Advertisement

نفح الطيب 002



نفخ الطيب من غصن الأندلس الرطيب
أحمد بن محمد المقري التلمساني
سنة الولادة 986/ سنة الوفاة
تحقيق د. إحسان عباس
الناشر دار صادر
سنة النشر 1388هـ
مكان النشر بيروت
عدد الأجزاء 8 وفتحها عنوة واستباحها وقفل فبادروا إلى عقد السلم معه وانقبضوا عما كانوا فيه ثم أغزى غالبا مولاه بلاد جليقية وسار إلى مدينة سالم لدخول دار الحرب فجمع له الجلالقة ولقيهم فهزمهم واستباحهم وأوطأ العساكر بلد فرذلند ودوخها وكان شانجة بن رذمير ملك البشكنس قد انتقض فأغزاه الحكم التجيبي صاحب سرقسطة في العساكر وجاء ملك الجلالقة لنصره فهزمهم وامتنعوا بقورية وعاثوا في نواحيها وقفل ثم أغزى الحكم أحمد بن يعلى ويحيى بن محمد التجيبي إلى بلاد برشلونة فعاثت العساكر في نواحيها وأغزى هذيل بن هاشم ومولاه غالبا إلى بلاد القومس فعاثا فيها وقفلا وعظمت فتوحات الحكم وقواد الثغور في كل ناحية وكان من أعظمها فتح قلهرة من بلاد البشكنس على يد غالب فعمرها الحكم واعتنى بها ثم فتح ق طوبية على يد قائد وشقة وغنم فيها من الأموال والسلاح والأقوات والأثاث وفي بسيطها من الغنم والبقر والرمك والأطعمة والسبي ما لايحصى
وفي سنة أربع وخمسين سار غالب إلى بلد ألبة ومعه يحيى بن محمد ا لتجيبي وقاسم بن مطرف بن ذي النون فابتنى حصن غرماج ودوخ بلادهم وانصرف
وظهرت في هذه السنة مراكب المجوس في البحر الكبير وأفسدوا
____________________
(1/383)

القواد لاحتراس السواحل وأمر قائد البحر عبد الرحمن بن رماحس بتعجيل حركة الأسطول ثم وردت الاخبار بأن العساكر نالت منهم في كل جهة من السواحل
ثم كانت وفادة أردون بن أذفونش ملك الجلالقة وذلك أن الناصر لما أعان عليه شانجة بن رذمير وهو ابن عمه وهو الملك من قبل أردون وحمل النصرانية على طاعته واستظهر أردون بصهره فرذلند قومس قشتيلة توقع مظاهرة الحكم لشانجة كما ظاهره أبوه الناصر فبادر إلى الوفادة على الحكم مشتجيرا به فاحتفل لقدومه وعبى العساكر ليوم وفادته وكان يوما مشهودا وصفه ابن حيان كما وصف أيام الوفادات قبله ووصل إلى الحكم وأجلسه ووعده بالنصر من عدوه وخلع عليه وكتب بوصوله ملقيا بنفسه وعاقده على موالاة الإسلام ومقاطعة فرذلند القومس وأعطى على ذلك صفقة يمينه ورهن ولده غرسية ودفعت الصلات والحملان له ولأصحابه وانصرف معه وجوه نصارى الذمة ليوطدوا له الطاعة عند رعيته ويقبضوا رهنه
وعند ذلك بعث ابن عمه شانجة بن رذمير ببيعته وطاعته مع قواميس أهل جليقية وسمورة وأساقفتهم يرغب في قبوله ويمت بما فعل ابوه الناصر معه فتقبل بيعتهم على شروط شرطها كان منها هدم الحصون والأبراج القريبة من ثغور المسلمين
ثم بعث ملكا برشلونة وطركونة وغيرهما يسألان تجديد الصلح وإقرارهما على ما كانا عليه وبعثا بهدية وهي عشرون صبيا من الخصيان الصقالبة وعشرون قنطارا من صوف السمور وهمسة قناطير من القصدير وعشرة أدراع صقلبية
____________________
(1/384)

الحصون التي تضر بالثغور وأن لا يظاهروا عليه أهل ملتهم وأن ينذروا بما يكون من النصارى في الإجلاب على المسلمين
ثم وصلت رسل غرسية بن شانجة مك البشكنس في جماعة من الأساقفة والقواميس يسألون الصلح بعد أن كان توقف وأظهر المكر فقعد لهم الحكم فاغتبطوا ورجعوا
ثم وفدت على الحكم أم لذريق بن بلاشك القومس بالغرب من جليقية وهو القومس الأكبر فأخرج الحكم لتلقيها أهل دولته واحتفل لقدومها في يوم مشهود مشهور فوصلت وأسعفت وعقد السلم لابنها كما رغبت ودفع لها مالا تقسمه بين وفدها دون ما وصلت به هي وحملت على بغلة فارهة بسرج ولجام مثقلين بالذهب وملحفة ديباج ثم عاودت مجلس الحكم للوداع فعاودها بالصلات لسفرها وانطلقت
ثم أوطأ عساكره ارض العدوة من المغرب الأقصى والأوسط وتلقى دعوته ملوك زناتة من مغراوة ومكناسة فبثوها في أعمالهم وخطبوا بها على منابرهم وزاحموا بها دعوة الشيعة فيما بينهم ووفد عليه من بني خزر وبنى أبي العافية فأجزل صلتهم وأكرم وفادتهم وأحسن منصرفهم واستنزل بني إدريس من ملكهم بالعدوة في ناحية الريف وأجازهم البحر إلى قرطبة ثم جلاهم إلى الإسكندرية
وكان محبا للعلوم مكرما لأهلها جماعا للكتب في أنواعها بما لم يجمعه أحد من الملوك قبله قال أبو محمد بن حزم أخبرني تليد الخصي وكان على خزانة العلوم والكتب بدار بني مروان أن عدد الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة وفي كل فهرسة
____________________
(1/385)

إلا ذكر أسماء الدواوين لا غير وأقام للعلم والعلماء سوقا نافقة جلبت إليها بضائعه من كل قطر ووفد على أبيه أبو علي القالي صاحب كتاب الأمالي من بغداد فأكرم مثواه وحسنت منزلته عنده وأورث أهل الأندلس علمه واختص بالحكم المستنصر واستفاد علمه وكن يبعث في الكتب إلى الأقطار رجالا من التجار ويرسل إليهم الأموال لشرائها حتى جلب منها إلى الأندلس ما لميعهدوه وبعث في كتاب الأغاني إلى مصنفه أبي الفرج الأصفهاني وكان نسبه في بني امية وأرسل إليه فيه بألف دينار من الذهب العين فبعث إليه بنسخة منه قبل أن يخرجه إلى العراق وكذلك فعل مع القاضي أبي بكر الأبهري المالكي في شرحه لمختصر ابن عبد الحكم وأمثال ذلك وجمع بداره الحذاق في صناعة النسخ والمهرة في الضبط والإجادة في التجليد فأوعى من ذلك كله واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من بعده إلا ما يذكر عن الناصر العباسي بن المستضيء ولم تزل هذه الكتب بقصر قرطبة إلى أن بيع أكثرها في حصار البربر وأمر بإخراجها وبيعها الحاجب واضح من موالي المنصور بن أبي عامر ونهب ما بقي منها عند دخول البربر قرطبة واقتحامهم إياها عنوى انتهى كلام ابن خلدون ببعض اختصار
ولنبسط الكلام على الحكم فنقول إن الحكم المستنصر اعتلى سرير الملك ثاني يوم وفاة أبيه يوم الخميس وقام بأعباء الملك أتم قيام وأنفذ الكتب إلى الآفاق بتمام الأمر له ودعا الناس إلى بيعته واستقبل من يومه النظر في تمهيد سلطانه وتثقيف مملكته وضبط قصوره وترتيب أجناده وأول ما أخذ
____________________
(1/386)

البيعة على صقالبة قصره الفتيان المعروفين بالخلفاء الأكابر كجعفر صاحب الخيل والطراز وغيره من عظمائهم وتكفلوا بأخذها على من وراءهم وتحت أيديهم من طبقتهم وغيرهم وأوصل إلى نفسه في الليل دون هؤلاء الاكابر من الكتاب والوصفاء والمقدمين والعرفاء فبايعوه فلما كملت بيعة أهل القصر تقدم إلى عظيم دولته جعفر بن عثمان بالنهوض إلى أخيه شقيقه أبي مروان عبيد الله المتخلف بأن يلزمه الحضور للبيعة دون معذرة وتقدم إلى موسى بن أحمد بن حدير بالنهوض أيضا إلى أبي الأصبغ عبد العزيز شقيقه الثاني فمضى إليهما كل واحد منهما في قطيع من الجند وأتيا بهما إلى قصر مدينة الزهراء ونفذ غيرهما من وجوه الرجال في الخيل لإتيان غيرهما من الإخوة وكانوا يومئذ ثمانية فوافى جميعهم الزهراء في الليل فنزلوا في مراتبهم بفصلان دار الملك وقعدوا في المجلسين الشرقي والغربي وقعد المستنصر بالله على سرير الملك في البهو الأوسط من الأبهاء المذهبة القبلية التي في السطح الممرد فأول من وصل إليه الإخوة فبايعوه وأنصتوا لصحيفة البيعة والتزموا الأيمان المنصوصة بكل ما انعقد فيها ثم بايع بعدهم الوزراء وأولادهم وإخوتهم ثم أصحاب الشرطة وطبقات أهل الخدمة وقعد الإخوة والوزراء والوجوه عن يمينه وشماله إلا عيسى بن فطيس فإنه كان قائما يأخذ البيعة على الناس وقام الترتيب على الرسم في مجالس الاحتفال المعروفة فاصطف في المجلس الذي قعد فيه أكابر الفتيان يمينا وشمالا إلى آخر البهوكل منهم على قدره في المنزلة عليهم الظهائر البيض شعار الحزن قد تقلدوا فوقها السيوف ثم تلاهم الفتيان الوصفاء عليهم الدروع السابغة والسيوف الحالية صفين منتظمين في السطح وفي الفصلان المتصلة به ذوو الأسنان من الفتيان الصقالبة الخصيان لابسين البياض بأيديهم السيوف يتصل بهم من دونهم من طبقات
____________________
(1/387)

الخصيان الصقالبة ثم تلاهم الرماة متنكبين قسيهم وجعابهم ثم وصلت صفوف هؤلاء الخصيان الصقالبة صفوف العبيد الفحول شاكين في الأسلحة الرائقة والعدة الكاملة وقامت التعبية في دار الجند والترتيب من رجاله العبيد عليهم الجواشن والأقبية البيض وعلى رؤوسهم البيضات الصقيلة وبأيديهم التراس الملونة والأسلحة المزينة انتظموا صفين إلى آخر الفصل وعلى باب السدة الأعظم البوابون وأعوانهم ومن خارج باب السدة فرسان العبيد إلى باب الأقباء واتصل بهم فرسان الحشم وطبقات الجند والعبيد والرماة موكبا إثر موكب إلى باب المدينة الشارع إلى الصحراء فلما تمت البيعة أذن للناس بالانفضاض إلا الإخوة والوزرء وأهل الخدمة فإنهم مكثوا بقصر الزهراء إلى أن احتمل جسد الناصر رحمه الله إلى قصر قرطبة للدفن هنالك في تربة الخلفاء
وفي ذي الحجة من سنة خمسين تكاثرت الوفود بباب الخليفة الحكم من البلاد للبيعة والتماس المطالب من أهل طليطلة وغيرها من قواعد الأندلس وأصقاعها فتوصلوا إلى مجلس الخليفة بمحضر جميع الوزراء والقاضي منذر ابن سعيد والملأ فأخذت عليهم البيعة ووقعت الشهادات في نسخها وفود أردون على المستنصر
وفي آخر صفر من سنة إحدى وخمسين أخرج الخليفة الحكم المستنصر بالله مولييه محمدا وزيادا ابني أفلح الناصري بكتيبة من الحشم لتلقي غالب الناصري صاحب مدينة سالم المورد للطاغية أردون بن أذفونش الخبيث في الدولة المتملك على طوائف من أمم الجلالقة والمنازع لابن عمه المملك قبله شانجة بن رذمير وتبرع هذا
____________________
(1/388)

طالب إذن ولا مستظهر بعهد وذلك عندما بلغه اعتزام الحكم المستنصر بالله في عامه ذلك على الغزو إليه وأخذه في التأهب له فاحتال في تأميل المستنصر بالله والارتماء عليه وخرج قبل أمان يعقد له أو ذمة تعصمه في عشرين رجلا من وجوه أصحابه تكنفهم غالب الناصري الذي خرجوا إليه فجاء به نحو مولاه الحكم وتلقاهم ابنا أفلح بالجيش المذكور فأنزلاهم ثم تحركا بهم ثاني يوم نزولهم إلى قرطبة فأخرج المستنصر بالله إليهم هشاما المصحفي في جيش عظيم كامل التعبية وتقدموا إلى باب قرطبة فمروا بباب قصرها فلما انتهى أردون إلى ما بين باب السدة وباب الجنان سأل عن مكان رمس الناصر لدين الله فأشير إلى ما يوازي موضعه من داخل القصر في الروضة فخلع قلنسوته وخضع نحو مكان القبر ودعا ثم رد قلنسوته إلى رأسه وأمر المستنصر بإنزال أردون في دار الناعورة وقد كان تقدم في فرشها بضروب الغطاء والوطاء وانتهى من ذلك إلى الغابة وتوسع له في الكرامة ولأصحابه فأقام بها الخميس والجمعة فلما كان يوم السبت تقدم المستنصر بالله باستدعاء أردون ومن معه بعد إقامة الترتيب وتعبية الجيوش والاحتفال في ذلك من العدد والأسلحة والزينة وقعد المستنصر بالله على سرير الملك في المجلس الشرقي من مجالس السطح وقعد الإخوة وبنوهم والوزراء ونظراؤهم صفا في المجلس فيهم القاضي منذر بن سعيد والحكام والفقهاء فأتى محمد بن القاسم بن طملس بالملك أردون وأصحابه وعالي لبوسه ثوب ديباجي رومي أبيض وبليوال من جنسه وفي لونه وعلى رأسه قلنسوة رومية
____________________
(1/389)

بجوهر وقد حفته جماعة من نصارى وجوه الذمة بالأندلس يؤنسونه ويبصرونه فيهم وليد بن خيزران قاضي النصارى بقرطبة وعبيد الله بن قاسم مطران طليطلة وغيرهما فدخل بين صفي الترتيب يقلب الطرف في نظم الصفوف ويجيل الفكر في كثرتها وتظاهر أسحلتها ورائق حليتها فراعهم ما أبصروه وصلبوا على وجوههم وتأملوا ناكسي رؤوسهم غاضين من أجفانهم قد سكرت أبصارهم حتى وصلوا إلى باب الأقباء أول باب قصر الزهراء فترجل جميع من كان خرج إلى لقائه وتقدم الملك أردون وخاصة قوامسه على دوابهم حتى انتهوا إلى باب السدة فأمر القوامس بالترجل هنالك والمشي على الأقدام فترجلوا ودخل الملك أردون وحده راكبا مع محمد بن طملس فأنزل في برطل البهو الأوسط من الأبهاء القبلية التي بدار الجند على كرسي مرتفع مكسوالأوصال بالفضة وفي هذا المكان بعينه نزل قبله عدوه ومناوئه شانجة بن رذمير الوافد على الناصر لدين الله رحمه الله تعالى فقعد أردون على الكرسي وقعد أصحابه بين يديه وخرج الإذن لأردون الملك من المستنصر بالله بالدخول عليه فتقدم يمشي وأصحابه يتبعونه إلى أن وصل إلى السطح فلما قابل المجلس الشرقي الذي فيه المستنصر بالله وقف وكشف رأسه وخلع برنسه وبقي حاسرا إعظاما لما بان له من الدنو إلى السرير واستنهض فمضي بين الصفين المرتبين في ساحة السطح إلى أن قطع السطح وانتهى إلى باب
____________________
(1/390)

خر ساجدا سويعة ثم استوى قائما ثم نهض خطوات وعاد إلى السجود ووالى ذلك مرارا إلى أن قدم بين يدي الخليفة واهوى إلى يده فناوله إياها وكر راكعا مقهقرا على عقبه إلى وساد ديباج مثقل بالذهب جعل له هنالك ووضع على قدر عشرة أذرع من السرير فجلس عليه والبهر قد علاه وأنهض خلفه من استدنى من قوامسه وأتباعه فدنوا ممتثلين في تكرير الخنوع وناولهم الخليفة يده فقبلوها وانصرفوا مقهقرين فوقفوا على رأس ملكهم ووصل بوصولهم وليد بن خيزران قاضي النصارى بقرطبة فكان الترجمان عن الملك أردون ذلك اليوم فأطرق الحكم عن تكليم الملك أردون إثر قعوده أمامه وقتا كيما يفرخ روعة فلما رأى أن قد خفض عليه افتتح تكليمه فقال ليسرك إقبالك ويغبطك تأميلك فلدينا لك من حسن رأينا ورحب قبولنا فوق ما قد طلبته فلما ترجم له كلامه إياه تطلق وجه أردون وانحط عن مترتبته فقبل البساط وقال أنا عبد أمير المؤمنين مولاي المتروك على فضله القاصد إلى مجده المحكم في نفسه ورجاله فحيث وضعني من فضله وعوضني من خدمته رجوت أن أتقدم فيه بينة صادقة ونصيحة خالصة فقال له الخليفة أنت عندنا بمحل من يستحق حسن رأينا وسينالك من تقديمنا لك وتفضيلنا إياك على أهل ملتك ما يغبطك وتتعرف به فضل جنوحك إلينا واستظلالك بظل سلطاننا فعاد أردون إلى السجود عند فهمه مقالة الخليفة وابتهل داعيا وقال إن شانجة ابن عمي تقدم إلى الخليفة الماضي مستجيرا به مني فكان من إعزازه إياه ما بكون من مثله من أعاظم الملوك وأكارم الخلفاء لمن قصدهم وأملهم وكان قصده قصد مضطر قد شنأته رعيته وأنكرت سيرته واختارتني لمكانه من غير سعي مني علم الله ذلك ولا دعاء إليه فخلعته وأخرجته عن ملكه مضطرا مضطهدا فتطول عليه رحمه الله
____________________
(1/391)

وقوي سلطانه وأعز نصره ومع ذلك فلم يقم بفرض النعمة التي أسديت إليه وقصر في أداء المفروض عليه وحقه وحق مولاي أمير المؤمنين من بعده وأنا قد قصدت باب أمير المؤمنين لغير ضرورة من قرارة سلطاني وموضع أحكامي محكما له في نفسي ورجالي ومعاقلي ومن تحويه من رعيتي فشتان ما بيننا بقوة الثقة ومطرح الهمة فقال الخليفة قد سمعنا قولك وفهمنا مغزاك وسوف يظهر من إقراضنا إياك على الخصوصية شأنه ويترادف من إحساننا إليك أضعاف ما كان من أبينا رضي الله تعالى عنه إلى ندك وإن كان له فضل التقدم بالجنوح إلينا والقصد إلى سلطاننا فليس ذلك مما يؤخرك عنه ولا ينقصك مما أنلناك وسنصرفك مغبوطا إلى بلدك ونشد أواخي ملكك ونملكك جميع من انحاش إليك من أمتك ونعقد لك بذلك كتابا يكون بيدك نقرر به حد ما بينك وبين ابن عمك ونقبضه عن كل ما يصرفه من البلاد إلى يدك وسيترادف عليك من إفضالنا فوق ما احتسبه والله على ما نقول وكيل
فكرر أردون الخضوع ت وأسهب في الشكر وقام للانصراف مقهقرا لا يولي الخليفة ظهره وقد تكنفه الفتيان فأخرجوه إلى المجلس الغربي في السطح وقد علاه البهر وأذهله الروع من هول ما باشره وجلالة ما عاينه من فخامة الخليفة وبهاء العزة فلما أن دخل المجلس ووقعت عينه على مقعد أمير المؤمنين خاليا منه انحط ساجدا إعظاما له ثم تقدم الفتيان به إلى البهو الذي بجوفي هذا المجلس فأجلسوه هنالك على وساد مثقل بالذهب وأقبل نحوه الحاجب جعفر فلما
____________________
(1/392)

فقبضها الحاجب عنه وانحنى إليه فعانقه وجلس معه فغبطه ووعده من إنجاز عدات الخليفة له بما ضاعف سروره ثم أمر الحاجب جعفر فصبت عليه الخلع التي أمر له بها الخليفة وكانت دراعة منسوجة بالذهب وبرنسا مثلها له لوزة مفرغة من خالص التبر مرصعة بالجوهر والياقوت ملأت عين العلج تجلة فخر ساجدا وأعلن بالدعاء ثم دعا الحاجب أصحابه رجلا رجلا فخلع عليهم على قدر استحقاقهم فكمل جميع ذلك بحسب ما يصلح لهم وخر جميعهم خانعين شاكرين ثم انطلق الملك أردون وأصحابه وقدم لركابه في أول البهو الأوسط فرس من عتاق خيل الركاب عليه سرج حلي ولجام حلي مفرغ وانصرف مع ابن طملس إلى قصر الرصافة مكان تضييفه وقد أعد له فيه كل ما يصلح لمثله من الآلة والفرش والماعون واستقر أصحابه فيما لا كفاء له من سعة التضييف وإرغاد المعاش
واستشعر الناس من مسرة هذا اليوم وعزة الإسلام فيه ما أفاضوا في التبجح به والتحدث عنه أياما وكانت للخطباء والشعراء بمجلس الخليفة في هذا اليوم مقامات حسان وإنشادات لأشعار محكمة متان يطول القول في اختيارها فمن ذلك قول عبد الملك بن سعيد المرادي من قصيدة حيث يقول
( ملك الخليفة آية الإقبال ** وسعوده موصولة بتوالي )
( والمسلمون بعزة وبرفعة ** والمشركون بذلة وسفال )
( ألقت بأيديها الأعاجم نحوه ** متوقعين لصولة الرئبال )
( هذا أميرهم أتاه آخذا ** منه أواصر ذمة وحبال )
( متواضعا لجلاله متخشعا ** متبرعا لما يرع بقتال )
( سينال بالتأميل للملك الرضى ** عزا يعم عداه الإذلال )
____________________
(1/393)


( لا يوم أعظم للولاة مسرة ** وأشده غيظا على الإقيال )
( من يوم أردون الذي إقباله ** أمل المدى ونهاية الإقبال )
( ملك الأعاجم كلها ابن ملوكها ** والي الرعاة وللأعاجم والي )
( إن كان جاء ضرورة فلقد أتى ** عن عز مملكة وطوع رجال )
( فالحمد لله المنيل إمامنا ** حظ الملوك بقدره المتعالي )
( هو يوم حشر الناس إلا أنهم ** لم يسألوا فيه عن الأعمال )
( أضحى الفضاء مفعما بجيوشه ** والأفق أقتم أغبر السربال )
( لا يهتدي الساري لليل قتامة ** إلا بضوء صوارم وعوالي )
( وكأن أجسام الكماة تسربلت ** مذ عريت عنه جسوم صلال )
( وكأنما العقبان عقبان الفلا ** منقضة لتخطف الضلال )
( وكأن منتصب القنا مهتزة ** أشطان نازحة بعيدة جال )
( وكأنما قبل التجافيف اكتست ** نارا توهجها بلا إشعال )
عود إلى سيرة الحكم
وقال بعض المؤرخين في حق الحكم المستنصر عن فتاه تليد صاحب خزانته العلمية فيما حدث عنه الحافظ أبو محمد بن حزم إن عدة الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة في كل فهرسة عشرون ورقة ليس فيها إلا ذكر الدواوين فقط انتهى وقد قدمناه عن ابن خلدون ونقله ابن الأبار في التكملة
وقال بعض المؤرخين في حق الحكم إنه كان حسن السيرة
____________________
(1/394)

عليه جمع من الكتب ما يحد ولا يوصف كثرة ونفاسة حتى قيل إنها كانت أربعمائة ألف مجلد وإنهم لما نقلوها أقاموا ستة أشهر في نقلها وكان عالما نبيها صافي السريرة وسمع من قاسم بن أصبغ وأحمد بن دحيم ومحمد ابن عبد السلام الخشني وزكريا بن خطاب وأكثر عنه وأجاز له ثابت بن قاسم وكتب عن خلق كثير سوى هؤلاء وكان يستجلب المصنفات من الأقاليم والنواحي باذلا فيها ما أمكن من الأموال حتى ضاقت عنها خزائنه وكان ذا غرام بها قد آثر ذلك على لذات الملوك فاستوسع علمه ودق نظره وجمت استفادته وكان في المعرفة بالرجال والأخبار والأنساب أحوذيا نسيج وحده وكان ثقة فيما ينقله بهذا وصفه ابن الأبار وبأضعافه وقال عجبا لابن الفرضي وابن بشكوال كيف لم يذكراه وقلما يوجد كتاب من خزائنه إلا وله فيه قراءة أو نظر في أي فن كان ويكتب فيه نسب المؤلف ومولده ووفاته ويأتي من بعد ذلك بغرائب لا تكاد توجد إلا عنده لعنايته بهذا الشأن
ومما ينسب إليه من النظم قوله
( إلى الله أشكو من شمائل مترف ** علي ظلوم لا يدين بما دنت )
( نأت عنه داري فاستزاد صدوده ** وإني على وجدي القديم كما كنت )
( ولو كنت أدري أن شوقي بالغ ** من الوجد ما بلغته لم أكن بنت )
وقوله
( عجبت وقد ودعتها كيف لم أمت ** وكيف انثنت بعد الوداع يدي معي )
( فيما مقلتي العبرى عليها
____________________
(1/395)

وتوفي رحمه الله تعالى بقصر قرطبة ثاني صفر سنة ست وستين وثلاثمائة لست عشرة سنة من خلافته وكان أصابه الفالج فلزم الفراش إلى أن هلك رحمه الله تعالى وكان قد شدد في إبطال الخمر في مملكته تشديدا عظيما خلافة هشام بن الحكم وتسلط المنصور بن أبي عامر
وولي بعده ابنه هشام صغيرا سنة تسع سنين ولا ينافيه قول ابن خلدون قد ناهز الحلم وكان الحكم قد استوزر له محمد بن أبي عامر ونقله من خطة القضاء إلى وزارته وفوض إليه أموره فاستقل
قال ابن خلدون وترقب حال ابن أبي عامر عند الحكم فلما توفي الحكم وبويع هشام ولقب المؤيد بعد أن قتل ليلتئذ المغيرة أخو الحكم المرشح لأمره تناول الفتك به محمد بن أبي عامر هذا بممالأة من جعفر بن عثمان المصحفي حاجب أبيه وغالب مولى الحكم مدينة سالم ومن خصيان القصر يومئذ ورؤسائهم فائق وجؤذر فقتل ابن أبي عامر المغيرة بممالأة من ذكر وتمت البيعة لهشام ثم سما لابن لأبي عامر أمل في التغلب على هشام لمكانه في السن وثاب له رأي في الاستبداد فمكر بأهل الدولة وضرب بين رجالها وقتل بعضا ببعض وكان من رجال اليمنية من معافر دخل جده عبد الملك مع طارق وكان عظيما في قومه وكان له في الفتح أثر وعظم ابن أبي عامر هذا وغلب على المؤيد ومنع الوزراء من الوصول إليه إلا في في النادر من الأيام يسلمون وينصرفون وأرضخ للجند في العطاء وأعلى مراتب العلماء وقمع أهل البدع وكان ذا عقل ورأي وشجاعة وبصر بالحروب ودين متين ثم تجرد لرؤساء الدولة ممن عانده وزاحمه فمال عليهم
____________________
(1/396)

مراتبهم وقتل بعضا ببعض كل ذلك عن أمر هشام وخطه وتوقيعه حتى استأصلهم وفرق جموعهم وأول ما بدأ بالصقالبة الخصيان الخدام بالقصر فحمل الحاجب المصحفي على نكبتهم فنكبهم وأخرجهم من القصر وكانوا ثمانمائة أو يزيدون ثم أصهر إلى غالب مولى الحكم وبالغ في خدمته والتنصح له واستعان به على المصحفي فنكبه ومحا أثره من الدولة ثم استعان على غالب بجعفر بن علي بن حمدون صاحب المسيلة وقائد الشيعة ممدوح ابن هانىء بالفائية المشهورة وغيرها وهو النازع إلى الحكم أول الدولة بمن كان معه من زناته والبربر ثم قتل جعفرا بممالأة ابن عبد الودود وابن جهور وابن ذي النون وأمثالهم من أولياء الدولة من العرب وغيرهم ثم لما خلا الجو من أولياء الخلافة والمرشحين للرياسة رجع إلى الجند فاستدعى أهل العدوة من رجال زناتة والبرابرة فرتب منهم جندا واصطنع أولياء وعرف عرفاء من صنهاجة ومغراوة وبني يفرن وبني برزال ومكناسة وغيرهم فتغلب على هشام وحجره واستولى على الدولة وملأ الدنيا وهو في جوف بيته من تعظيم الخلافة والخضوع لها ورد الأمور إليها وترديد الغزو والجهاد وقدم رجال البرابرة وزناتة وأخر رجال العرب وأسقطهم عن مراتبهم فتم له ما أراد من الاستقلال بالملك والاستبداد بالأمر وبنى لنفسه مدنة لنزله سماها الزاهرة ونقل إليها خزائن الأموال والأسلحة وقعد على سرير الملك وأمر أن يحيا بتحية الملوك وتسمى بالحاجب المنصور ونفذت الكتب والمخاطبات والأوامر باسمه وأمر بالدعاء له على المنابر باسمه عقب الدعاء للخليفة ومحا رسم الخلافة بالجملة ولم يبق لهشام المؤيد من رسوم الخلافة أكثر من الدعاء
____________________
(1/397)

المنابر وكتب اسمه في السكة والطرز وأغفل ديوانه مما سوى ذلك وجند البرابرة والمماليك واستكثر من العبيد والعلوج للاستيلاء على تلك الرتبة وقهر من تطاول إليها من العلية فظفر من ذلك بما أراد وردد الغزو بنفسه إلى دار الحرب فغزا ستا وخمسين غزوة في سائر أيام ملكه لم تنتكس له فيها راية ولا فل له جيش وما أصيب له بعث وما هلكت له سرية وأجاز عساكره إلى العدوة وضرب بين ملوك البرابرة وضرب بعضهم ببعض فاستوثق له ملك المغرب وأخبتت له ملوك زناتة وانقادوا لحكمه وأطاعوا سلطانه وأجاز ابنه عبد الملك إلى ملوك مغراوة بفاس من آل خزر ولما سخط زيري بن عطية ملكهم لما بلغه ما بلغه من إعلانه بالنيل منه والغض من منصبه والتأفف لحجر الخليفة هشام أوقع به عبد الملك سنة ست وثمانين ونزل بفاس وملكها وعقد لملوك زناتة على ممالك المغرب وأعماله من سجلماسة وغيرها وشرد زيري بن عطية إلى تاهرت فأبعد المفر وهلك في مفره ذلك ثم قفل عبد الملك إلى قرطبة واستعمل واضحا على المغرب وهلك المنصور أعظم ما كان ملكا وأشد استيلاء سنة أربع وتسعين وثلاثمائة بمدينة سالم منصرفة من بعض غزواته ودفن هنالك وذلك لسبع وعشرين سنة من ملكه انتهى كلام ابن خلدون وبعضه بالمعنى وزيادة يسيره
ولا بأس أن نزيد عليه فنقول مما حكي أنه مكتوب على قبر المنصور رحمه الله تعالى
( آثاره تنبيك عن أخباره ** حتى كأنك بالعيان تراه )
( تالله لا يأتي الزمان بمثله ** أبدا ولا يحمي الثغور سواه )
وعن شجاع مولى المستعين بن هود لما توجهت إلى
____________________
(1/398)

مدينة سالم وقد نصب على قبر المنصور بن أبي عامر سريره وامرأته متكئة إلى جانبه فقال لي يا شجاع أما تراني قد ملكت بلاد المسلمين وجلست على قبر ملكهم قال فحملتني الغيرة ان قلت له لو تنفس صاحب هذا القبر وأنت عليه ما سمع منك ما يكره سماعه ولا استقر بك قرار فهم بي فحالت امرأته بيني وبينه وقالت له صدقك فيما قال أيفخر مثلك بمثل هذا
وهذا تلخيص ترجمة المنصور من كلام ابن سعيد قال رحمه الله ترجمة الملك الأعظم المنصور أبي عامر محمد بن عبد الله بن عامر بن أبي عامر ابن الوليد بن يزيد بن عبد الملك المعافري من قرية تركش وعبد الملك جده هو الوافد على الأندلس مع طارق في أول الداخلين من العرب وأما المنصور فقد ذكره ابن حيان في كتابه المخصوص بالدولة العامرية والفتح في المطمح والحجاري في المسهب والشقندي في الطرف وذكر الجميع أن أصله من قرية تركش وأنه رحل إلى قرطبة وتأدب بها ثم اقتعد دكانا عند باب القصر يكتب فيه لمن يعن له كتب من الخدم والمرافعين للسلطان إلى أن طلبت السيدة صبح أم المؤيد من يكتب عنها فعرفها به من كان يأنس إليه بالجلوس من فتيان القصر فترقى إلى أن كتب عنها فاستحسنته ونبهت عليه الحكم ورغبت في تشريفه بالخدمة فولاه قضاء بعض المواضع فظهرت منه نجابة فترقى إلى الزكاة والمواريث بإشبيلية وتمكن في قلب السيدة بما استمالها به من التحف والخدمة ما لم يتمكن لغيره ولم يقصر مع ذلك في خدمة المصحفي الحاجب إلى أن توفي الحكم وولي ابنه هشام المؤيد وهو ابن اثنتي عشرة سنة فجاشت الروم فجهز المصحفي ابن أبي عامر لدفاعهم فنصره الله عليهم وتمكن حبه من قلوب الناس
____________________
(1/399)

وكان جوادا عاقلا ذكيا استعان بالمصحفي على الصقالبة ثم بغالب على المصحفي وكان غالب صاحب مدينة سالم وتزوج ابن أبي عامر ابنته أسماء وكان اعظم عرس بالأندلس ثم بجعفر بن علي الأندلسي ممدوح ابن هانىء على غالب ثم بعبد الرحمن بن محمد بن هشام التجيبي على جعفر وله في الحزم والكيد والجلد ما أفرد له ابن حيان تأليفا وعدد عزواته المنشاة من قرطبة نيف وخمسون غزوة ولم تهزم له راية وقبره بمدينة سالم في أقصى شرق الأندلس
ومن شعره
( رميت بنفسي هول كل عظيمة ** وخاطرت والحر الكريم يخاطر )
( وما صاحبي إلا جنان مشيع ** وأسمر خطي وأبيض باتر )
( فسدت بنفسي أهل كل سيادة ** وفاخرت حتى لم أجد من أفاخر )
( وما شدت بنيانا ولكن زيادة ** على ما بنى عبد المليك وعامر )
( رفعنا المعالي بالعوالي حديثه ** وأورثناها في القديم معافر )
وجوده مع صاعد البغدادي اللغوي مشهور
وصدر عن بعض غزواته فكتب إليه عبد الملك بن شهيد وكان قد تخلف عنه
( أنا شيخ والشيخ يهوى الصبايا ** يا بنفسي أقيك كل الرزايا )
( ورسول الإله أسهم في الفي ** ء لمن لم يخب فيه المطايا )
فبعث إليه بثلاث جوار من أجمل السبي
____________________
(1/400)


( قد بعثنا بها كشمس النهار ** في ثلاث من المها أبكار )
( وامتحنا بعذرة البكر إن كن ** ت ترجي بوادر الإعذار )
( فاجتهد وابتدر فإنك شيخ ** قد جلا ليلة بياض النهار )
( صانك الله من كلالك فيها ** فمن العار كلة المسمار )
فافتضهن من ليلته وكتب له بكرة
( قد مضضنا ختام ذاك السوار ** واصطبغنا من النجيع الجاري )
( وصبرنا على دفاع وحرب ** فلعبنا بالدر أو بالدراري )
( وقضى الشيخ ما قضى بحسام ** ذي مضاء عضب الظبا بتار )
( فاصطنعه فليس يجزيك كفرا ** واتخذه فحلا على الكفار )
وقدم بعض التجار ومعه كيس فيه ياقوت نفيس فتجرد ليسبح في النهر وترك الكيس وكان أحمر على ثيابه فرفعته حدأة في مخالبها فجرى تابعا لها وقد ذهل فتغلغلت في البساتين وانقطعت عن عينه فرجع متحيرا فشكا ذلك إلى بعض من يأنس به فقال له صف حالك لابن أبي عامر فتلطف في وصف ذلك بين يديه فقال ننظر إن شاء الله تعالى في شأنك وجعل يستدعي أصحاب تلك البساتين ويسأل خدامها عمن ظهر عليه تبديل حال فأخبروه أن شخصا ينقل الزبل اشترى حمارا وظهر من حاله ما لم يكن قبل ذلك فأمر بمجيئه فلما وقعت عينه عليه قال له أحضر الكيس الأحمر فتملك الرعب قلبه وارتعش وقال دعني آتي به من منزلي فوكل به
____________________
(1/401)

مسرة صاحبه فجبره ودفعه إلى صاحبه فقال والله لأحدثن في مشارق الأرض ومغاربها أن ابن أبي عامر يحكم على الطيور وينصف منها والتفت ابن أبي عامر إلى الزبال فقال له لو أتيت به أغنيناك لكن تخرج كفافا لا عقابا ولا ثوابا
وتوفي رحمه الله في غزاته للإفرنج بصفر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة وحمل في سريره على أعناق الرجال وعسكره يحف به وبين يديه إلى أن وصل إلى مدينة سالم
ودامت دولته ستا وعشرين سنة غزا فيها اثنتين وخمسين غزوة واحدة في الشتاء وأخرى في الصيف انتهى كلام ابن سعيد وفي بعضه مخالفة لبعض كلام ابن خلدون الحاجب المصحفي عن المطمح
وقال الفتح في المطمح في حق المصحفي الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي ما صورته تجرد للعليا وتمرد في طلب الدنيا حتى بلغ المنى وتسوغ ذلك الجنى ووصل إلى المنتهى وحصل على ما اشتهى دون مجد تفرع من دوحته ولا فخر نشأ بين مغداه وروحته فسما دون سابقة ورمى إلى رتبة لم تكن لنفسه مطابقة فبلغ بنفسه ونزع عن جنسه ولم يزل يستقل ويضطلع وينتقل من مطلع إلى مطلع حتى التاح في أفق الخلافة وارتاح إليها بعطفه كنشوان السلافة واستوزره المستنصر وعنه كان يسمع وبه يبصر
____________________
(1/402)

ما أدرك ونصب لأمانيه الحبائل والشرك فاقتنى اقتناء مدخر وأزرى بمن سواه وسخر واستعطفه ابن أبي عامر ونجمه غائر لم يلح وسره مكتوم لم يبح فما عطف ولا جنى من روضة دنياه ولا قطف وأقام في تدبير الأندلس ما أقام وبرهانه مستقيم ومن الفتن عقيم وهو يجري من السعد في ميدان رحب ويكرع من العز في مشرب عذب ويفض ختام السرور وينهض بملك على لبته مزرور وكان له أدب بارع وخاطر إلى نظم القريض مسارع فمن محاسنه التي بعثها إيناس دهره وإسعاده وقاله حين ألهته سلماه وسعاده قوله
( لعينيك في قلبي علي عيون ** وبين ضلوعي للشجون فنون )
( نصيبي من الدنيا هواك وإنه ** غذائي ولكني عليه ضنين )
وستأتي هذه الترجمة من المطمح الصغير إن شاء الله تعالى بما فيه بعض زيادة ونقصان في الباب الرابع ترجمة ابن أبي عامر في المطمح
وقال في المطمح في حق ابن أبي عامر إنه تمرس ببلاد الشرك أعظم تمرس ومحا من طواغيتها كل تعجرف وتغطرس وغادرهم صرعى البقاع وتركهم أذل من وتد بقاع ووالى على بلادهم الوقائع وسدد إلى أكبادهم سهام الفجائع وأغص بالحمام أرواحهم ونغص بتلك الآلام بكورهم ورواحهم ومن أوضح الأمور هنالك وأفصح الأخبار في ذلك أن أحد رسله كان كثير الإنتياب لذلك الجناب فسار في بعض مسيراته
____________________
(1/403)

صاحب البشكنس فوالى في إكرامه وتناهى في بره واحترامه فطالت مدته فلا متنزه إلا مر عليه متفرجا ولا منزل إلا سار عليه معرجا فحل في ذلك أكثر الكنائس هنالك فبينا هو يجول في ساحتها ويجيل العين في مساحتها إذ عرضت له امرأة قديمة الأسر قويمة على طول الكسر فكلمته وعرفته بنفسها وأعلمته وقالت له أيرضى المنصور أن ينسى بتنعمه بوسها ويتمتع بلبوس العافية وقد نضت لبوسها وزعمت أن لها عدة سنين بتلك الكنيسة محبسة وبكل ذل وصغار ملبسة وناشدته الله في إنهاء قصتها وإبراء غصتها واستحلفته بأغلظ الأيمان وأخذت عليه في ذلك اوكد مواثيق الرحمن فلما وصل إلى المنصور عرفه بما يجب تعريفه به وإعلامه وهو مصغ إليه حتى تم كلامه فلما فرغ قال له المنصور هل وقفت هناك على أمر أنكرته أم لم تقف على غير ما ذكرته فأعلمه بقصة المراة وما خرجت عنه إليه وبالمواثيق التي أخذت عليه فعتبه ولامه على أن لم يبدأ بها كلامه ثم أخذ للجهاد من فوره وعرض من من الأجناد في نجده وغوره وأصبح غازيا على سرجه مباهيا مروان يوم مرجه حتى وافى ابن شانجة في جمعه فأخذت مهابته ببصره وسمعه فبادر بالكتاب إليه يتعرف ما الجلية ويحلف له بأعظم ألية أنه ما جنى ذنبا ولا جفا عن مضجع الطاعة جنبا فعنف أرساله وقال لهم كان قد عاقدني أن لا يبقى ببلاده مأسورة وما مأسور ولو حملته في حواصلها النسور وقد بلغني بعد بقاء فلانة المسلمة في تلك الكنيسة ووالله لا أنتهي عن أرضه حتى أكتسحها فأرسل إليه المرأة في اثنتين معها وأقسم أنه ما أبصرهن ولا سمع بهن وأعلمه أن الكنيسة التي أشار بعلمها فد بالغ في هدمها تحقيقا لقوله وتضرع إليه في الأخذ فيه بطوله فاستحيا منه وصرف الجيش عنه وأوصل المرأة إلى نفسه وألحف توحشها بأنسه وغير من حالها وعاد بسواكب نعماه على جدبها وإمحالها
____________________
(1/404)

وقال في المطمح أيضا في حقه ما نصه فرد نابه على من تقدمه وصرفه واستخدمه فإنه كان أمضاهم سنانا وأذكاهم جنانا وأتمهم جلالا وأعظمهم استقلالا فآل أمره إلى ما آل وأوهم العقول بذلك المآل فإنه كان آية الله في اتفاق برفعة القدر واستظهر بالأناة وسعة الصدر وتحرك فلاح نجم الهدو سعده وقربه من الملك بعد بعده بهر وتملك فما خفق بأرضه لواء عدو بعد خمول كابد منه غصصا وشرقا وتعذر مأمول طارد فيه سهرا وأرقا حتى أنجز له الموعود وفر نحسه أمام تلك السعود فقام بتدبير الخلافة وأقعد من كان له فيها إنافة وساس الأمور أحسن سياسة وداس الخطوب بأخشن دياسة فانتظمت له الممالك واتضحت به المسالك وانتشر الأمن في كل طريق واستشعر اليمن كل فريق وملك الأندلس بضعا وعشرين حجة لم تدحض لسعادتها حجة ولم تزخر لمكروه بها لجة ليست فيه البهاء والإشراق وتنفست عن مثل أنفاس العراق وكانت أيامه أحمد أيام وسهام بأسه أسد سهام غزا الروم شاتيا وصائفا ومضى فيما يروم زاجرا وعائقا فما مر له غير سنيح ولا فاز إلا بالمعلى لا بالمنيح فأوغل في تلك الشعاب وتغلغل حتى راع ليث الغاب ومشى تحت ألويته صيد القبائل واستجرت في ظلها بيض الظبا وسمر الذوابل وهو يقتضي الأرواح بغير سوم وينتضي الصفاح على كل روم ويتلف من لا ينساق للخلافة وينقاد ويخطف منهم كل كوكب وقاد حتى استبد وانفرد وأنس إليه من الطاعة ما نفر وشرد وانتظمت له الأندلس بالعدوة واجتمعت في ملكه اجتماع قريش بدار الندوة ومع هذا لم يخلع اسم الحجابة ولم يدع السمع لخليفته والإجابة ظاهر يخالفه الباطن واسم تنافره مواقع الحكم والمواطن وأذل قبائل الأندلس
____________________
(1/405)

الأكابر فإنه قاومهم بأضدادهم واستكثر من أعدادهم حتى تغلبوا على الجمهور وسلبوا عنهم الظهور ووثبوا عليهم الوثوب المشهور الذي أعاد أكثر الأندلس قفرا يبابا وملأها وحشا وذئابا وأعراها من الأمان برهة من الزمان وعلى هذه الهيئة فهو وابنه المظفر كانا آخر سعد الأندلس وحد السرور بها والتأنس وغزواته فيها شائعة الأثر رائعة كالسيف ذي الأثر وحسبه وافر ونسبه معافر ولذا قال يفتخر رميت بنفسي . . . الأبيات وزاد هنا بعد قوله أبيض باتر بيتا وهو
( وإني لزجاء الجيوش إلى الوغى ** أسود تلاقيها أسود خوادر )
( وكانت أمه تميمة فحاز الشرف بطرفيه والتحف بمطرفيه ولذا قال القسطلي فيه
( تلاقت عليه من تميم ويعرب ** شموس تلالا في العلا وبدور )
( من الحميريين الذين أكفهم ** سحائب تهمي بالندى وبحور )
وتصرف قبل ولايته في شتى الولايات وجاء من التحدث بمنتهى أمره بآيات حتى صح زجره وجاء بصبحه فجره تؤثر عنه في ذلك أخبار فيها عجب واعتبار وكان أديبا محسنا وعالما متفننا فمن ذلك قوله يمني نفسه بملك مصر والحجاز ويستدعي صدور تلك الأعجاز
( منع العين أن تذوق المناما ** حبها أن ترى الصفا والمقاما )
( لي ديون بالشرق عند أناس ** قد أحلوا بالمشعرين الحراما )
( إن قضوها نالوا الأماني وإلا
____________________
(1/406)


( عن قريب ترى خيول هشام ** يبلغ النيل خطوها والشآما )
انتهى ما نقلته من المطمح أخبار في سيرة المنصور
وفي المنصور المذكور أيضا قال بعض مؤرخي المغرب مازجا كلامه ببعض كلام الفتح بعد ذكر استعانته ببعض الناس على بعض وذكر قتله لجعفر ابن علي فقال بعده ما صورته ثم انفرد بنفسه وصار ينادي صروف الدهر هل من مبارز فلما لم يجده حمل الدهر على حكمه فانقاد له وساعده فاستقام أمره منفردا بمملكة لا سلف له فيها ومن أوضح الدلائل على سعده أنه لم ينكب قط في حرب شهدها وما توجهت عليه هزيمة وما انصرف عن موطن إلا قاهرا غالبا على كثرة ما زاول من الحروب ومارس من الأعداء وواجه من الأمم وإنها لخاصة ما أحسب أحدا من الملوك الإسلامية شاركه فيها ومن أعظم ما أعين به مع قوة سعده وتمكن جده سعة جوده وكثرة بذله فقد كان في ذلك أعجوبة الزمان وأول ما اتكأ على أرائك الملوك وارتفق وانتشر عليه لواء السعد وخفق حط صاحبه المصحفي وأثار له كامن حقده الخفي حتى أصاره للهموم لبيسا وفي غيابات السجن حبيسا فكتب إليه يستعطفه بقوله
( هبني أسأت فأين العفو والكرم ** إذ قادني نحوك الإذعان والندم )
____________________
(1/407)


( بالغت في السخط فاصفح صفح مقتدر ** إن الملوك إذا ما استرحموا رحموا )
فما زاده ذلك إلا حنقا وحقدا وما أفادته الأبيات إلا تضرما ووقدا فراجعه بما أيأسه وأراه مرمسه وأطبق عليه محبسه وضيق تروحه من المحنة وتنفسه
( الآن يا جاهلا زلت بك القدم ** تبغي التكرم لما فاتك الكرم )
( أغريت بي ملكا لولا تثبته ** ما جاز لي عنده نطق ولا كلم )
( فايأس من العيش إذ قد صرت في طبق ** إن الملوك إذا ما استنقموا نقموا )
( نفسي إذا سخطت ليست براضية ** ولو تشفع فيك العرب والعجم )
وكان من أخباره الداخلة في أبواب البر والقربة بنيان المسجد الجامع إلى أن قال
ومن ذلك بناؤه قنطرة على نهر قرطبة الأعظم ابتدأ بناءها المنصور سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة وفرغ منها في النصف من سنة تسع وسبعين وانتهت النفقة عليها إلى مائة ألف دينار وأربعين ألف دينار فعظمت بها المنفعة وصارت صدرا في مناقبه الجليلة وكانت هنالك قطعة أرض لشيخ من العامة ولم يكن للقنطرة عدول عنها فأمرالمنصور أمناءه بإرضائه فيها فحضر الشيخ عندهم فساوموه بالقطعة وعرفوه وجه الحاجة إليها وأن المنصور لا يريد إلا إنصافه فيها فرماهم الشيخ بالغرض الأقصى عنده فيما ظنه أنها لا تخرج عنه بأقل من عشرة دنانير ذهبا كانت عنده أقصى الأمنية وشرطها صحاحا فاغتنم الأمناء غفلته ونقدوه الثمن وأشهدوا عليه ثم أخبروا المنصور بخبره فضحك من جهالته وأنف من غبنه وأمر أن يعطى عشرة أمثال
____________________
(1/408)

وتدفع له صحاحا كما قال فقبض الشيخ مائة دينار ذهبا فكاد أن يخرج من عقله وأن يجن عند قبضها من الفرح وجاء محتفلا في شكر المنصور وصارت قصته خبرا سائرا
ومن ذلك أيضا بناء قنطره على نهر إستجة وهو نهر شنيل وتجشم لها أعظم مؤنة وسهل الطريق الوعرة والشعاب الصعبة
ومن ذلك أيضا أنه خط بيده مصحفا كان يحمله معه في أسفاره يدرس فيه ويتبرك به
ومن قوة رجائه أنه اعتني بجمع ما علق بوجهه من الغبار في غزواته ومواطن جهاده فكان الخدم يأخذونه عنه بالمناديل في كل منزل من منازله حتى اجتمع له منه صرة ضخمة عهد بتصييره في حنوطه وكان يحملها حيث سار مع أكفانه توقعا لحلول منيته وقد كان اتخذ الأكفان من أطيب مكسبه من الضيعة الموروثة عن أبيه وغزل بناته وكان يسأل الله تعالى أن يتوفاه في طريق الجهاد فكان كذلك
وكان متسما بصحة باطنه واعترافه بذنبه وخوفه من ربه وكثرة جهاده وإذا ذكر بالله ذكر وإذا خوف من عقابه ازدجر ولم يزل متنزها عن كل ما يفتتن به الملوك سوى الخمر لكنه أقلع عنها قبل موته بسنتين وكان عدله في الخاصة والعامة وبسط الحق على الأقرب فالأقرب من خاصته وحاشيته أمرا مضروبا به المثل
ومن عدله أنه وقف عليه رجل من العامة بمجلسه فنادى يا ناصر الحق إن لي مظلمة عند ذلك الوصيف الذي على رأسك وأشار إلى الفتى صاحب الدرقة وكان له فضل محل عنده ثم قال وقد دعوته إلى الحاكم فلم يأت فقال له المنصور أوعبد الرحمن بن
____________________
(1/409)

نظنه أمضى من ذلك اذكر مظلمتك يا هذا فذكر الرجل معاملة كانت جارية بينهما فقطعها من غير نصف فقال المنصور ما أعلم بليتنا بهذه الحاشية ثم نظر إلى الصقلبي وقد ذهل عقله فقال له ادفع الدرقة إلى فلان وانزل صاغرا وساو خصمك في مقامه حتى يرفعك الحق أو أيضعك ففعل ومثل بين يديه ثم قال لصاحب شرطته الخاص به خذ بيد هذا الفاسق الظالم وقدمه مع خصمه إلى صاحب المظالم لينفذ عليه حكمه بأغلظ ما يوجبه الحق من سجن أو غيره ففعل ذلك وعاد الرجل إليه شاكرا فقال له المنصور قد انتصفت أنت اذهب لسبيلك وبقي انتصابي أنا ممن تهاون بمنزلتي فتناول الصقلبي بأنواع من المذلة وأبعده عن الخدمة
ومن ذلك قصة فتاه الكبير المعروف بالبورقي مع التاجر المغربي فإنهما تنازعا في خصومة توجهت فيها اليمين على الفتى المذكور وهو يومئذ أكبر خدم المنصور وإليه أمر داره وحرمه فدافع الحاكم وظن أن جاهه يمنع من إحلافه فصرخ التاجر بالمنصور في طريقه إلى الجامع متظلما من الفتى فوكل به في الوقت من حمله إلى الحاكم فأنصفه منه وسخط عليه المنصور وقبض نعمته منه ونفاه
ومن ذلك قصة محمد فصاد المنصور وخادمه وأمينه على نفسه فإن المنصور احتاجه يوما إلى الفصد وكان كثير التعهد له فأنفذ رسوله إلى محمد فألفاه الرسول محبوسا في سجن القاضي محمد بن زرب لحيف ظهر منه على امرأته قدر أن سبيله من الخدمة يحميه من العقوبة فلما عاد الرسول إلى المنصور بقصته أمر بإخراجه من
____________________
(1/410)

من عمله عنده ثم يرده إلى محبسه ففعل ذلك على ما رسمه وذهب الفاصد إلى شكوى ما ناله فقطع عليه المنصور وقال له يا محمد إنه القاضي وهو في عدله ولو أخذني الحق ما أطقت الامتناع منه عد إلى محبسك أو اعترف بالحق فهو الذي يطلقك فانكسر الحاجم وزالت عنه ريح العناية وبلغت قصته للقاضي فصالحه مع زوجته وزاد القاضي شدة في أحكامه
وقال ابن حيان إنه كان جالسا في بعض الليالي وكانت ليلة شديدة البرد والريح والمطر فدعا بأحد الفرسان وقال له انهض الآن إلى فج طليارش وأقم فيه فأول خاطر يخطر عليك سقه إلي قال فنهض الفارس وبقي في الفج في البرد والريح والمطر واقفا على فرسه إذ وقف عليه قرب الفجر شيخ هرم على حمار له ومعه آلة الحطب فقال له الفارس إلى أين تريد يا شيخ فقال وراء حطب فقال الفارس في نفسه هذا شيخ مسكين نهض إلى الجبل يسوق حطبا فما عسى أن يريد المنصور فيه قال فتركته فسار عني قليلا ثم فكرت في قول المنصور وخفت سطوته فنهضت إلى الشيخ وقلت له ارجع مولانا المنصور فقال له وما عسى أن يريد المنصور من شيخ مثلي سألتك بالله أن تتركني لطلب معيشتي فقال له الفارس لا أفعل ثم قدم به على المنصور ومثله بين يديه وهو جالس لم ينم ليلته تلك فقال المنصور للصقالبة فتشوه ففتشوه فلم يجدوا معه شيئا فقال فتشوا برذعة حماره فوجدوا داخلها كتابا من نصارى كانوا قد نزعوا إلى المنصور يخدمون عنده إلى أصحابهم من النصارى ليقبلوا ويضربوا في إحدى النواحي الموطومة فلما انبلج الصبح أمر بإخراج أولئك النصارى إلى
____________________
(1/411)


ثم ذكر هذا المؤرخ قصة الجوهري التي قدمنا نقلها من مغرب ابن سعيد ولكنا رأينا إعادتها بلفظ هذا المؤرخ لأنه أتم مساقا إذ قال عطفا على دهائه ومن ذلك قصة الجوهري التاجر وذلك أن رجلا جوهريا من تجار المشرق قصد المنصور من مدينة عدن بجوهر كثير وأحجار نفيسة فأخذ المنصور من ذلك ما استحسنه ودفع إلى التاجر الجوهري صرته وكانت قطعة يمانية فأخذ التاجر في انصرافه طريق الرملة على شط النهر فلما توسطها واليوم قائظ وعرقه منصب دعته نفسه إلى التبرد في النهر فوضع ثيابه وتلك الصرة على الشط فمرت حدأة فاختطفت الصرة تحسبها لحما وصاعدت في الأفق بها ذاهبة فقطعت الأفق الذي تنظر إليه عين التاجر فقامت قيامته وعلم أنه لا يقدر أن يستدفع ذلك بحيلة فأسر الحزن في نفسه ولحقه لأجل ذلك علة اضطراب فيها وحضر الدفع إلى التجار فحضر الرجل لذلك بنفسه فاستبان للمنصور ما بالرجل من المهانة والكآبة وفقد ما كان عنده من النشاط وشدة العارضة فسأله المنصور عن شأنه فأعلمه بقصته فقال له هلا أتيت إلينا بحدثان وقوع الأمر فكنا نستظهر على الحيلة فهل هديت إلى الناحية التي أخذ الطائر إليها قال مر مشرقا على سمت هذا الجبل الذي يلي قصرك يعني الرملة الساعة فمضى وجاء بهم سريعا فأمرهم بالبحث عمن غير حال الإقلال منهم سريعا وانتقل عن الإضافة دون تدرج فتناظروا في ذلك ثم قالوا يا مولانا ما نعلم إلا رجلا من ضعفائنا كان يعمل هو وأولاده بأيديهم ويتناولون السبق بأ قدامهم عجزا عن شراء دابة فابتاع اليوم دابة واكتسى
____________________
(1/412)

بالغدو إلى الباب فحضر الرجل بعينه بين يدي المنصور فاستدناه والتاجر حاضر وقا له سبب ضاع منا وسقط إليك ما فعلت به قال هوذا يا مولاي وضرب بيده إلى حجزة سراويله فأخرج الصرة بعينها فصاح التاجر طربا وكاد يطير فرحا فقال له المنصور صف لي حديثها فقال بينا أنا أعمل في جناني تحت نخلة إذ سقطت أمامي فأختها وراقني منظرها فقلت إن الطائر اختلسها من قصرك لقرب الجوار فاحترزت بها ودعتني فاقتي إلى أخذ عشرة مثاقيل عيونا كانت معها مصرورة وقلت أقل ما يكون في كرم مولاي أن يسمح لي بها فأعجب المنصور ما كان منه وقال للتاجر خذ صرتك وانظرها واصدقني عن عددها ففعل وقال وحق رأسك يا مولاي ما ضاع منها شيء سوى الدنانير التي ذكرها وقد وهبتها له فقال المنصور نحن أولى بذلك منك ولا ننغص عليك فرحك ولولا جمعه بين الإصرار والإقرار لكان ثوابه موفورا عليه ثم أمر للتاجر بعشرة دنانير عوضا من دنانيره وللجنان بعشرة دنانير ثوابا لتأنيه عن فساد ما وقع بيده وقال لو بدأنا بالاعتراف قبل البحث لأوسعنا جزاء قال فأخذ التاجر في الثناء على المنصور وقد عاوده نشاطه وقال والله لأبثن في الأقطار عظيم ملكك ولأنبئن أنك تملك طيرا أعمالك كما تملك إنسها فلا تعتصم منك ولا تمتنع ولا تؤذي جارك فضحك المنصور وقال اقصد في قولك يغفر الله لك فعجب الناس من تلطف المنصور في أمره وحيلته في تفريج كربته
ثم حكى هذا المؤرخ غزوة المنصور لمدينة شنت ياقب قاصية غليسية وأعظم مشاهد النصارى الكائنة ببلاد الأندلس وما يتصل بها من الأرض الكبيرة
____________________
(1/413)

كنيستها عندهم بمنزلة الكعبة عندنا وللكعبة المثل الأعلى فيها يحلفون وإليها يحجون من أقصى بلاد رومة وما وراءها ويزعمون أن القبر المزور فيها قبر ياقب الحواري أحد الاثنى عشر وكان أخصهم بعيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهم يسمونه أخاه للزومه إياه وياقب بلسانهم يعقوب وكان أسقفا ببيت المقدس فجعل يستقري الأرضين داعيا لمن فيها حتى انتهى إلى هذه القاصية ثم عاد إلى أرض الشام فمات بها وله مائة وعشرون سنة شمسية فاحتمل أصحابه رمته فدفنوها بهذه الكنيسة التي كانت أقصى أثره ولم يكمع أحد من ملوك الإسلام في قصدها ولا الوصول إليها لصعوبة مدخلها وخشونة مكانها وبعد شقتها فخرج المنصور إليها من قرطبة غازيا بالصائفة يوم السبت لست بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وهي غزوته الثامنة والأربعون ودخل على مدينة قورية فلما وصل إلى مدينة غليسية وافاه عدد عظيم من القوامس المتمسكين بالطاعة في رجالهم وعلى أتم احتفالهم فصاروا في عسكر المسلمين وركبوا في المغاورة سبيلهم وكان المنصور تقدم في الأندلس وجهزه برجاله البحريين وصنوف المترجلين وحمل الأقوات والأطعمة والعدد والأسلحة استظهارا على نفوذ العزيمة إلى أن خرج بموضع برتقال على نهر دويره فدخل في النهر إلى المكان الذي عمل المنصور على العبور منه فعقد هنالك من هذا الأسطول جسرا بقرب الحصن الذي هنالك ووجه المنصور ما كان فيه من الميرة إلى الجند فتوسعوا في التزود منه إلى أرض العدو ثم نهض منه يريد شنت ياقب فقطع أرضين متباعدة الأقطار
____________________
(1/414)

وقطع بالعبور عدة أنهار كبار وخلجان يمدها البحر الأخضر ثم أفضى العسكر بعد ذلك إلى بسائط جليلة من بلاد فرطارش وما يتصل بها ثم أفضى إلى جبل شامخ شديد الوعر لا مسلك فيه ولا طرق ولم يهتد الأدلاء إلى سواه فقدم المنصور الفعلة بالجديد لتوسعة شعابه وتسهيل مسالكه فقطعه العسكر وعبروا بعد وادي منيه وانبسط المسلمون بعد ذلك في بسائط عريضة وأرضين أريضة وانتهت مغيرتهم إلى دير قسطان وبسيط بلنبو على البحر المحيط وفتحوا حصن شنت بلاية وغنموه وعبروا سباحة إلى جزيرة من البحر المحيط لجأ إليها خلق عظيم من أهل تلك النواحي فسبوا من فيها ممن لجأ إليها وانتهى العسكر إلى جبل مراسية المتصل من أكثر جهاته بالبحر المحيط فتخللوا أقطاره واستخرجوا من كان فيه وحازة ا غنائمه ثم أجاز المسلمون بعد هذا خليجا في معبرين أرشد الأدلاء إليهما ثم نهر أيلة ثم أفضوا إلى بسائط واسعة العمارة كثيرة الفائدة ثم انتهوا إلى موضع من أقاصي بلادهم ومن بلاد القبط والنوبة وغيرهما فغادروه المسلمون قاعا وكان النزول بعده على مدينة شنت ياقب البائسة وذلك ويوم الأربعاء لليلتين خلتا من شعبان فوجدها المسلمون خالية من أهلها فحاز المسملون غنائمها وهدموا مصانعها وأسوارها وكنيستها وعفوا آثارها ووكل المنصور بقبر ياقب من يحفظه ويدفع الأذى عنه وكانت مصانعها بديعة محكمة فغودرت هشيما
____________________
(1/415)

كأن لم تهن بالأمس وانتسفت بعوثه بعد ذلك سائر البسائط وانتهت الجيوش إلى جزيرة شنت مانكش منقطع هذا الصفع على البحر المحيط وهي غاية لم يبلغها قبلهم مسلم ولا وطئها لغير أهلها قدم فلم يكن بعدها للخيل مجال ولا وراءها انتقال وانكفأ المنصور عن باب شنت يقب وقد بلغ غاية لم يبلغها مسلم قبله فجعل في طريقه القصد على عمل برمند بن أردون ليسقريه عائثا ومفسدا حتى وقع في عمل الفوامس المعاهدين الذين في عسكره فأمر بالكف عنها ومر مجتازا حتى خرج إلى حصن بليقية من افتتاحه فأجاز هنالك القوامس بجملتهم على أقدارهم وكساهم وكسا رجالهم وصرفهم إلى بلادهم وكتب بالفتح من بليقية وكان مبلغ ما كساه في غزواته هذه لملوك الروم ولمن حسن غناؤه من المسلمين ألفين ومائتين وخمسا وثمانين شقة من صنوف الخز الطرازي وأحدا وعشرين كساء من صوف البحر وكساءين عنبرتين وأحد عشر سقلاطونا وخمس عشرة مريشا وسبعة أنماط ديباج وثوبي ديباج رومي وفروي فنك ووافى جميع العسكر قرطبة غانما وعظمت النعمة والمنة على المسلمين ولم يجد المنصور بشنت ياقب إلا شيخا من الرهبان جالسا على القبر فسأله عن مقامه فقال أونس يعقوب فأمر بالكف عنه
قال وحدث شعلة قال قلت للمنصور ليلة طال سهره فيها قد أفرط مولانا في السهر وبدنه يحتاج إلى أكثر من هذا النوم وهو أعلم بما يحركه عدم النوم من علة العصب فقال يا شعلة الملك لا ينام إذا نامت الرعية ولو استوفيت نومي لما كان في دور هذا
____________________
(1/416)

أخبار المنصور من كتاب الأزهار المنثورة
وقد رأيت أن أذكر هنا أخبارا نقلتها من كتاب الأزهار المنثورة في الأخبار المأثورة
قال في الزهرة التاسعة والعشرين تقدم إلى المنصور وانزمار بن أبي بكر البرزالي أحد جند المغاربة وقد جلس للعرض والتمييز والميدان غاص بالناس فقال له بكلام يضحك الثكلى يا مولاي ما لي ولك أسكني فإني في الفحص فقال وما ذلك يا وانزمار وأين دارك الواسعة الأقطار فقال أخرجتني عنها والله نعمتك أعطيتني من الضياع ما انصب علي منها من الأطعمة ما ملأ بيوتي وأخرجني عنها وأنا بربري مجوع حديث عهد بالبؤس أتراني أبعد القمح عني ليس ذلك من رأيي فتطلق المنصور وقال لله درك من فذ عيي لعيك في شكر النعمة أبلغ عندنا وآخذ بقلوبنا من كلام كل أشدق متزيد وبليغ متفنن وأقبل المنصور على من حوله من أهل الأندلس فقال يا أصحابنا هكذا فلتشكر الأيادي وتستدام النعم لا ما أنتم عليه من الجحد اللازم والتشكي المبرح وأمر له بأفضل المنازل الخالية
وفي الموفية ثلاثين ما نصه أصبح المنصور صبيحة أحد وكان يوم راحة الخدمة الذي أعفوا فيه من قصد الخدمة في مطر وابل غب أيام مثله فقال هذا يوم لا عهد بمثله ولا حيلة للمواظبين لقصدنا في مكابدته فليت شعري هل شذ أحد منهم عن التقدير فأغرب في البكور اخرج وتأمل يقوله لحاجبه فخرج وعاد إليه ضاحكا وقال يا مولاي على الباب ثلاثة من البرابرة أبو الناس ابن صالح واثنان معه وهم بحال من البلل إنما توصف بالمشاهدة فقال أوصلهم إلي وعجل فدخلوا عليه في حال الملاح بللا
____________________
(1/417)

ونداوة فضحك إليهم وأدنى مجلسهم وقال خبروني كيف جئتم وعلى أي حال وصلتم وقد استكان كل ذي روح في كنه ولاذ كل طائر بوكره فقال له أبو الناس بكلامه يا مولانا ليس كل التجار قعد عن سوقه وإذا عذر التجار على طلب الربح بالفلوس فنحن أعذر بإدراكها بالبدر ومن غير رؤوس الأموال وهم يتناوبون الأسواق على أقدامهم ويذيلون في قصدها ثيابهم ونحن نأتيك على خيلك ونذيل على صهواتها ملابسك ونجعل الفضل في قصدك مضمونا إذا جعله أولئك طعما ورجاء فترى لنا أن نجلس عن سوقنا هذا فضحك المنصور ودعا بالكسا والصلات فدفعت لهم وانصرفوا مسرورين بغدوتهم
وفي الزهرة الرابعة والأربعين ما نصه كان بقرطبة على عهد الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر فتى من أهل الأدب قد رقت حاله في الطب فتعلق بكتاب العمل واختلف إلى الخزانة مدة حتى قلد بعض الأعمال فاستهلك كثيرا من المال فلما ضم إلى الحساب أبرز عليه ثلاثة آلاف دينار فرفع خبره إلى المنصور فأمر بإحضاره فلما مثل بين يديه ولزم الإقرار بما برز عليه قال له يا فاسق ما الذي جرأك على مال السلطان تنتهبه فقال قضاء غلب الرأي وفقر أفسد الأمانة فقال المنصور والله لأجعلنك نكالا لغيرك ليحضر كبل وحداد فأحضر فكبل الفتى وقال احملوه إلى السجن وأمر الضابط بامتحانه والشدة عليه فلما قام أنشأ يقول
( أواه أواه وكم ذا أرى ** أكثر
____________________
(1/418)


( أما ترى عفو أبي عامر ** لا بد أن تتبعه منه )
( كذلك الله إذا ما عفا ** عن عبده أدخله الجنة )
فأمر بإطلاقه وسوغه ذلك المال وأبرأه من التبعة فيه
وفي الخامسة والأربعين عرض على المنصور بن أبي عامر اسم أحد خدمه في جملة من طال سجنه وكان شديد الحقد عليه فوقع على اسمه بأن لا سبيل إلى إطلاقه حتى يلحق بأمه الهاوية وعرف الرجل بتوقيعه فاغتم وأجهد نفسه في الدعاء والمناجاة فأرق المنصور إثر ذلك واستدعى النوم فلم يقدر عليه وكان يأتيه عند تنويمه آت كريه الشخص عنيف الأخذ يأمره بإطلاق الرجل ويتوعده على حبسه فاستدفع شأنه مرارا إلى أن علم أنه نذير من ربه فانقاد لأمره ودعا بالدواة في مرقده فكتب بإطلاقه وقال في كتابه هذا طليق الله على رغم أنف ابن أبي عامر وتحدث الناس زمانا بما كان منه
وفي الثامنة والأربعين ما نصه انتهت هيبة المنصور بن أبي عامر وضبطه للجند واستخدام ذكور الرجال وقوام الملك إلى غاية لم يصلها ملك قبله فكانت مواقفهم في الميدان على احتفاله مثلا في الإطراق حتى إن الخيل لتتمثل إطراق فرسانها فلا تكثر الصهيل والحمحمة ولقد وقعت عينه على بارقة سيف قد سله بعض الجند بأقصى الميدان لهزل أو جد بحيث ظن أن لحظ المنصور لا يناله فقال علي بشاهر السيف فمثل بين يديه لوقته فقال ما حملك على أن شهرت سيفك في مكان لا يشهر فيه إ لا عن إذن فقال إني أشرت به إلى صاحبي مغمدا فزلق من غمده فقال إن مثل هذا لا يسوغ بالدعوى وأمر به فضربت عنقه بسيفه وطيف برأسه ونودي عليه بذنبه انتهى
____________________
(1/419)

وحكى غير واحد أن المنصور كان به داء في رجله واحتاج إلى الكي فأمر الذي يكويه بذلك وهو قاعد في موضع مشرف على أهل مملكته فجعل يأمر وينهى ويفري الفري في اموره ورجله تكوى والناس لا يشعرون حتى شموا رائحة الجلد واللحم فتعجبوا من ذلك وهو غير مكترث
وأخبراه رحمه الله تعالى تحتمل مجلدات فلنمسك العنان على أنا ذكرنا في الباب الرابع والسادي من هذا الكتاب جملة من أخبراه رحمه الله تعالى فلتراجع إلى آخره عود إلى النقل عن المطمح
وقال الفتح في المطمح وكان مما أعين به المنصور على المصحفي ميل الوزراء إليه وإيثارهم له عليه وسعيهم في ترقية وأخذهم بالعصبية فيه فإنها وإم لم تكن حمية أعرابية فقد كانت سلفية سلطانية يقتفي القوم فيها سبيل سلفهم ويمنعون بها ابتذال شرفهم غادروها سيرة وخلفوها عادة أثيرة تشاح الخلف فيها تشاح أهل الديانة وصانوا بها مراتبهم أعظم صيانة ورأوا أن أحدا لا يلحق فيها غاية ولا يتعاقد لها راية فلما اصطفى الحكم المستنصر بالله جعفر بن عثمان واصطنعه ووضعه من أثرته حيث وضعه وهو نزيع بينهم ونابغ في ال الحال وانتقال الرتبة وكف عن اعتراض محمد وشركته في التدبير وانقبض الناس من الرواح إليه والتبكير وانثالوا على ابن أبي عامر فخف موكبه وغار من سماء العز كوكبة وتوالى عليه سعي ابن أبي عامر وطلبه إلى أن صار يغدو إلى قرطبة ويروح وليس بيده من الحجابة إلا اسمها وابن أبي عامر مشتمل على رسمها حتى محاه وهتك ظله وأضحاه قال محمد بن إسماعيل رأيته يساق إلى مجلس الوزارة للمحاسبة راجلا فأقبل يدرم وجوارحه باللواعج تضطرم وواثق الضاغط ينهره والزمع بي فستدرك ما تحبه وتشتهيه وترى ما كنت ترتجيه ويا ليت أن الموت يباع فأغلي سومة حتى يرده من أطال عليه حومة ثم قال
( لا تأمنن من الزمان تقلبا ** إن الزمان بأهله يتقلب )
____________________
(1/420)

عليه والانحراف عنه إليه آل أبي عبدة وآل شهيد وآل فطيس من الخلفاء وأصحاب الردافة من أولي الشرف والإنافة وكانوا في الوقت أزمة الملك وقوام الخدمة ومصابيح الأمة وأغير الخلق على جاه وحرمة فأحظوا محمد بن أبي عامر مشايعه ولبعض أسبابه الجامعة متابعة وشادوا بناءه وقادوا إلى عنصره سناءه حتى بلغ الأمل والتحف بمناه واكتحل وعند التئام هذه الأمور لابن أبي عامر استكان جعفر بن عثمان للحادثة وأيقن بالنكبة وزوال الحال وانتقال الرتبة وكف عن اعتراض محمد وشركته في التدبير وانقبض الناس من الرواح إليه والتبكير وانثالوا على ابن أبي عامر فخف موكبه وغار من سماء العز كوكبة وتوالى عليه سعي ابن أبي عامر وطلبه إلى أن صار يغدو إلى قرطبة ويروح وليس بيده من الحجابة إلا اسمها وابن أبي عامر مشتمل على رسمها حتى محاه وهتك ظله وأضحاه قال محمد بن إسماعيل رأيته يساق إلى مجلس الوزارة للمحاسبة راجلا فأقبل يدرم وجوارحه باللواعج تضطرم وواثق الضاغط ينهره والزمع بي فستدرك ما تحبه وتشتهيه وترى ما كنت ترتجيه ويا ليت أن الموت يباع فأغلي سومة حتى يرده من أطال عليه حومة ثم قال
( لا تأمنن من الزمان تقلبا ** إن الزمان
____________________
(1/421)


( ولقد أراني والليوث تخافني ** فأخافني من بعد ذاك الثعلب )
( حسب الكريم مذلة ومهانة ** أن لا يزال إلى لئيم يطلب )
فلما بلغ المجلس جلس في آخره دون أن يسلم على أحد أويومىء إليه بعين أو يد فلما أخذ مجلسه تسرع إليه الوزير محمد بن حفص بن جابر فعنفه واستجفاه وأنكر عليه ترك السلام وجفاه وجعفر معرض عنه إلى أن كثر القول منه فقال له يا هذا جهلت المبرة فاستجهلت معلمها وكفرت النعم فقصدت بالأذى ولم ترهب مقدمها ولو أتيت نكرا لكان غيرك أدرى وقد وقعت في أمر ما أظنك تخلص منه ولا يسعك السكوت عنه ونسيت الأيادي الجميلة والمبرات الجليلة فلما سمع محمد بن حفص ذلك من قوله قال هذا البهت بعينه وأي أياديك الغر التي مننت بها وعينت أداء واجبها أيد كذا أم يد كذا وعد أشياء أنكرها منه أيام إمارته وتصرف الدهر طوع إشارته فقال جعفر هذ ما لا يعرف والحق الذي لا يرد ولا يصرف دفعي القطع عن يمناك وتبليغي لك إلى مناك فأصر محمد بن حفص على الجحد فقال جعفر أنشد الله من له علم بما أذكره إلا إعتراف به فلا ينكره وأنا أحوج إلى السكوت ولا تحجب دعوتي فيه عن الملكوت فقال الوزير أحمد بن عباس قد كان بعض ما ذكرته يا أبا الحسن وغير هذا أولى بك وأنت فيما أنت فيه من محنتك وطلبك فقال أحرجني الرجل فتكلمت وأحوجني إلى ما به أعلمت فأقبل الوزير ابن جهور على محمد بن
____________________
(1/422)

الواجب أوما علمت أن منكوب السلطان لا يسلم على أوليائه لأنه إن فعل ألزمهم الرد لقوله تعالى { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } النساء 86 فإن فعلوا لطاف بهم من إنكار السلطان ما يخشى ويخاف لأنه تأنيس لمن أوحش وتأمين لمن أخاف وإن تركوا الرد أسخطوا الله فصار الإمساك أحسن ومثل هذا لا يخفى على أبي الحسن فانكسر ابن حفص وخجل مما أتى به من النقص
وبلغه أن قوما توجعوا له وتفجعوا مما وصله فكتب إلهم
( أحن إلى أنفاسكم فأظنها ** بواعث أنفاس الحياة إلى نفسي )
( وإن زمانا صرت فيه مقيدا ** لأثقل من رضوى وأضيق من رمس )
انتهى ما ترجم به المنصور بن أبي عامر عبد الملك المظفر الحاجب
ولنرجع فنقول ولما توفي المنصور قام بالأمر بعده ابنه عبد الملك المظفر أبو مروان فجرى على سنن أبيه في السياسة والغزو وكانت أيامه أعيادا دامت مدة سبع سنين وكانت تسمى بالسابع تشبيها بسابع العروس ولم يزل مثل اسمه مظفرا إلى أن مات سنة تسع وثلاثمائة في المحرم وقيل سنة ثمان وتسعين
وكاتبه المعز بن زيري ملك مغراوة بعد أن استرجع فاسا والمغرب إثر موت أبيه فكتب له العهد على المغرب
____________________
(1/423)

عبد الرحمن شنجول
قال ابن خلدون ثم قام بالأمر بعده أخوه عبد الرحمن وتلقب بالناصر لدين الله وقيل بالمأمون وجرى على سنن أبيه وأخيه في الحجر على الخليفة هشام والاستبداد عليه والاستقلال بالملك دونه ثم ثاب له رأي في الاستئثار بما بقي من رسوم الخلافة فطلب من هشام المؤيد أن يوليه عهده فأجابه وأحضر لذلك الملأ من أرباب الشورى وأهل الحل والعقد فكان يوما مشهودا فكتب عهده من إنشاء أبي حفص بن برد بما نصه هذا ما عهد به هشام المؤيد بالله أمير المؤمنين إلى الناس عامة وعاهد الله عليه من نفسه خاصة وأعطى به صفقة يمينه بيعة تامة بعد أن أمعن النظر وأطار الاستخارة وأهمه ما جعل الله إليه من الإمامة وعصب به من أمر المؤمنين واتقى حلول القدر بما لا يؤمن وخاف نزول القضاء بما لا يصرف وخشي إن هجم محتوم ذلك عليه ونزل مقدوره به ولم يرفع لهذه الأمة علما تأوي إليه وملجأ تنعطف عليه أن يكون يلقى ربه تبارك وتعالى مفرطا ساهيا عن أداء الحق إليها وتقصى عند ذلك من إحياء قريش وغيرها من يستحق أن يسند هذا الامر إليه ويعول في القيام به عليه ممن يستوجبه بدينه وأمانته وهديه وصيانته بعد اطراح الهوى والتحري للحق والتزلف إلى الله جل جلاله بما يرضيه وبعد أن قطع الأواصر وأسخط الأقارب فلم يجد أحدا أجدر أن يوليه عهده ويفوض إليه الخلافة بعده لفضل نفسه وكرم
____________________
(1/424)

وشرف مرتبته وعلو منصبه مع تقاه وعفافه ومعرفته وحزمه من المأمون الغيب الناصح الجيب أبي المطرف عبد الرحمن بن المنصور أبي عامر محمد ابن أبي عامر وفقه الله إذ كان أمير المؤمنين أيده الله تعالى قد ابتلاه واختبره ونظر في شأنه واعتبره فرآه مسارعا في الخيرات سابقا في الحلبات مستوليا على الغايات جامعا للمأثرات ومن كان المنصور أباه والمظفر أخاه فلا غرو أن يبلغ من سبل البر مداه ويحوي من خلال الخير ما حواه مع أن أمير المؤمنين أيده الله بما طالع من مكنون العلم ووعاه من مخزون الأثر يرى أن يكون ولي عهده القحطاني الذي حدث عنه عبد الله بن عمرو بن العاص وأبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه فلما استوى له الاختيار وتقابلت عنده فيه الآثار ولم يجد عنه مذهبا ولا إلى غيره معدلا خرج إليه من تدبير الأمور في حياته وفوض إليه الخلافة بعد وفاته طائعا راضيا مجتهدا وأمضى أمير المؤمنين هذا وأجازه وأنجزه وأنفذه ولم يشرط فيه مثنوية ولا خيارا وأعطى على الوفاء به في سره وجهره وقوله وفعله عهد الله وميثاقه وذمة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وذمم الخلفاء الراشدين من آبائه وذمة نفسه أن لا يبدل ولا يغير ولا يحول ولا يزول وأشهد الله على ذلك والملائكة وكفى بالله شهيدا وأشهد من أوقع اسمه في هذا وهو جائز الامر ماضي القول والفعل بمحضر من ولي عهده المأمون أبي المطرف عبد الرحمن بن المنصور وفقه الله تعالى وقبوله ما قلده وإلزامه نفسه ما ألزمه وذلك في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة وكتب الوزراء والقضاة وسائر
____________________
(1/425)

بعدها بولي العهد
ونقم عليه أهل الدولة ذلك فكان فيه حتفه وانقراض دولته ودولة قومه وكان أسرع الناس كراهة لذلك الأمويين والقرشيين فغصوا بأمره وأسفوا من تحويل الأمر جملة من المضرية إلى اليمنية فاجتمعوا لشأنهم وتمشت من بعض إلى بعض رجالاتهم وأجمعوا أمرهم في غيبة من المذكور ببلاد الجلالقة في غزاة من صوائفه ووثبوا بصاحب الشرطة فقتلوه بمقعده من باب قصر الخلافة بقرطبة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة وخلعوا هشاما المؤيد بيعة المهدي بالله
وبايعوا محمد بن هشام بن عبد الجبار ابن أمير المؤمنين الناصر لدين الله من أعقاب الخلفاء ولقبوه بالمهدي بالله وطار الخبر إلى عبد الرحمن الحاجب ابن المنصور بمكانه من الثغر فانفض جمعه وقفل إلى الحضرة مدلا بمكانه زعيما بنفسه حتى إذا قرب من الحضرة تسلل عنه الناس من الجند ووجوه البربر ولحقوا بقرطبة وبايعوا المهدي القائم بالأمر وأغروه بعبد الرحمن الحاجب لكونه ماجنا مستهترا غير صالح للأمر فاعترضه منهم من قبض عليه واحتز رأسه وحمله إلى المهدي وإلى الجماعة وذهبت دولة العامريين كأن لم تكن ولله عاقبة الأمور
وفي المهدي يقول بعضهم
( قد قام مهدينا
____________________
(1/426)


( وشارك الناس في حريم ** لولاه ما زال بالمصون )
( من كان من قبل ذا أجما ** فاليوم قد صار قرون ) خبر الفتنة البربرية
وكان رؤساء البربر وزناته لحقوا بالمهدي لما رأوا من سوء تدبير عبد الرحمن وانتفاض أمره وكانت الأموية تعتد عليهم ما كان من مظاهرتهم العامريين وتنسب تغلب المنصور وبنيه على الدولة إليهم فسخطتهم القلوب وخزرتهم العيون ولولا ما لهم من العصبية لاستأصلهم الناس ولغطت ألسنة الدهماء من أهل المدينة بكراهتهم وأمر المهدي أن لا يركبوا ولا يتسلحوا ورد بعض رؤسائهم في بعض الأيام من باب القصر فانتهب العامة دورهم وشكا بعضهم إلى المهدي ما أصابهم فاعتذر إليهم وقتل من اتهم من العامة في أمرهم وهو مع ذلك مظهر لبغضهم مجاهر بسوء الثناء عليهم وبلغهم أنه يريد الفتك بهم فتمشت رجالاتهم وأسروا نجواهم واشتوروا في تقديم هشام بن سليمان ابن أمير المؤمنين الناصر وفشا في الخاصة حديثهم فعوجلوا عن مرامهم ذلك وأغرى بهم السواد الأعظم فثاروا بهم وأزعجوهم عن المدينة وتقبض على هشام وأخيه أبي بكر وأحضر بين يدي
____________________
(1/427)

بيعة سليمان المستعين
ولحق سليمان ابن أخيهما الحكم بجنود البربر وقد اجتمعوا بظاهر قرطبة وتوامروا فبايعوه ولقبوه المستعين بالله ونهضوا به إلى ثغر طليطلة فاستجاش بابن أذفونش ثم نهض في جموع البرابرة والنصرانية إلى قرطبة وبرز إليه المهدي في كافة أهل البلد وخاصة الدولة فكانت الدائرة عليهم واستلحم منهم ما يزيد على عشرين ألفا وهلك من خيار الناس وأئمة المساجد وسدنتها ومؤذنيها عالم ودخل المستعين قرطبة ختام المائة الرابعة ولحق المهدي بطليطلة واستجاش بابن أذفونش ثانية فنهض معه إلى قرطبة وهزم المستعين والبرابرة بعقبة البقر من ظاهر قرطبة ودخل قرطبة اعني المهدي وملكها وخرج المستعين مع البربر وتفرقوا في البسائط ينبهون ولا يبقون على أحد ثم ارتحلوا إلى الجزيرة الخضراء فخرج المهدي ومعه ابن أذفونش لاتباعهم فكروا عليهم فانهزم المهدي وابن أذفونش ومن معه من المسلمين والنصارى واتبعهم المستعين إلى قرطبة فأخرج المهدي هشاما المؤيد للناس وبايع له وقام بأمر حجابته ظنا منه أن ذلك ينفعه وهيهات وحاصرهم المستعين والبربر فخشي أهل قرطبة من اقتحامهم عليهم فأغروا أهل القصر وحاشية المؤيد بالمهدي وأن الفتنة إنما جاءت من قبله وتولى كبر ذلك واضح العامري فقتلوا المهدي واجتمع الكافة على المؤيد وقام واضح بحجابته واستمر الحصار ولم يغن عن أهل قرطبة ما فعلوه شيئا إلى أن هلكت القرى والبسائط بقرطبة وعدمت المرافق وجهدهم الحصار وبعث المستعين إلى أهل ابن أذفونش يستقدمهم لمظاهرته فبعث إليهم هشام وحاجبه واضح يكفونهم عن ذلك بأن ينزلوا لهم عن ثغور قشتالة التي كان
____________________
(1/428)

افتتحها فسكن عن مظاهرتهم عزك أذفونش ولم يزل الأمر حتى دخل المستعين قرطبة ومن معه من البربر عنوة سنة ثلاث وأربعمائة وقتل هشام سرا ولحق بيوتات قرطبة معرة في نسائهم وأبنائهم
وظن المستعين أن قد استحكم أمره وتوثبت البرابرة والعبيد على الأعمال فولوا المدن العظيمة وتقلدوا البلاد الواسعة مثل باديس بن حبوس في غرناطة والبرزالي في قرمونة واليفرني في رندة وخزرون في شريش وافترق شمل الجماعة بالأندلس وصار الملك طوائف في آخرين من أهل الدولة مثل ابن عباد بإشبيلية وابن الأفطس ببطليوس وابن ذي النون بطليطلة وابن أبي عامر ببلنسية وابن هود بسرقسطة ومجاهد العامري بدانية والجزائر وكان مائلا لبني حمود يهجو سليمان المستعين
( لا رحم الله سليمانكم ** فإنه ضد سليمان )
( ذاك به غلت شياطينها ** وحل هذا كل شيطان )
( فباسمه ساحت على أرضنا ** لهلك سكان وأوطان )
وكان من أعظم الأسباب في فساد دولة المستعين أنه قال هذه الأبيات مستريحا بها إلى خواصه وهي قوله
( حلفت بمن صلى وصام وكبرا ** لأغمدها فيمن طغى وتجبرا
____________________
(1/429)


( فواعجبا من عبشمي مملك ** برغم العوالي والمعالي تبربرا )
( فلو أن أمري بالخيار نبذتهم ** وحاكمتهم للسيف حكما محررا )
( فإما حياة تستلذ بفقدهم ** وإما حمام لا نرى فيه ما زرى )
وقد سلك هذا المسلك المرتضى المرواني فقال
( قد بلغ البربر فينا بنا ** ما أفسد الأحوال والنظما )
( كالسهم للطائر لولا الذي ** فيه من الريش لما أصمى )
( قوموا بنا في شأنهم قومة ** تزيل عنا العار والرغما )
( إما بها نملك أو لا نرى ** ما يرجع الطرف به أعمى )
وكان علي بن حمود الحسني وأخوه قاسم من عقب إدريس ملك فاس وبانيها قد أجازوا مع البربر من العدوة إلى الأندلس فدعوا لأنفسهم واعصوصب عليهم البربر فملكوا قرطبة سنة سبع وأربعمائة وقتلوا المستعين ومحوا ملك بني أمية واتصل ذلك في خلف منهم سبع سنين ثم رجع الملك إلى بني أمية
وكان المستعين المذكور أديبا بليغا ومن شعره يعاض هرون الرشيد في قوله
( ملك الثلاث الآنسات عناني ** )
الأبيات قوله
( عجبا يهاب الليث حد سناني ** وأهاب سحر فواتر الأجفان )
( وأقارع الأهوال لا متهيبا ** منها سوى الإعراض والهجران )
( وتملكت نفسي ثلاث كالدمى
____________________
(1/430)


( ككواكب الظلماء لحن لناظري ** من فوق أغصان على كثبان )
( حاكمت فيهن السلو إلى الرضى ** فقضى بسلطان على سلطاني )
( هذي الهلال وتلك بنت المشتري ** حسنا وهذي أخت غصن البان )
( فأبحن من قلبي الحمى وتركنني ** في عز ملكي كالأسير العاني )
( لا تعذلوا ملكا تذلل في الهوى ** ذل الهوى عز وملك ثاني )
( ما ضر أني عبدهن صبابة ** وبنو الزمان وهن من عبداني )
( إن لم أطع فيهن سلطان الهوى ** كلفا بهن فلست من مروان ) بنو حمود
وولي الأمر بعده علي بن حمود الحسني تلفب بالناصر وخرج عليه العبيد وبعض المغاربة وبايعوا المرتضى أخا المهدي ثم اغتيل المرتضى واستقام الملك لعلي بن حمود نحو عامين إلى أن قتله صقالبته بالحمام سنة ثمان وأربعمائة فولي مكانه أخوه القاسم وتلقب بالمأمون ونازعه الأمر بعد أربع سنين من خلافته يحيى ابن أخيه وكان على سبتة فأجاز إلى الأندلس سنة عشر واحتل بمالقة وكان أخوه إدريس بها منذ عهد أبيهما فبعثه إلى سبتة ثم زحف يحيى إلى قرطبة فملكها سنة ثنتي عشرة وأربعماشة وتلقب المعتلي وفر عمه المأمون إلى إشبيلية وبايع له القاضي ابن عباد واستجاش بعض البرابرة ثم رجع إلى قرطبة سنة ثلاث عشرة وملكها ثم لحق المعتلي بمكانه من مالقة وتغلب على الجزيرة الخضراء وتغلب أخوه إدريس على طنجة من وراء البحر وكان المأمون
____________________
(1/431)

فلما بلغه الخبر اضطرب وثار عليه أهل قرطبة ونقضوا طاعته وخرج فحاصرهم فدافعوا ولحق بإشبيلية فمنعوه وكان بها ابنه فأخرجوه إليه وضبطوا بلدهم واستبد ابن عباد بملكها ولحق المأمون بشريش ورجع عنه البربر إلى يحيى المعتلي ابن أخيه فبايعوه سنة خمس عشرة وزحف إلى عمه المأمون فتغلب عليه ولم يزل عنده أسيرا وعند أخيه إدريس بمالقة إلى أن هلك بمحبسه سنة سبع وعشرين وقيل إنه خنق كما سيأتي واستقل المعتلي بالأمر واعتقل ابني عمه القاسم
وكان المستكفي من الأمويين استولى على قرطبة في هذه المدة عندما أخرج أهلها العلوية ثم خلع أهل قرطبة المستكفي الأموي سنة ست عشرة وصاروا إلى طاعة المعتلي واستعمل عليهم ابن عطاف من قبله ثم نقضوا سنة سبع عشرة وصرفوا عاملهم وبايعوا للمعتد الأموي أخي المرتضى وبقي المعتلي يردد لحصارهم العساكر إلى أن اتفقت الكلمة على إسلام الحصون والمدائن له فعلا سلطانه واشتد أمره إلى أن هلك سنة تسع وعشرين اغتاله أصحابه بدسيسة ابن عباد الثائر بإشبيلية فاستدعى أصحابه أخاه إدريس ابن علي بن حمود من سبتة وملكوه ولقبوه المتأيد وبايعته رندة وأعمالها والمرية والجزيرة الخضراء وبعث عساكره لحرب أبي القاسم إسماعيل ابن عباد والد المعتضد بن عباد فجاءوه برأسه بعد حروب وهلك ليومين بعد ذلك سنة إحدى وثلاثين وبويع ابنه يحيى ولم يتم له أمر وبويع حسن المستنصر بن المعتلي وفر يحيى إلى قمارش فهلك بها سنة أربع وثلاثين ويقال إنه قتله نجا وهلك حسن مسموما بيد ابنة عمه إدريس ثأرت منه بأخيها وكان إدريس بن يحيى المعتلي معتقلا بمالقة فأخرج بعد خطوب وبويع بها فأطاعته غرناطة
____________________
(1/432)

المشهورة بالمغرب التي قالها فيه أبو زيد عبد الرحمن بن مقانا القبذاقي الأشبوني من شعراء الذخيرة وهي
( ألبرق لائح من أندرين ** ذرفت عيناك بالماء المعين )
( لعبت أسيافه عارية ** كمخاريق بأيدي اللاعبين )
( ولصوت الرعد زجر وحنين ** ولقلبي زفراتت وأنين )
( وأناجي في الدجى عاذلتي ** ويك لا أسمع قول العاذلين )
( عيرتني بسقام وضنى ** إن هذين لدين العاشقين )
( قد بدا لي وضح الصبح المبين ** فاسقينها قبل تكبير الأذين )
( إسقنيها مزة مشمولة ** لبثت في دنها بضع سنين )
( نثر المزج على مفرقها ** دررا عامت فعادت كالبرين )
( مع فتيان كرام نجب ** يتهادون رياحين المجون )
( شربوا الراح على خد رشا )
( نور الورد به والياسمين )
( وجلت آياته عامدة ** سبج الشعر على عاج الجبين )
( لوت الصدغ على حاجبه ضمة اللام على عطفة نون )
( فترى غصنا على دعص نقا ** وترى ليلا على صبح مبين )
( وسيسقون إذا ما شربوا ** بأباريق وكأس من معين )
____________________
(1/433)


( مصابيح الدجى قد طفئت ** في بقايا من سواد الليل جون )
( وكأن الظل مسك في الثرى ** وكأن الطل در في الغصون )
( والندى يقطر من نرجسه ** كدموع أسبلتهن الجفون )
( والثريا قد هوت من أفقها ** كقضيب زاهر من ياسمين )
( وانبرى جنح الدجى عن صبحه ** كغراب طار عن بيض كنين )
( وكأن الشمس لما اشرقت ** فانثنت عنها عيون الناظرين )
( وجه إدريس بن يحيى بن علي ** بن حمود أمير المؤمنين )
( ملك ذو هيبة لكنه ** خاشع لله رب العالمين )
( خط بالمسك على أبوابه ** ادخلوها بسلام آمنين )
( فإذا ما رفعت راياته ** خفقت بين جناحي جبرئين )
( وإذا أشكل خطب معضل ** صدع الشك بمصباح اليقين )
( فبيسراه يسار المعسرين ** وبيمناه لواء السابقين )
( يا بني أحمد يا خير الورى ** لأبيكم كان وفد المسلمين )
( نزل الوحي عليه فاحتبى ** في الدجى فوقهم الروح الأمين )
( خلقوا من ماء عدل وتقى ** وجميع الناس من ماء وطين )
( انظروا نقتبس من نوركم ** إنه من نور رب العالمين )
وقيل إنه أشنده إياها من وراء حجاب اقتفاء لطريقة خلفاء بني العباس فلما بلغ إلى قوله
( انظرونا نقتبس من نوركم ** إنه من نور رب العالمين )
أمر حاجبه أن يرفع الحجاب وقابل وجهه وجه الشاعر دون
____________________
(1/434)

وأمر له بإحسان جزيل فكان هذا من أنبل ما يحكى عنه
وحلع العالي سنة ثمان وثلاثين وولي ابن عمه محمد بن إدريس بن علي وتلقب بالمهدي وتوفي سنة أربع وأربعين
وبويع إدريس بن يحيى بن إدريس ولقب الموفق ولم يخطب له بالخلافة وزحف إليه العالي إدريس المخلوع الممدوح بالقصيدة السابقة وكان بقمارش فدخل عليه مالقة وأطلق أيدي عبيدة عليها لحقده عليهم ففر كثير منهم وتوفي العالي سنة ست أو سبع وأربعين
وبويع محمد بن إدريس ولقب المستعلي ثم سار إليه باديس بن حبوس سنة تسع وأربعين وأربعمائة فتغلب على مالقة وسار محمد إلى المرية مخلوعا ثم استدعاه أهل المغرب إلى مليلة فأجاز إليهم وبايعوه سنة ست وخمسين وتوفي سنة ستين
وكان محمد بن القاسم بن حمود لما اعتقل أبوه القاسم بمالقة سنة أربع عشرة فر من الاعتقال ولحق بالجزيرة الخضراء وملكها وتلقب بالمعتصم إلى ان هلك سنة أربعين ثم ملكها بعده ابنه القاسم الواثق إلى أن هلك سنة خمسين وصارت الجزيرة للمعتضد بن عباد ومالقة لابن حبوس مزاحما لابن عباد
وانقرضت دولة الأشراف الحموديين من الأندلس بعد أن كانوا يدعون الخلافة خلافة المستظهر
واما قرطبة فإن أهلها لما
____________________
(1/435)

وزحف إليهم القاسم بن حمود في البربر فهزمهم أهل قرطبة ثم اجتمعوا واتفقوا على رد الأمر لبني أمية واختاروا لذلك عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار أخا المهدي وبايعوه في رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة ولقبوه المستظهر وقاموا بأمره ومن شعره قوله
( طال عمر الليل عندي ** مذ تولعت بصدي )
( يا غزالا نقض العه ** د ولم يوف بوعد )
( أنسيت العهد إذ بت ** نا على مفرش ورد )
( واجتمعنا في وشاح ** وانتظمنا نظم عقد )
( ونجوم الليل تحكى ** ذهبا في لازورد )
قال الحجاري لو قال لؤلؤا لا زورد لكان أحسن تشبيها وأنشد متمثلا
( إنا عصابتك الألى ** كنا نكابد ما تكابد )
( هذا أوان بلوغنا ال ** نعمى وإنجاز المواعد )
وكان حسان بن أبي عبيدة من وزراء المستظهر ولما أكثر المستظهر دونه الاستبداد كتب إليه بقوله )
( إذا غبت لم أحضر وإن جئت لم أسل )
( فسيان مني مشهد
____________________
(1/436)


( فأصبحت تيميا وما كنت قبلها ** لتيم ولكن الشبيه نسيب )
يشير إلى قول الأول
( ويقضى الأمر حين تغيب تيم ** ولا يستأذنون وهم شهود )
وعاتبه أيضا بقوله
( إذا كان مثلي لا يجازى بصبره ** فمن ذا الذي بعدي يجازى على الصبر )
( وكم مشهد حاربت فيه عدوكم ** وأملت في حربي له راحة الدهر )
( أخوض إلى أعدائكم لجج الوغى ** وأسري إليهم حيث لا أحد يسري )
( وقد نام عنهم كل مستبطن الحشا ** أكول إلى الممسى نؤوم إلى الظهر )
( فما بال هذا الأمر أصبح ضائعا ** وأنت أمين الله تحكم في الأمر )
وسيأتي إن شاء الله تعالى من كلام الوزير المذكور ما يدل على عظيم قدره وهناك نذكر تحلية الفتح له بيعة المستكفي والمعتد
ثم ثار عليه لشهرين من خلافته محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله ابن أمير المؤمنين الناصر لدين الله فاتبعه الغوغاء وفتك بالمستظهر وتلقب بالمستكفي واستقل بأمر قرطبة وهو والد الأديبة الشهيرة ولادة ولعلنا نلم ببعض أخبارها إن شاء الله تعالى فيما بعد وكان أبوه عبد الرحمن قتله المنصور بن أبي عامر لسعيه في الخلاف
ثم بعد ستة عشر شهرا من بيعة المستكفي رجع الأمر إلى المعتلي
____________________
(1/437)

المعتلي من قبله وفر المستكفي إلى ناحية الثغر ومات في مفره ثم بدا لأهل قرطبة فخلعوا المعتلي بن حمود سنة سبع عشرة وبايع الوزير أبو محمد جهور ابن محمد بن جهور عميد الجماعة وكبير قرطبة لهشام بن محمد أخي المرتضى وكان بالثغر في لاردة عند ابن هود وذلك سنة ثماني عشرة وتلقب المعتد بالله وأقام مترددا في الثغر ثلاثة أعوام واشتدت الفتن بين رؤساء الطوائف واتفقوا على أن ينزل دار الخلافة بقرطبة فاستقدمه ابن جهور والجماعة ونزلها آخر سنة عشرين وأقام بها يسيرا ثم خلعه الجند سنة ثنتين وعشرين وفر إلى لاردة فهلك بها سنة ثمان وعشرين انقضاء الأموية وظهور ملوك الطوائف
وانقطعت الدولة الأموية من الأرض وانتثر سلك الخلافة بالمغرب وقام الطوائف بعد انقراض الخلائف وانتزى الأمراء والرؤساء من البربر والعرب والموالي بالجهات واقتسموا خطتها وتغلب بعض على بعض واستقل أخيرا بأمرها منهم ملوك استفحل أمرهم وعظم شأنهم ولاذوا بالجزى للطاغية أن يظاهر عليهم أو يبتزهم ملكهم وأقاموا على ذلك برهة من الزمان حتى قطع إليهم البحر ملك العدوة وصاحب مراكش أمير المسلمين يوسف بن تاشفين اللمتوني فخلعهم وأخلى منهم الأرض ملوك الطوائف 1 - بنو عباد وبنو جهور
فمن أشهرهم بنو عباد ملوك إشبيلية وغرب الأندلس الذين منهم المعتمد ابن عباد الشهير الذكر
____________________
(1/438)

ومنهم بنو جهور كانوا بقرطبة في صورة الوزارة حتى استولى عليهم المعتمد بن عباد وأخذ قرطبة وجعل عليها ولده ثم كانت له وعليه حروب وخطوب وفرق أبناءه على قواعد الملك وأنزلهم بها واستفحل أمره بغرب الأندلس وعلت يده على من كان هنالك من ملوك الطوائف مثل ابن حبوس بغرناطة وابن الأفطس ببطليوس وابن صمادح بالمرية وغيرهم فكانوا يخطبون سلمه ويغلون في مرضاته وكلهم يدارون الطاغية ويتقونه بالجزي إلى أن ظهر يوسف بن تاشفين واستفحل ملكه فتعلقت آمال الأندلس بإعانته وضايقهم الطاغية في طلب الجزية فقتل المعتمد اليهودي الذي جاء في طلب الجزية للطاغية بسبب كلمة آسفة بها ثم أجاز البحر صريخا إلى يوسف بن تاشفين فأجاز معه البحر والتقوا مع الطاغية في الزلاقة فكانت الهزيمة المشهورة على النصارى ونصر الله تعالى الإسلام نصرا لا كفاء له حتى قال بعض المؤرخين إنه كان عدد النصارى ثلاثمائة ألف ولم ينج منهم إلا القليل وصبر فيها المعتمد صبر الكرام وكان قد أعطى يوسف بن تاشفين الجزيرة الخضراء ليتمكن من الجواز متى شاء ثم طلب الفقهاء بالأندلس من يوسف بن تاشفين رفع المكوس والظلامات عنهم فتقدم بذلك إلى ملوك الطوائف فأجابوه بالامتثال حتى إذا رجع من بلادهم رجعوا إلى حالهم وهو خلال ذلك يردد عساكره للجهاد ثم أجاز إليهم وخلع جميعهم ونازلت عساكره جميع بلادهم واستولى على قرطبة وإشبيلية وبطليوس وغرناطة وغيرها وصار المعتمد بن عباد كبير ملوك الأندلس في قبضته أسيرا بعد حروب ونقله إلى أغمات قرب مراكش سنة أربع وثمانين وأربعمائة واعتقله هنالك إلى أن مات سنة ثمان وثمانين وسنلم
____________________
(1/439)


وللمعتمد هذا أخبار مأثورة خصوصا مع زوجته أم أولاده الرميكية الملقبة باعتماد وقد روي أنها رات ذات يوم بإشبيلية نساء البادية يبعن اللبن في القرب وهن رافعات عن سوقهن في الطين فقالت له أشتهي أن أفعل أنا وجواري مثل هؤلاء النساء فأمر المعتمد بالعنبر والمسك والكافور وماء الورد وصير الجميع طينا في القصر وجعل لها قربا وحبالا من إبريسم وخرجت هي وجواريها تخوض في ذلك الطين فيقال إنه لما خلع وكانت تتكلم معه مرة فجرى بينهما ما يجري بين الزوجين فقالت له والله ما رأيت منك خيرا فقال لها ولا يوم الطين تذكيرا لها بهذا اليوم الذي أباد فيه من الأموال ما لا يعلمه إلا الله تعالى فاستحيت وسكتت
ومن أعظم ملوك الطوائف غير من تقدم بنو رزين أصحاب السهلة وبنو الفهري أصحاب البونت وتغلب عليهما أخيرا يوسف بن تاشفين بنو ذي النون بطليطلة
ومن أعظم ملوك الطوائف بنو ذي النون ملوك طليطلة من الثغر الجوفي وكانت لهم دولة كبيرة وبلغوا في البذخ والترف إلى الغاية ولهم الإعذار المشهور الذي يقال له الإعذار الذنوني وبه يضرب المثل عند أهل المغرب وهو عندهم بمثابة عرس بوران عند أهل المشرق والمأمون من بني ذي النون هو صاحب ذلك وهو الذي عظم بين ملوك الطوائف سلطانه وكان بينه وبين الطاغية مواقف مشهورة وغلب على قرطبة وملكها من يد ابن عباد المعتمد وقتل
____________________
(1/440)

وفي أيام حافد المأمون وهو القادر بن ذي النون كان الطاغية ابن أذفونش قد استفحل أمره لما خلا الجو من مكان الدولة الخلافية وخف ما كان على كاهله من إصر العرب فاكتسح البسائط وضايق ابن ذي النون حتى أخذ من يده طليطلة فخرج له عنها سنة ثمان وسبعين وأربعمائة كما سبق وشرط عليه أن يظاهره على أهل بلنسية فقبل شرطه وتسلمها ابن الفونش ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظم
ومن أعظم ملوك الأندلس الموالي العامريون مثل خيران وزهير وأشباههما وأخبار الجميع تطول بنو هود بسرقسطة
ومن ملوك الطوائف بالأندلس بنو هود ملوك سرقسطة وما إليها ومن أشهرهم المقتدر بالله وابنه يوسف المؤتمن وكان المؤتمن قائما على العلوم الرياضية وله فيها تآليف ومنها كتاب الاستكمال والمناظر وولي بعده ابنه المستعين أحمد سنة أخذ طليطلة وعلى يده كانت وقعة وشقة زحف سنة تسع وثمانين في آلاف لا تحصى من المسلمين ليدافع الطاغية عن وشقة وكان محاصرا لها فلقيه الطاغية وهزمه وهلك من المسلمين نحو عشرة آلاف وهلك هو شهيدا سنة ثلاث وخمسمائة بظاهر سرقسطة في زحف الطاغية إليها وولي ابنه عبد الملك عماد الدولة وأخرجه الطاغية من سرقسطة سنة ثنتي عشرة وتولى ابنه سيف الدولة وبالغ في النكاية بالطاغية ثم اتفق معه وانتقل بحشمه إلى طليطلة فكان فيها حمامه
ومن شعر المقتدر بن هود
____________________
(1/441)


( قصر السرور ومجلس الذهب ** بكما بلغت نهاية الأرب )
( لو لم يحز ملكي خلافكما ** كانت لدي كفاية الطلب ) بنو الأفطس ببطليوس
ومن مشاهير ملوك الطوائف بنو الأفطس أصحاب بطليوس وما إليها والمظفر منهم هو صاحب التأليف المسمى بالمظفري في نحو الخمسين مجلدا والمتوكل منهم قتل على يد جيش يوسف بن تاشفين وفيه قال ابن عبدون قصيدته المشهورة
( الدهر يفجع بعد العين بالأثر ** فما البكاء على الأشباح والصور )
وهي من غرر القصائد اللمتونيون ثم الموحدون
فلما استولى لمتونة على بلاد الأندلس وأزالوا ملوك الطوائف منها وبقيت عمالهم تتردد إليها وبنوهم حتى فشلت ريحهم وهبت ريح الموحدين أعني عبد المؤمن بن علي وبنيه فحاربوا لمتونة واستولوا على ملكهم بالمغرب بعد حروب كثيرة ثم أجازوا البحر إلى الأندلس وملكوا أكثر بلاد الأندلس وملك بنو مردنيش شرق الأندلس وملخص ذلك أن الأندلس كان ملكها مجموعا للمتونة بعد خلعهم ملوك الطوائف فلما
____________________
(1/442)

وعادت إلى الف رقة بعض الشيء ثم خلص اكثرها لعبد المؤمن وبنيه بعد حروب منها ما حصل بين عبد المؤمن وبين ابن مردنيش وقائده ابن همشك بفحص غرناطة وقد استعان ابن مردنيش بالنصارى على الموحدين فهزمهم عبد المؤمن وقتلهم أبرح قتل واستخلص غرناطة سنة سبع وخمسين وخمسمائة من يد ابن مردنيش غزوة الأرك
وولي الأمر بعد عبد المؤمن ابنه يوسف وأجاز إلى الأندلس وكانت له مواقف في جهاد العدو وولي بعده ابنه يعقوب المنصور الطائر الصيت وكانت له في النصارى بالأندلس نكاية كبيرة ومن أعظمها غزوة الأرك التي تضاهي وقعة الزلاقة أو تزيد والأرك موضع نواحي بطليوس وكانت سنة إحدى وتسعين وخمسمائة وغنم فيها المسلمون ما عظم قدره وكان عدة من قتل من الفرنج فيما قيل مائة ألف وستة وأربعين ألفا وعدة الأساري ثلاثين ألفا وعدة الخيام مائة ألف وخمسين ألف خيمة والخيل ثمانين ألفا والبغال مائة ألف والحمير أربعمائة ألف جاء بها الكفار لحمل أثقالهم لأنهم لا إبل لهم وأما الجواهر والأموال فلا تحصى وبيع الأسير بدرهم والسيف بنصف درهم والفرس بخمسة دراهم والحمار بدرهم وقسم يعقوب الغنائم بين المسلمين بمقتضى الشرع ونجا الفنش ملك النصارى إلى طليطلة في أسوإ حال فحلق رأسه ولحيته ونكس طليبه وآلى أن لا ينام على فراش ولا يقرب النساء ولا يركب فرسا ولا دابة حتى يأخذ بالثأر وصار يجمع من الجزائر والبلاد البعيدة ويستعد ثم لقيه يعقوب وهزمه وساق خلفه
____________________
(1/443)

يبق إلا فتحها فخرجت إليه والدة الأذفونش وبناته ونساؤه وبكين بين يديه وسألنه إبقاء البلد عليهن فرق لهن ومن عليهن بها ووهب لهن من الأموال والجواهر ما جل وردهن مكرمات وعفا بعد القدرة وعاد إلى قرطبة فأقام شهرا يقسم الغنائم وجاءته رسل الفنش بطلب الصلح فصالحه وأمن الناس مدته وفيه يقول بعض شعراء عصره
( أهل بأن يسعى إليه ويرتجى ** ويزار من أقصى البلاد على الرجا )
( من قد غدا بالمكرمات مقلدا ** وموشحا ومختما ومتوجا )
( عمرت مقامات الملوك بذكره ** وتعطرت منه الرياح تأرجا ) بين صلاح الدين ويعقوب الموحدي
وهو الذي أرسل له السلطان صلاح الدين بن أيوب شمس الدين بن منقذ يستنجد به على الفرنج الخارجين عليه بساحل
____________________
(1/444)

المؤمنين فلم يجبه إلى ما طلبه وكل ذلك في سنة 587 ومدحه ابن منقذ بقوله من قصيدة
( سأشكر بحرا ذا عباب قطعته ** إلى بحر جود ما لأخراه ساحل )
( إلى معدن التقوى إلى كعبة الندى ** إلى من سمت بالذكر منه الأوائل )
( إليك أمير المؤمنين ولم تزل ** إلى بابك المأمول تزجي الرواحل )
( قطعت إليك البر والبحر موقنا ** بأن نداك الغمر بالنجح كافل )
( وحزت بقصديك العلا فبلغتها ** وأدنى عطاياك العلا والفواضل )
( فلا زلت للعلياء والجود بانيا ** تبلغك الآمال ما أنت آمل )
وعدتها أربعون بيتا فأعطاه بكل بيت ألفا وقال له إنما أعطيناك لفضلك ولبيتك
وكان عنوان الكتاب الذي أرسله صلاح الدين إلى أمير المسلمين وفي أوله الفقير إلى الله تعالى يوسف بن أيوب وبعده من إنشاء الفاضل الحمد لله الذي استعمل على الملة الحنيفية من استعمر الأرض وأغنى من أهلها من سأله القرض وأجزى من أجرى على يده النافلة والفرض وزين سماء الملة بدراري الذراري التي بعضها من بعض وهوكتاب طويل سأله فيه أن يقطع عنه مادة البحر واستنجده على الإفرنج إذ كانت له اليد عليهم وعاد ان منقذ من هذه الرسالة سنة 588 بغير فائدة وبعث معه هدية حقيرة وأما ابن منقذ فإنه أحسن إليه وأغناه لا لأجل صلاح الدين بل لبيته وفضله كما مر وما وقع من يعقوب في صلاح الدين إنما هو لأجل أنه لم يوفه حقه في الخطاب الموحدون والأندلس
رجع ولما استفحل أمر الموحدين بالأندلس
____________________
(1/445)

وكانوا يسمونهم السادة واقتسموا ولاياتها بينهم ولهم مواقف في جهاد العدو مذكورة وكان صاحب الأمر بمراكش يأتي الأندلس للجهاد وهزم يعقوب المنصور كما سبق قريبا بالأرك ابن أذفونش ملك الجلالقة الهزيمة الشنعاء العقاب والتياث أمر الموحدين
وأجاز ابنه الناصر الوالي بعده البحر إلى الأندلس من المغرب سنة تسع وستمائة ومعه من الجنود ما لا يحصى حتى حكى بعض الثقات من مؤرخي المغرب أنه اجتمع معه من أهل الأندلس والمغرب ستمائة ألف مقاتل فمحص الله المسلمين بالموضع المعروف بالعقاب واستشهد منهم عدة وكانت سبب ضعف المغرب والأندلس أما المغرب فبخلاء كثير من قراه وأقطاره وأما الأندلس فبطلب العدو عليها لأنه لما التاث أمر الموحدين بعد الناصر ابن المنصور انتزى السادة بنواحي الأندلس كل في عمله وضعف ملكهم بمراكش فصاروا إلى الاستجاشة بالطاغية بعضهم على بعض وإسلام حصون المسلمين إليه في ذلك فمشت رجالات الأندلس وأعقاب العرب منذ الدولة الأموية وأجمعوا على إخراجهم فثاروا بهم لحين واحد وأخرجوهم وتولى كبر ذلك محمد بن يوسف بن هود الجذامي الثائر بالأندلس وابن مردنيش وثوار آخرون ابن هود ومنافسه ابن الأحمر
قال ابن خلدون ثم خرج على ابن هود في دولته من أعقاب دولة العرب أيضا وأهل نسبهم محمد بن يوسف بن نصر المعروف بابن الأحمر وتلقب محمد هذا
____________________
(1/446)

وكان ابن هود يخطب للعباسي صاحب بغداد ثم حصلت لابن هود وأعقابه حروب وخطوب إلى أن كان آخرهم الواثق بن المتوكل فضايقه الفنش والبرشلوني فبعث بالطاعة لابن الأحمر فبعث إليه ابن أشقيلولة وتسلم مرسية منه وخطب لابن الأحمر بها ثم خرج منها راجعا إلى ابن الأحمر فأوقع به النصارى في طريقه ثم رجع الواثق إلى مرسية ثالثة فلم يزل إلى أن ملكها العدو من يده سنة ثمان وستين وستمائة وعوضه عنها حصنا يسمى يسر وهو من عملها فبقي فيه إلى أن هلك وانقرضت دولة ابن هود والله وارث الأرض ومن عليها دولة بني الأحمر
ولنذكر ملوك بني الأحمر إجمالا لأن لسان الدين وزير أحدهم ولأنهم آخر ملوك الأندلس ومن يدهم استولى النصارى على جميعها كما سنذكره قال ابن خلدون أصلهم من أرجونة من حصون قرطبة ولهم فيها سلف من أبناء الجند ويعرفون ببني نصر وينتسبون إلى سعد بن عبادة سيد الخزرج وكان كبيرهم لآخر دولة الموحدين محمد بن يوسف بن نصر ويعرف بالشيخ وأخوه إسماعيل وكانت له وجاهة في ناحيتهم
ولما فشلت ريح الموحدين وانتزى الثوار بالأندلس وأعطى السادة حصونها للطاغية استقل بأمر الجماعة محمد بن يوسف بن هود الثائر بمرسية بدعوة العباسية وتغلب على شرق الأندلس أجمع فتصدى الشيخ هذا للثورة وبويع له سنة تسع وعشرين وستمائة ودعا لأبي زكرياء صاحب إفريقية وأطاعته جيان
____________________
(1/447)

بني نصر وأصهاره بني أشقيلولة ثم بايع لبني هود سنة إحدى وثلاثين عندما بلغه خطاب الخليفة من بغداد ثم ثار بإشبيلية أبو مروان الباجلي عند خروج ابن هود عنها ورجوعه إلى مرسية فداخله محمد بن الأحمر في الصلح على أن يزوجه ابنته فأطاعه ودخل إشبيلية سنة اثنتين وثلاثين ثم فتك بابن الباجي فقتله وتناول البطش به علي بن أشقيلولة ثم راجع أهل إشبيلية بعدها بشهر دعوة ابن هود وأخرج ابن الأحمر ثم تغلب على غرناطة سنة خمس وثلاثين بمداخلة أهلها حين ثار ابن أبي خالد بدعوته فيها ووصلته بيعتها وهو بجيان فقدم إليها علي بن أشقيلولة ثم جاء على أثره ونزلها وابتنى بها حصن الحمراء لنزوله ثم تغلب على مالقة ثم تناول المرية من يد ابن الرميمي وزير ابن هود الثائر بها سنة ثلاث وأربعين ثم بايعه أهل لورقة سنة ثلاث وستين وكان ابن الأحمر أول أمره وصل يده بالطاغية استظهارا على أمره فعضده وأعطاه ابن هود ثلاثين حصنا في كف غربه بسبب ابن الأحمر وليعينه على ملك قرطبة فتسلمها ثم تغلب على قرطبة سنة ثلاث وثلاثين وستمائة أعادها الله ثم نازل إشبيلية سنة ست وأربعين وابن الأحمر معه ثم دخلها صلحا وملك أعمالها ثم ملك مرسية سنة خمس وستين ولم يزل الطاغية يقتطع ممالك المسلمين كورة كورة وثغرا ثغرا إلى أن لجأ المسلمون إلى سيف البحر ما بين رندة من الغرب وإلبيرة من شرق الأندلس نحو عشر مراحل من الغرب إلى الشرق وفي قدر مرحلة أو دونها في العرض ما بين البحر والجوف ثم سخط ابن الأحمر وطمع في الاستيلاء على سائر الجزيرة فامتنعت عليه وتلاحق بالأندلس الغزاة من بني مرين وغيرهم وعقد ملك المغرب
____________________
(1/448)

آلاف منهم فأجازوا في حدود الستين وستمائة وتقبل ابن الأحمر إجازتهم ودفع بهم في نحر عدوه ورجعوا ثم تناسلوا إليه بعد ذلك ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن هلك الشيخ ابن الأحمر سنة إحدى وسبعين وستمائة وولي بعده ابنه محمد الفقيه وأوصاه باستصراخ بني مرين ملوك المغرب بعد الموحدين إن طرقه أمر أن يعتضد بهم فأجاز الفقيه إلى يعقوب بن عبد الحق سلطان فاس والمغرب سنة ثنتين وسبعين فأجاب صريخه وأرسل ابنه وعساكره معه ثم أجاز على أثره وتسلم الجزيرة الخضراء من ثائر كان بها وجعلها ركابا لجهاده ونزل إليه ابن الأحمر عن طريف وما إليها من الحصون وهزم هو وابن الأحمر زعيم النصرانية ذنبه وفرق جمعه وأوقع بجموع الطاغية من كل جهة وبث سراياه وبعوثه في أرض النصرانية ثم خاف ابن الأحمر على ملكه وصالح الطاغية ثم عاد انتهى كلام ابن خلدون ملخصا
وثبتت قدم عقب ابن الأحمر بالأندلس واستولوا على جميع ما بأيدي المسلمين من ملكها مثل الجزيرة وطريف ورندة التي كانت بيد بني مرين بين دون بطره وأبي الوليد ابن الأحمر
وبعد مدة ألب ملوك النصارى سنة تسع عشرة وسبعمائة على غرناطة وجاءها الطاغية بدون بطره في جيش لا يحصى ومعه خمسة وعشرون ملكا وكان من خبر هذه الوقعة أن الإفرنج حشدوا وجمعوا وذهب سلطانهم دون بطره إلى طليطلة ودخل على مرجعهم الذي يقال له البابا وسجد له وتضرع وطلب منه استئصال ما بقي من المسلمين بالأندلس وأكد عزمه فقلق المسلمون بغرناطة وغيرها وعزموا على الاستنجاد بالمريني أبي سعيد
____________________
(1/449)

صاحب فاس وأنفذوا إليه رسلا فلم ينجع ذلك الدواء فرجعوا إلى أعظم الأدوية وهو اللجأ إلى الله تعالى وأخلصوا النيات وأقبل الإفرنج في جموع لا تحصى فقضى ناصر من لا ناصر له سواه بهزم أمم النصرانية وقتل طاغيتهم دون بطره ومن معه وكان نصرا عزيزا ويوما مشهودا
وكان السلطان إذ ذاك بالأندلس الغالب بالله أبو الوليد إسماعيل ابن الرئيس أبي سعيد فرج بن نصر المعروف بابن الأحمر رغب أن يحصن البلاد والثغور فلما بلغ النصارى ذلك عزموا على منازلة الجزيرة الخضراء فانتدب السلطان ابن الأحمر لردهم وجهز الأساطيل والرجال فلما رأوا ذلك طلبوا إلى طليطلة وعزموا على استئصال بلاد المسلمين وتأهبوا لذلك غاية الأهبة ووصلت الأثقال والمجانيق وآلات الحصار والأقوات في المراكب ووصل العدو إلى غرناطة وامتلأت الأرض بهم فتقدم السلطان إلى شيخ الغزاة الشيخ العالم أبي سعيد عثمان بن أبي العلاء المريني بالخروج إلى لقائهم بأنجاد المسلمين وشجعانهم فخرج إليهم يوم الخميس الموفى عشرين لربيع الأول
ولما كانت ليلة الأحد أغارت سرية من العدو على ضيعة من المسلمين فخرجت إليهم جماعة من فرسان الأندلس الرماة فقطعوهم عن الجيش وفرت تلك السرية أمامهم إلى جهة سلطانهم فتبعهم المسلمون إلى الصبح فاستأصلوهم وكان هذا أول النصر
ولما كان يوم الأحد ركب الشيخ أبو سعيد لقتال العدو في خمسة آلاف من أبطال المسلمين المشهورين فلما شاهدهم الفرنج عجبوا من إقدامهم مع قتلهم في تلك الجيوش العظيمة فركبوا وحملوا بجملتهم عليهم فانهزم الفرنج أقبح هزيمة وأخذتهم السيوف وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ثلاثة أيام وخرج أهل غرناطة لجمع الأموال وأخذ الأسرى فاستولوا على أموال عظيمة منها من الذهب فيما قيل ثلاثة وأربعون قنطارا ومن الفضة مائة وأربعون قنطارا ومن السبي سبعة
____________________
(1/450)

بعض الغرناطيين إلى الديار المصرية وكان من جملة الأسرى امرأة الطاغية وأولاده فبذلت في نفسها مدينة طريف وجبل الفتح وثمانية عشر حصنا فيما حكى بعض المؤرخين فلم يقبل المسلمون ذلك وزادت عدة القتلى في هذه الغزوة على خمسين ألفا ويقال إنه هلك منهم بالوادي مثل هذا العدد لعدم معرفتهم بالطريق وأما الذين هلكوا بالجبال والشعاب فلا يحصون وقتل الملوك الخمسة والعشرون جميعهم واستمر االبيع في الأسرى والأسباب والدواب ستة أشهر ووردت البشائر بهذا النصر العظيم إلى سائر البلاد
ومن العجب أنه لم يقتل من المسلمين والأجناد سوى ثلاثة عشر فارسا وقيل عشرة أنفس وقيل كان عسكر الإسلام نحو ألف وخمسمائة فارس والرجالة نحوا من أربعة آلاف راجل وقيل دون ذلك
وكانت الغنيمة تفوت الوصف وسلخ الطاغية دون بطره وحشي جلده قطنا وعلق على باب غرناطة وبقي معلقا سنوات وطلبت النصارى الهدنة فعقدت لهم بعد أن ملكوا جبل الفتح الذي كان من أعمال سلطان فاس والمغرب وهو جبل طارق ولم يزل بأيديهم إلى أن ارتجعه أمير المسلمين أبو الحسن المريني صاحب فاس والمغرب بعد ان أنفق عليه الأموال وصرف إليه الجنود والحشود ونازلته جيوشه مع ولده وخواصه وضيقوا به إلى أن استرجعوه ليد المسلمين واهتم ببنائه وتحصينه وأنفق عليه أحمال مال في بنائه وحصنه وسوره وأبراجه وجامعه ودوره ومخازنه ولما كاد يتم ذلك نازله العدو برا وبرحا فصبر المسلمون وخيب الله سعي الكافرين فأراد السلطان المذكور أن يحصن سفح الجبل بسور محيط به من جميع جهاته حتى لا يطمع عدو في منازلته ولا يجد سبيلا للتضييق عند محاصرته ورأى الناس ذلك
____________________
(1/451)

الهالة بالهلال وكان بقاء هذا الجبل بيد العدو نيفا وعشرين سنة وحاصره السلطان أبو الحسن ستة أشهر وزاد في تحصينه ابنه السلطان أبو عنان ولما أجاز السطان أبو الحسن المذكور إلى الأندلس واجت مع عليه ابن الأحمر وقاتلهم الطاغية هزمهم في وقعة طريف واستولى على الجزيرة الخضراء حتى قيض الله من بني الاحمر الغني بالله محمدا الذي كان لسان الدين بن الخطيب وزيره فاسترجعها وجملة بلاد كجيان وغيرها
وكانت له في الجهاد مواقف مشهورة وامتد ملكه واشتد حتى محا دولة سلاطين فاس مما وراء البحر وملك جبل الفتح ونصر الله الإسلام على يده كما ستقف عليه في بعض مكاتبات لسان الدين رحمه الله في مواضع من هذا الكتاب وسعد هذا الغني بالله من العجائب
وبقي ملك الأندلس في عقبه إلى أن أخذ ما بقي من الأندلس العدو الكافر واستولى على حضرة الملك غرناطة أعادها الله للإسلام كما تبين إن شاء الله وخلت جزيرة الأندلس من أهل الإسلام وأبدلت من النور بالظلام حسبما اقتضته الأقدار النافذة والأحكام والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين شيخ الغزاة أيام بني الأحمر
قال ابن خلدون واتفق بنو الأحمر سلاطين غرناطة أن يجعلوا مشيخة الغزاة لواحد يكون من أقارب بني مرين سلاطين المغرب لأنهم أول من ولي الأندلس عند استيلاء بني عمهم على ملك المغرب لما بينهم
____________________
(1/452)

وكان لهؤلاء في الجهاد مواقف مشهورة وسأذكر لك ما كتب على قبر شيخ الغزاة عثمان بن أبي العلاء لتستدل عند ذلك على ما ذكرناه بحمد الله تعالى هذا قبر شيخ الحماة وصدر الأبطال الكماة واحد الجلالة ليث الإقدام والبسالة علم الأعلام حامي ذمار الإسلام صاحب الكتائب المنصورة والأفعال المشهورة والمغازي المسطورة وإمام الصفوف القائم بباب الجنة تحت ظلال السيوف سيف الجهاد وقاصم الأعاد وأسد الآساد العالي الهمم الثابت القدم الهمام المجاهد الأرضى البطل الباسل الأمضى المقدس المرحوم أبي سعيد عثمان ابن الشيخ الجليل الهمام الكبير الأصيل الشهير المقدس المرحوم أبي العلاء إدريس بن عبد الله بن عبد الحق كان عمره ثمانيا وثمانين سنة أنفقه ما بين روحة في سبيل الله وغدوة حتى استوفى في المشهور سبعمائة واثنتين وثلاثين غزوة وقطع عمره مجاهدا مجتهدا في طاعة الرب محتسبا في إدارة الحرب ماضي العزائم في جهاد الكفار مصادما بين جموعهم تدفق التيار وصنع الله تعالى له فيهم من الصنائع الكبار ما سار ذكره في الأقطار أشهر من المثل السيار حتى توفي رحمه الله وغبار الجهاد طي أثوابه وهو مراقب لطاغية الكفار وأحزابه فمات على ما عاش عليه وفي ملحمة الجهاد قبضه الله تعالى إليه واستأثر به سعيدا مرتضى وسيفه على رأس ملك الروم منتضى مقدمة قبول وإسعاد ونتيجة جهاد وجلاد ودليلا على نيته الصاحلة وتجارته الرابحة فارتجت الأندلس لبعده أتحفه الله تعالة رحمة الله من عنده توفي يوم الأحد الثاني لذي الحجة من عام ثلاثين وسبعمائة انتهى
ومنها ما كتب به لسان الدين بن الخطيب رحمه الله في تولية علي ابن بدر الدين
____________________
(1/453)

أبواب السراء وراق طرازا مذهبا على عاتق الدولة الغراء وأعمل عوامل الجهاد في طاعة رب العباد شارعة لأهل الكفر والعناد من باب الإعمال والإغراء أمر به فلان صدر صدور أددائه وحسامه المشهور على أعدائه ووليه الذي خبر صدق وفائه وجلى في مضمار الخلوص له مغبرا في وجوه أكفائه شيخ شيوخ المجاهدين وقائد كتائبه المنصورة إلى غزو الكافرين المعتدين وعترته التي يدافع بها عن الدين وسابق وده المبرز في الميادين الشيخ الأجل إلى آخر ما وصفه به مما ضاق الوقت عن مثله والله ولي
____________________
(1/454)

& الباب الرابع & في ذكره قرطبة التي كانت الخلافة بمصرها للأعداء قاهرة وجامعها الأموي ذي البدائع الباهية الباهرة والإلماع بحضرتي الملك الناصرية الزهراء والعامرية الزاهرة ووصف جملة من منتزهات تلك الأقطار ومصانعها ذات المحاسن الباطنة والظاهرة وما يجر إليه شجون الحديث من أمور تقضي بحسن إيرادها القرائح الوقادة والأفكار الماهرة نقول في وصف قرطبة
قال ابن سعيد رحمه الله مملكة قرطبة في الإقليم الرابع وإيالته للشمس وفي هذه المملكة معدن الفضة الخالصة في قرية كرتش ومعدن الزئبق والزنجفر في بلد بسطاسة ولأجزائها خواص مذكورة في متفرقاتها وأرضها أرض كريمة للنبات انتهى
وقدم رحمه الله في المغرب الكلام عليها على سائر أقطار الأندلس وقال إنما قدمنا هذه المملكة من بين سائر الممالك الأندلسية لكون سلاطين الأندلس الأول اتخذوها سريرا لسلطنة الأندلس ولم يعدلوا عن حضرتها قرطبة ثم سلاطين بني أمية وخلفاؤهم لم يعدلوا عن هذه المملكة وتقلبوا منها
____________________
(1/455)

اتخذوها لهذا الشأن لما رأوها لذلك أهلا وقرطبة أعظم علما وأكثر فضلا بالنظر إلى غيرها من الممالك لاتصال الحضارة العظيمة والدولة المتوارثة فيها
ثم قسم ابن سعيد كتاب الحلة المذهبة في حلى ممالك قرطبة بالنظر إلى الكور إلى أحد عشر كتابا
الكتاب الأول كتاب الحلة الذهبية في حل الكورة القرطبية
الكتاب الثاني كتاب الدرر المصونة في حلى كورة بلكونة
الكتاب الثالث كتاب محادثة السمير في حلى كورة القصير
الكتاب الرابع كتاب الوشي المصور في حلى كورة المدور
الكتاب الخامس كتاب نيل المراد في حلى كورة مراد
الكتاب السادس كتاب المزنة في حلى كورة كزنة
الكتاب السابع كتاب الدر النافق في حلى كورة غافق
الكتاب الثامن كتاب النفحة الأرجة في حلى كورة إستجة
الكتاب التاسع كتاب الكواكب الدرية في حلى الكورة القبرية
الكتاب العاشر كتاب رقة المحبة في حلى كورة إستبة الكتاب الحادي عشر كتاب السوسانة في حلى كورة اليسانة انتهى
ثم قال رحمه الله تعالى إن العمارة اتصلت في مباني قرطبة والزهراء والزاهرة بحيث إنه كان يمشى فيها لضوء السرج المتصلة عشرة أميال حسبما ذكره الشقندي في رسالته ثم قال ولكل مدينة من مدن قرطبة وأعمالها ذكر مختص به ثم ذكر المسافات التي بين ممالك قرطبة المذكورة فقال بين المدور وقرطبة ستة عشر ميلا وبين قرطبة ومراد خمسة وعشرون ميلا وبين قرطبة والقصير ثمانية عشر ميلا وبين قرطبة وغافق مرحلتان
____________________
(1/456)

مرحلتان وبين قرطبة واليسانة أربعون ميلا وبين قرطبة وقبره ثلاثون ميلا وبين قرطبة وبيانة مرحلتان وبين قرطبة وإستجة ثلاثون ميلا وكورة رندة كانت من في القديم عمل قرطبة ثم صارت من مملكة إشبيلية وهي أقرب وأدخل في المملكة الإشبيلية انتهى
ثم قسم رحمه الله تعالى كتاب الحلة الذهبية في حلى الكورة القرطبية إلى خمسة كتب
الكتاب الأول كتاب النغم المطربة في حلى حشرة قرطبة
الكتاب الثاني كتاب الصبيحة الغراء في حلى حضرة الزهراء
الكتاب الثالث كتاب البدائع الباهرة في حلى حضرة الزاهرة الكتاب الرابع كتاب الوردة في حلى مدينة شقندة
الكتاب الخامس كتاب الجرعة السيغة في حلى كورة وزغة
وقال رحمه الله تعالى في كتاب النغم المطربة في حلى حضرة قرطبة إن حضرة قرطبة إحدى عرائس مملكتها وفي اصطلاح الكتاب أن للعروس الكاملة الزينة منصة وهي مختصة بما يتعلق بذكر المدينة في نفسها وتاجا وهو مختص بالإيالة السلطانية وسلكا وهو مختص بأصحاب درر الكلام من النثار والنظام وحلة وهي مختصة بأعلام العلماء المصنفين الذين ليس لهم نظم ولا نثر ولا يحب إهمال تراجمهم وأهدابا وهي مختصة بأصحاب فنون الهزل وما ينحو منحاه انتهى
ثم فصل رحمه الله تعالى ذلك كله بما تعددت منه الأجزاء وقد لخصت منه هنا بعض ما ذكره ثم أردفته بكلام غيره فأقول قال في كتاب أجار
____________________
(1/457)

إن قرظبه بالظاء المعجمة ومعناه أجر ساكنها يعني عربت بالطاء ثم قال ودور مدينة قرطبة ثلاثون ألف ذراع انتهى
وقال غيره إن تكسيرها ومساحتها التي دار السور عليها دون الأرباض طولا من القبلة إلى الجوف ألف وستمائة ذراع واتصلت العمارة بها أيام بني أمية ثمانية فراسخ طولا وفرسخين عرضا وذلك من الأميال أربعة وعشرون في الطول وفي العرض ستة وكل ذلك ديار وقصور ومساجد وبساتين بطول ضفة الوادي المسمى بالوادي الكبير وليس في الأندلس واد يسمى باسم عربي غيره ولم تزل قرطبة في الزيادة منذ الفتح الإسلامي إلى سنة أربعمائة فانحطت واستولى عليها الخراب بكثرة الفتن إلى أن كانت الطامة الكبرى عليها بأخذ العدو الكافر لها ثالث عشري شوال سنة ستمائة وثلاث وثلاثين
ثم قال هذا القائل ودور قرطبة أعني المسورمنها دون الأرباض ثلاثة وثلاثون ألف ذراع ودور قصر إمارتها ألف ذراع ومائة ذراع انتهى
وعدد أرباضها واحد وعشرون في كل ربض منها من المساجد والأسواق والحمامات ما يقوم باهله ولا يحتاجون إلى غيره وبخارج قرطبة ثلاثة آلاف قرية في كل واحدة منبر وفقيه مقلص تكون الفتيا في الأحكام والشرائع له وكان لا يجعل القالص عندهم على رأسه إلا من حفظ الموطأ وقيل من حفظ عشرة آلاف حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وحفظ المدونة وكان هؤلاء المقلصون المجاورون لقرطبة يأتون يوم الجمعة للصلاة مع الخليفة بقرطبة ويسلمون عليه ويطالعونه بأحوال بلدهم
____________________
(1/458)

قال وانتهت جباية قرطبة أيام ابن أبي عامر إلى ثلاثة آلاف ألف دينار بالإنصاف وقد ذكرنا في موضع آخر ما فيه مخالفة لهذا فالله أعلم
وما أحسن قول بعضهم
( دع عنك حضرة بغداد وبهجتها ** ولا تعظم بلاد الفرس والصين )
( فما على الأرض قطر مثل قرطبة ** وما مشى فوقها مثل ابن حمدين )
وقال بعضهم قرطبة قاعدة الأندلس ودار الملك التي يجبي لها ثمرات كل جهة وخيرات كل ناحية واسطة بين الكور موفية على النهر زاهرة مشرقة أحدقت بها المنى فحسن مرآها وطاب جناها
وفي كتاب فرحة الأندلس لابن غالب أما قرطبة فإنه اسم ينحو إلى لفظ اليونانيين وتأويله القلوب المشككة
وقال أبو عبيد البكري إنها في لفظ القوط بالظاء المعجمة وقال الحجاري الضبط فيها بإهمال الطاء وضمها وقد يكسرها المشرقيون في الضبط كما يعجمها آخرون انتهى
وقال بعض العلماء أما قرطبة فهي قاعدة الأندلس وقطبها وقطرها الأعظم وأم مدائنها ومساكنها ومستقر الخلفاء ودار المملكة في النصرانية والإسلام
____________________
(1/459)

وتابعي التابعين ويقال نزلها بعض من الصحابة وفيه كلام
وهي مدينة عظيمة أزلية من بنيان الأوائل طيبة الماء والهواء أحدقت بها البساتين والزيتون والقرى والحصون والمياه والعيون من كل جانب وبها المحرث العظيم الذي ليس في بلاد الأندلس مثله ولا أعظم منه بركة
وقال الرازي قرطبة أم المدائن وسرة الأندلس وقرارة الملك في القديم والحديث والجاهلية والإسلام ونهرها أعظم أنهار الأندلس وبها القنطرة التي هي إحدى غرائب الأرض في الصنعة والإحكام والجامع الذي ليس في بلاد الأندلس والإسلام أكبر منه
وقال ابن حوقل هي أعظم مدينة بالأندلس وليس بجميع المغرب لها عندي شبيه كثرة أهل وسعة محل وفسحة أسواق ونظافة محال وعمارة مساجد وكثرة حمامات وفنادق ويزعم قوم من أهلها أنها كأحد جانبي بغداد وإن لم تكن كأحد جانبي بغداد فهي قريبة من ذلك ولاحقة به وهي مدينة حصينة ذات سور من حجارة ومحال حسنة وفيها كان سلاطينهم قديما ودورهم داخل سورها المحيط بها وأكثر أبواب القصر السلطاني من البلد وجنوب قرطبة على نهرها
قال وقرطبة هذه بائنة عن مساكن أرباضها ظاهرة ودرت بها في غير يوم في قدر ساعة وقد قطعت الشمس خمس عشرة درجة ماشيا
وقال الحجاري وكانت قرطبة في الدولة المروانية قبة الإسلام
____________________
(1/460)

الديار الكثيرة المنفسحة والشوارع المتسعة والمباني الضخمة والنهر الجاري والهواء المعتدل والخارج النضر والمحرث العظيم والشعراء الكافية والتوسط بين شرق الأندلس وغربها قال فقلت ما أبقى لي أمير المؤمنين ما أقول
ثم قال ابن سعيد ومن كلام والدي في شأنها هي من أحسن بلاد الأندلس مباني وأوسعها مسالك وأبرعها ظاهرا وباطنا وتفضل إشبيلية بسلامتها في فصل الشتاء من كثرة الطين ولأهلها رياسة ووقار لا تزال سمة العلم متوارثة فيهم إلا أن عامتها أكثر الناس فضولا وأشدهم تشنيعا وتشغيبا ويضرب بهم المثل ما بين أهل الأندلس في القيام على الملوك والتشنيع على الولاة وقلة الرضى بأمورهم حتى إن السيد أبا يحيى بن أبي يعقوب بن عبد المؤمن لما انفصل عن ولايتها قيل له كيف وجدت أهل قرطبة قال مثل الجمل إن خففت عنه الحمل صاح وإن أثقلته به صاح ما ندري أين رضاهم فنقصده ولا أين سخطهم فنتجنبه وما سلط الله عليهم حجاج الفتنة حتى كان عامتها شرا من عامة العراق وإن العزل عنها لما قاسيت من أهلها عندي ولاية وإني إن كلفت العود إليها لقائل لايلدغ المؤمن من جحر مرتين
قال والدي ومن محاسنها ظرف اللباس والتظاهر بالدين والمواظبة على الصلاة وتعظيم أهلها لجامعها الأعظم وكسر أواني الخمر حيثما وقع عين أحد من أهلها عليها والتستر بأنواع المنكرات والتفاخر بأصالة البيت وبالجندية وبالعلم وهي أكثر بلاد الأندلس كتبا وأشد الناس اعتناء بخزائن الكتب صار ذلك عندهم من الآت لتعين والرياسة حتى إن الرئيس منهم الذي لا تكون عنده معرفة يحتفل في أن تكون في بيته خزانة كتب وينتخب فيها ليس إلا لأن يقال فلان
____________________
(1/462)

ليس هو عند أحد غيره والكتاب الذي هو بخط فلان قد حصله وظفربه
قال الحضرمي أقمت مرة بقرطبة ولازمت سوق كتبها مدة أترقب فيها وقوع كتاب كان لي بطلبه اعتناء إلى أن وقع وهو بخط جيد وتسفير مليح ففرحت به أشد الفرح فجعلت أزيد في ثمنه فيرجع إلي المنادي بالزيادة علي إلى أن بلغ فوق حده فقلت له يا هذا أرني من يزيد في هذا الكتاب حتى بلغه إلى ما لا يساوي قال فأراني شخصا عليه لباس رياسة فدوت منه وقلت له أعز الله سيدنا الفقيه إن كان لك غرض في هذا الكتاب تركته لك فقد بلغت به الزيادة بيننا فوق حده قال فقال لي لست بفقيه ولا أدري ما فيه ولكني أقمت خزانة كتب واحتفلت فيها لأتجمل بها بين أعيان البلد وبقي فيها موضع يسع هذا الكتاب فلما رأيته حسن الخط جيد التجليد استحسنته ولم أبال بما أزيد فيه والحمد لله على ما أنعم به من الرزق فهو كثير قال الحضرمي فأحرجني وحملني على أن قلت له نعم لا يكون الرزق كثيرا إلا عند مثلك يعطي الجوز من لا عنده أسنان وأنا الذي أعلم ما في هذا الكتاب وأطلب الانتفاع به يكون الرزق عندي قليلا وتحول قلة ما بيدي بيني وبينه
قال ابن سعيد وجرت مناظرة بين يدي منصور بني عبد المؤمن بين الفقيه العالم أبي الوليد بن رشد والرئيس أبي بكر بن زهر فقال ابن رشد لابن زهر في كلامه ما أدري ما تقول غير أنه إذا مات عالم بإشبيلية فأريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها وإذا مات مطرب بقرطبة فأريد بيع تركته حملت إلى إشبيلية
ولما ذكر ابن بشكوال قصر قرطبة قال هو قصر أولي تداولته
____________________
(1/463)

الأمم من لدن عهد موسى النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم وفيه من المباني الأولية والآثار العجيبة لليونانيين ثم للروم والقوط والأمم السالفة ما يعجز الوصف ثم ابتدع الخلفاء من بني مروان منذ فح الله عليهم الأندلس بما فيها في قصرها البدائع الحسان وأثروا فيه الآثار العجيبة والرياض المونقة وأجروا فيه المياه العذبة المجلوبة من جبال قرطبة على المسافات البعيدة وتمونوا المؤن الجسيمة حتى أوصلوها إلى القصر المكرم وأجروها في كل ساحة من ساحاته وناحية من نواحيه في قنوات الرصاص تؤديها منها إلى المصانع صور مختلفة الأشكال من الذهب الإبريز والفضة الخالصة والنحاس المموه إلى البحيرات الهائلة والبرك البديعة والصهاريج الغريبة في أحواض الرخام الرومية المنقوشة العجيبة
قال وفي هذا القصر القصاب العالية السمو المنيفة العلو التي لم ير الراؤون مثلها في مشارق الأرض ومغاربها
قال ومن قصوره المشهورة وبساتينه المعروفة الكامل والمجدد وقصر الحائر والروضة والزاهر والمعشوق والمبارك والرشيق وقصر السرور والتاج والبديع
قال ومن أبوابه التي فتحها الله لنصر المظلومين وغياث الملهوفين والحكم بالحق الباب الذي عليه السطح المشرف الذي لا نظير له في الدنيا وعلى هذا الباب باب حدي وفيه حلق لاطون قد أثبتت في قواعدها وقد صورت صورة إنسان فتح فمه وهي حلق باب مدينة أربونة من بلد الإفرنج وكان الأمير محمد قد افتتحها فجلب حلقها إلى هذا الباب وله باب قبلي أيضا وهو المعروف بباب الجنان وقدام هذين البابين
____________________
(1/464)

المشرف على النهر الأعظم مسجدان مشهوران بالفضل كان الأمير هشام الرضى يستعمل الحكم في المظالم فيهما ابتغاء ثواب الله الجزيل وله باب ثالث يعرف بباب الوادي وله باب بشماليه يعرف بباب قورية وله باب رابع يدعى بباب الجامع وهو باب قديم كان يدخل منه الخلفاء يوم الجمعة إلى المسجد الجامع على الساباط وعدد أبوابا بعد هذا طمست أيام فتنة المهدي ابن عبد الجبار
وذكر ابن بشكوال رحمه الله أن أبواب قرطبة سبعة أبواب باب القنطرة إلى جهة القبلة ويعرف بباب الوادي وبباب الجزيرة الخضراء وهو على النهر وباب الحديد ويعرف بباب سرقسطة وباب ابن عبد الجبار وهو باب طليطلة وباب رومية وفيه تجتمع الثلاثة الرصف التي تشق دائرة الأرض من جزيرة قادس إلى قرمونة إلى قرطبة إلى سرقسطة إلى طركونة إلى أربونة مارة في الأرض الكبيرة ثم باب طلبيرة وهو أيضا باب ليون ثم باب عامر القرشي وقدامه المقبرة المنسوبة إليه ثم باب الجوز ويعرف بباب بطليوس ثم باب العطارين وهو باب إشبيلية انتهى
وذكر أيضا أن عدد أرباض قرطبة عند انتهائها في التوسيع والعمارة واحد وعشرون ربضا منها القبلية بعدوة النهر ربض شقندة وربض منية عجب وأما الغريبة فتسعة ربض حوانيت الريحان وربض الرقاقين وربض مسجد الكهف
____________________
(1/465)

حمام الإلبيري وربض مسجد المسرور وربض مسجد الروضة وربض السجن القديم وأما الشمالية فثلاثة ربض باب اليهود وربض مسجد أم سلمة وربض الرصافة وأما الشرقية فسبعة ربض شبلار وربض فرن بريل وربض البرج وربض منية عبد الله وربض منية المغيرة وربض الزاهرة وربض المدينة العتيقة
قال ووسط هذه الأرباض قصبة قرطبة التي تختص بالسور دونها وكانت هذه الأرباض دون سور فلما كانت أيام الفتنة صنع لها خندق يدور بجميعها وحائط مانع وذكر ابن غالب أنه كان دور هذا الحائط أربعة عشر ميلا وشقندة معدودة في المدينة لأنها مدينة قديمة كانت مسورة منتزهات قرطبة قال ابن سعيد في المغرب ولنذكر الآن من منتزهات قرطبة ومعاهدها المذكورة في الألسن نظما ونثرا ما انتهى إليه الضبط من غير تغلغل في غير المشهور منها والأهم ونوشي ذلك بجميع ما يحضرني من مختار النظم في قرطبة وما يحتوي عليه نطاقها المذكور
فأول ما نذكر من المنتزهات منتزه الخلفاء المروانية وهو قصر الرصافة قال والدي رحمه الله كان مما ابتناه عبد الرحمن بن معاوية في أول أيامه لنزهه
____________________
(1/466)

منحرفة إلى الغرب فاتخذ بها قصرا حسنا ودحا جنانا واسعة ونقل إليها غرائب الغروس وأكارم الشجر من كل ناحية وأودعها ما كان استجلبه يزيد وسفر رسولاه إلى الشأم من النوى المختار والحبوب الغريبة حتى نمت بيمن الجد وحسن التربية في المدة القريبة أشجارا معتمة أثمرت بغرائب من الفواكه انتشرت عما قليل بأرض الأندلس فاعترف بفضلها على أنواعها قال وسماها باسم رصافة جده هشام بأرض الشأم الأثيرة لديه وامتثله في اختيار رصافته هذه وكلفه بها وكثرة تردده عليها وسكناه أكثر أوقاته بها فطار لها الذكر في أيامه واتصل من بعده في إيثارها
قال وكلهم فضلها وزاد في عمارتها وانبرى وصاف الشعراء لها فتناغوا في ذلك فيما هو إلى الآن مأثور عنهم مستجاد منهم
قال ابن سعيد والرمان السفري الذي فاض على أرجاء الأندلس وصاروا لا يفضلون عليه سواه أصله من هذه الرصافة وقد ذكر ابن حيان شأنه وأفرد له فصلا فقال إنه الموصوف بالفضيلة المقدم على أجناس الرمان بعذوبة الطعم ورقة العجم وغزارة الماء وحسن الصورة وكان رسوله إلى الشأم في توصيل أخيته منها إلى الأندلس قد جلب طرائف منها من رمان الرصافة المنسوبة إلى هشام قال فعرضه عبد الرحمن على خواص رجاله مباهيا به وكان فيمن حضره منهم سفر بن عبيد الكلاعي من جند الأردن ويقال هو من الأنصار الذين كانوا يحملون ألوية رسول
____________________
(1/467)

أمية فأعطاه من ذلك الرمان جزءا فراقه حسنه وخبره فسار به إلى قرطبة بكورة رية فعالج عجمه واحتال لغرسه وغذائه وتنقيله حتى طلع شجرا أثمر وأينع فنزع إلى عرقه وأغرب في حسنه فجاء به عما قليل إلى عبد الرحمن فإذا هو أشبه شيء بذلك الرصافي فسأله الأمير عنه فعرفه وجه حيلته فاستبرع استنباطه واستنبل همته وشكر صنعه وأجزل صلته واغترس منه بمنية الرصافة وبغيرها من جناته فانتشر نوعه واستوسع الناس في غراسه ولزمه النسب إليه فصار يعرف إلى الآن بالرمان السفري
قال وقد وصف هذا الرمان أحمد بن فرج الشاعر في أبيات كتب بها إلى بعض من أهداه له فقال
( ولابسة صدفا أحمرا ** أتتك وقد ملئت جوهرا )
( كأنك فاتح حق لطيف ** تضمن مرجانه الأحمرا )
( حبوبا كمثل لثات الحبيب ** رضابا إذا شئت أو منظرا )
( وللسفر تعزى وما سافرت ** فتشكو النوى أو تقاسي السرى )
( بلى فارقت أيكها ناعما ** رطيبا وأغصانها نضرا )
( وجاءتك معتاضة إذ أتتك ** بأكرم من عودها عنصرا )
( بعود ترى فيه ماء الندى ** ويورق من قبل أن يثمرا )
( هدية من لو غدت نفسه ** هديته ظنه قصرا )
وقال ابن سعيد وأخبرني والدي قال أخبرني الوشاح المبرز المحسن أبو الحسن المريني قال بينما أنا أشرب مع ندماني بإزاء
____________________
(1/468)

رث الهيئة مجفوا الطلعة قد جاء فجلس معنا فقلنا له ما هذا الإقدام على الجلوس معنا دون سابق معرفة فقال لا تعجلوا علي ثم فكر قليلا ورفع رأسه فأنشدنا
( أسقنيها إزاء قصر الرصافة ** واعتبر في مآل أمر الخلافة )
( وانظر الأفق كيف بدل أرضا ** كي يطيل اللبيب فيه اعترافه )
( ويرى أن كل ما هو فيه ** من نعيم وعز أمر سخافة )
( كل شيء رأيته غير شيء ** ما خلا لذة الهوى والسلافة )
قال المريني فقلبت رأسه وقلت له بالله من تكون فقال قاسم بن عبود الرياحي الذي يزعم الناس أنه موسوس أحمق قال فقلت له ما هذا شعر أحمق وإن العقلاء لتعجز عنه فبالله إلا ما تممت مسرتنا بمؤانستك ومنادمتك ومناشدة طرف أشعارك فنادم وأنشد وما زلنا معه في طيبة عيش إلى أن ودعناه وهو يتلاطم مع الحيطان سكرا ويقول اللهم
____________________
(1/469)


قال ومن أبدع قصور خارج قرطبة قصر السيد أبي يحيى بن أبي يعقوب بن عبد المؤمن وهو على متن النهر الأعظم تحمله أقواس وقيل للسيد كيف تأنقت في بنيان هذا القصر مع انحرافك عن أهل قرطبة فقال علمت أنهم لا يذكرون واليا بعد عزله ولا له عندهم قدر لما بقي في رؤوسهم من الخلافة المروانية فأحببت أن يبقى لي في بلادهم أثر أذكر به على رغمهم
قال ابن سعيد وأخبرني والدي أن ناهض بن إدريس شاعر وادي آش في عصره أنشده لنفسه في هذا القصر
( ألا حبذا القصر الذي ارتفعت به ** على الماء من تحت الحجارة وأقواس )
( هو المصنع الأعلى الذي أنف الثرى ** ورفعه عن لثمه المجد والباس )
( فأركب متن النهر عزا ورفعة ** وفي موضع الأقدام لا يوجد الراس )
( فلا زال معمور الجناب وبابه ** يغص وحلت أفقه الدهر أعراس أعراس )
وقال الفتح في قلائده لما ذكر الوزير ابن عمار وتنزه بالدمشق بقرطبة وهو قصر شيده بنو أمية بالصفاح والعمد وجري في إتقانه إلى غير أمد وأبدع بناؤه ونمقت ساحاته وفناؤه وانخذوه ميدان مراحهم ومضمار أفراحهم وحكوا به قصرهم بالمشرق وأطلعوه كالكوكب المشرق وأنشد فيه لابن عمار
( كل قصر بعد الدمشق يذم ** فيه طاب الجنى ولذ المشم )
( منظر رائق وماء نمير ** وثرى عاطر وقصر أشم )
( بت فيه والليل والفجر عندي
____________________
(1/470)


وهي منسوبة للحاجب أبي عثمان جعفر بن عثمان المصحفي
وذكر الحجاري في المسهب أن الرئيس أبا بكر محمد بن أحمد بن جعفر المصحفي اجتاز بالمنية المصحفية التي كانت لجده أيام حجابته للخليفة الحكم المستنصر فاستعبر حين بذكر ما آل إليه حال جده مع المنصور بن أبي عامر واستيلاءه على ملكه وأملاكه فقال
( قف قليلا بالمصحفية واندب ** مقلة أصبحت لا إنسان )
( واسألنها عن جعفر وسطاه ** ونداه في سالف الأزمان )
( جعفر مثل جعفر حكم الدهر ** عليه بعسرة وهوان )
( ولكم حذر الردى فصممنا ** لاأمان لصاحب السلطان )
( بينما يعتلي إذا خافضا منه ** اكتساب ككفة الميزان )
ومنية الزبير منسوبة إلى الزبير بن عمر الملثم ملك قرطبة
قال ابن سعيد أخبرني والدي عن أبيه قال خرج معي إلى هذه المنية في زمان فتح النوار أبو بكر بن بقي الشاعر المشهور فجلسنا تحت سطر من أشجار اللوز قد نورت فقال ابن بقي
( سطر من اللوز في البستان قابلني ** ما زاد على شيء ولا نقصا )
( كأنما كل غصن كم جارية ** إذا النسيم ثنى أعطافه رقصا )
____________________
(1/471)

ثم قال شعرا منه
( عجبت لمن أبعتي على خمر دنه ** غداة رأى لوز الحديقة نورا )
ولا أذكر بقية الأبيات قال جدي ثم اجتمعت به بعد ذلك بغرناطة فذكرته باجتماعه في منية الزبير فتنهد وفكر ساعة وقال اكتبوا عني فكتبنا
( سقى الله بستان الزبير ودام في ** مجاريه سيل النهر ما غنت الورق )
( فكائن لنا من نعمة في ج نابه ** كبزته الخضراء طالعها طلق )
( هو الموضع الزاهي على كل موضع ** أما ظله ضاف أما ماؤه دفق )
( أهيم به في حالة القرب والنوى ** وحق له مني التذكر والعشق )
( ومن ذلك النهر الخفوق فؤاده ** بقلبي ما غيبت عن وجهه خفق )
قال فقلت له جمع الله بينك وبينه على الحالة التي تشتهي قال ذلك لك قلت وكيف ذلك قال تدفع لي هذا السيف الذي تقلدت به أتزود به إليه وأنفق الباقي فيه على ما تعلم قال فقلت له هذا سيف شرفني به السلطان أبو زكرياء ابن غانية وما لعطائه سبيل ولكن أعطيك قيمته فرخج وأتى بشخص يعرف قيمة السيوف فقدره وجعل يقول إنه سيف السلطان ابن غانية ليعظم قدره في عينه فيزيد في قيمته ثم قبض ما قدر به وأنشد ارتجالا
( أطال الله عمر فتى سعيد ** وبقاه ورقته السعود )
( غدا لي جوده سببا لعودي ** إلى وطني فها أنا ذا أعود )
( وألثم كفه شكرا ويتلو
____________________
(1/472)


( حباني من ذخائره بسيف
به لم يبق للأحزان جيد )
والقصر الفارسي من القصور المقصودة للنزاهة بخارج قرطبة وقد ذكره الوزير أبو الوليد ابن زيدون في قصيد ضمنه من منتزهات قرطبة ما تقف عليه وكان قد فر من قرطبة أيام بني جهور فحضره في فراره عيد ذكره بأعياد وطنه ومعاهده الأنسية مع ولادة التي كان يهواها ويتغزل فيها فقال
( خليلي لا فطر يسر ولا أضحى ** فما حال من أمسى مشوقا كما أضحى )
وستأتي هذه القصيدة في هذا الباب كما ستأتي قصيدة أبي القاسم ابن هشام القرطبي التي أولها
( يا هبة باكرت من نحو دارين ** )
وفيها كثير من منتزهات قرطبة
قال ابن سعيد كان والدي كثيرا ما يأمرني بقراءتها عليه ويقول والله لقد أنبأت عن فضل لهذا الرجل قال وكان أبو يحيى الحضرمي يحفظها ويزين بها مجالسه ويحلف أن لا ينشدها بمحضر جاهل لا يفهم أو حاسد لا ينصف في الاهتزاز لها وإنه لجدير بذلك وإنها لمن كنوز الأدب
ثم قال والمرج النضير المذكور بها هو مرج الخز أخبرني والدي أنه حضر في زمان الصبا بهذا المرج على راحة ومعه الرئيس الفاضل أبو الحسين ابن الوزير أبي جعفر الوقشي والمسن ابن دريدة المشهور بخفة الروح
____________________
(1/473)

والمرج قد أحدق به الوادي والشمس قد مالت عليه للغروب فقال لي أبو الحسين بالله صف يومنا وحسن هذا المنظر فقلت لا أصفه أو تصفه أنت فقال ولك مني ذلك فأفكر كل منا على انفراد بعدما ذكرنا ما نضف نثرا فقال أبو الحسين الوقشي
( لله يوم بمرج الخز طاب لنا ** فيه النعيم بحيث الروض والنهر )
( وللإوز على أرجائه لعب ** إذا جرت بددت ما بيننا الدرر )
( والشمس تجخ نحو البين ماثلة ** كأن عاشقها في الغرب ينتظر )
( والكأس جاثلة باللب حائرة ** وكلنا غفلات الدهر نبتدر )
قال فقلت
( ألا حبذا يوم ظفرنا بطيبة ** بأكناف مرج الخز والنهر يبسم )
( وقد مرحت فيه الإوز وأرسلت ** على سندس درا به يتنظم )
( ومد به للشمس فهور كأنه ** لثام لها ملقى من النور معصم )
( أدرنا عليه أكؤسا بعثت به ** من الأنس ميتا عاد وهو يكلم )
( غدونا إليه صامتين سكينة ** فرحنا وكل بالهوى يترنم )
فأظهر كل منا لصاحبه استحسان ما قال تنشيطا وتتميما للمسرة ثم قلنا للمسن ما عندك أنت ما تعارض به هاتين القطعتين قال بهذا ورفع رجله وحبق حبقة فرقعت منها أرجاؤه فقال له أبو الحسين ما هذا يا شيخ السوء فقال الطلاق له لازم إن لم تكن أوزن من شعركما وأطيب رائحة وأغن صوتا وأطرب معنى
____________________
(1/474)

الاهتزاز لموقع نادرته فقال والدليل على ذلك انه أنكم طربتم لما جئت به أكثر مما طربتم من شعركم
ثم قال ابن سعيد ومن منتزهات قرطبة المشهورة فحص السرادق مقصود للفرجة يسرح فيه البصر وتبتهج فيه النفس أخبرني والدي عن أخيه أبي جعفر بن عبد الملك بن سعيد قال خرجت مع الشريف الأصم القرطبي إلى بسيط الجزيرة الخضراء وقد تدبج بالأنوار فلما حركنا حسن المكان وتشوقنا إلى الأركان قال الشريف لقد ذكرني هذا البسيط بسيط السرادق فقلت له فهل ثار في خاطرك نظم فيه قال نعم ثم أنشد
( ألا فدعوا ذكر العذيب وبارق ** ولا تسأموا من ذكر فحص السرادق مجر ذيول السكر من كل مترف ** ومجرى الكؤوس المترعات السوابق )
( قصرت عليه اللحظ ما دمت حاضرا ** وفكري في غيب لمرآة شائقي )
( أيا طيب أيام تقضت بروضة ** على لمح غدران وشم حدائق )
( إذا غردت فيها حمائم دوحها ** تخيلتها الكتاب بين المهارق )
( وما باختيار الطرف فارقت حسنها ولكن بكيد من زمان منافق )
قال أبو جعفر فلما سمعت هذا الشعر لم أتمالك من الاستعبار وحركني ذلك إلى أن قلت في حور مؤمل سيد منتزهات غرناطة ولم يذكر هنا ما قاله فيه وذكره في موضع آخر لم يحضرني الآن حتى أورده هنا والله أعلم
ومن منتزهات قرطبة السد قال
____________________
(1/475)

المبرز أبا شهاب المالقي أنشده لنفسه واصفا يوم راحة بهذا السد
( ويوم لنا بالسد لو رد عيشه ** بعيشه أيام الزمان رددناه )
( بكرنا له والشمس في خدر شرقها ** إلى أن أجابت إذ دعا الغرب دعواه )
( قطعناه شدوا واغتباقا ونشوة ** ورجع حديث لو رقى الميت أحياه )
( على مثله من منزه تبتغي المنى ** فلله ما أحلى وأبدع مرآه )
( شدتنا به الأرحا وألقت نثارها ** علينا فأصغينا له وقبلناه )
( لئن بان إنا بالأنين لفقده ** وبالدمع في إثر الفراق حكيناه )
وأنشدني والدي موشحة لأبي الحسن المريني معاصره وصاحبه يذكر فيها هذا السد وهي
( في نغمة العود والسلافه ** والروض والنهر والنديم )
( أطال من لامني خلافه ** فظل في نصحه مليم )
( دعني على منهج التصابي ** ما قام لي العذر بالشباب )
( ولا تطل في المنى عتابي ** فلست أصغي إلى عتاب )
( لا ترج ردي إلى صواب ** والكأس تفتر عن حباب )
( والغصن يبدي لنا انعطافه ** إذا هفا فوقه النسيم
____________________
(1/476)


( يا حبذا عهدي القديم ** ومن به همت مسعدي )
( ريم عن الوصل لا يريم ** مولع بالتودد )
( ما تم إلا به النعيم ** طوعا على رغم حسدي )
( معتدل القد ذو نحافة ** أسقمني طرفه السقيم )
( ورام طرفي به انتصافه ** فخذ في خده الكليم )
( غض الصبا عاطر المقبل ** أحلى من الأمن والأمل )
( ظامي الحشا مفعم المخلخل ** حلو اللمى ساحر المقل )
( لكل من رامه توصل ** لم يخشى ردا بما فعل )
( اشكو فيبدي لي اعترافه ** إن حاد عن نهجه القويم )
( لا أعدم الدهر فيه رافه ** فحق لي فيه أن أهيم )
( لله عصر لنا تقضى ** بالسد والمنبر البهيج )
( أرى أدكاري إليه فرضا ** وشوقه دائما يهيج )
( فكم خلعنا عليه غمضا ** وللصبا مسرح أريج )
( ورد أطال المنى ارتشافه ** حتى انقضى شربه الكريم )
( لله ما أسرع انحرافه ** وهكذا الدهر لا يديم )
( يا من يحث المطي غربا ** عرج على حضرة الملوك )
( وانثر بها إن سفحت غربا ** من مدمع عاطل سلوك )
(
____________________
(1/477)

( بلغ سلامي قصر الرصافة ** وذكروا عهدي القديم )
( وحي عني دار الخلافة ** وقف بها وقفة الغريم )
قال ابن سعيد والمنبر المذكور في هذه الموشحة من منتزهات قرطبة والسد هو الأرحا التي ذكرها في زجلة قاسم بن عبود الرياحي رويته عن والدي عن قائله وهو
( بالله أين نصيب ** من ليس لي فيه نصيب )
( محبوبا مخالف ** ومعو رقيب )
( حين نقصد مكانو ** يقم ف المقام )
( ويبخل علينا ** برد السلام )
( أدخلت يا قلبي ** روحك في زحام )
( سلامتك عندي ** هي شي عجيب )
( وكف بالله يسلم ** من هو في لهيب )
( بالله يا حبيبي ** أترك ذا النفار )
( واعمل أن نطيبوا ** في هذا النهار )
( واخرج معي للوادي ** لشرب العقار )
( نتمم
____________________
(1/478)


( أو عند النواعر ** والروض الشريق )
( أو قصر الرصافة ** أو وادي العقيق )
( رحق والله دونك ** هو عندي الحريق )
( وفي حبك أمسيت ** في أهلي غريب )
( وما الموت عندي ** إلا حن تغيب )
( اتكل على الله ** وكن فظ جسور )
( وإن ريت فضولي ** وقل إين تمور )
( كمش عنو وجهك ** فإن راك نفور )
( يهرب عنك خايف ** ويبقى مريب )
( وامش أنت موقر ** كأنك خطيب )
( ما أعجب حديثي ** إش هذا الجنون )
( نطلب وندبر ** أمرا لا يكون )
( وكم ذا نهون ** شيئا لا يهون )
( وإش مقدار ما نصبر ** لبعد الحبيب )
( رب اجمعني معو ** عاجلا
____________________
(1/479)

نهرها وقنطرتها
قال ابن سعيد وأما نهر قرطبة فإنه يصغر عن عظمه عند إشبيلية بحيث صنع عليه قنطرة من حجارة لا يتأتى مثلها في نهر إشبيلية ومنبعه من جهة شقورة يمر النصف منه إلى مرسية مشرقا والنصف إلى قرطبة وإشبيلية مغربا
ولما ذكر الرازي قرطبة قال ونهرها الساكن في جريه اللين في انصبابه الذي تؤمن مغبة ضرره في حمله وقال هذا لأنه يعظم عند إشبيلية فإذا حان حمله في أيام الأمطار أشفت إشبيلية على الغرق وتوقع أهلها الهلاك
والقنطرة التي على هذا النهر عند قرطبة من أعظم آثار الأندلس وأعجبها اقواسها سبع عشرة قوسا وبانيها على ما ذكره ابن حيان وغيره السمح ابن مالك الخولاني صاحب الأندلس بأمر عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وشيدها بنو أمية بعد ذلك وحسنوها قال ابن حيان وقيل إنه قد كانت في هذا المكان قنطرة من بنيان الأعاجم قبل دخول العرب بنحو مائتي سنة أثرت فيها الأزمان بمكابدة المدود حتى سقطت حناياها ومحيت أعاليها وبقيت أرجلها واسافلها وعليها بني السمح في سنة إحدى ومائة انتهى
وقال في مناهج الفكر إن قنطرة قرطبة حدى أعاجيب الدنيا بنيت زمن عمر بن عبد العزيز على يد عبد الرحمن بن عبيد الله الغافقي وطولها ثمانمائة ذراع وعرضها عشرون باعا وارتفاعها ستون ذراعا وعدد حناياها ثماني عشرة حنية وعدد أبراجها تسعة عشر برجا انتهى
____________________
(1/480)

رجع إلى قرطبة
ذكر ابن حيان والرازي والحجاري أن أكتبيان ثاني قياصرة الروم الذي ملك أكثر الدنيا وصفح نهر رومية بالصفر فأرخت الروم من ذلك العهد وكان من قبل ميلاد المسيح عليه السلام بثمان وثلاثين سنة أمر ببناء المدن العظيمة بالأندلس فبنيت في مدته قرطبة وإشبيلية وماردة وسرقسطة وانفرد الحجاري بأن أكتبيان المذكور وجه أربعة من أعيان ملوكه للأندلس فبنى كل واحد منهم مدينة في الجهة التي ولاه عليها وسماها باسمه وأن هذه المدن مشتقة مما تقتضيه أوضاعها كما مر وذكروا أنه قد تداولت على قرطبة ولاة الروم الأخيرة الذين هم بنو عيصو بن إسحاق بن إبراهيم على نبينا وعليهم الصلاة والسلام إلى أن انتزعها من أيديهم القوط من ولد يافث المتغلبون على الأندلس إلى أن أخذها منهم المسلمون ولم تكن في الجاهلية سريرا لسلطنة الأندلس بل كرسيا لخاص مملكتها وسعدت في الإسلام فصارت سريرا للسلطنة العظمى الشاملة وقطبا للخلافة المروانية وصارت إشبيلية وطليطلة تبعا لها بعدما كان الأمر بالعكس والله يفعل ما يشاء بيده الملك والتدبير وهو على كل شيء قدير لا إله إلا هو العلي الكبير
وقال صاحب نشق الأزهارعندما تعرض لذكر قرطبة هي مدينة مشهورة دار خلافة وأهلها أعيان ناس في العلم والفضل وبها
____________________
(1/481)

الفتنة البربرية والنزاع بين الحموديين والأمويين ومن الأسباب في سلب محاسن قرطبة عيث البربر بها في دخولهم مع سليمان المستين الأموي حين استولى على قرطبة في دولته التي افتتحت بالقهر وسفك الدماء وكان من أمراء البربر المعاضدين لسليمان علي بن حمود من بني علي بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين وجده إدريس هرب من هرون الرشيد إلى البربر فتبربر ولده وبنى ابنه إدريس مدينة فاس وكان المؤيد هشام يشتغل بالملاحم ووقف على أن دولة بني أمية تنقرض بالأندلس على يد علوي أول اسمه عين فلما دخل سليمان مع البربر قرطبة ومحوا كثيرا من محاسنها ومحاسن أهلها كان من أكبر أمرائهم على بن حمود وبلغ هشاما المؤيد وهو محبوس خبره واسمه ونسبه فدس إليه أن الدولة صائرة إليك وقال له إن خاطري يحدثني أن هذا الرجل يقتلني يعني سليمان فإن فعل فخذ بثأري وكان هذا الأمر هو الذي قوى نفس ابن حمود على طلب الإمامة وحمله على الأخذ بثأر هشام المؤيد فكان المؤيد أحد من أخذ بثأره بعد موته
وتولى بعد ذلك علي بن حمود وبويع بقرطبة في قصرها في اليوم الذي قتل فيه سليمان المستعين وأخذ الناس بالإرهاب والسطوة وأذل رؤوس البربر وبرقت للعدل في أيامه بارقة خلب لم تكد تقد حتى خبت وجلس للمظالم وقدمت له جماعة من البربر في إجرام فضرب رقابهم وأهلهم وعشائرهم ينظرون وخرج يوما على باب عامر فالتقى فارسا من البربر وأمامه حمل عنب فاستوقفه وقال له من أين لك هذا فقال أخذته كما يأخذ الناس
____________________
(1/482)


وعبادة بن ماء السماء وكان معروفا بالتشيع وفيه يقول من قصيدة
( أبوكم علي كان بالشرق بدء ما ** ورثتم وذا بالغرب أيضا سميه )
( فصلوا عليه أجمعون وسلموا ** له الأمر إذ ولاه فيكم وليه )
ومدحه ابن دراج القسطلي بقوله
( لعلك يا شمس عند الأصيل ** شجيت لشجو الغريب الذليل )
( فكوني شفيعي لابن الشفيع ** وكوني رسولي لابن الرسول )
وكان أخوه القاسم بن حمود أكبر منه بعشر سنين وأمهما واحدة وهي علوية ولما قتل الناصر كان القاسم واليا على إشبيلية وكان يحيى بن علي واليا على سبتة فاختلفت أهواء البربر فمال اكثرهم إلى القاسم لكونه غين أولا وقدم عليه أخوه الأصغر وكونه قريبا من قرطبة وبينهم وبين يحيى البحر فلما وصلت رسلهم إلى القاسم لم يظهر فرحا بالإمامة وخاف أن تكون حيلة من أخيه عليه فتقهقر إلى ان اتضح له الحق فركب إلى قرطبة وبويع فيها بعة ستة أيام من قتل أخيه وأحسن السيرة وأحس من البربر الميل إلى يحيى ابن أخيه علي صاحب سبتة فتهالك في اقتناء السودان وابتاع منهم كثيرا وقودهم على أعماله فأنفت البرابر من ذلك وانحرفوا عنه
وفي سنة تسع وأربعمائة قام عليه بشرق الأندلس المرتضى عبد الرحمن من أعقاب الناصر لأن أهل الأندلس صعب عليهم ملك بني حمود العلويين بسبب البرابر أرادوا رجوع الإمامة إلى بني مروان واجتمع له أكثر
____________________
(1/484)

وخيران العامري الصقلبي صاحب المرية وانضاف إليهم جمع من الفرنج وتأهب القاسم والبرابرة للقائهم فكان من الاتفاق العجيب أن فسدت نية منذر وخيران على المرتضى وقالا أرانا في الأول وجها ليس بالوجه الذي نراه حين اجتمع إليه الجم الغفير وهذا ماكر غير صافي النية فكتب خيران إلى ابن زيري الصنهاجي المتغلب على غرناطة وهو داهية البربر وضمن له أنه متى قطع الطريق على المرتضى عند اجتيازه عليه إلى قرطبة خذل عن نصرته الموالي العامريين أعداء المروانيين وأصحاب رياسة الثغور فأصغى ابن زيري إلى ذلك وكتب المرتضى إلى ابن زيري يدعوه لطاعته فقلب الكتاب وكتب في ظهره { قل يا أيها الكافرون } - السورة ( السورة 109 فأرسل إليه كتابا ثانيا يقول فيه قد جئتك بجميع أبطال الأندلس وبالفرنج فماذا تصنع وختم الكتاب بهذا البيت
( إن كنت منا أبشر بخير ** أو لا فأيقن بكل شر )
فأمر الكاتب أن يحول الكتاب ويكتب في ظهره ) ألهاكم التكاثر - السورة السورة 102 فازاداد حنقه وحمله الغيظ إلى أن ترك السير إلى خضرة الإمامة قرطبة وعدل إلى محاربته وهو يرى أنه يصطلمه في ساعة من نهار ودامت الحرب أياما وأرسل ابن زيري إلى خيران يستنجزه وعده فأجابه إنما توقفت حتى ترى مقدار حربنا وثبرنا ولو كنا ببواطننا معه ما ثبت جمعك لنا ونحن ننهزم عنه ونخذله في غد
ولما كان من الغد رأى أعلام خيران وأعلام منذر وأصحاب الثغور قد ولت عنه فسقط في يد المرتضى وثبت حتى كادوا يأخذونه واستحر القتل وصرع كثير من أصحابه فلما خاف القبض عليه ولى فوضع عليه خيران عيونا فلحقوه بقرب وادي آش وقد جاوز بلاد البربر وأمن على نفسه فهجموا عليه فقتلوه وجاؤوا برأسه إلى المرية وقد حل بها خيران ومنذر
____________________
(1/485)

فتحدث الناس أنهما اصطبحا عليه سرورا بهلاكه
وبعد هذه الواقعة أذعن أهل الأندلس للبرابرة ولم يجتمع لهم بعدها جمع ينهضون به إليهم وضرب القاسم بن حمود سرادق المرتضى على نهر قرطبة وغشية خلق من النظارة وقلوبهم تتقطع حسرات وأنشد عبادة ابن ماء السماء قصيدته التي أولها
( لك الخير خيران مضى لسبيله ** وأصبح أمر الله في ابن رسوله )
وتمكنت أمور القاسم وولى وعزل وقال وفعل إلى أن كشف وجهه في خلع طاعته ابن أخيه يحيى بن علي وكتب من سبتة إلى أكابر البرابر بقرطبة إن عمي أخذ ميراثي من أبي ثم إنه قدم في ولاياتكم التي أخذتموها بسيوفكم العبيد والسودان وأنا أطلب ميراثي وأوليكم مناصبكم وأجعل العبيد والسودان كما هم عند الناس فأجابوه إلى ذلك فجمع ما عنده من المراكب وأعانه أخوه إدريس صاحب مالقة فجاز البحر بجمع وافر وحصل بمالقة مع أخيه وكتب له خيران صاحب المرية مذكرا بما أسلفه في إعانته أبيه وأكد المودة فقال له أخوه إدريس إن خيران رجل خداع فقال يحيى ونحن منخدعون فيما لا يضرنا ثم إن يحيى أقبل إلى قرطبة واثقا بأن البرابر معه فقر القاسم إلى إشبيلية في خمسة فرسان من خواصه ليلة السبت 28 من شهر ربيع الآخر سنة 412 وحل يحيى بقرطبة فبايعه البرابر والسودان وأهل البلد يوم السبت مستهل جمادى الآخرة وكان يحيى من النجباء وأمه فاطمية وإنما
____________________
(1/486)

واشتط أكابر البرابر عليه وطلبوا من إسقاط مراتب السودان فبذل لهم ذلك فلم يقنعوا منه وصاروا معه ما يخرق ويفرغ بيت المال وهر السودان إلى عمه بإشبيلية ومن البرابر ومن جند الأندلس من احتجب عنهم يحيى وتكبر عليهم ولم إليه ملوط الطوائف وبقي منهم كثير على الخطبة لعمه القاسم إلى أن اختلت الحال بحضرة قرطبة وأيقن يحيى أنه متى أقام بها قبض عليه وكان قد ولى على سبتة أخاه إدريس وبلغه أن أهل مالقة خاطبوا خيران وكاتبوه فطمع خيران فيها وفر يحيى في خواصه تحت الليل إلى مالقة ولما بلغ القاسم فراره ركب من إشبيلية إلى قرطبة فخطب له بها يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة 413 ولم تصلح الحال للقاسم منذ وصل إلى الحضرة ووقع الاختلاف وكان هوى السودان معه وهوى كثير من البرابر مع يحيى وهوى أهل قرطبة مع قائم من بني أمية يشيعون ذكره ولا يظهر وكثر الإرجاف بذلك ووقع الطلب على بني أمية فتفرقوا في البلاد ودخلوا في أغمار الناس وأخفوا زيهم ثم إن الخلاف وقع بين البربروأهل قرطبة وتكاثر البلد كثير وابن عباد يضحك على الجميع فيش القاسم وقنع أن يخرجوا إليه ابنه وأصحابه ويسير عنهم فأخرجوهم إليه فسار بهم إلى شريش وعندما استقر بها وصل إليه يحيى ابن أخيه مالقة ومعه وجمع عظيم وحاصره في المدينة عشرين يوما كانت فيها حروب صعاب وقتل من الفريقين خلق كثير وأجلت الحرب عن قهر يحيى لعمه وإسلام أهل شريش له وفر سودانه وحصل القاسم وابنه في يد يحيى وكان قد أقسم أنه إن حصل في يده ليقتله ولا يتركه حتى يلي الإمامة بقرطبة مرة ثانية فرأى التربص في قتله حتى يرى رأيه فيه فحدث عنه بعض أصحابه أنه حمله بقيد إلى مالقة وحبسه عنده وكان كلما سكر وأراد قتله رغبه ندماؤه في الإبقاء عليه لأنه لا قدرة له على الخلاص وكان كلما نام رأى والده عليا في النوم ينهاه عن قتله ويقول له أخي أكبر مني وامتدت الحال على ذلك إلى أن قتله خنقا بعد ثلاث عشرة سنة من حين القبض عليه لأنه كان قد حبسه في حصن من حصون مالقة فنمي إليه أنه قد تحدث مع أهل الحصن في القيام والعصيان فقال أوبقي في رأسه حديث بعد هذا العمر فقتله سنة 427 وبقي أهل قرطبة بعد فرار القاسم عنها نيفا عن شهرين يرون رأيهم فيمن يبايعونه بالإمامة
ولما كان يوم الثلاثاء نصف شهر رمضان سنة 414 أحضر المستظهر وسليمان بن المرتضى وأموي آخر معه فبايعا المستظهر وقبلا يده بعدما كان قد كتب عقد البيعة باسم سليمان بن المرتضى على ما ارتضاه الأماثل
____________________
(1/487)

جد المعتمد بن عباد وأطمع ابن زيري في التملك فأغلق الأبواب في وجه مصطنعة وحاربه فقتل من البرابر والسودان خلق كثير وابن عباد يضحك على الجميع فيش القاسم وقنع أن يخرجوا إليه ابنه وأصحابه ويسير عنهم فأخرجوهم إليه فسار بهم إلى شريش وعندما استقر بها وصل إليه يحيى ابن أخيه من مالقة ومعه جمع عظيم وحاصره في المدينة عشرين يوما كانت فيها حروب صعاب وقتل من الفريقين خلق كثير وأجلت الحرب عن قهر يحيى لعمه وإسلام أهل شريش له وفر سودانه وحصل القاسم وابنه في يد يحيى وكان قد أقسم أنه إن حصل في يده ليقتلنه ولا يتركه حتى يلي الإمامة بقرطبة مرة ثانية فرأى التربص في قتله حتى يرى رأيه فيه فحدث عنه بعض أصحابه أنه حمله بقيد إلى مالقة وحبسه عنده وكان كلما سكر وأراد قتله رغبه ندماؤه في الإبقاء عليه لأنه لا قدرة له على الخلاص وكان كلما نام رأى والده عليا في النوم ينهاه عن قتله ويقول له أخي أكبر مني وكان محسنا إلي في صغري ومسلما لي عند إمارتي الله الله فيه وامتدت الحال على ذلك إلى أن قتله خنقا بعد ثلاث عشرة سنة من حين القبض عليه لأنه كان قد حبسه في حصن من حصون مالقة فنمي إليه أنه قد تحدث مع أهل الحصن في القيام والعصيان فقال أوبقي في رأسه حديث بعد هذا العمر فقتله سنة 427 وبقي أهل قرطبة بعد فرار القاسم عنها نيفا عن شهرين يرون رأيهم فيمن يبايعونه بالإمامة
ولما كان يوم الثلاثاء نصف شهر رمضان سنة 414 أحضر المستظهر وسليمان بن المرتضى وأموي آخر معه فبايعا المستظهر وقبلا يده بعدما كان قد
____________________
(1/488)

فبشر اسمه وكتب اسم المستظهر وركب إلى القصر وحمل معه ابني عمه المذكورين فحبسهما وكان قد رفع جماعة من الأتباع ذهب بهم العجب كل مذهب كأبي عامر ابن شهيد المنهمك في بطالته وأبي محمد ابن حزم المشهور بالرد على العلماء في مقالته وابن عمه عبد الوهاب بن حزم الغزل المترف في حالته فأحقد بذلك مشايخ الوزراء والأكابر وبادر المستظهر باصطناع البرابر وأكرم مثواهم وأحسن مأواهم واشتغل مع ابن شهيد وابني حزم بالمباحثة في الآداب ونظم الشعر والتمسك بتلك الأهداب والناس في ذلك الوقت أجهل ما يكون وكان جماعة من أهل الشر في السجون يتعين أن لا يخرج منهم إنسان فأخرج منهم شخصا يقال له أبو عمران وقد كان أشار بعض الوزراء عليه بعدم إخراجه فأخرجه وخالفه في ذلك ولم يقبل النصيحة وفعل ما أداه إلى الفضيحة فسعى القوم الذين خرجوا من الحبوس على إفساد دولته وإبدال فرحه بالبوس لما اشتغل عنهم بالأدباء والشعراء حسبما اقتضاه رأيه المعكوس فسعوا في خلعه مع البرابر وقتل في ذي القعدة من السنة التي بويع فيها وصار كامس الدابر بعد سبعة وأربعين يوما من يوم بويع بالخلافة وإذا أراد الله أمرا فلا يقدر أحد أن يأتي خلافه وعمره ثلاث وعشرون سنة كأنها سنة
ومن شعر المستظهر المذكور وهو من القريض الممدوح صاحبه بالبلاغة المشكور
( طال عمر الليل عندي ** مذ تولعت بصدي )
( يا غزالا نقض العهد ** ولم يوف بوعد )
( أنسيت العهد إذ تبنا ** على
____________________
(1/489)


( واعتنقنا في وشاح ** وانتظمنا نظم عقد )
ونجوم الليل تسري ** ذهبا في لازورد )
وكتب إليه شاعر في طرس مكشوط
( والطرس مبشور وفيه بشارة ** ببقا الإمام الفاضل المستظهر )
( ملك أعاد العيش غضا ملكه ** وكذا يكون به طوال الأعصر )
فأجزل صلته وكتب في ظهر الورقة
( قبلنا العذر في بشر الكتاب ** لما أحكمت في فصل الخطاب )
وقد قدمنا في الباب الثالث شيئا من هذه الأخبار وما حصل بعد ذلك بقرطبة إلى أن تولى الأمر ابن جهور في صورة الوزارة ثم ابنه إلى أن أخذ قرطبة منه المعتمد بن عباد حسبما ذكر في أخباره
ثم آل الأمر بعد ذلك كله إلى استيلاء ملوك العدوة من الملثمين والموحدين على قرطبة إلى أن تسلمها النصارى أعادها الله تعالى للإسلام كما يذكر في الباب الثامن
وقال صاحب مناهج الفكر في ذكر قرطبة ما ملخصه فأما ما اشتمل عليه غرب الجزيرة من البلاد الخطيرة فمنها قرطبة وكانت مقر الملك ودار الإمارة وأم ما عداها من البلاد منذ افتتحها المسلمون سنة 92 زمن الوليد بن عبد الملك إلى أن خرجت عن أيديهم وتنقلت في أيدي ملوك المسلمين إلى أن وصلت إلى الناصر عبد الرحمن فبنى في تجاهها مدينة سماها الزهراء يجري بينهما نهر عظيم انتهى استطراد في وصف المباني العامرة
واعلم أن المباني دالة على عظيم قدر بانيها كما ذكرناه في كلام الناصر
____________________
(1/490)

الذي طابت له من الزهراء مجانيها ولم يزل البلغاء يصفون المباني بأحسن الألفاظ والمعاني ورأينا أن نذكر هنا بعض ذلك زيادة في توسيع المسالك فمن ذلك قول ابن حمديس الصقلي يصف دارا بناها المعتمد على الله
( ويا حبذا دار قضى الله أنها ** يجدد فيها كل عز ولا يبلى )
( مقدسة لو أن موسى كليمه ** مشى قدما في أرضها خلع النعلا )
( وما هي إلا خطة الملك الذي ** يخط إليه كل ذي أمل رجلا )
( إذا فتحت أبوابها خلت أنها ** تقول بترحيب لداخلها أهلا )
( وقد نقلت صناعها من صفاته ** إليها أفانينا فأحسنت النقلا )
( فمن صدره رحبا ومن نوره سنا ** ومن صيته فرعا ومن حلمه أصلا )
( فأعلت به في رتبة الملك ناديا ** وقل له فوق السماكين أن يعلى )
( نسيت به إيوان كسرى لأنني ** أراه له مولى من الحسن لا مثلا )
( كأن سليمان بن داود لم تبح ** مخافته للجن في صنعه مهلا )
( ترى الشمس فيه ليقة تستمدها ** أكف أقامت من تصاويرها شكلا )
( لها حركات أودعت في سكونها ** فما تبعت في نقلهن يد رجلا )
( ولما عشينا من توقد نورها ** تخذنا سناه في نواظرنا كملا )
وقال من أخرى يصف دارا بناها المنصور بن
____________________
(1/491)


( اعمر بقصر الملك ناديك الذي ** أضحى بمجدك بيته معمورا )
( قصر لو أنك قد كحلت بنوره ** أعمى لعاد إلى المقام بصيرا )
( واشتق من معنى الحياة نسيمه ** فيكاد يحدث للعظام نشورا )
( نسي الصبيح مع المليح بذكره ** وسما ففاق خورنقا وسديرا )
( ولو أن بالإيوان قوبل حسنه ** ما كان شيئا عنده مذكورا )
( أعيت مصانعه على الفرس الألى ** رفعوا البناء وأحكموا التدبيرا )
( ومضت على الروم والدهور وما بنوا ** لملوكهم شبها له ونظيرا )
( أذكرتنا الفردوس حين أريتنا ** غرفا رفعت بناءها وقصورا )
( فالمحسنون تزيدوا أعمالهم ** ورجعوا بذلك جنة وحريرا )
( والمذنبون هدوا الصراط وكفرت ** حسناتهم لذنوبهم تكفيرا )
( فلك من الأفلاك إلا أنه ** حقر البدور فأطلع المنصورا )
( أبصرته فرأيت أبدع منظر ** ثم انثنيت بناظري محسورا )
( وظننت أني حالم في جنة ** لما رأيت الملك فيه كبيرا )
( وإذا الولائد فتحت أبوابه ** جعلت ترحب بالعفاة صريرا )
( عضت على حلقاتهن ضراغم ** فغرت بها أفواهها تكشيرا )
( فكأنها لبدت لتهصر عندها ** من لم يكن بدخوله مأمورا )
( تجري الخواطر مطلقات أعنة ** فيه فتكبو عن مداه قصورا )
( بمرخم الساحات تحسب أنه ** فرش المها وتوشح الكافورا )
( ومحصب بالدر تحسب تربه ** مسكا تضوع نشره وعبيرا )
( تستخلف الأبصار
____________________
(1/492)


ثم ذكر بركة فيه عليها أشجار من ذهب وفضة ترمي فروعها المياه وتفنن فذكر أسودا على حافاتها قاذفة بالمياه أيضا فقال
( وضراغم سكنت عرين رياسة ** تركت خرير الماء فيه زئيرا )
( فكأنما غشى النضار جسومها ** وأذاب في أفواهها البلورا )
( أسد كأن سكونها متحرك ** في النفس لو وجدت هناك مثيرا )
( وتذكرت فتكاتها فكأنما ** أقعت على أدبارها لتثورا )
( وتخالها والشمس تجلو لونها ** نارا وألسنها اللواحس نورا )
( فكأنما سلت سيوف جداول ** ذابت بلا نار فعدن غديرا )
( وكأنما نسج النسيم لمائه ** درعا فقدر سردها تقديرا )
( وبديعة الثمرات تعبر نحوها ** عيناي بحر عجائب مسجورا )
( شجرية ذهبية نزعت إلى ** سحر يؤثر في النهى تأثيرا )
( قد صولجت أغصانها فكأنما ** قنصت بهن من الفضاء طيورا )
( وكأنما تأبى لواقع طيرها ** أن تستقل بنهضها وتطيرا )
( من كل واقعة ترى منقارها ** ماء كسلسال اللجين نميرا )
( خرس تعد من الفصاح فإن شدت ** جعلت تغرد بالمياه صفيرا )
( وكأنما في كل غصن فضة ** لانت فأرسل خيطها مجرورا )
( وتريك في الصهريج موقع قطرها ** فوق الزبرجد لؤلؤا منثورا )
( ضحكت محاسنه إليك كأنما ** جعلت لها زهر النجوم ثغورا )
( ومصفح الأبواب تبرا نظروا ** بالنقش فوق شكوله تنظيرا )
( تبدو مسامير النضار كما علت ** تلك النهود من الحسان صدورا
____________________
(1/493)


( خلعت عليه غلائد ورسية ** شمس ترد الطرف عنه حسيرا )
( وإذا نظرت إلى غرائب سقفه ** أبصرت روضا في السماء نضيرا )
( وعجبت من خطاف عسجده التي ** حامت لتبني في ذراه وكورا )
( وضعت به صناعة أقلامها ** فأرتك كل طريدة تصويرا )
( وكأنما للشمس فيه ليقة ** مشقوا بها التزويق والتشجيرا )
( وكأنما باللازورد مخرم ** بالخط في ورق السماء سطورا )
( وكأنما وشوا عليه ملاءة ** تركوا مكان وشاحها مقصورا )
ثم مدح المنصور بعد ذلك وختم القصيدة بقوله
( يا مالك الأرض الذي أضحى له ** ملك السماء على العداة نصيرا )
( كم من قصور للملوك تقدمت ** واستوجبت بقصورك التأخيرا )
( فعمرتها وملكت كل رياسة ** منها ودمرت العدا تدميرا )
قلت لم أر لهذه القصيدة من نظير في معناها اليانع النضير ولفظها النمير الذي شمر فيه قائلها عن ساعد الإجادة أي تشمير غير أن فيها عندي عيبا واحدا وهو ختمها بلفظ التدمير وعلى كل حال فالحسن والإحسان يقادان في أرسان لعبد الجبار بن حمديس المذكور ذي المقاصد الحسان وخصوصا في وصف المباني والبرك فما أبقى لسواه في ذلك حسنا ولا ترك
ومن ذلك قوله في وصف بركة تجري إليها
____________________
(1/494)

طيور وزرافات وأسود وكل ذلك في قصر أطنب في وصفه في قصيدة طويلة
( والماء منه سبائك فضية ** ذابت على دوحات شاذروان )
( وكأنما سيف هناك مشطب ** ألقته يوم الحرب كف جبان )
( كم شاخص فيه يطيل تعجبا ** من دوحة نبتت من العقيان )
( عجبا لها تسقي الرياض ينابعا ** نبعت من الثمرات والأغصان )
( خصت بطائره على فنن لها ** حسنت فأفرد حسنها من ثاني )
( قس الطيور الخاشعات بلاغة ** وفصاحة من منطق وبيان )
( فإذا أتيح لها الكلام تكلمت ** بخرير ماء دائم الهملان )
( وكأن صانعها استبد بصنعة ** فخر الجماد بها على الحيوان )
( أوفت على حوض لها فكأنها ** منها على العجب العجاب رواني )
( فكأنها ظنت حلاوة مائها ** شهدا فذاقته بكل لسان )
( وزرافة في الجوف من أنبوبها ** ماء يريك الجري في الطيران )
( مركوزة كالرمح حيث ترى له ** من طعنه الخلق انعطاف وسنان )

( وكأنما ترمي السماء ببندق ** مستنبط من لؤلؤ وجمان ) ( لو عاد ذاك الماء نفطا أحرقت ** في الجو منه قميص كل عنان )
( في بركة قامت على حافاتها ** أسد تذل لعزة السلطان )
( نزعت إلى ظلم النفوس نفوسها ** فلذلك انتزعت من الأبدان )
( وكأن برد الماء منها مطفىء ** نارا مضرمة من العدوان )
( وكانما الحيات من أفواهها ** يطرحن أنفسهن في الغدران )
( وكانما الحيتان إذ لم تخشها ** أخذت من المنصور
____________________
(1/495)

وهاتان القصيدتان لابن حمديس كما في المناهج مع طولهما تدلان على الإبداع الذي ابتكره والاختراع الذي ما ولج سمع أحد من الفضلاء إلا شكره
وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الاندلسي يصف قصرا بمصر يسمى منزل العز بناه حسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز العبيدي
( منزل العز كاسمه معناه لا عدا العز من به سماه )
( منزل ودت المنازل في أعلى ** ذراه لو صيرت إياه )
( فأجل فيه لحظ عينيك تبصر ** أي حسن دون القصور حواه )
( سال في سقفه النضار ولكن ** جمدت في قراره الأمواه )
( وبأرجائه مجال طراد ** ليس تنفك من وغى خيلاه )
( تبصر الفارس المدجج فيه ** ليس تدمى من الطعان قناه )
( وترى النابل المواصل للنزع ** بعيدا من قرنه مرماه )
( وصفوفا من الوحوش وطير الجو ** كل مستحسن مرآه )
____________________
(1/496)


( كمحيا الحبيب حرفا بحرف ** ما تعدى صفاته إذ حكاه )
( ورده وجنتاه نرجسه الفتان ** عيناه آسه عارضاه )
( وكأن الكافور والمسك في الطيب ** وفي اللون صبحه ومساه )
( منظر يبعث السرور ومرآى ** يذكر المرء طيب عصر صباه )
وقال أبو الصلت أمية الأندلسي المذكور يذكر بناء بناه علي بن تميم ابن المعز العبيدي
( لله مجلسك المنيف قبابه ** بموطد فوق السماك مؤسس )
( موف على حبك المجرة تلتقي ** فيه الجواري بالجواري الكنس )
( تتقابل الأنوار من جنباته ** فالليل فيه كالنهار المشمس )
( عطفت حناياه دوين سمائه ** عطف الأهلة والحواجب والقسي )
( واستشرفت عمد الرخام وظوهرت ** بأجل من زهر الربيع وأنفس )
( فهواؤه من كل قد أهيف ** وقراره من كل خد أملس )
( فلك تحير فيه كل منجم ** وأقر بالتقصير كل مهندس )
( قبدا للحظ العين أحسن منظر ** وغدا لطيب العيش خير معرس )
( فاطلع به قمرا إذا ما أطلعت ** شمس الخدور عليك شمس الأكؤس )
فالناس أجمع دون قدرك رتبة ** والأرض أجمع دون هذا المجلس )
ويعجبني قول أبي الصلت أمية المذكور يصف حال زيادة النيل ونقصانه
( ولله مجرى النيل منها إذا الصبا ** أرتنا به من مرها عسكرا مجرا )
( إذا زاد يحكي الورد لونا وإن صفا ** حكى
____________________
(1/497)

وقال رحمه الله تعالى يصف الرصد الذي بظاهر مصر
( يا نزهة الرصد اللائي قد اشتملت ** من كل شيء حلا في جانب الوادي )
( فذا غدير وذا روض وذا جبل ** والضب والنون والملاح والحادي )
وهو مأخوذ من قول الأول يصف قصر أنس بالبصرة
( زر وادي القصر نعم القصر والوادي ** لا بد من زورة من غير ميعاد )
( زره فليس له ند يشاكله ** من منزل حاضر إن شئت أو بادي )
( تلقى به السفن والظلمان حاضرة ** والضب والنون والملاح والحادي )
وقال رحمه الله تعالى يذكر الهرمين
( بعيشك هل أبصرت أحسن منظرا ** على طول ما عاينت من هرمي مصر )
( أنافا بأعنان السماء وأشرفا ** على الجو إشراف السماك أو النسر )
( وقد وافيا نشزا من الأرض عاليا ** كأنهما ثديان قاما على صدر )
وستأتي ترجمته إن شاء الله تعالى في الباب الخامس
وعلى ذكر الأنهار والبرك فما أحسن قول بعض الأندلسيين يصف بركة عليها عدة فوارات
( عضبت مجاريها فأظهر غيظها ** ما في حشاها من خفي مضمر
____________________
(1/498)


( وكأن نبع الماء من جنباتها ** والعين تنظر منه أحسن منظر )
( قضب من البلور أثمر فرعها ** لما انتهت باللؤلؤ المتحدر )
وقال ابن صارة الأندلسي يصف ماء بالرقة والصفاء
( والنهر قد رقت غلاله خصره ** وعليه من صيغ الأصيل طراز )
( تترقرق الأمواج فيه كأنها ** عكن الخصور تهزها الأعجاز )
وما أحسن قول بعض الأدباء ولم يحضرني الآن اسمه
( والنهر مكسو غلالة فضة ** فإذا جرى سيلا فثوب نضار )
( وإذا استقام رأيت صفحة منصل ** وإذا استدار رأيت عطف سوار )
وقال ابن حمديس المغربي يصف نهرا بالصفاء
( ومطرد الأمواج يصقل متنه ** صبا أعلنت للعين ما في ضميره )
( جريح بأطراف الحصى كلما جرى ** عليها شكا أوجاعه بخريره )
وهذا المنهج متسع ولم نطل السير في هذه المهامه وإنما ذكرنا بعض كلام المغاربه ليتنبه به منتقصهم من سنة أوهامه ولأن في أمرها عبرة لمن عقل
____________________
(1/499)

البكاء على خراب العمران
وقد وقفت على كلام لصاحب المنهاج في هذا المعنى فأحببت ذكره ملخصا وهو ونلحق بذكر المنازل التي راق منظرها وفاق مخبرها وارتفع بناؤها واتسع فناؤها طرفا من الكلام على ما عفاه الدهر من رسومها ومحاه من محاسن صور كانت أرواحا لجسومها
وصف أعرابي محلة قوم ارتحلوا عنها فقال نثرا ارتحلت عنها ربات الخدور وأقامت بها أثافي القدور ولقد كان أهلها يعفون آثار الرياح فعفت الرياح أثارهم وذهبت بأبدانهم وأبقت أخبارهم والعهد قريب واللقاء بعيد
وقال عمر بن أبي ربيعة فأحسن
( يا دار أمسى داسا رسمها ** وحشا قفارا ما بها آهل )
( قد جرت الريح بها ذيلها ** واستن في أطلالها الوابل )
ومن كلام الفتح بن خاقان في قلائد العقيان يذكر آل عباد من فصل أكثر فيه التفجع وأطال به التوجع والغصون تختال في أدواحها والأزاهر يحيى ميت الصبابة شذا أرواحها وأطيار الرياض قد أشرفت عليهم كثكالى ينحن على خرابها وانقراض أطرابها والوهي بمشيدها لاعب وعلى كل جدار منها غراب ناعب وقد محت الحوادث ضياءها وقلصت ظلالها
____________________
(1/500)

شذاهم وأرجت أيام نزلوا خلالها وتفيأوا ظلالها وعمروا حدائقها وجناتها ونبهوا الآمال من سناتها وزاعوا الليوث في آجامها وأخجلوا الغيوث عند انسجامها فأصبحت ولها التداعي تفلع واعتجاز ولم يبق من آثارها إلا نؤي وأحجار قد هوت قبابها وهرم شبابها وقد يلين الحديد ويبلى على طيه الجديد
وقال أبو صخر القرطبي يذكر ذلك من أبيات ينعاهم بها
( ديار عليها من بشاشة أهلها ** بقايا تسر النفس أنسا ومنظرا )
( ربوع كساها المزن من خلع الحيا ** برودا وحلاها من النور جوهرا )
( تسرك طورا ثم تشجيك تارة ** فترتاح تأنيسا وتشجى تذكرا )
ومن كلام أبي الحسن القاشاني يصف نادي رئيس خلا من ازدحام الملا وعوضه الزمان من تواصل أحبابه هجرا وقلى قد كان منزله مألف الأضياف ومأنس الأشراف ومنتجع الركب ومقصد الوفد فاستبدل بالأنس وحشة وبالضياء ظلمة واعتاض من تزاحم المواكب تلاطم النوادب ومن ضجيج النداء والصهيل عجيج البكاء والعويل
ومن رسالة لابن الأثير الجزري يصف دمنة دار لعبت بها أيدي الزمن وفرقت بين المسكن والسكن كانت مقاصير جنة فأصبحت وهي ملاعب جنة وقد عميت أخبار قطانها وآثار أوطانها حتى شابهت إحداهما في الخفاء الأخرى في العفاء وكنت أظن أنها لا تسقى بعدهم بغمام ولا يرفع عنها جلباب ظلام غير أن السحاب بكاهم فأجرى بها هوامع دموعه والليل شق عليهم جيوبه
____________________
(1/501)

وقد لمح في بعض كلامه قول الشريف من أيبات يصف فيها ما كان في الحيرة من منازل النعمان بن المنذر
( ما زلت أطرق المنازل باللوى ** حتى نزلت منازل النعمان )
( بالحيرة البيضاء حيث تقابلت ** شم العماد عريضة الأعطان )
( شهدت بفضل الرافعين قبابها ** ويبين بالبنيان فضل الباني )
( ما ينفع الماضين أن بقيت لهم ** خطط معمرة بعمر فاني )
يقول فيها
( ولقد رأيت بدير هند منزلا ** ألما من الضراء والحدثان )
( يغضي كمستمع الهوان تغيبت ** أنصاره وخلا من الأعوان )
( بالي المعالم أطرقت شرفاته ** إطراق منجذب القرينة عاني )
( أمقاصر الغزلان غيرك البلى ** حتى غدوت مرابض الغزلان )
( وملاعب الإنس الجميع طوى الردى ** منهم فصرت ملاعب الجنان )
ومنها
( مسكية النفحات تحسب تربها ** برد الخليع معطر الأردان )
( وكأنما نسي التجار لطيمة ** جرت الرياح بها على القيعان )
( ماء كجيب الدرع يصقله الصبا ** ويفي بدوحته النسيم الواني )
( زفر
____________________
(1/502)

وقال أبو إسحاق الصابي وتوارد مع الشريف الرضي في المعنى والقافية يصف قصر روح بالبصرة
( أحبب إلي بقصر روح منزلا ** شهدت بنيته بفضل الباني )
( سور علا وتمنعت شرفاته ** فكأن إحداهن هضب أبان )
( وكأنما يشكو إلى زواره ** بين الخليط وفرقة الجيران )
( وكأنما يبدي لهم من نفسه ** إطراق محزون الحشا حران )
ولأحمد بن فرج الإلبيري من أبيات
( سألت بها فما ردت جوابا ** عليك وكيف تخبرك الطلول )
( ومن سفه سؤالك رسم دار ** مضى لعفائه زمن طويل )
( فإن تك أصبحت قفرا خلاء ** لعينيك في مغانيها همول )
( فقدما قد نعمت قرير عين ** بها وبربعها الرشأ الكحيل )
وقال أبو عبد الله بن الحناط الأندلسي الأعمى
( لو كنت تعلم ما بالقلب من نار ** لم توقد النار بالهندي والغار
( يا دار علوة قد هيجت لي شجنا ** وزدتني حرقا حييت من دار )
( كم بت فيك على اللذات معتكفا ** والليل مدرع ثوبا من القار )
( كأنه راهب في المسح ملتحف ** شد المجد له وسطا بزنار )
( يدير فيه كؤوس الراح ذو حور ** يدير من طرفه ألحاظ سحار )
ولا مزيد في التفجع على الديار والتوجع للدمن والآثار على قول البحتري
____________________
(1/503)


( محل على القاطول أخلق دائرة ** وعادت صروف الدهر جيشا تغاوره )
( كأن الصبا توفي نذورا إذا انبرت ** تراوحه أذيالها وتباكره )
( ورب زمان ناعم ثم عهده ** ترق حواشيه ويونق ناضره )
( تغير حسن الجعفري وأنسه ** وقوض بادي الجعفري وحاضره )
( تحمل عنه ساكنوه فجاءة ** فعادت سواء دوره ومقابره )
( إذا نحن زرناه أجد لنا الأسى ** وقد كان قبل اليوم يبهج زائره )
( ولم أنس وحش القصر إذ ريع سربه ** إذ ذعرت أطلاؤه وجآذره )
( وإذ صيح فيه بالرحيل فهتكت ** على عجل أستاره وستائره )
( وأوحشه حتى كأن لم يكن به ** أنيس ولم تحسن لعين مناظره )
( كأن لم تبت فيه الخلافة طلقة ** بشاشتها والملك يشرق زاهره )
( ولم تجمع الدنيا إليه بهاءها ** وبهجتها والعيش غض مكاسره )
( فاين الحجاب الصعب حيث تمنعت ** بهيبتها أبوابه ومقاصره )
( وأين عميد الناس في كل نوبة ** تنوب وناهي الدهر فيهم وآمره )
وعلى قول أبي إسحاق بن خفاجة الأندلسي
( ومرتبع حططت الرحل فيه ** بحيث الظل والماء القراح )
( تخرم حسن منظره مليك ** تخرم ملكه القدر المتاح )
( فجرية ماء جدوله بكاء ** عليه وشدو طائره نواح )

____________________
(1/504)

كثير جدا لا يعرف الباحث عنه له حدا وذلك لشدة ولوع النفوس بذكر أحبابها وحنينها إلى أماكنها التي هي مواطن أطرابها ولهذا اقتصرنا على هذه النبذة القليلة وجعلناها نغبة يشفي المشوق بها غليله وقد كره بعض العقلاء التأسف على الديار لعلمهم أنه لا يجدي ولايدفع عادية الدهر الخؤون ولا يعدي ونهوا عنه لما فيه من تجديد المصاب المجرع لصاحبه الصاب والأوصاب
قال أبو عمر بن عبد البر
( عفت المنازل غير أرسم دمنة ** حييتها من دمنة ورسوم )
( كم ذا الوقوف ولم تقف في منسك ** كم ذا الطواف ولم تطف بحريم )
( فكل الديار إلى الجنائب والصبا ** ودع القفار إلى الصدى والبوم )
انتهى كلامه رحمه الله تعالى بأكثر لفظه مع بعض اختصار
رجع إلى قرطبة فنقول رسائل للسان الدين
وقد ألم لسان الدين بن الخطيب رحمه الله تعالى بذكر قرطبة وبعض أوصافها في كتاب له كتبه على لسان سلطانه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذكرناه بجملته في الباب الخامس من القسم الثاني فليراجع ثمة ونص محل الحاجة منه هنا ثم كان الغزو إلى أم البلاد ومثوى الطارف والتلاد قرطبة وما قرطبة المدينة التي على عمل أهلها في القديم بهذا الإقليم كان العمل والكرسي الذي بعصاه رعي الهمل والمصر الذي له في خطة المعمور الناقة والجمل
____________________
(1/505)

في عقوتها المستباحة وأجاز نهرها المعيي على السباحة وعم دوحها الأشب بوارا وأدار المحلات بسورها سوارا وأخذ بمخنقها حصارا وأعمل النصر بشجرة أصلها اجتناء ما شاء واهتصار وجدل من أبطالها لم يرض انجحارا فأعمل إلى المسلمين إصحارا حتى قرع بعض جهاتها غلابا جهارا ورفعت الأعلام إعلاما بعز الإسلام وإظهارا فلولا استهلال الغوادي وأن اتى الوادي لأفضت إلى فتح الفتوح تلك المبادي ولقضى تفثه العاكف والبادي انتهى
ومما كتب به لسان الدين رحمه الله تعالى في وصف هذه الغزوة لسلطان بني مرين على لسان صاحب الأندلس ما صورته المقام الذي نطالعه بأخبار الجهاد ونهدي إليه عوالي العوالي صحيحة الإسناد ونبشره بأخبار الفتح البعيد الآماد ونسأل الله تعالى له توالي الإسعاق ودوام الإسعاد والإمداد ونرتقب من صنع الله تعالى على يديه تكييفا يخرق حجاب المعتاد وامتعاضا يطلع بآفاق البلاد نجوم غرر الجياد ويفتح أبواب الفتوح بأقاليد السيوف الحداد وينبىء عن مكارم من سلف من الآباء الكرام والأجداد مقام محل أخينا الذي نستفتح له بالفتح والظهور ونهدي إلى مجده لما نعلم من فضل نيته وحسن قصده لطائف السرور ونستظهر بملكه المؤيد المؤمل ومجده المشهور ونتوعد منهما العدو بالحبيب المذخور والولي المنصور السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا أبقاه الله تعالى عالي القدر قرير العين منشرح الصدر ولا زال حديث فخره سائرا مسير الشمس والبدر
____________________
(1/506)

مجده الصميم وفضله العميم أمير المسلمين عبد الله الغني بالله محمد ابن أمير المسلمين أبي الحجاج ابن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر سلام كريم بر عميم يخص مقامكم الأعلى وأخوتكم الفضلى ورحمة الله وبركاته أما بعد حمد الله رب العباد وملهم الرشاد ومكيف الإسعاف والإسعاد الولي النصير الذي نلقي إلى التوكل عليه مقاليد الاعتماد ونمد إلى إنجاده أيدي الاعتداد ونرفع إليه أكف الاستمداد ونخلص لوجهه الكريم عمل الجهاد فنتعرف عوارف الفضل المزداد ونجتني ثمار النصر من أغصان القنا المياد ونجتلي وجوه الصنع الوسيم أبهر من وجه الصباح الباد ونظفر بالنعيم العاجل في الدنيا والنعيم الآجل يوم قيام الأشهاد ونتفيأ ظلال الجنة من تحت أوراق السيوف الحداد والصلاة على سيدنا ومولانا محمد رسوله النبي الهاد رسول الملحمة المؤيد بالملائكة الشداد ونبي الرحمة الهامية العهاد أكرم الخلق بين الرائح والغاد ذي اللواء المعقود والحوض المورود والشفاعة في يوم التناد الذي بجاهه نجدع أنوف الآساد يوم الجلاد وببركته ننال أقصى الأمل والمراد وفي مرضاته نصل اسباب الوداد فنعود بالتجر الرابح من مرضاة رب العباد ونستولي من ميدان السعادة المعادة على الآماد والرضي عن أله وصحبه وأنصاره وحزبه الكرماء الأمجاد دعائم الدين من بعده وهداة العباد أنجاد الانجاد وآساد الآساد الذين ظاهروه في حياته بالحلوم الراجحة الأطواد والبسالة التي لا تنال بالعدد في سبيل الله والاعداد حتى بوأوا الإسلام في القواعد الشهيرة والبلاد وأرغموا أنوف أهل الجحد والإلحاد فأصبح الدين رفيع العماد منصور العساكر والأجناد مستصحب العز في الإصدار والإيراد والدعاء لمقامكم الأعلى بالسعد الذي يغني
____________________
(1/507)

جنح ليل المداد والصنع الذي تشرع له أبواب التوفيق والسداد من حمراء غرناطة حرسها الله واليسر وثيق المهاد والخير واضح الأشهاد والحمد لله في المبدإ والمعاد والشكر له على آلائه المتصلة الترداد ومقامكم ومقامكم الذخر الكافي العتاد والمردد المتكفل بالإنجاد وإلى هذا وصل الله سعدكم وحرس مجدكم ووالى نصركم وعضدكم وبلغكم من فضله العميم أملكم وقصدكم فإننا نؤثر تعريف كم بتافه المتزيداتونورد عليكم أشتات الأحوال المتجددات إقامة لرسم الخلوص في التعريف بما قل ومودة خالصة في الله عز وجل فكيف إذا كان الترعيف بما تهتز منابر الإسلام ارتياحا لوروده وتنشرح الصدور منه لمواقع فضل الله وجوده والمكيفات البديعة الصفات في وجوده وهو أننا قدمنا إعلامكم بما نويناه من غزو مدينة قرطبة أم البلاد الكافرة ومقر الحامية المشهودة والخيرات الوافرة والقطر الذي عهده بإلمام الإسلام متقادم والركن الذي لا يتوقع صدمة صادم وقد اشتمل سورها من زعماء ملة الصليب على كل رئيس بئيس وهزبر خيس وذي مكر وتلبيس ومن له سمة تذيع مكانه وتشيعه وأتباع على المنشط والمكره تطيعه فاستدعينا المسلمين من أقاصي البلاد وأذعنا في الجهات نفير الجهاد وتقدمنا إلى الناس بسعة الأزواد وأعطينا الحركة التي تخلف المسلمون فيها وراءهم جمهور الكفر من الأقطار والاعداد حقها من الاستعداد وأفضنا العطاء
____________________
(1/508)

وأبطال الجلاد فحشر الخلق في صعيد وأخذوا الأهبة والزينة في عيد سعيد وشمل الاستدعاء كل قريب وبعيد عن وعد ووعيد ورحلنا وفضل الله شامل والتوكل عليه كاف كافل وخيمنا بظاهر الحضرة حتى استوفى الناس أرابهم واستكملوا أسرابهم ودسنا منهم بلاد النصارى بجموع كثرها الله وله الحمد وأنماها وأبعد في التماس ما عنده من الاجر منتماها وعندما حللنا قاشرة وجدنا السلطان دون بطره مؤمل نصرنا وإنجادنا ومستعيد حظه من لواحق جهادنا ومقتضي دين كدحه بإعانتنا إياه وإنجادنا قد نزل بظاهرها في محلات ممن استقر على دعوته وتمسك بطاعته وشمله حكم جماعته فكان لقاؤنا إياه على حال أقرت عيون المسلمين وتكفلت بإعزاز الدين ومجملها يغني عن التعيين والشرح والتبيين ورأى هو ومن معه من وفور جيش الله ما هالهم وأشك في حال اليقظة خيالهم من جموع تسد الفضا وأبطال تقارع أسود الغضا وكتائب منصورة ورايات منشورة وأمم محشورة تفضل عن مرأى العين وتردي العدو في مهاوي الحين فاعترفوا بما لم يكن في حسابهم واعتبر في عزة الله سبحانه أولو ألبابهم وإذا كثر الله تعالى العدد نما وزكا وإذا أزاح العلل ما اعتذر غاز ولا شكا وسالت من الغد الأباطح بالأعراف وسمت الهوادي إلى الاستشراف وأخذ الترتيب حقه من المواسط الجهادية والأطراف وأحكمت التعبية التي لا ترى العين فيها خللا ولا يجد الاعتبار عندها دخلا وكان النزول على فرسخ من عدوة النهر الأعظم من خارج المدينة أنجز الله تعالى وعد دمارها وأعادها إلى عهدها في الإسلام وشعارها ومحا ظلام الكفر من آفاقها بملة الإسلام وأنوارها وقد برزت من حاميتها شوكة سابغة الدروع وافرة الجموع
____________________
(1/509)

من أسوار القنطرة العظمى بحمى لا يخفر وأخذ أعقابها من الحماة والكماة العدد الأوفر فبادر إليهم سرعان خيل المسلمين فصدقوهم الدفاع والقراع والمصال والمصاع وخالطوهم هبرا بالسيوف ومباكرة بالحتوف فتركوهم حصيدا وأذاقوهم وبالا شديدا وجدلوا منهم جملة وافرة وأمة كافرة وملكوا بعض تلك الأسوار فارتفعت بها راياتهم الخافقة وظهرت عليها عزماتهم الصادقة واقتحم المسلمون الوادي سبحا في غمرة واستهانة في سبيل الله بأمره وخالطوا حامية العدو في ضفته فاقتلعوها وتعلقوا بأوائل الأسوار ففرعوها فلو كنا في ذلك اليوم على عزم من القتال وتيسير الآلات وترتيب الرجال لدخل البلد وملك الأهل والولد لكن أجار الكفار من الليل كافر وقد هلك منهم عدد وافر ورجع المسلمون إلى محلاتهم ونصر الله سافر والعزم ظافر ومن الغد خضنا البحر الذي جعلنا العزم فيه سفينا والتوكل على الله للبلاغ ضمينا ونزلنا من ضفته القصوى منزلا عزيزا مكينا بحيث يجاور سورها طنب القباب وتصيب دورها من بين المخيمات بوارق النشاب وبرزت حاميتها على متعددات الأبواب مقيمة أسواق الطعان والضراب فآبت بصفقة الخسر والثباب ولما شرعنا في قتالها ورتبنا أشتات النكايات لنكالها وإن كنا لم نبق على مطاولة نزالها أنزل الله المطر الذي قدم بعهاده العهد وساوى النجد من طوفانه الوهد وعظم به الجهد ووقع الإبقاء على السلاح والكف بالضرورة عن الكفاح وبلغ المقام عليها والأخذ بمخنقها والثواء لديها خمسة أيام لم تخل فيها الأسوار من اقتراع ولا الأبواب من دفاع عليها وقراع
____________________
(1/510)

أهلها الجراح والعيث الصراح وساءهم المساء بعزة الله والصباح ولولا عائق المطر لكان الإجهاز والاستفتاح والله بعدها الفتاح وصرفت الوجوه إلى تخريب العمران وتسليط النيران وعقر الأشجار وتعفية الآثار وأتى منها العفاء على المصر الشهير في الأمصار وتركت زروعها المائحة عبرة لأولي الأبصار ورحلنا عنها وقد ألبسها الدخان حدادا ونكس من طغاتها أجيادا فاعتادت الذل اعتي ادا وألفت الهون قيادا وكادت أن تستباح عنوة لولا أن الله تعالى جعل لها ميعادا وأتى القتل من أبطالها ومشاهير رجالها ممن يبارز ويناطح ويماسي بالناس ويصابح على عدد جم أخبرت سيماهم المشهورة بأسمائهم ونبهت علاماتها على نبهائهم وظهر إقدام المسلمين في المعتركات وبروزهم بالحدود المشتركات وتنفيلهم الأسلاب وقودهم الخيل المسومة قود الغلاب وكان القفول وقد شمل الأمن والقبول وحصل الجهاد المقبول وراع الكفر العز الذي يهول والإقدام الذي شهدت به الرماح والخيول وخاض المسلمون من زرع الطرق التي ركبوها والمنازل التي استباحوها وانتهبوها بحورا بعد منها الساحل وفلاحة مدركة تتعدد فيها المراحل فصيروها صريما وسلطوا عليها النار غريما وحلوا بظاهر حصن أندوجر وقد أصبح مألف أذمار غير أوشاب ووكر طيور نشاب فلما بلونا مراسه صعبا وأبراجه ملئت حرسا شديدا وشهبا ضننا بالنفوس أن تفيض دون افتتاحه فسلطنا العفاء
____________________
(1/511)

مساحة وأغرينا الغارات باستيعاب ما بأحوازه واكتساحه وسلطنا النار على حزونه وبطاجه وألصقنا بالرغام ذوائب أدواحه وانصرفنا بفضل الله والمناهل دامية والأجور نامية وقد وطئنا المواطىء التي كانت على الملوك قبلنا بسلا ولم نترك بها حرثا يرفد ولا نسلا ولا ضرعا يرسل رسلا والحمد لله الذي يتمم النعيم بحمده ونسأله صلة النصر فما النصر إلا من عنده عرفناكم بهذه الكيفيات الكريمة الصفات والصنائع الروائع التي بعد العهد بمثلها في هذه الأوقات علما بأنها لديكم من أحسن الهديات الوديات ولما نعلمه لديكم من حسن النيات وكرم الطويات فإنكم سلالة الجهاد المقبول والرفد المبذول ووعد النصر المفعول ونرجو الله عز وجل أن ينتقل خيالكم للمعاهد الجهادية إلى المعاينة في نصر الملة المحمدية وأن يجمع الله بكم كلمة الإسلام على عبدة الأصنام ويتم النعمة على الأنام وودنا لكم ما علمتم يزيد على ممر الأيام والله يجعله في ذاته لكم متصل الدوام مبلغا إلى دار السلام وهو سبحانه يصل سعدكم ويحرس مجدكم ويضاعف الآلاء عندكم والسلام الكريم يخصكم ورحمة الله وبركاته انتهى
ومن هذا المنحنى ما كتب به لسان الدين رحمه الله تعالى عن سلطانه ونصه المقام الذي أحاديث سعادته لا تمل على الإعادة والتكرار وسبيل مجادته الشهيرة أوضح من شمس الظهيرة عند الاستظهار وأخبار صنائع الله لملكه ونظم فرائد الآمال في سلكه تخلدها اقلام الأقدار بمداد الليل في قرطاس النهار وترسمها بتذهيب الإسفار في صفحات الأقمار وتجعلها هجيري حملاء الأسفار وحداة
____________________
(1/512)

محل أخينا الذي نلذ عادة هنائه مع الإعادة ونتلقى أنباء علائه بالإذاعة والإشادة ونطرز بأعلام ثنائه صحائف المجادة ونشكر الله أن وهب لنا من أخوته المضافة إلى المحبة والودادة ما يرجح في ميزان الاعتبار أخوة الولادة وعرفنا بيمن ولايته عوارف السعادة السلطان الكذا ابن السلطان الكذا بن السطان الكذا أبقاه الله تعالى في أعلام الملك السعيد بيت القصيد ووسطى القلادة ومجلي الكمال الذي تبارى بميدان باسه وجوده جنسا الإبادة والإفادة ولا زالت آماله القاصية تنثال طوع الإرادة ويمن نقيبته يجمع من أشتات الفتوح والعز الممنوح بين الحسنى وزيادة معظم سلطانه العالي المثني على مجده المرفوع إسناده في عوالي المعالي المسرور بما يسنيه الله له من الصنع المتوالي والفتح المقدم والتالي أمير المسلمين عبد الله الغني بالله محمد ابن أمير المسلمين أبي الحجاج ابن أمير المسلمين أبي الوليد بن فرج بن نصر أيد الله أمره وأسعد عصره سلام كريم يتأرج في الآفاق شذا طيبه وتسمع في ذروة الود بلاغة خطيبه ويتضمن نوره سواد المداد عند مراسلة الوداد فيكاد يذهب بعبوسه المجهول وتقطيبه ورحمة الله وبركاته اما بعد حمد الله فاتح الأبواب بمقاليد الأسباب مهما استصعبت وميسر الأمور بمحكم المقدور إذا أجهدت الحيل وأتعبت مخمد نيران الفتن ما التهبت وجامع كلمة الإسلام وقد تصدعت وتشعبت ومسكن رجفان الأرض بعدما اضطربت ومحييها بعهاد الرحمة مهما اهتزت وربت اللطيف الخبير الذي قدرت حكمته الأمور ورتبت منهي كل نفس إلى ما خطت الأقلام
____________________
(1/513)

بما كسبت والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله هازم الأحزاب لما تألفت وتألبت وجالب الحتف إليها عندما أجلبت رسول الملحمة إذا الليوث وثبت ونبي الرحمة التي هيأت النجاة وسببت وأبلغت النفوس المطمئنة من السعادة ما طلبت ومداوي القلوب المريضة وقد انتكبت وانقلبت بلطائفه التي راضت وهذبت وقادت إلى الجنة العليا واستجلبت وأدت عن الله وأدبت الذي بجاهه نستكشف الغماء إذا طنبت ونستوكف النعماء إذا أخلفت البروق وكذبت ونتحاب في طاعته ابتغاء الوسيلة إلى شفاعته فنقول وجبت حسبما ثبت والرضى عن آله وأصحابه وأنصاره وأحزابه التي استحقت المزية المرضية واستوجبت لما انتمت إلى كماله وانتسبت وببذل نفوسها في الله ومرضاته تقربت وإلى نصرته في حياته انتدبت والمناصل قد رويت من دماء الأعداء واختضبت وخلفته في أمته بعد مماته بالهمم التي عن صدق اليقين أعربت فتداعت لمجاهدة الكفار وانتدبت وأبعدت المغار وأدربت حتى بلغ ملك أمته أقاصي البلاد التي نبت فكسرت الصلب التي نصبت ونفلت التيجان التي عصبت ما همت السحب وانسحبت وطلعت الشمس وغربت والدعاء لمثابتكم العليا بالنصر العزيز كلما جهزت الكتائب وتكتبت والفتح المبين كلما ركنت عقائل القواعد إذا خطبت والصنائع التي مهما حدقت فيها العيون تعجبت أو جالت في لطائفها الأفكار استطابت مذاق الشكر واستعذبت حتى تنجز لكم مواعيد النصر فقد اقتربت فإنا كتبنا إليكم كتب الله لكم أغيا ما سألت الألسن السائلة
____________________
(1/514)

حمراء غرناطة حرسها الله تعالى وجنود الله بفضل الله تعالى ونعمته قد غلبت وفتحت وسلبت وأسود جهاده قد أردت الأعداء بعدما كلبت ومراعي الآمال قد أخصبت والحمد لله حمدا يجلو وجوه الرضى بعدما احتجبت ويفتح أبواب المزيد فكلما استقبلها الأمل رحبت والشكر لله شكرا يقيد شوارد النعم مما أبقت وما هربت وإلى هذا وصل الله لمقامكم أسباب الظهور والاعتلاء وعرفكم عوارف الآلاء على الولاء فإننا لما ورد علينا كتابكم البر الوفادة الجم الإفادة والجامع بين الحسنى والزيادة جالي غرة الفتح الأعظم من ثنايا السعادة وواهب المنن المتاحة وواصف النعم المعادة فوقفنا من رقة المنشور على تحف سنية وأماني هنية وقطاف للنصر جنية ضمنت سكون البلاد وقرارها وأن الله قد أذهب أذهب الفتن وأوردها وأخمد نارها ونضح عن وجه الإسلام عارها وجمع الأهواء على من هويته السعادة بعد أن أجهد اختيارها فأصبح الشتيت مجتمعا وجنح الجناح مرتفعا والجبل المخالف خاشعا متصدعا وأصحب في القياد من كان متمنعا فاستوثقت الطاعة وتبجحت السنة والجماعة وارتفعت الشناعة وتمسكت البلاد المكرهة بأذيال وليها لما راته وعادت الأجياد العاطلة إلى حليها بعدما أنكرته أجلنا جياد الأقلام في ملعب الهناء وميدانه لأول أوقات إمكانه على بعد مكانه وأجهدنا عبارة الكلام في إجلال هذا الصنع وتعظيم شأنه وأغرينا الثناء بشيم مجدكم في شرحه لنا وبيانه رأينا أن لا نكل ذلك إلى اليراع ونفرده فيه بالاجتماع وما يتعاطاه من منة الذراع وأن نشد بردء من المشافهة أزره ونعضد بمعين من اللسان امره فعينا لذلك من يفسر منه المجمل ويمهد المقصد المعمل
____________________
(1/515)

والسر ويقيم شتى الأدلة على الوداد المستقر ووجهنا في غرض الرسالة به إليكم واخترنا لشرحه بين يديكم خطيب الوفود وبركة المشايخ في هذا المقام المحمود الشيخ الجليل الشهير الكبير الصالح الفاضل أبا البركات ابن الحاج وصل الله حفظه وأجزل من الحمد واللطف حظه وهو البطل الذي لا يعلم الإجالة في الميدان ولا يبصر بوظائف ذلك الشأن ومرادنا منه أن يطيل ويطيب ويجيل في وصف محاسنكم اللسان الرطيب ويقرر ما عندنا لمقامكم من التشيع الذي قام على الحب المتوارث أساسه واطرد حكمه وانتج قياسه وليجعل تلو مقصد الهناء بمجلسكم الباهر السناء الصارف إلى الجهاد في سبيل الله والفناء وجه التهمم والاعتناء على مر الآناء ما تجدد لدينا من الأنباء في جهاد الأعداء وإن كان رسولكم أعزه الله تعالى قد شارك في السرى والسير ويمن الطير وأغنى في الحكاية عن الغير فلا سرف في الخير وهو أننا لما انصرفنا من منازلة قرطبة نظرا للحشود التي نفدت معدات أزوادها وشابت بهشيم الغلة المستغلة مفارق بلادها وإشفاقا لفساد أقواتها بفوات أوقاتها رحلنا عنها وقد انطوينا من إعفاء أكثر تلك الزروع المائلة الفروع الهائلة الروع على هم ممض وأسف للمضاجع مقض إذ كان عاذل المطر يكف ألسنة النار عن المبالغة في التهابها وحلاق إهابها ونفض أغوارها ونهب شوارها وإذاعة أسرارها وهي البحور المتلاطمة إذا حطمتها
____________________
(1/516)

السوافي الماخرة تود العيون أن تتحدى حدودها القاصية فلا تطيق والركائب الراكضة ان تشرف على غايتها فيفضل عن مراحلها الطريق قد جللها الربيع ارزاقا تغص بها الخزائن والأطباق وحبوبا مفضلة لا يرزؤها الإنفاد والإنفاق ولو اعتصبت على انتسافها الآفاق فخففنا في سبيل الله لتعقيب غزو تلك الأقطار المخالفة بمحق الصائفة وإحانة تلك الطائفة بكلوم المجاعة الجائفة خفوفا لم نقنع فيه بالاستنابة حرصا على استئصال الصبابة وأعفينا الرحل من اتصال الكد وقابلنا قبولهم على استصحابنا فيها بالرد وأطللنا على قرطبة بمحلاتنا ننسف جبال النعم نسفا ونعم الأرض زلزالا وخسفا ونستقري مواقع البذر إحراقا ونخترق أجوابها المختلفة بحب الحصيد اختراقا ونسلط عليها من شرر النار أمثال الجمالات الصفر مدت من الشواظ أعناقا ونوسع القرى الواسعة قتلا واسترقاقا وندير على مستديرها أكواس الحتوف دهاقا وأخذت النيران واديها الأعظم من كلا جانبيه حتى كأن القيون أحمت سبيكته فاستحالت وأذابت صحيفته فسالت وأتت الكفار سماؤهم بالدخان المبين وصارت الشمس من بعد سفورها وعموم نورها منقبة المحيا معصبة الجبين وخضنا أحشاء الفرنتيرة نعم أشتات النعم انتسافا وأقوات أهلها إتلافا وآمال سكانها إخلافا وقد بهتوا لسرعة الرجوع ودهشوا
____________________
(1/517)

لوقوع الجوع وتسبيب تخريب الربوع فمن المنكر البعيد أن يتأتى بعد عمرانها المعهود وقد اصطلم الزرع واجتث العود وصار إلى العدم منها الوجود ورأوا من عزائم الإسلام خوارق تشذ عن نطاق العوائد وعجائب تستريب فيها عين المشاهد إذ اشتمل هذا العام المتعرف فيه من الله تعالى الإنعام على غزوات أربع دمرت فيها القواعد الشهيرة تدميرا وعلا فوق مراقيها الأذان عزيزا جهيرا وضويقت كراسي الملك تضييقا كبيرا وأذيقت وبالا مبيرا ورياح الإدالة إن شاء الله تعالى تستأنف هبوبا وبأسا مشبوبا والثقة بالله قد ملأت نفوسا مؤمنة وقلوبا والله سبحانه المسؤول أن يوزع شكر هذه النعم التي أثقلت الأكتاد وأبهضت الطوق المعتاد وأبهجت المسيم والمرتاد فبالشكر يستدر مزيدها ويتوالى تجديدها وقطعنا في بحبوحة تلك العمالة المستبحرة العمارة والفلج المغني وصفها عن الشرح والعبارة مراحل ختمنا بالتعريج على حزب جيان حربها ففللنا ثانية غربها وجددنا كربها واستوعبنا حرقها وخربها ونظمنا البلاد في سلك البلاء وحثثنا في أنجادها وأغوارها ركائب الاستيلاء فلم نترك بها ملقط طير فضلا عن معاف عير ولا أسأرنا لفلها المحروب بلالة خير وقفلنا وقد تركنا بلاد النصارى التي منها لكيادنا المدد والعدة والعدد وفيها الخصام واللدد قد لبست الحداد حريقا وسلكت إلى الخلاء والجلاء طريقا ولم نترك بها مضغة تخالط ريقا ولا نعمة تصون من الفراق فريقا وما كانت تلك النعم لولا أن أعان الله تعالى من عنصري النار والهواء بجنود كونه الواسع ومدركه البعيد الشاسع لتتولى
____________________
(1/518)

لتمتاح بالاغتراف غديرها بل لله القدرة جميعا فقدرته لا تتحامى ريعا ولا حمى مريعا منيعا وعدنا والعود في مثلها أحمد وقد بعد في شفاء النفوس الأمد ونسخ بالسرور الكمد ورفعت من عز الإسلام العمد والحمد لله حمد الشاكرين ومنه نلتمس عادة النصر على أعدائه فهو خير الناصرين عرفناكم به ليسر دينكم المتين ومجدكم الذي راق منه الجبين والله يصل سعدكم ويحرس مجدكم ويبلغكم أملكم من فضله وقصدكم بمنه وطوله والسلام الكريم يخصكم ورحمة الله تعالى وبركاته انتهى رجع إلى ما كنا بسبيله من أخبار قرطبة الجليلة الوصف وذكر جامعها البديع الإتقان والرصف فنقول
قد شاع وذاع على ألسنة الجم الغفير من الناس في هذه البلاد المشرقية وغيرها أن في جامع قرطبة ثلاثمائة ونحو ستين طاقا على عدد أيام السنة وأن الشمس تدخل كل يوم من طاق إلى أن يتم الدور ثم تعود وهذا شيء لم أقف عليه في كلام المؤرخين من أهل المغرب والأندلس ولو كان كما شاع لذكروه وتعرضوا له لأنه من أعجب ما يسطر مع أنهم ذكروا ما هو دونه فالله أعلم بحقيقة الحال في ذلك وستأتي في الباب السابع رسالة الشقندي الطويلة وفيها من محاسن قرطبة وسائر بلاد الأندلس الطم والرم وقد ذكرنا في الباب الأول جملة من محاسن قرطبة فأغنى ذلك عن إعادتها هنا على أن رسالة الشقندي تكرر فيها بعض ما ذكرناه لأنا لم نرد أن نخل منها بحرف فأتينا بها بلفظها وإن تكرر بعض ما فيها مع بعض ما أسلفناه والعذر واضح للمنصف المفضي والله نسأل سلوك السبيل الذي يرضي بمنه وكرمه
____________________
(1/519)

المنصورفي مذاهبها وتنافرت في مفاخرها فإليه مفزعها وهو المقنع في فصل القضية بينها لاستيلائه على المفاخر بأسرها وعلمه بسرها وجهرها وقد ذهب البهار والنرجس في وصف محاسنهما والفخر بمشابههما كل مذهب وما منها إلا ذو فضيلة غير أن فضلي عليهما أوضح من الشمس التي تعلونا وأعذب من الغمام الذي يسقينا وإن كانا قد تشبها في شعرهما ببعض ما في العالم من جواهر الأرض ومصابيح السماء وهي من الموات الصامت فإني أتشبه بأحسن ما زين الله به الإنسان وهو الحيوان الناطق مع أني أعطر منهما عطرا وأحمد خبرا وأكرم إمتاعا شاهدا وغائبا ويانعا وذابلا وكلاهما لا يمتع إلا ريثما يينع ثم إذا ذبل تستكره النفوس شمه وتستدفع الأكف ضمه وأنا أمتع يابسا ورطبا وتدخرني الملوك في خزائنها وسائر الأطباء وأصرف في منافع الأعضاء فإن فخرا باستقلالهما على ساق هي أقوى من ساقي فلا غرو أن الوشي ضعيف والهوى لطيف والمسك خفيف وليس المجد يدرك بالصراع وقد أودعت أيد الله مولانا قوافي الشعر من وصف مشابهي ما أودعاه وحضرت بنفسي لئلا أغيب عن حضرتهما فقديما فضل الحاضر وإن كان مفضولا ولذا قالوا ألذ الطعام ما حضر لوقته وأشعر الناس من أنت في شعره فلمولانا أتم الحكم في أن يفصل بحكمه العدل وأقول شهدت لنوار البنفسج ألسن ** من لونه الأحوى ومن إيناعه
____________________
(1/532)

لمشابه الشعر الأعم أعاره القمر ** المنير الطلق نور شعاعه )
( ولربما جمع النجيع من الطلى ** من صارم المنصور يوم قراعه )
( فحكاه غير مخالف في لونه ** لا في روائحه وطيب طباعه )
( ملك جهلنا قبله سبل العلاة ** حتى وضحن بنهجه وشراعه )
( في سيفه قصر لطول نجاده ** وتمام ساعده وفسحة باعه )
( ذو همة كالبرق في إسراعه ** وعزيمة كالحين في إيقاعه )
( تلقى الزمان له مطيعا سامعا ** وترى الملوك الشم من أتباعه ) وما أحسن قول بعض الأندلسيين يصف حديقة
( وحديقة مخضرة أثوابها ** في قضبها للطير كل مغرد )
( نادمت فيها فتية صفحاتهم ** مثل البدور تنير بين الأسعد )
( والجدول الفضي يضحك ماؤه ** فكأنه في العين صفح مهند )
( وإذا تجعد بالنسيم حسبته ** لما تراه مشبها للمبرد )
( وتناثرت نقط على حافاته ** كالعقد بين مجمع ومبدد )
( وتدحرجت للناظرين كأنها ** در نثير في بساط زبرجد )
( وكان بحمام الشطارة بإشبيلية صورة بديعة الشكل فوصفها بعض أهل الأندلس بقوله
( ودمية مرمر تزهى بجيد ** تناهى في التورد والبياض )
( لها ولد ولم تعرف حليلا ** ولا ألمت بأوجاع المخاض )
( ونعلم أنها حجر ولكن ** تتيمنا بألحاظ مراض )
____________________
(1/533)

وكان بسر قسطة في القصر المسمى بدار السرور مجلس الذهب أحد قصور المقتدر بن هود وفيه يقول ذو الوزارتين بن غندشلب يهجو وزيرا كان ينبز بتحقون
( ضج من تحقون بيت الذهب ** ودعا مما به واحربي )
( رب طهرني فقد دنسني ** عار تحقون الموفى الذنب )
وكتب بعض كبراء الأندلس إلى إخوانه كتابي هذا من وادي الزيتون ونحن فيه مختلفون ببقعة اكتست من السندس الأخضر وتحلت بأنواع الزهر وتخايلت بأنهار تتخللها وأشجار تظللها تحجب أدواحها الشمس لالتفافها وتأذن للنسيم فيميل من أعطافها وما شئم من محاسن تروق وتعجب واطيار تتجاوب بألحان تلهي وتطرب في مثلها يعود الزمان كله صبا وتجري الحياة على الأمل والمنى وأنا فيها أبقاكم الله سبحانه بحال من طاب غذاؤه وحسن استمراؤه وصحا من جنون العقار واستراح من مضض الخمار وزايلته وساوسه وخلصت من الخباط هواجسه ثم ذكر كلاما من هذا النمط في وصف الخمار والدعاء إلى العقار
____________________
(1/534)

فراجعه أبو الفضل بن حسداي برقعة قال في صدرها إلى سيدنا الذي ألزمنا بامتنانه الشكر وكبيرنا الذي علمنا ببيانة السحر وعميدنا الذي عقدنا بحرمه وانحل ورمانا بدائه وانسل أبقاك الله تعالى لتوبة نصوح تمرها ويمين غموس تبرها ورد أبقاك الله تعالى كتابك الذي أنفذته من معرسك بوادي الزيتون ووقفنا على ما لقنت في أوصافه من حجة المفتون وإعجابك بالتفاف شجره ودوحاته واهتزازك بلطيف بواكره وروحاته وغرورك به وهو حو تلاعه مورودة هضابه وأجراعه وكل المشارب ما خلاه ذميم وماؤه الدهر خصر والمياه حميم وتلك عادة تلونك وسجية تخضرمك وشاكلة ملالك وسأمك وأشعر الناس عندك من أنت في شعره وأحب البلاد إليك ما أنت في عقره فأين منك بساتين جلق وجنانه ورياضة المونقة وخلجانه وقبابه البيض في حدائقه الخضر وجوه العطر في جنابه النضر وما تضمه حيطانه وتمجه أنجاده وغيطانه من أمهات الراح التي طلقتها بزعمك ومواد الشمول التي
____________________
(1/535)

طلقتها برغمك وهيهات فوالله ما فارقتك تلك الأجارع والمجاني ولا شاقتك تلك المنازل والمغاني إلا تذكرا لما لدينا من طيب المعاهد وحنينا إلى ما عندنا من جميل المشاهد وأين من المشتاق عنقاء مغرب ثم ذكر كلاما في جواب ما مر من الخمار لم يتعلق لي به غرض وما أحلى ما كتب به أبو إسحاق بن خفاجة من رسالة في ذكر منتزه ولما أكب الغمام إكبابا لم أجد منه إغبابا واتصل المطر اتصالا لم ألف منه انفصالا أذن الله تعالى للصحو أن يطلع صفحته وينشر صحيفته فقشعت الريح السحاب كما طوى السجل الكتاب وطفقت السماء تخلع جلبابها والشمس تحط نقابها وتطلعت الدنيا تبتهج كأنها عروس تجلت وقد تحلت ذهبت في لمة من الإخوان نستبق إلى الراحة ركضا ونطوي للتفرج أرضا فلا ندفع إلى غدير نمير قد استدارت منه في حباب فترددنا بتلك الأباطح نتهادى تهادي أغصانها ونتضاحك تضاحك أقحوانها وللنسيم أثناء ذلك المنظر الوسيم تراسل مشي على بساظ وشي فإذا مر بغدير نسجه درعا وأحكمه صنعا وإن عثر بجدول شطب منه نصلا وأخلصه صقلا فلا ترى إلا بطاحا مملوءة سلاحا كأنما انهزمت هنالك كتائب فألقت بما لبسته من درع مصقول وسيف مسلول
ومن فصل منها فاحتللنا قبة خضراء ممدودة أشطان الأغصان سندسية رواق الأوراق وما زلنا نلتحف منها ببرد ظل ظليل ونشتمل عليه برداء
____________________
(1/536)

نسيم عليل ونجيل الطرف في نهر صقيل صافي لجين الماء كأنه مجرة السماء مؤتلف جوهر الحباب كأنه من ثغور الأحباب وقد حضرنا مسمع يجري مع النفوس لطافة فهو يعلم غرضها وهواها ويغني لها مقترحها ومناها فصيح لسان النقر يشفي من الوقر كأنه كاتب حاسب تمشق يمناه وتعقد يسراه
( يحرك حين يشدو سكنات ** وتنبعث الطبائع للسكون )
وكانت بين أبي إسحاق وبعض إخوانه مقاطعة فاتفق أن ولي ذلك الصديق حصنا فخاطبه أبو إسحاق برقعة منها أطال الله بقاء سيدي النبيهة أوصافه النزيهة عن الاستثناء المرفوعة إمارته الكريمة بالابتداء ما انحذفت ياء يرمي للجزم واعتلت والو يغزو لموضع الضم كتبت عن ود قديم هو الحال لم يلحقها انتقال وعهد كريم هو الفعل لم يدخله الاعتلال والله ويجعل هاتيك من الأحوال الثابتة اللازمة ويعصم هذا بعد من الحروف الجازمة وأنا أستنهض طولك إلى تجديد عهدك بمطالعة ألف الوصل وتعدية فعل الفصل وعدولك عن باب ألف القطع إلى باب الوصل والجمع حتى يسقط لدرج الكلام بيننا هاء السكت ويدخل الانتقال حال الصمت فلا تتخيل أعزك الله أن رسم إخائك عندي ذو حسا قد درس عفاء ولا أن صدري دار مية أمسى من ودك خلاء وإنما أنا فعل إذا ثني ظهر من ضمير وده ما بطن وبدا منه ما كمن وهنيئا أعزك الله أن فعل وزارتك حاضر لا يلحق رفعه تغيير وأن فعل سيفك ماض ما به للعوامل تأثير وأنت بمجدك جماع أبواب الظرف تأخذ نفسك العلية بمطالعة باب الصرف
____________________
(1/537)

ودرس حروف العطف وتدخل لام التبرئة على ما حدث من عتبك وتوجب بعد النفي ما سلف من قربك وتدع ألف الألفة أن تكون بعد من حروف اللين وترفع بالإضافة بيننا وجود التنوين وتسوم ساكن الود أن يتحرك ومعتل الإخاء أن يصح وكتابي هذا حرف صلة فلا تحذفه حتى تعود الحال الأولى صفة وتصير هذه النكرة معرفة فأنت أعزك الله مصدر فعل السرور والنبل ومنك اشتقاق اسم السؤدد والفضل وإنك وإن تأخر العصر بك كالفاعل وقع مؤخرا وعدوك وإن تكبر كالكميت لم يقع إلا مصغرا وللأيام علل تبسط وتقبض وعوامل ترفع وتخفض فلا دخل عروضك قبض ولا عاقب رفعك خفض ولا زلت مرتبطا بالفضل شرطك وجزاؤك جاريا على الرفع سروك الكريم وسناؤك حتى يخفض الفعل وتبنى على الكسر قبل إن شاء الله
وكتب رحمه الله تعالى يستدعي عود غناء انتظم من إخوانك - أعزك الله تعالى - عقد شرب يتساقون في ودك ويتعاطون ريحانة شكرك وحمدك وما منهم إلا شره المسامع إلى رنة حمامة ناد لا حمامة بطن واد والطول لك في صلتها بجماد ناطق قد استعار من بنان لسانا وصار لضمير صاحبه ترجمانا وهو على الإساءة والإحسان لا ينفك من إيقاع به من غير إيجاع له فإن هفا عركت أذنه وأدب وإن تأتى واستوى بعج بطنه وضرب لا زلت منتظم الجذل ملتئم الأمل انتهى قصيدة لابن خفاجة
ومن نظمه رحمه الله تعالى يتفجع ويتوجع
____________________
(1/538)


____________________
(1/539)


( شراب الأماني لو علمت سراب ** وعتبي الليالي لو عرفت عتاب )
( وهل مهجة الإنسان إلا طريدة ** يحوم عليها للحمام عقاب )
( يخب بها في كل يوم وليلة ** مطايا إلى دار البلى وركاب )
( وكيف يغيض الدمع أو يبرد الحشا ** وقد باد أقران وفات شباب )
( أقلب طرفي لا أرى غير ليلة ** وقد حط عن وجه الصباح نقاب )
( كأني وقد طار الصباح حمامة ** يمد جناحيه علي غراب )
( دعا بهم داعي الردى فكأنما ** تبارت بهم خيل هناك عراب )
( فهام وسلم الدهر حرب كأنما ** جثا بهم طعن لهم وضراب )
( هجود ولا غير التراب حشية ** لجنب ولا غير القبور قباب )
( ولست بناس صاحبا من ربيعة ** إذا نسيت رسم الوفاء صحاب )
( ومما شجاني أن قضى حتف أنفه ** وما اندق رمح دونه وكعاب )
( وأنا تجارينا ثلاثين حجة ** ففات سباقا والحمام قصاب )
( كأن لم نبت في منزل القصف ليلة ** نجيب بها داعي الصبا ونجاب )
( إذا قام منا قائم هز عطفه ** شباب أرقناه بها وشراب )
( ولما تراءت لمشيب بريقة ** وأقشع من ظل الشباب سحاب )
( نهضنا بأعباء الليالي جزالة ** وأرست بنا في النائبات هضاب )
( فيا ظاعنا قد حط من ساحة البلى ** بمنزل بين ليس عنه مآب )
( كفى حزنا أن لم يزرني على النوى ** رسول ولم ينفذ إليك كتاب )
( وأني إذا يممت قبرك زائرا ** وقفت ودوني للتراب حجاب )
( ولو أن حيا كان حاور ميتا ** لطال كلام بيننا وخطاب )
( وأعرب عما عنده من جلية ** فأقشع عن شمس هناك ضباب )
____________________
(1/539)

عود إلى عمران قرطبة وقد أبعدنا عما كنا بصدده من ذكر قرطبة أعادها الله للإسلام فنقول قال في بعض من أرخ الأندلس
انتهت مساجد قرطبة أيام عبدالرحمن الداخل إلى أربعمائة وتسعين مسجدا ثم زادت بعد ذلك كثيرا كما يأتي ذكره شرفاتها أربعة آلاف وثلاثمائة وكانت عدة الدور في القصر الكبير أربعمائة دار ونيفا وثلاثين وكانت عدة دور الرعايا والسواد بها الواجب على أهلها المبيت في السور مائة ألف دار وثلاثة عشر ألف دار حاشا دور الوزراء وأكابر الناس والبياض
ورأيت في بعض الكتب أن هذا العدد كان أيام لمتونة والموحدين قال وكانت ديار أهل الدولة إذ ذاك ستة آلاف دار وثلاثمائة دار انتهى
وعدد أرباضها ثمانية وعشرون وقيل أحد وعشرون ومبلغ المساجد بها ثلاثة آلاف وثمانمائة وسبعة وثلاثون مسجدا وعدد الحمامات المبرزة للناس سبعمائة حمام وقيل ثلاثمائة حمام وقال ابن حيان إن عدة المساجد عند تناهيها في مدة ابن أبي عامر ألف وستمائة مسجد والحمامات تسعمائة حمام وفي بعض التواريخ القديمة كان بقرطبة في الزمن السالف ثلاثة آلاف مسجد وثمانمائة وسبعة وسبعون مسجدا منها بشقندة ثمانية عشر مسجدا وتسعمائة حمام وأحد عشر حماما ومائة ألف دار وثلاثة عشر ألف دار للرعية خصوصا وربما نصف العدد أو أكثر لأرباب الدولة وخاصتها هكذا نقله
____________________
(1/540)

في المغرب وهو أعلم بما يأتي ويذر رحمه الله تعالى وقال بعض المؤرخين - بعد ذكره نحو ما تقدم - ووسط الأرباض قبة قرطبة التي تحيط بالسور دونها وأما اليتيمة التي كانت في المجلس البديع فإنها كانت من تحف قصر اليونانيين بعث بها صاحب القسطنطينية إلى الناصر مع تحف كثيرة سنية انتهى
ونحوه لابن الفرضي وغير واحد لكن خالفهم صاحب المسالك والممالك فذكر أن عدد المساجد بقرطبة أربعمائة مسجد وأحد وسبعون مسجدا وهو بعيد وقال قبله إن دور قرطبة في كمالها ثلاثون ألف ذراع وتفسيرها باللسان القوطي القلوب المختلفة وهي بالقوطية بالظاء المشالة وقيل إن معنى قرطبة أجر فاسكنها قال وبقرطبة أقاليم كثيرة وكور جليلة وكانت جبايتها في أيام الحكم بن هشام مائة ألف دينار وعشرة آلاف دينار وعشرين دينارا وسبق ما يخالف هذا ومن القمح أربعة آلاف مدي وستمائة مدي ومن الشعير سبعة آلاف مدي وستمائة مدي وسبعة وأربعين مديا
وقال بعض العلماء أحصيت دور قرطبة التي بها وأرباضها أيام ابن أبي عامر فكان مائتي ألف دار وثلاثة عشر ألف دار وسبعا وسبعين دارا وهذه دور الرعية وأما دور الأكابر والوزراء والكتاب والأجناد وخاصة الملك فستون ألف دار وثلاثمائة دار سوى مصاري الكراء والحمامات والخانات وعدد الحوانيت ثمانون ألف حانوت وأربعمائة وخمسة وخمسون ولما كانت الفتنة على رأس المائة الرابعة غيرت رسوم ذلك العمران ومحيت آثار تلك
____________________
(1/541)

القرى والبلدان انتهى ملخصا وسيأتي في رسالة الشقندي ما هو أشمل من هذا قصيدة القرطبي والمتنزهات ولما رقت حال أبي القاسم عامر بن هشام القرطبي بقرطبة وزين له بعض أصحابه الرحلة إلى حضرة ملك الموحدين مراكش قال وذكر المنتزهات القرطبية
( يا هبة باكرت من نحو دارين ** وافت إلي على بعد تحييني )
( سرت على صفحات النهر ناشرة ** جناحها بين خيري ونسرين )
( ردت إلى جسدي روح الحياة وما ** خلت النسيم إذا ما مت يحييني )
( لولا تنسمها من نشر أرضكم ** ما أصبحت من أليم الوجد تبريني )
( مرت على عقدات الرمل حاملة ** من سركم خبرا بالوحي يشفيني )
( عرفت من عرفه ما لست أجهله ** لما تنسم في تلك الميادين )
( نزوت من طرب لما هفا سحرا ** وظل ينشرني طورا ويطويني )
( خلت الشمال شمولا إذ سكرت بها ** سكرا بما لست أرجوه يمنيني )
( أهدت إلي أريجا من شمائلكم ** فقلت قربني من كان يقصيني )
( وخلت من طمع أن اللقاء على ** إثر النسيم وأضحى الشوق يحدوني )
( فظلت ألثم من تعظيم حقكم ** مجر أذيالها والوجد يغريني )
( مسارح كم بها سرحت من كمد ** قلبي وطرفي ولا سلوان يثنيني )
( بين المصلى إلى وادي العقيق وما ** يزال مثل اسمه مذ بان يبكيني )
( إلى الرصافة فالمرج النضير فوادي ** الدير فالعطف من بطحاء عبدون )
____________________
(1/542)


( لباب عبد سقته السحب وابلها ** فلم يزل بكؤوس الأنس يسقيني )
( لا باعد الله عيني عن منازهه ** ولا يقرب لها أبواب جيرون )
( حاشا لها من محلات مفارقة ** من شيق دونها في القرب محزون )
( أين المسير ورزق الله أدركه ** من دون جهد وتأميل يعنيني )
( يا من يزين لي الترحال عن بلدي ** كم ذا تحاول نسلا عند عنين )
( وأين يعدل عن أرجاء قرطبة ** من شاء يظفر بالدنيا وبالدين )
( قطر فسيح ونهر ما به كدر ** حفت بشطيه ألفاف البساتين
( يا ليت لي عمر نوح في إقامتها ** وأن مالي فيه كنز قارون ) كلاهما كنت أفنيه على نشوات ** الراح نهبا ووصل الخرد والعين )
( وإنما أسفي أني أهيم بها ** وأن حظي منها حظ مغبون )
( أرى بعيني ما لا تستطيل يدي ** له وقد حازه من قدره دوني )
( وأنكد الناس عيشا من تكون له ** نفس الملوك وحالات المساكين )
( يغض طرف التصابي حين تبهته ** قضبان نعمان في كثبان يبرين )
( قالوا الكفاف مقيم قلت ذاك لمن ** لا يستخف إلى بيت الزراجين )
( ولا يبلبله هب الصبا سحرا ** ولا يلطفه عرف الرياحين )
( ولا يهيم بتفاح الخدود ورمان ** الصدور وترجيع التلاحين )
( لا تجتنى راحة إلا على تعب ** ولا تنال العلا إلا من الهون )
( وصاحب العقل في الدنيا أخو كدر ** وإنما الصفو فيها للمجانين )
( يا آمري أن أحث العيس عن وطني ** لما رأى الرزق فيه ليس يرضيني )
( نصحت لكن لي قلبا ينازعني ** فلو ترحلت عنه حله دوني )
( لألزمن وطني طورا تطاوعني ** قود الأماني وطورا فيه تعصيني )
____________________
(1/543)


( مدللا بين عرفاني وأضرب عن سير ** لأرض بها من ليس يدريني )
( هذا يقول غريب ساقه طمع ** وذاك حين أريه البر يجفوني )
( إليك عني آمالي فبعدك يهديني ** وقربك يطغيني ويغويني )
( يا لحظ كل غزال لست أملكه ** يدنو وما لي حال منه تدنيني )
( ويا مدامة دير لا ألم به ** لولا كما كان ما أعطيت يكفيني )
( لأصبرن على ما كان من كدر لمن عطاياه بين الكاف والنون )
وتسمى هذه القصيدة عند أهل الأندلس كنز الأدب وقد أشرنا في الباب الأول إلى كثير مما يتعلق بقرطبة أعادها الله تعالى إلى الإسلام فأغنى عن إعادته وإن كان ذكره هنا أنسب لأن ما تقدم إنما هو في ذكرها مع غيرها من بلاد الأندلس وهذا الباب لها بالاستقلال
وأنشد أبو العاصي غالب بن أمية الموروري لما جلس على نهر قرطبة بإزاء الربض ملتفتا إلى القصر بديهة بهدية
( يا قصر كم حويت من نعم ** عادت لقى في عوارض السكك )
( يا قصر كم قد حويت من ملك ** دارت عليه دوائر الفلك )
( اتق بما شئت كل متخذة ** يعود يوما بحال متروك ) وقال القاضي أبو الفضل عياض عند ارتحاله عن قرطبة
____________________
(1/544)


( أقول وقد جد ارتحالي وغردت ** حداتي وزمت للفراق ركائبي )
( وقد غمضت من كثرة الدمع مقلتي ** وصارت هواء من فؤادي ترائبي )
( ولم يبق إلا وقفة يستحثها ** وداعي للأحباب لا للحبائب )
( رعى الله جيرانا بقرطبة العلا ** وجاد رباها بالعهاد السواكب )
( وحيا زمانا بينهم قد ألفته ** طليق المحيا مستلان الجوانب )
( أإخواننا بالله فيها تذكروا ** مودة جار أو مودة صاحب )
( غدوت بهم من برهم واحتفائهم ** كأني في أهلي وبين أقاربي ) عود إلى مسجد قرطبة
وأما مسجد قرطبة فشهرته تغني عن كثرة الكلام فيه ، ولكن نذكر من أوصافه وننشر من أحواله ما لا بد منه ، فنقول : قال بعض المؤرخين : ليس في بلاد الإسلام أعظم منه ، ولا أعجب بناء وأتقن صنعة ، وكلما اجتمعت منه أربع سواري كان رأسها واحدا ، ثم صف رخام منقوش بالذهب واللازورد في أعلاه وأسفله ، انتهى . وكان الذي ابتدأ بناء هذا المسجد العظيم عبد الرحمن بن معاوية المعروف بالداخل ، ولم يكمل في زمانه ، وكمله ابنه هشام ، ثم توالى الخلفاء من بني أمية على الزيادة فيه ، حتى صار المثل مضروبا به ، والذي ذكره غير واحد أنه لم يزل كل خليفة يزيد فيه على من قبله إلى أن كمل على يد نحو الثمانية من الخلفاء . وقال بعض المؤرخين : إن عبد الرحمن الداخل لما استقر أمره وعظم بنى القصر بقرطبة ، وبنى المسجد الجامع ، وأنفق عليه ثمانين ألف دينار ، وبنى بقرطبة الرصافة تشبيها برصافة جده هشام بدمشق .
____________________
(1/545)

وقال بعض : إنه أنفق على الجامع ثمانين ألف دينار ، واشترى موضعه إذ كان كنيسة بمائة ألف دينار ، فالله تعالى أعلم . وقال بعض المؤرخين : في ترجمة عبد الرحمن الداخل ما صورته : إنه لما تمهد ملكه شرع في تعظيم قرطبة ، فجدد مغانيها ، وشيد مبانيها ، وحصنها بالسور ، وابتنى قصر الإمارة والمسجد الجامع ، ووسع فناءه ، وأصلح مساجد الكور ، ثم ابتنى مدينة الرصافة منتزها له ، واتخذ بها قصرا حسنا ، وجنانا واسعة ، نقل إليها غرائب الغراس وكرائم الشجر من بلاد الشام وغيرها من الأقطار ، انتهى . وكانت أخته أم الأصبغ ترسل إليه من الشام بالغرائب ، مثل الرمان العجيب الذي أرسلته إليه من دمشق الشام كما مر ، وسيأتي كلام ابن سعيد بما هو أتم من هذا . ولما ذكر ابن بشكوال زيادة المنصور بن أبي عامر في جامع قرطبة قال : ومن أحسن ما عاينه الناس في بنيان هذه الزيادة العامرية أعلاج النصارى مصفدين في الحديد من أرض قشتالة وغيرها ، وهم كانوا يتصرفون في البنيان عوضا من رجالة المسلمين ، إذلالا للشرك وعزة للإسلام ، ولما عزم على زيادته هذه جلس لأرباب الدور التي نقل أصحابها عنها بنفسه ، فكان يؤتى بصاحب المنزل فيقول له : إن هذه الدار التي لك يا هذا أريد أن أبتاعها لجماعة المسلمين من مالهم ومن فيئهم لأزيدها في جامعهم وموضع صلاتهم ، فشطط واطلب ما شئت ، فإذا ذكر له أقصى الثمن أمر أن يضاعف له ، وأن تشترى له بعد ذلك دار عوضا منها ، حتى أتى بامرأة لها دار بصحن الجامع فيها نخلة ، فقالت : لا أقبل عوضا إلا دارا بنخلة ، فقال : تبتاع لها دار بنخلة ، ولو ذهب
____________________
(1/546)

بيت المال ، فاشتريت لها دار بنخلة ، وبولغ في الثمن ، وحكى ذلك ابن حيان أيضا . وقيل : إن إنفاق الحكم في زيادة الجامع كان مائة ألف وواحدا وستين ألف دينار ونيفا ، وكله من الأخماس . وقال صاحب كتاب مجموع المفترق : وكان سقف البلاط من المسجد الجامع من القبلة إلى الجوف قبل الزيادة مائتين وخمسا وعشرين ذراعا ، والعرض من الشرق إلى الغرب قبل الزيادة مائة ذراع وخمسة أذرع ، ثم زاد الحكم في طوله مائة ذراع وخمسة أذرع ، فكمل الطول ثلاثمائة ذراع وثلاثين ذراعا ، وزاد محمد بن أبي عامر بأمر هشام بن الحكم في عرضه من جهة المشرق ثمانين ذراعا ، فتم العرض مائتي ذراع وثلاثين ذراعا ، وكان عدد بلاطه أحد عشر بلاطا ، عرض أوسطها ستة عشر ذراعا ، وعرض كل واحد من اللذين يليانه غربا واللذين يليانه شرقا أربعة عشر ذراعا ، وعرض كل واحد من الستة الباقية إحدى عشرة ذراعا ، وزاد ابن أبي عامر فيه ثمانية عرض كل واحد عشرة أذرع ، وكان العمل في زيادة المنصور سنتين ونصفا ، وخدم فيه بنفسه ، وطول الصحن من المشرق إلى المغرب مائة ذراع وثمان وعشرون ذراعا ، وعرضه من القبلة إلى الجوف مائة ذراع وخمسة أذرع ، وعرض كل واحدة من السقائف المستديرة بصحنه عشرة أذرع ، فتكسيره ثلاثة وثلاثون ألف ذراع ومائة وخمسون ذراعا ، وعدد أبوابه تسعة : ثلاثة في صحنه غربا وشرقا وجوفا ، وأربعة في بلاطاته : اثنان شرقيان واثنان غربيان ، وفي مقاصير النساء من السقائف بابان ، وجميع ما فيه من الأعمدة ألف عمود ومائتا عمود وثلاثة وتسعون عمودا ، رخاما كلها ، وباب مقصورة الجامع ذهب ، وكذلك جدار المحراب وما يليه قد أجري فيه الذهب على الفسيفساء ، وثريات المقصورة فضة محضة ، وارتفاع الصومعة اليوم - وهي من بناء عبد الرحمن بن محمد - ثلاثة وسبعون ذراعا إلى أعلى القبة المفتحة التي يستدير بها المؤذن ،
____________________
(1/547)

وفي رأس هذه القبة تفافيح ذهب وفضة ، ودور كل تفاحة ثلاثة أشبار ونصف ، فاثنان من التفافيح ذهب إبريز ، وواحدة فضة ، وتحت كل واحدة منها وفوقها سوسنة قد هندست بأبدع صنعة ، ورمانة ذهب صغيرة على رأس الزج ، وهي إحدى غرائب الأرض . وكان بالجامع المذكور في بيت منبره مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه الذي خطه بيده ، وعليه حلية ذهب مكللة بالدر والياقوت ، وعليه أغشية الديباج ، وهو على كرسي من العود الرطب بمسامير الذهب . رجع إلى المنارة - وارتفاع المنارة إلى مكان الأذان أربع وخمسون ذراعا ، وطول كل حائط من حيطانها على الأرض ثمان عشرة ذراعا ، انتهى بحروفه . وفيه بعض مخالفة لما ذكره ابن الفرضي وبعضهم ، إذ قال في ترجمة المنصور بن أبي عامر ما صورته : وكان من أخبار المنصور الداخلة في أبواب الخير والبر والقرب بنيان المسجد الجامع والزيادة فيه سنة سبع وسبعين وثلاثمائة ، وذلك أنه لما زاد الناس بقرطبة وانجلب إليها قبائل البربر من العدوة وإفريقية ، وتناهى حالها في الجلالة ضاقت الأرباض وغيرها ، وضاق المسجد الجامع عن حمل الناس ، فشرع المنصور في الزيادة بشرقيه حيث تتمكن الزيادة لاتصال الجانب الغربي بقصر الخلافة ، فبدأ ابن أبي عامر في هذه الزيادة على بلاطات تمتد طولا من أول المسجد إلى آخره ، وقصد ابن أبي عامر في هذه الزيادة المبالغة في
____________________
(1/548)

الإتقان والوثاقة ، دون الزخرفة ، ولم يقصر - مع هذا - عن سائر الزيادات جودة ، ما عدا زيادة الحكم . وأول ما عمله ابن أبي عامر تطييب نفوس أرباب الدور الذين اشتريت منهم للهدم لهذه الزيادة بإنصافهم من الثمن ، وصنع في صحنه الجب العظيم قدره الواسع فناؤه ، وهو - أعني ابن أبي عامر - هو الذي رتب إحراق الشمع بالجامع زيادة للزيت ، فتطابق بذلك النوران ، وكان عدد سواري الجامع الحاملة لسمائه واللاصقة بمبانيه وقبابه ومناره بين كبيرة وصغيرة ألف سارية وأربعمائة سارية وسبع عشرة سارية ، وقيل : أكثر ، وعدد ثريات الجامع ما بين كبيرة وصغيرة مائتان وثمانون ثريا ، وعدد الكؤوس سبعة آلاف كأس وأربعمائة كأس وخمسة وعشرون كأسا ، وقيل : عشرة آلاف وثمانمائة وخمس كؤوس ، وزنة مشاكي الرصاص للكؤوس المذكورة عشرة أرباع أو نحوها ، وزنة ما يحتاج إليه من الكتان للفتائل في كل شهر رمضان ثلاثة أرباع القنطار ، وجميع ما يحتاج إليه الجامع من الزيت في السنة خمسمائة ربع أو نحوها ، يصرف منه في رمضان خاصة نحو نصف العدد ، ومما كان يختص برمضان المعظم ثلاثة قناطير من الشمع وثلاثة أرباع القنطار من الكتان المقطن لإقامة الشمع المذكور ، والكبيرة من الشمع التي تؤخذ بجانب الإمام يكون وزنها من خمسين إلى ستين رطلا ، يحترق بعضها بطول الشهر ، ويعم الحرق لجميعها ليلة الختمة ، وكان عدد من يخدم الجامع المذكور بقرطبة في دولة ابن أبي عامر ويتصرف فيه من أئمة ومقرئين وأمناء ومؤذنين وسدنة وموقدين وغيرهم من المتصرفين مائة وتسعة وخمسين شخصا ، ويوقد من البخور ليلة الختمة أربع أواق من العنبر الأشهب وثمان أواق من العود الرطب ، انتهى .
____________________
(1/549)

وقال بعض المؤرخين : كان للجامع كل ليلة جمعة رطل عود ، وربع رطل عنبر ، يتبخر به ، انتهى . وقال ابن سعيد ، نقلا عن ابن بشكوال : طول جامع قرطبة الأعظم الذي هو بداخل مدينتها من القبلة إلى الجوف ثلاثمائة وثلاثون ذراعا ، الصحن المكشوف منه ثمانون ذراعا ، وغير ذلك مقرمد ، وعرضه من الغرب إلى الشرق مائتان وخمسون ذراعا ، وعدد أبهائه عند اكتمالها بالشمالية التي زادها المنصور بن أبي عامر بعد هذا تسعة عشر بهوا ، وتسمى البلاطات ، وعدد أبوابه الكبار والصغار أحد وعشرون بابا في الجانب الغربي تسعة أبواب ، منها واحد كبير للنساء يشرع إلى مقاصيرهن ، وفي الجهة الشرقية تسعة أبواب ، منها لدخول الرجال ثمانية أبواب ، وفي الجهة الشمالية ثلاثة أبواب ، منها لدخول الرجال بابان كبيران ، وباب لدخول النساء إلى مقاصيرهن ، وليس لهذا الجامع في القبلي سوى باب واحد بداخل المقصورة المتخذة في قبلته متصل بالساباط المفضي إلى قصر الخلافة منه كان السلطان يخرج من القصر إلى الجامع لشهود الجمعة ، وجميع هذه الأبواب ملبسة بالنحاس الأصفر بأغرب صنعة ، وعدد سواري هذا المسجد الجامع الحاملة لسمائه واللاصقة بمبانيه وقبابه ومناره وغير ذلك من أعماله بين كبار وصغار ألف وأربعمائة سارية وتسع سوار ، منها بداخل المقصورة مائة وتسع عشرة سارية ، وذكر المقصورة البديعة التي صنعها الحكم المستنصر في هذا الجامع فقال : إنه خطر بها على خمس بلاطات من الزيادة الحكمية ، وأطلق حفافيها على الستة الباقية ثلاثة من كل جهة ، فصار طولها من الشرق إلى الغرب خمسا وسبعين ذراعا ، وعرضها من جدار الخشب إلى سور المسجد بالقبلة اثنين
____________________
(1/550)

وعشرين ذراعا ، وارتفاعها في السماء إلى حد شرفاتها ثمان أذرع ، وارتفاع كل شرفة ثلاثة أشبار ، ولهذه المقصورة ثلاثة أبواب بديعة الصنعة عجيبة النقش شارعة إلى الجامع شرقي وغربي وشمالي ، ثم قال : وذرع المحراب في الطول من القبلة إلى الجوف ثمان أذرع ونصف ، وعرضه من الشرق إلى الغرب سبع أذرع ونصف ، وارتفاع قبوه في السماء ثلاث عشرة ذراعا ونصف ، والمنبر إلى جنبه مؤلف من أكارم الخشب ما بين آبنوس وصندل ونبع وبقم وشوحط وما أشبه ذلك ، ومبلغ النفقة فيه خمسة وثلاثون ألف دينار وسبعمائة دينار وخمسة دنانير وثلاثة دراهم وثلث درهم وقيل غير ذلك ، وعدد درجه تسع درجات صنعه الحكم المستنصر رحمه الله ، وذكر أن عدد ثريات الجامع التي تسرج فيها المصابيح بداخل البلاطات خاصة - سوى ما منها على الأبواب - مائتان وأربع وعشرون ثريا ، جميعها من لاطون مختلفة الصنعة ، منها أربع ثريات كبار معلقة في البلاط الأوسط أكبرها الضخمة المعلقة في القبة الكبرى التي فيها المصاحف حيال المقصورة ، وفيها من السرج - فيما زعموا - ألف وأربعمائة وأربعة وخمسون ، تستوقد هذه الثريات الضخام في العشر الأخير من شهر رمضان ، تسقى كل ثريا منها سبعة أرباع في الليلة ، وكان مبلغ ما ينفق من الزيت على جميع المصابيح في هذا المسجد في السنة أيام تمام وقوده في مدة ابن أبي عامر مكملة بالزيادة المنسوبة ألف ربع ، منها في شهر رمضان سبعمائة وخمسون ربعا ، قال : وفي بعض التواريخ القديمة كان عدد القومة بالمسجد الجامع بقرطبة في زمن الخلفاء وفي زمن ابن أبي عامر ثلاثمائة ، انتهى . وفيه مخالفة لبعض ما تقدم . وذكر بعضهم الزيت - ولكن قوله أولى بالاتباع ، لنقله عن ابن بشكوال ،
____________________
(1/551)

ولمعرفة ابن سعيد بمثل هذا وتحقيقه فيه أكبر من غيره ، والله سبحانه أعلم - فقال : ألف ربع وثلاثون ربعا ، منها في رمضان خمسمائة ربع ، وفي الثريات التي من الفضة - وهي ثلاثة - اثنان وسبعون رطلا ، لكل واحدة ثمانية عشر في ليلة وقدها . وقال في المنبر : إنه مركب من ستة وثلاثين ألف وصل ، قام كل واحد منها بسبعة دراهم فضة ، وسمرت بمسامير الذهب والفضة ، وفي بعضها نفيس الأحجار ، واتصل العمل فيه تسعة ، ثم قال : ودور الثريا العظيمة خمسون شبرا ، وتحتوي على ألف كأس وأربعة وثمانين ، كلها موشاة بالذهب ، إلى غير ذلك من الغرائب . وكتب الفقيه الكاتب أبو محمد إبراهيم ابن صاحب الصلاة الولبني يصف جامع قرطبة بما نصه : عمر الله سبحانه بشمول السعادة رسمك ، ووفر من جزيل الكرامة قسمك ، ولا برحت سحائب الإنعام تهمي عليك ثرة ، وأنامل الأيام تهدي إليك كل مسرة ، لئن كان أعزك الله طريق الوداد بيننا عامرا ، وسبيل المحبة غامرا ، لوجب أن نفض ختمه ، ونرفض كتمه ، لا سيما فيما يدر أخلاف الفضائل ، ويهز أعطاف الشمائل ، وإني شخصت إلى حضرة قرطبة - حرسها الله تعالى - منشرح الصدر ، لحضور ليلة القدر ، والجامع - قدس الله تعالى بقعته ومكانه ، وثبت أساسه وأركانه - قد كسي ببردة الازدهاء ، وجلي في معرض البهاء ، كأن شرفاته فلول في سنان ، أو أشر في أسنان ، وكأنما ضربت في سمائه كلل ، أو خلعت على أرجائه حلل ، وكأن الشمس خلفت فيه ضياءها ، ونسجت على أقطارها أفياءها ، فترى نهارا
____________________
(1/552)

قد أحدق به ليل ، كما أحدق بربوة سيل ، ليل دامس ، ونهار شامس ، وللذبال تألق كنضنضة الحيات ، أو إشارة السبابات في التحيات ، قد أترعت من السليط كؤوسها ، ووصلت بمحاجن الحديد رؤوسها ، ونيطت بسلاسل كالجذوع القائمة ، أو كالثعابين العائمة ، عصبت بها تفاح من الصفر ، كاللقاح الصفر : بولغ في صقلها وجلائها ، حتى بهرت بحسنها ولألائها ، كأنها جليت باللهب ، وأشربت ماء الذهب ، إن سمتها طولا رأيت منها سبائك عسجد ، أو قلائد زبرجد ، وإن أتيتها عرضا رأيت منها أفلاكا ولكنها غير دائرة ، ونجوما ولكنها ليست بسائرة ، تتعلق تعلق القرط من الذفرى ، وتبسط شعاعها بسط الأديم حين يفرى ، والشمع قد رفعت على المنار رفع البنود ، وعرضت عليها عرض الجنود ، ليجتلي طلاقة روائها القريب والبعيد ، ويستوي في هداية ضيائها الشقي والسعيد ، وقد قوبل منها مبيض بمحمر ، وعورض مخضر بمصفر ، تضحك ببكائها وتبكي بضحكها ، وتهلك بحياتها وتحيي بهلكها ، والطيب تفغم أفواحه ، وتتنسم أرواحه ، وقتار الألنجوج والند ، يسترجع من روح الحياة ما ند ، وكلما تصاعد وهو محاصر ، أطال من العمر ما كان تقاصر ، في صفوف مجامر ، ككعوب مقامر ، وظهور القباب مؤللة ، وبطونها مهللة ، كأنها تيجان ، رصع فيها ياقوت ومرجان ، قد قوس محرابها أحكم تقويس ، ووشم بمثل ريش الطواويس ، حتى كأنه بالمجرة مقرطق ، وبقوس قزح ممنطق ، وكأن اللازورد حول وشومه ، وبين رسومه ، نتف من قوادم الحمام ، أو كسف من ظلل الغمام ، والناس أخياف في دواعيهم ، وأوزاع في أغراضهم ومراميهم ، بين ركع وسجد ، وأيقاظ وهجد ، ومزدحم على الرقاب يتخطاها ، ومقتحم على الظهور يتمطاها ،
____________________
(1/553)

كأنهم برد خلال قطر ، أو حروف في عرض سطر ، حتى إذا قرعت أسماعهم روعة التسليم ، تبادروا بالتكليم ، وتجاذبوا بالأثواب ، وتساقوا بالأكواب ، كأنهم حضور طال عليهم غياب ، أو سفر أتيح لهم إياب ، وصفيك مع إخوان صدق ، تنسكب العلوم بينهم انسكاب الودق ، في مكان كوكر العصفور ، أستغفر الله أو ككناس اليعفور ، كأن إقليدس قد قسم بيننا مساحته بالموازين ، وارتبطنا فيه ارتباط البيادق بالفرازين ، حتى صار عقدنا لا يحل ، وحدنا لا يفل ، بحيث نسمع سور التنزيل كيف تتلى ، ونتطلع صور التفصيل كيف تجلى ، والقومة حوالينا يجهدون في دفع الضرر ، ويعمدون إلى قرع العمد بالدرر ، فإذا سمع بها الصبيان قد طبقت الخافقين ، وسرت نحوهم سرى القين ، توهموا أنها إلى أعطافهم واصلة ، وفي أقحافهم حاصلة ، ففروا بين الأساطين ، كما تفر من النجوم الشياطين ، كأنما ضربهم أبو جهم بعصاه ، أو حصبهم عمير بن ضابئ بحصاه ، فأكرم بها مساع تشوق إلى جنة الخلد ، ويهون في السعي إليها إنفاق الطوارف والتلد ، تعظيما لشعائر الله ، وتنبيها لكل ساه ولاه ، حكمة تشهد لله تعالى بالربوبية ، وطاعة تذل لها كل نفس أبية ، فلم أرد أدام الله سبحانه عزك منظرا منها أبهى ، ولا مخبرا أشهى ، وإذ لم تتأمله عيانا ، فتخيله بيانا ، وإن كان حظ منطقي من الكلام ، حظ السفيح من الأزلام ، لكن ما بيننا من مودة أكدنا وسائلها ، وذمة تقلدنا حمائلها ، يوجب قبول إتحافي سمينا وغثا ، ولبس إلطافي جديدا
____________________
(1/554)

ورثا ، لا زلت لزناد النبل موريا ، وإلى آماد الفضل مجريا ، والتحية العبقة الريا ، المشرقة المحيا ، عليك ما طلع قمر ، وأينع ثمر ، ورحمة الله تعالى وبركاته ، انتهى . وذكر ابن بشكوال أن الحكم المستنصر هدم الميضأة القديمة التي كانت بفناء الجامع الذي يستقي لها الماء من بئر السانية ، وبنى موضعها أربع ميضآت في كل جانب من جانبي المسجد الشرقي والغربي منها ثنتان كبرى للرجال وصغرى للنساء ، أجرى في جميعها الماء في قناة اجتلبها من سفح جبل قرطبة إلى أن صبت ماءها في أحواض رخام لا ينقطع جريانه الليل والنهار ، وأجرى فضل هذا الماء العذب إلى سقايات اتخذهن على أبواب هذا المسجد بجهاته الثلاث الشرقية والغربية والشمالية ، أجراها هنالك إلى ثلاث جواب من حياض الرخام استقطعها بمقطع المنستير بسفح جبل قرطبة بالمال الكثير ، وألقاه الرخامون هنالك ، واحتفروا أجوافها بمناقيرهم في المدة الطويلة حتى استوت في صورها البديعة لأعين الناس ، فخفف ذلك من ثقلها ، وأمكن من إهباطها إلى أماكن نصبها بأكناف المسجد الجامع ، وأمد الله تعالى على ذلك بمعونته ، فتهيأ حمل الواحدة منها فوق عجلة كبيرة اتخذت من ضخام خشب البلوط على فلك موثقة بالحديد
____________________
(1/555)

التولية ويبطل الشرط ، تخريجا على أحد الأقوال في الشرط الفاسد في البيع للمازري عن بعض الناس ، انتهى مختصرا . قال ابن غازي : إن ابن عرفة نسب للطرطوشي البطلان مطلقا ، وابن شاس إنما نسب له التفصيل ، انتهى . ولما ذكر مولاي الجد الإمام قاضي القضاة بفاس سيدي أبو عبد الله المقري التلمساني في كتابه القواعد شرط أهل قرطبة المذكور ، قال بعده ما نصه :
____________________
(1/556)

وعلى هذا الشرط ترتب إيجاب عمل القضاة بالأندلس ، ثم انتقل إلى المغرب ، فبينما نحن ننازع الناس في عمل المدينة ونصيح بأهل الكوفة مع كثرة من نزل بها من علماء الأمة كعلي وابن مسعود ومن كان معهما : [ البسيط ] ليس التكحل في العينين كالكحلسنح لنا بغض الجمود ، ومعدن التقليد : [ الكامل ] الله أخر مدتي فتأخرت حتى رأيت من الزمان عجائبايا لله وللمسلمين ، ذهبت قرطبة وأهلها ، ولم يبرح من الناس جهلها ، ما ذاك إلا لأن الشيطان يسعى في محو الحق فينسيه ، والباطل لا زال يلقنه ويلقيه ، ألا ترى خصال الجاهلية كالنياحة والتفاخر والتكاثر والطعن والتفضيل والكهانة والنجوم والخط والتشاؤم وما أشبه ذلك ، وأسماؤها كالعتمة ويثرب ، وكذا التنابز بالألقاب وغيره مما نهي عنه وحذر منه ، كيف لم تزل من أهلها ، وانتقلت إلى غيرهم مع تيسر أمرها ، حتى كأنهم لا يعرفون بالدين رأسا ، بل يجعلون العادات القديمة أسا ، وكذلك محبة الشعر والتلحين والنسب وما انخرط في هذا السلك ثابتة الموقع من القلوب ، والشرع فينا منذ سبعمائة سنة وسبع وستين سنة لا نحفظه إلا قولا ، ولا نحمله إلا كلا ، انتهى . وقال الحافظ ابن غازي - بعد ذكر كلام مولاي الجد - ما نصه : وحدثني ثقة ممن لقيت أنه لما قدم مدينة فاس العلامة أبو يحيى الشريف التلمساني وتصدى لإقراء التفسير بالبلد الجديد وأمر السلطان أبو سعيد المريني الحفيد أعيان الفقهاء
____________________
(1/557)

بحضور مجلسه كان مما ألقاه إليهم منزع المقري هذا ، فبالغوا في إنكاره ، ورأوا أنه لا معدل عما عول عليه زعماء الفقهاء كابن رشد وأصحاب الوثاق كالمتيطي من اعتماد أهل قرطبة ومن في معناهم انتهى . وقال بعض المؤرخين - حين ذكر قرطبة - ما ملخصه : هي قاعدة بلاد الأندلس ، ودار الخلافة الإسلامية ، وهي مدينة عظيمة ، وأهلها أعيان البلاد وسراة الناس ، في حسن المآكل والمشارب والملابس والمراكب ، وعلو الهمم ، وبها أعلام العلماء ، وسادات الفضلاء ، وأجلاد الغزاة ، وأنجاد الحروب ، وهي في تقسيمها خمس مدن يتلو بعضها بعضا ، وبين المدينة والمدينة سور عظيم حصين حاجز ، وكل مدينة مستقلة بنفسها ، وفيها ما يكفي أهلها من الحمامات والأسواق والصناعات وطول قرطبة ثلاثة أميال في عرض ميل واحد ، وهي في سفح جبل مطل عليها ، وفي مدينتها الثالثة وهي الوسطى القنطرة والجامع الذي ليس في معمور الأرض مثله وطوله مائة ذراع في عرض ثمانين ، وفيه من السواري الكبار ألف سارية ، وفيه مائة وثلاثة عشر ثريا للوقود أكبرها تحمل ألف مصباح ، وفيه من النقوش والرقوم ما لا يقدر أحد على وصفه ، وبقبلته صناعات تدهش العقول ، وعلى فرجة المحراب سبع قسي قائمة على عمد طول كل قوس فوق القامة قد تحير الروم والمسلمون في حسن وضعها ، وفي عضادتي المحراب أربعة أعمدة اثنان أخضران واثنان لازورديان ، ليس لها قيمة لنفاستها ، وبه منبر ليس على معمور الأرض أنفس منه ولا مثله في حسن صنعته ، وخشبه
____________________
(1/558)

ساج وآبنوس وبقم وعود قاقلي ، ويذكر في تاريخ بني أمية أنه أحكم عمله ونقشه في سبع سنين ، وكان يعمل فيه ثمانية صناع لكل صانع في كل يوم نصف مثقال محمدي ، فكان جملة ما صرف على المنبر لا غير عشرة آلاف مثقال وخمسون مثقالا ، وفي الجامع حاصل كبير ملآن من آنية الذهب والفضة لأجل وقوده ، وبهذا الجامع مصحف يقال : إنه عثماني ، وللجامع عشرون بابا مصفحات بالنحاس الأندلسي مخرمة تخريما عجيبا بديعا يعجز البشر ويبهرهم ، وفي كل باب حلقة في نهاية الصنعة والحكمة ، وبه الصومعة العجيبة التي ارتفاعها مائة ذراع بالمكي المعروف بالرشاشي ، وفيه من أنواع الصنائع الدقيقة ما يعجز الواصف عن وصفه ونعته ، وبهذا الجامع ثلاثة أعمدة حمر ، مكتوب على الواحد اسم محمد ، وعلى الآخر صورة عصا موسى وأهل الكهف ، وعلى الثالث صورة غراب نوح ، والجميع خلقة ربانية ، وأما القنطرة التي بقرطبة فهي بديعة الصنعة ، عجيبة المرأى ، فاقت قناطر الدنيا حسنا ، وعدد قسيها سبعة عشر قوسا ، سعة كل قوس منها خمسون شبرا وبين كل قوسين خمسون شبرا ، وبالجملة فمحاسن قرطبة أعظم من أن نحيط بها وصفا ، انتهى ملخصا . وهو وإن تكرر بعضه مع ما قدمته فلا يخلو من فائدة زائدة ، والله الموفق . وما ذكره في طول المسجد وعرضه مخالف لما مر ، ويمكن الجواب بأن هذا الذراع أكبر من ذلك ، كما أشار إليه هو في أمر الصومعة ، وكذا ما ذكره في
____________________
(1/559)

عدد السواري ، إلا أن يقال : ما تقدم باعتبار الصغار والكبار ، وهذا العدد الذي ذكره هنا إنما هو للكبار فقط ، كما صرح به ، والله تعالى أعلم . وأما الثريات فقد خالف في عددها ما تقدم ، مع أن المتقدم هو قول ثقات مؤرخي الأندلس ، ونحن جلبنا النقل من مواضعه ، وإن اختلفت طرقه ومضموناته . وقال في المغرب - عند تعرضه لذكر جامع قرطبة - ما نصه : اعتمدت فيما نقلته في هذا الفصل على كتاب ابن بشكوال ، فقد اعتنى بهذا الشأن أتم اعتناء وأغنى عن الاستطلاع إلى كلام غيره . عن الرازي أنه لما افتتح المسلمون الأندلس امتثلوا ما فعله أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد عن رأي عمر رضي الله تعالى عنه بالشام من مشاطرة الروم في كنائسهم مثل كنيسة دمشق وغيرها مما أخذوه صلحا ، فشاطر المسلمون أعاجم قرطبة كنيستهم العظمى التي كانت داخل مدينتها تحت السور ، وكانوا يسمونها بسنت بنجنت ، وابتنوا في ذلك الشطر مسجدا جامعا ، وبقي الشطر الثاني بأيدي النصارى ، وهدمت عليهم سائر الكنائس بحضرة قرطبة ، واقتنع المسلمون بما في أيديهم ، إلى أن كثروا ، وتزيدت عمارة قرطبة ، ونزلها أمراء العرب ، فضاق عنهم ذلك المسجد وجعلوا يعلقون منه سقيفة بعد سقيفة يستكنون بها ، حتى كان الناس ينالون في الوصول إلى داخل المسجد الأعظم مشقة لتلاصق تلك السقائف ، وقصر أبوابها ، وتطامن سقفها ، حتى ما يمكن أكثرهم القيام على اعتدال لتقارب سقفها من الأرض ولم يزل المسجد على هذه الصفة إلى أن دخل الأمير عبد الرحمن بن معاوية المرواني إلى الأندلس ، واستولى على إمارتها ، وسكن دار سلطانها قرطبة ، وتمدنت به ، فنظر في أمر الجامع ، وذهب إلى توسعته وإتقان بنيانه ، فأحضر أعاظم النصارى ،
____________________
(1/560)

وسامهم بيع ما بقي بأيديهم من كنيستهم لصق الجامع ليدخله فيه وأوسع لهم البذل وفاء بالعهد الذي صولحوا عليه ، فأبوا من بيع ما بأيديهم ، وسألوا بعد الجد بهم أن يباحوا بناء كنيستهم التي هدمت عليهم بخارج المدينة على أن يتخلوا للمسلمين عن هذا الشطر الذي طولبوا به ، فتم الأمر على ذلك ، وكان ذلك سنة ثمان وستين ومائة ، فابتنى عند ذلك عبد الرحمن المسجد الجامع على صفة ذكرها لا حاجة إلى تفسير الزيادة فيه ، وإنما الحاجة في وصفه بكماله ، وفي بنائه لهذه الزيادة يقول دحية بن محمد البلوي من قصيدة : [ الطويل ] وأنفق في دين الإله ووجهه ثمانين ألفا من لجين وعسجدتوزعها في مسجد أسه التقى ومنهجه دين النبي محمدترى الذهب الناري فوق سموكه يلوح كبرق العارض المتوقدقال : وكمل سنة سبعين ومائة ، ثم ذكر زيادة ابنه هشام الرضا وما جدده فيه ، وأنه بناه من خمس فيء أربونة ، ثم زيادة ابنه عبد الرحمن الأوسط لما تزايد الناس ، قال : وهلك قبل أن يتم الزخرفة ، فأتمها ولده محمد بن عبد الرحمن ، ثم رم المنذر بن محمد ما وهى منه ، وذكر ما جدده خليفتهم الناصر ونقضه للصومعة الأولى وبنيانه للصومعة العظيمة ، قال : ولما ولي الحكم المستنصر بن الناصر - وقد اتسع نطاق قرطبة ، وكثر أهلها ، وتبين الضيق في جامعها - لم يقدم شيئا على النظر في الزيادة ، فبلغ الجهد ، وزاد الزيادة العظمى ، قال : وبها كملت محاسن هذا الجامع ، وصار في حد يقصر الوصف عنه ، وذكر حضوره لمشاورة العلماء في تحريف القبلة إلى نحو المشرق ، حسبما فعله
____________________
(1/561)

والده الناصر في قبلة جامع الزهراء ، لأن أهل التعديل يقولون بانحراف قبلة الجامع القديمة إلى نحو الغرب ، فقال له الفقيه أبو إبراهيم : يا أمير المؤمنين ، إنه قد صلى إلى هذه القبلة خيار هذه الأمة من أجدادك الأئمة وصلحاء المسلمين وعلمائهم ، منذ افتتحت الأندلس إلى هذا الوقت ، متأسين بأول من نصبها من التابعين كموسى بن نصير وحنش الصنعاني وأمثالهم ، رحمهم الله تعالى وإنما فضل من فضل بالاتباع ، وهلك من هلك بالابتداع ، فأخذ الخليفة برأيه ، وقال : نعم ما قلت ، وإنما مذهبنا الاتباع . قال ابن بشكوال : ونقلت من خط أمير المؤمنين المستنصر أن النفقة في هذه الزيادة وما اتصل بها انتهت إلى مائتي ألف دينار وأحد وستين ألف دينار وخمسمائة دينار وسبعة وثلاثين دينارا ودرهمين ونصف . ثم ذكر الصومعة نقلا عن ابن بشكوال فقال : أمر الناصر عبد الرحمن بهدم الصومعة الأولى سنة 340 وأقام هذه الصومعة البديعة ، فحفر في أساسها حتى بلغ الماء مدة من ثلاثة وأربعين يوما ، ولما كملت ركب الناصر إليها من مدينة الزهراء وصعد في الصومعة من أحد درجيها ، ونزل من الثاني ، ثم خرج الناصر وصلى ركعتين في المقصورة ، وانصرف ، قال : وكانت الأولى ذات مطلع واحد ، فصير لهذه مطلعين ، فصل بينهما البناء ، فلا يلتقي الراقون فيها إلا بأعلاها ، تزيد مراقي كل مطلع منها على مائة سبعا . قال : وخبر هذه الصومعة مشهور في الأرض ، وليس في مساجد المسلمين صومعة تعدلها . قال ابن سعيد : قال ابن بشكوال هذا لأنه لم ير صومعة مراكش ولا صومعة إشبيلية اللتين بناهما المنصور من بني عبد المؤمن ، فهما أعظم وأطول ، لأنه ذكر أن طول صومعة قرطبة إلى مكان موقف المؤذن أربعة وخمسون ذراعا
____________________
(1/562)

وإلى أعلى الرمانة الأخيرة بأعلى الزج ثلاثة وسبعون ذراعا ، وعرضها في كل تربيع ثمانية عشر ذراعا ، وذلك اثنان وسبعون ذراعا ، قال ابن سعيد : وطول صومعة مراكش مائة وعشرة أذرع ، وذكر أن صومعة قرطبة بضخام الحجارة الفظيعة منجدة غاية التنجيد ، وفي أعلى ذروتها ثلاث شمسات يسمونها رمانات ملصقة في السفود البارز في أعلاها من النحاس : الثنتان منها ذهب إبريز ، والثالثة منها وسطى بينهما من فضة إكسير ، وفوقها سوسنة من ذهب مسدسة فوقها رمانة ذهب صغيرة في طرف الزج البارز بأعلى الجو ، وكان تمام هذه الصومعة في ثلاثة عشر شهرا . وذكر ابن بشكوال في رواية أن موضع الجامع الأعظم بقرطبة كان حفرة عظيمة يطرح فيها أهل قرطبة قمامتهم وغيرها ، فلما قدم سليمان بن داود صلى الله عليهما ودخل قرطبة قال للجن : اردموا هذا الموضع وعدلوا مكانه ، فسيكون فيه بيت يعبد الله فيه ، ففعلوا ما أمرهم به ، وبني فيه بعد ذلك الجامع المذكور ، قال : ومن فضائله أن الدارات الماثلة في تزاويق سمائه مكتوبة كلها بالذكر والدعاء إلى غيره بأحكم صنعة ، انتهى . وذكر مصحف عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه الذي كان في جامع قرطبة وصار إلى بني عبد المؤمن فقال : هو مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه ، مما خطه بيمينه ، وله عند أهل الأندلس شأن عظيم ، انتهى . وسنذكر فهي زيادة على هذا .
____________________
(1/563)

لدين الله وقد تقدم ذكره وهي من المدن الجليلة العظيمة القدر قال ابن الفرضي وغيره كان يعمل في جامعها حين شرع فيه من حذاق الفعلة كل يوم ألف نسمة منها ثلاثمائة بناء ومائتا نجار وخمسمائة من الأجراء وسائر الصنائع فاستتم بنيانه وإتقانه في مدة من ثمانية وأربعين يوما وجاء في غاية الإتقان من خمسة أبهاء عجيبة الصنعة وطوله من القبلة إلى الجوف - حاشا المقصورة - ثلاثون ذراعا وعرض البهو الأوسط من أبهائه من الشرق إلى الغرب ثلاثة عشر ذراعا وعرض كل بهو من الأربعة المكتنفة له اثنا عشر ذراعا وطول صحنه المكشوف من القبلة إلى الجوف ثلاثة وأربعون ذراعا وعرضه من الشرق إلى الغرب واحد وأربعون ذراعا وجميعه مفروش بالرخام الخمري وفي وسطه فوارة يجري فيها الماء فطول هذا المسجد أجمع من القبلة إلى الجوف - سوى المحراب - سبع وتسعون ذراعا وعرضه من الشرق إلى الغرب تسعة وخمسون ذراعا وطول صومعته في الهواء أربعون ذراعا وعرضها عشرة أذرع في مثلها
وأمر الناصر لدين الله باتخاذ منبر بديع لهذا المسجد فصنع في نهاية من الحسن ووضع في مكانه منه وحظرت حوله مقصورة عجيبة الصنعة وكان وضع هذا المنبر في مكانه من هذا المسجد عند إكماله يوم الخميس لسبع بقين من شعبان سنة تسع وعشرين وثلاثمائة
قال وفي صدر هذه السنة كمل للناصر بنيان القناة الغريبة الصنعة التي وجرى فيها الماء العذب من جبل قرطبة إلى قصر الناعورة غربي قرطبة في المناهر المهندسة وعلى الحنايا المعقودة يجري ماؤها بتدبير عجيب وصنعة محكمة إلى بركة عظيمة
____________________
(1/564)

أبهى منه فيما صور الملوك في غابر الدهر مطلي بذهب إبريز وعيناه جوهرتان لهما وميض شديد يجوز هذا الماء إلى عجز هذا الأسد فيمجه في تلك البركة من فيه فيبهر الناظر بحسنه وروعة منظره وثجاجة صبه فتسقى من مجاجه جنان هذا القصر على سعتها ويستفيض على ساحاته وجنباته ويمد النهر الأعظم بما فضل منه فكانت هذه القناة وبركتها والتمثال الذي يصب فيها من أعظم آثار الملوك في غابر الدهر لبعد مسافتها واختلاف مسالكها وفخامة بنيانها وسمو أبراجها التي يترقى الماء منها ويتصوب من أعاليها وكانت مدة العمل فيها من يوم ابتدئت من الجبل إلى أن وصلت - أعني القناة - إلى هذه البركة أربعة عشر شهرا وكان انطلاق الماء في هذه البركة الانطلاق الذي اتصل واستمر يوم الخميس غرة جمادى الآخرة من السنة وكانت للناصر في هذا اليوم بقصر الناعورة دعوة حسنة أفضل فيها على عامة أهل مملكته ووصل المهندسين والقوام بالعمل بصلات حسنة جزيلة
وأما مدينة الزهراء فاستمر العمل فيها من عام خمسة وعشرين وثلاثمائة إلى آخر دولة الناصر وابنه الحكم وذلك نحو من أربعين سنة
ولما فرغ من بناء مسجد الزهراء على ما وصف كانت أول جماعة صليت فيه صلاة المغرب من ليلة الجمعة لثمان بقين من شعبان وكان الإمام القاضي أبا عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي عيسى ومن الغد صلى الناصر فيه الجمعة وأول من خطيب به القاضي المذكور
ولما بنى الناصر قصر الزهراء المتناهي في الجلالة والفخامة أطبق الناس على أنه لم يبن مثله في الإسلام البتة وما دخل إليه قط أحد من سائر البلاد النائية والنحل المختلفة من ملك وارد ورسول وافد وتاجر
____________________
(1/565)

من الناس تكون المعرفة والفطنة إلا وكلهم قطع أنه لم ير له شبها بل لم يسمع به بل لم يتوهم كون مثله حتى إنه كان أعجب ما يؤمله القاطع إلى الأندلس في تلك العصور النظر إليه والتحدث عنه والأخبار عن هذا تتسع جدا والأدلة عليه تكثر ولو لم يكن فيه إلا السطح الممرد المشرف على الروضة المباهى بمجلس الذهب والقبة وعجيب ما تضمنه من إتقان الصنعة وفخامة الهمة وحسن المستشرف وبراعة الملبس والحلة ما بين مرمر مسنون وذهب موضون وعمد كأنما أفرغت في القوالب ونقوش كالرياض وبرك عظيمة محكمة الصنعة وحياض وتماثيل عجيبة الأشخاص لا تهتدي الأوهام إلى سبيل استقصاء التعبير عنها فسبحان الذي أقدر هذا المخلوق الضعيف على إبداعها واختراعها من أجزاء الأرض المنحلة كيما يري الغافلين عنه من عباده مثالا لما أعده لأهل السعادة في دار المقامة التي لا يتسلط عليها الفناء ولا تحتاج إلى الرم لا إله إلا هو المنفرد بالكرم
وذكر المؤرخ أبو مروان بن حيان صاحب الشرطة أن مباني قصر الزهراء اشتملت على أربعة آلاف سارية ما بين كبيرة وصغيرة حاملة ومحمولة ونيف هو ثنتا عشرة على ثلاثمائة سارية هو قال منها ما جلب من مدينة رومة ومنها ما أهداه صاحب القسطنطينية وأن مصاريع أبوابها صغارها وكبارها كانت تنيف على خمسة عشر ألف باب وكلها ملبسة بالحديد والنحاس المموه والله سبحانه أعلم فإنها كانت من أهول ما بناه الإنس وأجله خطرا وأعظمه شأنا انتهى
قلت فسر بعضهم ذلك النيف في كلامه بثلاث عشرة والله أعلم
____________________
(1/566)

وقال بعض من أرخ الأندلس كان عدد الفتيان بالزهراء ثلاثة عشر ألف فتى وسبعمائة وخمسين فتى ودخالتهم من اللحم في كل يوم - حاشا أنواع الطير والحوت - ثلاثة عشر ألف رطل وعدة النساء بقصر الزهراء الصغار والكبار وخدم الخدمة ستة آلاف وثلاثمائة امرأة وأربع عشرة انتهى
وقيل إن عدد الفتيان الصقالبة ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسون وجعل بعض مكان الخمسين سبعة وثمانين وقال آخر ستة آلاف صقلبي وسبعة وثمانون والمرتب من الخبز لحيتان بحيرة الزهراء اثنا عشر ألف خبزة كل يوم وينقع لها من الحمص الأسود ستة أقفزة كل يوم انتهى
ثم قال الأول وكان لهؤلاء من اللحم ثلاثة عشر ألف رطل تقسم من عشرة أرطال للشخص إلى ما دون ذلك سوى الدجاج والحجل وصنوف الطير وضروب الحيتان انتهى
وقال ابن حيان ألفيت بخط ابن دحون الفقيه قال مسلمة بن عبد الله العريف المهندس بدأ عبد الرحمن الناصر لدين الله بنيان الزهراء أول سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وكان مبلغ ما ينفق فيها كل يوم من الصخر المنحوت المنجور المعدل ستة آلاف صخرة سوى الصخر المصرف في التبليط فإنه لم يدخل في هذا العدد وكان يخدم في الزهراء كل يوم ألف وأربعمائة بغل وقيل أكثر منها أربعمائة زوامل الناصر لدين الله ومن دواب الأكرياء الراتبة للخدمة ألف بغل لكل بغل منها ثلاثة مثاقيل في الشهر يجب لها في الشهر
____________________
(1/567)

ثلاثة آلاف مثقال وكان يرد الزهراء من الجيار والجص في كل ثالث من الأيام ألف ومائة حمل وكان فيها حمامان واحد للقصر وثان للعامة وذكر بعض أهل الخدمة في الزهراء أنه قدر النفقة فيها في كل عام بثلاثمائة ألف دينار مدة خمسة وعشرين عاما التي بقيت من دولة الناصر من حين ابتدأها لأنه توفي سنة خمسين فحصل جميع الإنفاق فيها فكان مبلغه خمسة عشر بيت مال
قال وجلب إليها الرخام من قرطاجنة وإفريقية وتونس وكان الذين يجلبونه عبد الله بن يونس عريف البنائين وحسن وعلي بن جعفر الإسكندراني وكان الناصر يصلهم على كل رخامة صغيرة وكبيرة بعشرة دنانير انتهى
وقال بعض ثقات المؤرخين إنه كان يصلهم على كل رخامة صغيرة بثلاثة دنانير وعلى كل سارية بثمانية دنانير سجلماسية قيل وكان عدد السواري المجلوبة من إفريقية ألف سارية وثلاث عشرة سارية ومن بلاد الإفرنج تسع عشرة سارية وأهدى إليه ملك الروم مائة وأربعين سارية وسائرها من مقاطع الأندلس طركونة وغيرها فالرخام المجزع من رية والأبيض من غيرها والوردي والأخضر من إفريقية من كنيسة إسفاقس وأما الحوض المنقوش المذهب الغريب الشكل الغالي القيمة فجلبه إليه أحمد اليوناني من القسطنطينية مع ربيع الأسقف القادم من إيلياء وأما الحوض الصغير الأخضر المنقوش بتماثيل الإنسان فجلبه أحمد من الشام وقيل من القسطنطينية مع ربيع
____________________
(1/568)

أيضا وقالوا إنه لا قيمة له لفرط غرابته وجماله وحمل من مكان إلى مكان حتى وصل في البحر ونصبه الناصر في بيت المنام في المجلس الشرقي المعروف بالمؤنس وجعل عليه اثني عشر تمثالا من الذهب الأحمر مرصعة بالدر النفيس الغالي مما عمل بدار الصناعة بقرطبة صورة أسد بجانبه غزال إلى جانبه تمساح وفيما يقابله ثعبان وعقاب وفيل وفي المجنبتين حمامة وشاهين وطاووس ودجاجة وديك وحدأة ونسر وكل ذلك من ذهب مرصع بالجوهر النفيس ويخرج الماء من أفواهها وكان المتولي لهذا البنيان المذكور ابنه الحكم لم يتكل فيه الناصر على أمين غيره وكان يخبز في أيامه في كل يوم برسم حيتان البحيرات ثمانمائة خبزة وقيل أكثر إلى غير ذلك مما يطول تتبعه
قال وكان الناصر كما قدمنا قسم الجباية أثلاثا ثلث للجند وثلث للبناء وثلث مدخر وكانت جباية الأندلس يومئذ من الكور والقرى خمسة آلاف ألف وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار ومن السوق والمستخلص سبعمائة ألف وخمسة وستين ألف دينار وأما أخماس الغنائم العظيمة فلا يحصيها ديوان
وقد سبق هذا كله وإنما كررته لقول بعضهم إثر حكايته له ما صورته وقيل إن مبلغ تحصيل النفقة في بناء الزهراء مائة مدي من الدراهم القاسمية بكيل قرطبة وقيل إن مبلغ النفقة فيها بالكيل المذكور ثمانون مديا وسبعة أقفزة من الدراهم المذكورة واتصل بنيان الزهراء أيام الناصر خمسا وعشرين سنة شطر خلافته ثم اتصل بعد وفاته خلافة ابنه الحكم كلها وكانت خمسة عشر عاما وأشهرا فسبحان الباقي بعد فناء الخلق لا إله
____________________
(1/569)

بين الناصر ومنذر بن سعيد في شأن المباني بين المنذر
وقال ابن أصبغ الهمداني والفتح في المطمح كان الناصر كلفا بعمارة الأرض وإقامة معالمها وانبساط أمرها واستجلابها من أبعد بقاعها وتخليد الآثار الدالة على قوة الملك وعزة السلطان وعلو الهمة فأفضى به الإغراق في ذلك إلى أن ابتنى مدينة الزهراء البناء الشائع ذكره الذائع خبره المنتشر في الأرض خبره واستفرغ وسعه في تنميقها وإتقان قصورها وزخرفة مصانعها وانهمك في ذلك حتى عطل شهود الجمعة بالمسجد الجامع الذي اتخذه ثلاث جمع متواليات فأراد القاضي منذر أن يغض منه بما يتناوله من الموعظة بفصل الخطاب والحكمة والتذكر بالإنابة والرجوع فابتدأ في أول خطبته بقوله تعالى { أتبنون بكل ريع } إلى قوله تعالى { أم لم تكن من الواعظين } [ الشعراء ثم وصله بقوله فمتاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى وهي دار القرار ومكان الجزاء ومضى في ذم تشييد البنيان والاستغراق في زخرفته والإسراف في الإنفاق عليه بكل جزل وقول فصل قال الحاكي فجرى فيه طلقا وانتزع فيه قوله تعالى أفمن أسس بنيانه [ التوبة 109 ] إلى آخر الآية وأتى بما يشاكل المعنى من التخويف بالموت والتحذير من فجأته والدعاء إلى الزهد في هذه الدار الفانية والحض على اعتزالها والرفض لها والندب إلى الإعراض عنها والإقصار عن طلب اللذات ونهى النفس عن اتباع هواها فأسهب في ذلك كله وأضاف إليه من آي القرآن ما يطابقه وجلب من الحديث والأثر ما يشاكله
____________________
(1/570)

وخشعوا ورقوا واعترفوا وبكوا وضجوا ودعوا وأعلنوا التضرع إلى الله تعالى في التوبة والابتهال في المغفرة وأخذ خليفتهم من ذلك بأوفر حظ وقد علم أنه المقصود به فبكى وندم على ما سلف له من فرطه واستعاذ بالله من سخطه إلا أنه وجد على منذر لغلظ ما قرعه به فشكا ذلك لولده الحكم بعد انصراف منذر وقال والله لقد تعمدني منذر بخطبته وما عنى بها غيري فأسرف علي وأفرط في تقريعي ولم يحسن السياسة في وعظي فزعزع قلبي وكاد بعصاه يقرعني استشاط غيظا عليه فأقسم أن لا يصلي خلفه صلاة الجمعة خاصة فجعل يلتزم صلاتها وراء أحمد بن مطرف صاحب الصلاة بقرطبة ويجانب الصلاة بالزهراء وقال له الحكم فما الذي يمنعك من عزل منذر عن الصلاة بك والاستبدال بغيره منه إذ كرهته فزجره وانتهره وقال له أمثل منذر بن سعيد في فضله وخيره وعلمه لا أم لك يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد سالكة غير القصد هذا ما لا يكون وإني لأستحي من الله أن لا أجعل بيني وبينه في صلاة الجمعة شفيعا مثل منذر في ورعه وصدقه ولكنه أحرجني فأقسمت ولوددت أني أجد سبيلا إلى كفارة يميني بملكي بل يصلي بالناس حياته وحياتنا إن شاء الله تعالى فما أظننا نعتاض منه أبدا وقيل إن الحكم اعتذر عما قال منذر وقال يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح وما أراد إلا خيرا ولو رأى ما أنفقت وحسن تلك البنية لعذرك فأمر حينئذ الناصر بالقصور ففرشت وفرش ذلك المسجد بأصناف فرش الديباج وأمر بالأطعمة وقد أحضر العلماء وغيرهم من الأمراء وغص بهم المجلس فدخل منذر في آخرهم
____________________
(1/571)

فأومأ إليه الناصر أن يقعد بقربه فقال له يا أمير المؤمنين إنما يقعد الرجل حيث انتهى به المجلس ولا يتخطى الرقاب فجلس في آخر الناس وعليه ثياب رثة ثم ذكر هذا القائل بعد هذا كلاما من كلام المنذر يأتي قريبا
وقحط الناس آخر مدة الناصر فأمر القاضي منذر المذكور بالبروز إلى الاستسقاء بالناس فتأهب لذلك وصام بين يديه أياما ثلاثة تنفلا وإنابة ورهبة واجتمع له الناس في مصلى الربض بقرطبة بارزين إلى الله تعالى في جمع عظيم وصعد الخليفة الناصر في أعلى مصانعه المرتفعة من القصر ليشارف الناس ويشاركهم في الخروج إلى الله تعالى والضراعة له فأبطأ القاضي حتى اجتمع الناس وغصت بهم ساحة المصلى ثم خرج نحوهم ماشيا متضرعا مخبتا متخشعا وقام ليخطب فلما رأى بدار الناس إلى ارتقائه واستكانتهم من خيفة الله وإخباتهم له وابتهالهم إليه - رقت نفسه وغلبته عيناه فاستعبر وبكى حينا ثم افتتح خطبته بأن قال يا أيها الناس سلام عليكم ثم سكت ووقف شبه الحصر ولم يك من عادته فنظر الناس بعضهم إلى بعض لا يدرون ما عراه ولا ما أراد بقوله ثم اندفع تاليا قوله تعالى { كتب ربكم على نفسه الرحمة } إلى قوله تعالى رحيم [ الأنعام 54 ] ثم قال استغفروا ربكم إنه كان غفارا استغفروا ربكم ثم توبوا إليه وتزلفوا بالأعمال الصالحة لديه قال الحاكي فضج الناس بالبكاء وجأروا بالدعاء ومضى على تمام خطبته ففزع النفوس بوعظه وانبعث الإخلاص بتذكيره فلم ينقض النهار حتى أرسل الله السماء بماء منهمر روى الثرى وطرد المحل وسكن الأزل والله لطيف بعباده وكان لمنذر في خطب الاستسقاء استفتاح عجيب ومنه أن قال يوما - وقد سرح طرفه في ملأ الناس عندما شخصوا
____________________
(1/572)

إليه بأبصارهم فهتف بهم كالمنادي - يا أيها الناس وكررها عليهم مشيرا بيده في نواحيهم أنتم الفقراء إلى الله [ فاطر 15 ] إلى بعزيز فاشتد وجد الناس وانطلقت أعينهم بالبكاء ومضى في خطبته وقيل إن الخليفة الناصر طلبه مرة للاستسقاء واشتد عزمه عليه فتسابق الناس للمصلى فقال للرسول - وكان من خواص الناس - ليت شعري ما الذي يصنعه الخليفة سيدنا فقال له ما رأينا قط أخشع منه في يومنا هذا إنه منتبذ حائر منفرد بنفسه لابس أخس الثياب مفترش التراب وقد رمد به على رأسه وعلى لحيته وبكى واعترف بذنوبه وهو يقول هذه ناصيتي بيدك أتراك تعذب بي الرعية وأنت أحكم الحاكمين لن يفوتك شيء مني قال الحاكي فتهلل وجه القاضي منذر عندما سمع قوله وقال يا غلام احمل المطر معك فقد أذن الله تعالى بالسقيا إذا خشع جبار الأرض فقد رحم جبار السماء وكان كما قال فلم ينصرف الناس إلا عن السقيا وكان منذر شديد الصلابة في أحكامه والمهابة في أقضيته وقوة الحكومة والقيام بالحق في جميع ما يجري على يده لا يهاب في ذلك الأمير الأعظم فمن دونه وقال ابن الحسن النباهي وأصله في المطمح وغيره ومن أخبار منذر المحفوظة له مع الخليفة الناصر
____________________
(1/573)

اتخذ لسطح القبيبة المصغرة الاسم للخصوصية التي كانت مائلة على الصرح الممرد المشهور شأنه بقصر الزهراء قراميد ذهب وفضة أنفق اتخذ لسطح القبيبة المصغرة الاسم للخصوصية التي كانت مائلة على الصرح الممرد المشهور شأنه بقصر الزهراء قراميد مغشاة ذهبا وفضة أنفق عليها مالا جسيما وقرمد سقفها به وجعل سقفها صفراء فاقعة إلى بيضاء ناصعة تستلب الأبصار بأشعة نورها وجلس فيها إثر تمامها يوما لأهل مملكته فقال لقرابته ومن حضر من الوزراء وأهل الخدمة مفتخرا عليهم بما صنعه من ذلك مع ما يتصل به من البدائع الفتانة هل رأيتم أو سمعتم ملكا كان قبلي فعل مثل هذا أو قدر عليه فقالوا لا والله يا أمير المؤمنين وإنك لأوحد في شأنك كله وما سبقك إلى مبتدعاتك هذه ملك رأيناه ولا انتهى إلينا خبره فأبهجه قولهم وسره وبينما هو كذلك إذ دخل عليه القاضي منذر بن سعيد وهو ناكس الرأس فلما أخذ مجلسه قال له كالذي قال لوزرائه من ذكر السقف المذهب واقتداره على إبداعه فأقبلت دموع القاضي تنحدر على لحيته وقال له والله يا أمير المؤمنين ما ظننت أن الشيطان لعنه الله يبلغ منك هذا المبلغ ولا أن تمكنه من قيادك هذا التمكين مع ما آتاك الله من فضله ونعمته وفضلك به على العالمين حتى ينزلك منازل الكافرين قال فانفعل عبد الرحمن لقوله وقال له انظر ما تقول وكيف أنزلني منزلتهم قال نعم أليس الله تعالى يقول { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة } الآية فوجم الخليفة وأطرق مليا ودموعه تتساقط خشوعا لله تعالى قال الحاكي ثم أقبل على منذر وقال له جازاك الله يا قاضي عنا وعن نفسك خيرا وعن الدين والمسلمين أجل جزائه وكثر في الناس أمثالك فالذي قلت هو الحق وقام عن مجلسه ذلك وهو يستغفر الله تعالى وأمر بنقض سقف القبيبة وأعاد قرمدها ترابا على صفة غيرها انتهى ما حكاه ابن الحسن النباهي
____________________
(1/574)

ولنذكر هذه الحكاية وغيرها وإن خالف السياق ما سبق وهذا منقول من كلام الحجاري في المسهب في أخبار المغرب فإنه أتم فائدة إذ قال رحمه الله دخل منذر بن سعيد يوما على الناصر باني الزهراء وهو مكب على الاشتغال بالبنيان فوعظه فأنشده عبد الرحمن الناصر
( همم الملوك إذا أرادوا ذكرها ** من بعدهم فبألسن البنيان )
( أو ما ترى الهرمين قد بقيا وكم ** ملك محاه حوادث الأزمان )
( إن البناء إذا تعاظم شأنه ** أضحى يدل على عظيم الشان ) قال فما أدري أهذا شعره أم تمثل به فإن كان شعره فقد بلغ به إلى غاية الإحسان وإن كان تمثل به فقد استحقه بالتمثل به في هذا المكان وكان منذر يكثر تعنيته على البنيان ودخل عليه مرة وهو في قبة قد جعل قرمدها من ذهب وفضة واحتفل فيها احتفالا ظن أن أحدا من الملوك لم يصل إليه فقام خطيبا والمجلس قد غص بأرباب الدولة فتلا قوله تعالى { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون } الآية وأتبعها بما يليق بذلك فوجم الملك وأظهر الكآبة ولم يسعه إلا الاحتمال لمنذر بن سعيد لعظم قدره في علمه ودينه
وحضر معه يوما في الزهراء فقام الرئيس أبو عثمان بن إدريس فأنشد الناصر قصيدة منها
( سيشهد ما أبقيت أنك لم تكن ** مضيعا وقد مكنت للدين والدنيا )
( فبالجامع المعمور للعلم والتقى ** وبالزهرة الزهراء للملك والعليا )
____________________
(1/575)

فاهتز الناصر وابتهج وأطرق منذر بن سعيد ساعة ثم قام منشدا
( يا باني الزهراء مستغرقا ** أوقاته فيها أما تمهل )
( له ما أحسنها رونقا ** لو لم تكن زهرتها تذبل ) فقال الناصر إذا هب عليها نسيم التذكار والحنين وسقتها مدامع الخشوع يا أبا الحكم لا تذبل إن شاء الله تعالى فقال منذر اللهم اشهد أني قد بثثت ما عندي ولم آل نصحا انتهى
ولقد صدق القاضي منذر رحمه الله تعالى فيما قال فإنها ذبلت بعد ذلك في الفتنة وقلب ما كان فيها من منحة محنة وذلك عندما ولي الحجابة عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر الملقب بشنجول وتصرف في الدولة مثل ما تصرف أخوه المظفر وأبوهما المنصور فأساء التدبير ولم يميز بين القبيل والدبير فدس إلى المؤيد هشام بن الحكم من خوفه منه حتى ولاه عهده كما بينا نص العهد فيما سبق فأطبق الخاصة والعامة على بغضه وإضمار السوء له وذلك سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة فعند ذلك خرج عليه محمد بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر سنة تسع وتسعين وتلقب بالمهدي وخلع المؤيد وحبسه وأسلمت الجيوش شنجول فأخذ وأسر وقتل
قال ابن الرقيق ومن أعجب ما روي أنه من نصف نهار يوم الثلاثاء لأربع بقين من جمادى الآخرة إلى نصف نهار يوم الأربعاء فتحت قرطبة وهدمت الزهراء وخلع خليفة وهو المؤيد وولي خليفة وهو المهدي وزالت دولة بني عامر العظيمة وقتل وزيرهم محمد بن عسقلاجة وأقيمت جيوش من العامة ونكب خلق من الوزراء وولي الوزارة آخرون وكان ذلك كله على يد عشرة رجال فحامين وجزارين وزبالين وهم جند المهدي هذا انتهى
____________________
(1/576)

وقد تقدم بعض الكلام على المهدي هذا وهو الذي قيل فيه لما قام على الدولة
( قد قام مهدينا ولكن ** بملة الفسق والمجون )
( وشارك الناس في حريم ** لولاه ما زال بالمصون )
( من كان من قبل ذا أجما ** فاليوم قد صار ذا قرون )
ومن شعر المهدي هذا وقد حياه في مجلس شرابه غلام بقضيب آس
( أهديت شبه قوامك المياس ** غصنا رطيبا ناعما من آس )
( وكأنما يحكيك في حركاته ** وكأنما تحكيه في الأنفاس ) وقد ذكرنا فيما سبق في الفصل الثالث خبر المهدي هذا وقتله ولقد كان قيامه مشؤما على الدين والدنيا فإنه فاتح أبواب الفتنة بالأندلس وماحي معالمها حتى تفرقت الدولة وانتثر السلك وكثر الرؤساء وتطاول العدو إليها وأخذها شيئا فشيئا حتى محا اسم الإسلام منها أعادها الله تعالى حديث ابن خلدون عن الزهراء وقد ألم الوالي ابن خلدون في تاريخه بذكر الزهراء في جملة مباني الناصر فقال ما نصه ولما استفحل ملك الناصر صرف نظره إلى تشييد القصور والمباني وكان جده الأمير محمد وأبوه عبد الرحمن الأوسط وجده الحكم قد احتفلوا في ذلك وبنوا قصورهم على أكمل الإتقان والضخامة وكان فيها المجلس الزاهر
____________________
(1/577)

والبهو والكامل والمنيف فبنى هو إلى جانب الزاهر قصره العظيم وسماه دار الروضة وجلب الماء إلى قصورهم من الجبل واستدعى عرفاء المهندسين والبنائين من كل قطر فوفدوا عليه حتى من بغداد والقسطنطينية ثم أخذ في بناء المنتزهات فاتخذ منية الناعورة خارج القصور وساق لها الماء من أعلى الجبل على أبعد مسافة ثم اختط مدينة الزهراء واتخذها لنزله وكرسيا لملكه وأنشأ فيها من المباني والقصور والبساتين ما عفى على مبانيهم الأولى واتخذ فيها محلات للوحش فسيحة الفناء متباعدة السياج ومسارح للطيور مظللة بالشباك واتخذ فيها دورا لصناعة الآلات من آلات السلاح للحرب والحلى للزينة وغير ذلك من المهن وأمر بعمل الظلة على صحن الجامع بقرطبة وقاية للناس من حر الشمس انتهى وأما الزهرة فهي من مباني المنصور محمد بن أبي عامر
قال ابن خلدون في أثناء كلامه على المنصور ما صورته وابتنى لنفسه مدينة لنزله سماها الزاهرة ونقل إليها جزءا من الأموال والأسلحة انتهى الزاهرة وقال غيره وأظنه صاحب المطمح وفي سنة ثمان وستين وثلاثمائة أمر المنصور بن أبي عامر ببناء الزاهرة وذلك عندما واستفحل أمره واتقد جمره وظهر استبداده وكثر حساده وأنداده وخاف على نفسه في الدخول إلى قصر السلطان وخشي أن يقع في أشطان فتوثق لنفسه وكشف
____________________
(1/578)

له ما ستر عنه في أمسه من الاعتزاز عليه ورفع الاستناد إليه وسما إلى ما سمت إليه الملوك من اختراع قصر ينزل فيه ويحله بأهله وذويه ويضم إليه رياسته ويتم به تدبيره وسياسته ويجمع فيه فتيانه وغلمانه فارتاد موضع مدينته المعروفة بالزاهرة الموصوفة بالقصور الباهرة وأقامها بطرف البلد على نهر قرطبة الأعظم ونسق فيها كل اقتدار معجز ونظم وشرع في بنائها في هذه السنة المؤرخة وحشد الصناع والفعلة وجلب إليها الآلات الجليلة وسربلها بهاء يرد الأعين كليلة وتوسع في اختطاطها وتولع بانتشارها في البسيطة وانبساطها وبالغ في رفع أسوارها وثابر على تسوية أنجادها وأغوارها فاتسعت هذه المدينة في المدة القريبة وصار بناؤها من الأنباء الغريبة وبنى معظمها في عامين
وفي سنة سبعين وثلاثمائة انتقل المنصور إليها ونزلها بخاصته وعامته فتبوأها وشحنها بجميع أسلحته وأمواله وأمتعته واتخذ فيها الدواوين والأعمال وعمل في داخلها الأهراء وأطلق بساحتها الأرحاء ثم أقطع ما حولها لوزرائه وكتابه وقواده وحجابه فابتنوا بها كبار الدور وجليلات القصور واتخذوا خلالها المستغلات المفيدة والمنازة المشيدة وقامت بها الأسواق وكثرت فيها الأرفاق وتنافس الناس بالنزول بأكنافها والحلول بأطرافها للدنو من صاحب الدولة وتناهى الغلو في البناء حوله حتى اتصلت أرباضها بأرباض قرطبة وكثرت بحوزتها العمارة واستقرت في بحبوحتها الإمارة وأفرد الخليفة من كل شيء إلا من الاسم الخلافي وصير ذلك هو الرسم العافي ورتب فيها جلوس وزرائه ورؤوس أمرائه وندب إليها كل ذي خطه بخطته ونصب ببابها كرسي شرطته وأجلس عليها واليا على رسم كرسي الخليفة وفي صفة تلك المرتبة المنيفة وكتب إلى الأقطار بالأندلس والعدوة
____________________
(1/579)

بأن تحمل إلى مدينته تلك أموال الجبايات ويقصدها أصحاب الولايات وينتابها طلاب الحوائج وحذر أن يعوج عنها إلى باب الخليفة عائج فاقتضيت إليها اللبانات والأوطار وانحشد الناس إليها من جميع الأقطار وتم لمحمد بن أبي عامر ما أراد وانتظم بلبة أمانيه المراد وعطل قصر الخليفة من جميعه وصيره بمعزل من سامعه ومطيعه وسد باب قصره عليه وجد في خير ألا يصل إليه وجعل فيه ثقة من صنائعه يضبط القصر ويبسط فيه النهي والأمر ويشرف منه على كل داخل ويمنع ما يحذره من الدواخل ورتب عليه الحراس والبوابين والسمار والمنتابين يلازمون حراسة من فيه ليلا ونهارا ويراقبون حركاتهم سرا وجهارا وقد حجر على الخليفة كل تدبير ومنعه من تملك قبيل أو دبير وأقام الخليفة هشام مهجور الفناء معجوز الغناء خفي الذكر عليل الفكر مسدود الباب محجوب الشخص عن الأحباب لا يراه خاص ولا عام ولا يخاف منه بأس ولا يرجى منه إنعام ولا يعهد منه إلا الاسم السلطاني في السكة والدعوة وقد نسخه ولبس أبهته وطمس بهجته وأغنى الناس عنه وأزال أطماعهم منه وصيرهم لا يعرفونه وأمرهم أنهم لا يذكرونه واشتد ملك محمد بن أبي عامر منذ نزل قصر الزاهرة وتوسع مع الأيام في تشييد بنيتها حتى كملت أحسن كمال وجاءته في نهاية الجمال نقاوة بناء وسعة فناء واعتدال هواء رق أديمه وصقالة جو اعتل نسيمه ونضرة بستان وبهجة للنفوس فيها افتنان وفيها يقول صاعد اللغوي
( يا أيها الملك المنصور من يمن ** والمبتني نسبا غير الذي انتسبا )
____________________
(1/580)


( بغزوة في قلوب الشرك رائعة ** بين المنايا تناغي السمر والقضبا )
( أما ترى العين تجري فوق مرمرها ** هوى زهوا فتجري على أحفافها الطربا )
( أجريتها فطما الزاهي بجريتها ** كما طموت فسدت العجم والعربا )
( تخال فيه جنود الماء رافلة ** مستلئمات تريك الدرع واليلبا )
( تحفها من فنون الأيك زاهرة ** قد أورقت فضة إذ أورقت ذهبا )
( بديعة الملك ما ينفك ناظرها ** يتلو على السمع منها آية عجبا )
( لا يحسن الدهر أن ينشي لها مثلا ** ولو تعنت فيها نفسه طلبا ) المنية ودخل عليه ابن أبي الحباب في بعض قصوره من المنية المعروفة بالعامرية والروض قد تفتحت أنواره وتوشحت أنجاده وأغواره وتصرف فيها الدهر متواضعا ووقف بها السعد خاضعا فقال
( لا يوم كاليوم في أيامك الأول ** بالعامرية ذات الماء والظلل )
( هواؤها في جميع الدهر معتدل ** طيبا وإن حل فصل غير معتدل )
( ما إن يبالي الذي يحتل ساحتها ** بالسعد أن لا تحل الشمس بالحمل ) وما زالت هذه المدينة رائقة والسعود بلبتها متناسقة تراوحها الفتوح وتغاديها وتجلب إليها منكسرة أعاديها لا تزحف عنها راية إلا
____________________
(1/581)

إلى فتح ولا يصدر عنها تدبير إلا إلى نجح إلى أن حان يومها العصيب وقيض لها من المكروه أوفر نصيب فتولت فقيدة وخلت من بهجتها كل عقيدة انتهى
وقد حكى الحميدي في جذوة المقتبس هذه الحكاية الواقعة لابن أبي الحباب بزيادة فقال - بعد أن ذكر هذه المنية العامرية التي إلى جانب الزهراء - إن أبا المطرف بن أبي الحباب الشاعر دخل إلى المنصور في هذه المنية فوقف على روضة فيها ثلاث سوسنات ثنتان منها قد تفتحا وواحدة لم تفتح فقال
( لا يوم كاليوم في أيامنا الأول ** بالعامرية ذات الماء والظلل )
( هواؤها في جميع الدهر معتدل ** طيبا وإن حل فصل غير معتدل )
( ما إن يبالي الذي يحتل ساحتها ** بالسعد ألا تحل الشمس في الحمل )
( كأنما غرست في ساعة وبدا السوسان ** من حينه فيها على عجل )
( أبدت ثلاثا من السوسان مائلة ** أعناقهن من الإعياء والكسل )
( فبعض نوارها للبعض منفتح ** والبعض منغلق عنهن في شغل )
( كأنها راحة ضمت أناملها ** من بعدما ملئت من جودك الخضل )
( وأختها بسطت منها أناملها ** ترجو نداك كما عودتها فصل ) وقد ذكر ابن سعيد أن ابن العريف النحوي دخل على المنصور بن أبي عامر وعنده صاعد اللغوي البغدادي فأنشده وهو بالموضع المعروف بالعامرية من أبيات
( فالعامرية تزهى ** على جميع المباني
____________________
(1/582)

)
( وأنت فيها كسيف ** قد حل في غمدان ) فقام صاعد وكان مناقضا له فقال أسعد الله تعالى الحاجب الأجل ومكن سلطانه هذا الشعر الذي قاله قد أعده وروى فيه أقدر أن أقول أحسن منه ارتجالا فقال له المنصور قل ليظهر صدق دعواك فجعل يقول من غير فكرة طويلة
( يا أيها الحاجب المعتلي ** على كيوان )
( ومن به قد تناهى ** فخار كل يمان )
( العامرية أضحت ** كجنة الرضوان )
( فريدة لفريد ** ما بين أهل الزمان )
ثم مر في الشعر إلى أن قال في وصفها
( انظر إلى النهر فيها ** ينساب كالثعبان )
( والطير يخطب شكرا ** على ذرا الأغصان )
( والقضب تلتف سكرا ** بميس القضبان )
( والروض يفتر زهوا ** عن مبسم الأقحوان )
( والنرجس الغض يرنو ** بوجنة النعمان )
( وراحة الريح تمتار ** نفحة الريحان )
( فدم مدى الدهر فيها ** في غبطة وأمان ) فاستحسن المنصور ارتجاله وقال لابن العريف مالك فائدة في مناقضة
____________________
(1/583)

من هذا ارتجاله فكيف تكون رويته فقال ابن العريف إنما أنطقه وقرب عليه المأخذ إحسانك فقال له صاعد فيخرج من هذا أن قلة إحسانه لك أسكتتك وبعدت عليك المأخذ فضحك المنصور وقال غير هذه المنازعة أليق بأدبكما كثرة المنى قلت وقد ذكر مؤرخو الأندلس منى كثيرة بها منها منية الناعورة السابقة ومنية العامرية هذه ومنية السرور ومنية الزبير منسوبة إلى الزبير بن عمر الملثم ملك قرطبة قال أبو الحسن بن سعيد أخبرني أبي عن أبيه قال خرج معي إلى هذه المنية في زمان فتح نوار اللوز أبو بكر بن بقي الشاعر المشهور فجلسنا تحت سطر لوز قد نور فقال ابن بقي
( سطر من اللوز في البستان قابلني ** ما زاد شيء على شيء ولا نقصا )
( كأنما كل غصن كم جارية ** إذا النسيم ثنى أعطافه رقصا ) ثم قال
( عجبت لمن أبقى على خمر دنه ** غداة رأى لوز الحديقة نورا ) وذكر بعض مؤرخي الأندلس أن المنصور بن أبي عامر كان يزرع كل سنة ألف مدي من الشعير قصيلا لدوابه الخاصة به وأنه كان إذا قدم من غزوة من غزواته لا يحل عن نفسه حتى يدعو صاحب الخيل فيعلم ما مات منها وما عاش وصاحب الأبنية لما وهي من أسواره ومبانيه وقصوره ودوره
____________________
(1/584)

والحيتان وكان يصنع في كل عام اثني عشر ألف ترس عامرية لقصر الزاهرة والزهراء قال وابتنى على طريق المباهاة والفخامة مدينة الزاهرة ذات القصور والمنتزهات المخترعة كمنية السرور وغيرها من مناشئه البديعة انتهى رجع إلى المنصور وكان المنصور إذا أراد أمرا مهما شاور أرباب الدولة الأكابر من خدام الدولة الأموية فيشيرون عليه بالوجه الذي عرفوه وجرت الدولة الأموية عليه فيخالفهم
____________________
(1/585)

بالهلاك في الطريق الذي سلكه والمهيع الذي اخترعه فتسفر العاقبة عن السلامة التامة التي اقتضاها سعده فيكثرون التعجب من موارد أموره ومصادرها
وقيل له مرة إن فلانا مشؤوم فلا تستخدمه فقال أف لسعد لا يغطي على شؤمه فاستخدمه ولم ينله من شؤمه الذي جرت به العادة شيء
وحكي عنه أنه كان في قصره بالزاهرة فتأمل محاسنه ونظر إلى مياهه المطردة وأنصت لأطياره المغردة وملأ عينه من الذي حواه من حسن وجمال والتفت في الزاهرة من اليمين إلى الشمال فانحدرت دموعه وتجهم وقال ويها لك يا زاهرة فليت شعري من الخائن الذي يكون خرابك على يديه عن قريب فقال له بعض خاصته ما هذا الكلام الذي ما سمعناه من مولانا قط وما هذا الفكر الرديء الذي لا يليق بمثله شغل البال به فقال والله لترون ما قلت وكأني بمحاسن الزاهرة قد محيت وبرسومها قد غيرت وبمبانيها قد هدمت ونحيت وبخزائنها قد نهبت وبساحاتها قد أضرمت بنار الفتنة وألهبت قال الحاكي فلم يكن إلا أن توفي المنصور وتولى المظفر ولم تطل مدته فقام بالأمر أخوه عبد الرحمن الملقب بشنجول فقام عليه المهدي والعامة وكانت منهم عليه وعلى قومه الطامة وانقرضت دولة آل عامر ولم يبق منهم آمر
( كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ** أنيس ولم يسمر بمكة سامر )
( بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ** صروف الليالي والجدود العواثر ) وخربت الزاهرة وذهبت كأمس الدابر وخلت منها الدسوت الملوكية
____________________
(1/589)

المهدي المذكور فسلطه الله تعالى على كل ما أسسه المنصور حتى هدمه وأخر كل ما قدمه ولم ينفع في ذلك احتياط ولا حزم ولا راد للقضاء المبرم الجزم
( والله يحكم ما يشاء ** فلا تكن متعرضا ) طرف من أخبار المنصور وقد قدمنا شيئا من أخبار المنصور ولا بأس أن نلم هنا ببعضها وإن حصل منه نوع تكرار في نبذة منها لارتباط الكلام بعضه ببعض قال بعض المحققين من المؤرخين حجر المنصور بن أبي عامر على هشام المؤيد بحيث لم يره أحد منذ ولي الحجابة وربما أركبه بعد سنين وجعل عليه برنسا وعلى جواريه مثل ذلك فلا يعرف منهن ويأمر من ينحي الناس من طريقه حتى ينتهي المؤيد إلى موضع تنزهه ثم يعود غير أنه أركبه بأبهة الخلافة في بعض الأيام لغرض له كما ألمعنا به فيما سبق وكان المنصور إذا سافر وكل بالمؤيد من يفعل معه ذلك فكان هذا من فعله سببا لانقطاع ملك بني أمية من الأندلس وأخذ مع ذلك في قتل من يخشى منه من بني أمية خوفا أن يثوروا به ويظهر أنه يفعل ذلك شفقة على المؤيد حتى أفنى من يصلح منهم للولاية ثم فرق باقيهم في البلاد وأدخلهم زوايا الخمول عارين من الطراف والتلاد وربما سكن بعضهم البادية وترك مجلس الأبهة وناديه حتى قال بعض من ينقم على المنصور ذلك الفعل من قصيدة
( أبني أمية أين أقمار الدجى ** منكم وأين نجومها والكوكب
( غابت أسود منكم عن غابها ** فلذاك حاز الملك هذا الثعلب ) مع أن للمنصور مفاخر بذ بها الأوائل والأواخر من المثابرة على جهاد
____________________
(1/591)

العدو وتكرار الذهاب بنفسه في الرواح والغدو وله مع المصحفي وغيره أخبار مرت ويأتي بعضها ولا بأس أن نلخص ترجمة المصحفي فنقول رسالة ابن عبد البر إلى المنصور الصغير وقد تذكرت هنا والحديث شجون وبذكر المناسبات يبلغ الطلاب ما يرجون كتابا كتبه الأديب الكاتب أبو محمد ابن الإمام الحافظ محدث
____________________
(1/592)

] صفراء تطرق في الزجاج فإن سرت في الجسم دبت مثل صل لادغ خفيت على شرابها فكأنما يجدون ريا من إناء فارغ وله [ السريع ] يا ذا الذي أودعني سره لا ترج أن تسمعه مني لم أجره بعدك في خاطري كأنه ما مر في أذني وأنشد له صاحب بدائع التشبيهات [ الطويل ] سألت نجوم الليل هل ينقضي الدجى فخطت جوابا بالثريا كخط لا
____________________
(1/594)

الأندلس أبي عمر بن عبد البر النميري إلى المنصور بن أبي عامر وهو من ذرية المنصور الكبير الذي كنا نتحدث في أخباره يمت إليه بسلفه ومعاملتهم لمن تقدم من آبائه بتعظيم قدره وإكباره وهو عمر الله ببقاء سيدي ذي السابقتين بهجة أوطانه وملكه عنان زمانه ومد عليه ظلال أمانه
____________________
(1/598)

أو يخلي أفقي من أنوارك فأراني منخرطا في غير سلكه ومنحطا إلى غير ملكه لا جرم أنه من استضاء بالهلال غني عن الذبال ومن استنار بالصباح ألقى سنا المصباح وتالله ما هزت آمالي ذوائبها إلى سواك ولا حدت أوطاري ركائبها إلى من مداك ليكون في أثر الوسمي في الماحل وعلي جمال الحلي على العاطل لسيادتك السنية ورياستك الأولية التي يقصر عنها لسان إفصاحي ويعيا في بعضها بياني وإيضاحي فالقراطيس عند بث مناقبك تفنى والأقلام في رسم مآثرك تخفى وما أمل المجدب في
____________________
(1/599)

ليهنكم مجد تليد بنيتم أغار سناه في البلاد وأنجدا ومثله أبقاه الله سبحانه يستثمر إيراقه فيثمر جناه ويستمطر إبراقه فيمطر حياه لا سيما وإني نشأة حفها إحسان أوائلك الطاهرين وألفها إنعام أكابرك الأخيار الطيبين وجدير بقبولك وإقبالك وبرك وإجمالك من أصله ثابت في أهل محبتكم وفرعه نابت في خاصتكم [ الطويل ] وما رغبتي في عسجد أستفيده ولكنها في مفخر أستجده فكل نوال كان أو هو كائن فلحظة طرف منك عندي نده فكن في اصطناعي محسنا كمجرب يبن لك تقريب الجواد وشده إذا كنت في شك من السيف فابله فإما تنافيه وإما تعده وما الصارم الهندي إلا كغيره إذا لم يفارقه النجاد وغمده ولا بأس أن يتطول مولاي بغرس الصنيعة في أزكى الترب
____________________
(1/600)

يعني بالخليفة هشاما المؤيد لكونه كان صغيرا وأمه صبح البشكنشية كان الأعداء يتهمون بها المنصور وذلك بهتان وزور وأفظع منه رميهم القاضي بالفجور والله عالم بسرائر الأمور ونعوذ بالله من ألسنة الشعراء الذين لا يراعون إلا ولا ذمة ويطلقون ألسنتهم في العلماء والأئمة [ الطويل ] وأظلم أهل الأرض من كان حاسدا لمن بات في نعمائه يتقلب جدير بأن لا يدرك ما يؤمل ويتطلب لأنه يعترض على الله سبحانه في أحكامه نعوذ بالله من شر أنفسنا ومن شر كل ذي شر بجاه نبينا عليه أزكى صلوات الله وأفضل سلامه وقد قدمنا أن المنصور بن أبي عامر كان أولا يخدم جعفر بن عثمان المصحفي مدبر مملكة هشام المؤيد ويريه النصيحة وأنه ما زال يستجلب القلوب بجوده وحسن خلقه والمصحفي ينفرها ببخله وسوء خلقه إلى أن كان من أمره ما كان فاستولى على الحجابة وسجن المصحفي وفي ذلك يقول المصحفي [ الطويل ] غرست قضيبا خلته عود كرمة وكنت عليه في الحوادث قيما وأكرمه دهري فيزداد خبثه ولو كان من أصل كريم تكرما ولما يئس المصحفي من عفو المنصور قال [ الكامل ] لي مدة لا بد أبلغها فإذا انقضت أيامها مت لو قابلتني الأسد ضارية والموت لم يقرب لما خفت فانظر إلي وكن على حذر في مثل حالك أمس قد كنت ومن أحسن ما نعى به نفسه قوله حسبما تقدم [ الطويل ] صبرت على الأيام حتى تولت
____________________
(1/603)

] صبرت على الأيام حتى تولت وألزمت نفسي صبرها فاستمرت فوا عجبا للقلب
____________________
(1/604)

وكنت أرى أني بآخر ليلتي فأطرق حتى خلته عاد أولا وما عن هوى سامرتها غير أنني أنافسها المجرى إلى طرق العلا مآل مصحف عثمان الذي كان بالأندلس 114 مآل مصحف عثمان الذي كان بالأندلس رجع - وكان كما تقدم بقرطبة المصحف العثماني وهو متداول بين أهل الأندلس قالوا ثم آل أمره إلى الموحدين ثم إلى بني مرين قال الخطيب بن مرزوق في كتابه المسند الصحيح الحسن ما ملخصه وكان السلطان أبو الحسن لا يسافر موضعا إلا ومعه المصحف الكريم العثماني وله عند أهل الأندلس
____________________
(1/605)

نقل من الأندلس فألفيت خطهما سواء وما توهمو أنه خطه بيمينه فليس بصحيح فلم يخط عثمان واحدا منها وإنما جمع عليها بعضا من الصحابة كما هو مكتوب على ظهر المدني ونص ما على ظهره هذا ما أجمع عليه جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاصي وذكر العدد الذي جمعه عثمان رضي الله تعالى عنه من الصحابة رضي الله تعالى عنهم على كتب المصحف انتهى
واعتنى به عبد المؤمن بن علي ولم يزل الموحدون يحملونه في أسفارهم
____________________
(1/606)

المؤمنين المنصور بتحلية المصحف [ الطويل ] ونفلته من كل ملك ذخيرة كأنهم كانوا برسم مكاسبه فإن ورث الأملاك شرقا ومغربا فكم قد أخلوا جاهلين بواجبه وكيف يفوت النصر جيشا جعلته أمام قناه في الوغى وقواضبه وألبسته الياقوت والدر
____________________
(1/607)

وتراءى مع نفسه المطمئنة المرضية وسجاياه الحسنة الرضية في معنى اجتلابه من مدينة قرطبة محل مثواه القديم ووطنه الموصل بحرمته للتقديم فتوقع أن يتأذى أهل ذلك القطر بفراقه ويستوحشوا لفقدان إضاءته في أفقهم وإشراقه فتوقف عن ذلك لما جبل عليه من رحمته وإشفاقه فأوصله الله إليه تحفة سنية وهدية هنية وتحية من عنده مباركة زكية دون أن يكدرها من البشر اكتساب أو يتقدمها استدعاء أو اجتلاب بل أوقع الله سبحانه وتعالى في نفوس أهل ذلك القطر من الفرح بإرساله إلى مستحقه والتبرع به إلى القائم إلى الله تعالى بحقه ما اطلع بالمشاهدة والتواتر على صحته وصدقه وعضدت مخايل برقه سواكب ودقه وكان ذلك من كرامات سيدنا ومولانا الخليفة معدودا وإلى أمره الذي هو أمر الله مردودا وجمع عند ذلك بحضرة مراكش - حرسها الله تعالى - سائر الأبناء الكرام والسادة الأعلام بدور الآفاق وكواكب الإشراق وأهل الاستئهال للمقامات الرفيعة وذوو الاستحقاق فانتظم عند ذلك هذا القصيد مشيرا إلى اجتماع هذه الدراري الزاهرة والتئام خطوطها على مركز الدائرة ووصول المتقدم ذكره المشهور في جميع المعمور أمره وهو هذا [ الطويل ] دراري من نور
____________________
(1/608)

تشب بهم ناران للحرب والقرى ويجري بهم سيلان جيش وعسجد ويستمطرون البرق والبرق عندهم سيوف على أفق العداة تجرد إذا من سجف الساريات مضاؤها فماذا الذي يغني الحديد المسرد ويسترشدون النجم والنجم عندهم نصول إلى حب القلوب تسدد تزاحم في جو السماء كأنما عواملها في الأفق صرح ممرد تخازر ألحاظ الكواكب دونها ويفرق منها المرزمان وفرقد ألم ترها في الأفق خافقة الحشا كما تطرف العينان والقلب يزأد وليس احمرار الفجر من أثر السنى ولكنه ذاك النجيع المورد وما انبسطت كف الثريا فدافعت ولكنها في الحرب شلو مقدد وحط سهيلا ذعره عن سميه فأضحى على أفق البسيطة يرعد ولما رأى نسر وقوع أليفه تطاير من خوف فما زال يجهد مواقع أمر الله في كل حالة يكاد لها رأس الثرى يتميد أهاب بأقصى الخافقين فنظمت وهيب جمع المخفقين فبددوا وأضفى على الدنيا ملابس رحمة نضارتها في كل حين تجدد وأخضل أرجاء الربا فكأنما عليها من النبت النضير زبرجد فمن طرب ما أصبح البرق باسما ومن فرح ما أضحت المزن ترعد وغنى على أفنان كل أراكة غذاها حيا النعمى حمام مغرد وكبر ذو نطق وسبح صامت وكاد به المعدوم يحيا ويوجد وأبرز للأذهان
____________________
(1/609)

بعزمة شيحان الفؤاد مصمم يقوم به أقصى الوجود ويقعد مشيئته ما شاءه الله إنه إذا هم فالحكم الإلهي يسعد كتائبه مشفوعة بملائك ترادفها في كل حال وترفد وما ذاك إلا نية خلصت له فليس له فيما سوى الله مقصد إذا خطبت راياته وسط محفل ترى قمم الأعداء في الترب تسجد وإن نطقت بالفصل فيهم سيوفه أقر بأمر الله من كان يجحد معيد علوم الدين بعد ارتفاعها ومبدي علوم لم تكن قبل تعهد وباسط أنوار الهداية في الورى وقد ضم قرص الشمس في الغرب ملحد وقد كان ضوء الشمس عند طلوعها يغان بأكنان الضلال ويغمد فما زال يجلو عن مطالعها الصدا ويبرزها بيضاء والجو أسود جزى الله عن هذا الأنام خليفة به شربوا ماء الحياة فخلدوا وحياه ما دامت محاسن ذكره على مدرج الأيام تتلى وتنشد لمصحف عثمان الشهيد وجمعه تبين أن الحق بالحق يعضد تحامته أيدي الروم بعد انتسافه وقد كاد لولا سعده يتبدد فما هو إلا أن تمرس صارخ بدعوته العليا فصين المبدد وجاء ولي الثأر يرغب نصره فلباه
____________________
(1/610)

مشاعرها الأجسام والروح أمركم ومنكم لها يرضى المقام المخلد فلله حج واعتمار وزورة أتتنا ولم يبرحك بالغرب مشهد ولله سبع نيرات تقارنت بها فئة الإسلام تحمى وتسعد إذا لم يكن إلا فناءك عصمة فماذا الذي يرجو القصي المبعد فدم للورى غيثا وعزا ورحمة فقربك في الدارين منج ومسعد وزادت بك الأعياد حسنا وبهجة كأنك للأعياد زي مجدد ولا زلت للأيام تبلي جديدها وعمرك في ريعانه ليس ينفد ثم إنهم أدام الله سبحانه تأييدهم ووصل سعودهم لما أرادوا من المبالغة في تعظيم المصحف المذكور واستخدام البواطن والظواهر فيما يجب له من التوقير والتعزير شرعوا في انتخاب كسوته وأخذوا في اختيار حليته وتأنقوا في استعمال أحفظته وبالغوا في استجادة أصونته فحشروا له الصناع المتقنين والمهرة المتفننين ممن كان بحضرتهم العلية أو سائر بلادهم القريبة والقصية فاجتمع لذلك حذاق كل صناعة ومهرة كل طائفة
____________________
(1/611)

تترقى فوق معارجهم وتتخلص كالشهاب الثاقب وراء موالجهم وتنيف على ما ظنوه الغاية القصوى من لطيف مدارجهم فسلكوا من عمل هذه الأمثلة كل شعب ورأبوا من منتشرها كل شعب وأشرفوا عند تحقيقها وإبراز دقيقها على كل صعب فكانت منهم وقفة كادت لها النفس تيأس عن مطلبها والخواطر تكر راجعة عن خفي مذهبها حتى أطلع الله خليفته في خلقه وأمينه المرتضى لإقامة حقه على وجه انقادات فيه تلك الحركات بعد اعتياصها وتخلصت أشكالها عن الاعتراض على أحسن وجوه خرصها ألقوا ذلك - أيدهم الله بنصره وأمدهم بمعونته ويسره - إلى المهندسين والصناع فقبلوه أحسن القبول وتصوروه بأذهانهم فرأوه على مطابقة المأمول فوقفهم حسن تنبيهه مما جهلوه على طور غريب من موجبات التعظيم وعلموا أن الفضل لله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وسيأتي بعد هذا إشارة إلى تفصيل تلك الحركات المستغربة والأشكال المونقة
____________________
(1/612)

واتقاده وأشبهه الروض المزخرف غب سماء أقلعت عن إمداده وأتى هذا الصوان الموصوف رائق المنظر آخذا بمجامع القلب والبصر مستوليا بصورته الغريبة على جميع الصور يدهش العقول بهاء ويحير الألباب رواء ويكاد يعشي الناظر تألقا وضياء فحين تمت خصاله واستركبت أوصاله وحان ارتباطه بالمصحف العظيم واتصاله رأوا - أدام الله تأييدهم وأعلى كلمتهم - مما رزقهم الله تعالى من ملاحظة الجهات والإشراف على جميع الثنيات أن يتلطف في وجه يكون به هذا الصوان المذكور
____________________
(1/613)

والصدور على محفوظ أفكارها مكعب الشكل سام في الطول حسن الجملة والتفصيل
____________________
(1/614)

الله تعالى - فبدئ ببنائه وتأسيس قبلته في العشر الأول من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة وكمل منتصف شعبان المكرم من العام المذكور على أكمل الوجوه وأغرب الصنائع وأفسح المساحة وأبعد البناء والنجارة وفيه من شمسيات الزجاج ودرجات المنبر والمقصورة ما لو عمل في السنين العديدة لاستغرب تمامه فكيف في هذا الأمد اليسير الذي لم يتخيل أحد من الصناع أن يتم فيه فضلا عن بنائه وصليت فيه صلاة الجمعة منتصف شعبان المذكور ونهضوا - أدام الله سبحانه تأييدهم - عقب ذلك لزيادة البقعة المكرمة والروضة المعظمة بمدينة تينملل أدام الله رفعتها فأقاموا بها بقية شعبان المكرم وأكثر شهر رمضان المعظم وحملوا في صحبتهم المصحف العزيز ومعه مصحف الإمام المهدي المعلوم رضي الله تعالى عنه في التابوت الموصوف إذ كان قد صنع له غرفة في أعلاه وأحكمت فيه إحكاما كمل به معناه واجتمع في مشكاته فعاد النور إلى مبتداه وختم القرآن العزيز في مسجد الإمام المعلوم
____________________
(1/615)

] أستودع الله أهل قرطبة حيث وجدت الحياء والكرما والجامع الأعظم العتيق ولا زال مدى الدهر مأمنا حرما وقال أبو الربيع بن سالم حدثني بذلك أبو الحسن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري قال أنشدني أبو محمد بن عطية لنفسه فذكرهما بعد أن قال إنه لما أزمع القاضي أبو محمد بن عطية الارتحال عن قرطبة قصد المسجد الجامع وأنشدني البيتين انتهى وقال ابن عطية أيضا رحمه الله تعالى [ البسيط ] بأربع فاقت الأمصار قرطبة وهن قنطرة الوادي وجامعها هاتان ثنتان والزهراء ثالثة والعلم أكبر شيء وهو رابعها وقد تقدم إنشادنا لهذين البيتين من غير نسبتهما لأحد من أخبار الوزير أبي المغيرة بن حزم 124 من أخبار الوزير أبي المغيرة بن حزم ومما يدخل في أخبار الزاهرة من غير ما قدمناه ما حكاه عن نفسه الوزير
____________________
(1/616)

الكاتب أبو المغيرة بن حزم قال نادمت يوما المنصور بن أبي عامر في منية السرور بالزاهرة ذات الحسن النضير وهي جامعة بين روضة وغدير فلما تضمخ النهار
____________________
(1/617)

القلب فكرة فتكلم الحب على لساني وبرح الشوق بكتماني والعفو مضمون لديك عند المقدرة والصفح معلوم منك عند المعذرة ثم بكت فكأن دمعها در تناثر من عقد أو طل تساقط من ورد وأنشدت أذنبت ذنبا عظيما فكيف منه اعتذاري والله قدر هذا
____________________
(1/618)

الرشيد ما هذا ضعي الإبريق من يدك ففعلت فقال لها والله لئن لم تصدقيني لأقتلنك فقالت يا سيدي أشار إلي كأنه يقبلني فأنكرت ذلك عليه فالتفت إلى المأمون فنظر إليه كأنه ميت لما داخله من الجزع والخجل فرحمه وضمه إليه وقال يا عبد
____________________
(1/619)

ترجمة الوزير أبي المغيرة بن حزم وأبو المغيرة بن حزم قال في حقه في المطمح
____________________
(1/620)

ما أنصفت في جنب توضح إذ قرت ضيف الوداد بلابلا وشجونا أضحى الغرام قطين ربع فؤاده إذ لم يجد بالرقمتين قطينا وله [ المنسرح ] لما رأيت الهلال منطويا في غرة الفجر قارن الزهره شبهته والعيان يشهد لي بصولجان انثنى لضرب كره ترجمة أبي عامر بن شهيد 127 ترجمة أبي عامر بن شهيد وأبو عامر بن شهيد المذكور قال
____________________
(1/621)

إن الكريم إذا نابته مخمصة أبدى إلى الناس ريا وهو ظمآن يحني الضلوع على مثل اللظى حرقا والوجه غمر بماء البشر ريان وهو مأخوذ من قول الرضي [ الكامل ] ما إن رأيت كمعشر صبروا عزا على الأزلات والأزم بسطوا الوجوه وبين أضلعهم حر الجوى ومآلم الكلم وله أيضا [ البسيط ] كلفت بالحب حتى لو دنا أجلي لما وجدت لطعم الموت من ألم كلا الندى والهوى قدما ولعت به ويلي من الحب أو ويلي من الكرم وأخبرني الوزير أبو الحسين بن سراج - وهو بمنزل ابن شهيد - وكان من البلاغة في مدى غاية البيان ومن الفصاحة في أعلى مراتب التبيان وكنا نحضر مجلس شرابه
____________________
(1/622)

ذنبها وهي متنقبة خائفة ممن يرقبها مترقبة وأمامها طفل لها كأنه غصن آس أو ظبي يمرح في كناس فلما وقعت عينها على أبي عامر ولت سريعة وتولت مروعة خيفة أن يشبب بها أو يشهرها باسمها فلما نظرها قال قولا فضحها به وشهرها [ المتقارب ] وناظرة تحت طي القناع دعاها إلى الله بالخير داعي سعت خفية تبتغي منزلا لوصل التبتل والانقطاع فجاءت تهادى كمثل الرؤوم تراعي غزالا بروض اليفاع وجالت بموضعنا جولة فحل الربيع بتلك البقاع أتتنا تبختر في مشيها فحلت بواد كثير السباع وريعت حذارا على طفلها فناديت يا هذه لا تراعي غزالك تفرق منه الليوث وتفزع منه كماة المصاع فولت وللمسك في ذيلها على الأرض خط كظهر الشجاع انتهى المقصود منه استيلاء المعتمد بن عباد على قرطبة 129 استيلاء المعتمد بن عباد على قرطبة رجع - ومما
____________________
(1/623)

الوزراء والكتاب بالزهراء في يوم قد غفل عنه الدهر فلم يرمقه بطرف ولم يطرقه بصرف أرخت به المسرات عهدها وأبرزت له الأماني خدها ونهدها وأرشفت فيه لماها وأباحت للزائرين حماها وما زالوا ينتقلون من قصر إلى قصر ويبتذلون الغصون بجنى وهصر ويتوقلون في تلك الغرفات ويتعاطون الكؤوس بين تلك الشرفات حتى استقروا بالروض من بعد ما قضوا من تلك الآثار أوطارا ووفروا بالاعتبار قطارا فحلوا منها في درانك ربيع مفوفة بالأزهار مطرزة بالجداول والأنهار والغصون تختال في أدواحها وتتثنى في أكف أرواحها وآثار الديار قد أشرفت عليهم كثكالى ينحن على خرابها وانقراض أترابها وأطرابها والوهى بمشيدها لاعب وعلى كل جدار غراب ناعب وقد محت الحوادث ضياءها وقلصت ظلالها وأفياءها وطالما أشرقت بالخلائف وابتهجت وفاحت من شذاهم وتأرجت أيام نزلوا خلالها وتفيؤوا ظلالها وعمروا حدائقها وجناتها ونبهوا الآمال من سناتها وراعوا الليوث في آجامها وأخجلوا الغيوث عند انسجامها فأضحت ولها بالتداعي تلفع واعتجار ولم يبق من آثارها إلا نؤي وأحجار قد وهت قبابها وهرم شبابها وقد يلين الحديد ويبلى على طيه الجديد فبينما هم يتعاطونها صغارا وكبارا ويديرونها أنسا واعتبارا إذا برسول المعتمد قد وافاهم برقعة
____________________
(1/624)

قد طلعتم بها شموسا صباحا فاطلعوا عندنا بدورا مساء فساروا إلى قصر البستان بباب العطارين فألفوا مجلسا قد حار فيه الوصف واحتشد فيه اللهو والقصف وتوقدت نجوم مدامه وتأودت قدود خدامه وأربى على الخورنق والسدير وأبدى صفحة البدر من أزرار المدير فأقاموا ليلتهم ما عراهم نوم ولا عداهم من طيب اللذات سوم وكانت قرطبة منتهى أمله وكان روم أمرها أشهى عمله وما زال يخطبها بمداخلة أهليها ومواصلة واليها إذ لم يكن في منازلتها قائد ولم يكن لها إلا حيل ومكايد لاستمساكهم بدعوة خلفائها وأنفتهم من طموس رسوم الخلافة وعفائها وحين اتفق له تملكها وأطلعه فلكها وحصل في قطب دائرتها ووصل إلى تدبير رياستها وإدارتها قال [ البسيط ] من للملوك بشأو الأصيد البطل هيهات جاءتكم مهدية الدول خطبت قرطبة الحسناء إذ منعت من جاء يخطبها بالبيض والأسل وكم غدت عاطلا حتى عرضت لها فأصبحت في سري الحلي والحلل عرس الملوك لنا في قصرها عرس كل الملوك بها في مأتم الوجل فراقبوا عن قريب لا أبا لكم هجوم ليث بدرع البأس مشتمل ولما انتظمت في سلكه واتسمت بملكه أعطى ابنه الظافر زمامها وولاه نقضها وإبرامها فأفاض فيها نداه وزاد على أمده ومداه وجملها بكثرة حبائه واستقل بأعبائها على فتائه ولم يزل فيها آمرا
____________________
(1/625)

وهيهات كم من ملك كفنوه في دمائه ودفنوه بذمائه وكم من عرش ثلوه وكم من عزيز ملك أذلوه إلى أن ثار فيها ابن عكاشة ليلا وجر إليها حربا وويلا فبرز الظافر منفردا عن كماته عاريا من حماته وسيفه في يمينه وهاديه في الظلماء نور جبينه فإنه كان غلاما قد بلله الشباب بأندائه وألحفه الحسن بردائه فدافعهم أكثر ليله وقد منع منه تلاحق رجله وخيله حتى أمكنتهم منه عثرة لم يقل لها لعا ولا استقال منها ولا سعى فترك ملتحفا في الظلماء تحت نجوم السماء معفرا في وسط أكماء تحرسه الكواكب بعد المواكب ويستره الحندس بعد السندس فمر بمصرعه سحرا أحد أئمة الجامع المغلسين فرآه وقد ذهب ما كان عليه ومضى وهو أعرى من الحسام المنتضى فخلع رداءه عن منكبيه ونضاه وستره به سترا أقنع المجد به وأرضاه وأصبح لا يعلم رب تلك الصنيعة ولا يعرف فتشكر له يده الرفيعة فكان المعتمد إذا تذكر صرعته وسعر الحزن لوعته رفع بالعويل نداءه وأنشد ولم أدر من ألقى عليه رداءه ولما كان من الغد حز رأسه ورفع على سن رمح وهو يشرق كنار على علم ويرشق نفس كل ناظر بألم فلما رمقته الأبصار وتحققته الحماة والأنصار رموا أسلحتهم وسووا للفرار
____________________
(1/626)

ثاره ونصب الحبائل لوقوع ابن عكاشة وعثاره وعدل عن تأبينه إلى البحث عن مفرقه وجبينه فلم تحفظ له فيه قافية ولا كلمة للوعته شافية إلا إشارته إليه في تأبين أخويه المأمون والراضي المقتولين في أول النائرة والفتنة الثائرة انتهى وقد رأيت أن أزيد على ما تقدم - مما قصدت جلبه في هذا الموضع - نبذة من كلام الفتح في ذكر منتزهات قرطبة وغيرها من بلاد الأندلس ووصف مجالس الأنس التي كانت بها مما تنشرح له الأنفس ووقع ذكر غير قرطبة والزهراء لهما تبعا ولا يخلو ذلك من عبرة بحال من جعل في اللهو مصيفا ومرتبعا ثم طواه الدهر طي السجل ومحا آثاره التي كانت تسمو وتجل وما قصدنا علم الله غير الاعتبار بهذه الأخبار لا الحث على الحرام وتسهيل القصد إليه والمرام والأعمال بالنيات والله سبحانه كفيل بفضله وكرمه ببلوغ الأمنيات وتعويضنا عن هذه النعم الفانيات بالنعم الباقيات السنيات وصف المتنزهات من موشحة ابن الوكيل 135 وصف المتنزهات من موشحة ابن الوكيل ومن أغرب ماوقفت عليه موشحة لابن الوكيل دخل فيها على أعجاز نونية ابن زيدون وهي غدا منادينا محكما فينا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا بحر الهوى يغرق من فيه جهده عام وناره تحرق من هم أو قد هام وربما يقلق فتى عليه نام قد غير الأجسام
____________________
(1/627)

وعند ما قد جاد بالوصل أو قد كاد أضحى التنائي بديلا من تدانينا بحق ما بيني وبينكم إلا أقررتم عيني فتجمعوا الشملا فالعين بالبين بفقدكم أبلى جديد ما قد كان بالأهل والإخوان ومورد اللهو صاف من تصافينا يا جيرة بانت عن مغرم صب لعهده خانت من غير ما ذنب ما هكذا كانت عوائد العرب لا تحسبوا البعدا يغير العهدا إذ طالما غير النأي المحبينا يا نازلا بالبان بالشفع والوتر والنمل والفرقان والليل إذا يسر وسورة الرحمن والنحل والحجر هل حل في الأديان أن يقتل الظمآن من كان صرف الهوى والود يسقينا يا سائل القطر عرج على الوادي من ساكني بدر وقف بهم نادي عسى صبا تسري لمغرم صادي إن شئت تحيينا بلغ تحيتنا من لو على البعد حيا كان يحيينا وافت لنا أيام كأنها أعوام وكان لي أعوام كأنها أيام
____________________
(1/633)

تمر كالأحلام بالوصل لي لو دام والكأس مترعة حثت مشعشعة فينا الشمول وغنانا مغنينا وصف المتنزهات من رجع إلى ما يتعلق بقرطبة 136 وصف المتنزهات من رجع إلى ما يتعلق بقرطبة رجع إلى ما يتعلق بقرطبة - قال الوزير أبو بكر بن القبطرنة
____________________
(1/634)

بالحير ما عبست هناك غمامة إلا تضاحك إذخرا وجليلا يوما وليلا كان ذلك كله سحرا وهذا بكرة وأصيلا لا أدركت تلك الأهلة دهرها نقصا ولا تلك النجوم أفولا وصف حير الزجالي بقرطبة 137 وصف حير الزجالي بقرطبة قال أبو نصر الحير الذي ذكره هنا هو حير الزجالي خارج باب اليهود بقرطبة الذي يقول فيه أبو عامر بن شهيد لقد أطلعوا عند باب اليهو د شمسا أبى الحسن أن تكسفا تراه اليهود على بابها أميرا فتحسبه يوسفا وهذا الحير من أبدع المواضع وأجملها وأتمها حسنا
____________________
(1/635)

على قبره [ البسيط ] يا صاحبي قم فقد أطلنا أنحن طول المدى هجود فقال لي لن نقوم منها ما دام من فوقنا الصعيد تذكر كم ليلة نعمنا في ظلها والزمان عيد وكم سرورا همى علينا سحابه ثرة تجود فخيره مسرعا تقضى وشؤمه حاضر عتيد حصله كاتب حفيظ وضمه صادق شهيد يا ويلنا إن تنكبتنا رحمة من بطشه شديد يا رب عفوا فأنت مولى قصر في أمرك العبيد انتهى وصف المتنزهات من ترجمة بني القبطرنة 138
____________________
(1/636)

نصر في حقهم ما صورته هم للمجد كالأثافي وما منهم إلا موفور القوادم والخوافي إن ظهروا زهروا وإن تجمعوا تضوعوا وإن نطقوا صدقوا ماؤهم صفو وكل واحد منهم لصاحبه كفو أنارت بهم نجوم المعالي وشموسها ودانت لهم أرواحها ونفوسها ولهم النظام الصافي الزجاجة المضمحل العجاجة انتهى ثم قال وبات منهم أبو محمد مع أخويه في أيام صباه واستطابته جنوب الشباب وصباه بالمنية المسماة بالبديع وهو روض كان المتوكل يكلف بموافاته ويبتهج بحسن صفاته ويقطف رياحينه وزهره ويقف عليه إغفاءه وسهره ويستفزه الطرب متى ذكره وينتهز فرص الأنس فيه روحاته وبكره ويدير حمياه على ضفة نهره ويخلع سره فيه لطاعة جهره ومعه أخواه فطاردوا اللذات حتى
____________________
(1/637)

في رياض تعانق الزهر فيها مثل ما عانق الخليل الخليلا ثم استيقظ أخوهما أبو الحسن وقد هب من غفلة الوسن فقال [ البسيط ] يا صاحبي ذرا لومي ومعتبتي قم نصطبح خمرة من خير ما ذخروا وبادرا غفلة الأيام واغتنما فاليوم خمر ويبدو في غد خبر وساق صاحب البدائع هذه القصة فقال وذكر الفتح ما هذا معناه أنه خرج الوزراء بنو القبطرنة إلى المنية المسماة بالبديع وهو روض قد اخضرت مسارح نباته واخضلت مساري هباته ودمعت بالطل عيون أزهاره وذاب على زبرجده بلور أنهاره وتجمعت فيها المحاسن المتفرقة وأضحت مقل الحوادث عنه مطرقة فخيول النسيم تركض في ميادينه فلا تكبو ونصول السواقي تحسم أدواء الشجر فلا تنبو والزروع قد نقبت وجه الثرى وحجبت الأرض عن العيون فما تبصر ولا ترى وكان المتوكل بن الأفطس يعده غاية الأرب ويعده مشهدا للطرب ومدفعا للكرب فباتوا فيه ليلتهم يديرون لمع لهب يتمنون
____________________
(1/638)

كبيرهم أبو محمد مستعجلا وأنشد مرتجلا يا شقيقي - إلخ فانتبه أخوه أبو بكر لصوته وتخوف لذهاب ذلك الوقت وفوته وأنبه أخاهما أبا الحسن وهو يرتجل يا أخي قم تر النسيم - إلى آخره فانتبه أخوه لكلامه دافعا لذة منامه للذة قيامه وارتجل يا صاحبي ذرا - إلخ انتهى بين أبي بكر بن القبطرنة والوزير ابن اليسع 140 بين أبي بكر بن القبطرنة والوزير ابن اليسع قال الفتح ولما أمر المعتمد بن عباد أبا بكر بن القبطرنة السابق الذكر مع الوزير أبي الحسين بن سراج بلقاء ذي الوزارتين أبي الحسن بن اليسع القائد والمشي إليه والنزول عليه تنويها بمقدمه وتنبيها على حظوته لديه وتقدمه فصارا إلى بابه فوجداه مقفرا من حجابه فاستغربا خلوه من خول وظن كل واحد منهما وتأول ثم أجمعا على قرع الباب ورفع ذلك الارتياب فخرج وهو دهش وأشار إليهما بالتحية ويده ترتعش وأنزلهما خجلا ومشى بين أيديهما عجلا وأشار إلى شخص فتوارى بالحجاب وبارى الريح سرعة في الاحتجاب فقعدا ومقلة الخشف ترمق من خلال السجف فانصرفا عنه وعزما أن يكتبا إليه بما فهما منه فكتبا
____________________
(1/639)

فراجعهما في الحين بقطعة منها [ الهزج ] أيا أسفي على حال سلبت بها من الظرف ويا لهفي على جهلي بضيف كان من صنف ولأهل الأندلس في مغاني الأنس الحسان ما لا يفي به لسان وصف المتنزهات من ترجمة ابن حسداي 142 وصف المتنزهات من ترجمة ابن حسداي وقال الفتح في ترجمة الوزير أبي الفضل بن حسداي بعد كلام ما صورته فمنها هذه القطعة التي أطلعها نيرة وترك الألباب بها متحيرة في يوم كان عند المقتدر بالله مع علية قد اتخذوا المجد حلية والأمل قد سفر لهم عن محياه وعبق لهم عن رياه فصافحه الكل منهم وحياه وشمس الراح دائرة على فلك الراح والملك ينشر فضله وينصر وابله وطله يسدي العلاء ويهب الغنى والغناء فصدحت الغواني وأفصحت المثالث والمثاني بما استنزل من مرقب الوقار وسرى في النفوس مسرى العقار [ البسيط ] توريد خدك للأحداق لذات عليه من عنبر الأصداغ لامات نيران هجرك للعشاق نار لظى لكن وصلك إن واصلت جنات كأنما الراح والراحات تحملها بدور تم وأيدي الشرب هالات حشاشة ما تركنا الماء يقتلها إلا لتحيا بها منا حشاشات
____________________
(1/640)

قد كان في كأسها من قبلها ثقل فخف إذ ملئت منها الزجاجات عهد للبنى تقاضته
____________________
(1/641)

محلك أعزك الله في طي الجوانح ثابت وإن نزحت الدار وعيانك في أحناء الضلوع باد وإن شحط المزار فالنفس فائزة منك بتمثل الخطار بأوفر الحظ والعين نازعة إلى إن تمتع من لقائك بظفر اللحظ فلا عائدة أسبغ بردا ولا موهبة أسوغ وردا من تفضلك بالخفوف إلى مأنس يتم بمشاهدتك التئامه ويتصل بمحاضرتك انتظامه ولك فضل الإجمال
____________________
(1/642)

وقال ابن ظافر في وصف هذا المجلس حاذيا حذو الفتح ما صورته حضر الأستاذ أبو محمد بن السيد أبو محمد بن السيد عند المأمون ابن ذي النون في بعض منتزهاته في وقت طاب نعيمه وسرت بالسعود نجومه والروض قد أجاد وشيه راقمه والماء قد جرت بين الأعشاب أراقمه وثم بركة مملوة كأنها مرآة مجلوة قد اتخذت سباع الصفر
____________________
(1/645)

باطله ونفقت محالاته وطبقت أرضه وسماءه استحالاته فليثه كأسد وذئبه مستأسد وأضغاثه تنسر وبغاثه قد استنسر فلا استراحة إلا في معاطاة حميا ومواخاة وسم المحيا وقد كان ابن عمار ذهب مذهب وفضضه بالإبداع وذهبه حين دخل سرقسطة ورأى غباوة أهلها وتكاثف جهلها وشاهد منهم من لا يعلم معنى ولا فصلا وواصل من لا
____________________
(1/646)

حتى ترى زهر النجوم كأنها حول المجرة ربرب في مشرب والليل منفجر يطير غرابه والصبح يطرده بباز أشهب ثم قال الفتح بعد كلام كثير ما صورته ودخل - يعني ابن السيد - سرقسطة أيام المستعين وهي جنة الدنيا وفتنه المحيا ومنتهى الوصف وموقف السرور القصف ملك نمير البشاشة كثير الهشاشة وملك أبهج الفناء أرج الأرجاء يروق المجتلى ويفوق النجم المعتلى وحضرة منسابة الماء منجابة السماء يبسم زهرها
____________________
(1/647)

أناخت بنا في أرض شنتمرية هواجس ظن خان والظن خوان وشمنا بروقا للمواعيد أتعبت نواظرنا دهرا ولم يهم تهتان فسرنا وما نلوي على متعذر إذا وطن أقصاك آوتك أوطان ولا زاد إلا ما انتشته من الصبا أنوف وحازته من الماء أجفان رحلنا سوام الحمد منها لغيرها فلا ماؤها صدا ولا النبت سعدان إلى ملك حاباه بالمجد يوسف وشاد له البيت الرفيع سليمان إلى مستعين بالإله مؤيد له النصر حزب والمقادير
____________________
(1/648)

فيا مستعينا مستغاثا لمن نبا به وطن يوما وعضته أزمان كسوتك من نظمي قلادة مفخر يباهي بها جيد المعالي ويزدان وإن قصرت عما لبست فربما تجاور در في النظام ومرجان معان حكت غنج الحسان كأنني بهن حبيب أو بطليوس بغدان إذا غرست كفاك غرس مكارم بأرضي أحنتك الثنا منه أغصان وقال في وصف مجلس لأبي عيسى بن لبون أحضر إليه ابن السيد منوها بقدره ما صورته وأحضره إلى مجلس نام عنه الدهر وغفل وقام لفرط أنسه واحتفل قد بانت صروفه ودنت من الزائر قطوفه وقال هل بنا إلى
____________________
(1/649)

إليه المسرات أبكارها وفارقت إليه الطير أوكارها فقال يصف [ الزجر ] لم تر عيني مثله ولا ترى أنفس في نفسي وأبهى منظرا إذا تردى وشيه المصورا من حوك صنعاء وحوك عبقرا ونسج قرقوب ونسج تسترا خلت الربيع الطلق فيه نورا كأنما الإبريق حين قرقرا قد أم لثم الكأس حين فغرا وحشية ظلت تناغي جؤذرا ترضعه الدر ويرنو حذرا كأنما مج عقيقا أحمرا أوفت من رياه مسكا أذفرا أو عابد الرحمن يوما ذكرا فنم مسكا ذكره وعنبرا الظافر الملك الذي من ظفرا بقربه نال العلاء الأكبرا لو أن كسرى راءه أو قيصرا هلل إكبارا له وكبرا تبدي سماء الملك منه قمرا إذا حجاب المجد عنه سفرا يا أيها المنضي المطايا بالسرى تبغى غمام المكرمات الممطرا وصف المتنزهات من ترجمة ابن العطار 149 وصف المتنزهات من ترجمة ابن العطار وقال الفتح في ترجمة الأديب أبي القاسم بن العطار ما صورته هو أحد أدباء إشبيلية ونحاتها العامرين لأرجاء المعارف وساحاتها لولا مواصلة راحاته وتعطيل بكره
____________________
(1/650)

زهر ولا يحفل بملام ولا يتنقل إلا في طاعة غلام ناهيك من رجل مخلوع العنان في ميدان الصبابة مغرم بالحسان غرام يزيد بحبابة لا تراه إلا في ذمة انهماك ولا تلقاه إلا في لمة انهتاك رافعا لرايات الهوى فارعا لثنيات الجوى لا يقفر فؤاده من كلف ولا يبيت إلا رهن تلف أكثر خلق الله تعالى علاقة وأحضرهم لمشهد خلاقة مع جزالة تحرك السكون وتضحك الطير في الوكون وقد أثبت له مما ارتجله في أوقات أنسه وساعاته ونفث به أثناء زفراته ولوعاته فمن ذلك ما قاله في يوم ركب فيه النهر على عادات انكشافه وارتضاعه لثغور اللذات وارتشافه [ الطويل ] عبرنا سماء النهر والجو مشرق وليس لنا إلا الحباب نجوم وقد ألبسته الأيك برد ظلالها وللشمس في تلك البرود رقوم وله فيه [ الطويل ] مررنا بشاطي النهر بين حدائق بها حدق الأزهار تستوقف الحدق وقد نسجت كف النسيم مفاضة عليه وما غير الحباب لها حلق وله [ الخفيف ] هبت الريح بالعشي فحاكت زردا للغدير ناهيك جنه وانجلى البدر بعد هدء فصاغت كفه للقتال منه أسنه
____________________
(1/651)

وقوله [ الكامل ] لله بهجة منزه ضربت به فوق الغدير رواقها الأنسام فمع الأصيل النهر درع سابغ ومع الضحى يلتاح منه حسام وله [ الكامل ] ما كالعشية في
____________________
(1/652)

ومستعجم لا يبين ولا يوضح متنمر تنمر الليث متشمر كالبطل الفارس عند العيث وقد أفاض على نفسه درعا تضيق بها الأسنة ذرعا وهو يريد استشارة المؤتمن في التوجه إلى موضع بعثه إليه ووجهه وكل من صده عنه نهره ونجهه حتى وصل إلى مكان انفراده ووقف بإزاء وساده فلما وقعت عين ابن عمار عليه أشار بيده إليه وقربه واستدناه وضمه إليه كأنه تبناه وأراد أن يخلع عنه ذلك الغدير وأن يكون هو الساقي والمدير فأمره المؤتمن بخلعه وطاعة أمره وسمعه فنضاه عن جسمه وقام يسقي على
____________________
(1/653)

وأورد هذه القصة صاحب البدائع بقوله حضر أبو المطرف بن عبد العزيز عند المؤتمن بن هود في يوم أجرى الجو فيه أشقر برقه ورمى بنبل ودقه وتحملت الرياح فيه أوقار السحاب على أعناقها وتمايلت قامات الأغصان في الحلل الخضر من أوراقها والرياح قد أشرقت نجومها في بروج الراح وحاكت شمسها شمس الأفق فتلفعت بغيوم الأقداح ومديرها قد ذاب ظرفا فكاد يسيل من إهابه وأخجل خدها حسنا فتظلل بعرق حبابه إذا بفتى رومي من فتيان المؤتمن قد أقبل متدرعا كالبدر اجتاب سحابا والخمر قد اكتست حبابا وقد جاء يريد استشارة المؤتمن في الخروج إلى موضع قد كان عول
____________________
(1/654)

إياك بادرة الوغى من فارس ما صورته يضع السنان على العذار الأملس ولابن عمار الرائية المشهورة في مدح المعتضد عباد والد المعتمد وهي [ الكامل ] أدر المدامة فالنسيم قد انبرى والنجم قد صرف العنان عن السرى والصبح قد أهدى لنا كافوره لما استرد الليل منا العنبرا والروض كالحسنا كساه زهره وشيا وقلده نداه جوهرا أو كالغلام زها بورد خدوده خجلا وتاه بآسهن معذرا روض كأن النهر فيه معصم صاف أطل على رداء أخضرا وتهزه ريح الصبا فتخاله سيف ابن عباد يبدد عسكرا عباد المخضر نائل كفه والجو قد لبس الرداء الأغبرا ملك إذا ازدحم الملوك بمورد ونحاه لا يردون حتى يصدرا أندى على الأكباد من قطر الندى وألذ في الأجفان من سنة الكرى يختار إذ يهب الخريدة كاعبا والطرف أجرد والحسام مجوهرا قداح زند المجد لا ينفك من نار الوغى إلا إلى نار القرى لا خلق أفرى من شفار حسامه إن كنت شبهت المواكب أسطرا أيقنت أني من ذراه بجنة لما سقاني من نداه الكوثرا وعلمت حقا
____________________
(1/655)

قاد الكتائب كالكواكب فوقهم من لأمهم مثل السحاب كنهورا من كل أبيض قد تقلد أبيضا عضبا وأسمر قد تقلد أسمرا ملك يروقك خلقه أو خلقه كالروض يحسن منظرا أو مخبرا أقسمت باسم الفضل حتى شمته فرأيته في بردتيه مصورا وجهلت معنى الجود حتى زرته فقرأته في راحتيه مفسرا فاح الثرى متعطرا بثنائه حتى حسبنا كل ترب عنبرا وتتوجت بالزهر صلع هضابه حتى ظننا كل هضب قيصرا هصرت يدي غصن الغنى من كفه وجنت به روض السرور منورا حسبي على الصنع الذي أولاه أن أسعى بجد أو أموت فأعذرا يا أيها الملك الذي حاز العلا وحباه منه بمثل حمدي أنورا السيف أفصح من زياد خطبة في الحرب إن كانت يمينك منبرا ما زلت تغني من عنا لك راجيا نيلا وتفني من عتا وتجبرا حتى حللت من الرياسة محجرا رحبا وضمت منك طرفا أحورا شقيت بسيفك أمة لم تعتقد إلا اليهود وإن تسمت بربرا أثمرت رمحك من رؤوس ملوكهم لما رأيت الغصن يعشق مثمرا وصبغت درعك من دماء كماتهم لما علمت الحسن يلبس أحمرا وإليكها كالروض زارته الصبا وحنا عليه الظل حتى نورا نمقتها وشيا بذكرك مذهبا وفتقتها مسكا بحمدك أذفرا من ذا ينافحني وذكرك مندل أوردته من نار فكري
____________________
(1/656)

من ترجمة ابن وهبون وقال في ترجمة عبد الجليل بن وهبون المرسي ركب بإشبيلية زورقا في نهرها الذي لا تدانيه الصراة ولا يضاهيه الفرات في ليلة تنقبت في ظلمتها ولم يبد وضح في دهمتها وبين أيديهم شمعتان قد انعكس شعاعهما في اللجة وزاد في تلك البهجة فقال [ المنسرح ] كأنما الشمعتان إذ سمتا خدا غلام محسن الغيد وفي حشا النهر من شعاعهما طريق نار الهوى إلى كبدي وكان معه غلام البكري معاطيا للراح وجاريا في ميدان ذلك المراح فلما جاء عبد الجليل بما جاء وحلى للإبداع الجوانب والأرجاء حسده على ذلك الارتجال وقال بين البطء والاستعجال [ الكامل ] أعجب بمنظر ليلة ليلاء تجنى بها اللذات فوق الماء في زورق يزهو بغرة أغيد يختال مثل البانة الغيناء قرنت يداه الشمعتين بوجهه كالبدر بين النسر والجوزاء والتاح تحت الماء ضوء جبينه كالبرق يخفق في غمام سماء وصف الفتح لمجلس أنس بمنية المنصور 154 وصف الفتح لمجلس أنس بمنية المنصور وقال الفتح رحمه الله دعيت يوما إلى منية المنصور بن أبي عامر ببلنسية
____________________
(1/657)

وهي منتهى الجمال ومزهى الصبا والشمال على وهي بنائها وسكنى الحوادث برهة بفنائها فوافيتها والصبح قد ألبسها قميصه والحسن قد شرح بها عويصه وبوسطها
____________________
(1/658)

منتزهنا بالأمس وما لقينا فيه من الأنس فقال لي ما بهجة موضع قد بان قطينه وذهب وسلب الزمان بهجته وانتهب وباد فلم يبق إلا رسمه ومحاه الحدثان فما كاد يلوح رسمه عهدي به عند ما فرغ من تشييده وتنوهي في تنسيقه وتنضيده وقد استدعاني
____________________
(1/659)

مرتشف ولا زال للمجد يتملكه والسعد يحمله فلكه أما وقد وافقتني أيامه
____________________
(1/660)

علينا قادم وخدود سقاتها قد اكتست من سناها وقدودهم تتهيل علينا بجناها ونحن بين سكر وصحو وإثبات لها ومحو وإصاخة إلى بم وزير والتفاتة إلى ملك ووزير إلى أن ولى النهار فحيانا وأقبل الليل المميت فأحيانا فوصلنا بلهو وقصف وعيش يتجاوز كل وصف فكأن يومنا مقيم أو كأن ليلنا من الظلام عقيم ولما سل الفجر حسامه وأبدى لعبوس الليل ابتسامه وجاء يختال اختيالا ويمحو من بقايا الليل نيالا قمنا نتنادب للمسير وكلنا في يد النشوة أسير فسرنا والملك الأجل يقدمنا والأيام تخدمنا فلا زالت الأيام به زاهية وعن سواه لاهية ما عمر وكرا عقاب وكان للشهور غرر وأعقاب انتهى وصف المتنزهات من ترجمة الراضي بالله بن عباد 157 وصف المتنزهات من ترجمة الراضي بالله بن عباد وقال الفتح في ترجمة الراضي بالله أبي خالد يزيد بن المعتمد بن عباد بعد كلام ما صورته وأخبرني المعتد بالله أن أباه المعتمد وجهه - يعني أخاه الراضي - إلى شلب واليا وكانت ملعب شبابه ومألف أحبابه
____________________
(1/661)

الشباب كمائمه وكان يعتدها مشتهى آماله ومنتهى أعماله إلى بهجة جنباتها وطيب نفحاتها وهباتها والتفاف خمائلها وتقلدها بنهرها مكان حمائلها وفيها يقول ابن اللبانة [ الطويل ] أما علم المعتد بالله أنني بحضرته في جنة شقها نهر وما هو نهر أعشب النبت حوله ولكنه سيف حمائله خضر فلما صدر عنها وقد حسنت آثاره في تدبيرها وانسدلت رعايته على صغيرها وكبيرها نزل المعتمد عليه مشرفا لأوبته ومعرفا بسمو قدره لديه ورتبته وأقام يومه عنده مستريحا وجرى في ميدان الأنس بطلا مشيحا وكان واجدا على الراضي فجلت الحميا أفقه ومحت غيظه عليه وحنقه وصورته له عين حنوه وذكرته بعده فجنح إلى دنوه وبين ما استدعى وأوفى مالت بالمعتمد نشوته وأغفى وألقاه صريعا في منتداه طريحا في منتهى مداه فأقام تجاهه يرتقب انتباهه وفي أثناء ذلك صنع شعرا أتقنه وجوده فلما استيقظ أنشده [ المتقارب ] ألآن تعود
____________________
(1/662)

فمثلك - وهو الذي لم نجد هـ عاد بحلم على من جهل وصف المتنزهات من ترجمة المتوكل على الله بن الأفطس 158 وصف المتنزهات من ترجمة المتوكل على الله بن الأفطس وقال في ترجمة المتوكل على الله ابن الأفطس ما صورته وأخبرني الوزير أبو محمد بن عبدون أن الأرض توالى عليها الجدب بحضرته حتى جفت مذانبها واغبرت جوانبها وغرد المكاء في غير روضه وخاض الياس بالناس أعظم خوضه وأبدت الخمائل عبوسها وشكت الأرض للسماء بوسها فأقلع المتوكل عن الشرب واللهو ونزع ملابس الخيلاء والزهو وأظهر الخشوع وأكثر السجود والركوع إلى أن غيم الجو وانسجم النو وصاب الغمام وتزنمت الحمام وسفرت الأنوار وزهت النجود والأغوار واتفق أن وصل أبو يوسف المغني والأرض قد لبست زخارفها ورقم الغمام مطارفها وتتوجت الغيطان والربا وأرجت نفحات الصبا والمتوكل ما فض لتوبته ختاما ولا قوض عن قلبه منها خياما فكتب إليه [ المتقارب ] ألم أبو يوسف والمطر فياليت شعري ما ينتظر ولست
____________________
(1/663)

وركضي فيها جياد المدام محثوثة بسياط الوتر فبعث إليه مركوبا وكتب معه [ المتقارب ] بعثت إليك جناحا فطر على خفية من عيون البشر على ذلل من نتاج البروق وفي ظلل من نسيج الشجر فحسبي ممن نأى من دنا ومن غاب كان فدى من حضر فوصل القصبة المطلة على البطحاء المزرية بمنازل الروحاء فأقام منها حيث قال عدي بن زيد يصف صنعاء [ الكامل ] في قباب حول دسكرة حولها الزيتون قد ينعا ومر لهم من السرور يوم ما مر لذي رعين ولا تصور قبل عيونهم لعين وأخبرني أنه سايره إلى شنترين قاصية أرض الإسلام السامية الذرا والأعلام التي لا يروعها صرف ولا يفزعها طرف لأنها متوعرة المراقى معقرة للراقي متمكنة الرواسي والقواعد من ضفة نهر استدار بها استدارة القلب بالساعد قد أطلت على خمائلها إطلال العروس من منصتها واقتطعت من الجو أكثر من حصتها فمروا بألبش قطر سالت به جداوله واختالت فيه خمائله فما يجول الطرف منه إلا في حديقة
____________________
(1/664)

أو بقعة أنيقة فتلقاهم ابن مقانا قاضي حضرته وأنزلهم عنده وأورى لهم بالمبرة زنده وقدم لهم طعاما واعتقد قبوله منا وإنعاما وعندما طعموا قعد القاضي بباب المجلس رقيبا لا يبرح وعين المتوكل حياء منه لا تجول ولا تمرح فخرج أبو محمد
____________________
(1/665)

في بعض أيامه بروض مفتر المباسم معطر الرياح النواسم قد صقل الربيع حوذانه وأنطق بلبله وورشانه وألحف غصونه برودا مخضرة وجعل إشراقه للشمس ضرة وأزاهره تتيه على الكواكب وتختال في خلع الغمائم السواكب فارتاح إلى الكون به بقية
____________________
(1/666)

والفصول فقال أحد الحاضرين إني لأعجب من قعود ابن عمار عن هذا المضمار مع ميله إلى السماع وكلفه بمثل هذا الاجتماع فقال ذو الرياستين إن الجواب تعذر فلذا اعتذر لأنه يعاني قوله ويعلله ويرويه ولا يرتجله ويقوله في المدة والساعات
____________________
(1/668)

مرينا نداك الغمر فانهل صيبا كما سكبت وطفاء أو سكب البحر وجاء الربيع الطلق يبدي غضارة فحيتك منه الشمس والروض والنهر إلى أن قال ثم وجه فيه إلى روضة قد أرجت نفحاتها وتدبجت ساحاتها وتفتحت كمائمها وأفصحت حمائمها وتجردت جداولها كالبواتر ورمقت أزهارها بعيون فواتر وأقاموا يعملون أكواسهم ويشتملون
____________________
(1/669)

من كل ثنية ويواصلهم بكل أمنية فسكر أحد الحاضرين سكرا مثل له ميدان الحرب وسهل عليه مستوعر الطعن والضرب فقلب مجلس الأنس حربا وقتالا وطلب الطعن وحده والنزالا فقال ذو الرياستين نفس الذليل تعز بالجريال فيقاتل الأقران دون قتال كم من جبان ذي افتخار باطل بالراح تحسبه من الأبطال كبش الندي تخمطا وعرامة وإذا تشب الحرب شاة نزال وصف المتنزهات من ترجمة ابن طاهر 163 وصف المتنزهات من ترجمة ابن طاهر وقال في ترجمة ابن طاهر ما صورته وجئته يوما وقد وقفت بباب الحنش فقال لي من أين فأعلمته ووصفت له ما عاينته من حسنه وتأملته فقال لي
____________________
(1/670)

به المكانس وفي أذنيه قرطان كأنهما كوكبان وهو يتأود تأود غصن البان والمتنبي يقول [ الرمل ] معشر الناس بباب الحنش بدر تم طالع في غبش علق القرط على مسمعه من عليه آفة العين خشي فلما رآني أمسك وسبح كأنه قد تنسك وصف المتنزهات من ترجمة ابن عمار 163 وصف المتنزهات من ترجمة ابن عمار وقال في ترجمة ابن عمار ما صورته وتنزه بالدمشق بقرطبة وهو قصر شيده بنو أمية بالصفاح والعمد وجروا من إتقانه إلى غاية وأمد وأبدع بناؤه ونمقت ساحته وفناؤه واتخذوه ميدان مراحهم ومضمارا لانشراحهم وحكوا به قصرهم بالمشرق وأطلعوه كالكوكب الثاقب المشرق فحله أبو بكر بن عمار على أثر بوسه وابتسم له دهره بعد عبوسه والدنيا قد أعطته عفوها وسقته صفوها وبات فيه مع لمة من أتباعه ومتفيئي رباعه وكلهم يحييه بكاس ويفديه
____________________
(1/671)

عنه وصرفوه وأجروه على إرادتهم وصرفوه وذهبوا سقفه وفضضوها ورخموا أرضه وروضوها فبات به والسعد يلحظه بطرفه والروض يحييه بعرفه فلما استنفد كافور الصباح مسك الغسق ورصع آبنوس الظلام نضار الشفق قال مرتجلا كل قصر بعد الدمشق يذم إلخ انتهى وصف المتنزهات من ترجمة أبي عيسى بن لبون 164 وصف المتنزهات من ترجمة أبي عيسى بن لبون وقال في ترجمة ذي الوزارتين أبي عيسى بن لبون أخبرني الوزير أبو عامر بن الطويل أنه كان بقصر مربيطر بالمجلس الشرقي منها والبطحاء قد لبست زخرفها ودبج الغمام مطرفها وفيها حدائق ترنو عن مقل نرجسها وتبث طيب تنفسها والجلنار قد لبس أردية الدماء وراع أفئدة الندماء فقال [ الكامل ] قم يا نديم أدر علي القرقفا أو ما ترى زهر الرياض مفوفا فتخال محبوبا مدلا وردها وتظن نرجسها محبا مدنفا والجلنار دماء قتلى معرك والياسمين حباب ماء قد طفا إلى
____________________
(1/672)

لو كنت تشهد يا هذا عشيتنا والمزن يسكب أحيانا وينحدر والأرض مصفرة بالشمس كاسية أبصرت تبرا عليه الدر ينتثر وترجمة أبي بكر بن رحيم الجزء 1 وصف المتنزهات من ترجمة ابن مالك 166 وصف المتنزهات من ترجمة ابن مالك وقال في ترجمة الوزير أبي محمد بن مالك بعد كلام له فيه وإنشاده بيتيه
____________________
(1/673)

البديعين اللذين هما [ الخفيف ] لا تلمني بأن طربت لشجو يبعث الأنس فالكريم طروب ليس شق الجيوب حقا علينا إنما الشأن أن تشق القلوب ما صورته وخرجت من إشبيلية مشيعا لأحد زعماء المرابطين فألفيته معه مسايرا له في جملة من شيعه فلما انصرفنا مال بنا إلى معرس أمير المسلمين أدام الله تعالى تأييده الذي ينزله عند حلوله بإشبيلية وهو موضع مستبدع كأن الحسن فيه مودع ما شئت من نهر ينساب انسياب الأراقم وروض كما وشت البرد يد راقم وزهر يحسد المسك رياه ويتمنى الصبح أن يسم به محياه فقطف غلام وسيم من غلمانه نورة ومد يده إلي وهي في كفه فعزم على أن أقول بيتا في وصفه فقلت [ الطويل ] وبدر بدا والطرف مطلع حسنه وفي كفه من رائق النور كوكب
____________________
(1/675)

ومعنا الوزير أبو محمد بن مالك وجماعة من أعيان تلك الممالك فحللنا بضيعة لم ينحت المحل أثلها ولم ترمق العيون مثلها وجلنا بها في أكناف جنات ألفاف فما شئت من دوحة لفاء وغصن يميس كمعطفي هيفاء وماء يناسب في جداوله وزهر يضمخ بالمسك راحة متناوله ولما قضينا من تلك الحدائق أربا وافتنا منها أترابا عربا ملنا إلى موضع المقيل ونزلنا بمنازه تزري بمنازه جذيمة مع مالك وعقيل وعند وصولنا بدا لي من أحد الأصحاب تقصير في المبرة عرض لي منه تكدير لتلك العين الثرة فأظهرت التثاقل أكثر ذلك اليوم ثم عدلت عنهم إلى الاضطجاع والنوم فما استيقظت إلا والسماء قد نسخ صحوها وغيم جوها والغمام منهمل والثرى من سقياه ثمل فبسطني بتحفيه وأبهجني يبر له لم يزل يتمه ويوفيه وأنشدني [ البسيط ] يوم تجهم فيه الأفق وانتثرت مدامع الغيث في خد الثرى هملا رأى وجومك فاربدت طلاقته مضاهيا لك
____________________
(1/676)

حضرة غرناطة فحللنا قرية على ضفة نهر أحسن من شاذمهر تشقها جداول كالصلال ولا ترمقها الشمس من تكاثف الظلال ومعنا جملة من أعيانها فأحضرنا من أنواع الطعام وأرانا من فرط الإكرام والإنعام ما لا يطاق ولا يحلو ويقصر عن بعضه العد وفي أثناء مقامنا بدا لي من ذلك الفتى المذكور ما أنكرته فقابلته بكلام اعتقده وملام أحقده فلما كان من الغد لقيت منه اجتنابه ولم أر منه ما عهدته من الإنابة فكتبت إليه مداعبا فراجعني بهذه القطعة [ الطويل ] أتتني أبا نصر نتيجة خاطر سريع كرجع الطرف في الخطرات فأعربت عن وجد كمين طويته بأهيف طاو فاتر اللحظات غزال أحم المقلتين عرفته بخيف منى للحين أو عرفات رماك فأصمى والقلوب زمية لكل كحيل الطرف ذي فتكات وظن بأن القلب منك محصب فلباك من عينيه بالجمرات تقرب بالنساك في كل منسك وضحى غداة النحر بالمهجات وكانت له جيان مثوى فأصبحت ضلوعك مثواه بكل فلاة يعز علينا أن تهيم فتنطوي كئيبا على الأشجان والزفرات فلو قبلت للناس
____________________
(1/677)

بعقب سيل أعاد الديار آثارا وقضى عليها وهيا وانتثارا [ الطويل ] ألا عرس الإخوان في ساحة البلى وما رفعوا غير القبور قبابا فدمع كما سح الغمام ولوعة كما أضرمت ريح الشمال شهابا إذا استوقفتني في الديار عشية تلذذت فيها جيأة وذهابا أكر بطرفي في معاهد فتية ثكلتهم بيض الوجوه شبابا فطال وقوفي بين وجد وفرقة أنادي رسوما لا تحير جوابا وأمحوا جميل الصبر طورا بعبرة أخط بها في صفحتي كتابا وقد درست أجسامهم وديارهم فلم أر إلا أعظما ويبابا وحسبي شجوا أن أرى الدار بلقعا خلاء وأشلاء الصديق ترابا ولقد أحلني بهذه الديار المندوبة وهي كعهدها في جودة مبناها وعودة سناها في ليلة اكتحلنا ظلامها إثمدا ومحونا بها من نفوسنا كمدا ولم يزل ذلك الأنس يبسطه والسرور ينشطه حتى نشر لي ما طواه وبث مكتوم لوعته وجواه وأعلمني بلياليه فيها مع أترابه وما قضى بها من أطرابه انتهى ما وقع عليه اختياري من كلام أبي نصر الفتح بن عبيد الله رحمه الله تعالى في وصف بعض منتزهات الأندلس البديعة ورياضها المونقة المريعة وصف المتنزهات
____________________
(1/678)

من ترجمة ابن عطية 169 وصف المتنزهات 2 2 3 3 4 4 5 5 6 6 * خمر حيا رقص النبت لها ثم شرب
____________________
(1/679)

فغدا يسفر عن وجنته نوره الغض ويهتز طرب خلت لمع الشمس في مشرقه لهبا يخمد منه في لهب وبياض الطل في صفرته نقط الفضة في خط الذهب وسيأتي إن شاء الله تعالى كثير من وصف بلاد الأندلس ومنتزهاتها وما اشتملت عليه من المحاسن في كلام غير واحد ممن يجري ذكره في هذا الكتاب وخصوصا أديب زمانه غير مدافع من اعترف له أهل الشرق بالسبق وأهل المغرب بالإبداع المغرب النور أبو الحسن علي بن سعيد العنسي فإنه لما اتصل بمصر ودخلها اشتاق إلى تلك المواطن الأندلسية الرائقة ووصفها بالقصائد والمقطوعات الفائقة وقد أسلفنا أيضا فيما مر من هذا الكتاب بعض ما يتعلق بمحاسن الأندلس فليراجع في محله من هذا الكتاب وصف المتنزهات من ترجمة
____________________
(1/680)

ما مثاله وهذه كنت لو خيرت أختار وكذا رأيت بخط الحافظ التنسي والأول رأيته بخط العلامة الوانشريشي رحمهما الله تعالى وحكي أن الخليلي لما قدم من الأندلس رسولا إلى سلطان المغرب أبي عنان فارس ابن السلطان أبي الحسن المريني أنشد بحضرة السلطان المذكور أبيات ابن خفاجة هذه كالمفتخر ببلاد الأندلس فقال السلطان أبو عنان كذب هذا الشاعر يشير إلى كونه جعلها جنة الخلد وأنه لو خير لاختارها على ما في الآخرة وهذا خروج من ربقة الدين ولا أقل من الكذب والإغراق وإن جرت عادة الشعراء بذلك الإطلاق فقال الخليلي يا مولانا بل صدق الشاعر لأنها موطن جهاد ومقارعة للعدو وجلاد والنبي صلى الله عليه وسلم الرؤوف الودود الرحيم العطوف يقول الجنة تحت ظلال السيوف فاستحسن منه هذا الكلام ورفع عن قائل الأبيات الملام
____________________
(1/681)

وكمامة حدر الصباح قناعها عن صفحة تندى من الأزهار في أبطح رضعت ثغور أقاحه أخلاف كل غمامة مدرار نثرت بحجر الأرض فيه يد الصبا درر الندى ودراهم النوار وقد ارتدى غصن النقا وتقلدت حلي الحباب سوالف الأنهار فحللت حيث الماء صفحة ضاحك جذل وحيث الشط بدء عذار والريح تنفض بكرة لمم الربا والطل ينضح أوجه الأشجار متقسم الألحاظ بين محاسن من ردف رابية وخضر قرار وأراكة سجع الهديل بفرعها والصبح يسفر عن جبين نهار هزت له أعطافها ولربما خلعت عليه ملاءة الأنوار وقوله [ الكامل ] سقيا ليوم قد أنخت بسرحة ريا تلاعبها الرياح فتلعب سكرى يغنيها الحمام فتنثني طربا ويسقيها الغمام فتشرب يلهو فترفع للشبيبة راية فيه ويطلع للبهارة كوكب والروض وجه أزهر والظل فر ع أسود والماء ثغر أشنب في حيث أطربنا الحمام عشية فشدا يغنينا الحمام المطرب واهتز عطف الغصن من طرب بنا وافتر عن ثغر الهلال المغرب فكأنه والحسن مقترن به طوق على برد الغمامة مذهب في فتية تسري فينصدع
____________________
(1/682)

سمح الخيال على النوى بمزار والصبح يمسح عن جبين نهار فرفعت من ناري لضيف طارق يعشو إليها من خيال طاري ركب الدجى أحسن به من مركب وطوى السرى أحسن به من ساري وأناخ حيث دموع عيني منهل يروي وحيث حشاي موقد نار وسقى فأروى غلة من ناهل أورى بجانحتيه زند أوار يلوي الضلوع من الولوع لخطرة من شيم برق أو شميم عرار والليل قد نضح الندى سرباله فانهل دمع الطل فوق صدار مترقب رسل الرياح عشية بمساقط الأنواء والأنوار ومجر ذيل غمامة لبست به وشي الحباب معاطف الأنهار خفقت ظلال الأيك فيه ذوائبا وارتج ردفا مائج التيار ولوى القضيب هناك جيدا أتلعا قد قبلته مباسم النوار باكرته والغيم قطعة عنبر مشبوبة والبرق لفحة نار والريح تلطم فيه أرداف الربا لعبا وتلثم أوجه الأزهار ومنابر الأشجار قد قامت بها خطباء مفصحة من الأطيار في فتية جنبوا العجاجة ليلة ولربما سفروا عن الأقمار ثار القتام بهم دخانا وارتمى زند الحفيظة منهم بشرار شاهدت من هيئاتهم وهباتهم إشراف أطواد وفيض بحار من كل منتقب بوردة خجلة كرما ومشتمل بثوب وقار في عمة خلعت عليه للمة وذؤابة قرنت بها لعذار ضافي رداء المجد طماح العلا طامي
____________________
(1/683)

جرار أذيال المعالي والقنا حامي الحقيقة والحمى والجار طرد القنيص بكل قيد طريدة زجل الجناح مورد الأظفار ملتفة أعطافه بحبيرة مكحولة أجفانه بنضار يرمى به الأمل القصي فينثني مخضوب مرأى الظفر والمنقار وبكل نائي الشوط أشدق أخزر طاوي الحشى حالي المقلد ضاري يفتر عن مثل النصال وإنما يمشي على مثل القنا الخطار مستقريا أثر القنيص على الصفا والليل مشتمل بشملة قار من كل مسود تلهب طرفه ترميك فحمته بشعلة نار ومورس السربال يخلع قيده عن نجم رجم في سماء غبار يستن في سطر الطريق وقد عفا قدما فتقرأ أحرف الآثار عطف الضمور سراته فكأنه والنقع يحجبه هلال سرار ولرب رواغ هنالك أنبط ذلق المسامع أطلس الأطمار يجري على حذر فيجمع بسطه يهوي فينعطف انعطاف سوار ممتد حبل الشاو يعسل رائغا فيكاد يفلت أيدي الأقدار متردد يرمي به خوف الردى كرة تهادتها أكف قفار ولرب طيار خفيف قد جرى فشلا بجار خلفه طيار من كل قاصرة الخطا مختالة مشي الفتاة تجر فضل إزار مخضوبة المنقار تحسب أنها كرعت على ظمإ بكأس عقار ولو استجارت منهما بحمى أبي يحيى لأمنها أعز جوار خدم القضاء مراده فكأنما ملكت يداه أعنة الأقدار وعنا الزمان لأمره فكأنما أصغى الزمان به إلى أمار وجلا الإمارة في رفيف نضارة جلت الدجى في حلة الأنوار
____________________
(1/684)

والماء في حلي الحباب مقلد زرت عليه جيوبها الأشجار وقال ملتزما ما لا يلزم [ الكامل ] خذها إليك وإنها لنضيرة طرأت إليك قليلة النظراء حملت وحسبك بهجة من نفحة عبق العروس وخجلة العذراء من كل وارسة القميص كأنما نشأت تعل
____________________
(1/686)

يا رب وضاح الجبين كأنما رسم العذار بصفحتيه كتاب تغرى بطلعته العيون مهابة وتبيت تعشق عقله الألباب خلعت عليه من الصباح غلالة تندى ومن شفق المساء نقاب فكرعت من ماء الصبا في منهل قد شف عنه من القميص سراب في حيث للريح الرخاء تنفس أرج وللماء الفرات عباب ولرب غض الجسم مد بحوضه سبحا كما شق السماء شهاب ولقد أنخت بشاطئيه يهزني طربا شباب راقني وشراب وبكيت دجلته يضاحكني بها مرحا حبيب شاقني وحباب تجلى من الدنيا عروس بيننا حسناء ترشف والمدام رضاب ثم ارتحلت وللنهار ذؤابة شيباء تخضب والنهار خضاب تلوي معاطفي الصبابة والصبا والليل دون الكاشحين حجاب وقال [ البسيط ] مر بنا وهو بدر تم يسحب من ذيله سحابا بقامة تنثني قضيبا وغرة تلتظي شهابا يقرأ والليل مدلهم لنور إجلائه كتابا ورب ليل شهرت فيه أزجر من جنحه غرابا حتى إذا الليل مال سكرا وشق سرباله وجابا
____________________
(1/687)

وحام من سدفه غراب طالت به سنه فشابا ازددت من لوعتي خبالا فحث من غلتي شرابا وما خطا قادما فوافى حتى انثنى ناكصا فآبا وبين جفني بحر شوق يعب في وجنتي عبابا قد شب في وجهه شعاع وشب في قلبي التهابا وروضة طلقة حياء غناء مخضرة جنابا ينجاب عن نورها كمام يحط عن وجهه نقابا بات بها مبسم الأقاحي يرشف من طلها رضابا ومن خفوق البروق فيها ألوية حمرت خضابا كأنهاأنمل وراد تحصر قطر الحيا حسابا وله أيضا [ البسيط ] رحلت عنكم ولي فؤاد تنقض أضلاعه حنينا أجود فيكم بعلق دمع كنت به قبلكم ضنينا يثور في وجنتي جيشا وكان في جفنه كمينا كأنني بعدكم شمال قد فارقت منكم يمينا وقال [ الطويل ] فيا لشجا قلب من الصبر فارغ ويا لقذى طرف من الدمع ملآن ونفس إلى جو الكنيسة صبة وقلب إلى أفق الجزيرة حنان
____________________
(1/688)

تعوضت من واها بآه ومن هوى بهون ومن إخوان صدق بخوان وما كل بيضاء تروق بشحمة وما كل مرعى ترتعيه بسعدان فيا ليت شعري هل لدهري عطفة فتجمع أوطاري علي وأوطاني ميادين أوطاري ولذة لذتي ومنشأ تهيامي وملعب غزلاني كأن لم يصلني فيه ظبي يقوم لي لماه وصدغاه براحي وريحاني فسقيا لواديهم وإن كنت إنما أبيت لذكراه بغلة ظمآن فكم يوم لهو قد أدرنا بأفقه نجوم كؤوس بين أقمار ندمان وللقضب والأطيار ملهى بجزعه فما شئت من رقص على رجع ألحان وبالحضرة الغراء غر علقته فأحببت
____________________
(1/689)

ونقلي أقاح الثغر أو سوسن الطلى ونرجسه الأجفان أو وردة الخد إلى أن سرت في جسمه الكاس والكرى ومالا بعطفيه فمال على عضدي فأقبلت أستهدي لما بين أضلعي من الحر ما بين الضلوع من البرد وعاينته قد سل من وشي برده فعانقت منه السيف سل من الغمد ليان مجسن واستقامة قامة وهزة أعطاف ورونق إفرند أغازل منه الغصن في مغرس النقا وألثم وجه الشمس في مطلع السعد فإن لم يكنها أو تكنه فإنه أخوها كما قد الشراك من الجلد تسافر كلتا راحتي بجسمه فطورا إلى خصر وطورا إلى نهد فتهبط من كشحيه كفي تهامة وتصعد من نهديه أخرى إلى نجد وقال أيضا [ الكامل ] ورداء ليل بات فيه معانقي طيف ألم بظبية الوعساء فجمعت بين رضابه وشرابه وشربت من ريق ومن صهباء ولثمت في ظلماء ليلة وفرة شفقا القسم الأول فيما يتعلق بالأندلس من الأخبار المترعة الأكواب والأنباء المنتحية صوب الصواب الرافلة من الإفادة في سوابغ الأثواب وفيه بحسب القصد والاختصار وتحري التوسط في بعض المواضع دون الاختصار
____________________
(1/690)

وقال ها لثمي نقلا ولا تشم إلا عرفي الأطيبا وأقطف بخدي الورد والآس والن سرين لا تحفل بزهر الربا أسعفته غصنا غدا مثمرا ومن جناه ميسه قربا قد كنت ذا نهي وذا إمرة حتى تبدى فحللت الحبا ولم أصن عرضي في حبه ولم أطع فيه الذي أنبا حتى إذا ما قال لي حاسد ترجوه والكوكب أن يقربا أرسلت من شعري سحرا له ييسر المرغب والمطلبا وقال عرفه بأني سأح تال فما أجتنب المكتبا فزاد في شوقي له وعده ولم أزل مقتعدا مرقبا أمد طرفي ثم أثنيه من خوف أخي التنغيص أن يرقبا أصدق الوعد وطورا أرى تكذيبه والحر لن يكذبا أتى ومن سخره بعد ما أيأس بطء كاد أن يغضبا قبلت في الترب ولم أستطع من حصر اللقيا سوى مرحبا هنأت ربعي إذ غدا هالة وقلت يا من لم يضع أشعبا بالله مل معتنقا لاثما فمال كالغصن ثنته الصبا فقال ما ترغب قلت ائتد أدركت إذ كلمتني المرغبا فقال لا مرغب عن ذكر ما ترغبه
____________________
(1/692)

وستأتي هذه القصيدة بكمالها في جملة من نظم ابن سعيد المذكور وقال يتشوق إلى إشبيلية وهي حمص الأندلس [ الكامل ] أن الخليج وغنت الورقاء هل برحا إذ هاجت
____________________
(1/693)

صفو تكدر بالتحرك ليته ما زال لكن لا يرد قضاء إن الفراق هو المنية إنما أهل النوى ماتوا وهم أحياء لولا تذكر لذة طابت لنا بذرى الجزيرة حيث طاب هواء وجرى النسيم على الخليج معطرا وتبددت في الدوحة الأنداء ما كابدت نفسي أليم تفكر ألوى به عن جفني الإغضاء يا نهر حمص لا عدتك مسرة ماء يسيل لديك أم صهباء كل النفوس تهش فيك كأنما جمعت عليك شتاتها الأهواء ودي إليك مع الزمان مجدد ما إن يحول تذكر وعناء ولو أنني لم أحي ذكرا للذي أوليته ما كان في حياء ما كنت أطمع في الحياة لو أنني أيقنت أن لا يسترد لقاء غيري إذا ما بان حان وإنما أبقى حياتي حين بنت رجاء وسيأتي إن شاء الله تعالى لهذا النمط وغيره مزيد أثناء الكتاب بحسب ما اقتضته المناسبة والله تعالى المرجو في حسن المتاب وهو سبحانه
____________________
(1/694)

& الباب الخامس &
في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الزاكية العرار والبشام ومدح جماعة من أولئك الأعلام ذوي العقول الراجحة والأخلام لشامة وجنة الأرض دمشق الشام وما اقتضته المناسبة من كلام أعيانها وأرباب بيانها ذوي السؤدد والاحتشام ومخاطباتهم للفقير المؤلف حين حلها سنة ألف وسبع وثلاثين للهجرة
( وشاهد برق فضلها المبين وشام ** )
اعلم جعلني الله تعالى وإياك ممن له للمذهب الحق انتحال أن حصر أهل الارتحال لا يمكن بوجه ولا بحال ولا يعلم ذلك على الإحاطة إلا علام الغيوب الشديد المحال ولو أطلقنا عنان الأقلام فيمن عرفناه فقط من هؤلاء الأعلام لطال الكتاب وكثر الكلام ولكنا نذكر منهم لمعا على وجه التوسط من غير إطناب داع إلى الملال واختصار مؤد للملام فنقول مستمدين من واهب العقول
1 منهم عالم الأندلس عبد الملك بن حبيب السلمي وقد عرف به القاضي عياض في المدارك وغير واحد ورأيت في بعض التواريخ أن تواليفه
____________________
(2/5)

بلغت ألفا ومن أشهرها كتاب الواضحة في مذهب مالك كتاب كبير مفيد ولابن حبيب مذهب في كتب المالكية مسطور وهو مشهور عند علماء المشرق وقد نقل عنه الحافظ ابن حجر وصاحب المواهب وغيرهما
ومن نظمه يخاطب سلطان الأندلس :
( لا تنس لا ينسك الرحمن عاشورا ** واذكره لا زلت في التاريخ مذكورا )
( قال النبي صلاة الله تشمله ** قولا وجدنا عليه الحق والنورا )
( فيمن يوسع في إنفاق موسمه ** أن لا يزال بذاك العام ميسورا )
وهذا البيت الثالث نسيت لفظه فكتبته بالمعنى والوزن إذ طال عهدي به والله تعالى أعلم
وقال الفتح في المطمح الفقيه العالم أبو مروان عبد الملك بن حبيب السلمي أي شرف لأهل الأندلس ومفخر وأي بحر بالعلوم يزخر خلدت منه الأندلس فقيها عالما أعاد مجاهل جهلها معالما وأقام فيها للعلوم سوقا نافقة ونشر منها ألوية خافقة وجلا عن الألباب صدأ الكسل وشحذها شحذ الصوارم والأسل وتصرف في فنون العلوم وعرف كل معلوم وسمع بالأندلس وتفقه حتى صار أعلم من بها وأفقه ولقي أنجاب مالك وسلك من مناظرتهم أوعر المسالك حتى أجمع عليه الاتفاق ووقع على تفضيله الإصفاق ويقال إنه لقي مالكا أخر عمره وروى عنه عن سعيد
____________________
(2/6)

ابن المسيب أن سليمان بن داود صلى عليهما وسلم كان يركب إلى بيت المقدس فيتغدى به ثم يعود فيتعشى بإصطخر وله في الفقه كتاب الواضحة ومن أحاديثه غرائب قد تحلت بها للزمان نحور وترائب
وقال محمد بن لبابة فقيه الأندلس عيسى بن دينار وعالمها عبد الملك ابن حبيب وراويها يحيى بن يحيى وكان عبد الملك قد جمع إلى علم الفقه والحديث علم اللغة والإعراب وتصرف في فنون الآداب وكان له شعر يتكلم به متبحرا ويرى ينبوعه بذلك متفخرا وتوفي بالأندلس في رمضان سنة 238 وهو ابن ثلاث وخمسين سنة بعدما جال في الأرض وقطع طولها والعرض وجال في أكنافها وانتهى إلى أطرافها
ومن شعره قوله
( قد طاح أمري والذي أبتغي ** هين على الرحمن في قدرته )
( ألف من الحمر وأقلل بها ** لعالم أربى على بغيته )
( زرياب قد أعطيها جملة ** وحرفتي أشرف من حرفته )
وكتب إلى الزجالي رسالة وصلها بهذه الأبيات
كيف يطيق الشعر من أصبحت ** حالته اليوم كحال الغرق )
____________________
(2/7)


( والشعر لا يسلس إلا على ** فراغ قلب واتساع الخلق )
( فاقنع بهذا القول من شاعر ** يرضى من الحظ بأذني العنق )
( فضلك قد بان عليه كما ** بان لأهل الأرض ضوء الشفق )
( أما ذمام الود مني لكم ** فهو من المحتوم فيما سبق )
ولم يكن له علم بالحديث يعرف به صحيحه من معتله ولا يفرق بين مستقيمه ومختله وكان غرضه الإجازة وأكثر رواياته غير مستجارة قال ابن وضاح قال إبراهيم بن المنذر أتى صاحبكم الأندلس يعني عبد الملك هذا بغرارة مملوءة فقال لي هذا علمك قلت له نعم ما قرأ علي منه حرفا ولا قرأته عليه وحكى أنه قال في دخوله المشرق وحضر مجلس بعض الأكابر فازداره من رآه
( لا تنظرن إلى جسمي وقلته ** وأنظر لصدري وما يحوي من السنن )
( فرب ذي منظر من غير معرفة ** ورب من تزدريه العين ذو فطن )
( ورب لؤلؤة في عين مزبلة ** لم يلق بال لها إلا إلى زمن )
انتهى ما في المطمح الصغير
قلت أما ما ذكره من عدم معرفته بالحديث فهو غير مسلم وقد نقل عنه غير واحد من جهابذة المحدثين نعم لأهل الأندلس غرائب لم يعرفها كثير من المحدثين حتى إن في شفاء عياض أحاديث لم يعرف أهل المشرق النقاد مخرجها مع اعترافهم بجلالة حفاظ الأندلس الذين نقلوها كبقي ابن مخلد وابن حبيب وغيرهما على ما هو معلوم وأما ما ذكره عنه في الإجازة بما في الغرارة فذلك على مذهب من يرى الإجازة وهو مذهب مستفيض واعتراض من اعترض عليه إنما هو بناء على القول بمنع الإجازة فاعلم ذلك والله سبحانه الموفق
____________________
(2/8)


2 ومن الراحلين من الأندلس الفقيه المحدث يحيى بن يحيى الليثي راوي الموطإ عن مالك رضي الله تعالى عنه ويقال إن أصله من برابر مصمودة وحكي أنه لما ارتحل إلى ملك لازمه فبينما هو عنده في مجلسه مع جماعة من أصحابه إذ قال قائل حضر الفيل فخرج أصحاب مالك كلهم ولم يخرج يحيى فقال له مالك ما لك لم تخرج وليس الفيل في بلادك فقال إنما جئت من الأندلس لأنظر إليك وأتعلم من هديك وعلمك ولم أكن لأنظر إلى الفيل فأعجب به مالك وقال هذا عاقل الأندلس ولذلك قيل إن يحيى هذا عاقل الأندلس وعيسى بن دينار فقيهها وعبد الملك بن حبيب عالمهما ويقال إن يحيى راويها ومحدثها وتوفي يحيى بن يحيى سنة 234 برجب وقبره يستسقى به بقرطبة وقيل إن وفاته في السنة قبلها والله تعالى أعلم
وروايته الموطأ مشهورة حتى أن أهل المشرق الآن يسندون الموطأ من روايته كثيرا مع تعدد رواة الموطأ والله أعلم وكان يحيى بن يحيى روى الموطأ بقرطبة عن زياد بن عبد الرحمن اللخمي المعروف بشبطون وسمع من يحيى بن مضر القيسي الأندلسي ثم أرتحل إلى المشرق وهو ابن ثمان وعشرين سنة فسمع من مالك بن أنس الموطأ غير أبواب في كتاب الاعتكاف شك في سماعها فأثبت روايته فيها عن زياد وذلك مما يدل على ورعه
وسمع بمصر من الليث بن سعد وبمكة من سفيان بن عيينة وتفقه
____________________
(2/9)

بالمدنيين والمصريين كعبد الله بن وهب وعبد الرحمن بن القاسم العتقي وسمع منهما وهما من أكابر أصحاب مالك بعد انتفاعه بمالك وملازمته له
وانتهت إليه الرياسة بالأندلس وبه اشتهر مذهب مالك في تلك الديار وتفقه به جماعة لا يحصون عددا وروى عنه خلق كثير وأشهر رواة الموطإ وأحسنهم رواية يحيى المذكور وكان مع أمانته ودينه معظما عند الأمراء يكنى عندهم عفيفا عن الولايات متنزها جلت رتبته عن القضاء وكان أعلى من القضاة قدرا عند ولاة الأمر بالأندلس لزهده في القضاء وامتناعه
قال الحافظ ابن حزم مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان مذهب أبي حنيفة فإنه لما ولي القضاء أبو يوسف كانت القضاة من قبله من أقصى المشرق إلى أقصى عمل إفريقية فكان لا يولي إلا أصحابه والمنتسبين لمذهبه ومذهب مالك عندنا بالأندلس فإن يحيى بن يحيى كان مكينا عند السلطان مقبول القول في القضاة وكان لا يلي قاض في أقطار بلاد الأندلس إلا بمشورته واختياره ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه والناس سراع إلى الدنيا فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به على أن يحيى لم يل قضاء قط ولا أجاب إليه وكان ذلك زائدة في جلالته عندهم وداعيا إلى قبول رأيه لديهم انتهى
وذكرنا في غير هذا الموضع قولا آخر في سبب انتشار مذهب مالك بالأندلس والله سبحانه أعلم بحقيقة الأمر انتهى
وقال ابن أبي الفياض جمع الأمير عبد الرحمن بن الحكم الفقهاء في
____________________
(2/10)

قصره وكان على جارية يحبها في رمضان ثم ندم أشد ندم فسألتهم عن التوبة والكفارة فقال يحيى تكفر بصوم شهرين متتابعين فلما بادر يحيى بهذه الفتيا سكت الفقهاء حتى خرجوا فقال بعضهم له لم لم تفت بمذهب مالك بالتخيير فقال لو فتحنا له هذا الباب سهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة ولكن حملته على أصعب الأمور لئلا يعود
وقال بعض المالكية إن يحيى ورى بهذا ورأى أنه لم يملك شيئا إذ هو مستغرق الذمة فلا عتق له ولا إطعام فلم يبق إلا الصيام انتهى
ولما انفصل يحيى عن مالك ووصل إلى مصر رأى ابن القاسم يدون سماعه من مالك فنشط للرجوع إلى مالك ليسمع منه المسائل التي رأى ابن القاسم يدونها فرحل رحلة ثانية فألقى مالكا عليلا فأقام عنده إلى أن مات وحضر جنازته فعاد إلى ابن القاسم وسمع منه سماعه من مالك هكذا ذكره ابن الفرضي في تاريخه وهو مما يرد الحكاية المشهورة الآن بالمغرب أن يحيى سأل مالكا عن زكاة التين فقال له لا زكاة فيها فقال إنها تدخر عندنا ونذر إن وصل إلى الأندلس أن يرسل لمالك سفينة مملوءة تينا فلما وصل أرسلها فإذا مالك قد مات انتهى
قال ابن الفرضي ولما انصرف يحيى إلى الأندلس كان إمام وقته وواحد بلاده وكان ممن اتهم بالهيج في وقعة الربض المشهورة ففر إلى طليطلة ثم استأمن فكتب له الأمير الحكم أمانا وانصرف إلى قرطبة
وقيل لم يعط أحد من أهل الأندلس منذ دخلها الإسلام ما أعطى يحيى من الحظوة وعظم القدر وجلالة الذكر
____________________
(2/11)


وقال ابن بشكوال إن يحيى بن يحيى كان مجاب الدعوة وإنه أخذ في سمته وهيئته ونفسه ومقعده هيئات مالك
ويحكى عنه أنه قال أخذت بركاب الليث بن سعد فأراد غلامه أن يمنعني فقال دعه ثم قال لي الليث خدمك العلم فلم تزل بي الأيام حتى رأيت مالكا انتهى
3 ومنهم القاضي أبو عبد الله محمد بن أبي عيسى
قال في المطمح من بني يحيى بن يحيى الليثي وهذه ثنية علم وعقل وصحة ضبط ونقل كان علم الأندلس وعالمها الندس ولي القضاء بقرطبة بعد رحلة رحلها إلى المشرق وجمع فيها من الروايات والسماع كل مفترق وجال في آفاق ذلك الآفق لا يستقر في بلد ولا يستوطن في جلد ثم كر إلى الأندلس فسمت رتبته وتحلت بالأماني لبته وتصرف في ولايات أحمد فيها منابه واتصلت بسببها بالخليفة أسبابه وولاه القضاء بقرطبة فتولاه بسياسة محمودة ورياسة في الدين مبرمة القوى مجهودة والتزم فيها الصرامة في تنفيذ الحقوق والحزامة في إقامة الحدود والكشف عن البينات في السر والصدع بالحق في الجهر لم يستمله مخادع ولم
____________________
(2/12)

يكده مخاتل ولم يهب ذا كرمة ولا داهن ذا مرتبة ولا أغضى لأحد من أسباب السلطان وأهله حتى تحاموا جانبه فلم يجسر أحد منهم عليه وكان له نصيب وافر من الأدب وحظ من البلاغة إذا نظم وإذا كتب
ومن ملح شعره ما قاله عند أوبته عن غربته
( كأن لم يكن بين ولم تك فرقة ** إذا كان من بعد الفراق تلاق )
( كأن لم تؤرق بالعراقين مقلي ** ولم تمر كف الشوق ماء مآقي )
( ولم أزر الأعراب في جنب أرضهم ** بذات اللوى من رامة وبراق )
( ولم أصطبح بالبيد من قهوة الندى ** وكأس سقاها في الأزاهر ساق )
وله أيضا
( ماذا أكابد من ورق مغردة ** على قضيب بذات الجزع مياس )
( رددن شجوا شجا قلب الخلي فهل ** في عبرة ذرفت في الحب من باس )
( ذكرنه الزمن الماضي بقرطبة ** بين الأحبة في أمن وإيناس )
( هم الصبابة لولا همة ** شرفت فصيرت قلبه كالجندل القاسي ) وله أخبار تدل على رقة العراق والتغذي بماء تلك الآفاق فمنها أنه خرج إلى حضور جنازة بمقابر قريش ورجل من بني جابر كان يواخيه له منزل هناك فعزم عليه في الميل إليه وعلى أخيه فنزلا عليه فأحضر لهما طعاما وأمر جارية له بالغناء فغنت
____________________
(2/13)


( طابت بطيب لثاتك الأقداح ** وزهت بحمرة خدك التفاح )
( وإذا الربيع تنسمت أرواحه ** طابت بطيب نسيمك الأرواح )
( وإذا الحنادس ألبست ظلماءها ** فضياء وجهك في الدجى مصباح )
فكتبها القاضي في ظهر يده وخرج من عنده قال يونس بن عبد الله فلقد رأيته يكبر للصلاة على الجنازة والأبيات مكتوبة على ظهر كفه
وكان رحمه الله تعالى في غاية اللطف حكى بعض أصحابه قال ركبنا معه في موكب حافل من وجوه الناس إذ عرض لنا فتى متأدب قد خرج من بعض الأزقة سكران يتمايل فلما رأى القاضي هابه وأراد الانصراف فخانته رجلاه فاستند إلى الحائط وأطرق فلما قرب القاضي رفع رأسه وأنشأ يقول
( ألا أيها القاضي الذي عم عدله ** فأضحى به بين الأنام فريدا )
( قرأت كتاب الله تسعين مرة ** فلم أر فيه للشراب حدودا )
( فإن شئت جلدا لي فدونك منكبا ** صبورا على ريب الزمان جليدا )
( وإن شئت أن تعفو تكن لك منة ** تروح بها في العالمين حميدا )
( وإن أنت تختار الحديد فإن لي ** لسانا على هجو الزمان حديدا )
فلما سمع شعره وميز أدبه أعرض عنه وترك الإنكار عليه ومضى لشأنه انتهى ملخصا من المطمح
ورأيت بخطي في بعض مسوداتي ما صورته محمد بن عبد الله بن يحيى بن يحيى الليثي قاضي الجماعة بقرطبة سمع عم أبيه عبيد الله بن يحيى ومحمد
____________________
(2/14)

بن عمر بن لبابة وأحمد بن خالد ورحل من قرطبة سنة 312 ودخل مصر وحج وسمع بمكة من ابن المنذر والعقيلي وابن الأعرابي وغيرهم كان حافظا معتنيا بالآثار جامعا للسنن متصرفا في علم الإعراب ومعاني الشعر شاعرا مطبوعا وشاوره القاضي أحمد بن بقي واستقضاه الناصر عبد الرحمن بن محمد على إلبيرة وبجانة ثم ولاه قضاء الجماعة بقرطبة بعد أبي طالب سنة 326 وجمعت له مع القضاء الصلاة وكان كثيرا ما يخرج إلى الثغور ويتصرف في إصلاح ما وهى منها فاعتل في آخر خرجاته ومات في بعض الحصون المجاورة لطليطلة سنة 337 ومولده سنة 284 انتهى وأظن أني نقلته من كتاب ابن الأبار الحافظ والله أعلم
4 - ومنهم عتيق بن أحمد بن عبد الباقي الأندلسي الدمشقي وفاة يكنى أبا بكر نزيل دمشق كان مشهورا بالصلاح وانتفع به جماعة من الفقراء وولد على ما قيل سنة 516 وتوفي سنة 616 بدمشق 1 ودفن بمقابر الصوفية فيكون عمره على هذا مائة سنة رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته وبركات أمثاله
5 - ومنهم أبو إبراهيم إسماعيل بن محمد بن يوسف الأنصاري الأندلسي الأبذي الملقب في البلاد المشرقية ببرهان الدين وأبذة - بضم الهمزة وتشديد الباء الموحدة وفتحها وبعدها ذال معجمة - بلد بالأندلس سمع المذكور بمكة وغيرها من البلاد وبدمشق من الحافظ ابن طبرزذ وأم بالصخرة وكان فاضلا صالحا شاعرا توفي سنة 656 وأخبر عن بعض الأولياء المجاورين ببيت المقدس أنه سمع هاتفا يقول لما خربت القدس
____________________
(2/15)


( إن يكن بالشآم قل نصيري ** ثم خربت واستمر هلوكي ) فلقد أثبت الغداة خرابي ** مر العار في حياة الملوك (
هكذا رأيته بخط الصفدي في حياة ويحتمل أن يكون في جباه جمع جبهة والله أعلم ترجمة
6 - ومنهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الجماعة بقرطبة وقد قدمنا جملة من أخباره في الباب الثالث والرابع من هذا القسم وكان لا يخاف في الله لومة لائم ومن مشهور ما جرى له في ذلك قصته في أيتام أخي نجدة وحدث بها جماعة من أهل العلم والرواية وهي أن الخليفة الناصر احتاج إلى شراء دار بقرطبة لحظية من نسائه تكرم عليه فوقع استحسانه على دار كانت لأولاد زكريا أخي نجدة وكانت بقرب النشارين في الربض الشرقي منفصلة عن دوره ويتصل بها حمام له غلة واسعة وكان أولاد زكريا أخي نجدة أيتاما في حجر القاضي فأرسل الخليفة من قومها له بعدد ما طابت نفسه وأرسل ناسا أمرهم بمداخله وصي الأيتام في بيعها عليهم فذكر أنه لا يجوز إلا بأمر القاضي إذ لم يجز بيع الأصل إلا عن رأيه ومشورته فأرسل الخليفة إلى القاضي منذر في بيع هذه الدار فقال لرسوله البيع على الأيتام لا يصح إلا لوجوه منها الحاجة ومنها الوهي الشديد ومنها الغبطة فأما الحاجة فلا حاجة لهؤلاء الأيتام إلى البيع وأما الوهي فليس فيها وأما الغبطة فهذا مكانها فإن أعطاهم أمير المؤمنين فيها ما تستبين به الغبطة أمرت
____________________
(2/16)

وصيهم بالبيع وإلا فلا فنقل جوابه إلى الخليفة فأظهر الزهد في شراء الدار طمعا أن يتوخى رغبته فيها وخاف القاضي أن تنبعث منه عزيمة تلحق الأيتام سورتها فأمر وصي الأيتام بنقض الدار وبيع أنقاضها ففعل ذلك وباع الأنقاض فكانت لها قيمة أكثر مما قومت به للسلطان فاتصل الخبر به فعز عليه خرابها وأمر بتوقيف الوصي على ما أحدثه فيها فأحال الوصي على القاضي أنه أمره بذلك فأرسل عند ذلك للقاضي منذر وقال له أنت أمرت بنقض دار أخي نجدة فقال 14 له نعم فقال وما دعاك إلى ذلك قال أخذت فيها بقول الله تعالى { أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا } الكهف 79 ] مقوموك لم يقدروها إلا بكذا وبذلك تعلق وهمك فقد نض في أنقاضها أكثر من ذلك وبقيت القاعة والحمام فضلا ونظر الله تعالى للأيتام فصبر الخليفة عبد الرحمن على ما أتى من ذلك وقال نحن أولى من انقاد إلى الحق فجزاك الله تعالى عنا وعن أمانتك خيرا قالوا وكان على متانته وجزالته حسن الخلق كثير الدعابة فربما ساء ظن من لا يعرفه حتى إذا رام أن يصيب من دينه شعرة ثار له ثورة الأسد الضاري فمن ذلك ما حدث به سعيد ابنه قال قعدنا ليلة من ليالي شهر رمضان المعظم مع أبينا للإفطار بداره البرانية فإذا سائل يقول أطعمونا من عشائكم أطعمكم الله تعالى من ثمار الجنة هذه الليلة ويكثر من ذلك فقال القاضي إن استجيب لهذا السائل فيكم فليس يصبح منا واحد
____________________
(2/17)

وحكى عنه قاسم بن أحمد الجهني أنه ركب يوما لحيازة أرض محبسة في ركب من وجوه الفقهاء وأهل العدالة فيهم أبو إبراهيم اللؤلؤي ونظراؤه قال فسرنا نقفوه وهو أمامنا وأمامه أمناؤه يحملون خرائطه وذووه عليهم السكينة والوقار وكانت القضاة حينئذ لا تراكب ولا تماشي فعرض له في بعض الطريق كلاب مع مستوحمة والكلاب تلعق هنها وتدور حولها فوقف وصرف وجهه إلينا وقال ترون يا أصحابنا ما أبر الكلاب بالهن الذي تلعقه وتكرمه ونحن لا نفعل ذلك ثم لوى عنان دابته وقد أضحكنا وبقينا متعجبين من هزله
وحضر عند الحكم المستنصر بالله يوما في خلوة له في بستان الزهراء على بركة ماء طافحة وسط روضة نافحة في يوم شديد الوهج وذلك إثر منصرفه من صلاة الجمعة فشكا إلى الخليفة من وهج الحر الجهد وبث منه ما تجاوز الحد فأمره بخلع ثيابه والتخفيف عن جسمه ففعل ولم يطف ذلك ما به فقال له الصواب أن تنغمس في وسط الصهريج انغماسة يبرد بها جسمك وليس مع الخليفة إلا الحاجب جعفر الخادم الصقلبي أمين الخليفة الحكم لا رابع لهم فكأنه استحيا من ذلك وانقبض عنه وقارا وأقصر عنه إقصارا فأمر الخليفة حاجبه جعفرا بسبقه إلى النزول في الصهريج ليسهل عليه الأمر فيه فبادر جعفر لذلك وألقى نفسه في الصهريج وكان يحسن السباحة فجعل يجول يمينا وشمالا فلم يسع القاضي إلا إنفاذ أمر الخليفة فقام وألقى بنفسه خلف جعفر ولاذ بالقعود في درج الصهريج وتدرج فيه بعض تدريج ولم ينبسط في السباحة وجعفر يمر مصعدا ومصوبا فدسه الحكم على القاضي وحمله على مساجلته في العوم فهو يعجزه في إخلاده إلى القعود ويعابثه
____________________
(2/18)

بإلقاء الماء عليه والإشارة بالجذب إليه وهو لا ينبعث معه ولا يفارق موضعه إلى أن كلمه الحكم وقال له ما لك لا تساعد الحاجب في فعله وتنقيل صنعه فمن أجلك نزل وبسببك تبذل فقال له يا سيدي يا أمير المؤمنين الحاجب سلمه الله تعالى لا هوجل معه وإنا بهذا الهوجل الذي معي يعقلني ويمنعني من أن أجول معه مجاله يعني أن الحاجب خصي لا هوجل معه والهوجل الذكر فاستفرغ الحكم ضحكا من نادرته ولطيف تعريضه لجعفر وخجل جعفر من قوله وسبه سب الأشراف وخرجا من الماء وأمر لهما الخليفة بخلع ووصلهما بصلات سنية تشاكل كل واحد منهما وحكي أن الخليفة الحكم قال له يوما لقد بلغني أنك لا تجتهد للأيتام وأنك تقدم لهم أوصياء سوء يأكلون أموالهم فقال نعم وإن أمكنهم نيك أمهاتهم لم يعفوا عنهن قال وكيف تقدم مثل هؤلاء قال لست أجد غيرهم ولكن أحلني على اللؤلؤي وأبي إبراهيم ومثل هؤلاء فإن أبوا أجبرتهم بالسوط والسجن ثم لا تسمع إلا خيرا
وقال القاضي منذر أتيت وأبو جعفر بن النحاس في مجلسه بمصر يملي في أخبار الشعراء شعر قيس المجنون حيث يقول
( خليلي هل بالشام عين حزينة ** تبكي على نجد لعلي أعينها )
( قد أسلمها الباكون إلا حمامة ** مطوقة باتت وبات قرينها )
( تجاوبها أخرى على خيزرانة ** يكاد يدنيها من الأرض لينها )
فقلت له يا أبا جعفر ماذا أعزك الله تعالى باتا يصنعان فقال لي وكيف تقول أنت يا أندلسي فقلت له بانت 13 وبان قرينها فسكت وما
____________________
(2/19)

زال يستثقلني بعد ذلك حتى منعني كتاب العين وكنت ذهبت إلى الانتساخ من نسخته فلما قطع بي قيل لي أين أنت عن أبي العباس بن ولاد فقصدته فلقيت رجلا كامل العلم حسن المروءة فسألته الكتاب فأخرجه إلي ثم ندم أبو جعفر لما بلغه إباحة أبي العباس الكتاب لي وعاد إلى ما كنت أعرفه منه
قال وكان أبو جعفر لئيم النفس شديد التقتير على نفسه وربما وهبت له العمامة فيقطعها ثلاث عمائم وكان يأبى شراء حوائجه بنفسه ويتحامل فيها على أهل معرفته انتهى
وأبو جعفر هذا يقال إن تواليفه تزيد على خمسين منها شرح عشرة دواوين للعرب وإعراب القرآن ومعاني القرآن وشرح أبيات الكتاب وغير ذلك
رجع - وقال منذر بن سعيد كتبت إلى أبي علي البغدادي أستعير منه كتابا من الغريب وقلت
( بحق ربهم مهفهف ** وصدغه المتعطف )
( إبعث إلي بجزء ** من الغريب المصنف )
فقضى حاجتي وأجاب بقوله
( وحق در تألف ** بفيك أي تألف )
) ( لأبعثن بما قد حوى ** الغريب المصنف )
( ولو بعثت بنفسي ** إليك ما كنت أسرف )
فرحم الله تعالى تلك الأرواح الطاهرة
وذكر ابن أصبغ الهمداني عن منذر أنه خطب يوما وأراد التواضع فكان من فصول خطبته أن قال حتى متى أعظ ولا أتعظ وأزجر ولا
____________________
(2/20)

أزدجر أدل الطريق على المستدلين وأبقى مقيما مع الحائرين كلا إن هذا لهو البلاء المبين { إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء } [ الأعراف 155 ] اللهم فرغني لما خلقتني له ولا تشغلني بما تكفلت لي به ولا تحرمني وأنا أسألك ولا تعذبني وأنا أستغفرك يا أرحم الراحمين وسمع منذر بالأندلس من عبيد الله بن يحيى بن يحيى ونظرائه ثم رحل حاجا سنة ثمان وثلاثمائة فاجتمع بعدة أعلام وظهرت فضائله بالمشرق وممن سمع عليه منذر بالمشرق ثم بمكة محمد بن المنذر النيسابوري سمع عليه كتابه المؤلف في اختلاف العلماء المسمى بالإشراف وروى بمصر كتاب العين للخليل عن أبي العباس بن ولاد وروى عن أبي جعفر بن النحاس
وكان منذر متفننا في ضروب العلوم وغلب عليه التفقه بمذهب أبي سليمان داود بن علي الأصبهاني المعروف بالظاهري فكان منذر يؤثر مذهبه ويجمع كتبه ويحتج لمقالته ويأخذ به في نفسه وذويه فإذا جلس للحكومة قضى بمذهب الإمام مالك وأصحابه وهو الذي عليه العمل بالأندلس وحمل السلطان أهل مملكته عليه وكان خطيبا بليغا عالما بالجدل حاذقا فيه شديد العارضة حاضر الجواب عتيده ثابت الحجة ذا شارة عجيبة ومنظر جميل وخلق حميد وتواضع لأهل الطلب وانحطاط إليهم وإقبال عليهم وكان - مع وقاره التام - فيه دعابة مستملحة وله نوادر مستحسنة وكانت ولايته القضاء بقرطبة للناصر في شهر ربيع الآخر سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة ولبث قاضيا من ذلك التاريخ للخليفة الناصر إلى وفاته ثم للخليفة الحكم المستنصر إلى أن توفي رحمه الله تعالى عقب ذي القعدة من سنة خمس وخمسين وثلاثمائة فكانت ولايته لقضاء
____________________
(2/21)

عارفا بتعبير الرؤيا حسن المقاصد مخلصا فيما يقول ويفعل وكان يجتنب فضول الكلام ولا ينطق في سائر أوقاته إلا بما تدعو إليه ضرورة ولا يجلس للقراءة إلا على طهارة في هيئة حسنة وتخشع واستكانة وكان يعتل العلة الشديدة فلا يشتكي ولا يتأوه وإذا سئل عن حاله قال العافية لا يزيد على ذلك
وكان كثيرا ما ينشد هذا اللغز في النعش وهو لأبي زكريا يحيى بن سلامة الخطيب
( أتعرف شيئا في السماء نظيره ** إذا سار صاح الناس حيث يسير )
( فتلقاه مركوبا وتلقاه راكبا ** وكل أمير يعتليه أسير )
( يحض على التقوى ويكره قربه ** وتنفر منه النفس وهو نذير )
( ولم يستزر عن رغبة في زيارة ** ولكن على رغم المزور يزور ) وكان يقال عند دخوله إلى مصر إنه يحفظ وقر بعير من العلوم وكان نزيل القاضي الفاضل ورتبه بمدرسته بالقاهرة وقيل إن كنيته أبو محمد حسبما وجد في بعض إجازاته رحمه الله تعالى
8 - ومن الراحلين إلى المشرق من الأندلس الإمام القاضي أبو بكر بن العربي
____________________
(2/21)

الجماعة المعبر عنها في المشرق بقضاء القضاة ستة عشر عاما كاملة لم يحفظ عليه فيها جور في قضية ولا قسم بغير سوية ولا ميل بهوى ولا إصغاء إلى عناية رحمه الله تعالى ورضي عنه ودفن بمقبرة قريش بالربض الغربي من قرطبة أعادها الله تعالى جوفي مسجد السيدة الكبرى بقرب داره
وله رحمه الله تعالى تواليف مفيدة منها كتاب أحكام القرآن و الناسخ والمنسوخ وغير ذلك في الفقه والكلام في الرد على أهل المذاهب تغمده الله تعالى برضوانه
وكتب بعض الأدباء إلى القاضي منذر بقوله
( مسألة جئتك مستفتيا ** عنها وأنت العالم المستشار )
( علام تحمر وجوه الظبا ** وأوجه العشاق فيها اصفرار )
فأجاب منذر بقوله
( احمر وجه الظبي إذ لحظه ** سيف على العشاق فيه احورار )
( واصفر وجه الصب لما نأى ** والشمس تبقي للمغيب اصفرار ) ترجمة أبي القاسم الشاطبي الرعيني المقري 196 ترجمة أبي القاسم الشاطبي الرعيني المقري
7 - وممن رحل إلى المشرق من الأندلس فشهد له بالسبق كل أهل المغرب والشرق الإمام العلامة أبو القاسم الشاطبي صاحب حرز الأماني و العقيلة وغيرهما
____________________
(2/22)

وهو أبو القاسم بن فيره بن خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي المقرىء الفقيه الحافظ الضرير أحد العلماء المشهورين والفضلاء المذكورين خطب ببلده شاطبة مع صغر سنه ودخل الديار المصرية سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة وحضر عند الحافظ السلفي وابن بري وغيرهما وولد بشاطبة آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة وتوفي بالقاهرة يوم الأحد الثامن والعشرين وقيل الثامن عشر من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة بعد العصر ودفن من الغد بالتربة الفاضلية بسفح المقطم وحكي أن الأمير عز الدين موسك الذي كان والد ابن الحاجب حاجبا له بعث إلى الشيخ الشاطبي يدعوه إلى الحضور عنده فأمر الشيخ بعض أصحابه أن يكتب إليه
( قل للأمير مقالة ** من ناصح فطن نبيه )
( إن الفقيه إذا أتى ** أبوابكم لا خير فيه )
ومن نظمه رحمه الله تعالى
( خالصت أبناء الزمان فلم أجد ** من لم أرم منه ارتيادي مخلصي )
( رد الشباب وقد مضى لسبيله ** أهيا وأمكن من صديق مخلص )
وكان رحمه الله تعالى قرأ بشاطبة القراءات وأتقنها على النفري ثم انتقل إلى بلنسية فقرأ بها التيسير من حفظه على ابن هذيل وسمع الحديث منه ومن ابن النعمة وابن سعادة وابن عبد الرحيم وغيرهم وارتحل إلى المشرق فاستوطن القاهرة واشتهر اسمه وبعد صيته وقصده الطلبة من النواحي
____________________
(2/23)

وكان إماما علامة ذكيا كثير الفنون منقطع القرين رأسا في القراءات حافظا للحديث بصيرا بالعربية واسع العلم وقد سارت الركبان بقصيدته حرز الأماني و عقيلة أتراب الفضائل اللتين في القراءات والرسم وحفظهما خلق لا يحصون وخضع لهما فحول الشعراء وكبار البلغاء وحذاق القراء ولقد أوجز وسهل الصعب
وممن روى عنه أبو الحسن بن خيرة ووصفه من قوة الحفظ بأمر معجب وممن قرأ عليه بالروايات الإمام الشهير محمد بن عمر القرطبي
وتصدر الشاطبي رحمه الله تعالى للإقراء بالمدرسة الفاضلية وكان موصوفا بالزهد والعبادة والانقطاع وقبره بالقرافة يزار وترجى استجابة الدعاء عنده وقد زرته مرارا ودعوت الله بما أرجو قبوله وترك أولادا منهم أبو عبد الله محمد عاش نحو ثمانين سنة
وقال السبكي في حق الإمام الشاطبي إنه كان قوي الحافظة واسع المحفوظ كثير الفنون فقيها مقرئا محدثا نحويا زاهدا عابدا ناسكا يتوقد ذكاء قال السخاوي أقطع أنه كان مكاشفا وأنه سأل الله كتمان حاله ما كان أحد يعلم أي شيء هو انتهى
وترجمته واسعة رحمه الله تعالى ونفعنا به آمين
وقال ابن خلكان ولقد إنه أبدع كل الإبداع في حرز الأماني وهي عمدة قراء هذا الزمان في نقلهم فقل من يشتغل بالقراءات إلا ويقدم حفظها ومعرفتها وهي مشتملة على رموز عجيبة وإشارات لطيفة وما أظنه سبق إلى أسلوبها وقد روي عنه أنه كان يقول لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلا وينفعه
____________________
(2/24)

الله عز وجل لأني نظمتها لله تعالى مخلصا
وكان عالما بكتاب الله تعالى قراءة وتفسيرا وبحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مبرزا فيه وكان إذا قرئ عليه صحيحا البخاري ومسلم والموطأ يصحح النسخ من حفظه ويملي النكت على المواضع المحتاج إليها وكان أوحد في علم النحو واللغة
____________________
(2/25)

قال ابن سعيد هو الإمام العالم القاضي الشهير فخر المغرب أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري قاضي قضاة كورة إشبيلية ذكره الحجاري في المسهب طبق الآفاق بفوائده وملأ الشام والعراق بأوابده وهو إمام في الأصول والفروع وغير ذلك
ومن شعره وقد ركب مع أحد أمراء الملثمين وكان ذلك الأمير صغيرا فهز عليه رميحا كان في يده مداعبا فقال
( يهز علي الرمح ظبي مهفهف ** لعوب بألباب البرية عابث )
( فلو أنه رمح إذن لاتقيته ** ولكنه رمح وثان وثالث )
وقوله وقد دخل عليه غلام جميل الصورة في لباس خشن
( لبس الصوف لكي أنكره ** وأتانا شاحبا قد عبسا ) قلت إيه قد عرفناك وذا ** جل سوء لا يعيب الفرسا )
( كل شيء أنت فيه حسن ** لا يبالي حسن ما لبسا )
( وزعم بعض أن الأبيات ليست له وإنما تمثل بها فالله تعالى أعلم
وممن عرف بابن العربي وذكره ابن الإمام في سمط الجمان
____________________
(2/26)

والشقندي في الطرف وكان قد صحب المهدي محمد بن تومرت بالمشرق فأوصى عليه عبد المؤمن وكان مكرما عنده وحكي أنه كتب كتابا فأشار عليه أحد من حضر أن يذر عليه نشارة فقال قف ثم فكر ساعة وقال اكتب
( لا تشنه بما تذر عليه ** فكفاه هبوب هذا الهواء )
( فكأن الذي تذر عليه ** جدري بوجنة حسناء )
ولقي أبا بكر الطرطوشي وما برح معظما إلى أن تولى خطة القضاء ووافق ذلك أن احتاج سور إشبيلية إلى بنيان جهة منه ولم يكن فيها مال متوفر ففرض على الناس جلود ضحاياهم وكان ذلك في عيد أضحى فأحضروها كارهين ثم اجتمعت العامة العمياء وثارت عليه ونهبوا داره وخرج إلى قرطبة
وكان في أحد أيام الجمع قاعدا ينتظر الصلاة فإذا بغلام رومي وضيء قد جاء يخترق الصفوف بشمعة في يده وكتاب معتق فقال
( وشمعة تحملها شمعة ** يكاد يخفي نورها نارها )
( لولا نهى نفس نهت غيها ** لقبلته وأتت عارها )
ولما سمعهما أبو عمران الزاهد قال إنه لم يكن يفعل ولكنه هزته أريحية الأدب ولو كنت أنا لقلت
( لولا الحياء وخوف الله يمنعني ** وأن يقال صبا موسى على كبره )
( إذا لمتعت لحظي في نواظره ** حتى أوفي جفوني الحق من نظره )
____________________
(2/27)

رجع إلى أخبار ابن العربي - فنقول إنه سمع بالأندلس أباه وخاله أبا القاسم الحسن الهوزني وأبا عبد الله السرقسطي وببجاية أبا عبد الله الكلاعي وبالمهدية أبا الحسن بن الحداد الخولاني وسمع بالإسكندرية من الأنماطي وبمصر من أبي الحسن الخلعي وغيره وبدمشق غير واحد كأبي الفتح نصر المقدسي وبمكة أبا عبد الله الحسين الطبري وابن طلحة وابن بندار وقرأ الأدب على التبريزي وعمل رحمه الله تعالى على مدينة إشبيلية سورا بالحجارة والآجر بالنورة من ماله وكان - كما في الصلة - مقدما في المعارف كلها حريصا على آدابها ونشرها ثاقب الذهن في تمييز الصواب فيها ويجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق مع حسن المعاشرة ولين الكنف وكثرة الاحتمال وكرم النفس وحسن العهد وثبات الود
وذكره ابن بشكوال في الصلة وقال فيه هو الإمام الحافظ ختام علماء الأندلس رحل إلى المشرق مع أبيه مستهل ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة ودخل الشام والعراق وبغداد وسمع بها من كبار العلماء ثم حج في سنة تسع وثمانين وعاد إلى بغداد ثم صدر منها
وقال ابن عساكر خرج من دمشق راجعا إلى مقره سنة 491 ولما غرب صنف عارضة الأحوذي ولقي بمصر والإسكندرية جملة من العلماء ثم عاد إلى الأندلس سنة ثلاث وتسعين وقدم إشبيلية بعلم كثير وكان موصوفا بالفضل والكمال وولي القضاء بإشبيلية ثم صرف عنه ومولده ليلة يوم الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان وستين وأربعمائة
____________________
(2/28)

وتوفي بمغيلة بمقربة من مدينة فاس ودفن بفاس في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة انتهى كلام ابن سعيد وغيره ملخصا
وما وفى ابن سعيد حافظ الإسلام أبا بكر بن العربي حقه فلنعززه بما حضرنا من التعريف به فنقول إنه لقي ببغداد الشاشي أبا بكر والإمام أبا حامد الطوسي الغزالي ونقل عنه أنه قال كل من رحل لم يأت بمثل ما أتيت به من العلم إلا الباجي أو كلاما هذا معناه وكان من أهل التفنن في العلوم متقدما في المعارف كلها متكلما على أنواعها حريصا على نشرها وقام بأمر القضاء أحمد قيام مع الصرامة في الحق والقوة والشدة على الظالمين والرفق بالمساكين وقد روي عنه أنه أمر بثقب أشداق زامر ثم صرف عن القضاء وأقبل على نشر العلم وبثه وقرأ عليه الحافظ ابن بشكوال بإشبيلية
وقال ابن الأبار إن الإمام الزاهد العابد أبا عبد الله بن مجاهد الإشبيلي لازم القاضي ابن العربي نحوا من ثلاثة أشهر ثم تخلف عنه فقيل له في ذلك فقال كان يدرس وبغلته عند الباب ينتظر الركوب إلى السلطان انتهى
وذكره ابن الزبير في صلته وقال إنه رحل مع أبيه أبي محمد عند انقراض الدولة العبادية وسنه نحو سبعة عشر عاما إلى أن قال وقيد الحديث وضبط ما روى واتسع في الرواية وأتقن مسائل الخلاف والأصول والكلام على أئمة هذا الشأن ومات أبوه - رحمه الله تعالى - بالإسكندرية أول سنة ثلاث وتسعين فانصرف حينئذ إلى إشبيلية فسكنها وشوور فيها وسمع ودرس الفقه والأصول وجلس للوعظ والتفسير وصنف في غير فن تصانيف مليحة حسنة مفيدة وولي القضاء مدة أولها في رجب من سنة ثمان وعشرين فنفع الله تعالى به لصرامته ونفوذ أحكامه والتزم الأمر بالمعروف والنهي عن
____________________
(2/29)

المنكر حتى أوذي في ذلك بذهاب كتبه وماله فأحسن الصبر على ذلك كله ثم صرف عن القضاء وأقبل على نشر العلم وبثه وكان فصيحا حافظا أديبا شاعرا كثير الملح مليح المجلس
ثم قال قال القاضي عياض - بعد أن وصفه بما ذكرته - ولكثرة حديثه وأخباره وغريب حكاياته ورواياته أكثر الناس فيه الكلام وطعنوا في حديثه وتوفي منصرفه من مراكش من الوجهة التي توجه فيها مع أهل بلده إلى الحضرة بعد دخول الموحدين مدينة إشبيلية فحبسوا بمراكش نحو عام ثم سرحوا فأدركته منيته وروى عنه خلق كثير منهم القاضي عياض وأبو جعفر بن الباذش وجماعة انتهى ملخصا
ووقع في عبارة ابن الزبير تبعا لجماعة أنه دفن خارج باب الجيسة بفاس والصواب خارج باب المحروق كما أشبعت الكلام على ذلك في أزهار الرياض وقد زرته مرارا وقبره هنالك مقصود للزيارة خارج القصبة وقد صرح بذلك بعض المتقدمين الذين حضروا وفاته وقال إنه دفن بتربة القائد مظفر خارج القصبة وصلى عليه صاحبه أبو الحكم بن حجاج رحمه الله تعالى ومن بديع نظمه
( أتتني تؤنبني بالبكاء فأهلا بها وبتأنيبها )
( تقول وفي نفسها حسرة ** أتبكي بعين تراني بها )
( فقلت إذا استحسنت 7 غيركم ** أمرت جفوني بتعذيبها )
وقال رحمه الله تعالى دخل علي الأديب ابن صارة وبين يدي نار علاها رماد فقلت له قل في هذه فقال
____________________
(2/30)


( شابت نواصي النار بعد سوادها ** وتسترت عنا بثوب رماد )
ثم قال لي أجز فقلت
( شابت كما شبنا وزال شبابنا ** فكأنما كنا على ميعاد )
وقد اختلف حذاق الأدباء في قوله ولكنه رمح وثان وثالث ما هو الثاني والثالث 11 فقيل القد واللحظ وقيل غير ذلك
ولما ذكر رحمه الله تعالى في كتابه قانون التأويل ركوبه البحر في رحلته من إفريقية قال وقد سبق في علم الله تعالى أن يعظم علينا البحر بزوله ويغرقنا في هوله فخرجنا من البحر خروج الميت من القبر وانتهينا بعد خطب طويل إلى بيوت بني كعب بن سليم ونحن من السغب على عطب ومن العري في أقبح زي قد قذف البحر زقاق زيت مزقت الحجارة منيئتها ودسمت الأدهان وبرها وجلدتها فاحترمناها أزرا واشتملناها لفافا تمجنا الأبصار وتخذلنا الأنصار فعطف أميرهم علينا فأوينا إليه فآوانا وأطعمنا الله تعالى على يديه وسقانا وأكرم مثوانا وكسانا بأمر حقير ضعيف وفن من العلم طريف وشرحه أنا لما وقفنا على بابه ألفيناه يدير أعواد الشاه فعل السامد اللاه فدنوت منه في تلك الأطمار وسمح لي بياذقته إذ كنت من الصغر في حد يسمح فيه للأغمار ووقفت بإزائهم أنظر إلى تصرفهم من ورائهم إذ كان علق بنفسي بعض ذلك من بعض القرابة في خلس البطالة مع غلبة الصبوة والجهالة فقلت للبياذقة الأمير أعلم من
____________________
(2/31)

صاحبه فلمحوني شزرا وعظمت في أعينهم بعد أن كنت نزرا وتقدم إلى الأمير من نقل إليه الكلام فاستدناني فدنوت منه وسألني هل لي بما هم فيه بصر فقلت لي فيه بعض نظر سيبدو لك ويظهر حرك تلك القطعة ففعل وعارضه صاحبه فأمرته أن يحرك أخرى وما زالت الحركات بينهم كذلك تترى حتى هزمهم الأمير وانقطع التدبير فقالوا ما أنت بصغير وكان في أثناء تلك الحركات قد ترنم ابن عم الأمير منشدا
( وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه ** وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي )
فقال لعن الله أبا الطيب أو يشك الرب فقلت له في الحال ليس كما ظن صاحبك أيها الأمير إنما أراد بالرب ههنا الصاحب يقول ألذ الهوى ما كان المحب فيه من الوصال وبلوغ الغرض من الآمال على ريب فهو في وقته كله على رجاء لما يؤمله وتقاة لما يقطع به كما قال
( إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا ** فأين حلاوات الرسائل والكتب ) وأخذنا نضيف إلى ذلك من الأغراض في طرفي الإبرام والانتقاض ما حرك منهم إلى جهتي داعي الانتهاض وأقبلوا يتعجبون مني ويسألونني كم سني ويستكشفونني عني فبقرت لهم حديثي وذكرت لهم نجيثي وأعلمت الأمير بأن أبي معي فاستدعاه وقمنا الثلاثة إلى مثواه فخلع علينا خلعه وأسبل علينا أدمعه وجاء كل خوان بأفنان والألوان
ثم قال بعد المبالغة في وصف ما نالهم من إكرامه فانظر إلى هذا العلم الذي هو إلى الجهل أقرب مع تلك الصبابة اليسيرة من الأدب كيف أنقذا من العطب وهذا الذكر يرشدكم إن عقلتم إلى المطلب وسرنا حتى انتهينا إلى ديار مصر انتهى مختصرا
والزول العجب ونجيث الخبر ما ظهر من قبيحه يقال بدا نجيث
____________________
(2/32)

القوم إذا ظهر سرهم الذي كانوا يخفونه قالهما الجوهري
وذكر - رحمه الله تعالى - في رحلته عجائب منها أنه حكى دخوله بدمشق بيوت بعض الأكابر أنه رأى فيه النهر جائيا إلى موضع جلوسهم ثم يعود من ناحية أخرى فلم أفهم معنى ذلك حتى جاءت موائد الطعام في النهر المقبل إلينا فأخذها الخدم ووضعوها بين يدينا فلما فرغنا ألقى الخدم الأواني وما معها في النهر الراجع فذهب بها الماء إلى ناحية الحريم من غير أن يقرب الخدم تلك الناحية فعلمت السر وإن هذا لعجيب انتهى بمعناه
وقال في قانون التأويل ورد علينا دانشمند - يعني الغزالي - فنزل برباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية معرضا عن الدنيا مقبلا على الله تعالى فمشينا إليه وعرضنا أمنيتنا عليه وقلت له أنت ضالتنا التي كنا ننشد وإمامنا الذي به نسترشد فلقينا لقاء المعرفة وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة وتحققنا أن الذي نقل إلينا من أن الخبر على الغائب فوق المشاهدة ليس على العموم ولو رآه علي بن العباس لما قال
( إذا ما مدحت امرأ غائبا ** فلا تغل في مدحه واقصد )
( فإنك إن تغل تغل الظنون ** فيه إلى الأمد الأبعد )
( فيصغر من حيث عظمته ** لفضل المغيب على المشهد )
وكنت نقلت من المطمح في حقه ما صورته علم الأعلام الطاهر الأثواب الباهر الألباب الذي أنسى ذكاء إياس وترك التقليد للقياس وأنتج الفرع
____________________
(2/33)

من الأصل وغدا في يد الإسلام أمضى من النصل سقى الله تعالى به الأندلس بعدما أجدبت من المعارف ومد عليها منه الظل الوارف وكساها رونق نبله وسقاها ريق وبله وكان أبوه أبو محمد بإشبيلية بدرا في فلكها وصدرا في مجلس ملكها واصطفاه معتمد بني عباد اصطفاء المأمون لابن أبي دواد وولاه الولايات الشريفة وبوأه المراتب المنيفة فلما أقفرت حمص من ملكهم وخلت وألقتهم منها وتخلت رحل به إلى المشرق وحل فيه محل الخائف الفرق فجال في أكنافه وأجال قداح الرجاء في العز واستئنافه فلم يسترد ذاهبا ولم يجد كمعتمده باذلا له وواهبا فعاد إلى الرواية والسماع وما استفاد من آمال تلك الأطماع وأبو بكر إذ ذاك في ثرى الذكاء قضيب ما دوح وفي روض الشباب زهر ما صوح فألزمه مجالس العلم رائحا وغاديا ولازمه سائقا إليها وحاديا حتى استقرت به مجالسه واطردت له مقايسه فجد في طلبه واستجد به أبوه متمزق أربه ثم أدركه حمامه ووارته هناك رجامه وبقي أبو بكر متجردا وللطلب متحردا حتى أصبح في العلم وحيدا ولم تجد عنه رياسته محيدا فكر إلى الأندلس فحلها والنفوس إليه متطلعة ولأنبائه مستمعة فناهيك من خطوة لقي ومن عزة سقي ومن رفعة سما إليها ورقي وحسبك من مفاخر قلدها ومحاسن أنس أثبتها فيها وخلدها وقد أثبت من بديع نظمه ما يهز أعطافا وترده الأفهام نطافا فمن ذلك قوله يتشوق إلى بغداد ويخاطب فيها أهل الوداد
( أمنك سرى والليل يخدع بالفجر ** خيال حبيب قد حوى قصب الفخر )
( جلا ظلم الظلماء مشرق نوره ** ولم يخبط الظلماء بالأنجم الزهر )
____________________
(2/34)


( ولم يرض بالأرض البسيطة مسحبا ** فسار على الجوزا إلى فلك يجري )
( وحث مطايا قد مطاها بعزة ** فأوطأها قسرا على قنة النسر )
( فصارت ثقالا بالجلالة فوقها ** وسارت عجالا تتقي ألم الزجر )
( وجرت على ذيل المجرة ذيلها ** فمن ثم يبدو ما هناك لمن يسري )
( ومرت على الجوزاء توضع فوقها ** فآثر ما مرت به كلف البدر )
( وساقت أريج الخلد من جنة العلا ** فدع عنك رملا بالأنيعم يستذري )
( فما حذرت قيسا ولا خيل عامر ** ولا أضمرت خوفا لقاء بني ضمر )
( سقى الله مصرا والعراق وأهلها ** وبغداد والشامين منهمل القطر ) انتهى
ومن تأليف الحافظ أبي بكر بن العربي المذكور كتاب القبس في شرح موطإ مالك بن أنس وكتاب ترتيب المسالك في شرح موطإ مالك وكتاب أنوار الفجر وكتاب أحكام القرآن وكتاب عارضة الأحوذي في شرح الترمذي والأحوذي - بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الواو وكسر الذال المعجمة وآخره ياء مشددة وكتاب مراقي الزلف وكتاب الخلافيات وكتاب نواهي الدواهي وكتاب سراج المريدين وكتاب المشكلين مشكل القرآن والسنة وكتاب الناسخ والمنسوخ في القرآن وكتاب قانون التأويل وكتاب النيرين في الصحيحين وكتاب سراج المهتدين وكتاب الأمد الأقصى بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا وكتاب في الكلام على مشكل حديث السبحات والحجاب وكتاب العقد الأكبر للقلب الأصغر و تبيين الصحيح في تعيين الذبيح و تفصيل التفضيل بين
____________________
(2/35)

التحميد والتهليل ورسالة الكافي في أن لا دليل على النافي وكتاب السباعيات وكتاب المسلسلات وكتاب المتوسط في معرفة صحة الاعتقاد والرد على من خالف أهل السنة من ذوي البدع والإلحاد وكتاب شرح غريب الرسالة وكتاب الإنصاف في مسائل الخلاف عشرون مجلدا وكتاب حديث الإفك وكتاب شرح حديث جابر في الشفاعة وكتاب شرح حديث أنم زرع وكتاب ستر العورة وكتاب المحصول في علم الأصول وكتاب أعيان الأعيان وكتاب ملجأة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين وكتاب ترتيب الرحلة وفيه من الفوائد ما لا يوصف ومن فوائد القاضي أبي بكر بن العربي رحمه الله تعالى قوله قال علماء الحديث ما من رجل يطلب الحديث إلا كان على وجهه نضرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها - الحديث قال وهذا دعاء منه عليه الصلاة والسلام لحملة علمه ولا بد بفضل الله تعالى من نيل بركته انتهى
وإلى هذه النضرة أشار أبو العباس العزفي بقوله
( أهل الحديث عصابة الحق ** فازوا بدعوة سيد الخلق )
( فوجوههم زهر منضرة لألاؤها كتألق البرق )
( يا ليتني معهم فيدركني ** ما أدركوه بها من السبق )
انتهى ولا بأس أن نذكر هنا بعض فوائد الحافظ أبي بكر بن العربي رحمه الله تعالى فمنها قوله في تصريف المحصنات يقال أحصن الرجل فهو محصن - بفتح العين في اسم الفاعل - وأسهب في الكلام فهو مسهب إذا أطال
____________________
(2/36)

البحث فيه وألفج فهو ملفج إذا كان عديما لا رابع لها والله تعالى أعلم انتهى
ومنها قوله سمعت الشيخ فخر الإسلام أبا بكر الشاشي وهو ينتصر لمذهب أبي حنيفة في مجلس النظر يقول يقال في اللغة العربية لا تقرب كذا بفتح الراء أي لا تتلبس بالفعل وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدن من الموضع وهذا الذي قاله صحيح مسموع انتهى
ومنها قوله شاهدت المائدة بطورزيتا مرارا وأكلت عليها ليلا ونهارا وذكرت الله سبحانه وتعالى فيها سرا وجهارا وكان ارتفاعها أشف من القامة بنحو الشبر وكان لها درجتان قبليا وجنوباي وكانت صخرة صلودا لا تؤثر فيها المعاول وكان الناس يقولون مسخت صخرة إذ مسخ أربابها قردة وخنازير والذي عندي أنها كانت صخرة في الأصل قطعت من الأرض محلا للمائدة النازلة من السماء وكل ما حولها حجارة مثلها وكان ما حولها محفوفا بقصور وقد نحتت في ذلك الحجر الصلد بيوت أبوابها منها ومجالسها منها مقطوعة فيها وحناياها في جوانبها وبيوت خدمتها قد صورت من الحجر كما تصور من الطين والخشب فإذا دخلت في قصر من قصورها ورددت الباب وجعلت من ورائه صخرة مقدار ثمن درهم لم يفتحه أهل الأرض للصوقه بالأرض وإذا هبت الريح وحثت تحته التراب لم يفتح إلا بعد صب الماء تحته والإكثار منه حتى يسيل بالتراب وينفرج منفرج الباب وقد بار بها قوم بهذه العلة وقد كنت أخلو فيها كثيرا للدرس ولكني كنت في كل حين أكنس حول الباب مخافة مما جرى لغيري فيها وقد شرحت أمرها في كتاب ترتيب الرحلة بأكثر من هذا انتهى
ومنها قوله رحمه الله تعالى تذاكرت بالمسجد الأقصى مع شيخنا أبي بكر الفهري الطرطوشي في حديث أبي ثعلبة المرفوع إن من ورائكم أياما للعامل فيها أجر خمسين منكم فقالوا بل منهم فقال بل منكم لأنكم تجدون على الخير أعوانا وهم لا يجدون عليه أعوانا وتفاوضنا كيف يكون أجر من يأتي من الأمة أضعاف أجر الصحابة مع أنهم قد أسسوا الإسلام وعضدوا الدين وأقاموا المنار وافتتحوا الأمصار وحموا البيضة ومهدوا الملة وقد قال صلى الله عليه وسلم في الصحيح لو أنفق أحدكم كل يوم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه فتراجعنا القول وتحصل ما أوضحناه في شرح الصحيح وخلاصته أن الصحابة كانت لهم أعمال كثيرة لا يلحقهم فيها أحد ولا يدانيهم فيها بشر وأعمال سواها من فروع الدين يساويهم فيها في الأجر من أخلص إخلاصهم وخلصها من شوائب البدع والرياء بعدهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب عظيم هو ابتداء الدين والإسلام وهو أيضا انتهاؤه وقد كان قليلا في ابتداء الإسلام صعب المرام لغلبة الكفار على الحق وفي آخر الزمان أيضا يعود كذلك لوعد الصادق صلى الله عليه وسلم بفساد الزمان وظهور الفتن وغلبة الباطل واستيلاء التبديل والتغيير على الحق من الخلق وركوب من يأتي سنن من مضى من أهل الكتاب كما قال صلى الله عليه وسلم لتركبن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه وقال صلى الله عليه وسلم بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فلا بد والله تعالى أعلم بحكم هذا الوعد الصادق أن يرجع الإسلام إلى واحد كما بدأ من واحد ويضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى إذا قام به قائم مع احتواشه بالمخاوف وباع نفسه من الله تعالى في الدعاء إليه كان له من الأجر أضعاف
____________________
(2/37)

ما كان لمن كان متمكنا منه معانا عليه بكثرة الدعاة إلى الله تعالى وذلك قوله لأنكم تجدون على الخير أعوانا وهم لا يجدون عليه أعوانا حتى ينقطع ذلك انقطاعا باتا لضعف اليقين وقلة الدين كما قال صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله يروى برفع الهاء ونصبها فالرفع على معنى لا يبقى موحد يذكر الله عز وجل والنصب على معنى لا يبقى آمر بمعروف ولا ناه عن المنكر يقول أخاف الله وحينئذ يتمنى العاقل الموت كما قال صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني كنت مكانه انتهى وأنشد رحمه الله تعالى لبعض الصوفية
( امتحن الله بذا خلقه ** فالنار والجنة في قبضته )
( فهجره أعظم من ناره ** ووصله أطيب من جنته ) ومن فوائد ابن العربي رحمه الله تعالى أنه قال كنت بمجلس الوزير العادل أبي منصور ابن جهير على رتبة بيناها في كتاب الرحلة للترغيب في الملة فقرأ القارئ { تحيتهم يوم يلقونه سلام } [ الأحزاب 44 ] وكنت في الصف الثاني من الحلقة بظهر أبي الوفاء علي بن عقيل إمام الحنبلية بمدينة السلام وكان معتزلي الأصول فلما سمعت الآية قلت لصاحب لي كان يجلس على
____________________
(2/39)

يساري هذه الآية دليل على رؤية الله في الآخرة فإن العرب لا تقول لقيت فلانا إلا إذا رأته فصرف وجهه أبو الوفاء مسرعا إلينا وقال ينتصر لمذهب الاعتزال في أن الله تعالى لا يرى في الآخرة فقد قال الله تعالى { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه } [ التوبة 77 ] وعندك أن المنافقين لا يرون الله تعالى في الآخرة وقد شرحنا وجه الآية في المشكلين وتقدير الآية فأعقبهم هو نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه فيحتمل ضمير يلقونه أن يعود إلى ضمير الفاعل في ( أعقبهم ) المقدر بقولنا هو ويحتمل أن يعود إلى النفاق مجازا على تقدير الجزاء انتهى
ومنها ما نقله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا يقل أحدكم انصرفنا من الصلاة فإن قوما قيل فيهم { ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم } [ التوبة 127 ] وقد أخبرنا محمد بن عبد الملك القيسي الواعظ أخبرنا أبو الفضل الجوهري سماعا منه كنا في جنازة فقال المنذر بها انصرفوا رحمكم الله تعالى فقال لا يقل أحدكم انصرفوا فإن الله تعالى قال في قوم ذمهم { ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم } [ التوبة 127 ] ولكن قولوا انقلبوا رحمكم الله فإن الله تعالى قال في قوم مدحهم { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء } [ آل عمران 174 ]
انتهى ومنها وقد ذكر الخلاف في شاهد يوسف ما صورته فإذا قلنا إنه القميص فكان يصح من جهة اللغة أن يخبر عن حاله بتقدم مقاله فإن لسان الحال أبلغ من لسان المقال في بعض الأمور وقد تضيف العرب الكلام إلى الجمادات بما تخبر عنه بما عليها من الصفات ومن أحلاه قول بعضهم قال الحائط للوتد لم تشقني قال سل من يدقني ما يتركني ورائي هذا الذي ورائي لكن قوله تعالى بعد ذلك { من أهلها } [ يوسف 26 ] في
____________________
(2/40)

صفة الشاهد يبطل أن يكون القميص وأما من قال إنه ابن عمها أو رجل من أصحاب العزيز فإنه يحتمل لكن قوله { من أهلها } [ يوسف 26 ] يعطي اختصاصها من جهة القرابة انتهى
ومنها قوله إنه كان بمدينة السلام إمام من الصوفية وأي إمام يعرف بابن عطاء فتكلم يوما على يوسف وأخباره حتى ذكر تبرئته مما ينسب إليه من مكروه فقام رجل من آخر مجلسه وهو مشحون بالخليقة من كل طائفة فقال يا شيخ يا سيدنا فإذن يوسف هم وما تم فقال نعم لأن العناية من ثم فانظروا إلى حلاوة العالم والمتعلم وفطنة العامي في سؤاله والعالم في اختصاره واستيفائه ولذا قال علماؤنا الصوفية إن فائدة قوله تعالى { ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما } [ يوسف 22 ] إن الله تعالى أعطاه العلم والحكمة أيام غلبة الشهوة لتكون له سببا للعصمة انتهى ومنها قوله كنت بمكة مقيما في ذي الحجة سنة تسع وثمانين وأربعمائة وكنت أشرب من ماء زمزم كثيرا وكلما شربته نويت به العلم والإيمان ففتح الله تعالى لي ببركته في المقدار الذي يسره لي من العلم ونسيت أن أشربه للعمل ويا ليتني شربته لهما حتى يفتح الله تعالى لي فيهما ولم يقدر فكان صفوي للعلم أكثر منه للعمل وأسأل الله تعالى الحفظ والتوفيق برحمته
ومنها قوله سمعت إمام الحنابلة بمدينة السلام أبا الوفاء علي بن عقيل يقول إنما تبع الولد الأم في المالية وصار بحكمها في الرق والحرية لأنه انفصل عن الأب نطفة لا قيمة له ولا مالية فيه ولا منفعة مبثوثة عليه وإنما اكتسب ما اكتسب بها ومنها فلذلك تبعها كما لو أكل رجل تمرا في أرض رجل وسقطت منه نواة في الأرض من يد الآكل فصارت نخلة فإنها ملك صاحب
____________________
(2/41)

الأرض دون الآكل بإجماع من الأمة لأنها انفصلت عن الآكل ولا قيمة لها وهذه من البدائع انتهى
ومنها قوله ومن نوادر أبي الفضل الجوهري ما أخبرنا عنه محمد بن عبد الملك الواعظ وغيره أنه كان يقول إذا أمسكت علاقة الميزان بالإبهام والسبابة وارتفعت سائر الأصابع كان شكلها مقروا بقولك الله فكأنها إشارة منه سبحانه في تيسير الوزن كذلك إلى أن الله سبحانه مطلع عليك فاعدل في وزنك انتهى
ومنها قوله كان ابن الكازروني يأوي إلى المسجد الأقصى ثم تمتعنا به ثلاث سنوات ولقد كان يقرأ في مهد عيسى عليه السلام فيسمع من الطور فلا يقدر أحد أن يصنع شيئا دون قراءته إلا الإصغاء إليه انتهى
ومنها قوله في تفسير قوله تعالى { في أيام نحسات } [ فصلت 16 ] قيل إنها كانت آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء والناس يكرهون السفر يوم الأربعاء لأجل هذه الرواية حتى إني لقيت يوما مع خالي الحسن بن أبي حفص رجلا من الكتاب فودعنا بنية السفر فلما فارقنا قال لي خالي إنك لا تراه أبدا لأنه سافر في يوم أربعاء لا يتكرر وكذا كان مات في سفره وهذا ما لا أراه لأن يوم الأربعاء يوم عجيب بما جاء في الحديث من الخلق فيه والترتيب فإن الحديث ثابت بأن الله تعالى خلق يوم السبت التربة ويوم الأحد الجبال ويوم الاثنين الشجر ويوم الثلاثاء المكروه ويوم الأربعاء النور وروي النون وفي غريب الحديث أنه خلق يوم الأربعاء التقن وهو كل شيء تتقن به الأشياء يعني المعادن من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص فاليوم الذي خلق فيه المكروه لا يعافه الناس واليوم الذي خلق فيه النور أو التقن يعافونه إن هذا لهو الجهل المبين وفي المغازي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على الأحزاب من يوم الاثنين إلى يوم الأربعاء بين الظهر والعصر فاستجيب له وهي ساعة فاضلة فالآثار الصحاح تدل على
____________________
(2/42)

فضل هذا اليوم فكيف يدعى فيه التحذير والنحس بأحاديث لا أصل لها وقد صور قوم أياما من الأشهر الشمسية ادعوا فيها الكراهية لا يحل لمسلم أن ينظر إليها ولا يشغل بالا بها والله حسبهم انتهى
ومنها وكان يقرأ معنا برباط أبي سعيد على الإمام دانشمند من بلاد المغرب خنثى ليس له لحية وله ثديان وعنده جارية فربك أعلم به ومع طول الصحبة عقلني الحياء عن سؤاله وبودي اليوم لو كاشفته عن حاله انتهى
ومن شعر ابن العربي مما نسبه له الشيخ أبو حيان قوله
( ليت شعري هل دروا ** أي قلب ملكوا )
( وفؤادي لو درى ** أي شعب سلكوا )
( أتراهم سلموا ** أم تراهم هلكوا )
( حار أرباب الهوى ** في الهوى وارتبكوا )
ومن فوائده أخبرني المهرة من السحرة بأرض بابل أنه من كتب آخر آية من كل سورة ويعلقها لم يبلغ إليه سحرنا قال هكذا قالوا والله تعالى أعلم بما نقلوه وقال رحمه الله تعالى حذقت القرآن ابن تسع سنين ثم ثلاثا لضبط القرآن والعربية والحساب فبلغت ست عشرة وقد قرأت من الأحرف نحوا من عشرة بما يتبعها من إظهار وإدغام ونحوه وتمرنت في العربية والشعر واللغة ثم رحل بي أبي إلى المشرق ثم ذكر تمام رحلته رحمه الله تعالى
9 - ومنهم أبو بكر محمد بن أبي عامر بن حجاج الغافقي الإشبيلي ومن نظمه بالمدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام
____________________
(2/43)


( لم يبق لي سؤل ولا مطلب ** مذ صرت جارا لحبيب الحبيب )
( لا أبتغي شيئا سوى قربه ** وها أنا منه قريب قريب )
( من غاب عن حضرة محبوبه ** فلست عن طيبة ممن يغيب )
( لا تسأل المغبوط عن حاله ** جار كريم ومحل خصيب )
( العيش والموت هنا طيب ** بطيبة لي كل شيء بطيب )
وممن روى عنه هذه الأبيات الأشرف بن الفاضل
10 - ومنهم الشيخ الأديب الفاضل البارع جمال الدين أبو عبد الله محمد ابن الفقيه الخطيب أبي الحسن محمد بن أبي عبد الله محمد بن عيسى بن محمد بن علي بن ذي النون الأنصاري المالقي من أشياخ أبي حيان لقيه ببلبيس من ديار مصر قال وأنشدني لشيخه أبي عبد الله الإستجي من قصيدة
( ما للنسيم سرى الأصيل عليلا ** أتراه يشكو لوعة وغليلا )
( جر الذيول على ديار أحبتي ** فأتى يجر من السقام ذيولا )
وأنشد رحمه الله تعالى لرضوان المخزومي
( إن كنت يوسف حسنا ** وكنت عبد العزيز )
( فإن يوسف من قبل ** كان عبد العزيز )
وأخذ ابن ذي النون المذكور عن أبي عبد الله بن صالح وقرأ للسبعة على أبي جعفر الفحام وأبي زيد القمارشي وعلى أبي جعفر السهيلي وولد ابن
____________________
(2/44)

ذي النون سنة 617 بمالقة ومن تواليفه نفح المسك الأذفر في مدح المنصور بن المظفر و أزهار الخميلة في الآثار الجميلة و استطلاع البشير و محض اليقين و روض المتقين
11 - ومنهم زياد بن عبد الرحمن بن زياد اللخمي المعروف بشبطون يكنى أبا عبد الله كان فقيه الأندلس على مذهب مالك وهو أول من أدخل مذهبه الأندلس وكانوا قبله يتفقهون على مذهب الأوزاعي وأراده الأمير هشام على القضاء بقرطبة وعزم عليه فهرب فقال هشام ليت الناس كلهم كزياد حتى أكفى أهل الرغبة في الدنيا وأرسل إلى زياد فأمنه حتى رجع إلى داره
ويحكى أنه لما أراده للقضاء كلمه الوزراء في ذلك عن الأمير وعرفوه عزمه عليه فقال لهم أما إن أكرهتموني على القضاء فزوجتي فلانة طالق ثلاثا لئن أتاني مدع في شيء مما في أيديكم لأخرجنه عنكم ثم أجعلكم مدعين فيه فلما سمعوا منه ذلك علموا صدقه فتكلموا عند الأمير في معافاته
سمع من مالك الموطأ ويعرف سماعه بسماع زياد وسمع من معاوية بن صالح وكانت ابنة معاوية تحته وروى يحيى بن يحيى الليثي عن زياد هذا الموطأ قبل أن يرحل إلى مالك ثم رحل فأدرك مالكا فرواه عنه إلا أبوابا في كتاب الاعتكاف شك في سماعها من مالك فأبقى روايته فيها عن زياد عن مالك
وتوفي سنة أربع ومائتين وقيل سنة 193 وقيل في التي بعدها وقيل سنة 199 والأول أولى بالقبول والله تعالى أعلم
ورحل في ذلك العصر جماعة من أنظار شبطون كفرغوس بن العباس
____________________
(2/45)

وعيسى بن دينار وسعيد بن أبي هند وغيرهم ممن رحل إلى الحج أيام هشام بن عبد الرحمن والد الحكم فلما رجعوا وصفوا من فضل مالك وسعة علمه وجلالة قدره ما عظم به صيته بالأندلس فانتشر يومئذ رأيه وعلمه بالأندلس وكان رائد الجماعة في ذلك شبطون
وهو أول من أدخل موطأ مالك إلى الأندلس مكملا متقنا فأخذه عنه يحيى بن يحيى كما مر وهو إذ ذاك صدر في طلاب الفقه فأشار عليه زياد بالرحيل إلى مالك ما دام حيا فرحل سريعا وأخذ يحيى عن زياد هذا الكتب العشرة المنسوبة إلى يحيى
ولقي أيضا عبد الله بن وهب صاحب مالك وسمع منه الموطأ ولقي أيضا عبد الله بن نافع المدني صاحب مالك وسمع منه ومن الليث بن سعد فقيه مصر ومن سفيان بن عيينة بمكة وقدم يحيى الأندلس أيام الحكم فانتشر به وبزياد وعيسى بن دينار علم مالك بالأندلس رضي الله تعالى عن الجميع
وقد قدمنا الحديث الذي رواه زياد بن عبد الرحمن عن مالك فليراجع في الباب الثالث
12 - ومنهم سوار بن طارق مولى عبد الرحمن بن معاوية قرطبي حج ودخل البصرة ولقي الأصمعي ونظراءه وانصرف إلى الأندلس وأدب الحكم ومن ولده محمد بن عبد الله بن سوار حج أيضا ولقي أبا حاتم بالبصرة والرياشي وغيرهما وأدخل الأندلس علما كثيرا رحم الله
____________________
(2/46)

تعالى الجميع
13 - ومنهم بقي بن مخلد الشهير الذكر صاحب التآليف التي لم يؤلف مثلها في الإسلام ولقي مائتين وأربعة وثمانين شيخا وكانت له خاصة من الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وستأتي جملة فيما يتعلق ببقي بن مخلد في رسالة ابن حزم في الباب السابع وبقي على وزن علي رحمه الله تعالى ورضي عنه وقد عرف ببقي بن مخلد غير واحد من العلماء كصاحب النبراس وغيره
14 ومنهم قاسم بن أصبع بن محمد بن يوسف أبو محمد البياني وبيانه من أعمال قرطبة وأصل سلفه من موالي الوليد بن عبد الملك وسمع المذكور بقرطبة من بقي بن مخلد ومحمد بن وضاح ومطرف بن قيس وأصبغ ابن خليل وابن مسرة وغير واحد ورحل إلى المشرق مع محمد بن زكريا بن عبد الأعلى سنة أربع وسبعين ومائتين فسمع بمكة من محمد بن إسماعيل الصائغ وعلي بن عبد العزيز ودخل العراق فلقي من أهل الكوفة إبراهيم بن أبي العنبس قاضيها وإبراهيم بن عبد الله القصار وسمع ببغداد من القاضي إسماعيل وأحمد بن زهير بن حرب وغيرهما كعبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل والحارث بن أبي أسامة وكتب عن ابن أبي خيثمة
____________________
(2/47)

تاريخه وسمع من ابن قتيبة كثيرا من كتبه وسمع من المبرد وثعلب وابن الجهم في آخرين وسمع بمصر من محمد بن عبد الله العمري ومطلب بن شعيب وغيرهما وسمع بالقيروان من أحمد بن يزيد المعلم وبكر بن حماد التاهرتي الشاعر وانصرف إلى الأندلس بعلم كثير فمال الناس إليه في تاريخ أحمد ابن زهير وكتب ابن قتيبة وأخذوا ذلك عنه دون صاحبيه ابن أيمن وابن عبد الأعلى وكان بصيرا بالحديث والرجال نبيلا في النحو والعربية والشعر وكان يشاور في الأحكام وصنف على كتاب السنن لأبي داود كتابا في الحديث وسببه أنه لما قدم العراق سنة ست وسبعين ومائتين مع صاحبه محمد ابن أيمن فوجدا أبا داود قد مات قبل وصولهما بيسير فلما فاتهما عمل كل واحد منهما مصنفا في السنن على أبواب كتاب أبي داود وخرجا الحديث من روايتهما عن شيوخهما وهما مصنفان جليلان ثم أختصر قاسم ابن اصبغ كتابه وسماه المجتنى بالنون وابتدأ اختصاره في المحرم سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وجعله باسم الحكم المستنصر وفيه من الحديث المسند ألفان وأربعمائة وتسعون حديثا في سبعة أجزاء
ومولده يوم الأثنين عاشر ذي الحجة سنة سبع وأربعين ومائتين رحمه الله تعالى
وحكى القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى { قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا } أن قاسم بن أصغ قال لما رحلت إلى المشرق نزلت القيروان فأخذت عن بكر بن حماد حديث مسدد فقرأت عليه يوما فيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قدم عليه قوم من مضر مجتابي التمار فقال إنما هو مجتابي الثمار فقلت إنما هو مجتابي النمار هكذا قرأته
____________________
(2/48)

على كل من لقيته بالأندلس والعراق فقال لي بدخولك العراق تعارضنا وتفخر علينا أو نحو هذا ثم قال لي قم بنا إلى ذلك الشيخ لشيخ كان في المسجد فإن له بمثل هذا علما فقمنا إليه وسألناه عن ذلك فقال إنما هو مجتابي النمار كما قلت وهم قوم كانوا يلبسون الثياب مشققة جيوبهم أمامهم والنمار جمع نمرة فقال بكر بن حماد وأخذ بأنفه رغم أنفي للحق وانصرف انتهى
وهذه الحكاية دالة على عظيم قدر الرجلين رحمهما الله تعالى ورضي عنهما ونفعنا بهما
15 - ومنهم قاسم بن ثابت أبو محمد العوفي السرقسطي رحل مع أبيه فسمع بمصر من أحمد بن شعيب النسائي وأحمد بن عمرو البزار وبمكة من عبد الله بن علي بن الجارود ومحمد بن علي الجوهري واعتنى بجمع الحديث واللغة هو وأبوه فأدخلا إلى الأندلس علما كثيرا ويقال إنهما أول من أدخل كتاب العين إلى الأندلس وألف قاسم في شرح الحديث كتابا سماه الدلائل بلغ فيه الغاية في الإتقان ومات قبل إكماله فأكمله أبوه ثابت بعده وقد روي عن أبي علي البغدادي أنه كان يقول كتبت كتاب الدلائل وما أعلم أنه وضع بالأندلس مثله وكان قاسم عالما بالحديث واللغة متقدما في معرفة الحديث والنحو والشعر وكان مع ذلك ورعا ناسكا وأريد على القضاء بسرقسطة فأبى ذلك فأراد أبوه إكراهه عليه فسأله أن يتركه ينظر في أمره ثلاثا ويستخير الله تعالى فمات في هذه الثلاثة الأيام فيروون أنه دعا لنفسه بالموت وكان مجاب
____________________
(2/49)

الدعوة توفي سنة 302 بسرقسطة رحمه الله تعالى
16 - ومنهم علم الدين أبو محمد المرسي اللورقي وهو قاسم بن أحمد بن موفق بن جعفر العلامة المقرىء الأصولي النحوي ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة وقرأ بالروايات قبل الستمائة على أبي جعفر الحصار وأبي عبد الله المرادي وأبي عبد الله بن نوح الغافقي وقدم مصر فقرأ بها على أبي الجود غياث بن فارس وبدمشق على التاج زيد الكندي وسمع ببغداد من أبي محمد بن الأخضر وأخذ العربية عن أبي البقاء ولقي الجزولي بالمغرب وسأله عن مسألة مشكلة في مقدمته فأجابه وبرع في العربية وفي علم الكلام والفلسفة وكان يقرئ ذلك ويحققه وأقرأ بدمشق ودرس وشرح المفصل في النحو في أربع مجلدات فأجاد وأفاد وشرح الجزولية والشاطبية وكان مليح الشكل حسن البزة موطأ الأكناف قرأ عليه جماعة وتوفي سابع رجب سنة 661 وكان معمرا مشتغلا بأنواع العلوم وسماه بعضهم أبا القاسم والأول أصح
17 - ومنهم قاسم بن محمد بن قاسم بن محمد بن سيار أبو محمد من أهل قرطبة وجده مولى الوليد بن عبد الملك رحل فسمع بمصر من محمد بن عبد الله بن عبد الحكم والمزني والبرقي والحارث بن مسكين ويونس بن عبد الأعلى وإبراهيم بن المنذر وغيرهم ولزم ابن عبد الحكم للتفقه وتحقق به وبالمزني وكان يذهب مذهب الحجة والنظر وترك التقليد ويميل إلى مذهب
____________________
(2/50)

الشافعي ولما قال له ابنه محمد بن القاسم يا أبت أوصني قال أوصيك بكتاب الله فلا تنس حظك منه واقرأ منه كل يوم جزءا واجعل ذلك عليك واجبا وإن أردت أن تأخذ من هذا الأمر بحظ يعني الفقه فعليك برأي الشافعي فإني رأيته أقل خطأ قال أبو الوليد بن الفرضي ولم يكن بالأندلس مثله في حسن النظر والبصر بالحجة وقال أحمد بن خالد ومحمد بن عمر بن لبابة ما رأينا أفقه من قاسم بن محمد ممن دخل الأندلس من أهل الرحلة وقال أسلم بن عبد العزيز سمعت عن ابن عبد الحكم أنه قال لم يقدم علينا من الأندلس أحد أعلم من قاسم بن محمد ولقد عاتبته في حين انصرافه إلى الأندلس وقلت له أقم عندنا فإنك تقتعد ههنا رياسة ويحتاج الناس إليك فقال لا بد من الوطن وقال سعيد بن عثمان قال لي أحمد بن صالح الكوفي قدم علينا من بلادكم رجل يسمى قاسم بن محمد فرأيت رجلا فقيها وألف رحمه الله تعالى كتابا نبيلا في الرد على ابن مزين وعبد الله بن خالد والعتبي يدل على علمه وله كتاب في خبر الواحد وكان يلي وثائق الأمير محمد طول أيامه روى عنه ابن لبابة وابن أيمن والأعناقي وابنه محمد بن قاسم في آخرين توفي سنة ست - أو سبع أو ثمان - وسبعين ومائتين رحمه الله تعالى
18 - ومنهم أبو بكر الغساني وهو محمد بن إبراهيم بن أحمد بن أسود من أهل المرية قدم إلى مصر ولقي بها أبا بكر الطرطوشي ثم عاد إلى بلده
____________________
(2/51)

وشوور واستقضي بمرسية مدة طويلة ثم صرف وسكن مراكش قال ابن بشكوال توفي بمراكش في رجب سنة 636 وقال أبو جعفر بن الزبير إن له كتاب تفسير القرآن وبيته بيت علم ودين
19 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن حيون من أهل وادي الحجارة قال ابن الفرضي سمع من ابن وضاح والخشني ونظرائهما بالأندلس ورحل إلى المشرق فتردد هنالك نحوا من خمس عشرة سنة وسمع بصنعاء ومكة وبغداد ولقي جماعة من أصحاب الإمام أحمد بن حنبل منهم عبد الله بن أحمد وسمع بمصر من الخفاف النيسابوري وإبراهيم بن موسى وغيرهما وبالمصيصة والقيروان وكان إماما في الحديث عالما حافظا للعلل بصيرا بالطرق ولم يكن بالأندلس قبله أبصر بالحديث منه وهو ضابط متقن حسن التوجيه للحديث صدوق ولم يذهب مذهب مالك وممن روى عنه ابن أيمن وقاسم بن أصبغ ووهب بن مسرة وأحمد بن سعيد بن حزم وقال خالد بن سعيد لو كان الصدق إنسانا لكان ابن حيون وكان يزن بالتشييع لشيء كان يظهر منه في حق معاوية رضي الله تعالى عنه وكان شاعرا وتوفي بقرطبة سنة 305 سامحه الله تعالى
20 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن غالب المالقي قال ابن نقطة سمع بالإسكندرية من أبي الحسن بن المقدسي وكان فاضلا
____________________
(2/52)

رأيت بخطه إجازة بمصر لبعض المصريين في رجب سنة 604 وسمع بمصر شيئا من الخلعيات قال ابن فرتون الفاسي في ذيل تاريخ الأندلس روى بمالقة ورحل إلى المشرق وحج ولقي أبا الحسن علي بن المفضل المقدسي وأخذ عنه كتاب تحقيق الجواب عمن أجيز له ما فاته من الكتاب من تآليفه ورجع إلى الأندلس ثم نهض إلى مراكش فتوفي في أقصى بلاد السوس في حدود سنة 645 رحمه الله تعالى
21 - ومنهم اليقوري وهو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم مصنف كتاب إكمال الإكمال للقاضي عياض على صحيح مسلم وكتب على كتاب الشهاب القرافي في الأصول وسمع الحديث وقدم إلى مصر ومعه مصحف قرآن حمل بغل بعثه ملك المغرب ليوقف بمكة ثم عاد بعد حجه ومات بمراكش سنة 707 وقد زرت قبره بها مرارا قال الحافظ المقريزي واليقوري نسبة إلى يقورة - بياء آخر الحروف مفتوحة وقاف مشددة وراء مهملة - بلد بالأندلس انتهى
22 - ومنهم أبو عبد الله الأنصاري وهو محمد بن إبراهيم بن موسى بن عبد السلام ويعرف بابن شق الليل من أهل طليطلة سمع بمصر أبا الفرج الصوفي وأبا القاسم الطحان الحافظ وأبا محمد بن النحاس وأبا القاسم بن ميسرة وأبا الحسن بن بشر وغيرهم وسمع بطليطلة من جماعة وحدث عن جماعة من المحدثين كثيرة
قال ابن بشكوال وكان فقيها عالما وإماما متكلما حافظا للفقه والحديث قائما بهما متقنا لهما إلا أن المعرفة بالحديث وأسماء رجاله والبصر
____________________
(2/53)

بمعانيه وعلله كان أغلب عليه وكان مليح الخط جيد الضبط من أهل الرواية والدراية والمشاركة في العلوم وكان أديبا شاعرا مجيدا لغويا دينا فاضلا كثير التصانيف والكلام على علم الحديث حلو الكلام في تآليفه وله عناية بأصول الديانات وإظهار الكرامات وتوفي بطلبيرة يوم الجمعة منتصف شعبان سنة 455 رحمه الله تعالى
23 - ومنهم الشيخ الإمام الشهير الكبير الولي العارف بالله تعالى سيدي أبو عبد الله القرشي الهاشمي الأندلسي شيخ السالكين وإمام العارفين وقدوة المحققين قدم مصر بعدما صحب ببلاد المغرب جماعة من أعلام الزهاد وكان يقول صحبت ستمائة شيخ اقتديت منهم بأربعة الشيخ أبي الربيع والشيخ أبي الحسن بن طريف والشيخ أبي زيد القرطبي والشيخ أبي العباس الجوزي وسلك على يده جماعة منهم أبو العباس القسطلاني فإنه أخذ عنه كلامه وجمعه في جزء وخرج سيدي أبو عبد الله القرشي من مصر إلى بيت المقدس فأقام به إلى حين وفاته عشية الخميس السادس من ذي الحجة سنة 599 عن خمس وخمسين سنة ودفن هنالك وقبره ظاهر يقصد للزيارة زرته أول قدماتي على بيت المقدس سنة 1028 ومن كلامه من لم يدخل في الأمور بالأدب لم يدرك مطلوبه منها وقوله العاقل يأخذ ما صفا ويدع التكلف فإنه تعالى يقول { وإن يردك بخير فلا راد لفضله } [ يونس 107 ] وقال من لم يراع حقوق الإخوان بترك حقوقه حرم بركة الصحبة وقال سمعت الشيخ أبا إسحاق إبراهيم بن طريف يقول لما حضرت الشيخ أبا الحسن بن غالب الوفاة قال لأصحابه اجتمعوا وهللوا سبعين ألف مرة واجعلوا ثوابها لي فإنه بلغني أنها فداء كل مؤمن من النار قال فعملناها واجتمعنا عليها وجعلنا ثوابها له
____________________
(2/54)

ثم حكى عن شيخه أبي زيد القرطبي ما حكاه السنوسي عنه في أواخر شرح صغراه وقد أنكر غير واحد من الحفاظ كابن حجر وغيره كون ما ذكر حديثا ولعل هؤلاء أخذوه من جهة الكشف ونحوه والله تعالى أعلم وقال رحمه الله تعالى دخلت على الشيخ أبي محمد عبد الله المغاور فقال لي أعلمك شيئا تستعين به إذا احتجت لشيء فقل يا واحد يا أحد يا واجد يا جواد انفحنا منك بنفحة خير إنك على كل شيء قدير قال فأنا أنفق منها منذ سمعتها وقال رحمه الله تعالى ما من حال ذكر في رسالة القشيري إلا وقد شاهدته نفسي وتزوج رحمه الله تعالى بنساء حدثن عنه بكرامات ومنهن أم القطب القسطلاني وحكت أنها خرجت عنه يوما لحاجتها ثم عادت فسمعت عنده في طبقته حس رجل فتوقفت وافتقدت الباب فوجدته مغلقا فلما انقطع الكلام دخلت إليه فإذا هو وحده كما تركته ومسألته عن ذلك فقال هو الخضر دخل علي وفي يده حية فقال هذه جئتك بها من أرض نجد وفيها شفاء مرضك فقلت لا أريد اذهب أنت وحيتك لا حاجة لي بها ودخل عليه بعض نسائه يوما فوجدته بصيرا نقي الجسم من الجذام فلما نظرته قال لها أتريدين أن أبقى لك هكذا فقالت له يا سيدي كن كيف شئت إنما مقصودي خدمتك وبركتك وقيل له وقد تكاثرت منه رؤية الأشياء وإخباره بها مع كونه ضريرا عن ذلك فقال كلي عين بأي الشام فلما وصلت إلى بلد الخليل عليه السلام تلقاني رسول الله الخليل حين ورودي عليه فقلت له يا رسول الله اجعل ضيافتي عندك أهل مصر فدعا لهم ففرج الله عنهم ومناقبه رحمه الله تعالى وكراماته لا يفي بها هذا المختصر وإنما قصدنا بذكرها البركة وكفارة ما وقع في هذا الكتاب من الإحماض والله المرجو في العفو
____________________
(2/55)

ومن فوائده ما نقله عن شيخه أبي الربيع المالقي أنه قال له ألا أعلمك كنزا تنفق منه ولا ينفد قلت بلى قال قل يا الله يا أحد يا واحد يا موجود يا جواد يا باسط يا كريم يا وهاب يا ذا الطول يا غني يا مغني يا فتاح يا رزاق يا عليم يا حي يا قيوم يا رحمن يا رحيم يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حنان يا منان انفحني منك بنفحة خير تغنيني بها عمن سواك { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } [ الأنفال 19 ] { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } [ الفتح 1 ] { نصر من الله وفتح قريب } [ الصف 13 ] اللهم يا غني يا حميد يا مبدىء يا معيد يا ودود يا ذا العرش المجيد يا فعالا لما يريد اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك واحفظني بما حفظت به الذكر وانصرني بما نصرت به الرسل إنك على كل شيء قدير فمن داوم على قراءته بعد كل صلاة خصوصا صلاة الجمعة حفظه الله تعالى من كل مخوف ونصره على أعدائه وأغناه ورزقه من حيث لا يحتسب ويسر عليه معيشته وقضى عنه دينه ولو كان عليه أمثال الجبال دينا بكرمه وإحسانه انتهى نقله عنه العلامة ابن داود البلوي الأندلسي ومن خطه نقلت رحم الله تعالى الجميع ونقله اليافعي كما ذكر رحمه الله تعالى إلا أنه لم يقل فيه يا ودود واتفقا فيما عدا ذلك والله سبحانه أعلم وقال ابن خلكان في حقه محمد بن أحمد بن إبراهيم القرشي الهاشمي العبد الصالح الزاهد من أهل الجزيرة الخضراء كانت له كرامات ظاهرة ورأيت أهل مصر يحكون عنه أشياء خارقة ولقيت جماعة ممن صحبه وكل منهم قد نمى عليه من بركته وذكروا عنه أنه وعد جماعته الذين صحبوه مواعيد
____________________
(2/56)

من الولايات والمناصب العلية وأنها صحت كلها وكان من السادات الأكابر والطراز الأول وهو مغربي صحب بالمغرب أعلام الزهاد وانتفع بهم فلما وصل إلى مصر انتفع به من صحبه أو شاهده ثم سافر إلى الشام قاصدا زيارة بيت المقدس وفأقام بها إلى أن مات وصلي عليه بالمسجد الأقصى وهو ابن خمس وخمسين سنة وقبره ظاهر للزيارة والتبرك به والجزيرة الخضراء في بلاد الأندلس مدينة تقابل سبتة من بر العدوة ومن جملة وصاياه لأصحابه سيروا إلى الله تعالى عرجا ومكاسير فإن انتظار الصحة بطالة انتهى ببعض اختصار
24 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن أبي الحسين القرطبي سمع من قاسم بن أصبغ وغيره وقدم مصر فسمع بها من ابن الورد وابن أبي الموت والياوزدي وابن السكن في آخرين وسمع بالرملة وبيت المقدس وكان ضابطا بصيرا بالنحو واللغة فصيحا بليغا طويل اللسان ولي الشرطة ببلاد المغرب توفي سنة 372
25 - ومنهم أبو بكر محمد بن علي بن خلف التجيبي الإشبيلي الحافظ الكاتب روى عن ابن الجد وغيره ومر بمصر حاجا فلقي بمكة أبا حفص الميانشي وأبا الحسن المكناسي ولقي بالإسكندرية السلفي وابن عوف وغيرهما وكان مدرسا للفقه فقيها جليلا متقدما فيه عارفا فاضلا سنيا توفي بعد امتحان من منصور بني عبد المؤمن سنة 596 وذلك أنه وشي به للمنصور
____________________
(2/57)

أيام عزم على ترك التقليد والعمل بالحديث
26 - ومنهم أبو بكر الأندلسي الجياني محمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن ياسر الأنصاري الجياني سافر من بلده ودخل ديار مصر والشام والعراق وخراسان وما وراء النهر ولقي أئمتها وتفقه ببخارى حتى تمهر في المذهب والخلاف والجدل ثم اشتغل بالحديث وسماعه وحفظه وحصل منه كثيرا ثم سكن بلخ مدة وعاد إلى بغداد ودخلها سنة 559 وتوجه إلى مكة فحج ورجع إلى الشام واستوطن حلب إلى أن توفي بها ووقف كتبه وكان متدينا صدوقا حافظا عالما بالحديث وفيه فضل ولد بجيان سنة 492 ومات بحلب سنة 563
27 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي التجيبي الدهان الغرناطي كان حسن السمت بارع الخط والخلق والخلق رحل إلى الحج وجال في البلاد في حدود سنة ست وستمائة فأخذ بمكة والشام ومصر والإسكندرية عن جماعة كثيرة وكان عدلا فاضلا على خير ودين وكان متحرفا بالتجارة بغرناطة ثم خرج منها آخر عمره فمات بقوص بعدما حج سنة 650 وصدر من مكة سنة 653 فمات قبل منتصف السنة رحمه الله تعالى أبو عمر محمد بن علي الإشبيلي 224 أبو عمر محمد بن علي الإشبيلي 28 - ومنهم أبو عمر محمد بن علي بن محمد بن أبي الربيع القرشي العثماني
____________________
(2/58)

الأندلسي الإشبيلي النحوي ولد سنة 617 بإشبيلية وقدم مصر فسمع الكثير بها وبدمشق وغيرها وكان إماما عالما نحويا فاضلا كتب عنه أبو محمد الدمياطي والقطب عبد الكريم وناهيك بهما
29 - ومنهم أبو بكر وأبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن علي بن هذيل البلنسي رحل وسمع من السلفي وحج قال أبو الربيع بن سالم هو شيخ صدوق متيقظ سمع أباه وأبا الوليد بن الدباغ وأبا الحسن طارق بن موسى بن يعيش وجماعة وأخذ بمكة سنة 539 عن أبي علي الحسن المقريء وقفل إلى الأندلس سنة 546 فأخذ عنه بها وسمع منه جماعة قال ابن الأبار كان غاية في الصلاح وأعمال البر والورع توفي ببعض قرى بلنسية سنة 583 ومولده سنة سبع أو تسع عشرة وخمسمائة وله حظ من علم التعبير واللغة رحمه الله تعالي
30 - ومنهم أبو عبد الله ويقال أبو سلمة محمد بن علي البياسي الغرناطي الأنصاري ناصر الدين روى عن الحافظ أبي جعفر بن الزبير وغيره وقدم إلى القاهرة واستوطنها بعد الحج حتى مات بها سنة 703 وكان عارفا بعلم الحديث وكتب منه كثيرا ومال إلى مذهب الظاهرية وانتفع به جماعة من طلبة الحديث وكان ثقة رحمه الله تعالى
31 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي بن يحيى بن علي بن الشامي الأندلسي الغرناطي قدم مصر حاجا وأقام بمكة والمدينة وكان إماما فاضلا عالما متفننا في علوم ما بين فقه وأصول ونحو ولغة وقراءات ونظم ونثر ومع
____________________
(2/59)

معرفته بمذهب مالك ينقل كثيرا من مذهب الشافعي وسمع الموطأ بتونس من أبي محمد بن هرون القرطبي ومولده بغرناطة سنة 671 وتوفي سنة 715 ومن شعره رضي الله تعالى عنه
( إذا كنت جارا للنبي وصحبه ** ومكة بيت الله مني على قرب )
( فما ضرني أن فاتني رغد عيشة ** وحسبي الذي أوتيته نعمة حسبي ) وقوله
( نزيل الكرام عزيز الجوار ** وإني نزيل عليكم وجار )
( حللت ذراك وأنت الكريم ** ومن حل مثوى كريم يجار )
32 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عمار الكلاعي الميورقي قدم مصر وروى عن ابن الوليد بها وكان عالما وله قصيدة طويلة فيها حكم ومواعظ يوصي ابنه بها منها قوله
( وطاعة من إليه الأمر فالزم ** وإن جاروا وكانوا مسلمينا )
( فإن كفروا ككفر بني عبيد ** فلا تسكن ديار الكافرينا ) واسم ابنه حسن وسمع من المذكور الحافظ القاضي أبو بكر بن العربي في رحلته سنة 485 ووصفه بالعلم وعمار بالراء
33 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عمر بن يوسف بن الفخار القرطبي الحافظ - روى عن أبي عيسى الليثي وابن عون الله وأبي جعفر التميمي
____________________
(2/60)

وأبي محمد الباجي وقدم مصر وحج وجاور بالمدينة النبوية على ساكنها الصلاة والسلام وأفتى بها وافتخر بذلك على أصحابه وقال لقد شوورت بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم دار مالك بن أنس ومكان شوراه ولقي جماعة من العلماء وأخذ عنهم وكان من أهل العلم والذكاء والحفظ والفهم عارفا بمذاهب الأئمة وأقوال العلماء ذاكرا للروايات يحفظ المدونة والنوادر لابن أبي زيد ويوردها من صدره دون كتاب قال ابن حيان مؤرخ الأندلس توفي الفقيه المشاور الحافظ المتبحر الرواية الطويل الهجرة في طلب العلم الناسك المتقشف بمدينة بلنسية في ربيع الأول سنة 417 لعشر خلون من الشهر وكان الحفل في جنازته عظيما وعاين الناس فيها آية من ظهور أشباه الخطاطيف بها تجللت الجمع رافة فوق النعش لم تفارق نعشه إلى أن ووري فتفرقت ومكث مدة ببلنسية مطاعا عظيم القدر عند السلطان والعامة وذكر جماهر بن عبد الرحمن حديث الطير وكذا ذكر الحسن بن محمد القيسي خبر الطير قال وكانت سنه نحو الثمانين سنة وكان مجاب الدعوة وظهرت في دعوته الإجابة وقال أبو عمرو الداني إن وفاته يوم السبت لسبع خلون من شهر ربيع الأول سنة تسع عشرة وأربعمائة ودفن يوم الأحد بمدينة بلنسية وبلغ نحو ست وسبعين سنة وهو آخر الفقهاء الحفاظ الراسخين العالمين بالكتاب والسنة بالأندلس رحمه الله تعالى محمد
34 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عمروس القرطبي - سمع علي بن مفرج وغيره من شيوخ قرطبة وقدم مصر فأخذ بها عن ابن المهندس وغيره
____________________
(2/61)

وحج ودخل العراق وسمع من أبي بكر الأبهري والدارقطني وجماعة وعاد إلى الأندلس وشهر بالعلم والمال وولي الأحباس بقرطبة حدث عنه أبو عمر بن عبد البر وغيره ومات في جمادى الآخرة سنة أربعمائة رحمه الله تعالى
35 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عيسى بن عبد الواحد بن نجيح المعافري المعروف بالأعشى القرطبي - رحل سنة 179 فسمع سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح ويحيى بن سعيد القطان وعبد الله بن وهب وجماعة وكان الغالب عليه الحديث ورواية الآثار وكان صالحا عاقلا سريا جوادا يذهب إلى مذهب أهل العراق وتوفي سنة 221 ذكره ابن يونس وغيره
36 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن فطيس الغافقي الإلبيري الزاهد - قال الحميدي في حقه هو من أهل الحديث والحفظ والفهم والبحث عن الرجال وله رحلة سمع فيها من محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ومن ابن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب وغيرهما وروى بالأندلس عن جماعة منهم بقي بن مخلد وابن وضاح وسمع بمكة وغيرها من مائة شيخ قال ابن الفرضي كان شيخا نبيلا ضابطا لكتبه ثقة في روايته صدوقا في حديثه وكانت الرحلة إليه بإلبيرة وبها مات في شوال سنة 319 وهو ابن تسعين سنة رحمه الله تعالى
37 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن قاسم بن محمد بن قاسم بن محمد بن سيار القرطبي من موالي بني أمية سمع من أبيه ومن بقي بن مخلد وغيره ورحل سنة 294 فسمع بمصر من النسائي ومن أحمد بن حماد زغبة وسمع بمكة والبصرة والكوفة وبغداد ودمياط والإسكندرية والقيروان
____________________
(2/61)

من مائة وستين رجلا قال أبو محمد الباجي لم أدرك بقرطبة أكثر حديثا منه وكان عالما بالفقه متقدما في علم الوثائق رأسا فيها وكان مشاورا سمع من الناس كثيرا وكان ثقة صدوقا وغزا سنة 327 ومات ثالث ذي الحجة منها ومولده سنة 263 وقيل توفي سنة 328 قاله ابن يونس والحميدي
38 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن قاسم بن محمد بن قاسم القرشي الفهري عرف بابن رمان الغرناطي - قرأ على أبي جعفر بن الزبير بها وقدم إلى القاهرة سنة 722 ومات بالمدينة المنبوية على صاحبها الصلاة والسلام سنة 729 ومن شعره قوله
( فديتم خبروني كيف صحت ** فريضة هالك من غير مين )
( لزيد زوجة ولها ابن أم ** فماتت عنهما لا غير ذين )
( فحاز البعل ما تركته إرثا ** وولى غيره صفر اليدين )
( ولا رق فديت على أخيها ** وليس بكافر يرمى بشين )
( وليس معجلا إرثا بقتل ** مخافة أن ينال شقاوتين )
39 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن لب الشاطبي حدث بالقاهرة وتوفي قريبا من سنة 640 وهو أحد أصحاب الشيخ أبي الحسن بن الصباغ ومن كلامه اشتغالك بوقت لم يأت تضييع للوقت الذي أنت فيه ولعمري لقد صدق
40 ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سراقة الشاطبي بن محمد بن إبراهيم ابن الحسين بن سراقة محيي الدين ويكنى أيضا أبا القاسم وأبا بكر
____________________
(2/63)

الأنصاري الشاطبي المالكي ولد بشاطبية سنة 592 وسمع من أبي القاسم ابن بقي ورحل في طلب الحديث فسمع ببغداد من الشيخ أبي حفص عمر السهروردي وأبث طالب القبيطي وأبي حفص الدينوري وجماعة وسمع بحلب من ابن شداد وغيره وتولى مشيخة دار الحديث البهائية بحلب ثم قدم مصر وتولى مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة بعد وفاة بن سهل القصرى سنة 642 وبقي بها إلى أن توفي بالقاهرة في شعبان سنة 662 ودفن بسفح المقطم وكان الجمع كبيرا وهو أحد الأئمة المشهورين بغزارة الفضل وكثرة العلم والجلالة والنبل وأحد المشايخ الصوفية له في ذلك إشارات لطيفة مع الدين والعفاف والبشر والوقار والمعرفة الجيدة بمعاني الشعر وكان صالح الفكرة في حل التراجم مع ما جبل عليه من كرم الأخلاق واطراح التكلف ورقة الطبع ولين الجانب
ومن شعره قوله
( نصبت ومثلي للمكارم ينصب ** ورمت شروق الشمس وهي تغرب )
( وحاولت إحياء النفوسى بأسرها ** وقد غرغرت يا بعد ما أنا أطلب )
( وأتعب إن لم تمنح الخلق راحة ** وغيري إن لم تتعب الخلق يتعب )
( مرادي شيء والمقادير غيره ** ومن عاند الأقدار لا شك يغلب )
وقوله
( إلى كم أمني النفس ما لا تناله ** فيذهب عمري والأماني لا تقضى )
( وقد مر لي النفس مالا تناله ** فيذهب عمري والأماني لا تقضي )
( وقد مر لي خمس وعشرون حجة ** ولم أرض فيها عيشي فمتى أرضى )
( وأعلم أني والثلاثون مدتي ** حر بمغاني اللهو أوسعها رفضا )
____________________
(2/64)


( فماذا عسى في هذه الخمس أرتجي ** ووجدي إلى أوب من العشر أفضي )
وقال رحمه الله تعالى
( وصاحب كالزلال يمحو ** صفاؤه الشك باليقين )
لم يحص إلا الجميل مني ** كأنه كاتب اليمن )
وهذا عكس قول المنازي
( وصاحب خلته خليلا ** وما جرى غدره ببالي )
( لم يحص إلا القبيح مني ** كأنه كاتب الشمال )
41 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد الفريشي - بكسر الفاء وتشديد الراء المهملة بعدها شين معجمة - نسبة إلى فريش إحدى مدائن قرطبة ولد بغرناطة سنة 557 وقرأ بالروايات على أبي القاسم بن غالب وسمع عليه وعلى أبي القاسم بن بشكوال وغيره وسمع بمكة وحدث بمصر وعاد إلى الأندلس فمات بقرطبة سنة 633 وكان مشهورا بالصلاح معروفا بإجابة الدعاء ورعا ثقة زاهدا فاضلا رحمه الله تعالى
42 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن محمد بن خيرون وقيل محمد بن عمر بن خيرون أندلسي سكن القيروان ورحل إلى المشرق وأخذ القراءات بمصر عن محمد بن سعيد الأنماطي وغيره كعبيد بن رجاء وأبي الحسن
____________________
(2/65)

إسماعيل بن يعقوب الأزرق المدني ودخل العراق وسمع به من أصحاب علي بن المديني ويحيى بن معين وعاد إلى القيروان وسمع بها وبقرطبة وقدم بقراءة نافع على أهل إفريقية وكان الغالب على قراءتهم حرف حمزة ولم يكن يقرأ بحرف نافع إلا الخواص حتى قدم بها فاجتمع إليه الناس ورحل إليه أهل القيروان من الآفاق وكان يأخذ أخذا شديدا على مذهب المشيخة من أصحاب ورش وتوفي بشعبان سنة 306 وكان رجلا صالحا فاضلا كريم الأخلاق إماما في القراءات مشهورا بذلك ثقة مأمونا واحد أهل زمانه وأئمتهم في علم القرآن رحمه الله تعال
43 - ومنهم ضياء الدين أبو جعفر محمد بن محمد بن صابر بن بندار القيسي الأندلسي المالقي ولد بمالقة سنة 625 وسمع الكثير وقدم القاهرة حاجا فسمع بها وبدمشق وكتب بخطه كثيرا وكان سريع الكتابة سريع القراءة كثير الفوائد دينا خيرا فاضلا له مشاركة جيدة في عدة علوم توفي شابا بالقاهرة سنة 662 رحمه الله تعالى
44 - ومنهم أبو بكر محمد الزهري المعروف بابن محرز البلنسي ولد بها سنة 529 وقدم مصر فسمع ابن الفضل وغيره وروى عنه جماعة وكان أحد رجال الكمال علما وإدراكا وفصاحة وحفظا للفقه وتفننا في العلوم ومتانة في الأدب حافظا للغة والغريب وله شعر رائق ودين متين وأخذ الناس عنه ببلده وبمرسية وإشبيلية ومالقة وغرناطة في اجتيازه عليها وبغيرها من البلاد وعلا صيته وعرف بالدين والعلم والفضل وكان أبو الخطاب
____________________
(2/66)

يثني على علمه ودينه توفي ببجاية سنة 655 عن سن عالية رحمه الله تعال
45 - وممن ارتحل من الأندلس إلى المشرق القاضي أبو الوليد الباجي صاحب التصانيف المشهورة وقال ابن ماكولا في حقه إنه فقيه متكلم أديب شاعر سمع بالعراق ودرس الكلام وصنف إلى أن مات وكان جليلا رفيع القدر والخطر وقال غير واحد إنه ولد سنة 403 وارتحل سنة 426 وجاور ثلاثة أعوام ملازما لأبي ذر الحافظ يخدمه ورحل إلى بغداد ودمشق ولقي في رحلته غير واحد وتفقه بالقاضي أبي الطيب الطبري وغيره وقال أبو علي بن سكرة ما رأيت مثل أبي الوليد الباجي وما رأيت أحدا على هيئته وسمته وتوقير مجلسه ولما كنت ببغداد قدم ولده أبو القاسم فسرت معه إلى شيخنا قاضي القضاة الشاشي فقلت له أدام الله تعالى عزك هذا ابن شيخ الأندلس فقال لعله ابن الباجي فقلت نعم فأقبل عليه قال القاضي عياض وكثرت القالة في القاضي أبي الوليد لمداخلته الرؤساء وولي قضاء أماكن تصغر عن قدره وكان يبعث إلى تلك النواحي خلفاءه وربما أتاها المرة ونحوها وكان في أول أمره مقلا حتى احتاج إلى القصد بشعره واستأجر نفسه مدة مقامه ببغداد فيما سمعته مستفيضا لحراسة درب وقد جمع ابنه شعره قال ولما قدم الأندلس وجد لكلام ابن حزم طلاوة إلا أنه كان خارجا عن المذهب ولم يكن بالأندلس من يشتغل بعلمه فقصرت ألسنة الفقهاء عن
____________________
(2/67)

مجادلته وكلامه واتبعه على رأيه جماعة من أهل الجهل وحل بجزيرة ميورقة فرأس فيها واتبعه أهلها فلما قدم أبو الوليد كلموه في ذلك فدخل إليه وناظره وشهر باطله وله معه مجالس كثيرة ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في البخاري قال بظاهر لفظه فأنكر عليه الفقيه أبو بكر الصائغ وكفره بإجازة الكتب على الرسول الأمي صلى الله عليه وسلم وأنه تكذيب للقرآن فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام حتى أثاروا عليه الفتنة وقبحوا عليه عند العامة ما أتى به وتكلم به خطباؤهم في الجمع وقال شاعرهم
( برئت ممن شرى دنيا بآخرة ** وقال إن رسول الله قد كتبا ) فصنف أبو الوليد رحمه الله تعالى رسالة بين فيها أن ذلك غير قادح في المعجزة فرجع بها جماعة إذ ليس من عرف أن يكتب اسمه فقط بخارج عن كونه أميا لأنه لا يسمى كاتبا وجماعة من الملوك قد أدمنوا على كتابة العلامة وهم أميون والحكم للغالب لا للصور النادرة وقد قال عليه الصلاة والسلام إنا أمة أميون أي أكثرهم كذلك لندور الكتابة في الصحابة وقال تعالى { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم } [ الجمعة 2 ] انتهى وبعضه بالمعنى وذكر ابن بسام أن أبا الوليد الباجي نشأ وهمته في العلم وأنه بدأ بالأدب فبرز في ميادينه وجعل الشعر بضاعته فنال به من كل الرغائب ثم رحل فما حل بلدا إلا وجده ملآن بذكره نشوان من قهوتي نظمه ونثره فمال إلى علم الديانة فمشى بمقياس وبنى على أساس حتى صار كثير من العلماء يسمعون منه ويرتاحون للأخذ عنه ثم كر واستقضي في طريقه بحلب فأقام بها نحوا من عام قال وبلغني عن ابن حزم أنه كان يقول لو لم يكن لأصحاب المذهب
____________________
(2/68)

المالكي بعد عبد الوهاب إلا مثل أبي الوليد الباجي لكفاهم وصنف أبو الوليد كتبا كثيرة منها كتاب التسديد إلى معرفة التوحيد وكتاب سنن المنهاج وترتيب الحجاج وكتاب إحكام الفصول في أحكام الأصول وكتاب التعديل والتجريح لمن خرج عنه البخاري في الصحيح وكتاب شرح الموطأ وهو نسختان نسخة سماها الاستيفاء ثم انتقى منها فوائد سماها المنتقى في سبع مجلدات وهو أحسن كتاب ألف في مذهب مالك لأنه شرح فيه أحاديث الموطأ وفرع عليها تفريعا حسنا وأفرد منه شيئا سماه الإيماء وقال بعضهم إنه صنف كتاب المعاني في شرح الموطأ فجاء عشرين مجلدا عديم النظير وكان أيضا صنف كتابا كبيرا جامعا بلغ فيه الغاية سماه الاستيفاء وله كتاب الإيماء في الفقه خمس مجلدات انتهى ومن تصانيفه مختصر المختصر في مسائل المدونة وله كتاب اختلاف الموطأ وكتاب الإشارة في أصول الفقه وكتاب الحدود وكتاب سنن الصالحين وكتاب التفسير لم يتمه وكتاب شرح المنهاج وكتاب التبيين لسبيل المهتدين في اختصار فرق الفقهاء وكتاب السراج في الخلاف ولم يتم وغير ذلك وحج الباجي رحمه الله تعالى أربع حجج جاور فيها ثلاثة أعوام ملازما لأبي ذر عبد بن أحمد الهروي وكان يسافر معه للسروات لأن أبا ذر تزوج من العرب وسكن بها
____________________
(2/69)

أبو ذر المذكور هو عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير الأنصاري المالكي ويعرف بابن السماك سمع بهراة وسرخس وبلخ ومرو والبصرة وبغداد ودمشق ومصر وجاور بمكة وألف معجما لشيوخه وعمل الصحيح وصنف التصانيف قال الخطيب قدم أبو ذر بغداد وأنا غائب فحدث بها ثم حج وجاور ثم تزوج في العرب وسكن السروات وكان يحج كل عام ويحدث ويرجع وكان ثقة ضابطا دينا وقال الحسن بن بقي المالقي حدثني شيخي قال قيل لأبي ذر من أين تمذهبت بمذهب مالك ورأي الأشعري مع أنك هروي فقال قدمت بغداد وكنت ماشيا مع الدارقطني فلقينا أبا بكر بن الطيب فالتزمه الدارقطني وقبل وجهه وعينيه فلما افترقنا قلت من هذا قال هذا إمام المسلمين والذاب عن الدين القاضي أبو بكر بن الطيب فمن ذلك الوقت تكررت إليه وتمذهبت بمذهبه انتهى قلت هذا صريح في أن القاضي أبا بكر الباقلاني مالكي وهو الذي جزم به غير واحد ولذا ذكره عياض في المدارك في جملة المالكية وكذلك شيخ السنة الإمام أبو الحسن الأشعري مالكي المذهب فيما ذكره غير واحد من الأئمة وذكر بعض الشافعية أنهما شافعيان والله تعالى أعلم وقال عبد الغافر في تاريخ نيسابور كان أبو ذر زاهدا ورعا عالما سخيا لا يدخر شيئا وصار كبير مشيخة الحرم مشارا إليه في التصوف خرج على الصحيح تخريجا حسنا وكان حافظا كثير الشيوخ توفي سنة 435 وقال أبو علي بن سكرة توفي عقب شوال سنة 434 وقال الخطيب في ذي القعدة من سنة أربع وثلاثين رحمه الله تعالى وأكثر
____________________
(2/70)

نسخ البخاري الصحيحة بالمغرب إما من رواية الباجي عن أبي ذر عبد بن أحمد الهروي المذكور وإما من رواية أبي علي الصدفي الشهير المعروف بابن سكرة بسنده واعلم أن هراة المنسوب إليها الحافظ أبو ذر ليست بهراة التي وراء النهر نظيرة بلخ وإنما هي هراة بني شيمانة بالحجاز وبها كان سكنى أبي ذر والله تعالى أعلم رجع إلى القاضي أبي الوليد الباجي رحمه الله تعالى - ثم إنه - أعني الباجي - قدم بغداد وأقام بها ثلاثة أعوام يدرس الفقه ويقرأ الحديث فلقي بها عدة من العلماء كأبي الطيب الطبري والإمام الشهير أبي إسحاق الشيرازي والصيمري وابن عمروس المالكي وأقام بالموصل سنة مع أبي جعفر السمناني يأخذ عنه علم الكلام فبرع في الحديث وعلله ورجاله وفي الفقه وغوامضه وخلافه وفي الكلام ومضايقه وتدبج مع الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي بحيث روى كل واحد منهما عن الآخر رضي الله تعالى عنهما ونفع بهما ورجع إلى الأندلس بعد ثلاث عشرة سنة بعلم جم حصله مع الفقر والتعفف ومما يفتخر به أنه روى عنه حافظا المغرب والمشرق أبو عمر بن عبد البر والخطيب أبو بكر بن ثابت البغدادي وناهيك بهما وهما أسن منه وأكبر وأبو عبد الله الحميدي وعلي بن عبد الله الصقلي وأحمد بن علي بن غزلون وأبو بكر الطرطوشي وأبو علي بن الحسين السبتي وأبو بحر سفيان بن العاصي
____________________
(2/71)

وممن روى عنه ابنه أبو القاسم أحمد وكان لما رجع إلى الأندلس فشا علمه وتهيأت الدنيا له وعظم جاهه وأجزلت له الصلات فمات عن مال وافر وترسل للملوك وولي القضاء بعدة مواضع رحمه الله تعالى وأما ما تقدم عن القاضي أبي الوليد الباجي من إجراء حديث الكتابة على ظاهره فهو قول بعض والصواب خلافه قال القاضي أبو الفضل عياض حدثنا محمد بن علي المعروف بابن الصيقل الشاطبي من لفظه قال حدثني أبو الحسن بن مفوز قال كان أبو محمد بن أحمد بن الحاج الهواري من أهل جزيرة شقر ممن لازم الباجي وتفقه عنده وكان يميل إلى مذهب الباجي في جواز مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم الكتابة بيده في حديث المقاضاة في الحديبية على ما جاء في ظاهر بعض رواياته ويعجب به وكنت أنكر ذلك عليه فلما كان بعد برهة أتاني زائرا على عادته وأعلمني أن رجلا من إخوانه كان يرى في النوم أنه بالمدينة وأنه يدخل المسجد فيرى قبر النبي صلى الله عليه وسلم أمامه فيجد له قشعريرة وهيبة عظيمة ثم يراه ينشق ويميد ولا يستقر فيعتريه منه فزع عظيم وسألني عن عبارة رؤياه فقلت أخشى على صاحب هذا المنام أن يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير صفته أو ينحله ما ليس له بأصل أو لعله يفتري عليه فسألني من أين قلت هذا قلت له من قول الله تعالى { تكاد السماوات يتفطرن منه } - إلى قوله تعالى - { وولدا } [ مريم 90 ] فقال لي لله درك يا سيدي وأقبل يقبل رأسي وبين عيني ويبكي مرة ويضحك أخرى ثم قال لي أنا صاحب الرؤيا واسمع تمامها يشهد لك بصحة تأويلك قال إنه لما رأيتني في ذلك الفزع العظيم كنت أقول والله ما هذا إلا أنني أقول وأعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب فكنت أبكي وأقول أنا تائب يا رسول الله وأكرر ذلك مرارا فأرى القبر قد عاد إلى هيأته أولا وسكن فاستيقظت ثم قال لي وأنا أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كتب قط حرفا
____________________
(2/72)

وعليه ألقى الله تعالى فقلت الحمد لله الذي أراك البرهان فاشكر له كثيرا انتهى وقال ابن الأبار حدثني بهذه الحكاية أبو الربيع بن سالم بقراءتي عليه عن الكاتب أبي بكر عبد الرحمن بن مغاور قراءة عليه عن القاضي أبي حفص أحمد بن عبد الرحمن بن جحدر عن أبي الحسن طاهر بن مفوز قال كان أبو محمد - إلى آخرها وهي أتم من هذه انتهى رجع إلى الباجي ذكر أبو العرب عبد الوهاب البقساني بسنده إلى القاضي أبي الوليد الباجي أنه كان يقول وقد ذكرت له صحبة السلطان لولا السلطان لنقلتني الذر من الظل إلى الشمس أو ما هذا معناه انتهى ومن فوائد الباجي أنه حكى أن الطلبة كانوا ينتابون مجلس أبي علي البغدادي واتفق أن كان يوما مطر ووحل فلم يحضر من الطلبة سوى واحد فلما رأى الشيخ حرصه على الاشتغال وإتيانه في تلك الحال أنشده
( دببت للمجد والساعون قد بلغوا ** حد النفوس وألقوا دونه الأزرا )
( وكابدوا المجد حتى مل أكثرهم ** وعانق المجد من وافى ومن صبرا )
( لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ** لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا )
انتهى وروى عن القاضي أبي الوليد الباجي رحمه الله تعالى الخطيب البغدادي قوله رحمه الله تعالى
____________________
(2/73)


( إذا كنت أعلم علم اليقين ** بأن جميع حياتي كساعه )
( فلم لا أكون ضنينا بها ** وأجعلها في صلاح وطاعه ) وقد ذكرناهما فيما يأتي قريبا من كلام الفتح لكوننا نقلنا كلامه بلفظه رحمه الله تعالى ورضي عنه وقال في القلائد في حق الباجي رحمه الله تعالى ما صورته بدر العلوم اللائح وقطرها الغادي الرائح وثبيرها الذي لا يزحم ومنيرها الذي ينجلي به ليلها الأسحم كان إمام الأندلس الذي تقتبس أنواره وتنتجع نجوده وأغواره رحل إلى المشرق فعكف على الطلب ساهرا وقطف من العلم أزاهرا وتفنن في اقتنائه وثنى إليه عنان اعتنائه حتى غدا مملوء الوطاب وعاد بلح طلبه إلى الإرطاب فكر إلى الأندلس بحرا لا تخاض لججه وفجرا لا يطمس منهجه فتهادته الدول وتلقته الخيل والخول وانتقل من محجر إلى ناظر وتبدل من يانع بناضر ثم استدعاه المقتدر بالله فصار إليه مرتاحا وبدا بأفقه ملتاحا وهناك ظهرت تواليفه وأوضاعه وبدا وخده في سبل العلم وإيضاعه وكان المقتدر يباهي بانحياشه إلى سلطانه وإيثاره لحضرته باستيطانه ويحتفل فيما يرتبه له ويجريه وينزله في مكانه متى كان يوافيه وكان له نظم يوقفه على ذاته ولا يصرفه في رفث القول وبذاته فمن ذلك قوله في معنى الزهد
( إذا كنت أعلم علم اليقين ** بأن جميع حياتي كساعه )
( فلم لا أكون ضنينا بها ** وأجعلها في صلاح وطاعه )
وله يرثي ابنيه وماتا مغتربين وغربا كوكبين وكانا ناظري الدهر
____________________
(2/74)

وساحري النظم والنثر
( رعى الله قبرين استكانا ببلدة ** هما أسكناها في السواد من القلب )
( لئن غيبا عن ناظري وتبوءا ** فؤادي لقد زاد التباعد في القرب )
( يقر بعيني أن أزور ثراهما ** وألصق مكنون الترائب بالترب )
( وأبكي وأبكي ساكنيها لعلني ** سأنجد من صحب وأسعد من سحب )
( فما ساعدت ورق الحمام أخا أسى ** ولا روحت ريح الصبا عن أخي كرب )
( ولا استعذبت عيناي بعدهما كرى ** ولا ظمئت نفسي إلى البارد العذب )
( أحن ويثني اليأس نفسي عن الأسى ** كما اضطر محمول على المركب الصعب ) وله يرثى ابنه محمدا
( أمحمدا إن كنت بعدك صابرا ** صبر السليم لما به لا يسلم )
( ورزئت قبلك بالنبي محمد ** ولرزؤه أدهى لدي وأعظم )
( فلقد علمت بأنني بك لاحق ** من بعد ظني أنني متقدم )
( لله ذكر لا يزال بخاطري ** متصرف في صبره مستحكم فإذا نظرت فشخصه متخيل ** وإذا أصخت فصوته متوهم )
( وبكل أرض لي من اجلك لوعة ** وبكل قبر وقفة وتلوم )
( فإذا دعوت سواك حاد عن اسمه ** ودعاه باسمك معول بك مغرم )
( حكم الردى ومناهج قد سنها ** لأولي النهى والحزن قبل متمم )
انتهى ولعمري إنه لم يوف القاضي أبا الوليد الباجي حقه الواجب المفترض ووددت أنه مد النفس في ترجمته بعبارتة التي يعترف ببراعتها من سلم
____________________
(2/75)

له ومن اعترض فإن ترجمة المذكور مما سطره أفسح مجالا وأفصح روية وارتجالا وبالجملة فهو أحد الأعلام الأندلس وهو سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي وذكره ابن بسام في الذخيرة وابن خلكان وغير واحد وأصله من بطليوس وانتقل جده إلى باجة قرب إشبيلية وليس هو من باجة القيروان ومولده سنة 403 ورحل سنة 426 فقدم مصر وسمع بها وأجر نفسه ببغداد لحراسة الدروب وكان لما رجع إلى الأندلس يضرب ورق الذهب ويعقد الوثائق إلى أن فشا علمه وتهيأت له الدنيا وشهرته تغني عن
وصفه ومن نظمه قوله
( ما طال عهدي بالديار وإنما ** أنسى معاهدها أسى وتبلد )
( لو كنت أنبأت الديار صبابتي ** رق الصفا بفنائها والجلمد )
وله في المعتضد بن عباد والد المعتمد
( عباد استعبد البرايا ** بأنعم تبلغ النعائم )
( مديحه ضمن كل قلب ** حتى تغنت به الحمائم )
ومن أشهر نظمه قوله
إذا كنت أعلم - البيتين وقد سبقا
وممن ذكره أيضا الحجاري في المسهب وابن بشكوال في الصلة وأنه حج أربع حجج رحمه الله تعالى وتوفي في المرية لإحدى عشرة بقيت من رجب وقيل ليلة
____________________
(2/76)

سنة أربع وسبعين وأربعمائة ومن تواليفه المنتقى في شرح الموطأ ذهب فيه مذهب الاجتهاد وإيراد الحجج وهو مما يدل على تبحره في العلوم في الفنون ولما قدم من المشرق إلى الأندلس بعد ثلاثة عشر عاما وجد ملوك الطوائف أحزابا مفترقة فمشى بينهم في الصلح وهم يجلونه في الظاهر ويستثقلونه في الباطن ويستبردون نزعته ولم يفد شيئا فالله تعالى يجازيه عن نيته ولما ناظر ابن حزم قال له الباجي أنا أعظم منك همة في طلب العلم لأنك طلبته وأنت معان عليه تسهر بمشكاة الذهب وطلبته وأنا أسهر بقنديل بائت السوق فقال ابن حزم هذا الكلام عليك لا لك لأنك إنما طلبت العلم وأنت في تلك الحال رجاء تبديلها بمثل حالي وأنا طلبته في حين ما تعلمه وما ذكرته فلم أرج به إلا علو القدر العلمي في الدنيا والآخرة فأفحمه قال عياض قال لي أصحابه كان يخرج إلينا للإقراء وفي يده أثر المطرقة إلى أن فشا علمه ونوهت الدنيا به وعظم جاهه وأجزلت صلاته حتى مات عن مال وافر وكان يستعمله الأعيان في ترسلهم ويقبل جوائزهم وولي القضاء بمواضع من الأندلس ترجمة ابن حزم وابن حزم المذكور هو أبو محمد بن حزم الظاهري قال ابن حيان وغيره كان ابن حزم صاحب حديث وفقه وجدل وله كتب كثيرة في المنطق
____________________
(2/77)

والفلسفة لم يخل فيها من غلط وكان شافعي المذهب يناضل الفقهاء عن مذهبه ثم صار ظاهريا فوضع الكتب في هذا المذهب وثبت عليه إلى أن مات وكان له تعلق بالأدب وشنع عليه الفقهاء وطعنوا فيه وأقصاه الملوك وأبعدوه عن وطنه وتوفي بالبادية عشية يوم الأحد لليلتين بقيتا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة وقال صاعد في تاريخه كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة مع توسعه في علم اللسان والبلاغة والشعر والسير والأخبار أخبرني ابنه الفضل أنه اجتمع عنده بخط أبيه من تواليفه نحو أربعمائة مجلد نقله عن تاريخ صاعد الحافظ الذهبي قال الذهبي وهو العلامة أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح الأموي مولاهم الفارسي الأصل الأندلسي القرطبي الظاهري صاحب المصنفات وأول سماعه سنة 399 وكان إليه المنتهى في الذكاء وحدة الذهن وسعة العلم بالكتاب والسنة والمذاهب والملل والنحل والعربية والآداب والمنطق والشعر ومع الصدق والديانة والحشمة والسؤدد والرياسة والثروة وكثرة الكتب قال الغزالي رحمه الله تعالى وجدت في أسماء الله تعالى كتابا لأبي محمد بن حزم يدل على عظم حفظه وسيلان ذهنه انتهى باختصار وعلى الجملة فهو نسيج وحده لولا ما وصف به من سوء الاعتقاد والوقوع في السلف الذي أثار عليه الانتقاد سامحه الله تعالى وذكر الذهبي أن عمره اثنتان وسبعون سنة وهو لا ينافي قول غيره إنه كان عمره إحدى وسبعين سنة وعشرة أشهر لأنه ولد رحمه الله تعالى بقرطبة بالجانب الشرقي في ربض منية المغيرة قبل طلوع الشمس وبعد سلام
____________________
(2/78)

الإمام من صلاة الصبح آخر ليلة الأربعاء آخر يوم من شهر رمضان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة بطالع العقرب وتوفي ليومين بقيا من شعبان سنة 456 وكان كثير المواظبة على التأليف ومن جملة تآليفه كتاب الفصل بين أهل الأهواء والنحل وكتاب الصادع والرادع على من كفر أهل التأويل من فرق المسلمين والرد على فرق التقليد وكتاب شرح حديث الموطإ والكلام على مسائله وكتاب الجامع في صحيح الحديث باختصار الأسانيد والاقتصار على أصحها وكتاب التلخيص والتخليص في المسائل النظرية وفروعها التي لا نص عليها في الكتاب والحديث وكتاب منتقى الإجماع وبيانه من جملة ما لا يعرف فيه اختلاف وكتاب الإمامة والخلافة في سير الخلفاء ومراتبها والندب والواجب منها وكتاب أخلاق النفس وكتاب الإيصال إلى فهم كتاب الخصال وكتاب كشف الالتباس ما بين أصحاب الظاهر وأصحاب القياس انتهى وقال ابن سعيد في حق ابن حزم ما ملخصه الوزير العالم الحافظ أبو محمد علي بن الوزير أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم الفارسي وشهرته تغني عن وصفه وتوفي منفيا بقرية من بلد لبلة ووصله من ابن عمه أبي المغيرة رسالة فيها ما أوجب أن جاوبه بهذه الرسالة وهي سمعت وأطعت لقوله تعالى { وأعرض عن الجاهلين } [ الأعراف 199 ] وأسلمت وانقدت لقول نبيه عليه الصلاة والسلام صل من قطعك واعف عمن ظلمك ورضيت بقول الحكماء كفاك انتصارا ممن تعرض لأذاك إعراضك عنه وأقول
( تتبع سواي امرأ يبتغي ** سبابك إن هواك السباب ) فإني أبيت طلاب السفاه ** وصنت محلي عما يعاب )
____________________
(2/79)


( وقل ما بدا لك من بعد ذا ** وأكثر فإن سكوتي خطاب )
وأقول
( كفاني بذكر الناس لي ومآثري ** ومالك فيهم يا ابن عمي ذاكر )
( عدوي وأشياعي كثير كذاك من ** غدا وهو نفاع المساعي وضائر )
( وإني وإن آذيتني وعققتني ** لمحتمل ما جاءني منك صابر ) فوقع له أبو المغيرة على ظهر رقعته قرأت هذه الرقعة العاقة فحين استوعبتها أنشدتني
( نحنح زيد وسعل ** لما رأى وقع الأسل )
فأردت قطعها وترك المراجعة عنها فقالت لي نفسي قد عرفت مكانها بالله لا قطعتها إلا يده فأثبت على ظهرها ما يكون سببا إلى صونها فقلت
( نعقت ولم تدر كيف الجواب ** وأخطأت حتى أتاك الصواب
( وأجريت وحدك في حلبة ** نأت عنك فيها الجياد العراب )
( وبت من الجهل مستبحبا ** لغير قرى فأتتك الذئاب )
( فكيف تبينت عقبى الظلوم ** إذا ما انقضت بالخميس العقاب )
( لعمرك ما لي طباع تذم ** ولا شيمة يوم مجد تعاب )
( أنيل المنى والظبا سخط ** وأعطي الرضى والعوالي غضاب )
وأقول
( وغاصب حق أوبقته المقادر ** يذكرني حاميم والرمح شاجر )
( غدا يستعير الفخر من خيم خصمه ** ويجهل أن الحق أبلج ظاهر )
____________________
(2/80)


( ألم تتعلم يا أخا الظلم أنني ** برغمك ناه منذ عشر وآمر )
( تذل لي الأملاك حر نفوسها ** وأركب ظهر النسر والنسر طائر )
( وأبعث في أهل الزمان شواردا ** تلينهم وهي الصعاب النوافر )
( فإن أثو في أرض فإني سائر ** وإن أنا عن قوم فإني حاضر )
( وحسبك أن الأرض عندك خاتم ** وأنك في سطح السلامة عاثر )
( ولا لوم عندي في استراحتك التي ** تنفست عنها والخطوب فواقر )
( فإني للحلف الذي مر حافظ ** وللنزعة الأولى بحاميم ذاكر )
( هنيئا لكل ما لديه فإننا ** عطية من تبلى لديه السرائر )
ومن شعر أبي محمد ابن حزم يخاطب قاض الجماعة بقرطبة عبد الرحمن ابن بشر
( أنا الشمس في جو العلوم منيرة ** ولكن عيبي أن مطلعي الغرب )
( ولو أنني من جانب الشرق طالع ** لجد على ما ضاع من ذكري النهب )
( ولي نحو آفاق العراق صبابة ** ولا غرو أن يستوحش الكلف الصب )
( فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم ** فحينئذ يبدو التأسف والكرب )
( فكم قائل أغفلته وهو حاضر ** وأطلب ما عنه تجيء به الكتب )
( هنالك يدري أن للعبد قصة ** وإن كساد العلم آفته القرب )
( فيا عجبا من غاب عنهم تشوقوا ** له ودنو المرء من دارهم ذنب )
( وإن مكانا ضاق عني لضيق ** على أنه فيح مهامهه سهب وإن رجالا ضيعوني لضيع وإن زمانا لم أنل خصبه جدب
____________________
(2/81)


ومنها في الاعتذار عن مدحه لنفسه
( ولكن لي في يوسف خير أسوة ** وليس على من بالنبي ائتسى ذنب )
( يقول مقال الصدق والحق إنني ** حفيظ عليم ما على صادق عتب )
وقوله
( لا يشمتن حاسدي إن نكبة عرضت ** فالدهر ليس على حال بمترك )
( ذو الفضل كالتبر يلقى تحت متربة ** طورا وطورا يرى تاجا على ملك )
وقوله لما أحرق المعتضد بن عباد كتبه بإشبيلية
( دعوني من إحراق رق وكاغد ** وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري )
( فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي ** تضمنه القرطاس بل هو في صدري )
( يسير معي حيث استقلت ركائبي ** وينزل إن أنزل ويدفن في قبري )
وقوله
( لئن أصبحت مرتحلا بشخصي ** فقلبي عندكم أبدا مقيم )
( ولكن للعيان لطيف معنى ** لذا سأل المعاينة الكليم ) وقوله
( وذي عذل فيمن سباني حسنه ** يطيل ملامي في الهوى ويقول )
( أمن أجل وجه لاح لم تر غيره ** ولم تدر كيف الجسم أنت عليل )
( فقلت له أسرفت في اللوم فاتئد فعندي رد لو أشاء طويل )
( ألم تر أني ظاهري وأنني ** على ما أرى حتى يقوم دليل
____________________
(2/82)

وهو أبو محمد علي بن أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن مزيد القرطبي قال ابنه أبو رافع الفضل اجتمع عندي بخط أبي من تواليفه نحو أربعمائة مجلد تشتمل على قريب من نحو ثمانين ألف ورقة انتهى وأبوه الوزير أبو عمر المذكور كان من وزراء المنصور بن أبي عامر وتوفي - كما قال ابن حيان - بذي القعدة سنة اثنتين وأربعمائة وكان منشؤه ومولده بقرية تعرف بالزاوية وحكي أن الحافظ أبا محمد بن حزم قصد أبا عامر بن شهيد في يوم غزير المطر والوحل شديد الريح فلقيه أبو عامر وأعظم قصده على تلك الحال وقال له يا سيدي مثلك يقصدني في مثل هذا اليوم فأنشده أبو محمد بن حزم بديها
( فلو كانت الدنيا دوينك لجة ** وفي الجو صعق دائم وحريق )
( لسهل ودي فيك نحوك مسلكا ** ولم يتعذر لي إليك طريق )
قال الحافظ ابن حزم أنشدني الوزير أبي في بعض وصاياه لي
( إذا شئت أن تحيا غنيا فلا تكن ** على حالة إلا رضيت بدونها ) وهذا كاف في فضل الفرع والأصل سامح الله الجميع قال ابن حزم في طوق الحمامة إنه مر يوما هو وأبو عمر بن عبد البر صاحب الاستيعاب بسكة الحطابين من مدينة إشبيلية فلقيهما شاب حسن الوجه فقال أبو محمد هذه صورة حسنة فقال له أبو عمر لم نر إلا الوجه فلعل ما سترته الثياب ليس كذلك فقال ابن حزم ارتجالا
____________________
(2/83)


( وذي عذل فيمن سباني حسنه ** )
الأبيات ولابن حزم أيضا قوله
( لا تلمني لأن سبقة لحظ ** فات إدراكها ذوي الألباب )
( يسبق الكلب وثبة الليث في العد ** و ويعلو النخال فوق اللباب )
ولأبي بكر بن مفوز جزء يرد فيه على أبي محمد بن حزم وفيه قال معرضا
( يا من تعاني أمورا لن تعانيها ** خل التعاني واعط القوس باريها )
( تروي الأحاديث عن كل مسامحة ** وإنما لمعانيها معانيها )
وقيل إنه خاطب بهما بعض أصحاب ابن حزم رجع إلى القاضي أبي الوليد الباجي - ومن نظمه قوله من مرثية
( أحن ويثني اليأس نفسي على الأسى ** كما اضطر محمول على المركب الصعب )
ومن جيد نظمه قوله
( أسروا على الليل البهيم سراهم ** فنمت عليهم في الشمال شمائل )
( متى نزلوا ثاوين بالخيف من منى ** بدت للهوى بالمأزمين مخايل )
( فلله ما ضمت منى وشعابها ** وما ضمنت تلك الربى والمنازل )
( ولما التقينا للجمار وأبرزت ** أكف لتقبيل الحصى وأنامل )
( أشارت إلينا بالغرام محاجر ** وباحت به منا جسوم نواحل )
____________________
(2/84)


وقال الباجي أبو الوليد رحمه الله تعالى
( مضى زمن المكارم والكرام ** سقاه الله من صوب الغمام )
( وكان البر فعلا دون قول ** فصار البر نطقا بالكلام )
وذيله بعضهم بقوله
( وزال النطق حتى لست تلقى ** فتى يسخو برد للسلام )
( وزاد الأمر حتى ليس إلا ** سخي بالأذى أو بالملام )
46 - ومنهم الفقيه العالم الشهير أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب الفهري الطرطوشي صاحب سراج الملوك ويعرف بابن أبي رندقة - بالراء المهملة المفتوحة وسكون النون - وكفى بسراج الملوك دليلا على فضله ذكره ابن بشكوال في الصلة وتوفي بالإسكندرية في شعبان وقيل جمادى الأولى سنة عشرين وخمسمائة وزرت قبره بالإسكندرية وممن أخذ عنه الحافظ القاضي أبو بكر بن العربي وغيره ومن نظم الطرطوشي قوله من رسالة
( أقلب طرفي في السماء ترددا ** لعلي أرى النجم الذي أنت تنظر )
( وأستعرض الركبان من كل وجهة ** لعلي بمن قد شم عرفك أظفر )
____________________
(2/85)


( وأستقبل الأرواح عند هبوبها ** لعل نسيم الريح عنك يخبر )
( وأمشي وما لي في الطريق مآرب ** عسى نغمة باسم الحبيب ستذكر )
( وألمح من ألقاه من غير حاجة ** عسى لمحة من نور وجهك تسفر )
ومن نظمه أيضا قوله
( يقولون ثكلى ومن لم يذق ** فراق الأحبة لم يثكل )
( لقد جرعتني ليالي الفراق ** كؤوسا أمر من الحنظل ) ومما نسب إليه
( إذا كنت في حاجة مرسلا ** وأنت بإنجازها مغرم )
( فأرسل بأكمه جلابة ** به صمم أغطش أبكم )
( ودع عنك كل رسول سوى ** رسول يقال له الدرهم )
وكان كثيرا ما ينشد
( إن لله عبادا فطنا ** طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا )
( فكروا فيها فلما علموا ** أنها ليست لحي وطنا )
( جعلوها لجة واتخذوا ** صالح الأعمال فيها سفنا )
وقال رحمه الله تعالى كنت ليلة نائما بالبيت المقدس إذ سمعت في الليل صوتا حزينا ينشد
( أخوف ونوم إن ذا لعجيب ** ثكلتك من قلب فأنت كذوب )
( أما وجلال الله لو كنت صادقا ** لما كان للإغماض فيك نصيب )
____________________
(2/86)


قال فأيقظ النوام وأبكى العيون وكان رحمه الله تعالى زاهدا متورعا متقللا من الدنيا قوالا للحق وكان يقول إذا عرض لك أمر دنيا وأخرى فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى وله طريقة في الخلاف ودخل مرة على الأفضل بن أمير الجيوش فوعظه وقال له إن الأمر الذي أصبحت فيه من الملك إنما صار إليك بموت من كان قبلك وهو خارج عن يدك بمثل ما صار إليك فاتق الله فيما خولك من هذه الأمة فإن الله عز وجل سائلك عن النقير والقطمير والفتيل واعلم أن الله عز وجل آتى سليمان بن داود ملك الدنيا بحذافيرها فسخر له الإنس والجن والشياطين والطير والوحش والبهائم وسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ورفع عنه حساب ذلك أجمع فقال عز من قائل { هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب } [ ص 39 ] فما عد ذلك نعمة كما عددتموها ولا حسبها كرامة كما حسبتموها بل خاف أن يكون استدراجا من الله عز وجل فقال { هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر } [ النمل 40 ] فافتح الباب وسهل الحجاب وانصر المظلوم وكان إلى جانب الأفضل رجل نصراني فأنشده
( يا ذا الذي طاعته قربة ** وحقه مفترض واجب )
( إن الذي شرفت من أجله ** يزعم هذا أنه كاذب )
( وأشار إلى النصراني فأقامه الأفضل من مكانه والطرطوشي - بضم الطاءين - نسبة إلى طرطوشة من بلاد الأندلس
____________________
(2/87)

وقد تفتح الطاء الأولى وعبر عنه ابن الحاجب في مختصره الفقهي في باب العتق بالأستاذ وكان رحمه الله تعالى صحب القاضي أبا الوليد الباجي رحمه الله تعالى بسرقسطة وأخذ عنه مسائل الخلاف وسمع منه وأجازه وقرأ الفرائض والحساب بوطنه وقرأ الأدب على أبي محمد بن حزم بمدينة إشبيلية ثم رحل إلى المشرق سنة ست وسبعين وأربعمائة ودخل بغداد والبصرة فتفقه هناك عند أبي بكر الشاشي وأبي محمد الجرجاني وسمع بالبصرة من أبي علي التستري وسكن الشام مدة ودرس بها وكان راضيا باليسير وقال الصفدي في ترجمة الطرطوشي إن الأفضل بن أمير الجيوش أنزله في مسجد شقيق الملك بالقرب من الرصد وكان يكرهه فلما طال مقامه به ضجر وقال لخادمه إلى متى نصبر اجمع لي المباح فجمعه وأكله ثلاثة أيام فلما كان عند صلاة المغرب قال لخادمه رميته الساعة فلما كان من الغد ركب الأفضل فقتل وولي بعده المأمون بن البطائحي فأكرم الشيخ إكراما كثيرا وله ألف الشيخ سراج الملوك انتهى ومقامه - أعني الطرطوشي - مشهور وهذه الحكاية تكفي في ولايته ومن تآليفه مختصر تفسير الثعالبي والكتاب الكبير في مسائل الخلاف وكتاب في تحريم جبن الروم وكتاب بدع الأمور ومحدثاتها وكتاب شرح رسالة الشيخ ابن أبي زيد وولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة تقريبا ولما توفي صلى عليه ولده محمد ودفن رحمه الله تعالى قبل الباب الأخضر بإسكندرية وزرت قبره مرارا رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا به وكان القاضي عياض ممن استجازه فأجازه ولم يلقه وشهرته رضي الله
____________________
(2/88)

تعالى عنه تغني عن الإطناب وحكي أنه كتب على سراج الملوك الذي أهداه لولي الأمر بمصر
( الناس يهدون على قدرهم ** لكنني أهدي على قدري )
( يهدون ما يفنى وأهدي الذي ** يبقى على الأيام والدهر )
( وحكي أنه لما سمع رضي الله تعالى عنه منشدا ينشد للوأواء
( قمر أتى من غير وعد ** في ليلة طرقت بسعد )
( بات الصباح إلى الصباح ** معانقي خدا بخد ) يمتاز في وناظري ** ما شئت من خمر وشهد )
فقال أو يظن هذا الدمشقي أن أحدا لا يحسن ينظم الكذب غيره لو شئنا لكذبنا مثل هذا ثم أنشد لنفسه يعارضه
( قمر بدا من غير وعد ** حفت شمائله بسعد )
( قبلته ورشفت ما ** في فيه من خمر وشهد )
( فرشفت مزن السلسبيل ** بزنجبيل مستعد )
( ولثمت فاه من الغروب ** إلى الصباح المستجد )
( وسكرت من رشفي العقيق ** على أقاح تحت رند )
( فنزعت عن فمه فمي ** ووضعت خدا فوق خد )
( وشممت عرف نسيمه الجاري ** على مسك وند )
( وصحوت من ريا القرنفل ** بين ريحان وورد )
( وألذ من وصلي به ** شكواه وجدا مثل وجدي )
( ومن نظم الطرطوشي قوله أيضا
____________________
(2/89)


( كأن لساني والمشكلات ** سنا الصبح ينحر ليلا بهيما )
( وغيري إن رام ما رمته ** خصي يحاول فرجا عقيما )
وقوله أيضا
( فاعمل لمعادك يا رجل فالقوم لدنياهم عملوا )
( وادخر لمسيرك من زاد ** فالقوم بلا زاد رحلوا )
47 - ومنهم محمد بن عبد الجبار الطرطوشي - وفد إلى المشرق وذكره العماد في الخريدة وله في الآمدي العلي بمصر وكان يخضب بسواد الرمان يخضب بأقبح سواد خضب به
( خلط العفص فيه يا أحوج الناس ** إلى العفص حين يعكس عفص )
48 - ومنهم القاضي الشهير الشهيد أبو علي الصرفي وهو حسين بن محمد بن فيره بن حيون ويعرف بابن سكرة وهو من أهل سرقسطة سكن مرسية وروى بسرقسطة عن الباجي وأبي محمد عبد الله بن محمد بن إسماعيل وغيرهما وسمع ببلنسية من أبي العباس العذري وسمع بالمرية من أبي عبد الله محمد بن سعدون القروي وأبي عبد الله بن المرابط وغيرهما
____________________
(2/90)

ورحل إلى المشرق أول المحرم من سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وحج من عامه ولقي بمكة أبا عبد الله الحسن بن علي الطبري وأبا بكر الطرطوشي وغيرهما ثم سار إلى البصرة فلقي بها أبا يعلى المالكي وأبا العباس الجرجاني وأبا القاسم بن شعبة وغيرهم وخرج إلى بغداد فسمع بواسط من أبي المعالي محمد بن عبد السلام الأصبهاني وغيره ودخل بغداد سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة فأطال الإقامة بها خمس سنين كاملة وسمع بها من أبي الفضل بن خيرون مسند بغداد ومن أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي وطراد الزينبي والحميدي وغيرهم وتفقه عند أبي بكر الشاشي وغيره ثم رحل منها سنة سبع وثمانين فسمع بدمشق من أبي الفتح نصر المقدسي وأبي الفرج الإسفراييني وغيرهما وسمع بمصر من القاضي أبي الحسن الخلعي وأبي العباس أحمد بن إبراهيم الرازي وأجاز له الحبال مسند مصر في وقته ومكثرها وسمع بالإسكندرية من أبي القاسم الوراق وشعيب بن سعيد وغيرهما ووصل إلى الأندلس في صفر من سنة سبعين وأربعمائة وقصد مرسية فاستوطنها وقعد يحدث الناس بجامعها ورحل الناس من البلدان إليه وكثر سماعهم عليه وكان عالما بالحديث وطرقه عارفا بعلله وأسماء رجاله ونقلته وكان حسن الخط جيد الضبط وكتب بخطه علما كثيرا وقيده وكان حافظا لمصنفات الحديث قائما عليها ذاكرا لمتونها وأسانيدها ورواتها وكتب منها صحيح البخاري في سفر وصحيح مسلم في سفر وكان قائما على الكتابين مع مصنف أبي عيسى الترمذي وكان فاضلا دينا متواضعا حلوما وقورا عالما عاملا واستقضي بمرسية ثم استعفى فأعفي
____________________
(2/91)

وأقبل على نشر العلم وبثه وقد ذكره أبو القاسم بن عساكر في تاريخه لدخوله الشام قال وبعد أن استقرت به النوى واستمرت إفادته بما قيد وروى رفعته ملوك أوانه وشفعته في مطالب إخوانه فأوسعته رعيا وأحسنت فيه رأيا ومن أبنائهم من جعل يقصده لسماع يسنده وعلى وقاره الذي كان به يعرف ندر له مع بعضهم ما يستطرف وهو أن فتى يسمى يوسف لازم مجلسه معطرا رائحته ومنظفا ملبسه ثم غاب لمرض قطعه أو شغل منعه ولما فرغ أو أبل عاود ذلك النادي المبارك والمحل وقبل إفضائه إليه دل طيبه عليه فقال الشيخ على سلامته من المجون وخلاصه من الفتون { إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون } [ يوسف 94 ] وهي من طرف نوادره رحمة الله عليه ولما قلد قضاء مرسية وعزم عليه صاحب الأمر فيه فر إلى المرية فأقام بها سنة خمس وبعض سنة ست وخمسمائة وفي سنة ست قبل قضاءها على كره إلى أن استخفى آخر سنة سبع في قصة يطول إيرادها وبطول مقامه بالمرية أخذ الناس عنه بها فلما كانت وقعة كتندة كان ممن حضرها ففقد فيها سنة أربع عشرة وخمسمائة رحمه الله تعالى وقال القاضي عياض ولقد حدثني الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر أنه قال له خذ الصحيح واذكر أي متن شئت منه أذكر لك سنده أو أي سند شئت أذكر لك متنه انتهى
____________________
(2/92)

وذكر غير واحد أنه حدث ببغداد بحديث واحد والله أعلم وهو من أبناء الستين
49 - ومنهم ابن أبي روح الجزيري - ومن شعره لما تغرب بالمشرق قوله
( أحن إلى الخضراء في كل موطن ** حنين مشوق للعناق والضم )
( وما ذاك إلا أن جسمي رضيعها ** ولا بد من شوق الرضيع إلى الأم )
50 - ومنهم العالم أبو حفص عمر بن حسن الهوزني الحسيب العالم المحدث - ذكره ابن بسام في الذخيرة والحجاري في المسهب وسبب رحلته للمشرق أنه لما تولى المعتضد بن عباد خاف منه فاستأذنه في الحج سنة 444 ورحل إلى مصر ثم إلى مكة وسمع في طريقه كتاب صحيح البخاري وعنه أخذه أهل الأندلس ورجع وسكن إشبيلية وخدم المعتضد فقتله ومن خاف من شيء سلط عليه وكان قتله يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة ستين وأربعمائة ومن شعره يحرضه على الجهاد
( أعباد جل الرزء والقوم هجع ** على حالة من مثلها يتوقع )
( فلق كتابي من فراغك ساعة ** وإن طال فالموصوف للطول موضع )
( إذا لم أبث الداء رب شكاية ** أضعت وأهل للملام المضيع )
ووصله بنثر وهو وما أخطأ السبيل من أتى البيوت من أبوابها
____________________
(2/93)

ولا أرجأ الدليل من أناط الأمور بأربابها ولرب أمل بين أثناء المحاذير مدمج ومحبوب في طي المكاره مدرج فانتهز فرصتها فقد بان من غيرك العجز وطبق مفاصلها فقد أمكنك الحز ولا غرو أن يستمطر الغمام في الجدب ويستصحب الحسام في الحرب وله
( صرح الشر فلا يستقل ** إن نهلتهم جاءكم بعد عل )
( بدء صعق الأرض رش وطل ** ورياح ثم غيم أبل )
( خفضوا فالداء رزء أجل ** واغمدوا سيفا عليكم يسل )
وابنه أبو القاسم هو الذي كان سبب فساد دولة المعتمد بن عباد بسبب قتل المعتضد والده كما مروبيت بنى الهوزاني بالأندلس بيت كبير مشهور ومنهم عدة علماء وكبراء رحم الله الجميع
51 - ومنهم أبو عمرو عثمان بن الحسين أخو الحافظ أبي الخطاب بن دحية الآتي ذكره كان أسن من أخيه أبي الخطاب وكان حافظا للغة العرب قيما بها وعزل الملك الكامل أبا الخطاب عن دار الحديث الكاملية التي أنشأها بين القصرين ورتب مكانه أخاه أبا عمرو المذكور ولم يزل بها إلى أن توفي
____________________
(2/94)

سنة 634 بالقاهرة ودفن بسفح المقطم كأخيه وكان موت أبي عمرو بعد أبي الخطاب بسنة رحمهما الله تعالى
52 - ومنهم الكاتب أبو بكر محمد بن القاسم - من أهل وادي الحجارة ويعرف باشكنهادة وارتحل إلى المشرق لما نبت به حضرة قرطبة عند تقلب دولها وتحول ملوكها وخولها فجال في العراق وقاسى ألم الفراق واجتاز بحلب وأقام بها مقام غريب لم يصف له حلب وقال
( أين أقصى الغرب من أرض حلب ** أمل في الغرب موصول التعب )
( حن من شوق إلى أوطانه ** من جفاه صبره لما اغترب )
( جال في الأرض لجاجا حائرا ** بين شوق وعناء ونصب )
( كل من يلقاه لا يعرفه ** مستغيثا بين عجم وعرب )
( لهف نفسي أين هاتيك العلا ** واضياعاه ويا غبن الحسب )
( والذي قد كان ذخرا وبه ** أرتجي المال وإدراك الرتب )
( صار لي أبخس ما أعددته ** بين قوم ما دروا طعم الأدب )
( يا أحباي اسمعوا بعض الذي ** يتلقاه الطريد المغترب )
( وليكن زجرا لكم عن غربة ** يرجع الرأس لديها كالذنب )
( واحملوا طعنا وضربا دائما ** فهو عندي بين قومي كالضرب )
( ولئن قاسيت ما قاسيته ** فبما أبصر لحظي من عجب )
( ولقد أخبركم أن ألتقي ** بكم حتى تقولوا قد كذب )
____________________
(2/95)

واجتاز بدمشق فقال من أبيات رحمه الله تعالى
( دمشق جنة الدنيا حقيقا ** ولكن ليس تصلح للغريب )
( بها قوم لهم عدد ومجد ** وصحبتهم تؤول إلى حروب )
ثم إنه ودع الشرق بلا سلام وحل بحضرة دانية لدى ملكها مجاهد العامري في بحبوحة عز لا يخشى فيه الملام واستقبل الأندلس بخاطر جديد ونال بها بعد من بلوغ الآمال ما ليس له عليه مزيد وقال
( وكم قد لقيت الجهد قبل مجاهد ** وكم أبصرت عيني وكم سمعت أذني )
( ولاقيت من دهري وصرف خطوبه ** كما جرت النكباء في معطف الغصن )
( فلا تسألوني عن فراق جهنم ** ولكن سلوني عن دخولي إلى عدن )
وله من كتاب وحامل كتابي - سلمه الله تعالى وأعانه - ممن أخنى عليه الزمان وأدار عليه وما صحا إلى الآن كؤوس الهوان وقد قصد على بعد جنابك الرحيب الخصيب قصد الحسن محل الخصيب ويمم جناب ابن طاهر حبيب وإني لأرجو أن يرجع منك رجوع نصيب عن سليمان ويستعين في شكرك بكل لسان وأنت عليم بأن الثناء هو الخلف وقد قال الأول
( أرى الناس أحدوثة ** فكوني حديثا حسن )
وأنا القائل
( فلا تزهدن في الخير قد مات حاتم ** وأخباره حتى القيامة تذكر )
____________________
(2/96)

ومع هذا فهو عليه بقدر ما يحتمل من التكليف هذا الأوان عارف وجوه الأعذار غير ذي عجل في العتب قبل البيان وعند سيدي من التهدي للإيصاء ما يحقق فيه جميع الرجاء دامت أرجاؤه مؤملة ولا برحت نعمه سابغة مكملة
53 - ومنهم الكاتب أبو عبد الله محمد بن عبد ربه المالقي - وقال بعضهم إنه من الجزيرة الخضراء له رحلة إلى الديار المصرية صنع فيها مقامه يقول فيها
( وفي جنبات الروض نهر ودوحة ** يروقك منها سندس ونضار )
( تقول وضوء البدر فيه مغرب ** ذراع فتاة دار فيه سوار )
ومن شعره
( ما كل إنسان أخ منصف ** ولا الليالي أبدا تسعف )
( فلا تضع إن أمكنت فرصة ** واصحب من الإخوان من ينصف )
( وانتف من الدهر ولو ريشة ** فإنما حظك ما تنتف )
وقوله يرثي السيد أبا عمران ابن أمير المؤمنين يوسف ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي ملك المغرب والأندلس
( بجيد المعالي أي عقد تبددا ** وصدر العوالي أي رمح تقصدا )
____________________
(2/97)


( لما دهت خيل الشقي فجاءة ** وسال العدا بحرا من الموت مزبدا )
( شهدت بوجه كالغزالة مشرقا ** وإن كان وجه الشمس بالنقع مربدا )
( عزائم صدق ليس تصرف هكذا ** إلى الموت تسعى أو على الموت يعتدى )
وكان السيد أبو عمران المرثي قتله الميورقي صاحب فتنة إفريقية في الهزيمة المشهورة على تاهرت وجمع ابن عبد ربه المذكور شعر السيد أبي الربيع بن عبد الله بن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي وكان ابن عبد ربه المذكور كاتبا للسيد أبي الربيع سليمان المذكور ولما أنشد لبعض الشعراء
( حاكت يمين الرياح محكمة ** في نهر واضح الأسارير )
( فكلما ضعفت به حلقا ** قام لها القطر بالمسامير )
أنشد لنفسه
( بين الرياض وبين الجو معترك ** بيض من البرق أو سمر من السمر )
( إن أوترت قوسها كف السماء رمت ** نبلا من الماء في زغف من الغدر )
( لأجل ذاك إذا هبت طلائعها ** تدرع النهر واهتزت قنا الشجر ) واجتمع ابن عبد ربه المذكور في رحلته بالسعيد بن سناء الملك وأخذ عنه شيئا من شعره ورواه بالمغرب
____________________
(2/98)


54 - ومنهم الشاعر الأديب أبو محمد عبد المنعم بن عمر بن حسان المالقي ومن نظمه في السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب من قصيدة رحمه الله تعالى
( في صهوات المقربات وفي القنا ** حصون حمى لا في هضاب المعاقل )
ومنها
( ولا ملك يأتي كيوسف آخرا ** كما لم يجئ مثل له في الأوائل )
55 - ومنهم الحافظ أبو الخطاب بن دحية وهو مجد الدين عمر بن الحسن بن علي بن محمد بن الجميل بن فرح بن خلف الظاهري المذهب الأندلسي كان من كبار المحدثين ومن الحفاظ الثقات الأثبات المحصلين استوطن بجاية في مدة أبي عبد الله بن يومور وروى بها وأسمع وكان من أحفظ أهل زمانه باللغة حتى صار حوشي اللغة عنده مستعملا غالبا ولا يحفظ الإنسان من اللغة حوشيها إلا وذلك أضعاف أضعاف محفوظه من مستعملها وكان قصده - والله تعالى أعلم - أن ينفرد بنوع يشتهر به دون غيره كما فعل كثير من الأدباء حيث تركوا طريق المعرب وانفردوا بالطريق الآخر ولو سلكوا طريق المعرب لكانوا فيه كآحاد الناس وكذا الشيخ أبو الخطاب ابن دحية له رسائل ومخاطبات كلها مغلقات مقفلات وكان - رحمه الله تعالى - إذا كتب اسمه فيما يجيزه أو غير ذلك يكتب ابن دحية ودحية معا المتشبه به جبريل وجبرائيل ويذكر ما ينيف على ثلاث عشرة لغة مذكورة
____________________
(2/99)

في جبريل ويقول عند فاطر السموات والأرض وهذا فرع انفرد به عمن عداه من أهل العلم قال صاحب عنوان الدراية رأيت له تصنيفا في رجال الحديث لا بأس به وارتحل إلى المشرق في دولة بني أيوب فرفعوا شأنه وقربوا له مكانه وجمعوا له علماء الحديث وحضروا له مجلسا أقروا له بالتقدم وعرفوا أنه من أولي الضبط والإتقان والتفهم وذكروا أحاديث بأسانيد حولوا متونها فأعاد المتون المحولة وعرف عن تغييرها ثم ذكر الأحاديث على ما هي عليه من متونها الأصلية ومثل هذه الحكاية اتفق لأبي عمر بن عات في كتاب مسلم بمراكش ببيت الطلبة منها ومن شعر أبي الخطاب ما كتب به إلى الكامل بن العادل بن أيوب
( ما لي أسائل برق بارق عنكم ** من بعد ما بعدت دياري منكم )
( فمحلكم قلبي وأنتم بالحشا ** لا بالعقيق ولا برامة أنتم )
( وأنا المقيم على الوفاء بعهدكم ** يا مالكين وفيتم أو خنتم )
( وهي طويلة ومنها
( رفعت له الأملاك منه سجية ** ملك السماك الرمح وهو محرم )
ومنها أيضا
( لذوي النهى والفهم سر حكومة ** قد حار فيها كاهن ومنجم )
( فاقصد مرادك حيث سرت مظفرا ** والله يكلأ والكواكب نوم )
( وليهنك الشهر السعيد تصومه ** وتفوز فيه بالثواب وتغنم )
( فلأنت في الدنيا كليلة قدره ** قدرا فقدرك في الملوك معظم )
فأجابه السلطان مكافأة بنثر ونظم فمن النظم
( وهيجن شوقي للأجارع باللوى ** وأين اللوى مني وأين الأجارع )
( مرابع لو أن المرابع أنجم ** لكان نجوم الأرض تلك المرابع )
( رعى الله أياما بها ولو أنها ** إلي وقد ولى الشباب رواجع )
( ليالي لا ليلى إذا رمت وصلها ** يلوح لها من صبح شيبي مواقع ) في جملة أبيات ومن النثر الحمد لله ولي الحمد وقف ولده على الأبيات التي حسن شعرها وصفا درها وليس من البديع أن يقذف البحر درا أو ينظم الخليل شعرا وقد أخذت الورقة لأتنزه في معانيها وأستفيد بما أودعه فيها فالله تعالى لا يخلينا من فوائد فكرته وصالح أدعيته والسلام فأجابه الحافظ أبو الخطاب عن الأبيات بقوله من قصيدة
( شجتني شواج في الغصون سواجع ** ففاضت هوام للجفون هوامع ) وأكثر فيها من التغزل إلى أن قال
( ولا حاكم أرضاه بيني وبينها ** سوى حاكم دهري له اليوم طائع )
( يدافع عني الضيم قائم سيفه ** إذا عز من للضيم عني يدافع )
( هو الكامل الأوصاف والملك الذي تشير إليه بالكمال الأصابع )
( وبيض أياديه الكريمة في الورى ** قلائد في الأعناق وهي الصنائع )
( ويوماه يوماه اللذان هما هما ** إذا جمعت غلب الملوك المجامع )
( ومنها فما روضة غنا بها مرت الصبا ** ونشر شذاها الطيب النشر ذائع )
____________________
(2/100)


( له من شذي الزهر برد مفوف ** أتيح له من أرض صنعاء صانع )
( فراقك منها أخضر الثوب ناضر ** وشاقك منها أصفر اللون فاقع )
( وأحمر قان للخدود مورد ** وأبيض كالثغر المفلج ناصع )
( بأحسن من توشيع مدحي الذي له ** بدائع من وشي البديع وشائع )
( وما ضائع من نشر شكري الذي به ** تأرجت الأرجاء عندك ضائع )
( ولو لم يقيدني نداك لكان لي ** مجال فسيح في البسيطة واسع )
( فأنت الذي لي والأعادي كثيرة ** فويق مكان النجم في الأفق دافع )
ومنها
( بقيت لعبد جده دحية الذي ** يشابه جبريل له ويضارع )
( وجدته الزهراء بنت محمد ** عليه السلام الدائم المتتابع )
( ولا عدمت منك الممالك مالكا ** يقرب للآمال ما هو شاسع )
( ومنك عيون للمهمات يقظ ** وعنك عيون الحادثات هواجع )
وقال المقريزي في ترجمة الملك الكامل إنه كان مشغوفا بسماع الحديث النبوي وتقدم عنده أبو الخطاب بن دحية وبنى له دار الحديث الكاملية بين القصرين بالقاهرة انتهى وقال أبو الخطاب بن دحية أنشدني أبو القاسم السهيلي لنفسه وذكر أنه ما سأل الله تعالى بها إلا أعطاه
( يا من يرى ما في الضمير ويسمع ** أنت المعد لكل ما يتوقع )
( يا من يرجى للشدائد كلها ** يا من إليه المشتكى والمفزع )
____________________
(2/102)


( يا من خزائن رزقه في قول كن ** امنن فإن الخير عندك أجمع )
( ما لي سوى فقري إليك وسيلة ** فبالافتقار إليك فقري أدفع )
( ما لي سوى قرعي لبابك حيلة ** فلئن رددت فأي باب أقرع )
( ومن الذي أدعو وأهتف باسمه ** إن كان فضلك عن فقيرك يمنع )
( حاشا لجودك أن يقنط عاصيا ** الفضل أجزل والمواهب أوسع )
( ومن نظم السهيلي رضي الله تعالى عنه
( أسائل عن جيرانه من لقيته ** وأعرض عن ذكراه والحال تنطق )
( وما بي إلى جيرانه من صبابة ** ولكن نفسي عن صبوح ترقق )
وله
( لما أجاب بلا طمعت بوصله ** إذ حرف لا حرفان معتنقان )
( وكذا نعم بنعيم وصل آذنت ** فنعم ولا في اللفظ متفقان )
ولد أبو الخطاب بن دحية في ذي القعدة سنة سبع - أو ثمان - وأربعين وخمسمائة وتوفي في انفجار الفجر ليلة الثلاثاء رابع عشر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بالقاهرة ودفن بسفح المقطم وتكلم فيه جماعة فيما ذكره ابن النجار وقدره أجل مما ذكروه وقد روى رحمه الله تعالى بالمغرب ومصر والشام والعراق وخراسان وعراق العجم وكل ذلك في طلب الحديث وسمع بالأندلس من ابن بشكوال وابن
____________________
(2/103)

زرقون في جمع كبير وببغداد من أبي الفرج بن الجوزي وبأصبهان من أبي جعفر الصيدلاني معجم الطبراني ومن غيره وبنيسابور من أبي سعيد بن الصفار ومنصور بن الفراوي والمؤيد الطوسي وحصل الكتب والأصول وحدث وأفاد وكان من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء متقنا لعلم الحديث وما يتعلق به عارفا بالنحو واللغة وأيام العرب وأشعارها وصنف كتبا كثيرة مفيدة جدا منها كتاب التنوير في مولد السراج المنير صنفه عند قدومه إلى إربل سنة أربعة وستمائة وهو متوجه إلى خراسان لما رأى ملك إربل مظفر الدين كوكبري معتنيا بعمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول كل عام مهتما به غاية الاهتمام وكمله وقرأه عليه بنفسه وختمه بقصيدة طويلة فأجازه بألف دينار وصنف أيضا العلم المشهور في فضائل الأيام والشهور و الآيات البينات في ذكر ما في أعضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من المعجزات وكتاب شرح أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وكتاب النبراس في أخبار خلفاء بني العباس وكتاب الإعلام المبين في المفاضلة بين أهل صفين وولي قضاء بلد أصوله دانية مرتين ثم صرف عن ذلك لسيرة نعيت عليه فرحل عنها وحدث بتونس سنة 595 ثم حج وكتب بالمشرق عن جماعة بأصبهان ونيسابور وعاد إلى مصر فاستأدبه العادل لولده الكامل وأسكنه القاهرة فنال بذلك دنيا عريضة ثم زادت حظوته عند الكامل وأقبل عليه إقبالا عظيما وكان يعظمه ويحترمه ويعتقد فيه الخير ويتبرك به حتى كان يسوي له المداس حين يقوم وهو بلنسي كما قاله ابن خلكان وغيره وبلنسية مشهورة بشرق الأندلس
56 - ومنهم خلف بن القاسم بن سهل بن الدباغ الحافظ الأندلسي رحل إلى المشرق وكان حافظا فهما عارفا بالرجال حدث حديث مالك وشعبة وأشياء في الزهد وسمع بمصر أبا الحسن بن الورد البغدادي ومسلم بن الفضل والحسن بن رشيق وجماعة وسمع بدمشق علي بن أبي العقب وأبا الميمون بن راشد وبمكة من بكير الحداد وأبي الحسن الخزاعي والأجري وبقرطبة من أحمد بن يحيى بن الشاهد ومحمد بن معاوية وتوفي سنة 393
57 - ومنهم خلف بن سعيد بن عبد الله بن زرارة أبو القاسم بن المرابط الكلبي من ذرية الأبرش الكلبي ويعرف بالمبرقع المحتسب القرطبي رحل إلى المشرق مرتين أولاهما سنة 332 وهو ابن ثلاث وعشرين سنة وسمع أبا سعيد بن الأعرابي وابن الورد وأبا بكر الآجري وروى عنه أبو إسحاق بن شنظير وأبو جعفر الزهراوي وقال ابن شنظير إنه توفي في نحو الأربعمائة رحمه الله تعالى ورضي عنه
58 - ومنهم سابق فضلاء زمانه أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الإشبيلي يقال إن عمره ستون سنة منها عشرون في بلده إشبيلية وعشرون في إفريقية عند ملوكها الصنهاجيين وعشرون في مصر محبوسا في خزانة الكتب وكان وجهه صاحب المهدية إلى ملك مصر فسجن بها طول تلك المدة في خزانة الكتب فخرج في فنون العلم إماما وأمتن علومه الفلسفة والطب والتلحين
____________________
(2/104)

وله في ذلك تواليف تشهد بفضله ومعرفته وكان يكنى بالأديب الحكيم وهو الذي لحن الأغاني الإفريقية قال ابن سعيد وإليه تنسب إلى الآن وذكره العماد في الخريدة وله كتاب الحديقة على أسلوب يتيمة الدهر للثعالبي وتوفي سنة 520 وقيل سنة 528 بالمهدية وقيل مستهل السنة بعدها ودفن بها وله فيمن اسمه واصل
( يا هاجرا سموه عمدا واصلا ** وبضدها تتبين الأشياء )
( ألغيتني حتى كأنك واصل ** وكأنني من طول هجري الراء )
وقوله وهو من بدائعه
( لا غرو أن سبقت لهاك مدائحي ** وتدفقت جدواك ملء إنائها )
( يكسى القضيب ولم يحن إثماره ** وتطوق الورقاء قبل غنائها )
وقال في الأفضل
( تردي بكل فتى إذا شهد الوغى ** نثر الرماح على الدروب كعوبا )
( قد لوحته يد الهواجر فاغتدى ** مثل القناة قضافة وشحوبا )
( تخذوا القنا أشطانهم واستنبطوا ** في كل قلب بالطعان قليبا )
ومنها
( تعطي الذي أعطتكه سمر القنا ** أبدا فتغدو سالبا مسلوبا )
____________________
(2/106)


ومنها
( وأنا الغريب مكانه وبيانه ** فاجعل صنيعك في الغريب غريبا )
وله
( ومهفهف شربت محاسن وجهه ** ما مجه في الكاس من إبريقه )
( ففعالها من مقلتيه ولونها ** من وجنتيه وطعمها من ريقه )
أخذه من ابن حيوس وقصر عنه في قوله
( ومهفهف يفني بلحظ جفونه ** عن كاسه الملأى وعن إبريقه )
( فعل المدام ولونها ومذاقها ** في مقلتيه ووجنتيه وريقه ) ولأبي الصلت فيمن اسمه محسن
( أيها الظالم المسيء ** مدى دهره بنا )
( ما لهم أخطأوا الصواب ** فسموك محسنا )
وله في لابس قرمزية حمراء
( أقبل يسعى أبو الفوارس في ** مرأى عجيب ومنظر أنق )
( أقبل في قرمزية عجب ** قد صبغت لون خده الشرق )
( كأنما جيده وغرته ** من دونها إذ بدون في نسق )
( عمود فجر من فوقه قمر ** دارت به قطعة من الشفق )
____________________
(2/107)


وله في ثقيل
( لي جليس عجبت كيف استطاعت ** هذه الأرض والجبال تقله )
( أنا أرعاه مكرها وبقلبي ** منه ما يقلق الجبال أقله )
( فهو مثل المشيب أكره مرآه ** ولكن أصونه وأجله )
أخذه من قول أبي الحسن جعفر بن الحاج اللورقي وهما في عصر واحد
( لي صاحب عميت علي شؤونه ** حركاته مجهولة وسكونه )
( يرتاب بالأمر الجلي توهما ** فإذا تيقن نازعته ظنونه )
( إني لأهواه على شرقي به ** كالشيب تكرهه وأنت تصونه )
وأوصى أن يكتب على قبره أبو الصلت المذكور مما نظمه قبيل موته
( سكنتك يا دار الفناء مصدقا ** بأني إلى دار البقاء أصير )
( وأعظم ما في الأمر أني صائر ** إلى عادل في الحكم ليس يجور )
( فيا ليت شعري كيف ألقاه عندها ** وزادي قليل والذنوب كثير )
( فإن أك مجزيا بذنبي فإنني ** بشر عقاب المذنبين جدير )
( وإن يك عفو ثم عني ورحمة ** فثم نعيم دائم وسرور )
وله أيضا
____________________
(2/108)


( إذا كان أصلي من تراب فكلها ** بلادي وكل العالمين أقاربي )
( ولا بد لي أن أسأل العيس حاجة ** تشق على شم الذرا والغوارب )
وقال
( دب العذار بخده ثم انثنى ** عن لثم مبسمه البرود الأشنب )
( لا غرو أن خشي الردى في لثمه ** فالريق سم قاتل للعقرب )
( وقد ذكروا أن من خواص ريق ** الإنسان أنه يقتل العقرب وهو مجرب ) وقال
( لا تدعني ولتدع من شئته ** إليك من عجم ومن عرب )
( فنحن أكالون للسحت في ** ذراك سماعون للكذب )
وقال
( لا تسألني عن صنيع جفونها ** يوم الوداع وسل بذلك من نجا )
( لو كنت أملك خدها للثمته ** حتى أعيد به الشقيق بنفسجا )
( أو كنت أهجع لاحتضنت خيالها ** ومنعت ضوء الصبح أن يتبلجا )
( وبثثت في الظلماء كحل جفونها ** وعقدت هاتيك الذوائب بالدجى )
وقال مهنئا بمولود
( يلوح في المهد على وجهه ** تجهم البأس وبشرى الندى )
____________________
(2/109)


( والشمس والبدر إذا استجمعا ** لم يلبثا أن يلدا فرقدا )
( فابق له حتى ترى نجله ** وإن عرا خطب فنحن الفدا )
قال ابن سعيد وهذا البيت الأخير من أثقل الشعر يتطير من سماعه وتركه أولى وقال رحمه الله تعالى في الرصد
( فذا غدير وذا روض وذا جبل ** فالضب والنون والملاح والحادي )
59 - ومنهم الفقيه أبو محمد عبد الله بن يحيى بن محمد بن بهلول السرقسطي ذكره العماد الأصبهاني في الخريدة وذكره السمعاني في الذيل وأنه دخل بغداد في حدود سنة ست عشرة وخمسمائة ومن شعره
( يا شمس إني إن أتتك مدائحي ** وهن لآل نظمت وقلائد )
( فلست بمن يبغي على الشعر ** رشوة أبى ذاك لي جد كريم ووالد )
( وأني من قوم قديما ومحدثا ** تباع عليهم بالألوف القصائد )
60 - ومنهم الفقيه المقرئ أبو عامر التياري من رجال الذخيرة رحل إلى المشرق وقرأ على أبي جعفر الديباجي كتابه في العروض وسائر كتبه ولقي شيخ القيروان في العربية ابن القزاز وأديبها الحصري وأخبر عن نفسه أنه كان بين يديه تلميذ له وسيم فمر به أبو جعفر التجاني
____________________
(2/110)

بسحاءة كتب له فيها وخلاها بين يديه وهو قد غلب النوم عليه فقال
( يا نائما متعمدا ** إبصار طيف حبيبه )
( هو جوهر فاثقبه إن ** الطيب في مثقوبه )
( أو أركبني ظهره ** إن لم تقل بركوبه )
فلما قرأها علم أنها للتجاني فكتب تحتها
( يا طالبا أضحى حجاب ** دون ما مطلوبه )
( لو لم يكن في ذاك إثم ** لم أكن أسخو به )
( إني أغار عليه من ** أثوابه ورقيبه )
وأنشد يوما في حلقته لابن الرومي في خباز
( إن أنس لا أنس خبازا مررت به ** يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر )
( ما بين رؤيتها في كفه كرة ** وبين رؤيتها قوراء كالقمر )
( إلا بمقدار ما تنداح دائرة ** في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر )
فقال بعض تلامذته أما إنه لا يقدر على الزيادة على هذا فقال
( فكاد يضرط إعجابا برؤيتها ** ومن رأى مثل ما أبصرت منه خري )
فضحك من حضر وقال البيت لائق بالقطعة لولا ما فيه من ذكر الرجيع فقال
( إن كان بيتي هذا ليس يعجبكم ** فعجلوا محوه أو فالعقوه طري )
61 - ومنهم الأديب الطبيب أبو الحجاج يوسف بن عتبة الإشبيلي
____________________
(2/111)

مطبوع في الشعر والتوشيح قال ابن سعيد اجتمعت به في القاهرة مرارا بمجلس الأمير جمال الدين أبي الفتح موسى بن يغمور بن جلدك وفي غيره وتوفي في مارستان القاهرة ومن شعره
( أما الغراب فإنه سبب النوى ** لا ريب فيه وللنوى أسباب )
( يدعو الغراب وبعد ذاك يجيبه ** جمل وتعوي بعد ذاك ذئاب )
( لا تكذبن فهذه أسبابه ** لكن منها بدأة وجواب )
62 - ومنهم الإمام المحدث الحافظ جمال الدين أبو أبو بكر محمد بن يوسف بن موسى الأندلسي المعروف بابن مسدي وهو من الأئمة المشهورين بالمشرق والمغرب قال رحمه الله تعالى أنشدني رئيس الأندلس وأديبها أبو الحسن سهل بن مالك الأزدي الغرناطي لنفسه سنة 637 في شوال بداره بغرناطة
( منغص العيش لا يأوي إلى دعة ** من كان ذا بلد أو كان ذا ولد )
( والساكن النفس من لم ترض همته ** سكنى مكان ولم يسكن إلى أحد )
63 - ومنهم الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن فتوح بن عبد الله الأزدي
____________________
(2/112)

الحميدي نسبة لجده حميد الأندلسي ولد أبوه بقرطبة وولد هو بالجزيرة بليدة بالأندلس قبل العشرين وأربعمائة وكان يحمل على الكتف للسماع سنة 425 فأول ما سمع من الفقيه أبي القاسم أصبغ قال وكنت أفصح من يقرأ عليه وكان قد لقي ابن أبي زيد وقرأ عليه وتفقه وروى عنه رسالته ومختصر المدونة ورحل سنة 448 وقدم مصر وسمع بها من الضراب والقضاعي وغير واحد وكان سمع بالأندلس من ابن عبد البر وابن حزم ولازمه وقرأ عليه مصنفاته وأكثر من الأخذ عنه وشهر بصحبته وصار على مذهبه إلا أنه لم يكن يتظاهر به وسمع بدمشق وغيرها وروى عن الخطيب البغدادي وكتب عنه أكثر مصنفاته وسمع بمكة من الزنجاني وأقام بواسط مدة بعد خروجه من بغداد ثم عاد إلى بغداد واستوطنها وكتب بها كثيرا من الحديث والأدب وسائر الفنون وصنف مصنفات كثيرة وعلق فوائد وخرج تخاريج للخطيب ولغيره وروى عنه أبو بكر الخطيب أكثر مصنفاته وابن ماكولا وكان إماما من أئمة المسلمين في حفظه ومعرفته وإتقانه وثقته وصدقه ونبله وديانته وورعه ونزاهته حتى قال بعض الأكابر ممن لقي الأئمة لم تر عيناي مثل أبي عبد الله الحميدي في فضله ونبله ونزاهة وغزارة علمه وحرصه على نشر العلم وبثه في أهله وكان ورعا ثقة إماما في علم الحديث وعلله ومعرفة متونه ورواته محققا في علم الأصول على مذهب أصحاب الحديث متبحرا في علم الأدب والعربية ومن تصانيفه كتاب جذوة المقتبس في أخبار علماء الأندلس وكتاب تاريخ الإسلام وكتاب من ادعى الأمان من أهل الإيمان وكتاب الذهب المسبوك في وعظ الملوك وكتاب تسهيل السبيل إلى علم الترسيل وكتاب مخاطبات الأصدقاء في
____________________
(2/113)

المكاتبات واللقاء وكتاب ما جاء من النصوص والأخبار في حفظ الجار وكتاب النميمة وكتاب الأماني الصادقة وغير ذلك من المصنفات و الأشعار الحسان في المواعظ والأمثال وكان من كثرة اجتهاده ينسخ بالليل في الحر ويجلس في إجانة ماء يتبرد به ومن مشهور مصنفاته كتاب الجمع بين الصحيحين وذكره الحجاري في المسهب وقال عنه إنه طرق ميورقة بعدما كانت عطلا من هذا الشأن وترك لها فخرا تباري به خواص البلدان وهو من علماء أئمة الحديث ولازم أبا محمد بن حزم في الأندلس واستفاد منه ورحل إلى بغداد وبها ألف كتاب الجذوة ومن شعره قوله رضي الله تعالى عنه
( ألفت النوى حتى أنست بوحشها ** وصرت بها لا في الصبابة مولعا )
( فلم أحص كم رافقته من مرافق ** ولم أحص كم خيمت في الأرض موضعا )
( ومن بعد جوب الأرض شرقا ومغربا ** فلا بد لي من أن أوافي مصرعا ) وقال رحمه الله تعالى
( لقاء الناس ليس يفيد شيئا ** سوى الهذيان من قيل وقال )
( فأقلل من لقاء الناس إلا ** لأخذ العلم أو إصلاح حال ) وذكره ابن بشكوال في الصلة وتوفي ببغداد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة رحمه الله تعالى قال ابن ماكولا أخبرنا صديقنا أبو عبد الله الحميدي وهو من أهل العلم والفضل والتيقظ لم أر مثله في عفته ونزاهته وورعه وتشاغله بالعلم وكان أوصى مظفرا ابن رئيس الرؤساء أن يدفنه عند قبر بشر الحافي فخالف وصيته
____________________
(2/114)

ودفنه في مقبرة باب أبرز فلما كانت مدة رآه مظفر في النوم كأنه يعاتبه على مخالفته فنقل في صفر سنة 491 إلى مقبرة باب حرب ودفن عند قبر بشر وكان كفنه جديدا وبدنه طريا تفوح منه رائحة الطيب ووقف كتبه على أهل العلم رحمه الله تعالى ومن مناقبه أنه قال لمن دخل عليه فوجده مكشوف الفخذ تعديت بعين إلى موضع لم ينطره أحد منذ عقلت انتهى ومن شعر الحميدي أيضا قوله
( طريق الزهد أفضل ما طريق ** وتقوى الله تالية الحقوق )
( فثق بالله يكفك واستعنه ** يعنك ودع بنيات الطريق )
وقوله
( كلام الله عز وجل قولي ** وما صحت به الآثار ديني )
( وما اتفق الجميع عليه بدءا ** وعودا فهو عن حق مبين
( فدع ما صد عن هذي خذها ** تكن منها على عين اليقين )
64 - ومنهم الكمال أبو العباس أحمد الشريشي وهو أحمد بن عبد المؤمن بن موسى بن عيسى بن عبد المؤمن القيسي من أهل شريش روى عن أبي الحسن بن لبال وأبي بكر بن أزهر وأبي عبد الله بن زرقون وأبي الحسين بن جبير وغيرهم وأقرأ العربية وله تواليف أفاد بما حشر فيها منها شرح الإيضاح للفارسي والجمل للزجاج وله في العروض تواليف وجمع مشاهير قصائد العرب واختصر نوادر أبي علي القالي
____________________
(2/115)

قال ابن الأبار لقيته بدار شيخنا أبي الحسن بن حريق من بلنسية قبل توجهي إلى إشبيلية في سنة ست عشرة وستمائة وهو إذ ذاك يقرأ عليه شرحه للمقامات فسمعت عليه بعضه وأجاز لي سائره مع رواياته وتواليفه وأخذ عنه أصحابنا ثم لقيته ثانية مقدمه من مرسية انتهى ومن بديع نظمه وهو بمصر يتشوق إلى الشام
( يا جيرة الشام هل من نحوكم خبر ** فإن قلبي بنار الشوق يستعر )
( بعدت عنكم فلا والله بعدكم ** ما لذ للعين لا نوم ولا سهر )
( إذا تذكرت أوقاتا نأت ومضت ** بقربكم كادت الأحشاء تنفطر )
( كأنني لم أكن بالنير بين ضحى ** والغيم يبكي ومنه يضحك الزهر )
( والورق تنشد والأغصان راقصة ** والدوح يطرب بالتصفيق والنهر )
( والسفح أين عشياتي التي سلفت ** لي منه فهي لعمري عندي العمر )
( سقاك يا سفح سفح الدمع منهملا ** وقل ذاك له إن أعوز المطر )
وله رحمه الله تعالى شروح لمقامات الحريري كبير ووسط وصغير وفي الكبير من الآداب ما لا كفاء له وكان رحمه الله تعالى معجبا بالشام وقال ابن الأبار عندما ذكره إنه شرح مقامات الحريري في ثلاث نسخ كبراها الأدبية ووسطاها اللغوية وصغراها المختصرة انتهى وتوفي بشريش بلده سنة تسع عشرة وستمائة رحمه الله تعالى
65 - ومنهم أبو بكر يحيى بن سعدون بن تمام بن محمد الأزدي القرطبي الملقب بضياء الدين أحد الأئمة المتأخرين في القراءات وعلوم القرآن الكريم والحديث والنحو واللغة وغير ذلك
____________________
(2/116)

قال القاضي الشمس ابن خلكان إنه رحل من الأندلس في عنفوان شبابه وقدم مصر فسمع بالإسكندرية أبا عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي وبمصر أبا صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المدني المصري وأبا طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني المعروف بالسلفي وغيرهم ودخل بغداد سنة 517 وقرأ بها القرآن الكريم على الشيخ أبي محمد عبد الله بن علي المقرىء المعروف بابن بنت الشيخ أبي منصور الخياط وسمع عليه كتبا كثيرة منها كتاب سيبويه وقرأ الحديث على أبي بكر محمد بن عبد الباقي البزار المعروف بقاضي المارستان وأبي القاسم بن الحصين وأبي العز وغيرهم وكان دينا ورعا عليه وقار وسكينة وكان ثقة صدوقا ثبتا نبيلا قليل الكلام كثير الخير مفيدا أقام بدمشق مدة واستوطن الموصل ورحل منها إلى أصبهان ثم عاد إلى الموصل وأخذ عنه شيوخ ذلك العصر وذكره الحافظ ابن السمعاني في كتاب الذيل وقال إنه اجتمع به بدمشق وسمع عنه مشيخة أبي عبد الله الرازي وانتخب عليه أجزاء وسأله عن مولده فقال ولدت سنة 486 في مدينة قرطبة ورأيت في بعض الكتب أن مولده سنة 487 والأول أصح وكان شيخنا القاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم المعروف بابن شداد قاضي حلب رحمه الله تعالى يفتخر بروايته وقراءته عليه وقال كنا نقرأ عليه بالموصل ونأخذ عنه وكنا نرى رجلا يأتي إليه كل يوم فيسلم عليه وهو قائم ثم يمد يده إلى الشيخ بشيء ملفوف فيأخذه الشيخ من يده ولا نعلم ما هو ويتركه ذلك الرجل ويذهب ثم تقفينا ذلك فعلمنا أنها دجاجة مسموطة كانت ترسم للشيخ في كل يوم يبتاعها له ذلك الرجل ويسمطها ويحضرها وإذا دخل الشيخ إلى منزله تولى طبخها بيده
____________________
(2/117)

وذكر في كتاب دلائل الأحكام أنه لازم القراءة عليه إحدى عشرة سنة آخرها سنة 567 وكان الشيخ أبو بكر القرطبي المذكور كثيرا ما ينشد مسندا إلى أبي الخير الكاتب الواسطي
( جرى قلم القضاء بما يكون ** فسيان التحرك والسكون )
( جنون منك أن تسعى لرزق ** ويرزق في غشاوته الجنين )
وتوفي القرطبي المذكور بالموصل يوم عيد الفطر سنة 567 رحمه الله تعالى
انتهى كلام ابن خلكان ببعض اختصار
66 - ومنهم الوزير أبو عبد الله محمد ابن الشيخ الأجل أبي الحسن بن عبد ربه وهو من حفداء صاحب كتاب العقد المشهور حدث الشيخ الأجل أبو عبد الله محمد بن علي اليحصبي القرموني رفيقه قال اصطحبت معه في المركب من المغرب إلى الإسكندرية فلما قربنا منها هاج علينا البحر وأشفينا على الغرق فلاح لنا ونحن على هذه الحال منار الإسكندرية فسررنا برؤيته وطمعنا في السلامة فقال لي لا بد أن أعمل في المنار شيئا فقلت له أعلى مثل هذه الحال التي نحن فيها فقال نعم فقلت فاصنع فأطرق ثم عمل بديها
( لله در منار اسكندرية كم ** يسمو إليه على بعد من الحدق )
( من شامخ الأنف في عرنينه شمم ** كأنه باهت في دارة الأفق ) يكسر الموج منه جانبي رجل ** مشمر الذيل لا يخشى من الغرق )
( لا يبرح الدهر من ورد على سفن ** ما بين مصطبح منها ومغتبق
____________________
(2/118)


( للمنشآت الجواري عند رؤيته ** كموقع النوم من أجفان ذي أرق )
وتقدمت ترجمة الكاتب أبي عبد الله بن عبد ربه وأظنه هذا فليتنبه له بل أعتقد أنه هو لا غيره والله تعالى أعلم
67 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن الصفار القرطبي قال في القدح المعلى بيتهم مشهور بقرطبة لم يزل يتوارث في العلم والجاه وعلو المرتبة ونشأ أبو عبد الله هذا حافظا للآداب إماما في علم الحساب مع أنه كان أعمى مقعدا مشوه الخلقة ولكنه إذا نطق علم كل منصف حقه ومن عجائبه أنه سافر على تلك الحالة حتى غدت بغداد له هالة اجتمعت به بحضرة تونس فرأيت بحرا زاخرا وروضا ناضرا إلا أنه حاطب ليل وساحب ذيل لا يبالي ما أورده ولا يلتفت إلى ما أنشده جامعا بين السمين والغث حافظا للمتين والرث وكان يقرئ الأدب بمراكش وفاس وتونس وغيرها ومن مشهور حكاياته أنه لما قال أبو زيد الفازازي في أبي العلاء المستنصر قصيدته التي مطلعها
( الحزم والعزم منسوبان للعرب ** ) عارضه بقصيدة ثم قال فيه وفي ابن أخيه يحيى بن الناصر الذي نازعه في ذلك الأوان رداء السلطان
____________________
(2/119)


( وإن ينازعك في المنصور ذو نسب ** فنجل نوح ثوى في قمة العطب )
( وإن يقل أنا عم فالجواب له ** عم النبي بلا شك أبو لهب )
وشاعت القصيدة فبلغت أبا العلاء فحرض على قتله وسلمه الله تعالى منه ومات سنة 639
ومن شعره قوله
( لا تحسب الناس سواء متى ** تشابهوا فالناس أطوار )
( وانظر إلى الأحجار في بعضها ** ماء وبعض ضمنها نار )
وقوله
( يا طالعا في جفوني ** وغائبا في ضلوعي )
( بالغت في السخط ظلما ** وما رحمت خضوعي )
( إذا نويت انقطاعا ** فاحسب حساب الرجوع )
انتهى باختصار يسير 68 - ومنهم أبو الوليد بن الجنان محمد بن المشرف أبي عمرو بن الكاتب أبي بكر بن العالم الجليل أبي العلاء بن الجنان الكناني الشاطبي
قال ابن سعيد توارثوا بشاطبة مراتب تحسدها النجوم الثاقبة وأبو الوليد أشعرهم وقد تجدد به في أقطار المشرق مفخرهم وهو معروف هناك بفخر الدين ومتصدر في أئمة النحويين ومرتب في شعراء الملك الناصر صاحب الشام ومقطعاته الغرامية قلائد أهل الغرام صحبته بمصر ودمشق
____________________
(2/120)

وحلب وجريت معه طلق الجموح في ميادين الأدب وأنشدني بدمشق
( أنا من سكر هواهم ثمل ** لا أبالي هجروا أم وصلوا (
( فبشعري وحديثي فيهم ** زمزم الحادي وسار المثل )
( إن عشاق الحمى تعرفني ** والحمى يعرفني والطلل )
( رحلوا عن ربع عيني فلذا ** أدمعي عن مقلتي ترتحل )
( ما لها قد فارقت أوطانها ** وهي ليست لحماهم تصل )
( لا تظنوا أنني أسلو فما ** مذهبي عن حبكم ينتقل )
وقوله رحمه الله تعالى
( بالله يا بانة الوادي إذا خطرت ** تلك المعاطف حيث الشيح والغار )
( فعانقيها عن الصب الكئيب فما ** على معانقة الأغصان إنكار )
( وعرفيها بأني فيك مكتئب ** بعض هذا لها بالحب إخبار )
( وأنتم جيرة الجرعاء من إضم ** لي في حماكم أحاديث وأسمار )
( وأنتم أنتم في كل آونة ** وإنما حبكم في الكون أطوار )
( ويا نسيما سرى تحدو ركائبه ** لي بالغوير لبانات وأوطار )
وله
( يا رعى الله أنسنا بين روض ** حيث ماء السرور فيه يجول )
( تحسب الزهر عنده يتثنى ** وتخال الغصون فيه تميل )
وله
____________________
(2/121)


( هات المدام فقد ناح الحمام ** على فقد الظلام وجيش الصبح في غلب )
( وأعين الزهر من طول البكا رمدت ** فكحلتها يمين الشمس بالذهب )
( والكأس حلتها حمراء مذهبة ** لكن أزرتها من لؤلؤ الحبب )
( كم قلت للأفق لما أن بدا صلفا ** بشمسه عندما لاحت من الحجب )
( إن تهت بالشمس يا أفق السماء فلي ** شمسان وجه نديمي وابنة العنب )
( قم اسقنيها وثغر الصبح مبتسم ** والليل تبكيه عين البدر بالشهب )
( والسحب قد لبست سود الثياب وقد ** قامت لترثيه الأطيار في القضب )
وله عليك من ذاك الحمى يا رسول ** بشرى علامات الرضى والقبول )
( جئت وفي عطفيك منهم شذا ** يسكر من خمر هواه العذول )
ومنها
( أحبابنا ودعتم ناظري ** أنتم بين ضلوعي نزول )
( حللتم قلبي وهو الذي ** يقول في دين الهوى بالحلول )
( أنا الذي حدث عني الهوى ** بأنني عن حبكم لا أحول )
( فليزد العاذل في عذله ** وليقل الواشي لكم ما يقول ) انتهى كلام النور بن سعيد
وقال غيره ولد المذكور بشاطبة منتصف شوال سنة 615 ومات بدمشق ودفن بسفح قاسيون وكان عالما فاضلا دمث الأخلاق كريم الشمائل كثير الاحتمال واسع الصدر صحب الشيخ كمال الدين بن العديم وولده قاضي
____________________
(2/122)

القضاة مجد الدين فاجتذبوه إليهم وصار حنفي المذهب ودرس بالمدرسة الإقبالية الحنفية بدمشق وله مشاركة في علوم كثيرة وله يد في النظم ومن قوله
) لله قوم يعشقون ذوي اللحى ** لا يسألون عن السواد المقبل )
( وبمهجتي قوم وإني منهم ** جبلوا على حب الطراز الأول )
وله أيضا
( قم اسقنيها وليل الهم منهزم ** والصبح أعلامه محمرة العذب )
( والسحب قد نثرت في الأرض لؤلؤها ** تضمه الشمس في ثوب من الذهب )
وقد تقدم عن ابن سعيد له ما يقارب هذا
وله - رحمه الله تعالى في كاتب
( بي كاتب أضمرت في القلب حبه ** مخافة حسادي عليه وعذالي )
( له صنعة في خط لام عذاره ** ولكن سها إذ نقط اللام بالخال )
69 - ومنهم أبو محمد القرطبي قال ابن سعيد لقيته بالقاهرة وكأنه لا خبر عنده من الآخرة وقد طال عمره في أكل الأعراض وفساد الأغراض ومما بقي في أذني من شعره قوله
( رحم الله من لقيت قديما ** فلقد كان بي رؤوفا رحيما )
( أتمنى لقاء حر وقد أعوز ** بختي كما عدمت الكريما )
____________________
(2/123)


وتوفي بالقاهرة سنة 643 انتهى
70 - ومنهم علي بن أحمد القادسي الكناني قال ابن سعيد لقيته ببيت المقدس على زي الفقراء وحصلت منه هذه الأبيات وندمت بعد ذلك على ما فات وهي
( ذاك العذار المطل ** دمي عليه يطل )
( كأنما الخد ماء ** وقد جرى فيه ظل )
( عقود صبري عليه ** مذ حل قلبي تحل )
( جرت دموعي عليه ** فقلت آس وطل )
71 - ومنهم أبو عبد الله بن العطار القرطبي قال ابن سعيد هو حلو المنازع ظريف المقاطع والمطالع مطبوع النوادر موصوف بالأديب الشاعر مازجته بالإسكندرية وبهذه الحضرة العلية وما زال يدين بالانفراد والتجول في البلاد حتى قضى مناه وألقى بهذه المدينة عصاه لا يخطر الهم له ببال ولا يبيت إلا على وعد من وصال وله حين سمع ما ارتجلته في السكين بالإسكندرية حين داعبني باختلاسها القاضي زين القضاة بن الريغي وقال ما لي إليه سبيل حتى يحضر مصري نبيل
( أيا سارقا ملكا مصونا ولم يجب ** على يده قطع وفيه نصاب )
( ستندبه الأقلام عند عثارها ** ويبكيه إن يعد الصواب كتاب )
فقال
____________________
(2/124)


( أحاجيك ما شيء إذا ما سرقته ** وفيه نصاب ليس يلزمك القطع )
( على أن فيه القطع والحد ثابت ** ولا حد فيه هكذا حكم الشرع )
انتهى كلام ابن سعيد من كتابه القدح المعلى فيما أظن ورسالة للسان الدين
ويعني والله سبحانه وتعالى أعلم بقوله وبهذه الحضرة العلية حضرة تونس المحروسة فإنها كانت محط رحال الأفاضل من الأواخر والأوائل حتى إن قاضي القضاة ابن خلدون أقام بها مدة ومنها ارتحل إلى مصر وكذلك الخطيب الجليل سيدي أبو عبد الله بن مرزوق رحمه الله تعالى ومنها خاطب الوزير لسان الدين بن الخطيب وسلطانه في الشفاعة له عند سلطان المغرب فكتب لسان الدين عن سلطانه في ذلك ما نصه المقام الذي نؤكد إليه ببر سلفه الوداد ونغري بتخليد فخره وأمره القلم والمداد ونصل به الاستظهار على عدو الله تعالى والاعتداد ونخطب له من الله بهز أعطافه للخير والتوفيق والسداد والإعانة منه والإمداد مقام محل أخينا الذي اشتهر فضله ودينه ووضح سعده متألقة براهينه وحياه الصنع الجميل وبياه مشرقا جبينه السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا أبقاه الله يرعى الذمم ويسلك من الفضائل المنهج الأمم ويغلي البضائع النافقة عند الله تعالى ويعلي الهمم معظم قدره وملتزم بره الحريص على توفير أجره وتخليد فخره فلان
أما بعد حمد الله تعالى ناصر الإمرة المطاعة المحافظة على السنة والجماعة
____________________
(2/125)

وحافظها من الإضاعة إلى قيام الساعة الذي جعل المودة فيه أنفع الوسائل النفاعة والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله المخصوص بمقام الشفاعة على العموم والإشاعة متمم مكارم الأخلاق من الفضل والبذل والحياء والشجاعة والرضى عن آله وصحبه الذين اقتدوا بهديه بحسب الاستطاعة وزرعوا الخير في العاجلة ففازوا في الآجلة بفائدة تلك الزراعة والدعاء لمقامكم الأعلى بصنع يروي فيه عن الأشمط الباتر خبر النصر المتواتر لسان البراعة وتأييد لا ترضى فيه القنا بمقام القناعة فإنا كتبناه إليكم كتب الله تعالى لثنائكم العاطر بتخليد المفاخر منشور الإذاعة في أيدي النواسم الضواعة من حمراء غرناطة - حرسها الله تعالى - عن خير هامي السحاب وبشر مفتح الأبواب وعز للإسلام ببركة الاعتداد بملككم المنصور الأعلام مقتبل الشباب ويمن ضافي الجلباب والحمد لله على تضافر الأيدي في ذاته وتوفر الأسباب وجانبكم الرفيع الأمل للمنتاب إذا حدت الحداة ذوات الأقتاب ومطمح الوسائل المطرزة المسائل بتصحيح الود اللباب وإلى هذا وصل الله تعالى سوابغ نعمه وآلائه دائمة الانسكاب وجعل ما عجل لكم من نعمه كفيلة بالزلفى وحسن المآب وألهمكم تقييد شواردها بالشكر قولا وعملا فالشكر مستدعي المزيد كما وعد في الكتاب فإن من المنقول الذي اشتهر وراق فضله وبهر قوله اشفعوا تؤجروا وما في معناه من المعتبر في الخبر وتنفيس كربة عن مسلم وسماع شكوى من متظلم ولولا أن مقامكم السني أغنى لجلبنا الكثير من هذا المعنى ولما تحقق ما أنتم عليه من سلوك سبيل والدكم الملك الصالح - قدس الله تربته وضاعف قربته - من يمن الظفر وسلوك سبيل الخير وإقامة رسوم الدين والاهتداء من هديه بالنور المبين خف علينا أن نقصدكم بالشفاعات مع الساعات ونتجر لكم مع الله بأنفس البضاعات فما أثمر من ذلك شكرنا الله تعالى عليه حقيقة وشكرناكم عليه شريعة وما تأخر أوسعناكم فيه عذرا يسد ذريعة وعلمنا أن الله تعالى لم يأذن في تعجيله
____________________
(2/126)

وسألناه في تيسيره وتسهيله سواء لدينا في ذلك ما عاد بإعانة عامة وإمداد وساهم في قصد جهاد وما لم يعد علينا خصوصا وعلى المسلمين عموما بإعانة ولا إرفاد إنما علينا أن نجلب الخير الباقي والأجر الراقي إلى بابكم وندل عليه كريم جنابكم بمقتضى وداد صبحه باد وجميل ظن في دينكم المتين واعتقاد سلم مجمله ومفصله من انتقاد وذلك أن الشيخ الخطيب الفقيه الكبير الشهير الصدر الأوحد سلالة الصالحين وخطيب والدكم كبير الخلفاء والسلاطين ويا لها من مزية دنيا ودين أبا عبد الله بن مرزوق جبر الله تعالى على يدكم البرة حاله وسنى من مقامكم السني آماله جرى عليه من المحن وتباريح الإحن ما يعلم كل ذي مروءة وعقل واجتهاد ونقل أن ذلك من الجنايات على والدكم السلطان محسوب وإلى معقاته منسوب ولو كانت ذنوبه رضوى وثبيرا لاستدعت إلى تعمدها عفوا كبيرا رعيا لذلك الإمام الصالح الذي كبر خلفه وأحرم وتشهد وسلم وأمن عقب دعائه ونصب كفه لمواهب الله تعالى وآلائه وأنصت لخطبته ووعظه وأوجب المزية لسعة حفظه وعذوبة لفظه فأحبط ذلك من أحبط الأعمال الصالحة وعطل المتاجر الرابحة وأسف الملك المذكور بدم ولده وإحراق خزائنه وعدده وتغيير رسومه وحدوده وإسخاطه وإسخاط الله معبوده إلى أن طهر سيفكم الملك من عاره وأخذ منه بثاره وتقرب إلى الله وإلى السلف الكريم بمحو آثاره والحمد لله على ما خصه من إيثاره وتدارك الإسلام بإقالة عثاره وإنه خاطبنا الآن من حضرة تونس يقرر من حاله ما يفت الفؤاد ويوجب الامتعاض له والاجتهاد يطلب منا الإعانة بين يديكم والإنجاد ويشكو العيلة والأولاد والغربة التي أحلته الأقطار النازحة والبلاد والحوادث التي سلبته الطارف
____________________
(2/127)

والتلاد وأن نذكركم بوسيلته وضعف حيلته فبادرنا لذلك عملا بالواجب وسلوكا من بره ورعي حقه على السنن اللاحب وإن كنا نطوقه في أمرنا عند الحادثة علينا تقصيرا ولا نشكر إلا الله وليا ونصيرا فحقه علينا أوجب فهو الذي لا يجحد ولا يحجب ولا يلتبس منه المذهب وكيف لا يشفع فيمن جعله السلف إلى الله تعالى شفيعا وأحله محلا منيعا رفيعا إلى وليه الذي جبر ملكه سريعا وصير جنابه بعد المحول مريعا وجدد رسومه تأصيلا لها وتفريعا ومثلكم من اغتنم بره في نصر مظلوم وسبر مكلوم وإعداء كرم على لوم وهي منا ذكرى تنفع وحرص على أجر من يشفع وإسعاف لمن سأل ما يعلي من قدركم ويرفع وتأدية لحق سلفكم الذي توفرت حقوقه وإبلاغ نصيحة دينية إلى مجدكم الذي لا يمنعه عن المجد مانع ولا يعوقه ومطلبه في جنب ملككم الكبير حقير وهو إلى ما يفتح الله تعالى به على يد صدقتكم فقير ومنهلكم الأروى وباعكم في الخير أطول وساعدكم أقوى { وما تفعلوا من خير يعلمه الله } { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } [ البقرة 197 ] والله عز وجل يسلك بكم المسالك التي تخلد بالجميل ذكركم وتعظم عند الله أجركم فما عند الله خير للأبرار والدنيا دار الغرور والآخرة دار القرار وهو سبحانه يصل سعدكم ويحرس مجدكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته انتهى
والسلطان المخاطب بهذا هو أبو فارس عبد العزيز ابن لسلطان الكبير الشهير أبي الحسن المريني وكان ابن مرزوق غالبا على دولة السلطان أبي سالم أخي أبي فارس المذكور فقتله الوزير عمر بن عبد الله الفودودي وتغلب على الملك ونصب أخا لأبي سالم معتوها وسجن ابن مرزوق ورام قتله فخلصه الله تعالى منه ثم إن السلطان أبا فارس ثار على الوزير المتغلب وقتله واستقل بالملك فخوطب في شأن ابن مرزوق بما ذكر
____________________
(2/128)


رجع إلى ما كنا فيه من ذكر الراحلين من أعلام الأندلسيين إلى البلاد المشرقية المحروسة بالله سبحانه وتعالى فنقول 72 - ومنهم أبو الوليد وأبو محمد عبد الله بن محمد بن يوسف بن نصر الأزدي القرطبي المعروف بابن الفرضي الحافظ المشهور كان فقيها عالما عارفا بعلم الحديث ورجاله بارعا في الأدب وغيره وله من التصانيف تاريخ علماء الأندلس وقفت عليه بالمغرب وهو بديع في بابه وهو الذي ذيل عليه ابن بشكوال بكتاب الصلة وله كتاب حسن في المؤتلف والمختلف وفي مشتبه النسبة وكتاب في أخبار شعراء الأندلس وغير ذلك ورحل من الأندلس إلى المشرق سنة 382 فحج وسمع من العلماء وأخذ منهم وكتب من أماليهم وروى عن شيوخ عدة من أهل المشرق
ومن شعره
( أسير الخطايا عند بابك واقف ** على وجل مما به أنت عارف )
( يخاف ذنوبا لم يغب عنك غيبها ** ويرجوك فيها فهو راج وخائف )
( ومن ذا الذي يرجى سواك ويتقى ** وما لك في فصل القضاء مخالف )
( فيا سيدي لا تخزني في صحيفت ** ي إذا نشرت يوم الحساب الصحائف )
( وكن مؤنسي في ظلمة القبر عندما ** يصد ذوو القربى ويجفو المؤالف )
( لئن ضاق عني عفوك الواسع الذي ** أرجي لإسرافي فإني لتالف )
وكان - رحمه الله تعالى - حسن الشعر والبلاغة ومن شعره أيضا
____________________
(2/129)

رحمه الله تعالى
( إن الذي أصبحت طوع يمينه ** إن لم يكن قمرا فليس بدونه )
( ذلي له في الحب من سلطانه ** وسقام جسمي من سقام جفونه )
وله شعر كثير
ومولده في ذي القعدة ليلة الثلاثاء لتسع بقين منه سنة 351 وتولى القضاء بمدينة بلنسية في دولة محمد المهدي المرواني وقتله البربر يوم فتح قرطبة يوم الإثنين لست خلون من شوال سنة 403 وبقي في داره ثلاثة أيام ودفن متغيرا من غير غسل ولا كفن ولا صلاة رحمه الله تعالى
وروي عنه أنه قال تعلقت بأستار الكعبة وسألت الله تعالى الشهادة ثم انحرفت وفكرت في هول القتل فندمت وهممت أن أرجع فأستقيل الله سبحانه وتعالى فاستحييت وأخبر من رآه بين القتلى ودنا منه فسمعه يقول بصوت ضعيف لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك كأنه يعيد على نفسه الحديث الوارد في ذلك قال ثم قضى على اثر ذلك
وهذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه
وقد ساق في المطمح حكايته فقال كان حافظا عالما كلفا بالرواية رحل في طلبها وتبحر في المعارف بسببها مع حظ من الأدب كثير واختصاص بنظيم منه ونثير حج وبرع في الزهادة والورع فتعلق بأستار الكعبة يسأل الله الشهادة ثم فكر في القتل ومرارته والسيف وحرارته فأراد أن يرجع ويستقيل الله تعالى فاستحيا وآثر نعيم الآخرة على شقاء الدنيا فأصيب في تلك الفتن مكلوما وقتل مظلوما ثم ذكر مثل ما مر
ومما قال في طريقه يتشوق إلى فريقه
____________________
(2/130)


( مضت لي شهور منذ غبتم ثلاثة ** وما خلتني أبقى إذا غبتم شهرا )
( وما لي حياة بعدكم أستلذها ** ولو كان هذا لم أكن في الهوى حرا )
( ولم يسلني طول التنائي عليكم ** بلى زادني وجدا وجدد لي ذكرى )
( يمثلكم لي طول شوقي إليكم ** ويدنيكم حتى أناجيكم سرا )
( سأستعتب الدهر المفرق بيننا ** وهل نافعي أن صرت أستعتب الدهرا )
( أعلل نفسي بالمنى في لقائكم ** وأستسهل البر الذي جبت والبحرا )
( ويؤنسني طي المراحل عنكم ** أروح على أرض وأغدو على أخرى )
( وتالله ما فارقتكم عن قلى لكم ** ولكنها الأقدار تجري كما تجرى )
( رعتكم من الرحمن عين بصيرة ** ولا كشفت أيدي النوى عنكم سترا )
وقد عرف به ابن حيان في المقتبس وذكر قصة شهادته رحمه الله تعالى
73 ومنهم الشيخ أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله البكري الشريشي المالكي ولد بشريش سنة 601 ورحل إلى العراق فسمع به المشايخ كالقطيعي وابن روزبة وابن الكثير وغيرهم واشتغل وساد أهل زمانه واشتهر بين أقرانه ثم عاد إلى مصر فدرس بالفاضلية ثم انتقل إلى القدس الشريف فأقام به شيخ الحرم ثم جاء إلى دمشق المحروسة بالله وتولى مشيخة الحديث بتربة أم صالح ومشيخة الرباط الناصري ومشيخة المالكية وعرض عليه القضاء فلم يقبل وكانت وفاته يوم الاثنين الرابع والعشرين من رجب بالرباط الناصري ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى وذلك سنة خمس وثمانين وستمائة
وليس هو بشارح المقامات بل هو غيره وقد اشتركا في البلد فبسبب
____________________
(2/131)

ذلك ربما يقع في الأذهان الوهم في أمرهما وشارح المقامات أحمد وهذا محمد وقد ترجمنا صاحب شرح المقامات فيما تقدم من هذا الباب فليراجع والله سبحانه وتعالى أعلم
74 - ومنهم أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن السيد بن المغلس القيسي الأندلسي البلنسي كان من أهل العلم باللغة والعربية مشارا إليه فيهما رحل من الأندلس وسكن بمصر واستوطنها وقرأ الأدب على أبي العلاء صاعد اللغوي صاحب كتاب الفصوص وعلى أبي يعقوب يوسف بن يعقوب بن خرزاذ بن النجيرمي ودخل بغداد واستفاد وأفاد وله شعر حسن فمن ذلك قوله
( مريض الجفون بلا علة ** ولكن قلبي به ممرض )
( أعان السهاد على مقلتي ** بفيض الدموع فما تغمض )
( وما زار شوقا ولكن أتى ** يعرض لي أنه معرض )
وله أشعار كثيرة
وتوفي يوم الأربعاء لست بقين من جمادى الأولى سنة 427 وقيل سنة 429 بمصر وكان استوطنها وصلى عليه الشيخ أبو الحسن علي بن إبراهيم الحوفي صاحب التفسير في مصلى الصدفي ودفن عند أبي إسحاق رحمه الله تعالى
ومغلس بضم الميم وفتح الغين وتشديد اللام المكسورة وبعدها سين مهملة
وكانت بينه وبين أبي الطاهر إسماعيل بن خلف صاحب كتاب
____________________
(2/132)

العنوان معارضات في قصائد
ومن شعر ابن المغلس أيضا قوله في حمام
( ومنزل أقوام إذا ما اغتدوا به ** تشابه فيه وغده ورئيسه )
( يخالط فيه المرء غير خليطه ** ويضحي عدو المرء وهو جليسه )
( يفرج كربي إن تزايد كربه ** ويؤنس قلبي أن يعد أنيسه )
( إذا ما أعرت الحوض ماء تكاثرت ** على مائه أقماره وشموسه )
75 - ومنهم أبو الحكم عبيد الله بن المظفر بن عبد الله الحكيم الأديب المعروف بالمغربي وهو من أهل المرية وانتقل إلى المشرق وكان كامل الفضيلة وجمع بين الأدب والحكمة وله ديوان شعر جيد والخلاعة والمجون غالبة عليه وذكر العماد في الخريدة أنه كان طبيب المارستان المستصحب في معسكر السلطان السلجوقي حيث خيم وكان السديد يحيى بن سعيد المعروف بابن المرخم الذي صار أقضى القضاة ببغداد في أيام المقتفى فاصدا وطبيبا في هذا المارستان
وأثنى العماد على أبي الحكم المذكور وذكر فضله وما كان عليه وأن له كتابا سماه نهج الوضاعة لأولي الخلاعة ثم إن أبا الحكم انتقل إلى الشام وسكن دمشق وله فيها أخبار ومجاريات ظريفة تدل على خفة روحه
قال ابن خلكان رأيت في ديوانه أن أبا الحسين أحمد بن منير الطرابلسي كان عند الأمراء بني منقذ بقلعة شيزر وكانوا مقبلين عليه وكان بدمشق شاعر يقال له أبو الوحش وكانت فيه دعابة وبينه وبين أبي الحكم المذكور
____________________
(2/133)

مداعبات فسأل منه كتابا إلى ابن منير بالوصية عليه فكتب أبو الحكم
( أبا الحسين استمع مقال فتى ** عوجل فيما يقول فارتجلا )
( هذا أبو الوحش جاء ممتدحا ** للقوم فاهنأ به إذا وصلا )
( واتل عليهم بحسن شرحك ما ** أنقله من حديثه جملا )
( وخبر القوم أنه رجل ** ما أبصر الناس مثله رجلا )
( تنوب عن وصفه شمائله ** لا يبتغي عاقل به بدلا )
ومنها
( وهو على خفة به أبدا ** معترف أنه من الثقلا )
( يمت بالثلب والرقاعة والسخف ** وأما بغير ذاك فلا )
( إن أنت فاتحته لتخبر ما ** يصدر عنه فتحت منه خلا )
( فنبه إن حل خطة الخسف والهون ** ورحب به إذا رحلا )
( واسقه السم إن ظفرت به ** وامزج له من لسانك العسلا )
وله أشياء مستملحة منها مقصورة هزلية ضاهى بها مقصورة ابن دريد من جملتها
( وكل ملموم فلا بد له ** من فرقة لو ألزقوه بالغرا )
وله مرثية في عماد الدين زنكي بن آق سنقر الأتابكي شاب فيها الجد الهزبل والغالب على شعره الانطباع
وتوفي ليلة الأربعاء رابع ذي القعدة سنة 549 وقيل في السنة التي قبلها بدمشق رحمه الله تعالى
والقاضي ابن المرخم المذكور هو الذي يقول فيه أبو القاسم هبة الله بن الفضل الشاعر المعروف بابن القطان
____________________
(2/134)


( يا ابن المرخم صرت فينا قاضيا ** خرف الزمان تراه أم جن الفلك )
( إن كنت تحكم بالنجوم فربما ** أما بشرع محمد من أين لك )
وكان أبو الحكم المذكور فاضلا في العلوم الحكمية متقنا للصناعة الطبية حسن النادرة كثير المداعبة محبا للهو والخلاعة والشراب وكان يعرف صنعة الموسيقى ويلعب بالعود ويجلس في دكان بجيرون للطب وسكناه باللبادين وأتى في ديوانه نهج الوضاعة بكل غريب يدل على أنه أريب سامحه الله تعالى وغفر له
76 - ومن الراحلين من الأندلس إلى المشرق من هو الأحق بالتقديم والسبق الشهير عند أهل الغرب والشرق الحافظ المقريء الإمام الرباني أبو عمرو الداني عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر الأموي مولاهم القرطبي صاحب التصانيف التي منها المقنع والتيسير وعرف بالداني لسكناه دانية وولد سنة 371 وابتدأ بطلب العلم سنة 387 ورحل إلى المشرق سنة 397 فمكث بالقيروان أربعة أشهر ودخل مصر في شوالها فمكث بها سنة وحج ورجع إلى الأندلس في ذي القعدة سنة 399 وقرأ بالروايات على عبد العزيز بن جعفر الفارسي وغيره بقرطبة
وعلى أبي الحسن بن غلبون وخلف بن خاقان المصري وأبي الفتح فارس بن أحمد وسمع من أبي مسلم الكاتب وهو أكبر شيخ له ومن عبد الرحمن بن عثمان القشيري وحاتم بن عبد الله البزار وغير واحد من أهل مصر وسواها وسمع من الإمام أبي الحسن القابسي وخلف كتبه بالحجاز ومصر والمغرب والأندلس وتلا عليه خلق منهم مفرج الأقفالي وأبو داود بن نجاح صاحب
____________________
(2/135)

التنزيل في الرسم وهو من أشهر تلامذته وحدث عنه خلق كثير منهم خلف بن إبراهيم الطليطلي
قال أبو محمد عبيد الله الحجري ذكر بعض الشيوخ أنه لم يكن في عصر الحافظ أبي عمرو الداني ولا بعد عصره أحد يدانيه ولا يضاهيه في حفظه وتحقيقه وكان يقول ما رأيت شيئا قط إلا كتبته ولا كتبته إلا حفظته ولا حفظته فنسيته
قال ابن بشكوال كان أبو عمرو أحد الأئمة في علم القرآن ورواياته وتفسيره ومعانيه وطرقه وإعرابه وجمع في ذلك كله تواليف حسانا وله معرفة بالحديث وطرقه وإعرابه وأسماء رجاله وكان حسن الخط والضبط من أهل الحفظ والذكاء واليقين وكان دينا فاضلا ورعا سنيا
وقال بعضهم وأظنه المغامي كان أبو عمرو مجاب الدعوة مالكي المذهب
وقال بعض أهل مكة إن أبا عمرو الداني مقرىء متقدم وإليه المنتهى في علم القراءات وإتقان القرآن والقراء خاضعون لتصانيفه واثقون بنقله في القراءات والرسم والتجويد والوقف والابتداء وغير ذلك وله مائة وعشرون مصنفا وروى عنه بالإجازة رجلان أحمد بن محمد بن عبد الله الخولاني وأبو العباس أحمد بن عبد الملك بن أبي حمزة وكانت وفاته رحمه الله تعالى بدانية في نصف شوال سنة أربع وأربعين وأربعمائة
77 - ومنهم أبو محمد عبد الله بن عيسى بن عبد الله بن أحمد بن أبي حبيب الأندلسي من بيت علم ووزارة صرف عمره في طلب العلم
____________________
(2/136)

وكان غزير العلم في الفقه والحديث والأدب وولي القضاء بالأندلس مدة ثم دخل الإسكندرية ومصر وجاور بمكة المشرفة ثم قدم العراق وأقام ببغداد مدة ثم وافى خراسان فأقام بنيسابور وبلخ وكانت ولادته ببلاد الأندلس وتوفي بهراة في شعبان سنة 548 رحمه الله تعالى ورضي عنه
78 - ومنهم أبو العباس أحمد بن علي بن محمد بن علي بن شكر الأندلسي المقرىء رحل وأخذ القراءات عن أبي الفضل جعفر الهمداني وسمع من أبي القاسم بن عيسى وسكن الفيوم واختصر التيسير وصنف شرحا للشاطبية وتوفي سنة 640 رحمه الله تعالى
79 - ومنهم العلامة ذو الفنون علم الدين القاسم بن أحمد المريني اللورقي المقرىء النحوي ولد سنة 575 وقرأ القراءات وأحكم العربية وبرع فيها واجتمع بالجزولي وسأله عن مسألة في مقدمته وقرأ علم الكلام والأصوليين والفلسفة وكان خبيرا بهذه العلوم مقصودا بإقرائها وولي مشيخة قراءة العادلية ودرس بالعزيزية نيابة وصنف شرحا للشاطبية وشرحا للمفصل في عدة مجلدات وشرح الجزولية وغير ذلك وكان مليح الشكل حسن البزة وتوفي سنة 661 رحمه الله تعالى ورضي
80 - ومنهم أبو عبد الله بن أبي الربيع القيسي الأندلسي الغرناطي
____________________
(2/137)

قدم مصر سنة 515 أو بعدها فسمع على السلفي وبقراءته على جماعة من شيوخ مصر وكان لديه فقه وأدب ثم سافر إلى باب الأبواب وكان حيا سنة 556
ومن نظمه يمدح كتاب الشهاب
( إن الشهاب له فضل على الكتب ** بما حوى من كلام المصطفى العربي )
( كم ضم من حكمة غرا وموعظة ** ومن وعيد ومن وعد ومن أدب )
( أما القضاعي فالرحمن يرحمه ** كما حباه من التأليف بالعجب )
81 - ومنهم الحافظ أبو عامر محمد بن سعدون بن مرجى القرشي العبدري من أهل ميورقة من بلاد الأندلس سكن بغداد وسمع بها من أبي الفضل بن خيرون وطراد الزينبي وأبي عبد الله الحميدي وجماعة ولم يزل يسمع إلى حين وفاته وكتب بخطه كثيرا من الكتب والأجزاء وجمع وخرج وكان صحيح العقل معتمد الضبط مرجوعا إليه في الإتقان وكفاه فخرا وشرفا أن روى عنه الحافظان أبو طاهر السلفي وأبو الفضل محمد بن ناصر وكان فهامة علامة ذا معرفة بالحديث متعففا مع فقره وكان يذهب إلى أن المناولة والعرض كالسماع
وقال السلفي فيه إنه من أعيان علماء الإسلام بمدينة السلام متصرف في فنون من العلم أدبا ونحوا ومعرفة بأنساب العرب والمحدثين وكان داودي المذهب قرشي النسب وقد كتب عني وكتبت عنه وسمعنا معا كثيرا على شيوخ بغداد ومولده بقرطبة من مدن الأندلس
وقبل اجتماعي به كنت أسمع إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ بأصبهان يثني عليه فلما اجتمعنا وجدته فوق ما وصفه انتهى
____________________
(2/138)


وقال ابن عساكر كان أحفظ شيخ لقيته وربما حكى عنه بعضهم كابن عساكر أمورا منكرة فالله أعلم وتوفي في ربيع الآخر سنة 524 ببغداد رحمه الله تعالى
82 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن سعدون الباجي سمع بمصر من ابن الورد وابن السكن وابن رشيق وبمكة من الآجري وكان صالحا فاضلا زاهدا ورعا حدث ومات ببطليوس فجأة سنة 392 ومولده سنة 322
83 - ومنهم أبو بكر محمد بن سعدون التميمي الجزيري المتعبد كانت آدابه كثيرة وحج غير مرة ورابط ببلاد المغرب وكان حسن الصوت بالقرآن سمع بمصر من جماعة وبمكة وصحب الفقراء وطاف بالشام وغزا غزوات وتعرض للجهاد وحرض عليه وساح بجبل المقطم وذكر أنه صلى بمصر الضحى اثنتي عشرة ركعة ثم نام فرأى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن مالكا والليث اختلفا في الضحى فمالك يقول اثنتا عشرة ركعة والليث يقول ثمان فضرب عليه الصلاة والسلام بين وركي ابن سعدون وقال رأي مالك هو الصواب ثلاث مرات قال وكان في وركي وجع فمن تلك الليلة زال عني وكان له براهين من نور يضيء عليه إذا صلى ونحوه وأنشد
( سجن اللسان هو السلامة للفتى ** من كل نازلة لها استئصال )
( إن اللسان إذا حللت عقاله ** ألقاك في شنعاء ليس تقال )
توفي سنة 344
____________________
(2/139)


84 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن سعد الأعرج الطليطلي الخطيب وقال فيه ابن سعيد سمع بمصر ابن الورد وابن السكن وحدث مولده سنة 309 وتوفي في ربيع الآخر سنة 384
85 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن سعيد بن إسحاق بن يوسف الأموي القرطبي وأصله من لبلة ولكن سكن قرطبة وقدم مصر وحج وسمع في طريقه من الشيخ أبي محمد بن أبي زيد صاحب الرسالة وأخذ عن القابسي وعن جماعة من علماء مصر والحجاز ومولده سنة 352 ورحلته سنة 418
86 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن سعيد بن حسان بن الحكم بن هشام القرطبي سمع من أبيه ويحيى بن يحيى وعبد الملك بن حبيب ورحل فسمع من أشهب بن عبد العزيز وعبد الله بن نافع وعبد الله بن عبد الحكم وعاد إلى الأندلس وبها توفي سنة 260 رحمه الله تعالى
87 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن سليمان المعافري الشاطبي نزيل الإسكندرية ويعرف بابن أبي الربيع أحد أولياء الله تعالى شيخ الصالحين صاحب الكرامات المشهورة جمع بين العلم والعمل والورع والزهد والانقطاع إلى الله تعالى والتخلي عن الناس والتمسك بطريقة السلف قرأ القرآن ببلده بالقراءات السبع على أبي عبد الله محمد بن سعادة الشاطبي وغيره وقرأ بدمشق على الواسطي وسمع عليه الحديث ورحل فسمع من الزاهد أبي يوسف يعقوب
____________________
(2/140)

خادم أضياف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قبره ومنبره سنة 617 وسمع بدمشق على أبي القاسم بن صصرى وأبي المعالي بن خضر وأبي الوفاء بن عبد الحق وغيرهم وانقطع لعبادة الله تعالى في رباط سوار من الإسكندرية بتربة أبي العباس الراسي وتلمذ للشاطبي تلميذ الراسي وصنف كتبا حسنة منها كتاب المسلك القريب في ترتيب الغريب وكتاب اللمعة الجامعة في العلوم النافعة في تفسير القرآن العزيز وكتاب شرف المراتب والمنازل في معرفة العالي في القراءات والنازل وكتاب المباحث السنية في شرح الحصرية وكتاب الحرقة في لباس الخرقة وكتاب المنهج المفيد فيما يلزم الشيخ والمريد وكتاب النبذة الجلية في ألفاظ اصطلح عليها الصوفية وكتاب زهر العريش في تحريم الحشيش وكتاب الزهر المضي في مناقب الشاطبي وكتاب الأربعين المضية في الأحاديث النبوية ومولده بشاطبة سنة 585 ووفاته بالإسكندرية في رمضان سنة 672 ودفن بتربة شيخه المجاورة لزاويته رحمهما الله تعالى ونفع بهما محمد بن شريح الرعيني 289 محمد بن شريح الرعيني 88 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن شريح الرعيني الإشبيلي قدم مصر وسمع بها من ابن نفيس وأبي علي الحسن البغدادي وأبي جعفر النحوي وأبي القاسم بن الطيب البغدادي الكاتب وبمكة من أبي ذر الهروي قال ابن بشكوال كان من جملة المقرئين وخيارهم ثقة في روايته وكانت رحلته إلى المشرق سنة 423 وولد سنة 392 وتوفي سنة 476 وعمره أربع وثمانون سنة إلا خمسة وخمسين يوما وروى بإشبيلية عن جماعة
____________________
(2/141)

رحمه الله تعالى
89 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن صالح الأنصاري المالقي قال السلفي هو شاب من أهل الأدب له خاطر سمح كان يحضر عندي بالإسكندرية كثير السماع للحديث وذكر أنه قرأ الأدب على أبي الحسين بن الطراوة النحوي بالأندلس وعلى نظرائه وأنشدني لنفسه
( كم ذا تقلقلني النوى وتسوقني ** وإلى متى أشجى بها وأسام )
( ألفت ركائبي الفلا فكأنما ** للبين عهد بيننا وذمام )
( يا ويح قلبي من فراق أحبة ** أبدا تصدعه به الأيام )
90 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن صالح القحطاني المعافري الأندلسي المالكي رحل إلى المشرق فسمع بالشام خيثمة بن سليمان وبمكة أبا سعيد بن الأعرابي وببغداد إسماعيل بن محمد الصفار وسمع بالمغرب بكر بن حماد التاهرتي ومحمد بن وضاح وقاسم بن أصبغ وبمصر جماعة من أصحاب يونس والمزني
روى عنه أبو عبد الله الحاكم وقال اجتمعنا به بهمذان مات ببخارى سنة 383 وقيل سنة ثمان وقيل سنة تسع وسبعين
وقال فيه أبو سعيد الإدريسي إنه كان من أفاضل الناس ومن ثقاتهم
وقال غنجار إنه كان فقيها حافظا جمع تاريخا لأهل الأندلس
وقال السمعاني فيه كان فقيها حافظا رحل في طلب العلم إلى المشرق والمغرب رحمه الله تعالى
91 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن طاهر بن علي بن عيسى الخزرجي
____________________
(2/142)

الداني النحوي أخو أبي العباس بن عيسى سمع بدانية من أبي داود المقرىء وغيره وقدم دمشق سنة 554 حين خرج حاجا وأقرأ بدمشق النحو مدة ثم خرج إلى بغداد وأقام بها إلى أن مات سنة 619 وولد سنة 512 وقدم مصر سنة 572 وله من المصنفات كتاب تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب ومن كلامه ليست هيبة الشيخ لشيبه ولا لسنه ولا لشخصه ولكن لكمال عقله والعقل هو المهاب ولو رأيت شخصا جمع جميع الخصال وعدم العقل لما هبته وقال من جهل شيئا عابه ومن قصر عن شيء هابه
92 - ومنهم القاضي الشهير محمد بن بشير وهو محمد بن سعيد بن بشير بن شراحيل المعافري وقيل في آبائه غير ذلك كما يأتي ولما أشير على الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بتقديم ابن بشير إلى خطة القضاء بقرطبة وجه إليه بباجة فأقبل ولا يعلم ما دعي إليه ونزل على صديق له من العباد فتحدث في شأن استدعائه وقدم أنه يصرف في الكتابة فقال له العابد ما أراه بعث فيك إلا للقضاء فإن القاضي بقرطبة مات وهي الآن دون قاض فقال ابن بشير فأنا أستشيرك في ذلك إن وقع فقال أسألك عن أشياء ثلاثة وأعزم عليك أن تصدقني فيها ثم أشير بعد ذلك عليك فقال ما هي فقال كيف حبك للأكل الطيب واللباس اللين وركوب الفاره فقال والله لا أبالي ما رددت به جوعي وسترت به عورتي وحملت به
____________________
(2/142)

رحلي فقال هذه واحدة فكيف حبك للتمتع بالوجوه الحسان والتبطن للكواعب الغيد وما شاكل ذلك من الشهوات فقال هذه حال والله ما استشرفت قط إليها ولا خطرت ببالي ولا اكترثت لفقدها فقال وهذه ثانية فكيف حبك لمدح الناس لك وثنائهم عليك وكيف حبك للولاية وكراهيتك للعزل فقال والله ما أبالي في الحق من مدحني وذمني وما أسر للولاية ولا أستوحش للعزل فقال وهذه الثالثة أقبل الولاية فلا بأس عليك فقدم قرطبة فولاه الأمير الحكم القضاء والصلاة
قال ابن وضاح أخبرني من كان يرى محمد بن بشير القاضي داخلا على باب المسجد الجامع يوم الجمعة وعليه رداء معصفر وفي رجله نعل صرارة وله جمة مفرقة ثم يقوم فيخطب ويصلي وهو في هذا الزي وبه كان يجلس للقضاء بين الناس فإن رام أحد من دينه شيئا وجده أبعد من الثريا
وأتاه رجل لا يعرفه فلما رأى ما هو فيه من زي الحداثة من الجمة المفرقة والرداء المعصفر وظهور الكحل والسواك وأثر الحناء في يديه توقف وقال دلوني على القاضي فقيل له ها هو وأشير إليه فقال إني رجل غريب وأراكم تستهزئون بي أنا أسألكم عن القاضي وأنتم تدلونني على زامر فصححوا له أنه القاضي فتقدم إليه واعتذر فأدناه وتحدث معه فوجد عنده من العدل والإنصاف فوق ما ظنه فكان يحدث بقصته معه
وعوتب في إرسال لمته ولبسه الخز والمعصفر فقال حدثني مالك بن أنس أن محمد بن المنكدر - وكان سيد القراء - كانت له لمة وأن هشام بن عروة فقيه هذا البلد - يعني المدينة - كان يلبس المعصفر وأن القاسم بن محمد كان يلبس الخز
____________________
(2/144)

ولقد سئل يحيى بن يحيى عن لباس العمائم فقال هي لباس الناس في المشرق وعليه كان أمرهم في القديم فقيل له لو لبستها لاتبعك الناس في لباسها فقال قد لبس محمد بن بشير الخز فما تبعه الناس فيه وكان ابن بشير أهلا أن يقتدى به فلعلي لو لبست العمامة لتركني الناس ولم يتبعوني كما تركوا ابن بشير
وكان أول ما نظر فيه محمد بن بشير - حين ولي القضاء - التسجيل على الخليفة الحكم في أرحي القنطرة إذ قيم عليه فيها وثبت عنده حق المدعي وأعذر إلى الحكم فلم يكن عنده مدفع فسجل فيها وأشهد على نفسه فما مضت مديدة حتى ابتاعها الحكم ابتياعا صحيحا فسر بذلك وقال رحم الله محمد بن بشير فلقد أحسن فيما فعل بنا على كره منا كان في أيدينا شيء مشتبه فصححه لنا وصار حلالا طيب الملك في أعقابنا وحكم على ابن فطيس الوزير ولم يعرفه بالشهود فرفع الوزير ذلك إلى الحكم وتظلم من ابن بشير فأومأ الحكم إليه أن الوزير ذكر حكمك عليه بشهادة قوم لم تعرفه بهم ولا أعذرت إليه فيهم وإن أهل العلم يقولون إن ذلك له فكتب إليه ابن بشير ليس ابن فطيس ممن يعرف بمن شهد عليه لأنه إن لم يجد سبيلا إلى تجريحهم لم يتحرج عن طلب أذاهم في أنفسهم وأموالهم فيدعون الشهادة هم ومن ائتسى بهم وتضيع أموال الناس
وأكثر موسى بن سماعة أحد خواص الأمير الحكم في ابن بشير الشكاية وأنه يجور عليه فقال له الحكم أنا أمتحن قولك الساعة فاخرج إليه فورا واستأذن عليه فإن أذن لك عزلته وصدقت قولك فيه وإن لم يأذن لك دون خصمك ازددت بصيرة فيه فليس هو عندي بجائر على حال وإنما
____________________
(2/145)

مقصده الحق في كل ما يتصرف فيه فخرج يؤم دار ابن بشير وقد أمر الحكم من يثق به من الفتيان الصقالبة أن يقفوا أثره ويعلموا ما يكون منه فلم يكن إلا ريثما بلغ ثم انصرف فحكى للحكم أنه لما خرج الآذن إلى موسى وعلم القاضي بمكانه عاد إليه فقال له إن كانت لك حاجة فاقصد فيها إذا جلس القاضي مجلس القضاء فتبسم الحكم وقال قد أعلمته أن ابن بشير صاحب حق لا هوادة فيه عنده لأحد
وولي القضاء مرتين فلما عزل المرة الأولى انصرف إلى بلده وكان بعض إخوانه يعاتبه في صلابته ويقول له أخشى عليك العزل فيقول له ليته قدر إن الشقراء - يعني بغلته - تقطع الطريق بي جاثة نحو باجة
فما مضى إلا يسير حتى عتب عليه الأمير في قصة اشتد فيها على بعض خاصته فكانت سببا لعزله وانصرف كما تمنى فلم يمكث إلا يسيرا حتى أتى فيه رقاص من قبل الأمير الحكم والرقاص عند المغاربة هو الساعي عند المشارقة فعاد إلى قرطبة وجبره على القعود للقضاء الأمير الحكم فلاذ منه باليمين بطلاق زوجته وبصدقة ما يملك في سبيل الله تعالى إن حكم بين اثنين فلم يعذره وأخرجه من ماله وعوضه من طيب ما عنده ووهب له جارية من جواريه فعاد إلى القضاء ثانية
ومما يحكى عنه في العدل أن سعيد الخير ابن السلطان عبد الرحمن الداخل وكل عند ابن بشير وكيلا يخاصم عنه لشيء اضطر إليه وكانت بيده فيه وثيقة فيها شهادات شهود قد ماتوا ولم يكن فيها من الأحياء إلا الأمير الحكم وشاهد آخر مبرز فشهد لسعيد الخير ذلك الشاهد وضربت على وكيله الآجال في شاهد ثان وجد به الخصام فدخل سعيد الخير بالكتاب إلى الحكم وأراه شهادته في الوثيقة وقد كان كتبها قبل الخلافة في حياة أبيه وعرفه مكان
____________________
(2/146)

حاجته إلى أدائها عند قاضيه خوفا من بطلان حقه وكان الحكم يعظم سعيد الخير عمه ويلتزم مبرته فقال له يا عم إنا لسنا من أهل الشهادات وقد التبسنا من هذه الدنيا بما لا تجهله ونخشى أن توقفنا مع القاضي موقف مخزاة كنا نفديه بملكنا فصر في خصامك حيث صيرك الحق إليه وعلينا خلف ما انتقصك فأبى عليه وقال سبحان الله وما عسى أن يقول قاضيك في شهادتك وأنت وليته وهو حسنة من حسناتك وقد لزمتك في الديانة أن تشهد لي بما علمته ولا تكتمني ما أخذ الله عليك فقال بلى إن ذلك لمن حقك كما تقول ولكنك تدخل علينا به داخلة فإن أعفيتنا منه فهو أحب إلينا وإن اضطررتنا لم يمكنا عقوقك فعزم عليه عزم من لم يشك أن قد ظفر بحاجته وضايقته الآجال فألح عليه فأرسل الحكم عند ذلك إلى فقيهين من فقهاء زمانه وخط شهادته بيده في قرطاس وختم بخاتمه ودفعها إلى الفقيهين وقال لهما هذه شهادتي بخطي تحت ختمي فأدياها إلى القاضي فأتياه بها إلى مجلسه وقت قعوده للسماع من الشهود فأدياها إليه فقال لهما قد سمعت منكما فقوما راشدين في حفظ الله تعالى وجاء وكيل سعيد الخير وتقدم إليه مدلا واثقا وقال له أيها القاضي قد شهد عندك الأمير - أصلحه الله تعالى - فما تقول فأخذ كتاب الشهادة ونظر فيه ثم قال للوكيل هذه شهادة لا تعمل عندي فجئني بشاهد عدل فدهش الوكيل ومضى إلى سعيد الخير فأعلمه فركب من فوره إلى الحكم وقال ذهب سلطاننا وأزيل بهاؤنا يجترئ هذا القاضي على رد شهادتك والله سبحانه قد استخلفك على عباده وجعل الأمر في دمائهم وأموالهم إليك هذا ما لا يجب أن تحمل عليه وجعل يغريه بالقاضي ويحرضه على الإيقاع به فقال له الحكم وهل شككت أنا في هذا يا عم القاضي رجل صالح والله
____________________
(2/147)

لا تأخذه في الله لومة لائم فعل ما يجب عليه ويلزمه وسد دونه بابا كان يصعب عليه الدخول منه فأحسن الله تعالى جزاءه فغضب سعيد الخير وقال هذا حسبي منك فقال له نعم قد قضيت الذي كان لك علي ولست والله أعارض القاضي فيما احتاط به لنفسه ولا أخون المسلمين في قبض يد مثله
ولما عوتب ابن بشير فيما أتاه من ذلك قال لمن عاتبه يا عاجز أما تعلم أنه لا بد من الإعذار في الشهادات فمن كان يجترئ على الدفع في شهادة الأمير لو قبلتها ولو لم أعذر لبخست المشهود عليه حقه
وتوفي القاضي محمد بن بشير سنة 198 قبل الشافعي بست سنين كما يأتي قريبا ومحاسنه - رحمه الله تعالى - كثيرة وقد استوفى ترجمته بقدر الإمكان القاضي عياض في المدارك فليراجعها من أرادها فإن عهدي بها في المغرب
وقال بعض من عرف به ما نصه القاضي محمد بن بشير بن محمد المعافري أصله من جند باجة من عرب مصر ولاه الحكم بن هشام قضاء القضاة الذي يعبرون عنه بالمغرب بقضاء الجماعة بقرطبة بعد المصعب بن عمران ثم صرفه وولى مكانه الفرج بن كنانة
وعن ابن حارث قال أحمد بن خالد طلب محمد بن بشير العلم بقرطبة عند شيوخ أهلها حتى أخذ منه بحظ وافر ثم كتب لأحد أولاد عبد الملك بن عمر المرواني لمظلمة نالته على وجه الاعتصام به وتصرف معه تصرفا لطيفا ثم انقبض عنه وخرج حاجا قال ابن حارث وكتب محمد بن بشير في حداثته للقاضي مصعب بن عمران ثم خرج حاجا فلقي مالك بن أنس وجالسه وسمع منه وطلب العلم أيضا بمصر ثم انصرف فلزم ضيعته في باجة
____________________
(2/148)


وقال ابن حيان إنه استقدم من باجة للقضاء برأي العباس بن عبد الملك
وقال ابن شعبان في الرواة عن مالك من أهل الأندلس محمد بن بشير بن سرافيل ويقال شراحبل ولي القضاء وكان رجلا صالحا وبعدله تضرب الأمثال واستوطن قرطبة وتوفي بها سنة ثمان وتسعين ومائة انتهى وبعضه عن غيره
ومن شعره قوله
( إنما أزرى بقدري أنني ** لست من بابة أهل البلد )
( ليس منهم غير ذي مقلية ** لذوي الألباب أو ذي حسد )
( يتحامون لقائي مثلما ** يتحامون لقاء الأسد )
( مطلعي أثقل في أعينهم ** وعلى أنفسهم من أحد )
( لو رأوني وسط بحر لم يكن ** أحد يأخذ منهم بيدي )
93 - ومنهم محمد بن عيسى بن دينار الغافقي من أهل قرطبة كان فقيها زاهدا وحج وحضر افتتاح إقريطش واستوطنها قاله الرازي
94 - ومنهم محمد بن يحيى بن يحيى الليثي خرج حاجا ولقي سحنون بن سعيد بإفريقية ولقي بمصر رجالا من أصحاب مالك فسمع منهم وعرف بالفقه والزهد وجاور بمكة وتوفي هنالك
95 - ومنهم محمد بن مروان بن خطاب المعروف بابن أبي جمرة
____________________
(2/149)

رحل حاجا هو وابناه خطاب وعميرة في سنة اثنتين وعشرين ومائتين وسمعوا ثلاثتهم من سحنون بن سعيد المدونة بالقيروان وأدركوا أصبغ بن الفرج وأخذوا عنه
96 - ومنهم محمد بن أبي علاقة البواب من أهل قرطبة كانت له رحلة إلى المشرق ولقي فيها جماعة من أهل العلم وأخذ عن أبي إسحاق الزجاجي وعن أبي بكر بن الأنباري وعن أبي الحسن علي بن سليمان الأخفش وأبي عبد الله نفطويه وغيرهم وسمع من الأخفش الكامل للمبرد وقال الحكم المستنصر لم يصح كتاب الكامل عندنا من رواية إلا من قبل ابن أبي علاقة وكان ابن جابر الإشبيلي قد رواه قبل بمصر بمدة وما علمت أحدا رواه غيرهما وكان ابن الأحمر القرشي يذكر أنه رواه وكان صدوقا ولكن كتابه ضاع ولو حضر ضاهى الرجلين المتقدمين
97 - ومنهم محمد بن حزم بن بكر التنوخي من أهل طليطلة وسكن قرطبة يعرف بابن المديني سمع من أحمد بن خالد وغيره وصحب محمد بن مسرة الجبلي قديما واختص بمرافقته في طريق الحج ولازمه بعد انصرافه وكان من أهل الورع والانقباض وحكي عن ابن مسرة أنه كان في سكناه المدينة يتتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم قال ودله بعض أهل المدينة على دار مارية أم إبراهيم سرية النبي صلى الله عليه وسلم فقصد إليها فإذا هي دويرة لطيفة بين البساتين بشرقي المدينة عرضها وطولها واحد قد شق في وسطها بحائط وفرش على حائطها خشب غليظ يرتقى إلى ذلك الفرش
____________________
(2/150)

على خارج لطيف وفي أعلى ذلك بيتان وسقيفة كانت مقعد النبي صلى الله عليه وسلم في الصيف قال فرأيت أبا عبد الله بعد ما صلى في البيتين والسقيفة وفي كل ناحية من نواحي تلك الدار ضرب أحد البيتين بشبره فكشفته بعد انصرافي وهو ساكن في الجبل عن ذلك فقال هذا البيت الذي تراني فيه بنيته على تلك الحالة في العرض والطول بلا زيادة ولا نقصان انتهى
98 - ومنهم محمد بن يحيى بن مالك بن يحيى بن عائذ ولد أبي زكريا الراوية من أهل طرطوشة يكنى أبا بكر تأدب بقرطبة وسمع بها من قاسم بن أصبغ ومحمد بن معاوية القرشي وأحمد بن سعيد ومنذر بن سعيد وأبي علي القالي وغيرهم وكان حافظا للنحو واللغة والشعر يفوت من جاراه على حداثة سنة شاعرا مجيدا مرسلا بليغا ورحل مع أبيه إلى المشرق سنة تسع وأربعين وثلاثمائة فسمع بمصر من ابن الورد وابن السكن وحمزة الكناني وغيرهم وسمع أيضا بالبصرة وبغداد كثيرا وخرج إلى أرض فارس فسمع هنالك وجمع كتبا عظيمة وأقام بها إلى أن توفي بأصبهان معتبطا مع الستين وثلاثمائة ومولده بطرطوشة صدر ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة ذكره ابن حيان رحمه الله تعالى
99 - ومنهم محمد بن عبدون الجبلي العدوي من أهل قرطبة أدب بالحساب والهندسة ورحل في سنة سبع وأربعين وثلاثمائة فدخل مصر والبصرة وعني بعلم الطب فمهر فيه ودبر في مارستان الفسطاط ثم رجع
____________________
(2/151)

إلى الأندلس في سنة ستين وثلاثمائة فاتصل بالمستنصر بالله وابنه المؤيد بالله وله في التكسير تأليف حسن رحمه الله تعالى
100 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الأزدي الفراء القرطبي صحب أبا بكر بن يحيى بن مجاهد واختص به ولطف محله منه وقرأ عليه القرآن ورحل صحبته لأداء فريضة الحج وكان رجلا صالحا كثير التلاوة للقرآن والخشوع إذا قرأ بكى ورتل وبين في مهل ويقول أبو بكر علمني هذه القراءة وحكي أنه سرد الصوم اثنتي عشرة سنة قبل موت ابن مجاهد مفطرا كل ليلة وقت الإفطار ثم تمادى على ذلك بعد موته مفطرا عقب العشاء الآخرة لالتزامه الصلاة من المغرب إليها تزيدا من الخير واجتهادا في العمل
101 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن صالح المعافري الأندلسي رحل إلى المشرق فسمع خيثمة بن سليمان وأبا سعيد بن الأعرابي وإسماعيل بن محمد الصفار وبكر بن حماد التاهرتي وغيرهم روى عنه أبو عبد الله الحاكم وقال اجتمعنا بهمذان سنة إحدى وأربعين يعني وثلاثمائة فتوجه منها إلى أصبهان وكان قد سمع في بلاده وبمصر من أصحاب يونس وبالحجاز وبالشام وبالجزيرة من أصحاب علي بن حرب وببغداد وورد نيسابور في ذي الحجة سنة إحدى وأربعين فسمع الكثير ثم خرج إلى مرو ومنها إلى بخارى فتوفي بها في رجب من سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة وروى عنه أيضا أبو القاسم بن حبيب النيسابوري وغيرهما ذكره ابن عساكر وأسند إليه قوله
( ودعت قلبي ساعة التوديع ** وأطعت قلبي وهو غير مطيعي )
( إن لم أشيعهم فقد شيعتهم ** بمشيعين تنفسي ودموعي )
____________________
(2/152)


وذكره ابن الفرضي وقال إنه استوطن بخارى وجعل وفاته بها سنة ثمان وسبعين والأول قول الحاكم وهو أصح
102 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصارى السرقسطي روى عن الباجي وابن عبد البر ورحل حاجا فقدم دمشق وحدث بها عن شيوخه الأندلسيين وعن أبي حفص عمر بن أبي القاسم بن أبي زيد القفصي وذكره ابن عساكر وقال سمع عنه أبو محمد الأكفاني وحكى عنه تدليسا ضعفه به وتوفي سنة 477
103 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عيسى بن بقاء الأنصاري من بلاد الثغر الشرقي أخذ القراءات عن أبي داود سليمان بن نجاح ورحل حاجا فقدم دمشق وأقرأ بها القرآن بالسبع وأخذ عنه جماعة من أهلها وكان شيخا فاضلا حافظا للحكايات قليل التكلف في اللباس ذكره ابن عساكر وقال رأيته وسمعته ينشد قصيدة يوم خرج الناس للمصلى للاستسقاء على المنبر أولها
( أستغفر الله من ذنبي وإن كبرا ** وأستقل له شكري وإن كثرا )
وكان يسكن في دار الحجارة ويقرئ بالمسجد الجامع
ولد في الثاني والعشرين من شعبان سنة أربع وخمسين وأربعمائة وتوفي يوم الأربعاء عند صلاة العصر ودفن يوم الخميس لصلاة الظهر الثاني من ذي الحجة سنة اثنتي عشرة وخمسمائة ودفن في مقابر الصحابة بالقرب من قبر أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال وشهدت أنا غسله والصلاة عليه
____________________
(2/153)

ودفنه وذكره السلفي محمد
104 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن طاهر بن علي بن عيسى الأنصاري الخزرجي من أهل دانية سمع كتاب التقصي لابن عبد البر ولقي أبا الحسن الحصري ثم خرج حاجا فقدم دمشق سنة أربع وخمسمائة وأقام بها مدة يقرىء العربية وكان شديد الوسوسة في الوضوء
ذكره ابن عساكر وقال أنشدني أخي أبو الحسين هبة الله بن الحسن الفقيه قال أنشدنا ابن طاهر الأندلسي بدمشق قال أنشدني الحصري لنفسه
( يموت من في الأنام طرا ** من طيب كان أو خبيث )
( فمستريح ومستراح ** منه كما جاء في الحديث )
قال وأنشدني الحصري لنفسه
( لو كان تحت الأرض أو فوق الذرى ** حر أتيح له العدو ليوذى )
( فاحذر عدوك وهو أهون هين ** إن البعوضة أردت النمروذا )
105 - ومنهم محمد بن أبي سعيد الفرج بن عبد الله البزار من أهل سرقسطة لقي بدانية الحصري وسمع منه بعض منظومه ورحل حاجا فأدى الفريضة ودخل العراق فسمع من جماعة وأجازوا له منهم ابن خيرون والحميدي وأبو زكريا التبريزي والمبارك بن عبد الجبار وثابت بن بندار وهبة الله بن الأكفاني وغيرهم ونزل الإسكندرية وحدث بها وأخذ الناس عنه وتوفي هنالك وأنشد للحصري
____________________
(2/154)


( الناس كالأرض ومنها هم ** من خشن اللمس ومن لين )
( صلد تشكى الرجل منه الوجى ** وإثمد يجعل في الأعين )
وروى عنه ابن الحضرمي وابن جارة وغيرهما
106 - ومنهم أبو بكر محمد بن الحسين الشهير بالميورقي لأن أصله منها وسكن غرناطة وروى عن أبي علي الصدفي ورحل حاجا فسمع بمكة من أبي الفتح عبد الله بن محمد البيضاوي وأبي نصر عبد الملك بن أبي مسلم النهاوندي في شوال وذي القعدة من سنة 517 وبالإسكندرية من أبي عبد الله الرازي وأبي الحسن بن مشرف وأبي بكر الطرطوشي وغيرهم وعاد إلى الأندلس بعد مدة طويلة فحدث في غير ما بلد لتجوله وكان فقيها ظاهريا عارفا بالحديث وأسماء الرجال متقنا لما رواه يغلب عليه الزهد والصلاح روى عنه أبو عبد الله النميري الحافظ ويقول فيه الأزدي تدليسا لأن الأنصار من الأزد وأبو بكر بن رزق وأبو عبد الله بن عبد الرحيم وابنه عبد المنعم وسواهم وصار أخيرا إلى بجاية هاربا من صاحب المغرب حينئذ بعد أن حمل إليه هو وأبوه العباس بن العريف وأبو الحكم بن برجان وحدث هنالك وسمع منه في سنة 537 رحمه الله تعالى
107 - ومنهم أبو الحسن محمد بن عبد الرحمن بن الطفيل العبدي الإشبيلي ويعرف بابن عظيمة أخذ القراءات عن أبي عبد الله السرقسطي
____________________
(2/155)

وروى عن أبي عبد الله الخولاني وأبي عبد الله بن فرج وأبي علي الغساني وأبي داود المقرىء وأبي جعفر بن عبد الحق وأبي الوليد بن طريف ورحل حاجا فروى بمكة عن رزين بن معاوية ثم بالإسكندرية عن ابن الحضرمي أبي عبد الله محمد بن منصور وأبي الحسن بن مشرف الأنماطي وبالمهدية عن المازري وكانت رحلته مع أبي علي منصور بن الخير الأحدب للقاء أبي معشر الطبري فبلغهما نعيه بمصر فلما قفلا من حجهما قعد منصور يقول قرأت على أبي معشر واقتصر أبو الحسن في تصدره للإقراء على التحديث عمن لقي فعرف مكانه من الصدق والعدالة وولي الصلاة ببلده وتقدم في صناعته واشتهر بها وتلاه أهل بيته فيها فأخذ عنهم الناس وله أرجوزة في القراءات السبع وأخرى في مخارج الحروف وشرح قصيدة الشقراطسي وله أيضا كتاب الفريدة الحمصية في شرح القصيدة الحصرية وإليه وإلى بنيه بعده كانت الرياسة في هذا الشأن ومن جلة الرواة عنه أبو بكر بن خير قرأ عليه الشهاب للقضاعي وأجاز له جميع رواياته وتواليفه في رجب سنة 536 وتوفي في حدود الأربعين وخمسمائة وروى عنه أبو الضحاك الفزاري
108 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم بن عيسى بن هشام بن جراح الخزرجي من أهل جيان ويعرف بالبغدادي لطول سكناه إياها روى عن أبي علي الغساني وأبي محمد بن عتاب ورحل حاجا فلقي أبا الحسن الطبري المعروف بالكيا وأبا طالب الزينبي وأبا بكر الشاشي
____________________
(2/156)

وغيرهم وكان فقيها مشاورا حدث عنه أبو عبد الله النميري وأبو محمد بن عبيد الله وأبو عبد الله بن حميد وأبو القاسم عبد الرحيم بن الملجوم وغير واحد وتوفي بفاس سنة 546
109 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي بن ياسر الأنصاري الجياني ونزل حلب يكنى أبا بكر رحل إلى المشرق وأدى الفريضة وقدم دمشق قبل العشرين وخمسمائة وسكن قنطرة سنان منها وكان يعلم القرآن ويتردد إلى أبي عبد الله نصر الله بن محمد يسمع الحديث منه ثم رحل صحبة أبي القاسم بن عساكر صاحب تاريخ الشام إلى بغداد سنة عشرين وكان زميله فسمع بها معه من هبة الله بن الحصين وغيره ثم خرج إلى خراسان فسمع بها من حمزة الحسيني وأبي عبد الله الفراوي وأبي القاسم الشحامي وغيرهم وسمع ببلخ جماعة منهم أبو محمد الحسن بن علي الحسيني وأبو النجم مصباح بن محمد المسكي وغيرهما وبلغ الموصل فأقام بها مدة يسمع منه ويؤخذ عنه ثم انتهى إلى حلب فاستوطنها وسلمت إليه خزانة الكتب النورية وأجريت عليه جراية وكان فيه عسر في الرواية والإعارة معا ووقف كتبه على أصحاب الحديث وله عوال مخرجة من حديثه ساوى بها بعض شيوخه البخاري ومسلما وأبا داود والترمذي والنسائي روى عنه أبو حفص الميانشي وأبو المنصور مظفر بن سوار اللخمي وأبو محمد عبد الله بن علي بن سويدة وابن أبي السنان وغيرهم
ذكره ابن عساكر في تاريخه وقال سمعت منه ومات بحلب في جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وخمسمائة على ما بلغني
____________________
(2/157)

وقال ابن نقطة حدث عن جماعة منهم أبو القاسم سهل بن إبراهيم النيسابوري وأبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الهمداني حدثنا عنه أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الحلبي وأخوه أبو العباس أحمد وحكي عن الحسن بن هبة الله بن صصرى أنه توفي بحلب في جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وخمسمائة كما تقدم وقد بلغ السبعين قاله ابن الأبار
110 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة مرسي سكن شاطبة ودار سلفه بلنسية سمع أبا علي الصدفي واختص به وأكثر عنه وإليه صارت دواوينه وأصوله العتاق وأمهات كتبه الصحاح لصهر كان بينهما وسمع أيضا أبا محمد بن أبي جعفر ولازم حضور مجلسه للتفقه به وحمل ما كان يرويه ورحل إلى غرب الأندلس فسمع أبا محمد بن عتاب وأبا بحر الأسدي وأبا الوليد بن رشد وأبا عبد الله الخولاني وأبا عبد الله بن الحاج وأبا بكر العربي وغيرهم وكتب إليه أبو عبد الله الخولاني وأبو الوليد بن طريف وأبو الحسن بن عفيف وأبو القاسم بن صواب وأبو محمد بن السيد وغيرهم ثم رحل إلى المشرق سنة عشرين وخمسمائة فلقي بالإسكندرية أبا الحجاج بن نادر الميورقي وصحبه وسمع منه وأخذ عنه الفقه وعلم الكلام وأدى فريضة الحج في سنة إحدى وعشرين ولقي بمكة أبا الحسن رزين بن معاوية العبدري إمام المالكية بها وأبا محمد بن صدقة المعروف بابن غزال من أصحاب كريمة المروزية فسمع منهما وأخذ عنهما وروى عن أبي الحسن علي بن سند بن عياش الغساني ما حمل عن أبي حامد الغزالي من تصانيفه ثم انصرف إلى ديار مصر فصحب ابن نادر إلى حين وفاته بالإسكندرية ولقي أبا طاهر بن عوف وأبا عبد الله بن مسلم القرشي وأبا طاهر السلفي وأبا
____________________
(2/158)

زكريا الزناتي وغيرهم فأخذ عنهم وكان قد كتب إليه منها أبو بكر الطرطوشي وأبو الحسن بن مشرف الأنماطي ولقي في صدره بالمهدية أبا عبد الله المازري فسمع منه بعض كتاب المعلم وأجاز له باقيه وعاد إلى مرسية في سنة ست وعشرين
وقد حصل في رحلته علوما جمة ورواية فسيحة وكان عارفا بالسنن والآثار مشاركا في علم القرآن وتفسيره حافظا للفروع بصيرا باللغة والغريب ذا حظ من علم الكلام مائلا إلى التصوف مؤثرا له أديبا بليغا خطيبا فصيحا ينشىء الخطب مع الهدي والسمت والوقار والحلم جميل الشارة محافظا على التلاوة بادي الخشوع راتبا على الصوم وولي خطة الشورى بمرسية مضافة إلى الخطبة بجامعها وأخذ في إسماع الحديث وتدريس الفقه ثم ولي القضاء بها بعد انقراض دولة الملثمين ونقل إلى قضاء شاطبة فاتخذها وطنا وكان يسمع الحديث بها وبمرسية وبلنسية ويقيم الخطب أيام الجمع في جوامع هذه الأمصار الثلاثة متعاقبا عليها وقد حدث بالمرية وهناك أبو الحسن بن موهب وأبو محمد الرشاطي وغيرهما وسمع منه أبو الحسن بن هذيل جامع الترمذي وألف كتابه شجرة الوهم المترقية إلى ذروة الفهم ولم يسبق إلى مثله وليس له غيره وجمع فهرسة حافلة
ووصفه غير واحد بالتفنن في العلوم والمعارف والرسوخ في الفقه وأصوله والمشاركة في علم الحديث والأدب
وقال ابن عياد في حقه إنه كان صليبا في الأحكام مقتفيا للعدل حسن الخلق والخلق جميل المعاملة لين الجانب فكه المجالسة ثبتا حسن الخط من أهل الإتقان والضبط وحكي أنه كانت عنده أصول حسان
____________________
(2/159)

بخط عمه مع الصحيحين بخط الصدفي في سفرين قال ولم يكن عند شيوخنا مثل كتبه في صحتها وإتقانها وجودتها ولا كان فيهم من رزق عند الخاصة والعامة من الحظوة والذكر وجلالة القدر ما رزقه
وذكره أبو سفيان أيضا وأبو عمر بن عات ورفعوا جميعا بذكره
وتوفي بشاطبة مصروفا عن قضائها آخر ذي الحجة سنة خمس وستين وخمسمائة ودفن أول يوم من سنة ست وستين وخمسمائة وفن بالروضة المنسوبة إلى أبي عمر بن عبد البر ومولده في رمضان سنة 496
111 - ومنهم محمد بن إبراهيم بن وضاح اللخمي من أهل غرناطة ونزل جزيرة شقر يكنى أبا القاسم وأخذ القراءة عن أبي الحسن بن هذيل وسمع منه كثيرا ورحل حاجا فأدى الفريضة وأخذ القراءات بمكة عن أبي علي بن العرجاء في سنة ست وأربعين وخمسمائة وسنة سبع بعدها وحج ثلاث حجات ودخل بغداد وأقام في رحلته نحوا من تسعة أعوام وقفل إلى الأندلس فنزل جزيرة شقر من أعمال بلنسية وأقرأ بها القرآن نحوا من أربعين سنة لم يأخذ من أحد أجرا ولا قبل هدية وولي الصلاة والخطبة بجامعها وكان رجلا صالحا زاهدا يشار إليه بإجابة الدعوة معروفا بالورع والانقباض وتوفي في صفر سنة 587
112 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن التجيبي نزيل تلمسان من أهل لقنت عمل مرسية وسكن أبوه أوريوله رحل إلى
____________________
(2/160)

المشرق فأدى الفريضة وأطال الإقامة هنالك واستوسع في الرواية وكتب العلم عن جماعة كثيرة أزيد من مائة وثلاثين من أعيانهم المشرقيين أبو طاهر السلفي صحبه واختص به وأكثر عنه وحكى أنه لما ودعه في قفوله إلى المغرب سأله عما كتب عنه فأخبره أنه كتب كثيرا من الأسفار ومئين من الأجزاء فسر بذلك وقال له تكون محدث المغرب إن شاء الله تعالى قد حصلت خيرا كثيرا قال ودعا لي بطول العمر حتى يؤخذ عني ما أخذت عنه وقد جمع في أسماء شيوخه على حروف المعجم تأليفا مفيدا أكثر فيه من الآثار والحكايات والأخبار وقفل من رحلته وله أربعون حديثا في المواعظ وأخرى في الفقر وفضله وثالثة في الحب في الله تعالى ورابعة في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ومسلسلاته في جزء وكتاب فضائل الأشهر الثلاثة رجب وشعبان ورمضان وكتاب فضل عشر ذي الحجة وكتاب مناقب السبطين وكتاب الفوائد الكبرى مجلد و الفوائد الصغرى جزء وكتاب الترغيب في الجهاد خمسون بابا في مجلد وكتاب المواعظ والرقائق أربعون مجلسا سفران وكتاب مشيخة السلفي وغير ذلك
ومولده بلقنت الصغرى في نحو الأربعين وخمسمائة وتوفي سنة عشر وستمائة رحمه الله تعالى
113 - ومنهم الشيخ الأكبر ذو المحاسن التي تبهر سيدي محيي الدين بن عربي محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحاتمي من ولد
____________________
(2/161)

عبد الله بن حاتم أخي عدي بن حاتم الصوفي الفقيه المشهور الظاهري ولد بمرسية يوم الإثنين سابع عشر رمضان سنة 560 قرأ القرآن على أبي بكر بن خلف بإشبيلية بالسبع وبكتاب الكافي وحدثه به عن ابن المؤلف أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعيني عن أبيه وقرأ أيضا السبع بالكتاب المذكور على أبي القاسم الشراط القرطبي وحدثه به عن ابن المؤلف وسمع على ابن أبي بكر محمد بن أبي جمرة كتاب التيسير للداني عن أبيه عن المؤلف وسمع على ابن زرقون وأبي محمد عبد الحق الإشبيلي الأزدي وغير واحد من أهل المشرق والمغرب يطول تعدادهم
وكان انتقاله من مرسية لإشبيلية سنة 568 فأقام بها إلى سنة 598 ثم ارتحل إلى المشرق وأجازه جماعة منهم الحافظ السلفي وابن عساكر وأبو الفرج بن الجوزي ودخل مصر وأقام بالحجاز مدة ودخل بغداد والموصل وبلاد الروم ومات بدمشق سنة 638 ليلة الجمعة الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر ودفن بسفح قاسيون وأنشدني لنفسه مؤرخا وفاته الشيخ محمد بن سعد الكلشني سنة 1037 حفظه الله تعالى
( إنما الحاتمي في الكون فرد ** وهو غوث وسيد وإمام )
( كم علوم أتى بها من غيوب ** من بحار التوحيد يا مستهام )
( إن سألتم متى توفي حميدا ** قلت أرخت مات قطب همام )
وقال ابن الأبار هو من أهل المرية وقال ابن النجار أقام بإشبيلية
____________________
(2/162)

إلى سنة 598 ثم دخل بلاد المشرق وقال ابن الأبار إنه أخذ عن مشيخة بلده ومال إلى الآداب وكتب لبعض الولاة ثم رحل إلى المشرق حاجا ولم يعد بعدها إلى الأندلس وقال المنذري ذكر أنه سمع بقرطبة من أبي القاسم بن بشكوال وجماعة سواه وطاف البلاد وسكن بلاد الروم مدة وجمع مجاميع في الطريقة وقال ابن الأبار إنه لقيه جماعة من العلماء والمتعبدين وأخذوا عنه وقال غيره إنه قدم بغداد سنة 608 وكان يومأ إليه بالفضل والمعرفة والغالب عليه طرق أهل الحقيقة وله قدم في الرياضة والمجاهدة وكلام على لسان أهل التصوف ووصفه غير واحد بالتقدم والمكانة من أهل هذا الشأن بالشام والحجاز وله أصحاب وأتباع
ومن تآليفه مجموع ضمنه منامات رأى فيها النبي صلى الله عليه وسلم وما سمع منه ومنامات قد حدث بها عمن رآه صلى الله عليه وسلم قال ابن النجار وكان قد صحب الصوفية وأرباب القلوب وسلك طريق الفقر وحج وجاور وكتب في علم القوم وفي أخبار مشايخ المغرب وزهادها وله أشعار حسنة وكلام مليح اجتمعت به في دمشق في رحلتي إليها وكتبت عنه شيئا من شعره ونعم الشيخ هو ذكر لي أنه دخل بغداد سنة 601 فأقام بها اثني عشر يوما ثم دخلها ثانيا حاجا مع الركب سنة 608 وأنشدني لنفسه
( أيا حائرا ما بين علم وشهوة ** ليتصلا ما بين ضدين من وصل )
( ومن لم يكن يستنشق الريح لم يكن ** يرى الفضل للمسك الفتيق على الزبل )
وسألته عن مولده فقال ليلة الاثنين 17 رمضان سنة 560 بمرسية من بلاد الأندلس انتهى
____________________
(2/163)


وقال ابن مسدي إنه كان جميل الجملة والتفصيل محصلا لفنون العلم أخص تحصيل وله في الأدب الشأو الذي لا يلحق والتقدم الذي لا يسبق سمع ببلاده من ابن زرقون والحافظ ابن الجد وأبي الوليد الحضرمي وبسبتة من أبي محمد بن عبد الله وقدم عليه إشبيلية أبو محمد عبد المنعم بن محمد الخزرجي فسمع منه وأبو جعفر بن مصلي وذكر أنه لقي عبد الحق الإشبيلي وفي ذلك عندي نظر انتهى
قلت لا نظر في ذلك فإن سيدي الشيخ محيي الدين ذكر في إجازته للملك المظفر غازي بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب ما معناه أو نصه ومن شيوخنا الأندلسيين أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الإشبيلي رحمه الله تعالى حدثني بجميع مصنفاته في الحديث وعين لي من أسمائها تلقين المهتدي والأحكام الكبرى والوسطى والصغرى وكتاب التهجد وكتاب العاقبة ونظمه ونثره وحدثني بكتب الإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم عن أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح عنه انتهى
وقال إن الحافظ السلفي أجاز له انتهى قال بعض الحفاظ وأحسبها الإجازة العامة
وكان ظاهري المذهب في العبادات باطني النظر في الاعتقادات وكان دفنه يوم الجمعة بجبل قاسيون واتفق أنه لما أقام ببلاد الروم زكاه ذات يوم الملك فقال هذا تذل له الأسود أو كلاما هذا معناه فسئل عن ذلك فقال خدمت بمكة بعض الصلحاء فقال لي يوما الله يذل لك أعز خلقه وأمر له ملك الروم مرة بدار تساوي مائة ألف درهم فلما نزلها وأقام بها مر به في بعض الأيام سائل فقال له شيء لله فقال ما لي غير هذه الدار خذها لك فتسلمها السائل وصارت له
____________________
(2/164)

وقال الذهبي في حقه إن له توسعا في الكلام وذكاء وقوة خاطر وحافظة وتدقيقا في التصوف وتواليف جمة في العرفان لولا شطحه في كلامه وشعره ولعل ذلك وقع منه حال سكره وغيبته فيرجى له الخير انتهى
وقال القطب اليونيني في ذيل مرآة الزمان عن سيدي الشيخ محيي الدين - رضي الله تعالى عنه ونفعنا به - أنه كان يقول إني أعرف اسم الله الأعظم وأعرف الكيمياء انتهى
وقال ابن شودكين عنه إنه كان يقول ينبغي للعبد أن يستعمل همته في الحضور في مناماته بحيث يكون حاكما على خياله يصرفه بعقله نوما كما كان يحكم عليه يقظة فإذا حصل للعبد هذا الحضور وصار خلقا له وجد ثمرة ذلك في البرزخ وانتفع به جدا فليهتم العبد بتحصيل هذا القدر فإنه عظيم الفائدة بإذن الله تعالى
وقال إن الشيطان ليقنع من الإنسان بأن ينقله من طاعة إلى طاعة ليفسخ عزمه بذلك
وقال ينبغي للسالك أنه متى حضر له أنه يعقد على أمر ويعاهد الله تعالى عليه أن يترك ذلك الأمر إلى أن يجيء وقته فإن يسر الله تعالى فعله فعله وإن لم ييسر الله فعله يكون مخلصا من نكث العهد ولا يكون متصفا بنقض الميثاق
____________________
(2/165)


ومن نظم الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى - قوله
( بين التذلل والتدلل نقطة ** فيها يتيه العالم النحرير )
( هي نقطة الأكوان إن جاوزتها ** كنت الحكيم وعلمك الإكسير )
وقوله أيضا رحمه الله
( يا درة بيضاء لاهوتية ** قد ركبت صدفا من الناسوت )
____________________
(2/166)


( جهل البسيطة قدرها لشقائهم ** وتنافسوا في الدر والياقوت )
وحكى العماد بن النحاس الأطروش أنه كان في سفح جبل قاسيون على مستشرف وعنده الشيخ محيي الدين والغيث والسحاب عليهم ودمشق ليس عليها شيء قال فقلت للشيخ أما ترى هذه الحال فقال كنت بمراكش وعندي ابن خروف الشاعر يعني أبا الحسن علي بن محمد القرطبي القبذاقي وقد اتفق الحال مثل هذه فقلت له مثل هذه المقالة فأنشدني
( يطوف السحاب بمراكش ** طواف الحجيج ببيت الحرم )
( يروم نزولا فلا يستطيع ** لسفك الدماء وهتك الحرم )
وحكى المقريزي في ترجمة سيدي عمر بن الفارض - أفاض الله علينا من أنواره - أن الشيخ محيي الدين بن العربي بعث إلى سيدي عمر يستأذنه في شرح التائية فقال كتابك المسمى بالفتوحات المكية شرح لها انتهى
وقال بعض من عرف به إنه لما صنف الفتوحات المكية كان يكتب كل يوم ثلاث كراريس حيث كان وحصلت له بدمشق دنيا كثيرة فما ادخر منها شيئا وقيل إن صاحب حمص رتب له كل يوم مائة درهم وابن الزكي كل يوم ثلاثين درهما فكان يتصدق بالجميع واشتغل الناس بمصنفاته ولها ببلاد اليمن والروم صيت عظيم وهو من عجائب الزمان وكان يقول أعرف الكيمياء بطريق المنازلة لا بطريق الكسب
ومن نظمه
____________________
(2/166)


( حقيقتي همت بها ** وما رآها بصري )
( ولو رآها لغدا ** قتيل ذاك الحور )
( فعندما أبصرتها ** صرت بحكم النظر )
( فبت مسحورا بها ** أهيم حتى السحر )
( يا حذري من حذري ** لو كان يغني حذري )
( والله ما هيمني ** جمال ذاك الخفر )
( في حسنها من ظبية ** ترعى بذات الخمر ) إذا رنت أو عطفت ** تسبي عقول البشر )
( كأنما أنفاسها ** أعراف مسك عطر )
( كأنها شمس الضحى ** في النور أو كالقمر )
( إن أسفرت أبرزها ** نور صباح مسفر )
( أو سدلت غيبها ** سواد ذاك الشعر )
( يا قمرا تحت دجى ** خذي فؤادي وذري )
( عيني لكي أبصركم ** إذ كان حظي نظري )
وقال الخويي قال الشيخ سيدي محيي الدين بن عربي رضي الله تعالى عنه رأيت بعض الفقهاء في النوم في رؤيا طويلة فسألني كيف حالك مع أهلك فقلت
( إذا رأت أهل بيتي الكيس ممتلئا ** تبسمت ودنت مني تمازحني )
( وإن رأته خليا من دراهمه ** تجهمت وانثنت عني تقابحني )
فقال لي صدقت كلنا ذلك الرجل
وذكر الإمام العالم بالله تعالى لسان الحقيقة وشيخ الطريقة صفي الدين
____________________
(2/167)

حسين بن الإمام العلامة جمال الدين أبي الحسن علي ابن الإمام مفتي الأنام كمال الدين أبي منصور ظافر الأزدي الأنصاري رضي الله تعالى عنه في رسالته الفريدة المحتوية على من رأى من سادات مشايخ عصره بعد كلام ما صورته ورأيت بدمشق الشيخ الإمام العارف الوحيد محيي الدين بن عربي وكان من أكبر علماء الطريق جمع بين سائر العلوم الكسبية وما وفر له من العلوم الوهبية ومنزلته شهيرة وتصانيفه كثيرة وكان غلب عليه التوحيد علما وخلقا وحالا لا يكترث بالوجود بالوجود مقبلا كان أو معرضا وله علماء أتباع أرباب مواجيد وتصانيف وكان بينه وبين سيدي الأستاذ الحرار إخاء ورفقة في السياحات رضي الله تعالى عنهما في الآصال والبكرات ومن نظم سيدي الشيخ محيي الدين رضي الله تعالى عنه قوله
( يا من يراني ولا أراه ** كم ذا أراه ولا يراني )
قال رحمه الله تعالى قال لي بعض إخواني لما سمع هذا البيت كيف تقول إنه لا يراك وأنت تعلم أنه يراك فقلت له مرتجلا 7
( يا من يراني مجرما ** ولا أراه آخذا )
( كم ذا أراه منعما ** ولا يراني لائذا )
قلت من هذا وشبهه تعلم أن كلام الشيخ رحمه الله تعالى مؤول وأنه لا يقصد ظاهره وإنما له محامل تليق به وكفاك شاهدا هذه الجزئية الواحدة فأحسن الظن به ولا تنتقد بل اعتقد وللناس في هذا المعنى كلام كثير والتسليم أسلم والله سبحانه بكلام أوليائه أعلم
ومن النظم المنسوب لمحاسن الشيخ سيدي محيي الدين رضي الله تعالى عنه في ضابط ليلة القدر
____________________
(2/168)


( وإنا جميعا إن نصم يوم جمعة ** ففي تاسع العشرين خذ ليلة القدر )
( وإن كان يوم السبت أول صومنا ** فحادي وعشرين اعتمده بلا عسر )
( وإن كان صوم الشهر في أحد فخذ ** ففي سابع العشرين ما شئت فاستقري )
( وإن هل بالاثنين فاعلم بأنه ** يواتيك نيل الوجد في تاسع العشر )
( ويوم الثلاثا إن بدا الشهر فاعتمد ** على خامس العشرين فاعمل بها تدري )
( وفي الأربعا إن هل يا من يرومها ** فدونك فاطلب وصلها سابع العشر )
( ويوم خميس إن بدا الشهر فاجتهد ** ففي ثالث العشرين تظفر بالنصر )
( وضابطها بالقول ليلة جمعة ** توافيك بعد النصف في ليلة الوتر )
قلت لست على يقين من نسبة هذا النظم إلى الشيخ رحمه الله تعالى فإن نفسه أعلى من هذا النظم ولكني ذكرته لما فيه من الفائدة ولأن بعض الناس نسبه إليه فالله تعالى أعلم بحقيقة ذلك ومما نسبه إليه رحمه الله تعالى غير واحد قوله
( قلبي قطبي وقالبي أجفاني ** سري خضري وعينه عرفاني )
( روحي هرون وكليمي موسى ** نفسي فرعون والهوى هاماني )
وذكر بعض الثقات أن هذين البيتين يكتبان لمن به القولنج في كفه ويلحسهما فإنه يبرأ بإذن الله تعالى قال وهو من المجربات
وقد تأول بعض العلماء قول الشيخ رحمه الله تعالى بإيمان فرعون أن مراده بفرعون النفس بدليل ما سبق وحكى في ذلك حكاية عن بعض الأولياء ممن كان ينتصر للشيخ رحمه الله تعالى
____________________
(2/169)


وولد للشيخ محيي الدين - رحمه الله تعالى - ابنه محمد المدعو سعد الدين بملطية في رمضان سنة 618 وسمع الحديث ودرس وقال الشعر الجيد
وله ديوان شعر مشهور وتوفي بدمشق سنة 656 سنة دخل هولاكو بغداد وقتل الخليفة المستعصم ودفن المذكور عند والده بسفح قاسيون وكان قدم القاهرة وسكن حلبا ومن شعره
( لما تبدى عارضاه في نمط ** قيل ظلام بضياء اختلط )
( وقيل سطر الحسن في خديه خط ** وقيل نمل فوق عاج انبسط )
( وقيل مسك فوق ورد قد نقط ** وقال قوم إنها اللام فقط حكاية عن ابن جزى )
قلت تذكرت بهذا ما قاله الكاتب أبو عبد الله بن جزي الأندلسي كاتب سلطان المغرب أبي عنان حين تنازع الكتاب أرباب الأقلام والرؤساء أصحاب السيوف في تشبيه العذار وقالت كل فرقة لا نشبهه إلا بما هو مناسب لصنعتنا فلما فرغوا قال ابن جزي
( أتى أولو الكتب والسيف الأولى عزموا ** من بعد سلمي على حربي وإسلامي )
____________________
(2/170)


( بكل معنى بديع في العذار على ** ما تقتضي منهم أفكار أحلامي )
( فقال ذو الكتب لا أرضى المحارب في ** تشبيهه لا وأنقاسي وأقلامي )
( وقال ذو الحرب لا أرضى الكتائب في ** تشبيهه ومظلاتي وأعلامي )
( فقلت أجمع بين المذهبين معا ** باللام فاستحسنوا التشبيه باللام )
وهذه الغاية التي لا تدرك مع البديهة ولزوم ما لا يلزم
رجع - ومن نظم سعد الدين قوله
( سهري من المحبوب أصبح مرسلا ** وأراه متصلا بفيض مدامع )
( قال الحبيب بأن ريقي نافع ** فاسمع رواية مالك عن نافع )
ومن نظمه أيضا قوله
( وقالوا قصير شعر من قد هويته ** فقلت دعوني لا أرى منه مخلصا )
( محياه شمس قد علت غصن قده ** فلا عجب للظل أن يتقلصا )
وقوله
( ورب قاض لنا مليح ** يعرب عن منطق لذيذ )
( إذا رمانا بسهم لحظ ** قلنا له دائم النفوذ )
وقوله
( لك والله منظر ** قل فيه المشارك )
( إن يوما تكون فيه ** ليوم مبارك )
____________________
(2/171)


ومن نظمه أيضا ما كتب به إلى أخيه عماد الدين أبي عبد الله محمد بن الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي أفاض الله تعالى علينا من فتوحاته قوله
( ما للنوى رقة ترثي لمكتئب ** حران في قلبه والدمع في حلب )
( قد أصبحت حلب ذات العماد بكم ** وجلق إرم هذا من العجب )
وتوفي الشيخ عماد الدين بالصالحية سنة 667 ودفن بسفح قاسيون عند والده بتربة القاضي ابن الزكي رحم الله تعالى الجميع
وابن الزكي أيضا محيي الدين
ومن نظم سعد الدين المذكور في وسيم رآه بالزيادة في دمشق
( يا خليلي في الزيادة ظبي ** سلبت مقلتاه جفني رقاده )
( كيف أرجو السلو عنه وطرفي ** ناظر حسن وجهه في الزياده )
وله
( علقت صوفيا كبدر الدجى ** لكنه في وصلي الزاهد )
( يشهد وجدي بغرامي له ** فديت صوفيا له شاهد )
وله أيضا
( صبوت إلى حريري مليح ** تكرر نحو منزله مسيري )
( أقول له ألا ترثي لصب ** عديم للمساعد والنصير )
( أقام ببابكم خمسين شهرا ** فقال كذا مقامات الحريري )
وله
( وغزال من اليهود أتاني ** زائرا من كنيسه أو كناسه )
____________________
(2/172)


( بت أجني الشقيق من وجنتيه ** وأشم العبير من أنفاسه )
( واعتنقنا إذ لم نخف من رقيب ** وأمنا الوشاة من حراسه )
( من رآني يظنني لنحولي ** واصفراري علامة فوق راسه )
وله
( لي حبيب بالنحو أصبح مغرى ** فهو مني بما أعانيه أدرى )
( قلت ماذا تقول حين تنادي ** يا حبيبي المضاف نحوك جهرا )
( قال لي يا غلام أو يا غلامي ** قلت لبيك ثم لبيك عشرا )
وله أيضا
( ساءلتني عن لفظة لغوية ** فأجبت مبتدئا بغير تفكر )
( خاطبتني متبسما فرأيتها ** من نظم ثغرك في صحاح الجوهري )
وله
( وعلمت أن من الحديد فؤاده ** لما انتضى من مقلتيه مهندا )
( آنست من وجدي بجانب خده ** نارا ولكن ما وجدت بها هدى ) رجع إلى الشيخ محيي الدين
وقال الشيخ محيي الدين - أفاض الله تعالى علينا من أنواره وكسانا بعض حلل أسراره - إنه بلغني في مكة عن امرأة من أهل بغداد أنها تكلمت في بأمور عظيمة فقلت هذه قد جعلها الله تعالى سببا لخير وصل إلي فلأكافئنها وعقدت في نفسي أن أجعل جميع ما اعتمرت في رجب لها ففعلت ذلك فلما كان الموسم استدل علي رجل غريب فسأله الجماعة عن قصده فقال رأيت بالينبع في الليلة التي بت فيها كأن آلافا من الإبل أوقارها المسك والعنبر والجوهر
____________________
(2/173)

فعجبت من كثرته ثم سألت لمن هو فقيل هو لمحمد بن عربي يهديه إلى فلانة وسمى تلك المرأة ثم قال وهذا بعض ما تستحق قال سيدي ابن عربي فلما سمعت الرؤيا واسم المرأة ولم يكن أحد من خلق الله تعالى علم مني ذلك علمت أنه تعريف من جانب الحق وفهمت من قوله إن هذا بعض ما تستحق أنها مكذوب عليها فقصدت المرأة وقلت اصدقيني وذكرت لها ما كان من ذلك فقالت كنت قاعدة قبالة البيت وأنت تطوف فشكرك الجماعة الذين كنت فيهم فقلت في نفسي اللهم إني أشهدك أني قد وهبت له ثواب ما أعمله في يوم الاثنين وفي يوم الخميس وكنت أصومهما وأتصدق فيهما قال فعلمت أن الذي وصل مني إليها بعض ما تستحق فإنها سبقت بالجميل والفضل للمتقدم
ومن نظم الشيخ محيي الدين بن عربي رحمه الله تعالى
( يا غاية السؤل والمأمول يا سندي ** شوقي إليك شديد لا إلى أحد )
( ذبت اشتياقا ووجدا في محبتكم ** فآه من طول شوقي آه من كمدي )
( يدي وضعت على قلبي مخافة أن ** ينشق صدري لما خانني جلدي )
( ما زال يرفعها طورا ويخفضها ** حتى وضعت يدي الأخرى تشد يدي )
وحكى سبط ابن الجوزي عن الشيخ محيي الدين أنه كان يقول إنه يحفظ الاسم الأعظم ويقول إنه يعرف السيميا بطريق التنزل لا بطريق التكسب انتهى والله تعالى أعلم والتسليم أسلم
ومن نظم الشيخ محيي الدين قوله
( ما فاز بالتوبة إلا الذي ** قد تاب قدما والورى نوم )
( فمن يتب أدرك مطلوبه ** من توبة الناس ولا يعلم )
وله رحمه الله تعالى من المحاسن ما لا يستوفى
____________________
(2/174)


وأنشدني لنفسه بدمشق صاحبنا الصوفي الشيخ محمد بن سعد الكلشني - حفظه الله تعالى - قوله شيخنا الحاتمي . . . ( الأبيات ) وأنشدني لنفسه :
( أمولاي محيي الدين أنت الذي بدت ** علومك في الآفاق كالغيث مذ همى )
( كشفت معاني كل علم مكتم ** وأوضحت بالتحقيق ما كان مبهما )
وبالجملة فهو حجة الله الظاهرة وآيته الباهرة ولا يلتفت إلى كلام من تكلم فيه ولله در السيوطي الحافظ فإنه ألف تنبيه الغبي على تنزيه ابن عربي ومقام هذا الشيخ معلوم والتعريف به يستدعي طولا وهو أظهر من نار على علم
وكان بالمغرب يعرف بابن العربي بالألف واللام واصطلح أهل المشرق على ذكره بغير ألف ولام فرقا بينه وبين القاضي أبي بكر بن العربي
وقال ابن خاتمة في كتابه مزية المرية ما نصه محمد بن علي بن محمد الطائي الصوفي من أهل إشبيلية وأصله من مرسية يكنى أبا بكر ويعرف بابن العربي وبالحاتمي أيضا أخذ عن مشيخة بلده ومال إلى الآداب وكتب لبعض الولاة بالأندلس ثم رحل إلى المشرق حاجا فأدى الفريضة ولم يعد بعدها إلى الأندلس وسمع الحديث من أبي القاسم الحرستاني ومن غيره وسمع صحيح مسلم من الشيخ أبي الحسن بن أبي نصر في شوال سنة 606 وكان يحدث بالإجازة العامة عن أبي طاهر السلفي ويقول بها وبرع في علم التصوف وله في ذلك تواليف كثيرة منها الجمع والتفصيل في حقائق التنزيل و الجذوة المقتبسة والخطرة المختلسة وكتاب كشف المعنى في تفسير الأسماء الحسنى وكتاب المعارف الإلهية وكتاب الإسر
____________________
(2/175)

إلى المقام الأسرى وكتاب مواقع النجوم ومطالع أهلة أسرار العلوم وكتاب عنقاء مغرب في صفة ختم الأولياء وشمس المغرب وكتاب في فضائل مشيخة عبد العزيز بن أبي بكر القرشي المهدوي والرسالة الملقبة بمشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية في كتب أخر عديدة وقدم على المرية من مرسية مستهل شهر رمضان سنة خمس وتسعين وخمسمائة وبها ألف كتابه الموسوم بمواقع النجوم انتهى
ولا خفاء أن مقام الشيخ عظم بعد انتقاله من المغرب وقد ذكر رحمه الله تعالى في بعض كتبه أن مولده بمرسية
وفي الكتاب المسمى بالاغتباط بمعالجة ابن الخياط تأليف شيخ الإسلام قاضي القضاة مجد الدين محمد بن يعقوب بن محمد الشيرازي الفيروزابادي الصديقي صاحب القاموس قدس الله تعالى روحه الذي ألفه بسبب سؤال سئل فيه عن الشيخ سيدي محيي الدين بن عربي الطائي قدس الله تعالى سره العزيز في كتبه المنسوبة إليه ما صورته
ما تقول السادة العلماء شد الله تعالى بهم أزر الدين ولم بهم شعث المسلمين في الشيخ محيي الدين بن عربي في كتبه المنسوبة إليه كالفتوحات والفصوص هل تحل قراءتها وإقراؤها ومطالعتها وهل هي الكتب المسموعة المقروءة أم لا أفتونا مأجورين جوابا شافيا لتحوزوا جميل الثواب من الله الكريم الوهاب والحمد لله وحده
فأجابه بما صورته الحمد لله اللهم أنطقنا بما فيه رضاك الذي أعتقده في حال المسؤول عنه وأدين الله تعالى به أنه كان شيخ الطريقة حالا وعلما وإمام الحقيقة حقيقة ورسما ومحيي رسوم المعارف فعلا واسما
( إذا تغلغل فكر المرء في طرف ** من بحره غرقت فيه خواطره )
وهو عباب لا تكدره الدلاء وسحاب لا تتقاصر عنه الأنواء وكانت
____________________
(2/176)

دعواته تخترق السبع الطباق وتفترق بركاته فتملأ الآفاق وإني أصفه وهو يقينا فوق ما وصفته وناطق بما كتبته وغالب ظني أني ما أنصفته
( وما علي إذا ما قلت معتقدي ** دع الجهول يظن العدل عدوانا )
( والله والله والله العظيم ومن ** أقامه حجة للدين برهانا )
( بأن ما قلت بعض من مناقبه ** ما زدت إلا لعلي زدت نقصانا )
وأما كتبه ومصنفاته فالبحار الزواخر التي لجواهرها وكثرتها لا يعرف لها أول ولا آخر ما وضع الواضعون مثلها وإنما خص الله سبحانه بمعرفة قدرها أهلها ومن خواص كتبه أن من واظب على مطالعتها والنظر فيها وتأمل ما في مبانيها انشرح صدره لحل المشكلات وفك المعضلات وهذا الشأن لا يكون إلا لأنفاس من خصه الله تعالى بالعلوم اللدنية الربانية ووقفت على إجازة كتبها للملك المعظم فقال في آخرها وأجزته أيضا أن يروي عني مصنفاتي ومن جملتها كذا وكذا حتى عد نيفا وأربعمائة مصنف منها التفسير الكبير الذي بلغ فيه إلى تفسير سورة الكهف عند قوله تعالى { وعلمناه من لدنا علما } [ الكهف 65 ] وتوفي ولم يكمل وهذا التفسير كتاب عظيم كل سفر بحر لا ساحل له ولا غرو فإنه صاحب الولاية العظمى والصديقية الكبرى فيما نعتقد وندين الله تعالى به وثم طائفة في الغي حائفة يعظمون عليه النكير وربما بلغ بهم الجهل إلى حد التفكير وما ذاك إلا لقصور أفهامهم عن إدراك مقاصد أقواله وأفعاله ومعانيها ولم تصل أيديهم لقصرها إلى اقتطاف مجانيها
( علي نحت القوافي من معادنها ** وما علي إذا لم تفهم البقر )
هذا الذي نعلم ونعتقد وندين الله تعالى به في حقه والله سبحانه وتعالى أعلم وصورة استشهاده كتب محمد الصديقي الملتجىء إلى حرم الله تعالى
____________________
(2/177)

عفا الله عنه
وأما احتجاجه بقول شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام شيخ مشايخ الشافعية فغير صحيح بل كذب وزور فقد روينا عن شيخ الإسلام صلاح الدين العلائي عن جماعة من المشايخ كلهم عن خادم الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه قال كنا في مجلس الدرس بين يدي الشيخ عز الدين بن عبد السلام فجاء في باب الردة ذكر لفظة الزنديق فقال بعضهم هل هي عربية أو عجمية فقال بعض الفضلاء إنما هي فارسية معربة أصلها زن دين أي على دين المرأة وهو الذي يضمر الكفر ويظهر الإيمان فقال بعضهم مثل من فقال آخر إلى جانب الشيخ مثل ابن عربي بدمشق فلم ينطق الشيخ ولم يرد عليه قال الخادم وكنت صائما ذلك اليوم فاتفق أن الشيخ دعاني للإفطار معه فحضرت ووجدت منه إقبالا ولطفا فقلت له يا سيدي هل تعرف القطب الغوث الفرد في زماننا فقال مالك ولهذا كل فعرفت أنه يعرفه فتركت الأكل وقلت له لوجه الله تعالى عرفني به من هو فتبسم رحمه الله تعالى وقال لي الشيخ محيي الدين بن عربي فأطرقت ساكتا متحيرا فقال مالك فقلت يا سيدي قد حرت قال لم قلت أليس اليوم قال ذلك الرجل إلى جانبك ما قال في ابن عربي وأنت ساكت فقال اسكت ذلك مجلس الفقهاء هذا الذي روي لنا بالسند الصحيح عن شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام
وأما قول غيره من أضراب الشيخ عز الدين فكثير كان الشيخ كمال الدين الزملكاني من أجل مشايخ الشام أيضا يقول ما أجهل هؤلاء ينكرون على الشيخ محيي الدين بن عربي لأجل لأجل كلمات وألفاظ وقعت في كتبه قد قصرت أفهامهم عن درك معانيها فليأتوني لأحل لهم مشكله وأبين لهم مقاصده بحيث يظهر لهم الحق ويزول عنهم الوهم
وهذا القطب سعد الدين الحموي سئل عن الشيخ محيي الدين بن عربي لما
____________________
(2/178)

رجع من الشام إلى بلاده كيف وجدت ابن عربي فقال وجدته بحرا زخارا لا ساحل له
وهذا الشيخ صلاح الدين الصفدي له كتاب جليل وضعه في تاريخ علماء العالم في مجلدات كثيرة وهي موجودة في خزانة السلطان تنظر في باب الميم ترجمة محمد بن عربي لتعرف مذاهب أهل العلم الذين باب صدورهم مفتوح لقبول العلوم اللدنية والمواهب الربانية
وقوله في شيء من الكتب المصنفة كالفصوص وغيره إنه صنفه بأمر من الحضرة الشريفة النبوية وأمره بإخراجه إلى الناس قال الشيخ محيي الدين الذهبي حافظ الشام ما أظن المحيي يتعمد الكذب أصلا وهو من أعظم المنكرين وأشدهم على طائفة الصوفية
ثم إن الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى كان مسكنه ومظهره بدمشق وأخرج هذه العلوم إليهم ولم ينكر عليه أحد شيئا من ذلك وكان قاضي القضاة الشافعية في عصره شمس الدين أحمد الخويي يخدمه خدمة العبيد وقاضي القضاة المالكية زوجه بابنته وترك القضاء بنظرة وقعت عليه من الشيخ
وأما كراماته ومناقبه فلا تحصرها مجلدات وقول المنكرين في حق مثله غثاء وهباء لا يعبأ به والحمد لله تعالى انتهى ما نقلته من كلام العارف بالله تعالى سيدي عبد الوهاب الشعراني رضي الله تعالى عنه
وقد حكى الشيخ رضي الله تعالى عنه عن نفسه في كتبه ما يبهر الألباب وكفى بذلك دليلا على ما منحه الله الذي يفتح لمن شاء الباب وقد اعتنى بتربته بصالحية دمشق سلاطين بني عثمان نصرهم الله تعالى على توالي الأزمان وبنى عليه السلطان المرحوم سليم خان المدرسة العظيمة ورتب له الأوقاف وقد زرت قبره وتبركت به مرارا ورأيت لوائح الأنوار عليه
____________________
(2/179)

ظاهرة ولا يجد منصف محيدا إلى إنكار ما يشاهد عند قبره من الأحوال الباهرة وكانت زيارتي له بشعبان ورمضان وأول شوال سنة 1037
وقال في عنوان الدراية إن الشيخ محيي الدين كان يعرف بالأندلس بابن سراقة وهو فصيح اللسان بارع فهم الجنان قوي على الإيراد كلما طلب الزيادة يزاد رحل إلى العدوة ودخل بجاية في رمضان سنة 597 وبها لقي أبا عبد الله العربي وجماعة من الأفاضل ولما دخل بجاية في التاريخ المذكور قال رأيت ليلة أني نكحت نجوم السماء كلها فما بقي منها نجم إلا نكحته بلذة عظيمة روحانية ثم لما كملت نكاح النجوم أعطيت الحروف فنكحتها ثم عرضت رؤياي هذه على من قصها على رجل عارف بالرؤيا بصير بها وقلت للذي عرضتها عليه لا تذكرني فلما ذكر الرؤيا استعظمها وقال هذا هو البحر الذي لا يدرك قعره صاحب هذه الرؤيا يفتح الله تعالى له من العلوم العلوية وعلوم الأسرار وخواص الكواكب ما لا يكون فيه أحد من أهل زمانه ثم سكت ساعة وقال إن كان صاحب هذه الرؤيا في هذه المدينة فهو ذاك الشاب الأندلسي الذي وصل إليها
ثم قال صاحب العنوان ما ملخصه إن الشيخ محيي الدين رحل إلى المشرق واستقرت به الدار وألف تواليفه وفيها ما فيها إن قيض الله تعالى من يسامح ويتأول سهل المرام وإن كان ممن ينظر بالظاهر فالأمر صعب وقد نقد عليه أهل الديار المصرية وسعوا في إراقة دمه فخلصه الله تعالى على يد الشيخ أبي الحسن البجائي فإنه سعى في خلاصه وتأول كلامه ولما وصل إليه بعد خلاصه قال له الشيخ رحمه الله تعالى كيف يحبس من حل منه اللاهوت في الناسوت فقال له يا سيدي تلك شطحات في محل سكر ولا عتب على سكران
وتوفي الشيخ محيي الدين في نحو الأربعين وستمائة وكان يحدث بالإجازة العامة عن السلفي رحمه الله تعالى انتهى
____________________
(2/180)

ومن موشحات الشيخ محيي الدين رضي الله تعالى عنه قوله
( سرائر الأعيان ** لاحت على الأكوان ** للناظرين )
( والعاشق الغيران ** من ذاك في بحران ** يبدي الأنين ) دور
( يقول والوجد ** أضنا هـ والبعد ** قد حيره )
( لما دنا البعد ** لم أدر من بعد ** من غيره )
( وهيم العبد ** والواحد الفرد ** قد خيره )
( في البوح والكتمان ** والسر والإعلان ** في العالمين )
( أنا هو الديان ** يا عابد الأوثان ** أنت الضنين )
( كل الهوى صعب ** على الذي يشكو ذل الحجاب )
( يا من له قلب ** لو أنه يذكو ** عند الشباب )
( قربه الرب ** لكنه إفك ** فانو المتاب )
( وناد يا رحمن ** يا بر يا منان ** إني حزين )
( أضناني الهجران ** ولا حبيب دان ** ولا معين )
( فنيت بالله ** عما تراه العين ** من كونه )
( في موقف الجاه ** وصحت أين الأين ** في بينه )
( فقال يا ساهي ** عاينت قط عين ** بعينه )
( أما ترى غيلان ** وقيس أو من كان ** في الغابرين )
( قالوا الهوى سلطان ** إن حل بالإنسان ** أفناه دين )
____________________
(2/181)


( كم مرة قالا ** أنا الذي أهوى ** من هو أنا )
( فلا أرى حالا ** ولا أرى شكوى ** إلا الفنا )
( لست كمن مالا ** عن الذي يهوى ** بعد الجنى )
( ودان بالسلوان ** هذا هو البهتان ** للعارفين )
( سلوهم ما كان ** عن حضرة الرحمن ** والآفكين )
( دخلت في بستان الأنس ** والقرب ** كمكنسه )
( فقام لي الريحان ** يختال بالعجب ** في سندسه )
( أنا هو يا إنسان ** مطيب الصب ** في مجلسه )
( جنان يا جنان ** اجن من البستان ** الياسمين ) و
( حلل الريحان ** بحرمة الرحمن ** للعاشقين )
وقال الإمام الصفي بن ظافر الأزدي في رسالته رأيت بدمشق الشيخ الإمام العارف الوحيد محيي الدين بن عربي وكان من أكبر علماء الطريق جمع بين سائر العلوم الكسبية وما وفر له من العلوم الوهبية ومنزلته شهيرة وتصانيفه كثيرة وكان غلب عليه التوحيد علما وخلقا وحالا لا يكترث بالوجود مقبلا كان أو معرضا وله علماء أتباع أرباب مواجيد وتصانيف وكان بينه وبين سيدي الأستاذ الحرار إخاء ورفقة في السياحات رضي الله تعالى عنهما انتهى
وذكر الإمام سيدي عبد الله بن سعد اليافعي اليمني في الإرشاد أنه اجتمع مع الشهاب السهروردي فأطرق كل واحد منهما ساعة ثم افترقا من غير كلام فقيل للشيخ ابن عربي ما تقول في السهروردي فقال مملوء سنة من قرنه إلى قدمه وقيل للسهروردي ما تقول في الشيخ محيي
____________________
(2/182)

الدين فقال بحر الحقائق 9
ثم قال اليافعي ما ملخصه إن بعض العارفين كان يقرأ عليه كلام الشيخ ويشرحه فلما حضرته الوفاة نهى عن مطالعته وقال إنكم لا تفهمون معاني كلامه ثم قال اليافعي وسمعت أن العز بن عبد السلام كان يطعن عليه ويقول هو زنديق فقال له بعض أصحابه أريد أن تريني القطب أو قال وليا فأشار إلى ابن عربي فقال له فأنت تطعن فيه فقال أصون ظاهر الشرع أو كما قال
وأخبرني بهذه الحكاية غير واحد من ثقات مصر والشام ثم قال وقد مدحه وعظمه طائفة كالنجم الأصبهاني والتاج بن عطاء الله وغيرهما وتوقف فيه طائفة طعن فيه آخرون وليس الطاعن فيه بأعلم من الخضر عليه السلام إذ هو أحد شيوخه وله معه اجتماع كثير
ثم قال وما ينسب إلى المشايخ له محامل الأول أنه لم تصح نسبته إليهم الثاني بعد الصحة يلتمس له تأويل موافق فإن لم يوجد له تأويل في الظاهر فله تأويل في الباطن لم نعلمه وإنما يعلمه العارفون الثالث أن يكون ذلك صدر منهم في حال السكر والغيبة والسكران سكرا مباحا غير مؤاخذ ولا مكلف انتهى ملخصا
وممن ذكر الشيخ محيي الدين الإمام شمس الدين محمد بن مسدي في معجمه البديع المحتوي على ثلاث مجلدات وترجمه ترجمة عظيمة مطولة أذكر منها أنه قال إنه كان ظاهري المذهب في العبادات باطني النظر في الاعتقادات خاض بحر تلك العبارات وتحقق بمحيا تلك الإشارات وتصانيفه تشهد له عند أولي البصر بالتقدم والإقدام ومواقف النهايات في مزالق الأقدام ولهذا ما ارتبت في أمره والله تعالى أعلم بسره انتهى
ونقلت من خط ابن علوان التونسي رحمه الله تعالى قال الشيخ محيي الدين
____________________
(2/183)