة قبر عاتكة، المعروف بجامع البزوري، وجاء في غاية الحسن. وفيه أوصلت القناة بجرفها داخل باب سوق البصل إلى المسجد، وجعلت لوضوء المصليين، وكثر نفعها.
وفي يوم الأربعاء نصفه كملت المئذنة التي بجامع الأمير على بن حيوط، وكان مات حين ابتدأ فيها، فكملها الحاج عبد القادر بن الحلاق الأجرود، الحريري بمحلة الجامع المذكور، وجاءت في غاية الحسن. وفي هذا اليوم ابتدأ معلم السلطان محمد بن العطار المعمار في عمارة تربة اليحياوي النائب، خارج باب الجابية، بعد أن كانت خاناً موقوفاً على تربة داخل باب الصغير، وكان هذا الخان يعرف بخان المقادسة، وبخان الجورة، وخرج بالأساس نحو ذراعين، ولا قوة إلا بالله.
وفي هذه الأيام قبض يلباي نائب صفد على الأمير علي بن عبد الله والي بانياس كان، وأخذ موجوده وأرسله محفوظاً عليه إلى النائب، فدخل مسمراً مشهوراً ينادي عليه بالعصيان، فأمر النائب بضرب عنقه ساعة وصوله، قرب باب الاصطبل، بكرة يوم الأحد سادس عشريه.
وفي ليلة الاثنين ثامن عشريه، وهي ليلة الثالث عشر من برج الأسد، مطرت السماء بعض مطر، ثم أصبح ماء دمشق كماء الحريرة من الزيادة في شدة البياض والنحافة، فطهرت النجاسات الكلبية من دمشق وغيرها، ولله الحمد على التطهير من ذلك في أوائل دخول رمضان، ولعله أن يطهرنا فيه من الذنوب، إنه جواد كريم؛ ثم بلغنا أنه وقع ببلاد قدس ثلج ومطر كثير. وفي يوم الجمعة خامس عشريه صلوا في الجامع الأموي غائبة على الشيخ جمال الدين الكوراني، مات بالروم.
(1/91)

وفي يوم الخميس مستهل رمضان منها، تعدى دوادار السلطان أركماس بدمشق، وهو أستاذ المزة غربيها، على جماعة، منهم شريف من أقارب الحصني، وضربه بالمقارع. وفي عشيته رجع من مصر إلى دمشق السيد محمد بن المحب الحصني. وفي بكرتها يوم الجمعة اجتمع الناس وكبروا على الدوادار المذكور بمنارة الجامع الأموي إلى بعد الصلاة.
وفي يوم السبت ثالثه وصل من مصر إلى دمشق خاصكي اسمه يلباي، وتلقاه أرباب الدولة، ثم أخرج على يديه مرسوماً شريفاً بأن يصادر ورثة ابن علوان المتوفى، فرسم على زوجته وابنه منها الطفل، وعلى أبي بكر الطواقي، وآخر ما صادرهم به نحو ثلاثة آلاف دينار، ثم صادر أيضاً دوادار القاضي الشافعي وجماعته.
وفي يوم الاثنين رابع شوال منها، ورد مرسوم شريف، بعزل قاضي الحنفية بدمشق زين الدين الحسباني، وأن يختار الحنفية قاضياً غيره، فيوليه نائب السلطنة على مبلغ، وأن يلتزم للحنفية بأداء معاليمهم، فاختاروا العمادي إسماعيل الناصري، فولاه النائب، ثم سافر الحسباني المذكور إلى مصر للسعي عليه في الحال، فيما بلغني، ولا قوة إلا بالله، على أن بعض الحنفية ندم عليه، وأنه كان أولى من العمادي. وفي هذه الأيام احترق حاصل الخواجا عيسى القاري بحارة الحاجب، وذهب له مغل كثيرة وحب وغير ذلك.
وفي يوم الأحد رابع عشريه رجع الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون من مصر إلى دمشق، وقد تكلف مشاق كثيرة، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الثلاثاء سادس عشره أقرت امرأة بحضرة النائب، أن نائب بعلبك فعل بها الفاحشة، بعد أن كان ادعى أنها أخته، وبعد أن أخذها من دمشق إلى بيته ببعلبك لما طلقها زوجها، وترك أولادها عند أبيهم المطلق، فطلبه نائب دمشق من بعلبك ماشياً، فقابله وواجهه بما فعل بحضرة النائب بدار العدل، فأمر بإخصائه، فأخصي.
وفي يوم الثلاثاء حادي عشر ذي القعدة منها، حمل رجل أعجمي في ظهره، كما تحمل عصي القبان، جملاً معقلاً على باب، وعلى جنبي الباب رجلان، ولم يزل ينقلهم من سلسلة إلى سلسلة وهو على علو، إلى أن صار الجميع عنده حاملهم على وسط ظهره، ثم ردهم إلى الأرض، وذلك تحت قلعة دمشق، وحمل قبل ذلك بأيام حجراً كبيراً، وضرب على صدره النحاس بمرازب كبار بحضرة النائب، وله عجائب أخر.
وفي يوم الأربعاء ثاني عشره حضر العالم مفتي حلب ابن السيوفي بالمدرسة الشامية البرانية، متبركاً بالحضور عن يسار المدرس تقي الدين ابن قاضي عجلون، وكان مطلوباً إلى مصر. وفي يوم الأحد سادس عشره ركب محمد بن عياش، الركاب، فرساً يغلها بأجرة، وكان قد شرب الخمر، فسقط على الأرض، فداس الفرس في رأسه فقتله في طريق المزة، تجاه بستان النوروزي، فوق حمام الفلك. وفي الليلة المذكورة قتل سكراناً علي بن خريش المعمار، بالقرب من الباب الحجر، في طريق كفر سوسياً، وكلا الرجلين المذكورين مجرمان مؤذيان، فانتقم الله منهما.
وفي يوم الأربعاء تاسع عشره حضر في نصف تدريس الظاهرية الجوانية القاضي عفيف الدين شعيب، بالإيوان القبلي، ودرس في قوله تعالى: " ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ". وفي هذه الأيام خرج من دمشق قفل إلى مصر، فخرج عليهم الأمير المعزول عن بلاده قراجا، وأعطيت البلاد لابن عمه، وأراد نهبهم فبرز إليه من القفل أربعة أنفس من تجار القفل بالقسي والنشاب، فرماه أحدهم بسهم فأصاب مذبحه فمات، فهاش جماعته عليهم، فقتلوا الأربعة التجار، وأرادوا نهب القفل فاستغاثوا فأغاثهم الأمير، فلما رأى ابن عمه قتل لم يسهل به ذلك فنهبهم، ولا قوة إلا بالله.
وفي ليلة الثلاثاء خامس من عشريه سافر القاضي الشافعي إلى بلاده وإقطاعه ليدور عليها. وفي صبيحته رجع إلى دمشق، ودخلها، القاضي نجم الدين الحنبلي، وتلقاه النائب على العادة بتلق حسنٍ، بعد أن طلب إلى مصر، وحصل له من السلطان بعض ضيق، ولا قوة إلا بالله. وفي يوم الأربعاء سادس عشرينه ختم حضور الدرس بالشامية البرانية. وفي يوم الخميس سابع عشرينه سقط رجل طيان من السطح العالي ببيت الأمير فارس، الذي كان ساكنه الحاجب الثاني أحمد بن شاهين بالسويقة المحروقة، فوصل إلى الأرض وقد تحطم جسده، فلم يلبث أن مات، وتعلق على جماعته دوادار السلطان بدمشق، فسعى فيه الحاجب المذكور.
وفي يوم الأحد سلخه أمر النائب بضرب عنق رجل أزعر، يعرف بابن سويدان، ضبطت عليه أمور منكرة من القتل وغيره. وفيه ولي النائب مقلد بن عز الدين بن العزقي، مقدمة وادي بردى وما والاها، مكان أبيه المقتول لعصيانه المتقدم ذكره، وهذا الابن طفل، وقد حضر ضرب رقبة ابن سويدان المتقدم بالاصطبل السلطاني.
وفي يوم الثلاثاء ثاني ذي الحجة منها، دخل دمشق من مصر ناصر الدين محمد بن شكم، بعد أن طلب إلى مصر وضيق عليه، بسبب تفريطه في وظيفة نقابة القلعة الدمشقية، حتى تسرب منها الأمير بداغ أخو سوار؛ وأراد أن يمثل به فتحيل في الخلاص من ذلك بالسعاية في جماعة بدمشق، فورد على يديه مراسيم في مصادرتهم، وأن خاصكي السلطان، وهو خازنداره، واصل عقبه. وفي هذه الأيام شاع بدمشق وفاة السلطان محمد بن بركات سلطان مكة، وأن قايتباي أرسل إلى مكة سرية يحفطونها.
وفي يوم الأحد سابعه دخل من مصر إلى دمشق خاصكي لمصادرة الناس، قيل إنه خازندار السلطان، وتلقاه النائب على العادة، ثم أخرج على يديه مرسوماً شريفاً بإعتقال نائب القاضي الشافعي في الحكم والخطابة والعرض، إذا غاب سراج الدين بن الصيرفي، بسعاية نجم الدين بن الخيضري فيه، في مصر، بسبب دخوله في وصية عمه مسند، وأنه وضع يده على نحو عشرين ألف دينار، ثم ضمنه جماعة وأخرج بعد أيام، ثم أخرج الخاصكي مرسوماً أيضاً باعتقال مفتي دار العدل السيد كمال الدين بن حمزة، بسبب تركة حمية القاضي محب الدين ابن قاضي علجون، فوضع في قلعة دمشق مع سراج الدين في اليوم المذكور.
وفي ليلة الاثنين ثامنه ركب النائب بعكسره، ولم يركب معه بقية أرباب الدولة، وسافر على قرية نجها، وسبقه النذير إلى عامر بن مقلد المراوي، فركب عامر وحده وفرق للنائب بوش الجمال ليأخذه بها، فأخلى النائب للبوش حتى جاوزه، ثم زحف بعسكره بعد العصر يوم العيد شرقي صرخد على عامر فكسره بعد جهد عظيم، ونجا عامر بنفسه وأهله وباقي بوشه، ودخل إلى دمشق من أثاثهم وأمتعتهم شيء كثير، كسباً مع المماليك، ثم دخل النائب إلى دمشق وقت العصر يوم الخميس أول أيام التشريق، وتلقاه أرباب الدولة، ودخل قدامه رؤوس كثيرة على روؤس الرماح ينادي عليها، ومن الجمال نحو ألفين، ومن الغنم مثلها، ولا قوة إلا بالله.
وفي صبيحة يوم الأحد حادي عشريه احترقت قيسارية الفرنج، المعرفة بابن دلامة، التي هي شرقي قيسارية ابن المزلق، التي علي بابها الساعات، قبلي العشر، وخرب ما حولها من النار. وفي يوم الجمعة سادس عشرينه أرسل دوادار السلطان بدمشق، وهو أستاذ المزة، إليها جماعة نهبتها، وقبضت جماعة منها، بسبب عدم مصالحة أستاداره بها عبد القادر بن الشيراجي، الساكن يومئذٍ غربي سوق صاروجا.
وقال الشيخ علاء الدين البصروي في ذيله:
وفي يوم الأحد مستهل صفر منها، وصل الحاج الشامي؛ ووصل من الحجاز الشيخ أبو الفضل محب الدين بن الإمام الصفدي، من قدماء الشافعية؛ وجاء أيضاً السيد علاء الدين بن نقيب الأشراف، وتوجه من ناحية الكرك إلى القدس الشريف.
وفي ثامن عشره وصل تمراز، ونزل بالصالحية عند القاضي كمال الدين بن حمام الورد، ووضع القاضي عبد الرحيم بن موفق الدين العباسي بالقلعة، على سبعة آلاف دينار على أبيه، ثم لما سافر سلمة للأمير الكبير بدمشق جانم فأطلقه.
وفي ربيع الآخر منها، وقع بحوش دار النيابة حجر ملفوف بخرقة، في طرفها قصة ذكر فيها شعيب نائب القاضي الشافعي وما يفعله في الأحكام وغيرها من الظلم والبلص، وحكى فيها ما وقع له في سنة ثمان وسبعين وثمانمائة، فدفعها النائب للقاضي الشافعي، فعزله؛ وفي خامس عشره أعيد بشفاعة لمحب ناظر الجيش.
وفي سابع جمادى الأولى منها، سافر السيد كمال الدين بن حمزة إلى الحمة، ثم وصل إلى هنا في سادس عشره.
وفي خامس عشره اجتمع الشيخ علي الدقاق والشيخ أبو الفضل المقدسي بالنائب في معارضة الشيخ تقي الدين من جهة باب جيرون، فأجابهما بما خاب سعيهما عمد سماعه.
وفي ثالث عشريه وصل من مصر الشيخ شهاب الدين بن المحوجب الشافعي، ورأى الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون بغزة.
وفي ثامن عشري جمادى الآخرة ورد مرسوم بتجهيز مباشري المارستان النوري: القاضي محي الدين الإخنائي نائب الناظر، وعبد القادر العدوي العامل، ومحمد بن شعبان المشارف، بسبب أن أحمد شيخ سوق المارستان شكا عليهم بأن فائض وقفه في سبع سنين عشرون ألف دينار، أكلها المذكورون؛ والمرسوم إلى النائب والقاضي الشافعي على يد عبد كاتب السر ابن مزهر.
وفي ثالث عشريه عرض السيد نجم الدين بن السيد برهان الدين بن السيد محمد الحسني كتاب الحاوي في الفقه وكتاب الكافية في النحو.
وفي ليلة رابع رجب منها، حصل حريق عند مسجد القصب، عظيم، واحترق فيه نحو عشرين مسجداً.
وفي مستهل شوال منها، يوم الجمعة، شهدوا برؤية الهلال بعد الزوال، وصلوا صلاة العيد بين الظهر والعصر، وخطب القاضي الشافعي.
وفي ثامن عشره سافر الحاج الشامي، وأميرهم، برد بك الظاهري أحد المقدمين بدمشق، وقاضيه ...

سنة خمس وتسعين وثمانمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله عبد العزيز بن يعقوب؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الأشرف أبو النصر قايتباي؛ ونائبه بدمشق قانصوه اليحياوي؛ والقضاة؛ الحنفي عماد الدين اسماعيل الناصري، والشافعي شهاب الدين بن الفرفور، والمالكي شهاب الدين المريني، والحنبلي نجم الدين بن مفلح؛ والأمير الكبير جانم مملوك السلطان؛ والحاجب الكبير الشرفي يونس الملكي؛ والحاجب الثاني مملوك السلطان تاني بك الأشرفي؛ ودوادار السلطان أركماس الملكي؛ ونائب القلعة مملوك السلطان الأيدكي؛ ونقيبها الأمير تمراز القجماسي؛ ودوادار النائب الخازندار؛ وكاتب السر الزيني العباسي؛ وناظر الجيش المتشرف بالإسلام محب الدين؛ ومع القاضي الخطابة بالجامع الأموي، ومشيخة شيخ الشيوخ، ونظر المارستان، ونظر الحرمين.
وفي يوم الثلاثاء ثامن المحرم منها، رجع القاضي الشافعي من سفره المتقدم، إلى دمشق.
وفي بكرة يوم الخميس، يوم عاشوراء، دخل من البلاد الشمالية قاصد ابن حسن باك بالأمير بداغ بن ذي الغادر، الذي هرب من سنين من قلعة دمشق، شفع فيه يعقوب باك بن حسن باك المذكور، فخلع عليه النائب وأكرمه وأنزله بحارة القصر.
وفيه اعتقل على الزيني السيد عبد الرحيم العباسي، كاتب السر بدمشق يومئذٍ، ووضع بمسجد القلعة عند السيد كمال الدين، من جهة مال السلطنة على ما قيل: ثم بعد أيام أفرج عنه.
وفي يوم الاثنين سابعه اعتقل على ناصر الدين بن سكر في قلعة دمشق، على مال كثير للسلطة وغيرها.
وفي بكرة يوم الأربعاء سادس عشره دخل من مصر إلى دمشق ابن شعبان سلطان الحرافيش، وهم والأوباش حوله، والصفاقات والطبول تضرب بين يديه، والأعلام الصفر عليه، ثم أوصلوه إلى بيته، ثم رجعوا إلى تلقي زوجته، أيضاً بالصفاقات والطبول، وخرج إليها نحو مائتي امرأة بخرق صفر ملفوفة على عصائبهن وهن ركوب حولها، إلى أن وصلت إلى بيتها، ولا قوة إلا بالله؛ قيل إن السلطان ألقى الشر بينهما حتى أخذ منه مالاً بعد أن عرض عليه الإهانة، ثم أصلح بينه وبين زوجته.
وفي يوم السبت بعد الظهر تاسع عشره، دخلت كتب وفد الله من الحجاز إلى دمشق.
وفي وقت العشاء ليلة الاثنين الحادي والعشرين منه، هجم الحرامية بغتة على بيت ديوان نائب السلطنة صدقة السامري، فحاربهم، وأخذوا مالاً كثيراً على ما قيل.
وفي يوم الجمعة بعد العصر خامس عشرينه هجم مماليك دوادار السلطان بدمشق، على باب قاضي المالكية شهاب الدين المريني، وأخذوا خصماً كان محبوساً من عند المالكي، هو من فلاحي سودون الطويل أحد الألوف، فاختبطت دمشق لذلك.
وفي يوم الثلاثاء ثاني عشريه دخل الوفد الشريف إلى دمشق، في أطيب عيش وأوفر بضاعة، وأكثرها ولله الحمد؛ وأخبروا أن الوقفة كانت يوم الثلاثاء؛ وتبين أن الذي شاع بدمشق من موت السلطان بركات، كذب ليس له أصل.
وفي يوم الخميس ثاني صفر لبس النائب خلعة حمراء بفرو على العادة، واحتفل الناس لذلك.
وفي يوم الأحد خامسه حضر الشامية البرانية، مدرساً في ثلث تدريسها، السراج الصيرفي، نزل له عنه تقي الدين ابن قاضي عجلون في ذي الحجة من السنة قبلها، ودرس في قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم " وأطعم الناس بعد الدرس معمولاً.
وفي يوم الجمعة بعد الصلاة عاشره، وعظ تجاه محراب الحنفية شمس الدين بن عبية القدسي ثم الدمشقي، ثم ذكر الله مع جماعة الجالسين حول كرسي وعظه، فأطال، فرمى رجل نفسه وسط الحلقة، ثم قام واقفاً يرقص مكشوف الرأس، وينط ويقعد معهم، وهو في حال ذكره ينظر لكل من يقربه في الجامع، فوقع نظره على رجل من طلبة العلم الفقراء وهو شيخ كبير، فخرج من الحلقة إليه وقبض بخناقه وهو جالس، وضربه بيده ثم قام عنه، وأخذ عصا بقربه وضربه، فصاح الناس عليه، فرجع عنه وهو يقول: يضحك علي وأنا أذكر الله متوحداً؛ فلما رأى الناس قد أنكروا عليه لبس عمامته وجلس، فدخل إليه رجل يقال له زين الدين عمر بن العلاف، وهو من طلبة العلم وأخرجه بيده وذهب به مع جماعة إلى بعض نواب القاضي الشافعي، فاستعجل المضروب وضرب الضارب بالعصا مثل ضربته، فقال القاضي لهم: قد اقتص منه، ثم خلعه منهم، ولم يعذره على ما صدر منه، وأطال الواعظ المذكور في هذا اليوم مجلسه مراءاة للناس.
وفي يوم السبت حادي عشره لبس النائب خلعة آقبغاوي، وفوقه كاملية خضراء بفرو، من قبة يلبغا، ودخل دمشق وقدامه مملوكه جندر مخلوعاً عليه، وعلى اثنين آخرين، بطراز، واحتفل الناس لهم، وكان يوماً مشهوداً؛ وسبب هذا الخلعة الجمال التي نهبها من العرب، وأرسل منها إلى السلطان مع جندر المذكور.
وفي يوم الأحد ثاني عشره درس السراج الصيرفي بالشامية البرانية الدرس الثاني، وابتدأ من كتاب البيع، ولم يحضر معه أحد من الأكابر غير الطلبة.
وفي يوم الأحد سادس عشرينه، بعد حضور الشامية البرانية، حضر شمس الدين الكفرسوسي مدرساً في نصف تدريس ونظر المدرسة المجاهدية بها، تجاه القواسين، وحضر معه السراج الصيرفي، ودرس في قوله تعالى: " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " ثم حضر أيضاً بالكلاسة نيابة عن مدرسها وابن مدرسها رضي الدين الغزي، وكان تدريسها كاد يبطل، فإنه من لدن الشيخ خطاب نائبهم لم يقم بها درس؛ وكان السبب في إقامته يومئذٍ الامير سودون الطويل، ودرس فيها من قواعد العلاي لما علم من أن الشيخ خطاب كان يدرس فيها هنا.
وفي يوم الاثنين رابع ربيع الأول منها، قرئ بدار العدل مرسوم على النائب، مضمونه أن القاضي شهاب الدين بن الفرفور طلب الحضور إلى المقام الشريف فأذن له، وأن يكون نظره على جهاته، ثم قيل أن السبب أنه كان في حياة صهره قطب الدين الخيضري طلب أن يوليه المقام الشريف نظر ديوان الإنشاء بمصر، بعشرين ألف دينار، فأطلع السلطان على ذلك لبدر الدين بن مزهر المتولي جديداً، فأخرج بدر الدين على القاضي قوائم بنحو العشرين ألف لوالده المتوفى عليه، ووجهها للسلطان، فأرسل السلطان أخبره، فاستأذن في الحضور، فأذن له.
وفي هذه الأيام ورد مرسوم شريف بعزل قضاة بعلبك، إلى النائب والقاضي الشافعي، ثم قيل إن السبب في ذلك أن بعض قصاد القاضي المذكور مر ببعلبك، فلم يضيفوه ضيافة تليق به في دعة، وهو شهاب الدين الكوكاجي نائب الحنبلي.
وفي يوم الأربعاء ثالث عشره حضر عفيف الدين شعيب العابري، عقيب الحضور في الظاهرية في تدريس المدرسة الإقبالية الشافعية، ودرس في قوله تعالى: " ومن يتوكل على الله فهو حسبه "، نحو عشر كلمات، ثم ختم وقدم للحاضرين معمولاً، وأقراصاً، ولم يحضر معه إلا أناس قلائل، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الأحد سابع عشره حضر القاضي رضي الدين الغزي في تدريس الكلاسة، وترك استنابة شمس الدين الكفرسوسي، وحضر معه قاضي القضاة الشافعي، والشيخ شمس الدين ابن خطيب السقيفة، والجماعة على العادة، ودرس في قوله تعالى: " ولله على الناس حج البيت " الآية، وأطعم معمولاً كثيراً على ما قيل.
وفي آخر هذا الشهر كملت الزوائد التي جددت بجامع الجوزة، خارج باب الفراديس، بعد احتراق شيء منه، والزوائد هي بالجانب القبلي من العمودين إلى الطريق السلطاني اثنا عشر ذراعاً بالبخاري، ومن شرقي هذه خمسة أذرع ونصف بالبخاري أيضاً، ومن شمالي هذه الخمسة ثلاثة أذرع بالبخاري أيضاً، اشترى ذلك وعمره الحاجب الكبير الشرفي يونس، وساعده الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، ومن شرقي البركة تجاه الباب القديم قطعة أرض اثنا عشر ذراعاً بالبخاري أيضاً شرقاً بغرب، اشتراها من ماله الحاج شرف الدين موسى بن محمد التاجر المكفناتي، وعمر على يديه أيضاً إيوان، وفتح له باب إلى الطريق السلطاني من مال أهل الخير، طوله قبلة بشام ثلاثة عشر ذراعاً بالبخاري أيضاً.
وفي هذا الشهر شرع القاضي الشافعي يتملك ويستحكر حوانيت سوق البزورية، ثم شرع في هدمه ليعمره أحسن ما كان.
وفي يوم الأحد خامس عشريه قبض على جارية سوداء، فخرج من عندها حوائج للناس، سرقتهم خفية، نحو مائة قطعة نحاس وغير ذلك، فقطعت يدها وصبرت على الألم.
وفي بكرة هذا اليوم، باصطبل دار السعادة، بحضرة النائب، اجتمع على قاضي الحنفية العمادي جماعة بحضور القضاة، ونقضوا حكمه في حمام سقبا، قيل إنه ارتشى عليه.
وفيه أخبر شهاب الدين بن حجي الأطروش أن قرين العمادي هذا، وهو الحسباني، في أسوأ حال بمصر، بسبب دين لبعض حاشية السلطان، ولا قوة إلا بالله.
وفي ليلة الأحد مستهل ربيع الثاني منها، احترقت سويقة تاني بك ميق بحكر السماقي.
وفي يوم الجمعة خامسه لبس القاضي الحنفية العمادي خلعة من السلطان، كما ولاه النائب، وقرئ تقليده بالجامع وفيه المراء كثير.
وفي يوم الاثنين تاسعه نودي بدمشق من جهة النائب بالتجريدة، فاغتم الناس لذلك لشدة وقوف الحال لقلة المطر، فإنه لم يقع مطر من أواخر الأصم إلى الآن، والقمح قد تحرك سعره.
وفي عشية يوم السبت رابع عشره، وهو سادس آذار، غيمت السماء، واستبشر الناس بالمطر، ثم وقع بعد المغرب مطر جيد، وشرعوا منه في جبي دراهم المشاة من الحارات.
وفيه دخل إلى دمشق أوائل الترك من العسكر المصري، وتسلطوا على أذى الناس من أخذ دوابهم وغيره؛ ومشى المدرس إلى الشامية البرانية، وغالب الأكابر، خوفاً على دوابهم منهم.
وفي يوم الأربعاء ثامن عشره أفرج عن السيد كمال الدين من اعتقاله بجامع القلعة، وهرع الناس إليه يهنئونه.
وفي هذه الأيام قد دخل إلى دمشق خلق كثير من أهل حماة، هربوا من نائبهم أينال الخسيف؛ وأما أهل حلب فتفرقوا في البلدان من قبل هذه السنة وإلى الآن، خوفاً على حريمهم من العساكر الواردة إليهم، وفسد نساء كثيرٍ منهم.
وفي يوم الثلاثاء رابع عشريه أصبح رجل كان يبيع الصابون، وقد شنق نفسه في بيته في حبل وهو ميت، لكون بعض الظلمة طرح صابوناً؛ فذهبت زوجته إلى أبيه وأخبرته بذلك، فأتى إليه وأنزله وغطاه، وذهب إلى المغسل ليغسله، فلما رأى عليه آثار الخنق امتنع، وقال: لا أغسله حتى تنظر فيه الحكام، فذهب أبوه، وهو ممن يقال عنه إنه ذو مال، إلى ملك الأمراء خوفاً من دوادار السلطان لشهرته بالظلم، فأخبره بذلك، فقال له: أنت كنت السبب في قتله لكونه طلب منك مالاً ليستعين به في وفاء ثمن الصابون المطرح فأبيت؛ ثم أمر بشنقه فروجع فيه إلى أن أخذ منه مائة دينار، ثم أذن له في دفنه، فلما كان في صبحة المقابر أتى جماعة من جهة دوادار السلطان إليه وحملوه إلى بيت أستاذهم، فمددوه إلى أن أخذوا منه خمسة وعشرين ديناراً.
وكان النائب قبل ذلك بنحو خمسة أيام قد طلب القاضي شمس الدين بن القاضي بدر الدين بن المزلق، وطلب منه عدة أربعين ماشياً، فقال له: ما جرى بهذا عادة، فإن أوقافنا غالبها على فقراء وقرب؛ فغضب عليه النائب وهم أن يوقع فيه بنفسه بعد أن قام نصف قيام لذلك، ثم قال له: قم من وجهي؛ ثم أمر به إلى القلعة، ثم ندم وأمر بإخراجه، فلم يخرج إلا أن يجيء مرسوم السلطان، فلم تزل الأكابر به إلى أن خرج، على أن يعمل النائب مصلحة، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الأربعاء خامس عشريه ضرب دوادار السلطان رجلاً جمالاً حتى مات؛ وسببه أن جماعة من تجار الأرمن قدموا دمشق، وأرادوا السفر إلى مصر بحرير معهم، فاكتروا مع هذا الجمال، فلما خرج بهم إلى قرب سعسع قطعت لهم راحلة وذهب بهم منها شيء، فرجعوا وشكوا عليه وأدركوه ليقر، فلم يقر ومات، فذهبت دنياهم وبقت عليهم التبعات، فلا قوة إلا بالله؛ ووقف أهل الميت به في نعش للنائب، فلم يأخذ بأيديهم لكون الدوادار من مماليك السلطان، وهو رجل جبار فاجر. وفي هذا اليوم دعي في الشامية لبطالة الدروس.
وفي يوم الثلاثاء مستهل جمادى الأولى منها، عزر قاضي الحنفية العمادي لمحمد الكازروني، وأهانه وسجنه بسجن باب البريد، وهو لعمري أقل جزائه، فإنه أعرج نحس مختصر فاض، يتوكل ويأخذ من الجانبين، تارك للصلاة.
واستهل هذا الشهر وقد امتلأت دمشق من العسكر المصري، والمماليك الجلبان، حتى غلقت حوانيت كثيرة، ولم يجسر أحد أن يركب حماراً، فضلاً عن غيره، حتى القضاة ترى أبوابهم مغلقةً إلا الخوخة، خوفاً على دوابهم ومنازلهم، حتى إن قاضي الشافعية دخل حمام منصور، وترك ثيابه على عادة الناس، واستعمل صانعاً، فدخل مملوك، فأمر الصانع أن يحلق رأسه ويدلكه ويغسله وأطال المكث، ثم خرج فادعى أنه بجيبه مائة دينار سرقت، فلم يزل بالحاضرين حتى أخذ منهم ثلثمائة درهم، هذا بعد كلفة في الحمام، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الأربعاء ثانيه عرض أهل باب المصلى مشاة، نحو خمسين رجلاً.
وفي يوم السبت خامسه نودي بدمشق بأن من كان له على الأجناد وأهل الحلقة والمستخبرين دين فلا يطالب به، وذهب للناس في ذلك مال كثير، ووقف حال الناس زيادة على ما هم فيه.
وفي يوم السبت خامسه جاء مرسوم شريف في شمس الدين بن الشيخ عيسى البغدادي، وعمي القاضي جمال الدين بن طولون مفتي دار العدل، فرفعا إلى القلعة، ثم بعد يومين أو ثلاثة أفرج عن ابن طولون، ثم عن الآخر.
وفي يوم الخميس ثامنه وصل الخبر إلى دمشق بأن السلطان ولي تمربغا الترجمان، المتشرف بالإسلام، نظر جيش دمشق، عوضاً عن محب الدين سلامة بن يوسف الأسلمي، وكلاهما بمصر، وسبب ذلك أن محب الدين المذكور كان قد صال وطال، وهان الفرنج، بسبب بهار السلطان، وضرب شخصاً منهم بالقلعة، فاشتكوا عليه للسلطان بأن أخذ منهم عشرة آلاف دينار، وأباحوا أخذها منه للسلطان، وأنهم يزيدون السلطان عليها مثلها ويولي عليهم الشخص المذكور تمربغا، فإنه كان فرنجياً منهم، ثم أسلم، ودخل عند النائب المتوفى قجماس؛ فأجابهم السلطان إلى توليه بعد أن أدركهم أمر البحر من جهة ابن عثمان.
وفي يوم الأربعاء عاشره ولي النائب الحسبة لنائب بعلبك، الذي كان خصاه على فاحشة وقعت منه كما مر، واسمه يونس. وفي يوم الخميس حادي عشره عرض المشاة القيسية من جميع الحارات، وخرجوا ملبسين من حارة الشاغور، وهم نحو ثلاثة آلاف، وكان يوماً مشهوداً.
وفي يوم السبت ثالث عشره سافر تقي الدين بن قاضي عجلون إلى الحجة، وقيل إن عزمه السفر إلى القدس، ثم إلى الطور ثم إلى الحجاز، بعد بيع كتب كثيرة كانت عنده.
وفي هذه الأيام جلس بعض شهود العمائر: إبراهيم العجلوني، على باب العادلية الصغرى، فمر عليه بغل عليه شيء من المال وليس خلفه أحد، فأدخله إلى اصطبل العادلية، فرآه شخص، فقال له: اطعمنا مما أطعمك الله، فأنكر، فرفع إلى دوادار النائب فضربه، فأقر بذهب فأخذ منه.
وفي يوم الاثنين خامس عشره دخل من مصر إلى دمشق أولى المقدمين زردكاش السلطان، واسمه يشبك الجمالي، ولاقاه النائب وأرباب الدولة، وورد على يده مرسوم بأن يقبض من القلعة مائة ألف دينار، فلم يوجد في الصندوق غير ثلاثة وثمانين ألفاً.
وفي يوم الأربعاء سابع عشره دخل من مصر إلى دمشق أحد الألوف قانصوه الألفي، وأمير آخور كبير قانصوه خمسمائة، طلب الأول أولاً، وطلب الثاني ثانياً دخولاً حافلاً.
وفي يوم الجمعة تاسع عشره دخل المذكوران إلى الجامع الأموي قبل الصلاة، وتركعا في المكان الذي يجلس فيه القاضي الشافعي، خارج باب بيت الخطابة، ومعهما أمير، ثم بعد ساعة فرش للنائب في محراب الحنابلة، ثم جاء وجماعته فصلوا تحية المسجد؛ فلما سلم من صلاته استدعى مملوكه جندر وحدثه، فجاء إلى قانصوه خمسمائة فحدثه، ثم عاد إلى أستاذه، فقام بمفرده ومشى خلف جندر إلى أن جاء وجلس عن يساره قانصوه خمسمائة، ثم صعد الشافعي وخطب خطبة في المعني، ثم اجتمعوا بعد الصلاة واجتمع الترك حولهم، ثم مشى المذكوران وخلفهما النائب ومعه الأمير الثالث، واسمه قانصوه أيضاً، وخرجوا من باب البريد.
وفي هذا اليوم خرج من دمشق يشبك الجمالي متوجهاً إلى البلاد الشمالية.
وفيه شاع أن ابن عثمان أرسل بالصلح، وأن مفاتيح القلاع واصلة.
وفي يوم السبت عشريه دخل من مصر أمير مجلس تاني بك الجمالي، وأحد الألوف تاني بك الوالي، وتلاقاهما النائب على
(/)

العادة ودخل طلبهما قدامهما.
وفي يوم الأحد حادي عشرينه دخل إلى دمشق الأمير ملغباي الأعور الأشرفي، بطلب واحد، ولاقاه النائب على العادة، وهو أحد الألوف.
وفي يوم الاثنين ثاني عشرينه دخل إلى دمشق أيضاً عدة أمراء، الأول دوادار السلطان الثاني شاد بك فرج الملكي الأشرفي، والثاني أزدمر المسرطن الظاهري أحد الألوف، والثالث تاني بك قرا الأينالي حاجب الحجاب، والرابع أزبك من خازندار الظاهري رأس نوبة النوب، والخامس تمراز الظاهري ابن أخت السلطان أمير سلاح، والسادس قيت الملكي الأشرفي الوالي بمصر، السابع باش العساكر المنصورة وأتابكها أمير كبير أزبك، ونزل الجميع بمصطة السلطان، وكان يوماً حافلاً، ونزل الجميع بمصطبة السلطان ولاقاهم النائب ومن تقدمهم من أمراء المصريين، خلا يشبك الجمالي فإنه سافر إلى حلب.
وفيه نودي أن النائب يرحل إلى المهم الشريف من الغد. ودخل قاصد يقال إنه من عند ابن عثمان بالصلح كما تقدم. وفي يوم الثلاثاء ثالث عشريه دخل إلى دمشق نائب غزة آقباي، ومعه خلق كثير، ونزل في الميدان الأخضر؛ وفي حال دخوله كان النائب قد اصطف جيشه ملبسين على باب دار السعادة إلى جسر الزلابية، ثم خرج النائب بأولاده وقد ألبسهم لبساً كاملاً عليهم وعلى خيولهم، وكبقية عسكره، وخرج قدامه طلباً أركماس دوادار السلطان، وتنم الحاجب الثاني، وعدتهم أربعون ملبساً، اثنان وعشرون للأول، وثمانية عشر للثاني، وبين يديه المشاة بالعدة الكاملة، وكان يوماً حافلاً.
وقيل أن الباش اللمصري أزبك أرجع دواداره الثاني إلى دمشق من المصطبة، بأن يتجهز للرسالة إلى السلطان يعلمه بقضية الصلح حسبما جاء القاصد على لسانه، وفرجع إلى الميدان يتجهز لذلك، ثم سافر إلى مصر. - وفي هذه الأيام حصل في دمشق ونواحيها من المفاسد والظلم ما لا يحصى كثرة، منها رعت أغنامهم وخيولهم بساتين الناس وزروعهم، ومنها فكت عمائرهم وخلعت أبوابهم لأجل الحطب، ومنها سرقة ما يجدون، وقد اجتمع بها من الغرباء من حلب وحماة ومصر وغيرها خلق كثير، وتحسن سعر القمح لقلة الظهور خوفاً منها، ووقف حال خلق من الناس، ولكن باع عليهم التجار وغيرهم.
وفي يوم الجمعة سادس عشريه نزل الباش من مصطبة السلطان وصلى شرقي مصحف عثمان بالجامع، وصلى عن يمينه الشيخ علي الدقاق، وخطب القاضي الشافعي بنفسه كالجمعة قبلها. ثم بعد الصلاة قرأ بين يديه بعض قراء المصريين، ثم دعوا، ثم خرج من الجامع، وذهب إلى وليمة الشيخ علي المذكور.
(1/103)

وفي يوم الاثنين تاسع عشرينه دخل من مصر إلى دمشق الترجمان المتشرف بالإسلام تمربغا القجماسي، متوليا نظر جيش دمشق عوضاً عن المتشرف بالإسلام محب لدين سلامة. وفي هذه الأيام قيل إن كاتب سر دمشق، زين الدين عبد الرحيم العباسي الحموي، ولاه السلطان قضاء الشافعية ببلدة حماة، وأن محب الدين سلامة ولي عوضه كاتب سر دمشق.
وفي ليلة الجمعة رابع جمادى الآخرة منها، سقط بيت راكب على النهر، جوار سيدي الشيخ رسلان، على عريس وعروسته، فأصبحا ميّتين. وفي يومها عقب صلاة صلوا غائبة على رجلين، أحدهما قاضي المالكية بالمدينة النبوية السخاوي المصري الفركاح؛ وثانيهما الشيخ العالم عبد الكريم بن أبي الوفاء، إمام المسجد الأقصى.
في بكرة يوم الأربعاء تاسعه ضرب نائب الغيبة، الحاجب الكبير، رقبة بدوي، قيل إنه شيخ ضرير، عند مقابر اليهود والنصارى، وقيل إن سبب ذلك ابن القوّاس عدوّ العرب وقامعهم، وأوصى قبل قتله لبعض الناس أن يغسّله ويصلّي عليه ويدفنه، فلم يفعل.
وفي يوم الجمعة حادي عشره، بعد الصلاة والناس في الدعاء، استغاث رجل صالح يعرف بيوسف البهلول، من ميدان الحصى، شرقي مقصورة الجامع الأموي، وقال: وا إسلاماه، وأين الغيرة الإسلامية وهذا الخاصكي، يعني قرقماس، الذي يصادر الناس، ثم فرغ من الدعاء، ثم جاء إلى تجاه باب الخطابة واستغاث أيضاً، فعضّده جماعة الشيخ فرج من باب السلامة، واستغاث الخلق على باب الخطابة، وقد كان صلّى هناك إلى جانب الشافعي الحاجب الكبير، وأمير الحاج، وخازندار النائب، والمحتسب؛ ثم دخلوا مع القاضي إلى بيت الخطابة، فصبروا على العوام ساعة حتى ملوا أمر الاستغاثة على الخاصكي، ولم يكن عندهم، بل لما سمع أوّل الاستغاثة، وكان قد صلّى شرقي الجامع، أسرع في الخروج إلى الدهشة، ثم إلى منزله بيت إبراهيم بن منجك جوار الجامع.
ثم خرج الحاجب ومن معه من بيت الخطابة وخشى من العوام وأرسل عرّف الخاصكي، وأن العوام يريدون أن يوقعوا فيه قتلاً، فبعث وراء الشيخ فرج، شيخ الجماعة الذين استغاثوا، ووقع به بحضرة كبيرة التجار عيسى القاري، فشفع فيه، فعارضه الخاصكي وأراد أن يوقع بالقاري أيضاً، وصال وجال؛ فاجتمع الخلق بكرة يوم السبت ثاني يوم، وأنزلوا الشيخ إبراهيم الناجي راكبا من ميدان الحصى، وكبروا معه إلى الجامع للتكبير على الخاصكي، وكان على ما قيل قد خاف على قماشه ونقله، فأرسله إلى القلعة بإشارة الحاجب، على ما
(1/104)

قيل، ثم كبر الخلق على باب الخاصكي، فخرج عليهم المماليك بالنشاب، وحصل شر كبير.
وفي يوم الاثنين رابع عشره دخل من مصر إلى دمشق محبّ الدين سلامة، وهو متولّ كتابة سرّ دمشق ومستمر على نظر القلعة والجوالي، ولاقاه نائب الغيبة الحاجب الكبير يونس، وكان على يمينه، والقضاة الأربعة، وكانوا على يساره. وفي هذه الأيام شاع بدمشق أن شخصاً ذكر أن بخان الخيال، الذي بزقاق المعاصير، غربي جامع حسّان، مطلب ذهب، فحضر الخاصكي قرقماس، ووكيل السلطان صلاح الدين العدويّ، ونائب الغيبة، فحفر فلم يظهر شيء، فطمر كما كان.
وفي يوم الثلاثاء خامس عشره دخل من مصر إلى دمشق الأمير خضر بك، وقد استقر في أستادارية الغور، عوضاً عن الكردي، ولاقاه نائب الغيبة، والقضاة، خلا الحنبلي، وكاتب السر ونائب القلعة.
وفي هذا اليوم غار العرب الخالدية، من بين حلب وحماة، وهو نحو مائتين، على مغل كثير أتى من حلب وقد تبعوهم إلى أن حاوزوا حسية إلى جهة دمشق، فقتلوا جماعة وأخذوا نساء وجوارا، نحو أربع عشره، وجمالاً كثيرة، وبضائع وأموالاً لجماعة من تجار دمشق كعيسى القاري؛ ووصل الخبر بذلك، واشتهر يوم الجمعة ثامن عشره، وسبب ذلك، أن قانصوه خمسمائة قبض على كبيرهم قرقماس البدوي، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الجمعة المذكور وصل الخبر من حلب إلى دمشق بأن جماعة من المشاة الدمشقية قتلوا مملوكاً، فقبض عليه وقتلوا.
وفي هذه الأيام قدم إلى دمشق ولد العجمي، الذي قدم في عشر الثمانين وثمانمائة إلى دمشق، ووعظ تجاه محراب المالكية، وحضره الأكابر كالشيخ زين الدين خطاب، وكان على وعظه أبهة الوقار والوجل، لكنه خلط في مسائل، منها أن السماوات أكثر من سبع، وأن في الملائكة من يسمى جبريل كصاحب الوحي عليه السلام، وذكر ولده المذكور أن والده المشار إليه توفي ببيت المقدس سنة أحدى وثمانين، وهو دون التمييز، وأنه طالب علم يعظ كأبيه، وأنه اشتغل على الشيخ كمال الدين ابن أبي شريف المقدسي، وأن عمره بهذه السنة خمس وسبعون سنة، ثم إن هذا الولد
(1/105)

اجتمع بالشيخ إبراهيم الناجي، فلما ذكر أنه ولد العجمي شط على أبيه، وذكر عنه أنه رافضي، فقال: ليس بأبي، وإنما أبي الشيخ خير الدين، فإن كان صادقاً فوالده كان من أهل السنة والفضل والصلاح، وكان يعظ على كرسي تجاه محراب الحنفية، وكان من شدة وجده في وعظه يقوم واقفاً على الكرسي، وكان يدرس المبتدئين بالجامع مدة طويلة.
وفي بعد العشاء من ليلة الخميس سلخه، هجم الحرامية على سوق التجار المحجر، قبلي سوق الخلعيين، وتجاه سوق الخيل، ورموا بالنشاب مجاورة جهارا مع وجود العسس بالمدينة، وإتيانهم إليهم مع والي المدينة ابن نصف حبة، وفتحوا أحد عشر دكاناً وأخذوا أطايب القماش، وما قدروا عليه من النقد، وقتل من العسس جماعة، منهم أخو سودون شيخ خان القبيبات، وركب نائب الغيبة وأتى إليهم لابساً زرديّة، ووقع في ترسه نحو ست رميات نشاب، وربما خدش بدنه، وقتل من مماليكه ثلاثة، وجرح آخرون، وخرجت الحرامية من غربي جامع يلبغا، وعدتهم خمسة وعشرون خيالة، والباقي مشاة.
وفي يوم السبت ثالث رجب منها، مزح محمد المعصراني القدسي السمسار الداعلي، وقال عن الخضيري محمد المنيحي لما قال، إن اللحم على عجين لا يحتاج إلى سيرج هذا كفر، فاستعاذ شيخنا المحيوي النعيمي من هذه الكلمة، فتدارك محمد المذكور، وقال: هذا كفر في مذهب الأكالين؛ فقيل له: هذا الكلام أيضاً يقتضي الكفر، فقال: أنا ما قلت كفر بالله، لا، وأخذ يقول أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
وفي يوم الاحد حادي عشره ورد الخبر من مصر بالقبض على قاضي الحنفية العمادي، وأن يعطي المنفصل الزيني الحسباني أربعة آلاف دينار. وفيه شاع بدمشق أنه ورد مرسوم شريف يطالب جماعة ممن قام على قرقماس الخاصكي، الذي كبروا عليه بالجامع وجرى ما جرى، ثم إنه بعث جماعة إلى العزقية فقتلوا منهم وجرحوا فرجعوا مخذولين مكسوري الحرمة، وخوف من العمل بالمرسوم فترك. وفي يوم الخميس خامس عشره أمر نائب الغيبة بشنق جماعة، فشنقوا، وهم من قرية بيت سابر اتفقوا على قتل أستادار الأمير خضر بك أستادار الغور، فقتلوه بها، فمسكوا وأقروا بذلك.
وفي يوم الاثنين ثاني شعبان لبس الأمير جاني بك الأشرفي أمرة الحاج على عادته،
(1/106)

وكان تأخره عن التجريدة لابن عثمان لأجل ذلك. وفي يوم الأحد ثاني عشريه انقض كوكب في جهة شمالي دمشق، أضاءت منه الدنيا، كما تضيء بالقمر.
وفي يوم الاثنين ثالث عشرينه سافر إلى مصر الجبار الظالم الغاشم قرقماس الخاصكي، الذي جرى له ما جرى، وخرج لوداعه نائب الغيبة، والخازندار، والقضاة، وغيرهم.
وفيه نودي عن نائب الغيبة بإبطال الفرجة بالربوة، بعد احتفال الناس بها قبل دخول رمضان. وفي هذه الأيام كبس شيخ الرافضة بسكيك، وهجم على كبير الحشارية وقتله، ثم هجم الحشارية على أهل سكيك وقتلوا منهم نحو ثمانين رجلاً، ونهبوا أقواتهم وأموالهم، وسبوا حريمهم. وفي ثامن عشريه دخل إلى دمشق، راجعا من مكة، السيد علاء الدين ابن نقيب الاشراف.
وفي ليلة الاثنين سلخه تهيأ الناس بدمشق لصوم الغد، وعملوا الاقراص المشبك والبسيس وغير ذلك، وعلقت القناديل المشعولة بعد المغرب، خلا الجامع الأموي، وقال المؤقتون: رؤية هلال رمضان حينئذ عسرة، فإنه في جهة الجنوب ومكثه على ست درج، فحضر القضاة بالجامع على العادة، فلم يره أحد، فأنكروا على من شعل القناديل كأهل جامع يلبغا، فبلغهم، فأطفوها، ثم أتى رجل وشهد أن أول شعبان السبت، وأنه رأى هلاله ليلة السبت، وجاء آخر وشهد أنه رأى هلال رمضان بعد المغرب من هذه الليلة وزكى، فحكم بقبول شهادته، وأعيدت القناديل، وأصبح الناس صياما بحمد الله تعالى.
وفي بكرة يوم السبت سادس رمضان منها، أحضرت محفة حمراء على جمال إلى عند مسجد الذبان، وأركب فيها محمد بن الخواجا عيسى القارى وهو ضعيف، ومعه أخوته ركاب على خيل متقلدي السيوف، وذهب الجميع إلى مصر، بسبب تركة أبيهم المتوفى قريباً.
وفي يوم الأحد رابع عشره دخل المنفصل من كتابة السر بدمشق، الزيني العباسي، إلى دمشق من مصر.
وفي بكرة يوم الاثنين خامس عشره دخل من مصر إلى دمشق خاصكي اسمه قنبك، وهو شاب أشقر، بخلعة بطراز ذهب طويل، وتلقاه نائب الغيبة والقضاة، وأتى على يديه مرسوم بمصادرة أهل الذمة، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الأحد حادي عشريه رجع بإذن النائب جماعة من المشاة الذين ذهبوا من دمشق مع العسكر، وأخبروا بأمور، منها أن الغلاء كان مقيماً معهم، وبيع الرطل الخبز بنحو عشرين.
وفي هذا الشهر صلى بالقرآن جماعة أولاد منهم ولد عيسى البلقاوي بالقبيبات،
(1/107)

ومنهم ولد بدر الدين حسن البقاعي بجامع فراج، ومنهم ابن البغادرة بالباب الصغير.
وفي يوم الثلاثاء سابع شوال منها، شاع في البلد أنه ورد مرسوم شريف بطلب برهان الدين بن المعتمد، ورضي الدين الغزي، إلى مصر، بسبب ما قيل عن رضي الدين هذا أنه ثبت عليه بالشهادة قاضي الجبة، المقطوع الأنف، أن برهان الدين المذكور وجد في بيتٍ مبلغ خمسة آلاف دينار، وقيل خمسين ألف دينار، ثم سافر الرضي أواخر الخميس تاسعه.
وفي يوم الخميس هذا دخل الحاج الحلبي، وهم على ما قيل نحو أربعة آلاف جمل، بخلق كثير، خرجوا من حلب ومعاملتها هاجين من الفتن وظلم العسكر، الذي خرب بلاد ابن عثمان، وفسق في نسائها، وقتل خلائق منها، وحرقها؛ وإنما فعلوا ذلك لآجل ما فعل هو بقاصدهم الأمير ماماي، فإنه حبسه في مطمورة، ثم قصدوا الرجوع إلى حلب وإلى بلادهم.
وفي يوم الثلاثاء رابع عشره سافر القاضي برهان الدين بن المعتمد إلى مصر مطلوباً، وسفر نائب الغيبة معه جماعة يحفظونه، فالله يحسن العاقبة.
وفي السبت ثامن عشره سافر الوفد إلى مكة، وكانت الدراهم قلت جداً، خلاف الأشرفية والفلوس، وغالبها قرابيص، ولكن الأسعار رخيصة؛ ومن أغرب ما وقع أن عياشة صهرة جعفر المصري، من جماعة الحاجب الكبير، أكترت بخمسين أشرفياً في شقة، وابنتها مقابلتها، وركبت فيها وتوجهت إلى قبة يلبغا، فحمت، فقالت: أنا أرجع، فقالت لها امرأة: أنا أركب مكانك وأكتب علي الخمسين الأشرفي إلى أن أرجع من الحجاز، ففعلت ورجعت إلى طبقتها، فنظرت من طاقتها، فوقعت، فوقصت عنقها فماتت، فسبحان المقدر رجعت إلى حفرتها.
وفي ليلة الأحد سادس عشريه سافر قنبك الخاصكي راجعاً إلى مصر في محفة، بعد أن صادر أهل الذمة. وفي ليلة الثلاثاء ثامن عشريه دخل من مصر إلى دمشق الحاجب الكبير بحلب، وأخبر أن السلطان عتب على العسكر حيث جاؤوا ولم يعملوا شيئاً، بل غلثوا الخواطر بينه وبين ابن عثمان بلا فائدة.
وفي يوم الثلاثاء ثاني عشر ذي القعدة منها، دخل النائب إلى دمشق راجعاً من التجريدة من جهة المزة، ثم دخل الجلبان الدمشقيون والمصريون وضيقو على الناس، وخبأ الناس دوابهم وتعطلت مصالح الناس. وفي يوم الجمعة خامس عشره صلى النائب بمصلى العيدين في المقصورة، ومعه أولاده الأربعة في أناس قلائل، جاء من جهة باب الصغير، ثم خرج إلى المرج.
(1/108)

وفي يوم الجمعة ثاني عشريه، قبل الصلاة، وصل مرسوم شريف إلى الحاجب الكبير يونس بأن يفوض قضاء الحنفية، عوضاً عن العمادي الناصري، لمن يختار، من برهان الدين بن القطب، أو المحيي بن القصيف؛ وكان السبب في ذلك أن المحبي استعان بالحاجب المذكور في السعي له، وأن يكاتب له بذلك على ثلاثة آلاف دينار، ففعل، فورد المرسوم المذكور، فأما ابن القطب فأبى واعتذر بأنه عاجز ضعيف، وأما المحبي فإنه استشهد بجماعة واستكتبهم في أنه لا بأس به وقدم ذلك للحاجب.
ثم في يوم الثلاثاء سادس عشرينه فوض إليه الحاجب، ولبس تشريفة بطرحة، من الاصطبل إلى بيته، وركب معه الحاجب وقاضي الحنابلة النجم بن مفلح، وكان النائب إذ ذاك بالمرج، خرج منها ليغيب من جلبان السلطان الراجعين من التجريدة، وذم في سيرته. وفي يوم الأربعاء سابع عشرينه دخل دمشق من البلاد الشمالية من التجريدة الأمير قانصوه خمسمائة؛ وفي ثانيه دخل قانصوه الشامي.
وفي يوم الأحد ثاني ذي الحجة منها، سافر الأمير قانصوه خمسمائة من دمشق إلى مصر، وسافر مع بعض الأمراء. ثم في يوم الثلاثاء رابعه دخل الأمير الكبير الأتابك أزبك الظاهري من حلب إلى دمشق، ونزل بالقصر، وتقدمه يشبك الجمالي والأمير أزبك الخازندار. وفي يوم الجمعة سافر الأمير الكبير الأتابك، ولم يمكث لثاني يوم، يوم عرفة، وكان يشبك وأزبك الخزندار تقدماه يوم الخميس، سافر أولاً يشبك، ثم بعده بساعة سافر الآخر، وكان راح على وادي التيم جماعة من الأمراء والمماليك.
وفي يوم الأربعاء، آخر أيام التشريق، دخل نجم الدين بن الخيضري إلى دمشق من مصر، وأخبر عن أمر برهان الدين بن المعتمد، أنه تأخر بعد زواجه، ولا قوة إلا بالله. وفي يوم الخميس ثامن عشريه أطلق الجماعة المعتقل عليهم بالقلعة، المطلوبين إلى مصر، وهم: شعيب، وابن حمدان المؤذن، والمحب بن سالم، وابن الأربلي، ضمنهم القاضي الشافعي ليتجهزوا للسفر معه إلى مصر.
وفي هذه الأيام وصل الخبر إلى دمشق بأن السلطان ختن ولده محمد، وأمر بضبط ما يدخل إليه من المال هدية، فإذا هو يقرب من خمسين ألف دينار، وأن السلطان طرد قاصد نائب الشام وغوش على أستاذه لأجل استعجاله بالرجوع من المهم الشريف وأراد أمن يوقع به فأخرج، وأنه طلب الأتابك أزبك من الطريق على هجن، فدخل مصر قبل بقية الأمراء، وأنه قطع أيدي جماعة من المماليك، لكونهم أرادوا الوقوع بدواداره آقبردي، وأمره بالخروج إلى
(1/109)

بلاد نابلس والغور، وفي حجة إصلاح العشير بها، وإنما أخرجه ليسكن الشر، وينتقم لأجله.
وفي هذه السنة رأى عبد الوهاب الحريري، بباب الجابية، النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، وأنه أشار إليه أن يبنى مئذنة لمسجد البصل، فشرع في بنائها لصيق المسجد، مع قربها لمئذنة أخرى. وفها نقض حمام الزين الذي كشف القاضي الشافعي عليه، وعلى ما حوله، شرقي كنيسة مريم، بدرب الحجر وهذا الحمام له ذكر في التاريخ، عمارة رجل سامري بعد خرابه من زمن الخوارزمية، ثم دثر ولم يقرب إلى أن كشف عنه القاضي المذكور، ثم باعه للفلك.
وقال الشيخ علاء الدين البصروي في ذيله: وفي أواخر جمادى الأولى منها، وصل قاصد أرسله الشيخ عرب، عالم بلاد الروم، ليس في بلاد الروم أعلم منه، والقاصد اسمه أبو بكر، فذكر القاصد أن شيخه والعلماء وأرباب الوجوه ليسوا راضين بفعل ابن عثمان ومعاداته لأهل هذه البلاد، وأن الضرورة حصلت لهم، فإن الكفار طغوا حيث رأوا المسلمين يقاتل بعضهم بعضاً، وأشاروا بالصلح، فأجابه أزبك والأمراء: وإنا نحن متوجهون حيث رسم لنا السلطان، وأنت أذهب إلى السلطان، فإن رسم بالصلح فيكون ونحن هناك مجتمعون عليه؛ ثم توجه القاصد إلى مصر، وسار أزبك والعساكر إلى نحو حلب مجدين.
وفي جمادى الآخرة منها، وصل عتيق قجماس، تمربغا، متوليا نظر الجيش، ولبس خلعة.
في خامس عشر رجب منها، وصل جواب قضية الخاصكي أن يجهز الشيخ فرج وستة أنفس من أهل القيببات، بعد أن تطلب أهل الحارتين ويسألوا عن سبب قيامهم على الخاصكي؛ فقريء بحضرة القضاة وأركان الدولة، واتفقوا على أن الكلام في هذا يحرك فتنة أخرى، فسكن في الحال، وفيه جاء السراق إلى سوق التجار الذي تحت القلعة أول الليل بالأسلحة، وأخذوا أموال التجار، وخرج إليهم جماعة الحاجب الكبير، وقتل منهم واحد. وفيه قتل دواد الخاصكي فرقة من التركمان، ودوادار السلطان علي الأعور جماعة وادي التيم.
وفي ثاني شعبان منها، لبس الأمير برد بك الأشرفي خلعة بأمرة الحاج. وفي تاسع عشريه توفي الحاج عيسى القاري كبير التجار بدمشق، كان فيه خير للفقراء وإحسان، وكان يضبط زكوته ويخرجها، وابتلى آخر عمره بالانحياز إلى السلطان، واتهم في مال
(1/110)

البهار الذي أرسل إليه السلطان أن يشارك الأمناء عليه فورد فيه مرسوم، فحصل له بهدلة بسبب ذلك، فكانت سبب انقطاعه أحد عشر يوماً، ومات في عشر الثمانين، ودفن بمقبرة باب الصغير، بعد أن صلى عليه بالجامع الأموي القاضي الشافعي.
وفي يوم الأربعاء مستهل شوال منها، ثبت ببعلبك الرؤيا ليلة الثلاثاء، فظن بعض الناس أن مطلعهما متفق، أي ببعلبك ودمشق، ثم تحرر اختلافهما؛ حكى ذلك شخص عن الشيخ زين الدين الطرابلسي، كان عالم بعلبك، وسئل شيخنا شمس الدين التبريزي المؤقت بالجامع الأموي، فقال: إن مطلعهما مختلف، وخطب للعيد بالجامع الأموي القاضي الشافعي، بخلاف العيد الآتي فإنه خطب الشيخ سراج الدين بن الصيرفي لحصول بعض توعك له.
وفي ثامنه ورد مرسوم بأن القاضي رضي الدين الغزي الشافعي، أثبت على القاضي برهان الدين بن المعتمد الشافعي، خمسين ألف دينار، للخزائن الشريفة، ورسم يطلبهما فتوجه الرضوي تاسعه، والبرهاني ثالث عشره وكان أصل هذا أنه حصل بينهما اختلاف في حدود أرضين متلاصقتين، إحداهما للمارستان، والأخرى وقف أجداد القاضي برهان الدين، ففي أثناء اختلافهما احتد الرضوي وكتب للقاضي بهاء الدين الباعوني رسالة، ذكر فيها الخمسين ألف دينار، فيقال إنه أطلع عليها غيره، واتصل الخبر بالمصريين.
وفي ثامن عشره سافر الحاج الشامي، وأميرهم برد بك، وقاضيهم تقي الدين ابن قاضي زرع، أحد نواب القاضي الشافعي، وحج في هذه السنة الجمال العقرباني، والشهاب الخيري. وفي ثالث عشريه وصل مرسوم يطلب القاضي كمال الدين بن خطيب حمام الورد، والقاضي شعيب نائبي القاضي الشافعي، ودواداره محمد، ونقيبه ابن الأربلي نور الدين، ومحمد بن سالم محب الدين، وعلي الحمصي نور الدين، الشاهدين ببابه، وباستعجال القاضي الشافعي بالسفر، وكان حصل له حمى عوقته عنه. وفيه طلب العز بن حمدان نائب القاضي الحنفي مع آخرين من جماعته، فضمنهم القاضي الشافعي وسافروا معه.

سنة ست وتسعين وثمانمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين عبد العزيز بن يعقوب العباسي المتوكل على الله؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الأشرف أبو النصر قايتباي؛ ونائبه بدمشق قانصوه
(1/111)

اليحياوي؛ والقضاة: الحنفي محب الدين بن القصيف، والشافعي شهاب الدين بن الفرفور، والمالكي شهاب الدين المريني، والحنبلي نجم الدين بن مفلح؛ والأمير الكبير جانم مملوك السلطان، والحاجب الكبير يونس الشرفي؛ والحاجب الثاني تنم مملوك السلطان؛ ودوادار السلطان أركماس الملكي؛ ونائب القلعة مملوك السلطان الأيدكي؛ ونقيبها الأمير تمراز القجماسي، ودوادار النائب الخازندار كرتباي؛ وكاتب السر محب الدين الأسلمي؛ وناظر الجيش تمربغا الترجمان الأسلمي؛ وبيد القاضي الشافعي خطابة الأموي، ومشيخة الشيوخ، ونظر المارستان النوري، ونظر الحرمين.
وفي يوم الخميس خامس المحرم منها، شكت بنت الخواجا شمس الدين بن علوان الشويكي إلى النائب على زوجها بدر الدين حسن بن أيدكي بأنه عنين، وأنها بكر إلى الآن وقام معها جماعة إلى أن طلقها النائب منه، بعد أن أخذ منها نحو مائة وعشرين أشرفيا. وفي يوم تاسوعاء قبض على رجل حرامي بالقصاعين، وأقر على عملات كثيرة، فلم يمهله النائب وشنقه في الحال، وأنكر عليه ذلك.
وفي ليلة الأحد خامس عشره وقع بدمشق وما حولها ثلج كثير، واستمر إلى نصف النهار، فحصل في الأسطحة نحو ذارع، وتكسر بذلك كثير في الأشجار، سيما أشجار الزيتون، وكان الحطب قد غلا سعره وبلغ قنطار اليابس منه إلى نحو الثلاثين درهماً، فرخص سعره من يومئذٍ، واستمر الثلج في بعض الطرق وغيرها نحو عشرين يوماً، وكان آخره بمدينة زرع، وإلى مدينة حماة.
وفي يوم السبت حادي عشريه دخل إلى دمشق كتب الحجاج، وفيها أن الوقفة كانت يوم الأحد، وأن العسل والسمن كان في الطلعة رخيصاً، كل رطل منهما بخمسة دراهم، وأن الشاش والإزار كثير، وأن القماش الأزرق قليل، وأنهم أقاموا بمكة اثني عشر يوماً، وأنهم جاءهم سيل عظيم بها ذهب فيه أموال كثيرة، وأن تقي الدين بن قاضي زرع أتى معهم، وهو قاضي الركب، وأنهم صلوا عند النبي صلى الله عليه وسلم، الجمعة في الذهاب والإياب، وأن سعر التمر المباع من الثمانية دراهم إلى الخمسة عشر، وأن الجوز الهندي كل ثلاثين بأشرفي، وأن أمير الركب كان ظالماً.
وفي ليلة الاثنين ثالث عشريه غضب النائب على مملوك الخازندار، وأحاط على موجوده،
(1/112)

وأخرجه في الزنجير وغبا به، ينادي عليه، هذا جزاء من يخون أستاذه، واعتقله. وفي بكرة يوم الجمعة ثامن عشريه خرج نقيب القلعة تمراز بجماعتها على العادة، لتلقي المحمل وتبعه أرباب الدولة والناس على العادة، وكان وحلاً شديداً، فلم يدخل المحمل إلى وقت العصر وغالب العوام لم يصل الجمعة، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الخميس ثالث صفر منها، سافر القاضي الشافعي بعد تكرر طلبه إلى مصر، وخرج لوداعه غالب الفقهاء على العادة. وفي بكرة يوم الخميس عاشره لبس نائب السلطنة خلعة حمراء بمقلب على العادة، وكذا أولاده الأربعة، على يد قاصده من مصر، وكان اللبس من القبة، ومعهم القضاة الثلاثة وأرباب الدولة على العادة، وفي يوم الأربعاء دخل إلى دمشق من بلاد يعقوب، باك بن حسن باك قاصده، وصحبته هدايا سنية للسلطان، وصحبته بنت عم يعقوب، طلبها السلطان منه لأجل ابن عمها الذي عنده بمصر، ليزوجه بها.
وفي يوم الجمعة تاسع عشره بعد صلاتها بالجامع الأموي، نودي بالسدة بالصلاة غائبة على أربعة أنفس من العلماء المصريين، منهم: قاضي المالكية كان، الفقيه العالم برهان الدين اللقاني، وميلاده سنة ست وعشرين وثمانمائة؛ ومنهم خصمه في القضاء العلامة المفتن ابن تقي، توفي بعد خصمه بنحو سبعة عشر يوماً؛ ومنه الشيخ العالم البرهاني شيخ خانقاه سعيد السعداء، زين الدين عبد الرحمن السنتاوي، ميلاده تقريباً سنة أربع وعشرين وثمانمائة، ومنهم الشيخ العالم زين الدين سنان العجمي الحنفي شيخ تربة يشبك الدوادار، وكثر الترحم عليهم حيئنذٍ - ووقع المطر، وفي يوم الاثنين سابع عشريه وقع بدمشق وبخوارجها مطر، واستمر متراسلاً ليلاً ونهاراً، ووقع منه طباق كثيرة وجدران كثيرة أيضاً، وجاءت الزيادة إلى تحت القلعة.
ووصل حدها إلى مصاطب حمام الكحال، وسمت الماء الذي في جوف القناة قبلي مسجد المؤيد، وذلك في يوم الخميس مستهل ربيع الأول منها. وفي يوم السبت حادي عشره لبس قاضي الحنفية محب الدين بن القصيف خلعة جاءته من مصر، على حكم تفويض الحاجب الكبير، ثم عزل في ثاني عشر جمادى الآخرة منها، فمدة ولايته ثلاثة شهور؛ وورد
(1/113)

مرسوم بالقبض على ابن القطب، فاعتقل بجامع القلعة إلى أن تولى في يوم العزل المذكور.
وفي ليلة الأربعاء ثاني عشريه نقب حبس دوادار السلطان، الذي غربي جامع التوبة بشمال، وخرج منه جماعة كثيرة، غالبهم مظلومون، وهو غائب في الغور عند دوادار السلطان بمصر آقبردي. وفي هذه الأيام شاع بدمشق أن الأمير ماماي، الذي قبض عليه ملك الروم أبو يزيد بن عثمان وطمره، أطلقه وأرسل معه جماعة بالصلح وهم واصلون. وفيها أحدث دوادار السلطان، وهو الناظر على جامع يلبغا، على علو بابه الخارج إلى تحت القلعة، مكتباً للأيتام، وزعم أن أمه التي توفيت في هذه السنة، ودفنها في التربة التي أنشأها لصيق النحاسية، خارج باب الفراديس، أوصت بذلك.
وفي يوم الجمعة سادس عشر ربيع الآخر منها، عقب الصلاة بالجامع الأموي، صلي غائبة على الشيخ العالم المقرئ علاء الدين بن قاسم، توفي ببلده بالخليل. وفي يوم الاثنين تاسع عشره وصل قاصد النائب من مصر وعلى يديه خلعة بطراز لأستاذه، فلبسها من القبة على العادة، وصحبته أرباب الدولة، والقضاة الثلاثة، ما خلا الشافعي فإنه غائب بمصر. وفي يوم الجمعة ثالث عشريه قامت البينة على رجل من كرك، توجه ماشياً، منكرة في حق أبي بكر وعمر، فضرب بالسياط في بيت قاضي المالكية شهاب الدين المريني وطيف به بدمشق، ثم سجن.
وفي هذا الشهر ورد مرسوم شريف للحاجب بالكشف عن المدارس، فشرع يكشف. وفيه شاع أن سلطان العجم يعقوب باك بن حسن باك توفي قتلا، مع جماعة من أهل بيته، وأخبر رجل من بلاده أنه لما تولى كان عمره ست عشرة سنة، وأن له متولياً نحو اثنتي عشرة سنة، فعاش حينئذٍ ثمانية وعشرين سنة. وفيه أمر النائب بإبطال " سمع الله لمن حمده " بالجامع الأموي، فعورض فقال: يجمع بينهما، ثم لم يتم له ذلك. وفيه رسم أن لا يجلس الشهود بالجامع المذكور، لما قيل إنهم يدخلون النساء وأهل الذمة، ولعمري لقد أجاد في ذلك، سيما دركات باب البريد.
وفي يوم الأربعاء خامس جمادى الأولى منها، كشف الحاجب والقضاة جامع كفر سوسيا والمزة. وفيه وصل الماء إلى حمام كفر سوسيا، الذي اشتراه حميصة وجدده. وفي
(1/114)

يوم الجمعة سابعه ورد خاصكي من مصر، على يديه مرسوم بالفصل بين الأمير الكبير وبين دوادار السلطان في شر وقع بينهما قبل ذلك، وعلى يديه مرسوم بمصادرة من مع الدوادار، فقبض جماعات ووضعهم بالقلعة، واختبطت دمشق. ثم في يوم الأحد تاسعه غوش العمري القواس بالقلعة بحضرة الخاصكي، فدخل الحاجب الكبير ورطن على الخاصكي حتى كاد يقع به، ثم أمر المقبوض عليهم بالخروج إلى منازلهم فخرجوا.
وفي هذه الأيام ورد كتاب الخاصكي ماماي الذي كانت مقبوضاً عليه عند أبي يزيد بن عثمان من طرسوس إلى دمشق، تاريخه حادي عشر ربيع الآخر، وملخص ما فيه، أن أبا يزيد كان عزم على سلخ ماماي المذكور، وأن يخوزق بقية الخاصكية، فدخل الليل فسمعنا به قلبة، فظننا أنه أتى أمر الله، فلما أصبحنا استحضرنا إليه، فحضرنا ونحن على وجل فتلقانا ملتقى حسناً، فعجبنا لذلك، فأخبرنا أنه قد خسف بمكان له، ونزل صاعقة على آلة حربه، وزلزلت أماكن، وعصفت الريح، حتى أنه كاد يهلك، فلما رأى ذلك ذلك سلم لأمر السلطان وأكرمنا وسلمنا مفاتيح القلاع، وقال: إنه كان كافراً وقد أسلم وهو مملوك السلطان، وقد أرسل معنا قاضياً وجماعة خاصكية من جماعته في الرسلية إلى السلطان، ونحن واصلون.
وفي يوم السبت خامس عشره نودي بدمشق بإظهار الزينة لقدوم قاصد السلطان ماماي، ومن معه، من البلاد العثمانية، وتزايدت خلا القلعة، فإنها لم تزين لأن آلة الحرب قد ختم عليها في الحواصل، ولم يكن عادة أن تزين إلا بمرسوم شريف، ولم يرد لهم، وحصل على التجار والسوقة مشقة بالمبيت في حوانيتهم، مع كثرة الخمر والفساد وبنات الخطا وخروج النساء للفرجة، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الجمعة حادي عشريه وصل القاصد المذكور، ومن معهم، إلى مصطبة السلطان، ونودي بالخروج إليهم من كل بلد وحارة بالعدة وآلة الحرب، فلما كان الثلث من ليلة السبت ثاني عشريه، هرع الناس، وأطلق البارود بالقلعة، وجاءت العشران من كل جانب وتلقوهم، وكان يوماً حافلاً، استمروا إلى قريب الظهر حتى وصل إلى تجاه القصر بالميدان، وكان النائب والخاصكي ماماي نائبه في منزله، وقاضي الرسلية قاسم بن يكن خلفهما مصموداً، وفرح الناس بذلك، وفي يوم الاثنين خامس عشريه رفعت الزينة من دمشق. وفي يوم الخميس ثامن عشريه سافر الخاصكي ماماي وقاضي برصة في الرسلية،
(1/115)

ومن معهما، وخرج لوداعهم نائب السلطنة والحاجب الكبير وأرباب الدولة.
وفي ليلة الاثنين سادس عشر جمادى الآخرة منها، شاع بين أهل دمشق أن الأرض تزلزلت عقيب صلاة المغرب، وأن القمر خسف، ولم يحس بذلك جماعات، منهم شيخنا المحيوي النعيمي.
وفي يوم الجمعة العشرين منه، عقب صلاة الجمعة، صعد شخص على الكرسي تجاه محراب الحنفية، الذي يعظ عليه شهاب الدين بن عبية، وحضر ابن عبية هذا يسمع كلامه، فتكلم على " بسم الله الرحمن الرحيم " وأسماء الفاتحة، ونقل عن الشيخ شهاب الدين بن العماد وتقي الدين الحصني وغيرهما، فسئل عنه فقيل هذا من نابلس يعرف بابن مكية، لم يكن له شيخ سوى أنه اشتغل يسيراً على شمس الدين بن حامد. وفي بكرة يوم الأحد ثاني عشرينه، وهو أول أيار، تزلزلت الأرض بدمشق أيضاً قبل طلوع الشمس.
وفي يوم الثلاثاء ثامنه وصل من مصر إلى بيته بالصالحية القاضي جمال الدين بن خطيب حمام الورد، صهر ابن أخي القاضي الشافعي، متولياً بمصر. وفي يوم الخميس عاشره، وهو يوم الموسم، لبس برهان الدين ابن القطب قضاء الحنفية عوضاً عن المحب بن القصيف، على مبلغ ألفي دينار، وذلك بعد أن مكث معتقلاً عليه بجامع قلعة دمشق مدة نحو تسعة شهور، وقرأ توقيعه صاحبه القاضي شمس الدين الحلبي بالجامع على العادة، وتاريخه ثاني عشره جمادى الآخر منها.
وفي يوم الاثنين رابع عشره دخل من مصر الأمير تاني بك مملوك السلطان وقد فوض إليه استادارية الغور، وصحبته أحد الألوف بدمشق قايتباي على إقطاع سودون الطويل، وتلقاهما النائب والقاضي الجديد وأرباب الدولة، ونزل الأول ببيت ابن منجك، والثاني جوار المدرسة الآمدية. وفي يوم الاثنين حادي عشريه وصل من مصر إلى أوائل عمران دمشق القاضي شعيب، وأرسل وراء أعلام الأحمدية، ودخل دمشق على هيئة مهولة، وكان وصل قبله المحب بن سالم والأربلي وجماعة ممن طلبوا إلى مصر.
وفي يوم الاثنين خامس شعبان منها، دخل من مصر إلى دمشق دوادار السلطان، بعد أن كان طلبه السلطان أستاذه، ونصر غرماءه عليهم، منهم عبد القادر بن السيراجي المزي، وأخذ له
(1/116)

منه ستمائة دينار، وأخذ لنفسه منه نحو خمسة عشر ألف دينار على ما قيل، وكان تقدمه عبد القادر المذكور بأيام إلى المزة، وأولم لأهلها وليمة، ودخل مع الدوادار المذكور غرماء عبد القادر المذكور وهم: شعبان المعمم، وشعبان الريس، ويوسف بن الداراتي. وفي يوم الثلاثاء رابع عشره وصل البدري بن أخي القاضي الشافعي من مصر إلى دمشق.
وفي يوم الأربعاء ثالث عشر رمضان منها، وقت الغداء، خرج من أوائل مقابر باب الصغير نجم كبير، وجرى جرياً شديداً إلى جهة القبلة، وله هدير كهدير البعير. وفي يوم الأحد سابع عشره رجع من مصر قاضي برصة، قاصد ملك الروم أبي يزيد بن عثمان، وصحبته جماعة كانوا في الاعتقال بمصر، منهم الطواشي الأبيض الذي كان مسك في البلاد الحلبية وأرسل إلى مصر، ودخلوا في هذا اليوم مخلوعاً عليهم بإكرامٍ حافلٍ، وتلقاهم النائب وأرباب الدولة على العادة، وعشران البلاد، ومشاة الحارات، وقد أفطر منهم خلق كثير، وكان يوماً حافلاً.
وفي هذه الأيام وصل المنفصل عن قضاء الحنفية زين الدين الحسباني إلى غزة، فرفسه فرس وهو راكب، فانكسرت رجله، فحمل إلى دمشق، فوصلها أيام العيد، واستمر في شدة منها. وفي يوم الاثنين خامس عشريه دخل من مصر إلى دمشق، أمير غزة، وناظر وقف السلطان، جان بلاط، قاصداً من السلطان إلى أبي يزيد بن عثمان، ومعه تحف، وكان قاصد ابن عثمان إلى الآن بدمشق.
وصلى في هذا الشهر جماعة من الصبيان، منهم ابن الشاهد بخان السلطان البقاعي، ومنهم ابن مؤدب الأطفال بقبر عاتكة أبي بكر بن المجنون، ومنهم ولد شيخنا المحيوي النعيمي واسمه تقي الدين أبو بكر، ختم بجامع البزوري، ومنهم ولدان من بيت الموصلي.
وفي هذه الأيام وردت الأخبار من حلب بأن العوام حصروا نائبها أزدمر، وقتل من جماعته نحو اثني عشر رجلاً، ومن العوام نحو مائة؛ ومن مصر بأن والي القاهرة، وأحد الألوف، يشبك من حيدر، كان خصماً لأينال الخسيف نائب حماة، فقال السلطان: اذهب إلى حماة مكانه وهو يجيء مكانك، ومن صفد بأن نائبها يلباي عزل واستقر من مصر عوضه أزدمر المسرطن وهو أستاذ آقبردي دوادار السلطان يومئذٍ، وهبه للسلطان لما بلغه أنه من قرابته.
(1/117)

وفي يوم الثلاثاء عاشره دخل الحاج الحلبي من حلب إلى دمشق. وفي يوم الثلاثاء سابع عشره سافر قاصداً السلطان جان بلاط إلى ابن عثمان، وكان تقدمه قاضي برصة قاصد ابن عثمان.
وفي يوم الخميس تاسع عشره سافر الحاج من دمشق؛ قال شيخنا المحيوي النعميم: ولم أرهم تأخروا مثل هذه السنة. وفي يوم الخميس سادس عشرينه رجع الناس من المزيريب، وأخبروا بالرخص المفرط في كل شيء. وفي هذه الأيام لبس أحد مقدمي الألوف، قايتباي، خلعة بنيابة كرك الشوبك، مع المقدمة المذكورة بدمشق.
وفي يوم الاثنين ثامن ذي القعدة منها، دخل من مصر إلى دمشق خاصكي على يمين النائب، وقدامه بريدين بعلامتين صفر، يبشر بوفاء النيل. وفيه شاع بدمشق أن شخصاً اشترى بيتاً احتاج إلى تزويق ثنياته، فأتى لها بمعمارية وشارطهم على عملها، وأعطاهم المفتاح وذهب إلى شغله، فهم في عملها، وحفر مكان وضعها، سقط عليهم من مكان الحفر قشر جوزة هندية، فإذا فيها عدة أربعمائة دينار وعشرة دنانير فتخاصموا عليها، فعلم بها النائب، فأخذها منهم وأعطاهم عشره أشرفية.
وفي يوم الخميس حادي عشره دخل من مصر إلى دمشق الأمير كسباي، قيل إنه من أقارب السلطان، قد فوض إليه أمرة أربعين، وهو الإقطاع الذي للأمير تمراز المتوفى. وفي هذه الأيام ورد مرسوم شريف بطلب السيد كمال الدين بن حمزة إلى مصر، فوجد قد سافر إلى الحجاز، فرد الحاجب الكبير الجواب بذلك، ثم سافر إلى مصر.
وفي يوم الجمعة بعد الصلاة سادس عشرينه سافر الأمير الكبير إلى مصر، وودعه الأكابر بدمشق، مطلوباً ليولى أميراً آخوراً بمصر. وفي ليلة الأحد ثامن عشريه وجد شاب أمرد قد قتل وحمل ورمي في خشخاشة بمقبرة الباب الصغير، فأخذ وغسل وكفن بوزره، ثم صلي عليه ثم دفن، ولم يعرف من أين هو ولا من قتله. وفي هذه الليلة نقب خان الحصني من المصلى، وأخذ من داخله مال كثير.
وفي ليلة السبت رابع ذي الحجة منها، سافر وكيل السلطان بدمشق صلاح الدين العدوي إلى مصر مطلوباً. وفي هذه الأيام أرسل النائب سرية بالقبض على نائب حمص المعروف بالحليق بن أصلان بك الغادري، فقبض عليه بغتة وأتي به ووضع في قلعة دمشق، في يوم الأحد خامسه - وفي يوم الاثنين سادسه، دخل إلى دمشق من مصر نائب حمص الجديد.
(1/118)

وفي يوم الخميس، يوم عرفة، دخل من مصر إلى دمشق الخاصكي ماماي قاصداً نائب حلب أزدمر الطويل، ليصلح بينه وبين أهلها، وكان إلى جانب النائب حالة دخوله. وفي يوم الاثنين، آخر أيام التشريق، توفيت زوجة المرحوم إبراهيم بن منجك، وكان قد وقف بيته الجديد الذي كان حمام الصحن عليها، ثم من بعدها على الجامعين الحصوي والقصبي، ودفنت عنده في التربة بالجامع الحصوي. وفي هذه الأيام ورد إلى دمشق جماعات من بلاد المغرب من مقاتلة غرناظة، بعيالهم وأولادهم، لاستيلاء الفرنج على بلادهم.
وقال الشيخ علاء الدين البصروي في ذيله: وفي يوم الخميس ثالث صفر سافر القاضي الشافعي إلى مصر كما قدمنا، ومعه من طلب من جماعته وجماعة القاضي الحنفي، وتوجه معه البدري محمد بن أخيه، والشيخ محمد التونسي، من فضلاء المالكية، ثم لحقه شهاب الدين بن بري، وفي ثامن عشريه اجتمع القاضي الشافعي بالسلطان وحصل له إقبال عليه، ومن أركان الدولة، ونزله بمنزل قريب من جامع الأزهر، عينه له السلطان، يعرف ببيت مثقال، وكان قبل طلوعه إلى القلعة جهز له السلطان سماطاً لتربته وفرساً، ورفع الترسيم عن ابن بري.
وفي ربيع الأول منها، قدم هديته. وفي سابعه أطلق البرهان المعتمد من الترسيم لأجله.
وفي ربيع الآخر منها، أمر النائب أن المبلغ بالجامع الأموي إذا رفع الإمام رأسه من الركوع، أن يقول: ربنا لك الحمد، ولا يقول: سمع الله لمن حمده، متعلقاً بأن كل مأموم عند أبي حنيفة يقول: ربنا لك الحمد، ومذهب الشافعي، بأن قول: سمع الله لمن حمده، ذكر الرفع، وقول: ربنا لك الحمد، ذكر الانتصاب للاعتدال، روى فعل الأمرين عن النبي صلى الله عليه وسلم، البخاري ومسلم، وأما حديثهما إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، فلا دليل لهم فيه، فإنا نقول ذلك مع قول ما ورد في حديث غيره، عملاً بالأحاديث كلها، قلت يعكر على ذلك التعقيب المستفاد من إلغاء، ثم حصل من الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون تحرك مع أنه كان متضعفاً، واجتمع بالنائب في جماعة، وحضر معهم الشيخ برهان الدين الناجي، وحط الحال على أن المحراب المختص بالشافعية، يعمل فيه بمذهب الشافعي، والمختص بالحنفية، يعمل فيه بمذهب أبي حنيفة، وانفصل الحال على هذا.
وفي جمادى الأولى منها، عاد من الروم قاصد السلطان بسبب الصلح، واسمه ماماي،
(1/119)

ومعه الشيخ بدر الدين بن جمعة من أعيان العلماء الفضلاء بمصر.
وفي عاشر رجب منها، لبس القاضي برهان الدين بن القطب قضاء الحنفية، وفوض للقاضي شمس الدين الحلبي، والقاضي محيي الدين الناصري، والقاضي بهاء الدين الحجيني، والقاضي كمال الدين بن سلطان، والقاضي شمس الدين الغزي، وعمي القاضي جمال الدين بن طولون، وشرط على الجميع أن لا يحكموا إلا بالتورية.
وفي شعبان منها، اجتمع القاضي شمس الدين الغزي الحنفي عند القاضي محب الدين بن القصيف، في بستان، ونزل واغتسل في النهر الذي في البستان بحضرة الجماعة، فقال ابن القطب مستخلفه: إن هذا الفعل على هذه الكيفية مسقط للمروء.
وفي رمضان منها، عزل ابن القطب نائبه كمال الدين بن سلطان.
وفي تاسع عشر شوال منها، سافر الحاج وأميره برد بك الظاهري، وقاضي الركب شهاب الدين الحمصي، رئيس المؤذنين بالجامع الأموي.
وفي ذي القعدة منها، في تاسع عشره، سافر الحاجب الكبير يونس إلى مصر، وخرج عليه قطاع الطريق قريب الملاحة وأخذوا ما معه من المال، يقال عشرة آلاف دينار. وفي سادس عشريه سافر الأتابكي بدمشق، جانم مصبغة، إلى مصر متولياً تقدمة بها.
وفي ثالث ذي الحجة منها، سافر القاضي صلاح الدين العدوي إلى مصر مطلوباً. وفي يوم عرفة توفي قاضي القضاة شهاب الدين أحمد المريني المالكي، وصلي عليه بالجامع الأموي عقب صلاة الجمعة، ودفن بمقبرة باب الصغير، قريب جامع جراح، وكان له اشتغال لكن مع وقوف ذهنه، وكان سليم الخاطر أول ما تولى القضاء في عشري المحرم سنة 876، وتخللها ولاية القاضي كمال الدين العباسي في نصف جمادى الأولى سنة 879، ثم عزل في جمادى الأولى سنة 885 وقد بلغ الثمانين، وكان عفيفاً في باب القضاء، لم يقل عنه إنه ارتشى قط. وفيه توفي الشيخ محمد التونسي المالكي، وكان عالماً بفقه المالكية، وبالقراءات والنحو وغيرها، سريع الإدراك، حسن التصور.
(1/120)

سنة سبع وتسعين وثمانمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله عبد العزيز بن يعقوب العباسي؛ وسلطان مصر والشام وما مع الملك الأشرف أبو النصر قايتباي؛ ونائبه بدمشق قانصوه اليحياوي؛ والقضاة: الحنفي برهان الدين بن القطب، والشافعي شهاب الدين بن الفرفور، وهو بمصر مقيماً، والمالكي وظيفته شاغرة، وفي أثنائها كما سيأتي تولى شمس الدين الطولقي التاجر، والحنبلي نجم الدين بن مفلح، والأمير الكبير جانم، وهو مقيم بمصر؛ والحاجب الكبير الشرفي يونس، وهو مقيم بها أيضاً؛ والحاجب الثاني تنم؛ ودوادار السلطان أركماس الملكي؛ ونائب القلعة مملوك السلطان الأيدكي، ونقيبها الأمير تمراز القجماسي؛ ودوادار النائب مملوكه جندر، وكاتب السر محب الدين الأسلمي؛ وناظر الجيش تمربغا الترجمان الأسلمي.
وفي يوم الجمعة ثاني المحرم منها، ورد كتاب من برصة، أرسله الخواجا شمس الدين محمد بن حسن الطواقي الأربلي ثم العاتكي الدمشقي، فيها أنه وصل إلى برصة يوم عيد الفطر، وأنه ليلته احترق بها ألف بيت، وأنه وجد بها وباء بالطاعون، ولكنه في أواخر شوال من السنة الماضية نقص عنهم. وفي يوم الخميس منه، أفرج عن نائب حمص الحليق من قلعة دمشق، وخلع عليه استادارية الغور، وخرج من دار السعادة بها، وهي خلعة معظمة، وذلك بمقتضى مرسوم شريف، قيل إنه كان غضب عليه السلطان وعزله عن نيابة حمص، وقبض عليه لتأخر قوده، فلما وصل قوده بعث بالإفراج عنه، وأن يفوض إليه لنائب الاستادارية المذكورة، ففعل.
وفي يوم الجمعة سادس عشره والخطيب على منبر المصلى، وجمٌ غفير بالشمس في المصلى، وإذا قد رأوا جارياً بطرفه الشرقي إلى جهة القبلة، فهرع الناس إلى طرده وضربه، فرجع من الجهة الشمالية إلى الغربية، ثم اصطيد، وذبحه رجل غريب، وقد أقيمت صلاة الجمعة بعد أن ارتج المصلى من الغوغاء.
وفي يوم الاثنين تاسع عشره اجتمع أرباب صناعة القماش الحريري من كل حارة بدمشق، وحملوا أعلام الجوامع، وكبروا تجاه دار السعادة على الخاصكي الذي ورد من مصر لمصادرتهم، على كل نول حرير يأخذ شيئاً معلوماً، فلم يأخذ النائب بيدهم، ورسم له منهم
(1/121)

بنحو خمسة عشر ألف درهم، يرمي على كل حارة بشيء معلوم، ولا قوة إلا بالله.
وفي بكرة يوم الخميس ثاني عشريه، دخل دمشق كتب الوفد الشريف. وفي بكرة يو الثلاثاء سابع عشريه دخل أوائل الحاج، وحينئذٍ لبس النائب خلعة حمراء بفرو، من القبة على العادة، ودخل دمشق ومعه أرباب الدولة، ثم فيه دخل المحمل بعد الظهر. وفي يوم الجمعة سلخه عقب الصلاة كبر بالجامع الأموي أهل قرية المزة وغيرهم، على دوادار السلطان لكثرة ظلمه لأهل المزة مراراً وضربهم، ولم يعتبر بما جرى له بمصر بسببهم، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الجمعة سابعه سافر جندر دوادار النائب، وصحبته نائب بعلبك المخصي، وصحبتهما صدقة السامري ديوان النائب، مطلوبين إلى مصر. وتولى الدوادارية الأمير قطش مضافاً لما معه من الحسبة. وفي يوم الثلاثاء تاسع عشره سافر قاضي الحنفية برهان الدين بن القطب، ولحقه المنفصل عن نيابة صفد الأمير يلباي للحساب بينه وبين نائبها المتصل بها أزدمر المسرطن، وقد بشر يلباي المذكور بالأمرة الكبرى. وفيه خرج من دمشق إلى الغور أستاداره المنفصل عن نيابة حمص، المشهور بالحليق.
وفي يوم الخميس بعد ظهره، سابع عشريه، صدر ولد المرحوم شمس الدين بن خطيب السقيفة، ولقبه صدر الدين، في تصدير والده بالجامع الأموي لما توفي، وحضره الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون، والشيخ شهاب الدين المحوجب، والقاضي الرملي، وآخرون؛ ودرس في قوله تعالى: " إن ولي الله الذي نزل الكتاب "، وتكلم عليها يسيراً على قدره، ثم قال تقي الدين: يكفي هذا، وسقى الحاضرين سكراً.
وفي بكرة يوم الثلاثاء ثالث ربيع الأول منها، رجع إلى دمشق الأمير جان بلاط، قاصد السلطان في الصلح إلى أبي يزيد بن عثمان، وقد أنعم عليه، وعلى ستة أنفار معه، بالخلع والمماليك والجواري والجمال والقماش الحرير والذهب وغير ذلك، وأنه راضٍ بما أراده السلطان منه، وكانت غيبته نحو خمسة شهور، وقد حصل للناس أمن في أوطانهم، ولله الحمد؛ وتلقاه أرباب الدولة على العادة.
وفي يوم الأحد ثامنه خرج جان بلاط المذكور من دمشق، مسافراً إلى مصر، وخلع عليه النائب خلعة حمراء بفرو سمور خاص؛ ثم وصل إلى مصر في ثاني عشرين الشهر. وفي يوم الخميس ثاني عشره لبس الأمير يلباي المؤيدي، أحد الباقين من مماليك الملك المؤيد، ولد
(1/122)

السلطان أينال الأجرود، المنفصل عن نيابة صفد، أتابك عساكر دمشق، عوض المنفصل عنها جانم الذي تولى في الشهر قبله وظيفة أمير آخور بمصر، بعد سفره من دمشق، كما تقدم.
وفي هذا اليوم وهو ثاني عشره الأصم، جاء الأمير الشرقي قاسم بن الصارمي إبراهيم بن منجك، إلى تربة عم جده الأمير أبي المعالي عمر بن الأمير أبي الجود منجك الركني، وصحبته جماعة منهم أقضى القضاة نور الدين بن منعة الحنفي، ومعمهما شاهدان، أحدهما العالم شمس الدين الصباغ الحنفي، والآخر أحد المعدلين العكاري، ومنهم شمس الدين الطيبي النابلسي، ومعمار الوقف المعالم أبو بكر أجير عبد الوهاب، وحضر شيخنا المحيوي النعيمي، وجلس على يمين المحراب بالتربة المذكورة، على يسار الأمير يلباي، وعن يمينه القاضي المذكور.
ثم برز الشيخ محمد بن عصفور الشاكي على الأمير بمرسوم يتضمن: أن الحاجب الثاني يلزم الأمير المذكور بإخراج كتاب وقف التربة المذكورة والعمل بما فيه، طلبه يوسف مملوك ناظر الخاص بن الصابوني، فورد على يد عبد الرحمن الأخفافي، فأبرز الأمير كتاب وقف أمضاه لواقف عامله عبد الرزاق، والد الديوان شهاب الدين بن عبد الرزاق، وهو المورق، وشهد معه على الواقف عتيقة يلبغا المنجكي، ورجل آخر اسمه سليمان، فعدد فيه جهات مرسومة على باب التربة فوق العتبة العليا، وذكر فيه أن للإمام كاتب الغيبة في كل شهر مبلغ خمسة وأربعين درهماً، وللبواب المقيم المؤذن مبلغ ستين درهماً، ولعشر قراء يقرؤون كل يوم مجتمعين أو فرادى حزباً واحداً، في كل شهر مبلغ مائة وخمسين درهماً، ولعشر أيام، بشرط ألا يجاوز أحدهم مكثه أربع سنين، في كل شهر مبلغ مائة وخمسين درهماً، وفي تفرقة خبز على باب التربة كل شهر ثلثمائة درهم.
ويصرف في السنة للأيتام المذكورين كسوة مبلغ خمسمائة درهم، ومبلغ خمسين درهماً أيضاً في ثمن حبر وأقلام ودوى، وأن يجلس لهم مؤدبهم، وهو الآن الشاكي على الأمير، ومن صحوة النهار يؤدبهم ويقرئهم ويكتبهم على العادة ثم يقرأ بهم قبيل العصر مجتمعين ما تيسر من القرآن، ثم يهديه إلى الواقف وأخيه إبراهيم، ثم المسلمين، وشرطه أن يكو، رجلاً مسلماً حافظاً لكتاب الله ديناً غير متهم، وله في كل شهر مبلغ أربعين درهماً، ويصرف لرجل مسلم عالم بالحديث والنحو واللغة، فصيح اللسان، يقرأ في كل سنة في رجب ثم شعبان ثم رمضان
(1/123)

صحيح البخاري جميعه، وفي السنة التالية صحيح مسلم، ويخم يوم سابع وعشرين منه، ويصرف في يوم العيدين في ثمن نقل يفرقه الناظر مبلغ عشرين درهماً، ويصرف في الموسمين في ثمن حلوى مبلغٍ خمسين درهماً، ويصرف في عيد الأضحى كل سنة في ثمن أضحية مبلغ مائة وخمسين درهماً، ويصرف في ثمن زيت، برسم التنوير، في كل شهر مبلغ خمسة عشر درهماً، ويصرف لرجل يأتي في كل شهر مبلغ عشرين درهماً، ولرجل يكون عاملاً يحصل ريع الوقف في كل شهر مبلغ ثلاثين درهماً.
وأن يكن النظر للأرشد فالأرشد من أولاد الوقف، إن كان، ثم الأرشد فالأرشد من أولاد أخيه إبراهيم، ثم أولادهم، وأولاد أولادهم، فإن لم يوجد أحد منهم يكون لخطيب المسلمين، ثم لحاكمهم، وشهد الشهود على الواقف مرتين، الأولى في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، والثانية في سنة سبع وتسعين وسبعمائة، وأدوا على عز الدين بن العز معتوق بن الكشك الحنفي، وشهدوا أيضاً بالملك والحيازة بذيل الكتاب في رسم شهادتهم، ولم يحكم القاضي بصحة ذلك.
قال شيخنا النعيمي: وتريبنا ذلك لوجوه، الأول كون ذلك في الوارث للواقف، وأنه عمل ذلك في حياته إن صح ذلك، والثاني كونه لم يذكر في التربة سوى قاعتين، وبها أربع قاعات، الثالث لم يذكر أخلية التربة الثنيتين المعروفتين داخلها، الرابع جعل حدها من القبلة قليط وإنما هو غربيها، الخامس جعل حدها من الشرق مسجد الذبان، وإنما مسجد البص، ومسجد الذبان شمالي السكة، السادس لم يذكر الحاصلين جوار المعصرة، وهما بناء الواقف، السابع لم يذكر نصف سوق الهواء، ولا البستان بالمحاجية، ولا السوق بالمنيبع، والفرن بها، الثامن لم يذكر ثمن الحصر ولا البسط ولا القناديل، ولا أجرة الشاوي ولا المجاورين ولا شيخهم؛ وفي اليوم المذكور حكم القاضي المذكور بمنع حمدان من التعرض لخلاء التربة، ولا يمنع منه الدخول لأحد.
وفي هذه الأيام أتى رجل يعرف بابن الذئب، من قرية داريا، من مصر، وعلى يديه مرسوم إلى نائب السلطنة، بأخذ حقه ممن قتل ولده وهو خطيب داريا، وجماعة آخرون عاصون، فنادى النائب لأهل داريا بالأمان، بحيث أمن الجماعة المذكورون، فبيتهم ابن الذئب المذكور، وأتى ليلة الخميس تاسع عشره وأعلم بهم النائب فأرسل سرية بالليل وأمسكهم،
(1/124)

وقطع رأس الخطيب المذكور، وولده ثلاثة رؤوس آخرين، وقبض جماعة، وعلقوا الرؤوس في رقابهم ودخلوا بهم ينادي عليهم: هذا جزاء من يقتل التي حرم الله ويعصي، فلما وصلوا إلى النائب أمر بصلب المقبوض عليهم ويتوسيط جماعة منهم، ولا قوة إلا بالله.
وفيه ورد مرسوم شريف إلى نقيب قلعة دمشق بأن يأخذ من كل مذهب قاضياًَ وشهوداً معتبرين، وأن يأخذ معمار السلطان والحجارين، وأن يسافروا إلى قرية كفر دانس، وأن يحفروا في جبل هناك مغارة بها مطلب، وكان ذهب دفن الجاهلية، فيعطى خمسه للفقراء والباقي يحمل بعد ضبطه ويوضع بقلعة دمشق، وإن لم يوجد شيء في ذلك فلا يغرم أحد من الذين سعوا في ذلك، ولا يتعرض لهم، فسافر الجماعة المذكورون يوم السبت حادي عشريه، ثم بعد أيام رجعوا، ولم يروا شيئاً بعد تعب شديد، ومدة غيبتهم أربعة أيام، ولا قوة إلا بالله.
وفيها ورد من مصر كتاب بأن وظيفة قضاء المالكية قد خرجت باسم شمس الدين الطولقي المالكي، التاجر في حانوت يومئذٍ بدمشق، وأن تقليده أخذه قاضي الشافعية شهاب الدين بن الفرفور، الذي هو الآن بمصر، وهو السبب في ذلك. وفي يوم الخميس سادس عشرينه وصل الأمير ماماي من حلب إلى دمشق، بعد أن أصلح بين أهل حلب ونائبهم.
وفي يوم السبت رابع ربيع الآخر منها، شاع بدمشق موت أزدمر نائب حلب؛ وأن أزبك الظاهري، أتابك مصر، أمره السلطان بالذهاب إلى مكة. وفي يوم الاثنين رابع عشره وصل الخبر إلى دمشق بأن الحاجب الكبير بها، الذي سافر إلى مصر في السنة الماضية، خرج من مصر يوم الجمعة رابع الشهر؛ وأن برهان الدين بن المعتمد تولى نيابة تدريس الأتابكية بالصالحية، وتدريس الشامية الجوانية.
وفي يوم الخميس خامس عشريه رجع من مصر الحاجب الكبير بدمشق يونس، وصحبته دوادار النائب كان، جندر، مخلوعا عليهما، وصحبتهما خلعة للنائب؛ وكان يوماً شديد الوحل، فيه بعض ثلج أتى ليلاً، ثم ذاب، وجدت المزاريب حال دخولهم.
وفي يوم السبت تاسع عشر جمادى الأولى منها، تكلم المعمارية بدمشق في ميل مئذنة جامع حسان، وأنها آيلة إلى السقوط على جهة الشرق، فخاف الناس، فنقضت في يوم الاثنين بعده. وفي هذه الأيام نقض أيضاً حمام قصيعة، قبلي المئذنة المذكورة. وفي يوم الاثنين سابع عشريه دخل راجعاً من مصر إلى دمشق القاضي الشافعي، وصحبته برهان
(1/125)

الدين بن المعتمد، وتلقاهما أرباب الدولة والناس على العادة، ودخل بخلعة حمراء، وعليها فروة سمور، وكان يوماً مشهوداً، ومدة غيبته سنة وأربعة شهور إلا ستة أيام، ومدة غيبة برهان الدين سنة وسبعة شهور وثلاثة عشر يوماً.
وفي يوم الخميس مستهل جمادى الآخرة منها، لبس قاضي المالكية شمس الدين محمد الطولقي، التاجر بسوق جقمق ثم كان بسوق تجار خان السلطان، تحت القلعة، وقريء توقيعه على العادة تجاه محراب الحنفية، أتى بتوقيعه على يد القاضي الشافعي، وتاريخه مستهل ربيع الأول منها. وفي ثاني يوم وهو يوم الجمعة حضر الشافعي إلى باب الخطابة بالجامع، ولم يكن معه أحد من المعتبرين بل وحده، فرأى سجادات القضاة الحنفي والمالكي ثم الحنبلي إلى جانب سجادته، فدخل بيت الخطاب ليخطب، فلما قربت الصلاة أتى الحنفي ثم الحنبلي، وأبطأ المالكي الجديد فأتى ومعه جماعة قلائل، منهم الطرابلسي، وصهر المريني، وهو مطيلس، خلفهما، فدخل وجلس تحت الحنفي فوق الحنبلي، ولم يصل سنة الجمعة على ...

سنة تسعة وتسعين وثمانمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله عبد العزيز بن يعقوب، وسلطان مصر والشام الملك الأشرف أبو النصر قايتباي، ونائبه بدمشق قانصوة اليحياوي؛ والقضاة: الحنفي وظيفته شاغرة، ثم وليها في أثناء هذه السنة كما سيأتي محب الدين ابن القصيف، والشافعي شهاب الدين بن الفرفور، والمالكي شمس الدين الطولقي، والحنبلي نجم الدين بن مفلح؛ والأمير الكبير يلباي؛ والحاجب الكبير الشرفي يونس، والحاجب الثاني تنم؛ ودوادار السلطان أركماس، ونائب القلعة برد بك، ثم وليها يخشباي؛ ونقيبها قانصوه الفاجر؛ وكاتب السر محب الدين الأسلمي؛ وناظر الجيش تمربغا الترجمان الأسلمي؛ ودوادار النائب قطش.
وفي يوم السبت مستهلها خلع بنيابة القلعة للأمير برد بك أحد مماليك السلطان، فدخل القلعة متضعفاً على نية أن يلبس تشريفه إذ طاب بعد أيام، فقضى نحبه عشية الاثنين ثالث هذا الشهر المحرم. وفي يوم الاثنين عاشوراء، أمر النائب بتوسيط نصراني اسمه إسحاق اللحام، لأجل أنه قتل زوجته التي كانت ترضع ولده منها، لكونها فرضت عليه فرضاً دراهم؛ فوسط على باب بيتها بحارة النصارى.
وفي صبيحة يوم السبت ثاني عشريه دخلت كتب الوفد
(1/126)

الشريف إلى دمشق، وأخبروا عن الحاج بغلاء كثير، وعطش شديد، وموت الظهر، وأن الركب الحلبي سافر على طريق راشدة، فوجد ماءً كثيراً، بخلاف الركب الشامي، وأن الوقفة كانت في يومين: الجمعة والسبت، وأن الشاش والإزار كثير؛ ثم دخل الوفد الشريف يوم السبت تاسع عشرينه.
وفي صبيحة يوم الأربعاء ثالث صفر منها، رئي الشاب العطار يوسف بن الوصواص العاتكي مقتولاً عند القصر الظاهري. وفي يوم الأربعاء عاشره قتل الأزعر علي بن بلغان، رفيق صيور الشاغوري، سلط النائب عليه من قتله، فذهب أخو المقتول إلى والي الشاغور ابن العماد فقتله، وكبست الشاغور، على أن يمسك صيور مماليك النائب، فلم يقدروا عليه، فخافت امرأة من الشاغور لها بنت قد آن دخلوها على زوجها، فهربت من الشاغور بجهازها إلى عند أخت لها بالسويقة المحروقة، مرعوبة، فسقطت على باب أختها فماتت في الحال، فهذه ثلاثة أنفس بجريرة صيور أيضاً.
وفي يوم الخميس حادي عشره اجتمع الجم الغفير بالجامع الأموي، ومنعوا آذان الظهر والعصر إلا على باب المئذنة بالرواق؛ وكبروا على دوادار السلطان، لكونه مسك اثنين من جماعة الشيخ مبارك، لكونهم منعوا الحمارين من المجيء إلى دمشق. وفي يوم الأحد حادي عشرينه شاع بدمشق موت جماعة من نواب المملكة، منهم أزدمر نائب حلب، بعد تسحب ولده المطلوب إلى مصر، ومنهم أزدمر المسرطن نائب صفد.
وفي يوم الاثنين سابع ربيع الأول منها، سافر نائب الشام والأمير الكبير ودوادار السلطان، محرضون للقبض على ابن ساعد وابن إسماعيل، بمعاملة عجلون، لعصيانهما، وإرجافهما. وفي يوم السبت ثاني عشره سافر القاصد بالجماعة المزيين الذين بالحبس، من جهة قتل الزيني عبد القادر بن الشيراجي المتقدم ذكره، وذكرهم. ثم في اليوم رجع بأكبرهم، وهو شعبان، لكونه على خطة الموت كما قيل، ثم بعد يومين من سفرهم شاع بدمشق أن جماعة منهم فكوا الزنجير من رقابهم وهربوا.
وفي هذه الأيام خرج من مصر ورجع إلى دمشق قاصد ابن عثمان، ومعه من الهدايا والتحف على كثرة أنواعها، من خيل ورقيق ومعادن وجواهر وسلاح وغير ذلك، ودخل دمشق
(1/127)

مدخلاً عظيماً مع غيبة النائب. وفي يوم الاثنين سابع عشرينه، وهو سادس كانون الثاني، وكان يوماً كثير الوحل، ودخل من مصر إلى دمشق نائب قلعتها الجديد عوضاً عن الأيدكي المطلوب إلى مصر، المصادر من مدة، وهي شاغرة، واسم هذا الجديد يخشباي. وفي عشية يوم الأربعاء سلخه رجع النائب إلى دمشق مع أناس قلائل، وقد كاد أن يموت، وقيل إنه سقط عن فرسه من كثرة الثلج في بلاد حوران ودمشق، فإنه أتى من يوم الخميس المار، واستمر إلى الآن ماكثاً.
وفي ليلة الخميس ثامن ربيع الآخر منها هلك في الحبس شعبان الحوراني، ثم المزي، أكبر الشاغرين، ثم المباشرين، لقتل الزيني بن الشيراجي، وأخذ من الحبس إلى المزة ودفن بها، وكان عليه آثار الإجرام ظاهرة، بعد أن كان في أوائل أمره قرأ شيئاً من القرآن بالمدرسة المنجكية، ثم أقرأ الصغار بالمزة، ثم صار من أعيانها، ونم على أهلها عند أستاذها، ورافع بن الشيراجي إلى مصر، ثم رجع واستمر يحط عليه، حتى هجم عليه مع جماعة بيت ابن الرجيحي، فقتله كما تقدم.
وفي يوم الثلاثاء ثالث عشره سافر إلى مصر مطلوباً ابن الرجيحي الذي قتل ابن الشيراجي ببيته، ليشهد على القاتلين رفقاء شعبان الذي هلك بدمشق، وهم أخذوا إلى مصر. وفي هذه الأيام استقر أينال نائب طرابلس في نيابة حلب، وآقباي نائب غزة استقر في نيابة صفد.
وفيه وقعت فتنة بين دوادار السلطان والحاجب الثاني بدمشق، الساكنين يومئذ بالسكة الآخذة من الشامية الكبرى إلى جامع التوبة، وقتل وجرح جماعات، واستمر في ذلك أياماً، وطلب الدوادار من النائب أن يرسم له بجماعة يمسكوه ويصعد به إلى القلعة، فأبى النائب ذلك حتى يأتي مرسوم السلطان. وفي هذه الأيام تضاعف وقوف حال الناس بسبب كثرة وقوع الثلج والجليد من أول الأصم إلى آخره، حتى وصل الثلج إلى مصر على ما قيل، ومات دواب كثيرة، وغلا سعر اللحم حتى صار رطله بخمسة دراهم، وسعر القمح حتى صارت الغرارة بنحو الأربعمائة.
وفي يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى منها، قرئت المراسيم التي وردت من مصر بعزل دوادار السلطان وتوليته أمرة الحج، وأن الأمير ميسرة أمير الحج برد بك يكون مكانه بالدوادارية، زيادة على أمرة الميسرة، وأن الحاجب الثاني، معزولاً منها، باقياً على أمرة بيده؛ ووردت الأخبار بأن السلطان أمر بضرب القاضي محي الدين بن الرجيحي بالمقارع، فشق ثيابه لذلك، فشفع فيه كاتب السر، وضرب أخو شعبان بالمقارع.
(1/128)

وفي يوم الخميس خامس جمادى الآخرة منها، لبس دوادار السلطان المعزول أمرة الحاج، وأمير الحاج المعزول مكانه. وفي بكرة يوم الاثنين سادس عشره دخل من مصر إلى دمشق كاتب سرها المحب الأسلمي، وهو ناظر القلعة، مخلوعاً عليه، ولاقاه النائب والجماعة على العادة.
وفي يوم الاثنين ثامن رجب منها، دخل من مصر إلى دمشق حاجب ثاني، عوضاً عن تنم المعزول، وتلقاه أرباب الدولة على العادة، واسمه برسباي. وفيه لبس القاضي محب الدين بن القصيف خلعة بقضاء الحنيفة، وفوض لجماعة منهم: شمس الدين بن الشيخ عيسى، ومنهم عز الدين بن حملان. وفي ليلة الثلاثاء تاسعه قدم من صفد العلامة محب الدين أبو الفضل بن الإمام، ونزل ببيت حميه شمس الدين بن كامل، وسلم عليه من فر من دمشق لأجله القاضي الشافعي، فرضى عليه لذلك.
وفي ليلة الخميس ثامن عشره، قريب وقت ثلث الليل، احترق مربع باب الجابية وشماليها وشرقيها إلى الباب، وذهب فيه للناس أموال كثيرة، وغالبها نهبت قبل وصول الحريق إليه، سيما الحريرية والشماعين والحبالين والحدادين. وفي هذ الأيام هبط سعر القمح إلى ثلاثمائة وخمسين، بعد أن كانت غرارته وصلت إلى الخمسمائة. وفيها نزل صانع حمام بيدمر، أحمد القزيزاتي، إلى الماء الذي بقدرة الحمام ليسد العيب الذي بها على عادته، فمات وتعلق الظلمة على معلم الحمام.
وفي يوم الثلاثاء مستهل شعبان منها، دخل من مصر إلى دمشق الدوادار الثاني للمقام الشريف، ماماي، ماراً في الرسلية إلى ابن عثمان، وأثنى عليه الناس في سفره، فإنه لم يأخذ من التجار شيئاًُ ولا مكن الخفر منهم، ونزل بالقصر، وكان معه تحف كثيرة، منها أربع خيول خاصات لم ير الراؤون مثلهم. وفي ليلة الأربعاء ثانيه وقت العشاء احترق الفرن وما فوقه وحوله قبلي التربة التي بالحدرة، بمحلة القربيين، فأدركت وأطفئت.
وفي يوم الخميس سابع عشره أسلم صدقة السامري، الذي كان دخل في مظالم الناس بدمشق، ثم صودر وحبس بالقلعة، فلما أسلم يومئذ أخرج منها، وخلع عليه أرباب الدولة، وحكم بإسلامه القاضي الشافعي، وحصل له إكرام، ثم عاد باختياره إلى القلعة حتى يأتي جواب السلطان، ثم في ثاني يوم أتى إلى الجامع الأموي إلى عند بيت الخطابة فصلى ركعتين، ثم جلس إلى أن جاء الشافعي فقام له، ثم صلى الجمعة خلف ظهره، ثم رجع إلى القلعة.
(1/129)

وفي يوم الجمعة ثاني رمضان توفي المملوك الذي أتى من مصر من شهور للانتقام من الحاجب الثاني المعزول، بسبب كونه اتهم بقتل أخيه الذي كان من جماعة دوادار السلطان المعزول، واتهم الحاجب الثاني بأنه سبب موته، فإنهما قبل ذلك تخاصما في مكان، وأراد هذا المملوك قتله، فرد الحاجب الثاني عن نفسه، فأصاب طرف زنده فورم ثم سرى وتوفي يومئذٍ، وذهب النائب وصلى عليه مع أرباب الدولة، خلا الحاجب الكبير فإنه أتى إلى الجامع الأموي متأخراً، وصلى إلى جانب القاضي الشافعي، وكان إلى جانبه الآخر القاضي الحنفي.
ثم لما سلم الخطيب سراج الدين قال المرضى عن أخباره وهو إبراهيم السوبيني، أحد العدول، للمؤذنين، الصلاة غائبة على غائبين، ولم يدر من هما، فصلى الناس على ما صلى عليه الإمام، وامتنع القاضي الشافعي ومن معه لكونهم لم يعلموا على من صلي، وكانت العادة أن يصلي بالجامع الأموي على غائب إلا بإذن القاضي الشافعي، ثم تبين أن الرجلين الغائبين شخصان من الأروام، أتيا للحج فماتا في الطريق قبل الدخول إلى دمشق.
ثم في أخر هذا اليوم قبض أمير الحاج أركماس الشيخ مبارك تلميذ العداس، ورجلاً آخر، وبعث بهما إلى دار السعادة، فضربهما النائب، وأمر بحبسهما، وقال الشيخ مبارك: إن كان لك سر فأظهره، حنقاً عليه لكونه كان يمنع جلابة الخمر جلبة، فسمع القاضي الشافعي بمسكه، فأرسل وأخرجه من الحبس.
ثم في يوم السبت رابعه أتى جماعة من القابون إلى حبس باب البريد، فكسروه وأخرجوا منه رفيق الشيخ مبارك، وهرب من في الحبس، فجاءت إليهم مماليك النائب من دار السعادة بالسلاح، فقتلوا جماعات منهم ومن أهل الصالحية، وندرة، وغيرهم، أكثر من مائة وخمسين، عند باب البريد، وباب العنبرانين، وعند قبر زكريا عليه السلام بالجامع الأموي، وتخبطت دمشق، وامتنع القضاة من الحضور بيوم الاثنين بدار العدل، ولا قوة إلا بالله، وفي عشية يوم الجمعة سادس عشره وصل نجم الدين بن الخيضري من مصر إلى دمشق، وتوعك.
وفي يوم الاثنين ثامن عشر شوال منها، خرج الحاج من دمشق، وأميرهم أركماس. وفي يوم الأحد رابع عشريه رجعت المزيربية منه، وأخبروا بالرخاء والخير الكثير.
وفي يوم الأحد مستهل ذي القعدة منها، حفر في الزاوية القلندرية، جوار القبة الظاهرية، التي بمقبرة باب الصغير، قبلي بلال رضي الله عنه، عن ناووس حجر، فإذا هو مكتوب عليه اسم فاطمة بنت أحمد بن الحسين بن علي بن أبي طالب و، قد أحكم بناؤه عليها، وبجوارها
(1/130)

نصيبة عليها مكتوب إنه قبر الحافظ ثقة الدين أبي القاسم علي بن العساكر، مؤرخ الشام، توفي سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. وفي ليلة السبت ثامن عشريه احترق المسمط وما حوله بين العقيبة والعلبيين. وفي ثاني ليلة، ليلة الأحد تاسع عشريه، احترق حوانيت تجاه حمام جكارة، الذي بجانب خندق السور.
وفي يوم الاثنين مستهل ذي الحجة منها، قبض على شمس الدين الطولقي قاضي المالكية، بمرسوم شريف ورد من مصر على يد مملوك، ووضع بالقلعة، ثم سافروا به صبحة يوم الاثنين ثامنه بعمامة صغيرة وقد اصفر وجهه، وقدامه جماعة وخلفه مماليك، وبجانب فرسه ماشيان عن يمينه وشماله. وفي يوم السبت آخر أيام التشريق، دخل من مصر إلى دمشق خاصكي، مبشر النيل، بخلعة بطراز، وتلقاه النائب على العادة.
ثم في يوم الاثنين خامس عشره دخل من مصر إلى دمشق خاصكي حواط على تركة نائب حماة بخلعة بطراز، وتلقاه النائب على العادة أيضاً. وفي هذه الأيام اعتنى النائب بنقل المشنقة إلى جانب مئذنة الشحم، ونصبها على التل الذي هناك مع علوها وعلوه، بحيث قارنت المئذنة المذكورة، وشنق بها جماعة، وكثر الدعاء عليه بسبب ذلك، ورؤيت من مصلى العيدين مع بعده، ورؤيت من محلة قبر عاتكة أيضاً.
وقال الشهاب الحمصي في ذيله: وفي يوم الخميس خامس عشر جمادى الأولى منها، منعت زين الدين الصفوري، المحدث من القراءة بالجامع الأموي، ومن غيره، وأمرت بشيل كرسيه من الجامع الأموي، وسببه أنه جمع كتاباً سماه: نزهة المجالس وذكر في أحاديث موضوعة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أحضر الكتاب المذكور وذكر أنه تاب ورجع عن الأحاديث الموضوعة فيه، وأنه لا يعود لذلك، والله يعلم المفسد من المصلح.
وفي يوم الثلاثاء عاشر جمادى الآخرة منها، اجتمع أهل الصالحية وصنعوا ضيافة عظيمة حضرها خلق، وسبب ذلك أشياء، منها عزل دوادار السلطان أركماس عنهم، ومنها عزل الوالي الذي ولاه أركماس هذا عليهم، وكان عبداً هندياً لابن التونسي، وكان جدد مظالم عظيمة، ومنها أنهم قتلوا شخصاً من أعوان الظلمة، فعمل عليهم النائب مصلحة
(1/131)

خمسمائة دينار، فوقفوا لقاضي القضاة بن الفرفور، فمنع النائب من ذلك، وغوش عليه في دار العدل. وفيه قتل الخواجا شمس الدين بن التونسي ببلاد بعلبك، ونقل إلى ...

سنة تسعمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله عبد العزيز بن يعقوب العباسي؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الأشرف أبو النصر قايتباي؛ ونائبه بدمشق قانصوه اليحياوي؛ والقضاة: الحنفي محب الدين بن القصيف، والشافعي شهاب الدين بن الفرفور، والمالكي شمس الدين الطولقي، وقد سافر إلى مصر مطلوباً، والحنبلي نجم الدين بن مفلح؛ والأمير الكبير الأتابكي يلباي؛ والحاجب الكبير الشرقي يونس؛ والحاجب الثاني تنم؛ ودوادار السلطان برد بك؛ وكاتب السر محب الدين الأسلمي؛ وناظر الجيش تمربغا القجماسي وهو كاتب الخزانة؛ ونائب القلعة يخشباي؛ ونقيبها قانصوه الفاجر؛ ودوادار النائب قطش.
وفي يوم الأربعاء ثامن المحرم منها، ورد مرسوم شريف بطلب جماعات، منهم كاتب السر الأسلمي لشكوى نصارى السلطان عليه، وعلى من حضره من شهود دمشق وغيرهم، وهم البرهان السوبيني، وهو المورق في القضية المشتكي بسببها، والزيتوني، وعبد الوهاب بن القصيف؛ وابن شهلا، ونقيب الشافعي ابن سليم، ونور الدين الحمصي، وشهاب الدين الحمراوي.
وفي يوم الاثنين ثالث عشره قدم هجان من الوفد على يده كتب من أمير الحاج أركماس، وخلع عليه النائب.
وفي يوم الأربعاء تاسع عشرينه وصلت كتب الحاج وأخبروا أن العرب عوقوهم؛ وشاع موت محب الدين بن سالم أحد عدول دمشق الكبار، بمكة، له بعض اشتغال وذكاء، وكان نقيب قاضي القضاة البلقيني، توفي في شعبان.
ثم ورد الخبر يوم الثلاثين منه بأن الحاج لما خرج من العقبة، قبل وصوله إلى معان، قبض العرب عليه وعلى أكابره، وأما أمير الركب، قاتله الله، فكابر وبرز بحريمه وجماعته عن الحاج، فطمع فيه، ثم اشترى الحاج نفسه بمال كبير، ثم لما وصلوا إلى الحسا نهب المال والحريم، ولم يدخل إلى دمشق حمل من الحاج، ومات نساء كثير برداً وجوعاً، وكذلك الأطفال، وذهب جماعة منهم إلى الشوبك، ولم نسمع بمثل ما جرى عليهم، ولا قوة إلا
(1/132)

بالله.
وفي هذه الأيام انتقل قاضي الحنابلة نجم الدين بن مفلح من دار الحديث الأشرفية بالصالحية إلى المدينة، وسكن في بيت سودون، بحارة الأفتريس، شرقي المدرسة الركنية الشافعية، داخل باب الفراديس.
وفي ليلة الجمعة ثامن صفر منها نزل الحرامية من زقاق حارة الحمزاوية غربي حارة اللبانة، ومعهم سلم، إلى درا شيخنا المحيوي النعيمي، فأخذوا جهاز زوجته فاطمة بنت جمعة، ولم يفتحوا باباً، ولا قوة إلا بالله.
وفي ليلة السبت تاسعه دخل من البلاد الرومية إلى دمشق قاصد السلطان ماماي، خفية، ليلاً في محفة. وفيه شاع بدمشق موت قاضي الحنابلة بحلب التاذفي.
وفي يوم الجمعة خامس عشره سافر إلى مصر القاصد المذكور وخرج معه خلق كثير، منهم ثلاثة نواب للشافعي: الشهاب الحمصي، والفخر الحموي، والكمال بن خطيب حمام الورد، قاصداً للقاضي.
وفي يوم الجمعة ثاني عشريه بعد صلاتها، جلس القاضي الشافعي ببيت الخطابة، ودخل عليه جماعة يسألونه شيئاً يوفون به الدين الذي عليهم من جمال حجتهم، ولكسوتهم وجوعهم، لما أخذوا مع الركب، فأعطاهم مائة درهم؛ ثم حضر القاضي البرهاني بن المعتمد، فسأله لهم فوضع يده في جيبه وأطال ذلك، ثم أخرج لهم اثني عشر درهماً فوضعها في يدهم، فسألهم القاضي الشافعي: كم هي؟ فقالوا: هي اثنا عشر درهماً، فضحك بسبب ذلك غضباً عليه، ثم تهكم عليه فزادهم مثلها، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم السبت ثالث عشرينه فوض القاضي الشافعي نيابة الحكم بدمشق، لشيخنا محيي الدين النعيمي.
وفي يوم الاثنين تاسع ربيع الأول منها، لبس النائب خلعة الشتاء. وفيه ودع الخاصكي الذي كان أتى على حوطة نائب حماة.
وفي ليلة السبت ثالث عشر ربيع الآخر منها، قتل بميدان الحصى أحمد بن العواني المشهور بدمارة، الذي مات من سنين، وشمت الناس بقتله كما شمتوا بموت أبيه، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الخميس ثاني جمادى الأولى منها، دخل من حلب إلى دمشق الأمير قرقماس التنمي، بالأمر الشريف حاجباً كبيراً لها، عوض يونس المتوفي، وتلقاه الناس على العادة إلى المصطبة، وقد شاع في الناس أنه رجل عاقل، اللهم اعط المسلمين خيره.
وفي بكرة يوم الاثنين ثالث عشره دخل من مصر إلى دمشق الأمير أركماس، الذي كان سبباً لنهب الحاج كما
(1/133)

مر، ثم طلب إلى مصر فصودر، ثم عاد على أمرة الميسرة كما كان، ودخل يومئذ دمشق، قاتله الله.
وفي بكرة يوم الخميس سادس عشره حضر النائب بدار العدل مع القضاة وأرباب الدولة على العادة، فشكى عبد الرحمن ابن قاضي زرع، التاجر بسوق جقمق، وهو رجل عنده كبر، على الحاجب الكبير، لكونه طلبه لمشيخة سوق جقمق فامتنع، ثم شم منه رائحة خمر فضربه ضرباً مبرحاً، فغوش الناس على الحاجب والنائب، فأظهر الحاجب حقاً على النائب، فأشار في كلامه إلى القضاة، فقام القاضي الشافعي وغوش وتكلم كلاماً بليغاً في حق الحاجب، وأظهر في كلامه العتب على النائب، وقال: أنت مطالب بردعه، وكلنا لك تبع في الحق.
وفي هذه الأيام ورد من مصر مرسوم بطلب جماعة شكا عليه المعلم أحمد، مستأجر سوق المارستان، بأنهم قد تعصبوا عليه مع القاضي الشافعي، الناظر على المارستان، وشهدو وحكم عليهم حاكمان: شهاب الدين الرملي نائب الشافعي، ومحيي الدين الرجيحي نائب الحنبلي، فطلب الرملي، وشهاب الدين الشارعي المصري المالكي، وشهاب الدين الحمراوي الدمشقي الشافعي، والعماد الموقع، والزيتوني، وجماعة المارستان، وهم: نجم الدين القطبي، وبهاء الدين الباعوني، وصلاح الدين العدوي، وجماعته.
وفي يوم السبت ثالث جمادى الآخرة منها، ورد مرسوم شريف بجعل رطل دمشق كرطل مصر، والأوقية كأوقية مصر، لأن الذهب الذي أخذ من دمشق مع ماماي الخاصكي لما أتى عند ابن عثمان وأخذه معه ووزن ... كصنج مصر، فنودي بدمشق بذلك، وأكل المحتسب بسبب ذلك مالاً كثيراً.
وفي يوم الخمبيس ثامنه سافر صلاح الدين العدوي إلى مصر.
وبعد الصلاة يوم الجمعة تاسعه صلى الناس بالجامع الأموي غائبة على العلامة جلال الدين السيوطي، توفي بمصر، ورأيت بخط شيخنا المحيوي النعيمي أنه صلى عليه بالجامع المذكور عقيب الجمعة خامس عشر سنة إحدى وتسعمائة، وميلاده في رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة.
وفي يوم الاثنين ثاني عشره دخل دمشق نهب إبل بني مدلج من العرب، قريب ألف ناقة
(1/134)

وحمل وفصلان صغار، تجأر بصوتها الأمهات على أولادها، وأولادها على أمهاتها، حتى حزن الناس عليهم، ثم وضعوا في خان الجورة، وفارقوا بين الفصلان وأمهاتهم بالأكل والبيع، فزادوا في الجأر إلى الله، حتى سمعت من مكان بعيد، ولا قوة إلا بالله، ودخل معهم عدة رؤوس مقطعة من العرب المذكورين.
وفي يوم السبت مستهل رجب منها، تحرك سعر القمح، ولا قوة إلا بالله. وفي هذه الأيام تواترت الأخبار بأن بلاد ابن عثمان مخبطة، وأن بني الأصفر زحفوا على بلاده، وهو في شدة منهم. ودخل إلى دمشق من حلب نائب قلعتها الأمير كرتباي من أقارب الدوادار الكبير بمصر، ليكون نائب صفد. وأتى لتلقيه أكابر صفد، ثم سافر من دمشق إليها يوم الاثنين رابع عشريه.
وفي بكرة يوم الخميس سابع عشريه سافر القاضي الشافعي من دمشق إلى مصر، وخلع عليه النائب خلعة بيضاء بمقلب سمور.
وفي يوم الجمعة سابع عشرين شعبان منها، وجد صبي مميز مذبوحاً بخرابة على مكان حمام قصيفة، بمحلة قصر حجاج، وصودر أهل المحلة بسببه، وأبواه معروفان.
وفي غداة يوم الجمعة تاسع عشر رمضان منها، نهب جماعة نائب القلعة سوق السلاح، وشرع يحصن القلعة بآلات الحصار، فتخبطت دمشق وكثر الكلام واختلفت الظنون، حتى قطع غالب الناس بموت السلطان، وأنه ورد إلى نائب القلعة المذكورة مكاتبة المصريين بوفاة السلطان، وأنه لم يتجدد سلطان، واشتهر هذا الظن، بل نطق به جماعات، واستمر إلى بعد صلاة الجمعة، ثم ظهر أن سبب ذلك أنه وقع بينه وبين قطج دوادار النائب لأجل بعض الناس، فأصلح بينهما النائب وخلع عليهما، فدل ذلك على سخافة عقل نائب القلعة وقلة حرمة النائب ولا قوة إلا بالله.
وفي ليلة الأحد حادي عشرينه سافر قطج إلى مصر، سفره أستاذه النائب، وكان قد طلبه السلطان قبل هذه القضية، فسافر ليعرضها على السلطان، وينظر ماذا طلب بسببه.
وفي يوم الثلاثاء نادى النائب بالزينة، كما فعل بمصر وغيرها لعافية السلطان ونزوله إلى الحوش، فزينت دمشق غصباً لوقوف الحال، وكثرة الأراجيف والحزن لما جرى على أهل حماة من نائبها آقباي، واجتماع نائب حلب وطرابلس وحمص بها، وضرب نائبها فيهم بالسيف، ونهب الحريم وسبيهم وقتل الصغار، وذهب في نهر العاصي خلق كثير غرقاً، وحصل بسبب الزينة فساد كثير من عدة أنواع، في مثل هذا العسر، نهباً بالليل، ولا قوة إلا بالله.
وبين العشاءين ليلة الثلاثين منه، وقع حريق تحت طارمة القلعة، حتى وصلت النار إلى
(1/135)

مسجد النحلة، واحترق جسر الزلابية والحديد، وجميع ما بينهما.
وفي يوم الجمعة ثالث شوال منها، خطب الشيخ سراج الدين بن الصيرفي على منبر الأموي، فلم يكمل الخطبة حتى حصل له قولنج منعه من النزول إلى المنبر، فأشار إلى بعض الناس أن يصلي بالناس، فصلى بهم، وسراج الدين مستمر على المنبر لم يصل، ثم بعد الصلاة أنزل مغمى عليه إلى قدام بيت الخطابة؛ ثم تحامل إلى بيته.
وفي هذه الأيام ورد كتاب من مصر بطلب جماعة من حاشية القاضي الشافعي، نحو عشره.
وفي بكرة يوم السبت ثامن عشره سافر وفد الله من دمشق، وأميرهم يلباي. وفي يوم السبت خامس عشريه سافر الشيخ علاء الدين البصروي مطلوباً إلى مصر، لتحقيق ما كتبه من التصنيف في القاضي الشافعي، وكاتب معه الأمير الكبير للبدري كاتب سر السلطان، وقيل إن السلطان أوقف على المصنف، فطلب ليحاققه ويجد به، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الأربعاء سادس ذي القعدة منها، رجع الجماعة الذين طلبوا إلى مصر، من جماعة القاضي الشافعي، بعد أن تمادوا في السفر ليأتي جواب القاضي، فلم يأت إلا وهو قد سافروا، ثم رجعوا مع صبي كمال الدين ابن خطيب حمام الورد، القاصد إلبهم بعدم السفر.
وفي بكرة يوم الاثنين حادي عشره دخل مملوك النائب، دواداره قطج، من مصر وصحبته خلعة بطراز لأستاذه، وأخرى له، وتلقاه أرباب الدولة على العادة، بعد أن نصب خيمة بالقبق، قرب مسجد القدم، ولم يخرج نائب القلعة إليه وإنما خرج غوغاء الزعر إنكاء لنائب القلعة، وكان الحاجب الكبير ضعيفاً، فلم يلبس الخلعة المذكورة لنائب القلعة، إذ العادة أن الحاجب إذا غاب يلبس له حنقاً عليه.
وفي يوم الاثنين خامس عشريه ورد مرسوم في شيخنا المحيوي النعيمي، بسبب وظيفة ابنه التقي، أخذها خاله لابن حمدان، فطلب إلى دار العدل، ثم دفع إلى الشرع فظهر الحق بيده.
وفي يوم الاثنين مستهل ذي الحجة وصل الخبر من مصر إلى دمشق، بأن الدوادار الكبير آقبردي دخل من سفره من البلاد القبلية إلى مصر أواخر ذي القعدة، وأن الأمير قانصوه الألفي، والشامي، وخمسمائة، تحاملوا ودخلوا على الأمير الكبير أزبك الظاهري، وأقاموا للركوب على آقبرداي، فركب معهم، فرفع السلطان علمه عند باب القصر ونادى مناديه: من كان يطيع الله ورسوله، فليأت إلى علم السلطان، فانحاز غالب الجماعة إليه، وهرب القراصنة، فوضع أزبك منديلاً في رقبته، وكذلك يشبك الجمالي، ودخلا إلى السلطان طائعين، فوضعا في الحديد بالقاعة؛ ورسم السلطان بأن من مر عليه من المذكورين الهاربين ولم يمسكه فهو غريم
(1/136)

المقام الشريف، وأرسل بذلك إلى جميع النواب، فالله يحسن العاقبة.
وفي يوم الجمعة رابع عشره، بعد الصلاة، صلوا غائبة على الشيخ الصالح علي الجبرتي، توفي بمصر.
وفي يوم الجمعة حادي عشريه صلوا غائبة بالجامع الأموي على رجلين، أحدهما الشيخ شهاب الدين أحمد بن أحمد بن الأقيطع البرلسي، وترجم بالعلم والدين، والثاني الشيخ الصالح الولي المجذوب نعمة، توفي بصفد.
وفي هذه الأيام خرجت سرية من عند النائب إلى قرية الأشرفية وبلاسر، شكا عليهم الديارنة، فقتل منهم خلق كثير، ونهبت أموالهم، وهتكت حريمهم، وكانت فتنة عظيمة، وقبض على أهل قرية صحنايا، ثم أطلقوا.
وفي هذه الأيام أيضاً نفي أتابك العساكر المصرية، أزبك، إلى مكة المشرفة بطالاً، بعد أن وقع له بمصر خبطة كبيرة، وقام عليه مماليك السلطان؛ واستقر مكانه بالأمرة الكبرى تمراز الشمسي....

سنة إحدى وتسعمائة
... ليعلم السلطان من يرفع رأسه للسلطنة، وأنه مختف لم يمت.
وفي يوم العيد الكبير، يوم الجمعة عاشره، صلى النائب الجمعة تحت الخطيب بمقصورة الجامع الأموي، وهو خلاف العادة فإن العادة لا يصلي فيها إلا السلطان.
وفي ليلة الأحد ثاني عشره قدم بدر الدين ابن أخي القاضي الشافعي من الدورة في بلاد عمه، وبشر بأن عمه ولي نظر الجيش بدمشق.
وفي اليوم المذكور وصلت الهجانة إلى دمشق، بأن محمد ابن السلطان قاتباي تسلطن ولقب بالناصر، وأن قانصوه خمسمائة تولى الأمرة الكبرى، وأن جان بلاط دوادار كبيراً، فدقت البشائر، ونودي بالزينة على العادة، فلم يزينوا سوى القلعة لخوف الناس على أموالهم.
وفي بكرة يوم الاثنين ثالث عشره قرئت المراسيم بحضرة أرباب الدولة بدمشق، بأن كل أحد على عادته في ولايته.
وفي ليلة الأربعاء خامس عشره أصبح الأمير عساف نائب بيروت وصيدا وتلك
(1/137)

المعاملة، مقطوع الرأس مرمياً على مصطبة بمحلة العنابة، وكان النائب على ما قيل حاملاً منه في الباطن، واستأذن منه مراراً في الرجوع إلى بلده فلم يأذن له، وتأسف الناس عليه لحرمته على المناحيس ببلاده.
وفي يوم الثلاثاء سابع عشرينه بعد أن كان أطلق قانصوه الألفي من قلعة صفد، ثم سافر إلى دمشق، ثم القاهرة، احتال نائب صفد على نائب قلعتها وعلى الخاصكي الذي أتى إليهما من مصر، وقال: أنا طائع غير عاص، حتى اجتمعوا في مكانه وقتلهما، وكانا قد جمعا عليه العشير لقبضه، ثم خرج منها على حمية عاصياً.
وفي هذه الأيام كثر القتل في دمشق، سيما في البلاصية، وأهل الزعارة، وقلت حرمة النائب.
وفيها وردت الأخبار من مصر بتولية للسيد عبد الرحيم العباسي كتابة سر دمشق، وأنه أعطى الأمير ماماي قاعتين له يساويان جملة مستكثرة بمصر، حتى سعى له في هذه الوظيفة.
قال شيخنا المحدث جمال الدين بن المبرد الصالحي في تاريخه: وفي هذه السنة أشيع الخبر بتحريك بني الأصفر، وأنهم في مراكب كثيرة نحو الأربعين، وأن ملكهم شاب، فسألني السيد نور الدين بن نقيب الأشراف أن أخرج له الأحاديث الواردة فيهم، فخرجت له جزءاً في ذكرهم، وخيف من ظهورهم على طرابلس، فأرسل نائب الشام قانصوه اليحياوي سألني عن مكان خروجهم، فقلت له في الحديث بين عكا وصور.

سنة اثنتين وتسعمائة
استلهت والخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله عبد العزيز بن يعقوب العباسي؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الناصر أبو السعادات محمد بن قايتباي؛ ونائبه بدمشق قانصوه اليحياوي؛ والقضاة: الحنفي محب الدين بن القصيف، والشافعي شهاب الدين بن الفرفور، وهو بمصر إلى الآن، والمالكي شمس الدين الأندلسي، والحنبلي نجم الدين بن مفلح؛ والأمير الكبير الأتابك يلباي؛ والحاجب الكبير قرقماس التنمي؛ والحاجب الثاني تنم؛ ودوادار النائب قطج؛ وسلطان مكة محمد بن بركات؛ وملك الروم أبا يزيد بن عثمان؛ وصاحب العجم يعقوب بن حسن بك، وهو على بغداد وغيرها.
وفي يوم الأربعاء سادس المحرم منها، قبض على الأمير تمربغا الفرنجي مملوك
(1/138)

قجماس، ناظر الجيش، أدخل البرج في القلعة.
وفي بكرة يوم السبت تاسعه خرج من دمشق الأمير برد بك، دوادار السلطان بها، نائباً لصفد.
وفي يوم الخميس حادي عشرينه لبس النائب من القبة خلعة السلطان الجديد، ثم خرج عقب خلعها إلى القبة وأرسل جماعة لتلقي الحاج، ثم رجع آخر النهار.
وفيه ورد توقيع شريف بعزل محب الدين بن القصيف من قضاء الحنفية، وتولية بدر الدين بن أخي القاضي الشافعي؛ وفوض للعلاي الحنفي قاضي طرابلس كان، وحكم له في شراء بيت الخواجا شمس الدين بن النحاس مبيعاً حكيماً، لكونه كان وقفاً باعه له ولده بدر الدين حسن بثلاثين ألفاً، قبل غرامته أضعاف ذلك، وأول شيء حكم به هذه القاذورة القبيحة. وفي يوم السبت رابع عشريه، وهو أول تشرين الأول، سافر الأمير تمربغا المتقدم ذكره من القلعة إلى مصر.
وفي يوم الاثنين ثالث صفر منها، دخل من مصر إلى دمشق نقيب قلعتها الأمير.... وفي يوم الخميس سادسه دخل من مصر إلى دمشق الأمير يخشباي المعزول عن نيابة القلعة، وقد ليّ أمره الميسرة بدمشق، وتلقاه أرباب الدولة، النائب فمن دونه.
وفي بكرة يوم الاثنين عاشره دخل من مصر إلى دمشق أركماس، الذي كان دوادار السلطان بدمشق، وقد فوّض إليه نيابة حماة، وصحبته القاضي زين الدين عبد الرحيم بن الموفق العباسي، وصحبتهما خلعة لابن أخي القاضي الشافعي بقضاء الحنفية، وتلقاهما النائب وأرباب الدولة على العادة. ثم في يوم الخميس ثالث عشره لبس بدر الدين ابن أخي القاضي الشافعي خلعته بقضاء الحنفية، وقريء توقيعه بالجامع على العادة، وتاريخه خامس عشر المحرم منها، قرأه الشريف الجعفري الموقّع نائب كاتب السرّ، وصحف فيه كثيراً.
وفي صبحة يوم الجمعة خامس ربيع الأول منها، احترق حوانيت الأخصاصيين والطباق فوقها، خرجت النار من حانوت إخصاصي. وفي بكرة يوم الاثنين ثامنه دخل من مصر إلى دمشق قاضي المالكية شمس الدين الطولقي، عوضا عن شمس الدين الأندلسي، وتلقاه، وناظر الجيش الذي أتى صحبته من مصر، الخواجا زين الدين بن النيربي، أرباب الدولة، النائب فمن دونه، في اليوم المذكور، ولكن دخل النائب مهما إلى دمشق عجلاً، ومع إبطال القلعة، ثم ذهب الحاجب والأمراء والطولقي المذكور مع ناظر الجيش إلى بيته، ثم رجع الناس مع
(1/139)

الطولقي إلى الجامع، وقرأ توقيعه القاضي بهاء الدين الحجيني نائب الحنفي، وتاريخه في خامس عشرين المحرم.
وفي يوم السبت ثالث عشره احترقت الطبقة وما حولها بسوق الدهيناتية.
وفي يوم السبت العشرين منه، دخل من مصر إلى دمشق خاصكي لكشف القلاع، وتلقاه النائب فمن دونه.
وفي بكرة الاثين ثاني عشريه وصل مشد النائب أزدمر، الذي كان نائباً عنه في القلعة، ثم أرسله إلى مصر بمائة ألف دينار مما في الصندوق بالقلعة بطلب السلطان الجديد، فأوصلها إلى السلطان، فخلع عليه، وأرسل صحبته خلعة حمراء سمور خاص لأستاذه النائب؛ وقيل إنه أرسل يطلب من السلطان عجلون وصيدا والصلت والرملة، حسبما كانت العادة بذلك، فأجابه إلى ذلك.
وفي هذه الأيام شاع بدمشق أن الحاجب الكبير بدمشق، قرقماس، عزل عنها ووليها عنه الأمير تمربغا الفرنجي الذي كان ناظر الجيش بدمشق، وحبس وأطلق، بعد أن أشيع عنه أن ولي دوادارية السلطان بدمشق، فلم يصح.
وشاع أن السلطان فوض الدوادارية المذكورة إلى أمير ميسرة بحلب، جان بلاط، فأتى إلى دمشق في هذه الأيام.
وفي يوم الجمعة سادس عشريه فوض المالكي لنقيبه الجاهل المتحرك، شهاب الدين بن أخي القاضي شعيب، لكونه له عليه مال أقرضه إياه، فاتفق معه على البراءة من الدين وتوليته، ثم اتفق معه على أن يأتي بأحد من الأكابر يشفع فيه، فذهب إلى شخص لا عقل له اسمه برسباي المجنون ناظر الجوالي، فشفع فيه، ففوض إليه ليقول لمن يعاتبه في ذلك إلى غصبت، ولا قوة إلا بالله.
وفي بكرة يوم الخميس ثاني ربيع الآخر منها، دخل من مصر إلى دمشق نائب قلعتها، وهو شيخ اسمه قاني بك، وتلقاه أرباب الدولة، النائب فمن دونه، على العادة.
وفي بكرة يوم الاثنين ثالث عشره دخل من مصر إلى دمشق حاجباً كبيراً بها الأمير تمربغا الفرنجي، وتلقاه النائب فمن دونه على العادة، مخلوعاً عليه بأحمر بسمور، وكان مدخلاً حافلاً.
وفي ليلة الخميس خامس عشر جمادى الأولى منها، خسف القمر شيئاً يسيراً قبل العشاء، ثم تكامل خسفه بعدها، واستمر إلى قرب ربع الليل.
وأصبح الناس في شدة من قطع طريق مصر، من شدة الخوف من آقبردي الدوادار الكبير المعزول، فإنه ظهر من نحو شهر
(1/140)

في غزة بعد اختفائه من حين وفاة السلطان قايتباي، وشاع في دمشق أن نائب غزة آقباي أتي به محمولاً مختفياً من مصر، فلما ظهر قيل إن السلطان الجديد بعث له الأمان، فاجتمع عليه مماليكه وجماعته وغيرهم من العصاة، وبقي له شوكة، ثم تسحب في أواخر جمادى الأولى ومر على صفد ثم على البلاد الغربية، فقيل إن نائب طرابلس عصي وأنه قاصده، وكذا شاع بدمشق عصيان أينال الفقيه نائب حلب، فأرسل نائب الشام دواداره وجماعة من الأمراء للوقوف في وجهه، فخرجوا إليه على بعلبك في سلخ جمادى الأولى المذكور.
وفي يم الثلاثاء حادي عشر جمادى الآخرة منها، ورد مرسوم سلطاني، مضمونه: أنه في يوم الجمعة خامس جمادى الآخرة حصل بالرميلة وقعة بين جماعة السلطان وجماعة قانصوه خمسمائة وتاني بك الجمالي، وحصل لقانصوه بندقة وجرح تاني بك، ثم ولي الاثنان وولي أحد عشر أميراً معهما، ولم يعلم خبر قانصوه، هل مات أو لا؛ وطلب فيه من نائب الشام بأن يبعث له جميع المماليك المنفية بسرعة، وأن يبعث وراء الدوادار آقبردي الهارب، فحصل لآقبردي السعد حينئذٍ، وما أظن يسلم له ذلك لكثرة مبغضيه ومحبي قانصوه.
وفي ثا ... عشرينه شاع بدمشق أن قانصوه خمسمائة كان تسلطن ستة أيام بباب السلطة، ولقب بالملك الأشرف، ثم طرد بعد أن أصابته بندقة، وأن الدوادار آقبردي رجع من البلاد الشمالية ووصل إلى غزة، وأن قانصوه المذكور كبسه بغتة بأرض الزعقاء، ثم حصره بخان يونس، وقتل من الفريقين خلق كثير.
ثم استهل رجب بالأحد، وفيه توترات الأخبار بدمشق بأن قانصوه خمسمائة انكسر ورجع مختفياً ولم يبق معه أحد، وقيل قتل؛ ثم سارى آقبردي إلى مصر منصوراً.
ثم ورد مرسوم بالقبض على نائب قلعة دمشق ونقيبها اللذين هما من عصبية قانصوه خمسمائة، وهو كان السبب في ولايتهما، فطلبهما النائب إلى دار السعادة في حجة شيء، ثم غمز جماعته بالقبض عليهما وتسلم القلعة، ففعلوا.
وفي ليلة الخميس تاسع عشره تحلق جماعة من مماليك الحاجب الكبير تمربغاً، ولبسوا لبس النساء وتلقوا بسريتي قاضي القضاة كان، شمس الدين بن البدري المزلقي، من باب الحمام الذي شرقي داره، الذي هو جوار قناة الشنباشي، وأتوا معهما ودخل الجميع بعد
(1/141)

المغرب إلى بيتهما، واختفوا في جانب من البيت، فلما كان أواخر الليل أشارتا إلى سيدهما ومكنوهم من قتله، فضربوه بالسكاكين في جانبه الأيمن والأيسر وفي رأسه، ومكنوهم من أخذ المال ألفين، وخرجتا معهما على البوابين فأرادوا قتلهما، ففتحا وخرجوا جميعاً بالمال؛ وظن الناس في النائب أنه أشار لجماعة جيران المقتول، منهم والي البر المخصي، ودواداره قطج، ولغط الناس في ذلك، وغضب لذلك، فأراد الله براءته، فجاء نصراني من حارة النصارى من جيران الحاجب الكبير تمربغا، الذي يقال عنه إن أصله فرنجياً، وأخبر لخال الأسياد، أن أمير آخور الحاجب المذكور وأستاداره دخلوا إلى مكان كذا ومعهم نساء صفتهم كذا وكذا، ففي الحال أعلم النائب، فبعث قطج دواداره إليهم، فكبسوا، فأتى بإحدى الجاريتين وهي السرية الكبرى الخاص، وأمير آخور المذكور، والدوادار أيضاً، ماشيين، ومعهم بعض المال، وهرب الخازندار بالسرية الأخرى ببعض المال.
فلما كان بكرة يوم الثلاثاء سابع يوم من القتلة، رابع عشرين رجب، أمر النائب بأن يؤتى بهم من بيت قطج القريب إلى دار المقتول مزنجرين، على الهيئة التي دخلوا بها الجابية والسرية بلبسها الخاص، وهي طاقية بلؤلؤ، وحلق خاص مذهب، وقمجون أحمر، فوقه كبر خاص أبيض، ثم أخذت الطاقية وألبست طرطور المساخر. فأغمى عليها قرب دار السعادة، فأدخلوا على النائب وهو في الاصطبل، ففي الحال أمر بتخوزقهم على أوتاد ممدودة بجانب الخندق تجاه الاصطبل المذكور، فمات الرجلان، واستمرت السرية حية وهي مخوزقة، تحادث الناس ويحادثونها إلى وقت العصر، فأمر النائب بتخزيقها ثانياً فماتت، وكان يوماً مهولاً.
ثم في يوم الأربعاء خامس عشرينه قبض على السرية الأخرى، وهي الصغرى، فرئيت حبلى فأمر النائب لأجله بتغريقها لا بتخزيقها، فعريت بالوادي الأخضر قبلي الوراقة العزية، وثقلت بحجارة وألقيت في ذاك الماء العميق ببردى، عند جسر طوغان، من فوقه.
وفي يوم الأربعاء ثاني شعبان منها، سافر قاضي الحنفية بدر الدين بن أخي القاضي الشافعي إلى جزين وبلادها، وخرج في أبهة هائلة.
وفي بكرة يوم الأحد سادسه أرسل النائب جماعة من مماليكه إلى بيت ناظر الجيش، وكيل السلطان الجديد، ابن النيربي، فهرب من بيته إلى بيت جاره عبد النبي، فقبضوه وأتوا به ماشياً حافياً، وأدخلوه إلى القلعة.
وفي هذه الأيام نادى النائب بتدريب الجارات، وتواترت الأخبار بأن الدوادار الكبير آقبردي دخل مصر؛ وأن قرقماس الذي كان حاجباً بدمشق ولي نيابة
(1/142)

غزة؛ وأن أركماس الذي ولي نيابة حماة عزل عنها؛ وأن قانصوه خمسمائة هو الآن بدمشق مختفياً يعلم به النائب، ولأجله أمر بتدريب الحارات، وقيل لأجل التضييق على الحرامية لكثرتهم حينئذٍ.
وفي يوم الأربعاء ثالث عشرينه وصل من مصر جماعة القاضي الشافعي، وهم: عماد الدين الموقع، وعز الدين، وابن عم قاضي القضاة، وعلى أيديهم كتب لابن أخيه قاضي الحنفية، وشاع أن فيها عزل نائبه شهاب الدين الرملي لكونه يتراجع ويطلق هجوه.
وفيه شاع بدمشق أن الدوادار الكبير آقبردي لما دخل مصر، زينت له ولآقباي، مصر، عشرين يوماً، وأن الدوادار مستمر على وظيفته، وآقباي تولى رأس نوبة النوب، وأنه قد تعين لقلعة دمشق نائب من جهة الدوادار، وجهزوا معه جماعة معه الخاصكية ليأخذوها من النائب ويسلموها لنائبها الآتي معهم، وقلق النائب من ذلك، ولكنه رجل فيه عقل وثبات، وأكد ذلك أن الأمير الكبير تمراز أرسل يقول للنائب، إن آقبردي وجماعته ساعون في هلاك القراصنة، أنا وأنت وتاني بك الجمالي، وقد دفع بعض الأمراء في نيابة الشام مبلغ تسعين ألف دينار، فبهذا الاعتبار زاد وقوف حال الناس وظنوا أن هذه التداريب التي نادى النائب بعمارتها على الحارات ما هي إلا لأمر كمنه منهم.
وفي يوم الأربعاء ثامن رمضان منها، وصل الخبر من حلب بأن نائبها نهب فيها وحرق، وحصل خبطة عظيمة.
وفي يوم الخميس تاسعه شاع بدمشق أن السلطان عزل قضاة مصر الأربعة، وبعث إلى القدس لأخذ كمال الدين بن أبي شريف، ليوليه مكان الشيخ زكريا؛ وأنه ولي كتابة السر لابن الجيعان.
وفي ليلة الأربعاء خامس عشره ورد من مصر الخبر بأن الدوادار آقبردي وجماعته، كآقباي، تآمروا على السلطان وأرادوا سقيه أو مسكه، فأخبره بذلك نائب طرابلس الأعور، الذي كان من حزبهم، وكذلك نائب صفد برد بك، فركب الجلبان عليهم وكانت وقعة عظيمة، ونصب آقبردي وجماعته المكاحل على القلعة، وحاصروا السلطان وجماعته.
ثم في خامس يوم من رمضان المذكور تسحب آقبردي وجماعته، ولم يعلم خبرهم،
(1/143)

وخربت بيوتهم ونهبت، ودقت البشائر بذلك في دمشق.
وفي يوم الأحد سابع عشرينه لبس قاضي الحنابلة نجم الدين بن مفلح خلعة العود، بعد تولية ابن قدامة مكانه بمصر.
وفي بكرة يوم الخميس سلخه، وهو آخر حزيران، خرج القلعيون بغير أمر، لتلقي نائب القلعة ونقيبها الآتيين من مصر، فورد مرسوم باستمرار النقيب المعزول، فعوق الجديد بتربة تنم ليراجع السلطان، فامتنع نائب القلعة لأجله من الدخول إلى دمشق، ورجع القلعية، ثم ورجع نائب القلعة ورجع القلعية وأدخلوه، وبقي النقيب الجديد بالتربة.
وفيه لبس القاضي شمس الدين بن يوسف الأندلسي المعزول، قضاء المالكية، وعزل شمس الدين الطولقي.
وفي يوم الجمعة كان عيد أهل دمشق وهم في وجل من فصل الطاعون، وقد مات جماعة، فالله يلطف.
وفي هذه الأيام وقع القاضي المالكي الجديد بابن أخي شعيب، وضربه وأركبه حماراً مقلوباً، وكشف رأسه وجرسه.
وفي الاثنين حادي عشر شوال منها، ورد خاصكي من مصر صحبته خلعة للنائب، فلم يخرج إليه لوجع رجله وضعفه، فدخل والخلعة بين يديه مطوية على جنيب، وشاع بين الناس أنه أتى على تركة ابن المزلق المقتول، وعلى تركة ابن المعتمد، وعلى كشف الأوقاف.
وفي هذه الأيام هرب الشيخ محمد بن الحصني ليلة الثلاثاء إلى قرية الحنارة من الوباء؛ ثم هرب السيد علاء الدين بن نقيب الأشراف على عادته إلى البر منه، فضعف في قرية غرابة، ثم اختار الانتقال إلى المزة شرقيها فمات بها، ودفن جوار الشيخ علاء الدين البخاري، فلم يغنه الحذر، وكان عمره في عشر الأربعين، كذا أخبر شهاب الدين بن بري.
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشره سافر وفد الله إلى الحجاز، وأميرهم دوادار السلطان بدمشق جان بلاط الذي أتى من حلب.
وفي يوم السبت ثالث عشرينه توفي النائب وكان الوفد بالمزيريب؛ وكان قد تولى جديداً عامر بن مقلد، وولده، وولد عدوه جانباي، بقلعة دمشق، كما أشار به النائب قبل وفاته، فحصل بدمشق خبطة من زعرها على النقباء ومن استضعفوه، فتصدى الحاجب الكبير تمربغا لهم، وقتل جماعة وقطع أيدي آخرين، فسكنوا، ونادى بالأمان، فاطمأن الناس، وخرج وظهر عن شجاعة وخيولية؛ أعانه الله على الخير.
وفي يوم الأحد رابع عشرينه رجع بعض
(1/144)

المزيريبية، وأخبروا بوقوف الحال من كثرة الخوف والوباء.
وفيه فقد الشيخ الأمرد خضر بن علاء الدين المعري، الشاهد بسويقة المصلاة، ففتش على من عاشره، فوجدوه ولد محمود بن دكر، من ميدان الحصى، جوار الشيخ شهاب الدين بن المحوجب، فأرادوا سؤاله عنه فاختبأ عند النساء، ووجدوه مجروحاً في يده وغيرها، فحرر عليه، فأقر سراً، فقال للشيخ شهاب الدين المذكور: إنا كنا ذهبنا إلى الغيضة قرب الربوة، فبينما أنا وهو إذ ولج علينا مغربيان ورجل أزعر، يقال له ابن النيات من الشاغور، فأرادوا يجرحوني فهربت منهم، ولم أعلم ما فعلوا مع رفيقي خضر المذكور.
فذهب أبو خضر، وجماعة أخر معه، إلى الغيضة المذكورة، فوجدوه مقتولاً مذبوحاً ومضروباً ومفعولاً فيه الفاحشة، قد أكل ابن آوى إحدى رجليه، وعليه ثيابه الحسان المثمنة لم يؤخذ منها شيء، ومعه دراهم نحو ستين درهماً باقية، وآلة الشرب باقية، فحمل، وأتي به إلى محلته وهو في أسوأ حال من المثلة والانتفاخ والنتن، فأمر نائب الغيبة بدفنه، وقبض على رفيقه وعلى والده محمود وحبساً.
وفي هذه الأيام وجدت أعيان حرام قد سرقها رجل قوال وقارئ الأعشار تحت الكراسي الواعظية، وهو مؤذن بمأذنة الشامية، أصله من طرابلس، وكان ضيفاً، لكن الإجرام ظاهر بخلوته بالشامية، من سكر نبات وثياب حرير وغير ذلك، وغالبه من زوج أخت امرأته مجاورة السكري، فوضع في زنجير، وحملوا على رأسه طبلية فيها من ذلك، وحمل قدامه عدة طبالي، وخرج على أسوأ حال؛ وشاع عند العوام أن الحرام قد وجد عند الفقهاء، الذين يعرفون ما قال الله ورسوله، فكاد بعضهم يستحل ذلك، وبعضهم يبالغ في ذلك، ويقول إمام الشامية الرجل الصالح شهاب الدين البقاعي، ولا قوة إلا بالله.
وفيها ورد كتاب من القاضي الشافعي بعزل شعيب من القضاء، فلم يسلم هو العزل وأعاده شهاب الدين الرملي إليه ولم يصح.
وفي يوم الاربعاء رابع ذي القعدة منها، كبر الناس بدمشق، على مآذن الجامع وغيره، على الخاصكي الذي جاء من مصر، وعلى يديه خلعة النائب المتوفي، وجاء على كشف الأوقاف، واسمه تنم الجردون، وإنما صار خاصكياً بمصر قريباُ لأجل ظلمه للناس وأخذ أموال الأوقاف بلصاً؛ وهذا أول ظلم وقع في زمن هذا السلطان الجديد.
وفي يوم الخميس ثاني عشره دخل من مصر يلباي الأمير الكبير بدمشق، كان سافر إلى
(1/145)

الداودار الكبير لما رجع من جفلته إلى غزة، ثم إلى مصر، فلما جفل الجفلة الثانية إلى الصعيد، رجع هذا إلى دمشق على عادته، وكان عاداه النائب المتوفى لكونه سافر لنصرة الداودار الكبير، وأخذه له على ما قيل حاصلاً شعيراًَ، فشكاه إلى السلطان، فلم يفده إلى طلب قطج وجماعته، فأنعم عليهم إكراماً للنائب أستاذهم، فرجعوا بخلعة سنية للنائب، فلم يصلوا دمشق حتى مات النائب، فعادوا بها إلى مصر، فاطمأن هذا الأمير يلباي، وأتى إلى دمشق يومئذٍ.
وفي يوم الجمعة ثالث عشره صلي غائبة، عقيب صلاتها بالجامع الأموي، على ثلاثة أنفس منهم المحدث العلامة شمس الدين السخاوي، توفي بمكة، وفي ليلة الاثنين سادس عشره شاع بدمشق أن المنجمين قالوا إن الوباء يرتفع حينئذٍ، فرجع الشيخ محمد بن الحصني، الذي قد كان هرب منه بولده وأهله إلى قرية الخيارة، فتوعك ولده واسمه عبد الوهاب، ثم توفي ليلة الخميس تاسع عشره عن نحو عشرين سنة، ووضعوا الجثة في القبر طراحة.
وفي يوم السبت حادي عشريه وردت الأخبار من مصر إلى دمشق، بأن أبا البقاء بن الجيعان، قصده رجل ملتف في برنس حال خروجه من الحمام، وطعنه بسكين فقتله، واتفق الناس أنه مسلط عليه، وقال بعضهم سلطه كاتب السر ابن مزهر.
وفي يوم الأحد ثاني عشريه رجع إلى دمشق دوادار النائب المتوفى قطج، ومعه الوالي المخصي وغيرهما، ردهم الخاصكي الذي أتى على الحوطة على مال أستاذهم، وهو الآن بائت على قبة يلبغا، وقيل أنه من أقارب السلطان، ثم دخل بكرة يوم الاثنين ثالث عشرينه وخرج لتلقيه نقيب القلعة، والقضاة، وجماعة النائب المتوفى. وأما نائب الغيبة الحاجب الكبير فلم يخرج، لأن زوجته توفيت، وخرج في رقبته خراج، بل شيع بدمشق موته، وكان على الحواط خلعة خضراء بطراز. وفي هذا اليوم طاشت الزعر وطغى الحرامية، وعرى جماعة عند دخول الليل، وكثر ظلم المحتسب.
وفي يوم الأربعاء خامس عشرينه ختم حضور الدرس بالشامية الكبيرة. وبعد ظهر يوم الخميس سادس عشريه ثار الشريرين، غوغاء ميدان الحصى وغوغاء الشاغور، بمحلة قبور
(1/146)

الباب الصغير ومسجد الذبان، وقتل جماعة وجرح آخرون، وغلقت الأسواق خوفاً من النهب، ثم ركب الأمير الكبير ففرق بين من تأخر منهم في القتال.
وفي عشية هذا اليوم ثار السحاب من شرقي دمشق، ومشى إلى جهة الغرب إلى أن أظلمت الدنيا، وخشى الناس المطر لكثرة الوخم والسموم، واستمر إلى آخر الليل، فكثر الرجم بالنجوم، فتكشطت السماء من السحاب، ورجم بنحو عشرين نجماً في نحو ساعة.... وفي يوم الجمعة سابع عشريه صلوا بالجامع الأموي غائبة على أبي البقاء بن الجيعان المقتول وعلى القاضي الحنبلي بمصر، السعدي.
وفي بكرة يوم الأحد تاسع عشريه، وهو الثلاثون من تموز، وجد أحمد بن محمد البرهان، المعروف بابن المغني، بنهر بانياس من قبل القربيين، قرب باب سر القلعة، مقتولاً؛ كان بالمرجة يتفرج، فقتل ثم طرح في النهر المذكور، فحمله إلى هذا المكان، فرأوه أهل هذه المحلة، فأخرجوه عند باب السر، فعرف، فحمل إلى بيته، بحارة البقارة، فغسل ودفن؛ وخلف ثياباً عاتكية مقصورة مدقوقة فوق المائة. وفي هذا اليوم اجتمع الأمير يلبابي، الأتابكي بدمشق، وقضاتها، بمدرسة ابن المزلق، وأصلحوا بين أهل الشاغور وميدان الحصى، وشرطوا عليهم شروطاً، ومن قتل بينهم هدر دمه.
وفي يوم الاثنين ثاني ذي الحجة منها، دخل من مصر إلى دمشق الخواجا ابن النيربي، الذي كان ناظر الجيش بدمشق، وأهانه النائب المتوفى، فسافر إلى مصر، فتولى نظر الجيش والقلعة ووكالة بيت المال عن الصلاح العدوي، ثم دخل في هذا اليوم.
وفي يوم السبت، آخر أيام التشريق، اجتمع غوغاء أهل دمشق بمحلة القطائع؛ غربي ميدان الحصى، وفي وليمة عملها زعر الميدان المذكور لزعر الشاغور، والمزابل وغيرها، وقام فيها من أكابرهم، على ما قيل، الشهاب بن المحوجب، والسيد إبراهيم، والقاضي تقي الدين بن قاضي زرع، وكانت بمال كبير، وغالبة أخذ من المحاجين والمستورين على وجه
(1/147)

الحياء والقهر، فلأجل إذا لم يحصل لهم سعد في مرادهم من إظهار العظمة والأبهة عند عملها، فنهبت ثم تفرق الجميع، وقد ضحك على الجميع.
وفي يوم الجمعة تاسع عشره عقب صلاتها بالجامع الأموي، اجتمع القضاة والخاصكي الحواط، واسمه آقباي، عند باب الخطابة، والجم الغفير من الناس، وقرأوا ربعات وختموها وأهدوها في صحائف السلطان، لأجل إعفائه عنهم عما رسم به أولاً على يد الخاصكي، الذي جاء بخلعة النائب المتوفى، من الكشف على الأوقاف ومصادرة أهلها، حتى المارستان، وكثر الدعاء له بسبب ذلك.
وفي هذه الأيام قام أهل ميدان الحصى، من رجل من أهل الشويكة، اسمه عبد القادر التاجر الأجرود، في توسعة المسجد الذي قد كان عمر ووسع سنة، فأتوا بالقاضي نور الدين بن منعة الحنفي، وحكم بهدم الخلاء والسلخ اللذين كانا في عمرها شمس الدين بن كامل في السنة المذكورة، وأذن الحنفي في أن يجعل مكانهما مضافاً إلى المسجد المذكور، فهدما، وشرع عبد القادر في عمارة ذلك، وجعل المحراب على أساس جدار الخلاء، فدخل السلخ في المسجد زيادة وما سامته من الغرب، قدام الحمام البيدمري، وقيل الخان الشرمري، فأضافوا هذه القسمة إلى هذه الزيادة المذكورة.
قال شيخنا المحدث جمال الدين بن المبرد الصالحي: وفي هذه السنة، عقب موت النائب قانصوه اليحايوي، أغرى بعض الفقهاء للزعر بأنه يجوز قتل أعوان الظلمة، فصار من قلبه من أحد شيء إما يقتله أو يغريهم ويعطيهم دراهم فيقتلونه، ويحتجون بأنه عواني، حصل بذلك فساد كثير؛ وقتل في هذه الأيام عندنا في الصالحية نحو الثلاثين، منهم: عبد الرحمن بن زريعة، وأبو بكر بن قبيعة، والشكمي الحمصاني، وأحمد بن كديش، وأحمد الكفروري، ووالي الصالحية بشير الطواشي عتيق الشمسي بن القونصي، وفي المدينة نحو المائة منهم: قاضي حمص كان، قدم دمشق فبرطل عليه أعداؤه للشواغرة فقتلوه بسوق البزوريين؛ فسئلت عن هذه المسألة مرتين فأجبت في الأولى بجواب مختصر نحو الكراسة، وفي الثانية بمطول نحو الثلاثين كراساً وسيمته: الذعر في أحوال الزعر، ومحطمهما عدم الجواز، وأنه لا يجوز لأحد إغراؤهم.

سنة ثلاث وتسعمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله عبد العزيز بن يعقوب العباسي
(1/148)

وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الناصر أبو السعادات محمد بن قايتباي، وهو شاب أمرد، قيل بالغ، محصور من شدة الاختلاف بمصر؛ ونائبه بدمشق فكان قانصوه اليحياوي، والآن لم نتحرر من هو أيضاً: والحاجب الثاني ... وهو غائب بمصر؛ والقضاة بها: الحنفي بدر الدين ابن أخي القاضي الشافعي، والشافعي شهاب الدين بن الفرفور، وهو غائب بمصر أيضاً، والمالكي شمس الدين الأندلسي، والحنبلي نجم الدين بن مفلح، وكاتب السر عبد الرحيم بن الموفق العباسي؛ وناظر الجيش زين الدين عمر بن النيربي، وهو ناظر القلعة، ووكيل السلطان وناظر الأسرى، ووقف السلطان، والترجمة، أخذ الوكالة ونظر القلعة عن صلاح الدين العدوي، والباقي عن تمربغا القجماسي؛ ونائب القلعة جاني بك؛ وصاحب مكة السيد محمد بن عجلان؛ وصاحب الروم محمد بن بايزيد؛ وصاحب العرب محمد ين يوسف، وقد اتفق في هذه الأعوام أربعة سلاطين، كل منهم اسمه محمد كما ذكرنا.
وفي يوم الثلاثاء مستهلها، لم يكن بدمشق من يحكم غير آقباي الحواط، دوادار خال السلطان، وهو غر بقواعد الأمور، وطريق مصر مخيف، ولذا قل المخبر عن أهلها؛ وثارت زعر دمشق، وزحف زعر القبيبات على أهل ميدان الحصى ولم يحصل للوليمة التي تقدم ذكرها نتيجة.
وفي ليلة الأربعاء تاسعه ورد من مصر نجاب صحبته كتب ومراسيم، واشتهر بدمشق أن الدوادار آقبردي حصر في بيته بعد ما جاء من البلاد القبلية، وقتل من جماعته وجماعة السلطان جماعات، وأن مماليك النائب اليحياوي الذي مات لما دخلوا مصر أنعم عليهم، فقاتلوا قتالاً شديداً، ثم اتفق قانصوه الألفي، وكرتباي الأحمر، وخال السلطان يخشى، واليحياوية، وطلبوا الدوادار فهرب منهم، وتبعوه إلى خان يونس، الذي كان قد حصل له به النصرة في تلك المرة كما تقدم؛ ثم أرسلوا إلى مشائخ اليلدان بالتحريض على قتاله.
وورد مرسوم إلى الخراط آقباي بأن يقبض على نائب القلعة الجديد ونقيبها، الذي كان شفيع اليحياوي قبل موته في استمراره بها، ورد النقيب الذي كان أتى صحبة نائبها الجديد، فلما قرأ الحواط المرسوم أرسل إلى نائب القلعة بأن يدق البشائر عشية، فلم يفعل، ولعله لم يسهل به ما وقع في حق الدوادار، ثم دقت البشائر صبحة يوم الأربعاء ثم أتى نائب القلعة
(1/149)

ليسلم على الحواط، فأمر بالترسيم عليه، وأخبره بالمرسوم، ثم أرسل طلب نقيبها أيضاً، فامتنع، فأكد الطلب عليه، فلما حضر قرأ عليهما المرسوم، قامتثلا، فرسم عليهما وأخرجهما من القلعة، ووضع في القلعة نائب البيرة دولات باي، قيل وطلب أيضاً الأمير الكبير ليرسم عليه لكونه من جهة الدوادار، وتحقق الناس أن أمر الدوادار آل أمره إلى الهوان به لقلة محبيه في جميع البلاد، لكثرة ظلمه أيام حكمه.
وفي ليلة السبت ثاني عشره ثارت زعر ميدان الحصى، وزحفت على أهل الشاغور، وكان الوقعة بمحلة مسجد الذبان، وارتجف الناس فوق ما هم فيه من الخوف من الوباء، وقلة الحكام، وكثرة الظلم، وقوة الأخبار المخوفة، واستمر الهواش بينهم إلى قريب ثلث الليل، ثم أصبحوا كذلك، والبشائر التي تقدم ذكرها تدق، ثم كثر الشر بينهم وزحف أهل الشاغور على السويقة المحروقة بالنشاب والهدم إلى قريب الظهر، فجاءت خيل الترك الذين بدمشق، كالحواط وأمير كبير، فحالوا بينهم، وبعد ثلاثة أيام صالحوا بينهم وسكن الشر بعض سكون.
وفي هذه الأيام احتاج الناس إلى تتميم البوابات والتدريبات التي كان النائب المتوفى أمر برسمها، فلما مات بطل الاهتمام بها، والآن شرع الناس في إتمام أمرها، سيما لما جاء الخبر بقتل أتابك العساكر المصرية تمراز، وهروب نائب غزة قرقماس، الذي كان حاجباً بدمشق، إلى الرملة، وأخذ نائب صفد برد بك، الذي كان دوادار السلطان بدمشق، قلعة صفد من نائبها بالحيلة، ليتقوى بها على قتال الدوادار.
واجتمع شيخ بلاد نابلس ابن إسماعيل عدو الدوادار، وجميع العشير الطائع للسلطان، على مكان يخرج منه الدوادار من غزة ليحصروه للقتال، وقد اجتمع على الدوادار بغزة العصاة وقطعوا طريق مصر، وكان أول دخوله غزة ضعيفاً، ولو ثبت نائبها كان ظفر به، وكفى الناس شره وتحدث الناس أنه على عدم ثباته وفيها رجع إلى بيته بدمشق حان بلاط، الذي كان أمير الحاج بدمشق، وهو مجروح، ونم عليه أن كان حاملاً صنجق الدوادار، فطلب ورفع إلى القلعة.
وفي يوم الجمعة ثامن عشره ورد مرسوم شريف على الحواط بالقبض على الخاصكي، الذي كان أتى بالقلعة للنائب في حال ضعفه وأظهر أنه كاشف الأوقاف، فمسك ورفع إلى القلعة. وفيه شاع أنه رسم بأن يبعث وراء أركماس نائب حماة، والسواري نائب حمص،
(1/150)

ليحضروا إلى دمشق ليقفو افي وجه الدوادار.
وفي يوم الأحد عشرينه نودي بدمشق بالحجوبية الكبرى لتنم، الذي كان أرسل نائباً للكرك في أيام السلطان المتوفى، ثم رجع إلى دمشق واستنابه جان بلاط دوادار السلطان بدمشق فيها، بعد أن كان عزل عنها وخرج أميراً للحاج؛ وهو رجل فاجر عدو نائب حماة، وهما من حزب الدوادار، فعجب الناس من ذلك، فإنه قد اشتهر في دمشق وغيرها، أن كل من كان من حزب الدوادار ممقوت عند جماعة السلطان.
وفي يوم الأربعاء ثالث عشريه اشتهر بدمشق أن كاشف الرملة أتى إلى دمشق بغتة، وأخبر أن الدوادار نادى يوم الاثنين الحادي والعشرين بالرحيل من غزة، وأن العشران لم يقفوا في وجهه لعدم المرسوم السلطاني.
وفيه ركب الحواط، والأمير الكبير، وتنم الذي نودي له بالحجوبية، والخاصكي الذي كان رفع إلى القلعة في يوم الجمعة المار، وذهبوا إلى أهل ميدان الحصى ليحضوا عرض الزعر والخيالة بها، فعرضوا عليهم مجاراتهم تخويفاً للدوادار المتقدم، فإن الحواط قد خاف من عاقبته، ولأجل هذا ذهب إلى عندهم استجلاباً لهم، وكان القياس أن يمكث في الأصطبل السلطاني أو غيره ويأتون إليه، ثم منح مشائخهم خلعاً.
وفي يوم الخميس رابع عشرينه دخل إلى دمشق نائب حماة ونائب حمص، المطلوبان ليقفا في وجه الدوادار.
وفيه ضرب أخو أحمد بن شدود امرأة بسكين عدة ضربات، وقتل الزعر شخصاً في سطح مسجد القصب.
وفي يوم الأحد سابع عشرينه تواترت الأخبار بأن نائب حلب أينال الفقيه، استقر في نيابة الشام، وأنه يستمر بحلب حتى يأتي متسلمها.
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشريه دخلت كتب الحاج؛ ووقع بدمشق مطر وهو أول مطر وقع بها، وذلك بعد مضي عيد الزبيب باثني عشر يوماً.
وفي بكرة يوم الخميس مستهل صفر، أو ثانية منها، دخل دمشق متسلم النائب الجديد أينال، وفرح به الناس لكثرة فساد الزعر وبغيهم، وقلة حرمة الحواط وغيره. وفي يوم الجمعة ثانيه أو ثالثه دخل غالب الوفد. وفي ثانيه دخل المحمل إلى دمشق.
وفي عشية هذا اليوم تواترت الأخبار بأن الدوادار المطرود من مصر، ومعه جماعة من الأمراء، كجانم نائب قلعتها، وكالظريف واليها، وكتنبك قرا أحد المقدمين بها، وكآقباي نائب غزة كان، وصلوا إلى بلاد الغور، وصحبتهم كريم الدين بن عجلان، ومحمود الأذرعي، ثم إلى أربد في نحو ثلثمائة، خيال ملبسين، وقلعة دمشق حينئذٍ محصنة بالرجال وآلة الحرب، فماج الناس بعضهم في بعض، ولم ينمم غالب أهل دمشق من الليل إلا قليلاً، لشدة رفع أصواتهم على جوانب القلعة،
(1/151)

ثم نقل غالب الأكابر إنائهم وأموالهم إلى داخل المدينة، خوفاً من عشير يأتي، ومن منافقي غوغاء الحارات.
وفي يوم الأحد خامسه رجع الكشاف الذين أرسلوا من دمشق، وأخبروا بأن أمر الدوادار المذكور وجماعته متراخ، لم يلتف العشير عليهم، لكونهم مظهرين الطاعة للسلطان، فقوي قلوب ترك دمشق كالحواط، وأركماس نائب حماة، وإبراهيم بك نائب حمص، اللذين طلبا إلى دمشق خوفاً عليهما، وكذا متسلم النائب الجديد أينال الفقيه الذي أتى من حلب؛ ونودي في اليوم بأن لا ينتقل أحد من منزله، وإن خالف ينهب، فكف الناس عن النقلة.
وفيه هجم والي دمشق وجماعة المتسلم على ... وقبضوا على صبي ابن ... أحمد بن شدود، وهو من أهل الريب، وذهبوا به إلى المتسلم، فأمر بتوسيطه، فوسط تجاه اصطبل دار السعادة، ثم إن أهله أخذوه وبيتوه عندهم إلى وقت الغداء من يوم الاثنين سادسه، فحمل إلى خان جقمق وغسل وصلي عليه ودفن عند أبيه.
وفي هذه الساعة خرج الحواط في جماعة إلى قبة يلبغا، واستعوض جيش دمشق هناك، ثم رجع الجميع.
ثم في بكرة يوم الثلاثاء فعل ذلك، فاطمأن الناس قليلاً.
وفي بكرة يوم الخميس تاسعه نادى الحاط بأن المرسوم الشريف ورد، بأن الدوادار آقبردي عاص، وروحه للسلطان وماله لغيره.
وفي يوم الجمعة عاشره قيل إن الدوادار والعاصين معه ترحلوا إلى حوالي قرية الصنمين.
وفي يوم الأحد ثاني عشره تحقق نزوله بها - وفي هذه الأيام أمر بسد أبواب المدينة إلا باب النصر والفرج الصغير، وشرعوا في تجديد باب آخر خارج باب الصغير.
وفي يوم الثلاثاء رابع عشره شاع بدمشق وصول النائب أينال الفقيه من حلب إلى بعض بلاد دمشق، وأتت عشران البلاد مطلوبين إلى دمشق.
وفي صبحة يوم الأربعاء خامس عشره تحقق نزول العصاة بمرج دمشق حوالي قرية الغزلانية.
وفي يوم الخميس سادس عشره دخل برد بك نائب صفد إلى دمشق بجماعته، ومعه عشير كثير، بحيث أن الناس استكبروا ذلك على العصاة، وظنوا أن النائب الجديد يخامر مع
(1/152)

العصاة ثم تحقق وصوله إلى حمص، فزاد ظنهم أنه مخامر.
وفي صبحة يوم الأحد سادس عشيره هرب المتسلم إلى عند أستاذه النائب الجديد أينال، وظهر عصيانهما ومخامرتهما مع العصاة، ونودي عليهما ذلك بدمشق في يوم المذكور، والتقى النائب الجديد والعصاة على قرية عذراً، وقيل إن الدوادار تنازل وتواضع مع النائب المذكور، وقيل إنه بشره بالسلطنة سراً وأخفيا العصيان، وأظهر الطاعة مكراً وتقية بقولهما: نحن طائعون الله ورسوله والسلطان، فانتقل الناس ورحل غالبهم إلى داخل المدينة، وخالفوا المنادى المتقدمة لشدة الخوف، فامتلأت المدينة من الخلق.
وفي يوم الاثنين سابع عشريه نصب الصنجق السلطاني على طارمة القلعة، واجتمع الطائعون تحته فتعدى مملوك على آخر مثله، فهرب منه، فقلد كل من العسكر الآخر ولم يعلموا الأمر، فهرب العسكر جميعه وظنوا أن العصاة قد أتو بغتة، ثم تبين الأمر فتعجب الناس لذلك.
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشريه قيل اجتمع الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون، وشهاب الدين المحوجب، بالعصاة على المصطبة، فأجاب النائب بالطاعة وأنه مع الدوادار، وأن الدوادار أمير سلاح السلطان بمصر، وأنه أتى المرسوم الشريف بذلك، وأما المرسوم الذي أظهره الحواط إنما أتى من خال السلطان دواداره، لا منه، وأنا نائب الشام ولا بد من دخولها، والدوادار معي وأنزله بالقصر، وأراجع السلطان في أمره، فمهما رسم امتثلت أمره.
وفي بكرة يوم الأربعاء تاسع عشريه تصافى العصاة والطائعون، وذهب النائب من المصطبة إلى الصالحية، فخرج عليه جماعة منها، فقتل منهم نحو الخميس رجلاً، وقتل من جماعته بعضهم، وأسر جماعة ملبسين، وكان الطائعون من أهل الصالحية، فلما ركب أينال الظريف من المصطبة نجدة للنائب، هرب الطائعون إلى دمشق، وأهل الصالحية إلى داخل التداريب المحدثة بها، ورجع العاصون إلى المصطبة.
وفي يوم الخميس سلخه قيل ورد مرسوم شريف بعزل النائب المذكور، وتولية جان بلاط، الذي كان عين لنيابة حلب بدل أينال الفقيه، في نيابة الشام؛ وأن يلباي الأمير الكبير بدمشق فوض إليه نيابة طرابلس؛ وأن نائبها نقل إلى نيابة حلب، ونودي بذلك في دمشق؛ وأن من أحب من مماليك السلطان الذين هم من العصاة أن يأتي إلى تحت علم السلطان ويأخذ له جامكية، فليفعل، وأن من أراد من الأمراء، العصاة أن يأتي إلى عندنا وله الأمان، فليفعل، أو أراد الذهاب إلى القدس، فليفعل، ويشاور عليه السلطان، وأن نائب القلعة يومئذٍ، الذي كان نائب البيرة، جعل رأس العسكر الطائعين، وأن الحواط جلس مكانه في نيابة القلعة، وعرض
(1/153)

العسكر الطائع عليه بالميدان يوم الخميس المذكور، وأن الركوب على العصاة غداً، يوم الجمعة، مستهل الشهر الجديد.
وفي بكرة يوم الجمعة مستهل ربيع الأول منها، أراد الباش المذكور أن يركب بالعسكر ويهجم على العصاة بالمصطبة، فوقع المطر، فعوقوا عن ذلك.
وفي بكرة يوم السبت ثانيه ركب جيش دمشق كله، والعشير جميعة، ووقفوا، ثم تفرقوا من المطر أيضاً، ثم أتاهم رجل من السعادة وأظهر لهم أنه أتى من مصر بمراسيم شريفة، فظهر أنه من عند العصاة مزور، فقطع لسانه ويده، نودي عليه بذلك.
وفي يوم الثلاثاء خامسه، وهو أول تشرين الثاني، ورد الخبر من طرابلس بوفاة نائبها أينال، الذي قيل عنه إنه استقر في نيابة حلب، كما تقدم ذكره، وإنه لو عاش كان يخامر مع العصاة.
وفي بكرة يوم الخميس سابعه حمل العصاة من المصطبة أثقالهم وموجودهم، فشاع ذلك في دمشق، فظن أهلها أنهم يريدون الذهاب إلى طرابلس لأخذ مال نائبها أينال المتوفى، أو أنهم ينزلون إلى البحر منها، فساروا نحو الغوطة، وأتوا على قرية بيت الآبار، ثم على قرية البويظة، فخرج جماعة من جند دمشق وكشفوا قبليها ورجعوا بعد العصر، ومعمار السلطان وجماعة المعمارية يومئذٍ يعمرون في أساس سور برأس القبيبات القبلي، كما فعلوا في محلة العنابة، ومقابر باب الصغير، وغيرها من الأماكن التي يخاف منها، فهم كذلك وإذا بأوائل العصاة قد أقبل بغتة عجلاً، فوقف جماعة من أهل القبيبات في وجوههم، فقتلوا سريعاً، ثم تلاحق العصاة وهرب المعمارية، وملك العصاة أوائل العمران، ثم تلاحقوا حتى وصلوا إلى عند رأس محلة قصر حجاج، فخرب جماعة من الطائعين إلى داخل المدينة، وآخرون إلى القلعة، وازداد خوف الناس، وأرادوا العوام البطش فاستأمنهم العصاة، وقالوا لهم: لكم الأمان منا ولا تدخلوا بيننا.
ثم دخل الليل ونزل العصاة بميدان الحصى، فالدوادار عند السيد إبراهيم، والنائب المعزول في زاوية ابن عجلان، وتنبك قرا عند الشهاب بن المحوجب، ووالي مصر بتربة تنم.
وفي بكرة يوم الجمعة ثامنه ركب الدوادار وأينال المعزول من نيابة دمشق، وتنبك قرا، وولده، وآقباي نائب غزة كان، وجانم مصبغة، وقنبك نائب إسكندرية، ومعهم جماعة من مشائخ العشير، ومشاة كثيرة، ومماليك أجلاب ملبسة، وطبل الحرب تدق ووقع القتال من محلة مسجد الذبان، إلى محلة الجامع الصابوني، واستمروا.
ولم تصل الجمعة في غالب الجوامع، ثم تفرقوا قبل العصر بعد قتل جماعة من
(1/154)

الفريقين، وظهرت الذلة على العصاة من المكحلة التي ركبت على السور تجاه تربة العجمي، وأرادوا العصاة أن يحرقوا التدريب الذي عمل عن خان الهجانة، قرب تربة اليحياوي، من طريق قصر حجاج، فلم يقدروا على ذلك من كثرة الرمى عليهم من المكاحل البندقية، والكفية، والنشاب وغير ذلك، فذهب العصاة المذكورون إلى ناحية الشاغور وحرقوا مكاناً قريب زاوية المغاربة، وقتل جماعة من الفريقين ومن غيرهم، وجرح آخرون، واستمر شاليش العصاة إلى آخر نهار الجمعة بغير صلاة.
وفي يوم السبت تاسعه أتى شاليشهم كذلك ومعهم مكحلة بندقية مهولة، أصاب يومئذٍ منها دي دوشن ابن ... بنتا لبنت عمر الحبال ابن عمر ابن ... فماتت.
وفيه شرع العصاة في عمل مكاحل كبار، وجنويات كثيرة.
وفي يوم الأحد عاشره رتب نائب صفد برد بك على باب شرقي، وأركماس نائب حماة على باب الصغير، وعلى كل جانب منه أمير يحرسونه، فباتوا يصوتون ويطلقون المكاحل، حتى أسهروا الناس، وبعضهم يفحش في حق الدوادار وغيره من العصاة بصوت عالٍ، في مكان عالٍ، في هدوء الليل.
وفيه احترق جانب من سشوق المزار بالشاغور، ومقشر القنب، ونهبت المدرسة الترابية الحصنية، وأخذت الكتب التي بها، بخط الشيخ تقي الدين الحصني، وخط غيره، حتى قيل أنها نحو ألف مجلدة.
وفي يوم الاثنين حادي عشره رمى رجل من غوغاء مشاة الطائعين عودي حطب، فيهما نار، على بارية شمالي أول جملون السويقة جوار بيت شيخنا المحيوي النعيمي، فاستغاث بعض الناس وعارضه، فانطلق الرامي ونهب ميزان فلوس ليحيى التواتي المغربي، وهرب به إلى المعصرة، تجاه خان السبيل، فتتبعه رجل إلى أن دخل مقبرة الأشراف، جوار مسجد الذبان، فقبض عليه وقطع رأسه، فأصبح يوم الثلاثاء مقطوع الرأس، فأعلم به أهله فأتوا وأخذوه.
(1/155)

وفيه ألجأ شيخنا المذكور أن يأتي أكابر الطائعين ويشفع في عدم الأمر بإحراق سوق محلته، ففعل، وقبلوا شفاعته، ونودي بدمشق: إنما نحرق بدمشق: إنما نحرق بيوت من نعرف عصيانه، يعنون السيد إبراهيم ونحوه.
وفي يوم الثلاثاء ثالث عشره تزايد الخوف من الحريق من غوغاء الزعر النهاب، فانتقل شيخنا المذكور من منزله إلى بيت حسين البغدادي بجواره، لإمكان الهروب منه إلى حارة قناة البريدي، ثم انتقل منه إلى بيت الخواجا ابن عرب بمحلة القناة المذكورة، ونام فيه ليلة الأربعاء ثالث عشره، وقد أيس من سلاتمة منزله ومحلته.
وفي يوم الخميس رابع عشره أتى إلى دمشق رجل هجان، من جماعة نائب حمص إبراهيم باك، وظاخبر بخروج جيش من مصر لكثرة طلب ذلك من الطائعين بدمشق، فخلع عليه.
وفيه بنى باب النصر من تربة بهادر آص، إلى تربة فرج بن منجك بحجارة مكينة، ومرام، فاشتد خوف الناس، وتقطعت الأسباب، وفصل بين الحارات بتداريب مسدودة، وبعضها بخوخة يدخل منها بمشقة شديدة، واستمر العصاة بميدان الحصى، وشاليشهم بالبندقيات عند باب المصلى، وشاليش الطائعين عند الجامع الصابوني، حتىانزعج من ذلك الخلق والطير في السماء من شدة صوت المكاحل، وكل أهل حارة خائفون من الحريق أو النهب أو منهما جميعاً، وطمع في ذلك أهل الزعارة.
وفي يوم السبت سادس عشره أتى عشير كثير من الروافض إلى عند العصاة، فلم يجدوا لهم موضعاً بميدان الحصى لكثرة الترك فيه، وسكناهم في دور الناس بخيلهم وغلمانهم وجواريهم، فتوزع العشير المذكور في أطراف الميدان المذكرور، وإلى محلة باب المصلى.
وفي هذه الأيام شرع العصاة في عمل سلالم كبار طوال، وجنويات، زحافات، وفي زعمهم أخذ المدينة والقلعة، ويظهرون للناس أن السلطان من جهتهم، وإنما يميله خاله وجماعته، ويخرجون مراسيم على مرادهم، عليهم علائم السلطان؛ والطائعون يظهرون أنه قد خرج من مصر جيش كثير من نائب الشام جان بلاط، وأن العشير كان أتى إليهم ثم رجع إلى بلاده ينتظر قدوم الجيش وجان بلاط المذكور ليدخل معهما.
وفي يوم الأحد سابع عشره قطع لعصاوة يد شاب مغربي ولسانه وأذنه، لما قيل عنه أنه ساع أتى إلى الطائعين، كما فعل الطائعون بذلك المغربي الذي تقدم ذكره.
وفي عشية يوم
(1/156)

الثلاثاء تاسع عشره ركب العصاة واستمروا في القتال عند مسجد الذبان مع الطائعين، وحرقوا جانباً من قرب قصر حجاج، قرب باب الجابية، ليدخلوا بغتة إلى أذى الطائعين، فعجزوا ورجعوا، ونادوا بأن يستمر الجيش والمشاة إلى ثاني يوم، ورجوا أن يدخلوا المدينة، فأتاهم مطر شديد، واستمر إلى ليلة الخميس حادي عشريه، فلم ينالوا خيراً، وقتل جماعة وجرح آخرون، ونهب المشاة في الحريق أموال الناس.
فإن في ليلة الأربعاء عشرينه حرق العصاة أيضاً الترب والبيوت التي شرقي الطريق، غربي المقبرة، شرقي الجامع الصابوني، وبيوتاً كثيرة أيضاً غربيه.
وفيها أخذ مشاعلية العصاة أبواب حوانيت السويقة المحروقة، وجعلوا جملونه كناً لهم من المطر، وقام الدوادار قبليها، والنائب أينال الفقيه شرقيها، وجعلوا تلك الأبواب حطباً للمشاعل ولدفايهم، واستمروا إلى أن طلع الفجر، فهموا بالقتال أيضاً في يوم الأربعاء المذكورة ليأخذوا المدينة كما رجوا، فقوي المطر عليهم فكبتوا خامر منهم جماعة إلى الطائعين: دوادار نائب حماة كان، واستادار الغوركان، ودخلا إلى القلعة؛ واستمر شاليش الفريقين بالبندقيات والكفيات ليلاً ونهاراً عند الجامع الصابوني.
سمع الطائعون أن النائب المعزول يريد أن يسكن في بيت فارس بالسويقة المحروقة، ولم يعلم نائب القلعة أنه تحت نظره، فأمر بإحراقه، فحرق الحوش والداير والاصطبل، وكان فيه للأمير علي باك، خازندار النائب اليحياوي المتوفى، تبن وشعير كثير، فنهبه العصاة.
وفي يوم السبت ثالث عشريه سدت الخوخات التي بقيت إلى باب الجابية، ولم يتركوا خوخة نافذة.
وفي صبحة يوم الأحد رابع عشرينه ركب العصاة، وذهب الدوادار بجماعته إلى الباب الشرقي من أبواب المدينة، ومعهم السلالم، وحاصروه، وأتى النائب بجماعته إلى محلة مسجد الذبان، واستمروا في القتال والمكاحل ترمى إلى المغرب، وجاع العسكر في اليوم المذكور أشد جوع، وشرع بعضهم ينهب البيوت، وقتل جماعة وجرح آخرون، سيما من جماعة الدوادار، عند الباب الشرقي، من جماعة نائب صفد الموكل به، وكان يوماً مهولاً لم ير مثله.
وفي هذه الأيام سمعنا أن الأمير الكبير بمصر أزبك الظاهري المنفي إلى مكة، طلب
(1/157)

إلى مصر ودخلها، وفوض إليه الأمرية الكبرى على عادته.
وفي صبحة يوم الاثنين خامس عشرينه ركب العصاة أيضاً وأتوا إلى الطائعين من جهة قصر حجاج، فخرج أهل المدينة والطائعون عليهم، فردوهم على أعقابهم، وقتل منهم وجرح جماعات كثيرة، فعادوا إلى جهة ميدان الجامع الصابوني، فلم ينالوا أيضاً مراداً، ثم عادوا، أو غالبهم إلى جهة قصر حجاج أيضاً، فعاينوا القهر البليغ، ثم أشاع بعضهم عن بعض اليحياوية الطائعين أنه طلب الصلح، فطمع العصاة، سيما الدوادار، وأسمعه الطائعون من السور كلاماً سيئاً، ثم رجعوا إلى القتال بعد المغرب، ثم تفرقوا.
وفي صبحة يوم الثلاثاء سادس عشريه أتت الطبلخاناه إلى قبالة الطائعين، ثم رجعت وترك القتال وأمن بعض الناس، ثم أرسل العصاة إلى القلعة رسولاً للصلح بشرط أن يرسل إليهم برد بك نائب صفد، وأركماس نائب حماة، فقتله الطائعون قتلاً شنيعاً.
وفي صبحة يوم الأربعاء سابع عشريه ركب العصاة أيضاً، وأتوا في أمر شنيع مهلك، وداوروا الطائعين من جهات عديدة، ومن جهة قصر حجاج، ومن الميدان، وغير ذلك، فكبت منهم خلق كثير قتلاً وجرحاً، ونزل نائب القلعة منها بنفسه واستوحى العوام، وقاتلوا قتالاً شديداً حتى ظهرت النصرة للطائعين، ثم رجع العصاة بعد المغرب مكبوتين مغلوبين.
وفي يوم الخميس ثامن عشريه ركب الطائعون، وقد ألبس الأمير الكبير يلباي نيابة الغيبة، وحضر الجميع واستعدوا للقتال، فلم يحضر من العصاة أحد؛ وشاع بدمشق أن الدوادار شرع في عمل مكحلة كبيرة تحمل على عجلة تجرها البغال، ونادى الطائعون بالأمن والأمان للناس كافة، سيما أهل ميدان الحصى، والقبيبات، وأن من أتى منهم إلى عندنا أكرم، ولم يؤاخذ بما مضى، ومن تأخر عن ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
وفي يوم الجمعة تاسع عشريه استعد الطائعون أيضاً للقتال، فلم يحضر أحد من العصاة.
وفي يوم السبت سلخه كذلك.
وفيه أرسل الطائعون على لسان القضاة والعلماء، مع قاصدين لهم، مراسيم شريفة سلطانية بتولية نيابة الشام لكرتباي الأحمر، وأنك يا أينال الفقيه إن كنت طائعاً فلا تقاتل فقد عزلت، وإن كنت عاصياً فأعلمنا حتى ننظر، كذا قيل.
وفي يوم الأحد مستهل ربيع الآخر منها، دقت البشائر لعزل أينال الفقيه، وتولية كرتباي
(1/158)

الأحمر، فأشاع العصاة بأن السلطان رضي على أينال الفقيه المعزول، وأن خلعته واصلة، وأن كرتباي عزل عنها، والله أعلم بصحة ذلك.
وقد جرت عادة العصاة أنهم يناقضون ما أشاعه الطائعون، حتى لا يذهب عنهم غوغاء الزعر، ومشائخ العشير، ويظهرون القوة وشدة البأس حتى أشاع بعضهم أنهم أرسلوا يطلبون علي دولات أخا سوار ليستعينوا به في القتال، تحنيقاً وإرهاباً وزوراً، وقد كثر الكذب منهم وعنهم، وهو دليل الإكبات.
وفي يوم السبت سابعه حرق الطائعون مكتب ومسجد المدرسة المزلقية بمحلة مسجد الذبان.
وفي يوم الاثنين تاسعه اتقع الفريقان بالنشاب والبندق الرصاص وغير ذلك، وتزايد الحرب، واشتد القتال، وقتل جماعة وجرح آخرون، ثم ولوا بعد المغرب.
وفي يوم الأربعاء حادي عشره وصلت النار إلى المئذنة البصية، بمحلة مسجد الذبان، فسقطت بعد العصر وتباشرت الناس يومئذ بقرب دخول العسكر المصري إلى دمشق، مع شدة الخوف في كل حارة بدمشق من الحريق والنهب، وتعاظم الأوباش من الزعر وغيرهم، لميل الترك إليهم لجعلهم مشاة لهم.
وفي هذه الأيام شاع بدمشق أن العصاة عملوا لأنفسهم بقسماطا كثيراً، وحزموه في زواملة، وحزموا حطباً كثيراً، وهم ينقلون الخيل على هيئة المتأهبين للرحيل.
وفي ليلة يوم الأحد خامس عشره رحل غالب أهل ميدان الحصى، والقبيبات، إلى محلة قبر عاتكة، والشويكة وغيرهما.
وشاع أن العصاة مولون وكان طلب منهم أهل الميدان، والقبيبات، أن يتلبثوا لهم حتى ينقلوا حوائجهم ويوزعوها، خوفاً من النهب من الطائعين، والعشير الذي عندهم، وأهل الشاغور وغيرهم.
وفيه حرق الطائعون من أهل القلعة والشاغور بيت المنوفي الطباخ، وبيت زقزوق بجواره، وأرادوا إحراق السويقة المحروقة، فلطف الله وتركوها.
ثم في آخر هذا اليوم ركب العصاة من أواخر مقابر باب الصغير، وبعضهم من الطريق السلطاني، وهموا بإحراق محلة قصر حجاج، من عند بيت فارس، فطفيت النار، واستمروا في القتال إلى بعد العشاء، ثم ولوا.
وفي بكرة يوم الاثنين سادس عشره نادي العصاة بلبس العدة الكاملة، وأن أحداً لا يخرج من بيته، وأن اليوم يوم الزحف على المدينة، وركب معهم ابن القواس، وكانت ركبة مهولة لم يركبوا مثلها، وأتو بمكاحل كبار وصغار، ونصبوها بمقابر باب الصغير، ووطئوا على مقابر
(1/159)

الأولياء، واستمروا إلى قرب ثلث الليل، ثم كبتوا وانقلبوا خائبين بسلالمهم الطوال، بعد أن حرقوا جامع جراح ليلتئذ، ليلة الثلاثاء سابع عشره، ثم اختفى أمرهم في اليوم المذكور، وأخبرهم الكشاف بقرب العسكر المصري، مع نائب الشام كرتباي الأحمر، ومع جان بلاط نائب حلب، ومعهم مشايخ البلدان، كابن إسماعيل، وابن الجبوسي، وغيرهم، ونائب غزة قراجا، فهرب العصاة في الثلث الأول من ليلة الخميس تاسع عشره، وتركوا غالب أثقالهم، وبعض حوائجهم، ومواعينهم فيها الطعام، واللحم الضأن معلق لم يطبخ وتركوا كوساتهم.....
.... إلى المرج، ثم رجع وقطع يد صهر الشريف قريش كبير الزعر بالشاغور، لكونه تآمر على جماعة من المشاة، فهرب من حلب.
وفي بكرة يوم الاثنين ثاني عشريه خرج وفد الله من دمشق، وأميرهم دولتباي.
وفي ظهر يوم الأحد سابع عشريه رجع المزيريبة، وأخبروا بالرخص وقلة الحاج، وأن العرب كثير، وأن ابن ساعد له يد بيضاء في عمل الخير مع الوفد.
وفي يوم الخميس مستهل ذي القعدة منها، وسط النائب رجلين من زعر دمشق، أحدهما من زقاق البركة، يعرف بابن الفكيك، لقتله رجلاً مغربياً، والثاني من محلة الشاغور، يعرف ببركات، لكونه من المراقي الدماء، ولله الحمد.
وفي هذه الأيام صالح النائب بين أميري آل مري، مهنا بن عامر بن مقلد، وجانباي، وقسم البلاد بينهما، وأشهد عليهما القضاة، وكتب بذلك ثلاث نسخ: مع النائب واحدة، ومع مهنا واحدة، ومع جانباي واحدة، وخلع عليهما.
وفي يوم الخميس ثامنه خرج النائب إلى المرج، ومعه أهبة السفر، وأمر أمراء دمشق وجندها باتباعه، وتضجر جماعة منهم من إقطاعهم لأجل الخسائر الكثيرة، وضرب النائب جماعة من الجوامعة، وصادرهم، وهرب بعضهم، وطلب أن يخرج معه إلى مقصده من كل نوع من الصنائع صناع، كالمعمارية والنجارين والخراطين والحجارين والفامية والأساكفة، ولم يعلم أحد بمقصده.
ثم في ليلة السبت عاشره انتقل من المرج إلى قريب عقبة شحرور، قبلي دمشق، وليس معه من المماليك إلا نحو السبعين، وإنما استخدم مشاة كثيرة بجامكية.
(1/160)

وفي يوم الأحد حادي عشره شاع بدمشق أن الوفد أخذ العرب منه جانباً باللجون وهو محاصر، وأن الدوادار مقيم بجماعة قليلة بالبيرة لم يقطع رأسه، وأن السلطان الملك الناصر وخاله، دواداره، مختلفان، وإلى الآن لم تأت خلعة النائب كرتباي، بل أرسلوا من مصر نائباً لقلعة دمشق فرده النائب من تربة تنم بباب دمشق، ولم يمكنه من الدخول، والناس في هرب من وقوع فتنة، فالله يحسن العاقبة.
وفي بكرة يوم الخميس خامس عشره سافر النائب إلى الكسوة، وخلع نيابة الغيبة على تمرباي القجماسي المشهور بأبي قورة، دواداره يومئذ عوض دولتباي الذي سافر أميراً للوفد، ودخل أبو قورة المذكور بخلعة حمراء بين القضاة الأربعة في أبهة.
وفي يوم الجمعة سادس عشره نادى نائب الغيبة بالأمان وإبطال المناكر مطلقاً على اختلاف أنواعها، وأن لا يحمل أحد سكيناً ولا ما يعتاده أهل الزعارة، وقد أصاب في ذلك، أيده الله تعالى.
وشاع هذه الأيام أن السيد إبراهيم نقيب الأشراف قد أهانه جان بلاط نائب حلب، وضربة بالمقارع مراراً، وأشاع بعضهم موته، وموت محمود الأردعي، رفيقي كريم الدين بن عجلان في تمكين العصاة وإطماعهم في دمشق، حتى خرب غالبها، ونهب الأموال التي لا يمكن وصفها، وقتل خلق كثير، ولا قوة إلا بالله.
وفي هذه الأيام رجع شهاب الدين بن المحوجب إلى مسجد قرب منزله، فسكنه ليعمر منزله، وشاع بدمشق أن النائب قد أغار على طائفة الأمير مشلب، أحد أمراء بني لام، الذين أخذوا الحاج مراراً، وأخذ منهم مالاً كثيراً.
وفي يوم الاثنين ثالث ذي الحجة منها، أعيد الشهاب الرملي إلى نيابة القضاء، بعد جهد جهيد، وترامٍ على جماعة منهم السيد علاء الدين بن نقيب الأشراف، وخلع عليه القاضي الشافعي لحلف الشهاب بن بري عليه أن يخلع عليه، وأن يفوض إليه، فأبر قسمه.
وفي يوم الثلاثاء، رابعه دخل من مصر إلى دمشق خاصكي، وتلقاه القضاة الكبار على العادة، بمراسيم شريفه بأن لا يجحف على اليهود في أخذ الجزية بل بالمعروف.
وفي هذه الأيام شاع بدمشق أن النائب ببلاد صخرة، وأنه يريد يبني هناك قلعة وأن ابن ساعد شيخ تلك البلاد لم يحضر عليه، وإنما أرسل له ابنه ومالاً كثيراً، فلم يرض النائب إلا بحضوره؛ وبعث إلى دمشق يطلب زيادة معمارية ونجارين وفامية وغير ذلك، فهرب غالب الصنايعية، وزاد وقوف الحال من ظلم نائب الغيبة، وهرب الحاجب الكبير من عند النائب وأتى إلى دمشق متضعفاً، وأخبر بكثرة الضيق في البر من النائب، وإخلاء غالب القرى هرباً منه.
وفيها وصل قصاد علي دولات ونائب حلب وغيرهما، ومعهم هدايا للسلطان لأجل الدوادار والشفاعية منه والصلح، ونزلوا بالقصر، وهم منتظرون رجوع النائب إلى دمشق ليستأذنوه في السفر إلى مصر.
وفيها كملت العمارة الزيادة الثانية في المسجد غربي مصلى العيدين، لضيق خان الشومر والخلاء المحدث شرقية في طريق المسلمين، بناهما عبد القادر الحريري الأجرود من الشويكة.
وفيها توفي الخليفة عبد العزيز وولي ولده مكانه بمصر.
وأحد المعدلين نور الدين بن أحمد الإربلي بمكة مجاوراً؛ والقاضي الوزيري المالكي بمصر أيضاً، وصلي عليه غائبة بالجامع الأموي عقب صلاة الجمعة تاسع عشريه قال شيخنا المحدث جمال الدين بن المبرد الصالحي: " وقد أرسل الدوادار آقبري وهو بميدان الحصى يحاصر دمشق في هذه السنة، بعد أن كسر الأنهر التي تدخل إلى المدينة، من بانياس والقنوات وشبههما إلى أهل الصالحية، يتوعدهم مرات بالكبس والقتل والحرق والنهب، وهم في أراجيف منه، ثم كتب كتاباً يقول فيه: إلى كل واقف عليه من أهل الصالحية، من قضاتها وعلمائها ومشائخها وأكابرها، الذي نعلمكم به أنكم قد نزلتم إلينا وقاتلتمونا، فإن كنتم تريدون أن نكف عنكم فلينزل إلينا منكم مائة نفس يقاتلون معنا كما قاتلتمونا، وإلا فلا تلومون إلا أنفسكم، على أنا طلبنا منكم وضع ما معنا من النساء والنقل عندكم، ونحن بالمصطبة لما وقع الحصار من جهة العنابة أولاً، فأبيتم وعفونا عنكم تلك المرة ".
" فسألوني أهل الصالحية في الذهاب إليه فامتنعت، وقال كل من ندب لذلك إن ذهب ذهبنا معه؛ ثم سألني بعضهم أن أكتب له جواب ما أرسل به، فكتبت جواباً مطولاً ذكرته في كتابي: صبر الخمول على من بلغ أذاه إلى الصالحين من أولياء الله، وأرسلته مع قاصد إلى عند أينال الفقيه نائب حلب، فقال له: أنتم منكم أكثر من مائتين يقاتلونا، فقال له القاصد: لا والله، فقال: وإن أقمت بينة أن أكثر من مائة منكم يقاتلوننا أضربك، فقال: وأنتم في عسكركم أكثر من مائة منا يقاتلون معكم، فسكت ".
" وكان نائب حلب في الحصار وهذه الفتن من أجود الناس وأقلهم شراً، ويبلغنا عنه
(/)

الكلام الجيد والأمر الطيب والكف عن الشر جهده، بخلاف الدوادار آقبردي ومن معه من المصريين، وكان أشد الناس عليهم نائب القلعة فإنه بذل نفسه وجميع أموال القلعة وعددها؛ وكان غيره من الأتراك لا يغنون شيئاً، إنما يلبسون ويدورون داخل البلد، ولا يخرج أحد منهم إلى الدوادار وجماعته، وهو يقول: هؤلاء العلوق المخابثة، ما أحد منهم يقدر يواجهني أو يفتح عينه في عيني ".
" ولم يسعف نائب القلعة غير العوام، خصوصاً أهل الشاغور، فإنهم برزوا للدوادار عن شر كثير وأذاقوه البلاء الزائد، وعضدتهم مماليك نائب الشام المتوفى قانصوه اليحياوي، حتى بلغني عن الدوادار أنه قال؛ ما كنت أظن أن أحداً من العوام يقدر على القتال هكذا، وكانوا يظهرون على سور دمشق ويسبونه ويوبخونه وينادون عليه، يا غراب، لكونه أسمر، ما فاعل ما صانع، وهو يتألم من ذلك، وينكبت منه ".
" ولم يتمكن من البلد بشيء، مع أنه التف عليه من المقدمين شيخ بلاد نابلس حسن بن إسماعيل، ونائب بعلبك ابن الحرفوش، ومقدم الزبداني، وغيره ابن باكلوا، وكبير المرج خالد الغزلاني، ومقدم التيامنة ابن بشارة، وبالجملة فكان أكثر من معه طائفة اليمينة وكان هؤلاء الذين معه يفسدون ويقطعون الطرقات، وأكثر منهم فساداً وقطعاً للطرقات نائب غزة آقباي، فكانوا يأخذون أموال الناس ودوابهم وحصل منهم الأذى العام، وخصوصاً ابن باكلوا منهم، حتى قتل بقرية دمر رئيسها وكبيرها ابن مرجوح، وكان يطعم الطعام على الطريق وهو رجل جيد غير أنه من حزب القيسة ".
" قيل وبالحصار قتل تنم الحاجب الثاني بدمشق مع أنه كان يتهم أنه في الباطن من حلف الدوادارية، والأصح أنه لم يعلم قاتله، ثم إني رأيت في ليلة الاثنين رؤيا تدل على ذهاب هذه الشدة، وحكيتها للطلبة في الدرس، وقلت: لا يأتي يوم الجمعة إلا وأمره قد انفصل.
ففي يوم الخميس أصبح الناس وقد ذهبوا وخلوا غالب ما لهم، وحتى الطعام في القدور، فتغنم الناس من ذلك، ولا سيما نائب حماة والصوالحة،، ونهب ميدان الحصى، وأحرقت أماكن منه، وأظهروا خبايا لأهله، حتى يقال إن خبايا كانت من زمن اللنك ما عرف أحد مكانها، ظهرت في هذه النهبة من كثرة فحص الناس.
ثم بعد أربعة أيام قدم كرتباي الأحمر على نيابة دمشق، وجان بلاط على نيابة حلب، ومعهما جماعة من مماليك السلطان، فأقاموا بدمشق مدة ثم توجه جان بلاط إلى جهة حلب، وتأخر بعده كرتباي قليلاً. واستخدم خلائق وذهب خلفه " انتهى كلام محدثنا.
(1/163)

سنة أربع وتسعمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين أبو الصبر يعقوب بن عبد العزيز العباسي؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الناصر أبو السعادات محمد بن قايتباي؛ ونائبه بدمشق كرتباي الأحمر؛ والقضاة بها: الحنفي بدر الدين ابن أخي القاضي الشافعي، والشافعي شهاب الدين بن الفرفور، والمالكي شمس الدين الطولقي، والحنبلي نجم الدين بن مفلح، وأشيع عزله بابن قدامة ولم يصح لمساعدة النائب له؛ والأمير الكبير قانصوه اليحياوي؛ والحاجب الثاني ... ؛ ونائب القلعة الأيدكي، ولاه النائب في السنة الماضية؛ ونقيبها ... وكاتب السر محب الدين الأسلمي؛ وناظر الجيش الخواجا زين الدين محمد النيربي، وهو ناظر الجوالي؛ وناظر القلعة ووكيل السلطان والمحتسب ابن الحنبلية؛ ودوادار السلطان جان بلاط؛ وصاحب مكة الشريف بركات بن محمد بن عجلان؛ وصاحب الروم محمد بن بايزيد بن عثمان وصاحب المغرب محمد بن يوسف.
وفي يوم الاثنين ثاني محرمها، عاد النائب من بلاد ابن ساعد عجلاً إلى دمشق، وتريب بعض الناس من عجلته، ثم شرع في مصادرة الناس في أموالهم وفي عبيدهم، وجمع عبيداً كثيرة، وعلمهم الرمي بالمبندقيات والكفيات والسبقيات بالبارود، وجعلهم طبقات، لكل طبقة كبير، وألبسهم الأقباع والجوخ الحمر، وصاروا يشار إليهم بدمشق، وبطل غالب النقباء وأهل الزعارة.
وفي يوم الثلاثاء، يوم عاشوراء، لبس النائب خلعة خضراء بطراز خاص، وكان يوماً حافلاً بعد أن استبطأ الناس.
وفي يوم الاثنين سادس عشره دخل من مصر إلى دمشق خاصكي من خشداشين النائب، جاء ليتسلم منه قلعة دمشق ليولوا فيها بعد ذلك نائباً، وتلقاه النائب والقضاة، فدخل على العادة بخلعة بطراز خاص، ثم لم يسلمه القلعة وفي يوم الأربعاء خامس عشريه، وهو عيد الزبيب، جمع النائب بالاسطبل جميع من له وظيفة بالجامع الأموي، وآخر ما انتهى الأمر عليه أن لا يستنيب أحد في وظيفته، وأن يباشرهم بنفسه، وأن يسوّي بين المؤذنين والمباشرين في المعلوم، - وفيه أطلق المقبوض عليهم من أكابر الصالحية من المناحيس " كفر فجة ".
(1/164)

وفي يوم الخميس سادس عشريه وصلت كتب الحاج إلى دمشق، وأخبروا بالأمور. - وفي عشيّة يوم السبت ثامن عشريه، بعد العشاء، بعث النائب وراء الشيخ شهاب الدين بن المحوجب، والي البرّ، وأستداره ابن الخياطة، ومشاة كثيرة نحو الثلاثين، فأخرجوه من داره قرب ثلث الليل وأركبوه، والمشاة حوله، فكاد ينقطع خوفاً، فلما وصل هدّده وأضمر له شرّاً لأجل مكاتبته ابن ساعد، ثم أودعه في القجماسية مرسّماً عليه، فبات ليلتأذ، فلما حضر القضاة والفقهاء والمستحقون في الجامع الأموي، لأجل تحرير أرباب وظائفه، وفرغوا من ذلك، شفع فيه القاضي الشافعي، فشفعه فيه بالجهد، وأتى به إلى بيته، ثم تحدثا وانصرفا.
وفي يوم الأحد تاسع عشريه حضر القاضي الشافعي تدريس الغزالية بالجامع الأموي عند باب الخطابة، وشرع في شرع " المنهاج " للمحلّي.
وفي آخر ليلة الثلاثاء تاسع صفر منها، وهو خامس عشرين أيلول، أرعدت السماء وأبرقت، ثم وقع المطر الجديد، ثم انقطع واستمر البرق. - وفي يوم الأربعاء عاشره كبس النائب أهل كرك نوح، وأتى بمشائخه وقتل منهم جماعة. - وفي يوم الإثنين خامس عشره خرج النائب إلى بلاد ابن ساعد أيضاً.
وفي يوم الجمعة ثالث ربيع الأول منها، رجع من سفره بعد أن نهب غور هديم، عند قصر شبيب بالقرب من الزرقاء، وأخذ منهم غنماً كثيراً وجواراً، وأتى بحريمهم، ثم أطلقهم بالقبيبات، ثم حصل له توعك عقب سفره هذا. - وفي أثنائه قدمت خلعة القاضي الحنبلي نجم الدين بن مفلح، على يد صبيّة عثمان من مصر، بعد عزل من أخذ منه وهو بهاء الدين بن قدامة بمصر، فأذن النائب في إلباسها بكرة يوم الإثنين رابعه، فلبسها، وعنده الأطباء، وقيل إنه قصد.
وفي يوم الأربعاء ثامنه أمر خزنداره وجماعته بتفرقة ألفي دينار على الفقراء والمساكين، فأتوا إلى الجامع الأموي، فارتج الجامع من كثرة الأصوات. - وزاد ألمه يوم الخميس تاسعه، واستمر إلى أواخر ليلة الجمعة عاشره، فأفصد فشاع موته سريعاً بدمشق، فسافر مشائخ العشران كابن إسماعيل، والجيوشي، وغيرهما في الحال إلى بلادهم؛ وخاف الناس بدمشق
(1/165)

من الغوغاء، وكان قبل موته قد قمعهم، وهرب غالب الزعر منه إلى البلدان واختفوا؛ وكان قد عزل قبل موته الحاجب الكبير واستمر معزولاً؛ ولم يكن بدمشق حينئذٍ حاكم إلا دوادار السلطان، فركب ووقف على باب الحبس، وضبط دمشق بعض الضبط، واطمأن الناس.
وفي بكرة يوم الأحد، صح أن أول الشهر المذكور الثلاثاء، فيكون يوم الأحد هذا ثالث عشره؛ ودخل من مصر إلى دمشق الحاجب الكبير الجديد قانصوه بن سلطان شركس، وهو شاب، سعى في توليته الحجوبية وهو بمصر نائب الشام المتوفى، بعد أن عزل الحاجب قانصوه اليحياوي، وتلقاه القضاة ودوادار السلطان الذي ضبط بدمشق؛ وختم على موجود النائب؛ فلما أن قرئ توقيع الحاجب المذكور، زعم أنه هو نائب الغيبة على عادة الحجاب، فنازعه دوادار السلطان، ووقع بينهما، ثم جلس دوادار السلطان للحكم ونادى لنفسه بنيابة الغيبة في اليوم المذكور.
وفي عشاء ليلة الأربعاء سادس عشره، وهو سلخ تشرين الأول، وقع ثلاثة من الزعر الغوغاء: ابن الطيان عبد الوهاب، وابن كسار الخطيب، والمعبيوي، بالشريف محمد بن أحمد بن محمد الكلزي الوهراني، فقتلوه بالسويقة المحروقة، ثم تحامل بنفسه إلى باب زاوية ابن الحصني، فلحقوه فأفصلوه عنده، قيل كان اتهمهم في نهب بيته مع أحمد بن شدود الذي وسط في العام الماضي، وشكى عليهم دونه؛ فوضع هذا المقتول بقية الليلة المذكورة في المسجد بباب خان السبيل، ثم أتى نائب الغيبة وقبض على ابن شرباش أخي زوجة الأمير أحمد بن شاهين الحاجب الثالث، لكونه كان يستخدمهم عنده، وعلى آخرين، ثم أتى إليه أيضاً شيخا المغاربة بجماعة المغاربة، وحملوه، بعد أن كتبوا له محضراً، إلى زاوية المغاربة، وغسلوه بها ودفن عند صفة الشهداء، كل ذلك بحضرة ولده أحمد البالغ، لكنه غير رشيد.
وفي هذا اليوم وجد رجل مذبوح بحارة العجالنة.
وفي ليلة الخميس سابع عشره شنق نائب الغيبة رجلاً من المجرمين الزعر، بمحلة جامع حسان، يعرف ببركات بن أبي الخير، دلال الجوار، ومعه آخر.
وفي بكرة يوم الخميس رابع عشريه لبس دوادار السلطان بدمشق، الذي نادى لنفسه بنيابة الغيبة وباشرها، خلعة جاءته بنيابة الغيبة من نائب حلب جان بلاط، فلبسها من المصطبة، ودخل بها دمشق مدخلاً حسناً؛ وتواترت الأخبار بأن نائب حماة دولتباي ذهب إلى حلب، نصرة لنائب حلب، وخوفاً من الدوادار آقبردي، وأنه قرب من حلب، أتى من البيرة إلى عينتاب، ثم منها إلى حيلان، ومعه علي دولات وبقية العصاة.
(1/166)

وفي عشية يوم الثلاثاء تاسع عشريه دقت البشائر بدمشق، ونودي بالزينة بها أسبوعاً؛ وشاع أن السلطان الملك الناصر محمد بن قايتباي قد قتله الدوادار الثاني طومان باي، بإشارة خال السلطان المذكور قانصوه، وهم في الصيد، يوم الاثنين رابع ربيع الأول المذكور؛ وأن قانصوه المذكور تسلطن يوم السبت تاسع عشره، ولقب بالظاهر؛ وأن طومان باي دواداره الكبير، وأنه عين لنيابة حلب قصروه؛ وأن نائب حلب جان بلاط، الذي هو الآن محصور من الدوادار آقبردي وعلي دولات ومن معهم، يأتي إلى الشام نائباً.
وفي صبحة يوم الأربعاء سابع ربيع الآخر منها، احترق سوق الشيخي، بشرقي خان الليمون، إلى شمالي سوق الخضر، وقبلي حارة السعاة، غربي حارة البغيل، ولم ينهب ما فيه من القماش وغيره شيء، بل احترق الجميع، وافتقر من سكانه جماعات من الأغنياء، أما الفقراء فكادوا أن يهلكوا.
وكان أمس هذا اليوم آخر أيام الزينة التي حصل فيها من الفساد شيء كثير سيما في النساء والمردان، مع الخمر والحشيش وغير ذلك.
وفيه شاع أن مصر مخبطة، وأن السلطان الجديد، الملقب بالظاهر، متزلزل؛ وأن نائب حلب ومن معه محصورون بحلب من الدوادار آقبردي وعلي دولات.
وفي هذه الأيام أخبر القاضي الشافعي، أن السلطان الملك الأشرف قايتباي، وجد له مال عين، مبلغ ثلاثة آلاف ألف وأربعمائة ألف دينار، وأن ولده الملك الناصر محمد أذهبها.
وفي يوم السبت عشره دخل من مصر إلى دمشق متسلم نائب قلعتها، وهو حاجب ثاني أيضاً، عوض الحاجب الثاني الذي سافر إلى مصر بسيف كرتباي، وولى هناك بمصر أمرة أربعين، وأتى هذا بدله، ودخل في أبهة حافلة.
وفيه شاع بدمشق أن أهل حلب في ضيق من محاصرة الدوادار آقبردي ومن معه، وأنه غر بهم لما سمع بقتل السلطان محمد بن عمه، فأظهر لهم الهروب وترك غالب ثقله ليغريهم بالنهب، فلما سمعوا برحيله بغتة ظنوا أنه فعل كما فعل في ميدان الحصى بدمشق، لما سمع بمجيء كرتباي والعشران معه، فزحفوا خلفه، واشتغل غالبهم بالنهب فرد عليهم بغتة، فقتل خلق كثير، وقبض على آخرين.
وفي يوم الأحد ثامن عشره دخل من مصر إلى دمشق الحواط على تركة كرتباي،
(1/167)

وصحبته أستادار السلطان، وصحبتهما أخو كرتباي، مدخلاً حافلاً.
وفي يوم الثلاثاء عشريه قتل في الصالحية رجلان.
وفي هذه الأيام رد القاضي شعيب من حماة إلى دمشق، وأعاده القاضي الشافعي قاضياً.
وفي يوم الأربعاء حادي عشريه وصل من طرابلس إلى المصطبة بغتة نائبها أركماس، وصحبته أمراؤها، والمنفيون بها، بمرسوم شريف، ليقيمون بدمشق إلى أن يأتيهم ما يعتمدون عليه.
وفي بكرة يوم الخميس شاع بدمشق، وتواترت الأخبار المحاصرة الدوادار آقبردي لأهل حلب، وأنهم في مشقة شديدة منه مع الغلاء، وأنه يخشى عليهم من تسليم حلب له.
وفي بكرة يوم الجمعة ثالث عشريه دخل من صفد نائبها برد بك، بمرسوم شريف، وأراد أن ينزل بدار السعادة واصطبلها والقصر، فلم يمكن، فنزل في بيته.
وفيه رجع قاضي الحنفية بدر الدين بن الفرفوري من كفرجون إلى دمشق.
وفي بكرة يوم الأحد خامس عشريه دخل من مصر إلى دمشق نائب قلعتها الجديد آقباي، وهو كان الحواط على تركة اليحياوي، وأحد من قام في منع الدوادار آقبردي من دخول دمشق، ثم سافر إلى مصر بعد هروب الدوادار؛ وفي دخوله لبس أركماس خلعة أتت إليه بالاستمرار على نيابته بطرابلس، فلبسها من قبة يلبغا مع دخول نائب القلعة المذكور، إلى أن وصلا إلى دار السعادة؛ فلم ينزل نائب طرابلس ووقف إلى أن لبس نائب القلعة خلعته من حضرة نائب الغيبة، وهو حاجب الحجاب ابن سلطان شركس، الذي أعيد إلى نيابة الغيبة، بعدما منعه منها دوادار السلطن بدمشق جان بلاط، بإتيان خلعة من مصر إلى الحاجب المذكور بها، فجلس يومئذٍ بدار السعادة على عادة نواب الغيبة، ثم خرج نائب القلعة بخلعته من دار السعادة، والقضاة والأمراء معه، ثم سار نائب طرابلس معهم إلى عند باب الفرج، ففارقهم نائب طرابلس إلى بيته، ودخل الجماعة مع نائب القلعة.
ثم في هذه الساعة هرب محب الدين الأسلمي كاتب سر دمشق، وعدا خلفه الزعر بإشارة الحاجب فلم يلحقوه ونجا بنفسه، وكان قد عرس جديداً على بنت ابن المزلق البكر، من نحو عشرة أيام، ولم يقدر على أخذ وجهها.
وفي بكرة بوم الخميس تاسع عشريه دخل مصر إلى دمشق قصروه نائب حلب الجديد، عوضاً عن جان بلاط، الذي هو الآن بحلب
(1/168)

محاصر من الدوادار آقبردي، وصحبته أمير ميسرة بدمشق، مخلوعاً عليهما، وتلقاهما أرباب الدولة، والقضاة، ونائب طرابلس، ونائب صفد، وكاتب السر محب الدين الأسلمي الهارب كما تقدم، ونزل الإصطبل، بعد أن انتقل الحواط منه إلى دار السعادة.
وفي هذه الايام غضب القاضي الشافعي على نائبه شهاب الدين الرملي، فعزله مرة ثانية.
وفي يوم السبت سادس عشر جمادى الأولى منها، دخل إلى دمشق نائب غزة قراجا، ونزل على المصطبة، وأرباب الدولة جميعهم بها؛ قصروه نائب حلب، وأركماس نائب طرابلس، وبرد بك نائب صفد، والحاجب الكبير بدمشق، وقد استناب في نيابة الغيبة لأبي قورة القجماسي، ولم يبق بدمشق، من الترك إلا هو، ونائب القلعة، وقد قيل إن الحيرة دخلت عليهم لكثرة الخلق من الدوادار آقبردي، الذي هو محاصر حلب من مدة، وإلى الآن.
وفي يوم الخميس حادي عشريه فوض القاضي الشافعي نيابة القضاة لمحمد ولد الشيخ التقي بن قاضي عجلون، وخلع عليه خلعة خضراء، صوف بفرو سمور.
وفي يوم الحمعة، بعد صلاتها، تاسع عشريه، دخل من مصر إلى دمشق خاصكي، ماراً إلى البلاد الحلبية، قيل معه خلعة للأمير علي دولات، الذي هو الآن صحبة الدوادار أقبردي، وإنه يقول له: إن كان الأمير علي طائعاً يلبس هذه الخلعة ويقبض على الدوادار المذكور، وإن كان عاصياً يظهر عصيانه، وتلقاه يومئذٍ بدمشق من أرباب الدولة، والقلعية، والحرافيش على غير العادة.
وفي يوم الأحد ثامن جمادى الآخرة منها، دخل من مصر إلى دمشق باش العساكر تنبك الجمالي، وصحبته الأمير آخور بباب السلسلة قنبك الرماح باش المماليك.
وفي هذه الأيام قد امتلأت دمشق من المماليك المصرية، وكثر فسادهم، وامتنع أرباب الدواب من إخراجها من البيوت، وانقطع الجلب من دمشق، وهجموا على بيوت كثيرة.
وفي هذه الأيام شاع بدمشق أن الدودار آقبردي والهعصاة معه قد هربوا من محاصرة حلب وولوا، وأن الأمير علي دولات قد انقلب عليهم لعلمه بأن السلطان الجديد أشد عداوة للدوادار المذكور، ظاهراً وباطناً، بخلاف السلطان المقتول، وأن تنبك قرا خامر عليهم، وقرر في نيابة البيرة بشفاعة أتابك العساكر أزبك.
وفي بكرة يوم الجمعة ثالث عشره ركب المماليك المصرية السلطانية على باشهم الصغير أمير آخور، وهم بدمشق، لأجل أخذ الجامكية.
وفي عقب صلاة الجمعة شاع بدمشق أن
(1/169)

متسلم جان بلاط أتى من حلب، ليتسلم لأستاذه دمشق، حسب ما رسم له بها السلطان الملك الناصر محمد المقتول، بعد عزله من حلب وتوليتها لقصروه ومسافرته لنيابتها، ونزل بالمصطبة، وأن المماليك المصرية عارضوه في تسليم دمشق لأستاذه جان بلاط، إلا بمرسوم شريف من السلطان الجديد لملك الظاهر قانصوه وكادوا أن يقتلوه، فهرب منهم وتحصن في مكان، وسبب ذلك على كما قيل أن المتسلم المذكور تعرض في طريقه لبعض من ينتسب إلى باشهم قنبك الرماح، فأتوا إلى أستاذهم وشكوا إليه، فأرسل المماليك يعارضونه، ثم دخل القاضي الشافعي في الصلح بينهم خوفاً من فتنة تقع، فخرج إلى المصطبة ومعه بقية القضاة الأربعة، عشية السبت رابع عشره ولاطف الجميع حتى اصطلحوا.
وفي بكرة الأحد خامس عشره دخل المتسلم المذكور إلى دمشق ومعه القضاة، وقنبك الرماح والمماليك، على العادة خبراً لما وقع.
وفي بكرة يوم الثلاثاء سابع عشره دخل من مصر إلى دمشق الحاجب الثاني بمصر، وصحبته عدة سبع بغال، وقيل ثمان، عليها مالا في صناديق صغار طوال، قيل في كل حمل عشرون ألف دينار، وقيل في كل صندوق، أرسله السلطان ليصرف على العساكر المرسلين إلى الدوادار الهارب ومن معه، وقيل إن هذا المال اطلع عليه السلطان الجديد في مخبأة في بيت قايتباي، كان ادخره لابنه الناصر محمد، وقيل إنما مال الدوادار آقبرديب ظفر به في بيته، وكان أرساله لطفاً من الله بأهل دمشق، وإلا كان غالب أكابرهم في المصادرة؛ وتلقاه القضاة المصريون على العادة.
وفي عشية هذا اليوم وصل النائب الجديد جان بلاط من حلب، إلى مصطبة السلطان بدمشق.
وفي يوم الأربعاء ثامن عشره كان الأمير خير الرملي، ابن عم قاضي القضاة الخيضري، جالساً بسوق جقمق، وأتاه رجل أصله مملوك، كان أجيراًَ للشويخاتي، بقرب سوق البزورية، ثم خدم في فتنةالدوادار إلى أن صار على هيئة المماليك السلطانية، فضرب خيراً المذكور، فظن أنه يلعب معه، فإذا هو سكران، فحاضنه، فأخرج المملوك سكيناً فضرقه بها في بطنه، فقتله، فمسك ووضع بالقلعة، ثم شكىعليه لباش المماليك قنبك الرماح، فأخر أمره ليحكم فيه ملك الأمراء الجديد.
ثم استمر النائب الجديد ليدخل أول رجب، وقيل ليراجع السلطان الجديد ويخرج له تقليده بدمشق، وقيل ليتوجه العسكر المصري الذي بدمشق إلى حلب.
وفي بعض هذه الأيام ركب النائب المذكور من المصطبة وأتى على الصالحية، ثم نزل منها إلى أن أتى إلى زيارة تنبك الجمالي الباش الكبير، وهو نازل ببيت برد بك نائب صفد، الذي جوار بيت شاد
(1/170)

بك، الجلباني، فسلم عليه لكونه كان خرج إليه للسلام عليه إلى المصطبة، مع بقية العسكر المصري وغيره.
وفي يوم الخميس سادس عشريه وقع ثلج، ثم كثر في ليلة الجمعة، واستمر والنالئب الجديد بالمصطبة إلى يوم الاثنين سلخه.
وفي هذه الأيام وقع النائب المذكور في المصطبة، بالأمير أبي يزيد، من خواص النائب كرتباي المتوفى، وضربه وصادره.
وفي صبحة يوم الثلاثاء مستهل رجب منها، خرج الباشان المصريان، والأمراء، والقضاة، إلى النائب بالمصطبة، واستمالوه في دخول دمشق، إلى أن يأتي له التقليد والخلعة من مصر، من السلطان الجديد، فدخل إلى دمشق في اليوم المذكور، بتخفيفة من غير تطليب.
وفي عقيب صلاة الجمعة ثامن عشره صلى النائب جان بلاط بجامع يلبغا، وأرباب الدولة معه، والخاصكي خير بك، الذي كان الملك الناصر سيره لسلطان الروم أبي يزيد بن عثمان بأرمغان وهدايا سنية، ليخطب له بنته كما مر، والآن قد رجع وأراد السفر إلى مصر، فخلع عليه النائب، وكرب لوداعه في اليوم المذكور.
وسافرت صحبته زوجة النائب كرتباي المتوفى، راجعة إلى مصر، قيل وأخو كرتباي معهم أيضاً راجعاً، وأخرج كرتباي من الفسقية بتربة قجماس، ووضع في سحلية، وكذلك ولده الذي توفى في غيبة والده في بلاد ابن ساعد، وكذبلك أخته، التي كانت زوجة من أقامه هو نائب قلعة دمشق، المتوفاة، كل منهما في سحلية أيضاً، وأخذوا صحبة خير بك المذكور، مع قفل كبير إلى مصر، ليدفنوا في ترب هناك أنشأها كرتباي المذكور - وفي هذه الأيام فشت المعاصي والخمور ولا قوة إلا بالله.
وفي ليلة الأحد عشريه ختم والي البر على حوانيت خارج باب الجابية، واحتج بوضع قناديل، على كل حانووت قنديل، وأخذ على ذلك كله، فشكى عليه إلى النائب، فرسم يعود المال إلى أربابه، وفك الختوم، ونودي بوضع القناديل المذكورة، وأن لا يحمل أحد سلاحاً، ولا منكراً، بالليل.
وفي ليلة يوم الخميس رابع عشريه سافر الباش الثاني المصري، قنبك الرماح، من دمشق إلى حلب، بعد أن تقدمه جماعة من الغز، وفرح أهل دمشق بسفرهم منها لكثرة فسادهم وشرهم؛ وتأخر الباش الكبير تنبك الجمالي بجماعته، ثم لحقه.
وفي يوم الجمعة خامس عشريه ظهرت المعايش، وكثير من البضائع، وتيسر اللحم، فظهرت الخرفان التي أخفيت خوفاً من الغز الذين سافروا.
(1/171)

وفي يوم الأحد والاثنين سابع وثامن عشريه شاع بدمشق أن أبا يزيد بن عثمان ملك الروم قد تحرك، وهم بالمجيء والمشي على هذه البلاد، لأجل من قتل الملك الناصر محمد بن قايتباي، قيل لكوهه صاهره وأراد تزويجه بابنته، وقيل بابنة أخيه الجمجمة، التي هي من مدة سنين بمصر، مع أم الجمجمة التي توفيت، كابنها الجمجمة، وإن ابن عثمان استفتى على من قتله، وتولى مكانه، وما أظن هذا الشيوع صحيحاً، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشربه جاء مبشر من مصرلا بخروج خلعة النائب الجديد، فطاف على القضاة، والأمراء، وأخذ من بشارته مالاً كثيراً.
ودقت البشائر إلى صبحة يوم الخميس متسهل أو ثاني شعبان منها، فخرج أرباب الدولة، والقضاة الأربعة، والنائب، والعبيد البارودية مشاة بين يديه، والقلعية قبلهم، والحرافيش قبلهم، ولبس من قبة يلبغا على العادة، ودخل في أبهة حافلة، وعليه خلعة خضراء بسمور خاص، بشاش بطراز خاص، وقدامه خاصكي بخلعة بطراز.
وفي عشية يوم الجمعة ثانيه أو ثالثه سافر من دمشق إلى بلده بيت المقدس، الشيخ برهان الدين، أخوا العلامة كمال الدين بن أبي شريف، وقد أتى إلى دمشق مراراً، ثم إلى حلب، ثم إلى مصر، ثم إلى بلده، وأكرمه في هذه المرة القاضي الشافعي قولاً وفعلاً، وأنزله ببيت السيد تاج الدين قاضي حلب، بعد أن كان نزل بخلوة بالخانقاة السيمساطية، وأراد البرهان المذكور أن يتزوج من بنات دمشق، فلم يتيسر له، فأرتاد التسري فلم يتيسر له إلا بسمراء، وهو منور الوجه، كثير الفضيلة، وسافر صحبته العلامة علاء الدين البصروي الدمشقي، وجماعة.
وفي هذا اليوم صلى النائب في الجامع الأموي، وأقد له بباب البريد الشموع والسرج الكثيرة.
وفي يوم الاثنين سادسه لبس النائب خلعة، وذلك بعد أن ودع الحواط إلى قبة يلبغا، وخرج أرباب الدولة على العادة، ثم رجع من وداعه وهو لابسها، وقيل أن الحواط خلعها عليه، كما خلع هو عليه، وقيل خلع نظر الاقطاعات، وقيل خلعة الاستمرار.
وفي هذه الأيام اتفق موت اثنين من أكابر القلعية، أحدهما ديوانها عبد القادر، والثاني أحد مقدميها ابن سكر.
(1/172)

وفي يوم الخميس ثالث عشريه سافر النائب إلى حوران، وانحاز على العرب، وكسب منهم إبلا كثير، ثم عاد إلى دمشق يوم الأحد سادس عشريه، وكان القاضي الشافغي حينئذ بالخانقاه الكججانية بالشرف الأعلى.
وفي ليلة السبت خامس عشريه فقد الرجل المجرم الأزعر المشهور بابن الطيبي الحوراني الأصل الحصوي، قرب العشاء بدمشق، ثم وجد مطروحاً في نهر الأنباط، شرقي جامع نصر الدين محمد بن منجك، بميدان الحصى، وأراح الله منه العباد والبلاد، والله الحمد.
ثم في يوم الاثنين سابع عشريه قبض على غرمائه وهم ثلاثة، فشنقوا، بعد أن تبين أنهم قاتلون لغيره أيضاً.
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشريه دخل إلى دمشق وزير الملك المرحوم محمد بن عثمان، وصحبته ملكة في ثقل كبير، قاصداً الحج، وتلقاه أرباب الدولة: النائب، فمن دونه، ومشاة دمشق، وزعرها، بإشارةالنائب، إرهاباً للعدو، ودخل من المصطبة في أبهة حافلة.
وفي هذه الأيام قبض النائب على مقدم البقاع ناصر الدين بن الحنش، وكان حضر معه إليه أيضاً مقدم نابلس خليل بن إسماعيل، وخليل بن شبانة، وابن الجيوسي، وغيرهم من مقدمي البلاد ثم قبض على خليل بن إسماعيل وبقية المقدمين وجماعاتهم، وطلب من كل واحد من المقدمين وجماعته وبلاده، ومائة ألف دينار.
وفي يوم الخميس سلخه شكا جماعة من القبيبات للنائب، في رجوعه عليهم في الموكب، الفقر والعجز عن القيام بثمن الجمال، التي طرحها عليهم من كسب عرب آل مرى، فوقف في موكبه واستدعى منهم جماعة، واستعدى بالمشاعلية وغيرهم، وأمر بضربهم ضرباً مبرحاً، وهو حاضر قابض على فرسه إلى أن فرغ منهم، ثم ألزمهم بمال كثير عن الجمال التي طرحها عليهم، ولا قوة إلا بالله.
ثم عزل النائب لسودون شيخ القبيبات وولي مكانه ابن الدشاري، وطرح بقية الجمال والنوق وأولادهم على أهل دمشق، فالكبار على أهل الحارات كل واحد بأضعاف ثمنه، والصغار على الطباخين ونحوهم، وهي تجأر إلى الله من الجوع والعطش والفراق، وعدتها كثيرة، قيل ألفين، وهذا شيء لم يعهد مثله، فالله يريح المسلمين منه ومن أمثاله.
وفي عشية اليوم المذكور تراءى الناس الهلال على العادة، فرأوه خفيفاً جداً، فعلموا أن أول رمضان الجمعة، وتبين كذب من شهد، وردت شهادته، فأصبح الناس صياماً.
وفي يوم الأحد ثالث رمضان منها، أتى المقدم ناصر الدين بن الحنش إلى القاضي الشافعي، وقد أفلته النائب على نحو عشرين ألف دينار، فسلم على القاضي، ثم خرج
(1/173)

وركب، ثم غاب بجماعته ساعة، ثم أتى ودخل إلى القاضي المذكور، وفي وجهه حديث كثير كالمتحير، فأخربه أن النائب ولي على بلاده أخاه حسنا، وخرج حسن المذكور، ومعه مماليك النائب ليسلم البلاد، ثم خرج المقدم ناصر الدين من عند القاضي المذكور، وهرب، ثم خرج على المماليك بجماعته وعشيره، وكادوا يزحفون إلى دمشق، على ما قيل، فرجع المماليك خائبين آيسين من تسليم البلاد، فلما بلغ النائب ذلك غضب.
وفي يوم الأربعاء سادسه قبض جان بلاط، دوادار السلطان بدمشق، على المجرم إبراهيم بن عطا، أحد زعر الصالحية المفسدين،، وز عليه امرأة من القبيبات، وكان مختفياً هناك، وأتى به إلى النائب، فأمر بأن يشنكل ليقر بما نهب في وقعة الدوادار من القبيبات، فوعد، وهو معلق بشجرة قرب دار السعادة، بمبلغ مائة دينار ويطلق، فلما أراد النائب السفر في آخر النهار المذكور، إلى حصار بلاد ابن الحنش، وهو راكب تجاه دار السعادة، قال له جان بلاط دوادار السلطان المذكور: يخشى من أهل الصالحية في هذه الهرجة أن يأتوا وينزلوا هذا المشنكل من الشجرة وتذهب الحرمة، فأمر بإنزاله وتقريعه وشنقه، ففعل معه ذلك، فشنق مكانه والنائب راكب على فرسه.
ثم قال له جان بلاط المذكور: إن سافرت وتركت المقدمين ابن إسماعيل،، وابن شبانة، وابن الجيوسي في غير القلعة يخشى عليهم من الهروب، أو فتنة تقع بسببهم، فأمر بنقلهم إلى القلعة، لأجل المال المرتب عليهم، وأكد الاحتراس على ابن معن، لكون بلاده مجاورة لبلاد ابن الحنش، فرفعوا إلى القلعة، ورفع معهم ناظر الجيش الخواجا ابن النيربي، ثم سافر النائب إلى بلاد ابن الحنش، وأهل دمشق يومئذ في ضيق ووقوف حال بسبب ذلك وغيره.
وفي حال سفره عدا مملوك له ليلحقه، فصدمت فرسه صبياً مميزاً كان مع أبيه على الجسر الناصري، غربي التغرورمشية، فسقط في نهر بردى في قوة حمله، فلم يدركه أحد، ولا ميتاً، ولم يعلم أين ذهب، وكأنه لم يكن في ساعة واحدة ولا قوة إلا بالله.
وفي عشية يوم الخميس سابعه شاع بدمشق أن النائب حرق بيت ابن الحنش بقرية قبر إلياس، ونهب العسكر جميع ما وجدوه بالبقاع، ثم شاع بها بعد ذلك أن النائب دخل بيروت، وأخذ من الفرنج عدة أحجار فضة، تزيد على خمسين حجراً، وعدة خمسة عشر جوخ رفيع، وختم على بضائعهم، يعد تقويمها بأضعاف ثمنها، ليأخذ عشرها بأزيد من العادة، وأن الشيخ
(1/174)

تقي الدين بن قاضي عجلون ذهب إلى عنده ببيروت، وجالسه وحادثه، ولا قوة إلا بالله، ثم شاع بها بعد ذلك أنه دخل صيدا وشوش على قاضيها، وأمره أن يضبط له جهات ابن الحنش الهارب، ثم شاع بعد ذلك بها أنه أتى إلى دير زيتون وهو مفطر لم يصم، بل قيل ويشرب الخمر.
وفي يوم الأربعاء عشرينه، وهو أول أيام شهر الورد، بعث القاضي الشافعي دوادار الناصري بعدة أحمال بغالية هدايا، من قراصيا وسكر وتحف سنية إلى دير زينون للنائب.
وفي هذه الأيام خلع بأمرة الحاج على أبي قورة القجماسي.
وفي السبت ثالث عشريه أتى مهمندار النائب إلى بيت القاضي الشافعي، ومعه عدة نقباء من جماعته، واجتمع بالشافعي، ثم خرج ليركب، وإذا بالشهاب بن بري قد أتى من شرقي بيت الشافعي داخل البوابة، فقبض جماعة المهمندار عليه قبضاً منيعاً شنيعاً، ونزل المهمندار وساعد على قبضه، وذهبوا إلى باب المدرسة البادرائية، وأوصلوه إلى دوادار النائب، واحتفظوا عليه، قيل ووضع في زنجير وسيخ وضيق عليه، وأظهروا أن ذلك بمرسوم؛ وظن الناس أن النائب يريد مصادرته في ماله، بإشارة بعض السعادة كابن مصطى.
وفي بكرة يوم الأحد رابع عشريه وصل النائب إلى دمشق، ودخل دار السعادة على حين غفلة، فركب القضاة الكبار، وذهبوا للسلام عليه والتهنئه بالسلامة من سفره، وظن الناس أن القاضي الشافعي لا يرحع إلى بيته إلا بابن بري المذكور، وأنه يخصه مما هو فيه، فكلم الناس فيه، فأظهر له مرسوماً بالشكوى عليه، وأنه يقبض ويحرز فرجع الشافعي والقضاة، ولم يفلت.
وفي هذا اليوم شاع أن مهتارا دخل مع جماعة النائب إلى دمشق، ووعاء الخمر قدامه ظاهراً، وفيه الخمر؛ وأن ابن قاضي القضاة ابن المزلق المحبوس بمسجد الملك الأشرف، بدار السعادة، حبس الفرنح عنده في المسجد المذكور من مدة، وهم يشربون الخمر في رمضان بالقرب منه، وتأوه له الناس لأمور، منها عجزه عما صودر به.
وفي هذه الأيام شرع النائب في عمارة واسعة، إيوان وغيره، باصطبل دارالسعادة، وأضاف إليها أملاك الناس التي حوله، كحارة المغاني وغيرها.
وفيها أخرج ابن إسماعيل، وابن شبانة، وغيرهما من المقدمين، من القلعة، وأعيدوا إلى الاصطبل في جنازير.
(1/175)

وفي عقب الجمعة تاسع عشريه، وهو ثاني عشر أيار، حضر القاضي الشافعي بولده ولي الدين محمد، وبدر الدين الحنفي ابن أخيه بولديه، والقاضي الحنبلي بأولاده الثلاثة، وأطفال كثيرة، منهم ولدا شيخنا محيي الدين النعيمي، ومحيي الدين يحيى، ومحب الدين عبد الله، وخلق كثير، بدار الحديث الأشرفية الدمشقية، للإسماع على عدة مشائخ، منهم العلامة أبو الفضل ابن الإمام، والعلامة أبو الفتح المقرئ، والمحدث جمال الدين بن عبد الهادي، وأصعد ولي الدين المذكور وقرأ الحديث المسلسل بالأولية، وأول ثلاثي في البخاري، ثم خمسة أحاديث من تتم الكتب الستة، من كل منها حديث، ثم أنزل، وأحضر عدة كتب نحو السبعين.
وكنت عينت لقراءة أبعاض منها، ففي المجلس اعتراني حمى مثلثة، وكان له نحو السنتين تأتي إلي، وكان يوم الجمعة هذا نوبتها، فأصعد عوضي الشيخ جمال الدين العسكري الحنبلي، فمسك عليه القاضي نجم الدين بن الخيضري بعض لحن فأنزل؛ ثم أمرني القاضي الشافعي بالصعود على الكرسي وأقرأ ما قصد من الكتب، وقال لي: لعل ببركة الحديث تذهب عنك هذه الحمى، فكان الأمر كما قال: فامتثلت ما أمرني به، ثم أنزلت، وصعد الشيخ شمس الدين الخطيب المصري الحنفي فدعا، ثم أنشد الريس ابن النحاس قصيدة، مدحاً في القاضي الشافعي وأهل الحديث، وكتب مسودة المجلس الشيخ شمس الدين الخطيب المذكور وبعض الشهود.
وفي ليلة السبت سلخه حضر الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون، من بيروت إلى دمشق، والناس في قلاقل من جهة رؤية الهلال، وشاع بدمشق أن بعض الغوغاء رآه ليلة السبت هذه، وأقبل جماعات، مع قوم المؤقتين لأنه لا يمكن رؤيته ليلتئذ؛ ثم رئي ليلة الأحد على عادة ابن ليلة، فصلى الناس العيد يوم الأحد بدمشق ومصر وغالب البلاد؛ وصلى النائب العيد بمقصورة الجامع الأموي، وخطب القاضي الشافعي المشهور بالخليفتي خطبة جامعة وجيزة، ولما فرغ من صلاتها خلع عليه النائب بالمقصورة خلعة خضراء بسمور، وخرج معه إلى باب البريد، ثم رجع إلى بيت الخطابة.
وحينئذ أخبر بأن بهاء الدين بن قدامة الدمشقي، الذي كان قد سعى على نجم
(1/176)

الدين بن مفلح الحنبلي في قضاء الحنابلة بدمشق، وتولاها، ثم عزل عنها، قبل إتيانه إلى دمشق، قد تولى قضاء الحنابلة بمصر، عوضاً عن القاضي نجم الدين المذكور؛ ثم أصر النائب، عند ذهابه، للحنفي والمالكي الحاضرين فيها، والحنبلي الغائب عنه ببيته، أن يذهبوا إلى دار السعادة ليلبسوا خلعهم، فذهبوا.
وفي يوم الثلاثاء ثالث شوال منها، نادى منادٍ من قبل النائب، بإبطال المحرمات، وحرض على ذلك.
وفيه أفرج عن المقدمين خليل بن إسماعيل، وخليل بن شبانة، وابن الجيوسي، وغيرهم، على مال كثير.
وفي هذه الأيام أفلت شهاب الدين بن بري من النائب على مال، بعد أن ضربه مبرحاً.
وفي يوم الخميس ثاني عشره رجع علاء الدين البصروي من القدس إلى دمشق، وصحبته جماعة من أهل دمشق.
وفي هذه الأيام أخبر جماعة من حلب، أتوا، بأن الباش الكبير تنبك الجمالي، وباش المماليك الرماح، وآقبردي الدوادار العاصي، وجماعته، كل منهم طلب الصلح، وأنهم ساعون في أن يعطى طرابلس بتعلقاتها طرخانا، ويعزل عنها نائبها الجديد بها، الذي كان نائب حماة، دولتباي.
وفي بكرة يوم الخميس تاسع عشره، وهو الثلاثون من أيار، خرج الوفد من دمشق إلى قبة يلبغا، متوجهاً إلى الحجاز، وأمير الركب تمرباي القجماسي، الشهير بأبي قورة، وهو حج ثقيل من الأروام والحلبيين والشاميين.
وفي هذا اليوم اتفق خروج الوفد من مصر، كما نقل.
وفي هذه الأيام شاع بدمشق أن الدوادار آقبردي دخل إلى ميدان حلب، قبل يوم الاثنين تاسعه، وهو مفكك أزرار قماشه على هيئة المسلم نفسه طائعاً، وقيل إن الباش الرماح وهبه غالب موجوده، خياماً وخيلاً وجمالاً ومماليكاً وذهباً عيناً، ووافقه على ذلك نائب حلب قصروه وغيره، ثم انتقل وسكن ببيت أزدمر، قيل من فمه، وقيل غير ذلك، وهذا من العجب الذي هو عمل على غير القياس، والله يحسن عواقب الأمور.
وفي يوم الخميس سابع عشريه دخل المزيريبة، وقد أخذت العرب جماعة منهم؛ ووصل إلى النائب كتاب من أمير الحاج، بإن لم تدركونا إلا أخذنا من كثرة العرب، فخرج النائب بعسكره في اليوم المذكور إليهم.
وفي يوم الأحد تاسع عشريه لحق النائب جماعة، منهم نائب طرابلس المعزول دولتباي، الذي كان نائب حماة، ومن قبل ذلك كان نائب قلعة دمشق في حصار الدوادار لها، ومنهم جان بلاط دوادار السلطان بدمشق، ومنهم الحاجب الكبير ابن سلطان شركس، وأخذوا معهم بنت أمير بني لام مسلم، التي كانت استؤمرت لتسلم
(1/177)

لأبيها ويتسلم الحاج.
وفيه ورد الخبر أن الحاج سار من المزيريبة، ولم ينله أذى، وأن النائب لم يدركه، ثم إن النائب تطلب العرب، التي أخذت السرقة، الراجعين إلى دمشق.
وفي ليلة الثلاثاء ثامن ذي القعدة منها، رجع النائب إلى دمشق.
وفي يوم الخميس عاشره وصل الخبر من حلب إلى دمشق، بوفاة الدوادار آقبري العاصي بحلب، توفي يوم الخميس ثالثه، وخلع النائب على المبشر، ودقت البشائر، وذلك بعد أن دخل متسلمه إلى طرابلس، وجعلت له طرخانا، فسبحان القاهر فوق عباده؛ وبذلك كمل سعد السلطان وفقه الله تعالى للخير.
وفيه أخبر رجل مصري أن السلطان كان في أوائل رمضان ندب الأمير الكير الأتابك أزبك، للخروج إلى البلاد الحلبية لقتال العصاة، الدوادار آقبردي وجماعته، فادعى الفقر، وأنه إن خرج ما يخرج إلا للصلح، فخلع عليه بذلك، وفرح الناس؛ ثم بعد أيام يسيرة توعك، فظن الناس أن ابنه يحيى سحره، واستمر إلى أن توفي.
وفي يوم الأربعاء ثالث عشريه وقعت فتنة بالشاغور من المماليك السلطانية، وعضدهم دوادار السلطان بدمشق، بسبب أنهم قبضوا على السيد قريش كبير الزعر بها، فخلصه منهم بقية زعر الشاغور، فأرسلوا إلى دوادار السلطان، جان بلاط المذكور، أن يمدهم بمماليكه، ففعل ثم حضر هو بنفسه وأراد إحراق الشاغور، فأخليت وما حولها.
وفيه مرض نائب القلعة يومئذ وهو الأمير آقباي الحواط على تركة اليحياوي، وهو من أكبر من قام على الدوادار آقبردي وجماعته وحاصرهم ومنعهم دمشق.
وفي بكرة يوم الخميس رابع عشريه لبس النائب لجان بلاط دوادار السلطان بدمشق، خلعة حمراء بمقلب سمور خاص، من القبة، ودخل دمشق ومعه القضاة وأرباب الدولة على العادة، وهي خلعة استمرار.
وفيه رجع من حلب إلى دمشق الباش الثاني أمير آخور الرماح؛ ثم تبعه الباش الكبير تنبك الجمالي، وبقية جماعته.
وفي ليلة يوم الجمعة خامس عشريه توفي الأمير آقباي الحواط على تركة اليحياوي، الذي كان من أكبر القائمين على الدوادار آقبردي، ثم تولى نيابة قلعة دمشق، قيل مسقياً، فما متع بعد موت عدوه بسوى عشرين يوماً؛ فلما بلغ الباش الثاني وفاته بادر ودخل القلعة وخاف عليها أن تؤخذ، وجهز آقباي، ثم أخرج قبل الصلاة إلى الجامع الأموي، فصلى عليه خطيبه
(1/178)

سراج الدين بن الصيرفي بعد صلاتها، وذهب الباش الثاني مع المذكور إلى تربته، ولم يحضره النائب وشاع أن النائب مطلوب إلى مصر، قيل ليولى الأمرة الكبرى، فلم يرض بذلك.
وفي عشية يوم الثلاثاء تاسع عشريه خرج من دمشق إلى مصر غالب العسكر المصري، صحبته الباش الثاني الرماح، ولم يتأخر منهم إلا الباش الكبير تنبك الجمالي وجماعته، وحطوا على داريا، قيل فوصل الخبر حينئذ من صفد بوفاة نائبها المولى جديداً يلباي الأينالي؛ وشاع أن علي دولات الغادري مات ببلاده.
وفي بكرة يوم الخميس ثاني الحجة منها، سافر من دمشق، راجعاً إلى مصر، الباش الكبير تنبك الجمالي، وخرج النائب لوداعه على العادة.
وشاع في هذه الأيام عزل قاضي المالكية شمس الدين الطولقي، وأن المنفصل عنه قد أعيد إليها، وهو الآن بمصر، ولم يمتنع عن الحكم، بخلاف قاضي الحنابلة نجم الدين بن مفلح، فإنه أشيع عزله بالقاضي بهاء الدين بن قدامة، الذي تولى قضاء الحنابلة بمصر قريباً، فإنه امتنع من الحكم.
وفي يوم الجمعة ثالثه أشيع بدمشق أن متسلم نائب حلب قصروه، واصل عن قريب، ليتسلم له دمشق، وأن نائبها يسافر إلى دمشق.
وفي هذه الأيام قل ركوب النائب واجتماعه بالناس، قيل لضعف حصل له، وقيل غير ذلك.
وفي يوم الخميس سادس عشره ظهر النائب للناس، وحكم في رجل أزعر من الصالحية بأن يخوزق وكذا في بنت خطا جارية بيضاء، اسمها جان سوار بأن تخوزق.
ثم في يوم الأحد تاسع عشره ضرب جماعة، منهم رجلاً يعرف بابن بيدمر. ضرباً مبرحاً، ثم دخل من فر مارتزفر.
وفيه اغتاض القاضي الشافعي على نائبه فخر الدين الحموي وعزله، قيل وعزل نائبه شعبياً أيضاً.
وفي يوم الأربعاء سادس عشريه مد القاضي الشافعي مدةً للنائب في الكججانية بالشرف الأعلى، مدة مفتخرة، وقدم له أشياء وأقام....

سنة خمس وتسعمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين أبو الصبر يعقوب بن عبد العزيز العباسي؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الظاهر أبو سعيد قانصوه خال الملك الناصر كان، المعرف بيخشى؛
(1/179)

ونائبه بدمشق جان بلاط، وهو على طريقة غير مرضية، وتكلم الناس بعزله؛ والقضاة بها: الحنفي بدر الدين بن أخي القاضي الشافعي، والشافعي شهاب الدين بن الفرفور، والمالكي وظيفته شاغرة، ولكن يتعاطى الحكم بإشارة النائب شمس الدين الطولقي، والحنبلي وظيفته شاغرة أيضاً من نجم الدين مفلح، ثم وليها في أثناء السنة كما يأتي على عادته؛ والحاجب الكبير ... ؛ ودوادار السلطان جان بلاط.
وفي يوم الخميس مستهلها وصل من مصر إلى قبة يلبغا خاصكيان، أحدهما تمراز الزردكاش، والآخر تنم النجمي، الأول أتى لتسفير جان بلاط النائب، وإخباره بعزله من كفالة دمشق، وتوليته الأتابكية بمصر؛ والثاني أتى لتقليد قصروه نائب حلب كفالة دمشق؛ وفرح الناس بعزل النائب فرحاً شديداً لكثرة ظلمه وجرأته وقلة مبالاته بالأكابر.
وفيه قتل رجل أزعر بلاصيا، من رؤوس النوب بخان السلطان، قرب باب السريجة.
وفي يوم السبت ثالثه دخل الخاصكيان، المذكوران إلى دمشق، مخلوعاً عليهما بأخضر وطراز خاص، وتلقاها النائب المعزول، وأرباب الدولة على العادة، ثم لما نزلا باصطبل قرئت المراسيم الشريفة بما تقدم ذكره، والإنكار على أركماس المعزول من نيابة طرابلس، وعلى نائب صفد المعزول منها برد بك، وعلى قرقماش اليحياوي المعزول من حجوبية دمشق، لعدم سفرهم، لما عزلوا، إلى الأبواب الشريفة، وتطلبهم أيضاً؛ ولما قرئت المراسيم المذكورة امتنع المالكي شمس الدين الطولقي المعزول، لأنه إنما كان يحكم بإذن النائب له بالحكم، وأنه يراجع له وللقاضي الحنبلي نجم الدين بن مفلح، وعزم المالكي على السفر مع النائب المعزول إلى مصر.
وفي ليلة الأحد رابعه تسلم حاجب دمشق نيابة الغيبة، وطافها بالعسس ليلاً، وبطل حكم النائب.
وفي يوم الجمعة تاسعه، بعد صلاتها، بشباك الكاملية، أخبر القاضي الشافعي، أن الخاصكي تنم المتقدم ذكره سافر إلى حلب لتقليد قصروه كفالة دمشق، وترك ثقله بها، وكلفته كل يوم مبلغ أشرفياً على السادة القضاة، فتعجب الحاضرون من ذلك، ومنهم مؤقت النائب المعزول عبد العال، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الاثنين ثاني عشره خرج النائب المعزول من دمشق، ومعه خلق كثيرة، وصحبته شمس الدين الطولقي المالكي المعزول، وخلق كثير، واستخدم عبيداً كثيرة، وهو
(1/180)

خائف من السلطان، وقيل إنه وصل له بالأمس من مصر قاصدان بالاستعجال، وخرج القضاة للسلام عليه آخر النهار، ورجعوا فوافق وودعوه، ثم رجعوا إلى دمشق، وتكلم الناس أن الزردكاش إنما تبعه كالمرسم عليه ليمسكه بوادي عارة مع نائب غزة ومشائخ تلك البلاد، سيما وقد قتل أحد مشائخها خليل بن إسماعيل وغيره، ثم إن النائب ومن معه رحلوا ثاني يوم بعد العصر، بعد أن خربوا ونهبوا شيئاً كثيراً.
وفي بكرة الأربعاء حادي عشره وصل متسلم النائب الجديد قصروه، واسمه مسيد، إلى دمشق؛ أتى على بعلبك، ثم على دمر، وبها صلى الصبح يومئذٍ، ثم مر على الصالحية إلى مصطبة السلطان، وفصل له القاضي الشافعي قماشاً، وركب لتلقيه بعد عصر اليوم المذكور، ومعه ابن أخيه الحنفي، وابن مفلح الحنبلي، وأما المالكي ابن يوسف الأندلسي فإنه سافر لتلقي النائب.
وفي يوم الخميس ثاني عشريه دخل المتسلم المذكور إلى دمشق، بخلعة من أستاذه، وأمر بالمناداة بالأمان وإبطال المحرمات على العادة، وخلع عليه القاضي الشافعي خلعة بفوى بفرو سمور وسلارى، بنحو مائة دينار جميعهم، ثم القاضي الحنفي أخرى، ثم نائب القلعة أخرى، ثم الحاجب أخرى، وعدتهم أربع خلع، وبهذا جرت العادة، وأتى صحبته من حلب إلى دمشق نقيب الأشراف بدمشق قبل الفتنة الدوادارية، السيد إبراهيم بن السيد محمد.
وفي يوم الجمعة ثالث عشريه صلى المتسلم بمقصورة الجامع الأموي، والعادة أنه لا يدخلها حاكم سياسي لصلاة إلا السلطان كما أخبر بذلك العلامة بدر الدين الأسدي.
وفي يوم الأحد خامس عشريه، وهو أول السنة الرومية أخبر القاضي الشافعي بعزل القاضي ناظر الخاص والكسوة الشريفة، نور الدين علي بن أحمد بن الصابوني الدمشقي ثم المصري، وبتولية ذلك الرملي، وأن قانصوه الذي كان حاجباً بدمشق، تولى نيابة صفد، وأن نائبها يلباي، الذي كان قد أشيع بدمشق موته ولم يصح، تولى نيابة طرابلس، وأن نائبها دولتباي، الذي كان نائب البيرة، ثم نائب قلعة دمشق، ثم نائب حماة، تولى نيابة حلب - وفي يوم الخميس ثامن عشريه دخلت كتب الوفد الشريف إلى دمشق، وأخبروا أن الوقفة كانت في يومي الخميس والجمعة، وأنها كانت حجة مشقة.
(1/181)

وفي يوم الاثنين رابع صفر منها، دخل الوفد الشريف إلى دمشق، وحط النائب الجديد قصروه، الذي أتى من نيابة حلب، على المصطبة.
وفي يوم الثلاثاء خامسه دخل النائب المذكور دخولاً حافلاً، وصحبته جماعة من الأمراء الذين كانوا مع آقبردي الدودار، الذي مات بحلب ودفن بها بتربة النائب أزدمر، ثم خشى عليه من نائب حلب الجديد دولتباي عدوه أن ينبشه من قبره ويحرقه، فأتى به صحبته من سحلية، ثم سير النائب تحت قلعة دمشق سبع مرات على العادة، وصحبته الحاجب، وخواص نفسه، ووقف العصاة قدام تربة تغري ورمش، ودخل من جسر من باب الجديد، وأتى إلى باب السر، ونزل فصلى على العادة، ثم ركب ودخل دار العدل.
وفي بكرة يوم الخميس سابعه ركب القضاة الأربعة إلى دار السعادة، ليلبسوا، خلعهم على العادة، فإن العادة أن كل نائب جديد يخلع عليهم عقب دخوله كفالته، فلم يخرج من مبيته لأحد، وقيل إنه ما هو طيب، وقيل ليقبض الهدايا ثم يفضل منها الخلع.
وفي هذه الأيام أمر النائب بشنق ابن الخنش؛ الذي قد كان سعى على ابن عمه ناصر الدين عند النائب المعزول، وأخذ منه البلاد، وكان السبب في نهبها، وهتك حريمها، وحريق زرعها وقتل كثير من أهلها؛ فلما شنق عاد ناصر الدين بن عمه، وفي يوم الجمعة ثامنه لبس القضاة خلعهم المذكورة. وفي عقب الصلاة بالجامع الأموي صلي غائبة على ثلاثة أنفس ماتوا بمكة، منهم الشيخ عبد المعطي.
وفي بعد العشاء ليلة الاثنين حادي عشره خرجت النار من دكان بالحصرية، خارج باب الفرج، فاحترق جميع الحوانيت التي حدها من الزقاق قبلي صفة الخضر حتى حاصل الخشابين، حتى وصلت النار إلى نهر بردى، وامتدت إلى جهة الغرب إلى قدام خان الليمون، ونهبت الأسواق التي بقربها، وهي حوانيت التجار شرقي الخان وغربيه، وحوانيت الخضريين شرقي الحريق، وقيسارية الدهانين غربيه، وما سلم من من الحوانيت بقية الصف القبلي من النقلية، وذهب للناس فيه مال كثير لا يمكن حصره.
وفي صبحة يوم الاثنين المذكور أوكب النائب وطلب زعر أهل الشاغور وأنه يمر في موكبه على حارتهم، فأخذوا أموال خلق، وشعلوا له، وزينوا من عند زاوية المغاربة، إلى حارة القراونة، وعتا هؤلاء الزعر عتواً كثيراً، وكبيرهم رجل يزعم أنه شريف يعرف بقريش
(1/182)

مسك بعد أيام بالأمان، وقام في جانبه الحاجب الكبير، فأوصله دودار النائب إلى النائب، فضربه بالسياط، ثم المفارق، ثم شنقه عند سوق الخيل، إنكاء للحاجب لكونه من جهته. وفي هذا اليوم سافروا بالسحلية التي بها الدودار آقبردي إلى مصر.
وفيه لبس شمس الدين بن يوسف المالكي خلعته، التي أتت له من مصر، بعزل الطولقي.
وفي يوم الخميس رابع عشره لبس نجم الدين بن مفلح الحنبلي خلعته، التي أتت له من مصر، بعزل بهاء الدين بن قدامة، وولي قضاء الحنابلة بمصر، كما جرى له في ما تقدم، فهو كالمستجد المستعار.
وفي يوم الاثنين ثامن عشره لبس القاضي الشافعي خلعة جاءته من مصر على يد الرسول بدر الدين بن عدوس، وهي أول خلعة خلعها عليه هذا السلطان، ولونها أخضر بسمور خاص.
وفيه عقب خروج القضاة أمر النائب بتوسيط الشاب ابن الشيرازي المزي، لكونه أقر، بأنه أقر، أنه قتل أخا شعبان، الذي كان قد أعان على قتل أبيه عبد القادر بن الشيرازي كما تقدم، وكان قد أخذ دية والده منه ومن غيره.
وفي صبح ليلة الجمعة ثاني عشريه احترق الطباخ بجيرون شرقي الشادر، وأنه خرجت النار من حاصل خشب الجامع، فأخلى الذهبية والدهشة خوفاً من النهب، وكان ذلك لطفاً من الله، لكونه نهاراً، وكان أول الليل هواء، فلو كان فيه حال الهواء، لاحترق الجامع وما حوله.
وفي ليلة الخميس سادسه خرج النائب من دمشق بعسكر كثير إلى بني صخر، حتى جاوز أربد، فقتل منهم نحو العشرين، وقبض جماعة، وأخذ منهم كسباً، دواب كثيرة، غنماً، وإبلاً، وبقراً، ثم رجع إلى أربد يوم الأحد ثاني عشره، ثم أرسل مبشراً، فدقت البشائر بدمشق يوم الثلاثاء سابع عشره.
وفي عشية يوم الأربعاء خامس عشريه، رجع النائب إلى دمشق.
وفي يوم السبت ثامن عشريه جاء خاصكي من مصر وكان يوماً مطيراً، ثم قرئت المراسيم السلطانية؛ قيل بأن يعطى النائب ما أخذه قرضاً من النائب المتوفى كرتباي، وما أخذه من مال المتوفى آقبردي الدوادار بحلب؛ وبأن يذهب تنبك قرا، وبقية جماعة الدوادار إلى القدس؛ فصعب على النائب ذلك، حتى أنه لم يركب يوم الاثنين، وكذب الخاصكي في كون
(1/183)

المراسيم من السلطان، قيل فأقر بأنها من طوماي باي الدوادار، فأمره بالرجوع إلى مصر ومراجعة السلطان في ذلك.
وفي ليلة الجمعة رابع ربيع الثاني سافر الخاصكي المذكور على الهجن عجلاً، قيل غضباً على النائب، وقيل ليراجع السلطان في المراسيم.
وفي يوم السبت خامسه تعدى مماليك حلب على الناس، مارين إلى مصر، وخطفوا أموالهم، وقطعوا عصب محمود مملوك محمد بن الحصني، وكادوا يقتلوا أستاذه.
وفي يوم الاثنين سابعه دخل كاتب السر مجد الدين سلامة من مصر إلى دمشق بالوظيفة المذكورة، وصحبته ولده بوظيفة نظر الأسوار، وتلقاه النائب من تربة تنم الحسيني، ودخل على العادة.
وفي بكرة الخميس رابع عشريه رجع إلى دمشق الخاصكي، الذي سافر على الهجن لمراجعة السلطان في أمر المراسيم، التي أنكرها النائب، وألبسه خلعة الشتاء، ودخل بها دمشق على العادة.
وفي يوم الجمعة ثاني جمادى الأولى منها، بعد صلاتها، صلي بالجامع لأموي غائبة على الشيخ الشرابي، مات بحلب.
وفي ليلتي الاثنين والثلاثاء خامس وسادس جمادى هذه، خرج من دمشق جماعة من العصاة، الذين قاموا مع النائب من حلب، منفيين إلى القدس الشريف، منهم تنبك قرا، وولده، ومنهم آقباي نائب غزة كان؛ وأما جانم مصبغة فقيل أمر بلزوم بيته بدمشق، وأما قنبك نائب إسكندرية، فقد قيل إنه رسم له بالعود إلى حلب، فامتنع خوفاً من نائبها دولتباي عدو الدوادارية، فاستشفع بالمراجعة ليؤمر به إلى المرقب أو غيره.
وفي يوم الخميس ثاني عشريه دخل من مصر خاصكي كبير، للكشف على الأوقاف.
وفي يوم الأربعاء سادس جمادى الآخرة منها، اجتمع أهل محلة مسجد القصب، وكبروا على بعض حاشية النائب، لكونهم رموا عليهم رمية كثيرة، لأجل قتيل وجد بتلك المحلة، فلما بلغ النائب ذلك أخرج لهم جماعة ملبسين، وأمر بتوسيط رجل من تلك المحلة كان ممسوكاً عنده فوسط مظلوماً، وكان حصول فتنة، ولم يكن الحاجب الكبير ودوادار السلطان حاضرين، بل مسافرين، فذهب القاضي الشافعي، ومعه الحنبلي، فاجتمعا بالنائب، وحفظاه، فنادى بالأمان، فسكن الخوف.
والناس يومئذٍ في ضيق كثير من أمر الخاصكي، وانتصب لأخذ أموال الأوقاف، بحجة هذا الخاصكي، الدوادار الثاني للنائب، وعبد الله بن أحمد القرعوني، وزادا على ظلم من
(1/184)

تقدم، وضوعف المأخوذ بسبب خط بعض من مات، فإنه أضاف الكلفة إلى المأخوذ ولم يفردها، فأفردوا كلفة ثانة، على كل خمسة أشرفية أشرفي، ومن أمر الرمية على أهل محلة مصلى العيدين، لكونه رجل من الزعر ضرب رجلاً شريراً، يعرف بخدا الفيلة اللبان....
... إلى نائب الشام، فربما ينعم عليه بها أيضاً، فدخل معهم في اليوم لمذكور في أبهة حافلة، ولم تخرج الناس والصبيان في هذا اليوم، خوفاً من المناداة التي أمر النائب بها؛ ونزل الباش بقصر السلطان الملك الظاتهر بالمرجة.
وفي عشية اليوم المذكور ضرب النائب مهمندار، الذي كان حبسه عقيب خلعة أتت على يديه من مصر، ضرباً مبرحاً، قيل اتهم بشيء من الأشياء المضرة نقلت إليه عنه؛ ثم أمر بقلبه فصلب وقت الغروب، وله حريم وأولاد صغار، ولكن قيل عنه إنه جريء، قليل الحساب للعواقب.
وفي يوم الأحد مستهل ذي الحجة منها، أخبر الموقع جمال الدين بن كريم الدين، أن سامري النائب أخبره، أن النائب قصروه نفقته كل يوم ألف دينار، ومن الشعير ثلاثون غرارة، ومن اللحم عشرون قنطاراً، ومن الدجاج عدة مائة، ومن الأوز عشرون، ومن الخرفان الهميس عشره، وأنه على كرمٍ كثير.
وفي يوم الاثنين ثانيه أوكب النائب في الميدان الأخضر، ومعه الباش بعسكره المصري على العادة؛ ثم أتوا إلى المقعد الجديد بالاصطبل وحضر القضاة، وأحضر كتاباً، وأظهر أنه من السلطان الملك الأشرف قانصوه خمسائة، وأنه حي باق، ونودي له بالسلطنة، وفرح الحاضرون وتخلقوا، ودقت البشائر لذلك، وسيأتي أن السلطان جان بلاط تسلطن بمصر في هذا اليوم، وربما يكون في هذه الساعة، وهو من العجائب؛ وخلع النائب قصروه في هذه الساعة على قانصوه اليحياوي نائب صفد، وعلى خير بك بنيابة غزة.
وفي يوم الجمعة سادسه حضر النائب خطبة الجمعة، وقد أخليت له المقصورة، وعين في الخطبة مولانا السلطان الملك الأشرف، يعني قانصوه خمسمائة، والنائب يسمع، فلما فرغ من الصلاة، بلغني أن بعض المماليك المصرية هدد الخطيب، وقال له: أنت شيخ يقتدى بك في الدين، وتقلد في الكذب.
ثم عقيب الصلاة بعد وصول النائب منزله، شاع بدمشق أنه
(1/185)

أتى من مصر أمير له ستة أيام عنها، وأخبر أن طومان باي الدودار الكبير دخل من الصعيد إلى مصر بعسكر كثير، وتلقاه منها خلق كثير، فحاصر قلعة مصر، وقبض على قنبك الرماح، وعلى ططر الذي ولي الدوادارية مكانه، وعلى جماعة أخر، وأن الأمير الكبير جان بلاط نزل إليه طائعاً؛ وأرسل يستحث النائب في الحضور إلى مصر، وأنه قتل خلق كثير.
وفي يوم الأحد ثامنه شاع بدمشق أن السلطان الملك الظاهر المنتصب، اختفى من قلعة مصر، قيل خرج منها في زي امرأة وتسحب، فالله يحسن العاقبة.
وفيه سافر خير بك نائب غزة الذي خلع عليه النائب، مع نائب صفد، وخرج الناس لوداعه، وأخرج معه جماعة من المماليك إعانة له
وفي يوم الثلاثاء عاشره، وهو عالشر تموز، عيد الناس؛ وخرج النائب إلى المصلى في أبهة حفلة على العادة، وخطب على منبر المصلى القاضي الشافعي، وخطب للملك الأشرف، فلما فرغ من الخطبة خلع عليه خلعة حمراء بمقلب سمور خاص، وعلى المرقي خلعة أخرى حمراء صوف؛ ثم خرج النائب على العادة إلى المنحر، ونحو أضحية كثيرة، ثم ركب والقضاة والباش والأمراء المصرية ورجع على العادة.
وفي ليلة الأربعاء حادي عشره رجع إلى دمشق دوادار النائب، الذي كان خرج بالعسكر إلى غزة، وقد تفرق جماعته عنه بغير صنجق، ولا أبهة، بل خفية ليلاً.
وفي هذه الأربعاء شاع أيضاً بدمشق، أن السلطان قانصوه الظاهر خلع نفسه بحضرة تنبك الجمالي وغيره، لما سمع بأن طومان باي الدوادار الكبير قبض على قنبك الرماح، وعلى ثلاثة أخر معه، ثم دخل الحريم وخرج معه الحريم في زي امرأة، واستمر الملك شاغراً عدة أيام؛ وأن جان بلاط، الأمير الكبير بمصر، تسلطن ولقب بالأشرف، كما قد خطب بذلك على منابر دمشق لقانصوه خمسمائة، وأن تسلطنه كان يوم الاثنين ثاني ذي الحجة هذه.
ثم اختلفوا بدمشق فيمن تولى الأمرة الكبرى بمصر، فقيل الدوادار الكبير طومان باي، وقيل بل بعثوا يخيروا نائب الشام قصروه، في أن يستمر في نيابة الشام، ويلبس خلعة بعثت له، وبين أن يسافر إلى مصر ويتولى الأمرة الكبرى؛ وقيل بل ولوا الأمرة الكبرى تنبك الجمالي، وأن طومان باي أبقى على الدوادارية على عادته، وأضيف إليه وظائف أخر؛ ثم إن أرباب التقويم أخبروا بأن جان بلاط لا يقيم في الملك كثيراً، بل إن طالت مدته فإلى نصف سنة؛ ولما بلغ نائب الشام توليته، لم يرض به سلطاناً، وأنه لا يطيعه بل يسافر إلى مصر لخلعه.
(1/186)

وفي أواخر ليلة الثلاثاء رابع عشريه دخل الأمير قصروه الصغير من مصر إلى دمشق خفية، بخلعة نائب الشام قصروه، فلم يلبسها، فرجع بها.
وفي يوم الجمعة سادس عشريه دخل من حماة نائبها يخشباي إلى دمشق.
وفي يوم الجمعة سابع عشريه، عقيب الصلاة، سافر من دمشق إلى مصر الأمير سيباي، الباش الذي أتى من غزة إلى دمشق، وقد أنعم عليه السلطان الجديد جان بلاط بالحجوبية الكبرى بمصر، فسافر إليها يومئذٍ، وخرج النائب لوداعه، وقد خلع عليه خلعة حمراء بسمور خاص، وسافر معه خلق كثير من المصريين وغيرهم، وكان قد سبقه غالب المماليك المصرية.

سنة ست وتسعمائة
... في الحديد، وذلك في يوم السبت تاسع عشر جمادى الآخرة.
وفيه، بعد عصره، طلع السلطان الملك العادل إلى قصر القلعة، وأحضر القضاة والخليفة أمير المؤمنين، وقرئت عليهم مبايعته بدمشق، فأمضاها له الجميع، ودقت لبشائر وقبلت له الأرض؛ فلما علم أهل دمشق ذلك دقت بشائرها أيضاً، وفرحوا بذلك فرحاً كثيراً وكثر الدعاء له، لبغضهم لجان بلاط، لخبث طويته، ورجاءً لعدل الملك العادل، ثم نودي بالزينة بدمشق، واستمرت البشائر والزينة بدمشق، سبعة أيام، ثم رفعا بكرة يوم الأحد رابع رجب منها.
وفي مستهله يوم الخميس، نودي بدمشق عند نائب الغيبة الحاجب الكبير مغلباي، عن دودار النائب تمرباي، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإبطال الخمارات والمناكر، ففرح الناس بذلك، إلا أن السوقة أمروا بالزينة، وهم مشغولون بالمبيت بالأسواق، مع البرد الشديد، وطول اليل، وكثرة الحرامية بدمشق، لغيبة نائبها.
وفي يوم الاثنين خامسه وصل من مصر إلى دمشق دوادار الأتابكي قصروه لأخذ الحريم، وخلع عليه النائب مغلباي، بعد أن أخبره بالأمور التي وقعت بمصر، ثم شرع الدودار في أسباب السفر بالحريم، وجمع الأموال المتعلقة بهم، وحزم الأحمال، وقد تعاظم الأتابكي يومئذٍ بمصر، واستخدم خلقاً كثيراً، وحدثته نفسه بالقبض على السلطان العادل، وضبط عليه كلام يفهم ذلك.
ونقل إلى السلطان على ما قيل عنه، وبلغه أنه بعث جماعة خفية إلى دمشق بالتوصية
(1/187)

بضبط القلعة؛ فأرسل السلطان أيضاً خفية نائباً لها، وهو الأمير دولتباي اليحياوي، المعروف بخال الأسياد، وبقبض جماعة قصروه التي بدمشق، وأمر قاصده بالسفر سريعاً قبل وصول قاصد قصروه، فستر ووصل إلى دمشق في ليلة الأحد حادي عشره، وهو سلخ كانون الثاني، وعلى يديه مراسيم شريفة بالقبض على مغلباي الحاجب الذي ولاه قصروه، واستمر فيها وفي نيابة الغيبة إلى يومئذٍ وعلى دوادار قصروه الذي أتى من مصر لأخذ الحريم، وعلى عبد القادر الحموي، والمعروف بأبي النائب، وعلى ابن حسن، المعروف بأبي النائب، الذي هو الآن بمصر، فلما قبض عليهم كثر الكلام بدمشق، فمن قائل مات قصروه من جرح أصابه في محاصرة قلعة مصر مع العادل، ومن قائل سقياً، ومن قائل قبض عليه السلطان، وفرح أهل دمشق وكثر الدعاء للعادل.
وفي يوم الأربعاء رابع عشره وصل من مصر إلى دمشق القاصد الذي أرسله قصروه بالمطالعات بضبط القلعة، وفد سبقه قاصد السلطان، فقبض جماعته.
وفي يوم الأحد ثامن عشره وردت المطالعات والمراسيم الشريفة إلى دمشق، بأن تقرأ على الأمراء المقبوض عليهم بالقلعة، بأنا قد رسمنا بعد القبض على الأمير قصروه، بتسفيره إلى مكة المشرفة بطالاً، مرسماً عليه، وصحبته جماعة منهم يخشباي نائب حماة كان، ومنهم مغلباي السمين، وفلان وفلان، وعد نحو عشرة أمراء، وأنكم تكون صدوركم منشرحة لما يأتي عليكم إن شاء الله تعالى.
وفي يوم الثلاثاء عشرينه ورد الخبر إلى دمشق بأن الأتابكي قصروه خنق، بعد إخراج الأشرف جان بلاط إلى الإسكندرية بثلاثة أيام، وأنه غسل وكفن وصلية عليه، ودفن في تربة قجماس، وأقام حريم قصروه بدمشق عراة، فكان كما يقال: جاء قصروه إلى وروه؛ ثم أرسل إلى الإسكندرية أيضاً، فخنق الأشرف أيضاً، ولم يصدق بذلك حتى أتي إليه برأسه، فرآه؛ فتذكرت ما أنطق الله به لسان شيخي محيي الدين النعيمي يوم خروج جماعة العسكر " كأنهما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ".
وفي يوم الأحد خامس عشريه شاع بدمشق أنه ورد نجاب من مصر، له عنها مدة أحد عشر يوماً، وأخبر بأن نائب الشام دولتباي، أخا العادل، قد عزم علي المجيء إلى كفالته.
وفي بكرة يوم الثلاثاء سابع عشريه دخل من مصر إلى دمشق الأمير أزدمر اليحاوي، وقد ولي أمرة المسيرة.
وفي بكرة يوم الأربعاء سادس شعبان منها، ورد الخبر من مصر إلى دمشق بعزل قاضي المالكية الشمسي بن يوسف، وإعادة الشمسيى الطولقي بتاريخ خامس عشري رجب، الشهر
(1/188)

الماضي.
وفي بكرة يوم الخميس سابعه دخل من مصر إلى دمشق الأمير برسباي المجنون، وهو لابس خلعة الحجوبية الثانية بدمشق، وتلقاه ناس قلائل؛ ثم خلع خلعة على أحمد بن شاهين الحاجب الثالث.
وفي بكرة يوم الاثنين حادي عاشره، وهو أول آذار، دخل من مصر إلى دمشق، الأمير دوادار سكين بمصر، مارا إلى البلاد الشمالية ليكشف على قلاعها، وتقليد نواحيها، وخرج لتلقيه أرباب الوظائف على العادة، منهم دوادار النائب أبي قورة، وخرج معه زعر الشاغور، وأظهروا لأهل ميدان الحصى عناداً كثيراً، فاقتتلوا وقتل من أهل الشاغور رجل يقال له الكساوي، فهاشوا بسبب ذلك، ومنعوا أهل الميدان من الانتشار في أسبابهم، وظهر قلة حرمة الدوادار، وطمع أهل الزعارة لرذالته، وغيبة النائب.
وفي يوم الأحد سابع عشره سافر إلى مصر الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، وصحبته ولده النجمي، بعد أن انقلب عليهم القاضي الشافعي.
وفيه قبض على أحد المجرمين بمحلة قبر عاتكة، يقال له المزاوي، ووعد بمال، فلم يفده وشنق في عشيته، وأراح الله منه العباد والبلاد.
وفي يوم الأحد رابع عشريه وصل إلى دمشق من الرملة مبشر، بأن نائب الشام دولتباي وصل من مصر إلى الرملة، فتهيأ أهل الولايات بدمشق لتلقيه بالفواكه والحلاوات والمعمول غير ذلك.
وفي هذه الأيام سافر الشمسي بن يوسف، المعزول عن قضاء المالكية بدمشق، إلى مصر ليسعى على غريمه الشمسي الطولقي.
وفي يوم الاثنين خامس عشريه رجع من مصر إلى دمشق العلامة السيد كمال الدين بن حمزة، وصحب معه زوجته المصرية، وأولاده منها، وهم خمس بنات، وله ولد ذكر من زوجته بنت الصلاح العدوي، وأما زوجته الثالثة، فليس له منها ولد.
وفي يوم الخميس سادس رمضان منها، دخل نائب الشام إلى دمشق بعسكر قليل، وقد شاع بدمشق أنه قد أنعم عليه بالأتابكية بمصر مضافة لنيابة الشام، وأنه استناب فيها، وعما قليل يرجع إلى مصر؛ وكان قبل دخوله قد هجم عرب طريق الحاج على بعض جمالة وأخذوا منها شيئاً، فرجع عليهم وتبعهم على ما قيل إلى بلاد الحسا، ودخل إلى القدس، ثم أتى ودخل دمشق في اليوم المذكور؛ ودخل صحبته الأمير برد بك الذي عزله عن نيابة طرابلس قبل ذهابه إليها، وقد أنعم عليه بأتابكية دمشق، بعد عزل القرناص قرقماس منها.
ولما كان النائب بقبة يلبغا، وخرج دوادار السلطان قانصوه الفاجر لتلقيه والسلام عليه،
(1/189)

جلس فوق أمير ميسرة، فنهاه النائب، فقلل أدبه، فأمر باعتقاله، فأخرج من القبة مرسماً عليه إلى القلعة، ورسم باعتقال المعلم أحمد الأقرع، الذي له بعض تكلم في المارستان النوري، بعد أن كان هو اعتقل على جماعة من أرباب وظائفه، منها القاضي الرضي الغزي، والنجم، الخيضري، والزيني عبد القادر العدوي، فأمر النائب بفكهم من الاعتقال، وأكرم النجم الخيضري، وهو دليل على قلة دينه.
ولما دخل دمشق لم يطلب، وعليه خلعة خضراء بطراز حافل، وعلى يمينه الشافعي بخلعة صفراء بمقلب سمور خاص، كان قد بعث إلى دوادار ليعملها لنفسه، فآثر بها الشافعي، وهي بكمين صغيرين، فلما استقر بدار السعادة، أمر المناداة حسب المرسوم الشريف من المقام الشريف وبالأمان والاطمئنان، وإبطال المشاة من بيوت الحكام، وأن لا يحمل أحد سكينا.
وفي يوم الجمعة سابعه صلي صلاتها بجامع تربة العجمي بالحدرة الذي هو محل الحشرية.
وفي يوم الثلاثاء حادي عشره ذهب رجل دين بفرس له إلى فسيل له ببستان، جوار ضريح الشيخ سراج، بمحلة المزاز، من أرض بثنية، فتبعه عدو له ومعه جماعة، فضربوه بالسكاكين وقتلوه، وأخذوا فرسه، وأرادوا دفنه بخشخاشة هناك، فلم يمكنهم ذلك من الخوف؛ ثم بعد أيام رمى استادار النائب عبد العزيز الحلبي على أهل تلك المحلة، وأهل كفر سوسيا مالاً كثيراً، وأخذ من بعض التجار، الذي له بستان هناك، نحو مائة دينار، ولم يلتفت إلى ما رسم به السلطان، حينئذ العادل، لأهل دمشق، من أنه إذا قتل قتيل بمحلة لا يغرم أهلها بسببه، بل يتبع الغريم؛ ونقش ذلك في جميع حارات دمشق على الحيطان الحجر؛ ثم بعد أيام قبض على اثنين من غرماء القتيل، وهرب الثالث بالفرس، وهو عدوه الكبير منهم.
وفي بكرة يوم الاثنين سابع عشره دخل من مصر إلى دمشق الأمير يلباي العادلي، نقيباً لقلعة دمشق، في أبهة حافلة، لم يدخلها نائب الشام.
وفي يوم الأربعاء تاسع عشره أمر النائب بإشهار النداء للحاج، بأن ما لكم أمير إلى الحجاز إلا ملك الأمراء، وأظهر النفقة على خروجه لذلك، وصادر الخواجا ناظر الجيش بدمشق ابن النيربي، الذي كان في العام الماضي أمير الحج، وكان قد عين أيضاً لهذه السنة، وأخذ بركه، ونهب مال زوجه قصروه بجوار منزل
(1/190)

ابن النيربي المذكور، وصار أيضاً المجرم، الذي كان قد أقامه قصروه في حال عصيانه ديواناً لضبط أموال المصريين بدمشق، ابن شنتمر، وغيره.
وفي هذه الأيام شاع بدمشق أن مصر مخبطة، وأن الغوري اختفى، ومعه تنبك الجمالي، وقنبك الرماح، وأن السلطان قد أهلك خلقاً كثيراً تغريقاً وخنقاً، وهو يتبع الجماعة الجانبلاطية من جميع البلاد، وأن نائب حلب أركماس عزل منها، لأنه ظهر منه بعض مخالفة للسلطان.
وفي ليلة الجمعة حادي عشريه ختم الطفل، الثماني السن، زين العابدين، ابن أحد عدول دمشق، شيخنا شمس الدين الخطيب المصري، وخطب على باب مقصورة الجامع الأموي، تحت نسره، وخلع عليه جماعة، ولم يحضر أحد من القضاة الأربعة، بل أرسلوا بعض جماعتهم، ثم مشيت أنا والشيخ محب الدين بن هشام، وجماعات كثيرة من الأفاضل، قدامه، وطفنا دورة دمشق ليلاً، خرجنا من الباب الصغير بالشاغور، ودخلنا من باب الفراديس، وكان مرورنا على دار السعادة، وذكر لنا والده أن هذه عادة المصريين إذا ختم الولد عندهم، ولم يصل هذا الولد بجميع القرآن، وإنما صلى بربعه، وعاد أولاد الشاميين أن يصلوا بالقرآن كله.
وفي يوم الخميس عشريه، وهو خميس البيض، قبض فيه على مملوك أصله افرنجي من بلاد طرابلس، كان خدم مع أينال الفقيه نائب الشام، الممنوع من دخولها، وهو سائر داخل بأبي الفرج والفراديس، ضبط عليه أنه قتل جماعة وأخفاهم، وأخذ أموالهم، وعرّى جماعة من النساء، وأخذ الأساور من أيديهن مجاهرة عند باب المرستان النوري، وأنه كان يأكل بقائم فجوره، فأمر النائب بقطع يده ورجله، ففعل به ذلك عند باب المارستان المذكورة، فهجم العوام عليه وضربوه بالخناجر، وسحبوه حياً بدمائه الكثيرة على الطرقات إلى عند المشنقة بالخراب وحرقوه بالنار؛ فبلغ النائب ذلك، فأمر بالركوب على العوام، فركبت مماليكه وبطشوا في كل من رأوه في طريقهم، وعرّى جماعات وذهب مال كثير للناس، وغلقت الأسواق، ورفع جماعات إلى النائب، فصادر بعضهم، وصفح عن آخرين، وكان يوماً مهولاً.
وفي يوم السبت ثاني عشريه شاع بدمشق عزل نائب حلب أركماس، بنائب غزة الأمير قانصوه رحله.
وفيه نودي بدمشق أن الأمير يلباي الأينالي، الذي كان نائب طرابلس، وصادره قصروه في حال عصيانه، وأخذ موجوده، الذي هو الآن بمصر بعد وصوله من دمشق، قد ولاه السلطان دوادارية السلطان بدمشق، عوضاً عن قانصوه الفاجر، وولاه أيضاً وظيفة نظر الجيش، عوضاً عن الخواجا بن النيربي، وولاه أيضاً
(1/191)

وظيفة عداد الغنم، ووظيفة النظر على وقف الملك الأشرف قايتباي بالشام، فهن أربع وظائف؛ ثم في آخر النهار المذكور نودي بأن وظيفة نظر الجيش لمحب الدين الأسلمي، لا للأمير يلباي المذكور، وهذا من العجائب.
وفي يوم الأحد ثالث عشريه اشتهر بدمشق وفاة نور الدين بن الصابوني، ناظر الخواص الشريفة بمصر، في أوائل رمضان، وأنه تولى مكانه فيها علاء الدين ابن الإمام، وأن السلطان عزل صلاح الدين بن الجعيان من كتابة السر التي وليها قريباً عن ابن مزهر زين الدين، وتولاها ابن أجا الحنفي الحلبي؛ وأن وظيفة كتابة الخزانة الشريفة، التي هي من قديم مع بيت الجيعان إلى الآن، عزل عنها صلاح الدين المذكور، وتولاها أبو المنصور ديوان آقبردي كان، ثم ديوان هذا السلطان.
وأن ابن يوسف قاضي المالكية بدمشق، الذي كان قد عزل عنها في خامس عشري رجب منها، بشمس الدين الطولقي، قد أعيد إليها، وعزل الطولقي منها، وذلك في تاسع عشر رمضان، وأنه لم يعط للسلطان شيئاً غير قراءة الفاتحة على قاعدة قراء المغاربة، وأن السلطان قال لكاتب السر: ونختصر الفاتحة أيضاً، وأنه أرسل ليستناب في الحكم عنه الشهاب الطرابلسي، وأنه تصالح مع شيخ المالكية عبد النبي، الذي كان سافر للشكوى عليه.
وفي يوم الاثنين ثامن شوال منها، دخل من مصر إلى دمشق الأمير يلباي الأينالي المؤيدي، بالأربعة وظائف المتقدم ذكرها، وتلقاه النائب وأرباب الدولة على العادة.
وفي صبحة يوم الجمعة ثاني عشره، وهو آخر نيسان، دخل جماعة من مصر بغتة، بسرعة إلى دمشق، وصحبتهم مملوك بمراسيم شريفة، ومطالعات بالأخبار، بأن السلطان العادل حوصر يوم سابع عشري رمضان، ثم طلع الأمير الدوادار الكبير قانصوه الغوري، وأن العادل فقد، وأنه يوم العيد بويع بالسلطنة بعده لفقده، وأنه لقب بالسلطان الملك الأشرف.
وصحبتهم أيضاً مرسومان شريفان، أحدهما لأهل القلعة بالحرص عليها، وتحصينها، وإطلاق الأمراء المقبوض عليهم بها، وأن يستمروا بدمشق حتى يرد عليهم ما يعتمدونه؛ والمرسوم الثاني لملك الأمراء دولتباي، ففي الحال أظهر الذلة، ولا قوة إلا بالله، وطلبوا منه
(1/192)

الحضور إلى القلعة، فوعدهم إلى غد، فلما انتصف الليل ركب في جماعة وذهب، فلم يعلم حقيقة خبره؛ وقيل إن نائب القلعة دولتباي اليحياوي، والحاجب الكبير برد بك تفاح، أرادا الهجم على دار السعادة لضبط موجوده، فلم يمكنا، والناس الآن في حيرة وتأسف على العادل لعدم العلم بحقيقة حاله.
وورد مرسوم شريف أيضاً بإبقاء أركماس نائب حلب بها، وعزل قانصوه رحله الذاهب إليها؛ ثم ورد الخبر من حماة بأن نائبها سيباي قبض على قانصوه رحله بمرسوم شريف.
وفي هذه الأيام قبض الأمراء، الذين أطلقوا من حبس القلعة، على نقيبها يلباي، الذي تقدم ذكر دخوله إلى دمشق قريباً، وصادروه وأخرجوه منها.
وفيها وجد الرجل الصالح خطاب بن عمر الشويكي الأسمر الحنبلي المقرئ بخلوته بالضيائية، جوار الجامع المظفري، بسفح قاسيون، مشنوقاً في حبل قد اشتراه من حانوت بالصالحية بنصف درهم، ولم يعلم حاله في ذلك، هل هو لأجل شيء فاته، أو عرض له يبسٌ في دماغه، وقد كان من شهور عرض له ضعف بدن، وذهب إلى مرستان الصالحية القيمري، وعوفي وقد كان أظهر لرجل بالضيائية، أن معه مالاً، عدده من الذهب الأشرفية أربعمائة وثلاثة عشر أشرفياً، وأنها تكون عنده وديعة إلى أن تأتي زوجته من المجاورة. وأن له ابن عم وأخا، فأبى الرجل قبول الوديعة بغير شهود، وهذا الرجل يعرف بابن مكنا، وهو رجل صالح.
فاختار القاضي محيي الدين الرجيحي وأوصى إليه ولزاويته بعشرين أشرفيا، وأن يحج عنه بثلاثين أشرفيا، ولشهود الوصية بعشرة أشرفية، ولختمات شريفة بكذا، والباقي يرصد لقدوم الغائبين، فأرصدت تحت يد الشافعي، ثم طلب الأمير يلباي دوادار السلطان بدمشق القاضي الرجيحي، ورسم عليه وعلى شهود الوصية، وطلب المال منهم أياماً وزين الدين خطاب هذا كمان يقرئ الأطفال بالمدرسة السعدية، المشهورة بمدرسة الخواجا إبراهيم، بالجسر الأبيض، وكان على خير، يقرأ في بعض الأيام ختمتين، ويلزم حضور درس الشيخ شهاب الدين بن سلم يوم السبت والثلاثاء، ولكن الأعمال بالخواتيم.
وفي ليلة يوم السبت عشرينه ثار محمد النجار الأزعر، في محلة رأس قصر حجاج، وضرب يوسف بن عبد الوهاب الطيان، أحد الثلاثة الذين قتلوا الشريف الوهراني الشاهد بالمحلة المذكورة، فتحامل إلى بيته بالشويكة، ومات بعد ساعة ثم في غدوة اليوم أتى رفيقه
(1/193)

يوسف بن الكسار بالحطب، وأراد إحراق حانوت النجارة التي للضارب، فمنعه أهل السوق، فهاش بخنجره وأتى إلى علي بن الحبال اللحام بالسويقة المحروقة، ولم يكن له يد في قتل رفيقه، فضربه بخنجره في رقبته، فهرب ومات بعد ساعة.
ثم أتى الوالي وختم على حوانيت السويقة المحروقة، ثم ذهب إلى المضروب أولا فمر على أحد زعر الشويكة، فهرب إلى زقاق ينفذ إلى بستان، وفي الزقاق بيت الخواجا ابن الماجوري، فدخل الوالي بجماعته إلى الزقاق، وهجموا على حريم ابن الماجوري، ونهبوا له غالب موجوده، وخرجوا وختموا على باب البستان عجزاً عن تحصيل الهارب، وأمر بدفن المقتولين في اليوم المذكور.
ويوسف بن الطيان هو الذي عارض شيخنا محيي الدين النعميي ومعه رفيقه أحمد المعتوه، وفي صبحة يوم الجمعة حادي عشر رمضان من السنة الماضية، وأخذا شاشه، وأرادا إعدامه، فسلمه الله منهما، وهما ورفيقهما الهارب اللحام من حين قتلوا الشريف المذكور قد تجبروا على السرقة والتجني في البساتين، ونهب دواب الناس، والسفر إلى صفد وطرابلس وغيرهما في بيع ما أخذوه، وعرف ذلك أهل الحارات بحيث أنهم صاروا في غنية بعد فقر، وهم في هيئة مجرمة من لبس الأبشات بالكمام الكبار، لتستر البولاد الذي حاملوه خوفاً من أعدائهم.
وفي هذه الأيام كثر الكلام عن السلطان الجديد قانصوه الغوري، وأشاعوا عجزه، وكان قد عزم كثير من الناس على الحج، ثم أراد بعضهم ترك ذلك، وتردد بعضهم، وقوي عزم بعضهم، بواسطة قيام نائب الغيبة برد بك تفاح، وإقامته تمرباي القجماسي المشهور بأبي قوره في أمرة الحج، في ثالث عشر شوال.
وفيها غلا القمح إلى قريب كل كيل بثلاثين درهماً، والدبس بأكثر من ثلثمائة القنطار؛ وبلغني أن الزرع غير المسقي تلف في جميع البلاد الحورانية.
وفي يوم الاثنين ثاني عشريه خرج الوفد من دمشق إلى الحجاز، وأميرهم تمرباي القجماسي، وخرج معه حج كثير من الأروام والحلبيين والدمشقيين وغيرهم.
وفي يوم الثلاثاء مستهل ذي القعدة منها، ورد مرسوم شريف إلى دمشق، بأن الأمراء الذين أطلقوا من حبس القلعة يأتون إلى مصر، وكان قد انضم إليهم جماعة أخر من المنفيين، وقد سالموا وعاطوا بدمشق، وجميعهم بالقلعة؛ وبلغ ما يحتاجون إليه من الشعير في كل يوم
(1/194)

ثمانية عشر غرارة، وبقي لهم كلمة وسلطة لاجتماعهم، سيما الأمير آزدمر، وقرقماس الذي كان تولى نيابة حلب.
وفي يوم السبت ثاني عشره سافر إلى مصر هذه الجماعة بعد أن حصل منهم شر كثير، من أخذ الدواب، وتسخيرها، وغير ذلك.
وفي هذه الأيام شاع بدمشق استقرار الأمير قانصوه البرجي، لأنه كان نائب البرج الذي بناه قايتباي بالإسكندرية، وكان قد نفاه الملك العادل إلى مكة، والحال أنه كان السبب في تسليم قلعة مصر له؛ ولقانصوه هذا ثلاثة أخوة خضر بك الذي ولي نيابة القدس، وخير بك الذي حبسه العادل بقلعة دمشق، وجان بلاط الذين كان دوادارا للسلطان بدمشق، ثم هرب من قصروه إلى حلب واستمر معزولاً.
وفي بكرة يوم الاثنين رابع عشره نودي بدمشق أن الأمير جان بلاط المذكور يكون نائب الغيبة بها، عن أخيه قانصوه البرجي.
وفي هذه الأيام قطعت الطرق من كثرة العرب من المفارجة.
وفي بكرة يوم الخميس سابع عشره أمر نائب الغيبة بإشهار المناداة بدمشق للأجناد والأمراء وأهل الجهاد، أن تأهبوا للجهاد في سبيل الله، وذلك لأجل العرب الذين خارج دمشق، وفي أطرافها، وتقطعت الطرق بسببهم، ووقف حال الناس من كثرة الظلم، ثم بعد أيام رحل العرب عن الطرق، وقل شرهم.
وفي يوم الأربعاء ثالث عشريه ورد الخبر إلى دمشق بأن جماعة كبسوا بيت العادل طومان باي، الذي كان يسكنه قديماً، فقبضوه، وقطع رأسه، وعلق على قلعة مصر.
وفي ليلة الخميس رابع عشريه قبضت امرأة من محلة الشويكة على خصيان حرامي، فقبض ورفع إلى نائب الغيبة، فعذب بالكلس والماء والضرب، إلى أن مات، ولم يقر، وأصله من بيت إيما.
وفي اليوم المذكور دخل من مصر إلى دمشق خاصكي صحبته خلعة لجان بلاط المذكور، بنيابة الغيبة بدمشق، إلى أن يأتي أخوه قانصوه البرجي من مكة؛ وقد أنعم السلطان بمماليك دولتباي المنفصل على النائب الآتي المذكور، فردوا قبل وصولهم إلى مصر.
وفيه شاع بدمشق أن النائب المنفصل قد ظهر في بلاد حمص، وأنه كان قد أرسل إلى السلطان الملك الأشرف قانصوه الغوري يسأل من صدقاته، أن يكون بمكة أو بالقدس بطالاً، فأجيب إلى ذلك؛ وكان لما جاءه الخبر بفقد السلطان العادل أخيه، تأهب للهروب، فأعتق مماليكه، وأخذ ما يقدر على أخذه، وأودع ما لا يقدر على أخذه عند خواصه بدمشق، ثم لما
(1/195)

ورد المرسوم إليه وأمر أن يقرأه في القلعة، ضيعه إلى الليل، وتسحب، ولم يظهر أمره إلى هذه الأيام.
وفيها عزل الحاجب الكبير بدمشق؛ برد بك تفاح، الذي ولاه العادل.
وفي ليلة الجمعة خامس عشربه احترق سوق النحاسين، تحت قلعة دمشق، والربع فوقه من شرقي المدرسة التغرورمشية، إلى آخر جسر الزلابية ولم يصل لعمارة القاضي الشافعي.
وفي بكر يوم الاثنين ثامن عشره دخل من مصر إلى دمشق نقيب قلعتها الجديد، عوضاً عن يلباي، الذي كان أرسله العادل.
وفي يوم الأحد رابع ذي الحجة منها، وصل خاصكي من مصر إلى دمشق، بالبشارة بقطع رأس الملك العادل طومان باي، في يوم الاثنين رابع عشر ذي القعدة، وصحبته مرسوم شريف بتصديق بشارته، وأخبر بعض الحجازيين الآتين من مصر صحبة الخاصكي المذكور، أن الذي ألجأ طومان باي على هربه من القلعة في رمضان، أن بعض الناس أظهر بمصر، أن قانصوه خمسمائة ظهر، وكبروا لذلك فرحاً وقت المغرب، فنزل من القلعة جميع من يأكل السماط، ولم يبق مع العادل أحد، فهرب خوفاً من باب آخر للقلعة، واختفى، فتحيل عليه جماعة وتوصلوا إليه، وحسنوا له أن يعود إلى الملك، فظهر لبعضهم، فهجم عليه جماعة، منهم الأمير أرزمك خازندار جان بلاط، وبيده السيف مصلتا، فقال له: أين جان بلاط؟ فعلم أنه مقتول، فهرب إلى فوق جدار ورمى بنفسه، فنزل إليه المذكور وقطع رأسه، وأتوا به إلى الأشرف الغوري فعلقه على قلعة مصر.
وأخبر هذا البعض من الحجازيين أن الملك الظاهر قانصوه، خال الناصر، حي باق، وهو مقيم ببرج يسبك الدوادار بالإسكندرية، وقد كان أشيع أن العادل أرسل قتله؛ وقبل هذا الخاصكي بخمسة أيام، دخل من مصر إلى دمشق، الأمير قانصوه الفاجر، الذي كان نائب صفد، حاجباً كبيراً بدمشق، عوضاً عن برد بك تفاح، الذي كان العادل ولاه.
وفي هذه الأيام وصل كتاب من مصر إلى دمشق من ابن الخشاب الطرابلسي، المعروف بمصر بصبي تمراز، يخبر فيه بأن القاضي علاء الدين بن موسى الحموي الحنفي، الذي سافر إلى مصر بعد عزله من نيابة الحنفي بدمشق، قد ولي قضاء طرابلس مستقلاً، وأن نقيب الأشراف بدمشق كان، المعروف بها بالزهري، وبمصر بان حسبي الله؛ استقر في قضاء الشافعية بطرابلس أيضاً، وفي كتابة سرها أيضاً، والحالة أنه رجل جاهل، فلا قوة إلا بالله.
ثم بعد ثلاثة أيام أظهر السيد إبراهيم، الذي كان نقيب الأشراف قبله، مرسوماً شريفاً من
(1/196)

هذا السلطان الأشرف، بأنه قد أنهى إليه أن معه مستندات شرعية، تشهد له بأنه من ذرية ابن جني، وأنه الناظر على وقفه، ووقف غيره من الأشراف، وأن الزهري المذكور، الحاضر يومئذٍ بدمشق، وضع يده على ذلك بغير طريق شرعي، والسؤال في عزله، والاستقرار في ذلك على مقتضى شرط الواقف، فأجيب إلى ذلك، والمرسوم لكل واقف عليه.
وفي هذه الأيام رجع من مصر إلى دمشق النجمي ابن الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، واستقر والده بمصر، وقد سعى عند السلطان في قضاء الشافعية في دمشق، فلم يسمع له.
وفي بكرة يوم الخميس ثامنه دخل من مصر إلى دمشق، قاضي المالكية الشمسي الأندلسي، الشهير بابن يوسف، عوضاً عن خصمه الطولقي، وصحبته خلعة للقاضي الشافعي، وتلقاه نائب الغيبة والحاجب الكبير إلى تربة تنبك الحسني بميدان الحصى، قبل طلوع الشمس، ودخلوا به قبل طلوعها سرعة؛ وقد مر أنه تولى يوم تاسع عشر رمضان.
وفي يوم الاثنين ثاني عشره خرج من دمشق الأمير سودون الدواداري، نائباً لصفد، وخرج لوداعه نائب الغيبة، والحاجب الكبير.
وفي بكرة يوم الخميس لبس القاضي الشافعي خلعته، التي أتت على يد القاضي المالكي ابن يوسف، ثم لما نزل بيته خلعها على ابن يوسف.
وفي هذه الأيام ورد مرسوم من مصر إلى دمشق بطلب الأمير جانم مصبغة، الذي عصى مع آقبردي الدوادار، وله مدة منفي بدمشق، ليولى وظيفة رأس نوبة النوب بمصر.
وفي يوم الاثنين سادس عشريه لبس الأمير دولتباي، نائب قلعة دمشق، المشهور بخال الأسياد، خلعة للاستمرار.
وفيه وصل الخبر من مصر بعزل قاضي الشافعية الشيخ زكريا في تاسع هذا الشهر، وأعيد إليها عبد القادر بن النقيب.
وفي هذه السنة ابتدئ بحمامين جديدين في دمشق، أحدهما للقاضي الشافعي شرقي المدرسة المسمارية، والآخر لزوجة تقي الدين بن قاضي عجلون، تجاه المدرسة الطيبة، وفرغ منها سريعاً، ودخل إليهما.

سنة سبع وتسعمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين أبو الصبر يعقوب بن عبد العزيز العباسي؛ وسلطان مصر
(1/197)

والشام وما مع ذلك الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري؛ ونائبه بدمشق، الآتي إلى كفالته من مكة مع الحاج، قانصوه البرجي، ونائب عنه أخوه جان بلاط؛ والقضاة بها: الحنفي بدر الدين ابن أخي القاضي الشافعي، والشافعي شهاب الدين بن الفرفور، والمالكي شمس الدين بن يوسف الأندلسي، والحنبلي نجم الدين بن مفلح، وهو منقطع في بيته، من بقايا توعك حصل له في السنة الماضية في شوالها، من طلوع في نقرة قفاه؛ والأمير الكبير الأتابك برد بك نائب صفد؛ والحاجب الكبير قانصوه الفاجر؛ والحاجب الثاني برسباي، وهو شيخ كبير؛ والحاجب الثالث شهاب الدين أحمد بن شاهين؛ ودوادار السلطان يلباي الأينالي، وهو ناظر الجيش، ووكيل السلطان، وأمير التركمان، وناظر الأسرى، ومتكلم على وقف السلطان قايتباي، وكاتب السر محب الدين الأسلمي؛ ونائب القلعة دولتباي اليحياوي، خال الأسياد؛ ونقيبها، وأمير ميسرة أزدمر الأشقر اليحياوي؛ وأستادار السلطان تمراز القجماسي.
وفي يوم السبت ثامن محرمها، وهو آخر تموز، لبس الأمير يلباي الأينالي، وهو الآن دوادار السلطان بدمشق، خلعة بالاستمرار، وبنظر وقف قايتباي، وكان قد تحدث بعزله عنه.
وفي هذه الأيام شاع بدمشق أن للبرهان بن أبي شريف، تولى قضاء الشافعية بمصر، في تاسع عشر ذي الحجة، عوض عبد القادر بن النقيب، الذي أعيد إليها يوم عرفة، عوض الشيخ زكريا، بعد أن شاع بدمشق طلب القاضي الشافعي لأجل توليتها، وأن عبد القادر المذكور نفي إلى الواح، وكبست خلوته، فوجد فيها من المال مبلغ ثمانية وعشرين ألف دينار، وأن كاتب الخزانة أبو المنصور، الذي تولاها قريباً عن صلاح الدين بن الجعيان أنزل عن فرسه وذبح جهرة، لكونه من جهة عبد القادر المذكور، وقد يكون حمية لابن الجيعان المذكور.
وفيها أرسل نائب الغيبة إلى زوق الأمير ابن القواس، فنهبه جمالاً وغنماً وأثاثاً وغير ذلك، بحيث أنه أفقرهم.
وفي يوم عاشوراء اجتمع جماعة من أوباش الأعجام والقلندرية، وأظهروا قاعدة الروافض من إدماء الوجوه وغير ذلك، فقام عليهم بعض الناس، وترافعوا إلى نائب الغيبة فنظر: هل البدعة على من قام عليهم؟ ووقع به، ولا قوة إلا بالله.
وفي هذه الأيام هجم العرب على أطراف دمشق فنهبت مغلاً كثيرة، وخربت بلاداً كثيرة، فقيل إن ابن القواس أغراهم، لكون نائب الغيبة نهب رزقه، وقبض على أخيه ووضعه بقلعة دمشق؛ وقيل إن ابن القواس، لما هرب وسكن ببلاد صفد، أعداؤه من العرب الذي كان في وجههم، وأخذوا ما أخذوا، وخربوا ما خربوا.
وفي يوم الخميس ثلاث عشره خرج من دمشق سرية كثيرة، ومعهم نائب الغيبة، وابن
(1/198)

الحنش، وجندهما، وكبسوا على العرب قرب الهيجانة، وقتلوا منهم خلقاً، ونهبوا منهم شيئاً كثيراً، نساءً وأولاداً وجمالاً وغنماً غير ذلك، ورجعوا إلى دمشق، وفي يوم السبت خامس عشره أمر نائب الغيبة بالتأهب لملاقاة الحاج، ولملاقاة أخيه نائب دمشق، ورسم بأن يؤخذ من كل حارة جماعة من المشاة، أن تأخذ جامكيتهم من حاراتهم على أملاك الناس، فصادر غوغاء الحارات الناس على حسب أغراضهم، فتضرر أهل الحارات من ذلك، وشكوا إلى نائب الغيبة، فوضع على كل حارة خمسين أشرفياً، فصرفت للمشاة نحو الأربعين، فاحتاجوا فوقها نحو مثلها، وتضرر جماعات.
وفي يوم السبت ثاني عشريه خرج من دمشق نائب الغيبة وأرباب الدولة، وابن الحنش، وجنده، والزعر، لملاقاة النائب الجديد الآتي على طريق الحاج الغزاوي، وفرقت منهم فرقة، قيل لملاقاة الحاج، وقيل لكبس من بقي من العرب الذين هربوا، ومكثوا بقرية الصنمين.
وفي هذا اليوم ورد بدوي من الحاج يبشر بسلامته، وقد فارقه من الأخيضر.
وفي هذه الأيام وصل الخبر إلى دمشق بأن تقي الدين بن قاضي عجلون، الذي سافر إلى مصر، تزوج بها قريباً، ثم سافر منها ثم وصل إلى صفد، وصحبته خاصكي على يديه خلعة لنائب صفد، وأن يصل معه إلى بيروت، لينظر إلى البرج الذي جدده بها، ليرسم له السلطان بوقف وعدد.
وفي يوم الأحد ثالث عشريه ورد الخبر من مصر، بأن السلطان أراد أن يقبض على أتابك العساكر قيت الرجبي، فهرب، فقبض عى الدوادار الكبير، وعلى أرزمك، وجماعته الذين قتلوا العادل، وعلى مملوك آقبردي، الذي كان أقامه قصروه على حسبة دمشق في أيامه، وهو رجل فاجر، ثم أمر بتغريقهم جميعهم، وأنه ولي في الدوادارية الأمير أزدمر، الذي أطلق قريباً من قلعة دمشق، وفي الحجوبية الأمير خاير بك أخو نائب الشام، واستمرت الأتابكية شاغرة لهروب قيت منها، ثم ورد الخبر بأنه أعيد، وخلع عليه.
وفي يوم الثلاثاء خامس عشريه وصل تقي الدين، قاضي عجلون إلى دمشق، راجعاً من مصر.
وفي هذه الأيام قد استبطئوا كتب الحاج.
وفي بكرة يوم الأربعاء ثاثل صفر منها، دخل إلى دمشق وفد الله، وأثنوا، على أميرهم ثناءً حسناً، وأنهم عوقوا قريب الزرقاء أربعة أيام في الرجعة، وأن الوقفة كانت الجمعة، وأن أمراء الحرمين مختلفون، وأنها كانت حجة طيبة.
وفيه بعث نائب الغيبة من الكسوة، عقب مفارقة الحاج، بشنق أخي الأمير ابن القواس، الممسوك بالقلعة، نكاية لأخيه، لكونه لم
(1/199)

يطعه، فأخرج وشنق بالمشنقة التي نقلت من الخراب إلى محلة بين النهرين، وقد كانوا أرادوا نقلها إلى المرجة، فمنعهم القاضي الشافعي لكونها تبقى قدام الكججانية، التي تحت نظره، وهي منزهه؛ فعلم الناس حينئذٍ بخراب وادي العجم وغيره من كثرة العرب، الذي كانوا محجوبين عن هذه البلاد من ابن القواس، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الأبعاء حادي عشره كان أول أيلول.
وفي يوم الثلاثاء مستهل ربيع الأول منها، دخل نائب الشام الجديد، قانصوه البرجي، إلى دمشق، بعد أن نكث، عقب مجيئه من مكة، بغزة ثم استمر مدة بالرملة، ثم لما وصل إلى قرب دمشق عرج وذهب إلى قلعة الصبيبة، ليقبض عل الأمير ابن القواس، الذي جعله نائبي الغيبة عاصياً، فحاصر القلعة عدة أيام، فلم يقدر عليهم، وتيقن أن ابن القواس ليس بها، وإنما بها حريمه، فلم يزل إلى أن أخذها بالأمان، ووضع بها نائباً، وأرسل ابن القواس إليه من يرضيه عنه بالمال.
فرجع النائب وخيم على قبة يلبغا عدة أيام، ليدخل في أول هذا الشهر، فدخل في اليوم المذكور، وتلقاه الناس على العادة، وخرج لتلقيه أيضاً زعر الصلحية، بكبيرهم المجرم الذي يدعى بالجاموس، راكباً، وبقية زعر الصالحية حوله بالعدة الكاملة، فمروا على ميدان الحصى وتعدوا على أهلها وجرحوا جماعة، فلما رجعوا قدام النائب، ونزل إلى منزلة طلبهم وقال: من أمركم بالخروج إلى ملاقاتي؟ فسكتوا، فأمر بتوسيط كبيرهم الجاموس المذكور، فوسط في الحال، وأخذت العدد التي مع جماعته، وذهب إلى بيته فنهب، واطلع عندها على حوائج، يكون وما يكون سرقها، وأراح الله منه العباد والبلاد، وقيل إن جماعة نائب الغيبة تحيلوا على قبضه باستدعائه مع جماعة زعر الصالحية للخروج لملاقاة النائب، فلما فرغوا غمزوا عليه النائب.
وفي صبحة يوم الأربعاء ثانية أوكب النائب إلى قبة يلبغا لتلقي الخاصكي المبشر بالنيل، ودخل به إلى دمشق؛ ثم ولي عبد العزيز الاستادارية، وشرط عليه كل يوم مالاً كبيراً، فرمى على أهل ميدان الحصى قريب ألف دينار، وعلى أهل الصالحية نحو خمسمائة؛ ونادى منادٍ من قبله بأن البلاصية والزعر بطالة.
وفي يوم الجمعة رابعة صلى النائب الجمعة بمقصورة الجامع الأموي، وخلع على
(1/200)

القاضي الشافعي خلعة بعد الصلاة، فخرج معه إلى باب الجامع.
وفي ثلث ليلة الأحد الأول، سادسه، أرسل النائب سرية لنهب أهل بيت إيما، لأجل ما بلغه أن ابن القواس وقع في يد جانباي، فخلصوه منه، فنهبوها ونهبوا معها بلد كفر حور، حتى عروا على النساء، وقبضوا على جماعة.
وفي يوم الخمس عاشره وصل من مصر إلى دمشق خاصكي لكشف الأوقاف، وتلقاه النائب وأرباب الدولة على العادة، ونزل بالقصر.
وفي يوم الأحد ثالث عشره حضر بالاصطبل عند النائب، وحضرت القضاة وراجعوه، فلم يرض إلا بالعمل بالقائمة التي بخط الشارعي، وحضرت القضاة وراجعوه فلم يرض إلا بالعمل بالقائمة التي بخط الشارعي، وفيها خمسة آلاف دينار، وافترقوا على ذلك.
وفي هذه الأيام شاع أن أركماس نائب حلب عصي، حمية لصهره دولتباي المنفصل من دمشق، وأن إبراهيم باك المنفصل عن حمص قد انضم إليهما، وأنه يخشى على السلطان منهم، ثم لم يصح ذلك، وإنما صح عزله، وأنه أتى إلى حمص مكث بها أياماً يضرب الطبلخاناة بها، وكأنه غير معزول.
وفي يوم السبت ثالث ربيع الآخر منها، وهو ثالث عشرين تشرين الأول، ختمت سنن أبي داود عل الشيخ سراج الدين بن الصيرفي بمحل المجاورة الحنفية، قرب مقصورة الخضر، بالجامع الأموي، وحضر شيخنا محيي الدين النعيمي، وشيخنا شمس الدين الخطيب المصري الحنفي، وفرق المسمع علينا علباً كثيرة فوق العشره، حلاوة صابونية ودراهم في قراطيس، وأعطاني منهم واحدة، وذلك في عدة أربعة وعشرين مجلساً، كعدد سماعة له مع والده، بقراءة القطب الخيضري على السند زين الدين بن الطحان كاتب الجرايد بسوق جقمق كان، بالجامع أيضاً.
وفي هذه الأيام دخل من مصر إلى دمشق الخواجا زين الدين بن النيربي على نظر الأسوار، ووكالة السلطان، ووظائف أخرى، قيل وصحبته مرسوم بمصادرة أهل دمشق، على مال كبير التزمه للمقام الشريف.
وفيها وقع الشر بين عبد الرحيم بن الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون، وبين أخيه النجمي محمد، فجاء عبد الرحيم إلى بيت القاضي الشافعي وأخبر عن أخيه بأمور قبيحة، منها أنه يركب إلى بعض المواضع وكراز الخمر مع غلامه خلفه، فلما يعطش يقول له: استقيني، فيسقيه من الكراز، ومنه أن النائب أينال الفقيه، الذي لم يمكن من الدخول إلى دمشق، أودع
(1/201)

عنده مالاً ذهباً قدره عشرة آلاف دينار؛ وقام معه عدو أخيه القاضي المالكي ابن يوسف، وولده، وأراد إثبات قوله في حق أخيه، واتصل ذلك بمسمع النائب؛ وسيأتي في شوال منها أنه ورد مرسوم شريف بأن يكتب ما تكلم به بحضرتهم، ثم يطلبا، ولا يمكن أبوهما من السفر معهما.
وفي يوم الثلاثاء ثالث عشره اجتمع النجمي محمد، والقاضي المالكي ابن يوسف، في بيت شهاب الدين المحوجب وأصلح بينهما، ثم شرع النجمي في عمل وليمة، وجاء في اليوم المذكور إلى القاضي الشافعي وترقرق له في العفو عنه، وفي أن يحضر عنده في الوليمة.
وفي بكرة يوم الأربعاء رابع عشره ركب القضاة للسلام على أركماس الواصل إلى بيته من حلب معزولاً منها؛ ثم لما قاموا من عنده أتوا إلى بيت النجمي لحضور الوليمة.
وفي ليلة الخميس خامس عشره دخل من مصر إلى دمشق حريم النائب وأمه، في أبهة حافلة.
وحينئذٍ توفي محمد الضعيف، بالتصغير، الخولي، وكان حريصاً على الخير ويذكر بالصلاة على باب المساجد، ويركب في الغنم على حمارة.
وفي يوم السبت سابع عشره كبر جماعة على مملوك أراد أن يأخذ حمل تبن من رجل تجاه خان الحصني، فذهب وشكى إلى النائب ودواداره، فرمى على الحارة مائتي دينار.
وفي هذه الأيام جعل على حرة باب المصلى مثلها، وعلى ميدان الحصى نحو ألف دينار، وعلى القراونة والشاغور مثلها، وهو من حين دخل إلى يومئذٍ لم تخل حارة من رمية أو رميتين، على أنه نهب معز بعض البلاد، فطرحت بأضعاف أثمانها؛ ولا قوة إلا بالله.
وفيه شاع بدمشق أن دوادار السلطان كان بمصر، مصرباي، الذي غضب عليه السلطان، وأشيع تغريقه، أنه لم يغرق وسجن بالإسكندرية، وقد برد قيده، والشباك الذي على البحر وهرب إلى مصر، وهو مختف بها نهاراً، ويظهر ليلاً، ويدور على أحبابه، وأن السلطان خائف منهم؛ وشاع أن السلطان صادر جماعات في أموالهم بسبب مساكنهم، وأنه أوقع ببعض نواب القاضي الشافعي ضرباً مبرحاً.
وفي يوم الاثنين تاسع عشره شكا للنائب بعض عمال بيت ابن منجك، ببعض بلادهم، على قاسم بن إبراهيم بن منجك، وهو أرشدهم الآن، والمتكلم على أوقافهم، فطلبه النائب فرئي ضعيفاً، فطلب خصمه إلى النائب إحضاره، وأكد عليه في ذلك، فأحضر، وحادثه النائب فسقط ميتاً، فأخرج إلى بيته وغسل وكفن وحمل إلى تربتهم، بمحلة جسر الفجل، فدفن عند أبيه وجده؛ وخلف أخاً اسمه أحمد، وابن أخٍ اسمه عبد القادر،
(1/202)

وهو أرشد منهما، يشتغل بالعلم، لكنه ينسب إلى البخل.
وفي هذه الأيام وصل الخبر إلى دمشق، بأن دولتباي، المنفصل عن نيابتها، المطرد في البلاد، قد أنعم عليه بنيابة طرابلس، وأن النجمي الخيضري، والرضي الغزي شكا عليهما أحمد، الجابي بسوق المارستان النوري، في مصر، وساعده شمس الدين الصفدي هناك؛ وبأن يعتقل بدر الدين بن الباسوفي بمرسوم شريف، لكونه كتب وصية لبعضهم.
وفي يوم الجمعة مستهل جمادى الأولى منها، رضي النائب على الأمير ابن القواس، وخلع عليه.
في يوم السبت ثانيه نهب جماعة النائب بلد دمر، وأخذوا موجودهم.
وفي يوم الخميس رابع عشره اجتمع أهل حارة ميدان الحصى، وأهل حارة الشاغور، بمصلى العيدين، واصطلحوا، وتحالفوا على نائب الشام وجماعته، لكثرة ظلمهم.
وفيه وقع أهل الشاغور ببعض جماعته، وأرادوا قتله فبلغه، فأخرج إليهم جماعة من المماليك، فأرادوا الوقوع بهم، فخرج إليهم قاضي المالكية ابن يوسف، وجماعة من الأعيان، فأسمعوهم القبيح وهموا بالوقوع بهم ثم وقعوا ببعض المماليك، ثم علت كلمة الزعر والعوام، وطمعوا في النائب، فأرسل إليهم نائب القلعة يخفضهم، فلم يلتفتوا إليه، وقالوا: لم نرجع عنه إلا أن يدفع إلينا الأستادار عبد العزيز، وابن الفقهاعي، وأخا جوهر نقيب المحتسب؛ وباتوا على ذلك، وكان جان بلاط أخو النائب غائبا في نهب بعض البلاد، فبلغه الخبر، فأتى ليلاً وأراد الانتقام، فبلغه علوّ كلمة الزعر والعوام، وأنهم قتلوا جماعة من المماليك، وأصبحوا يوم الجمعة وقد اجتمعوا بالعدد، ثم لم يصلّ غالبهم الجمعة، وطلبوا شر الترك، ودربوا الحارات ورجعوا على الترك، فلبسوا وخرجوا إليهم، فوقع الطعن بينهم، إلى أن جرح من الترك جماعات، وقتل كثير منهم.
ثم في يوم السبت اجتمعوا أيضاً، فتبيّن خوف النائب منهم، وظهر عجزه، فخرج أخوه جان بلاط من غربي دمشق، وأتى إلى القبيبات من طريق قينية، وظنّ خلوّها، وأنهم حاضرون الوقعة، وأنه ينهبها، فخرج إليه جماعات منها وأرادوا قبضه، فهرب، وقد زاد شرّ العوام من كثرة ما حصل عليهم من الظلم، فأرادوا الهجم على النائب وعلى أخيه، ففرّق الليل بينهم؛ فأرسل النائب إليهم جماعة، منهم نائب القلعة، والحجّاب الثلاثة، والقضاة الأربعة، وشيخ الإسلام تقي الدين، إلى مصلّى العيدين، فاجتمعوا بأكابرهم وأجابوهم إلى ما سألوا من ترك المشاهرة، والرمي على المساكين، وترك الظلم، وقتل البلاصية، فرضوا بذلك، ثم ركبوا من المصلّى، ووقع حينئذٍ بعض العوام ببعض البلاصية، فقتله وحرقه، وعلت شوكتهم.
(1/203)

وفي ليلة يوم الاثنين خامس عشريه أمر النائب نائب بعلبك ابن بيدمر، فأصبح مشنوقاً، وكان الناس فيه صنفان. - وفي هذا اليوم أمر النائب بإشهار المناداة بتقوى الله تعالى، ولا ظلم ولا عدوان، والمحتسب ومعه نحو عشرين مملوكاً خلف المنادي راكبين.
وفي يوم الأربعاء رابع جمادى الآخرة منها، بعث النائب وراء كبير زعر الشاغور، المشهور بابن الطباخ، وطايبه وعاتبه، وخلع عليه قشر جوخ، وشرط على نفسه أنه لم يبق يرمي دية مقتول على غير من لا تجب عليه، ووقع الصلح على ذلك، واطمأن الناس بعد أن كانوا تريّبوا من النائب وغدره، وتريّب هو أيضاً منهم بأن يبطشوا في أخيه جان بلاط، أو نحوه من الظلمة، وأيضاً فإنه تعطل عليهم أمور البلص، ولم يبق بلاصيّ يذهب إلى شغل لهم، فما وسعهم إلا المداراة.
وفي يوم الجمعة سادسه، بعد صلاتها، سافر أخو النائب، جان بلاط، إلى مصر، قيل مطلوباً، وقيل غير ذلك، قابله الله، فكم خرب من بلد ونهب من أموال، وما كان سبب هذه سواه، فلما رجع دوادار النائب من توديعه، أضافه زعر مصلّى العيدين به في آخر النهار المذكور.
وفي يوم الاثنين سادس عشره كتب النائب على تجّار القسي والنشاب والسيوف والسيور، أن لا يبيعوا منها شيئاً إلا للتّرك فقط، وأخذ القسامة ووضعها في جيبه، فتريّب الناس من ذلك، سيما وقد أعاد البلاصي ابن الفقهاعي على عادته، وهو أحد من كانت الفتنة بسببه، وطلب العوام من النائب قتله.
وفي يوم الثلاثاء سابع عشره أولم أهل الصالحية لدوادار النائب وليمة حافلة، حضرها غالب أهل دمشق، بحيث غلقت أسواق كثيرة، كما أولم له زعر ميدان الحصى، ثم القبيبات، ثم الشاغور، ثم باب المصلّى. - وفي يوم الأربعاء خامس عشريه نهبت قرية المزّة، بسبب كلب طلبه بعض أعوان أستاذها دوادار السلطان، فامتنع صاحب الكلب من إعطائه وتخاصما، فأمر أستاذها بطلبه، فإن امتنع فاقطعوا رأسه وأتوا به، فذهبوا وأتوا برأسه إلى الدوادار المذكور، بعد أن قتل واحد عن جماعته، فاستعان بالنائب في نهبها، فأعانه وبعث جماعة فنهبوا وفسدوا. - وفيه شاع بدمشق أن رجلاً، يقال له إسماعيل بن حيدر الصوفي، استولى على بلاد تمرلنك وغيرها، وهو ماش على البلاد، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الاثنين مستهل رجب منها، لبس النائب خلعة الشتاء خضراء بفاوى، أئته من
(1/204)

مصر. - وفي هذه الأيام شاع بدمشق عزل قاضي الحنفية بدر الدين بن الفرفور، وإعادة محبّ الدين بن القصيف. - وفي ليلة الأربعاء ثالثه جاء جماعة من عشير ابن الحنش إلى الميدان الأخضر، فتريّب أهل الحارات من غدر النائب لهم وتهيّئوا لقتاله.
وفي بكرة يوم الخميس رابعه لبس النائب خلعة أيضاً، حمراء بسمّور على العادة، جاءته على يدي أزبك النصراني، وهذه الخلعة كانت قد أخرجت له قبل تلك الخضراء، لكن تأخر النصراني بها، حتى ألبس نائب صفد خلعته، ثم أتى إلى دمشق فألبسها للنائب من قبّة يلبغا على العادة، ولم يخرج الناس للفرجة عليه على العادة، وبلغه أنهم تريبوا من العشير، وأنهم قد سمعوا أيضاً بأنه قد خرج من مصر خاصكي لطرح مال على أهل دمشق، فإن سمعوا وإلا أمر بالركوب عليهم بالعشران، فلما سمع ذلك أمر بإشهار النداء: بأنه لا ظلم ولا عدوان، والماضي لا يعاد، واطمأن الناس بذلك.
وفي بكرة يوم الاثنين ثامنه لبس محبّ الدين بن القصيف خلعة قضاء الحنفية، وقريء توقيعه بالجامع على العادة، وتاريخه رابع عشر جمادى الآخرة منها.
وفي يوم الثلاثاء تاسعه أتى النائب إلى حمّام القاضي الشافعي الجديد، وعمارته جوار المسمارية، وأضافه هناك ضيافة هائلة.
وفي هذه الأيام سقط قاضي الحنفية الآن، محبّ الدين بن القصيف، عن قبقابه فأنقلت رجله، ولم يكمل عشرين يوماً من توليته، ثم فوّض لإمام النائب الشريف شهاب الدين بن البخاري المكي الأشقر، إمام الحنفي بالحرم المكي، وقد أتى إلى دمشق صحبة النائب منها.
وفي بكرة يوم الاثنين ثاني عشريه، وهو آخر كانون الثاني، لبس النائب خلعة أخرى، جاء بها خاصكي، اسمه سيباي دوادار سكين، من مصر، وفي حال مروره بها شكا محمد الخباز، المشهور بالشاطر، على قاتل ولده محمد بالمسجد وهو جالس بجنبه معه سكين، فقبض عليه دوادار النائب في الحال، وظن الناس أن النائب يأمر بتوسيطه، فما كان إلا أنه دفعه إلى الشرع، فعلم الشاكي العجز، فصفح عن القاتل.
وفي يوم الثلاثاء ثالث عشريه قرئ المرسوم الذي أتى على يد الخاصكي المذكور، فإذا فيه رمية على أهل دمشق ظلماً، نحو مائة ألف دينار، فنفر الناس من ذلك، فلم يزالوا إلى جعلت ثالثين ألف دينار، فلم يلتفت الناس إلى ذلك، وامتنعوا عن الطاعة.
وفي صبحة الاثنين تاسع عشريه خرج ابن الفقهاعي برددار النائب، الذي ألهب الخلق
(1/205)

ظلماً، إلى الحمام، فخرج جماعة فقتلوه عدماً، وسر الناس بقتله لكثرة ظلمه، ولله الحمد.
وفي هذه الأيام كثرت مراحعة الناس للنائب فصمم على الثلاثين ألف دينار، فأخلى الناس منازلهم، وعزلت حوانيت دمشق، وغلقت الأسواق، فحط الأمر على عشرين ألف دينار على جميع دمشق، وحاراتها، وأهل الذمة.
وفي يوم الأربعاء مستهل شعبان منها، سافر قاضي المالكية شمس الدين بن يوسف، إلى دمشق.
وفيه ورد مرسوم شريف بأن يحضر الأمير أركماس، المنفصل عن نيابة حلب، ويسمع المرسوم؛ إن شاء بالقلعة، وإن شاء عن نائب الشام، فأبى إلا أن يرى المرسوم لإشارة بينه وبين السلطان، فأمر النائب بالقبض عليه، فهرب من بيته، فأرسل الحاجب الكبير ونائب القلعة ودوادار السلطان إلى بيته في صبحة يوم الخميس تاسعه، فلم يصلوا إلى بيته إلا بحريق الباب الغربي، ودخلوا بيته، فأخذوا الخيل والسلاح والأثاث؛ وذلك مع غلق الأسواق وتكالب الناس على النائب وأكثروا الدعاء عليه.
ثم في يوم السبت والأحد ثاني عشره رجع غالب الناس، أو بعضهم، إلى منازلهم وحوانيتهم على تخوف من النائب، وظنوا أنه ترك طلب المال الذي كان رماه عليهم.
وفي يوم الخميس سادس عشره ابتدئ في جبي المال المذكور، الذي رمي على الحارات.
وفي يوم السبت خامس عشريه هجم والي البر، ابن الحنبلية بجماعة النائب على بيت السيد إبراهيم، وقبضوه، فعراه النائب للضرب بالمقارع فرأى أثر ضرب مقارع، فسأله، فقال: قد علمت ما فعل معي جان بلاط، يعني السلطان الأشرف، لما كان نائب حلب، ثم دخل ولده، فأمر بأن يلبس ويضرب ابنه، فضرب بحضرته وهو ينظر والوالي يقرره على الحرامية السحيمية، ثم أخرجا من دار العدل إلى حبس الدم في الجديد بكشف الطاقية فقط، حافيين، قد أخذ قماشهما وأخذ عليهما من السجان ثلاثمائة درهم، بعد أن نهب بيته، وهتكت حريمه.
ثم في ثاني يوم طلب إلى دارالعدل، وأحضرت الحرامية، فبرأوها، وانزعج له الناس خوفاً من تجرئ النائب على غيره، وفرح جماعات من إطلاق لسانهما فيهم.
وذكروا أن الساعي في ذلك كريم الدين بن عجلان، ويظهر أنه يشفع فيه عند النائبي، ثم شفع في الكبير قاضي القضاة الشافعي، فأطلق في آخر يوم الاثنين سابع عشريه، واستمر ولده أياماً، ثم أطلق.
وفي بعد العصر بثلاث درج، يوم الجمعة ثاني رمضان منها، وهو حادي عشر آذار، نقلت الشمس إلى برج الحمل؛ وشاع بدمشق أن السلطان على قبض الأمير مصر باي الذي
(1/206)

تسرب من الإسكندرية، وأظهر جماعة لهم أنهم سلطنوه، فظهر لهم بالأزبكية وأظهر الصنجق، ولعبوا به إلى أن قبض، وقتل معه ولأجله جماعة.
وفي هذه الأيام فوض قاضي الحنفية محب الدين بن القصيف لشيخنا العلامة شمس الدين بن رمضان، شيخ القجماسية، جوار دار العدل، وما كنت أظنه يقبل، ولا قوة إلا بالله.
وفي عشية يوم الجمعة تاسع عشريه رئي الهلال بدمشق، فشهدوا به، فكبر الناس قريب ثلث الليل، فأصبح العيد، وصلى النائب بالجامع الأموي، وخلع على القاضي الشافعي خلعة بيضاء.
وفي يوم الأربعاء والخميس، السادس والسابع من شوال منها، وهو الثالث عشر والرابع عشر من نيسان، حصل برد شديد صقع منه اللوز والمشمش والتفاح والجوز والسفرجل والدراقن والخوخ والعنب، قيل والشعير وبعض القمح، وذلك عقب الظلم الذي حصل بمصادرة الناس في استخراج المال على أنفسهم وأملاكهم، ووقوف الحال.
وفي يوم الخميس المذكور اجتمع الفقهاء من المذاهب على حكم القاضي شمس الدين الخيوطي المالكي بدار العدل، بحضرة النائب، لكونه استند فيه إلى إبقاء أحفاد يهودية أسلمت على الكفر، اعتماداً على مؤلف ألفه الشهاب التلمساني وسماه الحسام في الرد على عالمي الشام، عني بدر الدين بن قاضي شهبة وزين الدين خطاب وأقرانهما، والحال أنه رد عليه ابن قاضي شهبة المذكور في ورقات سماها الانتقام، ثم نقضوا الحكم المذكور.
ولما فرغ من المجلس أعطى النائب مرسوم شريف يتضمن طلب ولدي الشيخ التقوى بن قاضي عجلون، وهما النجمي محمد والزيني عبد الرحيم، لأخذ الكلام الذي أخذ تكلم به عبد الرحيم، وبلغه قاضي المالكية ابن يوسف للسلطان، وأن يكتب بذلك محضر ويرسل صحبتهما.
وفي يوم الاثنين حادي عشره خرج النائب إلى بلاد حوران، فنزل عند قبة يلبغا وصحبته ابن جان باي أمير آل مري، واستمر بها، ومعه العسكر والعشير، إلى عشية يوم الأربعاء ثالث عشره، ثم بدا له فسافر إلى المرجة ليجلس هناك.
ثم في صبيحة يوم الخميس رابع عشره رجع ثقله إلى دمشق.
(1/207)

وفي يوم الاثنين المذكور سافر النجمي بن تقي الدين بن قاضي عجلون إلى مصر مطوباً.
وفي يوم الخميس رابع عشره دخل إلى دمشق من مصر جماعة من الخاصكية، منفيين مقبوض عليهم، وسجنوا بالقلعة، وأخبروا أن السلطان قتل جماعة ونفى آخرين.
وفي يوم السبت سادس عشره أرسل النائب من المرج سرية من عسكره نهبوا قرية جرود، بعد أن اجتاحتكهم الصقعة فأصبحوا فقراء، لا مالاً ولا أثاثاً ولا مغلاً.
وفي يوم الاثنين ثامن عشره سافر عبد الرحيم بن تقي الدين ابن قاضي عجلون إلى مصر، تابعاً لأخيه.
وفيه بلغ النائب أن جان باي كسره أعداؤه، فأرسل النائب من المرج إلى دمشق، بأن جميع العسكر يلاقيه إلى الكسوة، غداة يوم الثلاثاء تاسع عشره، وأن يعرضوا عليه هناك، وكان شاع خروج الحاج يوم الثلاثاء المذكور؛ فلما كان بعد آذان الصبح، أرعدت شديداً من جهة الغرب، ثم أرسل المطر شديداً بحيث أن الشخص قطع بأن لا عرض ولا خروج حجاج، ثم تسحب السحاب إلى جهة الشمال، وطلعت الشمس، ففرح الناس، والحمد لله، وكان يوماً عجباً، فسبحان من هذه قدرته؛ لكن النائب لم يتغير من المرج، ولم يفعل ما نادى له.
وفي يوم السبت ثالث عشريه انتقل النائب من المرج إلى أرض شقحب.
وفي يوم الثلاثاء سادس عشريه دخل من مصر إلى دمشق الأمير خير بك، حاجب ثاني، عوضاً عن برسباي المجنون، وتلقاه القضاة الثلاثة، فإن المالكي يومئذٍ بمصر، ودوادار النائب أبو قورة، وهذا الأمير كان متسلماً لنائب الشام أينال الفقيه، الذي لم يمكن من دخول دمشق، لكون الدوادار آقبردي انضم إليه، وكان هذا الرجل بعد أن تسلم دمشق له وحكم بها أياماً هرب، وهو الذي أمر بتوسيط الفاسق أحمد بن شدود صبي محمد بن الحصني، ثم رجع هذا الأمير إلى القلعة في أوائل ذي الحجة بمرسوم شريف.
وفي يوم الأحد مستهل ذي القعدة منها، جاء جناعة من الحجاج وأخبروا بأن رحل من أذرعات، وأن الخير كثير وهم داعون لأمير العرب جانباي، وأنه على الدلي، والنائب على الفوار.
وفي يوم السبت سابعه قبل الله أحد أكابر البلاصية المتجبرين، أمين الدين بن الخياطة.
وفي صبيحة الاثنين سادس عشره دخل النائب من غيبته بالبلاد القبلية.
وفي ليلة الأحد ثاني عشريه اجتمع المجرمون الأربعة: كريم الدين بن عجلان، وأخوه، وعمر الطيرة، والقباني، عند الحاجب الثاني خير بك على المعصية، فقبض النائب عليهم
(1/208)

ووسط الطيرة نصفين، ثم علق برجليه، وسبقه الآخر، وكذلك فعل بالقباني، وشنق ابني عجلان، وفرح الناس بذلك لكثرة شرهم.
وفي يوم الثلاثاء رابع عشريه، فرض النائب على غالب حارات دمشق مالاً لنفسه، بعد أن بعد أن فرغ من مال السلطان المفترض عليها.
وفي يوم الأحد تاسع عشريه دخل من حوران إلى دمشق رجل يعرف بابن رزيق، مسمرا.
وفي يوم الثلاثاء ثاني ذي الحجة منها، سافر سيباي الخاصكي، الذي جاء باستخلاص المال الذي رماه السلطان على أهل دمشق.
وفي يوم الخميس حادي عشره ذهب محمد بن خروب العديمي، أخو عامر، بجماعته، ومعهم أعلام، ومنادٍ من قبل النائب، أنه المتكلم على زاوية الرفاعية، بميدان الحصى، مسموع الكلمة فبمجرد وصوله قام عليه نساء المتوفي، وأتوا إلى المدينة، فلم يؤخذ لهم بيد، وقال الشافعي: إنما وليته نائباً عن الطفل الصغير، ولد كريم الدين بن عجلان، في حياته، ومستقلاً بعد وفاته.
وفي هذه الأيام أتى قاضي المالكية الشمس الطولقي المعزول، الذي كان بمصر، منها إلى دمشق، وأخبر أنه اصطلح مع خصمه الشمس الأندلسي، وأنه قد ولاه نائباً له، فلم يسمح له بالحكم حتى ولاه القاضي الشافعي، لكونه ولاه في غير محل ولايته، واستمر الشمس الأندلسي بمصر.
وفيها وصل الخبر من مصر بوفاة ناظر الخاص الجديد الذي ولي النوري، الصابوني، وهو المشهور بمصر والشام بالصفدي، وإنما هو ولد المرحوم القاضي جمال الدين المرداوي النابلسي، أحد محدثي طلبة الحنابلة، وكان من الدين على جانبٍ كبير، وأفتى وكان يحفظ الفروع لابن المفلح، ثم فوض له القاضي شهاب الدين بن عبادة، وقد تعلق ولده على الظلم، بعد أن كان لا يعبأ به، فتولى جابياً على بعض الأوقاف، ثم قضاء صفد، ثم ترقى إلى أن ولي نظر الخاص، ثم توفي فجأة بالوهج، في رابع ذي الحجة المذكور.
وفي نصفه يوم السبت سافر النائب، ونهب في مروره قرية يعفور، وقتل جماعة، وهي للقاضي الشافعي.
وفي عشية يوم الثلاثاء ثالث عشريه قبض دوادار النائب تمرباي القجماسي، على كبير زعر ميدان الحصى، ابن الأستاذ، ومعه ... عند باب خوخة الخاتونية، جوار جامع تنكز، وأتى بهم إلى عند باب الاصطبل، تجاه دار العدل، فوسطهم،
(1/209)

فهرع زعر الحارات إليه، وحصل بين الفريقين كر وفر، وأخلى جماعات من ميدان الحصى.
وفي هذه الأيام اشتد خوف زعر الحارات الأكابر كإسماعيل القرواني وأبي بكر ... فدربوا الحارات، خوفاً من النائب، الغائب يومئذٍ بجسر زينون، أنه إذا جاء يعمل معهم كما عمل دواداره مع ابن الاستاذ، سيما وأنه سمع أنهم قد هاشوا على دواداره بسببه.
في ليلة الأحد ثامن عشريه مات محمد الطباخ، المعروف بالجريمة، فجأة، وكان من المجرمين العتاة ... النصيري الطباخ، الذي ضربه الجان بالخلاء حين بال قائماً، ولم ينطق بعدها إلى أن مات يوم الأربعاء سابع عشري جمادى الأولى منها ... لمحمد هذا، فاستأجر محمد هذا دكان علي، وكأنه فرح بذلك، فما أهمل عشرين يوماً حتى لحقه، والله على كل شيء قدير.
وفي هذه السنة جدد بحمام الذهب الصغير إيوان غربي، حصل به سعة، وبشرقي داخله خلاء، وبيض وزخرف فازدادت محاسنه.

سنة ثمان وتسعمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين أبو الصبر يعقوب بن عبد العزيز العباسي؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري؛ ونائبه بدمشق قانصوه البرجي، وهو الآن غائب بجسر زينزن من البقاع؛ ونائب الغيبة عنه دواداره تمرباي القجماسي، المشهور بأبي قورة؛ والقضاة بها: الحنفي محب الدين القصيف، والشافعي محب الدين بن الفرفور، والمالكي شمس الدين بن يوسف الأندلسي، وهو الآن غائب بمصر، والحنبلي نجم الدين بن مفلح؛ والأمير الكبير الأتابكي يلباي الأينالي؛ وكاتب السر محب الدين الأسلمي، وهو مقيم بالقاهرة؛ والوكيل عن السلطان، وأستادار السلطان، سعد الديار الذكري، وليها عن تمرباي القجماسي؛ ونائب القلعة دولتباي اليحياوي، خال الأسياد؛ ونقيبها....
وفي يوم الأربعاء مستهل محرمها، سافر نائب قلعة دمشق، دولتباي خال الأسياد، مطلوباً إلى مصر، وصحبته التقي ابن قاضي عجلون، نجدة لولديه النجمي والزيني، اللذين رسم عليهما لأجل ما وقع منهما، بإغراء المالكي شمس الدين بن يوسف الأندلسي.
(1/210)

وفي يوم الثلاثاء حادي عشريه، وهو أول آب، بط بطن الصغير، ولد محمد الحامض، بالشاغور بسكين.
ووصل من النجمي بن الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون، كتاب إلى أبيه إلى دمشق، ولم يعلم بسفره إليه، فوقع في يد النائب، فرأى فيه الحط على غالب المصريين والشاميين، منهم النائب وأخوه الذي بمصر، والشافعي بدمشق قاضي القضاة، فأوصله إليه، فأخذه وتأمله، فرأى عجائب وغرائب.
وفي عشية يوم الأحد سادس عشريه قبض جماعة النائب على أحد زعر الشاغور، فثار الغوغاء عليهم؛ والحال أن النائب كان رجع إلى دمشق، فذهب إليهم بعض مماليكه فرموه بعدة، فحمل إلى أستاذه، فخرج جماعة من العبيد السودان والمماليك إلى قرب الشاغور، وأطلقوا النار فيما قدروا عليه، فهرب زعر الشاغور، فقصدهم جماعات من زعر الحارات، فخرج عليهم الحاجب الكبير وتبعهم بجماعة أخر إلى حارة مسجد الذبان، فهربوا منهم، فشرع المماليك الأجلاب في كسر أبواب الدور والحوانيت ونهب ما فيها، وأطلقت النار في زرب القصب، في السويقة المحروقة، ونهبت بيوت كثيرة هناك أيضاً، من حينئذٍ إلى بعد المغرب، ثم نودي للناس بالأمان، ما عدا الشاغور وما حوله، وأطفئت النار من الزرب المذكور، واستمرت توقد في شرق الشاغور وما حوله، حتى مات في بائكة خان هناك سبع جمال بالحريق، ونهب ما في السوق وغالب الشاغور.
ثم في صبيحة يوم الاثنين سابع عشريه ركب جماعة النائب وغيره، وأكملوا حريق ما لم يحترق من الشاغور، واتسع أمر النهب، ثم نودي برد ما أخذ، وهيهات، لكن عورض جماعة فيما معهم من الحوائج الظاهرة، وأخذ منهم ووضع في أماكن ليرد على أربابه، فرد البعض.
وفيه أرسل النائب وراء أبي بكر بن المبارك، وطيب قلبه، ثم رجع.
وفي يوم الأحد رابع صفر منها، ورد الخبر إلى دمشق بأن جازان، أخا بركات سلطان مكة، خادعه أمير الحاج المصري إلى أن دخل مكة، فلم ينله مراده، فرجع إلى الحاج الشامي وطلب منهم مالاً كثيراً، فلم يقدروا عليهم، فنهبهم قبل وصولهم إلى مكة؛ وأن المصري ماكث بمكة ينتظر نصر السلطان؛ وأن السلطان عين جماعات من العسكر إلى ثلاث جهات: إلى مكة، وإلى نابلس، وإلى الشام؛ فتأهبوا ونهبوا ما وجدوه من دابة بمصر وغيرها مما
(1/211)

يحتاجونه، ثم أبوا أن يسافروا إلا بالسلطان معهم، فأبى ذلك، وتوقف الحال في التجريدة إلى الشام؛ وأن الركب الشامي أزدمر قصد السلطان إعدامه، فشفع فيه.
وفي يوم الخميس تاسع عشريه دخل من مصر إلى دمشق الأمير برد بك دوادار الغوري بعد السلطنة، وقبله أتى، قيل نائباً لقلعة دمشق، لكونه من خواصه، وصحبته خلعة للنائب حمراء بسمور خاص، ودخلا مخلوعاً عليهما في موكب حافل.
وفي هذه الأيام رمى النائب على الناس مالاً، لأجل مشاة تخرج معه إلى حلب، تجريدة للبلاد، لأجل ما قيل من أمر الخارجي إسماعيل شاه الصوفي، مع وقوف الحال وقلة معاشهم من كثرة الظلم.
وفيها تزايدت همة القاضي الشافعي في السفر إلى مصر، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.
وفي يوم الخميس سابع عشريه ربيع الأول دخل من مصر إلى دمشق خاصكي، وصحبته خلعة لنائب القلعة برد بك، الذي دخل من مصر قريباً، وتلقاه الحاجب وبقية أرباب الدولة، ولم يركب النائب لكونه شرب شربة.
وقبلها في يوم الأحد ثاني عشريه احتقن.
وفي يوم الخميس هذا خرج خام القاضي الشافعي من دمشق إلى القبيبات.
وفي هذه الأيام توجه النائب للعافية، ونودي بدمشق ونودي بدمشق بالزينة لذلك؛ ولما قيل إن السلطان جاءه ولد، وسيأتي أن هذا الولد خطب له والده ابنة النائب سيباي؛ واستمرت الزينة، مع تضجر الناس لها، سبعة أيام، لمبيتهم عن حريمهم في الأسواق.
وفي يوم الجمعة ثامن عشريه قبض النائب على أزعر شريف من أهل الشاغور، فقطع رأسه.
وفي يوم الاثنين مستهل ربيع الآخر منها، خرج القاضي الشافعي بخلعة السفر إلى خان المنصور، عند القبق، خارج القبيبات، واستمر إلى ليلة الأربعاء ثالثه ثم سافر.
وفي يوم الجمعة بعد صلاتها ولد للقاضي هذا من سرية حبشية ولد، سمي محب الدين يوسف، باسم جد أبيه، وكان لقب أولاً جمال الدين، ثم غير. وفي يوم الأحد سابعه وصل من مصر إلى دمشق الأمير دولتباي اليحياوي، خال الأسياد، متولياً أمرة المسيرة، منفصلاً من نيابة القلعة، ومعه خلق من الحجاج الشاميين المتخلفين بمصر، وغيرهم.
وفي يوم الثلاثاء ثالث عشريه شاع بدمشق أن الأمير قاسم بك بن حسن بك العجمي، قتل الخارجي إسماعيل شاه الصوفي، وكتب بذلك، وأرسل إلى السلطان بمصر، ولم يصح ذلك.
وفي بكرة يوم السبت سابع عشريه دخل إلى دمشق قاصد سلطان الروم بايزيد بن
(1/212)

عثمان، وتلقاه أرباب الدولة، وزعر الحارات، ونزل بالقصر الأبلق بالميدان.
وفي يوم الجمعة رابع جمادى الأولى منها، رجع من مصر إلى دمشق الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، وصحبته ولداه اللذان تقدم ذكرهما.
وفي يوم الاثنين سابعه أتى من مصر إلى دمشق بصبي صغير، قريب التمييز، من أولاد النائب فخرج لملاقاته أخ له من أبيه بلغ التمييز، وخرج معه لذلك الحاجب الكبير، ودوادار النائب، وبقية أرباب الدولة، وكادت عمامته أن تسقط عند مصلى العيدين، فأصلحها له أخوه بعد أن وقف، ووقف عسكر أبيه بحضور الحاجب وبقية الأمراء؛ وإلى الآن لم يركب النائب، لوجع رجليه، بعد أن أدهن بالضبع الذي قلي له في الزيت، ثم أطلق النائب المحابيس، ونادي بالأمان، وترك الظلم، وأصرف جماعة من العبيد، والغريب، وغيرهم الذين كان لهم عليه جامكية للركوب معه.
وفي يوم الثلاثاء ثاني عشريه وردت مطالعات القاضي الشافعي، بأنه دخل مصر يوم الجمعة سادس عشري ربيع الآخر، وكان يوماً مشهوداً، وأنه اجتمع بالسلطان بالقلعة يوم الاثنين تاسع عشريه، وأكرمه إكراماً زائداً، وخلع عليه خلعة بيضاء بسمور طرش، بمقلب ديالي، وأنه رسم له بأن ينزل بمنزل المقر الشهابي سيدي أحمد بن العيني، بالقرب من الجامع الأزهر.
وفي بكرة يوم الخميس مستهل جمادى الآخرة منها، دخل من مصر إلى دمشق دوادار السلطان، طراباي، وانفصل من قبله منها.
وفي يوم السبت، وهو سلخ الأمرد، ومستهل رجب منها، نودي بدمشق بإتمام عمارة البوابات التي لم تتم، والاهتمام بذلك.
وفي يوم الجمعة عقب صلاتها بالجامع الأموي، سابعه، صلى الناس غائبة على الشيخ الإمام العلامة المحدث شيخ السنة، عثما، الديمي المصري الضرير، وأكثر الناس الترحم عليه.
وفيه شاع موت الكذاب على الأكابر كثيراً، علاء الدين بن الوجيه.
وفي يوم الجمعة حادي عشريه ركب النائب وزار الشيخ رسلان وغيره من الأولياء والصالحين.
وفي يوم الخميس تاسع عشر شعبان منها، وردت المراسيم الشريفة بأن يجبى على السكاكر دراهم، لأجل ضرر العرب بأرض الحجاز.
وفي بكرة يوم الاثنين ثالث عشريه دخل من مصر إلى دمشق قاصد سلطان الروم، وتلقاه النائب إلى تربة تنم، وبقية أرباب الدولة معه،
(1/213)

ودخل دخولاً حافلاً على يسار النائب، بخلعة بطراز ذهب، والنائب لابس خلعة حمراء بسمور خاص.
وفي ليلة الأربعاء خامس عشريه أرسل النائب دواداره، أباقورة، لمراجعة السلطان في المال المطلوب من السكاكر، لأجل ضرر العرب بأرض الحجاز.
وفي يوم الاثنين النصف من رمضان منها، خرج من دمشق أمير ميسرة، المشهور بخال الأسياد، دولتباي اليحياوي، ومعه جماعة ابن عمته نائب الشام، قانصوه البرجي، بأمره، وأن يأخذوا معهم ابن القواس بجماعته إلى أوائل الغور، ليأتي بأغنام وخيل طائفة العرب بني صخر، فذهبوا بعد أن سخروا دواب الناس، فنهبوا بني صخر وأخذوا شيئاً كثيراً؛ ثم أرادوا الذهاب إلى طائفة أخرى منهم بأرض أربد، ولم يرجعوا من الطريق التي أتوا منها، فانقلب عليهم المنهزمون بالنشاب، فأصيب جماعات كثيرة، وهرب الأتباع، وأصيب دولتباي المذكور، وذلك مع وجع النائب وشغل باله، من جهة مراجعة السلطان في أمر التجريدة إلى مكة.
وفي يوم الأحد حادي عشريه أدخل دولتباي، ابن أخي أم النائب، الذي تعدى على مال بني صخر وقتلوه، مصبرا في سحلية، قد أنتن، ودفن، من غير غسل ولا صلاة عليه، في تربة اليحاوي خارج باب الجابية، شمالي جامع حسان.
وفيه اشتهر أن الأمير أبو قورة أرسل من مصر قاصده، بأن السلطان رسم بأن تخرج من دمشق تجريدة إلى مكة من أموال النائب والأمراء، لا من مال الناس، فشرع بعض المباشرين يرسل وراء من ذكر له أن عنده بعض غنى ليقترض منه، فانحفل جماعات من المتسترين عن أهلهم.
وفي يوم الجمعة سادس عشريه وصل إلى دمشق الأمير أبو قورة المذكور.
وفي يوم السبت سابع عشريه قبض النائب على الظالم الغاشم جانبك خازنداره، ثم أطلقه يوم الاثنين.
وفي هذه الأيام اشتهر بدمشق أن بقرية قطنا عين ماء تبرئ من العاهات، فهرع الناس من الغوغاء إلى السفر إليها، رجالاً ونساءً، يغتسلون في مائها البارد، عراة وغير ذلك، وحصل بذلك لجماعات كثيرة منهم ضرر كثير، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم السبت خامس عشرين شوال منها، برز خام النائب إلى خارج دمشق، للسفر إلى عرب الحجاز.
وفيه فرغ الحمام، الذي شرع قاضي الحنفية يومئذ، محب الدين بن القصيف، في بنائه.
وفي عشية يوم الأحد سادس عشريه توفي الأمير نائب القلعة برد بك، وظن غالب الناس بدمشق أنه مسقي، فلما حضر النائب ثاني يوم بالجامع الأموي للصلاة
(1/214)

عليه، أرسل بعض الأطباء للكشف عليه، أمسقي هو أم لا؟ مع شاهدين، فأخبر الأطباء أنه غير مسقي، فكتب ذلك، وأرسل يخبر المقام الشريف؛ ثم صلي عليه بالجامع، ودفن بتربة النائب، جوار الشيخ رسلان.
وفيه رجع الشيخ تقي الدين بن عجلون، من عجلون إلى دمشق.
وفي يوم الأحد عاشر ذي القعدة، حضر الشيخ التقي، المذكور، بالشامية الكبيرة، بعد أن كان أعلم بالحضور يوم الأربعاء سادسه، ولما حضر جاء خبر ابنته، أنها توفيت.
وفي بكرة يوم االخميس رابع عشره خرج النائب فمن دونه من الأمراء بالعدة الكاملة، وقد فرح الناس بذلك عسى الله أن يلهمه التوبة وأقام بقبة يلبغا إلى الخميس الآتي، وقد أفسدوا زروعاً كثيرةً.
وفي هذه الأيام تواترت الأخبار بأن الدودار الكبير أزدمر خرج من مصر، وأنه وصل إلى الرملة، وأن غالب الأمراء وزعها السلطان، ليصفى له وقته ويأمن روعه.
وفي يوم الأحد ثالث ذي الحجة منها، وصل قانصوه اليحياوي، الذي كان حاجباً بدمشق، ثم نائباً بصفد، وقد فوض إليه نيابة حماة، وصحبته جماعة، منهم شيخنا القاضي بهاء الدين بن الباعوني، والعلامة أبو الفتح بن أبي الفتح المصري المؤقت؛ وشيخنا القاضي بهاء الدين بن محفة، موجوعاً بالحب الفارسي، الذي خرج بعد هذه الأزمان بغالب الناس، وقد حصل له قهر بسبب أخذ السلطان منه نظر المدرسة العادلية الصغرى، لأخذ بعض وقفها، وهو بلد برقوم بلاد حلب؛ وابن أبي الفتح في محارة، ومعه آلاته الكثيرة؛ ومنه بهاء الدين بن سالم، وابن شهلا، وناصر الدين أستادار القاضي الشافعي، والكوكاجي الحنبلي.
وفي هذه الأيام رجع ثقل أمراء الذين سافروا مع النائب.
وفي بكرة يوم السبت سادس عشره دقت البشائر بدمشق وشاع أن الدوادار بمصر أزدمر وصل إلى بيسان، وأن النائب اجتمع به وخلع عليه.
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشره، وهوأول فصل الصيف، حصل اختلاف شديد....

سنة تسع وتسعمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين أبو الصبر يعقوب بن عبد العزيز العباسي؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري؛ ونائبه بدمشق قانصوه البرجي
(1/215)

المحمدي، وهو غائب عند الدوادار الكبير أزدمر بالغور؛ ونائب الغيبة عنه بها دواداره جانبك؛ والقضاة بها: الحنفي محب الدين بن القصيف، والشافعي شهاب الدين بن الفرفور، وهو مقيم بمصر، والمالكي شمس الدين بن يوسف الأندلسي، وهو مقيم بمصر أيضاً، ونائب عنه بدمشق غريمه شمس الدين الطولقي، والحنبلي نجم الدين بن مفلح، والأمير الكبير أتابك برد بك؛ ودوادار السلطان طراباي.
وفي يوم الاثنين ثاني المحرم منها، دخل النائب إلى دمشق راجعاً من سفرته، وهو لابس خلعته التي خلعها عليه الدوادار ببيسان كما تقدم؛ ولم يلاقه الحاجب الكبير ولا دوادار السلطان بدمشق، بل تمارضا؛ وكان قبل دخوله بيوم نودي بدمشق بالزينة، بعد دق البشائر أياماً، ثم بعد دخوله نودي بزيادة الحرص على دوام الزينة، ثم روجع النائب فيها، فرفعت.
وفيه توفي الأمير أبو طبر جوار حمام الراهب، جوار جامع التوبة.
وفي يوم عاشوراء ورد من مصر إلى دمشق مبشر، له عن مصر ثمانية أيام، بأن الأمير الكبير قيت الرجبي قبض على سلطان مكة بركات، وأتى به إلى مصر في الحديد، وصحبته الأمير سبع كبير الينبع؛ ونودي بدمشق بالبشارة، ودقت البشائر، ونودي بالزينة وفرح الناس.
وفيه توفيت زوجة القاضي نجم الدين بن مفلح الحنبلي، أم أولاده الخمسة، فحضرها النائب فمن دونه.
وفي يوم الجمعة ثالث عشره قبض النائب على جماعة من أمراء دمشق، منهم طراباي دوادار السلطان، وبرد بك أتابك دمشق، لكونهم خرجوا معه، ثم رجعوا.
وفي هذه الأيام سقط صبي صغير في جرف قناة الخواجا الموحوم ابن كامل، بمحلة السوايلة، ووضع على تلك المحلة وما جاورها نحو مائتي دينار.
وفي عشية الخميس تاسع عشره نودي عن النائب بدمشق بأن الخبز الخاص الرطل بدرهمين إلا ربعاً، وما دونه بذرة بدرهم وربع، وما دونه بدرهم، ثم أصبح الخبازون على عادة بيعهم، ولم يلتفتوا إلى المناداة، والحال أن الغرارة القمح بنحو المائتين، وبرطلوا المحتسب فسكت عنهم، ولا قوة إلا بالله.
وفي هذه الأيام عزل النائب دواداره جانبك الفرنجي، وولي فيها المحتسب، ونودي بدمشق أن الزعارة بطالة، وأن أحداً لا يحمل سلاحاً، ويلف قرعانياً، ولا يقلب ثيابه على كتفه فلم يلتفتوا لذلك.
وفي ليلة الجمعة سابع عشره خنق بن السورين، قرب باب الجابية،
(1/216)

الشاب الملتحي محمد بن القاضي الشمسي بن الوعظ، الشهير بابن الشويحة بمخزن عصيانه، وكذلك كانت وفاة أبيه مهولة، نسأل الله السلامة في الدارين.
وفي بكرة يوم الاثنين سلخه لبس النائب خلعة حمراء بسمور، جاءته من مصر، وأتى بزعر الحارات ليمشوا بالسلاح قدامه، وقد نادى قريباً بأن أحداً لا يتعانى الزعارة ولا يحمل سلاحاً، ولا قوة إلا بالله؛ وصحبة هذه الخلعة جاءت خلعة لقاضي الحنفية بدر الدين بن أخي القاضي الشافعي، مع عبد القادر بن الشبق.
وفي يوم الثلاثاء ثامن صفر خرج النائب من دمشق بغتة بغلس بالعدة الكاملة، ونودي بعده بدمشق بأن يلحقه كل من ياكل من إقطاع السلطان، وخرج إلى جهة القبلة.
ويومئذ وصل من مصر إلى قبة يلبغا جماعة من الخاصكية، صحبة الأمير أزبك الخازندار، مارين في الرسلية إلى ملك الروم ابن عثمان؛ ثم رجع النائب.
وفي بكرة يوم الأربعاء تاسعه دخل إلى دمشق الأمير أزبك المذكور، والخاصكية معه، وعدتهم عشرة؛ وصحبته خلق من التجار المصريين، وغيرهم، ومعهم بضائع كثيرة، ولم يكلفهم أي شيء من الغرائم، ومعه أربعة رؤوس من الخيل الحاص، صحبتهم أحمال زرع البرسيم لعلفهم، لابن عثمان.
وفي يوم الخميس عاشره دخل من مصر إلى دمشق ولد النائب، مخلوعاً عليه أمرة الأربعين، وصحبته خلعة بطراز مذهب لوالده، فلبسها، ودخلا مخلوعاً عليهما دخولاً حافلاً، ولما استقرا بدار العدل، ألبس القاضي الحنفي بدر الدين بن أخي القاضي الفرفوري، خلعته التي جاءت من مصر، وانفصل المحبي من القصيف، وقرئ توقيعه بالجامع على العادة، وتاريخه عاشر محرم الماضي.
وفي هذه الأيام اتصل شيخنا القاضي محيي الدين النعيمي محضر قديم، بأن القبة والمصنع المعروفين بإنشاء السيفي طقز دمر الناصري، كافل المملكة الشامية، والمقر المحتفر في الجبل، داخلين في الحدود المعروفة بالسبع قاعات بسطح المزة؛ ورأيت في التاريخ أنه تولى دمشق بعد علاء الدين أيدغمش الناصري، نقلاً من حلب، ودخلها في نصف رجب سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، ثم جهزه الملك الكامل إلى مصر، وتولى بعده يلبغا اليحياوي، نقلاً من حلب أيضاً، ودخل دمشق بكرة يوم السبت ثاني عشر جمادى الأولى سنة ست وأربعين وسبعمائة.
(1/217)

وفي هذه الأيام وضع النائب دواداره جانبك الفرنجي في الحديد، وأرسله إلى قلعة بانياس، بعد أن أخذ ماله الكثير المودع عند الرجل المغربي في حال اختفائه، فلما ظهر خاف المغربي منه، فمات خوفاً، فما أمهل حتى لحق به موتاً.
وفي يوم السبت ثالث ربيع الأول منها، توفي الدوادار الثاني للنائب وكان عنده عدة من مجرمي الوعر؛ وهكذا قبله بأيام توفي صدقة السامري، وكان عنده أيضاُ عدة من مجرمي الزعر؛ وكا منهما أراد أن يتولى مكان جانبك الفرنجي، فأراح الله البلاد والعباد منهما.
وفي يوم الأحد رابعه حضر الدرس بالشامية البرانية حضور إعلام.
وفي هذه الأيام سافر النائب وجماعته وأقام على عذرا وضمير وحرستا ومنين.
وفي يوم الثلاثاء حادي عشريه رجع النائب من منين إلى دمشق، وقد نقه ولده من مرض عرض له.
وفي يوم الخميس ثالث عشريه أمر النائب بجمع الفقراء والقراء ليقرأوا القرآن وصحيح البخاري، تحت قبة النسر بالجامع الأموي، وحضر هناك، وعن يمينه الشيخ تقي الدين قاضي عجلون، وعن يساره قاضي الحنفية البدري الفرفوري، وتحته قاضي الحنابلة نجم الدين بن مفلح، ولم يحضر أحد من نواب الشافعي، ثم مد لهم بصحن الجامع مدة هائلة نحو ألفي صحن أخذت من القاشانيين ظلماً.
وفي هذه الأيام توجه بعض حفاري مقبرة الباب الصغير للأمير نائب القلعة، في حفر مقابر جماعات لصيق القلندرية، ونقل عظامهم وجعلها بتربة له.
وفي يوم الأحد رابع عشرين ربيع الآخر دعا المدرس بالشامية البرانية.
وفيه مات أحد المجرمين الأقدمين من زعر دمشق بباب الجابية، المشهور بالغزال، ولله الحمد.
وفي هذه الأيام ذهب رجل بعشائه إلى بيته، فأغمي عليه، فأسند ظهره إلى جدار وجلس، فخرجت روحه فجاة، فحمل إلى بيته فشرع ولده في تجهيزه، فدخل إلى بيت ليأتي له بطبيب فمات فجأة، فأخرجا للصلاة عليهما معاً، وهو اتفاق غريب.
وفيها توفي الأستاذ إبراهيم بن صلاح القواس بمحلة ميدان الحصى فجأة، وكان أخوه قد توفي قبله من سنين، فجأة أيضاً.
وفيها مر جماعة بالبرية فخرج عليهم العرب فقال بعضهم لبعض: اجعلو أحدنا كالميت، وغطوه بشيء، فإذا وصولوا إلينا نقول هذا ميت ونحن نريد غسله وتكفينه ودفنه؛ فلما وصل العرب إليهم قالوا ذلك لهم، فهربوا وتركوهم تفاؤلاً، فلما أبعدوا وجدوا عنه رفقته فوجدوه ميتاً حقيقية، وهو أمر عجيب.
وفيها حسن بعض المجرمين للأمير يخشباي بأن يعمر
(1/218)

التربة التي شمالي جامع جراح، لصيق تربة يزيد بن معاوية، التي بها قبر الإمام الخرقي، صاحب المختصر المشهور عند الحنابلة، وأن يجعلها لتربة له ولجماعته.
وفي ليلة الأربعاء رابع جمادى الأولى منها، توفي الطفل الكيس، المرافق سيدي منصور بن النائب، مطعوناً، وكان يوم الجمعة أتى صحبته والده إلى الجامع الأموي وصليا بالشباك الكمالي، وقد استحلاه الناس وحسن في أعينهم؛ وأخرج به من العمارة بالاصطبل، وصلى عليه بباب دار السعادة، ولم يدخلوا به إلى دار السور، لأنه فأل على السلطان، وذهبوا على باب الجابية، على الشاغور، إلى تربة النائب، قرب الشيخ رسلان؛ وفد خطف على جميع ما على رؤوس الحمالين من الخبز والزبيب والملح من عند باب الحابية، وحزن الناس عليه؛ فلما رجع النائب من جنازته نادى بإبطال المحرمات، على باب البريد، وأطراف الطرق، وكانت الأسواق مغلقة لأجل موت الولد المذكور، وحمده الناس على ذلك.
وفي هذه الأيام تواترت الأخبار بأن أزدمر دوادار السلطان، الذي وصل من مصر إلى مدينة أربد، وأقام خارج مصر مدة، قد دخل إلى مصر دخولاً حافلاً، وخلع عليه.
وفي عقب صلاة الجمعة ثالث عشره صلى الناس بالجامع الأموي غائبة على الشيخ العالم الزاهد شهاب لدين بن إمام الكاملية، توفي بالقدس؛ ثم صلي بعده على حاضرة خارج المقصورة.
وفي ليلة الأحد خامس عشره وقع الحريق في سوق الفراء الخشنة، واتصل إلى سوق الخلعيين، اللذين جددا بباب الحديد، أحد أبواب القلعة، ونهب ما سلم من الحريق، وذهب مال كثير وأثاث.
وفي يوم الأحد مستهل جمادى الآخرة منها، أدخل مسمراً إلى دمشق، سليمان بن حافظ، العاق الذي الذي قتل الأمير دولتباي، خال أسياد، المتقدم ذكره في الماضية، ثم سلخ وحشي تبناً وطيف به.
وفي هذه الأيام اشتهر بأن النائب أمر بالمناداة بدمشق، بأن يتهيأ الناس لأمر الحج، وأن المائب هو الذي يسفرهم بنفسه.
وفيها تزايد الطاعون.
وفيها كثر المطر والبرد، واستمر إلى ليلة السبت حادي عشريه، ثم جاءت زيادات كثيرة حتى غرق طواحين كثيرة، وذهب ما فيها، وكذلك حوانيت كثيرة، من تحت القلعة إلى قرب
(1/219)

دار الفراديس، وفاضت عين دار البطيخ، وخربت بيوت وطباق كثيرة، وفقد الخبز وغلا لقلة الطحن، والجملة فلم ير في هذه الأيام مثلها قط.
وفيها ورد الخبر من مصر إلى دمشق بأن القاضي الشافعي عزل تقي الدين بن زهير، الشهير بابن قاضي زرع، عن نيابة القضاء لأمر أوجب ذلك عنده.
وفي يوم الثلاثاء مستهل رجب منها، حصل بين السيد إبراهيم نقيب الأشراف، وبين شهاب الدين الرملي، قلقلة، فشكا عليه إلى النائب، فغضب عليه وأسمعه كلاماً غليظاَ، لما رأى من تحبره، ووضع في الترسيم إلى أن شفع فيه قاضي الحنابلة نجم الدين بن مفلح، ومفتي دار العدل كمال الدين بن حمزة.
واستمر المطر من هذا اليوم إلى ثاني عشره، حتى تهدمت بيوت كثيرة، وانقطعت الأسباب.
وفي يوم الخميس سادس عشره دخل من مصر إلى دمشق عدة خاصكية، صحبة أحدهم خلعة الشتاء للنائب، فلبسها من المصطبة، التي مقابل مسجد القدم.
وفي أواخر هذا الشهر أخبر شخص أن ريحاً أتت بقرية سخنين، فقلعت زيتوناً كثياً نحو ألفين أصل، واقتلعت فارساً من سرج فرسه، ورمت به إلى الأرض، فتعلق بأصل شجرة مقطوعة، ورمت رفيقاَ له ماشياً فمات، وأنها أخذت الكلب معهما وطارت بذلك كله في السماء، قيل حتى ألقته في بحيرة طبرية، وأن جماعة رأوا ذلك.
وفي ليلة يوم الخميس مستهل شعبان منها، هرب جماعة أمراء من حبس القلعة بحبال دليت، فلما تعالى النهار دل عليهم، فأتي بهم.
وفي هذه الأيام صودر البرددار ابن الأقفالي، ونائبه البعني، وغيرهما من جماعة النائب.
في صبحة يوم الخميس ثاني عشريه دخل من مصر إلى دشمق الخواجا زين الدين بن النيربي، مخلوعاًَ عليه بأمرة الحاج؛ وصحبته مشد النائب، وعلى يديه خلعة للنائب بنفسجية بمقلب سمور، فدخل الثلاثة بخلعهم إلى دمشق على العادة.
وفي يوم السبت مستهل رمضان منها، أدير لمحمل على العادة القديمة، خارج سور دمشق.
وفي يوم الأربعاء ثاني عشريه فجع شيخنا محيي الدين النعيمي بولده بدر الدين، وميلاده رابع صفر سنة خمس وتسعمائة؛ وفي يوم الجمعة ثامن عشريه بابنته حليمة، وكان عمرها أربع سنين.
وفي يوم الخميس رابع شوال منها، أدير المحمل بدمشق مرة ثانية.
وفي يوم السبت
(1/220)

عشريه نودي بدمشق بالحجوبية الكبرى لقانصوه الجمل المصري.
وفي يوم الاثنين ثاني عشريه خرج وفد الله من دمشق، وأميرهم الخواجا زين الدين بن النيبري.
وفي هذه الأيام وردت الأخبار من مصر بعزل القاضي شمس الدين الطولقي المالكي، ومنعه من الحكم والشهادة؛ وأن خصمه في القضاء شمس الدين بن يوسف الأندلسي لم يعلم أين هو، واشتهر بدمشق أنه غرق، وبعضهم يقول خنق، وقد مر أن الطولقي هذا إنما أذن له القاضي الشافعي في الحكم بدمشق، وأما نائب المالكي شمس الدين بن الخيوطي فإنما كان أذن له الحنبلي، وهو مستمر في الحكم، والقاضي الحنبلي شاع بدمشق عزله ببهاء الدين بن قدامة، واستمر ممتنعا إلى الآن.
وفي هذه الأيام غضب النائب على سراج اليدن بن الصيرفي فتراضاه، ثم منع شمس الدين ابن الخيوطي، فالمذهبان الحنبلي والمالكي شاغران، والشافعي غائب بمصر، وعوضه سراج الدين المذكور، والحنفي سيتعين في بيع الأوقاف بعز الدين بن حمدان، وبتاج الدين محمد بن القصيف، ولأجل ذلك فوض إليهما بخلاف عمي جمال الدين بن طولون.
وفي يوم الثلاثاء أول ذي القعدة منها، عرض على السلطان ولي الدين بن قاضي القضاة المنهاج وغيره، وخلع عليه.
وفي بكرة يوم الأربعاء ثانيه سافر النائب بعسكر دمشق، وصحبتهم جميع آلة الحرب والحصار، وحطوا بالمرج، ثم بعد يوميات سافر إلى أرض البقاع، ولم يبق بدمشق غير دوادار النائب.
وفي هذه الأيام ولي النائب جماعات في كثير من بلدان ناصر الدين بن الحنش، بعد أن حرق بيته في قرية مشغرا، وهرب من النائب ولم يلقه، وبسبب ذلك خربت بلدان كثيرة.
وفي يوم الجمعة، يوم العيد، عاشر ذي الحجة منها، اتفق جماعة من أهل المزة على أحد عرفائها، يوسف بن الداراني، فأوقعوا فيه ضرباً بالسكاكين في بعض البساتين، ثم سحب على وجهه ورمي قرب مزار قصيبان، الذي يفتل عليه الصوف، قبلي المزة؛ ورمي بسببه على أهلها مال.
وفي ليلة الجمعة سابع عشره دخل ملك الأمراء إلى دمشق، راجعاً من البقاع، وإخراج ناصر الدين بن الحنش منها.
وفي يوم الاثنين عشرينه جاء الخبر أن الزيني عبد القادر ابن شيخ الإسلام بدر الدين بن قاضي شهبة، خرج عليه جماعة بين المنينة وسيدي شعيب عليه السلام، وقتلوه وأخذوا ما معه، ودفن عند سيدي شعيب.
(1/221)

وفي يوم الثلاثاء حادي عشريه ثبت على شيخنا المحيوي النعيمي تقرير السراج بن الصيرفي، لشهاب الدين بن السويدي، في نظر وقف الحافظ بن عساكر، عن الزيني المقتول، لكونه مزوجاً بامرأة من ذرية الواقف المذكور.
وفيه ثبت عليه نزول الرضي عبد الرحمن بن محمد، للسراج بن الصيرفي المذكور، عن قراءة صحيح البخاري، وقف الحاج علي بن فطيس، الكائن داخل باب الجابية.
وفي هذه الأيام نودي بدمشق على أعلام الناس بالسفر إلى تلقي الحاج، الذي أشيع عنه بدمشق أخبار مختلفة، ورمي على الحارات مال لأجل مشاة، والناس في قلق، ووقوف حال، من كثرة الخوف في غالب الطرقات، وكثرة الظلم، ومن ارتفاع سعر القمح وغلو الخبز.
وفيها ورد المرسوم السلطاني إلى دمشق بعزل الأمير قايتباي، الذي ولي أمير ميسرة، لتحريه على الأمير طراباي دوادار السلطان بدمشق، وكان قايتباي المذكور أحد المنفيين من مصر.

سنة عشر وتسعمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين أبو الصبر يعقوب بن عبد العزيز العباسي؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الأشرف قانصوه الغوري؛ ونائبه بدمشق قانصوه البرجي المحمدي، وقد كان عين لنيابتها سودون العجمي ولم يتم ذلك؛ والقضاة بها: الحنفي البدري الفرفوري، والشافعي عمه شهاب الدين بن الفرفور، والمالكي كان الشمس بن يوسف الأندلسي، وهو مفقود بالديار المصرية، والحنبلي نجم الدين بن مفلح، انفصل بالقاضي بهاء الدين بن قدامة، وهو بتربة تنم بميدان الحصى، بعد توعك حصل له في سفره؛ والحاجب الكبير قانصوه الجمل؛ والحاجب الثاني ... وكاتب السر محب الدين الأسلمي.
وفي بكرة يوم الاثنين رابع المحرم منها، خرج النائب إلى الموكب، وتلقى قاضي الحنابلة الجديد بهاء الدين بن عز الدين قدامة، ثم دخل معه إلى الاصطبل، ونزل، وقرئت مطالعاته، ثم لبس خلعته وركب إلى الجامع وقرئ توقيعه، وتاريخه في مستهل جمادى الأولى من الماضية.
وفيه شغر غالب وظائف الحنابلة، وعزل من فيها، وقد حصل له وهم وخور من حين دخل الاصطبل، فلم يستطع الخروج من الجامع، ودخل بيت الخطابة وهو ضعيف؛ ثم دخل عليه جماعات منهم الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون.
ثم فوض لشيخ الحنابلة يومئذ شهاب الدين العسكري، بعد بعض تمنع من العسكري،
(1/222)

وأن يعمل بعرض وبغيره، فأجابه إلى ذلك؛ ثم فوض لابن أخيه كمال الدين بعد تمنع منه، ثم دخل عليه فولاه، وهو شاب عار من العلم، ثم ذهب قاضي القضاة المذكور من الجامع إلى الصالحية، وهو ضعيف، وسكن ببيت علاء الدين المرداوي قرب بيت ابن أخيه، والمدرسة العمرية.
وفي يوم الخميس سابعه فوض الحنبلي الجديد للشيخ برهان الدين بن قاضي القضاة نظام الدين بن مفلح، وهو من أهل العلم في مذهبه، أذن له العسكري المذكور بالإفتاء، لكن علم بعلامة تدل على قلة بضاعته في العلم، حيث كتب: الحمد لله الذي ببرهانه أفلح.
وفي عقب صلاة الجمعة ثامنه نودي على سدة الأموي في الصلاة غائبة على العلامة شهاب الدين أحمد الشهير بشقير المغربي المالكي النحوي، توفي بالقاهرة من نحو شهر.
وفي بكرة يوم السبت تاسوعاء خرج من دمشق كافلها قانصوه المحمدي، بعسكر دمشق، بالعدة الكاملة والسلاح اللبوس، إلى تلقي الوفد، من أجل الخوف عليهم من العرب، ولم ير قدامه من القضاة غير قاضي الحنفية البدري الفرفوري.
وفي يوم الأربعاء ثالث عشره اتقع مشائخ البقاع، وقتل منهم خلق كثير، وقتل الأمير جانبك الفرنجي الأصل، الذي كان دواداراً للنائب، قتله المقدم ناصر الدين بن الحنش.
وفي يوم الأحد سابع عشره، وهو سلخ حزيران، توفي الخاصكي، الذي أتى قريباً لأجل مصادرة الأوقاف، بعد أن أخذ غالبها، ثم شرع نائب القلعة في استخراج الباقي.
وفي يوم الثانين ثاني صفر الخير منها، وصلت كتب الحاج إلى دمشق، وأخبروا بأن الوقفة كانت الجمعة؛ وأن سلطان مكة بركات منع أولاً الوفد المصري من وقوف عرفة، ثم سمح لهم بشرط ألا يمكثوا في مكة إلا إلى اليوم الثالث، وأنه كان معه عرب كثير، فاشتروا مقايضة من تجار الوقد شيئاً كثيراً.
وفي يوم الأحد ثامنه دخل إلى دمشق المحمل، والنائب، وعن يمينه أمير الوفد، وعن يساره الحاجب الكبير؛ وأخبر الحاجب أن نائب القدس كانت له بيضاء في تلقي الوفد، ووصل عسكره وعسكر النائب إلى قريب معان، وحصل للوفد بذلك فرح عظيم، وأن النائب أقام بالحسا إلى أن وصل إليه الوفد.
(1/223)

وفي هذه الأيام ضرب المحب الأسلمي كاتب السر، ويوسف ناظر الجوالي، ضربهما خاصكي جاء من مصر، اسمه تمراز الجوشن، على مال للسلطان، وهما محبوسان بالقلعة.
وفي يوم الثلاثاء سابع عشره أتى من مصر خلعة للنائب حمراء بسمور خاص، فلبسها ودخل بها على العادة، ثم أحس بألم في بدنه، فتفي ليلة اليوم العاشر من لبسها.
وفي يوم الأربعاء ثامن عشره توفي الحنبلي ابن عم ابن ظهيرة المكي، ببيت خطابة الجامع الأموي، أتى صحبته جماعة من علماء المدينة، النبوية ليعرض محفوظاته على الحنابلة، وغيرهم.
وفيه توفي رجلان مجرمان فاسقان: يوسف ناظر الجوالي، وأحد الدونة ابن سنتمر.
وفي هذه الأيام هم النائب بالتجريدة إلى ناصر الدين بن الحنش، الذي قتل جانبك الفرنجي دوادار النائب؛ ثم أحس النائب بتأثير السقم، فبعث مملوكه دواداره، وخرج صحبته الحاجب، وخرج معهما مشاة من كل حارة، كل واحد معلومة خمسون درهماً، وسافروا ليلة الاثنين ثالث عشريه، ثم أخذ النائب في الضعف، فحق ومنع الناس من الدخول إليه.
وفي هذه الأيام فوض قاضي الحنفية لعلاء الدين بن المحب بن القصيف، بعد أن نزل له عن نظر القصاعين وتدريسها، اللذين تلقاهما عن أبيه قاضي القضاة المحب.
وفي أواخر ليلة الخميس سادس عشريه، وهو ثامن آب، توفي النائب وهو في عشره الخمسين، فأصبح الناس وقل الترحم عليه، لإظهاره الديانة لهم، وإغراء حاشيته على أخذ أموالهم، ولا قوة إلا بالله.
وفي بكرة اليوم المذكور جهز وصلى عليه، وخرج ابنه ووالدته في جنازته، ودفن قبر الشيخ رسلان في تربته.
وفي يوم الجمعة سابع عشريه رجع الحاجب الكبير، ودوادار النائب، والمشاة، ونودي للحاجب بنيابة الغيبة.
وفي يوم السبت ثامن عشريه توفي الخاصكي تمراز الجوشن، الذي عذب ناظر الجوالي يوسف، وكاتب السر الأسلمي، بعد أن كاتب إلى مصر يسأل أن يستقر حواطاً على تركة النائب، فلم يمهل بعدها مدة يومين.
وفيه قتل العواني بمحلة ميدان الحصى،
(1/224)

محمد شاه بن قاسم الحلاق، واشتهر ببيت السنجاري.
وفي هذه الأيام خلع نائب الغيبة على جماعة من مشائخ الحارات.
وفي ليلة الأربعاء، بعد عشائها، ثالث ربيع الأول منها، أتى جماعة من الغوغاء إلى زاوية الخوارزمية، تحت كهف جبريل بالجبل، فأخذ اثنان منهم في طعن شيخنا محمد العجمي، الشهير بالطواقي، بالسكاكين في مواضع كثيرة، ثم ذبح، فقامت الأصوات، فذهبوا عنه خوفاً، فضمته زوجته وابنتاه إلى جانب من الزاوية، وذهبوا عنه إلى أقرب بيت إلى الزاوية، فعاد الغوغاء إليه فأخذوا رأسه، قيل وقلبه أيضاً، ورموا جثته بالبئر بالزاوية؛ فلما طلع النهار جاء الناس إليه، فلم يجدوه، ثم رأوه بالبئر فأخرج وغسل وكفن ودفن بالزاوية.
فكثر الأمر والكلام فيه، فنودي من قبل دوادار السلطان، بالأمان، وأن لا يتكلم أحد فيما لا يعنيه، فغلب على ظن الناس أن قتله كان بإشارة الدوادار المذكور، فإن المقتول كان النائب يكرهه، وكان يتكلم في المظلومين وينصرهم، ويراجع الدوادار وغيره، فلما مات النائب طمع فيه وسلط عليه هذه الغوغاء من الزعر، وخرج الحشدية إلى موجوده من مؤن بيته، فأخذوه وتركوا زوجته وابنتيه؛ وقرر السراج بن الصيرفي نائب الشافعي في نظر الزوية لابن البقاعي، ووقفها حمام العين، شرقي الشامية البرانية.
وفي يوم الخميس رابعه كان عيد الجوزة.
وفي مات الظالم السمسار الشهير بأخي جوهر، تنقب للمحتسب، وتعاون للظلمة مراراً.
وفي يوم السبت سادسه سافر قاضي الحنابلة المنفصل نجم الدين بن مفلح.
وفي عشية الخميس حادي عشره ذهب أكبر أعوان الظلمة، محد بن الأقفالي، إلى ميدان الحصى، ليسعى في ترتيب مال على أهل المحلة، لكونهم قتلوا أحد العوانية، محمد شاه بن قاسم الحلاق المتقدم، فلما رجع وصار قرب المزار المشهور بصهيب الرومي، خرج عليه وعلى من معه جماعة، فضربوه بالسكاكين ثم السيف فأعدموه، ومشاة أخر ممن معه، ثم سحب إلى قرب باب المصلى، ثم حمل في نعش إلى قرب نصف المصلى فانخرق النعش به، فسقط، ثم سحب وأدخل به من أحد أبواب المصلى إلى أن وضع بنهير قليط
(1/225)

شرقي المصلى، ثم سحب ووضع بين المقابر بعد العشاء، ثم أتى جماعة من أعوانه فحملوه ليلاً في نعش وأتوا به بيته.
فلما أصبح يوم الجمعة ثاني عشره غسل وكفن وحمل على أعناق الحمالين، فرجمه العوام، وكانت ساعة مهولة، وقيل إنه سقط، ورجعوا به ودفن في مقبرة مرج الدحداح، في قبر يدخل فيه ماء قليط، ولا قوة إلا بالله؛ ثم حصل بين الناس وبين نائب الغيب قلاقل كثيرة، وهم أن يكبس على أهل الميدان، وتحصل أهل الزعارة للشر والنهب، ثم خفض على نائب الغيبة نائب قلعة دمشق.
وفي يوم الأحد رابع عشره وقع نائب الغيبة برجلين تاجرين بسوق جقمق، أحدهما ابن الموقع، وضربهما مبرحاً بالمقارع، لكونهما دعوا لأهل الزعارة؛ ثم في عشيته نودي من قبل نائب قلعة دمشق بالأمان، وأن المقتول محمد بن الأقفالي من بعض الكلاب.
وفي يوم الأربعاء سابع عشره وقع نائب الغيبة بشاب شريف، وهو ابن السيد أحمد الصواف، من حارة العبسيين، فوسطه من غير جرم، فثار عليه الغوغاء وهجموا على حارة العبيد، الذين كانوا تسلطوا على الناس بالبلص والنهب، ويمشون قدام النائب وغيره، فقتلوا جماعة منهم، ونهبوا ما في بيوتهم، وبيوت من حولهم، قرب بيت نائب الغيبة الحاجب، وكادوا أن يقعوا به، فنادى نائب القلعة للناس بالأمان، وأن الحاجب بطال، وأن دوادار السلطان يتكلم في نيابة الغيبة، إلى أن يأتي من مصر أمر يعتمد عليه، فهمد الغوغاء ورجعوا.
وفي بكرة يوم الخميس ثامن عشره أتى من مصر هجان صحبته مراسيم ومكاتبات، قرئت بقلعة دمشق، وفيها الإنكار على أفعال النائب المتوفى، فيما كان بلغنا عنه من الأجحاف بالناس، وأن فلان بمصر هو الحواط يأتي قريباً، أنه لم يتعين إلى الآن نائب، والوصية بالناس.
وفيه جاء الخبر أن القاضي الشافعي، شهاب الدين بن الفرفور، تولى قضاء مصر أيضاً في رابع شهر ربيع، مضافاًَ لقضاء الشام.
ثم في عشيته مر مرج دوادار الحاجب بأطراف البلد، فثار أهل الزعارة، وهجموا بالزحف على الحاجب.
وفي يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر منها، ثارت الغوغاء وقفلوا المدينة وما حولها، وأرادوا إبطال الجمعات من الجوامع.
وفي هذه الأيام توفي الرجل الشريف الشمسي محمد بن سرار الشاغوري، ثم العاتكي، بصالحية دمشق.
وفي يوم الجمعة سابع عشره
(1/226)

بعد صلاتها، صلى غائبة بالجامع الأموي على الشيخ الصالح الخاشع الناسك محمد الغزاوي، بمدينة الرملة، كان نفعه متعدياً، وكان كثير القرى بزاويته بجلجولية للغراباء.
وفي يوم الخميس ثالث عشريه نودي بدمشق بإبطال المفارد القرمانية والعثمانية لكثرتها، وقلة الأنصاف، والمفارد الدمشقية.
وفي يوم السبت خامس عشريه، وهو خامس تشرين لأول، وقع بعض مطر دمشق، وهو أول مطر هذه السنة.
وفي يوم الخميس مستهل جمادى الأولى منها، نبش النائب المتوفى من نحو شهرين، قانصوه البرجي، من قبره وأولاده المتوفين، وصبروا، وسافر حريمه وأمه معهم إلى مصر في قفل كبير.
وفي قبيل عشاء الآخرة من ليلة الثلاثاء سادسه قتل إبراهيم بن أحمد بن الأريحي على باب داره، وهو آت من السوق تبعه جماعة من الزعر ...
وفي ليلة الاثنين هجم جماعة من الحرامية على قيسارية القواسين، وقتلوا بوابها عثمن بن الصغيرة، وأخذوا من حانوت واحد نحو ثلاثين قوساً.
وفي يوم الاثنين المذكور دخل من مصر إلى دمشق الأمير قلج، متسلم دمشق للنائب الجديد سودون العجمي المصري، وهو من أنيته، وصحبته قاضي المالكية الشمسي الطولقي، بعد شغور الوظيفة عن نائب له مدة.
وفي ليلة السبت سابع عشره احترق جانبا الطريق، الحوانيت والطباق، من قبلي مسجد الرأس، إلى عند الدخلة، التي يدخل منها إلى المقدسة.
وشاع في هذه الأيام بدمشق أن سيباي نائب حلب عرض عراضة عريضة، وأراد استخدام مشاة بمال كبير من الناس، ووافقه بعض مشائخ الحارات، ولم يوافق باقيهم، وأظهر أنه يجرد على ابن رمضان، وفي الباطن خلاف ذلك، لما سمع أنه عزل وطلب إلى مصر ليكون أمير مجلس، عوض سودون العجمي، الذي عين لنيابة الشام، وأن نائب حلب هو خير بك حاجب الحجاب بمصر، وذهب متسلمه بحلب، حتى شاع بدمشق عصيان سيباي المذكور، وأنه لم يسلم حلب للمتسلم المذكور، وشاع أيضاً عصيان نائب طرابلس دولتباي، الذي عاد إليها قريباً، وكذلك جانم نائب حماة، والله أعلم.
(1/227)

وفي يوم الخميس ثامن عشريه ورد مرسوم شريف بتحليف الأمراء بقلعة دمشق، بأن يكونوا على جهة السلطان وعمده، فأطاع جماعة ودخلوا القلعة وحلفوا، وتخلف جماعة، منهم أركماس، الذي كان غائباً عن دمشق مدة، وكان النائب المتوفى حرق بيته، ثم لما توفي النائب شاع بدمشق بأنه سعى في النيابة، ثم لما شاع تولية سودون العجمي دخل هو دمشق وتضاعف؛ وممن تخلف عن دخول القلعة والحلف أيضاً الأمير جانم مصبغة، والأمير قايتباي، والأمير يخشباي، فتريب غالب الناس، وانتقل جماعة من الأمراء من خاج المدينة وسكن داخلها، فازداد تريبهم.
وفي يوم الاثنين ثالث جمادى الآخرة منها، نودي بدمشق من قبل المتسلم بأن الأمراء والمستقطعين، في يوم الأربعاء الآتي، يعرضون بآلة الحرب الكاملة؛ وشاع بأن نائب القلعة ودوادار السلطان بدمشق، وكذا بقية المباشرين، شرعوا في بناء سور بأبواب بأواخر العمائر، آخر القبيبات، فوقف حال الناس زيادة عل ما هم فيه، ولم يصح إلا الآن أن النائب الجديد خرج من مصر لأجل الاختلاف بيت الترك، فالله يحسن العواقب.
وفيه حض قاضي الحنفية والمالكية والمتسلم وغيرهم بالمصلى، وحلفوا الغوغاء من أكابر الزعر بأنهم من جماعة السلطان، بشرط أن يوضع في كل حارة أمين.
وفيه نودي بأن أحداً لا ينتقل من بيته.
وفيه نودي أيضاً ان المعمارية النجارين والحجارين، كلهم يبيتون بالقلعة.
وفيه شاع بأن المخذول دولتباي نائب طرابلس، وصل إلى حمص وأنه قبض على صهره نائبها، وأنه توجه بعسكر نحو ألف نفس إلى حماة، وإلى الآن لم يصح خروج نائب الشام من مصر، والناس في شدة.
وفي ليلة الخميس سادسه وصل من حماة نائبها جانم، هارباً بنفسه إلى دمشق، وهو يبكي على بناته بكاءً شديداً، قال: لعلمي بفسق دولتباي؛ ثم رفع إلى قلعة دمشق.
وفي اليوم المذكور وسط بالسيف أحد المجرمين صيور بن محمود، وأراح الله منه العباد والبلاد، وكان له مدة مستخفياً، فوقع في يد بعض الغوغاء فحصروه وجرحوه وأرادوا قتله، فقبض عليه الأمير قلج متسلم دمشق، فكثرت الشكاوى عليه، فأمر بتوسيطه فوسط.
وفي يوم الاثنين عاشره اتفق رأي المباشرين أن تعرض المشاة من كل حارة، وكذلك الجند، إرهاباً للعدو، فعرض عليهم غوغاء ميدان الحصى والقبيبات بالميدان الأخضر، وازداد طغيان زعرهم، وعلموا العجز من أرباب الدولة.
وفي يوم الخميس ثالث عشره قام بالشاغور أزعرهم أبو طاقية، وجمع زعر الغوغاء وما
(1/228)

حولها من القرى، وزعر بقية حارات دمشق، وأخذوا من أموال الناس شيئاً كثيراً، وأولموا لهم الطعام، وساعده الأمير أركماس الذي أتى إلى دمشق قريباً، معزولاً، لم يعط مناه من تولية نيابة الشام، وأعاره شيئاً كثيراً من آلة الحرب، ثم خرجوا أطلاباً أطلاباً، بترتيب يعجز عنه أرباب الدولة، حتى عرضوا بالميدان الأخضر، فاستقل الترك بأنفسهم، وخلع على أبي طاقية وجماع أخر، ثم رجعوا وقد شاطوا وعاطوا في طلب نفقاتهم من الناس، ولم يبق للترك عندهم حرمة، فلا قوة إلا بالله.
وفي يوم الأحد سادس عشره ركب الأمير قلج متسلم دمشق وألبس جماعته، وخرج معه مشاة أرسلهم له ابن الحنش، ودار بهم حول دمشق، وبين يديه مناد ينادي بالأمان، وترك حمل السلاح، وأن لا يتعدى أحد على أحد، وتهدد أهل دمشق بأن العدل لا يعجبهم، وتوعد المجرمين لما رأى من أكابرهم الغوغاء في العرض، وأخذ أموال الناس بالصدم تارة، والقهر أخرى، فخافوا حينئذ، واطمأن الناس بعض الشيء، سيما وشاع بدمشق خروج النائب من مصر، والله أعلم بصحة ذلك.
وفي يوم الاحد ثالث عشريه، وهو أول كانون الأول، تواترت الأخبار بأن نائب حلب سيباي المعزول منها، يحاصر قلعتها، وأن دولتباي بحماة قد استخدم خلقاً كثيراً، فوجل أهل دمشق ووقف حالهم.
وفي يوم الاثنين رابع عشريه أشاع نائب القلعة والمتسلم وغيرهما، بأن نواب السلطان لدمشق وحلب وطرابلس، وعسكر السلطان بمصر، خرج الجميع منها قاصدين كفالاتهم، ودقت البشائر بذلك بدمشق، وكبست الخمامير.
وفي ليلة الثلاثاء خامس عشريه هجم الحرامية على سوق المارستان الخلعيين، وأخذوا من حانوت واحد مالاً عيناً وقماشاً بنحو ألف دينار.
وفيها احترق حانوت بسوق قصر حجاج، قبلي النخلة، شمالي خان ابن الحارة، وتدارك الناس النار فلم يحترق غيره.
وفي يوم الخميس سادس عشريه ورد مرسوم شريف بعزل المتسلم المتقدم ذكره، وأن يرجع إلى مصر؛ وشاع تولية سيباي المنفصل عن حلف كفالة دمشق، وقيل أن السلطان كان قد انعم عليه بها، فلما بلغه محاصرة قلعة حلب عزله؛ وأن قيت الرجبي اختفى من مصر؛ وأن الأتابكية الكبرى عينت لسودون العجمي، المنفصل متسلمه عن دمشق.
وفيه نودي بنيابة الغيبة للحاجب بدمشق، قانصوه الجمل.
وفي يوم الثلاثاء تالسع رجب منها، وصل من مصر شهاب الدين بن أحمد بن بري، وأخبر
(1/229)

أن القاضي الشافعي فوض لتقي الدين بن قاضي زرع.
وفي ليلة السبت ثالث عشره سافر المتسلم المذكور إلى مصر.
وفي يوم السبت ثالث عشره دخل من مصر إلى دمشق خير بك، أخو قانصوه البرجي، واشتخر بأنه نائب حلب؛ ودخل صحبته نائب القدس بجماعته، ونائب غزة بجماعته؛ وخل صحبتهز قاضي الحنابلة بدمشق النجمي بن مفلح.
وكان متسلم سيباي، المنفصل عن نيابة حلب، قد وصل إلى مصطبة السلطان، فأصبح يوم الأحد رابع عشره دخل دمشق عل عادة أمثاله، فلما استقر باصطبل السلطان، وذهب عنه الحاجب الكبير قانصوه الجمل وغيره، وذهبوا إلى قصر السلطان، إلى عند خير بك، هاش مماليكه الحاضرون، وحضرت طائفة من عند خير بك وسلوا السيوف، وضربوا في حاشية المتسلم، ونهبوا ثقلهم، ودخل طائفة منها إلى المتسلم عقب جلوسه بحضرة القضاة، وخرجوا به إلى قصر السلطان إلى عند خير بك.
كان ذلك والقلعة محصنة بآلة الحرب، ونائبها طومان باي بالشباك ناظر له؛ ثم بعد ساعة، وقد أتى به جماعة من الترك وهو راكب على هيبته، فدخلوا إلى القلعة من باب الفرج بإشارة نائبها لهم بذلك، ثم نودي بالأمان، وأن أي من ظلم أو قهر فعليه بملك الأمراء خير بك.
وفي يوم الجمعة رابع عشريه، عقب صلاتها بالجامع الأموي، صلي غائبة على قاضي المالكية بصفد، الشيخ العالم جمال الدين عبد الله السبتي، وأخبر أحد ولديه الزيني عبد القادر، الحاضر بدمشق، وأن ميلاده سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، وأن وفاته بصفد يوم الأربعاء ثامن عشره.
وفي هذه الأيام صح أن أول رجب الأحد لا الاثنين.
وفي يوم الأربعاء خامس عشريه وردت الأخبار بمصر بالقبض على أتابك العساكر قيت الرجبي، وحبس بالإسكندرية، ومعه ابن سلطان جركس، وبالقبض على أخيه طراباي دوادار السلطان بدمشق، العامل على قتل الشيخ الطواقي، فرفع إلى قلعة دمشق؛ فنودي له بذلك؛ كل ذلك وخير بك نائب حلب نازل بقصر السلطان، وحوله نائبا القدس وغزة، ومعهما نائب صفد، ونائب حماة الهارب من دولتباي، وطرابلس شاغرة.
وفي هذه الأيام اشتهر تولية قانصوه روح لو نائب غزة، الذي أتى صحبة خير بك نائب حلب، نيابة طرابلس؛ وتولية
(1/230)

يخشباي المعزول بدمشق نيابة صفد، وسودون الدوادراي نيابة حلب.
وفي بكرة يوم الاثنين سلخه لبس الأمير أركماس، من قبلي خارج دمشق، خلعة خضراء، بكمين مذهب خاص، وكلوتة بطرفين خاص، على كنبوش خاص، بتقليد كفالة الشام، بعد عزل سودون العجمي، أرسلت الخلعة إليه من مصر، وهو حاضر بدمشق. بحضور نائب حلب الأمير خير بك، أخي النائب المتوفى بدمشق قنصوه البرجي، وركب معه عن يمينه، ودخل دمشق على العادة، لكنه كان بوماً بارداً بنزول بعض مطر مخلوط ببعض ثلج، وسير تحت قلعة دمشق على العادة، ثم أتى باب السر وصلى على جسره على العادة، ثم دخل الاصطبل، ثم نادى حسب المرسوم الشريف بإبطال المحرمات، ولو كانت لأي أمير كان، بتهديد شديد، وأن لا يحمل أحد سلاحاً، وفرح الناس بهذه المناداة.
وفي يوم الجمعة رابع شعبان منه، سافر من دمشق خير بك نائب حلب إليها، ومعه جماعة من زعر الحارات.
وكان في مستهله، يوم الثلاثاء، نادى بإبطال القرابيص النحاس من الفلوس، ثم أكذ المناداة في هذا اليوم.
وفي يوم الاثنين سابعه ضرب المائب الجديد جماعة من زعر الحارات بالمقارع وأشهرهم بدمشق.
وفي يوم الثلاثاء خامس عشره دخل إلى دمشق عدة رؤوس جماعة من المحاربين، كانوا مكروا بجماعة قلعة الصبيبة، وسبوا حريمهم، فقبض عليهم الأمير يونس بن القواس، وأرسلهم إلى دمشق.
وفي يوم الجمعة خامس عشريه نودي بدمشق بإبطال مشاهرة المحتسب، وفرح بذلك الناس، ودعوا للنائب.
وفي ليلة الأربعاء مستهل رمضان منها، خنق رجل صالح، د جعل بواباً للقيسارية، التي من أيام قريبة أخذ منهما مال كثير، وضرب بوابها، وصودر ناظرها قطب الدين بن سلطان، وهي قيسارية الخواجا ابن الرسام جوار الطبرية، فأصبح ميتاً، والقيسارية المذكورة مفتوحة، وقد أخذ منها أيضاً مال كثير، ولم يسلم منها إلا مخازن يسيرة، وصودر أهل المحلة بمال كثير أيضاً.
وفي بكرة يوم الجمعة ثالثه، عقب صلاتها، صلي غائبة بالجامع الأموي، على الشيخ العالم العلامة الأوزاعي، توفي بمصر.
وفي بكرة يوم الاثنين سادسه لبس أركماس نائب الشام خلعة، كاملية حمراء بسمور خاص، ولبس معه أيضاً نائب قلعة دمشق كومان باي، ودخلا دمشق جميعاً على العادة.
(1/231)

وفي هذه الأيام رمى النائب مالاً كثيراً على أهل الحارات، من أول حوانيت بياعين لحم البقر، وحمام الانسر، خارج باب الجابية، إلى زقاق المعاصرة، وقناة البريدي، إلى جامع الصابوني، ثم إلى خان خلق، ثم إل مزار سيدي ركب، ثم من المنجكية، قبلي مسجد الذبان، غربي خان الجواميس عرضاً، إلى آخر محلة باب المصلى، لأجل رجلين مراقي الدم شرعاً قتلاً قبل ولايته.
وفي يوم الخميس ثالث عشريه أمر النائب برجلين أزعرين مجرمين قاتلين، مع جماعة أخر، كلهم من الصالحية، قتلوا ابن الجاموس القباقبي من ايام، ثم أتنوا إلى أبيه الذي توعدهم، وهو على باب دكانه يبيع القباقيب بعمارة السلطان، وبقية أولاده عنده، فهرب من قاتلي ولده المذكورين، فتبعوه بحضرة الجم الغفير من أهل السوق فدقوه بالسيوف؛ فلم يزل النائب يتتبعهم إلى أن وقع بهذين دون رفاقهما، فأمر بتخوزقهما في أدبارهما بخوازيق غلاظ في اليوم المذكور.
وفي أواخر هذا الشهر قل اللحم والقمح، وكان النائب قد أمر بإشهار المناداة، أن من كان عنده قمح فليبعه، وإلا نهب بعد ثلاثة أيام، فمسك الناس أيديهم وتوهموا الغلاء، ثم أرسل الله رحمته بالمطر، فكثر إلى يوم الجمعة يوم العيد.
ثم في صبحة السبت مستهل شوال منها، سقط مطر وثلج، وسعرها على حاله.
وفيه نادى النائب بإبطال الخمارات، وأن أهل الذمة لا يتجاهرون بالخمر، وأنهم يحفرون لهم حفراً في حوانيتهم يجلسون فيها.
وفي يوم الخميس سابعه أدير المحمل بدمشق، على العادة.
وفي بكرة يم الأحد عاشره سلم شيخنا محيي الدين النعيمي على دولتباي، الدوادار للسلطان الجديد بدمشق، ووعظه على عادته.
وفي يوم الثلاثاء ثاني عشره عرفت قطعة قماش مع رجل، فسئل، فقال: أهداها لي فلان، فقبض، فاعترف بأخذ شيء من الحرام، فهدد، فأقر على جماعات وسرقات كثيرة، وأن كبيرهم رجل يدعى بالعطيمة الأقباعي، يسكن عند البادرائية، وهو متزوج ببعض جوار النائب، ويمشي قدامه، فأمر النائب بنشر القماش على حبال الخيام بحوش الاصطبل، وأمر بإشهار المناداة بأن أياً ممن سرق له شيء وعرفه يقم من يشهد ويأخذ، فعرف جماعات بعض قماشهم، فسلمه له النائب.
وفي يوم الخميس رابع عشره كان خميس البيض.
وفيه ورد إلى دمشق من البلاد
(1/232)

الشمالية طوائف كثيرة، على قصد الحج، من كثرة الظلم في بلاهم.
وفي يوم السبت سادس عشره ورد مرسوم شريف بعزل أبي قورة من أمرة الحج الشامي بعد أن تولى قريباً فيها، بعد أن عزل الأمير قايتباي الخاصكي، أمير ميسرة كان، لأنه كان قد عين لأمرة الحج من أول رجب، فورد هذا المرسوم في هذا اليوم بإعادته....

سنة إحدى عشرة وتسعمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين أبو الصبر يعقوب بن عبد العزيز العباسي؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الأشرف أو النصر قانصوه الغوري؛ ونائبه بدمشق أركماس؛ والقضاة بها: الحنفي البدري الفرفوري، والشافعي عمه شهاب الدين بن الفرفور، وهو قاضي مصر أيضاً، ومقيم بها، والمالكي الشمسي الطولقي، والحنبلي نجم الدين بن مفلح؛ والأمير الكبير الأتابكي برد بك؛ والحاجب الكبير قانصوه الجمل؛ والحاجب الثاني طقطباي.
وفي بعد صلاة الجمعة ثالث من محرم منها، صلي بالحامع الأموي ائبة على الشيخ إبراهيم القبي، توفي بالرملة، وترجم بالصلاح؛ وصلى معه على حاضرين. وفي عشية هذا اليوم أمر النائب بتوسط أحد المجرمين، شيخ حارة باب الجابية السمكري، فأراح الله منه العباد والبلاد. وفي هذه الأيام كثر الضرر على المسلمين بدمشق، بسب دائرة رجل يدعى الشرف، وحضرها ابن الكاتب الترجمان؛ وبسبب رمى مالٍ أملاك المسلمين بأجرة شهرين على كل ملك، بسب مشاة يخرجون يذبون عن الحجاج، حتى أن بعض المسلمين دعا على الحجاج بأن لا يرجعوا من كثرة ما حصل عليهم من الظلم، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الجمعة عاشوراء، فوض قاضي الحنابلة لولده، شرف الدين أبي محمد عبد الله، نيابة القضاء. وفي يوم الثلاثاء حادي عشريه خرج النائب بالعساكر والمشاة البارودية على أبهة عجيبة، ونزل قرب قبة يلبغا. وفي يوم الخميس ثالث عشريه أمر بالمناداة بأن لا يتأخر أحد، وأن من لم يخرج، يخرج إقطاعه عنه. وخرج إليه الحاجب الكبير، فخلع عليه بنيابة الغيبة، فرجع ودخل دمشق.
وفي يوم الجمعة رابع عشريه دخل إلى دمشق من البلاد السوارية مطلوباً إلى مصر،
(1/233)

بعد أن شفع فيه، الأمير سيباي المنفصل عن نيابة حلب، قيل بعد عصيانه فيها، ثم الإنعام عليه بنيابة دمشق، وبعث متسلمه فتسلمها، ثم وصل من مصر إلى دمشق الأمير خير بك، أخو قانصوه البرجي المتوفى، مارأً، فقبض على المتسلم المذكور، فلما سمع سيباي المذكور هرب إلى البلاد السوارية، وهرب معه جماعة أمراء من حلب، فاستمروا إلى أن شفع فيها جماعة من أمراء مصر وغيرهم، فأنعم عليه بوظيفة أمرة مجلس، فأرسل متسلمه إلى مصر، ثم دخل إلى دمشق في اليوم المذكور، ومعه جماعات ونزل بالميدان، ثم ركب وأتى إلى قلعة دمشق طائعاً، وصحبته اثنان فقط، فسلم على جماعة، ثم نزل.
وفي يوم الجمعة بعد صلاتها، ثاني صفر منها، أنكر شيخنا المحيوي النعيمي على شمس الدين محمد بن المبيض القدسي، وأصله حمصي، رفع الصوت في المساجد، فاستند إلى بعض الأحاديث، وأوله شيخنا. وفي يوم الأحد رابعه سافر الأمير سيباي، المنفصل عن نيابة حلب، ثم نيابة دمشق قبل دخولها، وودعه في سفره إلى مصر نائب الغيبة وجماعة.
وفي هذه الأيام شاع بدمشق أن النائب والمشاة بمحلة الفوار انتصروا على عرب مهنا بن مقلد، ثم أنكسروا وعلا عليهم العرب، وقتل جماعات من الفريقين. ولم يصح عن الوفد خبر، ولم يعلم أين هم، إلا أنه شاع أنهم مقيمون بالفلاء، ثم شاع أن نائب القدس أخذهم على طريق وادي ابن سالم.
وفي يوم الاثنين تاسع عشره وصلت كتب الوفد بأنهم في مشقات كثيرة، وأنهم أقاموا بمكة ستة عشر يوماً، وبالمدينة سبعة أيام، وبالفلاء ثلاثة عشر يوماً، وأنهم هبت عليهم ريح شديدة بوداي الغنائم، مات في خلق كثير، وكذا بخليص. وفيه ورد مرسوم شريف على يد بعض أعوان الظلمة، بمصادرة جماعات من الفقهاء والقضاة وغير ذلك.
وفي يوم السبت رابع عشريه دخل الوفد إلى دمشق، وأخبروا أن أمير بني لام، مسلم، وأمراء أخر، جعلوا لهم جعلاً إلى أن وصلوهم إلى الحسا فتلقاهم نائب القدس وجانباي، فأوصلوهم إلى عند نائب الشام. وفي يوم الجمعة سلخة، كان أول آب.
وفي يوم الأحد ثاني ربيع الأول منها، سافر قانصوه الجمل، المنفصل من الحجوبية
(1/234)

الكبرى بدمشق، إلى نيابة صفد بعد عزل يخشباي منها، من غير تطويل فيها، فإنه أقام ثمة نحو أربعة أشهر. وفي هذه الأيام قبض دوادار النائب على عبد القادر بن قرنبع البلاصي، ومن جهة خازن الحارة، الذي لا مرأة من جهته فيه استحقاق، وكان وكان أخذ للجباية منه شيئاً فشكا عليه له، فصادره وأخذ منه نحو مائة وثلاثين ديناراً، وباع في ذلك حانوتيه وطبقيته بخمسة وسبعين ديناراً.
وفي يوم الثلاثاء حادي عشره توفي الرجل الشرير محب الدين بن شهلا، عن ولدين رجلين، أحدهما أسود من جارية سوداء، وكان هو وولداه المذكوران قد شاطرا زائداً من حين ولي هذا النائب، ولم أدخله في نظر الجامع عامل الناس بضغائن قلبه، وفوت معاليم كثيرة فيما لا فائدة فيه، بتحسين ذلك للنائب.
وفيه ختن النائب ابنه النحو العشاري السن، وابن ابنته ابن دولتباي النحو السباعي السن، وأشهرهما بدمشق وفرح بهما. وفي ليلة الجمعة رابع عشره انخسف القمر بعد عشائها، واستمر لى نحو نصف الليل، فانجلى. وفي هذا اليوم كان عيد الجوزة.
وفي هذه الأيام قد غلا سعر القمح لانقطاع الجلب من بلاد حوران، بسب تخريب النائب لبلاد كثيرة، ونهب مغلها، ومعاداة شيوخها، لما خرج ليلقى الوفد، وصل الرطل الخبز من ثلاثة إلى درهمين، ولا قوة إلا بالله.
وفي هذه الأيام رئي مطروح في محلة القيمرية الكبيرة، فطرح على جميع الخراب مال، فضج الناس. وفيها شنق رجل نفسه قرب قناة العوني، فطرح على الأهل المحلة أيضاً مال، فضج الناس أيضاً.
وفي ليلة الأحد مستهل ربيع الثاني منها، أصبح رجل مقتولاً بزقاق المزرعة الزويزانية، فعرفه أهله، وأن رجلين أتيا إليه ليبيعاه قمحاً، فلما وصلا إلى المكان المذكور قتلاه، وأخذا ماله. وفي هذا اليوم شنق النائب شاباً من ميدان الحصى، رئي معه سكين وهو سكران. وفي يوم الأربعاء رابعه حضرت الشامية البرانية.
وفي هذه الأيام خرج النائب بعسكره، وجلس بسطح المزة، ليسافر إلى نجدة ناصر الدين بن الحنش، غير عدوه، نائب بيروت، بعد أن أرسل للنائب نهب موجوده، حتى الصابون الذي في مصابنه، وطرحه على أهل الأسواق بدمشق. ثم في يوم الجمعة سادسه أتى النائب من المزة وصلى بالأموي، ثم رجع. وفي هذه الأيام دقت البشائر بدمشق، وأشهر
(1/235)

بأن السلطان قد عين لنائب الشام خلعة، وقيل إن ذلك حيلة في إقامة الحرمة على من زعم أن السلطان أكرم سيباي الواصل إلى مصر، وأنه يريد إعادته إلى نيابة دمشق.
وفي يوم الخميس ثاني عشره سافر النائب إلى بلاد ابن الحنش. وورد الخبر من مصر بأن سيباي ولاه السلطان أمير سلاح بمصر؛ وأن قانصوه روح لو تولى الأمرة الكبرى بدمشق، عوض برد بك المتوفى؛ وأن قايتباي الخاصكي، الذي كان بدمشق أمير ميسرة، وقد ولاه السلطان نيابة الكرك.
وفي هذه الأيام قد كثرت الرميات والمصادرات على الناس في كل محلة، بحيث ضجوا من ذلك، ووقف حال الناس، وشاط الزعر، ولم يشاركوا في رمية على الأسواف، التي قد صار غالبها من تحت أيديهم يباع لهم فيها، وهم في أكل وشرب ونهب وفساد، وفي نساء المسلمين ودمائهم وأموالهم، حتى أن فيهم جماعة قد سمنوا، ولا يمشون إلا وعلى أوساطهم الخناجر الطوال المذهبة.
وفي ليلة الأحد رابع عشره، وهو عيد الجوزة، سرق اثنان من حانوت لحمام بقصر حجاج، رأسين من اللحم وغيرهما، فرئي ذلك معهما قرب باب الجابية، فقبض عليهما، فضربهما دوادار لنائب ضرباً مبرحاً، وأشهرهما بدمشق، ثم شنقهما على باب الحانوت الذي سرقا منه. وفي يوم الخميس سادس عشريه دخل من مصر إلى دمشق قلعتها، في أبهة، وركب مع دوادار النائب، ومفتي دار العدل السيد كمال الدين بن حمزة، وقاضي المالكية، وقاضي الحنابلة.
وفي هذا اليوم أرصد العواني المجرم، الذي كان السبب في مصادرة جماعة من دمشق، المغربل، وأتبع إلى زقاق الجاورخية فقتل. وفي يوم الجمعة سابع عشريه وصل الحاجب الجديد، جان بردي الغزالي، من حلب إلى دمشق، ثم سافر إلى النائب وهو على الجسر بالبقاع، وسلم عليه، وأتى معه إلى المزة ليلبس خلعته بالحجوبية الكبرى، مكان قانصوه الجمل.
وفي يوم الخميس ثالث جمادى الأولى منها، لبس النائب خلعة الاستمرار من قبة يلبغا ودخل دمشق راجعاً من البقاع. وفي يوم الثلاثاء سادس عشره، وهو رابع عشر تشرين الأول، وقع بدمشق المطر الجديد، جعله الله مباركاً. وفي هذه الأيام شاع بدمشق عزل
(1/236)

شمس الدين الطولقي، قاضي المالكية، وتولية خير الدين الغزي مكانه، وهو يكابر ويحكم مع كثرة ارتشائه على الأحكام الباطلة، ولا قوة إلا بالله.
وفيها وصل قطب الدين أبو اليمن محمد، حفيد قاض القضاة قطب الدين الخيضري، إلى دمشق راجعاً، وقد فوض إليه نيابة القضاة من القاضي الشافعي بمصر. وفي يوم الاثنين ثاني عشريه دخل من غزة إلى دمشق، قاضي المالكية الجديد، خير الدين أبو الخير محمد بن جبريل الغزي، بغير خلعة، وتلقاه النائب، والقاضي الحنفي، والقاضي الحنبلي، ومفتي دار العدل السيد كمال الدين بن السيد حمزة، وأرباب الوظائف، على العادة، ودخل دار العدل، وقرئ مرسومه، ثم لبس تشريفه. ثم ركب وركب الجماعة معه على العادة، وقرئ تقليده بالجامع على العادة، وفيه تجمل كثير وتاريخه ثتامن عشر ربيع الآخر منها.
وفي يوم الاثنين سادس جمادى الآخرة منها، شنق النائب الرجل المجرم أحد أعوان الظلمة، ابن المقصاتي الحمامي، شكت عليه زوجته الشريفة، وأظهرت عنده عدة الحرب والسرقة. وفي يوم الخميس سلخه شاع بدمشق أن القاضي الشافعي بمصر توفي، فظن الناس أنه العلامة زكريا، الذي تولاها ثم عمي وعزل عنها؛ وبعضهم ظن أنه البرهان بن أبي شريف، الذي تولاها بعده.
ثم في ليلة السبت ثاني رجب منها، صح أنه شهاب الدبن بن الفرفور، الذي تولاها عن البرهاني المذكور، جميعاً بينها وبين قضاء الشام، وكان قد نقد من مرضه، وجع الكبد، ثم انعكس ومات، ودفن في تربة كاتب السر ابن أجا بالقرافة، ثم وصلت كتب لده ولي الدين محمد أن والده توفي يوم الخميس ثاني جمادى الآخرة، وأن في يوم الخميس تاسعه لبس التشريف المبارك بقضاء الشافعية بدمشق.
وأخبر القاصد أنه خرج من مصر يوم الخميس خامس عشره، وأن نواب والده على حالهم؛ ومسك عن الحكم شيخنا المحيوي النعيمي لكن ولي الدين فوض في غير محل ولايته، وأما بقية النواب فاستمروا على الأحكام الباطلة. وفيه شاع وفاة صاحب التصانيف
(1/237)

الكثيرة جلال الدين السيوطي بمصر، وفي يوم الأربعاء سادسه مات أحد الشهود المتهمين بباب الجابية، ابن رمضان وترك ولدا يشهد مثله.
وفي هذه الأيام اعتقل قاضي الحنفية البدري ابن أخي اللقاضي الشافعي المتوفى؛ على مال وجد عليه في دفتر عمه، بمرسوم شريف، ووضع بجامع القلعة.
وفي يوم الجمعة ثامنه، عقب صلاتها بالجامع، وبعد الدعاء، نودي بالصلاة غائبة على القاضي الشافعي بن الفرفور وكثر الترحم عليه.
وفي عقب صلاة الجمعة بالجامع الأموي، خامس عشره، صلي غائبة على شيخ الإسلام جلال الدين السيوطي، توفي بمصر، وله مصنفات كثيرة، وهو ممن بورك له في علمه، مع شدة الدين وصلابته، وميلاده في رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة، أخذ العلم عن علم الدين صالح البلقيني، والكافيجي، والشمني.
وفي يوم الجمعة ثاني عشره شعبان منها، أفرج عن قاضي الحنفية البدري الفرفوري.
وفي هذه الأيام دخل من مصر إلى دمشق الحاجب الثاني عوض طقطباي.
وفيها عزل النائب لابن الدمشقية من الأستادرية، وولاها لدواداره الكبير.
وفيها أرسل النائب سرية، فنهبوا قرية بيت سابر.
وفيها أعيد القاضي الحنفي البدري الفرفوري إلى الترسيم بالقلعة.
وفي يوم الاثنين رابع عشره، سلخ الأربعين، حصل بدار السعادة بين الحاجب جانبردي، ودوادار السلطان دولتباي، وبين النائب كلمات، توبيخاً له على تسليطه أربعة أشخاص على الناس في الظلم، وعلى تطعيمه أهل الزعارة، منهم أبو طاقية أزعر الشاغور؛ وقد شرع في هذه الأيام في بناء بوابتين قرب جامع جراح؛ وتفرق الحاجب ومن معه عن النائب، وقد أعلموه أنهم كاتبوا إلى مصر يعلمون السلطان، فخاف من ذلك، ثم سعى القضاة وغيرهم في الصلح، فأصبح يوم الثلاثاء خامس عشريه فخلع على الحاجب المذكور، وعلى
(1/238)

نائب القلعة طومان باي، فسكنت الفتنة ثم بطل عمل البوابتين المذكورتين. وفي هذا اليوم وصل إلى القاضي نجم الدين بن الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون، من سفره إلى حلب ثم إلى طرابلس.
وفيه وصل من حلب إلى دمشق محيي الدين عبد القادر بن يونس قاضي الحنفية بحلب وقد سعى في قضاء الحنفية بدمشق، وسكن في بيت المسلماني ابن زباطة بالجرن الأسود، ووضع يده على جهات الحنفية، واستخرج منها جملة.
ثم في يوم الخميس ثامن عشريه وردت مطالعات بأن خلعة البدري الفرفوري واصلة، فادعى ابن يونس المذكور أنها واصلة لنفسه لا للبدري، وأن ابن عمه الذي بصفد سعى في قضاء الشافعية بدمشق.
وفي هذه الأيام عزل النائب للشريف الذي كان ولاه الحسبة، وولاها للأشقر بن محب الدين بن شهلا.
وفي يوم الأحد أتى جماعة من محلة قصر عاتكة، ومعهم رجلان يشهدان برؤية الهلال، إلى القاضي سراج الدين بن الصيرفي، فأثبت أن اليوم المذكور أول رمضان، فنودي بالإمساك. وفي هذه الأيام أمر النائب بعمل درابزين خشب طوال، في يمنة الداخل من باب الزيارة، أحد أبواب الجامع الأموي، ومن لصيقه إلى آخر المجاز الموصل إلى الصحن، ونقر في العواميد، وجعل في الداربزين ثلاثة أبواب يدخل منها، ولم يرض بها أحد ممن يرجع إليه في الدين، ولم يكن الجامع محتاجاً إليه بل تضيق الناس به، وليس له أبهة في القلوب، وذلك من مال وقف الجامع.
وفي يوم الأربعاء حادي عشره توفي الرجل المتمصلح النساج في القطن قرب المقابر الحميرية، الشيخ علي بن الخبازة البغدادي، وكان كل جمعة يجمع جماعة عليه قرب ضريح زكريا بالجامع الأموي، ويذكر بهم برفع الصوت، والله أعلم بنيته في ذلك. وفيه توفي الخواجا بميدان الحصى علاء الدين علي بن قربان الحوارني، وكان قد صدور بثلاثة آلاف دينار فحصل له قهر. وفي يوم الخميس ثاني عشره توفي أحد المولهين المجذوبين، المشهور بعويدات، كان غالب إقامته بمحلة ميدان الحصى.
وفي يوم الأربعاء ثامن عشره وصل من مصر دوادار القاضي الشافعي محمد، وفوض إلى شيخنا المحيوي النعيمي نيابة القضاء، في يوم الجمعة عشريه، بمقتضى مرسوم شريف، فيه الإذن من السلطان للقاضي اللؤلؤي، الفرفوري أن يفوض لنوابه بدمشق وهو بمصر، وتاريخه حادي
(1/239)

عشري شعبان منها؛ وقد كان شيخنا امتنع من الحكم من وقت أن بلغه وفاة والد القاضي المذكور، لكنه فوض لنوابه بمصر من غير إذن السلطان، ولم يمتنع أحد من النواب غيره، وكاتب بعضهم فيه، فعذره القاضي المذكور، والعلماء عنده، وأرسل يقول له إنه سيأتيك ما يسرك.
وفي يوم الثلاثاء مستهل شوال منها، وكان العيد، شاع بدمشق أن وقع بمصر أمر عجيب، وهو أن شاباً متصوفاً متمصلحاً، اسمه محمد بن سلامة النابلسي الدمشقي، من ميدان الحصى، الذي سافر من سنين إلى بلاد الروم، ثم أتى إلى دمشق فتمصلح وأشهر نفسه، ثم سافر إلى مصر، وصحب جماعة من المتمصلحين وأشهر نفسه بالتمصلح، وشاع ذكره، إلى أن أراد الله إظهار ما هو عليه، فصحب بعض المردان كعادته بدمشق وغيرها.
فلما قرب شهر رمضان الماضي، أتي به في زي بنت، في نقاب وجلباب مدلوك ومخطوط، إلى بعض مراكز الشهود بمصر، ويطلب أن يعقد نكاحه عليها، فأجيب إلى ذلك؛ ثم بعد أيام نم عليه بعض الجيران، فخاف الشهود، فأعلموا الأمير طراباي رأس نوبة النوب، فطلبه وتفقد أمره، فوجدوه صبياً في زي بنت، فادعى أنه خنثى، فكشف عليه النساء، فلم يروه إلا ذكراً، ولم يفحصوا بأمره، فجرح تحت مخرج الذكر وزعم أنه حيض، فكشف ... فرأوه زوراً.
فأمر الأمير المذكور بضربه بالمقارع، وإشهاره بمصر على ثور، ثم أعيد عليه الضرب، وبعث به إلى المقشرة إلى أن مات، وهذا ... مثله، فإنا لله وأنا إليه راجعون؛ فزاد الناس في قلة اعتقادهم في المتمصلحين، وقد صرح المحققون من أهل الطريقة، أنه يجب على الولي كتمان سره، إذا كان صادقاً، فإنه أظهره سلب، فالله يصلح لنا سرنا وعلانيتنا.
وفي ليلة الجمعة حادي عشره احترق جانب عظيم من السوق المعروف بعمارة الإخنائي، غربي شمال باب الفراديس، وقف مدرسة أبي عمر وغيرها.
وفي يوم الأربعاء سادس عشره، وحادي عشره آذار، نقلت الشمس إلى برج الحمل، وهو أول فصل الربيع.
وفي يوم الجمعة ثامن عشره صادر النائب لشمس الدين الطولقي، قاضي المالكية المعزول، على أخذ مال.
(1/240)

وفي يوم السبت ثاني عشره سافر الوفد الشريف إلى الحجاز، وأميرهم أزدمر اليحياوي.
وفي بكرة يوم الأربعاء سلخه نودي بدمشق، من قبل جان بردي الغزالي، الحاجب الكبير بدمشق، ومن قبل نائب قلعتها طومان باي، بأن ما لكم نائب إلا الأمير سيباي أمير سلاح بمصر، الذي كان تولى نيابة دمشق، ثم عزل وطرد، ثم رضي عليه وطلب إلى مصر وولي أمرة السلاح؛ وحين المناداة ظن الناس في النائب أركماس المعزول أنه مغضوب عليه من كثرة بغضهم له، بل أشاع بعضهم أنه أخذ في زنجير إلى القلعة؛ ثم نودي بالأمان، وأن لا يحمل أحد سلاحاً؛ ثم تباشر الناس بالرخاء بعد الغلاء؛ ثم بعد ثلاثة أيام أبيع الكيل القمح بأربعين، ووجد اللحم بعد أن كان عزيزاً.
وفي يوم الأربعاء سابع ذي القعدة منها، وردت الأخبار بأنه خلع على الأمير سيباي بنيابة الشام، يوم الخميس سابع عشر شوال، قبل وصول القود والزردخانة التي أرسلها النائب المعزول.
وفي يوم الاثنين ثاني عشره دخل من مصر إلى دمشق الأمير أردبش متسلم دمشق لنائب الشام سيباي، فتلقاه أرباب الوظائف على العادة، وعليه خلعة بطراز خاص، وأبى أن يحكم: إلا أن يخرج أركماس النائب المعزول من دمشق، وإن لم يخرج وإلا دخلت إلى القلعة، وأرسل أعرف أستاذي، والمقام الشريف.
فذهب إليه جماعة فترقرق لهم في أن يصبر عليه مدة، فأبى ذلك، فذهب إليه وعرف بذلك، فامتثل خوفاً من الرمي عليه من القلعة، وركب في الحال من بيته في جماعة يسيرة على جرائد الخيل، ومر على دار السعادة في الشارع الأعظم، والناس ينظرون إليه، وقلوب غالبهم تلعنه، ونزل قريب قبة يلبغا؛ فلما علم المتسلم ذلك أمر بإشهار المنادات بالأمان، وأن لا ظلم ولاعدوان، وأن لا يحمل أحد من الزعر سلاحاً، ففرح الناس بذلك.
وكان القياس أن يختفي أركماس في خروجه من دمشق قبل وصول المتسلم، أو في يومئذ في طريق آخر، والذي يظهر ذلك عناداً منه لأعدائه، فإنه لم يصدق أن السلطان عزله، أو أنه إذا وصلت زردخانته إليه يعيده، وقيل عنه إنه مترقب ذلك، وقد استخدم خدامة كثيرة.
وفي ليلة الأحد ثالث ذي الحجة منها، توفي رئيس المتعممين الأديب الصيداوي.
وفي بكرة يوم عرفة اجتمع جماعات من القبيباي وغيرها، وأتوا بأعلام، وهم يذكرون الله، إلى الجامع الأموي، وصعدوا المئذنة، وكبروا على المتسلم الغائب يومئذ كالحاجب، عن دمشق، وذلك لأجل الرميات والغرامات على الحارات من جهة القتلى، وقصدهم أن يقابل ذوو
(1/241)

الجرائم بجرائمهم، فأخرج لهم نائب القلعة والحاجب الثاني من حبس من أهل الحارات، ونودي بترك هذه العادة، وأنها بطالة، وفرح الناس بذلك.
وفي يوم الأربعاء، آخر أيام التشريق، ورد الخبر من مصر بأن قاضي الحنفية البدري الفرفوري على عادته، لم يعزله السلطان، ونودي له بدمشق، واستمر هو في القلعة لم يخرج، وكان ابتداء سجنه فيها في شهر رجب من هذا السنة؛ وأما خصمه ابن يونس، الذي أتى من حلب، وحكم، وفوض لجماعة، واستولى على الجهات، وتسلف منها، فله مدة أيام قد سافر صحبة تاج الدين بن ديوان قلعة دمشق، وقد آن وقت وصولهما إلى القاهرة يومئذٍ؛ وأما النائب المعزول، فقد دخلها من أيام، ولم يأت له خبر.
وفي هذه الأيام قبض على جماعة قاضي الشافعية ولي الدين، منهم دواداره، ودوادار أبيه من قبله، ناصر الدين محمد، وهدد بالقلعة، ووضع ليضرب على مال لبعض الناس، بمرسوم شريف؛ وأما أستادار أبيه القدسي ناصر الدين محمد، فصودر على مال بمصر؛ وأما الشهاب بن بري، فهرب من مصر، كما هرب من دمشق خوفاً من المصادرة؛ وأما الشريف البرهاني الصلتي، فصودر أيضاً على مال بمصر، بعد أن تخاصم مع الشهاب بن بري قبل هروبه؛ وأما الشهاب أحمد بن الشرايحي والزيني خضر شاهد وقف الحرمين، فورد فيهما مرسوم شريف من مصر بالقبض عليهما، فسجنا بالقلعة، وطلب منهما مال، قيل طلب من الأول خمسة آلاف دينار ومن الثاني ألف دينار، ولا قوة إلا بالله.
وفيها ورد الخبر بأن قاضي الشافعية ولي الدين فوض للبرهاني الصلتي نيابة الحكم بدمشق، فكملت النواب عشرة، ولا قوة إلا بالله.
وفي ليلة الجمعة ثامن عشريه فتحت أبواب السيد كمال الدين بن حمزة، وأخذ له أثاث وغيره بمال كثير، على ما قيل، مع حصانة منزله، وظن الناس أن ذلك بمعاملة أحد من المنزل، ثم قبض على جماعة، ورد عليه بعض ذلك.
وفي هذه الأيام وردت الأخبار بأن أركماس النائب المعزول وصل إلى مصر، وأن السلطان خلع عليه وأكرمه، وأن سيباي النائب الجديد خرج من مصر، وأنه واصل إلى كفالته، وصحبته قفل كبير، وأنه أخذ من كل جمل في القفل أشرفين، وعشرة لجماعته.
وفيها قبض المتسلم جماعة من الزعر، من أهل الصالحية، وأراح منهم العباد والبلاد، وشكر على ذلك.
وفي هذا العام وقعت نادرة لطيفة، وهو أن الشيخ جمال الدين السلموني الشاعر، هجا القاضي معين الدين بن شمس، وكيل بيت المال بمصر هجواً فاحشاً، من جملة ذلك هذا البيت.
(1/242)

وحرفته فاقت على كل حرفة ... يركب ياقوتاً على فص خاتمه
فلما بلغ معين الدين ذلك، شكا السلموني إلى السلطان، يعني الغوري، فقال له إن وجب عليه شيء بالشرع أدبه، فنزل شك السلموني في الحديد، وأتى به إلى بيت قاضي القضاة الحنفي عبد البر بن الشحنة، وادعى عليه، فضربه عبد البر وعزره، وأشهره على حمار، وهو مكشوف الرأس؛ وقد ورد في بعض الأخبار أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أول من عاقب على الهجاء؛ وقد قال بعض شعراء العصر في واقعة السلموني بيتين هما:
وشاعر قد هجا شخصاً فحل به ... من حاكم الشرع توبيخ وتعزيز
فأشهروه وجازوه بفعلته ... تباً له شاعر بالهجو مشهور
فلما بلغ السلطان ما فعله معين الدين بن شمس بالسلموني، شق ذلك عليه، ووكل به، وأمر بقطع لسان، فإنه قال: السلطان رسم لي بأن أشهر السلموني؛ ولم يكن السلطان رسم بذلك، واستمر ابن شمس في الترسيم مدة طويلة حتى أرضى السلطان بمال له صورة، حتى رضي عليه وألبسه خلعة.
ثم إن السلموني هجا عبد البر بقصيدة مطلعها:
فشا الزور في مصر وفي جنباتها ... ولم لا وعبد البر قاضي قضاتها
وهي مطولة.
والذي حكى لي هذه النادرة أخبرني بوفاة العلامة جلال الدين السيوطي، بأنها يوم الخميس تاسع جمادى الأولى من هذه السنة، وقال هو عبد الرحمن بن أبي بكر الأسيوطي، وكان بارعاً في الحديث وغيره من العلوم، بلغت عدة مصنفاته نحو الستمائة، وكان في درجة المجتهدين في العلم والعمل، وكان مولده في جمادى الآخرة سنة 849، ولما مات دفن بجوار خانقاه قوصون، خارج باب القرافة، قيل لما غسل أخذ الغاسل قميصه وقبعه، فاشترى بعض الناس قميصه من الغاسل بخمسة دنانير للتبرك به، وابتاع قبعه الذي كان على رأسه بثلاثة دنانير لذلك؛ ورثاه عبد الباسط بن خليل الحنفي بقوله:
مات جلال الدين غيث الورى ... مجتده العصر إمام الوجود
(1/243)

وحافظ السنة مهدي الهدى ... ومرشد الضال لنفع يعود
فيا عيون أنهملي بعده ... ويا قلوب انفطري بالوقود
واظلمي دنياي إذ حق ذا ... بل حق أن ترعد فيك الرعود
وحق للضوء بأن ينطفي ... وحق للقائم فيك القعود
وحق للنور بأن يختفي ... ولليالي البيض أن تبقى سود
وحق للناس بأن يحزنوا ... بل حق أن كلا بنفس يجود
وحق للأجيال خراً وأن ... تطوى السماء طياً كيوم الوعود
وأن يغور الماء والأرض أن ... تميد إذ عم المصاب الوجود
مصيبته جلت فحلت بنا ... وأورثت نار اشتعال الكبود
صبرنا الله عليها وأولاه ... نعيماً حل دار الخلود
وعمه منه بوبل الرضى ... والغيث بالرحمة بن اللحود
وأخبرني في سابع عشري شعبان منها، خرج خارجي في الصعيد، زعم أنه من خلفاء الصوفي، وتكلم بكفريات، وطعن في القرآن والحديث، فطلب إلى مصر، وحكم شيخنا الشيخ شمس الدين الخطيب المصري الحنفي بسفك دمه، فجر، ورميت رقبته، ثم أتبعه باثنين من جماعته.

سنة اثنتي عشرة وتسعمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين أبو الصبر يعقوب بن عبد العزيز العباسي؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري؛ ونائبه بدمشق سيباي، ولم يدخل الشام بل هو في الطريق؛ والقضاة بها: الحنفي البدري الفرفوري، وهو بقلعة دمشق على إكمال ما عليه من المال، والشافعي ولي الدين بن الفرفور، ابن عمه، وهو بمصر إلى الآن، والمالكي خير الدين الغزي، وقد اشترى حصة من بيت المرحوم شهاد الدين بن حجي وسكن به في هذه الأيام، والحنبلي نجم الدين بن مفلح؛ والحاجب الكبير جان بردي الغزالي؛ ودوادار السلطان دولتباي اليلبابي، وقد سافر ليلقى النائب الجديد؛ ونائب القلعة طومان باي.
وفي يوم الاثنين تاسوعاء، وهو أول حزيران، وصل من مصر النائب الجديد سيباي، ونزل تجاه قبة من جهة الغرب، ونودي بالزينة بدمشق وحاراتها، وهرع الأكابر للسلام عليه؛ واستمر هناك إلى يوم الخميس ثاني عشره فلبس على مصطبة القبق خلعته؛ وهي بطراز
(1/244)

مذهب، ودخل دمشق، وتلقاه أرباب الوظائف على العادة، ودخل مدخلاً حسناً.
وفي يوم الجمعة أخليت له مقصورة الجامع الأموي فصلى الجمعة بها، وخلع على الخطيب سراج الدين بن الصيرفي، ونائب المرقي برهان الدين السوبيني، وهرع الناس للتفرج عليه، وشكا بعض الناس إليه كثرة الخمر، وقلة الخبز، فلم يلتفت إلى ذلك.
وفي يوم الاثنين سادس عشر محرمها أوكب النائب بناعورة كبيرة، على غير العادة، ومر على باب كيسان وزينت له الشاغور، وشكا إليه بدار العدل رجل من زوجته التي طلقها وله منها ابنتان، وأنها لم ترده إلا بعشره أشرفية، فأمر خازنداره بأن يعطيه خمسة، وأن يعطيه بعض الأغوات تتمة الخمسة عشر، ثم قال له: هذه العشره لها، والخمسة انفقها على عيالك، وكلما احتجت نعطيك؛ فاستحسن الناس ذلك منه. وفي هذا اليوم رفعت الزينة من دمشق.
وفي يوم الجمعة سابع عشريه سافر النائب الكبير إلى البقاع، للقبض على مقدمها ناصر الدين بن الحنش. وفي يوم السبت ثامن عريه وصل قاضي القضاة الشافعي ولي الدين بن الفرفور، ونزل قرب قرية في مسجد القدم، كما نزل والده هنا في هذا اليوم، لما وصل من مصر في سنة ثلاث وتسعمائة، ثامن عشري رمضان منها، وكان النائب كرتباي غائباً عن دمشق، والآن النائب سيباي غائباً عنها.
وفي يوم الثلاثاء مستهل صفر الخير، دخل قاضي القضاة الشافعي ولي الدين أبو السعد محمد بن الفرفور، وميلاده سنة خمس وتسعين وثمانمائة، وفي ربيعها الأول، وتلقاه القاضي المالكي، والقاضبي الحنبلي، وأما ابن عمه الحنفي فإلى الآن بقلعة دمشق، وتلقاه أيضاً نائب القلعة، وخازندار النائب.
وفي يوم الأربعاء ثانية رتب القاضي الشافعي نوابه في الحضور عنده في الأيام، فجعل الأحد لشهاب الدين العزازي، والاثنين لشهاب الدين الرملي، والثلاثاء لأبي اليمن بن الخيضري، والأربعاء لمحيي الدين النعيمي، والخميس لتقي الدين أبن قاضي زرع والجمعة لرضي الدين الغزي، والسبت لبرهان الدين الصلتي؛ وأما النجمي ابن الشبيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، ومحيي الدين الإخنائي، وكمال الدين ابن خطيب حمام الورد، وسراج
(1/245)

الدين بن الصيرفي فبغير نوبة، فجعله لنواب أحد عشر، وسييأتي غيرهم له.
وفي يوم الجمعة رابعه دخل الجامع، وصحبته القاضي المالكي، ونواب الحكم العزيز، وصلى الجمعة تجاه باب الخطابة، والمالكي عن يمينه والشيخ شهاب الدين بن المحوجب عن يساره، ثم حضر القاضي الحنبلي.
وفي يوم الجمعة حادي عشره دخل القاضي الشافعي إلى باب الجامع، ثم بيت الخطابة، ولبس السواد، ثم خرج فخطب للجمعة خطبة بليغة وجيزة، ثم صلى الجمعة وقرأ قراءة حسنة، فلما فرغ دخل بيت الخطابة، وخلع على المرقي، وقلع السواد، ثم خرج إلى الخانقاه السميساطية بالجماعة المذكورين، وقرئ بين يديه في تفسير القرآن، في قوله تعالى: " وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله " إلى قوله " عزيزٌ حكيمٌ " ثم خلع على القارئ ثم عاد إلى بيت الخطابة، ثم في الحال رجع إلى منزله، ومر على الخانقاه المذكورة، وظهرت فصاحته وجسارته، وقوة جأشه.
وفي بكرة يوم السبت ثاني عشره زار قبر أمه بالتربة الخيضرية، قبلي مسج البص، شرقي التربة الركنية المنجكية، بمحلة مسجد الذبان. وفي هذه الأيام دخل الأمراء بين النائب وبين مقدم البقاع ناصر الدين بن الحنش في الصلح، على مال معين للنائب عليه، مع عدم حضوره عليه؛ ثم عزم على الرجوع، وسبقة الحاجب الكبير، ودوادار السلطان، وبقية الأمراء إلى دمشق، ليتجهزوا إلى قتال عرب حوران ومن معهم، ونصر طائفة منهم على الأخرى.
ونودي بذلك في يوم الاثنين خامس ربيع الأول منها، وضربت القلعية بأطراف القلعة بالبارود، فخرج العسكر بالعدة الكاملة، وهم فرق، جماعات وأفراد. وفي عشية يوم الثلاثاء سادسه رجع النائب إلى دمشق؛ ورحل عقبه من بيروت إلى دمشق الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، ثم ركب قضاة القضاة وسلموا على النائب قبيل العشاء، ثم ركب النائب من دار السعادة في النصف الأول من هذه الليلة، وهي ليلة الأربعاء سابعه، ومعه بقية العسكر، ومر على باب الجابية، ثم مصلى العيدين، والطبل الحربي بين يديه، ولما سمع العرب المطوبون ذلك، هربوا عن الطائفة الطائعة.
وفي يوم الأربعاء المذكور سلم القاضي الشافعي على الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون في بيته، وصالح بين ابنه وبين شهاب الدين الرملي، وفي ليلة الجمعة وقت العشاء عاشره، وهو سلخ تموز، رجع النائب إلى دمشق والمشاعل قدامه تضيء.
(1/246)

وفي عشية يوم الأحد حادي عشره خرج القضاة للسلام على كرتباي الخاصكي، الذي أتى من مصر لقبض ما على القاضي الحنفي البدري الفرفوري، وابن عمه القاضي الشافعي، والكشف على نائب القلعة، ونقيبها؛ ثم رجعوا فدخلوا على الشهاب بن المحوجب في منزله، فشفع الجميع في جلال الدين محمد بن البصروي عند القاضي الشافعي، ففوض إليه حينئذ بعد الامتناع الكلي.
وفي بكرة يوم الاثنين ثاني عشره دخل من مصر إلى دمشق، الخاصكي المتقدم ذكره، وخرج النائب لتلقيه إلى جهة قبة يلبغا، وخرج القضاة الثلاثة، ونواب الشافعي، اهتماماً لقاضيهم ولي الدين ليلبس تشريفه، الذي جاء صحبته، وليقرأ توقيعه، فلبسه بدار السعادة على العادة، وأتى على باب سر القلعة، ثم باب الحديد، ثم دخل من باب الفراديس، إلى الجامع، وصحبته نائب القلعة، والحجاب، وجلس بمحراب الحنفية على العادة، وقرأ توقيعه السراج الصيرفي، وهو توقيع مهم فيه وصايا عديدة، منها الاهتمام بأمر الشهود، وضبط أمورهم، والأوقاف وغير ذلك، وتاريخه سابع جمادى الآخرة من السنة الماضية؛ وأما قاضي الحنفية البدري الفرفوري، فهو على وظيفته، لكنه مستمر بالقلعة.
وفيه نودي بدمشق بالأمان والاطمئنان، وأن لا يشوش أحد على جلاب، وأن البلاصية المجددين بطالة، ومن كان له صناعة فليذهب إليها.
وفي يوم الأربعاء رابع عشره هاش نقيب القلعة على جماعة بها، من جهة نائبها، بسيف، وأراد قتل نائبها.
وفي يوم الأربعاء خامس عشره رجع الأمير ابن علي دولة من مصر إلى دمشق، بشاش وقماش مخلوعاً عليه، قاصاً بلاده. وفي هذه الأيام تبين أن القاضي الحنفي البدري الفرفوري معزول، وأن المنفصل عنها ابن يونس هو قاضي الحنفية، وأنه عن قريب يأتي من مصر إلى دمشق.
وفي يوم الأربعاء حادي عشريه وقع شر بين القاضي المالكي، وبين كبير الشهود شهاب الدين الحمراوي، فأغلظ عليه المالكي، ثم جاء المالكي إلى عند القاضي الشافعي وأظهر المحبة له، فأمر القاضي الشافعي الحمراوي ان يقوم ويقبل بيد المالكي فأبى، ثم جاء السيد كمال الدين بن حمزة وخفض القضية، ثمر رجع المالكي إلى بيته وأمر بالمناداة على الحمراوي، بأنه ممنوع من الشهادة، ومن التكلم بين الناس، فبلغ القاضي الشافعي، ففي
(1/247)

الحال فوض نيابة الحكم الحمراوي، كالإنكاء للمالكي، لكونه أغلظ للحمراوي حتى في حضرته، ولكونه فارقهم على ضغين، فشاط المالكي وكاد أن يسافر، فركب الحمراوي إلى الشهاب المحوجب وقاضي الحنابلة النجم بن مفلح، وهم ساعون في الصلح.
وفي يوم الجمعة مستهل ربيع الآخر منها أتى رجل أعجمي من بلاده، وقد أثبت أنه شريف، وأنه من ذرية سيدي أحمد الرفاعي، فدل على زاوية السيوفية بالصالحية الموقوف عليها، وعلى ذرية السيوفي شيخها، قرية الفيجة وقرية دير مقرن، لإتنهى للسلطانت أنها شاغر، ليس لها ناظر، فأخرج له مربعة باستقراره في النظر والمشيخة بها، وأتى بذلك إلى النائب بحضرة القضاة ومفتية دار العدل، فقال الشافعي: يرجع إلى كتاب الوقف فيعمل بما تضمنه.
والحال أن سيدي أحمد بن الرفاعي ولم يكن له عقب، ولم يكن شريفاً، وليست بشاغرة، بل أحد نظارها عمي العلامة جمال الدين بن طولون الحنفي الصالحي، مفتي دار العدل الشريف، وهو حاضر وعنده كتاب الوقف؛ فلم يساعد القاضي الشافعي أحد من الحاضرين، بل اتفق الحال على أن النائب يأتي إلى الزاوية وينظر في أحوالها، فأتى وحده إليها، ولم يعلم أحداً، فأكرمه هذا الرجل الأعجمي وجماعته، وأظهروا أن ناظرها مقصر، وأنه قد خرب ما بجوارها من العمارة، وأنه من جملتها.
والحال أنها عامرة والخراب إلى جانبها بتربة بناها الملك الناصر يوسف، بنيت قبلها بدهر وأما هذه الزاوية فبنيت في أيام ابن قلاوون، ومساعد على ذلك، مراعاة لخاطر النائب، العواني عبد الله بن القوعوني، واستمر هذا الأعجمي فيها واستولى على الوقف المذكور باليد، وأظهر الانتصار، وأراد أن يغتصب كتاب الوقف من عمي ابن طولون المذكور، فلم يطلع من يده.
وفي ليلة السبت سادس عشره فوض القاضي الشافعي لبرهان الدين إبراهيم بن محيي الدين بن يحيى بن أحمد بن ماط الزرعي، الذي اشتهر بالإخنائي، وهو شاب عار من الفضل، ولا قوة إلا بالله، وصارت جملة نواب الشافعي به أربعة عشر نائباً. وفي يوم الأحد رابع عشريه توفي البرهاني الأكتع أحد الشهود بباب مسجد البوق، كان يكتب بشماله.
وفي يوم الأربعاء سابع عشريه، وهو آخر حضور الشامية البرانية، قرأ أخونا الشاب الصالح نجم الدين بن شكم الصالحي، ما كتبه بالأمس، عند ضريح الواقفة، على الأربعين مسألة التي سأله عنها مدرسها الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، فظهر عن استحضار حسن، وفضيلة تامة، فالله يجعله من العلماء العاملين.
(1/248)

وفي يوم الثلاثاء رابع جمادى الأولى منها، دخل من مصر إلى دمشق قاضي الحنفية بها زين الدين بن يونس، عوضاً عن البدري الفرفوري؛ وقرأ توقيعه بعض الجهلة محيي الدبن بن شعبان الغزاوي، فلم يفهم غالب الحاضرين ما فيه، ولا علم تاريخه؛ وحصل له عقيب ذلك قلبه، واستمر البدري المنفصل وقد تقدم أنه فيها من رجب من الماضية.
وفي ليلة الأربعاء خامسه سافر القاضي الشافعي إلى قسم بيت سراً، ثم أتى في ثاني عشره. وفي هذه الأيام توكأ مؤذن مئذنة مسجد قناة الشنباشي، داخل باب الصغير، على الدرابزين، فسقط بها إلى أسفل، فمات.
وفي يوم الاثنين سابع عشره دخل من مصر، راجعاً، تاج الدين، ديوان القلعة، وابن ديوانها، وتلقاه أرباب الوظائف على العادة، بعد أن صودر بمال كبير، وكان سبب ذلك محب الدين الأسلمي؛ ولما كان في الطريق قبل وصوله دمشق بلغه عن زوجته، بنت العلامة زين الدين بن العيني، أنها أحدثت فاحشة في غيبته، مع الأمير طومان باي نائب القلعة، طلقها ثلاثاً، وردت إلى أهلها، ولا قوة إلا بالله؛ وهي كانت قبله زوجة عمي القاضي جمال الدين بن طولون، وتعاديا لأجلها، ثم خطبت عند تاج الدين، فلما غاب خانته.
وفيه نودي من قبل النائب أن على كل حارة عشرين ماشياً، يسافرون صحبة النائب إلى كرك الشوبك، حسبما رسم به المقام الشريف؛ فشرع عرفاء الحارات في جباية مال لهم، وتوقف حال الناس.
ثم قرئت المراسيم بعزل نائب القلعة طومانباي، ونقيبها، اللذين تخاصما فيما مضى؛ وكان أتى خاصكي بالكشف عليهما، فرسم له بأن يستمر بالقلعة يحرسها عوضهما، حتى يأتي إليه ما يعتمده، فانتقلا من القلعة.
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشره وقع المطر الجديد بدمشق قليلاً، وبنواحي سنين كثيراً، جعله الله مباركاً. وفي يوم الخميس عشريه فوض القاضي الشافعي إلى صدر الدين بن أحمد بن الموصلي نيابة القضاء، ولا قوة إلا بالله.
وفي بكرة يوم السبت ثاني عشريه خرج النائب بجماعة من دمشق، فسافر إلى بلاد حوران، ونزل عند قبة يلبغا. وفيه فوض القاضي الشافعي نيابة القضاة لشهاب الدين بن الحداد، الشهير بابن الملاح، فصارت عدة نوابه ستة عشر نائباً، ثم سافر القاضي الشافعي إلى بعلبك.
(1/249)

وفي يوم الأحد ثالث عشريه استناب النائب دواداره الكبير أردبش في نيابة الغيبة، وخلع عليه هناك، وعلى أستاداره، ودخلا دمشق، ثم سافر النائب.
وفي اليوم المذكور وصل إلى دمشق الأمير دولتباي، أخو السلطان العادل طومان باي، الذي ولي دمشق وهرب منها، ثم ولي بعدها طرابلس، وهرب منها إلى الروم، ثم شفع فيه ملكها ورجع إليها، ثم رحل منها إلى حماة ونهب نائبها، ثم رحل منها إلى مرعش إلى علي دولات وشفع فيه، ثم نزل الآن منزلة القصير.
وفي ليلة الاثنين رابع عشريه نزل بالميدان الأخضر، ثم سافر في اليوم المذكور من دمشق الأمير دولتباي دوادار السلطان، ثم الحاجب الكبير جان بردي الغزالي. ثم في بكرة يوم الثلاثاء خامس عشريه سافر الأمير الكبير برد بك تفاح، بطلب لم ير مثله للأمراء. وفي يوم الخميس سابع عشريه فوض القاضي الحنفي الزيني بن يونس، لشمس الدين بن رجب البهنسي، الذي كان نقيب الحكم، نيابة القضاء، ولا قوة إلا بالله.
وفي بكرة يوم الأحد سابع أو الاثنين ثامن جمادى الآخرة منها، سافر من دمشق الأمير دولتابي، أخو السلطان العادل طومانباي، إلى مصر، وصحبته خلق كثير، منهم طومان باي نائب القلعة، وقيبها، مطلوبين، والنائب مقيم حينئذٍ قرب مدينة أربد من حوران، ثم ذهب إلى صرخد.
وفي هذه الأيام توفي الرجل الصالح، خادم ضريح سيدي سعد بن عبادة. وفي يوم الاثنين ثاني عشريه دخل النائب راجعاً من بلاد حوران، وتلقاه الناس على العادة، وذهب المال الذي جبي لأجل المشاة، وهو مال كبير، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الاثنين سابع رجب منها، لبس الأمير دولتباي دوادار السلطان بدمشق، خلعة الاستمرار، من بين يدي النائب بدرا العدل إلى منزلة، وركب أرباب الدولة معه إلى منزله على العادة.
وفي ليلة الأحد ثالث عشره قبض الوالي على المجرم ابن خريص الحرامي، ثم أراد عبد الوهاب وابن المسحر والأصفر أن يشفعواً فيه، فذهبوا إلى دار السعادة لذلك، فقبض عليهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. ثم بعد أيام شرط عليهم مالاً نحو أربعمائة دينار، ثم أطلقهم وأمر أن ينادي لهم باستماع الكلمة وعدم المعارضة، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم السبت حادي عشر شعبان منها، رجع القاضي الشافعي من البقاع وغيرها. وفيه سافر حريم النائب أركماس، المنفصل المطلوب إلى مصر، وسافر معهم النائب الجديد
(1/250)

شهاب الدين بن الملاح، بحريمه معه، لكونه إمام أركماس المذكور؛ وكان سفر ابنه عوضه، واستمر هو بدمشق نائباً للقاضي الشافعي فلما رأى أنه غير نافق بدمشق، وعلى غير فائدة، اختار اللحوق بولده ليكونا بمصر، ولاحتمال ترقي أركماس المذكور.
وفي بكرة يوم الأربعاء سادس رمضان منها، قيل فوض القاضي الشافعي لمحيي الدبن بن محمد بن الإمام، والده بجامع المزاز بأواخر الشاغور، نيابة القضاء، ثم لم يصح ذلك؛ وكان يحيى يكتب في رسم شهادته يحيى بن الإمام، حتى يوهم أن أباه كان إماماً في العلم، اللؤلؤي، كما قرأ ولده منه أيضاً على السراج بن الصيرفي؛ وقد نسب هو وولده إلى الزور مراراً، هما من شهود باب الصغير.
وفي هذه الأيام منع القاضي الشافعي نوابه أن يسمعوا دعوى أحداً، أو يثبتوا مكتوباً، أو يحكموا فيه إلا ببابه، ولم يعلم مراده بذلك، واستمر الأمر على ذلك؛ ثم طلب منهم أن يستقرضوا له مالاً إلى البيدر، ثم أذن لهم في الحكم في بيوتهم في كل واقعة، وكان السبب في هذا الإذن نائب القلعة طومانباي.
وفي يوم الاثنين ثامن عشر، لبس النائب خلعة جاءته من مصر، وخرج الناس للبسها على العادة، وفي يوم الخميس حادي عشريه دخل من مصر، راجعاً إلى دمشق، نائب القلعة طومان باي المنفصل عنها، ثم أعيد إليها الآن، وصحبته نقيبها، وتلقاه النائب والقضاة على العادة.
وفي يوم الجمعة تاسع عشريه تكلم النائب في أمر العيد، ورأى الناس أن له الغرض في أن أوله الخميس لا الجمعة، فرتبوا رجلاً شهد أن أوله الخميس، وأن العدة قد كملت، وثبت على الإخنائي بحضرة القاضي الشافعي، ونودي بذلك في دمشق؛ ثم إن جماعة تراءوا الهلال ليلة السبت فلم ير، وعيد الناس ولم يكن عيداً، ثم رئي ليلة الأحد رفيعاً ولم يثبت إلى العشاء الآخرة، فلا قوة إلا بالله.
وفي يوم الثلاثاء رابع شوال منها، خرج النائب على اللحم، وجعل على كل رأس يخرج من السلخ درهمين، روبع درهم لمن يختم عليه بالختم؛ فزاد وقوف الحال الكائن من كثرة الظلم، فألهم الله الحاجب الكبير، جان بردي الغزالي، مراجعة النائب في ذلك فراجعه النائب في ذلك، فراجعه وبطل ذلك.
(1/251)

وفي يوم الأحد حادي عشريه أمر النائب بفتح قبة عائشة، غربي صحن الجامع الأموي، ففتحت وصعد إليها بنفسه، ونائبه في النظر على الجامع المذكور، ولم يوجد فيها سوى مصاحف عتيقة. وفي يوم الاثنين رابع عشريه قبض على أحد المجرمين، ابن الدمشقي، أستادار النائب أركماس، لكونه رأس الزغلية، وضرب ووضع بقلعة دمشق، ومعه جماعة؛ وقد كثر الزغل في هذه الأيام، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الثلاثاء خامس عشريه سافر النائب إلى نحو القصير، وأراد القضاة والأربعة اللحوق به لأجل الوقوف على قسمة ما هناك. وفي آخر الربع الأول من ليلة الجعة ثامن عشريه، وهو ثاني عشر آذار، نقلت الشمس إلى برج الحمل، وهو أول السنة الشمسية الرومية، تكمله ألف سنة وثمانمائة عشر سنة. وفي صحبته وصل الشيخ تقي الدين من صفد إلى دمشق.
وفي يوم الاثنين مستهل ذي القعدة منها، أفرج عن قاضي الحنفية البدري الفرفوري المنفصل، من السجن بالقلعة، بعد مدة نحو السنة وأربعة شهور، لسفر أمه إلى مصر وشفاعة الأمير الكبير بمصر فيه لأجلها، على سبعة آلاف دينار، أوفى منها أربعة وضمن عليه على ثلاثة. وفي صبيحة يوم الخميس رابعه رئي الشاب ولي الدين محمد ابن القاضي شعيب، مشنوقاً بدهليز سكنهم، وهو ابن أخت محمد بن الحصني.
وفيه سافر الخاصكي، الذي كان أتى لأجل قضيتي نائب القلعة ونقيبها، وتسلم القلعة بعدها إلى أن أتيا من مصر على عادتهما، وكان أتى أيضاً لأجل استيقاء مال على القاضي الشافعي وتكلف عليه نحو سبعة آلاف دينار، منها ثلثمائة تسفيره وغير ذلك. وفي هذه الأيام شرع في عمارة الحمام داخل باب توما، وكان خراباً، وأظنه الذي ذكره الحافظ ابن كثير في تاريخه.
وفيها ورد من حماة إلى صالحية دمشق، صوفي شرقي مغربي، يقال له علي بن ميمون، فهرع الناس إليه للتبرك به، ونزل بحارة السكة، وصار يعمل بها ميعاداً ويرشد، وممن صعد إليه شيخنا عبد النبي شيخ المالكية، وشيخنا شمس الدين بن رمضان شيخ
(1/252)

الحنفية، وتسلكا على يديه وخلق من الفضلاء، وتنقل من أماكن، إلى أن توفي في حادي عشره جمادى الآخرة سنة سبع عشره وتسعمائة بقرية تل معوشي، من معلملة بيروت. وفي يوم الأحد ثامن عشره ختم الدرس بالشامية البرانية.
وفي يوم الأربعاء مستهل ذي الحجة منها، فوض القاضي الحنفي لعلاء الدين بن الفيقي، وهو رجل أسمر جاهل لكن قيل عنه إنه كثير المال، ولا قوة إلا بالله. وفي يوم الاثنين حادي عشريه شاع بدمشق أن قاضي الحنفية البدري الفرفوري، الذي كان معتقلاً بقلعة دمشق، بشر بعوده إلى الوظيفة، وعزل الزيني بن يونس، وقد اشمأزت النفوس من تجاهره بأخذ الرشوة، ورضوا بالبدري المذكور، ولستخاروه عليه.
وفي ليلة الأربعاء سلخه دخلت زوجة المتوفى شهاب الدين بن المحوجب، على موقع النائب الآن، محب الدين محمد بن الرضي الشويكي، وهو رجل أقر حسناً وجاهاً من زوجها، ولكنه أصغر سناً، وهذا وجه ميلها إليه، والحال أنها لم تبلغ ثمان شهور في الرملة، وهي في عينه من النعمة، وأدخلته على ولديها، وفي منزله، وغيرت لأجله محل كتبية المتوفى، وفرحت به وفرقت على جماعته مالاً، وخرجت بسببه عن حيز العقل لأجل شهرتها، ولا قوة إلا بالله.

سنة ثلاث عشرة وتسعمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين أبو الصبر يعقوب بن عبد العزيز العباسي، وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري؛ ونائبه بدمشق سيباي؛ والقضاة بها: الحنفي بدر الدين ابن أخي القاضي الشافعي، وهو إلى الآن لم يلبس خلعته، والشافعي ولي الدين بن الفرفور، والمالكي خير الدين بن الغزي، والحنبلي نجم الدين بن مفلح؛ والحاجب الكبير جان بدري الغزالي؛ ونائب القلعة دولتباي.
وفي يوم الثلاثاء سادس المحرم منها، هجم الحرامية على قيسارية القواسين، وأخذوا شيئاً كثيراً؛ وعلى حانوت بالخلعيين وانتقوا خاص قماشه - وفيه سبق من القفل المصري جماعة، نحو مائة بغل وأكديش، وعليها أربابها، من جب يوسف، فلما وصلوا إلى مرج
(1/253)

برغوث، خرج عليهم جماهة من العرب، فأخذوهم وما معهم من البضائع والمال والنساء؛ وقد اشتهر عند المجرمين وقطاع الطريق وغيرهم، طمع النائب في المال منهم فقط، من غير مقابلة، وهذا الذي جرأ هؤلاء الفعال، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الاثنين ثاني عشره دخل من مصر إلى دمشق أمير ميسرة أصلان، وتلقاه النائب والقضاة على العادة، ثم قرئت مطالعاته.
وفيه لبس قاضي الحنفية البدري الفرفوري خلعته، التي جاءت إليه من مصر، وخرج إلى الجامع على العادة، وجلس بمحراب الحنفية، وبقية الأربعة، وقرأ توقيعه أحد العدول محب الدين بركات بن سقط، وتاريخه مستهل ذي الحجة من الماضية.
وفي هذه الأيام وصل أزدمر الدوادار الكبير من مصر إلى القدس، وهرب أهلها منه لكثرة جماعته، وصادر بعضهم.
وفي يوم الاثنين تاسع عشره ركب النائب والحاجب الكبير، وأراقوا الخمور، وأبطلوا الخمارات؛ ونودي بدمشق بأن لا يحمل أحد سكيناً، وفرح الناس بذلك لكثرة الزعر وحملهم الخناجر المهولة، ولله الحمد.
وفي يوم الأربعاء ثامن عشريه عرض عسكر دمشق من المقطعين، ورمي على الحارات مال لأجل التجريدة لعرب كرك الشوبك.
وفي يوم الثلاثاء رابع صفر منها، خرج النائب بجماعته من دمشق، لأجل التجريدة المذكورة.
وفي هذه الأيام تواترت الأخبار أن مركباً في البحر بالأباحة، غرق بأهله، وهم نحو المائتين، ولم ينج منهم إلا القليل.
وفي عشية يوم الاثنين مستهل ربيع الأول منها، اختلفوا في صفر هل هو ناقص أم تام، وحط الأمر على ما ذكرنا.
وفي ليلة الأحد سابعه قطعت رأس الأزعر ابن الأستاذ.
وفي صبيحة يوم السبت بعث القاضي الشافعي لنائبه، شيخنا محيي الدين النعيمي، وأن يلزم بيته، فأجابه بالسمع والطاعة، وحمد الله؛ وقد كان القاضي الشافعي أرسل إليه في وقت العشاء من ليلة الأحد سادس شوال من الماضية مشرفته، في أن يقترض له مائة أشرفي من أصحابه، حيلة عليه، مع علمه أنه لم يحصل له بالقضاء فائدة من نحو توليته، نظر ولا استئجار بلد، ولم يقبل لأحد هيئة، ففي الحال أنكر ذلك، وأعلمه بعدم قدرته على الاقتراض، فلما رأى الجد، سكت إلى هذه الأيام، عزله.
وفي يوم الأحد حادي عشريه، وهو أول آب، وصل الخبر من مصر إلى دمشق، أن
(1/254)

السيد إبراهيم بن السيد محمد، وهو يومئذٍ نقيب الأشراف بدمشق، توفي في خامس الشهر، وأنه جعل النظر على أولاده للقاضي كاتب السر بدمشق ابن أجا، وتقلد أموراً في حياته، وبعد موته، وهو من بيت بني الجن، وميلاده سنة ثمان وأربعين وثمانمائة.
وفي هذه الأيام أراد جماعة النائب أن يطرحوا على الحارات شعيراً للنائب، زيادة على ما رموا على الحارات من المصادرات، فسعى نائب القلعة في إبطال ذلك، كل ذلك والنائب وأزدمر الدوادر الكبير بمصر، وبقية أمراء دمشق، مقيمون بأرض حوران، بعد أن نهب أهل البر وصودروا وعمل فيهم ما لا يحل.
ثم نودي بدمشق بالزينة، قيل وسببها أن جند السلطان، الذي بعثه إلى الحجاز، انتصر على عدوه.
وفي يوم الأحد ثامن عشريه سافر القاضي الشافعي، وابن عمه القاضي الحنفي، للسلام على الدوادار أزدمر والنائب.
وفي يوم الثلاثاء سابع ربيع الآخر منها، راجعاً إلى دمشق.
وفي يوم الخميس تاسعه رجع النائب ومن معه إلى دمشق.
وفي بكرة يوم السبت حادي عشره خرج النائب وأرباب الوظائف وغيرهم، إلى قرب قبة يلبغا، وألبس النائب خلعته التي جاءت في غيبته من مصر، وكذلك القاضي ولي الدين الشافعي، ثم دخل على العادة.
وفي يوم الاثنين ثالث عشره رفعت الزينة، بعد فساد كثير، وتعب شديد لأرباب الأسواق، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الجمعة سابع عشره، عقب الصلاة، صلي بالجامع الأموي غائبة على العالم العلامة، على ما قيل، عبد الرحيم الوردي، من محلة الوردة.
وفي هذه الأيام شاع بدمشق أن الخارجي الصوفي قد خرج على الأمير علي دولات وقاتله، وأنه قرب من حلب، فزاد وقوف الحال من الرميات على الحارات، ومما يرميه المحتسب على أرباب المعاشات، ومن كثرة ما يأخذ زعر كل حارة من حوانيت الناس، ويقيمون فيها من تحت أيديهم من يبيع لهم، ويحمونه من هذه الرميات.
وفي يوم الخميس مستهل جمادى الأولى منها، رمى النائب على أهل الحارات، مشاة لأجل التجريدة للصوفي.
وفي يوم السبت ثالثه أمر النائب بأن تعرض مشاة القبيبات وميدان الحصى والمصلى والسويقة المحروقة، فعرضوا عليه بالمرجة؛ ثم في ثاني يوم عرض الشواغرة
(1/255)

والصوالحة.
وفي هذه الايام شاع بدمشق أن الله قد أهلك من أهلك الحرث والنسل، دوادار السلطان بمصر أزدمر.
وفي ليلة الجمعة أول جمادى الآخر منها، نزل جماعة على الناصري محمد بن جان بقرية بابيلا وقتلوه، وسمى القاتل نفسه بهميل، فعرف حينئذٍ، وهو من جماعته قديماً، ثم تغير عليه.
وفي برز النائب إلى مصطبة السلطان، وخرج معه القضاة ودوادار السلطان بدمشق، على نية السفر والتجريدة للخارجي الصوفي، ثم سافر يوم الخميس سابعه.
وفي يوم الجمعة سلخه رجع القاضي الشافعي من سفره إلى دمشق، وقد كان توجه مع النائب.
وفي يوم الاثنين ثالث رجب منها، أتى الشهاب بن بري إلى شيخنا المحيوي النعيمي، وبشره بأن القاضي الشافعي فوض إليه، وأشار عليه بالاجتماع به من كل بد بقدومه، فاجتمع به يوم الثلاثاء، فسلم عليه، وبعده ألزمه بحضور النوبة يوم الأربعاء غداً، فتأخر عن المجيء يوم الأربعاء، فأرسل قاصده إليه، فأتى إليه وعنده دواداره تقي اليدن بن طالوا، وأخوه علاء الدين، واستاداره، ناصر الدين القدسي، فتلقوه بالترحيب، وسأله القاضي الشافعي عن سبب الإبطاء، فأظهر أن السبب عدم إرادته لذلك، فألزمه بالمباشرة، وفوض إليه، وباشر.
وفي أواخر هذا الشهر قد كثر قتل الأنفس، لغيبة نائب دمشق عنها، ورميات الأموال من دوادراه نائب الغيبة على الناس بسبب ذلك، وقد ضاع الأمر، ولم يتكلم أحد من الأكابر.
وفي ليلة الثلاثاء حادي عشر رجب منها، أتى جماعة إلى الشاب علي بن عبد القادر بن قرنبع، أحد العرفاء، وضربوه بالسكاكين، وتركوه ميتاً على باب أبيه، بمحلة قصر حجاج.
وفي هذه الأيام رجع من عند النائب بحلب جماعة من أرباب الدولة، منهم الأمير الكبير، ودوادار السلطان.
وفي يوم الخميس عشريه دخل من مصر إلى دمشق محب الدين الأسلمي، لموت ولده الرجل، ومعه عدة وظائف، منها كتابة السر، ونظر الجيش، وعداد التركمان، ونظر القلعة.
وفي هذه الأيام كثر جلب المماليك الجراكسة من بلادهم إلى مصر، وكلما مروا بدمشق نهبوا ما قدروا، فتغلق الأسواق، فيقفون في الطرق يأخذون عمائم وشدود، وغالبهم كبار بذقون.
وفي يوم الخميس سابع عشريه فوض القاضي الشافعي نيابة إمامة الجامع الأموي، بعد
(1/256)

عزل القاضي شهاب الدين أحمد الرملي السبعي الشافعي، للغريب شهاب الدين أحمد الرملي السبعي الشافعي المعروف بابن الملاح، وقد وافق للمعزول في لقبه واسمه وبلده وفضيلته ومذهبه؛ وهنا نكتة، وهي أن الشيخ غرس الدين اللدي، الذي أخذ عنه المعزول لما توفي كان سنه قريباً من سن هذين.
وفي يوم السبت تاسع عشريه جمع طومانباي، نائب قلعة دمشق، جميع المعمارية، وأشرف على البرج الشمالي الشرقي جوار الطاحون وباب الفرج، فحضره القضاة الأربعة فرأوه قد قرب سقوطه، فأمرهم بالحضور في يوم الجمعة الآتي.
وفي عصر يوم الثلاثاء ثاني شعبان منها، دخل النائب سيباي إلى دمشق، من بلاد بعلبك والبقاع، وبعد رجوعه من تجريدة الصوفي، التي وصل فيها إلى حلب. - وفي يوم الأحد حادي عشريه أعيد القاضي الحنفي البدري الفرفوري إلى الاعتقال بالقلعة، على ثلاثة آلاف دينار، وخصمه ابن يونس بمصر.
وفي يوم الخميس خامس عشريه أصلح النائب بين القاضي الشافعي والقاضي المالكي، لأجل الوقفة والقلقلة، التي كان سببها تقي الدين بن قاضي زرع، لما حكم في حوالةٍ بشهادة بعض الفسقة، والحال أنها لا تسمى حوالة، لكون المحال به غير مستقرّ، لأنه غرامة في مظلمة، وشرع يماري ويجادل بالباطل، وخالفه كل الجماعة إلا القاضي الشافعي، لأجل الفائدة الدنيوية، فدافع عنه؛ فلم يرجع النائب ولا القضاة إلى قوله، بل أيّد المالكي، وأصلح النائب بينهما، فما وسعه إلا أن أخذه معه من دار العدل إلى بيته، وخلع عليه، وعلى نائبه الشمسي الموصلي، وشرع يلوم ابن قاضي زرع.
وفي يوم السبت سابع عشريه توفي الأبله المبارك ابن الخطاب الشويكي، كان أول أمره حائكاً مجيداً، ثم حصل له تولّه وتزايد عليه، ودفن بالحميرية، وجعل على قبره إشارة. - وفي يوم الأحد تاسع عشريه أعاد القاضي الشافعي، القاضي شهاب الدين الرملي إلى إمامة الجامع الأموي، بعد عزل شهاب الدين بن الملاح منها، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الأربعاء ثاني رمضان منها، ذهب القضاة الثلاثة، خلا الحنفي، فإنه بالقلعة كما مرّ ذكره، إلى دار العدل، ومعهم السيد كمال الدين مفتيها من الشافعية، فرسم النائب لهم بهدم
(1/257)

ما بناه كاتم السرّ محب الدين الأسلمي، قبلي قبّة الشيخ رسلان، من حيطان، على مقابر المسلمين، ونبش قبور جماعة، فرجع القضاة ومعهم جماعات أخر إلى المكان المذكور، وهدموه، وقد غرم عليه جملة، وحصل عنده قهر، وهو ناوٍ للشرّ لمن كان السبب في ذلك.
وفي يوم الجمعة رابعه أتى النائب إلى الجامع، وصلّى بالشباك الكمالي على العادة، فذهب القضاة الثلاثة، والسيد كمال الدين، إلى عنده، فأخرج النائب لهم من جيبه بسلارية، درجاً طويلاً، مكتوباً بخط هذا الشريف المغربي، الذي أتى إلى الصالحية، وفيه آيات من القرآن، وأحاديث من السنة، في التحذير من الظلم، وللترك ونحوهم.
ثم انتقل إلى الفقهاء والقضاة، فحذّرهم من أكل مال الأوقاف، ثم حرّض على الاستسقاء وذكر ما يتعلّق بذلك، ومن نقل ذلك من السلف بحيث أن النائب ذرف دمعه؛ فهم في أثناء قراءة ذلك وقع المطر، لكون النائب يرى الإقلاع عن الظلم، وكذلك بعض الحاضرين، فاعتقد الناس صلاح الكاتب المذكور، وزاد فيه من كان يعتقد، بحيث يخشى على الكاتب العجب بنفسه.
والحال أن جلّ قصده وبيت قصيده هو شيخ الأسلام تقي الدين بن قاضي علجون، بل قيل لي إنه صرّح به في الكتابة المذكورة، وحطّ عليه كعادته، لكنهم لم يقرأوه احتراماً وخوفاً من عاقبة ذلك، وبلغني ممن أثق به أنه صرّح بأنه فاسق، ولا خلاف أنه حطّ عليه بكلمات لا ينبغي أن يقولها وليّ الله، إذ شرطه أن يكون محفوظاً من الزلل، كما أن شرط النبي أن يكون معصوماً من الخلل، وحجّة الكاتب المذكور أن تقي الدين هذا لا ينهى عن المنكر، وأنه يأكل الأوقاف الحرام، منها مكان في الصالحية يعرف بالسيفية.
وبلغني من جمّ غفير أن شمس الدين الكفرسوسي ذهب إليه إلى الصالحية بجمّ غفير، فكان المجلس جميعه في غيبته، ويقول عنه إنه شقي الدين بحضرة الجمّ الغفير، قيل إنهم نحو المائتين؛ ثم ذهب إليه مرة ثانية بجمّ كثير، أكثر من المرة الأولى، فكان مجلسه معه كذلك، وكان الكفرسوسي هو السبب في هذين المجلسين، وكان بحضور محمد بن عراق؛ قال شيخنا محيي الدين النعيمي عنه إنه رجل متذوكر، يعتقد مذهب ابن عربي، وإنه يعلم ذلك منه لأمور يطول ذكرها، انتهى.
(1/258)

وفي يوم الاثنين رابع عشره اتّفق جماعة من أوباش الشويكة، ومحلّة، قبر عاتكة، على فتح حوانيت سوقها، فغار منهم فقتلوه، ثم بعد يومين عرفوا، فمسكوا.
وفي يوم الجمعة ثاني شوال منها، سافر السيد كمال الدين إلى مصر، خوفاً من مرسوم يأتي فيه، بسبب محبّ الدين الدين كاتب السرّ، حيث هدم ما بناه على ولده عند الشيخ رسلان.
وفي يوم السبت عاشره حضر القاضي الشافعي العادلية الكبرى، وجرّح على شهود المراكز؛ وكان السبب في ذلك المفتي المصري، وخصمه عبد القادر بن شعبان، حيث تنازعا على مركز مسجد العجمي.
وفي يوم السبت سابع عشره دخل من مصر إلى دمشق.... وتلقّاهم النائب، وأرباب الوظائف، وغيرهم، وهم نحو الخمسين نفراً، والمتعيّن فيهم اثنان، وجميعهم بعمائم بيض بوسطها طناطير حمر بارزة طويلة، نحو الذراع.
وفي يوم الثلاثاء ثاني عشريه قطع ماء نهر المنيقبة، وحضره النائب، وهرع الناس إلى ذلك، بحيث خلت أسواق دمشق. - وفي يوم الاثنين سادس عشريه، وهو أول آذار، لبس النائب خلعة حمراء بسمّور خاص، جاءته من مصر، وكان يوماً مطيراً.
وفي يوم الأربعاء سادس ذي القعدة منها، أتى ساع من مصر، ومعه كتب في بعضها وفاة أبي الطيب بن البادرائي السيوفي، من جماعة شاد بك الجلباني كان؛ وبوفاة شهاب الدين بن كركي الصالحي الحنفي.
وفي يوم الخميس سابعه بلغ نائب قلعة دمشق أن بموضع من نهر بانياس، شمالي الطريق الآخذ إلى المزّة، وشرقي القلندرية، رئي تراب فيه بعض زئبق، إذا معك به النحاس صار ظاهره كالفضة البيضاء؛ فركب إليه وصحبته جماعة من جهة النائب، فأزيح التراب المذكور من مكانه ليروا مطلباً، فلم يروا شيئاً فأخذ كثير من الناس من التراب، ومعكوا به خواتم من نحاس فصارت كالفضة، وكذلك في الفلوس والدراهم الزغل، كما شاهدنا ذلك.
(1/259)

وفي يوم الأحد عاشره ورد مرسوم سلطاني، بطلب محبّ الدين الأسلمي، ومن تعصّب عليه في نبش المقبرة، التي هدم ما بناه فيها عند الشيخ رسلان؛ فقبض جماعة منهم؛ نجم الدين ابن الشيخ تقي الدين وشهاب الدين الرملي، وبرهان الدين الصلتي القصير، لأوجل ابن عمّه القاضي برهان الدين الذي هرب، ونور الدين بن القباقبي، أحد خدّام الشيخ رسلان، قيل إنه هو الذي ألجأ محبّ الدين المذكور إلى فعل ما فعله؛ وبات الجميع بالقلعة.
ثم في ثاني يوم، يوم الاثنين، ضمنهم محب الدين، وأطلقوا للتأهب إلى السفر إلى مصر، ثم كتب نائب القلعة يعلم بهروب برهان الدين المذكور، والظاهر أنه إنما هرب إلى مصر خوفاً من الترسيم والخسارة، وأن الباقين واصلون إلى الأبواب الشريفة، استحثهم في ذلك.
وفي يوم الثلاثاء ثاني عشره أظهر النائب قصة، فيها أن السيد علي بن ميمون المغربي، الذي أطلق لسانه في الشيخ تقي الدين، كما تقدم ذكره، يشتكي فيها على القاضي الشافعي، بسبب النصرية البرانية، غربي الصالحية، التي تحت نظره، وأنها خراب، وأطلق لسانه فيه أيضاً؛ فركب النائب والقاضي الشافعي، وذهبا إلى الناصرية المذكورة، ثم لحقهم إليها الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون، وولده نجم الدين، واجتمعوا كلهم مع جماعة آخرين بالناصرية هذه، وطلبوا السيد الشاكي، فاعتل بحضور الشيخ تقي الدين في المجلس في عدم حضوره، فعلم الشيخ تقي الدين ذلك، فرجع هو وجماعته؛ وأما النائب والقاضي الشافعي فذهبا إلى الشاكي في منزله، وأخذ القاضي الشافعي في تأديبه بالقول وتهديده، وذكره بما وقع منه، ثم تلطف فيها النائب، ورجع الجميع، والله يحسن حال المسلمين.
وفي يوم السبت سادس عشره ورد مرسوم من قاضي بيروت ابن الزهري، على لسان السلطان، بقبض القطبي التاجر، والصلتي القصير، والقباقبي خادم الشيخ رسلان، ومحمد دوادار الشافعي؛ وكان النائب سافر إلى الخربة، على عادة النواب الدمشقية.
وفي يوم الاثنين خامس عشريه دخل من دمشق إلى مصر، قاضي الحنفية بدمشق، الزيني بن يونس، بعد عزل البدري الفرفوري، وصحبته نقيب الأشراف الجديد، حسام الدين ابن السيد إبراهيم؛ وقد مر أن والده هذا توفي بمصر، فسافر ولده هذا، فقرر لمكانه؛ وصحبتهما دوادار سكين أحد الخاصكية؛ وصحبتهم قاضي بيروت ابن الزهري، المعروف بابن الأسلمي؛ وقرئ توقيع ابن يونس، وتاريخه سابع شوال من هذه السنة، وشرع ابن الزهري في عذاب المقبوضون، الذين ورد المرسوم المتقدم فيهم، حتى تراضوا بما يرمى على كل واحد منهم.
(1/260)

وفي يوم الاثنين تاسع ذي الحجة، يوم عرفة، سافر من دمشق الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون، بولده النجمي، إلى مصر، ليرد عنه لمحب الدين الأسلمي من جهة هدم التربة، جوار الشيخ رسلان، وصحبتهما الشهابي الرملي مطلوباً.
وفي ليلة الأربعاء ثامن عشره رجع النائب إلى دمشق من الخربة، وكان قبل رجوعه بأيام جاءه نذير من جماعة ابن ساعد، يعلمه بأن عرب آل قني بالمكان الفلاني، فركب في الحال إليهم وتلاحقه العسكر، فلحقوا آخرهم بعد رحيلهم، فقتلوا منهم جماعات، وأخذوا منهم جمالاً.
وفي بكرة يوم الخميس سادس عشريه حضر النائب، والقضاة، بتربة النائب قانصوه البرجي، بمحلة الشيخ رسلان، لأجل الكشف على ما أحدثه وتجرأ عليه المحب الأسلمي، وهدمه السيد الكمالي، وقاضي المالكية يومئذٍ بدمشق خير الدين وقاضي الحنابلة يومئذٍ بها نجم الدين، لورود المراسيم بتحرير ذلك، بعد أن اجتمع السيد الكمالي بالسلطان، قبل وصول الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون، وولده النجمي، وغيرهما إلى مصر.
فلما تكامل حضور المجلس بالتربة المذكورة، وكان منهم المحيوي النعيمي، فخطر بباله أن أحاديث نبوية ترشد إلى قول الحق، فالتفت إلى النائب، قبل أن يتكلم أحد، وقال: يا مولانا ملك الأمراء، نفع الله بكم الإسلام والمسلمين، وأنت السلطان الحاضر، والحاضر يرى ما لا يرى الغائب، روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يمنعن أحدكم مهابة الناس أن يقوم بالحق إذا علمه "، وعنه أنه قال صلى الله عليه وسلم: " أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإن اجتمعت فعليكم بالسواد الأعظم "، وقال صلى الله عليه وسلم: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه "، وقال صلى الله عليه وسلم: " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " قالوا، ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً، قال: " تأخذ على يدي الظالم "، وقال صلى الله عليه وسلم: " قل الحق ولو كان مراً ".
فالتفت النائب إلى القاضي الشافعي وتساراً ثم افتتح الكلام فيما جاؤوا لأجله، وقرئت المراسيم، وفيها أن المطالعات اختلفت علينا، يعني السلطان، بسبب ما هدم؛ ثم أخذوا في الكلام في ذلك، وطال وتجرأ المحب الأسلمي المذكور، بقلة الأدب، مع المالكي في ذلك، وطال، وتجرأ المحب الأسلمي المذكور، بقلة الأدب، مع المالكي خير الدين، إلى أن قال له النائب: اسكت أنت حتى أتكلم عنك؛ فظهر التعصب منه ومن القاضي الشافعي.
ثم قام الجميع للكشف، وصحبتهم المعمارية كابن العطار، والمهندسون الذين جاؤوا من مصر بسبب ذلك، فزاد المتجرئ المحب المذكور في قلة الأدب، وقوله: وا ديناه وا إسلاماه، هدموا مالي؛ ثم رجع الجميع إلى مكانهم بالتربة، وشهد المعمارية ومن معهم من المهندسين والحفارين زورا.
(1/261)

وأراد النائب والقاضي الشافعي أخذ خطوط من حضر في المجلس، بالشهادة على شهادة المعمارية ومن معهم، فقام المالكي من المجلس حرداً، وتبعه شيخ المالكية عبد النبي، فزاد المتجرئ المحب، وعضده قاضي بيروت ابن الأعمى الزهري، فظهر ظلمة المجلس، فقام المحيوي النعيمي، فطلب، فاحتج بالخلاء، فتبعه جماعة بالترسيم عليه، ثم رجع وجلس خلف الحلقة، ثم كتب جماعة كالمجبرين، ثم قاموا وأشرفوا على المقابر، فأنزل الله المطر، فتفرق الناس، ولم يصلوا إلى منازلهم إلا بشدة.
وفي يوم السبت ثامن عشريه جاء الخبر إلى النائب بأن العرب طاشت وهاشت، لأجل ما أخذه النائب من أموالهم، فسافر إليهم.
وفي هذا العام كانت واقعة الخطباء بمصر، وهي أنه كانت العادة أن يخطب للسلطان قاضي مصر، وكان قاضيها في هذا العام الجمال إبراهيم القلقشندي الشافعي، وكان شيخاً مسناً، فاختشى السلطان من أنه يخرج منه ريح على المنبر، فيستحي أن يعيد الوضوء، وقد يصلي بغيره حياء، فكره الصلاة خلفه وأمره بالاستراحة، وأن يستنيب، فاستناب نائب الشهاب الحمصي الدمشقي الشافعي، فضعف.
فطلع قاضي القضاة عبد البرّ بن الشحنة وباس الأرض للسلطان، وكان قصده أن يستمرّ دائماً في الخطابة، ويبطل الشافعي، فأذن له، فخطب في أواخر رجب منها، بعد أن لبس سواداً، فلم يعجب السلطان، ولما خرج من بيت الخطابة علق طرف الطرحة السوداء فوقع شاشه عن رأسه، فأخذه المرقيّ وألبسه أياه؛ وبالغ في ألقاب السلطان وقال: يا ملك الدوري، انصر عبدك الأشرف الغوري؛ فأنكر العلماء عليه ذلك.
ثم خطب بعده في الجمعة التي تليها البرهان الدميري المالكي، فلما رقي المنبر وقع وقام، ثم طلع فوقع أيضاً، فطلع له رجل عضّده إلى أن صار أعلى المنبر، فلما شرع في الخطبة قعد، ثم قام، ثم قعد، ثم قام، ثم قعد، ولم نعلم خطبته، ولم يعرف ما قال، ونزل وصلّى فغوّش السلطان والأمراء عليه؛ ثم خطب بعده قاضي القضاة شهاب الدين أحمد الشيشيني الحنبلي، وأجاد في الخطبة الأولى، والثانية أطال فيها، وساق فيها الوعظ ونزل
(1/262)

فصلّى، فسها عن الفاتحة، وقرأ السورة فقطع رجل الصلاة ونبّهه على قراءة الفاتحة فقرأها.
ثم خطب العلامة كمال الدين الطويل الشافعي، ثم العلاء شمس الدين الغزّي خطيب مدرسة السلطان؛ ثم خطب القاضي شرف الدين يحيى البرديني الشافعي، ونسي الجلوس بين الخطبتين؛ ثم العالم محبّ الدين المحرقي، خطيب الجامع الأزهر، ثم الشيخ يحيى الرشيدي، خطيب الأزبكية، ثم القاضي فخر الدين الطويل نقيب الشافعي، ثم قاضي القضاة الجمال إبراهيم القلقشندي الشافعي، وشرط عليه أن لا يعود.

سنة أربع عشرة وتسعمائة
استهلّت والخليفة أمير المؤمنين أبو الصبر يعقوب بن عبد العزيز العباسي؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري؛ ونائبه بدمشق سيباي؛ والقضاة بها: الحنفي محيي الدين بن يونس، والشافعي ولي الدين بن الفرفور، والمالكي خير الدين الغربي، والحنبلي نجم الدين بن مفلح؛ وكاتب السرّ وناظر الجيش محبّ الدين الأسلمي؛ ودوادار السلطان دولتباي الأينالي؛ والحاجب الكبير جان بردي الغزالي؛ والحاجب الثاني....
وفي يوم السبت خامس المحرم منها، رجع النائب من سفره إلى العرب في السنة الماضية. - وفي يوم الأحد سادسه حضر النائب، والقضاة الأربعة، والعلماء، ونواب القضاة، والأمير الكبير، ودوادار السلطان، ونائب القلعة، والخاصكي، بتربة النائب قانصوه البرجي بمجلّة الشيخ رسلان، فلما أخذ كل أحد مجلسه قال المحيوي النعيمي للنائب: يا مولانا ملك الأمراء أيّد الله بكم الإسلام والمسلمين، روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما اتخذ الله من نبيّ، ولا استخلف من خليفة، إلا له بطانتان، بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله " وقال عليه السلام: " من أحدث في أمرنا هذا ما لبس منه فهو ردّ " وقال عليه السلام: " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا " وقال عليه السلام: " تركتكم على بيضاء نقيّة، عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها " وقال سيدنا عمر " الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل ".
ثم شرعوا في أمر الجدار، واتفق الحال على كتابة من قال بقدم الجدار، ومن قال بحدوثه، قال شيخنا المحيوي النعيمي في ذيله: والحق عندي أنه محدث في مقبرة مسبلة
(1/263)

فيهدم، سواء طال عهده أو تجدّد، ولكن الأمراء مختلفة، انتهى؛ وانفضّ المجلس على ذلك.
وفي هذه الأيام وجد أن أحد المعدلين بدمشق، محبّ الدين بركات بن ... ، سقط بخلوته بالمدرسة الشامية البرانية مقتولاً، وفيه نحو العشرين ضربة بالسكين، وقد انتفخ وفاحت رائحته على جيرانه، ولم يعلم من قتله. - وفيها قبض الخاصكي المتقدم ذكره على سفيهه وفاجره المتجرّيء بسببه، قاضي بيروت، الذي ورد معه لمصادرة جماعة، فقلبه الله عليه وقبض عليه في قيد وزنجير، وطلب شهوداً في ضبط موجوده، في بيته وعند زوجته، وفرح بذلك من يعرفه، ومن لم يعرفه، لفجوره وتجرؤه ولله الحمد، وبلغني أن القبض عليه كان يوم الأربعاء ثاني هذا الشهر.
وفي يوم الأربعاء حادي عشره خرج من دمشق قفل إلى مصر، وقد حمل كاتب السرّ وناظر الجيش المحبّ الأسلمي، الآلات التي كان عمّر بها الجدار الذي أفتى بهدمه السيد الكمالي، مفتي دار العدل، فهدمه قاضي المالكية بدمشق خير الدين، وتجرّأ عليهما بذلك كاتب السرّ المذكور، وكاتب في ذلك جميع من أنكر الهدم بغير دعوى الشريف، فورد المرسوم بتحرير ذلك للنائب والقضاة، والذي حطّ عليه الأمر حكاية كلام منكري القدم، وحكاية كلام من أثبته.
وحمل هذه الآلات على عدّة اثني عشر جملاً، وأرسلها إلى مصر، ليقف للمقام الشريف بها، وتشخّص قدّامه، وقد كان جمع قاضي المالكية خير الدين، الهادم، عظام الموتى، التي أخرجت من تحت الجدار، في علب وختم عليها، وختم النائب عليها معه، وسافر بإذن النائب له في يوم الجمعة ثالثه إلى مصر.
وفي هذه الأيام سافر النائب من دمشق إلى مرج الغوطة، وقد كتب في محاضر الفريقين خطّه، وكذا جميع أرباب الوظائف وغيرهم، ممن يشار إليه بها. - وفي يوم الاثنين رابع عشره أتى إلى باب القاضي الشافعي محضر كلام من أثبت القدم ليكتب عليه، وكان القاضي الشافعي راكباً، فأتى قاضي الحنابلة إلى الباب المذكور ماشياً عجلاً، فأخذه من يدي الشهاب الحمراوي، والشهاب ابن المؤيد، بحضرة المحيوي النعيمي، ثم قام في الحال فظن أنه حدث من السلطان، أو النائب، شيء، واتصل به، ففعل ذلك.
(1/264)

ثم أتى القاضي الشافعي، فأخبر بما وقع، فغضب من ذلك، وصعب عليه، ثم بلغ كاتب السرّ المحبّ الأسلمي، وهو في همّة السفر والركوب، فصعب عليه، وأرسل يعلم النائب بذلك، والذي ظهر أن سبب فعل الحنبلي ذلك، أنه بعد أن كتب خطّه في المحضر المذكور، ندم على الكتابة، فأرسل النائب خلفه وأخذه منه، وسمع من قاضي بيروت بحضرة النائب كلاماً فيه غلظة.
وفي هذه الأيام شرع الخاصكي في استخلاص بقيّة المال، الذي كان رمي بسبب الخارجي الصوفي. - وفي يوم الثلاثاء خامس عشره، وهو سادس عشر أيار، أبيع المشمش الحموي الرطل بدرهم، وهذه قاعدة أن هذا المشمش يسقط في سادس عشر أيار.
وفي يوم الخميس سابع عشره ورد من صفد إلى الصالحية دمشق المتصوّف ابن حبيب، الذي اشتهر عنه اعتقاد عقيدة ابن عربي، ثم أتى إلى تربة ابن عربي وصحبته جماعة من معتقدي ذلك، وتلقّاه خلق من الرعاع وتبرّكوا به، فزار قبر ابن عربي وصرّح بالإنكار على من ينكر عليه، وذكر كلمات لا يليق ذكرها.
ثم في يوم الجمعة دخل إلى الجامع الأموي من باب البريد، وتلقاه الجم الغفير، وهو لابس على رأسه مئزراً أخضر، وصلى الجمعة تحت قبة النسر، ولم يسنن لها، ثم قام ورجع من حيث أتى؛ قال الحيوي النعيمي: ولم أر عليه نور أهل السنة، وكنت، حال دخوله ورؤيتي له، أقرأ في مجموع بخط شيخنا شيخ الإسلام شهاب الدين بن قرا، في حديث عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: " يا عائشة، إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء، ليس بهم توبة، وأنا منهم بريء وهم مني براء "؛ أخرجه الطبراني من حديث عمر.
وإنما تقدماه إلى دمشق، بعد السفر إليه، ورجوعه، عبد النبي المغربي لخلق دمشق عن الأشعري تقي الدين بن قاضي عجلون، والأشعري كمال الدين بن السيد حمزة، لاختلافهما واختلاف علماء دمشق، وقضاتها، بسبب اختلافهما، في أمر الجدار جوار الشيخ رسلان، وسفر غالب الفريقين إلى مصر، فلذلك طمع المبتدعون، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الخميس رابع عشريه ذهب النائب إلى زيارته، في البيت الذي أنزله فيه عبد النبي جوار بيت القاري، ثم هاجت دمشق، وصار الناس في أمره ثلاث فرق: فرقة عليه، وهم اهل السنة الذين أراد الله بهم خيراً: وفرقة معه وأكثروا الكذب لإقامة شعاره وتبجيله؛ وفرقة تقول هو موله، ليس له عقل.
(1/265)

وفي يوم الجمعة خامس عشريه دخل أيضاً إلى الجامع الأموي، من الموضع الذي أتى منه الجمعة الماضي، ومر على المحيوي النعيمي، ومعه أناس قلائل، نحو أربعة أنفس، فلم يملك نفسه وقال جهراً؟: نبرأ إلى الله من المبتدعين، فسمعته، فصرخت مسفهاً له، وأنه سمع عنه كلاماً من نحو سنتين، وأنه يعتقد مذهب ابن عربي.
وفي آخر هذا النهار صعد إلى زيارة ابن عربي، وأنه يعمل عنده وقتاً، فأرسل خلفي العلامة برهان بن عون، وقال لي: اذهب الليلة إلى تربة العربي، واحضر ما يقع هناك من ابن حبيب وجماعته؛ فامتثلت أمره، فلم أره زاد على الزيارة والذكر.
وفي يوم السبت سادس عشريه ذهب إلى الربوة؛ وكانت إذ ذاك ملانة بالخلق، فشق في سوقها، ومعه الرعاع، وهو يعمل بالكف والشباب، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الاثنين سادس صفر منها، خرج من دمشق، مسافراً إلى مصر، القاضي الشافعي، بعد أن خلع عليه النائب، خلعة حمراء بسمور، عقيب رجوعه من المرج.؛ ثم حصل للقاضي المذكور بعد أيام حمى، فحقن وفصد، وهم بالرجوع إلى منزله.
وفي يوم الجمعة عاشره جاء رجل ببضعة كتب، منها كتاب الفصوص، فأخذته أنا وجماعة وغسلناه في بركة الكلاسة.
وفي يوم السبت حادي عشره خرج النائب، وأرباب الوظائف، من دمشق إلى تجريدة عرب كرك الشوبك، بعد أن رمى على الحارات مالاً، وقيل إنما خرج لمصادرة الأمير محمد بن ساعد.
وفي ليلة الاثنين سادس عشره رجع القاضي الشافعي إلى منزله، ثم إلى والده جوار المسمارية، وهو ضعيف، لكنه أقبل على العافية؛ وفي صبحة يوم الأربعاء خامس عشره تزفر.
وفي ليلته وصل سوار الحمامي، المسافر إلى مصر صحبة الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون، وأخبر أن الشيخ قبل وصوله إلى مصر تضاعف، ودخل إلى مصر ولم يلاقه أحد، ثم نزل هو ومن معه بالناصرية، ثم في الحال ذهب ولده النجمي،
(1/266)

والشهاب الرملي، إلى كاتب السر فسلما ثم رجعا، ثم بعد ظهر اليوم ذهب الرملي إلى المحلي، الذي يعضده، فسلم عليه ورجع، ففي الحال جاءه قاصد ابن موسى وأخذه إلى الترسيم.
ثم قبل المغرب أتى القاضي شهاب الدين الحمصي، إلى الشيخ تقي الدين وولده، وجيء بالعشاء فأكلوا؛ ففي أثنائه جاء قاصد ابن موسى وأخذ ولد الشيخ، ولم يتم عشاءه بحضرة والده، وذهب به إلى الترسيم أسوة بالرملي وحطا عند السيد إبراهيم الصلتي، ثم غلظ على الصلتي، ورفع إلى القلعة، وطلب منه عشرة آلاف دينار، وأن المصريين ترجموا قاضي المالكية خير الدين قبل دخوله مصر، ولم يترجموا الشيخ تقي الدين، بل أنكروا عليه في فتواه، في الواقعة الحيطية.
وفي يوم الخميس ثالث عشريه نودي بدمشق، من قبل نائب الغيبة الخزندار، أن على كل حارة جماعة من الزعر، يخرجون مدداً لملك الأمراء ببلاد حوران، إلى قتال العرب، وان تكون كلفتهم من مال عرفاء الحارات، لا على الناس؛ فعرضوا يوم السبت خامس عشريه، ثم في يوم الخميس سافروا.
وفي يوم الجمعة مستهل ربيع الأول منها، وهو سلخ حزيران، اشتهر بدمشق بأنه رسم على السيد كمال الدين بن حمزة، وعلى قاضي المالكية بدمشق خير الدين، وأنه لما أحضر على السلطان سأله ما السبب لهذا الاختلاف، فأنطقه الله بشيء كان سبباً لنصر المحب الأسلمي، فقال: حظوظ النفس، وضغائن في القلوب؛ فقال السلطان: في هذا الجواب كفاية، فكيف تكون الأحكام الشرعية بالحظوظ والضغائن؟ فجعل ذلك حجة له، بعد أن كان جانبه مترجماً، ولا قوة إلا بالله.
وفيها اشتهر أن إبراهيم بن علي بن سبيل، كبير السفارة بدرب الحجاز، توفي بالحبس بمصر، لأنه كان، هو وأبو قورة القجماسي، السبب في تعطيل طريق الحج الشامي، واستمر أبو قورة بالحبس.
وفي يوم الأحد سابع عشره ضرب نائب الغيبة لرجل أزعر من العريم بالمقارع ضرباً مبرحاً، وأشهره في البلد، وأمر أن لا يحمل أحد خنجراً، وأشهره في البلد، وأمر أن لا يحمل أحد خنجراً؛ ففي تلك الحال أتى شخص في صورة فلاح، وعليه بشت مطيلس، حتى لا يعرف، وقبض عبد القادر يبن قرنبع، ورماه من أعلى المصطبة، وضربه بالخنجر، فقتله، ثم هرب، وقيل أنه هو الذي قتل ولده.
(1/267)

وفي يوم الخميس خام ربيع الآخر منها، دخل النائب من غيبته في البلاد القبلية، بعد أن وفق بين طوائف العرب، وهو لابس خلعة جاءته من مصر.
وفي يوم الخميس تاسع عشره سافر القاضي الشافعي إلى مصر، وقد تسلف على مغل الشامية البرانية، والغزالية، والناصريتين، والتقوية، ووقف أرغون شاه، والله بصير بما يعملون.
وفي يوم الاثنين ثالث عشريه سافر دولتباي الأينالي، دوادار السلطان كان، وقد ولي نيابة غزة.
وفيه شاع عزل القاضي الشافعي نجم الدين بن الشيخ تقي اليدن بن قاضي عجلون.
وفي يوم الاثنين مستهل جمادى الأولى منها، دخل من مصر إلى دمشق، المحب الأسلمي، بخلعة السفر على العادة، وقد تصور في ذهنه قمع أهل الحق، وانتصاره على من عانده.
وفي وم الخميس رابعه لبس خلعة السلطان بدار العدل، وقرئت مطالعته، وفيها الإطراء الزاائد له، وتوهية جانب قاضي المالكية خير الدين، والسيد كمال الدين، وكذكلك قاضي الحنابلة نجم الدين، ولا قوة إلا بالله؛ ثم زعم أنه السبب في خلعة النائب التي لبسها من سفره، ودقت لها البشائر، وقيل إنه صرح للنائب بأنه وفر عليه ألف دينار.
وفي يوم الخميس حادي عشره توفي الشيخ المبارك حسن الجناني السعدي، وكان النساء وغالب العوام يعتقدون أنه يشفي من الجنون، وأنه غريزة في أصله وفصله، انتقل من بلده بيت جن، وسقف تربة النائب أينال الجكمي، بأواخر قبلي دمشق، وسكن بها؛ ودفن قبلي الحصن، جوار شهاب الدين بن قرا، عن عدة أولاد.
وفي يوم الجمعة تاسع عشره قتل الله رجلاً أزعر، كان يدعى المهتدي، ولي مشيخة ميدان الحصى، والمشي قدام النائب، وأراح الله منه العباد والبلاد.
وفي يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى الآخرة منها، ورد الخبر من مصر، بأن النجمي بن الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون، فوض إليه السلطان قضاء الشافعية بدمشق، وعزل ولي الدين بن الفرفور يوم الأربعاء ثامن عشري جمادى الأولى منها؛ وفي يوم الخميس سابع جمادى الآخرة منها، لبس خلعة القضاء.
وفي يوم الأربعاء عاشر شعبان منها، خرج من مصر إلى الخانكاه مع والده تقي الدين، وميلاده سابع عشر شوال سنة أربع وسبعين وثمانمائة، كذا قال القاضي نجم الدين أنه وجده بخط جدة تاج الدين الأموي.
(1/268)

وفي ليلة الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة منها، وقع المطر الجديد الكثير بدمشق، ثم بعد صلاة الجمعة، وفي سلخه فرغ المعمارية من إعادة البرج الشمالي الصغير، غربي باب الحديد.
وفي يوم الخميس ثامن عشري شعبان منها، دخل دمشق من مصر قاضي القضاة الشافعي نجم الدين بن الشيخ تقي الدين، وتلقاه أرباب الوظائف، وكان يوماً مطيراً، سيما وقت دخوله، وقرأ توقيعه العلامة تقي الدين القاري.
وفي يوم السبت مستهل رمضان منها، دخل من مصر إلى دمشق نائب قلعتها، وتلقاه أرباب الوظائف وغيرهم، وكان دخوله حافلاً....

سنة خمس عشرة وتسعمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين أبو الصبر يعقوب بن عبد العزيز العباسي؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري، ونائبه بدمشق سيباي والقضاة بها: الحنفي الزيني بن يونس، والشافعي النجمي أبو الفضل محمد بن الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون، والمالكي خير الدين الغزي، والحنبلي النجمي بن مفلح، وهما في الترسيم بمصر، والأمير الكبر الأتابك برد بك تفاح؛ والحاجب الكبير جان بردي الغزالي، ومعه نيابة القدس، وكرك الشوبك.
وفي يوم السبت ثاني محرمها، خرج النائب من دمشق إلى الخربة. وفي يوم السبت ثالث عشره شاع بدمشق تولي يخشباي نائب صفد حجوبية دمشق، عوضاً عن جان بردي الغزالي، لغيبته في نيابة القدس وغيرها.
وفي يوم الأربعاء رابع صفر منها، ذهب جماعة من الصالحية برجل إلى عند القاضي الشافعي، وقالوا عنه إنه اقترف أخته شقيقته أربع مرات، وكاد زوجها أن يخرج عقله، فأمر بحبسه. وفي يوم السبت حادي عشريه وصل النائب من الخربة، وقد دقت بشائر دمشق مدة أيام، لكونه قتل كبار آل زعمان، وهرب الباقون، وأخذ حريمهم وإبلهم وأولادهم؛ ونودي بالزينة، فوضعت بدمشق بكرة يوم الأحد ثاني عشريه.
وفي يوم الاثنين ثالث عشريه دخل النائب دمشق، وتلقاه الناس على العادة، ودمشق
(1/269)

مزينة له، وزحف جماعة المقتولين من آل زعمان وغيرهم، على أمير السلطان، ابن جانباي البدوي، فهرب منهم إلى قرب دمشق، كالقبيبات، وتخبط البر وانمحق زرعه، ولا قوة إلا بالله.
وفي ليلة الأربعاء خامس عشريه سافر النائب إلى المرج لأجل تدويغ الدواب التي أخذها من العرب، وقد باع جماعته بدمشق إبلاً كثيرة، وغيرها، بالرخص، فالله يحسن العاقبة. وفي ليلة الأحد ثامن عشريه رجع النائب إلى دمشق. وفي هذه الأيام فوض القاضي الشافعي إلى الأصيل زين الدين عبد القادر، أحد شهود باب توما، الملقب بالحبيصة؛ وهو رجل يشبه المرأة، وليس له اشتغال بالعلم، ويدعي التصنيف.
وفي يوم الخميس عاشر ربيع الأول منها، دخل من مصر إلى دمشق راجعاً، قاضي المالكية خير الدين الغزي، مستمراً على وظيفته، وشاع أنه رسم عليه وعلى قاضي الحنابلة، النجمي بن مفلح، والسيد الكمالي جمال، وأفرج عنهم بعد أن كان مرسماً عليهم بسبب هدم جدار المحب الأسلمي، وأما شهاب الدين الرملي فهو مستمر في المقشرة، لتصميمه على عدم وزن مال؛ ثم في أواخر شوال منها شاع بدمشق أنه أطلق على مال هين.
وفي يوم الجمعة حادي عشره ضرب النائب ليوسف القصيفي، نسبة إلى قرية قصيفة، من اللجاة، كان فلاحاً إلى دمشق، وعمل رسولاً، ثم بلاصياًَ، ثم شاهداً بأبواب الترك فزور مرسوماً - ضرباً مبرحاً - ثم طيف به على حمار مكشوف الرأس، ينادي عليه بالتزوير. وفي يوم الاثنين رابع عشره سافر القاضي الحنفي، الزيني عبد القادر بن يونس، إلى مصر مطلوباً.
وفي يوم الخميس سابع عشره لبس النائب خلعة، وتلقاه الناس على العادة، ودخل وعلى يمينه القاضي الشافعي، وعلى يساره القاضي المالكي. وفي يوم الأربعاء ثالث عشريه وصل السيد كمال الدين. وفي يوم الخميس رابع عشريه وصل قاضي الحنابلة، النجمي بن مفلح.
وفي يوم الثلاثاء عشرين ربيع الآخر منها، توفيت مستولدة نائب الشام جلبان، ودفنت عند أولادها، غربي المدرسة الشامية البرانية؛ أوصت بثلث مالها للقاضي الشافعي، فختم على موجودها، وجرى أمور كثيرة بعد ذلك.
وفي ليلة يوم السبت رابع عشريه احترق غالب سوق الرصيف، من جهة القبلة، إلى جدار المسجد، شمالي المدرسة المجاهدية، وكان قد سقط غالبه في الثلجة، ثم شرعوا في
(1/270)

عمارة ذلك، فاحترق ثانياً قبل وضع الأخصاص وتكملته وما حول ذلك.
وفي هذا اليوم طلب القاضي الشافعي إلى القلعة، فأعطى مرسوماً شريفاً بطلب تكملة ما عليه، فادعى العجز عن ذلك، فأمهل.
وفي يوم الاثنين سادس عشريه أتى النائب من مصر خلعة، على يدي جماعته، وقد خلع عليهم أيضاً، ولبسها من خارج دمشق على العادة؛ وعلى يديهم مراسيم بإخراب بلاد ابن ساعد والقبض عليه، ومرسوم آخر بالحط على جماعة النائب، وأن جماعة القلعة شكوا عليه. وفي ليلة الأربعاء ثامن عشريه سافر النائب نجدة لدواداره، وقد حصره العرب.
وفي ليلة الجمعة مستهل جمادى الأولى، في ليلتها، سافر الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون إلى بيروت، بعد مبيته بجامع التوريزي. وفي يوم الثلاثاء خامسه دقت البشائر بدمشق، لأجل ما قيل إن النائب انتصر على من حصر دواداره من العرب. وفي هذه الأيام أرسل النائب إلى دمشق يطلب سنيحا، يجهز له من مال الحارات، وما أظنه يعلم ذلك.
وفي يوم السبت تاسعه.... توفي بصفد عبد القادر بن حبيب، كان متجاهراً بطريقة ابن عربي، وفي ليلة الجمعة ثاني عشريه رجع النائب إلى دمشق. وفي يوم الاثنين خامس عشريه ورد من مصر خاصكي يبشر بالنيل، مخلوعاً عليه بطراز، فتلقاه النائب على العادة.
وفي يوم الجمعة خامس جمادى الآخرة منها، دخل من مصر إلى دمشق، الدوادار الثاني بمصر، علاّن، رسولاً من السلطان إلى سلطان الروم، يتراضاه على ولده الذي هو بمصر الآن، ودخل دخولاً حافلاً. وفي هذه الأيام رمي على الحارات مال لأجل مشاة. وفي عشية الخميس تاسع عشره اعتقل على القاضي الشافعي بالقلعة، على بقية مال جعله عليه للسلطان حتى ولاه القضاء، ووالده حينئذ ببيروت.
وفي ليلة يوم الاثنين ساخه سافر النائب سيباي مطلوباً إلى مصر، وكثرت الأقوال بسبب ذلك؛ واستمر القاضي الشافعي بجامع القلعة، ووالده ببيروت، وهما يدعوان على المحب الأسلمي، الذي كان السبب في التولية، ثم في الاعتقال، بعد أن نصراه بالفتوى على أعدائه، ولا قوة إلا بالله.
(1/271)

وفي يوم الأحد، تاسع عشري رجب، وقع الدوادار نائب الغيبة برهاطة المصري، نائب ناظر المارستان النوري، ناظر القلعة، وأهانه إهانة بالغة. وفي يوم الأربعاء سلخه نودي بدمشق بالزينة، بعد أن دقت البشائر بأن النائب خرج من مصر، وتجه إلى كفالته على عادته، وأن بعض الناس فارقه بغزة.
وفي يوم الخميس أصبح الناس صياماً بدمشق، فإنه قد ثبت أن أول شعبان الثلاثاء، وكان قياس القاعدة أن يكون أول رمضان الجمعة فإن رابع رجب كان الجمعة. وفي بكرة يوم السبت ثالثه دخل النائب إلى دمشق، مخلوعاً عليه، راجعاً من سفرته إلى مصر، وتلقّاه القاضي المالكي، والقاضي الحنبلي، وأرباب الوظائف على العادة، في أبّهة حافلة.
وفي ليلة الجمعة تاسعه عزل النائب تقي الدين القاري من إمامة الجامع الأموي، وولاّها لشهاب الدين بن الملاح المقريء، ورسم على القاري، ثم أطلقه من الترسيم على مال، فولّي القاضي الشافعي لابن عمه أبي اليمن، واستمرّ إلى بعد العيد الصغير، فأعيد القاري.
وفي يوم السبت ثاني عشري شوال منها هرع الغوغاء إلى الطابق، وقبور أهل الذمة. للفرجة، فأرسل الله عليهم مطراً غزيراً، حتى رأوا في أنفسهم ما لا يوصف، وكان النائب في وليمة مرعى بحجيراً، فأسرع الرجوع، ففاز بذلك.
وفي يوم الأربعاء سابع عشر ذي القعدة منها، خرج من دمشق سريّة من المماليك بأمر النائب، وكبسوا قرية جبّ جنين بالبقاع، ونهبوا مصاغاً وحليًّا كثيراً، وكسروا أعلام الزاوية، وربطوا جماعات من فقراء شيخها الدسوقي، وذهب من الدبس والبرغل والكشك والقمح وغير ذلك شيء كثير، لا يمكن ضبطه، لكون شيخ بعض البلاد أصله من جبّ جنين المذكورة، وقد قتل قتيلاً بقرية الديماس، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الخميس ثامن عشره شاع بدمشق عزل القاضي الشافعي، النجمي ابن الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون، من قضاء الشافعية، وأن العزل كان في يوم الثلاثاء ثاني الشهر المذكور، ثم تبيّن أن أصل الإشاعة كتاب ورد مع فرج بخطّ شهاب الدين الرملي، الذي أطلق من الحبس قريباً، ذكر فيه أن ولي الدين بن الفرفور ولاّه السلطان، وخلع عليه في ثاني الشهر؛ فلم يلتفت النجمي إلى ذلك حتى يأتي شيء يعتمد عليه، واستمرّ في جامع القلعة يعرض ويقرّر، والناس يخوضون له وعليه، وتبيّن صحة ذلك من العزل ومن التولية في التاريخ المذكور.
(1/272)

وفي صبحة يوم الاثنين ثاني عشريه لبس النائب خلعة حمراء بمقلب سمور خاص، من قريب القبة أتت على يد خاصكي عليه خلعة بطراز خاص، وكان يوماً مطيراً مطراً خفيفاً، فلم يحتفل الناس على عادتهم لأجله، وهذه الخلعة تتمة ثلاث عشرة خلعة. وفي يوم الخميس خامس عشره دخل من مصر قاضي الحنفية بدمشق، الزيني بن يونس، راجعاً على عادته بخلعة، وصحبته يونس العادلي رسولاً للسلطان إلى بلاد الروم، ليشتري له خشباً برسم المراكب.
وفي يوم الجمعة سادس عشريه خطب بالجامع الأموي القاضي شهاب الدين الحمصي، رئيس المؤذنين به، نيابة عن القاضي الجديد الولوي بن الفرفور، وتضاخم لكونه على ما قيل، خطب بالسلطان مرة، ولكونه ولي نيابة الحكم بمصر، ولكونه، على ما قيل، أقرأ الولوي المذكور، وقال في خطبته: روينا وروينا، وسمي النسائي وغيره؛ قال المحيوي النعيمي: وهو لم يقرأ ذلك على أحد، وأنا في أول أمره أقرأته أول صحيح البخاري، ولكنه من جملة المتفقهة، الذين إذا سافروا إلى مصر انصبغوا.
وفي يوم الثلاثاء سادس عشر ذي الحجة منها، فقد أعرف الناس بمعرفة الجوخ، شهاب الدين الكويس، وهو في حدود الثمانين. وفي هذه الأيام سافر النائب والعسكر، خلا الحاجب الكبير يخشباي، نحو البلاد الشمالية.
وفي ليلة الأحد ثامن عشريه، دخل إلى دمشق ليلاً، خاصكي من مصر، صحبته مراسيم شريفة بتخليص جهات القاضي الشافعي؛ حينئذ الولوي بن الفرفور، ممن استولى عليها، كابن الحنش، وضبط ما يتحصل منها ليدفع ما عليه للسلطان، وهو معوق لذلك.
وصحبته أيضاً مرسوم من القاضي الشافعي المذكور، بتفويض العرض وغيره إلى سراج الدين بن الصيرفي، الذي هو من كبره قد تقلبت جفون عينيه واحمرت؛ وأن يفوض للبرهاني الصلتي الطويل، ففرح بذلك وقويت همته، فعرض وفوض للصلتي في اليوم المذكور.
وعزل القاضي تقي الدين القاري من نيابة الإمامة بالجامع الأموي، التي سود وجهه بسببها عند النائب ناظر الجامع، وعند ابن طالوا نائبه في النظر المذكور، بسبب كسر خاطر شهاب الدين بن الملاح، لأجل عشرين درهماً، وسود وجهه عند شهاب الدين الرملي.
(1/273)

الغائب بمصر يومئذ، بعد محنته، وعند من ولاه القضاء وغيره النجمي ابن الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، وعند قاضي الحنفية المحيوي بن يونس، بسبب المدرسة البلخية، لكونه، نزل عنها لصبي يدعى محمد بن السجان، وعند قاضي المالكية خير الدين الغزي.
وفي هذه الأيام قطع الماء من الجامع الأموي، لأجل انسداد مصارفه، ورمي على ذي الحقوق مالاً كثيراً. وفي هذه السنة جدد النائب مكاناً قبلي دار السعادة والمدرسة العذراويه، وغربي المدرسة الصارمية، وشمالي حارة الغرباء، وغربي المارستان النوري، وجدد تجاهه قناة وبركة، وساق الماء إليهما، واشتهر بين الناس أن رجلاً من الجند اسمه أبو بكر بن شعبان الرجبي، بالجيم، حسن للنائب ذلك، وأنه رأى في منامه بعض الصالحين، يدعي سيدي أحمد عمود، مدفوناً لصيق عمود في هذا المكان، فأبرز القبر والعمود وكساهما؛ ولما توفي النائب المذكور محا الرجبي المذكور اسمه من الطراز بالمكان، وجعل اسمه موضعه، وقال: إنما كتبت اسم النائب حشمة معه، وأوقف عليه قيسارية البهار قبلي قيسارية تنكز، وغير ذلك.

سنة ست عشرة وتسعمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين أبو الصبر يعقوب بن عبد العزيز العباسي؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري؛ ونائبه بدمشق سيباي؛ والأمير الكبير الأتابك برد بك تفاح؛ والحاجب الكبير يخشباي؛ والقضاة بها: الحنفي المحيوي بن يونس، والشافعي الولوي ابن الفرفور، وهو مقيم بمصر، والمالكي خير الدين الغزي، والحنبلي نجم الدين بن مفلح؛ وكاتب السر محب الدين الأسلمي وهو ناظر الجيش؛ ونائب القلعة مسرباي؛ ودوادار السلطان بها أقطوه.
وفي ليلة الخميس المحرم منها، رجع الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون من بيروت. وفي بكرة يوم الأحد خامسه رجع النائب إلى دمشق من سفره إلى البلاد الشمالية، وكان ذهب نجدة لنائب حمص، بمقتضى مرسوم شريف على عرب الفضل بن نعير، فأخذوهم غروراً وهم طائعون، وأخذوا منهم جمالاً وغنماً كثيرة وغير ذلك، وقتلوا منهم، ومن أكابرهم، جماعات، ودقت البشائر بدمشق وغيرها أياماً، وأرسل إلى السلطان منها جمال كثيرة.
وفي يومي الخميس والجمعة، تاسعه وعاشره، وأظهر علاء الدين الرملي مرسوماً
(1/274)

شريفاً، أرسله القاضي شهاب الدين الرملي بالشكوى على تقي الدين القاري، والقاضي زين الدين عبد الرحيم ابن الشيخ تقي الدين، من جهة خلوة الكلاسة، أسكناها رجلاً يدعى ابن الخشاب، وعلي بن أيوب، ناظر العميان من جهة وقف السبع، فرسم على الثلاثة بقاعة بدار العدل، ثم أطلقوا عشية الجمعة.
وفي يوم الاثنين ثالث عشره أمر النائب بإشهار المناداة بإبطال المظالم والرميات على الحارات، وأن لا يؤخذ أحد إلا بمشتكى، وفرح الناس بذلك. وفي بكرة يوم الجمعة سابع عشره، سادس عشر نيسان، هب الهواء كثيراً، ثم وقع مطر، ثم أرعدت، ثم قوي المطر، ثم زاد الرعد بحيث خاف الناس، ووقعت صاعقة على منارة الناصرية، غربي الصالحية، فخربت رأسها وجانباً منها، وأخذت جانباً من عتبة الشباك الذي تحتها، وكان ذلك في حال قدوم زوار بيت المقدس، الذين سافروا من نحو شهر، حتى كادوا أن يغرقوا برأس القبيبات، ثم أصحت ونشفت الأرض، وخرج الناس إلى الجمعة.
وفي ليلة السبت ثاني عشره رمى بعض الفساق خرقة فيها نار، في بيت امرأة غائبة عنه وزوجها غائب أيضاً غربي مصلى العيدين، فاحترقت حوائجها والبيت، ولولا أنه كان أوائل الليل، وكثر الناس، لاحترق بيوت كثيرة.
وفي يوم الأحد سادس عشريه نودي بالزينة، ودقت البشائر، واشتهر أن السلطان ولد له ولد ذكر، والعادة أن يهب للمماليك شيئاً معيناً، فنقض عنه، فخرج عليه جماعات منهم، قيل ونهبوا الأسواق، فنزل إليهم وقبض جماعات، فغرق وقتل وخوزق وحبس، فلما انتصر عليهم نودي بالزينة، لأجل ذلك، ولأجل فرحة بالولد.
وفي يوم الاثنين سابع عشريه لبس الأمير عز الدين، ناظر الجوالي وأحد الألوف، من بين يدي النائب خلعة أتته من مصر، بسعي النائب له في ذلك، بوظيفة نظر الجيش وكتابة السر، بعد عزل جاره المحب الأسلمي، الذي هو الآن بمصر، عنهما.
وفي بكرة يوم الأربعاء تاسع عشريه دخل إلى دمشق راجعاً، الدوادار الثاني علان، من بلاد الروم، وصحبته عشرة خاصكيه، وقد خلع ابن عثمان على الجميع، وتلقاه النائب وأرباب الولايات، ونزل بالميدان الأخضر. وفي يوم الخميس سلخه لبس الأمير عز الدين، ناظر الجوالي، خلعة ثانية، أتته من مصر، بالترجمة وأستدارية السلطان، تكملة ست وظائف؛ والمحب الأسلمي غريمه بمصر إلى الآن.
(1/275)

وفي يوم الجمعة مستهل صفر، وصل الخبر إلى دمشق بوفاة أخينا محيي الدين بن كمال الدين بن سلطان، بمكة المشرفة، في رابع عشر ذي الحجة من السنة الماضية، ولم يكن ببيت ابن سلطان أولى منه.
وفي هذه الأيام ورد المرسوم السلطاني بإشهار المناداة بالتهيؤ لأمور الحج في الركب الآتي، وأن أمير الوفد أمير ميسرة أصباي بدمشق، ففرح الناس بذلك لاندراج أمور الناس، فإنه من حين بطل خروج الركب الشامي من دمشق وقفت صنائع كثيرة، وله أربع سنين قد بطل. وفي يوم الثلاثاء خامسه دخل إلى دمشق حج كثير، أتى صحبة الغزواي، وأخبروا بأن الرخص بمكة كثير، إلا أن الماء قليل، وأن الوقفة كانت يوم الأربعاء، وأن القماش الأبيض كان قليلاً.
وفي يوم السبت تاسعه توفي الرجل الديّن التاجر كان، زين الدين يخشى، بعد أن هرب من منزله بحارة الجمالين قرب عاتكة، إلى الصالحية عندنا، من كثرة الرميات والظلم، ثم قبل موته بيومين رجع إلى منزله متضعفاً، فمات وهو حاضر الذهن، وكان ممن يقضي حوائج المسلمين، ودفن بالحميرية، عن بنت وزوجة.
وفي بعد الصلاة يوم الجمعة خامس عشره، سافر الدوادار الثاني علان من دمشق إلى مصر، راجعاً من عند ابن عثمان، وخرج لوداعه النائب وخلع عليه. وفي هذه الأيام فرض دائرة على القضاة لشهاب الدين بن الملاح الرملي.
وفي يوم الجمعة ثاني عشريه طلب الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، إلى مجلس المحيوي بن يونس قاضي الحنفية، الدعوى عليه بألف دينار أصالية، وضماناً، واستهجن الناس ذلك.
وفي يوم الخميس تاسع عشر ربيع الأول منها، أتى نائب القلعة راكباً بجماعتها، وبين يديه رجل مختف في زند حديد، إلى قرب بيت قاضي الحنفية، ثم مالت فرقة من جانب بابه الشرقي، وفرقة إلى بابه الغربي وهجموا عليه إلى حريمه وأخرجوه، وذهبوا به راكباً إلى القلعة، ثم رجع وحده إلى بيته، ثم تراضاه حتى خلع عليه.
(1/276)

وفي يوم الجمعة ثامن ربيع الآخر منها، نودي بدمشق بأن كل من كان من أرباب الإقطاعات يلحق النائب، وأن يرمى مال على الحارات، لأجل مشاة تلحقه أيضاً.
وفي يوم الاثنين خامس عشره دخل من مصر إلى دمشق، قاضي الشافعية ولي الدين بن الفرفور، وصحبته القاضي شهاب الدين الرملي، وأخبر أنهما خرجا من مصر ثامن ربيع الأول، وأنهما زارا القدس والخليل، وأن تولية القاضي في توقيعه يوم ثاني ذي القعدة من الماضية، وتلقاه أردبش الدوادار الكبير نائب الغيبة.
وفي يوم السبت عشريه دخل من مصر إلى دمشق خاصكي، قيل اسمه سودون الخندي، بخلعة بطراز خاص، وصحبته نحو عشرة أنفس خاصكية ووشاقية، بخيل خاص وأبهة حافلة، قيل أرسله السلطان إلى الخارجي إسماعيل الصوفي، وكان يومئذٍ وقد وصل إلى دمشق من حلب وغيرها جماعة صحبتهم من الفرنج، قيل معهم مكاتبات مخبأة في عكاكيزهم من الفرنج إلى إسماعيل المذكور.
وفي يوم الخميس خامس عشريه تحيل هذا الخاصكي حيلة في أخذ أموال الناس، بأن قال: ذهب لي بالميدان الأخضر سيف وبقجة وترس، ونحو ذلك، فرمى على أهل الحارات مال بسبب ذلك.
وفي يوم الجمعة سادس عشريه صلى هذا الخاصكي بالشباك الكمالي بالجامع الأموي، مكان يصلي النائب، ثم بعد الصلاة دخل إلى قبر زكريا وزاره في زحمة، ثم دخل من باب المقصورة الشرقي، وخرج من بابها الغربي، ولم يلتفت للقاضي الشافعي ببيت الخطابة، ثم مر على محراب الحنفية، ثم خرج من باب البريد، وهو في ضخامة حافلة بمن معه. وفي هذه الأيام وقع النائب في بلاد ابن ساعد، وغيره، بالحرق، وتخريب الأمكنة، وإتلاف الزروع والمغلات والحيوانات، وقتل منه جماعات، منهم الدوادار الثاني له.
وفي يوم الاثنين تاسع عشريه فوض القاضي الشافعي لخاله محب الدين بن الخيضري، وابن خاله الآخر أبي اليمن، وكان قبل ذلك فوض لشهاب الدين الرملي، ولشيخه الذي بعث من مصر استنابة في الخطابة بالجامع، شهاب الدين الحمصي، وللشريف البرهان الصلتي، فجملة النواب خمسة، وأما الباقي منهم فيريد منهم مالاً فامتنعوا من الاجتماع به خوفاً من أن يحابيهم في قبول التفويض، ثم يكتب عليهم وصولات بما يريد، على كل واحد، فإن لم يورد ذلك عزله تعزيزاً له.
(1/277)

وفي يوم الجمعة رابع جمادى الأولى منها، لم يصل القاضي الشافعي الجمعة، وهو متضعف في بيته. وفي يوم الثلاثاء دخل النائب إلى دمشق، راجعاً من طوفه على البلاد، بعد قتل جماعات، ونهب للناس مالاً كثيراً، وكان في غيبته قد أتت له من السلطان خلعة ودقت لها البشائر بدمشق، دخل يومئذٍ وهو لابسها، بسمور خاص، وتلقاه الناس، ومنهم القضاة الثلاثة، وتخلف الشافعي لضعفه على العادة؛ ثم توعك النائب واستمر لم يركب إلى يوم الجمعة ثالث عشريه، فصلى بالشباك الكمالي بالجامع الأموي على العادة.
وفي يوم الخميس عاشره كان عيد الجوزة، والجوز قليل، وكذا اللوز والزيتون والعنب الدبسي، في غالب النواحي.
وفي يوم الثلاثاء خامس عشره اشتهر عن مطر المعصراني، فراش بوابة ذي الجوشن، أنه رأس منسر الحرامية، وقبض جماعة، ثم هو أيضاً، ولطخ عرض عريف حارته، أبي بكر بن المبادلة، وغرم بسبب ذلك مالاً، وخلع عليه يوم الخميس سابع عشره، ثم أعدم مطر المذكور، توسيطاً، وجماعته.
وفي يوم الأحد عشريه قطعت الجوزة الكبيرة التي خلف القناة والسبيلين، وتعرف تلك المحلة بحارة الجوزة، وكانت هذه المحلة تعرف قبل ذلك بزقاق التوتة، لتوتة كانت هناك فقطعت، وكانت هذه الجوزة صغيرة، فلما كبرت في هذا اليوم قطعها مالكها، خولي النائب، ياسين، وأنكر عليه بعض الغوغاء.
وفي يوم السبت سادس عشريه رجع الدوادار الكبير أردبش من بلاد حوران، وقد وقع بعرب زبيدة، وقتل منهم جماعة وهرب جماعات، وسبى من نسائهم وأولادهم جماعات، وأما الإبل والبقر والغنم فأخذ شيئاً كثيراً.
وفي أواخر هذا الشهر أشيع وفاة المعلم محمد بن سليمان القابوني، وبيده بعض وظائف، فأخذت يومئذٍ وتجهز لأجل إرثه جماعة الحشرية، وجماعة نائب القلعة وجماعة الأستادار، وخرجوا إلى القابون فوجدوه حياً وهو في الحمام، ثم توفي في يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان منها، قيل عن أخت.
وفي يوم الخميس مستهل جمادى الآخرة منها، كان خامس أيلول. وفي صبحة يوم
(1/278)

السبت ثالثه أتى محمولاً بالشريف كرباج البوصيني الحبال بالمزة، وهو ابن عم محمد بن المحب الحصني، وهو مقتول ليلاً بنشاب في بطنه، ووضع بباب خان الحصني، تحت زاوية ابن عمه، ثم حمل إلى دار النيابة، فأمر النائب بتجهيزه، ودفن بتربة الأشراف غربي مسجد الذبان، وعرف قاتله من المزة.
وفي يوم الخميس ثامنه، وهو أول فصل الخريف، توفي أحد الشهود المعدلين بصالحية دمشق، برهان الدين إبراهيم التسيلي الشافعي، رفيق عز الدين ابن قاضي نابلس الحنبلي، وقد قارب الأربعين ظناً، وهما عجيباً الحال.
وفيه شاع بدمشق أن الفرنج أخذوا طرابلس الغرب من المسلمين، وبلاداً أخرى، وأنهم أخذوا من البحر عدة مراكب فيها مال كثير لبعض المغاربة، وأنهم أخذوا مراكب فيها خشب، اشتراه يونس العادلي المتقدم ذكره، باسم السلطان، وجهزه في البحر إلى القاهرة، ليعمل مراكب؛ والناس في شدة من كثرة القتلى بدمشق، وغلا اللحم الضاني الذي هو كل رطل بخمسة.
وفي يوم الاثنين ثاني عشره دخل راجعاً إلى دمشق ومصر، تاج الدين ابن الديوان، بوظيفة عداد الغنم. وفي يوم الخميس خامس عشره توفي أحد الشهود بمركز باب الصغير، المشهور بالجهل والتزوير وغير ذلك، يحيى ابن إمام جامع المزاز بالشاغور، في حبس باب البريد، بسبب مال ضمنه عن الأمير عز الدين ناظر الجوالي.
وفي يوم الاثنين تاسع عشره وقع المطر الجديد. وفيه حرج على الفحم أن لا يباع إلا في خان الليمون، ولا قوة إلا بالله.
وفي هذا الشهر كملت عمارة القناة التي بجانب مسجد شبل الدولة، قبلي قصر حجاج، وقبلي السويقة المحروقة، بعد خراب قنطرتها الآجر، وقنطرة بيت الخلاء، قبليها، بعد أن أخرج إلى سمت جدار المسجد شماله، وبنى جانباه بالحجارة المنحوتة، وعليت عما كانت قبل ذلك، فولى النائب ياسين لأجل مصلحة نفسه، ليأخذ من مائها إلى داره.
وفي يوم الجمعة سابع رجب منها، أخبر عمي العلامة جمال الدين بن طولون، أن أحمد الأعور، الرسول المغربي الذي يزعم أنه شريف، وأن عبد القادر بن شهبة نزل له عن نظر المدرستين الإقباليتين، الشافعية والحنفية، قد باع من وقفهما أماكن منها فدادين من السموقة كل فدان بألف درهم، لبعض من لا يخاف الله، وأن النائب اشترى خان نقيب الأشراف، خارج بابي النصر والجابية، قبلي جامع الطواشي، وهو وقف.
(1/279)

وهذا الخان هو الذي جرى لبانيه قاضي القضاة شهاب الدين بن نقيب الأشراف، مع العلامة الرباني تقي الدين الحصني، ما جرى، كما ذكره الشيخ تقي الدين ابن قاضي شهبة في تاريخه بعد العشرين وثمانمائة، وقد كثر في هذه الأيام بيع الأوقاف، بسبب تولي قضاء الحنفية للمحيوي بن يونس، فأسأل الله أن يسلط عليه ما يستحقه.
وفي يوم الخميس خامس شعبان منها، كتب محضر بالقلعة بأن الأمير طراباي، أخا قيت الرجبي، المسجون بالبرج بها المقيد، قيل بقيدين، قيل ومزنجر أيضاً، عامل اثنين من جماعة القلعة على سرقة قصدير السلطان، المخزون تحت برجه، فسرق، فعلم نائبها ونقيبها، فكتب بذلك هذا المحضر، وجهز إلى القاهرة للسلطان.
وفي يوم الجمعة ثالث عشره، عقب صلاة الجمعة بالجامع الأموي، نودي بالصلاة غائبة بالنية، على الشيخ العالم بدر الدين بن الياسوفي، ولم يذكر الحاضرة، التي أتت ووضعت قبل الصلاة عند مجلس بدر الدين المذكور للصلاة، فخرج الخطيب الشهابي بن الحمصي، وأتى إلى الموضع المذكور، وصلى على الحاضر والغائب وصلى الناس خلفه عليهما، فتعجب، لذلك حكمة من الله تعالى.
وفي يوم السبت رابع عشره أتى المقدم ابن العزقي إلى دمشق، بعد أن كان شوش على خازندار النائب، فلم يزل به حتى أمنوه وأتوا به إلى عند النائب وأظهر الطاعة، فأضافه الخازندار في بيته، فلما أمن قام الخازندار وضربه بدبوس في رأسه، ثم ضرب رقبته بالسيف.
وفي يوم الأحد خامس عشره أتى جماعة الجوامعية، المباشرون بالجامع الأموي، الذي مات منهم الشيخ بدر الدين بن الياسوفي، وقد خلع عليهم أربعة آلاف دينار، وأخبروا أن المقام الشريف بلغة أن جماعة بالجامع المذكور، يستنيبون في وظائفهم بالنزر اليسير، وآخرون لم يباشروا، يأخذون معاليم.
وفي يوم الثلاثاء سابع عشره فوض القاضي الشافعي لكمال الدين محمد ابن الشيخ أبي الفضل بن الإمام، بالنحاسية، نيابة الحكم. وفي يوم الخميس تاسع عشره ورد مرسوم شريف بطلب نائب القلعة بدمشق، إلى الأبواب الشريفة، لكونه امتنع من ذهابه إلى مكة وتشفع بالنائب بأن يستمر في وظيفته.
(1/280)

وفي يوم الثلاثاء رابع عشريه فوض القاضي الشافعي إلى علاء الدين الرملي، صبي القاضي الشهابي الرملي، بمبلغ مائة أشرفي؛ وقبل هذه الأيام فوض إليه التكلم على جهات الحرمين، بمبلغ وخمسين أشرفياً، فصار نائبه في القضاء وفي نظر الحرمين.
وفي هذه الأيام جرت قضية عجيبة، وهي أن إبراهيم بن علي، الموصلي الأصل، العاتكي، بحارة رستم، الشهير بابن الملاح، كان تزوج بجارية حبشية متهمة، وأتت منه بولد، فدفن في مكان من داره مالاً، قيل ألفاً دينار، وهو رجل سفار، فلما عرض له السفر إلى مصر، أسر إلى زوجته المذكورة، أن هنا مالاً مدفوناً، ثم سافر.
فلما علمت وصوله إلى مقصده بمصر، تحيلت حيلة، فجمعت حوائج في كارات، ووضعتها ليلاً في مكان غير حرزها، وأحرقت مكاناً قرب المكان المدفون فيه المال الذكور؛ ثم صاحت بصوت مهول قرب نصف الليل، فخرج الناس على صوتها، وسألوها عن الحال، فأظهرت أن الحرامية نزلوا علينا، فأخذوا لنا حوائج، وأحرقوا هذا المكان.
فشرع النائب في إطفاء الحريق، وأظهرت الكارات، وأن الحرامية لم يقدروا على أخذ الجميع، فتعلق الظلمة على أهل الحارة، وضرب رجل منها بالمقارع، وغرموهم مالاً، فلما علم زوجها بمصر ذلك، سافر وجاء، فأظهرت له ذلك، وأن المال نبشوه الحرامية، وأخذوا كذا وكذا، وحرقوا هذا المكان، فظن صدقها وكتم ما عنده.
ثم بعد أيام ظهر له ريبة، فتجسس وتحسس، فرآها ترسل عبده خفية إلى أخذان لها بالشاغور، فلما جاء الليل أظهر لها أنه نائم وجلس في مكان مشرف على الطريق والباب، فدق الباب، فردت جارة المكان عليهم، واستيقظ الناس، فهربوا فزادت ريبته فيها، فسأل العبد، فاعترف، وحكى لسيده أنهم جاؤوا، لقتلك بوعد منها لهم.
فقبض عليها، وأتى بجارية كانت عندهم قبل ذلك، فأقرت عليها بأمور، فعلم أنها التي أخذت المال وأرادت قتله، فعلم الظلمة ذلك، فأخذت وضربت، وفأقرت على زوجة ابن العقري، وأنها التي شجعتها على ذلك، وأنها أخذت من المال كذا وكذا، فطلبها الظلمة وتطلبوا الأخذان من الشاغور.
وفي يوم الاثنين ثامن رمضان منها، سافر نائب القلعة المطلوب إلى مصر، وقد خلع عليه النائب، وسافرت مطلقة النائب معه. وفي يوم الثلاثاء عاشره نهب المقدم برغشة خيل خصمه المقدم الآخر، لكون مات من كان ينصره عليه، وهو دوادار السلطان أقطوه، ورمى
(1/281)

جماعة النائب على أهل الصالحية والمزة مالاً، وقبض على جماعة وصودورا.
وفي يوم الثلاثاء سابع شوال منها، سافر الأمير عز الدين، ناظز الجوالي وغير ذلك، إلى مصر، وسافر صحبته نور الدين خادم الشيخ رسلان، المشهور بقنينة، وصحبتهما المال على القاضي الشافعي ولي الدين، وقدره اثنا عشر ألف دينار، وقيل هي نحو نصف ما عليه.
وفي يوم الاثنين ثالث عشره توفي الرسول الشريف الأكتع المغربي الصقلي، الشهير بأبي دية، ودفن بمقبرة الباب الصغير. وفي هذه الأيام ورد مرسوم شريف بإبطال بيع الأوقاف، تاريخه سابع عشر شعبان منها، وقيل إن سببه أن النائب اشترى السيبائية، وقف التقوى على المدرسة التقوية، والبرج وغير ذلك.
وفي يوم الخميس سادس عشره لبس النائب خلعة حمراء بسمور خاص، من قريب قبة يلبغا، وتلقاه الناس على العادة، أتت إليه مع خاصكي، فدخل معه وهو مخلوع عليه خلعة بطراز. وفي هذا الأيام توفي الشاهد بمركز الخضريين، شمس الدين الحلاوي، المعروف ببيض اللقح، وهو خطيب جامع الحشرة بالحدرة.
وفي يوم الجمعة رابع عشريه أتى النائب بجماعة من أولاد سيف الدين الحماري، كانوا قد قتلوا وأفسدوا ونهبوا بتوسيط بعضهم، وبشنق بعضهم. وفي يوم الثلاثاء ثامن عشريه خرج النائب بعسكره إلى عند القبة، قيل على نية نهب بلاد ابن ساعد. وفي يوم الأربعاء تاسع عشريه فوض القاضي الشافعي للتقوي ابن قاضي زرع.
وفي يوم الخميس مستهل ذي القعدة منها، فوض القاضي الشافعي أيضاً لجلال الدين البصروي، لكن بلغني أنه لم يحكم. وفي يوم الأحد حادي عشره حضر السيد كمال الدين ابن حمزة، مدرساً للمدرسة الشامية البرانية، نيابة عمن تولى تدريسها، وهو الزيني عبد القادر، ناظر الجيش، القصروي المصري، ودرس في الرافعي في كتاب الأيمان.
وفي هذه الأيام جدد قبر الشيخ تقي الدين الحصني، بعمارة مهولة لا تليق به، وعمارته الأولى كانت أليق بمقام الأولياء والعلماء الصالحين. وفي يوم الاثنين تاسع عشره فوض القاضي الشافعي للمحيوي النعيمي، بعد تمنع زائد منه، وانفض المجلس إلى أن يستخير الله تعالى.
(1/282)

وفي هذه الأيام وقع القاضي الحنفي، المحيوي بن يونس، بالقاضي شهاب الدين الرملي، بكلمات عجيبة، بحضرة مستخلفة القاضي الشافعي الولوي بن الفرفور، لكونه كان أرسل كتاباً إلى كاتب السر ابن أجا بمصر للشكوى عليه، فلفه ابن أجا، وكتب للحنفي كتاباً، ووضع ذلك داخل هذا، وأرسلهما إليه، وانتصر له التقوي ابن قاضي زرع، فوقع به بكلمات أدبه بها، وفي يوم الثلاثاء سابع عشريه نزل الحرامية على امرأة ذي مال، داخل الباب الصغير، فاستغاثت، فقتلوها وأخذوا مالها.
وفي هذا الشهر اتفق عجبان: الأول دخول اليهودي معلّم دار الضرب بدمشق، بخلعة، راكباً وحوله جماعات من المسلمين والمنافقين؛ الثاني أن ابن رجل يعرف بابن سليمان بمحلة قناة البريدي، شكا على أبيه من عند جماعة النائب وكذب عليه بأنه وجد في عمارة صطلين ذهب، فوضعوه ليضربوه بحضرة ولده بالعصا، فلم يرض بالعصا بل بالمقارع، وقال: إذا فرغتم منه هاتوا أمي واضربوها بالمقارع؛ والحال أن أبويه زوّجاه بمال كثير بعد تعبهما عليه، وإنشائه في كنفهما.
واستهلّ ذو الحجة بالسبت كما قال المؤقّتون، وهو أول آذار، وأهل الصالحية والمزّة في مشقّة من قلّة الماء، لكون المشدّ أخذ جامكيته وقدرها على العادة خمسون ديناراً، ثم أخذ المال المرصد لتعزيل الأنهار جميعه، وذهب مع النائب، فتوقّف الرؤساء في التعزيل لقلّة المصروف، وأخذوا يظلمون الناس.
وفي هذه الأيام سقط ابن العقرباني القبيباتي في نهر القنوات، مات. - وفيها كبس جماعة شباب بالصالحية على معصية، ومنهم البدر بن المعتمد. - وفيها وقع القاضي الشافعي بالمحيوي بن شعبان الغزّي، حمية لعلاء الدين الرملي.
وفي الجمعة سابعه ورد مرسوم إلى نقيب القلعة، يومئذ صنطباي، بالقبض على القاضي الحنفي المحيوي بن يونس، على مبلغ سبعة آلاف دينار، قيل وخمسمائة، فأرسل إليه قبيل الصلاة إلى القلعة، ولم يعلمه، فعلم هو بالحال، فأمر جماعته بأخذ آلة الحبس بجامع القلعة، ثم ذهب ودخل القلعة، فقريء عليه المرسوم، ثم أدخل الجامع وجاءته الناس يسلّونه وهو في وجل كبير.
وفي يوم الأحد عرفه تاسعه، وصل راجعاً إلى دمشق، قاصد القاضي الشافعي، وهو نور الدين القنينة، وصحبته مراسيم شريفة، وخلعة لأستاذه، ونزل بالبيت الذي كان جدّده
(1/283)

المرحوم قاضي القضاة الشهابي الفرفوري، غربي حمّام الكأس، وشرقي الشريفية، وقبلي بيته الكبير، وسلّمنا عليه فيه.
وفي يوم الاثنين سابع عشره لبس القاضي الشافعي خلعته المذكورة، ولونها أخضر، من رؤوس العمائر على غير العادة، فإن العادة أن يلبسها من حضرة النائب، أو نائبه، من دار العدل، ولكن تغيّرت العوائد لخلوّ الزمان عن كبير يرجع إليه.
وفي هذه الأيام أوصى الرجل الصالح شمس الدين محمد بن محمد زيري، بعمارة جامع المسلوت بحارة زقاق البركة، لولده شهاب الدين أحمد، بعد أن آل إلى الخراب، وكان قد تدارك جدارة القبلي الخواجا شهاب الدين بن سليمان، فأتم هذا الرجل عمارته، وصار أعجوبة.
وفيها بلغني أن ابن شعبان شيخ غزّة من الشافعية، توفي، وأنه صلّي عليه غائبة بالجامع الأموي في تاسع رجب من هذه السنة، وكأني لم أكن حاضراً بالجامع المذكور، فلم أذكره في محلّه؛ وأنه أدير المحمل دورة دمشق دوراناً عجيباً، وقد شاهدته، لكن سهوت عن تعليقه في محلّه، وهو حادي عشر رجب المذكور أعلاه.

سنة سبع عشرة وتسعمائة
استهلّت والخليفة أمير المؤمنين أبو الصبر يعقوب بن عبد العزيز العباسي؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري؛ ونائيه بدمشق سيباي؛ والقضاة بها: الحنفي المحيوي بن يونس، وهو معتقل بالقلعة، والشافعي الولوي بن الفرفور، والمالكي خير الدين الغزّي، والحنبلي نجم الدين بن مفلح؛ والحاجب الكبير يخشباي؛ ونائب القلعة صنطباي، بعد مسرباي المعزول؛ ودوادار أردبش؛ والحاجب الثاني قايتباي.
وفي بكرة يوم السبت سابع المحرم منها، سافر محمد بن المحبّ الحصني إلى اللاذقية، ليعمّر قبر جدّه هناك، كما عمّر قبر جدّه برأس القبيبات. - وفي ليلة الأحد ثامنه خرجت النار من حانوت تحميص القضمانية، داخل باب الجابية، فاحترقت وما قدّامها من الشمال، وما
(1/284)

خلفها من القبلة، ولم تلحق الجانب القبلي الذي فيه المئذنة الجركسية، ولا ما شرقيه من سوق الغزل، ولا سوق المنجدين والفسقار.
وفيه كبس بيت الأمير عزّ الدين ناظر الجوالي، الغائب بمصر، وهرب أخوه من أيدي الأعوان، راكباً مكشوف الرأس فأخذوا عمامته، وقبضوا أخا زوجته، ووضع بالقلعة، بعد أن أشيع بدمشق مجيء عزّ الدين من مصر على وجه جميل؛ ثم ورد أنه وضعه السلطان بالقلعة في الحديد، وأسلمه لابن موسر البرددار، ونزل به على أعين الناس في الحديد.
وفي يوم الثلاثاء، يوم عاشوراء، رسم بأن يؤخذ من بيت كل قاضٍ شاهد، وأن يضبط موجوده في بيته وغيره، فضبط ووضع في مخزن وختم عليه، واستمرّ أخو زوجته بجامع قلعة دمشق، قرب المحيوي بن يونس الحنفي، والنجمي ابن الشيخ تقي الدين، وفيه جماعة أخر ورد فيهم مرسوم على مال، ولا قوّة إلا بالله. - وفي يوم عاشوراء المذكور، قتل منطاش من المزّة، وضرب بنشّاب ابن الحفبراني، ومات في ليلة السبت حادي عشريه.
وفي ليلة الجمعة ثالث عشره رجع النائب من سفرته، من بلاد حوران. - وفي هذه الأيام وقع الأمير حاجب الحجاب بجلال الدين زريق بن علاء الدين البصروي، لتجرؤه على فتح باب من البيت وقف التوريزي، إلى حمّامه، وعلى فتح باب إلى بيت الخطابة، وفي عمل مجلس كبير له، وفي تقصيره في إبطال الأيتام من المكتب، واستغراقه وظائف الوقف لنفسه وأولاده، وغير ذلك.
وفي يوم الأربعاء خامس عشره وردت كتب من الوفد الشريف؛ وأن الوقفة كانت الاثنين، وأن كل صنف كان موجوداً إلا الجوز الهندي والتمر، لكن القماش الأزرق أكثر من البياض، وأن بركات، سلطان مكة، أوصلهم إلى قريب عقبة أيلة، وأن جماعة ماتوا، منهم ابن مقلب بمنزلة قاع البزوة.
وفي يوم الأحد تاسع عشريه قوي الهواء قوة كثيرة، فكسر أشجاراً كثيرة، وعند غروب الشمس زاد قوة حتى سقط الصحن النحاس الكبير، الذي فوق النحاس المشبك، الذي برأس العمود الغربي الجامع الأموي، الذي وضعه، والشرقي معه، قاضي دمشق محمد، لأجل التنوير ليالي الجمع، في شهر رمضان سنة إحدى وأربعين وأربعمائة.
وفي يوم السبت خامس صفر منها، لبس النائب خلعة من قبلي البلد، حمراء خاص،
(1/285)