Advertisement

نفح الطيب 001



نفخ الطيب من غصن الأندلس الرطيب
أحمد بن محمد المقري التلمساني
سنة الولادة 986/ سنة الوفاة
تحقيق د. إحسان عباس
الناشر دار صادر
سنة النشر 1388هـ
مكان النشر بيروت
عدد الأجزاء 8 بسم الله الرحمن الرحيم [ مقدمة المؤلف ] [ خطبة المؤلف ]
يقول العبد الفقير ، الذليل المضطر الحقير ، من صالح الأعمال عري : أحمد بن محمد الشهير بالمقري ، المغربي المالكي الأشعري ، أصلح الله تعالى حاله ، وجعل في مرضاته حله وترحاله ، ومحا بغيث الطاعة والرضوان أمحاله ، وأنجح ببلوغ آماله انتحاءه :
أحمد من عرف من حلى الأمصار وعلى الأعيان ، على تداول الأعصار وتطاول الأحيان ، ما فيه ذكرى لأولي الأبصار وإرشاد إلى معرفة الديان ، واعتبار بأخبار راع وصفها أو راق . وشرف من صرف المطامح والمطامع ، إلى تفصيل ما أفاد لسان الدين من كلم جوامع ، وتحصيل ما أجاد من حكم بوالغ سحب بلاغتها هوامع ، واقتناء ذخائر المهتدين التي تشنفت بدررها اللوامع الآذان والمسامع ، من كل منحط عن رتبة البراعة أو راق . حتى توج
____________________
(1/1)

الخطيب المجيد روؤس المنابر بفرائد الكلام ، وحلى الكاتب الأديب المجيد صدور المزابر من فوائد الأعلام ، وكحل الحكيم الطبيب الأريب المفيد من إثمد المحابر بمراود الأقلام عيون أوراق .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي ابتدأ الخلق من غير مثال وبرا ، وقسم العباد إلى حاضر وباد وظاهر وخامل وقاصر وكامل تشير إليه بالأنامل أيدي الكبرا ، وأبدى في اختلاف ذواتهم وأعراضهم وتباين أدواتهم وأغراضهم وتغاير ألسنتهم وأمكنتهم وأزمنتهم وألوانهم وأكوانهم ومناصبهم ومناسبهم عبرا ، وجعل الدنيا لمن أتيح صغرا أو كبرا ، ولبس منهم مسوحا أو حبرا ، وأخلد إلى الأرض أو صعد منبرا ، جسرا إلى الآخرة ومعبرا ، وحكم - وهو الفاعل المختار - على الجميع بالموت فكان لمبتدإهم خبرا ، فيا له من داء أعيا كل معالج أو راق . فسبحانه من إله انفرد بوجوب القدم والبقا ، واختص بفضله من شاء فارتقى ، وعم تعالى ذوي السعادة والشقا ، بالحدوث والفنا ، وأذاق من فراق الدنيا كل من فيها بلا ثنا ، ممن وفق فنفى عن جفنه وسنا ، أو خذل فجر في ميدان الاغترار رسنا ، وزين له عياذا بالله سوء عمله فرآه جسنا ، طعم شعوب المر الجنى ، فلم يغن منه منه عن ذوي الغنى والغنا ، وأهل السناء والسنا ، من استظهروا به من أرباب الصوارم والقنا ، وأصحاب النظم والنثر والجدال والفخر المدح والثنا ، فأولئك ألقوا السلاح مذعنين ، مستبصرين موقنين ، إذ جاء الحق وزهق الباطل وولى المترا ، وهؤلاء تركوا الاصطلاح معلنين ، عالمين أنهم لم يكونوا في التمويه محسنين ، وكيف لا وقد اضمحل
____________________
(1/2)

الغرور والأجترا وذهب والله الجور والافترا وبدل مذق الإطراء بصدق اللإطراق
وأشكره جل وعلا على أن علم بالقلم ما لم نعلم ونبه بآثاره الدالة على اقتداره إلى سلوك الطريق الأقوم الواضح المعلم وأرشد من أشرق فكره وأضا إلى التفويض لأحكام القضار ومن ذا يرد ما أمضى أو ينقض ما أبرم والتسليم على كل حال أسلم وأمر جل اسمه بالتدير في أنباء من مضى والنظر في عواقب أحوال الذين زال أمرهم وانقضى من صنوف الأمم ووبخ من دجا قلبه بالإعراض عن ذلك وأظلم وشتان ما بين اللاهي والمتذكر والساهي والمتفكر والناجي والهالك والمتحير والداجي الحالك والمشرق النير وما يستوي الظل والحرور والحزن والسرور والظلمات والنور ذو البهجة والإشراق
وأصلي أزكى الصلاة والسلام هدية لحضرة سيد الأنام ولبنة التمام من زويت له من الأرض المغارب والمشارق وتم به نظام أنبياء الله ورسله العظام وأزاح نوره الضلال والظلام حتى أضاءت بوسمه المساجد وازدانت باسمه المهارق وألقى الموفق الموافق لدعوته بيد الاستسلام وذلك شأن ذوي العقول الراجحة والأحلام غير خائف من عتب ولا مترقب لملام فأمن من الطوارئ والطوارق وتمت كلمة الإسلام الذي اتضح برهانه لذي بصر وبصيرة لا يحتاج إلى زيادة الإعلام وعلت سيوف توحيد الملك العلام
____________________
(1/3)

من المعاند المفارق المفارق وخضبتها بحناء النديع الرقراق النبي الأمي الأمين الداعي جميع العالمين إلى سلوك منهاج ما له من هاج ذي أضواء شوارق سيد الرسل الغر الميامين ملجإ الإمة جعلنا الله ممن نجا باللجإ إليه آمين الذي أنزل عليه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وانشق له الزبرقان ونبع الماء من بين أصابعه زيادة في الإيقان وسلمت عليه الأحجار وانقادت لأمره الأشجار متفيئة ظلاله الشريفة وخطت في الأرض أسطرا مبدعة الإتقان إلى غير ذلك من معجزاته الخوارق فهو صاحب الدعوة الجامعة والبراهين اللامعة والإدلة التي سقت الشدرة الطيبة غيوثها النافعة الصيبة الهامية الهامعة الصادقة البوارق فأثمرت النجاة والفوز والفلاح وأورقت بالهدى أحسن إيراق أسنى رسول بعث إلى الأرض وأعظمهم جلالة وأكثرهم تابعا في الطول منها والعرض ولم لا وقد ظهر به الحق لمن أمه مسترشدا وجلا له وأسمى من جاء بتبيين السنة والفرض وأعم دلالة منقض البراي في الدنيا ويوم العرض الآخذ بحجزهم عن النار والضلالة الداعي إلى تقديم الخير وحسن القرض الحريص على هداية الخلق المبلغ لهم أحكام الحق من غير ضجر ولا ملاله ذو الفضل العليم الذي لم يختلف فيه من أهل العقول اثنان والمجد الصميم الثابت الأصول الباسق الأفنان الملتقي من محتد معد بن عدنان المنتخب من خير عنصر وأطهر سلالة شفيعنا وملاذنا وعصمتنا ومعاذنا وثمالنا الذي نجحت به آمالنا وزكت به أقوالنا وأعمالنا ووسيلتنا الكبرى وعمدتنا العظمى في الأولى والأخرى وكنزنا الذي أعددناه لإزاحة الغموم ذخرا وغيثنا وغوثنا وسيدنا ونبينا ومولانا محمد الطيب المنابت والأعراق
____________________
(1/4)

صلى الله عليه وسلم ووجه وفود التعظيم إليه من مفرد في جماله صار لجمع الأنبياء تماما وفذ في كماله تقدم في حضرة التقديس التي أسست على التشريف أعظم تأسيس فصلى بالمرسلين إماما وصدر تحلى بجميل الأوصاف كالوفاء والعفاف والصدق والإنصاف فزكا في أعماله وبلغ الراجي منتهى آماله ولم يخلف وعدا ولم يخفر ذماما وسيد كسي حلل العصمة من كل مخالفة وذنب ووصمة فلم يصرف لغير طاعة مولاه الذي أولاه من التفضيل ما أولاه اهتبالا واهتماما
وعلى آله وعترته الفائزين بأثرته أنصار الدين والمهاجرين المهتدين وأشياعه وذريته الطالعين نجوما في سماء شهرته وأتباعهم القائمين بحقوق نصرته أرباب العقل الرصين الفاتحين بسيوف دعوته أبواب المعقل الحصين حتى بلغت أحكام ملته وأعلام بعثته من بالأندلس والصين فضلا عن الشأم والعراق
ورضي الله تعالى عن علماء أمته المصنفين في جميع العلوم والفنون وعظماء سنته الموفين للطلاب بالآراب المحققين لهم الظنون وحكماء شرعته المتبصرين بحدوث من مرت عليه الأيام والشهور وكرت عليه الإناء والدهور والأعوام والسنون المتدبرين في عواقب من كان بهذه البسيطة من السكان المتكذرين على قدر الإمكان بمن طحنته رحا المنون من أملاك العصور الخالية وملاك القصور العالية وذوي الأحوال التي هي بسلوك الاختلاف حالية من بصير وأعمى وفقير وذي نعمى ومختال تردى بكبريائه ومحتال على ما بأيدي الناس بسمعته وريائه وعاقل أحسن العمل وغافل افتتن بالأمل وكارع في حياض الشريعة وراتع برياض الآداب المريعة وذي ورع سد عما رابه الذريعة وأخي طمع في أن يدرك آرابه من الدنيا الوشيكة
____________________
(1/5)

الزوال السريعة ومقتبس من نبراس الرواية وملتبس بأدناس الغواية وشاعر هام في كل واد وقال ما لم يفعل فكان للغاوين من الرواد وجاهل عمر الخراب وخدع بالسراب عن أعذب الشراب ومحقق علم أنه إذا جاء القدر عمي البصر ممن كان أحضر من غراب وموفق تيقن أن غير الله فان وكل الذي فوق التراب تراب ومن متخلق متجرد تصوف ومتعلق متفرد تشوق إلى ما فيه رضا الرب وتشوف وناه ذكر بأيام الله ووعظ وخوف ولاه اغتر بالباطل فهو بالحق مماطل وطالما أخره وسوف وأبعد الانتجاع ثم أوى من باطنه إلى بيت قعدته لكاع نفس أماره بعدما طوف ومن مادح نظم الآلاء نظم اللآل وكادح طمس لألاء العز بظلمة ذل السؤال فجعل القصائد مصايد والرسائل وسائل والمقطعات مرقعات فآل أمره إلى ما آل ومن مخبر بما سمع ورأى حين اغترب عن مكانه ونأى أو أقام في أوطانه فبلغ ما قدر ووأى ومن مجازف لا يفرق بين الغث والسمين والإمرار والإحلاء وعارف ثقة أمين نظم در الصدف الثمين في أسلاك الكتابة والإملاء وعاشق خنساء فكره ذات الصدار من الشجون والشعار تبكي على صخر قلب المحبوب وتذكره كلما طلعت شمس أو كان للصبا
____________________
(1/6)

هبوب فتأتي بما يطفي وقود الجوى المشبوب من بحار الأشعار وليلى شوقه العفيفة عن العار ترفل في ثوب من التصبر معار وقيس توقه من ثوب السلو عار قد توله واشتاق خصوصا عند انتشاق البشام والعرار وقلق لما أرق فلم يقر به قرار فاعتراه ما براه وألف البكاء بحكم الاضطرار ولبس ثياب النحول والاصفرار وأسر لما هزمت جيوش صبره وأزمعت الفرار فتحير مما شجاه وسأل النجاة من أسر الفراق
( سبحان من قسم الحظوظ ** فلا عتاب ولا ملامه )
( أعمى وأعشى ثم ذو ** بصر وزرقاء اليمامة )
( ومسدد أو جائر ** أو حائر يشكو ظلامه )
( لولا استقامة من هداه ** لما تبينت العلامه ومجاور الغرر المخيف ** له البشارة بالسلامه )
( وأخو الحجى في سائر الأنفاس ** مرتقب حمامه )
( وكما مضى من قبله ** يمضي ولم يقض التزامه )
( والجاهل المغتر من ** لم يجعل التقوى اغتنامه )
( فليرفض العصيان من ** يخشى من الله انتقامه )
____________________
(1/7)


( وليعتبر بسواه من ** لصلاحه صرف اهتمامه )
( فالعيش في الدنيا الدنية ** غير مرجو الإدامه )
( من أرضعته ثديها ** في سرعة تبدا فطامه )
( من عز جانبه بها ** تنوي على الفور اهتضامه )
( وإذا نظرت فأين من ** منعته أومنحت مرامه )
( ومن الذي وهبته وصلا ** ثم لم يخش انصرامه ) ومن الذي مدت له ** حبلا فلم يخف انفصامه )
( كم واحد غرته إذ ** سرته مخفية الدمامه )
( قعدت به من حيث لم ** يعلم فلم يملك قيامه )
( أين الذين قلوبهم ** كانت بها ذات استهامه )
( أين الذين تفيأوا ** ظل السيادة والزعامه )
( أين الملوك ذوو الرياسة ** والسياسة والصرامه )
( وبنو أمية حين جمع ** عصرهم لهم فئامه )
( وتمكنوا ممن يحاول ** نقض ما شاءوا انبرامه )
( وتعشقوا لما بدا ** لهم محيا الأرض شامه )
( وتأملوا وجه البسيطة ** فاثنوا يهوون شامه )
( حتى تقلص ظلهم ** وأراهم الدهر اخترامه )
( أين الخلائف من بني العباس ** والبر القسامه
____________________
(1/8)


( أين الرشيد وأهله ** وبنوه أصحاب الشهامه )
( ووزيره يحيى وجعفر ** ابنه الراوي احتشامه )
( والفضل مدني من يقول ** لمن يلوم على الندى مه )
( أم أين عنترة الشجاع ** وذوا الجدا كعب بن مامه )
( والزاعمون بجهلهم ** أن القبور صدى وهامه )
( والمكثرون من المجون ** إذا شكا الفكر اغتمامه )
( اين الغريض ومعبد ** أو أشعب وأبو دلامه )
( أين الألى هاموا بسعدى ** أو بثينة أو أمامه )
( وأبكوا لفرط جواهم ** والليل قد أرخى ظلامه )
( وتتبعوا آثار من ** عشقوا بنجد أو تهامه )
( وتعللوا والشوق يغلب ** بالأراكة والبشامه )
( أضنى النوى قيسا فقاسى ** لاعجا أغرى غرامه )
( وغوى هوى غيلان مذ ** ابدى بميته هيامه )
( اين الأكاسر والقياصرة
____________________
(1/9)


( أم أين غمدان وسيف ** والوفود به أمامه )
( أين الخورنق والسدير ** ومن شفى بهما أوامه )
( ومدائن الإسكندر اللاتي ** لها أعلى دعامه )
( أين الحصون ومن يصون ** بها من الأعدا حطامه )
( أين المراكب والمواكب ** والعصائب والعمامه )
( اين العساكر والدساكر ** والندامى في المدامه )
( وسقاتها المتلاعبون ** بلب من أعطوه جامه )
( من كل أهيف يزدري ** بالغصن إن يهزز قوامه )
( ذي غرة لألاؤها ** تمحو عن النادي ظلامه )
( فالشمس في أزراره ** والبدر في يده قلامه )
( يصمي القلوب إذا رمى ** عن قوس حاجبه سهامه )
( ويروق حسنا إن رنا ** ويفوق آراما برامه )
( أنى لها ثغر حلا ** ذوقا لمن رام التثامه )
( أنى لها وجه يشب ** بقلب مبصره ضرامه ) أستغفر الله للغو ** لا يرى الشرع اعتيامه )
( بل أين أرباب العلوم ** أولو التصدر والإمامه )
وذوو الوزارة والحجابة ** والكتابة والعلامه )
( كأئمة سكنوا بأندلس ** فلم يشكوا سآمه )
( هي جنة الدنيا التي ** قد أذكرت دار المقامه )
( لا سيما غرناطة الفراء ** رائقة الوسامه )
( وهي التي دعيت دمشق ** وحسبها هذا
____________________
(1/10)


( لنزول أهليها بها ** إذ أظهر الكفر انهزامه )
وأتت جيوش الشأم من ** باب نفى الفتح انبهامه )
( فسلوا بها عن جلق ** إذ أشبهتها في الضخامه )
( وبدا لهم وجه المنى ** وأراهم الثغر ابتسامه )
( وتبوأوها حضرة ** تبري من المضنى سقامه )
( بروائها وبمائها ** وهوائها النافي الوخامه )
( ورياضها المهتزة الأعطاف ** من شدو الحمامه )
( وبمرجها النضر الذي قد زين الله ارتسامه )
( وقصورها الزهر التي ** يأبى بها الحسن انقسامه )
( يا ليت شعري أين من ** أمضى بها الملك احتكامه )
( وأتيح في حمرائها ** عزا به زان اتسامه )
( اين الوزير ابن الخطيب ** ها فما أحلى كلامه )
( فلكم أبان العدل في ** أرجائها وبها أقامه )
( ولكم أجار عدا وكم ** أجرى ندى والى انسجامه )
( راعت صروف الدهر دولته ** وما راعت ذمامه )
( حتى ثوى إثر التوى في حفرة نثرت نظامه )
( من زارها في أرض فاس ** أذهبت شجوا منامه )
( إذ نبهته لكل شمل ** شتت الموت التئامه )
( هذا لسان الدين أسكته ** وأسكنه رجامه )
( ومحا عبارته فمن حياه لم يردد سلامه )
( فكأنه ما أمسك القلم **
____________________
(1/11)


( وكأنه لم يعل متم ** مطهم بارى النعامه )
( وكأنه لم يرق غارب ** الاعتزاز ولا سنامه )
( وكأنه لم يجل وجها ** حاز من بشر تمامه )
( وكأنه ما جال في ** أمر ولا نهي وسامه )
( وكأنه ما نال من ** ملك حباه ولا احترامه )
( وكأنه لم يلق في ** يده لتدبير زمامه )
( مذ فارق الدنيا وقوض ** عن منازلها خيامه )
( أمسى بقبر مفردا ** والترب قد جمعت عظامه )
( من بعد تثنية الوزارة ** جاده صوب الغمامه )
( لم يبق إلا ذكره ** كالزهر مفتر الكمامه )
( والعمر مثل الضيف أو ** كالطيف ليس له إقامه )
( والموت حتم ثم بعد ** الموت أهوال القيامه )
( والناس مجزيون عن ** أعمال ميل واستقامه )
( فذوو السعادة يضحكون ** وغيرهم يبكي ندامه )
( والله يفعل فيهم ** ما شاء ذلا أو كرامه )
( ويشفع المختار فيهم ** حين يبعثه مقامه )
( وعليه خير صلاته ** مع صحبه تتلو سلامه )
( والتابعين ومن بدا ** برق الرشاد له فشامه )
( ما فاز بالرضوان عبد ** كانت الحسنى ختامه )
والله سبحانه المسؤول في الفوز والنجاة كرما منه وحلما فبيده الخير لا إله إلا هو العلي الكبير العليم الخبير الذي أحاط بكل شيء علما فلا يعزب عنه مثقال ذرة
____________________
(1/12)

حنين إلى الوطن
أما بعد حمد الله مالك الملك والصلاة على رسوله المنجي من الهلك والرضا عن آله وصحبه الذين تجلت بأنوارهم الظلم الحلك وعن العلماء الأعلام الخائضين بحار الكلام المستوين من البلاغة على الفلك فيقول العبد الحقير المذنب الذي هو إلى رحمة ربه الغني فقير المقصر المتبرىء من الحول والقوة المتمسك بأذيال الخدمة للسنة والنبوة وذلك بفضل الله امان وبراءة الضعيف الفاني الخطاء الجاني من هو من لباس التقوى عري احمد بن محمد بن أحمد الشهير بالمقري المغربي المالكي الأشعري التلمساني الموالد والمنشإ والقراءة نزيل فاس الباهرة ثم مصر القاهرة أصلح الله أحواله الباطنة والظاهرة وجعله من ذوي الأوصاف الزكية والخلال الطاهرة وسدد في كل قصد أنحاءه وآراءه ووفقه بمنه وكرمه للأعمال الصالحة والطاعات الناجحة الراجحة والمتاجر المغبوطة الرابحة والمساعي الغادية بالخير الرائحة ووقاه ما بين يده ووراءه وكفاه مكر الكائد وافتراءه وجدال الحاسد المستأسد ومراءه وجعل فيما يرضيه سومه وشراءه آمين
إنه لما قضى الملك الذي ليس لعبيده في أحكامه تعقب أو رد ولا محيد عما شاءه سواء كره ذلك المرء أو رد برحلتي من بلادي ونقلتي عن محل طارفي وتلادي بقطر المغرب الأقصى الذي تمت محاسنه لولا أن سماسرة الفتن سامت بضائع أمنه نقصا وطما به بحر الأهوال فاستعلمت
____________________
(1/13)


( قطر كأن نسيمه ** نفحات كافور ومسك )
( وكأن زهر رياضه ** در هوى من نظم سلك )
وذلك أواخر رمضان من عام سبعة وعشرين بعد الألف تاركا المنصب والأهل والوطن والإلف
( بلد طاب لي به الأنس حينا ** وصفا العود فيه والإبداء )
( فسقت عهده العهاد وروت ** منه تلك النوادي الأنداء )
وما عسى أن أذكر في إقليم تعين لحجة فضله التسليم
( أضواؤه طبق المنى وهواؤه ** يشتاقه الولهان في الأسحار )
( والطبع معتدل فقل ما شئته ** في الظل والأزهار والأنهار )
محل فتح الكمائم ومسقط الرأس وقطع التمائم
( به كان الشباب اللدن غضا ** ودهري كله زمن الربيع )
( ففرق بيننا زمن خؤون ** له شغف بتفريق الجميع )
لم أنس تلك النواسم التي أيامها للعمر مواسم وثغورها بالسرور بواسم فصرت أشير إليها وقد زمت للرحيل القلص الرواسم
( ولنا بهاتيك الديار مواسم ** كانت تقام لطيبها الأسواق )
( فأباننا عنها الزمان بسرعة ** وغدت تعللنا بها الأشواق )
وأنشد قول غيلان
( أمنزلتي مي سلام عليكما
____________________
(1/14)


وأتمثل في تلك الحدائق التي حمائمها سواجع بقول من جفونه من الهوى غير هواجع
( تشدو بعيدان الرياض حمائم ** شدو القيان عزفن بالأعواد )
( ماد النسيم بقضبها فتمايلت ** مهتزة الأعطاف والأجياد )
( هذي تودع تلك توديع التي ** قد آذنت منها بوشك بعاد )
( واستعبرت لفراقها عين الندى ** فابتل مئزر عطفها المياد )
وأحدق النظر إلى روض لأنسان العين من فراقه في بحر الدموع سبح وخوض
( روض به أشياء ليست ** في سواه تؤلف )
( فمن الهزار ترنم ** ومن القضيب تقطف )
( ومن النسيم تلطف ** ومن الغدير تعطف )
وألتفت كالمستريب والحي إذ ذاك قريب وحديث العهد ليس بمنكر ولا غريب
( أهذا ولما تمض للبين ساعة ** فكيف إذا مرت عليه شهور )
والآثار لائحة والشمال غادية بأذكى رائحة
( ارى آثارهم فأذوب شوقا ** وأسكب من تذكرهم دموعي )
( وأسأل من قضى بفراق حبي ** يمن علي منهم بالرجوع )
والنفس متعللة ببعض الأنس والمشاهد الحميدة لم تنس
( تلك العهود بشدها مختومة ** عندي كما هي عقدها لم يحلل )
____________________
(1/15)


غير أن الرحيل عن الربع المحيل فصل به بين الشائق والمشوق وحيل
( وقفنا بربع الحب والحب راحل ** نحاول رجعاه لنا ويحاول )
( وألقت دموع العين فيهه مسائلا ** لها عن عبارات الغرام دلائل )
( وبالسفح منها كم سيقت لبانها ** فميلته والسفح للبان مائل )
( إذا نسمة الأحباب منها تنسمت ** تطيب بها أسحارنا والأصائل )
( تثير شجوني ساجعات غصونها ** فمنها على الحالين هاجت بلابل )
( مرابع ألافي مراتع لذتي ** مطالع أقماري بها والمنازل )
فحياها الله من منازل ذات أقمار سائرة فيها ومنازه لا يحصى الواصف محاسنها وأمداح أهلها ولا يستوفيها
( حلوا عقود اصطباري عندما رحلوا ** وفي الخمائل حلوا مثل أمطار )
( إن المنازل قد كانت منازه إذ ** باتوا بها وهي أوطاني وأوطاري )
ورعى الله من بان وشاق حتى الرند والبان
( بانوا لعيني أقمارا تقلهم ** لدن الغصون فلما آنسوا بانوا )
( عهودهم لست أنساها وكيف وقد ** رثى لبيني عنها الرند والبان )
وفي مثل هذا الموطن تذوب القلوب الر قاق كما قال حائز قصب السبق بالاستحقاق الأديب الأندلسي الشهير بابن الزقاق
( وقفت على الربوع ولي حنين ** لساكنهن ليس إلى الربوع )
____________________
(1/16)


( ولو أني حننت إلى مغاني ** أحبائي حننت على ضلوعي )
وكما قال بعض من له في هذه الفجاج مسير
( دخولك من باب الهوى إن أردته ** يسير ولكن الخروج عسير ) وأين من له صفة لا يطمع الدهر ** القوي في نحتها وجنات دنيوية )
لا تجري أنهار الفراق من تحتها
( فسقى رضيع النبت من ذاك الحمى ** بحيا تدور على الربى كاساته )
( سفح سفحت عليه دمعي في ثرى ** كالمسك ضاع من الفتاة فتاته )
ولم أنزل بعد انفصالي عن الغروب بقصد الشرق واتصافي في أثر ذلك الجمع بالفرق
( أحن إذا خلوت إلى زمان ** تقضى لي بأفنية الربوع )
( وأذكر طيب أيام تولت ** لنا فتفيض من أسف دموعي )
وأتوق وقد اتسع من البعد الخرق وخصوصا إذا شدا صادح أو أومض برق إلى ديار لا يعدوها اختيار
( وأربع أحباب إذا ما ذكرتها ** بكيت وقد يبكيك ما أنت ذاكر )
( بطاح وأوداح يروقك حسنها ** بكل خليج نمنمته الأزاهر )
( فما هو إلا فضة في زبرجد ** تساقط فيه اللؤلؤ المتناثر )
( بحيث الصبا والترب والماء والهوى ** عبير وكافور وراح وعاطر )
( وما جنة الدنيا سوى ما وصفته ** وما ضم منه الحسن نجد وحاجر )
( بلادي التي أهلي بها وأحبتي ** وقلبي وروحي والمنى والخواطر )
____________________
(1/17)


( تذكرني أنجادها ووهادها ** عهودا مضت لي وهي خضر نواضر )
( إذ العيش صاف والزمان مساعد ** فلا العيش مملول ولا الدهر جائر )
بحيث ليالينا كغض شبابنا ** وأيامنا سلك ونحن جواهر )
( ليالي كانت للشبيبه دولة ** بها ملك اللذات ناه وآمر )
( سلام على تلك العهود فإنها ** موارد أفراح تلتها مصادر )
وأتذكر تلك الأيام التي مرت كالأحلام فأتمثل بقول بعض الأكابر الأعلام
( يا ديار السرور لا زال يبكي ** فيك إذ تضحك الرياض غمام )
( رب عيش صحبته فيك غض ** وعيون الفراق عنا نيام )
( في ليال كأنهن أمان ** في زمان كأنه أحلام )
( وكأن الأوقات فيك كؤوس ** دائرات وأنسهن مدام )
( زمن مسعد وإلف وصول ** ومنى تستلذها الأوهام )
وبقول الحائك الأمي عندما يكثر شجوي وغمي
( لم أنس أياما مضت ولياليا ** سلفت وعيشا بالصريم تصرما )
( إذ نحن لا نخشى الرقيب ولم نخف ** صرف الزمان ولا نطيع اللوما )
( والعيش غض والحواسد نوم ** عنا وعين البين قد كحلت عمى )
( في روضة ابدت ثغور زهورها ** لما بكى فيها الغمام تبسما )
( مد الربيع على الخمائل نوره ** فيها فأصبح كالخيام مخيما )
( تبدو الأقاحي مثل ثغر أشنب ** أضحى المحب به كئيبا مغرما )
( وعيون نرجسها كأعين غادة ** ترنو فترمي باللواحظ اسهما )
( وكذلك المنثور منثور بها ** لما رأى ورد الخدود منظما
____________________
(1/18)


وأميل إلى بلاد محياها جميل
( كساها الحيا برد الشباب فإنها ** بلاد بها عق الشباب تمائمي )
( ذكرت بها عهد الصبا فكأنما ** قدحت بنار الشوق بين الحيازم )
( ليالي لا ألوي على رشد ناصح ** عناني ولا أثنيه عن غي لائم )
( أنال سهادي من عيون نواعس ** وأجني مرادي من غصون نواعم )
( وليل لنا بالسد بين معاطف ** من النهر ينساب انسياب الأراقم )
( تمر إلينا ثم عنا كأنها ** حواسد تمشي بيننا بالنمائم )
( وبتنا ولا واش نخاف كأنما ** حللنا مكان السر من صدر كاتم )
وأهفو إلى قصور ذات بهجة وصروح توضح معالمها للرائد نهجه
( ورياض تختال منها غصون ** في برود من زهرها وعقود )
( فكأن الأدواح فيها غوان ** تتبارى زهوا بحسن القدود )
( وكأن الأطيار فيها قيان ** تتغنى في كل عود بعود )
( وكأن الأزهار في حومة الروض ** سيوف تسل تحت بنود )
وأصبوا إلى بطاح وأدواح تروح النفوس والأرواح
( سقيا لها من بطاح خز ** ودوح زهر بها مطل )
( إذ لا ترى غير وجه شمس ** اطل فيه عذار ظل )
وأنهار جارية وأزهار نواسمها سارية وأربع وملاعب تزيح
____________________
(1/19)

عن مبصرها المتاعب
( تلك المنازل والملاعب ** لا أراها الله محلا )
( أوطنتها زمن الصبا ** وجعلت فيها لي محلا )
( حيث التفت رأيت ماء ** سائحا ورأيت ظلا )
( والنهر يفصل بين زهر ** الروض في الشطين فصلا )
( كبساط وشي جردت ** أيدي القيون عليه نصلا )
وإلى منازل يستفز حسنها الرائق الجاد والهازل ويشفي منظرها عليلا ويكفي مخبرها للمتستفهم دليلا
( وجنان ألفتها حين غنت حولها الورق بكرة وأصيلا )
( نهرها مسرعا جرى وتمشت ** في رباها الصبا قليلا قليلا )
وأتمثل إن ذكرت حال وداعي بقول الشاعر الأديب الوادعي
( الغرب خير وعند ساكنه ** امانة أوجبت تقدمه )
( فالشرق من نيريه عندهم ** يودع ديناره ودرهمه )
وبقول غيره إشارة لفضل الغرب وخيره
( أشتاق للغرب وأصبو إلى ** معاهد فيه وعصر الصبا )
( يا صاحبي نجواي والليل قد ** ارخى جلابيب الدجى واختبا )
( لا تعجبا من ناظر ساهر **
( بات يراعي أنجما غيبا )
القلب في آثارها طائر ** لما رآها تقصد المغربا )
____________________
(1/20)


وأهيم كلما حللت من غيران أرضى بمكان وقد صير السائق جد السير معمولا ل ما انفك كما جعله خبرا ل كان بقول قاضي القضاة العالم الكبير الشمس ابن خلكان
( أي ليل على المحب أطاله ** سائق الظعن يوم زم جماله )
( يزجر العيس طاويا يقطع المهملة عسفا سهولة ورماله )
( أيها السائق المجد ترفق ** بالمطايا فقد سئمن الرحاله )
( وأنخها هنيهة وأرحها ** إذ براها السرى وفرط الكلاله )
( لا تطل سيرها العنيف فقد برح بالصب في سراها الإطاله )
( وارث للنازح الذي إن رأى ربعا ** ثوى فيه نادبا أطلاله )
( يسأل الربع عن ظباء المصلى ** ما على الربع لو أجاب سؤاله )
( ومحال من المحيل جواب ** غير أن الوقوف فيه علاله )
( هذه سنة المحبين يبكون ** على كل منزل لا محاله )
( يا ديار الأحباب لا زالت الأعين ** في ترب ساحتيك مذاله )
( وتمشى النسيم وهو عليل ** في مغانيك ساحبا أذياله )
( أين عيش مضى لنا فيك ما أسرع ** عنا ذهابه وزواله )
( حيث وجه الزمان طلق نضير ** والتداني غصونه مياله )
( ولنا فيك طيب أوقات أنس ** ليتنا في المنام نلقى مثاله )
وأردد قول الذي سحر الألباب مناديا من له من الأحباب
( احبابنا لو لقيتم في إقامتكم ** من الصبابة ما لاقيت في الظعن )
( لأصبح البحر من أنفاسكم يبسا ** والبر من أدمعي ينشق بالسفن )
____________________
(1/21)


وقوله
( وما تغيرت عن ذاك الوداد ولا ** حالت بي الحال في عهدي وميثاقي )
( درسي غرامي بكم دهري أكرره ** وقد تفقهت في وجدي وأشواقي )
وقول المجد بن شمس الخلافة معلما أنه لا يريد بدل معهده وخلافه
( يا زمان الهوى عليك السلام ** وعلي السلو عنك حرام )
( أي عيش قطعته فيك لو دام ** وهل يرتجى لظل دوام )
( كنت حلما والعيش فيك خيالا ** وسريعا ما تنقضي الأحلام )
( لهف نفسي على ليال تقضت ** سلبتني برودها الأيام )
( فطمتني الأقدار عنها وليدا ** وشديد على الوليد الفطام )
( لا تلمني على البكاء عليها ** من بكى شجوه فليس يلام )
وقول أبي طاهر الخطيب الموصلي
( حي نجدا عني ومن حل نجدا ** أربعا هجن لي غراما ووجدا )
( واقر عني السلام آرام ذاك الشعب ** والأجرع الخصيب الفردا )
( وابك عني حتى ترنح بالوجد ** أراكا به وبانا ورندا )
( فلكم وقفة أطلت على الضال ** بدمع أذاع سري وابدى )
( وعلى البان كم من البين أذريت لآلي للدمع مثنى ووحدا )
( آه والهفتي على طيب عيش ** كنت قطعته وصالا وودا
____________________
(1/22)


( حيث عود الشباب غض نضير ** ويد المكرمات بالجود تندى )
( والخليل الودود ينعم إسعافا ** وصرف الزمان يزداد بعدا )
( والليالي مساعدات على الصل ** وعين الرقيب إذا ذاك رمدا )
( كم بها من لبانة لي وأوطار ** تقضت وجازت الحد حدا )
( فاستعاد الزمان ما كان أعطى ** خلسة لي ببخله واستردا )
وقول بعضهم
( سلام على تلك المعاهد إنها ** شريعة وردي أو مهب شمالي )
( ليالي لم نحذر حزون قطيعة ** ولم نمش إلا في سهول وصال )
( فقد صرت أرضى من نواحي جنابها ** بخلب برق أو بطيف خيال )
وقول الجرجاني
( للمحبين من حذار الفراق ** عبرات تجول بين المآفي )
( فإذا ما استقلت العيس للبيتن ** وسارت حداتها بالرفاق )
( استهلت على الخدود انحدارا ** كانحدار الجمان في الاتساق )
( كم محب يرى التجلد دينا ** فهو يخفي من الهوى ما يلاقي )
( أزدهاه النوى فأعرب بالوجد ** لسان عن دمعه المهراق )
( وانحدار الدموع في موقف البين ** على الخد آية العشاق )
( هون الخطب لست أول صب ** فضحته الدموع يوم الفراق )
وقول الخطيب الحصكفي الشافعي
____________________
(1/23)


( ساروا وأكبادنا جرحى وأعيننا ** قرحى وأنفسنا سكرى من القلق )
( تشكو بواطننا من بعدهم حرقا ** لكن ظواهرنا تشكو من الغرق )
( كأنهم فوق أكوار المطي وقد ** سارت مقطرة في حالك الغسق )
( درارىء الزهر في الأبراج زاهرة ** تسير في الفلك الجاري على نسق )
( يا موحشي الدار مذ بانوا كما أنست ** بقربهم لا خلت من صيب غدق )
( إن غبتم لم تغيبوا عن ضمائرنا وإن حضرتم حملناكم على الحدق )
وما أحسن قول بعضهم في هذا المعنى الذي كررنا ذكره وبه ألمعنا
( سلام على أهل الوداد وعهدهم ** إذ الأنس روض والسرور فنون )
( رحلنا فشرقنا وراحو فغربوا ** ففاضت لروعات الفراق عيون )
وكم أنشدت وليالي النوى عاتمة قول الأندلسي ابن خاتمة
( ايامنا بالحمى ما كان أحلاك ** كم بت ارعاه إجلالا وأرعاك )
( لا تنكري وقفتي ذلا بمعناك ** يا دار لولا أحبائي ولولاك )
( لما وقفت وقوف الهائم الباكي ** )
( فهل لهم عطفة من بعد دلهم ** تالله ما تسمح الدنيا بمثلهم )
( آها لقلبي على تبديد شملهم ** ما كان أحلاك يا ايام وصلهم )
( ويا ليالي الرضا ما كان أضواك ** )
( يا بدر تم تناءت عنه أربعنا ** ولم تزل تحتويه الدهر اضلعنا )
( ما للنوى بضروب البين توجعنا ** إذا تذكرت دهرا
____________________
(1/24)


( أحباب أنفسنا كم ذا النوى وكم ** ويا معاهد نجوانا بذي سلم )
( تالله ما شبت دمعا للاسى بدم ** ولا لثمت تراب الأرض من كرم )
( إلا مراعاة خل ظل يرعاك ** )
( على التعلل يدني منهم وعسى ** فيعمر القرب ما بالبين قد درسا )
( كم ذا أنادي بربع بالنوى طمسا ** يا قلب صبرا فإن الصبر عاد أسى )
( ويا منازل سلمى أين سلماك )
وقول بعض من اشتد به الهيام فخاطب جبرته مادحا ليالي القرب وذاما تقلب الأيام
( أيام أنسي قد كانت بقربكم ** بيضا فحين نأيتم أصبحت سودا )
( ذممت عيشي مذ فارقت أرضكم ** من بعد ما كان مغبوطا ومحسودا )
وقول صاحب مصارع العشاق وقد شاقه من الهوى ما شاق
( بانوا فأدع مقلتي ** وجدا عليهم تستهل )
( وحدا بهم حادي الفراق ** عن المنازل فاستقلوا )
( قل للذين ترحلوا ** عن ناظري والقلب حلوا )
( ما ضرهم لو أنهلوا ** من ماء وصلهم وعلوا )
وقوله حين زحزحته يد الفراق عن أوطان العراق
( قد قلت والعبرات تسفحها ** على الخد
____________________
(1/25)


( حين انحدرت إلى الجزيرة ** وانقطعت عن العراق )
( وتخبطت أيدي الرفاق ** مهامه البيد الرقاق )
( يا بؤس من سل الزمان ** عليه سيفا للفراق )
وقوله أيضا
( يا منزل الحي بذات النقا ** سقاك دمع مذ نأوا ما رقا )
( هل سلوة هيهات لا سلوة ** قد بلغ السيل الزبى وارتقى )
( وأنت يا يوم النوى عاجلا ** أدال منك الله يوم اللقا )
وقولي موطئا للثالث وقد تغير لي فيمن تغي حارث
( لم أنس معهدنا والشمل مجتمع ** والعيش غض وروض الأنس معطار )
( فها أنا بعد عنه في قلق ** وقد نبت بي أرجاء وأقطار )
( تمضي الليالي وأشواقي مجددة ** وما انقضت لي من الأحباب أوطار )
وكلما مررت بمرأى يروق لمعت لي من ناحية المغنى بالمنى يروق فتذكرت قول بعض من له على غير من يهوى طروق
( وما نظرت عيني سواك منظرا ** مستحسنا إلا عرضت دونه )
( وما تمنيت لقاء غائب ** إلا سألت الله أن تكونه ) وربما رمت انتحائي مذهب السلو وانتحالي خلال أحوال إقامتي وارتحالي فلم ينتقل عن تلك الصفات حالي وأني وجيدي بفلائد البتات حالي
____________________
(1/26)


( والشوق أعظم أن يحيط بوصفه ** قلم وأن يطوى عليه كتاب )
( والله ما أنا منصف إن كان لي ** عيش يطيب وجيرتي غياب )
وكيف ولأماقي صب ولأتواقي زيادة إذا سرى نسيم أو هب
( شربت حميا البين صرفا وطالما ** جلوت محيا الوصل وهو وسيم )
( فميعاد دمعي أن تنوح حمامة ** وميقات شوقي أن يهب نسيم )
فإن لاح سنا بارق شاقني أو ترنم شاد حدا بي إلى الهيام وساقني أو رنا ظبي فلاة راعي وراقني
( وإني ليصيبني سنا كل بارق ** وكل حمام في الأراك ينوح )
( وأرتاع من ظبي الفلاة إذا رنا ** وأرتاح للتذكار وهو سنوح )
( ولم يك ذاك الأمر من حيث ذاته ** ولكن لمعني في الحبيب يلوح )
ولا أستطيع الإعراب عن أمري العجيب لما بي من النوى المذهل والجوى المدهش والوجيب
( ولا تسألوا عما أجن فليس لي ** لسان يؤدي ما الغرام يقول )
( يطارحني البرق الأحاديث كلما ** أضاء كأن البرق منه رسول )
( وما بال خفاق النسيم يميلني ** هل الريح راح والشمال شمول )
إذ دموع شؤوني عند الذكرى لا ترقا وجفوني ليس لها عن الأرق مرقى وشجوني تنمو إذا صدحت بفننها ورقا
( رب ورقاء في الدياجي تنادي ** إلفها في غصونها المياده )
( فتثير الهوى بلحن عجيب ** يشهد السمع أنها عواده )
( كلما
____________________
(1/27)


فيا لها من ذات طوق مثيرة لكامن شوق جالبة له من يمين وشمال وفوق
( ذكرتني الورقاء أيام أنس ** سالفات فبت أذري الدموعا )
( ووصلت السهاد شوقا لحبي ** وغراما وقد هجرت الهجوعا )
( كيف يخلو قلبي من الذكر يوما ** وعلى حبهم حنيت الضلوعا )
( كلما أولع العذول بعتبي ** في هواهم يزداد قلبي ولوعا )
وربما أتخيل قول من قال إنها بالحزن بائحة وعلى فقد الإلف نائحة فأنشد قول خليل وهو بالحب مدنف وعليل
( ورب حمامة في الدوح باتت ** تجيد النوح فنا بعد فن )
( أقاسمها الهوى مهما اجتمعنا ** فمنها النوح والعبرات مني )
ولا غرو إن ظهر سر بائح فباك مثلي من الشجو نائح
( فرجعت بعد فراق أيام الهوى ** أصف الصبابة للمحب المولع )
( دامي الجفون إذا الحمامة غردت ** من فوق خوط البانة المترعرع )
( أسقي الديار وقد تباعد أهلها ** عنها عزالي الدموع الهمع )
( ونواعب الأطلال ليس يجيبني ** ما بينهن سوى الصدى بتوجع )
( وهواتف فوق الغصون يجيبني ** منهن تغريد الممام السجع )
( ناحت على عذب الفروع وإلفها ** منها بمرأى فوقها وبمسمع )
( ما فارقت إلفا كما فارقته ** كلا ولا أجرت سواكب أدمعي )
على أوان عيون سعوده روان وزمان معمور بأماني وأمان وآمال دوان وتهان ما بين بكر وعوان وفي عذر من طال ليله فاضطرب فيه لولوعه وسكن جواه بجوانبه
____________________
(1/28)


( إن طال ليلي بعدهم فلطوله ** عذر وذاك لما أقاسي منهم )
( لم تسر فيه نجومه لكنها ** وقفت لتسمع ما أحدث عنهم
فآرقي الزائد في حرقي أظهر المكنون وأبان ووجدي بمن نأى وبان لم يجد فيه تعلل برند وبان
( تنبهي يا عذبات الرند ** كم ذا الكرى هب نسيم نجد )
( فلست مثلي في جوى أو أرق ** وحرقة من فرقه أو صد )
( عوفيت مما حل بي من جيرة ** في الغرب لم يرثوا لفرط وجدي )
( أعلل القلب ببان رامة ** وهل ينوب غصن عن قد )
( بانوا فلا مغنى السرور بعدهم ** مغنى ولا عهد الرضا بعهد )
( آها من البعد ومن لم يدره ** لم يشجه تأوهي للبعد )
وفي شغل من أبكته الربوع والطلول وذهبت برهة من زمانه بين الترحل والحلول فركب من الأخطار الصعب والذلول وحافظ على العهود ولم يسلك سبيل الغادر الملول
( سقاها الحيا من أربع وطلول ** حكت دنفي من بعدهم ونحولي )
( ضمنت لها أجفان عين قريحة ** من الدمع مدرار الشؤون همول )
ومن الغريب الذي ينكره غير الأريب أن الحادي إن سر القلب بكشف رين فقد تسبب في اجتماع أمرين متنافيين متنافرين
____________________
(1/29)


( فسر وساء النفس شجوا فربما ** كلفت به من حيث صرت أذمه )
وارتجلت حين مللت من طول السرى مضمنا ذكر ما أروم له تيسرا وقد أكثر الرفاق عند رؤية ما لم يألفوه من الآفاق تلهفا وتحسرا
( قلت لما طال النوى عن بلادي ** ولأهل النوى جوى وعويل )
( هل أرى للفراق آخر عهد ** إن عمر الفراق عمر طويل )
ثم قلت مضمنا
( لائمي في ذكر أحباب نأوا ** لا تلم من أضعف الشوق قواه )
( إن يوما جامعا شملي بهم ** ذاك عيدي ليس لي عيد سواه )
ثم قلت مضمنا أيضا
( لك الله من صب أضر به النوى ** وليس له غير اللقاء طبيب )
( وإن صباحا نلتقي بمسائه ** صباح إلى قلبي المشوق حبيب )
ثم عدت إلى التصبر بعد إمعان النظر والتدبر
( وإني لأدري أن في الصبر راحة ** ولكن إنفاقي على الصبر من عمري )
( فلا تطف نار الشوق بالشوق طالبا ** سلوا فإن الجمر يسعر بالجمر )
ثم سلكت منهج التفويض والتسليم منشدا قول ابن قطرال المغربي في مقام النصح والتعليم ووجهت القصد إلى سكان الضمير بذلك التكليم
( إن أيام الرضا معدودة ** والرضا اجمل شيء بالعبيد
____________________
(1/30)


( لا تظنوا لي عنكم سلوة ** ما على شوقي إليكم من مزيد )
( راجعوا أنفسكم تستيقنوا ** أنكم في الوقت أقصى ما أريد )
( إن يوما يجمع الله بكم ** فيه شملي ذاك عندي يوم عيد )
وقول بعض من ندم علي البعد عن المعاهد وأمل العود أحمد إلى المشاهد وغفر للدهر ذنبه إن عاد وتلهف أن لم يعامله بغير الإبعاد
( لئن عاد جمع الشمل في ذلك الحمى ** غفرت لدهري كل ذنب تقدما )
( وإن لم يعد منيت نفسي بعودة وماذا عسى تجدي الأماني وقلما )
( يحق لقلبي أن يذوب صبابة ** وللعين أن تجري مدامعها دما )
( على زمن ماض بهم قد قطعته ** لبست به ثوب المسرة معلما )
وقول آخر يخاطب أحبابه ويذكر فواصل بحر النوى الطويل وأسبابه
( أعيذكم من لوعي وشجوني ** ونار جوى تذكي بماء شؤوني )
( وبرح أسى لم يبق في بقية ** سوى حركات تارة وسكون )
( ارى القلب أضحى بعد طارقه الأسى ** أسير صبابات رهين شجون )
( وكيف سبيل القرب منكم و دونكم ** رمال زرود والأجارع دوني )
( سلوا مضجعي هل قر من بعد بعدكم ** وهل عرفت طعم الرقاد جفوني )
( سهرنا بنعمان ونمتم ببابل ** فيا لعيون ما وفت لعيون )
وفي بعض الأحيان أتسلى بقول بعض الأندلسيين الأعيان
( لا تكترث بفراق أوطان الصبا ** فعسى تنال بغيرهن سعودا )
( فالدر ينظم عند فقد بحاره ** بجميل أجياد الحسان عقودا )
وقول
____________________
(1/31)


( فلربما نثر الجمان تعمدا ** ليعاد أحسن في النظام وأجملا )
( وارغب لمن أطال ذيول الغربة أن يقلصها وأطلب ممن أجال النفوس في سيول الكربة أن يخلصها
( فنلتقي وعوادي الدهر غافلة ** عما نروم وعقد البين محلول )
( والدار آنسة والشمل مجتمع ** والطير صادحة والروض مطلول )
( والدار آنسة والشمل مجتمع ** والطير صادحة والروض مطلول (1)
____________________
1- )
وأضرع إليه سبحانه في تيسير العود إلى أوطاني ومعهدي الذي مطايا العز أوطاني وأن يلحقني بذلك الأفق الذي خيره موفور وحق من فيه معروف لا منكر ولا مكفور
( إذا ظفرت من الدنيا بقربهم ** فكل ذنب جناه الدهر مغفور )
وكأني بعاتب يقول ما هذا التطويل فأقول له جوابي قول ابن أبي الإصبع الذي عليه التعويل
( أكثرت عذلي كأني كنت أول من ** بكى على مسكن أو حن للسكن )
( لا تلح إن من الإيمان عند ذوي الإيمان ** منا حنين النفس للوطن )
على أنني أقول اللهم يسر لي ما فيه الخيرة لي بالمشارق أو بالمغارب وجد لي من فضلك حيث حللت بجميع ما فيه رضاك من المآرب بجاه نبينا وشفيعنا المبعوث رحمة للأحمر والأسود والأعاجم والأعارب عليه أفضل صلاة وأزكى سلام وعلى آله وأصحابه الأعلا
(1/32)

ركوب البحر وبلوغ مصر
ثم جد بنا السير في البر أياما ونأينا عن الأوطان التي أطنبنا في الحديث حبا لها وهياما وكنا عن تفاعيل وصلها نياما إلى أن ركبنا البحر وحللنا منه بين السحر والنحر وشاهدنا من أهواله وتنافي أحواله ما لا يعبر عنه ولا يبلغ له كنه
( البحر صعب المرام جدا ** لا جعلت حاجتي إليه )
( أليس ماء ونحن طين ** فما عسى صبرنا عليه )
فكم استقبلتنا أمواجه بوجوه بواسر وطارت إلينا من شراعه عقبان كواسر قد أزعجتها أكف الريح من وكرها كما نبهت اللجج من سكرها فلم تبق شيئا من قوتها ومكرها فسمعنا للجبال صفيرا وللرياح دويا عظيما وزفيرا وتيقنا أنا لا نجد من ذلك إلا فضل الله مجيرا وخفيرا { وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه } ( الإسراء : 67 ) وأيسنا من الحياة لصوت تلك العواصف والمياه فلا حيا الله ذلك الهول المزعج ولا بياه والموج يصفق لسماع أصوات الرياح فيطرب بل ويضطربفكأنه من كأس الجنون يشرب أو شرب فيبتعد ويقترب وفرقه تلتطم وتصطفق وتختلف ولا تكاد تتفق فتخال الجو يأخذ بنواصيها وتجذبها أيديه من قواصيها حتى كاد سطح الأرض يكشف من خلالها وعنان السحب يخطف في استقلالها وقد أشرفت النفوس على التلف من خوفها واعتلالها وآذنت الأحوال بعد انتظامها باختلالها وساءت الظنون وتراءت في صورها المنون والشراع في قراع مع جيوش الأمواج
____________________
(1/33)

التي أمدت منها الأفواج بالأفواج ونحن قعود كدود على عود ما بين فرادى وأزواج وقد نبت بنا من القلق أمكنتنا وخرست من الفرق ألسنتنا وتوهمنا أنه ليس في الوجود أغوار ولا نجود إلا السماء والماء وذلك السفين ومن في قبر جوفه دفين مع ترقب هجوم العدو في الرواح والغدو لاجتيازه على عدة من بلاد الحرب دمر الله سبحانه من فيها وأذهب بفتحها عن المسلمين الكرب لا سيما مالطة الملعونة التي يتحقق من خلص من معرتها أنه أمد بتأييد إلهي ومعونة فقد اعترضت في لهوات البحر الشامي شجا وقل من ركبه فأفلت من كيدها ونجا فزادنا ذلك الحذر الذي لم يبق ولم يذر على ما وصفناه من هول البحر قلقا وأجرينا إذ ذلك في ميدان الإلقاء باليد إلى التهلكة طلقا وتشتتت أفكارنا فرقا وذنبا أسى وندما وفرقا إذ البحر وحده لا كمي يقارعه ولا قوي يصارعه ولا شكل يضارعه ولا يؤمن على حال ولا يفرق بين عاطل وحال ولا بين أعزل وشاك ومتباك وباك
( ثلاثة ليس لها أمان ** البحر والسلطان والزمان )
فكيف وقد انضم إليه خوف العدو الغادر الخائن والكافر الحائن إلى أن قضى الله بالنجاة وكل ما أراد فهو كائن وإن نهى عنه وأخطأ المائن فرأينا البر وكأنا قبل لم نره وشفيت به أعيينا من المرة وحصل بعد الشدة الفرج وشممنا من السلامة أطيب الأرج فيا لها من نعمة كشفت عن وجهها النقاب يقل شكرا لها صوم الأحقاب وعتق الرقاب جعلنا الله بآياته معتبرين ووعلى طاعته مصطبرين ولم نخل في البر من معاناة خطوب ومداراة وجوه للمتاعب ذات تجهم وقطوب فكم جبنا منه مهامه فيحا ومسحنا
____________________
(1/34)

بالخطا منها أثيرا وصفيحا وفلينا الفجاج وقرأنا من الطرق خطوطا ذا استقامة واعوجاج وقلوب الرفقة من الفرقة في اضطراب وارتجاج وربما عميت على المجتهد الأدلة التي يحصل بها على المذهب الاحتجاج فترى الأنفساس تعثر في زفرة الأشواق والأجسام قد زرت عليها من التعب الأطواق هذا والليل بصفحة البدر مرتاب وقد شدت رحال وأقتاب وزمت ركاب ورفعت أحداج وفريت من الدعة بمدية النصب أوداج وتساوى في السير نهار مشرق وليل مقمر أو داج وأديم التأويب والإسآد وحمل الغربة قد أثقل وآد ثم وصلنا بعد خوض بحار يدهش فيها الفكر ويحار وجوب فياف مجاهل يضل فيها القطا عن المناهل إلى مصر المحروسة فشفينا برؤيتها من الأوجاع وشاهدنا كثيرا من محاسنها التي تعجز عن وصفها القوافي والأسجاغ وتمثلنا في بدائعها التي لا نستوفيها بقول ابن ناهض فيها
( شاىء مصر دنة ** ما مثلها في بلد )
( لا سيما مذ زخرفت ** بنيلها المطرد )
( وللرياح فوقه ** سوابغ من زرد )
( مسرودة ما مسها ** داودها بمبرد )
( سائلة وهو بها ** يرعد عاري الجسد )
(
____________________
(1/35)


وبقول آخر
( انظر إلى النيل الذي ** ظهرت به آيات ربي )
( فكأنه في فيضه ** دمعي وفي الخفقان قلبي )
وبقول أبي المكارم ابن الخطير المعروف بابن مماتي في جزيرتها
( جزيرة مصر لا عدتك مسرة ** ولا زالت اللذات فيك اتصالها )
( فكم فيك من شمس على غصن قامة ** يميت ويحيي هجرها ووصالها )
( مغانيك فوق النيل أضحت هوادجا ** ومختلفات الموج فيك حبالها )
( ومن أعجب الأشياء انك جنة ** تمد على أهل الضلال ظلالها )
لعله أراد بأهل الضلال اليهود والنصارى المستولين إذ ذاك على الدولة وتذكرت في مصر قول القاضي الفاضل
( بالله قل للنيل عني إنني ** لم أشف من ماء الفرات غليلا )
( وسل القؤاد فإنه لي شاهد ** إن كان طرفي بالبكاء بخيلا )
( يا قلب كم خلفت ثم بثينة ** وأظن صبرك ان يكون جميلا
____________________
(1/36)

وقول أحمد بن فضل الله العمري
( لمصر فضل باهر ** بعيشها الرغد النضر )
( في سفح روض يلتقي ** ماء الحياة والخضر )
وقول آخر
( كأن النيل ذو فهم ولب ** لما يبدو لعين الناس منه )
( فيأتي حين حاجتهم إليه ** ويمضي حين يستغنون عنه )
وقول أخر
( ولله مجرى النيل منه إذا الصبا ** أرتنا به من مرها عسكرا مجرا )
0 بشط يهز السمهرية ذبلا ** وموج يهز البيض هندية بترا )
( إذا مد حاكى الورد لونا وإن صفا ** حكى ماءه لونا ولم يحكه مرا ) وقول آخر
( واها لهذا النيل أي عجيبة بكر بمثل حديثها لا يسمع )
( يلقي الثرى في الماء وهو مسلم ** حتى إذا ما مال عاد يودع )
( مستقبل مثل الهلال فدهره ** أبدا يزيد
____________________
(1/37)


( الصب من بعدهم مفرد ** ودمعه النيل وتعليقه )
( وخذه لما بكاهم دما ** مقياسه والدمع تخليقه )
وقول الصفدي
( سقيا لمصر وما حوت ** من أنسها وأناسها )
( ومحاسن في مقسها ** تبدو وفي مقياسها )
( ومسرة كاساتها ** تجلى على اكياسها )
( وسطور قرط خطها الباري ** على قرطاسها )
( ودمى كنائسها ولا ** تنسى ظباء كناسها )
( ولطافة بجلالة ** تبدو على جلاسها )
( ونواسم كل المنى ** للنفس في أنفاسها )
( ومراكب لعبت بها الأمواج ** في وسواسها )
وقول ابن جابر الأندلسي
( ما زلت اسند من محاسن أرضها ** خبرا صحيحا ليس بالمقطوع )
( كم مرسل من
____________________
(1/38)


وقول إبراهيم بن عبدون
( والنيل بين الجانبين كأنما ** صدئت بصفحته صفيحة صيقل )
( يأتيك من كدر الزواخر مده ** بممسك من مائه ومصندل )
( فكأن ضوء البدر في تمويجه ** برق تموج في سحاب مسبل )
( وكأن نور السرج من جنباته ** زهر الكواكب تحت ليل أليل )
( مثل الرياض مفتقا أنواره ** تبدو لعين مشبه وممثل )
وقول ابن الصاحب
( فرح الأنام بنيلهم ** إذ صار أحمر كالشقيق )
( وتبركوا بشروقه ** فكأنه وادي العقيق )
وقول آخر
( احمر للنيل خد ** حتى غدا كالشقيق )
( وقد ترنمت فيه ** إذ صار وادي العقيق ) زيارة مكة والمدينة
ثم شمرت عن ساعد العزم بعد الإقامة بمصر مدة قليلة إلى المهم الأعظم والمقصد الأكبر الذي هو سر المطالب الجليلة وهو رؤية الحرمين الشريفين والعلمين المنيفين زادهما الله تنويها وبلغ النفوس ببركة من شرفا به مآرب لم تزل تنويها فسافرت في البحر إلى الحجاز راجيا من الله سبحانه في الأجر الانتجاز إلى أن بلغت جدة بعد مكابدة خطوب اتخذت لها من الصبر عدة فحين حصل القرب واكتحلت العين بإثمد تلك الترب
____________________
(1/39)

أنى أبقى الله الملك الكريم والسيد الزعيم لما أضاءت لي أهلة مفاخركم في سماء الفخار وأشرقت شموس مكارمكم على مفارق الأحرار وأبصرت شمائلك الزهر تهدى إليك من الهمم محامدها ومحاسنك الغر توقظ لك من الآمال رواقدها أيقنت أنه بحق انقادت لك القلوب بأعنتها وتهادت إليك النفوس بأزمتها فآليت أن لا ألم إلا بحماك ولا أحط رحلا إلا بفناك علما بأنك نثرة الفخر وغرة الدهر فتيممت ساريا في ساطع نورك متيمنا بيمن طائرك محققا للريح موقنا بالفلج والنجح حتى حللت في دوحة المجد وأنخت بدولة السعد واشتشعرت لبسة الشكر والحمد وجعلت أنظم من جواهر الكلام ما يربي علي جواهر النظام وأنشر من عطر الثناء ما يزري بالروضة الغناء وحاشا للفهم
____________________
(1/39)

قال محرضا على الوخد والإرقال
( بدا لك الحق فاقطع ظهر بيداء ** واهجر مقالة أحباب وأعداء )
( واقصد على عزمة أرض الحجاز تجد ** بعدا عن السخط في نزل الأوداء )
( وقل إذا نلت من أم القرى أربا ** وهو الوصول بإسرار وإبداء )
( يا مكة الله قد مكنت لي حرما ** مؤمنا لست أشكو فيه من داء )
( فمذ رأى النازح المسكين مسكنه ** في قطرك الرحب لم ينكب بأرزاء )
( شوق الفؤاد إلى مغناك متصل ** شوق الرياض إلى طل وأنداء )
ثم أنشدت عندما بدت أعلام البيت الحرام قول بعض من غلب عليه الشوق والغرام وقد بلغ من أمانيه الموجبة بشائره وتهانيه المرام
( وافى الحجيج إلى البيت العتيق وقد ** سجا الدجى فرأوا نورا به بزغا )
( عجبوا عجيجا وقالوا الله أكبر ما ** للجو مؤتلقا بالنور قد صبغا )
( قال الدليل ألا هاتوا بشارتكم ** فمن نوى كعبة الرحمن قد بلغا )
( نادوا على العيس بالأشواق وانتحبوا ** وحن كل فؤاد نحوها وصغا )
( وكل من ذم فعلا نال محمدة في مكة ومحا ما قد جنى وبغى )
ولما وقع بصري على البيت الشريف كدت أغيب عن الوجود واستشعرت قول العارف بالله الشبلي لما وفد إلى حضرة الجود
( قلت للقلب إذ تراءى لعيني ** رسم دار لهم فهاج اشتياقي )
( هذه دراهم وأنت محب ** ما احتباس
____________________
(1/40)

المعتب كأملي في التعزز بحوزتك والتجمل بجملتك والترفع بخدمتك فالسعيد من نشأ في دولتك وظهر في أمتك واستضاء بعزتك لقد فاز بالسبق من لحظته عين رعايتك وكنفته حوزة حمايتك فأنت الذي أمنت الذي بعدله نوائب الأيام وقويت بسلطانه دعائم الإسلام تختال بك المعاني اختيال العروس وتخضع لجلالك أعزة النفوس سابقة أشهر من الفجر وفطنة أنور من البدر وهمة أنفذ من الدهر [ الطويل ] لقد فاز من أضحى بكم متمسكا يشد على تأميل عزكم يدا سلكت سبيل الفخر خلقا مركبا وغيرك لا يأتيه إلا تجلدا فأنتم لواء الدين لا زال قيما بآرائكم في ظلمة الخطب يهتدى
____________________
(1/40)


( والمغاني للصب فيها معاني ** فهي تدعي مصارع العشاق )
( حل عقد الدموع واحلل رباها ** واهجر الصبر وارع حق الفراق )
ثم أكملت العمرة ودعوت الله أن أكون ممن عمر بطاعة ربه عمره وذلك أوائل ذي القعدة من عام ثمانية وعشرين وألف من الهجرة السنية وأقمت هنالك منتظرا وقت الحج الشريف ومتفيئا ذلك الظل الوريف ومقتطفا ثمار القرب الجنية إلى ان جاء الأوان فأحرمت بالحج من غير توان وحين حللت مما به أحرمت نويت الإقامة هنالك وأبرمت فحال من دون ذلك حائل وكنت حريا بأن أنشد قول القائل
( هذي أباطح مكة حولي وما ** جمعت مشاعرها من الحرمات )
( أدعو بها لبيك تلبية امرىء ** يرجو الخلاص بها من الأزمات )
( نلت المنى بمنى لأني لم أخف ** بالخيف من ذنب أحال سماتي )
( وعرفت في عرفات أني ناشق ** للعفو عرفا عاطر النسمات )
وأن أتمثل في المطاف إذ جفتني الألطاف بقول من ربعه بالتقوى مشيد البغدادي الشهير بابن رشيد
( على ربعهم لله بيت مبارك ** إليه قلوب الناس تهوي وتهواه )
( يطوف به الجاني فيغفر ذنبه ** ويسقطعنه جرمه وخطاياه )
( وكم لذة أو فرحة لطوافه ** فلله ما أحلى الطواف وأهناه )
ثم قصدنا بعد قضاء تلك الأوطار لطيبة الشريفة التي لها الفضل على الأقطار واستشعرت قول من أنشد وطير عزمه عن أوكاره قد طار
( حمدت مرادي إذ بلغت مرادي ** بأم القرى مستمسكا بعمادي )
( ومذ رويت من ماء زمزم غلتي ** فلست
____________________
(1/41)

ووضع الهناء موضع النقب والله سبحانه يبقي مولاي آخذا بزمام الفخر ناهضا بأعباء البر مالكا لأعنة الدهر وصنع الله سبحانه لسيدي أتم الصنع وأجمله وأفضله وأكمله بمنهن لا رب سواه انتهى رسالة ابن عبد البر إلى المنصور الصغير 109 رسالة ابن عبد البر إلى المنصور الصغير وقد تذكرت هنا والحديث شجون وبذكر المناسبات يبلغ الطلاب ما يرجون كتابا كتبه الأديب الكاتب أبو محمد ابن الإمام الحافظ محدث الأندلس أبي عمر بن عبد البر النميري إلى المنصور بن أبي عامر وهو من ذرية المنصور الكبير الذي كنا نتحدث في أخباره يمت إليه بسلفه ومعاملتهم لمن تقدم من آبائه بتعظيم قدره وإكباره وهو عمر الله ببقاء سيدي ذي السابقتين بهجة أوطانه وملكه عنان زمانه ومد عليه ظلال أمانه أنى أبقى الله الملك الكريم والسيد الزعيم لما أضاءت لي أهلة مفاخركم في سماء الفخار وأشرقت شموس مكارمكم على مفارق الأحرار وأبصرت شمائلك الزهر تهدى إليك من الهمم محامدها ومحاسنك الغر توقظ لك من الآمال رواقدها أيقنت أنه بحق انقادت لك القلوب بأعنتها وتهادت إليك النفوس بأزمتها فآليت أن لا ألم إلا بحماك ولا أحط رحلا إلا بفناك علما بأنك نثرة الفخر وغرة الدهر فتيممت ساريا في ساطع نورك متيمنا بيمن طائرك محققا للريح
____________________
(1/41)


فلله سبحانه الحمد على نعمه التي جلت ومننه التي نزلت بهاالنفوس مواطن التشريف وحلت
( من يهده الرحمن خير هداية ** يحلل بمكة كي يتاح المقصدا )
( وإذا قضى من حجه الفرض انثنى ** يشفي برؤية طيبة داء الصدى )
وكان حظي في هذه الحال تذكر قول بعض الوشاحين من الأندلسيين الذين كان لهم ارتحال إلى تلك المعاهد الطاهرة والمشاهد الزاهرة التي تشد إليها الرحال
( يا من لعبد به افتقار ** إلى أياد له جسام )
( فضلك مدن لخير مدن ** حل بها سيد الأنام )
( لم يهف قلبي لحب ليلى ** ولا سعاد ولا الرباب )
( لاقى شجونا ونال ويلا ** من هام في ذلك الجناب )
( بل مال مني الفؤاد ميلا ** لمن له الحب لا يعاب )
( قلبي والله مستطار ** مذ حل في بيته الحرام )
( ذا الحجر والركن خير ركن ** وزمزم الخير والمقام )
( ذابت قلوب المطي عشقا ** وركبها واستوى المراد )
( إلى حبيب القلوب حقا ** الحي والميت والجماد )
( إلى الذي ليس فيه يشقى ** من حبه داخل الفؤاد )
( شكوا وقد طالت السفار ** هم ومطاياهم السقام ) فهي قسي من التثني ** والقوم من فوقها سهام ) ولست من سكرتي مفيقا ** حتى أرى حجرة الرسول
____________________
(1/42)

المجد وأنخت بدولة السعد واشتشعرت لبسة الشكر والحمد وجعلت أنظم من جواهر الكلام ما يربي علي جواهر النظام وأنشر من عطر الثناء ما يزري بالروضة الغناء وحاشا للفهم أن يعطل ليلي من أقمارك أو يخلي أفقي من أنوارك فأراني منخرطا في غير سلكه ومنحطا إلى غير ملكه لا جرم أنه من استضاء بالهلال غني عن الذبال ومن استنار بالصباح ألقى سنا المصباح وتالله ما هزت آمالي ذوائبها إلى سواك ولا حدت أوطاري ركائبها إلى من مداك ليكون في أثر الوسمي في الماحل وعلي جمال الحلي على العاطل لسيادتك السنية ورياستك الأولية التي يقصر عنها لسان إفصاحي ويعيا في بعضها بياني وإيضاحي فالقراطيس عند بث مناقبك تفنى والأقلام في رسم مآثرك تخفى وما أمل المجدب في حياة المخصب ولا جذل المذنب برضا المعتب كأملي في التعزز بحوزتك والتجمل بجملتك والترفع بخدمتك فالسعيد من نشأ في دولتك وظهر في أمتك واستضاء بعزتك لقد فاز بالسبق من لحظته عين رعايتك وكنفته حوزة حمايتك فأنت الذي أمنت الذي بعدله نوائب الأيام وقويت بسلطانه دعائم الإسلام تختال بك المعاني اختيال العروس وتخضع لجلالك أعزة النفوس سابقة أشهر من الفجر وفطنة أنور من البدر وهمة أنفذ من الدهر [ الطويل ] لقد فاز من أضحى بكم متمسكا يشد على تأميل عزكم
____________________
(1/42)


( متى ترى عيني العقيقا ** ويفرح القلب بالوصول )
( كم قلت والصبر مستعار ** للركب إذا غادروا المنام )
( ونسمة الشوق حركتني ** وزاد بي الوجد والغرام )
( قوموا فقد طال ذا الجلوس ** وبادروا زورة الحبيب )
( تاقت إلى طيبة النفوس ** لا عيش من دونها يطيب )
( لا حبذا دونها الغروس ** والماء والشادن الربيب )
( وحبذا الرمل والقفار ** والعرب في تلكم الخيام )
( وأم غيلان ظللتني ** والأيك والأثل والثمام )
( يا طيبة حزت كل طيب ** بسيد فيك ذي حلول )
( نداء مستضعف غريب ** في غر أمداحه يقول )
( وهو من السامع المجيب ** لمدحه يسأل القبول )
( أنت الغني لي فلا افتقار ** وأنت عزي فلا أضام )
( مستمسك منك حسن ظني ** بعروة ما لها انفصام )
( بسيد العالمين أجمع ** بأحمد المجتبى الرسول )
( ومن هو الشافع المشفع ** في موقف المحشر المهول )
( إذ لا كلام هناك يسمع ** للغير والناس في ذهول )
( إذ السماء لها انفطار ** والشهب منثورة النظام )
( كذا الجبال انثنت كعهن ** سريعة المر كالغمام )
( يا اول الرسل
____________________
(1/43)

إلا تجلدا فأنتم لواء الدين لا زال قيما بآرائكم في ظلمة الخطب يهتدى ليهنكم مجد تليد بنيتم أغار سناه في البلاد وأنجدا ومثله أبقاه الله سبحانه يستثمر إيراقه فيثمر جناه ويستمطر إبراقه فيمطر حياه لا سيما وإني نشأة حفها إحسان أوائلك الطاهرين وألفها إنعام أكابرك الأخيار الطيبين وجدير بقبولك وإقبالك وبرك وإجمالك من أصله ثابت في أهل محبتكم وفرعه نابت في خاصتكم [ الطويل ] وما رغبتي في عسجد أستفيده ولكنها في مفخر أستجده فكل نوال كان أو هو كائن فلحظة طرف منك عندي نده فكن في اصطناعي محسنا كمجرب يبن لك تقريب الجواد وشده إذا كنت في شك من السيف فابله فإما تنافيه وإما تعده وما الصارم الهندي إلا كغيره إذا لم يفارقه النجاد وغمده ولا بأس أن يتطول مولاي بغرس الصنيعة في أزكى الترب ووضع الهناء موضع النقب والله سبحانه يبقي مولاي آخذا بزمام الفخر ناهضا بأعباء البر مالكا لأعنة الدهر وصنع الله سبحانه لسيدي أتم الصنع وأجمله وأفضله وأكمله بمنهن لا رب سواه انتهى من أخبار المنصور الكبير محمد بن أبي عامر والمصحفي 111 من أخبار المنصور الكبير محمد بن أبي عامر والمصحفي رجع إلى أخبار المنصور الكبير محمد بن أبي عامر رحمه الله وكنا قد ذكرنا أنه قبض على الوزير الحاجب المصحفي مع أنه كان أحد أتباعه
____________________
(1/43)


( شفاعة نلت مع وسيلة ** فمن يضاهي علاك من )
( علت بك الرتبة الجليلة ** وطبت في السر والعلن )
( فأنت من خيرهم خيار ** فمن يضاهيك في المقام )
( والرسل نالت بك التمني ** وأنت بدر لهم تمام )
( الوجد قد قر في فؤادي ** فما لصبر به قرار )
( ولاعجي صاعد اتقاد ** ودمع عيني له انهمار )
( وها أنا جئت من بلادي ** لطيبة أبتغي الجوار )
( فحبذا تلكم الديار ** والمصطفى مسكة الختام )
( عليه أزكى الصلاة مني ** وصحبه الغر والسلام )
وقول أبي جعفر الرعيني الغرناطي رحمه الله تعالى وهو من التشريع أحد أنواع البديع
( يا راحلا يبغي زيارة طيبة ** نلت المنى بزيارة الأخيار )
( حي العقيق إذا وصلت وصف لنا ** وادي مني يا طيب الأخبار )
( وإذا وقفت لدى المعرف داعيا ** زال العنا وظفرت بالأوطار )
ولما من الله تعالى علينا بالحلول في المشاهد التي قام الدين بها وظهر والمعاهد التي بان الحق فيها واشتهر والمواطن التي هزم الله تعالى
____________________
(1/44)

وبهجة النفوس ونزهة الأبصار ولما أمر المنصور بن أبي عامر بسجن المصحفي في المطبق بالزهراء ودع أهله وودعوه وداع الفرقة وقال لهم لستم ترونني بعدها حيا فقد أتى وقت إجابة الدعوة وما كنت أرتقبه منذ أربعين سنة وذلك أني أشركت في سجن رجل في عهد الناصر وما أطلقته إلا برؤيا رأيتها بأن قيل لي أطلق فلانا فقد أجيبت فيك دعوته فأطلقته وأحضرته وسألته عن دعوته علي فقال دعوت على من شارك في أمري أن يميته الله في أضيق السجون فقلت إنها قد أجيبت فإني كنت ممن شارك في أمره وندمت حين لا ينفع الندم فيروى أنه كتب للمنصور بن أبي عامر بهذه الأبيات [ البسيط ] هبني أسأت فأين العفو والكرم إذ قادني نحوك الإذعان والندم يا خير من مدت الأيدي إليه أما ترثي لشيخ نعاه عندك القلم بالغت في السخط فاصفح صفح مقتدر إن الملوك إذا ما استرحموا رحموا فأجابه المنصور بأبيات لعبد الملك الجزيري [ البسيط ] يا جاهلا بعد ما زلت بك القدم تبغي التكرم لما فاتك الكرم ندمت إذ لم تعد مني بطائلة وقلما ينفع الإذعان والندم نفسي إذا جمحت ليست براجعة ولو تشفع فيك العرب والعجم فبقي في المطبق حتى مات نعوذ بالله تعالى من دعوة المظلوم انتهى وقد ذكر بعضهم فيه هذه الأبيات زيادة حسبما ذكرناه في غير هذا المحل فإن هذه الأبيات للمنصور وهذا المؤرخ مصرح بأنها لعبد الملك الجزيري وقد يقال
____________________
(1/44)

وقهر ونصرت النبوة وعضدت وقطعت غصون الكفر وحصدت ورصت قواعد التوحيد ونضدت وقرت العيون وقضيت الديون انشد لسان الحال قول بعض من جيده بمحاسن طيبة حال
( يا من به طيبة طابت حلى وعلى ** ومن بتشريفه قد شرف العرب )
( يا احمد المصطفى قد جئت من بلد ** قاص ولي خلد قاس ولي أرب )
( وقد دهتني ذنوب قلت إذ عظمت ** لله منها وطه المرتجى الهرب )
ونسينا بمشاهدة ذلك الجناب ما كنا فيه وسبق الدمع الذي لا يعارض الفرح ولا ينافيه
( أيها المغرم المشوق هنيئا ** ما أنالوك من لذيذ التلاقي )
( قل لعينيك تهملان سرورا ** طالما أسعدا ك يوم الفراق )
( واجمع الوجد والسرور ابتهاجا ** وجميع الأشجان والأشواق )
( وأمر العين أن تفيض انهمالا ** وتوالي بدمعها المهراق )
( هذه دارهم وأنت محب ** ما بقاء الدموع في الآماق )
وملنا عن الأكوار وثملنا من عرف تلك الأنجاد والأغوار وتملينا من هاتيك الأنوار وتخلينا عن الأغيار وتحلينا بحلى الأخيار وكيف لا وطيبة مركز للزوار
( إذا لم تطب في طيبة عند طيب ** به طيبة طابت فأين تطيب )
( وإن لم يجب في ارضها ربنا الدعا ** ففي أي أرض للدعاء يجيب )
( أيا
____________________
(1/45)

لا منافاة بينهما فإن المنصور أجاب بالأبيات وهل هو قائلها أم لا الأمر أعم فبين هنا والله أعلم وقال بعض مؤرخي المغرب إن الحاجب المصحفي حصل له في هذه النكبة من الهلع والجزع ما لم يظن أنه يصدر من مثله حتى إنه كتب إلى المنصور بن أبي عامر يطلب منه أن يقعد في دهليزه معلما لأولاده فقال المنصور بدهائه وحذفه إن هذا الرجل يريد أن يحط من قدري عند الناس لأنهم طالما رأوني بدهليزه خادما ومسلما فكيف يرونه الآن في دهليزي معلما وكان المنصور يذهب به بعد نكبته معه في غزواته حتى إنه حكى بعضهم أنه رأى الحاجب المصحفي في ليلة نهى المنصور فيها الناس عن إيقاد النيران تعمية على العدو الكافر وهو ينفخ فحما في كانون صغير ويخفيه تحت ثيابه أو كما قال فسبحان مديل الدول لا إله إلا هو فإن هذا المصحفي بلغ من الجلالة والعظم والتحكم في الدولة المدة المديدة أمرا لا مزيد عليه والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ولقد ذكر بعض علماء المغاربة أن من أعاجيب انقلاب الدنيا بأهلها قصة المنصور بن أبي عامر مع الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي ولم يزل أعداء المنصور بن أبي عامر يتربصون به الدوائر فغلب سعده الذي هو المثل السائر وربما همس بعض الشعراء بهجوه وهجو الدولة جميعا إذ قال [ السريع ] اقترب الوعد وحان الهلاك وكل ما تحذره قد أتاك خليفة يلعب
____________________
(1/45)


وما أحسن قول عالم الأندلس المالكي اللبيب عبد الملك السلمي المشهور بابن حبيب
( لله در عصابة صاحبتها ** نحو المدينة تقطع الفلوات )
( ومهامه قد جبتها ومفاوز ** ما زلت أذكرها بطول حياتي )
( حتى أتينا القبر قبر محمد ** خص الإله محمدا بصلاة )
( خير البرية والنبي المصطفى ** هادي الورى لطرائق الجنات )
( لما وقفت بقربه لسلامه ** جادت دموعي واكف العبرات )
( ورأيت حجرته وموضعه الذي ** قد كان يدعو فيه في الخلوات )
( مع روضة قد قال فيها إنها ** مشتقة من روضة الجنات )
( وبمنزل الأنصار وسط قبابهم ** بيت الهداية كاشف الغمرات )
( وبطيبة طابوا ونالوا رحمة ** مقنى الكتاب ومحكم الآيات )
( وبقبر حمزة والصحابة حوله ** فاضت دموع العين منهمرات )
( سقيا لتلك معاهدا شاهدتها ** وشهدتها بالخطو واللحظات )
( لا زلت زوارا لقبر نبينا ** ومدينة زهراء بالبركات )
( صلى الإله على النبي المصطفى ** هادي البرية كاشف الكربات )
( وعلى ضجيعيه السلام مرددا ** ما لاح نور الحق في الظلمات )
____________________
(1/46)

مكتب وأمه حبلى وقاض يناك
____________________
(1/46)

وقول كمال الدين ناظر قوص أنخ هذه والحمد لله يثرب ** فبشراك قد نلت الذي كنت تطلب ) فعقر بهذا الترب وجهك إنه ** أحق به من كل طيب وأطيب ) وقبل ربوعا حولها قد تشرفت ** بمن جاورت والشيء بالشيء يجب )
( وقبل ربوعا حولها قد تشرفت ** بمن جاورت والشيئ يحبب )
( وسكن فؤادا لم يزل باشبياقه ** إليها على جمر الغضا يتقلب ) وكتكف دموعا طالما قد سفحتها ** وبرد جوى نيرانه تتلهب )
وقول الرعيني الغرناطي
( هذه روضة الرسول فدعني ** أبذل الدمع في الصعيد السعيد )
( لا تلمني على انسكاب دموعي ** إنما صنتها لهذا الصعيد )
ولما سلمت على سيد الأنام عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام ذبت حياء وخجلا لما أنا عليه من ارتكاب مايقتضي وجلا غير أني توسلت بجاهه صلى الله عليه وسلم في أن أكون ممن وضح له وجه الصفح وجلا
( إليك أفر من زللي ** فرار الحائف الخجل )
( وكان مزار قبرك بالمدينة ** منتهى أملي )
( فوفى الله ما طمحت ** له نفسي
____________________
(1/47)


( وهب لي منك عارفة ** تعرف ما تنكر لي )
( وتهديني إلى رشدي ** وتمنعني من الزلل )
( وتحملني على سنن ** يؤمنني من الوجل )
( فأنت دليل من عميت ** عليه مسالك السبل )
( وإنك شافع بر ** وموئلنا من الوهل )
( وإنك خير مبتعث ** وإنك خاتم الرسل )
( فيا أزكى الورى شرفا ** وشافيهم من العلل )
( ويا أندى الأنام يدا ** وأكرم ناصر وولي
( نداء مقصر وجل ** بثوب الفقر مشتمل )
( على جدواك معتمدي ** فأنقذني من الدخل )
( وألحقني بجنات ** لدى درجاتها الأول )
( بصديق وفاروق وعثمان الرضى وعلي )
( فأنت ملاذ معتصم ** وأنت عماد متكل )
( عليك صلاة ربك جل ** في الغدوات والأصل )
ومذ شممنا من أرج تلك الأرجاء الذاكية واستضأنا بسرج تلك الأضواء الزاكية ظهر من الشوق ما كان بطن ولم يخطر ببالنا سكن ولا وطن ويا سعادة من أقام بتلك البقاع الشريفة وقطن
( مر النسيم بربعهم فتلذذا ** حتى كأن النشر صار له غدا )
( فصحا وصح وصاح لا أشكو أذى ** قل للصبا ماذا حملت من الشذا )
( أمسست طيبا أم علاك عبير ** )
____________________
(1/48)

المنصور بن أبي عامر بسجن المصحفي في المطبق بالزهراء ودع أهله وودعوه وداع الفرقة وقال لهم لستم ترونني بعدها حيا فقد أتى وقت إجابة الدعوة وما كنت أرتقبه منذ أربعين سنة وذلك أني أشركت في سجن رجل في عهد الناصر وما أطلقته إلا برؤيا رأيتها بأن قيل لي أطلق فلانا فقد أجيبت فيك دعوته فأطلقته وأحضرته وسألته عن دعوته علي فقال دعوت على من شارك في أمري أن يميته الله في أضيق السجون فقلت إنها قد أجيبت فإني كنت ممن شارك في أمره وندمت حين لا ينفع الندم فيروى أنه كتب للمنصور بن أبي عامر بهذه الأبيات [ البسيط ] هبني أسأت فأين العفو والكرم إذ قادني نحوك الإذعان والندم يا خير من مدت الأيدي إليه أما ترثي لشيخ نعاه عندك القلم بالغت في السخط فاصفح صفح مقتدر إن الملوك إذا ما استرحموا رحموا فأجابه المنصور بأبيات لعبد الملك الجزيري [ البسيط ] يا جاهلا بعد ما زلت بك القدم تبغي التكرم لما فاتك الكرم ندمت إذ لم تعد مني بطائلة وقلما ينفع الإذعان والندم نفسي إذا جمحت ليست براجعة ولو تشفع فيك العرب والعجم فبقي في المطبق حتى مات نعوذ بالله تعالى من دعوة المظلوم انتهى وقد ذكر بعضهم فيه هذه الأبيات زيادة حسبما ذكرناه في غير هذا المحل فإن هذه الأبيات للمنصور وهذا المؤرخ مصرح بأنها لعبد الملك الجزيري وقد يقال لا منافاة بينهما فإن المنصور أجاب
____________________
(1/48)


( يا ايها الحادي الذي من وسمه ** قصد الحبيب وأن يلم برسمه )
( هذي منازله فزمزم باسمه ** بأبي الذي لم تذو زهرة جسمه )
( لكنه غض الجمال نضير ** )
( لله شوق قد تجاوز حده ** أوفى على الصبر المشيد فهده )
( يا ناشق الكافور لا تتعده ** طوبى لمشتاق يعفر خده )
( في روضة الهادي إليه يشير ** )
( فهناك ببذل في التوسل وسعه ** ويصيخ نحو خطيب طيبة سمعه )
( وبريق فوق حصى المصلى دمعه ** ويرى معالم من يحب وربعه )
( ومحمد للعالمين بشير ** )
( صلى عليه الله خير صلاته ** وحبا معاليه جليل صلاته )
( ما حن ذو الأشواق في حالاته ** وأتى مغانيه على علاته )
( فأتيح حسن الختم وهو قرير ** )
ووقفنا بباب طلب الآمال خاشعين وتوسلنا إلى الله بذلك المقام العلي خاضعين وغبطنا قوما سكنوا هنالك فكانوا لحدودهم متى شاءوا على تلك الأعتاب واضعين
( اكرم بعيد نحو طيبة مسند ** متوسل مستشفع مسترشد )
( يفلي الفلاة لها بعزم أيد ** وافى إلى
____________________
(1/49)

بالأبيات وهل هو قائلها أم لا الأمر أعم فبين هنا والله أعلم وقال بعض مؤرخي المغرب إن الحاجب المصحفي حصل له في هذه النكبة من الهلع والجزع ما لم يظن أنه يصدر من مثله حتى إنه كتب إلى المنصور بن أبي عامر يطلب منه أن يقعد في دهليزه معلما لأولاده فقال المنصور بدهائه وحذفه إن هذا الرجل يريد أن يحط من قدري عند الناس لأنهم طالما رأوني بدهليزه خادما ومسلما فكيف يرونه الآن في دهليزي معلما وكان المنصور يذهب به بعد نكبته معه في غزواته حتى إنه حكى بعضهم أنه رأى الحاجب المصحفي في ليلة نهى المنصور فيها الناس عن إيقاد النيران تعمية على العدو الكافر وهو ينفخ فحما في كانون صغير ويخفيه تحت ثيابه أو كما قال فسبحان مديل الدول لا إله إلا هو فإن هذا المصحفي بلغ من الجلالة والعظم والتحكم في الدولة المدة المديدة أمرا لا مزيد عليه والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ولقد ذكر بعض علماء المغاربة أن من أعاجيب انقلاب الدنيا بأهلها قصة المنصور بن أبي عامر مع الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي ولم يزل أعداء المنصور بن أبي عامر يتربصون به الدوائر فغلب سعده الذي هو المثل السائر وربما همس بعض الشعراء بهجوه وهجو الدولة جميعا إذ قال [ السريع ] اقترب الوعد وحان الهلاك وكل ما تحذره قد أتاك خليفة يلعب في مكتب وأمه حبلى وقاض يناك يعني بالخليفة
____________________
(1/49)


( أزجاه صادق حبه المتمكن ** وحداه سائق عزمه المتعين )
( فحكى لدى شجو حمام الأغصن ** هزجا يردد فيه صوت ملحن )
( ويمد للإطراب صوت المنشد ** )
ويقول جئت بعزمة نزاعة ** ونهضت والدنيا تمر كساعة )
( لمحل أحمد قائلا بإذاعة ** هذا النبي المرتجى لشفاعة )
( يوم القيامة بين ذلك المشهد ** )
ل هذا الرؤوف بجاره ونزيله ** هذا سراج الله في تنزيله )
( هذا الذي الذي لا ريب في تفضيله ** هذا حبيب الله وابن خليله )
( هذا ابن باني البيت أول مسجد ** )
( هذا الذي اصطفت النبوة خيمة ** هذا الذي اعتام الهدى تقديمه )
( هذا الذي نسقى غدا تسنيمه ** هذا الذي جبريل كان خديمه )
( في حضرة التشريف أزكى مصعد ** )
( هذا الذي شهد الوجود بخصه ** بمزية التفضيل من مختصه )
( وأبانه من وحيه في نصه ** هذا الذي ارتفع البراق بشخصه )
( في ليلة الإسراء أشرف مشهد ** )
( هذا الذي غدت الطلول حديقة ** بجواره وغدت تروق أنيقة )
( هذا المكمل خلقة وخليقة ** هذا الذي سمع النداء حقيقة )
( ودنا ولم يك قبل ذاك بمبعد ** )
( فهناك كم رسل به تتوسل ** وعلى حماه لدى المعاد يعول )
( يا أرحم الرحماء أنت المؤمل ** يا خاتم الارسال أنت الأول )
( فترق في أعلى المكارم
____________________
(1/50)

هشاما المؤيد لكونه كان صغيرا وأمه صبح البشكنشية كان الأعداء يتهمون بها المنصور وذلك بهتان وزور وأفظع منه رميهم القاضي بالفجور والله عالم بسرائر الأمور ونعوذ بالله من ألسنة الشعراء الذين لا يراعون إلا ولا ذمة ويطلقون ألسنتهم في العلماء والأئمة [ الطويل ] وأظلم أهل الأرض من كان حاسدا لمن بات في نعمائه يتقلب جدير بأن لا يدرك ما يؤمل ويتطلب لأنه يعترض على الله سبحانه في أحكامه نعوذ بالله من شر أنفسنا ومن شر كل ذي شر بجاه نبينا عليه أزكى صلوات الله وأفضل سلامه وقد قدمنا أن المنصور بن أبي عامر كان أولا يخدم جعفر بن عثمان المصحفي مدبر مملكة هشام المؤيد ويريه النصيحة وأنه ما زال يستجلب القلوب بجوده وحسن خلقه والمصحفي ينفرها ببخله وسوء خلقه إلى أن كان من أمره ما كان فاستولى على الحجابة وسجن المصحفي وفي ذلك يقول المصحفي [ الطويل ] غرست قضيبا خلته عود كرمة وكنت عليه في الحوادث قيما وأكرمه دهري فيزداد خبثه ولو كان من أصل كريم تكرما ولما يئس المصحفي من عفو المنصور قال [ الكامل ] لي مدة لا بد أبلغها فإذا انقضت أيامها مت لو قابلتني الأسد ضارية والموت لم يقرب لما خفت فانظر إلي وكن على حذر في مثل حالك أمس قد كنت ومن أحسن ما نعى به نفسه قوله حسبما تقدم [ الطويل
____________________
(1/50)


( الله رفع في سراه منارة ** وأبان في السبع العلا أنواره )
( فقفت ملائكة السما آثاره ** واراه جنته هناك وناره )
( فمؤيد ومخلد لمخلد ** )
( كم زاد من وجل وجلى ظلمة ** وامتن بالرحمن ومتن حرمة )
( لما دجا أفق الضلالة دهمة ** بعث الإله به ليرحم أمة )
( لولاه كانت بالضلالة ترتدي ** )
( حاز الشفوف فكل خلق دونه ** فالغيث يسأل إذ يسيل يمينه )
( والشمس تستهدي ا لشروق جبينه ** والله فضله وأظهر دينه )
( ووفى لنا فيه بصدق الموعد ** )
( نطقي يغادي ذكره ويراوح ** وبه ينافج مسكة وينافح )
( تعيي اللسان محامد وممادح ** طوبى لمن قد عاش وهو يكافح )
( عنه يناضل باللسان وباليد ** )
( هو صفوة العرب الأولى أحسابهم ** اسيافهم قرنت بها أسبابهم )
( فهم لباب المجد وهو لبابهم ** من آل بيت لم تزل أنسابهم )
( تنبي لهم عن طيب عنصر مولد ** )
( شرف النبوة قد رسا في أهلها ** وسما على الزهر العلا بمحلها )
( ساق السوابق للفخار برسلها ** نطق الكتاب كما علمت بفضلها )
( وقضى به نص الحديث المسند ** )
( فوق السماك توطنت وتوطدت ** وتفردت بالمصطفى وتوحدت )
( فهي الخلاصة صفيت فتجردت ** من معدن فيه الرسالة قد بدت )
( من عصر آدمنا لعصر محمد **
____________________
(1/51)

كيف اعترافه وللنفس بعد العز كيف استذلت وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى فإن طمعت ماتت وإلا تسلت وكانت على الأيام نفسي عزيزة فلما رأت صبري على الذل ذلت فقلت لها يا نفس موتى كريمة فقد كانت الدنيا لنا ثم ولت وأنشد له الفتح في المطمح ونسبهما غيره لأحمد بن الفرج صاحب الحدائق [ الخفيف ] كلمتني فقلت در سقيط فتأملت عقدها هل تناثر فازدهاها تبسم فأرتني نظم در من التبسم آخر وله كما مر [ الكامل
____________________
(1/51)


( طالوا فلم يبقوا لمجد مصعدا ** صالوا ففي أيمانهم حتف العدا )
( سالوا فهم لعفاتهم غيث الجدا ** أهل السقاية والرفادة والندى )
( والكعبة البيت الحرام المقصد ** )
( المطعمون وقد طوى المري الطوى ** الناهضون إذا الصريخ لهم نوى )
( العاطفون إذا الطريق بهم ثوى ** أهل السدانة والحجابة واللوا )
( أهل المقام وزمزم والمسجد ** )
( المصلحون إذا الجموع تخاذعت ** المنجحون إذا المساعي دافعت ** )
( الدافعون إذا الأعادي قارعت ** المؤثرون إذا السنون تتابعت )
( وفد الحجيج بنيل كل تفقد ** )
( لا يقرب الخطب الملم منيعهم ** لا يطرق الكرب المخيف قريعهم )
( والله شرف بالنبي جميعهم ** من نال رتبتهم وحاز صنيعهم ** )
( نال الشفوف وحاز معنى السؤدد ** )
( حلوا من الطودالأشم بمنعة ** في خير معتصم وأسمى رفعة )
( فهم بمنة أمنه في هجعة ** الله خصصهم بأشرف بقعة )
( محجوجة محفوفة بالأسعد ** )
( لما أتيت لرامة أصل السرى ** من بعد قصدي مكة أم القرى )
( أنشدت جهرا فيه أنثر جوهرا ** وإليكها يا خير من وطىء الثرى )
( عذراء
____________________
(1/52)

شأن عظيم ومقام كبير وكيف لا قال ابن بشكوال أخرج هذا المصحف منها - أي قرطبة - وغرب منها وكان بجامعها الأعظم ليلة السبت حادي عشر شوال سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة في أيام أبي محمد عبد المؤمن بن علي وبأمره وهذا أحد المصاحف الأربعة التي بعث بها عثمان رضي الله تعالى عنه إلى الأمصار مكة والبصرة والكوفة والشام وما قيل إن فيه دم عثمان هو بعيد وإن يكن أحدها فلعله الشامي قاله ابن عبد الملك قال أبو القاسم التجيبي السبتي أما الشامي فهو باق بمقصورة جامع بني أمية بدمشق المحروسة وعاينته هناك سنة 657 كما عاينت المكي بقبة اليهودية وهي قبة التراب قلت عاينتها مع الذي بالمدينة سنة 735 وقرأت فيهما قال النخعي لعله الكوفي أو البصري وأقول اختبرت الذي بالمدينة والذي
____________________
(1/52)


( كل الحسان لحسنها قد أدهشا ** ما مثلها في تربها شاد نشا )
( سفرت بعزم ما أجد وأطيشا ** نشأت بطي القلب وارتوت الحشا )
( زهراء من يرها يهل ويسجد ** )
( أمتك تشأى في مداها الألسنا ** وتري إجادتها المجيد المحسنا )
( تغدو ولا تثني العنان عن الثنا ** وأتتك تمرح كالقضيب إذا انثنى )
( مترنحا بين الغصون الميد ** )
( قد أعلمت في المدح ثاقب ذهنها ** ترجو الحلول لدى قرارة أمنها )
( وعسى إذا غذيت بتربة عدنها ** يجلو لك الإحسان بارع حسنها )
( والحسن يجلوها وإن لم تنشد ** )
( مدحي لخير العالمين عقيدتي ** ومطيتي بل طيبتي ونشيدتي )
( ونتيجتي وهدى اليقين مفيدتي ** ولئن مدحت محمدا بقصيدتي )
( فلقد مدحت قصيدتي بمحمد ** )
( يا خير خلق الله دعوة حائر ** يشكو إليك صروف دهر جائر )
( والله يعلم في هواك سرائري ** وهو الذي أرجو لعفو جرائري )
( متوسلا بجنابك المتأطد ** )
( لولا حقوق عينت بمغارب ** لمكثت عندك كي تتدح مآربي )
( ويكون في الزرقاء عذب مشاربي ** حتى أحلى من ثراك ترائبي )
( وأنال دفنا في بقيع الغرقد ** )
( وعليك من رب حباك صلاته ** وسلامه وهباته وصلاته )
( ما أم بابك من هدته فلاته ** لعلاك حتى زحزحت علاته )
( فأتيح
____________________
(1/53)

حمله المعتضد وهو السعيد علي بن المأمون أبي العلاء إدريس بن المنصور حين توجه لتلمسان آخر سنة 645 فقتل قريبا من تلمسان وقدم ابنه إبراهيم ثم قتل ووقع النهب في الخزائن واستولت العرب وغيرهم على معظم العسكر ونهب المصحف ولم يعلم مستقره وقيل إنه في خزانة ملوك تلمسان قلت لم يزل هذا المصحف في الخزانة إلى أن افتتحها إمامنا أبو الحسن أواخر شهر رمضان سنة 737 فظفر به وحصل عنده إلى أن أصيب في وقعة طريف وحصل في بلاد برتقال وأعمل الحيلة في استخلاصه ووصل إلى فاس سنة 745 على يد أحد تجار أزمور واستمر بقاؤه في الخزانة انتهى باختصار واعتنى به ملوك الموحدين غاية الاعتناء كما ذكره ابن رشيد في رحلته ولا بأس أن أذكر كلامه بجملته والرسالة في شأن المصحف لما فيها من الفائدة ونص محل الحاجة منه أنشدني الخطيب أبو محمد بن برطلة من لفظه وكتبته من خطه قال أنشدني الشيخ الفقيه القاضي أبو القاضي أبو القاسم عبد الرحمن بن كاتب الخلافة أبي عبد الله بن عياش لأبيه رحمهم الله تعالى مما نظمه وقد أمر أمير
____________________
(1/53)


ثم ودعته صلى الله عليه وسلم والقلب من فراقه سقيم ووقعت من البعد عن تلك المعاهد في المقعد المقيم وأنا أرجو أن يكون شكل منطقي غير عقيم وأن أحشر في زمرة من سلك الصراط المستقيم
( يا شفيع العصاة أنت رجائي ** كيف يخشى الرجاء عندك خيبة )
( وإذا كنت حاضرا بفؤادي ** غيبة الجسم عنك ليست بغيبة )
( ليس بالعيش في البلاد انتفاع ** أطيب العيش ما يكون بطيبة ) زيارة بيت المقدس
ثم عدت إلى مصر وقد زال عني ببركته صلى الله عليه وسلم الإصر وذلك في محرم سنة 1029 ثم قصدت زيارة بيت المقدس في شهر ربيع من هذا العام وقد شملتني بفضل الله جوائز الإنعام وتذكرت عند مشاهدة تلك المسالك الصعبة قول حافظ الحفاظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى وهو مما زادني في هذه الزيارة رغبة
( إلى البيت المقدس جئت أرجو ** جنان الخلد نزلا من كريم )
( قطعنا في مسافته عقابا ** وما بعد العقاب سوى النعيم )
فلما دخلت المسجد الأقصى وأبصرت بدائعه التي لا تستقصي بهرني جماله الذي تجلى الله به عليه وسألت عن محل المعراج الشريف فأرشدت إليه وشاهدت محلا أم فيه صلى الله عليه وسلم الرسل الكرام الهداة وكان حقي أن أنشد هنالك
____________________
(1/54)

صاحبه وعلى ذكر هذا المصحف الكريم فلنذكر كيفية الأمر في وصوله إلى الخليفة أمير المؤمنين عبد المؤمن وما أبدى في ذلك من الأمور الغريبة التي لم يسمع بمثلها في سالف الدهر حسبما أطرفنا به الوزير الأجل أبو زكرياء يحيى بن أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الملك بن طفيل القيسي حفظه الله تعالى وشكره مما استفاده وأفاده لنا مما لم نسمع به قبل عن كتاب جده الوزير أبي بكر محمد بن عبد الملك بن طفيل المذكور مما تضمنه من وصف قصة المصحف فقال وصل إليهم أدام الله سبحانه تأييدهم قمرا الأندلس النيران وأميراها المتخيران السيدان الأجلان أبو سعيد وأبو يعقوب أيدهما الله وفي صحبتهما مصحف عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وهو الإمام الذي لم يختلف فيه مختلف وما زال ينقله خلف عن سلف وقد حفظ شخصه على كثرة المتناولين وذخره الله لخليفته المخصوص بمن سخر لخدمته من المتداولين وله من غرائب الأنباء ومتقدم الإشعار بما آل إليه أمره من الإيماء ما ملئت به الطروس وتحفظه من أهل الأندلس الرائس والمرؤوس فتلقي عند وصوله بالإجلال والإعظام وبودر إليه بما يجب من التبجيل والإكرام وعكف عليه أطول العكوف والتزم أشد الالتزام وكان في وصوله ذلك الوقت من عظيم العناية وباهر الكرامة ما هو معتبر لأولي الألباب وبلاغ في الإغراب والإعجاب وذلك أن سيدنا ومولانا الخليفة أمير المؤمنين
____________________
(1/54)


( إن كنت تسأل أين قدر ** محمد بين الأنام )
( فأصخ إلى آياته ** تظفر بريك في الأوام )
( اكرم بعبد سلمت ** تقديمه الرسل الكرام )
( في حضرة للقدس وافاها ** بعز واحترام )
( صفوا وصلوا خلفه ** إن الجماعة بالإمام )
( للشهب نور بين ** والفضل للقمر التمام )
( سلك النبوة باهر ** وبأحمد ختم النظام )
( هذا الكتاب دلالة ** تبقى إلى يوم القيام )
( شهدت له من بعد عجز ** ألسن اللد الخصام )
( خير الورى وأجل آيات ** له خير الكلام )
( فعليه من رب الورى ** أزكى صلاة مع سلام )
وربما يقول من يقف على سرد هذه الأمداح النبوية إلى متى وهذا الميدان تكل فيه فرسان البديهة والروية فأنشده في الجواب قول بعض من أم نهج الصواب
( لأديمن مديح المصطفى ** فعل من في الله قوى طعمة )
( فعسى أنعم في الدنيا به ** وعسى يحشرني الله معه )
وإذا كان القريض في بعض الأحيان كذبا صراحا والموفق من تركه والحالة هذه رغبة عنه وله أطراحا فخيره ما كان حقا وهو مدح الله ورسوله وبذلك يحصل للعبد منتهى سوله
( ليس كل القريض يقبله السمع ** وتصغي لذكره الأفهام )
( إن بعضا من القريض هراء ** ليس شيئا وبعضه
____________________
(1/55)

أدام الله له عوائد النصر والتمكين كان قبل ذلك بأيام قد جرى ذكره في خاطره الكريم وحركته إليه دواعي خلقه العظيم
____________________
(1/55)


( وأجل الكلام ما كان في مدح ** شفيع الورى عليه السلام )
( طيب العرف دائم الذكر لا تأتي ** الليالي عليه الأيام )
( مثل زهر قد شق عنه كمام ** أو كمسك قد فض عنه ختام )
( ليس تحصى صفات أحمد بالعد ** كما لم تحط بها الأوهام )
( ولو أن البحار حبر وما في ال ** أرض من كل نابت أقلام )
( فطويل المديح فيه قصير ** وحسام ماض لديه كهام )
( ولسان البليغ للعي ينمي ** وكذا صيب الفصيح جهام )
( كيف يحصى مديح مولى عليه الله ** أثنى وذكره مستدام )
( وله المعجزات والآي تبدو ** لا يغطي وجوههن لثام )
( فمن المعجزات أن سار ليلا ** وجميع الأنام فيه نيام )
( راكبا للبراق حتى أتى القدس ** وفيه رسل الإله الكرام )
( فاستووا خلفه صفوفا وقالوا ** صل يا احمد فأنت الإمام )
( فعليه من ربه صلوات ** زاكيات مع صحبه وسلام ) عود إلى مصر ثم إلى القدس
ثم رجعت إلى القاهرة وكررت منها الذهاب إلى البقاع الطاهرة فدخلت لهذا التاريخ الذي هو عام تسعة وثلاثين وألف مكة خمس مرات وحصلت لي بالمجاورة فيها المسرات وأمليت فيها على قصد التبرك دروسا عديدة والله يجعل أيام العمر بالعود بإليها مديدة ووفدت على طيبة المعظمة ميمما مناهجها السديدة سبع مرار وأطفأت بالعود إليها ما
____________________
(1/56)

أسعد وأنهار جود كلما أمسك الحيا يمد بها طامي الغوارب مزبد وآساد حرب غابها شجر القنا ولا لبد إلا العجاج الملبد مساعير في الهيجا مساريع للندى بأيديهم يحمى الهجير ويبرد
____________________
(1/56)


وقول كمال الدين ناظر قوص
( أنخ هذه والحمد لله يثرب ** فبشراك قد نلت الذي كنت تطلب )
( فعفر بهذا الترب وجهك إنه ** أحق به من كل طيب وأطيب )
( وقبل ربوعا حولها قد تشرفت ** بمن جاورت والشيء بالشيء يحبب )
( وسكن فؤادا لم يزل باشتياقه ** إليها على جمر الغضا يتقلب )
( وكفكف دموعا طالما قد سفحتها ** وبرد جوى نيرانه تتلهب )
وقول الرعيني الغرناطي
( هذه روضة الرسول فدعني ** أبذل الدمع في الصعيد السعيد )
( لا تلمني على انسكاب دموعي ** إنما صنتها لهذا الصعيد )
ولما سلمت على سيد الأنام عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام ذبت حياء وخجلا لما أنا عليه من ارتكاب ما يقتضي وجلا غير أني توسلت بجاهه صلى الله عليه وسلم في أن أكون ممن وضح له وجه الصفح وجلا
( إليك أفر من زللي ** فرار الخائف الخجل )
( وكان مزار قبرك بال ** مدينة منتهى أملي )
( فوفى الله ما طمحت ** له
____________________
(1/57)

بتلك الأنوار وألفت بحضرته صلى الله عليهوسلم بعض ما من الله به علي في ذلك الجوار وأمليت الحديث النبوي بمرأى منه عليه الصلاة والسلام ومسمع ونلت بذلك وغيره ولله المنة ما لم يكن لها في فيه مطمح ولا مطمع ثم أبت إلى مصر مفوضا لله جميع الأمور ملازما خدمة العلم الشريف بالأزهر المعمور وكان عودي من الحجة الخامسة بصفر سنة سبع وثلاثين وألف للهجرة فتحركت همتي أوائل رجب هذه السنة للعود للبيت المقدس وتجديد العهد بالمحل الذي هو على التقوى مؤسس فوصلت أواسط رجب وأقمت فيه نحو خمسة وعشرين يوما بدا لي فيها بفضل الله وجه الرشد وما احتجب وألقيت عدة دروس بالأقصى والصخرة المنيفة وزرت مقام الخليل ومن معه من الأنبياء ذوي المقامات الشريفة وكنت حقيقا بأن أنشد قول ابن مطروح في ذلك المقام الذي فضله معروف وأمره مشروح
( خليل الله فد جئناك نرجو ** شفاعتك التي ليست ترد )
( أنلنا دعوة واشفع تشفع ** إلى من لا يخيب لديه قصد )
( وقل يا رب أضياف ووفد ** لهم بمحمد صلة وعهد )
( أتوا يستغفرونك من ذنوب ** عظام لا تعد ولا تحد )
( إذا وزنت بيذبل أو شمام ** رجحن ودونها رضوى وأحد )
( ولكن لا يضيق العفو عنهم ** وكيف يضيق وهو لهم معد )
( وقد سألوا رضاك على لساني ** إلهي ما أجيب وما أرد )
( فيا مولاهم عطفا عليهم ** فهم جمع أتوك وأنت
____________________
(1/57)

فيها مطلق ومقيد سلام على المهدي أما قضاؤه فحتم وأما أمره فمؤكد إمام الورى عم البسيطة عدله على حين وجه الأرض بالجور أربد بصير رأى الدنيا بعين جلية فلم يغنيه إلا المقام الممجد ولما مضى والأمر لله وحده وبلغ مأمول وأنجز موعد تردى أمير المؤمنين رداءه وقام بأمر الله والناس هجد
____________________
(1/57)

الرحلة إلى دمشق
ثم استوعبت أكثر تلك المزارات المباركة كمزار موسى الكليم على نبينا وعليهم وعلى سائر المرسلين والأنبياء أجمعين أفضل الصلاة والتسليم ثم حدث لي منتصف شعبان عزم على الرحلة إلى المدينة التي ظهر فضلها وبان دمشق الشام ذات الحسن والبها والحياء والاحتشام والأدواح المتنوعة والأرواح المتضوعة حيث المشاهد المكرمة والمعاهد المحترمة والغوطة الغناء والحديقة والمكارم التي يباري فيها المرء شانئه وصديقه والأظلال الوريفة والأفنان الوريقة والزهر الذي تخاله مبسما والندى ريقه والقضبان الملد التي تشوق رائيها لجنة الخلد
( بحيث الروض وضاح الثنايا ** أنيق الحسن مصقول الأديم )
وهي المدينة المستولية على الطباع المعمورة البقاع بالفضل والرباع
( تزيد على مر الزمان طلاوة ** دمشق التي راقت بحلو المشارب )
( لها في أقاليم البلاد مشارق ** منزهة أقمارها عن مغارب )
ودخلتها أواخر شعبان المذكور وحمدت الرحلة إليها وجعلها الله من السعي المشكور
( وجدت بها ما يملأ العين قرة ** ويسلي عن الأوطان كل غريب )
وشاهدت بعض مغانيها الحسنة ومبانيها المستحسنة
( نزلنا بها ننوي المقام ثلاثة ** فطابت لنا حتى أقمنا بها شهرا )
ورأينا من محاسنها ما لا يستوفيه
____________________
(1/58)

الثأر منه مؤيد وشبهه بالبدر وقت خسوفه فلله تشبيه له الشرع يشهد زمان ارتفاع العلم كان خسوفه وقد عاد بالمهدي والعود أحمد أتتك أمير المؤمنين ألوكة من الحرم الأقصى لأمرك تمهد سيوف بني عيلان قامت شهيرة لدعوتك العلياء تهدي وترشد وطافت ببيت الله فاشتد شوقه إليك ولبى منه حجر ومسجد وحج إليك الركن والمرو والصفا فأنت لذاك الحج حج ومقصد
____________________
(1/58)

وأطاب وإن ملأ من البلاغة الوطاب كما قلت
( محاسن الشام أجلى ** من أن تسام بحد )
( لولا حمى الشرع قلنا ** ولم نقف عند حد )
( كأنها معجزات ** مقرونة بالتحدي )
فالجامع الجامع للبدائع يبهر الفكر والغوطة المنوطة بالحسن تسحر الألباب لا سيما إذا حياها النسيم وابتكر
( أحب الحمى من أجل من سكن الحمى ** حديث حديث في الهوى وقديم )
فلله مرآها الجميل الجليل وبيوتها التي لم تخرج عن عروض الخليل ومخبرها الذي هو على فضلها وفضل أهلها أدل دليل ومنظرها الذيينقلب البصر عن بهجته وهو كليل
( والروض قد راق العيون بحلة ** قد حاكها بسحابة آذار )
( وعلى غصون الدوح خضر غلائل ** والزهر في أكمامه أزرار )
لكم لها من حسن ظاهر وكامن كما قلت موطئا للبيت الثامن
( أما دمشق فخضرة ** لعبت بألاب الخلائق )
( هي بهجة الدنيا التي ** منها بديع الحسن فائق )
( لله منها الصالحية ** فاخرت بذوي الحقائق )
( والغوطة الغناء حيت ** بالورد وبالشقائق )
(
____________________
(1/59)

والمرصعين والنجارين والزواقين والرسامين والمجلدين وعرفاء البنائين ولم يبق من يوصف ببراعة أو ينسب إلى الحذق في صناعة إلا أحضر للعمل فيه والاشتغال بمعنى من معانيه فاشتغل أهل الحيل الهندسية بعمل أمثلة مخترعة وأشكال مبتدعة وضمنوها من غرائب الحركات وخفي إمداد الأسباب للمسببات ما بلغوا فيه منتهى طاقتهم واستفرغوا فيه جهد قوتهم والهمة العلية أدام الله سموها
____________________
(1/59)


( والطير بالعيدان أبدت ** في الغنا أحلى الطرائق )
( ولآلىء الأزهار حلت ** جيد غصن فهو رائق )
( ومراود الأمطار قد ** كحلت بها حدق الحدائق )
( لازال مغناها مصونا ** كل البوائق )
وكما قلت مرتجلا أيضا مضمنا الرابع والخامس
( دمشق راقت رواء ** وبهجة وغضارة )
( فيها نسيم عليل ** صح فوافت بشارة )
( وغوطة كعروس ** تزهى بأعجب شارة )
( يا حسنها من رياض ** مثل النضار نضارة )
( كالزهر زهرا وعنها ** عرف العبير عبارة )
( والجامع الفرد منها ** أعلى الإله منارة )
( وحاصل القول فيها ** لمن أراد اختصاره )
( تذكيرها من رآها ** عدنا وحسبي إشاره )
( دامت تفوق سواها ** إنالة وإنارة )
وكما ارتجلت فيها أيضا
( قال لي ما تقول في الشام حبر ** كلما لاح بارق الحسن شامه )
( قلت ماذا أقول في وصف قطر ** هو في وجنة المحاسن شامه )
وقلت أيضا
( قال لي صف دمشق مولى رئيس ** جمل الله خلقه واحتشامه )
( قلت كل اللسان في وصف قطر
____________________
(1/60)

تعالى مما صنع للمصحف العظيم من الأصونة الغريبة والأحفظة العجيبة أنه كسي كله بصوان واحد من الذهب والفضة ذي صنائع غريبة من ظاهره وباطنه لا يشبه بعضها بعضا قد أجري فيه من ألوان الزجاج ما لم يعهد له في العصر الأول مثال ولا عمر قبله بشبهه خاطر ولا بال وله مفاصل تجتمع إليها أجزاؤه وتلتئم وتتناسق عندها عجائبه وتنتظم قد أسلست للتحرك أعطافها وأحكم إنشاؤها على البغية وانعطافها ونظم على صفحته وجوانبه من فاخر الياقوت ونفيس الدر وعظيم الزمرد ما لم تزل الملوك السالفة والقرون الخالية تتنافس في أفراده وتتوارثه على مرور الزمن وترداده وتظن العز الأقعس والملك الأنفس في ادخاره وإعداده وتسمى الواحد منها بعد الواحد بالاسم العلم لشذوذه في صنعه واتحاده فانتظم عليه منها ما شاكله زهر الكواكب في تلألئه
____________________
(1/60)


وقلت أيضا
( وإذا وصفت محاسن الدنيا فلا ** تبدأ بغير دمشق فيها أولا )
( بلد إذا ارسلت طرفك نحوه ** لم تلق إلا جنة أو حدولا )
( ذا وصف بعض صفاته وهي التي تعيي البليغ وإن أجاد وطولا )
والغاية في هذا الباب من الوصف لبعض محاسنها الفاتنة الألباب قول أبي الوحش سبع بن خلف الأسدي يصف ارضها المشرقة ورياضها المورقة ونسيمها العليل وزهرها الندي البليل
( سقى دمشق الشام غيث ممرع ** من مستهل ديمة دفاقها )
( مدينة ليس يضاهي حسنها ** في سائر الدنيا ولا آفاقها )
( تود زوراء العراق أنها ** تعزى إليها لا إلى عراقها )
( فأرضها مثل السماء بهجة ** وزهرها كالزهر في إشراقها ) ( نسيم ريا روضها متى سرى ** فك أخا الهموم من وثاقها )
( قد ربع الربيع في ربوعها ** وسيقت الدنيا إلى أسواقها )
( لا تسأم العيون والأنوف من ** رؤيتها يوما ولا انتشاقها )
____________________
(1/61)

طورا متصلا وطورا منفصلا ويتأتى به للمصحف الشريف العظيم أن يبرز تارة للخصوص متبذلا وتارة للعموم متجملا إذ معارج الناس في الاستبصار تختلف وكل له مقام إليه ينتهى وعنده يقف فعمل فيه على شاكلة هذا المقصد وتلطف في تتميم هذا الغرض المعتمد وكسي المصحف العزيز بصوان لطيف من السندس الأخضر ذي حلية عظيمة خفيفة تلازمه في المغيب والمحضر ورتب ترتيبا يتأتى معه أن يكسى بالصوان الأكبر فيلتئم به التئاما يغطي على العين من هذا الأثر وكمل ذلك كله على أجمل الصفات وأحسنها وأبدع المذاهب وأتقنها وصنع له محمل غريب الصنعة بديع الشكل والصبغة ذو مفاصل ينبو عن دقتها الإدراك ويشتد بها الارتباط بين المفصلين ويصح الاشتراك مغشى كله بضروب من الترصيع وفنون من النقش البديع في قطع من الآبنوس والخشب الرفيع لم تعمل قط في زمان من الأزمان ولا انتهت قط إلى أيسره نوافذ الأذهان مدار بصنعة قد أجريت في صفائح الذهب وامتدت امتداد ذوائب الشهب وصنع لذلك المحمل كرسي يحمله عند الانتقال ويشاركه في أكثر الأحوال مرصع مثل ترصيعه الغريب ومشاكل له في جودة التقسيم وحسن الترتيب وصنع لذلك كله تابوت يحتوي عليه احتواء المشكاة على أنوارها
____________________
(1/61)


وقول شمس الدين الأسدي الطيبي
( إذا ذكرت بقاع الأرض يوما ** فقل سقيا لجلق ثم رعيا )
( وقل في وصفها لا في سواها ** بها ما شئت من دين ودنيا )
وكأن لسان الدين ذا الوزارتين بن الخطيب عناها بقوله المصيب
( بلد تحف به الرياض كأنه ** وجه جميل والرياض عذاره )
( وكأنما واديه معصم غادة ** ومن الجسور المحكمات سواره )
وكنت قبل رحلتي إليها والوفادة عليها كثيرا ما أسمع عن أهلها زاد الله في ارتقائهم ما يشوقني إلى رؤيتها ولقائهم وينشقني على البعد أرج الأدب الفائق من تلقائهم حتى لقيت بمكة المعظمة اوحد كبرائها الذين فرائدهم بلبة الدهر منظمة عين الأعيان وصدر أرباب التفسير بها والبيان صاحب القلم الذي طبق الكلى والمفاصل والفتاوى التي حكمها بين الحق والباطل فاصل والتآليف التي وصفها بالإجادة من باب تحصيل الحاصل وارث العلم عن غير كلالة ذو الحسب المشرق بدوره في سماء الجلالة صاحب المعارف التي زانت خلاله وساحب أذيال العوارف التي أبانت على فضله دلالة مفتي السلطان في تلك الأوطان على مذهب الإمام النعمان مولانا الشيخ عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام عماد الدين لا زال سالكا سبيل المهتدين فكان جمل الله به عصرا وأوانا لقضية هذا القياس عنوانا فلما حللت بدارهم ورأيت ما أذهلني
____________________
(1/62)

المحمل في التزيين والتجميل وله في أحد غواربه باب ركبت عليه دفتان قد أحكم ارتتاجهما ويسر بعد الإبهام انفراجهما ولانفتاح هذا الباب وخروج هذا الكرسي من تلقائه وتركب المحمل عليه ما دبرت الحركات الهندسية وتلقيت تلك التنبيهات القدسية وانتظمت العجائب المعنوية والحسية والتأمت الذخائر النفيسة والنفسية وذلك أن بأسفل هاتين الدفتين فيصلا فيه موضع قد أعد له مفتاح لطيف يدخل فيه فإذا أدخل ذلك المفتاح فيه وأديرت به اليد انفتح الباب بانعطاف الدفتين إلى داخل الدفتين من تلقائهما وخرج الكرسي من ذاته بما عليه إلى أقصى غايته وفي خلال خروج الكرسي يتحرك عليه المحمل حركة منتظمة مقترنة بحركته يأتي بها من مؤخر الكرسي زحفا إلى مقدمه فإذا كمل الكرسي بالخروج وكمل المحمل بالتقدم عليه انغلق الباب برجوع الدفتين إلى موضعهما من تلقائهما دون أن يمسهما أحد وترتبت هذه الحركات الأربع على حركة المفتاح فقط دون تكلف شيء آخر فإذا أدير المفتاح إلى خلف الجهة التي أدير إليها أولا انفتح الباب وأخذ الكرسي في الدخول والمحمل في التأخر عن مقدم الكرسي إلى مؤخره فإذا عاد كل إلى مكانه انسد الباب بالدفتين أيضا من تلقائه كل ذلك يترتب على حركة المفتاح كالذي كان في حال خروجه وصحت هذه الحركات اللطيفة على أسباب ومسببات غائبة عن الحس في باطن الكرسي وهي
____________________
(1/62)

فيهم بقول بعض من غبر
( ألمت بنا أوصافهم فامتلأ الفضا ** عبيرا وأضحى نوره متألقا )
( وقد كان هذا من سماع حديثهم ** بلاغا فصح النقل إذ حصل اللقا )
وقابلوني أسماهم الله بالاحتفال والاحتفاء وعرفني بديع برهم فن الاكتفاء
( غمرتني المكارم الغر منهم ** وتوالت علي منها فنون )
( شرط إحسانهم تحقق عندي ** ليت شعري الجزاء كيف يكون )
وقابلوني بالقبول مغضين عن جهلي
( وما زال بي إحسانهم وجميلهم ** وبرهم حتى حسبتهم أهلي )
بل الأولى أن أتمثل فيهم بما هو أبلغ من هذا المقول في آل المهلب وهو قول بعض من نزل بقوم برق قصدهم غير خلب في زمن به تقلب
( ولما نزلنا في ظلال بيوتهم ** أمنا ونلنا الخصب في زمن محل )
( ولو لم يزد إحسانهم وجميلهم ** على البر من أهلي حسبتهم أهلي )
لا سيما المولى الذي أمداحه تحلي أجياد الطروس العاطلة وسماحه يخجل أنواء الغيوث الهاطلة صدر الأكابر الأعاظم الحائز قصب السبق في ميدان الإجادة بشهادة كل
____________________
(1/63)

ويصعب ذكرها أظهرتها بركات هذا الأمر السعيد وتنبيهات سيدنا ومولانا الخليفة أدام الله تعالى أمرهم وأعز نصرهم بناء مسجد مراكش 123 بناء مسجد مراكش وفي خلال الاشتغال بهذه الأعمال التي هي غرر الدهر وفرائد العمر أمروا - أدام الله تأييدهم - ببناء المسجد الجامع بحضرة مراكش - حرسها
____________________
(1/63)

والصدوق الذي بأسباب عهده أرتبط الأوحد الذي ضربت البراعة رواقها بناديه والماجد الذي لم يزل بديع البلاغة من كثب يناديه السري الحائز من الخلال ما أبان تفضيله اللوذعي الذي لم تزل أوصافه تحكم له بالسؤدد وتقضي له والحق أبلج لا يحتاج إلى زيادة براهين الأجل المولى أحمد أفندي بن شاهين لا زالت العزة مقيمة بواديه ولا برحت حضرته جامعة لبواطن الفخر وبواديه والسعد يراوح مقامه ويغاديه والمجد يترنم بذكره حاديه فكم له أسماه الله ولغيره من أعيان دمشق لدي من أياد يعجز عن الإبانة عنها لو أراد وصفها قس إياد ولو تعرضت لأسمائهم وحلاهم أدام الله تعالى سعودهم وعلاهم لضاق عن ذلك هذا النطاق وكان من شبه التكليف بما لا يطاق فليت شعري بأي أسلوب أؤدي بعض حقهم المطلوب أم بأي لسان أثني على مزاياهم الحسان وما عسى أن أقول في قوم نسقوا الفضائل ولاء وتعاطوا أكواب المحامد ولاء وسحبوا من المجد مطارف وملاء وحازوا المكارم وبذوا الموادد والمصارم سؤددا وعلاء
( فما رياض زهر الربيع ** إذا بدت في وشيها البديع )
( ضاحكة عن شنب الأقاح ** عند سفور طلعة الصباح )
( غنى بها مطوق الحمام ** وصافحتها راحة الغمام )
( وباكرتها نسمة من الصبا ** فأصبحت كأنها عهد الصبا )
( نضارة ورونقا
____________________
(1/64)

لا تحصى لكثرتها وهنا انتهى ما وجدناه من هذا المكتوب ثم قال ابن رشيد - بعد إيراد ما تقدم - ما صورته نجزت الرسالة في المصحف العظيم والحمد لله رب العالمين انتهى محل الحاجة منه وما أحسن قول الشيخ الإمام أبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية يستودع أهل قرطبة [ المنسرح
____________________
(1/64)


( أطيب من ثنائهم عبيرا ** بين الورى واسأل به خبيرا )
( دامت معاليهم على طول الزمن ** يروى حديث الفضل عنها عن حسن )
( وثابت وقرة وسعد ** وأسعفوا بنيل كل وعد )
فهم الذين نوهوا بقدري الخامل وظنوا مع نقصي أن بحر معرفتي وافر كامل حسبما اقتضاه طبعهم العالي
( فلو شربت بعمري ساعة ذهبت ** من عيشتي معهم ما كان بالغالي )
فمتعين حقهم لايترك وحبهم لا يخالط بغيره ولا يشرك وإن أطلت الوصف فالغاية في ذلك لا ترك
( يزداد في مسمعي ترداد ذكرهم ** طيبا ويحسن في عيني مكرره )
وإذا كان المديح الصادق لا يزيدهم رفعة قدر فهم كما قال الأعرابي الذي ضلت ناقته في مدح البدر والبليغ وذو الحصر في ذلك سيان والحق أبلج والباطل لجلج وليس الخبر كالعيان
( هب الروض لا يثني على الغيث نشره ** أتحسبه تخفى مآثره الحسنى )
وقد تذكرت بلادي النائية بذلك المرأى الشامي الذي يبهر رائيه فما شئت من أنهار ذات انسجام أترع بها من جريال الأنس جام وأزهار متوجة للأدواح مروحة للنفوس بعاطر الأرواح وحدائق تعشي أنوارها الأحداق وعيانها للخبر عنها
____________________
(1/65)

الليل جنحه وتقلد السماك رمحه وهم النسر بالطيران وعام في الأفق زورق الزبرقان أوقدنا مصابيح الراح واشتملنا ملاء الارتياح وللدجن فوقنا رواق مضروب فغنتنا عند ذلك جارية تسمى أنس القلوب وقالت [ الخفيف ] قدم الليل عند سير النهار وبدا البدر مثل نصف السوار فكأن النهار صفحة خد وكأن الظلام خط عذار وكأن الكؤوس جامد ماء وكأن المدام ذائب نار نظري قد جنى علي ذنوبا كيف مما جنته عيني اعتذاري يا لقومي تعجبوا من غزال جائر في محبتي وهو جاري ليت لو كان لي إليه سبيل فأقضي من الهوى أوطاري قال فلما أكملت الغنا أحسست بالمعنى فقلت [ الخفيف ] كيف كيف الوصول للأقمار بين سمر القنا وبيض الشفار لو علمنا بأن حبك حق لطلبنا الحياة منك بثار وإذا ما الكرام هموا بشيء خاطروا بالنفوس في الأخطار قال فعند ذلك بادر المنصور لحسامه وغلظ في كلامه وقال لها قولي واصدقي إلى من تشيرين بهذا الشوق والحنين فقالت الجارية إن كان 11 الكذب أنجى فالصدق أحرى وأولى والله ما كانت إلا نظرة ولدت في
____________________
(1/65)


( فهي التي ضحك البهار صباحها ** وبكت عيشتها عيون النرجس )
( واخضر جانب نهرها فكأنه ** سيف يسل وغمده من سندس )
وجنان أفنانها في الحسن ذوات افتنان
( صافحتها الرياح فاعتنق السرو ** ومالت كواله للقصار )
( لائذ بعضه ببعض كقوم ** في عتاب مكرر واعتذار )
وبطاح راق سناها وكمل حسنها وتناهي كما قلت مضمنا في ذلك المنحى لقول بعض من نال في البلاغة منا ومنحا
( دمشق لا يقاس بها سواها ** ويمتنع القياس مع النصوص )
( حلاها راقت الأبصار حسنا ** على حكم العموم أو الخصوص )
( بساط زمرد نثرت عليه من الياقوت ألوان الفصوص )
ولله در القائل في وصف تلك الفضائل
( إن تكن جنة الخلود بأرض ** فدمشق ولا يكون سواها )
( أو تكن في السماء فهي عليها ** قد أمدت هواءها وهواها )
( بلد طيب ورب غفور ** فاغتنمها عشية أو ضحاها )
وعند رؤيتي لتلك الأقطار الجليلة الأوصاف العظيمة الأخطار تفاءلت بالعود إلى أوطان لي بها أو طار إذ التشابه بينهما قريب في الأنهار والأزهار ذات العرف المعطار وزادت هذه بالتقديس الذي همعت عليها منه الأمطار وتمثلت بقول الأصفهاني وإن غيرت يسيرا منه لما أسفرت وجوه
____________________
(1/66)

فعند ذلك صرف المنصور وجه الغضب إلي وسل سيف السخط علي فقلت أيدك الله تعالى إنما كانت هفوة جرها الفكر وصبوة أيدها النظر وليس للمرء إلا ما قدر له لا ما اختاره وأمله فأطرق المنصور قليلا ثم عفا وصفح وتجاوز عنا وسمح وخلي سبيلي فسكن وجيب قلبي وغليلي ووهب الجارية لي فبتنا بأنعم ليلة وسحبنا فيها للصبا ذيله فلما شمر الليل غدائره وسل الصباح بواتره وتجاوبت الأطيار بضروب الألحان في أعالي الأغصان انصرفت بالجارية إلى منزلي وتكامل سروري بين الرشيد والمأمون وجارية 125 بين الرشيد والمأمون وجارية قال بعضهم ذكرتني حكاية أبي المغيرة هذه حكاية قرأتها في النوادر لأبي علي القالي البغدادي حذت في الظرف حذوها وزهت في الإغراب زهوها وهي ما أسنده عن منصور البرمكي أنه كانت للرشيد جارية غلامية وكان المأمون يميل إليها وهو إذ ذاك أمرد فوقفت تصب على يد الرشيد من إبريق معها والمأمون خلف الرشيد فأشار إليها يقبلها فأنكرت ذلك بعينها وأبطأت في الصب على قدر نظرها للمأمون وإشارتها إليه فقال
____________________
(1/66)


( لما وردت الصالحية ** حيث مجتمع الرفاق )
( وشممت من أرض الشآم ** نسيم أنفاس العراق )
( أيقنت لي ولمن أح ** ب بجمع شمل واتفاق )
( وضحكت من فرح اللقاء ** كما بكيت من الفراق )
( لم يبق لي إلا تجشم ** أزمن السفر البواقي )
( حتى يطول حديثنا ** بصفات كنا نلاقي )
وكنت قبل حلولي بالبقاع الشامية مولعا بالوطن لا سواه فصار القلب بعد ذلك مقسما بهواه
( ولي بالحمى أهل وبالشعب جيرة ** وفي حاجر خل وفي المنحنى صحب )
( تقسم ذا القلب المتيم بينهم ** سألتكم بالله هل يقسم القلب )
فيا لك من صب مراع للذمام منقاد لشوقه بزمام يخيل له أنه سمع صوت قيان بقول الأول
( إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ** وبالشام أخرى كيف يلتقيان )
وفرد تعددت جموعه ووشت بما أكنت ضلوعه دموعه فأنشد وقد تحير ما بدل فيه من عظم ما به وغير
( كتمت شأن الهوى يوم النوى فوشى ** بسره من جفوني أي نمام )
( كانت ليالي بيضا في دنوهم ** فلا تسل بعدهم عن حال أيامي )
( ضنيت وجدا بهم والناس تحسب بي ** سقما فأبهم حالي عند لوامي
( وليس
____________________
(1/67)

أتحبها قال نعم يا أمير المؤمنين قال هي لك فاخل بها في تلك القبة ففعل ثم قال له هل قلت في هذا الأمر شيئا فقال نعم يا سيدي وأنشد [ المجتث ] ظبي كنيت بطرفي من الضمير إليه قبلته من بعيد فاعتل من شفتيه ورد أخبث رد بالكسر من حاجبيه فما برحت مكاني حتى قدرت عليه وفي هذا المعنى يقول بعض البلغاء اللحظ يعرب عن اللفظ وقال آخر رب كناية تغني عن إيضاح ورب لفظ يدل على ضمير ونظمه الشاعر فقال [ الطويل ] جعلنا علامات المودة بيننا دقائق لحظ هن أمضى من السحر فأعرف منها الوصل في لين لحظها وأعرف منها الهجر بالنظر الشزر وفي هذا قال بعض الحكماء العين باب القلب فما في القلب ظهر في العين وقال الشاعر [ البسيط ] العين تبدي الذي في نفس صاحبها من المحبة أو بغض إذا كانا فالعين تنطق والأفواه صامتة حتى ترى من ضمير القلب تبيانا بين الرشيد والمأمون وجارية 125 بين الرشيد والمأمون وجارية قال بعضهم ذكرتني حكاية أبي المغيرة هذه حكاية قرأتها في النوادر لأبي علي القالي البغدادي حذت في الظرف حذوها وزهت في الإغراب زهوها وهي ما أسنده عن منصور البرمكي أنه كانت للرشيد جارية غلامية وكان المأمون يميل إليها وهو إذ ذاك أمرد فوقفت تصب على يد الرشيد من إبريق معها والمأمون خلف الرشيد فأشار
____________________
(1/67)


وحصل التحير حيث لم يمكن الجمع ولا الخلو عند التخير كما قال ابن دقيق العيد في مثل هذا الغرض البعيد
( إذا كنت في نجد وطيب نعيمه ** تذكرت أهلي باللوى فمحسر )
( وإن كنت فيهم زدت شوقا ولوعة ** إلى ساكني نجد وعيل تصبري )
( فقد طال ما بين الفريقين موقفي ** فمن لي بنجد بين أهلي ومعشري )
وبالجملة فالاعتراف بالحق فريضة ومحاسن الشام وأهله طويلة عريضة ورياضه بالمفاخر والكمالات أريضة وهو مقر الأولياء والأنبياء ولا يجهل فضله إلا الأغمار الأغبياء الذين قلوبهم مريضة
( أنى يرى الشمس خفاش يلاحظها ** والشمس تبهر أبصار الخفافيش )
( ولله در من قال في مثل هذا من الأرضياء
( وهبني قلت إن الصبح ليل ** أيعمى العالمون عن الضياء )
وقال آخر فيمن عن الحق ينفر
( إذا لم يكن المرء عين بصيرة ** فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر )
وحسب الفاضل اللبيب أن يروي
____________________
(1/68)

نظرها للمأمون وإشارتها إليه فقال الرشيد ما هذا ضعي الإبريق من يدك ففعلت فقال لها والله لئن لم تصدقيني لأقتلنك فقالت يا سيدي أشار إلي كأنه يقبلني فأنكرت ذلك عليه فالتفت إلى المأمون فنظر إليه كأنه ميت لما داخله من الجزع والخجل فرحمه وضمه إليه وقال يا عبد الله أتحبها قال نعم يا أمير المؤمنين قال هي لك فاخل بها في تلك القبة ففعل ثم قال له هل قلت في هذا الأمر شيئا فقال نعم يا سيدي وأنشد [ المجتث ] ظبي كنيت بطرفي من الضمير إليه قبلته من بعيد فاعتل من شفتيه ورد أخبث رد بالكسر من حاجبيه فما برحت مكاني حتى قدرت عليه وفي هذا المعنى يقول بعض البلغاء اللحظ يعرب عن اللفظ وقال آخر رب كناية تغني عن إيضاح ورب لفظ يدل على ضمير ونظمه الشاعر فقال [ الطويل ] جعلنا علامات المودة بيننا دقائق لحظ هن أمضى من السحر فأعرف منها الوصل في لين لحظها وأعرف منها الهجر بالنظر الشزر وفي هذا قال بعض الحكماء العين باب القلب فما في القلب ظهر في العين وقال الشاعر [ البسيط ] العين تبدي الذي في نفس صاحبها من المحبة أو بغض إذا كانا فالعين تنطق والأفواه صامتة حتى ترى من ضمير القلب تبيانا ترجمة الوزير أبي المغيرة بن حزم 126
____________________
(1/68)


( عرج إذا ما شمت برق الشآم ** وحي أهل الحي واقر السلام )
( وانزل بإقليم جزيل الحيا ** بارك فيه الله رب الأنام )
( العز والنصر لديه وما ** لعروة الإسلام عنه انفصام )
( من أولياء الله كم قد حوى ** ركنا بمرآة يطيب المقام )
( وهو مقر الأنبياء الألي ** والأصفياء الأتقياء الكرام )
( كم من شهيد في حماه وكم ** من عالم فرد وكم من إمام )
ولذلك اعتنت الجهابذة بتخليد أخباره في الدواوين وابتنت الأساتذة بيوت افتخاره المنيفة الأواوين وتناقلت أنباءه البديعة ألسن الراوين وهامت بأماكنه المريعة هداة الشريعة فضلا عن الشعراء الغاوين ومع ذلك فهم في التعبير عن عجائبه غير متساوين أولا يرى أنهم يأتون من مقولهم على قدر رأيهم وعقولهم ولم يبلغ جمع منهم ما كانوا له ناوين
( على قدرك الصهباء توليك نشوة ** بها سيء أعداء وسر صحاب )
( ولو أنها تعطيك منها بقدرها ** لضاقت بك الأكوان وهي رحاب ) ابن شاهين يقترح على المؤلف تأليف كتاب عن لسان الدين
وكنا في خلال الإقامة بدمشق المحوطة وأثناء التأمل في محاسن الجامع والمنازل والقصور والغوطة كثيرا ما ننظم في سلك المذاكرة در ر الأخبار الملقوطة ونتفيأ من ظلال التبيان مع أولئك الأعيان في مجالس مغبوطة نتجاذب فيها أهداب الآدابونشرب من سلسال الاسترسال ونتهادى لباب الألباب ونمد بساط الانبساط ونسدل أطناب الإطناب ونقضي أوطار الأقطار ونستدعي أعلام الأعلام فينجر بنا الكلام والحديث شجون وبالتفنن يبلغ المستفيدون ما يرجون إلى ذكر البلاد الأندلسية ووصف *
____________________
(1/69)

عبد الوهاب بن حزم وبنو حزم فتية علم وأدب وثنية مجد وحسب وأبو المغيرة هذا في الكتابة أوحد لا ينعت ولا يحد وهو فارس المضمار حامي ذلك الذمار وبطل الرعيل وأسد ذلك الغيل نسق المعجزات وسبق في المعضلات الموجزات إذا كتب وشى المهارق ودبج وركب من بحر البلاغة الثبج وكان هو وأبو عامر بن شهيد خليلي صفاء وحليفي وفاء لا ينفصلان في رواح ولا مقيل ولا يفترقان كمالك وعقيل وكانا بقرطبة رافعي ألوية الصبوة وعامري أندية السلوة إلى أن اتخذ أبو عامر في حبالة الردى وعلق وغدا رهنه فيها وغلق فانفرد أبو المغيرة بذلك الميدان واسترد من سبقه ما فاته منذ زمان فلم تذكر له مع أبي عامر حسنة ولا سرت له فقرة مستحسنة لتعذر ذلك وامتناعه بشفوف أبي عامر وامتداد باعه وأما شعر أبي المغيرة فمرتبط بنثره ومختلط زهره بدره وقد أثبت له منها فنونا تجن بها الأفهام جنونا فمن ذلك قوله [ الكامل ] ظعنت وفي أحداجها من شكلها عين فضحن بحسنهن العينا
____________________
(1/69)

رياضها السندسية التي هي بالحسن منوطة وقضاياها الموجهة التي لا يستوفيها المنطق مع أنها ضرورية وممكنة ومشروطة والفطر السليمة والأفهام المستقيمة بتسليم براهينها قاضية لا سيما إن كانت بالإنصاف مربوطة فصرت أورد من بدائع بلغائها ما يجري على لساني من الفيض الرحماني وأسرد من كلام وزيرها لسان الدين بن الخطيب السلماني صب الله عليه شأبيب رحماه وبلغه من رضوانه الأماني ما تثيره المناسبة وتقتضيه وتميل إليه الطباع السليمة وترتضيه من النظم الجزل في الجد والهزل والإنشاء الذي يدهش به ذاكرة الألباب إن شاء الله وتصرفه في فنون البلاغة حالي الولاية والعزل إذ هو أعني لسان الدين فارس النظم والنثر في ذلك العصر والمنفرد بالسبق في تلك الميادين بأداة الحصر وكيف لا ونظمه لم يستول على مثله أيدي الهصر ونثره تزري صورته بالخريدة ودمية القصر
فلما تكرر ذلك غير مرة على أسماعهم لهجوا به دون غيره حتى صار كأنه كلمة إجماعهم وعلق بقلوبهم وأضحى منتهى مطلوبهم ومنية آمالهم وأطماهم وصاروا يقطفون بيد الرغبة فنونه ويعترفون ببراعته ويستحسنونه ويستنشقون من أزهاره كل ذاك فطلب مني المولى أحمد الشاهيني إذ ذاك وهو الماجد المذكور ذو السعي المشكور أن أتصدى للتعريف بلسان الدين في مصنف يعرب عن بعض أحواله وأنبائه وبدائعه وصنائعه ووقائعه مع ملوك عصره وعلمائه وأدبائه ومفاخره التي قلد بها جيد الزمان ولبته ومآثره التي أرج بها مسرى الشمال وهبته وبعض ما له من النثار والنظام والمؤلفات الكبار العظام الرائقة للأبصار الفائقة على كلام كثير من أهل الأمصار السائرة مسير القمر والشمس المعقودة
____________________
(1/70)

في حقه ما صورته الوزير أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد الأشجعي عالم بأقسام البلاغة ومعانيها حائز قصب السبق فيها لا يشبهه أحد من أهل زمانه ولا ينسق ما نسق من در البيان وجمانه توغل في شعاب البلاغة وطرقها وأخذ على متعاطيها ما بين مغربها ومشرقها لا يقاومه عمرو بن بحر ولا تراه يغترف إلا من بحر مع انطباع مشى في طريقه بأمد باع وله الحسب المشهور والمكان الذي لم يعده ظهور وهو من ولد الوضاح المتقلد تلك المفاخر والأوضاح والضحاك صاحب يوم المرج وراكب ذلك الهرج وأبو عامر حفيده هذا من ذلك النسب ونبع لا يراش إلا من ذلك الغرب وقد أثبت له ما هو بالسحر لاحق ولنور المحاسن ما حق فمن ذلك قوله [ البسيط ]
____________________
(1/70)

عليها الخناصر بل الخمس كيما يكون ذلك لهذه الأغراض مشيعا ويخلع على مطالعه بهذه البلاد المشرقية من أغراضه البديعة ومنازعه وشيعا اعتذار المؤلف عن تلبيته للمطلب
فأجبته أسمى الله قدره الكبير وأدام عرف فضائله المزري بالعنبر والعبير بأن هذا الغرض غير سهل ولست علكم الله له بأهل من جهات عديدة أولها قصوري عن تحمل تلك الأعباء الشديدة إذ لا يوفي بهذا الغرض إلا الماهر بطرق المعارف السديدة وثانيها عدم تيسر الكتب المستعان بها على هذا المرام لأني خلفتها بالمغرب وأكثرها في المشرق كعنقاء مغرب وثالثها شغل الخاطر بأشجان الغربة الجالبة للفكر الكربة وتقسم البال بين شغل عائق وبلبال وأني يطيق سلوك عذ المضيق من اكتحلت جفونه بالسهاد ونبت جنوبه عن المهاد وسد نحوه الأسف سهمه وشغل باله ووهمه وبث في قلبه تبريجا وعناء لم يجد منه إلا أن يلطف الله تسريحا فما شام بارقة أمل إلا في النادر ولا ورد منهل صفاء إلا وكدره مكر غادر وقد كثر الجفاء وبرج بلا شك الخفاء واستوخمت الموارد والمصادر والقلب مكلوم واللب غير ملوم إذا كان على تلفيق ما يليق غير قادر ولا مؤنس إلا شاكي دهر بلسان صريح أو باكي قاصمة ظهر بجفن قريح أو مناضل في معترك العجز طريح أو فاضل دفن من الخمول في ضريح إذ
____________________
(1/71)

بابه وكان له بباب الصومعة من الجامع موضع لا يفارقه أكثر نهاره ولا يخليه من نثر درره وأزهاره فقعد في ليلة 27 من رمضان في لمة من إخوانه وأئمة سلوانه وقد حفوا به ليقطفوا نخب أدبه وهو يخلط لهم الجدل بهزل ولا يفرط في انبساط مشتهر ولا انقباض جزل وإذا بجارية من أعيان أهل قرطبة معها من جواريها من يسترها ويواريها وهي ترتاد موضعا لمناجاة ربها وتبتغي منزلا لاستغفار
____________________
(1/71)

الإبهام بنابها النوى والنوائب فقلوبه من تقلبات أحواله ذوائب وكم شابت من أمثاله بصروف الدهر وأهواله ذوائب
( على أنها الأيام قد صرن كلها ** عجائب حتى ليس فيها عجائب )
وأدمع أحجارها تسلط فجارها فكم من عدو منهم في ثياب صديق وحسود لنظره إلى نعم الله على عباده تحديق لا تخدعه المداراة ولا تردعه المماراة يتتبع العثرات ويقنع بألم البثرات ويتبسم وقلبه من الغل يتقسم ويتودد ومكايده تتجد فتتعدد
( لا ترم من مماذق الود خيرا ** فبعيد من السراب الشراب )
( رونق كالحباب يعلو على الماء ** ولكن تحت الحباب الحباب )
( عظمت في النفاق ألسنة القوم ** وفي الألسن العذاب العذاب )
والصديق الصدوق في هذا الزمن قليل وقد ألف بعض العلماء شفاء الغليل في ذم الصاحب والخليل وهو غير محمول على الإطلاق وإن قال به بعض من رهنه من أبناء عصره ذو إغلاق
( أبناء دهرك فالقهم ** مثل العدا بسلاحكا )
( لا تغترر بتبسم ** فالسيف يقتل ضاحكا )
وداء الحس أعيا الأول والآخر وقد عظم الأمر في هذا الأوان وكثر المزري والساخر مع أن أسواق
____________________
(1/72)

إذ قال وأخبرني الوزير الفقيه أبو الحسين بن سراج أنه حضر مع
____________________
(1/72)


( والدهر دهر الجاهلين ** وأمر أهل العلم فاتر )
( لا سوق أكسد فيه من سوق المحابر والدفاتر )
فالمنسوب للعلم في هذا الزمن زمن وهو بأن ينشد قول الأول فمن
( لأي وميض بارقة أشيم ** ومرعى الفضل عندهم هشيم )
وليت شعري علام يحسد من أبدل الاغتراب شارته وأضعف الاضطراب إشارته وأهل بالدموع أنواءه وقلل أضواءه وكثر علله وأدواءه وغير عند التأمل رواءه وثنى عن المأمول عنانه وأرهف بالخمول سنانه حتى قدح الذكر حنانه وملأ الفكر جأشه وجنانه فهو فيميدان النزوح مستبق ومن راحة التعب مصطبح ومغتبق
( له أنه المشتاق في كل ساعة ** تمر وما للثاكلات من الحزن )
( ومن مرسلات الدمع واقعة الأسى ** ومن عاديات البين قارعة السن )
تثير الذكرى منه كوامن الشجون وتدير عليه جام الهيام ولو كان بين الصفا والحجون
( وتحت ضلوع المستهام كآبة ** يخاف على الأحشاء منها التفطرا )
( ولو أن أحشاء تبوح بما حوت ** لتمتلئن الأرض كتبا وأسطرا )
وشتان ما ين الاقتراب والاغتراب والسكون في الركون والنبو عنها والاضطراب فذاك تسهل غالبا
____________________
(1/73)

فيها [ الخفيف ] حسد القصر فيكم الزهراء ولعمري وعمركم ما أساء
____________________
(1/73)


( وما أنا عن تحصيل دنيا بعاجز ** ولكن أرى تحصيلها بالدنية )
وإن طاوعتني رقة الحال مرة ** أبت فعلها أخلاق نفس أبية )
وكما قلت عندما صرت إلى الاغتراب وألت
( تركت رسوم عزي في بلادي ** وصرت بمصر منسي الرسوم )
( ورضت النفس بالتجريد زهدا ** وقلت لها عن العلياء صومي )
( مخافة أن أرى بالحرص ممن ** يكون زمانه أحد الخصوم )
وكما قال بعض الأكابر من أهل الزمان الغابر
( لا عار إن عطلت يداي من الغني ** كم سابق في الخيل غير محجل )
( صان اللئيم وصنت وجهي ماله ** دوني فلم يبذل ولم أتبذل )
( أبكي لهم ضافني متأوبا ** إن الدموع قرى الهموم النزل )
( لا تنكروا شيبا ألم بمفرقي ** عجلا كأن سناه سلة منصل )
( فلقد دفعت إلى الهموم تنوبني ** منها ثلاث شدائد جمعن لي )
( أسف على ماضي الزمان وحيرة ** في الحال منه ووحشة المستقبل )
( ما أن وصلت إلى زمان آخر ** إلا بكيت على الزمان الأول )
( لله عهد بالحمى لم أنسه ** أيام أعصي في الصبابة عذلي )
ويرحم الله ابن قلاقس الإسكندري إذ قال في معنى التمني المصدري
____________________
(1/74)

غافلا عن المكر ساهيا حسن ظن بأهلها اعتقده واغترارا بهم ما رواه ولا انتقده
____________________
(1/74)


( لعل زماني بالعذيب يعود ** فيقرب قرب أو يصد صدود )
( وأبصر كثبانا وهز روادف ** عليهن أغصان وهن قدود )
( وأقطف ورد الخد وهو مضرج ** وأجني أقاح الثغر وهو برود )
( وأدني ذراعي للعناق ذريعة ** فتنهى عن الإفراط فيه نهود )
( ويسري إلى البدر وهو ممنع ** ويغدو إلى الظبي وهو شرود )
( ونكرع في شكوى الفراق كأننا ** فوارط هيم راقهن ورود )
( وأكبر مقدار الهوى عن كبيرة ** وأحمي عفافي دونه وأذود )
وفرق ما بين الجوهر والعرض والصحة والبينة والمرض والدر والحصى والحسام والعصا والرجوع إلى التفويض للأقدار في أمور هذه الدار الكثيرة الأكدار هو المطلوب والمرجو من الله سبحانه جبر القلوب
( يا رب نفس همومي ** واكشف كروبي جميعا )
( فقد رجوت كريما ** وقد دعوت سميعا ) إصرار ابن شاهين على رأيه
ولم يجعل لي المذكور حفظه الله فسحة ولا مندوحة بعد هذه الأعذار المحمودة في الصدق الممدوحة ولسان حالي وقالي يثبتان عجزي عن أداء هذا الحق بشهادة من هو واد وقالي إذ من كان بصفة غير متمكنة مما تكون به متصفة واتسم بنعوت مختلفة وارتسم في غير ذوي الأحوال المؤتلفة كيف يحير في التصنيف جوابا أو ينتحي من التأليف صوابا ومن جفنه هام هامل وقصوره عام شامل كيف يقبض بالأنامل على ماء البحر الوافر الكامل ومن لبس من العي ملاه لا يعبر عمن طبق مفاصل
____________________
(1/75)

إلى حينه رجلاه وشغل المعتمد عن رثائه بطلب
____________________
(1/75)

الكلام وكلاه وقصرت ألسن البلغاء عن علاه وزانت صدور الدواوين حلاه وجمع خلالا حسانا وكان للدين لسانا وزاحمت مفاخره بالمناكب الكواكب وازدانت بمرآة النوادي والمواكب ونفحات الأزهار من آدابه ونسمات الأسحار عطر أذياله وأهدابه والسحر في كتابته والسحر من كنايته وروح النسيم من تعريضه والنثرة من نثره والشعرى من شعره وقريضه وحلل المجد لباسه وأنوار العلم اقتباسه
( له ذهن يعوص ببحر علم ** فيأتي منه بالدر النظيم )
( معانيه الرياض لأجل هذا ** سرت ألفظاه مثل النسيم )
ومباهيه النجوم ومضاهيه الغيث السجوم إلى آباء يحسدهم البدر والشمس وإباء لو كان للمشرفي لما تحيفه لمس وشرف لا مدعى ولا منتحل وهمة لو نالها البدر لاستخذى له زحل وبراعة أرهفت سنان قلمه ويراعة سارت أمراؤها تحت علمه فكم فتح بفكره أقفالها ووسم بذهنه الثاقب أغفالها وسبك معانيها في قالب إبريزا ورقم بيان لسانه برود إحسانه بلفظه البديع تطريزا فرفع في ميدان الإجادة لواؤه وأتيح من أنهار البراعة العذبة إرواؤه ونال سبقا وتبريزا
( وما زمن الشباب وأنت تجري ** مع الأحباب في لهو وطيب )
( ووصل من حبيب بعد هجر ** بأحلى من كلام ابن الخطيب )
فقصائده أرخصت جواهر البحور المنظومة قلائد للبات والنحور
____________________
(1/76)

سودا وكانت بكم بيضا ليالينا يا صاحب النجوى قف واستمع مني إياك أن تهوى إن الهوى يضني لا تقرب البلوى إسمع وقل عني بحاره مره خضنا على غره حينا فقام بها للنعي ناعينا من هام بالغيد لاقى بهم هما بذلت مجهودي لأحور ألمى يهم بالجود
____________________
(1/76)


( معان وألفاظ تنظم منهما ** عقود لآل في نحور الشمائل )
( وزهر كلام كالحدائق نسجه ** غنينا به عن حسن زهر الخمائل )
وكلماته غدت للإبداع إقليدا وجمعت طريفا من البلاغة وتليدا
( كسون عبيدا ثياب العبيد ** وأضحى لبيد لديها بليدا )
ومقطعاته ألذ في الأسماع من مطرب السماع وأبهى في الأحداق والنواظر من الحدائق ذوات الأغصان الملد النواضر يعترف بفضلها من انتحل الإنصاف دينا وانتخل الأوصاف فاختار العدل منها خدينا
( رقيقات المقاطع محكمات ** لو أن الشعر يلبس لارتدينا )
ورسائله كنقط العروس اللائحة في البياض أو كوشي الربيع أو قطع الرياض برزت أغصانها الحالية وتبرجت وتضوعت أفنانها العالية وتأرجت وقد ألبسها القطر زهرا وفجر خلالها نهرا فأخذت زخرفها وازينت ولاحت محاسنها غير محتجبة وتبينت فبهرت من لها قابل أستغفر الله لا بل
( هي الحديقة إلا أن صيبها ** صوب النهى وجناها زهرة الكلم )
وقوافيه ريشت بها قوادم الإتقان وخوافيه نبال مجاريها تستدثر الحصر وباع مباريها يستشعر القصر
( خطها روضة وألفاظها الأزهار ** يضحكن والمعاني ثمار )
تبدي لمبصرها وتري ما قال أبو عبادة البحتري
( وكلام
____________________
(1/77)

يخاطب الوزير أبا الحسين بن سراج ويذكر لمة إخوانه بقرطبة [ الكامل ] يا سيدي وأبي هدى وجلالة ورسول ودي إن طلبت رسولا عرج بقرطبة ولذ إن جئتها بأبي الحسين وناده تعويلا فإذا سعدت بنظرة من وجهه فاهد السلام لكفه تقبيلا واذكر له شكري وشوقي مجملا ولو استطعت سردته تفصيلا بتحية تهدى إليه كأنما جرت على زهر الرياض ذيولا وأشم منها المصحفي على النوى نفسا ينسي السوسن المبلولا وإلى أبي مروان منه نفحة تهدي له نور الربا مطلولا وإذا لقيت الأخطبي فسقه من صفو ودي قرقفا وشمولا وأبو علي سق منها ربعه مسكا بماء غمامة محلولا واذكر لهم زمنا يهب نسيمه أصلا كنفث الراقيات عليلا مولى ومولي نعمة وكرامة وأخا إخاء مخلصا وخليلا
____________________
(1/77)


( مشرق في جوانب السمع ما يخلقه ** عوده على المستعيد )
( ومعان لو فصلتها القوافي ** هجنت ما لجرول من نشيد )
( حزن مستعمل الكلام اختيار ** وتجنبن ظلمة التعقيد )
بل هي أجل مما وصف عند التحقيق وإمعان النظر الصحيح والتدقيق
( أين زهر الرياض وهو إذا ما ** طال عهدا بالغيث عاد هشيما )
( من قواف كأنها الانجم الزهر ** سناها زان الظلام البهيما )
وناهيك بمن أطلعته العلوم على جلائلها ودقائقها وأرتهالفنون ما شاء من يانعات حدائقها وحيته الحكم الرياضية بأزاهارها وشقائقها وأرضعته الوزارة من ثديها وحلت به الإمارة صدر نديها وجعلته المرجوع إليه في تمييز جيد الأمور ورديها فغرس في أرض الرياسة من نخل السياسة ووديها وأعلى علم العدل وأغمد سيف الانتقام ودفع تنين الفتنة الذي فغر فاه للالتقام والعهد إذ ذاك قريب في وطن الاندلس الغريب باختلال الحال وتوالي الإمحال والتجري على قتل الملوك والتحري لقطع الطرق ومنع السلوك حيث أهواء المارقين ذات افتراق وضلوع الصادقين في قلق واحتراق وأيدي الإجن باطشة وسيوف المحن إلى الدماء عاطشة وعرش الحماية مثلول وصارم الكفاية مفلول ونطاق الرعاية محلول ودم الوقاية مطلول وجيب النصيحة مملول والتنور السلطاني بنار اختلاف الكلمة ملتهب والعدو
____________________
(1/78)

كل لجة بها كابية قد قربصت بالذهب واللازورد سماؤه وتأزرت بهما جوانبه وأرجاؤه والروض قد اعتدلت أسطاره وابتسمت من كمائمها أزهاره ومنع الشمس أن ترمق ثراه وتعطر النسيم بهبوبه عليه ومسراه شهدت به ليالي وأياما كأنما تصورت من لمحات الأحباب أو قدت من صفحات أيام الشباب وكانت لأبي عامر بن شهيد به فرج وراحات أعطاه فيها الدهر ما شاء ووالى عليه الصحو والانتشاء وكان هو وصاحب الروض المدفون بإزائه أليفي صبوة وحليفي نشوة عكفا فيه على جريالها وتصرفا بين زهوهما واختيالهما حتى رداهما الردى وعداهما الحمام عن ذلك المدى فتجاورا في الممات تجاورهما في الحياة وتقلصت عنهما وارفات تلك الفيآت وإلى ذلك العهد أشار ابن شهيد وبه عرض وبشوقه صحح وما مرض حيث يقول عند موته يخاطب أبا مروان صاحبه وأمر أن يدفن بإزائه ويكتب
____________________
(1/78)

وليس له في غير قطع شأفة المسلمين ابتغاء وإن عقد المهادنة في بعض الأحيان فهو يسر حسوا في ارتغاء وكلاب الباطل في دماء أهل الحق والغة ولله سبحانه وتعالى في خلقه إرادة نافذة وحكمة بالغة فرقع لسان الدين ثوب الأندلس ورفاه وأرغم رحمه الله الكفر الذي فعز فاه وشمر عن ساعد واجتهاده وحض باللسان وباليد على دفاعه وجهاده حتى لاحت للنصر بوارق وأمنت بالحزم الطوارىء والطوارق ثم ضرب الدهر ضربانه وأحرق الحاسد بنار أحقاده أنضر بانة وأظهر ما في قلبه على لسان الدين وابانه وتقرب الوشاة وهم ممن كان يخدمه ويغشاه إلى سلطانه الذي كان عزة أوطانه الذي كان يأمنه ولا يخشاه حتى فسد عليه ضميره وتكدر ومن يسمع يخل نميره فأحسن بظاهر التغير وصار في الباطن من أهل التحير وأجال قداح آرائه والتفت إلى جهة العدو من ورائه ففر مشمرا عن ذيله في لمة من خيله إلى أسد العرين سلطان بني مرين وكان إذا ذاك بتلسمان وهو من أهل العلم والعدل والإحسان فاهتز لمقدمه ولقيه بخاصته وخدمه وأكرم مثواه وجعله صاحب نجواه ثم أدرك السلطان الحمام وكسف بدره وقت التمام فرجع لسان الدين إلى فاس واستنشق بها اطيب الانفاس وكثرت بعد ذلك الأهوال وتغيرت بسببه بين رؤساء العدوة والأندلس الأحوال فما نجا من مكر العدا ولا سلم وأل أمره من الاغتيال وما نفع الاحتيال إلى ما علم على يد بعض أعدائه الذين كانوا يتربصون الدوائر لإرادئه فأصبح كأمس الذاهب وصارت أمواله وضياعه عرضة للناهب وغص بذلك من كان من أودائه وأذ الله ثاره من بعض من حرك عليه المكر وأثاره وتسبب في هلاكه حتى انتثرت جواهر أسلاكه ومات بدائه فالعيون
____________________
(1/79)

قال بعد كلام وركب أبو الحسن بن القبطرنة إلى سوق الدواب بقرطبة ومعه أبو الحسين بن سراج فنظر إلى أبي الحكم بن حزم غلاما كما عق تمائمه وهو يروق كأنه زهر فارق كمائمه فسأل أبا الحسين بن سراج أن يقول فيه فأرتج عليه فثنى عنان القول إليه فقال [ الطويل ] رأى صاحبي عمرا فكلف وصفه وحملني من ذاك ما ليس في الطوق فقلت له عمرو كعمرو فقال لي صدقت ولكن ذاك شب على الطوق وكان بنو القبطرنة بالأندلس أشهر من نار على علم وقد تصرفوا في البراعة والقلم ولهم الوزارة المذكورة والفضائل المشكورة ولذا قال أبو
____________________
(1/79)

الأكابر وغيرهم مما فعل به شاكية والألسنة والأقلام لمقاماته في الإسلام حاكية
فمن كان بهذه السمات وأكثر منها موصوفا لا يقدر مثلي على تحبير التعبير عنه ويخشى أن تكون فكرته كخرقاء نقضت قطنا أو صوفا اعتزام المقري إجابة ابن شاهين إلى مطلبه
ثم إني لما تكرر علي في هذا الغرض الإلحاح ولم تقبل أعذاري التي زندها شحاح عزمت على الإجابة لما للمذكور علي من الحقوق وكيف أقابل بره حفظه الله بالعقوق وهو الذي يروي من أحاديث الفضل الحسان والصحاح فوعدته بالشروع في المطلب عند الوصول إلى القاهرة المعزية وأزمعت السير عن دمشق المعروفة المزية وألبسني السفر منها من الخلع زيه ورحلنا عن تلك الأرجاء المتألقة والقلوب بها وبمن فيها متعلقة
( حللنا ديارا للغرام سرت بها ** إلينا صبا نجد بطيب نسيم )
( وبان ردى الأشجان لما تجاذبت ** اكف المنى فيها رداء نعيم )
( فما أنشبتنا العيس ان قذفت بنا ** إلى فرقة والعهد غير قديم )
( فإن نك ودعنا
____________________
(1/80)

وما نضوها حتى صرعتهم العقار وطلحتهم تلك الأوقار فلما هم رداء الفجر أن يندى وجبين الصبح أن يتبدى قام الوزير أبو محمد فقال [ الخفيف ] يا شقيقي وافى الصباح بوجه ستر الليل نوره وبهاؤه فاصطبح واغتنم مسرة يوم لست تدري بما يجيء مساؤه ثم استيقظ أخوه أبو بكر فقال [ الخفيف ] يا أخي قم تر النسيم عليلا باكر الروض والمدام شمولا لا تنم واغتنم مسرة يوم إن تحت التراب نوما طويلا
____________________
(1/80)

وداع الشام
فخرج معنا أسماه الله مع جملة من الأعيان إلى داريا المضاهية لدارين في رياها وحبذا ريا فألفيناها
( ريا من الأنداء طيبة ** لها القدر الجليل )
( تهدي لنا أرجاؤها ** أرجا من الزهر البليل )
( وبها الغصون تمايلت ** ميل الخليل على الخليل )
ووصلنا عند الظهيرة وسرحنا العيون في بدائعها الشهيرة
( منزل كالربيع حلت عليه ** حاليات السحاب عقد النطاق )
( يمتع العين من طرائق حسن ** )
( تتجافى بها عن الإطراق )
وقلنا بها لما نزلنا بجنابها
( وبتنا والسرور لنا نديم ** وماء عيونه الصافي مدام )
( يسايره النسيم إذا تغنت ** حمائمه ويسقيه الغمام )
فيا لك من ليلة أربت في طيب النفح على ليلة الشريف الرضي بالسفح
( ونحن في روضة مفوفة ** قد وشيت بالغمائم الوكف )
(
____________________
(1/81)

ويتحسون ذوب ذهب لا يصهر به ما في بطونهم والجلود حتى تركتهم ابنة الخابية كأنهم أعجاز نخل خاوية فلما هزم رومي الصباح زنجي الظلام ونادى الديك حي على المدام
____________________
(1/81)


( ودوحها من نداه في وشح ** ومن لآلي الأزهار في شنف )
( والغصن من فوقه حمامته ** كأنها همزة على ألف )
وما أقرب قول الوزير ابن عمار من وصف ذلك المضمار الجامع للأقمار
( يا ليلة بتنا بها ** في ظل أكناف النعيم )
( من فوق أكمام الريا الرياض ** وتحت أذيال النسيم ) وناهيك بمحمل قرب من دمشق الغراء فخلعت عليه حلل الحبور والسراء وأمدته بضيائها وأودعته برق حياها وماء حيائها فصار ناضر الدوحات عاطر الغدوات والروحات مونق الانفاس والنفحات مشرق الأسرة هذا والقلوب من الفراق في قلق ولسان الحال ينشد
( وبي علاقة وجد ليس يعلمها ** إلا الذي خلق الإنسان من علق )
ويحث على انتهاز فرصة اللقاء إذ هي غنيمة ويذكر بقول من قال وأكف الدهر موقظة ومنيمة
( تمتع بالرقاد على شمال ** فسوف يطول نومك باليمين )
( ومتع من يحبك باجتماع ** فأنت من الفراق على يقين )
ثم حضر بعد تلك الليلة موقف الوداع والكل ما بينواجم وباك وداع فتمثلت بقول من قلبه لفراق الأحباب في انصداع
( ودعتهم ودموعي ** على الخدود غزار )
( فاستكثروا
____________________
(1/82)

طرفة الطرف وصدقنا ولم نقطع وكذبنا ولم ننف وأغضينا لإجلال ك عن أكرومة الظرف 2 ولم تنصف وقد جئنا ك ما ننهض من ضعف وكان الحكم أن تحم ل أو تردف في الردف
____________________
(1/82)


وقل آخر
( يا وحشة من جيرة مذ نأوا ** علو قدري في الهوى انحطا )
( حكت دموعي البحر من بعدهم ** لما رأت منزلهم شطا )
وحق لي أن أتمثل في ذلك بقول العزازي
( لا تسلني عما جناه الفراق ** حملتني يداه ما لا يطاق )
( أين صبري أم كيف أملك دمعي ** والمطايا بالظاعنين تساق )
( قف معي نندب الطلول فهذي ** سنة قبل سنها العشاق )
( وأعد لي ذكر الغوير فكم مال ** بعطفي نسيمه الخفاق )
( في سبيل الغرام ما فعلت بالعاشقين ** القدود والأحداق )
( يوم ولت طلائع الصبر منا ** ثم شنت غاراتها الأشواق
وبقول غيره
( كنا جميعا والدار تجمعنا ** مثل حروف الجميع ملتصقة )
( واليوم صار الوداع يجعلنا ** مثل حروف الوداع مفترقة )
وقول آخر
( حين هم الحبيب بالتوديع ** عيروني أني سفحت دموعي )
( لم يذوقوا طعم الفراق ولا ما ** أحرقت لوعة الأسى من ضلوعي )
____________________
(1/83)

بانت وما قضيت منها لبانات يدني التوهم للمشتاق منتزحا من الأمور وفي الأوهام راحات تقضى عدات إذا هب الكرى وإذا هب النسيم فقد تهدى تحيات زور يعلل قلب المستهام به دهرا وقد بقيت في النفس حاجات لعل عتب الليالي أن يعود إلى عتبى فتبلغ أوطار ولذات حتى نفوز بما جاد الخيال به فربما صدقت تلك المنامات ولما أعرس المستعين بالله ببنت الوزير الأجل أبي بكر بن عبد العزيز احتفل أبوه المؤتمن في ذلك احتفالا شهره وأبدع فيه إبداعا راق من حضره وبهره فإنه أحضر فيه من الآلات المبتدعة والأدوات المخترعة ما بهر الألباب وقطع بذكائه دون معرفتها الأسباب واستدعى إليه جميع أعيان الأندلس من دان وقاص ومطيع وعاص فأتوه مسرعين ولبوه متبرعين وكان مدير تلك الآراء ومدبرها ومنشئ مخاطباتها ومحبرها الوزير الكاتب أبو الفضل وصدرت عنه في ذلك الوقت كتب ظهر إعجازها وبهر اقتضابها وإيجازها فمن ذلك ما خاطب به صاحب المظالم أبا عبد الرحمن بن طاهر
____________________
(1/83)


( كيف لا أسفح الدموع على ربع ** حوى خير ساكن وجموع )
( هبك أني كتمت حالي أتخفى ** زفرات المتيم المصدوع )
( إنما يعرف الغرام بمن لا ** ح عليه الغرام بين الربوع )
وقول من قال
( أقول له عند توديعه ** وكل بعبرته مبلس ) ( لئن قعدت عندك أجسادنا ** لقد سافرت معك الأنفس )
وقول الصابي ( ولما حضرت لتوديعه ** وطرف النوى نحونا أشوس )
( عكست له بيت شعر مضى ** يليق به الحال إذ يعكس )
( لئن سافرت عنك أجسادنا ** لقد قعدت معك الأنفس )
وقول المهذب بن أسعد الموصلي
( دعني وما شاء التفرق والأسى ** واقصد بلومك من يطيعك أو يعي )
( لا قلب لي فأعي الملام فإنني ** أودعته بالأمس عند مودعي )
( هل يعلم المتحملون لنجعة ** أن المنازل أخصبت من أدمعي )
( كم غادروا حرضا وكم لوداعهم ** بين الجوانح من غرام مودع )
( والسقم آية ما أجن من الجوى ** والدمع بينة على
____________________
(1/84)


وقول الكمال التنوخي
( كم ليلة قد بتها أرعى السها ** جزعا لفرقتهم بمقلة أرمد )
( قضيتها ما بين نوم نافر ** وزفير مهجور وقلب مكمد )
( لم أنس أيام السرور وطيبها ** بين السدير وبين برقة ثهمد )
( والروض قد أبدي بدائع نوره ** من أزرق ومفضض ) والماء يبدو كالصوارم ساريا ** فيعيده مر الصبا كالمبرد )
( والطير بين مسجع ومرجع ** مغرد ومعدد ومردد )
وقول القاضي بهاء الدين السنجاري
( أحبابنا ما لي على بعد المدى ** جلد ومن بعد النوى يتجلد )
( لله أوقات الوصال ومنظر ** نضر وغصن الوصل غض أملد )
( أنى يطيق أخو الهوى كتمانه ** والخد بالدمع المصون مخدد )
( ما بعد مفترق الركاب تصبر ** عمن أحب فهل خليل يسعد )
( يا سعد ساعد بالبكاء أخا هوى ** يوم الوداع بكى عليه الحسد )
وقول ابن الأثير
( لم أنس ليلة ودعوا ** صبا وساروا بالحمول )
( والدمع من فرط الأسى
____________________
(1/85)

الغرر مفضض مذهب الآصال والبكر كأنما الدهر لما ساء أعتبنا فيه بعتبى وأبدى صفح معتذر نسير في زورق حف السفين به من جانبيه بمنظوم ومنتثر مد الشراع به نشرا على ملك بذ الأوائل في أيامه الأخر هو الإمام الهمام المستعين حوى علياء مؤتمن عن هدي مقتدر تحوي السفينة منه آية عجبا بحر تجمع حتى صار في نهر تصاد من قعره النينان مصعدة صيدا كما ظفر الغواص بالدرر وللندامى به عب ومرتشف كالريق يعذب في ورد وفي صدر والشرب في مدح مولى خلقه زهر يذكو وغرته أبهى من القمر وصف المتنزهات من ترجمة عبد الله ابن السيد البطليوسي 143 وصف المتنزهات من ترجمة عبد الله ابن السيد البطليوسي وقال في ترجمة العلامة الكبير الأستاذ أبي محمد عبد الله بن السيد البطليوسي شارح أدب الكتاب وسقط الزند وغيرهما ما صورته أخبرني أنه حضر مع المأمون بن ذي النون في مجلس الناعورة بالمنية التي تطمح إليها المنى ومرآها هو المقترح والمتمنى والمأمون قد احتبى وأفاض الحبا والمجلس يروق كأن الشمس في أفقه والبدر في مفرقه والنور عبق وعلى ماء النهر مصطبح ومغتبق والدولاب يئن كناقة إثر الحوار أو كثكلى من حر الأوار والجو قد عنبرته أنواؤه والروض قد رشته أنداؤه والأسد قد فغرت أفواهها ومجت أمواهها فقال [ المنسرح ]
____________________
(1/85)


( ولما وقفنا للوداع عشية ** وطرفي وقلبي هامع وخفوق )
( بكيت فأضحكت الوشاة شماتة ** كأني سحاب والوشاة بروق )
وقول ابن نباتة السعدي
( ولما وقفنا للوداع عشية ** ولم يبق إلا شامت وغيور )
( وقفنا فمن باك يكفكف دمعه ** وملتزم قلبا يكاد يطير )
وقول بعضهم
( لما حدا الحادي بترحالهم ** هيج أشواقي وأشجاني )
( وراح القلب يثني القلب عن غيرهم ** فهو لهم حاد ولي ثاني )
وقول الصفدي
( لما اعتنقنا لوداع النوى ** وكدت من حر الجوى أحرق )
( رأيت قلبي سار قدامهم ** وأدمعي تجري ولا تلحق )
وقوله أيضا
( تذكرت عيشا مر حلوا بكم فهل ** لأيامنا تلك الذواهب واهب )
( وما انصرفت آمال نفسي لغيركم ** ولا أنا عن هذي الرغائب غائب )
( سأصبر كرها في الهوى غير طائع ** لعل زماني بالحبايب آيب ) * حذف
____________________
(1/86)

عنبرة وغيم ند وطش ما ورد والماء كاللازورد قد نظمت فيه اللآلي فواغر الأسد كأنما جاثل الحباب به يلعب في جانبيه بالنرد تراه يزهو إذا يحل به ال مأمون زهو الفتاة بالعقد تخاله إن بدا به قمرا تما بدا في مطالع السعد كأنما ألبست حدائقه ما حاز من شيمة ومن مجد كأنما جادها فروضها بوابل من يمينه رغد لا زال في رفعة مضاعفة متمم الرفد واري الزند وقال في وصف هذا المجلس بعينه في الكتاب الذي أفرده لترجمة ابن السيد ما صورته فمن ذلك أنه حضر مع القادر بالله بن ذي النون بمجلس الناعورة بطليطلة في المنية المتناهية البهاء والإشراق المباهية لزوراء العراق التي ينفح شذاها العطر ويكاد من الغضارة يمطر والقادر بالله رحمه الله قد التحف الوقار وارتداه وحكم العقار في جوده ونداه والمجلس يشرق كالشمس في الحمل ومن حواه يبتهج كالنفس عند منال الأمل والزهر عبق وعلى ماء النهر مصطبح ومغتبق والدولاب يئن كناقة إثر حوار إلى آخر ما سبق وقال الفضل
____________________
(1/86)


وقول ابن نباتة المصري
( في كنف الله وفي حفظه ** مسراك والعود بعزم صريح )
( لو جاز أن تسلك أجفاننا ** كنا فرشنا كل جفن قريح )
( لكنها بالبعد معتلة ** وأنت لا تسلك إلا الصحيح )
وقول الحافظ أبي الحسن علي بن الفضل
( عجبت لنفسي بعدهم ما بقاؤها ** ولم أحظ من لقياهم بمرادي )
( لعمرك ما فارقتهم منذ ودعوا ** ولكنما فارقت طيب رقادي )
( وقد منعوا مني زيارة طيفهم ** وكيف يزور الطيف حلف سهاد )
( وأعجب ما في الأمر شوقي إليهم ** وهم في سوادي ناظري وفؤادي )
وقوله رحمه الله تعالى
( رعى الله أيام المقام بروضة ** تروح علينا بالسرور وتغتدي )
( كأن الشقيق الغض بين بطاحها ** نجوم عقيق في سماء زبرجد )
وقول
____________________
(1/87)

سائغ الماء لعابا فكأنها آساد عين أدلعت ألسنة من لجين وهي لا تزال تقذف الماء ولا تفتر وتنظم لآلي الحباب بعد ما تنثر فأمره بوصف ذلك الموضع الذي تخد إليه ركائب القلوب وتوضع فقال بديها يا منظرا إلخ انتهى ثم قال الفتح في هذا التصنيف بعد كلام في المذكور ما نصه وما أبدع قوله في وصف الراح والحض على النبذ للهموم والاطراح بمعاطاة كأسها وموالاة إيناسها ومعاقرة دنانها واهتصار ثمار الفتوة من أفنانها والإعراض عن الأيام وأنكادها والجري في ميدان الصبوة إلى أبعد آمادها [ الكامل ] سل الهموم إذا نبا زمن بمدامة صفراء كالذهب مزجت فمن در على ذهب طاف ومن حبب على لهب وكأن ساقيها يثير شذى مسك لدى الأقوام منتهب ولله هو فقد ندب إلى المندوب وذهب إلى مداواة القلوب من الندوب وإبرائها من الآلام وإهدائها كل تحية وسلام وإبهاجها بآصال وبكر وعلاجها من هموم وفكر في زمن حلي عاطله وجلي في أحسن الصور
____________________
(1/87)


( رحلوا فلا خلت المنازل منهم ** ونأوا فلا سلت الجوانح عنهم )
( وسروا وقد كتموا الغداة مسيرهم ** وضياء نور الشمس ما لا يكتم )
( وتبدلوا أرض العقيق عن الحمى ** روت جفوني أي أرض يمموا )
( نزلوا العذيب وإنما هو مهجتي ** رحلوا وفي قلب المتيم خيموا )
( ما ضرهم لو ودعوا من أودعوا ** نار الغرام وسلموا من أسلموا )
( هم في الحشا إن أعرقوا أو أيمنوا ** أو أشأموا أو أنجدوا أو أتهموا )
وقول الشاعر أبي طاهر الأصفهاني المعروف بالوثابي
( أشاعوا فقالوا وقفة ووداع ** وزمت مطايا للرحيل سراع )
( فقلت وداع لا أطيق عيانه ** كفاني من البين المشت سماع )
( ولم يملك الكتمان قلب ملكته ** وعند النوى سر الكتوم مذاع )
وقول أبي المجد قاضي ماردين
( رعى الله ربعا أنتم فيه أهله ** وجاد عليه هاطل وهتون )
( ولا زال مخضر الجوانب مترع الحياض ** وفيه للنعيم فنون )
( لئن قدر الله اللقاء وأينعت ** غصون التداني فالبعاد يهون )
( وإن حكمت أيدي الزمان بعسرة ** فكم قضيت للمعسرين ديون )
وقول آخر
____________________
(1/88)

وعكف عليها ما تعداها ولا تخطاها حتى بلغه أنهم نقموا معاقرته العقار وجالت ألسنتهم في توبيخه مجال ذي الفقار فقال [ الطويل ] نقمتم علي الراح أدمن شربها وقلتم فتى راح وليس فتى مجد ومن ذا الذي قاد الجياد إلى الوغى سواي ومن أعطى كثيرا ولم يكد فديتكمو لم تفهموا السر إنما قليتكم جهدي فأبعدتكم جهدي ودعى ابن السيد ليلة إلى مجلس قد احتشد فيه الأنس والطرب وقرع فيه السرور نبعه بالغرب ولاحت نجوم أكواسه وفاح نسيم رنده وآسه وأبدت صدور أباريقه أسرارها وضمت عليه المجالس أزرارها والراح يديرها أهيف أوطف والأماني تجنى وتقطف فقال [ الكامل ] يا رب ليل قد هتكت حجابه بمدامة وقادة كالكوكب يسعى بها أحوى الجفون كأنها من خده ورضاب فيه الأشنب بدران بدر قد أمنت غروبه يسعى ببدر جانح للمغرب فإذا نعمت برشف بدر غارب فانعم برشفة طالع لم يغرب
____________________
(1/88)


( غبتم فما لي في التصبر مطمع ** عظم الجوى واشتدت الأشواق )
( لا الدار بعدكم كما كانت ولا ** ذاك البهاء بها ولا الإشراق )
( أشتاقكم وكذا المحب إذا نأى ** عنه أحبه قلبه يشتاق )
وقول أبي الحسن الهمداني
( ويوم تولت الأظعان عنا ** وقوض حاضر وأرن بادي )
( مددت إلى الوداع يدا وأخرى ** حبست بها الحياة على فؤادي )
وقول ابن الصائغ
( قد أودعوا القلب لما ودعوا حرفا ** فظل في الليل مثل النجم حيرانا )
( راودته يستعير الصبر بعدهم ** فقال إني استعرت اليوم نيرانا )
وقول الصدر بن الأدمي مكتفيا
( يوم توديعي لأحبائي غدا ** ذكر مي شاغلي عن كل شيء )
( فرنت نحوي وقالت يا ترى ** أنت حي في هوانا قلت مي )
وقول غيره
( ولي فؤاد مذ نأى شخصهم ** ظل كئيبا مدنفا موجعا )
( ومقلة
____________________
(1/89)

صباها وشمائلها والحوادث لا تعترضها والكوارث لا تقترضها ونازلها من عرس إلى موسم وآملها متصل بالأماني ومتسم فنزل منها في مثل الخورنق والسدير وتصرف فيها بين روضة وغدير فلم يخف على المستعين احتلاله ولم تخف لديه خلاله فذكره معلما به ومعرفا وأحضره منوها به ومشرفا وقد كان فر من ابن رزين فرار السرور من نفس الحزين وخلص من اعتقاله خلوص السيف من ثقاله فقال يمدحه [ الطويل ] هم سلبوني حسن صبري إذ بانوا بأقمار أطواق مطالعها بان لئن غادروني باللوى إن مهجتي مسايرة أظعانهم حيثما كانوا سقى عهدهم بالخيف عهد غمائم ينازعها نهر من الدمع هتان أأحبابنا هل ذلك العهد راجع وهل لي عنكم آخر الدهر سلوان ولي مقلة عبرى وبين جوانحي فؤاد إلى لقياكم الدهر حنان تنكرت الدنيا لنا بعد بعدكم وحفت بنا من معضل الخطب ألوان
____________________
(1/89)


( وليس لي من حيلة كلما ** لجت بي الأشواق إلا الدعا )
( أسأل من ألف ما بيننا ** وقدر الفرقة أن يجمعا )
وقول الرعيني الغرناطي
( محاسن ربع قد محاهن ما جرى ** من الدمع لما قيل قد رحل الركب )
( تناقض حالي مذ شجاني فراقهم ** فمن أضلعي نار ومن أدمعي سكب )
وفي معناه قوله أيضا
( وقائله ما هذه الدرر التي ** تساقطها عيناك سمطين سمطين )
( فقلت لها هذا الذي قد حشا به ** أبو مضر أذني تساقط من عيني )
وقو الزمخشري
( لم يبكني إلا حديث فراقهم ** لما أسر به إلي مودعي )
( هو ذلك الدر الذي أودعتم ** في مسمعي أجريته من مدمعي )
وقول الزغاري
( قد بعتهم قلبي يوم بينهم ** بنظرة التوديع وهو يحترق )
( ولم أجد من بعدها لرده ** وجها وكان الرد لو لم نفترق )
( وقول بعض الأندلسيين
( ساروا فودعهم طرفي وأودعهم ** قلبي فما بعدوا عني ولا قربوا )
( هم الشموس
____________________
(1/90)

تفد منا سوى الشعر وحده لحق لنا بر عليه وإحسان فكيف ولم نجعل بها الشعر مكسبا فيوجب للمكدي جفاء وحرمان ولا نحن ممن يرتضي الشعر خطة وإن قصرت عن شأونا فيه أعيان ومن أوهمته غير ذاك ظنونه فثم مجال للمقال وميدان خليلي من يعدي على زمن له إذا ما قضى حيف علي وعدوان وهل ريء من قبلي غريق مدامع يفيض بعينيه الحيا وهو حران وهل طرفت عين لمجد ولم يكن لها مقلة من آل هود وإنسان بوجه ابن هود كلما أعرض الورى صحيفة إقبال لها البشر عنوان فتى المجد في برديه بدر وضيغم وبحر وقدس ذو الهضاب وثهلان من النفر الشم الذين أكفهم غيوث ولكن الخواطر نيران ليوث شرى ما زال منهم لدى الوغى هزبر بيمناه من السم ثعبان وهل فوق ما قد شاد مقتدر لهم ومؤتمن بالله لقياه إيمان ألا ليس فخر في الورى غير فخرهم وإلا فإن الفخر زور وبهتان
____________________
(1/90)


وقلت أنا مضمنا بديهة
( لا كان يوم فراق ** ساق الشجون إلينا )
( فكم أذل نفوسا ** يا من يعز علينا )
وقلت أيضا مضمنا
( سلا أحبته من لم يذب كمدا ** يوم الوداع وإن أجرى الدموع دما )
( يا من يعز علينا أن نفارقهم ** من بعدكم هد ركن الصبر وانهدما )
( وإن نأى الجسم كرها عن منازلكم ** فالقلب ثاو بها لم يصحب القدما )
( وما نسينا عهودا للهوى كرمت ** نعم قرعنا عليها سننا ندما )
( وأظلمت بالنوى أرجاء مقصدنا ** وصار وجدان إلف غيركم عدما )
وقلت أيضا مضمنا
( لم أنس بالشام أنسا شمت بارقه ** جادت معاهده أنواء نيسان )
( لهفي لعيش قضينا في مشاهدها ** ما بين حسن من الدنيا وإحسان )
وقلت كذلك
( يا جيرة بانوا وأبقوا حسرة ** تجري دموعي بعدهم وفق القضا )
( كم قلت إذا ودعتهم والأنس لا ** ينسى وعهد ودادهم لن يرفضا
( يا موقف التوديع إن مدامعي ** فضت وفاضت في ثرى ذاك الفضا )
وكم تفاءلت بقول الأول مع علمي بأن على الله المعول
____________________
(1/91)

الاجتماع بمذهبك والاستمتاع بما شئته من براعة أدبك فأقاموا يعملون كأسهم ويصلون إيناسهم وباتوا ليلتهم ما طرقهم نوم ولا عداهم عن طيب اللذات سوم ثم قال بعد كلام كثير وحضر ابن السيد عند عبد الرحمن الظافر بن ذي النون مجلسا رفعت فيه المنى لواءها وخلعت عليه أضواءها وزفت
____________________
(1/91)


( إذا رأيت الوداع فاصبر ** ولا يهمنك البعاد )
( وانتظر العود عن قريب ** فإن قلب الوداع عادوا )
وضاقت بي الرحاب حين مفارقة أعيان الصحاب وكاثرت دموعي من بينهم السحاب وزند التذكر يقدح الأسف فيهيج الانتحاب وقد تمثلنا إذ ذاك والجوانح من الجوى في التهاب وذخائر الصبر ذات انتهاب بقول بعض من مزق البعد منه الإهاب
( ولما نزلنا منزلا طله الندى ** أنيقا وبستانا من النور حاليا )
( أجد لنا طيب المكان وحسنه ** مني فتمنينا فكانوا الأمانيا )
( وقد طفت في شرق البلاد وغربها ** وسيرت خيلي بينها وركابيا )
( فلم أر منها مثل بغداد منزلا ** ولم أر فيها مثل دجلة واديا )
( ولا مثل أهليها أرق شمائلا ** وأعذب ألفاظا وأحلى معانيا )
وبقول من تأسف على مغاني التداني وهو أبو الحجاج الأندلسي الداني
( أبى الله إلا أن أفارق منزلا ** يطالعني وجه المنى فيه سافرا )
( كأن
____________________
(1/92)

في عرف الأنس والأرج لا يعرج إلا على ضفة نهر ولا يبتهج إلا بقطعة
____________________
(1/92)

وتخيلنا أن إقامتنا بدمشق وقاها الله كل صرف ما كانت إلا خطرة طيف ملم أو لمحة طرف
( وقفنا ساعة ثم ارتحلنا ** وما يغني المشوق وقوف ساعة )
( كأن الشمل لم يك في اجتماع ** إذا ما شتت البين اجتماعه )
وطالما عللت النفس بالعود إليها ثم إلى بقاعي منشدا قول الأديب الشهير بابن الفقاعي
( متى عاينت عيناي أعلام حاجر ** جعلت موطاي العيس فوق محاجري )
( وإن لاح من أرض العواصم بارق ** رجعت بأحشاء صواد صوادر )
( سقى الله هاتيك المواطن والربى ** مواطر أجفان هوام هوامر )
( وحيا الحيا من ساكني الحي أوجها ** سفرن بأنوار زواه زواهر )
( بحيث زمان الوصل غض وروضة ** أريض بأزهار بواه بواهر )
( وحيث جفون الحاسدين غضيضة ** رمقن بآماق سواه سواهر )
ثم حاولت خاطري الكليل فيما يشفي بعض الغليل فقال على طريق التضمين وقد غلب عليه الشوق والتخمين
( بأبي من أودعوا مذ ودعوا ** قلبي الشوق وللعيس ذميل
جيرة غر كرام خيرة ** كل شيء منهم يبدو جميل )
( وعلى الجملة ما لي غيرهم ** لو أرادو ان يملوا أو يميلوا )
ثم قلت وقد سدد التنائي إلي نبله موطئا للبيت الثالث كما في الأبيات قبله
____________________
(1/93)

والشمس قد شدت مطي رحالها في حيث تنساب المياه أراقما وتعيرك الأفياء برد ظلالها وله [ الكامل ] لله حسن حديقة بسطت لنا منها النفوس سوالف ومعاطف تختال في حلل الربيع وحليه ومن الربيع قلائد ومطارف وصف المتنزهات من ترجمة ابن عمار 150 وصف المتنزهات من ترجمة ابن عمار وقال الفتح في ترجمة ابن عمار أخبرني ذو الوزارتين الأجل أبو المطرف بن عبد العزيز أنه حضر معه عند المؤتمن في يوم جادت فيه السماء بهطلها وأتبعت وبلها بطلها وأعقب رعدها برقها وانسكب دراكا ودقها والأزهار قد تجلت من كمامها وتحلت بدر غمامها والأشجار قد جلي صداها وتوشحت بنداها وأكؤس الراح كأنها كواكب تتوقد تديرها أنامل تكاد من اللطافة تعقد إذا بفتى من فتيان المؤتمن أخرس لا يفصح
____________________
(1/93)


( يا دمشقا حياك غيث غزير ** ووقاك الإله مما يضير )
( حسنك الفرد والبدائع جمع ** متناه فيه فعز النظير )
( أين أيامنا بظلك والشمل ** جميع والعيش غض نضير )
ثم أكثرت الالتفات عن اليمين وعن الشمال وقد شبهت البيداء والشوق ببدل الكل والاشتمال وتنسمت من نواحي تلك الأرجاء أريج الشمال وضمنت في المعنى قول بعض من ثنى الحب عطفه وأمال
( تنسمت أرواحا سرت من ديار من ** بهم كان جمع الشمل لمحة حالم )
( وجاوبت من يلحى على ذاك جاهلا ** بقول لبيب بالعواقب عالم )
( وما أنشق الأرواح إلا لأنها ** تمر على تلك الربى والمعالم )
وما أحسن قول الآخر
( سرت من نواحي الشام لي نسمة الصبا ** وقد أصبحت حسرى من السير ظالعة )
( ومن عرق مبلولة الجيب بالندى ** ومن تعب أنفاسها متتابعة )
وقلت أنا
( حمدت وحق الله للشام رحلة ** أتاحت لعيني اجتلاء محياه )
( وبعد التنائي صرت أرتاح للصبا ** لأن الصبا تسري بعاطر رياه )
( فلله عهد قد أتاح بجلق ** سرورا فحياها الإله وحياه )
واستحضرت عند جد السير قول صفوان بن
____________________
(1/94)

فيه الحميا وشبت غرامه بهجة ذلك المحيا واستنزلته سورة العقار من مرقب الوقار قال [ الكامل ] وهويته يسقي المدام كأنه قمر يدور بكوكب في مجلس متأرج الحركات تندى ريحه كالغصن هزته الصبا بتنفس يسعى بكأس في أنامل سوسن ويدير أخرى من محاجر نرجس يا حامل السيف الطويل نجاده ومصرف الفرس القصير المحبس إياك بادرة الوغى من فارس خشن القناع على عذار أملس جهم وإن حسر اللثام فإنما كشف الظلام عن النهار المشمس يطغى ويلعب في دلال عذاره كالمهر يمرح في اللجام المجرس سلم فقد قصف القنا غصن النقا وسطا بليث الغاب ظبي المكنس عنا بكاسك قد كفتنا مقلة حوراء قائمة بسكر المجلس
____________________
(1/94)


( أين أيامنا اللواتي تقضت ** إذ زجرنا للوصل أيمن طير )
ثم قول غيره ممن حن وأن وقلق قلبه وما اطمأن :
( أحن إلى مشاهد أنس إلفي ** وعهدي من زيارته قريب )
( وكنت أظن قرب العهد يطفي ** لهيب الشوق فازداد اللهيب )
وربما تجلدت مغالطا متعللا بقول من كان لإلفه مخالطا :
( حضرت فكنت في بصري مقيما ** وغبت فكنت في وسط الفؤاد )
( وما شطت بنا دار ولكن ** نقلت من السواد إلى السواد )
وقوله غيره
وكن كما شئت من قرب وبعد ** فالقلب يرعاك إن لم يرعك البصر )
وبقول الوداعي
( يا عاذلي في وحدتي بعدهم ** وأن ربعي ما به من جليس )
( وكيف يشكو وحدة من له ** دمع حميم وأنين أنيس )
ثم رددت هذه الطريقة بقول بعض من لم يبلغه السلو ريقه
( لا رعى الله عزمة ضمنت لي ** سلوة القلب والتبصر عنهم )
( ما وفت غير ساعة ثم عادت ** مثل قلبي تقول لا بد منهم )
وبقول ابن آجروم في مثل هذا الغرض المروم
( يا غائبا كان أنسي رهن طلعته ** كيف اصطباري وقد كابدت بينهما )
____________________
(1/95)

على لبه وبث سراياه في ضواحي قلبه جد في أن يستخرج تلك الدرة من ماء ذلك الدلاص وأن يجلي عنه سهكه كما يجلي الخبث عن الخلاص وأن يكون هو الساقي فأمره المؤتمن بقبول أمره وامتثاله واحتذاء مثاله فحين ظهرت تلك الشمس من حجبها ورميت شياطين النفوس من كميت المدام بشهبها ارتجل ابن عمار وهويته - الخ إلا أنه قال إثر قوله
____________________
(1/95)


( دعواي أنك في قلبي يعارضها ** شوقي إليك فكيف الجمع بينهما )
ثم جد بي السير إلى مصر واستمر فتذكرت قول الصفدي وقد اشتد بالرمل الحر
( أقول وحر الرمل قد زاد وقده ** وما لي إلى شم النسيم سبيل )
( أظن نسيم الجو قد مات وانقضى ** فعهدي به في الشام وهو عليل )
وقول ابن الخياط
( قصدت مصرا من ربى جلق ** بهمة تجري بتجريبي )
( فلم أر الطرة حتى جرت ** دموع عيني بالمريزيب )
وحين وصلت مصر لم أنس عهد الشام المرعي وأنشدت قول الشهاب الحنبلي الزرعي
( أحبتنا والله مذ غبت عنكم ** سهادي سميري والمدامع مدرار )
( ووالله ما اخترت الفراق وإنه ** برغمي ولي في ذلك الأمر أعذار )
( إذا شام برق الشام طرفي تتابعت ** سحائب جفني والفؤاد به نار )
( ألا ليت شعري هل يعودن شملنا
____________________
(1/96)

مخصب لما سألت به الغمام الممطرا من لا توازنه الجبال إذا احتبى من لا تسابقه الرياح إذا جرى ماض وصدر الرمح يكهم والظبا تنبو وأيدي الخيل تعثر في الثرى
____________________
(1/96)


وقول ابن عنين
( دمشق بنا شوق إليك مبرح ** وإن لج واش أو ألح عذول )
( بلاد بها الحصباء در وتربها ** عبير وأنفاس الرياح شمول )
( تسلسل منها ماؤها وهو مطلق ** وصح نسيم الروض وهو عليل )
وقول آخر
( نفسي الفداء لأنس كنت أعهده ** وطيب عيش تقضى كله كرم )
( وجيرة كان لي إلف بوصلهم ** والأنس أفضل ما بالوصل يغتنم )
( بالشام خلفتهم ثم انصرفت إلى ** سواهم فاعتراني بعدهم ألم )
( كانوا نعيم فؤادي والحياة له ** والآن كل وجود بعدهم عدم )
فإن أنشد لسان الحال فيما اقتضاه معنى البعد عنها والارتحال
( يا غائبا قد كنت أحسب قلبه ** بسوى دمشق وأهلها لا يعلق )
( إن كان صدك نيل مصر عنهم ** لا غرو فهو لنا العدو الأزرق )
أتيت في جوابه بقول بعض من برح الجوى به
( لله دهر جمعنا شمل لذته ** بالشام أعذب من أمن على فرق )
( مرت لياليه والأيام في خلس ** كأنما سلبته كف مسترق )
( ما كان أحسنها لولا تنقلها ** من النعيم إلى ذاك من الحرق )
( رق العذول لحالي بعدها ورثى ** لي في الجوى والنوى والشجو والأرق
____________________
(1/97)

فلقد وجدت نسيم برك أعطرا وصف المتنزهات من ترجمة ابن وهبون 154 وصف المتنزهات
____________________
(1/97)


وبالجملة فتلك الأيام من مواسم العمر محسوبة والسعود إلى طوالها منسوبة
( وكانت في دمشق لنا ليال ** سرقناهن من ريب الزمان )
( جعلناهن تاريخ الليالي ** وعنوان المسرة والأماني )
وهي مغاني التهاني التي ما نسيناها وأماني زماني التي نعمت بطور سيناها عليها وعلى وطني مقصورة والقلب في المعنى مقيم بهما وإن كان في غيرهما بالصورة والأشواق إليهما قضاياها موجهة وإن كانت غير محصورة
( ولله عهد قد تقضى فإن يعد ** فإني عن الأيام أعفو واصفح )
( بقلبي من ذكراه ما ليس ينقضي ** ومن برحاء الشوق ما ليس يبرح )
( إذا مسحت كفي الدموع تسترا ** بدت زفرة بين الجوانح تقدح )
( فإن جمعت شملي الليالي بقربهم ** تجمع غيلان ومي وصيدح )
( على أنها الأيام جد مزاحها ** ورب مجد في الأذى وهو يمزح )
وكثيرا ما يلهج اللسان بقول من قال
( وما تفضل الأوقات أخرى لذاتها ** ولكن أوقات الحسان حسان )
ويردد قول من شوقه متجدد :
( سقى معهد الأحباب ناقع صيب ** من المزن عن مغناه ليس يريم )
( وإن لم أكن من ساكنيه فإنه ** يحل به خل علي كريم )
وينشد من يلوم قول من في حشاه وله وفي قلبه كلوم
( قد أصبح آخر الهوى أوله ** فالعاذل في هواك ما لي وله )
( بالله عليك خل ما أوله ** وارحم
____________________
(1/98)

تفتحت للروض أبوابه وتوشحت بالأزر الذهبية أثوابه يخترقه جدول كالحسام المسلول وينساب فيه انسياب الأيم في الطلول وضفاته بالأدواح محفوفة والمجلس يروق كالخريدة المزفوفة وفيه يقول علي بن أحمد أحد شعرائها وقد حله مع طائفة من وزرائها [ المنسرح ] قم فاسقني والرياض لابسة وشيا من النور حاكه القطر في مجلس كالسماء لاح به من وجه من قد هويته بدر والشمس قد عصفرت غلائلها والأرض تندى ثيابها الخضر والنهر مثل المجر حف به من الندامى كواكب زهر فحللت ذلك المجلس وفيه أخدان كأنهم الولدان وهم في عيش لدن كأنهم في جنة عدن فأنخت لديهم ركائبي وعقلتها وتقلدت بهم رغائبي واعتقلتها وأقمنا نتنعم بحسنه طول ذلك اليوم ووافى الليل فذدنا عن الجفون طروق النوم وظللنا بليلة كأن الصبح منها مقدود والأغصان تميس كأنها قدود والمجرة تتراءى نهرا والكواكب تخالها في الجو زهرا والثريا كأنها راحة تشير وعطارد لنا بالطرب بشير فلما كان من الغد وافيت الرئيس أبا عبد الرحمن زائرا فأفضنا في الحديث إلى أن أفضى بنا إلى ذكر
____________________
(1/98)

شروعه في التصنيف بمصر
وقد امتد بنا الكلام وربما يجعله اللاحي ذريعة لزيادة الملام فلنرجع إلى ما كنا بصدده من إجابة المولى الشاهيني أمده الله سبحانه بمدده فأقول مستمدا من واهب العقول
إني شرعت بعد الاستقرار بمصر في المطلوب وكتبت منه نبذة تستحسنها من المحبين الأسماع والقلوب وسلكت في ترتيبه أحسن أسلوب وعرضت في سوقه كل نفيس غريب من الغرب إلى الشرق مجلوب تستحسن الأبصار ما عليه احتوى وتعرف الأفكار أنه غير مجتوى ثم وقف بي مركب العزم عن التمام واستوى فأخرته تأخير الغريم لدين الكريم وصدتني أعراض عن تكميل ما يشتمل عليه من أغراض وأضربت برهة عما له من منحي لاختلاف أحوال الدهر نفعا ودفعا ومنعا ومنحا ومرقت عن هدف الإصابة نبال وطرقت في سدف ليالي الكتابة أمور لم تكن تخطر ببال رسالة من ابن شاهين تحثه على المضي في التأليف
فجاءتني من المولى المذكور آنفا رسالة دلت على أنه لم يكن عن انتجاز الوعد متجانفا فعدت لقضاء الوطر مستقبلا وللجملة مستأنفا وحداني خطابه الجسيم للإتمام وساقني وراقني كتابه الكريم لهاتيك الأيام وشاقني وذكرني تلك الليالي التي لم أنسها وحركني لهاتيك المعاهد التي لم أزل أذكر أنسها
( الإلف لا يصبر عن إلفه ** إلا كما
____________________
(1/99)

وقت حلت فيه الشمس برج شرفها واكتسب فيه الأرض بزخرفها فحللت به والدوح تميس معاطفه والنور يخجله قاطفه والمدام تطلع به وتغرب وقد حل فيه قحطان ويعرب وبين يدي المنصور مائة غلام ما يزيد أحدهم على العشر غير أربع ولا يحل غير الفؤاد من مربع وهم يديرون رحيقا خلتها في كأسها درا أو عقيقا فأقمنا والشهب تغازلنا وكأن الأفلاك منازلنا ووهب المنصور في ذلك اليوم ما يزيد على عشرين ألفا من صلات متصلات وأقطع ضياعا ثم توجع لذلك العهد وأفصح ما بين ضلوعه من الوجد وقال [ الكامل ] سقيا لمنزلة اللوى وكثيبها إذ لا أرى زمنا كأزماني بها كتاب من الفتح إلى بعض الملوك يصف متنزها 155 كتاب من الفتح إلى بعض الملوك يصف متنزها وما أحسن ما كتب به الفتح إلى بعض الملوك يصف نزهة ببعض منتزهات الأندلس المونقة ويذكر استضاءته فيها بشموس المسرة المشرقة وهو أطال الله سبحانه بقاء ناصر الدولة ومحيي الملة الذي حسن بلقياه العيش وتزين بمحياه الجيش وراق باسمه الملك وجرت بسعده الفلك وأنار به الليل الدامس ولاح له الأثر الطامس وجرى الدهر لسطوته خائفا وغدا السعد بعقوته طائفا والزمان ببرود علياه ملتحف ولثغور نداه
____________________
(1/99)


فيا له من كتاب أعرب عن ود صميم وذكر بعهد غير ذميم وود طيب العرف والشميم يخجل ابن المعتز لبلاغته وابن المعز تميم
( ولم تر عيناي من قبله ** كتابا حوى بعض ما قد حوى )
( كأن المباسم ميماته
ولاماته الصدغ لما التوى )
( وأعينه بعيون الحسان ** تغازلنا عند ذكر الهوى )
( كتاب ذكرنا بألفاظه ** عهودا زكت بالحمى واللوى )
فكأنه الروض المطرد الأنهار والدوح المدبج الأزهار
( رأينا به روضا تدبج وشيه ** إذا جاد من تلك الأيادي غمائم )
( به ألفات كالغصون وقد علا ** عليها من الهمز المطل حمائم )
وقد سيقت بأنهار البراعة السلسالة حدائق حلت بها غانية تلك الرسالة لتشفي صبها بالزيارة وتشرف بدنوها دياره
( زارت الصب في ليال من البعد ** فلما دنت رأى الصبح يلمح )
( قلدت بالعقيان جيد بيان ** ليس فيه للفتح من بعد مطمح )
فشفت النفس من آلامها وأحيت ميت الهوى مذ حيت بعذب كلامها
( كلام كالجواهر حين يبدو ** وكالند المعنبر إذ يفوح )
( له في ظاهر الألفاظ جسم ** ولكن المعاني فيه روح * حذف
____________________
(1/100)

فلا بد أن أرسل كتائبه أفواجا وأفيض من بحره أمواجا وأصف ما شاهدته من اقتداره وعاينته من حسن إيراده وإصداره بمقال أفصح من شكوى المحزون وأملح من رياض الحزون وقد كنت أيدكم الله تعالى كلفا بالدول وبهائها لهجا بالبلوغ إلى انتهائها لأجد دولة أرتضيها وحظوة علياء أقتضيها فكل ملك فاوضته سرا وجهرا وكل ملك قلبته بطنا وظهرا والنفس تصد عنه صدود الجبان عن الحرب والملائكة الكرام عن الشرب إلى أن حصلت لديه ووصلت بين يديه فقلت الآن أمكن من راح البغية الانتشاء وتمثلت الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء [ فاطر الآية 34 الزمر 74 ] وما زلت أسايره حيث سار وآخذ اليمين تارة وتارة اليسار وكل ناحية تسفر لي عن خد روض أزهر وعذار نبت أخضر وتبسم عن ثغر حباب في نهر كالحباب وترفل من الربيع في ملابس سندسيات وتهدي إلينا نوافح مسكيات وتزهى بهجتها بأحسن منظر وتتيه بجلباب أينع من برد الشباب الأنضر فجلنا فيها يمينا وشمالا واستخبرنا عن أسرارها صبا وشمالا ثم مال بنا أيده الله تعالى عن هذه المسارح السنية والمنازل البهية إلى إحدى ضياعه الحالية وبقاعه العالية فحللناها والأيم قد عري من جلبابه واليوم قد اكتهل بعد شبابه فنزلنا في قصور يقصر عنها جعفري
____________________
(1/100)


فصيرت لي ذلك الكتاب سميرا ووردت من السرور مشرعا نميرا وتمثلت بقول بعض من أخلص في الود ضميرا
( يا مفردا أهدى إلى كتابه ** جملا يحار الذهن في أثنائها )
( كالدر أشرق في سموط عقوده ** والزهر والأنوار غب سمائها )
( فأفادني جذلا وبالي كاسد ** وأجار نفسي من جوى برحائها )
( وحسبت أيام الشباب رجعن لي ** فليست حلي جمالها وبهائها )
( لا يعدم الإخوان منك محاسنا ** كل المفاخر قطرة من مائها )
فأكرم به من كتاب جاء من السري العلي والماجد الأخ الولي
( فضضت ختامه فتبينت لي ** معانيه عن الخبر الجلي )
( وكان ألذ في عيني وأندى ** على كبدي من الزهر الجني )
( وضمن صدره ما لم تضمن ** صدور الغانيات من الحلي )
وأعرب عن اعتماد متماد ووداد مزداد وأطاب حين أطال وأدى دين الفصاحة دون مطال واشتمل من فصول العبارة على أحسن من الحدق المراض وأتى من أصول البراعة ببراهين ابن شاهين التي لا خلف فيها ولا افتراض وروينا من غيث أنامه الهتون وروينا عنه مسند أحمد حسن الأسانيد والمتون وحثنا على العود والرجوع وكان أجدى من الماء الزلال لذي ظمإ والمشتهى من الطعام لذي سغب وجوع
____________________
(1/101)

بردا محبرا وتبدي من شذاها مسكا وعنبرا وقد لاحت من جوانبها نجوم أكواس لو رآها أبو نواس لجعلها شعاره ووقف على نعتها أشعاره ولم يتخذ سواها نجعة ولا نبه خماره بعد هجعة فتعاطيناها والسعد لنا خادم وما غير السرور
____________________
(1/101)


( واشهى في القلوب من الأماني ** وأحلى في العيون من الهجوع )
وجلا بنوره ظلام استيحاشي وحشر إلي أشتات المسرات دون أن يحاشي ووجدني في مكابدة شعوب وأشغال أشربت القلب الكسل واللغوب وحيرت الخواطر وصيرت سحب الأقلام غير مواطر فزحزح عني الغموم وسلاني وأولاني شكر الله صنيعه من المسرات ما أولاني
( حديثه أو حديث عنه يطربني ** هذا إذا غاب أو هذا إذا حضرا )
( كلاهما حسن عندي أسر به ** لكن أحلاهما ما وافق النظرا )
وقال آخر
( لست مستأنسا بشيء إذا غبت ** سوى ذكرك الذي لا يغيب )
( أنت دون الجلاس عندي وإن كنت ** بعيدا فالأنس منك قريب )
وضمنت فيه لما ورد مع جملة كتب من تلك الناحية وأنوار أهلها ذوي الفضائل الشهيرة أظهر من شمس الظهيرة في السماء الصاحية
( قلت لما أتت من الشام كتب ** من أجلاء نورهم يتألق )
( مرحبا مرحبا وأهلا وسهلا ** بعيون رأت محاسن جلق )
وقلت ايضا
( قلت لما وافت من الشام كتب ** والليالي تتيح قربا وبعدا
____________________
(1/102)

يخاطب ابن عمار وقد توجه إليها [ الطويل ] ألا حي أوطاني بشلب أبا بكر وسلهن هل عهد الوصال كما أدري وسلم على قصر الشراجيب من فتى له أبدا شوق إلى ذلك القصر وقصر الشراجيب هذا متناه في البهاء والإشراق مباه لزوراء العراق ركضت فيه جياد راحاته وأومضت بروق أمانيه في ساحاته وجرى الدهر مطيعا بين بكره وروحاته أيام لم تحل عنه تمائمه ولا خلت من أزاهير
____________________
(1/102)

مقتطفات من رسالة ابن شاهين
وكان من فصول الكتاب الوارد من المولى الشاهيني الذي اقتنص بفضله كل شارد ما نصه ومما استخلص قلبي من يدي ترحي وجدد سروري ونبه فرحي حديث الكتاب وما حديث الكتاب حديث نسخ بحلاوته مرارة العتاب وأنساني حرارة المصاب في الأنسال والأعقاب وقضى به من حق لسان الدين دينه الذي تبرع به غريم مليء من البلاغة وهو غير مدين حتى كأني يا سيدي بهذه البشرى أحرزت سواري كسرى وكان في مسمعي كل حرف إليها منسوب قميص يوسف في أجفان يعقوب وحتى كدت أهجر أهلي وبيتي وأسرج لاستقبال هذه البشرى أشهبي وكميتي وحتى إنني حاربت نومي وقومي وعزمت على أن أرحل ناقتي في وقتي ويومي وإن ذلك التغليس والتهجير في جنب ما بشرت به لحقير وإن موقعها لدى هذا العبد الحقير لخطير وقد كنت سألت شيخي حين ورد دمشق الشام واشتم منها العرار والبشام وشرفني فعرفني وشاهدني فعاهدني على أن يجري ما دار بيننا لدى المجاورة من المسامرة والمحاورة في ديباجة ذلك الكتاب الذي فتن العقول خبره وسحر الألباب وما قصدت إلا أن يجري اسمي على قلمه ويرقم رسمي في مطاوي تحريره ورقمه ويكون ذكرى مختلطا بذكره كما أن سري مرتبط في المحبة بسره فرايت شيخي لم يتصد في أثناء هذه البشرى لما يفهمني بالذكرى لأنتظر النجاح في الأخرى ولم يساعدني على ذلك المتلمس وحبس عنان القلم فاحتبس فانكسرت سورة سروري بفتوري وتبين لنفسي عن بلوغ ذلك الأمل تخلفي وقصوري انتهى
ثم قال
____________________
(1/103)

شفاء فؤاد معل ويورق للعز غصن ذوى ويطلع للسعد نجم أفل فقد وعدتني سحاب الرضا بوابلها حين جادت بطل أيا ملكا أمره نافذ فمن شا أعز ومن شا أذل دعوت فطار بقلبي السرور إليك وإن كان منك الوجل كما يستطيرك حب الوغى إليها وفيها الظبا والأسل فلا غرو إن كان منك اغتفار وإن كان منا جميعا زلل
____________________
(1/103)

وحسبت أن سيدي وحاشاه نسي من ليس ينساه وظننت به الظنون لأمور تكون أولا تكون وهل يكره شيخي أن يهدى الدنيا في طبق ثم الأخرى على ذلك النسق ولا شك أن خطه هو الروضة الغنا لا بل جنة المأوى فطوبى لنفسي إن جنيت ثمرته طوبى ولعمر شخي إني بذلك لجدير وإني كنت أملك به الخورنق والسدير انتهى ما يتعلق بالمطلوب من ذلك الرقيم الذي شكل منطفه غير عقيم سلك الله تعالى بي وبمن وجهه الصراط المستقيم
وأتى في المكتوب بأنواع من البلاعة مما تركت ذكره هنا لعدم تعلقه بهذا الأمر الخاص الذي ييسر لكارع الأدب مساغه وختمه بقصيده نفيسة من نظمه يستنجز فيها ذلك الوعد وأشهد أنه قد حاز فيها قصب السبق والمجد وما قلت إلا بالذي علمت سعد وهذه صورتها
( يا سيدا أفديه بالأكثر ** من أصغر العالم والأكبر )
( ويا وحيدا قل قولي له ** عطارد أنت مع المشتري )
( ويا مجيدا ليس عندي له ** إلا مقال المادح المكثر )
( أقسمت بالبيت العتيق الذي ** حجت إليه الناس والمشعر )
( ما للعلا والعلم إلا ابو العباس ** شيخي أحمد المقري )
( ذاك الذي آثرني منه بالعلم ** الذي للغير لم يؤثر )
( وخصني منه بأشياء لم ** يفز بها غيري ولم يعثر )
( فرحت عبدا اذا وفاء له ** معترفا بالرق لا أمتري ) * حذف
____________________
(1/104)

حضور نديك فيمن حضر ولا مطلعي وسط تلك السما ء بين النجوم وبين القمر
____________________
(1/104)


( فيا أبا العباس يا من غدا ** أعظم في نفسي من معشري )
( ومن إذا ما غاب عن ناظري ** كان سمير القلب للمحضر )
( هات أفدني سيدي عن علا المولى ** لسان الدين ذاك السري )
( ذاك الوحيد الفذ في عصره ** بل أوحد الأدهر والأعصر )
( ذاك الذي أخبرني سيدي ** عنه مزايا بعد لم تحصر )
( ذاك الذي العيوق لا يعتلي ** إلى معاليه ولا يجتري )
( ما قد وعدت العبد في جمعه ** من خبر عن فضله مسفر )
( بخطك الوضاح وهو الذي ** مخبره يربي على المنظر )
( والشيء لا يرجى إذا ما غدا ** منظره يربي على المخبر )
( نقش على طرس بياض كما ** لاحت عيون الرشإ الأحور )
( وأسطر قد سلسلت مثلما ** لاح عذار الشادن المقمر )
( ونزهة الأنفس معنى غدا ** ما بينها ينساب كالكوثر )
( عذب رقيق مثل ظبي إذا ** يلوح طاوي الكشح أو جؤذر )
( آثار أقلامك وهي التي ** أغنت عن الأبيض والأسمر )
( يراعك الجامع راو غدا ** يروي اللغي عن لفظك الجوهري )
( ينثر مسكا تارة ناظما ** وينظم الجوهر بالعنبر )
( هذا ابن شاهين الفتى أحمد ** عن ذكرك المأنوس لم يفتر )
( فاجعل له ذكرا كريما به ** يزدان مغبوطا إلى المحشر )
( واذكر بويتاتي وكل الذي ** كتبته نحوك ف يدفتري )
( أنت جدير بمديحي فكن ** ذاكر عبد بالوفا أجدر )
( وهاكها سيارة أعنقت ** على جواد كان للبحتري ) * حذف
____________________
(1/105)

فلقي ابن خيرون منتظرا له وقد أعد لحلوله منزله فسار إلى مجلس قد ابتسمت ثغور نواره وخجلت خدود ورده من زواره وأبدت صدور أباريقه أسرارها وضمت عليه المحاسن أزرارها ولما حضر له وقت الأنس وحينه وأرجت له رياحينه وجه من يرقب المتوكل حتى يقوم جليسه ويزول موحشه لا أنيسه فأقام رسوله وهو بمكانه لا يريمه قد لازمه كأنه غريمه فما انفصل حتى ظن أن عارض الليل قد نصل فلما علم أبو محمد بانفصاله بعث إلى المتوكل قطيع راح وطبق ورد وكتب معهما [ الرجز ] إليكها فاجتلها منيرة وقد خبا حتى الشهاب الثاقب واقفة بالباب لم يؤذن لها إلا وقد كاد ينام الحاجب فبعضها من المخاف جامد وبعضها من الحياء ذائب فقبلها منه رحمه الله تعالى وعفا عنه وكتب إليه [ الرجز ] قد وصلت تلك التي زففتها بكرا وقد شابت لها ذوائب فهب حتى نسترد ذاهبا من أنسنا إن استرد ذاهب فركب إليه ونقل معه ما كان بالمجلس بين يديه وباتا ليلتهما لا يريمان السهر ولا يشيمان برقا إلا الكاس والزهر ثم قال بعد كلام وأخبرني الوزير الفقيه أبو أيوب بن أبي أمية أنه مر
____________________
(1/105)


( طرف كريم سابق صافن ** مطهم ذي أدب وأوفر )
( ورثته منه ولكنما ** من شاعر وافى إلى أشعر )
( ما للفتى الطائي شوط امرىء ** يصطاد نسر الجو بالمنسر )
( واسلم لعبد لا يرى سيدا ** سوى الذي في ثوبك الأطهر )
( في كرم العنصر فردا غدا ** طبعك فاشكر كرم العنصر )
( ما حن مشتاق أخو صبوة ** إلى خليل في الهوى مفكر ) تهمم المؤلف لاستئناف التصنيف )
فلما وصلني هذا الخطاب الذي ملأ من الفصاحة الوطاب وحلا في عيني وقلبي وطاب تحركت دواعي الوجد لذلك المجد الذي ولعت به ولوع ابن الدمينة بصبا نجد وأثار من الهيام والأوار ما يزيد على ما حصل للفرزدق لما فارق النوار وتضاعف الشوق إلى تلك الأنجاد والأغوار منشدا قول الأول لعل أبي المغوار وتذكرت والذكرى شجون وأطوار تلك الأضواء والأنوار المشرقة بقطر أزهر بالمحاسن وجرى نهره غير آسن فلم يذم فيه الجوار
( وإن اصطباري عن معاهد جلق ** غريب فما اجفى الفراق وأجفاني )
( سقى الله أرضا لو ظفرت بتربها ** كحلت بها من شدة الشوق أجفاني )
وحصل التصميم على التكميل
____________________
(1/106)

والتنعم ببنفسجه وبهاره فلما حصل من أنسه في وسط المدى عمد إلى ورقة كرنب قد بللها الندى وكتب فيها بطرف غصن ناعم يستدعي الوزير أبا طالب بن غانم أحد ندمائه ونجوم سمائه [ البسيط ] أقبل أبا طالب إلينا وقع وقوع الندى علينا فنحن عقد بغير وسطى ما لم تكن حاضرا لدينا وصف المتنزهات من ترجمة ابن رزين 161 وصف المتنزهات من ترجمة ابن رزين وقال في ترجمة ابن رزين ما ملخصه أخبرني الوزير أبو عامر بن سنون أنه اصطبح يوما والجو سماكي العوارف لازوردي المطارف والروض أنيقة لباته رقيقة هباته والنور مبتل والنسيم معتل ومعه قومه وقد راقهم يومه وصلاته تصافح معتفيهم ومبراته تشافه موافيهم والراح تشعشع وماء الأماني ينشع فكتب إلى ابن عمار وهو ضيفه [ الطويل ] ضمان على الأيام أن أبلغ المنى إذا كنت في ودي مسرا ومعلنا فلو تسأل الأيام من هو مفرد بود ابن عمار لقلت لها أنا فإن حالت الأيام بيني وبينه فكيف يطيب العيش أو يحصل المنى فلما وصلت الرقعة إليه تأخر عن الوصول واعتذر بعذر مختل المعاني
____________________
(1/106)

أفاض الله تعالى عليه غيث البر العميم وأبقى ظل عزه ممدودا وخلى سؤدده مودودا وأناله من الخيرات ما ليس محصورا ولا معدودا وجمعني وإياه وأطلع لي بشر محياه وأنشقني عرف اجتماعه ورياه وكيف لا أستديم أمد بقياه واعتقد البشائر في لقياه واسقي غروس الود بسقياه وهو الصدر الذي أصفى لي الوداد والركن الذي لي بثبوته اعتداد
( فعليه من مصفي هواه تحية ** كالمسك لما فض عنه ختام )
( تترى بساحته السنية ما دعت ** فوق الغصون هديلهن حمام )
ودامت فضائله ظاهرة كالشمس محروسة بالسبع المثاني معوذة بالخمس
( ولا انفك ما يرجوه أقرب من غد ** ولا زال ما يخشاه أبعد من أمس )
وبقي من العناية في حرم أمين آمين
ولما حصل لي كمال الاغتباط بما دل على صحة حال الارتباط نشرت بساط الانبساط وحدثت لي قوة النشاط وانقشعت عني سحائب الكسل وانجابت وناديت فكرتي فلبت مع ضعفها وأجابت فاقتدحت من القريحة زيدا كان شحاحا وجمعت من مقيداتي حسانا وصحاحا وكنت كتبت شطره وملأت بما تيسر هامشه وسطره ورقمت من أنباء لسان الدين ابن الخطيب حللا لا تخلق جدتها الأعصر وسلكت من التعريف به رحمه الله مهامه تكل فيها واسعات الخطا وتقصر فحدث لي بعد ذلك عزم على زيادة ذكر الأندلس جملة ومن كان يعضد بها الإسلام وينصر وبعض مفاخرها الباسقة ومآثر أهلها المتناسقة لأن كل ذلك لا يستوفيه
____________________
(1/107)

فرأى أن الوصول بلا جواب إخجال لأدبه وإخلال لمنازله في الشعر ورتبه فلما كان من الغد ورد ابن عمار ومعه الجواب وهو [ الطويل ] هصرت لي الآمال طيبة الجنى وسوغتني الأحوال مقبلة الدنى وألبستني النعمى أغض من الندى وأجمل من وشي الربيع وأحسنا وكم ليلة أحظيتني بحضورها فبت سميرا للسناء وللسنا أعلل نفسي بالمكارم والعلا وأذني وكفي بالغناء وبالغنى سأقرن بالتمويل ذكرك كلما تعاورت الأسماء غيرك والكنى لأوسعتني قولا وطولا كلاهما يطوق أعناقا ويخرس ألسنا وشرفتني من قطعة الروض بالتي تناثر فيها الطبع وردا وسوسنا تروق بجيد الملك عقدا مرصعا وتزهو على عطفيه بردا مزينا فدم هكذا يا فارس الدست والوغى لتطعن طورا بالكلام وبالقنا وأخبرني الوزير أبو جعفر بن سعدون أنه اصطبح يوما بحضرته وللرذاذ رش وللربيع على وجه الأرض فرش وقد صقل الغمام الأزهار حتى أذهب نمشها وسقاها فأروى عطشها فكتب إليه [ الطويل ] فديناك لا يسطيعك النظم والنثر فأنت مليك الأرض وانفصل الأمر
____________________
(1/107)

من النظم والنثر بنبذة توضح للطالب سبله وتظهر علمه ونبله وتترع محاسنه من راح المذاكرة وإناءه حتى يرى إيثار هذا المصنف وإدناءه وكنت في المغرب وظلال الشباب ضافية وسماء الأفكار من قزع الأكدار صافية معتنيا بالفحص عن أنباء الأندلس وأخبار أهلها التي تنشرح لها الصدور والأنفس وما لهم من السبق في ميدان العلوم والتقدم في جهاد العدو الظلوم ومحاسن بلادهم ومواطن جدالهم وجلادهم حتى اقتنيت منها ذخائر يرغب فيها الأفاضل الأخاير وانتقيت جواهر فرائدها للعقول بواهر واقتطفت أزاهر أنجمها في افق المحاضرة زواهر وحصلت فوائد بواطن وظواهر طالما كانت أعين الألباء لنيلها سواهر وجمعت من ذلك كلما عالية لو خاطب بها الداعي صم الجلامد لا نبجس حجرها وحكما غالية لو عامل بها الأيام ربح متجرها وأسجاعا تهتز لها الأعطاف ومواعظ يعمل بمقتضاها من حفت به الألطاف وقوافي موفورة القوادم والخوافي يثني عليها من سلم من الغباوة والصمم ويعترف ببراعتها من لا يعتريه اللمم وطالما أعرض الجاهل الغمر بوجهه عن مثلها وأشاح وأنصت لها الحبر إنصات السوار لجرس الحلي ونغم الوشاح وفرح إن ظفر بشيء منها فرح الصائد بالقنيص والساري العاري ذي البطن الخميص بالزاد والقميص وتركت الجميع بالمغرب ولم أستصحب معي منه ما يبين عن المقصود ويعرب إلا نزرا يسيرا علق بحفظي وحليت بجواهره جيد لفظي وبعض أوراق سعد في جواب السؤال بها حظي ولو حضرني الآن ما خلفته مما جمعت في ذلك الغرض وألفته لقرت به عيون وسرت ألباب إذ هو والله الغاية في
____________________
(1/108)

إيناسهم فقال ذو الرياستين [ الطويل ] وروض كساه الطل وشيا مجددا فأضحى مقيما للنفوس ومقعدا إذا صافحته الريح خلت غصونه رواقص في خضر من القضب ميدا إذا ما انسكاب الماء عاينت خلته وقد كسرته راحة الريح مبردا وإن سكنت عنه حسبت صفاءه حساما صقيلا صافي المتن جردا وغنت به ورق الحمائم بيننا غناء ينسيك الغريض ومعبدا فلا تجفون الدهر ما دام مسعدا ومد إلى ما قد حباك به يدا وخذها مداما من غزال كأنه إذا ما سقى بدر تحمل فرقدا إلى أن قال وأخبرني الوزير أبو عامر بن سنون أنه كان معه في منية العيون في يوم مطرز الأديم ومجلس معزز النديم والأنس يغازلهم
____________________
(1/108)

واستطاعته وعذر مثلي باد للمنصفين من العباد إن قصرت فيما تبصرت أو تخلفت في الذي تكلفت أو أضعت تحرير ما وضعت والتقمت ثدي التقصير ورضعت أو أطعت داعي التواني فتأخرت عمن سبق وانقطعت { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت } ومن كانت بضاعته مزجاة فهو عن الإنصاف بمنجاة إذ أتى بالمقدور وتبرأ من الدعوى في الورود والصدور وعين الرضا عن كل عيب كليلة والسلامة من الملامة متعذرة أو قليلة وقد قال إمامنا مالك صاحب المناقب الجليلة كل كلام يؤخذ منه ويرد إلا كلام صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم أزكى صلاة وأتم سلام وشفى بجاهه من اللآلام قلوبنا العليلة وجعلنا ممن كان اتباع سنته رائدة ودليله آمين
والحمد لله الذي يسر لي هذا القدر مع ضيق الصدر وقلة بضاعتي وكثرة إضاعتي فإن حمده جل جلاله تتضوع به المطالب طيبا وتقضي ببركته المآرب فيرقى صاحبها على منبر القبول خطيبا وتعذب به المشارب فتنبت في أرض القرطاس من زاكي الغراس ما يروق منظرا نضيرا ويورق غصنا رطيبا وقد أتيت من المقال بما يقر إن شاء الله تعالى عين وامق وبرغم أنف قال وإن كنت ممن هو في ثوب العي رافل وعن نسبته للقصور غير غافل وممن جعل النفس هدفا وصير مكان الدر صدفا إذ لسان الدين بن الخطيب إمام هذه الفنون المحقق لذوي الآمال الظنون المستخرج من بحار البلاغة درها المكنون وله اليد الطولى في العلوم على اختلاف
____________________
(1/109)

بكر - يعني ابن عبد العزيز - إلى روضته التي ودت الشمس أن يكون منها طلوعها وتمنى المسك أن تنضم عليه ضلوعها والزمان غلام والعيش أحلام والدنيا تحية وسلام والناس قد انتشروا في جوانبه وقعدوا على مذانبه وفي ساقيته الكبرى دولاب يئن كناقة إثر حوار أو كثكلى من حر الأوار وكل مغرم يجعل فيه ارتياحه بكرته ورواحه ويغازل عليه حبيبه ويصرف إليه تشبيبه فخرجت عليه ليلة والمتنبي الجزيري واقف وأمامه ظبي آنس تهيم
____________________
(1/109)


( ناهيك من فرد أغر ممدح ** رحب الذرا حر الكلام محسد )
( بهر الأنام رياسة وسياسة ** وجلالة في المنتمى والقعدد )
( وأتى بكل بديعة في نوعها ** لم تخترع وغريبة لم تعهد )
( ما شئت من شعر أرق من الصبا ** وكتابة أزهى من الزهر الندي )
( وبديع قرطاس توشح متنه ** بمنمنم من رقمه ومنجد )
( بهج كأن الحسن حل أديمه ** فكساه ريعان الشباب الأغيد )
( وكأنما سار العذار عليه أو ** خطته أيدي الغانيات بإثمد )
( يختال بين موصل ومفصل ** ومطرز ومنظم ومنضد )
( كالبدر في توشيعه والسلك في ** ترصيعه والوشى نمق باليد )
( قد قيد الأبصار والأفكار ** من ألفاظه بمثقف ومقيد )
( ما فيه مغرز إصبع إلا وفيه ** نتيجة لمفرع ومولد )
( ولكل جزء حكمة أو ملحة ** أو بدعة لمرسل ومقصد )
( أوليس مثلي قاصرا عن وصفه ** والحق نور واضح للمهتدي )
وكما قلت وقد عجزت عن أداء الواجب وحاولت المسنون وفضل الله سبحانه على من يشاء من عباده لي بممنوع ولا ممنون
( ليت شعري أي العبارات توفي ** واجب اب الخطيب مما أروم )
( وأنا عاجز عن البعض منها ** لقصوري وما العيي ملوم )
( وهو يدعي لسان دين وناهيك ** افتخارا به تتم الرسوم )
( فبأي الحلى أحلى علا من ** نال فضلا روته عرب وروم
( وعلى الفرض ما الذي انتحى منه ** لدى الوصف أن يخص العموم )
( الحفظ
____________________
(1/110)

له ليلته في مشيده وأطربه الأنس ببسطيه ونشيده فقال [ الخفيف ] كل قصر بعد الدمشق يذم فيه طاب الجنى وفاح المشم منظر رائق وماء نمير وثرى عاطر وقصر أشم بت فيه والليل والفجر عندي عنبر أشهب ومسك أحم وعبر صاحب البدائع عن هذه القصة بقوله تنزه ابن عمار بالدمشق بقرطبة وهو قصر شيده خلفاء بني أمية وزخرفوه ودفعوا صرف الدهر
____________________
(1/110)


( أم لفهم يستخرج الدر غوصا ** من بحار يخشى بها من يعوم )
( أم لفكر مؤلف في فنون ** عدة ما به تداوى الكلوم )
( أم لنظم كأنه جوهر السلك ** ) غلا قدره على من يسوم )
( تتباهى به الصدور حليا ** وتروق العيون منه نجوم )
( أم لنثر وافى بسحر بيان ** فهو كالروح والمعاني جسوم )
( وأظلته للبديع سماء ** تتلالا في جانبيها العلوم )
( فاستزادت منه النفوس رشادا ** واستزانت منه النهى والحلوم )
( أم لخط منمنم فاق حسنا ** مثل وشي تلوح منه الرقوم )
( أو كزهر في بهجة وراء ** ناضر والمداد غيث سجوم )
( تلك ست أعجزن وصفي فإني بسواها مما يجل أقوم )
ولم يكن جمعي علم الله هذا التأليف لرفد أستهديه أو عرض نائل أستجديه بل لحق ود أؤديه ودين وعد أقومه وأبديه ووقوف عند حد لا يجوز تعديه وتلبية داع أحييه وأفديه
( إن من يرجو نوالا وندى ** من بني الدنيا لذو حظ غبين )
( فلقد كان على غير الهدى ** من يسويهم برب العالمين )
( ويرجي منهم الرزق فهل ** خالق الكل فقير أو ضنين )
( أنخلي قصد رب مالك ** ونرى للخلق جهلا قاصدين )
( ما لنا من مخلص نأتي به ** غير جاه المصطفى الهادي الأمين )
( سيد الخلق العماد المترجى ** للملمات شفيع المذنبين )
( فعليه صلوات
____________________
(1/111)

أخيه وابن اليسع غائب عنها في عشية تجود بدمائها ويصوب عليها دمع سمائها والبطحاء قد خلع عليها سندسها ودرها نرجسها والشمس تنفض على الربا زعفرانها والأنوار تغمض أجفانها فكتب إلى ابن اليسع [ البسيط ]
____________________
(1/111)


( والرضى من بعد عن أربعة ** هم بحق أمراء المؤمنين )
( فيمينا إن من يهواهم ** ليكونن من آصحاب اليمين )
( وسط جنات تحييه بها ** آنسات قاصرات الطرف عين )
( بقوارير لجين شربة ** وأباريق وكأس من معين )
( والذي شرفهم يمنحنا ** حبهم والكون معهم أجمعين )
فدونك أيها الناظر في هذا الكتاب المتجافي عن مذهب النقد العتاب كلمات سوانح اختلست مع اشتعال الجوانح وتضاد الأمور الموانع والموانح وألفاظ بوارح اقتضت بين أشغال الجوارح وطرفا أسمت الطرف في مرعاها وكانت هملا غير سوارح وتحفا يحصل بها لناظره الإمتاع ولا يعدها من سقط المتاع المبتاع ويلهج بها المرتاح ويستأنس المستوحش المرتاع ) منهج الكتاب
وبعد أن خمنت تمام هذا التصنيف وأمعنت النظر فيما يحصل به التقريط لسماعه والتشنيف قسمته قسمين وكل منهما مستقل بالمطلوب فيصح أن يسميا باسمين
القسم الأول فيما يتعلق بالأندلس من الأخبار المترعة الأكواب والأنباء المنتحية صوب الصواب الرافلة من الإفادة في سوابغ الأثواب وفيه بحسب القصد والاقتصار وتحري التوسط في بعض
____________________
(1/112)

يروح لتعذيب النفوس ويغتدي ويطلع في أفق الجمال ويغرب ويحسد منه الغصن أي مهفهف يجيء على مثل الكثيب ويذهب وصف المتنزهات من ترجمة ابن السقاط 166 وصف المتنزهات من ترجمة ابن السقاط وقال في ترجمة الوزير أبي القاسم بن السقاط بعد كلام كثير ما صورته وحملنا الوزير القاضي أبو الحسن بن أضحى إلى إحدى ضياعه بخارج غرناطة
____________________
(1/112)


الباب الأول في وصف جزيرة الأندلس وحسن هوائها واعتدال مزاجها ووفور خيرها وكمالها واستوائها واشتمالها على كثير من المحاسن واحتوائها وكرم نباتها الذي سقته سماء البركات من جنباتها بنافع أنوائها وذكر بعض مآثرها المجلوة الصور وتعداد كثير مما لها من البلدان والكور المستمدة من أضوائها الباب الثاني : في إلقاء بلد الأندلس للمسلمين بالقياد وفتحها على يد موسى بن نصير ومولاه طارق بن زياد وصيرورتها ميدانا لسبق الجياد ومحط رحال الارتياء والارتياد وما يتبع ذلك من خبر حصل بازديانه ازدياد ونبأ وصل إليه اعتيام وتقرر بمثله اعتياد الباب الثالث : في سرد بعض ما كان للدين للدين بالأندلس من العز السامي العماد والقهر للعدو في الرواح والغدو والتحرك للهدو البالغ غاية الآماد وإعمال أهلها للجهاد بالجد والاجتهاد في الجبال والوهاد بالأسنة المشرعة والسيوف المستلة من الإغماد
الباب الرابع في ذكر قرطبة التي كانت الخلافة بمصرها للأعداء قاهرة وجامعها الاموي ذي البدائع الباهية الباهرة والإلماع بحضرتي الملك الزهراء الناصرية والعامرية الزاهرة ووصف جملة من متنزهات تلك الأقطار ومصانعها ذات المحاسن الباطنة والظاهرة وما يجر إليه شجون الحديث من أمور تقضي بحسن إيرادها القرائح الوقادة والأفكار الماهرة
الباب الخامس
____________________
(1/113)

الصفحة 167 ومن ترجمة ابن أضحى وقال في ترجمة الوزير القاضي أبي الحسن بن أضحى ما نصه وكان لصاحب البلد الذي كان يتولى القضاء به ابن من أحسن الناس صورة وكانت محاسن الأفعال والأقوال عليه مقصورة مع ما شئت من لسن وصوت حسن وعفاف واختلاط بالنبهاء والتفاف فحملنا إلى إحدى ضياعه بقرب من
____________________
(1/113)

الذاكية العرار والبشام ومدح جماعة من أولئك الأعلام ذوي الألباب الراجحة والأحلام لشامة وجنة الأرض دمشق الشام وما اقتضته المناسبة من كلام أعيانها وأرباب بيانها ذوي السؤدد والاحتشام ومخاطباتهم للمؤلف الفقير حين حلها عام سبعة وثلاثين وألف وشاهد برق فضلها المبين وشام
الباب السادس في ذكر بعض الوافدين على الأندلس من أهل المشرق المعتدين في قصدهم إليها بنور الهداية المضيء والمشرق والأكابر الذين حلوا منها بحلولهم فيها الجيد والمفرق وافتخروا برؤية قطرها المونق على المشئم والمعرق
الباب السابع في نبذة مما من الله تعالى به على أهل الأندلس من توقد الأذهان وبذلهم في اكتساب المعارف والمعالي ما عز أو هان وحوزهم في ميدان البراعة من قصب السبق خصل الرهان وجملة من أجوبتهم الدالة على لوذعيتهم وأوصافهم المؤذنة بألمعيتهم وغير ذلك من أحوالهم التي لها على فضلهم أوضح برهان
الباب الثامن في ذكر تغلب العدو الكافر على الجزيرة بعد صرفه وجوه الكيد إليها وتضريبه بين ملوكها ورؤسائها بمكره واستعماله في أمرها حيل فكره حتى استولى دمره الله عليها ومحا منها التوحيد واسمه وكتب على مشاهدها ومعاهدها وسمه وقرر مذهب التثليث والرأي الخبيث لديها واستغاثه من بها بالنظم والنثر أهل ذلك العصر من سائر الأقطار حين تعذرت بحصارها مع قلة حماتها وأنصارها المآرب
____________________
(1/114)

بالأموال والبشرات وصف المتنزهات من ترجمة ابن خفاجة 168 وصف المتنزهات من ترجمة ابن خفاجة وقال في ترجمة أديب الأندلس وشاعرها أبي إسحاق بن خفاجة بعد كلام ما صورته وقال يندب معاهد الشباب ويتفجع لوفاة الإخوان والأحباب
____________________
(1/114)

الله تعالى إليها كلمة الإسلام وأقام فيها شريعة سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام ورفع يد الكفر عنها وعما حواليها آمين
ولم أخل بابا في هذا القسم من كلام لسان الدين بن الخطيب وإن قل مع أن القسم الثاني بذلك كما ستقف عليه قد استقل وهذا آخر ما تعلق بالقسم الأول وعلى الله سبحانه المتكل والمعول
القسم الثاني في التعريف بلسان الدين بن الخطيب وذكر أنبائه التي يروق سماعها ويتأرجح نفحها ويطيب وما يناسبها من أحوال العلماء الأفراد والأعلام الذين اقتضى ذكرهم شجون الكلام والاستطراد وفيه أيضا من الأبواب ثمانية موصلة إلى جنات أدب قطوفها دانية وكل غصن منها رطيب
الباب الأول في أولية لسان الدين وذكر أسلافه الذين ورث عنهم المجد وارتضع در أخلافه وما يناسب ذلك مما لا يذهب المنصف إلى خلافه
الباب الثاني في نشأته وترقيه ووزارته وسعادته ومساعدة الدهر له ثم قلبه له ظهر المجن على عادته في مصافاته ومنافاته وارتباكه في شباكهوما لقي من إحن الحاسد ذي المذهب الفاسد ومحن الكايد المستأسد وآفاته وذكر قصوره وأمواله وغير ذلك من أحواله في تقلباته عندما قابله الزمان بأهواله في بدئه وإعادته إلى وفاته
الباب الثالث في ذكر مشايخه الجلة هداة الناس ونجوم الملة وما
____________________
(1/115)

بذلك من الأخبار الشافية للعله والمواعظ المنحية من الأهواء المضلة والمناسبات الواضحة البراهين والأدلة
الباب الرابع في مخاطبات الملوك والأكابر الموجهة إلى حضرته العلية وثناء غير واحد من أهل عصره عليه وصرف القاصدين وجوه التأميل إليه واجتلائهم أنوار رياسته الجلية
الباب الخامس في إيراد جملة من نثره الذي عبق أريج البلاغة من نفحاته ونظمه الذي تألق نور البراعة من لمحاته وصفحاته وما يتصل به من بعض أزجاله وموشحاته ومناسبات رائقة من فنون الأدب ومصطلحاته
الباب السادس في مصنفاته في الفنون ومؤلفاته المحققة للواقف عليها الآمال والظنون وما كمل منها أو اخترمته دون اتمامه المنون
الباب السابع في ذكر بعض تلامذته الآخذين عنه المستدلين به على المنهاج المتلقين أنواع العلوم منه والمقتبسين أنوار الفهوم من سراجه الوهاج
الباب الثامن في ذكر أولاده الرافلين في حلل الجلالة المقتفين أوصافه الحميدة وخلاله الوارثين العلم والحلم والرياسة والمجد عن غير كلالة ووصيته لهم الجامعة لآداب الدين والدنيا المشتملة على النصائح الكافية والحكم الشافية من كل مرض بلا ثنيا المنقذة من أنواع الضلالة وما يتبع ذلك من المناسبات القوية والأمداح النبوية التي لها على حسن الختام أظهر
____________________
(1/116)

نذكر من محاسن قرطبة الزهراء والزهرا أو نصف من محاسن الأندلس التي تبصر بكل موضع منها ظلا ضافيا ونهرا صافيا وزهرا ويرحم الله تعالى أديبها المشهور الذي اعترف له بالسبق الخاصة والجمهور أبا إسحاق بن خفاجة إذ قال [ البسيط ] يا أهل أندلس لله دركم ماء وظل وأنهار وأشجار ما جنة الخلد إلا في دياركم ولو تخيرت هذا كنت أختار لا تحسبوا في غد أن تدخلوا سقرا فليس تدخل بعد الجنة النار ويروى مكان قوله ولو تخيرت هذا كنت أختار
____________________
(1/116)


وقد كنت أولا سميته ب ( عرف الطيب ) في التعريف بالوزير ابن الخطيب ثم وسمته حين ألحقت أخبار الأندلس به ب ( نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب )
وله بالشام تعلق من وجوه عديدة هادية متأملها إلى الطرق السديدة
أولها أن الداعي لتأليفه أهل الشام أبقى الله مآثرهم وجعلها على مر الزمان مديدة
ثانيها أن الفاتحين للأندلس هم أهل الشام ذوو الشوكة الحديدة
ثالثها أن غالب أهل الأندلس من عرب الشام الذين اتخذوا بالأندلس وطنا مستأنفا وحضرة جديدة
ورابعها أن غرناطة نزل بها أهل دمشق وسموها باسمها لشبهها بها في القصر والنهر والدوح والزهر والغوطة الفيحاء وهذه مناسبة قوية العرى شديدة خاتمة المقدمة هذا وإني أسأل ممن وقف عليه أن ينظر بعين الإغضاء إليه كما أطلب ممن كان السبب في تصنيفه والداعي إلى تأليفه وترصيفه استنادا لركن الثقة واعتمادا على الود والمقة أن يصفح عما فيه من قصور ويسمح ويلاحظه بعين الرضى الكليلة ويلمح إذا ركبت شكل منطقه والأشجان غالبة وقضية الغربة موجبة
____________________
(1/117)

منزلته ولعمري إن هذا الجواب لجدير بالصواب وهكذا ينبغي أن تكون رسل الملوك في الافتنان روح الله تعالى أرواح الجميع في الجنان وأبو إسحاق بن خفاجة كان أوحد الناس في وصف الأنهار والأزهار والرياض والحياض والرياحين والبساتين وقد سبق بعض كلامه ويأتي أيضا منه بعض في أثناء الكتاب ومن ذلك قوله [ الكامل ]
____________________
(1/117)

بكل الغرض فلا يخلو من فائدة وقد يستدل على الجوهر بالعرض فإن أديت المقترض وذاك المرام الذي أرتضيه ويوجب الود ويقتضيه
( وإلا فحسبي أن بذلت به جهدي ** وأنفقت من وجدي على قدر ما عندي )
وقد توهمت أني لم أسبق إلى مثله في بابه إذ لم أقف له على نظير أتعلق بأسبابه ورجوت أن يكون هدية مستملحة مستعذبة وطرفة مقبولة مستغربة
( هديتي تقصر عن همتي ** وهمتي أكثر من مالي )
( وخالص الود ومحض الإخا ** أكثر ما يهديه أمثالي )
وأوردت فيه من نظم وإنشاء ما يكفي المقتصر عليه إن شاء ومن أخبار ملوك ورؤساء وطبقات من أحسن أو أساء ما فيه اعتبار للمتأمل وادكار للراحل المتحمل وزينة للذاكر المتجمل وتنكيت على أهل البطر وتبكيت لمن خرج من ديناه ولم يقض من الطاعة الوطر
( أرى أولاد آدم أبطرتهم ** حظوظهم من الدنيا الدنية )
( فلم بطروا وأولهم مني ** إذا نسبوا وآخرهم منية )
وفيه إيقاظ لمثلي من سنة الغفلة وحث على عدم الاغترار بالمهلة وتنبيه للابس برد الشباب القشيب أنه لا بد من حادث الموت قبل أو بعد المشيب
( لله در الشيب من واعظ ** وناصح منهاجه واضح )
( كل امرىء يعجبه شأنه ** وحادث الدهر له
____________________
(1/118)

عنها وتنزل بالجديب فيخصب كرموا فلا غيث السماحة مخلف يوما ولا برق اللطافة خلب من كل أزهر للنعيم بوجهه ماء يرقرقه الشباب فيسكب وقال يمدح الأمير أبا يحيى بن إبراهيم [ الكامل ]
____________________
(1/118)


فكم باك على عصر الشباب وشاك لفراق عهد الصبا والأحباب أنساه طارق الزمان سليمى والرباب
( مضى عصر الشباب كلمح برق ** وعصر الشيب بالأكدار شيبا )
( وما أعددت قبل الموت زادا ** ليوم يجعل الولدان شيبا )
وما أحسن قول بعض الأعلام
( مضى ما مضى من حلو عيش ومره ** كأن لم يكن إلا كأضغاث أحلام )
وقول من أرشد سفيها
( إنما هذه الحياة متاع ** فالجهول الجهول من يصطفيها )
ما مضى فات والمؤمل غيث ** ولك الساعة التي أنت فيها ) وفي معناه لغيره
( دنياك شيئان فانظر ** ما ذانك الشيئان )
( ما فات منها فحلم ** وما بقي فأماني )
وما أحكم قول ابن حطان مع وقوعه من البدعة في أشطان
( يأسف المرء على ما فاته ** من لبانات إذا لم يقضها )
( وتراه ضاحكا مستبشرا ** بالتي أمضى كأن لم يمضها )
( إنها عندي كأحلام الكرى ** لقريب بعضها من بعضها )
ولغيره
( والله لو كانت الدنيا بأجمعها ** تبقى علينا ويأتي رزقها رغدا )
( ما
____________________
(1/119)

عباب الجود رحب الدار
____________________
(1/119)

ولآخر
( لا حظ في الدنيا لمستبصر ** يلمحها بالفكرة الباصرة )
( إن كدرت مشربه ملها ** وإن صفت كدرت الآخرة )
ويعجبني قول الوزير ابن المغربي
( إني أبثك من حديثي ** والحديث له شجون )
( فارقت موضع مرقدي ** ليلا ففارقني السكون )
( قل لي فأول ليلة ** للقبر كيف ترى أكون )
وقول مامية
( تأمل في الوجود بعين فكر ** تر الدنيا الدنية كالخيال )
( ومن فيها جميعا سوق يفنى ** ويبقى وجه ربك ذو الجلال )
وقول بعض العارفين
( استعدي يا نفس للموت واسعي ** لنجاة فالحازم المستعد )
( قد تبينت أنه ليس للحي ** خلود وما من الموت بد )
( إنما أنت مستعيرة ما سوف ** تردين والعواري ترد )
( أنت تسهين والحوادث لا
____________________
(1/120)

منحة وبشاشة أيدي العفاة وأعين الزوار أرج الندي بذكره فكأنه متنفس عن روضة معطار بطل جرى الفلك المحيط بسرجه واستل صارمه يد المقدار بيمينه يوم الوغى وشماله ما شاء من نار ومن إعصار والسمر حمر والجياد عوابس والجو كاس والسيوف عواري والخيل تعثر في شبا شوك القنا قصدا وتسبح في الدم الموار والبيض تحنى في الطلى فكأنما تلوى عرا منها على أزرار والنقع يكسر من سنى شمس الضحى فكأنه صدأ على دينار صحب الحسام النصر صحبة غبطة في كف صوال به سوار لو أنه أومى إليه بنظرة يوما لثار ولم ينم عن ثار ومضى وقد ملكته هرة عزة تحت العجاج وضحكة استبشار وقال رحمه الله تعالى [ الكامل ] وأراكة ضربت سماء فوقنا تندى وأفلاك الكؤوس تدار حفت بدوحتها مجرة جدول نثرت عليه نجومها الأزهار وكأنها وكأن جدول مائها حسناء شد بخصرها زنار زف الزجاج بها عروس مدامة تجلى ونوار الغصون نثار في روضة جنح الدجى ظل بها وتجسمت نورا بها الأنوار غناء ينشر وشيه البزاز لي فيها ويفتق مسكه العطار قام الغناء بها وقد نضح الندى وجه الثرى واستيقظ النوار
____________________
(1/120)


( أي ملك في الأرض أو أي حظ ** لامريء حظه من الأرض لحد )
( لا ترجي البقاء في معدن الموت ** ودار حتوفها لك ورد )
( كيف يرجو امرؤ لذاذة أيام ** عليه الأنفاس فيها تعد )
واسأل من مبلغ السائلين ما يرجون أن يصفح عن زلاتي ويسامحني فيما أوردت في هذا الكتاب من الهزل والمجون الذي جرت المناسبة إليه والحديث شجون وما القصد منه إلا ترويح قلوب الذين يسوقون عيس الأسمار ويزجون وفيما أوردت من المواعظ والنصائح وحكايات الأولياء الذين طيب زهر مناقبهم فائح والتوسل بمحاسن الأمداح النبوية أن يستر بفضله سبحانه القبائح ويرينا وجه القبول بلا اكتتام ويمنحنا الزلفى وحسن الختام
( ومن يتوسل بالنبي محمد ** شفيع البرايا السيد السند الأسنى )
( فذاك جدير أن يكفر ذنبه ** ويمنح نيل القصد والختم بالحسنى )
وهذا أوان الشروع في الأصول من هذا الكتاب والفروع وعلى الله سبحانه أعتمد
____________________
(1/121)

حسبها بالأيكة الخضراء من خضراء وأتتك تسفر عن وجوه طلقة وتنوب من لطف عن الشفراء يندى بها وجه الندى ولربما بسطت هنالك أوجه السراء فاستضحكت وجه الدجى مقطوعة حملت جمال الغرة الغراء وقال أيضا [ المجتث ] وصدر ناد نظمنا له القوافي عقدا في منزل قد سحبنا بظله العز بردا تذكو به الشهب جمرا ويعبق الليل ندا وقد تأرج نور غض يخالط وردا كما تنفس ثغر عذب يقبل خدا وقال من قصيدة يصف منتزها [ الكامل ]
____________________
(1/121)

وجهه ومنطقه مسلى قلوب وآذان أغار لخديه على الورد كلما بدا ولعطفيه على أغصن البان وهبني أجني ورد خد بناظري فمن أين لي منه بتفاح لبنان يعللني منه بموعد رشفة خيال له يغري بمطل وليان حبيب عليه لجة من صوارم علاها حباب من أسنة مران تراءى لنا في مثل صورة يوسف تراءى لنا في مثل ملك سليمان طوى برده منها صحيفة فتنة قرأنا له من وجهه سطر عنوان محبته ديني ومثواه كعبتي ورؤيته حجي وذكراه قرآني وقال [ الطويل ] وليل تعاطينا المدام وبيننا حديث كما هب النسيم على الورد نعاوده والكاس يعبق نفحه وأطيب منها ما نعيد وما نبدي
____________________
(1/123)

& الباب الأول في وصف جزيرة الأندلس وحسن هوائها واعتدال مزاجها ووفرو خيراتها واستوائها واشتمالها على كثير من المحاسن واحتوائها وكرم بقعتها التي سقتها سماء البركات بنافع أنوائها وذكر بعض مآثرها المجلوة الصور وتعداد كثير مما لها من البلدان والكور المستمدة من أضوائها &
فأقول محاسن الأندلس لا تستوفي بعبارة ومجاري فضلها لا يشق غباره وأني تجارى وهي الحائزة قصب السبق في أقطار الغرب والشرق مقدمات عامة في مزايا الأندلس
قال ابن سعيد إنما سميت بأندلس بن طوبال بن يافث بن نوح لأنه نزلها كما أن أخاه سبت بن يافث نزل العدوة المقابلة لها وإليه تنسب سبتة قال وأهل الأندلس يحافظون على قوام اللسان العربي لأنهم إما عرب أو متعربون انتهى
وقال ابن غالب إنه أندلس بن يافث والله تعالى أعلم
وقال الوزير لسان الدين بن الخطيب رحمه الله تعالى في بعض كلام له * حذف
____________________
(1/125)

بالمنى مرحبا أهلا وسهلا بالذي شئته يا بدر تم مهديا كوكبا لكنني آليت أسقى بها أو تودعنها ثغرك الأشنبا فمج لي في الكأس من ثغره ما حبب الشرب وما طيبا
____________________
(1/125)

أجرى فيه ذكر البلاد الأندليسة أعادها الله تعالى للإسلام ببركة المصطفى عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام ما نصه خص الله تعالى بلاد الأندلس من الربع وغدق السقيا ولذاذة الأقوات وفراهة الحيوان ودرور الفواكه وكثرة المياه وتبحر العمران وجودة اللباس وشرف الآنية وكثرة السلاح وصحة الهواء وابيضاض ألوان الإنسان ونبل الأذهان وقبول الصنائع وشهامة الطباع ونفوذ الإدراك وإحكام التمدن والاعتمار بما حرمه الكثير من الأقطار مما سواها انتهى
قال أبو عامر السالمي في كتابه المسمى ب درر القلائد وغرر الفوائد الأندلس من الإقليم الشامي وهو خير الأقاليم وأعدلها هواء وترابا وأعذبها ماء وأطيبها هواء وحيوانا ونباتا وهو أوسط الأقاليم وخير الأمور أوسطها انتهى
قال أبو عبيد البكري الأندلس شامية في طيبها وهوائها يمانية في اعتدالها واستوائها هندية في عطرها وذكائها أهوازية في عظم جبايتها صينية في جواهر معادنها عدنية في منافع سواحلها فيها آثار عظيمة لليونانيين أهل الحكمة وحاملي الفلسفة وكان من ملوكهم الذي أثروا الآثار بالأندلس هرقلس وله الأثر في الصنم بحزيرة قادس وصنم جليقية والأثر في مدينة طركونة لا نظير
____________________
(1/126)

وما نمت بي الصعداء أخشى الوشاة فما أفوه بلفظة والكتم عند العاشقين عناء لولا تشوق أرض حمص ما جرى دمعي ولا شمتت بي الأعداء لم أستطع كتما له فكأنني ما كان لي كتم ولا إخفاء والبدر مهما رام كتما من سرى فيه ينم على سراه ضياء بلد متى يخطر له ذكر هفا قلبي وخان تصبر وعزاء من بعده ما الصبح يشرق نوره عندي ولا يتبدل الظلماء كم لي به من ذي وفاء لم يخن عهدي وينمو بالوداد وفاء فتراه إذ ما مر ذكري سائلا عن حالتي إن قلت الأنباء يمسي ويصبح في تذكر مدة يرضى بها الإصباح والإمساء مع كل مبذول الوصال ممنع من غيرنا تسمو به الخيلاء كالظبي كالشمس المنيرة كالنقا كالغصن يثني معطفيه رخاء يسعى براح كالشهاب براحة كالبدر والوجه المنير ذكاء ما لان نحو الوصل حتى طال من هـ الهجر واتصلت به البلواء خير المحبة ما تأتت عن قلى تدرى ببؤس الفاقة النعماء ما زلت أرقي بالقريض جنونه حتى استكان وكان منه إباء فظفرت منه بمدة لو أنها دامت لدامت لي بها السراء
____________________
(1/126)

مساحتها وأبعادها
قال المسعودي بلاد الأندلس تكون مسيرة عمائرها ومدنها نحو شهرين ولهم من المدن الموصوفة نحو من أربعين مدينة انتهى باختصار
ونحوه لابن اليسع إذ قال طولها من أربونة إلى أشبونة وهو قطع ستين يوما للفارس المجد وانتقد بأمرين أحدهما أنه يقتضي أن أربونة داخلة في جزيرة الأندلس والصحيح أنها خارجة عنها والثاني أن قوله ستين يوما للفارس المجد إعياء وإفراط وقد قال جماعة إنها شهر ونصف
قال ابن سعيد وهذا يقرب إذا لم يكن للفارس المجد والصحيح ما نص عليه الشريف من أنها مسيرة شهر وكذا قال الحجاري وقد سألت المسافرين المحققين عن ذلك فعملوا حسابا بالمراحل الجيدة أفضى إلى نحو شهر بنيف قيليل
قال الحجاري في موضع من كتابه إن طول الأندلس من الحاجز إلى أشبونة ألف ميل ونيف انتهى
وبالجملة فالمراد التقريب من غير مشاححة كما قاله ابن سعيد وأطال في ذلك ثم قال بعد كلام ومسافة الحاجز الذي بين بحر الزقاق والبحر المحيط أربعون ميلا
____________________
(1/127)

جزيرة وإلا فليست بجزيرة على الحقيقة لاتصال هذا القدر بالأرض الكبيرة وعرض جزيرة الأندلس في موسطتها عند طليطلة سنو عشر يوما واتفقوا على أن جزيرة الأندلس مثلثة الشكل واختلفوا في الركن الذي في الشرق والجنوب في حين أربونة فممن قال إنه في أربونة وإن هذه المدينة تقابلها مدينة برذيل التي في الركن الشرقي الشمالي أحمد بن محمد الرازي وابن حيان وفي كلام غيرهما أنه في جهة أربونة وحقق الأمر الشريف وهو أعرف بتلك الجهة لتردده في الأسفار برا وبحرا إليها وتفرغه لهذا الفن
قال ابن سعيد وسألت جماعة من علماء هذا الشأن فأخبروني أن الصحيح ما ذهب إليه الشريف وأن أربونة وبرشلونة غير داخلتين في أرض الأندلس وأن الركن الموفي على بحر الزقاق بالمشرق بين برشلونة وطركونة في موضع يعرف بوادي رنلقاطو وهنالك الحاجز الذي يفصل بين الأندلس والأرض الكبيرة ذات الألسن الكثيرة وفي هذا المكان جبل البرت الفاصل في الحاجز المذكور وفيه الأبواب التي فتحها ملك اليونانيين بالحديد والنار والخل ولم يكن للأندلس من الأرض الكبيرة قبل ذلك طريق في البر وذكر الشريف أن هذه الأبواب يقع في مقابلتها في بحر الزقاق البحر الذي بين جزيرتي ميورقة ومنورقة وقد أخبر بذلك جمهور المسافرين لتلك الناحية
____________________
(1/128)

الجبل الحاجز بين الركن الجنوبي والركن الشمالي أربعون ميلا
قال وشمال الركن المذكور عند مدينة برذيل وهي من مدن الإفرنجة مطلة على البحر المحيط في شمالي الأندلس قال ويتقهقر البر بعد تميز هذا الركن إلى الشمال في بلاد الفرنجة ولهم به جزائر كثيرة وذكر أن الركن الشمالي عند شنت ياقوه من ساحل الجلالقة في شمال الاندلس الغربي حيث تبتدىء جزيرة برطانية الكبيرة فيتصور هنالك بحر داخل بين ارضين من الناس من يجعله بحرا منفردا خارجا من البحر المحيط لطوله إلى الركن المتقدم الذكر عند مدينة برذيل
وذكر الشريف أن عند شنت ياقوه في هذا الركن المذكور على جبل بمجمع البحرين صنما مطلا مشبها بصنم قادس
والركن الثالث بمقربة من جبل الأغر حيث صنم قادس والجبل المذكور يدخل من غربه مع جنوبه بحر الزقاق من البحر المحيط مارا مع ساحل الأندلس الجنوبي إلى جبل البرت المذكور انتهى والكلام في مثل هذا طويل الذيل
قال الشيخ أحمد بن محمد بن موسى الرازي بلد الأندلس هو آخر الإقليم الرابع إلى المغرب وهو عند الحكماء بلد كريم البقعة
____________________
(1/129)

الجناب منبجس بالأنهار الغزار والعيون العذاب قليل الهوام ذوات السموم معتدل الهواء والجو النسيم ربيعه وخريفه ومشتاه ومصيفه على قدر من الاعتدال وسطة من الحال لا يتولد في أحدها فضل يتولد منه فيما يتلوه انتقاص تتصل فواكهه أكثر الأزمنة وتدوم متلاحقة غير مفقودة أما الساحل منه ونواحيه فيبادر بباكوره وأما الثغر وجهاته والجبال المخصوصة ببرد الهواء فيتأخر بالكثير من ثمره فمادة الخيرات بالبلد متمادية في كل الأحيان وفواكهه على الجملة غير معدومة في كل أوان وله خواص في كرم النبات يوافق في بعضها أرض الهند المخصوصة بجواهر الانبات منها أن المحلب وهو المقدم في الأفاويه والمفضل في أنواع الأشنان لا ينبت بشيء من الأرض إلا بالهند والأندلس وللأندلس المدن الحصينة والمعاقل المنيعة والقلاع الحريزة والمصانع الجليلة ولها البر والبحر والسهل والوعر وشكلها مثلث وهي معتمدة على ثلاثة أركان الأول هو الموضع الذي فيه صنم قادس المشهور بالأندلس ومنه مخرج البحر المتوسط الشامي الآخذ بقبلي الأندلس والركن الثاني هو بشرقي الأندلس بين مدينة نربونة ومدينة برذيل مما بأيدي الفرنجة اليوم بإزاء جزيرتي ميروقة ومنورقة بمجاورة من البحرين البحر المحيط والبحر المتوسط وبينهما البر الذي يعرف بالأبواب وهو المدخل إلى بلد الأندلس من الأرض الكبيرة على بلد إفرنجة ومسافته بين البحرين مسيرة يومين ومدينة نربونة تقابل البحر المحيط والركن الثالث منها هو ما بين الجوف والغرب من حيز جليقية حيث الجبل الموفي على البحر
____________________
(1/130)

العالي المشبه بصنم قادس وهو الطالع على بلد برطانية
قال والأندلس أندلسان في اختلاف هبوب رياحها ومواقع أمطارها وجريان أنهارها أندلس غربي وأندلس شرقي فالغربي منها ما جرت أوديته إلى البحر المحيط الغربي ويمطر بالرياح الغربية ومبتدأ هذا الحوز من ناحية المشرق مع المفازة الخارجة مع الجوف إلى بلد شنتمرية طالعا إلى حوز أغريطة المجاورة لطليطلة مائلا إلى الغرب ومجاورا للبحر المتوسط الموازي لقرطاجنة الحلفاء التي من بلد لورقة والحوز الشرقي المعروف بالأندلس الأقصى وتجري أوديته إلى الشرق وأمطاره بالريح الشرقية هو من حد جبل البشكنس هابطا مع وادي إبره إلى بلد شنت مرية ومن جوف هذا البحر وغربه المحيط وفي القبلة منه البحر الغربي الذي منه يجري البحر المتوسط الخارج إلى بلد الشام وهو البحر المسمى ببحر تيران ومعناه الذي يشق دائرة الأرض ويسمى البحر الكبير انتهى
قال أبو بكر عبد الله بن عبد الحكم المعروف بابن النظام بلد الأندلس
____________________
(1/131)

عند علماء أهله أندلسان فالأندلس الشرقي منه ما صبت أوديته إلى البحر الرومي المتوسط المتصاعد من أسفل أرض الأندلس إلى المشرق وذلك ما بين مدينة تدمير إلى سرقسطة والأندلس الغربي ما صبت أوديته إلى البحر الكبير المعروف بالمحيط أسفل ذلك الحد إلى ساحل المغرب فالشرقي منهما يمطر بالريح الشرقية ويصلح عليها والغربي يمطر بالريح الغربية وبها صلاحه وجباله هابطة إلى الغرب جبلا بعد جبل وإنما قسمته الأوائل جزءين لاختلافهما في حال أمطارهما وذلك أنه مهما استحكمت الريح الغربية كثر مطر الأندلس الغربي وقحط الأندلس الشرقي ومتى استحكمت الريح الشرقية مطر الأندلس الشرقي وقحط الغربي وأودية هذا القسم تجري من الشرق إلى الغرب بين هذه الجبال وجبال الأندلس الغربي تمتد إلى الشرق جبلا بعد جبل تقطع من الجوف إلى القبلة والأودية التي تخرج من تلك الجبال يقطع بعضها إلى القبلة وبعضها إلى الشرق وتنصب كلها إلى البحر المتوسط للأندلس القاطع إلى الشام وهو البحر الرومي وما كان من بلاد جوفي الأندلس من بلاد جليقية وما يليها فإن أوديته تنصب إلى البحر الكبير المحيط بناحية الجوف وصفة الأندلس شكل مركن على مثال الشكل المثلث ركنها الواحد فيما بين الجنوب والمغرب حيث اجتماع البحرين عند صنم قادس وركنها الثاني في بلد جليقية حيث الصنم المشبه صنم قادس مقابل جزيرة برطانية وركنها الثالث بين مدينة نربونة ومدينة برذيل من بلد الفرنجة بحيث
____________________
(1/132)

فيصير بلد الأندلس جزيرة بينهما في الحقيقة لولا أنه يبقى بينهما برزخ برية صحراء وعمارة مسافة مسيرة يوم للراكب منه المدخل إلى الأرض الكبيرة التي يقال لها الأبواب ومن قبله يتصل بلد الأندلس بتلك البلاد المعروفة بالأرض الكبيرة ذات الألسن المختلفة الأمم التي استوطنت الأندلس
قال وأول من سكن الأندلس على قديم الأيام فيما نقله الأخباريون من بعد عهد الطوفان على ما يذكره علماء عجمها قوم يعرفون بالأندلش معجمة الشين بهم سمي المكان فعرب فيما بعد بالسين غير المعجمة كانوا الذين عمروها وتناسلوا فيها وتداولوا ملكها دهرا على دين التمجس والإهمال والإفساد في الأرض ثم أخذهم الله بذنوبهم فحبس المطر عنهم ووالى القحط عليهم وأعطش بلادهم حتى نضبت مياهها وغارت عيونها ويبست أنهارها وبادت أشجارها فهلك أكثرهم وفر من قدر على الفرار منهم فأقفرت الأندلس منهم وبقيت خالية فيما يزعمون مائة سنة وبضع عشرة سنة وذلك من حد بلد الفرنجة إلى حد بحر الغرب الأخضر وكان عدة ما عمرتها هذه الأمة البائدة مائة عام وبضع عشرة سنة ثم ابتعت الله لعمارتها الأفارقة فدخل إليها بعد إقفارها تلك المدة الطويلة قوم منهم أجلاهم ملك افريقية
____________________
(1/133)

تخففا منهم لإمحال توالي على أهل مملكته وتردد عليهم حتى كاد يفنيهم فحمل منهم خلقا في السفن مع قائد من قبله يدعى أبطريقس فأرسو بريف الأندلس الغربي واحتلوا بجزيرة قادس فأصابوا الأندلس قد أمطرت وأخصبت فجرت أنهارها وانفجرت عيونها وحييت أشجارها فنزلوا الأندلس مغتبطين وسكنوها معتمرين وتوالدوا فيها فكثروا واستوسعوا في عمارة الأرض ما بين الساحل الذي أرسوا فيه بغربيها إلى بلد الإفرنجة من شرقيها ونصبوا من أنفسهم ملوكا عليهم ضبطوا أمرهم وتوالوا على إقامة دولتهم وهم مع ذلك على ديانة من قبلهم من الجاهلية وكانت دار مملكتهم طالقة الخراب اليوم من أرض إشبيلية اخترعها ملوكهم وسكنوها فاتسق ملكهم بالأندلس مائة وسبعة وخمسين عاما إلى أن أهلكهم الله تعالى ونسخهم بعجم رومة بعد أن ملك من هؤلاء الأفارقة في مدتهم تلك أحد عشر ملكا ثم صار ملك الأندلس بعدهم إلى عجم رومة وملكهم إشبان بن طيطش وباسمه سميت الأندلس إشبانية وذكر بعضهم أن اسمه أصبهان فأحيل بلسان العجم وقيل بل كان مولده بأصبهان فغلب اسمها عليه وهو الذي بنى إشبيلية وكان إشبانية اسما خالصا لبلد إشبيلية الذي كان ينزله إشبان هذا ثم غلب الاسم بعده على الأندلس كله فالعجم إلى الآن يسمونه إشبانية لآثار إشبان هذا فيه وكان أحد الملوك الذين ملكوا أقطار الدنيا فيما زعموا وكان غزا الأفارقة عندما سلطه الله عليهم فيجموعه ففض عساكرهم وأثخن فيهم ونزل عليهم بقاعدتهم طالقة وقد تحصنوا فيها منه فابتنى عليهم مدينة إشبيلية اليوم واتصل حصره وقتاله
____________________
(1/134)

الله عليه وغلبهم واستوت له مملكة الأندلس بأسرها ودان له من فيها فهدم مدينة طالقة ونقل رخامها وآلاتها إلى مدينة إشبيلية فاستم بناءها واتخذها دار مملكته واستغلظ سلطانه في الأرض وكثرت جموعه فعلا وعظم عتوه ثم غزا إليليا وهي القدس الشريف من إشبيلية بعد سنتين من ملكه خرج إليها في السفن فغنمها وهدمها وقتل فيها من اليهود مائة ألف واسترق مائة ألف وانتقل رخام إيليا وآلاتها إلى الأندلس وقهر الأعداء واشتد سلطانه انتهى
وذكر بعض المؤرخين أن الغرائب التي أصيبت في مغانم الأندلس أيام فتحها ك مائدة سليمان عليه الصلاة والسلام التي ألفاها طارق بن زياد بكنيسة طليطلة وقليلة الدر التي ألفها موسى بن نصير بكنيسة ماردة وغيرهما من طرائف الذخائر إنما كانت مما صار لصاحب الأندلس من غنيمة بيت المقدس إذ حضر فتحها مع بختنصر وكان اسم ذلك الملك بريان وفي سهمه وقع ذلك ومثله مما كانت الجن تأتي به نبي الله سليمان على نبينا وعليه وعلى جميع الأنبياء الصلاة والسلام انتهى
وقال غير واحد من المؤرخين كان أهل المغرب الأقصى يضرون بأهل الأندلس لاتصال الأرض ويلقون منهم الجهد الجهيد في كل وقت إلى أن اجتاز بهم الإسكندر فشكوا حالهم إليه فأحضر المهندسين وحضر إلى الزقاق فأمر المهندسين بوزن سطح الماء من المحيط والبحر الشامي فوجدوا المحيط يعلو البحر
____________________
(1/135)

علي فأرسو بريف الأندلس الغربي واحتلوا بجزيرة قادس فأصابوا الأندلس قد أمطرت وأخصبت فجرت أنهارها وانفجرت عيونها وحييت أشجارها فنزلوا الأندلس مغتبطين وسكنوها معتمرين وتوالدوا فيها فكثروا واستوسعوا في عمارة الأرض ما بين الساحل الذي أرسوا فيه بغربيها إلى بلد الإفرنجة من شرقيها ونصبوا من أنفسهم ملوكا عليهم ضبطوا أمرهم وتوالوا على إقامة دولتهم وهم مع ذلك على ديانة من قبلهم من الجاهلية وكانت دار مملكتهم طالقة الخراب اليوم من أرض إشبيلية اخترعها ملوكهم وسكنوها فاتسق ملكهم بالأندلس مائة وسبعة وخمسين عاما إلى أن أهلكهم الله تعالى ونسخهم بعجم رمة بعد أن ملك من هؤلاء الأفارقة في مدتهم تلك أحد عشر ملكا ثم صار ملك الأندلس بعدهم إلى عجم رومة وملكهم إشبان بن طيطش وباسمه سميت الأندلس إشبانية وذكر بعضهم أن اسمه أصبهان فأحيل بلسان العجم وقيل بل كان مولده بأصبهان فغلب اسمها عليه وهو الذي بنى إشبيلية وكان إشبانية اسما خالصا لبلد إشبيلية الذي كان ينزله إشبان هذا ثم غلب الاسم بعده على الأندلس كله فالعجم إلى الآن يسمونه إشبانية لآثار إشبان هذا فيه وكان أحد الملوك الذين ملكوا أقطار الدنيا فيما زعموا وكان غزا الأفارقة عندما سلطه الله عليهم فيجموعه ففض عساكرهم وأثخن فيهم ونزل عليهم بقاعدتهم طالقة وقد تحصنوا فيها منه فابتنى
____________________
(1/135)

الشامي ونقلها من الحضيض إلى الأعلى ثم أمر بحفر ما بين طنجة وبلاد الأندلس من الأرض فجفرت حتى ظهرت الجبال السفلية وبنى عليها رصيفا بالحجر والجيار بناء محكما وحعل طوله اثنى عشر ميلا وهي المسافة التي كانت بين البحرين وبنى رصيفا يقابله من ناحية طنجة وجعل بين الرصيفين سعة ستة أميال فلما كمل الرصيفان حفر من جهة البحر الأعظم وأطلق فم الماء بين الرصيفين فدخل في البحر الشامي ثم فاض ماؤه فأغرق مدنا كثيرة وأهلك أمما عظيمة كانت على الشطين وطفا الماء على الرصيفين إحدى عشرة قامة فأما الرصيف الذي يلي بلاد الأندلس فإنه يظهر في بعض الأوقات إذا نقص الماء ظهورا بينا مستقيما على خط واحد وأهل الجزيرتين يسمونه القنطرة وأما الرصيف الذي من جهة العدة فإن الماء حمله في صدره واحتفر ما خلفه من الأرض اثنى عشر ميلا وعلى طرفه من جهة المغرب قصر الجواز وسبتة وطنجة وعلى طرفه من الناحية الأخرى جبل طارق بن زياد وجزيرة طريف وغيرهما والجزيرة الخضراء وبين سبتة والجزيرة الخضراء عرض البحر انتهى ملخصا وقد تكرر بعضه مع ما جلبناه والعذر بين لارتباط الكلام بعضه ببعض موقع الأندلس من الأقاليم
وقال ابن سعيد ذكر الشريف أن لا خظ لأرض الأندلس في الإقليم الثالث قال ويمر بجزيرة الأندلس من الأقاليم الرابع على ساحلها الجنوبي وما قاربه من قرطبة وإشبيلية ومرسية وبلنسية ثم يمر على جزيرة صقلية وعلى ما في سمتها من الجزائر والشمس
____________________
(1/136)

فأرسو بريف الأندلس الغربي واحتلوا بجزيرة قادس فأصابوا الأندلس قد أمطرت وأخصبت فجرت أنهارها وانفجرت عيونها وحييت أشجارها فنزلوا الأندلس مغتبطين وسكنوها معتمرين وتوالدوا فيها فكثروا واستوسعوا في عمارة الأرض ما بين الساحل الذي أرسوا فيه بغربيها إلى بلد الإفرنجة من شرقيها ونصبوا من أنفسهم ملوكا عليهم ضبطوا أمرهم وتوالوا على إقامة دولتهم وهم مع ذلك على ديانة من قبلهم من الجاهلية وكانت دار مملكتهم طالقة الخراب اليوم من أرض إشبيلية اخترعها ملوكهم وسكنوها فاتسق ملكهم بالأندلس مائة وسبعة وخمسين عاما إلى أن أهلكهم الله تعالى ونسخهم بعجم رمة بعد أن ملك من هؤلاء الأفارقة في مدتهم تلك أحد عشر ملكا ثم صار ملك الأندلس بعدهم إلى عجم رومة وملكهم إشبان بن طيطش وباسمه سميت الأندلس إشبانية وذكر بعضهم أن اسمه أصبهان فأحيل بلسان العجم وقيل بل كان مولده بأصبهان فغلب اسمها عليه وهو الذي بنى إشبيلية وكان إشبانية اسما خالصا لبلد إشبيلية الذي كان ينزله إشبان هذا ثم غلب الاسم بعده على الأندلس كله فالعجم إلى الآن يسمونه إشبانية لآثار إشبان هذا فيه وكان أحد الملوك الذين ملكوا أقطار الدنيا فيما زعموا وكان غزا الأفارقة عندما سلطه الله عليهم فيجموعه ففض عساكرهم وأثخن فيهم ونزل عليهم بقاعدتهم طالقة وقد تحصنوا فيها منه فابتنى عليهم مدينة إشبيلية اليوم واتصل حصره وقتاله لهم حتى فتحها فأرسو بريف الأندلس الغربي واحتلوا بجزيرة قادس فأصابوا الأندلس قد أمطرت وأخصبت فجرت أنهارها وانفجرت عيونها وحييت أشجارها فنزلوا الأندلس مغتبطين وسكنوها معتمرين وتوالدوا فيها فكثروا واستوسعوا في عمارة الأرض ما بين الساحل الذي أرسوا فيه بغربيها إلى بلد الإفرنجة من شرقيها ونصبوا من أنفسهم ملوكا عليهم ضبطوا أمرهم وتوالوا على إقامة دولتهم وهم مع ذلك على ديانة من قبلهم من الجاهلية وكانت دار مملكتهم طالقة الخراب اليوم من أرض إشبيلية اخترعها ملوكهم وسكنوها فاتسق ملكهم بالأندلس مائة وسبعة وخمسين عاما إلى أن أهلكهم الله تعالى ونسخهم بعجم رمة بعد أن ملك من هؤلاء الأفارقة في مدتهم تلك أحد عشر ملكا ثم صار ملك الأندلس بعدهم إلى عجم رومة وملكهم إشبان بن طيطش وباسمه سميت الأندلس إشبانية وذكر بعضهم أن اسمه أصبهان فأحيل بلسان العجم وقيل بل كان مولده بأصبهان فغلب اسمها عليه وهو الذي بنى إشبيلية وكان إشبانية اسما خالصا لبلد إشبيلية الذي كان ينزله إشبان هذا ثم غلب الاسم بعده على الأندلس كله فالعجم إلى الآن يسمونه إشبانية لآثار إشبان هذا فيه وكان أحد الملوك الذين ملكوا أقطار الدنيا فيما زعموا وكان غزا الأفارقة عندما سلطه الله عليهم فيجموعه ففض عساكرهم وأثخن فيهم ونزل عليهم بقاعدتهم طالقة وقد تحصنوا فيها منه فابتنى عليهم مدينة إشبيلية اليوم واتصل حصره وقتاله لهم حتى فتحها فأرسو بريف الأندلس الغربي واحتلوا بجزيرة قادس فأصابوا الأندلس قد أمطرت وأخصبت فجرت أنهارها وانفجرت عيونها وحييت أشجارها فنزلوا الأندلس مغتبطين وسكنوها معتمرين وتوالدوا فيها فكثروا واستوسعوا في عمارة الأرض ما بين الساحل الذي أرسوا فيه بغربيها إلى بلد الإفرنجة من شرقيها ونصبوا من أنفسهم ملوكا عليهم ضبطوا أمرهم وتوالوا على إقامة دولتهم وهم مع ذلك على ديانة من قبلهم من الجاهلية وكانت دار مملكتهم طالقة الخراب اليوم من أرض إشبيلية اخترعها ملوكهم وسكنوها فاتسق ملكهم بالأندلس مائة وسبعة وخمسين عاما إلى أن أهلكهم الله تعالى ونسخهم بعجم رمة بعد أن ملك من هؤلاء الأفارقة في مدتهم تلك أحد عشر ملكا ثم صار ملك الأندلس بعدهم إلى عجم رومة وملكهم إشبان بن طيطش وباسمه سميت الأندلس إشبانية وذكر بعضهم أن اسمه أصبهان فأحيل بلسان العجم وقيل بل كان مولده بأصبهان فغلب اسمها عليه وهو الذي بنى إشبيلية وكان إشبانية اسما خالصا لبلد إشبيلية الذي كان ينزله إشبان هذا ثم غلب الاسم بعده على الأندلس كله فالعجم إلى الآن يسمونه إشبانية لآثار إشبان هذا فيه وكان أحد الملوك الذين ملكوا أقطار الدنيا فيما زعموا وكان غزا الأفارقة عندما سلطه الله عليهم فيجموعه ففض عساكرهم وأثخن فيهم ونزل عليهم بقاعدتهم طالقة وقد تحصنوا فيها منه فابتنى عليهم مدينة إشبيلية اليوم واتصل حصره وقتاله لهم حتى فتحها فأرسو بريف الأندلس الغربي واحتلوا بجزيرة قادس فأصابوا الأندلس قد أمطرت وأخصبت فجرت أنهارها وانفجرت عيونها وحييت أشجارها فنزلوا الأندلس مغتبطين وسكنوها معتمرين وتوالدوا فيها فكثروا واستوسعوا في عمارة الأرض ما بين الساحل الذي أرسوا فيه بغربيها إلى بلد الإفرنجة من شرقيها ونصبوا من أنفسهم ملوكا عليهم ضبطوا أمرهم وتوالوا على إقامة دولتهم وهم مع ذلك على ديانة من قبلهم من الجاهلية وكانت دار مملكتهم طالقة الخراب اليوم من أرض إشبيلية اخترعها ملوكهم وسكنوها فاتسق ملكهم بالأندلس مائة وسبعة وخمسين عاما إلى أن أهلكهم الله تعالى ونسخهم بعجم رمة بعد أن ملك من هؤلاء الأفارقة في مدتهم تلك أحد عشر ملكا ثم صار ملك الأندلس بعدهم إلى عجم رومة وملكهم إشبان بن طيطش وباسمه سميت الأندلس إشبانية وذكر بعضهم أن اسمه أصبهان فأحيل بلسان العجم وقيل بل كان مولده بأصبهان فغلب اسمها عليه وهو الذي بنى إشبيلية وكان إشبانية اسما خالصا لبلد إشبيلية الذي كان ينزله إشبان هذا ثم غلب الاسم بعده على الأندلس كله فالعجم إلى الآن يسمونه إشبانية لآثار إشبان هذا فيه وكان أحد الملوك الذين ملكوا أقطار الدنيا فيما زعموا وكان غزا الأفارقة عندما سلطه الله عليهم فيجموعه ففض عساكرهم وأثخن فيهم ونزل عليهم بقاعدتهم طالقة وقد تحصنوا فيها منه فابتنى عليهم مدينة إشبيلية اليوم واتصل حصره وقتاله لهم حتى فتحها فأرسو بريف الأندلس الغربي واحتلوا بجزيرة قادس فأصابوا الأندلس قد أمطرت وأخصبت فجرت أنهارها وانفجرت عيونها وحييت أشجارها فنزلوا الأندلس مغتبطين وسكنوها معتمرين وتوالدوا فيها فكثروا واستوسعوا في عمارة الأرض ما بين الساحل الذي أرسوا فيه بغربيها إلى بلد الإفرنجة من شرقيها ونصبوا من أنفسهم ملوكا عليهم ضبطوا أمرهم وتوالوا على إقامة دولتهم وهم مع ذلك على ديانة من قبلهم من الجاهلية وكانت دار مملكتهم طالقة الخراب اليوم من أرض إشبيلية اخترعها ملوكهم وسكنوها فاتسق ملكهم بالأندلس مائة وسبعة وخمسين عاما إلى أن أهلكهم الله تعالى ونسخهم بعجم رمة بعد أن ملك من هؤلاء الأفارقة في مدتهم تلك أحد عشر ملكا ثم صار ملك الأندلس بعدهم إلى عجم رومة وملكهم إشبان بن طيطش وباسمه سميت الأندلس إشبانية وذكر بعضهم أن اسمه أصبهان فأحيل بلسان العجم وقيل بل كان مولده بأصبهان فغلب اسمها عليه وهو الذي بنى إشبيلية وكان إشبانية اسما خالصا لبلد إشبيلية الذي كان ينزله إشبان هذا ثم غلب الاسم بعده على الأندلس كله فالعجم إلى الآن يسمونه إشبانية لآثار إشبان هذا فيه وكان أحد الملوك الذين ملكوا أقطار الدنيا فيما زعموا وكان غزا الأفارقة عندما سلطه الله عليهم فيجموعه ففض عساكرهم وأثخن فيهم ونزل عليهم بقاعدتهم طالقة وقد تحصنوا فيها منه فابتنى عليهم مدينة إشبيلية اليوم واتصل حصره وقتاله لهم حتى فتحها فأرسو بريف الأندلس الغربي واحتلوا بجزيرة قادس فأصابوا الأندلس قد أمطرت وأخصبت فجرت أنهارها وانفجرت عيونها وحييت أشجارها فنزلوا الأندلس مغتبطين وسكنوها معتمرين وتوالدوا فيها فكثروا واستوسعوا في عمارة الأرض ما بين الساحل الذي أرسوا فيه بغربيها إلى بلد الإفرنجة من شرقيها ونصبوا من أنفسهم ملوكا عليهم ضبطوا أمرهم وتوالوا على إقامة دولتهم وهم مع ذلك على ديانة من قبلهم من الجاهلية وكانت دار مملكتهم طالقة الخراب اليوم من أرض إشبيلية اخترعها ملوكهم وسكنوها فاتسق ملكهم بالأندلس مائة وسبعة وخمسين عاما إلى أن أهلكهم الله تعالى ونسخهم بعجم رمة بعد أن ملك من هؤلاء الأفارقة في مدتهم تلك أحد عشر ملكا ثم صار ملك الأندلس بعدهم إلى عجم رومة وملكهم إشبان بن طيطش وباسمه سميت الأندلس إشبانية وذكر بعضهم أن اسمه أصبهان فأحيل بلسان العجم وقيل بل كان مولده بأصبهان فغلب اسمها عليه وهو الذي بنى إشبيلية وكان إشبانية اسما خالصا لبلد إشبيلية الذي كان ينزله إشبان هذا ثم غلب الاسم بعده على الأندلس كله فالعجم إلى الآن يسمونه إشبانية لآثار إشبان هذا فيه وكان أحد الملوك الذين ملكوا أقطار الدنيا فيما زعموا وكان غزا الأفارقة عندما سلطه الله عليهم فيجموعه ففض عساكرهم وأثخن فيهم ونزل عليهم بقاعدتهم طالقة وقد تحصنوا فيها منه فابتنى عليهم مدينة إشبيلية اليوم واتصل حصره وقتاله لهم حتى فتحها فأرسو بريف الأندلس الغربي واحتلوا بجزيرة قادس فأصابوا الأندلس قد أمطرت وأخصبت فجرت أنهارها وانفجرت عيونها وحييت أشجارها فنزلوا الأندلس مغتبطين وسكنوها معتمرين وتوالدوا فيها فكثروا واستوسعوا في عمارة الأرض ما بين الساحل الذي أرسوا فيه بغربيها إلى بلد الإفرنجة من شرقيها ونصبوا من أنفسهم ملوكا عليهم ضبطوا أمرهم وتوالوا على إقامة دولتهم وهم مع ذلك على ديانة من قبلهم من الجاهلية وكانت دار مملكتهم طالقة الخراب اليوم من أرض إشبيلية اخترعها ملوكهم وسكنوها فاتسق ملكهم بالأندلس مائة وسبعة وخمسين عاما إلى أن أهلكهم الله تعالى ونسخهم بعجم رمة بعد أن ملك من هؤلاء الأفارقة في مدتهم تلك أحد عشر ملكا ثم صار ملك الأندلس بعدهم إلى عجم رومة وملكهم إشبان بن طيطش وباسمه سميت الأندلس إشبانية وذكر بعضهم أن اسمه أصبهان فأحيل بلسان العجم وقيل بل كان مولده بأصبهان فغلب اسمها عليه وهو الذي بنى إشبيلية وكان إشبانية اسما خالصا لبلد إشبيلية الذي كان ينزله إشبان هذا ثم غلب الاسم بعده على الأندلس كله فالعجم إلى الآن يسمونه إشبانية لآثار إشبان هذا فيه وكان أحد الملوك الذين ملكوا أقطار الدنيا فيما زعموا وكان غزا الأفارقة عندما سلطه الله عليهم فيجموعه ففض عساكرهم وأثخن فيهم ونزل عليهم بقاعدتهم طالقة وقد تحصنوا فيها منه فابتنى عليهم مدينة إشبيلية اليوم واتصل حصره وقتاله لهم حتى فتحها رفأرسو بريف الأندلس الغربي واحتلوا بجزيرة قادس فأصابوا الأندلس قد أمطرت وأخصبت فجرت أنهارها وانفجرت عيونها وحييت أشجارها فنزلوا الأندلس مغتبطين وسكنوها معتمرين وتوالدوا فيها فكثروا واستوسعوا في عمارة الأرض ما بين الساحل الذي أرسوا فيه بغربيها إلى بلد الإفرنجة من شرقيها ونصبوا من أنفسهم ملوكا عليهم ضبطوا أمرهم وتوالوا على إقامة دولتهم وهم مع ذلك على ديانة من قبلهم من الجاهلية وكانت دار مملكتهم طالقة الخراب اليوم من أرض إشبيلية اخترعها ملوكهم وسكنوها فاتسق ملكهم بالأندلس مائة وسبعة وخمسين عاما إلى أن أهلكهم الله تعالى ونسخهم بعجم رمة بعد أن ملك من هؤلاء الأفارقة في مدتهم تلك أحد عشر ملكا ثم صار ملك الأندلس بعدهم إلى عجم رومة وملكهم إشبان بن طيطش وباسمه سميت الأندلس إشبانية وذكر بعضهم أن اسمه أصبهان فأحيل بلسان العجم وقيل بل كان مولده بأصبهان فغلب اسمها عليه وهو الذي بنى إشبيلية وكان إشبانية اسما خالصا لبلد إشبيلية الذي كان ينزله إشبان هذا ثم غلب الاسم بعده على الأندلس كله فالعجم إلى الآن يسمونه إشبانية لآثار إشبان هذا فيه وكان أحد الملوك الذين ملكوا أقطار الدنيا فيما زعموا وكان غزا الأفارقة عندما سلطه الله عليهم فيجموعه ففض عساكرهم وأثخن فيهم ونزل عليهم بقاعدتهم طالقة وقد تحصنوا فيها منه فابتنى عليهم مدينة إشبيلية اليوم واتصل حصره
____________________
(1/136)


والإقليم الخامس يمر على طليطلة وسرقسطة وما في سمتهما إلى بلاد أرغون التي في جنوبيها برشلونة ثم يمر على رومية وبلادها ويشق بحر البنادقة ثم يمر على القسطنطينية ومدبرته الزهرة
والسادس يمر على ساحل الأندلس الشمالي الذي على البحر المحيط وما قاربه وبعض البلاد الداخلة في قشتالة وبرتقال وما في سمتها وعلى بلاد برجان والصقالبة والروس ومدبرة عطارد
ويمر الإقليم السابع في البحر المحيط الذي في شمالي الأندلس إلى جزيرة انقلطرة وغيرها من الجزائر وما في سمتها من بلاد الصقالبة وبرجان قال البهقي وفيه تقع جزيرة تولى وجزيرتا أجبال والنساء وبعض بلاد الروس الداخلة في الشمال والبلغار ومدبره القمر انتهى
وقال بعض العلماء إن النصارى حرموا جنة الآخرة فأعطاهم الله جنة الدنيا بستانا متصلا من البحر المحيط بالأندلس إلى خليج القسطنطينية وعندهم عموم شاه بلوط والبندق والجوز والفستق وغير ذلك مما يكون أكثر وأمكن في الأقاليم الباردة والتمر عندهم معدوم وكذا الموز وقصب السكر وربما يكون شيء من ذلك في الساحل لأن هواء البحر يدفىء انتهى رجع إلى الأمم التي استوطنتها
قال ابن حيان في المقتبس ذكر رواه العجم أن الخضر عليه السلام وقف بإشبان المذكور وهو يحرث الأرض بفدن
____________________
(1/137)

يا إشبان إنك لذو شان وسوف يحظيك زمان ويعليك سلطان فإذا أنت غلبت على إيليا فارفق بذرية الأنبياء فقال له إشبان أساخر رحمك الله أنى يكون هذا مني وأنا ضعيف ممتهن حقير فقير ليس مثلي ينال السلطان فقال له قد قدر ذلك فيك من قدر في عصاك اليابسة ما تراه فنظر إشبان إلى عصاه فإذا بها قد أورقت فريع لما رأى من الآية وذهب الخضر عنه وقد وقع الكلام بخلده ووقرت في نفسه الثقة بكونه فترك الامتهان من وقته وداخل الناس وصحب أهل البأس منهم وسما به جده فارتقى في طلب السلطان حتى أدرك منه عظيما وكان منه ما كان ثم أتى عليه ما أتى على القرون قبله وكان ملكه كله عشرين سنة وتمادى ملك الإشبانيين بعده إلى أن ملك منهم الأندلس خمسة وخمسون ملكا
ثم دخل على هؤلاء الإشبانيين من عجم رومة أمة يدعون البشتولقات وملكهم طلوبش بن بيطه وذلك زمن بعث المسيح بن مريم عليه السلام أتوا الأندلس من قبل رومة وكانوا يملكون إفرنجة معها ويبعثون عمالهم إليها فاتخذوا دار مملكتهم بالأندلس مدينة ماردة واستولوا على مملكة الأندلس واتصل ملكهم بها مدة إلى أن ملك منهم سبعة وعشرون ملكا
ثم دخل على هؤلاء البشتولقات أمة القوط مع ملك لهم قغلبوا على الأندلس واقتطعوها من يومئذ من صاحب رومة وتفردوا بسلطانهم واتخذوا مدينة طليطلة دار مملكتهم وأقروا بها سرير ملكهم فبقي بإشبيلية علم الإشبانيين ورياسة أوليتهم
وقد كان عيسى المسيح عليه السلام بعث لحواريين
____________________
(1/138)

الخلق إلى ديانته فاختلف الناس عليهم وقتلوا بعضهم واستجاب لهم كثير منهم وكان من أسرعهم إجابة لمن جاءه من هؤلاء الحواريين خشندش ملك القوط فتنصر ودعا قومه إلى النصرانية وكان من صميم أعاظمهم وخير من تنصر من ملوكهم وأجمعوا على أنه لم يكن فيهم أعدل منه حكما ولا أرشد رايا ولا أحسن سيرة ولا أجود تدبيرا فكان الذي أصل النصرانية في مملكته ومضى أهلها على سنته إلى اليوم وحكموا بها والإنجيلات في المصاحف الأربعة التي يختلفون فيها من انتساخه وجمعه وتثقيفه فتناسقت ملك القوط بالأندلس بعده إلى أن غلبتهم العرب عليها وأظهر الله تعالى دين الإسلام على جميع الأديان
فوقع في تواريخ العجم القديمة أن عدة ملوك هؤلاء القوط بالأندلس من عهد أتاناوينوس الذي ملك في السنة الخامسة من مملكة فلبش القيصري لمضي أربعمائة وسبع من تاريخ الصفر المشهور عند العجم إلى عهد لذريق آخرهم الذي ملك في السنة التاسعة والأربعين وسبعمائة من تاريخ الصفر وهو الذي دخلت عليه العرب فأزالت دولة القوط ستة وثلاثون ملكا وأن مدة أيام ملكهم بالأندلس ثلاثمائة واثنتان وأربعون سنة انتهى
وقال جماعة إن القوط غير البشتولقات وإن البشتولقات من عجم رومة وإنهم جعلوا دار ملكهم ماردة واتصل ملكهم إلى أن ملك منهم سبعة وعشرون
____________________
(1/139)


وذكر الرازي أن القوط من ولد يأجوج بن يافث بن نوح وقيل غير ذلك انتهى مناخها وخيراتها
وقال الرازي في موضع آخر نحو ما تقدم وزيادة ونصه أن الأندلس في آخر الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة التي هي ربع معمور الدنيا فهي موسطة من البلدان كريمة البقعة بطبع الخلقة طيبة التربة مخصبة القاعة منبجسة العيون الثرار منفجرة بالأنهار الغزار قليلة الهوام ذوات السموم معتدلة الهواء أكثر الأزمان لا يزيد قيظها زيادة منكرة تضر بالأبدان وكذا سائر فصولها في اعم سينها تأتي على قدر من الاعتدال وتوسط من الحال وفواكهها تتصل طول الزمان فلا تكاد تعدم لأن الساحل ونواحيه يبادر بباكوره كما أن الثغر وجهاته والجبال التي يخصها برد الهواء وكثافة الجو تستأخر بما فيها من ذلك حتى يكاد طرفا فاكهتها يلتقيان فمادة الخيرات فيها متصلة كل أوان ومن بحرها بجهة الغرب يخرج العنبر الجيد المقدم على أجناسه في الطيب والصبر على النار وبها شجر المحلب المعدود في الأفاويه المقدم في أنواع الأشنان كثير واسع وقد زعموا أنه لا يكون إلابالهند وبها فقط ولها خواص نباتية يكثر تعدادها انتهى
وقد ذكر غيره تفصيل بعض ذلك
____________________
(1/140)

البشرة عود الألنجوج لا يفوقه العود الهندي ذكاء وعطر رائحة وقد سبق منه إلى خيران الصقلي صاحب المرية وأن أصل منبته كان بين أحجار هنالك وبأكشونبة جبل كثيرا ما يتضوع ريحه ريح العود الذكي إذا أرسلت فيه النار وببحر شذونة يوجد العنبر الطيب الغربي وفي جبل منت ليون المحلب ويوجد بالأندلس القسط الطيب والسنبل الطيب والجنطيانة تحمل من الأندلس إلى جميع الآفاق وهو عقار رفيع والمر الطيب بقلعة أيوب وأطيب كهرباء الأرض بشذونة درهم منها يعدل دراهم من المجلوبة وأطيب القرمز قرمز الأندلس وأكثر ما يكون بنواحي إشبيلية ولبلة وشذونة وبلنسية ومن
____________________
(1/141)

لورقة من عمل تدمير يكون حجر اللازورد الجيد وقد يوجد في غيرها وعلى مقربة من حصن لورقة من عمل قرطبة معدن البلور وقد يوجد بجبل شحيران وهو شرقي يبره والحجر البجادي يوجد بناحية مدينة الأشبونة في جبل هنالك يتلألأ فيه ليلا كالسراج والياقوت الاحمر يوجد بناحية حصن منت ميور من كورة مالقة إلا أنه دقيق جدا لا يصلح للاستعمال لصغره ويوجد حجر يشبه الياقوت الأمر بناحية بجانة في خندق يعرف بقرية ناشرة أشكالا مختلفة كأنه مصبوغ حسن اللون صبور على النار وحجر المغناطيس الجاذب للحديد يوجد في كورة تدمير وحجر الشاذنة بجبال قرطبة كثير ويستعمل في دلك التذاهيب وحجر اليهودي في ناحية حصن البونت وهو أنفع شيء للحصاة وحجر المقرشيثا الذهبية في جبال أبذة لا نظير لها في الدنيا ومن الأندلس تحمل إلى جميع الآفاق لفضلها والمغنيسيا بالأندلس كثير وكذلك حجر الطلق ويوجد حجر اللؤلؤ بمدينة
____________________
(1/142)

أقل ما لقط منه في أقل من شهر نحو ثمانين ربعا ومعدن الذهب بنهر لاردة يجمع منه كثير ويجمع أيضا في ساحل الأشبونة ومعادن الفضة في الأندلس كثيرة في كورة تدمير وجبال حمة بجانة وبإقليم كرتش من عمل قرطبة معدن فضة جليل وبأكشونبة معدن القصدير لا نظير له يشبه الفضة وله معادن بناحية إفرنجة وليون ومعدن الزئبق فيجبل البرانس ومن هنالك يتجهز به إلى الآفاق ومعادن الكبريت الأحمر والأصفر بالأندلس كثيرة ومعدن التوتيا الطبية بساحل إلبيرة بقرية تسمى بطرنة وهي أزكى توتيا وأقواها في صبغ النحاس وبجبال قرطبة توتيا وليست كالبطرنية ومعدن الكحل المشبه بالأصفهاني بناحية مدينة طرطوشة يحمل منها إلى جميع البلاد ومعادن الشبوب والحديد والنحاس بالأندلس أكثر من أن تحصى وما ذكرت هنا وإن تكرر بعضه مع ما سبق أو يأتي فهو لجمع النظائر وما لم نذكره أكثر والله تعالى أعلم
ومن خواص طليطلة أن حنطتها لا تتغير ولا تتسوس على طول السنين يتوارثها الخلف عن السلف وزعفران طليطلة هو الذي يعم البلاد ويتجهز به الرفاق إلى الآفاق وكذلك الصبغ السماوي انتهى
وقال المسعودي في مروج الذهب بعد كلام ما نصه والعنبر كثير
____________________
(1/143)

له شنترين وشذونة تبلغ الأوقية منه بالأندلس ثلاثة مثاقيل ذهبا والأوقية بالبغدادي وتباع بمصر أوقيته بعشرة دنانير وهو عنبر جيد ويمكن أن يكون هذا العنبر الواقع إلى بحر الروم ضربته الأمواج من بحر الاندلس إلى هذا البحر لاتصال الماء وبالأندلس معدن عظيم للفضة ومعدن للزئبق ليس بالجيد يجهز إلى سائر بلاد الإسلام والكفر وكذلك يحمل من بلاد الأندلس الزعفران وعروق الزنجبيل وأصول الطيب خمسة أصناف المسك والكافور والعود والعنبر والزعفران وكلها تحمل من أرض الهند وما اتصل بها إلا الزعفران والعنبر انتهى وهو وإن تكرر مع ما ذكرته عن غيره فلا يخلو من فائدة والله تعالى أعلم
وذكر البعض أن في بعض بلاد الأندلس جميع المعادن الكائنات عن النيرات السبعة وهي الرصاص من زحل والقصدير الأبيض من المشتري والحديد من قسم المريخ والذهب من قسم الشمس والنحاس من الزهرة والزئبق من عطارد والفضة من القمر الأندلسيون والأمم المجاورة
وذكر الكاتب إبراهيم بن القاسم
____________________
(1/144)

الأندلس فقال أهله أصحاب جهاد متصل يحاربون من أهل الشرك المحيطين بهم أمة يدعون الجلالقة يتاخمون حوزهم ما بين غرب إلى شرق قوم لهم شدة ولهم جمال وحسن وجوه فأكثر رقيقهم الموصوفين بالجمال والفراهة منهم ليس بينهم وبينهم درب فالحرب متصلة بينهم ما لم تقع هدنة ويحاربون بالأفق الشرقي أمة يقال لهم الفرنجة هم أشد عليهم من جميع من يحاربونه من عدوهم إذ كانوا خلقا عظيما في بلاد كثيرة واسعة جليلة متصلة العمارة آهلة تدعى الأرض الكبيرة هم أكثر عددا من الجليقين وأشد بأسا وأحد شوكة وأعظم أمدادا وهذه الأمة يحاربون أمة الصقالبة المتصلين بأرضهم لمخالفتهم إياهم في الديانة فيسبونهم ويبيعون رقيقهم بأرض الأندلس فلهم هنالك كثرة وتخصيهم للفرنجة يهود ذمتهم الذين بأرضهم وفي ثغر المسلمين المتصل بهم فيحمل حصيانهم من هنالك إلى سائر البلاد وقد تعلم الخصاء قوم من المسلمين هناك فصارو يخصون ويستحلون المثلة بحر المجاز
قال ابن سعيد ومخرج بحر الروم المتصاعد إلى الشام هو بساحل الأندلس الغربي بمكان يقال له الخضراء ما بين طنجة من أرض المغرب وبين الأندلس فيكون قدار عرضه هناك كما زعموا ثمانية عشر ميلا وهذا عرض جزيرة طريف إلى قصر مصمودة بالقرب من سبتة وهناك كانت القنطرة التي يزعم الناس أن الإسكندر بناها ليعبر عليها من بر الأندلس إلى بر العدوة
____________________
(1/145)

ويعرف هذا الموضع بالزقاق وهو صعب المجاز لأنه مجمع البحرين لا تزال الامواج تتطاول فيه والماء يدور وطول هذا الزقاق الذي عرضه ثمانية عشر ميلا مضاعف ذلك إلى ميناء سبتة ومن هناك يأخذ البحر في الاتساع إلى ثمانمائة ميل وأزيد ومنتهاه مدينة صور من الشام وفيه عدد عظيم من الجزائر قال بعضهم إنها ثمان وعشرون جزيرة منها صقلية ومالطة وغيرهما انتهى وبعضه بالمعنى وقال بعضهم عند وصفه ضيق بحر الزقاق قرب سبتة ما صورته ثم يتسع كلما امتد حتى يصير إلى ما لا ذرع له ولا نهاية نبذة عن خراجها وقال بعضهم وكان مبلغ خراج الأندلس الذي كان يؤدي إلى ملوك بني أمية قديما ثلاثمائة ألف دينار دراهم أندلسية كل سنة قوانين وعلى كل مدينة من مدائنهم مال معلوم فكانوا يعطون جندهم ورجالهم الثلث من ذلك مائة ألف دينار وينفقون في أمورهم ونوائبهم ومؤن أهليهم مائة ألف دينار ويدخرون لحادث أيامهم مائة ألف دينار انتهى
وذكر غيره أن الجباية كانت بالأندلس أيام عبد الرحمن الأوسط ألف ألف دينار في السنة وكانت قبل ذلك لا تزيد على
____________________
(1/146)

خبر ابن خلدون عن الأمم التي استوطنتها
وقال قاضي القضاة ابن خلدون الحضرمي في تاريخه الكبير ما صورته كان هذا القطر الأندلسي من العدوة الشمالية من عدوتي البحر الرومي وبالجانب الغربي منها يسمى عند العجم الأندلوش وتسكنه أمم من إفرنجة المغرب أشدهم وأكثرهم الجلالقة وكان القوط قد تملكوه وغلبوا على أهله لمئين من السنين قبل الإسلام بعد حروب كانت لهم مع اللطينيين حاصروا فيها رومة ثم عقدوا معهم السلم على أن ينصرف القوط إلى الأندلس فصاروا إليها وملكوها ولما أخذ الروم واللطينيون بملة النصرانية حملوا من وراءهم بالمغرب من أمم الفرنجة والقوط عليها فدانوا بها وكان ملوك القوط ينزلون طليطلة وكانت دار ملكهم وربما تنقلوا ما بينها وبين قرطبة وإشبيلية وماردة وأقاموا كذلك نحوا من أربعمائة سنة إلى أن جاء الله بالإسلام والفتح وكان ملكهم لذلك العهد يسمى لذريق وهو سمة لملوكهم وكما هو جرجير سمة لملوك صقلية انتهى شيء عن غرناطة وأعمالها
ومن أشهر بلاد الأندلس غرناطة وقيل إن الصواب أغرناطة بالهمز ومعناه بلغتهم الرمانة وكفاها شرفا ولادة لسان الدين بها
وقال الشقندي أما غرناطة فإنها
____________________
(1/147)

الأبصار ومطمح الأنفس ولم تخل من أشراف أماثل وعلماء وأكابر وشعراء أفاضل انتهى ولو لم يكن لها إلا ما خصها الله تعالى به من المرج الطويل العريض ونهر شنيل لكفاها
وفي بعض كلام لسان الدين ما صورته وما لمص تفخر بنيلها وألف منه في شنيلها يعني أن الشين عند أهل المغرب عددها ألف فقولنا شنيل إذا اعتبرنا عدد شينة كان ألف نيل انتهى وفيها قيل
( غرناطة ما لها نظير ** ما مصر ما الشام ما العراق )
( ما هي إلا العروس تجلى ** وتلك من جملة الصداق )
وتسمى كورة إلبيرة التي منها غرناطة دمشق لأن جند دمشق نزلوها عند الفتح وقيل إنما سميت بذلك لشبهها بدمشق في غزارة الانهار وكثرة الأشجار حكاه صاحب مناهج الفكر قال ولما استولى الفرنج على معظم بلاد الأندلس انتقل أهلها إليها فصارت المصر المقصود والمعقل الذي تنضوي إليه العساكر والجنود ويشقها نهر عليه قناطر يجاز عليها وفي قبليها جبل شلير وهو جبل لا يفارقه الثلج صيفا وشتاء وفيه سائر النبات الهندي لكن ليس فيه خصائصه انتهى
ومن أعمال غرناطة قطر لوشة وبها معدن للفضة جيد ومنها أعني لوشة أصل لسان الدين بن الخطيب وهذا القطر ضخم ينضاف إليه
____________________
(1/148)

والقرى كثير وقاعدته لوشة بينها وبين غرناطة مرحلة وهي ذات أنهار وأشجار وهي على نهر غرناطة الشهير بشنيل
ومن أعمال غرناطة الكبار عمل باغة والعامة يقولون بيغه وإذا نسبوا إليه قالوا بيغي وقاعدته باغه طيبة الزرع كثيرة الثمار غزيرة المياه ويجود فيها الزعفران
ومن أعمال غرناطه وادي آش ويقال وادي الأشات وهي مدينة جليلة قد أحدقت بها البساتين والأنهار وقد خص الله أهلها بالأدب وحب الشعر وفيها يقول أبو الحسن بن نزار
( وادي الأشات يهيج وجدي كلما ** أذكرت ما قضت بك النعماء )
( لله ظلك والهيجير مسلط ** قد بردت لفحاته الانداء )
( والشمس ترغب أن تفوز بلحظة ** منه فتطرف طرفها الأفياء )
( والنهر يبسم بالحباب كأنه ** سلخ نضته حية رقشاء )
( فلذاك تحذره الغصون فميلها ** أبدا على جنباته إيماء )
ومن أعمال وادي آش حصن جليانة وهو كبير يضاهي المدن وبه التفاح الجلياني الذي خص الله به ذلك الموضع يجمع عظم الحجم وكرم الجوهر وحلاوة الطعم وذكاء
____________________
(1/149)

آش اثنا عشر ميلا
ومن غرائب الأندلس أن به شجرتين من شجر القسطل وهما عظيمتان جدا إحداهما بسند وادي آش والأخرى ببشرة غرناطة في جوف كل واحدة منهما حائك ينسج الثياب وهذا أمر مشهور قاله أبو عبد الله بن جزي وغيره
وكانت إلبيرة هي المدينة قبل غرناطة فلما بنى الصنهاجي مدينة غرناطة وقصبتها وأسوارها انتقل الناس إليها ثم زاد في عمارتها ابنه باديس بعده شهرة سرقسطة وبرجة ومالقة وأشبونة
وذكر غير واحد أن في كورة سرقسطة الملح الأندراني الأبيض الصافي الأملس الخالص وليس في الأندلس موضع فيه مثل هذا الملح
قال وسرقسطة بناها قيصر ملك رومة الذي تؤرخ من مدته مدة الصفر قبل مولد المسيح على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام وتفسير اسمها قصر السيد لأنه اختار ذلك المكان بالأندلس
وقيل إن موسى بن نصير شرب من ماء نهر جلق بسرقسطة فاستعذبه وحكم أنه لم يشرب بالأندلس أعذب منه وسأل عن اسمه فقيل جلق ونظر إلى ما عليه من البساتين فشبهها بغوطة جلق الشام وقيل إنها من بناء الإسكندر والله أعلم
وبمدينة برجه وهي من أعمال المرية معدن الرصاص وهي على واد مبهج يعرف بوادي
____________________
(1/150)

برجة بهجة لبهجة منظرها وفيها يقول أبو الفضل بن شرف القيرواني رحمه الله تعالى
( رياض تعشقها سندس ** توشت معاطفها بالزهر )
( مدامعها فوق خدي ربى ** لها نضرة فتنت من نظر )
( وكل مكان بها جنة ** وكل طريق إليها سفر )
وقيها أيضا قوله
( حط الرحال ببرجه ** وارتد لنفسك بهجة )
( في قلعة كسلاح ** ودوحة مثل لجة )
( فحصنها لك أمن ** وروضها لك فرجه )
( كل البلاد سواها ** كعمرة وهي حجه )
وبمالقة التين الذي يضرب المثل بحسنه ويجلب حتى للهند والصين وقيل إنه ليس في الدنيا مثله وفيه يقول أبو الحجاج يوسف ابن الشيخ البلوي المالقي حسبما أنشده غير واحد منهم ابن سعيد
( مالقة حييت يا تينها ** الفلك من أجلك ياتينها )
( نهى طبيبي عنه في علتي ** ما لطبيبي عن حياتي نهى )
وذيل عليه الإمام الخطيب أبو محمد عبد الوهاب المنشي بقوله
( وحمص لا تنس لها تينها ** واذكر
____________________
(1/151)


وفي بعض النسخ
( لا تنس لاشبيلية تينها ** واذكر مع التين زياتينها
وهو نحو الأول لأن حمص هي إشبيلية لنزول أهل حمص من المشرق بها حسبما سنذكره
ونسب ابن جزي في ترتيبه لرحلة ابن بطوطة البيتين الأولين للخطيب أبي محمد عبدالوهاب المالقي والتذييل لقاضي الجماعة أبي عبدالله بن عبدالملك فالله أعلم
وقال ابن بطوطة وبمقاله يصنع الفخار المذهب العجيب ويجلب منها أقاصي البلاد ومسجدها كبير الساحة شهير البركة وصحنه لا نظير له في الحسن وفيه أشجار النارنج انتهى
وقال قبله إن مقالة إحدى قواعد الأندلس وبلادها الحسان جامعة بين مرافق البر والبحر كثيرة الخيرات والفواكه رأيت العنب يباع في أسواقها بحساب ثمانية أرطال بدرهم صغير ورمانها المرسي الياقوتي لا نظير له في الدنيا وأما التين واللوز فيجلبان منها ومن أحوازها إلى بلاد المشرق والمغرب انتهى
وبكورة أشبونة المتصلة بشنترين معدن التبر وفيها عسل يجعل في كيس كتان فلا يكون له رطوبة كأنه سكر ويوجد في ريفها العنبر الذي لا
____________________
(1/152)

نبذة عن قرطبة وشهرتها
ومن أشهر مدن الأندلس مدينة قرطبة أعادها الله تعالى الإسلام وبها الجامع المشهور والقنطرة المعروفة بالجسر
وقد ذكر ابن حيان أنه بني على أمر عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ونصه وقام فيها بأمره على النهر الأعظم بدار مملكتها قرطبة الجسر الأكبر الذي ما يعرف في الدنيا مثله انتهى
وفيها يقول بعض علماء الأندلس
( بأربع فاقت الأمصار قرطبة ** منهن قنطرة الوادي وجامعها )
( هاتان ثنتان والزهراء ثالثة ** والعلم أعظم شيء وهو رابعها )
وقال الحجاري في المسهب كانت قرطبة في الدولة المروانية قبة الإسلام ومجتمع أعلام الأنام بها استقر سرير الخلافة المروانية وفيها تمحضت خلاصة القبائل المعدية واليمانية وإليها كانت الرحلة في الرواية إذ كانت مركز الكرماء ومعدن العلماء وهي من الاندلس بمنزلة الرأس من الجسد ونهرها من احسن الأنهار مكتنف بديباج المروج مطرز بالأزهار تصدح في جنباته الأطيار وتنعر النواعير ويبسم النوار وقرطاها الزاهرة والزهراء حاضرتا الملك وأفقا النعماء والسراء وإن كان قد أخنى عليها الزمان وغير بهجة أوجهها الحسان فتلك عادته وسل الخورنق والسدير وغمدان وقد أعذر بإنذاره إذ لم يزل ينادي بصروفه لا أمان لا أمان وقد قال الشاعر
( وما زلت أسمع أن الملوك ** تبني على قدر أخطارها ) انتهى
____________________
(1/153)

وقال السلطان يعقوب المنصور ابن السلطان يوسف ابن السلطان عبد المؤمن بن علي لأحد رؤساء أجنادها ما تقول في قرطبة فخاطبه على ما يقتضيه كلام عامة الأندلس بقوله جوفها شمام وغربيها قمام وقبلتها مدام والجنة هي والسلام
يعني بالشمام جبال الورد ويعني بالقمام ما يؤكل إشارة إلى محرث الكنبانية ويعني بالمدام النهر
ولما قال والده السلطان يوسف بن عبد المؤمن لأبي عمران موسى بن سعيد العنسي ما عندك في قرطبة قال له ما كان لي أن أتكلم حتى أسمع مذهب أمير المؤمنين فيها فقال السلطان إن ملوك بني أمية حين اتخذوها حضرة مملكتهم لعلى بصيرة الديار المنفسحة الكثيرة والشوارع المتسعة والمباني الضخمة المشيدة والنهر الجاري والهواء المعتدل والخارج الناضر والمحرث العظيم والشعراء الكافية والتوسط بين شرق الأندلس وغربها قال فقلت ما أبقى لي أمير المؤمنين ما أقول
قال ابن سعيد ولأهلها رياسة ووقار لا تزال سمة العلم والملك متوارثة فيهم إلا أن عامتها أكثر الناس
____________________
(1/154)

بهم المثل ما بين أهل الأندلس في القيام على الملوك والتشنيع على الولاة وقلة الرضا بأمورهم حتى إن السيد أبا يحيى أخا السلطان يعقوب المنصور قيل له لما انفصل عن ولايتها كيف وجدت أهل قرطبة فقال مثل الجمل إن خففت عنه الحمل صاح وإن أثقلته صاح ما ندري أين رضاهم فنقصده ولا أين سخطهم فنجتنبه وما سلط الله عليهم حجاج الفتنة حتى كان عامتها شرا من عامة العراق وإن العزل عنها لما قاسيته من أهلها عندي ولاية وإني إن كلفت العود إليها لقائل لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين انتهى
وقال أبو الفضل التيفاشي جرت مناظرة بين يدي ملك المغرب المنصور يعقوب بين الفقيه أبي الوليد بن رشد والرئيس أبي بكر بن زهر فقال ابن رشد لابن زهر في تفضيل قرطبة ما أدري ما تقول غير أنه إذا مات عالم بإشبيلية فأريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها وإن مات مطرب بقرطبة فأريد بيع آلاته حملت إلى إشبيلية قال وقرطبة أكثر بلاد الله كتبا انتهى
وحكى الإمام ابن بشكوال عن الشيخ أبي بكر بن سعادة أنه دخل مدينة طليطلة مع أخيه على الشيخ الاستاذ أبي بكر المخزومي قال فسألنا من أين فقلنا من قرطبة فقال متى عهدكما بها فقال الآن وصلنا منها فقال أقربا إلي اشم نسيم قرطبة فقربنا منه فشم رأسي وقبله وقال لي اكتب
( أقرطبة الغراء هل لي أوبة ** إليك وهل يدنو لنا ذلك العهد )
( سقى الجانب الغربي منك غمامة ** وقعقع في ساحات دوحاتك الرعد )
( لياليك أسحار وأرضك روضة ** وتربك في استنشاقها عنبر ورد )
وكتب الرئيس الكاتب أبو
____________________
(1/155)


( يا سيدي وأبي هوى وجلالة ** ورسول ودي إن طلبت رسولا )
( عرج بقرطبة إذا بلغتها ** بأبي الحسين وناده تمويلا )
( وإذا سعدت بنظرة من وجهه ** أهد السلام لكفه تقبيلا )
( واذكر له شوقي وشكري مجملا ** ولو استطعت شرحته تفصيلا )
( بتحية تهدى إليه كأنما ** جرت على زهر الرياض ذيولا )
وفي باب اليهود بقرطبة يقول أبو عامر بن شهيد
( لقد أطلعوا عند باب اليهود ** بدرا أبي الحسن أن يكسفا )
( تراه اليهود على بابها ** أميرا فتحسبه يوسفا )
واستقبحوا قولهم باب اليهود فقالوا باب الهدى وسنذكر قرطبة والزهراء والزاهرة ومسجدها في الباب المنفرد بها إن شاء الله تعالى وكذلك القنطرة إشبيلية وإقليمها ومن أعظم مدن الأندلس
____________________
(1/156)

الهواء وحسن المباني ونهرها الاعظم الذي يصعد المد فيه اثنين وسبعين ميلا ثم يحسر وفيه يقول ابن سفر
( شق النسيم عليه جيب قميصه ** فانساب من شطيه يطلب ثاره
( فتضاحكت ورق الحمام بدوحها ** هزءا فضم من الحياء إزاره )
وقيل لأحد من رأى مصر والشام ايهما رأيت أحسن أهذان أم إشبيلية فقال بعد تفضيل إشبيلية شرفها غابة بلا أسد ونهرها نيل بلا تمساح انتهى
ويقال إن الذي بنى إشبيلية اسمه يوليش وإنه أول من سمي قيصر وإنه لما دخل الأندلس أعجب بساحاتها وطيب أرضها وجبلها المعروف بالشرف فردم على النهر الأعظم مكانا وأقام فيه المدينة وأحدق عليها بأسوار من صخر صلد وبنى في وسط المدينة قصبتين بديعتي الشأن تعرفان بالأخوين وجعلها أم قواعد الأندلس واشتق لها اسما من رومية ومن اسمه فسماها رومية يوليش انتهى
وقد تقدم شيء من هذا
وكان الأولون من ملوك الأعاجم يتداولون بسكناهم أربعة من بلاد الأندلس إشبيلية وقرطبة وقرمونة وطليطلة ويقسمون أزمانهم على
____________________
(1/157)

وأما شرف إشبيلية فهو شريف البقعة كريم التربة دائم الخضرة فرسخ في فرسخ طولا وعرضا لا تكاد تشمس فيه بقعة لالتفاف زيتونه
واعلم أن إشبيلية لها كور جليلة ومدن كثيرة وحصون شريفة وهي من الكور المجندة نزلها جند حمص ولواؤهم في الميمنة بعد لواء جند دمشق وانتهت جباية إشبيلية أيام الحكم بن هشام إلى خمسة وثلاثين ألف دينار ومائة دينار
وفي إقليم طالقة من أقاليم إشبيلية وجدت صورة جارية من مرمر معها صبي وكأن حية تريده لم يسمع في الأخبار ولا رئي في الآثار صورة أبدع منها جعلت في بعض الحمامات وتعشقها جماعة من العوام
وفي كورة ماردة حصن شنت أفرج في غاية الارتفاع لا يعلوه طائر البتة لا نسر ولا غيره
ومن عجائب الأندلس البلاط الأوسط من مسجد جامع أقليش فإن طول كل جائزة منه مائة شبر وأحد عشر شبرا وهي مربعة منحوتة مستوية الأطراف
وقال بعض من وصف إشبيلية إنها مدينة عامرة على ضفة النهر الكبير المعروف بنهر قرطبة وعليه جسر مربوط بالسفن وبها أسواق قائمة وتجارات رابحة وأهلها ذوو أموال عظيمة وأكثر متاجرهم الزيت وهو
____________________
(1/158)

يشتمل على كثير من إقليم الشرف وإقليم الشرف على تل عال من تراب أحمر مسافته أربعون ميلا في مثلها يمشي بها السائر في ظل الزيتون والتين ولها فيما ذكر بعض الناس قرى كثيرة وكل قرية عامرة بالأسواق والديار الحسنة والحمامات وغيرها من المرافق
وقال صاحب مناهج الفكر عند ذكر إشبيلية وهذه المدينة من أحسن مدن الدنيا وبأهلها يضرب المثل في الخلاعة وانتهاز فرصة الزمان الساعة بعد الساعة ويعينهم على ذلك واديها الفرج وناديها البهج وهذا الوادي يأتيها من قرطبة ويجزر في كل يوم ولها جبل الشرف وهو تراب أحمر طوله من الشمال إلى الجنوب أربعون ميلا وعرضه من المشرق إلى المغرب اثنا عشر ميلا يشتمل على مائتين وعشرين قرية قد التحفت بأشجار الزيتون واشتملت انتهى شهرة باجة وجبل طارق
ولكورة باجة من الكور الغربية التي كانت من أعمال إشبيلية أيام بني عباد خاصية في دباغة الأديم وصناعة الكتان وفيها معدن فضة وبها ولد المعتمد بن عباد وهي متصلة بكورة ماردة
ولجبل طارق حوز قصب السبق بنسبته إلى طارق مولى موسى بن نصير
____________________
(1/159)

إذ كان أول ما حل به مع المسلمين من بلاد الأندلس عند الفتح ولذا شهر بجبل الفتح وهو مقابل الجزيرة الخضراء وقد تجون البحر هنالك مستديرا حتى صار مكان هذا الجبل كالناظر للجزيرة الخضراء وفيه يقول مطرف شاعر غرناطة
( وأقود قد ألقى على البحر متنه ** فأصبح عن قود الجبال بمعزل )
( يعرض نحو الأفق وجها كأنما ** تراقب عيناه كواكب منزل )
وإذا أقبل عليه المسافرون من جهة سبتة في البحر بان كأنه سرج قال أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد أقبلت عليه مرة مع والدي فنظرنا إليه على تلك الصفة فقال والدي أجز
( انظر إلى جبل الفتح ** راكبا متن لج )
فقلت
( وقد تفتح مثل الأفنان ** في شكل سرج )
وأما جزيرة طريف فليست بجزيرة وإنما سميت بذلك الجزيرة التي أمامها في البحر مثل الجزيرة الخضراء وطريف المنسوبة إليه بربري من موالي موسى بن نصير ويقال إن موسى بعثه قبل طارق في أربعمائة رجل فنزل بهذه الجزيرة في رمضان سنة إحدى وتسعين وبعده دخل طارق
____________________
(1/160)

كورة طليطلة وما تشتهر به
ومن أعظم كور الأندلس كورة طليطلة وهي من متوسط الأندلس وكانت دار مملكة بني ذي النون من ملوك الطوائف وكان ابتداء ملكهم صدر المائة الخامسة وسماها قيصر بلسانه بزليطة وتأويل ذلك أنت فارح فعربتها العرب وقالت طليطلة وكانوا يسمونها وجهاتها في دولة بني أمية بالثغر الأدنى ويسمون سرقسطة وجهاتها بالثغر الأعلى وتسمى طليطلة مدينة الأملاك لأنها فيما يقال ملكها اثنان وسبعون إنسانا ودخلها سليمان بن داود عليهما السلام وعيسى بن مريم وذو القرنين وفيها وجد طارق مائدة سليمان وكانت من ذخائر اشبان ملك الروم الذي بنى إشبيلية أخذها من بيت المقدس كما مر وقومت هذه المائدة عند الوليد بن عبد الملك بمائة ألف دينار وقيل إنها كانت من زمرد أخضر ويقال إنها الآن برومة والله أعلم بذلك
ووجد طارق بطليطلة ذخائر عظيمة منها مائة وسبعون تاجا من الدر والياقوت والأحجار النفيسة وإيوان ممتلىء من أواني الذهب والفضة وهو كبير حتى قيل إن الخيل تلعب فيه فرسانها برماحهم لوسعه وقد قيل إن أواني المائدة من الذهب وصحافها من اليشم والجزع وذكروا فيها غير هذا مما لا يكاد يصدقه الناظر فيه
وبطليطلة بساتين محدقة وأنهار مخترقة ورياض وجنان وفواكه حسان مختلفة الطعوم
____________________
(1/161)

وضياع بديعة وقلاع منيعة وبالجملة فمحاسنها كثيرة ولعلنا نلم ببعض متنزهاتها فيما يأتي من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى
وطليطلة قاعدة ملك القوطين وهي مطلة على نهر تاجه وعليه كانت القنطرة التي يعجز الواصفون عن وصفها وكانت على قوس واحد تكنفه فرختان من كل جانب وطول القنطرة ثلاثمائة باع وعرضها ثمانون باعا وخربت أيام الأمير محمد لما عصى عليه أهلها فغزاهم واحتال في هدمها وفي ذلك يقول الحكيم عباس بن فرناس
( أضحت طليطلة معطلة ** من أهلها في قبضة الصقر )
( تركت بلا أهل تؤهلها ** مهجورة الاكناف كالقبر )
( ما كان يبقي الله قنطرة ** نصبت لحمل كتائب الكفر )
وسيأتي بعض أخبار طليطلة مدينة المرية وما تشتهر به
ومن مشهور مدن الأندلس وهي على ساحل البحر ولها القلعة المنيعة المعروفة بقلعة خيران بناها عبد الرحمن الناصر وعظمت في دولة المنصور بن أبي عامر وولى عليها مولاه خيران فنسبت القلعة إليه وبها من صنعه الديباج ما تفوق به على سائر البلاد وفيها دار الصناعة وتشتمل كورتها على معدن الحديد والرخام ومن
____________________
(1/162)

عقاب من حجر قديم عجيب المنظر
وقال بعضهم كان بالمرية لنسج طرز الحرير ثمانمائة نول وللحلل النفيسة والديباج الفاخر ألف نول ولللأسقاطون كذلك وللثياب الجرجانية كذلك وللأصفهانية مثل ذلك وللعنابي والمعاجر المدهشة والستور المكللة ويصنع بها من صنوف آلات الحديد والنحاس والزجاج ما لا يوصف وفاكهة المرية يقصر عنها الوصف حسنا وساحلها أفضل السواحل وبها قصور الملوك القديمة الغريبة العجيبة وقد ألف فيها أبو جعفر ابن خاتمة تاريخا حافلا سماه ب مزية المرية على غيرها من البلاد الأندلسية في مجلد ضخم تركته من جملة كتبي بالمغرب والله سبحانه المسؤول في جمع الشمل فله الأمر من بعد ومن قبل
ووادي المرية طوله أربعون ميلا في مثلها كلها بساتين بهجة وجنات نضرة وأنهار مطردة وطيور مغردة
قال بعضهم ولم يكن في بلاد الأندلس أكثر مالا من أهل المرية ولا أعظم متاجر وذخائر وكان بها من الحمامات والفنادق نحو الألف وهي بين الجبلين بينهما خندق معمور وعلى الجبل الواحد قصبتها المشهورة بالحصانة وعلى الآخر ربضها والسور محيط بالمدينة والربض وغربيها ربض لها آخر يسمى ربض الحوض ذو فنادق وحمامات وخنادق وصناعات وقد استدار بها من كل جهة حصون مرتفعة وأحجار اولية وكأنما غربلت أرضها من
____________________
(1/163)

شنترة وخواصها
وقال ابن اليسع عند ذكره مدينة شنترة إن من خواصها أن القمح والشعير يزرعان فيها ويحصدان عند مضي أربعين يوما من زراعته وإن التفاح فيها دور كل واحدة ثلاثة أشبار وأكثر قال لي أبو عبد الله الباكوري وكان ثقة أبصرت عند المعتمد بن عباد رجلا من أهل شنترة أهدى إليه أربعا من التفاح ما يقل الحامل على رأسه غيرها دور كل واحدة خمسة أشبار وذكر الرجل أن المعتاد عندهم أقل من هذا فإذا أرادوا أن يجيء بهذا العظم قطعوا أصلها وأبقوا منه عشرا أو أقل وجعلوا تحتها دعامات من الخشب انتهى شنش وسهيل وتدمير
وبحصن شنش على مرحلة من المرية التوت الكثير وفيها الحرير والقرمز ويعرف واديها بوادي طبرنش
وبغربي مالقة عمل سهيل وهو عمل عظيم كثير الضياع وفيه جبل سهيل لا يرى نجم سهيل بالاندلس إلا منه
ومن كور الأندلس الشرقية تدمير وتسمى مصر أيضا لكثرة شبهها بها لأن لها أرضا يسيح عليها نهر في وقت بخصوص من السنة ثم ينضب عنها فتزرع كما تزرع أرض مصر وصارت القصبة بعد تدمير مرسية وتسمى البستان
____________________
(1/164)

أقاليم الأندلس وكور كل إقليم
واعلم أن جزيرة الأندلس أعادها الله للإسلام مشتملة على موسطة وشرق وغرب
فالموسطة فيها من القواعد الممصرة التي كل مدينة منها مملكة مستقلة لها أعمال ضخام وأقطار متسعة قرطبة وطليطلة وجيان وغرناطة والمرية ومالقة فمن أعمال قرطبة إستجة وبلكونة وقبرة ورندة وغافق والمدور وأسطبة وبيانة واليسانة والقصير وغيرها ومن أعمال طليطلة وادي الحجارة وقلعة رباح وطلمنكة وغيرها ومن أعمال جيان أبذة وبياسة وقسطلة وغيرها ومن أعمال غرناطة وادي آش
____________________
(1/165)

ومن أعمال المرية أندرش وغيرها ومن أعمال مالقة بلش والحامة وغيرهما وببلش من الفواكه ما بمالقة وبالحامة العين الحارة على ضفة واديها
وأما شرق الأندلس ففيه من القواعد مرسية وبلنسية ودانية والسهلة والثغر الاعلى فمن أعمال مرسية أوريولة والقنت ولورقة وغير ذلك ومن أعمال بلنسية شاطبة ويضرب بحسنها المثل ويعمل بها الورق الذي لا نظير له وجزيرة شقر وغير ذلك وأما دانية فهي شهيرة ولها أعمال وأما السهلة فإنها متوسطة بين بلنسية وسرقسطة ولذا عدها بعضهم من كور الثغر الأعلى ولها مدن وحصون ومن أعمال الثغر الأعلى سرقسطة وهي أم ذلك الثغر وكورة لإرادة وقلعة رباح وتسمى بالبيضاء وكورة تطيلة ومدينتها طرسونة وكورة وشقة ومدينتها تمريط وكورة مدينة سالم وكورة قلعة أيوب ومدينتها مليانة
____________________
(1/166)


وأما غرب الأندلس ففيه إشبيلية وماردة وأشبونة وشلب فمن أعمال إشبيلية شريش والخضراء ولبلة وغيرها ومن أعمال ماردة بطليوس ويابرة وغيرهما ومن أعمال أشبونة شنترين وغيرها ومن أعمال شلب شنت مرية وغيرها الجزر البحرية
وأما الجزر البحرية بالأندلس فمنها جزيرة قادس وهي من أعمال إشبيلية وقال ابن سعيد إنها من كورة شريش ولا منافاة لأن شريشا من أعمال إشبيلية كما مر قال وبيد صنم قادس مفتاح ولما ثار بقادس ابن أخت القائد أبي عبد الله بن ميمون وهو علي بن عيسى قائد البحر بها ظن أن تحت الصنم مالا فهدمه فلم يجد شيئا انتهى
وهي أعني جزيرة قادس في البحر المحيط وفي المحيط الجزائر الخالدات السبع وهي غربي مدينة سلا تلوح للناظر في اليوم الصاحي الخالي الجو من الأبخرة الغليظة وفيها سبة أصنام على أمثال الآدميين تشير أن لا عبور ولا مسلك وراءها وفيه بجهة الشمال جزائر السعادات وفيها من المدن والقرى ما لا يحصى ومنها يخرج قوم يقال لهم المجوس على دين النصارى أولها جزيرة برطانية وهي بوسط البحر المحيك بأقصى شمال الأندلس ولا جبال فيها ولا عيون وإنما يشربون من ماء المطر ويزرعون عليه
قال ابن
____________________
(1/167)

كثير السمك ومنها يحمل مملحا إلى إشبيلية وهي من كورة لبلة مضافة إلى عمل أونبة انتهى قرطاجنة وخواصها
وقال بعضهم لما أجرى ذكر قرطاجنة من بلاد الأندلس إن الزرع في بعض أقطارها يكتفي بمطرة واحدة وبها أقواس من الحجارة المقربصة وفيها من التصاوير والتماثيل وأشكال الناس وصور الحيوانات ما يحير البصر والبصيرة ومن أعجب بنائها الدواميس وهي أربعة وعشرون على صف واحد من حجارة مقربصة طول كل داموس مائة وثلاثون خطوة في عرض ستين خطوة وارتفاع كل واحد أكثر من مائتي ذراع بين كا داموسين أنقاب محكمة تتصل فيها المياه من بعضها إلى بعض في العلو الشاهق بهندسة عجيبة وإحكام بديع انتهى
قلت أظن هذا غلظا فإن قرطاجنة التي بهذه الصفة قرطاجنة إفريقية لا قرطاجنة الأندلس والله أعلم
وقال صاحب مناهج الفكر عندما ذكر قرطاجنة وهي على البحر الرومي مدينة قديمة بقي منها آثار
____________________
(1/168)

معمور بالقرى انتهى
وذكر قبل ذلك في لورقة أن بناحيتها يوجد حجر اللازورد
وفي البحر الشامي الخارج من المحيط جزيرتا ميورقة ومنورقة وبينهما خمسون ميلا وجزيرة ميورقة مسافة يوم بها مدينة حسنة وتدخلها ساقية جارية على الدوام وفيها يقول ابن اللبانة
( بلد أعارته الحمامة طوقها ** وكساه حلة ريشه الطاووس )
( فكأنما الأنهار فيه مدامة ** وكأن ساحات الديار كؤوس )
وقال يخاطب ملكها ذلك الوقت
( وغمرت بالإحسان أرض ميورقة ** وبنيت ما لم يبنه الإسكندر )
وجزيرة يابسة
واستقصاء ما يتعلق بهذا الفصل يطول ولو تتبع لكان تأليفا مستقلا وما
____________________
(1/169)


( إن للجنة بالأندلس ** مجتلى حسن وريا نفس )
( فسنا صبحتها من شنب ** ودجى ليلتها من لعس )
( وإذا ما هبت الريح صبا ** صحت واشوقي إلى الأندلس )
وقال بعضهم في طليطلة
( زادت طليطلة على ما حدثوا ** بلد عليه نضرة ونعيم )
( الله زينه فوشح خصره ** نهر المجرة والغصون نجوم ) رسالة أبي البحر في تغاير مدن الأندلس
ولا حرج إن أوردنا هنا ما خاطب به أديب الأندلس أبو بحر صفوان بن إدريس الأمير عبد الرحمن ابن السلطان يوسف بن عبد المؤمن بن علي فإنه مناسب ونصه مولاي أمتع الله ببقائك الزمان وأبناءه كما ضم على حبك أحناءهم وأحناءه ووصل لك ما شئت من اليمن والأمان كما نظم قلائد فخرك على لبة الدهر نظم الجمان فإنك الملك الهمام والقمر التمام أيامك غرر وحجول وفرند بهائها في صفحات الدهر يجول ألبست الرعية برود التأمين فتنافست فيك من نفيس ثمين وتلقت دعوات خلدك لها باليمين فكم للناس من أمن بك وإيناس وللأيام من لوعة فيك وهيام وللأقطار من لبانات لديك وأوطار وللبلاد من قراع لها على تملكك لها وجلاد يتمنون شخصك الكريم على الله ويقترحون ويغتبقون في رياض ذكرك العاطر بمدام حبك ويصطحبون { كل حزب بما لديهم فرحون } الروم 32 محبة من الله ألقاها لك حتى على الجماد
____________________
(1/170)

مؤزرا تنطق به ألسنة السيوف على أفواه الأغماد ومن أسر سريرة ألبسه الله رداءها ومن طوى حسن نية ختم الله له بالجميل إعادتها وإبداءها ومن قدم صالحا فلا بد أن يوازيه ومن يفعل الخير لا يعدم جوازيه ولما تخاصمت فيك من الأندلس الأمصار وطال بها الوقوف على حبك والاقتصار كلها يفصح قولا ويقول أنا أحق وأولى ويصيخ إلى إجابة دعوته ويصغي ويتلو إذا بشر بك { ذلك ما كنا نبغ } الكهف 64 تنمرت حمص غيظا وكادت تفيض فيضا وقالت ما لهم يزيدون وينقصون ويطمعون ويحرصون { إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } يونس 66 لي السهم الأسد والساعد الأشد والنهر الذي يتعاقب عليه الجزر والمد أنا مصر الأندلس والنيل نهري وسماء التأنس والنجوم زهري إن تجاريتم في ذلك الشرف فحسبي أن أفيض في ذكر الشرف وإن تبجحتم بأشرف اللبوس فأي إزار اشتملتموه كشنتبوس لي ما شئت من أبنيه رحاب وروض يستغني بنضرته عن السحاب قد ملأت زهراتي وهادا ونجادا وتوشح سيف نهري بحدائقي نجادا فأنا أولاكم بسيدنا الهمام وأحق { الآن حصحص الحق } يوسف 51
فنظرتها قرطبة
____________________
(1/171)

الأصم بزرا كلام العدى ضرب من الهذيان وأنى للإيضاح والبيان متى استحال المستقبح مستحسنا ومن أودع أجفان المهجور وسنا { أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا } فاطر 8 يا عجبا للمراكز تقدم على الأسنة وللأثفار تفضل على الإعنة إن ادعيتم سبقا فما عند الله خير وأبقى لي البيت المطهر الشريف والاسم الذي ضرب عليه رواقه التعريف في بقيعي محل الرجال الأفاضل فليرغم أنف المناضل وفي جامعي مشاهد ليلة القدر فحسبي من نباهة القدر فما لأحد أن يستأثر علي بهذا السيد الأعلى ولا أرتضي له أن يوطىء غير ترابي نعلا فأقروا لي بالأبوة وانقادوا على حكم النبوة { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة } وكفوا عن تباريكم { ذلكم خير لكم عند بارئكم }
فقالت غرناطة لي المعقل الذي يمتنع ساكنه من النجوم ولا تجري إلا تحته جياد الغيم السجوم فلا يلحقني من معاند ضرر ولا حيف ولا يهتدي إلي خيال طارق ولا طيف فاستسلموا قولا وفعلا فقد أفلح اليوم من استعلى لي بطاح تقلدت من جداولها أسلاكا واطلعت كواكب زهرها فعادت أفلاكا ومياه تسيل على أعطافي كأدمع العشاق وبرد نسيم يرد ذ ماء المستجير بالانتشاق فحسبي لا يطمع فيه ولا يحتال فدعوني فكل ذات ذيل تختال فأنا أولى بهذا السيد الأعدل وما لي به من عوض ولا بدل ولم لا يعطف علي
____________________
(1/172)


( بلاد بها عق الشباب تمائمي ** وأول أرض مس جلدي ترابها )
فما لكم تعتزون لفخري وتنتمون وتتأخرون في ميداني وتتقدمون تبرأوا إلي مما تزعمون { ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } التوبة 41
فقالت مالقة أتتركوني بينكم هملا ولم تعطوني في سيدنا أملا ولم ولي البحر العجاج والسبل الفجاج والجنات الأثيرة والفاكهة الكثيرة لدي من البهجة ما تستغني به الحمام عن الهديل ولا تجنح الأنفس الرقاق الحواشي إلى تعويض عنه ولا تبديل فما لي لا أعطي في ناديكم كلاما ولا انشر في جيش فخاركم أعلاما
فكأن الأمصار نظرتها ازدراء فلم تر لحديثها في ميدان الذكر إجراء لأنها موطن لا يحلى منه بطائل ونظن البلاد تأولت فيها قول القائل
( إذا نطق السفيه فلا تجبه ** فخير من إجابته السكوت )
فقالت مرسية أمامي تتعاطون الفخر وبحضرة الدر تنفقون الصخر إن عدت المفاخر فلي منها الأول والآخر أين أوشالكم من بحري وخرزكم من لؤلؤ نحري وجعجعتكم من نفثات سحري فلي الروض النضير والمرأى الذي ما له من نظير وزنقاتي التي سار مثلها في الآفاق وتبرقع وجه جمالها بغرة الإصفاق فمن دوحات كم لها من بكور وروحات ومن أرجاء إليها تمد أيدي الرجاء فأبنائي فيها في الجنة الدنيوية مودعون يتنعمون فيما يأخذون ويدعون ولهم فيها ما تشتهي أنفسهم ولهم فيها ما يدعون فانقادوا لأمري وحاذروا اصطلاء جمري وخلوا
____________________
(1/173)

بيني وبين سيدنا أبي زيد وإلا ضربتكم ضرب زيد فأنا أولاكم بهذا الملك المستأثر بالتعظيم { وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } فصلت 35
فقالت بلنسية فيم الجدال والقراع وعلام الاستهام والاقتراع وإلام التعريض والتصريح وتحت الرغوة اللبن الصريح أنا أحوزه من دونكم فأخمدوا ناري تحرككم وهدونكم فلي المحاسن الشامخة الأعلام والجنات التي تلقي إليها الآفاق يد الاستسلام وبرصافتي وجسري أعارض مدينة السلام فأجمعوا على الانقياد لي والسلام وإلا فعضوا بنانا واقرعوا أسنانا فأنا حيث لا تدركون وأنى ومولانا لا يهلكنا بما فعل السفهاء منا
فعند ذلك ارتمت جمرة تدمير بالشرار واستدت أسهمها لنحور الشرار وقالت عش رجبا تر عجبا أبعد العصيان والعقوق تتهيئين لرتب ذوي الحقوق هذه سماء الفخر فمن ضمك أن تعرجي ليس بعشك فادرجي لك الوصب والخبل { آلآن وقد عصيت قبل } يونس 91 أيتها الصانعة الفاعلة من أداك أن تطري وما أنت ناعلة ما الذي يجديك الروض والزهر أم ما يفيدك الجدول والنهر وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر هل أنت إلا محط رحل النفاق
____________________
(1/174)

لسوق الخصب فيه من نفاق ذراك لا يكتحل الطرف فيه بهجوع وقراك لا يسمن ولا يغني من جوع فإلام تبرز الإماء في منصة العقائل ولكن اذكري قول القائل
( بلنسية بيني عن القلب سلوة ** فإنك روض لا أحن لزهرك )
( وكيف يحب المرء دارا تقسمت ** على صارمي جوع وفتنة مشرك )
بيد أني أسأل الله تعالى أن يوقد من توفيقك ما خمد ويسيل من تسديدك ما جمد ولا يطيل عليك في الجهالة الأمد وإياه سبحانه نسأل أن يرد سيدنا ومولانا إلى أفضل عوائده ويجعل مصائب أعدائه من فوائده ويمكن حسامه من رقاب المشغبين ويبقيه وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويصل له تأييدا وتأبيدا ويمهد له الأيام حتى تكون الأحرار لعبيد عبيده عبيدا ويمد على الدنيا بساط سعده ويهبه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده
( آمين آمين لا أرضى بواحدة ** حتى أضيف إليها ألف آمينا )
ثم السلام الذي يتأنق عبقا ونشرا ويتألق رونقا وبشرا على حضرتهم العلية ومطالع أنوارهم الجلية ورحمة الله تعالى وبركاته انتهى عود إلى ذكر غرناطة
ولما ألم الرحالة ابن بطوطة في رحلته بدخوله
____________________
(1/175)

الله تعالى للإسلام قال فوصلت إلى بلاد الأندلس حرسها الله تعالى حيث الأجر موفور للساكن والثواب مذخور للمقيم والظاعن إلى أن قال عند ذكره غرناطة ما نصه قاعدة بلاد الأندلس وعروس مدنها وخارجها لا نظير له في الدنيا وهو مسيرة أربعين ميلا يخترقه نهر شنيل المشهور وسواه من الأنهار الكثيرة والبساتين والجنات الرياضات والقصور والكروم محدقة بها من كل جهة ومن عجيب مواضعها عين الدمع وهو جبل فيه الرياضات والبساتين لا مثل له بسواها انتهى
وقال الشقندي غرناطة دمشق بلاد الأندلس ومسرح الأبصار ومطمح الأنفس ولم تخل من أشراف أماثل وعلماء أكابر وشعراء أفاضل ولو لم يكن بها إلا ما خصها الله تعالى به من كونها قد نبغ فيها النساء الشواعر كنزهون القلعية والركونية وغيرهما وناهيك بهما في الظرف والأدب انتهى
ولبعضهم يتشوق إلى غرناطة فيما ذكر بعض المؤرخين والصواب أن الأبيات قيلت في قرطبة كما مر والله أعلم
( أغرناطة الغراء هل لي أوبة ** إليك وهل يدنو لنا ذلك العهد )
( سقى الجانب الغربي منك غمائم ** وقعقع في ساحات روضتك الرعد )
( لياليك أسحار وأرضك جنة ** وتربك في استنشاقها عنبر ورد )
وقال
____________________
(1/176)


( رعى الله بالحمراء عيشا قطعته ** ذهبت به للأنس والليل قد ذهب )
( ترى الأرض منها فضة فإذا اكتسبت ** بشمس الضحى عادت سبيكتها ذهب )
وهو القائل
( لا تظنوا أن شوقي خمدا ** بعدكم أو أن دمعي جمدا )
( كيف أسلوا عن أناس مثلهم ** قل أن تبصر عيني أحدا )
وغرناطة من أحسن بلاد الأندلس وتسمى بدمشق الأندلس لأنها أشبه شيء بها ويشقها نهر حدره ويطل عليها الجبل المسمى بشلير الذي لا يزول الثلج عنه شتاء وصيفا ويجمد عليه حتى يصير كالحجر الصلد وفي أعلاه الأزاهر الكثيرة وأجناس الأفاوية الرفعية ونزل بها أهل دمشق لما جاءوا إلى الأندلس لأجل الشبه المذكور وقرى غرناطة فيما ذكر بعض المتأخرين مائتان وسبعون قرية
وقال ابن جزي مرتب رحلة ابن بطوطة بعد ذكره كلامه ما نصه قال ابن جزي لولا خشية أن أنسب إلى العصبية لأطلت القول في وصف غرناطة فقد وجدت مكانه ولكن ما اشتهر كاشتهارها لا معنى لإطالة القول فيه ولله در شيخنا أبي بكر ابن محمد بن شبرين السبتي نزيل غرناطة حيث يقول
( رعى الله من غرناطة متبوأ ** يسر حزينا أو يجير طريدا )
( تبرم منها صاحبي عندما رأى ** مسارحها بالثلج عدن جليدا )
____________________
(1/177)


( هي الثغر صان الله من أهلت به ** وما خير ثغر لا يكون برودا )
وقال ابن سعيد عندما أجرى ذكر قرية نارجة وهي قرية كبيرة تضاهي المدن قد أحدقت بها البساتين ولها نهر يفتن الناظرين وهي من أعمال مالقة إنه اجتاز مرة عليها مع والده أبي عمران موسى وكان ذلك الزمان صباغة الحرير عندهم وقد ضربوا في بطن الوادي بين مقطعاته خيما وبعضهم يشرب وبعضهم يغني ويطرب وسألوا بم يعرف ذلك الموضع فقالوا الطراز فقال والدي اسم طابق مسماه ولفظ وافق معناه
( وقد وجدت مكان القول ذا سعة ** فإن وجدت لسانا قائلا فقل ثم قال اجز
( بنارجة حيث الطراز المنمنم ** ) فقلت
( أقم فوق نهر ثغره يتبسم ** ) فقال
( وسمعك نحو الهاتفات فإنها ** ) فقلت
( لما أبصرت من بهجة تترنم ** ) فقال
( أيا جنة الفردوس لست بآدم ** ) فقلت
( فلا يك حظي من جناك التندم ** ) فقال
( يعز علينا أن نزورك مثل ما ** ) فقلت
( يزور خيال من سليمى مسلم ** ) فقال
( فلو أنني أعطي الخيار لم عدت ** ) فقلت
( محلك لي عين بمرآك تنعم ** ) فقال
( بحيث الصبا
____________________
(1/178)

فقلت
( وقت لسع روض فيه للنهر أرقم ** ) فقال
( فوا أسفي إن لم تكن لي عودة ** ) فقلت
( فكن مالكا إني عليك متمم ** ) فقال
( فأحسب هذا آخر العهد بيننا ) فقلت
( وقد يلحظ الرحمن شوقي فيرحم ** ) فقال
( سلام سلام لا يزال مرددا ** ) فقلت
( عليك ولا زالت بك السحب تسجم ** ) بلنسية وبعض قراها
وقال ابن سعيد إن كورة بلنسية من شرق الأندلس تنبت الزعفران وتعرف بمدينة التراب وبها كمثرى تسمى الأرزة في قدر حبة العنب قد جمع مع حلاوة المطعم ذكاء الرائحة إذا دخل دارا عرف بريحه ويقال إن ضوء بلنسية يزيد على ضوء سائر بلاد بالأندلس وبها منازه ومسارح ومن أبدعها وأشهرها الرصافة ومنية ابن أبي عامر
وقال الشرف أبو جعفر بن مسعدة الغرناطي من أبيات فيها
( هي الفردوس في الدنيا جمالا **
____________________
(1/179)


( ضاقت بلنسية بي ** وذاد عني غموضي )
( رقص البراغيث فيها ** على غناء البعوض )
وفيها لابن الزقاق البلنسي
( بلنسية إذا فكرت فيها ** وفي آياتها أسنى البلاد )
( وأعظم شاهدي منها عليها ** وأن جمالها للعين بادي )
( كساها ربها ديباج حسن ** له علمان من بحر ووادي )
وقال ابن سعيد أيضا أنشدني والدي قال أنشدني مروان بن عبد الله ابن عبد العزيز ملك بلنسية لنفسه بمراكش قوله
( كأن بلنسية كاعب ** وملبسها سندس أخضر )
( إذا جئتها سترت نفسها ** بأكمامها فهي لا تظهر )
وأما قول أبي عبد الله بن عياش بلنسية بيني البيتين وقد سبقا فقال ابن سعيد إن ذلك حيث صارت ثغرا يصابحها العدو ويماسيها انتهى
وقال أبو الحسن بن حريق يجاوب ابن عياش
( بلنسية قرارة كل حسن ** حديث صح في شرق وغرب
____________________
(1/180)


( فإن قالوا محل غلاء سعر ** ومسقط ديمتي طعن وضرب )
( فقل هي جنة حفت رباها ** بمكروهين من جوع وحرب )
وقال الرصافي في رصافتها
( ولا كالرصافة من منزل ** سقته السحائب صوب الولي )
( أحن إليها ومن لي بها ** وأين السري من الموصلي )
وقال ابن سعيد وبرصافة بلنسية مناظر وبساتين ومياه ولا نعلم في الأندلس ما يسمى بهذا الإسم إلا هذه ورصافة قرطبة انتهى
ومن أعمال بلنسية قرية المنصف التي منها الفقيه الزاهد أبو عبد الله المنصفي وقبره كان بسبتة يزار رحمه الله تعالى ومن نظمه
( قالت لي النفس أتاك الردى ** وأنت في بحر الخطايا مقيم )
( فما ادخرت الزاد قلت اقصري ** هل يحمل الزاد لدار الكريم )
ومن عمل بلنسية قرية بطرنة وهي التي كانت فيها الوقيعة المشهورة للنصارى على المسلمين وفيها يقول أبو إسحاق بن معلى الطرسوني
( لبسوا الحديد إلى الوغى ولبستم ** حلل الحرير عليكم ألوانا )
( ما كان أقبحهم وأحسنكم بها ** لو لم يكن ببطرنة ما كانا )
ومن عمل بلنسية متيطة التي نسب إليه جماعة من العلماء والأدباء
____________________
(1/181)


ومن عمل بلنسية مدينة أندة التي في جبلها معدن الحديد وأما رندة بالراء فهي في متوسط الأندلس ولها حصن يعرف بأندة أيضا متفرجات إشبيلية
وفي إشبيلية أعادها الله من المتفرجات والمتنزهات كثير ومن ذلك مدينة طريانة فإنها من مدن إشبيلية ومنتزهاتها وكذلك تيطل فقد ذكر ابن سعيد جزيرة تيطل في المتفرجات موسى بن سعيد يأبى فراق الأندلس
وقال أبو عمران موسى بن سعيد في جوابه لأبي يحيى صاحب سبتة لما استوزره مستنصر بني عبد المؤمن وكتب إلى المذكور يرغبه في النقلة عن الأندلس إلى مراكش ما نص محل الحاجة منه وأما ما ذكر سيدي من التخيير بين ترك الأندلس وبين الوصول إلى حضرة مراكش فكفى الفهم العالي من الإشارة قول القائل
( والعز محمود وملتمس ** وألذة ما نيل في الوطن )
فإذا نلت بك السماء في تلك الحضرة فعلى من أسود فيها ومن ذا أضاهي بها
( لا رقت بي همة إن لم أكن ** فيك قد أملت فوق الأمل )
وبعد هذا فكيف أفارق الأندلس وقد علم سيدي
____________________
(1/182)

حباها الله به من اعتدال الهواء وعذوبة لماء وكثافة الأفياء وأن الإنسان لا يبرح فيها بين قرة عين وقرار نفس
( هي الأرض لا ورد لديها مكدر ** ولا ظل مقصور ولا روض مجدب )
أفق صقيل وبساط مدبج وماء سائح وطائر مترنم بليل وكيف يعدل الأديب عن أرض على هذه الصفة فيا سموأل الوفاء ويا حاتم السماح ويا جذيمة الصفاء كمل لمن أملك النعمة بتركه في موطنه غير مكدر لخاطره بالتحرك من معدنه ملتفتا إلى قول القائل
( وسولت لي نفسي أن أفارقها ** والماء في المزن أصفى منه في الغدر )
فإن أغناه اهتمام مؤمله عن ارتياد المراد وبلغه دون أن يشد قتبا ولا أن ينضي عيسا غاية المراد أنشد ناجح المرغوب بالغ المطلوب
( وليس الذي يتبع الوبل رائدا ** كمن جاءه في داره رائد الوبل )
ورب قائل إذا سمع هذا التبسط على الأماني ما له تشطط وعدل عن سبيل التأدب وتبسط ولا جواب عندي إلا قول القائل
( فهذه خطة ما زلت أرقبها ** فاليوم أبسط آمالي وأحتكم )
وما لي لا أنشد ما قاله المتنبي في سيف الدولة
( ومن كنت بحرا له يا علي ** لم يقبل
____________________
(1/183)

شريش ومجبناتها
وقال الحجاري إن مدينة شرقين بنت إشبيلية وواديها ابن واديها ما أشبه سعدى بسعيد وهي مدينة جليلة ضخمة الأسواق لأهلها همم وظرف في اللباس وإظهار الرفاهية وتخلق بالآداب ولا تكاد ترى بها إلا عاشقا ومعشوقا ولها من الفواكه ما يعم ويفضل ومما اختصت به إحسان الصنعة في المجبنات وطيب جبنها يعين على ذلك ويقول أهل الأندلس من دخل شريش ولم يأكل بها المجبنات فهو محروم انتهى
والمجبنات نوع من القطائف يضاف إليها الجبن في عجينها وتقلى بالزيت الطيب شلب وكورة أكشونبة
وفي شلب يقول الفاضل الكاتب أبو عمرو بن مالك بن سيدمير
( أشجاك النسيم حين يهب ** أم سنى البرق إذ يخب ويخبو )
( أم هتوف على الأراكة تشدو ** أم هتون من الغمامة سكب )
( كل هذاك للصبابة داع ** أي صب دموعه لا تصب )
( أنا لولا النسيم والبرق والورق ** وصوب الغمام ما كنت أصبو )
( ذكرتني شلبا وهيهات مني ** بعدما استحكم التباعد شلب )
وتسمى أعمال شلب كورة أكشونبة وهي متصلة بكورة أشبونة وهي أعني أكشونبة قاعدة جليلة
____________________
(1/184)


وبينها وبين قرطبة سبعة أيام ولما صارت لبني عبد المؤمن ملوك مراكش أضافوها إلى كورة إشبيلية وتفتخر شلب بكون ذي الوزارتين ابن عمار منها سامحه الله
ومنها القائد أبو مروان عبد الملك بن بدران وربما قيل ابن بدرون الأديب المشهور شارح قصيدة ابن عبدون التي أولها
( الدهر يفجع بعد العين بالأثر ** فما البكاء على الأشباح والصور )
وهذا الشرح شهير بهذه البلاد المشرقية ومن نظم ابن بدرون المذكور قوله
( العشق لذته التعنيق والقبل ** كما منغصه التثريب والعذل )
( يا ليت شعري هل يقضى وصالكم ** لولا المنى لم يكن ذا العمر يتصل )
ومنها نحوي زمانه وعلامته أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي فإن شلبا بيضته ومنها كانت حركته ونهضته كنا في الذخيرة وهو القائل
( إذا سألوني عن حالتي ** وحاولت عذرا فلم يمكن )
( أقول بخير ولكنه ** كلام يدور على الألسن )
( وربك يعلم
____________________
(1/185)

اشعار في بطليوس وشاطبة وبرجة
وقال الوزير أبو عمرو بن الفلاس يمدح بطليوس بقوله
( بطليوس لا أنساك ما اتصل البعد ** فلله غور في جنابك أو نجد )
( ولله دوحات تحفك بينها ** تفجر واديها كما شقق البرد )
وبنو الفلاس من أعيان حضرة بطليوس وأبو عمرو المذكور أشهرهم وهو من رجال الذخيرة والمسهب رحمه الله تعالى
وفي شاطبة يقول بعضهم
( نعم ملقى الرحل شاطبة ** لفتى طالت به الرحل )
( بلدة أوقاتها سحر ** وصبا في ذيله بلل )
( ونسيم عرفه أرج ** ورياض غصنها ثمل )
( ووجوه كلها غرر ** وكلام كله مثل )
وفي برجة يقول بعضهم
( إذا جئت برجة مستوفزا ** فخذ في المقام وخل السفر )
( فكل مكان بها جنة ** وكل طريق إليها سقر )
وقد تقدم هذان البيتان رسالة للسان الدين في تفضيل الجهاد على الحج
واعلم أنه لو لم يكن للأندلس من الفضل سوى كونها ملاعب الجياد للجهاد
____________________
(1/186)

لكان كافيا ويرحم الله لسان الدين بن الخطيب حيث كتب على لسان سلطانه إلى بعض العلماء العاملين ما فيه إشارة إلى بعض ذلك ما نصه من أمير المسلمين فلان إلى الشيخ كذا ابن الشيخ كذا وصل الله له سعادة تجذبه وعناية إليه تقربه وقبولا منه يدعوه إلى خير ما عند الله ويندبه سلام كريم عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد حمد الله المرشد المثيب السميع المجيب معود اللطف الخفي والصنع العجيب المتكفل بإنجاز وعد النصر العزيز والفتح القريب والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله ذي القدر الرفيع والعز المنيع والجناب الرحيب الذي به نرجو ظهور عبدة الله على عبدة الصليب ونستظهر منه على العدو بالحبيب ونعده عدتنا لليوم العصيب والرضا عن آله وصحبه الذين فازوا من مشاهدته بأوفى النصيب ورموا إلى هدف مرضاته بالسهم المصيب فإنا كتبناه إليكم كتب الله تعالى لكم عملا صالحا يختم الجهاد صحائف بره وتتمحض لأن تكون كلمة الله هي العليا جوامع أمره وجعلكم ممن تنهى في الأرض التي فتح فيها أبواب الجنة حصة عمره من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى ولطف الله هامي السحاب وصنعه رائق الجناب والله يصل لنا ولكم ما عوده من صلة لطفه عند انبتات الأسباب وإلى هذا ايها المولى الذي هو بركة المغرب المشار إليه بالبنان وواحدة في رفعة الشان المؤثر ما عند الله على الزخرف الفتان المتقلل من المتاع الفان المستشرف إلى مقام العرفان من درج الإسلام والإيمان والاحسان فإننا لما نؤثره من بركم الذي نعده من الأمر الأكيد ونضمره من ودكم الذي نحله محل الكنز العتيد ونلتمسه من دعائكم التماس العدة والعديد
____________________
(1/187)

عن أحوالكم التي ترقت في أطوار السعادة ووصلت جناب الحق بهجر العادة وألقت إلى يد التسليم لله والتوكل عليه بالمقادة فنسر بما هيأ الله تعال لكم من القبول وبلغكم من المأمول وألهمكم من الكلف بالقرب إليه والوصول والفوز بما لديه والحصول وعندما رد الله تعالى علينا ملكنا الرد الجميل وأنالنا فضله الجزيل وكان لعثارنا المقيل خاطبناكم بذلك لمكانكم من ودادنا ومحلكم من حسن اعتقادنا ووجهنا إلى وجهة دعائكم وجه اعتدادنا والله ينفعنا بجميل الظن في دينكم المتين وفضلكم المبين ويجمع الشمل بكم في الجهاد عن الدين وتعرفنا الآن ممن له بأنبائكم اعتناء وعلى جلالكم حمد وثناء ولجناب ودكم اعتزاء وانتماء بتجاول عزمكم بين حج مبرور ترغبون من أجره في ازدياد وتجددون العهد منه بأليف اعتياد وبين رباط في سبيل الله وجهاد وتوثير مهاد بين ربي أثيرة عند الله ووهاد يحشر ويوم القيامة شهداؤها مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين فرحين بما آتاهم الله من فضله والله أصدق القائلين الصاديقين حيث لا غارة لغير عدو الإسلام تتقى إلا لابتغاء ما لدى الله ترتقى حيث رحمة الله قد فتحت ابوابها وحور الجنان قد زينت أترابها دار العرب الذين قرعوا باب الفتح وفازوا بجزيل المنح وخلدوا الآثار وأرغموا الكفار وأقالوا العثار وأخذوا الثار وأمنوا من لفح جهنم بما علا وجوههم من ذلك الغبار فكتبنا إليكم هذا نقوي بصيرتكم على جهة الجهاد من العزمين ونهيب بكم إلى إحدى الحسنيين والصبح غير خاف على ذي عينين والفضل ظاهر لإحدى المنزلتين فإنكم إذا حججتم أعدتم فرضا أديتموه وفضلا ارتديتموه فائدته عليكم مقصورة
____________________
(1/188)

حسناتكم عملا غريبا واستأنفتم سعيا من الله قريبا وتعدت المنفعة إلى ألوف من النفوس المستشعرة لباس البوس ولو كان الجهاد بحيث يخفى عليكم فضله لأطنبنا وأعنة الاستدلال أرسلنا هذا لو قدمتم على هذا الوطن وفضلكم غفل من الاشتهار ومن به لا يوجب لكم ترفيع المقدار فكيف وفضلكم أشهر من محيا النهار ولقاؤكم أشهى الأمال وآثر الأوطار فإن قوي عزمكم والله يقويه ويعيننا من بركم على ما ننويه فالبلاد بلادكم وما فيها طريفكم وتلادكم وكهولها إخوانكم وأحداثها أولادكم ونرجو أن تجدوا لذكركم الله في رباها حلاوة زائدة ولا تعدموا من روح الله فيها فائدة وتتكيف نفسكم فيها تكيفات تقصر عنها خلوات السلوك إلى ملك الملوك حتى تعتبطوا بفضل الله الذي يوليكم وتروا أثر رحمته فيكم وتخلفوا فخر هذا الانقطاع إلى الله في قبيلكم وبينكم وتختموا العمر الطيب بالجهاد الذي يعليكم ومن الله تعالى يدنيكم فنبيكم العربي صلوات الله عليه وسلامه نبي الرحمة والملاحم ومعمل الصوارم وبجهاد الفرنج ختم عمل جهاده والاعمال بالخواتم هذا على بعد بلادهم من بلاده وأنتم أحق الناس باقتفاء جهاده والاستباق إلى آماده هذا ما عندنا حثثناكم عليه وندبناكم إليه وأنتم في إيثار هذا الجوار ومقارضة ما عندنا بقدومكم على بلادنا من الاستبشار بحسب ما يخلق عنكم من بيده مقادة الاختيار وتصريف الليل والنهار وتقليب القلوب وإجالة الأفكار وإذا تعارضت الحظوظ فما عند الله خير للأبرار والدار الآخرة دار القرار وخير الأعمال عمل أوصل إلى الجنة وباعد من النار ولتعلموا أن نفوس أهل الكشف والاطلاع بهذه الأرجاء والأصقاع قد اتفقت أخبارها واتحدت أسرارها على البشارة بفتح قرب أوانه وأظل زمانه فنرجو الله
____________________
(1/189)

ويكرم فيه مسعاه ويسلف فيه العمل الذي يشكره الله ويرعاه والسلام الكريم يخصكم ورحمة الله وبركاته انتهى تشبيه الأندلس بالعقاب
ولم دخل الأندلس أمير المسلمين علي ابن أمير المسلمين يوسف بن تاشقين اللمتوني ملك المغرب والأندلس وامعن النظر فيها وتأمل وصفها وحالها قال إنها تشبه عقابا مخالبه طليطلة وصدره قلعة رباح ورأسه جيان ومنقاره غرناطة وجناحه الأيمن باسط إلى المغرب وجناحه الأيسر باسط إلى المشرق في خبر طويل لم يحضرني الآن إذ تركته مع كتبي بالمغرب جمعني الله بها على أحسن الأحوال المخزومي الأعمى ونزهون الغرناطية
ومع كون أهل الأندلس سباق حلبة الجهاد معطعين إلى داعية من الجبال والوهاد فكان لهم في الترف والنعيم والمجون ومداراة الشعراء خوف الهجاء محل وثير المهاد وسيأتي في الباب السابع من هذا القسم من ذلك وغيره ما يشفي ويكفي ولكن سنح لي أن أذكر هنا حكاية أبي بكر المخزومي الهجاء المشهور الذي قال فيه لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة إنه كان أعمى شديد الشر معروفا بالهجاء مسلطا على الأعراض سريع الجواب ذكي الذهن فطنا للمعاريض سابقا في ميدان الهجاء فإذا مدح ضعف شعره والحكاية هي ما حكاه أبو الحسن ابن سعيد في الطالع السعيد إذ قال حكاية عن أبيه فيما أظن قدم المذكور يعني المخزومي على غرناطة أيام ولاية أبي بكر
____________________
(1/190)

ونزل قريبا مني وكنت أسمع به بنار صاعقة يرسلها الله على من يشاء من عباده ثم رأيت أن أبدأه بالتأنيس والإحسان فاستدعيته بهذه الأبيات
( يا ثانيا للمعري ** في حسن نظم ونثر )
( وفرط ظرف ونبل ** وغوص فهم وفكر )
( صل ثم واصل حفيا ** بكل بر وشكر )
( وليس إلا حديث ** كما وهي عقد در )
( وشادن يتغنى ** على رباب وزمر )
( وما يسامح فيه الغفور ** من كأس خمر )
( وبيننا عهد حلف ** لياسر حلف كفر )
( نعم فجدده عهدا ** بطيب سكر ويسر )
( والكأس مثل رضاع ** ومن كمثلك يدري )
ووجه له الوزير أبو بكر ابن سعيد عبدا صغيرا قاده فلما استقر به المجلس وأفعمته روائح الند والعود والأزهار وهزت عطفه الأوتار قال
( دار السعيدي ذي أم دار رضوان ** ما تشتهي النفس فيها حاضر داني )
( سقت أباريقها للند سحب ندى ** تحدى برعد لأوتار وعيدان )
( والبرق من كل دن ساكب مطرا ** يحيا به ميت أفكار وأشجان )
( هذا النعيم الذي كن نحدثه ** ولا سبيل له إلا بآذان )
فقال له أبو بكر ابن سعيد وإلى
____________________
(1/191)

يبعث الله ولد زنى كلما أنشدت هذه الأبيات قال إن قائلها أعمى فقال أما أنا فما أنطق بحرف فقال من صمت نجا وكانت نزهون بنت القلاعي حاضرة فقالت وتراك يا استاذ قديم النعمة بمجمر ند وغناء وشراب فتعجب من تأتيه وتشبهه بنعيم الجنة وتقول ما كان يعلم إلا بالسماع ولا يبلغ إليه بالعيان ولكن من يجيء من حصن المدور وينشأ بين تيوس وبقر من أين له معرفة بمجالس النعيم فلما استوفت كلامها تنحنح الإعمى فقالت له ذبحة فقال من هذه الفاضلة فقالت عجوز مقام أمك فقال كذبت ما هذا صوت عجوز إنماهذه نغمة قحبة محترقة تشم روائح هنها على فرسخ فقال له ابو بكر يا أستاذ هذه نزهون بنت القلاعي الشاعرة الأديبة فقال سمعت بها لا أسمعها الله خيرا ولا أراها إلا ايرا فقالت له يا شيخ سوء تناقضت وأي خير للمرأة مثل ما ذكرت ففكر ساعة ثم قال
( على وجه نزهون من الحسن مسحة ** وإن كان قد أمسى من الضوء عاريا )
( قواصد نزهون توارك غيرها ** ومن قصد البحر استقل السواقيا )
فأعملت فكرها ثم قالت
( قل للوضيع مقالا ** يتلى إلى حين يحشر )
( من المدور أنشت ** والخرا منه أعطر )
( حيث البداوة أمست ** في مشيها تتبختر )
( لذاك أمسيت صبا ** بكل شيء مدور )
( خلقت أعمى ولكن ** تهيم في كل أعور
____________________
(1/192)


( إن كنت في الخلق أنثى ** فإن شعري مذكر )
فقال لها اسمعي
( ألا قل لنزهونة ما لها ** تجر من التيه أذيالها )
( ولو أبصرت فيشة شمرت ** كما عودتني سربالها )
فحلف ابو بكر ابن سعيد أن لا يزيد أحدهما على الآخر في هجوه كلمة فقال المخزومي أكون هجاء الأندلس واكف عنها دون شيء فقال أنا أشتري منك عرضها فاطلب فقال بالعبد الذي أرسلته فقادني إلى منزلك فإنه لين اليد رقيق المشي فقال أبو بكر لولا كونه صغيرا كنت أبلغك به مرادك وأهبه لك ففهم قصده وقال اصبر عليه حتى يكبر ولو كان كبيرا ما آثرتني به على نفسك فضحك أبو بكر وقال إن لم تهج نظما هجوت نثرا فقال ايها الوزير لا تبديل لخلق الله وانفصل المخزومي بالعبد بعدما أصلح الوزير بينه وبين نزهون انتهى
وفي كتاب الدر المنضد في وفيات أعيان أمة محمد تأليف الأمير صارم الدين إبراهيم بن دقماق قال ابو القاسم بن خلف كان يعني المخزومي المذكور حيا بعد الأربعين وخمسمائة انتهى قصة استطرادية
ونقلت من كتاب قطب السرور
____________________
(1/193)

وممن ادركته وعاشرته عبد الوهاب بن حسين بن جعفر الحاجب وذكرته هنا لأنه ملحق بالأمراء المتقدمين غير خارج منهم ولا مقصر عنهم بل كان واحد عصره في الغناء الرائق والادب الرائع والشعر الرقيق واللفظ الأنيق ورقة الطبع وإصابة النادر والتشبيه المصيب والبديهة التي لا يلحق فيها مع شرف النفس وعلو الهمة وكان قد قطع عمره وأفنى دهره في اللهو واللعب والفكاهة والطرب وكان أعلم الناس بضرب العود واختلاف طرائقه وصنعة اللحون وكثيرا ما يقول المعاني اللطيفة في الأبيات الحسنة ويصوغ عليها الألحان المطربة البديعة المعجبة اختراعا منه وحذقا وكانت له في ذلك قريحة وطبع وكان إذا لم يزره أحد من إخوانه أحضر مائدته وشرابه عشرة من أهل بيته منهم ولده وعبد الله ابن أخيه وبعض غلمانه وكلهم يغني فيجيد فلا يزالون يغنون بين يديه حتى يطرب فيدعو بالعود ويغني لنفسه ولهم وكان بشارة الزامر الذي يزمر عليه من حذاق زمرة المشرق وكان بعيد الهمة سمحا بما يجد تغل عليه ضياعه كل عام أموالا جليلة فلا تحول السنة حتى ينفد جميع ذلك ويستسلف غره فكان لا يطرأ من المشرق مغن إلا سأل من يقصد بهذا الشأن فيدل عليه فمن وصله منهم استقبله بصنوف البر والإكرام وكساه وخلطه بنفسه ولم يدعه إلى أحد من الناس فلا يزال معه في صبوح وغبوق وهو مجدد له كل يوم كرامة حتى يأخذ جميع ما معه من صوت مطرب أو حكاية نادرة
وجلس يوما وقد زاره رجلان من إخوانه وحضر أقرباؤه فطعموا وشربوا وأخذوا في الغناء فارتج المجلس إذ دخل عليه بعض غلمانه فقال بالباب رجل غريب عليه ثياب السفر ذكر أنه ضيف فأمر بإدخاله فإذا رجل
____________________
(1/194)

قال البصرة فرحب به وأمره بالجلوس فجلس مع الغلمان في صفة وأتي بطعام فأكل وسقي أقداحا ودار الغناء في المجلس حتى انتهى إلى آخرهم فلما سكتوا اندفع يغني بصوت ندي وطبع حسن
( الا يا دار ما الهجر ** لسكانك من شاني )
( سقيت الغيث من دار ** وإن هيجت أشجاني )
( ولو شئت لما استسقيت ** غيثا غير أجفاني )
( بنفسي حل أهلوك ** وغن بانوا بسلواني )
( وما الدهر بمأمون ** على تشتيت خلاني )
فطرب عبد الوهاب وصاح وتبين الحذق في إشارته والطيب في طبعه وقال يا غلام خذ بيده إلى الحمام وعجل علي به فأدخل الحمام ونظف ثم دعا عبد الوهاب بخلعة من ثيابه فألقيت عليه ورفعه فأجلسه عن يساره واقبل عليه وبسطه فغنى له
( قومي امزجي التبر باللجين ** واحتملي الرطل باليدين )
( واغتنمي غفلة الليالي ** فربما أيقظت لحين )
( فقد لعمري أقر منا ** هلال شوال كل عين )
( ذات الخلاخيل أبصرته ** كنصف خلخالها اللجيني )
فطرب وشرب واستزاده فغناه
( من لي على رغم الحسود بقهوة ** بكر ربيبة حانة عذراء )
( موج من الذهب المذاب تضمه ** كأس كقشر الدرة البيضاء )
( والنجم في أفق السماء كأنه ** عين تخالس غفلة
____________________
(1/195)


( وأنت الذي أشرقت عيني بمائها ** وعلمتها بالهجر أن تهجر الغمضا )
( وأغرقتها بالدمع حتى جفونها ** لينكر من فقد الكرى بعضها بعضا )
فمر يوم من أحسن الأيام واطيبها ووصله وأحسن إليه ولم يزل عنده مقربا مكرما وكان خليعا ماجنا مشتهرا بالنبيذ فخلاه وما أحب ثم وصف له الأندلس وطيبها وكثرة خمورها فمضى إليها ومات بها وعلى نحو هذه الحال كان يفعل بكل طارىء يطرأ من المشرق ولو ذكرتهم لطال بهم الكتاب انتهى
وغرضي من إيراد هذه الحكاية هنا كونه وصف للمشرقي الأندلس وطيبها وذلك أمر لا يشك فيه ولا يرتاب والله المسئول في حسن المتاب قصر باديس بغرناطة
ورأيت في بعض كتب تاريخ الأندلس في ترجمة السلطان باديس الصنهاجي صاحب غرناطة ما نصه وهو الذي أكمل ترتيب قصبة مالقة وكان أفرس الناس وأنبلهم ذا مروءة ونجدة وقصره بغرناطة ليس ببلاد الإسلام والكفر مثله فيما قيل انتهى
وهذا القصر هو الذي عناه لسان الدين بن الخطيب في قصيدته السينية المذكورة في الباب الخامس من القسم الثاني من هذا الكتاب فلتراجع ثمة سرقسطة وخواصها
وذكر غير واحد من المحدثين والمؤرخين أن مدينة سرقسطة لا يدخلها الثعبان من قبل نفسه وإذا أدخله أحد لم يتحرك ونظير هذا المعنى في بعض الحيوانات بالنسبة إلى بعض البلاد كثير وذلك برصد أو طلسم وقد استطرد بعض علماء أصول الدين ذلك
____________________
(1/196)

والله أعلم
هكذا رأيت في كلام بعض علماء المشارقة والذي رأيته لبعض مؤرخي المغرب في سرقسطة أنها لا تدخلها عقرب ولا حية إلا ماتت من ساعتها ويؤتى بالحيات والعقارب إليها حية فبنفس ما تدخل إلى جوف البلد تموت قال ولا يتسوس فيها شيء من الطعام ولا يعفن ويوجد فيها القمح من مائة سنة والعنب المعلق من ستة أعوام والتين والخوخ وحب الملوك والتفاح والإجاص اليابسة من أربعة أعوام والفول والحمص من عشرين سنة ولا يسوس فيها خشب ولا ثوب صوفا كان أو حريرا أو كتانا وليس في بلاد الأندلس أكثر فاكهة منها ولا أطيب طع ما ولا أكبر جرما والبساتين محدقة بها من كل ناحية ثمانية أميال ولها أعمال كثيرة مدن وحصون وقرى مسافة أربعين ميلا وهي تضاهي مدن العراق في كثرة الأشجار والانهار وبالجملة فأمرها عظيم وقد أسلفنا ذكرها السمور بالأندلس
واعلم أن بأرض الاندلس من الخصب والنضرة وعجائب الصنائع وغرائب الدنيا ما لا يوجد مجموعه غالبا في غيرها فمن ذلك ما ذكره الحجاري في المسهب أن السمور الذي يعمل من وبره الفراء الرفيعة يوجد في البحر المحيط بالأندلس من جهة جزيرة برطانية ويجلب إلى سرقسطة ويصنع بها ولما ذكر ابن غالب وبر السمور الذي يصنع بقرطبة قال هذا السمور المذكور هنا لم أتحقق ما هو ولا ما عني به إن كان هو نباتا عندهم أو وبر الدابة المعروفة فإن كانت الدابة المعروفة فهي دابة تكون في البحر وتخرج إلى البر وعندها قوة ميز
____________________
(1/197)

المفردة هو حيوان يكون في بحر الروم ولايحتاج منه إلا إلى خصاه فيخرج الحيوان من البحر في البر فيؤخذ وتقطع خصاه ويطلق فربما عرض للقناصين مرة أخرى فإذا أحس بهم وخشي أن لا يفوتهم استلقى على ظهره وفرج بين فخذيه ليرى موضع خصييه خاليا فإذا رآه القناصون كذلك تركوه قال ابن غالب ويسمى هذا الحيوان ايضا الجندبادستر والدواء الذي يصنع من خصييه من الأدويه الرفيعة ومنافعه كثيرة وخاصيته في العلل الباردة وهو حار يابس في الدرجة الرابعة فراء القنلية والقنلية حيوان أدق من الأرنب وأطيب في الطعم وأحسن وبرا وكثيرا ما تلبس فراؤها ويستعملها أهل الأندلس من المسلمين والنصارى ولا توجد في بر البربر إلا ما جلب منها إلى سبتة فنشأ في جوانبها قال ابن سعيد وقد جلبت في هذه المدة إلى تونس حضرة إفريقية سائر حيواناتها وطيورها
ويكون بالأندلس من الغزال والأيل وحمار الوحش وبقره وغير ذلك مما يوجد في غيرها كثير وأما الأسد فلا يوجد فيها البتة ولا الفيل
____________________
(1/198)

وغير ذلك مما يكون في أقاليم الحرارة ولها سبع يعرف باللب أكبر بقليل من الذئب في نهاية من القحة وقد يفترس الرجل إذا كان جائعا
وبغال الأندلس فارهة وخيلها ضخمة الأجسام حصون للقتال لحملها الدروع وثقال السلاح والعدو في خيل البر الجنوبي
ولها من الطيور الجوارح وغيرها ما يكثر ذكره ويطول وكذلك حيوان البحر ودواب بحرها المحيط في نهاية من الطول والعرض
قال ابن سعيد عاينت من ذلك العجب والمسافرون في البحر يخافون منها لئلا تقلب المراكب فيقطعون الكلام ولها نفخ بالماء من فيها يقوم في الجو ذا ارتفاع مفرط أنواع الأفاويه فيها
وقال ابن سعيد قال المسعودي في مروج الذهب في الأندلس من أنواع الأفاويه خمسة وعشرون صنفا منها السنبل والقرنفل والصندل والقرفة وقصب الذريرة وغير ذلك
وذكر ابن غالب أن المسعودي قال أصول الطيب خمسة أصناف المسك والكافور والعود والعنبر والزعفران وكلها من أرض الهند إلا الزعفران والعنبر فإنهما موجودان في أرض الأندلس ويوجد العنبر في أرض الشحر
قال ابن سعيد وقد تكلموا في أصل العنبر فذكربعضهم أنه عيون تنبع في قعر البحر يصير منها ما تبلعه الدواب وتقذفه قال الحجاري ومنهم من قال إنه نبات في قعر البحر
وقد تقدم قول الرازي إن المحلب وهو المقدم
____________________
(1/199)

أنواع الأشنان لا يوجد في شيء من الأرض إلا بالهند والأندلس
وقال ابن سعيد وفي الأندلس مواضع ذكروا أن النار إذا أطلقت فيها فاحت بورائح العود وما أشبهه وفي جبل شلير أفاويه هنديه ثمارها وفواكهها
قال وأما الثمار وأصناف الفواكه فالأندلس اسعد بلاد الله بكثرتها ويوجد في سواحلها قصب السكر والموز المعدومان في الأقاليم الباردة ولا يعدم منها إلا التمر ولها من أنواع الفواكه ما يعدم في غيرها أو يقل كالتين القوطي والتين الشعري بإشبيلية
قال ابن سعيد وهذان صنفان لم تر عيني ولم أذق لهما منذ خرجت من الأندلس ما يفضلهما وكذلك التين المالقي والزبيب المنكبي والزبيب العسلي والرمان السفري والخوخ والجوز واللوز وغير ذلك مما يطول ذكره معادنها وأحجارها وقرمزها
وقد ذكر ابن سعيد أيضا أن الأرض الشمالية المغربية فيها المعادن السبعة وأنها في الأندلس التي هي بعض تلك الأرض وأعظم معدن للذهب بالأندلس في جهة شنت ياقوه قاعدة الجلالقة على البحر المحيط وفي جهة قرطبة الفضة والزئبق والنحاس في شمال الأندلس كثير والصفر الذي يكاد يشبه الذهب وغير ذلك من المعادن المتفرقة في أماكنها
____________________
(1/200)


والعين التي يخرج منها الزاج في لبلة مشهورة وهو كثير مفضل في البلاد منسوب وبجبل طليطلة جبل الطفل الذي يجهز إلى البلاد ويفضل على كل طفل بالمشرق والمغرب
وبالأندلس عدة مقاطع للرخام وذكر الرازي أن بجبل قرطبة مقاطع الرخام الأبيض الناصع والخمري وفي ناشرة مقطع عجيب للعمد وبباغه من مملكة غرناطة مقاطع للرخام كثيرة غريبة موشاة في حمرة وصفرة وغير ذلك من المقاطع التي بالأندلس من الرخام الحالك والمجزع وحصى المرية يحمل إلى البلاد فإنه كالدر في رونقه وله ألوان عجيبة ومن عادتهم أن يضعوه في كيزان الماء
وفي الأندلس من الأمنان التي تنزل من السماء القرمز الذي ينزل على شجر البلوط فيجمعه الناس من الشعرا ويصبغون به فيخرج منه اللون الأحمر الذي لا تفوقه حمرة مصنوعاتها قال ابن سعيد وإلى مصنوعات الأندلس ينتهي التفضيل وللمتعصبين لها في ذلك كلام كثير فقد اختصت المرية ومالقة ومرسية بالوشي المذهب الذي يتعجب من حسن صنعته أهل المشرق إذا رأوا منه شيئا وفي تنتالة من عمل مرسية تعمل البسط التي يغالى في ثمنها بالمشرق ويصنع في غرناطة وبسطة من ثياب اللباس المحررة الصنف الذي يعرف بالملبد المختم ذو الألوان العجيبة ويصنع في مرسية من الأسرة المرصعة والحصر الفتانة الصنعة وآلات الصفر والحديد من السكاكين والأمقاص المذهبة وغير ذلك من آلات العروس
____________________
(1/201)

والجندي ما يبهر العقل ومنها تجهز هذه الأصناف إلى بلاد إفريقية وغيرها ويصنع بها وبالمرية ومالقة الزجاج الغريب العجيب وفخار مزجج مذهب ويصنع بالأندلس نوع من المفصص المعروف في المشرق بالفسيفساء ونوع يبسط به قاعات ديارهم يعرف بالزليجي يشبه المفصص وهو ذو ألوان عجيبة يقيمونه مقام الرخام الملون الذي يصرفه أهل المشرق في زخرفة بيوتهم كالشاذ روان وما يجري مجراه الأسلحة
وأما آلات الحرب من التراس والرماح والسروج والألجم والدروع والمغافر فأكثر همم أهل الأندلس فيما حكى ابن سعيد كانت مصروفة إلى هذا الشأن ويصنع منها في بلاد الكفر ما يبهر العقول قال والسيوف البرذليات مشهورة بالجودة وبرذيل آخر بلاد الأندلس من جهة الشمال والمشرق والفولاذ الذي بإشبيلية إليه النهاية وفي إشبيلية من دقائق الصنائع ما يطول ذكره الآثار الأولية بالأندلس
وقد أفرد ابن غالب في فرحة الأنفس للآثار الأولية التي بالأندلس من كتابه مكانا فقال منها ما كان من جلبهم الماء من البحر الملح إلى الأرحي التي بطركونة على وزن لطيف وتدبير محكم حتى طحنت به وذلك من أعجب ما صنع ومن ذلك ما صنعه الأول أيضا من جلب الماء في البحر
____________________
(1/202)

إلى جزيرة قادس من العين التي في إقليم الأصنام جلبوه في جوف البحر في الصخر المجوف ذكرا في أنثى وشقوا به الجبال فإذا وصلوا به إلى المواضع المنخفضة بنوا له قناطر على حنايا فإذا جاوزها واتصل بالأرض المعتدلة رجعوا إلى البنيان المذكور فإذا صادف سبخة بني له رصيف وأجري عليه هكذا إلى أن انتهى به إلى البحر ثم دخل به في البحر وأخرج في جزيرة قادس والبنيان الذي عليه الماء في البحر ظاهر بين قال ابن سعيد إلى وقتنا هذا
ومنها الرصيف المشهور بالأندلس قال في بعض أخبار رومية إنه لما ولي يوليش المعروف بجاشر وابتدأ بتذريع الأرض وتكسيرها كان ابتداؤه بذلك من مدينة رومية إلى المشرق منها وإلى المغرب وإلى الشمال وإلى الجنوب ثم بدأ بفرش المبلطة واقبل بها على وسط دائرة الأرض إلى أن بلغ بها أرض الأندلس وركزها شرقي قرطبة ببابها المتطامن المعروف بباب عبد الجبار ثم ابتدأها من باب القنطرة قبلي قرطبة إلى شقندة إلى إستجة إلى قرمونة إلى البحر وأقام على كل ميل سارية قد نقش عليها اسمه من مدينة رومية وذكر أنه أراد تسقيفها في بعض الأماكن راحة للخاطرين من وهج الصيف وهول الشتاء ثم توقع أن يكون ذلك فسادا في الأرض وتغييرا للطرق عند انتشار اللصوص وأهل الشر فيها في المواضع المنقطعة النائية عن العمران فتركها على ما هي عليه وذكر في هذه الآثار صنم قادس الذي ليس له نظير إلا الصنم الذي بطرف جليقية وذكر قنطرة طليطلة وقنطرة السيف وقنطرة ماردة وملعب مربيطر
قال ابن سعيد وفي الأندلس عجائب منها الشجرة التي لولا كثرة ذكر العامة لها بالأندلس ما ذكرتها فإن خبرها عندهم شائع متواتر
____________________
(1/203)

يشهد بخبرها ورؤيتها وهم جم غفير وهي شجرة زيتون تصنع الورق والنور والثمر في يوم واحد معلوم عندهم من أيام السنة الشمسية
ومن العجائب السارية التي بغرب الأندلس ما يزعم الجمهور أن أهل ذلك المكان إذا أحبوا المطر أقاموها فيمطر الله جهتهم
ومنها صنم قادس طول ما كان قائما كان يمنع الريح أن تهب في البحر المحيط فلا تستطيع المراكب الكبار على الجري فيه فلما هدم في أول دولة بني عبد المؤمن صارت السفن تجري فيه
وبكورة قبرة مغارة ذكرها الرازي وحكى أنه يقال إنها باب من أبواب الريح لا يدرك لها قعر
وذكر الرازي أن في جهة قلعة ورد جبلا فيه شق في صخرة داخل كهف فيه فأس حديد متعلق من الشق الذي في الصخرة تراه العيون وتلمسه اليد ومن رام إخراجه لم يطق ذلك وإذا رفعته اليد ارتفع وغاب في شق الصخرة ثم يعود إلى حالته
وأما ما أورده ابن بشكوال من الأحاديث والآثار في شأن فضل الأندلس والمغرب فقد ذكرها ابن سعيد في كتابه المغرب ولم أذكرها أنا والله أعلم بحقيقة أمرها وكذلك ما ذكره ابن بشكوال من أن فتح القسطنطينية إنما يكون من قبل الأندلس قال وذكره سيف عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه والله أعلم بصحة ذلك ولعل المراد بالقسطنطينية رومية والله أعلم
قال سيف وذلك أن عثمان ندب جيشا من القيروان إلى الأندلس وكتب لهم أما بعد فإن
____________________
(1/204)

فتحتموها كنتم الشركاء في الأجر والسلام انتهى
قلت عهدة هذه الأمور على ناقلها وأنا بريء من عهدتها وإن ذكرها ابن بشكوال وصاحب المغرب وغير واحد فإنها عندي لا أصل لها وأي وقت بعث عثمان إلى الاندلس مع أن فتحها بالاتفاق إنما كان زمان الوليد وإنما ذكرت هذا للتنبيه عليه لا غير والله أعلم وصف ابن سعيد للأندلس
قال ابن سعيد وميزان وصف الأندلس أنها جزيرة قد احدقت بها البحار فأكثرت فيها الخصب والعمارة من كل جهة فمتى سافرت من مدينة إلى مدينة لا تكاد تنقطع من العمارة ما بين قرى ومياه ومزارع والصحاري فيها معدومة ومما اختصت به أن قراها في نهاية من الجمال لتصنع أهلها في أوضاعها وتبييضها لئلا تنبو العيون عنها فهي كما قال الوزير ابن الحمارة فيها
( لاحت قراها بين خضرة أيكها ** كالدر بين زبرجد مكنون )
ولقد تعجبت لما دخلت الديار المصرية من أوضاع قراها التي تكدر العين بسوادها ويضيق الصدر بضيق أوضاعها وف يالأندلس جهات تقرب فيها المدينة العظيمة الممصرة من مثلها والمثال في ذلك أنك إذا توجهت من إشبيلية فعلى مسيرة يوم وبعض آخر مدينة شريش وهي في نهاية من الحضارة والنضارة ثم يليها الجزيرة الخضراء كذلك ثم مالقة وهذا كثير في الأندلس ولهذا كثرت مدنها وأكثرها مسور من أجل الاستعداد للعدو فحصل لها بذلك التشييد والتزيين وفي
____________________
(1/205)

على عشرين سنة لامتناع معاقلها ودربة أهلها على الحرب واعتيادهم لمجاورة العدو بالطعن والضرب وكثرة ما تنخزن الغلة في مطاميرها فمنها ما يطول صبره عليها نحوا من مائة سنة قال ابن سعيد ولذلك أدامها الله تعالى من وقت الفتح إلى الآن وإن كان العدو قد نقصها من أطرافها وشارك في أوساطها ففي البقية منعة عظيمة فأرض بقي فيها مثل إشبيلية وغرناطة ومالقة والمرية وما ينضاف إلى هذه الحواضر العظيمة الممصرة الرجاء فيها قوي بحول الله وقوته انتهى
قلت قد خاب ذلك الرجاء وصارت تلك الأرجاء للكفر معرجا ونسأل الله تعالى الذي جعل للهم فرجا وللضيق مخرجا أن يعيد إليها كلمة الإسلام حتى يستنشق أهله منه فيها أرجا آمين بيلتا طليطلة
ومن غرائب الأندلس البيلتان اللتان بطليطلة صنعهما عبد الرحمن لما سمع بخبر الطلسم الذي بمدينة أرين من أرض الهند وقد ذكره المسعودي وأنه يدور باصبعيه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فصنع هو هاتين البيلتين خارج طليطلة في بيت مجوف في جوف النهر الأعظم في الموضع المعروف بباب الدباغين ومن عجبهما أنها تمتلئان وتنحسران مع زيادة القمر ونقصانه وذلك أن أول انهلال الهلال يخرج فيهما يسير ماء فإذا أصبح كان فيهما ربع سبعمها من الماء فإذا كان آخر النهار كمل فيهما نصف سبع ولا يزال كذلك بين اليوم والليلة نصف سبع حتى يكمل من الشهر
____________________
(1/206)

فيهما نصفهما ولا تزال كذلك الزيادة نصف سبع في اليوم والليلة حتى يكمل امتلاؤهما بكمال القمر فإذا كان في ليلة خمسة عشر وأخذ القمر في النقصان نقصتا بنقصان القمر كل يوم وليلة نصف سبع حتى يتم القمر واحدا وعشرين يوما فينقص منهما نصفهما ولا يزال كذلك ينقص في كل يوم وليلة نصف سبع فإذا كان تسعة وعشرون من الشهر لا يبقى فيهما شيء من الماء وإذا تكلف أحد حين تنقصان أن يملأهما وجلب لهما الماء ابتلعتا ذلك من حينهما حتى لا يبقى فيهما إلا ما كان فيهما في تلك الساعة وكذا لو تكلف عند امتلائهما إفراغهما ولم يبق فيهما شيئا ثم رفع يده عنهما خرج فيهما من الماء ما يملؤهما في الحين وهما أعجب من طلسم الهند لأن ذلك في نقطة الاعتدال حيث لا يزيد الليل على النهار وأما هاتان فليستا في مكان الاعتدال ولم تزالا في بيت واحد حتى ملك النصارى دمرهم الله طليلة فأراد الفنش أن يعلم حركاتهما فأمر أن تقلع الواحدة منهما لينظر من أين يأتي إليها الماء وكيف الحركة فيهما فقلعت فبطلت حركتهما وذلك سنة 528 وقيل إن سبب فسادهما حنين اليهودي الذي جلب حمام الأندلس كلها إلى طليلة في يوم واحد وذلك سنة 527 وهو الذي أعلم الفنش أن ولده سيدخل قرطبة ويملكها فأراد أن يكشف حركة البيلتين فقال له أيها الملك أنا أقلعهما وأردهما أحسن مما كانتا وذلك أني أجعلهما تمتلئان بالنهار وتحسران في الليل فلما قلعت لم يقدر على ردها وقيل إنه قلع واحدة ليسرق منها الصنعة فبطلت ولم تزل الأخرى تعطي حركتها والله
____________________
(1/207)

عود إلى ذكر إشبيلية
وقال بعضهم في إشبيلية إنها قاعدة بلاد الأندلس وحاضرتها ومدينة الأدب واللهو والطرب وهي على ضفة النهر الكبير عظيمة الشأن طيبة المكان لها البر المديد والبحر الساكن والوادي العظيم وهي قريبة من البحر المحيط إلى أن قال ولو لم يكن لها من الشرف إلا موضع الشرف المقابل لها المطل عليها المشهور بالزيتون الكثير الممتد فراسخ في فراسخ لكفى وبها منارة في جامعها بناها يعقوب المنصور ليس في بلاد الإسلام أعظم بناء منها وعسل الشرف يبقى حينا لا يترمل ولا يتبدل وكذلك الزيت والتين
وقال ابن مفلح إن إشبيلية عروس بلاد الأندلس لأن تاجها الشرف وفي عنقها سمط النهر الأعظم وليس في الأرض أتم حسنا من هذا النهر يضاهي دجلة والفرات والنيل تسير القوارب فيه للنزهة والسير والصيد تحت ظلال الثمار وتغريد الأطيار أربعة وعشرين ميلا ويتعاطى الناس السرج من جانبيه عشرة فراسخ في عمارة متصلة ومنارات مرتفعة وأبراج مشيدة وفيه من أنواع السمك ما لا يحصى وبالجملة فهي قد حازت البر والبحر والزرع والضرع وكثرة الثمار من كل جنس وقصب السكر ويجمع منها القرمز الذي هو أجل من اللك الهندي وزيتونها يخزن تحت الأرض أكثر من ثلاثين سنة ثم يعتصر فيخرج منه أكثر مما يخرج منه وهو طري انتهى ملخصا
ولما ذكر ابن اليسع الأندلس قال لا يتزود فيها أحد ماء حيث سلك لكثرة أنهارها وعيونها وربما لقي المسافر فيها في اليوم الواحد
____________________
(1/208)

المعاقل والقرى ما لا يحصى وهي بطاح خضر وقصور بيض انتهى مقارنة ابن سعيد بين الأندلس وسواها
قال ابن سعيد وأنا أقول كلاما فيه كفاية منذ خرجت من جزيرة الأندلس وطفت في بر العدوة ورأيت مدنها العظيمة كمراكش وفاس وسلا وسبتة ثم طفت في إفريقية وما جاورها من المغرب الأوسط فرأيت بجاية وتونس ثم دخلت الديار المصرية فرأيت الإسكندرية والقاهرة والفسطاط ثم دخلت الشام فرأيت دمشق وحلب وما بينهما لم أر ما يشبه رونق الأندلس في مياهها وأشجارها إلا مدينة فاس بالمغرب الأقصى ومدينة دمشق بالشام وفي حماة مسحة أندلسية ولم أر ما يشبهها في حسن المباني والتشييد والتصنيع إلا ما شيد بمراكش في دولة بني عبد المؤمن وبعض أماكن في تونس وإن كان الغالب على تونس البناء بالحجارة كالإسكندرية ولكن الإسكندرية أفسح شوارع وأبسط وأبدع ومباني حلب داخلة فيما يستحسن لأنها من حجارة صلبة وفي وضعها وترتيبها إتقان انتهى أشعار في وصف الأندلس
ومن أحسن ما جاء من النظم في الأندلس قول ابن سفر المريني والإحسان له عادة
( في ارض أندلس تلتذ نعماء ** ولا يفارق فيها القلب سراء )
( وليس في غيرها بالعيش منتفع ** ولا تقوم يحق الأنس صهباء )
( وأين يعدل عن أرض تحض بها ** على المدامة أمواه وأفياء )
( وكيف لا يبهج الأبصار رؤيتها ** وكل روض بها في الوشي صنعاء
____________________
(1/209)


( وللهواء بها لطف يرق به ** من لا يرق وتبدو منه أهواء ليس النسيم الذي يهفو بها سحرا ** ولا انتثار لآلي الطل أنداء )
( وإنم ا أرج الند استثار بها ** في ماء ورد فطابت منه أرجاء )
( وأين يبلغ منها ما أصنفه ** وكيف يحوي الذي حازته إحصاء )
( قد ميزت من جهات الأرض حين بدت ** فريدة وتولى ميزها الماء )
( دارت عليها نطاق أبحر خفقت ** وجدا بها إذ تبدت وهي حسناء )
( لذاك يبسم فيها الزهر من طرب ** والطير يشدو وللأغصان إصغاء )
( فيها خلعت عذارى ما بها عوض ** فهي الرياض وكل الأرض صحراء )
ولله در ابن خفاجة حيث يقول
( إن للجنة بالأندلس ** مجتلى مرأى وريا نفس )
( فسنا صبحتها من شنب ** ودجى ظلمتها من لعس )
( فإذا ما هبت الريح صبا ** صحت واشوقي إلى الأندلس )
وقد تقدمت هذه الأبيات
قال ابن سعيد قال ابن خفاجة هذه الأبيات وهو بالمغرب الأقصى في بر العدوة ومنزله في شرق الأندلس بجزيرة شقر رخاء الأندلس كما يصفه ابن حوقل
وقال ابن سعيد في المغرب ما نصه قواعد من كتاب الشهب الثاقبة في الإنصاف بين المشارقة والمغاربة أول ما نقدم الكلام على قاعدة السلطنة
____________________
(1/210)

بالأندلس فنقول إنها ما بأيدي عباد الصليب منها أعظم سلطنة كثرت ممالكها وتشعبت في وجوه الاستظهار للسلطان إعانتها وندع كلامنا في هذا الشأن وننقل ما قاله ابن حوقل النصيبي في كتابه لما دخلها في مدة خلافة بني مروان بها في المائة الرابعة وذلك أنه لما وصفها قال وأما جزيرة الأندلس فجزيرة كبيرة طولها دون الشهر في عرض نيف وعشرين مرحلة تغلب عليها المياه الجارية والشجر والثمر والرخص والسعة في الأحوال من الرقيق الفاخر والخصب الظاهر إلى أسباب التملك الفاشية فيها ولما هي به من أسباب رغد العيش وسعته وكثرته يملك ذلك منهم مهينهم وأرباب صنائعهم لقلة مؤنتهم وصلاح معاشهم وبلادهم ثم أخذ في عظم سلطانها ووصف وفور جباياته وعظم مرافقه وقال في أثناء ذلك ومممايدل بالقليل منه على كثيره أن سكة دار ضربه على الدراهم والدنانير دخلها في كل سنة مائتا ألف دينار وصرف الدينا سبعة عشر درهما هذا إلى صدقات البلد وجباياته وخراجاته وأعشاره وضماناته والأموال المرسومة على المراكب الواردة والصادرة وغير ذلك
وذكر ابن بشكوال أن جباية الأندلس بلغت في مدة عبد الرحمن الناصر خمسة آلاف ألف دينار وأربعمائة ألف وثمانين ألفا ثم من السوق والمستخلص سبعمائة ألف وخمسة وستون ألف دينار
ثم قال ابن حوقل ومن أعجب ما في هذه الجزيرة بقاؤها على من هي في يده مع صغر أحلام أهلها وضعة نفوسهم ونقص عقولهم وبعدهم من البأس والشجاعة والفروسية والبسالة ولقاء الرجال ومراس الأنجاد والأبطال مع علم أمير المؤمنين بمحلها في
____________________
(1/211)

رد ابن سعيد على بعض كلام ابن حوقل قال علي بن سعيد مكمل هذا الكتاب لم أر بدا من إثبات هذا الفصل وإن كان على أهل بلدي فيه من الظلم والتعصب ما لا يخفى ولسان الحال في الرد أنطق من لسان البلاغة وليت شعري إذ سلب أهل هذه الجزيرة العقول والآراء والهمم والشجاعة فمن الذين دبروها بآرائهم وعقولهم مع مراصدة أعدائها المجاورين لها من خمسمائة سنة ونيف ومن الذين حموها ببسالتهم من الأمم المتصلة بهم في داخلها وخارجها نحو ثلاثة أشهر على كلمة واحدة في نصرة الصليب وإني لأعجب منه إذ كان في زمان قد دلفت فيه عباد الصليب إلى الشام والجزيرة وعاثوا كل العيث في بلاد الإسلام حيث الجمهور والقبة العظمى حتى أنهم دخلوا مدينة حلب وما أدراك وفعلوا فيها ما فعلوا وبلاد الإسلام متصلة بها من كل جهة إلى غير ذلك مما هو مسطور في كتب التواريخ ومن أعظم ذلك وأشده أنهم كانوا يتغلبون على الحصن من حصون الإسلام التي يتمكنون بها من بسائط بلادهم فيسبون ويأسر ونفلا تجتمع همم الملوك المجاورة على حسم الداء في ذلك وقد يستعين به بعضهم على بعض فيتمكن من ذلك الداء الذي لا يطب وقد كانت جزيرة الأندلس في ذلك الزمان بالضد من البلاد التي ترك وراء ظهره وذلك موجود في تاريخ ابن حيان وغيره وإنما كانت الفتنة بعد ذلك الأعلام بينة والطريق واضح
فلنرجع إلى ما نحن بسبيله ابن سعيد يقدم سردا لتطور التاريخ الأندلسي كانت سلطنة الأندلس
____________________
(1/212)

من سلاطين إفريقية واختلاف الولاة داع إلى الاضطراب وعدم تأثل الأحوال وتربية الضخامة في الدولة ولما صارت الأندلس لبني أمية وتوارثوا ممالكها وانقاد إليهم كل أبي فيها وأطاعهم كل عصي عظمت الدولة بالأندلس وكبرت الهمم وترتبت الأحوال وترتبت القواعد وكانوا صدرا من دولتهم يخطبون لأنفسهم بأبناء الخلائف ثم خطبوا لأنفسهم بالخلافة وملكوا من بر العدوة ما ضخمت به دولتهم وكانت قواعدهم إظهار الهيبة وتمكن الناموس من قلوب العالم ومراعاة أحوال الشرع في كل الأمور وتعظيم العلماء والعمل بأقوالهم وإحضارهم في مجالسهم واستشارتهم ولهم حكايات في تاريخ ابن حيان منها ما هو مذكور من توجه الحكم على خليفتهم أو على ابنه أو أحد حاشيته المختصين وأنهم كانوا في نهاية من الانقياد للحق لهم او عليهم وبذلك انضبط لهمأمر الجزيرة ولما فرقوا هذا الناموس كان أول ما تهتك أمرهم ثم اضمحل وكانت ألقاب الأول منهم الأمراء أبناء الخلائف ثم الخلفاء أمراء المؤمنين إلى أن وقعت الفتنة بحسد بعضهم لبعض وابتغاء الخلافة من غير وجهها الذي رتبت عليه فاستبدت ملوك الممالك الأندلسية ببلادها وسموا بملوك الطوائف واستبدوا وكان فيهم من خطب للخلفاء المروانيين وإن لم يبق لهم خلافة ومنهم من خطب للخلفاء العباسيين المجمع على إمامتهم وصار ملوك الطوائف يتباهون في أحوال الملك حتى في الألقاب فآل أمرهم إلى أن تلقبوا بنعوت الخلفاء وترفعوا إلى طبقات السلطنة العظمى وذلك بما في جزيرتهم من أسباب الترفه والضخامة التي تتوزع على ملوك شتى فتكفيهم وتنهض بهم للمباهاة ولأجل توثبهم على النعوت العباسية قال ابن رشيق القيرواني
____________________
(1/213)


( مما يزهدني في أرض أندلس ** تلقيب معتضد فيها ومعتمد )
( القاب مملكة في غير موضعها ** كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد )
وكان عباد بن محمد بن عباد قد تلقب بالمعتضد واقتفى سيرة المعتضد العباسي أمير المؤمنين وتلقب ابنه محمد بن عباد بالمعتمد وكانت لبن عباد مملكة إشبيلية ثم انضاف إليها غيرها
وكان خلفاء بني أمية يظهرون للناس في الأحيان على أبهة الخلافة وقانون لهم في ذلك معروف إلى أن كانت الفتنة فازدرت العيون ذلك الناموس واستخفت به
وقد كان بنو حمود من ولد إدريس العلوي الذين توثبوا على الخلافة في أثناء الدولة المروانية بالأندلس يتعاظمون ويأخذون أنفسهم بما يأخذها خلفاء بني العباس وكانوا إذا حضرهم منشد لمدح أو من يحتاج إلى الكلام بين أيديهم يتكلم من وراء حجاب والحاجب واقف عند الستر يجاوب بما يقول له الخليفة ولما حضر ابن مقانا الأشبوني أمام حاجب إدريس بن يحيى الحمودي الذي خطب له بالخلافة في مالقة وأنشده قصيدته المشهورة النونية التي منها قوله
( وكأن الشمس لما أشرقت ** فانثنت عنها عيون الناظرين )
( وجه إدريس بن يحيى بن علي ** بن حمود أمير المؤمنين ) وبلغ فيها إلى قوله
( انظرونا نقتبس من نوركم ** إنه من نور رب العالمين ) رفع الخليفة
____________________
(1/214)


ولما جاء ملوك الطوائف صاورا يتبسطون للخاصة وكثير من العامة ويظهرون مداراة الحند وعوام البلاد وكان أكثرهم يحاضر العلماء والأدباء ويحب أن يشهر عنه ذلك عند مباريه في الرياسة
ومذ وقعت الفتنة بالأندلس أعتاد أهل الممالك المتفرقة الاستبداد عن إمام الجماعة وصار في كل جهة مملكة مستقلة يتوارث أعيانها الرياسة كما يتوارث ملوكها الملك ومرنوا على ذلك فصعب ضبطهم إلى نظام واحد وتمكن العدو منهم بالتفرق وعداوة بعضهم لبعض بقبيح المنافسة والطمع إلى أن انقادوا إلى عبد المؤمن وبنيه وتلك القواعد في رؤوسهم كامنة والثوار في المعاقل تثور وتروم الكرة إلى ان ثار ابن هود وتلقب بالمتوكل ووجد قلوبا منحرفة عن دولة بر العدوة مهيأة للاستبداد فملكها بأيسر محاولة مع الجهل المفرط وضعف الرأي وكان مع العامة كأنه صاحب شعوذة يمشي في الأسواق ويضحك في وجوههم وبيادرهم بالسؤال وجاء للناس منه ما لم يعتادوه منم سلطان فأعجب ذلك سفهاء الناس وعامتهم العمياء وكان كما قيل
( أمور يضحك السفهاء منها ** ويبكي من عواقبها الحليم )
فآل ذلك إلى تلف القواعد العظيمة وتملك الأمصار الجليلة وخروجها من يد الإسلام
والضابط فيما يقال في شأن أهل الأندلس في السلطان أنهم إذا وجدوا فارسا يبرع الفرسان أو جوادا يبرع الأجواد تهافتوا في نصرته ونصبوه ملكا من غير تدبير في عاقبة
____________________
(1/215)

قد تورثت وتدوولت ويكون في تلك المملكة قائد من قوادها فد شهرت عنه وقائع في العدو وظهر منه كرم نفس للأجناد ومراعاة قدموه ملكا في حصن من الحصون ورفضوا عيالهم وأولادهم إن كان لهم ذلك بكرسي الملك ولم يزالوا في جهاد وإتلاف أنفس حتى يظفر صاحبهم بطلبتة وأهل المشرق أصوب رأيا منهم في مراعاة نظام الملك والمحافظة على نصابه لئلا يدخل الخلل الذي يقضي باختلال القواعد وفساد التربية وحل الأوضاع
ونحن نمثل في ذلك بما شاهدناه لما كانت هذه الفتنة الأخيرة بالأندلس تمخضت عن رجل من حصن يقال له أرجونة ويعرف الرجل بابن الأحمر كان يكثر مغاورة العدو من حصنه وظهرت له مخايل وشواهد على الشجاعة إلى أن سار اسمه في الأندلس وآل ذلك إلى أن قدمه أهل حصنه على أنفسهم ثم نهض فملك قرطبة العظمى وملك إشبيلية وقتل ملكها الباجي وملك جيان أحصن بلد بالأندلس وأجله قدرا في الامتناع وملك غرناطة ومالقة وسموه بأمير المسلمين فهو الآن المشار إليه بالأندلس والمعتمد عليه ابن سعيد يصف الخطط الأندلسية 1 - الوزارة
وأما قاعدة الوزارة بالأندلس فإنها كانت في مدة بني أمية مشتركة في جماعة يعينهم صاحب الدولة للإعانة والمشاورة ويخصهم بالمجالسة ويختار منهم شخصا لمكان النائب المعروف بالوزير فيسميه بالحاجب وكانت هذه المراتب لضبطها عندهم كالمتوارثة في البيوت المعلومة لذلك إلى أن كانت ملوك الطوائف فكان الملك منهم لعظم اسم الحاجب في الدولة المروانية وأنه كان نائبا عن خليفتهم يسمى بالحاجب ويرى أن هذه السمة أعظم ما تنوفس فيه وظفر
____________________
(1/216)

اسم الوزارة عاما لكل من يجالس الملوك ويختص بهم وصار الوزير الذي ينوب عن الملك يعرف بذي الوزارتين وأكثر ما يكون فاضلا في علم الأدب وقد لا يكون كذلك بل عالما بأمور الملك وخاصة 2 - الكتابة
وأما الكتابة فهي على ضربتين أعلاهما كاتب الرسائل وله حظ في القلوب والعيون عند أهل الأندلس وأشرف أسمائه الكاتب وبهذه السمة يخططه من يعظمه في رسالة وأهل الأندلس كثيرو الانتقاد على صاحب هذه السمة لا يكادون يغفلون عن عثراته لحظة فإن كان ناقصا عن درجات الكمال لم ينفعه جاهه ولا مكانه من سلطانه من تسلط الألسن في المحافل والطعن عليه وعلى صاحبه والكاتب الآخر كاتب الزمام هكذا يعرفون كاتب الجهبذة ولا يكون بالأندلس وبر العدوة لا نصرانيا ولا يهوديا البتة إذ هذا الشغل نبيه يحتاج إلى صاحبه عظماء الناس ووجوههم 3 - الخراج
وصاحب الأشغال الخراجية في الأندلس أعظم من الوزير وأكثر أتباعا وأصحابا وأجدى منفعة فإليه تميل الأعناق ونحوه تمد الأكف والاعمال مضبوطة بالشهود والنظار ومع هذا إن تأثلت حالته واغتر بكثرة البناء والاكتساب نكب وصودر وهذا راجع إلى تقلب الأحوال وكيفية السلطان 4 - القضاء
وأما خطة القضاء بالأندلس فهي أعظم الخطط عند الخاصة والعامة لتعلقها بأمور الدين وكون السلطان لو توجه عليه حكم حضر بين يدي القاضي هذا
____________________
(1/217)

وضعها في زمان بني أمية ومن سلك مسلكهم ولا سبيل أن يتسمى بهذه السمة إلا من هو وال للحكم الشرعي في مدينة جليلة وإن كانت صغيرة فلا يطلق على حاكمها إلا مسدد خاصة وقاضي القضاة يقال له قاضي القضاة وقاضي الجماعة 5 - خطة الشرطة
وأما خطة الشرطة بالأندلس فإنها مضبوطة إلى الآن معروفة بهذه السمة ويعرف صاحبها في ألسن العامة بصاحب المدينة وصاحب الليل وإذا كان عظيم القدر عند السلطان كان له القتل لمن يحب عليه دون استئذان السلطان وذلك قليل ولا يكون إلا في حضرة السلطان الأعظم وهو الذي يحد على الزنا وشرب الخمر وكثير من الأمور الشرعية راجع إليه قد صارت تلك عادة تقرر عليها رضا القاضي وكانت خطة القاضي أوقر وأتقى عندهم من ذلك 6 - الحسبة
وأما خطة الاحتساب فإنها عندهم موضوعة في أهل العلم والفطن وكأن صاحبها قاض والعادة فيه أن يمشي بنفسه راكبا على الأسواق وأعوانه معه وميزانه الذين يزن به الخبز في يد أحد الأعوان لأن الخبز عندهم معلوم الأوزان للربع من الدرهم رغيف على وزن معلوم وكذلك للثمن وفي ذلك من المصحلة أن يرسل المبتاع الصبي الصغير أو الجارية الرعناء فيستويان فيما يأتيانه به من السوق مع الحاذق في معرفة الأوزان وكذلك اللحم تكون عليه ورقة بسعره
____________________
(1/218)

الورقة ولايكاد تخفى خيانته فإن المحتسب يدس عليه صبيا أو جارية يبتاع أحدهما منه ثم يختبر الوزن المحتسب فإن وجد نقصا قاس على ذلك حاله مع الناس فلا تسأل عما يلقى وإن كثر ذلك منه ولم يتب بعد الضرب والتجريس في الأسواق نفي من البلد ولهم في أوضاع الاحتساب قوانين يتداولونها ويتدارسونها كما تتدارس أحكام الفقه لأنها عندهم تدخل في جميع المبتاعات وتتفرع إلى ما يطول ذكره خطة الطواف بالليل
وأما خطة الطواف بالليل وما يقابل من المغرب أصحاب أرباع في المشرق فإنهم يعرفون في الأندلس بالداربين لأن بلاد الأندلس لها دروب بأغلاق تغلق بعد العتمة ولكل زقاق بائت فيه له سراج معلق وكلب يسهر وسلاح معد وذلك لشطارة عامتها وكثرة شرهم وإغيائهم في أمور التلصص إلى أن يظهروا على المباني المشيدة ويفتخروا الأغلاق الصعبة ويقتلوا صاحب الدار خوف أن يقر عليهم أو يطالبهم بعد ذلك ولا تكاد في الأندلس تخلو من سماع دار فلان دخلت البارحة وفلان ذبحه اللصوص على فراشه وهذا يرجع التكثير منه والتقليل إلى شدة الوالي ولينه ومع إفراطه في الشدة وكون سيفه يقطر دما فإن ذلك لا يعدم وقد آل الحال عندهم إلى أن قتلوا على عنقود سرقه شخص من كرم وما أشبه ذلك فلم ينته اللصوص الأندلسيون والتشريع

____________________
(1/219)

إلى السلاطين ولكن الأغلب عندهم إقامة الحدود وإنكار النهاون بتعطيلها وقيام العامة في ذلك وإنكاره إن تهاون فيه أصحاب السلطان وقد يلج السلطان في شيء من ذلك ولا ينكره فيدخلون عليه قصره المشيد ولا يعبأون بخيله ورجله حتى يخرجوه من بلدهم وهذا كثير في أخبارهم وأما الرجم بالحجر للقضاة والولاة للأعمال إذا لم يعدلوا فكل يوم الأندلسيون والتصوف
وأما طريقة الفقراء على مذهب أهل الشرق في الدروزة التي تكسل عن الكد وتحوج الوجوه للطلب في الأسواق فمستقبحة عندهم إلى نهاية وإذا رأوا شخصا صحيحا قادرا على الخدمة يطلب سبوه وأهانوه فضلا عن أن يتصدقوا عليه فلا تجد بالاندلس سائلا إلا أن يكون صاحب عذر الأندلسيون والعلوم والآداب
وأما حال أهل الأندلس في فنون العلوم فتحقيق الإنصاف في شأنهم في هذا الباب أنهم أحرص الناس على التميز فالجاهل الذي لم يوفقه الله للعلم يجهد أن يتميز بصنعه ويربأ بنفسه أن يرى فارغا عالة على الناس لأن هذا عندهم في نهاية القبح والعالم عندهم معظم من الخاصة والعامة يشار إليه ويحال عليه وينبه قدره وذكره عند الناس ويكرم في جوار أو ابتياع حاجة وما أشبه ذلك ومع هذا فليس لأهل الأندلس مدارس تعينهم على طلب العلم بل يقرءون جميع العلوم
____________________
(1/220)

فالعالم منهم بارع لأنه يطلب ذلك العلم بباعث من نفسه يحمله على أن يترك الشغل الذي يستفيد منه وينفق من عنده حتى يعلم وكل العلوم لها عندهم حظ واعتناء إلا الفلسفة والتنجيم فإن لهما حظا عظيما عند خواصهم ولا يتظاههر بهما خوف العامة فإنه كلما قيل فلان يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم أطلقت عليه العامة اسم زنديق وقيدت عليه أنفاسه فإن زل في شبهة رجموه بالحجارة أو حرقوه قبل أن يصل أمره للسلطان أويقتله السلطان تقربا لقلوب العامة وكثيرا ما يأمر ملوكهم بإحراق كتب هذا الشأن إذا وجدت وبذلك تقرب المنصور بن أبي عامر لقلوبهم أول نهوضه وإن كان غير خال من الاشتغال بذلك في الباطن على ما ذكره الحجاري والله أعلم
وقراءة القرآن بالسبع ورواية الحديث عندهم رفيعة وللفقه رونق ووجاهة ولا مذهب لهم إلا مذهب مالك وخواصهم يحفظون من سائر المذاهب ما يباحثون به بمحاضر ملوكهم ذوي الهمم في العلوم وسمة الفقيه عندهم جليلة حتى إن الملثمين كانوا يسمون الأمير العظيم منهم الذي يريدون تنويهه بالفقيه وهي الآن بالمغرب بمنزلة القاضي بالمشرق وقد يقولون للكاتب والنحوي واللغوي فقيه لأنها عندهم أرفع السمات وعلم الاصول عندهم متوسط الحال والنحو عندهم في نهاية من علو الطبقة حتى إنهم في هذا العصر فيه كأصحاب عصر الخليل وسيبويه لا يزداد مع هرم الزمان إلا جدة وهم كثيرو البحث فيه وحفظ مذاهبه كمذاهب الفقه وكل عامل في أي علم لا يكون متمكنا من علم النحو بحيث لا تخفى عليه الدقائق فليس عندهم بمستحق للتمييز ولا سالم من الازدراء مع أن كلام أهل الأندلس الشائع في الخواص والعوام كثير الانحراف عما تقتضيه أوضاع العربية حتى لو أن شخصا من العرب سمع كلام الشلوبيني أبي علي
____________________
(1/221)

وشرقت وهو يقريء درسه لضحك بملء فيه من شدة التحريف الذي في لسانه والخاص منهم إذا تكلم بالإعراب وأخذ يجري على قوانين النحو استثقلوه واستبردوه ولكن ذلك مراعى عندهم في القراءات والمخاطبات بالرسائل وعلم الأدب المنثور من حفظ التاريخ والنظم والنثر ومستظرفات الكايات أنبل علم عندهم وبه يتقرب من مجالس ملوكهم وأعلامهمومن لا يكون فيه أدب من علمائهم فهل غفل مستثقل
والشعر عندهم له حظ عظيم وللشعراء من لموكهم وجاهة ولهم عليهم وظائف والمجيدون منهم ينشدون في مجالس عظماء ملوكهم المختلفة ويوقع لهم بالصلات على أقدارهم إلا أن يختل الوقت ويغلب الجهل في حين ما ولكن هذا الغالب وإذا كان الشخص بالاندلس نحويا أو شاعرا فإنه يعظم في نفسه لا محالة ويسخف ويظهر العجب عادة قد جبلوا عليها
الزي الأندلسي في السلم والحرب
وأما زي أهل الأندلس فالغالب عليهم ترك العمائم لا سيما في شرق الأندلس فإن أهل غربها لا تكاد ترى فيهم قاضيا ولا فقيها مشارا إليه إلا وهو بعمامة وقد تسامحوا بشرقها في ذلك ولقد رأيت عزيز بن خطاب أكبر عالم بمرسية حضرة السلطان في ذلك الأوان وإليه الإشارة وقد خطب له بالملك في تلك الجهة وهو حاسر الرأس وشيبه قد غلب على سواد شعره وأما الأجناد وسائر الناس فقليل منهم من تراه بعمة في شرق منها أو في غرب وابن هود الذي ملك الأندلس في عصرنا رأيته في جميع أحواله ببلاد الأندلس وهو دون عمامة وكذلك ابن الأحمر الذي معظم الأندلس الآن في يده وكثيرا
____________________
(1/222)

ما يتزيا سلاطينهم وأجنادهم بزي النصارى المجاورين لهم فسلاحهم كسلاحهم وأقبيتهم من الإشكرلاط وغيره كأقبيتهم وكذلك أعلامهم وسروجهم
ومحاربتهم بالتراس والرماح الطويلة للطعن ولا يعرفون الدبابيس ولا قسي العرب بل يعدون قسي الإفرنج للمحاصرات في البلاد أو تكون للرجالة عند المصاففة للحرب وقليلا ما تصبر الخيل عليهم أو تمهلهم لأن يوتروها ولا تجد في خواص الأندلس وأكثر عوامهم من يمشي دون طيلسان إلا أنه لا يضعه على رأسه منهم إلا الأشياخ المعظمون وغفائر الصوف كثيرا ما يلبسونها حمرا وخضرا والصفر مخصوصة باليهود ولا سبيل إلى يهودي أن يتعمم البتة والذؤابة لا يرخيها إلا العالم ولا يصرفونها بين الأكتاف وإنما يسدلونها من تحت الأذن اليسرى وهذه الأوضاع التي بالمشرق في العمائم لا يعرفها أهل الأندلس وإن رأوا في رأس مشرقي داخل إلى بلادهم شكلا منها أظهروا التعجب والاستظراف ولا يأخذون أنفسهم بتعليمها لأنهم لم يعتادوا ولم يستحسنوا غير أوضاعهم وكذلك في تفصيل الثياب تدبير الأندلسيين ومروءتهم
وأهل الأندلس أشد خلق الله اعتناء بنظافة ما يلبسون وما يفرشون وغير ذلك ممايتعلق بهم وفيهم من لا يكون عنده إلا ما يقوته يومه فيطويه صائما ويبتاع صابونا يغسل به ثيابه ولا يظهر فيها ساعة على حالة تنبو العين عنها
وهم أهل احتياط وتدبير في المعاش وحفظ لما في أيديهم خوف ذل السؤال فلذلك قد ينسبون للبخل ولهم مروءات على عادة بلادهم
____________________
(1/223)

لفضل دقائقها على عظائمه ولد اجتزت مع والدي على قرية من قراها وقد نال منا البرد والمطر أشد النيل فأوينا إليها وكنا على حال ترقب من السلطان وخلو من الرفاهية فنزلنا في بيت شيخ من أهلها من غير معرفة متقدمة فقال لنا إن كان عندكم ما أشتري لكم فحما تسخنون به فإني أمضي في حوائجكم وأجعل عيالي يقومون بشأنكم فأعطيناه ما اشترى به فحما فأضرم نارا فجاء ابن له صغير ليصطلي فضربه فقال له والدي لم ضربته فقال يتعلم استغنام مال الناس والضجر للبرد من الصغر ثم لما جاء النوم قال لابنه أعط هذا الشاب كساءك الغليظة يزيدها على ثيابه فدفع كساءه إلي ولما قمنا عند الصباح وجدت الصبي منتبها ويده في الكساء فقلت ذلك لوالدي فقال هذه مروءات أهل الأندلس وهذا احتياطهم أعطاك الكساء وفضلك على نفسه ثم أفكر في أنك غريب لا يعرف هل أنت ثقة أو لص فلم يطب له منام حتى يأخذكساءه خوفا من انفصالك بها وهو نائم وعلى هذا الشيء الحقير فقس الشيء الجليل انتهى كلام ابن سعيد في المغرب باختصار يسير منهج كتاب المغرب لابن سعيد
ولله دره فإنه أبدع في هذا الكتاب ما شاء وقسمه إلى أقسام منها كتاب وشي الطرس في حلى جزيرة الأندلس وهو ينقسم إلى أربعة كتب
الكتاب الأول كتاب حلي العرس في حلى غرب الأندلس
الكتاب الثاني كتاب الشفاه اللعس في حلى موسطة الاندلس
____________________
(1/224)


الكتاب الثالث كتاب الأنس في حلى شرق الأندلس
الكتاب الرابع كتاب لحظات المريب في ذكر ما حماه من الأندلس عباد الصليب
والقسم الثاني كتاب الألحان المسلية في حلى جزيرة صقلية وهو أيضا ذو أنواع
والقسم الثالث كتاب الغاية الأخيرة في حلى الأرض الكبيرة وهو أيضا ذو أقسام وصور رحمه الله تعالى أجزاء الأندلس في كتاب وشي الطرس وقال أيضا إن كلا من شرق الأندلس وغربها ووسطها يقرب في قدر المساحة بعضه من بعض وليس فيها جزء يجاوز طوله عشرة أيام ليصدق التثليث في القسمة وهذا دون ما بقي بأيدي النصارى
وقدم رحمه الله كتاب حلي العرس في حلي غرب الأندلس لكون قرطبة قطب الخلافة المروانية وإشبيلية التي ما في الأندلس أجمل منها فيه وقسمه إلى سبعة كتب كل كتاب منها يحتوي على مملكة منحازة عن الأخرى
الكتاب الأول كتاب الحلة المذهبة في حلى مملكة قرطبة
الكتاب الثاني كتاب الذهبية الأصيلية في حلى المملكة الإشبيلية
الكتاب الثالث كتاب خدع الممالقة في حلى مملكة مالقة
الكتاب الرابع كتاب الفردوس في حلى مملكة بطليوس
الكتاب الخامس كتاب الخلب في حلى مملكة شلب
الكتاب السادس كتاب الديباجة في حلى مملكة باجة
الكتاب السابع كتاب الرياض المصونة في حلى مملكة أشبونه وقد
____________________
(1/225)

ذكر رحمه الله تعالى في كل قسم ما يليق به وصور اجزاءه على ما ينبغي فالله يجازيه خيرا والكلام في الأندلس طويل عريض خاتمة في نبذة جغرافية
وقال بعض المؤرخين طول الأندلس ثلاثون يوما وعرضها تسعة أيام ويشقها أربعون نهرا كبارا وبها من العيون والحمامات والمعادن ما لا يحصى وبها ثمانون مدينة من القواعد الكبار وأزيد من ثلثمائة من المتوسطة وفيها من الحصون والقرى والبروج ما لا يحصى كثرة حتى قيل إن عدد القرى التي على نهر إشبيلية اثنا عشر ألف قرية وليس في معمور الأرض صقع يجد المسافر فيه ثلاث مدن وأربعا من يومه إلا بالأندلس ومن بركتها أن المسافر لا يسير فيها فرسخين دون ماء أصلا وحيثما سار من الأقطار يجد الحوانيت في الفوات والشعارى والأودية ورؤوس الجبال لبيع الخبز والفواكه والجبن واللحم والحوت وغير ذلك من ضروب الأطعمة
وذكر صاحب الجغرافيا أن جزيرة الاندلس مسيرة أربعين يوما طولا في ثمانية عشر يوما عرضا وهو مخالف لما سبق
وقال اين سيده أخذت الاندلس في عرض الإقليمين الخامس والسادس من البحر الشامي في الجنوب إلى البحر المحيط في الشمال وبها من الجبال سبعة وثمانون جبلا انتهى مقطعات في مدح الأندلس
ولبعضهم
( لله أندلس وما جمعت بها
____________________
(1/226)


( فكأنما تلك الديار كواكب ** وكأنما تلك البقاع سماء )
( وبكل قطر جدول في جنة ** ولعت به الأفياء والأنداء )
وقال غيره
( في أرض أندلس تلتذ نعماء ** ولا يفارق فيها القلب سراء )
( وليس في غيرها بالعيش منتفع ** ولا تقوم بحق الماء صهباء )
( وأين يعدل عن أرض تحض بها ** على الشهادة أزواج وأبناء )
( وأين يعدل عن أرض تحث بها ** على المدامة أفياء وأنداء
( وكيف لا تبهج الأبصار رؤيتها ** وكل أرض بها في الوشي صنعاء )
( أنهارها فضة والمسك تربتها ** والخز روضتها والدر حصباء )
( وللهواء بها لطف يرق به ** من لا يرق وتبدو منه أهواء )
( ليس النسيم الذي يهفو بها سحرا ** ولا انتشار لآلي الطل أنداء )
( وإنما أرج الند استثار بها ** في ماء ورد فطابت منه أرجاء )
( وأين يبلغ منها ما أصنفه ** وكيف يحوي الذي حازته إحصاء )
( قد ميزت من جهات الأرض ثم بدت ** فريدة وتولى ميزها الماء )
( دارت عليها نطاقا أبحر خفقت ** وجدا بها إذ تبدت وهي حسناء )
( لذاك يبسم فيها الزهر من طرب ** والطير يشدو وللأغصان إصغاء )
( فيها خلعت عذارى ما بها عوض ** فهي الرياض وكل الأرض صحراء )
وفد تقدمت هذه القصيدة
وقال آخر
( حبذا أندلس من بلد ** لم تزل تنتج لي
____________________
(1/227)


( طائر شاد وظل وارف ** ومياه سائحات وقصور )
وقال آخر
( يا حسن أندلس وما جمعت لنا ** فيها من الأوطار والأوطان )
( تلك الجزيرة لست أنسى حسنها ** بتعاقب الاحيان والأزمان )
( نسج الربيع نباتها من سندس ** موشية ببدائع الألوان )
( وغدا النسيم بها عليلا هائما ** بربوعها وتلاطم البحران )
( يا حسنها والطل ينثر فوقها ** دررا خلال الورد والريحان )
( وسواعد الأنهار قد مدت إلى ** ندمائها بشقائق النعمان )
( وتجاوبت فيها شوادي طيرها ** والتفت الأغصان بالأغصان )
( ما زرتها إلا وحياني بها ** حدق البهار وأنمل السوسان )
( من بعدها ما أعجبتني بلدة ** مع ما حللت به من البلدان ) من خصائص الأندلس
وحكى بعضهم أن بالجامع من مدينة أقليش بلاطا فيه جوائز منشورة مربعة مستوية الأطراف طول الجائزة منها مائة شبر وأحد عشر شبرا
وفي الأندلس جبل من شرب من مائه كثر عليه الاحتلام من غير إرادة ولا تفكر وفيها غير ذلك مما يطول ذكره والله أعلم
ولنمسك العنان في هذا الباب فإن بحر الأندلس طويل مديد وربما كررنا الكلام لارتباط بعضه ببعض أو لنقل صاحبه المروي عنه أو لاختلاف
____________________
(1/228)

& الباب الثاني
في إلقاء الأندلس للمسلمين بالقياد وفتحها على يد موسى بن نصير ومولاه طارق بن زياد وصيرورتها ميدانا لسبق الجياد ومحط رحل الارتباء والارتياد وما يتبع ذلك من خبر حصل بازديانه ازدياد ونبإ وصل إليه اعتيام وتقرر بمثله اعتياد &
اعلم أنه لما قضى الله سبحانه بتحقيق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم زويت لي مشارق الأرض ومغاربها وسيبلغ ملك امتي ما زوي لي منها وقع الخلاف بين لذريق ملك القوط وبين ملك سبتة الذي على مجاز الزقاق فكان ما يذكر من فتح الأندلس على يد طارق وطريف ومولاهما الأمير موسى ابن نصير رحم الله الجميع أخبار الفتح حسب مختلف الروايات
وذكر الحجاري وابن حيان وغيرهما أن أول من دخل جزيرة الأندلس من المسلمين برسم الجهاد طريف البربري مولى موسى بن نصير الذي تنسب إليه جزيرة طريف التي على المجاز غزاها بمعونة صاحب سبتة يليان النصراني لحقده على لذريق صاحب الأندلس وكان في مائة فارس وأربعمائة راجل جاز البحر في أربعة مراكب
____________________
(1/229)

بغنيمة جليلة فعقد موسى بن نصير صاحب المغرب لمولاه طارق بن زياد على الأندلس ووجهه مع يليان صاحب سبتة انتهى
وسيأتي في أمر طريف وغيره ما يخالف هذا السياق وهي أقوال
وقال ابن حبان إن أول أسباب فتح الأندلس كان أن ولى الوليد بن عبدالملك موسى بن نصير مولى عمه عبد العزيز على إفريقية وما خلفها سنة ثمان وثمانين فخرج في نفر قليل من المطوعة فلما ورد مصر أخرج معه من جندها بعثا وفعل ذلك في إفريقية وجعل على مقدمته مولاه طارقا فلم يزل يقاتل البربر ويفتح مدائنهم حتى بلغ مدينة طنجة وهي قصبة بلادهم وأم مدائنهم فحصرها حتى فتحها وأسلم أهلها ولم تكن فتحت قبله وقيل بل فتحت ثم استغلقت
وذكر ابن حيان أيضا استصعاب سبتة على موسى بتدبير صاحبها الداهية الشجاع يليان النصراني وأنه في أثناء ذلك وقع بينه وبين لذريق صاحب الأندلس ثم سرد ما يأتي ذكره
وقال لسان الدين بن الخطيب رحمه الله وحديث الفتح وما من الله به على الإسلام من المنح وأخبار ما أفاء الله من الخير على موسى بن نصير وكتب من جهاد لطارق بن زياد مملول قصاص وأوراق وحديث أفول وإشراق وإرعاد وإبراق وعظم امتشاش وآلة معلقة في دكان قشاش انتهى
وقال في المغرب طارق بن زياد من إفريقية
وقال ابن بشكوال إنه طارق بن عمرو فتح جزيرة الأندلس ودوخها وليه ينسب جبل طارق الذي يعرفه العامة بجبل الفتح في قبلة الجزيرة الخضراء ورحل مع سيده بعد فتح الأندلس إلى الشام وانقطع خبره انتهى
____________________
(1/230)


وقال أيضا إن طارقا كان حسن الكلام ينظم ما يجوز كتبه وأما المعارف السلطانية فيكفيه ولاية سلطنة الأندلس وما فتح فيها من البلاد إلى أن وصل سيده موسى بن نصير
ومن تاريخ ابن بشكوال احتل طارق بالجبل المنسوب إليه يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة اثنتين وتسعين في اثني عشر ألف غير اثني عشر رجلا من البربر ولم يكن فيهم من العرب إى شيء يسير وإنه لما ركب البحر رأى وهو نائم النبي صلى الله عليه وسلم وحوله المهاجرون والانصار قد تقلدوا السيوف وتنكبوا القسي فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا طارق تقدم لشأنك ونظر إليه وإلى أصحابه قد دخلوا الأندلس قدامه فهب من نومه مستبشرا وبشر أصحابه وثابت نفسه ببشراه ولم يشك في الظفر فخرج من الجبل واقتحم بسيط البلد شانا للغارة وأصاب عجوزا من أهل الجزيرة فقالت له في بعض قولها إنه كان لها زوج عالم بالحدثان فكان يحدثهم عن أمير يدخل إلى بلدهم هذا فيغلب عليه ويصف من نعته أنه ضخم الهامة فأنت كذلك ومنها أن في كتفه اليسرى شامة عليها شعر فإن كانت فيك فأنت هو فكشف ثوبه فإذا بالشامة في كتفه على ما ذكرت فاستبشر بذلك ومن معه
ومن تاريخ ابن حيان لما حرض يليان النصاني صاحب سبتة للأمر الذي وقع بينه وبين صاحب الأندلس موسى بن نصير على غزو الأندلس جهز لها مولاه طارقا المذكور في سبعة آلاف من المسلمين جلهم من البربر في أربع سفن وحط بجبل طارق المنسوب إليه يوم السبت في شعبان سنة اثنتين وتسعين ولم تزل المراكب تعود حتى توافى جميع أصحابه عنده بالجبل قال ووقع على لذريق صاحب الأندلس الخبر وأن يليان السبب فيه وكان يومئذ غازيا في جهة البشكنس فبادر
____________________
(1/231)

وكتب طارق إلى موسى بأنه قد زحف إليه لذريق بما لا طاقة له به وكان عمل من السفن عدة فجهز له فيها خمسة آلاف من المسلمين فكملوا بمن تقدم اثني عشر ألفا ومعهم يليان صاحب سبتة في حشده يدلهم على العورات ويتجسس لهم الأخبار وأقبل نحوهم لذريق ومه خيار العجم وأملاكها وفرسانها وقلوبهم عليه فتلاقوا فيما بينهم وقالوا إن هذا الخبيث غلب على سلطاننا وليس من بيت الملك وإنما كان من أتباعنا ولسنا نعدم من سيرته خبالا واضطرابا وهؤلاء القوم الذين طرقوا لا حاجة لهم في إيطان بلدنا وإنما مرادهم أن يملأوا أيديهم من الغنائم ويخرجوا عنا فهلم فلننهزم بابن الخبيثة إذا نحن لقينا القوم فلعلهم يكفوننا أمره فإذا هم انصرفوا عنا أقعدنا في ملكنا من يستحقه فأجمعوا على ذلك انتهى
وقال ابن خلدون بعد ذكره ان القوطيين كان لهم ملك الأندلس وان ملكهم لعهد الفتح يسمى لذريق ما نصه وكانت لهم خطوة وراء البحر في هذه العدوة الجنوبية حطوها من فرضة المجاز بطنجة ومن زقاق البحر إلى بلاد البربر واستعبدوهم وكان ملك البرابرة بذلك القطر الذي هو اليوم جبال غمارة يسمى يليان فكان يدين بطاعتهم وبملتهم وموسى بن نصير أمير المغرب إذ ذاك عامل على إفريقية من قبل الوليد بن عبد الملك ومنزله بالقيروان وكان قد أغزى لذلك العهد عساكر المسلمين بلاد المغرب الأقصى ودوخ اقطاره وأثخن في جبال طنجة هذه حتى وصل خليج الزقاق واستنزل يليان لطاعة الإسلام وخلف مولاه طارق بن زياد الليثي واليا بطنجة وكان يليان ينقم على لذريق ملك
____________________
(1/232)

بابنته الناشئة في داره على عادتهم في بنات بطارقتهم فغضب لذلك وأجاز إلى لذريق وأخذ ابنته منه ثم لحق بطارق فكشف للعرب عورة القوط ودلهم على عورة فيهم أمكنت طارقا فيها الفرصة فانتهزها لوقته وأجاز البحر سنة اثنتين وتسعين من الهجرة بإذن أميره موسى بن نصير في نحو ثلثمائة من العرب واحتشد معهم من البربر زهاء عشرة آلاف فصيرهم عسكرين أحدهما على نفسه ونزل به جبل الفتح فسمي جبل طارق به والآخر على طريف بن مالك النخعي ونزل بمكان مدينة طريف فسمي به وأداروا الأسوار على أنفسهم للتحصن وبلغ الخبر إلى لذريق فنهض إليهم يجر أمم الأعاجم وأهل ملة النصرانية في زهاء أربعين ألفا وزحفوا إليه فالتقوا بفحص شريش فهزمه الله ونفلهم أموال أهل الكفر ورقابهم وكتب طارق إلى موسى بن نصير بالفتح وبالغنائم فحركته الغيرة وكتب إلى طارق يتوعده إن توغل بغير إذنه ويأمره أن لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به واستخلف على القيروان ولده عبد الله وخرج ومعه حبيب بن أبي عبيدة الفهري ونهض من القيروان سنة ثلاث وتسعين من الهجرة في عسكر ضخم من وجوه العرب الموالي وعرفاء البربر ووافى خليج الزقاق ما بين طنجة والجزيرة الخضراء فأجاز إلى الأندلس وتلقاه طارق فانقاد واتبع وأتم موسى الفتح وتوغل في الأندلس إلى برشلونة في جهة الشرق وأربونة في الجوف وصنم قادس في الغرب ودوخ أقطارها وجمع غنائمها وأجمع أن يأتي المشرق من ناحية القسطنطينية ويتجاوز إلى الشام دروبه ودروب الأندلس ويخوض إليه ما بينهما من أمم الأعاجم النصرانية مجاهدا فيهم
____________________
(1/233)

لهم إلى أن يلحق بدار الخلافة ونمي الخبر إلى الوليد فاشتد قلقه بمكان المسلمين من دار الحرب ورأى أن ما هم به موسى غرر بالمسلمين فبعث إليه بالتوبيخ والانصراف وأسر إلى سفيره أن يرجع بالمسلمين إن لم يرجع وكتب له بذلك عهده ففت ذلك في عزم موسى وقفل عن الأندلس بعد ان أنزل الرابطة والحامية بثغورها وأنزل ابنه عبد العزيز لسدها وجهاد عدوها وأنزله بقرطبة فاتخذها دار إمارة واحتل موسى بالقيروان سنة خمس وتسعين وارتحل إلى المشرق سنة ست بعدها بما كان معه من الغنائم والذخائر والأموال على العجل والظهر يقال إن من جملتها ثلاثين ألف رأس من السبي وولى على إفريقية ابنه عبد الله وقدم على سليمان بن عبد الملك فسخطه ونكبه وثارت عساكر الأندلس بابنه عبد العزيز بإغراء سليمان فقتلوه لسنتين من ولايته وكان خيرا فاضلا وافتتح في ولايته مدائن كثيرة وولي من بعده أيوب بن حبيب اللخمي وهو ابن أخت موسى بن نصير فولي عليها ستة أشهر ثم تتابعت ولاة العرب على الأندلس تارة من قبل الخليفة وتارة من قبل عامله بالقيروان وأثخنوا في أمم الكفر وافتتحوا برشلونة من جهة المشرق وحصون قشتالة وبسائطها من جهة الجوف وانقرضت أمم القوط وأرز الجلالقة من بقي من أمم العجم إلى جبال قشتالة وأربونة وأفواه الدروب فتحصنوا بها وأجازت عساكر المسلمين ما وراء برشلونة من دروب الجزيرة حتى احتلوا البسائط وراءها وتوغلوا في بلاد الفرنجة وعصفت ريح الإسلام بأمم الكفر من كل جهة وربما كان بين جنود الأندلس من العرب اختلاف وتنازع أوجد للعدو بعض
____________________
(1/234)

سنة من لدن فتحها واستمر الأمر على ذلك
وكان محمد بن يزيد عامل إفريقية لسليمان بن عبد الملك لما بلغه مهلك عبد العزيز بن موسى بن نصير بعث إلى الأندلس الحر بن عبد الرحمن بن عثمان الثقفي فقدم الأندلس وعزل أيوب بن حبيب وولي سنتين وثمانية أشهر
ثم بعث عمر بن عبد العزيز على الأندلس السمح بن مالك الخولاني على رأس المائة من الهجرة وأمره أن يخمس أرض الأندلس فخمسها وبنى قنطرة قرطبة واستشهد غازيا بأرض الفرنجة سنة ثنتين ومائة فقدم أهل الأندلس عليهم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي إلى ان قدم عنبسة بن سحيم الكلبي من قبل يزيد بن أبي مسلم عامل إفريقية فقدمها في صفر سنة ثلاث ومائة فاستقام أمر الأندلس وغزا الفرنجة وتوغل في بلادهم واستشهد سنة سبع ومائة لأربع سنين وأربعة أشهر
ثم تتابعت ولاة الأندلس من قبل أمراء إفريقية فكان أولهم يحيى بن سلمة الكلبي أنفذه بشر بن صفوان الكلبي والي إفريقية لما استدعى منه أهل الأندلس واليا بعد مقتل عنبسة فقدمها آخر سنة سبع واقام في ولايتها سنتين ونصفا ولم يغز وقدم إليها عثمان بن أبي نسعة الخثعمي واليا من قبل عبيدة بن عبد الرحمن السلمي صاحب إفريقية وعزله لخمسة أشهر بحذيفة بن الأحوص القيسي فوافاها سنة عشر وعزل قريبا يقال لسنة من ولايته واختلف هل تقدمه عثمان أو هو تقدم عثمان ثم ولي بعده الهيثم بن عبيد الكلابي من قبل عبيدة بن عبد الرحمن أيضا قدم في المحرم سنة إحدى عشرة وغزا أرض مقوشة فافتتحها وتوفي سنة ثلاث عشرة ومائة لسنتين من ولايته وقدم بعده محمد بن عبد الله الأشجعي فولي شهرين ثم قدم عبد الرحمن بن
____________________
(1/235)

عبد الله الغافقي من قبل عبيد الله بن الحبحاب صاحب إفريقية فدخلها سنة ثلاث عشرة وغزا الإفرنجة وكانت له فيهم وقائع وأصيب عسكره في رمضان سنة أربع عشرة في موضع يعرف ببلاط الشهداء وبه عرفت الغزوة وكانت ولايته سنة وثمانية أشهر ثم ولي عبد الملك بن قطن الفهري وقدم في رمضان سنة أربع عشرة فولي سنتين وقال الواقدي أربع سنين وكان ظلوما جائرا في حكومته وغزا أرض البشكنس سنة خمس عشرة ومائة فأوقع بهم وغنم ثم عزل في رمضان سنة ست عشرة وولي عقبة بن الحجاج السلولي من قبل عبيد الله بن الحجاب فأقام خمس سنين محمود السيرة مجاهدا مظفرا حتى بلغ سكنى المسلمين أربونة وصار رباطهم على نهر رودنة ثم وثب عليه عبد الملك بن قطن الفهري سنة إحدى وعشرين فخلعه وقتله ويقال أخرجه من الأندلس وولي مكانه إلى أن دخل بلج بن بشر بأهل الشام سنة أربع وعشرين فغلب عليه وولي الأندلس سنة أو نحوها
وقال الرازي ثار أهل الأندلس بأميرهم عقبة في صفر سنة ثلاث وعشرين في خلافة هشام بن عبد الملك وولوا عليهم عبد الملك بن قطن ولايته الثانية فكانت ولاية عقبة ستة أعوام وأربعة أشهر وتوفي بقرقشونة في صفر سنة ثلاث وعشرن واستقام الأمر لعبد الملك ثم دخل بلج بن بشر القشيري بجنيد الشام ناجيا من وقعة كلثوم بن عياض مع البربر بملوية فثار على عبد الملك وقتله وهو ابن سبعين سنة واستوثق له الأمر بعد مقتل عبد الملك وانحاز الفهريون إلى جانب فامتنعوا عليه وكاشفوه واجتمع إليهم من أنكر فعلته بابن قطن وقام بأمرهم قطن وأمية
____________________
(1/236)

والتقوا فكانت الدائرة على الفهريين وهلك بلج من الجراح التي نالته في حربهم وذلك سنة اربع وعشرين لسنة أو نحوها من إمارته ثم ولي ثعلبة بن سلامة الجذامي وغلب على إمارة الأندلس بعد مهلك بلج وانحاز عنه الفهريون فلم يطيعوه وولي سنتين أظهر فيهما العدل ودانت له الأندلس عشرة أشهر إلى أن مالت به العصبية في يمانيته ففسد أمره وهاجت الفتنة وقدم أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي من قبل حنظلة بن صفوان عامل إفريقية ركب إليها البحر من تونس سنة خمس وعشرين فدان له أهل الأندلس وأقبل إليه ثعلبة وابن أبي نسعة وابنا عبد الملك فلقيهم وأحسن إليهم واستقام أمره وكان شجاعا كريما ذا رأي وحزم وكثر أهل الشام عنده ولم تحملهم قرطبة ففرقهم في البلاد وأنزل أهل دمشق إلبيرة لشبهها بها وسماها دمشق وأنزل أهل حمص إشبيلية وسماها حمص وأهل قنسرين جيان وسماها قنسرين وأهل الأردن رية ومالقة وسماهما الأردن وأهل فلسطين شذونة وهي شريش وسماها فلسطين وأهل مصر تدمير وسماها مصر وقفل ثعلبة إلى المشرق ولحق بمروان بن محمد وحضر حروبه وكان أبو الخطار أعرابيا عصبيا أفرط عند ولايته في التعصب لقومه من اليمانية وتحامل على المضرية وأسخط قيسا وأمر في بعض الأيام بالصميل بن حاتم كبير القيسية وكان من طوالع بلج وهو الصميل بن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن ورأس على المضرية فأقيم من مجلسه وتقنع فقال له بعض الحجاب وهو خارج من القصر أقم عمامتك يا أبا الجوشن فقال إن كان لي قوم فسيقيمونها فسار الصميل بن حاتم أميرهم يومئذ وزعيمهم وألب عليه قومه واستعان بالمنحرفين عنه من اليمانية فخلع أبو الخطار سنة ثمان وعشرين لأربع سنين وتسعة أشهر من ولايته وقدم مكانه ثوابه بن سلامة الجذامي
____________________
(1/237)

لكل دولة وقدم المضرية على أنفسهم يوسف بن عبد الرحمن الفهري سنة تسع وعشرين واستتم سنة ولايته بقرطبة دار الإمارة ثم وافته اليمانية لميعاد إدالتهم واثقين بمكان عهدهم وتراضيهم واتفاقهم فبيتهم يوسف بمكان نزولهم في شقندة من قرى قرطبة بممالأة من الصميل بن حاتم والقيسية وسائر المضرية فاستلحموهم وثار ابو الخطار فقاتله الصميل وهزمه وقتله سنة تسع وعشرين واستبد يوسف بما وراء البحر من عدوة الأندلس وغلب اليمينة على أمرهم فاستكانوا لغلبة وتربصوا الدوائر إلى أن جاء عبد الرحمن الداخل وكان يوسف ولي الصميل سرقسطة فلما ظهر أمر المسودة بالمشرق ثار الحباب الزهري بالأندلس داعيا لهم وحاصر الصميل بسرقسطة واستمد يوسف فلم يمده رجاء هلاكه لما كان يغض به وأمدته القيسية فأفرج عنه الحباب وفارق الصميل سرقسطة فملكها الحباب وولى يوسف الصميل على طليطلة إلى أن كان من عبد الرحمن الداخل ما كان انتهى كلام ولي الدين بن خلدون ببعض اختصار
وقال بعض المؤرخين إن عبد الله بن مروان أخا عبد الملك كان واليا على مصر
____________________
(1/238)

ابن نصير إلى إفريقية وذلك سنة سبع وثمانين للهجرة فامتثل أمره في ذلك
وقال الحميدي في جذوة المقتبس إن موسى بن نصير ولي إفريقية والمغرب سنة سبع وسبعين فقدمها ومعه جماعة من الجند فبلغه أن بأطراف البلاد من هو خارج عن الطاعة فوجه ولده عبد الله فأتاه بمائة ألف رأس من السبايا ثم ولده مروان إلى جهة أخرى فأتاه بمائة ألف رأي وقال الليث بن سعد بلغ الخمس ستين ألف رأس وقال الصدفي لم يسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير ووجد أكثر مدن إفريقية خالية لاختلاف أيدي البربر عليها وكانت البلاد في قحط شديد فأمر الناس بالصوم والصلاة وإصلاح ذات البين وخرج بهم إلى الصحراء ومعه سائر الحيوانات وفرق بينها وبين أولادها فوقع البكاء والصراخ والضجيج وأقام على ذلك إلى منتصف النهار ثم صلى وخطب الناس ولم يذكر الوليد بن عبد الملك فقيل له ألا تدعو لأمير المؤمنين فقال هذا مقام لا يدعى فيه لغير الله تعالى فسقوا حتى رووا ثم خرج موسى غازيا وتتبع البربر وقتل فيهم قتلا ذريعا وسبى سبيا عظيما وسار حتى انتهى إلى السوس الأدنى لا يدافعه أحد فلما رأى بقية البربر ما نزل بهم استأمنوا وبذلوا له الطاعة فقبل منهم وولى عليهم واليا واستعمل على طنجة وأعمالها مولاه طارق بن زياد البربري ويقال إنه من الصدف وترك عنده تسعة عشر ألفا من البربر بالأسلحة والعدة الكاملة وكانوا قد اسلموا وحسن إسلامهم وترك موسى عندهم خلقا يسيرا من العرب ليعلموا البربر القرآن وفرائض الإسلام ورجع إلى إفريقية ولم يبق بالبلاد من ينازعه من البربر ولا من الروم ولما استقرت له القواعد كتب إلى طارق وهو بطنجة يأمره بغزو بلاد الأندلس فغزاها في اثني عشر ألف من البربر خلا اثني عشر رجلا وصعد على
____________________
(1/239)

يوم الاثنين خامس رجب سنة اثنتين وتسعين وذكر عن طارق أنه كان نائما في المركب وقع التعدية فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد هكذا ذكر ابن بشكوال
وقيل إن موسى ندم على تأخره وعلم أن طارقا إن فتح شيئا نسب الفتح إليه دونه فأخذ في جمع العساكر وولى على القيروان ابنه عبد الله وتبع طارقا فلم يدركه إلا بعد الفتح وقال بعض العلماء إن موسى بن نصير كان عاملا شجاعا كريما تقيا لله تعالى ولم يهزم له قط جيش وكان والده نصير على جيوش معاوية ومنزلته لديه مكينة ولما خرج معاوية لصفين لم يخرج معه فقال له ما منعك من الخروج معي ولي عندك يد لم تكافئني عليها فقال لم يمكني أن أشكرك بكفري من هو أولى بشكري منك فقال من هو فقال الله عز وجل فأطرق مليا ثم قال أستغفر الله ورضي عنه
ورجع إلى حديث طارق قال بعض المؤرخين كان لذريق ملك الأندلس استخلف عليها شخصا يقال له تدمير وإليه تنسب تدمير بالأندلس فلما نزل طارق من الجبل كتب تدمير إلى لذريق إنه قد نزل بأرضنا قوم لا ندري أمن السماء هم أم من الأرض فلما بلغ لذريق ذلك وكان قصد بعض الجهات البعيدة لغزو له في بعض أعدائه رجع عن مقصده في سبعين ألف فارس ومعه العجل تحمل الأموال والمتاع وهو على سريره بين دابتين وعليه مظلة مكللة بالدر والياقوت والزبرجد فلما بلغ طارقا دنوه قام في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم حث المسلمين على الجهاد ورغبهم ثم قال أيها الناس أين المفر البحر من ورائكم والعدو أمامكم
____________________
(1/240)

من الأيتام في مأدبة اللئام وقد استقبلكم عدوكم بجيشه وأسلحته وأقواته موفورة وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمرا ذهبت ريحكم وتعوضت القلوب من رعبها منكم الجراءة عليكم فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت وإني لم أحذركم أمرا أنا عنه بنجوة ولا حملتكم على خطة أرخص متاع فيها النفوس إلا وأنا أبدأ بنفسي واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلا استمعتم بالأرفه الألذ طويلا فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي فما حظكم فيه بأوفى من حظي وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان من بنات اليونان الرافلات في الدر والمرجان والحلل المنسوجة بالعقيان المقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان وقد انتخبكم الوليد ابن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عربانا ورضيكم لملوك هذه الجزيرة صهارا وأختانا ثقة منه بارتياحكم للطعان واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته وإظهار دينه بهذه الجزيرة وليكون مغنمها خالصة لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم والله تعالى ولي إنجادكم على ما يكون لكم ذكرا في الدارين واعلموا أني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه وأني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية القوم لذريق فقاتله إن شاء الله تعالى فاحملوا معي فإن هلكت بعده فقد كفيتكم أمره ولم يعوزكم بطل عاقل تسندون أموركم إليه وإن هلكت قبل وصولي إليه فاخلفوني في عزيمتي هذه واحملوا بأنفسكم عليه واكتفوا الهم من فتح هذه الجزيرة بقتله فإنهم بعده يخذلون فلما فرغ من تحريض أصحابه على الصبر في قتال لذريق وأصحابه وما
____________________
(1/241)

وعدهم من الخير الجزيل انبسطت نفوسهم وتحققت آمالهم وهبت رياح النصر عليهم وقالوا له قد قطعنا الآمال مما يخالف ما عزمت عليه فاحضر إليه فإننا معك وبين يديك فركب وأصحابه فباتوا ليلتهم في حرس إلى الصبح فلما أصبح الفريقان تكتبوا وعبوا جيوشهم وحمل لذريق وهو على سريره وقد حمل على رأسه رواق ديباج يظلله وهو مقبل في غابة من البنود والأعلام وبين يديه المقاتلة والسلاح وأقبل طارق في أصحابه عليهم الزرد من فوق رؤوسهم العمائم البيض وبأديهم القسي العربية وقد تقلدوا السيوف واعتقلوا الرماح فلما نظر إليهم لذريق حلف وقال إن هذه الصور هي التي رأيناها ببيت الحكمة ببلدنا فداخله منهم الرعب فلما رأى طارق لذريق قال هذا طاغية القوم فحمل وحمل أصحابه معه فتفرقت المقاتلة من بين يدي لذريق فخلص إليه طارق فضربه بالسيف على رأسه فقتله على سريره فلما رأى أصحابه مصرع صاحبهم اقتحم الجيشان وكان النصر للمسلمين ولم تقف هزيمة العدو على موضع بل كانوا يسلمون بلدا بلدا ومعقلا معقلا
ولما سمع موسى بن نصير بما حصل من النصرة لطارق عبر الجزيرة بمن معه ولحق بمولاه طارق فقال له يا طارق إنه لن يجازيك الوليد بن عبد الملك على بلائك بأكثر من أن يمنحك الأندلس فاستبحه هنيئا مريئا فقال له طارق أيها الأمير والله لا أرجع عن قصدي هذا ما لم أنته إلى البحر المحيط أخوض فيه بفرسي يعني البحر الشمالي الذي تحت بنات نعش ولم يزل طارق يفتح وموسى معه إلى أن بلغ جليقية وهي ساحل البحر المحيط انتهى
وقال
____________________
(1/242)

نقم على مولاه طارق إذ غزا بغير إذنه وهم بقتله ثم ورد عليه كتاب الوليد بإطلاقه فأطلقه وخرج معه إلى الشام انتهى خبر بيت الحكمة بالأندلس
قول لذريق إن هذه الصور هي التي رأيناها في بيت الحكمة إلخ اشار به إلى بيت حكمة اليونان وكان من خبره فيما حكى بعض علماء التاريخ أن اليونان وهم الطائفة المشهورة بالحكم كانوا يسكنون بلاد الشرق قبل عهد الإسكندر فلما ظهرت الفرس واستولت على البلاد وزاحمت اليونان على ما كان بأيديهم من الممالك انتقل اليونان إلى جزيرة الأندلس لكونها طرفا في آخر العمارة ولم يكن لها ذكر إذ ذاك ولا ملكها أحد من الملوك المعتبرة ولم تك عامرة وكان أول من عمر فيها واختطها أندلس بن يافث بن نوح عليه السلام فسميت باسمه ولما عمرت الأرض بعد الطوفان كانت الصورة المعمورة منها عندهم على شكل طائر رأسه المشرق والجنوب والشمال رجلاه وما بينهما بطنه والمغرب ذنبه وكانوا يزدرون المغرب لنسبته إلى أخس أجزاء الطير وكانت اليونان لا ترى فناء الأمم بالحروب لما فيها من الأضرار والاشتغال عن العلوم التي كان الاشتغال بها عندهم من أهم الامور فلذلك انحازوا من بين يدي الفرس إلى الأندلس فلما صاروا إليها أقبلوا على عمارتها فشقوا الانهار وبنوا المعاقل وغرسوا الجنات والكروم وشيدوا الأمصار وملؤوها حرثا ونسلا وبنيانا فعظمت وطابت حتى قال قائلهم لما رأى بهجتها إن الطائر الذي صورت هذه العمارة على شكله وكان المغرب ذنبه كان طاووسا معظم جماله في ذنبه
وحكي أن الرشيد هرون رحمه الله لما حضر بين
____________________
(1/243)

المغرب قال الرشيد يقال إن الدنيا بمثابة طائر ذنبه المغرب فقال الرجل صدقوا يا أمير المؤمنين وإنه طاووس فضحك أمير المؤمنين الرشيد وتعجب من سرعة جواب الرجل وانتصاره لقطره
رجع قال فاغتبط اليونان بالأندلس أتم اغتباط واتخذوا دار الحكمة والملك بها طليطلة لأنها أوسط البلاد وكان أهم الأمور عندهم تحصينها عمن يتصل به خبرها من الأمم فنظروا فإذا هو أنه لا يحسدهم على رغد العيش إلا أرباب الشظف والشقاء والتعب وهم يومئذ طائفتان العرب والبربر فخافوهم على جزيرتهم العامرة فعزموا على أن يتخذوا لهذين الجنسين من الناس طلسما فرصدوا لذلك أرصادا ولما كان البربر بالقرب منهم وليس بينهم سوى تعدية البحر ويرد عليهم منهم طوائف منحرفة الطباع خارجة عن الأوضاع ازدادوا منهم نفورا وكثر تحذرهم من نسب أومجاورة حتى ثبت ذلك في طبائعهم وصار بعضه مركبا في غرائزهم فلما علم البربر عداوة أهل الأندلس وبغضهم لهم أبغضوهم وحسدوهم فلم تجد أندلسيا إلا مبغضا بربريا وبالعكس إلا أن البربر أحوج إلى أهل الأندلس لوجود بعض الأشياء عندهم وفقدها ببلاد البربر
وكان بنواحي غرب الأندلس ملك يوناني بجزيرة يقال لها قادس وكانت له ابنة في غاية الجمال فتسامع بها ملوك الأندلس وكانت الأندلس كثيرة الملوك لكل بلدة أو بلدتين ملك فخطبوها وخشي أبوها إن زوجها من واحد أسخط الباقين فتحير وأحضر ابنته وكانت الحكمة مركبة في طباع القوم ذكورهم وإناثهم ولذا قيل إن الحكمة نزلت من السماء على ثلاثة أعضاء من أهل الأرض أدمغة اليونان وأيدي أهل الصين وألسنة العرب فقال لها يا بنية إني اصبحت على حيرة في أمرك
____________________
(1/244)

من الملوك وما أرضيت واحدا إلا أسخطت الباقين فقالت له اجعل الأمر إلى تخلص فقال وما تقترحين فقالت أن يكون ملكا حكيما فقال نعم ما اخترته لنفسك فكتب في أجوبة الملوك الخطاب أنها اختارت من الأزواج الملك الحكيم فلما وقفوا على الجواب سكت من لم يكن حكيما وكان من الملوك الخاطبين حكيمان فكتب كل واحد منهما أنا الملك الحكيم فلما وقفت على كتابيهما قال لها يا بنية بقي الأمر على إشكال وهذان ملكان حكيمان أيهما أرضيت أسخطت الآخر فقالت سأقترح على كل واحد منهما أمرا يأتي به فأيهما سبق إلى الفراغ مما التمست كنت زوجته قال وما الذي تقترحين عليهما قالت إنا ساكنون بهذه الجزيرة ومحتاجون إلى أرحي تدور بها وإني مقترحة على أحدهما إدارتها بالماء العذاب الجاري إليها من ذلك البر ومقترحة على الأخر أن يتخذ لي طلسما نحصن به جزيرة الأندلس من البربر فاستظرف أبوها ذلك وكتب إلى الملكين بما قالت ابنته فأجاباه إلى ذلك وتقاسماه على ما اختارا وشرع كل واحد منهما في عمل ما أسند إليه من ذلك
فأما صاحب الرحي فإنه عمد إلى أشكال اتخذها من الحجارة نضد بعضها إلى بعض في البحر المالح الذي بين جزيرة الأندلس والبر الكبير في الموضع المعروف بزقاق سبتة وسدد الفرج التي بين الحجارة بما اقتضت حكمته وأوصل تلك الحجارة من البر إلى الجزيرة وآثاره باقية إلى اليوم في الزقاق الذي بين سبتة والجزيرة الخضراء وأكثر أهل الأندلس يزعمون أن هذا أثر قنطرة كان الإسكندر قد عملها ليعبر عليها الناس من سبتة إلى الجزيرة والله أعلم أي القولين أصح غير أن الشائع إلى الآن عند الناس هو الثاني فلما تم تنضيد الحجارة للملك الحكيم جلب الماء العذب من جبل عال في البر الكبير وسلطه من ساقية محكمة وبنى بجزيرة الاندلس رحى على هذه الساقية
وأما صاحب الطلسم فإنه أبطأ
____________________
(1/245)

غير انه عمل أمره وأحكمه وابتنى بنيانا مربعا من حجر أبيض على ساحل البحر في رمل عالج حفر أساسه إلى أن جعله تحت الأرض بمقدار ارتفاعه فوق الأرض ليثبت فلما انتهى البناء المربع إلى حيث اختار صور من النحاس الأحمر والحديد المصفى المخلوطين بأحكم الخلط صورة رجل بربري وله لحية وفي رأسه ذؤابة من شعر جعد قائمة في رأسه لجعودتها وهو متأبط بصورة كساء قد جمع طرفيه على يده اليسرى بألطف تصوير وأحكمه في رجله نعل وهو قائم من رأس البناء على مستهدف بمقدار رحليه فقط وهو شاهق في الهواء طوله نيف عن ستين أو سبعين ذراعا وهو محدود الأعلى إلى أن ينتهي ما سعته قدر ذراع وقد مد يده اليمنى بمفتاح قفل قابضا عليه مشيرا إلى البحر كأنه يقول لا عبور وكان من تأثير هذا الطلسم في البحر الذي تجاهه أنه لم ير قط ساكنا ولا كانت تجري فيه قط سفينة بربر حتى سقط المفتاح من يده وكان الملكان اللذان عملا الرحي والطلسم يتسابقان إلى فراغ العمل إذ بالسبق يستحق زواج المرأة وكان صاحب الرحي فرغ أولا لكنه أخفى أمره عن صاحب الطلسم لئلا يترك عمله فيبطل الطلسم لتحظى المرأة بالرحي والطلسم فلم علم باليوم الذي يفرغ صاحب الطلسم في آخره أجرى الماء في الجزيرة من أوله وأدار الرحي واشتهر ذلك فاتصل الخبر بصاحب الطلسم وهو في أعلى القبة يصقل وجهه وكان الطلسم مذهبا فلما تحقق أنه مسبوق ضعفت نفسه فسقط من أعلى البناء ميتا وحصل صاحب الرحي على المرأة والرحي والطلسم وكان من تقدم من ملوك اليونان يخشى على الأندلس من البربر للسبب
____________________
(1/246)

اختاروا أرصادها وأودعوا تلك الطلسمات تابوتا من الرخام وتركوه في بيت بطليطلة وركبوا على ذلك الباب قفلا تأكيدا لحفظ ذلك البيت فاستمر أمرهم على ذلك
ولما حان وقت انقراض دولة من كان بالأندلس ودخول العرب والبربر إليها وذلك بعد مضي ستة وعشرين ملكا من ملوكهم من تاريخ عمل الطلسمات بطليطلة وكان لذريق المذكور آنفا هو تمام السابع والعشرين من ملوكهم فلما اقتعد أريكة الملك قال لوزرائه وخواص دولته وأهل الرأي منهم قد وقع في نفسي من أمر هذا البيت الذي عليه ستة وعشرون قفلا شيء وأرد أن أفتحه لأنظر ما فيه لأنه لم يعمل عبثا فقالوا أيها الملك صدقت إنه لم يصنع عبثا ولم يقفل سدى والرأي والمصلحة أن تلقي أنت أيضا عليه قفلا أسوة بمن تقدمك من الملوك وكان آباؤك وأجدادك لم يهملوا هذا فلا تهمله وسر سيرهم فقال لهم إن نفسي تنازعني إلى فتحه ولا بد لي منه فقالوا له إن كنت تظن أن فيه مالا فقدره ونحن نجمع لك من أموالنا نظيره ولا تحدث علينا بفتحه حادثا لا نعرف عاقبته فأصر على ذلك وكان رجلا مهيبا فلم يقدروا على مراجعته وأمر بفتح الأقفال وكان على كل قفل مفتاحه معلقا فلما فتح الباب لم ير في البيت شيئا إلا مائدة عظيمة من ذهب وفضة مكللة بالجواهر وعليها مكتوب هذه مائدة سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام ورأى في البيت ذلك التابوت وعليه قفل ومفتاحه معلق ففتحه فلم يجد فيه سوى رق وفي جوانب التابوت صور فرسان مصورة بأصباغ محكمة التصوير على أشكال العرب وعليهم الفراء وهم معممون إلى ذوائب جعد ومن تحتهم الخيل العربية وهم متقلدون السيوف المحلاة معتقلون الرماح
____________________
(1/247)

التابوت المقفلان بالحكمة دخل القوم الذين صورهم في التابوت إلى جزيرة الأندلس وذهب ملك من فيها من أيديهم وبطلت حكمتهم فلما سمع لذريق ما في الرق ندم على ما فعل وتحقق انقراض دولتهم فلم يلبث إلا قليلا حتى سمع أن جيشا وصل من المشرق جهزه ملك العرب ليفتح بلاد الأندلس انتهى
فهذا هو بيت الحكمة الذي أشار إليه لذريق والله أعلم بحقيقة الأمر في ذلك كله على أن في هذا السياق مخالفة لما سنذكره عن بعض ثقات مؤرخي الأندلس وغيرهم في شأن المائدة وغيرها وما ذكر في هذه القصة من جلب الماء من بر العدوة إلخ فيه بعد عندي لأن بلاد الأندلس أكثر بلاد الله مياها وأنهارا فأنى تحتاج إلى جلب الماء إليها من العدوة الأخرى إلا أن يقال إن المرأة أرادت تعجيز الرجل بذلك أو اختبار حكمته حتى يفعل هذا الامر الغريب وعلم الله من وراء ذلك كله وفوق كل ذي علم عليم ومنتهى العلم إلى الله الحكيم عود إلى أخبار الفتح وقال ابن حيان في المقتبس ذكروا أن لذريق لم يكن من أبناء الملوك ولا بصحيح النسب في القوط وأنه إنما نال الملك من طريق الغصب والتسور عندما مات إغطشة الملك الذي كان قبله وكان أثيرا لديه مكينا فاستصغر أولاده لمكانه واستمال طائفة من الرجال مالوا معه فانتزع الملك من أولاد إغطشة واستبقاهم فكانوا هم الذين دبروا عليه فيما ذكر عندما لقي
____________________
(1/248)

رجال العرب المقتحمين عليه بالأندلس من تلقاء بحر الزقاق وعليهم طارق بن زياد مولى موسى بن نصير طماعة منهم في أن يودي ويخلص إليهم ملك أبيهم فالتقوا بموضع يدعى وادي لكة من أرض الجزيرة الخضراء من ساحل الأندلس القبلي مكان عبورهم وذلك لسبع خلون من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين من الهجرة فانهزم القوط أعظم هزيمة وقتل ملكهم لذريق وغلبت العرب على الاندلس فصارت أقصى فتوحهم من أرض العرب ومصداق موعد نبيهم صلى الله عليه وسلم الكفيل بفتح ما بين المشرق والمغرب عليهم بوحي الله تعالى إليه أنجزه لهم بفتح الأندلس ولله القوة
قال وقام بأمر العرب بالأندلس منذ فتحت الأمراء المرسلون منهم عليها من قبل أئمة المسلمين بالمشرق طوال دولة بني أمية رضي الله تعالى عنهم إلى أن طرأ إليها فلهم عند غلبة بني العباس عليهم وذلك عبد الرحمن بن معاوية ابن هشام بن عبد الملك بن مروان فملكها وأعاد إليها الدولة الأموية التي أورثها عقبه حقبة فكانت عدة هؤلاء الأمراء من لدن أولهم طارق بن زياد إلى آخرهم يوسق بن عبد الرحمن الفهري عشرين عاملا وعدة سنيهم بالشمسي خمس وأربعون سنة وبالقمري سبع وأربعون سنة غير أشهر انتهى
وقال في موضع آخر نقلا عن الرازي وافتتحت الاندلس في أيام الوليد ابن عبد الملك فكان فتحها من أعظم الفتوح الذاهبة بالصيت في ظهور الملة الحنيفية وكان عمر بن عبد العزيز رضوان الله عليه متهمما بها معتنيا بشأنها وقد حولها عن نظر والي إفريقية وجرد إليها عاملا من قبله اختاره لها دلالة على معنيته بها ووقعت
____________________
(1/249)

ملخص خبر الفتح من الكتاب الخزائني وغيره
وفي الكتاب الخزائني وغيره سياقة فتح الأندلس على أتم الوجود فلنذكر ملخصه قالوا استعمل أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك رحمه الله تعالى موسى بن نصير مولى عمه عبد العزيز بن مروان ويقال بل هو بكري وذلك أن أباه نصيرا أصله من علوج أصابهم خالد بن الوليد رضي الله عنه في عين التمر فادعوا أنهم رهن وأنهم من بكر بن وائل فصار نصيرا وصيفا لعبد العزيز بن مروان فأعتقه فمن هذا يختلف فيه وقيل إنه لخمي وعقد له على إفريقية وما خلفها في سنة ثمان وثمانين فخرج إلى ذلك الوجه في نفر قليل من المطوعة فلما ورد مصر أخرج معه من جندها بعثا وأتى إفريقية عمله فأخرج من أهلها معه ذوي القوة والجلد وصير على مقدمته طارق بن زياد فلم يزل يقاتل البربر ويفض جموعهم ويفتح بلادهم ومدائنهم حتى بلغ طنجة وهي قصبة ملك البربر وأم مدائنهم فحصرها حتى افتتحها وقيل إنها لم تكن افتتحت قبله وقيل افتتحت ثم ارتجعت فأسلم أهلها وخطها قيروانا للمسلمين ثم ساروا إلى مدائن على شط البحر فيها عمال لصاحب الاندلس قد غلبوا عليها وعلى ما حولها ورأس تلك المدائن سبتة وعليها علج يسمى يليان قاتله موسى فألفاه في نجدة وقوة وعدة فلم يطقه فرجع إلى مدينة طنجة فأقام بمن معه وأخذ في الغارات على ما حولهم والتضييق عليهم والسفن تختلف إليهم بالميرة والأمداد من الأندلس من قبل ملكها غيطشة فهم يذبون عن حريمهم ذبا شديدا ويحمون بلادهم حماية تامة إلى ان هلك غيطشة ملك الأندلس وترك أولادا لم يرضهم أهلها للملك فاضطرب حبل أهل الأندلس ثم تراضوا بعلج من كبارهم يقال
____________________
(1/250)

أنه من قوادهم وفرسانهم فولوه أمرهم وكانت طليطلة دار الملك بالأندلس حينئذ وكان بها بيت مغلق متحامى الفتح على الأيام عليه عدة من الأقفال يلزمه قوم من ثقات القوط قد وكلوا به لئلا يفتح وقد عهد الأول في ذلك إلى الآخر فكلما قعد منهم ملك أتاه أولئك الموكلون بالبيت فأخذوا منه قفلا وصيروه على ذلك الباب من غير أن يزيلوا قفل من تقدمه فلما قعد لذريق هذا وكان متهمما يقظا ذا فكر أتاه الحراس يسألونه أن يقفل على الباب فقال لهم لا أفعل أو أعلم ما فيه ولا بد لي من فتحه فقالوا له أيها الملك إنه لم يفعل هذا أحد ممن قبلك وتناهوا عن فتحه فلم يلتفت إليهم ومشى إلى البيت فأعظمت ذلك العجم وضرع إليه أكابرهم في الكف فلم يفعل وظن أنه بيت مال ففض الأقفال عنه ودخل فأصابه فارغا لا شيء فيه إلا تابوتا عليه قفل فأمر بفتحه يحسب أن مضمونه يقنعه نفاسة فألفاه أيضا فراغا ليس فيه إلا شقة مدرجة قد صورت فيها صور العرب عليهم العمائم وتحتهم الخيول العراب متقلدي السيوف متنكبي القسي رافعي الرايات على الرماح وفي أعلاها أسطر مكتوبة بالعجمية فقرئت فإذا فيها إذا كسرت الأقفال عن هذا البيت وفتح هذا التابوت فظهر ما فيه من هذه الصور فإن هذه الأمة المصورة في هذه الشقة تدخل الأندلس فتغلب عليها وتملكها فوجم لذريق وندم على ما فعل وعظم غمه وغم العجم بذلك وأمر برد الأقفال وإقرار الحرس على حالهم وأخذ في تدبير الملك وذهل عما أنذر به
وقد كان من سير أكابر العجم بالأندلس وقوادهم أن يبعثوا أولادهم الذين يريدون منفعتهم والتنويه بهم إلى بلاد الملك الأكبر بطليطلة ليصيروا في خدمته ويتأدبوا بأدبه وينالوا من كرامته حتى إذا بلغوا أنكح بعضهم بعضا استئلافا لآبائهم وحمل صدقاتهم وتولى تجهيز إناثهم إلى أزواجهن فاتفق أن فعل ذلك يليان عامل لذريق على سبتة وكانت يومئذ في يد صاحب الأندلس وأهلها على النصرانية ركب الطريقة بابنة له بارعة الجمال
____________________
(1/251)

صارت عند لذريق وقعت عينه عليها فأعجبته وأحبها حبا شديدا ولم يملك نفسه حتى استكرهها وافتضها فاحتالت حتى أعلمت أباها بذلك سرا بمكاتبة خفية فأحفظه شأنها جدا واشتدت حميته وقال ودين المسيح لأزيلن سلطانه ولأحفرن تحت قدميه فكان امتعاضه من فاحشة ابنته هو السبب في فتح الأندلس بالذي سبق من قدر الله تعالى
ثم إن يليان ركب بحر الزقاق من سبتة في أصعب الأوقات في ينير قلب الشتاء فصار بالأندلس وأقبل إلى طليطلة نحو الملك لذريق فأنكر عليه مجيئه في مثل ذلك الوقت وسأله عما لديه ولم جاء في مثل وقته فذكر خيرا واعتل بذكر زوجته وشدة شوقها إلى رؤية بنتها التي عنده وتمنيها لقاءها قبل الموت وإلحاحها عليه في إحضارها وأنه أحب إسعافها ورجا بلوغها أمنيتها منه وسأل الملك إخراجها إليه وتعجيل إطلاقه للمبادرة بها ففعل وأجاز الجارية وتوثق منها بالكتمان عليه وأفضل على أبيها فانقلب عنه وذكروا أنه لما ودعه قال له لذريق إذا قدمت علينا فاستفره لنا من الشذانقات التي لم تزل تطرفنا بها فإنها آثر جوارحنا لدينا فقال له أيها الملك وحق المسيح لئن بقيت لأدخلن عليك شذانقات ما دخل عليك مثلها قط عرض له بالذي أضمره من السعي في إدخال رجال العرب عليه وهو لا يفطن فلم يتنهنه يليان عندما استقر بسبتة عمله أن تهيأ للمسير نحو موسى بن نصير الأمير فمضى نحوه بإفريقية وكلمة في غزو الأندلس ووصف له حسنها وفضلها وما جمعت من أسباب المنافع وأنواع المرافق
____________________
(1/252)

وطيب المزارع وكثرة الثمار وثرارة المياه وعذوبتها وهون عليه مع ذلك حال رجالها ووصفهم بضعف البأس وقلة الغناء فشوق موسى إلى ما هناك وأخذ بالحزم فيما دعاه إليه يليان فعاقده على الانحراف إلى المسلمين واستظهر عليه بأن سامه مكاشفة أهل ملته من الأندلس المشركين والاستخراج إليهم بالدخول إليها وشن الغارة فيها ففعل يليان ذلك وجمع جمعا من أهل عمله فدخل بهم في مركبين وحل بساحل الجزيرة الخضراء فأغار وقتل وسبى وغنم وأقام بها أياما ثم رجع بمن معه سالمين وشاع الخبر عند المسلمين فأنسوا بيليان واطمأنوا إليه وكان ذلك عقب سنة تسعين فكتب موسى بن نصير إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك يخبره بالذي دعاه إليه يليان من أمر الأندلس ويستأذنه في اقتحامها فكتب إليه الوليد أن خضها بالسرايا حتى ترى وتختبر شأنها ولا تغرر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال فراجعه أنه ليس ببحر زخار وإنما هو خليج منه يبين للناظر ما خلفه فكتب إليه وإن كان فلا بد من اختباره بالسرايا قبل اقتحامه فبعث موسى عند ذلك رجلا من مواليه من البرابرة اسمه طريف يكنى أبا زرعة في أربعمائة رجل معهم مائة فرس سار بهم في أربعة مراكب فنزل بجزيرة تقابل جزيرة الأندلس المعروفة بالخضراء التي هي اليوم معبر سفائنهم سفائنهم ودار صناعتهم ويقال لها اليوم جزيرة طريف لنزوله بها وأقام بها أياما حتى تتام إليه أصحابه ثم مضى حتى أغار على الجزيرة فأصاب سبيا لم ير موسى ولا أصحابه مثله حسنا ومالا جسيما وأمتعة وذلك في شهر رمضان سنة إحدى وتسعين فلما رأى الناس ذلك تسرعوا إلى الدخول وقيل دخل طريف في ألف رجل فأصاب غنائم وسبيا ودخل بعده أبو زرعة شيخ من البرابرة وليس بطريف في ألف رجل منهم أيضا
____________________
(1/253)

وحرقوا كنيسة بها كانت عندهم معظمة وأصابوا سبيا يسيرا وقتلوا وانصرفوا سالمين
وقال الرازي هو أبو زرعة طريف بن مالك المعافري الاسم طبق الكنية قالوا ثم عادو يليان القدوم على موسى بن نصير محركا في الاقتحام على أهل الأندلس وخبره بما كان منه ومن طريف وأبي زرعة وما نالوه من أهلها وباشروه من طيبها فحمد الله على ذلك واستجد عزما في إقحام المسلمين فيها فدعا مولى له كان على مقدمته يسمى طارق بن زياد بن عبد الله فارسيا همذانيا وقيل إنه ليس بمولى لموسى وإنما هو رجل من صدف وقيل مولى لهم وقد كان بعض عقبه بالأندلس ينكرون ولاء موسى إنكارا شديدا وقيل إنه بربري من نفزة فعقد له موسى وبعثه في سبعة آلاف من المسلمين جلهم البربر والموالي وليس فيهم عرب إلا قليل ووجه معه يليان فهيأ له يليان المراكب فركب في أربع سفن لا صناعة له غيرها وحط بجبل طارق المنسوب إليه يوم سبت في شعبان سنة اثنتين وتسعين في شهر أغشت ثم صرف المراكب إلى من خلفه من أصحابه فركب من بقي من الناس ولم تزل السفائن تختلف إليهم حتى توافى جميعهم عنده بالجبل وقيل حل طارق بجبله يوم لاثنين لخمس خلون من رجب من السنة في اثنى عشر ألفا غير ستة عشر رجلا من البرابرة ولم يكن فيهم من العرب إلا يسيرا أجازهم يليان إلى ساحل الأندلس في مراكب التجار من حيث لم يعلم بهم أولا وركب أميرهم طارق آخرهم
قيل وأصاب طارق عجوزا من أهل الجزيرة فقالت له في بعض قولها إنه كان لها زوج عالم بالحدثان فكان يحدثهم عن أمير يدخل إلى بلدهم هذا
____________________
(1/254)

ويغلب عليه ويصف من نعته أنه ضخم الهامة فأنت كذلك ومنها أن في كتفه الأيسر شامة عليها شعر فإن كانت بك هذه العلامة فأنت هو فكشف طارق ثوبه فإذا الشامة في كتفه على ما ذكرته العجوز فاستبشر بذلك هو ومن معه
وذكر عن طارق أنه كان نائما في المركب فرأى في منامه النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة أصحابه عليهم السلام يمشون على الماء حتى مروا به فبشره النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد وقيل إنه لما ركب البحر غلبته عينه فكان يرى النبي صلى الله عليه وسلم وحوله المهاجرون والانصار قد تقلدوا السيوف وتنكبوا القسي فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا طارق تقدم لشأنك ونظر إليه وإلى أصحابه قد دخلوا الاندلس قدامه فهب من نومه مستبشرا وبشر أصحابه وثابت إليه نفسه ثقة ببشراه فقويت نفسه ولم يشك في الظفر فخرج من البلد واقتحم بسيط البلاد شانا للغارة
قالوا ووقع على لذريق الملك خبر اقتحام العرب ساحل الأندلس وتوالي غاراتهم على بلد الجزيرة وأن يليان السبب فيها وكان يومئذ غائبا بأرض بنبلونة في غزاة له إلى البشكنس لأمر كان استصعب عليه بناحيتهم فعظم عليه وفهم الأمر الذي منه أتي وأقبل مبادرا الفتق في جموعه حتى احتل بمدينة قرطبة من الموسطة ونزل القصر المدعو بها ببلاط لذريق المنسوب إليه وليس لأنه بناه أو اخترعه وهو بناء من تقدمه من الملوك اتخذوه لمنزلهم في قرطبة إذا أتوها إلا أن العرب لما غلبوا لذريق وهذا القصر من مواطنه نسبوه إليه إذ لم يعرفوا من بناه ويزعم العجم أن الذي بناه ملك
____________________
(1/255)

انتهى إلى مكان قرطبة وهي يومئذ خراب وكان في موضع قصرها غيضة عليق ملتفة أشبة فأرسل الملك بازيا له يكرم عليه على حجلة عنت له من ناحية الكدية المنسوبة بعد إلى أبي عبدة فتخبت في ذلك العليق ولج البازي في الانقضاض عليها فركض الملك خلفه حتى وقف على مكانه بالحرجة فأمر بقطعها لاستنقاذ بازيه ضنا منه به فقطعت وبدا له تحتها اساس قصر عظيم راقه رصة وقد كان ذا همة فأمر بالكشف عنه وتقصي حدوده طولا وعرضا وتتبع اسه وأصله فوجده مبنيا من وجه الماء بصم الحجارة فوق زرجون وضع بينها وبين الماء بأحكم صناعة فقال هذا أثر ملك كريم وأنا أولى من جدده فأمر بإعادته إلى هيأته واتخاذه منزلا من منازل راحاته فكان إذا طاف بعمله أو مضى في متصيده نزل فيه وصار السبب في بناء قرطبة إلى جنبه ونزول الناس فيها وتوارث الملوك قصرها من بعد ونزله لذريق في زحفه إلى العرب أياما والحشود من أعماله تتوافى إليه ثم مضى نحو كورة شذونة يبغي لقائهم في حشوده الكثيرة
وقيل إن آخر ملوك الأندلس الذين تلتهم العرب غيطشة وإنه هلك عن أولاد ثلاثة صغار لم يصلحوا للملك فضبطت أمهم عليهم ملك والدهم بطليطلة وانحرف لذريق قائد الخيل لوالدهم فيمن تبعه عنهم فصار بقرطبة فلما اقتحم طارق الأندلس نفر إليه لذريق واستنفر إليه أجناد أهل الأندلس وكتب إلى أولاد غيطشة وقد ترعرعوا وركبوا الخيل واتخذوا الرجال يدعوهم إلى الاجتماع معه على حرب العرب ويحذرهم من القعود عنه ويحضهم على أن يكونوا على عدوهم يدا واحدة فلم يجدوا بدا وحشدوا وقدموا
____________________
(1/256)

نهرها قبالة القصر ولم يطمئنوا إلى الدخول على لذريق أخذا بالحزم إلى أن استتب جهاز لذريق وخرج فانضموا إليه ومضوا معه وهم مرصدون لمكروهه والأصح والله أعلم ما سبق أن ملك القوط اجتمع للذريق واختلف في اسمه فقيل رذريق بالراء أوله وقيل باللام لذريق وهو الأشهر وقيل إن أصله من أصبهان ويسمى الإشبان والله أعلم
قالوا وعسكر لذريق في نحو مائة ألف ذوي عدد وعدة فكتب طارق إلى موسى يستمده ويعرفه أنه فتح الجزيرة الخضراء فرضة الأندلس وملك المجاز إليها واستولى على أعمالها إلى البحيرة وأن لذريق زحف إليه بما لا قبل له به إلا أن يشاء الله وكان موسى منذ وجه طارقا لوجهه قد أخذ في عمل السفن حتى صار عنده منها عدة كثيرة فحمل إلى طارق فيها خمسة آلاف من المسلمين مددا كملت بهم عدة من معه اثنى عشر ألف أقوياء على المغانم حراصا على اللقاء ومعهم يليان المستأمن إليهم في رجاله وأهل عمله يدلهم على العورات ويتجسس لهم الأخبار وأقبل نحوهم لذريق في جموع العجم وملوكها وفرسانها فتلاقوا فيما بينهم وقال بعضهم لبعض إن هذا ابن الخبيثة قد غلب على سلطاننا وليس من أهله وإنما كان من أتباعنا فلسنا نعدم من سيرته خبالا في أمرنا وهؤلاء القوم الطارقون لا حاجة لهم في استيطان بلدنا وإنما مرادهم أن يملأوا أيديهم من الغنائم ثم يخرجوا عنا فهلم فلننهزم بابن الخبيثة إذا نحن لقينا القوم لعلهم يكفوننا إياه فإذا انصرفوا عنا أقعدنا في ملكنا من يستحقه فأجمعوا على ذلك والقضاء يبرم ما ارتأوه
وكان لذريق ولي ميمنته أحد ابني غيطشة وميسرته الآخر فكانا
____________________
(1/257)

رأسي الذين أداروا عليه الهزيمة وأداهما إلى ذلك طمع رجوع ملك والدهما إليهما
وقيل لما تقابل الجيشان أجمع أولاد غيطشة على الغدر بلذريق وأرسلوا إلى طارق يعلمونه أن لذريق كان تابعا وخادما لأبيهم فغلبهم على سلطانه بعد مهلكه وأنهم غير تاركي حقهم لديه ويسألونه الأمان على أن يميلوا إليه عند اللقاء فيمن تبعهم وأن يسلم إليهم إذا ظفر ضياع والدهم بالأندلس كلها وكانت ثلاثة آلاف ضيعة نفائس مختارة وهي التي سميت بعد ذلك صفايا الملوك فأجابهم إلى ذلك وعاقدهم عليه فالتقى الفريقان من الغد فانحاز الأولاد إلى طارق فكان ذلك أقوى أسباب الفتح وكان الالتقاء على وادي لكة من كورة شذونة فهزم الله الطاغية لذريق وجموعه ونصر المسلمين نصرا لا كفاء له ورمى لذريق نفسه في وادي لكة وقد أثقلته السلاح فلم يعلم له خبر ولم يوجد
وقيل نزل طارق بالمسلمين قريبا من عسكر لذريق منسلخ شهر رمضان سنة 92 فوجه لذريق علجا من أصحابه قد عرف نجدته ووثق بباسه ليشرف على عسكر طارق فيحزر عددهم ويعاين هيئاتهم ومراكبهم فأقبل ذلك العلج حتى طلع على العسكر ثم شد في وجوه من استشرفه من المسلمين فوثبوا إليه فولى منصرفا راكضا وفاتهم بسبق فرسه فقال العلج للذريق أتتك الصور التي كشف لك عنها التابوت فخذ على نفسك فقد جاءك منهم من لا يريد إلا الموت أو إصابة ما تحت قدميك قد حرقوا مراكبهم إياسا لأنفسهم من التعلق بها وصفوا في السهل موطنين أنفسهم على الثبات إذ ليس لهم في أرضنا مكان مهرب فرعب وتضاعف جزعه والتقى العسكران بالبحيرة واقتتلوا قتالا شديدا إلى أن انهزمت ميمنة لذريق وميسرته
____________________
(1/258)

انهزم بهما أبناء غيطشة وثبت القلب بعدهما قليلا وفيه لذريق فعذرأهله بشيء من قتال ثم انهزموا ولذريق أمامهم فاستمرت هزيمتهم وأذرع المسلمون القتل فيهم وخفي أثر لذريق فلا يدرى أمره إلا أن المسلمين وجدوا فرسه الأشهب الذي فقد وهو راكبه وعليه سرج له من ذهب مكلل بالياقوت والزبرجد ووجدوا أحد خفيه وكان من ذهب مكلل بالدر والياقوت وقد ساخ الفرس في طين وحمأة وغرق العلج فثبت أحد خفيه في الطين فأخذ وخفي الآخر وغاب شخص العلج ولم يوجد حيا ولا ميتا والله أعلم بشأنه
وقال الرازي كانت الملاقاة يوم الأحد لليلتين بقيتا من شهر رمضان فاتصلت الحرب بينهم إل يوم الاحد لخمس خلون من شوال بعد تتمة ثمانية أيام ثم هزم الله المشركين فقتل منهم خلق عظيم أقامت عظامهم بعد ذلك بدهر طويل ملبسة لتلك الأرض قالوا وحاز المسلمون من عسكرهم ما يحل قدره فكانوا يعرفون كبار العجم وملوكهم بخواتم الذهب يجدونها في أصابعهم ويعرفون من دونهم بخواتم الفضة ويميزون عبيدهم بخواتم النحاس فجمع طارق الفيء وخمسه ثم اقتسمه أهله على تسعة آلاف من المسلمين سوى العبيد والأتباع وتسامع الناس من أهل بر العدوة بالفتح على طارق بالاندلس وسعة المغانم فيها فأقبلوا نحوه من كل وجه وخرقوا البحر على كل ما قدروا عليه من مركب وقشر فلحقوا بطارق وارتفع أهل الأندلس عند ذلك إلى الحصون والقلاع
____________________
(1/259)

طارق حتى نزل بأهل مدينة شذونة فامتنعوا عليه فشد الحصر عليهم حتى نهكهم وأضرهم فتهيأ له فتحها عنوة فحاز منها غنائم ثم مضى منها إلى مورور ثم عطف إلى قرمونة فمر بعينه المنسوبة إليه ثم مال على إشبيلية فصالحه أهلها على الجزية ثم نازل أهل إستجة وهم في قوة ومعهم فل عسكر لذريق فقاتلوا قتالا شديدا حتى كثر القتل والجراح بالمسلمين ثم إن الله تعالى أظهر المسلمين عليهم فانكسروا ولم يلق المسلمون فيما بعد ذلك حربا مثلها وأقاموا على الامتناع إلى أن ظفر طارق بالعلج صاحبها وكان مغترا سيء التدبير فخرج إلى النهر لبعض حاجاته وحده فصادف طارقا هناك قد أتى لمثل ذلك وطارق لا يعرفه فوثب عليه طارق في الماء فأخذه وجاء به إلى العسكر فلما كاشفه اعترف له بأنه أمير المدينة فصالحه طارق على ما أحب وضرب عليه الجزية وخلى سبيله فوفى بما عاهد عليه وقذف الله الرعب في قلوب الكفرة لما رأوا طارقا يوغل في البلاد وكانوا يحسبونه راغبا في المغنم عاملا على القفول فسقط في أيديهم وتطايروا عن السهول إلى المعاقل وصعد ذوو القوة منهم إلى دار مملكتهم طليطلة قيل وكان من إرهاب طارق لنصارى الأندلس وحيله أن تقدم إلى أصحابه في تفصيل لحوم القتلى بحضرة أسراهم وطبخها في القدور يرونهم أنهم يأكلونها فجعل من انطلق من الأسرى يحدثون من وراءهم بذلك فتمتلىء منه قلوبهم رعبا ويجفلون فرارا قالوا وقال يليان لطارق قد فضضت جيوش القوم ورعبوا فاصمد لبيضتهم وهؤلاء أدلاء من أصحابي مهرة ففرق جيوشهم معهم في جهات البلاد واعمد أنت إلى طليطلة حيث معظمهم فاشغل القوم عن النظر في امرهم والاجتماع إلى أولي رأيهم ففرق
____________________
(1/260)

عبد الملك إلى قرطبة وكانت من أعظم مدائنهم في سبعمائة فارس لأن المسلمين ركبوا جميعا خيل العجم ولم يبق فيهم راجل وفضلت عنهم الخيل وبعث جيشا آخر إلى مالقة وآخر إلى غرناطة مدينة إلبيرة وسار هو في معظم الناس إلى كورة جيان يريد طليطلة وقد قيل إن الذي سار لقرطبة طارق بنفسه لا مغيث قالوا فكمنوا بعدوة نهر شقندة في غيضة أرز شامخة وأرسلت الأدلاء فأمسكوا راعي غنم فسئل عن قرطبة فقال رحل عنها عظماء أهلها إلى طليطلة وبقي فيها أميرها في أربعمائة فارس من حماتهم مع ضعفاء أهلها وسئل عن سورها فأخبر أنه حصين عال فوق أرضها إلا أنه فيه ثغرة ووصفها لهم فلما أجنهم الليل أقبلوا نحو المدينة ووطأ الله لهم أسباب الفتح بأن أرسل السماء برذاذ أخفى دقدقة حوافر الخيل وأقبل المسلمون رويدا حتى عبروا نهر قرطبة ليلا وقد أغفل حرس المدينة احتراس السور فلم يظهروا عليه ضيقا بالذي نالهم من المطر والبرد فترجل القوم حتى عبروا النهر وليس بين النهر والسور إلا مقدار ثلاثين ذراعا أو أقل وراموا التعلق بالسور فلم يجدوا متعلقا ورجعوا إلى الراعي في دلالاتهم على الثغرة التي ذكرها فأراهم إياها فإذا بها غير متسهلة التسنم إلا أنه كانت في أسفلها شجرة تين مكنت أفنانها من التعلق بها فصعد رجل من أشداء المسلمين في أعلاها ونزع مغيث عمامته فناوله طرفها وأعان بعض الناس بعضا حتى كثروا على السور وركب مغيث ووقف من خارج وأمر أصحابه المرتقين للسور بالهجوم على الحرس ففعلوا وقتلوا نفرا منهم وكسروا أقفال الباب وفتحوه فدخل مغيث ومن معه وملكوا المدينة عنوة فصمد إلى البلاط منزل الملك ومعه أدلاؤه وقد بلغ
____________________
(1/261)

المدينة فبادر بالفرار عن البلاط في أصحابه وهم زهاء أربعمائة وخرج إلى كنيسة بغربي المدينة وتحصن بها وكان الماء يأتيها تحت الأرض من عين في سفح جبل ودافعوا عن أنفسهم وملك مغيث المدينة وما حولها وقال من ذهب إلى أن طارقا لم يحضر فتح قرطبة وان فاتحها معيث إنه كتب إلى طارق بالفتح وأقام على محاصرة العلج بالكنيسة ثلاثة أشهر حتى ضاق من ذلك وطال عليه فتقدم إلى أسود من عبيده اسمه رباح وكان ذا بأس ونجدة بالكمون في جنان إلى جانب الكنيسة ملتفة الأشجار لعله أن يظفر له بعلج يقف به على خبر القوم ففعل ودعاه ضعف عقله إلى أن صعد في بعض تلك الأشجار وذلك أيام الثمر ليجني ما يأكله فبصر به أهل الكنيسة وشدوا عليه فأخذوه فملكوه وهم في ذلك هائبون له منكرون لخلقه إذ لم يكونوا عاينوا أسود قبله فاجتمعوا عليه وكثر لغطهم وتعجبهم من خلقه وحسبوا أنه مصبوغ أو مطلي ببعض الأشياء التي تسود فجردوه وسط جماعتهم وأدنوه إلى القناة التي منها كان يأتيهم الماء وأخذوا في غسله وتدليكه بالحبال الحرش حتى أدموه وأعنتوه فاستغاثهم وأشار إلى أن الذي به خلقة من بارئهم عز وجل ففهموا إشارته وكفوا عن غسله واشتد فزعهم منه ومكث في إسارهم سبعة أيام لا يتركون التجمع عليه والنظر إليه إلى أن يسر الله له الخلاص ليلا ففر واتى الأمير مغيثا فخبره بشأنه وعرفه بالذي اطلع عليه من موضع الماء الذي ينتابونه ومن أي ناحية يأتيهم فأمر أهل المعرفة بطلب تلك القناة في الجهة التي أشار غليها الأسود حتى أصابوها فقطعوها عن جريتها إلى
____________________
(1/262)

بالهلاك حينئذ فدعاهم مغيث إلى الإسلام أو الجزية فأبوا عليه فأوقد الناء عليهم حتى أحرقهم فسميت كنيسة الحرقى والنصارى تعظمها لصبر من كان فيها على دينهم من شدة البلاء غير أن العلج أميرهم رغب بنفسه عن بليتهم عند إيقان الهلاك ففر عنهم وحده وقد استغفلهم ورام اللحاق بطليطلة فنمي خبره إلى مغيث فبادر الركض خلفه وحده فلحقه بقرب قرية تطليرة هاربا وحده وتحته فرس أصفر ذريع الخطو وحرك مغيث خلفه فالتفت العلج ودهش لما رأى مغيثا فد رهقه وزاد في حث فرسه فقصر به فسقط عن الفرس واندقت عنقه فقعد على ترسه مستأسرا قد هاضته السقطة فقبض عليه مغيث وسلبه سلاحه وحبسه عنده ليقدم به على أمير المؤمنين الوليد ولم يؤسر من ملوك الأندلس غيره لأن بعضهم استأمن وبعضهم هرب إلى جليقية وفي رواية أن مغيثا استنزل أهل الكنيسة بعد أسره لملكهم فضرب أعنقاقهم جميعا فمن أجل ذلك عرفت بكنيسة الأسرى وأن مغيثا جمع يهود قرطبة فضمهم إلى مدينتها استنامة إليهم دون النصارى للعداوة بينهم وأنه اختار القصر لنفسه والمدينة لأصحابه
وأما من وجه إلى مالقة ففتحوها ولجأ علوجها إلى جبال هنالك ممتنعة ثم لحق ذلك الجيش بالجيش المتوجه إلى إلبيرة فحاصروا مدينتها غرناطة فافتتحوها عنوة وضموا اليهود إلى قصبة غرناطة وصار ذلك لهم سنة متبعة في كل بلد يفتحونه أن يضموا يهوده إلى القصبة مع قطعة من المسلمين لحفظها ويمضي معظم الناس لغيرها وإذا لم يجدوا يهودا وفروا عدد المسلمين المخلفين لحفظ ما فتح ثم صنعوا عند فتح كورة رية
____________________
(1/263)

ومضى الجيش إلى تدمير وتدمير اسم العلج صاحبها سميت به واسم قصبتها أريولة ولها شأن في المنعة وكان ملكها علجا داهية وقاتلهم مضحيا ثم استمرت عليه الهزيمة في فحصها فبلغ السيف في أهلها مبلغا عظيما أفنى أكثرهم ولجأ العلج إلى أريولة في يسير من أصحابه لا يغنون شيئا فأمر النساء بنشر الشعور وحمل القصب والظهور على السور في زي القتال متشبهات بالرجال وتصدر قدامهن في بقية أصحابه يغالظ المسلمين في قوته على الدفاع عن نفسه فكره المسلمون مراسه لكثرة من عاينوه على السور وعرضوا عليه الصلح فأظهر الميل إليه ونكر زيه فنزل إليهم بأمان على أنه رسول فصالحهم على أهل بلده ثم على نفسه وتوثق منهم فلما تم له من ذلك ما أراد عرفهم بنفسه واعتذر إليهم بالإبقاء على قومه وأخذهم بالوفاء بعهده وأدخلهم المدينة فلم يجدوا فيها إلا العيال والذرية فندموا على الذي أعطوه من الأمان واسترجحوه فيما احتال به ومضوا على الوفاء له وكان الوفاء عادتهم فسلمت كورة تدمير من معرة المسلمين بتدبير تدمير وصارت كلها صلحا ليس فيها عنوة وكتبوا إلى أميرهم طارق لفتح وخلفوا بقصبة البلد رجالا منهم ومضى معظمهم إلى أميرهم لفتح طليطلة
قال ابن حيان وانتهى طارق إلى طليطلة دار ممكلة القوط فألفاها خالية قد فر أهلها عنها ولجأوا إلى مدينة بها خلف الجبل فضم اليهود إلى طليطلة وخلف بها رجالا من أصحابه ومضى خلف من فر من أهل طليطلة فسلك إلى وادي الحجارة ثم استقبل الجبل فقطعه من فج سمي به
____________________
(1/264)

بعد فبلغ مدينة المائدة خلف الجبل وهي المنسوبة لسليمان بن داود عليهما السلام وهي خضراء من زبرجدة حافاتها منها وأرجلها وكان لها ثلاثمائة وخمس وستون رجلا فأحرزها عنده ثم مضى إلى المدينة التي تحصنوا بها خلف الجبل فأصاب بها حليا ومالا ورجع ولم يتجاوزها إلى طليلة سنة ثلاث وتسعين وقيل إنه لم يرجع بل اقتحم أرض جليقية واخترقها حتى انتهى إلى مدينة استرقه فدوخ الجهة وانصرف إلى طليلة والله أعلم وقيل إن طارقا دخل الأندلس بغير أمر مولاه موسى بن نصير فالله أعلم قال بعضهم وكانت إقامته في الفتوح وتدويخ البلاد إلى أن وصل سيده موسى ابن نصير سنة وكان ما سيذكر
وأنشد في المسهب وابن اليسع في المعرب لطارق من قصيدة قالها في الفتح
( ركبنا سفينا بالمجاز مقيرا ** عسى أن يكون الله منا قد اشترى )
( نفوسا وأموالا وأهلا بجنة ** إذا ما اشتهينا الشيء فيها تيسرا )
( ولسنا نبالي كيف سألت نفوسنا ** إذا نحن أدركنا الذي كان أجدرا )
قال ابن سعيد وهذه الأبيات مما يكتب لمراعاة قائلها ومكانته لا لعلو طبقتها انتهى
وأما أولاد غيطشة فإنهم لما صاروا إلى طارق بالأمان وكانوا سبب الفتح حسبما تقدم قالوا لطارق أنت أمير نفسك أم فوقك أمير فقال بل على رأسي أمير وفوق ذلك الأمير أمير عظيم فاستأذنوه باللحاق بموسى بن نصير بإفريقية ليؤكد سببهم به وسألوه الكتاب إليه بشأنهم معه وما أعطاهم من عهده ففعل وساروا نحو
____________________
(1/265)

من بلاد البربر وعرفوه بشأنهم ووقف على ما خاطبه به طارق في ذمتهم وسابقتهم فأنفذهم إلى أمير المؤمنين الوليد بالشام بدمشق وكتب إليه بما عرفه به طارق من جميل أثرهم فلما وصلوا إلى الوليد أكرمهم وأنفذ لهم عهد طارق في ضياع والدهم وعقد لكل واحد منهم سجلا وجعل لهم أن لا يقوموا لداخل عليهم فقدموا الأندلس وحازوا ضياع والدهم أجمع واقتسموها على موافقة منهم فصار منها لكبيرهم ألمند ألف ضيعة في غرب الأندلس فسكن من أجلها إشبيلية مقتربا منها وصار لأرطباش ألف ضيعة وهو تلوه في السن وضياعه في موسطة الأندلس فسكن من أجلها قرطبة وصار لثالثهم وقلة ألف ضيعة في شرقي الأندلس وجهة الثغر فسكن من أجلها مدنية طليطلة فكانوا على هذه الحال صدر الدولة العربية إلى أن هلك ألمند كبيرهم وتخلف ابنته سارة المعروفة بالقوطية وابنين صغيرين فبسط يده أرطباش على ضياعهم وضمها إلى ضياعه وذلك في خلافة أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك فأنشأت سارة بنت ألمند مركبا بإشبيلية حصينا كامل العدة وركبت فيه مع أخويها الصغيرين تريد الشام حتى نزلت بعسقلان من ساحلها ثم قصدت باب الخليفة هشام بداره بدمشق فأنهت خبرها وشكت ظلامتها من عمها واستعدت عليه واحتجت بالعهد المنعقد لأبيها وأخويه على الخليفة
____________________
(1/266)

وكتب إلى حنظلة بن صفوان عامله فإفريقية وبإنصافها من عمها أرطباش وإمضائها وأخويها على سنة الميراث فيما كان في يد والدها مما قاسم فيه أخويه فأنفذ لها الكتاب بذلك إلى عامله بالأندلس أبي الخطار ابن عمه فتم لها ذلك وأنكحها الخليفة هشام من عيسى بن مزاحم فابتنى بها بالشام ثم قدم بها إلى الأندلس وقام لها في دفاع عمها أرطباش عن ضياعها فنال بها نعمة عظيمة وولد له منها ولداه إبراهيم وإسحاق فأدركا الشرف المؤثل والرياسة بإشبيلية وشهرا ونسلهما بالنسبة إلى أمهما سارة القوطية وكانت أيام وفادتها على الخليفة هشام رات عنده حفيده عبد الرحمن بن معاوية الداخل بعد إلى الأندلس وعرفها فتوسلت بذلك إليه لما ملك الأندلس ووفدت إليه فاعترف بذمامها وأكرمها وأذن لها في الدخول إلى قصره متى جاءت إلى قرطبة فيجدد تكرمتها ولا يحجب عياله منها وتوفي زوجها عيسى في السنة التي ملك فيها عبد الرحمن الأندلس فزوجها عبد الرحمن من عمير بن سعيد
وكان لها ولأبيها ألمند وعمها أرطباش في صدر الدولة العربية بالأندلس أخبار ملوكية فمنها ما حكاه الفقيه محمد بن عمر بن لبابة المالكي أنه قصد أرطباش يوما إلى منزله عشرة من رؤساء رجال الشاميين فيهم الصميل وابن الطفيل وأبو عبدة وغيرهم فأجلسهم على الكراسي وبالغ في تكريمهم ودخل على أثرهم ميمون العابد جد بني حزم وكان في عداد الشاميين إلا أنه كان شديد الانقباض عنهم لزهده وورعه فلما بصر به أرطباش قام إليه دونهم إعظاما ورقاه إلى كرسيه الذي كان يجلس عليه وكان ملبسا صفائح الذهب وجذبه
____________________
(1/267)

ليجلسه مكانه فامتنع عليه ميمون وقعد على الأرض فقعد أرطابش معه عليها وأقبل عليه قبلهم فقال له يا سيدي ما الذي جاء بك إلى مثلي فقال له ما تسمعه إنا قدمنا إلى هذا البلد غزاة نحسب أن مقامنا فيه لا يطول فلم نستعد للمقام ولا كثرنا من العدة ثم حدث بعدنا على موالينا وفي أجنادنا ما قد أيسنا معه من الرجوع إلى أوطاننا وقد وسع الله عليك فأحب أن تدفع إلي ضياعا من ضياعك أعتمرها بيدي وأؤدي إليك الحق منها وآخذ الفضل لي طيبا أتعيش منه فقال لا أرضي لك بالمساهمة بل أهب لك هبة مسوغة ثم دعا بوكيل له فقال له سلم إليه المجشر الذي لنا على وادي شوش بما لنا فيه من العبيد والدواب والبقر وغير ذلك وادفع إليه الضيعة التي بجيان فتسلم ميمون الضيعتين وورثهما ولده وإليهم نسبت قلعة حزم فشكره ميمون وأثنى عليه وقام عنه وقد أنف الصميل من قيامه إليه فأقبل على أرطباش وقا له كنت أظنك أرجح وزنا أدخل عليك وأنا سيد العرب بالأندلس في أصحابي هؤلاء وهم سادة الموالي فلا تزيدنا من الكرامة على الإنعقاد على أعوادك هذه ويدخل هذا الصعلوك فتصير من إكرامه إلى حيث صرت فقال له يا ابا جوشن إن أهل دينك يخبروننا أن أدبهم لم يرهفك ولو كان لم تنكر علي ما فعلته إنكم أكرمكم الله إنما تكرمون لدنياكم وسلطانكم وهذا إنما أكرمته لله تعالى فقد روينا عن المسيح عليه السلام أنه قال من أكرمه الله تعالى من عباده بالطاعة له وجبت كرامته على خلقه فكأنما ألقمه حجرا وكان الصميل أميا فلذلك عرض به فقال له القوم دعنا من هذا وانظر فيما قصدنا له فحاجتنا حاجة الرجل الذي قصدك فأكرمته فانظر في شأننا فقال له أنتم ملوك الناس وليس يرضيكم إلا الكثير وها أنا أهب لكم مائة ضيعة تقتسمونها
____________________
(1/268)

إليهم فكان القوم يرونها من أطيب أملاكهم انتهى
قال ابن حيان وغيره ولما بلغ موسى بن نصير ما صنعه طارق بن زياد وما أتيح له من الفتوح حسده وتهيأ للمسير إلى الأندلس فعسكر وأقبل نحوها ومعه جماعة الناس وأعلامهم وقيل إنهم كانوا ثمانية عشر ألفا وقيل اكثر فكان دخوله إلى الأندلس في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وتنكب الجبل الذي حله طارق ودخل على الموضع المنسوب إليه المعروب الآن بجبل موسى فلما احتل الجزيرة الخضراء قال ما كنت لأسلك طريق طارق ولا أقفو اثره فقال له العلوج الأدلاء أصحاب يليان نحن نسلك بك طريقا هو أشرف من طريقه وندلك على مدائن هي أعظم خطرا وأعظم خطبا وأوسع غنما من مدائنه لم تفتح بعد يفتحها الله عليك إن شاء الله تعالى فملىء سرورا وكان شفوف طارق قد غمه فساروا به في جانب ساحل شذونة فافتتحها عنوة وألقوا بأيديهم إليه ثم سار إلى مدينة قرمونة وليس بالأندلس أحصن منها ولا أبعد على من يرومها بحصار أو قتال فدخلها بحيلة توجهت بأصحاب يليان دخلوا إليهم كأنهم فلال وطرقهم موسى بخيله ليلا ففتحوا لهم الباب وأوقعوا بالأحراس فملكت المدينة ومضى موسى إلى إشبيلية جارتها فحاصرها وهي أعظم مدائن الأندلس شأنا وأعجبها بنيانا وأكثرها آثارا وكانت دار الملك قبل القوطيين فلما غلب القوطيون على ملك الأندلس حولوا السلطان إلى طليطلة وبقي رؤساء الدين فيها أعني إشبيلية فامتنعت أشهرا على موسى ثم فتحها الله عليه فهرب العلوج عنها إلى مدينة باجة فضم موسى يهودها إلى القصبة وخلف بها رجالا ومضى من إشبيلية
____________________
(1/269)

لفنت إلى مدينة ماردة وكانت أيضا دار مملكة لبعض ملوك الأندلس في سالف الدهر وهي ذات عز ومنعة وفيها آثار وقصور ومصانع وكنائس جليلة القدر فائقة الوصف فحاصرها أيضا وكان في أهلها منعة شديدة وبأس عظيم فنالوا من المسلمين دفعات وآذوهم وعمل موسى دبابة دب المسلمون تحتها إلى برج من أبراج سورها جعلوا ينقبونه فلما قلعوا الصخر أفضوا بعده إلى العمل المدعو بلسان العجم ألاشه ماشه فنبت عنه معاولهم وعدتهم وثار بهم العدو على غفلة فاستشهد بأيديهم قوم من المسلمين تحت تلك الدبابة فسمي ذلك الموضع برج الشهداء ثم دعا القوم إلى السلم فترسل إليه في تقريره قوم من أماثلهم أعطاهم الأمان واحتال في توهيمهم في نفسه فدخلوا عليه أول يوم فإذا هو أبيض الرأس واللحية كما نصل خضابه فلم يتفق لهم معه أمر وعاودوه قبل الفطر بيوم فإذا به قد قنأ لحيته بالحناء فجاءت كضرام عرفج فعجبوا من ذلك وعاودوه يوم الفطر فإذا هو قد سود لحيته فازداد تعجبهم منه وكانوا لا يعرفون الخضاب ولا استعماله فقالوا لقومهم إنا نقاتل أنبياء يتخلقون كيف شاءوا ويتصورون في كل صورة أحبوا كان ملكهم شيخا فقد صار شابا والرأي أن نقاربه ونعطيه ما يسأله فما لنا به طاقة فأذعنوا عند ذلك وأكملوا صلحهم مع موسى على أن أموال القتلى يوم الكمين وأموال الهاربين إلى جليقية وأموال الكنائس وحليها للمسلمين ثم
____________________
(1/270)

يوم الفطر سنة أربع وتسعين فملكها ثم إن عجم إشبيلية انتقضوا على المسلمين واجتمعوا من مدينتي باجة ولبلة إليهم فأوقعوا بالمسلمين وقتلوا منهم نحو ثمانين رجلا وأتى فلهم الأمير موسى وهو بماردة فلما أن فتحها وجه ابنه عبد العزيز بن موسى في جيش إليهم ففتح إشبيلية وقتل أهلها ونهض إلى لبلة ففتحها واستقامت الامور فيما هنالك وعلا الإسلام وأقام عبد العزيز بإشبيلية وتوجه الامير موسى من ماردة في عقب شوال من العام المؤرخ يريد طليطلة وبلغ طارقا خبره فاستقبله في وجوه الناس فلقيه في موضع من كورة طلبيرة وقيل إن موسى تقدم من ماردة فدخل جليقية من فج نسب إليه فخرقها حتى وافى طارق بن زياد صاحب مقدمته بمدينة استرقة فغض منه علانية وأظهر ما بنفسه عليه من حقد والله أعلم وقيل لما وقعت عينه عليه نزل إليه إعظاما له فقنعه موسى بالسوط ووبخه على استبداده عليه ومخالفته لرايه وساروا إلى طليطلة فطالبه موسى بأداء ما عنده من مال الفيء وذخائر الملوك واستعجله بالمائدة فأتاه بها وقد خلع من أرجلها رجلا وخبأه عنده فسأله موسى عنه فقال لا علم لي به وهكذا أصبتها فأمر موسى فجعل لها رجل من ذهب جاء بعيد الشبه من أرجلها يظهر عليه التعمل ولم يقدر على أحسن منه فأخل بها
وقال ابن الفرضي موسى بن نصير صاحب فتح الأندلس لخمي يكنى أبا عبد الرحمن يروي عن تميم الداري وروى عنه يزيد بن مسروق اليحصبي
وقيل غزا موسى بن نصير في المحرم سنة ثلاث وتسعين فأتى طنجة ثم عبر إلى الأندلس فأدخلها لا يأتي على مدينة إلا فتحها ونزل أهلها على حكمه ثم سار إلى قرطبة ثم قفل عن الأندلس سنة أربع وتسعين فأتى إفريقية وسار عنها سنة خمس وتسعين إلى الشام يؤم الوليد بن عبد
____________________
(1/271)

احتمله من غنائم الأندلس من الأموال والأمتعة يحملها على العجل والظهر ومعه ثلاثون ألف رأس من السبي فلم يلبث أن هلك الوليد بن عبد الملك وولي سليمان فنكب موسى نكبا أداه إلى المتربة فهلك في نكبته تلك بوادي القرى سنة سبع وتسعين
قال ابن حيان وهذه المائدة المنوه باسمها المنسوبة إلى سليمان النبي عليه الصلاة والسلام لم تكن له فيما يزعم رواة العجم وإنما أصلها أن العجم في أيام ملكهم كان أهل الحسنة منهم إذا مات أحدهم أوصى بمال للكنائس فإذا اجتمع عندهم ذلك المال صاغوا منه الآلات الضخمة من الموائد والكراسي وأشباهها من الذهب والفضة تحمل الشمامسة والقسوس فوقها مصاحف الأناجيل إذا أبرزت في أيام المناسك ويضعونها على المذابح في الأعياد للمباهاة بزينتها فكانت تلك المائدة بطليطلة مما صيغ في هذه السبيل وتأنقت الأملاك في تفخيهما يزيد الآخر منهم فيها على الأول حتى برزت على جميع ما اتخذ منتلك الآلات وطار الذكر مطاره عنها وكانت مصوغة من خالص الذهب مرصعة بفاخر الدر والياقوت والزمرد لم تر الأعين مثلها وبولغ في تفخيمها من أجل دار المملكة وأنه لا ينبغي أن تكون بموضع آلة جمال أو متاع مباهاة إلا دون ما يكون فيها وكانت توضع على مذبح كنيسة طليطلة فأصابها المسلمون هناك وطار النبأ الفخم عنها وقد كان طارق ظن بموسى أميره مثل الذي فعله من غيرته على ما تهيأ له ومطالبته له بتسليم ما في يده إليه فاستظهر بانتزاع رجل من أرجل هذه المائدة خبأه عنده فكان من فلجه به على موسى عدوه عند الخليفة
____________________
(1/272)


وقال بعض المؤرخين إن المائدة كانت مصنوعة من الذهب والفضة وكان عليها طوق لؤؤ وطوق ياقوت وطوق زمرد وكلها مكللة بالجواهر انتهى
وما ذكره ابن حيان من أن الذي نكب موسى بن نصير هو سليمان بن عبد الملك صواب وأما ما حكاه ابن خلكان من أن المنكب له الوليد فليس بصحيح والله أعلم
رجع إلى كلام ابن حيان قالوا ثم إن موسى اصطلح مع طارق وأظهر الرضى عنه وأقره على مقدمته على رسمه وأمره بالتقدم أمامه في أصحابه وسار موسى خلفه في جيوشه فارتقى إلى الثغر الاعلى وافتتح سرقسطة وأعمالها وأوغل في البلاد وطارق أمامه لا يمران بموضع إلا فتح عليهما وغنمهما الله تعالى ما فيه وقد ألقى الله الرعب في قلوب الكفرة فلم يعارضهما أحد إلا بطلب الصلح وموسى يجيء على أثر طارق في ذلك كله ويكمل ابتداءه ويوثق للناس ما عاهدوه عليه فلما صفا القطر كله وطامن نفوس من أقام على سلمه ووطأ لأقدام المسلمين في الحلول به أقام لتمييز ذلك وقتا وأمضى المسلمين إلى إفرنجة ففتحوا وغنموا وسلموا وعلوا وأوغلوا حتى انتهوا إلى وادي ردونة فكان أقصى أثر العرب ومنتهى موطئهم من أرض العجم وقد دوخت بعوث طارق وسراياه بلد إفرنجة
____________________
(1/273)

وصخرة أبينون وحصن لوذون على وادي رودنة فبعدوا عن الساحل الذي منه دخلوا جدا وذكر أن مسافة ما بين قرطبة وأربونة من بلاد إفرنجة ثلاثمائة فرسخ وخمسة وثلاثون فرسخا وفيل ثلاثمائة فرسخ وخمسون فرسخا ولما أوغل المسلمون إلى أربونة ارتاع لهم قارله ملك الإفرنجة بالأرض الكبيرة وانزعج لانبساطهم فحشد لهم وخرج عليهم في جمع عظيم فلما انتهى إلى حصن لوذون وعلمت العرب بكثرة جموعه زالت عن وجهه وأقبل حتى انتهى إلى صخرة أبنيون فلم يجد بها أحدا وقد عسكر المسلمون قدامه فيما بين الأجبل المجاورة لمدينة أربونة وهم بحال غرة لا عيون لهم ولا طلائع فما شعروا حتى أحاط بهم عدو الله قارله فاقتطعهم عن اللجإ إلى مدينة اربونة وواضعهم الحرب فقاتلوا قتالا شديدا استشهد فيه جماعة منهم وحمل جمهورهم على ص فوفه حتى اخترقوها ودخلوا المدينة ولاذوا بحصانتها فنازلهم بها اياما أصيب له فيها رجال وتعذر عليه المقام وخامره ذعر وخوف مدد للمسلمين فزال عنهم راحلا إلى بلده وقد نصب في وجوه المسلمين حصونا عل وادي رودنة شكها بالرجال فصيرها ثغرا بين بلده والمسلمين وذلك بالأرض الكبيرة خلف الأندلس
وقال الحجاري في المسهب إن موسى بن نصير نصره الله نصرا ما عليه مزيد واجفلت ملوك النصارى بين يديه حتى خرج على باب الاندلس الذي في الجبل الحاجز بينها وبين الأرض الكبيرة فاجتمعت الإفرنج إلى ملكها الأعظم قارله وهذه سمة لملكهم فقالت له ما هذا الخزي الباقي في الأعقاب كنا نسمع بالعرب ونخافهم من جهة مطلع الشمس حتى أتوا من مغربها واستولوا على بلاد الأندلس وعظيم ما فيها من العدة والعدد
____________________
(1/274)

وقلة عدتهم وكونهم لا دروع لهم فقال لهم ما معناه الرأي عندي أن لا تعترضوهم في خرجتهم هذه فإنهم كالسيل يحمل من يصادره وهم في إقبال أمرهم ولهم نيات تغني عن كثرة العدد وقلوب تغني عن حصانة الدروع ولكن أمهلوهمحتى تمتلىء أيديهم من الغنائم ويتخذوا المساكن ويتنافسوا في الرياسة ويستعين بعضهم ببعض فحينئذ تتمكنون منهم بأيسر أمر قال فكان والله كذلك بالفتنة التي طرأت بين الشاميين والبلديين والبربر والعرب والمضرية واليمانية وصار بعض المسلمين يستعين على بعض بمن يجاورهم من الأعداء انتهى
وقيل إن موسى بن نصير أخرج ابنه عبد الأعلى إلى تدمير ففتحها وإلى غرناطة ومالقة وكورة رية ففتح الكل وقيل إنه لما حاصر مالقة وكان ملكها ضعيف الرأي قليل التحفظ كان يخرج إلى جنان له بجانب المدينة طلبا للراحة من غمة الحصار من غير نصب عين وتقديم طليعة وعرف عبد الأعلى بأمره فأكمن له في جنبات الجنة التي كان ينتابها قوما من وجوه فرسانه ذوي رأي وحزم أرصدوا له ليلا فظفروا به وملكوه فأخذ المسلمون المدينة عنوة وملأوا أيديهم غنيمة
وقيل كانت نفس موسى بن نصير في ذلك كله تنزعج إلى دخول دار الكفر جليقية فبينما هو يعمل في ذلك ويعد له إذ أتاه مغيث الرومي رسول الوليد بن عبد الملك ومولاه يأمره بالخروج عن الأندلس والإضراب عن الوغول فيها ويأخذه بالقفول إليه فساءه ذلك وقطع به عن إرداته إذ لم يكن في الأندلس بلد لم تدخله العرب إلى وقته
____________________
(1/275)

على اقتحامها فلاطف موسى مغيثا رسول الخليفة وسأله إنظاره إلى أن ينفذ عزمه في الدخول إليها والمسير معه في البلاد أياما ويكون شريكه في الأجر والغنيمة ففعل ومشى معه حتى بلغ المفازة فافتتح حصن بارو وحسن لك فأقام هناك وبث السرايا حتى بلغوا صخرة بلاي على البحر الأخضر فلم تبق كنيسة إلا هدمت ولا ناقوس إلا كسر وأطاعت الأعاجم فلاذوا بالسلم وبذل الجزية وسكنت العرب المفاوز وكان العرب والبربر كلما مر قوم منهم بموضع استحسنوه حطوا به ونزلوه قاطنين فاتسع نطاق الإسلام بأرض الاندلس وخذل الشرك وبينما موسى كذلك في اشتداد الظهور وقوة الأمل إذ قدم عليه رسول آخر من الخليفة يكنى أبا نصر أردف به الوليد مغيثا لما استبطأ موسى في القفول وكتب إليه يوبخه ويأمره بالخروج وألزم رسوله إزعاجه فانقلع حينئذ من مدينة لك بجليقية وخرج على الفج المعروف بفج موسى ووافاه طارق في الطريق منصرفا من الثغر الأعلى فأقفله مع نفسه ومضيا جميعا ومعهما من الناس من اختار القفول وأقام من آثر السكنى في مواضعهم التي كانوا قد اختطوها واستوطنوها وقفل معهم الرسولان مغيث وأبو نصر حتى احتلوا بإشبيلية فاستخلف موسى ابنه عبد العزيز على إمارة الأندلس وأقره بمدينة إشبيلية لاتصالها بالبحر نظرا
____________________
(1/276)

وركب موسى البحر إلى المشرق بذي حجة سنة خمس وتسعين وطارق معه وكان مقام طارق بالأندلس قبل دخول موسى سنة وبعد دخوله سنتين وأربعة أشهر وحمل موسى الغنائم والسبي وهو ثلاثون ألف رأس والمائدة منوها بها ومعها من الذخائر والجواهر ونفيس الأمتعة ما لا يقدر قدره وهو مع ذلك متلهف على الجهاد الذي فاته أسيف على ما لحقه من الإزعاج وكان يؤمل أن يخترق ما بقي عليه من بلد إفرنجة ويقتحم الأرض الكبيرة حتى يتصل بالناس إلى الشام مؤملا أن يتخذ مخترقه بتلك الأرض طريقا مهيعا يسلكه أهل الأندلس في مسيرهم ومجيئهم من المشرق وإليه على البر لا يركبون بحرا وقيل إنه أوغل في أرض الفرنجة حتى انتهى إلى مفازة كبيرة وأرض سهلة ذات آثار فأصاب فيها صنما عظيما قائما كالسارية مكتوبا فيه بالنقر كتابة عربية قرئت فإذا هي يا بني إسماعيل انتهيتم فارجعوا فهاله ذلك وقال ما كتب هذا إلا لمعنى كبير فشاور أصحابه في الإعراض عنه وجوازه إلى ما وراءه فاختلفوا عليه فأخذ برأي جمهورهم وانصرف بالناس وقد أشرفوا على قطع البلاد وتقصي الغاية
وحكى الرازي أن موسى خرج من إفريقية إلى الأندلس في رجب سنة ثلاث وتسعين واستخلف على إفريقية أسن ولده عبد الله بن موسى وكان موسى في عشرة آلاف قال وكان عبدالملك بن مروان هو الذي أإزى موسى المغرب في خلافته ففتح له في أهله البرابر فتوح كبار حتى لقد بعث إلى عبد الملك في الخمس بعشرين ألف سببية ثم أردفها بعشرين ألفا أخرى كل ذلك من البربر فعجب عبد الملك يومئذ من كثرة ذلك
وزعم ابن حبيب أنه دخل
____________________
(1/277)

المنيذر قال ودخلها من التابعين ثلاثة موسى الأمير وعلي بن رباح اللخمي وحيوة بن رجاء التميمي وقيل إن ثالثهم إنما هو حنش بن عبد الله الصنعاني صنعاء الشام وإنهم قفلوا عنها بقفول موسى وأهل سرقسطة يزعمون أن حنشا مات عندهم ولم يقفل للمشرق وقبره لديهم مشهور يتبركون به ولا يختلفون فيه فالله أعلم
وقيل إن التابعين أربعة بأبي عبد الرحمن الحبلي الأنصاري واسمه عبد الله بن يزيد والله أعلم وخمسهم بعضهم بحبان بنأبي جبلة مولى بني عبد الدار وكان في ديوان مصر فبعث به عمر بن عبد العزيز إلى إفريقية في جماعة من الفقهاء ليفقهوا أهلها وكان روى عن عمرو بن العاص وابن عباس وابن عم وحدث عنه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وغيره وغزا مع موسى حين افتتح الاندلس وانتهى معه إلى حصن من حصون العدو يقال له قرقشونة وقيل بل قفل إلى إفريقية فتوفي بها بعد العشرين ومائة
وقال بعضهم إن بين قرقشونة هذه وبين برشلونة مسافة خمسة وعشرين يوما وفيها الكنيسة المعظمة عند الفرنج المسماة شنت مرية وقد حكى ابن حيان أن فيها سبع سوار من فضة خالصة لم ير الراؤون مثلها لا يحيط الإنسان بذراعيه على واحدة منها مع طول مفرط
وحنش الصنعاني المذكور تابعي جليل كان مع علي رضي الله عنه بالكوفة وقدم مصر بعد قتله فصار عداده في المصريين وكان فيمن قام مع ابن الزبير على عبد الملك بن مروان فعفا عنه وكفى الأندلس شرفا دخوله لها
وعلي بن رباح بصري تابعي يكنى أبا عبد الله وهو لخمي ولد عام اليرموك سنة خمس عشرة قال ابن معين أهل
____________________
(1/278)

وأهل العراق يقولونه بضمها وروى الليث عن ابنه موسى بن علي وكانت لعلي بن رباح عند عبد العزيز بن مروان مكانة وهو الذي زف ابنته أم البنين لزوجها الوليد ثم عتب عليه عبد العزيز فأغزاه إفريقية
وأما المنيذر لصحابي فلم ينسبه ابن بيب وذكره ابن عبد البر في الصحابة وقال إنه المنيذر الإفريقي وكان سكن إفريقية وكان صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سمعه صلى الله عليه وسلم يقول من قال رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا فأنا الزعيم له فلآخذن بيده فلأدخلنه الجنة ) ورواه عنه ابن عبد البر بسنده إليه وسيأتي إن شاء الله تعالى في حق المنيذر مزيد بيان
ولما قفل موسى بن نصير إلى المشرق وأصحابه سأل مغيثا أن يسلم إليه العلج صاحب قرطبة الذي كان في إساره فامتنع عليه وقال لا يؤديه للخليفة سواي وكان يدل بولائه من الوليد فهجم عليه موسى فانتزعه منه فقيل له إن سرت به حيا معك ادعاه مغيث والعلج لا ينكر قوله ولكن اضرب عنقه ففعل فاضطغنها عليه مغيث وصار إلبا مع طارق الساعي عليه واستخلف موسى عل طنجة وما يليها من المغرب ابنه الآخر عبد الملك وقد كان كما مر استخلف بإفريقية أكبر أولاده عبد الله فصار جميع الأندلس والمغرب بيد أولاده وابنه عبد الله الذي خلفه بإفريقية هو الفاتح لجزيرة ميورقة وسار موسى فورد الشام واختلف الناس هل كان وروده قبل موت الوليد أو بعده فمن يقول بالثاني قال قدم على سليمان حين استخلف وكان منحرفا عنه فسبق إليه طارق ومغيث بالشكية فعلم سليمان صدقه وكذب موسى فحقق جميع ما رمى به عنده وعزله عن جميع أعماله وأقصاه وحبسه وأمر بتقصي حسابه فأغرمه غرما عظيما كشفه فيه حتى اضطره إلى أن سأل العرب معونته فيقال إن لخما حملت عنه في أعطيتها تسعين ألف ذهبا وقيل حمله سليمان غرم مائتي ألف فأدى مائة ألف وعجز فاستجار بيزيد بن المهلب أثير سليمان فاستوهمه من سليمان فوهبه إياه إلا أنه عزل ابنه عبد الله عن إفريقية
وقال الرازي إن الذي أزعج موسى عن الأندلس أبو نصر رسول الوليد فقبض على عنانه وثناه قافلا وقفل معه من أحب المشرق وكان أكثر الناس قطنوا ببلاد الأندلس لطيبها فأقاموا فيها نهاية موسى وابنه عبد العزيز
وذهب جماعة من أهل التاريخ إلى أن مسوى إنما قدم على الوليد وأن سليمان ولي العهد لماسمع بقرب موسى بن نصير من دمشق وكان الوليد مريضا كتب أي سليمان إلى موسى يأمره بالتربص رجاء أن يموت الوليد قبل قدوم موسى فيقدم موسى على سليمان في أول خلافته بتلك الغنائم
____________________
(1/279)

منه ورمياه بالخيانة وأخبراه بما صنع بهما من خبر المائدة والعلج صاحب قرطبة وقالا له إنه قد غل جوهرا عظيم القدر أصابه لم تحو الملوك من بعد فتح فارس مثله فلما وافى سليمان وجده ضغينا عليه فأغلظ له واستقبله بالتأنيب والتوبيخ فاعتذر له ببعض العذر وسأله عن المائدة فأحضرها فقاله له زعم طارق أنه الذي أصابها دونك قال لا وما رآها قط إلا عندي فقال طارق فليسأله أمير المؤمنين عن الرجل التي تنقصها فسأله فقال هكذا أصبتها وعوضتها رجلا صنعتها لها فحول طارق يده إلى قبائه فأخرج الرجل فعلم سليمان صدقه وكذب موسى فحقق جميع ما رمى به عنده وعزله عن جميع أعماله وأقصاه وحبسه وأمر بتقصي حسابه فأغرمه غرما عظيما كشفه فيه حتى اضطره إلى أن سأل العرب معونته فيقال إن لخما حملت عنه في أعطيتها تسعين ألف ذهبا وقيل حمله سليمان غرم مائتي ألف فأدى مائة ألف وعجز فاستجار بيزيد بن المهلب أثير سليمان فاستوهبه من سليمان فوهبه إياه إلا أنه عزل ابنه عبد الله عن إفريقية
وقال الرازي إن الذي أزعج موسى عن الأندلس أبو نصر رسول الوليد فقبض على عنانه وثناه قافلا وقفل معه من أحب المشرق وكان أكثر الناس قطنوا ببلاد الأندلس لطيبها فأقاموا فيها نهاية موسى وابنه عبد العزيز
وذهب جماعة من أهل التاريخ إلى أن موسى إنما قدم على الوليد وأن سليمان ولي العهد لماسمع بقرب موسى بن نصير من دمشق وكان الوليد مريضا كتب أي سليمان إلى موسى يأمره بالتربص رجاء أن يموت الوليد قبل قدوم موسى فيقدم موسى على سليمان في أول
____________________
(1/279)

الكثيرة التي ما رئي ولا سمع مثلها فيعظم بذلك مقام سليمان عند الناس فأبى موسى من ذلك ومنعه دينه منه وجد في السير حتى قدم والوليد حي فسلم له الأخماس والمغانم والتحف والذخائر فلم يمكث الوليد إلا يسيرا بعد قدوم موسى وتوفي واستخلف سليمان فحقد عليه وأهانه وأمر بإقامته في الشمس حتى كاد يهلك وأغرمه أموالا عظيمة ودس إلى أهل الأندلس بقتل ابنه الذي استخلفه على الأندلس وهو عبد العزيز بن موسى وكان تولى الاندلس بعد قفول أبيه عنها باستخلافه إياه كما سبق فضبط سلطانها وضم نشرها وسد ثغورها وافتتح في ولايته مدائن كثيرة مما كان قد بقي على أبيه موسى منها وكان من خير الولاة إلا أن مدته لم تطل لوثوب الجند به وقتلهم إياه عقب سنة خمس وتسعين في خلافة سليمان الموقع بأبيه موسى لأشياء نقموها عليه منها زعموا تزوجه لزوجة لذريق المكناة أم عاصم وكانت قد صالحت على نفسها وأموالها وقت الفتح وباءت بالجزية وأقامت على دينها في ظل نعمتها إلى أن نكحها الأمير عبد العزيز فحظيت عنده ويقال إنه سكن بها في كنيسة بإشبيلية وإنها قالت له لم لا يسجد لك أهل مملكتك كما كان يسجد للذريق زوجها الأول أهل مملكته فقال لها إن هذا حرام في ديننا فلم تقنع منه بذلك وفهم لكثرة شغفه بها أن عدم ذلك مما يرزي بقدره عندها فاتخذ باب صغيرا قبالة مجلسه يدخل عليه الناس منه فينحنون وأفهمها أن ذلك الفعل منهم تحية له فرضيت بذلك فنمي الخبر إلى الجند مع ما انضم إلى ذلك من دسيسة سليمان لهم في قتله فقتلوه سامحه الله تعالى
وذكر
____________________
(1/281)

هي ارجعوا يا بني إسماعيل إلخ ما معناه وإن سألتم لم ترجعون فاعلموا أنكم ترجعون ليضرب بعضكم رقاب بعض انتهى
قال ابن حيان وليحيى بن حكم الشاعر المعروف بالغزال في فتح الأندلس أرجوزة حسنة مطولة ذكر فيها السبب في غزوها نظما وتفصيل الوقائع بين المسلمين وأهلها وعداد الأمراء عليها وأسماءهم فأجاد وتقصى وهي بأيدي الناس موجودة انتهى
وقد عرفت بما سبق تفصيل ما أجمله ابن خلدون والروايات في فتح الأندلس مختلفة وقد ذكرنا نحن بحسب ما اقتضاه الوقت ما فيه كفاية وأشرنا إلى بعض الاختلاف في ذلك ولو بسطنا العبارة في الفتح لكان وحده في مجلد أو أكثر عبد الرحمن الداخل
وعلم مما ألمعنا به من كلام ابن خلدون السابق ذكر الولاة للأندلس من لدن الفتح وهم من قبل بني مروان بالمشرق المنفردين بإمامة المسلمين أجمعين قبل تفرقهم إلى أن انقرضت دولتهم العظيمة التي هي ألف شهر فاقتطع الأندلس عن بني العباس الدائلين علي بني مروان الناسخين لهم فل المروانيين عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان واقتعدها دار مملكة مستقلة لنفسه ولأعقابه وحمع بها شمل بني أمية ومواليهم وأورثها بنيه حقبة من الدهر بعد أن قاسى في ذلك خطوبا واجتمع عليه ثم على ذريته من بعده أهل الأندلس أجمعون رضى بهم دون بني العباس بعد أن حاول بنو العباس ملكها بأن ولوا بعض رؤساء العرب وأمروهم بالقيام على عبد الرحمن والدعاء للعباسيين القاطعين جرثومة
____________________
(1/282)

عبد الرحمن بمن نصب له الحرب في ذلك وقتل منهم آلافا وذلك في مدة المنصور كما سيأتي إن شاء الله تعالى عند ذكر عبد الرحمن الداخل في موضع آخر وسنذكر قريبا ولاة الاندلس من حين الفتح إلى إمارة الداخل وإن سبق في كلام ابن خلدون مزيد بيان في نهاية موسى وشيء من شخصيته
وقال بعضهم كانت ولادة موسى بن نصير في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة تسع عشرة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأجل اللسلام وعلى آله وصحبه أجمعين انتهى
وقال الحجاري في المسهب يحكى أن موسى بن نصير ألفى بنفسه على يزيد بن المهلب لمكانه من أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك وطلب منه أن يكلمه في أن يخفف عنه فقال له يزيد اريد أن أسألك فأضغ إلي قال سل عما بدا لك فقال له لم أزل أسمع عنك أنك من أعقل الناس وأعرفهم بمكايد الحروب ومداراة الدنيا فقل لي كيف حصلت في يد هذا الرجل بعدما ملكت الأندلس وألقيت بينك وبين هؤلاء القوم البحر الزخار وتيقنت بعد المرام واستصعابه واستخلصت بلادا أنت أفترعتها واستملكت رجالا لا يعرفون غير خيرك وشرك وحصل في يدك من الذخائر والأموال والمعاقل والرجال ما لو أظهرت به الامتناع ما ألقيت عنقك في يد من لا يرحمك ثم إنك علمت أن سليمان ولي عهد وأنه المولى بعد أخيه وقد أشرف أخوه على الهلاك لا محال وبعد ذلك خالفته وألقيت بيدك إلى التهلكة وأحقدت مالكك ومملوكك قال يعني سليمان وطارقا وما رضى هذا الرجل عنك
____________________
(1/283)

تعديد أما سمعت إذا جاء الحين غطى العين فقال ما قصدت بما قلت لك تعديدا ولا تبكيتا وإنما قصدت تلقيح العقل وتنبيه الرأي وأن أرى ما عندك فقال موسى أما رأيت الهدهد يرى الماء تحت الأرض عن بعد ويقع في الفخ وهو بمرأى عينه ثم كلم فيه سليمان فكان من جوابه إنه قد اشتمل رأسه بما تكن له من الظهور وانقياد الجمهور والتحكم في الأموال والأبشار على ما لا يمحوه إلا السيف ولكن قد وهبت لك دمه وأنا بعد ذلك غير رافع عنه العذاب حتى يرد ما غل من مال الله قال وآلت حاله إلى أن كان يطاف به ليسأل من أحياء العرب ما يفتك به نقسه وفي تلك الحال مات وهو من أفقر الناس وأذلهم بوادي القرى سائلا من كان نازلا به
وقال أحد غلمانه ممن وفى له في حال الفقر والخمول لقد رأيتنا نطوف مع الأمير موسى بن نصير على أحياء العرب فواحد يجيبنا وآخر يحتجب عنا ولربما دفع إلينا على جهة الرحمة الدرهم والدرهمين فيفرح بذلك الأمير ليدفعه إلى الموكلين به فيخففون عنه من العذاب ولقد رأيتنا أيام الفتوح العظام بالأندلس نأخذ السلوك من قصور النصارى فنفصل منها ما يكون من الذهب وغير ذلك ونرمي به ولا نأخذ إلا الدر الفاخر فسبحان الذي بيده العز والذل والغنى والفقر
قال وكان له مولى قد وفى له وصبر عليه إلى ن ضاق ذرعه بامتداد الحال فعزم على أن يسلمه وهو بوادي القرى في أسوإ حال وشعر بذلك موسى فخضع للمولى المذكور وقال له يا فلان أتسلمني
____________________
(1/284)

فقال له المولى من شدة ما كان فيه من الضجر قد أسلمك خالقك ومالكك الذي هو أرحم الراحمين فدمعت عيناه وجعل يرفعهما إلى السماءخاضعا مهينما بشفيته فما سفرت تلك الليلة إلا عن قبض روحه رحمة الله عليه فقد كان له من الأثر ما يوجب أن يترحم عليه وإن فعل سليمان به وبولده وكونه طرح رأس ابنه عبد العزيز الذي تركه نائبا عنه بالأندلس وقد جيء به من أقصى المغرب بين يديه من وصماته التي تعد عليه طول الدهر لا جرم أن الله تعالى لم يمتعه بعده بملكه وشبابه
وذكر ابن حيان أن موسى كان عربيا فصيحا وقد سبق من مراجعة يزيد بن المهلب ما يدل على بلاغته ويكفي منها ما ذكره ابن حيان أنه كتب إلى الوليد بن عبد الملك فيما هاله من فتوح الأندلس وغنائمها إنها ليست الفتوح ولكنها الحشر وقال الحجاري إن منازعة جرت بينه وبين عبد الله بن يزيد بن أسيد بمحضر عبد الملك بن مروان ألجأته إلى أن قال شعرا منه
( جاريت غير سؤوم في مطاولة ** لو نازع الحفل لم ينزع إلى حصر )
وتقدم ما ذكره غير واحد كابن حيان أن موسى مولى عبد العزيز بن مروان وكذا ذكر الحجاري أنه تجهز مع أم البنين بنت عبد العزيز حين ابتنى بها الوليد ابن عبد الملك فكانت تنمي مكانته عند الوليد إلى أن بلغ ما بلغ وأشهر من كان في صحبة موسى بن نصير من مواليه طارق المشهور بالفتوح العظيمة
____________________
(1/285)


وقال ابن سعيد بعد ذكره الخلاف في موسى هل هو لخمي صريح أو بالولاء ابو بربري أومولى لعبد العزيز بن مروان ما صورته وكان في عقبه نباهة في السلطنة ولي ابنه عبد العزيز سلطنة الأندلس وعبد الملط سلطنة المغرب الأقصى وعبد الله سلطنة إفريقية وذكر الحجاري أن أصله من وادي القرى بالحجاز وأنه خدم بني مروان بدمشق وتنبه شأنه فصرفوه في ممالكهم إلى أن ولي إفريقية وما وراءها من المغرب في زمن الوليد بن عبد الملك فدوخ أقاصي المغرب ودخل الأندلس من جبل موسى المنسوب إليه المجاور لسبتة ودوخ بلاد الأندلس ثم أوفده الوليد إلى الشام فوافق مرضه ثم موته وخلافة أخيه سليمان فعذبه واستصفى أمواله وآل أمره إلى أن وجهه إلى قومه بوادي القرى لعلهم يعطفون عليه ويؤدون عنه فمات بها وقد نص ابن بشكوال على أنه مات بوادي القرى
أما معارفه السلطانية فيكفيه ولاية ما خلف مصر إلى البحر المحيط بين بري البربر والأندلس
وأما الأدبية فقد جاءت عنه بلاغة في النثر والنظم تدخله مع نزارتها في أصحاب در الكلام وذكر ابن بشكوال أنه من التابعين الذين رووا الحديث وأن روايته عن تميم الداري وذكره في كتب الأئمة من المصنفين أنبه وأوعب من أن يخصص بذكره واحد منهم وهو غرة التواريخ الأندلسية وذكره إلى الآن جديد في ألسن الخاصة والعامة من أهلها
ومن مسهب الحجازي كان قد جمع رحمه الله من خلال الخير ما أعانه الله سبحانه به على ما بنى له من المجد المشيد والذكر الشهير المخلد الذي لا يبليه الليل والنهار ولا يعفي جديدة بلى الأعصار إلا أنه كان يغلب عليه ما لا يكاد رئيس يسلم منه وهو الحقد والحسد والمنافسة لا
____________________
(1/286)

من ذلك وأنشد بعض الرؤساء
( وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا ** ) فقلبه الرئيس وقال من يترك الحقدا ثم قال إن السيد إذا ترك إضمار الخير والشر والمجازاة عليهما اجترىء عليه ونسب للضعف والغفلة وهل رأيت صفقة أخسر من غفلة رئيس أحقده غيره فنسي ذلك أو تناساه وعدوه لا يغفل عنه وحاسده لا ينفعه عنده إلا الراحة منه وهو في واد آخر عنه ولله در القائل
( ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ** مضر كوضع السيف في موضع الندى )
ولكن الأصوب أن يكون الرأي ميزانا لا يزن الوافي لناقص ولا يزن الناقص لواف ويدبر أمره على ما يقتضيه الزمان ويقدر فيه حسن العاقبة
ونص ابن بشكوال على أن موسى بن نصير مات بوادي القرى سنة سبع وتسعين وأغزى الأندلس سنة إحدى وتسعين ودخلها سنة ثلاث وتسعين وقفل عنها إلى الوليد بن عد الملك بالغنائم سنة أربع وتسعين وذكر أن ولايته على الأندلس بالمباشرة مذ دخلها إلى حين خروجه منها سنة واحدة ومكث فيها مولاه طارق سنة انتهى وقد تقدم شيء من ذلك عود إلى ذكر التابعين في الأندلس
وذكر ابن بشكوال أيضا ان ابن حبيب قال عن ربيعة غل الناس كلهم يوم فتح الأندلس إلا أربعة نفر فقط كانوا
____________________
(1/287)

وأبو عبد الرحمن الحبلي وابن شماسة وعياض بن عقبة انتهى
قال ابن سعيد وممن دخل الأندلس من غير هؤلاء الأربعة من التابعين علي بن رباح اللخمي وموسى بن نصير فاتح الأندلس وحبان بن أبي جبلة القرشي مولاهم وعبد الرحمن بن عبد الله الغافقي صاحب الأندلس المذكور في سلاطينها ومحمد بن أوس بن ثابت الانصاري وزيد بن قاصد السكسكي والمغيرة بن أبي بردة الكناني وعبد الله بن المغيرة الكناني وحيوة بن رجاء التميمي وعبد الجبار بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ومنصور بن خزامة وعلي بن عثمان بن خطاب
وذكر ابن حبيب أن عدة من دخل الأندلس من التابعين سوى من لا يعرف نحو عشرين رجلا وفي كتاب ابن بشكوال أنه دخل الأندلس من التابعين ثمانية وعشرون رجلا وهم أسسوا قبلة المسجد الجامع بقرطبة وسمى الحجاري في المسهب هؤلاء المتقدمين
وذكر ابن سعيد أنه لم يتحقق المواضع التي تختص بهؤلاء التابعين من بلاد الأندلس مع جزمه بأنهم دخلوا الأندلس وكانوا بها وسيأتي ذكر التابعين الداخلين الأندلس بما هو أشمل من هذا وقد تقدم غلول من عدا التابعين من الغنائم مغانم الأندلس
وقال الليث بن سعد بعد ذكره أن طارقا أصاب بالأندلس مغانم كثيرة من الذهب والفضة إن كانت الطنفسة لتوجد منسوجة بقضبان الذهب وتنظم السلسة من الذهب باللؤلو والياقوت والزبرجد وكان البربر ربما وجدوها فلا يستطيعون
____________________
(1/288)

والآخر النصف الآخر لنفسه ويسير معهم جماعة والناس مشتغلون بغير ذلك
وعن يحيى بن سعيد لما افتتحت الاندلس أصاب الناس فيها غنائم فغلوا منها غلولا كثيرا حملوه في المراكب وركبوا البحر فسمعوا مناديا يقول اللهم غرق بهم وتقلدوا المصاحف فما نشبوا أن أصابتهم ريح عاصف وضربت المراكب بعضها بعضا حتى تكسرت وغرق بهم وأهل مصر ينكرون ذلك ويقولون أهل الأندلس ليس هم الذين غرقوا وإنما هم أهل سردانية فالله أعلم بحقيقة الحال
ورأيت في بعض كتب التاريخ أنه وجد في طليطلة حين فتحت من الذخائر والأموال ما لا يحصى فمن ذلك مائة وسبعون تاجا من الذهب الاحمر مرصعة بالدر وأصناف الحجارة الثمينة ووجد فيها ألف سيف ملوكي ووجد فيها من الدر والياقوت أكيال ومن أواني الذهب والفضة ما لا يحيط به وصف ومائدة سليمان وكانت فيما يذكر من زمردة خضراء وزعم بعض العجم أنها لم تكن لسليمان وإنما أصلها أن العجم أيام ملكهم كان أهل الحسنة في دينهم إذا مات أحد منهم أوصى بما للكنائس فإذا اجتمع عتدهم مال له قدر صاغوا منه الآلة من الموائد العجيبة والكراسي من الذهب والفضة تحمل الشمامسة والقسوس فوقها الأناجيل في ايام المناسك ويضعونها في الأعياد للمباهاة فكانت تلك المائدة بطليطة مما صنع في هذا السبيل وتأنق الملوك في تحسينها يزيد الآخر منهم فيها على الأول حتى برزت على جميع ما اتخذ من تلك الآلات وطار الذكر بها كل مطار وكانت مصوغة من الذهب الخالص مرصعة بفاخر الدر والياقوت والزبرجد وقيل إنها من زبرجدة خضراء حافاتها وأرجلها منها وكان لها ثلاثمائة وخمس وستون رجلا وكانت توضع في كنيسة طليطلة فأصابها
____________________
(1/289)

وقد كرنا فيما مر عن ابن حبان ما فيه نظير هذا وذكرنا فيما مضى من أمر المائدة وغيرها ما فيه بعض تخالف وما ذلك إلا لأنا ننقل كلام المؤرخين وإن خالف بعضهم بعضا ومرادنا تكثير الفائدة وبالجملة فالمائدة جليلة المقدار وإن حصل الخلاف في صفتها وجنسها وعدد أرجلها وهي من أجل ما غنم بالأندلس على كثرة ما حصل فيها من الغنائم المتنوعة الاجناس التي ذكرها إلى الآن شائع بين الناس استيطان العرب في الأندلس
واعلم أنه لما اسقر قدم أهل الإسلام بالاندلس وتتام فتحها صرف أهل الشام وغيرهم من العرب هممهم إلى الحلول بها فنزل بها من جراثيم العرب وساداتهم جماعة أورثوها أعقابهم إلى أن كان من أمرهم ما كان
فأما العدنانيون فمنهم خندف ومنهم قريش وأما بنو هاشم من قريش فقال ابن غالب في فرحه الأنفس بالأندلس منهم جماعة كلهم من ولد إدريس ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ومن هؤلاء بنو حمود ملوك الاندلس بعد انتثار سلك بني أمية وأما بنو أمية فمنهم خلفاء الاندلس قال ابن سعيد ويعرفون هنالك إلى الآن بالقرشيين وإنما عموا نسبتهم إلى أمية في الآخر لما انحرف الناس عنهم وذكروا أفعالهم في الحسين رضي الله عنه وأما بنو زهرة فهم بإشبيلية أعيان متميزون وأما المخزوميون فمنهم أبو بكر المخزومي الأعمى الشاعر المشهور من أهل حصن المدور ومنهم الوزير الفاضل في النظم والنثر أبو بكر بن زيدون ووالده الذي هو أعظم منه أبو الوليد بن زيدون وزير معتضد بني عباد وقال ابن غالب وفي الأندلس من ينسب إلى جمح
____________________
(1/290)

ابن فهر وهم من قريش الظواهر ومنهم عبد الملك بن قطن سلطان الاندلس ومن ولده بنو القاسم الامارء الفضلاء وبنو الجد الاعيان العلماء ومن بني الحارث بن فهر يوسف بن عبد الرحمن الفهري سلطان الأندلس الذي غلبه عليها عبد الرحمن الاموي الداخل وجد يوسف عقبة بن نافع الفهري صاحب الفتوح بإفريقية قال ابن حزم ولهم بالأندلس عدد وثروة وأما المنتسبون إلى عموم الكنانة فكثير وجلهم في طليطلة وأمالها ولهم ينسب الوقشيون الكنانيون الاعيان الفضلاء الذين منهم القاضي أبو الوليد والوزير أبو جعفر ومنهم أبو الحسين بن جبير العالم صاحب الرحلة وقد ذكرناه في محله وأما هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر فذكر ابن غالب أن منزلهم بجهة أريولة من كورة تدمير وأما تميم بن مر بن أدبن بن طابخة بن إلياس بن مضر فذكر ابن غلب أيضا أنهم خلق كثير بالأندلس فهؤلاء خندف من العدانية
وأما قيس عيلان بن إلياس بن مضر من العدنانية ففي الأندلس كثير منهم ينتسبون إلى العموم ومنهم من ينتسب إلى سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس كعبد الملك بن حبيب السلمي الفقيه صاحب الإمام مالك رضي الله عنه وكالقاضي أبي حفص بن عمر قاضي قرطبة ومن قيس من ينتسب إلى هوازن بن منصور بن عكرمة قال ابن غالب وهم بإشبيلية خلق كثير ومنهم من ينتسب إلى بكر بن هوازن قال ابن غالب ولهم منزل بجوفي بلنسية على ثلاثة أميال منها وبإشبيلية وغيرها منهم خلق كثير ومنهم بنو حزم وهم بيت غير البيت الذي منه أبو محمد بن حزم الحافظ الظاهري وهو فارسي الأصل ومنهم من ينتسب إلى سعد بن بكر بن هوازن وذكر ابن غالب أن منهم بغرناطة كثيرا كبني جودي وقد رأس بعض بني جودي ومنهم من ينتسب إلى سلول امرأة نسب إليها بنوها
____________________
(1/291)

ابن معاوية بن بكر بن هوازن ومنهم من ينتسب إلى كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن ومنهم من ينتسب إلى نمير بن عامر ابن صعصعة قال ابن غالب وهم بغرناطة كثير ومنهم من ينتسب إلى قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ومنهم بلج بن بشر صاحب الأندلس وآله وبنو رشيق ومنهم من ينتسب إلى فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان ومنهم من ينتسب إلى أشجع بن ريث بن غطفان ومن هؤلاء محمد بن عبد الله الأشجعي سلطان الأندلس وفي ثقيف اختلاف فمنهم من قال إنها قيسية وإن ثقيفا هو قسي بن منبه بن بكر بن هوازن ومنهم بالأندلس جماعة وإليهم ينتسب الحر بن عبد الرحمن الثقفي صاحب الأندلس وقيل إنها من بقايا ثمود انتهى قيس عيلان وجميع مضر
وأما ربيعة بن نزار فمنهم من ينتسب إلى أسد بن ربيعة بن نزار قال في فرحة الأنفس إن إقليم هؤلاء مشهور باسمهم بجوفي مدينة وادي آش انتهى والأشهر بالنسبة إلى أسد أبدا بنو أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس ابن مضر ومنهم من ينتسب إلى محارب بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة قال ابن غالب في فرحة الانفس ومنهم بنو عطية أعيان غرناطة ومنهم من ينتسب إلى النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد كبني عبد البر الذين منهم الحافظ أبو عمر بن عبد البر ومنهم من ينتسب إلى تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب كبني حمدين أعيان قرطبة ومنهم من ينتسب إلى بكر ابن وائل كالبكريين أصحاب أونبة وشلطيش الذين منهم أبو عبيد
____________________
(1/292)


وأما إياد بن نزار وقد يقال إنه ابن معد والصحيح الأول فينتسب إليهم بنو زهر المشهورون بإشبيلية وغيرهم انتهت العدنانية وهم الصريح من ولد إسماعيل عليه السلام
واختلف في القحطانية هل هم من ولد إسماعيل أو من ولد هود على ما هو معروف وظاهر صنيع البخاري الأول والأكثر على خلافه والقحطانية هم المعروفون باليمانية وكثيرا ما يقع بينهم وبين المضرية وسائر العدنانية الحروب بالأندلس كما كان يقع بالمشرق وهم الأكثر بالأندلس والملك فيهم أرسخ إلا ما كان من خلفاء بني أمية فإن القرشية قدمتهم على الفرقتين واسم الخلافة لهم بالمشرق وكان عرب الأندلس يتميزون بالقبائل والعمائر والبطون والأفخاذ إلى أن قطع ذلك المنصور بن أبي عامر الداهية الذي ملك سلطنة الاندلس وقصد بذلك تشتيتهم وقطع التحامهم وتعصبهم في الاعتزاء وقدم القواد على الأجناد فيكون في جند القائد الواحد فرق من كل قبيل فانحسمت مادة الفتن والاعتزاء بالأندلس إلا ما جاءت على غير هذه الجهة
قال ابن حزم جماع أنساب اليمن من جذمين كهلان وحمير ابني سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر بن شالح بن أرفخشذ ابن سام بن نوح وقيل قحطان بن الهميسع بن تيهان بن نبت بن إسماعيل وقيل قحطان بن هود بن عبد الله بن رباح بن حارف بن عاد بن عوص بن إرم بن سام والخلف في ذلك مشهور فمنهم كهلان بن سبأ بن يشجب ابن يعرب بن قحطان ومنهم الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان وإليهم ينتسب محمد بن هانىء الشاعر المشهور الإلبيري وهو من بني المهلب ومن الازد من ينتسب إلى غسان وهم بنو مازن بن الأزد وغسان ماء
____________________
(1/293)

غرناطة وكثير منهم بصالحة قرية على طريق مالقة ومن الأزد من ينتسب إلى الأنصار على العموم وهم الجم الغفير بالأندلس
قال ابن سعيد والعجب أنك تعدم هذا النسب بالمدينة وتجد منه بالأندلس في أكثر بلدانها ما يشذ عن العدد كثرة ولقد أخبرني من سأل عن هذا النسب بالمدينة فلم يجد إلا شيخا من الخزرج وعجوزا من الأوس
قال ابن غالب وكان جزء الأنصار بناحية طليطلة وهم أكثر القبائل بالاندلس في شرقها ومغربها انتهى
ومن الخزرج بالأندلس أبو بكر عبادة بن عبد الله بن ماء السماء من ولد سعد بن عبادة صاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المشهور بالموشحات وإلى قيس بن سعد بن عبادة ينتسب بنو الأحمر سلاطين غرناطة الذي كان لسان الدين بن الخطيب أحد وزرائهم وعليهم انقرض ملك الأندلس من المسلمين واستولى العدو على الجزيرة جميعا كما يذكر
ومن أهل الأندلس من ينتسب إلى الأوس أخي الخزرج ومنهم من ينتسب إلى غامق بن عك بن عد ثان بن هزان بن الأزد وقد يقال عك بن عدنان بالنون فيكون أخا معد بن عدنان وليس بصحيح قال ابن غالب من غامق أبو عبدالله بن أبي الخصال الكاتب وأكثر جهات شقورة ينتسبون إلى غامق ومن كهلان من ينتسب إلى همدان وهو أوسلة بن مالك بن زيد بن بن
____________________
(1/294)

أوسلة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان ومنزل همدان مشهور على ستة أميال من غرناطة ومنهم أصحاب غرناطة بنو أضحى ومن كهلان من ينتسب إلى مذحج ومذحج اسم أكمة حمراء باليمن وقيل اسم أم مالك وطيء ابني أدد بن زيد بن كهلان قال ابن غالب بنو سراج الأعيان من أهل قرطبة ينتسبون إلى مذحج ومنزل طيئ بقبلي مرسية ومنهم من ينتسب إلى مراد بن مالك بن أدد وحصن مراد بين إشبيلية وقرطبة مشهور قال ابن غالب وأعرف بمراد منهم خلا كثيرا ومنهم من ينتسب إلى عنس بن مالك بن أدد ومنهم بنو سعيد مصنفو كتاب المغرب وقلعة بني سعيد مشهورة في مملكة غرناطة ومن مذحج من ينتسب إلى زبيد قال ابن غالب وهو منبه بن سعد العشيرة بن مالك بن أدد ومن كهلان من ينتسب إلى مرة بن أدد بن زيد بن كهلان قال ابن غالب منهم بنو المنتصر العلماء من أهل غرناطة ومنهم من ينتسب إلى عاملة وهي امرأة من قضاعة ولدت للحارث ابن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد فنسب ولدها منه إليها قال ابن غالب منهم بنو سماك القضاة من أهل غرناطة وقوم زعموا أن عاملة هو ابن سبأ ابن يشجب بن يعرب بن قحطان وقيل هم من قضاعة ومن كهلان خولان بن عمرو بن الحارث بن مرة وقلعة خولان مصهورة بين الجزيرة الخضراء وإشبيلية ومنهم بنو عبد السلام أعيان غرناطة ومنهم من ينتسب إلى المعافر بن يعفر بن مالك بن الحارث بن مرة ومنهم المنصور بن أبي عامر صاحب الأندلس ومنهم من ينتسب إلى لخم
____________________
(1/295)

بنو عباد أصحاب إشبيلية وغيرها وهم من ولد النعمان بن المنذر صاحب الحيرة ومنهم بنو الباجي أعيان إشبيلية وبنو وافد الأعيان ومنهم من ينتسب إلى جذام مثل ثوابة بن سلامة صاحب الأندلس وبني هود ملوك شرقي الأندلس ومنهم المتوكل بن هود الذي صحت له سلطنة الأندلس بعد الموحدين ومنهم بنو مردنيش أصحاب شرقي الأندلس قال ابن غالب وكان لجذام جزء من قلعة رباح واسم جذام عامر واسم لخم مالك وهما ابنا عدي ومن كهلان من ينتسب إلى كندة وهو ثور بن عفير بن عدي بن الحارث ابن مرة بن أدد ومنهم يوسف بن هرون الرمادي الشاعر ومنهم من ينتسب إلى تجيب وهي امرأة أشرس بن السكون بن أشرس بن كندة ومن كهلان من نيتسب إلى خثعم بن أنمار بن اراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان ومنهم عثمان بن أبي نسعة سلطان الاندلس وقد قيل أنمار بن نزار بن معد بن عدنان انتهت كهلان
وأما حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان فمنهم من ينتسب إلى ذي رعين قال ابن غالب وذو رعين هم ولد عمرو بن حمير في بعض الأقوال وقيل هو من ولد سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير قال ومنهم أبو عبد الله الحناط الاعمى الشاعر قال
____________________
(1/296)

النسب ومنهم من ينتسب إلى ذي أصبح قال ابن حزم هو ذو أصبح ابن مالك بن زيد من ولد سبأ الأصغر بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس ووصل النسب وذكر الحازمي أن ذا أصبح من كهلان وأخبر أن منهم مالك بن أنس الإمام والمشهور أنهم من حمير والأصبحيون من أعيان قرطبة ومنهم من ينتسب إلى يحصب قال ابن حزم إنه أخو ذي أصبح وهم كثير بقلعة بني سعيد وقد تعرف من أجلهم في التواريخ الاندلسية بقلعة يحصب ومنهم من ينتسب إلى هوزن بن عوف بن عبد شمس بن وائل بن الغوث قال ابن غالب ومنزلهم بشرف إشبيلية والهوزنيون من أعيان إشبيلية ومنهم من ينتسب إلى قضاعة بن مالك بن حمير وقد قيل إنه قضاعة بن معد بن عدنان وليس بمرضي ومن قضاعة من ينتسب إلى مهرة كالوزير أبي بكر ابن عمار الذي وثب على ملك مرسية وهو مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة ومنهم من ينتسب إلى خشين بن نمر بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ومنهم من ينتسب إلى تنوخ قال ابن غالب وهو ابن مالك بن فهم بن نمر بن وبرة بن تغلب قال الحازمي تنوخ هم مالك بن فهم بن تيم الله بن أسد بن وبرة ومنهم من ينتسب إلى بلي بن عمرو ابن الحاف بن قضاعة ومنهم البلويون بإشبيلية ومنهم من ينتسب إلى جهينة بن سود بن أسلم بن عمرو بن الحاف
____________________
(1/297)

وبقرطبة منهم جماعة ومنهم من ينتسب إلى كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان كبني أبي عبدة الذين منهم بنو جهور ملوك قرطبة ووزراؤها ومنهم من ينتسب إلى عذرة بن سعد هذيم بن زيد بن سود بن عمرو بن الحاف بن قضاعة ومنهم أعيان الجزيرة الخضراء بنو عذرة
ومن أهل الاندلس من ينتسب إلى حضرموت منهم الحضرميون بمرسية وغرناطة وإشبيلية وبطليوس وقرطبة قال ابن غالب وهم كثير بالأندلس وفيه خلاف قيل إن حضرموت هو ابن قحطان وقيل هو حضرموت بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد اشمس بن وائل بن الغوث بن جيدان بالجيم بن قطن بن العريب بن الغرز بن نبت بن أيمن بن الهميسع ابن حمير كذا نسق النسب الحازمي
ومن أهل الاندلس من ينتسب إلى سلامان ومنهم الوزير لسان الدين بن الخطيب حسبما ذكر في محله ثبت بأسماء الامراء وقد رأيت أن أسرد هنا أسماء ملوك الأندلس من لدن الفتح إلى آخر ملوك بني أمية وإن تقدم ويأت ذكر جملة منهم بما هو أتم مما هنا فنقول
طارق بن زياد مولى موسى بن نصير
ثم الأمير موسى بن نصير وكلاهما لم يتخذ سريرا للسلطنة
ثم عبد العزيز بن موسى بن نصير وسريره إشبيلية
ثم أيوب بن حبيب اللخمي وسريره
____________________
(1/298)

قرطبة او الزهراء والزاهرة بجانبيها إلى أن انقضت دولة بني مروان على ما ينبه عليه
ثم الحر بن عبد الرحمن الثقفي
ثم السمح بن مالك الخولاني
ثم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي
ثم عنبسة بن سحيم الكلبي
ثم عذرة بن عبد الله الفهري
ثم يحيى بن سلمة الكلبي
ثم عثمان بن أبي نسعه الخثعمي
ثم حذيفة بن الاحوص القيسي
ثم الهيثم بن عدي الكلابي
ثم محمد بن عبد الله الأشجعي
ثم عبد الملك بن قطن الفهري
ثم بلج بن بشر بن عياض القشيري
ثم ثعلبة بن سلامة العاملي
ثم أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي
ثم ثوابة بن سلامة الجذامي
ثم يوسف بن عبد الرحمن الفهري
وههنا انتهى الولاة الذين ملكوا الأندلس من غير موارثة أفرادا عددهم عشرون فيما ذكر ابن سعدي ولم يتعدوا في السمة لفظ الأمير
قال ابن حيان مدتهم منذ تاريخ الفتح من لذريق سلطان الأندلس النصراني وهو يوم الاحد لخمس خلون من شوال سنة اثنتين وتسعين إلى يوم الهزيمة على يوسف
____________________
(1/299)

المرواني على سرير الملك قرطبة وهو يوم الأضحى لعشر خلون من ذي الحجة سنة ثمان وثلاثون ومائة ست وأربعون سنة وخمسة أيام انتهى حكام بني أمية
ثم كانت دولة بني أمية
أولهم عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبدالملك
ثم ابنه هشام الرضى
ثم ابنه الحكم بن هشام
ثم ابنه عبد الرحمن الأوسط
ثم ابنه محمد بن عبد الرحمن ثم ابنه المنذر بن محمد
ثم أخوه عبدالله بن محمد
ثم ابن ابنه عبد الرحمن الناصر بن محمد بن عبد الله
ثم ابنه الحكم المستنصر وكرسيهما الزهراء
ثم هشام بن الحكم وفي أيامه بني حاجبه المنصور بن أبي عامر الزاهره
ثم المهدي محمد بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر وهو أول خلفاء الفتنة وهدمت في أيامه الزهراء والزاهرة وعاد السرير إلى قرطبة
ثم المستعين سليمان بن الحكم بن سليمان بن الناصر الحموديون
ثم تخللت دولة بني حمود العلويين
وأولهم
____________________
(1/300)


ثم أخوه المأمون القاسم بن حمود
ثم المعتلي يحيى بن الناصر بن علي بن حمود بقية بني أمية ثم كانت دولة بني أمية الثانية
وأولها المستظهر عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر ثم المستكفي محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر
ثم المعتد هشام بن محمد بن عبد الملك بن الناصر وهو آخر خلفاء الجماعة بالأندلس وحين خلع أسقط ملوك الأندلس الدعوة للخلافة المروانية ملوك الطوائف ومن بعدهم
واستبدت ملوك الطوائف كابن جهور في قرطبة وابن عباد بإشبيلية وغيرهما ولم يعد نظام الأندلس إلى شخص واحد إلى أن ملكها يوسف بن تاشفين الملثم من بر العدوة وفتك في ملوك الطوائف وبعد ذلك ما خلصت له ولا لولده علي بن يوسف لأن بني هود نازعوه في شرقها بالثغر إلى أن جاءت دولة عبد المؤمن وبنيه فما صفت لعبد المؤمن بمحمد بن مردنيش الذي كان ينازعه في شرق الأندلس ثم صفت ليوسف بن عبد المؤمن بموت ابن مردنيش ثم لمن بعده من بنيه وحضرتهم مراكش وكانت ولاتهم تتردد على الأندلس وممالكها ولم يولوا على جميعها شخصا واحدا لعظم ممالكها إلى أن انقرضت منها دولتهم بالمتوكل محمد بن هود من بني هود ملوك سرقسطة وجهاتها فمك معظم الأندلس بحيث يطلق عليه اسم السلطان ولم ينازعه فيها إلا زيان بن
____________________
(1/301)

من غرب الأندلس ثم كثرت عليه الخوارج قريب موته ولما قتله وزيره ابن الرميمي بالمرية زاد الأمر إلى أن ملك بنو الأحمر وكان أهل غرب الأندلس في المائة السابعة يخطبون لصاحب إفريقية السلطان أبي زكرياء بن أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص ثم تقلصت تلك الظلال ودخل الجزيرة الانحلال إلى أن استولى عليها حزب الضلال والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين
وقد ذكرت في هذا الكتاب جملة من أخبار ملوك الأندلس مما يصلح للمذاكرة وربما سرحت طرف القلم في بعضهم
وبنو جهور المشار إليهم قريبا كانوا وزراء الأمويين ثم إنه لما انتثر سلك الخلافة استبد بقرطبة الوزير أبو الحزم بن جهور من غير أن يتعدى اسم الوزارة جهور بن محمد بن جهور
قال في المطمح الوزير الأجل جهور بن محمد بن جهور وبنو جهور أهل بيت وزارة اشتهروا كاشتهار ابن هبيرة في فزارة وأبو الحزم أمجدهم في المكرمات وأنجدهم في الملمات ركب متون الفتون فراضها ووقع في بحور المحن فخاضها منبسط غير منكمش لا طائش اللسان ولا رعش وقد كان وزر في الدولة العامرية فشرفت بجلاله واعترفت باستقلاله فلما انقرضت وعاقت الفتن واعترضت تحيز عن التدبير مدتها وخلى لخلافه أعباء الخلافة وشدتها وجعل يقبل مع أولئك الوزراء ويدبر وينهل الامر معهم ويدبر غير مظهر للإنفراد ولا متصرف في ميدان ذلك الطراد
____________________
(1/302)

الرياسة ويخب ويسعى في الفتنة ويدب ولما ارتفع الوبال وأدبر ذلك الإقبال راسل أهل التقوى مستمدا بهم ومعتمدا على بعضهم تحيلا منه وتمويها وتداهيا على أهل الخلافة وذويها وعرض عليهم تقديم المعتد هشام وأومض منه لأهل قرطبة برق خلب يشام بعد سرعة التياثها وتعجيل انتكاشها فأنابوا إلى الإجابة وأجابوا إلى استرعائه الوزارة والحجابة وتوجهوا مع ذلك الإمام وألموا بقرطبة أحسن إلمام فدخلوها بعد فتن كثيرة واضطرابات مستثيرة والبلد مقفر والجلد مسفر فلم يبق غير يسير حتى جبذ واضطرب أمره فخلع واختطف من الملك وانتزع وانقضت الدولة الأموية وارتفعت الدولة العلوية واستولى على قرطبة عند ذلك أبو الحزم ودبرها بالجد والعزم وضبطها ضبطا أمن خائفها ورفع طارق تلك الفتنة وطائفها وخلا له الجو فطار واقتضى اللبانات والأوطار فعادت له قرطبة إلى أكمل حالتها وانجلى به نور جلالتها ولم تزل به مشرقة وغصون الآمال فيها مورقة إلى أن توفي سنة 435 فانتقل الامر إلى ابنه أبي الوليد واشتمل منه على طارف وتليد وكان لأبي الحزم أدب ووقار وحلم سارت بها الأمثال وعدم فيها المثال وقد أثبت من شعره ما هو لائق وفي سماء الحسن رائق وذلك قوله في
____________________
(1/303)


( الورد أحسن ما رأت عيني وأذكى ** ما سقى ماء السحاب الجائد )
( خضعت نواوير الرياض لحسنه ** فتذللت تنقاد وهي شوارد )
( وإذا تبدى الورد في أغصانه ** يزهو فذا ميت وهذا حاسد )
( وإذا أتى وفد الربيع مبشرا ** بطلوع وفدته فنعم الوافد )
( ليس المبشر كالمبشر باسمه ** خبر عليه من النبوة شاهد )
( وإذا تعرى الورد من أوراقه ** بقيت عوارفه فهن خوالد )
انتهى المقصود منه
وكأنه عارض بهذه الأبيات في تفضيل الورد قول ابن الرومي في تفضيل النرجس عليه من قصيدة
( للنرجس الفضل 8 8 9 9 10 10 11 11 * ما كان لملة الكفر من جواهرها
____________________
(1/304)

الائتلاف فعصفت ريح العدو والحروب سجال وأعيا العلاج حكماء الرجال فصار أهل الأندلس يتذكرون موسى بن نصير وطارق ومن بعدهما من موك الأندلس الذين راعت العدو الكافر منهم طوارق رسائل أبي المطرف بن عميرة
وما أحسن ما أعرب الإمام الكاتب القاضي أبو المطرف بن عميرة عما يشمل هذا المعنى وغيره في كتاب بعث به إلى الشيخ أبي جعفر بن أمية حين حل الرزء ببلنسية وهو
( ألا أيها القلب المصرح بالوجد ** أما لك من بادي الصبابة من بد )
( وهل من سلو يرتجى لمتيم ** له لوعة الصادي وروعة ذي الصد )
( يحن إلى نجد وهيهات حرمت ** صروف الليالي أن يعود إلى نجد )
( فيا جبل الريان لا ري بعد ما ** عدت غير الأيام عن ذلك الورد )
( ويا أهل ودي والحوادث تقتضي ** خلوي عن أهل يضاف إلى الود )
( ألا متعة يوما بعارية المنى ** فإنا نراها كل حين إلى الرد )
( أمن بعد رزء في بلنسية ثوى ** بأحنائنا كالنار مضمرة الوقد )
( يرجي أناس جنة من مصائب ** تطاعن
____________________
(1/305)


( ألا ليت شعري هل لها من مطالع ** معاد إلى ما كان فيها من السعد )
( وهل أذنب الأبناء ذنب أبيهم ** فصاروا إلى الإخراج من جنة الخلد )
مرحبا بالسحاءة وما أعارت أفقي من الإضاءة وردت تسحر النهى وتسحب ذيلا على السها وتهز من المسرة أعطافا وترد من نجوم المجرة نطافا عامت من الظلمة في موجها ثم غلبت الشهب على أوجها فقلب العقرب يجب وسهيل بداره يحتجب والطرف غضيض وجناح الطائر مهيض وصاحب الأخيبة يقرض والذابح عن ذبيحته يعرض ورامح السماكين تخونه السلاح وواقع النسرين يود أن يخفيه الصباح بلاغة تفتن كل لبيب وترعى روض كل أديب وتغض على رغم العدو من حبيب إن من البيان لسحرا ويا أيها الجواد وجدناك بحرا أدريت أي بري بريت وبأي قمر اهتديت ليلة سريت افتتحت بأبياتك الحسان ونظمتها نظم الجمان فعوذت ستتها بالسبع وعرفت منها براعة ذلك الطبع ثم نثرت على القرطاس من شذور المنثور بل من جواهر النحور ما استوقف النظار وبهرج اللجين والنضار ورأيتك استمددت ولك الباع الأمد وأعرت محاسنك والعارية ترد وجئت بالرائية تروق أربعتها وتخرس بها قعقعة الأشعار وجعجعتها فأدت من حسنها ما يسر واجتمع لمن روى القطعتين ما نظم فيها وهو الدر وأجريت خبر الحادثة التي محقت بدر التمام وذهبت بنضارة
____________________
(1/306)

الوحشة أخقا أنه دكت الأرض ونزف المعين والبرض وصوح روض المنى وصرخ الخطب وما كنى ابن لي كيف فقدت رجاحة الأحلام وعقدت مناحة الإسلام وجاء اليوم العسر وأوقدت نار الحزن فلا تزال تستعر حلم ما نرى بل ما رأى ذا حالم طوفان يقال عنده لا عاصم من ينصفنا من الزمان الظالم الله بما يلقى الفؤاد عالم بالله أي نحو تنحو ومسطور تثبت وتمحو وقد حذف الأصلي والزائد وذهب الصلة والعائد وباب التعجب طال وحال البائس لا تخشى الانتقال وذهبت علامة الرفع وفقدت سلامة الجمع والمعتل أعدى الصحيح والمثلث أردى الفصيح وامتنعت العجمة من الصرف وامنت زيادتها من الحذف ومالت قواعد الملة وصرنا إلى جمع القلة وللشرك صيال وتخمط ولقرنه في شركه تخبط وقد عاد الدين إلى غربته وشرق الإسلام بكربته كأن لم يسمع بنصر ابن نصير وطرق طارق بكل خير ونهشات حنش وكيف أعيت الرقي وأدالت بليل السليم يوم الملتقى ولم تخبر عن المروانية وصوائفها وفتى معافر وتعفيره للأوثان وطوائفها لله ذلك السلف لقد طال الأسى عليهم والأسف وبقي الحكم العدل والرب الذي قوله الفصل وبيده الفضل ربنا أمرت فعصينا ونهيت فما انتهينا وما كان ذلك جزاء إحسانك إلينا أنت العليم بما أعلنا وما أخفينا والمحيط بما لم نأت وما أتينا لو أننا فيك أحببنا وقلينا لم ترنا ومن الفرقة ما رأينا ولم تسلط عدوك وعدونا علينا لكن أنت أرحم من أن تؤاخذنا بما جنينا وأكرم من أن لا تهب حقوقك لدينا
وأشرت ايها الأخ الكريم إلى استراحة إلي وتنسم بما لدي لتبرد كما زعمت حر نفس وتقدح
____________________
(1/307)

والرند وأقشع الشؤبوب وركد ما كان يظن به الهبوب فالقلم دفين لا يحشر وميت لا ينشر والطبع قد نكص القهقرى وقل منزله أنه يدعى له النقرى فها هو لا يملك مبيتا ولا يجد لقلمه تثبيتا وأنت أبقاك الله عز وجل بمقتبل الآداب طائر ميعة الشباب وأين سن السمو من سن الانحطاط ووقت الكسل من وقت النشاط وقد راجعتك لا داخلا في حلبتك بل قاضيا حق رغبتك والله تعالى يجعلك بوسيلة العلم مترقيا وبجنة الطاعة متوقيا ولهناء الأنفس مستقبلا ومتلقيا بمنه والسلام انتهى
وكتب رحمه الله إلى سلطان إفريقية الوارث ملك بني عبد المؤمن بتلك النواحي المستولى على البلدان والضواحي وقد كان لأهل الاندلس أمل في أخذه بثأرهم وضم انتثارهم ما صورته
( شاقه غب الخيال الوارد ** بارق هاج غرام الهاجد )
( صدقا وعد التلاقي ثم ما ** طرقا إلا بخلف الواعد )
( وكلا الزورين من طيف ومن ** وافد تحت الدياجي وارد )
( لم يكن بعد السرى مستمتع ** فيه للرائي ولا للرائد )
( وشديد بث فلب هائم ** يشتكيه عند ربع هامد )
( بالأمير المرتضى عز الهدى ** وثنى عطف الملي الواجد )
( وبه أصحب ما كان يرى ** حاملا أنف الأبي الشارد )
( إنما الفخر لمولانا أبي ** زكرياء بن عبد الواحد )
( ملك لولا حلاه الغر
____________________
(1/308)


( ولو أن العذب أبدى رغبة ** عنه لم يشف غليل الوارد )
( فضله مثل سنا الشمس وهل ** لسنا الشمس يرى من جاحد )
( قهر البغي بجد صادع ** ما تعداه وجد صاعد )
( إنما آل أبي حفص هدى ** للورى من غائب أو شاهد )
( قعدوا فوق النجوم الزهر عن ** همم نبهن عزم القائد )
( وعن الإسلام ذادوا عندما ** فل طول العهد غرب الذائد )
( أي فخر عمري المنتمي ** ورثوه ماجدا عن ماجد )
( ما الفتوح الغر إلا لهم ** بين ماض بادىء أو عائد )
( في محيا لاحق من سابق ** وعلى المولود سيما الوالد )
( وليحيى راجح الحلم الذي ** ترك الطود بعطفي مائد )
( عقد أحسابهم تم به ** مثل ما تم حساب العاقد )
( أيها الجامع ما قد أحرزوا ** جمع من همته في الزائد )
( هذه الأمة قد أوسعتها ** نظرا يكلأ ليل الراقد )
( لم تزل منك ** بخير طارف ريشه تال قدامى تالد )
( ولهم منك ليوم حاضر ** وغد رأي البصير الناقد )
( أرشد الله لأولى نظر ** بالورى رأي الإمام الراشد )
( وتولاه بتوفيق الألى ** سعدوا من عاقد أو عاهد )
( وله في الله أوفى كافل ** بالذي يبقى وأكفى عاضد )
نصر الله تعالى مولانا وأيده وشد ملكه وأبقى للفضل أيامه وللفصل أحكامه وأظفر بأعناق الأشقياء حسامه ووفر من اتساق النعم والآلاء وأقسامه والحمد لله ثم الحمد لله على أن جعل به حرم الأمة آمنا ووهج الفتنة ساكنا وأبواب الصلة والمعروف لا تعرف إلا واصلا أو آذنا وتلافى فل الإسلام منه بفيئاته
____________________
(1/309)

الأعز والنصر الأغر فهم بين جدة قبضوها وعدة رضوها وارتقاب للفتح أكبر هممهم منه درك الثار وانتصاف لأهل الجنة من أهل النار فأما الأوطان فقد أسلتهم عنها جهة تنبت العز فيما تنبته وتنفي من الضيم ما تلك تثبته وما ذكر الساخط وعلى المحل الساقط منازل عادت على مبانيها أطلالا ومغانيها محالا وللعبد حال يستقبل بها من النظر الكريم أدامه الله تعالى ما أعين الآمال إليه صور ورجاء الجميع عليه مقصور انتهى
والغاية في هذا الباب ما كتب به رحمه الله من جملة كتاب لبعض ذوي الألباب ونص محل الحاجة منه نخص الجهة البعيدة الصيت والاسم الشهيرة العمل والعلم درة تاجنا وضوء سراجنا ونكتة احتجاجنا أبقاها الله تعالى في أعيننا منارا ولأندلسنا فخارا على أنه وإن بقيت المفاخر فقد أودى المفاخر وإن أضاء الطالع فقد دجت المطالع وغلب عليها عداة زووا عنها وجوهنا وأروا فيها مكروهنا حتى إني أتيت بشعر فيه استسقاء للديار على عادة الأشعار فقلت
( زدنا على النائين عن أوطانهم ** وإن اشتركنا في الصبابة والجوى )
( إنا وجدناهم فد استسقوا لها ** من بعد أن شطت بهم عنها النوى )
( ويصدنا عن ذاك في اوطاننا ** مع حبها الشرك الذي فيها ثوى )
( حسناء طاعتها استقامت بعدنا ** لعدونا أفيستقيم لها الهوى )
انتهى
قلت وما رأيت ولا سمعت مثل هذه الأبيات في معناها العالية في مبناها فإن فيها الإشارة إلى إستيلاء النصارى دمرهم الله على تلك الديار وثبوت قدمهم فيها على طبق ما حصل لهم فيه اختيار مع إدماج حبه لها الذي لا يشك فيه ولا يرتاب واشتمالها على المحاسن التي هي بغية الرائد
____________________
(1/310)


ومما يستولي على الخواطر ويروي رياض الأفكار بسحب بلاغته المواطر قوله رحمه الله تعالى يخاطب أبا الحسن الرعيني سنة 634
( يا صاحبي والدهر لولا كرة ** منه على حفظ الذمام ذميم )
( أمنازعي أنت الحديث فإنه ** ما فيه لا لغو ولا تأثيم )
( ومروض مرعى مناي فنبته ** من طول إخلاف الغيوم هشيم )
( طال اعتباري بالزمان وإنما ** داء الزمان كما علمت قديم )
( مجفو حظ لا ينادي ثم لا ** ينفك عنه الحذف والترخيم )
( وأرى إمالته تدوم وقصره ** فعلام يلغى المد والتفخيم )
( وعلام أدعو والجواب كأنما ** فيه بنص قد أتى التحريم )
( لم ألق إلا مقعدا غير الأسى ** فلدي منه مقعد ومقيم )
( وشرابي الهم المعتق خالصا ** فمتى يساعدني عليه نديم )
( غارات أيامي علي خوارج ** قعديها في طبعه التحكيم )
( ولواعج يحتاج صالي حرها ** أمرا به قد خص إبراهيم )
( ولقد أقول لصاحب هو بالذي ** أدركت من علم الزمان عليم )
( لا يأس من روح الإله وإن قست ** يوما قلوب الخلق فهو رحيم )
ويهزني ويستفزني ما كتبه رحمه الله تعالى من رسالة :
كتبته إلى سيدي وهو السيد حقيقة وأخي وقد كتب الدهر بذلك وثيقة أبقى الله تعالى جلاله محروسا وربع وفائه لا يخشى دروسا من رباط الفتح وأنا بحقه عليم وعلى عهده مقيم وشأني توقير له وتعظيم وحب فيه خالص كريم ووصلني خطابه الخطير
____________________
(1/311)

الله تعالى خير منزل وجعلكما من النوائب والشوائب بمعزل من رباط الفتح ولبي قديما ملكتما رقه وقلبي تعليما عرفتما صدقه كيف حالكما من سفر طويتما خبره حين تجشمتما غرره وكيف سخت نفوسكما بأم الحصون وذات الظلال والعيون تربة الآباء ومنزلة الجمحيين النجباء حتى صرمتما حبلها وهجرتما حزنها وسهلها وخضتما غبر الفجاج وخضر الأمواج ما ذاك إلا لتغلب الحادث النكر وتألب المعشر الغدر ومن أجل الداهية النكاد والحادثة الشنيعة على البلاد ازعجتكم حين أزعجتنا واخرجتكم كما أخرجتنا وطوحت بنا طوائحها واجتاحت ثمرنا وشجرنا جوائحها فشكر لله تعالى على قضائه وتضرعا فيما نرفعه من دعائه وهنيئا لنا ولكم معشر الشرداء المنطوين من الشجن على شر داء ذلك الطود الذي إليه أويتما وفي ظله ثويتما وعن ريه تريان وبسعيه تسعيان فوجهه المبارك لا يعدم رأيه نجحا ولا يعدو لصحبه إذا دجا ليل الهم صبحا انتهى تعريف بأبي المطرف
وكان أبو المطرف بن عميرة المذكور كما قال فيه بعض علماء المغرب قدوة البلغاء وعمدة العلماء وصدر الجلة الفضلاء وهو أحمد بن عبد الله بن عميرة المخزومي ونكتة البلاغة التي قد أحرزها وأودعها وشمسها التي أخفت ثواقب كواكبها حين أبدعها مبدع البدائع التي لم يحظ بها قبله إنسان ولا ينطق عن تلاوتها لسان إذ كان ينطق عن قريحة صحيحة وروية بدرر
____________________
(1/313)

صلى الله عليه وسلم وهو الذي أوتي جوامع الكلم في يديه الأقلام وأصل سلفه من جزيرة شقر وولد بمدينة بلنسية وروى عن أبي الخطاب بن واجب وأبي الربيع بن سالم وابن نوح والشلوبيني النحوي وابن عات وابن حوط الله وغيرهم من الحفاظ وأجازه من أهل المشرق جماعة وكان شديد العناية بشأن الرواية فأكثر من سماع الحديث وأخذه عن مشايخ أهله ثم تفنن في العلوم ونظر في المعقولات وأصول الفقه ومال إلى الأدب فبرع براعة عد فيها من مجيدي النظم فأما الكتابة فهو فارسها الذي لا يجارى وصاحب عينها الذي لا يبارى وله وعظ على طريقة ابن الجوزي ورسائل خاطب بها الملوك وغيرهم من الموحدين والحفصيين وله تأليف في كائنة ميورقة وتغلب الروم عليها نحا في الخبر عنها منحى الإمام الأصبهاني في الفتح القدسي وله كتاب تعقب فيه على الفخر الرازي في كتاب المعالم وله كتاب رد به على كمال الدين الأنصاري في كتابه المسمى بالتبيان في علم البيان المطلع على إعجاز القرآن وسماه بالتنبيهات على ما في البيان من التمويهات وله اختصار نبيل من تاريخ ابن صاحب الصلاة وغير ذلك
ورد رحمه الله حضرة الإمامة مراكش صحبة أمير المؤمنين الرشيد حين قفوله من مدينة سلا واستكتبه مدة يسيرة ثم صرفه عن الكتابة وقلده قضاء هيلانة ثم نقله إلى قضاء سلا ثم نقله السعيد إلى قضاء مكناسة الزيتون ثم قصد سبتة وأخذ ماله في قافلة في فتنة بني مرين ثم توجه إلى بلاد إفريقية ووصف حاله في رسالة خاطب بها ابن السلطان أبي زكريا الحفصي وهو أبو زكريا ابن السلطان أبي زكريا وكان صاحب بجاية لأبيه ولم يزل رحمه الله تعالى مذ فارق الأندلس متطلعا لسكنى إفريقية
____________________
(1/314)

قدم تونس مال إلى صحبة الصالحين والزهاد وأهل الخير برهة من الزمان ثم استقضي بالأربس من إفريقية ثم بقابس مدة طويلة ثم استدعاه أمير المؤمنين المستنصر بالله الحفصي وأحضره مجالس أنسه وداخله مداخلة شديدة حتى تغلب على أكثر أمره
ومولده بجزائر شقر في شهر رمضان المعظم سنة 580 وتوفي ليلة الجمعة الموفية عشرين من ذي الحجة سنة 658 ألحفه الله رضوانه وجدد عليه غفرانه
وقال ابن الأبار في تحفة القادم في حق أبي المطرف المذكور فائدة هذه المائة والواحد يفي بالفئة الذي اعترف باتحاده الجميع واتصف بالإبداع فماذا يتصف به البديع ومعاذ الله أن أحابيه بالتقديم لما له من حق التعليم كيف وسبقه الأشهر ونطقه الياقوت والجوهر تحلت به الصحائف والمهارق وما تخلت عنه المغارب والمشارق فحسبي أن أجهد في أوصافه ثم أشهد بعدم إنصافه هذا على تناول الخصوص والعموم لذكره وتناوب المنثور والمنظوم على شكره ثم أورد له جملة منها قوله
( وأجلت فكري في وشاحك فانثنى ** شوقا إليك يجول في جوال )
( أنصفت غصن البان إذ لم تدعه ** لتأود مع عطفك الميال )
( ورحمت در العقد حين وضعته ** متواريا عن ثغرك المتلالي )
( كيف اللقاء وفعل وعدك سينه ** ابدا تخلصه للاستقبال )
( وكماة قومك نارهم ووقيدها ** للطارقين أسنة وعوالي )
وله مما يكتب على قوس قوله
( ما أنآد معتقل القنا
____________________
(1/315)


( تحنو الضلوع على القلوب وإنني ** ضلع ثوى فيها بأعضل داء )
وله وقد أهدى وردا
( خذها إليك أبا عبد الإله فقد ** جاءتك مثل خدود زانها الخفر )
( أتتك تحكي سجايا منك قد عذبت ** لكن تغير هذا دونه الغير )
( إن شمت منها بروق الغيث لامعة ** فسوف يأتيك من ماء لها مطر )
قال وكتب إلي مع تحفة أهداها مكافئا عن مثلها
( يا واحد الأدب الذي قد زانه ** بمناقب جعلته فارس مقنبه )
( بالفضل في الهبة ابتدأت فإن تعر ** طرف القبول لما وهبت ختمت به )
قال وله ارتجالا بقصر الإمارة من بلنسية وأنا حاضر في صبيحة بعض الجمع وقد حجم صاحب لنا من أهل النظم والنثر وأحسن إلى الحجام المخصوص
( ارى من جاء بالموسى مواسى ** وراحة ذي القريض تعود صفرا )
( فهذا مخفق إن قص شعرا ** وهذا منجح إن قص شعرا )
وله أيضا
( هوما علمت من الامير فما الذي ** تزداد منه وفيه لا يرتاب )
( لا تتقي الأجناد في أيامه ** فقرا ولا يرجو الغني الكتاب )
وله بعد انفصاله من بلنسية عن وحشة في ذي القعدة سنة 628
( أسير بارجاء الرجاء وإنما ** حديث
____________________
(1/316)


( وأحضر نفسي إن تقدمت خيفة ** لغض عنان أو بعض زمان )
( أيترك حظي للحضيض وقد سرى ** لإمكانه فوق الذرا جبلان )
( وأخبط في ليل الحوادث بعدما ** أضاء لعيني منهما القمران )
( فيحيى لآمالي حياة معادة ** وإن عزيزا عزة لمكاني )
( وقالوا اقترح إن الأماني منهما ** وإن كن فوق النجم تحت ضمان )
( فقلت إذا ناجاهما بقضيتي ** ضميري لم أحفل بشرح لساني )
وله أيضا
( سلب الكرى من مقلتي فلم يجيء ** منه على نأي خيال يطرق )
( أهفو ارتياحا للنسيم إذا سرى ** إن الغريق بما يرى يتعلق )
انتهى ما لخص من تحفة القادم في ذكر ابن عميرة أبي المطرف رسالة لأبي المطرف
ومما كتب أبو المطرف رحمه الله وفي أثنائه إشارة إلى الكفار الغالبين على بلاد الأندلس ما نصه
( ألا إن شخصينا على القطع واحد ** وجاحد هذا للضرورة جاحد )
( فإن لم تصدق ما نطقت بصدقه ** فإنك لي لاح وللود لاحد )
ومعاذ الله عز وجل ان تلحاني أو تمنع أنفك ريح ريحاني وكيف تصد عني بوجهك أو تشحذ لي غرب نجهك وأنا على غيبك أمين ولشمالك يمين ولكم دعوت بي فأجبت واستغنيت عني فحجبت وأردت الاستبداد فما استطعت ونعت الوداد
____________________
(1/317)

فراهة الأعوجي إن جرى وتذكر فضيلة ابن السري إذا سرى فأما الاقتصار على عظم باد والانتظار لعين عدمت السواد فخطأ من القائل وخطل عند العاقل ولله در أخيك من مغمض طرف التطرف قارىء أدب الصحبة على السبعة الأحرف كرع في أعز مورد وتواضع في شرف مولد وسما بنفسه عن أن يستخفه نسب يرفعه وحسب ما منا أحد يدفعه وكذلك الكرام يرون عليهم حقا ويتوقون من لم يكن من الكبر موقى ولعهدي به وظل الثروة بارد وشيطان الشبيبة مارد وبشره في الملمات يرف وقدمه إلى الحاجات تخف يصون عرضه بماله ويخفي صدقة يمينه عن شماله ويقسم جسمه في جسوم ويقوم بالحقوق غير ملول ولا ملوم تلك المكارم لا قعبان وما تستوي البدنة المهيضة مع غيرها في القربان وعرضت بذكر العصر الخالي والقصر العالي وظل من فنن وريق وعيش مع أكرم فريق وما تذكر من زمن تولى وعهد على أن لا يعود تألى فارقناه أحسن ما كان وودعناه به الأطيبين الزمان والمكان فعفت الرسوم وأفلت تلك النجوم ورمتنا عن قوسها الروم ثم خلفتنا في المغاني وقسمتنا بين الأسير والعاني فأودى القل والكثر واشتفى من الإسلام الكفر فكم كأس أنس أرقناه ومنزل فرقة الأبد فارقناه وذكرت اجتيازك بين العلمين وقطعك متن اليم في يومين وأنك انتقلت من ذوات الألواح إلى عذبات الأدواج ومن متهافت الشراع إلى منابت اليراع ومن سكنى بيت السكان إلى منزل
____________________
(1/318)

وظللت الساحات وذللت الثمار المباحات فلا تشرقنا يا أصيل ولأم تلك الأرض الويل انتهى
ووصل هذا الكلام بالأبيات التي تقدمت قريبا وهي قوله زدنا على النائين عن أوطانهم إلخ رسالة أخرى لأبي المطرف
وكتب رحمه الله عن أهل شاطبة ايام كان قاضيا بها مهنئا أمير المسلمين ابن هود المستولي على الأندلس آخر دولة الموحدين بوصول الكتاب العباسي الكريم إليه من بغداد بولاية الأندلس إذ كان ابن هود حين ثار على الموحدين يدعو إلى الخليفة العباسي الذي كان أكثر الملوك في ذلك الزمان يدينون بطاعته بما نصه بعد الصدر
أما بعد فكتب العبيد كتب الله تعالى للمقام العلي المجاهدي المتوكلي سعادة لا تبلغ أمدا إلا تخطته ويدا علوها أثبتته أيدي الأقدار وخطته من شاطبة وبركات الأمر المجاهدي المتوكلي والعهد الواثقي المعتصمي تنسكب كالمطر وتنسحب على البشر وتقضي بعادة النصر والظفر وسعادة الورد والصدر والحمد لله وعند العبيد من أداء فروض الخدم والقيام بحقوق النعم ما عقدت عليه ضمائرهم وسمت إليه واشترك فيه باديهم وحاضرهم فجناب أملهم فسيح وتجر خدمتهم ربيح وحديث طاعتهم حسن صحيح وبسنا النظر العلي اهتداؤهم وفي الباب الكريم رجاؤهم وبصدق العبودية اعتزازهم وإليها اعتزاؤهم والله تعالى ينهضهم بوظائف المثابة العلية ويحملهم على المناهج السوية ووصل الكتاب الكريم متحليا برواء الحق ناطقا بلسان الصدق واصفا من التشريف والفخار المنيف ما صدر عن إمام الخلق
____________________
(1/319)

بيان أعجب من ذلك البيان ولا يوم كذلك اليوم تبدى نظره للعيان أوتأدى خبره في أخبار الزمان نثرت فيه الخلع العباسية في أعلى الصور وبرز منها للعيون ما يعثر البليغ عند وصفه في ذيل الحصر ويهدي سواده سواد القلب والبصر فيا لمشهدها ما أعجب ما كان ومرآها الذي راع الكفر وراق الإيمان وأشبه يومه بالأندلس يوم خرجت الرايات السود من خرسان وكفى بهذا فخارا لا يحتاج ثابته مثبتا أن باشرت بردا باشر البدن الذي طاب حيا وميتا فهو علو في الإسناد ولا نظير له في العوالي وفخار ضلت عن مثله العصور الخوالي وجلت بهجته أن تخلق جدتها الأيام والليالي ودل الكتاب العزيز على التسمية المشتقة من الجهاد والسمة من سيف أمير المؤمنين بما لا يدخل في جنس ذوات الأغماد وخير الأوصاف ما صدقه الموصوف وللكريم النسب نسبة يباهي بها الدين وتزهى السيوف
( فإن نحن سميناك خلنا سيوفنا ** من التيه في أغمادها تتبسم )
ومما أفاده الكتاب المبهج بطيب أنبائه نص علامة سيدنا صلوات الله عليه وعلى أبائه فإنها تضمنت صفة لله عز وجل من صفات الكمال ودلت على مذهب أهل السنة في خلق الله عز وجل الأعمال وأشعرتنا معشر العبيد بعناية سبقت بالمقام المجاهدي المتوكلي أحسن الله تعالى إليه حين تولى خلافة أمير المؤمنين صلوات الله عليه فإنه لما شايعه بعزيمة مساعدة ونية في مشاريع الصفاء والإخلاص واردة ألهم زيادة في العلامة شاركت الإمامة في صفة واحدة فهذه كرامة العلامة هي علامة الكرامة وهبة من مواهب الكشف يجدها من امتثل قوله { فاستقم كما أمرت } هود 112 فكان من أهل الاستقامة وتضمن الكتاب الكريم بيعة أهل جيان وما معها وإن هذه البشائر وما تبعها لفروع عن هذا الأصل الصحيح وأقيسة عن
____________________
(1/320)

الخلافة قد استقلت وشبهة الخلاف قد بطلت واضمحلت والحمد لله على أن منح جزيل النعماء وشرح باليقين صدور الأولياء وشرف هذه الأمة بإمامة نجل الإئمة الخلفاء وابن عم سيد الرسل وخاتم الأنبياء والعبيد يهنئون بهذه النعم التي لا يستقل بذكرها قلم ولا يقطع علم من وصفها إلا بدا علم وبهم من الأشواق إلى مشاهدة المعالم السينة وثم اليمين الطاهرة العلية ما أكده دنو الدار وجدده ما تجدد للمقام العالي المتوكلي من نعم الله تعالى الجليلة المقدار والشاهدة له بإسعاد الأيام وإسعاف الأقدار فلو أمكنهم الإقدام لأقدموا ولو وجدوا رخصة في المسير لعزموا وهم يستلمون البساط الأشرفي توهما ومن أملهم أنهم في الحقيقة قد استلموا انتهى
وبه تعلم أن الدولة العباسية خطب لها ببلاد الأندلس أعادها الله للإسلام ولا يخفاك أن ما جلبناه من ذلك وغيره مناسب للمقام فلا انتقاد ولا ملام رسالة للسان الدين إلى أحمد بن قلاوون
وقد رأيت أن أذكر هنا مخاطبة صدرت من الغني بالله صاحب الأندلس إلى السلطان المنصور أحمد ابن السلطان الناصر محمد بن قلاوون من إنشاء الوزير الكبير لسان الدين بن الخطيب رحمه الله لما اشتملت عليه من أحوال الأندلس ونصها الأبواب التي تفتح لنصرها أبواب السماء وتستدر من آفاقها سحاب النعماء وتجلى بأنوار سعدها دياجي الظلماء وتعرف نكرة البلاد والعباد بالانتساب إلى محبتها والانتماء على اختلاف العروض وتباين الحدود وتعدد الأسماء ويجتزأ من صلات صلاتها عند الموانع من كمال حالات صفاتها بالإيماء وتحمل لها التحية ذوات الدسر والألواح طاعنة نحر الصباح على كتد الماء أبواب السلطان الكبير الجليل الشهير الطاهر الظاهر الأوحد الأسعد الأصعد الأمجد الأعلى العادل
____________________
(1/321)

عماد الدنيا والدين رافع ظلال العدل على العالمين جمال الإسلام علم الأعلام فخر الليالي والأيام ملك البرين والبحرين إمام الحرمين مؤمل الأمصار والأقطار عاصب تاج الفخار هازم الفرنج والترك والتتار الملك المنصور ابن الأمير الرفيع الجادة الكريم الولادة الطاهر الظاهر الكبير الشهير المعظم الممجد الأسمى الموقر الأعلى فخر الجلة سيف الملة تاج الإمارة عز الإسلام مستظل الأنام قمر الميدان أسد الحرب العوان المقدس ال مطهر الأمير أحمد ابن والد السلاطين ومالك المسلمين وسيف خلافة الله على العالمين وولي المؤمنين سلطان الجهاد والحج ومقيم رسم العج والثج محيي معالم الدين قامع المعتدين قاهر الخوارج والمتمردين ناصر السنة محي الملة ملك البرين والبحرين سلطان الحرمين الملك العادل العالم العامل المنصور المؤيد المعان المرفع المعظم المبجل المؤمل المجاهد المرابط الغازي الممجد المكمل المطهر الكبير الشهير المقدس الملك الناصر أبي عبد الله محمد بن قلاوون الصالحي جعل الله فسطاط دعوته معمودا بعمود الصبح وحركات عزمه مبنية على الفتح ومجمل سعادته غنيا عن الشرح وجياد أوصافه متبارية في ميدان المدح وزناد رأيه وارية على القدح من موجب حقه وجوب الشعائر الخمس المرحب لأجل أفقه الشرقي بوفادة الشمس المجدد في اليوم حكم ما تقرر بين السلف رحمهم الله بالأمس أمير المسلمين بالأندلس عبد الله الغني بالله الغالب به محمد بن يوسف بن إسماعيل بن فرج بن نصر سلام كريم كما زحفت راية الصبح تقدمها طلائع مبشرات الرياح
____________________
(1/322)

رتب العز فصولها وعضدت نصوص النصر نصولها ورحمة الله تعالى وبركاته
أما بعد حمد الله الذي جعله فاتحة القرآن وخاتمة دعاء أهل الجنان وشكره على ما أولى من مواهب الإحسان حمدا وشكرا يستخدمان من الإنسان ملكتي القلب واللسان والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله زهرة كمامة الأكوان وسيد ولد آدم على اختلاف اللغات والألوان الذي أذل بعزة الله أنوف الطغيان وغطى بدينه الحق على الأديان وزويت له الأرض فرأى ملك أمته يبلغ ما زوي له فكان الخبر وفق العيان والرضا عمن له من الأصحاب والأحباب والأعمام والأخوال والإخوان صلاة يجددها الجديدان ويمليها الملوان وتتزاحم على تربته المقدسة مع الأحيان ما سجعت طيور البراعة من أعواد اليراعة على الأفنان والتفتت عيون المعاني ما بين أجفان البيان والدعاء لأبوابكم الشريفة جعل الله تعالى عصمته تقيم بها وظيفتي الحجابة والاستئذان وضرب بدعوتها التي هي لذة الإقامة والأذان على الآذان واستخدم بروج الفلك الدوار في أمرها العزيز استخدام الأنصار والأعوان حتى يعلم ما في المدافعة عن حماها مخالب السرحان وفي الإشادة بعدلها كفتي الميزان ويهدي لها من الزهرة كرة الميدان ومن الهلال عوض الصولجان وأبقى في عواملها ضمير الأمر والشان إلى يوم تعنو وجوه الملوك إلى الملك الديان فإنا كتبناه إلى تلك الأبواب كتب الله لعتبتها النصرة الداخلة كما أخجل بمكارمها السحب الباخلة وجعل مفارق مناصلها المختضبة من نجيع عداها غير ناصلة وقرن بكل سبب من أضدادها فاصلة من دار ملك الإسلام بالأندلس حمراء غرناطة وصل الله سبحانه عادة الدفاع عن أرجائها وشد بأيدي اليقين عرى أملها في الله ورجائها حيث المصاف المعقود وثمن النفوس المنقود
____________________
(1/323)

الحرب ذات الوقود حيث الأفق قد تردى بالقتام وتعمم والسيف قد تجرد وتيمم وغبار الجهاد يقول أنا الأمان من دخان جهنم حيث الإسلام من عدوه كالشامة من جلد البعير والتمرة من أوسق العير حيث المصارع تتزاحم الحور على شهدائها والأبطال يعلو بالتكبير مسمع ندائها حيث الوجوه الضاحكة المستبشرة قد زينتها الكلوم بدمائها وإن هذا القطر الذي مهدت لسياستنا أكوار مطاياه وجعلت بيدنا والمنة لله عياب عطاياه قطر مستقل بنفسه مرب يومه في البر على أمسه زكي المنابت عذب المشارب متمم المآمل مكمل المآرب فاره الحيوان معتدل السحن والألوان وسيطة في الأقاليم السبعة شاهدة لله بإحكام الصنعة أما خيله ففارهة وإلى الركض شارهة وأما سيوفه فلمواطن الغمود كارهة وأما أسله فمتداركة الخطف وأما عوامله فبينة الحذف وأما نباله فمحذورة القذف إلا أن الإسلام به في سفط مع الحيات وذريعة للمنيات الوحيات وهدف للنبال وأكلة للشبال تطؤهم الغارات المتعاقبة وتتحيفهم الحدود المصاقبة وتجوس خلالهم العيون المراقبة وتريب من أشكال مختطهم إلا أن يتفضل الله بحسن العاقبة فليس إلا الصبر والضرب والهبر والهمز والنبر والمقابلة والجبر وقد حال البحر بينهم وبين إخوان ملتهم وأساة علتهم يقومون بهذا الفرض عن أهل الأرض ويقرضون ملك يوم العرض أحسن القرض فلولا بعد المدى وغول الردى ولغط العدا وما عدا مما بدا لسمعتم تكبير الحملات وزئير تلك الفلات ودوي الحوافر وصليل السيوف من فوق المغافر وصراخ الثكالى وارتفاع الأدعية إلى الله تعالى ولو ارتفع قيد المكان وهو للأولياء مثلكم من حيز الإمكان لمقلتم مقل الأسنة الزرق
____________________
(1/324)

من أطراف قصب الرماح محال الورق وأبصرتم القنا الخطار قد عاد أخلة والسيوف قد صارت فوق بدور الخوذ أهلة وعقود الشهادة عند قاضي السعادة مستقلة وكان كما تحصره علومكم الشريفة حدق سور الفتح وآخر دلاء ذلك المتح عرض على الفاروق فاحتاط وأغرى به من بعده فاشتاط وسرحت خيل ابن أبي سرح في خبر يدعو على شرح حتى إذا ولد مروان تقلدوا كرتها التي هوت وخضموا ما أنضجت ورثة الحق وشوت ويدهم على الأمر احتوت وفازت منه بما نوت نفل ولائده الوليد وجلب له الطريف والتليد وطرقت خيل طارق وضاقت عن أخباره المهارق وجلت الفائدة وظهر على الذخيرة التي منها المائدة ثم استرسل المهب ونصر الرب ويكثر الطير حين ينتثر الحب وصرفت أشراف الشام أعنتها إلى التماس خيره وطارت بأجنحة العزائم تيمنا بطيره وقصدته الطلائع صحبة بلج بن بشر وغيره ففتحت الأقفال ونفلت الأنفال ونجح الفال ووسمت الأغفال وافتتحت البلاد الشهيرة وانتقيت العذارى الخيرة واقتنيت الذخيرة وتجاوز الإسلام الدروب وتخطى وخضد الأرطى وأركب وأمطى واستوثق واستوطأ وتثاءب وتمطى حتى تعددت مراحل البريد وسخنت عين الشيطان المريد واستوسق للإسلام ملك ضخم السرادق مرهوب البوارق رفيع العمد بعيد الأمد تشهد بذلك الآثار والأخبار والوقائع الكبار والأوراق والأسطار وهل يخفى النهار ولكل هبوب ركود والدهر حسود لمن يسود فراجعت الفرنج كرتها واستدركت معرتها فدومت جوارحها وحلقت وأومضت بوارقها وتألقت وتشبثت وتعلقت وأرسلت مما يتعلق بهذا الباب والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب وإليه
____________________
(1/325)

الأعنة وأطلقت وراجعت العقائل التي طلقت حتى لم يبق من الكتاب إلا الحاشية ولا من الليل إلا الناشية وسقطت الغاشية وأخلدت الفئة المتلاشية وتقلصت الظلال الفاشية إلا أن الله تدارك بقوم رجح من سلفنا أثبتوا في مستنقع الموت أقدامهم وأخلصوا لله بأسهم وإقدامهم ووصلوا سيوفهم الباترة بخطاهم وأعطاهم منشور العز من أعطاهم حين تعين الدين وتحيز واشتد بالمدافعة وتميز وعادت الحروب سجالا وعلم الروم أن لله رجالا وقد أوفد جدنا رضي الله عنه على أبواب سلفكم من وقائعه في العدو كل مبشرة ووجودية منتشرة ضحكت لها ثغور الثغور وسرت بها في الأعطاف حميا السرور وكانت المراجعة عنها شفاء للصدور وتمائم في الدور وخفرا في وجوه البدور فإن ذمام الإسلام موصول وفروعه تجمعها في الله أصول وما أقرب الحزن ممن داره صول والملة والمنة لله واحدة والنفوس لا منكرة للحق ولا جامدة والأقدار معروفة والآمال إلي ما يوصل إلى الله مصروفة فإذا لم يكن الاستدعاء أمكن الدعاء والخواطر فعالة والكل على الله عالة والدين غريب والغريب يحن إلى أهله والمرء كثير بأخيه على بعد محله
انتهى المقصود من المخاطبة مما يتعلق بهذا الباب والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب & الباب الثالث & في سرد بعض ما كان للدين بالأندلس من العز السامي العماد والقهر للعدو في الرواح والغدو والتحرك والهدو والارتياح البالغ غاية الآماد وإعمال أهلها للجهاد بالجد والاجتهاد في الجبال والوهاد بالأسنة المشرعة
( والسيوف المستلة من الأغماد ** )
أقول قدمنا في الباب قبل هذا ما كان من نصر المسلمين وفتحهم الأندلس وما حصل لهم من سلطان بها إلى مجيء الداخل فتقررت القواعد السلطانية وعلت الكلمة الإيمانية كما نسرده هنا إن شاء الله تعالى
وذكر غير واحد منهم ابن حزم أن دولة بني أمية بالأندلس كانت أنبل دول الإسلام وأنكاها في العدو وقد بلغت من العز والنصر ما لا مزيد عليه كما سترى بعضه عبد الرحمن الداخل
وأصل هذه الدولة كما قال ابن خلدون وغير واحد أن بني أمية لما نزل بهم بالمشرق ما نزل وغلبهم بنو العباس على الخلافة وأزالوهم عن كرسيها وقتل عبد الله بن علي مروان بن محمد بن مروان بن الحكم آخر خلفائهم سنة ثنتين وثلاثين ومائة وتتبع بني مروان بالقتل فطلبوا بطن الأرض
____________________
(1/326)

& الباب الثالث & في سرد بعض ما كان للدين بالأندلس من العز السامي العماد والقهر للعدو في الرواح والغدو والتحرك والهدو والارتياح البالغ غاية الآماد وإعمال أهلها للجهاد بالجد والاجتهاد في الجبال والوهاد بالأسنة المشرعة
( والسيوف المستلة من الأغماد ** )
أقول قدمنا في الباب قبل هذا ما كان من نصر المسلمين وفتحهم الأندلس وما حصل لهم من سلطان بها إلى مجيء الداخل فتقررت القواعد السلطانية وعلت الكلمة الإيمانية كما نسرده هنا إن شاء الله تعالى
وذكر غير واحد منهم ابن حزم أن دولة بني أمية بالأندلس كانت أنبل دول الإسلام وأنكاها في العدو وقد بلغت من العز والنصر ما لا مزيد عليه كما سترى بعضه عبد الرحمن الداخل
وأصل هذه الدولة كما قال ابن خلدون وغير واحد أن بني أمية لما نزل بهم بالمشرق ما نزل وغلبهم بنو العباس على الخلافة وأزالوهم عن كرسيها وقتل عبد الله بن علي مروان بن محمد بن مروان بن الحكم آخر خلفائهم سنة ثنتين وثلاثين ومائة
____________________
(1/327)

من بعد ظهرها وكان ممن أفلت منهم عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان وكان قومه يتحينون له ملكا بالمغرب ويرون فيه علامات لذلك يأثرونها عن مسلمة بن عبد الملك وكان هو قد سمعها منه مشافهة فكان يحدث نفسه بذلك فخلص إلى المغرب ونزل على أخواله نفزه من برابرة طرابلس وشعر به عبد الرحمن بن حبيب وكان قد قتل ابني الوليد ابن يزيد بن عبد الملك لما دخلا إفريقية فلحق بمغيلة وقيل بمكناسة وقيل بقوم من زناتة فأحسنوا قبوله واطمأن فيهم ثم لحق بمليلة وبعث بدرا مولاه إلى من بالأندلس من موالي المروانيين وأشياعهم فاجتمع بهم وبثوا له في الأندلس دعوة ونشروا له ذكرا ووافق قدومه ما كان من الإحن بين اليمنية والمضرية فأصفقت اليمنية على أمره لكون الأمر كان ليوسف بن عبد الرحمن الفهري وصاحبه الصميل ورجع بدر مولاه إليه بالخبر فأجاز البحر سنة ثمان وثلاثين ومائة في خلافة أبي جعفر المنصور ونزل بساحل المنكب وأتاه قوم من أهل إشبيلية فبايعوه ثم انتقل إلى كورة رية فبايعه عاملها عيسى ابن مساور ثم إلى شذونة فبايعه عتاب بن علقمة اللخمي ثم إلى مورور فبايعه ابن الصباح ونهد إلى قرطبة فاجتمعت إليه اليمنية ونمي خبره إلى والي الأندلس يوسف بن عبد الرحمن الفهري وكان غازيا بجليقية فانفض عسكره ورجع إلى قرطبة وأشار عليه وزيره الصميل بن حاتم بالتلطف له والمكر به لكونه صغير السن حديث عهد بنعمة فلم يتم ما أرداه وارتحل عبد الرحمن من المنكب فاحتل بمالقة فبايعه جندها ثم برندة ثم بشريش كذلك ثم بإشبيلية فتوافت إليه جنود الأمصار وتسايلت المضرية إليه حتى إذا لم يبق مع يوسف بن
____________________
(1/328)

لمكان الصميل منه زحف حينئذ عبد الرحمن الداخل وناجزهم الحرب بظاهر قرطبة فانكشف يوسف ونجا إلى غرناطة فتحصن بها واتبعه الأمير عبد الرحمن فنازله ثم رغب إليه يوسف في الصلح فعقد له على أن يسكن قرطبة ثم أقفله معه ثم نقض يوسف عهده وخرج سنة إحدى وأربعين ومائة ولحق بطليطلة واجتمع إليه زهاء عشرين ألفا من البربر وقدم الأمير عبد الرحمن للقائه عبد الملك بن عمر المرواني وكان وفد عليه من المشرق وكان أبوه عمر بن مروان بن الحكم في كفالة أخيه عبد العزيز بن مروان بمصر فلما دخلت المسودة أرض مصر خرج عبد الملك يؤم الأندلس في عشرة رجال من قومه مشهورين بالبأس والنجدة حتى نزل على عبد الرحمن سنة أربعين فعقد له على إشبيلية ولابنه عمر بن عبد الملك على مورور وسار يوسف إليهما وخرجا إليه ولقياه وتناجز الفريقان فكانت الدائرة على يوسف وأبعد المفر واغتاله بعض أصحابه بناحية طليطلة واحتز رأسه وتقدم به إلى الأمير عبد الرحمن فاستقام أمره واستقر بقرطبة وثبت قدمه في الملك وبنى المسجد الجامع والقصر بقرطبة وأنفق فيه ثمانين ألف دينار ومات قبل تمامه وبنى مساجد ووفد عليه جماعة من أهل بيته من المشرق وكان يدعو للمنصور ثم قطع دعوته ومهد الدولة بالأندلس واثل بها الملك العظيم لبني مروان والسلطان العزيز وجدد ما طمس لهم بالمشرق من معالم الخلافة وآثارها واستلحم الثوار عليه على كثرتهم في النواحي وقطع دعوة آل العباس من منابر الأندلس وسد المذاهب منهم دونها وهلك سنة ثنتين وسبعين ومائة وكان يعرف بعبد الرحمن الداخل لأنه أول داخل من ملوك بني مروان إلى الأندلس وكان أو جعفر المنصور
____________________
(1/329)

لما رأى أنه فعل بالأندلس ما فعل وما ركب إليها من الأخطار وأنه نهد إليها من أنأى ديار المشرق من غير عصابة ولا أنصار فغلب أهلها على أمرهم وتناول الملك من أيديهم بقوة شكيمة ومضاء عزم حتى انقاد له الأمر وجرى على اختياره وأورثه عقبه وكان يسمى بالأمير وعليه جرى بنوه من بعده فلم يدع أحد منهم بأمير المؤمنين تأدبا مع الخلافة بمقر الإسلام ومنتدى العرب حتى كان من عقبه عبد الرحمن الناصر وهو ثامن بني امية بالأندلس فتسمى بأمير المؤمنين على ما سنذكره لما رأى من ضعف خلفاء بني العباس بعد الثلاثمائة وغلبة الأعاجم عليهم وكونهم لم يتركوا لهم غير الاسم وتوارث التقليب بأمير المؤمنين بنو عبد الرحمن الناصر واحدا بعد واحد
وقال ابن خلدون وكان لبني عبد الرحمن الداخل بالعدوة الأندلسية ملك ضخم ودولة متسعة اتصلت إلى ما بعد المائة الرابعة وعندما شغل المسلمون بعبد الرحمن وتمهيد أمره قوي أمر الجلالقة واستفحل سلطانهم وعمد فرويلة بن أذفونش ملكهم إلى ثغور البلاد فأخرج المسلمين منها وملكها من أيديهم فملك مدينة لك وبرتقال وسمورة وشلمنقة وقشتالة وشقوبية وصارت للجلالقة حتى افتتحها المنصور بن أبي عامر آخر الدولة ثم استعادوها بعده فيما استعادوه من بلاد الأندلس واستولوا على جميعها حسبما يذكر ولله سبحانه الأمر انتهى
وخاطب عبد الرحمن قارله ملك الإفرنج وكان من طغاة الإفرنج بعد أن تمرس به مدة فأصابه صلب المكسر تام
____________________
(1/330)

المداراة ودعاه إلى المصاهرة والسلم فأجابه للسلم ولم تتم المصاهرة
قال ابن حيان ألفى الداخل الأندلس ثغرا قاصيا غفلا من حلية الملك عاطلا فأرهف أهلها بالطاعة السلطانية وحنكهم بالسيرة الملوكية وأخذهم بالآداب فأكسبهم عما قليل المروءة وأقامهم على الطريقة وبدأ فدون الدواوين ورفع الأواوين وفرض الأعطية وعقد الألوية وجند الأجناد ورفع العماد وأوثق الأوتاد فأقام للملك آلته وأخذ للسلطان عدته فاعترف له بذلك أكابر الملوك وحذروا جانبه وتحاموا حوزته ولم يلبث أن دانت له بلاد الأندلس واستقل له الأمر فيها فلذلك ما ظل عدوه أبو جعفر المنصور بصدق حسه وبعد غوره وسعة إحاطته يسترجح عبد الرحمن كثيرا ويعد له بنفسه ويكثر ذكره ويقول لا تعجبوا لامتداد أمرنا مع طول مراسه وقوة أسبابه فالشأن في أمر فتى قريش الأحوذي الفذ في جميع شؤونه وعدمه لأهله ونشبه وتسليه عن جميع ذلك ببعد مرقى همته ومضاء عزيمته حتى قذف نفسه في لجج المهالك لابتناء مجده فاقتحم جزيرة شاسعة المحل نائية المطمع عصبية الجند ضرب بين جندها بخصوصيته وقمع بعضهم ببعض بقوة حيلته واستمال قلوب رعيتها بقضية سياسته حتى انقاد له عصيهم وذل له أبيهم فاستولى فيها على أريكته ملكا على قطعته قاهرا لأعدائه حاميا لذماره مانعا لحوزته خالطا الرغبة إليه بالرهبة منه إن ذلك لهو الفتى كل الفتى لا يكذب مادحه وجعل ابن حيان من النوادر العجيبة موافقة عبد الرحمن هذا لأبي
____________________
(1/331)

على الكبائر والقساوة وأن أم كل واحد منهما بربرية
وكان الداخل يقعد للعامة ويسمع منهم وبنظر بنفسه فيما بينهم ويتوصل إليه من أراده من الناس فيصل الضعيف منهم إلى رفع ظلامته إليه دون مشقة وكان من عادته أن يأكل معه من أصحابه من أدرك وقت طعامه ومن وافق ذلك من طلاب الحوائج أكل معه
وفي كتاب ابن زيدون أنه كان أصهب حفيف العارضين بوجهه خال طويل القامة نحيف الجسم له ضفيرتان أعور أخشم والأخشم الذي لا يشم وكان يلقب بصقر قريش لكونه تغرب وقطع البر والبحر وأقام ملكا قد أدبر وحده
ولما ذكر الحجاري أنه أعور قال ما أنشد فيه إلا قول امرىء القيس
( لكن عوير وفى بذمته ** لا عور شانه ولا قصر )
وقال ابن خلدون وفي سنة ست وأربعين سار العلاء بن مغيث الي حصبي من إفريقية إلى الأندلس ونزل بباجة الأندلس داعيا لأبي جعفر المنصور واجتمع إليه خلق فسار عبد الرحمن إليه ولقيه بنواحي إشبيلية فقاتله أياما ثم انهزم العلاء وقتل في سبعة آلاف من أصحابه وبعث عبد الرحمن برؤوس كثير منهم إلى القيروان ومكة فألقيت في أسواقها سرا ومعها اللواء الأسود وكتاب المنصور للعلاء فارتاع المنصور لذلك وقال ما هذا إلا شيطان والحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر أو كلاما هذا معناه
____________________
(1/332)

وكثرت ثورة رؤساء العرب بالأندلس على عبد الرحمن الداخل ونافسوه ملكه ولقي منهم خطوبا عظيمة وكانت العاقبة له واستراب في آخر أمره بالعرب لكثرة من قام عليه منهم فرجع إلى اصطناع القبائل من سواهم واتخاذ الموالي ثم غزا بلاد الإفرنج والبشكنس ومن وراءهم ورجع بالظفر وكان في نيته أن يجدد دولة بني مروان بالمشرق فمات دون ذلك الأمل وكانت مدة ملكه ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر إذ دخل الأندلس سنة ثمان وثلاثين ومائة ومات سنة اثنتين وسبعين وقيل إحدى وسبعين ومائة في خلافة الرشيد وأمه أم ولد بربرية اسمها راح ومولده سنة ثلاث عشرة ومائة بدير حنا من أرض دمشق وقيل بالعلياء من تدمر ومات أبوه في أيام أبيه هشام سنة ثماني عشرة عن إحدى وعشرين سنة وكفله وإخوته جدهم هشام ووهب لعبدالرحمن هذا جميع الأخماس التي اجتمعت للخلفاء بالأندلس واقطعه أياها ووجه لحيازتها من الشام سعيد بن أبي ليلى وقيل إنه لما قصد المغرب من فلسطين خرج معه أربعة بدر مولى أبيه وأبو شجاع وزياد وعمرو وقيل إن بدرا لحقه ولم يخرج معه فالله أعلم وخلف من الولد عشرين منهم أحد عشر رجلا وتسع إناث
وحكى غير واحد أنه لما هرب من الشام إلى إفريقية قاصدا الأندلس نزل بمغيلة فصار بها عند شيخ من رؤساء البربر يدعى وانسوس ويكنى أبا قرة فاستتر عنده وقتا ولحق به بدر مولى أبيه بجوهر وذهب أنفذته أخته إليه فلما دخل الأندلس واستتب أمره به سار إليه أبو قرة وانسوس البربري فأحسن إليه وحظي عنده وأكرم زوجته تكفات البربرية التي خبأته تحت ثيابها عندما فتشت رسل ابن حبيب بيتها عنه فقال لها عبد الرحمن مداعبا حين استظلت بظله في الأندلس لقد عذبتني بريح إبطيك يا تكفات على ما كان بي من
____________________
(1/333)

كان والله يا سيدي منك خرج ولم تشعر به من فرط فزعك فاستظرف جوابها وأغض عن مواجهتها بمثل ذلك وهذا من آفات المزاح
ومن محاسنه أنه أدار السور بقرطبة رحمه الله تعالى هشام بن عبد الرحمن
وتولى الملك بعده ابنه هشام بعهد منه إليه وأمه أم ولد اسمها حلل وأفضى إليه الملك وهو بماردة وال عليها وكان أبوه يوليه في صباه ويرشحه للأمر وكان الداخل كثيرا ما يسأل عن ابنيه سليمان وهشام فيذكر له أن هشاما إذا حضر مجلسا امتلأ أدبا وتاريخا وذكر لأمور الحرب ومواقف الأبطال وما أشبه ذلك وإذا حضر سليمان مجلسا امتلأ سخفا وهذيانا فيكبر هشام في عينه بمقدار ما يصغر سليمان وقال يوما لهشام لمن هذا الشعر
( وتعرف فيه من أبيه شمائلا ** ون خاله أو من يزيد ومن حجر )
( سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا ** ونائل ذا إذ صحا وإذا سكر )
فقال له يا سيدي لامرىء القييس ملك كندة وكأنه قاله في الأمير أعزه الله فضمه إليه استحسانا بما سمع منه وأمر له بإحسان كثير وزاد في عينه ثم قال لسليمان على انفراد لمن هذا الشعر وأنشده البيتين فقال لعلهما لأحد أجلاف العرب أما لي شغل غير حفظ أقوال بعض الأعراب فأطرق عبد الرحمن وعلم قدر ما بين الاثنين من المزية
ولما ولي هشام أشخص المنجم
____________________
(1/334)

إلى قرطبة وكان في علم النجوم والمعرفة بالحركات العلوية بطليموس زمانه حذقا وإصابة فلما اتاه خلا به وقال له يا ضبي لست أشك أنه قد عناك من أمرنا إذ بلغك ما لم يدع تجديد النظر فيه فأنشدك الله إلا ما نبأتنا بما ظهر لك فيه فلجلج وقال أعفني أيها الأمير فإني ألممت به ولم أحقق النظر فيه لجلالته في نفسي فقال له قد أجلتك لذلك فتفرغ للنظر فيما بقي عليك منه ثم أحضره بعد أيام فقال إن الذي سألتك عنه جد مني مع أني والله ما أثق بحقيقته إذ كان من غيب الله الذي استأثر به ولكني أحب أن أسمع ما عندك فيه فالنفس طلعة وألزمه الصلة أو العقوبة فقال أعلم أيها الأمير أنه سوف يستقر ملكك سعيدا جدك قاهرا لمن عاداك إلا أن مدتك فيه فيما دل عليه النظر تكون ثمانية أعوام أو نحوها فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال يا ضبي ما أخوفني أن يكون النذير كلمني بلسانك والله لو أن هذه المدة كانت في سجدة لله تعالى لقلت طاعة له ووصله وخلع عليه وزهد في الدنيا والتزم أفعال البر
ومن حكاياته في الجود أنه كان قاعدا لراحته في علية على النهر في حياة والده فنظر إلى رجل من قدماء صنائعه من أهل جيان قد أقبل يوضع السير في الهاجرة فأنكر ذلك وقدر شرا وقع به من قبل أخيه سليمان وكان واليا على جيان فأمر بإدخاله عليه فقال له مهيم يا كناني فلأمر ما جئت وما أحسبك إلا مزعجا لشيء دهمك فقال نعم يا سيدي قتل رجل من قومي رجلا خطأ فحملت الدية على
____________________
(1/335)

علي من بنيهم خاصة وقصدني أخوك بالاعتداء إذ عرف مكاني منك فمد هشام يده إلى جارية كانت وراء الستر وقطع قلادة عقد نفيس كان في نحرها وقال له دونك هذا العقد يا كناني وشراؤه علي ثلاثة آلاف دينار فلا تخدعن عنه وبعه وأد عن نفسك وعن قومك ولا تمكن الرجل من اهتضامك فقال يا سيدي لم آتك مستجديا ولا لضيق المال عما حملته ولكني لما اعتمدت بظلم صراح أحببت أن يظهر علي عز نصرك وأثر ذبك وامتعاضك فأتمجد بذلك عند من يحسدني على الانتماء إليك فقال هشام فما وجه ذلك فقال أن تكتب إلى أخيك في الإمساك عني والقيام بذمتك لي فقال أمسك العقد وركب من حينه إلى والده الداخل واستأذن عليه فيوقت أنكره فانزعح وقال ما أتى بأبي الوليد في هذا الوقت إلا أمر مقلق ائذنوا له فلما دخل سلم عليه ومثل قائما بين يديه فقال له اجلس يا هشام فقال أصلح الله الأمير سيدي وكيف جلوسي بهم وذل مزعج وحق لمن قام مقامي أن لا يجلس إلا مطمئنا ولن يقعدني إلا طيب نفسي بإسعاف الأمير لحاجتي وإلا رجعت على عقبي فقال له حاش لك من انقلابك خائبا فاقعد مجابا مشفعا فجلس فقال له أبوه فما الحدث المقلق فأعلمه فأمر بحمل الدية عنه وعن عشيرته من بيت المال فسر هشام وأطنب في الشكر وكتب الأمير إلى ولده سليمان في ترك التعرض لهذا الكناني
ولما دخل الكناني لوداع هشام قال له يا سيدي قد تجاوزت بك حد الأمنية وبلغت غاية النصر وقد أغنى الله عن العقد المبذول بين يدي العناية الكريمة فتعيده إلى صاحبته فأبى من ذلك وقال لا سبيل إلى رجوعه إلينا
وكان
____________________
(1/336)

من ثقاته إلى الكور فيسألون الناس عن سير عماله ويخبرونه بحقائقها فإذا انتهى إليه حيف من احدهم أوقع به وأسقطه وأنصف منه ولم يستعمله بعد ولما وصفه زياد بن عبد الرحمن لمالك بن أنس قال ليت أن الله تعالى زين موسمنا بمثل هذا
وفي أيامه فتحت أربونة الشهيرة واشترط على المعاهدين من أهل جليقية من صعاب شروطه انتقال عدد من أحمال التراب من سور اربونة المفتتحة يحملونها إلى باب قصره بقرطبة وبنى منه المسجد الذي قدام باب الجنان وفضلت منه فضلة بقيت مكومة
وقاسى مع المخالفين له من أهل بيته وغيرهم حروبا ثم كانت الدائرة له وقصد إلى بلاد الحرب غازيا وقصد ألبة والقلاع فلقي العدو وظفر بهم وفتح الله عليه سنة خمس وسبعين وبعث العساكر إلى جليقية مع يوسف بن بخت فلقي ملكها برمند وهزمه وأثخن في العدو
وفي سنة ست وسبعين بعث وزيره عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث لغزاة العدو فبلغ ألبة والقلاع فأثخن في نواحيها ثم بعثه في العساكر سنة سبع وسبعين إلى
____________________
(1/337)

عبد الملك في بلاد الكفار وهزمهم ثم بعث العساكر مع عبد الكريم بن عبد الواحد إلى ألبة والقلاع سنة ثمان وسبعين ومع أخيه عبد الملك بن عبد الواحد إلى بلاد جليقية فانتهى إلى استرقة فجمع له ملك الجلالقة واستمد بملك البشكنس ثم خام عن اللقاء ورجع أدراجه واتبعه عبد الملك وكان هشام قد بعث الجيوش من ناحية أخرى فالتقوا بعبد الملك وأثخنوا في البلاد واعترضتهم عساكر الفرنج فنالوا منهم بعض الشيء ثم خرجوا سالمين ظافرين
ومن محاسنه أنه جدد القنطرة التي يضرب بها المثل بقرطبة كما سبق وكان بناها السمح الخولاني عامل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فأحكم هشام بناءها إلى الغاية وقال يوما لأحد وزرائه ما يقول أهل قرطبة فقال يقولون ما بناها الأمير إلا ليمضي عليها إلى صيده وقنصه فآلى هشام على نفسه أن لا يسلك عليها فلم يمر عليها بعد ووفى بما حلف عليه
ومن محاسنه أيضا إكمال بناء الجامع بقرطبة وكان أبوه شرع فيه ومن محاسنه أنه أخرج المصدق لإخذ الزكاة على الكتاب والسنة رحمه الله
ثم توفي سنة ثمانين ومائة لسبع سنين وتسعة أشهر من إمارته وقيل لثمان وكان من أهل الخير والصلاح كثير الغزو والجهاد وعمره أربعون سنة وأربعة أشهر وولد في شوال سنة 139 الحكم بن هشام
____________________
(1/338)

الخيل واستفحل ملكه وباشر الأمور بنفسه وفي خلال فتنة كانت بينه وبين عميه اغتنم العدو الكافر الفرصة في بلاد المسلمين وقصدوا برشلونه فملكوها سنة خمس وثمانين وتأخرت عساكر المسلمين إلى ما دونها وبعث الحكم العساكر مع الحاجب عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد الجلالقة فأثخنوا فيها وخالفهم العدو إلى المضايق فرجع على التعبية وظفر بهم وخرج إلى بلاد الإسلام ظافرا
وكانت له الواقعة الشهيرة مع أهل الربض من قرطبة لأنه في صدر ولايته كان قد انهمك في لذاته فاجتمع أهل العلم والورع بقرطبة مثل يحيى ابن يحيى الليثي صاحب مالك وأحد رواة الموطأ عنه وطالوت الفقيه وغيرهما فثاروا به وخلعوه وبايعوا بعض قرابته وكانوا بالربض الغربي من قرطبة وكان محلة متصلة بقصره فقاتلهم الحكم فغلبهم وافترقوا وهدم دورهم ومساجدهم ولحقوا بفاس من أرض العدوة وبالإسكندرية من أرض المشرق ونزل بها جمع منهم ثم ثاروا بها فزحف إليهم عبد الله بن طاهر صاحب مصر للمأمون بن الرشيد وغلبهم وأجازهم إلى جزيرة أقريطش فلم يزالوا بها إلى أن ملكها الإفرنج من أيديهم
____________________
(1/339)

وكانت في أيام الحكم حروب وفتن مع الثوار المخالفين له من أهل طليطلة وغيرهم
وفي سنة ثنتين وتسعين جمع لذريق بن قارله ملك الفرنج جموعه وسار إلى حصار طرسونة فبعث الحكم ابنه عبدالرحمن في العساكر فهزمه ففتح الله على المسلمين وعاد ظافرا
ولمأ كثر عيث الفرنج في الثغور بسبب اشتغال الحكم بالخارجين عليه سار بنفسه إلى الفرنج سنة ست وتسعين فافتتح الثغور والحصون وخرب النواحي وأثخن في القتل والسبي والنهب وعاد إلى قرطبة ظافرا
وفي سنة مائتين بعث العساكر مع ابن مغيث إلى بلاد الفرنج فخرب وهدم عدة حصون وأقبل عليه أليط ملك الجلالقة في جموع عظيمة وتنازلوا على نهر واقتتلوا عليه أياما ونال المسلمون منهم أعظم النيل وأقاموا كذلك ثلاث عشرة ليلة ثم كثرت الأمطار ومد النهر وقفل المسلون ظافرين ظاهرين
وهو أول من جند الأجناد واتخذ العدة وكان أفحل بني امية بالأندلس وأشدهم إقداما ونجدة وكان يشبه بأبي جعفر المنصور من خلفاء بني العباس في شدة الملك وتوطيد الدولة وقمع الأعداء وكان يؤثر الفقيه زياد بن عبد الرحمن وحضر
____________________
(1/340)

إليه كتابا كره وصوله فأمر بقطع يده فقال له زياد أصلح الله الأمير فإن مالك بن أنس حدثني في خبر رفعه أن من كظم غيظا يقدر على إنفاذه ملأه الله تعالى أمنا وإيمانا يوم القيا مة فأمر أن يمسك عن الخادم ويعفى عنه فسكن غضبه وقال آلله إن مالكا حدثك بهذا فقال زياد ألله إن مالكا حدثني بهذا
وكانت المجاعة الشديدة سنة سبع وتسعين ومائة فأكثر فيها مواساة أهل الحاجات وفي ذلك يقول عباس بن ناصح الجزيري فيه
( نكد الزمان فآمنت أيامه ** من أن يكون بعصره عسر )
( ظلع الزمان بأزمة فجلا له ** تلك الكريهة جوده الغمر )
وكان نقش خاتمه بالله يثق الحكم ويعتصم
وذكور ولده عشرون وإناثهم عشرون وأمه جارية اسمها زخرف وكان أسمر طوالا أشم نحيفا
ومدة ملكه ست وعشرون سنة سامحه الله
وقال غير واحدا إنه أول من جعل للملك بأرض الأندلس أبهة واستعد بالمماليك حتى بلغوا خمسة آلاف منهم ثلاثة آلاف فارس وألفا راجل
ثم توفي الحكم بن هشام آخر سنة ست ومائتين لسبع وعشرين سنة من ولايته ومولده سنة 154
وقال ابن خلدون وغيره واحدا إنه أول من جند بالأندلس الأجناد
____________________
(1/341)

والمرتزقة وجمع الأسلحة والعدد واستكثر من الخدم والحواشي والحشم وارتبط الخيول على بابه واتخذ المماليك وكان يسميهم الخرس لعجمتهم وحكى في عدتهم ما تقدم ثم قال وكانت له عيون يطالعونه بأحوال الناس وكان يباشر الأمور بنفسه ويقرب الفقهاء والعلماء والصالحين وهو الذي وطأ الملك لعقبه بالأندلس انتهى
وكان له فيما حكى غير واحد ألفا فرس مرتبطة على شاطىء النهر بقبلي قصره يجمعها داران وهو القائل لما قتل أهل الربض وهدم ديارهم وحرثها
( رأبت صدوع الأرض بالسيف راقعا ** وقدما لأمت الشعب مذ كنت يافعا )
( فسائل ثغوري هل بها اليوم ثغرة ** أبادرها مستنضي السيف دارعا )
( تنبيك أني لم أكن في قراعهم ** بوان وقدما كنت بالسيف قارعا )
( وهل زدت أن وفيتهم صاع قرضهم ** فوافوا منايا قدرت ومصارعا
( فهذي بلادي إنني قد تركتها ** مهادا ولم أترك عليها منازعا )
وقال ابن حزم في حقه إنه كان من المهاجرين بالمعاصي السافكين للدماء ولذلك قام عليه الفقهاء والصلحاء وقال غيره إنه تنصل أخيرا وتاب سامحه الله
ومن نظمه قول متغزلا
( قضب من البان
____________________
(1/342)

ومنها
( من لي بمقتضبات الروح من بدني ** يغصبنني في الهوى عزي وسلطاني ) وقيل إنه كان يمسك أولاد الناس ويخصيهم ونقلت عنه أمور ولعله تاب منها كما قدمنا والله أعلم بحقيقة أمره
ومن بديع أخبار الحكم أن العباس الشاعر توجه إلى الثغر فلما نزل بوادي الحجارة سمع امرأة تقول واغوثاه بك يا حكم لقد أهملتنا حتى كلب العدو علينا فأيمنا وأيتمنا فسألها عن شأنها فقالت كنت مقبلة من البادية في رفقة فخرجت علينا خيل عدو فقتلت وأسرت فصنع قصيدته التي أولها
( تململت في وادي الحجارة مسهرا ** أراعي نجوما ما يردن تغورا )
( إليك أبا العاصي نضيت مطيتي ** تسير بهم ساريا ومهجرا )
( تدارك نساء العالمين ينصرة ** فإنك أحرى أن تغيث وتنصرا )
فلما دخل عليه أنشده القصيدة ووصف له خوف الثغر واستصراخ المرأة باسمه فأنف ونادى في الحين بالجهاد والاستعداد فخرج بعد ثلاث إلى وادي الحجارة ومعه الشاعر وسأل عن الخيل التي أغارت من أي أرض العدو كانت فاعلم بذلك فغزا تلك الناحية وأثخن فيها وفتح الحصون وخرب الديار وقتل عددا كثيرا وجاء إلى وادي الحجارة فأمر بإحضار المرأة وجميع من أسر له أحد في تلك البلاد فأحضر فأمر بضرب رقاب الأسرى بحضرتها وقال للعباس سلها هل أغاثها الحكم فقالت المرأة وكانت نبيلة والله لقد شغى الصدور وأنكى العدو وأغاث الملهوف فأغاثه
____________________
(1/343)

فارتاح لقولها وبدا السرور في وجهه وقال
( ألم تر يا عباس أني أجبتها ** على البعد أقتاد الخميس المظفر )
( فأدركت أوطارا وبردت غلة ** ونفست مكروبا وأغنيت معسرا )
فقال عباس نعم جزاك الله خيرا عن المسلمين وقبل يده
ومما عيب به أنه قتل الفقيه أبا زكريا يحيى بن مضر القيسي وكان قدوة في الدين والورع سمع من سفيان ومالك بن أنس وروى عنه مالك وقال حدثنا يحيى بن مضر عن سفيان الثوري أن الطلح المنضود هو الموز وكان قتل المذكور مع جماعة من العلماء وغيرهم عبد الرحمن بن الحكم
وقام بأمره من بعده ابنه عبد الرحمن بعهد منه إليه ثم لأخيه المغيرة بعده فغزا عبد الرحمن لأول ولايته إلى جليقية وأبعد وأطال المغيب وأثخن في امم النصرانية هنالك ورجع
وقدم عليه سنة ست ومائتين زرياب المغني من العراق وهو مولى المهدي ومتعلم إبراهيم الموصلي واسمه علي بن نافع فركب بنفسه لتلقيه على ما حكاه ابن خلدون وبالغ في إكرامه وأقام عنده بخير حال وأورث صناعة الغناء بالأندلس وخلف أولادا فخلفه كبيرهم عبد الرحمن في صناعته وحظوته
وفي سنة
____________________
(1/344)

والقلاع فخرب كثيرا من البلاد وانتسفها وفتح كثيرا من حصونهم وصالح بعضها على الجزية وإطلاق أسرى المسلمين وانصرف ظافرا
وفي سنة أربع وعشرين بعث قريبه عبيد الله بن البلنسي في العساكر لغزو ألبة والقلاع فسار ولقي العدو فهزمهم وأكثر القتل والسبي ثم خرج لذريق ملك الجلالقة وأغار على مدينة سالم بالثغر فسار إليه فرتون بن موسى وقاتله فهزمه وأكثر القتل والسبي في العدو والاسر ثم سار إلى الحصن الذي بناه أهل ألبة بالثغر نكاية للمسلمين فافتتحه وهدمه ثم سار عبد الرحمن في الجيوش إلى بلاد جليقية فدوخها وافتتح عدة حصون منها وجال في أرضهم ورجع بعد طول المقام بالسبي والغنائم
وفي سنة ست وعشرين بعث عبد الرحمن العساكر إلى أرض الفرنجة وانتهوا إلى أرض بريطانية وكان على مقدمة المسلمين موسى بن موسى عامل تطليلة ولقيهم العدو فصبر حتى هزم الله عدوهم وكان لموسى في هذه الغزاة مقام محمود
وفي سنة تسع وعشرين بعث ابنه محمدا بالعساكر وتقدم إلى بنبلونة فأوقع بالمشركين عندها وقتل غرسية صاحبها وهو من أكبر ملوك النصارى
وفي ايامه ظهر المجوس ودخلوا إشبيلية فارسل إليهم عبد الرحمن العساكر مع
____________________
(1/345)

فهزموهم بعد مقام صعب ثم جاءت العساكر مددا من قرطبة فقاتلهم المجوس فهزمهم المسلمون وغنموا بعض مراكبهم وأحرقوها ورحل المجوس إلى شذونة فأقاموا عليها يومين وغنموا بعض الشيء ووصلت مراكب عبد الرحمن إلى إشبيلية فأقلع المجوس إلى لبلة وأغاروا وسبوا ثم إلى باجة ثم أشبونة ثم انقطع خبرهم حين أقلعوا من أشبونة وسكنت البلاد وذلك سنة ثلاثين وتقدم عبد الرحمن بإصلاح ما خربوه من البلاد وأكثف حاميتها
وفي سنة إحدى وثلاثين بعث العساكر إلى جليقية فدوخوها وحاصروا مدينة ليون ورموها بالمجانيق وهرب اهلها عنها وتركوها فغنم المسلمون ما فيها وأحرقوها وأرداوا هدم سورها فلم يقدروا عليه لأن عرضه كان سبعة عشر ذراعا فثلموا فيه ثلمة ورجعوا
ثم أغزى عبد الرحمن حاجبه عبد الكريم في العساكر إلى بلاد برشلونة فعاث في نواحيها وأجاز الدروب التي تسمى البرت إلى بلاد الفرنجة فدوخها فتلا وأسرا وسبيا وحاصر مدينتها العظمى جرندة وعاث في نواحيها وقفل
وقد كان ملك القسطنطينية من ورائهم توفلس بعث إلى الأمير عبد الرحمن سنة خمس وعشرين بهدية يطلب مواصلته ويرغبه في ملك سلفه بالمشرق من أجل ما ضيق به المأمون والمعتصم حتى إنه ذكرهما له في كتابه له وعبر عنهما بابني مراجل وماردة فكافأه الأمير عبد الرحمن عن الهدية وبعث إليه يحيى الغزال من كبار أهل الدولة وكان مشهورا
____________________
(1/346)

بينهما الوصلة وارتفع لعبد الرحمن ذكر عند منازعيه من بني العباس
ويعرف الأمير عبد الرحمن بالأوسط لأن الأول عبد الرحمن الداخل والثالث عبد الرحمن الناصر
ثم توفي عبد الرحمن الاوسط سنة ثمان وثلاثين ومائتين بربيع الآخر لإحدى وثلاثين سنة من إمارته ومولده بطليطلة في شعبان سنة ست وسبعين ومائة
وكان عالما بعلوم الشريعة والفلسفة وكانت أيامه أيام هدوء وسكون وكثرت الأموال عنده واتخذ القصور والمتنزهات وجلب إليها المياه من الجبال وجعل لقصره مصنعا اتخذه الناس شريعة وأقام الجسور وبنيت في أيامه الجوامع بكور الأندلس وزاد في جامع قرطبة رواقين ومات قبل أن يستتمه فأتمه ابنه محمد بعده وبنى بالأندلس جوامع كثيرة ورتب رسوم المملكة واحتجب عن العامة
وعدد ولده مائة وخمسون من الذكور وخمسون من الإناث ونقش خاتمه عابد الرحمن بقضاء الله راض وفي ذلك قيل
( خاتم للملك أضحى **
____________________
(1/347)

وهو أول من أحدث هذا النقش وبقي وراثة لمن بعده من ولده قال ابن سعيد وفي أيامه انتهى مال الجباية إلى ألف ألف دينار في السنة وكان قبل لا يزيد على ستمائة ألف وقد ذكرنا في غير هذا الموضع ما يخالف هذا فليراجع والله أعلم
ومن توقيعاته من لم يعرف وجه طلبه فالحرمان أولى به ومن شعر عبد الرحمن المذكور قوله
( ولقد تعارض أوجه لأوامر ** فيقودها التوفيق نحو صوابها )
( والشيخ إن يحو النهي بتجارب ** فشباب رأي القوم عند شبابها )
وفي زيادته في جامع قرطبة بقول ابن المثنى رحمه الله تعالى
( بنيت لله خير بيت ** يخرس عن وصفه الأنام )
( حج إليه بكل أوب ** كأنه المسجد الحرام )
( كأن محرابه إذا ما ** حف به الركن والمقام )
وقال آخر
( بنى مسجدا لله لم يك مثله ** ولا مثله لله في الأرض مسجد )
( سوى ما ابتنى الرحمن والمسجد الذي ** بناه نبي المسلمين محمد )
( له عمد حمر وخضر كأنما ** تلوح يواقيت بها وزبرجد )
( ألا يا أمين الله لا زلت سالما ** ولا زلت في كل الأمور تسدد )
( فيا ليتنا نفديك من كل حادث ** وأنك
____________________
(1/348)


وكان كثير الميل للنساء وولع بجاريته طروب وكلف بها كلفا شديدا وهي التي بنى عليها الباب ببدر المال حين تجنت عليه وأعطاها حليا قيمته مائة ألف دينار فقيل له إن مثل هذا لا ينبغي أن يخرج من خزانة الملك فقال إن لا بسه أنفس منه خطرا وأرفع قدرا وأكرم جوهرا وأشرف عنصرا وفيها يقول
( إذا ما بدت لي شمس النهار ** طالعة ذكرتني طروبا )
( أنا ابن الميامين من غالب ** أشب حروبا وأطفي حروبا )
وخرج غازيا إلى جليقية فطالت غيبته فكتب إليها
( عداني عنك مزار العدا ** وقودي إليهم سهاما مصيبا )
( فكم قد تخطيت من سبسب ** ولاقيت بعد دروب دروبا )
( ألاقي بوجهي سموم الهجير ** إذ كان منه الحصى أن يذودا )
( تدارك بي الله دين الهدى ** فأحييته وأمت الصليبا )
( وسرت إلى الشرك في جحفل ** ملأت الحزون به والسهوبا )
وساق بعض المؤرخين قصة طروب هذه بقوله إن السلطان المذكور أغضها فهجرته وصدت عنه وأبت أن تأتيه ولزمت مقصورتها فاشتد قلقه لهجرها وضاق ذرعه من شوقها وجهد أن يترضاها بكل وجه فاعياه ذلك فأرسل من خصيانه من يكرهها على الوصول إليه فأغلقت باب مجلسها في وجوههم وآلت أن لا تخرج إليهم طائعة ولو انتهى الأمر إلى القتل فانصرفوا إليه وأعلموه بقولها واستأذنوه في كسر الباب عليها فنهاهم وأمرهم بسد الباب عليها من خارجه ببدر الدراهم ففعلوا وبنوا عليها بالبدر وأقبل حتى وقف بالباب وكلمها مسترضيا راغبا في
____________________
(1/349)

فأجابت وفتحت الباب فانهالت البدر في بيتها فأكبت على رجله تقبلها وحازت المال وكانت تبرم الأمور مع نصر الخصي فلا يرد شيئا مما تبرمه
وأحب أخرى اسمها مدثرة فأعتقها وتزوجها وأخرى كذلك اسمها الشفاء وأما جاريته قلم فكانت أديبة حسنة الخط راوية للشعر حافظة للأخبار عالمة بضروب الأدب وكان مولعا بالسماع مؤثرا له على جميع لذاته وله أخبار كثيرة رحمه الله محمد بن عبد الرحمن
ولما مات ولي ابنه محمد فبعث لأول ولايته عساكر مع موسى بن موسى صاحب تطيلة فعاث في نواحي ألبة والقلاع وفتح بعض حصونها ورجع وبعث عساكر أخرى إلى نواحي برشلونة وما وراءها فعاثوا فيها وفتحوا حصونا من برشلونة ورجعوا
ولما استمد أهل طليطلة المخالفون من أهل بلاد الأمير محمد عليه بملكي جليقية والبشكنس لقيهم الأمير محمد على وادي سليطة وقد أكمن لهم فأوقع بهم وبلغت عدة القتلى من أهل طليطلة والمشركين عشرين ألفا
وفي سنة خمس وأربعين ظهرت مراكب المجوس وعاثوا في
____________________
(1/350)

فلقيهم مراكب الأمير محمد فقاتلوهم وغنموا منهم مركبين واستشهد جماعة من المسلمين
وفي سنة سبع وأربعين أغزى محمد إلى نواحي بنبلونة وصاحبها حينئذ غرسية بن ونقه وكان يظاهر أردون بن أذفنش فعاث في نواحي بنبلونة ورجع وقد دوخها وفتح كثيرا من حصونها وأسر فرتون ابن صاحبها فبقي أسيرا بقرطبة عشرين سنة
ثم بعث سنة إحدى وخمسين أخاه المنذر في العساكر إلى نواحي ألبة والقلاع فعاثوا فيها وجمع لذريق للقائهم فلقيهم وانهزم وأثخن المسلمون في المشركين بالقتل والأسر فكان فتحا لا كفاء له
ثم غزا الأمير محمد بنفسه سنة إحدى وخمسين بلاد الجلالقة فأثخن وخرب
وفي سنة ثلاث وستين أغزى الأمير محمد ابنه المنذر إلى دار الحرب وفي السنة التي بعدها إلى بلاد بنبلونة فدوخها ورجع
وفي سنة ثمان وستين أغزاه أيضا إلى دار الحرب فعاث في نواحيها وفتح حصونا
وفي أيام الأمير محمد خربت ماردة وهدمت ولم يبق لها أثر
وذكر بعضهم أنه رأى بالمشرق هذه الأبيات قبل أن تخرب ماردة بأعوام ولم يعلم قائلها وذلك سنة 254
( ويل لماردة التي مردت ** وتكبرت عن عدوة النهر )
( كانت ترى لهم بها زهر ** فخلت من الزهرات كالقفر
____________________
(1/351)

ثم توفي الأمير محمد في شهر صفر سنة ثلاث وسبعين ومائتين لخمس وثلاثين سنة من إمارته ومولده سنة سبع ومائتين المنذر بن محمد
وولي بعده ابنه المنذر ولم تطل مدته وأقام في الملك سنتين إلا نصف شهر وتوفي منتصف صفر سنة خمس وسبعين ومائتين وفيه قيل
( بالمنذر بن محمد ** صلحت بلاد الأندلس ) عبد الله بن محمد
ثم ولي أخوه عبد الله قال ابن خلدون كان خراج الأندلس قبله ثلاثمائة ألف دينار مائة ألف للجيوش ومائة ألف للنفقة في النوائب وما يعرض ومائة ألف ذخيرة ووفرا فأنفق الوفر حين اضطربت عليه نواحي الأندلس بالثوار والمتغلبين في تلك السنين وقل الخراج انتهى
ومن نظم الأمير عبد الله قوله
( يا مهجة المشتاق ما أوجعك ** ويا أسير الحب ما أخشعك )
( ويا رسول العين من لحظها ** بالرد والتبليغ ما أسرعك )
( تذهب بالسر فتأتي به ** في مجلس يخفى على من
____________________
(1/352)

وهذه الأبيات عنوان فضله وبراعة استهلال نبله
وكان الوزراء يطالعون بآرائهم الخليفة في بطاقة فطالعه وزيره النضر بن سلمة برأيه في أمر في ورقة فلما وقف عليها لم يعجبه ذلك الرأي فكتب
( أنت يا نضر آبده ** ليس ترجى لفائدة )
( إنما أنت عدة ** لكنيف ومائدة )
وتوفي الأمير عبد الله سنة ثلاثمائة ومدة ملكه نحو من خمس وعشرين سنة عبد الرحمن الناصر
وولي حافده عبد الرحمن الناصر ابن ابنه محمد قتيل أخيه المطرف وكانت ولايته من الغريب لأنه كان شابا وأعمامه وأعمام أبيه حاضرون فتصدى إليها واحتازها دونهم ووجد الأندلس مضطربة بالمخالفين مضطرمة بنيران المتغلبين فأطفأ تلك النيران واستنزل أهل العصيان واستقامت له الأندلس في سائر جهاتها بعد نيف وعشرين سنة من أيامه ودامت أيامه نحو خمسين سنة استفحل فيها ملك بني أمية بتلك الناحية وهو أول من تسمى منهم بالأندلس بأمير المؤمنين عندما التاث أمر الخلافة بالمشرق واستبد موالي الترك على بني العباس وبلغه أن المقتدر قتله مؤنس المظفر مولاه سنة سبع عشرة وثلاثمائة فتلقب بألقاب الخلافة وكان كثير الجهاد بنفسه والغزو إلى دار الحرب إلى أن هزم عام
____________________
(1/353)

المسلمين فقعد عن الغزو بنفسه وصار يردد الصوائف في كل سنة فأوطأ عساكر المسلمين من بلاد الإفرنج ما لم يطؤوه قبل في أيام سلفه ومدت إليه أمم النصرانية من وراء الدروب يد الإذعان وأوفدوا عليه رسلهم وهداياهم من رومة والقسطنطينية في سبيل المهادنة والسلم والاعتمال فيما يعن في مرضاته ووصل إلى سدته الملوك من أهل جزيرة الأندلس المتاخمين لبلاد المسلمين بجهات قشتالة وبنبلونة وما ينسب إليها من الثغور الجوفية فقبلوا يده والتمسوا رضاه واحتقبوا جوائزه وامتطوا مراكبه ثم سما إلى ملك العدوة فتناول سبتة قفل الفرضة من أيدي أهلها سنة سبع عشرة وثلاثمائة وأطاعه بنو إدريس أمراء العدوة وملوك زناتة والبربر وأجاز إليه الكثير منهم كما يعلم من أخباره وبدأ أمره أول ولايته بتخفيف المغارم عن الرعايا انتهى كلام ابن خلدون
وفيه يقول ابن عبد ربه صاحب العقد يوم تولى الملك
( بدا الهلال جديدا ** والملك غض جديد )
( يا نعمة الله زيدي ** إن كان فيك مزيد )
( إن كان للصوم فطر ** فأنت للدهر عيد )
وأراد بأول الأبيات أنه ولي مستهل ربيع الأول كما علم
وما أشار إليه ابن خلدون في غزوة الخندق فصله المسعودي فقال بعد أن أجرى ذكر مخالفة أمية بن إسحاق على الناصر ودخوله أرض النصارى ودلالته إياهم على عورات المسلمين ما ملخصه وغزا عبد الرحمن صاحب الأندلس
____________________
(1/354)

سمورة دار الجلالقة وكان عبد الرحمن في مائة ألف أو يزيدون وكانت الوقعة بينه وبين رذمير ملك الجلالقة في شوال سنة 327 بعد الكسوف الذي كان في هذا الشهر بثلاثة أيام فكانت للمسلمين عليهم ثم ثابوا بعد أن حوصروا وألجئوا إلى المدينة فقتلوا من المسلمين بعد عبورهم الخندق خمسين ألفا وقيل إن الذي منع رذمير من طلب من نجا من المسلمين أمية بن إسحاق وخوفه الكمين ورغبة فيما كان في عسكر المسلمين من الأموال والعدة والخزائن ولولا ذلك لأتى على جميع المسلمين ثم إن أمية استأمن بعد ذلك إلى عبد الرحمن وتخلص من رذمير وقبله عبد الرحمن أحسن قبول وقد كان عبد الرحمن بعد هذه الوقعة جهز عساكر مع عدة من قواده إلى الجلالقة فكانت لهم بهم عدة حروب هلك فيها من الجلالقة ضعف ما قتل من المسلمين في الوقعة الأولى وكانت للمسلمين عليهم إلى هذه الغاية ورذمير ملك الجلالقة إلى هذا الوقت وهو سنة 332 انتهى
وقال في موضع آخر ما ملخصه إن عبد الرحمن غزا في أزيد من مائة ألف من الناس فنزل على دار مملكة الجلالقة وهي مدينة سمورة وعليها سبعة أسوار من أعجب البنيان قد أحكمته الملوك السالفة وبين الأسوار فصلان وخنادق ومياه واسعة وافتتح منها سورين ثم إن أهلها ثاروا على المسلمين فقتلوا منهم ممن أدركه الإحصاء وممن عرف أربعين ألفا وقيل خمسين ألفا وكانت للجلالقة والبشكنس على المسلمين انتهى كلام المسعودي
رجع إلى أخبار الناصر فنقول إن الناصر رحمه الله كان له نظم ومما نسب إليه بعضهم قوله
( لا يضر الصغير
____________________
(1/355)


( كم مقيم فازت يداه بغنم ** لم تنله بالركض كف مغير )
هكذا ألفيت البيتين منسوبين إليه بخط بعض الأكابر ثم كتب بأثره ما نصه الصحيح أنهما لغيره والله أعلم انتهى هدية ابن شهيد للناصر
وكان الناصر رحمه الله قد استحجب موسى بن محمد بن حدير واستوزر عبد الملك بن جهور وأحمد بن عبد الملك بن شهيد وأهدى له ابن شهيد هديته المشهورة المتعددة الأصناف وقد ذكرها ابن حيان وابن خلدون وغيرهما من المؤرخين قال ابن خلدون وهي مما يدل على ضخامة الدولة الأموية واتساع أحوالها وكان ذلك سنة سبع وعشرين وثلاثمائة لثمان خلون من شهر جمادى الأولى وهي هدية عظيمة الشأن اشتهر ذكرها إلى الآن واتفق على أنه لم يهاد أحد من ملوك الأندلس بمثلها وقد أعجبت الناصر وأهل مملكته جميعا وأقروا أن نفسا لم تسمح بإخراج مثلها ضربة عن يدها وكتب معها رسالة حسنة بالاعتراف للناصر بالنعمة والشكر عليها استحسنها الناس وكتبوها وزاد الناصر وزيره هذا خطوة واختصاصا وأسمى منزلته على سائر الوزراء جميعا وأضعف له رزق الوزارة وبلغه ثمانين ألف دينار أندلسية وبلغ مصروفه إلى ألف دينار وثنى له العظمة لتثنيته له الرزق فسماه ذا الوزارتين لذلك وكان أول من تسمى لذلك بالأندلس امتثالا لاسم صاعد بن مخلد وزير بني العباس ببغداد وأمر بتصدير فراشه في البيت وتقديم اسمه في
____________________
(1/356)


وتفسير هديته المذكورة على ما ثبت في كتاب ابن خلدون على ما يفسر خمسمائة ألف مثقال من الذهب العين وأربعمائة رطل من التبر ومصارفة خمسة وأربعون ألف دينار من سبائك الفضة في مائتي بدرة واقتصر ابن الفرضي على خمسمائة ألف دينار فقط واثنا عشر رطلا من العود الهندي الذي يختم عليه كالشمع ومائة وثمانون رطلا من العود المتخير ومائة رطل من العود الشبه المنتقى هكذا ذكره ابن خلدون
وقال ابن الفرضي مستندا إلى الكتاب الذي وجهه ابن شهيد مع الهدية إن العود الغالي من ذلك أربعمائة رطل منها في قطعة واحدة مائة وثمانون رطلا
وقال ابن خلدون ومائة أوقية من المسك الذكي المفضل في جنسه انتهى
وقال ابن الفرضي نقلا عن الكتاب المصحوب مع الهدية إن المسك مائتا أوقية وثانتا عشرة أوقية ومن العنبر الأشهب الباقي على خلقته بغير صناعة خمسمائة أوقية منها قطعة عجيبة ململمة الشكل وزن مائة أوقية هكذا في تاريخ ابن خلدون
وفي ابن الفرضي أن الكل مائة أوقية وأن هذه القطعة أربعون أوقية ومن الكافور المرتفع النقي الذكي ثلاثمائة أوقية
قال ابن خلدون ومن اللباس ثلاثون شقة من الحرير المختم المرقوم بالذهب كلباس الخلفاء المختلف الألوان والصنائع وعشرة أفرية من عالي جلود الفنك الخراسانية
وخالفه ابن الفرضي إذ قال ومن أنواع الثياب ثلاثون شقة خنج خاصية للباسه
____________________
(1/357)

عالي الفنك منها سبعة بيض خراسانية وثلاث ملونة وستة مطارف عراقية خاصية له وثمان وأربعون ملحفة زهرية لكسوته ومائة ملحفة زهرية لرقاده
ولم يذكر ابن خلدن وابن الفرضي أعرف لا سيما وقد استند إلى كتاب المهدي وصاحب البيت أدرى
قال ابن خلدون وعشرة قناطير شد فيها مائة جلد سمور وقاله ابن الفرضي أيضا وزاد ابن خلدون وستة من السرادقات العراقية وثمانية وأربعون من الملاحف البغدادية لزينة الخيل من الحرير والذهب ثم قالا معا وأربعة آلاف رطل من الحرير المغزول وألف رطل من لون الحرير المنتقى للاستغزال وزاد ابن خلدون وثلاثون شقة من الفريون لسروج الهبات وزاد ابن الفرضي في الحرير المذكور قيل إنه قبضه منه صاحب الطراز ولم يأت به مع الهدية وإنما دفعه لصاحب الطراز وأثبته في الدفتر قالا وثلاثون بساطا من الصوف مختلفة الصناعات طول كل بساط منها عشرون ذراعا وقال ابن خلدون منتقاة مختلفة الألوان قالا ومائة قطعة مصليات من وجوه الفرش المختلفة زاد ابن الفرضي الصناعات من جنس البسط قالا وخمسة عشر نخا من عمل الخز المقطوع شطرها قال ابن الفرضي وسائرها من جنس البسط الوجوه قال ابن خلدون ومن السلاح والعدة ثمانمائة من التجافيف المزينة أيام البروز والمواكب وقال ابن الفرضي مائة تجفاف بأبدع الصناعات وأغربها وأكملها قالا وألف ترس سلطانية ومائة ألف سهم زاد ابن خلدون من النبال البارعة الصنعة قال ابن خلدون ومن الظهر خمسة عشر فرسا من الخيل العراب المتخيرة لركاب السلطان فائقة النعوت وقال ابن الفرضي ومن الخيل مائة فرس منها من الخيل العراب المتخيرة لركابه خمسة عشر فرسا وخمس
____________________
(1/358)

مجالس سروجها خز عراقي وثمانون فرسا مما يصلح للوصفاء والحشم وقال ابن خلدون مائة فرس من الخيل التي تصلح للركوب في التصرف والغزوات وقال ابن الفرضي وخمسة أبغل عالية الركاب وقال ابن خلدون وعشرون من بغال الركاب مسرجة ملجمة لمراكب الخلافة مجالس سروجها خز جعفري عراقي قالا ومن الرقيق أربعون وصيفا وعشرون جارية من متخير الرقيق بكسوتهم وجميع آلاتهم وقال ابن خلدون في الجواري متخيرات بكسوتهن وزينتهن وقال ابن خلدون ومن سائر الأصناف قرية تغل آلافا من أمداد الزرع ومن الصخر للبنيان ما أنفق عليه في عام واحد وثمانون ألف دينار وعشرون ألف عود من الخشب من أجمل الخشب وأصلبه وأقومه قيمتها خمسون ألف دينار انتهى
وقال ابن الفرضي نقلا عن كتاب ابن شهيد المصحوب مع الهدية عندما ذكر الرقيق ما صورته وكان قد أمرني أيده الله بابتياعهم من مال الأخماس فابتعتهم من نعمته عندي وصيرتهم من بعثي ومع ذلك عشر قناطير سكر طبرزذ لا سحاق فيه
وفي آخر الكتاب ولما علمت تطلع مولاي أيده الله تعالى إلى قرية لذكرها كذا بالقنبانية المنقطعة الغرس في شرقها وترداده أيده الله تعالى لذكرها لم أهنأ بعيش حتى أعلمت الحيلة في ابتياعها بأحوازها وأكتب وكيله ابن بقية الوثيقة فيها باسمه وضمها إلى ضياعه وكذلك صنعت في قرية شيرة من نظر جيان عندما اتصل بي من وصفه لها وتطلعه إليها فما زلت أتصدى لمسرته بها حتى ابتعتها الآن باحوازها وجميع منازلها
____________________
(1/359)

كله الوكيل ابن بقية وصار في يده له ابقاه الله سبحانه وأرجو أنه سيرفع فيها في هذه السنة آلاف أمداد من الأطعمة إن شاء الله تعالى ولما علمت نافذ عزمه أبقاه الله تعالى في البنيان وكلفه به وفكرت في عدد الأماكن التي تطلع نفسه الكريمة إلى تخليد آثاره في بنيانها مد الله تعالى في عمره وأوفى بها على أقصى أمله علمت أن أسه وقوامه الصخر والاستكثار منه فأثارت لي همتي ونصيحتي حكمة حيلة أحكمها سعدك وجدك اللذان يبعثان ما لا يتوهم عليه حيلة أقيم لك فيها بعام واحد ما كان يقوم على يدي عبدك ابن عاصم في عشرين عاما وينتهي تحصيل النفقة فيه إلى نحو الثمانين ألفا أعجل شأنه في عام سوى التوفير العظيم الذي يبديه العيان قبلا إن شاء الله تعالى وكذلك ما ثاب إلي في أمر الخشب لهذه المنية المكرمة فإن ابن خليل عبدك المجتهد الدؤوب انتهى في تحصيل عدد ما تحتاج إليه إلى ثلاثمائة ألف عود ونيف على عشرين ألف عود على أنه لا يدخل منه في السنة إلا نحو الألفي عود ففتح لي سعدك رأيا أقيم له بتمامه جميع هذا الخشب العام على كماله بورود الجليبة لوقتها وقيمته على الرخص ما بين الخمسين ألفا والستين ألفا انتهى عود إلى أخبار الناصر
ومن غريب ما يحكى عن أمير المؤمنين الناصر المذكور أنه أراد الفصد فقعد بالبهو في المجلس الكبير المشرف بأعلى مدينته بالزهراء واستدعى الطبيب لذلك وأخذ الطبيب الآلة وجس يد الناصر فبينما هو إذ أطل زرزور فصعد على إناء ذهب بالمجلس وأنشد
( أيها الفاصد رفقا ** بامير المؤمنينا
____________________
(1/360)


( إنما تفصد عرقا ** فيه محيا العالمينا )
وجعل يكرر ذلك المرة بعد المرة فاستظرف أمير المؤمنين الناصر ذلك غاية الاستظراف وسر به غاية السرور وسأل عمن اهتدى إلى ذلك وعلم الزرزور فذكر له أن السيدة الكبرى مرجانة أم ولده ولي عهده الحكم المستنصر بالله صنعت ذلك وأعدته لذلك الأمر فوهب لها ما ينيف على ثلاثين ألف دينار
وذكر ابن بسام أن أبا عامر بن شهيد أحمد بن عبد الملك الوزير أهدى له غلام من النصارى لم تقع العيون على شبهه فلمحه الناصر فقال لابن شهيد أنى لك هذا قال هو من عند الله فقال له الناصر تتحفوننا بالنجوم وتستأثرون بالقمر فاستعذر واحتفل في هدية بعثها مع الغلام وقال يا بني كن مع جملة ما بعثت به ولولا الضرورة ما سمحت بك نفسي وكتب معه هذين البيتين
( أمولاي هذا البدر سار لأفقكم ** وللأفق أولى بالبدور من الأرض )
( أرضيكم بالنفس وهي نفيسة ** ولم أر قبلي من بمهجته يرضي )
فحسن ذلك عند الناصر وأتحفه بمال جزيل وتمكنت عنده مكانته ثم إنه بعد ذلك أهديت إليه جارية من أجمل نساء الدنيا فخاف أن ينهى ذلك إلى الناصر فيطلبها فتكون كقصة الغلام فاحتفل في هدية أعظم من الأولى وبعثها معها وكتب له
( أمولاي هذي الشمس والبدر أولا ** تقدم كيما يلتقي
____________________
(1/361)


( قران لعمري بالسعادة قد أتى ** فدم منهما في كوثر وجنان )
( فما لهما والله في الحسن ثالث ** وما لك في ملك البرية ثاني )
فتضاعفت مكانته عنده
ثم إن أحد الوشاة رفع للملك أنه بقي في نفسه من الغلام حرارة وأنه لا يزال يذكره حين تحركه الشمول ويقرع السن على تعذر الوصول فقال للواشي لا تحرك به لسانك وإلا طار رأسك وأعمل الناصر حيلة في أن كتب على لسان الغلام رقعة منها يا مولاي تعلم أنك كنت لي على انفراد ولم أزل معك في نعيم وإني وإن كنت عند الخليفة مشارك في المنزلة محاذر ما يبدو من سطوة الملك فتحيل في استدعائي منه وبعثها مع غلام صغير السن وأوصاه أن يقول من عند فلان وإن الملك لم يكلمه قط إن سأله عن ذلك فلما وقف أبو عامر على تلك الرسالة واستخبر الخادم علم من سؤاله ما كان في نفسه من الغلام وما تكلم به في مجالس المدام فكتب على ظهر الرقعة ولم يزد حرفا
( أمن بعد إحكام التجارب يبتغي ** لدى سقوط الطير في غابة الأسد )
( وما أنا ممن يغلب الحب قلبه ** ولا جاهل ما يدعيه أولو الحسد )
( فإن كنت روحي قد وهبتك طائعا ** وكيف يرد الروح إن فار الجسد )
فلما وقف الناصر على الجواب تعجب من فطنته ولم يعد إلى استماع واش به
ودخل عليه بعد ذلك فقال له كيف خلصت من الشرك فقال لأن عقلي بالهوى غير مشترك فأنعم عليه وزادت محبته عنده
____________________
(1/362)

غزوات الناصر
وأخبار الناصر طويلة جدا وقد منح الظفر على الثوار واستنزلهم من معاقلهم حتى صفا له الوقت وكانت له في جهاد العدو اليد البيضاء فمن غزواته أنه غزا سنة ثمان وثلاثمائة إلى جليقية وملكها أردون بن أذفونش فاستنجد بالبشكنس والإفرنجة وظاهر شانجة بن غرسية صاحب بنبلونة أمير البشكنس فهزمهم ووطىء بلادهم ودوخ أرضهم وفتح معاقلهم وخرب حصونهم ثم غزا بنبلونة سنة ثنتي عشرة ودخل دار الحرب ودوخ البسائط وفتح المعاقل وخرب الحصون وأفسد العمائر وجال فيها وتوغل في قاصيتها والعدو يحاذيه في الجبال والأوعار ولم يظفر منه بشيء ثم بعد مدة ظفر ببعض الثوار عليه وكان استمد بالنصارى فقتل الناصر من كان مع الثائر من النصارى أهل ألبة وفتح ثلاثين من حصونهم وبلغه انتفاض طوطة ملكة البشكنس فغزاها في بنبلونة ودوخ أرضها واستباحها ورجع إلى قرطبة ثم غزا غزوة الخندق سنة سبع وعشرين إلى جليقية فانهزم وأصيب فيها المسلمون وقعد بعدها عن الغزو بنفسه وصار يردد البعوث والصوائف إلى الجهاد وبعث جيوشه إلى المغرب فملك سبتة وفاسا وغيرهما من بلاد المغرب وطار صيته وانتشر ذكره كما سبق ولما هلك غرسية بن شانجة ملك البشكنس قام بامرهم بعده أمه طوطة وكفلت ولده ثم انتفضت على الناصر سنة خمس وعشرين فغزا الناصر بلادها وخرب نواحي بنبلونة وردد عليها كما مر
____________________
(1/363)

ثم رحل إلى بنبلونة فجاءته طوطة بطاعتها وعقد لابنها غرسية على بنبلونة ثم عدل إلى ألبة وبسائطها فدوخها وخرب حصونها ثم اقتحم جليقية وملكها يومئذ رذمير بن أردون فخام عن لقائه ودخل وخشمة فنازله الناصر فيها وهدم برغش وكثيرا من معاقلهم وهزمهم مرارا ورجع ثم كانت بعدها غزوة الخندق السابقة وهابته أمم النصرانية الوفود على بلاط الناصر
ثم وفدت عليه سنة ست وثلاثين رسل صاحب قسطنطينة وهديته وهو يومئذ قسطنطين واحتفل الناصر لقدومهم في يوم مشهود قال ابن خلدون ركبت في ذلك اليوم العساكر بالسلاح في أكمل شكة وزين القصر الخلافي بأنواع الزينة وأصناف الستور وجمل السرير الخلافي بمقاعد الأبناء والإخوة والأعمام والقرابة ورتب الوزراء والخدمة في مواقفهم ودخل الرسل فهالهم ما رأوه وقربوا حتى أدوا رسالتهم وأمر يومئذ الأعلام أن يخطبوا في ذلك الحفل ويعظموا من أمر الإسلام والخلافة ويشكروا نعمة الله على ظهور دينه وإعزازه وذلة عدوه فاستعدوا لذلك ثم بهرهم هول المجلس فوجموا وشرعوا في القول فارتج عليهم وكان فيهم أبو علي القالي وافد العراق كان في جملة الحكم ولي العهد وندبه لذلك استئثار بفخره فلما وجموا كلهم قام منذر بن سعيد البلوطي من غير استعداد ولا روية وما تقدم
____________________
(1/364)

شعرا طويلا ارتجله في ذلك الغرض ففاز بفخر ذلك المجلس وعجب الناس من شأنه أكثر من كل ما وقع وأعجب به الناصر وولاة القضاء بعدها وأصبح من رجالات المعالم وأخباره مشهورة وخطبته في ذلك اليوم منقولة في كتب ابن حيان وغيره ثم انصرف هؤلاء الرسل وبعث الناصر معهم هشام بن هذيل بهدية حافلة ليؤكد المودة ويحسن الإجابة ورجع بعد سنتين وقد أحكم من ذلك ما شاء وجاءت معه رسل قسطنطين
ثم جاء رسول من ملك الصقالبة وهو يومئذ هوتو ورسول آخر من ملك الألمان ورسول آخر من ملك الإفرنجة وراء البرت وهو يومئذ أوقه ورسول آخر من ملك الإفرنجية بقاصية المشرق وهو يومئذ كدلة واحتفل الناصر لقدومهم وبعث مع رسول الصقالبة ربيعا الأسقف إلى ملكهم هوتو ورجع بعد سنتين
وفي سنة أربع وأربعين جاء رسول أردون يطلب السلم فعقد له ثم بعث في سنة خمس وأربعين يطلب إدخال فرذلند قومس مشتيلة في عهده فأذن له في ذلك وأدخل في عهده وكان غرسية بن شانجة قد استولى على جليقية بعد أبيه شانجة بن فرويلة ثم انتض عليه أهل جليقية وتولى كبرهم قومس قشتيلية فرذلند المذكور ومال إلى أردون بن رذمير وكان غرسية بن شانجة حافدا لطوطة ملكة البشكنس فامتعضت
____________________
(1/365)

سبع وأربعين ملقية بنفسها في عقد السلم لها ولولدها شانجة بن رذمير الملك وإعانة حافدها غرسية بن شانجة على ملكه ونصره من عدوه وجاء الملكان معها فاحتفل الناصر لقدومهم وعقد الصلح لشانجة وأمه وبعث العساكر مع غرسية ملك جليقية فرد عليه ملكه وخلع الجلالقة طاعة أردون إليه وبعث إلى الناصر يشكره على فعلته وكتب إلى الأمم في النواحي بذلك وبما ارتكبه فرذلند قومس قشتيلة في نكثة ووثوبه ويعيره بذلك عند الأمم ولم يزل الناصر على موالاته وإعانته إلى أن هلك ولما وصل رسول كلده ملك الإفرنجة بالشرق كما تقدم وصل معه رسول ملك برشلونة وطركونة راغبا في الصلح فأجابه الناصر ووصل بعده رسول صاحب رومة يخطب المودة فأجيب انتهى كلام ابن خلدون ببعض اختصار
ولنفصل بعض ما أجمله فنقول ذكر ابن حيان وغير واحد أن ملك الناصر بالأندلس كان في غاية الضخامة ورفعه الشأن وهادته الروم وازدلفت إليه تطلب مهادنته ومتاحفته بعظيم الذخائر ولم تبق أمة سمعت به من ملوك الروم والإفرنجة والمجوس وسائر الأمم إلا وفدت عليه خاضعة راغبة وانصرفت عنه راضية ومن جملتهم صاحب القسطنطينية العظمى فإنه هاداه ورغب في موادعته وكان وصول أرساله في صفر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وتقدم في كلام ابن خلدون أنها ست وثلاثون فالله أعلم أيهما أصح وتأهب الناصر لورودهم وأمر أن يتلقوا أعظم تلق وأفخمه وأحسن قبول وأكرمه وأخرج إلى لقائهم ببجانة يحيى بن محمد بن الليث وغيره لخدمة أساب الطريق فلما صاروا بأقرب المحلات من قرطبة خرج إلى لقائهم القواد في العدد والعدة والتعبية فتلقوهم قائدا بعد قائد وكمل اختصاصهم بعد ذلك بأن أخرج إليهم الفتيين الكبيرين الخصيين ياسرا وتماما إبلاغا في الاحتفال بهم
____________________
(1/366)

فاستبان لهم بخروج الفتيين إليهم بسط الناصر وإكرامه لأن الفتيان حينئذ هم عظماء الدولة لأنهم أصحاب الخلوة مع الناصر وحرمه وبيدهم القصر السلطاني وأنزلوا بمنية ولي العهد الحكم المنسوبة إلى نصر بعدوة قرطبة في الربض ومنعوا من لقاء الخاصة والعامة جملة ومن ملابسة الناس طرا ورتب لحجابتهم رجال تخيروا من الموالي ووجوه الحشم فصيروا على باب قصر هذه المنية ستة عشر رجلا لأربع دول لكل دولة أربع منهم ورحل الناصر لدين الله من قصر الزهراء إلى قصر قرطبة لدخول وفود الروم عليه فقعد لهم يوم السب لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول من السنة المذكورة في بهو المجلس الزاهر قعودا حسنا نبيلا وقعد عن يمينه ولي العهد من بنيه الحكم ثم عبيد الله ثم عبد العزيز أبو الأصبغ ثم مروان وقعد عن يساره المنذ ثم عبد الجبار ثم سليمان وتخلف عبد الملك لأنه كان عليلا لم يطق الحضور وحضر الوزراء على مراتبهم يمينا وشمالا ووقف الحجاب من أهل الخدمة من أبناء الوزراء والموالي والوكلاء وغيرهم وقد بسط صحن الدار أجمع بعتاق البسط وكرائم الدرانك وظللت أبواب الدار وجناياها بظلل الديباج ورفيع الستور فوصل رسل ملك الروم حائرين مما رأوه من بهجة الملك وفخامة السلطان ودفعوا كتاب ملكهم صاحب القسطنطينية العظمى قسطنطين بن ليون وهو في رق مصبوغ لونا سماويا مكتوب بالذهب بالخط الإغريقي وداخل الكتاب مدرجة مصبوغة أيضا مكتوبة بفضة بخط إغريقي أيضا فيها وصف هديته التي أرسل بها وعددها وعلى الكتاب طابع ذهب وزنه أربعة مثاقيل على الوجه الواحد منه صورة المسيح وعلى الآخر صورة قسطنطين الملك وصورة ولده وكان الكتاب بداخل
____________________
(1/367)

الملك معمولة من الزجاج الملون البديع وكان الدرج داخل جعبة ملبسه بالديباج وكان في ترجمة عنوان الكتاب في سطر منه قسطنطين ورومانس المؤمنان بالمسيح الملكان العظيمان ملكا الروم وفي سطر آخر العظيم الاستحقاق المفخر الشريف النسب عبد الرحمن الخليفة الحاكم على العرب بالأندلس أطال الله بقاءه ولما احتفل الناصر لدين الله هذا الاحتفال أحب أن يقوم الخطباء والشعراء بين يديه لتذكر جلالة مقعده وعظيم سلطانه وتصف ما تهيأ من توطيد الخلافة في دولته وتقدم إلى الأمير الحكم ابنه ولي عهده فإعداد من يقوم بذلك من الخطباء ويقدمه أمان نشيد الشعراء فأمر الحكم صنيعة الفقيه محمد بن عبد البر الكسنياني بالتأهب لذلك وإعداد خطبة بليغة يقوم بها بين يدي الخليفة وكان يدعي من القدرة على تأليف الكلام ما ليس في وسع غيره وحضر المجلس السلطاني فلما قام يحاول التكلم بما رأى هاله وبهره هول المقام وأبهة الخلافة فلم يهتد إلى لفظه بل غشي عليه وسقط إلى الأرض فقيل لأبي علي البغدادي إسماعيل بن القاسم القالي صاحب الأمالي النوادر وهو حينئذ ضيف الخليفة والوافد عليه من العراق وأمير الكلام وبحر اللغة قم فارقع هذا الوهي فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم هكذا ذكر ابن حيان وغيره وكلام ابن خلدون السابق يقتضي أن القالي هو المأمور بالكلام أولا والمعد لذلك ونحوه في المطمح والخطب سهل ثم انقطع القول بالقالي فوقف ساكتا مفكرا في كلام يدخل به إلى ذكر ما أريد منه وقال في المطمح إن أبا علي القالي انقطع وبهت وما وصل إلا قطع ووقف ساكتا متفكرا لا ناسيا ولا متذكرا فلما رأى ذلك منذر بن سعيد وكان ممن حضر في زمرة الفقهاء قام من
____________________
(1/368)

ذاته بدرجة من مرقاته فوصل افتتاح أبي علي لأول خطبته بكلام عجيب ونادى في الإحسان من ذلك المقام كل مجيب يسحه سحا كأنما كان يحفظه قبل ذلك بمدة وبدأ من المكان الذي انتهى إليه أبو علي البغدادي فقال أما بعد حمد الله والثناء عليه والتعداد لآلائه والشكر لنعمائه والصلاة والسلام على محمد صفيه وخاتم أنبيائه فإن لكل حادثة مقاما ولكل مقام مقال وليس بعد الحق إلا الضلال وإني قد قمت في مقام كريم بين يدي ملك عظيم فأصغوا إلى معشر الملإ بأسماعكم والقنوا عني بأفئدتكم إن من الحق أن يقال للمحق صدقت وللمبطل كذبت وإن الجليل تعالى في سمائه وتقدس بصفاته وأسمائه أمر كليمه موسى صلى الله على نبينا وعليه وعلى جميع أنبيائه أن يذكر قومه بأيام الله جل وعز عندهم وفيه وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة وإني أذكركم بأيام الله عندكم وتلافيه لكم بخلافة أمير المؤمنين التي لمت شعثكم وأمن سربكم ورفعت فرقكم أمير المؤمنين التي لمت شعثكم وأمنت سربكم ورفعت فرقكم بعد أن كنتم قليلا فكثركم ومستضعفين فقواكم ومستنذلين فنصركم ولاه الله رعايتكم وأسند إليه أمامتكم أيام ضربت الفتنة سرادقها على الآفاق وأحاطت بكم شعل النفاق حتى صرتم في مثل حدقى البعير من ضيق الحال ونكد العيش والتغيير فاستبدلتم بخلافته من الشدة بالرخاء وانتقلتم بيمن سياسته إلى تمهيد كنف العافية بعد استيطان البلاء أنشدكم الله معاشر الملإ ألم تكن الدماء مسفوكة فحقنها والسبل مخوفة فأمنها والأموال منتهبة فأحرزها وخصنها ألم تكن البلاد خرابا فعمرها وثغور المسلمين مهتضمة فحماها ونصرها فاذكروا آلاء الله عليكم بخلافته وتلافيه
____________________
(1/369)

كلمتكم بعد افتراقها بإمامته حتى أذهب الله عنكم غيظكم وشفى صدوركم وصرتم يدا على عدوكم بعد أن كان بأسكم بينكم ناشدتكم الله ألم تكن خلافته قفل الفتنة بعد انطلاقها من عقالها ألم يتلاف صلاح الأمور بنفسه بعد اضطراب أحوالها ولم يكل ذلك إلى القواد والأجناد حتى باشره بالقوة والمهجة والأولاد والنسوان واعتزل النسان وهجر الأوطان ورفض الدعة وهي محبوبة وترك الركون إلى الراحة وهي مطلوبة بطوية صحيحة وعزيمة صريحة وبصيرة ثابتة نافذة ثاقبة وريح هابة غالبة ونصرة من الله واقعة واجبة وسلطان قاهر وجد ظاهر وسيف منصور تحت عدل مشهور متحملا للنصب مستقلا لما ناله في جانب الله من التعب حتى لانت الأحوال بعد شدتها وانكسرت شوكة الفتنة عند حدتها ولم يبق لها غارب إلا جبة ولا نجم لأهلها قرن إلا جذه فأصبحتم بنعمة الله إخوانا وبلم أمير المؤمنين لشعثكم على أعدائه أعوانا حتى تواترت لديكم الفتوحات وفتح الله عليكم بخلافته أبواب الخيرات والبركات وصارت وفود الروم وافدة عليه وعليكم وآمال الأقصين والأدنين مستخدمة إليه وإليكم يأتون من كل فج عميق وبلد سحيق لأخذ حبل بينه وبينكم جملة وتفصيلا ليقضي الله أمرا كان مفعولا ولن يخلف الله وعده ولهذا الأمر ما بعده وتلك أسباب طاهرة بادية تدل على أمور باطنة خافية دليلها قائم وجفنها غير نائم { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم } الآية النور 55 وليس في
____________________
(1/370)

ولكل نبإ مستقر ولكل أجل كتاب فاحمدوا الله أيها الناس على آلائه واسألوه المزيد من نعمائه فقد أصبحتم بيمن خلافة أمير المؤمنين أيده الله بالعصمة والسداد وألهمه بخالص التوفيق إلى سبيل الرشاد أحسن الناس حالا وأنعمهم بالا وأعزهم قرارا وأمنعهم دارا وأكثفهم جمعا وأجملهم صنعا لا تهاجون ولا تذادون وأنتم بحمد الله على أعدائكم ظاهرون فاستعينوا على صلاح أحوالكم بالمناصحة لإمامكم والتزام الطاعة لخليفتكم وابن عم نبيكم صلى الله عليه وسلم فإن من نزع يدا من الطاعة وسعى في تفريق الجماعة ومرق من الدين فقد خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين وقد علمتم أن في التعلق بعصمتها والتمسك بعروتها حفظ الأموال وحقن الدماء وصلاح الخاصة والدهماء وأن بقوام الطاعة تقام الحدود وتوفى العهود وبها وصلت الأرحام ووضحت الأحكام وبها سد الله الخلل وأمن السبل ووطأ الأكناف ورفع الاختلاف وبها طاب لكم القرار واطمأنت بكم الدار فاعتصموا بما أمركم الله بالاعتصام به فإنه تبارك وتعالى يقول { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } الآية النساء 59 وقد علمتم ما أحاط بكم في جزيرتكم هذه من ضروب المشركين وصنوف الملحدين الساعين في شق عصاكم وتفريق ملاكم الآخذين في مخاذلة دينكم وهتك حريمكم وتوهين دعوة نبيكم صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع النبيين والمرسلين أقول قولي هذا وأختم بالحمد لله
____________________
(1/371)

ترجمة منذر بن سعيد البلوطي عن المغرب
وساق ابن سعيد في المغرب هذه الحكاية فقال ما صورته منذر بن سعيد البلوطي قاضي الجماعة بقرطبة خطيب مصقع وله كتب مؤلفة في القرآن والسنة والورع والرد على أهل الأهواء والبدع شاعر بليغ ولد سنة خمس وستين ومائتين وأول سببه في التعلق بعبد الرحمن الناصر لما احتفل لدخول رسول ملك الروم صاحب قسطنطينية بقصر قرطبة الاحتفال الذي اشتهر ذكره أحب أن يقوم الخطباء والشعراء بين يديه لذكر جلالة مقعده ووصف ما تهيأ له من توطيد الخلافة ورمي ملوك الأمم بسهام بأسه ونجدته وتقدم إلى الأمير الحكم ابنه وولي عهده بإعداد من يقوم لذلك من الخطباء ويقدمه أمام إنشاد الشعراء فتقدم الحكم إلى أبي علي البغدادي ضيف الخليفة وأمير الكلام وبحر اللغة أن يقوم فقام وحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ثم انقطع وبهت فما وصل ولا قطع ووقف ساكتا مفكرا فلما رأى ذلك منذر بن سعيد قام قائما بدرجة من مرقاة أبي علي ووصل افتتاحه بكلام عجيب بهر العقو جزالة وملأ الأسماع جلالة ثم ذكر الخطبة كما سبق وقال بعد إيرادها ما صورته فصلب العلج وغلب على قلبه وقال هذا كبير القوم أو كبش القوم وخرج الناس يتحدثون عن حسن مقامه وثبات جنانه وبلاغة لسانه وكان الناصر أشهدهم تعجبا منه وأقبل على ابنه الحكم ولم يكن يثبت معرفته فسأله عنه فقال له هذا منذر بن سعيد البلوطي فقال والله لقد احسن ما شاء ولئن أخرني الله بعد لأرفعن من ذكره فضع يدك يا حكم عليه واستخلصه وذكرني بشأنه فما للصنيعة
____________________
(1/372)

الجامع بالزهراء ثم توفي محمد بن عيسى القاضي فولاه قضاء الجماعة بقرطبة وأقره على الصلاة بالزهراء
ومن شعره في هذه الواقعة
( مقال كحد السيف وسط المحافل ** فرقت به ما بين حق وباطل )
( بقلب ذكي ترتمي جنباته ** كبارق رعد عند رعش الأنامل )
( فما دحضت رجلي ولا زل مقولي ** ولا طاش عقلي يوم تلك الزلازل )
( وقد حدقت حولي عيون إخالها ** كمثل سهام أثبتت في المقاتل )
( لخير إمام كان أو هو كائن ** لمقتبل أو في العصور الأوائل )
( ترى الناس أفواجا يؤمون بابه ** وكلهم ما بين راج وآمل )
( وفود ملوك الروم وسط فنائه ** مخافة بأس أو رجاء لنائل )
( فعش سالما أقصى حياة مؤملا ** فأنت غياث كل حاف وناعل )
( ستملكها ما بين شرق ومغرب ** إلى درب قسطنطين أو أرض بابل )
انتهى كلام ابن سعيد وهو يؤيد كلام ابن خلدون أن المأمور بالخطبة هو القالي
وذكر أن الناصر قال لابنه الحكم بعد أن سأله عنه لقد أحسن ما شاء فلئن كان حبر خطبته هذه وأعدها مخافة
____________________
(1/373)

لبديع من قدرته واحتياطه ولئن كان أتى بها على البديهة لوقته فإنه لأعجب وأغرب
قال ابن سعيد ولما فرغ منذر من خطبته أنشد
( هذا المقام الذي ما عابه فند ** لكن قائله أزرى به البلد )
( لو كنت فيهم غريبا كنت مطرفا ** لكنني منهم فاغتالني النكد )
ويروى بدل هذا الشطر
( ولا دهاني لهم بغي ولا حسد ** )
( لولا الخلافة أبقى الله حرمتها ** ما كنت أرضى بأرض ما بها أحد )
قلت كأنه عرض بأبي علي القالي وتقديمهم إياه في هذا المقام والله أعلم
ومن نظم منذر بن سعيد قوله
( الموت حوض وكلنا نرد ** لم ينج مما يخافه أحد )
( فلا تكن مغرما برزق غد ** فلست تدري بما يجيء غد )
( وخذ من الدهر ما أتاك به ** ويسلم الروح منك والجسد )
( والخير والشر لا تذعه فما ** في الناس إلا التشنيع والحسد )
وله وقد آذاه شخص فخاطبه بالكنية فقيل له أيؤذيك وأنت تخاطبه بالكنية فقال
( لا تعجبوا من أنني كنيته ** من بعد ما قد سبنا وأذانا )
( فالله قد كنى أبا
____________________
(1/374)

ترجمة منذر في المطمح
وقال في المطمح منذر بن سعيد البلوطي آية حركة وسكون وبركة لم تكن معدة ولا تكون وآية سفاهة في تحلم وجهامة ورع في طي تبسم إذا جد وجد وإذا هزل نزل وفي كلتا الحالتين لم ينزل للورع من مرقب ولا اكتسب إثما ولا احتقب ولي قضاء الجماعة بقرطبة أيام عبد الرحمن وناهيك من عدل أظهر ومن فضل أشهر ومن جور قبض ومن حق رفع ومن باطل خفض وكان مهيبا صليبا صارما غير جبان ولا عاجز ولا مراقب لأحد من خلق الله في استخارج حق ورفع ظلم واستمر في القضاء إلى أن مات الناصر لدين الله ثم ولي ابنه الحكم فأقره وفي خلافته استعفى مرارا فما أعفي وتوفي بعد ذلك لم يحفظ عنه مدة ولايته قضية جور ولا عدت عليه في حكومته زلة وكان غزير العلم كثير الأدب متكلما بالحق متبينا بالصدق له كتب مؤلفة في السنة والقرآن والورع والرد على أهل الأهواء والبدع وكان خطيبا بليغا وشاعرا محسنا ولد عند ولاية المنذر بن محمد وتوفي سنة 355 ومن شعره في الزهد قوله
( كم تصابى وقد علاك المشيب ** وتعامى عمدا وأنت اللبيب )
( كيف تلهو وقد أتاك نذير ** أن سيأتي الحمام منك قريب )
( يا سفيها قد حان منه رحيل ** بعد ذلك الرحيل يوم عصيب )
( إن للموت سكرة فارتقبها ** لا يداوي إذا أتتك
____________________
(1/375)


( بأمور المعاد أنت عليم ** فاعملن جاهدا له يا أريب )
( وتذكر يوما تحاسب فيه ** إن من يدكر فسوف ينيب )
( ليس من ساعة من الدهر إلا ** للمنايا بها عليك رقيب )
ولعلنا نذكر شيئا من أحوال منذر في غير هذا الموضع
رجع لأخبار الناصر لدين الله حكى أنه لما أعذر لأولاد ابنه أبي مروان عبيد الله اتخذ لذلك صنيعا عظيما بقصر الزهراء لم يتخلف أحد عنه من أهل مملكته وأمر أن ينذر لشهوده الفقهاء المشاورون ومن يليهم من العلماء والعدول ووجوه الناس فتخلف من بينهم المشاور أو إبراهيم وافتقد مكانه لارتفاع منزلته فسأل في ذلك الخليفة الناصر إذا أبو إبراهيم من أكابر علماء المالكية الذين عليهم المدار ووجد الناصر بسبب ذلك على أبي إبراهيم وأمر ابنه ولي العهد الحكم بالكتاب إليه والتفنيد له فكتب إليه الحكم رقعة نسختها بسم الله الرحمن الرحيم حفظك الله وتولاك وسددك ورعاك لما امتحن أمير المؤمنين مولاي وسيدي أبقاه الله الأولياء الذين يستعد بهم وجدك متقدما في الولاية متأخرا عن الصلة على أنه قد أنذرك أبقاه الله خصوصا للمشاركة في السرور الذي كان عنده لا أعدمه الله توالي المسرة ثم أنذرت من قبل إبلاغا في التكرمة فكان منك على ذلك كله من التخلف ما ضاقت عليك فيه المعذرة واستبلغ أمير المؤمنين في إنكاره ومعاتبتك عليه فأعيت عليك عنك الحجة فعرفني أكرمك الله ما العذر الذي أوجب توقفك عن إجابة دعوته ومشاهدة السرور الذي سر به ورغب المشاركة في هـ لنعرفه أبقاه الله بذلك فتسكن نفسه العزيزة إليه إن شاء الله تعالى فأجابه أبو إبراهيم سلام على الأمير سيدي ورحمة الله قرأت أبقى
____________________
(1/376)

سيدي هذا الكتاب وفهمته ولم يكن توقفي لنفسي إنما كان لأمير المؤمنين سيدنا أبقى الله سلطانه لعلمي بمذهبه وسكوني إلى تقواه واقتفائه لأثر سلفه الطيب رضوان الله عليهم فإنهم يستبقون من هذه الطبقة بقية لا يمتهنوها بما يشينها ولا بما يغض منها ويطرق إلى تنقيصها يستعدون بها لدينهم ويتزينون بها عند رعاياهم ومن يفد عليهم من قصادهم فلهذا تخلفت ولعلمي بمذهبه توقفت إن شاء الله تعالى فلما أقرأ الحكم أباه الناصر لدين الله جواب أبي إبراهيم إسحاق أعجبه واستحسن اعتذاره وزال ما بنفسه عليه
وكان الفقيه أبو إبراهيم المذكور معظما عند الناصر وابنه الحكم وحق لهما أن يعظماه وقد حكى الفقيه أبو القاسم بن مفرج قال كنت أختلف إلى الفقيه أبي إبراهيم رحمه الله تعالى فيمن يختلف إليه للتفقه والرواية فإني لعنده في بعض الأيام في مجلسه بالمسجد المنسوب لأبي عثمان الذي كان يصلي به قرب داره بجوفي قصر قرطبة ومجلسه حافل بجماعة الطلبة وذلك بين الصلاتين إذ دخل عليه خصي من أصحاب الرسائل جاء من عند الخليفة الحكم فوقف وسلم وقال له يا فقيه أجب أمير المؤمنين أبقاه الله فإن الأمر خرج فيك وها هو اعفقال له سمعا وطاعة لأمير المؤمنين ولا عجلة فارجع إله وعرفه وفقه الله عني أنك وجدتني في بيت منبيوت الله تعالى معي طلاب العلم أسمعهم حديث ابن عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم يقيدونه عني وليس يمكنني ترك ما أنا فيه حتى يتم المجلس المعهود لهم في رضا الله وطاعته فذلك أوكد من مسيري إليه الساعة فإذا انقضى أمر من اجتمع إلي من هؤلاء المحتسبين في ذات الله الساعين لمرضاته مشيت إليه إن شاء الله
____________________
(1/377)

شأنه ومضى الخصي يهينم متضاجرا من توقفه فلم يك إلا ريثما أدى جوابه وانصرف سريعا ساكن الطيش فقال له يا فقيه أنهيت قولك على نصه إلى أمير المؤمنين أبقاه الله فأصغى إليه وهو يقول لك جزاك الله خيرا عن الدين وعن أمير المؤمنين وجماعة المسلمين وأمتعهم بك وإذا أنت أوعبت فامض إليه راشدا إن شاء الله تعالى وقد أمرت أن أبقى معك حتى ينقضي شغلك وتمضي معي فقال له حسن جميل ولكني أضعف عن المشي إلى باب السدة ويصعب علي ركب دابة لشيخوختي وضعف أعضائي وباب الصناعة الذي يقرب إلي من أبواب القصر المكرم أحوط وأقرب وأرفق بي فإن رأى أمير المؤمنين أيده الله تعالى أن يأمر بفتحه لأدخل إليه منه هون علي المشي وودع جسمي وأحب أن تعود وتنهي إليه ذلك عني حتى تعرف رأيه فيه وكذلك تعود إلي فإني أراك فتى سديدا فكن على الخير معينا ومضى عنه الفتى ثم رجع بعد حين وقال يا فقيه قد أجابك أمير المؤمنين إلى ما سألت وأمر بفتح باب الصناعة وانتظارك من قبله ومنه خرجت إليك وأمرت بملازمتك مذكرا بالنهوض عند فراغك وقال افعل راشدا وجلس الخصي جانبا حتى أكمل أو إبراهيم مجلسه كأفسح ما جرت به عادته غير منزعج ولا قلق فلما انفضضنا عنه قام إلى داره فأصلح من شأنه ثم مضى إلى الخليفة الحكم فوصل إليه من ذلك الباب وقضى حاجته من لقائه ثم صرفه على ذلك الباب فأعيد إفلاقه على إثر خروجه قال ابن مفرج ولقد تعمدنا في تلك العشية إثر قيامنا عن الشيخ أبي إبراهيم المرور بهذا الباب المعهدود إغلاقه بدبر القصر لنرى تجشم الخليفة له فوجدناه كما وصف الخص مفتوح وقد حفه الخدم والأعوان منزعجين ما بين
____________________
(1/378)

كناس وفراش متأهبين لانتظار أبي إبراهيم فاشتد عجبنا لذلك وطال تحدثنا عنه انتهى فهكذا تكون العلماء مع الملوك والملوك معهم قدس الله تلك الأرواح
ثم توفي الناصر لدين الله ثاني أو ثالث شهر رمضان من عام خمسين وثلاثمائة أعظم ما كان سلطانه وأعز ما كان الإسلام بملكه
قال ابن خلدون خلف الناصر في بيوت الأموال خمسة آلاف ألف ألف ألف ثلاث مرات انتهى
وقال غير واحد إنه كان يقسم الجباية أثلاثا ثلث للجند وثلث للبناء وثلث مدخر وكانت جباية الأندلس يومئذ من الكور والقرى خمسة آلاف ألف وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار ومن السوق والمستخلص سبعمائة ألف وخمسة وستين ألف دينار وأما أخماس الغنائم العظيمة فلا يحصيها ديوان
وحكي أنه وجد بخط الناصر رحمه الله أيام السرور التي صفت له دون تكدير يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا وعدت تلك الأيام فكانت أربعة عشر يوما فاعجب أيها العاقل لهذه الدنيا وعدم صفائها وبخلها بكمال الأحوال لأوليائها هذا الخليفة الناصر حلف السعود المضروب به المثل في الارتقاء في الدنيا والصعود ملكها خمسين سنة وستة أو سبعة أشهر وثلاثة أيام ولم تصف إلا أربعة عشر يوما فسبحان ذي العزة القائمة والمملكة الدائمة لا إله إلا هو
ومما ينسب للناصر من الشعر
____________________
(1/379)


( ما كل شيء فقدت إلا ** عوضني الله منه شيا )
( إني إذا ما منعت خيري ** تباعد الخير من يديا )
( من كان لي نعمة عليه ** فإنها نعمة عليا ) ترجمة أحمد بن عبد الملك بن شهيد
ومما زين الله به دولة الناصر وزراؤه الذين من جملتهم ابن شهيد قال في المطمح أحمد بن عبد الملك بن عمر بن شهيد مفخر الإمامة وزهر تلك الكمامة وحاجب الناصر عبد الرحمن وحامل الوزارتين على سموهما في ذلك الزمان استقل بالوزارة على ثقلها وتصرف فيها كيف شاء على حد نظرها والتفاف مقلها فظهر على أولئك الوزراء واشتهر مع كثرة النظراء وكانت إمارة عبد الرحمن أسعد إمارة بعد عنها كل نفس بالسوء أمارة فلم يطرقها صرف ولم يرمقها محذور بطرف ففرع الناس فيها هضاب الأماني ورباها ورتعت ظباؤها في ظلال ظباها وهو أسد على براثنه رابض وبطل أبدا على قائم سيفه قابض يروع الروم طيفه ويجوس خلال تلك الديار خوفه ويروى بل يحسم كل آونة سيفه وابن شهيد ينتج الآراء ويلقحها وينقد تلك الأنحاء وينقحها والدولة مشتملة بغنائه متجملة بسنائه وكرمه منتشر على الآمال ويكسو الأولياء بذلك الإجمال وكان له أدب تزخر لججه وتبهر حججه وشعره رقيق لا ينقد ويكاد من اللطافة يعقد فمن ذلك قوله
( ترى البدر منها طالعا فكأنما
____________________
(1/380)


( بعيدة مهوى القرط مخطفة الحشا ** ومفعمة الخلخال مفعمة القلب )
( من اللاء لم يرحلن فوق رواحل ** ولا سرن يوما في ركاب ولا ركب )
( ولا أبرزتهن المدام لنشوة وشدو كما تشدو القيان على الشرب )
وكان بينه وبين الوزير عبد الملك بن جهور متولي الأمر معه ومشاركه في التدبير إذا حضر مجتمعه منافسة لم تنفصل لهما بها مداخلة ولا ملابسة وكلاهما يتربص بصاحبه دائرة السوء وبغص به غصص الأفق بالنوء فاجتاز يوما على ربضه ومال إلى زيارته ولم تكن من غرضه فلما استأمر عليه تأخر خروج الإذن إليه فثنى عنانه حنقا من حجابه وضجرا من حجابه وكتب إليه معرضا وكان يلقب بالحمار
( أتيناك لا عن حاجة عرضت لنا ** إليك ولا قلب إليك مشوق )
( ولكننا زرنا بفضل حلومنا ** حمارا تولى برنا بعقوق )
فراجعه ابن جهور يغض منه بما كان يشيع عنه بأن جده أبا هشام كان بيطارا بالشام بقوله
( حجبناك لما زرتنا غير تائق ** بقلب عدو في ثياب صديق )
( وما كان بيطار الشآم بموضع ** يباشر فيه برنا بخليق
ومن شعره قوله يتغزل
( حلفت بمن رمى فأصاب قلبي ** وقلبه على جمر الصدود )
( لقد أودى تذكره بقلبي ** ولست أشك أن النفس تودي
____________________
(1/381)


( فقيد وهو موجود بقلبي ** فواعجبا لموجود فقيد )
وقد تقدم الكلام على هدية ابن شهيد وبعض أخباره رحمة الله عليه الحكم المستنصر
ولما توفي الناصر لدين الله تولى الخلافة بعده ولي عهده الحكم المستنصر بالله فجرى على رسمه ولم يفقد من ترتيبه إلا شخصه وولي حجابته جعفر المصحفي وأهدى له يوم ولايته هدية كان فيها من الأصناف ما ذكره ابن حيان في المقتبس وهي مائة مملوك من الإفرنج ناشئة على خيول صافنة كاملو الشكة والأسلحة من السيوف والرماح والدرق والتراس والقلانس الهندية وثلاثمائة ونيف وعشرون درعا مختلفة الأجناس وثلاثمائة خوذة كذلك ومائة بيضة هندية وخمسون خوذة خشبية من بيضات الفرنجة من غير الخشب يسمونها الطشطانة وثلاثمائة حربة إفرنجية ومائة ترس سلطانية وعشرة جواشن فضة مذهبة وخمسة وعشرون قرنا مذهبة من قرون الجاموس انتهى
قال ابن خلدون ولأول وفاة الناصر طمع الجلالقة في الثغور فغزا الحكم المستنصر بنفسه واقتحم بلد فرذلند بن غندشلب
____________________
(1/382)