Advertisement

نفح الطيب 003



نفخ الطيب من غصن الأندلس الرطيب
أحمد بن محمد المقري التلمساني
سنة الولادة 986/ سنة الوفاة
تحقيق د. إحسان عباس
الناشر دار صادر
سنة النشر 1388هـ
مكان النشر بيروت
عدد الأجزاء 8
( بالمال ينقاد كل صعب ** من عالم الأرض والسماء )
( يحسبه عالم حجابا ** لم يعرفوا لذة العطاء )
( ولولا الذي في النفوس منه ** لم يجب الله في الدعاء )
( لا تحسب المال ما تراه ** من عسجد مشرق لراء )
( بل هو ما كنت يا بني ** به غنيا عن السواء )
( فكن برب العلا غنيا ** وعامل الخلق بالوفاء )
وقال
( نبه على السر ولا تفشه ** فالبوح بالسر له مقت )
( على الذي يبديه فاصبر له ** واكتمه حتى يصل الوقت )
وقال
( قد ثاب غلماننا علينا ** فما لنا في الوجود قدر )
( أذنابنا صيرت رؤوسا ** مالي على ما أراه صبر )
( هذا هو الدهر يا خليلي ** فمن يقاسيه فهو قهر )
ونظم الشيخ محيي الدين هو البحر الذي لا ساحل له
ولنختم ما أوردنا منه بقوله
( يا حبذا المسجد من مسجد ** وحبذا الروضة من مشهد )
( وحبذا طيبة من بلدة ** فيها ضريح المصطفى أحمد )
( صلى عليه الله من سيد ** لولاه لم نفلح ولم نهتد )
( قد قرن الله به ذكره ** في كل يوم فاعتبر ترشد )
( عشر خفيات وعشر إذا ** أعلن بالتأذين في المسجد )
( فهذه عشرون مقرونة ** بأفضل الذكر إلى الموعد )
____________________
(2/184)


114 - ومنهم الصوفي الشهير أبو الحسن علي الششتري وهو علي بن عبد الله النميري عروس الفقهاء وإمير المتجردين وبركة لابسي الخرقة وهو من قرية ششتر من عمل وادي آش وزقاق الششتري معلوم بها وكان مجودا للقرآن قائما عليه عارفا بمعانيه من أهل العلم والعمل جال الآفاق ولقي المشايخ وحج حجات وآثر التجرد والعبادات وذكره القاضي أبو العباس الغبريني في عنوان الدراية فقال الفقيه الصوفي من الطلبة المحصلين والفقراء المنقطعين له علم بالحكمة ومعرفة بطريق الصوفية وتقدم في النظم والنثر على طريقة التحقيق وأشعاره وموشحاته وأزجاله الغاية في الانطباع
أخذ عن القاضي محيي الدين محمد بن إبراهيم بن الحسن بن سراقة الأنصاري الشاطبي وغيره من أصحاب السهروردي صاحب عوارف المعارف واجتمع بالنجم بن إسرائيل الدمشقي سنة 650 وخدم أبا محمد بن سبعين وتلمذ له وكان ابن سبعين دونه في السن لكن اشتهر باتباعه وعول على ما لديه حتى صار يعبر عن نفسه في منظوماته وغيرها بعبد ابن سبعين وقال له لما لقيه - يريد المشايخ - إن كنت تريد الجنة فسر إلى أبي مدين وإن كنت تريد رب الجنة فهلم إلي ولما مات أبو محمد انفرد بعده بالرئاسة والإمامة على الفقراء المتجردين فكان يتبعه في أسفاره ما ينيف على أربعمائة فقير فينقسمهم الترتيب في وظائف خدمته صنف كتبا منها كتاب العروة الوثقى في بيان السنن وإحصاء العلوم وما يجب على المسلم أن يعمله ويعتقده إلى وفاته وله كتاب المقاليد الوجودية في أسرار الصوفية و الرسالة القدسية في توحيد العامة والخاصة و المراتب
____________________
(2/185)

الإيمانية والإسلامية والإحسانية و الرسالة العلمية وغير ذلك وله ديوان شعر مشهور ومن نظمه قوله رحمه الله تعالى
( لقد تهت عجبا بالتجرد والفقر ** فلم أندرج تحت الزمان ولا الدهر )
( وجاءت لقلبي نفحة قدسية ** فغبت بها عن عالم الخلق والأمر )
( طويت بساط الكون والطي نشره ** وما القصد إلا الترك للطي والنشر )
( وغمضت عين القلب غير مطلق ** فألفيتني ذاك الملقب بالغير )
( وصلت لمن لم تنفصل عنه لحظة ** ونزهت من أعني عن الوصل والهجر )
( وما الوصف إلا دونه غير أنني ** أريد به التشبيب عن بعض ما أدري )
( وذلك مثل الصوت أيقظ نائما ** فأبصر أمرا جل عن ضابط الحصر )
( فقلت له الأسماء تبغي بيانه ** فكانت له الألفاظ سترا على ستر )
وقال
( من لامني لو أنه قد أبصرا ** ما ذقته أضحى به متحيرا )
( وغدا يقول لصحبه إن أنتم ** أنكرتم ما بي أتيتم منكرا )
( شذت أمور القوم عن عاداتهم ** فلأجل ذاك يقال سحر مفترى )
وقال وهي من أشهر ما قال
( أرى طالبا منا الزيادة لا الحسنى ** بفكر رمى سهما فعدى به عدنا )
( وطالبنا مطلوبنا من وجودنا ** نغيب به عنا لدى الصعق إن عنا )
وهي طويلة مشهورة بالشرق والغرب وقد شرحها شيخ شيوخ شيوخنا
____________________
(2/186)

العارف بالله تعالى سيدي أحمد زروق نفعنا الله تعالى ببركاته وأشار ابن الخطيب في الإحاطة إلى أنها لا تخلو عن شذوذ من جهة اللسان وضعف في العربية قال ومع ذلك فهي غريبة المنزع أشار فيها إلى مراتب الأعلام من أهل هذه الطريقة وكأنها مبنية على كلام شيخه الذي خاطبه به عند لقائه حسبما قدمناه إذ الحسنى الجنة والزيادة مقام النظر وقوله فيها
( وأظهر منها الغافقي لنا جنى ** وكشف عن أطواره الغيم والدجنا ) هو شيخه أبو محمد بن سبعين لأنه مرسي الأصل غافقيه
ولما وصل الششتري من الشام إلى ساحل دمياط وهو مريض مرض موته نزل قرية بساحل البحر الرومي فقال ما اسم هذه القرية فقيل الطينة فقال حنت الطينة إلى الطينة وأوصى أن يدفن بمقبرة دمياط إذ الطينة بمفازة وأقرب المدن إليها دمياط فحمله الفقراء على أعناقهم إلى دمياط
وكانت وفاته يوم الثلاثاء سابع عشر صفر سنة 668 فدفن بدمياط رحمه الله تعالى ورضي عنه
115 - ومنهم سيدي أبو الحسن علي بن أحمد الحرالي الأندلسي وحرالة قرية من أعمال مرسية غير أنه ولد بمراكش وأخذ بالأندلس عن أبي الحسن بن خروف وغير واحد ورحل إلى المشرق فأخذ عن أبي عبد الله القرطبي إمام الحرم وغيره ولقي جلة من المشايخ شرقا وغربا
وهو إمام ورع صالح زاهد كان بقية السلف وقدوة الخلف وقد زهد في الدنيا وتخلى عنها وأقام في تفسير الفاتحة نحوا من ستة أشهر يلقي في التعليل قوانين تتنزل في علم التفسير منزلة أصول الفقه من الأحكام حتى من الله تعالى ببركات ومواهب لا تحصى وعلى أحكام تلك القوانين
____________________
(2/187)

وضع كتابه مفتاح اللب المقفل على فهم القرآن المنزل وهو ممن جمع العلم والعمل وصنف في كثير من الفنون كالأصلين والمنطق والطبيعيات والإلهيات وكان يقرىء النجاة لابن سينا فينقضه عروة عروة وكان من أعلم الناس بمذهب مالك ولما ظن فقهاء عصره أنه لا يحسن المذهب لاشتغاله بالمعقولات أقرأ التهذيب وأبدى فيه الغرائب وبين مخالفته للمدونة في بعض المواضع ووقع بينه وبين الشيخ عز الدين بن عبد السلام شيء وطلب عز الدين أن يقف على تفسيره فلما وقف عليه قال أين قول مجاهد أين قول فلان وفلان وكثر القول في هذا المعنى ثم قال يخرج من بلادنا إلى وطنه يعني الشام فلما بلغ كلامه الشيخ قال هو يخرج وأقيم أنا فكان كذلك وله عدة مؤلفات في الفنون وقال رحمه الله تعالى أقمت ملازما لمجاهدة النفس سبعة أعوام حتى استوى عندي من يعطيني دينارا ومن يزدريني وأصبح - رحمه الله تعالى - ذات يوم ولا شيء لأهله يقيمون به أودهم وكانت أم ولده جارية تسمى كريمة وكانت سيئة الخلق فاشتدت عليه في الطلب وقالت له إن الأصاغر لا شيء لهم فقال الآن يأتي من قبل الوكيل ما نتقوت به فبينما هم كذلك وإذا بالحمال يضرب الباب ومعه قمح فقال لها يا كريمة ما أعجلك هذا الوكيل بعث بالقمح فقالت ومن يصنعه فأمر فتصدق به ثم قال لها يأتيك ما هو أحسن منه فانتظرت يسيرا وبدا لها فتكلمت بما لا يليق فبينما هم كذلك وإذا بحمال سميذ فقال لها هذا السميذ أيسر وأسهل من القمح فلم يقنعها ذلك فأمر أيضا بصدقته فلما تصدق به زادت في المقال وإذا برجل على رأسه طعام فقال لها يا كريمة قد كفيت المؤونة هذا الوكيل قد علم بحالك
ومن كراماته أن بعض طلبته اجتمعوا في نزهة وأخذوا حليا من زينة النساء فزينوا به بعض أصحابهم فلما انقضى ذلك واجتمعوا بمجلس الشيخ صار الذي كان في يده الحلي يتحدث ويشير بيده فقال الشيخ يد يجعل
____________________
(2/188)

فيها الحلي لا يشار بها في الميعاد
ومنها أنه أصاب الناس جدب ببجاية فأرسل إلى داره من يسوق ماء إلى الفقراء فامتنعت كريمة ونهرت رسله فسمع كلامها فقال للرسول قل لها يا كريمة والله لأشربن من ماء المطر الساعة فرمق السماء بطرفه ودعا الله سبحانه وتعالى ورفع يده به وشرع المؤذن في الأذان ولم يختم المؤذن أذانه حتى كان المطر كأفواه القرب وتوفي رحمه الله تعالى بحماة من بلاد الشام سنة سبع وثلاثين وستمائة انتهى ملخصا من عنوان الدراية للغبريني ووقع للذهبي في حقه كلام على عادته في الحط على هذه الطائفة ثم قال ورأيت شيخنا المجد التونسي يتغالى في تفسيره ورأيت غير واحد معظما له وقوما تكلموا في عقيدته وكان نازلا عند قاضي حماة البارزي وقال لنا شرف الدين البارزي تزوج بحماة وكانت زوجته تشتمه وتؤذيه وهو يتبسم وإن رجلا راهن جماعة على أن يحرجه فقالوا لا تقدر فأتى وهو يعظ وصاح وقال له أنت أبوك كان يهوديا وأسلم فنزل من الكرسي فاعتقد الرجل أنه غضب وأنه تم له ما رامه حتى وصل إليه فخلع مرطيه عليه وأعطاه إياهما وقال له بشرك الله بالخير لأنك شهدت لأبي أنه كان مسلما انتهى
وظاهر كلام الغبريني أن تفسير الشيخ الحرالي كامل وقال بعض إنه لم يكمل وهو تفسير حسن وعليه نسج البقاعي مناسباته وذكر أن الذي وقف عليه منه من أول القرآن إلى قوله في سورة آل عمران { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا } [ آل عمران 37 ]
____________________
(2/189)


وكلام الذهبي في الشيخ يرده كلام الغبريني إذ هو أعرف به والله تعالى أعلم
وحكى الغبريني أنه أنشد بين يديه الزجل المشهور
( جنان يا جنان ** اجن من البستان ** الياسمين )
( واترك الريحان ** بحرمة الرحمن ** للعاشقين )
فسأل بعض عن معناه فقال بعض الحاضرين أراد به العذار وقال آخر إنما أشار إلى دوام العهد لأن الأزهار كلها ينقضي زمانها إلا الريحان فإنه دائم فاستحسن الشيخ هذا أو وافق عليه
116 - ومنهم ولي الله العارف به الشيخ الشهير الكرامات الكبير المقامات سيدي أبو العباس المرسي نفعنا الله تعالى به وهو من أكابر الأولياء صحب سيدي الشيخ - الفرد القطب الغوث الجامع سيدي أبا الحسن الشاذلي أعاد الله تعالى علينا من بركاته وخلفه بعده وكان قدم من الأندلس من مرسية وقبره بالإسكندرية مشهور بإجابة الدعوات وقد زرته مرارا كثيرة ودعوت الله عنده بما أرجو قبوله
وقد عرف به الشيخ العارف بالله ابن عطاء الله في كتابه لطائف المنن في مناقب الشيخ سيدي أبي العباس وشيخه سيدي أبي الحسن رضي الله تعالى عنهما
وقال الصفدي في الوافي أحمد بن عمر بن محمد الشيخ الزاهد الكبير العارف أبو العباس الأنصاري المرسي وارث شيخه الشاذلي تصوفا الأشعري معتقدا
____________________
(2/190)

توفي بالإسكندرية سنة 686 ولأهل مصر ولأهل الثغر فيه عقيدة كبيرة وقد زرته لما كنت بالإسكندرية سنة 738 قال ابن عرام سبط الشاذلي ولولا قوة اشتهاره وكراماته لذكرت له ترجمة طويلة كان من الشهود بالثغر انتهى وكان سيدي أبو العباس يكرم الناس على نحو رتبهم عند الله تعالى حتى إنه ربما دخل عليه مطيع فلا يحتفل به وربما دخل عليه عاص فأكرمه لأن ذلك الطائع أتى وهو متكثر لعمله ناظر لفعله وذلك العاصي دخل بكسر معصيته وذلة مخالفته وكان شديد الكراهة للوسواس في الصلاة والطهارة ويثقل عليه شهود من كان على صفته وذكر عنده يوما شخص بأنه صاحب علم وصلاح إلا أنه كثير الوسوسة فقال وأين العلم العلم هو الذي ينطبع في القلب كالبياض في الأبيض والسواد في الأسود
وله كلام بديع في تفسير القرآن العزيز فمن ذلك أنه قال قال الله سبحانه وتعالى { الحمد لله رب العالمين } [ الفاتحة 2 ] علم الله عجز خلقه عن حمده فحمد نفسه بنفسه في أزله فلما خلق الخلق اقتضى منهم أن يحمدوه بحمده فقال { الحمد لله رب العالمين } أي الحمد الذي حمد به نفسه بنفسه هو له لا ينبغي أن يكون لغيره فعلى هذا تكون الألف واللام للعهد وقال في قوله تعالى { إياك نعبد وإياك نستعين } إياك نعبد شريعة وإياك نستعين حقيقة إياك نعبد إسلام وإياك نستعين إحسان إياك نعبد عبادة وإياك نستعين عبودية إياك نعبد فرق وإياك نستعين جمع وله في هذا المعنى وغيره كلام نفيس يدل على عظيم ما منحه الله سبحانه من العلوم اللدنية وقال رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى { اهدنا الصراط المستقيم } بالتثبيت فيما هو حاصل والإرشاد لما ليس بحاصل وهذا
____________________
(2/191)

الجواب ذكره ابن عطية في تفسيره وبسطه الشيخ رضي الله تعالى عنه فقال عموم المؤمنين يقولون { اهدنا الصراط المستقيم } معناه نسألك التثبيت فيما هو حاصل والإرشاد لما ليس بحاصل فإنهم حصل لهم التوحيد وفاتهم درجات الصالحين والصالحون يقولون { اهدنا الصراط المستقيم } معناه نسألك التثبيت فيما هو حاصل والإرشاد لما ليس بحاصل لأنهم حصل لهم الصلاح وفاتهم درجات الشهداء والشهيد يقول { اهدنا الصراط المستقيم } أي بالتثبيت فيما هو حاصل والإرشاد لما ليس بحاصل فإنه حصلت له درجة الشهادة وفاته درجة الصديقية والصديق كذلك يقول { اهدنا الصراط المستقيم } إذ حصلت له درجة الصديقية وفاتته درجة القطب والقطب كذلك يقول { اهدنا الصراط المستقيم } فإنه حصلت له رتبة القطبانية وفاته علم إذا شاء الله تعالى أن يطلعه عليه أطلعه
وقال رضي الله تعالى عنه الفتوة الإيمان قال الله سبحانه وتعالى { إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى } [ الكهف 13 ] وقال رضي الله تعالى عنه في قوله سبحانه وتعالى حاكيا عن الشيطان { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم } الآية [ الأعراف 17 ] ولم يقل من فوقهم ولا من تحتهم لأن فوقهم التوحيد وتحتهم الإسلام وقال رضي الله تعالى عنه التقوى في كتاب الله عز وجل على أقسام تقوى النار قال الله سبحانه وتعالى { واتقوا النار } [ آل عمران 131 ] وتقوى اليوم قال الله تعالى { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } [ البقرة 281 ] وتقوى الربوبية قال الله تعالى { يا أيها الناس اتقوا ربكم } [ الحج 1 لقمان 23 ] وتقوى الألوهية { واتقوا الله } المائدة : 4 ، 7 ، 8 ، 11 وتقوى الإنية { واتقون يا أولي الألباب } [ البقرة الآية 197 ] وقال رضي الله تعالى عنه في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم ولا فخر أي لا أفتخر بالسيادة وإنما الفخر لي بالعبودية لله وكان كثيرا ما ينشد
____________________
(2/192)


( يا عمرو ناد عبد زهراء ** يعرفه السامع والرائي )
( لا تدعني إلا بيا عبدها ** فإنه أشرف أسمائي )
وقال رضي الله تعالى عنه في قول سمنون المحب
( ليس لي في سواك حظ ** فكيفما شئت فاختبرني )
الأولى أن يقول فكيفما شئت فاعف عني إذ طلب العفو أولى من طلب الاختبار
وقال رضي الله تعالى عنه الزاهد جاء من الدنيا إلى الآخرة والعارف جاء من الآخرة إلى الدنيا وقال رضي الله تعالى عنه العارف لا دنيا له لأن دنياه لآخرته وآخرته لربه وقال الزاهد غريب في الدنيا لأن الآخرة وطنه والعارف غريب في الآخرة قال بعض العارفين معنى الغربة في كلام الشيخ رضي الله تعالى عنه أن الزاهد يكشف له عن ملك الآخرة فتبقى الآخرة موطن قلبه ومعشش روحه فيكون غريبا في الدنيا إذ ليست وطنا لقلبه عاين الآخرة فأخذ قلبه فيما عاين من ثوابها ونوالها وفيما شهد من عقوبتها ونكالها فتغرب في هذه الدار وأما العارف فإنه غريب في الآخرة إذ كشف له عن صفات معروفة فأخذ قلبه فيما هناك فصار غريبا في الآخرة لأن سره مع الله تعالى بلا أين فهؤلاء العباد تصير الحضرة معشش قلوبهم إليها يأوون وفيها يسكنون فإن تنزلوا إلى سماء الحقوق أو أرض الخصوص فبالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين فلم ينزلوا إلى الخصوص لشهوة ولم يصعدوا إلى الحقوق بسوء الأدب والغفلة بل كانوا في ذلك كله بآداب الله تعالى وآداب رسله وأنبيائه متأدبين وبما اقتضى منهم مولاهم عاملين رضي الله تعالى عنهم ونفعنا بهم آمين
____________________
(2/193)

وكلام سيدي الشيخ أبي العباس رضي الله تعالى عنه بحر لا ساحل له وكراماته كذلك وليراجع كتاب تلميذه ابن عطاء الله فإن فيه من ذلك ما يشفي ويكفي وما بقي أكثر ومن كراماته رضي الله تعالى عنه أنه عزم عليه إنسان وقدم إليه طعاما يختبره به فأعرض عنه ولم يأكله ثم التفت إلى صاحب الطعام وقال له إن الحارث المحاسبي رضي الله تعالى عنه كان في أصبعه عرق إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة تحرك عليه وأنا في يدي سبعون عرقا تتحرك علي إذا كان مثل ذلك فاستغفر صاحب الطعام واعتذر إلى الشيخ رضي الله تعالى عنه ونفعنا به
117 - ومنهم أبو إسحاق الساحلي المعروف بالطويجن - بضم الطاء المهملة وفتح الواو وسكون الياء التحتية وكسر الجيم وقيل بفتحها - العالم المشهور والصالح المشكور والشاعر المذكور من أهل غرناطة من بيت صلاح وثروة وأمانة وكان أبوه أمين العطارين بغرناطة وكان مع أمانته من أهل العلم فقيها متفننا وله الباع المديد في الفرائض
وأبو إسحاق هذا كان في صغره موثقا بسماط شهود غرناطة وارتحل عن الأندلس إلى المشرق فحج ثم سار إلى بلاد السودان فاستوطنها ونال جاها مكينا من سلطانها وبها توفي رحمه الله تعالى انتهى ملخصا من كلام الأمير ابن الأحمر في كتابه نثير الجمان فيمن نظمني وإياه الزمان
وقال أبو المكارم منديل بن آجروم حدثني من يوثق بقوله أن أبا إسحاق الطويجن كانت وفاته يوم الاثنين 27 جمادى الأخيرة سنة 747 بتنبكتو
____________________
(2/194)

موضع بالصحراء من عمالة مالي رحمه الله تعالى ثم ضبط الطويجن بكسر الجيم قال وبذلك ضبطه بخط يده رحمه الله تعالى قال ومن نسبه للساحلي فإنه نسبه لجده للأم انتهى
118 - ومنهم الشيخ الأديب الفاضل المعمر ضياء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف بن عفيف الخزرجي الساعدي من أهل غرناطة ويشهر بالخزرجي مولده ببيغة رحل عن الأندلس قديما واستقر أخيرا بالإسكندرية وبها لقيه الحافظ ابن رشيد غير مرة وقد أطال في رحلته في ترجمته إلى أن قال وذكرنا صاحبنا أبو حيان وهو أحد من أخذ عنه ولقيه فقال تلا القرآن بالأندلس على أبي الوليد هشام بن واقف المقرىء وسمع بها من أبي زيد الفازازي العشرينيات وسمع بمكة من شهاب الدين السهروردي صاحب عوارف المعارف وتلا بالإسكندرية على أبي القاسم بن عيسى ولا يعرف له نظم في أحد من العالم إلا في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شعره يعارض الحريري
( أهن لأهل البدع ** والهجر والتصنع ** ودن بترك الطمع )
( ولذ بأهل الورع ** )
( وعد عن كل بذي ** لم يكترث بالنبذ ** والهج ببر جهبذ )
( وعالم متضع ** )
( واندب زمانا قد سلف ** ولم تجد منه خلف ** وابعث بأنواع الأسف )
( رسائل التضرع ** )
____________________
(2/195)


وهي طويلة فلتراجع ترجمته في ملء العيبة لابن رشيد رحمه الله تعالى
119 - ومنهم الفقيه الجليل العارف النبيل الحاذق الفصيح البارع أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر الشهير بابن سبعين العكي المرسي الأندلسي ويلقب من الألقاب المشرقية بقطب الدين
قال الشيخ المؤرخ ابن عبد الملك درس العربية والآداب بالأندلس ثم انتقل إلى سبتة وانتحل التصوف وعكف برهة على مطالعة كتبه والتكلم على معانيها فمالت إليه العامة ثم رحل إلى المشرق وحج حججا وشاع ذكره وعظم صيته وكثر أشياعه وصنف أوضاعا كثيرة تلقوها منه ونقلوها عنه ويرمى بأمور الله تعالى أعلم بها وبحقيقتها وكان حسن الأخلاق صبورا على الأذى آية في الإيثار انتهى وقال غير واحد إن أغراض الناس فيه متباينة بعيدة عن الاعتدال فمنهم المرهق المكفر ومنهم المقلد المعظم الموقر وحصل بهذين الطرفين من الشهرة والاعتقاد والنفرة والانتقاد ما لم يقع لغيره والله تعالى أعلم بحقيقة أمره ولما ذكر الشريف الغرناطي عنه أنه كان يكتب عن نفسه ابن يعني الدارة التي هي كالصفر وهي في بعض طرق المغاربة في حسابهم سبعون وشهر لذلك بابن دارة - ضمن فيه البيت المشهور
( محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا ** )
____________________
(2/196)

حسبما ذكره الشريف في شرح مقصورة حازم وقد طال عهدي به فليراجعه من ظفر به وقال صاحب درة الأسلاك في سنة 669 ما صورته وفيها توفي الشيخ قطب الدين أبو محمد عبد الحق بن سبعين المرسي صوفي متفلسف متزهد متقشف يتكلم على طريق أصحابه ويدخل البيت ولكن من غير أبوابه شاع أمره واشتهر ذكره وله تصانيف وأتباع وأقوال يميل إليها بعض القلوب وتملها بعض الأسماع وكانت وفاته بمكة المشرفة عن نحو خمسين سنة تغمده الله تعالى برحمته انتهى وقال بعض الأعلام في حق ابن سبعين إنه كان رحمه الله تعالى عزيز النفس قليل التصنع يتولى خدمة الكثير من الفقراء والسفارة أصحاب العبادات والدفافيس بنفسه ويحفون به في السكك ولما توفرت دواعي النقد عليه من الفقهاء كثر عليه التأويل ووجهت لألفاظه المعاريض وفليت موضوعاته وتعاورته الوحشة وجرت بينه وبين الكثير من أعلام المشرق والمغرب خطوب يطول ذكر ووقع في رسالة لبعض تلامذة ابن سبعين المذكور وأظن اسمه يحيى
____________________
(2/197)

بن أحمد بن سليمان وسماها بالوراثة المحمدية والفصول الذاتية ما صورته فإن قيل ما الدليل على أن هذا الرجل الذي هو ابن سبعين هو الوارث المشار إليه قلنا عدم النظير واحتياج الوقت إليه وظهور الكلمة المشار إليها عليه ونصيحته لأهل الملة ورحمته المطلقة للعالم المطلق ومحبته لأعدائه وقصده لراحتهم مع كونهم يقصدون أذاه وعفوه عنهم مع قدرته عليهم وجذبهم إلى الخير مع كونهم يطلبون هلاكه وهذه كلها من علامات الوراثة والتبعية المحضة التي لا يمكن أحدا أن يتصف بها إلا بمجد أزلي وتخصيص إلهي وها أنا أصف لك بعض ما خصه الله سبحانه وتعالى به من الأمور التي هي خارقة للعادة ونلغي عن الأمور الخفية التي لا نعلمها ونقصد الأمور الظاهرة التي نعلمها والتي لا يمكن أحدا أن يستريب فيها إلا من أصمه الله تعالى وأعماه ولا يجحدها إلا حسود قد أتعب الله تعالى قلبه وأنساه رشده ونعوذ بالله ممن عاند من الله تعالى مساعده ومؤيده وهو معه بنصره وعونه فما أتعب معانده وما أسعد موادده وما أكبت مرادده فنبدأ بذكر ما وعدنا فنقول أول ما ذكر في شرفه واستحقاقه لما ذكرنا كونه خلقه الله تعالى من أشرف البيوت التي في بلاد المغرب وهم بنو سبعين قرشيا هاشميا علويا وأبواه وجدوده يشار إليهم ويعول في الرئاسة والحسب والتعين عليهم والثاني كونه من بلاد المغرب والنبي عليه الصلاة والسلام قال لا يزال أهل المغرب ظاهرين إلى قيام الساعة وما ظهر من بلاد المغرب رجل أظهر منه فهو المشار إليه بالحديث ثم نقول أهل المغرب أهل الحق وأحق الناس بالحق وأحق المغرب بالحق علماؤه لكونهم القائمين بالقسط وأحق علمائه بالحق محققهم وقطبهم الذي يدور الكل عليه ويعول في مسائلهم ونوازلهم السهلة والعويصة عليه فهو حق المغرب والمغرب حق الله تعالى والملة حق العالم فهو المشار إليه بالوراثة ثم نقول أهل المغرب ظاهرون على الحق
____________________
(2/198)

أي على الدين والحق سر الدين والمحقق سر الحق فالمحقق سر الدين فهو المشار إليه بالوراثة ثم نقول أهل الله خير العالم وأهل الحق هم خير أهل الله والمحقق خير أهل الحق فالمحقق خير العالم فهو المشار إليه ثم نقول انظر في بدايته وحفظ القديم له في صغره وضبطه له من اللهو واللعب وإخراجه من اللذة الطبيعية التي هي في جبلة البشرية وتركه للرئاسة العرضية المعول عليها عند العالم مع كونه وجدها في آبائه وهي الآن في إخوته وخروجه عن الأهل والوطن الذي قرنه الحق مع قتل الإنسان نفسه وانقطاعه إلى الحق انقطاعا صحيحا تعلم تخصيصه وخرقه للعادة ثم انظر في تأيده وفتحه من الصغر وتأليف كتاب بدء العارف وهو ابن خمس عشرة سنة وفي جلالة هذا الكتاب وكونه يحتوي على جميع الصنائع العلمية والعملية وجميع الأمور السنية والسنية تجده خارقا للعادة وفي نشأته في بلاد الأندلس ولم يعلم له كثرة نظر وظهوره فيها بالعلوم التي لم تسمع قط تعلم أنه خارق للعادة وفي تواليفه واشتمالها على العلوم كلها ثم انفرادها وغرابتها وخصوصيتها بالتحقيق الشاذ عن أفهام الخلق تعلم بأنه مؤيد بروح القدس وفي شجاعته وقوة توكله في عزمه ونصره لصنائعه وظهور حجته على خصمائه وإقامة حقه وبرهانه وفصاحة كلامه وبيان سلطانه تعلم أن ذلك بقوة إلهية وعناية ربانية وفي امتحان أهل المغرب له واجتماعهم عليه في كل بلد معتبر للمناظرة ويظهر الله تعالى حجته ويقمع خصمه ويكبت عدوه ويعجز معارضه ويفحم معترضه وفي غيرة الحق عليه وهلاك من تعرض بالأذى إليه - يعلم العاقل المخصوص أنه عند الله مخصوص وفي خلقه وقهره لقواه النزوعية والغضبية وإسلام قرينه وجلالة قوته الحافظة التي لا تنسى شيئا والمفكرة التي تتصور الذوات المجردة والمعلومة أسر عين الطيف
____________________
(2/199)

وكذلك الذاكرة وسرعة ظهوره وانتشار رايته واستجلاب ثنائه في الجهات كلها وبالجملة جميع ما ذكرت هو فيه خارق للعادة البشرية ومعجز لمعارضه من كل الجهات ولولا خوف التطويل لكنت أفصل كل صفة ذكرت فيه بالكلام الصناعي ونقيم الأدلة القطعية على تعجيزها ولكن أعطيت الأنموذج وعرفت أن النبيه يمعن فكره ويجد ذلك كما قلته
وبالجملة جميع جزئياته إذا تؤملت توجد خارقة للعادة وتشهد لها ماهية الوجود بالتخصيص فصح أنه هو المشار إليه والمعول في جملة الأمور عليه وإنما أعطيت الأمر المشهور وتركت ما يعلم منه من خرق العوائد في ظهور الطعام والشراب والسمن والتمر وأخذ الدراهم من الكون وإخباره عن وقائع قبل وقوعها بسنين كثيرة وظهرت كما أخبر فصح أنه هو المذكور انتهى ما تعلق به الغرض مما في الرسالة في شأن الشيخ ابن سبعين وقد ذكر غير واحد من المؤرخين - ومنهم لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة كما سيأتي قريبا - أن ابن سبعين عاقه الخوف من أمير المدينة عن القدوم إليها فعظم عليه بذلك الحمل وقبحت الأحدوثة عنه انتهى لكن قال شهاب الدين بن أبي حجلة التلمساني الأديب الشهير وهو صاحب كتاب السكردان وديوان الصبابة ومنطق الطير والاعتراض على العارف بالله تعالى ابن الفارض ما معناه أخبرني الشيخ الصالح أبو الحسن بن برغوش التلمساني شيخ المجاورين بمكة وكانت له معرفة تامة بهذا الرجل أنه صده عن زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قرب من باب من أبواب مسجد المدينة على ساكنها الصلاة والسلام يهرق منه دم كدم الحيض والله تعالى أعلم بحقيقة أمره انتهى وقال غيره نعم زار النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيا على طريق المشاة حدث بذلك أصهاره بمكة انتهى
____________________
(2/200)


وقال لسان الدين أما شهرته ومحله من الإدراك والآراء والأوضاع والأسماء والوقوف على الأقوال والتعمق في الفلسفة والقيام على مذاهب المتكلمين فما يقضى منه العجب وقال الشيخ أبو البركات بن الحاج البلفيقي رحمه الله تعالى حدثني بعض أشياخنا من أهل المشرق أن الأمير أبا عبد الله بن هود سالم طاغية النصارى فنكث به ولم يف بشرطه فاضطره ذلك إلى مخاطبة القس الأعظم برومية فوكل أبا طالب بن سبعين أخا أبي محمد عبد الحق بن سبعين في التكلم عنه والاستظهار بين يديه قال فلما بلغ ذلك الشخص رومية وهو بلد لا يصل إليه المسلمون ونظر إلى ما بيده وسئل عن نفسه فأخبر بما ينبغي كلم ذلك القس من دنا منه بكلام معجم ترجم لأبي طالب بما معناه اعلموا أن أخا هذا ليس للمسلمين اليوم أعلم بالله منه انتهى وقال غير واحد اشتهرت عنه أشياء كثيرة الله تعالى أعلم باستحقاقه رتبة ما ادعاه منها فمنها قوله - فيما زعموا - وقد جرى ذكر الشيخ ولي الله سيدي أبي مدين نفعنا الله تعالى ببركاته شعيب عبد عمل ونحن عبيد حضرة وممن حكى هذا لسان الدين في الإحاطة وقد ذكر ابن خلدون في تاريخه الكبير في ترجمة السلطان المستنصر بالله تعالى أبي عبد الله محمد ابن السلطان زكريا بن عبد الواحد بن أبي حفص ملك إفريقية وما إليها أن أهل مكة بايعوه وخطبوا له بعرفة وأرسلوا له بيعتهم
____________________
(2/201)

وهي من إنشاء ابن سبعين وسردها ابن خلدون بجملتها وهي طويلة وفيها من البلاغة والتلاعب بأطراف الكلام ما لا مطمح وراءه غير أنه يشير فيها إلى أن المستنصر هو المهدي المبشر به في الأحاديث الذي يحثو المال ولا يعده وحمل حديث مسلم وغيره عليه وذلك ما لا يخفى ما فيه فليراجع كلام ابن خلدون في محله ولابن سبعين من رسالة سلام عليك ورحمة الله سلام عليك ثم سلام مناجاتك سلام الله ورحمة الله الممتدة على عوالمك كلها السلام عليك يا أيها النبي ورحمة الله تعالى وبركاته وصلى الله عليك كصلاة إبراهيم من حيث شريعتك وكصلاة أعز ملائكتك من حيث حقيقتك وكصلاته من حيث حقه ورحمانيته السلام عليك يا حبيب الله السلام عليك يا قياس الكمال ومقدمة العلم ونتيجة الحمد وبرهان المحمود ومن إذا نظر الذهن إليه قرأ { نعم العبد } [ سورة ص 30 ] السلام عليك يا من هو الشرط في كمال الأولياء وأسرار مشروطات الأذكياء الأتقياء السلام عليك يا من جاوز في السموات مقام الرسل والأنبياء وزادك رفعة واستعلاء على ذوات الملإ الأعلى وذكر قوله تعالى { سبح اسم ربك الأعلى } [ الأعلى 1 ]
وقال بعضهم عند إيراده جملة من رسائله التي منها هذه إنها تشتمل على ما يشهد له بتعظيم النبوة وإيثار الورع انتهى وقال بعض العلماء الأكابر عند تعرضه لترجمة الشيخ ابن سبعين المترجم به ما نصه ببعض اختصار هو أحد المشايخ المشهورين بسعة العلم وتعدد المعارف وكثرة التصانيف ولد سنة 614 ودرس العربية والأدب بالأندلس ونظر في العلوم العقلية وأخذ عن أبي إسحاق بن دهاق وبرع في طريقه وجال في البلاد وقدم القاهرة ثم حج واستوطن مكة وطار صيته وعظم أمره وكثر أتباعه حتى إنه تلمذ له أمير مكة فبلغ من التعظيم الغاية وله كتاب الدرج وكتاب السفر وكتاب الأبوية اليمنية وكتاب الكد
____________________
(2/202)

وكتاب الإحاطة ورسائل كثيرة في الأذكار وترتيب السلوك والوصايا والمواعظ والغنائم
ومن شعره
( كم ذا تموه بالشعبين والعلم ** والأمر أوضح من نار على علم )
( وكم تعبر عن سلع وكاظمة ** وعن زرود وجيران بذي سلم )
( ظللت تسأل عن نجد وأنت بها ** وعن تهامة هذا فعل متهم )
( في الحي حي سوى ليلى فتسأله ** عنها سؤالك وهم جر للعدم )
ونشأ رحمه الله تعالى ترفا مبجلا في ظل جاه ونعمة لم تفارق معها نفسه البأو وكان وسيما جميلا ملوكي البزة عزيز النفس قليل التصنع وكان آية من الآيات في الإيثار والجود بما في يده رحمه الله تعالى وقال في الإحاطة للناس في أمره اختلاف بين الولاية وضدها ولما وجه إلى كلامه سهام الناقدين قصر أكثرهم عن مداه في الإدراك والخوض في تلك البحار والاطلاع وساءت منهم في الممازجة له السيرة فانصرفوا عنه مكلومين يبذرون عنه في الآفاق من سوء القالة ما لا شيء فوقه وجرت بينه وبين أعلام المشرق خطوب ثم نزل مكة وعاقه الخوف من أمير المدينة
____________________
(2/203)

المعظمة عن الدخول إليها إلى أن توفي فعظم بذلك الحمل عليه
وقبحت الأحدوثة عنه ولما وردت على سبتة المسائل الصقلية - وكانت جملة من المسائل الحكمية وجهها علماء الروم تبكيتا للمسلمين - انتدب للجواب المقنع عنها على فتاء من سنه وبديهة من فكرته رحمه الله تعالى انتهى وقال بعض من عرف به إنه من أهل مرسية وله علم وحكمة ومعرفة ونباهة وبراعة وفصاحة وبلاغة وقال في عنوان الدراية رحل إلى العدوة وسكن ببجاية مدة ولقي من أصحابنا ناسا وأخذوا عنه وانتفعوا به في فنون خاصة له مشاركة في معقول العلوم ومنقولها وله فصاحة لسان وطلاقة قلم وفهم جنان وهو أحد الفضلاء وله أتباع كثيرة من الفقراء ومن عامة الناس وله موضوعات كثيرة هي موجودة بأيدي أصحابه وله فيها ألغاز وإشارات بحروف أبجد وله تسميات مخصوصة في كتبه من نوع الرموز وله تسميات ظاهرة هي كالأسامي المعهودة وله شعر في التحقيق وفي مراقي أهل الطريق وكتابته مستحسنة في طريق الأدباء وله من الفضل والمزية ملازمته لبيت الله الحرام والتزامه الاعتمار على الدوام وحجه مع الحجاج في كل عام وهذه مزية لا يعرف قدرها ولا يرام ولقد مشى به للمغاربة في الحرم الشريف حظ لم يكن لهم في غير مدته وكان أهل مكة يعتمدون على أقواله ويهتدون بأفعاله
توفي رحمه الله تعالى يوم الخميس تاسع شوال سنة 669 انتهى ببعض اختصار
____________________
(2/204)

وذكر رحمه الله تعالى في ترجمة تلميذه الشيخ أبي الحسن الششتري السابق الذكر أن أكثر الطلبة يرجحونه على شيخه أبي محمد بن سبعين وإذا ذكر له هذا يقول إنما ذلك لعدم اطلاعهم على حال الشيخ وقصور طباعهم ومن تآليف ابن سبعين الفتح المشترك رجع إلى الششتري
ومما حكاه صاحب عنوان الدراية في ترجمة الششتري - مما لم نذكره في ترجمته الماضية ورأينا ذكره هنا تبركا أن الششتري كان في بعض أسفاره في البرية وكان رجل من أصحابه قد أسر فسمعه الفقراء يقول إلينا يا أحمد فقيل له من أحمد الذي ناديته يا سيدي في هذه البرية فقال لهم من تسرون به غدا إن شاء الله تعالى فلما كان من الغد ورد الشيخ وأصحابه بلدة قابس فعند دخولهم إذا بالرجل المأسور فقال الشيخ للفقراء هنيئا لنا باقتحام العقبة صافحوا أخاكم المنادى به ومن مناقبه - نفع الله تعالى به - أنه لما نزل بلدة قابس برباط البحر المعروف بمسجد الصهريج جاءه الشيخ الصالح أبو إسحاق الزرناني نفع الله تعالى به بجميع أصحابه برسم الزيارة فوافق وصوله وصول الشيخ الصالح الفاضل الولي أبي عبد الله الصنهاجي - نفع الله تعالى به - مع جملة أصحابه للزيارة فوجدوا الشيخ أبا الحسن قد خرج إلى موضع بخارج المدينة برسم الخلوة فجلسوا لانتظاره فلم يكن إلا قليل إذ أقبل الشيخ على هيئة معتبر متفكر فلما دخل الرباط سلم على الواصلين برسم الزيارة وحيا المسجد وأقبل على الفقراء وأثر العبرة على وجنته فقال ائتوني بمداد
____________________
(2/205)

فلما أحضر بين يديه تأوه تأوها شديدا كاد أن يحرق بنفسه جليسه وجعل يكتب فى لوح هذه الأبيات
( لا تلتفت بالله يا ناظري ** لأهيف كالغصن الناضر )
( يا قلب واصرف عنك وهم البقا ** وخل عن سرب حمى حاجر )
( ما السرب والبان وما لعلع ** ما الخيف ما ظبي بني عامر )
( جمال من سميته داثر ** ما حاجة العاقل بالداثر )
( وإنما مطلبه في الذي ** هام الورى من حسنه الباهر )
( أفاد للشمس سنى كالذي ** أعاره للقمر الزاهر )
( أصبحت فيه مغرما حائرا ** لله در المغرم الحائر )
وكانوا يوما ببلد مالقة وكثيرا ما يجود عليه القرآن العزيز فقرأ طالب قوله تعالى { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } فقال معجلا رضي الله تعالى عنه وفهم من الآية ما لم يفهم وعلم منها ما لم يعلم
( انظر للفظ أنا يا مغرما فيه ** من حيث نظرتنا لعل تدريه )
( خل ادخارك لا تفخر بعارية ** لا يستعير فقير من مواليه )
( جسوم أحرفه للسر حاملة ** إن شئت تعرفه جرب معانيه )
ودخل عليه شخص ببجاية من أهلها يعرف بأبي الحسن بن علال من أهل الأمانة والديانة فوجده يذاكر بعض أهل العلم فاستحسن منه إيراده للعلم واستعماله للمحاضرة الفهم فاعتقد شياخته وتقديمه ثم نوى أن يؤثر الفقراء من ماله بعشرين دينارا شكرا لله تعالى ويأتيهم بمأكول فلما يسر جيمع ما اهتم به أراد أن يقسمه فيعطيه شطره ويدع الشطر الثاني إلى حين انصراف الشيخ
____________________
(2/206)

ليكون للفقراء زادا فلما كان في الليل رأى في منامه النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما قال الرجل فنهضت إليه بسرور رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وقلت يا رسول الله ادع الله تعالى لي فالتفت لأبي بكر رضي الله تعالى عنه وقال يا أبا بكر أعطه فإذا به رضي الله عنه قسم رغيفا كان بيده وأعطاني نصفه ثم أفاق الرجل من منامه وأخذه وجد من هذه الرؤيا المباركة فأيقظ أهله واستعمل نفسه في العبادة فلما كان من الغد سار وأتى الشيخ ببعض الطعام ونصف الدراهم المحتسب بها فلما دفعها للشيخ قال له الشيخ يا علي اقرب فلما قرب قال له يا علي لو أتيت بالكل لأخذت منه الرغيف بكماله انتهى
120 ومنهم أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الشهير بابن غصن الأشبيلي من ولد شداد بن أوس الأنصاري الجزيري نسبة إلى الجزيرة الخضراء الإمام المقري الزاهد عرض على الأستاذ ابن أبي الربيع الموطأ من حفظه وأخذ عنه النحو وكان من أولياء الله تعالى الصالحين وعباده الناصحين آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر قوالا بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم عارفا بمتون الحديث وأحكامه فقيها متقنا لمذاهب الأئمة الأربعة والصحابة والتابعين لا يقبل من أحد شيئا مخلصا لله تعالى يتكلم على المنبر على عادة أهل العلم من تعليم المسائل الدينية وأقرأ القرآن بمكة مدة بالقراءات وبالمدينة وبيت المقدس وممن قرأ عليه خليل إمام المالكية بالحرم والشهاب الطبري إمام الحنفية بالحرم وله مصنفات في القراءات منها مختصر الكافي وكتاب في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ومولده سنة 631 تخمينا
____________________
(2/207)


( وقفوا عند قبره ساعة الدفن ** وقوفا ضرورة الامتثال )
( ومددنا الأكف نطلب قصرا ** مسكنا للنزيل من ذي الجلال )
( آخر الآي من سبأ الحظ منه ** حظه جاء أول الأنفال )
( يا بيان الإعراب يا جامع الإغراب ** يا مفهما لكل مقال )
( يا فريد الزمان في النظم والنثر ** وفي نقل مسندات العوالي )
( كم علوم بثثتها في أناس ** علموا ما بثثت عند الزوال )
انتهت ملخصة قال الصفدي وما رأيت مرثية في نحوي أحسن منها على طولها انتهى
ودفن ابن مالك بسفح قاسيون بتربة القاضي عز الدين ابن الصائغ وقال العجيسي بتربة ابن جعوان ورثاه الشيخ بهاء الدين بن النحاس بقوله
( قل لابن مالك ان جرت بك أدمعي ** حمرا يحاكيها النجيع القاني )
( فلقد جرحت القلب حين نعيت لي ** وتدفقت بدمائه أجفاني )
( لكن يهون ما أجن من الأسى ** علمي بنقلته إلى رضوان )
( فسقى ضريحا ضمه صوب الحيا ** يهمي به بالروح والريحان )
وابن النحاس المذكور أحد تلامذة ابن مالك وهو القائل يخاطب رضي الدين الشاطبي الأندلسي وقد كلفه أن يشتري له قطرا
( أيها الأوحد الرضي الذي طال ** علاء وطاب في الناس نشرا )
( أنت بحر لا غرو إن نحن وافيناك ** راجين من نداك القطرا )
____________________
(2/207)

وتوفي ببيت المقدس آخر سنة 723 رحمه الله تعالى أحمد بن يوسف اللبلي
121 - ومنهم الشيخ الفقيه الأستاذ النحوي التاريخي اللغوي أبو جعفر أحمد بن يوسف الفهوي اللبلي يكنى أبا العباس وأبا جعفر قرأ بالأندلس على مشايخ من أفضلهم الأستاذ أبو علي عمر الشلوبين ثم ارتحل إلى العدوة وسكن بجاية وأقرأ بها مدة وارتحل إلى المشرق فحج ثم رجع إلى حضرة تونس واتخذها وطنا واشتغل بها بالإقراء إلى أن مات كان يتبسط لإقراء سائر كتب العربية وله علم جليل باللغة وله تواليف كثيرة منها على الجمل و شرح الفصيح لثعلب ولم يشذ فيه شيء من فصيح كلام العرب قال الغبريني رحمه الله تعالى ورأيت له تأليفا في الأذكار وله عقيدة في علم الكلام ورأيت له مجموعا سماه الإعلام بحدود قواعد الكلام تكلم فيه على الكلم الثلاث الاسم والفعل والحرف وله تواليف أخر وكان من أساتيذ إفريقية في وقته وممن أخذ عنه واستفيد منه انتهى
وذكر الشيخ أبو الطيب بن علوان التونسي عن والده أحمد التونسي الشهير بالمصري أن للمذكور تأليفا سماه التجنيس وله شرح أبيات الجمل سماه وشي الحلل رفعه للملك المستنصر الحفصي بتونس فدفعه المستنصر للأستاذ أبي الحسن حازم وأمره أن يتعقب عليه ما فيه من خلل وجده فحكى أبو عبد الله القطان المسفر - وكان يخدم حازما - قال كنت يوما بدار أبي الحسن حازم وبين يديه هذا الكتاب فسمعت نقر الباب فخرجت فإذا بالفقيه أبي جعفر فرجعت وأخبرت أبا الحسن فقام مبادرا حتى أدخله وبالغ في بره وإكرامه فرأى الكتاب بين يديه فقال له يا أبا الحسن قال الشاعر
____________________
(2/208)


( وعين الرضى عن كل عيب كليلة ** )
فقال له يا فقيه أبا جعفر أنت سيدي وأخي ولكن هذا أمر الملك لا يمكن فيه إلا قول الحق والعلم لا يحتمل المداهنة فقال له فأخبرني بما عثرت عليه قال له نعم فأظهر له مواضع فسلمها أبو جعفر وبشرها وأصلحها بخطه
وأصل هذا اللبلي من لبلة بالأندلس اجتمع في رحلته للمشرق بالقاضي ابن دقيق العيد وكان نحويا فلما دخل عليه اللبلي قال له القاضي خير مقدم ثم سأله بعد حين بم انتصب خير مقدم فقال له اللبلي على المصدر وهو من المصادر التي لا تظهر أفعالها وقد ذكره سيبويه ثم سرد عليه الباب من أوله إلى آخره فإنه كان يحفظ أكثره فأكرمه القاضي وعظمه
ثم قال ابن علوان وذكر والدي أيضا رحمه الله تعالى ومن خطه المبارك نقلت أن الأستاذ أبا جعفر اللبلي المذكور رحمه الله تعالى قرئ عليه يوما قول امرئ القيس
( حي الحمول بجانب العزل ** إذ لا يلائم شكلها شكلي )
فقال لطلبته ما العامل في هذا الظرف يعني إذ فتنازعوا القول فقال حسبكم قرئ هذا البيت على أستاذنا أبي علي الشلوبين فسألنا هذا السؤال وكان أبو الحسن ابن عصفور قد برع واستقل وجلس للتدريس وكان الشلوبين يغض منه فقال لنا إذا خرجتم فاسألوا ذلك الجاهل يعني ابن عصفور فلما خرجنا سرنا إليه بجمعنا ودخلنا المسجد فرأيناه قد دارت به حلقة كبيرة وهو يتكلم بغرائب النحو فلم نجسر على سؤاله لهيبته
____________________
(2/209)

وانصرفنا ثم جئنا بعد على عادتنا لأبي علي فنسي حتى قرئ عليه قول النابغة
( فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له ** )
فتذكر وقال ما فعلتم في سؤال ابن عصفور فصدقنا له الحديث فأقسم ألا يخبرنا ما العامل فيه ثم قال اللبلي لطلبته وأنا أقول لكم مثل ذلك فانظروا لأنفسكم قالوا فنظرنا فإذا المسألة مسألة فحص ونظر كلما حكمنا بحكم صدتنا عنه قوانين نحوية حتى مضت مدة طويلة فوفد علينا بتونس المحروسة أحد طلبة ابن أبي الربيع وكان ابن أبي الربيع هذا ساكنا بسبتة وهو أحد طلبة الشلوبين أيضا ومن كبار هذه الطبقة التي نشأت بعده قالوا فتذاكرنا مع هذا الطالب في مسائل نحوية فمرت هذه المسألة في قوله تعالى { إذ نسويكم برب العالمين } [ الشعراء 98 ] فقال هذا الطالب إن هذا الظرف وقع موقع لام العلة فعلمنا أن هذا هو الذي أراد الأستاذ أبو علي ثم ناقشنا الطالب وقلنا له إذا جعلته ظرفا فلا بد من العامل وإذا جعلته واقعا موقع الحرف كان هذا على شذوذ قول الكوفيين والذي يجوز عكسه على مذهب الجميع وإنما الأولى أن يقال إذ حرف معناه التعليل تشترك فيه الأسماء والحروف كما اشتركت في عن والله أعلم بغيبه انتهى بن أحمد
122 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر ابن فرح القرطبي قال الحافظ المقريزي وفرح بسكون الراء وقال الحافظ عبد الكريم في حقه إنه كان من عباد الله الصالحين والعلماء العارفين الورعين الزاهدين في الدنيا المشتغلين بما يعنيهم من أمور الآخرة فيما بين توجه وعبادة وتصنيف جمع في تفسير القرآن كتابا خمسة عشر مجلدا وشرح أسماء الله الحسنى في
____________________
(2/210)

مجلدين وله كتاب التذكرة في أمور الآخرة في مجلدين وشرح التقصي وله تآليف غير ذلك مفيدة وكان مطرح التكلف يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقية سمع من الشيخ أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي صاحب المفهم في شرح مسلم بعض هذا الشرح وحدث عن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن حفص اليحصبي وعن الحافظ أبي علي الحسن بن محمد بن محمد البكري وغيرهما وتوفي بمنية ابن خصيب ليلة الاثنين التاسع من شوال سنة 671 ودفن بها رحمه الله تعالى وفي تاريخ الكتبي في حقه ما نصه كان شيخا فاضلا وله تصانيف مفيدة تدل على كثرة اطلاعه ووفور علمه منها تفسير القرآن مليح إلى الغاية اثنا عشر مجلدا انتهى
وكتب بعض تلامذته على الهامش ما صورته قد أجحف المصنف في ترجمته جدا وكان متقننا متبحرا في العلم انتهى وكتب بعض بأثر هذا الكلام ما نصه قال الذهبي رحل وكتب وسمع وكان يقظا فهما حسن الحفظ مليح النظم حسن المذاكرة ثقة حافظا انتهى وكتب آخر أثر ذلك الكلام ما صورته مشاحة شيخنا للمصنف في هذه العبارة مالها فائدة فإن الذهبي قال في تاريخ الإسلام العلامة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الإمام القرطبي إمام متفنن متبحر في العلم له تصانيف مفيدة تدل على كثرة اطلاعه ووفور عقله وفضله ثم ذكر موته وقال بعده وقد سارت بتفسيره العظيم الشأن الركبان وله الأسنى في شرح الأسماء الحسنى و التذكرة وأشياء تدل على إمامته وذكائه وكثرة اطلاعه انتهى وكتب آخر بآثر هذا الكلام ما نصه غفر الله لك إذا كان الذهبي ترجمه بما ذكرت وهو والله فوق ذلك فكيف تقول إن مشاحة شيخك لا فائدة فيها وتسيء الأدب معه
____________________
(2/211)

وتقول إن كلامه لا فائدة فيه فالله 9 يستر عليك انتهى
123 - ومنهم أبو القاسم ابن حاضر الجزيري الخزرجي محمد بن أحمد من جزيرة شقر قدم مصر وسكن قوص بعد ما كان من عدول بلنسية وكان فصيحا عالما بصناعة التوريق وله نظم لم يحضرني الآن شيء منه ومات بالقاهرة سنة تسع وثلاثين وستمائة رحمه الله تعالى
124 - ومنهم أبو القاسم التجيبي محمد بن أحمد التجيبي من أهل بلش قرأ على ابن مفرج وابن أبي الأحوص ورحل فاستوطن القاهرة وكان شيخا فاضلا خيرا له أدب وشعر منه قوله من أبيات
( أحوى الجفون له رقيب أحول ** الشيء في إدراكه شيئان )
( يا ليته ترك الذي أنا مبصر ** وهو المخير في الغزال الثاني )
ولد ببلش سنة 623 وتوفي بالحسينية خارج القاهرة سلخ المحرم سنة 695 وممن روى عنه نحوي الزمان أثير الدين ابو حيان وغيره رحم الله تعالى الجميع
125 - ومنهم أبو بكر الخزرجي محمد بن أحمد بن حسن وقيل محمد بن عيسى المالقي المالكي قال الشريف أبو القاسم إنه كان أحد الزهاد الورعين وعباد الله المتقين مشتغلا بنفسه متخليا عما في أيدي الناس يأكل من كسب يده ولا يقبل لأحد شيئا مع وجد وعمل وفضل وأدب
____________________
(2/212)

ولم يكن في زمانه من اجتمع فيه ما اجتمع له
وقال الحافظ عبد الكريم إنه دخل إشبيلية واشتغل بالعربية على الشلوبين وقرأ القراءات السبع ثم قدم مصر واشتغل بمذهب مالك وكان والده نجارا وكان لا يأكل إلا من كسب يده يخيط الثياب فازدحم الناس عليه تبركا به فترك ذلك وصار يدق القصدير ويأكل منه ويتصدق بما فضل عنه وكان شديد الزهد كثير العبادة لا يسلم يده إلى أحد ليقبلها وجاءه شخص قد زيد عليه في أجرة مسكنه ليشفع إلى صاحب الدار أن لا يقبل الزائد فمضى إلى صاحب الدار وأعطاه الزائد مدة أشهر فعلم بذلك الساكن بعد مدة فقال له يا سيدي ما سألت إلا شفاعة وأنت تزن عني فقال له رجل له دار يأخذ أجرتها يجيء إليه الخزرجي يقطع عليه حقه والله ما يدفع هذا إلا أنا فلم يزل يدفع الزائد إلى أن انتقل الساكن إلى غيره ومات ليلة الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة 651 عن خمس وأربعين سنة ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى ونفعنا
126 - ومنهم أبو بكر محمد بن أحمد بن خليل بن فرج الهاشمي مولاهم لأن ولاءه لبني العباس من أهل قرطبة ولد في شهر رمضان سنة 322 بقرطبة وسمع بها من وهب بن مسرة وخالد بن سعيد وغيره ورحل فحج وأدرك بمصر ابن الورد وابن رشيق وأبا علي بن السكن ونظراءهم في سنة 349 وعاد إلى بلده وبها مات في شهر رمضان سنة ست وأربعمائة قال ابن بشكوال كان رجلا صالحا فاضلا من أهل الاجتهاد في العبادة مائلا إلى التقشف والزهادة قديم الطلب حسن المذهب متبعا للسنن
127 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سليمان بن أحمد بن إبراهيم الزهري الأندلسي الإشبيلي ولد بمالقة وطاف الأندلس وطلب العلم وحصل طرفا صالحا من علم الأدب ودخل مصر قبل التسعين وخمسمائة فسمع الحديث بها ودخل الشام وبلاد الجزيرة وقدم بغداد سنة 590 وعمره ثلاثون سنة وأقام بها مدة وسمع من شيوخها كأبي الفرج ابن كليب ونحوه وقرأ ونسخ بخطه وسافر إلى أصبهان وبلاد الجبل وكان فاضلا حسن المعرفة بالأدب يقول الشعر وينشئ المقامات وصنف كتاب البيان والتبيين في أنساب المحدثين ستة أجزاء وكتاب البيان فيها أبهم من الأسماء في القرآن مجلد وكتاب أقسام البلاغة وأحكام الصناعة في مجلدين وكتاب شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي في خمسة عشر مجلدا وكتاب شرح المقامات مجلد وكتاب شرح اليميني في مجلد قال المنذري توفي شهيدا قتله التتار في رجب وقال ابن النجار في سابع عشر رجب سنة 617 رحمه الله تعالى
128 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الأعلى بن القاسم القرطبي المقرىء المعروف بالورشي نسبة إلى قراءة ورش لاشتهاره بها وهو أحد القراء المعروفين قال الحاكم هو من الصالحين المذكورين بالتقدم في علم القرآن سمع بمصر والشام والحجاز والعراقين والجبل وأصبهان وورد نيسابور ودخل خراسان فسمع علي بن المرزبان بأصبهان وبالأهواز عبد الواحد ابن خلف الجنديسابوري وبفارس أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود الرقي
____________________
(2/213)

وقال ابن النجار قدم بغداد وحدث بها توفي بسجستان في ربيع الأول سنة 393
129 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد الباجي اللخمي قال ابن بشكوال مولده في صفر سنة 356 وسمع عن جده ورحل إلى المشرق وقال ابن غلبون في مشيخته إنه كان من أهل العلم والحديث والرواية والحفظ للمسائل قائما بها واقفا عليها قاعدا للشروط محسنا لها عارفا وبيتهم بيت علم ونشأ فيه هو وأبوه وجده وكان جميعهم في الفضل والتقدم على درجاتهم في السن وعلى منازلهم في السبق وكانت رحلته مع أبيه وروايتهما واحدة وشاركه في السماع والرواية عن جده وسمع بمصر من أبي الحسن أحمد بن عبد الله بن حميد بن زريق المخزومي
وقال ابن بشكوال كان من أجل الفقهاء عندنا دراية ورواية بصيرا بالعقود ومتقدما على أهل الوثائق عارفا بعللها وألف فيها كتابا حسنا وكتابا في السجلات إلى ما جمع فيه من أقوال الشيوخ والمتأخرين مع ما كان عليه من الطريقة المثلى وتوفية العلم حقه من الوفاء والتصون توفي في المحرم سنة 433 لعشرين بقين منه
130 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد العزيز العتبي الأندلسي القرطبي الفقيه المالكي المشهور صاحب العتبية سمع بالأندلس من يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان وغيرهما ورحل إلى المشرق فسمع من سحنون وأصبغ بن الفرج وغيرهما وكان حافظا للمسائل جامعا لها عالما بالنوازل وهو الذي جمع المستخرجة من الأسمعة المسموعة غالبا من مالك
____________________
(2/215)

ابن أنس وتعرف بالعتبية وأكثر فيها من الروايات المطروحة والمسائل الغريبة الشاذة وكان يؤتى بالمسألة الغريبة الشاذة فإذا سمعها قال أدخلوها في المستخرجة ولذا روى عن ابن وضاح أنه كان يقول المستخرجة فيها خطأ كثير كذا قال ولكن الكتاب وقع عليه الاعتماد من أعلام المالكية كابن رشد وغيره قال ابن يونس توفي بالأندلس سنة 255
والعتبي نسبة إلى عتبة بن أبي سفيان بن حرب وقيل إلى جد للمذكور يسمى عتبة وقيل إلى ولاء عتبة بن أبي يعيش
131 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن زكريا المعافري المقرىء الفرضي الأديب ولد بالأندلس سنة 591 ونشأ ببلنسية وأقام بالإسكندرية وقرأ القرآن على أصحاب ابن هذيل ونظم قصيدة في القراءات على وزن الشاطبية لكن أكثر أبياتا وصرح فيها بأسماء القراء ولم يرمز كما فعل الشاطبي وكانت له يد في الفرائض والعروض مع معرفة القراءات والأدب
ومن شعره
( إذا ما اشترت بنت أباها فعتقها ** بنفس الشرا شرعا عليها تأصلا )
( وميراثه إن مات من غير عاصب ** ومن غير ذي فرض لها قد تأثلا )
( لها النصف بالميراث والنصف بالولا ** فإن وهب ابنا أو شراه تفضلا )
( فأعتق شرعا ذلك الابن ما لها ** سوى الثلث والثلثان للأخ أصلا )
( وميراثها فيه إذا مات قبلها ** كميراثها في الأب من قبل يجتلى )
( ومولى أبيها ما لها الدهر فيه من ** ولاء ولا إرث مع الأب فاعتلى )
وهذه المسألة ذكر الغزالي في الوسيط أنه قضى فيها أربعمائة قاض وغلطوا وصورتها ابنة اشترت أباها فعتق عليها ثم اشترى الأب ابنا فعتق عليه ثم
____________________
(2/216)

اشترى الأب عبدا فأعتقه ثم مات الأب فورثه الابن والبنت للذكر مثل حظ الأنثيين ثم مات العبد المعتق فلمن يكون ولاؤه وفرضها المالكية على غير هذا الوجه وهي مشهورة
132 - ومنهم محمد بن أحمد بن محمد بن سهل أبو عبد الله الأموي الأندلسي الطليطلي المعروف بالنقاش نزل مصر وقعد للإقراء بجامع عمرو بن العاص وأخذ عنه جماعة وتوفي بمصر سنة 529
133 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد القيسي القبري القرطبي المؤدب رحل من الأندلس سنة 342 فسمع بمصر من أبي محمد ابن الورد وأبي قتيبة مسلم بن الفضل البغدادي وغيره وكان صالحا خيرا مؤدبا سمع من الناس كثيرا وتوفي سنة 362
والقبري بفتح القاف وسكون الباء الموحدة ثم راء مهملة - نسبة إلى قبرة بلد بالأندلس بقرب قرطبة بنحو ثلاثين ميلا
134 - ومنهم جمال الدين أبو بكر الوائلي محمد بن أحمد بن محمد ابن عبد الله بن سجمان الشريشي المالكي ولد بشريش سنة 601 ورحل فسمع بالإسكندرية من ابن عماد الحراني وبدمشق من مكرم بن أبي الصقر وبحلب من أبي البقاء يعيش بن علي النحوي وسمع بإربل وبغداد وأقام بالمدرسة الفاضلية من القاهرة مدة يفيد الناس فتخرج به جماعة وولي مشيخة المدرسة بالقدس ومشيخة الرباط الناصري بالجبل وأقام بدمشق يفتي
____________________
(2/217)

ويدرس وكان من العلماء الزهاد كثير العبادة والورع والزهد أحد الأئمة المبرزين المتبحرين في العربية والفقه على مذهب الإمام مالك والتفسير والأصول وصنف كتابا في الاشتقاق وشرح ألفية ابن معطي وأخذ عنه الناس وطلب للقضاء بدمشق فامتنع منه زهدا وورعا وبقي المنصب لأجله شاغرا إلى أن مات برجب سنة 685 ودفن بقاسيون
وسجمان بسين مهملة مضمومة ثم جيم ساكنة بعدها ميم مفتوحة ونون
135 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى بن مفرج القرطبي المعروف والده بالقنتوري وكان جد أبيه مفرج صاحب الركاب للحكم بن عبد الرحمن الداخل وكان أبوه أحمد بن يحيى رجلا صالحا وولد هو سنة 315 وكان سكناه بقرطبة بقرب عين قنت أورية وسمع بقرطبة من قاسم ابن أصبغ كثيرا ومن ابن أبي دليم والخشني ورحل سنة 337 فسمع بمكة من ابن الأعرابي ولزمه حتى مات وسمع بها من جماعة غيره وسمع بجدة والمدينة النبوية على ساكنها الصلاة والسلام ودخل صنعاء وزبيد وعدن وسمع بها من جماعة وسمع بمصر من البرقي صاحب أحمد البزار وسمع من السيرافي وجماعة كثيرة وسمع بغزة وعسقلان وطبرية ودمشق وطرابلس وبيروت وصيدا والرملة وصور وقيسارية والقلزم والفرما والإسكندرية فبلغت عدة شيوخه إلى مائتين وثلاثين شيخا وروى عنه أبو عمر الطلمنكي وجماعة وكتب تاريخ مصر عن مؤلفه أبي سعيد ابن يونس وروى عنه ابن يونس وهو من أقرانه وعاد إلى الأندلس من رحلته سنة 345 واتصل بالحكم المستنصر وصارت له عنده مكانة وألف له عدة كتب واستقضاه على
____________________
(2/218)

إستجة ثم على المرية ومات برجب سنة 348
قال الحميدي هو محدث حافظ جليل صنف كتبا في فقه الحديث وفي فقه التابعين فمنها فقه الحسن البصري في سبع مجلدات و فقه الزهري في أجزاء كثيرة وسمع مسند ابن الفرضي وحديث قاسم بن أصبغ
قال ابن الفرضي وكان عالما بالحديث بصيرا برجاله صحيح النقل حافظا جيد الكتابة على كثرة ما جمع
وقال ابن عفيف في حقه إنه كان من أعنى الناس بالعلم وأحفظهم للحديث وأبصرهم بالرجال ما رأيت مثله في هذا الفن من أوثق المحدثين بالأندلس وأصحهم كتبا وأشدهم تعبا لروايته وأجودهم ضبطا لكتبه وأكثرهم تصحيحا لها لا يدع فيها شبهة رحمه الله تعالى
136 - ومنهم أبو عبد الله القيسي الوضاحي محمد بن أحمد بن موسى رحل من المغرب وسمع من السلفي وغيره جملة صالحة ثم عاد إلى الأندلس بعد الحج وسكن المرية مدة وبها مات سنة 539 وقيل في التي بعدها وكان من أظرف الناس وأحسنهم أدبا فقيها فاضلا ثقة ذا فرائد جمة عفيفا معتنيا بالعلم محمد بن أحمد العبدري البلنسي 352 محمد بن أحمد العبدري البلنسي 137 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن موسى بن هذيل العبدري البلنسي ولد سنة 519 وسمع من أبيه وجماعة ورحل حاجا فسمع من السلفي وابن عوف والحضرمي والتنوخي والعثماني وغيرهم
____________________
(2/219)

ورجع بعد الحج إلى الأندلس فحدث وكان غاية في الصلاح والورع وأعمال البر وله حظ من علم العبارة ومشاركة في اللغة وكتب بخطه على ضعفه كثيرا رحمه الله تعالى
138 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن نوح الإشبيلي ومولده سنة إحدى وثلاثين وستمائة بإشبيلية وجال في بلاد المغرب والمشرق وقرأ على الشيوخ الفضلاء وحصل كثيرا في علم القرآن والأدب وله نظم ونثر وكان كثير التلاوة للقرآن جيد الأداء له وأقام بدمشق حتى مات بها سنة 699 رحمه الله تعالى
139 - ومنهم محمد بن أسباط المخزومي القرطبي روى عن يحيى ابن يحيى وقدم مصر فسمع من الحارث بن مسكين وكان حافظا للفقه عالما توفي سنة 279
140 - ومنهم أبو بكر محمد بن إسحاق الشهير بابن السليم قاضي الجماعة بقرطبة مولده سنة 306 روى عن قاسم بن أصبغ وطبقته ورحل سنة 332 فسمع بمكة من ابن الأعرابي وبمصر من الزبيري وابن النحاس وغيرهما وعاد إلى الأندلس فأقبل على الزهد ودراسة العلم وحدث فسمع منه الناس وكان حافظا للفقه بصيرا بالاختلاف حسن الخط والبلاغة متواضعا وتوفي بجمادى الأولى سنة 367 وسليم بفتح السين مكبرا
141 - ومنهم موسى بن بهيج المغربي الأندلسي الواعظ الفقيه العالم
____________________
(2/220)

من أهل المرية نزل مصر يكنى أبا عمران كان من أهل العلم والأدب وله في الزهد وغيره أشعار حملت عنه وحدث المرشاني عنه بمخمسة في الحج وأعماله كلها ولقيه بمصر وقرأها عليه
ولابن بهيج هذا قوله
( إنما دنياك ساعه ** فاجعل الساعة طاعه )
( واحذر التقصير فيها ** واجتهد ما قدر ساعه )
( وإذا أحببت عزا ** فالتمس عز القناعه )
142 - ومنهم أبو عمران موسى بن سعادة مولى سعيد بن نصر من أهل مرسية سمع صهره أبا علي ابن سكرة الصدفي وكانت بنته عند أبي علي ولازمه وأكثر عنه وروى عن أبي محمد بن مفوز الشاطبي وأبي الحسن بن شفيع قرأ عليهما الموطأ ورحل وحج وسمع السنن من الطرطوشي وعني بالرواية وانتسخ صحيحي البخاري ومسلم بخطه وسمعهما على صهره أبي علي وكانا أصلين لا يكاد يوجد في الصحة مثلهما حكى الفقيه أبو محمد عاشر بن محمد أنه سمعا على أبي علي نحو ستين مرة وكتب أيضا الغريبين للهروي وغير ذلك وكان أحد الأفاضل الصلحاء والأجواد السمحاء يؤم الناس في صلاة الفريضة ويتولى القيام بمؤن صهره أبي علي وبما يحتاج إليه من دقيق الأشياء وجليلها وإليه أوصى عند توجهه إلى غزوة كتندة التي فقد فيها سنة أربع عشرة وخمسمائة وكانت له مشاركة في علم اللغة والأدب وقد حدث عنه ابن أخيه القاضي أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة بكتاب أدب الكتاب لابن قتيبة وبالفصيح لثعلب
____________________
(2/221)


143 - ومنهم أبو محمد عبد الله بن طاهر الأزدي من أهل وادي آش له رحلة إلى المشرق أدى فيها الفريضة وسمع بدمشق من أبي طاهر الخشوعي مقامات الحريري وابن عساكر وغيرهما ثم قفل إلى بلده انتهى ملخصا من ابن الأبار
وحكى الصفدي أن ابن المستكفي اجتمع بالمتنبي بمصر وروى عنه شيئا من شعره ومما روى عنه أنه قال أنشدني المتنبي لنفسه
( لاعبت بالخاتم إنسانة ** كمثل بدر في الدجى الفاحم )
( وكلما حاولت أخذي له ** من البنان المترف الناعم )
( ألقته في فيها فقلت انظروا ** قد خبت الخاتم في الخاتم )
144 - ومن الراحلين من الأندلس إلى المشرق أبو عبد الله ابن مالك صاحب التسهيل والألفية وهو جمال الدين محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك الإمام العلامة الأوحد الطائي الجياني المالكي حين كان بالمغرب الشافعي حين انتقل إلى المشرق النحوي نزيل دمشق
ولد سنة ستمائة أو في التي بعدها وسمع بدمشق من مكرم وأبي صادق الحسن بن صباح وأبي الحسن السخاوي وغيرهم وأخذ العربية عن غير واحد فممن أخذ عنه بجيان أبو المظفر وقيل أبو الحسن ثابت بن خيار عرف بابن الطيلسان وأبي رزين بن ثابت بن محمد بن يوسف بن خيار الكلاعي
____________________
(2/222)

من أهل لبلة وأخذ القراءات عن أبي العباس أحمد بن نوار وقرأ كتاب سيبويه على أبي عبد الله ابن مالك المرشاني وجالس يعيش وتلميذه ابن عمرون وغيره بحلب وتصدر بها لإقراء العربية وصرف همته إلى إتقان لسان العرب حتى بلغ فيه الغاية وأربى على المتقدمين وكان إماما في القراءات وعالما بها وصنف فيها قصيدة دالية مرموزة في قدر الشاطبية وأما اللغة فكان إليه المنتهى فيها
قال الصفدي أخبرني أبو الثناء محمود قال ذكر ابن مالك يوما ما انفرد به صاحب المحكم عن الأزهري في اللغة قال الصفدي وهذا أمر معجز لأنه يحتاج إلى معرفة جميع ما في الكتابين وأخبرني عنه أنه كان إذا صلى في العادلية - لأنه كان إمام المدرسة - يشيعه قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان إلى بيته تعظيما له وقد روى عنه الألفية شهاب الدين محمود المذكور ورواها الصفدي خليل عن شهاب الدين محمود قراءة ورواها إجازة عن ناصر الدين شافع بن عبد الظاهر وعن شهاب الدين بن غانم بالإجازة عنهما عنه وأما النحو والتصريف فكان فيهما ابن مالك بحرا لا يشق لجه وأما اطلاعه على أشعار العرب التي يستشهد بها على النحو واللغة فكان أمرا عجيبا وكان الأئمة الأعلام يتحيرون في أمره وأما الاطلاع على الحديث فكان فيه آية لأنه كان أكثر ما يستشهد بالقرآن فإن لم يكن فيه شاهد عدل إلى الحديث وإن لم يكن فيه شيء عدل إلى أشعار العرب هذا مع ما هو عليه من الدين والعبادة وصدق اللهجة وكثرة النوافل وحسن السمت وكمال العقل
____________________
(2/223)

وأقام بدمشق مدة يصنف ويشتغل بالجامع وبالتربة العادلية وتخرج به جماعة وكان نظم الشعر عليه سهلا رجزه وطويله وبسيطه وصنف كتاب تسهيل الفوائد قال الصفدي ومدحه سعد الدين محمد بن عربي بأبيات مليحة إلى الغاية وهي
( إن الأمام جمال الدين جمله ** رب العلا ولنشر العلم أهله )
( أملى كتابا له يسمى الفوائد لم ** يزل مفيدا لذي لب تأمله )
( وكل مسألة في النحو يجمعها ** إن الفوائد جمع لا نظير له )
قال وفي هذه الأبيات مع حسن التورية فيها ما لا يخلو من إيراد ذكرته في كتابي فض الخاتم انتهى
قلت أجاب العجيسي عن ذلك بأن الأبيات ليست في التسهيل وإنما هي في كتاب له يسمى الفوائد وهو الذي لخصه في التسهيل فقوله في اسم التسهيل تسهيل الفوائد معناه تسهيل هذا الكتاب وذكر أيضا أنه مثل التسهيل في القدر على ما ذكره من وقف عليه وقال وإليه يشير سعد الدين محمد بن عربي بقوله إن الإمام - إلى آخره وسعد الدين ابن الشيخ محيي الدين صاحب الفصوص وغيرها ثم قال العجيسي وذكر غير واحد من أصحابنا أن له كتابا آخر سماه بالمقاصد وضمنها تسهيله فسماه لذلك تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد فعلى هذا لا يصح قول الصفدي إن المدح المذكور في التسهيل إلا بارتكاب ضرب من التأويل انتهى كلام العجيسي قلت وذكر غيره أن قوله في الألفية مقاصد النحو بها محوية إشارة لكتاب المقاصد وتعقب بقوله محوية فإنه لو كان كما ذكر لقال محوي
____________________
(2/224)

وأجاب بعضهم بأنه من باب الاستخدام وفيه تعسف رجع - ومن تصانيف ابن مالك الموصل في نظم المفصل وقد حل هذا النظم فسماه سبك المنظوم وفك المختوم ومن قال إن اسمه فك المنظوم وسبك المختوم فقد خالف النقل والعقل ومن كتب ابن مالك كتاب الكافية الشافية ثلاثة آلاف بيت وشرحها والخلاصة وهي مختصر الشافية و إكمال الإعلام بمثلث الكلام وهو مجلد كبير كثير الفوائد يدل على اطلاع عظيم و لامية الأفعال وشرحها و فعل وأفعل و المقدمة الأسدية وضعها باسم ولده الأسد و عدة اللافظ وعمدة الحافظ و النظم الأوجز فيما يهمز و الاعتضاد في الظاء والضاد مجلد و إعراب مشكل البخاري و تحفة المودود في المقصور والممدود وغير ذلك كشرح التسهيل وروى عنه ولده بدر الدين محمد وشمس الدين بن جعوان وشمس الدين بن أبي الفتح وابن العطار وزين الدين أبو بكر المزي والشيخ أبو الحسين اليونيني وأبو عبد الله الصيرفي وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة وشهاب الدين محمود وشهاب الدين بن غانم وناصر الدين بن شافع وخلق كثير سواهم
ومن نظمه في الحلبة
( خيل السباق المجلي يقتفيه مصل ** والمسلي وتال قبل مرتاح )
( وعاطف وحظي والمؤمل واللطيم ** والفسكل السكيت يا صاح )
وله من هذه الضوابط شيء كثير وكان يقول عن الشيخ ابن الحاجب إنه أخذ نحوه من صاحب المفصل وصاحب المفصل نحوه صغيرات وناهيك بمن يقول هذا في حق الزمخشري وكان الشيخ ركن الدين بن القوبع يقول إن ابن مالك ما خلى للنحو حرمة
وحكي عنه أنه كان يوما في الحمام وقد اعتزل في مكان يستعمل فيه الموسى فهجم عليه فتى فقال ما تصنع فقال أكنس لك الموضع للقعود قال
____________________
(2/225)

بعضهم وهذا مما يستبعد على دين ابن مالك والعهدة على ناقله قال الصفدي ولا يستبعد ذلك من لطف النحاة وطباع أهل الأندلس وتوفي ابن مالك بدمشق سنة اثنتين وسبعين وستمائة وقال بعضهم من أحسن شعر ابن مالك قوله
( إذا رمدت عيني تداويت منكم ** بنظرة حسن أو بسمع كلام )
فإن لم أجد ماء تيممت باسمكم ** وصليت فرضي والديار أمامي )
( وأخلصت تكبيري عن الغير معرضا ** وقابلت أعلام السوى بسلام )
( ولم أر إلا نور ذاتك لائحا ** فهل تدع الشمس امتداد ظلام )
وقدم - رحمه الله تعالى - القاهرة ثم رحل إلى دمشق وبها مات كما علم
وقال الشرف الحصني يرثيه
( يا شتات الأسماء والأفعال ** بعد موت ابن مالك المفضال )
( وانحراف الحروف من بعد ضبط ** منه في الانفصال والاتصال )
( مصدرا كان للعلوم بإذن الله ** من غير شبهة ومحال )
( عدم النعت والتعطف والتو كيد ** مستبدلا من الأبدال )
( ألم اعتراه أسكن منه ** حركات كانت بغير اعتلال )
( يا لها سكتة لهمز قضاء ** أورثت طول مدة الانفصال )
( رفعوه في نعشه فانتصبنا ** نصب تمييز كيف سير الجبال )
( فخموه عند الصلاة بدل ** فأميلت أسراره للدلال )
( صرفوه يا عظم ما فعلوه ** وهو عدل معرف بالجمال )
( أدغموه في الترب من غير مثل ** سالما من تغير الانتقال )
____________________
(2/226)


وابن النحاس المذكور له نظم كثير مشهور بين الناس وهو بهاء الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن نصر الحلبي الأصل المعروف بابن النحاس وهو شيخ أبي حيان ولم يأخذ أبو حيان عن ابن مالك وإن عاصره بنحو ثلاثين سنة وقال بعض من عرف بابن مالك إنه تصدر بحلب مدة وأم بالسلطانية ثم تحول إلى دمشق وتكاثر عليه الطلبة وحاز قصب السبق وصار يضرب به المثل في دقائق النحو وغوامض الصرف وغريب اللغات وأشعار العرب مع الحفظ والذكاء والورع والديانة وحسن السمت والصيانة والتحري لما ينقله والتحرير فيه وكان ذا عقل راجح حسن الأخلاق مهذبا ذا رزانة وحياء ووقار وانتصاب للإفادة وصبر على المطالعة الكثيرة تخرج به أئمة ذلك الزمان كابن المنجي وغيره وسارت بتصانيفه الركبان وخضع لها العلماء الأعيان وكان حريصا على العلم حتى إنه حفظ يوم موته ثمانية شواهد وقال بعض الحفاظ حين عرف بابن مالك يقال إن عبد الله في نسبه مذكور مرتين متواليتين وبعض يقول مرة واحدة وهو الموجود بخطه أول شرحه لعمدته وهو الذي اعتمده الصفدي وابن خطيب داريا محمد بن أحمد بن سليمان الأنصاري وعلى كل حال فهو مشهور بجده في المشرق والمغرب وحكى بعضهم أن ولادته سنة ثمان وتسعين وخمسمائة وعليه عول شيخ شيوخ شيوخنا ابن غازي في قوله
( قد خبع ابن مالك في خبعا ** وهو ابن عه كذا وعى من قد وعى ) وقيل كما تقدم إن مولده سنة ستمائة أو بعدها بجيان الحرير مدينة من مدن الأندلس جبر الله كسرها وهي مفتوحة الجيم وياؤها مشددة تحتانية وتصدر ابن مالك بحماة مدة وانتقد بعضهم على ابن خلكان إسقاطه من تاريخه
____________________
(2/228)

مع كونه كان يعظمه إلى الغاية وقدم رحمه الله تعالى لصاحب دمشق قصة يقول فيها عن نفسه إنه أعلم الناس بالعربية والحديث ويكفيه شرفا أن من تلامذته الشيخ النووي والعلم الفارقي والشمس البعلي والزين المزي وغيرهم ممن لا يحصى وكان رحمه الله تعالى كثير المطالعة سريع المراجعة لا يكتب شيئا من محفوظه حتى يراجعه في محله وهذه حالة المشايخ الثقات والعلماء الأثبات ولا يرى إلا وهو يصلي أو يتلو أو يصنف أو يقرأ وكذا كان الشيخ أبو حيان ولكن كان جده في التصنيف والإقراء وحكي أنه توجه يوما مع أصحابه للفرجة بدمشق فلما بلغوا الموضع الذي أرادوه غفلوا عنه سويعة فطلبوه فلم يجدوه ثم فحصوا عنه فوجدوه منكبا على أوراق وأغرب من هذا في اعتنائه بالعلم ما مر أنه حفظ يوم موته عدة أبيات حدها بعضهم بثمانية وفي عبارة بعض أو نحوها لقنه ابنه إياها وهذا مما يصدق ما قيل بقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى فجزاه الله خيرا عن هذه الهمة العلية
وذكر أبو حيان في الجوازم من تذييله وتكميله أنه لم يصحب من له البراعة في علم اللسان ولذا تضعف استنباطاته وتعقباته على أهل هذا الشأن وينفر من المنازعة والمباحثة والمراجعة قال وهذا شأن من يقرأ بنفسه ويأخذ العلم من الصحف بفهمه ولقد طال فحصي وتنقيري عمن قرأ عليه واستند في العلم إليه فلم أجد من يذكر لي شيئا من ذلك ولقد جرى يوما مع صاحبنا تلميذه علم الدين سليمان بن أبي حرب الفارقي الحنفي فقال ذكر لنا أنه قرأ على ثابت بن خيار من أهل بلده جيان وأنه جلس في حلقة
____________________
(2/229)

الأستاذ أبي علي الشلوبين نحوا من ثلاثة عشر يوما وثابت بن خيار ليس من أهل الجلالة والشهرة في هذا الشأن وإنما جلالته وشهرته في إقراء القرآن هذا حاصل ما ذكره أبو حيان
قال بعض المحققين وهو العلامة يحيى العجيسي وليس ذلك منه بإنصاف ولا يحمل على مثله إلا هوى النفس وسرعة الانحراف فنفيه المسند عنه والمتبع شهادة نفي فلا تنفع ولا تسمع ويكفي ما سطر في حقه قوله في أثنائه نظم في هذا العلم كثيرا ونثر وجمع باعتكاف على الاشتغال به ومراجعة الكتب ومطالعة الدواوين العربية وطول السن من هذا العلم غرائب وحوت مصنفاته منها نوادر وعجائب وإن منها كثيرا استخرجه من أشعار العرب وكتب اللغة إذ هي مرتبة الأكابر النقاد وأرباب النظر والاجتهاد وقوله في موضع آخر من تذييله لا يكون تحت السماء أنحى ممن عرف ما في تسهيله وقرنه في بحره بمصنف سيبويه فما ينبغي له أن يغمصه ولا أن يحط عليه ولا أن يقع فيما وقع فيه فإنه مما يجرئ على أمثاله الغبي والنبيه والحليم والسفيه وما هذا جزاء السلف من الخلف والدرر من الصدف والجيد من الحشف أو ما ينظر إلى شيخه أبي عبد الله بن النحاس فإنه لا يذكره إلا بأحسن ذكر كما هو أدب خيار الناس ومن كلامه في نقله عنه وهو الثقة فيما ينقل والفاضل حين يقول وإلى تلميذه أبي البقاء الحافظ المصري حيث يقول فيه أعني في أبي حيان
( هو الأوحد الفرد الذي تم علمه ** وسار مسير الشمس في الشرق والغرب )
( ومن غاية الإحسان مبدأ فضله ** فلا غرو أن يسمو على العجم والعرب )
ومن غاية الإحسان في هذا الشأن التصانيف التي سارت بها الركبان في جميع الأوطان واعترف بحسنها الحاضر والبادي والداني والقاصي والصديق والعدو فتلقاها بالقبول والإذعان فسامح الله تعالى أبا حيان فإن
____________________
(2/230)

وقال أيضا عند ذكره مصنفات ابن مالك وهي كما قيل غزيرة المسائل ولكنها على الناظر بعيدة الوسائل وهي مع ذلك كثيرة الإفادة موسومة بالإجادة وليست لمن هو في هذا الفن في درجة ابتدائه بل للمتوسط يترقى بها درجة انتهائه انتهى
واعلم أن الألفية مختصرة الكافية كما تقدم وكثير من أبياتها فيها بلفظها ومتبوعه فيها ابن معطي ونظمه أجمع وأوعب ونظم ابن معطي أسلس وأعذب وذكر الصفدي عن الذهبي أن ابن مالك صنف الألفية لولده تقي الدين محمد المدعو بالأسد واعترضه العلامة العجيسي بأن الذي صنفه له عن تحقيق المقدمة الأسدية قال وأما هذه - يعني الألفية - فذكر لي من أثق بقوله أنه صنفها برسم القاضي شرف الدين هبة الله بن نجم الدين عبد الرحيم بن شمس الدين بن إبراهيم بن عفيف الدين بن هبة الله بن مسلم بن هبة الله بن حسان الجهني الحموي الشافعي الشهير بابن البارزي ويقال إن هذه النسبة إلى باب أبرز أحد أبواب بغداد ولكن خفف لكثرة دوره على الألسنة انتهى مختصرا وقال بعض من عرف بابن مالك هو مقيم أود وقاطع لدد ومزين سماء موهت الأصائل ديباجتها وشعشعت البكر زجاجتها وجاءت أيامه صافية من الكدر ولياليه وما بها شائبة من الكبر قد خلقها العشي بردعه وخلفها الصباح بربعه فكان كل متعين حول مسجده وكل عين فاخرة بعسجده هذا وزمر الطلاب وطلبة الأجلاب لا تزال تزجي إليه القلاص وتكثر من سربه الاقتناص كان أوحد وقته في علم النحو واللغة مع كثرة الديانة والصلاح انتهى
وقال بعض المغاربة
( لقد مزقت قلبي سهام جفونها ** كما مزق اللخمي مذهب مالك )
( وصال على الأوصال بالقد قدها ** فأضحت كأبيات بتقطيع مالك )
____________________
(2/232)


( نورهم ذا الذي أضا ** أم مع الركب يوشع )
ورأيت مع هذا موشحا آخر لا أدري هل هو لابن زهر أم لا وهو هذا
( فتق المسك بكافور الصباح ** ووشت بالروض أعراف الرياح )
( فاسقنيها قبل نور الفلق ** )
( وغناء الورق بين الورق ** )
( كاحمرار الشمس عند الشفق ** )
( نسج المزج عليها حين لاح ** فلك اللهو وشمس الاصطباح )
( وغزال سامني بالملق **
( وبرى جسمي وأذكى حرقى ** )
( أهيف مذ سل سيف الحدق ** )
( قصرت عنه أنابيب الرماح ** وثنى الذعر مشاهير الصفاح )
( صار بالدل فؤادي كلفا ** )
( وجفون ساحرات وطفا ** )
( كلما قلت جوى الحب انطفا ** ) أمرض القلب بأجفان صحاح ** وسبى العقل بجد ومزاح )
( يوسفي الحسن عذب المبتسم ** )
( قمري الوجه ليلي اللمم ** )
( عنتري البأس علوي الهمم ** )
____________________
(2/232)


( وقلدت إذ ذاك الهوى لمرادها ** كتقليد أعلام النحاة ابن مالك )
( وملكتها رقي لرقة لفظها ** وإن كنت لا أرضاه ملكا لمالك )
( وناديتها يا منيتي بذل مهجتي ** ومالي قليل في بديع جمالك )
ويعني بقوله بتقطيع مالك مالك بن المرحل السبتي رحمه الله تعالى ولما سئل ابن مالك عن قول النبي صلى الله عليه وسلم نعوذ بالله من الحور بعد الكور هل هو بالراء أو بالنون أنكر النون فقيل له إن في الغريبين للهروي رواية بالنون فرجع عن قوله الأول وقال إنما هو بالنون انتهى وقد ذكر في المشارق النون والراء فقال الحور بعد الكور بالراء رواه العذري وابن الحذاء وللباقين بالنون معناه النقصان بعد الزيادة وقيل من الشذوذ بعد الجماعة وقيل من الفساد بعد الصلاح وقيل من القلة بعد الكثرة كار عمامته إذا لفها على رأسه واجتمعت وحارها إذا نقضها فافترقت ويقال حار إذا رجع عن أمر كان عليه ووهم بعضهم رواية النون وقيل معناها رجع إلى الفساد بعد أن كان على خير مما رجع إليه وقال عياض في موضع آخر بعد الحور بعد الكور كذا للعذري والكون للفارسي والسجزي وابن ماهان وقول عاصم في تفسيره حار بعد ما كار وهو روايته ويقال إن عاصما وهم فيه انتهى والسائل لابن مالك عن اللفظة هو ابن خلكان لأن ابن الأثير سأل ابن خلكان عنها فسأل هو ابن مالك رحم الله تعالى الجميع
تعريف بابنه بدر الدين
وقد عرف الحافظ الذهبي بابن مالك في تاريخ الإسلام وذكر فيه ترجمة لولده بدر الدين محمد وأنه كان حاد الذهن ذكيا إماما في النحو وعلم
____________________
(2/233)

المعاني والمنطق جيد المشاركة في الفقه والتدريس وأنه تصدر بعد والده للتدريس ومات شابا قبل الكهولة سنة 686 ومن أجل تصانيفه شرحه على ألفية والده وهو كتاب في غاية الإغلاق ويقال إنه نظير الرضي في شرح الكافية وللناس عليه حواش كثيرة رحمهم الله تعالى أجمعين
145 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن طاهر القيسي التدميري ويعرف بالشهيد كان عظيم القدر جدا بالأندلس بعيد الأثر في الخير والصلاح والعلم والنسك والانقطاع إلى الله تعالى وكان من وجوه أهل كورة تدمير ذوي البيوت الرفيعة وبرع بخصاله المحمودة فكان في نفسه فقيها عالما زاهدا خيرا ناسكا متبتلا نشأ على الاستقامة والصلاح والاهتداء والدعة وطلب العلم في حدثان سنه ورحل إلى قرطبة فروى الحديث وتفقه وناظر وأخذ بحظ وافر من علم المسألة والجواب وكان أكثر علمه وعمله الورع والتشدد فيه والتحفظ بدينه ومكسبه ورسخ في علم السنة ثم ارتحل إلى المشرق فمر بمصر حاجا فأقام بالحرمين ثمانية أعوام يتعيش فيها من عمل يده بالنسخ ثم سار إلى العراق فلقي أبا بكر الأبهري وأخذ عنه وأكثر من لقاء الصالحين وأهل العلم ولبس الصوف وقنع وتورع جدا وأعرض عن الشهوات وكان إذا سئم من النسخ الذي جعل قوته منه آجر نفسه في الخدمة رياضة لها فأصبح عابدا متقشفا منيبا مخبتا عالما عاملا منقطع القرين قد جرت منه دعوات مجابة وحفظت له كرامات ظاهرة ثم عاد إلى بلده تدمير سنة ست أو سبع وسبعين وثلاثمائة وبها أبوه أبو الحسام طاهر حيا فنزل خارج مدينة مرسية تورعا عن سكناها وعن الصلاة في جامعها فاتخذ له بيتا سقفه من حطب السدر يأوي إليه واعتمر جنينة بيده يقتات منها وصار يغزو مع المنصور محمد بن أبي عامر ثم تحول من قريته بعد عامين إلى الثغر وواصل
____________________
(2/234)

الرباط ونزل مدينة طلبيرة وكان يدخل منها في السرايا إلى بلد العدو فيغزو ويتقوت من سهمانة ويعول على فرس له ارتبطه لذلك وكان له بأس وشدة وشجاعة وثقافة يحدث عنه فيها بحكايات عجيبة إلى أن استشهد مقبلا غير مدبر سنة 379 أو في التي قبلها عن اثنتين وأربعين سنة وأبوه حي رحم الله تعالى الجميع
146 - ومنهم أبو عبد الله القيجاطي محمد بن عبد الجليل بن عبد الله بن جهور مولده سنة 590 بقيجاطة وكتب عنه الحافظ المنذري ومن شعره قوله
( إذا كنت تهوى من نأت عنك داره ** فحسبك ما تلقى من الشوق والبعد )
فيا ويح صب قد تضرم ناره ** ووا حر قلب ذاب من شدة الوجد )
147 - ومنهم أبو عبد الله - ويقال أبو حامد - محمد بن عبد الرحيم المازني القيسي الغرناطي ولد سنة 473 ودخل الإسكندرية سنة 508 وسمع بها من أبي عبد الله الرازي وبمصر من أبي صادق مرشد بن يحيى المديني وأبي الحسن الفراء الموصلي وأبي عبد الله محمد بن بركات بن هلال النحوي وغيرهم وحدث بدمشق وسمع أيضا بها وببغداد وقدمها سنة 556 ودخل خراسان وأقام بها مدة ثم رجع إلى الشام وأقام بحلب سنين وسكن دمشق وكان يذكر أنه رأى عجائب في بلاد شتى ونسبه بعض الناس بسبب ذلك إلى ما لا يليق وصنف في ذلك كتابا سماه تحفة الألباب وكان حافظا عالما أديبا وتكلم فيه الحافظ ابن عساكر وزنه بالكذب وقال ابن النجار ما علمته إلا أمينا
____________________
(2/235)


ومن شعره قوله
( تكتب العلم وتلقي في سفط ** ثم لا تحفظ لا تفلح قط )
( إنما يفلح من يحفظه ** بعد فهم وتوق من غلط )
وقوله
( العلم في القلب ليس العلم في الكتب ** فلا تكن مغرما باللهو واللعب )
( فاحفظه وافهمه واعمل كي تفوز به ** فالعلم لا يجتنى إلا مع التعب )
توفي بدمشق في صفر سنة 565
148 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد السلام القرطبي من ذرية أبي ثعلبة الخشني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم رحل قبل الأربعين ومائتين فحج وسمع بالبصرة من محمد بن بشار وأبي موسى الزمن ونصر ابن علي الجهضمي ولقي أبا حاتم السجستاني والعباس بن الفرج الرياشي وسمع ببغداد من أبي عبيد القاسم بن سلام وبمكة من محمد بن يحيى العدني وبمصر من سلمة بن شبيب صاحب عبد الرزاق والبرقي وغيرهما وأدخل الأندلس علما كثيرا من الحديث واللغة والشعر وكان فصيحا جزل المنطق صارما أنوفا منقبضا عن السلطان أراده على القضاء فأبى وقال إباية إشفاق لا إباية عصيان فأعفاه وكان ثقة مأمونا وتوفي في رمضان سنة 286 عن ثمان وستين سنة رحمه الله تعالى
____________________
(2/236)


149 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن أيمن بن فرج القرطبي سمع من محمد بن وضاح وأكثر عنه وأخذ عن محمد الخشني وقاسم بن أصبغ وإبراهيم بن قاسم بن هلال ورحل سنة 274 فسمع بمصر من المطلب بن شعيب والمقدام بن داود الرعيني وأدرك بالعراق إسماعيل القاضي وعبد الله بن أحمد بن حنبل قال الحميدي حدث بالمغرب وبالمشرق وصنف السنن وممن روى عنه خالد بن سعيد وقال لنا أبو محمد بن حزم مصنف ابن أيمن مصنف رفيع احتوى من صحيح الحديث وغريبه على ما ليس في كثير من المصنفات وتوفي في ذي القعدة سنة 330 بقرطبة رحمه الله تعالى
150 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن ضيفون اللخمي الرصافي القرطبي الحداد سمع بقرطبة من عبد الله بن يونس وقاسم بن أصبغ وحج سنة 339 سنة رد القرامطة الحجر الأسود إلى مكانه وسمع بمكة من ابن الأعرابي وبمصر من ابن الورد وأبي علي بن السكن وعبد الكريم النسائي وغيرهم وسمع بأطرابلس والقيروان من جماعة وكان رجلا صالحا عدلا حدث وكتب عنه الناس وعلت سنه وتوفي بشوال سنة 394 وولد فيما أظن سنة 302 وكانت وفاته بقرطبة وقد اضطرب في أشياء قرئت عليه وممن أخذ عنه الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحم الله تعالى الجميع
____________________
(2/237)


151 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الملك الخزرجي السعدي القرطبي روى عن أبي الحسن علي بن هشام وروى عنه أبو القاسم بن بشكوال وقدم مصر وحدث بها وممن سمع منه بهاء بن وردان وأبو الرضى القيسراني في آخرين واستوطن مصر وتوفي سنة 588
152 - ومنهم أبو بكر بن السراج النحوي بتشديد الراء وهو محمد بن عبد الملك بن محمد بن السراج الشنتمري أحد أئمة العربية المبرزين فيها ويكفيه فخرا أنه أستاذ أبي محمد عبد الله بن بري المصري اللغوي النحوي وحدث عن أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد النفطي وقرأ العربية بالأندلس على ابن أبي العافية وابن الأخضر وقدم مصر سنة 515 وأقام بها وأقرأ الناس العربية ثم انتقل إلى اليمن وروى عنه أبو حفص عمر بن إسماعيل وأبو الحسن علي والد الرشيد العطار وله تواليف منها تنبيه الألباب في فضل الإعراب وكتاب في العروض وكتاب مختصر العمدة لابن رشيق وتنبيه أغلاطه قال السلفي كان من أهل الفضل الوافر والصلاح الظاهر وكانت له حلقة في جامع مصر لإقراء النحو وكثيرا ما كان يحضر عندي - رحمه الله تعالى - مدة مقامي بالفسطاط توفي بمصر سنة 549 وقيل سنة خمس وأربعين وقيل خمسين وخمسمائة برمضان والأول أثبت
153 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد بن علي بن سعيد العنسي ويكنى أيضا أبا القاسم الغرناطي سمع من الجلة بمصر والإسكندرية ودمشق وبغداد منهم الحراني أبو عبد الله وأبو محمد عبد الصمد
____________________
(2/239)

ابن داود بدمشق وكتب الحديث وعني بالرواية أتم عناية وفقد بأصبهان حين استولى عليها التتار قبل الثلاثين وستمائة
154 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الدفاع بالدال المهملة وقيل بالراء قرطبي سمع عبد الملك بن حبيب ورحل فسمع بمصر من الحارث بن مسكين وغيره وكان زاهدا فاضلا وتوفي سنة 281 رحمه الله تعالى
155 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن عابد المعافري القرطبي ولد بقرطبة سنة 358 ودخل مصر فسمع من أبي بكر بن المهندس وأبي بكر البصري وروى عن أبي عبد الله بن مفرج وأبي محمد الأصيلي وجماعة ولقي الشيخ أبا محمد بن أبي زيد في رحلته سنة 381 فسمع منه رسالته في الفقه وغيرها وحج من عامه ثم عاد من مصر إلى المغرب سنة 382 وكان معتنيا بالأخبار والآثار ثقة فيما رواه وعني به خيرا فاضلا دينا متواضعا متصاونا مقبلا على ما يعنيه صاحب حظ من الفقه وبصر بالمسائل ودعي إلى الشوري بقرطبة فأبى ومات سنة 439 وعابد جده بالباء الموحدة رحم الله تعالى الجميع
156 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سليمان بن عثمان بن هاجد الأنصاري البلنسي أخذ القراءات عن جماعة من أهل بلده وخرج حاجا سنة 571 فجاور بمكة وسمع بها وبالإسكندرية من السلفي وعاد إلى بلده
____________________
(2/239)

سنة 596 وحدث وكان من أهل الصلاح والفضل والورع كثير البر ومفاداة الأسرى ويحترف بالتجارة ومولده بعد سنة 530 ومات سنة 598 بمرسية رحمه الله تعالى
157 - ومنهم أبو الوليد محمد بن عبد الله بن محمد بن خيرة القرطبي المالكي الحافظ ولد سنة 479 وأخذ الفقه عن القاضي أبي الوليد بن رشد والحديث عن ابن عتاب وروى الموطأ عن أبي بحر سفيان بن العاص بن سفيان وأخذ الأدب عن أبي الحسين سراج بن عبد الملك بن سراج الأموي وعن مالك بن عبد الله العتبي وخرج من قرطبة في الفتنة بعد ما درس بها وانتفع الناس به في فروع الفقه وأصوله وأقام بالإسكندرية خوفا من بني عبد المؤمن بن علي ثم قال كأني والله بمراكبهم قد وصلت إلى الإسكندرية ثم سافر إلى مصر بعد ما روى عنه السلفي وأقام بها مدة ثم قال والله ما مصر والإسكندرية بمتباعدتين ثم سافر إلى الصعيد وحدث في قوص بالموطأ ثم قال والله ما يصلون إلى مصر ويتأخرون عن هذه البلاد فمضى إلى مكة وأقام بها ثم قال وتصل إلى هذه البلاد ولا تحج ما أنا إلا هربت منه إليه ثم دخل اليمن فلما رآها قال هذه أرض لا يتركها بنو عبد المؤمن فتوجه إلى الهند فأدركه وفاته بها سنة 551 وقيل بل مات بزبيد من مدن اليمن وكان من جلة العلماء الحفاظ متقنا متفننا في المعارف كلها جامعا لها كثير الرواية واسع المعرفة حافل الأدب من كبار فقهاء المالكية
____________________
(2/240)

يتصرف في علوم شتى حافظا للآداب عارفا بشعراء الأندلس وكان علمه أوفر من منطقه ولم يرزق فصاحة ولا حس إيراد والله اعلم
قال ابن نقطة خيرة بكسر الخاء المعجمة وفتح الياء المنقوطة من تحتها باثنتين
158 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل السلمي المرسي قال ابن النجار ولد بمرسية سنة 570 وقال غيره في التي قبلها وخرج من بلاد المغرب سنة 607 ودخل مصر وسار إلى الحجاز ودخل مع قافلة الحجاج إلى بغداد وأقام بها يسمع ويقرأ الفقه والخلاف والأصلين بالنظامية ثم سافر إلى خراسان وسمع بنيسابور وهراة ومرو وعاد إلى بلاد بغداد وحدث بكتاب السنن الكبير للبيهقي عن منصور بن عبد المنعم الفراوي وبكتاب غريب الحديث للخطابي وقدم إلى مصر فحدث بالكثير عن جماعة منهم أم المؤيد زينب وأبو الحسن المؤيد الطوسي وخرج من مصر يريد الشام فمات بين الزعقة والعريش من منازل الرمل في ربيع الأول سنة 655 ودفن بتل الزعقة وكان من الأئمة الفضلاء في جميع فنون العلم من علوم القرآن والحديث والفقه والخلاف والأصلين والنحو واللغة وله فهم ثاقب وتدقيق في المعاني مع النظم والنثر المليح وكان زاهدا متورعا حسن الطريقة متدينا كثير العبادة فقيها مجردا متعففا نزه النفس قليل المخالطة لأوقاته طيب الأخلاق متوددا كريم النفس
____________________
(2/241)

قال ابن النجار ما رأيت في فنه مثله وكان شافعي المذهب وله كتاب تفسير القرآن سماه ري الظمآن كبيار جدا وكتاب الضوابط الكلية في النحو وتعليق على الموطأ وكان مكثرا شيوخا وسماعا وحدث بالكثير بمصر والشام والعراق والحجاز وكانت له كتب في البلاد التي ينتقل إليها بحيث إنه لا يستصحب كتبا في سفره اكتفاء بما له من الكتب في البلد الذي يسافر إليه وكان كريما قال أبو حيان أخبرني الشرف الجزائري بتونس أنه كان على رحلة وكان ضعيفا فقال له خذ ما تحت هذه السجادة أو البساط فرفعت ذلك فوجدت تحته نحو من أربعين دينارا ذهبا فأخذتها وقال الجمال اليغموري أنشدني لنفسه بالقاهرة
( قالوا فلان قد أزال بهاءه ** ذاك العذار وكان بدر تمام )
( فأجبتهم بل زاد نور بهائه ** ولذا تضاعف فيه فرط غرامي )
( استقصرت ألحاظه فتكاتها ** فأتى العذار يمدها بسهام )
ومن شعره قوله
( من كان يرغب في النجاة فما له ** غير اتباع المصطفى فيما أتى )
( ذاك السبيل المستقيم وغيره ** سبل الغواية والضلالة والردى )
( فاتبع كتاب الله والسنن التي ** صحت فذاك إذا اتبعت هو الهدى )
( ودع السؤال بكم وكيف فإنه ** باب يجر ذوي البصيرة للعمى )
( الدين ما قال النبي وصحبه ** والتابعون ومن مناهجهم قفا )
____________________
(2/242)


159 - ومنهم أبو بكر محمد بن عبد الله البنتي الأندلسي الأنصاري قدم مصر وأقام بالقرافة مدة وكان شيخا صالحا زاهدا فاضلا وتوجه إلى الشام فهلك قال الرشيد العطار كان من فضلاء الأندلسيين ونبهائهم ساح في الأرض ودخل بلاد العجم وغيرها من البلاد البعيدة وكان يتكلم بألسنة شتى
ومن شعره قوله
( إذا قل منك السعي فالعزم ناشد ** وكل مكان في مرائك واحد )
( توجه بصدق واتق المين واقتصد ** تجئك رهينات النجاح المقاصد )
والبنتي - بضم الباء وسكون النون - نسبة إلى بنت حصن بالأندلس ويقال بونت بزيادة واو
160 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخولاني الباجي ثم الإشبيلي المعروف بابن القوق سمع بقرطبة من جماعة ورحل إلى المشرق سنة 266 فسمع بمكة من علي بن عبد العزيز وغيره وبمصر من محمد بن عبد الحكم ومن أخيه سعد وكان فقيها في الرأي حافظا له عاقدا للشروط قال ابن الفرضي كان رجلا صالحا ورعا ثقة وكان خالد بن سعيد قد رحل إليه وسمع منه وكان يقول إذا حدث عنه كان من معادن الصدق توفي سنة 308
161 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللوشي الطبيب اشتغل بالطب وبرع فيه وأقام بمصر مدة وبها مات في عشر الستين وستمائة
____________________
(2/243)


162 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبدون العذري القرطبي رحل سنة 337 فدخل مصر والبصرة وعني بعلم الطب ودبر مارستان مصر ثم رجع إلى الأندلس سنة 360 واتصل بالحكم المستنصر وابنه المؤيد وله في التكسير كتاب حسن قال صاعد تمهر في الطب ونبل فيه وأحكم كثيرا من أصوله وعانى صنعة المنطق معاناة صحيحة وكان شيخه فيه أبو سليمان محمد بن محمد بن طاهر بن بهرام السجستاني البغدادي وكان قبل أن يتطبب مؤدبا للحساب والهندسة وأخبرني أبو عثمان سعيد الطليطلي أنه لم يلق في قرطبة من يلحق محمد بن عبدون في صناعة الطب ولا يجاريه في ضبطها وحسن دربته فيها وإحكامه لغوامضها رحمه الله تعالى
163 - ومن الراحلين إلى المشرق من أهل الأندلس أبو مروان عبد الملك بن أبي بكر محمد بن مروان بن زهر الإيادي الأندلسي صاحب البيت الشهير بالأندلس رحل المذكور إلى المشرق وتطبب به زمانا وتولى رئاسة الطب ببغداد ثم بمصر ثم القيروان ثم استوطن مدينة دانية وطار ذكره فيها إلى أقطار الأندلس والمغرب واشتهر بالتقدم في علم الطب حتى بز أهل زمانه ومات في مدينة دانية رحمه الله تعالى ووالده محمد بن مروان كان عالما بالرأي حافظا للأدب فقيها حاذقا بالفتوى متقدما فيها متقنا للعلوم فاضلا جامعا للدراية والرواية وتوفي بطلبيرة سنة 422 وهو ابن ست وثمانين سنة حدث عنه جماعة من علماء
____________________
(2/244)

الأندلس ووصفوه بالدين والفضل والجود والبذل رحمه الله تعالى
وأما أبو العلاء زهر بن عبد الملك المذكور فقال ابن دحية فيه إنه كان وزير ذلك الدهر وعظيمه وفيلسوف ذلك العصر وحكيمه وتوفي ممتحنا من نغلة بين كتفيه سنة 525 بمدينة قرطبة انتهى وكانت بينه وبين الفتح صاحب القلائد عداوة ولذلك كتب في شأنه إلى أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين ما صورته أطال الله تعالى بقاء الأمير الأجل سامعا للنداء دافعا للتطاول والاعتداء لم ينظم الله تعالى بلبتك الملك عقدا وجعل لك حلا للأمور وعقدا وأوطأ لك عقبا وأصار من الناس لعونك منتظرا ومرتقبا إلا أن تكون للبرية حائطا وللعدل فيهم باسطا حتى لا يكون فيهم من يضام ولا ينال أحدهم اهتضام ولتقصر يد كل معتد في الظلام وهذا ابن زهر الذي أجررته رسنا وأوضحت له إلى الاستطالة سننا لم يتعد من الإضرار إلا حيث انتهيته ولا تمادى على غيه إلا حين لم تنهه أو نهيته ولما علم أنك لا تنكر عليه نكرا ولا تغير له متى ما مكر في عباد الله مكرا جرى في ميدان الأذية ملء عنانه وسرى إلى ما شاء بعدوانه ولم يراقب الذي خلقه وأمد في الحظوة عندك طلقه وأنت بذلك مرتهن عند الله تعالى لأنه مكنك لئلا يتمكن الجور ولتسكن بك الفلاة والغور فكيف أرسلت زمامه حتى جرى من الباطل في كل طريق وأخفق به كل فريق وقد علمت أن خالقك الباطش الغيور يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وما تخفى عليه نجواك ولا يستتر عنه تقلبك ومثواك وستقف بين يدي عدل حاكم يأخذ بيد كل مظلوم من ظالم قد علم كل قضية قضاها ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فبم تحتج معي لديه إذا وقفت أنا وأنت بين يديه 1 أترى ابن زهر ينجيك في ذلك
____________________
(2/245)

المقام أو يحميك من الانتقام وقد أوضحت لك المحجة لتقوم عليك الحجة والله سبحانه النصير وهو بكل خلق بصير لا رب غيره والسلام انتهى
رسالة للفتح فى غريق
وقد تذكرت هنا بذكر الفتح ما كتبه وقد مات بعض إخوانه غريقا
( أتاني ورحلي بالعراق عشية ** ورحل المطايا قد قطعن بنا نجدا )
( نعي أطار القلب عن مستقره ** وكنت على قصد فأغلطني القصدا )
نعوا والله باسق الأخلاق لا يخلف ورموا قلبي بسهم أصاب صميمه فما أخلف لقد سام الردى منه حسنا وجمالا ووسامة وطوى بطيه نجده وتهامه فعطل منه الندي والندى وأثكل فيه الهدي والهدى كم فل السيوف طول قراعه ودل عليه الضيوف موقد ناره ببقاعه وكم تشوف إليه السرير والمنبر وتصرف فيه الثناء المحبر وكم راع البدر ليلة إبداره وروع العدو في عقر داره وأي فتى غدا له البحر ضريحا وأعدى عليه الحين ماء وريحا فبدل من ظلل على ومفاخر بقعر بحر طامي اللجج زاخر وبدل من صهوات الخيل بلهوات اللجج والسيل غريق حكى مقلتي في دمعها وأصاب نفسي في سمعها ومن حزن لا أستسقي له الغمام فما له قبر تجوده ولا ثرى تروي به تهائمه ونجوده وقد آليت أن لا أودع الريح تحية ولا يورثني هبوبها أريحية فهي التي أثارت في الموج حنقا ومشت عليه خببا وعنقا حتى أعادته كالكثبان وأودعته قضيب بان فيا أسفا لزلال غاض في أجاج ولسلسال فاض عليه بحر عجاج وما كان إلا جوهرا ذهب إلى عنصره وصدفا بان عن عين مبصره لقد آن للحسام أن يغمد فلا يشام وللحمام أن تبكيه بكل أراكة وبشام وللعذارى أن لا يحجبهن الخفر والاحتشام ينحن فتى ما ذرت الشمس
____________________
(2/246)

إلا ضر أو نفع ويبكين من لم يدع فقده في العيش من منتفع فكم نعمنا بدنوه ونسمنا نسيم الأنس في رواحه وغدوه وأقمنا بروضة موشية ووقفنا بالمسرات عشية وأدرناها ذهبا سائلة ونظرناها وهي شائلة لم نرم السهر ولم نشم برقا إلا الكأس والزهر ولو غير الحمام زحف إليه جيشه أو غير البحر رجف به ارتجاجه وطيشه لفداه من أسرته كل أروع إن عاجله المكروه تثبطه أو جاءه الشر تأبطه ولكنها المنايا لا تردها الصوارم والأسل ولا تفوتها ذئاب الغضا العسل قد فرقت بين مالك وعقيل وأشرقت بعدهما جذيمة بالحسام الصقيل انتهى
وقد عرفنا بالفتح في غير هذا الموضع فليراجع
رجع إلى بيت بني زهر رحمهم الله تعالى - وأما أبو بكر محمد بن أبي مروان عبد الملك بن أبي العلاء زهر المذكور فهو عين ذلك البيت وإن كانوا كلهم أعيانا علماء رؤساء حكماء وزراء وقد نالوا المراتب العلية وتقدموا عند الملوك ونفذت أوامرهم قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية في المطرب من أشعار أهل المغرب كان شيخنا الوزير أبو بكر بن زهر بمكان من اللغة مكين ومورد من الطلب عذب معين وكان يحفظ شعر ذي الرمة وهو ثلث لغة العرب مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب والمنزلة العلياء عند أصحاب المغرب مع سمو النسب وكثرة الأموال والنشب صحبته زمانا طويلا واستفدت منه أدبا جليلا وأنشد من شعره المشهور قوله
( موسدين على الأكف خدودهم ** قد غالهم نوم الصباح وغالني )
____________________
(2/247)


( ما زلت أسقيهم وأشرب فضلهم ** حتى سكرت ونالهم ما نالني )
( والخمر تعلم كيف تأخذ ثارها ** إني أملت إناءها فأمالني )
ثم قال ابن دحية وسألته عن مولده فقال ولدت سنة سبع وخمسمائة قال وبلغتني وفاته آخر سنة 595 رحمه الله تعالى انتهى وزعم ابن خلكان أن ابن زهر ألم في الأبيات المذكورة يقول بقول الرئيس أبي غالب عبيد الله بن هبة الله
( عاقرتهم مشمولة لو سالمت ** شرابها ما سميت بعقار )
( ذكرت حقائدها القديمة إذ غدت ** صرعى تداس بأرجل العصار )
( لانت لهم حتى انتشوا وتمكنت ** منهم وصاحت فيهم بالثار )
ومن المنسوب إلى أبي بكر بن زهر قوله في كتاب جالينوس المسمى بحيلة البرء وهو من أجل كتبهم وأكبرها
( حيلة البرء صنعة لعليل ** يترجى الحياة أو لعليله )
( فإذا جاءت المنية قالت ** حيلة البرء ليس في البرء حيله )
( ومن شعره رحمه الله تعالى يتشوق ولدا له صغيرا بإشبيلية وهو بمراكش
ولي واحد مثل فرخ القطاة ** صغير تخلفت قلبي لديه )
( وأفردت عنه
( فيا وحشتا ** لذاك الشخيص وذاك الوجيه )
____________________
(2/248)


( تشوقني وتشوقته ** فيبكي علي وأبكي عليه )
( وقد تعب الشوق ما بيننا ** فمنه إلي ومني إليه )
وأخبرني الطبيب الماهر الثقة الصالح العلامة سيدي أبو القاسم بن محمد الوزير الغساني الأندلسي الأصل الفاسي المولد والنشأة حكيم حضرة السلطان المنصور بالله الحسني صاحب المغرب رضي الله تعالى عنه أن ابن زهر لما قال هذه الأبيات وسمعها أمير المؤمنين يعقوب المنصور سلطان المغرب والأندلس أواخر المائة السادسة أرسل المهندسين إلى إشبيلية وأمرهم أن يحتاطوا علما ببيوت ابن زهر وحارته ثم يبنوا مثلها بحضرة مراكش ففعلوا ما أمرهم في أقرب مدة وفرشها بمثل فرشه وجعل فيها مثل آلاته ثم أمر بنقل عيال ابن زهر وأولاده وحشمه وأسبابه إلى تلك الدار ثم احتال عليه حتى جاء إلى ذلك الموضع فرآه أشبه شيء ببيته وحارته فاحتار لذلك وظن أنه نائم وأن ذلك أحلام فقيل له ادخل البيت الذي يشبه بيتك فدخله فإذا ولده الذي تشوق إليه يلعب في البيت فحصل له من السرور ما لا مزيد عليه ولا يعبر عنه هكذا هكذا وإلا فلا لا
ومن نظم ابن زهر المذكور حيث شاخ وغلب عليه الشيب
( إني نظرت إلى المرآة قد جليت ** فأنكرت مقلتاي كل ما رأتا )
( رأيت فيها شويخا لست أعرفه ** وكنت أعهده من قبل ذاك فتى )
( فقلت أين الذي بالأمس كان هنا ** متى ترحل عن هذا المكان 15 متى )
____________________
(2/249)


( فاستضحكت ثم قالت وهي معجبة ** إن الذي أنكرته مقلتاك أتى )
( كانت سليمى تنادي يا أخي وقد ** صارت سليمى تنادي اليوم يا أبتا )
والبيت الأخير ينظر إلى قول الأخطل
( وإذا دعونك عمهن فإنه ** نسب يزيدك عندهن خبالا )
( وإذا دعونك يا أخي فإنه ** أدنى وأقرب خلة ووصالا )
وقال ابن دحية في حقه أيضا والذي انفرد به شيخنا وانقادت لتعليته طباعه وصارت النبهاء فيه من خوله وأتباعه الموشحات وهي زبدة الشعر ونخبته وخلاصة جوهره وصفوته وهي من الفنون التي أغرب بها أهل المغرب على أهل المشرق وظهروا فيها كالشمس الطالعة والضياء المشرق انتهى
ومن مشهور موشحات ابن زهر قوله
( ما للموله ** من سكره لا يفيق )
وهذا مطلع موشح يستعمله أهل المغرب إلى الآن ويرون أنه من أحسن الموشحات
____________________
(2/250)

ومن موشحاته قوله
( سلم الأمر للقضا ** فهو للنفس أنفع )
( واغتنم حين أقبلا ** )
( وجه بدر تهللا ** )
( لا تقل بالهموم لا ** )
( كل ما فات وانقضى ** ليس بالحزن يرجع )
( واصطبح بابنة الكروم ** )
( من يدي شادن رخيم ** )
( حين يفتر عن نظيم ** )
( فيه برق قد أومضا ** ورحيق مشعشع )
( أنا أفديه من رشا ** )
( أهيف القد والحشا ** )
( سقي الحسن فانتشى ** )
( مذ تولى وأعرضا ** ففؤادي يقطع )
( من لصب غدا مشوق ** )
( ظل في دمعه غريق ** )
( حين أموا حمى العقيق ** )
( واستقلوا بذي الغضا ** أسفي يوم ودعوا )
( ما ترى حين أظعنا ** )
( وسرى الركب موهنا ** )
( واكتسى الليل بالسنا ** )
____________________
(2/251)


( غصني القد مهضوم الوشاح ** مادري الوصل طائي السماح )
( قد بالقد فؤادي هيفا ** )
( وسبى عقلي لما انعطفا ** )
( ليته بالوصل أحيا دنفا ** )
( مستطار العقل مقصوص الجناح ** ما عليه في هواه من جناح )
( يا علي أنت نور المقل ** )
( جد بوصل منك لي يا أملي ** )
( كم أغنيك إذا ما لحت لي ** )
( طرقت والليل ممدود الجناح ** مرحبا بالشمس من غير صباح )
164 - ومنهم أبو الحجاج الساحلي يوسف بن إبراهيم بن محمد بن قاسم بن علي الفهري الغرناطي قال في الإحاطة صدر من صدور حملة القرآن على وتيرة الفضلاء وسنن الصالحين حج ولقي الأشياخ بعد أن قرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير وطبقته ومن نظمه يخاطب الوزير ابن الحكيم وقد أصابته حمى تركت على شفته بثورا
( حاشاك أن تمرض حاشاكا ** قد اشتكى قلبي لشكواكا
( إن كنت محموما ضعيف القوى ** فإنني أحسد حماكا )
( ما رضيت حماك إذ باشرت ** جسمك حتى قبلت فاكا )
قال أبو الحجاج رحمه الله تعالى وكتب إلى شيخنا محمد بن محمد بن عتيق
____________________
(2/253)

بن رشيق في الاستدعاء الذي أجازني فيه ولمن ذكر معي
( أجزت لهم أبقاهم الله كل ما ** رويت عن الأشياخ في سالف الدهر )
( وما سمعت أذناي من كل عال ** م وما جاد من نظمي وما راق من نثري )
( على شرط أصحاب الحديث وضبطهم ** بريء عن التصحيف عار عن النكر )
( كتبت لهم خطي واسمي محمد ** أبو القاسم المكنى ما فيه من نكر )
( وجدي رشيق شاع في الغرب ذكره ** وفي الشرق أيضا فادر إن كنت لا تدري )
( ولى مولد من بعد عشرين حجة ** ثمان على الست المئين ابتدا عمري )
( وبالله توفيقي عليه توكلي ** له الحمد في الحالين في العسر واليسر )
ومولد أبي الحجاج المذكور سنة 662 وتوفي سنة 702 رحمه الله تعالى انتهى باختصار
165 - وممن ارتحل من الأندلس إلى المشرق شاعر الأندلس يحيى بن الحكم البكري الجياني الملقب بالغزال لجماله وهو في المائة الثالثة من بني بكر بن وائل قال ابن حيان في المقتبس كان الغزال حكيم الأندلس وشاعرها وعرافها عمر أربعا وتسعين سنة ولحق أعصار خمسة من الخلفاء المروانية بالأندلس أولهم عبد الرحمن بن معاوية وآخرهم الأمير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم
____________________
(2/254)

ومن شعره
( أدركت بالمصر ملوكا أربعه ** وخامسا هذا الذي نحن معه )
وله على أسلوب ابن أبي حكيمة راشد بن إسحاق الكاتب
( خرجت إليك وثوبها مقلوب ** ولقلبها طربا إليك وجيب )
( وكأنها في الدار حين تعرضت ** ظبي تعلل بالفلا مرعوب )
( وتبسمت فأتتك حين تبسمت ** بجمان در لم يشنه ثقوب )
( ودعتك داعية الصبا فتطربت ** نفس إلى داعي الضلال طروب )
( حسبتك في حال الغرام كعهدها ** في الدار إذ غصن الشباب رطيب )
( وعرفت ما في نفسها فضممتها ** فتساقطت بهنانة رعبوب )
( وقبضت ذاك الشيء قبضة شاهن ** فنزا إلي عضنك حلبوب )
( بيدي الشمال وللشمال لطافة ** ليست لأخرى والأديب أريب )
( فأصاب كفي منه حين لمسته ** بلل كماء الورد حين يسيب )
( وتحللت نفسي للذة رشحه ** حتى خشيت على الفؤاد يذوب )
( فتقاعس الملعون عنه وربما ** ناديته خيرا فليس يجيب )
( وأبى فحقق في الإباء كأنه ** جان يقاد إلى الردى مكروب )
( وتغضنت جنباته فكأنه ** كير تقادم عهده مثقوب )
( حتى إذا ما الصبح لاح عموده ** قبسا وحان من الظلام ذهوب )
( ساءلتها خجلا أما لك حاجة ** عندي فقالت ساخر وحروب )
( قالت حر امك إذ أردت وداعها ** قرن وفيه عوارض وشعوب )
____________________
(2/255)


وذكرها ابن دحية بمخالفة لما سردناه قال عتبة التاجر وجهني الأمير الحكم وابنه عبد الرحمن إلى المشرق وعبد الله بن طاهر أمير مصر من قبل المأمون فلقيته بالعراق فسألني عن هذه هل أحفظها للغزال قلت نعم فاستنشدنيها فأنشدته إياها فسر بها وكتبها قال عتبة ونلت بها حظا عنده
والبهنانة المرأة الطيبة النفس والأرج كما في الصحاح وقيل اللينة في منطقها وعملها وقيل الضحاكة المتهللة والرعبوب السبطة البيضاء والسبطة الطويلة وقال سامحه الله تعالى
( سألت في النوم أبي آدما ** فقلت والقلب به وامق )
( ابنك بالله أبو حازم ** صلى عليك المالك الخالق )
( فقال لي إن كان مني ومن ** نسلي فحوا أمكم طالق )
وقال رضي الله تعالى عنه
( أرى أهل اليسار إذا توفوا ** بنوا تلك المقابر بالصخور )
( أبوا إلا مباهاة وفخرا ** على الفقراء حتى في القبور )
( فإن يكن التفاضل في ذراها ** فإن العدل فيها في القعور )
( رضيت بمن تأنق في بناء ** فبالغ فيه تصريف الدهور )
( ألما يبصروا ما خربته الدهور ** من المدائن والقصور )
( لعمر أبيهم لو أبصروهم ** لما عرف الغني من الفقير )
( ولا عرفوا العبيد من الموالي ** ولا عرفوا الإناث من الذكور )
( ولا من كان يلبس ثوب صوف ** من البدن المباشر للحرير )
____________________
(2/256)


( إذا أكل الثرى هذا وهذا ** فما فضل الكبير على الحقير )
وقال رضي الله تعالى عنه
( لا ومن أعمل المطايا إليه ** كل من يرتجي إليه نصيبا )
( ما أرى ههنا من الناس إلا ** ثعلبا يطلب الدجاج وذيبا )
( أو شبيها بالقط ألقى بعينيه ** إلى فارة يريد الوثوبا )
وقال رضي الله تعالى عنه
( قالت أحبك قلت كاذبة غري ** بذا من ليس ينتقد )
( هذا كلام لست أقبله ** الشيخ ليس يحبه أحد )
( سيان قولك ذا وقولك إن ** الريح نعقدها فتنعقد )
( أو أن تقولي النار باردة ** أو أن تقولي الماء يتقد )
وحكى أبو الخطاب بن دحية في كتاب المطرب أن الغزال أرسل إلى بلاد المجوس وقد قارب الخمسين وقد وخطه الشيب ولكنه كان مجتمع الأشد فسألته زوجة الملك يوما عن سنه فقال مداعبا لها عشرون سنة فقالت وما هذا الشيب فقال وما تنكرين من هذا ألم تري قط مهرا ينتج وهو أشهب فأعجبت بقوله فقال في ذلك واسم الملكة تود
( كلفت يا قلبي هوى متعبا ** غالبت منه الضيغم الأغلبا )
( إني تعلقت مجوسية ** تأبى لشمس الحسن أن تغربا )
( أقصى بلاد الله في حيث لا ** يلفي إليه ذاهب مذهبا )
____________________
(2/257)


( يا تود يا رود الشباب التي ** تطلع من أزرارها الكوكبا )
( يا بأبي الشخص الذي لا أرى ** أحلى على قلبي ولا أعذبا )
( إن قلت يوما إن عيني رأت ** مشبهه لم أعد أن أكذبا )
( قالت أرى فوديه قد نورا ** دعابة توجب أن أدعبا )
( قلت لها ما باله إنه ** قد ينتج المهر كذا أشهبا )
( فاستضحكت عجبا بقولي لها ** وإنما قلت لكي تعجبا )
قال ولما فهمها الترجمان شعر الغزال ضحكت وأمرته بالخضاب فغدا عليها وقد اختضب وقال
( بكرت تحسن لي سواد خضابي ** فكأن ذاك أعادني لشبابي )
( ما الشيب عندي والخضاب لواصف ** إلا كشمس جللت بضباب )
( تخفي قليلا ثم يقشعها الصبا ** فيصير ما سترت به لذهاب )
( لا تنكري وضح المشيب فإنما هو زهرة الأفهام والألباب )
( فلدي ما تهوين من شأن الصبا ** وطلاوة الأخلاق والآداب )
وحكى ابن حيان في المقتبس أن الأمير عبد الرحمن بن الحكم المرواني وجه شاعره الغزال إلى ملك الروم فأعجبه حديثه وخف على قلبه وطلب منه أن ينادمه فامتنع من ذلك واعتذر بتحريم الخمر وكان يوما جالسا عنده وإذا بزوجة الملك قد خرجت وعليها زينتها وهي كالشمس الطالعة حسنا فجعل الغزال لا يميل طرفه عنها وجعل الملك يحدثه وهو لاه عن حديثه فأنكر ذلك عليه وأمر الترجمان بسؤاله فقال له عرفه أني قد بهرني من حسن هذه الملكة ما قطعني عن حديثه فإني لم أر قط
____________________
(2/258)

مثلها وأخذ في وصفها والتعجب من جمالها وأنها شوقته إلى الحور العين فلما ذكر الترجمان ذلك للملك تزايدت حظوته عنده وسرت الملكة بقوله وأمرت الترجمان أن يسأله عن السبب الذي دعا المسلمين إلى الختان وتجشم المكروه فيه وتغيير خلق الله مع خلوه من الفائدة فقال للترجمان عرفها أن فيه أكبر فائدة وذلك أن الغصن إذا زبر قوي واشتد وغلظ وما دام لا يفعل به ذلك لا يزال رقيقا ضعيفا فضحكت وفطنت لتعريضه انتهى ومن شعر الغزال قوله
( يا راجيا ود الغواني ضلة ** وفؤاده كلف بهن موكل )
( إن النساء لكالسروج حقيقة ** فالسرج سرجك ريثما لا تنزل )
( فإذا نزلت فإن غيرك نازل ** ذاك المكان وفاعل ما تفعل )
( أو منزل المجتاز أصبح غاديا ** عنه وينزل بعده من ينزل )
( أو كالثمار مباحة أغصانها ** تدنو لأول من يمر فيأكل )
( أعط الشبيبة لا أبا لك حقها ** منها فإن نعيمها متحول )
( وإذا سلبت ثيابها لم تنتفع ** عند النساء بكل ما تستبدل )
وقال
( قال لي يحيى وصرنا ** بين موج كالجبال )
( وتولتنا رياح ** من دبور وشمال )
( شقت القلعين وابنتت ** عدى تلك الحبال )
( وتمطى ملك الموت ** إلينا عن حيال )
( فرأينا الموت رأي العين ** حالا بعد حال )
____________________
(2/259)


( لم يكن للقوم فينا ** يا رفيقي رأس مال )
منها
( وسليمى ذات زهد في ** زهيد في وصال )
( كلما قلت صليني ** حاسبتني بالخيال )
( والكرى قد منعته ** مقلتي أخرى الليالي )
( وهي أدرى فلماذا ** دافعتني بمحال )
( أترى أنا اقتضينا ** بعد شيئا من نوال )
وله
( من ظن أن الدهر ليس يصيبه ** بالحادثات فإنه مغرور )
( فالق الزمان مهونا لخطوبه ** وانجر حيث يجرك المقدور )
( وإذا تقلبت الأمور ولم تدم ** فسواء المحزون والمسرور )
وعاش الغزال أربعا وتسعين سنة وتوفي في حدود الخمسين والمائتين سامحه الله تعالى وكان الغزال أقذع في هجاء علي بن نافع المعروف بزرياب فذكر ذلك لعبد الرحمن فأمر بنفيه فدخل العراق وذلك بعد موت أبي نواس بمدة يسيرة فوجدهم يلهجون بذكره ولا يساوون شعر أحد بشعره فجلس يوما مع جماعة منهم فأزروا بأهل الأندلس واستهجنوا أشعارهم فتركهم حتى وقعوا في ذكر أبي نواس فقال لهم من يحفظ منكم قوله
____________________
(2/260)


( ولما رأيت الشرب أكدت سماؤهم ** تأبطت زقي واحتبست عنائي )
( فلما أتيت الحان ناديت ربه ** فثاب خفيف الروح نحو ندائي )
( قليل هجوع العين إلا تعلة ** على وجل مني ومن نظرائي )
( فقلت أذقنيها فلما أذاقها ** طرحت عليه ريطتي وردائي )
( وقلت أعرني بذلة أستتر بها ** بذلت له فيها طلاق نسائي )
( فوالله ما برت يميني ولا وفت ** له غير أني ضامن بوفائي )
( فأبت إلى صحبي ولم أك آئبا ** فكل يفديني وحق فدائي )
فأعجبوا بالشعر وذهبوا في مدحهم له فلما أفرطوا قال لهم خفضوا عليكم فإنه لي فأنكروا ذلك فأنشدهم قصيدته التي أولها
( تداركت في شرب النبيذ خطائي ** وفارقت فيه شيمتي وحيائي )
فلما أتم القصيدة بالإنشاد خجلوا وافترقوا عنه
وحكى أن يحيى الغزال أراد أن يعارض سورة { قل هو الله أحد } فلما رام ذلك أخذته هيبة وحالة لم يعرفها فأناب إلى الله فعاد إلى حاله
وحكي أن عباس بن ناصح الثقفي قاضي الجزيرة الخضراء كان يفد على قرطبة ويأخذ عنه أدباؤها ومرت عليهم قصيدته التي أولها
( لعمرك ما البلوى بعار ولا العدم ** إذا المرء لم يعدم تقى الله والكرم )
حتى انتهى القارئ إلى قوله
( تجاف عن الدنيا فما لمعجز ** ولا عاجز إلا الذي خط بالقلم )
____________________
(2/261)


فقال له الغزال وكان في الحلقة وهو إذ ذاك حدث نظام متأدب ذكي القريحة أيها الشيخ وما الذي يصنع مفعل مع فاعل فقال له كيف تقول فقال كنت أقول فليس لعاجز ولا حازم فقال له عباس والله يا بني لقد طلبها عمك فما وجدها
وأنشد يوما قوله من قصيدة
( بقرت بطون الشعر فاستفرغ الحشا ** بكفي حتى آب خاويه من بقري )
فقال له بكر بن عيسى الشاعر أما والله يا أبا العلاء لئن كنت بقرت الحشا لقد وسخت يديك بفرثه وملأتهما بدمه وخبثت نفسك بنتنه وخشمت أنفك بعرفه فاستحيا عباس وأفحم عن جوابه
166 - ومنهم الشهير بالمغارب والمشارق المحلي بجواهره صدور المهارق أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد العنسي متمم كتاب المغرب في أخبار المغرب قال فيه وأنا اعتذر في إيراد ترجمتي هنا بما اعتذر به ابن الإمام في كتاب سمط الجمان وربما اعتذر به الحجاري في كتاب المسهب وابن القطاع في الدرة الخطيرة وغيرهم من العلماء فمن نظمه عند ما ورد الديار المصرية
( أصبحت أعترض الوجوه ولا أرى ** ما بينها وجها لمن أدريه )
( عودي على بدئي ضلالا بينهم ** حتى كأني من البقايا التيه )
( ويح الغريب توحشت ألحاظه ** في عالم ليسوا له بشبيه )
( إن عاد لي وطني اعترفت بحقه ** إن التغرب ضاع عمري فيه
____________________
(2/262)

وله من قصيدة يمدح ملك إفريقية أبا زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص
( الأفق طلق والنسيم رخاء ** والروض وشت برده الأنداء )
( والنهر قد مالت عليه غصونه ** فكأنما هو مقلة وطفاء )
( وبدا نثار الجلنار بصفحه ** فكأنما هو حية رقطاء )
( والشمس قد رقمت طرازا فوقه ** فكأنما هي حلة زرقاء )
( فأدر كؤوسك كي يتم لك المنى ** واسمع إلى ما قالت الورقاء )
( تدعوك حي على الصبوح فلا تنم ** فعلى المنام لدى الصباح عفاء )
وله
( كم جفاني ورمت أدعو عليه فتوقفت ثم ناديت قائل )
( لا شفى الله لحظه من سقام ** وأراني عذاره وهو سائل ) وله من قصيدة كتب بها إلى ملك سبتة الموفق أبي العباس أحمد بن أبي الفضل السبتي شافعا لشخص رغب في خدمته
( بالعدل قمت وبالسماح فدن وجد ** لا فارقتك كفاية وعطاء )
( ما كل من طلب السعادة نالها ** وطلاب ما يأبى القضاء شقاء )
ومنها
( وقد استطار بأسطري نحو الندى ** من أنهضته لنحوك العلياء )
( طلب النباهة في ذراك فما له ** إلا لديك تأمل ورجاء )
( وهو الذي بعد التجارب أحمدت ** أحواله وجرى عليه ثناء )
____________________
(2/263)


( لا يقرب الدنس المريب كواصل ** هجرته خوفا أن يشان الراء )
( قد مارس الحرب الزبون زمانه ** وجرت عليه شدة ورخاء )
( وعلاك تقضي أن يسود بأفقها ** لا غرو أن يعلي الشهاب بهاء )
وقوله من قصيدة
ألف التغرب والتوحش مثل ما ** ألف التوحش والنفور ظباء )
( حجابه ألفوا التهجم والجفا ** فهم لكل أخي هدى أعداء )
( مهما يرم طلب إليه تقربا ** بعدت بذاك البدر عنه سماء )
( لكنني ما زلت أخدع حاجبا ** ومراقبا حتى ألان حباء )
( والأرض لم تظهر محجب نبتها ** حتى حبتها الديمة الوطفاء )
قيل وهذا معنى لم يسمع من غيره وقوله في خسوف البدر
( شان الخسوف البدر بعد جماله ** فكأنه ماء عليه غثاء )
( أو مثل مرآة لخود قد قضت ** نظرا بها فعلا الجلاء غشاء )
وله من قصيدة عتاب يقول فيها
( ولقد كسبت بكم علا لكنها ** صارت بأقوال الوشاة هباء )
( فغدوت ما بين الصحابة أجربا ** كل يحاذر مني الأعداء )
( ولقد أرى أن النجوم تقل لي ** حجبا وأصغر أن أحل سماء )
( فليهجروا هجر الفطيم لدره ** ويساعدوا الزمن الخئون جفاء )
( فلقد شكوت لهم إحالة ودهم ** إذ لم أكن أرضى بهم خدماء )
____________________
(2/264)


( إيه فذكرهم أقل وإنما ** أومي إليك فتفهم الإيماء )
( لو لم يكن قين لما فتكت ظبا ** أنت الذي صيرتهم أعداء )
( ولو أنني أرجو ارتجاعك لم أطل ** شكوى ولم أستبعد الإغضاء )
( لكن رأيتك لا تميل سجية ** نحوي ولا تتكلف الإصغاء )
( إن لم يكن عطف فمنوا بالنوى ** إن الكريم إذا أهين تناءى )
وقوله
( ولكم سرينا في متون ضوامر ** تثني أعنتها من الخيلاء )
( من ادهم كالليل حجل بالضحى ** فتشق غرته عن ابن ذكاء )
( أو أشهب يحكي غدائر أشيب ** خلعت عليه الشهب فضل رداء )
( أو أشقر قد نمقته بشعلة ** كالمزج ثار بصفحة الصهباء )
( أو أصفر قد زينته غرة ** حتى بدا كالشمعة الصفراء )
( طارت ولكن لا يهاض جناحها ** هبت ولكن لم تكن برخاء )
وقوله من أبيات في افتضاض بكر
( وخريدة ما إن رأيت مثالها ** حيت من الألحاظ بالإيماء )
( فسألتها سمع الشكاة فأفهمت ** أن الرقيب جهينة الأنباء )
وتبعتها وسألت منها قبلة ** في خلوة من أعين الرقباء )
( فثنت علي قوامها بتعانق ** أحيا فؤادا مات بالبرحاء )
( ووجدتها لما ملكت عنانها ** عذراء مثل الدرة العذراء )
جاءت إلي كوردة حمراء ** فتركتها كعرارة صفراء )
( وسلبتها ما احمر منها صفوه ** فجرى مذابا منجحا لرجائي )
____________________
(2/265)


وقوله من أبيات
( أحبابنا عودوا علينا عودة ** ما منكم بعد التفرق مرغب )
( كم ذا أداريكم بنفسي جاهدا ** وكأنما أرضيكم كي تغضبوا ** وأزيد بعدا ما اقتربت إليكم ** كالسهم أبعد ما يرى إذ يقرب )
( وأجوب نحوكم المنازل جاهدا ** ومع اجتهادي فاتني ما أطلب )
( كالبدر أقطع منزلا في منزل ** فإذا انتهيت إلى ذراكم أغرب )
وقوله من أبيات
( سألتك يا من يستلان فيصعب ** ومن يترضى بالحياة فيغضب )
( أما خدك البدر المنير فلم غدت ** تحل به ضد القضية عقرب )
وقوله وقد داعبه أحد الفقهاء وسرق سكينه من حرز
( أيا سارقا ملكا مصونا ولم يجب ** على يده قطع وفيه نصاب )
( ستندبه الأقلام عند عثارها ** ويبكيه إن يعد الصواب كتاب )
وقوله في تفاحة عنبر أهديت للملك الصالح نجم الدين أيوب
( أنا لون الشباب والخال أهديت ** لمن قد كسا الزمان شبابا )
( ملك العالمين نجم بني أيوب ** لا زال في المعالي شهابا )
( جئت ملأى من الثناء عليه ** من شكور إحسانه والثوابا )
( لست ممن له خطاب ولكن ** قد كفاني أريج عرفي خطابا )
وقوله من قصيدة
( فالحمد لله على ساعة ** قد قربتني من علا الصاحب )
( ولعيذر المولى على أنني ** قد كنت من علياه في جانب )
____________________
(2/266)


كمن أتى نافلة أولا ** ثم أتى من بعد بالواجب )
وقوله من أبيات
( فإن كنت في أرض التغرب غاربا ** فسوف تراني طالعا فوق غارب )
( فصمصام عمرو حين فارق كفه ** رموه ولا ذنب لعجز المضارب )
( وما عزة الضرغام إلا عرينه ** ومن مكة سادت لؤي بن غالب )
وقوله في فرس أصفر أغر أكحل الحلية
( وأجرد تبري أثرت به الثرى ** وللفخر في خصر الظلام وشاح )
( له لون ذي عشق وحسن معشق ** لذلك فيه دلة ومراح )
( عجبت له وهو الأصيل بعرفه ** ظلام وبين الناظرين صباح )
( يقيد طير اللحظ والوحش عندما ** يطير به نحو النجاح جناح )
وقوله من أبيات
( إذا ما غراب البين صاح فقل له ** ترفق رماك الله يا طير بالبعد )
( لأنت على العشاق أقبح منظرا ** وأكره في الأبصار من ظلمة اللحد )
( تصيح بنوح ثم تعثر ماشيا ** وتبرز في ثوب من الحزن مسود )
( متى لحت صح البين وانقطع الرجا ** كأنك من وشك الفراق على وعد )
وقوله في غلام جميل الصورة أهدى تفاحة
( ناب ما أهديت عن عر ف ** وعن ريق وخد )
____________________
(2/267)


( حبذا تفاحة قد ** أشبهت أوصاف مهدي )
( بت منها في سرور ** فكأن قد بت عندي )
وقوله من قصيدة
( هذا الذي يهب الدنيا بأجمعها ** وبعد ذلك يلفى وهو يعتذر )
( إن هزه المدح فالأموال في بدد ** والغصن ما هز إلا بدد الثمر )
( فقلت لما بدا لي حسن منظره ** لكنه زاد إشراقا هو القمر )
( متع لحاظك في وجه بلا ضرر ** إن كان شمسا يداه تحتها مطر )
وقوله من أبيات
( لي جيرة ضنوا علي وجاروا ** فنبت بي الأوطان والأوطار )
( ومن العجائب أنني مع جورهم ** ما قر لي بعد الفراق قرار )
( أنا شاعر أهوى التخلي دون ما ** زوج لكيما تخلص الأفكار )
( لو كنت ذا زوج لكنت منغصا ** في كل حين رزقها أمتار )
( دعني أرح طول التغرب خاطري ** حتى أعود ويستقر قرار )
( كم قائل لي قد ضاع شرخ شبابه ** ما ضيعته بطالة وعقار )
( إذ لم أزل في العلم أجهد دائما ** حتى تأتت هذه الأبكار )
( مهما أرم من دون زوج لم أكن ** كلا ورزقي دائما مدرار )
( وإذا خرجت لفرجة هنيتها ** لا صنعة ضاعت ولا تذكار )
وقوله من قصيدة
____________________
(2/268)


( ما كنت أحسب أن أضيع وأنت في الدنيا ** وأن أمسي غريبا معسرا )
( أنا مثل سهم سوف يرجع بعدما ** أقصاه راميه المجيد ليخبرا )
وقوله سامحه الله تعالى
( وافى علي لنا بسيف ** والبين قد حان والوداع )
( فقال شبه فقلت شمس ** قد مد من نورها شعاع )
وقوله من قصيدة في ملك إشبيلية الباجي وقد هزم ابن هود
( لله فرسان غدت راياتهم ** مثل الطيور على عداك تحلق )
( السمر تنقط ما تسطر بيضهم ** والنقع يترب والدماء تخلق )
وقال ارتجالا بمحضر زكي الدين بن أبي الإصبغ وجمال الدين أبي الحسين الجزار المصري الشاعر ونجم الدين بن إسرائيل الدمشقي بظاهر القاهرة وقد مشى أحدهم على بسيط نرجس
( يا واطئ النرجس ما تستحي ** أن تطأ الأعين بالأرجل )
فتهافتوا بهذا البيت وراموا إجازته فقال ابن أبي الإصبع مجيزا
( فقلت دعني لم أزل محرجا ** على لحاظ الرشإ الأكحل )
( وكان أمثل ما حضرهم ثم أبوا أن يجيزه غيره فقال
( قابل جفونا بجفون ولا ** تبتذل الأرفع بالأسفل )
وقوله في الجزيرة الصالحية بمصر وهي الشهيرة الآن بالروضة
( تأمل لحسن الصالحية إذ بدت ** مناظرها مثل النجوم تلالا )
____________________
(2/269)


( وللقلعة الغراء كالبدر طالعا ** تفجر صدر الماء عنه هلالا )
( ووافى إليها النيل من بعد غاية ** كما زار مشغوف يروم وصالا )
( وعانقها من فرط شوق بحسنها ** فمد يمينا نحوها وشمالا )
( جرى قادما بالسعد فاخنط حولها ** من السعد إعلاما بذلك دالا )
وقوله من أبيات في ملك إفريقية وقد جهز ولده الأمير أبا يحيى بعسكر
( وقد أرسلته نحو الأعادي ** كما جردت من غمد حساما )
وقوله في قوس
( أنا مثل الهلال في ظلم النقع ** سهامي تنقض مثل النجوم )
( تقصر القضب والقنا عن مجالي ** عند رجمي بها لكل رجيم )
( قد كستها الطيور لما رأتها ** كافلات لها برزق عميم )
وقوله من أبيات
( وأشقر مثل البرق لونا وسرعة ** قصدت عليه عارض الجود فانهمى )
( ولنذكر ترجمته من الإحاطة ملخصة فنقول قال لسان الدين علي بن موسى بن عبد الملك بن سعيد بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن الحسن بن عثمان بن عبد الله بن سعد بن عمار بن ياسر بن كنانة بن قيس بن الحصين العنسي المدلجي من أهل قلعة يحصب غرناطي قلعي سكن تونس أبو الحسن ابن سعيد وهذا الرجل وسطى عقد بيته وعلم أهله ودرة قومه المصنف الأديب الرحالة الطرفة
____________________
(2/270)

الأخباري العجيب الشأن في التجول في الأقطار ومداخلة الأعيان والتمتع بالخزائن العلمية وتقييد الفوائد المشرقية والمغربية أخذ من أعلام إشبيلية كأبي علي الشلوبين وأبي الحسن الدباج وابن عصفور وغيرهم وتواليفه كثيرة منها المرقصات والمطربات والمقتطف من ازاهر الطرف والطالع السعيد في تاريخ بني سعيد تاريخ بلده وبيته والموضوعان الغريبان المتعددا الأسفار وهما المغرب في حلى المغرب والمشرق في حلى المشرق وغير ذلك مما لم يتصل إلينا فلقد حدثني الوزير أبو بكر بن الحكيم أنه تخلف كتابا يسمى المرزمة يشتمل على وقر بعير من رزم الكراريس لا يعلم ما فيه من الفوائد الأدبية والأخبارية إلا الله تعالى وتعاطى نظم الشعر في حد من الشبيبة يعجب فيه من مثله فيذكر أنه خرج مع أبيه إلى إشبيلية وفي صحبته سهل بن مالك فجعل سهل بن مالك يباحثه عن نظمه إلى أن أنشده في صفة نهر والنسيم يردده والغصون تميل عليه
( كأنما النهر صفحة كتبت ** أسطرها والنسيم ينشئها )
( لما أبانت عن حسن منظرها ** مالت عليها الغصون تقرؤها )
فطرب وأثنى عليه ثم ناب عن أبيه في أعمال الجزيرة ومازج الأدباء ودون كثيرا من نظمه ودخل القاهرة فصنع له أدباؤها صنيعا في ظاهرها وانتهت بهم الفرجة إلى روض نرجس وكان فيهم أبو الحسين الجزار فجعل يدوس النرجس برجله فقال أبو الحسن
( يا واطىء النرجس ما تستحي ** أن تطأ الأعين بالأرجل )
____________________
(2/271)


فتهافتوا بهذا البيت وراموا إجازته فقال ابن أبي الأصبغ
( فقال دعني لم أزل محنقا ** على لحاظ الرشإ الأكحل )
وكان أمثل ما حضرهم ثم أبوا أن يجيزه غيره فقال
( قابل جفونا بجفون ولا ** تبتذل الأرفع بالأسفل )
ثم استدعاه سيف الدين ابن سابق إلى مجلس بضفة النيل مبسوط بالورد وقد قامت حوله شمامات نرجس فقال في ذلك
( من فضل النرجس فهو الذي ** يرضى بحكم الورد إذ يرأس )
( أما ترى الورد غدا قاعدا ** وقام في خدمته النرجس )
ووافق ذلك مماليك الترك وقوفا في الخدمة على عادة المشارقة فطرب الحاضرون
ولقي بمصر أيدمر التركي والبهاء زهيرا وجمال الدين بن مطروح وابن يغمور وغيرهم ورحل صحبة كمال الدين بن العديم إلى حلب فدخل على الناصر صاحب حلب فأنشده قصيدة أولها
( جد لي بما ألقي الخيال من الكرى ** لا بد للضيف الملم من القرى )
فقال كمال الدين هذا رجل عارف ورى بمقصوده من أول كلمة وهي قصيدة طويلة فاستجلسه السلطان وسأله عن بلاده ومقصوده برحلته وأخبره أنه جمع كتابا في الحلى البلادية والعلى العبادية المختصة بالمشرق وأخبره أنه سماه المشرق في حلى المشرق وجمع مثله فسماه المغرب في حلى المغرب فقال نعينك بما عندنا من الخزائن ونوصلك إلى ما ليس
____________________
(2/272)

عندنا كخزائن الموصل وبغداد وتصنف لنا فخدم على عادتهم وقال أمر مولاي بذلك إنعام وتأنيس ثم قال له السلطان مداعبا إن شعراءنا ملقبون بأسماء الطيور وقد اخترت لك لقبا يليق بحسن صوتك وإيرادك للشعر فإن كنت ترضى به وإلا لم نعلم به أحدا غيرنا وهو البلبل فقال قد رضي المملوك يا خوند فتبسم السلطان وقال له أيضا يداعبه اختر واحدة من ثلاث إما الضيافة التي ذكرتها أول شعرك وإما جائزة القصيدة وإما حق الإسم فقال يا خوند المملوك مما لا يختنق بعشر لقم لأنه مغربي أكول فكيف بثلاث فطرب السلطان وقال هذا مغربي ظريف ثم أتبعه من الدنانير والخلع المملوكية والتواقيع بالأرزاق ما لا يوصف ولقي بحضرته عون الدين العجمي وهو بحر لا تنزفه الدلاء والشهاب التلعفري والتاج ابن شقير وابن نجيم الموصلي والشرف بن سليمان الإربلي وطائفة من بني الصاحب ثم تحول إلى دمشق ودخل الموصل وبغداد ودخل مجلس السلطان المعظم بن الملك الصالح بدمشق وحضر مجلس خلوته وكان ارتحاله إلى بغداد في عقب سنة ثمان وأربعين وستمائة في رحلته الأولى إليها ثم رحل إلى البصرة ودخل أرجان وحج ثم عاد إلى المغرب وقد صنف في رحلته مجموعا سماه بالنفحة المسكية في الرحلة المكية وكان نزوله بساحل مدينة إقليبية من إفريقية في إحدى جمادى سنة اثنتين وخمسين وستمائة واتصل بخدمة الأمير أبي عبد الله المستنصر فنال الدرجة الرفيعة من حظوته
حدثني شيخنا الوزير أبو بكر بن الحكيم أن المستنصر جفاه في آخر عمره وقد أسن لجراء خدمة مالية أسندها إليه وقد كان بلا منه قبل جفوة أعقبها انتشال وعناية فكتب إليه بنظم من جملته
____________________
(2/273)


( لا ترعني بالجفا ثانية ** ) فرق له وعاد إلى حسن النظر إليه إلى أن توفي تحت بر وعناية
مولده بغرناطة ليلة الفطر سنة عشر وستمائة ووفاته بتونس في حدود خمسة وثمانين وستمائة انتهى باختصار وذكرت حكاية إجازة بيته في النرجس وإن تقدمت لاتصال الكلام قلت قد كنت وقفت على بعض ديوان شعره المتعدد الأسفار ونقلت منه قوله من قصيدة يهنىء ابن عمه الرئيس أبا عبد الله بن الحسين بقدومه من حركة هوارة
( أما واجب أن لا يحول وجيب ** وقد بعدت دار وخان حبيب )
( وليس أليف غير ذكر وحسرة ** ودمع على من لا يرق صبيب )
( وخفق فؤاد إن هفا البرق خافقا ** وشوق كما شاء الهوى ونحيب )
( ويعذلني من ليس يعرف ما الهوى ** وعذل مشوق في البكاء عجيب )
( ألا تعس اللوام في الحب قد عموا ** وصموا ودائي ليس منه طبيب )
( يرومون أن يثني الملام صبابتي ** وليس إلى داعي الملام أجيب )
( وفائي إذا ما غبت عنكم مجدد ** وغيري ذو غدر أوان يغيب )
( ولو لم يكن مني الوفاء سجية ** لكنت لغير ابن الحسين أنيب )
( سموأل هذا العصر حاتم جوده ** مهلبه إن مارسته حروب )
____________________
(2/274)


( فتى سير الأمداح شرقا ومغربا ** أبو دلف من دونه وخصيب )
( إذا رقم القرطاس قلت ابن مقلة ** وإن نظم الأشعار قلت حبيب )
( وإن نثر الأسجاع قلت سميه ** وإن سرد التاريخ قلت عريب )
( وما أحرز الصولي آدابه التي ** إذا ما تلاها لم يجبه أديب )
ومنها
( وأما إذا ما الحرب أخمد نارها ** ففيه تلظي مارج ولهيب )
( فكم قارع الأبطال في كل وجهة ** نحاها وكم لفت عليه حروب )
( وكائن له بالغرب من موقف له ** حديث إذا يتلى تطير قلوب )
( بمراكش سل عنه تعلم غناءه ** وقد ساءهم يوم هناك عصيب )
( إذا ما ثنى الرمح الطويل كأنه ** مدير لغصن الخيزران لعوب )
( وإن جره أبصرت نجما مجررا ** ذؤابته منه الكماة تذوب )
( يهيم به ما إن يزال معانقا له ** راكعات ما تحوز كعوب )
( محمد لا تبد الذي أنت قادر ** عليه وخف عينا علاك تصيب )
( نفوذ سهام العين أودى بمصعب ** وطاح به بعد الشبوب شبيب )
( ألا فهنيئا أن رجعت لتونس ** فأطلعت شمسا والسفار غروب )
( كواكبها تبدو إذا ما تركتها ** وقد جعلت مهما حضرت تغيب )
( إذا سدت في أرض فغيرك تابع ** علاك ومهما ساد فهو مريب )
____________________
(2/275)

قراءة المظالم فانفردت بالكتابة للوزير المذكور وفوض إلي جميع أموره وأولاني من التأنيس ما أنساني تلك الوحشة ومن العز ما أنقذني من تلك الذلة
( فرد علي العيش بعد ذهابه ** وآنسني بعد انفرادي من الأهل )
( وقال إذا ما الطويل فاتك فاقتنع ** بما قد تسنى عندك الآن من طل )
( ووالله ما نعماه طل وإنما ** تأدبه غيث بجود على الكل )
( رآني أظمأ في الهجيرة ضاحيا ** فرق وآواني إلى الماء والظل )
ولم أزل عنده في أسر حال ما لها تكدير إلا ما يبلغني من أن ابن عمي لا يزال يسعى في حقي بما أخشى مغبته وخفت أن يطول ذلك فيسمع منه ولا ينفع دفاع الوزير المذكور عني فرغبت له في أن يرفع للملك أني راغب في السراح إلى المشرق برسم الحج
( ومن بله الغيث في بطن واد ** وبات فلا يأمنن السيولا )
فلم يسعفني في ذلك ولامني على تخوفي وقلة ثقتي بحمايته فرفعت له هذه القصيدة
( هل الهجر إلا أن يطول التجنب ** ويبعد من قد كان منه التقرب )
( وتقطع رسل بيننا ورسائل ** ويمنع لقيانا نوى وتحجب )
( ولو أنني أدري لنفسي زلة ** جعلت لكم عذرا ولم أك أعتب )
( ولكنكم لما مللتم هجرت ** م وذنبتم في الحب من ليس يذنب )
( إلى الله أشكو غدركم وملالكم ** وقلبا له ذاك التعذب يعذب )
( فلو أنه يجزيكم بفعالكم ** لكان له عنكم مراد ومذهب )
____________________
(2/275)

ومنها
( كفاني أني أستظل بظلكم ** ومن هاب ذاك المجد فهو مهيب )
( فأصلك أصلي والفروع تباينت ** بعيد على من رامه وقريب )
( وحسبي فخرا أن أقول محمد ** نسيب علي جل منه نصيب )
( تركت جميع الأقربين لقصده ** على حين حانت فتنة وخطوب )
( رأيت به جنات عدن فلم أبل ** إذا وصلتنا للخلود شعوب )
( فقبلت كفا لا أعاب بلثمها ** وأيدي الأيادي لثمهن وجوب )
( وكيف وليس الرأس كالرجل فرقت ** شيات لعمري بيننا وضروب )
( ولو كان قدري مثل قدرك في العلا ** لحق بأن يعلو الشباب مشيب )
( ولولا الذي أسمعت من مكر حاسد ** أتاك بقول وهو فيه كذوب )
( لما كنت محتاجا لقولي آنفا ** تخليت من ذنب وجئت أتوب )
( إذا كنت ذا طوع وشكر وغبطة ** فمن أين لي يا ابن الكرام ذنوب )
( لقد كنت معتادا ببشر فما الذي ** تقلدته حتى يزال قطوب )
( أإن رفع السلطان سعيي بقدركم ** أحلأ عن ورد لكم وأخيب )
( فأحسب ذنبي ذنب صحر بدارها ** ألي البر عند الخابرين معيب )
( وحاشاك من جور علي وإنما ** أخاطب من أصفى له فيشوب )
( صحاب هم الداء الدفين فليتني ** ولم أدن منهم للذئاب صحوب )
( كلامهم شهد ولكن فعلهم ** كسم له بين الضلوع دبيب )
( سأرحل عنهم والتجارب لم تدع ** بقلبي لهم شيئا عليه أثيب )
____________________
(2/276)


( إذا اغترب الإنسان عمن يسوءه ** فما هو في الإبعاد عنه غريب )
( فدارك برأب منك ما قد خرقته ** ليحسن مني مشهد ومغيب )
( ولا تستمع قول الوشاة فإنما ** عدوهم بين الأنام نجيب )
( فيا ليت أني لم أكن متأدبا ** ولم يك لي أصل هناك رسوب )
( وكنت كبعض الجاهلين محببا ** فما أنا للهم الملم حبيب )
( وما إن ضربت الدهر زيدا بعمره ** ولم يك لي بين الكرام ضريب )
( أأشكوك أم أشكو إليك فما عدت ** عداتي حتى حان منك وثوب )
( سأشكر ما أولى وأصبر للذي ** توالى على أن العزاء سليب )
( فدم في سرور ما بقيت فإنني ** وحقك مذ دب الوشاة كئيب )
قال وكان سبب التغير بيني وبين ابن عمي الرئيس المذكور أن ملك إفريقية استوزر لأشغال الموحدين أبا العلاء إدريس بن علي بن أبي العلاء بن جامع فاشتمل علي وأولاني من البر ما قيدني وأمال قلبي إليه مع تأكيد ما بينه وبين ابن عمي من الصحبة فلم يزل ينهض بي ويرفع أمداحي للملك ويوصل إليه رسائلي منبها على ذلك مرشحا إلى أن قبض الملك على كاتب عسكره وكان يقرأ بين يديه كتب المظالم فاحتيج إلى من يخلفه في ذلك فنبه الوزير علي وارتهن في مع أني كنت من كتاب الملك فقلدني قراءة المظالم المذكورة وسفر لي الوزير عنده في دار الكاتب المؤخر فأنعم بها فوجد الوشاة مكانا متسعا للقول فقالوا وزوروا من الأقاويل المختلفة ما مال بها حيث مالوا وظهر منه مخايل التغيير فجعلت أداريه وأستعطفه فلم ينفع فيه قليل ولا كثير إلى أن يسعى في تأخير والدي عن الكتب للأمير الأسعد أبي يحيى ابن ملك إفريقية ثم سعى في تأخيري فأخرت عن الكتابة وعن
____________________
(2/277)

ولكن أبى
( أن لا يحن لغيركم ** وأن لا يرى عنكم مدى الدهر مذهب )
( فهلا رعيتم أنه في ذراكم ** غريب وليس الموت إلا التغرب )
( لزمتك لما أن رأيتك كاملا ** جمالا وإجمالا وذاك يحبب )
( وإني لأخشى أن يطول اشتكاؤه ** لمن إن أتى مكرا فليس يثرب )
( فلم أسع إلا لارتياح وراحة ** وغيري وقد آواه غيرك يتعب )
( فأنت الذي آويتني ورحمتن ** ي وذو الرحم الدنيا لناري يحطب )
( فما مر يوم لا يريد مصيبة ** عليك وبالتدبير منك يخيب )
( وهبه ثبوتا لا تحيل أما ترى ** مجر حبال في الحجارة يرسب )
( وهبه له سدا فكم أنت حاضر ** أحاذر خرقا منه أن يتسببوا )
( وإما إن أرى إلا الفرار مخلصا ** وما راغب في الضيم من عنه يرغب )
( فأنه إلى الأمر العلي شكيتي ** وأن خطوب الدهر نحوي تخطب )
( ولا تطمعوني في الذي لست نائلا ** فلا أنا عرقوب ولا أنا أشعب )
( ألا فلتمنوا بالسراح فإنه ** لراحة من يشقى لديكم وينصب )
( سلوا الكأس عني إذ تدار فإنني ** لأتركها هما ودمعي أشرب )
( ولا أسمع الألحان حين تهزني ** ولو كان نوحا كنت أصغي وأطرب )
( فديتكم كم ذا أهون بأرضكم ** أهذا جزاء للذي يتغرب )
( أبخل علي أن ما سواك يصيخ لي ** فهل لي مما كدر العيش مهرب )
( تقلص عني كل ظل ولم أجد ** كما كنت ألقى من أود وأصحب )
( أذو طمع في العيش يبقى وحوله ** مدى الدهر أفعى لا تزال وعقرب )
( أجزني لأنجو بالفرار فإنه ** وحقك من نعماك عندي يحسب )
____________________
(2/279)


( فلا زلت يا خير الكرام مهنأ ** فعيشي منه الموت أشهى وأطيب )
( وصانك من قد صنت في حقه دمي ** وغيرك من ثوب المروءة يسلب )
ولم يزل الوزير - لا أزال الله عنه رضاه يحمى جانبي إلى أن أصابتني فيه العين فأصابه الحين فقلت في ذلك
( وطيب نفسي أنه مات عندما ** تناهى ولم يشمت به كل حاسد )
( ويحكم فيه كل من كان حاكما ** عليه ويعطى الثأر كل معاند )
وقلت أرثيه
( بكت لك حتى الهاطلات السواكب ** وشقت جيوبا فيك حتى السحائب )
( فكيف بمن دافعت عنه ومن به ** أحاطت وقد بوعدت عنه المصائب )
( ألا فانظروا دمعي فأكثره دم ** ولا تذهبوا عني فإني ذاهب )
( وقولوا لمن قد ظل يندب بعده ** وفاؤك لو قامت عليك النوادب )
( لعمرك ما في الأرض واف بذمة ** أيصمت إدريس ومثلي يخاطب )
( دعوتك يا من لا أقوم بشكره ** فهل أنت لي بعد الدعاء مجاوب )
( أيا سيدا قد حال بيني وبينه ** تراب حوت ذكراك منه الترائب )
( لمن أشتكي إن جار بعدك ظالم ** علي وإن نابت جنابي النوائب )
( لمن أرتجي عند الأمير بمنطق ** تحف به حولي المنى والمواهب )
وهي طويلة ومنها قبيل الختم
( وقد كنت أختار الترحل قبل أن ** يصيبك سهم للمنية صائب )
( ولكن قضاء الله من ذا يرده ** فصبرا فقد يرضى الزمان المغاضب )
____________________
(2/280)

ومنها هو
آخرها
( وإني لأدري أن في الصبر راحة ** إذا لم تكن فيه علي مثالب )
( وإن لم يؤب من كنت أرجو انتصاره ** عليك فلطف الله نحوي آيب )
قال رحمه الله تعالى ولما قدمت مصر والقاهرة أدركتني فيهما وحشة وأثار لي تذكر ما كنت أعهد بجزيرة الأندلس من المواضع المبهجة التي قطعت بها العيش غضاخصيبا وصحبت بها الزمان غلاما ولبست الشباب قشيبا فقلت
( هذه مصر فأين المغرب ** مذ نأى عني دموعي تسكب )
( فارقته النفس جهلا إنما ** يعرف الشيء إذا ما يذهب )
( أين حمص أين أيامي بها ** بعدها لم ألق شيئا يعجب )
( كم تقضى لي بها من لذة ** حيث للنهر خرير مطرب )
( وحمام الأيك تشدو حولنا ** والمثاني في ذراها تصخب )
( أي عيش قد قطعناه بها ** ذكره من كل نعمى أطيب )
( ولكم بالمرج لي من لذة ** بعدها مالعيش عندي يعذب )
( والنواعير التي تذكارها ** بالنوى عن مهجتي لا تسلب )
( ولكم في شنتبوس من منى ** قد قضيناه ولا من يعتب )
( حيث هاتيك الشراجيب التي ** كم بها من حسن بدر معصب )
( وغناء كل ذي فقر له ** سامع غصبا ولا من يغصب )
( بلدة طابت ورب غافر ** ليتني ما زلت فيها أذنب )
____________________
(2/281)


( أي حسن النيل من نهر بها ** كل نغمات لديه تطرب )
( كم به من زورق قد حله ** قمر ساق وعود يضرب )
( لذة الناظر والسمع على ** شم زهر وكؤوس تشرب )
( كم ركبناها فلم تجمح بنا ** ولكم من جامح إذ يركب )
( طوعنا حيث اتجهنا لم نجد ** تعبا منها إذا ما نتعب )
( قد أثارت عثيرا يشبهه ** نثر سلك فوق بسط ينهب )
( كلما رشنا لها أجنحة ** من قلاع ظلت منها تعجب )
( كطيور لم تجد ريا لها ** فبدا للعين منها مشرب )
( بل على الخضراء لا أنفك من زفرة ** في كل حين تلهب )
( حيث للبحر زئير حولها ** تبصر الأغصان منه ترهب )
( كم قطعنا الليل فيها مشرقا ** بحبيب ومدام يسكب )
( وكأن البحر ثوب أزرق ** فيه للبدر طراز مذهب )
( وإلى الحور حنيني دائما ** وعلى شنيل دمعي صيب )
( حيث سل النهر عضبا وانثنت ** فوقه القضب وغنى الربرب )
( وتشفت أعين العشاق من ** حور عين بالمواضي تحجب )
( ملعب للهو مذ فارقته ** ما ثناني نحو لهو ملعب )
( وإلى مالقة يهفو هوى ** قلب صب بالنوى لا يقلب )
( أين أبراج بها قد طالما ** حث كأسي في ذراها كوكب )
( حفت الأشجار عشقا حولنا ** تارة تنأى وطورا تقرب )
( جاءت الريح بها ثم انثنت ** أتراها حذرت من ترقب )
____________________
(2/282)


( وعرضك مبذول وعقلك تالف ** وجسمك مسلوب ومالك ينهب )
( فقلت لهم عرضي وعقلي والعلا ** وفخري لا أرضى بها حين يغضب )
( جنون أبى أن لا يلين لعازم ** بسحر بآيات الرقى ليس يذهب )
( فقالوا ألا قد خان عهدك قلت لم ** يخن من إذا قربته يتقرب )
( وكم دونه من صارم ومثقف ** فيا من رأى بدرا بهذين يحجب )
( على أنه يستسهل الصعب عندما ** يزور فلا يجدي حمى وترقب )
( وكم حيلة تترى على إثر حالة ** وذو الود من يحتال أو يتسبب )
( على أنه لو خان عهدي لم أزل ** له راعيا والرعي للصب أوجب )
( فأين زمان لم يخني ساعة ** به وهو مني في التنعم أرغب )
( ولا فيه من بخل ولا بي قناعة ** كلانا بلذات التواصل معجب )
( ويا رب يوم لا أقوم بشكره ** على أنني مازلت أثني وأطنب )
( على نهر شنيل وللقضب حولنا ** منابر مازالت بها الطير تخطب )
( وقد قرعت منه سبائك فضة ** خلال رياض بالأصيل تذهب )
( شربنا عليها قهوة ذهبية ** غدت تشرب الألباب أيان تشرب )
( كأن ياسمينا وسط ورد تفتحت ** أزاهره أيان في الكأس تسكب )
( إذا ما شربناها لنيل مسرة ** تبسم عن در لها فتقطب )
( أتت دونها الأحقاب حتى تخالها ** سرابا بآفاق الزجاجة يلعب )
( نعمنا بها واليوم قد رق برده ** إلى أن رأينا الشمس عنا تغرب )
( فقالوا ألا هاتوا السراج فكل من ** درى قدر ما في الكأس أقبل يعجب )
( وقال ألا تدرون ما في كؤوسكم ** فلا كأس إلا وهو في الليل كوكب )
( كواكب أمست بين شرب ولم نخل ** بأن النجوم الزهر تدنو وتغرب )
____________________
(2/282)


( وعلى مرسية أبكي دما ** منزل فيه نعيم معشب )
( مع شمس طلعت في ناظري ثم صارت في فؤادي تغرب )
( هذه حالي وأما حالتي ** في ذرا مصر ففكر متعب )
( سمعت أذني محالا ليتها ** لم تصدق ويحها من يكذب )
( وكذا الشيء إذا غاب انتهوا ** فيه وصفا كي يميل الغيب )
( ها أنا فيها فريد مهمل ** وكلامي ولساني معرب )
( وأرى الألحاظ تنبو عندما ** أكتب الطرس أفيه عقرب )
( وإذا أحسب في الديوان لم ** يدر كتابهم ما أحسب )
( وأنادي مغربيا ليتني ** لم أكن للغرب يوما أنسب )
( نسب يشرك فيه خامل ** ونبيه أين منه المهرب )
( أتراني ليس لي جد له ** شهرة أو ليس يدرى لي أب )
( سوف أثنى راجعا لأ غرني ** بعد ما جربت برق خلب )
وقال بقرمونة متشوقا إلى غرناطة
( أغثني إذا غنى الحمام المطرب ** بكأس بها وسواس فكري ينهب )
( ومل ميلة حتى أعانق أيكة ** وألثم ثغرا فيه للصب مشرب )
( ولم أر مرجانا ودرا خلافه ** يطيف به ورد من الشهد أعذب )
( فديتك من غصن تحمله نقا ** تطلع أعلاه صباح وغيهب )
( وجنته جنات عدن وفي لظى ** فؤادي وما لي من ذنوب تعذب )
( ويعذلني العذال فيه وإنني ** لأعصي عليه من يلوم ويعتب )
( لقد جهلوا هل عن حياتي أنثني ** إذا نمقوا أقوالهم وتألبوا )
( يقولون لي قد صار ذكرك مخلقا ** وأصبح كل في هواه يؤنب )
____________________
(2/283)


( ظللنا عليها عاكفين وليلنا ** نهار إلى أن صاح بالأيك مطرب )
( فلم نثن عن دين الصبوح عناننا ** إلى أن غدا من ليس يعرف يندب )
( صرعنا فأمسى يحسب السكر قد قضى ** علينا وذاك السكر أشهى وأعجب )
( وكم ليلة في إثر يوم وعذلي ** وعذل من يصغي لقولي خيب )
( فيا ليت ما ولى معاد نعيمه ** وأي نعيم عند من يتغرب )
قال وقلت بإشبيلية ذاكرا لوادي الطلح وهو بشرق إشبيلية ملتف الأشجار كثير مترنم الأطيار وكان المعتمد بن عباد كثيرا ما ينتابه مع رميكيته وأولي أنسه ومسرته
( سائل بوادي الطلح ريح الصبا ** هل سخرت لي في زمان الصبا )
( كانت رسولا فيه ما بيننا ** لن نأمن الرسل ولن نكتبا )
( يا قاتل الله أناسا إذا ** ما استؤمنوا خانوا فما أعجبا )
( هلا رعوا أنا وثقنا بهم ** وما اتخذنا عنهم مذهبا )
( يا قاتل الله الذي لم يتب ** من غدرهم من بعد ما جربا )
( واليم لا يعرف ما طعمه ** إلا الذي وافى لأن يشربا )
( دعني من ذكر الوشاة الألى ** لما يزل فكري بهم ملهبا )
( واذكر بوادي الطلح عهدا لنا ** لله ما أحلى وما أطيبا )
( بجانب العطف وقد مالت الأغصان ** والزهر يبث الصبا )
( والطير مازت بين ألحانها ** وليس إلا معجبا مطربا )
( وخانني من لا أسميه من ** شح أخاف الدهر أن يسلبا )
( قد أترع الكأس وحيا بها ** وقلت أهلا بالمنى مرحبا )
( أهلا وسهلا بالذي شئته ** يا بدر تم مهديا كوكبا )
____________________
(2/285)


( لكنني آليت أسقى بها ** أو تودعنها ثغرك الأشنبا )
( فمج لي في الكأس من ثغره ** ما حبب الشرب وما طيبا )
( فقال ها لثمي نقلا ولا ** تشم إلا عرفي الأطيبا )
( فاقطف بخدي الورد والآس والنسرين ** لا تحفل بزهر الربها )
( أسعفته غصنا غدا مثمرا ** ومن جناه ميسه قربا )
( قد كنت ذا نهي وذا إمرة ** حتى تبدى فحللت الحبا )
( ولم أصن عرضي في حبه ** ولم أطع فيه الذي أنبا )
( حتى إذا ما قال لي حاسدي ** ترجوه والكوكب أن يغربا )
( أرسلت من شعري سحرا له ** ييسر المرغب والمطلبا )
( وقال عرفه بأني سأحتال ** فما أجتنب المكتبا )
( فزاد في شوقي له وعده ** ولم أزل مقتعدا مرقبا )
( أمد طرفي ثم أثنيه من ** خوف أخي التنغيص أن يرقبا )
( أصدق الوعد وطورا أرى ** تكذيبه والحر لن يكذبا )
( أتى ومن سخره بعد ما ** أيأس بطئا كاد أن يغضبا )
( قبلت في الترب ولم أستطع ** من حصر اللقيا سوى مرحبا )
( هنأت ربعي إذ غدا هالة ** وقلت يا من لم يضع أشعبا )
( بالله مل معتنقا لاثما ** فمال كالغصن ثنته الصبا )
( وقال ما ترغب قلت ائتد ** أدركت إذ كلمتني المأربا )
( فقال لا مرغب عن ذكر ما ** ترغبه قلت إذا مركبا )
( فكان ما كان فوالله ما ** ذكرته دهري أو أغلبا )
قال وقلت باقتراح الملك الصالح نور الدين صاحب حمص أن أكتب بالذهب على تفاحة عنبر قدمها لابن عمه الملك الصالح ملك الديار المصرية
____________________
(2/286)


( أنا لون الشباب والخال أهديت ** لمن قد كسا الزمان شبابا )
( ملك العالمين نجم بني أيوب ** لا زال في المعالي مهابا )
( جئت ملأى من الثناء عليه ** من شكور إحسانه والثوابا )
( لست ممن له خطاب ولكن ** قد كفاني أريج عرفي خطابا )
قال ولما أنشد أبو عبد الله بن الأبار كاتب ملك إفريقية لنفسه
( لله دولاب يدور كأنه ** فلك ولكن ما ارتقاه كوكب )
( هامت به الأحداق لما نادمت ** منه الحديقة ساقيا لا يشرب )
( نصبته فوق النهر أيد قدرت ** ترويحه الأرواح ساعة ينصب )
( فكأنه وهو الطليق مقيد ** وكأنه وهو الحبيس مسيب )
( للماء فيه تصعد وتحدر ** كالمزن يستسقي البحار ويسكب )
حلف أبو عبد الله بن أبي الحسين ابن عمي أن يصنع في ذلك شيئا فقال
( ومحنية الأضلاع تحنو على الثرى ** وتسقي نبات الترب در الترائب )
( تعد من الأفلاك أن مياهها ** نجوم لرجم المحل ذات ذوائب )
( وأعجبها رقص الغصون ذوابلا ** فدارت بأمثال السيوف القواضب )
( وتحسبها والروض ساق وقينة ** فما برحا ما بين شاد وشارب )
وما خلتها تشكو بتحنانها الصدى ** ومن فوق متنيها اطراد المذانب )
____________________
(2/286)


( فخذ من مجاريها ودهمة لونها ** بياض العطايا في سواد المطالب )
ثم كلفت في أن أقول في ذلك وأنا أعتذر بأن هذين لم يتركا لي ما أقول
( وذات حنين لا تزال مطيفة ** تئن وتبكي بالدموع السواكب )
( كأن أليفا بان عنها فأصبحت ** بمربعه كالصب بعد الحبائب )
( إذا ابتسمت فيها الرياض شماتة ** ترعها بأمثال السيوف القواضب )
( فكم رقصت أغصانها فرمت لها ** نثارا كما بددت حلي الكواعب )
( لقد سخطت منها الثغور وأرضت القدود ** ولم تحفل بتثريب عائب )
( شربت على تحنانها ذهبية ** ذخيرة كسرى في العصور الذواهب )
( فهاجت لي الكأس ادكار مغاضب ** فحاكيتها وجدا بذاك المغاضب )
( فلا تدع التبريز في كثرة الهوى ** فلولاي كانت فيه إحدى العجائب )
قال وقلت بغرناطة
( باكر اللهو ومن شاء عتب ** لا يلذ العيش إلا بالطرب )
( ما توانى من رأى الزهر زها ** والصبا تمرح في الروض خبب )
( وشذاه صانه حتى اغتدى ** بين أيدي الريح غصبا ينتهب )
( يا نسيما عطر الأرجاء هل ** بعثوا ضمنك ما يشفي الكرب )
( هم أعلوه وهم يشفونه ** لا شفاه الله من ذاك الوصب )
( خلع الروض عليه زهره ** حين وافى من ذراكم فعل صب )
( فأبى إلا شذاه فانثنى ** حاملا من عرفه ما قد غصب )
( لست ذا نكر لأن يشبهكم ** من بعثتم غير ذا منه العجب )
____________________
(2/288)


( غالب الأغصان في بدأته ** ثم لما زاد أعطته الغلب )
( فبكى الطل عليها رحمة ** أو بكى من وعظ طير قد خطب )
( كل هذا قد دعاني للتي ** ملكت رقي على مر الحقب )
( قهوة أبسم من عجب لها ** عندما تبسم عجبا عن حبب )
( حاكت الخمر فلما شعشعت ** قلت ما للخمر بالماء التهب )
( وبدت من كأسها لي فضة ** ملئت إذ جمدت ذوب الذهب )
( اسقينها من يدي مشبهها ** بالذي يحويه طرف وشنب )
( لا جعلت الدهر نقلي غير ما ** لذ لي من ريق ثغر كالضرب )
( لا جعلت الدهر ريحاني سوى ** ما بخديه من الورد انتخب )
( لم أزل أقطع دهري هكذا ** وكذا أقطع منه المرتقب )
( حبذا عيش قطعناه لدى ** معطف الخابور ما فيه نصب )
( مع من لم يدر يوما ما الجفا ** من أراح الصب فيه من تعب )
( كل ما يصدر منه حسن ** لم يذقني في الهوى مر الغضب )
( أي عيش سمح الدهر به ** كل نعمى ذهبت لما ذهب ) قال ودخلت بتونس مع أبي العباس الغساني حماما فنظرنا إلى غلمان في نهاية الحسن ونعومة الأبدان فقلت مخاطبا له
( دخلت حماما وقصدي به ** تنعيم جسم فغدا لي عذاب ) قلت لظى فاعترضت حوره ** وقلت عدن فنهاني التهاب )
( وأنت في الفضل إمام فكن ** في الحكم ممن حاز فصل الخطاب )
فقال
( لا تأمن الحمام في فعله ** فليس ما يأتيه عندي صواب )
____________________
(2/289)


( فما أرى أخدع منه ولا ** أكذب إلا أن يكون السراب )
( يبدي لك الغيد كحور الدمى ** ويلبس الشيخ برود الشباب )
( ظن به النار فلا جنة ** للحسن إلا ما حوته الثياب )
نقول من ابن سعيد
1 - بناء الهودج بروضه مصر
ومن فوائده أعني ابن سعيد رحمه الله تعالى - في كتابه المحلى بالأشعار نقلا عن القرطبي قضية بناء الهودج بروضة مصر وهو من منتزهات الخلفاء الفاطميين العظيمة العجيبة البناء البديعة وذلك أنه يقال إن الباني له الخليفة الآمر بأحكام الله للبدوية التي غلب عليه حبها بجوار البستان المختار وكان يتردد إليه كثيرا وقتل وهو متوجه إليه وما زال منتزها للخلفاء من بعده
وقد أكثر الناس في حديث البدوية وابن مياح من بني عمها وما يتعلق بذلك من ذكر الآمر حتى صارت رواياتهم في هذا الشأن كحديث البطال وألف ليلة وليلة وما أشبه ذلك والاختصار منه أن يقال إن الآمر قد كان بلي بعشق الجواري العربيات وصارت له عيون في البوادي فبلغه أن بالصعيد جارية من أكمل العرب وأظرفهم شاعرة جميلة فيقال إنه تزيا بزي بداة
____________________
(2/290)

الأعراب وكان يجول في الأحياء إلى أن انتهى إلى حيها وبات هنالك وتحيل حتى عاينها هناك فما ملك صبره ورجع إلى مقر ملكه وأرسل إلى أهلها يخطبها وتزوجها فلما وصلت إليه صعب عليها مفارقة ما اعتادت وأحبت أن تسرح طرفها في الفضاء ولا تنقبض نفسها تحت حيطان المدينة فبنى لها البناء المشهور في جزيرة الفسطاط المعروف بالهودج وكان غريب الشكل على شط النيل وبقيت متعلقة الخاطر بابن عم لها ربيت معه يعرف بابن مياح فكتبت إليه من قصر الآمر
( يا ابن مياح إليك المشتكى ** مالك من بعدكم قد ملكا )
( كنت في حيي طليقا آمرا ** نائلا ما شئت منكم مدركا )
( فأنا الآن بقصر موصد ** لا أرى إلا حبيسا ممسكا )
( كم تثنينا كأغصان اللوى ** حيث لا نخشى علينا دركا )
فأجابها فقال
( بنت عمي والتي غذيتها ** بالهوى حتى علا واحتبكا )
( بحت بالشكوى وعندي ضعفها ** لو غدا ينفع منا المشتكى )
( مالك الأمر إليه يشتكى ** هالك وهو الذي قد أهلكا )
قال وللناس في طلب ابن مياح واختفائه أخبار تطول خبر
وكان من عرب طيء في عصر الآمر طراد بن مهلهل فقال وقد بلغته هذه الأبيات
____________________
(2/291)


( ألا بلغوا الآمر المصطفى ** مقال طراد ونعم المقال )
( قطعت الأليفين عن ألفة ** بها سمر الحمى حول الرحال )
( كذا كان آباؤك الأكرمون ** سألت فقل لي جواب السؤال )
فقال الخليفة الآمر لما بلغته الأبيات جواب سؤاله قطع لسانه على فضوله فطلب في أحياء العرب فلم يوجد فقيل ما أخسر صفقة طراد باع عدة أبيات بثلاثة أبيات
مكين الدولة ابن حديد وكان بالإسكندرية مكين الدولة أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد ابن الحسن بن حديد له مروءة عظيمة ويحتذي أفعال البرامكة وللشعراء فيه أمداح كثيرة ومدحه ظافر الحداد وأمية أبو الصلت وغيرهما وكان له بستان يتفرج فيه به جرن كبير من رخام وهو قطعة واحدة ينحدر فيه الماء فيبقى كالبركة من كبره وكان يجد في نفسه برؤيته زيادة على أهل التنعم والمباهاة في عصره فوشى به للبدوية محبوبة الآمر فسألت الآمر في حمل الجرن إليها فأرسل إلى ابن حديد في إحضار الجرن فلم يجد بدا من حمله من البستان فلما صار إلى الآمر أمر بعمله في الهودج وتركيبه هناك فقلق ابن حديد وصارت في قلبه حزازة من أخذ الجرن فأخذ يخدم البدوية وجميع من يلوذ بها بأنواع الخدم العظيمة الخارجة عن الحد في الكثرة حتى قالت البدوية هذا الرجل أخجلنا بكثرة تحفه ولم يكلفنا قط أمرا نقدر عليه عند
____________________
(2/292)

الخليفة مولانا فلما قيل له عنها هذا القول قال مالي حاجة بعد الدعاء لله بحفظ مكانها وطول حياتها في عز غير رد السقية التي قلعت من داري التي بنيتها في أيامهم من نعمتهم ترد إلى مكانها فتعجبت من ذلك وردتها عليه فقيل له قد حصلت في حد أن خيرتك البدوية في جميع المطالب فنزلت همتك إلى قطعة حجر فقال أنا أعرف بنفسي ما كان لها أمل سوى أن لا تغلب في أخذ ذلك الحجر من مكانه وقد بلغها الله تعالى أملها
وكان هذا المكين متولي قضاء الإسكندرية ونظرها في أيام الآمر وبلغ من علو همته وعظيم مروءته أن سلطان الملوك حيدرة أخا الوزير المأمون ابن البطائحي لما قلده الآمر ولاية ثغر الإسكندرية سنة سبع عشرة وخمسمائة وأضاف إليها الأعمال البحرية ووصل إلى الثغر - وصف له الطبيب دهن الشمع بحضرة القاضي المذكور فأمر في الحال بعض غلمانه بالمضي إلى داره لإحضار دهن الشمع فما كان أكثر من مسافة الطريق إلا وقد أحضر حقا مختوما فك عنه فوجد فيه منديل لطيف مذهب على مراف بلور فيه ثلاثة بيوت كل بيت عليه قبة ذهب مشبكة مرصعة بياقوت وجوهر بيت دهن ممسك وبيت دهن بكافور وبيت دهن بعنبر طيب ولم يكن فيه شيء مصنوع لوقته فعندما أحضره الرسول تعجب المؤتمن والحاضرون من علو همته فعندما شاهد القاضي ذلك بالغ في شكر إنعامه وحلف بالحرام إن عاد إلى ملكه وكان جواب المؤتمن وقد قبلته منك لا لحاجة إليه ولا نظر في قيمته بل لإظهار هذه الهمة وإذاعتها وذكر أن قيمة هذا المداف وما عليه خمسمائة دينار
فانظر رحمك الله تعالى إلى من يكون دهن الشمع عنده في إناء قيمته خمسمائة دينار ودهن الشمع لا يكاد أكثر الناس يحتاج إليه فماذا تكون ثيابه
____________________
(2/293)

وحلي نسائه وفرش داره وغير ذلك من التجملات وهذا إنما هو حال قاضي الإسكندرية ومن قاضي الإسكندرية بالنسبة إلى أعيان الدولة بالحضرة وما نسبة أعيان الدولة وإن عظمت أحوالهم إلى أمر الخلافة وأبهتها إلا يسير حقير
وما زال الخليفة الآمر يتردد إلى الهودج المذكور إلى أن ركب يوم الثلاثاء رابع القعدة سنة 524 يريد الهودج وقد كمن له عدة من النزارية على رأس الجسر من ناحية الروضة فوثبوا عليه وأثخنوه بالجراحة وحمل في العشاري إلى اللؤلؤة فمات بها وقيل قبل أن يصل إليه وقد خرب هذا الهودج وجهل مكانه من الروضة ولله عاقبة الأمور نقل ذلك كله الحافظ المقريزي رحمه الله تعالى 3 - الشهاب التلعفرى قال النور بن سعيد ومن خطه نقلت لما نزلنا بتلعفر حين خرجنا من سنجار إلى الموصل سألت أحد شيوخنا عن والد شهاب الدين التلعفري فقال أنا أدركته وكان كثير التجول وأنشدني لنفسه في عيد أدركه في غير بلده
( يبتهج الناس إذا عيدوا ** وعند سرائهم أكمد )
( لأنني أبصر أحبابهم ** ومقلتي محبوبها تفقد )
____________________
(2/294)


قال وخرج ابنه الشهاب أجول منه شخصا وشعرا وصدق فيما قاله
( وأنشد ابن سعيد للشهاب التلعفري
( لك ثغر كلؤلؤ في عقيق ** ورضاب كالشهد أو كالرحيق )
( وجفون لم يمتشق سيفها إلا ** لمغرى بقدك الممشوق )
( تهت عجبا بكل فن من الحسن ** جليل وكل معنى دقيق )
( وتفردت بالجمال الذي خلاك ** مستوحشا بغير رفيق )
( باللحاظ التي بها لم تزل ترشق ** قلبي بالقوام الرشيق )
( لا تغر بالغوير إذ تتثنى ** فيه أعطاف كل غصن وريق )
( واثن محمر ورد خديك واستره ** وإلا ينشق قلب الشفيق )
قال ابن سعيد وحظي الشهاب التلعفري بمنادمة الملوك وكونهم يقدمونه ويقبلون على شعره وعهدي به لا ينشد أحد قبله في مجلس الملك الناصر على كثرة الشعراء وكثرة من يعتني بهم ولما جمعت للملك الناصر كتاب ملوك الشعر جعلت ملك شعر الشهاب البيت الرابع من المقطوعة المتقدمة فإنه كان كثيرا ما ينشده وينوه به والتشفي من ذكر الشهاب ومحاسن شعره له مكان بكتاب الغرة الطالعة في فضلاء المائة السابعة وهو الآن عند الملك المنصور صاحب حماة قد علت سنه وما فارقه غرامه ودنه انتهى
____________________
(2/295)


4 - العادل ابن أيوب
ولما أجرى ابن سعيد في بعض مصنفاته ذكر الملك العادل بن أيوب قال ما نصه وكان من أعظم السلاطين دهاء وحزما وكان يضرب به المثل في إفساد القلوب على أعدائه وإصلاحها له ويحكى أنه بشره شخص بأن أميرا من أمراء الأفضل بن صلاح الدين فسد عليه فأعطاه مالا جزيلا وأرسل مستخفيا إلى المذكور يزيده بصيرة في الانحراف عن الأفضل ويعده بما يفسد الصالح فكيف الفاسد قال وكان يمنع حتى يوصف بالبخل ويجود في مواضع الجود حتى يوصف بالسماح وكان صلاح الدين - وهو السلطان - يأخذ برأيه وقدم له أحد المصنفين كتابا مصورا في مكايد الحروب ومنازلة المدن وهو حينئذ على عكا محاصرا للفرنج فقال له ما نحتاج إلى هذا الكتاب ومعنا أخونا أبو بكر وكان كثير المداراة والحزم ومن حكاياته في ذلك أن أحد الأشياخ من خواصه قال له يوما وهو على سماطه يأكل يا خوند ما وفيت معي ولا رعيت سابق خدمتي وكلمه بدالة السن وقدم الصحبة قبل الملك فقال لمماليكه انظروا وسطه فحبسوا الكمران وقال خذوا الصرة التي فيه فوجدوا صرة فقال افتحوها ففتحوها فإذا فيها ذرور فقال العادل كل من هذا الذرور فتوقف وعلم أنه مطلع على أنه سم فقال كيف نسبتني إلى قلة الوفاء وأنا منذ سنين أعلم أنك تريد أن تسمني بهذا السم وقد جعل لك الملك الفلاني على ذلك عشرة آلاف دينار فلا أنا أمكنتك من نفسي ولا أشعرتك لئلا يكون في ذلك ما لا خفاء به وتركتك على
____________________
(2/296)

حالك وأنا مع هذا لا أغير عليك نعمة ثم قال ردوا سمه إلى كمرانه لا أبقى الله تعالى عليه إن قدر وأبقى علي فجعل يقبل الأرض ويقول هكذا والله كان وأنا تائب لله تعالى ثم إن الشيخ جدد توبة واستأنف أدبا آخر وخدمة أخرى وكانت هذه الفعلة من إحدى عجائب العادل قال وكان كثير المصانعات حتى إنه يصوغ الحلي الذي يصلح لنساء الفرنج ويوجه في الخفية إليهن حتى يمسكن أزواجهن عن الحركة وله في ذلك مع ملوك الإسلام ما يطول ذكره ولما خرج ابن أخيه المعز إسماعيل بن طغتكين باليمن وخطب لنفسه بالخلافة وكتب له أن يبايعه ويخطب له في بلاده كان في الجماعة من أشار إلى النظر في توجيه عسكر له في البر والبحر وإنفاق الأموال قبل أن يتفاقم أمره فضحك وقال من يكون عقله هذا العقل لا يحوج خصمه إلى كبير مؤنة أنا أعرف كيف أفسد عليه حاله في بلاده فضلا على أن يتطرق فساده لبلادي ثم إنه وجه في السر لأصحاب دولته بالوعد والوعيد وقال لهم أنتم تعلمون بعقولكم أن هذا لا يسوغ لي فكيف يسوغ له وقد أدخل نفسه في أمر لا يخرج منه إلا بهلاكه فاحذروا أن تهلكوا معه واتعظوا بالآية { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار } [ هود 113 ] وما لهذا عقل يدبر به نفسه فكيف يفضل عن تدبير خاصته إليكم { ولتعلمن نبأه بعد حين } [ ص 88 ] فعندما وعت أسماعهم هذا وتدبروه بعقولهم قبضوا عليه وقتلوه وعادت البلاد للعادل وقال للمشيرين عليه في أول الأمر بتجهيز العسكر قد كفينا المؤونة بأيسر شيء من المال ولو حاولناه بما أشرتم به لم تقم خزائن ملكنا بالبلوغ إلى غايته
____________________
(2/297)

وكان - على ما بلغه من عظمة السلطان واتساع الممالك - يحكي ما جرى له من زمان خلوه من ذلك ويحب الاستماع لنوادر أنذال العالم واشتهر في خدمته مساخر أشهرهم خضير صاحب البستان المشهور عند الربوة بغوطة دمشق ومن نوادره الحارة معه أنه سمعه يوما وهو يقول في وضوئه اللهم حاسبني حسابا يسيرا ولا تحاسبني حسابا عسيرا فقال له يا خوند على أي شيء يحاسبك حسابا عسيرا إذا قال لك أين أموال الخلق التي أخذتها فقل له تراها بأمانتها في الكرك وكان قد صنع بهذا المعقل الحسرات سميت بذلك لأن من رآها يتحسر إذا نظرها ولا يستطيع على شيء منها بحيلة وهي خواب مفروغة من ذهب وفضة تركت بمرأى من الناظرين ليشتهر ذلك في الآفاق وقال العادل مرة وقد جرى ذكر البرامكة وأمثالهم ممن ذكر في كتاب المستجاد في حكايات الأجواد إنما هذا كذب مختلق من الوراقين ومن المؤرخين يقصدون بذلك أن يحركوا همم الملوك والأكابر للسخاء وتبذير الأموال فقال خضير يا خوند ولأي شيء لا يكذبون عليك قال ابن سعيد من وقف على حكايات أبي العيناء مع عبيد الله بن سليمان يجد مثل هذه الحكاية قال ابن سعيد ووجدت الشهاب القوصي قد ذكر السلطان العادل في كتاب تاج المعاجم وابتدأ الكتاب المذكور بمحاسنه والثناء عليه وخرج عنه الحديث النبوي عن الحافظ السلفي وتمثل فيه عند وفاته
____________________
(2/298)


( ألام على بكائي خير ملك ** وقل لي بكائي بالنجيع )
( به كان الشباب جميع عمري ** ودهري كله زمن الربيع )
( ففرق بيننا زمن خؤون ** له شغف بتفريق الجميع )
قال ابن سعيد ودفن العادل بالمدرسة العادلية بدمشق وكان أنشأها للشافعية وهي في نهاية الحسن وبها خزانة كتب فيها تاريخ ابن عساكر وذيل هذا التاريخ واختصره أبو شامة سمعت عليه منه هنالك ما تيسر أيام إقامتي بدمشق
وأولاد العادل ملوك البلاد في صدر هذه المائة السابعة منهم الكامل والمعظم والأشرف وهؤلاء الثلاثة شهروا بالفضل وحب الفضلاء وقول الشعراء انتهى
5 - المرزغاني
وقال ابن سعيد في ترجمة الرئيس صفي الدين أحمد بن سعيد المرذغاني وهو من بيت وزارة ورئاسة بدمشق إن من شعره قوله
( كيف طابت نفوسكم بفراقي ** وفراق الأحباب مر المذاق )
( لو علمتم بلوعتي وصبابا تي ** ووجدي وزفرتي واحتراقي )
( لرثيتم للمستهام المعنى ** ووفيتم بالعهد والميثاق )
قال ابن سعيد وقفت على ذكر هذا الرئيس في كتاب تاج المعاجم ووجدت صاحبه الشهاب القوصي قد قال أخبرني بدمشق أنه قد كان عزم على السفر منها إلى مصر لأمر ضاق به صدره فهتف به هاتف في النوم وأنشده
____________________
(2/299)


يا أحمد اقنع بالذي أعطيته ** إن كنت لا ترضى لنفسك ذلها )
( ودع التكاثر في الغنى لمعاشر ** أضحوا على جمع الدراهم ولها )
( واعلم بأن الله جل جلاله ** لم يخلق الدنيا لأجلك كلها )
فانثنى عزمه عن الحركة ثم بلغ ما أمله دون سفر
6 - دفترخوان الدمشقي
وقال ابن سعيد في ترجمة المنتجب أحمد بن عبد الكريم الدمشقي المعروف بدفترخوان وهو الذي يقرأ الدفاتر بين أيدي الملوك والأكابر إنه كان يقرأ الدفاتر بين يدي العادل بن أيوب وكان يكتب له بالأشعار في المواسم والفصول فينال من خيره وكتب له مرة وقد أظل الشتاء في دمشق فقال
( مولاي جاء الشتاء ** والكيس منه خلاء )
( لا زال يجري بما تر تضي ** علاك القضاء )
وكل كاف إليه ** يحتاج فيه التواء )
فقال له العادل هذا الضمير الذي في البيت الأول على ماذا يعود قال بحسب مكارم السلطان إن شئت على الدراهم وإن شئت على الدنانير فضحك وقال هات كيسك فأخرج له كيسا يسع قدر مائة دينار فملأه
____________________
(2/300)

له وقال أظنه كان معدا عندك فقال مثل السلطان من يكون جوده مظنونا وكتب إليه مرة وقد أملق
( انظر إلي بعين جودك مرة ** فلعل محروم المطالب يرزق )
( طير الرجاء على علاك محلق ** وأظنه سيعود وهو مخلق )
فأعطاه جملة دنانير وقال له اشتر بهذه ما تخلق به طير رجائك انتهى
الزناطي وابن الربيب
وأنشد ابن سعيد رحمه الله تعالى لبعض المغاربة وهو أبو الحسن علي بن مروان الزناطي الكاتب
( أنس أخي الفضل كتاب أنيق ** أو صاحب يعنى بود وثيق )
( فإن تعره دون رهن به ** تخسره أو تخسر وداد الصديق )
( وربما تخسر هذا وذا ** فاسمع رعاك الله نصح الشفيق )
قال وأجابه المخاطب بهذه الأبيات وهو ابن الربيب بنثر نصه
____________________
(2/301)

مثلك يفيد تجربة قد نفق عليها عمر وضل عن فوائدها غر غمر وقد أنفذت رهنا لا يسمح بإخراجه من اليد إلا ليدك فتفضل بتوجيه الجزء الأول فأنا أعلم أنه عندك مثل والدك قال فوجهه ومعه بطاقة صغيرة فيها يا أخي إن عرضت بولدي فكذلك كنت مع والدي وقد توارثنا العقوق كابرا عن كابر فكن شاكرا فإني صابر
ثم قال ابن سعيد وتفاقم أمر ولده فقيده بقيد حديد وقال فيه
( لي ولد يا ليته ** لم يك عندي يخلق )
( يجهد في كل الذي ** يرغم وهو يعشق )
( وإن أكن قيدته ** دمعي عليه مطلق
وذكر ابن سعيد أن الكاتب أبا الحسن المذكور كان كثيرا ما يستعير الكتب فإذا طلبت منه فكأنها ما كانت فذكر لبعض أصحابه - وهو ابن الربيب المؤرخ - أن عنده نسخة جليلة من تاريخ عريب الذي لخص فيه تاريخ الطبري واستدرك عليه ما هو من شرطه وذيل ما حدث بعده فأرسل إليه في استعارتها فكتب إليه يا أخي سدد الله آراءك وجعل عقلك أمامك لا وراءك ما يلزمني من كونك مضيعا أن أكون كذلك والنسخة التي رمت إعارتها هي مؤنسي إذا أوحشني الناس وكاتم سري إذا خانوني فما أعيرها إلا بشيء أعلم أنك تتأذى بفقده إذا فقد جزء من النسخة وأنا الذي أقول
____________________
(2/302)


( أنس أخي الفضل كتاب أنيق ** ) إلى آخره
وأنشد للكاتب أبي الحسن المذكور
( إن ذاك العذار قام بعذري ** وفشا فيه للعواذل سري )
( ما رأينا من قبل ذلك مسكا ** صاغ منه الإله هالة بدر )
( أي آس من حول جنة ورد ** ليس منه آس مدى الدهر يبري )
ولما اشتد مرضه بين تلمسان وفاس قال هذه الأبيات وأوصى أن تكتب على قبره
( ألا رحم الله حيا دعا ** لميت قضى بالفلا نحبه )
( تمر السوافي على قبره ** فتهدي لأحبابه تربه )
( وليس له عمل يرتجى ** ولكنه يرتجي ربه )
رجع إلى نظم ابن سعيد المترجم به فنقول وقال لما سار المعظم من حصن كيفا وآل آمره إلى الملك ثم القتل والهلك
( ليت المعظم لم يسر من حصنه ** يوما ولا وافى إلى أملاكه )
( إن العناصر إذ رأته مكملا ** حسدته فاجتمعت على إهلاكه )
ومما نقلته من ديوانه الذي رتبه على حروف المعجم قوله - رحمه الله تعالى - وقلت بالقاهرة على لسان من كلفني ذلك
( شرف الدين أبن لي ما السبب ** في انقلاب الدهر لي عند الغضب )
____________________
(2/303)


( يدعونه بأجل ما ** يدعى به الحر الصراح )
( حتى إذا ما بان كدر ** عيشهم منه انتزاح )
( فعلى مثالهم يباح ** لي المدامع والنواح )
( كرها فقدتهم فما ** لي بعد بعدهم ارتياح )
( لله شوقي إن هفت ** من نحو أرضهم الرياح )
( فهناك قلبي طائر ** لهم ومن شوقي جناح )
قال وقلت بمدينة ابن السليم في وصف كلب صيد أسود في عنقه بياض
( وأدهم دون حلي ظل حالي ** كأن ليلا يقلده صباح )
( يطير وما له ريش ولكن ** متى يهفو فأربعه جناح )
( تكل الطير مهما نازعته ** وتحسده إذا مرق الرياح )
( له الألحاظ مهما جاء سلك ** ومهما سار فهي له وشاح )
قال وقلت في نيل مصر
( يا نيل مصر أين حمص ونهرها ** حيث المناظر أنجم تلتاح )
( في كل شط للنواظر مسرح ** تدعو إليه منازح وبطاح )
( وإذا سبحت فلست أسبح خائفا ** ما فيه تيار ولا تمساح ) قال وقلت وقد حضرت مع إخوان لي بموضع يعرف بالسلطانية على نهر إشبيلية وقد مالت الشمس للغروب
( رق الأصيل فواصل الأقداحا ** واشرب إلى وقت الصباح صباحا )
____________________
(2/306)


( انظر لشمس الأفق طائرة وقد ** ألقت على صفح الخليج جناحا )
( فاظفر بصفو الأفق قبل غروبها ** واستنطق المثنى وحث الراحا )
( متع جفونك في الحديقة قبل أن ** يكسو الظلام جمالها أمساحا )
( وقلت بمرسية
( أقلقه وجده فباحا ** وزاد تبريحه فناحا )
( ورام يثني الدموع لما ** جرت فزادت له جماحا )
( يا من جفا فارفقن عليه ** مستعبدا لا يرى السراحا )
( يكابد الموت كل حين ** لو أنه مات لاستراحا )
( ينزو إذا ما الرياح هبت ** كأنه يعشق الرياحا )
( يسألها عن ربوع حمص ** لما نما عرفها وفاحا )
( كم قد بكى للحمام كيما ** يعيره نحوها جناحا )
قال وخرجت مرة مع أبي إسحاق إبراهيم بن سهل الإسرائيلي إلى مرج الفضة بنهر إشبيلية فتشاركنا في هذا الشعر
( غيري يميل إلى كلام اللاحي ** ويمد راحته لغير الراح )
( لا سيما والغصن يزهو زهره ** ويميل عطف الشارب المرتاح )
( وقد استطار القلب ساجع أيكه ** من كل ما أشكوه ليس بصاح )
____________________
(2/307)


( قد بان عنه جناحه عجبا له ** من جانح للعجز حلف جناح )
( بين الرياض وقد غدا في مأتم ** وتخاله قد ظل في أفراح )
( الغصن يمرح تحته والنهر في ** قصف تزجيه يد الأرواح )
( وكأنما الأنسام فوق جنانه ** أعلام خز فوق سمر رماح )
( لا غرو أن قامت عليه أسطر ** لما رأته مدرعا لكفاح )
( فإذا تتابع موجه لدفاعه ** مالت عليه فظل حلف صياح )
قال وقلت بمالقة متشوقا إلى الجزيرة الخضراء
( يا نسيما من نحو تلك النواحي ** كيف بالله نور تلك البطاح )
( أسقتها الغمام ريا فلاحت ** في رداء ومئزر ووشاح )
( أم جفته فصيرته هشيما ** تركته تذروه هوج الرياح )
( يا زماني بالحاجبية إني ** لست من سكر ما سقيت بصاحي )
( آه مما لقيت بعدك من هم ** وشوق وغربة وانتزاح )
( أين قوم ألفتهم فيك لما ** قرب الدهر آذنوا بالرواح )
( تركوني أسير وجد وشوق ** ما لقلبي من الجوى من سراح )
( أسلموني للويل حتى تولوا ** وأصاخوا ظلما لقول اللواحي )
( أعرضوا ثم عرضوني لشوق ** ترك القلب مثخنا بجراح )
( أسهر الليل لست أغفى لصبح ** أترى النوم ذاهبا بالصباح )
( قد بدا يظهر النجوم حليا ** وهو من لبسة الصبا في براح )
( مسبلا ستره منعم بال ** وجفوني من سهده في كفاح )
( أيها الليل لاتؤمل خلودا ** عن قريب يمحو ظلامك ماح )
( ويلوح الصباح مشرق نور ** فيه للمستهام بدء نجاح )
( إن يوم الفراق بدد شملي ** طائرا ليته بغير جناح )
( حالك اللون شبه لونك ماعزب ** عن عياني يا شبه طير انتزاح )
____________________
(2/308)


( فلتدم غضبان أظفر بالمنى ** ليس لي في غير هذا من أرب )
( إنما ظهرك عندي قبلة ** ووضوئي الدهر من ذاك الشنب ) وأستغفر الله من قول الكذب قال وقلت بإشبيلية
( قد جاء نصر الله والفتح ** والصبح لما رضيت صبح )
( فهنئوني بارتجاع المنى ** لولا الرضى ما برح البرح )
( يا أورقا يا غصنا يانقا ** يا ظبية بالليل يا صبح )
( يصحو جميع الناس من سكرهم ** ولست من سكركم أصحو )
( بلغت فيه غاية لم يبن ** غايتها التفسير والشرح )
( وينصح العذال من لي بأن ** يعذلني عن غيك النصح ) وقلت بإشبيلية
( وضح الصبح فأين القدح ** يعرف اللذات من يصطبح )
( ما ترى الليل كطرف أدهم ** وضياء الفجر فيه وضح )
( والثرى دبجه در الندى ** وعلى الأغصان منه وشح )
( ومدير الراح لم يعد المنى ** كل ما يأتي به مقترح )
( في بطاح المرج قد نادمني ** رشا من سكره ينبطح )
( جعل المسواك سترا للمنى ** فكأن قبل فاه قزح )
( كلما شئت الذي قد شاءه ** فحنى لي كاسه أفتتح )
( ما أبالي أن رآني كاشح ** أم رآني من لديه نصح )
( هكذا العيش ودع عيش الذي ** خاف من نقد إذا يفتضح ) وقلت بشريش
( طاب الشراب لمعشر ** سلبوا المروءة فاستراحوا )
____________________
(2/309)

لولا ندى يحيى وتدبيره ** ما برحت تغبر منها النواح )
( لكن يداه سحب كلما ** حلت بأرض حل فيها النجاح ) هذا وقد آمن من حلها ** وحفها من غربة وانتزاح )
( كم شتتوا من قبل تأميره ** وحكمت فيهم عوالي الرماح )
( يا سائرا يرجو بلوغ المنى ** باكر ذرا يحيى وقل لا رواح )
( وحيه بالمدح فهو الذي ** يهتز كالهندي حين امتداح )
( بالشرق والغرب غدا ذكره ** يحث من حمد وشكر جناح )
ساعده السعد وأضحت له الآمال ** لا تجري بغير اقتراح )
( ويسر الله له ملكه ** من غير أن يشهر فيه السلاح )
( وكل من كان على غيره ** ذا منعة أمسى به مستباح )
( وكم جموح عندما قام بالأمر ** رأى القهر فخلى الجماح )
( كف بكف للندى والردى ** بها معان وهي خرس فصاح )
( حتى لقد أحسب من سعده ** تجري على ما يرتضيه الرياح )
( قولوا ليعقوب فماذا جنى ** وابن أبي حمزة ماذا استباح )
( قد أصبحا من فوق جذعين لا ** يؤنسهم غير هبوب الرياح )
( واسأل عن الداعي الدعي الذي ** حاول أمرا كان عنه انضراح )
( أكان من صيره والدا ** بزعمه أمل فيه فلاح )
( شكرا لسعد لم يدع فرقة ** قد صير الملك كضرب القداح )
( راموا بلا جاه ولا محتد ** ما حزت بالحق فكان افتضاح )
( زنانة يهنيكم فعلكم ** عاجلكم ثائركم باجتياح )
( كفر ما قدمتم آخر ** والخير لن يبرح للشر ماح )
( عهدي به في موكب الملك ما ** بينكم نشوان من غير راح )
____________________
(2/310)


( يحسب أن الأرض ملك له ** وروحه ملك لسمر الرماح )
( غدا بعز الملك لكنه ** أهون مملوك على الأرض راح )
( جاؤوا به يمرح في عزه ** وهم أزالوا عنه ذاك المراح )
( توقعوا في القرب منه الردى ** من صحبة الأجرب يخشى الصحاح )
( فأسرعوا نحوك يبغون ما ** عودتهم من عطفة والتماح )
( فغادروه جانيا غدره ** لطائر البين عليه نياح )
( فالحمد لله على كل ما ** سنى لك السعد برغم اللواح )
( مثلك لا ينفد ما شاده ** فلست تأتي الدهر إلا صلاح )
( لا زلت في عز وفي مكنة ** وفي سرور دائم وانفساح )
قال وقلت بنيونش موضع الفرجة بسبتة
( اشرب على بنيونش ** بين السواني والبطاح )
( مع فتية مثل النجوم ** لهم إذا مروا جماح )
( ساقيهم متبذل ** لا يمنع الماء القراح )
( كل يمد يمينه ** ما في الذي يأتي جناح )
( هبوا عليه كلما ** هبت على الروض الرياح )
( طوع الأماني كل ما ** يأتي به فهو اقتراح )
( عانقته حتى تركت ** بخصره أثر الوشاح ) وقلت بإشبيلية
( أوجه صبح أم الصباح ** ولحظها أم ظبا الصفاح )
( وثغرها أم نظيم در ** وريقها أم سلاف راح )
( وقدها أم قوام غصن ** وعرفها أم شذا البطاح )
____________________
(2/311)


( يا حبذا زورة تأتت ** منها على غفلة اللواح )
( فلم أصدق بها سرورا ** وظلت نشوان دون راح )
( أما منعت السلام دهرا ** ولا رسول سوى الرياح )
( قالت ألا فانس ما تقضى ** فمن يدع ما مضى استراح )
( يا حبذاها وقد تأتت ** من دون وعد ولا اقتراح )
( زارت ومن نورها دليل ** والليل قد أسبل الجناح )
( أخفت سراها فباح نشر ** لها بعرف فشا وفاح )
( وافت فأمسى فمي مداما ** وساعداي لها وشاح )
( كأنما بت بين روض ** والغصن والورد والأقاح )
( فبينما الشمل في انتظام ** إذ سمعت داعي الفلاح )
( فغادرتني فقلت غدرا ** قالت أما 7 تحذر افتضاح )
( ولت وما خلت من صباح ** يبدو على إثره صباح )
قال وقلت بتونس
( لا مرحبا بالتين لما بدا ** يسحب من ليل عليه الوشاح )
( ممزق الجلباب يحكي ضحى ** هامة زنجي عليها جراح )
( وإن تصحفه فلا حبذا ** ما قد أتى تصحيفه بانتزاح )
وقلت بالجزيرة الخضراء وقد كلفت ذلك
( غرامي بأقوال العدا كيف ينسخ ** وعهدي وقد أحكمته كيف يفسخ )
( كلامكم لا يدخل السمع نصحه ** ولكن إذا حرضتم فهو يرسخ )
( وبي بدر تم قد ذللت لحسنه ** فمن ذا الذي فيما أتيت يوبخ )
( إذا خاصموني في هواه خصمتهم ** ويبغون تنقيصي بذاك فأشمخ )
____________________
(2/312)


( أرى أن لي فضلا على كل عاشق ** فقصتنا في الدهر مما يؤرخ )
( فما بشر مثل له في جماله ** ووجدي به في العشق ليس له أخ )
وقلت بالإسكندرية وقد تعذر علي الحج عند وصولي إليها سنة تسع وثلاثين وستمائة
( قرب المزار ولا زمان يسعد ** كم ذا أقرب ما أراه يبعد )
( وا رحمة لمتيم ذي غربة ** ومع التغرب فاته ما يقصد )
( قد سار من أقصى المغارب قاصدا ** من لذ فيه مسيره إذ يجهد )
( فلكم بحار مع فقار جبتها ** تلقى بها الصمصام ذعرا يرعد )
( كابدتها عربا وروما ليتني ** إذ جزت صعب صراطها لا أطرد )
( يا سائرين ليثرب بلغتم ** قد عاقني عنها الزمان الأنكد )
( أعلمتم أن طرت دون محلها ** سبقا وها أنا إذ تدانى مقعد )
( يا عاذلي فيما أكابد قل في ** ما أبتغيه صبابة وتسهد )
( لم تلق ما لقيته فعذلتني ** لا يعذر المشتاق إلا مكمد )
( لو كنت تعلم ما أروم دنوه ** ما كنت في هذا الغرام تفند )
( لا طاب عيشي أو أحل بطيبة ** أفق به خير الأنام محمد )
( صلى عليه من براه خيرة ** من خلقه فهو الجميع المفرد )
( يا ليتني بلغت لثم ترابه ** فيزاد سعدا من بنعمى يسعد )
( فهناك لو أعطي مناي محلة ** من دونها حل السها والفرقد )
( عيني شكت رمدا وأنت شفاؤها ** من دائها ذاك الثرى لا الإثمد )
( يا خير خلق الله مهما غبت عن ** عليا مشاهدها فقلبي يشهد )
( ما باختيار القلب يترك جسمه ** غير الزمان له بذلك تشهد )
( يا جنة الخلد التي قد جئتها ** من دون بابك للجحيم توقد )
( صرم التواصل ذبل وصوارم ** ما للجليد على تقحمها يد )
____________________
(2/313)


( فلئن حرمت بلوغ ما أملته ** فلدي ذكرى لا تزال تردد )
( فلتنعشوا مني الذماء بذكره ** ما دمت عن تلك المعالم أبعد )
( لولاه ما بقيت حياتي ساعة ** هو لي إذا مت اشتياقا مولد )
( ذكر يليه من الثناء سحائب ** أبدا على مر الزمان يجدد )
( من ذا الذي نرجوه لليوم الذي ** يقصى الظماء به ويحمى المورد )
( يا لهف من وافى هناك وما له ** من حبه ذخر به يتزود )
( ما أرتجي عملا ولكن أرتجي ** ثقتي به ولحسب من يتزود )
( ما صح إيمان خلا من حبه ** أبلا رياش يستعد مهند )
( عن ذكره لا حلت عنه لحظة ** ومديحه في كل حفل أسرد )
( يا مادحي يبغي ثوابا زائلا ** فثواب مدحي في الجنان أخلد )
( لولا رسول الله لم ندر الهدى ** وبه غدا نرجو النجاة ونسعد )
( يا رحمة للعالمين بعثت والدنيا ** بجنح الكفر ليل أربد )
( أطلعت صبحا ساطعا فهديت للإيمان ** إلا من يحيد ويجحد
( لم تخش في مولاك لومة لائم ** حتى أقر به الكفور الملحد )
( ونصرت دين الله غير محاذر ** ودعوت في الأخرى الألى قد أصعدوا )
( ولقيت من حرب الأعادي شدة ** لو كابدوها ساعة لتبددوا )
( أيان لا أحد عليهم عاضد ** إلا الإله ولم يخن من يعضد )
( فحماك بالغار الذي هو من أدل ** المعجزات وخاب من يترصد )
( ووقاك من سم الذراع بلطفه ** كيما يغاظ بك العدى والحسد )
( والجذع حن إليك والماء انهمى ** ما بين خمسك والصحابة شهد )
( والذئب أنطق للذي أضحى به ** يهدي إلى سبل النجاح ويرشد )
( وبليلة الإسرا حباك وسمي الصديق ** من أضحى لقولك يسعد )
( وحباك بالخلق العظيم ومعجز الكلم ** الذي يهدي به إذ يورد )
( وبعثت بالقرآن غير معارض ** فيه وأمسى من نحاه )
____________________
(2/314)

حمامها تغني أعطافها تميد )
( وبالنسيم شقت ** لنهرها برود )
( فروعه سيوف ** وسوره بنود )
( هناك كم دعتني ** إلى الورود رود )
( فنلت كل سؤل ** يفنى به الحسود )
( قضيت فيه عيشا ** ما بعده مزيد ) أضحي به وأمسي ** مرنحا أميد )
( كأنني يزيد ** كأنني الوليد )
( يجري الزمان طوعي ** بكل ما أريد )
( الخمر ملكتني ** فالخلق لي عبيد )
( يحق لي إذا ما ** أبصرتها تجود )
( فها أنا إذا ما ** فقدتها فقيد )
( يا من يلوم بغيا ** العذل لا يفيد )
( إذا عدمت كأسي ** فليس لي وجود )
( قال وقلت بإشبيلية
( أو ما نظرت إلى الحمامة تنشد ** والغصن من طرب بها يتأود )
( ونثاره ألقاه جائزة لها ** لما يزل بيد النسيم يبدد )
( ألقى عليها الطل بردا سابغا ** فثناؤه طول الزمان يردد )
( أترى الحمامة من محب مخلص ** أولى بشكر حين تغمره يد )
( فلأثنين عليك ما أثني بأعلى ** الغصن حنان الهديل مغرد )
( كم نعمة لي في جنابك 4 كم أكابد ** جهدها أيان برك يجهد
____________________
(2/314)


( يعرد فتوالت الأحقاب وهو مبرأ ** من أن يكون له مثال يوجد )
( ولكم بليغ جال فصل خطابه ** والسرج في ضوء الغزالة تمهد )
( زويت لك الأرض التي لا زال حتى ** الحشر ربك في ذراها يعبد )
( ونصرت بالرعب الذي لما يزل ** يترى كأن ما عين شخصك تفقد )
( فمتى تعرض طاعن أو حاد عن ** حرم الهداية فالحسام مجرد )
( يا من تخير من ذؤابة هاشم ** نعم الفخار لها ونعم المحتد )
( لسناك حين بدا بآدم أقبلت ** رعيا لأخراه الملائك تسجد )
( لم أستطع حصرا لما أعطيته ** فذكرت بعضا واعتذاري منشد )
( ماذا أقول إذا وصفت محمدا ** نفد الكلام ووصفه لا ينفد )
( فعليك يا خير الخلائق كلها ** مني التحية والسلام السرمد )
( قال وقلت بإشبيلية
( هل تمنع النهود ** ما أبدت الخدود )
( نعم وكم طعين ** بطعنها شهيد )
( يا ربة المحيا ** حفت به السعود )
( لم تسكر الحميا ** بل ريقك البرود )
( لله يا عذولي ** ما تكتم البرود )
( ما زلت فيه أفن ** ي والوجد مستزيد )
( يا هل ترى زمانا ** مضى لنا يعود )
( لدى العروس سقت ** جنابها العهود )
( حيث الغصون مالت ** كأنها قدود )
( وزهرها نظيم ** كأنه عقود
____________________
(2/315)

وقال
( أرى العين مني تحسد الأذن كلما ** جرت مدحة للعلم والفضل والمجد )
( أحقق أنباء ولم أر صورة ** كتحقيقي الأخبار عن جنة الخلد )
( فمن على عيني بلقياك إنني ** أخذت لها أمنا بذاك من السهد )
قال وقلت أمدح ابن عمي وأشكره على ما أذكره
( آه مما تكن فيك الجوانح ** ودموعي على نواك سوافح )
( واشتفاء من العدو ببين ** كدر العيش أي عيش لنازح )
( يا أتم الأنام حسنا أما تحسن ** حتى يتم إطراء مادح )
( يا زمان الوصال عودا فإني ** طوحت بي لما غدرت الطوائح )
( أين عيش العروس إذ يبطح السكر ** حبيبي ما بين تلك الأباطح )
( والأماني تترى ولا أحد ينصح ** إذ لا يصغى إلى قول ناصح )
( وزمان السرور سمح مطيع ** ورسول الحبيب غاد ورائح )
( ولكم ليلة أتاني بلا طيب ** ولكن يزري بأذكى الروائح )
( هو ظبي فليس يحتاج طيبا ** قد كفاه عرف من المسك فائح ) مثل عليا محمد لم تكن كسبا ** وما لا يكون في الطبع فاضح )
( يا كريما أتى من الجود ما لا ** كان يدري فأوجدته المدائح )
( وعلا كل ذي علاء وأضحى ** نحو ما لا يرومه الناس طامح )
( قد أتاني إحسانك الغمر في إثر ** سواه فكنت أكمل مادح )
( فاض بحر النوال منك ولا ساحل ** يبدو ولم أزل فيه سابح )
( حلل مثل ما كسوتك في المدح ** تميت العدا ومال وسامح
____________________
(2/317)


( أورد الورد منطقي كل شكر ** حين أضحى طوع البنان مسامح )
( لون خد الحبيب حين كسوه ** حلة الحسن بالعيون اللوامح )
( شفق سال بين عينيه صبح ** حسنه قيد اللحاظ السوارح )
( لم أجد فيه من جماح ولكن ** ثنائي عليك ما زال جامح )
( لك يا ابن الحسين ذكر جميل ** صير الكل نحو بابك جانح )
( قد هدى نحوك الثناء كما يهدي ** إلى الروض باسمات النوافح )
( فاعذر الناس أن أتوا لك أفوا جا ** فكل بقصد فضلك رابح )
( ما هدتهم إليك إلا الأمان ** ي لم تحلهم إلا عليك القرائح )
( قل لذي المفخر الحديث تأخر ** ليس مهر في شأوه مثل قارح )
( أي أصل وأي فرع أقاما ** شرفا ظل للنجوم يناطح )
( قد حوت مذحج من الفجر لما ** كنت منها ما ليس يحويه شارح )
( أفق مجد قد زانه منك بدر ** في ظلام الخطوب ما زال لائح )
( بدر تم حفت به هالة من ** بيت مجد علاؤها الدهر واضح )
( يا سماكا بمسكه القلم الأعلى ** بدا بين أنجم الملك رامح )
( رفع الله للكتابة قدرا ** بعد ما كابدت توالي الفضائح )
( يا أعز الأنام نفسا وأعلا هم ** محلا لا زال أمرك راجح )
( أين أعداؤك الذين رعى سيفك ** فيهم فأشبهوا قوم صالح )
( أفسد الدهر حالهم ليرى حالك ** رغما بمن يناويك صالح )
( دمت في عزة وسعد مدى الدهر ** ولا زال طائر منك سانح )
أبو عبد الله ابن سعيد وابن عمه المذكور قال في حقه في المغرب ما ملخصه
____________________
(2/318)

إنه الرئيس الأعلى ذو الفضائل الجمة أبو عبد الله محمد بن الحسين بن أبي الحسين سعيد بن الحسين بن سعيد بن خلف بن سعيد قال واجتماع نسبنا مع هذا الرئيس في سعيد بن خلف وهو الآن قد اشتمل عليه ملك إفريقية اشتمال المقلة على إنسانها وقدمه في مهماته تقديم الصعدة لسنانها وأقام لنفسه مدينة حذاء حضرة تونس واعتزل فيها بعسكر الأندلس الذين صيرهم الملك المنصور إلى نظره وهو كما قال الفتح صاحب القلائد فقد جاء آخرهم فجدد مفاخرهم ومن نظمه وقد نزل على من قدم له مشروبا أسود اللون غليظا وخروبا وزبيبا أسود وزبيبا كثير الغصون جاءت به عجوز في طبق فقال
( يوم نزلنا بعبد العزيز ** فلا قدس الله عبد العزيز )
( سقانا شرابا كلون الهناء ** ونقلنا بقرون العنوز )
( وجاءت عجوز فأهدت لنا ** زبيبا كخيلان خد العجوز )
ونزل السلطان أبو يحيى في بعض حركاته لموضع فيه نهر وعلى شطه نور فقال الرئيس أبو عبد الله بن الحسين يصفه أو أمر بذلك
( ونهر يرف الزهر في جنباته ** ويثني النسيم قضبه فتأطر )
( يسيل كما عن الصباح بأفقه ** وإلا كما شيم الحسام المجوهر )
( عليه ليحيى قبة هل سمعتم ** بقرصه شمس حل فيها غضنفر )
( فإن 14 قلت هذي قبة لعفاتها ** فقل ذلك الوادي الذي سال كوثر )
وقال أبو عمرو أحمد بن مالك بن سيد امير اللخمي النشابي في ذلك
( وأرض من الحصباء بيضاء قد جرت ** جداول ماء فوقها تتفجر
____________________
(2/319)

فكتب إلي هذه الأبيات وكان متمرضا وبعث إلي بما يذكر
( أكف الصبا حفت جنى زهر الربى سؤالك عن نضو يسامي بك الزهرا )
( بعثت بمثل الزهر في مثل صفحة ** لذلك ما قلدتها الشذر والدرا )
( معان لها أعنو وأعني بها فكم ** وقفت عليها العين والسمع والفكرا )
( فلو عرضت للبحر لم يلفظ الدرا ** ولو عارضت هاروت لم ينفث السحرا )
( أبا حسن هنئت ما قد منحته ** ضروبا من الآداب تحلي بها الدهرا )
( ودونك بحرا من ودادي تلاطمت ** به زاخرات المد لا يعرف الجزرا )
( فإن خطرت في جانب منك هفوة ** فلا تحسبن أني أضيق بها صدرا )
( يزل الجواد عند ما يبلغ المدى ** ويعثر بالرمث النسيم إذا أسرى )
( فدع ذا وخذها شائبات قرونها ** عروبا لعوبا جائزا حكمها بكرا )
( ولو غادرت أوصافها متردما ** لشنفت من أشعارها أذن الشعرى )
( ألا فاحجبنها عن صديق معمم ** فإن قصارى الغمر أن يبكي العمرا )
( ومن كان ذا حجر ونبل ورقة ** فلا يخلون إلا على الخمرة الحمرا )
( قرنت بها صفراء لم تعرف الهوى ** ولا ألفت وصلا ولا عرفت هجرا )
( ولا ضمخت نضخ العبير وإن غدت ** تؤخره لونا وتفضحه نشرا )
( فإن خلتها بنت الظليم أظلها ** فقد فرش الإذخر من تحتها تبرا )
( لها نسب بين الثريا أو الثرى ** وسل برباها المزن والغصن النضرا )
( فشربا دهاقا وانتشاقا ولا ترم ** عن البيت فترا أو تقيم به شهرا )
وله في الخشكلان
( هو الأهلة لكن ** تدعونه خشكلانا )
( فإن تفاءلت صحف ** تجد حبيبك لانا ) انتهى باختصار
____________________
(2/321)


وحظي المذكور جدا عند السلطان ملك إفريقية أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص ولما مات السلطان المذكور وحدثت فتنة بموته واختلاف ثم استقرت الدولة لابنه الشهير الكبير القدر أبي عبد الله المستنصر ممدوح حازم بالمقصورة وقاتل ابن الأبار القضاعي - سخط على الرئيس ابن الحسين المذكور وقبض على دياره وأمواله وصيره كالمحبوس فكتب إليه رقعة يطلب الاجتماع به في مصلحة للدولة فأحضره وسأله فأخبره بأن أباه صنع دارا عظيمة تحت الأرض وأودع فيها من أنواع المال والسلاح ما جعله عدة وذخيرة لسلطانه ولم يترك على وجه الأرض من له علم بهذا الموضع الذي أودعه نفائس أمواله غيري وأوصاني أنه إذا انتقل إلى جوار ربه إذ توقع أن تقع فتنة بين أقاربه أنه إذا انقضت سنة واستقر الأمر لأحد من ولدي أو من يتيقن أنه يصلح لأمور المسلمين فأطلعه على هذه الذخائر فربما فنيت الأموال بالفتنة فلا يجد القائم بالأمر ما يصلح به الدولة إذا تفرغ للتدبير والسياسة ففرح السلطان وبادر إلى تلك الدار فرأى ما ملأ عينه وسر قلبه وخرج الرئيس ابن الحسين والخيل تجنب أمامه وبدر الأموال بين يديه وأعاده إلى أحسن أحواله وجعله وزيرا لديه كما كان أبوه مفوضا أموره إليه وقال السلطان إن من أوجب شكر الله علي أن أفتتح المال بأن أؤدي منه للرعية الذين نهبت دورهم واحترقت في الفتنة التي كانت بيني وبين أقاربي ما خسروه وأمر بالنداء فيهم وأحضرهم وكل من حلف على شيء قبضه وانصرف
ذكر المستنفر الحفصى
وكان السلطان المستنصر المذكور في بعض متصيداته فكتب لأبي عبد الله
____________________
(2/322)

الرئيس المذكور يأمره بإحضار الأجناد لأخذ أرزاقهم بقوله
( ليحضر كل ليث ذي منال ** زكا فرعا لإسداء النوال )
( غدا يوم الخميس فما شغلنا ** بأسد الوحش عن أسد الرجال )
( وحكي أن السلطان المذكور عرض مرة أجناده وقيل بل سلم عليه الموحدون يوم عيد بتونس وفيهم شاب مليح وسيم اسم جده النعمان فسأله السلطان عن اسمه وأعجبه حسنه فخجل واحمر وجهه وازداد حسنا فقال السلطان هذا المصراع
( كلمته فكلمت صفحة خده ** )
وسأل من الحاضرين الإجازة فلم يأتوا بشيء فقال السلطان مجيزا شطره
( فتفتحت فيها شقائق جده ** ) وهذا من البدائع مع ما فيه من التورية والتجنيس
ومما نسبه له أبو حيان بسنده إليه
( ما لي عليك سوى الدموع معين ** إن كنت تغدر في الهوى وتخون )
( من منجدي غير الدموع وإنها لمغيثة مهما استغاث حزين )
( الله يعلم أن ما حملتني ** صعب ولكن في رضاك يهون )
وكان للسلطان المذكور سعد يضرب به المثل حتى إنه كتب له صاحب مكة البيعة من إنشاء ابن سبعين المتصوف كما ذكر ذلك ابن خلدون في تاريخه الكبير وسرد نصها وهي من الغرائب
ومن سعده أن الفرنسيس الذي كان أسر بمصر وجعل في دار ابن لقمان والطواشي صبيح يحرسه لما سرح جاء من أمم النصرانية لبلاد المسلمين بما لم يجتمع قط مثله حتى قيل إنهم كانوا ألف ألف فكتب إليه أهل مصر من
____________________
(2/323)

نظم ابن مطروح القصيدة المشهورة التي منها
( قل للفرنسيس إذا جئته ** مقالة من ذي لسان فصيح )
إلى أن قال
( دار ابن لقمان على حالها ** ومصر مصر والطواشي صبيح )
والقصيدة مشهورة فلذلك لم أسردها فصرف الفرنسيس جيوشه إلى تونس فكتب إليه بعض أدباء دولة المستنصر
( أفرنسيس تونس أخت مصر ** فتأهب لما إليه تصير
( لك فيها دار ابن لقمان قبر ** وطواشيك منكر ونكير )
فقضى الله سبحانه وتعالى أنه مات في حركته لتونس وغنم المستنصر غنيمة ما سمع بمثلها قط ويقال إنه دس إليه سيفا مسموما من سله أثر فيه سمه وقلده رسولا إليه بعد أن جعل عليه من الجواهر النفيسة ما لم ير مثله عند غيره وقال للرسول إن الفرنسيس رجل كثير الطمع ولولا ذلك ما عاود بلاد المسلمين بعد أسره وإنه سيرى السيف ويكثر النظر إليه فإذا رأيته فعل ذلك فانزعه من عنقك وقبله وقل له هذا هدية مني إليك لأن من آدابنا مع ملوكنا أن كل ما وقع نظر الملك عليه وعاود النظر إليه بالقصد فلا بد أن يكون له ويحرم علينا أن نمسكه لأن ما أحبه المولى على العبيد حرام وتكراره النظر إليه دليل على حبه له ففرح النصراني بذلك وأسرع الرسول العود إلى سلطانه فسل النصراني السيف فتمكن فيه السم بالنظر فمات في الحين وفرج الله تعالى عن المسلمين
رجع إلى أخبار أبي الحسن علي بن سعيد 443 رجع إلى أخبار أبي الحسن علي بن سعيد وشعره رجع إلى أخبار أبي الحسن علي بن قال ابن العديم في تاريخ حلب أنشدني شرف الدين أبو العباس أحمد بن
____________________
(2/324)

يوسف التيفاشي بالقاهرة في أبي الحسن علي بن موسى بن سعيد الغرناطي يشير إلى كتاب أبي الحسن الذي جمعه في محاسن المغرب وسماه المغرب
( سعد الغرب وازدهى الشرق عجبا ** وابتهاجا بمغرب ابن سعيد )
( طلعت شمسه من الغرب تجلى ** فأقامت قيامة التقييد )
( لم يدع للمؤرخين مقالا ** لا ولا للرواة بيت نشيد )
( إن تلاه على الحمام تغنت ** ما على ذا في حسنه من مزيد ) وأنشدني أبو العباس التيفاشي لنفسه فيه
( يا طيب الأصل والفرع الزكي كما ** يبدو جنى ثمر من أطيب الشجر )
( ومن خلائقه مثل النسيم إذا ** يهفو على الزهر حول النهر في السحر )
( ومن محياه والله الشهيد إذا ** يبدو إلى بصري أبهى من القمر )
( أثقلت ظهري ببر لا أقوم به ** لو كنت أتلوه قرآنا مع السور )
( أهديت لي الغرب مجموعا بعالمه ** في قاب قوسين بين السمع والبصر )
( كأنني الآن قد شاهدت أجمعه ** بكل من فيه من بدو ومن حضر )
( نعم ولاقيت أهل الفضل كلهم ** في مدتي هذه والأعصر الأخر )
( إن كنت لم أرهم في الصدر من عمري ** فقد رددت علي الصدر من عمري )
( وكنت لي واحدا فيهم جميعهم ** ما يعجز الله جمع الخلق في بشر )
( جزيت أفضل ما يجزى به بشر ** مفيد عمر جديد الفضل مبتكر )
____________________
(2/325)

ومن نظم أبي الحسن بن سعيد قوله
( وعشية بلغت بنا أيدي النوى ** منها محاسن جامعات للنخب )
( فحدائق ما بينهن جداول ** وبلابل فوق الغصون لها طرب )
( والنخل أمثال العرائس لبسها ** خز وحليتها قلائد من ذهب )
ومن نظمه رحمه الله تعالى في حلب قوله
( حادي العيس كم تنيخ المطايا ** سق فروحي من بعدهم في سياق )
( حلب إنها مقر غرامي ** ومرامي وقبلة الأشواق )
( لا خلا جوسق وبطياس والسع داء ** من كل وابل غيداق )
( كم بها مرتع لطرف وقلب ** فيه يسقى المنى بكأس دهاق )
( وتغني طيوره لارتياح ** وتثنى غصونه للعناق )
( وعلو الشهباء حيث استدارت ** أنجم الأفق حولها كالنطاق )
وقوله أيضا في حماة
( حمى الله من شطي حماة مناظرا ** وقفت عليها السمع والفكر والطرفا )
( تغنى حمام أو تميل خمائل ** وتزهى مبان تمنح الواصف الوصفا )
( يلومون تغني أن أعصي التصون والنهى ** بها وأطيع الكأس واللهو والقصفا )
( إذا كان فيها النهر عاص فكيف لا ** أحاكيه عصيانا وأشربها صرفا )
( وأشدو لدى تلك النواعير شدوها ** وأغلبها رقصا وأشبهها غرفا )
( تئن وتذري دمعها فكأنها ** تهيم بمرآها وتسألها العطفا )
وقوله في وداع ابن عمه وكتب بهما إليه
( وداع كما ودعت فصل ربيع ** يفض ضلوعي أو يفيض دموعي )
( لئن قيل في بعض يفارق بعضه ** فإني قد فارقت منك جميعي )
____________________
(2/326)

قال فأرسل إلي إحسانا واعتذر ولسان الحال ينشد عنه
( أحبك في البتول وفي أبيها ** ولكني أحبك من بعيد ) وقوله وقد أفلت المركب الذي كان فيه من العدو
( انظر إلى مركبنا منقذا ** من العدا من بعد إحراز )
( أفلت منهم فغدا طائرا ** كطائر أفلت من بازي )
وقال رحمه الله تعالى لما خرج من حدود إفريقية
( رفيقي جاوزنا حدود مواطن ** صحبنا بها الأيام طلقا محياها )
( وما إن تركناها لجهل بقدرها ** ولكن ثنت عنا أعنة سقياها )
( فسرنا نحث السير عنها لغيرها ** إلى أن يمن الله يوما بلقياها ) وكان وصوله الإسكندرية في السابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وستمائة وقال رحمه الله تعالى أخذت مع والدي يوما في اختلاف مذاهب الناس وأنهم لا يسلمون لأحد في اختياره فقال متى أردت أن يسلم لك أحد في هذا التأليف - أعني المغرب - ولا تعترض أتعبت نفسك باطلا وطلبت غاية لا تدرك وأنا أضرب لك مثلا يحكى أن رجلا من عقلاء الناس كان له ولد فقال له يوما يا أبي ما للناس ينتقدون عليك أشياء وأنت عاقل ولو سعيت في مجانبتها سلمت من نقدهم فقال يا بني إنك غر لم تجرب الأمور وإن رضى الناس غاية لا تدرك وأنا أوقفك على حقيقة ذلك وكان عنده حمار فقال له اركب هذا الحمار 15 * كذلك إذ قال رجل
____________________
(2/327)

انظر ما أقل هذا الغلام بأدب يركب ويمشي أبوه وانظر ما أشد تخلف والده لكونه يتركه لهذا فقال له انزل أركب أنا وامش أنت خلفي فقال شخص آخر انظر هذا الشخص ما أقله بشفقة ركب وترك ابنه يمشي فقال له اركب معي فقال شخص أشقاهما الله تعالى انظر كيف ركبا على الحمار وكان في واحد منهما كفاية فقال له انزل بنا وقدماه وليس عليه راكب فقال شخص لا خفف الله تعالى عنهما انظر كيف تركا الحمار فارغا وجعلا يمشيان خلفه فقال يا بني سمعت كلامهم وعلمت أن أحدا لا يسلم من اعتراض الناس على أي حالة كان انتهى
مقتبسات من خطبة المغرب
وقال في أثناء خطبة المغرب ما نصه والحمد لله الذي جعل الأدب أفضل ما اكتسب وأفضل ما انتخب إذ هو ذخر لا يخاف كساده وكنز لا يخشى انتقاصه وإن كثر مرتاده ولله در القائل
( رأيت جميع الكسب يفقده الفتى ** وتبقى له أخلاقه والتأدب )
( إذا حل في أرض أقام لنفسه ** بآدابه قدرا به يتكسب )
( وأومأ كل نحوه ولعله ** إلى غير أهل للنباهة ينسب )
وقال في أثناء الكلام لبعض المغاربة
( فأثبت في كل المواطن همة ** إلى طلب العلم الذي كان مطرح )
( وصيرت من قد كان بالنظم جاهلا ** يحاوله كيما تجود لك المدح )
وقال أيضا في الخطبة وبعد فهذا كتاب راحة قد تعبت في جمعه الأسماع والأبصار والأفكار وكل عناء سهل إذا أنجح القصد وقد بدأ فيه من سنة ثلاثين وخمسمائة ومنتهاه إلى غرة سنة إحدى وأربعين وستمائة قال وأول
____________________
(2/328)

من كان السبب في ابتداء هذا الكتاب جد والدي عبد الملك بن سعيد وهو إذ ذاك صاحب قلعة بني سعيد تحت طاعة علي بن يوسف بن تاشفين أمير المسلمين ملك البربر إلى أن استبد بها سنة تسع وثلاثين وخمسمائة وقصده سنة ثلاثين وخمسمائة حافظ الأندلس أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن الحجاري وصنف له كتاب المسهب في غرائب المغرب في نحو ستة أسفار وابتدأ فيه من فتح الأندلس إلى التاريخ الذي ابتدأه فيه وهو سنة ثلاثين وخمسمائة ثم ثار في خاطر عبد الملك أن يضيف إليه ما أغفله الحجاري وتولع بمطالعته ابناه أبو جعفر ومحمد وأضافا له ما استفاداه ولم يزل يزيد إلى أن استبد به محمد فاعتنى به أشد اعتناء ثم استبد به والدي - وكان أعلمهم بهذا الشأن - وبلغ من اجتهاده في هذا الكتاب أنني أذكره يوما وقد نوه به ابن هود وهو ملك الأندلس وولاه الجزيرة الخضراء فأعلمه شخص أن عند أحد المنسوبين إلى بيت نباهة كراريس من شعر شعرائها وأخبار رؤسائها الذين تحتوي عليهم دولة بني عبد المؤمن فأرسل إليه راغبا في استعارتها فأبى وقال على يمين أن لا تخرج عن منزلي وقال إن كانت له حاجة يأتي على رأسه وكان جاهلا فلما سمع والدي ضحك وقال سر معي إليه فقلت له ومن يكون هذا حتى نمشي له على هذه الصورة فقال إني لا أمشي له ولكن أمشي للفضلاء الذين تضمنت الكراريس أشعارهم وأخبارهم أتراهم لو كانوا أحياء مجتمعين في موضع أنفت أن أمشي إليهم قلت لا قال فإن الأثر ينوب عن العين فمشينا إلى منزل الرجل فوالله ما أنصفنا في اللقاء فلما قضينا منها الغرض صرفها إليه والدي وشكره وقال هذه فائدة لم أجدها عند غيرك فجزاك الله تعالى خيرا ثم انفصل وقال ألم تعلم يا بني أنني سررت بهذه الفائدة أكثر من الولاية وإن هذا والله أول السعادة وعنوان نجاحها
____________________
(2/329)


( كما سبحت تبغي الحياة أراقم ** على روضة فيها الأقاح المنور )
( وإلا كما شقت سبائك فضة ** بساطا على حافاته الدر ينثر )
( وقال أبو علي يونس
( انظر إلى منظر يسبيك منظره ** ويزدهيك بإذن الله مخبره )
( ومعجب معجب لا شيء يشبهه ** خرير ماء نمير ثم منهره )
( كأنما فرشت بالدر صفحته ** فالماء ينظمه طورا وينثره )
( كأن خلجانه قدت على قدر ** بمائها قسم يجري مفجره )
( أحل سيدنا الميمون قبته ما بحوزه فغدا يزدان جعفره )
رجع إلى ما كنا فيه من أخبار الرئيس ابن الحسين فنقول رأيت بالمغرب آخر كتاب روح السحر من نسخة ملوكية كتبت له أبياتا علق بحفظي منها الآن ما نصه
( تم روح السحر نسخا فأتى ** مصحبا باليمن والفخر البعيد )
( لأبي عبد الإله المرتقى ** في ذرا المجد الرئيس ابن سعيد )
ولم أحفظ تمام الأبيات
وقال أبو الحسن علي بن سعيد كتبت إليه من أبيات بحضرة تونس وقد نقل إليه بعض الحساد ما أوجب تغيره
( ومن بعد هذا قد أتيت بزلة ** أما حسن أن لا تضيق بها صدرا )
( وعلمك حسبي بالأمور فإنني ** عهدتك تدري سر أمري والجهرا )
( وقد أصلح الله الأمور بسعيكم ** ونيتكم صلحا على البشر والبشرى )
( ولم يبق لي إلا رضاك فإن به ** كتبت ولو حرفا أطبت لى العمرا )
( فبقيت كهفا للجميع وموئلا ** ولا زلت ما دام الزمان لنا سترا
____________________
(2/330)

قلعة بني سعيد وأولية والقلعة التي كان بها بنو سعيد تعرف بهم فيقال لها قلعة بني سعيد وكانت تعرف قبل بقلعة أسطلير وهو عين لها وقال الملاحي في تاريخه إنها تعرف بقلعة يحصب قبيل من اليمن نزل بها عند فتح الأندلس وبها كما مر صنف الحجاري كتاب المسهب لصاحبها عبد الملك بن سعيد وفي بني سعيد يقول الحجاري
( قوم لهم في فخرهم ** شرف الحديث مع القديم )
( ورثوا الندى والبأس والعليا ** كريما عن كريم )
( من كل وضاح به ** يجلى دجى الليل البهيم )
أوليه بني سعيد
وكان أول من دخل الأندلس من ولد عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه عبد الله بن سعد بن عمار وقد ذكره ابن حيان في مقتبسه وأخبر أن يوسف بن عبد الرحمن الفهري صاحب الأندلس آخر دولة بني أمية بالمشرق كتب إليه أن يدافع عبد الرحمن بن معاوية المرواني الداخل للأندلس وكان إذ ذاك أميرا على اليمانية من جند دمشق وإنما ركن إليه في محاربه عبد الرحمن لما بين بني عمار وبين بني أمية من الثأر بسبب قتل عمار بصفين على يد عسكر معاوية رضي الله تعالى عنه وكان عمار من شيعة علي رضي الله تعالى عنهما
____________________
(2/330)


شعر لأبي بكر ابن سعيد وقال الحجاري أنشدني أبو بكر محمد بن سعيد صاحب أعمال غرناطة في مدة الملثمين لنفسه فيما يليق بجنسه
( إن لم أكن للعلاء أهلا ** بما تراه فمن يكون )
( وكل ما أبتغيه دوني ** ولي على همتي ديون )
( ومن يرم ما يقل عنه ** فذاك من فعله جنون )
( فرع بأفق السماء سام ** وأصله راسخ مكين )
ومن نظمه قوله أيضا
( الله يعلم أني ** أحب كسب المعالي )
( وإنما أتوانى ** عنها لسوء المآل )
( تحتاج للكد والبذل ** واصطناع الرجال )
( دع كل من شاء يسمو ** لها بكل احتيال )
( فحالهم بانعكاس ** فيها وحالي حالي ) ترجمة ترجمة الغساني من المغرب ولما ذكر ابن سعيد في المغرب ترجمة الكاتب الرئيس المجيد أبي العباس أحمد الغساني كاتب ملك إفريقية قال بماذا أصفه ولو أن النجوم تصير لي نثرا لما كنت أنصفه وكفاك أني اختبرت الفضلاء من البحر المحيط إلى حضرة القاهرة فما رأيت أحسن ولا أفضل عشرة منه ولما فارقته
____________________
(2/331)

لم أشعر إلا برسالته قد وافتني بالإسكندرية من تونس وفيها قصيدة فريدة منها
إيه أبا الحسن استمع شدوي ** فقد يصغي الحمام إذا الحمام ترنما )
ثم سرد بعضا من القصيدة وستأتي قريبا إن شاء الله تعالى بزيادة على ما ذكر منها في المغرب
إجازته للتيفاش رواية المغرب رجع - وجد بخطه رحمه الله تعالى آخر الجزء من كتاب المغرب ما نصه أجزت الشيخ القاضي الأجل أبا الفضل أحمد ابن الشيخ القاضي أبي يعقوب التيفاشي أن يروي عنى مصنفي هذا وهو المغرب في محاسن المغرب ويرويه من شاء ثقة بفهمه واستنامة إلى علمه وكذلك أجزت لفتاه النبيه جمال الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن خطلخ الفارسي الأرموي أن يرويه عني ويرويه من شاء وكتبه مصنفه علي بن موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد في تاريخ الفراغ من نسخ هذا السفر انتهى
شعر لابن سعيد
وقال في وسيم من أبناء العجم صحبه في الطريق من حلب إلى بغداد فمات وكان ظريفا أديبا
( لهفي على غصن ذوى ** أفقدته لما استوى )
( ريان من ماء الصبا ** ومن المدامع ما ارتوى )
____________________
(2/332)


( لا تعذلوني إن نطقت ** الدهر فيه عن الهوى )
( كم ضل صاحبه بسحر ** اللحظ منه وكم غوى )
( أنا لا أفيق الدهر فيه ** من الصبابة والجوى )
( إن الهوى حيا وميتا ** لا يزال به سوى )
( كم قد نويت به التنعيم ** فقدر الله النوى )
( دار السلام حويت من ** كل المحاسن قد حوى )
( مجموع حسن قد ثوى ** في جنة وبها ثوى )
وولد أبو الحسن 6 2 7 3 8 4 9 5 10 6 11 7 12 8 13 9 14 * كثرته ويستمد القطر من درته ومما شاهدت من عجائبه أنه عاش سبعا
____________________
(2/333)

وستين سنة ولم أره يوما يخلى مطالعة كتاب أو كتب ما يخلده حتى إن أيام الأعياد لا يخليها من ذلك ولقد دخلت عليه في يوم عيد وهو في جهد عظيم من الكتب فقلت له يا سيدي أفي هذا اليوم لا تستريح فنظر إلي كالمغضب وقال أظنك لا تفلح أبدا أترى الراحة في غير هذا والله لا أحسب راحة تبلغ مبلغها ولوددت أن الله تعالى يضاعف عمري حتى أتم كتاب المغرب على غرضي قال فأثار ذلك في خاطري أن صرت مثله لا ألتذ بنعيم غير ما ألتذ به من هذا الشأن ولولا ذلك ما بلغ هذا التأليف إلى ما تراه وكان أولع الناس بالتجول في البلدان ومشاهدة الفضلاء واستفادة ما يرى وما يسمع وفي تولعه بالتقييد والمطالعة للكتب يقول
( يا مفنيا عمره في الكأس والوتر ** وراعيا في الدجى للأنجم الزهر )
( يبكي حبيبا جفاه أو ينادم من ** يهفو لديه كغصن باسم الزهر )
( منعما بين لذات يمحقها ** ولا يخلد من فحر ولا سير )
( وعاذلا لي فيما ظلت أكتبه ** يبدي التعجب من صبري ومن فكري )
( يقول مالك قد أفنيت عمرك في ** حبر وطرس عن الأغصان والحبر )
( وظلت تسهر طول الليل في تعب ** ولا تني أمد الأيام في ضجر )
( أقصر فإني أدري بالذي طمحت ** لأفقه همتي واسأل عن الأثر )
( واسمع لقول الذي تتلى محاسنه ** من بعد ما صار مثل الترب كالسور )
( جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم ** بعد الممات جمال الكتب والسير ) انتهى
وولد أبو عمران موسى بن محمد في الخامس من رجب عام ثلاثة وسبعين
____________________
(2/334)

وخمسمائة وتوفي بثغر الإسكندرية يوم الاثنين الثامن من شوال عام أربعين وستمائة
محمد بن عبد الملك بن سعيد
وولد أبوه محمد بن عبد الملك صاحب أعمال غرناطة وأعمال إشبيلية عام أربعة عشر وخمسمائة وتوفي بشعبان عام تسعة وثمانين وخمسمائة بغرناطة
وكان محمد بن عبد الملك وزيرا جليلا بعيد الصيت عالي الذكر رفيع الهمة كثير الأموال وذكره ابن صاحب الصلاة في كتابه تاريخ الموحدين ونبه على مكانته منهم في الحظوة والأخذ في أمور الناس وأثنى عليه وذكره السهيلي في شرح السيرة الشريفة حيث ذكر الكتاب الموجه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وأن محمد بن عبد الملك عاينه عند أدفونش مكرما مفتخرا به والقصة مشهورة ومدحه الرصافي بقصيدة أولها
( ذهنا يفيض وخاطرا متوقدا ** ماذا عسى يثنى على علم الندى )
ولما أنشده قصيدته فيه التي أولها
( لمحلك الترفيع والتعظيم ** ولوجهك التقديس والتكريم ) حلف لا يسمعها وقال علي إجازتك ولكن طباعي لا تحمل مثل
____________________
(2/335)

هذا فقال له الرصافي ومن مثلك يستحق هذا في الوقت غيرك فقال له دعني من خداعك أنا وما أعلمه من قلبي وأنشد له في الطالع السعيد
( فلا تظهرن ما كان في الصدر كامنا ** ولا تركبن بالغيظ في مركب وعر )
( ولا تبحثن في عذر من جاء تائبا ** فليس كريما من يباحث في العذر ) وولي للموحدين أعمالا كثيرة بمراكش وسلا وإشبيلية وغرناطة واتصلت ولايته على أعمال غرناطة وكان من شيوخها وأعيانها وكتب عليه عقد أن في داره من الحلى وأصنافه ما لا يمكن إلا في دار الملك وأنه إذا ركب في صلاة الصبح شوش نباح الكلاب فأمر المنصور بالقبض عليه وعلى ابن عمه صاحب أعمال إفريقية أبي الحسن سنة 593 ثم رضي عنهما وأمر محمد بن عبد الملك أن يكتب بخطه كل ما أخذ له فصرفه عليه ولم ينقص شيئا وغرم له ما فات منه وهذا مما يدل على قوة سعد محمد بن عبد الملك المذكور ونباهة قدره وحسبه من الفخر مدح أديب الأندلس وشاعرها أبي عبد الله الرصافي له وهو ممن يمدح الخلفاء في ذلك العصر - رحمه الله تعالى -
عبد الملك بن سعيد وولد أبوه عبد الملك بن سعيد عام ستة وتسعين وأربعمائة وتوفي بحضرة
____________________
(2/336)

مراكش عام اثنين وستين وخمسمائة قال الحجاري لما مات يحيى بن غانية الملثم ملك الأندلس بحضرة غرناطة وكان وزيره ومدبر دولته عبد الملك بن سعيد بادر الفرار لغرناطة عند ما سمع بموته إلى قلعته وثار بها وطلبه خليفة يحيى بن غانية طلحة بن العنبر فوجده قد فاته
وقد قدمنا أن عبد الملك هذا هو السبب في تأليف كتاب المغرب في أخبار المغرب ثم تممه ابنه محمد بن عبد الملك ثم تمم ما بقي منه ابنه موسى بن محمد ثم أربى على الكل في إتمامه أبو الحسن علي بن موسى الذي قصدناه بالترجمة في هذا الكتاب وقد ذكرنا من أحواله جملة كافية
وصف ابن سعيد للفسطاط ومن فوائد ابن سعيد أبي الحسن ما حكاه عن صاحب كتاب الكمائم وهو فأما فسطاط مصر فإن مبانيها كانت في القديم متصلة بمباني مدينة عين شمس وجاء الإسلام وبها بناء يعرف بالقصر حوله مساكن وهو الذي عليه نزل عمرو بن العاص وضرب فسطاطه حيث المسجد الجامع المنسوب إليه ثم لما فتحها قسم المنازل على القبائل ونسب المدينة إليه فقيل فسطاط عمرو وتداولت عليها بعد ذلك ولاة مصر فاتخذوها سرير السلطنة وتضاعفت عمارتها فأقبل الناس من كل جانب إليها وقصروا أمانيهم عليها إلى أن رسخت بها دولة بني طولون فبنوا إلى جانبها المنازل المعروفة بالقطائع وبها كان مسجد ابن طولون الذي هو الآن إلى جانب القاهرة وهي مدينة
____________________
(2/337)

مستطيلة يمر النيل مع طولها وتحط في ساحلها المراكب الآتية من شمال النيل وجنوبه بأنواع الفوائد وبها منتزهات وهي في الإقليم الثالث ولا ينزل فيها المطر إلا في النادر وترابها ينتن الأرجل وهو قبيح اللون تستكدر منه أرجاؤها ويسوء بسببه هواؤها ولها أسواق ضخمة إلا أنها ضيقة ومبانيها بالقصب والطوب طبقة على طبقة ومذ بنيت القاهرة ضعفت مدينة الفسطاط وفرط في الاعتناء بها بعد الإفراط وبينهما نحو ميلين وأنشدت فيها للشريف العقيلي
( أحن إلى الفسطاط شوقا وإنني ** لأدعو لها أن لا يحل بها القطر )
( وهل في الحيا من حاجة لجنابها ** وفي كل قطر من جوانبها نهر )
( تبدت عروسا والمقطم تاجها ** ومن نيلها عقد كما انتظم الدر )
وقال عن كتاب إجار والفسطاط هو قصبة مصر والجبل المقطم شرقيها وهو متصل بجبل الزمرذ وقال عن كتاب ابن حوقل الفسطاط مدينة حسنه ينقسم النيل لديها وهي كبيرة ومقدارها نحو فرسخ على غاية العمارة والطيب واللذة ذات رحاب في محالها وأسواق عظام فيها ضيق
____________________
(2/338)

ومتاجر فخام ولها ظاهر أنيق وبساتين نضرة ومنتزهات على ممر الأيام خضرة وفي الفسطاط قبائل وخطط للعرب تنسب إليها كالكوفة والبصرة إلا أنها أقل من ذلك وهي سبخة الأرض غير نقية التربة وتكون الدار بها سبع طبقات وخمسا وستا وربما يسكن في الدار المائتان من الناس ومعظم بنيانهم بالطوب وأسفل دورهم غير مسكون وبها مسجدان للجمعة بنى أحدهما عمرو بن العاص في وسط الفسطاط والآخر على الموقف بناه ابن طولون وكان خارج الفسطاط أبنية بناها أحمد بن طولون ميلا في ميل يسكنها جنده وتعرف بالقطائع كما بنى بنو الأغلب خارج القيروان رقادة وقد خربتا في وقتنا هذا وأخلف الله بدل القطائع بظاهر مدينة الفسطاط القاهرة قال ابن سعيد لما استقررت بالقاهرة تشوفت إلى معاينة الفسطاط فسار معي إليها أحد أصحاب القرية فرأيت عند باب زويلة من الحمير المعدة لركوب من يسير إلى الفسطاط جملة عظيمة لا عهد لي بمثلها في بلد فركب منها حمارا وأشار إلي أن أركب حمارا آخر فأنفت من ذلك جريا على عادة ما خلفته من بلاد المغرب فأخبرني أنه غير معيب على أعيان مصر وعاينت الفقهاء وأصحاب البزة والشارة الظاهرة يركبونها فركبت وعندما استويت راكبا أشار المكاري إلى الحمار فطار بي وأثار من الغبار الأسود ما أعمى عيني ودنس ثيابي وعاينت ما كرهته ولقلة معرفتي بركوب الحمار وشدة عدوه على قانون لم أعهده وقلة رفق المكاري وقعت في تلك الظلمة المثارة من ذلك العجاج فقلت
____________________
(2/339)


( لقيت بمصر أشد البوار ** ركوب الحمار وكحل الغبار )
( وخلفي مكار يفوق الرياح ** لا يعرف الرفق مهما استطار )
( أناديه مهلا فلا يرعوي ** إلى أن سجدت سجود العثار )
( وقد مد فوقي رواق الثرى ** وألحد فيها ضياء النهار ) فدفعت إلى المكاري أجرته وقلت له إحسانك أن تتركني أمشي على رجلي ومشيت إلى أن بلغتها وقدرت الطريق بين الفسطاط والقاهرة وحققته بعد ذلك نحو ميلين ولما أقبلت على الفسطاط أدبرت عني المسرة وتأملت أسوارا مثلمة سوداء وآفاقا مغبرة ودخلت من بابها وهو دون غلق يفضي إلى خراب معمور بمبان مشتتة الوضع غير مستقيمة الشوارع قد بنيت من الطوب الأدكن والقصب والنخيل طبقة فوق طبقة وحول أبوابها من التراب الأسود والأزبال ما يقبض نفس النظيف ويغض طرف الظريف فسرت وأنا معاين لاستصحاب تلك الحال إلى أن صرت في أسواقها الضيقة فقاسيت من ازدحام الناس فيها لحوائج السوق والروايا التي على الجمال ما لا تفي به إلا مشاهدته ومقاساته إلى أن انتهيت إلى المسجد الجامع فعاينت من ضيق الأسواق التي حوله ما ذكرت به ضده في جامع إشبيلية وجامع مراكش ثم دخلت إليه فعاينت جامعا كبيرا قديم البناء غير مزخرف ولا محتفل في حصره التي تدور مع بعض حيطانه وتنبسط فيه وأبصرت العامة رجالا ونساء قد جعلوه معبرا بأوطئة أقدامهم يجوزون فيه من باب إلى باب ليقرب عليهم الطريق والبياعون يبيعون فيه أصناف المكسرات والكعك وما سوى ذلك والناس يأكلون في عدة أمكنة منه غير محتسمين لجري العادة عندهم بذلك وعدة صبيان بأواني ماء يطوفون على كل من يأكل قد جعلوا ما يحصل لهم منه رزقا وفضلات مآكلهم مطروحة في صحن الجامع وفي زواياه العنكبوت قد عظم
____________________
(2/340)

نسجه في السقف والأركان والحيطان والصبيان يلعبون في صحنه وحيطانه مكتوبة بالفحم والحمرة بخطوط قبيحة مختلفة من كتب فقراء العامة إلا أن مع ذلك على الجامع المذكور من الرونق وحسن القبول وانبساط النفس ما لا تجده في جامع إشبيلية مع زخرفته والبستان الذي في صحنه ولقد تأملت ما وجدت فيه من الارتياح والأنس دون منظر يوجب ذلك فعلمت أن ذلك سر مودع من وقوف الصحابة رضي الله تعالى عنهم في ساحته عند بناه واستحسنت ما أبصرته من حلق المتصدرين لإقراء القرآن والفقه والنحو في عدة أماكن وسألت عن مواد أرزاقهم فأخبرت أنها من فروض الزكاة وما أشبه ذلك ثم أخبرت أن اقتضاء ذلك يصعب إلا بالجاه والتعب ثم انفصلنا من هناك إلى ساحل النيل فرأيت ساحلا كدر التربة غير نظيف ولا متسع الساحة ولا مستقيم الاستطالة ولا عليه سور أبيض إلا أنه مع ذلك كثير العمارة بالمراكب وأصناف الأرزاق التي تصل من جميع أقطار النيل ولئن قلت إني لم أبصر على نهر ما أبصرته على ذلك الساحل فإني أقول حقا والنيل هنالك ضيق لكون الجزيرة التي بنى فيها سلطان الديار المصرية الآن قلعته قد توسطت الماء ومالت إلى جهة الفسطاط وبحسن سورها المبيض الشامخ حسن منظر الفرجة في ذلك الساحل وقد ذكر ابن حوقل الجسر الذي يكون ممتدا من الفسطاط إلى الجزيرة وهو غير طويل ومن الجانب الآخر إلى البر الغربي المعروف ببر الجيزة جسر آخر من الجزيرة إليه وأكثر جواز الناس بأنفسهم ودوابهم في المراكب لأن هذين الجسرين قد احترما لحصولهما في حيز قلعة السلطان ولا يجوز أحد على الجسر الذي بين الفسطاط والجزيرة راكبا احتراما
____________________
(2/341)

لموضع السلطان وبتنا في ليلة ذلك اليوم بطيارة مرتفعة على جانب النيل فقلت 10 3 11 4 12 5 13 6 14 7 15 1 8 2 9 3 10 4 11 5 12 6 13 7 14 * من متاجر البحر الإسكندراني والبحر الحجازي
____________________
(2/342)

فإنه فوق ما يوصف وبها مجمع ذلك لا بالقاهرة ومنها يجهز إلى القاهرة وسائر البلاد
وبالفسطاط مطابخ السكر والصابون ومعظم ما يجري هذا المجرى لأن القاهرة بنيت للاختصاص بالجند كما أن جميع زي الجند بالقاهرة أعظم منه بالفسطاط وكذلك ما ينسج ويصاغ وسائر ما يعمل من الأشياء الرفيعة السلطانية والخراب في الفسطاط كثير والقاهرة أجد وأعمر وأكثر زحمة باعتبار انتقال السلطان إليها وسكنى الأجناد فيها وقد نفخ روح الاعتناء والنمو في مدينة الفسطاط الآن لمجاورتها للجزيرة الصالحية وكثير من الجند قد انتقل إليها للقرب من الخدمة وبنى على سورها جماعة منهم مناظر تبهج الناظر انتهى
قال المقريزي يعني ابن سعيد ما بني على شفة مصر من جهة النيل انتهى
وقال ابن سعيد المذكور في المغرب من حلى المغرب ما ملخصه الروضة أمام الفسطاط فيما بينها وبين مناظر الجيزة وبها مقياس النيل وكانت منتزها لأهل مصر فاختارها الملك الصالح بن الملك الكامل سريرا لسلطنتة وبنى فيها قلعة مسورة بسور ساطع اللون محكم البناء عالي السمك لم تر عيني أحسن منه وفي هذه الجزيرة كان الهودج الذي بناه الخليفة الآمر لزوجته البدوية التي هام في حبها والمختار بستان الإخشيد وقصره وله ذكر في شعر تميم بن المعز وغيره ولشعراء مصر في هذه الجزيرة أشعار منها قول أبي الفتح ابن قادوس الدمياطي
( أرى سرج الجزيرة من بعيد ** كأحداق تغازل في المغازل )
( كأن مجرة الجوزاء خطت ** وأثبتت المنازل في المنازل )
____________________
(2/343)

قال وكنت أبيت بعض الليالي بالفسطاط فيزدهيني ضحك البدر في وجه النيل مع سور هذه الجزيرة الدري اللون ولم أنفصل عن مصر حتى كمل سور هذه القلعة وفي داخله من الدور السلطانية ما ارتفعت إليه همة بانيها وهو من أعظم السلاطين في البناء وأبصرت بهذه الجزيرة إيوانا لجلوسه لم تر عيني مثاله ولا يقدر ما أنفق عليه وفيه من صحائف الذهب والرخام الآبنوسي والكافوري والمجزع ما يذهل الانكار ويستوقف الأبصار ويفضل عما أحاط به السور أرض طويلة في بعضها حاضر حصر فيه أصناف الوحوش التي يتفرج عليها السلطان وبعدها مروج تنقطع فيها مياه النيل فتنظر فيها أحسن منظر قال وقد تفرجت كثيرا في طرف هذه الجزيرة مما يلي أثر الفسطاط فقطعت به عشيات مذهبات لم تزل لأحزان الغربة مذهبات وإذا زاد النيل فصل برها عن بر الفسطاط من جهة خليج القاهرة ويبقى موضع الجسر تكون فيه المراكب انتهى وأورد الصفدي في تذكرته لابن سعيد المذكور في هذه الجزيرة
( انظر إلى سور الجزيرة في الدجى ** والبدر يلثم منه ثغرا أشنبا )
( تتضاحك الأنوار في جنباته ** فتريك فوق النيل أمرا معجبا )
( بينا تراه مفضضا في جانب
أبصرت منه في سواه مذهبا )
( لله مرأى ما رآه ناظري ** إلا خلعت له المقام تطربا )
وصف القاهرة
وقال في المغرب نقلا عن بعضهم ما صورته وأما مدينة القاهرة فهي الحالية الباهرة التي تفنن فيها الفاطميون وأبدعوا في بنائها واتخذوها
____________________
(2/344)

قطبا لخلافتهم ومركزا لأرجائها فنسي الفسطاط وزهد فيه بعد الاغتباط وسميت القاهرة لأنها تقهر من شذ عنها ورام مخالفة أميرها انتهي
قال ابن سعيد هذه المدينة اسمها أعظم منها وكان ينبغي أن تكون في ترتيبها ومبانيها على خلاف ما عاينته لأنها مدينة بناها المعز أعظم خلفاء العبيديين وكان سلطانه قد عم جميع طول المغرب من أول الديار المصرية إلى البحر المحيط
( وسارت مسير الشمس في كل بلدة ** وهبت هبوب الريح في البر والبحر )
لا سيما وقد عاين مباني أبيه المنصور في المدينة المنصورية إلى جانب القيروان وعاين المهدية مدينة جده عبيد الله المهدي لكن الهمة السلطانية ظاهرة على قصور الخلفاء بالقاهرة وهي ناطقة إلى الآن بألسن الآثار ولله در القائل
( همم الملوك إذا أرادوا ذكرها ** من بعدهم فبألسن البنيان )
( إن البناء إذا تعاظم شأنه ** أضحى يدل على عظيم الشان ) وتهمم من بعده الخلفاء المصريون في الزيادة في تلك القصور وقد عاينت فيها إيوانا يقولون إنه بني قدر إيوان كسرى الذي بالمدائن وكان يجلس فيها خلفاؤهم ولهم على الخليج الذي بين الفسطاط والقاهرة مبان عظيمة جليلة الآثار وأبصرت في قصورهم حيطانا عليها طاعات عديدة من الكلس والجبس ذكر لي أنهم كانوا يجددون تبييضها في كل سنة والمكان المعروف بالقاهرة بين القصرين هو من الترتيب السلطاني لأن هناك ساحة متسعة للعسكر والمتفرجين ما بين القصرين ولو كانت القاهرة كلها كذلك كانت عظيمة القدر كاملة الهمة السلطانية ولكن ذلك أمد قليل ثم تسير منه إلى أمد ضيق وتمر في ممر كدر خرج بين الدكاكين إذا ازدحمت فيه الخيل مع الرجالة كان مما تضيق به الصدور وتسخن منه العيون ولقد عاينت يوما وزير الدولة وبين يديه الأمراء وهو في موكب جليل وقد لقي في طريقه عجلة بقر تحمل
____________________
(2/345)

حجارة وقد سدت جميع الطرق بين يدي الدكاكين ووقف الوزير وعظم الازدحام وكان في موضع طباخين والدخان في وجه الوزير وعلى ثيابه وقد كاد يهلك المشاة وكدت أهلك في جملتهم وأكثر دروب القاهرة ضيقة مظلمة كثيرة التراب والأزبال والمباني عليها من قصب وطين مرتفعة قد ضيقت مسلك الهواء والضوء بينها ولم أر في جميع بلاد المغرب أسوأ منها حالا في ذلك ولقد كنت إذا مشيت فيها يضيق صدري وتدركني وحشة عظيمة حتى أخرج إلى بين القصرين
ومن عيوب القاهرة أنها في أرض النيل الأعظم ويموت الإنسان فيها عطشا لبعدها عن مجرى النيل لئلا يصادرها ويأكل ديارها وإذا احتاج الإنسان إلى فرجة في نيلها مشى في مسافة بعيدة بظاهرها بين المباني التي خارج السور إلى موضع يعرف بالمقس وجوها لا يبرح كدرا بما تنثره الأرض من التراب الأسود وقد قلت فيها حين أكثر علي رفاقي من الحض على العود فيها
( يقولون سافر إلى القاهره ومالي بها راحة ظاهره )
( زحام وضيق وكرب وما ** تثير بها أرجل سائره )
وعندما يقبل المسافر عليها يرى سورا أسود كدرا وجوا مغبرا فتنقبض نفسه ويفر أنسه وأحسن موضع في ظواهرها للفرجة أرض الطبالة لا سيما أرض القرط والكتان وقلت
( سقى الله أرضا كلما زرت روضها ** كساها وحلاها بزينته القرط )
( تجلت عروسا والمياه عقودها ** وفي كل قطر من جوانبها قرط ) وفيها خليج لا يزال يضعف بين حضرتها حتى يصير كما قال الرصافي
( ما زالت الأمحال تأخذه ** حتى غدا كذؤابة النجم
____________________
(2/346)

وقلت في نور الكتان على جانبي الخليج
انظر إلى النهر والكتان يرمقه ** من جانبيه بأجفان لها حدق )
( رأته سيفا عليه للصبا شطب ** فقابلته بأحداق بها أرق )
( وأصبحت في يد الارواح تنسجها ** حتى غدت حلقا من فوقها حلق )
( فقم فزرها ووجه الأرض مصطبح ** أو عند صفوته إن كنت تغتبق )
وأعجبني في ظاهرها بركة الفيل لأنها دائرة كالبدر والمناظر فوقها كالنجوم وعادة السلطان أن يركب فيها بالليل وتسرج أصحاب المناظر على قدر همتهم وقدرتهم فيكون لها بذلك منظر عجيب وفي ذلك قيل
( انظر إلى بركة الفيل التي اكتنفت ** بها المناظر كالأهداب للبصر )
كأنما هي والأبصار ترمقها ** كواكب قد أداروها على القمر )
ونظرت إليها وقد قابلتها الشمس بالغدو فقلت
( انظر إلى بركة الفيل التي فجرت ** لها الغزالة فجرا من مطالعها )
( وخل طرفك مجنونا ببهجتها ** يهيم وجدا وحبا في بدائعها )
والفسطاط أكثر أرزاقا وأرخص أسعارا من القاهرة لقرب النيل من الفسطاط والمراكب التي تصل بالخيرات تحط هناك ويباع ما يصل فيها بالقرب منها وليس يتفق ذلك في ساحل القاهرة لأنه يبعد عن المدينة والقاهرة هي أكثر عمارة واحتراما وحشمة من الفسطاط لأنها أجل مدارس وأضخم خانات وأعظم ديارا لسكنى الأمراء فيها لأنها المخصوصة بالسلطنة لقرب قلعة الجبل منها فأمور السلطنة كلها فيها أيسر وأكثر وبها الطراز وسائر الأشياء التي يتزين بها الرجال والنساء إلا أن في هذا الوقت لما اعتني
____________________
(2/347)


( لئن فاتني منه الأنيس فكل ما ** يحل إلى علياك ليس بفائت )
168 - ومنهم الشيخ الصالح الزاهد أبو الحسن علي بن عبد الله بن يوسف بن حمزة القرطبي الأنصاري المعروف بابن العابد نزيل رباط الصاحب الصفي بن شكر قال بعض المشارقة عنه إنما سميت الخمر بالعجوز لأنها بنت ثمانين يعني عدد حدها وأنشد له
( عذلنا فلانا على فعله ** ولمناه في شربه للعجوز )
( فقال دعوني من أجلها ** أنال أنا وأخي والعجوز )
169 - ومنهم الشيخ الفاضل المتقن أبو عبد الله محمد بن علي بن يوسف بن محمد بن يوسف الأنصاري الشاطبي الأصل البلنسي المولد في أحد ربيعي سنة إحدى وستمائة ولقبه المشارقة برضي الدين وتوفي بالقاهرة في جمادى الأولى سنة 684 رحمه الله تعالى
ومن نظمه لما حضر أجله وقد أمر خادمه أن ينظف له بيته وأن يغلق عليه الباب ويفتقده بعد زمان ففعل ذلك فلما دخل عليه وجده ميتا وقد كتب في رقعة
( حان الرحيل فودع الدار التي ** ما كان ساكنها بها بمخلد )
( واضرع إلى الملك الجواد وقل له ** عبد بباب الجود أصبح يجتدي )
( لم يرض غير الله معبودا ولا ** دينا سوى دين النبي محمد )
ومن نظمه أيضا رحمه الله تعالى
____________________
(2/347)

السلطان ببناء قلعة الجزيرة التي أمام الفسطاط وصيرها سرير السلطنة عظمت عمارة الفسطاط وانتقل إليها كثير من الأمراء وضخمت أسواقها وبنى فيها السلطان أمام الجسر الذي للجزيرة قيسارية عظيمة فنقل إليها من القاهرة سوق الأجناد التي يباع فيها الفراء والجوخ وما أشبه
ذلك إلى أن قال وهي الآن عظيمة آهلة يجبى إليها من الشرق والغرب والجنوب والشمال ما لا يحيط بجملته وتفسيره إلا خالق الكل جل وعلا وهي مستحسنة للفقير الذي لا يخاف طلب زكاة ولا ترسيما ولا عذابا ولا يطالب برفيق له إذا مات فيقال له ترك عندك مالا فربما سجن في شأنه أو ضرب أو عصر والفقير المجرد فيها يستريح بجهة رخص الخبز وكثرته ووجود السماع والفرج في ظواهرها ودواخلها وقلة الاعتراض عليه فيما تذهب إليه نفسه يحكم فيها كيف شاء من رقص في وسط السوق أو تجريد أو سكر من حشيشة أو صحبة مردان وما أشبه ذلك بخلاف غيرها من بلاد المغرب وسائر الفقراء لا يتعرضون إليهم بالقبض للأسطول إلا المغاربة فذلك وقف عليهم لمعرفتهم بمعاناة البحر وقد عم ذلك من يعرف معاناة البحر منهم ومن لا يعرف وهم في القدوم عليها بين حالين إن كان المغربي غنيا طولب بالزكاة وضيق عليه وضيقت السعاة وإن كان مجردا فقيرا حمل إلى السجن حتى يحين وقت الأسطول وفي القاهرة أزاهر كثيرة غير منقطعة الاتصال وهذا الشأن في الديار المصرية يفضل كثيرا من البلاد وفي اجتماع النرجس والورد فيها أقول
( من فضل النرجس وهو الذي ** يرضى بحكم الورد إذ يرأس )
( أما ترى الورد غدا قاعدا ** وقام في خدمته النرجس )
وأكثر ما فيها من الثمرات والفواكه والرمان والموز أما التفاح والإجاص فقليل غال وكذلك الخوخ وفيها الورد والنرجس والنسرين والنيلوفر والبنفسج والياسمين والليمون الأخضر والأصفر وأما العنب والتين فقليل غال ولكثرة
____________________
(2/348)

ما يعصرون العنب في أرياف النيل لا يصل منه إلا القليل ومع هذا فشرابه عندهم في غاية الغلاء وعامتها يشربون المزر الأبيض المتخذ من الحنطة حتى إن الحنطة يطلع سعرها بسببه فينادي المنادي من قبل الوالي بقطعه وكسر أوانيه ولا ينكر فيها إظهار أواني الخمر ولا آلات الطرب ذوات الأوتار ولا تبرج النساء العواهر ولا غير ذلك مما ينكر في غيرها من بلاد المغرب وقد دخلت في الخليج الذي بين القاهرة ومصر وتعظم عمارته فيما يلي القاهرة فرأيت فيه من ذلك العجائب وربما وقع فيه قتل بسبب السكر فيمنع فيه الشرب وذلك في بعض الأحيان وهو ضيق عليه من الجهتين مناظر كثيرة العمارة بمعالم التهكم والطرب والمخالفة حتى إن المحتشمين والرؤساء لا يجيزون العبور به في مركب وللسرج في جانبيه بالليل منظر وكثيرا ما يتفرج فيه أهل الستر في الليل وفي ذلك أقول
( لا تركبن في خليج مصر ** إلا إذا أسدل الظلام )
( فقد علمت الذي عليه ** من عالم كلهم طغام )
( صفان للحرب قد أطلا ** سلاح ما بينهم كلام )
( يا سيدي لا تسر إليه ** إلا إذا هوم النيام )
( والليل ستر على التصاب ** ي عليه من فضله لثام )
( والسرج قد مددت عليه ** منها دنانير لا ترام )
( وهو قد امتد والمباني ** عليه في خدمة قيام )
( لله كم دوحة جنينا ** هناك أثمارها الأثام )
قال المقريزي وفيه تحامل كثير انتهى
ومن نظر بعين الإنصاف علم أن التحامل في نسبة التحامل إليه والله تعالى الموفق
قال ابن سعيد ومعاملة الفسطاط والقاهرة بالدراهم المعروفة السوداء
____________________
(2/349)

كل درهم منها ثلاثة من الدرهم الناصري وفي المعاملة بها شدة وخسارة في البيع والشراء ومخاصمة بين الفريقين وكان بها قديما الفلوس فقطعها الملك الكامل فبقيت الآن مقطوعة منها
وهي في الإقليم الثالث وهواؤها رديء لا سيما إذا هب المريسي من جهة القبلة وأيضا فرمد العين فيها كثير والمعايش فيها متعذرة نزرة لا سيما أصناف الفضلاء وجوامك المدارس قليلة كدرة وأكثر ما يتعيش بها اليهود النصارى في كتابة الطب والخراج والنصارى بها يمتازون بالزنار في أوساطهم واليهود بعمائم صفر ويركبون البغال ويلبسون الملابس الجليلة ويأكل أهل القاهرة البطارخ ولا تصنع حلاوة القمح إلا بها وبغيرها من الديار المصرية وفيها جوار طباخات أصل تعليمهن من قصور الخلفاء الفاطميين ولهن في الطبخ صنائع عجيبة ورياسة متقدمة ومطابخ السكر والمواضع التي يصنع بها الورق المنصوري مخصوصة بالفسطاط دون القاهرة انتهى المقصود من هذا الموضع من كلام أبي الحسن النور بن سعيد رحمه الله تعالى
وقال رحمه الله
( كم ذا تقيم بمصر ** معذبا بذويها )
( وكيف ترجو نداهم ** والسحب تبخل فيها )
وقال رحمه الله تعالى
( لابن الزبير مكارم أضحت بها ** طير المدائح في البلاد تغرد )
( إن قيدوه وبالغوا في عصره ** فالكرم يعصر والجواد يقيد )
166 _ ولنذكر بعض أخبار والده فإنه ممن رحل إلى المشرق وتوفي بالإسكندرية وقد ذكر ابنه أبو الحسن في المغرب وغيره من
____________________
(2/350)

أخباره العجائب
____________________
(2/351)

ولا بأس بأن نلم بشيء من ذلك سوى ما تقدم فنقول من أخباره أنه لما اجتاز بمالقة ومشرفها إذ ذاك أبو علي بن مبقي وجه إليه من نقل أسبابه إلى داره وأقبل عليه منشدا
( أكذا يجوز القطر لا يثني على ** أرض توالى جدبها من بعده )
( ألله يعلم أنها ما أنبتت ** زهرا ولا ثمرا بمدة فقده )
( عرج عليها ساعة يا من له ** حسب يفوق العالمين بمجده )
( وانثر عليها من أزاهرك التي ** تشفي المتيم من لواعج وجده )
_ ( والله ما ذاكرت فكرك ساعة ** إلا وأقبس خاطري من زنده )
قال موسى فارتجلت للحين
( أنت الذي تعرف كيف العلا ** ا وتبتدي في سبل المجد )
( بدأت بالفضل المنير الذي ** أكمل بدر الشكر )
( والحمد والله ما أبصرتكم ساعة ** إلا بدا لي طالع السعد )
وانصرفت معه إلى منزله
( فلم أزل في كرامه ** ليست كظل غمامه )
ولما كان أبو عمران موسى بن سعيد بالجزيرة الخضراء مقدما على أعمالها من قبل ابن هود وصله كتاب من الفقيه القاضي أبي عبد الله محمد بن عسكر قاضي مالقة مع أحد الأدباء منه
( أفاتح من قلبي يعلياه واثق ** وإن كانت الأبصار لم تنسخ الودا )
( وثقت بما لي من ذمام تشيعي ** بآل سعيد فابتغيت به السعدا )
( وبالحب يدنو كل من أقصت النوى برغم حجاب للنوى بيننا مدا )
يا سيدي الذي حملني ما أمال أسماعي من الثناء عليه أن أهجم على مفاتحته
____________________
(2/351)

شافعا في موصلها إليه واثقا بالفرع لعلم الأصل مؤملا للإفضال بتحقق الفضل إن لم تقض باجتماع بيننا الأيام فلا تجزيء من المشافهة بيننا ألسن الأقلام ويوحي بعضنا إلى بعض بسور الوداد والحمد لله الذي أطلعك في ذلك الأفق بدرا وأدناك من هذه الدار فصرنا لقرب من يرد عنك لا نعدم لك ذكرا فكل يثني بالذي علمت سعد ويصف من خلالك ما يقضي ذلك المجد ولما كان إحسانك يبشر به الصادر والوارد ويحرض عليه الغائب والشاهد مد أمله نحوك موصل هذه المفاتحة وليس له وسيلة ولا بضاعة إلا الأدب وهي عند بيتك الكريم رابحة وهو من شئتت خطوب هذا الزمان شمله وأبانت نوائبه صبره وفضله وما طمح ببصره إلا إلى أفقك ولا وجه رجاءه إلا نحو طرقك والرجاء من فضلك أن يعود وقد أثنت حقائبه وأعنقت من الحمد ركائبه دمت غرة في الزمن البهيم مخصوصا بأفضل التحية والتسليم انتهى وابن عسكر المذكور عالم بالتاريخ متبحر في العلوم وله كتاب في أنساب بني سعيد أصحاب هذه الترجمة ومن شعره
أهواك يا بدر وأهوى الذي ** يعذلني فيك وأهوى الرقيب )
( والجار والدار ومن حلها ** وكل من مر بها من قريب )
( وكل مبد شبها منكم ** وكل من يلفظ باسم الحبيب )
وصية بن سعيد الاب لابنه علي الحسن 465
رجع - قال ابنه علي لما أردت النهوض من ثغر الإسكندرية إلى القاهرة أول وصولي إلى الإسكندرية رأى أن يكتب لي وصية أجعلها إماما في الغربة
____________________
(2/352)

فبقي فيها أياما إلى أن كتبتها عنه وهي هذه وكفى بها دليلا على ما اختبر وعلم
( أودعك الرحمن في غربتك ** مرتقبا رحماه في أوبتك )
( وما اختياري كان طوع النوى ** لكنني أجري على بغيتك )
( فلا تطل حبل النوى إنني ** والله أشتاق إلى طلعتك )
( من كان مفتونا بأبنائه فإنني أمعنت في خبرتك )
( فاختصر التوديع أخذا فما ** لي ناظر يقوى على فرقتك )
( واجعل وصاتي نصب عين ولا ** تبرح مدى الأيام من فكرتك )
( خلاصة العمر التي حنكت ** في ساعة زفت إلى فطنتك )
( فللتجاريب أمور إذا طالعتها تشحذ من غفلتك )
( فلا تنم عن وعيها ساعة ** فإنها عون إلى يقظتك )
( وكل ما كابدته في النوى ** إياك أن يكسر من همتك )
( فليس يدرى أصل ذي غربة ** وإنما تعرف من شيمتك )
( وكل ما يفضي لعذر فل ** ا تجعله في الغربة من إربتك )
( ولا تجالس من فشا جهله ** واقصد لمن يرغب في صنعتك ) ولا تجادل أبدا حاسدا ** فإنه أدعى إلى هيبتك )
( وامش الهوينا مظهرا عفة ** وابغ رضا الأعين عن هيئتك )
( أفش التحيات إلى أهلها ** ونبه الناس على رتبتك )
( وانطق بحيث العي مستقبح ** واصمت بحيث الخير في سكنتك ) ولا تزل مجتمعا طالبا ** من دهرك الفرصة في وثبتك )
وكلما أبصرتها أمكنت ** ثب واثقا بالله في مكنتك )
( ولج على رزقك من بابه واقصد له ما عشت في بكرتك )
____________________
(2/353)

وايأس
( من الود لدى حاسد ضد ** ونافسه على خطتك )
( ووفر الجهد فمن قصده ** قصدك لا تعتبه في بغضتك )
( ووف كلا حقه ولتكن ** تكسر عند الفخر من حدتك )
( ولا تكن تحقر ذا رتبة ** فإنه أنفع في غربتك
( وحيثما خيمت فاقصد إل ** ى صحبة من ترجوه في نصرتك )
( وللرزايا وثبة ما لها ** إلا الذي تذخر من عدتك )
( ولا تقل أسلم لي وحدتي ** فقد تقاسي الذل في وحدتك )
( ولتزن الأحوال وزنا ولا ** ترجع إلى ما قام في شهوتك )
( ولتجعل العقل محكا وخذ ** كلا بما يظهر في نقدتك )
( واعتبر الناس بألفاظهم ** واصحب أخا يرغب في صحبتك )
( بعد اختبار منك يقضي بما ** يحسن في الأخدان من خلطتك )
( كم من صديق مظهر نصحه ** وفكره وقف على عثرتك )
( إياك أن تقربه إنه ** عون مع الدهر على كربتك )
( واقنع إذا ما لم تجد مطمعا ** واطمع إذا نفست من عسرتك )
( وانم نمو النبت قد زاره ** غب الندى واسم إلى قدرتك )
( وإن نبا دهر فوطن له ** جأشك وانظره إلى مدتك )
( فكل ذي أمر له دولة ** فوف ما وافاك في دولتك )
( ولا تضيع زمنا ممكنا ** تذكاره يذكي لظى حسرتك )
( والشر مهما اسطعت لا تأته ** فإنه حوب على مهجتك ) يا بني الذي لا ناصح له مثلي ولا منصوح لي مثله قدمت لك في هذا النظم ما إن أخطرته بخاطرك في كل أوان رجوت لك حسن العاقبة إن شاء الله تعالى وإن أخف منه للحفظ وأعلق بالفكر وأحق بالتقدم
____________________
(2/354)

قول الأول
( يزين الغريب إذا ما اغترب ** ثلاث فمنهن حسن الأدب )
( وثانية حسن أخلاقه ** وثالثة اجتناب الريب )
( وإذا اعتبرت هذه الثلاثة ولزمتها في الغربة رأيتها جامعة نافعة لا يلحقك إن شاء الله تعالى مع استعمالها ندم ولا يفارقك بر ولا كرم ولله در القائل
( يعد رفيع القوم من كان عاقلا ** وإن لم يكن في قومه بحسيب )
( إذا حل أرضا عاش فيها بعقله ** وما عاقل في بلدة بغريب )
وما قصر القائل حيث قال
( واصبر على خلق من تعاشره ** وداره فاللبيب من دارى واتخذ الناس كلهم سكنا ** ومثل الأرض كلها دارا ) واصغ يا بني إلى البيت الذي هو يتيمة الدهر وسلم الكرم والصبر
( ولو أن أوطان الديار نبت بكم ** لسكنتم الأخلاق والآدابا )
إذ حسن الخلق أكرم نزيل والأدب أرحب منزل ولتكن كما قال أحدهم في أديب متغرب وكان كلما طرأ على ملك فكأنه معه ولد وإليه قصد غير مستريب بدهره ولا منكر شيئا من أمره وإذا دعاك قلبك إلى صحبة من أخذ بمجامع هواه فاجعل التكلف له سلما وهب في روض أخلاقه هبوب النسيم وحل بطرفه محل الوسن وانزل بقلبه نزول المسرة حتى يتمكن لك وداده ويخلص فيك اعتقاده وطهر من الوقوع فيه لسانك وأغلق سمعك ولا ترخص في جانبه لحسود لك منه يريد إبعادك عنه لمنفعته
____________________
(2/355)

أو حسود له يغار لتجمله بصحبتك ومع هذا فلا تغتر بطول صحبته ولا تتمهد بدوام رقدته فقد ينبهه الزمان ويغير منه القلب واللسان ولذا قيل إذا أحببت فأحبب هونا ما ففي الممكن أن ينقلب الصديق عدوا والعدو صديقا وإنما العاقل من جعل عقله معيارا وكان كالمرآة يلقى كل وجه بمثاله وجعل نصب ناظره قول أبي الطيب
( ولما صار ود الناس خبا ** جزيت على ابتسام بابتسام )
( وفي أمثال العامة من سبقك بيوم فقد سبقك بعقل فاحتذى مثلة من جرب واستمع إلى ما خلد الماضون بعد جهدهم وتعبهم من الأقوال فإنها خلاصة عمرهم وزبدة تجاربهم ولا تتكل على عقلك فإن النظر فيما تعب فيه الناس طول أعمارهم وابتاعوه غاليا بتجاربهم يربحك ويقع عليك رخيصا وإن رأيت من له مروءة وعقل وتجربة فاستفد منه ولا تضيع فعله ولا قوله فإن فيما تلقاه تلقيحا لعقلك وحثا لك واهتداء وإياك أن تعمل بهذا البيت في كل موضع
( فالحر يخدع بالكلام الطيب ** فقد قال أحدهم ما قيل أضر من هذا البيت على أهل التجمل وليس كل ما تسمع من أقوال الشعراء يحسن بك أن تتبعه حتى تتدبره فإن كان موافقا لعقلك مصلحا لحالك قوله ذلك عندك وإلا فانبذه نبذ النواة فليس لكل أحد يتبسم ولا كل شخص يكلم ولا الجود مما يعم به ولا حسن الظن وطيب النفس مما يعامل به كل أحد ولله در القائل
( وما لي لا أوفي البرية قسطها على قدر ما يعطي وعقلي ميزان
____________________
(2/356)

وإياك أن تعطى من نفسك إلا بقدر فلا تعامل الدون بمعاملة الكفء الكفء بمعاملة الأعلى ولا تضيع عمرك فيمن يملكك بالمطامع ويثنيك عن مصلحة حاضرة عاجلة بغائبة آجلة واسمع قول الأول
( وبع آجلا منك بالعاجل **
وأقلل من زيارة الناس ما استطعت ولا تجفهم بالجملة ولكن يكون ذلك بحيث لا يلحق منه ملل ولا ضجر ولا جفاء ولا تقل أيضا أقعد في كسر بيتي ولا أرى أحدا وأستريح من الناس فإن ذلك كسل داع إلى الذل والمهانة وإذا علم عدو لك أو صديق منك ذلك عاملاك بحسبه فازدراك الصديق وجسر عليك العدو وإياك أن يغرك صاحب واحد عن أن تذخر غيره للزمان وتطيعه في عداوة سواه ففي الممكن أن يتغير عليك فتطلب إعانة عليه أو استغناء عنه فلا تجد ذخيرة قدمتها وكان هو في أوسع حال وأعلى رأي بما دبره بحيلته في انقطاعك عن غيره فلو اتفق لك أن تصحب من كل صناعة وكل رياسة من يكون لك عدة لكان ذلك أولى وأصوب وسلني فإني خبير طال والله ما صحبت الشخص أكثر عمري لا أعتمد على سواه ولا أعتد إلا إياه منخدعا بسرابه موثوقا في حبائل خطابه إلى أن لا يحصل لي منه غير العض على البنان وقول لو كان ولو كان ولا يحملنك أيضا هذا القول أن تظنه في كل أحد وتعجل المكافأة وليكن حسن الظن بمقدارما واصبر بقدر ما والفطن لا تخفى عليه مخايل الأحوال وفي الوجوه دلالات وعلامات وأصغ إلى القائل
( ليس ذا وجه من يضيف ولا يق ري ** ولا يدفع الأذى عن حريم )
فمن يكن له وجه مثل هذا الوجه فول وجهك عنه قبلة ترضاها ولتحرص
____________________
(2/357)

جهدك على أن لا تصحب أو تخدم إلا رب حشمة ونعمة ومن نشأ في رفاهية ومروءة فإنك تنام معه في مهاد العافية وإن الجياد على أعراقها تجري وأهل الأحساب والمروءات يتركون منافعهم متى كانت عليهم فيها وصمة وقد قيل في مجلس عبد الملك بن مروان أشرب مصعب الخمر فقال عبد الملك وهو عدو له محارب له على الملك لو علم مصعب أن الماء يفسد مروءته ما شربه
( والفضل ما شهدت به الأعداء )
( يا بني و قد علمت أن الدنيا دار مفارقة وتغير وقد قيل اصحب من شئت فإنك مفارقه فمتى فارقت أحدا فعلى حسنى في القول والفعل فإنك لا تدري هل أنت راجع إليه فلذلك قال الأول
( ولما مضى سلم بكيت على سلم ** وإياك والبيت سائر
( وكنت إذا حللت بدار قوم ** رحلت بخزية وتركت عارا )
( واحرص على ما جمع قول القائل ثلاثة تبقي لك الود في صدر أخيك أن تبدأه بالسلام وتوسع له في المجلس وتدعوه بأحب الأسماء إليه واحذر كل ما بينه لك القائل كل ما تغرسه تجنيه إلا ابن آدم فإنك إذا غرسته يقلعك وقول الآخر ابن آدم يتمسكن حتى يتمكن وقول الآخر ابن آدم ذئب مع الضعف أسد مع القوة وإياك أن تثبت على صحبة أحد قبل أن تطيل اختباره فيحكى أن ابن المقفع خطب مع الخليل صحبته فجاوبه
____________________
(2/358)

إن الصحبة رق ولا أضع رقي في يدك حتى أعرف كيف ملكتك واستمل من عين من تعاشره وتفقد في فلتات الألسن وصفحات الأوجه ولا يحملك الحياء على السكوت عما يضرك أن لا تبينه فإن الكلام سلاح السلم وبالأنين يعرف ألم الجرح واجعل لكل أمر أخذت فيه غاية تجعلها نهاية لك وآكد ما أوصيك به أن تطرح الأفكار وتسلم للأقدار
( واقبل من الدهر ما أتاك به ** من قر عينا بعيشه نفعه )
إذا الأفكار تجلب الهموم وتضاعف الغموم وملازمة القطوب عنوان المصائب والخطوب يستريب به الصاحب ويشمت العدو المجانب ولا تضر بالوساوس إلا نفسك لأنك تنصر بها الدهر عليك ولله در القائل
( إذا ما كنت للأحزان عونا ** عليك مع الزمان فمن تلوم )
مع أنه لا يرد عليك الفائت الحزن ولا يرعوي بطول عتبك الزمن
ولقد شاهدت بغرناطة شخصا قد ألفته الهموم وعشقته الغموم ومن صغره إلى كبره لا تراه أبدا خليا من فكره حتى لقب بصدر الهم ومن أعجب ما رأيته منه أنه يتنكد في الشدة ولا يتعلل بأن يكون بعدها فرج ويتنكد في الرخاء خوفا من أن لا يدوم وينشد
( توقع زوالا إذا قيل تم ** وينشد
( وعند التناهي يقصر المتطاول
____________________
(2/359)

وله من الحكايات في هذا الشأن عجائب ومثل هذا عمره مخسور يمر ضياعا ومتى رفعك الزمان إلى قوم يذمون من العلم ما تحسنه حسدا لك وقصدا لتصغير قدرك عندك وتزهيدا لك فيه فلا يحملك ذلك على أن تزهد في علمك وتركن إلى العلم الذي مدحوه فتكون مثل الغراب الذي أعجبه مشي الحجلة فرام أن يتعلمه فصعب عليه ثم أراد أن يرجع إلى مشيه فنسيه فبقي مخبل المشي كما قيل حسد القطا وأراد يمشي مشيها فأصابه ضرب من العقال فأضل مشيته وأخطأ مشيها فلذاك سموه أبا مرقال ولا يفسد خاطرك من جعل يذم الزمان وأهله ويقول ما بقي في الدنيا كريم ولا فاضل ولا مكان يستراح فيه فإن الذين تراهم على هذه الصفة أكثر ما يكونون ممن صحبه الحرمان واستحقت طلعته للهوان وأبرموا على الناس بالسؤال فمقتوهم وعجزوا عن طلب الأمور من وجوهها فاستراحوا إلى الوقوع في الناس وإقامة الأعذار لأنفسهم بقطع أسبابهم وتعذير أمورهم ولا تزل هذين البيتين من فكرك
( لن إذا ما نلت عزا ** فأخو العزيلين )
( فإذا نابك دهر فكما كنت تكون ولا قول الآخر
( ته وارتفع إن قيل اقتر ** وانخفض إن قيل أثرى )
( كالغصن يسفل ما اكتسى ** ثمرا ويعلو ما تعرى )
( ولا قول الآخر
____________________
(2/360)


( الخير يبقى وإن طال الزمان به ** والشر أخبث ما أوعيت من زاد )
واعتقد في الناس ما قاله القائل
( ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره ** ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
وتحفظ بما تضمنه قول الآخر
( ومن دعا الناس إلى ذمه ** ذموه بالحق وبالباطل )
ولله در القائل
( ما كل ما فوق البسيطة ** كافيا فإذا اقتنعت فكل شيء كافي ) والأمثال يضربها لذي اللب الحكيم وذو البصر يمشي على الصراط المستقيم والفطن يقنع بالقليل ويستدل باليسير والله سبحانه خليفتي عليك ولا رب سواه نجزت الوصية وتكفيك عنوانا على طبقته في النثر
____________________
(2/361)


رسالة ابن سعيد الأب لعبد الواحد الموحدى وله رسالة كتب بها إلى ملك المغرب أبي محمد عبد الواحد بن أبي يعقوب بن عبد المؤمن مهنئا له بالخلافة حين بويع بها بمراكش وكان إذ ذاك بإشبيلية وكان قبل ذلك كاتبا له ومختصا به الحضرة العلية السامية السنية الطاهرة القدسية حضرة الإمامة وجنة دار الإقامة مد الله على الإسلام ظلالها وأنمى في سماء السعادة تمامها وكمالها وهنأ المؤمنين باستقبال إمارتها وأدام لهم بركة خلافتها عبد أياديها وخديم ناديها المتوسل بقديم الخدمة المتوصل بعميم النعمة وكريم الحرمة المنشد بلسان المسرة حين أطلع الزمان هذه الغرة
( أتته الخلافة منقادة ** إليه تجرر أذيالها )
( فلم تك تصلح إلا له ** ولم يك يصلح إلا لها موسى ) بن محمد بن سعيد لا زال هذا الأمر العلي محمودا سعيدا ولا برح يستزيد ترقيا وصعودا
( يا نعمة الله زيدي ** إن كان فيك مزيد ) سلام الله الكريم يخص حضرة الإجلال والتعظيم والتقديس والتفخيم ورحمته وبركاته وبعد حمد الله الذي بلغ الإسلام بهذه الخلافة آماله وحلى بهذه الولاية السعيدة أحواله والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبيه الكريم الذي دحض الله تعالى بنبوته الكفر وضلاله وعلى آله وصحبه الطاهرين الذين سمعوا أقواله وامتثلوا أفعاله والرضى عن الإمام المهدي المعلوم الذي أفاء الله
____________________
(2/362)

به على الدين الحنفي ظلاله وأذهب عنه طواغيته وضلاله والدعاء للمقام العالي الكريم بالسعد المتوالي والنصر الجسيم وكتب العبد وقد ملأت هذه البشرى المسرة أفقه ووسعت عليه هذه المرتبة العلية طرقه
( فهذه رتبة ما زلت أرقبها ** فاليوم أبسط آمالي وأحتكم ) ولا أقنع مني إن اقتصرت على السماء دارا والهلال للبشير سوارا والنجوم عقدا والصباح بندا حتى أسر كل أحد بشكله وأقابل كل شخص بمثله
( ومن خدم الأقوام يرجو نوالهم ** فإني لم أخدمك إلا لأخدما )
وما بعد الخلافة رتبة ودون ثبير تنحط كل هضبة فالحمد لله رب العالمين وهنيئا لعباده المؤمنين حيث نظر لهم نظر رحمة فأسبل عليهم ستر هذه النعمة
( ولقد علمت بأن ذلك معصم ** ما كان يتركه بغير سوار )
والله أعلم حيث يجعل رسالاته وإلى من يشير بآياته فلله صباح ذلك اليوم السعيد وليلته ولقد سفر عن وجه من البشرى أضاءت الآفاق شرقا وغربا غرته ولقد اجتمعت آراء السداد حتى أتت الإسلام بالمراد فأخذ القوس باريها وحل بالدار بانيها هنيئا زادك الرحمن خيرا ولا برحت المسرات تسير إليك سيرا وهل يصلح النور إلا للمقل وهل يليق بالحسن إلا الحلل فالآن مهد الله البرين وأفاض العدل على العدوتين وقدم
____________________
(2/363)

للنظر من لا يعزب عن حفظه مكان ولا يختص بحفظه إنسان دون إنسان خليفة له النفس العمرية والآراء العمرية والفراسة الإياسية ولا ينبئك مثل خبير فلقد شاهد العبد ما لا يحصره تفسير ولعمري لقد عاد الصباح في إشراق النهار ولم يخف عنا ما زاد الدنيا من البهجة والمسار وشملت الناس هذه البشائر وعمت كل باد وحاضر وأصاخوا لتاليها إصاخة المجدبين لمرتادهم وأهطعوا لها مهللين ومكبرين إهطاع الناس لأعيادهم وأما العبد فقد أخذ بحظه حتى خاف أن يغلب السرور على قلبه ولحظه
( ومن فرح النفس ما يقتل ** ) وهذه نعمة يقصر عنها النثر والنظم ويحسد عليها الهلال والنجم بل يسلمان لما استحقته من المراتب ويخضعان إليها خضوع المفترض الواجب أقر الله بها عيون المسلمين وأفاض سحبها على الناس أجمعين وحفظها بعينه التي لا تنام ووقف على خدمتها الليالي والأيام
من شعر أبي عمران ابن سعيد ولما قدم من الأندلس على تونس مدح سلطانها أبا زكريا بقوله
( بشرى ويسرى قد أنار المظلم ** نجما وقد وضح الصباح المعلم )
( ورنت عيون الأمن وهي قريرة ** وبدت ثغور السعد وهي تبسم )
( فارحل لتونس واعتقد أعلام من ** قوي الضعيف به وأثرى المعدم )
( حيث المعالي والمعاني والندى ** والفضل والقوم الذين هم هم )
( أجروا إلى الغايات ملء عنانهم ** سبقا وبذهم الجواد المنعم )
____________________
(2/364)

آكد من السؤال عن الملك الناصر فأخبر بحاله وما جرى له مع التتر حتى قتلوه بعد الأمان ثم ساق في دخول هولاكو حلب فقال بعد كلام كثير وارتكب في أهل حلب التتر والمرتدون ونصارى الأرمن ما تصم عنه الأسماع وكان فيمن قتل بتلك الكائنة البدر بن العديم الذي صدر عنه من الطبقة العالية في الشعر مثل قوله
( واها لعقرب صدغه ** لو لم تكن للماه تحمي )
( ولغفل خط عذاره ** لو بت أعجمه بلثمي ) وابن عمه الافتخار بن العديم الذي وقع له مثل قوله
( والغصن فيه الماء مطرد ** والماء فيه الغصن منعكس ) ثم قال لما ذكر أحوال الناصر بعد استيلاء التتر على بلاد حلب والشام وما يليهما ما نصه قال من دخل على الملك الناصر وقد نزل بميدان دمشق قبلت يده وجعلت أدعو له وأظهر تعزيته على ما جرى من تلك المصائب العظيمة فأضرب عن ذلك وقال لي فيم تتغزل اليوم ثم أنشدني قوله في مملوك فقده في هذه الكائنة
( والله ما أبكي لملك مضى ** ولا لحال ظاعن أو مقيم )
( وإنما أبكي وقد حق لي ** لفقد من كنت به في نعيم )
( يطلع بدرا ينثني بانة ** يمر فيما رمته كالنسيم )
( في خاطري أبصره خاطرا ** فألتوي مثل التواء السقيم )
( يا عاذلي دعني وما حل بي ** فما سوى الله بحالي عليم )
( إن مت من حزن له أسترح ** وإن أعش عشت بهم عظيم
____________________
(2/364)


( ساد الإمام الملك يحيى سادة ** أعطى الورى لهم القياد وسلموا )
( إن الإمارة مذ غدا يقتادها ** يقظى وأجفان الحوادث نوم )
( لله منك مبارك ذو فطنة ** بزغت فأحجم عندها من يقدم )
( يقظان لا وان ولا متقاعس ** كالدهر يبني ما يشاء ويهدم )
( إن صال فالليث الهصور المقدم ** أو سال فالغيث المغيث المثجم )
( أعلى منار الحق حين أماله ** قوم تبرأت المنابر منهم )
( أعلى الإله مكانه وزمانه ** والنصر يقدم والسعادة تخدم ) وقال يخاطب ملك المغرب مأمون بنى عبد المؤمن حين أخذ البيعة لنفسه بإشبيلية وكان المذكور بمراكش ولبني سعيد بهذا الملك اختصاص قديم
( الحزم والعزم موجودان والنظر ** واليمن والسعد مضمونان والظفر )
( والنور فاض على أرجاء أندلس ** والزور ليس له عين ولا أثر )
( حث الركاب إلى هذا الجناب فقد ** ضلوا فما تنفع الآيات والنذر )
( واعزم كما عزم المأمون إذ نشزت ** أرض العراق فزال البؤس والضرر ) ولما قدم العادل القائم بمرسية المتولي على مملكة البرين إلى إشبيلية كان في جملة من خرج للقائه ورفع له قصيدة منها
( لقاء به للبر والشكر مجمع ** إلى يومه كنا نخب ونوضع )
( لقد يسر الرحمن صعب مرامه ** فأبصرت أضعاف الذي كنت أسمع )
وله أيضا
( يا منعما قد جاءني بره ** من غير أن أجري له ذكرا )
( إن أحب الخير ما جاءني ** عفوا ولم أغمر به فكرا )
وله في غلام واعظ وهو من حسناته
____________________
(2/365)


( وشادن ظل للوعظ ** تاليا لين جمع )
( متعت طرفي بمرآه ** في خفارة سمعي ) وله من أبيات
( ومن عجب أن الليالي تغيرت ** ولكنها ما غيرت مني العهدا ) ومن الفضلاء الذين أدركهم وأخذ عنهم الحافظ أبو بكر بن الجد وأبو بكر بن زهر وغيرهما وحضر حصار طليطلة مع منصور بنى عبد المؤمن وكتب لملك البرين أبي محمد عبد الواحد وكتب أيضا عن مأمون بنى عبد المؤمن وكتب أخيرا عن ملك بجاية والغرب الأوسط الأمير أبي يحيى ابن ملك إفريقية رحم الله تعالى الجميع رجع إلى أبي الحسن بن سعيد قال رحمه الله تعالى حضرت ليلة أنس مع كاتب ملك إفريقية أبي العباس أحمد الغساني فاحتاجت الشمعة أن تقط فتناول قطها غلام ببنانه فقلت
( ورخص البنان تصدى لأن ** يقط السراج بمثل العنم ) فقال
( ولم يهب النار في لمسه ** ولا احتاج في قطه للجلم )
فقلت
( وما ذاك إلا لسكناه في ** فؤادي على ما حوى من ضرم ) فقال
____________________
(2/366)


( تعود حر لهيب به ** فليس به من أوار ألم ) وأنشد في المغرب للغساني المذكور في خسوف القمر مما قاله ارتجالا
( كأن البدر لما أن علاه ** خسوف لم يكن يعتاد غيره ) سجنجل غادة قلبته لما أراها شبهها حسدا وغيره وخاطبه المذكور برسالة يقول في آخرها وعند حامل هذه الأحرف - سلمه الله تعالى - كنه خبري واستيعاب ما قصر عنه قلمي فضاقت بحمله أسطري لتعلم ما أجده وأفقده من تشوقي وتصبري وأني لا أزال أنشد حيث تذكري وتفكري
( يا نائيا قد نأى عني بمصطبري ** وثاويا في سواد القلب والبصر )
( إذا تناسيت عهدا من أخي ثقة ** فاذكر عهودي فما أخليك من فكري )
( واردد علي تحياتي بأحسنها ** تردد علي حياتي آخر العمر ) ولنمسك العنان عن الجري في ميدان أخبار ابن سعيد فإنها لا يشق غبارها ومنها قوله رحمه الله تعالى سمعت كثيرا من السماع المشرقي فلم يهزني مثل قول الشريف الشمس المكي
( مقل بالدمع غرقى ** وفؤاد طار خفقا )
( وتجن وتثن ** شق جيب الصبر شقا )
( يا ثقاتي خبروني ** عن حديث اليوم حقا )
( أكذا كل محب ** فارق الأحباب يشقي )
( لا وعيش قد تقضى ** وغرام قد تبقى )
( ونعيم في ذراكم ** قد صفا دهرا ورقا )
____________________
(2/367)


( ونسيم من حماكم ** حمل الوجد فرقا )
( برسالات صبابات ** على المشتاق تلقى )
( وغصون ناعمات ** بمياه الدن تسقى )
( ووجوه فضن حسنا ** فملأن الأرض عشقا )
( لو رضيتم بي عبدا ** ما رضيت الدهر عتقا )
وقال ما سمعت ولا وقفت على شيء أبدع من قول الجزار وقد تردد إلى جمال الدين بن يغمور رئيس الديار المصرية فلم يقدر له الاجتماع به
( أسأل الله أن يديم لك العز ** ويبقيك ما أردت البقاء )
( كل يوم أرجو النعيم بلقياك ** فألقى بالبعد عنك شقاء )
( علم الدهر أنني أشتكيه ** لك إذ نلتقي فعاق اللقاء ) فبعث له بما أصلح حاله من الإحسان وكتب في حقه إلى ولاة الصعيد كتبا أغنته مدة عن شكوى الزمان انتهى
وقال أيضا ولم أسمع في وضع الشيء موضعه أحسن من قول المتنبي
( وأصبح شعري متهما في مكانه ** وفي عنق الحسناء يستحسن العقد ) ولم أسمع في وضع الشيء غير موضعه أحسن من قول أبي الفرج
( مر مدحي ضائعا في لؤمه ** كضياع السيف في كف الجبان )
ومن تأليف النور بن سعيد كتاب عدة المستنجز وعقلة المستوفز وذكر فيه أنه ارتحل من تونس إلى المشرق رحلته الثانية سنة 666 وأورد في هذا الكتاب غرائب وبدائع وذكر فيه أنه لما دخل الإسكندرية لم يكن عنده
____________________
(2/368)

قال ثم إنه سار نحو هولاكو فلما مر بحلب ونظر إلى معاهدة على غير ما يعهد قال
( مررت بجرعاء الحمى فتلفتت ** لحاظي إلى الدار التي رحلوا عنها )
( ولو كان عندي ألف عين وقمت في ** عالمها عمري لما شبعت منها ) وصنع في نعيها أشعارا يغني بها المسمعون ثم رحل إلى صحراء يوش في جهة طريق أرمينية فوجد هولاكو هنالك في تلك المروج المشهورة بالخصب فأنزله وأقام يشرب معه إلى أن وصل الخبر بوقعة عين جالوت على التتر للملك المظفر قطز صاحب مصر سنة 658 فقتلوه وخلعوا عظم كتفه وجعلوه في أحد الأعلام على عادته في أكتاف الملوك انتهى باختصار
رجع
167 ومن الوافدين من الأندلس إلى المشرق الأديب الحسيب عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن سعيد وكان صعب الخلق شديد الأنفة جرى بينه وبين أقاربه ما وجب خروجه إلى أقصى المشرق وفي ذلك يقول وكتب به إليهم
( من لصب يرعى النجوم صبابه ** ضيع السير الهموم شبابه )
( زدت بعدا فزدت فيه اقترابا ** بودادي كذاك حكم القرابه )
( منزلي الآن سمرقند وبالقلعة ** ربع وطئت طفلا ترابه )
( شد ما أبعد الفراق انتزاحي ** هكذا الليث ليس يدري اغترابه )
( لا ولا أرتجي الإياب لأمر ** إن يكن يرتجي غريب إيابه )
____________________
(2/370)

وكتب لهم من بخارى
( إذا هبت رياح الغرب طارت ** إليها مهجتي نحو التلاقي )
( وأحسب من تركت به يلاقي ** إذا هبت صباها ما ألاقي )
( فيما ليت التفرق كان عدلا ** فحمل ما يطيق من اشتياقي )
( وليت العمر لم يبرح وصالا ** ولم يحتم علينا بالفراق ) إذا كان الشوق فوق كل صفة فكيف تعبر عنه الشفة لكن العنوان دلالة على بعض ما في الصحيفة والحاجب قد ينوب في بعض الأمور مناب الخليفة وما ظنكم بمشوق طريح في يد الأشواق طليح يقطع مسافات الآفاق يتقلب تقلب الأفياء ويتلون تلون الحرباء حتى كأنه يخبر مساحات الأرض ذات الطول والعرض ويجوب أهوية الأقاليم السبع خارجا بما أدخله فيه اللجاج عن الشرع فكأنه خليفة الإسكندر لكن ما يجيش من هموم الغربة بفكري قائمة مقام الجيش والعسكر جزت إلى بر العدوة من الغرب الأقصى ثم نفسي فطمحت إلى مشاهدة الغرب الأوسط فلاقيت فيما بينهما من المسافة من المشاق ما لا يحصو ثم تشوقت إلى إفريقية درب بلاد الشرق فاستشعرت من هنالك ما بينها وبين بلادي من الفرق واختطفت من عيني تلك الطلاوة وانتزعت من قلبي تلك الحلاوة
( فلله عين لم تر العين مثلها ** ولا تلتقي إلا بجنات رضوان )
ثم نازعتني النفس التواقة إلى الديار المصرية فكابدت في البحر ما لا يفي بوصفه إلا المشافهة إلى أن أبصرت منار الإسكندرية فيالك من استئناف عمر جديد بعد اليأس من الحياة بما لقينا من الهول والتنكيد ثم صعدت إلى القاهرة
____________________
(2/371)

قاعدة الديار المصرية لمعاينة الهرمين وما فيهما من المعالم الأزلية وعاينت القاهرة المعزية وما فيها من الهمم الملوكية غير أني أنكرت مبانيها الواهية على ما حوت من أولي الهمم العالية وكونها حاضرة العسكر الجرار وكرسي الملك العظيم المقدار وقلت أصداف فيها جواهر وشوك محدق بأزاهر ثم ركبت النيل وعاينت تماسيحه وجزت بحر جدة وذقت تباريحه وقضيت الحج والزيارة وملت إلى حاضرة الشام دمشق والنفس بالسوء أمارة فهنالك بعت الزيارة بالأوزار وآلت تلك التجارة إلى ما حكمت به الأقدار إذ هي كما قال أحد من عاينها
( أما دمشق فجنات معجلة ** للطالبين بها الولدان والحور )
فلله ما تضمن داخلها من الحور والولدان وما زين به خارجها من الأنهار والجنان وبالجملة فإنها حمى تتقاصر عن إدراكها أعناق الفصاحة وتقصر عن مناولتها في ميدان الأوصاف كل راحة ولم أزل أسمع عن حلب أنها دار الكرم والأدب فأردت أن يحظى بصري بما حظي به سمعي ورحلت إليها وأقمت جابرا بالمذاكرة والمطايبة صدعي ثم رحلت إلى الموصل فألفيت مدينة عليها رونق الأندلس وفيها لطافة وفي مبانيها طلاوة ترتاح لها الأنفس ثم دخلت إلى مقر الخلافة بغداد فعاينت من العظم والضخامة ما لا يفي به الكتب ولو أن البحر مداد ثم تغلغلت من بلاد العجم بلدا بلدا غير مقتنع بغاية ولا قاصد أمدا إلى أن حللت ببخارى قبة الإسلام ومجمع الأنام فألقيت بها عصا التسيار وعكفت على طلب العلم واصلا في اجتهاده سواد الليل وبياض النهار انتهى
وكتب إليهم أيضا من هذه الرسالة كتبت وقد حصلتني السعادة وحظ
____________________
(2/372)

الأمل والإرادة بحضرة بخارى قبة الإسلام
وأجابه أهله من الغرب بكلام من جملته وإن كنت قد تحصنت بقبة الإسلام فقد تعجلت لنا ولك الفقد قبل وقت الحمام وأتبعوا ذلك بما دعاه لأن خاطبهم بشعر منه
( عتبتم على حثي المطي وقلتم ** تعجلت فقدا قبل وقت حمام )
( إذا لم يكن حالي مهما لديكم ** سواء عليكم رحلتي ومقامي ) وقتل المذكور ببخارى حين دخلها التتر وهو عم علي بن سعيد الشهير
وكان لعبد الرحمن المذكور أخ يسمى يحيى قد عانى الجندية فلما بلغه أن أبا القاسم عبد الرحمن قتل ببخارى قال لا إله إلا الله كان أبدا يسفه رأيي في الجندية ويقول لو اتبعت طريق النجاة كما صنعت أنا لكان خيرا لك فها هو رب قلم قد قتل شر قتلة بحيث لا ينتصر وسلب سلاحه وأنا ما زلت أغازي في عباد الصليب وأخلص فما يقدر أحد يحسن لنفسه عاقبة انتهى
قال أبو الحسن علي بن سعيد ثم إن يحيى المذكور بعد خوضه في الحروب صرعه في طريقه غلام كان يخدمه فذبحه على نزر من المال أفلت به فانظر إلى تقلب الأحوال كيف يجري في أنواع الأمور لا على تقدير ولا احتياط انتهى
ومن شعر أبي القاسم عبد الرحمن المذكور ما خاطب به نقيب الأشراف ببخارى وقد أهدى إليه فاختا مع زوجه
( أيا سيد الأشراف لا زلت عاليا ** معاليك تنبو الدهر عن كل ناعت )
( من الفضل إقبال على ما بعثته ** لمغناك من شاد دعوه بفاخت )
( ألا حبذا من فاخت ساد جنسه ** وأصبح مقرونا بست الفواخت )
____________________
(2/373)


( أقول لنفسي حين قابلها الردى ** فرامت فرارا منه يسرى إلى يمنى )
( قري تحملي بعض الذي تكرهينه ** فقد طالما اعتدت الفرار إلى الأهنى ) أنشده تلميذه أبو حيان إمام عصره في اللغة
حدث عن ابن المنير وغيره واشتغل الناس عليه بالقاهرة وله تصانيف مفيدة وسمع من الحافظ أبي الربيع بن سالم وكتب على صحاح الجوهري وغيره حواشي في مجلدات وأثنى عليه تلميذه أبو حيان رحم الله تعالى الجميع
ومن فوائده قوله نقلت من خط أبي الوليد بن خيرة الحافظ القرطبي في فهرست أبي بكر بن مفوز قد أدركته بسني ولم آخذ عنه واجتمعت به أنشدني له أبو القاسم بن الأبرش يخاطب بعض أكابر أصحاب أبي محمد بن حزم والإشارة لابن حزم الظاهري
( يا من تعاني أمورا لن تعانيها ** خل التعاني وأعط القوس باريها )
( تروي الأحاديث عن كل مسامحة ** وإنما لمعانيها معانيها )
وقد سبق في ترجمة القاضي أبي الوليد الباجي ذكر هذين البيتين عندما أجرينا ذكر ابن حزم قال وإنما قال هذا الشعر في ذكر رواية ادعيت على قول النبي صلى الله عليه وسلم إن خالدا قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله وصحح رواية من روى أعبده جمع عبد وعلل رواية من روى أعتده بالتاء مثناة باثنتين من فوق جمع عتد وهو الفرس قال ابن خيرة الإحاطة ممتنعة وهذه الرواية قد رواها جماعة من الأثبات والعلماء المحدثين فهو إنكار غير معروف والله تعالى أعلم
1 ومن فوائده ما نقله تلميذه أبو حيان النحوي عنه قال أنشدنا للمقري ونقلته من خطه
____________________
(2/375)


( إذا ما شئت معرفة ** بما حار الورى فيه )
( فخذ خمسا لأربعة ** ودع للثوب رافيه ) وهو لغز في ورد
وقال وأنشدنا لبعضهم
( لا رعى الله عزمة ضمنت لي ** سلوة الصبر والتصبر عنه )
( ما وفت غير ساعة ثم عادت ** مثل قلبي تقول لا بد منه )
قال وأنشدنا لغيره
( وكان غريب الحسن قبل التحائه ** فلما التحى صار الغريب المصنفا )
وأنشدنا لغيره
( طب على الوحدة نفسا ** وارض بالوحشة أنسا )
( ما عليها من يساوي ** حين يستخبر فلسا ) وقرأ الرضي ببلده على ابن صاحب الصلاة آخر أصحاب ابن هذيل وسمع منه كتاب التلخيص للواني وسمع بمصر من ابن المقير وجماعة وروى عنه الحافظ المزي واليونيني والظاهري وآخرون وانتهت إليه معرفة اللغة وغريبها وكان يقول أعرف اللغة على قسمين قسم أعرف معناه وشواهده وقسم أعرف كيف أنطق به فقط رحمه الله تعالى
____________________
(2/376)


ومن فوائد الرضي الشاطبي المذكور ما ذكره أبو حيان في البحر قال وهو من غريب ما أنشدنا الإمام اللغوي رضي الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن يوسف الأنصاري الشاطبي لزينب بنت إسحاق النصراني الرسعني
( عدي وتيم لا أحاول ذكرهم ** بسوء ولكني محب لهاشم )
( وما يعتريني في علي ورهطه ** إذا ذكروا في الله لومة لائم )
( يقولون ما بال النصارى تحبهم ** وأهل النهى من أعرب وأعاجم )
( فقلت لهم إني لأحسب حبهم ** سرى في قلوب الخلق حتى البهائم )
ومن نظم الرضي المذكور
( منغص العيش لا يأوي إلى دعه ** من كان ذا بلد أو كان ذا ولد )
( والساكن النفس من لم ترض همته ** سكنى بلاد ولم يسكن إلى أحد )
وله
( لولا بناتي وسيئاتي ** لطرت شوقا إلى الممات )
( لأنني في جوار قوم ** بغضني قربهم حياتي )
وقرأ عليه أبو حيان كتاب التيسير وأثنى عليه ولما توفي أنشد ارتجالا
( نعوا لي الرضي فقلت لقد ** نعى لي شيخ العلا والأدب )
( فمن للغات ومن للثقات ** ومن للنحاة ومن للنسب )
( لقد كان للعلم بحرا فغار ** وإن غؤور البحار العجب )
( فقدس من عالم عامل ** أثار لشجوي لما ذهب )
وتحاكم إلى رضي الدين المذكور الجزار والسراج الوراق أيهما أشعر وأرسل إليه الجزار شيئا فقال هذا شعر جزل من نمط شعر العرب فبلغ ذلك الوراق فأرسل إليه شيئا فقال هذا شعر سلس وآخر الأمر قال
____________________
(2/377)

ما أحكم بينكما رحمه الله تعالى
قلت رأيت بخطه كتبا كثيرة بمصر وحواشي مفيدة في اللغة وعلى دواوين العرب رحمه الله تعالى
170 - ومنهم حميد الزاهد وهو الأديب الفاضل الزاهد أبو بكر حميد بن أبي محمد عبد الله بن الحسن بن أحمد بن يحيى بن عبد الله الأنصاري القرطبي نزيل مالقة قال الرضي الشاطبي المذكور قريبا أنشدني حميد بالقاهرة لأبيه أبي محمد وقد تأخر شيبة مع علو سنه
( وهل نافعي أن أخطأ الشيب مفرقي ** وقد شاب أترابي وشاب لداتي )
( إذا كان خط الشيب يوجد عينه ** بتربي فمعناه يقوم بذاتي )
واللدات من ولد معه في زمان واحد انتهى
وفي ذكري أنه قال هذين البيتين لما قال له القاضي عياض شبنا ولم تشب
وقال الرضي أيضا أنشدني حميد لأبيه فيمن يكتب في الورق بالمقص وهو غريب
( وكاتب وشي طرسه حبر ** لم يشها حبره ولا قلمه )
( لكن بمقراضه ينمنمها ** نمنمة الروض جاده رهمه )
( يوجد بالقطع أحرفا عدمت فاعجب ** لشيء وجوده عدمه )
والرهم المطر
____________________
(2/378)

قال وتوفي حميد الزاهد هذا بمصر قبيل الظهر من يوم الثلاثاء وصلي عليه خارج مصر بجامع راشدة بعد صلاة العصر من يوم الثلاثاء المذكور ودفن بسفح المقطم بتربة الشيخ الفاضل الزاهد أبي بكر محمد الخزرجي الذي يدق الرصاص حذاء رجليه في الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وستمائه ومولده سنة ست وستمائة انتهى
171 - ومنهم اليسع بن عيسى بن حزم بن عبد الله بن اليسع بن عبد الله الغافقي من أهل بلنسية وأصله من جيان وسكن المرية ثم مالقة يكنى أبا يحيى كتب لبعض الأمراء بشرقي الأندلس وله تأليف سماه المغرب في أخبار محاسن أهل المغرب جمعه للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بالديار المصرية بعد أن رحل إليها من الأندلس سنة ستين وخمسمائة وبها توفي يوم الخميس التاسع عشر من رجب سنة خمس وسبعين وخمسمائة رحمه الله تعالى
172 - ومنهم محمد بن عبد الرحمن بن علي بن محمد التجيبي يكنى أبا عبد الله من أهل إشبيلية تجول في بلاد الأندلس طالبا للعلم ثم حج ولقي الحافظ السلفي وغيره واستوطن تلمسان وبها توفي في جمادي الأولى سنة عشر وستمائة وله تواليف كثيرة وسليمان الينيني 11
173 - ومنهم أبو مروان محمد بن أحمد بن عبد الملك اللخمي الباجي
____________________
(2/379)

من أهل إشبيلية ولي القضاء بها وأصله من باجة إفريقية دخل المشرق لأداء الفريضة فحج وتوفي بمصر بعدما دخل الشام في اليوم الثامن والعشرين من ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وستمائة ومولده عام أربعة وستين وخمسمائة وكانت رحلته من المغرب أول يوم من المحرم عام أربعة وثلاثين وستمائة
174 - ومنهم وليد بن بكر بن مخلد بن زياد العمري من أهل سرقسطة يكنى أبا العباس له كتاب سماه الوجازة في صحة القول بالإجازة وله رحلة لقي فيها ألف شيخ ومحدث وفقيه توفي بالدينور سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة يروي عنه أبو ذر الهروي وعبد الغني الحافظ وكفاه فخرا بهذين الإمامين العظيمين رحم الله تعالى الجميع
175 ومنهم عيسى بن سليمان بن عبد الملك بن عبد الله بن محمد الرعيني الرندي يكنى أبا محمد استوطن مالقة ورحل إلى المشرق وحج ولقي جماعة من العلماء وقفل إلى المغرب أواخر عام واحد وثلاثين وستمائة وولي الإمامة بالمسجد الجامع بمالقة وبها توفي في ربيع الأول سنة اثنتني وثلاثين وستمائة ولقب في المشرق برشيد الدين وولد في ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بقرية من قرى الأندلس يقال لها يلمالتين كورة
____________________
(2/380)

بشتغير ذكر ذلك ابن المستوفي في تاريخ إربل
176 - ومنهم أبو الربيع سليمان بن أحمد الينيني من أهل الأندلس استوطن المشرق ومدح الملك الكامل ومن شعره رحمه الله تعالى قوله
( لولا تحديه بآية سحره ** ما كنت ممتثلا شريعة أمره )
( رشأ أصدقه وكاذب وعده ** يبدي لعاشقه أدلة غدره )
( ظهرت نبوة حسنه في فترة ** من جفنه وضلالة من شعره )
177 - ومنهم أبو جعفر أحمد بن يحيى الضبي رحل حاجا فلقي ببجاية عبد الحق الإشبيلي وبالإسكندرية أبا الطاهر بن عوف ولقي غير واحد في رحلته كالغرنوي وأبي الثناء الحراني وأبي الحسين الحديثي وللحديثي أحاديث ساوى بها البخاري ومسلما ولقي جماعة ممن شارك السلفي في شيوخه
178 - ومنهم أبو الحسين محمد بن أحمد جبير الكناني صاحب الرحلة وهو من ولد ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة أندلسي
____________________
(2/381)

شاطبي بلنسي مولده ليلة السبت عاشر ربيع الأول سنة أربعين وخمسمائة ببلنسية وقيل في مولده غير ذلك وسمع من أبيه بشاطبة ومن أبي عبد الله الأصيلي وأبي الحسن بن أبي العيش وأخذ عنه القراءات وعني بالأدب فبلغ الغاية فيه وتقدم في صناعة القريض والكتابة
ومن شعره قوله وقد دخل إلى بغداد فاقتطع غصنا نضيرا من أحد بساتينها فذوى في يده
( لا تغترب عن وطن ** واذكر تصاريف النوى )
( أما ترى الغصن إذا ** ما فارق الأصل ذوى )
وقال رحمه الله تعالى يخاطب الصدر الخجندي
( يا من حواه الدين في عصره ** صدرا يحل العلم منه فؤاد )
( ماذا يرى سيدنا المرتضى ** في زائر يخطب منه الوداد )
( لا يبتغي منه سوى أحرف ** يعتدها أشرف ذخر يفاد )
( ترسمها أنملة مثل ما ** نمق زهر الروض كف العهاد )
( في رقعة كالصبح أهدى لها ** يد المعالي مسك ليل المداد )
( إجازة يورثنيها العلا ** جائزة تبقى وتفنى البلاد )
( يستصحب الشكر خديما لها ** والشكر للأمجاد أسنى عتاد )
فأجابه الصدر الخجندي
لك الله من خاطب خلتي ** ومن قابس يجتدي سقط زندي )
( أجزت له ما أجازوه لي ** وما حدثوه وما صح عندي )
( وكاتب هذي السطور التي ** تراهن عبد اللطيف الخجندي )
____________________
(2/382)


179 ورافق ابن جبير في هذه الرحلة أبو جعفر أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن القضاعي وأصله من أندة من بلنسية رحل معه فأديا الفريضة وسمعا بدمشق من أبي الطاهر الخشوعي وأجاز لهما أبو محمد بن أبي عصرون وأبو محمد القاسم بن عساكر وغيرهما ودخلا بغداد وتجولا مدة ثم قفلا جميعا إلى المغرب فسمع منهما به بعض ما كان عندهما
وكان أبو جعفر هذا متحققا بعلم الطب وله فيه تقييد مفيد مع المشاركة الكاملة في فنون العلم وكتب عن السيد أبي سعيد بن بن عبد المؤمن وجده لأمه القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية وتوفي أبو جعفر هذا بمراكش سنة ثمان أو تسع وتسعين وخمسمائة ولم يبلغ الخمسين في سنه رحمه الله تعالى رجع إلى ابن جبير
قال لسان الدين في حقه إنه من علماء الأندلس بالفقه والحديث والمشاركة في الآداب وله الرحلة المشهورة واشتهرت في السلطان الناصر صلاح الدين بن أيوب له قصيدتان إحداهما أولها
( أطلت على أفقك الزاهر ** سعود من الفلك الدائر )
ومنها
( رفعت مغارم مكس الحجاز ** بإنعامك الشامل الغامر )
( وأمنت أكناف تلك البلاد ** فهان السبيل على العابر )
( وسحب أياديك فياضة ** على وارد وعلى صادر )
( فكم لك بالشرق من حامد ** وكم لك بالغرب من شاكر )
____________________
(2/383)


والأخرى منها في الشكوى من ابن شكر الذي كان أخذ المكس من الناس في الحجاز
( وما نال الحجاز بكم صلاحا ** وقد نالته مصر والشام )
ومن شعره
( أخلاء هذا الزمان الخؤون ** توالت عليهم حروف العلل )
( قضيت التعجب من بابهم ** فصرت أطالع باب البدل )
وقوله
( غريب تذكر أوطانه ** فهيج بالذكر أشجانه )
( يحل عربى صبره بالأسى ** ويعقد بالنجم أجفانه )
وقال رحمه الله تعالى لما رأى البيت الحرام زاده الله شرفا
( بدت لي أعلام بيت الهدى ** بمكة والنور باد عليه )
( فأحرمت شوقا له بالهوى ** وأهديت قلبي هديا إليه )
وقوله يخاطب من أهدى إليه موزا
( يا مهدي الموز تبقى ** وميمه لك فاء )
( وزايه عن قريب ** لمن يعاديك تاء )
____________________
(2/384)


وقال رحمه الله تعالى
( قد ظهرت في عصرنا فرقة ** ظهورها شؤم على العصر )
( لا تقتدي في الدين إلا بما ** سن ابن سينا وأبو نصر ) وقال
( يا وحشة الإسلام من فرقة ** شاغلة أنفسها بالسفه )
( قد نبذت دين الهدى خلفها وادعت الحكمة والفلسفة )
وقال
( ضلت بأفعالها الشنيعة ** طائفة عن هدى الشريعة )
( ليست ترى فاعلا حكيما ** يفعل شيئا سوى الطبيعة ) وكان انفصاله - رحمه الله تعالى من غرناطة بقصد الرحلة المشرقية أول ساعة من يوم الخميس الثامن لشوال سنة 578 ووصل الإسكندرية يوم السبت التاسع والعشرين من ذي القعدة الحرام من السنة فكانت إقامته على متن البحر من الأندلس إلى الإسكندرية ثلاثين يوما ونزل البر الإسكندراني في الحادي والثلاثين وحج رحمه الله تعالى وتجول في البلاد ودخل الشام والعراق والجزيرة وغيرها وكان - رحمه الله تعالى كما قال ابن الرقيق - من أعلام العلماء العارفين بالله كتب في أول أمره عن السيد أبي سعيد ابن عبد المؤمن صاحب غرناطة فاستدعاه لأن يكتب عنه كتابا وهو على شرابه فمد يده إليه بكأس فأظهر الانقباض وقال يا سيدي ما شربتها قط فقال والله لتشربن منها سبعا فلما رأى العزيمة شرب سبع أكؤس فملأ له السيد الكأس من دنانير سبع مرات وصب ذلك في حجره فحمله إلى منزله وأضمر أن يجعل كفارة شربه الحج بتلك الدنانير ثم رغب إلى السيد وأعلمه أنه حلف
____________________
(2/385)

بأيمان لا خروج له عنها أنه يحج في تلك السنة فأسعفه وباع ملكا له تزود به وأنفق تلك الدنانير في سبيل البر
ومن شعره في جارية تركها بغرناطة
( طول اغتراب وبرح شوق ** لا صبر والله لي عليه )
( إليك أشكو الذي ألاقي ** يا خير من يشتكي إليه )
( ولي بغرناطة حبيب ** قد غلق الرهن في يديه )
( ودعته وهو في دلال يظهر ** لي بعض ما لديه )
( فلو ترى طل نرجسيه ** ينهل في ورد وجنتيه )
( أبصرت درا على عقيق ** من دمعه فوق صفحتيه )
وله رحلة مشهورة 7 2 8 3 9 4 10 5 11 6 12 7 * وماء
____________________
(2/386)

سلسبيل تنساب مذانبه أنسياب الأراقم بكل سبيل ورياض يحيي النفوس نسميها العليل تتبرج لناظريها بمجتلى صقيل وتناديهم هلموا إلى معرس للحسن ومقيل قد سئمت أرضها كثرة الما حتى اشتاقت إلى الظمأ فتكاد تناديك بها الصم الصلاب { اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب } قد أحدقت بها البساتين إحداق الهالة بالقمر واكتنفتها اكتناف الكمامة للزهر وامتدت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر فكل موقع لحظة بجهاتها الأربع نظرته اليانعة قيد النظر ولله صدق القائلين فيها إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك فيها وإن كانت في السماء فهي بحيث تسامتها وتحاذيها
قال العلامة ابن جابر الوادي آشي بعد ذكره وصف ابن جبير لدمشق ما نصه ولقد أحسن فيما وصف منها وأجاد وتوق الأنفس للتطلع على صورتها بما أفاد هذا ولم تكن له بها إقامة فيعرب عنها بحقيقة علامة وما وصف ذهبيات أصيلها وقد حان من الشمس غروب ولا أزمان فصولها المتنوعات ولا أوقات سرورها المهنئات ولقد أنصف من قال ألفيتها كما تصف الألسن وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين انتهى رجع إلى كلام ابن جبير فنقول
ثم ذكر في وصف الجامع أنه من أشهر جوامع الإسلام حسنا وإتقان بناء وغرابة صنعة واحتفال تنميق وتزيين وشهرته المتعارفة في ذلك تغني عن استغراق الوصف فيه ومن عجيب شأنه أنه لا تنسج به العنكبوت ولا تدخله ولا تلم به الطير المعروفة بالخطاف ثم مد النفس في وصف الجامع وما به من العجائب ثم قال بعد عدة أوراق ما نصه وعن يمين الخارج من باب
____________________
(2/387)

جيرون في جدار البلاط الذي أمامه غرفة ولها هيئة طاق كبير مستدير فيه طيقان صفر وقد فتحت أبوابا صغارا على عدد ساعات النهار دبرت تدبيرا هندسيا فعند انقضاء ساعة من النهار تسقط صنجتان من صفر من فمي بازين مصورين من صفر قائمين على طاستين من صفر تحت كل واحد منهما أحدهما تحت أول باب من تلك الأبواب والثاني تحت آخرها والطاستان مثقوبتان فعند وقوع البندقتين فيهما تعودان داخل الجدار إلى الغرفة وتبصر البازيين يمدان أعناقهما بالبندقتين إلى الطاستين ويقذفانهما بسرعة بتدبير عجيب تتخيله الأوهام سحرا وعند وقوع البندقتين في الطاستين يسمع لها دوي وينغلق الباب الذي هو لتلك الساعة للحين بلوح من الصفر لا يزال كذلك عند انقضاء كل ساعة من النهار حتى تنغلق الأبواب كلها وتنقضي الساعات ثم تعود إلى حالها الأول ولها بالليل تدبير آخر وذلك أن في القوس المنعطف على تلك الطيقان المذكورة اثنتي عشرة دائرة من النحاس مخرمة وتعترض في كل دائرة زجاجة من داخل الجدار في الغرفة مدبر ذلك كله منها خلف الطيقان المذكورة وخلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة فإذا انقضت عم الزجاجة ضوء المصباح وفاض على الدائرة أمامها شعاعها فلاحت للأبصار دائرة محمرة ثم انتقل ذلك إلى الأخرى حتى تنقضي ساعات الليل وتحمر الدوائر كلها وقد وكل بها في الغرفة متفقد لحالها درب بشأنها وانتقالها يعيد فتح الأبواب وصرف الصنج إلى موضعها وهي التي تسميها الناس المنجانة انتهى المقصود منه
قلت كل ما ذكر رحمه الله تعالى في وصف دمشق الشام وأهلها فهو في نفس الأمر يسير ومن ذا يروم عد محاسنها التي إذا رجع البصر فيها انقلب وهو حسير وقد أطنب الناس فيها وما بقي أكثر مما ذكروه وقد دخلتها أواخر شعبان من سنة سبع وثلاثين وألف للهجرة وأقمت بها إلى أوائل شوال من السنة وارتحلت عنها إلى مصر وقد تركت القلب فيها رهنا وملك هواها
____________________
(2/388)

مني فكرا وذهنا فكأنها بلدي التي بها ربيت وقراري الذي لي به أهل وبيت لأن أهلها عاملوني بما ليس لي بشكره يدان وها أنا إلى هذا التاريخ لا أرتاح لغيرها من البلدان ولا يشوقني ذكر أرض بابل ولا بغدان فالله سبحانه وتعالى يعطر منها بالعافية الأردان أشعار في وصف دمشق
وقد عن لي أن أذكر جملة مما قيل فيها من الأمداح الرائقة وأسرد ما خاطبني به أهلها من القصائد الفائقة فأقول قال البدر بن حبيب
( يمم دمشق ومل إلى غربيها ** والمح محاسن حسن جامع يلبغا )
( من قال من حسد رأيت نظيره ** بين الجوامع في البلاد فقد لغا )
وقال رحمه الله
( لله ما أحلى محاسن جلق ** وجهاتها اللاتي تروق وتعذب )
( بيزيد ربوتها الفرات وجنكها ** يا صاح كم كنا نخوض ونلعب )
وقال في كتاب شنف السامع بوصف الجامع
( لله ما أجمل وصف جلق ** وما حوى جامعها المنفرد )
____________________
(2/389)


( قد أطرب الناس بصوت صيته ** وكيف لا يطرب وهو معبد ) وقال في ذكر باب الجامع المعروف بالزيادة
( يا راغبا في غير جامع جلق ** هل يستوي الممنوع والممنوح )
( أقصر عناك وفي غلوك لا تزد ** إن الزيادة بابها مفتوح )
وقال في منارته المعروفة بالعروس
( معبد الشام يجمع الناس طرا ** وإليه شوقا تميل النفوس )
( كيف لا يجمع الورى وهو بيت ** فيه تجلى على الدوام العروس ) ومنه في ذكر بانيه الوليد
( تالله ما كان الوليد عابثا ** في صرفه المال وبذل جهده )
( لكنه أحرز ملك معبد ** لا ينبغي لأحد من بعده )
ومن أبيات في آخره
( بجامع جلق رب الزعامة ** أقم تلق العناية والكرامة )
( ويمم نحوه في كل وقت ** وصل به تصل دار الإقامة )
( مصلى فيه للرحمن سره ** ومثوى للقبول به علامه )
( محل كمل الباري حلاه ** وبيت أبدع الباني نظامه )
( دمشق لم تزل للشام وجها ** ومسجدها لوجه الشام شامه )
( وبين معابد الآفاق طرا ** له أمر الإمارة والإمامة )
( أدام الله بهجته وأبقى ** محاسنه إلى يوم القيامة )
____________________
(2/390)

ولم أقف على كل هذا الكتاب المذكور بل على بعضه فقط
ومن قصيدة القاضي المهذب بن الزبير
( بالله يا ريح الشمال ** إذا اشتملت الرند بردا )
( وحملت من عرف الخزامى ** ما اغتدى للند ندا )
( ونسجت ما بين الغصون ** إذا اعتنقن هوى وودا )
( وهززت عند الصبح من ** أعطافها قدا فقدا )
( ونثرت فوق الماء من ** أجيادها للزهر عقدا )
( فملأت صفحة وجهه ** حتى اكتسى آسا ووردا )
( وكأنما ألقيت فيه ** منهما صدغا وخدا )
( مري على بردى عساه ** يزيد في مسراك بردا )
( نهر كنصل السيف تكسر ** متنه الأزهار عمدا )
( صقلته أنفاس النسيم ** بمرهن فليس يصدا ) ومنها
( أحبابنا ما بالكم ** فينا من الأعداء أعدى )
( وحياة حبكم وحرمة ** وصلكم ما خنت عهدا )
____________________
(2/391)

وقال الكمال الشريشي
( يا جيرة الشام هل من نحوكم خبر ** فإن قلبي بنار الشوق يستعر )
( بعدت عنكم فلا والله بعدكم ** ما لذ للعين لا نوم ولا سهر )
( إذا تذكرت أوقاتا نأت ومضت ** بقربكم كادت الأحشاء تنفطر )
( كأنني لم أكن بالنيربين ضحى ** والغيم يبكي ومنه يضحك الزهر )
( والورق تنشد والأغصان راقصة ** والدوح يطرب بالتصفيق والنهر )
( والسفح أين عشياتي التي ذهبت ** لي فيه فهي لعمري عندي العمر )
( سقاك بالسفح سفح الدمع منهمرا ** وقل ذاك له إن أعوز المطر )
وحكى ابن سعيد وغيره أن غرناطة تسمى دمشق الأندلس لسكنى أهل دمشق الشام بها عند دخولهم الأندلس وقد شبهوها بها لما رأوها كثيرة المياه والأشجار وقد أطل عليها جبل الثلج وفي ذلك يقول ابن جبير صاحب الرحلة
( يا دمشق الغرب هاتيك ** لقد زدت عليها )
( تحتك الأنهار تجري ** وهي تنصب إليها )
قال ابن سعيد أشار ابن جبير إلى أن غرناطة في مكان مشرف وغوطتها
____________________
(2/392)

تحتها تجري فيها الأنهار ودمشق في وهدة تنصب إليها الأنهار وقد قال الله تعالى في وصف الجنة { تجري من تحتها الأنهار } انتهى
وقال الشيخ الصفدي في تذكرته أنشدني المولى الفاضل البارع شمس الدين محمد بن يوسف بن عبد الله الخياط بقلعة الجبل من الديار المصرية حرسها الله تعالى لنفسه في شعبان المكرم سنة 732
( قصدت مصرا من ربى جلق ** بهمة تجري بتجريبي )
( فلم أر الطرة حتى جرت ** دموع عيني بالمريزيب )
وأنشدني لنفسه أيضا
( خلفت بالشام حبيبي وقد يممت مصرا لعنا طارق )
( والأرض قد طالت فلا تبعدي ** بالله يا مصر على العاشق )
وأنشدني لنفسه أيضا
( يا أهل مصر أنتم للعلا ** كواكب الإحسان والفضل )
( لو لم تكونوا لي سعودا لما ** وافيتكم أضرب في الرمل )
وذكرته برمته لحسن مغزاه
وقال الشيخ مجد الدين محمد بن أحمد المعروف بابن الظهير الحنفي الإربلي
____________________
(2/393)


( لعل سنى برق الحمى يتألق ** على النأي أو طيفا لأسماء يطرق )
( فلا نارها تبدو لمرتقب ولا ** وعود الأماني الكواذب تصدق )
( لعل الرياح الهوج تدني لنازح ** من الشام عرفا كاللطيمة تعبق )
( ديار قضينا العيش فيها منعما ** وأيامنا تحنو علينا وتشفق )
( سحبنا بها برد الشباب وشربنا ** لدينا كما شئنا لذيذ مروق )
( مواطن منها السهم سهمي وظله ** تخب مطايا اللهو فيه وتعنق )
( كلا جانبيه معلم متجعد ** من الماء في أطلاله يتدفق )
( إذا الشمس حلت متنه فهو مذهب ** وإن حجبتها دوحه فهو أزرق )
( وإن فرج الأوراق جادت بنورها ** فرقم أجادته الأكف منمق )
( يطل عليه قاسيون كأنه ** غمام معلى أو نعام معلق )
( تسافر عنه الشمس قبل غروبها ** وترجف إجلالا له حين تشرق )
( وتصفر من قبل الأصيل كأنها ** محب من البين المشتت مشفق )
( وفي النيرب الميمون للب سالب ** من المنظر الزاهي وللطرف مومق )
( بدائع من صنع القديم ومحدث ** تأنق فيها المحدث المتأنق )
( رياض كموشي البرود يشقها ** جداولها فالنور بالماء يشرق )
( فمن نرجس يخشى فراق فريقه ** ترى الدمع في أجفانه يترقرق )
____________________
(2/394)


( ومن كل ريحان مقيم وزائر ** يصافح رياه الرياض فتعبق )
( كأن قدود السرو فيه موائسا ** قدود عذارى ميلها مترفق )
( إذا ما تدلت للشقائق صدها ** عيون من النور المفتح ترمق )
( وقصر يكل الطرف عنه كأنه ** إلى النسر نسر في السماء معلق )
( وكم جدول جار يطارد جدولا ** وكم جوسق عال يوازيه جوسق )
( وكم بركة ** فيها تضاحك بركة وكم قسطل للماء فيه تدفق )
( وكم منزل يعشي العيون كأنما ** تألق فيها بارق يتألق )
( وفي الربوة الفيحاء للقلب جاذب ** وللهم مسلاة وللعين مرمق )
( عروس جلاها الدهر فوق منصة ** من الدهر والأبصار ترمى وترمق )
( فهام بها الوادي ففاضت عيونه ** فكل قرار منه بالدمع يشرق )
( تكفل من دون الجداول شربها ** يزيد يصفيه لها ويروق )
وقال أبو تمام في دمشق
( لولا حدائقها وأني لا أرى ** عرشا هناك ظننتها بلقيسا )
( وأرى الزمان غدا عليك بوجهه ** جذلان بساما وكان عبوسا )
( قد بوركت تلك البطون وقد سمت ** تلك الظهور وقدست تقديسا )
وقال البحتري
( أما دمشق فقد أبدت محاسنها ** وقد وفى لك مطريها بما وعدا )
____________________
(2/395)


( إذا أردت ملأت العين من بلد ** مستحسن وزمان يشبه البلدا )
( تمشي السحاب على أجبالها فرقا ** ويصبح النور في صحرائها بددا )
( فلست تبصر إلا واكفا خضلا ** أو يانعا خضرا أو طائرا غردا )
( كأنما القيظ ولى بعد جيئته ** أو الربيع دنا من بعد ما بعدا ) وفي دمشق يقول بعضهم
( برزت دمشق لزائري أوطانها ** من كل ناحية بوجه أزهر )
( لو أن إنسانا تعمد أن يرى ** مغنى خلا من نزهة لم يقدر )
وقال القيراطي في قصيدته التي أولها
( للصب بعدك حالة لا تعجب ** )
( لله ليل كالنهار قطعته ** بالوصل لا 8 2 9 3 10 4 11 5 12 *
( قوم بحسن صفاتهم وفعالهم ** قد جاء يعتذر الزمان المذنب )
____________________
(2/396)


( يا من لحران الفؤاد وطرفه ** بدمشق أدمعه غدت تتحلب )
( أشتاق في وادي دمشق معهدا ** كل الجمال إلى حماه ينسب )
( ما فيه إلا روضة أو جوسق ** أو جدول أو بلبل أو ربرب )
( وكأن ذاك النهر فيه معصم ** بيد النسيم منقش ومكتب )
( وإذا تكسر ماؤه أبصرته ** في الحال بين رياضة يتشعب )
( وشدت على العيدان ورق أطربت ** بغنائها من غاب عنه المطرب )
( فالورق تنشد والنسيم مشبب ** والنهر يسقي والحدائق تشرب )
( وضياعها ضاع النسيم بها فكم ** أضحى له من بين روض مطلب )
( وحلت بقلبي من عساكر جنة ** فيها لأرباب الخلاعة ملعب )
( ولكم رقصت على السماع بجنكها ** وغدا بربوتها اللسان يشبب )
( فمتى أزور معالما أبوابها ** بسماحها كتب السماح تبوب )
وقال الصفي الحلي عند نزوله بدمشق مسمطا لقصيدة السموأل بالحماسة
( قبيح بمن ضاقت عن الرزق أرضه ** )
( وطول الفلا رحب لديه وعرضه ** )
( ولم يبل سربال الدجى فيه ركضه ** )
( إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ** فكل رداء يرتديه جميل )
( إذا المرء لم يحجب عن العين نومها ** )
( ويغل من النفس النفيسة سومها ** )
( أضيع ولم تأمن معاليه لومها ** )
( وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ** فليس إلى حسن الثناء سبيل )
____________________
(2/397)


( رفعنا على هام السماك محلنا ** )
( فلا ملك إلا تغشاه ظلنا ** )
( لقد هاب جيش الأكثرين أقلنا ** )
( ولا قل من كانت بقاياه مثلنا ** شباب تسامى للعلا وكهول )
( يوازي الجبال الراسيات وقارنا ** وتبنى على هام المجرة دارنا )
( ويأمن من صرف الزمان جوارنا ** )
( وما ضرنا أنا قليل وجارنا ** عزيز وجار الأكثرين ذليل )
( ولما حللنا الشام تمت أموره ** )
( لنا وحبانا ملكه ووزيره ** )
( وبالنيرب الأعلى الذي عز طوره ** )
( لنا جبل يحتله من نجيره ** منيع يرد الطرف وهو كليل )
( يريك الثريا من خلال شعابه ** )
( وتحدق شهب الأفق حول هضابه ** )
( ويقصر خطو السحب دون ارتكابه ** )
( رسا أصله تحت الثرى وسما به ** إلى النجم فرع لا ينال طويل )
( وقصر على الشقراء قد فاض نهره ** )
( وفاق على فخر الكوكب فخره ** )
( وقد شاع ما بين البرية شكره ** )
( هو الأبلق الفرد الذي سار ذكره ** يعز على من رامه ويطول )
____________________
(2/398)


( إذا ما غضبنا في رضا المجد غضبة ** )
( لندرك ثأرا أو لنبلغ رتبة ** )
( نزيد غداة الكر في الموت رغبة ** )
( وإنا لقوم لا نرى الموت سبة ** إذا ما رأته عامر وسلول )
وكتب الشيخ محب الدين الحموي في ترجمة الشيخ إسماعيل النابلسي شيخ الإسلام من مصر
( لواء التهاني بالمسرة يخفق ** وشمس المعالي في سما الفضل تشرق )
( وسعد وإقبال ومجد مخيم ** وأيام عز بالوفا تتخلق )
( فيا أيها المولى الذي جل قدره ** ويا أيها الحبر اللبيب المدقق )
( أرى الشام مذ فارقتها زال نورها ** وثوب بهاها والنضارة يخلق )
( إذا غبت عنها غاب عنها جمالها ** ونفس بدون الروح لا تتحقق )
( وإن عدت فيها عاد فيها كمالها ** وصار عليها من بهائك رونق )
( فيا ساكني وادي دمشق مزاركم ** بعيد وباب الوصل دوني مغلق )
( وليس على هذا النوى لي طاقة فهل من قيود البين والبعد أطلق وإني إلى أخباركم متشوف ** وإني إلى لقياكم متشوق )
( أود إذا هب النسيم لنحوكم ** بأني في أذياله أتعلق )
( وأصبو لذكراكم إذا هبت الصبا ** لعلي من أخباركم أتنشق )
____________________
(2/399)


( ولي أنة أودت بجسمي ولوعة ** ونار جوى من حرها أتفلق )
( فحنوا على المضنى الذي ثوب صبره ** إذا مسه ذيل الهوى يتمزق )
( غريب بأقصى مصر أضحت دياره ** ولكن قلبي بالشآم معلق )
( وقد نسخ التبريح جسمي فهل إلى ** غبار ثرى أعتاب وصل يحقق )
( فيا ليت شعري هل أفوز بروضة ** وفيها عيون النرجس الغض تحدق )
( وأنظر واديها وآوي لربوة ** وماء معين حولها يتدفق )
( ويحلو لي العيش الذي مر صفوه ** وهل عائد ذاك النعيم المروق )
( وأنظر ذاك الجامع الفرد مرة ** وفي صحنه تلك الحلاوة تشرق )
( وأصحابنا فيه نجوم زواهر ** ونور محيا وجههم يتألق )
( فلا برحوا في نعمة وسعادة ** وعز ومجد شأوه ليس يلحق )
وقال ابن عنين
( ماذا على طيف الأحبة لو سرى ** وعليهم لو ساعدوني بالكرى )
( جنحوا إلى قول الوشاة وأعرضوا ** والله يعلم أن ذلك مفترى )
( يا معرضا عنى بغير جناية ** إلا لما نقل العذول وزورا ) هبني
( هبنى أسأت كما تقول وتفتري ** وأتيت في حبيك شيئا منكرا )
( ما بعد بعدك والصدود عقوبة ** يا هاجري ما آن لي أن تغفرا )
( لا تجمعن علي عتبك والنوى ** حسب المحب عقوبة أن يهجرا )
( عبء الصدود أخف من عبء النوى ** لو كان لي في الحب أن أتخيرا )
( فسقى دمشق وواديها والحمى ** متواصل الأرهام منفصم العرى )
____________________
(2/400)


( حتى ترى وجه الرياض بعارض ** أحوى وفود الدوح أزهر نيرا )
( تلك المنازل لا ملاعب عالج ** ورمال كاظمة ولا وادي القرى )
( أرض إذا مرت بها ريح الصبا ** حملت على الأغصان مسكا أذفرا )
( فارقتها لا عن رضا وهجرتها ** لا عن قلى ورحلت لا متخيرا )
( أسعى لرزق في البلاد مشتت ** ومن العجائب أن يكون مقترا ) تعريف بابن عين وابن عنين المذكور كان هجاء وهو صاحب مقراض الأعراض تجاوز الله تعالى عنه فمن ذلك قوله
( أرح من نزح ماء البئر يوما ** فقد أفضى إلى تعب وعي )
( مر القاضي بوضع يديه فيه ** وقد أضحى كرأس الدولعي )
يعني أقرع وسبب قوله البيتين أن المعظم أمر بنزح ماء بقلعة دمشق فأعياهم ذلك
ومن هجوه قوله
( شكا شعري إلي وقال تهجو ** بمثلي عرض ذا الكلب اللئيم )
( فقلت له تسل فرب نجم ** هوى في إثر شيطان رجيم )
وقال فيمن خرج حاجا فسقط عن الهجين فتخلف
( إذا ما ذم فعل النوق يوما ** فإني شاكر فعل النياق )
____________________
(2/401)


( بلاد بها الحصباء در وتربها ** عبير وأنفاس الشمال شمول )
( تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق ** وصح نسيم الروض وهو عليل ) وقد تقدم التمثيل بهذه الأبيات الثلاثة في خطبة هذا الكتاب ومن هذه القصيدة
( وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ** ورأي ظهير الدين في جميل )
( من القوم أما أحنف فمسفه ** لديهم وأما حاتم فبخيل )
( فتى المجد أما جاره فممنع ** عزيز وأما ضده فذليل )
( وأما عطايا كفه فمباحة ** حلال وأما ظله فظليل )
وظهير الدين الممدوح هو طغتكين بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين وكان ملك اليمن وأحسن إلى ابن عنين إحسانا كثيرا وافرا وخرج ابن عنين من اليمن بمال جم وطغتكين بضم الطاء المهملة وبعدها غين معجمة ثم تاء مثناة من فوقها مكسورة ثم كاف مكسورة أيضا ثم ياء تحتية ثم نون وكان يلقب بالملك العزيز ولذلك قال ابن عنين لما رجع من عنده إلى مصر أيام العزيز عثمان بن صلاح الدين فألزم أرباب الديوان ابن عنين بدفع الزكاة من المتاجر التي وصلت صحبته
( ما كل من يتسمى بالعزيز له ** أهل وما كل برق سحبه غدقه )
( بين العزيزين بون في فعالهما ** هذاك يعطي وهذا يأخذ الصدقة )
ومن هجو ابن عنين قوله في فقيهين يلقب أحدهما بالبغل والآخر بالجاموس
____________________
(2/403)


( البغل والجاموس في حاليهما ** قد أصبحا مثلا لكل مناظر )
( قعدا عشية يومنا فتناظرا ** هذا بقرنيه وذا بالحافر )
( ما أحكما غير الصياح كأنما ** لقيا جدال المرتضى بن عساكر )
( جلفان ما لهما شبيه ثالث ** إلا رقاعة مذلويه الشاعر )
( لفظ طويل تحت معنى قاصر ** كالعقل في عبد اللطيف الناظر ) رجع إلى دمشق
وقال العز الموصلي
( إليك حياض حمامات مصر ** ولا تتكثري عندي بمين )
( حياض الشام أحلى منك ماء ** وأطهر وهي دون القلتين )
وهذان البيتان جواب منه عن قول ابن نباتة
( أحواض حمام الشآم ** ألا اسمعي لي كلمتين )
( لا تذكرى أحواض مصر ** فأنت دون القلتي ) ن وأما قول النواجي سامحه الله تعالى
( مصر قالت دمشق لا ** تفتخر قط باسمها )
( لو رأت قوس روضتي ** منه راحت بسهمها )
فهو من باب تفضيل الوطن من حبه ومنه قول الوداعي * 1
( رو بمصر وبسكانها ** شوقي وجدد عهدي الخالي )
____________________
(2/404)


( وارو لنا يا سعد عن نيلها ** حديث صفوان بن عسال )
( فهو مرادي لا يزيد ولا ** ثور وإن رقا ورقا لي )
ومن ذلك النمط قول الشهاب الحجازي
( قالوا دمشق قد زهت لزهرها ** فامض وشاهد جوزها ولوزها )
( فقلت لا أبدل بلدتي بها ** ولست أرضى زهرها ولوزها ) وقول الآخر
( قد قال وادي جلق للنيل إذ ** كسروه أعين جبهتي لك ترفع )
( فأجاب بحر النيل لما أن طغى ** عندي مقابل كل عين أصبع ) وقد تذكرت هنا قول بعضهم
( ماذا يفيد المعنى ** من الأذى المتتابع )
( بمصر ذات الأيادي ** ونيلها ذي الأصابع )
وقد شاع الخلاف قديما وحديثا في المفاضلة بين مصر والشام وقد قال بعضهم
( في حلب وشامنا ** ومصر طال اللغط )
( فقلت قول منصف ** خير الأمور الوسط )
____________________
(2/405)

شعر في ذم دمشق وأما قول بعضهم
( تجنب دمشق ولا تأتها ** وإن راقك الجامع الجامع )
( فسوق الفسوق بها قائم ** وفجر الفجور بها طالع )
فلا يلتفت إليه ولا يعول عليه إذ هو مجرد دعوى خالية عن الدليل وهي من نزعات بعض الهجائين الذين يعمدون إلى تقبيح الحسن الجميل الجليل
( وما زالت الأشراف تهجى وتمدح ** )
ولا يقابل ألف مثن عدل بفاسق يقدح
( وفي تعب من يحسد الشمس نورها ** ويأمل أن يأتي لها بضريب )
وأخف من هذا قول بعض الأندلسيين وهو الكاتب أبو بكر محمد بن قاسم
( دمشق جنة الدنيا حقيقا ** ولكن ليس تصلح للغريب )
( بها قوم لهم عدد ومجد ** وصحبتهم تؤول إلى الحروب )
( ترى أنهارهم ذات ابتسام ** وأوجههم تولع بالقطوب )
( أقمت بدارهم ستين يوما ** فلم أظفر بها بفتى أديب )
والجواب واحد ولا يضر الحق الثابت إنكار الجاحد وأخف من الجميع قول العارف بالله تعالى سيدي عمر بن الفارض رضي الله تعالى عنه
( جلق جنة من تاه وباهى ** ورباها أربى لولا وباها )
( قال غال بردى كوثرها ** قلت غال برداها برداها )
____________________
(2/406)


( وطني مصر وفيها وطري ** ولنفسي مشتهاها مشتهاها )
( ولعيني غيرها إن سكنت ** يا خليلي سلاها ) ما سلاها
وأخف منه قول ابن عبد الظاهر
( لا تلوموا دمشق إن جئتموها ** فهي قد أوضحت لكم ما لديها )
( إنها في الوجوه تضحك بالزهر ** لمن جاء في الربيع إليها )
( وتراها بالثلج تبصق في لحية ** من مر في الشتاء عليها )
وقول ابن نباتة وهو بالشام يتشوق إلى المقياس والنيل
( أرق له بالشام نيل مدامع ** يجريه ذكر منازل المقياس )
( سقيا لمصر منازلا معمورة ** بنجوم أفق أو ظباء كناس )
( وطني سهرت له وشابت لمتي ** ونعم على عيني هواه وراسي )
( من لي به والحال ليس بآيس ** كدر وعطف الدهر ليس بقاسي )
( والطرف يستجلي غزالا آنسا ** بالنيل لم يعتد على باناس ) رجع إلى مدح دمشق وقال الناصر داود بن المعظم عيسى
( إذا عاينت عيناي أعلام جلق ** وبان من القصر المشيد قبابه )
( تيقنت أن البين قد بان والنوى ** نأى شخصه والعيش عاد شبابه )
____________________
(2/407)

وقال أيضا رحمه الله تعالى
( يا راكبا من أعالي الشام يجذبه ** إلى العراقين إدلاج وإسحار )
( حدثتني عن ربوع طالما قضيت ** للنفس فيها لبانات وأوطار )
( لدى رياض سقاها المزن ديمته ** وزانها زهر غض ونوار )
( شح الندى أن يسقيها مجاجته ** فجادها مفعم الشؤبوب مدرار )
( بكت عليها الغوادي وهي ضاحكة ** وراحت الريح فيها وهي معطار )
( يا حسنها حين زانتها جواسقها ** وأينعت في أعالي الدوح أثمار )
( فهي السماء اخضرارا في جوانبها ** كواكب زهرتبدو وأقمار )
( حدثتني وأنا الظامي إلى نبإ ** لا فض فوك فمني الري تمتار )
( فهو الزلال الذي طابت مشاربه ** وفارقته غثاءات وأكدار )
( كرر على نازح شط المزار به ** حديثك العذب لاشطت بك الدار )
( وعلل النفس عنهم بالحديث بهم ** إن الحديث عن الأحباب أسمار )
وهذا الملك الناصر له ترجمة كبيرة وهو ممن أدركته الحرفة الأدبية ومنع حقه بالحمية والعصبية وأنكرت حقوقه وأظهر عقوقه حتى قضى نحبه ولقي ربه رجع
وقال سيف الدين المشد رحمه الله تعالى
( بشرى لأهل الهوى عاشوا به سعدا ** وإن يموتوا فهم من جملة الشهدا )
____________________
(2/408)


( وإذا ما بدا الصباح فما يشبه ** إلا لون الخدود الملاح ) وقلت بالجزيرة الخضراء
( قد رفعت راية الصباح ** تدعو الندامى للاصطباح )
( فبادروا للصبوح إن ** ي قد بعت في غيه صلاحي )
( ولا تميلوا عن رشف ثغر ** وسمع شدو وشرب راح )
( وأنت يا من يروم نصحي ** قد يئس القوم من فلاحي )
( فلست أصغي إلى نصيح ** ما نهضت بالكؤوس راحي )
قال وقلت أمدح ملك إفريقية وأهنئه بقتل ثائر من زناتة يدعي أنه من نسل يعقوب المنصور
( برح بي من ليس عنه براح ** ومن رأى قتلي حلالا مباح )
( من صرح الدمع بحبي له ** وما لقلبي عن هواه سراح )
( ظبي عدمت الصبح مذ صدني ** وكيف لا يعدم وهو الصباح )
( مورد الخد شهي اللمى ** منعم الردف جديب الوشاح )
( تظنه من قلبه جلمدا ** ومنه للماء بجفني انسياح )
( لردفه أضعف من صبه ** ولم أزل من لحظه في كفاح )
( نشوان من ريقته عربدت ** أجفانه بالمرهفات الصفاح )
( فها أنيني خافت مثل ما ** أنا أسير مثخن بالجراح )
( يا قاتلي صدا أما تستحي ** أن تلزم البخل بأرض السماح )
( من ذا الذي يبخل في تونس ** والملح فيها صار عذبا قراح )
( وأصبحت أرجاؤها جنة ** مبيضة الأبراج خضر البطاح )
____________________
(2/409)


( شعارهم رقة الشكوى ومذهبهم ** أن الضلالة فيهم في الغرام هدى )
( عيونهم في ظلام الليل ساهرة ** عبرى وأنفاسهم تحت الدجى صعدا )
( تجرعوا كأس خمر الحب مترعة ** ظلوا سكارى وظنوا غيهم رشدا )
( وعاسل القد معسول مقبله ** كالغصن لما انثنى والبدر حين بدا )
( رقيم عارضه كهف لعاشقه ** يأوي إليه فكم في حبه شهدا )
( نادمته وثغور البرق باسمة ** والغيث ينزل منحلا ومنعقدا )
( كأن جلق حيا الله ساكنها ** أهدت إلى الغور من أزهارها مددا )
( فاسترسل الجو منهلا يزيد على ** ثورا ويعقد محلول الندى بردا )
وقال أيضا
( فؤادي إلى بانات جلق مائل ** ودمعي على أنهارها يتحدر )
( يرنحني لوز ابن كلاب مزهرا ** وتهتزني أغصانه وهو مثمر )
( وإني إلى زهر السفرجل شيق ** إذا ما بدا مثل الدراهم ينثر )
( غياض يفيض الماء في عرصاتها ** فتزهو جمالا عند ذاك وتزهر )
( ترى بردى فيها يجول كأنه ** وحصباءه سيف صقيل مجوهر )
( وبي أحور لاح العذار بخده ** يسامح قلبي في هواه ويعذر )
( يحاورني فيه على الصبر صاحبي ** وكيف أطيق الصبر والطرف أحور )
( إذا اشتقت وادي النيربين لمحته ** فأنظر معناه به وهو أنضر )
( حوى الشرف الأعلى من الحسن خده ** على أن ميدان العوارض أخضر )
وما أحسن قوله رحمه الله تعالى
( واد به أهل الحبيب نزول ** حيا معاهدها الحيا والنيل )
( واد يفوح المسك من جنباته ** ويصح فيه للنسيم عليل )
( يشتاقه ويود لثم ترابه ** شوقا ولكن ما إليه سبيل )
____________________
(2/409)


( متقلقل الأحشاء مسلوب الكرى ** طلق الدموع فؤاده متبول )
( يصبو إلى الأثلات من وادي الغضى ** ويحن إن خطرت هناك شمول )
( قالوا تبدل قلت يا أهل الهوى ** والناس فيهم عاذر وجهول )
( هل بعد قطع الأربعين مسافة ** للعمر فيها يحسن التبديل )
( ولقد هفا بي في دمشق مهفهف ** يسبي العقول رضابه المعسول )
( يهتز إن مر النسيم بقده ** ويميل بي نحو الصبا فأميل )
( أبدى لنا بردا تبسم ثغره ** وإذا انثنى فقوامه المجدول )
( لزم التسلسل مدمعي وعذاره ** فانظر إلى المهجات كيف تسيل )
( وسقمت من سقم الجفون لأنها ** هي علة وفؤادي المعلول )
( لا تعجبوا إن راعني بذوائب ** فالليل هول والمحب ذليل )
( ما صح لي أن الذؤابة حية ** حتى سعت في الأرض وهي تجول )
وقال ناظر الجيش عون الدين بن العجمي
( يا سائقا بقطع البيداء معتسفا ** بضامر لم يكن في سيره واني )
( إن جزت بالشام شم تلك البروق ولا ** تعدل بلغت المنى عن دير مران )
( وأقصد أعالي قلاليه فإن بها ** ما تشتهي النفس من حور وولدان )
( من كل بيضاء هيفاء القوام إذا ** ماست فوا خجل المران والبان )
( وكل أسمر قد دان الجمال له ** وكمل الحسن فيه فرط إحسان )
( ورب صدغ بدا في خد مرسله ** في فترة فتنت من سحر أجفان )
____________________
(2/410)


( فليت ريقته وردي ووجنته ** وردي ومن صدغه آسي وريحاني )
( وعج على دير متى ثم حي به ** الر بان بطرس فالربان رباني )
( فهمت منه إشارات فهمت بها ** وصنت منشورها في طي كتمان )
( واعبر بدير حنينا وانتهز فرص اللذات ** ما بين قسيس ومطران )
( واستجل راحا بها تحيا النفوس إذا ** دارت براح شماميس ورهبان )
( حمراء صفراء بعد المزج كم قذفت ** بشهبها من همومي كل شيطان )
( كم رحت في الليل أسقيها وأشربها ** حتى انقضى ونديمي غير ندمان )
( سألت توماس عمن كان عاصرها ** أجاب رمزا ولم يسمح بتبيان )
( وقال أخبرني شمعون ينقله ** عن ابن مريم عن موسى بن عمران )
( بأنها سفرت بالطور مشرقة ** أنوارها فكنوا عنها بنيران )
( وهي المدام التي كانت معتقة ** من عهد هرمس من قبل ابن كنعان )
( وهي التي عبدتها فارس فكنى ** عنها بشمس الضحى في قومه ماني )
( سكرت منها فلا صحو وجدت بها ** على الندامى وليس الشح من شاني )
( وسوف أمنحها أهلا وأنشده ** ما قيل فيها بترجيع وألحان )
( حتى تميل لها أعطافه طربا ** وينثني الكون من أوصاف نشوان )
وهذه وإن لم تكن في دمشق على الخصوص فلا تخرج عما نحن بصدده والأعمال بالنيات وديباجة هذه القصيدة على نسج طائفة من الصوفية وممن حاك هذه البرود الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى وقيل إنه الشيخ شعبان النحوي رجع
وقال بعضهم
( شوقي يزيد وقلب الصب ما بردا ** وبان يأسي من المعشوق حين غدا )
____________________
(2/411)


( أراد الله بالحجاج خيرا ** فثبط عنهم أهل النفاق )
وقال
( وراحل سرت في ركب أودعه ** تبارك الله ما أحلى تلاجينا )
( جئنا إلى بابه لاجين 3 2 4 3 5 4 6 7 5 8 6 9 7 10 8 * شوق إليك مبرح ** وإن لج واش أو ألح عذول )
____________________
(2/412)

ومدمعي قنوات والعذول حكى ** ثورا يلوم الفتى في عشقه حسدا )
( على مغنية بالجنك جاوبها ** شبابة كم بها من عاشق سهدا )
( فالبدر جبهتها والردف ربوتها ** وخلها مات في خلخالها كمدا )
ولنذكر نبذة مما خوطبت به من علماء الشام وأدبائه حفظ الله تعالى كمالهم وبلغ آمالهم
فمن ذلك قول شيخ الإسلام مفتي الأنام سيدي الشيخ عبد الرحمن العمادي الحنفي حفظه الله تعالى وكتبه لي بخطه
( شمس الهدى أطلعها المغرب ** وطار عنقاء بها مغرب )
( فأشرقت في الشام أنوارها ** وليتها في الدهر لا تغرب )
( أعني الإمام العالم المقري ** أحمد من يكتب أو يخطب )
( شهاب علم ثاقب فضله ** ينظم عقدا وهو لا يثقب )
( فرع علوم بالهدى مثمر ** وروض فضل بالندى معشب )
( قد ارتدى ثوب علا وامتطى ** غارب مجد فزها المركب )
( درس غريب كل يوم له ** يملي ولكن حفظه أغرب )
( محاضرات مسكر لفظها ** بكأس سمع راحها تشرب )
( رياض آداب سقاها الحيا ** ففاح مسكا نشرها الأطيب )
( فضائل عمت وطمت فقد ** قصر فيها كل من يطنب )
( قلوبنا قد جذبت نحوه ** والحب من عادته يجذب )
( إن بعدت عن غربه شرقنا ** فالفضل فينا نسب أقرب )
____________________
(2/412)


( كم طلبت تشريفه شامنا ** بشرى لها فليهنها المطلب )
( قد سبقت لي معه صحبة ** في حرم يؤمن من يرهب )
( أخوة في الله من زمزم ** رضاعها طاب لها المشرب )
( أنهلني ثم ودادا فلي ** بالشام منه علل أعذب )
( أهديت ذا النظم امتثالا له ** وقد هجرت الشعر مذ أحقب )
( نشط قلبي لطفه فانثنى ** والقلب في أهل الهوى قلب )
( ضاء دجى العلم به للورى ** ما نار في جنح الدجى كوكب ) تحية الفقير الداعي عبد الرحمن العمادي
انتهى وأجبته بما نصه
( ما تبر راح كأسها مذهب ** ما للنهى عن حسنها مذهب )
( تستدفع الأكدار من صفوها ** وتنهل الأفراح أو تنهب )
( تسعى بها هيفاء من ثغرها ** أو شعرها النور أو الغيهب )
( فتانة الأعطاف نفاثة ** سحرا بألباب الورى يلعب )
( في روضة قد كللت بالندى ** والزهر رأس الغصن إذ يعصب )
( برودها بالنور قد نمنمت ** كالوشي من صنعاء بل أعجب )
( والماء يجري تحت جناتها ** والنار من نارنجها تلهب )
( والظل ضاف والنسيم انبرى ** والجو ذاكي العرف مستعذب )
( والطير للعشاق بالعود قد ** غنت فهاجت شوق من يطرب )
( أبهى ولا أبهج في منظر ** من نظم من تقديمه الأصوب )
( مفتي دمشق الشام صدر الورى ** من في العلا تم به المطلب )
( علامة الدهر ولا مرية ** وملجأ الفضل ولا مهرب )
____________________
(2/413)


( لله ما امتاز به من حلى ** بغير من الله لا تكسب )
( أبدى بها الرحمن في عبده ** مظاهر المنح التي تحسب )
( جود بلا من وعلم بلا ** دعوى به التحقيق يستجلب )
( وبيت مجد مسند ركنه ** إلى عماد الدين إذ ينسب )
( فبرقه الشامي من شامه ** نال مراما والسوى خلب )
( وما عسى أبدية في مدحه ** أو وصف أبناء له أنجبوا )
( تسابقوا للمجد حتى حووا ** سبقا لما في مثله يرغب )
( أعيذهم بالله من شر ما ** يخشى من الأغيار أو يرهب )
( وأسأل الله لهم عزة ** بادية الأضواء لا تحجب )
ولما حللت دمشق المحروسة وطلبت موضعا للسكنى يكون قريبا من الجامع الأموي الذي يعجز البليغ وصفه وإن ملأ طروسه أرسل إلي أديب الشام فرد الموالي المدرسين ساحب أذيال الفخار المولى أحمد الشاهيني حفظه الله تعالى بمفتاح المدرسة الجقمقية وكتب لي معه ما نصه
( كنف المقري شيخي مقري ** وإليه من الزمان مفري )
( كنف مثل صدره في اتساع ** وعلوم كالدر في ضمن بحر )
( أي بدر قد أطلع الغرب منه ** ملأ الشرق نوره أي بدر )
( أحمد سيدي وشيخي وذخري ** وسميي وفوق ذاك وفخري )
____________________
(2/414)


( لو بغير الأقدام يسعى مشوق ** جئته زائرا على وجه شكري )
العبد الحقير المستعين المخلص أحمد بن شاهين انتهى
فأجبته بقولي
( أي نظم في حسنه حار فكري ** وتحلى بدره صدر ذكري )
( طائر الصيت لابن شاهين ينمي ** من بروض الندى له خير وكر )
( أحمد الممتطين ذروة مجد ** لعوان من المعالي وبكر )
( حل مفتاح فضله باب وصل ** من معاني تعريفه دون نكر )
( يا بديع الزمان دم في ازديان ** بالعلا وازدياد تجنيس شكر )
وكتب إلي لما وقف على كتابي فتح المتعال في مدح النعال بما نصه لكاتبه الحقير أحمد بن شاهين الشامي في تقريظ تأليف سيدي ومولاي وقبلتي ومعتقدي شيخ الدنيا والدين وبركة الإسلام والمسلمين حفظ الله تعالى وجوده آمين
( أأحمد فخرا يا ابن شاهين ساميا ** بأحمد ذاك المقري المسدد )
( بمن راح خداما لنعل محمد ** وناهيك في العليا بأرفع سؤدد )
( فإن أنا أخدم نعله فلطالما ** غدا خادما نعل النبي الممجد )
( بتأليفه في وصف نعل تكرمت ** كتابا حوى إجلال كل موحد )
( ويكفيك فخرا يا ابن شاهين أن ترى ** خدوما لخدام لنعل محمد )
( فقلت له طوبى بخدمة أحمد ** فقال كذا طوبى بخدمة أحمد )
( فلا زال يرقى للمعالي مكرما ** وينتعل العيوق في رغم فرقد )
فأجبته
____________________
(2/415)

بقولي
( أأحمد وصف بالعوارف يرتدي ** وأشرف مولى للمعارف يهتدي )
( نجومك إذ أنت الخليل توقدت ** فأنى أجاريها بنحو المبرد )
( أتاني نظام منك حير فكرتي ** على أنه أعلى مرامي ومقصدي )
( فأنت ابن شاهين الذي طار صيته ** بجو العلا والضد ضل بفرقد )
( فبرك موصول وشانيك منكر ** وقدرك مرفوع على رغم حسد )
( وعند حديث الفضل أسند عاليا ** بشام فهم يروون مسند أحمد )
( فوجهك عن بشر ويمناك عن عطا ** وفكرك يروي في الهدى عن مسدد )
( فلا زلت ترقى أوج سعد ورفعة ** ودمت بتوفيق وعز مخلد )
ولما خاطبته بقولي
( يصيد ابن شاهين بجو بلاغة ** سوانح في وكر البدائع تفرخ )
( ما كان ديك الجن مدرك نيلها ** إذا صرصر البازي فلا ديك يصرخ )
( ولو جاد فكر البحتري بمثلها ** لكان على الطائي بالأنف يشمخ )
( ولو أن نظم ابن الحسين أتيحها ** لفاز بسبق حكمه ليس ينسخ )
( فلا زال ملحوظا بعين عناية وكتب التهاني عن علاه تؤرخ )
أجابني بما نصه
( أأنفاس عيسى ما بروعي ينفخ ** أم الطرس أضحى بالعبير يضمخ )
( وهذي قواف أم هي الشمس إنني ** أراها على الجوزاء بالأنف تشمخ )
( بلى هي نص من ودادك محكم ** تزول الرواسي وهي لم تك تنسخ )
( أتتني بمدح مخجل فكأنها ** لفرط حيائي قد أتتني توبخ )
( وهل أنا إلا خادم نعل سيدي ** وبيني وبين المدح في الحق برزخ )
____________________
(2/416)


( وما هي إلا غرة حزت فخرها ** وإني بها بادي المحاسن أشدخ )
( فلا در دري وانحرفت عن العلا ** إذا كان ودي عن معاليك يفسخ )
( وحبك مهما طال شرقا ومغربا ** بوكر ابن شاهين الوفي يفرخ )
( وإني وإن أرخت مجدا لماجد ** فإني باسم المقري أؤرخ )
( سميي ومولاي الذي راح مدحه ** لرأس الأعادي بالمعاريض يرضخ )
( ودم يا نظير البدر ترقى بأوجه ** ولا زلت في طرفي وقلبي ترسخ )
وكنت يوما أروم الصعود لموضع عال فوقعت وانفكت رجلي وألمت فكتب إلي
( لا ألمت رجلك يا سيدي ** وصانها الله من الشين )
( ما هي إلا قدم للعلا ** لا احتاج ذاك النصل للقين )
( زانت دمشق الشام في حلها ** فلا رأت فيها سوى الزين )
( بانت عن الأهل لتشريفنا ** لا جمعت أينا إلى بين )
( عجبت من راسخة في العلا ** والعلم إذ زاغت من العين )
( إني أعاف المين بين الورى ** ولست والله أخا مين )
( للمقري المجتبى أحمد ** دين الهوى والمدح كالدين )
( وأحمد الله على أنني ** رأيته حاز الفريقين )
( فلا أراه الله في عمره ** بينا يؤديه إلى أين )
( تعويذا لمحب العبد الحقير الداعي أحمد بن شاهين انتهى
وأهديت إليه حفظه الله تعالى سبحة وخاتما وكتبت إليه
( يا نجل شاهين الذي ** أحيا المعالي والمعالم )
____________________
(2/417)


( يا من به ريشت من المجد ** الخوافي والقوادم )
( يا من دمشق بطيب ما ** يبديه عاطرة النواسم )
( فالنهر منها ذو صفا ** والزهر مفتر المباسم )
( والغصن يثني عطفه ** طربا لتغريد الحمائم )
( يا أحمد الأوصاف يا ** من حاز أنواع المكارم )
( أنت الذي طوقتني ** مننا لها تعنو الأعاظم )
( فمتى أؤدي شكرها ** والعجز لي وصف ملازم )
( والعذر باد إن بعثت ** إليك من جنس الرتائم )
( بنتيجة الذكر التي ** جاءت بتصحيف ملائم )
( وبحائم صاد إلى ** فيض الندى من كف حاتم )
( فامدد على جهد المقل ** رواق صفح ذا دعائم )
( واقبل عقيلة فكر من ** هو في بحار العي عائم )
( لا زلت سابق غاية ** بين الأعارب والأعاجم )
فأجابني بما صورته
( يا سيدا شعري له ** ما إن يقاوي أو يقاوم )
( كلا ولا قدري له ** يوما يساوي أو يساوم )
( يا من رأيت عطاردا ** منه بدا في شخص عالم )
( يا من بنفحة خلقه ** وبنظمه السامي الملائم )
( أضحى يريني معجزين ** من النواسم والمباسم )
____________________
(2/418)


( ما زلت أبصر منهما ** حسن النعامى والنعائم )
( بهما زماني حاسدا ** أضحى وبالتنغيص حاسم )
( قلمي وقلبي بين هام ** في الثناء له وهائم )
( حبي لأحمد سيدي ** شيخ الورى فرض ملازم )
( المقري المعتلي ** شرف المعالي والمعالم )
( ما لي إليه 5 2 6 3 7 4 8 5 9 6 10 7 11 12 8 13 9 14 * لا يساوم مثله ** ذو الحظ في أسنى المواسم )
____________________
(2/419)


العبد الحقير الداعي لأستاذه مولاي الأجل بالتمكين أحمد بن شاهين حامدا مصليا مسلما انتهى وقال مستجيزا
( الشيخ يشرب ماء ** ونحن نشرب قهوة )
فقلت
( لأنه ذو قصور ** فغط بالعذر سهوة )
( ولما أزمعت على العود إلى مصر أوائل شوال سنة 1037 خاطبني بقوله - حفظه الله -
( أبدا إليك تشوقي وحنيني ** وإلى جنابك ما علمت سكوني )
( ولديك قلبي لا يزال رهينة ** غلقت وتعلم ذمة المرهون )
( وعليك قد حبست شوارد مدحتي ** لما رأيتك فوق كل قرين )
( قلبي كقلبك 7 8 2 9 3 10 4 11 5 12 6 * - جد مبين )
____________________
(2/420)


( هذي دمشق لعمر خلقك روضة ** قد جاد طبعك دوحها بمعين )
( قد زارها غيث الندى فبهارها ** أضحى يلوح بحلة النسرين )
( لو لم تكن بدرا لما أحرزت ما ** قد خص في الأنوار بالتلوين )
( حققت ما قد قيل حين حللتها ** إن المكان مشرف بمكين )
( هي غادة حليتها فتزينت ** ما كان أحوجها إلى التزيين )
( مولاي أحمد يا سليل بني العلا ** يا فوق مدحي فيك أو تحسيني )
( أغنى وجودك وهو عين الدين عن ** علامة الدنيا لسان الدين )
( انظره تستغني به عن غيره ** وإلى العيان ارغب عن المظنون )
( تلقى علوم الناس في أوراقهم ** وعلومه في صدرها المشحون )
( فبعلمه اعبر كل بحر زاخر ** وبفهمه اسبر غامض المخزون )
( وبحلمه ارغب عن تحلم أحنف ** وبعزمه اصحب بأس ليث عرين )
( لما رأيتك فاستقمت لقبلتي ** أدعو وأشكر واردات شؤوني )
( ألفيت قطرك يمنتي فأفادني ** فضل اليمين على اليسار يقيني )
( فسقى الحيا للمقري أخي العلا ** بلدا بأقصى الغرب جد هتون )
( بلدا تبينت الهلال بأفقه ** ورأيت منه قرة لعيوني )
( لولا هلال الغرب نور شرقنا ** بتنا بليل الحدس والتخمين )
( يا راحلا رحل الفؤاد ** بعزمه رفقا بقلب للوفاء ضمين )
( أستودع الله العظيم وإنني ** مستودع منه أجل أمين )
( إني أودع يوم بينك مهجتي ** وشبيبتي وتصبري وسكوني )
( وأعود من توديع وجهك عودة ** خلطت يقيني في الهوى بظنون )
( حتى كأني قد فقدت تمائما ** تقضي علي بحالة المجنون )
( وتود نفسي أنها لو حرمت ** أبدا سكوني للهوى وركوني )
( أوشكت أقتل بين معترك الهوى ** نفسي ومعترك الهوى بيميني )
( ولقد وددت بأنني متحمل ** تلك الخطا بمحاجري وجفوني )
____________________
(2/421)


( كيف السبيل إلى الحياة ومهجتي ** في قبضة الأشواق كالمسجون )
( ما أنت إلا البدر لاح بأفقنا ** شهرا وكان ضياؤه يهديني )
( وإليكها يا شيخ دهري غادة ** غنيت عن التحسين والتزيين )
( جاءتك تعرض في الوداد كمالها ** وإذا لحظت جمالها يكفيني )
( هي بنت لحظتك التي تؤوي النهى ** لا بنت ليلتي التي تؤويني )
( ما الفخر في دعوى البديهة عندها ** الفخر قولك إنها ترضيني )
( حسبي أبا العباس منك إصاخة ** تقضي بموت عداي أو تحييني )
( يا لهف نفسي كيف أبلغ مدحة ** أضمرتها في سري المكنون )
( فلسان حبي بالغ أقصى المدى ** ولسان مدحي في القصور يليني )
( ما الشعر يستوفي حقوقك لي ولو ** أهديت من نظمي عقود سنيني )
( حلقت أصطاد النجوم وإنها ** تزهي بعقد في علاك ثمين )
( فرأيت في العيوق طبعك سيدي ** نسرا أسف لعجزه شاهيني )
( قد خف شعري من قصور طبيعتي ** ولربما قد كان جد ركين )
( يكفيك أحمد يا ابن شاهين بأن **
____________________
(2/422)

أحرزت خصل السبق دون الدون )
( وإذا عجزت عن الفرائض جاهدا ** فادأب عساك تفوز بالمسنون )
( هو قبلتي فلأغتدي متمسكا منه ** بحبل في النجاة متين )
( واسلم فديتك زائرا ومشرفا ** أفدي مواطىء نعله بجبيني )
( وكذلك عمري في هواك مقسم ** بين الدعاء الجد والتأمين ) وقال حفظه الله تعالى في ذلك
( حنانيك إن الدمع بالود معرب ** وإني في شوق وأنت مغرب )
( ورحماك بي إني قتيل صبابة ** بمن هو أوفى في الفؤاد وأنجب )
( ووعدك لي بالعود إني معلل ** به مهجة قد أوشكت تتصوب )
____________________
(2/422)


( وهبتك قلبي ما حييت ولم أقل ( ولكن من الأشياء ما ليس يوهب )
( فلو كنت شيخا واحدا هد صده ** فكيف بشيخ لم يكن مثله أب )
( وإنا بحمد الله لما خصصتنا ** بزورة ذي ود دعاه التحبب )
( فرشنا له منا الخدود مواطئا ** وعدنا به شوقا نجيء ونذهب )
( وقلنا دمشق أنت فيها محكم ** وأشرافها ودوا وجدوا ورحبوا )
( وأنت لها روح ومولى ومفخر ** وقد زنت شرقا مثل ما ازدان مغرب )
( وفخرا عظيما يا ابن شاهين إنه ** غدا وكرنا نسر السما فيه يرغب )
( فنحن ونحن الناس خدام نعله ** فلا غرو أن يقلي الغضنفر أكلب )
( وما نقموا منه سوى أنه امرؤ ** ليأكل فيما قدروه ويشرب )
( هو الشيخ شيخ الدهر أحمد من غدت ** دمشق ومن فيها بعلياه تخطب )
( هو المقري العالم العلم الذي ** إليه تناهي الفضل والمجد ينسب )
( وما هو إلا الشمس أزمع رحلة ** وإنا لفي ليل إذا هي تغرب )
( أو الغيث قد وافى فأمرعت النهى ** به وانثنى والصدر بالود معشب )
( أو الطائر العنقاء جاء مشرقا ** فأغرب والعنقاء في الطير مغرب )
( وإنك للخل الوفي وإنه ** هو الواحد المطلوب إن عز مطلب )
( وإنك بالتحقيق في كل حالة ** لأسنى وأندى ثم أوفى وأغرب )
( رعى الله وجها رحت ترغب نحوه ** وأي أخي جد له أنت ترغب )
( وحيا الحيا أرضا وطئت ترابها ** فأصبح مسكا وهي بالمجد تخصب )
( ولا فارقت يوما علاك كلاءة ** من الله أنى كنت والله أغلب )
( مدى الدهر ما حنت جوانح واله ** مشوق فأمسى للحقيقة يطرب )
ولما قرأ علي - أدام الله تعالى عزته وحرس حوزته - عقيدتي المسماة
____________________
(2/423)

بإضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة سألني أن أجيزه فيها وفي غيرها فكتبت إليه بما نصه
( أحمد من أطار في جو العلا ** صيت ابن شاهين الذي زان الحلى )
( وراش منه للمعالي أجنحه ** نال بها فضلا غدا مستمنحه )
( واسكن البيان من أوكار ** أفهامه بقنة الأفكار )
( فاصطاد كل شارد بمخلب ** أبحاثه ومن يعارض يغلب )
( والصقر لا يقاس بالبغاث ** والحق ممتاز عن الأضغاث )
( نشكر من بلغه مناه ** على نواله الذي سناه )
( وننتحي نهج صلاة باديا ** لخير من جاء الأنام هاديا )
( مبينا دلائل التوحيد ** وموضحا طرائق التسديد )
( محمد خير البرايا المنتقى ** أجل من خاف الإله واتقى )
( صلى عليه الله مع أصحابه ** وآله الراوين عن سحابه )
( ما اعترف العبد الفقير ذو العدم ** للرب باستغنائه وبالقدم )
( وبعد فالعلوم والعوارف ** من أمها يأوي لظل وارف )
( وروضة أزهارها تضوعت ** لأنها أفنانها تنوعت )
( وليس يحتاط بها نبيل ** إذ ذاك أمر ما له سبيل )
( فليصرف القول إلى ما ينفعه ** دنيا وفي أوج الأجور يرفعه )
( وإن في علم أصول الدين ** هدى وخيرا جل عن تبيين )
( لأنه أصل يعم النفع ** به وكل ما سواه فرع )
( وكيف يعبد الإله من لا ** يعرفه وعن رشاد ضلا )
( فهو الذي لا تقبل الأعمال ** إلا به وتنجح الآمال )
( وإنني كنت نظمت فيه ** لطالب عقيدة تكفيه )
( سميتها إضاءة الدجنة ** وقد رجوت أن تكون جنة )
____________________
(2/424)


( وبعد أن أقرأتها بمصر ** ومكة بعضا من أهل العصر )
( درستها لما دخلت الشاما ** بجامع في الحسن لا يسامى )
( وكان في المجلس جمع وافر ** من جلة بدورهم سوافر )
( منهم فريد الدهر ذو المعالي ** فخر دمشق الطيب الفعال )
( أحمد من راح لعلم واغتدى ** وشام أنوارا لفهم فاهتدى )
( العالم الصدر الأجل المولى ** من وصفه الممدوح يعيي القولا )
( وهو ابن شاهين وما أدراكا ** من بذ جنس العرب والأتراكا )
( ورام من مثلي بحسن الظن ** إجازة فيما رواه عني )
( فحرت في أمرين قد تناقضا ** بالنفي والإثبات إذ تعارضا )
( ترك الإجابة لوصفي بالخطل ** وبالخطا والجيد مني ذو عطل )
( وكم فرائض بعجز تسقط ** فكيف غيرها وهذا أحوط )
( أو فعلها بحسب الإمكان ** رعيا لود محكم الأركان )
( منه وما له من الحقوق ** ولا يجازي البر بالعقوق )
( بعد ما مر من الترداد ** أسعفته بمقتضى الوداد )
( وسرت في طرق من التساهل ** معترفا بالجهل لا التجاهل )
( مع أنه أهل لأن يجيزا ** لا أن يجاز إذ حوى التبريزا )
( ومن رأى عيبي بعين للرضا ** لم يقف نهج من غدا معترضا )
( فليرو عني كل ما أسمعته ** إياه بالشرط وما جمعته )
( مع القصور راجيا للأجر ** من الفنون نظمها والنثر )
( كهذه القصيدة السديده ** والنعل ذات المدح العديده )
( كذاك ما ألفت في عمامه ** من خص بالإسراء والإمامه )
( والفقه والحديث والنحو وفي ** أسرار وفق وهو بالقصد وفي )
____________________
(2/425)


( وغيرها مما به الوهاب من ** على فقير عاجز في غير فن )
( وما أخذت في بلاد المغرب ** عن كل فذ في العلوم مغرب )
( ولي أسانيد إذا سردتها ** طالت وفي كتبي قد أوردتها )
( وقد أخذت الجامع الصحيحا ** وغيره عمن حوي الترجيحا )
( عمي سعيد عن سفين وهو عن ** القلقشندي عن الواعي السنن )
( العسقلاني في الشهاب ابن حجر ** بما له من الروايات اشتهر )
( وقد أجزته بكل مالي ** يصح من ذاك بلا احتمال )
( على شروط قرروها كافيه ** ليست على أفكاره بخافيه )
( وقال هذا المقري الخطا ** والعي عم لفظه والخطا )
( عام ثلاثين وألف بعدها ** سبع أتمت في السنين عدها )
( وكان ذا في رمضان السامي ** بحضرة السعد دمشق الشام )
( والله نرجو أن يتيح الختما ** بالخير كي نعطى القبول حتما )
( بجاه خير العالمين أحمدا ** صلى عليه الله ما طال المدى )
( وآله وصحبه ومن زكا ** فنال من حسن الختام مدركا )
وتذكرت بهذه الإجازة نظيرتها التي سألني فيها مولانا عين الأعيان مفتي الأنام في مذهب النعمان مولانا الشيخ عبد الرحمن العمادي مفتي الشام - حفظه اللع تعالى - لأولاده الثلاثة وكتب لي أصغرهم سنا استدعاء لذلك
( أحمد من شيد بالإسناد ** بيت العلوم السامي العماد )
( وعم من خصص بالروايه ** بنورها النافي دجى الغوايه )
( وزان صدر النبها كل زمن ** بجوهر الإجازة الغالي الثمن )
( نحمده سبحانه أن عرفا ** من الحديث ما به قد شرفا )
( ونسأل المزيد من صلاته ** لمن أتيح القصد من صلاته )
( ملجؤنا المعصوم أعلى سند ** لنا برغم جاحد مفند )
____________________
(2/426)


( كهف الضعيف والقوي المرتجى ** باب الهدايات وليس مرتجا )
( من جاءنا بالجامع الصحيح من ** كلامه الهادي إلى نهج أمن )
( من فضله ما شك فيه مسلم ** من حبه بكل خير معلم )
( نبينا المرسل ذو الخلق الحسن ** والمعجز المفحم أرباب اللسن )
( محمد المرفوع قدره على ** سائر خلق الله جل وعلا )
( صلى عليه ربنا وسلما أزكى صلاة ننتحيها معلما مع آله وصحبه ومن روى ** آثاره عن صحة وما غوى )
( وبعد فالعلم عظيم القدر ** وليس من يدري كمن لا يدري )
( ولم تزل همة أهل المجد ** منوطة بنيل علم مجدي )
( ومنه علم السنة ** الشريفة لأنه ظلاله وريفه )
( فمن درى الأخبار والشمائل ** لم يك عن صوب الهدى بمائل )
( وكم سميدع لأجله رفض ** أوطانه وثوب ترحال نفض )
( وكيف لا وهو أجل ما طلب ** موفق يروم حسن المنقلب )
( لأنه وسيلة السعادة ** والعز في الإبداء والإعادة )
( وإنني لما انتحيت المشرقا ** ميمما بدر اهتداء مشرقا )
( ألقيت في مصر عصا التسيار ** بعد بلوغي أشرف الديار )
( وبعد ذا جئت دمشق الشام ** مسكن من يزدان باحتشام )
( فشاهدت عيناي فيها ما ملا ** قلبي سرورا إذ بلغت المأملا )
( مدينة فياضة الأنهار ** فضفاضة الأثواب بالأزهار )
( أرجاؤها زاكية العبير ** ومدحها يجل عن تعبير )
( وجل أهليها بحبي دانوا ** مع أن مثلي منهم يزدان )
( فلاحظوا بالأعين الكليلة ** عبدا غدا تقصيره دليله )
( وقابلوا عيبي بما اقتضاه ** فضل لهم رب الورى ارتضاه )
( خصوصا المولى الكبير المعتبر ** قرة عين من رآه واختبر )
____________________
(2/427)


( مفتي الورى في مذهب النعمان ** بها الوجيه عابد الرحمن )
( ابن عماد الدين من تعيي القلم ** أوصافه اللاتي كنور في علم )
( حاوي طراف المجد والتلاد ** نال المنى في النفس والأولاد )
( وكنت في مكة قد أبصرت ** منه علا عن مدحه قصرت )
( جلالة ومحتدا وعلما ** ورفعة وسوددا وحلما )
( مع التواضع الذي قد زانه ** حسن اعتقاد مثقل ميزانه )
( فحث من في الشام من أخيار ** لم يسلكوا مناهج الأغيار )
( أن يأخذوا بعض الفنون عني ** بما اقتضاه منه حسن الظن )
( مع أنني والله لست أهلا ** لذاك والتصدير ليس سهلا )
( وكان من جملتهم أبناؤه ** عماد دين قد علا بناؤه )
( وصنوه الشهاب من توقدا ** فهما وإبراهيم سباق المدى )
( وهو الذي قد ابتغى الإجازة ** لهم بوعد طالبا إنجازه )
( وكتب القصيدة الطنانة ** في ذاك لي مهتصرا أفنانه )
( وإنهم كحلقة قد أفرغت ** دامت لهم آلاء فيض سوغت )
( فلم أجد بدا من الإجابة ** مع كون جهلي سادلا حجاجه )
( فقد أجزتهم بما رويته ** طرا وما ارتجلت أو رويته )
( وكل ما صنفت في الفنون ** مؤمل التحقيق للظنون )
( وما أخذت عن شيوخ المغرب ** وغيرهم من كل حبر مغرب )
( ولي أسانيد يطول شرحها ** شيد على تقوى الإله صرحها )
( ولو سردت كل مروياتي ** هنا لطال القول في الأبيات )
( وكل طول غالبا مملول ** وحد من يعنى به مفلول )
( فلنقتصر إذن على القليل ** تبركا بالمطلب الجليل )
( وقد أخذت جامع البخاري ** عن عمي الحائز للفخار )
( المقرى سعيد الإمام عن ** محمد يدعى خروفا حين عن )
____________________
(2/428)


( التونسي الطيب الأنفاس ** نزيل حضرة الملوك فاس )
( عن الكمال القادري المرتضى ** عن الحجازي عن الحبر الرضا )
( نجل أبي المجد عن الحجاري ** عن الزبيدي بنقل جاري )
( عن مسند الإسلام عبد الأول ** عن الشهير الداودي المعتلي )
( عن السرخسي عن الفربري ** عن البخاري الإمام الحبر )
( وفضله أظهر من أن يذكر ** وعلمه المعروف غير المنكر )
( ومسلم به إلى الكمال ** عن علم الدين أخي الجلال )
( منسوب بلقين عن التنوخي ** عن ابن حمزة عن الشيوخ )
( كابن المقير عن ابن ناصر ** عن ابن مندة وهو القاصر )
( عن جوزقي قد روى عن مكي ** عن مسلم نافي دياجي الشك )
( فليخبروا عني بذا والباقي ** من ستة حائزة السباق )
( كذا موطأ الإمام مالك ** إمامنا منير كل حالك )
( ومسند الفذ الرضا ابن حنبل ** والدارمي ذي الثناء الأجمل )
( والطبراني وما أرويه ** من المعاجيم بما تحويه )
( وكلها تشمله الإجازة ** بشرطها عند الذي أجاده )
( فلتقبلوه فهي من جهد المقل ** إذ لست بالمطلوب مني أستقل )
( ومن أسانيدي عن القصار ** مفتي الأنام بهجة الأعصار )
( عن شيخه خروف الراقي الدرج ** عن الشريف الطحطحائي فرج )
( قال سمعت المصطفى في النوم ** صلى عليه الله كل يوم )
( يقول من أصبح يعني آمنا ** في سربه الحديث فاعرف كامنا )
( ولنمسك العنان في هذا الأرب ** مصليا على الذي زان العرب )
____________________
(2/429)


( وآله وصحبه الأعلام ** ومن تلا من أنجم الإسلام )
( وخط هذا المقري العاصي ** أجير يوم الأخذ بالنواصي )
( سنة سبع وثلاثين تلت ** ألفا لهجرة بياسين علت )
( عليه أزكى صلوات تستتم ** ترجو بها الزلفى وحسن المختتم )
ونص الاستدعاء المشار إليه هو
( فازت دمشق الشام بالمقري ** الألمعي اللوذعي العبقري )
( علامة العصر بلا مفتري ** وواحد الدهر بلا ممتري )
( كم سمعت أخبار أوصافه ** فقصر المخبر عن منظر )
( جامع علم بث إملاءه ** بالشام ملء الجامع الأكبر )
( يقري فتقري السمع أنفاسه ** أنفس ما يقرى وما قد قري )
( مولاي يا من در ألفاظه ** صحاحها تزري على الجوهري )
( إجازة نرفل من فضلها ** في ثوب عز وردا مفخر )
( مسبلة الذيل على أكبر ** وأوسط الإخوة والأصغر )
( أطل لنا إنشاءها بل أطب ** وانظم لنا من درها وانثر )
( لا زلت في نفع الورى دائبا ** تجود جود العارض الممطر )
العبد الداعي إبراهيم العمادي انتهى
ومن الإجازات التي قلتها بدمشق الشام ما كتبته للأديب الحسيب سيدي يحيى المحاسني حفظه الله تعالى
( أحمد من زين بالمحاسن ** دمشق ذات الماء غير الآسن )
____________________
(2/430)


( وأطلع النجوم من أعيان ** بأفقها السامي مدى الأحيان )
( فكل أيامهم مواسم ** من الصفا ثغورها بواسم )
( وذكرهم قد شاع بين الأحيا ** إذ قطرهم به الكمال يحيا )
( وبشرهم حديثه لا ينكر ** ومسند الجامع عنهم يذكر )
( وقد حكت جوارح الذي ارتحل ** إليهم صحيح ما له انتخل )
( فسمعه عن جابر والعين عن ** قرة تروي واللسان عن حسن )
( فحل من أتاحهم آلاءه ** حتى أبان نورهم لألاءه )
( نحمده سبحانه أن اسدى ** من الأمان ما أنال القصدا )
( وننتحي صوب صلاة باهره ** إلى الرسول ذي السجايا الطاهره )
( أجل من خاف الإله واتقى ** محمد الهادي الرسول المنتقى )
( صلى عليه الله طول الأبد ** مع آله وصحبه والمقتدي )
( وبعد فالعلم أساس الخير ** وكيف لا وهو مزيح الضير )
( وهو موصل إلى منهاج ** هدى ورشد ما له من هاجي )
( وما بغير العلم يبدو العلم ** وليس من يدري كمن لا يعلم )
( خصوصا الحديث عن خير البشر ** فإن فضله على الكل انتشر )
( ولم يزل يعنى به كل زمن ** من الرواة كل صدر مؤتمن )
( وإنني عند دخول الشام ** لقيت من بها من الأعلام )
( وشاهدت عيناي من إنصافهم ** ما حقق المحكي عن أوصافهم )
( وإن من جملتهم أوج الذكا ** والنير المزري سناه بذكا )
( ابن المحاسن الذي قد طابقا ** منه مسمى الاسم إذ تسابقا )
( اللوذعي الألمعي يحيى ** لا زال رسم المجد منه يحيا )
( وهو الذي أغراه حسن الظن ** على انتمائه لأخذ عني )
( وكان قارئ الحديث النبوي ** لدي في الجامع أعني الأموي )
( بمحضر الجمع الغزير الوافر ** ممن وجوه فضلهم سوافر )
____________________
(2/431)


( وبعد ذاك استمطر الإجازة ** من نوء وعدي واقتضى انتجازه )
( فلم أجد بدا من الإجابة ** مع أنني لست بذي النجابة )
( وإن أكن أجبت أمرا يمتثل ** منه ففي ذلك تصديق المثل )
( فيمن درى شيئا وغابت أشيا ** عنه ومن أهدى بصنعا وشيا )
( فليرو عني كل ما يصح لي ** بشرطه الذي يزين كالحلي )
( وقد أخذت جامع البخاري ** عن عمي الإمام ذي الفخار )
( سعيد الذي نأى عن دنس ** عن شيخه الحبر الشهير التنسي )
( أعنى أبا عبد الإله وهو عن ** والده محمد راوي السنن )
( عن ابن مرزوق محمد الرضا ** عن جده الخطيب عن بدر أضا )
( الفارقي عن إمام يدعى ** بابن عساكر الجميل المسعى )
( بما له من الروايات التي ** على علو قدره قد دلت )
( وليرو عني ما انتمى للنووي ** بذا إلى السابق ذي النهج السوي )
( أعني ابن مرزوق الخطيب الراوي ** عن شيخه يحيى الرضي المغراوي )
( وهو روى عن صاحب التمكين ** النووي الشيخ محيي الدين )
( وخط هذا أحمد البادي الوجل ** المقري المالكي الذي ارتجل )
( في عام ألف وثلاثين خلت ** من هجرة الهادي وسبعة تلت )
( ألبسه الله البرود الصافية ** من منه وعفوه والعافية )
( بجاه سيد البرايا طرا ** ملجأ من إلى الكروب اضطرا )
( عليه أسنى صلوات تسدي ** حسن الختام ببلوغ القصد )
وسأل مني بعض ساكني دمشق المحروسة أن أقرظ له على شرحه
____________________
(2/432)

لرسالة العارف بالله تعالى سيدي الشيخ أرسلان فكتبت ما صورته
( أحمد من خصص بالأسرار ** قدما من الصوفية الأبرار )
( أتاحهم عوارف المعارف ** والحكم السابغة المطارف )
( فهم بهم تستمطر الأنواء ** وتظهر الأنوار والأضواء )
( ومن أجلهم سناء وسنى ** من ذاد عن عين المعالي الوسنا )
( شيخ الشيوخ العارف الكبير ** الشيخ أرسلان الشهير )
( فكم إشارات له أبانا ** بها علوما من حلاها ازدانا )
( وكم عبارات تلا آياتها ** تعيا الفحول عن مدى غاياتها )
( ومن رأى رسالة التوحيد ** له انتحى مناهج التسديد )
( فهي تنادي من أبي أن يسلكا ** يا معرضا شرك خفي كلكا )
( ومن أضل القصد في مهامه ** هدته للخروج عن أوهامه )
( وكم بها من باب معنى مغلق ** عمن يقيد الوجود المطلق )
( فما بغير الفتح يدرى الباطن ** ووارد الفيض له مواطن )
( وقد رأيت في دمشق الشام ** شرحا لها أنبأ عن إلهام )
( للكلشني ذي الوفا بالوعد ** شمس العلا محمد بن سعد )
( لا زال في أوج التجلي صاعدا ** وعون ربنا له مساعدا )
( ومذ أجلت ناظري في حسنه ** ألفيته مستبدعا في فنه )
( ودل ما أبداه من معاني ** على شهود بالهدى معاني )
( لأنه أجاد في تقرير ** ما اعتاص بالإتقان والتحرير )
( وأبرز الأبكار من خدور ** أفكاره حالية الصدور )
( فالله يجزيه الجزاء الأوفى ** في يوم تبدي الأنبياء الخوفا )
( وخط هذا المقري من وجل ** مرتجيا من ربه عز وجل )
( كشف كروب عقد صبر حلت ** منه وغفران ذنوب جلت )
____________________
(2/433)


( بجاه طه الهاشمي أحمدا ** عليه أزكى صلوات سرمدا )
( عاطرة النشر بلا اكتتام ** تأرجت بالمسك في الختام )
وخاطبني السري الحسيب الماجد فخر المدرسين الأعيان مولانا الشمس محمد بن الكبير الشهير مولانا يوسف بن كريم الدين الدمشقي حفظه الله تعالى بقوله
( شمس المحاسن شرقي أو غربي ** سعدت منازلنا بشمس المغرب )
( شمس لنا منها شموس فضائل ** وسنا هدى قد راح غير محجب )
( المقري العالم الندب الذي ** لسوى اسمه درج الحجى لم يكتب )
( بدر ولم تبد البدور بمشرق ** إلا بدت من قبل ذاك بمغرب )
( لسوى اكتساب سناه
( لم تغرب ذكا ** فلو انها شعرت به لم تغرب )
( علامة ملأ البلاد بفضله ** وأفاده لمشرق ومغرب )
( عمري هو البحر المحيط فضائلا ** إن قيس بالعذب الذي لم يعذب )
( مولى له سند قوي في العلا ** فعن الجدود روى العلا وعن الأب )
( نسب له المجد المؤثل في الورى ** والمجد لم يكسب إذا لم يوهب )
( هو في جبين الفضل أضحى غرة ** يجلى بها للجهل ظلمة غيهب )
( آمالنا قطعت ببشر جبينه ** أن لا ترى للدهر وجه مقطب )
( بدر به زهيت دمشق وأهلها ** أحبب ببدر حيث حل محبب )
( طود الفضائل باكرت أرجاءه ** ديم الحجى فغدا كروض مخصب )
( بحر الهدى والعلم إلا أنه ** صفو من الأكدار عذب المشرب )
( هو قطب دائرة الفضائل في الورى ** فيكاد يخبرنا بكل مغيب )
____________________
(2/434)


( في الفضل ما جاولت يوما مثله ** كلا ولا قست البدور بكوكب )
( أنى يجارى في الفضائل من له انقاد ** الزمان بأدهم وبأشهب )
( سنن لمدح الغير تسقط عندنا ** فله العلا تقضي بفرض أوجب )
( ما روضة حلى أزاهرها الحيا ** فافتر فيها كل ثغر أشنب )
( ومشت بها خود الصبا فتعطرت ** أذيالها من كل عرف طيب )
( للنور فيها جدول أخذت به ** شهب المجرة حيرة المتعجب )
( باتت تناشدني بها ذكر الهوى ** ورق الأراك بكل صوت مطرب )
( تشكو إلي بمثل ما أشكو لها ** شكوى المعذب في الهوى لمعذب )
( فعلمت ما قد حل من وجد بها ** وجهلن وهو الفرق ما قد حل بي )
( لم تلق فيها من عليل يشتكي ** إلا النسيم وذا الهوى إن تطلب )
( بأغض حسنا من ربى آداب من ** حيا رياض حجاه ألطف صيب )
( طبع أرق من النسيم ومنطق ** مستعذب وكذاك كل مهذب )
( لو جاد صوب حجاه قفرا مجدبا ** لنعمت منه بكل روض معشب )
( مولاي عذرا فالزمان يعوقني ** عن مطلبي والآن مدحك مطلبي )
( عفوا إذا أخرت مدحك سيدي ** فعوائق الأيام عذر المذنب )
( وكذاك يفعل بالأديب زمانه ** فلذا يطول على الزمان تعتبي )
( لم ألق يوما من يديه مهربا ** إلا ثناك وحبذا من مهرب )
( لولاك ما جال القريض بخاطري ** فالدهر يوجب للقريض تجنبي )
( لولاك لم ينهض جواد قريحتي ** في كل واد للضلالة متعب )
( فاسمع ولست بآمر نظما غدا ** في عقد مدحك لؤلؤا لم يثقب )
( كالراح يلعب بالعقول للطفه ** لكن بغير مسامع لم يشرب )
( من كل قافية غدت من حسنها ** مثلا لغيرك في العلا لم يضرب )
( خود تقلد من ثناك قلائدا ** بكر لغيرك في الورى لم تخطب )
( غنيت بمدحك زينة ولربما ** يغني الجمال عن الوشاح المذهب )
____________________
(2/435)


( هي بعض أوصاف لذاتك قد غدت ** كالبحر عذبا ماؤه لم ينضب )
( جاءتك تسألك القبول وحسبها ** فخرا قبولك وهو جل المطلب )
( وتروم منك إجازة فاقت بما ** ترويه بالسند القوي عن النبي )
( حسبي الإجازة منك جائزة ولم ** أك قبل غير الفضل بالمتطلب )
( لا بدع والإطناب إيجازا غدا ** في مدحه إن لم أطل أو أسهب )
( هيهات لا تحصى مآثر فضله ** بالمدح إن أطنب وإن لم أطنب )
خدمة الداعي محمد بن يوسف الكريمي انتهى
فأجزته بما نصه
( أحمد من أطلع شمس الدين ** في أفق الرواية المبين )
( وخص فضلا منه بالإسناد ** أمة طه مذهب العناد )
( فلم يكن عصر من الأعصار ** إلا وفيه أهل الاستبصار )
( ينفون عن حوزة دين الله ما ** يروم من عليه رشد أبهما )
( وأنتحي سبل صلاة كاملة ** على الذي له العطايا الشامله )
( محمد المرسل بالشرع الحسن ** ذي المعجز المفحم أرباب اللسن )
( مع حزبه من صحبه وعترته ** ومن تلا مؤملا لأثرته )
( وبعد فالعلم أجل ما اعتمد موفق من فيض مولاه استمد )
( خصوصا الحديث عن خير الورى ** صلى عليه الله ما زند ورى )
( ولم يزل ذوو النهى يسعون في ** تحصيله إذ فضله غير خفي )
( وإن مولانا الشهير السامي ** الماجد المولى نبيه الشام )
( سالك نهج السنة القويم ** محمد بن يوسف الكريمي )
( لا زال في عز وفي أمان ** )
( مبلغا من قصده الأماني ** )
( وجه لي لما حللت الشاما ** وبرق حسن الظن مني شاما )
( قصيدة بليغة مستعذبه ** غريبة في فنها مهذبه )
____________________
(2/436)


( يسأل من مثلي بها الإجازه ** بشرطها عند الذي أجازه )
( مستمسكا بعروة الصواب ** ولم أجد بدا من الجواب )
( فليرو عني ما سمعت كله ** وما جمعت في الفنون جمله )
( على شروط قررت في الفن ** مرتجيا حصول كل من )
( وصنوه الأكمل قد أبحته ** ذاك على الوجه الذي شرحته )
( وإن أكن فيما ابتغى مقصرا ** فذو الرضى ليس لعيب مبصرا )
( ولي أسانيد أبى وقتي عن ** تفصيلها لما من الرحلة عن )
( والعذر باد والكريم يقبل ** والصفح نهج يقتفيه الأنبل )
( وخط هذا المقري الجاني ** أمنه الله من الأشجان )
( في عام ألف وثلاثين قفا ** سبعا لهجرة النبي المصطفى )
( عليه أزكى صلوات تغتنم ** يزكو بها مبتدأ ومختتم )
وكتب إلي الفاضل الخطيب الفهامة الأديب وارث الفضل عن الأعلام ذوي اللسن سيدي الشمس محمد المحاسني سبط شيخ الإسلام مولانا البوريني حسن حفظه الله تعالى
( يا سيدي وملاذي ** وعالم الثقلين )
( ومن غدا بمكان ** علا على النيرين )
( أجزت بالدرس قوما ** فاقوا به الفرقدين )
( فزين العبد أيضا ** من مثل ذاك بزين )
( وإن لم يكن في ختام ** فذاك قرة عيني )
____________________
(2/437)

فأجزته بما نصه
( أحمد من أطلع من محاسن ** دمشق ما أربى على المحاسن )
( وزانها بالجلة الأعيان ** الرافلين في حلى التبيان )
( الراغبين في الحديث النبوي ** السالكين في الهدى النهج السوي )
( وبعد فالعلم أجل زينه ** وسبله في الرشد مستبينه )
( وإن علم السنة الشريفه ** ظلاله ضافية وريفه )
( لذاك كان باعتناء أجدرا ** من كل ما يمليه من تصدرا )
( وإن ذا الفضل الأديب البارع ** سابق ميدان الذكا المسارع )
( الماجد المسدد السامي الحسب ** محمد من للمحاسن انتسب )
( ابن الشهير الصدر تاج الدين ** لا زال في عز وفي تمكين )
( وجده لأمه الشيخ الحسن ** وذاك بورينيهم معطى اللسن )
( يسألني إجازة بكل ما ** أرويه عنوانا بحالي معلما )
( وها أنا أجبته غير بطل ** مستغفرا من خطإ ومن خطل )
( فليرو عني كل ما يصح ** على شروط غيثها يسح )
( وهي عن الشروط لن تريما ** وليس يخفي علمه الكريما )
( وكل ما ألفت أو جمعت ** نظما ونثرا مثل ما أسمعت )
( ولي أسانيد يضيق الوقت ** عن سردها وبعضها قد سقت )
( في غير هذا فليحقق ذلك ** مقتفيا لأوضح المسالك )
( وقد أخذت جامع البخاري ** ومسلم عن حائز الفخار )
( عمي سعيد وهو عمن يدعى ** بالتنسي قد أفاد الجمعا )
( عن حافظ الغرب الرضى أبيه ** عن ابن مرزوق عن النبيه )
( الحافظ المبجل العراقي ** وقد سما في سلم المراقي )
( وما له من الروايات علم ** من كتبه التي حوت خير الكلم )
____________________
(2/438)


( وخط هذا المقري عن عجل ** مؤملا من ربه عز وجل )
( غفران ما جنى من الذنوب ** والصفح عن معرة العيوب )
( بجاه خير العالمين أحمدا ** صلى عليه الله دأبا سرمدا )
( وآله وصحبه الأخيار ** ومن تلا لآخر الأعصار ) ولما سألني في الإجازة الفاضل الأديب سيدي محمد بن علي بن مولانا عالم الشام الشهير الذكر شيخ الإسلام سيدي ومولاي الشيخ عمر القاري - حفظه الله تعالى - وأنا مستوفز للسفر كتبت له عن عجل ما صورته
( أحمد من زين بالآثار ** جيدا من الراوي النبيه القاري )
( وشاد للعلياء في أوج السند ** منازلا لم يبلها طول الأمد )
( وميز الواعين للحديث ** بالفضل في القديم والحديث )
( وزان منهم سماء الدين ** فأشرقت بالحفظ والتبيين )
( فهم بها للمهتدي نجوم ** وإنها للمعتدي رجوم )
( فكم أزاحوا عن حديث المجتبى ** صلى عليه الله ما هبت صبا )
( تحريف ذي غل مضل غالي ** شان لمنهاج الرشاد قالي )
( وبعد فالإسناد للروايه ** وسيلة تزحزح الغوايه )
( والله قد خصص هذي الأمه ** به امتنانا وأزاح الغمه )
( هذا ولولا ذاك قال من شا ** ما شاءه فهو بحق منشا )
( فلم يزل أهل النهى كل زمن ** يسعون في تحصيله عن مؤتمن )
____________________
(2/439)


( وإن من جملة من تحرى ** ومن بسبق للعلوم غرا )
( الفاضل المسدد النجيب ** الواصل الممجد الأريب )
( محمد سليل ذي المجد علي ** ابن الإمام العالم الحبر الولي )
( عمرالشيخ الشهير القاري ** طود السكون هضبة الوقار )
( شيخ الشيوخ في دمشق الشام ** لا زال محفوفا بعز سامي )
( فكان من جملة من عني روى ** بعض الصحيح ظافرا بما نوى )
( وبعد ذاك اقترح الإجازة ** مني ووعدها اقتضى إنجازه )
( فانعجمت نفسي عن الإجابة ** إذ لست في ذا الأمر ذا نجابه )
( مع أنني مقصر ذو عي ** في مثل هذا المطلب المرعي )
( وخفت أن آتيها شنعاء بحملي الوشي إلى صنعاء )
( وبعد ذا أجزت قصد الأجر ** مرتجيا بذاك ربح التجر )
( وقد أجبته وإني أعلم ** أني من خوف الخطا لا أسلم )
( فليروها ببالغ التمني ** جميع ما يصح لي وعني )
( من ذلك الجامع للبخاري ** عن عمي الشهير ذي الفخار )
( سعيد الآخذ عن سفين ** عن قلقشندي مزيح المين )
( عن حافظ الإسلام أعني ابن حجر ** بما له من الروايات اشتهر )
( وبعضها في صدر فتح الباري ** مبين لطالب الأخبار )
( ولي أسانيد يطول شرحها ** والروضة الغناء يكفي نفحها )
( ومن رواياتي عن القصار ** مفتي البرايا بهجة الأعصار )
( حدثنا خروف الذاكي الأرج ** عن الشريف الطحطحائي فرج )
( سمعت في المنام طه يملي ** حديث من أصبح وفق النقل )
( أي آمنا في سربه معافى ** في جسمه مع قوت يوم وافى )
____________________
(2/440)


( وكل ما ألفت في الفنون ** أرجو به التحقيق للظنون )
( فليروه عني بشرط معتبر ** وربما يصدق الخبر الخبر )
( ولي تآليف على العشرينا ** زادت ثمانيا حوت تعنينا )
( فليروها إن شا بلا استثناء ** والله أرجو نيل قصد نائي )
( بجاه من شرف بالإدناء ** صلى عليه الله في الآناء )
( أحمد خير المرسلين الهادي ** غوث البرايا ملجإ الأشهاد )
( عليه أسنى صلوات زاكيه ** مع صحبه ذوي المزايا الزاكيه )
( ومن تلا ممن أطاب عمله ** فنال من رجائه ما أمله )
( وشم من عرف قبول أرجا ** فنال من حسن الختام ما رجا )
وخاطبني من أهلها أيضا خادم الشيخ الأكبر ابن عربي محيي الدين وهو الشيخ الأكرمي سيدي إبراهيم سلك الله بي وبه سبل المهتدين بقوله
( فكرت في فضل الإمام ** المقري الحبر حينا )
( فوجدته بكر الزمان ** وواحد الدنيا يقينا )
( ما إن رأيت ولا سمعت ** بمثله في العالمينا )
( وافى دمشقا زائرا ** لو أنه اضحى قطينا )
( وأتى عجيب الاتفاق ** بفطر شهر الصائمينا )
( فكأن غرته الهلال ** ونحن كنا ناذرينا )
( والعلم قال مؤرخا ** أدى بها فضلا مبينا )
وخاطبني أيضا منهم الفقيه النبيه سيدي مصطفى بن محب الدين حفظه الله
____________________
(2/441)

تعالى بقوله
( فضائل قطب الغرب في العلم والفضل ** هو المقري الأصل حائزة الخصل )
( حوى كل علم كل عن بعضه السوى ** فلا غرو أن أضحى فريدا بلا مثل )
( وحاز فنونا من ضروب معارف ** ومن فضل تحقيق ومن منطق فصل )
( توخى دمشق الشام فافتر ثغرها ** سرورا به وازينت من حلى الفضل )
( وشرف مصرا قبلها فاكتست به ** ملابس فخر زانها كرم الأصل )
( لقد أشرقت من أفق غرب شموسه ** وناهيك أفقا نوره قدره معلي )
( نفاسته فيها تنافست الورى ** بما قد غدا من در ألفاظه يملي )
( ملي من التحقيق إن عن مشكل ** تكفل بالتبيان والشرح والحل )
( إذا ما أدار الدر من كأس لفظه ** سقانا عقار الفضل علا على نهل )
( نظام له يحكي قلائد عسجد ** وثغر مليح فائق الحسن والدل )
( وأسجاعه إن حاك وشي نسيجها ** حكت حبرا حيكت نمارق من غزل )
( له القلم الأعلى بشرق ومغرب ** له الموضع الأسمى على الكل في الكل )
( فيا سيدا حاز المفاخر والعلا ** وفاقت حلى الآداب منه على الحلي )
( إليك من العبد الحقير تحية ** لقد نشأت عن خالص الود من خل )
( موال يوالي الحب والقرب منكم ** بظاهر غيب لا يحيد عن الوصل )
( فلا زلت محبوا بسابغ نعمة ** وفضل نعيم وافر وارف الظل )
( ودمت لدى الأسفار في نجح أوبة ** وجمع لشمل بالمواطن والأهل )
وخاطبني أيضا الشيخ سيدي محمد بن سعد الكلشني بقوله
( شهر شعبان جاءنا ليهنا ** بقدوم الأستاذ كنز الفضائل )
____________________
(2/443)


( بهجة الكون روض علم وحلم ** وهو مغني اللبيب إن جاء سائل )
( بمصابيح فضله قد أضاءت ** ساحة الجامع الكبير لآمل )
( وبمختار لفظه صار يحوي ** لحديث مسلسل عن أفاضل )
( ومن الغرب حين وافى لشرق ** فاق بدر التمام وسط المنازل )
( حل مني في القلب والطرف لما ** لاح سعد السعود لي غير آفل )
( وغدا بالأمان والسعد أرخ ** أحمد المقري بالشام قائل )
وقال أيضا شكرا لله تعالى نيته وبلغه أمنيته
( أتاك دمشق الشام أكرم وارد ** فقري به عينا وللحسن شاهدي )
( وهزي دلالا في أزاهر روضه ** معاطف لين كالغصون الأمالد )
( لك البشر يا عيني ظفرت بأمجد ** رفيع الذرى من فوق فرق الفراقد )
( لقد شاع بين الناس واسع فضله ** فكم قاصد يسعى لنيل الفوائد )
( من العالم الفرد المفيد الذي له ** أياد سمت بالجود تولى لقاصد )
( وذاك أبو العباس أحمد من صفت ** مناهله دوما إلى كل وارد )
( تراه إذا وافيته متهللا ** ويبسم حبا في وجوه الأماجد )
( إمام سما قدرا على النجم رفعة ** أرى وصفه في بيت نظم مشاهد )
( لديه ارتفاع المشتري وسعوده ** وسطوة بهرام وظرف عطارد )
( شهدت بأن الله أولاه منحة ** بنقل حديث في جميع المساجد )
( ومذ حل في وادي دمشق ركابه ** وسؤدده وافى بأعدل شاهد )
( حوى كل إفضال وكل فضيلة ** بها يهتدى حقا لنيل المقاصد )
( وماذا عسى في مدحه أنا قائل ** ولو جئت فيه مطنبا بالقصائد )
( إذا رمت أن تلقى نظيرا لمثله ** عجزت ورب الناس عن عد واحد )
( فكم من معان حازها ببيانه ** وفكرته قد قيدت للشوارد )
( ومنطقه حاوي الشفا بجواهر ** صحاح بها يزدان عقد القلائد )
____________________
(2/443)


( من الغرب وافى نحو شرق فأشرقت ** شموس علوم أسفرت عن محامد )
( فناديته يا سيدي من فضله ** تواترت الأخبار عن غير واحد )
( عسى عطفة منكم علي بنظرة ** فأنت لموصول الجدا خير عائد )
( وأنت على ريب الزمان مساعدي ** وأنت يميني للحسود وساعدي )
( فلا زلت تولي كل من هو آمل ** لبغيته من صادر ثم وارد )
( وتبقى مدى الأيام في المجد رافلا ** بثوب الهنا تكفى شرور الحواسد )
( وهاك عروسا تجتلي في حليها ** إليك أتت في زي عذراء ناهد )
( تهني بعيد الفطر من بعد صومكم ** بخير جزيل من لذيذ الموائد )
( وترجو جميل الستر إن هي مثلت ** بحضرتك العلياء يا خير ماجد )
( وعش في أمان الله بالعز دائما ** مدى الدهر ماسح الحيا في الفدافد )
_ ( وما دارت الأفلاك من نحو ** قطبها وما بزغت شمس الضحى للمشاهد )
وقال أيضا زاده الله تعالى من فضله
( ظبي بوسط الفؤاد قائل ** أعجز بالوصف كل قائل )
( ظبي بأجفانه سباني ** وسحرها ينتمي لبابل )
( يرمي بسهم اللحاظ لما ** يرنو فيصمي الفؤاد عاجل )
( قد فتن العقل مذ تجنى ** علي حتى غدوت ذاهل )
( له قوام كخوط ** بان أو كالقنا السمهري عادل )
( بدر بدا كامل المعاني ** في القلب والطرف عاد نازل )
( قد أسر القلب في هواه ** بقيد حسن وفرع سابل )
( وما بقي منه لي خلاص ** سوى مديحي رضى الأفاضل )
( أعني به المقري من قد ** سما على البدر في المنازل )
( أحمد مولى له أياد ** كالغيث يغني لكل سائل )
( علامة حاز كل فضل ** سبقا ومن بالعلوم عامل )
____________________
(2/444)


( من قد نشا في العلوم طرا ** وحاز علم البيان كامل )
( طويل باع بسيط فضل ** مديد جود لكل آمل )
( ووافر العقل راح يهدي ** سريع فضل لكل فاضل )
( وجامع العلم في ابتهاج ** بمنطق في الأصول حافل )
( وهكذا في الكلام مهما ** أفاده في الدروس شامل )
( يروي صحيح الحديث دأبا ** بالسند الواصل الدلائل )
( وكم علوم أفاد من قد ** أتاه في مشكل المسائل )
( وحل إبهام كل شكل ** من فن وفق إلى الوسائل )
( وغاص في لجة المعاني ** واستخرج الدر في المحافل )
( وفي فنون البديع أضحى ** جناسه قد حوى رسائل )
( وكم دليل أقام لما ** برهانه أبهت المعازل )
( إن كان وافى لنا أخيرا ** فهو الذي فاخر الأوائل )
( بحر محيط يفيض منه ** على رياض بكل ساحل )
( وافى من المغرب نحو شرق ** يجوب من فوق متن بازل )
( في مهمه صحصح مهول ** وحزنه كم به غوائل )
( وحث فيه المسير حتى ** خلفه من وراء كاهل )
( وجاء باليمن في أمان ** وصحة الجسم والشمائل )
( وحل في الشام عند قوم ** من أكرم الناس في القبائل )
( ذاك ابن شاهين ذو المعالي ** رب الندى للألوف باذل )
( كأنه الشمس جاء يهدي ** للبدر نورا وليس آفل )
( بل كان غيثا لهم وكانوا ** روضا أريضا لشكر وابل )
( فبجلوه وعظموه ** وادخروا عاجلا لآجل )
____________________
(2/445)


( جزاهم الله كل خير ** وصانهم من جدال جاهل )
( وأحمد دام في أمان ** المقري الرضا المعامل )
( لربه في دجى الليالي ** ويرشد الناس في الأصائل )
( لا زال في نعمة وخير ** وفي أمان يعود عاجل )
وخاطبني الأديب الفاضل الشيخ أبو بكر العمري شيخ الأدباء بدمشق حفظه الله تعالى بقوله
( تاهت تلمسان على مدن الدنى ** بعالم في العالمين يحمد )
( المقري أحمد رب الحجى ** الكامل البحر الخضم المزبد )
( مالك هذا العصر شافعيه ** أحمده نعمانه المسدد )
( مذ حل مصر أذعنت أعلامها ** لفضله وبجلوا ومجدوا )
( وفي دمشق الشام دام سعدها ** كان له بها المقام الأسعد )
( العلماء أجمعوا جميعهم ** على معاليه التي لا تجحد )
( أقام شهرا أو يزيد وانثنى ** وفي الحشا منه المقيم المقعد )
( سالت على فراقه دموعنا ** وفي القلوب زفرة لا تخمد )
( لو قيل من يحمد في تاريخه ** ما قلت إلا المقري أحمد )
( لا برحت أوقاته مفيدة ** ما صاح فوق عوده مغرد )
قلت وذكري لكلام أعيان دمشق - حفظهم الله تعالى - ومديحهم لي ليس علم الله لاعتقادي في نفسي فضلا بل أتيت به دلالة على فضلهم الباهر حيث عاملوا مثلي من القاصرين بهذه المعاملة وكسوه حلل تلك المجاملة
____________________
(2/446)

مع كوني لست في الحقيقة له بأهل لما أنا عليه من الخطأ والخطل والجهل ولقد خاطبت من مصر مفتي الشام صدر الأكابر وارث المجد كابرا عن كابر ساحب أذيال الكمال صاحب الخلال المبلغة الآمال مولانا شيخ الإسلام الشيخ عبد الرحمن العمادي الحنفي بكتاب لم يحضرني منه الآن غير بيتين في أوله وهما
( يا حادي الأظغان نحو الشآم ** بلغ تحياتي لتلك الخيام )
( وابدأ بمفتيها العمادي الرضى ** دام به شمل الهنا في التئام )
فأجابني بما نصه
( إلى أهالي مصر أهدي السلام ** مبتدئا بالمقري الهمام )
( من ضاع نشر العلم من عرفه ** ولم يضع منه الوفا للذمام ) أهدي تحف التحية إلى حضرته العلية وذاته ذات الفضائل السنية الأحمدية التي من صحبها لم يزل موصولا بطرائف الصلات والعوائد الأوحدية الجامعة التي لها منها عليها شواهد
( وليس لله بمستنكر ** أن يجمع العالم في واحد )
فيا من جذب قلوب أهل عصره إلى مصره وأعجز عن وصف فضله كل بليغ ولو وصل إلى النثرة بنثره أو إلى الشعرى بشعره ومن زرع حب حبه في القلوب فاستوى على سوقه وكاد كل قلب يذوب بعد بعده من
____________________
(2/447)

حر شوقه وظهرت شمس فضله من الجانب الغربي فبهرت بالشروق وأصبح كل صب وهو إلى بهجتها مشوق زار الشام ثم ما سلم حتى ودع بعد أن فرع بروضها أفنان الفنون فأبدع وأسهم لكل من أهلها نصبيا من وداده فكان أوفرهم سهما هذا المحب الذي رفع بصحبته سمك عماده وعلق بمحبته شغاف فؤاده فإنه دنا من قلبه فتدلى وفاز من حبه بالسهم المعلى أدام الله تعالى لك البقا وأحسن لنا بك الملتقى ومن علينا منك بنعمة قرب اللقا آمين بمنه ويمنه هذا وقد وصل من ذلك الخل الوفي كتاب كريم هو اللطف الخفي بل هو من عزيز مصر القميص اليوسفي جاء به البشير ذو الفضل السني الخل الأعز الأجل التاج المحاسني مشتملا على عقود الجواهر بل النجوم الزواهر بل الآيات البواهر تكاد تقطر البلاغة من حواشيه ويشهد بالوصول إلى طرفها الأعلى لموشيه فليت شعري بأي لسان أثني على فصوله الحسان العالية الشأن الغالية الأثمان التي هي أنفس من قلائد العقيان وأبدع من مقامات بديع الزمان فطفقت أرتع من معانيها في أمتع رياض وأقطع بأن في منشئها اعتياضا لهذا العصر عن عياض
( ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ** عقود مدح فلا أرضى لها كلمي ) ولا سيما فصل التعزية والتسلية المشتمل على عقد التخلية بل عقود التحلية لتلميذكم الولد إبراهيم فإنه كان له كرقية السليم بعد أن كاد يهيم فجاء ولله دره في أحسن المحال ووقع الموقع حتى كأن الولد نشط ببركته من عقال
( وإذا الشيء أتى في وقته ** زاد في العين جمالا لجمال )
____________________
(2/448)

فجزاكم الله تعالى عنا أحسن الجزاء ثم أحسن لكم جميل العزاء فيمن ذكرتم من كريمتي الأصل والفرع وأبقى منكم ماكثا في الأرض من به للناس أم النفع وأما من كان وليي وسميي ومنجدي الشهيد السعيد المرحوم الشيخ عبدالرحمن المرشدي فإنها وإن أصابت من ومنكم الأخوين فقد عمت الحرمين بل طمت الثقلين ولقد عد مصابه في الإسلام ثلمة وفقد به في حرم الله تعالى من كان يدعى للململة ولم يبق بعده إلا من يدعي إذا يحاس الحيس واستحق أن ينشد في حقه وإن لم يقس به قيس
( وما كان قيس هلكه هلك واحد ** ولكنه بنيان قوم تهدما ) فالله تعالى يرفع درجاته في عليين ويبقي وجودكم للإسلام والمسلمين وتلامذتكم الأولاد يرجون من بركات أدعيتكم أعظم الأمداد ويهدون أكمل التحبة إلى حضرتكم العلية ونبلغكم دعاء صاحب السعادة أدام الله تعالى إسعادكم وإسعاده ونحن من صحبته الشهية في رياض فنون أديبة أبهاها لمعات محاضرة في ذكر شمائلكم الجملية تنور المجالس وأشهاها نسمات محاورة بنشر فضائلكم الجليلة تعطر المجالس وسلام جملة الأصحاب من أهل الشام وعامة الخواص والعام والدعاء على الدوام المخلص الداعي عبد
الرحمن العمادي مفتي الحنفية بدمشق المحمية ووردت علي مع المكتوب المذكور مكاتبات لجماعة من أعيان الشام حفظهم الله تعالى فمنها من الصديق الحميم الرافل في حلل المجد الصميم الخطيب الأديب سيدي الشيخ المحاسنى يحيى أسمى الله تعالى قدره في الدين والدنيا كتابان نص أولهما باسمه سبحانه
____________________
(2/449)

( لئن حكمت أيدي النوى و تعرضت ** عوارض بين بيننا وتفرق )
( فطرني إلى رؤياكم متشوف ** وقلبي إلى لقياكم متشوق )
يقبل الأرض الشريفة لا زالت مركزا لدائرة التهاني وقطبا لفلك تجري المجرة في حجرته على الدقائق والثواني ولا برحت ألسن البلاغة عن تمييز براعة يراعه حامي حماها معربة وبلابل الآداب على الأغصان في رياض فضله بمثاني الثناء صادحة وبألحان سجعها مطربة
( أرض بها فلك المعالي دائر ** والشمس تشرق والبدور تحوم )
( ولها من الزهر المنضد أنجم ** ولها على أفق السماء نجوم )
عمر الله تعالى بالمسرات محلها وعم بالخيرات من حلها ويبتديء بسلام يخبر عن صحيح وده السالم ومزيد غرام يؤكد حبه الذي هو للولاء حازم وينعت شوقا يحرك ما سكن صميم الضمير من صدق حب سلم جمعه من التكسير ويؤكد السلام بتوابع المدح والثناء ويعرب عن محبة مشيدة البناء وينهى أن السبب في تسطيرها والباعث على تحريرها أشواق أضرم نارها في الفؤاد ومحبة لو تجسمت لملأت البلاد وأقول
( شوقي لذاتك شوق لا أزال أرى ** أجده يا إمام العصر أقدمه )
( ولي فم كاد ذكر الشوق يحرقه ** لو كان من قال نار أحرقت فمه )
هذا وإن تفضل المولى بالسؤال عن حال هذا العبد فهو باق على ما تشهد الذات العلية من صدق المحبة ورق العبودية ولم يزل يزين أفق المجالس بذكركم ولا يقتطف عند المحاضرة إلا من زهركم ولم ينس حلاوة العيش في تلك الأوقات التي مضت في خدمتكم المحروسة بعناية الملك المتعال وليالي الأنس التي قيل فيها وكانت بالعراق لنا ليال
____________________
(2/450)

( واها لما من ليال هل تعود كما ** كانت وأي ليال عاد ماضيها )
( لم أنسها مذ نأت عني ببهجتها ** وأي أنس من الأيام ينسيها )
فنسأل الله تعالى أن يمن بالتلاق ويفصل مانعة الجمع بطي شقة الفراق إن ذلك على الله يسير وهو على جمعهم إذا يشاء قدير وبعد فالمعروض على مسامع سيدي الكريمة لا زالت من كل سوء سليمة أنه وصلنا مكتوبكم الكريم صحبة العم المحب القديم فحصل لهذا العبد به جبر عظيم وأنس جسيم كما شهد بذلك السميع العليم فعزمت على ترك الإجابة لعدم الإجادة ومتى تبلغ الألفاظ المذمومة ما بلغته الألفاظ المقرية وأين يصل صاحب الزمر كما قيل إلى الدقات الخليلية ولكنني خشيت من ترك الإجابة توهم نقض ما أبنيه من رق العبودية وصحة الوداد ومن انقطاع برق شيخي الذي هو لبيت شرفي العمدة والعماد فلزم من ذلك أن كتبت لجنابه الشريف الجواب وإن كان خطؤه أكثر من الصواب وأرسلته قبل ذلك بعشرة أيام ومكتوب هذا العبد صحبته مكتوبان أحدهما من محبكم شيخ الإسلام المفتي العمادي والآخر من محبكم أحمد أفندي الشاهيني وهما وبقية أكابر البلدة وأعيانها يبلغونكم السلام التام ولا تؤاخذونا في هذا المكتوب فإني كتبته عجلا ومن جنابكم خجلا دام خيركم على الدوام إلى قيام الساعة وساعة القيام وحرره يوم الاثنين 11 من جمادى الثانية سنة 1038 الفقير الداعي يحيى المحاسني انتهى
ونص الكتاب الثاني من المذكور أسماه الله باسمه سبحانه مخلصك الذي محض لك وداده ومحبك الذي أسلم لمحبتك قياده بل عبدك الذي لا يروم الخروج عن رقك وتلميذك الذي لم يزل مغترفا من فيض علومك معترفا بحقك من أسكنك لبه وأخلص لك حبه وأتخذك من بين الأنام ذخرا نافعا وكهفا مانعا ومولى رفيعا وشهابا ساطعا وتشبث بأسباب علومك
____________________
(2/451)

وتمسك يهدي إليك سلاما كأنما تعطر بمسك ثنائك وتمسك واكتسب من لطف طبعك الرقة واستعار من سنا وجهك حلة مستحقة وتحية لم يكن مناه إلا أن تكون بالمواجهة والمحاضرة والمشافهة على أن فؤاده لم يبرح لك سكنا وأحشاءه لك موطنا ويبدي دعوات يحقق الفضل أنها من القضايا المنتجة وأن أبواب القبول لها غير مرتجة مقبلا أياديك التي وكفت بوابل جودها وكفت المهم بنتائج سعودها وحاكت الوشي المرقوم وسلكت الدر المنظوم فهذا يرفل في حللها وهذا يتحلى بعقودها [ فهي التي تعنو الرياض لرقمها ** ويغار منها الدر في تنضيدها (
( ويحار أرباب البيان لنظمها ** فهم بحضرتها كبعض عبيدها )
متمسكا من ولائك بوثيق العرى متمسكا من ثنائك الذي لا يزال الكون منه معنبرا متشوقا للقائك الذي بالمهج يستام وبالنفوس يشتري متشوقا إلى ما يرد من أنبائك التي تسر خبرا وتحمد أثرا أعني بذلك المولى الذي أقام بفناء الفسطاط مخيما وانتجع حماه رائد الفضل ميمما وشدت لفضائله الرحال ووقفت عندها بل دونها فحول الرجال وطلعت شموس علومه في سماء القاهرة فاختفت نجوم فضلائها والأشعة باهرة 14 9 15 10 16 11 17 12 18 13 19 * الأزمان والعصور ولم يأت بنظيره تتابع الأعصار
____________________
(2/452)

والدهور من عجز لسان القلم عن التصريح باسمه الشريف في هذا الرقم لا زالت المدارس مشرقة بإلقائه فيها الدروس ولا برحت البقع عامرة بوجوده بعد الدروس ما سطرت آيات الأشواق في الصحائف والطروس وأرسلت من تلميذ إلى أستاذ بسبب نسبته إليه فحصل على المطلوب من شرف النفوس هذا والذي يبدي لحضرتكم وينهي لطلعتكم أن الراقم لهذه الصحيفة المشرفة ببعض أوصافكم اللطيفة المرسلة لساحة فضائلكم المنيفة هو تلميذكم من تشرف بدرسكم وافتخر بإجازتكم يبدي لكم تلهفه لنيران أشواقه التي التهبت وتأسفه على الأيام السالفة مذهبة في خدمتكم لا ذهبت وتوجعه لهذه الأزمان التي استرجعت بالبعد عنه من ذمته ما وهبت وتطلعه إلى ما يشنف به الأسماع من فضائله التي سلبت العقول وانتبهت فلم يزل يسأل الرواة عنها ليلتقط منها وقد تحقق أن فرائدها لا يلفي لها نظيرا ولا يدرك لها كنها وكيف لا ومنها يتعلم الفاضل اللبيب وإليها يفتقر السعيد ويتودد حبيب وعليها يعتمد ابن العميد ولم تنفك راقية في درج المزيد وعبد الحميد عبد الحميد وعلم شيخي محيط بصدق محبتي وإخلاصها وشدة حرصي على تحصيل فوائد مولانا واقتناصها وأنني لا أزال ذاكرا لمحاسنه التي ليست في غيره مجموعة ومتطفلا على ثمار أفكاره التي هي لا مقطوعة ولا ممنوعة وخاطره الشريف على الحقيقة يشهد بذلك فلا يحتاج هذا العبد إلى بينة لدى مولانا الأستاذ المالك وحقيق على من فارق تلك الأخلاق الغر والشمائل الزهر والعشرة المعشوقة والسجايا الموموقة والفضائل الموفورة والمآثر المشهورة أن يشق جيب الصبر ويجعل النار حشو الصدر [
____________________
(2/453)

إني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض العصفور بلله القطر ولو ملكت مرادي لما اخضر إلا في ذراه مرادي بل لو دار الفلك على اختياري لما نضوت إلا عنده ليلي ونهاري [
( لو نعطى الخيار لما افترقنا ** ولكن لا خيار مع الزمان )
( وتحت ضلوعي لوعة لو كتمتها ** لخفت على الأحشاء أن تتضرما )
( ولو بحت في كتبي بما في جوانحي ** لأنطقتها نارا وأبكيتها دما ) وأنا لا أقترح على الدهر إلا لقياه ولا أقطع حاضر الوقت إلا بذكراه وما عدا أيامي التي سعدت فيها بلقائه إلا مفاتح السرور ومطالع السعود والحبور ولست أعيبها إلا بقلة البقاء وسرعة الانقضاء وكذلك عمر السرور قصير والدهر بتفريق الأحبة بصير وربما اهتز العود بعد الذبول وطلع النجم بعد الأفول وأديل الوصال من الفراق وعاد العيش المر حلو المذاق [ بحر
( وما أنا من أن يجمع الله شملنا ** كأحسن ما كنا عليه بآيس ) فأما الآن فلا أزجي الوقت إلا بقلب شديد الاضطراب وجوانح لا تفيق من التوقد والالتهاب وكيف لا وحالي حال من ودع صفو الحياة يوم وداعه وانقطع عنه الأنس ساعة انقطاعه وطوى الشوق جوانحه على غليل وحل أضلاعه على كمد دخيل وأغرى بي فلزمني ولزمته وألف بيني وبين الوجد فألفني وألفته فلا أسلك للعزاء طريقا إلا وجدته مسدودا ولا أقصد للصبر بابا إلا ألفيته مردودا ولا أعد اليوم بعد فراق سيدي إلا شهرا والشهر دون لقائه إلا دهرا ولست بناس أيامنا التي هي تاريخ زماني وعنوان الأماني إذ ماء الاجتماع عذب وغصن الازدياد رطب وأعين الحواسد راقدة
____________________
(2/454)

وأسواق صروف الدهر كاسدة فما كانت إلا لمحة الطرف ووثبة الطرف ولمعة البرق الخاطف وزورة الخيال الطائف وما تذكر تلك الأيام في أكناف فضائله ونضرتها ورياض علومه في ظله وخضرتها إلا أوجب على عينه أن تدمع وانثنى على كبده خشية أن تصدع ثم لما ورد على عبدكم مكتوبكم الكريم صحبة حضرة العم المحب القديم فكان كالعافية للصب السقيم كما يشهد بذلك السميع العليم فوقف له منتصبا وخفف عنه برؤيته وصبا وذكر أيام الجمع فهام وجدا بها وصبا فاستخفه الإعجاب طربا وشاهد صدوره فقال هكذا تكون الرياض وعاين لطفه فقال هكذا تكون الصبا وقبل كل حرف منه ووضعه على الرأس وحصل له بعد ترقبه غاية المجاورة والاستئناس فعند ذلك أنشد قول بعض الناس [
( ورد الكتاب فكان عند وروده ** عيدا ولكن هيج الأشواقا )
( ألفاته قد عانقت صاداته ** كعناق مشتاق يخاف فراقا )
( فكأنما النونات فيه أهلة ** كأنما صاداته أحداقا )
( فعسى الإله كما قضى بفراقنا ** يقضي لنا يوما بأن نتلاقى )
فجعلته نصب عيني أتسلى به عند استيلاء الشوق على قلبه وأطفىء بتأمله نيران وجدي إذا التهبت في صدري وسررت به سرور من وجد ضالة عمره وأدرك جميع أمانيه من دهره وأنست بتصفحه أنس الرياض بانهلال القطر والساري بطلوع البدر والمسافر بتعريس الفجر وكيف لا وقد أصبح في وجه الأماني خدا بل في خدها وردا وصار حسنة من حسنات دهري
____________________
(2/455)

لا يمحو مرور الأيام موضعها من صدري وطلعت طوالع السرور وكانت آفلة واهتزت غصون الفرح وكانت ذابلة لا سيما لا تضمن من البشارة السارة بصحة المولى وسلامته وحلوله في منازل عزه وكرامته وموعده الكريم بعوده إلى دمشق الشام سقاها صوب الغمام مرة ثانية ويتم افتخارها على غيرها فلا تزال مفاخرة مباهية نسأل الله تعالى أن يحقق ذلك وأن يسلك بسيدي أحسن المسالك إنه سبحانه وتعالى سامع الأصوات ومجيب الدعوات فإن عودكم يا سيدي والله مرة أخرى هو الحياة الشهية والأمنية التي ترتجي النفس بلوغها قبل المنية وما أنا من الله بآيس من أن يتيح سببا يعيد المزار مقتربا والشمل مجتمعا وحبل البين منقطعا ثم ليعرض على مسامع سيدي الكريمة لا زالت من كل سوء سليمة أنا أوصلنا مكاتيبكم كما أمرتم لأربابها لا سيما مكتوب شيخ الإسلام سيدي عبد الرحمن أفندي المفتي يالشام ومكتوب المولى الأعظم والهممام الأفخم أحمد أفندي الشاهيني أعزه الله تعالى فإنه وقع عنده الموقع العظيم وحصل له به السرور المقيم كما يدل إلى ذلك جوابه الكريم المحفوف بالتعظيم والتكريم غير أنه قد ساءنا ما اتصل بمولانا من نفوذ قضاء الله تعالى الذي يعم في البنت والأم فجعل الله تعالى في عمر سيدي البركة وكان له في السكون والحركة وماذا عسى أن يذكر لجنابكم في أمر التعزية ويقرر ومنكم يستفاد مثله وعنكم يحرر والأستاذ أدرى بصروف الدهر وتفننها وأحوال الزمان وتلونها وأعرف بأن الدنيا دار لها بسكانها مدار وأن الحياة ثوب مستعار ونعيم الدنيا وبؤسها ما لواحد منهما فيها قرار وأن لكل طالع أفولا ولكل ناضر ذبولا ووراء كل ضياء ظلاما ولكل عروة من عرى الدنيا انفصاما فهو
____________________
(2/456)

محل لأن يقوى في العزاء عزائمه ويصغر في عينه نوائب الدهر وعظائمه ويغنيه عن عظة تجد له مقالا وتحل عن عقله عقالا وهو يتلقى المصائب بفكر ثاقب وفهم صائب وصبر يقصر عنه الطود الأشم وعزم ينفلق دونه الصخر الأصم وحلم يرجح إذا طاشت الأحلام وقدم تثبت إذا زلت الأقدام ومد المقال في ضرب الأمثال إلى جنابكم الشريف نوع من تجاوز حد الإجلال وأنا أسأل الله تعالى أن يجعل هذه المصيبة خاتمة ولا يريه بعدها إلا دولة قائمة ونعمة دائمة وأن يحرسه من غير الليل والنهار ويجعله وارث الأعمار بجاه نبينا محمد المختار صلى الله عليه وسلم على آله وصحبه الأطهار بمنه وكرمه
ثم أبلغ سيدي - أطال الله عمره وشرح صدره ونشر بالخير ذكره - السلام التام المقرون بألف تحية وإكرام من أهل البلدة جميعا لا سيما من مفتيها العمادي حرس الله ذاته التي هي منهل للصادي والغادي وأولاده الكرام المستحقين للإعزاز والإكرام ومن كبيرها ومدبرها ومشيرها أحمد أفندي الشاهيني أعزه الله تعالى بعزه وجعله تحت كنفه وحرزه ومن خطيبها مولانا الشيخ أحمد البهنسي ونقيب أشرافها مولانا السيد كمال الدين وجميع المحبين الداعين لذلكم الجناب والمتمسكين بتراب تلكم الأعتاب ومن الوالد والعم والله يا سيدي إنه ناشر لواء الثناء والمحامد وداع لذلك الجناب الكاسب للمفاخر والمحامد وحضرة شيخنا شيخ الإسلام وبركة الشام مولانا وسيدنا الشيخ عمر القاري أبقى الله تعالى وجوده وضاعف علينا إحسانه وجوده وأولاده يسلمون عليكم السلام الوافر وينهون لكم الشوق المتكاثر وحرر في 2 جمادى الثانية سنة 1038 المحب الداعي يحيى المحاسني انتهى وكتب إلي عمه الفاضل الأسمى ما صورته باسمه سبحانه وتعالى
____________________
(2/457)


( وإني لمشتاق إلى وجهك الذي ** تهلله أهدى السناء إلى البدر )
( وأخلاقك الغر اللواتي كأنها ** تساقط أنداء الغمام على الزهر ) سيدي الذي عبوديتي إليه مصروفة ودواعي محبتي لديه موفورة وعليه موقوفة علم الله سبحانه أنني لا أزجي أوقاتي إلا بذكراه ولا أرجي اليمن من ساعاتي إلا باستنشاق نسيم رياه وأنني إلى طلعته أشوق من الصادي إلى ماء صداء ومن كثير عزة إلى نوء تيماء
( يرنحني إليك الشوق حتى ** أميل من اليمين إلى الشمال )
( ويأخذني لذكراك اهتزاز ** كما نشط الأسير من العقال )
ولي على صدق هذه الدعوى من نباهة لبه شاهد معدل ومن نزاهة قلبه مزك غير ملوم ولا معذل كيف لا ومطالع البيان مشرقها من أفلاك فهومه وجواهر التبيان مقذفها من بحار علومه وهو بحر العلم الذي لا يقتحم بسفن الأفكار وجبل الحلم الذي رسخ بالهيبة والوقار
( لو اقتسمت أخلاقه الغر لم تجد ** معيبا ولا خلقا من الناس عائبا )
وماذا عسى أصف به مولانا وقد عجز عن وصفه لسان كل واصف وحار في بث فضائله أرباب المعارف والعوارف
( فلو نظمت الثريا ** والشعريين قريضا )
( وكاهل الأرض ضربا ** وشعب رضوى عروضا )
( وصفت للدر ضدا ** وللهواء نقيضا )
ولكنني أقول الثناء منجح أنى سلك والسخي جوده بما ملك وإن لم يكن خمر فخل وإن لم يصبها وابل فطل هذا وقد أوصلنا مكاتيبكم
____________________
(2/458)

الشريفة لأربابها فكانت لديهم أكرم قادم وأشرف منادم وقد تداولها الأفاضل وشهدوا أنها من بنات الأفكار التي لم يكشف عنها لغير سيدي حجب الأستتار وقد وجدنا كلا منهم ملتهبا بجمرات الشوق متجاوزا حد الصبابة والتوق ليس لهم شغل إلا ذكر أوصافكم الحميدة وبث ما أبديتموه بدروسكم المفيدة وما منهم إلا ويرجو بل الصدى ونقع الظما برؤية ذلك المحيا والتملي بتلك الطلعة العليا وإن سأل سيدي عن أخبار دمشق المحروسة دامت ربوعها ربوعها المأنوسة فهي ولله الحمد منتظمة الأحوال أمنها الله من الشرور والأهوال ولم يتجدد من الأخبار ما نعلم به ذلكم الجناب لا زال ملحوظا بعين عناية رب الأرباب وأنا أسأل الله تعالى أن يصون جوهر تلك الذات من عوارض الحدثان وأن يحمي تلك الحضرة العلية من طوارق حكم الدوران
( آمين آمين لا أرضى بواحدة ** حتى أضيف إليها ألف آمينا )
وهذا دعاء للبرية شامل - العبد الداعي بجميع البواعث والدواعي تاج الدين المحاسني عفا الله تعالى عنه انتهى
وبالهامش ما صورته وكاتب الأحرف العبد الداعي محمد المحاسني يقبل يدكم الشريفة ويخصكم بالسلام الوافر ويبث لديكم الشوق المتكاثر غير أنه قد نازعته نفسه في ترك المعاتبة لسيده الذي لم يسعد عبده منه بالمكاتبة على أنها مكاتبة تحكم عقد العبودية ولا تخرج رقبته من طوق الرقية والمطلوب أن يخصه سيده وشيخه بدعواته المستطابة التي لا شك أنها مستجابة كما هو في سائر أوقاته وحسبان ساعاته ودمتم وحرر في رابع جمادى الثانية سنة 1038 انتهى
وكتب سيدي التاج المذكور لي ضمن رسالة من بعض الأصحاب ما صورته
( يا فاضل العصر يا من ** للشرق والغرب شرف )
____________________
(2/459)


( يا أحمد الناس طرا ** في كل ما يتصرف )
( يهدي إليك محب ** دموعه تتذرف شوقا )
( وودا قديما ** منكرا يتعرف ) ولنختم مخاطبات أهل دمشق لي بما كتبه لي أوحد الموالي الكبراء السري عين الأعيان صدر أرباب 4 2 5 3 6 4 7 5 8 6 9 7 10 8 11 12 9 13 10 14 11 15 12 16 * حفظه الله تعالى بمصر وأنا بالشام
____________________
(2/460)

وليس غيبة مولانا الأستاذ عنا إلا غيبة العافية عن الجسم المضني بل غيبة الروح عن الجسد البالي المطروح ولا العيشة بعد فراقه وهجر أحبابه وفاقه إلا - كما قال بديع الزمان - عيشة الحوت في البر والثلج في الحر وليس الشوق إليه بشوق وإنما هو العظم الكسير والنزع العسير والسم يسري ويسير وليس الصبر عنه بصبر وإنما هو الصاب والمصاب والكبد في يد القصاب والنفس رهينة الأوصاب والحين الحائن وأين يصاب ولا أعرف كيف أصف شرف الوقت الذي ورد فيه كتاب شيخي بخطه مزينا بضبطه بلى قد كان شرف عطارد حتى اجتمع من أنواع البلاغة عندي كل شارد وأما خطه فكما قال الصاحب ابن عباد أهذا خط قابوس أم جناح الطاووس أو كما قال أبو الطيب
( من خطه في كل قلب شهوة ** حتى كأن مداده الأهواء ) وأنا أقول ما هو أبدع وأبرع وفي هذا الباب أنفع وأجمع بل هو خط الأمان من الزمان والبراءة من طوارق الحدثان والحرز الحريز والكلام الحر الإبريز والجوهر النفيس العزيز وأما الكتاب نفسه فقد حسدني عليه إخواني واستبشر به أهلي وخلاني وكان تقبيلي لأماليه أكثر من نظري فيه شوقا إلى تقبيل يد وشته وحشته واعتيادا للثم أنامل جسته ومسته وأما اليراعة فلا شك أنها ينبوع البراعة حتى جرى من سحر البلاغة منها ما جرى
( فجاء الكتاب كسحر العيون ** بما راح يسبي عقول الورى ) وينادي بإحراز خصل سحر البيان من الثريا إلى الثرى ولم أر كتابا قبل تكون محاسنه متداخلة مترادفة ولطائفه وبدائعه متضاعفة متراصفة وذلك لأنه سرد من غرر درره الأحاسن وورد على يد رأس أحبابنا تاج بني محاسن
( أولئك قوم أحرزوا الحسن كله ** فما منهم إلا فتى فاق في الحسن )
____________________
(2/461)

وكما قلت فيهم أيضا
( فبنو المحاسن بيننا ** كبنى المنجم في النجابه )
( فهم القرابة إن عد مت ** من الأنام هوى القرابه )
( فيهم محاسن جمة ** منها الخطابة والكتابه )
ثم لم يكتف سيدي وشيخي بما أنعم به وأحسن بكتبه من كتابه المزين بخطه المبين بضبطه المسمى بين أهل الوفاء بكتاب الأصفياء حتى أضاف إليه كتاب الشفاء في بديع الاكتفاء كأنه لم يرض طبعه الشريف المفرد المستثنى إلا أن تكون حسناته لدى أحبابه مثنى مثنى حتى كأن مراده بتضعيف هذا الإكرام والإحسان تعجيز العبد عن أداء خدمة الحمد بحصر البيان وعقد اللسان إذ لست ذا لسانين حتى أؤدي شكر إحسانين وغاية البليغ في هذا المضمار الخطير أن يعترف بالقصور ويلتزم بالتقصير
ومن فصول هذا الكتاب ما نصه ومن باب إدخال السرور على سيدي وشيخي وبركتي خبر المدرسة الداخلية التي تصدى لها ذلك المولى العظيم والسيد الحكيم صدر الموالي ورونق الأيام والليالي سيدي وسندي وعمادي ومعتمدي الفهامة شيخي أفندي المعروف بالعلامة حفظه الله ووقاه وأبقاه الذي صدق عليه وعلي قول الأول
( ولي صديق ما مسني عدم ** مذ وقعت عينه على عدمي )
( أغنى وأقنى فما يكلفني ** تقبيل كف له ولا قدم )
( قام بأمري لما قعدت به ** ونمت عن حاجتي ولم ينم )
وقول الثاني
( صديق لي له أدب ** صداقة مثله نسب )
( رعى لي فوق ما يرعى ** وأوجب فوق ما يجب )
____________________
(2/462)


( فلو نقدت خلائقه ** لبهرج عندها الذهب ) ولعمري إنه كذلك قد تصدى لحاجتي فقضاها ولحجتي فأمضاها ولم يكن لي في الروم سواه وسواها وما أصنع بالروم إذا تخلف عني ما أروم أبى الله إلا أن ينفعني ذلك الحر الكريم بنهيه وأمره وأن يكون بياني وبناني مرتبطين بحمده وشكره وهذه حاجة في نفسي قضيتها وأمنية رضيت بها وأرضيتها ولله الحمد
ولست أحصي ولا أستقصي يا سيدي ومولاي شوق أخيكم سيدي ومولاي المفتي العمادي حفظه الله تعالى وإياكم وقد بلغ به شوقه وغرامه وتعطشه [ وهيامه ] وأوامه أن أفرد لجناب مولانا كتابا يستجلب مفخرا وجوابا إذ الشام كما رأيتم عبارة عن وجوده الشريف والسلام وكذلك أولاده الكرام تلامذتكم يقبلون الأقدام وأما محبكم وصديقكم الشيخ البركة شيخ الإسلام مولانا عمر القاري فقد بلغته سلام سيدي فكان جوابه الدعاء والثناء مع العزيمة علي بأن أبالغ لجنابكم الكريم في تأدية سلامه وتبليغ ما يتضمنه من المحبة الخالصة فصيح كلامه
وأما الكريميان ولدكم محمد أفندي وأخوه سيدي أكمل الدين فهما لتقبيل أقدامكم من المستعدين
وكذلك لا أحصي ما هما عليه من الدعاء والثناء لجنابكم الكريم العالي تلميذاكم بل عبداكم ولدنا الشيخ يحيى ابن سيدي أبي الصفاء وولدنا الشيخ محمد بن سيدي تاج الدين المحاسنيان
وأما عبداكم وتلميذاكم ولداي الشيخان الداعيان الأخوان الشيخ عبد السلام والقاضي نعمان فليس لهما وظيفة إلا الدعاء والثناء في كل صبح ومساء لأن كلا منهما خليفتي والأشتغال بالدعاء لسيدي وظيفتي ولا يقنعان بتقبيل اليدين الكريمتين ولا بد من تقبيل القدمين المباركتين وبعد فلا ينقضي عجبي من بلاغة كتابكم الشريف الوارد لجناب أخيكم المفتي العمادي حفظكم الله تعالى وإياه ولا كان من يشناك ويشناه وعجبه به أعظم وأكبر
____________________
(2/463)

إذ هو - حفظه الله - بفهم كلام سيدي أحق وأجدر فلا عدمنا تلك الأنفاس الملكية الفلكية من كل منكما إذ هي والله البغية والأمنية كما قلت
( ليس فخري ولا اعتدادي بدهر ** غير دهر أراكما من بنيه )
اللهم اختم هذا الكلام للقبول التام بالصلاة على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين
ومن فصول هذا الكتاب ما صور ته أطال الله يا سيدي بقاءك ولا كان من يكره لقاءك ورعاك بعين عنايته ووقاك وأدامك وأبقاك وضمن لك جزاء الصبر وعوضك عن مصابك الخير والأجر ولقد كنت عزمت على أن أجعل في مصاب سيدي بأمه متعه الله بعمره وعلمه ودفع عنه سورة همه وغمه قصيدة تكون مرثية تتضمن تعزية وتسلية فنظرت في مرثية أبي الطيب المتنبي لأمه واكتفيت بنظمها ونثرها وعقدها وحلها وانتخبت قوله منها
( لك الله من مفجوعة بحبيبها ** قتيلة شوق غير مكسبها وصما ) ومنها
( ولو لم تكوني بنت أكرم والد ** لكان أباك الضخم كونك لي أما )
( لئن لذ يوم الشامتين بيومها ** لقد ولدت مني لآنفهم رغما ) فقلت هذه حال مولانا الراغم لأنوف الأعدا المجدد لأسلافه حمدا ومجدا القاتل بشوقه لا خطأ ولا عمدا ثم إني لما رأيت قوله في مرثية أخت سيف الدولة
( إن يكن صبر ذي الرزية فضلا ** تكن الأفضل الأعز الأجلا )
( أنت يا فوق أن تعزى عن الأحباب ** فوق الذي يعزيك عقلا )
( بألفاظك اهتدى فإذا عزاك ** قال الذي له قلت قبلا )
____________________
(2/464)

قد بلوت الخطوب حلوا ومرا ** وسلكت الأيام حزنا وسهلا )
( وقتلت الزمان علما فما يغرب ** قولا وما يجدد فعلا )
قلت هذه والله حلى مولانا الأستاذ الذي عرف للزمان فعله وفهم قوله قد استعارها أبو الطيب وحلى بها مخدومه سيف الدولة وكيف أستطيع إرشاد شيخي لطريق الصبر وأذكره بالثواب والأجر وكيف وأنا الذي استقيت من ديمه واهتديت إلى سبيل المعروف بشيمه وسلكت جادة البراعة بهداية ألفاظه وارتقيت إلى سماء البلاغة برعاية ألحاظه وهل يكون التلميذ معلما وهل يرشد الفرخ قشعما وكيف يعضد الشبل الأسد وهو ضعيف المنة والمدد ومن يعلم الثغر الابتسام والصدر الالتزام ويختبر الحسام وهو مجرب صمصام وهل تفتقر الشمس في الهداية إلى مصباح وهل يحتاج البدر في سراه إلى دلالة الصباح ذلك مثل شيخي ومثل من يرشده إلى فلاح أو نجاح وإنما نأخذ عنه ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة ونحذو حذوه في الطريق الموصلة إلى الجنة ثم لما وصلت في هذه القصيدة إلى قول أبي الطيب
( إن خير الدموع عينا لدمع ** بعثته رعاية فاستهلا )
رأيته قد أبدع في كل الإبداع ونظم ما يكاد يجري الدمع من طريق السماع فقلت إنا لله وأكثرت الاسترجاع وقلت في نفسي إن ذلك الدمع الذي بعثته رعاية الحقوق هو دمع شيخي الذي حمى الله قلبه الشفوق من العقوق للمصيبة في الأم التي حزنها يغم ومصابها يعم وكيف لا يعمنا مصابها وقد كمل للمصيبة كفاها الله بموتها نصابها هذا مع الفقد للسليلة الجليلة والكريمة الخليلة وأي دمع لم تبعثه تلك الرعاية وأي نفس لا تتمنى أن تكون لسيدنا من كل ما يكره وقاية وأي كبد قاسية لم تكن لأحبابها مواسية وأنى يتسنى للعبد المعنى تسلية شيخه وهو الصبور الشكور العارف بالأمور العالم بتصاريف الدهور وما ظننت أن بناني 11 يساعدني على تحرير
____________________
(2/465)

بياني لتعزية شيخي حفظه الله تعالى في أصله وفرعه وضرعه وزرعه وفرعه ونبته وأمه وبنته أما الوالدة الماجدة فإني إن أمسكت عن بيان كرم أصلها يسمو بها كرم فرعها ونسلها فرحم الله تعالى سلفها وأبقى خلفها ولا حرم سيدي ثمرة رضاها ورضي عنها وأرضاها وأما المخدرة الصغيرة فالمصيبة فيها كبيرة إذ العمومة مقرية والخؤولة وفائية فهي ذات النجارين وحائزة الفخارين كأن سيدي - أعزه الله تعالى - لم يرض لها كفوا ومهرا فاختار القبر أن يكون له صهرا وخطبة الحمام لا يمكن ردها وسطوة الأيام لا يستطاع صدها كما قال أبو الطيب المتنبي أيضا
( خطبة للحمام ليس لها رد ** وإن كانت المسماة ثكلا )
( وإذا لم تجد من الناس كفؤا ** ذات خدر أرادت الموت بعلا ) أسأل الله تعالى أن تكون هذه الخطبة قافية الخطوب وهذا الندب المبرح آخر الندوب وأن يعوض سيدي عن حبيبه المبرقع المقنع حبيبا معمما تتحرى النجابة منه المصنع وأن يبدله عن ذات الخمار والخضاب بمن يصول بالحراب ويسطو باليراع ويشتغل بالكتاب
( وما التأنيث لاسم الشمس عيب ** ولا التذكير فخر للهلال )
اللهم يا أرحم الراحمين إني أتوسل إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم وآله الطيبين الطاهرين أن تأخذ بيد عبدك شيخي المقري في كل وقت وحين آمين ومن فصول هذه الكتاب ما صورته ولما وصلني سيدي بهديته التي أحسن بها من كتاب الاكتفاء داخل طبعي الصفاء ونشطت إلى نظم بيتين فيهما التزام عجيب لم أر مثله وهو أن يكون اللفظ المكتفي به بمعنى اللفظ المكتفي منه فإن الاحتفاء والاحتفال بمعنى الاعتناء كما أفاده شيخي فيكون على
____________________
(2/466)

هذا الاكتفاء وعدمه على حد سواء إذ لو قطع النظر عن لفظ الاحتفال لأغنى عنه لفظ الاحتفاء مع تسمية النوع فيهما وهما
( إن احتفال المرء بالمرء لا ** أحبه إلا مع الاكتفا )
( مبالغات الناس مذمومة ** فاسلك سبيل القصد في الاحتفا ) ولقد انقطع الثلج أيام الخريف وكانت الحاجة إليه شديدة بعد غيبة سيدي حفظه الله تعالى عن دمشق فتذكرت شغف شيخي به فزاد على فقده غرامي وفاض عليه تعطشي وأوامي فجعلت في ذلك عدة مقاطيع وأحببت عرضها على سيدي أولها
( ثلج يا ثلج يا عظيم الصفات ** أنت عندي من أعظم الحسنات )
( ما بياض بدا بوجهك إلا ** كبياض بدا بوجه الحياة )
ثانيها
( قد قلت لما ضل عني رشدي ** وما رأيت الثلج يوما عندي )
( لا تقطع اللهم عن ذا العبد ** أعظم أسباب الثنا والحمد ) ثالثها
( ثلج يا ثلج أنت ماء الحياة ** ضل من قال ضر ذاك لهاتي )
( ما بياض بدا بوجهك إلا ** كبياض قد لاح في المرآة )
( قد رأى الناس وجههم في المرايا ** وأنا فيك شمت وجه حياتي )
وما عللت سيدي هذا التعليل إلا لأشوقه إلى نسيم دمشق الذي خلفه سيدي حفظه الله عليلا وهو على الصحة غير عليل ولم يشف أعزه الله تعالى منه الغليل ولسيدي الدعاء بطول البقاء والارتقاء وهذه أبيات أحدثها العبد في وصف القهوة طالبا من سيده أن يغفر خطأه فيها وسهوه
____________________
(2/467)


( قهوة كالعنر السحيق ** سوداء مثل مقلة المعشوق )
( أتت كمسك فائح فتيق شبهتها في الطعم بالرحيق )
( تدني الصديق من هوى الصديق ** وتربط الود مع الرفيق )
( فلا عدمت مزجها بريق ** )
وما زلت ألهج بما أفادنيه شيخي من أماليه وأتصفح الدهر الذي جمعته فيه من أسافله إلى أعاليه واستشكل على الأحباب والأصحاب في أثناء المسامرة ما أفادنيه سيدي من تسمية المرحوم القاضي التنوخي كتابه نشوار المحاضرة حتى ظفرت بأصلها في القاموس في مادة نشر فإذا هي عربية محضة فإنه قال ونشورت الدابة نشوارا أبقت من علفها ولقد تعجبت من بلاغة هذه التسمية وعذوبتها وحسن المجاز فيها مع سلاستها وسهولتها وأحببت عرضها على شيخي حفظه الله تعالى ليفرح لي بين تلامذته كما فرح طبعي به حفظه الله تعالى بين أساتذته وليعلم أني لم أنس ما أفادنيه في خلال المحاورة أيام المؤانسة والمجاورة فوالله إنه سميري في ضميري وكليمي ما بين عظمي وأديمي
( يديرونني عن سالم وأديرهم ** وجلدة بين العين والأنف سالم )
( الطرس طما وما مضت قصتنا ** لاذنب لنا حديثنا لذ فطال ) وحرر يوم السبت المبارك غرة جمادى الآخرة من شهور سنة ثمان وثلاثين بعد الألف أحسن الله ختامها بحرمة محمد وآله الطيبين الطاهرين وحسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير والحمد لله وحده عبده الفقير الحقير المشتاق المذنب المقصر لسيده عن اللحاق الذي لم يبرح عن العهد المتين أحمد الشامي بن شاهين انتهى
ولو تتبعت ما له حفظه الله تعالى من النظم والنثر اللذين غلب فيهما بلغاء
____________________
(2/468)

أهل العصر بالشام ومصر وغيرهما من الأقطار لا زال مقامه مقضي الأوطار لاستوعبت الأسفار وفي الإشارات ما يغني عن الكلم وقد تقدم في خطبة هذا التصنيف ذكر شيء من نظمه ونثره وأنه هو السبب الداعي إلى جمع هذا التأليف والله سبحانه يديم جناب هالسرى الشريف ويبوئه من العز الظل الوريف فلقد أولى من الحقوق ما لا نؤدي بعضه فضلا عن كله وناهيك بما جلبناه من كلامه دليلا على شرفه وفضله
ورسالته هذه إلي كانت جوابا عن مكتوب كتبته إليه من جملته
( يا من له طائر صيت علا ** في الجو فاصطاد الشريد الشديد )
( يا نجل شاهين البديع الحلى ** تمل بالعز الطويل المديد )
( وفز بخصل السبق بين الملا ** وسر بنهج للمعالي سديد )
( ورد مع الأحباب عذبا حلا ** منتظما من الأماني البديد )
( وارفل على طول المدى في ملا ** مسرة راقت وعز جديد )
( والوالد المحروس بالله لا ** بعدة الخلق ولا بالعديد ) ومن نثرها سيدي الذي في الأجياد من عوارفه أطواق وفي البلاد من معارفه ما تشهد به الفطرة السليمة والأذواق وتشتد إلى مجده المطنب الذي لا يحط له رواق الأشواق وتعمر بفوائده وفرائده من الآداب الأسواق وتنقطع دون نداه السحب السواكب وتقصر عن مداه في السمو الكواكب والله سبحانه له واق المولى الذي ألقت إليه البلاغة أفلاذها واتخذت البراعة طاعته عصمتها وملاذها إذ بذ أفرادها وأفذاذها وأمطرت سماء أفكاره على كل محب أوكاره طائر في جو أو مستقر في أوكاره صيبها ورذاذها وفاخرت دمشق بعلاه وحلاه أقطار البسيطة وبغذاذها ومنها أبقاه الله تعالى وحقيقة وعوده ينمقها النجاز وحقيقة سعوده لا يطرقها المجاز
____________________
(2/469)

ومنها فأنت الذي نفست عني مخنقا وأصفيت مشربي وكان مرنقا وكاثرت بما به آثرت وما استأثرت - رمل النقا فلو رآك المأمون بن الرشيد لعلم أنك المتمني بيتي الغناء الذي غني به والنشيد
( وإني لمشتاق إلى قرب صاحب ** يروق ويصفو إن كدرت لديه )
( عذيري من الإنسان لا إن جفوته ** صفا لي ولا إن كنت طوع يديه )
ولم يقل أعطني هذا الصديق وخذ مني الخلافة وأنا أقول قد ظفرنا به بحمد الله ولم أجد أحدا في دهره وافق الغرض فلم نر خلافه ومنها فهذه يا ابن شاهين أياديك البيض تفرخ لك الشكر وتبيض فلا دليل على ولائي كإملائي ولا شاهد لما في أحنائي كثنائي ولا حجة على ودادي كتكراري ذكرك وتردادي وهي طويلة لا يحضرني الآن منها سوى ما ذكرته
ولنقتصر من مكاتبات أعيان العصر من أهل دمشق المحروسة على هذا المقدار ونسأل الله تعالى أن يحفظهم جميعا في الإيراد والإصدار رسائل من المغرب ترد للمؤلفين
وفي تاريخ ورود هذه المكاتيب الشامية السابقة علي اتفق ورود كتب من المغرب وجهها جماعة من أعيانه إلي فمن ذلك كتاب كتبه لي الأستاذ المجود الأديب الفهامة معلم الملوك سيدي الشيخ محمد بن يوسف المراكشي التاملي نصه الحمد لله تعالى والصلاة والسلام على سيدنا محمد تتوالى من المحب المخلص المشتاق إلى السيد الذي
____________________
(2/470)

وقع على محبته الاتفاق وطلعت شموس معارفه في غاية الإشراق وصار له في ميدان الكمال حسن الاستباق الصدر الكامل والعالم العامل الفقيه الذي تهتدي الفقهاء بعلمه وعمله البليغ الذي تقتدي البلغاء ببراعه قلمه ناشر ألوية المعارف ومسدي أنواع العوارف العلامة إمام العصر بجميع أدوات الحصر سيدي أحمد بن محمد المقري قدس الله السلف كما بارك في الخلف سلام من النسيم أرق وألطف من الزهر إذا عبق
وبعد فإن أخباركم دائما ترد علينا وتصل إلينا بما يسر الخاطر ويقر الناظر مع كل وارد وصادر والعبد يحمد الله تعالى على ذلك ويدعو الله بالاجتماع معكم هنالك
( ويرحم الله عبدا قال آمينا ** ) كتبته إليكم أيها السيد من الحضرة المراكشية مع كثرة أشواق لا تسعها أوراق كتبكم الله سبحانه فيمن عنده كما جعلكم ممن أخلص في موالاة الحق فصده وودي إليكم غض الحدائق مستجل في مطلع الوفاء بمنظر رائق لا يحيله عن مركز الثبوت عائق وحقيق بمودة ارتبطت في الحق وللحق معاهدها وأسست على المحبة في الله قواعدها أن يزيد عقدها على مر الأيام شدة وعهدها وإن شط المزار جدة وأنت تدخر للأخرى عدة وإني ويعلم الله تعالى لممن يعتقد محبتكم وموالاتكم عملا صالحا يقرب من الله تعالى ويزلف إليه ويعتمدهما وزرا يعول في الآخرة يوم لا ظل إلا ظله عليه فإنكم واليتم فأخلصتم في الولاء وعرفتم الله تعالى فقمتم بحقوق الصحبة على الولا معرضين في تلكم الأخوة عن غرض الدنيا وعرضها موفين
____________________
(2/471)

بشروط نفلها ومفترضها إلى أن قضى الله تعالى بافتراقنا وحقوقكم المتأكدة دين علينا والأيام تمطل بقضائها عنا وتوجه الملام إلينا فآونة أقف فأقرع السن على التقصير ندما وآونة أستنيم إلى فضلكم فأتقدم قدما وفي أثناء هذا لا يخطر بالبال حق لكم سابق إلا وقد كر عليه منكم آخر له لاحق حتى وقفت موقف العجز وضاقت على العبارة عن حقيقة مقامكم في النفس فكدت لا أتكلم إلا بالرمز إجلالا لحقكم الرفيع وإشفاقا من التقصير المضيع وقد كنت كتبت - أعزكم الله تعالى - إليكم قبل هذا بكتب أربعة أو خمسة فيها عجالة قصائد كالعصائد كالثريد من الكلام ككلامكم السلس الكثير الفوائد فعذرا ممن كان أخرس من سمكة وأشد تخبطا من طائر في شبكة فما عرفت أوصل شيء من ذلك أم حصل في أيدي المعاطب والمهالك وما رأيت غير رجل من صعاليك الحجاج التقيت به يوما بالحضرة المراكشية فقال لي الشيخ الإمام المقري يسأل عنك وقد أرسل معي كتابا إليك فوقع في البحر مع جملة ما وقع فقلت له لا غرابة في ذلك فقد رجع إلى أصله ومن ظلمة البحار تستخرج الدرر وقد جاءني كتاب من بعض الأخلاء الصديقين وهو الحاج الصالح السيد أبو بكر من مكه المكرمة شرفها الله تعالى وذكر لي فيه أنه متعه الله تعالى بلقائكم وأخبرني بسؤالكم عني كثيرا وإلى الآن يا نعم السيد إنما عرفته بما كتبته لسيدتكم تعريف تذكر لا تعريف منة فأنصفونا في الحكم عليكم في عدم الجواب بما ألفته الأدباء شريعة وسنة وبالجملة ففؤادي لمجدكم صحيح لا سقيم واعتدادي بودكم منتج غير عقيم والله تعالى يجعل الحب في ذاته الكريمة ويقضي عن الأحبة دين المحبة فيوفي كل غريم غريمه ويصلكم إن شاء الله تعالى هذا المرقوم
____________________
(2/472)

وبه سؤال منظوم لتتفضلوا بالجواب عنه بعد حمد الله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله
( إلى المقري الحبر صدر الأئمة ** من المخلص الوداد أزكى تحية )
( فذلك يا صدر الصدور عجالة ** لتسمح بالجواب عما أكنت )
( فتى قد رأى عند العذارى فتية ** محرمة عند الزوال فحلت )
( وعادت حراما عند عصر فعندما ** عشاء أتى عادت حلالا تجلت )
( وفي صبح ثاني اليوم عادت محرما ** وزالت زوالا منه في غير مرية )
( وفي ظهره حلت فطابت قريرة ** وفي عصره محرما قد تبدت )
( وعند العشاء بالضرورة حللت ** وذلك بعد غرم مال كفدية )
( وفي صبحه عادت حراما ترى به ** بروق سيوف لا معات بسنة )
( وكان يضيق حسرة و تأسفا ** وحلت له وقت العشاء وتمت )
( وعن أمة أيضا يموت سريها ** قد اولدها في ملكه بعد وطأة )
( وعادت لمملوك السري حليلة ** بعقد نكاح بعد من غير شبهة )
( فجاءت ببنت هل لها من تزوج ** بنجل السري بينوا لي قصتي )
( فإن السيوري مانع من تزوج ** له بابنة منها بتلك القضية )
( وما الفرق بينها وبين التي أتى ** بها ابن أبي زيد بأوضح حجة )
( وعن مشتر مملوكة غير محرم ** ومسلمة شرا صحيحا بشرعة )
( وليس بملكه له وطؤها يرى ** جوازا على التأبيد تأخير جلة )
( وما طالق من عدة خرجت ولا ** يجوز على التأبيد في خير ملة )
( نكاح لها من واحد ومطلق ** لها غير معصوم ترى في الشريعة )
( وتمت بحمد الله مبدية لكم ** سلاما كما أبدته في صدر طلعة )
____________________
(2/473)

وتقرير السؤال الثاني أمة أولدها سيدها فصارت حرة فمات عنها السيد ثم تزوجها عبد سيدها فأتت ببنت أما لولد سيدها أن يتزوج هذه البنت فإن الرجل له أن يتزوج بنت زوجة أبيه من رجل غيره وهذه سرية أبيه فإن الإمام السيوري يمنع هذه المسألة وما الفرق بينهما وتصلكم أيضا إن شاء الله تعالى عجالة رجزية في مآثركم السنية ضمنتها أشطارا من الألفية فتفضلوا بالإغضاء وحسن الدعاء أن يجمع الله شملنا بكم في تلك الأماكن المشرفة ثم المأمول من سيدنا ومولانا أن يتفضل علينا بكتاب طبقات القراء للإمام الحافظ الداني إذ ليس عندنا منه نسخة وأما تأليفكم الكثير الفوائد المسمى بأزهار الرياض في أخبار عياض وما يناسبها مما يحصل به للنفس ارتياح وللعقل ارتياض فقد انتشر بهذه الأقطار المراكشية وانتسخت منه نسخ عديدة من نسخة المرحوم سيدي أحمد بن عبد العزيز بن الولي سيدي أبي عمر وكسا الله سبحانه تأليفكم المذكور جلباب القبول فما رآه أحد إلا نسخه وعندي النسخة التي كتبها بخطه السيد أحمد المذكور بخط حسن وعلى هامشها في بعض الأماكن خطكم الرائق وبعض التنبيهات من كلامكم الفائق وأعلمونا بتأليفكم الذي سميتموه قطف المهتصر من أفنان المختصر هل خرج من المبيضة أم لا وودنا لو اتصلنا منه بنسخة وقد اشتاق فقهاء هذا الإقليم إليه غاية كالفقيه قاضي القضاة محبكم سيدي عيسى وغيره من أخلاء خليل في كل محفل جليل إلى أن قال وأنا أتمثل بكلام مولانا علي كرم الله وجهه حيث يقول تبركا به
( رضيت بما قسم الله لي ** وفوضت أمري إلى خالقي )
( كما أحسن الله فيما مضى ** كذلك يحسن فيما بقي )
____________________
(2/474)


ولي حفظكم الله تعالى تخميس على البيتين وذلك أنه نزلت بي شدة لا يمكن الخلاص منها عادة فما فرغت من تخميسهما إلا وجاء الفرج في الحين ونصه
( إذا أزمة نزلت قبلي ** )
( وضقت وضاقت بها حيلي ** )
( تذكرت بيت الإمام علي ** )
( رضيت بما أقسم الله لي وفوضت أمري إلى خالقي )
( لأن الإله اللطيف قضى ** )
( على خلقه حكمه المرتضى
( فسلم وقل قول من فوضا )
( كما أحسن الله فيما مضى ** كذلك يحسن فيما بقي ) فعذرا - أعزكم الله سبحانه ونفع بإخائكم - عن إغباب المراسلة بالمكاتبة عذرا وصبرا على بعد اللقاء صبرا فإن يقدر في هذه الدار نلنا فيها ما نتمنى وإلا فلن نعدم بفضل الله جزاء الحسنى ولقاء لا يبيد ولا يفنى مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا إيقانا بالوعد وتحقيقا فمن أوجب له محبته أدخله جنته وأحضره مأدبته وكمل له أمنيته جعلنا الله من المتحابين في جلاله بكرمه وإفضاله وكتبه محبكم ومعظمكم الواصل حبل وده بودكم المشرف لعهدكم المنوه بفخركم ومجدكم العبد الفقير الحقير المشفق على نفسه من التقصير والذنب الكبير محمد بن يوسف التاملي غفر الله ذنبه وسترعيبة وجبر قلبه وجمعه بمن أحبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في عاشوراء المحرم فاتح سنة ثمان وثلاثين وألف انتهى
وصحبة هذا المكتوب ورقة نصها بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الل
____________________
(2/475)

هـ على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم
( لله در العالم الجياني ** كأنما ينظر بالعيان )
( للمقري العالم المفضال ** منظرا بأحسن المثال )
( وعالم بأنني من بعده ** أشير في نظامنا لقصده )
( وها أنا بالله أستعين ** مضمنا وربنا المعين )
( بالشطر من ألفية ابن مالك ** أيدنا الله لنسج ذلك )
( قال محمد عبيد المالك ** وسالك الأحسن من مسالك )
( نشير بالتضمين للنحرير ** المقري الفاضل الشهير )
( ذاك الإمام ذو العلاء والهمم ( كعلم الأشخاص لفظا وهو عم )
( فلن ترى في علمه مثيلا ( مستوجبا ثنائي الجميلا ) )
( ومدحه عندي لازم أتى ( في النظم والنثر الصحيح مثبتا ) )
( أوصاف سيدي بهذا الرجز ( تقرب الأقصى بلفظ موجز ) )
( فهو الذي له المعاني تعتزي ( وتبسط البذل بوعد منجز ) )
( رتبته فوق العلا يا من فهم ( كلامنا لفظ مفيد كاستقم )
( وكم أفاد دهره من تحف ( مبدي تأول بلا تكلف ) )
( لقد رقى على المقام الطاهر ( كطاهر القلب جميل الظاهر ) ) وفضله للطالبين وجدا ( على الذي في رفعه قد عهدا ) قد حصل العلم وحرر السير ( وما بإلا أو بإنما انحصر ) في كل فن ماهر صفه ولا ( يكون إلا غاية الذي تلا )
( سيرته جرت على نهج الهدى ( ولا يلي إلا اختيارا أبدا ) )
____________________
(2/476)


( وعلمه وفضله لا ينكر ( مما به عنه مبينا يخبر ) )
( يقول دائمابصدر انشرح ( اعرف بنا فإننا نلنا المنح ) )
( يقول مرحبا لقاصديه من ( يصل إلينا يستعن بنا يعن ) )
( صدق مقالتي وكن متبعا ( ولم يكن تصريفه ممتنعا ) )
( وانهض إليه فهو بالمشاهده ( الخبر الجزء المتم الفائده ) )
( والزم جنابه وإياك الملل ** إن يستطل وصل وإن لم يستطل )
( واقصد جنابه ترى مآثره ** والله يقضي بهبات وافره )
( وانسب له فإنه ابن معطي ** ويقتضي رضى بغير سخط )
( واجعله نصب العين والقلب ولا ** تعدل به فهو يضاهي المثلا )
( قد طالما أفاد علم مالك ** أحمد ربي الله خير مالك )
( وحاسد له ومبغض زمن ** وهالك وميت به قمن )
( وليس يشفي مبغض له أعل ( عينا وفي مثل هراوة جعل )
( يقول عبد ربه محمد ( في نحو خير القول إني أحمد )
( وهو بدهره عظيم الأمل ** مروع القلب قليل الحيل )
( فادع له وسادة قد حضروا ** وافعل أوافق نغتبط إذ تشكر )
( واجبره بالدعا عساه يغتنم ** فجره وفتح عينه التزم )
( أنشدت فيكم ذا وقال قائل ** في نحو نعم ما يقول الفاضل )
( أدعو لكم بالستر في كل زمن ** لكونه بمضمر الرفع اقترن )
( مآثر لكم كثيرة سوى ** ما مر فأقبل منه ما عدل روى )
( قد انتهى تعريف ذا المعرف ** وذو تمام ما برفع يكتفي )
( لأنتم تاج الأئمة الأول ** وما بجمعه عنيت قد كمل )
( فالله يبقيكم لدينا وكفى ** مصليا على الرسول المصطفى )
____________________
(2/477)


( تترى عليه دائما منعطفا ** وآله المستكملين الشرفا )
ومن ذلك ما كتبه لي بعض الأصحاب ممن كان يقرأ علي بالمغرب وصورته سيدنا وسيد أهل الإسلام حامل راية علوم الأمة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام آية الله في المعاني والمعالي وحسنة الأيام والليالي وواسطة عقود الجواهر واللآلي إمام مذهب مالك والأشعري والبخاري والواقدي والخليل العلامة القدوة السيد الكبير الشهير الجليل ذو الأخلاق العذبة المذاق والشمائل المفصحة عن طيب الأصول والأعراق كبير زمانه دون منازع وعالم أوانه من غير منكر ولا مدافع شيخنا ومعلمنا ومفيدنا وحبيب قلوبنا مولانا شيخ الشيوخ أبو العباس أحمد بن محمد المقري المغربي التلمساني نزيل فاس ثم الديار المصرية حفظه الله تعالى في مواطن استقراره ورفع درجته بإشادة فخاره على مناره عن شوق يود له الكاتب أن لو كان في طي كتابه وتوق إلى مشاهدتكم هو الغاية في بابه بعد إهداء السلام المحفوف بأنواع التحيات والكرامات والبركات الدائم ما دامت في الوجود السكنات والحركات لمقامكم الأكبر ومحفلكم الأشهر ومن تعلق بأذيالكم أو كان مستمطرا لنوالكم أو صبت عليه شآبيب أفضالكم من أهل ومحب وصاحب وخديم هذا وإنه ينهي إلى الوداد القديم أن أهل المغرب الأدنى والأقصى حاضرة وبادية كلهم يتفكهون بل يتقوتون بذكركم ويشتاقون لرؤية وجهكم ويتلذذون بطيب أخباركم وإن كان المغرب الآن في تفاقم أحوال وتراكم أهوال في الغاية مدائن وبوادي لا سيما مدينة فاس فإنها في شر عظيم وأميرها مولاي عبد الملك مات في السنة السابعة والثلاثين بل في ذي الحجة
____________________
(2/478)

صحبت بك الزمان أخا وفاء ** فها هو قد تنمر للقطيعه )
قال وكان من أهل المروءات عاشقا في قضاء الحوائج والسعي في حقوق الإخوان والمبادرة لإيناس الغرباء وفي ذلك يقول
( يحسب الناس بأني متعب ** في الشفاعات وتكليف الورى )
( والذي يتعبهم من ذاك لي ** راحة في غيرها لن أفكرا )
( وبودي لو أقضي العمر في ** خدمة الطلاب حتى في الكرى )
قال ومن أبدع ما أنشده رحمه الله تعالى أول رحلته
( طال شوقي إلى بقاع ثلاث ** لا تشد الرحال إلا إليها )
( إن للنفس في سماء الأماني ** طائرا لا يحوم إلا عليها )
( قص منه الجناح فهو مهيض ** كل يوم يرجو الوقوع لديها )
وقال إذا بلغ العبد أرض الحجاز ** فقد نال أفضل ما أم له )
( فإن زار قبر نبي الهدى ** فقد أكمل الله ما أمله )
وعاد رحمه الله تعالى إلى الأندلس بعد رحلته الأولى التي حل فيها دمشق والموصل وبغداد وركب إلى المغرب من عكا مع الإفرنج فعطب في خليج صقلية الضيق وقاسى شدائد إلى أن وصل الأندلس سنة 581 ثم أعاد المسير إلى المشرق بعد مدة إلى أن مات بالإسكندرية كما تقدم
ومن شعره أيضا
( لي صديق خسرت فيه ودادي ** حين صارت سلامتي منه ربحا )
____________________
(2/478)

قبلها وفي المحرم من سنة سبع وثلاثين توفي ملك المغرب السلطان أبو المعاليب زيدان وبويع من بعده ابنه مولاي عبد الملك وتقاتل مع أخويه الأميرين الوليد وأحمد وهزمهما وإلى الله عاقبة الأمور وأهل داركم بفاس بخير وعافية ونعم ضافية سوى ما أدركهم من طول الغيبة نسأل الله تعالى أن يملأ بقدومكم العيبة ومحبكم الأكبر ووليكم الأصغر سيد أهل المغرب اليوم وشيخ الطريقة والمربي في سلوك أهل الحقيقة العارف بالله الشيخ الرباني ذو المقامات والكرامات سيدي محمد بن أبي بكر الدلائي يحييكم ويعظم قدركم ولسانه لكم ذاكر ناشر شاكر وهو على خير وقد اجتمعت علي من بركتكم في مدينة سلا جماعة من طلاب العلم وفتح الله تعالى علي بتآليف عديدة منها كفاية الطالب النبيل في حل ألفاظ مختصر خليل ومنها شرح على المنهج المنتخب للزقاق في قواعد مالك ومنظومة في أكثر من ألف بيت في السير والشمائل ومنها في رجال البخاري ولا كنسخ الكلاباذي ومنها خطب وغير ذلك والكل من بركتكم ونسبته إليكم في صحيفتكم
____________________
(2/479)

والسلام من ولدكم المقر بفضلكم تراب نعالكم علي بن عبد الواحد الأنصاري لطف الله تعالى به وحامله كبير كبراء قومه ممن يحبكم ويعرفكم وما تفعلوا معه من خير فلن تكفروه والسلام انتهى
ومنها كتاب وافاني من علم قسمطينة وصالحها وكبيرها ومفتيها سلالة العلماء الأكابر ووارث المجد كابرا عن كابر المؤلف العلامة سيدي الشيخ عبد الكريم الفكون حفظه الله نصه بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على من أنزل عليه في القرآن { وإنك لعلى خلق عظيم } القل م 4 ] وآله وصحبه أفضل التسليم من مدنس الإزار المتسربل بسرابيل الخطايا والأوزار الراجي للتنصل منه رحمة العزيز الغفار عبد الله سبحانه عبد الكريم بن محمد الفكون أصلح الله بالتقوى حاله وبلغه من متابعة السنة النبوية آماله إلى الشيخ الشهير الصدر النحرير ذي الفهم الثاقب والحفظ الغزير الأحب في الله المؤاخي من أجله سيدي أبي العباس أحمد المقري أحمد الله عاقبتي وعاقبته وأسبل على الجميع عافيته أما بعد فإني أحمد الله إليك وأصلي على نبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولا أريد إلا صالح الدعاء وطلبه منكم فإني أحوج الناس إليه وأشدهم في ظني إلحاحا عليه لما تحققت من أحوال نفسي الأمارة واستبطنت من دخيلائها المثابرة على حب الدنيا الغرارة كأنها عميت عن الأهوال التي أشابت رؤوس الأطفال وقطعت أعناق كمل الرجال فتراها في لجج هواها خائضة وفي ميدان شهواتها راكضة طغت في غيها وما لانت وجمحت فما انقادت ولا استقامت فويلي ثم ويلي من يوم تبرز فيه
____________________
(2/480)

القبائح وتنشر الفضائح ومنادي العدل قائم بين العالمين { وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } [ الأنبياء 47 ] فالله أسأل حسن الإلطاف والستر عما ارتكبناه من التعدي والإسراف وأن يجعلنا من أهل الحمى العظيم وممن يحشر تحت لواء خلاصته الكريم سيدنا ومولانا وشفيعنا النبي الرؤوف الرحيم ولنكلف من القلم عنانه لما أرجو من أجله ثواب الله سبحانه وقد اتصل بيدي جوابكم أطال الله في العلم بقاءكم فرأيت من عذوبة ألفاظكم وبلاغة خطابكم ما يذهل من العلماء فحولها وينيلها لدى الجثو لسماعه سؤلها ومأمولها بيد ما فيه من أوصاف من أمره قاصر وعن الطاعة والاجتهاد فاتر وأصدق قول فيه عند مخبره ومرآه أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه لكن يجازيكم المولى بحسن النية البلوغ في بحبوحة الجنان غاية الأمنية وقد ذيلتم ذلك بأبيات أنا أقل من أن أوصف بمثلها على أني غير قائم بفرضها ونفلها فالله تعالى يمدكم بمعونته ويجعلكم من أهل مناجاته في حضرته ويسقينا من كاسات القرب ما نتمتع منه بلذيذ منادمته وقد ساعد البنان الجنان في إجابتكم بوزنها وقافيتها والعذر لي أنني لست من أهل هذا الشان والاعتراف بأنني جبان وأي جبان والكمال لكم في الرضى والقبول والكريم يغضي عن عورات الأحمق الجهول وظننا حققه الله تعالى أن نجعل على منظومتكم الكلامية يعني إضاءة الدجنة تقييدا أرجو من الله توفيقا وتسديدا بحسب قدري لا على قدركم وعلى مثل فكري القاصر لا على عظيم فكركم وإن ساعد الأوان وقضى بتيسيره رب الزمان فآتي به إن شاء
____________________
(2/481)

الله الآجل معي لأنني بالأشواق إلى حضرة راكب البراق ومخترق السبع الطباق وكنت عازما على أن أبعث لكم من الأبيات أكثر من الواقع إلا أن الرفقة أعجلت وصادفتني أيام موت قعيدة البيت فلم يتيسر عاجلا إلا ما ذكر وعلى الله قصد السبيل وهو حسبي ونعم الوكيل
( يا نخبة الدهر في الدراية علما تعاضده الرواية )
( لا زلت بحرا بكل فن ** يروي به الطالبون غايه )
( لقد تصدرت في المعالي ** كما تعاليت في العناية )
( من فيك تستنظم المعاني ** بلغت في حسنها النهاية )
( رقاك مولاك كل مرقى ** تحوي به القرب والولايه )
( أعجوبة ما لها نظير ** في الحفظ والفهم والهدايه )
( يا أحمد المقري دامت ** بشراك تصحبها الرعاية )
( بجاه خير العباد طرا ** والآل والصحب والنقاية )
( صلى عليه الإله تترى ** نكفى بها الشر والغوايه )
وأختم كتابي بالصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب بغاية عجلة يوم السبت سابع أو ثامن رجب من عام ثمانية وثلاثين وألف للهجرة على صاحبها الصلاة والسلام انتهى والمذكور عالم المغرب الأوسط غير مدافع وله سلف علماء ذوو شهرة ولهم في الأدب الباع المديد غير أن المذكور مائل إلى التصوف ونعم ما فعل تقبل الله تعالى عملي وعمله وبلغ كلا منا أمله ولأشهر أسلافه العلامة الشيخ
____________________
(2/482)

حسن بن علي بن عمر الفكون القسمطيني أحد أشياخ العبدري صاحب الرحلة قصيدة مشهورة عند العلماء بالمغرب وهي من در النظام وحر الكلام وقد ضمنها ذكر البلاد التي رآها في ارتحاله من قسمطينة إلى مراكش وأولها
( ألا قل للسري ابن السري ** أبي البدر الجواد الأريحي )
ومنها
( وكنت أظن أن الناس طرا ** سوى زيد وعمرو غير شي )
( فلما جئت ميلة خير دار ** أمالتني بكل رشا أبي )
( وكم أوردت ظباء بني مدار ** أوار الشوق بالريق الشهي )
( وجئت بجاية فجلت بدورا ** يضيق بوصفها حرف الروي )
( وفي أرض الجزائر هام قلبي ** بمعسول المراشف كوثري )
( وفي مليانة قد ذبت شوقا ** بلين العطف والقلب القسي )
( وفي تنس نسيت جميل صبري ** وهمت بكل ذي وجه وضي )
( وفي مازونة ما زلت صبا بوسنان المحاجر لوذعي )
( وفي وهران قد أمسيت رهنا ** بظامي الخصر ذي ردف روي )
( وأبدت لي تلمسان بدورا ** جلبن الشوق للقلب الخلي )
____________________
(2/483)


( ولما جئت وجدة همت وجدا ** بمنخنث المعاطف معنوي )
( وحل رشا الرباط رشا رباطي ** وتيمني بطرف بابلي )
( وأطلع قطر فاس لي شموسا ** مغاربهن في قلبي الشجي )
وما مكناسة إلا كناس ** لأحوى الطرف ذي حسن سني )
( وإن تسأل عن ارض سلا ففيها ** ظباء كاسرات للكمي )
( وفي مراكش يا ويح قلبي ** أتى الوادي فطم على القري )
( بدور بل شموس بل صباح ** بهي في بهي في بهي )
( أبحن مصارع العشاق لما ** سعين به فكم ميت وحي )
( بقامة كل أسمر سمهري ** ومقلة كل أبيض مشرفي )
( إذا أنسينني حسنا فإني ** أنسيهم هوى غيلان مي )
( فها أنا قد تخذت الغرب دارا ** وأدعى اليوم بالمراكشي )
( على أن اشتياقي نحو زيد ** كشوقك نحو عمرو بالسوي )
( تقسمني الهوى شرقا وغربا ** فيا للمشرقي المغربي )
( فلي قلب بأرض الشرق عان ** وجسم حل بالغرب القصي )
( فهذا بالغدو يهيم غربا ** وذاك يهيم شرقا بالعشي )
( فلولا الله مت هوى وشوقا ** وكم لله من لطف خفي )
( وقد خرجنا بالاستطراد إلى الطول وذلك منا استرسال مع جاذب الأدب فلنمسك العنان والله المستعان
وما عددناه من القصائد والمقطوعات في مدح دمشق الشام فهو غيض من فيض وفي نيتي أن أجمع في ذلك كتابا حافلا أسميه نشق عرف دمشق
____________________
(2/484)

أو مشق قلم المدح لدمشق ولسان حالي الآن ينشد قول بعض الأكابر
( نحن في مصر رهن شوق إليكم ** هل لديكم بالشام شوق إلينا )
( فعجزنا عن أن ترونا لديكم ** وأبيتم عن أن نراكم لدينا )
( وحفظ الله عهد من حفظ العهد ** ووفى به كما قد وفينا )
وقول ابن الصائغ
( وددت لو أن عيني ** مكان كتبي إليكم )
( حتى أراكم وأملي ** أخبار شوقي عليكم ) رجع إلى ابن جبير رحمه الله تعالى ومن شعره قوله
( إياك والشهرة في ملبس ** والبس من الأثواب أسمالها )
( تواضع الإنسان في نفسه ** أشرف للنفس وأسمى لها )
وقال
( تنزه عن العوراء مهما سمعتها ** صيانة نفس فهو بالحر أشبه )
( إذا أنت جاوبت السفيه مشاتما ** فمن يتلقى الشتم بالشتم أسفه ) وقال
( أقول وقد حان الوداع وأسلمت ** قلوب إلى حكم الأسى ومدامع )
( أيا رب أهلي في يديك وديعة ** وما عدمت صونا لديك الودائع )
____________________
(2/485)

وقال أبو عبد الله بن الحاج المعروف بمدغليس صاحب الموشحات يمدح ابن جبير المذكور
( لأبي الحسين مكارم لو أنها ** عدت لما فرغت ليوم المحشر )
( وله علي فضائل قد قصرت ** عن بعض نعماها عظام الأبحر ) وقال ابن جبير من قصيدة مطلعها
( يا وفود الله فزتم بالمنى ** فهنيئا لكم أهل منى )
( قد عرفنا عرفات بعدكم ** فلهذا برح الشوق بنا )
( نحن في الغرب ويجري ذكركم ** بغروب الدمع يجري هتنا )
ومنها
( فيناديه على شحط النوى ** من لنا يوما فقلت ملنا )
( سر بنا يا حادي الركب عسى ** أن نلاقي يوم جمع سربنا )
( ما دعا داعي النوى لما دعا ** غير صب شفه برح العنا )
( شم لنا البرق إذا لاح وقل ** جمع الله بجمع شملنا )
____________________
(2/486)


( علنا نلقى خيالا منكم ** بلذيذ الذكر وهنا علنا )
( لو حنا الدهر علينا لقضى ** باجتماع بكم بالمنحنى )
) ( لاح برق موهنا من نحوكم ** فلعمري ما هنا العيش هنا )
( أنتم الأحباب نشكو بعدكم ** هل شكوتم بعدنا من بعدنا )
وله رحمه الله تعالى من قصيدة مطولة أولها
( لعل بشير الرضى والقبول ** يعلل بالوصل قلب الخليل )
وله أخرى أنشدها عند استقباله المدينة المشرفة على صاحبها الصلاة وأتم السلام وهي ثلاثة وثلاثون بيتا من الغر أولها
( أقول وآنست بالليل نارا ** لعل سراج الهدى قد أنارا )
( وإلا فما بال أفق الدجى ** كأن سنا البرق فيه استطارا )
( ونحن من الليل في حندس ** فما باله قد تجلى نهارا )
وكان أبو الحسن بن جبير المترجم به قد نال بالأدب دنيا عريضة ثم رفضها وزهد فيها
وقال صاحب الملتمس في حقه الفقيه الكاتب أبو الحسين بن جبير ممن لقيته وجالسته كثيرا ورويت عنه وأصله من شاطبة وكان أبوه أبو جعفر من كتابها ورؤسائها ذكره ابن اليسع في تاريخه ونشأ أبو الحسين على طريقة أبيه وتولع بغرناطة فسكن بها قال ومما أنشدنيه لنفسه قوله يخاطب أبا عمران الزاهد بإشبيلية
( أبا عمران قد خلفت قلبي ** لديك وأنت أهل للوديعة )
____________________
(2/487)


( حسن القول سيىء الفعل كالجزار ** زاد سمى وأتبع القول ذبحا ) وحدث رحمه الله تعالى بكتاب الشفاء عن أبي عبد الله محمد بن عيسى التميمي عن القاضي عياض ولما قدم مصر سمع منه الحافظان أبو محمد المنذري وأبو الحسين يحيى بن علي القرشي وتوفي ابن جبير بالإسكندرية يوم الأربعاء السابع والعشرين من شعبان سنة 614 والدعاء عند قبره مستجاب قاله ابن الرقيق رحمه الله تعالى وقال ابن الرقيق في السنة بعدها
وقال أبو الربيع بن سالم أنشدني أبو محمد عبد الله بن التميمي البجائي ويعرف بابن الخطيب لأبي الحسين بن جبير وقال وهو مما كتب به إلي من الديار المصرية في رحلته الأخيرة لما بلغه ولايتي قضاء سبتة وكان أبو الحسين سكنها قبل ذلك وتوفيت هنالك زوجته بنت أبي جعفر الوقشي فدفنها بها
( بسبتة لي سكن في الثرى ** وخل كريم إليها أتى )
( فلو أستطيع ركبت الهوا ** فزرت بها الحي والميتا )
وأنشد ابن جبير رحمه الله تعالى لنفسه عند صدوره عن الرحلة الأولى إلى غرناطة أو في طريقها قوله
( لي نحو أرض المنى من شرق أندلس ** شوق يؤلف بين الماء والقبس )
إلى آخرها
____________________
(2/489)


ومن شعره قوله
( يا خير مولى دعاه عبد ** أعمل في الباطل اجتهاده )
( هب لي ما قد علمت مني ** يا عالم الغيب والشهادة )
وقال ر حمه الله تعالى
( وإني لأوثر من أصطفي ** وأغضي على زلة العاثر )
( وأهوى الزيارة ممن أحب ** لأعتقد الفضل للزائر )
وقال رحمه الله تعالى
( عجبت للمرء في دنياه تطمعه ** في العيش والأجل المحتوم يقطعه )
( يمسي ويصبح في عشواء يخطبها ** أعمى البصيرة والآمال تخدعه )
( يغتر بالدهر مسرورا بصحبته ** وقد تيقن أن الدهر يصرعه )
( ويجمع المال حرصا لا يفارقه ** وقد درى أنه للغير يجمعه )
( تراه يشفق من تضييع درهمه ** وليس يشفق من دين يضيعه )
( وأسوأ الناس تدبيرا لعاقبة ** من أنفق العمر فيما ليس ينفعه ) وقال
( صبرت على غدر الزمان وحقده ** وشاب لي السم الزعاف بشهده )
( وجربت إخوان الزمان فلم أجد ** صديقا جميل الغيب في حال بعده )
( وكم صاحب عاشرته وألفته ** فما دام لي يوما على حسن عهده )
( وكم غرني تحسين ظني به فلم ** يضيء لي على طول اقتداحي لزنده )
( وأغرب من عنقاء في الدهر مغرب ** أخو ثقة يسقيك صافي وده )
( بنفسك صادم كل أمر تريده ** فليس مضاء السيف إلا بحده )
( وعزمك جرد عند كل مهمة ** فما نافع مكث الحسام بغمده )
____________________
(2/490)


( وشاهدت في الأسفار كل عجيبة ** فلم أر من قد نال جدا بجده )
( فكن ذا اقتصاد في أمورك كلها ** فأحسن أحوال الفتى حسن قصده )
( وما يحرم الإنسان رزقا لعجزه ** كما لا ينال الرزق يوما بكده )
( حظوظ الفتى من شقوة وسعادة ** جرت بقضاء لا سبيل لرده )
وقال
( الناس مثل ظروف حشوها صبر ** وفوق أفواهها شيء من العسل )
( تغر ذائقها حتى إذا كشفت ** له تبين ما تحويه من دخل )
وقال
( تغير إخوان هذا الزمان ** وكل صديق عراه الخلل )
( وكانوا قديما على صحة ** فقد داخلتهم حروف العلل )
( قضيت التعجب من أمرهم ** فصرت أطالع باب البدل ) وقد تقدم بيتان من هذه الثلاثة على وجه آخر أول ترجمة المذكور ورأيت بخط ابن سعيد البيتين على وجه آخر وهو قوله
( ثكلت أخلاء هذا الزمان ** فعندي مما جنوه خلل )
( قضيت التعجب من شأنهم ** فصرت أطالع باب البدل ) ولابن جبير رحمه الله تعالى
( من الله فاسأل كل أمر تريده ** فما يملك الإنسان نفعا ولا ضرا )
( ولا تتواضع للولاة فإنهم ** من الكبر في حال تموج بهم سكرا )
____________________
(2/491)


( وإياك أن ترضى بتقبيل راحة ** فقد قيل عنها إنها السجدة الصغرى ) وهو نحو قول القائل
( أيها المستطيل بالبغي أقصر ** ربما طأطأ الزمان الرءوسا
( وتذكر قول الإله تعالى ** { إن قارون كان من قوم موسى }
وقال وقد شهد العيد بطندتة من قرى مصر
شهدنا صلاة العيد في أرض غربة ** بأحواز مصر والأحبة قد بانوا )
( فقلت لخلي في النوى جد بمدمع ** فليس لنا إلا المدامع قربان )
وقال
( قد أحدث الناس أمورا فلا ** تعمل بها إني امرؤ ناصح
( فما جماع الخير إلا الذي ** كان عليه السلف الصالح )
وقال
( رب إن لم تؤتني سعة ** فاطو عني فضلة العمر )
( لا أحب اللبث في زمن ** حاجتي فيه إلى البشر )
( فهم كسر لمنجبر ** ما هم جبر لمنكسر )
ولما وصل ابن جبير - رحمه الله تعالى - إلى مكة في 12 ربيع الآخر سنة 579 أنشد قصيدته التي أولها
( بلغت المنى وحللت الحرم ** فعاد شبابك بعد الهرم )
____________________
(2/492)


( فأهلا بمكة أهلا بها وشكرا لمن شكره يلتزم )
( وهي طويلة وسيأتي بعضها
وقال رحمه الله تعالى عند تحركه للرحلة الحجازية
( أقول وقد دعا للخير داع ** حننت له حنين المستهام )
( حرام أن يلذ لي اغتماض ** ولم أرحل إلى البيت الحرام )
( ولا طافت بي الآمال إن لم ** أطف ما بين زمزم والمقام )
( ولا طابت حياة لي إذا لم ** أزر في طيبة خير الأنام ) وأهديه السلام وأقتضيه ** رضى يدني إلى دار السلام ) وقال
( هنيئا لمن حج بيت الهدى ** وحط عن النفس أوزارها )
( وإن السعادة مضمونة ** لمن حج طيبة أو زارها ) ولنختم ترجمته بقوله
( أحب النبي المصطفى وابن عمه ** عليا وسبطيه وفاطمة الزهرا )
( هم أهل بيت أذهب الرجس عنهم ** وأطلعهم أفق الهدى أنجما زهرا )
( موالاتهم فرض على كل مسلم ** وحبهم أسنى الذخائر للأخرى )
( وما أنا للصحب الكرام بمبغض ** فإني أرى البغضاء في حقهم كفرا )
( هم جاهدوا في الله حق جهاده ** وهم نصروا دين الهدى بالظبي نصرا )
( عليهم سلام الله ما دام ذكرهم ** لدى الملإ الأعلى وأكرم به ذاكرا )
وقوله في آخره الميمية
( نبي شفاعته عصمة ** فيوم التنادي به يعتصم )
____________________
(2/493)


( عسى أن تجاب لنا دعوة ** لديه فنكفي بها ما أهم )
( ويرعى لزواره في غد ** ذماما فما زال يرعى الذمم )
( عليه السلام وطوبى لمن ** ألم بتربته فاستلم )
( أخي كم نتابع أهواءنا ** ونخبط عشواءها في الظلم )
( رويدك جرت فعج واقتصد ** أمامك نهج الطريق الأعم )
( وتب قبل عض بنان الأسى ** ومن قبل قرعك سن الندم )
ومنها
( وقل رب هب رحمة في غد ** لعبد بسيما العصاة اتسم )
( جرى في ميادين عصيانه ** مسيئا ودان بكفر النعم )
( فيا رب صفحك عما جنى ** ويا رب عفوك عما اجترم )80 - ومن الراحلين إلى المشرق من الأندلس الأديب أبو عامر بن عيشون قال الفتح رجل حل المشيدات والبلاقع وحكى النسرين الطائر والواقع واستدر خلفي البؤس والنعيم وقعد مقعد البائس والزعيم فآونة في سماط وأخرى بين درانك وأنماط ويوما في ناووس وأخرى في مجلس مأنوس رحل إلى المشرق فلم يحمد رحلته ولم يعلق بأمل نحلته فارتد على عقبه ورد من حبالة الفوت إلى منتظره ومرتقبه ومع هذا فله تحقق بالأدب وتدفق طبع إذا مدح أو نسب وقد أثبت له ما تعلم حقيقة نفاذه وترى سرعة وخده في طريق الإحسان وإغذاذه
ثم قال وأخبرني أنه دخل مصر وهو سار في ظلم البوس عار من كل لبوس قد خلا من النقد كيسه وتخلى عنه إلا تعذيره وتنكيسه فنزل بأحد
____________________
(2/494)

شوارعها لا يفترش إلا نكده ولا يتوسد إلا عضده وبات بليلة ابن عبدل تهب عليه صرصر لا ينفخ منها عنبر ولا مندل فلما كان من السحر دخل عليه ابن الطوفان فأشفق لحاله وفرط إمحاله وأعلمه أن الأفضل ابن أمير الجيوش استدعاه ولو ارتاد جوده بقطعة يغنيها له لأخصب مرعاه فصنع له في حينه
( قل للملوك وإن كانت لهم همم ** تأوي إليها الأماني غير متئد )
( إذا وصلت بشاهنشاه لي سببا ** فلن أبالي بمن منهم نفضت يدي )
( من واجه الشمس لم يعدل بها قمرا ** يعشو إلى ضوئه لو كان ذا رمد )
فلما كان من الغد وافاه فدفع إليه خمسين مثقالا مصرية وكسوة وأعلمه أنه غناه وجود الإظهار للفظه ومعناه وكرره حتى أثبته في سمعه وقرره فسأله عن قائله فأعلمه بقلته وكلمه في رفع خلته فأمر له بذلك وله أيضا رحمه الله تعالى
( قصدت على أن الزيارة سنة ** يؤكدها فرض من الود واجب )
( فألفيت بابا سهل الله إذنه ** ولكن عليه من عبوسك حاجب )
مرضت ومرضت الكلام تثاقلا ** إلي إلى أن خلت أنك عاتب )
فلا تتكلف للعبوس مشقة ** سأرضيك بالهجران إذ أنت غاضب )
( فلا الأرض تدمير ولا أنت أهلها ** ولا الرزق إن أعرضت عني جانب ) وله يستعتبني
( كتبت ولو وفيت برك حقه ** لما اقتصرت كفي على رقم قرطاس )
( ونابت عن الخط الخطا وتبادرت ** فطورا على عيني وطورا على راسي )
____________________
(2/495)


( سل الكأس عني هل أديرت فلم أصغ ** مديحك ألحانا يسوغ بها كاسي )
( وهل نافح الآس الندامى فلم أذع ** ثنائي أذكى من منافحة الآس )81 - ومن الراحلين من الأندلس إلى المشرق أبو مروان الطبني وهو عبد الملك بن زيادة الله قال في الذخيرة كان أبو مروان هذا أحد حماة سرح الكلام وحملة ألوية الأقلام من أهل بيت اشتهروا بالشعر اشتهار المنازل بالبدر أراهم طرأوا على قرطبة قبل افتراق الجماعة وانتشار شمل الطاعة وأناخوا في ظلها ولحقوا بسروات أهلها وأبو مضر أبوه زيادة الله بن علي التميمي الطبني هو أول من بنى بيت شرفهم ورفع في الأندلس صوته بنباهة سلفهم
قال ابن حيان وكان أبو مضر نديم محمد بن أبي عامر أمتع الناس حديثا ومشاهدة وأنصعهم ظرفا وأحذقهم بأبواب الشحذ والملاطفة وآخذهم بقلوب الملوك والجلة وأنظمهم لشمل إفادة ونجعة انتهى المقصود منه
ثم قال في الذخيرة فأما ابنه أبو مروان هذا فكان من أهل الحديث والرواية ورحل إلى المشرق وسمع من جماعة من المحدثين بمصر والحجاز وقتل بقرطبة سنة سبع وخمسين وأربعمائة انتهى وقد ذكر قصة قتله المستبشعة واتهم باغتياله ابنه
ومن نظم أبي مروان الطبني المذكور ما وجده صاحب الذخيرة في بعض التعاليق بخط بعض أدباء قرطبة قال لما عدا أبو عامر أحمد بن محمد بن أبي
____________________
(2/496)

عامر على الحذلمي في مجلسه وضربه ضربا موجعا وأقر بذلك أعين مطالبيه قال أبو مروان الطبني فيه
( شكرت للعامري ما صنعا ** ولم أقل للحذيلمي لعا )
( ليث عرين عدا بعزته ** مفترسا في وجاره ضبعا )
( لا برحت كفه ممكنة ** من الأماني فنعم ما صنعا )
( وددت لو كنت شاهدا لهما ** حتى ترى العين ذل ما خضعا )
( إن طال منه سجوده فلقد ** طال لغير السجود ما ركعا )
موقف ابن نبسام في الذخيرة من الهجاء قال ابن بسام وابن رشيق القائل قبله
( كم ركعة ركع الصفعان تحت يدي ** ولم يقل سمع الله لمن حمده )
ثم قال ابن بسام في الذخيرة ما نصه والعرب تقول فلان يركع لغير صلاة إذا كنوا عن عهر الخلوة ومن مليح الكناية لبعض المتقدمين يخاطب امرأته
( قلت التشيع حب أصلع هاشم ** فترفضي إن شئت أو فتشيعي )
( قالت أصيلع هاشم وتنفست ** بأبي وأمي كل شيء أصلع )
ولما صنت كتابي هذا من شين الهجاء وأكبرنه أن يكون ميدانا للسفهاء
____________________
(2/497)

أجريت ههنا طلقا من مليح التعريض في إيجاز القريض مما لا أدب على قائليه ولا وصمة عظمى على من قيل فيه والهجاء ينقسم قسمين فقسم يسمونه هجو الأشراف وهو ما لم يبلغ أن يكون سبابا مقذعا ولا هجوا مستبشعا وهو طأطأ قديما من الأوائل وثل عرش القبائل إنما هو توبيخ وتعبير وتقديم وتأخير كقول النجاشي في بني العجلان وشهرة شعره منعتني عن ذكره واستعدوا عليه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأنشدوه قول النجاشي فيهم فدرأ الحد بالشبهات وفعل ذلك بالزبرقان حين شكا الحطيئة وسأله أن ينشد ما قاله فيه فأنشده قوله
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ** واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي )
فسأل عن ذلك كعب بن زهير فقال والله ما أود بما قال له حمر النعم وقال حسان لم يهجه ولكن سلح عليه بعد أن أكل الشبرم فهم عمر رضي الله تعالى عنه بعقابه ثم استعطفه بشعره المشهور
وقال عبد الملك بن مروان يوما أحسابكم يا بني أمية فما أود أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس وأن الأعشى قال في
( تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ** وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا )
ولما سمع علقمة بن علاثة هذا البيت بكى وقال أنحن نفعل هذا بجاراتنا 4 ودعا عليه فما ظنك بشيء يبكي علاثة وقد كان عندهم لو ضرب بالسيف ما قال حس
____________________
(2/498)

وقد كان الراعي يقول هجوت جماعة من الشعراء وما قلت فيهم ما تستحي العذراء أن تنشده في خدرها
ولما قال جرير
فغض الطرف إنك من نمير ** فلا كعبا بلغت ولا كلابا )
أطفأ مصباحه ونام وقد كان بات ليلته يتململ لأنه رأى أنه قد بلغ حاجته وشفى غيظه
قال الراعي فخرجنا من البصرة فما وردنا ماء من مياه العرب إلا وسمعنا البيت قد سبقنا إليه حتى أتينا حاضر بني نمير فخرج إلينا النساء والصبيان يقولون قبحكم الله وقبح ما جئتمونا به
والقسم الثاني هو السباب الذي أحدثه جرير أيضا وطبقته وكان يقول إذا هجوتم فأضحكوا وهذا النوع منه لم يهدم قط بيتا ولا عيرت به قبيلة وهو الذي صنا هذا المجموع عنه وأعفيناه أن يكون فيه شيء منه فإن أبا منصور الثعالبي كتب منه في يتيمته ما شانه اسمه وبقي عليه إثمه
ومن مليح التعريض لأهل أفقنا قول بعضهم في غلام كان يصحب رجلا يسمى بالبعوضة
( أقول لشادنكم قولة ** ولكنها رمزة غامضة )
( لزوم البعوض له دائما ** يدل على أنها حامضة ) وأنشدت في مثله قول بعض أهل الوقت
( بيني وبينك سر لا أبوح به ** الكل يعلمه والله غافره )
وحكى أبو عامر بن شهيد عن نفسه قال عاتبت بعض الإخوان عتابا شديدا عن أمر أوجع فيه قلبي وكان آخر الشعر الذي خاطبته به هذا البيت
____________________
(2/499)


( وإني على ما هاج صدري وغاظني ** ليأمنني من كان عندي له سر )
فكان هذا البيت أشد عليه من عض الحديد ولم يزل يقلق به حتى بكى إلي منه بالدموع وهذا الباب ممتد الأطناب ويكفي ما مر ويمر منه في أضعاف هذا الكتاب انتهى كلام ابن بسام في الذخيرة بلفظه من خطة الذخيرة
ولا خفاء أنه عارض بالذخيرة يتيمة الثعالبي ولذا قال في خطبة الذخيرة أما بعد حمد الله ولي الحمد وأهله والصلاة على سيدنا محمد خاتم رسله فإن ثمرة هذا الأدب العالي الرتب رسالة تنثر وترسل وأبيات تنظم وتفصل تنثال تلك انثيال القطار على صفحات الأزهار وتتصل هذه اتصال القلائد على نحور الخرائد وما زال في أفقنا هذا الأندلسي القصي إلى وقتنا هذا من فرسان الفنين وأئمة النوعين قوم هم ما هم طيب مكاسر وصفاء جواهر وعذوبة موارد ومصادر لعبوا بأطراف الكلام المشقق لعب الدجى بجفون المؤرق وحدوا بفنون السحر المنمق حداء الأعشى ببنات المحلق فصبوا على قوالب النجوم غرائب المنثور والمنظوم وباهوا غرر الضحى والأصائل بعجائب الأشعار والرسائل نثر لو رآه البديع لنسي اسمه أو اجتلاه ابن هلال لولاه حكمه ونظم لو سمعه كثير ما نسب ولا مدح أو تتبعه جرول ما عوى ولا نبح إلا أن أهل هذا الأفق أبوا إلا متابعة أهل الشرق يرجعون إلى أخبارهم المعادة رجوع الحديث إلى قتادة حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب أو طن بأقصى الشام والعراق ذباب لجثوا
____________________
(2/500)

على هذا صنما وتلوا ذلك كتابا محكما وأخبارهم الباهرة وأشعارهم السائرة مرمى القصية ومناخ الرذية لا يعمر بها جنان ولا خلد ولا يصرف فيها لسان ولا يد فغاظني منهم ذلك وأنفت مما هنالك وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من حسنات دهري وتتبع محاسن أهل بلدي وعصري غيرة لهذا الأفق الغريب أن تعود بدوره أهلة وتصبح بحوره ثمادا مضمحلة مع كثرة أدبائه ووفور علمائه وقديما ضيعوا العلم وأهله ورب محسن مات إحسانه قبله وليت شعري من قصر العلم على بعض الزمان وخص أهل المشرق بالإحسان وقد كتبت لأرباب هذا الشان من أهل الوقت والزمان محاسن تبهر الألباب وتسحر الشعراء والكتاب ولم أعرض لشيء من أشعار الدولة المروانية ولا المدائح العامرية إذ كان ابن فرج الجياني قد رأى رأيي في النصفة وذهب مذهبي من الأنفة فأملى في محاسن أهل زمانه كتاب الحدائق معارضا لكتاب الزهرة للأصبهاني فأضربت أنا عما ألف ولم أعرض لشيء مما صنف ولا تعديت أهل عصري مما شاهدته بعمري أو لحقه أهل دهري إذ كل مردد ثقيل وكل متكرر مملول وقد مجت الأسماع
( يا دار مية بالعلياء فالسند ** )
إلى أن قال بعد ذكره أنه يسوق جملة من المشارقة مثل الشريف المرتضى والقاضي عبد الوهاب والوزير ابن المغربي وغيرهم ممن يطول ما صورته وإنما ذكرت هؤلاء ائتساء بأبي منصور في تأليفه المشهور المترجم بيتيمة الدهر في محاسن أهل العصر انتهى المقصود منه
____________________
(2/501)

البحراوي يهجو قومه قلت وتذكرت بما أنشده في الهجاء قول الباقعة الشاعر المشهور أبي العباس أحمد الغفجومي الشهير بالجواري وعامة الغرب يقولون الجراوي يهجو قومه بني غفجوم وهم بربر بتادلا متوصلا بذلك إلى هجو أصلاء فاس بني الملجوم ومستطردا في ذلك ما هو في اطراده كالماء السجوم وهو [ قوله ]
( يا ابن السبيل إذا مررت بتادلا ** لا تنزلن على بني غفجوم )
( أرض أغار بها العدو فلن ترى ** إلا مجاوبة الصدى للبوم )
( قوم طووا ذكر السماحة بينهم ** لكنهم نشروا لواء اللوم ) ( لا حظ في أموالهم ونوالهم ** للسائل العافي ولا المحروم )
( لا يملكون إذا استبيح حريمهم ** إلا الصراخ بدعوة المظلوم )
( يا ليتني من غيرهم ولو أنني ** من أرض فاس من بني الملجوم )
وقد ذكر غير واحد من المؤرخين أن أحد بني الملجوم قضاة فاس وأصلائها بيعت أوراق 11 14 12 15 1 13 3 * عبد
____________________
(2/502)

الملك بن عمر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان من أهل قرطبة ويعرف بدحون [ رحل إلى المشرق أيام عبد الرحمن بن الحكم وحج ولقي أهل الحديث فكتب عنهم وقدم بعلم كثير وكانت له حلقة بجامع قرطبة يسمع الناس فيها وهو يلبس الوشي الشامي إلى أن أوصى إليه الأمير عبد الرحمن بترك ذلك فتركه وتوفي بعد المائتين
ومن شعره قوله
قال العذول وأين قلبك 8 كلما ** رمت اهتداءك لم يزل متحيرا )
( قلت اتئد فالقلب أول خائن ** لما تغير من هويت تغيرا )
( ونأى فبان الصبر عني جملة ** وبقيت مسلول العزاء كما ترى ) ومن ولده سعيد بن هشام وكان أديبا عالما فقيها رحم الله تعالى الجميع ودخل دمشق وطنهم الأقدم وعاملها يومئذ للمعتصم بن الرشيد عمر بن فرج الرخجي فوافق دخوله إياها غلاء شديدا ومجاعة أشكت أهلها فضجوا إلى الرخجي أن يخرج عنهم من عندهم من الغرباء القادمين عليهم من البلاد فأمر بالنداء في المدينة على كل من بها من طارىء وابن سبيل ليخرجوا عنها وضرب لهم أجلا ثلاثة أيام أوعد من تخلف منهم بعدها بالعقاب فابتدر الغرباء الخروج عنها وأقام حون لم يتحرك فجيء به إلى الرخجي بعد الأجل فقال له ما بالك عصيت أمري أو ما سمعت ندائي 2 فقال له دحون ذلك النداء الذي وقفني فقال له وكيف فانتمى له فقال
____________________
(2/503)

له الرخجي صدقت والله إنك لأحق بالإقامة فيها منا فأقم ما أحببت وانصرف إذا شئت
وكان لدحون هذا ابن يقال له بشر بن حبيب ويعرف بالحبيبي وهو من المشهورين بقرطبة وأمه المدنية الراوية عن مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه وبنته عبدة بنت بشر مشهورة ولها رواية عنه رحم الله تعالى الجميع 183 - ومنهم بهلول بن فتح من أهل أقليش له رحلة حج فيها وكان رجلا صالحا خيرا حكى عن نفسه أنه رأى في منامه بعد قدومه من الحج كأنه بمكة وقائل يقول انطلق بنا نصل مع النبي صلى الله عليه وسلم قال فكنت أقول لرجل من جيراني بأقليش يا أبا فلان انطلق بنا نصل مع النبي صلى الله عليه وسلم فيقول لي لست أجد إلى ذلك سبيلا فكنت أتوجه وأصلي مع الناس والنبي صلى الله عليه وسلم إمامنا فلما سلم من الصلاة رجع إلي وقال لي من أين أنت قلت له من الأندلس فكان يقول من أي موضع فكنت أقول من مدينة أقليش فيقول لي أتعرف أبا إسحاق البواني فكنت أقول هو جاري وكيف لا أعرفه فيقول لي أقرئه مني السلام
184 - ومنهم أبو الحسن ثابت بن أحمد بن عبد الولي الشاطبي روى عن ابي زيد عبد الرحمن بن يعيش المهري ورحل حاجا فسمع منه بالإسكندرية أبو الحسن بن المفضل المقدسي وحدث عنه بالحديث المسلسل في الأخذ باليد عن ابن يعيش المذكور عن ابي محمد عبد العزيز بن عبد الله بن سعيد بن خلف الأنصاري عن أبي الحسن طاهر بن مفوز وعليه مداره بالأندلس
____________________
(2/504)

عن نصر السمرقندي بإسناده وفيه بعد قال الحافظ ابن الأبار وقد رويته مسلسلا من طرق بعضها عن ابن المفضل وأنبأني به ابن أبي جمرة عن أبي بحر الأسدي عن نصر السمرقندي فصار ابن المفضل بمنزلة من سمعه ممن سمعه مني والحمد لله تعالى انتهى 185 - ومنهم أبو أحمد جعفر بن لب بن محمد بن عبد الرحمن بن يونس بن ميمون اليحصبي سكن شاطبة وأصله من أنشيان عملها ويكنى أبا الفضل أيضا حج وسمع أبا طاهر بن عوف والحافظ السلفي وأبا عبد الله بن الحضرمي وأبا الثناء الحراني وبدر بن عبد الله الحبشي وأبا الحسن بن المفضل وغيرهم وكان من أهل العناية بالرواية مع الصلاح والعدالة حسن الخط جيد الضبط سماه التجيبي في معجم مشيخته وهو في عداد أصحابه لاشتراكهما في السماع بإسكندرية وتركه هنالك ثم قدم عليه تلمسان من شاطبة في أضحى سنة ست وثمانين وخمسمائة وحكى مما أفاده عن ابن المفضل أن أبا عبد الله الكيزاني - وكان شاعرا مجيدا - أتته امرأة مات ولدها فسألته أن يرثيه فقال
( تبكي عليه بشجو ** فقلت لا تندبيه )
( هذا زمان عجيب ** قد عاش من مات فيه )
وأخذ عنه الحافظ أبو الربيع بن سالم وقال إنه توفي بعد التسعين وخمسمائة رحمه الله تعالى 186 - ومنهم أبو أحمد جعفر بن عبد الله بن محمد بن سيدبونة الخزاعي العابد من أهل قسطنطانية عمل دانية أخذ القراءات عن ابن هذيل وسمع منه ومن ابن النعمة ببلنسية ورحل حاجا فأدى الفريضة ودخل الإسكندرية مرافقا لمن سمع من السلفي ولم يسمع منه هو شيئا قال ابن الأبار فيما علمت وقفل إلى بلده مائلا إلى الزهد والإعراض عن الدنيا وكان شيخ المتصوفة في وقته وعلا ذكره وبعد صيته في العبادة إلا أنه كانت فيه غفلة قال ابن الأبار ورأيته إذ قدم بلنسية لإحياء ليلة النصف من شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة وتوفي عن سن عالية تقارب المائة منتصف ذي القعدة سنة أربع وعشرين وستمائة وشهد جنازته بشر كثير من جهات شتى وانتاب الناس قبره دهرا طويلا يتبركون بزيارته إلى حين إجلاء الروم من كان يشاركهم من المسلمين ببلاد شرق الأندلس التي تغلبوا عليها وذلك في شهر رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة
187 - ومنهم أبو جعفر النحوي أندلسي نزل مصر وكان من رؤساء أهل العلم بالنحو وممن له حال جليلة ذكره الطبني فيما حكاه ابن الأبار 188 - ومنهم أبو الحسن جابر بن أحمد بن عبد الله الخزرجي القرطبي وكناه بعضهم أبا الفضل سمع ببلده من أبي محمد بن عتاب وغيره ورحل حاجا فأدى الفريضة وكان أديبا ناظما كتب عنه أبو محمد العثماني بالإسكندرية بعض شعره 189 - ومنهم أبو الحسن جهور بن خلف بن أبي عمر بن قاسم بن ثابت
____________________
(2/505)

المعافري رحل حاجا إلى المشرق فأدى الفريضة وسمع بالإسكندرية من أبي طاهر السلفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة وسمع أيضا من غيره وطال مكثه هنالك وهو - فيما رجحه بعضهم - من أهل غرب الأندلس 190 - ومنهم أبو علي الحسن بن حفص بن الحسن البهراني الأندلسي رحل وتجول ببلاد المشرق فسمع أبا محمد عبد الله بن حمويه وأبا حامد أحمد بن محمد بن رجاء بسرخس وأبا محمد بن أبي شريح بهراة وأبا عبد الله الحسين بن عبد الله المفلحي بالأهواز وأبا بكر أحمد بن جعفر البغدادي وأبا حامد أحمد بن الخليل وأبا حاتم حامد بن العباس وأبا محمد الحسن بن رشيق بمصر وقدم دمشق فروى عنه من أهلها تمام بن محمد وبنيسابور أحمد بن منصور بن خلف المغربي وغيره ذكره ابن عساكر وقال أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن علي بن فطيمة وأبو القاسم زاهر بن طاهر قالا أنا أبو بكر أحمد بن منصور أنا أبو علي الحسن بن جعفر القضاعي وأنا الحسن بن رشيق بمصر أنا المفضل بن محمد الجندي أنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري قال سمعت مالك بن أنس يقول لا يحمل العلم عن أهل البدع كلهم ولا يحمل العلم عمن لم يعرف بالطلب ومجالسة أهل العلم ولا يحمل عمن يكذب في حديث الناس وإن كان في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم صادقا لأن الحديث والعلم إذا سمع من العالم فقد جعل حجة بين الذي سمعه وبين الله تبارك وتعالى وإنما قال فيه القضاعي لأن بهراء من قضاعة الأموي والحسن بن إبراهيم 191 - ومنهم أبو علي الحسن بن خلف بن يحيى بن إبراهيم بن محمد
____________________
(2/507)

الأموي من أهل دانية ويعرف بابن برنجال سمع من أبي بكر بن صاحب الأحباس وأبي عثمان طاهر بن هشام وغيرهما وله رحلة حج فيها وسمع من أبي إسحاق إبراهيم بن صالح القروي وببيت المقدس من أبي الفتح نصر بن إبراهيم سنة خمس وستين وأربعمائة وبعسقلان من أبي عبد الله محمد بن الحسن بن سعيد التجيبي وأخذ عنه كتاب الوقف والابتداء لابن الأنباري بسماعه من عبد العزيز الشعيري عن مؤلفه وكان فقيها على مذهب مالك وولي الأحكام ببلده وحدث وأخذ عنه وسمع الناس منه بالإسكندرية سنة تسع وستين ثم بدانية سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة وتوفي في نحو الخمسمائة رحمه الله تعالى
192 - ومنهم أبو علي الحسن بن إبراهيم بن محمد بن تقي الجذامي المالقي روى بقرطبة عن أبي محمد بن عتاب وعن أبي سكرة الصدفي بمرسية سنة ثمان وخمسمائة وصحب أبا مروان بن مسرة وكان من أهل الرواية والتقييد وكانت له رحلة سمع فيها من أبي طاهر السلفي مجالسه التي أملاها بسلماس برجب سنة خمس عشرة وخمسمائة حسبما ألفى بخط السلفي وفي رحلته لقيه أبو علي الحسن بن علي البطليوسي نزيل مكة وحدث عنه أبو طالب أحمد بن مسلم المعروف بالتنوخي من أهل الإسكندرية بكتاب الاستيعاب لابن عبد البر وأجاز له إجازة عامة في السنة السابقة وقال ابن عساكر في تاريخه وذكر أبا ذر الهروي سمعت أبا الحسن علي بن سليمان المرادي الحافظ الأندلسي بنيسابور يقول سمعت أبا علي الحسن بن علي الأنصاري البطليوسي قال ابن عساكر وقد لقيته ولم أسمعها منه قال سمعت أبا علي الحسن بن إبراهيم بن تقي الجذامي المالقي يقول سمعت بعض
____________________
(2/508)

الشيوخ يقول قيل لأبي ذر الهروي أنت من هراة فمن أين تمذهبت لمالك والأشعري فقال إني قدمت بغداد أطلب الحديث فلزمت الدارقطني فلما كان في بعض الأيام كنت معه فاجتاز به القاضي أبو بكر بن الطيب فأظهر الدارقطني من إكرامه ما تعجبت منه فلما فارقه قلت أيها الشيخ الإمام من هذا الذي أظهرت من إكرامه ما رأيت فقال أو ما تعرفه قلت لا فقال هذا سيف السنة أبو بكر الأشعري فلزمت القاضي منذ ذلك واقتديت به في مذهبه انتهى 193 - ومنهم أبو علي الحسن بن علي بن الحسن بن عمر الأنصاري البطليوسي رحل إلى المشرق فأدى الفريضة وتجول هناك ولقي أبا الحسن بن المفرج الصقلي وأبا عبد الله الفراوي فسمع منهما الصحيحين بعلو وسمع من أبي الفتح ناصر بن أبي علي الطوسي سنن أبي داود وحدث بالموطأ عن أبي بكر الطرطوشي وله أيضا رواية عن زاهر بن طاهر الشحامي وعبد المنعم بن عبد الكريم القشيري وأبي محمد الحريري سمع منه مقاماته الخمسين ببستانه من بغداد ونزل بمكة وجاور بها وحدث فيها وفي غيرها وأسن وكان ثقة مسندا يروي عنه أبو عبد الله بن أبي الصيف اليمني وأبو جعفر بن شراحيل الأندلسي وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم الإربلي وسمع منه في صفر سنة ست وستين وخمسمائة وقد لقيه أبو القاسم بن عساكر الحافظ وروى عنه
194 - ومنهم أبو علي الحسن بن محمد بن الحسن الأنصاري من أهل لرية عمل بلنسية ويعرف بابن الرهبيل سمع من أبي الحسن بن النعمة
____________________
(2/509)

كثيرا واختص به وعنه أخذ القراءات وسمع من ابن هذيل أيضا ثم رحل حاجا فلقي بالإسكندرية سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة أبا طاهر السلفي وأبا عبد الله بن الحضرمي وسمع منهما وجاور بمكة وأخذ بها عن أبي الحسن علي بن حميد الطرابلسي صحيح البخاري وكان يرويه عن أبي مكتوم عيسى بن أبي ذر الهروي عن أبيه وسمع أيضا من أبي محمد المبارك بن الطباخ البغدادي وأجاز له أبو المفاخر سعيد بن الحسين الهاشمي وأبو محمد عبدالحق بن عبد الرحمن الإشبيلي ببجاية عند صدوره في ربيع الأول سنة سبع وسبعين وقفل إلى بلده فلزم الانقطاع والانقباض عن الناس والإقبال على ما يعنيه وكان قد خطب به قبل رحلته وحكى التجيبي أن طلبة الإسكندرية تزاحموا عليه لسماع التيسير لأبي عمرو المقرء منه بروايته عن ابن هذيل سماعا في سنة ثلاث وخمسين وصارت له بذلك عندهم وجاهة وبعد قفوله أصابه خدر منعه من التصرف وكان الصلاح غالبا عليه وتوفي غدوة الجمعة لثمان خلون من شعبان سنة خمس وثمانين وخمسمائة وكانت جنازته مشهودة رحمه الله تعالى 195 - ومنهم الحسين بن أحمد بن الحسين بن حي التجيبي القطبي أخذ علم العدد والهندسة عن أبي عبد الله محمد بن عمر المعروف بابن برغوث وكان كلفا بصناعة التعديل وله زيج مختصر ذكره القاضي صاعد ونسبه وحكى أنه خرج من الأندلس في سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة بعد أن نالته بها وبالبحر محن شداد ولحق بمصر ثم رحل عنها إلى اليمن واتصل بأميرها فحظي عنده وبعثه رسولا إلى القائم بأمر الله الخليفة ببغداد ونال هناك دنيا عريضة
____________________
(2/510)

وتوفي باليمن بعد انصرافه من بغداد سنة ست وخمسين وأربعمائة رحمه الله تعالى 196 - ومنهم أبو يوسف حماد بن الوليد الكلاعي أخذ بقرطبة عن أبي المطرف القنازعي وغيره ورحل إلى المشرق وحدث بالإسكندرية فسمع منه بها يحيى بن إبراهيم بن عثمان بن شبل شرح الاعتقاد من تأليفه ورسالة قمع الحرص وقصر الأمل والحث على العمل وذلك في سنة سبع وأربعين وأربعمائة ولقيه هنالك أبو مروان الطبني فسمع منه بعض فوائده 197 - ومنهم أبو القاسم خلف بن فتح بن عبد الله بن جبير من أهل طرطوشة يعرف بالجبيري وهو والد أبي عبيد القاسم بن خلف الجبيري الفقيه وكانت له رحلة إلى المشرق ومعه رحل ابنه وهو صغير وكان من أهل العلم والنزاهة وعليه نزل القاضي منذر بن سعيد بطرطوشة في ولايته قضاء الثغور الشرقية قال أبو عبيد نزل القاضي منذر بن سعيد على أبي وهو يومئذ يتولى القضاء في الثغور الشرقية قبل أن يلي قضاء الجماعة بقرطبة فأنزله في بيته الذي كان يسكنه فكان إذا تفرغ نظر في كتب أبي فمر على يديه كتاب فيه أرجوزة ابن عبد ربه يذكر فيها الخلفاء ويجعل معاوية رابعهم ولم يذكر عليا فيهم ثم وصل ذلك بذكر الخلفاء من بني مروان إلى عبد الرحمن بن محمد فلما رأى ذلك منذر غضب وسب ابن عبد ربه وكتب في حاشية الكتاب
( أو ما علي - لا برحت ملعنا ** يا ابن الخبيثة عندكم بإمام )
____________________
(2/511)


( رب الكساء وخير آل محمد ** داني الولاء مقدم الإسلام )
قال أبو عبيد والأبيات بخطه في حاشية كتاب أبي إلى الساعة وكانت ولاية منذر للثغور مع الإشراف على العمال بها والنظر في المختلفين من بلاد الإفرنج إليها سنة ثلاثين وثلاثمائة 123 خلف الغرناطي وخلف القنطري وابن زرارة وطاهر المالقي 198 - ومنهم أبو القاسم خلف بن محمد بن خلف الغرناطي له رحلة روى فيها بالإسكندرية عن مهدي بن يوسف الوراق وحدث عنه أبو العباس بن عيسى الداني بالتلقين للقاضي عبد الوهاب 199 - ومنهم أبو القاسم خلف بن فرج بن خلف بن عامر بن فحلون القنطري من قنطرة السيف وسكن بطليوس ويعرف بابن الروية رحل حاجا فأدى الفريضة ولقي بمكة رزين بن معاوية الأندلسي فحمل عنه كتابه في تجريد الصحاح سنة خمس وخمسمائة وفيها حج وقفل إلى بلده بعد ذلك وكان فقيها مشاورا حدث عنه ابن خير في كتابه إليه من بطليوس في نحو الثلاثين وخمسمائة 200 - ومنهم زرارة بن محمد بن زرارة الأندلسي رحل حاجا إلى المشرق وسمع بمصر أبا محمد الحسن بن رشيق سنة سبع وستين وثلاثمائة وأبا بكر مسرة بن مسلم الصدفي حدث وأخذ عنه 201 - ومنهم طاهر الأندلسي من أهل مالقة يكنى أبا الحسين رحل إلى قرطبة وخرج منها لما دخلها البرابر عنوة سنة ثلاث وأربعمائة
____________________
(2/512)

فلم يزل بمكة إلى حدود الخمسين وأربعمائة وكان من أصحاب أبي عمر الطلمنكي وملازميه لقراءة القرآن وطلب العلم مع أبي محمد الشنتجالي وأبي أيوب الزاهد إمام مسجد الكوابين بقرطبة وجاور بمكة طويلا وأقرأ على مقربة من باب الصفا وكان الشيبيون يكرمونه ويفرجون له لضعفه عند دخوله البيت الحرام ذكره الطبني قال ابن الأبار وأحسبه المذكور في برنامج الخولاني والذي قرأ لهم أكثر المدونة على أبي عمر أحمد بن محمد الزيات انتهى 202 - ومنهم أبو الطاهر الأندلسي من أهل لبلة نزل مصر وكانت له حلقة بجامع عمرو بن العاص وكان - رحمه الله تعالى - نحويا له شعر وترسيل وتعلق بالملوك للتأديب بالنحو ثم ترك ذلك 203 - ومنهم أبو محمد طارق بن موسى بن يعيش المنصفي المخزومي والمنصفي نسبة إلى قرية بغربي بلنسية ويكنى أيضا أبا الحسن رحل قبل العشرين وخمسمائة فأدى الفريضة وجاور بمكة وسمع بها من أبي عبد الله الحسين بن علي الطبري ومن الشريف أبي محمد عبد الباقي الزهري المعروف بشقران أخذ عنه كتاب الأحياء للغزالي عن مؤلفه وسمع بالإسكندرية من أبي بكر الطرطوشي وأبي الحسن بن مشرف وأبي عبد الله الرازي وأبي طاهر السلفي وغيرهم ثم قفل إلى بلده فحدث وأخذ الناس عنه وسمعوا منه وكان شيخا صالحا عالي الرواية ثقة قال ابن عياد لم ألق أفضل منه وكان مجاب الدعوة وحدث عنه بالسماع والإجازة جلة منهم أبو الحسن بن هذيل وأبو محمد القلني وأبو مروان بن الصيقل وأبو العباس الإقليشي
____________________
(2/513)

وأبو بكر بن خير وابن سعد الخير وأبو محمد عبد الحق الإشبيلي وأبو بكر بن جزي وغيرهم ثم رحل ثانية إلى المشرق مع صهره أبي العباس الأقليشي وأبي الوليد بن خيرة الحافظ سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة وقد نيف على السبعين فأقام بمكة مجاورا إلى أن توفي بها عن سن عالية رحمه الله تعالى - سنة تسع وأربعين وخمسمائة 204 - ومنهم محمد بن إبراهيم بن مزين الأودي من أهل أكشونبة غربي الأندلس يكنى أبا مضر ولاه عبد الرحمن بن معاوية قضاء الجماعة بقرطبة وذلك في المحرم سنة سبعين ومائة وأقام أشهرا ثم استعفى فأعفاه ورحل حاجا فأدى الفريضة وسمع في رحلته إمامنا مالك بن أنس وانصرف ومات عن سن عالية سنة ثلاث وثمانين ومائة وذكره ابن شعبان في الرواة عن مالك وحكي أنه روى عنه من قطع لسانه استؤني به عاما وأن مالكا قال له قد بلغني أن بالأندلس من نبت لسانه فإن لم ينبت أقيد انتهى الشاطبي وابن سماعة أحمد 205 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد حياز الشاطبي الأوسي قدم مصر وكان قد أخذ عن ابن برطلة وابن البراء وغيرهما وعمل فهرست شيوخه على حروف المعجم وحج وعاد إلى بلده ومات يوم الجمعة حادي عشر رجب سنة ثماني عشرة وسبعمائة رحمه الله تعالى وغفر له 206 - ومنهم القاضي أبو مروان محمد بن أحمد بن عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن شريعة بن رفاعة بن صخر بن سماعة اللخمي الأندلسي الإشبيلي
قال أبو شامة هو من
____________________
(2/514)

بيت كبير بالأندلس يعرف ببني الباجي مشهور كثير العلماء والفضلاء وأصلهم من باجة القيروان وليس منهم القاضي أبو الوليد الباجي الفقيه فإنه من بيت آخر من باجة الأندلس وقدم أبو مروان حاجا من بلاده في البحر إلى عكا من ساحل دمشق ثم دخل دمشق سادس شهر رمضان سنة أربع وثلاثين وستمائة ونزل عندنا بالمدرسة العادلية وجده الأعلى أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي قدم إلى الديار المصرية وحج منها ومعه ولده محمد أخو عبد الملك ويعرف بصاحب الوثائق وسمعا بها من جماعة من العلماء وذكر أبو عبد الله الحميدي أحمد بن عبد الله هذا في جذوة المقتبس وكناه أبا عمر وذكر أنه سكن إشبيلية وأثنى عليه كثيرا وقال مات في حدود الأربعمائة وروى عنه ابن عبد البر وغيره وأبوه عبد الله بن محمد بن علي يعرف بالرواية ذكره الحميدي أيضا
وذكر ابن بشكوال في الصلة عبد الملك بن عبد العزيز جد هذا الشيخ القادم وأثنى عليه وقال توفي سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة
وكان هذا الشيخ أبو مروان حسن الأخلاق فاضلا متواضعا محسنا وسمعته يقول وقد سئل إعارة شيء فبادر إليه ثم قال عندي في قوله تعالى { ويمنعون الماعون } هو كل شيء واستفدنا من هذا الشيخ فائدة جليلة وهي معينة قدر مد النبي صلى الله عليه وسلم وهو عندهم متوارث وقد أخبر عن ذلك أبو محمد بن حزم في كتابه المحلى وعايرت بذلك المد المد الذي لنا بدمشق حينئذ وهو الكيل الكبير فوجدت مدنا يسع صاعين إلا يسيرا ووجدته ممسوحا يسع صاعا ونصفا وشيئا فيكون مدان ممسوحان ثلاثة آصع زائدة وقرأت في كتاب
____________________
(2/515)

المحلى لابن حزم قال أبو محمد وخرط لي مد على تحقيق المد المتوارث عند آل عبد الله بن علي الباجي وهو عند أكثرهم لا يفارق داره أخرجه إلي ثقتي الذي كلفته ذلك علي بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن علي المذكور وذكر أنه مد أبيه وأن جده أخذه وخرطه على مد أحمد بن خالد وأخبره أحمد بن خالد أنه خرطه على مد يحيى بن يحيى على مد مالك قال أبو محمد ولا شك أن أحمد بن خالد صححه أيضا على مد محمد بن وضاح الذي صححه ابن وضاح بالمدينة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام قال أبو محمد ثم كلته بالقمح الطيب ثم وزنته فوجدته رطلا ونصف رطل بالفلفلي لا يزيد حبة وكلته بالشعير إلا أنه لم يكن بالطيب فوجدته رطلا واحدا ونصف أوقية وسألت عن الرطل الفلفلي فقيل لي هو ست عشرة أوقية كل أوقية عشرة دراهم وفي تقدير ابن حزم نظر
وتوفي هذا الشيخ بالقاهرة سنة خمس وثلاثين وستمائة بعد رجوعه من الحج رحمه الله تعالى
انتهى كلام أبي شامة وبعضه بالمعنى 207 - ومنهم أبو العباس أحمد بن محمد الواعظ الإشبيلي ثم المصري فاضل شرح الصدور بلفظه ومتكلم أحيا القلوب بوعظه أحواله مشهورة ومجالسه بالذكر معمورة وله معرفة بالأدب وخبرة بالشعر والخطب وكلام وجهه حسن ونظم يمتاز به على كثير من أرباب
____________________
(2/516)

اللسن قاله ابن حبيب الحلبي قال وهو القائل
( من أنت محبوبه من ذا يعيره ** ومن صفوت له من ذا يكدره )
( هيهات عنك ملاح الكون تشغلني ** والكل أعراض حسن أنت جوهره )
وقال
( اكشف البرقع عن بكر العقار ** واخل في ليلك مع شمس النهار )
( وانهب العيش ودعه غلطا ** ينقضي ما بين هتك واستتار )
( إن تكن شيخ خلاعات الصبا ** فالبس الصبوة في خلع العذار )
( وارض بالعار وقل قد آن لي ** في هوى خمار كاسي لبس عاري ) وقال
( حثوا إلى نجد نياق الهوى ** فثم واد جوه معشب )
( وانتظروا حتى يلوح الحمى ** فالعيش فيه طيب طيب )
وتوفي سنة أربع وثمانين وستمائة هكذا ذكر ترجمته ابن حبيب ثم بعد كتبها حصل لي شك هل هو ممن ارتحل بنفسه من الأندلس أو ولد بمصر وإنما ارتحل إليها بعض سلفه والله تعالى أعلم 208 - وكذا ذكر آخر بقوله في سنة سبع وثمانين وستمائة وفيها توفي الإمام زكي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عبد العزيز بن يحيى بن علي الإشبيلي المالكي محدث عالم زاهد فيما ليس بدائم كثير الخير
____________________
(2/517)

جزيل المير كان حسن المناهج قاضيا للحوائج محسنا إلى الصامت والمعرب مقصدا لمن يرد من الحجاز والمغرب سمع بمصر ودمشق وحلب وأفتى ودرس مفيدا لذوي الطلب ولم يبرح يعين بأياديه ويغيث وهو أول من باشر بظاهرية دمشق مشيخة الحديث وكانت وفاته بدمشق عن نيف وسبعين سنة انتهى 209 - ومنهم الأحق بالسبق والتقدم بقي بن مخلد بن يزيد أبو عبد الرحمن القرطبي الأندلسي الحافظ أحد الأعلام وصاحب التفسير والمسند أخذ عن يحيى بن يحيى الليثي ومحمد بن عيسى الأعشى وارتحل إلى المشرق ولقي الكبار وسمع بالحجاز مصعبا الزهري وإبراهيم بن المنذر وطبقتهما وبمصر يحيى بن بكير وزهير بن عباد وطائفة وبدمشق إبراهيم بن هشام الغساني وصفوان بن صالح وهشام بن عمار وجماعة وببغداد أحمد بن حنبل وطبقته وبالكوفة يحيى بن عبد الحميد الحماني ومحمد بن عبد الله بن نمير وأبا بكر بن أبي شيبة وطائفة وبالبصرة أصحاب حماد بن زيد وعني بالأثر عناية عظيمة لا مزيد عليها وعدد شيوخه مائتان وأربعة وثلاثون رجلا وكان إماما زاهدا صواما صادقا كثير التهجد مجاب الدعوة قليل المثل مجتهدا لا يقلد بل يفتي بالأثر ولد في رمضان سنة إحدى ومائتين وتوفي في جمادي الآخرة سنة ست وسبعين ومائتين
____________________
(2/518)

قال ابن حزم أقطع أنه لم يؤلف في الإسلام مثل تفسيره لا تفسير محمد بن جرير ولا غيره وكان محمد بن عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس محبا للعلوم عارفا بها فلما دخل بقي بن مخلد الأندلس بمصنف ابن أبي شيبة وقرىء عليه أنكر جماعة من أهل الرأي ما فيه من الخلاف واستبشعوه وقام جماعة من العامة عليه ومنعوه من قراءته فاستحضره الأمير محمد وإياهم وتصفح الكتاب جزءا جزءا حتى أتى على آخره ثم قال لخازن كتبه هذا الكتاب لا تستغني خزانتنا عنه فانظر في نسخه لنا وقال لبقي انشر علمك وارو ما عندك ونهاهم أن يتعرضوا له قال ابن حزم مسند بقي روي فيه عن ألف وثلاثمائة صاحب ونيف ورتب حديث كل صاحب على أبواب الفقه فهو مسند ومصنف أعلم هذه الرتبة لأحد قبله مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله في الحديث وله في فتاوى الصحابة والتابعين ممن ذكرهم أربى فيه على مصنف أبي بكر بن أبي شيبة وعلى مصنف عبد الرزاق وعلى مصنف سعيد بن منصور ثم ذكر تفسيره فقال فصارت تصانيف هذا الإمام الفاضل قواعد الإسلام لا نظير لها وكان متخيرا لا يقلد أحدا وكان جاريا في مضمار البخاري ومسلم والنسائي
وذكر القشيري أن امرأة جاءته فقالت له إن ابني قد أسرته الفرنج وإني لا أنام الليل من شوقي إليه ولي دويرة أريد أن أبيعها لأفتكه بها فإن رأيت أن تشير إلى من يأخذها ويسعى في فكاكه فليس لي ليل ولا نهار ولا صبر ولا قرار فقال نعم انصرفي حتى ننظر في ذلك إن شاء الله تعالى
____________________
(2/519)

وأطرق الشيخ وحرك شفتيه يدعو الله عز وجل لولدها بالخلاص فذهبت فما كان غير قليل حتى جاءت وابنها معها فقالت اسمع خبره يرحمك الله تعالى فقال كيف كان أمرك فقال إني كنت فيمن يخدم الملك ونحن في القيود فبينا أنا ذات يوم أمشي إذ سقط القيد من رجلي فأقبل علي الموكل بي فشتمني وقال فككت القيد من رجليك فقلت لا والله ولكن سقط ولم أشعر فجاءوا بالحداد فأعاده وسمر مسماره وأيده ثم قمت فسقط أيضا فسألوا رهبانهم فقالوا ألك والدة فقلت نعم فقالوا إنه قد استجيب دعاؤها له فأطلقوه فأطلقوني وخفروني إلى أن وصلت إلى بلاد الإسلام فسأله بقي عن الساعة التي سقط القيد من رجليه فيها فإذا هي الساعة التي دعا له فيها فرحمه الله تعالى 210 - ومن الراحلين من الأندلس إلى المشرق يوسف بن يحيى بن يوسف الأزدي المعروف بالمغامي من أهل قرطبة وأصله من طليطلة وهو من ذرية أبي هريرة رضي الله تعال عنه ى سمع من يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان وروى عن عبد الملك بن حبيب ومصنفاته وارتحل إلى مصر وسمع من يوسف بن زيد القراطيسي وعاد إلى الأندلس وكان فقيها نبيلا فصيحا بصيرا بالعربية ثم بعد عوده من مصر أقام بقرطبة أعواما ثم عاد إلى مصر وأقام بها وسمع الناس منه وعظم أمره بالبلاد بالمشرقية ثم إنه عاد إلى المغرب فتوفي بالقيروان سنة ثمان وثمانين ومائتين وبين بمصر الواضحة لابن حبيب وصنف شيئا في الرد على الشافعية في عشرة أجزاء وألف كتاب فضائل مالك رضي الله تعالى عنه والذي يرتضي أن من قلد إماما من المجتهدين لا ينبغي له أن يغض من
____________________
(2/520)

قدر غيره وإن كان ولا بد من الانتصار لمذهبه وتقوية حجته فليكن ذلك بحسن أدب مع الأئمة رضي الله تعالى عنهم فإنهم على هدى من ربهم وقد ضل بعض الناس فحمله التعصب لمذهبه على التصريح بما لا يجوز في حق العلماء الذين هم نجوم الملة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقد حكى أبو عبدالله الوادي آشي - حسبما رأيته بخطه - أن القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي ألف كتابا لنصرة مذهب مالك على غيره من المذاهب في مائة جزء وسماه النصرة لمذهب إمام دار الهجرة فوقع الكتاب بخطه بيد بعض قضاة الشافعية بمصر فغرقه في النيل فقضى الله تعالى أن السلطان فرج بن برقوق سافر إلى الشام ومعه القضاة الأربعة وغيرهم من الأعيان لدفع تيمورلنك عن البلاد فلم يستطع شيئا وهزم إلى مصر وتفرقت العساكر وأخذ القضاة والعلماء أسارى ومن جملتهم ذلك القاضي فبقي في أسر تيمورلنك إلى أن ارتحل عن الشام فأخذ معه أسيرا إلى أن وصل إلى الفرات فغرق فيه أعني القاضي فرأى بعض الناس أن ذلك بسبب تغريقه الكتاب المذكور والجزاء من جنس العمل والله تعالى أعلم بين ابن خلدون وتيمورلنك
وقد نجى الله تعالى من هذه الورطة قاضي القضاة أبا زيد عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي المالكي صاحب كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر فإنه كان من جملة القضاة الحاضرين في الهزيمة فلما أدخلوا على تيمور لنك قال لهم ابن خلدون قدموني للكلام تنجوا إن شاء الله تعالى وإلا فأنتم أخبر ف
____________________
(2/521)

قدموه وعليه زي المغاربة فلما رآه تيمورلنك قال ما أنت من هذه البلاد وتكلم معه فخلبه ابن خلدون بلسانه وكان آية الله الباهرة ثم قال لتيمورلنك إني ألفت كتابا في تاريخ العالم ثم قال له تيمورلنك كيف ساغ لك أن تذكرني فيه وتذكر بختنضر مع أننا خربنا العالم فقال له ابن خلدون أفعالكما العظيمة ألحقتكما بالذكر مع ذوي المراتب الجسيمة أو نحو هذا من العبارات فأعجبه ذلك وقيل إنه لما أنس بابن خلدون قال له يا خوند ما أسفي إلا على كتاب ألفته في التاريخ وأنفقت فيه أيام عمري وقد تركته بمصر وإن عمري الماضي ذهب ضياعا حيث لم يكن في خدمتك وتحت ظل دولتك والآن أذهب فآتي بهذا الكتاب وأرجع سريعا حتى أموت في خدمتك ونحو هذا من الكلام فأذن له فذهب ولم يعد إليه وقال بعض العلماء إنه لم ينج من يد ذلك الجبار أحد من العلماء غير ابن خلدون ورجل آخر وقد ذكر ذلك ابن عرب شاه في عجائب المقدور وقد طال عهدي به فليراجع وحكى غير واحد أن تيمورلنك لما أخذ حلب على الوجه المشهور في كتب التاريخ جمع العلماء فقال لهم على عادته في التعنت قتل منا ومنكم جماعة فمن الذي في الجنة قتلانا أو قتلاكم وكان مراده إبراز سبب لقتلهم لأنهم إن قالوا أحد الأمرين هلكوا فقال بعض العلماء وأظنه ابن الشحنة دعوني أجبه وإلا هلكتم فتركوه فقال له يا خوند هذا السؤال أجاب عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سئل عنه فغضب [ تيمورلنك ] وقال كيف يمكن أن يجيب عن هذا السؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن لم نكن في زمانه أو كلاما هذا معناه فقال العالم المذكور روينا في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل ليذكر ويرى مكانه فمن الذي في الجنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو الذي في الجنة أو كما قال صلى الله عليه وسلم فتعجب تيمورلنك من هذا الجواب المفحم المسكت وحق له أن يتعجب منه فإن هذا من الأجوبة التي يقل نظيرها وفيها المخلص على كل حال بالإنصاف وقد وفق الله تعالى هذا العالم لهذا الجواب حتى يتخلص على يده أولئك الأقوام من الطاغية الجبار العنيد الذي جعل الله تعالى فتنته في الإسلام وفتنة جنكزخان وأولاده من أعظم الفتن التي وهى بها المسلمون وذكر بعض العلماء أن ابن خلدون لما أقبل على تيمورلنك قال له دعني أقبل يدك فقال ولم فقال له لأنها مفاتيح الأقاليم يشير إلى أنه فتح خمسة أقاليم وأصابع يده خمس فلكل أصبع إقليم وهذا أيضا من دهاء ابن خلدون وقد كدنا نخرج عن المقصود في هذه الترجمة فلنصرف العنان والله سبحانه المستعان ومن الراحلين من الأندلس الإمام الحافظ أبو بكر بن عطية رحمه الله تعالى قال الفتح شيخ العلم وحامل لوائه وحافظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم وكوكب سمائه شرح الله تعالى لحفظه صدره وطاول به عمره مع كونه في كل علم وافر النصيب مياسرا بالمعلى والرقيب رحل إلى المشرق لأداء الفرض لابس برد من العمر الغض فروى وقيد
____________________
(2/523)

ولقي العلماء وأسند وأبقى تلك المآثر وخلد نشأ في بيئة كريمة وأرومة من الشرف غير مرومة لم يزل فيها على وجه الزمان أعلام علم وأرباب مجد ضخم قد قيدت مآثرهم الكتب وأطلعتهم التواريخ كالشهب وما برح الفقيه أبو بكر يتسنم كواهل المعارف وغواربها ويقيد شوارد المعاني وغرائبها لاستضلاعه بالأدب الذي أحكم أصوله وفروعه وعمر برهة من شبيبته ربوعه وبرز فيه تبريز الجواد المستولي على الأمد وجلى عن نفسه به كما جلى الصقال عن النصل الفرد وشاهد ذلك ما أثبته من نظمه الذي يروق جملة وتفصيلا ويقوم على قوة العارضة دليلا فمن ذلك قوله يحذر من خلطاء الزمان ويبنه على التحفظ من الإنسان
( كن بذئب صائد مستأنسا ** وإذا أبصرت إنسانا ففر )
( إنما الإنسان بحر ما له ** ساحل فاحذره إياك الغرر )
( واجعل الناس كشخص واحد ** ثم كن من ذلك الشخص حذر )
وله في الزهد
( أيها المطرود من باب الرضى ** كم يراك الله تلهو معرضا )
( كم إلى كم أنت في جهل الصبا ** قد مضى عمر الصبا وانقرضا )
( قم إذا الليل دجت ظلمته ** واستلذ الجفن أن يغتمضا )
( فضع الخد على الأرض ونح ** واقرع السن على ما قد مضى ) وله في هذا المعنى
( قلبي يا قلبي المعنى ** كم أنا أدعى فلا أجيب )
( كم أتمادى على ضلال ** لا أرعوي لا ولا أنيب )
____________________
(2/524)


( ويلاه من سوء ما دهاني ** يتوب غيري ولا أتوب )
( وا أسفى كيف برء دائي ** دائي كما شاءه الطبيب )
( لو كنت أدنو لكنت أشكو ** ما أنا من بابه قريب )
( أبعدني منه سوء فعلي ** وهكذا يبعد المريب )
( ما لي قدر وأي قدر ** لمن أخلت به الذنوب )
وله في هذا المعنى أيضا
( لا تجعلن رمضان شهر فكاهة ** تلهيك فيه من القبيح فنونه )
( واعلم بأنك لا تنال قبوله ** حتى تكون تصومه وتصونه )
( وله في مثل ذلك
( إذا لم يكن في السمع مني تصاون ** وفي بصري غض وفي مقولي صمت )
( فحظي إذا من صومي الجوع والظما ** وإن قلت إني صمت )
يوما فما صمت وله في المعنى الأول
( جفوت أناسا كنت آلف وصلهم ** وما في الجفا عند الضرورة من باس )
( بلوت فلم أحمد وأصبحت آيسا ** ولا شيء أشفى للنفوس من الياس )
( فلا تعذلوني في انقباضي فإنني ** رأيت جميع الشر في خلطة الناس )
وله يعاتب بعض إخوانه
( وكنت أظن أن جبال رضوى ** تزول وأن ودك لا يزول )
( ولكن الأمور لها اضطراب ** وأحوال ابن آدم تستحيل )
( فإن يك بيننا وصل جميل ** وإلا فليكن هجر طويل )
____________________
(2/525)

وأما شعره الذي اقتدحه من مرخ الشباب وعفاره وكلامه الذي وشحه بمآرب الغزل وأوطاره فإنه نسي إلى ما تناساه وتركه حين كساه العلم والورع من ملابسه ما كساه فمما وقع من ذلك قوله
( كيف السلو ولي حبيب هاجر ** قاسي الفؤاد يسومني تعذيبا )
( لما درى أن الخيال مواصلي ** جعل السهاد على الجفون رقيبا )
وله أيضا
( يا من عهودي لديك ترعى ** أنا على عهدك الوثيق )
( إن شئت أن تسمعي غرامي ** من مخبر عالم صدوق )
( فاستخبري قلبك المعنى ** يخبرك عن قلبي المشوق )
انتهى كلام الفتح
وأبو بكر بن عطية المذكور هو والد الحافظ القاضي أبي محمد عبد الحق بن عطية صاحب التفسير الشهير رحم الله تعالى الجميع ترجمة عبد الحق بن عطية
قال في الإحاطة في حقه ما ملخصه هو الشيخ الإمام المفسر عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي فقيه عالم بالتفسير والأحكام والحديث والفقه والنحو واللغة والأدب حسن التقييد له نظم ونثر ولي قضاء المرية سنة تسع وعشرين وخمسمائة في المحرم وكان غاية في الذكاء والدهاء والتهمم بالعلم سري الهمة في اقتناء الكتب توخى الحق وعدل في الحكم وأعز الخطة روى عن أبيه وأبوي علي الفساني والصدفي وطبقتهما وألف كتابه
____________________
(2/526)

الوجيز في التفسير فأحسن فيه وأبدع وطار بحسن نيته كل مطار وبرنامجا ضمنه مروياته وأسماء شيوخه فحرر وأجاد
ومن نظمه يندب عهد شبابه
( سقيا لعهد شباب ظلت أمرح في ** ريعانه وليالي العيش أسحار ) ( أيام روض الصبا لم تذو أغصنه ** ورونق العمر غض والهوى جار )
( والنفس تركض في تضمير شرتها ** طرفا له في زمان اللهو إحضار )
( عهدا كريما لبسنا فيه أردية ** كانت عيانا ومحت فهي آثار )
( مضى وأبقى بقلبي منه نار أسى ** كوني سلاما وبردا فيه يا نار )
( أبعد أن نعمت نفسي وأصبح في ** ليل الشباب لصبح الشيب إسفار )
( وقارعتني الليالي فانثنت كسرا ** عن ضيغم ما له ناب وأظفار )
( إلا سلاح خلال أخلصت فلها ** في منهل المجد إيراد وإصدار )
( أصبو إلى روض عيش روضه خضل ** أو ينثني بي عن العلياء إقصار
( إذا فعطلت كفي من شبا قلم ** آثاره في رياض العلم أزهار )
مولده سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وتوفي في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ست وأربعين وخمسمائة بلورقة قصد ميورقة يتولى قضاءها فصد عن دخولها وصرف منها إلى لورقة اعتداء عليه رحمه الله تعالى انتهى
وقال الفتح في حقه ما نصه فتى العمر كله العلاء حديث السن قديم السناء لبس الجلالة بردا ضافيا وورد ماء الأصالة صافيا وأوضح للفضل رسما عافيا وثنى من ذهنه للأغراض فننا قصدا وجعل فهمه شهابا
____________________
(2/527)

رصدا سما إلى رتب الكهول صغيرا وشن كتيبه ذهنه على العلوم مغيرا فسباها معنى وفصلا وحواها فرعا وأصلا وله أدب يسيل رضراضا ويستحيل ألفاظا مبتدعة وأغراضا
وقال أيضا فيه نبعة دوح العلاء ومحرز ملابس الثناء فذ الجلالة وواحد العصر والأصالة وقار كما رسا الهضب وأدب كما اطرد السلسل العذب وشيم تتضاءل لها قطع الرياض وتبادر الظن به إلى شريف الأغراض سابق الأمجاد فاستولى على الأمد بعبابه ولم ينض ثوب شبابه أدمن التعب في السؤدد جاهدا فتى تناول الكواكب قاعدا وما اتكل على أوائله ولا سكن إلى راحات بكره وأصائله أثره في كل معرفة علم في رأسه نار وطوالعه في آفاقها صبح أو منار وقد أثبت من نظمه المستبدع ما ينفح عبيرا ويتضح منيرا فمن ذلك قوله من قصيدة
وليلة جبت فيها الجزع مرتديا ** بالسيف أسحب أذيالا من الظلم )
( والنجم حيران في بحر الدجى غرق ** والبرق في طيلسان الليل كالعلم )
( كأنما الليل زنجي بكاهله ** جرح فيثعب أحيانا له بدم )
انتهى المقصود منه
وهو - أعني أبا بكر - أحد مشايخ عياض حسبما ألمعت به في أزهار الرياض
212 - ومنهم شهاب الدين أبو العباس أحمد بن فرح - بالحاء المهملة -
____________________
(2/528)

بن أحمد بن محمد الإمام الحافظ الزاهد بقية السلف اللخمي الإشبيلي الشافعي أسره الإفرنج سنة ست وأربعين وستمائة وخلص وقدم مصر سنة بضع وخمسين وقيل إنه تمذهب للشافعي وتفقه على الشيخ عز الدين بن عبد السلام قليلا وسمع من شيخ الشيوخ شرف الدين الأنصاري الحموي والمعين أحمد بن زين الدين وإسماعيل بن عزوز والنجيب بن الصيقل وابن علاق وبدمشق من ابن عبد الدائم وخلق وعني بالحديث وأتقن ألفاظه وعرف رواته وحفاظه وفهم معانيه وانتقى لبابه ومبانيه
قال الصفدي وكان من كبار أئمة هذا الشان وممن يجري فيه وهو طلق اللسان وهذا إلى ما فيه من ديانة وورع وصيانة وكانت له حلقة اشتغال بكرة بالجامع الأموي يلازمها ويحوم عليه من الطلب حوائمها سمع عليه الشيخ شمس الدين الذهبي واستفاد منه وروى في تصانيفه عنه وعرضت عليه مشيخة دار الحديث النورية فأباها ولم يقبل حباها وكان بزي الصوفية ومعه فقاهة بالشافعية ولم يزل على حاله حتى أحزن الناس ابن فرح وتقدم إلى الله وسرح وشيع الخلق جنازته وتولوا وضعه في القبر وحيازته وتوفي رحمه الله تعالى تاسع جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وستمائة ومولده سنة خمس وعشرين وستمائة
وله قصيدة غزلية في ألقاب الحديث سمعها منه الدمياطي واليونيني وسمع منه البرزالي والمقاتلي والنابلسي وأبو محمد بن الوليد ومات بتربة
____________________
(2/529)

أم الصالح بالإسهال
والقصيدة المذكورة هي هذه
( غرامي صحيح والرجا فيك معضل ** وحزني ودمعي مطلق ومسلسل )
( وصبري عنكم يشهد العقل أنه ** ضعيف ومتروك وذلي أجمل )
( ولا حسن إلا سماع حديثكم ** مشافهة يملى علي فأنقل )
( وأمري موقوف عليك وليس لي ** على أحد إلا عليك المعول )
( ولو كان مرفوعا إليك لكنت لي ** على رغم عذالي ترق وتعدل )
( وعذل عذولي منكر لا أسيغه ** وزور وتدليس يرد ويهمل )
( أقضي زماني فيك متصل الأسى ** ومنقطعا عما به أتوصل )
( وها أنا في أكفان هجرك مدرج ** تكلفني ما لا أطيق فأحمل )
( وأجريت دمعي بالدماء مدبجا ** وما هو إلا مهجتي تتحلل )
( فمتفق سهدي وجفني وعبرتي ** ومفترق صبري وقلبي المبلبل )
( ومؤتلف شجوي ووجدي ولوعتي ** ومختلف حظي وما منك آمل )
( خذ الوجد عني مسندا ومعنعنا فغيري موضوع الهوى يتحيل )
( وذي نبذ من مبهم الحب فاعتبر ** وغامضه إن رمت شرحا أحول )
( عزيز بكم صب ذليل لغيركم ** ومشهور أوصاف المحب التذلل )
( غريب يقاسي البعد عنك وما له ** وحق الهوى عن داره متحول )
( فرفقا بمقطوع الوسائل ما له ** إليك سبيل لا ولا عنك معدل )
( فلا زلت في عز منيع ورفعة ** وما زلت تعلو بالتجني فأنزل )
( أوري بسعدي والرباب وزينب ** وأنت الذي تعنى وأنت المؤمل )
( فخذ أولا من آخر ثم أولا ** من النصف منه فهو فيه مكمل )
____________________
(2/530)


( أبر إذا أقسمت أني بحبه ** أهيم وقلبي بالصبابة يشعل )
وقد ذكرت شرحها في الجزء الثلاثين من تذكرتي انتهى كلام الصفدي
وظاهر كلامه أنه ابن فرح - بفتح الراء - والذي تلقيناه عن شيوخنا أنه بسكون الراء وقد شرح هذه القصيدة جماعة من أهل المشرق والمغرب يطول تعدادهم وهي وحدها دالة على تمكن الرجل رحمه الله تعالى
213 - ومنهم عبد العزيز بن عبد الملك بن نصر أبو الأصبغ الأموي الأندلسي سمع بمكة وبدمشق ومصر وغيرها وحدث عن سليمان بن أحمد بن يحيى بسنده إلى جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لكل بني أب عصبة ينتمون إليها إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا عصبتهم وهم عترتي خلقوا من طينتي ويل للمكذبين بفضلهم من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله
وحدث عن أبي العباس أحمد بن محمد البرذعي بسنده إلى عبد الله بن المبارك قال كنت عند مالك بن أنس وهو يحدثنا فجاءت عقرب فلدغته ست عشرة مرة ومالك يتغير لونه ويتصبر ولا يقطع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من المجلس وتفرق الناس عنه قلت له يا أبا عبد الله قد رأيت منك عجبا قال نعم أنا صبرت إجلالا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولد أبو الأصبغ المذكور بقرطبة وتوفي ببخارى سنة 365 قال الحاكم أبو عبد الله رأيت أبا الأصبغ في المنام في بستان فيه خضرة ومياه جارية وفرش كثيرة وكأني أقول إنها له فقلت يا أبا الأصبغ بماذا وصلت إليه أبالحديث فقال إي والله وهل نجوت إلا بالحديث قال ورأيته أيضا وهو يمشي بزي أحسن ما يكون فقلت أنت أبو الأصبغ فقال
____________________
(2/531)

نعم قلت ادع الله تعالى أن يجمعني وإياك في الجنة فقال إن أمام الجنة أهوالا ثم رفع يديه وقال اللهم اجعله معي في الجنة بعد عمر طويل انتهى
214 - ومنهم القاضي أبو البقاء خالد البلوي الأندلسي رحمه الله تعالى وهو خالد بن عيسى بن أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد البلوي ووصفه الشاطبي بأنه الشيخ الفقيه القاضي الأعدل انتهى
وهو صاحب الرحلة المسماة تاج المفرق في تحلية أهل المشرق ومما أنشده رحمه الله تعالى فيها لنفسه
( ولقد جرى يوم النوى دمعي دما ** حتى أشاع الناس أنك فاني )
( والله إن عاد الزمان بقربنا ** لكففت عن ذكر النوى وكفاني )
وهذه الرحلة المسماة بتاج المفرق مشحونة بالفوائد والفرائد وفيها من العلوم والآداب ما لا يتجاوزه الرائد وقد قال رحمه الله تعالى فيها في ترجمة الولي نجم الدين الحجازي رضي الله تعالى عنه 11 12 2 13 3 14 4 15 * صلى الله عليه وسلم
____________________
(2/532)

في النوم بعد أن سأل الله تعالى ذلك وقد كان أصابته فاقة فشكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قل يا بر يا رحيم يا بر يا رحيم الطف بي في قضائك ولا تول أمري أحدا سواك حتى ألقاك فلما قالها أذهب الله تعالى عنه فاقته قال وكان رحمه الله تعالى يوصي بها أصحابه وأحبابه انتهى
ونسب بعضهم القاضي خالدا المذكور إلى انتحال كمال العماد في البرق الشامي لأن خالدا أكثر في رحلته من الأسجاع التي للعماد فلذا قال لسان الدين ابن الخطيب فيه
( خليلي إن يقض اجتماع بخالد ** فقولا له قولا ولن تعدوا الحقا )
( سرقت العماد الأصبهاني برقه ** وكيف ترى في شاعر سرق البرقا ) وأظن أن لسان الدين كان منحرفا عنه ولذلك قال في كتابه خطرة الطيف ورحلة الشتاء والصيف عندما جرى ذكر قنتورية وقاضيها خالد المذكور ما صورته لم يتخلف ولد عن والد وركب قاضيها ابن أبي خالد وقد شهرته النزعة الحجازية ولبس من خشن الحجازية وأرخى من البياض طيلسانا وتشبه بالمشارقة شكلا ولسانا والبداوة تسمه على الخرطوم وطبع الماء والهواء يقوده قود الجمل المخطوم انتهى ومن نظم أبي البقاء خالد البلوي المذكور قوله
( أتى العيد واعتاد الأحبة بعضهم ** ببعض وأحباب المتيم قد بانوا )
____________________
(2/533)


( وأضحى وقد ضحوا بقربانهم وما ** لديه سوى حمر المدامع قربان )
وقال في ررحلته إنه قال هذين البيتين بديهة بمصلى تونس في عيد النحر من سنة سبع وثلاثين وسبعمائة ومن نظمه أيضا قوله رحمه الله تعالى
( ومستنكر شيبي وما ذهب الصبا ** ولا جف إيناع الشبيبة من غصني )
( فقلت فراقي للأحبة مؤذن ** بشيبي وإن كنت ابن عشرين من سني )
ومحاسنه - رحمه الله تعالى - كثيرة وفي الرحلة منها جملة 215 - ومنهم برهان الدين أبو إسحاق بن الحاج إبراهيم النميري الغرناطي وهو أيضا مذكور في ترجمة ابن الخطيب بما يغني عن تكرير ذكره هنا وقال رحمه الله تعالى في رحلته أخبرني شيخنا - يعني الشيخ الإمام الصالح أبا عبد الله محمد المعروف بخليل التوزري إمام المالكية بالحرم الشريف رضي الله تعالى عنه - قال اعتكفت بجامع عمرو بن العاص كفا لشرتي عن الناس خصوصا أدى الغيبة نحو خمسين ليلة أردت أن أدعو لطائفة من أصحابي بمطالب مختلفة كل بحسب ظني فيه يومئذ فأدركتني حيرة في التمييز والتخصيص فألهمت أن قلت بديهة
( شهدنا بتقصير ألبابنا ** فحسن اختيارك أولى بنا )
( وأنت البصير بأعدائنا ** وأنت البصير بأحبابنا )
قال ثم أردفتها بدعاء وهو اللهم يا من لا يعلم خيره إلا هو أنت أعلم بأعدائنا وأودائنا فافعل بكل منهم ما يناسب حسن اختيارك لنا حسبما علمته منا وكفى بك عليما وكفى بك قديرا وكفى بك بصيرا
____________________
(2/534)

وكفى بك لطيفا وكفى بك خبيرا وكفى بك نصيرا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا كثيرا كثيرا
وقال ابن الحاج المذكور في الرحلة المذكورة إذا التقى الرجل بعدوه وهو على خوف منه فليقرأ هذه الحروفكهيعص [ مريم 1 ] حم 9 5 10 6 11 7 12 8 13 9 14 10 15 1 11 12 2 4 13 5 14 *
قال أبن مرزوق الخطيب في حقه هو شيخ النحاة بالديار
____________________
(2/535)

المصرية وشيخ المحدثين بالمدرسة المنصورية انتهت إليه رئاسة التبريز في علم العربية واللغة والحديث سمعت عليه وقرأت وأنشدني الكثير وإذا أنشدني شيئا ولم أقيده استعاده مني فلم أحفظه فأنشدني وكنت أظنه لنفسه ارتجالا إلى أن أخبرني أحد أصحابنا عنه أنه أخبره أنهما لأبي الحسن التجاني أنشدهما له ببيته بالمدرسة الصالحية رحمه الله تعالى
( إن الذي يروي ولكنه ** يحفظ ما يروي ولا يكتب )
( كصخرة تنبع أمواجها ** تسقي الأراضي وهي لا تشرب )
قال ورويت عنه تواليف ابن أبي الأحوص منها التبيان في أحكام القرآن والمعرب المفهم في شرح مسلم ولم أقف عليه والوسامة في أحكام القسامة والمشرع السلسل في الحديث المسلسل وغير ذلك
وحدثني بسنن أبي داود عن ابن خ طيب المزة عن أبي حفص بن طبرزد عن أبي البدر الكروخي ومفلح الرومي عن أبي بكر بن ثابت الخطيب عن أبي عمر الهاشمي عن اللؤلؤي عن أبي داود وبسنن النسائي عن جماعة عن ابن باقا عن أبي زرعة عن ابن حميد الدوسي عن أبي نصر الكسار عن ابن السني عن النسائي وبالموطأ عن أبي جعفر بن الطباع بسنده
وشكوت إليه يوما ما يلقاه الغريب من أذاة العداة فأنشدني لنفسه
( عداتي لهم فضل علي ومنة ** فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا )
( هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ** وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا )
وأنشدني أيضا من مداعباته وله في ذلك النظم الكثير مع طهارته وفضله
( علقته سبجي اللون قادحه ** ما ابيض منه سوى ثغر حكى الدررا )
( قد صاغه من سواد العين خالقه ** فكل عين إليه تدمن النظرا )
____________________
(2/536)


( وأنشدني في جاهل لبس صوفا وزها فيه
( أيا كاسيا من جيد الصوف نفسه ** ويا عاريا من كل فضل ومن كيس )
( أتزهى بصوف وهو بالأمس مصبح ** على نعجة واليوم أمسى على تيس )
انتهى ما اختصرته من كلام الخطيب ابن مرزوق
وأنشد الرحالة ابن جابر الوادي آشي لأبي حيان قوله
( وقصر آمالي مآلي إلى الردى ** وأني وإن طال المدى سوف أهلك )
( فصنت بماء الوجه نفسا أبية ** وجادت يميني بالذي كنت أملك )
ووقفت على أعيان العصر وأعوان النصرللصفدي فوجدت فيه ترجمة أبي حيان واسعة فرأيت أن أذكرها بطولها لما فيها من الفوائد وهي الشيخ الإمام العالم العلامة الفريد الكامل حجة العرب مالك أزمة الأدب أثير الدين أبو حيان الأندلسي الجياني - بالجيم والياء آخر الحروف مشددة وبعد الألف نون - وكان أمير المؤمنين في النحو والشمس السافرة شتاء في يوم الصحو والمتصرف في هذا العلم فإليه الإثبات والمحو لو عاصر أئمة البصرة لبصرهم أو أهل الكوفة لكف عنهم اتباعهم السواد وحذرهم نزل منه كتاب سيبويه في وطنه بعد أن كان طريدا وأصبح به التسهيل بعد تعقيده مفيدا وجعل سرحة شرحه وجنة راقت النواظر توريدا ملأ الزمان تصانيف وأمال عنق الأيام بالتواليف تخرج به أئمة في هذا الفن وروق لهم في عصره منه سلافة الدن فلو رآه يونس بن حبيب لكان بغيضا غير مجيب أو عيسى بن عمر لأصبح من تقصيره وهو محذر أو الخليل لكان بعينه قذاه أو سيبويه لما تردى من مسألته الزنبورية برداه أو الكسائي لأعراه حلة جاهه عند الرشيد وأناسه أو الفراء لفر منه ولم يقتسم ولدا المأمون تقديم مداسه أو اليزيدي لما ظهر نقصه من مكامنه أو الأخفش
____________________
(2/537)

لأخفى جملة من محاسنه أو أبو عبيدة لما تركه ينصب لشعب الشعوبية أو أبو عمرو لشغله بتحقيق اسمه دون التعلق بعربية أو السكري لما راق كلامه في المعاني ولا حلا أو المازني لما زانه قوله إن مصابكم رجلا أو قطرب لما دب في العربية ولا درج أو ثعلب لاستكن بمكره في وكره ولما خرج أو المبرد لأصبحت قواه مقترة أو الزجاج لأمست قواريره مكسرة أو ابن الوزان لعدم نقده أو الثمانيني لما تجاوز حده أو ابن باب لعلم أن قياسه ما اطرد أو ابن دريد لما بلع ريقه ولا ازدرد أو ابن قتيبة لأضاع رحله أو ابن السراج لمشاة إذا رأى وحله أو ابن الخشاب لأضرم فيه نارا ولم يجد معه نورا أو ابن الخباز لما سجر له تنورا أو ابن القواس لما أغرق في نزعه أو ابن يعيش لأوقعه في نزعه أو ابن خروف لما وجد له مرعى أو ابن إياز لما وجد لأوزاره وقعا أو ابن الطراوة لم يكن نحوه طريا أو ابن الدباج لكان من حلته الرائقة عريا وعلى الجملة فكان إمام النحاة في عصره شرقا وغربا وفريد هذا الفن الفذ بعدا وقربا وفيه قلت
( سلطان علم النحو أستاذنا الشيخ ** أثير الدين حبر الأنام )
فلا تقل زيد وعمرو فما ** في النحو معه لسواه كلام )
خدم هذا العلم مدة تقارب الثمانين وسلك من غرائبه وغوامضه طرقا متشعبة الأفانين ولم يزل على حاله إلى أن دخل في خبر كان وتبدلت حركاته بالإسكان وتوفي رحمه الله تعالى بمنزله خارج باب البحر بالقاهرة في يوم السبت بعد العصر الثامن والعشرين من صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة ودفن من الغد بمقبرة الصوفية خارج باب النصر وصلي عليه في الجامع الأموي بدمشق صلاة الغائب في شهر ربيع الآخر ومولده بمدينة مطخشارش في أخريات شوال سنة أربع وخمسين وستمائة وقلت أنا أرثيه رحمه
____________________
(2/538)


( مات أثير الدين شيخ الورى ** فاستعر البارق واستعبرا )
( ورق من حزن نسيم الصبا ** واعتل في الأسحار لما سرى )
( وصادحات الأيك في نوحها ** رثته في السجع على حرف را )
( يا عين جودي بالدموع التي ** يروي بها ما ضمه من ثرى )
( واجري دما فالخطب في شأنه ** قد اقتضى أكثر مما جرى )
( مات إمام كان في فنه ** يرى إماما والورى من ورا )
( أمسى منادى للبلى مفردا ** فضمه القبر على ما ترى )
( يا أسفا كان هدى ظاهرا ** فعاد في تربته مضمرا )
( وكان جمع الفضل في عصره ** صح فلما أن قضى كسرا )
( وعرف الفضل به برهة ** والآن لما أن مضى نكرا )
( وكان ممنوعا من الصرف ** لا يطرق من وافاه خطب عرا )
( لا أفعل التفضيل ما بينه ** وبين من أعرفه في الورى ) ( لا بدل عن نعته بالتقى ** ففعله كان له مصدرا )
( لم يدغم في اللحد إلا وقد ** فك من الصبر وثيق العرى )
( بكى له زيد وعمرو فمن ** أمثلة النحو وممن قرا )
( ما أعقد التسهيل من بعده ** فكم له من عسرة يسرا )
( وجسر الناس على خوضه ** إذ كان في النحو قد استبحرا )
( من بعده قد حال تمييزه ** وحظه قد رجع القهقرى )
( شارك من قد ساد في فنه وكم له فن به استأثرا )
دأب بني الآداب أن يغسلوا ** بدمعهم فيه بقايا الكرى )
( والنحو قد سار الردى نحوه ** والصرف للتصريف قد غيرا )
( واللغة الفصحى غدت بعده ** يلغي الذي في ضبطها قررا ) تفسيره البحر المحيط الذي ** يهدي إلى وراده الجوهرا )
( فوائد من فضله جمة ** عليه فيها
____________________
(2/539)


( وكان ثبتا نقله حجة ** مثل ضياء الصبح إن أسفرا )
( ورحلة في سنة المصطفى ** أصدق من يسمع إن أخبرا )
( له الأسانيد التي قد علت ** فاستفلت عنها سوامي الذرى )
( ساوى بها الأحفاد أجدادهم ** فاعجب لماض فاته من طرا )
( وشاعرا في نظمه مفلقا ** كم حرر اللفظ وكم حبرا )
( لها معان كلما خطها ** تستر ما يرقم في تسترا )
أفديه من ماض لأمر الردى ** مستقبلا من ربه بالقرى )
( ما بات في أبيض أكفانه ** إلا وأضحى سندسا أخضرا )
( تصافح الحور له راحة كم ** تعبت في كل ما سطرا )
( إن مات فالذكر له خالد ** يحيا به من قبل أن ينشرا )
( جاد ثرى وافاه غيث إذا ** مساه بالسقي له بكرا )
( وخصه من ربه رحمة ** تورده في حشره الكوثرا )
وكان قد قرأ القراءات على الخطيب أبي محمد عبد الحق بن علي بن عبد الله نحوا من عشرين ختمة إفرادا وجمعا ثم على الخطيب الحافظ أبي جعفر أحمد الغرناطي المعروف بالطباع بغرناطة ثم قرأ السبعة إلى آخر سورة الحجر على الخطيب الحافظ أبي علي الحسين بن عبد العزيز بن محمد بن أبي الأحوص بمالقة ثم إنه قدم الإسكندرية وقرأ القراءات على عبد النصير بن علي بن يحيى المريوطي ثم قدم مصر فقرأ بها القراءات على أبي الطاهر إسماعيل بن هبة الله المليحي وسمع الكثير على الجم الغفير بجزيرة الأندلس وبلاد إفريقية والإسكندرية وديار مصر والحجاز وحصل الإجازات من الشام والعراق وغير ذلك واجتهد في طلب التحصيل والتقييد والكتابة ولم أر في أشياخي أكثر اشتغالا منه لأني لم أره قط إلا يسمع أو يشتغل أو يكتب ولم أره على غير ذلك وله إقبال على الطلبة الأذكياء وعنده تعظيم لهم ونظم ونثر وله الموشحات
____________________
(2/540)

البديعة وهو ثبت فيما ينقله محرر لما يقوله عارف باللغة ضابط لألفاظها وأما النحو والتصريف فهو إمام الناس كلهم فيهما لم يذكر معه في أقطار الأرض غيره في حياته وله اليد الطولى في التفسير والحديث والشروط والفروع وتراجم الناس وطبقاتهم وحوادثهم خصوصا المغاربة وتقييد أسمائهم على ما يتلفظون به من إمالة وترقيق وتفخيم لأنهم يجاورون بلاد الإفرنج وأسماؤهم قريبة من لغاتهم وألقابهم كذلك وقيده وحرره وسأله شيخنا الذهبي أسئلة فيما يتعلق بذلك وأجابه عنها
وله التصانيف التي سارت وطارت وانتشرت وما انتثرت وقرئت ودريت ونسخت وما فسخت أخملت كتب الأقدمين وألهت المقيمين بمصر والقادمين وقرأ الناس عليه وصاروا أئمة وأشياخا في حياته وهو الذي جسر الناس على مصنفات ابن مالك رحمه الله تعالى ورغبهم فيها وفي قراءتها وشرح لهم غامضها وخاض بهم لججها وفتح لهم مقفلها وكان يقول عن مقدمة ابن الحاجب هذه نحو الفقهاء وكان التزم أن لا يقرىء أحدا إلا إن كان في كتاب سيبويه أو في التسهيل لابن مالك أو في تصانيفه ولما قدم من بلاده لازم الشيخ بهاء الدين رحمه الله تعالى كثيرا وأخذ عنه كتب الأدب وكان شيخا حسن العمة مليح الوجه ظاهر اللون مشربا الحمرة منور الشيبة كبير اللحية مسترسل الشعر فيها لم تكن كثة عبارته فصيحة بلغة الأندلس يعقد حرف القاف قريبا من الكاف على أنه لا ينطق بها في القرآن إلا فصيحة وسمعته يقول ما في هذه البلاد من يعقد حرف القاف
وكانت له خصوصية بالأمير سيف الدين أرغون كافل الممالك ينبسط معه ويبيت عنده في قلعة الجبل ولما توفيت ابنته نضار طلع إلى السلطان الملك الناصر محمد وسأل منه أن يدفنها في بيته داخل القاهرة في البرقية فأذن له في ذلك وكان أولا يرى رأي الظاهرية ثم إنه تمذهب للشافعي رضي الله تعالى عنه بحث على الشيخ علم الدين العراقي المحرر للرافعي ومختصر المنهاج
____________________
(2/541)

للنووي وحفظ المنهاج إلا يسيرا وقرأ أصول الفقه على أستاذه أبي جعفر ابن الزبير بحث عليه من الإشارة للباجي ومن المستصفى للغزالي وعلى الخطيب أبي الحسن ابن فضيلة وعلى الشيخ علم الدين العراقي وعلى الشيخ شمس الدين الأصبهاني وعلى الشيخ علاء الدين الباجي وقرأ أشياء من أصول الدين على شيخه ابن الزبير وقرأ عليه شيئا من المنطق وقرأ أشياء من المنطق على بدر الدين محمد بن سلطان البغدادي وقرأ عليه شيئا من الإرشاد للعميدي في الخلاف ولكنه برع في النحو وانتهت إليه الرئاسة والمشيخة فيه وكان خاليا من الفلسفة والاعتزال والتجسيم وكان أولا يعتقد في الشيخ تقي الدين بن تيمية وامتدحه بقصيدة ثم إنه انحرف عنه لما وقف على كتاب العرش له قال الفاضل كمال الدين الأدفوي وجرى على مذهب كثير من النحويين في تعصبه للإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه التعصب المتين قال حكي لي أنه قال لقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة إن عليا رضي الله تعالى عنه عهد إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق أتراه ما صدق في هذا فقال صدق قال فقلت له فالذين سلوا السيوف في وجهه يبغضونه أو يحبونه أو غير ذلكقال وكان سيىء الظن بالناس كافة فإذا نقل له عن أحد خبر لا يتكيف به وينثني عنه حتى عمن هو عنده مجروح فيقع في ذم من هو بألسنة العالم ممدوح وبسبب ذلك وقع في نفس جمع كبير منه ألم كثير انتهى
قلت أنا لم أسمع منه في حق أحد من الأحياء والأموات إلا خيرا وما كنت أنقم عليه شيئا إلا ما كان يبلغني عنه من الحط على الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد على أنني أنا ما سمعت في حقه شيئا نعم كان لا يثق بهؤلاء الذين يدعون الصلاح حتى قلت له يوما يا سيدي فكيف تعمل في الشيخ أبي مدين فقال هو رجل مسلم دين وإلا ما كان يطير في الهواء ولا يصلي الصلوات الخمس في مكة كما يدعي فيه هؤلاء الأغمار
____________________
(2/542)

وكان فيه - رحمه الله تعالى - خشوع يبكي إذا سمع القرآن ويجري دمعه عند سماع الأشعار الغزلية وقال كمال الدين المذكور قال لي إذا قرأت أشعار العشق أميل إليها وكذلك أشعار الشجاعة تستميلني وغيرهما إلا أشعار الكرم ما تؤثر في انتهى
قلت كان يفتخر بالبخل كما يفتخر غيره بالكرم وكان يقول لي أوصيك احفظ دراهمك ويقال عنك بخيل ولا تحتج إلى السفل
وأنشدني من لفظه لنفسه [ بحر الطويل ]
( رجاؤك فلسا قد غدا في حبائلي ** قنيصا رجاء للنتاج من العقم )
( أأتعب في تحصيله وأضيعه ** إذن كنت معتاضا من البرء بالسقم )
قلت والذي أراه فيه أنه طال عمره وتغرب وورد البلاد ولا شيء معه وتعب حتى حصل المناصب تعبا كثيرا وكان قد جرب الناس وحلب أشطر الدهر ومرت به حوادث فاستعمل الحزم وسمعته غير مرة يقول يكفي الفقير في مصر أربعة أفلس يشتري له بائته بفلسين وبفلس زبيبا وبفلس كوز ماء ويشتري ثاني يوم ليمونا بفلس يأكل به الخبز وكان يعيب على مشتري الكتب ويقول الله يرزقك عقلا تعيش به أنا أي كتاب أردته استعرته من خزائن الأوقاف وإذا أردت من أحد أن يعيرني دراهم ما أجد ذلك وأنشدني له إجازة
( إن الدراهم والنساء كلاهما ** لا تأمنن عليهما إنسانا )
( ينزعن ذا اللب المتين عن التقى ** فترى إساءة فعله إحسانا )
وأنشدني له من أبيات [ بحر الطويل ]
( أتى بشفيع ليس يمكن رده ** دراهم بيض للجروح مراهم )
( تصير صعب الأمر أهون ما يرى ** وتقضي لبانات الفتى وهو نائم )
____________________
(2/543)


ومن حزمه قوله
( عداتي لهم فضل ** ) - البيتين وقد مدحه كثير من الشعراء والكبار الفضلاء فمنهم القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر بقوله [ بحر الكامل ]
( قد قلت لما أن سمعت مباحثا ** في الذات قررها أجل مفيد )
( هذا أبو حيان قلت صدقتم ** وبررتم هذا هو التوحيدي ) وكان قد جاء يوما إلى بيت الشيخ صدر الدين بن الوكيل فلم يجده فكتب بالجص على مصراع الباب فلما رأى ابن الوكيل ذلك قال [ بحر الكامل ]
( قالوا أبو حيان غير مدافع ** ملك النحاة فقلت بالإجماع )
( اسم الملوك على النقود وإنني ** شاهدت كنيته على المصراع )
ومدحه شرف الدين ابن الوحيد بقصيدة مطولة أولها [ بحر الطويل ]
( إليك أبا حيان أعملت أينقي وملت إلى حيث الركائب تلتقي )
( دعاني إليك الفضل فانقدت طائعا ** ولبيت أحدوها بلفظي المصدق )
( ومدحه نجم الدين إسحاق بن المي التركي وسأله تكملة شرح التسهيل بقصيدة وأرسلها إليه من دمشق وأولها [ بحر الطويل ]
( تبدى فقلنا وجهه فلق الصبح ** وكمله باليمن فيه وبالنجح )
( وسهلت تسهيل الفوائد محسنا ** فكن شارحا صدري بتكملة الشرح ) ومدحه مجير الدين عمر بن الملطي بقصيدة أولهابحر السريع ]
( يا شيخ أهل الأدب الباهر ** من ناظم يلفى ومن ناثر )
____________________
(2/544)


ومدحه نجم الدين يحيى الإسكندري بقصيدة أولها [ بحر البسيط ]
( ضيف ألم بنا من أبرع الناس ** لا ناقض عهد أيامي ولا ناسي )
( عار من الكبر والأدناس ذو شرف ** لكنه من سرابيل العلا كاسي )
ومدحه نجم الدين الطوفي بقصيدتين أول الأولى [ بحر الطويل ]
( أتراه بعد هجران يصل ** ويرى في ثوب وصل مبتذل )
( قمر جار على أحلامنا ** إذ تولاها بقد معتدل ) وأول الثانية
( اعذروه فكريم من عذر ** قمرته ذات وجه كالقمر )
ومدحه بهاء الدين محمد بن شهاب الدين الخيمي بقصيدة أولها
( فضضت عن العذب النمير ختامها ** وفتحت عن زهر الرياض كمامها )
ومدحه جماعة آخرون يطول ذكرهم وكتبت أنا إليه من الرحبة سنة 729
( لو كنت أملك من دهري جناحين ** لطرت لكنه فيكم جنى حيني )
( يا سادة نلت في مصر بهم شرفا ** أرقى به شرفا ينأى عن العين )
( وإن جرى لسما كيوان ذكر علا ** أحلني فضلهم فوق السماكين )
( وليس غير أثير الدين أثله ** فشاد ما شاد لي حقا بلا مين )
( حبر ولو قلت إن الباء رتبتها ** من قبل صدقك الأقوام في ذين )
____________________
(2/545)


( أحيا علوما أمات الدهر أكثرها ** مذ جلدت خلدت ما بين دفين )
( يا واحد العصر ما قولي بمتهم ** ولا أحاشي امرءا بين الفريقين )
( هذي العلوم بدت من سيبويه كما ** قالوا وفيك انتهت يا ثاني اثنين ) فدم لها وبودي لو أكون فدى ** لما ينالك في الأيام من شين )
( يا سيبويه الورى في الدهر لا عجب ** إذا الخليل غدا يفديك بالعين )
يقبل الأرض وينهي ما هو عليه من الأشواق التي برحت بألمها وأجرت الدموع دما وهذا الطرس الأحمر يشهد بدمها وأربت بسحها على السحائب وأين دوام هذه من ديمها وفرقت الأوصال على السقم لوجود عدمها
( فيا شوق ما أبقى ويا لي من النوى ** ويا دمع ما أجرى ويا قلب ما أصبى ) ويذكر ولاءه الذي تسجع به في الأرض الحمائم ويسير تحت لوائه مسير الرياح بين الغمائم وثناءه الذي يتضوع كالزهر بين الكمائم ويتنسم تنسم هامات الربى إذا لبست من الربيع ملونات العمائم ويشهد الله على ما قد قلته والله سبحانه نعم الشهيد
فكتب هو الجواب عن ذلك ولكنه عدم مني
وأنشدته يوما لنفسي
( قلت للكاتب الذي ما أراه ** قط إلا ونقط الدمع شكله )
( إن تخط الدموع في الخد شيئا ** ما يسمى فقال خط ابن مقله ) وأنشدني هو من لفظه لنفسه
( سبق الدمع بالمسير المطايا ** إذ نوى من أحب عني نقله )
( وأجاد الخطوط في صفحة الخد ** ولم لا يجيد وهو ابن مقله ) وأنشدني في مليح نوتي
( كلفت بنوتي كأن قوامه ** إذا ينثني خوط من البان ناعم )
____________________
(2/546)


( مجاذفه في كل قلب مجاذب ** وهزاته للعاشقين هزائم )
وأنشدته أنا لنفسي
( إن نوتي مركب نحن فيه ** هام فيه صب الفؤاد جريحه )
( أقلع القلب عن سلوي لما ** أن بدا ثغره وقد طاب ريحه )
وأنشدته لنفسي أيضا
( نوتينا حسنه بديع ** وفيه بدر السماء مغرى )
( ما حك برا إلا وقلنا ** يا ليت أنا نحك ) برا فأعجباه رحمه الله تعالى وزهزه لهما وأنشدني هو لنفسه في مليح أحدب
( تعشقته أحدبا كيسا ** يحاكي نحيبا حنين النعام )
( إذا كدت أسقط من فوقه ** تعلقت من ظهره بالسنام ) فأنشدته لنفسي
( وأحدب رحت به مغرما ** إذ لم تشاهد مثله عيني )
( لا غرو إن هام فؤادي به ** وخصره ما بين دفي ) ن وأنشدني من لفظه لنفسه في أعمى
( ما ضر حسن الذي أهواه أن سناه ** كريمتيه بلا شين قد احتجبا )
( قد كانتا زهرتي روض وقد ذوتا ** لكن حسنهما الفتان ما ذهبا )
( كالسيف قد زال عنه صقله فغدا ** أنكى وآلم في قلب الذي ضربا )
وأنشدته لنفسي في ذلك
____________________
(2/547)


( ورب أعمى وجهه روضة ** تنزهي فيها كثير الديون )
( وخده ورد غنينا به ** عن نرجس ما فتحته العيون )
وأنشدته أيضا لنفسي في ذلك
( فيا حسن أعمى لم يخف حد طرفه ** محب غدا سكران فيه وما صحا )
( إذا صاد خل بات يرعى حدوده ** غدا آمنا من مقلتيه الجوارحا )
وكتبت إليه استدعاء وهو المسؤول من إحسان سيدنا الإمام العالم العلامة لسان العرب ترجمان الأدب جامع الفضائل عمدة وسائل السائل حجة المقلدين زين المقلدين قطب المؤملين أفضل الآخرين وارث علوم الأولين صاحب اليد الطولى في كل مكان ضيق والتصانيف التي تأخذ بمجامع القلب فكل ذي لب إليها شيق والمباحث التي أثارت الأدلة الراجحة من مكامن أماكنها وقنصت أوابدها الجامحة من مواطىء مواطنها كشاف معضلات الأوائل سباق غايات قصر عن شأوها سحبان وائل فارع هضبات البلاغة في اجتلاء اجتلابها وهي في مرقى مرقدها سالب تيجان الفصاحة في اقتضاء اقتضابها من فوق فرقدها حتى أبرز كلامه جنان فكل جنان من بعده عن الدخول إليها جبان وأتى ببراهين وجوه حورها لم يطمثهن إنس قبله ولا جان وأبدع خمائل نظم ونثر لا تصل إلى أفنان فنونها يد جان أثير الدين أبي حيان لا زال ميت العلم يحييه وهل عجيب ذلك من أبي حيان
( حتى ينال بنو العلوم مرامهم ** ويحلهم دار المنى بأمان )
إجازة كاتب هذه الأحرف ما رواه فسح الله تعالى في مدته من المسانيد والمصنفات والسنن والمجاميع الحديثية والتصانيف الأدبية نظما ونثرا إلى غير ذلك من أصناف العلوم على اختلاف أوضاعها وتباين أجناسها وأنواعها مما تلقاه ببلاد الأندلس وإفريقية والإسكندرية والديار المصرية والبلاد الحجازية
____________________
(2/548)

وغيرها من البلدان بقراءة أو سماع أو مناولة أو إجازة خاصة أو عامة كيفما تأدى ذلك إليه وإجازة ما له أدام الله إفادته من التصانيف في تفسير القرآن العظيم والعلوم الحديثية والأدبية وغيرها وما له من نظم ونثر إجازة خاصة وأن يثبت بخطه تصانيفه إلى حين هذا التاريخ وأن يجيزه إجازة عامة لما يتجدد له من بعد ذلك على رأي من يراه ويجوزه منعما متفضلا إن شاء الله تعالى فكتب الجواب رحمه الله تعالى أعزك الله ظننت بإنسان جميلا فغاليت وأبديت من الإحسان جزيلا وما باليت وصفت من هو القتام يظنه الناس سماء والسراب يحسبه الظمآن ماء يا ابن الكرام وأنت أبصر من يشيم أمع الروض النضير يرعى الهشيم أما أغنتك فضائلك وفواضلك ومعارفك وعوارفك عن نغبة من دأماء وتربة من يهماء لقد تبلجت المهارق من نور صفحاتك وتأرجت الأكوان من أريج نفحاتك ولأنت أعرف من يقصد للدراية وأنقد من يعتمد عليه في الرواية لكنك أردت أن تكسو من مطارفك وتتفضل من تالدك وطارفك وتجلو الخامل في منصة النباهة وتنقذه من لكن الفهاهة فتشيد له ذكرا وتعلي له قدرا ولم يمكنه إلا إسعافك فيما طلبت وإجابتك فيما إليه ندبت فإن المالك لا يعصى والمتفضل المحسن لا يقصى وقد أجزت لك - أيدك الله تعالى - جميع ما رويته عن أشياخي بجزيرة الأندلس وبلاد إفريقية وديار مصر والحجاز وغير ذلك بقراءة أو سماع أو مناولة أو إجازة بمشافهة وكتابة ووجازة وجميع ما أجيز لي أن أرويه بالشام والعراق وغير ذلك وجميع ما صنفته واختصرته وجمعته وأنشأته نظما ونثرا وجميع ما سألت في هذا الاستدعاء فمن مروياتي الكتاب العزيز قرأته بقراءة السبعة على جماعة من أعلاهم الشيخ المسند المعمر فخر الدين أبو الطاهر إسماعيل بن هبة الله بن علي بن هبة الله المصري ابن المليحي آخر من روى القرآن بالتلاوة على أبي الجود والكتب الستة والموطأ ومسند عبد بن حميد ومسند الدارمي ومسند الشافعي ومسند الطيالسي والمعجم الكبير للطبراني والمعجم الصغير
____________________
(2/549)

له وسنن الدارقطني وغير ذلك وأما الأجزاء فكثيرة جدا ومن كتب النحو والآداب فأروي بالقراءة كتاب سيبويه والإيضاح 3 2 4 3 5 4 6 5 7 6 8 7 9 8 10 9 11 10 12 13 11 14 12 15 13 16 14 17 15 1 18 2 19 3 20 4 21 5 22 6 23 7 24 25 8 26 9 27 10 28 11 29 12 30 13 31 14 32 15 1 33 2 34 3 35 36 4 37 5 38 6 39 7 40 8 41 9 42 10 43 * بن علي بن خالص الأنصاري
____________________
(2/550)

الإشبيلي الزاهد وأبو الفضل محمد بن محمد بن سعدون الفهري الشنتمري وجملة الذين سمعت منهم نحو من أربعمائة شخص وخمسين وأما الذين أجازوني فعالم كثير جدا من أهل غرناطة ومالقة وسبتة وديار إفريقية وديار مصر والحجاز والعراق والشام وأما ما صنفته فمن ذلك البحر المحيط في تفسير القرآن العظيم إتحاف الأديب بما في القرآن من الغريب كتاب الأسفار الملخص من كتاب الصفار شرحا لكتاب سيبويه كتاب التجريد لأحكام سيبويه كتاب التذييل والتكميل في شرح التسهيل كتاب التنخيل الملخص من شرح التسهيل كتاب التذكرة كتاب المبدع في التصريف كتاب الموفور كتاب التقريب كتاب التدريب كتاب غاية الإحسان كتاب النكت الحسان كتاب الشذا في مسألة كذا كتاب الفضل في أحكام الفصل كتاب اللمحة كتاب الشذرة كتاب الارتضاء في الفرق بين الضاد والظاء كتاب عقد اللآلي كتاب نكت الأمالي كتاب النافع في قراءة نافع الأثير في قراءة ابن كثير المورد الغمر في قراءة أبي عمرو الروض الباسم في قراءة عاصم المزن الهامر في قراءة ابن عامر الرمزة في قراءة حمزة تقريب النائي في قراءة الكسائي غاية المطلوب في قراءة يعقوب قصيدة النير الجلي في قراءة زيد بن علي الوهاج في اختصار المنهاج الأنوار الأجلى في اختصار المحلى الحلل الحالية في أسانيد القرآن العالية كتاب الإعلام بأركان الإسلام نثر الزهر ونظم الزهر قطر الحبي في جواب أسئلة الذهبي فهرست مسموعاتي نوافث السحر في دمائث الشعر تحفة الندي في نحاة الأندلس الأبيات الوافية في علم القافية جزء في الحديث مشيخة ابن أبي المنصور كتاب الإدراك للسان الأتراك زهو الملك في نحو الترك نفحة المسك في سيرة الترك كتاب الأفعال في لسان الترك منطق الخرس في
____________________
(2/552)

لسان الفرس ومما لم يكمل تصنيفه كتاب مسلك الرشد في تجريد مسائل نهاية ابن رشد كتاب منهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك نهاية الإغراب في علمي التصريف والإعراب رجز مجاني الهصر في آداب وتواريخ لأهل العصر خلاصة التبيان في علمي البديع والبيان رجز نور الغبش في لسان الحبش المخبور في لسان اليخمور قاله وكتبه أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان وأنشدني الشيخ أثير الدين من لفظه لنفسه في صفات الحروف
( أنا هاو لمستطيل أغن ** كلما اشتد صارت النفس رخوه )
( أهمس القول وهو يجهر سبي ** وإذا ما انخفضت أظهر علوه )
( فتح الوصل ثم أطبق هجرا ** بصفير والقلب قلقل شجوه )
( لان دهرا ثم اغتدى ذا انحراف ** وفشا السر مذ تكررت نحوه 9 10 10 11 11 12 12 13 14 13 15 14 * اللاهي )
وأنشدني من لفظه لنفسه
____________________
(2/553)


( راض حبيبي عارض قد بدا يا ** حسنه من عارض رائض )
( وظن قوم أن قلبي سلا ** والأصل لا يعتد بالعارض )
وأنشدني من لفظه لنفسه
( تعشقته شيخا كأن مشيبه ** على وجنتيه ياسمين على ورد )
( أخا العقل يدري ما يراد من الهوى ** أمنت عليه من رقيب ومن صد )
( وقالوا الورى قسمان في شرعة الهوى ** لسود اللحى ناس وناس إلى المرد )
( ألا إنني لو كنت أصبو لأمرد ** صبوت إلى هيفاء مائسة القد )
( وسود اللحى أبصرت فيهم مشاركا ** فأحببت أن أبقى بأبيضهم وحدي )
وأنشدني من لفظه لنفسه
( ألا إن ألحاظا بقلبي عوابثا ** أظن بها هاروت أصبح نافثا )
( إذا رام ذو وجد سلوا منعنه ** وكن على دين التصابي بواعثا )
( وقيدن من أضحى عن الحب مطلقا ** وأسرعن للبلوى بمن كان رائثا )
( بروحي رشا من آل خاقان راحل ** وإن كان ما بين الجوانح لابثا )
( غدا واحدا في الحسن للفضل ثانيا ** وللبدر والشمس المنيرة ثالثا )
وأنشدني لنفسه ومن خطه نقلت
( أسحر لتلك العين في القلب أم وخز ** ولين لذاك الجسم في اللمس أم خز )
( وأملود ذاك القد أم أسمر غدا ** له أبدا في قلب عاشقه هز )
( فتاة كساها الحسن أفخر حلة ** فصار عليها من محاسنها طرز )
( وأهدى إليها الغصن لين قوامه ** فماس كأن الغصن خامره العز )
( يضوع أديم الأرض من نشر طيبها ** ويخضر من آثار تربتها الجرز )
( وتختال في برد الشباب إذا مضت ** فينهضها قد ويقعدها عجز )
( أصابت فؤاد الصب منها بنظرة ** فلا رقية تجدي المصاب ولا حرز )
____________________
(2/554)

وأنشدني إجازة في مليح أبرص ومن خطه نقلت
( وقالوا الذي قد صرت طوع جماله ** ونفسك لاقت في هواه نزاعها )
( به وضح تأباه نفس أولي النهى ** وأفظع داء ما ينافي طباعها )
( فقلت لهم لا عيب فيه يشينه ** ولا علة فيه يروم دفاعها )
( ولكنها شمس الضحى حين قابلت ** محاسنه ألقت عليه شعاعها )
وأنشدني من لفظه لنفسه في فحام
( وعلقته مسود عين ووفرة ** وثوب يعاني صنعة الفحم عن قصد )
( كأن خطوط الفحم في وجناته ** لطاخة مسك في جني من الورد )
وأنشدني إجازة ومن خطه نقلت
( سأل البدر هل تبدى أخوه ** قلت يا بدر لن تطيق طلوعا )
( كيف يبدو وأنت يا بدر باد ** أو بدران يطلعان جميعا ) وأنشدني من لفظه لنفسه موشحة عارض بها شمس الدين محمد بن التلمساني
( عاذلي في الأهيف الأنس ** لو رآه الآن قد عذرا )
( رشأ قد زانه الحور ** غصن من فوقه قمر )
( قمر من سحبه الشعر ** ثغر في فيه أم درر )
( حال بين الدر واللعس ** خمرة من ذاقها سكرا )
( رجة بالردف أم كسل ** ريقة بالثغر أم عسل )
( وردة بالخد أم خجل ** كحل بالعين أم كحل )
( يا لها من أعين نعس ** جلبت للناظر السهرا )
____________________
(2/555)


( مذ نأى عن مقلتي سني ** ما أذيقا لذة الوسن )
( طال ما ألقاه من شجن ** عجبا ضدان في بدن )
( بفؤادي جذوة القبس ** وبعيني الماء منفجرا )
( قد أتاني الله بالفرج ** إذ دنا مني أبو الفرج )
( قمر قد حل في المهج ** كيف لا يخشى من الوهج )
( غيره لو صابه نفسي ** ظنه من حره شررا )
( نصب العينين لي شركا ** فانثنى والقلب قد ملكا )
( قمر أضحى له فلكا ** قال لي يوما وقد ضحكا )
( أتجي من أرض أندلس ** نحو مصر تعشق القمرا )
وأما موشحة ابن التلمساني فهي
( قمر يجلو دجى الغلس بهر الأبصار مذ ظهرا )
( آمن من شبهة الكلف ** ذبت من عينيه بالكلف )
( لم يزل يسعى إلى تلفي ** بركاب الدل والصلف )
( آه لولا أعين الحرس ** نلت منه الوصل مقتدرا )
( يا أميرا جار مذ وليا ** كيف لا ترثي لمن بليا )
( فبثغر منك قد جليا ** قد حلا طعما وقد حليا )
( وبما أوتيت من كيس ** جد فما أبقيت مصطبرا )
____________________
(2/556)


( بدر تم في الجمال سني ** ولهذا لقبوه سني )
( قد سباني لذة الوسن ** بمحيا باهر حسن )
( هو خشفي وهو مفترسي ** فارو عن أعجوبتي خبرا )
( لك خد يا أبا الفرج ** زين بالتوريد والضرج )
( وحديث عاطر الأرج ** كم سبى قلبا بلا حرج )
( لو رآك الغصن لم يمس ** أو رآك البدر لاستترا )
( يا مذيبا مهجتي كمدا ** فقت في الحسن البدور مدى )
( يا كحيلا كحله اعتمدا ** عجبا أن تبرىء الرمدا )
( وبسقم الناظرين كسي ** جفنك السحار وانكسرا )
وأنشدني من لفظه لنفسه أيضا
( إن كان ليل داج وخاننا الإصباح ** فنورها الوهاج يغني عن المصباح )
( سلافة تبدو ** كالكوكب الأزهر )
( مزاجها شهد ** وعرفها عنبر )
( وحبذا الورد ** منها وإن أسكر )
( قلبي بها قد هاج فما تراني صاح ** عن ذلك المنهاج وعن هوى يا صاح )
( وبي رشا أهيف ** قد لج في بعدي )
( بدر فلا يخسف ** منه سنا الخد )
( بلحظه المرهف ** يسطو على الأسد )
( كسطوة الحجاج في الناس والسفاح ** فما ترى من ناج من لحظه السفاح )
____________________
(2/557)

( علل بالمسك ** قلب رشا أحور )
( منعم المسك ** ذي مبسم أعطر )
( رياه كالمسك ** وريقه كوثر )
غصن على رجراج طاعت له الأرواح ** فحبذا الآراج إن هبت الأرواح )
( مهلا أبا القاسم ** على أبي حيان )
( ما إن له عاصم ** من لحظك الفتان )
( وهجرك الدائم ** قد طال بالهيمان )
( فدمعه أمواج وسره قد باح ** لكنه ما عاج ولا أطاع اللاح )
( يا رب ذي بهتان ** يعذل في الراح )
( وفي هوى غزلان ** دافعت بالراح )
وقلت لا سلوان ** عن ذاك يا لاح )
( سبع الوجوه والتاج هي منية الأفراح ** فاختر لي يا زجاج قمصال وزوج أقداح )
وأنشدني من لفظه لنفسه القصيدة الدالية التي نظمها في مدح النحو والخليل و سيبويه ثم خرج منها إلى مديح صاحب غرناطة وغيره من أشياخه وأولها
( هو العلم لا كالعلم شيء تراوده ** لقد فاز باغيه وأنجح قاصده ) وهي قصيدة جيدة تزيد على مائة بيت وحكي لي أن الشيخ أثير الدين رحمه الله تعالى ضعف فتوجه إليه جماعة يعودونه وفيهم شمس الدين بن دانيال فأنشدهم الشيخ رحمه الله تعالى القصيدة المذكورة فلما فرغت قال ابن دانيال يا جماعة أخبركم أن الشيخ قد عوفي وما بقي عليه بأس لأنه لم يبق عنده فضلة قوموا باسم الله
____________________
(2/558)

وأنشدني من لفظه لنفسه رحمه الله تعالى قصيدته السينية التي أولها
( أهاجك ربع حائل الرسم دارسه ** كوحي كتاب أضعف الخط دارسه )
انتهى نص الصفدي وما ذكره رحمه الله تعالى في موضع ولادة أبي حيان غير مخالف لما ذكره في الوافي أنه ولد بغرناطة إلا أن قوله بمدينة مطخشارش فيه نظر لأنه يقتضي أنها مدينة وليس كذلك وإنما هي موضع بغرناطة ولذا قال الرعيني إن مولد أبي حيان بمطخشارش من غرناطة ونحوه لابن جماعة انتهى وهو صريح في المراد وصاحب البيت أدرى على أنه يمكن أن يرد كلام الصفدي لذلك والله تعالى أعلم
وذكر في الوافي أنه تولى تدريس التفسير بالقبة المنصورية والإقراء بالجامع الأقمر قال الصفدي وقال لي لم أر بعد ابن دقيق العيد أفصح من قراءتك وكان ذلك حين قرأت عليه المقامات الحريرية بمصر جماعة انتهى
وما وقع في كلام كثير من أهل المغرب أن أبا حيان توفي سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة غير ظاهر لأن أهل المشرق أعرف بذلك إذ توفي عندهم وقد تقدم أنه توفي سنة خمس وأربعين وسبعمائة فعلى كلام أهل المشرق في هذا المعول والله أعلم
وكانت نضار بنت أبي حيان حجت وسمعت بقراءة العلم البرزالي على بعض الشيوخ وحدثت بشيء من مروياتها وحضرت على الدمياطي وسمعت على جماعة وهي بضم النون وتخفيف الضاد وأجازها من المغرب أبو جعفر بن الزبير وحفظت مقدمة في النحو ولما توفيت عمل والدها فيها كتابا سماه النضار في المسلاة عن نضار وكان والدها يثني عليها كثيرا وكانت تكتب وتقرأ قال الصفدي قال لي والدها إنها خرجت جزءا لنفسها وإنها تعرب جيدا وأظنه قال لي إنها تنظم الشعر وكان يقول دائما ليت أخاها حيان كان مثلها وتوفيت رحمها الله تعالى في جمادي الآخرة
____________________
(2/559)

في حياة والدها فوجد عليها وجدا عظيما ولم يثبت وانقطع عند قبرها بالبرقية ولازمه سنة ومولدها في جمادي الآخرة سنة 702 قال الصفدي وكنت بالرحبة لما توفيت فكتبت لوالدها بقصيدة أولها
( بكينا باللجين على نضار ** فسيل الدمع في الخدين جاري )
( فيا لله جارية تولت ** فنبكيها بأدمعنا الجواري ) وقال الفقيه المحدث أبو عبد الله محمد بن سعيد الرعيني الأندلسي في برنامجه عند ذكره شيخه أبا حيان زيادة على ما قدمناه ما ملخصه إن أبا حيان قال سمعت بغرناطة ومالقة وبلش والمرية وبجاية وتونس والإسكندرية ومصر والقاهرة ودمياط والمحلة وطهرمس والجيزة ومنية بني خصيب ودشنا وقنا وقوص وبلبيس وبعيذاب من بلاد السودان وبينبع ومكة شرفها الله تعالى وجدة وأيلة ثم فصل من لقيه في كل بلد إلى أن قال وبمكة أبا اليمن عبد الصمد بن عبد الوهاب بن الحسن بن عبد الله بن عساكر إلى أن قال فهذه نبذة من شيوخي وجملة من سمعت منه خمسمائة والمجيزون أكثر من ألف وعد من كتب القراءات التي أخذ تسعة عشر كتابا وقال في حق ابن المليحي إنه أعلى شيوخي في القراءات وإن آخر من روى عنه السبع أبو الجود غياث بن فارس المنذري اللخمي وإجازته منه سنة 604 قال وقرأت البخاري على جماعة أقدمهم إسنادا فيه أبو العز الحراني قرأته عليه بلفظي إلا بعض كتاب التفسير من قوله تعالى 15 16 4 17 5 18 6 19 7 20 8 21 * عبد الرحمن الربعي عرف بالتونسي أنبأنا
____________________
(2/560)

به سهل بن مالك وقرأه بالقاهرة على أبي الفضل عبد الرحيم ابن خطيب المزة عن أبي حفص بن طبرزد عن أبي بدر الكروخي ومفلح الرومي عن أبي بكر بن ثابت الخطيب أنبأنا أبو عمر الهاشمي أنبأنا اللؤلؤي أنبأنا أبو داود وقرأ الموطأ على أبي حفص بن الطباع عن أبي القاسم بن بقي عن ابن عبد الحق عن ابن الطلاع بسنده وهذا أعلى سند يوجد عن يونس بن مغيث في عصره وسمع أبو حيان الأجزاء الخلعيات والغيلانيات والقطيعيات والنهروانيات والمحامليات والثقفيات وسداسيات الرازي بعلو قرأها على صفي الدين عبد الوهاب بن الفرات عن أبي الطاهر إسماعيل بن ياسين الجيلي وهو آخر م ن حدث عنه عن أبي عبد الله الرازي سماعا وقرأ جزء الأنصاري على أبي بكر بن الأنماطي بسماعه حضورا في الرابعة على أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي البزار سنة 532 أنبأنا إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي قراءة عليه في رجب سنة 445 أنبأنا عبد الله بن إبراهيم بن ماس أنبأنا أبو مسلم الكشي البصري أنبأنا محمد بن عبد الله الأنصاري وقرأ جميع كتاب سيبويه على البهاء بن النحاس المشهور بالنحو في مصر والشام بقراءته على علم الدين أبي محمد القاسم بن أحمد بن الموفق بقراءته على التاج أبي اليمن الكندي أنبأنا أبو محمد عبد الله بن علي ابن أحمد البغدادي مؤلف كتاب المبهج أنبأ أبو الكرم المبارك بن فاخر بن محمد بن يعقوب عرف بابن الدباس أنبأنا أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن عمر بن برهان الأسدي أنبأ أبو القاسم علي بن عبيدالله الرقيقي أنبأ علي بن عيسى بن عبد الله الرماني أنبأنا أبو بكر بن السراج أنبأنا أبو العباس المبرد أنبأنا أبو عمر الجرمي وأبو عثمان المازني قالا أنبأنا أبو الحسن الأخفش أنبأنا سيبويه قال الشيخ أبو حيان ولا أعلم راويا له بمصر والشام والعراق واليمن والمشرق غيري ورويته عن الأساتيذ أبوي علي بن الضائع وابن أبي الأحوص وأبي جعفر اللبلي عن أبي علي الشلوبين وسنده مشهور بالمغرب ووقع لأبي حيان تساعيات كثيرة وأغرب ما وقع له ثلاثة أحاديث بينه وبين
____________________
(2/561)

رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ثمانية أخبره المحدث نجيب محمد بن أحمد بن محمد بن المؤيد الهمداني بقراءته عليه والجليلة السلطانية مؤنسة بنت الملك العادل أبي بكر بن أيوب بن شادي قراءة عليها وهو يسمع قالا أنبأنا أبو الفخر أسعد بن سعيد بن روح في كتابه أخبرتنا فاطمة بنت عبد الله بن أحمد الجوزدانية أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن ريدة الضبي الأصبهاني أنبأنا الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطر اللخمي الطبراني أنبأنا عبيد الله بن رماحس القيسي برمادة الرملة سنة 274 أنبأنا أبو عمر زياد بن طارق وقد أتت عليه عشرون ومائة سنة قال سمعت أبا جرول زهير بن صرد الجشمي يقول لما أسرنا رسو الله صلى الله عليه وسلم يوم هوازن أتيته فقلت
( امنن علينا رسول الله في كرم ** فإنك المرء نرجوه وننتظر )
( امنن على بيضة قد عاقها قدر ** مشتت شملها في دهرها غير )
( أبقت لنا الدهر هتانا على حزن ** علا قلوبهم الغماء والغمر )
( إن لم تداركهم نعماء تنشرها ** يا أرجح الناس حلما حين يختب )
( امنن على نسوة قد كنت ترضعها ** إذ فوك تملؤه من محضها الدرر )
( إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها ** وإذ يريبك ما تأتي وما تذر )
( لا تجعلنا كمن شالت نعامته ** واستبق منا فإنا معشر زهر )
( إنا لنشكر للنعماء إذ كفرت ** وعندنا بعد هذا اليوم مدخر )
( فألبس العفو من قد كنت ترضعه ** من أمهاتك إن العفو مشتهر )
( يا خير من مرحت كمت الجياد به ** عند الهياج إذا ما استوقد الشرر )
( إنا نؤمل عفوا منك تلبسه ** هذي البرية إذ تعفو وتنتصر )
( فاعف عفا الله عما أنت راهبه ** يوم القيامة إذ يهدي لك الظفر )
( فلما سمع صلى الله عليه وسلم هذا الشعر قالما كان لي ولبني
____________________
(2/562)

عبد المطلب فهو لكم فقالت قريش ما كان لنا فهو لله ولرسوله وقالت الأنصار ما كان لنا فهو لله ولرسوله قال أبو القاسم الطبراني لا يروى عن زهير إلا بهذا الإسناد وتفرد به عبيد الله بن رماحس وبالإسناد إلى الطبراني أنبأنا جعفر بن حميد بن عبد الكريم بن فروخ بن ديزج بن بلال بن سعد الأنصاري الدمشقي قال حدثني جدي لأمي عمر بن أبان بن مفضل بن أبان المدني قال أراني أنس بن مالك الوضوء أخذ ركوة فوضعها عن يساره وصب على يده اليمنى فغسلها ثلاثا ثم أدار الركوة عن يده اليمنى وصب على يساره فغسلها ثلاثا وثلاثا ومسح برأسه ثلاثا وأخذ ماء جديدا لصماخيه فمسح صماخيه فقلت له قد مسحت أذنيك فقال يا غلام هل رأيت وفهمت أو أعيد عليك فقلت قد كفاني وقد فهمت قال فكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ قال الطبراني لم يرو عمر بن أبان عن أنس حديثا غير هذا وبالإسناد إلى الطبراني حدثنا محمد بن أحمد بن يزيد القصاص البصري أنبأنا دينار بن عبد الله مولى أنس بن مالك حدثني أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طوبى لمن رآني وآمن بي ومن رأى من رآني وآمن بي ومن رأى من رأى من رآني ثم قال الرعيني وتصانيف أبي حيان تزيد على خمسين ما بين طويل وقصير ثم قال الرعيني وخرج أبو حيان من الأندلس مفتتح سنة 679 واستوطن القاهرة بعد حجه وأنشد لشيخه أبي الحسن الزجاج
( رضيت كفافي رتبة ومعيشة ** فلست أسامي موسرا ووجيها )
( ومن جر أثواب الزمان طويلة ** فلا بد يوما أن سيعثر فيها )
____________________
(2/563)

وأنشد بإسناده لموسى بن أبي تليد
( حالي مع الدهر في تقلبه ** كطائر ضم رجله شرك )
( فهمه في خلاص مهجته ** يروم تخليصها فتشتبك )
ثم أورد الرعيني جملة من نظم الإمام أبي حيان منها قوله
( أريد من الدنيا ثلاثا وإنها ** لغاية مطلوب لمن هو طالب )
( تلاوة قرآن ونفس عفيفة ** وإكثار أعمال عليها أواظب ) وقوله
( أرحت روحي من الإيناس بالناس ** لما غنيت عن الأكياس بالياس )
( وصرت في البيت وحدي لا أرى أحدا ** بنات فكري وكتبي هن جلاسي ) وقوله
( وزهدني في جمعي المال أنه ** إذا ما انتهى عند الفتى فارق العمرا )
( فلا روحه يوما أراح من العنا ** ولم يكتسب حمدا ولم يدخر أجرا )
وقوله
( يظن الغمر أن الكتب تجدي ** أخا ذهن لإدراك العلوم )
( وما يدري الجهول بأن فيها ** غوامض حيرت عقل الفهيم )
( إذا رمت العلوم بغير شيخ ** ضللت عن الصراط المستقيم )
وتلتبس الأمور عليك حتى ** تصير أضل من توما الحكيم )
وله لغز في قيراط زاعما أنه لا يفك
( وما اسم خماسي إذا ما فككته ** يصير لنا فعلين أمرا * 1 وماضيا )
____________________
(2/564)


( بعكس وهو كل وجزء وجمعه ** بإبدال عين حار فيه التناهيا )
( ومع كونه فردا وجمعا فأول ** وآخره أضحى لشخص معاديا )
( وفي عكسه صوت فتبنيه صيغة ** وتبني بمعناه وما أنت بانيا )
( فكم فيه من معنى خفي وإنما ** عنيت بذكري للذي ليس خافيا )
ثم قال الرعيني وهو شيخ فاضل ما رأيت مثله كثير الضحك والانبساط بعيد عن الانقباض جيد الكلام حسن اللقاء جميل المؤانسة فصيح الكلام طلق اللسان ذو لمة وافرة وهمة فاخرة له وجه مستدير وقامته معتدلة التقدير ليس بالطويل ولا بالقصير انتهى ما لخصته من كلام الرعيني ولما قدم الأستاذ أبو حيان إلى مصر أوصى أهله بقوله ينبغي للعاقل أن يعامل كل أحد في الظاهر معاملة الصديق وفي الباطن معاملة العدو في التحفظ منه والتحرز وليكن في التحرز من صديقه أشد من التحرز من عدوه وأن يعتقد أن إحسان شخص إلى آخر وتودده إليه إنما هو لغرض قام له فيه يتعلق به يبعثه على ذلك لا لذات ذلك الشخص وينبغي أن يترك الإنسان الكلام في ستة أشياء في ذات الله تعالى وما يتعلق بصفاته وما يتعلق بأحوال أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وفي التعرض لما جرى بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين وفي التعرض لأئمة المذاهب رحمهم الله تعالى ورضي عنهم وفي الطعن على صالحي الأمة نفع الله بهم وعلى أرباب المناصب والرتب من أهل زمانه وأن لا يقصد أذى أحد من خلق الله سبحانه وتعالى إلا على حسب الدفع عن نفسه وأن يعذر الناس في مباحثهم وإدراكاتهم فإن ذلك على حسب عقولهم وأن يضبط نفسه عن المراء والاستزراء والإستخفاف بأبناء زمانه وأن لا يبحث إلا مع من اجتمعت فيه شرائط الديانة والفهم والمزاولة لما يبحث وأن لا يغضب على من لا يفهم مراده ومن لم يدر ما يدركه وأن يلتمس مخرجا لمن ظاهر
____________________
(2/565)

كلامه الفساد وأن لا يقدم على تخطئة أحد ببادي الرأي وأن يترك الخوض في علوم الأوائل وأن يجعل اشتغاله بعلوم الشريعة وأن لا ينكر على الفقراء وليسلم لهم أحوالهم وينبغي للعاقل أن يلزم نفسه التواضع لعبيد الله سبحانه وتعالى وأن يجعل نصب عينيه أنه عاجز مفتقر وأن لا يتكبر على أحد وأن يقل من الضحك والمزاح والخوض فيما لا يعنيه وأن يتظاهر لكل بما يوافقه فيما لا معصية لله تعالى فيه ولا خرم مروءة وأن يأخذ نفسه باجتناب ما هو قبيح عند الجمهور وأن لا يظهر الشكوى لأحد من خلق الله تعالى وأن لا يعرض بذكر أهله ولا يجري ذكر حرمه بحضرة جليسه وأن لا يطلع أحدا على عمل خير يعمله لوجه الله تعالى وأن يأخذ نفسه بحسن المعاملة من حسن اللفظ وجميل التقاضي وأن لا يركن إلى أحد إلا إلى الله تعالى وأن يكثر من مطالعة التواريخ فإنها تلقح عقلا جديدا والله سبحانه وتعالى اعلم
انتهت وصية أبي حيان الجامعة النافعة وقد نقلتها من خط الشيخ العلامة أبي الطيب بن علوان التونسي المالكي الشهير بالمصري وهو ممن أخذ عن تلامذة الشيخ أبي حيان رحمه الله تعالى
قلت وبما في هذه الوصية من نهيه عن الطعن في صالحي الأمة نفع الله تعالى بهم وأمره بالتسليم لأحوالهم وعدم الإنكار عليهم تعلم أن ما نقله الصفدي عنه فيما تقدم من قوله إن الشيخ أبا مدين إلى آخره كلام فيه نظر لأن أبا حيان رضي الله تعالى عنه لا ينكر كرامات الأولياء كيف وقد ذكر رحمه الله تعالى منها كثيرا فمن ذلك ما حكى عنه تلميذه الرعيني بسنده إلى الفقيه المقريء الصالح أبي تمام غالب بن حسن بن أحمد بن سيد بونة الخزاعي حدث أنه زار قبر أبي الحسن بن جالوت ولم يكن زاره قبل فاشتبه عليه فتركه فسمع النداء من قبر معين يا غالب أتمشي وما زرتني فزار ذلك القبر وقعد عنده ثم جاء
____________________
(2/566)

ابن أبي الحسن المذكور فسأله عن القبر فقال هو الذي قعدت عنده وغالب هذا وابن جالوت هما من أصحاب الشيخ أبي أحمد جعفر بن سيد بونة الخزاعي وهو من أصحاب الشيخ أبي مدين انتهى فكيف ينكر أبو حيان كرامات الصالحين وهو يوصي على من ينهى عن الطعن فيهم ويحكي كراماتهم نعم قول الصفدي قبل ذلك الكلام إنه كان ينكر على فقراء الوقت كلام صحيح في الجملة لكثرة الدعاوى الباطلة ممن ليس من أهل الصلاح وأما إنكار الكرامات مطلقا فمقام أبي حيان يجل عن انكارها والله تعالى أعلم
وقد أورد ابن جماعة له من قطعة قوله في أهل عصره
( ومن يك يدعي منهم صلاحا ** فزنديق تغلغل في الضلال ) وأول هذه القطعة
( حلبت الدهر أشطره زمانا ** وأغناني العيان عن السؤال )
( فما أبصرت من خل وفي ** ولا ألفيت مشكور الخلال )
( ذئاب في ثياب قد تبدت ** لرائيها بأشكال الرجال )
( ومن يك يدعي منهم صلاحا ** فزنديق تغلغل في الضلال )
( ترى الجهال تتبعه وترضى ** مشاركة بأهل أو بمال )
( فينهب مالهم ويصيب منهم ** نساءهم بمقبوح الفعال )
و ( تأخذ حاله زورا فيرمي ** عمامته ويهرب في الرمال )
( ويجرون التيوس وراء رجس ** تقرمط في العقيدة والمقال )
أي اعتقدوا رأي القرامطة ومذهبهم مشهور فلا نطيل به فظهر بما ذكر أن أبا حيان إنما أنكر على أهل الدعاوى لا على غيرهم والله تعالى أعلم
وقد أورد قاضي القضاة ابن جماعة للشيخ أبي حيان من النظم غير ما قدمنا ذكره قوله
____________________
(2/567)


( أما إنه لولا ثلاث أحبها ** تمنيت أني لا أعد من الأحيا )
( فمنها رجائي أن أفوز بتوبة ** تكفر لي ذنبا وتنجح لي سعيا )
( ومنهن صوني النفس عن كل جاهل ** لئيم فلا أمشي إلى بابه مشيا )
( ومنهن أخذي بالحديث إذا الورى ** نسوا سنة المختار واتبعوا الرأيا )
( أتترك نصا للرسول وتقتدي ** بشخص لقد بدلت بالرشد الغيا )
وقوله
( سال في الخد للحبيب عذار ** وهو لا شك سائل مرحوم )
( وسألت التثامة فتجنى ** فأنا اليوم سائل محروم )
وقوله
( أمدعيا علما ولست بقارئ ** كتابا على شيخ به يسهل الحزن )
( أتزعم أن الذهن يوضح مشكلا ** بلا موضح كلا لقد كذب الذهن ) و
( إن الذي تبغيه دون معلم ** كموقد مصباح وليس له دهن )
وقوله عداتي - البيتين قال وأخذ هذا المعنى من قول الطغرائي
( من خص بالود الصحاب فإنني ** أحبو بخالص ودي الأعداء )
( جعلوا التنافس في المعالي ديدني ** حتى وطئت بأخمصي الجوزاء )
( ونعوا إلي مثالبي فحذرتها ** ونفيت عن أخلاقي الأقذاء )
( ولربما انتفع الفتى بعدوه ** كالسم أحيانا يكون دواء )
ومن نظم أبي حيان
( يا منضي الطرف في ميدان لذته ** وناضي الطرف بين الراح والرود )
____________________
(2/568)


( ستشرب الروح راح الوقت كارهة ** ويذهب الجسم بين الترب في الدود ) وله رحمه الله تعالى قصيدة سماها بالمورد العذب في معارضة قصيدة كعب وقصيدة في مدح الإمام الشافعي مطلعها
( غذيت بعلم النحو إذ در لي ثديا ** )
وله رحمه الله تعالى من قصيدة في مدح أم ولده حيان
( جننت بها سوداء لون وناظر ** ويا طالما كان الجنون بسوداء
( وجدت بها برد النعيم وإن يكن ** فؤادي منها في جحيم ولأواء )
( وشاهدت معنى الحسن فيها مجسدا ** فأعجب لمعنى صار جوهر أشياء )
( أطاعنة من قدها بمثقف ** أصبت وما أغنى الفتى لبس حصداء )
( لقد طعنت والقلب ساه فما درى ** أبالقد منها أم بصعدة سمراء )
ثم غير البيت الأول وأنشد
( جننت بها سوداء شعر وناظر ** وسمراء لون تزدري كل بيضاء )
وقال يهنىء قال ابن جماعة خاطبني به ارتجالا عند ولادة ابني عمر بعد بنتين
( حبيت بريحانتي روضة ** وبعدهما جاء نجل أغر )
( وسميته اسم إمام إذا ** رآه أبو مرة منه فر )
( ولا عجب منك عبد العزيز ** إذا كان نجلك يسمى عمر )
( تفرعتما من إمام الهدى ** وبدر الدجى ورئيس البشر )
( فلا زال يوضح سبل الهدى ** ولا زلتما تقفوان الأثر )
____________________
(2/569)

وقال
( لقد زادني بالناس علما تجاربي ** ومن جرب الأيام مثلي تعلما )
( وإني وتطلابي من الناس راحة ** لكالمبتغي وسط الجحيم تنعما )
( سأزهد حتى لا أرى لي صاحبا ** وأنجد حتى لا ألاقي متهما )
قال ابن جماعة وقال في إملاك علي بن قاضي القضاة شمس الدين السروجي الحنفي وكان جميل الصورة على أختي شقيقتي فاطمة
( هنيئا بتأليف غريب نظامه ** لقد حار في أوصافه نظم عارف )
( غدت شمس حسن بنت بدر سيادة ** تزف لبدر نجل شمس معارف )
( سميان للزهرا البتول وللرضا ** علي ونجلا الأكرمين الغطارف )
( فدام علي عالي الجد سيدا ** ولا زال في ظل من العيش وارف )
وقال يخاطب شيخه ابن النحاس وقد أغب زيارته
( أعين حياتي والذي ببقائه ** بقائي لقد أصبحت نحوك شيقا )
( أقمت بقلبي غير أن لمقلتي ** برؤيتك الحظ الذي يذهب الشقا )
( وما كان ظني أنك الدهر تاركي ** ولو أنني أصبحت بين الورى لقا )
( لطائف معنى في العيان ولم تكن ** لتدرك إلا بالتزاور واللقا )
وقال يخاطب قاضي القضاة شمس الدين السروجي الحنفي وقد أعيد إلى منصب القضاء وكان يتطلع إليه رجل يدعى نجم الدين
( ذوو العلم في الدنيا نجوم زواهر ** وإنك فيها الشمس حقا بلا لبس )
( إذا لحت أخفى نوركم كل نير ** ألم تر أن النجم يخفى مع الشمس )
____________________
(2/570)

وقال
( لم أؤخر عمن أحب كتابي ** لقلى فيه أو لترك هواه )
( غير أني إذا كتبت كتابا ** غلب الدمع مقلتي فمحاه )
وقال
( تذكري للبلى في قعر مظلمة ** أصارني زاهدا في المال والرتب )
( أني أسر بحال سوف أسلبها ** عما قريب وأبقى رمة الترب
وقال
( أتيت وما أدعي وأقبلت سامعا ** فوائد مولى سيد ماجد ندب )
( وأحضر جمعا أنت فيه جماله ** أشنف سمعي منك باللؤلؤ الرطب ) وقال
( لنا غرام شديد في هوى السود ** نختارهن على بيض الطلى الغيد )
( لون به أشرقت أبصارنا وحكى ** في اللون والعرف نفح المسك والعود )
( لا شيء أحسن من آس تركبه ** في آبنوس ولا أشفى لمبرود )
( لا تهو بيضاء لون الجص واسم إلى ** سوداء حسناء لون الأعين السود )
( في جيدها غيد في قدها ميد ** في خدها صيد من سادة صيد )
( من آل حام حمت قلبي بنار جوى ** من هجرها وابتلت عيني بتسهيد )
وقال في عكسه
( إذا مال الفتى للسود يوما ** فلا رأي لديه ولا رشاد )
( أتهوى خنفساء كأن زفتا ** كسا جلدا لها وهو السواد )
( وما السوداء إلا قدر فرن ** وكانون وفحم أو مداد )
____________________
(2/571)


( وما البيضاء إلا الشمس لاحت ** تنير العين منها والفؤاد )
( سبيكة فضة حشيت بورد ** يلذ السهد معها والرقاد )
( وبين البيض والسودان فرق ** لدى عقل به اتضح المراد )
( وجوه المؤمنين بها ابيضاض ** ووجه الكافرين به اسوداد )
وقال رحمه الله تعالى
( أعاذل ذرني وانفرادي عن الورى ** فلست أرى فيهم صديقا مصافيا )
( نداماي كتب أستفيد علومها ** أحباي تغني عن لقائي الأعاديا )
( وآنسها القرآن فهو الذي به ** نجاتي إذا فكرت أو كنت تاليا )
( لقد جلت في غرب البلاد وشرقها ** أنقب عمن كان لله داعيا )
( فلم أر إلا طالبا لرياسة ** وجماع أموال وشيخا مرائيا )
( قبضت يدي عنهم وآثرت عزلة ** عن الناس واستغنيت بالله كافيا )
قال العز بن جماعة وخاطب والدي وقد أبل من ضعف أشيع فيه موته مهنئا له
( أدام الإله لك العافية ** وصير دور العدا عافية )
( إذا لاح من بدركم نوره ** فكل النجوم به خافية )
( تخذت كلام الإله الدوا ** فآياته كانت الشافية )
( تشوف ناس لمنصبكم ** ورتبتهم للعلا نافيه )
( فأين العلوم وأين الحلوم ** وخلق موارده صافية )
( هم عصبة لا تنال العلا ** ولو أنها قد سعت حافيه )
( إذا كان خرق تداركته ** وليست لما مزقت رافية )
( فإن عن خطب ثبت له ** وآراؤهم عنده هافية )
( سجاياك لين ورفق بنا ** وأخلاقهم كلها جافية )
____________________
(2/572)


( تصلي على سبعة منهم ** وثامنهم نفسه طافية )
( يقيمون في تربهم همدا ** وتسفي على قبرهم سافية )
( فلا زلت في صحة دائما ** تجر ذيول السنى ضافية )
( ويوردك الله عين الحياة ** فتحيا بها مائة وافية )
( فإن زاد عشرا فذاك المنى ** وعشرون أيضا هي الكافية )
( وهذي القوافي أتت كملا ** فلم تبق لي بعدها قافيه )
وقال رحمه الله تعالى أيضا
( خلق الإنسان في كبد ** بوجود الأهل والولد )
( كل عضو فيه نافعه ** غير عضو ضر للأبد )
( منتج ذلا وفقد غنى ** وفراخا جمة العدد )
( من يمت منهم يذقه أسى ** أو يعش ألقاه في نكد عاش في أمن فتى عزب مستريح الفكر والجسد )
وقال رحمه الله تعالى أيضا
( جن غيري بعارض فترجى ** أهله أن يفيق عما قريب )
( وفؤادي بعارضين مصاب ** فهو داء أعيا دواء الطبيب )
وقال
( سعت حية من شعره نحو صدغه ** وما انفصلت من خده إن ذا عجب )
( وأعجب من ذا أن سلسال ريقه ** برود ولكن شب في قلبي اللهب ) وقال
( طالع تواريخ من في الدهر قد وجدوا ** تجد خطوبا تسلي عنك ما تجد )
( تجد أكابرهم قد جرعوا غصصا ** من الرزايا بها كم فتتت كبد )
____________________
(2/573)


( عزل ونهب وضرب بالسياط وحبس ** ثم قتل وتشريد لمن ولدوا )
( وإن وقيت بحمد الله شرتهم ** فلتحمد الله فالعقبى لمن حمدوا )
وقال رحمه الله تعالى يمدح البخاري وكتابه الصحيح
( أسامع أخبار الرسول لك البشرى ** لقد سدت في الدنيا وقد فزت في الأخرى )
( تشنف آذانا بعقد جواهر ** تود الغواني لو تقلده النحرا )
( جواهر كم حلت نفوسا نفيسة ** فحلت بها صدرا وحلت بها قدرا )
( هل الدين إلا ما روته أكابر ** لنا نقلوا الأخبار عن طيب خبرا )
( وأدوا أحاديث الرسول مصونة ** عن الزيف والتصحيف فاستوجبوا الشكرا )
( وإن البخاري الإمام لجامع ** بجامعه منها اليواقيت والدرا )
( على مفرق الإسلام تاج مرصع ** أضاء به شمسا ونار به بدرا )
( وبحر علوم يلفظ الدر لا الحصا ** فأنفس بها درا وأعظم به بحرا )
( تصانيفه نور ونور لناظر ** فقد أشرقت زهرا وقد أينعت زهرا )
( نحا سنة المختار ينظم شتها ** يلخصها جمعا ويخلصها تبرا )
( وكم بذل النفس المصونة جاهدا ** فجاز لها بحرا وجاب لها برا )
( فطورا عراقيا وطورا يمانيا ** وطورا حجازيا وطورا أتى مصرا )
( إلى أن حوى منها الصحيح صحيفة ** فوافى كتابا قد غدا الآية الكبرى )
( كتاب له من شرع أحمد شرعة ** مطهرة تعلو السماكين والنسرا )
قلت وتتصل روايتي عن الإمام أبي حيان من طرق عديدة منها من عمي ولي الله العارف به شيخ الإسلام مفتي الأنام الخطيب الإمام ملحق الأحفاد بالأجداد سيدي سعيد بن أحمد المقري التلمساني عن شيخه العالم أبي عبد الله التنسي عن والده حافظ عصره سيدي محمد بن عبد الله بن عبد الجليل التنسي ثم التلمساني الأموي عن عالم الدنيا أبي عبد الله بن مرزوق عن جده الرئيس الخطيب سيدي أبي عبد الله محمد بن مرزوق عن الأثير أبي حيان بكل مروياته
____________________
(2/574)

فمنها أن أبا حيان قال حدثنا ابن أبي الأحوص عن قاضي الجماعة أبي القاسم أحمد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن مخلد بن عبد الرحمن بن أحمد بن بقي بن مخلد بن يزيد القرطبي عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه الإمام بقي بن مخلد عن أبي بكر المقدمي عن عمر بن علي وعبد الله بن يزيد عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين أحدهما يدعون الله ويدعون إليه والآخر يتعلمون العلم ويعلمونه فقال كل المجلسين خير وأحدهما أفضل من الآخر أما هؤلاء فيتعلمون ويعلمون الجاهل فهم أفضل وأما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه إن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم وأنا بعثت معلما ثم جلس معهم
قال أبو حيان قلت لا أعرف حديثا اجتمعت فيه رواية الأبناء عن الآباء بعدد ما اجتمع في هذا إلا ما أخبرنا به أبو الحسن محمد بن محمد بن الحسن بن مامة بقراءتي عليه أنبأنا أبو المعالي الأبرموي أنبأنا أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن سابور القلانسي أنبأنا أبو المبارك عبد العزيز بن محمد بن منصور الشيرازي أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال سمعت أبي أبا الفرج عبد الوهاب يقول سمعت أبي أبا الحسن عبد العزيز يقول سمعت أبا بكر الحارث يقول سمعت أبي أسدا يقول سمعت أبي الليث يقول سمعت أبي سليمان يقول سمعت أبي الأسود يقول سمعت أبي سفيان يقول سمعت أبي يزيد يقول سمعت أبي أكيمة يقول سمعت أبي الهشيم يقول سمعت أبي عبد الله يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولما اجتمع قوم على ذكر إلا حفتهم الملائكة وعمتهم الرحمة انتهى
قلت قال الحافظ ابن حجر في فوائده ما اجتمع حديث فيه من عدد الآباء أكثر من هذا انتهى
ورأيت بخط بعض الحفاظ على قول أبي أكيمة ما صورته صوابه أكينة
____________________
(2/575)

انتهى فليحرر ومنها أن أبا حيان قال أنبأنا الأستاذ أبو جعفر الزبير صاحب الصلة أنبأنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الأزدي أنبأنا عبد الله بن محمد بن حسن بن عطية ح قال أبو حيان وأنبأنا الأصولي أبو الحسين ابن القاضي أبي عامر بن ربيع الأشعري عن أبي الحسن أحمد بن علي الغافقي قال أنبأنا عياض ح وكتب لنا الخطيب أبو الحجاج يوسف بن أبي ركانة عن القاضي أبي القاسم أحمد بن عبد الودود بن سمحون عن عبد الله بن عطية قال هو وعياض أنبأنا القاضي أبو بكر بن العربي أنبأنا أبو محمد هبة الله الأكفاني أنبأنا الحافظ عبد العزيز الكناني الدمشقي أنبأنا أبو عصمة نوح بن الفرغاني قال سمعت أبا المظفر عبد الله بن محمد بن عبد الله ابن قت الخزرجي وأبا بكر محمد بن عيسى البخاري قالا سمعنا أبا ذر عمار بن محمد بن مخلد التميمي يقول سمعت أبا المظفر محمد بن أحمد بن حامد بن الفضل البخاري يقول لما عزل أبو العباس الوليد بن إبراهيم بن يزيد الهمداني عن قضاء الري ورد بخارى سنة 318 لتجديد مودة كانت بينه وبين أبي الفضل البلعمي فنزل في جوارنا فحملني معلمي أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الختلي إليه فقال له أسألك أن تحدث هذا الصبي ما سمعته من مشايخك فقال ما لي سماع فقال وكيف وأنت فقيه فما هذا قال لأني لما بلغت مبلغ الرجال تاقت نفسي إلى طلب الحديث ورواية الأخبار وسماعها فقصدت محمد بن إسماعيل البخاري ببخارى صاحب التاريخ والمنظور إليه في علم الحديث وأعلمته مرادي وسألته الإقبال على ذلك فقال لي يا بني لا تدخل في أمر إلا بعد معرفة حدوده والوقوف على مقاديره فقلت عرفني - رحمك الله تعالى - حدود ما قصدتك له ومقادير ما سألتك عنه فقال لي اعلم أن الرجل لا يصير محدثا كاملا في حديثه إلا بعد أن يكتب أربعا مع أربع كأربع مثل أربع في أربع عند أربع بأربع على أربع عن أربع لأربع وكل هذه الرباعيات لا تتم إلا بأربع مع أربع فإذا تمت له كلها
____________________
(2/576)

هان عليه أربع وابتلي بأربع فإذا صبر على ذلك أكرمه الله تعالى في الدنيا بأربع وأثابه في الآخرة بأربع قلت له فسر لي - رحمك الله تعالى - ما ذكرت من أحوال هذه الرباعيات من قلب صاف بشرح كاف وبيان شاف طلبا للأجر الواف فقال نعم أما الأربع التي تحتاج إلى كتبها فهي أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وشرائعه والصحابة رضي الله تعالى عنهم ومقاديرهم والتابعين وأحوالهم وسائر العلماء وتواريخهم مع أسماء رجالهم وكناهم وأمكنتهم وأزمانهم كالتحميد مع الخطب والدعاء مع التوسل والبسملة مع السورة والتكبير مع الصلوات مثل المسندات والمرسلات والموقوفات والمقطوعات في صغره وفي إدراكه وفي شبابه وفي كهولته عند فراغه وعند شغله وعند فقره وعند غناه بالجبال والبحار والبلدان والبراري على الأحجار والأخزاف والجلود والأكتاف إلى الوقت الذي يمكنه نقلها إلى الأوراق عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه وعن كتاب أبيه يتيقن أنه بخط أبيه دون غيره لوجه الله تعالى طلبا لمرضاته والعمل بما وافق كتاب الله عز وجل منها ونشرها بين طالبيها ومحبيها والتأليف في إحياء ذكره بعده ثم لا تتم له هذه الأشياء إلا بأربع هي من كسب العبد أعني معرفة الكتابة واللغة والصرف والنحو مع أربع هي من إعطاء الله تعالى أعني القدرة والصحة والحرص والحفظ فإذا صحت له هذه الأشياء كلها هان عليه أربع الأهل والولد والمال والوطن وابتلي بأربع بشماتة الأعداء وملامة الأصدقاء وطعن الجهلاء وحسد العلماء فإذا صبر على هذه المحن أكرمه الله جل وعلا في الدنيا بأربع بعز القناعة وبهيبة النفس وبلذة العلم وبحياة الأبد وأثابه في الآخرة بأربع بالشفاعة لمن أراد من إخوانه وبظل العرش حيث لا ظل إلا ظله وبسقي من أراد من حوض نبيه صلى الله عليه وسلم وبجوار النبيين في أعلى عليين في الجنة فقد أعلمتك يا بني بمجملات جميع ما سمعت من مشايخي متفرقا في هذا الباب فأقبل الآن إلى ما قصدتني له أو دع فهالني
____________________
(2/577)

قوله فسكت متفكرا وأطرقت متأدبا فلما رأى ذاك مني قال وإن لم تطق حمل هذه المشاق كلها فعليك بالفقه يمكنك تعلمه وأنت في بيتك قار ساكن لا تحتاج إلى بعد الأسفار ووطء الديار وركوب البحار وهو ذا ثمرة الحديث وليس ثواب الفقيه دون ثواب المحدث في الآخرة ولا عزه بأقل من عز المحدث فلما سمعت ذلك نقض عزمي في طلب الحديث وأقبلت على دراسة الفقه وتعلمه إلى أن صرت فيه متقدما ووقفت منه على معرفة ما أمكنني من علمه بتوفيق الله تعالى ومنته فلذلك لم يكن عندي ما أمليه لهذا الصبي يا أبا إبراهيم فقال له أبو إبراهيم إن هذا الحديث الواحد الذي لا يوجد عند غيرك خير للصبي من ألف حديث يجده عند غيرك انتهى
وجاء أبو حيان إلى ابن تيمية والمجلس غاص فقال يمدحه ارتجالا
( لما أتينا تقي الدين لاح لنا ** داع إلى الله فرد ما له وزر )
( على محياه من سيما الألى صحبوا ** خير البرية نور دونه القمر )
( حبر تسربل منه دهره حبرا ** بحر تقاذف من أمواجه الدرر )
( قام ابن تيمية في نصر شرعتنا ** مقام سيد تيم إذ عصت مضر )
( فأظهر الحق إذ آثاره درست ** وأخمد الشر إذ طارت له الشرر )
( كنا نحدث عن حبر يجيء فها ** أنت الإمام الذي قد كان ينتظر )
ثم انحرف أبو حيان فيما بعد عن ابن تيمية ومات وهو على انحرافه ولذلك أسباب منها أنه قال له يوما كذا قال سيبويه فقال يكذب سيبويه فانحرف عنه رحم الله تعالى الجميع وحضر الشيخ أبو حيان مع ابن بنت الأعز في الروضة فكتب إلى أبي حيان ووجهه مع بعض غلمانه
( حييت أثير الدين شيخ الأدبا ** أقضي له حقا كما قد وجبا )
( حييت فتى بطاق آس نضر ** كالقد بدا ملئت منه طربا )
____________________
(2/578)

قال فأنشدته
( أهدى لنا غصنا من ناضر الآس ** أقضى القضاة حليف الجود والباس )
( لما رأى سقمي أهداه مع رشإ ** حلو التثني فكان الشافي الآسي )
ولما أنشد الشيخ أبو حيان قول نور الدين القصري في روضة مصر
( ذات وجهين فيهما قسم الحسن ** فأضحت بها القلوب تهيم )
( ذا يلي مصر فهو مصر وهذا ** يتولى وسيم فهو وسيم )
( قد أعادت عصر التصابي صباها ** وأبادت فيها الغموم الغيوم )
زاد فيها بيتا وهو
( فبلج البحار يسبح نون ** وبفج القفار يسفح ريم )
قال أبو حيان وكنت ماشيا بين القصرين مع ابن النحاس فعبر علينا صبي يدعى بجمال وكان مصارعا فقال البهاء لينظم كل منا فيه ثم قال
( مصارع تصرع الآساد شمرته ** تيها فكل مليح دونه سمج )
( لما غدا راجحا في الحسن قلت لهم ** عن حسنه حدثوا عنه ولا حرج )
فنظمت أنا
( سباني جمال من مليح مصارع ** عليه دليل للملاحة واضح )
( لئن عز منه المثل فالكل دونه ** وإن خف منه الخصر فالردف راجح )
وسمع العزازي نظمنا فقال وأنشدنيه
( هل حكم ينصفني في هوى ** مصارع يصرع أسد الشرى )
مذ فر عني الصبر في حبه ** حكى عليه مدمعي ما جرى )
____________________
(2/579)


( أباح قتلي في الهوى عامدا ** وقال كم لي عاشق في الورى )
( رميته في أسرحبي ومن ** أجفان عينيه أخذت الكرى ) وقال لسان الدين في الإحاطة كان أثير الدين أبو حيان نسيج وحده في ثقوب الذهن وصحة الإدراك والاضطلاع بعلم العربية والتفسير وطريق الرواية إمام النحاة في زمانه غير مدافع نشأ في بلده غرناطة مشارا إليه في التبريز بميدان الإدراك وتغيير السوابق في مضمار التحصيل ونالته نبوة لحق بسببها بالمشرق واستقر بمصر فنال بها ما شاء من عز وشهرة وتأثل وافر وحظوة وأضحى لمن حل بساحته من المغاربة ملجأ وعدة وكان شديد البسط مهيبا جهوريا مع الدعابة والغزل وطرح التسمت شاعرا مكثرا مليح الحديث لا يمل وإن أطال وأسن جدا فانتفع به قال لي بعض أصحابنا دخلت عليه وهو يتوضأ وقد استقر على إحدى رجليه لغسل الأخرى كما تفعل البرك والأوز فقال لي لو كنت اليوم جار شلير ما تركني لهذا العمل في هذا السن ثم قال لي بعد كلام حدثنا عنه الجملة الكثيرة من أصحابنا كالحاج أبي يزيد خالد بن عيسى والمقري الخطيب أبي جعفر الشقوري والشريف أبي عبد الله بن راجح وشيخنا الخطيب أبي عبد الله بن مرزوق قال حدثنا شيخنا أبو حيان في الجملة سنة 735 بالمدرسة الصالحية بين القصرين بمنزله حدثنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير سماعا من لفظه وكتبه من خطه بغرناطة عن الكاتب أبي إسحاق بن عامر الهمداني الطوسي - بفتح الطاء - حدثنا أبو عبد الله بن محمد العنسي القرطبي وهو آخر من حدث عنه أنبأنا أبو علي الحسن بن محمد الحافظ الجياني أنبأنا حكم بن محمد أنبأنا أبو بكر بن المهندس أنبأنا عبد الله بن محمد أنبأنا طالوت بن عباد بن نصال بن جعفر سمعت أبا أمامة الباهلي يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اكفلوا لي بست أكفل لكم بالجنة إذا حدث أحدكم فلا يكذب وإذا ائتمن فلا يخن وإذا وعد فلا يخلف
____________________
(2/580)

غضوا أبصاركم وكفوا أيديكم واحفظوا فروجكم ثم قال ابن الخطيب إن أبا حيان حملته حدة الشبيبة على التعرض للأستاذ أبي جعفر الطباع وقد وقعت بينه وبين أستاذة ابن الزبير الوحشة فنال منه وتصدى للتأليف في الرد عليه وتكذيب روايته فرفع أمره للسلطان فامتعض له ونفذ الأمر بتنكيله فاختفى ثم أجاز البحر مختفيا ولحق بالمشرق يلتفت خلفه ثم قال وشعره كثير يتصف بالإجادة وضدها فمن مطولاته قوله لا تعذلاه فما ذو الحب معذول العقل مختبل والقلب متبول
( هزت له أسمرا من خوط قامتها ** فما انثنى الصب إلا وهو مقتول )
( جميلة فصل الحسن البديع لها فكم لها ** جمل منه وتفصيل )
( فالنحر مرمرة والنشر عنبرة ** والثغر جوهرة والريق معسول ) والطرف ذو غنج والعرف ذو أرج ** والخصر مختطف والمتن مجدول )
( هيفاء ينطق في الخصر الوشاح لها ** درماء تخرس في الساق الخلاخيل )
( من اللواتي غذاهن النعيم فما ** يشقين آباؤها الصيد البهاليل ) إلى أن قال وقوله
( نور بخدك أم توقد نار ** وضنى بجفنك أم فتور عقار )
( وشذا بريقك أم تأرج مسكة ** وسنا بثغرك أم شعاع دراري )
( جمعت معاني الحسن فيك فقد غدت ** قيد القلوب وفتنة الأبصار )
( متصاون خفرا إذا ناطقته ** أغضى حياء في سكون وقار )
( في وجهه زهرات روض تجتلى ** من نرجس مع وردة وبهار )
( خاف اقتطاف الورد من وجناتها ** فأدار من آس سياج عذار )
( وتسللت نمل العذار بخده ** ليردن شهدة ريقه المعطار )
( وبخده نار حمته وردها ** فوقفن بين الورد والإصدار )
____________________
(2/581)


( كم ذا أداري في هواه محبتي ** ولقد وشى بي فيه فرط أواري ) وقال ابن الرشيد حدثنا أبو حيان قال حدثنا التاجر أبو عبد الله البرجوني بمدينة عيذاب من بلاد السودان وبرجونه قرية من قرى دار السلام قال كنت بجامع لو لم من بلاد الهند ومعنا رجل مغربي اسمه يونس فقال لي اذكر لنا شيئا فقلت له قال علي رضي الله تعالى عنه إذا وضع الإحسان في الكريم أثمر خيرا وإذا وضع في اللئيم أثمر شرا كالغيث يقع في الأصداف فيثمر الدر ويقع في فم الأفاعي فيثمر السم فما راعنا إلا ويونس المغربي قد أنشد لنفسه
( صنائع المعروف إن أودعت ** عند كريم زكت النعما )
( وإن تكن عند لئيم غدت ** مكفورة موجبة إثما )
( كالغيث في الأصداف در وفي ** فم الأفاعي يثمر السما )
قال أبو حيان فلما سمعت هذه الأبيات نظمت معناها في بيتين وهما
( إذا وضع الإحسان في الخب لم يفد ** سوى كفره والحر يجزي به شكرا )
( كغيث سقى أفعى فجاءت بسمها ** وصاحب أصدافا فأثمرت الدرا )
قال أبو حيان وأنشدنا الأمير بدر الدين أبو المحاسن يوسف بن سيف الدولة أبي المعالي بن رماح الهمداني لنفسه بالقاهرة
( فلا تعجب لحسن المدح مني ** صفاتك أظهرت حكم البوادي )
( وقد تبدي لك المرآة شخصا ** ويسمعك الصدى ما قد تنادي )
وبعد كتبي ما نقله ابن رشيد عن أبي حيان رأيت لبعضهم أن أبا حيان هذا الذي ذكره ابن رشيد ليس هو أبو حيان النحوي الأندلسي وإنما هو شخص
____________________
(2/582)

آخر وفيه عندي نظر لا يخفى والذي أعتقده ولا أرتاب فيه أنه أبو حيان النحوي
وقال ابن رشيد وأنشدني أبو حيان لنفسه
( إذا غاب عن عيني أقول سلوته ** وإن لاح حال اللون فاضطرب القلب )
( يهيجني عيناه والمبسم الذي ** به المسك منظوم به اللؤلؤ الرطب )
وقال الشريف بن راجح رأيت أن ما وضعه الشيخ أبو حيان في تقدم لسان الأتراك تضييع لعمره وقلت
( نفائس الأعمار أنفقتها ** أنا وأمثالي على غير شيء )
( شيوخ سوء ليس يرضى بما ** ترضى به من المخازي صبي )
ومن نظم أبي حيان قوله
( إن علما تعبت فيه زماني ** باذلا فيه طارفي وتلادي )
( لجدير بأن يكون عزيزا ** ومصونا إلا على الأجواد ) وقوله
( وما لك والإتعاب نفسا شريفة ** وتكليفها في الدهر ما ليس يعذب )
( أرحها فعن قرب تلاقي حمامها ** فتنعم في دار البقا أو تعذب )
واستشكل هذان البيتان بأن ظاهرهما خلاف الشرع وأجيب بأن مراده أمر الرزق لا أمر التكليف وأفاد غير واحد أن سبب رحلة الشيخ أبي حيان عن الأندلس أنه نشأ شر بينه وبين شيخه أحمد بن علي بن الطباع فألف أبو حيان كتابا سماه الإلماع في إفساد إجازة ابن الطباع فرفع ابن الطباع أمره للأمير محمد بن نصر المدعو بالفقيه وكان أبو حيان كثير الاعتراض عليه أيام قراءته عليه فنشأ شر عن
____________________
(2/583)

ذلك وذكر أبو حيان أنه لم يقم بفاس إلا ثلاثة أيام وأدرك فيها أبا القاسم المزياتي وخرج أبو حيان من الأندلس سنة تسع وسبعين وستمائة
وكان جماعة من أعلام الأندلس رحلوا منها فلما وصلوا إلى العدوة أقاموا بها ولم يذهبوا إلى بلاد المشرقية 217 - منهم الشيخ النحوي الناظم الناثر أبو الحسن حازم بن محمد القرطاجني وهو القائل يمدح أمير المؤمنين المستنصر بالله صاحب تونس
( أمن بارق أورى بجنح الدجى سقطا ** تذكرت من حل الأجارع فالسقطا )
( وبان ولكن لم يبن عنك ذكره ** وشط ولكن طيفه عنك ما شطا )
( حبيب لو أن البدر جاراه في مدى ** من الحسن لاستدنى مدى البدر واستبطا )
( إذا انتجعت مرعى خصيبا ركابه ** غدا لحظ عيني يشتكي الجدب والقحطا )
( لقد أسرعت عني المطي بشادن ** تسرع في قتل النفوس وما أبطا )
( ظننت الفلا دار ابن ذي يزن بها ** وخلت المحاريب الهوادج والغبطا )
( فكم دمية للحسن فيها وصورة ** تروق وتمثال من الحسن قد خطا )
( حمائل لاحت كالخمائل بهجة ** سقيط الحيا فيهن لا يسأم السقطا )
( توسد غزلان الأوانس والمها ** به الوشي والديباج لا السدر والأرطى )
( ولم يسب قلبي غير أبهرها سنا ** وأطولها جيدا وأخفقها قرطا )
( أيا ربة الأحداج سيري فتعلمي ** وما بك جهل أن سهمك ما أخطا )
____________________
(2/584)


( قفي تستبيني ما بعينيك من ضنى ** كجسمي وعنوان الهوى فيه مختطا )
( فلم أر أعدى منك لحظا وناظرا ** لقلبي ولا أعدى عليه ولا أسطى )
( سقى الله عيشا قد سقانا من الهوى ** كؤوسا بمعسول اللمى خلطت خلطا )
( وكم جنة قد ردت في ظل كافر ** فلم أجز ما أولاه كفرا ولا غمطا )
( وكم ليلة قاسيتها نابغية ** إلى أن بدت شيبا ذوائبها شمطا )
( وبت أظن الشهب مثلي لها هوى ** وأغبطها في طول ألفتها غبطا )
( على أنها مثلي عزيزة مطلب ** ومن ذا الذي ما شاء من دهره يعطى )
( كأن الثريا كاعب أزمعت نوى ** وأمت بأقصى الغرب منزلة شحطا )
( كأن نجوم الهقعة الزهر هودج ** لها عن ذرا الحرف المناخة قد حطا )
( كان رشاء الدلو رشوة خاطب )
( لها جعل الأشراط في مهرها شرطا )
( كأن السها قد دق من فرط شوقه ** إليها كما قد دقق الكاتب النقطا )
( كأن سهيلا إذ تناءت وأنجدت ** غدا يائسا منها فأتهم وانحطا )
( كأن خفوق القلب قلب متيم ** تعدى عليه الدهر في البين واشتطا )

( كأن كلا النسرين قد ريع إذ رأى ** هلال الدجى يهوى له مخلبا سلطا )
( كأن الذي ضم القوادم منهما ** هوى واقعا للأرض أو قص أو قطا )
( كأن أخاه رام فوتا أمامه ** فلم يعد أن مد الجناح وأن مطا )
( كأن بياض الصبح معصم غادة ** جنت يدها أزهار زهر الدجى لقطا )
( كأن ضياء الشمس وجه إمامنا ** إذا ازداد بشرا في الوغى وإذا أعطى )
( محمد الهادي الذي أنطق الورى ** ثناء بما أسدى إليهم وما أنطى )
( إمام غدا شمس المعالي وبدرها ** وقد أصبحت زهر النجوم له رهطا )
( جميل المحيا مجمل طيب ذكره ** يعاطى سرورا كالحميا ويستعطى )
( إذا ما الزمان الجعد أبدى تجهما ** أرانا الحياء الطلق والخلق السبطا )
____________________
(2/585)


( كلا أبوي حفص نماه إلى العلا ** فأصبح عن مرقاته النجم منحطا )
( بسيماه تدري أن كعبا جدوده ** وإن هو لم يذكر رزاحا ولا قرطا )
( إذا قبض الروع الوجوه فوجهه ** يزيد لكون النصر نصلا له بسطا )
( به تترك الأبطال صرعى لدى الوغى ** كأن قد سقوا من خمر بابل إسفنطا )
( تراه إذا يعطي الرغائب باسما ** له جذل يربي على جذل المعطى )
( وكم عنق قد قلدت بنواله ** فريدا وقد كانت قلادتها لطا )
( متى ما تقس جود الكرام بجوده ** فبالبحر قايست الوقيعة والوقطا )
( يشف له عن كل غيب حجابه ** فتحسبه دون المحجب ما لطا )
( تطيع الليالي أمره في عصاته ** وتردي أعاديه أساودها نشطا )
( وتمضي عليهم سيفه وسنانه ** فتبري الكلى طعنا وتفري الطلى قطا )
( فكيف ترجت غرة منه فرقة ** غدا عزها ذلا ورفعتها هبطا )
وكم بالنهى والحلم غطى عليهم إلى أن جنوا ذنبا على العلم قد غطى )
( فأمطاهم دهم الحديد وطالما ** أنالهم دهم الجياد وما أمطى )
( ورام لهم هديا ولكنهم أبوا ** بغيهم إلا الضلالة والخبطا )
( وكان لهم يبغي المثوبة والرضى ** ولكن أبوا إلا العقوبة والسخطا )
( ولو قوبلت بالشكر منه مآرب ** لما اعتاض منها أهلها الأثل والخمطا )
( هو الناصر المنصور والملك الذي ** أعاد شباب الدهر من بعد ما أشمطا )
( أصاخت له الأيام سمعا وطاعة ** وأحكمت الدنيا له عهدها ربطا )
( فلا بد من أن يملك الأرض كلها ** وأن تملأ الدنيا أيالته قسطا )
____________________
(2/586)


( ويغزو في آفاق أندلس العدا ** بجيش تخط الأرض ذبله خطا )
( وكل جواد خف سنبكه فما ** يمس الثرى إلا مخالسة فرطا )
( يؤم بها الأعداء ملك أمامه ** من الرعب جيش يسرع السير إن أبطا )
( ويرمى جبال الفتح من شط سبتة ** بها فتوافي سبقا ذلك الشطا )
( بحيث التقى بالخضر موسى وطارق ** وموسى به رحلا لغزو العدا حطا )
( وسعيك ينسي ذكر سعيهما به ** ويوسع سعي المشركين به حبطا )
( ويوقع في الأعداء أعظم وقعة ** بها تملأ الأسماع طير الملا لغطا )
( تجاوب سحم الطير فيه وشهبها ** كما راطن الزنج النبيط أو القبطا )
( وتنكر فيها الجو والأرض ** أعين ترى الجو نارا والصعيد دما عبطا )
( فتخضب منهم من أشابت بخوفها ** نصول ترى منها بفود الدجى وخطا )
( ويحسم أدواء العدا كل صارم ** حسام إذا لاقى الطلى حده قطا )
( وكل كمي كلما خط صفحة ** بسيف غدا بالرمح ينقط ما خطا )
( شجاع إذا التف الرماحان مثل ما ** تقلقل في أسنان مشط يد مشطا ) ( إذا ما رجت منه أعاديه غرة ** رأت دون ما ترجو القتادة والخرطا )
( فيجدع آناف العداة بسيفه ** وينشقها بالرمح ريح الردى سعطا )
( يبيد الأعادي سطوة ومكيدة فيحكي الأسود الغلب والأذؤب المعطا )
( سرى في طلاب المعلوات فلم يزل ** يمد يدا مبسوطة وندى بسطا )
( ولو نازعت يمناه جذبا شماله ** لبوسا من الماذي لانعق وانعطا )
( يصول بخطي لكل مرشة ** به أثر يعزوه للحية الرقطا )
( قنا تبصر الآكام فرعا كواسيا ** بهن وقد أبصرن عارية مرطا )
____________________
(2/587)


( إذا نسبت للخط أو لردينة ** نسبن إلى العليا ردية والخطا )
( كماة حماة ما يزال إلى الوغى ** حنين لهم ما حن نضو وما أطا )
( عليهم نسيج السابغات كأنها ** جلود عن الحيات قد كشطت كشطا )
( إذا لمع للشمس لاحت عليهم ** رأيت صلالا ألبست حللا رقطا )
( ترجرج كالزاروق لينا ومثله ** ترى نقطة من بعد ما طرحت خطا )
( جيوش إذا غطى البلاد عبابها ** وأمواجها غطت نفوس العدا غطا )
( فكم قد حكت في حصر حصن ومعقل ** وشاحا على خصر فآسفنه ضغطا )
( وخيل كأمثال النعام تخالها ** لإفراط لوك اللجم تبغي لها سرطا )
( تخيلها فتخا إذا ارتفعت وإن ** سبحن بماء خلتها خفة بطا )
( فينعق منها مرط كل عجاجة ** موازع لا يسأمن مرا ولا مرطا )
( وكم خالطت سمر الرماح وأوردت ** مياها غدت حمر الدماء لها خلطا )
( يجمونها ليل السرى فإذا دعوا ** نزال امتطوا منهن أشرف ما يمطى )
( فكم جنبوها خلف معتادة السرى ** عوارف لم تسمع لها أذن نحطا )
( وقد وسمت أعناقهن أزمة ** بطول السرى حتى تظن لها علطا )
( إذا أوقدت نارا بقذف الحصا حكت ** وبحر الدجى طام سفينا رمت نفطا )
( إمام الهدى أعليت للدين معلما ** وسمت العدا من بعد رفعتهم حطا ) وألحقتهم عقم المنى عن حيالها ** فما ولدت عقما ولا نتجت سقطا )
( وصيرهم في عقلة سارح العدا ** وسرحتم الآمال من عقلها نشطا )
( ومن كان يشكو سطوة الدهر قد غدا ** بعدلك لا يعدى عليه ولا يسطى )
____________________
(2/588)


( ففي كل حال تؤثر القسط جاريا ** على سنن التقوى وتجتنب القسطا )
( فبوركت سبطا جده عمر الرضى )
( وبورك من جد غدوت له سبطا )
( تلوت الإمام العدل يحيى فلم تزل ** تزيد أمور الخلق من بعده ضبطا )
( فزدتم وضوحا بعده واستقامة ** وتوطئة نهج السبيل الذي وطا )
( وما كان أبقى غاية غير أنه ** حبيت بما لم يحب خلق ولم يعطا )
( إذا درر الأملاك في الفخر نظمت ** على نسق عقدا فدولتك الوسطى )
وله أيضا فيه
( في كل أفق من صباح دجاكم ** نور جلا خيط الظلام بخيطه )
( راقت محاسن مجدكم فبهرن ما ** كسيته من حبر المديح وريطه ) وله - رحمه الله تعالى - عدة تآليف ، وولد سنة 608 ، وتوفي ليلة السبت 24 رمضان سنة أربع وثمانين وستمائة بتونس ، وممن أخذ عنه الحافظ ابن رشيد الفهري ، وذكره في رحلته وأثنى عليه ، كما أثنى عليه العبدري في رحلته ، فقال : حازم ، وما أدراك ما حازم ، وقد عرفت به في أزهار الرياض مما يغني عن الإعادة ، وكان هو والحافظ أبو عبد الله بن الأبار فرسي رهان ، غير أن ابن الأبار كان أكثر منه رواية
218 وهو الإمام الحافظ الكاتب الناظم الناثر المؤلف الراوية أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الله بن أبي بكر ، القضاعي ، الأندلسي ، البلنسي ، كتب ببلنسية عن السيد أبي عبد الله بن السيد أبي حفص ابن أمير
____________________
(2/589)

المؤمنين عبد المؤمن بن علي ، ثم عن ابنه السيد أبي زيد ، ثم كتب أمير ابن مردنيش ولما نازل الطاغية بلنسية بعثه الأمير زيان بن مردنيش مع وفد أهل بلنسية بالبيعة للسلطان أبي زكريا يحيى ابن عبد الواحد بن أبي حفص وفي ضمن ذلك استصرخه لدفع عادية العدو ، فأنشد السلطان قصيدته السينية التي مطلعها :
( أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ** إن السبيل إلى منجاتها درسا ) وقد ذكرناها في غير هذا الموضع ، ثم لما كان من أمر بلنسية ما كان رجع بأهله إلى تونس غبطة بإقبال السلطان عليه ، فنزل منه بخير مكان ، ورشحه لكتب علامته في صدور مكاتباته ، فكتبها مدة ، ثم أراد السلطان صرفها لأبي العباس الغساني لكونه يحسن كتابتها ، فكتبها مدة بالخط المشرقي ، وكان آثر عند السلطان من المغربي ، فسخط ابن الأبار أنفة من إيثار غيره عليه ، وافتأت على السلطان في وضعها في كتاب أمر بإنشائه ، لقصور الترسيل يومئذ في الحضرة عليه ، وأن يبقى موضع العلامة منه لكاتبها ، فجاهر بالرد ، ووضعها استبدادا وأنفة ، وعوتب على ذلك ، فاستشاط غضبا ، ورمى بالقلم ، وأنشد متمثلا :
( اطلب العز في لظى وذر الذل ** ولو كان في جنان الخلود ) فنمي ذلك إلى السلطان ، فأمر بلزومه بيته ، ثم استعتب السلطان بتأليف رفعه إليه عد فيه من عوتب من الكتاب ، وأعتبه ، وسماه إعتاب الكتاب واستشفع فيه بابنه المستنصر ، فغفر السلطان له ، وأقال عثرته ، وأعاده إلى الكتابة ، ولما توفي السلطان رفعه أمير المؤمنين المستنصر إلى حضور مجلسه ، ثم حصلت له أمور معه كان آخرها أنه تقبض عليه ، وبعث إلى داره ، فرفعت إليه كتبه أجمع ، وألفى أثناءها ، فيما زعموا ، رقعة بأبيات أولها :
____________________
(2/590)


( طغى بتونس خلف ** سموه ظلما خليفه ) فاستشاط السلطان لها ، وأمر بامتحانه ، ثم بقتله ، فقتل قعصا بالرماح وسط محرم سنة 658 ، ثم أحرق شلوه ، وسيقت مجلدات كتبه وأوراق سماعه ودواوينه فأحرقت معه ، وكان مولده ببلنسية سنة 595 . وقال في حقه ابن سعيد في المغرب ما ملخصه : حامل راية الإحسان ، المشار إليه في هذا الأوان ، ومن شعره قوله يصف الياسمين :
( حديقة ياسمين لا ** تهيم بغيرها الحدق )
( إذا جفن الغمام بكى ** تبسم ثغرها اليقق )
( فأطراف الأهلة سال ** في أثنائها الشفق ) وكتب إلى الوزير أبي عبد الله بن أبي الحسين بن سعيد يستدعي منه منثورا :
( لك الخير أتحفني بخيري روضة ** لأنفاسه عند الهجوم هبوب )
( أليس أديب الروض يجعل ليله ** نهارا فيذكو تحته ويطيب )
( ويطوي مع الإصباح منشور نشره ** كما بان عن ربع المحب حبيب )
( أهيم به عن نسبة أدبية ** ولا غرو أن يهوى الأديب أديب ) وقوله في الخسوف :
( نظرت إلى البدر عند الخسوف ** وقد شين منظره الأزين )
( كما سفرت صفحة للحبيب ** يحجبها برقع أدكن )
____________________
(2/591)

وقوله في المعنى :
( ألم تر للخسوف وكيف أبدى ** ببدر التم لماع الضياء )
( كمرآة جلاها القين حتى ** أنارت ثم ردت غشاء ) وقوله :
( والثريا بجانب البدر تحكي ** راحة أومأت لتلطم خدا ) وقوله :
( من عاذري من بابلي طرفه ** ولعمره ما حل يوما بابلا )
( أعتده خوطا لعيشي ناعما ** فيعود خطيا لقتلي ذابلا ) وهو حافظ متقن ، له في الحديث والأدب تصانيف ، وله كتاب في متخير الأشعار سماه قطع الرياض وتكملة الصلة لابن بشكوال ، وهداية المعترف ، في المؤتلف والمختلف وكتاب التاريخ ، وبسببه قتله صاحب إفريقية ، وأحرقت كتبه على ما بلغنا ، رحمه الله تعالى وله تحفة القادم ، في شعر الأندلس والحلة السيراء ، في أشعار الأمراء . ومن شعره قوله :
( أمري عجيب في الأمور ** بين التواري والظهور )
( مستعمل عند المغيب ** ومهمل عند الحضور ) وسبب هذا أن ملك تونس كان إذا أشكل عليه شيء أو ورد عليه لغز أو
____________________
(2/592)

معمى أو مترجم بعث به إليه ، فيحله ، وإذا حضر عنده لا يكلمه ولا يلتفت إليه ، ووجد في تعاليقه ما يشين دولة صاحب تونس ، فأمر بضربه ، فضرب حتى مات ، وأحرقت كتبه ، رحمه الله تعالى وكان أعداؤه يلقبونه بالفار ، وحصلت بينه وبين أبي الحسن علي بن شلبون المعافري البلنسي مهاجاة ، فقال فيه :
( لا تعجبوا لمضرة نالت جميع ** الناس صادرة عن الأبار )
( أو ليس فارا خلقة وخليقة ** والفار مجبول على الإضرار ) فأجابه ابن الأبار :
( قل لابن شلبون مقال تنزه ** غيري يجاريك الهجاء فجار )
( إنا اقتسمنا خطتينا بيننا ** فحملت برة واحتملت فجار ) وهذا مضمن من شعر النابغة الذبياني ، انتهى ما لخصناه من كلام ابن سعيد في حقه . ومن شعر ابن الأبار أيضا :
( لو عن لي عون من المقدار ** لهجرت للدار الكريمة داري )
وحللت أطيب طيبة من طيبة ** جارا لمن أوصى بحفظ الجار )
حيث استبان الحق للأبصار ** لما استتار حفائظ الأنصار )
( يا زائرين القبر قبر محمد ** بشرى لكم بالسبق في الزوار )
( أوضعتم لنجاتكم فوضعتم ** ما آدكم من فادح الأوزار )
( فوزوا بسبقكم وفوهوا بالذي ** حملتم شوقا إلى المختار )
____________________
(2/593)


( أدوا السلام سلمتم وبرده ** أرجو الإجارة من ورود النار ) اللهم أجرنا منها يا رحيم يا رحمن يا كريم . ولنختم ترجمته بقوله :
( رجوت الله في اللأواء لما ** بلوت الناس من ساه ولاهي )
( فمن يك سائلا عني فإني ** غنيت بالافتقار إلى إلهي ) وقد جودت ترجمته في أزهار الرياض ، في أخبار عياض فليراجع ذلك فيه من شاء . رجع إلى ما كنا فيه من ذكر المرتحلين من الأندلس إلى المشرق : (1)19
- ومنهم الحافظ أبو المكارم جمال الدين بن مسدي وهو أبو بكر محمد ويقال أبو المكارم ابن أبي أحمد يوسف بن موسى بن يوسف بن موسى بن مسدي المهلبي الأزدي الأندلسي
شيخ السنة وحامل راياتها وفريد الفنون ومحكم آياتها عرف الأحاديث وميز بين شهرتها وغرابتها وكان المتلقي لراية السنة بيمين عرابتها طلع بمغربه شمسا قبل بزوغه بأفق المشرق وملأ جزيرته الخضراء من بحر علومه المتدفق وأفعمها بنوره المشرق وطاف البلاد الإسلامية المغربية والمشرقية فعقدت على كماله الخناصر وجعله أرباب الدراية لمقلة الدين الباصر ولقي أعيان الشيوخ في القطرين وأخذ عنهم ما تقر به العين ويدفع به عن القلب الرين مع فصاحة لسان وطلاقة بيان وبنان وخلال حسان وبلاغة سحبته على سحبان وظهر أزهار بان وفوضت إليه خطابة الحرم الشريف بمكة فكان كما يقال هذا السوار لمثل هذا المعصم
____________________
1-
(2/594)

فكم وشى بها من مطارف للبلاغة وكم عنم حتى يظن الرائي عود منبره من وعظه مائسا ولئن مال من سجع الحمام رطبا فقد مال من سجع هذا الإمام يابسا وترجم على من لقي من الأعيان بسحر البيان وفصل أحوالهم بأحسن تبيان وعدتهم أربعة آلاف شيخ وناهيك بهذه مزية تقاد لها الفضائل في أرسان وأرى تحقيق قول القائل جمع الله تعالى العالم في إنسان وله موضوعات مفيدة من حديث وفقه ونظم ونثر وله مسند غريب جمع فيه مذاهب العلماء المتقدمين والمتأخرين وهو أشهر من نار على علم وكان يكتب بالقلمين المغربي والمشرقي وكلاهما في غاية الجودة ومثل هذا يعد نادرا توفي شهيدا مطعوما من أناس كانوا يحسدونه فختم الله تعالى له بالشهادة وبوىء بها دار السعادة وتوفي سنة 663 بمكة ومولده سنة 598 رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا بأمثاله
220 - ومنهم الكاتب أبو القاسم خلف بن عبد العزيز بن محمد بن خلف الغافقي القبتوري - بفتح القاف وسكون الباء الموحدة وفتح التاء ثالثة الحروف وسكون الواو وبعدها راء - الإشبيلي المولد والمنشأ ولد في شوال سنة 615 وقرأ على الأستاذ الدباج كتاب سيبويه والسبع وله باع مديد في الترسل مع التقوى والخير وله إجازة من الرضى بن برهان والنجيب بن الصيقل وكتب لأمير سبتة وحدث بتونس عن العرافي وجاور زمانا وتوفي بالمدينة سنة 704 وحج مرتين قال أبو حيان قدم القاهرة مرتين وحج في الأولى وأنشدني من لفظه لنفسه
( أسيلي الدمع يا عيني ولكن ** دما ويقل ذلك لي أسلي )
____________________
(2/595)


( فكم في الترب من طرف كحيل ** لترب لي ومن خد أسيل ) وقال
( ماذا جنيت على نفسي بما كتبت ** كفي فيا ويح نفسي من أذى كفي )
( ولو يشاء الذي أجرى علي بذا ** قضاءه الكف عنه كنت ذا كف )
وقال
( واحسرتا لأمور ليس يبلغها ** مالي وهن منى نفسي وآمالي )
( أصبحت كالآل لا جدوى لدي وما ** ألوت جهدا ولكن جدي الآلي ) وقال العلامة فتح الدين بن سيد الناس إنه أنشده لنفسه بالحرم الشريف النبوي سنة ثلاث وسبعمائة
( رجوتك يا رحمن إنك خير من رجاه لغفران الجرائم مرتجي )
( فرحمتك العظمى التي ليس بابها ** وحاشاك في وجه المسيء بمرتجي وقد أنشد له أبو حيان كثيرا من نظمه رحمه الله تعالى 221 - ومنهم أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرج بن أبي الخليل الأموي الإشبيلي النباتي المعروف بابن الرومية كان عارفا بالعشب والنبات صنف كتابا حسنا كثير الفائدة في الحشائش ورتب فيه أسماءها على حروف المعجم ورحل إلى البلاد ودخل حلب وسمع الحديث بالأندلس وغيرها
وقال البرزالي في حقه إنه كان يعرف الحشائش معرفة جيدة وسمع
____________________
(2/596)

الحديث بدمشق من ابن الحرستاني وابن ملاعب وابن العطار وغيرهم وقال بعضهم اجتمعت به وتفاوضت معه في ذكر الحشائش فقلت له قصب الذريرة قد ذكر في كتب الطب وذكروا أنه يستعمل منه شيء كثير وهذا يدل على أنه كان موجودا كثيرا وأما الآن فلا يوجد ولا يخبر عنه بخبر فقال هو موجود وإنما لا يعلمون أين يطلبونه فقلت له وأين هو فقال بالأهواز منه شيء كثير انتهى
وأجاز البحر بعد سنة 580 للقاء ابن عبيد الله بسبتة فلم يتهيأ له ذلك وحج - رحمه الله تعالى - في رحلته الأولى ولقي كثيرا وروى عن عدد من رجال ونساء ضمنهم التذكرة له وله مختصر كتاب الكامل لأحمد بن عدي في رجال الحديث وله كتاب المعلم بما زاده البخاري على كتاب مسلم ويعرف بالنباتي لمعرفته بالنبات ومولده في نحو سنة 561 وتوفي رحمه الله تعالى بإشبيلية منسلخ ربيع النبوي سنة 637 وقد رثاه أناس من تلامذته وألف بعضهم في التعريف به وسمع من ابن زرقون وابن الجد وابن عفير وغير واحد كأبي ذر الحبشي وسمع ببغداد من جماعة وحدث بمصر الأحاديث من حفظه ويقال له الحزمي بفتح الحاء - نسبة إلى مذهب ابن حزم لأنه كان ظاهري المذهب وكان زاهدا صالحا وحكى بعضهم عنه أنه كان جالسا في دكانه بإشبيلية يبيع الحشائش وينسخ فاجتاز به الأمير أبو عبد الله بن هود سلطان الأندلس فسلم عليه فرد عليه السلام واشتغل بنسخه ولم يرفع إليه رأسه فبقي واقفا منتظرا أن يرفع إليه رأسه ساعة طويلة فلما لم يحفل به ساق فرسه ومضى وله كتابان حسنان في علم الحديث أحدهما يقال له الحافل في تكملة الكامل لابن عدي وهو كتاب كبير قال ابن الأبار سمعت شيخنا أبا الخطاب بن واجب يثني عليه ويستحسنه والثاني اختصر فيه
____________________
(2/597)

الكامل لأبي أحمد بن عدي كما سبق في مجلدين وسمع بدمشق والموصل وغيرهما جماعة من أصحاب الحافظ أبي الوقت السجزي وأبي الفتح بن البطي وأبي عبد الله الغراوي وغيرهم من الأئمة وله فهرسة حافلة أفرد فيها روايته بالأندلس من روايته بالمشرق وكان متعصبا لابن حزم بعد أن تفقه في المذهب المالكي على ابن زرقون أبي الحسين وطالت صحبته له وكان بصيرا بالحديث ورجاله كثير العناية به واختصر كتاب الدارقطني في غريب حديث مالك وغيره أضبط منه وفاق أهل زمانه في معرفة النبات وقعد في دكان لبيعه قال ابن الأبار وهنالك رأيته ولقيته غير مرة ولم آخذ عنه ولم أستجزه وسمع منه جل أصحابنا ومولده في شهر المحرم سنة 567 وتوفي بإشبيلية ليلة الاثنين مستهل ربيع الآخر سنة 637 وقال ابن زرقون منسلخ شهر ربيع الأول وحكى ذلك عن ولده أبي النور محمد بن أحمد انتهى 222 - ومنهم أبو العباس أحمد بن عبد السلام الغافقي الإشبيلي الشهير بالمسيلي رحل حاجا وقفل إلى بلده وحدث عنه أبو بكر بن خير بوفاة القاضي ابن أبي حبيب وروى عن أبي محمد بن أبي السعادات المروروذي الخراساني وأنه أنشده بثغر الاسكندرية عند وداعه إياه قال أنشدني أبو تراب جندل عند الوداع لبعضهم
( السم من ألسن الأفاعي ** أعذب من قبلة الوداع )
( ودعتهم والدموع تجري ** لما دعا للوداع داعي )23 - ومنهم أبو العباس - ويقال أبو جعفر - أحمد بن معد بن عيسى
____________________
(2/598)

بن وكيل التجيبي الزاهد ويعرف بابن الإقليشي صاحب كتاب النجم من كلام سيد العرب والعجم صلى الله عليه وسلم عارض به شهاب القضاعي وأصل أبيه من أقليش وضبطها بعضهم بضم الهمزة وسكن دانية وبها ولد ونشأ سمع أباه أبا بكر وأبا العباس بن عيسى وتلمذ له ورحل إلى بلنسية فأخذ العربية والآداب عن أبي محمد البطليوسي وسمع الحديث من صهره أبي الحسن طارق بن يعيش والحافظ أبي بكر بن العربي وأبوي الوليد بن خيرة وابن الدباغ ولقي بالمرية أبا القاسم بن ورد وأبا محمد عبد الحق بن عطية وولي الله سيدي أبا العباس بن العريف ورحل إلى المشرق سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة وجاور بمكة سنين وسمع بها من أبي الفتح الكروخي جامع الترمذي برباط أم الخليفة العباسي سنة سبع وأربعين وخمسمائة ثم كر راجعا إلى المغرب فقبض في طريقه وحدث بالأندلس والمشرق وكان عالما عاملا متصوفا شاعرا مجودا مع التقدم في الصلاح والزهد والعزوف عن الدنيا وأهلها والإقبال على العلم والعبادة وله تصانيف منها كتاب الغرر من كلام سيد البشر وكتاب ضياء الأولياء وهو أسفار عدة وحمل الناس عنه معشراته في الزهد وكتبها الناس وكان يضع يده على وجهه إذا قرأ القارىء فيبكي حتى يعجب الناس من بكائه وكان الناس يدخلون عليه بيته والكتب عن يمينه وشماله وقد وصف غير واحد إمامته وعلمه وورعه وزهده وروى عنه أبو الحسين بن كوثر وابن بيبش وغيرهما ومن شعره قوله
( أسير الخطايا عند بابك واقف ** له عن طريق الحق قلب مخالف )
____________________
(2/599)


( قديما عصى عمدا وجهلا وغرة ** ولم ينهه قلب من الله خائف )
( تزيد سنوه وهو يزداد ضلة ** فها هو في ليل الضلالة عاكف )
( تطلع صبح الشيب والقلب مظلم ** فما طاف منه من سنى الحق طائف )
( ثلاثون عاما قد تولت كأنها ** حلوم تقضت أو بروق خواطف )
( وجاء المشيب المنذر المرء أنه ** إذا رحلت عنه الشبيبة تالف )
( فيا أحمد الخوان قد أدبر الصبا ** وناداك من سن الكهولة هاتف )
( فهل أرق الطرف الزمان الذي مضى ** وأبكاه ذنب قد تقدم سالف )
( فجد بالدموع الحمر حزنا وحسرة ** فدمعك ينبي أن قلبك آسف )
وقد وافق في أول هذه القطعة قول أبي الوليد بن الفرضي أو أخذه منه نقلا وتوفي في صدره عن المشرق بمدينة قوص من صعيد مصر في عشر الخمسين وخمسمائة ودفن عند الجميزة التي في المقبرة التالية لسوق العرب وقال ابن عباد إنه توفي سنة خمسين أو إحدى وخمسين بعدها - رحمه الله تعالى - وقد نيف على الستين
224 - ومنهم أبو العباس أحمد بن عمر المعافري المرسي وأصله من طلبيرة ويعرف بابن إفرند روى عن أبي الحسين الصفدي وغيره كالقاضي الحافظ أبي بكر بن العربي وأبي محمد الرشاطي وأبي إسحاق بن حبيش وغيرهم وله رحلة حج فيها ولقي أبا الفتح بن الرندانقاني بلد بين سرخس ومرو من أصحاب أبي حامد الغزالي وأنشد عنه مما قاله في وداع إخوانه بالبيت المقدس
( لئن كان لي من بعد عود إليكم ** قضيت لبانات الفؤاد لديكم )
____________________
(2/600)


( وإن تكن الأخرى ولم تك أوبة ** وحان حمامي فالسلام عليكم )
وقد روى هذين البيتين أبو عمر بن عياد وابنه محمد عن ابن إفرند هذا وكان صالحا زاهدا متصوفا رحمه الله تعالى
225 - ومنهم أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن عميرة بن يحيى الضبي من أهل لورقة رحل حاجا وكان منقبضا زاهدا صواما قواما وأقرأ القرآن وأسمع الحديث وممن حدث عنه الحافظان أبو سليمان وأبو محمد بن حوط الله ولقيه أبو سليمان بلورقة سنة 575 وتوفي رحمه الله تعالى سنة 577 وقد قارب المائة
226 - ومنهم أبو عمر بن عات وهو أحمد بن هارون بن أحمد بن جعفر بن عات النفزي من أهل شاطبة سمع أباه وأبا الحسن بن هذيل وأبا عبد الله بن سعادة وابن حبيش وغير واحد وطائفة كثيرة ورحل إلى المشرق فأدى الفريضة وسمع أبا الطاهر السلفي وأبا الطاهر بن عوف وغيرهما ممن يطول ذكره وأجاز له أبو الفرج بن الجوزي وغيره ممن أخذ عنه وسمع منه وقد ضمن ذكر أشياخه وجملة صالحة من مروياته عنهم برنامجيه اللذين سمي أحدهما بالنزهة في التعريف بشيوخ الوجهة وهو كتاب حافل جامع والآخر بريحانة التنفس وراحة الأنفس في ذكر شيوخ الأندلس
قال ابن عبد الملك المراكشي في الصلة حدثنا عنه شيخنا أبو محمد حسن بن علي بن
____________________
(2/601)

القطان وكان من أكابر المحدثين وجلة الحفاظ المسندين للحديث والآداب بلا مدافعة يسرد الأسانيد والمتون ظاهرا فلا يخل بحفظ شيء منها متوسط الطبقة في حفظ فروع الفقه ومعرفة المسائل إذ لم يعن بذلك عنايته بغيره فكان أهل شاطبة يفاخرون بأبوي عمر بن عبد البر وابن عات وكان على سنن السلف الصالح في الانقباض ونزارة الكلام ومتانة الدين وأكل الحشف ولزوم التقشف والتقلل من الدنيا والزهد فيها والمثابرة على كثير من أفعال البر كالأذان والإمامة وبذل المعروف والتوسع بالصدقات على الضعفاء والمساكين
وحكي أنه حضر في جماعة من طلبة العلم لسماع السير على بعض شيوخهم فغاب الكتاب أو القاريء بكتابه فقال أبو عمر أنا أقرأ لكم فقرأ لهم من حفظه وقال أبو عمر عامر بن نذير لازمته مدة ستة أشهر فلم أر أحفظ منه وحضرت إسماع الموطإ وصحيح البخاري منه فكان يقرأ من كل واحد من الكتابين نحو عشر أوراق عرضا بلفظه كل يوم عقب صلاة الصبح لا يتوقف في شيء من ذلك انتهى
وقال بعض المؤرخين إنه كان آخر الحفاظ للحديث يسرد المتون والأسانيد ظاهرا لا يخل بحفظ شيء منها موصوفا بالدراية والرواية غالبا عليه الورع والزهد على منهاج السلف يلبس الخشن ويأكل الحشف وربما أذن في المساجد وله تآليف دالة على سعة حفظه مع حظ من النظم والنثر وشهد وقيعة العقاب التي أفضت إلى خراب الأندلس بالدائرة على المسلمين فيها وكانت السبب الأقوى في تحيف الروم بلادها حتى استولت عليها ففقد حينئذ ولم يوجد حيا ولا ميتا وذلك يوم الاثنين منتصف صفر سنة تسع وستمائة
____________________
(2/602)

ومولده سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة قاله ابن الأبار وهو ممن أجاز له المذكور فيما رواه أو ألفه رحمه الله تعالى
227 - ومنهم أبو العباس أحمد بن تميم بن هشام بن أحمد بن حنون البهراني من ساكني إشبيلية وأصله من لبلة روى عن أبيه وابن الجد وابن زرقون وابن جهور وغيرهم من أعلام الأندلس ثم رحل إلى المشرق فسمع ببغداد من أبي حفص عمر بن طبرزد وبخراسان من المؤيد الطوسي وبهراة من أبي روح عبد المعز وبمرو من عبد الرحيم بن عبد الكريم السمعاني ومن جماعة غير هؤلاء وسمع أيضا بدمشق من أبي الفضل الحرستاني وسواه وبها توفي قبل العشرين وستمائة فيما نقل ابن الأبار عن ابن نقطة وقال غيره إنه مات سنة خمس وعشرين وستمائة 228 - ومنهم أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن محمد بن أحمد المخزومي من أهل قرطبة ويعرف أبوه بكوزان روى عن أبيه وغيره من مشيخة بلده ورحل حاجا فلقي بالإسكندرية أبا الحسن بن المقدسي وسمع منه وأنشد من لفظه بعض أصحاب ابن الأبار قال أنشدني شرف الدين أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي قال أنشدتني تقية بنت غيث بن علي الأرمنازي لنفسها
( لا خير في الخمر على أنها ** مذكورة في صفة الجنه )
( لأنها إن خامرت عاقلا ** خامره في عقله جنه )
( يخاف أن تقذفه من عل ** فلا تقي مهجته جنه )
____________________
(2/603)


229 - ومنهم أبو جعفر أحمد بن محمد بن أحمد بن عياش الكناني المرسي سمع من ابن بشكوال موطأ مالك رواية يحيى بن يحيى والقعنبي وابن بكير بقراءة أبي محمد بن حوط الله ورحل إلى المشرق سنة تسع وسبعين وخمسمائة فحج سنة ثمانين بعدها وأقام بالحجاز والشام مدة ولقي أبا الطاهر الخشوعي بدمشق فسمع منه مقامات الحريري وأخذها الناس عنه ومما أفاد وزاد في قول الحريري
( إذا ما حويت جنى نخلة ** )
الأبيات - قوله
( ولا تأسفن على خارج ** إذا ما لمحت سنا الداخل )
( ولا تكثر الصمت في معشر ** وإن زدت عيا على باقل )
وسمع من أبي القاسم ابن عساكر السنن للبيهقي ومن أبي حفص الميانشي جامع الترمذي وقفل إلى الأندلس في سنة سبع وتسعين وحدث بيسير وكان يحسن عبارة الرؤيا وكف بصره سنة ثمان وعشرين وستمائة أو نحوها وتوفي على إثر ذلك ومولده سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة رحمه الله تعالى
230 - ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن حصن بن أحمد بن حزم الغافقي ويقال فيه إبراهيم بن حصن بن عبد الله بن حصن أندلسي سكن دمشق وولي الحسبة بها ويكنى أبا إسحاق سمع ببغداد من أبي بكر بن مالك القطيعي وطبقته وبدمشق من عبد الوهاب الكلابي ويوسف بن القاسم الميانجي وبمصر من أبي طاهر الذهلي وأبي أحمد الغطريفي وله أيضا سماع
____________________
(2/604)