Advertisement

نفح الطيب 004



نفخ الطيب من غصن الأندلس الرطيب
أحمد بن محمد المقري التلمساني
سنة الولادة 986/ سنة الوفاة
تحقيق د. إحسان عباس
الناشر دار صادر
سنة النشر 1388هـ
مكان النشر بيروت
عدد الأجزاء 8 كتاب البخاري من طريق أبي الهيثم رحم الله تعالى الجميع
232 - 233 - ومنهم أبو القاسم بن فورتش وهو إسماعيل بن يحيى بن عبد الرحمن السرقسطي وأخوه القاضي محمد بن يحيى وكانا جميعا زاهدين لهما رحلة سمعا فيها من أبي ذر الهروي بمكة وعادا إلى بلدهما وولي محمد منهما القضاء وقد لقيهما القاضي الحافظ أبو علي بن سكرة ولم يسمع منهما ويرويان عن أبي عمر الطلمنكي وأبي الحزم بن أبي درهم وتوفي أبو القاسم في نحو الخمسمائة
234 - ومنهم أبو الطاهر إسماعيل بن أحمد بن عمر القرشي العلوي الإشبيلي رحل حاجا ودخل العراق والموصل وقيد الكثير ورواه وسمع من أبي حفص الميانشي بمكة سنة 570 وحدث بالموطإ عن أبي الحسن علي بن هابيل الأنصاري عن أبي الوليد الباجي وحدث أيضا عن غيره بما دل على أنه كان يخلط ولا يضبط وكذلك قال أبو الصبر كان له في الموطأ إسناد عال جدا فتصفحته فوجدته ينقص منه رجل واحد فاستربت في الرواية عنه بعد تحسين الظن به ولم يتنبه أبو الصبر لأن ابن هابيل وغيره من شيوخه مجهولون وأبو الصبر ممن روى عن المذكور وهو أبو الصبر السبتي والله تعالى أعلم بحقيقة حال الرجل
235 - ومنهم أبو الروح عيسى بن عبد الله بن محمد بن موسى بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن خليل النفزي الحميري التاكرني
قال في تاريخ إربل كان شابا متأدبا فاضلا قدم مصر وله شعر حسن وقال الحافظ عبد العظيم المنذري أنشدنا المذكور لنفسه
____________________
(2/606)


( يا قلب ما لك لا تفيق من الهوى ** أو ما يقر بك الزمان قرار )
( ألكل ذي وجه جميل حنة ** ولكل عهد سالف تذكار )
وله
( يا رب أضحية سوداء حالكة ** لم ترع في البيد إلا الشمس والقمرا )
( تخال باطنها في اللون ظاهرها ** فهي الغداة كزنجي إذا كفرا )
ولد سنة 590 بتاكرنا من بلاد الأندلس وهي من نظر قرطبة وتوفي بأرزن من ديار بكر سنة 629 عائدا من آمد رحمه الله تعالى
ومن بديع شعره
( إن أودع الطرس ما وشاه خاطره ** أبدى لعينيك أزهارا وأشجارا )
( وإن تهدد فيه أو يعد كرما ** بث البرية آجالا وأعمارا )
وتاكرنا - بضم الكاف والراء وتخفيفها وشد النون - وورد المذكور إربل سنة سبع وعشرين وستمائة وله قول أجاز فيها أبيات شرف الدين عمر بن الفارض في غلام اسمه بركات قال الأسدي الدمشقي ومن خطه نقلت كنت حاضر هذه الواقعة بالقاهرة بالجامع الأزهر إذ قال ابن الفارض
( بركات يحكي البدر عند تمامه ** حاشاه بل شمس الضحى تحكيه )
فقال أبو الروح وأنشدني ذلك
( هذا الكمال فقل لمن قد عابه ** حسدا وآية كل شيء فيه )
( لم تذو إحدى زهرتيه وإنما ** كملت بذاك ملاحة التشبيه )
( وكأنه قد رام يغلق جفنه ** ليصيب بالسهم الذي يرميه )
وقال ابن المستوفي في تاريخ إربل أنشدني أبو الروح لنفسه
____________________
(2/607)


( أوصيت قلبي أن يفر عن الصبا ** ظنا بأني قد دعوت سميعا )
( فأجابني لا تخش مني بعدما ** أفلت من شرك الغرام وقوعا )
( حتى إذا نادى الحبيب رأيته ** آوي إليه ملبيا ومطيعا )
( كذبالة أخمدتها فإذا دنا ** منها الضرام تعلقته سريعا )
قال وأنشدني
( وزائر زارني والليل معتكر ** والطيب يفضحه والحلي يشهره )
( أمسكت قلبي عنه وهو مضطرب ** والشوق يبعثه والصون يزجره )
( فبت أصدى إلى من لا يحلئني ** والورد صاف ولا شيء يكدره )
( تراه عيني وكفي لا تلامسه ** حتى كأني في المرآة أنظره )
قال وأنشدني الإمام أبو عمرو بن غياث الشريشي لنفسه رحمه الله تعالى
( صبوت وهل عار على الحر إن صبا ** وقيد ثغر الأربعين إلى الصبا )
( وقالوا مشيب قلت واعجبا لكم ** أينكر صبح قد تخلل غيهبا )
( وليس مشيبا ما ترون وإنما ** كميت الصبا لما جرى عاد أشهبا )
وتوفي أبو عمرو سنة 620 عن تسعين سنة
قال ابن المستوفي وأنشدني المذكور قال أنشدني أبو عمرو أيضا لنفسه
( أودع فؤادي حسرة أو دع ** نفسك تؤذي أنت في أضلعي )
( أمسك سهام اللحظ أو فارمها ** أنت بما ترمي مصاب معي )
( موقعها القلب وأنت الذي ** مسكنه في ذلك الموضع )
قال وأنشدني قال أنشدني مطرف الغرناطي
____________________
(2/608)


( أنا صب كما تشاء وتهوى ** شاعر ماجد كريم جواد )
( سنة سنها قديما جميل ** وأتى المحدثون مثلي فزادوا )
قال وأنشدني أيضا المطرف
( وفي فروع الأيك ورق إذا ** بل الندى أعطافها تسجع )
( أو هزها نفح نسيم الصبا ** شاقك منها غرد شرع )
( كأنما ريطتها منبر ** وهي خطيب فوقه مصقع )
( إن شبها في طرف لوعة ** جرى لها في طرف مدمع )
أخذه من قول عبد الوهاب بن علي المالقي الخطيب
( كأن فؤادي وطرفي معا ** هما طرفا غصن أخضر )
( إذا اشتعل النار في جانب ** جرى الماء في الجانب الآخر )
236 - ومن المرتحلين من الأندلس إلى المشرق الإمام النحوي اللغوي نور الدين أبو الحسن علي بن أحمد 9 2 10 3 11 4 12 5 13 6 14 * للشباب غراب )
( وكم عظة لي في الزمان وأهله ** وبين فؤادي والقبول حجاب )
____________________
(2/609)


( فدع شهوات النفس عنك بمعزل ** فعذب الليالي مقتضاه عذاب )
( وسل فؤادا عن رباب وزينب ** فما القصد منها زينب ورباب )
( وأنوي متابا ثم أنقض نيتي ** فربع صلاحي بالفساد خراب )
( أقر بتقصيري وأطمع في الرضى ** وما القصد إلا مرجع ومتاب )
( ويعتبني في العجز خل وصاحب ** وهل نافع في الجامدات عتاب )
( أطهر أثوابي وقلبي مدنس ** وأزعم صدقا والمقال كذاب )
( وفارقت من غرب البلاد مواطنا ** فسقى ربي غرب البلاد سحاب )
( فبالقلب من نار التشوق حرقة ** وبالعين من فيض الدموع عباب )
( وما بلغ المملوك قصدا ولا منى ** ولا حط عن وجه المراد نقاب )
( وأخشى سهام الموت تفجأ غفلة ** وما سار بي نحو الرسول ركاب )
( وقلبي معمور بحب محمد ** فمالي في غير الحجاز طلاب )
( يحن إلى أوطانه كل مسلم ** فقدس منها منزل وجناب )
( فأسعد أيامي إذا قيل هذه ** منازل من وادي الحمى وقباب )
( فجسمي في مصر وروحي بطيبة ** فللروح عن جسمي هناك مناب )
( على مثل هذا العجز والعمر منقض ** تشق قلوب لا تشق ثياب )
( وأرجو ثوابا بامتداحي محمدا ** وما كل مثن في الزمان يثاب )
( به أخمدت من قبل نيران فارس ** وحقق من ظبي الفلاة خطاب )
( وكم قد سقى من كفه الجيش فارتووا ** وكم قد شفى منه العيون رضاب )
( أجيب لما يختار في حضرة العلا ** وما كل خلق حيث قال يجاب )
( فلم تلهه دنياه عن خوف ربه ** ولا شغلته عن رضاه كعاب )
( محمد المختار أعلى الورى ندى ** وأكرم مبعوث أتاه كتاب )
( أتحسب أن تحصى بعد صفاته ** وهيهات ما يحصي علاه حساب )
( ثناء رسول الله خير ذخيرة ** وقد ذل جبار وخيف عقاب )
( وقد نصب الميزان والله حاكم ** وذلت لأحكام الإله رقاب )
____________________
(2/610)


( فكل ثناء واجب لصفاته ** فما مدح مخلوق سواه صواب )
( إليك رسول الله أنهي مدائحي ** وإن رجائي راحة وثواب )
( إذا قيل من تعني بمدحك كله ** فأنت إذا خبرت عنه جواب )
( فليتك تحلو والحياة مريرة ** وليتك ترضى والأنام غضاب )
( فأنت أجل العالمين مكانة ** وأكرم مدفون حواه تراب )
وله يرثي العز بن عبد السلام
( أمد الحياة كما علمت قصير ** وعليك نقاد بها وبصير )
( عجبا لمغتر بدار فنائه ** وله إلى دار البقاء مصير )
( فسليمها للنائبات معرض ** وعزيزها بيد الردى مقهور )
( أيظن أن العمر ممدود له ** والعمر فيه على الردى مقصور )
وهي طويلة ولم يحضرني سوى ما ذكرته
237 - ومنهم عبد البر بن فرسان بن إبراهيم بن عبد الرحمن الغساني الوادي آشي أبو محمد وله أخبار كثيرة في الحماسة وعلو الهمة
ومن نظمه لما تعمم مخدومه ابن غانية بعمامة بيضاء ولبس غفارة حمراء على جبة خضراء
( فديتك بالنفس التي قد ملكتها ** بما أنت موليها من الكرم الغض )
( ترديت للحسن الحقيقي بهجة ** فصار لها الكلي في ذاك كالبعض )
( ولما تلالا نور غرتك التي ** تقسم في طول البلاد وفي عرض )
____________________
(2/611)


( تلفعتها خضراء أحسن ناظر ** نبت عنك إجلالا وذاك من الفرض )
( وأسدلت حمراء الملابس فوقها ** بمفرق تاج المجد والشرف المحض )
( فأصبحت بدرا طالعا في غمامة ** على شفق دان إلى خضرة الأرض )
وقال رحمه الله تعالى
( أجبنا ورمحي ناصري وحسامي ** وعجزا وعزمي قائدي وإمامي )
( ولي منك بطاش اليدين غضنفر ** يحارب عن أشباله ويحامي )
وقال رحمه الله تعالى لما أسن يستأذن مخدومه في الحج والزيارة
( امنن بتسريح علي فعله ** سبب الزيارة للحطيم ويثرب )
( ولئن تقول كاشح أن الهوى ** درست معالمه وأنكر مذهبي )
( فمقالتي ما إن مللت وإنما ** عمري أبى حمل النجاد ومنكبي )
( وعجزت عن أن أستثير كمينها ** وأشق بالصمصام صدر الموكب )
وقال رحمه الله تعالى ولا خفاء ببراعته
( ندى مخضلا ذاك الجناح المنمنما ** وسقيا وإن لم تشك يا ساجعا ظما )
( أعدهن ألحانا على سمع معرب ** يطارح مرتاحا على القضب معجما )
( وطر غير مقصوص الجناح مرفها ** مسوغ أشتات الحبوب منعما )
( مخلى وأفراخا بوكرك نوما ** ألا ليت أفراخي معي كن نوما )
وقال رحمه الله تعالى
____________________
(2/612)


( كفى حزنا أن الرماح صقيلة ** وأن الشبا رهن الصدى بدمائه )
( وأن بياذيق الجوانب فرزنت ** ولم يعد رخ الدست بيت بنائه )
وكان - رحمه الله تعالى - من جلة الأدباء وفحول الشعراء وبرعة الكتاب كتب عن ابن غانية الأمير أبي زكريا يحيى بن إسحاق بن محمد بن علي المسوفي الميرقي الثائر على منصور بني عبد المؤمن ثم على من بعده من ذريته إلى أيام الرشيد منهم وكان منقطعا إليه وممن صحبه في حركاته وكان آية في بعد الهمة والذهاب بنفسه والغناء في مواقف الحرب والجنسية علة الضم إذ ابن غانية كان غاية في ذلك أيضا ووجهه الميرقي المذكور عشية يوم من أيام حروبه إلى المأزق وقد طال العراك وكاد الناس ينفصلون عن الحرب [ إلى أن يباكروها من الغد فلما بلغ الصدر اشتد على الناس ] وذمر أرباب الحفيظة وأنهى إليهم العزم من أميرهم في الحملة فانهزم عدوهم شر هزيمة ولم يعد أبو محمد إلا في آخر الليل بالأسلاب والغنيمة فقال له الأمير وما حملك على ما صنعت فقال الذي عملت 13 هو شأني وإذا أردت من يصرف الناس عن الحرب ويذهب ريحه فانظر غيري
وتشاجر له ولد صغير مع ترب له من أولاد أميره أبي زكريا فنال منه ولد الأمير وقال وما قدر أبيك فلما بلغ ذلك أباه خرج مغضبا لحينه ولقي ولد الأمير المخاطب لولده فقال حفظك الله تعالى لست أشك في أني خديم أبيك ولكني أحب أن أعرفك بنفسي ومقداري ومقدار أبيك اعلم أن أباك وجهني رسولا إلى دار الخلافة ببغداد بكتاب عن نفسه فلما بلغت بغداد أنزلت في دار اكتريت لي بسبعة دراهم في الشهر وأجري على سبعة دراهم في
____________________
(2/613)

اليوم وطولع بكتابي وقيل من الميرقي الذي وجهه فقال بعض الحاضرين هو رجل مغربي ثائر على أستاذه فأقمت شهرا ثم استدعيت فلما دخلت دار الخلافة وتكلمت مع من بها من الفضلاء وأرباب المعارف والآداب اعتذروا إلي وقالوا للخليفة هذا رجل جهل مقداره فأعدت إلى محل اكتري لي بسبعين درهما وأجري علي مثلها في اليوم ثم استدعيت فودعت الخليفة واقتضيت ما تيسر من حوائجه وصدر لي شيء له حظ من صلته وانصرفت إلى أبيك فالمعاملة الأولى كانت على قدر أبيك عند من يعرف الأقدار والثانية كانت على قدري وترجمته رحمه الله تعالى متسعة
238 - ومنهم عبد المنعم بن عمر الغساني الوادي آشي المؤلف الرحالة المتجول ببلاد المشرق سائحا صاحب المؤلفات الكثيرة التي منها جامع أنماط السائل في العروض والخطب والرسائل
ومن نظمه قوله رحمه الله
( ألا إنما الدنيا بحار تلاطمت ** فما أكثر الغرقى على الجنبات )
( وأكثر من لاقيت يغرق إلفه ** وقل فتى ينجي من الغمرات )
توفي سنة 603 رحمه الله تعالى
239 - ومنهم أبو العباس أحمد بن مسعود بن محمد القرطبي الخزرجي كان إماما في التفسير والفقه والحساب والفرائض والنحو واللغة والعروض والطب وله تآليف حسان وشعر رائق فمنه قوله رحمه الله تعالى
____________________
(2/614)


( وفي الوجنات ما في الروض لكن ** لرونق زهرها معنى عجيب )
( وأعجب ما التعجب عنه أني ** أرى البستان يحمله قضيب )
وتوفي رحمه الله تعالى سنة 601
240 - ومنهم أبو العباس القرطبي صاحب المفهم في شرح مسلم وهو أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري المالكي الفقيه المحدث المدرس الشاهد بالإسكندرية
ولد بقرطبة سنة 578 وسمع الكثير هنالك ثم انتقل إلى المشرق واشتهر وطار صيته وأخذ الناس عنه وانتفعوا بكتبه وقدم مصر وحدث بها واختصر الصحيحين وكان بارعا في الفقه والعربية عارفا بالحديث وممن أخذ عنه القرطبي صاحب التذكرة ومن تصانيفه رحمه الله تعالى المفهم في شرح مسلم وهو من أجل الكتب ويكفيه شرفا اعتماد الإمام النووي رحمه الله تعالى عليه في كثير من المواضع وفيه أشياء حسنة مفيدة ومنها اختصاره للصحيحين كما مر وله غير ذلك وتوفي رحمه الله تعالى بالإسكندرية رابع ذي القعدة سنة 656 وكان يعرف في بلاده بابن المزين وله كتاب كشف القناع عن الوجد 13 2 14 3 15 4 * والفقه والعربية وغيرها
____________________
(2/615)


241 - ومنهم العارف الكبير الولي الصالح الشهير أبو أحمد جعفر بن عبد الله بن محمد بن سيد بونة الخزاعي الأندلسي أحد الأعلام المنقطعين المقربين أولي الهداية كان - رضي الله تعالى عنه ونفعنا به - كثير الأتباع بعيد الصيت فذا شهيرا
قال الحافظ ابن الزبير هو أحد الأعلام المشاهير فضلا وصلاحا قرأ ببلنسية وتفقه وحفظ نصف المدونة وأقرأها وكان يؤثر التفسير والحديث والفقه على غيرها أخذ عن أبوي الحسن بن النعمة وابن هذيل وحج ولقي في رحلته من الأندلس جلة أكبرهم الولي الكبير سيد أبو مدين شعيب أفاض الله تعالى علينا من أنواره وانتفع به ورجع عنه بعجائب فشهر بالعبادة وتبرك الناس به فظهرت عليه بركته توفي رحمه الله تعالى في شوال سنة 624 وعاش نيفا وثمانين سنة
وله ترجمة في الإحاطة ملخصها ما ذكرناه
242 - ومنهم محمد بن عبد الرحمن بن يعقوب الخزرجي الأنصاري الشاطبي الفقيه القاضي الصدر المتفنن المحصل المجيد له علم محكم وعقد صحيح مبرم رحل إلى المشرق وحج وكانت رحلته بعد تحصيله فزاد فضلا إلى فضل ونبلا إلى نبل وكان متثبتا في فقهه لا يستحضر من النقل الكثير ولكنه يستحضر ما يحتاج إليه وكان له علم بالعربية وأصول الفقه ومشاركة في أصول الدين له شرح على الجزولية وكان أبوه قاضيا وبيتهم بيت قضاء وعلم وسؤدد متوارث ومجد مكسوب ومنسوب ثم ولي قضاء بجاية فكان في قضائه على سنن الفضلاء وطريق الأولياء العقلاء بالحق مع
____________________
(2/616)

الصدق معارضا للولاة وكان يرى أن لا يقدم الشهود إلا عند الحاجة وأما إن حصل من تحصل به الكفاية فلا يقدم غيره ويرى أن الكثرة مفسدة وقد طلب منه الملك أن يقدم رجلا من أهل بجاية فقال له مشافهة إن شئتم قدمتموه وأخرتموني وكان إذا جرى الأمر في مجرى الشهادة وما قاله القاضي ابن العربي أبو بكر وغيره من أنها قبول قول الغير على الغير بغير دليل يرى أن هذا من الأمر العظيم الذي لا يليق أن يمكن منه إلا الآحاد الذين تبين فضلهم في الوجود وكان يرى أن جنايات الشاهد إنما هي في صحيفة من يقدمه من باب قوله عليه الصلاة والسلام من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة وقد سئل من أولياء الله فقال شهود القاضي لأنهم لا يأتون كبيرة ولا يواظبون على صغيرة وإن كانت الشهادة على هذه الصفة فلا شيء أجل منها وإن كانت خطة لا صفة فلا شيء أخس منها ولما كانت واقعة بني مرين بطنجة عرض عليه أهلها أن يتقدم وأن يبايعوه فقال والله لا أفسد ديني
ولما توفي عجز القاضي الذي تولى بعده عن سلوك منحاه واقتفاء سننه الذي اقتفاه قال هذا كله بمعناه وبعضه بحروفه الغبريني في عنوان الدراية في علماء بجاية
243 - ومنهم محمد بن يحيى الأندلسي اللبسي - بلام فموحدة فسين - قاضي القضاة أخذ عن الحافظ ابن حجر ونوه به عند الأشرف حتى ولاه قضاء المالكية بحماة وسار سيرة السلف الصالح ثم حنق على نائبها في بعض الأمور وسافر إلى حلب مظهرا إرادة السماع على حافظها البرهان
ووصفه ابن حجر في بعض مجاميعه بقوله الشيخ الإمام العالم العلامة في الفنون قاضي الجماعة
وقال إنه إنسان حسن إمام في علوم منها الفقه
____________________
(2/617)

والنحو وأصول الدين يستحضر علوما كأنها بين عينيه ووصفه أيضا بعلامة دهره وخلاصة عصره وعين زمانه وإنسان أوانه جامع العلوم وفريد كل منثور ومنظوم قاضي القضاة لا زالت رايات الإسلام به منصورة وأعلام الإيمان به منشورة ووجوه الأحكام الشرعية بحسن نظره محبورة ولد سنة 806 وتوفي ببرسا من بلاد الروم أواخر شعبان سنة 884 قاله السخاوي في الضوء اللامع
244 - ومنهم الوزير الشهير أبو عبد الله بن الحكيم الرندي ذو الوزارتين رحل إلى مصر والحجاز والشام وأخذ الحديث عن جماعة وقد ترجمناه في باب مشيخة لسان الدين عند تعرضنا لذكر ابنه الشيخ أبي بكر بن الحكيم ولا بأس أن نزيد هنا ما ليس هنالك فنقول إن من مشايخه برندة الشيخ الأستاذ النحوي أبا الحسن علي بن يوسف العبدري السفاح أخذ عنه العربية وقرأ عليه القرآن بالروايات السبع وأخذ عن الخطيب بها أبي القاسم بن الأيسر وأخذ - رحمه الله تعالى - عن جماعة من أعلام الأندلس وأخذ في رحلته عن الجلة الذين يضيق عن أمثالهم الحصر فمن شيوخه الحافظ أبو اليمن بن عساكر لقيه بالحرم الشريف وانتفع به وأكثر من الرواية عنه والشيخ أبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم الحراني المعروف بابن هبة الله والشيخ الشرف أبو العباس أحمد بن عبد الله بن عمر بن معطي ابن الإمام الجزائري - جزائر المغرب - نزيل بغداد والشيخ أبو الصفاء خليل بن أبي بكر الحنبلي لقيه بالقاهرة والشيخ رضي الدين أبو بكر القسمطيني والشيخ شرف الدين الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي إمام الديار المصرية في الحديث وحافظها ومؤرخها
____________________
(2/618)

والشهاب ابن الخيمي قرأ عليه قصيدته البائية الفريدة التي أولها
( يا مطلبا ليس لي في غيره أرب ** إليك آل التقصي وانتهى الطلب )
وفيها البيت المشهور الذي وقع النزاع فيه
( يا بارقا بأعالي الرقمتين بدا ** لقد حكيت ولكن فاتك الشنب )
والشيخ جمال الدين أبو صادق محمد بن يحيى القرشي ومن تخريجه الأربعون المروية بالأسانيد المصرية وسمع الحلبيات من ابن العماد الحراني والشيخ أبي الفضل عبد الرحيم خطيب الجزيرة ومولده سنة 598 وزينب بنت الإمام أبي محمد عبد اللطيف بن يوسف البغدادي وتكنى أم الفضل وسمعت من أبيها
ومن أشياخ ذي الوزارتين ابن الحكيم المذكور الملك الأوحد يعقوب ابن الملك الناصر صلاح الدين داود بن الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب والشيخ عبد الرحمن بن سليمان بن طرخان وأخوه محمد بن سليمان في طائفة كبيرة من مشايخ مصر والشام والعراق وغيرها من البلاد يطول تعدادهم وأخذ ببجاية عن خطيبها أبي عبد الله بن رحيمة الكناني وبتونس عن قاضيها أبي العباس بن الغماز البلنسي وأخذ العربية عن قدوة النحاة أبي الحسين عبد الله بن أحمد بن عبيد الله بن أبي الربيع القرشي
ومن شعر ذي الوزارتين ابن الحكيم المذكور قوله
( هل إلى رد عشيات الوصال ** سبب أم ذاك من ضرب المحال )
( حالة يسري بها الوهم إلى ** أنها تثبت برءا باعتلال )
( وليال ما تبقى بعدها ** غير أشواقي إلى تلك الليالي )
____________________
(2/619)


( إذ مجال الوصل فيها مسرحي ** ونعيمي آمر فيها ووال )
( ولحالات التراضي جولة ** مرحت بين قبول واقتبال )
( فبوادي الخيف خوفي مسعد ** وبأكناف منى أسنى موال )
( لست أنسى الأنس فيها أبدا ** لا ولا بالعذل في ذاك أبالي )
( وغزال قد بدا لي وجهه ** فرأيت البدر في حال الكمال )
( ما أمال التيه من أعطافه ** لم يكن إلا على خصل اعتدال )
( خص بالحسن فما أنت ترى ** بعده للناس حظا في الجمال )
( من تسلى عن هواه فأنا ** بسواه عن هواه غير سال )
( فلئن أتعبني حبي له ** فلكم نلت به أنعم حال )
( إذ لآلي جيده من قبلي ** ووشاحاه يميني وشمالي )
( خلف النوم لي السهد به ** وترامى الشخص لا طيف الخيال )
( فتداوى بلماه ظمإي ** مزجك الصهباء بالماء الزلال )
( أو إشادات بناء الملك الأوحد ** الأسمى الهمام المتعالي )
( ملك إن قلت فيه ملكا ** لم تكن إلا محقا في المقال )
( أيد الإسلام بالعدل فما ** إن ترى رسما لأصحاب الضلال )
( ذو أياد شملت كل الورى ** ومعال يا لها خير معال )
( همة هامت بأحوال التقى ** وصفات بالجلالات حوال )
( وقف النفس على إجهادها ** بين صوم وصلاة ونوال )
وهي طويلة ومنها
( أيها المولى الذي نعماؤه ** أعجزت عن شكرها كنه المقال )
____________________
(2/620)


( ها أنا أنشدكم مهنئا ** من بديع النظم بالسحر الحلال )
( فأنا العبد الذي حبكم ** لم يزل والله في قلبي وبالي )
( أورقت روضة آمالي بكم ** مذ تولاها الرباب المتوالي )
( واقتنيت الجاه من خدمتكم ** فهي ما أذخره من كنز مال )
( ومنها يا أمير المسلمين هذه خدمتي ** تنبيء عن صادق حال )
( هي بنت ساعة أو ليلة ** سهلت بالحب في ذاك الجلال )
( ما عليها إذ أجادت مدحها ** من بعيد الفهم يلغيها وقال )
( فهي في تأدية الشكر لكم ** أبدا بين احتفاء واحتفال )
وكتب رحمه الله تعالى يخاطب أهله من مدينة تونس
( حي حيي بالله يا ريح نجد ** وتحمل عظيم شوقي ووجدي )
( وإذا ما بثثت حالي فبلغ ** من سلامي لهم على قدر ودي )
( ما تناسيتهم وهل في مغيبي ** قد نسوني على تطاول بعدي )
( بي شوق إليهم ليس يعزى ** لجميل ولا لسكان نجد )
( يا نسيم الصبا إذا جئت قوما ** ملئت أرضهم بشيح ورند )
( فتلطف عند المرور عليهم ** وحقوقا لهم علي فأد )
( قل لهم قد غدوت من وجدهم في ** حال شوق لكل رند وزند )
( وإن استفسروا حديثي فإني ** باعتناء الإله بلغت قصدي )
____________________
(2/621)


( فله الحمد إن حباني بلطف ** عنده قل كل شكر وحمد )
وافتتح مخاطبته لأخيه الأكبر أبي إسحاق إبراهيم بقصيدة أولها
( ذكر اللوى شوقا إلى أقماره ** فقضى أسى أو كاد من تذكاره )
( وعلا زفير حريق نار ضلوعه ** فرمى على وجناته بشراره )
( لو كنت تبصر خطه في خده ** لقرأت سر الوجد من أسطاره )
( يا عاذليه أقصروا فلشد ما ** أفضى عتابكم إلى إضراره )
( إن لم تعينوه على برحائه ** لا تنكروا بالله خلع عذاره )
( ما كان أكتمه لأسرار الهوى ** لو أن جند الصبر من أنصاره )
( ما ذنبه والبين قطع قلبه ** أسفا وأذكى النار في أعشاره )
( بخل اللوى بالساكنيه وطيفهم ** وحديثه ونسيمه ومزاره )
( يا برق خذ دمعي وعرج باللوى ** فاسفحه في باناته وعراره )
( وإذا لقيت بها الذي بإخائه ** ألقى خطوب الدهر أو بجواره )
( فاقر السلام عليه قدر محبتي ** فيه وترفيعي إلى مقداره )
( والمم بسائر إخوتي وقرابتي ** من لم أكن لجوارهم بالكاره )
( ما منهم إلا أخ أو سيد ** أبدا أرى دأبي على إكباره )
( فابثث لذاك الحي أن أخاهم ** في حفظ عهدهم على استبصاره )
وقال رحمه الله تعالى في غرض كلفه سلطانه القول فيه
( ألا واصل مواصلة العقار ** ودع عنك التخلق بالوقار )
____________________
(2/622)


( وقم واخلع عذارك في غزال ** يحق لمثله خلع العذار )
( قضيب مائس من فوق دعص ** تعمم بالدجى فوق النهار )
( ولاح بخده ألف ولام ** فصار معرفا بين الدراري )
( رماني قاسم والسين صاد ** بأشفار تنوب عن الشفار )
( وقد قسمت محاسن وجنتيه ** على ضدين من ماء ونار )
( فذاك الماء من دمعي عليه ** وتلك النار من فرط استعاري )
( عجبت له أقام بربع قلبي ** على ما شب فيه من الأوار )
( ألفت الحب حتى صار طبعا ** فما أحتاج فيه إلى ادكار )
( فما لي عن مذاهبه ذهاب ** وهذا فيه أشعاري شعاري )
وقال العلامة ابن رشيد في ملء العيبة لما قدمنا المدينة سنة 684 كان معي رفيقي الوزير أبو عبد الله بن أبي القاسم بن الحكيم وكان أرمد فلما دخلنا ذا الحليفة أو نحوها نزلنا عن الأكوار وقوي الشوق لقرب المزار فنزل وبادر إلى المشي على قدميه احتسابا لتلك الآثار وإعظاما لمن حل تلك الديار فأحس بالشفاء فأنشد لنفسه في وصف الحال قوله
( ولما رأينا من ربوع حبيبنا ** بيثرب أعلاما أثرن لنا الحبا )
( وبالترب منها إذ كحلنا جفوننا ** شفينا فلا بأسا نخاف ولا كربا )
( وحين تبدى للعيون جمالها ** ومن بعدها عنا أديلت لنا قربا )
( نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ** لمن حل فيها أن نلم به ركبا )
( نسح سجال الدمع في عرصاتها ** ونلثم من حب لواطئه التربا )
( وإن بقائي دونه لخسارة ** ولو أن كفي تملأ الشرق والغربا )
( فيا عجبا ممن يحب بزعمه ** يقيم مع الدعوى ويستعمل الكتبا )
____________________
(2/623)


( وزلات مثلي لا تعدد كثرة ** وبعدي عن المختار أعظمها ذنبا )
انتهى وخط الوزير ابن الحكيم في غاية الحسن وقد رأيته مرارا وملكت بعض كتبه ونثره - رحمه الله تعالى - أعلى من شعره كما نبه عليه لسان الدين في الإحاطة
ومن نثره في رسالة طويلة كتبها عن سلطانه ما صورته وقد تقرر عند الخاص والعام من أهل الإسلام واشتهر في آفاق الأقطار اشتهار الصباح في سواد الظلام أنا لم نزل نبذل جهدنا في أن تكون كلمة الله هي العليا ونسمح في ذلك بالنفوس والأموال رجاء ثواب الله لا لعرض الدنيا
وأنا ما قصرنا في الاستنفار والاستنصار ولا أقصرنا عن الاعتضاد بكل من أملنا معاملته والاستظهار ولا اكتفينا بمطولات الرسائل وبنات الأفكار حتى اقتحمنا بنفسنا لجج البحار فسمحنا بالطارف من أموالنا والتلاد وأعطينا رجاء نصرة الإسلام موفور الأموال والبلاد واشترينا بما أنعم الله به علينا ما فرض الله على كافة أهل الإسلام من الجهاد فلم يكن بين تلبية المدعو وزهده ولا بين قبوله ورده إلا كما يحسو الطائر ماء الثماد ويأبى الله أن يكل نصرة الإسلام بهذه الجزيرة إلى سواه ولا يجعل فيها شيئا إلا لمن أخلص لوجهه الكريم علانيته ونجواه ولما أسلم الإسلام بهذه الجزيرة الغريبة إلى مناويه وبقي المسلمون يتوقعون حادثا ساءت ظنونهم لمباديه ألقينا
____________________
(2/624)

إلى الثقة بالله تعالى يد الاستسلام وشمرنا عن ساعد الجد في جهاد عبدة الأصنام وأخذنا بمقتضى قوله تعالى { وأنفقوا في سبيل الله } [ البقرة 195 ] أخذ الاعتزام فأمدنا الله تعالى في ذلك بتوالي البشائر ونصرنا بألطاف أغنى فيها خلوص الضمائر عن قود العساكر ونفلنا على أيدي قوادنا ورجالنا من السبابا والغنائم ما غدا ذكره في الآفاق كالمثل السائر { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } [ إبراهيم 34 ] وكيف يحصيها المحصي أو يحصرها الحاصر وحين أبدت لنا العناية الربانية وجوه الفتح سافرة المحيا وانتشقنا نسائم النصر الممنوح عبقة الريا استخرنا الله تعالى في الغزو بنفسنا ونعم المستخار وكتبنا بما قد علمتم إلى ما قرب من أعمالنا بالحض على الجهاد والاستنفار وحين وافى من خف للجهاد من الأجناد والمطوعين وغدوا بحكم رغبتهم في الثواب على طاعة الله مجتمعين خرجنا بهم ونصر الله تعالى أهدى دليل وعناية الله تعالى بهذه الفئة المفردة من المسلمين تقضي بتقريب البعيد من آمالنا وتكثير القليل ونحن نسأل الله تعالى أن يحملنا على جادة الرضى والقبول وأن يرشدنا إلى طريق تفضي إلى بلوغ الأمنية والمأمول
وهذه رسالة طويلة سقنا بعضها كالعنوان لسائرها
ونال ابن الحكيم - رحمه الله تعالى - من الرياسة والتحكم في الدولة ما صار كالمثل السائر وخدمته العلماء الأكابر كابن خميس وغيره وأفاض عليهم سجال خيره ثم ردت الأيام منه ما وهبت وانقضت أيامه كأن لم تكن وذهبت وقتل يوم خلع سلطانه ومثل به سنة 708 رحمه الله تعالى
____________________
(2/625)

وانتهب من أمواله وكتبه وتحفه ما لا يعلم قدره إلا الله تعالى أثابه الله تعالى بهذه الشهادة بجاه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وعظم
245 - ومن المرتحلين من الأندلس إلى المشرق الحافظ نجيب الدين أبو محمد عبد العزيز بن الأمير القائد أبي علي الحسن بن عبد العزيز بن هلال اللخمي الأندلسي ولد سنة 577 تقريبا ورحل فسمع بمكة من زاهر بن رستم وببغداد من أبي بكر أحمد بن سكينة وابن طبرزد وطائفة وبواسط من أبي الفتح بن المنداني وبأصبهان من عين الشمس الثقفية وجماعة وبخراسان من المؤيد الطوسي وأبي روح وأصحاب الفراوي وهذه الطبقة وخطه مليح مغربي في غاية الدقة وكان كثير الأسفار دينا متصوفا كبير القدر قال الضياء في حقه رفيقنا وصديقنا توفي بالبصرة عاشر رمضان سنة 617 ودفن إلى جانب قبر سهل التستري رضي الله تعالى عنه وما رأينا من أهل المغرب مثله وقال ابن نقطة كان ثقة فاضلا صاحب حديث وسنة كريم الأخلاق وقال مفضل القرشي كان كثير المروءة غزير الإنسانية وقال ابن الحاجب كان كيس الأخلاق محبوب الصورة لين الكلام كريم النفس حلو الشمائل محسنا إلى أهل العلم بماله وجاهه وقيل إنه أوصى بكتبه للشرف المرسي رحمه الله تعالى
246 - ومنهم محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد أبو بكر بن العربي الإشبيلي حفيد القاضي الحافظ الكبير أبو بكر بن العربي قرأ لنافع على قاسم بن محمد الزقاق صاحب شريح وحج فسمع من السلفي وغيره ثم رحل بعد نيف وعشرين سنة إلى الشام والعراق وأخذ عن عبد الوهاب بن سكينة وطبقته ورجع فأخذوا عنه بقرطبة وإشبيلية ثم سافر سنة 612 وتصوف
____________________
(2/626)

وتعبد وتوفي بالإسكندرية سنة 617 قاله الذهبي في تاريخه الكبير
247 - ومن المرتحلين من الأندلس يحيى بن عبد العزيز المعروف بابن الخراز أبو زكريا القرطبي سمع من العتبي وعبد الله بن خالد ونظرائهما من رجال الأندلس ورحل فسمع بمصر من المزني والربيع بن سليمان المؤذن ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم ويونس بن عبد الأعلى ومحمد بن عبد الله بن ميمون وعبد الغني بن أبي عقيل وغيرهم وسمع بمكة من علي بن عبد العزيز وكانت رحلته ورحلة سعيد بن عثمان الأعناقي وسعيد بن حميد وابن أبي تمام واحدة وسمع الناس من يحيى المذكور مختصر المزني ورسالة الشافعي وغير ذلك من علم محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وكان يميل في فقهه إلى مذهب الشافعي وكان مشاورا مع عبيد الله بن يحيى وأضرابه وحدث عنه من أهل الأندلس محمد بن قاسم وابن بشر وابن عبادة وغير واحد ولم يسمع منه ابنه محمد لصغره وتوفي سنة 295 رحمه الله تعالى ورضي عنه
248 - ومنهم الشيخ الإمام العالم العامل الكامل الزاهد الورع العلامة جمال الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله البكري الشريشي المالكي كان من أكابر الصالحين المتورعين ومولده سنة 601 بشريش وتوفي برباط الملك الناصر بسفح قاسيون سنة 685 في 24 رجب ودفن قبالة الرباط وله المصنفات المفيدة تولى مشيخة الصخرة بحرم القدس الشريف وقدم دمشق وتولى مشيخة الرباط الناصري فلما توفي قاضي القضاة جمال الدين المالكي ولوه مشيخة المالكية بدمشق وعرضوا عليه القضاء فلم يقبل وبقي في المشيخة إلى أن توفي رحمه الله تعالى ونفعنا به وبأمثاله آمين
____________________
(2/627)


249 - ومن الراحلين من الأندلس الفقيه الصالح أبو بكر بن محمد بن علي بن ياسر الجياني المحدث الشهير
ذكره ابن السمعاني وغيره سافر الكثير وورد العراق وطاف في بلاد خراسان سكن بلخ وأكثر من الحديث وحصل الأصول ونسخ بخطه ما لا يدخل تحت حصر قال ابن السمعاني وله أنس ومعرفة بالحديث لقيته بسمرقند وكان قدمها سنة 549 مع جماعة من أهل الحجاز لدين له عليهم وسمعت منه جزءا خرجه من حديث يزيد بن هارون مما وقع له عاليا وجزءا صغيرا من حديث أبي بكر بن أبي الدنيا وأحاديث أبي بكر الشافعي في أحد عشر جزءا المعروف بالغيلانيات بروايته عن ابن الحصين عن ابن غيلان وكان مولده بجيان سنة 493 [ أو في التي بعدها الشك منه ثم لقيته بنسف في أواخر سنة خمسين ] ولم أسمع منه شيئا ثم قدم علينا في بخارى في أوائل سنة إحدى وخمسين وسمعت من لفظه جميع كتاب الزهد لهناد بن السري الكوفي بروايته عن أبي القاسم سهل بن إبراهيم المسجدي عن الحاكم أبي عبد الرحمن محمد بن أحمد الشاذياخي عن الحاكم أبي الفضل محمد بن الحسين الحدادي عن حماد بن أحمد السلمي عن مصنفه وأخبرنا الجياني بسمرقند أنبأنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين الكاتب ببغداد أنبأنا أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان البزار أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي أخبرنا محمد بن مسلمة أنبأنا يزيد بن هارون أنبأنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ناداهم مناد يا أهل الجنة إن
____________________
(2/628)

لكم عند الله موعدا لم تروه قالوا وما هو ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة وينجنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه ثم تلا هذه الآية { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } [ يونس 26 ]
وقال ابن السمعاني أيضا وأخبرنا الجياني المذكور بسمرقند أنبأنا هبة الله بن محمد بن عبد الواحد ببغداد أنبأنا أبو طالب بن غيلان أنبأنا أبو بكر الشافعي أنبأنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي أنبأ محمد بن حسان أنبأنا مبارك بن سعيد قال أردت سفرا فقال لي الأعمش سل ربك أن يرزقك صحابة صالحين فإن مجاهدا حدثني قال خرجت من واسط فسألت ربي أن يرزقني صحابة ولم أشترط في دعائي فاستويت أنا وهم في السفينة فإذا هم أصحاب طنابير
وقال ابن السمعاني أيضا أخبرنا أبو بكر الجياني المغربي بسمرقند سمعت الإمام أبا طالب إبراهيم بن هبة الله ببلخ يقول قرأت على أبي يعلى محمد بن أحمد العبدي بالبصرة قال قرأت على شيخنا أبي الحسين بن يحيى في كتاب العين بإسناده إلى الخليل بن أحمد أنه أنشده قول الشاعر
( إن في بيتنا ثلاث حبالى ** فوددنا أن قد وضعن جميعا )
( زوجتي ثم هرتي ثم شاتي ** فإذا ما وضعن كن ربيعا )
( زوجتي للخبيص والهر للفار ** وشاتي إذا اشتهينا مجيعا )
قال أبو يعلى قال شيخنا ابن يحيى وذكر عن الخليل بن أحمد في العين أن المجيع أكل التمر باللبن انتهى
250 - ومنهم أبو الخطاب العلاء بن عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن حزم الأندلسي المري ذكره الحميدي في تاريخه وأثنى
____________________
(2/629)

عليه وقال كان من أهل العلم والأدب والذكاء والهمة العالية [ في طلب العلم ] وكتب بالأندلس فأكثر ورحل إلى المشرق فاحتفل في العلم والرواية والجمع وذكره الحافظ الخطيب أبو بكر [ أحمد بن علي ] بن ثابت البغدادي وقال هو من بيت جلالة وعلم ورياسة وأخرج عنه في غير موضع من مصنفاته وقدم بغداد ودمشق وحدث فيهما ثم عاد إلى المغرب فتوفي ببلده المرية سنة 454 وحدث عن أبي القاسم إبراهيم بن محمد بن زكريا الزهري ويعرف بابن الإفليلي الأندلسي النحوي وغيره وكان صدوقا ثقة رحمه الله تعالى
251 - ومنهم أبو زكريا يحيى بن قاسم بن هلال القرطبي الفقيه المالكي أحد الأئمة الزهاد كان يصوم حتى يخضر توفي سنة 272 وقيل سنة 278 ورحل إلى المشرق وسمع من عبد الله بن نافع صاحب مالك بن أنس ومن سحنون بن سعيد وغيرهما وكان فاضلا فقيها عابدا عالما بالمسائل وروى عنه أحمد بن خالد وكان يفضله ويصفه بالفضل والعلم وهو صاحب الشجرة قال عباس بن أصبغ كانت في داره شجرة تسجد لسجوده إذا سجد قاله ابن الفرضي رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا به 252 - ومنهم أبو بكر يحيى بن مجاهد بن عوانة الفزاري الإلبيري
____________________
(2/630)

الزاهد سكن قرطبة قال ابن الفرضي كان منقطع القرين في العبادة بعيد الاسم في الزهد حج وعني بعلم القرآن والقراءات والتفسير وسمع بمصر من الأسيوطي وابن الورد وابن شعبان وغيرهم وكان له حظ من الفقه والرواية إلا أن العبادة غلبت عليه وكان العمل أملك به ولا أعلمه حدث توفي رحمه الله تعالى سنة ست وستين وثلاثمائة ودفن في مقبرة الربض وصلى عليه القاضي محمد بن إسحاق بن السليم ثم صلى عليه حيان مرة ثانية رحمه الله تعالى وأفاض علينا من أنوار عنايته آمين 253 - ومنهم أبو بكر محمد بن أحمد بن إبراهيم الصدفي الإشبيلي الأديب البارع له نظم حسن وموشحات رائقة قرأ على الأستاذ الشلوبين وغيره ومدح الملوك ورحل من الأندلس فقدم ديار مصر ومدح بها بعض من كان يوصف بالكرم فوصله بنزر يسير فكر راجعا إلى المغرب فتوفي ببرقة رحمه الله تعالى وكان من النجباء في النحو وغيره
ومن نظمه من قصيدة
( ما بي موارد أمس بل مصادره ** اللحظ أوله واللحد آخره )
( أرسلت طرفي مرتادا فطل دمي ** روض من الحسن مطلول أزاهره )
( رعيت في خصبه لحظي فأعقبني ** جدبا بجسمي ما يرويه هامره )
( وبي وإن لم أكن بالذكر أشهره ** فالوصف فيه لفقد المثل شاهره )
وهي طويلة وأثنى عليه أثير الدين أبو حيان وأورد جملة من محاسن كلامه وبدائع نظامه رحم الله تعالى الجميع
____________________
(2/631)


254 - ومنهم أبو يحيى زكريا بن خطاب الكلبي التطيلي رحل سنة 293 فسمع بمكة كتاب النسب للزبير بن بكار من الجرجاني الذي حدث به عن علي بن عبد العزيز بن الجمحي عن الزبير وروى موطأ مالك بن أنس رواية أبي مصعب أحمد بن عبد الملك الزهري عن إبراهيم بن سعيد الحذاء وسمع بها من إبراهيم بن عيسى الشيباني والقزاز في آخرين وقدم الأندلس فكان الناس يرحلون إليه إلى تطيلة للسماع منه واستقدمه المستنصر الحكم وهو ولي عهد فسمع منه أكثر مروياته وسمع منه جماعة من أهل قرطبة وكان ثقة مأمونا ولي قضاء بلده تطيلة إحدى مدائن الأندلس بعد عمر بن يوسف بن الإمام 255 - ومنهم سعد الخير بن محمد بن سعد أبو الحسن الأنصاري البلنسي المحدث رحل إلى أن دخل الصين ولذا كان يكتب البلنسي الصيني وركب البحار وقاسى المشاق وتفقه ببغداد على أبي حامد الغزالي وسمع بها أبا عبد الله النعال وطرادا وغيرهما وبأصبهان أبا سعد المطرز وسكنها وتزوج بها وولدت له فاطمة بها ثم سكن بغداد وروى عنه ابن عساكر وابن السمعاني وأبو موسى المديني وأبو اليمن الكندي وأبو الفرج بن الجوزي وابنته فاطمة بنت سعد الخير في آخرين وتأدب على أبي زكريا التبريزي وتوفي في المحرم سنة 541 رحمه الله تعالى ببغداد وصلى عليه الغزنوي والشيخ الواعظ بجامع القصر وكان وصيه وحضر جنازته قاضي القضاة الزينبي والأعيان ودفن إلى جانب عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهم أجمعين بوصية منه
____________________
(2/632)


256 - ومنهم أبو عثمان سعيد بن نصر بن عمر بن خلفون الإستجي سمع بقرطبة من قاسم بن أصبغ وابن أبي دليم وغيرهما ورحل فسمع بمكة من ابن الأعرابي وببغداد من أبي علي الصفار وجماعة وبها مات
257 - ومنهم أبو عثمان سعيد الأعناقي ويقال العناقي القرطبي كان ورعا زاهدا عالما بالحديث بصيرا بعلله سمع من محمد بن وضاح وصحبه ومن يحيى بن إبراهيم بن مزين ومحمد بن عبد السلام الخشني وغيرهم ورحل فلقي جماعة من أصحاب الحديث منهم نصر بن مرزوق كتب عنه مسند أسد بن موسى وغير ذلك من كتبه ويونس بن عبد الأعلى ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم والحارث بن مسكين في آخرين وحدث عنه أحمد بن خالد وابن أيمن ومحمد بن قاسم وابن أبي زيد في عدد كثير ومولده سنة 233 وتوفي سنة 305 بصفر
والأعناقي نسبة إلى موضع يقال له أعناق وعناق
258 - ومنهم أبو المطرف عبد الرحمن بن خلف التجيبي الإقليشي روى عن أبي عثمان سعيد بن سالم المجريطي وأبي ميمونة دراس بن إسماعيل فقيه فاس ورحل حاجا سنة 349 فسمع بمكة من أبي بكر الآجري وأبي حفص الجمحي وبمصر من أبي إسحاق بن شعبان وروى عنه كتاب الزاهي جميعه وقد قرئ عليه جميعه وحمل عنه ومولده سنة 303 رحمه الله تعالى
____________________
(2/633)


259 - ومنهم أبو الأصبع عبد العزيز بن علي المعروف بابن الطحان الإشبيلي المقريء ولد بإشبيلية سنة 498 ورحل فدخل مصر والشام وحلبا وتوفي بحلب بعد سنة 559 وله كتاب نظام الأداء في الوقف والابتداء ومقدمة في مخارج الحروف ومقدمة في أصول القراءات وكتاب الدعاء وكان من القراء المجودين الموصوفين بالإتقان ومعرفة وجوه القراءات وسمع الحديث على شريح بن محمد بن أحمد بن شريح الرعيني خطيب إشبيلية وأبي بكر يحيى بن سعادة القرطبي
وله شعر حسن منه قوله
( دع الدنيا لعاشقها ** سيصبح من رشائقها )
( وعاد النفس مصطبرا ** ونكب عن خلائقها )
( هلاك المرء أن يضحي ** مجدا في علائقها )
( وذو التقوى يذللها ** فيسلم من بوائقها )
وأخذ القراءات ببلده عن أبي العباس بن عيشون وشريح بن محمد وروى عنهما وعن أبي عبد الله بن عبد الرزاق الكلبي وروى مصنف النسائي عن أبي مروان بن مسرة وتصدى للإقراء ثم انتقل إلى فاس وحج ودخل العراق وقرأ بواسط القراءات وأقرأها أيضا ودخل الشام واشتهر ذكره وجل قدره وروى عنه أبو محمد عبد الحق الإشبيلي الحافظ وعلي بن يونس قال بعضهم سمعت غير واحد يقول ليس بالغرب أعلم بالقراءات من ابن الطحان قرأ عليه الأثير أبو الحسن محمد بن أبي العلاء وأبو طالب بن عبد السميع وغيرهما رحم الله تعالى الجميع
261 - ومنهم أبو الأصبغ عبد العزيز بن خلف المعافري قدم مصر سنة 502 وولد سنة 448 وحدث بالموطأ عن سليمان بن أبي القاسم أنبأنا أبو عمر بن عبد البر أنبأنا سعيد بن نصر عن قاسم بن أصبغ عن محمد بن وضاح عن يحيى بن يحيى عن مالك بن أنس إمام دار الهجرة رضي الله تعالى عنه
261 - ومنهم أبو محمد عبد العزيز بن عبد الله بن ثعلبة السعدي الشاطبي قدم مصر ودمشق طالب علم وسمع أبا الحسن بن أبي الحديد وأبا منصور العكبري وغيرهما وصنف غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام على حروف المعجم وسمعه عليه أبو محمد الأكفاني وتوفي بأرض حوران من أعمال دمشق في رمضان سنة 465 رحمه الله تعالى ورضي عنه
262 - ومنهم الحكيم الطبيب أبو الفضل محمد عبد المنعم الغساني الجلياني وهو عبد المنعم بن عمر بن عبد الله بن أحمد بن خضر بن مالك بن حسان ولد بقرية جليانة من أعمال غرناطة سابع المحرم سنة 531 وقدم إلى القاهرة وسار إلى دمشق فسكنها مدة ثم سافر إلى بغداد فدخلها سنة 601 ونزل بالمدرسة النظامية وكتب الناس عنه كثيرا من نظمه وكان أديبا فاضلا له شعر مليح المعاني أكثره في الحكم والإلهيات وآداب النفوس والرياضيات وكان طبيبا حاذقا وله رياضات ومعرفة بعلم الباطن وله كلام مليح على طريق القوم وكان مليح السمت حسن الأخلاق لطيفا حاضر الجواب
____________________
(2/634)

ومات بدمشق سنة 602 وكان يقال له حكيم الزمان وأراد القاضي الفاضل أن يغض منه فقال له بحضرة السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب كم بين جليانة وغرناطة فقال مثل ما بين بيسان 8 وبيت المقدس
ومن شعره قوله
( خبرت بني عصري على البسط والقبض ** وكاشفتهم كشف الطبائع بالنبض )
( فأنتج لي فيهم قياسي تخليا ** عن الكل إذ هم آفة الوقت والعرض )
( ألازم كسر البيت خلوا وإن يكن ** خروج ففردا ملصق الطرف بالأرض )
( أرى الشخص من بعد فأغضي تغافلا ** كمشدوه بال في مهمته يمضي )
( ويحسبني في غفلة وفراستي ** على الفور من لمحي بما قد نوى تقضي )
( أجانبهم سلما ليسلم جانبي ** وليس لحقد في النفوس ولا بغض )
( تخليت عن قومي ولو كان ممكني ** تخليت عن بعضي ليسلم لي بعضي )
وقال
( قالوا نراك عن الأكابر تعرض ** وسواك زوار لهم متعرض )
( قلت الزيارة للزمان إضاعة ** وإذا مضى زمن فما يتعوض )
( إن كان لي يوما إليهم حاجة ** فبقدر ما ضمن القضاء تقيض )
وقال
( حاول مفازك قبل أن يتحولا ** فالحال آخرها كحالك أولا )
( إن المني من المنية لفظه ** لتدل في أصل البناء على البلى )
وسماه بعضهم عبد المنعم وذكره العماد في الخريدة وقال هو صاحب البديع البعيد والتوشيح والترشيح والترصيع والتصريع والتجنيس والتطبيق والتوفيق والتلفيق والتقريب والتقرير والتعريف والتعريب وهو مقيم
____________________
(2/636)

بدمشق وقد أتى العسكر المنصور الناصري سنة 586 بظاهر ثغر عكا وكتب إلى السلطان صلاح الدين وقد جرح فرسه
( أيا ملكا أفنى العداة حسامه ** ومنتجعا أقنى العفاة ابتسامه )
( لقاؤك يوما في الزمان سعادة ** فكيف بثاو في حماك حمامه )
( وعبدك شاك دينه وهو شاكر ** نداك الذي يغني الغمام غمامه )
( ولي فرس أصماه سهم فرده ** أثافي ربع بالثلاث قيامه )
( تعمر فيه بالجراحة ساحة ** وعطل منه سرجه ولجامه )
( أتينا لما عودتنا من مكارم ** يلوذ بها الراجي فيشفى غرامه )
( فرحماك غوث لا يغيب نصيره ** ونعماك غيث لا يغب انسجامه )
وله رحمه الله تعالى غير هذا وترجمته واسعة
263 - ومنهم الأستاذ أبو القاسم عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب بن عبد القدوس القرطبي مؤلف المفتاح في القراءات ومقرئ أهل قرطبة رحل وقرأ القراءات على أبي علي الأهوازي وبحران على أبي القاسم الريدي وبمصر على أبي العباس بن نفيس وبمكة على أبي العباس الكازريني وسمع بدمشق من أبي الحسن بن السمسار وكان عجبا في تحرير القراءات ومعرفة فنونها وكانت الرحلة إليه في وقته ولد سنة 403 ومات في ذي القعدة سنة 461 قرأ عليه أبو القاسم خلف بن النحاس وجماعة رحمه الله تعالى
264 - ومنهم عبيد الله وقيل عبد الله بغير تصغير ابن المظفر بن عبد الله بن محمد أبو الحكم الباهلي الأندلسي ولد بالمرية سنة 486
____________________
(2/637)

وحج سنة 516 وحج أيضا سنة 518 ودخل دمشق وقرأ بصعيد مصر وبالإسكندرية ثم مضى إلى العراق وأقام ببغداد يعلم الصبيان وخدم السلطان محمود بن ملك شاه سنة 521 وأنشأ له في معسكره مارستانا ينقل على أربعين جملا فكان طبيبه ثم عاد إلى دمشق ومات بها سنة 549 ودفن بباب الفراديس وكان ذا معرفة بالأدب والطب والهندسة وله ديوان شعر سماه نهج الوضاعة لأولي الخلاعة ذكر فيه جملة شعراء كانوا بمدينة دمشق كطالب الصوري ونصر الهيتي وغيرهما كعرقلة وفيه نزهات أدبية ومفاكهات غريبة ممزوج جدها بسخفها وهزلها بظرفها ورثى فيه أنواعا من الدواب وأنواعا من الأثاث وخلقا من المغنين والأطراف وشرح هذا الديوان ابنه الحكيم الفاضل أبو المجد محمد بن أبي الحكم الملقب بأفضل الدولة وكان كثير الهزل والمداعبة دائم اللهو والمطايبة وكان إذا أتاه الغلام وما به شيء فيجس نبضه ثم يقول له تصلح لك الهريسة وكان أعور فقال فيه عرقلة
( لنا طبيب شاعر أعور ** أراحنا من طبه الله )
( ما عاد في صبحة يوم فتى ** إلا وفي باقيه رثاه )
وله أيضا يرثيه
( يا عين سحي بدمع ساكب ودم ** على الحكيم الذي يكنى أبا الحكم )
( قد كان لا رحم الرحمن شيبته ** ولا سقى قبره من صيب الديم )
( شيخا يرى الصلوات الخمس نافلة ** ويستحل دم الحجاج في الحرم )
ومن كنايات أبي الحكم المستحسنة قوله
( ألم ترني أكابد فيك وجدي ** وأحمل منك ما لا يستطاع )
____________________
(2/638)


( إذا ما أنجم الجو استقلت ** ومال الدلو وارتفع الذراع )
ومن شعره قوله
( محاسن العالم قد جمعت ** في حسنه المستكمل البارع )
( وليس لله بمستنكر ** أن يجمع العالم في الجامع )
265 - ومنهم أبو الربيع سليمان بن إبراهيم بن صافي الغرناطي القيساني وقيسانة من عمل غرناطة الفقيه المالكي ولد سنة 564 وقدم القاهرة وناب في الحسبة وله شعر حسن توفي بالقاهرة سنة 634 رحمه الله تعالى
267 - ومنهم طالوت بن عبد الجبار المعافري الأندلسي دخل مصر وحج ولقي إمامنا مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه وعاد إلى قرطبة وكان ممن خرج على الحكم بن هشام بن عبد الرحمن من أهل ربض شقندة يريد خلعه وإقامة أخيه المنذر وزحفوا إلى قصره بقرطبة فحاربهم وقتلهم وفر من بقي منهم فاستتر الفقيه طالوت عاما عند يهودي ثم ترامى على صديقه أبي البسام الكاتب ليأخذ له أمانا من الحكم فوشى به إلى الحكم وأحضره إليه فعنفه ووبخه فقال له كيف يحل لي أن أخرج إليك وقد سمعت مالك بن أنس يقول سلطان جائر مدة خير من فتنة ساعة فقال ألله تعالى لقد سمعت هذا من مالك فقال طالوت اللهم إني قد سمعته فقال انصرف إلى منزلك وأنت آمن ثم سأله أين أستتر فقال عند يهودي مدة عام ثم إني قصدت هذا الوزير فغدر بي فغضب الحكم على أبي البسام وعزله عن وزارته وكتب عهدا أن لا يخدمه أبدا فرؤي أبو البسام بعد ذلك في فاقة وذل فقيل استجيبت فيه دعوة الفقيه طالوت رحمه
____________________
(2/639)

الله تعالى
267 - ومنهم أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن محمد ضياء الدين ونظامه ابن خروف الأديب القيسي القرطبي القيذافي الشاعر قدم إلى مصر ثم سار إلى حلب ومات بها مترديا في جب حنطة سنة 602 وقيل في التي بعدها وقيل سنة خمس وستمائة وله شرح كتاب سيبويه وحمله إلى صاحب المغرب فأعطاه ألف دينار وله شرح جمل الزجاجي وكتب في الفرائض ورد على أبي زيد السهيلي وغير ذلك ومدح الأفضل ابن السلطان صلاح الدين ومدح الظاهر بن الناصر أيضا
وشعره جيد فمنه قوله في كأس
( أنا جسم للحميا ** والحميا لي روح )
( بين أهل الظرف أغدو ** كل يوم وأروح )
____________________
(2/640)

وقال في صبي حبس
( أقاضي المسلمين حكمت حكما ** غدا وجه الزمان به عبوسا )
( حبست على الدراهم ذا جمال ** ولم تسجنه إذ سلب النفوسا )
وقال
( ما أعجب النيل ما أحلى شمائله ** في ضفتيه من الأشجار أدواح )
( من جنة الخلد فياض على ترع ** تهب فيها هبوب الريح أرواح )
( ليست زيادته ماء كما زعموا ** وإنما هي أرزاق وأرباح )
والقيذافي بقاف ثم ياء آخر الحروف بعدها ذال معجمة ثم ألف وفاء وله رسالة كتب بها إلى بهاء الدين بن شداد بحلب يطلب منه فروة وهي
( بهاء الدين والدنيا ** ونور المجد والحسب )
( طلبت مخافة الأنواء ** من جدواك جلد أبي )
( وفضلك عالم أني ** خروف بارع الأدب )
( حلبت الدهر أشطره ** وفي حلب صفا حلبي )
ذو الحسب الباهر والنسب الزاهر يسحب ذيول سير السيراء ويحب النحاة من أجل الفراء ويمن على الخروف النبيه بجلد أبيه قاني الصباغ قريب عهد بالدباغ ما ضل طالب قرظه ولا ضاع بل ذاع ثناء صانعه وضاع إذا طهر إهابه يخافه البرد ويهابه أثيث خمائل الصوف يهزأ
____________________
(2/641)

بكل هوجاء عصوف ما في اللباس له ضريب إذا نزل الجليد والضريب ولا في الثياب له نظير إذا عري من ورقه الغصن النضير والمولى يبعثه فرجي النوع أرجي الضوع يكون تارة لحافا وتارة بردا وهو في الحالين يحيى حرا ويميت بردا لا كطيلسان ابن حرب ولا كجلد عمرو الممزق بالضرب إن عزاه السواد إلى حام فحام أو نماه البياض إلى سام فسام كأنه من جلد جمل الحرباء الذي يرعى القمر والنجم لا من جلد السخلة الجرباء التي ترعى الشجر والنجم لا زال مهديه سعيدا ينجز للأخيار وعدا وللأشرار وعيدا بالمنة والطول والقوة والحول
268 - ومنهم مالك بن مالك من أهل جيان رحل حاجا فأدى الفريضة وسكن حلب ولقي عبد الكريم بن عمران وأنشد له قوله
( يا رب خذ بيدي مما دفعت له ** فلست منه على ورد ولا صدر )
( الأمر ما أنت رائيه وعالمه ** وقد عتبت ولاعتب على القدر )
( من يكشف السوء إلا أنت بارئنا ** ومن يزيل بصفو حالة الكدر )
269 - ومنهم أبو علي بن خميس وهو منصور بن خميس بن محمد بن إبراهيم اللخمي من أهل المرية سمع من أبي عبد الله البوني وابن صالح وأخذ عنهما القراءات وروى أيضا عن الحافظ القاضي أبي بكر بن العربي وأبوي القاسم ابن رضا وابن ورد وأبي محمد الرشاطي وأبي الحجاج القضاعي وأبي محمد عبد الحق بن عطية وأبي عمرو الخضر بن عبد الرحمن وأبي القاسم عبد الرحمن بن محمد الخزرجي وغيرهم ورحل حاجا فنزل الإسكندرية
____________________
(2/642)

وسمع منه أبو عبد الله بن عطية الداني سنة 596 وحدث عنه بالإجازة أبو العباس العزفي وغيره 270 - ومنهم منصور بن لب بن عيسى الأنصاري من أهل المرية يكنى أبا علي أخذ القراءات ببلده عن ابن خميس المذكور قبله ورحل بعده فنزل الإسكندرية وأجازه أبو الطاهر السلفي في صغره وقد أخذ عنه فيما ذكر بعضهم ومولده سنة 571 رحمه الله تعالى
271 - ومنهم مفرج بن حماد بن الحسين بن مفرج المعافري من أهل قرطبة وهو جد ابن مفرج صاحب كتاب الاحتفال بعلم الرجال صحب المذكور محمد بن وضاح في رحلته الثانية وشاركه في كثير من رجاله وصدر عن المشرق معه فاجتهد في العبادة وانتبذ عن الناس ثم كر راجعا إلى مكة عند موت ابن وضاح فنزلها واستوطنها إلى أن مات فقبره هنالك
وقال في حقه أبو عمر عفيف إنه كان من الصالحين رحل فحج وجاور بمكة نحو عشرين سنه إلى أن مات بها رحمه الله تعالى
272 - ومنهم محب بن الحسين من أهل الثغر الشرقي كانت له رحلة حج فيها وسمع بالقيروان من أبي عبد الله بن سفيان الكتاب الهادي في القراءات من تأليفه وكان رجلا صالحا حدث عنه أبو عبد الله محمد بن عبد
____________________
(2/643)

الملك التجيبي من شيوخ أبي مروان بن الصيقل
273 - ومنهم مساعد بن أحمد بن مساعد الأصبحي من أهل أوريولة يكنى أبا عبد الرحمن ويعرف بابن زعوقة روى عن ابن أبي تليد وابن جحدر والحافظين أبي علي الصدفي وأبي بكر بن العربي وكتب إليه أبو بكر بن غالب بن عطية ورحل حاجا في سنة أربعة وتسعين وأربعمائة فأدى الفريضة سنة خمس بعدها ولقي بمكة أبا عبد الله الطبري فسمع منه صحيح مسلم مشتركا في السماع مع أبي محمد بن أبي جعفر الفقيه ولقي أبا محمد بن العرجاء وأبا بكر بن الوليد الطرطوشي وأصحاب الإمام أبي حامد الغزالي وأبا عبد الله المازري وجماعة سواهم ساوى بلقائهم مشيخته وانصرف إلى بلده فسمع منه الناس وأخذوا عنه لعلو روايته وكان من أهل المعرفة والصلاح والورع وممن حدث عنه من الجلة أبو القاسم بن بشكوال وأبو الحجاج الثغري الغرناطي وأبو محمد عبد المنعم بن الفرس وغيرهم وأغفله ابن بشكوال فلم يذكره في الصلة مع كونه روى عنه وقال تلميذه أبو الحجاج الثغري الغرناطي أخبرني أبو سليمان بن حوط الله وغيره عنه قال أخبرني الحاج أبو عبد الرحمن بن مساعد رضي الله تعالى عنه أنه لقي بالمشرق امرأة تعرف بصباح عند باب الصفا وكان يقرأ عليها بعض التفاسير فجاء بيت شعر شاهد فسألت هل له صاحب فسألوا الشيخ أبا محمد بن العرجاء فقال الشيخ لا أذكر له صاحبا فأنشدت
( طلعت شمس من أحبك ليلا ** واستضاءت فما لها من مغيب )
( إن شمس النهار تغرب بالليل ** وشمس القلوب دون غروب )
ولد في صفر سنة 468 وتوفي بأوريولة سنة 545 قاله ابن سفيان
____________________
(2/644)


274 - ومنهم أبو حبيب نصر بن القاسم
قال ابن الأبار أظنه من أهل غرناطة له رحلة حج فيها وسمع من أبي الطاهر السلفي وحدث عنه عن ابن فتح بمسند الجوهري انتهى
275 - ومنهم النعمان بن النعمان المعافري من أهل ميورقة منسوب إلى جده رحل حاجا فأدى الفريضة وجاور بمكة ثم قفل إلى بلده واعتزل الناس وكان يشار إليه بإجابة الدعوة وتوفي سنة 616 رحمه الله تعالى ونفعنا به
276 - ومنهم نعم الخلف بن عبد الله بن أبي ثور الحضرمي من أهل طرطوشة أو ناحيتها رحل إلى المشرق وأدى الفريضة ولقي بمكة أبا عبد الله الأصبهاني فسمع منه سنة 422 حدث عنه ابنه القاسم بن نعم الخلف بيسير 277 - ومنهم نابت - بالنون - ابن المفرج بن يوسف الخثعمي أصله من بلنسية وسكن مصر يكنى أبا الزهر قال السلفي قدم مصر بعد خروجي منها وتفقه على مذهب الشافعي وتأدب وقال الشعر الفائق وكتب إلي بشيء من شعره ومات في رجب سنة 545 بمصر
278 - ومنهم ضمام بن عبد الله الأندلسي رحل إلى المشرق
____________________
(2/645)

ودخل بغداد وهو ممن يروي عن عبد السلام بن مسلمة الأندلسي
وممن روى عن ضمام أبو الفرج أحمد بن القاسم الخشاب البغدادي من شيوخ الدارقطني قال ابن الأبار هكذا وقع في نسخة عتيقة من تأليف الدارقطني في الرواة عن مالك في باب مسلمة منه ضمام - بالضاد المعجمة - وهكذا ثبت في رواية أبي زكريا بن مالك بن عائذ عن الدارقطني وقال فيه غيره همام بن عبد الله - بالهاء وتشديد الميم - وفي حرف الهاء أثبته أبو الوليد بن الفرضي من تاريخه والأول عندي أصح والله تعالى أعلم انتهى
279 - ومنهم ضرغام بن عروة بن حجاج بن أبي فريعة واسمه زيد مولى عبد الرحمن بن معاوية والداخل معه إلى الأندلس من أهل لبلة له رحلة إلى المشرق وكان فقيها ذكره الرازي
280 - ومنهم عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عامر بن أبي عامر المعافري من أهل قرطبة وأصله من الجزيرة الخضراء وهو والد المنصور بن أبي عامر ويكنى أبا حفص سمع الحديث وكتبه عن محمد بن عمر بن لبابة وأحمد بن خالد ومحمد بن فطيس وغيرهم ورحل إلى المشرق فأدى الفريضة وكان من أهل الخير والدين والصلاح والزهد والقعود عن السلطان أثنى عليه الرواية أبو محمد الباجي وقال كان لي خير صديق أنتفع به وينتفع بي وأقابل معه كتبه وكتبي ومات منصرفه من حجه ودفن بمدينة طرابلس المغرب وقيل بموضع يقال له رقادة وكان رجلا عالما صالحا وقال بعضهم إنه توفي في آخر خلافة عبد الرحمن الناصر
____________________
(2/646)


281 - ومنهم أبو محمد عبد الله بن حمود الزبيدي الإشبيلي ابن عم أبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي اللغوي كان من مشاهير أصحاب أبي علي البغدادي ورحل إلى المشرق فلم يعد إلى الأندلس ولازم السيرافي في بغداد إلى أن توفي فلازم بعده صاحبه أبا علي الفارسي ببغداد والعراق وحيثما جال واتبعه إلى فارس وحكى أبو الفتوح الجرجاني أن أبا علي البغدادي غلس لصلاة الصبح في المسجد فقام إليه أبو محمد الزبيدي من مذود كان لدابته خارج الدار قد بات فيه أو أدلج إليه ليكون أول وارد عليه فارتاع منه وقال ويحك من تكون قال أنا عبد الله الأندلسي فقال له إلى كم تتبعني والله إن على وجه الأرض أنحى منك وكان من كبار النحاة وأهل المعرفة التامة والشعر وجمع شرحا لكتاب سيبويه ويقال إنه توفي ببغداد سنة 372
282 - ومنهم عبد الله بن رشيق القرطبي رحل من الأندلس فأوطن القيروان واختص بأبي عمران الفاسي وتفقه به وكان أديبا شاعرا عفيفا خيرا وفي شيخه أبي عمران أكثر شعره ورحل حاجا فأدى الفريضة وتوفي في انصرافه بمصر سنة 419 وأنشد له ابن رشيق في الأنموذج قوله رحمه الله تعالى
( خير أعمالك الرضى ** بالمقادير والقضا )
____________________
(2/647)


( بينما المرء ناضر ** قيل قد مات وانقضى )
وقوله
( سأقطع حبلي من حبالك جاهدا ** وأهجر هجرا لا يجر لنا عرضا )
( وقد يعرض الإنسان عمن يوده ** ويلقى ببشر من يسر له البغضا ) قال في الأنموذج وأراد الحج فناله وجع فمات بمصر بعد اشتهاره فيها بالعلم والجلالة وقد بلغ عمره نحو الأربعين سنة رحمه الله تعالى وهو مخالف لما قدمناه من أنه أدى الفريضة وقد ذكر ابن الأبار العبارتين والله تعالى أعلم
283 - ومنهم أبو بكر اليابري ويكنى أيضا أبا محمد وهو عبد الله بن طلحة بن محمد بن عبد الله أصله من يابرة ونزل هو إشبيلية وروى عن أبي الوليد الباجي وعن جماعة بغرب الأندلس منهم أبو بكر بن أيوب وأبو الحزم بن عليم وأبو عبد الله بن مزاحم البطليوسيون وغيرهم وكان ذا معرفة بالنحو والأصول والفقه وحفظ التفسير والقيام عليه وحلق به مدة بإشبيلية وغيرها وهو كان الغالب عليه مع القصص فيسرد منه جملا على العامة وكان متكلما وله رد على أبي محمد بن حزم وكان أحد الأئمة بجامع العدبس ورحل إلى المشرق فروى عن أبي بكر محمد بن زيدون بن علي كتابه المؤلف في الحديث المعروف بالزيدوني وألف كتابا في شرح صدر رسالة ابن أبي زيد وبين ما فيها من العقائد وله مجموعة في الأصول والفقه منها كتاب سماه المدخل إلى كتاب آخر سماه سيف الإسلام على مذهب مالك الإمام ألفه للأمير علي بن تميم بن المعز الصنهاجي صاحب المهدية وذكر
____________________
(2/648)

في فصل الحج منه أنه رحل إلى المهدية سنة 514 واستوطن مصر مدة ثم رحل إلى مكة وبها توفي رحمه الله تعالى وروى عنه أبو المظفر الشيباني وأبو محمد العثماني وأبو الحجاج يوسف بن محمد القيرواني وأبو عمرو عثمان بن فرج العبدري وأبو محمد بن صدقة المنكبي وأبو عبد الله بن يعيش البلنسي وغيرهم وكان سماع أبي الحجاج منه موطأ مالك سنة 516 رحم الله تعالى الجميع
284 - ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد بن مرزوق اليحصبي الأندلسي رحل حاجا فسمع منه بالإسكندرية أبو الطاهر السلفي كتاب طبقات الأمم لأبي القاسم صاعد بن أحمد الطليطلي وحدث به عنه عن ابن برال عن صاعد
285 - ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد الصريحي المرسي ويعرف بابن مطحنة روى عن أبي بكر بن الفرضي النحوي وتأدب به ورحل إلى المشرق ولقي أبا محمد العثماني وغيره وحج وقعد لتعليم الآداب وممن أخذ عنه أبو عبد الله محمد بن عبد السلام وأبو عبد الله المكناسي وغيرهما وأنشد رحمه الله تعالى قال أنشدني أبو محمد عبد الله بن البياسي بالإسكندرية لنفسه
( يمد الدهر من أجلي وعمري ** كما أني أمد من المداد )
( لنا خطان مختلفان جدا ** كما اختلف الموالي والمعادي )
( فأكتب بالسواد على بياض ** ويكتب بالبياض على السواد )
____________________
(2/649)


وهذا نظير قول الآخر
( ولي خط وللأيام خط ** وبينهما مخالفة المداد )
( فأكتبه سوادا في بياض ** وتكتبه بياضا في سواد )
وبعضهم ينسب الأبيات الثلاثة السابقة للسلفي الحافظ فالله تعالى أعلم 286 - ومنهم أبو محمد عبد الله بن عيسى الشلبي سمع من الصدفي وغيره وكان من أهل الحفظ للحديث ورجاله والعلم بالأصول والفروع ومسائل الخلاف وعلم العربية والهيئة مع الخير والدين والزهد وامتحن بالأمراء في قضاء بلده بعد أن تقلده نحو تسعة أعوام لإقامته الحق وإظهاره العدل حتى أدى ذلك إلى اعتقاله بقصر إشبيلية ثم سرح فرحل حاجا إلى المشرق ودخل المهدية فلقي بها المازري وأقام في صحبته نحو ثلاث سنين ثم انتقل إلى مصر وحج سنة 527 وأقام بمكة مجاورا وحج ثانية سنة 528 ولقي بمكة أبا بكر عتيق بن عبد الرحمن الأوريولي في هذه السنة فحمل عنه ودخل العراق وخراسان وأقام بها أعواما وطار ذكره في هذه البلاد وعظم شأنه في العلم والدين وكان من بيت شرف وجاه في بلده عريض مع سعة الحال والمال وتوفي بهراة سنة 551 وقيل إن وفاته سنة 548 وذكره العماد في الخريدة والسمعاني في الذيل وأنشد له
( تلونت الأيام لي بصروفها ** فكنت على لون من الصبر واحد )
( فإن أقبلت أدبرت عنها وإن نأت ** فأهون بمفقود لأكرم فاقد )
وولد سنة 484 بشلب رحمه الله تعالى
287 - ومنهم أبو محمد عبد الله بن موسى الأزدي المرسي ويعرف
____________________
(2/650)

بابن برطلة سمع من صهره القاضي الشهيد أبي علي الصدفي ورحل حاجا سنة 510 فأدى الفريضة وسمع من الطرطوشي والأنماطي والسلفي وغيرهم وانصرف إلى مرسية بلده وكان حسن السمت خاشعا مخبتا خيرا متواضعا نبيها نزها سالم الباطن وحكى عن شيخه أبي عبد الله الرازي عن أبيه أنه أخبره أن قاضي البرلس وكان رجلا صالحا خرج ذات ليلة إلى النيل فتوضأ وأسبغ وضوءه ثم قام فقرن قدميه وصلى ما شاء الله تعالى أن يصلي فسمع قائلا يقول
( لولا أناس لهم سرد يصومونا ** وآخرون لهم ورد يقومونا )
( لزلزلت أرضكم من تحتكم سحرا ** لأنكم قوم سوء لا تبالونا )
قال فتجوزت في صلاتي وأدرت طرفي فما رأيت شخصا ولا سمعت حسا فعلمت أن ذلك زاجر من الله تعالى
وقال ابن برطل رحمه الله تعالى أنشدني أبو عامر قال دخلت بعض مراسي الثغر فوجدت في حجر منقوش هذه الأبيات
( نزلت ولي أمل عودة ** ولكنني لست أدري متى )
( ودافعني قدر لم أطق ** دفاعا لمكروهه إذ أتى )
( ومن أمره في يدي غيره ** سيغلب إن لان أو إن عتا )
( فيا نازلا بعدنا ههنا ** نحييك إن كنت نعم الفتى )
فسألت عن منشدها فقيل لي هو أبو بكر بن أبي درهم الوشقي وكان قد حج وأراد العودة فقال هذه الأبيات ورواها بعضهم رحلت مكان نزلت وهو أصوب وأبدل قوله يا نازلا بيا ساكنا والخطب سهل
____________________
(2/651)

فيه وبعض يقول إن الأبيات وجدت بجامع مصر والله تعالى أعلم
289 - ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد بن خلف بن سعادة الداني الأصبحي لازم ابن سعد الخير واحتذى أول أمره مثال خطه فقاربه وسمع منه ثم رحل إلى المشرق فسمع بالإسكندرية من أبي الطاهر بن عوف والسلفي وغير واحد قال التجيبي كان معنا بالإسكندرية بالعادلية منها وبقراءته سمعنا صحيح البخاري على السلفي سنة 573 قال وأنشدنا لشيخه الأستاذ أبي الحسن علي بن إبراهيم بن سعد الخير البلنسي
( يا لاحظا تمثال نعل نبيه ** قبل مثال النعل لا متكبرا )
( والثم له فلطالما عكفت به ** قدم النبي مروحا ومبكرا )
( أولا ترى أن المحب مقبل ** طللا وإن لم يلف فيه مخبرا )
وقد سبق ابن سعادة أبو عبد الله وهو غير هذا والله تعالى أعلم
289 - ومنهم أبو محمد عبد الله بن يوسف القضاعي المري سمع من أبي جعفر بن غزلون صاحب الباجي وغير واحد ورحل إلى المشرق فسمع بالإسكندرية من السلفي والرازي وتجول هنالك وأخذ عنه أبو الحسن بن المفضل المقدسي وغير واحد وقال ابن المفضل أنشدني المذكور قال أنشدني أبو محمد بن صارة
( وكوكب أبصر العفريت مسترقا ** للسمع فانقض يدني خلفه لهبه )
____________________
(2/652)


( كفارس حل إعصار عمامته ** فجرها كلها من خلفه عذبه )
290 شهاب الدين بن أحمد بن عبد الله ابن مهاجر الوادي آشي الحنفي 291 - ومنهم شهاب الدين أحمد بن عبد الله بن مهاجر الوادي آشي الحنفي سكن طرابلس الشام ثم انتقل إلى حلب وأقام بها وصار من العدول المبرزين في العدالة بحلب يعرف النحو والعروض ويشتغل فيهما وله انتماء إلى قاضي القضاة الناصر بن العديم قال الصفدي رأيته بحلب أيام مقامي بها سنة 723 فرأيته حسن التودد وأنشدني لنفسه من لفظه
( ما لاح في درع يصول بسيفه ** والوجه منه يضيء تحت المغفر )
( إلا حسبت البحر مد بجدول ** والشمس تحت سحائب من عنبر )
قال الصفدي جمع هذا المقطوع بين قول ابن عباد
( ولما اقتحمت الوغى دارعا ** وقنعت وجهك بالمغفر )
( حسبنا محياك شمس الضحى ** عليها سحاب من العنبر )
وبين قول أبي بكر الرصافي
( لو كنت شاهده وقد غشي الوغى ** يختال في درع الحديد المسبل )
( لرأيت منه والقضيب بكفه ** بحرا يريق دم الكماة بجدول )
وقال يمدح الشيخ كمال الدين محمد بن الزملكاني وقد توجه إلى حلب قاضي القضاة
____________________
(2/653)


( يمن ترنم فوق الأيك طائره ** وطائر عمت الدنيا بشائره )
( وسؤدد أصبح الإقبال ممتثلا ** في أمره ما أخوه العز آمره )
( ومنها
( من مخبر عني الشهباء أن كمال ** الدين قد شيدت فيه مقاصره )
( وأن تقليده الزاهي وخلعته التي ** تطرز عطفيها مآثره )
( بالنفس أفديك من تقليد مجتهد ** سواه يوجد في الدنيا مناظره )
( أنشدت حين أدار البشر كأس طلى ** حكت أوائله صفوا أواخره )
( وقد بدت في بياض الطرس أسطره ** سودا لتبدي ما أهدت محابره )
( ساق تكون من صبح ومن غسق ** فابيض خداه واسودت غدائره )
( وخلعة قلت إذ لاحت لتزرينا ** بالروض تطفو على نهر أزاهره )
( وقد رآها عدو كان يضمر لي ** من قبل سوءا فخانته ضمائره )
( ورام صبرا فأعيته مطالبه ** وغيض الدمع فانهلت بوادره )
( بعودة الدولة الغراء ثالثة ** أمنت منك ونام الليل ساهره )
وقال أيضا
( تسعر في الوغى نيران حرب ** بأيديهم مهندة ذكور )
( ومن عجب لظى قد سعرتها ** جداول قد أقلتها بدور )
وقال ملغزا في قالب لبن
( ما آكل في فمين ** يغوط من مخرجين )
( مغرى بقبض وبسط ** وما له من يدين )
( ويقطع الأرض سعيا ** من غير ما قدمين )
____________________
(2/654)


وخمس لامية العجم مدحا في رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الصفدي ولما كنت في حلب كتب إلى أبياتا انتهى
291 - ومنهم أبو جعفر أحمد بن صابر القيسي قال أبو حيان كان المذكور رفيقا للأستاذ أبي جعفر بن الزبير شيخنا وكان كاتبا مترسلا شاعرا حسن الخط على مذهب أهل الظاهر وكان كاتب أبي سعيد فرج بن السلطان الغالب بالله بن الأحمر ملك الأندلس وسبب خروجه من الأندلس أنه كان يرفع يديه في الصلاة على ما صح في الحديث فبلغ ذلك السلطان أبا عبد الله فتوعده بقطع يديه فضج من ذلك وقال إن إقليما تمات فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتوعد بقطع اليد من يقيمها لجدير أن يرحل منه فخرج وقدم ديار مصر وسمع بها الحديث وكان فاضلا نبيلا ومن شعره أتنكر أن يبيض رأسي لحادث ** من الدهر لا يقوى له الجبل الراسي )
( وكان شعارا في الهوى قد لبسته ** فرأسي أمي وقلبي عباسي )
قلت لو قال شيبي لكان الغاية
وأنشد له بعضهم
( فلا تعجبا ممن عوى خلف ذي علا ** لكل علي في الأنام معاويه ) قلت لا يخفى ما فيه من عدم سلوك الأدب مع الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين ويرحم الله بعض الأندلسيين حيث قال في رجز كبير
( ومن يكن يقدح في معاويه ** فذاك كلب من كلاب عاويه )
____________________
(2/655)


وأنشد أبو حيان للمذكور
( أرى الدهر ساد به الأرذلون ** كالسيل يطفو عليه الغثا )
( ومات الكرام وفات المديح ** فلم يبق للقول إلا الرثا )
وأنشد له أيضا
( لولا ثلاث هن والله من ** أكبر آمالي في الدنيا )
( حج لبيت الله أرجو به ** أن يقبل النية والسعيا )
( والعلم تحصيلا ونشرا إذا ** رويت أوسعت الورى ريا )
( وأهل ود أسأل الله أن ** يمتع بالبقيا إلى اللقيا )
( ما كنت أخشى الموت أنى أتى ** بل لم أكن ألتذ بالمحيا )
وقال أبو حيان في هذه المادة
( أما إنه لولا ثلاث أحبها ** تمنيت أني لا أعد من الأحيا )
( فمنها رجائي أن أفوز بتوبة ** تكفر لي ذنبا وتنجح لي سعيا )
( ومنهن صوني النفس عن كل جاهل ** لئيم فلا أمشي إلى بابه مشيا )
( ومنهن أخذي بالحديث إذا الورى ** نسوا سنة المختار واتبعوا الرأيا )
( أتترك نصا للرسول وتقتدي ** بشخص لقد بدلت بالرشد 7 الغيا )
292 - ومنهم الأستاذ أبو القاسم ابن الإمام القاضي أبي الوليد الباجي سكن سرقسطة وغيرها وروى عن أبيه معظم علمه وخلفه بعد وفاته في حلقته وغلب عليه علم الأصول والنظر وله تآليف تدل على حذقه منها العقيدة في المذاهب السديدة ورسالة الاستعداد للخلاص من المعاد
____________________
(2/656)

وكان غاية في الورع توفي بجدة بعد منصرفه من الحج سنة 493 رحمه الله تعالى 294 - ومنهم الإمام الفاضل الأديب أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الساحلي الغرناطي قال العز بن جماعة قدم علينا من المغرب سنة 724 ثم رجع إلى المغرب في هذه السنة وبلغنا أنه توفي بمراكش سنة نيف وأربعين وسبعمائة وأنشد والدي قصيدة من نظمه امتدحه بها وأنا أسمع ومن خطه نقلت وهي
( قفا موردا عينا جرت بعدكم دما ** أناضي أسفار طوين على ظما )
( غدون أهلات تناقل أنجما ** ورحن حنيات تفوق أسهما )
( يجشمها الحادي الأمرين حسرا ** ويوطئها الحادي الأحرين هيما )
( على منسميها للشقائق منبت ** وفي فمويها للشقاشق مرتمى )
إلى أن قال
( وتعسا لآمال جهام سحابها ** تزجى ركاما ما استهل ولا همى ) تجاذبها نفس تجيش نفيسة ** ومن لم يجد إلا صعيدا تيمما )
( فهل ذمم يرعاه ليل طويته ** طواني سرا بين جنبيه منهما )
( أقبل منه للبروق مباسما ** وأرشف من بهماء ظلمائه لمى )
( إلى أن تجلى من كنانة بدرها ** فعرس ركبي في حماه وخيما )
____________________
(2/657)


( ثمال اليتامى حيث ليس مظلل ** وكهف الأيامى أيما عز مرتمى )
ومنها
( فيا كفه هل أنت أم غيث ديمة ** أسالت عبابا في ثرى الجود عيلما )
( ويا سعيه يهنيك أجر ثنى به ** على معطفي علياه بردا مسهما )
( قضى بمنى أوطار نفس كريمة ** وروى صداها حين حل بزمزما )
( وناداه داعي الحق حي على الهدى ** فأسرج طوعا في رضاه وألجما )
( فلله ما أهدى وأرشد واهتدى ** ولله ما أعطى وأوفى وأنعما )
ومنها
( أمت بآداب وعلم كليهما ** أقاما لديك الدعي فرضا وألزما )
وهي طويلة
294 - ومن الراحلين من الأندلس الوليد بن هشام من ولد المغيرة بن عبد الرحمن الداخل فيما حكى بعض المؤرخين خرج من الأندلس على طريقة الفقر والتجرد ووصل برقة بركوة لا يملك سواها فعرف بأبي ركوة وأظهر الزهد والعبادة واشتغل بتعليم الصبيان وتلقينهم القرآن وتغيير المنكر حتى خدع البربر بقوله وفعله وزعم أن مسلمة بن عبد الملك بشر بخلافته بما كان عنده من علم الحدثان وكان يقال عن مسلمة إنه أخذ علم الحدثان عن خالد بن يزيد بن معاوية وأخرج لهم أرجوزة أسندها إلى مسلمة ومنها في وصفه
( وابن هشام قائم في برقه ** به ينال عبد شمس حقه )
____________________
(2/658)


( يكون في بربرها قيامه ** وقرة العرب لها إكرامه )
واتفق أن قرة انحرفوا عن الحاكم فمالوا إليه وحصروا معه مدينة برقة حتى فتحوها وخطبوا له فيها بالخلافة وكان قيامه في رجب سنة 397 فهزم عسكر باديس الصنهاجي صاحب إفريقية وعسكر الحاكم بمصر وأحيا أمره وخاطبه بطانة الحاكم لكثرة خوفهم من سفك الحاكم الدماء ورغبوه في الوصول إلى أوسيم وهو مكان بالجيزة قبالة القاهرة فلما وصل إليها قام بمحاربته الفضل بن صالح القيام المشهور إلى أن هزم أبا ركوة ثم جاء به إلى القاهرة فأمر الحاكم أن يطاف به على جمل ثم قتل صبرا في 13 رجب سنة 399 ولما حصل في يد الحاكم كتب إليه
( فررت ولم يغن الفرار ومن يكن ** مع الله لم يعجزه في الأرض هارب )
( ووالله ما كان الفرار لحاجة ** سوى فزعي الموت الذي أنا شارب )
( وقد قادني جرمي إليك برمتي كما اجتر ميتا في رحى الحرب سالب )
( وأجمع كل الناس أنك قاتلي ** فيا رب ظن ربه فيه كاذب )
( وما هو إلا الانتقام وينتهي ** وأخذك منه واجبا وهو واجب )
ولأبي ركوة المذكور أشعار كثيرة منها قوله
( بالسيف يقرب كل أمر ينزح ** فاطلب به إن كنت ممن يفلح )
وله
( على المرء أن يسعى لما فيه نفعه ** وليس عليه أن يساعده الدهر ) وقوله
( إن لم أجلها في ديار العدا ** تملأ وعر الأرض والسهلا )
( فلا سمعت الحمد من قاصد ** يوما ولا قلت له أهلا )
____________________
(2/659)

وله غير ذلك مما يطول وخبره مشهور
295 ومنهم أبو زكريا الطليطلي يحيى بن سليمان قدم إلى الإسكندرية ثم رحل إلى الشام واستوطن حلب وله ديوان شعر أكثر فيه من المديح والهجاء قال بعض من طالعه ما رأيته مدح أحدا إلا وهجاه وله مصنفات في الأدب ومن نظمه قوله
( أرض سقت غيطانها أعطانها ** وزهت على كثبانها قضبانها ) ومنها
( فتكت بألباب الكماة فسيفها ** من طرفها وسنانها وسنانها )
( لم يبق شخص بالبسيطة سالما ** إلا سبى إنسانه إنسانها ) ومنها
( وتصاحبت وتجاوبت أطيارها ** وتداولت وتناولت ألحانها )
( وتنسمت وتبسمت أيامها ** وتهللت وتكللت أزمانها )
( بمديرها ومنيرها ونميرها ** ومعيرها حسنا جلاه عيانها )
296 ومنهم أبو بكر يحيى بن عبد الله بن محمد القرطبي المعروف بالمغيلي سمع من محمد بن عبد الملك بن أيمن وقاسم بن أصبغ وغيرهما ورحل فسمع من أبي سعيد بن الأعرابي وكان بصيرا بالعربية والشعر ومؤلفا جيد النظر حسن الاستنباط حدث وتوفي فجأة في شهر ربيع الأول سنة 362 قاله ابن الفرضي
____________________
(2/660)


297 - ومنهم الإمام المحدث أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن سلمة الأنصاري الغرناطي قدم المشرق وتوفي بمصر سنة 703 عن نحو خمسين سنة بالبيمارستان المنصوري قال قاضي القضاة عبد العزيز بن جماعة الكناني في كتابه نزهة الألباب أنشدنا المذكور لنفسه بالقاهرة بعد قدومه من مكة والمدينة وقد رام أن يعود إليهما فلم يتيسر له
( لئن بعدت عني ديار الذي أهوى ** فقلبي على طول التباعد لا يقوى )
( فحدث رعاك الله عن عرب رامة ** فإني لهم عبد على السر والنجوى )
( فإن مت شوقا في الهوى وصبابة ** فيا شرفي إن مت في حب من أهوى )
( فيا أيها العذال كفوا ملامكم ** فما عندكم بعض الذي بي من الشكوى )
( ويا جيرة الحي الذي ولهي بهم ** أما ترحموا صبا يحن إلى حزوى )
( ويا أهل ذياك الحمى وحياتكم ** يمين وفي صادق القول والدعوى )
( ملكتم قيادي فارحموا وترفقوا ** فأنتم مرادي لا سعاد ولا علوى )
( فما لي سواكم سادتي لا عدمتكم ** فجودوا بوصل أنتم الغاية القصوى )
انتهى
298 - ومنهم الفاضل الأديب أبو عبد الله محمد بن علي بن يحيى بن علي الغرناطي قال ابن جماعة في الكتاب المسمى قريبا أنشدني المذكور لنفسه على قبر سيدنا حمزة رضي الله تعالى عنه
( يا سيد الشهداء بعد محمد ** ورضيع ذي المجد المرفع أحمد )
( يا ابن الأعزة من خلاصة هاشم ** سرج المعالي والكرام المجد )
( يا أيها البطل الشجاع المحتمي ** دين الإله ببأسه المستأسد **
( يا نبعة الشرف الأصيل المعتلي ** يا ذروة الحسب الأثيل الأتلد )
____________________
(2/661)


( يا نجدة الملهوف في قحم الوغى ** عند التهاب جحيمها المتوقد )
( يا غيث ذي الأمل البعيد مرامه ** يا غوث موتور الزمان الأنكد )
( يا من لعظم مصابه خص الأسى ** قلب الرسول وعم كل موحد )
( يا حمزة الخير المؤمل نفعه ** يوم الهياج وعند فقد المنجد )
( وافاك يا أسد الإله وسيفه ** وفد ألموا من حماك بمعهد )
( جئناك يا عم الرسول وصنوه ** قصد الزيارة فاحتفل بالقصد )
( واسأل إلهك في اغتفار ذنوبنا ** شيم المزور قيامه بالعود )
( لذنا بجانبك الكريم توسلا ** وكذا العبيد ملاذهم بالسيد )
( فاشفع لضيفك فالكريم مشفع ** عند الكريم ومن يشفع يقصد )
( يا ابن الكرام المكرمين نزيلهم ** أهل المكارم والعلا والسؤدد )
( نزل الضيوف جناب ساحتك التي ** منها يؤمل كل عطف مسعد )
( فاجعل أبا يعلى قرانا عطفة ** وارغب لربك في هدانا واقصد )
( فعسى يمن على الجميع بتوبة ** يهدي بها نهج الطريق الأرشد )
( فقد اعتمدنا منك خير وسيلة ** نرجو بها حسن التجاوز في غد )
( لم لا تؤم وأنت عم محمد ** ولدينه قد صلت صولة أيد )
( وصحبته ونصرته وعضدته ** وذببت عنه باللسان وباليد )
( وبذلت نفسك في رضاه بجنة ** فقبلت في ذات الإله الأوحد )
( فجزاك عنا الله خير جزائه ** وسقا ثراك حيا الغمام المرعد )
( وعلى رسول الله منه سلامة ** وعليك متصل الرضى المتجدد
ولد ببعض أعمال غرناطة قبل التسعين وستمائة وتوفي بالمدينة الشريفة طابة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام سنة 715 ودفن بالبقيع رحمه الله تعالى انتهى
299 - ومنهم الشيخ نور الدين أبو الحسن المايرقي من أقارب بعض
____________________
(2/662)

ملوك المغرب وكان من الفضلاء العلماء الأدباء وله مشاركة جيدة في العلوم ونظم حسن ومنه قوله
( القضب راقصة والطير صادحة ** والنشر مرتفع والماء منحدر )
( وقد تجلت من اللذات أوجهها ** لكنها بظلال الدوح تستتر )
( فكل واد به موسى يفجره ** وكل روض على حافاته الخضر )
وقوله
( وذي هيف راق العيون انثناؤه ** بقد كريان من البان مورق )
( كتبت إليه هل تجود بزورة ** فوقع لا خوف الرقيب المصدق )
( فأيقنت من لا بالعناق تفاؤلا ** كما اعتنقت لا ثم لم تتفرق )
وهذا أحسن من قول ذي القرنين بن حمدان
( إني لأحسد لا في أحرف الصحف ** إذا رأيت اعتناق اللام للألف )
( وما أظنهما طال اجتماعهما ** إلا لما لقيا من لوعة الأسف )
وأحسن من هذا قول القيسراني
( أستشعر اليأس في لا ثم يطمعني ** إشارة في اعتناق اللام للألف )
وكانت وفاة أبي الحسن المذكور في ربيع الأول سنة 655 ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى والأبيات التي أولها القضب راقصة الخ نسبها له اليونيني وغير واحد والصواب أنها ليست له وإنما هي لنور الدين ابن سعيد صاحب المغرب وقد تقدم ذكره ولعل السهو سرى من تشارك الاسم واللقب والقطر ومثل هذا كثيرا ما يقع والله تعالى أعلم
300 - ومن الراحلين من أهل الأندلس إلى المشرق ابن عتبة الإشبيلي
____________________
(2/663)

وكان فارق إشبيلية حين تولاها ابن هود واضطرمت بفتنته الأندلس نارا ولما قدم مصر هاربا من تلك الأهوال تغيرت عليه البلاد وتعدلت به الأحوال فلما سئل عن حاله بعد بعده عن أرضه وترحاله بادر وأنشد
( أصبحت في مصر مستضاما ** أرقص في دولة القرود )
( واضيعة العمر في أخير ** مع النصارى أو اليهود )
( بالجد رزق الأنام فيهم ** لا بذوات ولا جدود )
( لا تبصر الدهر من يراعي ** معنى قصيد ولا قصود )
( أود من لؤمهم رجوعا ** للغرب في دولة ابن هود )
وتذكرت بقوله أرقص في دولة القرود ما وقع لأبي القاسم بن القطان وهو مما يستطرف ويستظرف وذلك أنه لما ولي الوزارة الزينبي دخل عليه أبو القاسم المذكور والمجلس حافل بالرؤساء والأعيان فوقف بين يديه ودعا له وأظهر الفرح والسرور ورقص فقال الوزير لبعض من يفضي إليه بسره قبح الله هذا الشيخ فإنه يشير برقصه إلى قول الشاعر وأرقص للقرد في دولته
301 - ومن المرتحلين أبو عبد الله ابن جابر محمد بن جابر الضرير من أهل المرية ويعرف بشمس الدين بن جابر الضرير وله ترجمة في الإحاطة ذكرناها مع زيادة عليها عند تعرضنا لأولاد لسان الدين بن الخطيب رحمه الله تعالى ورحل إلى المشرق ودخل مصر والشام واستوطن حلب وهو صاحب البديعية المعروفة ببديعية العميان وله أمداح نبوية كثيرة وتواليف منها شرح ألفية ابن مالك وغير ذلك وله ديوان شعر وأمداح نبوية في غاية الإجادة ومن نظمه رحمه الله تعالى موريا بأسماء الكتب
____________________
(2/664)


( عرائس مدحي كم أتين لغيره ** فلما رأته قلن هذا من الأكفا )
( نوادر آدابي ذخيرة ماجد ** شمائل كم فيهن من نكت تلفى )
( مطالعها هن المشارق للعلا ** قلائد قد راقت جواهرها رصفا )
( رسالة مدحي فيك واضحة ولي ** مسالك تهذيب لتنبيه من أغفى )
( فيا منتهى سؤلي ومحصول غايتي ** لأنت امرؤ من حاصل المجد مستصفى )
وقد اشتملت هذه الأبيات الخمسة على التورية بعشرين كتابا وهي العرائس للثعالبي والنوادر للقالي وغيره والذخيرة لابن بسام وغيره والشمائل للترمذي والنكت لعبد الحق الصقلي وغيره والمطالع لابن قرقول وغيره والمشارق للقاضي عياض وغيره والقلائد لابن خاقان وغيره ورصف المباني في حروف المعاني للأستاذ ابن عبد النور وهو كتاب لم يصنف في فنه مثله والرسالة لابن أبي زيد وغيره والواضحة لابن حبيب والمسالك للبكري وغيره والجواهر لابن شاس وغيره والتهذيب في اختصار المدونة وغيره والتنبيه لأبي إسحاق وغيره ومنتهى السؤل لابن الحاجب والمحصول للإمام الرازي والغاية للنووي وغيره والحاصل مختصر المحصول والمستصفى للغزالي
وما أحسن قول الحكيم موفق الدين
( لله أيامنا والشمل منتظم ** نظما به خاطر التفريق ما شعرا )
( والهف نفسي على عيش ظفرت به ** قطعت مجموعه المختار مختصرا )
وهذه ثلاثة كتب مشهورة المختار والمجموع والمختصر وأحسن منه قول الآخر
( عن حالتي يا نور عيين لا تسل ** ترك الجواب جواب تلك المسأله )
____________________
(2/665)


( حالي إذا حدثت لا لمعا ولا ** جملا لإيضاحي بها من تكمله )
( عندي جوى يذر الفصيح مبلدا ** فاترك مفصله ودونك مجمله )
( القلب ليس من الصحاح فيرتجى ** إصلاحه والعين سحب مثقله )
( وقد أوردنا في ترجمة أبي عبد الله بن جزى الكاتب الأندلسي جملة مستكثرة في التورية بأسماء الكتب فلتراجع ثمة
رجع إلى الشمس بن جابر فنقول ومن نظمه رحمه الله تعالى تثمينه للأبيات المشهورة
( لم يبق في اصطبار ** )
( مذ خلفوني وساروا ** )
( وللحبيب أشاروا ** )
( جار الكرام فجاروا ** )
( لله ذاك الأوار ** )
( بانوا فما الدار دار ** )
( يا بدر أهلك جاروا ** وعلموك التجري )
( كانوا من الود أهلي ** )
( ما عاملوني بعدل ** ) أصموا فؤادي بنبل ** )
( يا بين بينت ثكلي ** )
( يا روح قلبي قل لي ** أهم دعوك لقتلي ** )
( وحرموا لك وصلي ** وحللوا لك هجري ** )
____________________
(2/666)


( حسبي وماذا عناد ** )
( هم المنى والمراد ** )
( وإن عن الحق حادوا ** )
( أو جاملوني وجادوا ** ) يا من به الكل سادوا ** )
( والكل عندي سداد ** )
( فليفعلوا ما أرادوا ** فإنهم أهل بدر ** )
( وتذكرت بهذا قول أبي البركات أيمن بن محمد السعدي رحمه الله تعالى
( للعاشقين انكسار ** وذلة وافتقار )
( وللملاح افتخار ** وعزة واقتدار )
( وأهل بدري أشاروا وودعوني وساروا )
يا بدر - إلخ
كتبت والوصل يملي ** جد الهوى بعد هزل )
( وحار ذهني وعقلي ** ما بين بدري وأهلي )
( يا بدر فاحكم بعدل ** إذا أتوك بعذل )
وحرموا - إلخ
( لولا هواك المراد ** ما كنت ممن يصاد )
( ولا شجاني البعاد ** يا بدر أهلك جادوا )
( غلطت جاروا وزادوا ** لكنهم بك سادوا )
فليفعلوا - إلخ
____________________
(2/667)


رجع إلى ابن جابر فنقول
توفي رحمه الله تعالى في إلبيرة في جمادى الآخرة سنة 780 ومن نظمه قوله
( يا أهل طيبة في مغناكم قمر ** يهدي إلى كل محمود من الطرق )
( كالغيث في كرم والليث في حرم ** والبدر في أفق والزهر في خلق )
وله
( ولما وقفنا كي نودع من نأى ** ولم يبق إلا أن تحث الركائب )
( بكينا وحق للمحب إذا بكى ** عشية سارت عن حماه الحبائب )
وقال
( أما معاني المعاني فهي قد جمعت ** في ذاته فبدت نارا على علم )
( كالبدر في شيم والبحر في ديم ** والزهر في نعم والدهر في نقم )
وقال
( ضحكت فقلت كأن جيدك قد غدا ** يهدي لثغرك من جواهر عقده )
( وكأن ورد الخد منك بمائه ** قد شاب عذب لماك حالة ورده )
وقال
( منعتنا قرى الجمال وقالت ** ليس في غير زادنا من مجال )
( فأقمنا على الرحال وقلنا ** مالنا حاجة بحط الرحال )
____________________
(2/668)

وقال
( عذب قلبي رشأ ناعم ** أسهر جفني طرفه الناعس )
( يحرس باللحظ جنى خده ** يا ليته لو غفل الحارس ) وله
( وافيت ربعهم وقد بعد المدى ** ونأى الفريق من الديار وسارا )
( ما كدت أعرف بعد طول تأمل ** دارا بها طاف السرور ودارا )
وله
( ولست أرى الرجال سوى أناس ** همومهم موافاة الرجال )
( أطالوا في الندى إهلاك مال ** فعاشوا في الأنام ذوي كمال )
وقال
( أيها المتهمون نفسي فداكم ** أنجدوني على الوصول لنجد )
( وقفوا بي على منازل ليلى ** فوجودي هناك يذهب وجدي )
وما كتبه على كتاب نسيم الصبا لابن حبيب وصورته لما وقفت على الفصول الموسومة بنسيم الصبا المرسومة في صفحات الحسن فإذا أبصرها اللبيب صبا انتعش بها الخاطر انتعاش النبت بالغمام وهمت سحائب بيانها فأثمرت حدائق الكلام وأخرجت أرض القرائح ما فيها من النبات وسمعت الآذان صخبة الأذهان بهذه الأبيات
( هذي فصول الربيع في الزمن ** كم حسن أسندت إلى حسن )
____________________
(2/669)


( رقت وراقت فمن شمائلها ** بمثل صرف الشمول تتحفني )
( كم ملح قد حوت وكم لمح ** يعجبني لفظها ويعجزني )
( كم فيه من نفث ومن نكت ** أشهدني حسنها فأدهشني )
( جمع عدمنا له النظير فلا ** يصرف عن خاطر ولا أذن )
( يا خير أهل العلا وبحرهم ** أي بديع الكلام لم ترني )
( بدرك في مطلع الفضائل لا ** يكون مثل له ولم يكن )
( هذي الفصول التي أتيت بها ** قد أفحمت كل ناطق لسن )
( كم فن معنى بها يذكرني ** شجوي لشدو الحمام في فنن )
( فمن نسيب مع النسيم جرى ** لطفا فأزرى بالجوهر الثمن )
( وحسن سجع كالزهر في أفق ** والزهر في ناعم من الغصن )
( له معان أعيت مداركها ** كل معان بنيلهن عني )
( لا زال راق للمجد راقمها ** ذا سنن حاز أحسن السنن ) فصول هي للحسن أصول وشمول لها على كل القلوب شمول ليس لقدامة على التقدم إليها حصول ولا لسحبان لأن يسحب ذيلها وصول ولا انتهى قس الإيادي لهذه الأيادي ولا ظفر بديع الزمان بهذه البدائع الحسان لقد قصر فيها حبيب عن ابنه وحار بين لطافة فضله وفضل ذهنه نزهت في طرف خمائلها ونبهت بلطف شمائلها تالله إنها لسحر حلال وخلال ما مثلها خلال كلام كله كمال ومجال لا يرى فيه إلا جمال راقم بردها وناظم عقدها في كل فصل جاء بكمال فضل وفي كل معنى عمر بالبراعة مغنى أعرب فأغرب وأوجر فأعجز وأطال فأطاب وأجاد حين أجاب فما أنفس فرائده وأنفع فوائده وأفصح مقاله وأفسح مجاله وأطوع للنظم طباعه وأطول في النثر باعه أزاهر نبتت في كتاب وجواهر تكونت من ألفاظ عذاب ومواهب لا تدرك
____________________
(2/670)

بيد اكتساب فسبحان من يرزق من يشاء بغير حساب فصول أحلى في الأفواه من الشهد وأشهى إلى النواظر من النوم بعد السهد سبك أدبها في قالب النكت الحسان وذهب بمحامد عبد الحميد ومحاسن حسان فما أحقها أن تسمى فصول الربيع وأصول البديع لا زال حسنها يملأ الأوراق بما راق ويزين الآفاق بما فاق ولا برحت حدائق براعته نزهة للأحداق وحقائق بلاغته في جيد الإجازة بمنزلة الأطواق بمن الله تعالى وكرمه انتهى
وحيث جرى ذكر كتاب نسيم الصبا فلا بأس أن نذكر تقاريظ العلماء له فمن ذلك قول القاضي شرف الدين بن ريان وقفت على هذا الكتاب الذي أبدع فيه مؤلفه ونظم فيه الجواهر النفيسة مصنفه وأينعت حدائق أدبه فدنا ثمرها لمن يقطفه وعرفت مقدار ما فيه من الإنشاء وأين من يعرفه فوجدته ألطف من اسمه وأحسن من الدرر في نظمه وأطيب من الورد عند شمه هبت على رياض فصوله نسيم صباها ففاقت الأزهار في رباها وتشوقت قلوب الأدباء إلى انتشاق شذاها وطيب رياها وفاضت عليه أنوار البدر فأغنى سناها عن الشمس وضحاها وتحلت نحور البلغاء من كلامه بالدر اليتيم ومن معانيه بالعقد النظيم وترنحت أفنان فنون الفصاحة لما هب عليها ذلك النسيم كل فصل له في الفضل أسلوب على بابه وطريق انفرد به منشئه محاسن لا توجد إلا في كتابه صدر هذا الكتاب عن علم سابق وفكر ثاقب وذهن رائق ونفس صادق وروية ملأت تصانيفها المغارب والمشارق وقريحة إذا ذقت جناها وشمت سناها تذكرت ما بين العذيب وبارق فالله تعالى يبقي مصنفه قبلة لأهل الأدب ويديمه ويبلغه من سعادة الدنيا والآخرة ما يرومه بمنه وكرمه انتهى
وقرظ عليه بعضهم بقوله وقف المملوك سليمان بن داود المصري على فصول الحكم من هذه الفصول ووجد من نسيم الصبا أمارات القبول ونزه طرفه في رياض هذا الكتاب وخاطب فكره العقيم في وصفه فعجز عن
____________________
(2/671)

رد الجواب
( ماذا أقول وكل وصف دونه ** أين الحضيض من السماك الأعزل )
يا لها كلمات نقصت قدر الأفاضل وفضحت فصحاء الأوائل وسحبت ذيل الفصاحة على سحبان وائل وزادت في البلاغة على فريد وغيرت حال القدماء فما عبد الرحيم الفاضل وما عبد الحميد وذلت لها تشبيهات ابن المعتز طوعا وملكت زمام البيان فما تركت للبديع منه نوعا
( قطف الرجال القول حين نباته وقطفت أنت القول لما نورا )
وخطاب أعجز الخطباء وصفه وجواب ألغى البلغاء رصفه وغرائب تعرفت بمبديها وشوارد تألفت بمهديها وجنان بلاغة لم يطمث أبكارها إنس قبلك ولا جان ولم يقطف أزهارها عين ناظر ولا يد جان معان تطرب السمع لها حكم وأحكام وألفاظ هي الأرواح للأرواح أجسام فلما ألقى فهمه عروة المتماسك وضاقت عليه في وصفه المسالك وعجز عن وصف بلوغ بلاغته عطف على حسن كتابته فرأى خطا يسبي الطرف ويستغرق الظرف نسج قلمه الكريم من وشي البلاغة ديباجا واتخذ من محاسن الحسان طريقا ومنهاجا فألفى ألفات كاعتدال القدود ونونات كأهلة السعود وسينات كالطرر ونقطا كالدرر جعل للأقلام حجة قاطعة على السيوف وحلى الأسماع بحلية زائدة على الشنوف فعطف ساعة يطنب في دعائه وشكره وآونة يميل من طربه بألفاظه وسكره فلله در ألفاظك ودرر فضلك وأحسن بوابلك الهاطل بالبيان وطلك
____________________
(2/672)

لسانك غواص ولفظك جوهر ** وصدرك بحر بالفضائل زاخر )
والله المسؤول أن يرفع قدر مقالك
( ومقام قدرك ويوضح منهاج الأدب بنور بدرك بمنه وكرمه إنه على كل شيء قدير
وكتب قاضي القضاة تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى في تقريظ الكتاب المذكور ما نصه الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم حدقت نحو الحدائق وفوقت سهمي تلقاء الغرض الشائق وطرقت إلى ما يضيء أخا الحجى أسهل الطرائق فما علل صداي كنسيم الصبا ولا كمثله سهما صائبا صابه من لا صبا ولا نظرت نظيره حديقة تنبت فضة وذهبا
( وتجيء من ملح الكلام بطارف أو تالده )
( كلم نوابغ نحو آفاق ** المطالع صاعده )
( لو رامها قس لما ** ألفى أباه ساعده )
( أبدى نتائج عيه ** في ذي المعاني الشارده )
فعين الله تعالى عليها كلمات عليها منه رقيب ومحاسن تسلى عندها بالحسن حبيب وفوائد حسان يذكرنا بها حسان البعيد حسن القريب كتبه عبد الوهاب السبكي انتهى
وكتب ناصر الدين صاحب دواوين الإنشاء ما صورته وقفت على هذا الكتاب الذي أشبه الدر في انتظامه والثغر في ابتسامه وقطر الندى في انسجامه وزهر الروض في البكر إذا غنت على غصونه مطربات حمامه فوجدت بين اسمه ومسماه مناسبة اقتضاها طبع مؤلفه السليم واتصالا قريبا كاتصال الصديق الحميم فتحققت أن مؤلفه - أبقاه الله تعالى وحرسه - أبدع في
____________________
(2/673)

تأليفه وأصاب في تمييزه بهذا الاسم وتعريفه فهو في اللطافة كالماء في إروائه وكالهواء المعتدل في ملاءمة الأرواح بجوهر صفائه وكالسلك إذا انتقى جوهره وأجيد في انتقائه قد أينعت ثمرات فضائله فأصبحت دانية القطوف وتجلت عرائس بلاغته فظهر بدرها بلا كسوف وانجابت ظلمات الهموم بسماع موصول مقاطعه التي هي في الحقيقة لأذن الجوزاء شنوف فأكرم به من كتاب ما الروض أبهى من وسيمه ولا الريحان بأعطر من شميمه ولا المدامة بأرق من هبوب نسيمه ولا الدر بأسنى زهرا بل زهوا من رسومه إذا تدبره الأديب أغنته تلك الأفانين عن نغمات القوانين وإذا تأمله الأريب نزه طرفه في رياض البساتين قد سور على كل نوع من البديع باب لا يدخله إلا من خص من البلاغة باللباب والله تعالى يؤتيه الحكمة وفصل الخطاب ويمتع بفضائله التي شهدها أهل العلم وذوو الألباب بمنه وكرمه وكتبه محمد بن يعقوب الشافعي
وكتب الصفدي شارح لامية العجم بما نصه وقفت على هذا المصنف الموسوم بنسيم الصبا والتأليف الذي لو مر بالمجنون لما ألف ليلاه ولا مال إليها ولا صبا والإنشاء الذي إن شاء قائله جعل الكلام غيره في هبات الهواء هبا والنثر الذي أغار قائله على سبائك الذهب الإبريز وسبى والكلام الذي نبا عنه الجاحظ جاحدا وما له ذكر ولا نبا فسبحت جواهر حروفه لمن أوجده في هذا العصر وعلمت أن ألفاظه ترمي قلوب حساده بشرر كالقصر وتحققت أن قعقعة طروسه أصوات أعلامه التي تخفق له بالنصر وتيقنت أن سطوره غصون لا تصل إليها كف جناية بجنى ولا هصر
( وقلت لأهل النظم والنثر قابلوا ( ترائبها مصقولة كالسجنجل )
( وميلوا بأعطاف التعجب إنها ( نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل )
ولما ملت بعدما ثملت وغزلت بعدما هزلت جردت من نفسي شخصا
____________________
(2/674)

أخاطبه وأجاريه في أوصاف محاسنها التي أناهبه منها وأناهيه فقال لي هذا الفن الفذ والنثر الذي قهر أقران هذه الصناعة وبذ والأدب الذي سد الطرق على أوابده فما فاته شيء ولا شذ وهذا الإنشاء الذي ما له عديل في هذا العديد ولا ضريب وهذا الكلام الذي فاق في الآفاق فما لحبيب بن أوس حسن حسن بن حبيب فعين الله تعالى على هذه الكلم الساحرة والفوائد التي أيقظت جفن الأدب بعد ما كان بالساهرة ومتع الله تعالى الزمان وأهله بهذا النوع الغض والنقد النض والبز البض والبديع الذي رم ما تشعث من ربع هذا الفن ورض واقتض المعاني أبكاره وافتض وأرسل جارح بلاغته على الجوارح فصادها وانقص وانقض وأنبط ماء الفصاحة لما تحدر وارفض واستمال القلب الفظ لما فك ختم ذهوله وفض إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير بمنه وكرمه وكتبه خليل الصفدي انتهى
302 - ومنهم الأديب أبو جعفر الإلبيري رفيق ابن جابر السابق الذكر وهو البصير وابن جابر الأعمى وله نظم بديع منه قوله
( أبدت لي الصدغ على خدها ** فأطلع الليل لنا صبحه )
( فخدها مع قدها قائل ( هذا شقيق عارض رمحه )
وقوله وقد دخل حمص
( حمص لمن أضحى بها جنة ** يدنو لديها الأمل القاصي )
( حل بها العاصي ألا فاعجبوا ** من جنة حل بها العاصي ) وقوله
( إن بين الحبيب عندي موت ** وبه قد حييت منذ زمان )
____________________
(2/675)


( ليت شعري متى تشاهده العين ** وتقضي من اللقاء الأماني )
قال وفيه استخدام لأن البين يطلق على البعد والقرب انتهى ومن نظمه أيضا رحمه الله تعالى
( ومورد الوجنات دب عذاره ** فكأنه خط على قرطاس )
( لما رأيت عذاره مستعجلا ** قد رام يخفي الورد منه بآس )
( ناديته قف كي أودع ورده ( ما في وقوفك ساعة من باس )
وهذا المعنى قد تبارى فيه الشعراء وتسابقوا في مضماره فمنهم من جلى وبرز وحاز خصل السبق وأحرز ومنهم من كان مصليا ومنهم من غدا لجيد الإحسان محليا ومنهم من عاد قبل الغاية موليا
رجع - ومن تأليفه رحمه الله تعالى شرحه لبديعية رفيقه ابن جابر المذكور
وقال في خطبته ولما كانت القصيدة المنظومة في علم البديع المسماة بالحلة السيرا في مدح خير الورى التي أنشأها صاحبنا الإمام العلامة شمس الدين أبو عبد الله بن جابر الأندلسي نادرة في فنها فريدة في حسنها يجنى ثمر البلاغة من غصنها وتنهل سواكب الإجادة من مزنها لم ينسج على منوالها ولا سمحت قريحة بمثالها رأيت أن أضع لها شرحا يجلو عرائس معانيها لمعانيها ويبدي غرائب ما فيها لموافيها لا أمل الناظر فيه بالتطويل ولا أعوقه بكثرة الاختصار عن مدارك التحصيل فخير الأمور أوسطها والغرض ما يقرب المقاصد ويضبطها فأعرب من ألفاظها كل خفي وأسكت من لغاتها عن كل جلي والله أسأل أن يبلغنا ما قصدناه ويوردنا أحسن الموارد فيما أردناه انتهى
وسمي الشرح المذكور طراز الحلة وشفاء الغلة ومما أورده رحمه الله تعالى في ذلك الشرح من نظم نفسه قوله
____________________
(2/676)


( طيبة ما أطيبها منزلا ** سقى ثراها المطر الصيب )
( طابت بمن حل بأرجائها ** فالترب منها عنبر طيب )
( يا طيب عيشي عند ذكري لها ** والعيش في ذاك الحمى أطيب )
وقال رحمه الله تعالى في هذا الشرح بعد كلام ما نصه وإذا أردت أن تنظر إلى تفاوت درجات الكلام في هذا المقام فانظر إلى إسحاق الموصلي كيف جاء إلى قصر مشيد ومحل سرور جديد فخاطبه بما يخاطب به الطلول البالية والمنازل الدارسة الخالية فقال
( يا دار غيرك البلى ومحاك ** )
فأحزن في موضع السرور وأجرى كلامه على عكس الأمور وانظر إلى قول القطامي
( إنا محيوك فاسلم أيها الطلل ** وإن بليت وإن طالت بك الطيل )
فانظر كيف جاء إلى طلل بال ورسم خال فأحسن حين حياه ودعا له بالسلامة كالمبتهج برؤية محياه فلم يذكر دروس الطلل وبلاه حتى آنس المسامع بأوفى التحية وأزكى السلامة والذي فتح هذا الباب وأطنب فيه غاية الإطناب صاحب اللواء ومقدم الشعراء حيث قال
( ألا عم صباحا أيها الطلل البالي ** وهل يعمن من كان في العصر الخالي ) وهل يعمن إلا سعيد مخلد
____________________
(2/677)


( ولما وقفنا للوداع وقد بت ** قباب بنجد قد علت ذلك الوادي )
( نظرت فألفيت السبيكة فضة ** لحسن بياض الزهر في ذلك النادي )
( فلما كستها الشمس عاد لجينها ** لها ذهبا فاعجب لإكسيرها البادي )
والسبيكة موضع خارج غرناطة
وقال رحمه الله
( هذه عشرة تقضت وعندي ** من أليم البعاد شوق شديد )
( وإذا رأيت إطفاء شوقي بالتلاقي فذاك رأي سديد )
وقال رحمه الله تعالى وقد أهدى طاقية
( خذها إليك هدية ** ممن يعز على أناسيك )
( اخترتها لك عندما ** أضحت هدية كل ناسك )
( أرسلتها طاقية ** لتنوب عن تقبيل راسك )
وله من رسالة وافى كتابك فوجدنا أزهى من الأزهار وأبهى من حسن الحباب على الأنهار يشرق إشراق نجوم السماء ويسمو إلى الأسماع سمو حباب الماء
وقال رحمه الله تعالى في العوض على مذهب الخليل (
( خل الأنام ولا تخالط منهم ** أحدا ولو أصفى إليك ضمائره )
( إن الموفق من يكون كأنه ** متقارب فهو الوحيد بالدائرة )
وقال على مذهب الأخفش
( إن الخلاص من الأنام لراحة ** لكنه ما نال ذلك سالك )
( أضحى بدائرة له متقارب ** يرجو الخلاص فعاقه متدارك )
____________________
(2/678)

متدارك وله
( دائرة الحب قد تناهت ** فما لها في الهوى مزيد )
( فبحر شوقي بها طويل ** وبحر دمعي بها مديد )
( وإن وجدي بها بسيط ** فليفعل الحسن ما يريد )
وهذا المعنى استعمله الشعراء كثيرا ومنهم الشيخ شهاب الدين بن صارو البعلي قال أبو جعفر المترجم له أنشدنا شهاب الدين المذكور لنفسه بحماة
( وبي عروضي سريع الجفا ** يغار غصن البان من عطفه )
( الورد من وجنته وافر ** لكنه يمنع من قطفه )
قال وأنشدنا أيضا لنفسه
( وبي عروضي سريع الجفا ** وجدي به مثل جفاه طويل )
( قلت له قطعت قلبي أسى ** فقال لي التقطيع دأب الخليل )
انتهى
وأنشد رحمه الله تعالى لرفيقه ابن جابر الضرير السابق الترجمة في ذلك
( إن صد عني فإني لا أعاتبه ** فما التنافر في الغزلان تنقيص )
( شوقي مديد وحبي كامل أبدا ** لأجل ذلك قلبي فيه موقوص )
وأنشد له أيضا في ذلك
( عالم بالعروض يخبن قلبي ** في مديد الهوى بلحظ سريع )
( عنده وافر من الردف يبدو ** وخفيف من خصره المقطوع )
____________________
(2/679)

وله
( صدود لي مديد ** وأمر حبي طويل )
( وفيه أسباب حسن ** وتلك عندي الأصول )
( فحضره لي حفيف وردفه لي ثقيل )
وله
( سبب خفيف خصرها ووراءه ** من ردفها سبب ثقيل ظاهر )
( لم يجمع النوعان في تركيبها ** إلا لأن الحسن فيها وافر )
وقد ذكر أبو جعفر - رحمه الله تعالى - لرفيقه ابن جابر السابق الذكر مقطوعات كثيرة منها قوله
( يا أيها الحادي اسقني كأس السرى ** نحو الحبيب ومهجتي للساقي )
( حي العراق على النوى واحمل إلى ** أهل الحجاز رسائل العشاق )
( يا حسن ألحان الحداة إذا جرت ** نغماتها بمسامع المشتاق )
وأورده له أيضا
( يا حسن ليلتنا التي قد زارني ** فيها فأنجز ما مضى من وعده )
( قومت شمس جماله فوجدتها ** في عقرب الصدغ الذي في خده )
رجع إلى أبي جعفر - رحمه الله تعالى - ومن فوائده أنه لما ذكر فذلكة الحساب قال هي التي يضعها أهل الحساب آخر جملهم المتقدمة فيقولون فذلك كذا كذا انتهى
____________________
(2/680)

ولما أنشد رحمه الله تعالى قول بعضهم
( غزال قد غزا قلبي ** بألحاظ وأحداق )
( له الثلثان من قلبي ** وثلثا ثلثه الباقي )
( وثلثا ثلث ما يبقى ** وباقي الثلث للساقي )
( وتبقى أسهم ست ** تقسم بين عشاق )
قال ما نصه هذا الشاعر قسم قلبه إلى 81 سهما فجعل لمحبوبه منها الثلثين 54 وبقي الثلث 27 فزاده ثلثيه 18 فصار له 72 يبقى ثلث الثلث وهو 9 زاده منها ثلثي ثلثها وهو اثنان وبقي من الثلث واحد أعطاه للساقي فبقي من التسعة ستة قسمها بين العشاق فاجتمع لمحبوبه 74 وللساقي سهم واحد وللعشاق ستة والجملة 81 انتهى
وأنشد رحمه الله تعالى في علم الحساب لرفيقه ابن جابر السابق الذكر
( قسم القلب في الغرام بلحظ ** يضرب القلب حين يرسل سهمه )
( هذه في هواه يا قوم حالي ** ضاع قلبي ما بين ضرب وقسمه )
وأنشد له في الهندسة
( محيط بأشكال الملاحة وجهه ** كأن به إقليدسا يتحدث )
( فعارضه خط استواء وخاله ** به نقطة والشكل شكل مثلث )
وأنشد له في خط الرمل
( فوق خديه للعذار طريق ** قد بدا تحته بياض وحمره )
( قيل ماذا فقلت أشكال حسن ** تقتضي أن أبيع قلبي بنظره )
وأنشد له في علم الخط
( قد حقق الحسن نور حاجبه ** وخط في الصدغ واو ريحان )
____________________
(2/681)


( ومد من حسن قده ألفا ** أوقف عيني وقوف حيران )
وأنشد له أيضا
( ألف ابن مقلة في الكتاب كقده ** والنون مثل الصدغ في التحسين )
( والعين مثل العين لكن هذه ** شكلت بحسن وقاحة ومجون )
( وعلى الجبين لشعره سين بدت ** حار ابن مقلة عند تلك السين )
( قل للذي قد خط تحت الصدغ من ** خيلانه نقطا لجلب فنون )
( يا للرجال ويا لها من فتنة ** في وضع ذاك النقط تحت النون )
وأورد له في ذكر الأقلام السبعة وغيرها
( تعليق ردفك بالخصر الخفيف له ** ثلث الجمال وقد وفته أجفان )
( خذ عليه رقاع الروض قد جعلت ** وفي حواشيه للصدغين ريحان )
( خط الشباب بطومار العذار به ** سطرا ففضاحه للناس فتان )
( محقق نسخ صبري عن هواه ومن ** توقيع مدمعي المنثور برهان )
( يا حسن ما قلم الأشعار خط على ** ذاك الجبين فلا يسلوه إنسان )
( أقسمت بالمصحف الشامي وأحرفه ** ما مر بالبال يوما عنك سلوان )
( ولا غبار على حبي فعندك لي ** حساب شوق له في القلب ديوان )
وأنشد له
( يا صاحب المال ألم تستمع ** ) لقوله { ما عندكم ينفد }
( فاعمل به خيرا فوالله ما ** يبقى ولا أنت به مخلد
وله
( إن شئت أن تجد العدو وقد غدا ** لك صاحبا يولي الجميل ويحسن )
( فاعمل كما قال الخبير بخلقه ** في قوله { ادفع بالتي هي أحسن }
____________________
(2/682)


وله
( إذا شئت رزقا بلا حسبة ** فلذ بالتقى واتبع سبله )
( وتصديق ذلك في قوله { ومن يتق الله يجعل له }
وأورد له أيضا
( عمل إن لم يوافق نية ** فهو غرس لا يرى منه ثمر )
( إنما الأعمال بالنيات ) قد ** نصه عن سيد الخلق عمر (
وقوله
( الخير في أشياء عن خير الورى ** وردت فأبدت كل نهج بين )
( دع ما يريبك واعملن بنية ** وازهد ولا تغضب وخلقك حسن )
وقوله
( حياء المرء يزجره فيخشى ** فخف من لا يكون له حياء )
( فقد قال الرسول بأن مما ** به نطق الكرام الأنبياء ) إذا ما أنت لم تستحي فاصنع ** كما تختار وافعل ما تشاء )
وقوله
( قال الرسول الحياء خير ** فاصحب من الناس ذا حياء )
( وعن قليل الحياء فابعد ** فخيره ليس ذا رجاء )
وقوله
( من سلم المسلمون كلهم ** وآمنوا من لسانه ويده )
____________________
(2/683)


( فذلك المسلم الحقيق بذا ** جاء حديث لا شك في سنده )
( ولابن جابر مما كتب به إلى الصلاح الصفدي )
( إن البراعة لفظ أنت معناه ** وكل شيء بديع أنت معناه )
( إنشاد نظمك أشهى عند سامعه ** من نظم غيرك لو إسحاق غناه )
وهي طويلة فأجابه الصفدي )
بقوله
( يا فاضلا كرمت فينا سجاياه ** وخصنا باللآلي في هداياه )
( خصصتني بقريض شف جوهره ** لما تألق منه نور معناه )
( من كل بيت مبانيه مشيدة ** كم من خبايا معان في زواياه )
وهي طويلة
رجع إلى نظم أبي جعفر - فمن ذلك قوله
( تريك قدا على ردف تجاذبه ** كخوطة في كثيب الرمل قد نبتت )
( ريا القرنفل في ريح الصبا سحرا ** يضوع منها إذا نحوي قد التفتت )
عقد بهما ألفاظ قول امرئ القيس
( إذا التفتت نحوي تضوع ريحها ** نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل )
وأورد له قوله
( ولولا نجاء العيس حول ديارها ** غداة منى لم يبق في الركب محرم )
( ففوق ذرا المتنين برد مهلل ** وتحت رداء الخز وجه معلم )
____________________
(2/684)

عقد في الأول قول قيس بن الخطيم
( ديار
( التي كنا ونحن على منى ** تحوط بنا لولا نجاء الركائب )
وعقد في الثاني قول ابن أخي ربيعة
( أماطت رداء الخز عن حر وجهها ** وأرخت على المتنين بردا مهللا )
وأورد له قوله
( إن ادعى لك مروان الجلال فقل ** لا يجهل المرء بين الناس رتبته )
( إن الجلالة حقا للمقول له ** هذا الذي تعرف البطحاء وطأته )
وقوله
( من منصفي يا قوم من ظبية ** تسرف في هجري وتأبى الوصال )
( وكلما أسأل عن عذرها ** تقول لي ما كل عذر يقال )
وقوله
( هم حسدوا الرسول فلم يجيبوا ** وكم حسدوا فصار لهم فرار )
( وهاجر عند ما هجروا فأضحى ** لخيمة أم معبد الفخار )
وقوله
( بحسبك أن تبيت على رجاء ** ولو حطتك لليأس الخطوب )
( ومهما أكربتك صروف دهر ** فقل ما قاله الرجل الأريب )
( عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب )
____________________
(2/685)


وقوله
( خليلي هذا قبر أشرف مرسل ** قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل )
( رويدكما نبكي الذنوب التي خلت ( بسقط اللوى بين الدخول فحومل ) )
( منازل كانت للتصابي فأقفرت ( لما نسجتها من جنوب وشمأل ) )
قال ثم جرى على هذا النمط واستخرج الدرر النفيسة من ذلك السفط وقال قبله إنه أخذ أعجاز هذه القصيدة من أولها إلى آخرها على التوالي وصنع لها صدورا وصرفها إلى مدح النبي صلى الله عليه وسلم فجاء في ذلك بما لم يسبق إليه ولم يقف أحد في تلك المعاني على ما وقف عليه انتهى
وقوله
( كم ليال خلت بكم كاللآلي ** نظمتها لنا يد الأزمان )
( أيها النازحون عن رأي عيني ** وهم في جوانحي وجناني )
( ما ألذ الوصال بعد التنائي ** وأمر الفراق بعد التداني )
( قد وكلناكم لرب كريم ** غير وان عن عبده في أوان )
( ما رحلنا عن اختيار ولكن ** رحلتنا تلونات الزمان )
وقوله
( تشتكي الصفر من يديه وترضى السمر ** عن راحتيه عند الحروب )
( أحمر السيف أخضر السيب حيث الأرض ** غبراء من سواد الخطوب )
وقوله مما التزم في أوله الدال
( دفاع لمكروه أمان لخائف ** سحاب لمستجد هلاك لمستعدي )
( دروب على الحسنى عفو لمن جنى ** مثيب لمن أثنى مجيب لذي قصد )
____________________
(2/686)


( دع الغيث إن أعطى دع الليث إن سطا ** دع الروض إذ يهدي دع البدر إذ يهدي )
وقوله
( غزال ما توسد ظل ** بان بهاجرة ولا عرف الظلالا )
( تبسم لؤلؤا واهتز غصنا ** وأعرض شادنا وبدا هلالا )
وقوله
( رفع الخصر فوق منصوب ردف ** ولجزم القلوب فرعيه جرا )
( مال غصنا رنا رشا فاح مسكا ** تاه درا أرخى دجى لاح بدرا )
وقوله حين زار قبر قس بن ساعدة بجبل سمعان
( هذي منازل ذي العلاقس ** بن ساعدة الإيادي )
( كم عاش في الدنيا وكم ** أسدى إلينا من أيادي )
( قد زانها بحلى البلاغة ** مفصحا في كل نادي )
( قد قر في بطن الثرى ** متفردا بين العباد )
قال أبو جعفر زرنا قبره فرأينا موضعا ترتاح إليه النفس ويلوح عليه الأنس وعند قبره عين ماء يقال إنه ليس بجبل سمعان عين تجري غيرها هنالك وأورد له قوله
( كرام فخام من ذؤابة هاشم ** يقولون للأضياف أهلا ومرحبا )
( فيفعل في فقر المقلين جودهم ** كفعل علي يوم حارب مرحبا )
رجع إلى أبي جعفر رحمة الله تعالى فنقول إنه كان بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم سنة 755 ولما ذكر الروضة قال قيل ولا تكون الروضة إلا بماء يسقيها أو إلى جنبها ولا يقال في موضع الشجر روضة انتهى وقال
____________________
(2/687)


( لقوامه الألف التي ** جاءت بحسن ما ألف )
( عانقته فكأنني ** لام معانقة الألف )
وقال رحمه الله تعالى معتذرا عمن لم يسلم
( لا تعتبن على ترك السلام فقد ** جاءتك أحرفه كتبا بلا قلم )
( فالسين من طرتي واللام مع ألف ** من عارضي وهذا الميم ميم فمي )
وقال رحمه الله تعالى
( لا يقنطنك ذنب ** قد كان منك عظيم )
( فالله قد قال قولا ** وهو الجواد الكريم ) { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم }
وقال
( إذا ظلم المرء فاصبر له ** فبالقرب يقطع منه الوتين )
( فقد قال ربك وهو القوي ** { وأملي لهم إن كيدي متين }
ومن نثره لما ذكر قصيدة كعب بن زهير رضي الله تعالى عنه ما نصه وهذه القصيدة لها الشرف الراسخ والحكم الذي لم يوجد له ناسخ أنشدها كعب في مسجد المصطفى بحضرته وحضرة أصحابه وتوسل بها فوصل إلى العفو عن عقابه فسد صلى الله عليه وسلم خلته وخلع عليه حلته وكف عنه كف من أراده وأبلغه في نفسه وأهله مراده وذلك بعد إهدار دمه وما سبق من هذر كلمه فمحت حسناتها تلك الذنوب وسترت محاسنها وجه تلك العيوب ولولاها لمنع المدح والغزل وقطع من أخذ الجوائز على الشعر
____________________
(2/688)

الأمل فهي حجة الشعراء فيما سلكوه وملاك أمرهم فيما ملكوه حدثني بعض شيوخنا بالإسكندرية بإسناده أن بعض العلماء كان لا يستفتح مجلسه إلا بقصيدة كعب فقيل له في ذلك فقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله قصيدة كعب أنشدها بين يديك فقال نعم وأنا أحبها وأحب من يحبها قال فعاهدت الله أني لا أخلو من قراءتها كل يوم قلت ولم تزل الشعراء من ذلك الوقت إلى الآن ينسجون على منوالها ويقتدون بأقوالها تبركا بمن أنشدت بين يديه ونسب مدحها إليه ولما صنع القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر قصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم على وزن بانت سعاد قال
( لقد قال كعب في النبي قصيدة ** وقلنا عسى في مدحه نتشارك )
( فإن شملتنا بالجوائز رحمة ** كرحمة كعب فهو كعب مبارك )
انتهى
وقال رحمه الله تعالى
( لقد كر العذار بوجنتيه ** كما كر الظلام على النهار )
( فغابت شمس وجنته وجاءت ** على مهل عشيات العذار )
( فقلت لناظري لما رآها ** وقد خلط السواد بالاحمرار )
( تمتع من شميم عرار نجد ** فما بعد العشية من عرار ) وقال
( قالوا عشقت وقد أضر بك الهوى ** فأجبتهم يا ليتني لم أعشق )
( قالوا سبقت إلى محبة حسنه ** فأجبتهم ما فاز من لم يسبق
ولما أنشد رحمه الله تعالى قول ابن الخشاب في المستضيء بالله
____________________
(2/689)


( ورد الورى سلسال جودك فارتووا ** ووقفت دون الورد وقفة حائم )
( ظمآن أطلب خفة من زحمة ** والورد لا يزداد غير تزاحم )
قال ما نصه فانظر حسن هذين البيتين كيف جريا كالماء في سلاسته ووقعا من القلوب كالشهد في حلاوته مع أن ناظمهما ما خرج عن وصف الماء كلامه ولا تعدى ذلك المعنى نظامه حتى قيل إن فيهما عشرة مواضع من مراعاة النظير فهما في الحسن ما لهما من نظير لكنه ما سلم مليح من عيب ولا خلا من وقوع ريب فمع هذه المحاسن الوافية ما سلما من عيب القافية انتهى
ولنختم ترجمته بقوله عند شرح بيت رفيقه
( خير الليالي ليالي الخير في إضم ** والقوم قد بلغوا أقصى مرادهم ) ما نصه يقول إن خير الليالي التي تنشرح لها الصدور ويحمد فيها الورود والصدور ليالي الخير في إضم حيث النزيل لم يضم والقوم قد وردوا موارد الكرم وبلغوا أقصى مرادهم في ذلك الحرم
303 - ومن الراحلين الولي الصالح أبو مروان عبد الملك بن إبراهيم بن بشر القيسي وهو ابن أخت ابن صاحب الصلاة البجانسي نسبة إلى بجانس قرية من قرى وادي آش وكان - رحمه الله تعالى - في أواسط المائة السابعة وقد ذكره الفقيه أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن يحيى الأزدي الفشتالي في تأليفه الذي سماه تحفة المغرب ببلاد المغرب وقال فيه راضوا نفوسهم لتنقاد للمولى سرا وعلنا وزهدوا في الدنيا فلم يقولوا معنا ولا لنا وانتدبوا لقول الله تعالى { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } [ العنكبوت 69 ] وقال صاحب التأليف المذكور سألت الشيخ أبا مروان يوما في مسيري معه من وادي آش إلى بلده بجانس سنة تسع وأربعين وستمائة فقلت له أنت
____________________
(2/690)

يا سيدي لم تكن قرأت ولا لازمت المشايخ قبل سفرك للمشرق ولا سافرت مع عالم تقتدي ببركته في هذا الطريق فقال لي أقام الله تعالى لي من باطني شيخا قلت له كيف قال كنت إذا عرض لي أمر نظرت في خاطري فيخطر لي خاطران في ذلك أحدهما محمود والآخر مذموم فكنت أجتنب المذموم وأرتكب المحمود فإذا وصلت إلى أقرب بلد سألت عمن فيه من المشايخ والعلماء فأسأله عن ذلك فكان يذكر لي المحمود محمودا والمذموم مذموما فأحمد الله تعالى أن وفقني ومع تتابع ذلك واتصاله دون مخالفة لم أعتمد على ما يقع بخاطري من الأمور الشرعية إلى الآن حتى أسأل عنه من حضر من العلماء انتهى ومن كلام صاحب التأليف المذكور قوله في حق الصوفية نفعنا الله تعالى بهم حموا طريق الحق فحاماهم ونور بصائرهم فأصمهم عن الباطل وأعماهم وأهانوا في رضاه نفوسهم ورفضوا نعماهم فأعلى قدرهم عنده وعند الناس وأسماهم انتهى وما أحسن قوله في التأليف المذكور يا هذا من حافظ حوفظ عليه ومن طلب الخير بصدق وصل إليه ومن أخلص العبودية لربه قام الأحرار خدمة بين يديه انتهى
304 - ومنهم الطيب الماهر الشهير ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن البيطار المالقي نزيل القاهرة وهو الذي عناه ابن سعيد في كتابه المغرب بقوله وقد جمع أبو محمد المالقي الساكن الآن بقاهرة مصر كتابا في هذا الشأن حشر فيه ما سمع به فقدر عليه من تصانيف الأدوية المفردة ككتاب الغافقي وكتاب الزهراوي وكتاب الشريف الإدريسي الصقلي وغيرها وضبطه على حروف المعجم وهو النهاية في مقصده
____________________
(2/691)


وقد ذكرت كلام ابن سعيد هذا بجملته في غير هذا الموضع فليراجع وكان ابن البيطار أوحد زمانه في معرفة النبات سافر إلى بلاد الأغارقة وأقصى بلاد الروم والمغرب واجتمع بجماعة كثيرة من الذين يعانون هذا الفن وعاين منابته وتحققها وعاد بعد أسفاره وخدم الكامل بن العادل وكان يعتمد عليه في الأدوية والحشائش وجعله في الديار المصرية رئيسا على سائر العشابين وأصحاب البسطات ومن بعده خدم ولده الصالح وكان حظيا عنده إلى أن توفي بشعبان سنة 646 التي توفي بها ابن الحاجب وله من المصنفات كتاب الجامع في الأدوية المفردة وكتاب المغني أيضا في الأدوية وكتاب الإبانة والإعلام بما في المنهاج من الخلل والأوهام وكتاب الأفعال العجيبة والخواص الغريبة وشرح كتاب ديسقوريدوس قال الذهبي انتهت إليه معرفة تحقيق النبات وصفاته وأماكنه ومنافعه وتوفي بدمشق انتهى
305 - ومنهم الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن علي القرشي البسطي الشهير بالقلصادي - بفتحات - كما قال السخاوي الصالح الرحلة المؤلف الفرضي آخر من له التآليف الكثيرة من أئمة الأندلس وأكثر تصانيفه في الحساب والفرائض كشرحيه العجيبين على تلخيص ابن البناء والحوفي وكفاه فخرا أن الإمام السنوسي صاحب العقائد أخذ عنه جملة من الفرائض والحساب وأجازه جميع مروياته وأصله من بسطة ثم انتقل إلى غرناطة فاستوطنها وأخذ بها عن جماعة كابن فتوح والسرقسطي وغيرهما ثم ارتحل إلى المشرق ومر بتلمسان فأخذ بها عن الإمام عالم الدنيا ابن مرزوق والقاضي أبي الفضل قاسم العقباني وأبي العباس ابن زاغ وغيرهم
____________________
(2/692)

ثم ارتحل فلقي بتونس تلامذة ابن عرفة كابن عقاب والقلشاني وحلولو وغيرهم ثم حج ولقي أعلاما وعاد فاستوطن غرناطة إلى أن حل بوطنه ما حل فتحيل في خلاصه من الشرك وارتحل ومر بتلمسان فنزل بها على الكفيف ابن مرزوق ابن شيخه ثم جدت به الرحلة إلى أن وافته منيته بباجة إفريقية منتصف ذي الحجة سنة 891 وكان كثير المواظبة على الدرس والكتابة والتأليف ومن تآليفه أشرف المسالك إلى مذهب مالك وشرح مختصر خليل وشرح الرسالة وشرح التلقين وهداية الأنام في شرح مختصر قواعد الإسلام وهو شرح مفيد وشرح رجز القرطبي وتنبيه الإنسان إلى علم الميزان والمدخل الضروري وشرح إيساغوجي في المنطق وله شرح الأنوار السنية لابن جزى وشرح رجز الشراز في الفرائض الذي أوله
( بحمد خير الوارثين أبتدي ** وبالسراج النبوي أهتدي )
وشرح حكم ابن عطاء الله ورجز أبي عمرو بن منظور في أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وشرح البردة ورجز ابن بري ورجز شيخه أبي إسحاق بن فتوح في النجوم الذي أوله
( سبحان رافع السماء سقفا ** ناصبها دلالة لا تخفى ) وشرح رجز أبي مقرعة وله النصيحة في السياسة العامة والخاصة وهداية النظار في تحفة الأحكام والأسرار وكشف الجلباب عن علم الحساب وكشف الأسرار عن علم الغبار والتبصرة وقانون الحساب في قدر التلخيص وشرحه وشرحان على التلخيص كبير وصغير وشرح ابن الياسمين في الجبر والمقابلة ومختصره وكليات الفرائض وشرحها
____________________
(2/693)

وشرحان للتلمسانية كبير وصغير وشرح فرائض صالح بن شريف وابن الشاط وفرائض مختصر خليل والتلقين وابن الحاجب وله كتاب الغنية في الفرائض وغنية النحاة وشرحاها الكبير والصغير وتقريب المواريث ومنتهى العقول البواحث وشرح مختصر العقباني ولم يتم ومدخل الطالبين ومختصر مفيد في النحو وشرح رجز ابن مالك والجرومية وجمل الزجاجي وملحة الحريري والخزرجية ومختصر في العروض وغير ذلك وأخذ بمصر عن الحافظ ابن حجر والزين طاهر النويري وأبي القاسم النويري والعلامة الجلال المحلي والتقى الشمني وأبي الفتح المراغي وغيرهم حسبما ذكر ذلك في رحلته الشهيرة وهي حاوية لشيوخه بالمغرب والمشرق وجملة من أحوالهم رحم الله تعالى الجميع
306 - ومنهم أبو عبد الله الراعي وهو شمس الدين محمد بن إسماعيل الأندلسي الغرناطي ولد بها سنة 782 تقريبا ونشأ بها وأخذ الفقه والأصول والعربية عن جماعة منهم أبو جعفر أحمد بن إدريس بن سعيد الأندلسي وسمع على أبي بكر عبد الله بن محمد بن محمد المعافري ابن الدب ويعرف بابن أبي عامر والخطيب أبي عبد الله محمد بن علي بن الحفار ومحمد بن عبد الملك بن علي القيسي المنتوري صاحب الفهرسة الكبيرة الشهيرة ومما أخذ عنه الجرومية بأخذه لها عن الخطيب أبي جعفر أحمد بن محمد بن سالم الجذامي عن القاضي أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الحضرمي عن مؤلفها أبي عبد الله محمد بن محمد بن داود الصنهاجي عرف بابن آجروم وجميع خلاصة الباحثين في حصر حال الوارثين للقاضي أبي بكر عبد الله بن يحيى بن زكريا الأنصاري بأخذه لها عن مؤلفها وأجاز له أبو الحسن علي بن عبد الله بن الحسن الجذامي والقاضي
____________________
(2/694)

أبو الفضل قاسم بن سعيد العقباني والعلامة أبو الفضل محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن الإمام وعالم الدنيا أبو عبد الله محمد بن مرزوق التلمساني وغيرهم من المغاربة ومن أشياخه من أهل المشرق الكمال بن خير السكندري والزين أبو بكر المراغي والزين محمد الطبري وأبو إسحاق إبراهيم بن العفيف النابلسي في آخرين ودخل القاهرة سنة 825 فحج واستوطنها وسمع بها من الشهاب المتبولي وابن الجزري والحافظ ابن حجر وطائفة وأم بالمؤيدية وقتا وتصدى للاشتغال فانتفع به الناس طبقة بعد أخرى لا سيما في العربية بل هي كانت فنه الذي اشتهر به وبجودة الإرشاد لها وشرح كلا من الجرومية والألفية والقواعد وغيرها مما حمله عنه الفضلاء وله نظم وسط قال السخاوي كتبت عنه منه الكثير ومما لم أسمعه منه ما أودعه في مقدمة كتاب صنفه في نصرة مذهبه وأثبته دفعا لشيء نسب إليه فقال
( عليك بتقوى الله ما شئت واتبع ** أئمة دين الحق تهد وتسعد )
( فمالكهم والشافعي وأحمد ** ونعمانهم كل إلى الخير يرشد )
( فتابع لمن أحببت منهم ولا تمل ** لذي الجهل والتصيب إن شئت تحمد )
( فكل سواء في وجيبة الاقتدا ** متابعهم جنات عدن يخلد )
( وحبهم دين يزين وبغضهم ** خروج عن الإسلام والحق يبعد )
( فلعنة رب العرش والخلق كلهم ** على من قلاهم والتعصب يقصد )
وكان حاد اللسان والخلق شديد النفرة من الشيخ يحيى العجيسي أضر بأخرة ومات بسكنه بالصالحية يوم الثلاثاء 27 ذي الحجة سنة 853 بعد أن أنشد قبيل موته بشهر في حال صحته الشيخ جمال الدين ابن الأمانة من نظمه قوله
( أفكر في موتي وبعد فضيحتي ** فيحزن قلبي من عظيم خطيئتي )
( وتبكي دما عيني وحق لها البكا ** على سوء أفعالي وقلة حيلتي )
____________________
(2/695)


( وقد ذابت اكبادي عناء وحسرة ** على بعد أوطاني وفقد أحبتي )
( فما لي إلا الله أرجوه دائما ** ولا سيما عند اقتراب منيتي )
( فنسأل ربي في وفاتي مؤمنا ** بجاه رسول الله خير البرية )
قال السخاوي ومما كتبته عنه
( ألفيته حول المعلم باكيا ** ودموعه قد صاغها من كوثر )
( نثر الدموع على الخدود فخلتها ** درا تناثر في عقيق أحمر ) وقوله
( عليك بنعمة رب العلا ** وراع الملوك لرعي الذمم )
( وذو العلم فارع له حقه ** وإلا تفارق وتلق الندم ) فهذا مقالي فلتسمعوا ** نصيحة حبر من أهل الحكم )
( إذا كنت في نعمة فارعها ** فإن المعاصي تزيل النعم ) وقال
( للغرب فضل شائع لا يجهل ** ولأهله شرف ودين يكمل )
( ظهرت به أعلام حق حققت ** ما قاله خير الأنام المرسل )
( من أنهم حتى القيامة لن يزا لوا ** ظاهرين على الهدى لن يخذلوا )
وممن حدث عن الراعي الحافظ ابن فهد والبرهان البقاعي ومن تأليفه شرح القواعد وكتاب انتصار الفقير السالك لمذهب الإمام الكبير مالك في كراريس أربعة حسن في موضوعة وله النوازل النحوية في عشرة كراريس أو أكثر وفيها فوائد حسنة وأبحاث رائقة تكلم معه في بعضها أبو
____________________
(2/696)

عبد الله بن العباس التلمساني وذكر بعضهم أنه اختصر شرح شيخه ابن مرزوق على مختصر الشيخ خليل من باب القضاء إلى آخر الكتاب انتهى وجرت له في صغره حكاية دلت على نبله وهي أنه دخل على الطلبة رجل وهم بجامع غرناطة فسألهم عمن كان وراء إمام فحدث للإمام عذر ذهب لأجله مثل الرعاف مثلا فصلوا بعض الصلاة لأنفسهم ثم اقتدوا بإمام منهم قدموه فيما بقي فهل تصح صلاتهم أم لا فلم يكن عند أحد من الحاضرين فيها علم فقال هو إن الصلاة باطلة لأن النحاة يقولون الإتباع بعد القطع لا يجوز وقد حكى ذلك في شرحه للجرومية الذي سماه بعنوان الإفادة في باب النعت إذ قال ما نصه كنت جالسا بمسجد قيسارية غرناطة أنتظر سيدنا وشيخنا أبا الحسن علي بن سمعة رحمه الله تعالى مع جماعة من كبار طلبته وكنت إذ ذاك أصغرهم سنا وأقلهم علما فدخل سائل سأل عن مسألة فقهية نصها إن إماما صلى بجماعة جزءا من صلاة ثم غلب عليه الحدث فخرج ولم يستخلف عليهم فقام كل واحد من الجماعة وصلى وحده جزءا من الصلاة ثم بعد ذلك استخلفوا من أتم بهم الصلاة فهل تصح تلك الصلاة أم لا فلم يكن فيها عند الحاضرين جواب فقلت أنا أجاوب فيها بجواب نحوي فقال هات الجواب فقلت هذا إتباع بعد القطع وهو ممتنع عند النحويين فصلاة هؤلاء باطلة فاستظرفها مني من حضر لصغر سني ثم طلبنا النص فيها فلم نلقه في ذلك التاريخ ولو لقيناه لكان حسنا انتهى ومن ألغازه قوله
( حاجيتكم نحاتنا المصرية ** أولي الذكا والعلم والطعميه )
( ما كلمات أربع نحويه ** جمعن في حرفين للأحجيه )
____________________
(2/697)

يعني فعل الأمر للواحد من وأى يئي إذا أضمر فإنك تقول فيه إ يا زيد على حرف واحد وهو الهمزة المقطوعة فإذا قلت قل إ ونقلت حركته على لغة النقل إلى الساكن صار هكذا قل فذهب فعل الأمر وفاعله فهي كلمات أربع فعلا أمر وفاعلاهما جمعن في حرفين القاف واللام فافهم وأحسن من هذا قوله ملغزا في ذلك أيضا
( في أي لفظ يا نحاة الملة ** حركة قامت مقام الجملة ) وبالجملة فمحاسنه كثيرة رحمه الله تعالى ورضي عنه ومن فوائده قوله حكى لي بعض علماء المالكية قال كنا نقرأ المدونة على الشيخ سراج الدين البلقيني الشافعي فوقعت مسألة خلافية بين مالك والشافعي فقال الشيخ في مسألة مذهبنا كذا في مسألة لم يقل فيها الشافعي بما قال وإنما نسبها البلقيني لنفسه ثم فطن وخاف ينتقد عليه المالكية ويقولوا له أنت شافعي وهذا ليس مذهب الشافعي فقال فإن قلتم يا مالكية لسنا بمالكية وإنما أنتم شافعية قلنا كذلك أنتم قاسمية وقد اجتمعنا الكل في مالك قال وهذا الكلام حلو حسن في غاية الإنصاف من الشيخ قال ولما قرئ عليه كتاب الشفاء مدحه وأثنى عليه إلى الغاية وكان يحضره جماعة من المالكية فقال القاضي جمال الدين ابنه ما لكم يا مالكية لا تكونون مثل القاضي عياض فقال له أبوه الشيخ سراج الدين المذكور وما لك لا تقول للشافعية ما لكم يا شافعية لا تكونون مثل القاضي عياض ومن فوائد الراعي في باب العلم من شرحه على الألفية في الكلب عشر خصال محمودة ينبغي أن تكون في كل فقير لا يزال جائعا وهو من دأب الصالحين ولا يكون له موضع يعرف به وذلك من علامة المتوكلين ولا ينام من الليل إلا القليل وذلك من صفات المحبين وإذا مات لا يكون له ميراث وذلك من أخلاق الزاهدين ولا يهجر صاحبه وإن جفاه وطرده
____________________
(2/698)

وذلك من شيم المريدين ويرضى من الدنيا بأدنى يسير وذلك من إشارة القانعين وإذا غلب عن مكانه تركه وانصرف إلى غيره وذلك من علامة المتواضعين وإذا ضرب وطرد ثم دعي أجاب وذلك من أخلاق الخاشعين وإذا حضر شيء من الأكل وقف ينظر من بعيد وذلك من أخلاق المساكين وإذا رحل لم يرحل معه بشيء وذلك من علامة المتجردين انتهى بمعناه وقد نسبه للحسن البصري رحمه الله تعالى ورضي عنه بمنه ومن تصانيفه رحمه الله تعالى كتاب الفتح المنير في بعض ما يحتاج إليه الفقير في غاية الإفادة ملكته بالمغرب ولم أره بهذه البلاد المشرقية وحفظت منه فوائد ممتعة
307 ومن الراحلين من الأندلس إلى المشرق بعد أخذ جميع بلاد الأندلس - أعادها الله تعالى قاضي الجماعة بغرناطة أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن الأزرق قال السخاوي إنه لازم الأستاذ إبراهيم بن أحمد بن فتوح مفتي غرناطة في النحو والأصلين والمنطق بحيث كان جل انتفاعه به وحضر مجالس أبي عبد الله محمد بن محمد السرقسطي العالم الزاهد مفتيها أيضا في الفقه ومجالس الخطيب أبي الفرج عبد الله بن أحمد البقني والشهاب قاضي الجماعة بغرناطة أبي العباس أحمد بن أبي يحيى بن شرف التلمساني انتهى وله رحمه الله تعالى تآليف منها بدائع السلك في طبائع الملك كتاب حسن مفيد في موضوعه لخص فيه كلام ابن خلدون في مقدمة تاريخه وغيره مع زوائد كثيرة ومنها روضة الأعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام
____________________
(2/699)

مجلد ضخم فيه فوائد وحكايات لم يؤلف في فنه مثله وقفت عليه بتلمسان وحفظت منه ما أنشده لبعض أهل عصره مما يكتب في سيف
( إن عمت الأفق من نقع الوغى سحب ** فشم بها بارقا من لمع إيماضي )
( وإن نوت حركات النصر أرض عدى ** فليس للفتح إلا فعلي الماضي ) ومن إنشائه في التأليف المذكور ما صورته قلت ولقد كان شيخنا العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن فتوح قدس الله تعالى روحه يفسح لصاحب البحث مجالا رحبا ويوسع المراجع له قبولا ورحبا بل يطالب بذلك ويقتضيه ويختار طريق التعليم به ويرتضيه توفيقا على ما خلص له تحقيقه ووضح له في معيار الاختيار تدقيقه وإلا فقد كان ما يلقيه غاية ما يتحصل ويتمهد به مختار ما يحفظ ويتأصل انتهى وهو يدل على ملكته في الإنشاء ويحقق ما يحصله إلا أن ذلك إذا طال حتى وقع الملل والضجر أو كاد فينبغي الإمساك عن البحث لئلا يفضي الحال إلى ما ينهى عنه قال ومخالفة التلميذ الشيخ في بعض المسائل إذا كان لها وجه وعليها دليل قائم يقبله غير الشيخ من العلماء ليس من سوء أدب التلميذ مع الشيخ ولكن مع ملازمة التوقير الدائم والإجلال الملائم فقد خالف ابن عباس عمر وعليا وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم وكان قد أخذ عنهم وخالف كثير من التابعين بعض الصحابة وإنما أخذوا العلم عنهم وخالف مالك كثيرا من أشياخه وخالف الشافعي وابن القاسم وأشهب مالكا في كثير من المسائل وكان مالك أكبر أساتيذ الشافعي وقال لا أحد أمن علي من مالك وكاد كل من أخذ العلم أن يخالفه بعض تلامذته في عدة مسائل ولم يزل ذلك دأب التلاميذ مع الأساتيذ إلى زماننا هذا وقال وشاهدنا ذلك في أشياخنا مع أشياخهم رحمهم الله تعالى قال ولا ينبغي للشيخ أن يتبرم من هذه المخالفة
____________________
(2/700)

إذا كانت على الوجه الذي وصفناه والله تعالى أعلم انتهى ولما أنشد ابن الأزرق المذكور في كتابه روضة الأعلام قول القائل في مدح ابن عصفور
( نقل النحو إلينا الدؤل ** ي عن أمير المؤمنين البطل ) بدأ النحو علي وكذا ** ختم النحو ابن عصفور علي )
قال بعده ما نصه على أن صاحبنا الكاتب الأديب الأبرع أبا عبد الله محمد بن الأزرق الوادي آشي رحمه الله تعالى قد قال فيما يدافع ابن عصفور عما اقتضاه هذا المدح له بتفضيل الأستاذ المحقق أبي الحسن بن الضائع عليه ولقد أبدع في ذلك ما شاء لما تضمن من التورية
( بضائعك ابن الضائع الندب قد أتت ** بحظ من التحقيق والعلم موفور )
( فطرت عقابا كاسرا أو ما ترى ** مطارك قد أعيا جناح ابن عصفور ) انتهى وقد نقل عن ابن الأزرق صاحب المعيار في جامعه وأثنى عليه غير واحد ومن أعظم تآليفه شرحه الحافل على مختصر خليل المسمى ب شفاء الغليل في شرح مختصر خليل وقد توارد معه الشيخ ابن غازي على هذه التسمية وكان مولانا العم الإمام شيخ الإسلام سيدي سعيد بن أحمد المقري رضي الله تعالى عنه قال لي حين سألته عن هذا التوارد لعل تسمية ابن الأزرق شفاء العليل بالعين قلت يبعد ذلك أن جماعة من تلامذته الأكابر كالوادي آشي وغيره كتبوه بخطوطهم بالغين المعجمة فبان أنه من توارد الخواطر وأن كلا منهما لم يقف على تسمية الآخر والله تعالى أعلم وقد رأيت جملة من هذا الشرح بتلمسان وذلك نحو ثلاثة مجلدات ولا أدري هل أكمله أم لا لأن تقديره بحسب ما رأيت يكون عشرين مجلدا إذ المجلد الأول ما أتم مسائل الصلاة
____________________
(2/701)

ورأيت الخطبة وحدها في أكثر من كراسة أبان فيها عن علوم ولم أر في شروح خليل مع كثرتها مثله ودخل تلمسان لما استولى العدو على بلاد الأندلس ثم ارتحل إلى المشرق فدخل مصر واستنهض عزائم السلطان قايتباي لاسترجاع الأندلس فكان كمن يطلب بيض الأنوق أو الأبيض العقوق ثم حج ورجع إلى مصر فجدد الكلام في غرضه فدافعوه عن مصر بقضاء القضاة في بيت المقدس فتولاه بنزاهة وصيانة وطهارة ولم تطل مدته هنالك حتى توفي به بعد سنة خمس وتسعين وثمانمائة حسبما ذكره صاحب الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل فليراجع فإنه طال عهدي به ومن بارع نظمه رحمه الله تعالى قوله في المجبنات
( ورب محبوبة تبدت ** كأنها الشمس في حلاها )
( فأعجب لحال الأنام من قد ** أحبها منهم قلاها )
ومنه قوله رحمه الله تعالى
( عذري في هذا الدخان الذي ** جاور داري واضح في البيان )
( قد قلتم إن بها زخرفا ** ولا يلي الزخرف إلا الدخان ) وقوله
( تأملت من حسن الربيع نضارة ** وقد غردت فوق الغصون البلابل )
( حكت في غصون الدوح قسا فصاحة ** لتعلم أن النبت في الروض باقل ) وقوله
( وقائلة صف للربيع محاسنا ** فقلت وعندي للكلام بدار )
( همي ببطاح الأرض صوب من الحيا ** فللنبت في وجه الزمان عذار )
____________________
(2/702)

وقوله 2 12 3 13 4 14 5 15 1 6 2 7 8 3 9 4 10 5 11 6 12 7 13 8 14 9 15 10 16 11 17 * يا نور يا هادي يا حق يا مبين
____________________
(2/703)

افتح لي فتحا تنور به قلبي وتشرح به صدري واهدني إلى طريق ترضاه وبين لي أمري وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا انتهى وقال رحمه الله تعالى موريا
( من تكن صنعته الإنشاء ** لا ينكر الرزق لأقصى العمر )
( ولو استعلى على السبع الدرا ** ري بما فيه فمه من درر )
( فأنا الكاتب لكن لو يباع ** لي العتق لكنت المشترى )
هكذا رأيت نسبتها إليه
ولنختم ترجمته بل والباب جميعا بقوله رحمه الله تعالى عند نزول طاغية النصارى بمرج غرناطة أعادها الله تعالى للإسلام بجاه النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام
( مشوق بخيمات الأحبة مولع ** تذكره نجد وتغريه لعلع )
( مواضيعكم يا لائمين على الهوى ** فلم يبق للسلوان في القلب موضع )
( ومن لي بقلب تلتظي فيه زفرة ** ومن لي بجفن تنهمي منه أدمع )
( رويدك فارقب للطائف موضعا ** وخل الذي من شره يتوقع )
( وصبرا فإن الصبر خير غنيمة ** ويا فوز من قد كان للصبر يرجع )
( وبت واثقا باللطف من خير راحم ** فألطافه من لحمه العين أسرع )
( وإن جاء خطب فانتظر فرجا له ** فسوف تراه في غد عنك يرفع )
( وكن راجعا لله في كل حالة ** فليس لنا إلا إلى الله مرجع )
____________________
(2/704)


____________________
(3/5)


وأنكر غير واحد دخول أحد من الصحابة الأندلس
وذكر بعض الحفاظ المنيذر المذكور وقال إنه المنيذر اليماني وذكر الحجاري أنه من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وأنه دخل الأندلس مع موسى بن نصير غازيا وقال ابن بشكوال يقال فيه المنيذر لكونه من أحداث الصحابة رضي الله تعالى عنهم وقد حكى ذلك الرازي وذكره ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب في الصحابة وسماه بالمنيذر الإفريقي وقال ابن بشكوال إن ابن عبد البر روى عنه حديثا سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره أبو علي بن السكن في كتاب الصحابة وقال روي عنه حديث واحد وأرجو أن يكون صحيحا وذكره ابن قانع في معجم الصحابة له وذكره البخاري في تاريخه الكبير إذ قال أبو المنيذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قد حدث بإفريقية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قال رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا فأنا الزعيم لآخذن بيده فأدخله الجنة كذا ذكره البخاري بالكنية وهذا الحديث هو الذي رووه عنه لا يعرف له غيره وذكره أبو جعفر أحمد بن رشدين في كتاب مسند الصحابة له فقال المنيذر اليماني إما من مذحج أو غيرها وذكر الحديث سواء وقد أشرنا فيما سبق إلى المنيذر هذا ومن التابعين الداخلين الأندلس أميرها موسى بن نصير وقد سبق الكلام عليه ما فيه كفاية
____________________
(3/6)

3 - ومن التابعين الداخلين الأندلس حنش الصنعاني
وفي كتاب ابن بشكوال قال ابن وضاح حنش لقب له واسمه حسين بن عبد الله وكنيته أبو علي ويقال أبو رشدين قال ابن بشكوال وهو من صنعاء الشام وذكره أبو سعيد ابن يونس في تاريخ أهل مصر وإفريقية والأندلس فقال إنه كان مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وغزا المغرب مع رفيقه رويفع بن ثابت وغزا الأندلس مع موسى بن نصير وكان فيمن ثار مع ابن الزبير على عبد الملك بن مروان فأتى به عبد الملك في وثاق فعفا عنه وكان أول من ولي عشور إفريقية في الإسلام وتوفي بإفريقية سنة مائة
وذكر ابن يونس عن حنش أنه كان إذا فرغ من عشائه وحوائجه وأراد الصلاة من الليل أوقد المصباح وقرب المصحف وإناء فيه ماء فإذا وجد النعاس استنشق الماء وإذا تعايا في آية نظر في المصحف وإذا جاء سائل يستطعم لم يزل يصيح بأهله أطعموا السائل حتى يطعم
قال ابن حبيب دخل الأندلس من التابعين حنش بن عبد الله الصنعاني وهو الذي أشرف على قرطبة من الفج المسمى بفج المائدة وأذن وذلك في غير وقت الأذان فقال له أصحابه في ذلك فقال إن هذه الدعوة لا تنقطع من هذه البقعة إلا أن تقوم الساعة هكذا ذكره غير واحد وقد كشف الغيب خلاف ذلك فلعل الرواية موضوعة أو مؤولة والله تعالى أعلم
وذكره ابن عساكر في تاريخه وطول ترجمته وقال إن صنعاء المنسوب إليها قرية من قرى الشام وليست صنعاء اليمن وقد قيل إنه لم يرو عن حنش الشاميون وإنما روى عنه المصريون وحدث حنش عن عبد الله بن عباس أنه قال له إن استطعت أن تلقى الله تعالى وسيفك حليته حديد فافعل
____________________
(3/7)


وكان عبد الملك بن مروان حين غزا المغرب مع معاوية بن حديج نزل عليه بإفريقية سنة خمسين فحفظ له ذلك فعفا عنه حين أتي به في وثاق حين ثار مع ابن الزبيرس
وسئل أبو زرعة عن حنش فقال ثقة ولم يذكر ابن عساكر أن حنشا لقب له وأن اسمه حسين بل اقتصر على اسمه حنش ولعله الصواب لا ما قاله ابن وضاح والله تعالى أعلم
وفي تاريخ ابن الفرضي أبي الوليد أن حنشا كان بسرقسطة وأنه الذي أسس جامعها وبها مات وقبره بها معروف عند باب اليهود بغربي المدينة
وفي تاريخ ابن بشكوال أنه أخذ أيضا قبلة جامع إلبيرة وعدل وزن قبلة جامع قرطبة الذي هو فخر الأندلس
4 -
____________________
(3/8)

ومن التابعين الداخلين للأندلس أبو عبد الله علي بن رباح اللخمي ذكر ابن يونس في تاريخ مصر أنه ولد سنة خمس عشرة عام اليرموك وكان أعور ذهبت عينه يوم ذات السواري في البحر مع عبد الله بن سعد سنة أربع وثلاثين وكان يفد لليمانية من أهل مصر على عبد الملك بن مروان وكانت له من عبد العزيز بن مروان منزلة وهو الذي زف أم البنين بنت عبد العزيز إلى الوليد بن عبد الملك ثم عنت عليه عبد العزيز فأغزاه إفريقية فلم يزل بإفريقية إلى أن توفي بها ويقال كانت وفاته سنة أربع عشرة ومائة
قال ابن بشكوال أهل مصر يقولون علي بن رباح بفتح العين وأما أهل العراق فعلي بضم العين وقد سبق هذا الكلام عن ابن معين في الباب الثاني وقال وقال ابنه موسى بن علي من قال لي موسى بن علي بالتصغير لم أجعله في حل
5 - ومن التابعين الداخلين أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المعافري الحبلي قال ابن بشكوال إنه يروي عن أبي أيوب الأنصاري وعبد الله ابن عمرو رضي الله تعالى عنهم وغيرهم وروى عنه جماعة
وذكر البخاري في تاريخه الكبير أنه يعد في المصريين وذكر ابن يونس في تاريخ المغرب أنه توفي بإفريقية سنة مائة وكان رجلا صالحا فاضلا رحمه الله تعالى ويذكر أهل قرطبة أنه توفي بقرطبة وأنه دفن بقبليها وقبره مشهور يتبرك به والله تعالى أعلم بحقيقة الأمر في ذلك 6 - ومن الداخلين من التابعين حبان بن أبي جبلة
ذكر ابن بشكوال أنه مولى قريش ويكنى أبا النضر وذكره أبو العرب محمد بن تميم في تاريخ إفريقية وقال حدثني فرات بن محمد أن عمر بن عبد العزيز أرسل عشرة من التابعين يفقهون أهل إفريقية منهم حبان بن أبي جبلة روى عن عمرو بن العاص وعبد الله بن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم
ويقال توفي بإفريقية سنة اثنتين وعشرين ومائة وقيل سنة خمسة وعشرين ومائة وذكر ابن الفرضي أنه غزا مع موسى بن نصير حين افتتح الأندلس حتى انتهى إلى حصن من حصونها يقال له قرقشونة فتوفي به قال وقال لنا أبو محمد الثغري بين قرقشونة وبرشلونة مسافة خمس وعشرين ميلا وفيها الكنيسة المعظمة عندهم المسماة شنت مرية ذكر أن فيها سبع سوار فضة خالصة لم ير الراؤون مثلها لا يحزم الإنسان بذراعيه واحدة منها مع طول مفرط هكذا نقله ابن سعيد عمن ذكر والله تعالى أعلم
____________________
(3/9)


7 - ومن الداخلين من التابعين فيما ذكر المغيرة بن أبي بردة نشيط بن كنانة العذري روى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ويروي عنه مالك في موطئه وذكره البخاري في تاريخه الكبير وفي كتاب الحافظ ابن بشكوال أنه دخل الأندلس مع موسى بن نصير فكان موسى بن نصير يخرجه على العساكر
8 - ومن التابعين حيوة بن رجاء التميمي ذكر ابن حبيب أنه دخل الأندلس مع موسى بن نصير وأصحابه وأنه من جملة التابعين رضي الله تعالى عنهم قاله ابن بشكوال في مجموعه المترجم ب التنبيه والتعيين لمن دخل الأندلس من التابعين
قال ابن الأبار وقد سمعته من أبي الخطاب بن واجب وسمعه هو منه انتهى
وقال ابن الأبار في موضع آخر ما صورته رجاء بن حيوة مذكور في الذين دخلوا الأندلس من التابعين وفي ذلك عندي نظر وما أراه يصح والله تعالى أعلم انتهى فانظر هذا فإنه سماه رجاء بن حيوة وذلك السابق حيوة بن رجاء فالله سبحانه أعلم بحقيقة الأمر في ذلك
9 - ومنهم عياض بن عقبة الفهري من خيار التابعين ذكره ابن حبيب في الأربعة الذين حضروا غنائم الأندلس ولم يغلوا
10 - ومنهم عبد الله بن شماسة الفهري ذكر ابن بشكوال أنه مضري وأن البخاري ذكره في تاريخه
____________________
(3/10)


11 - ومنهم عبد الجبار بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري جده عبد الرحمن أحد العشرة رضي الله تعالى عنهم وهو ممن ذكره ابن بشكوال في الأربعة من التابعين الذين لم يغلوا
12 - ومنهم منصور بن خزامة فيما يذكر قال ابن بشكوال قرأت في كتاب روايات الشيخ أبي عبد الله بن عابد الراوية رحمه الله تعالى قال وممن دخل الأندلس من المعمرين ما وجدت بخط المستنصر بالله الحكم بن عبد الرحمن الناصر رضي الله تعالى عنه في بعض كتبه المختزنة أنه قال طرأ علينا رجل أسود من ناحية السودان في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة فذكر أنه منصور بن حزامة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يزعم أنه أدرك أيام عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأنه كان مراهقا وكان مع عائشة رضي الله تعالى عنها يوم الجمل وأنه شهد صفين وأن حزامة أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج عن الأندلس في سنة ثلاثين وثلاثمائة إلى المغرب انتهى
قلت هذا كله لا أصل له ويرحم الله تعالى حافظ الإسلام ابن حجر حيث كتب على هذا الكلام ما صورته هذا هذيان لا أصل له ولا يغتر به وكذلك ترجمة أشج الغرب اتفق الحفاظ على كذبه انتهى قلت وما هو إلا من نمط عكراش والله تعالى يحفظنا من سماع الأباطيل بمنه
ومن هذه الأكاذيب ما يذكرون عن أبي الحسن علي بن عثمان بن خطاب وأنه يعرف بأبي الدنيا وأنه كان معمرا مشهورا بصحبة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وأنه رأى جماعة من كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم ووصفهم بصفاتهم وأنه رأى عائشة رضي الله تعالى عنها فيما زعم وقدم قرطبة على المستنصر الحكم بن الناصر وهو ولي عهد وسأله أبو بكر ابن القوطية عن مغازي علي وكتبها عنه وقد ذكره ابن بشكوال وغيره في كتبهم وتواريخهم فقد ذكر الثقات العارفون بالفن أنه كذاب دجال مائن
____________________
(3/11)

جاهل فإياك والاغترار بمثل ذلك مما يوجد في كتب كثير من المؤرخين بالمشرق والأندلس ولا يلتفت إلى قول تميم بن محمد التميمي إنه كان إذ لقيه ابن ثلاثمائة سنة وخمس سنين قال تميم واتصلت بنا وفاته ببلده في نحو سنة عشرين وثلاثمائة وبالجملة فلا أصل له وإنما ذكرناه للتنبيه عليه
وقد عرفت بما ذكرناه التابعين الداخلين الأندلس على أن للتحقيق أنهم لم يبلغوا ذلك العدد وإنما هم نحو خمسة أو أربعة كما ألمعنا به في غير هذا الموضع والله تعالى
13 - ومن الداخلين إلى الأندلس مغيث فاتح قرطبة وقد تقدم بعض الكلام عليه وذكر ابن حيان والحجاري أنه رومي زاد الحجاري وليس برومي على الحقيقة وتصحيح نسبه أنه مغيث بن الحارث بن الحويرث بن جبلة بن الأيهم الغساني سبي من الروم بالمشرق وهو صغير فأدبه عبد الملك بن مروان مع ولده الوليد وأنجب في الولادة وصار منه بنو مغيث الذين نجبوا في قرطبة وسادوا وعظم بيتهم وتفرعت دوحتهم وكان منهم عبد الرحمن بن مغيث حاجب عبد الرحمن بن معاوية صاحب الأندلس وغيره
ونشأ مغيث بدمشق ودخل الأندلس مع طارق فاتحها وجاز على ما في طريقها من البلاد إلى الشام وقدمه طارق لفتح قرطبة ففتحها ووقع بينه وبين طارق ثم وقع بينه وبين موسى بن نصير سيد طارق فرحل معهما إلى دمشق ثم عاد ظافرا عليهما إلى الأندلس وأنسل بقرطبة البيت المذكور وفي المسهب أنه فتح قرطبة في شوال سنة 92 ثم فتح الكنيسة التي تحصن بها ملك قرطبة بعد حصار ثلاثة أشهر في محرم سنة 93 ولم يذكر له مولدا ولا وفاة
وذكر الحجاري أنه تأدب بدمشق مع بني عبد الملك فأفصح بالعربية وصار يقول من الشعر والنثر ما يجوز كتبه وتدرب على الركوب وأخذ نفسه بالإقدام
____________________
(3/12)

في مضايق الحروب حتى تخرج في ذلك تخرجا أهله للتقدم على الجيش الذي فتح قرطبة وكان مشهورا بحسن الرأي والكيد وقد قدمنا كيفية فتحه قرطبة وأسره ملكها الذي لم يؤسر من ملوك الأندلس غيره لأن منهم من عقد على نفسه أمانا ومنهم من فر إلى جليقية
وذكر الحجاري أنه لما حصل بيده ملك قرطبة وحريمه رأى فيهن جارية كأنها بينهن بدر بين نجوم وهي تكثر التعرض له بجمالها فوكل بها من عرض عليها العذاب إن لم تقر بما عزمت عليه في شأن مغيث وأنه قد فطن من كثرة تعرضها له بحسنها لما أضمرته من المكر في شأنه فأقرت أنها أكثرت التعرض لتقع بقلبه إذ حسنها فتان وقد أعدت له خرقة مسمومة لتمسح بها ذكره عند وقاعها فحمد الله تعالى على ما ألهمه إليه من مكرها وقال لو كانت نفس هذه الجارية في صدر أبيها ما أخذت قرطبة من ليلة وذكر أن سليمان بن عبد الملك لما أصغى إلى طارق في شأن سيده موسى بن نصير فعذبه واستصفى أمواله أراد أن يصرف سلطان الأندلس إلى طارق وكان مغيث قد تغير عليه فاستشار سليمان مغيثا في تولية طارق وقال له كيف أمره بالأندلس فقال لو أمر أهلها بالصلاة إلى أي قبلة شاءها لتبعوه ولم يروا أنهم كفروا فعملت هذه المكيدة في نفس سليمان وبدا له في ولايته فلقيه بعد ذلك طارق فقال له ليتك وصفت أهل الأندلس بعصياني ولم تضمر في الطاعة ما أضمرت فقال مغيث ليتك تركت لي العلج فتركت لك الأندلس وكان طارق قد أراد أن يأخذ منه ملك قرطبة الذي حصل في يده فلم يمكنه منه فأغرى به سيده موسى بن نصير وقال له يرجع إلى دمشق وفي يده عظيم من عظماء الأندلس وليس في أيدينا مثله فأي فضل يكون لنا عليه فطلبه منه فامتنع من تسليمه قال ابن حيان فهجم موسى على العلج وانتزعه من مغيث فقيل له إن سرت به معك حيا ادعاه مغيث والعلج لا ينكر ولكن اضرب عنقه ففعل فاضطغنها عليه مغيث وبالغ
____________________
(3/13)

في أذيته عند سليمان
وذكر الحجاري في المسهب أن لمغيث من الشعر ما يجوز كتبه فمن ذلك شعر خاطب به موسى بن نصير ومولاه طارقا ويكفي منه هنا قوله
( أعنتكم ولكن ما وفيتم ** فسوف أعيث في غرب وشرق ) وعنوان طبقته في النثر أن موسى بن نصير قال له وقد عارضه بكلام في محفل من الناس كف لسانك فقال لساني كالمفصل ما أكفه إلا حيث يقتل
وأضافه ابن حيان والحجاري إلى ولاء الوليد بن عبد الملك وهو الذي وجهه إلى الأندلس غازيا ففتح قرطبة ثم عاد إلى المشرق فأعاده الوليد رسولا عنه إلى موسى بن نصير يستحثه على القدوم عليه فوفد معه فوجدوا الوليد قد مات فخدم بعده سليمان بن عبد الملك
14 - 15 - ومن الداخلين أيوب بن حبيب اللخمي ذكر ابن حيان أنه ابن أخت موسى بن نصير وأن أهل إشبيلية قدموه على سلطان الأندلس بعد قتل عبد العزيز بن موسى واتفقوا في أيامه على تحويل السلطان من إشبيلية إلى قرطبة فدخل إليها بهم وكان قيامه بأمرهم ستة أشهر وقيل إن الذي نقل السلطنة من إشبيلية إلى قرطبة الحر بن عبد الرحمن الثقفي
قال الرازي قدم الحر واليا على الأندلس في ذي الحجة سنة سبع وتسعين ومعه أربعمائة رجل من وجوه إفريقية فمنهم أول طوالع الأندلس المعدودين وقال ابن بشكوال كانت مدة الحر سنتين وثمانية أشهر وكانت ولايته بعد قيام أيوب بن حبيب اللخمي
16 - 26 - ومن الداخلين السمح بن مالك الخولاني ولي الأندلس
____________________
(3/14)

بعد الحر بن عبد الرحمن السابق قال ابن حيان ولاه عمر بن عبد العزيز وأوصاه أن يخمس من أرض الأندلس ما كان عنوة ويكتب إليه بصفتها وأنهارها وبحارها قال وكان من رأيه أن ينقل المسلمين عنها لانقطاعهم وبعدهم عن أهل كلمتهم قال وليت الله تعالى أبقاه حتى يفعل فإن مصيرهم مع الكفار إلى بوار إلا أن يستنقذهم الله تعالى برحمته
وذكر ابن حيان أن قدوم السمح كان في رمضان سنة مائة وأنه الذي بنى قنطرة قرطبة بعدما استأذن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وكانت دار سلطانه قرطبة
قال ابن بشكوال استشهد بأرض الفرنجة يوم التروية سنة اثنتين ومائة
قال ابن حيان كانت ولايته سنتين وثمانية أشهر وذكر أنه قتل في الوقعة المشهورة عند أهل الأندلس بوقعة البلاط وكانت جنود الإفرنجة قد تكاثرت عليه فأحاطت بالمسلمين فلم ينج من المسلمين أحد قال ابن حيان فيقال إن الأذان يسمع بذلك الموضع إلى الآن
وقدم أهل الأندلس على أنفسهم بعده عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي
وذكر ابن بشكوال أنه من التابعين الذين دخلوا الأندلس وأنه يروي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما وقال وكانت ولايته للأندلس في حدود العشر ومائة من قبل عبيدة بن عبد الرحمن القيسي صاحب إفريقية واستشهد في قتال العدو بالأندلس سنة خمس عشرة انتهى
وفيه مخالفة لما سبق أنه ولي بعد السمح وأن السمح قتل سنة 102 وهذا يقول تولى سنة 110 فأين ذا من ذاك والله تعالى أعلم
____________________
(3/15)


ووصفه الحميدي بحسن السيرة والعدل في قسمة الغنائم وذكر الحجاري أنه ولي الأندلس مرتين وربما يجاب بهذا عن الإشكال الذي قدمناه قريبا ويضعفه أن ابن حيان قال دخل الأندلس حين وليها الولاية الثانية من قبل ابن الحبحاب في صفر سنة ثلاث عشرة ومائة وغزا الإفرنج فكانت له فيهم وقائع جمة إلى أن استشهد وأصيب عسكره في شهر رمضان سنة 114 في موضع يعرف ببلاط الشهداء
قال ابن بشكوال وتعرف غزوته هذه بغزوة البلاط وقد تقدم مثل هذا في غزوة السمح فكانت ولايته سنة وثمانية أشهر وفي رواية سنتين وثمانية أشهر وقيل غير ذلك وكان سرير سلطانه حضرة قرطبة وولي الأندلس بعده عنبسة بن سحيم الكلبي وذكر ابن حيان أنه قدم على الأندلس واليا من قبل يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج حين كان صاحب إفريقية وكان قدومه الأندلس في صفر سنة 103 فتأخر بقدومه عبد الرحمن المتقدم الذكر قال ابن بشكوال فاستقامت به الأندلس وضبط أمرها وغزا بنفسه إلى أرض الإفرنجة وتوفي في شعبان سنة 107 فكانت ولايته أربعة أعوام وأربعة أشهر وقيل ثمانية أشهر
____________________
(3/16)


وذكر ابن حيان أنه في أيامه قام بجليقية علج خبيث يدعى بلاي فعاب على العلوج طول الفرار وأذكى قرائحهم حتى سما بهم إلى طلب الثار ودافع عن أرضه ومن وقته أخذ نصارى الأندلس في مدافعة المسلمين عما بقي بأيديهم من أرضهم والحماية عن حريمهم وقد كانوا لا يطمعون في ذلك وقيل إنه لم يبق بأرض جليقية قرية فما فوقها لم تفتح إلا الصخرة التي لاذ بها هذا العلج ومات أصحابه جوعا إلى أن بقي في مقدار ثلاثين رجلا ونحو عشر نسوة وما لهم عيش إلا من عسل النحل في جباح معهم في خروق الصخرة وما زالوا ممتنعين بوعرها إلى أن أعيا المسلمين أمرهم واحتقروهم وقالوا ثلاثون علجا ما عسى أن يجيء منهم فبلغ أمرهم بعد ذلك في القوة والكثرة والاستيلاء ما لا خفاء به
وملك بعده أذفونش جد عظماء الملوك المشهورين بهذه السمة
قال ابن سعيد فآل احتقار تلك الصخرة ومن احتوت عليه إلى أن ملك عقب من كان فيها المدن العظيمة حتى إن حضرة قرطبة في يدهم الآن جبرها الله تعالى وهي كانت سرير السلطنة لعنبسة اه
قال ابن حيان والحجاري إنه لما استشهد عنبسة قدم أهل الأندلس عليهم عذرة بن عبد الله الفهري ولم يعده ابن بشكوال في سلاطين الأندلس بل قال ثم تتابعت ولاة الأندلس مرسلين من قبل صاحب إفريقية أولهم يحيى بن سلمة وذكر الحجاري أن عذرة كان من صلحائهم وفرسانهم وصار لعقبه نباهة
____________________
(3/17)

وولده هشام بن عذرة هو الذي استولى على طليطلة قصبة الأندلس وفي عقبه بوادي آش من مملكة غرناطة نباهة وأدب قال ابن سعيد وهم إلى الآن ذوو بيت مؤصل ومجد مؤثل وكان سرير سلطنة عذرة قرطبة
وولي بعده يحيى بن سلمة الكلبي قال ابن بشكوال أنفذه إلى الأندلس بشر بن صفوان الكلبي والي إفريقية إذ استدعى منه أهلها واليا بعد مقتل أميرهم عنبسة فقدمها في شوال سنة سبع ومائة وأقام عليها سنة وستة أشهر لم يغز فيها بنفسه غزوة ونحوه لابن حيان وكان سريره قرطبة
وتولى بعده عثمان بن أبي نسعة الخثعمي وذكر ابن بشكوال أنه قدم عليها واليا من قبل عدي بن عبد الرحمن السلمي صاحب إفريقية في شعبان سنة عشر ومائة ثم عزل سريعا بعد خمسة أشهر وكان سرير سلطانه بقرطبة
وولي بعده حذيفة بن الأحوص القيسي قال ابن بشكوال وأتى إليها واليا من قبل عبيدة المذكور على اختلاف فيه وفي ابن أبي نسعة أيهما تولى قبل صاحبه وكان قدوم حذيفة في ربيع الأول سنة عشر ومائة وعزل عنها سريعا أيضا وقيل إن ولايته استتمت سنة وكان بقرطبة وولي بعده الأندلس الهيثم بن عبيد الكلابي قال ابن بشكوال ولاه عبيدة المذكور فوافى الأندلس في المحرم سنة إحدى عشرة ومائة وقيل إنه ولي سنتين وأياما وقد قيل أربعة أشهر وكان بقرطبة وولي بعده محمد بن عبد الله الأشجعي قال ابن بشكوال قدمه الناس عليهم وكان فاضلا فصلى بهم شهرين
قال ثم قدم عليهم واليا عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي الذي تقدمت ترجمته وذكرت ولايته الأولى للأندلس وليها من قبل عبيد الله بن الحبحاب صاحب إفريقية إلى أن استشهد كما تقدم
وولي الأندلس بعده عبد الملك بن قطن الفهري وذكر الحجاري أن من نسله بني القاسم أصحاب البونت وبني الجد أعيان إشبيلية قال ابن بشكوال قدم الأندلس في شهر رمضان سنة أربع عشرة ومائة فكانت مدة ولايته عامين
____________________
(3/18)

وقيل أربع سنين ثم عزل عنها ذميما في شهر رمضان سنة ست عشرة ومائة قال وكان ظلوما في سيرته جائرا في حكومته وغزا أرض البشكنس فأوقع بهم
وذكر ابن بشكوال أنه لما عزل وولي عقبة بن الحجاج وثب ابن قطن عليه فخلعه لا أدري أقتله أم أخرجه وملك الأندلس بقية إحدى وعشرين ومائة إلى أن رحل بلج بن بشر بأهل الشام إلى الأندلس فغلبه عليها وقتل عبد الملك بن قطن وصلب في ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين ومائة بعد ولاية بلج بعشرة أشهر وصلب بصحراء ربض قرطبة بعدوة النهر حيال رأس القنطرة وصلبوا عن يمينه خنزيرا وعن يساره كلبا وأقام شلوه على جذعه إلى أن سرقه مواليه بالليل وغيبوه فكان المكان بعد ذلك يعرف بمصلب ابن قطن فلما ولي ابن عمه يوسف بن عبد الرحمن الفهري استأذنه ابنه أمية بن عبد الملك وبنى فيه مسجدا نسب إليه فقيل مسجد أمية وانقطع عنه اسم المصلب وكان سن عبد الملك عند مقتله نحو التسعين
وذكر ابن بشكوال أن عقبة بن الحجاج السلولي ولاه عبيد الله بن الحبحاب صاحب إفريقية الأندلس ودخلها سنة سبع عشرة ومائة وقيل في السنة التي قبلها فأقام بها سنين محمود السيرة مثابرا على الجهاد مفتتحا للبلاد حتى بلغ سكنى المسلمين أربونة وصار رباطهم على نهر رودونة فأقام عقبة بالأندلس سنة إحدى وعشرين ومائة وكان قد اتخذ بأقصى ثغر الأندلس الأعلى مدينة يقال لها أربونة كان ينزلها للجهاد وكان إذا أسر الأسير لم يقتله حتى يعرض عليه الإسلام ويبين له عيوب دينه فأسلم على يده ألفا رجل وكانت ولايته خمس سنين وشهرين قال الرازي فثار أهل الأندلس بعقبة فخلعوه في صفر سنة ثلاث وعشرين في خلافة هشام بن عبد الملك وولوا على أنفسهم عبد الملك بن قطن وهي ولايته الثانية
____________________
(3/19)

فكانت ولاية عقبة الأندلس ستة أعوام وأربعة أشهر وتوفي في صفر سنة 123 وسريره قرطبة
27 - 31 - ومن الداخلين إلى الأندلس بلج بن بشر بن عياض القشيري قال ابن حيان لما انتهى إلى الخليفة هشام بن عبد الملك ما كان من أمر خوارج البربر بالمغرب الأقصى والأندلس وخلعهم لطاعته وعيثهم في الأرض شق عليه فعزل عبيد الله بن الحبحاب عن إفريقية وولى عليها كلثوم بن عياض القشيري ووجه معه جيشا كثيفا لقتالهم كان فيه مع ما انضاف إليه من جيوش البلاد التي صار عليها سبعون ألفا ومع ذلك فإنه لما تلاقى مع مسيرة البربري المدعي للخلافة هزمه ميسرة وجرح كلثوم ولاذ بسبتة وكان بلج ابن أخيه معه فقامت قيامة هشام لما سمع بما جرى عليه فوجه لهم حنظلة بن صفوان فأوقع بالبربر ففتح الله تعالى على يديه
ولما اشتد حصار بلج وعمه كلثوم ومن معهما من فل أهل الشام بسبتة وانقطعت عنهم الأقوات وبلغوا من الجهد إلى الغاية استغاثوا بإخوانهم من عرب الأندلس فتثاقل عنهم صاحب الأندلس عبد الملك بن قطن لخوفه على سلطانه منهم فلما شاع خبر ضرهم عند رجال العرب أشفقوا عليهم فأغاثهم زياد بن عمرو اللخمي بمركبين مشحونين ميرة أمسكا من أرماقهم فلما بلغ ذلك عبد الملك بن قطن ضربه سبعمائة سوط ثم اتهمه بعد ذلك بتغريب الجند عليه فسمل عينيه ثم ضرب عنقه وصله وصلب عن يساره كلبا واتفق في هذا الوقت أن برابر الأندلس لما بلغهم ما كان من ظهور برابر العدوة على العرب انتقضوا على عرب الأندلس واقتدوا بما فعله إخوانهم ونصبوا عليهم إماما فكثر إيقاعهم بجيوش ابن قطن واستفحل أمرهم فخاف ابن قطن أن يلقى منهم ما لقي العرب ببر العدوة من إخوانهم وبلغه أنهم قد عزموا على قصده فلم ير أجدى من الاستعداد بصعاليك عرب الشام أصحاب بلج الموتورين فكتب
____________________
(3/20)

لبلج وقد مات عمه كلثوم في ذلك الوقت فأسرعوا إلى إجابته وكانت أمنيتهم فأحسن إليهم وأسبغ النعم عليهم وشرط عليهم أن يأخذ منهم رهائن فإذا فرغوا له من البربر جهزمهم إلى إفريقية وخرجوا له عن أندلسه فرضوا بذلك وعاهدوه عليه فقدم عليهم وعلى جنده ابنيه قطنا وأمية والبربر في جموع لا يحصيها غير رازقها فاقتتلوا قتالا صعب فيه المقام إلى أن كانت الدائرة على البربر فقتلتهم العرب بأقطار الأندلس حتى ألحقوا فلهم بالثغور وخفوا عن العيون فكر الشاميون وقد امتلأت أيديهم من الغنائم فاشتدت شوكتهم وثابت همتهم وبطروا ونسوا العهود وطالبهم ابن قطن بالخروج عن الأندلس إلى إفريقية فتعللوا عليه وذكروا صنيعه بهم أيام انحصارهم في سبتة وقتله الرجل الذي أغاثهم بالميرة فخلعوه وقدموا على أنفسهم أميرهم بلج بن بشر وتبعه جند ابن قطن وحملوا عليه في قتل ابن قطن فأبى فثارت اليمانية وقالوا قد حميت لمضرك والله لا نطيعك فلما خاف تفرق الكلمة أمر بابن قطن فأخرج إليهم وهو شيخ كبير كفرخ نعامة قد حضر وقعة الحرة مع أهل اليمامة فجعلوا يسبونه ويقولون له أفلت من سيوفنا يوم الحرة ثم طالبتنا بتلك الترة فعرضتنا لأكل الكلاب والجلود وحبستنا بسبتة محبس الضنك حتى أمتنا جوعا فقتلوه وصلبوه كما تقدم وكان أمية وقطن ابناه عندما خلع قد هربا وحشدا لطلب الثأر واجتمع عليهما العرب الأقدمون والبربر وصار معهم عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري كبير الجند وكان في أصحاب بلج فلما صنع بابن عمه عبد الملك ما صنع فارقه فانحاز فيمن يطلب ثأره وانضم إليهم عبد الرحمن بن علقمة اللخمي صاحب أربونة وكان فارس الأندلس في وقته فأقبلوا نحو بلج في مائة ألف أو يزيدون وبلج قد استعد
____________________
(3/21)

لهم في مقدار اثني عشر ألفا سوى عبيد له كثيرة وأتباع من البلديين فاقتتلوا وصبر أهل الشام صبرا لم يصبر مثله أحد قط وقال عبد الرحمن بن علقمة اللخمي أروني بلجا فوالله لأقتلنه أو لأموتن دونه فأشاروا إليه نحوه فحمل بأهل الثغر حملة انفرج لها الشاميون والراية في يده فضربه عبد الرحمن ضربتين مات منهما بعد ذلك بأيام قلائل
ثم إن البلديين انهزموا بعد ذلك هزيمة قبيحة واتبعهم الشاميون يقتلون ويأسرون فكان عسكرا منصورا مقتولا أميره وكان هلاك بلج في شوال سنة أربع وعشرين ومائة وكانت مدته أحد عشر شهرا وسريره قرطبة والعرب الشاميون الداخلون معه إلى الأندلس يعرفون عند أهل الأندلس بالشاميين والذين كانوا في الأندلس قبل دخوله يشهرون بالبلديين
ولما هلك بلج قدم الشاميون عليهم بالأندلس ثعلبة بن سلامة العاملي وقد كان عندهم عهد الخليفة هشام بذلك فسار فيهم بأحسن سيرة ثم إن أهل الأندلس الأقدمين من العرب والبربر سموا بعد الوقعة لطلب الثأر فآل أمره معهم إلى أن حصروه بمدينة ماردة وهم لا يشكون في الظفر إلى أن حضر عيد تشاغلوا به فأبصر ثعلبة منهم غرة وانتشارا وأشرا بكثرة العدد والاستيلاء فخرج عليهم في صبيحة عيدهم وهم ذاهلون فهزمهم هزيمة قبيحة وأفشى فيهم القتل وأسر منهم ألف رجل وسبى ذريتهم وعيالهم وأقبل إلى قرطبة من سبيهم بعشرة آلاف أو يزيدون حتى نزل بظاهر قرطبة يوم خميس وهو يريد أن يحمل الأسارى على السيف بعد صلاة الجمعة
وأصبح الناس منتظرين لقتل الأسارى فإذا بهم قد طلع عليهم لواء فيه موكب فنظروا فإذا أبو الخطار قد أقبل واليا على الأندلس وهو أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي وذكر ابن حيان أنه قدم واليا من قبل حنظلة بن صفوان صاحب إفريقية والخليفة حينئذ الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان وذلك في رجب سنة خمس وعشرين ومائة بعد عشرة أشهر وليها ثعلبة بن سلامة قال وكان
____________________
(3/22)

مع فروسيته شاعرا محسنا وكان في أول ولايته قد أظهر العدل فدانت له الأندلس إلى أن مالت به العصبية اليمانية على المضرية فهاج الفتنة العمياء وكان سبب هذه الفتنة أن أبا الخطار بلغ به التعصب لليمانية أن اختصم عنده رجل من قومه مع خصم له من كنانة كان أبلج حجة من ابن عم أبي الخطار فمال أبو الخطار مع ابن عمه فأقبل الكناني إلى الصميل بن حاتم الكلابي أحد سادات مضر فشكا له حيف أبي الخطار وكان أبيا للضيم حاميا للعشيرة فدخل على أبي الخطار وأمض عتابه فنجهه أبو الخطار وأغلظ له فرد الصميل عليه فأمر به أبو الخطار فأقيم ودع قفاه حتى مالت عمامته فلما خرج قال له بعض من على الباب أبا جوشن ما بال عمامتك مائلة فقال إن كان لي قوم فسيقيمونها
وأقبل إلى داره فاجتمع إليه قومه حين بلغهم ذلك ممتعضين فباتوا عنده فلما أظلم الليل قال ما رأيكم فيما حدث علي فإنه منوط بكم فقالوا أخبرنا بما تريد فإن رأينا تبع رأيك فقال أريد والله إخراج هذا الأعرابي من هذا السلطان على ما خيلت وأنا خارج لذلك عن قرطبة فإنه ما يمكنني ما أريد إلا بالخروج فإلى أين ترون أقصد فقالوا اذهب حيث شئت ولا تأت أبا عطاء القيسي فإنه لا يواليك على أمر ينفعك وكان أبو عطاء هذا سيدا مطاعا يسكن بإستجة وكان مشاحنا للصميل مساميا له في القدر فسكت عند ذكره أبو بكر بن الطفيل العبدي وكان من أشرافهم إلا أنه كان حديث السن فقال له الصميل ألا تتكلم فقال أتكلم بواحدة ما عندي غيرها قال وما هي قال إن عدوت إتيان أبي عطاء وشتت أمرك به لم يتم أمرنا وهلكنا وإن أنت قصدته لم ينظر في شيء مما سلف بينكما وحركته الحمية لك فأجابك إلى ما تريد فقال له الصميل أصبت الرأي وخرج من ليلته وقام أبو عطاء في نصرته على ما قدره العبدي وعمد إلى ثوابة بن يزيد الجذامي أحد أشراف اليمن وساداتهم وكان ساكنا بمورور وقد استفسد إليه أبو الخطار فأجابهما في
____________________
(3/23)

القيام والتقدم على المضرية فاجتمعوا في شذونة وآل الأمر إلى أن هزموا أبا الخطار على وادي لكة وحصل أسيرا في أيديهم فأرادوا قتله ثم أرجأوه وأوثقوه وأقبلوا به إلى قرطبة وذلك في رجب سنة 127 بعد ولاية أبي الخطار بسنتين
ولما سجن أبو الخطار في قرطبة امتعض له عبد الرحمن بن حسان الكلبي فأقبل إلى قرطبة ليلا في ثلاثين فارسا معهم طائفة من الرجالة فهجموا على الحبس وأخرجوه منه ومضوا به إلى غرب الأندلس فعاد في طلب سلطانه ودب في يمانيته حتى اجتمع له عسكر أقبل بهم إلى قرطبة فخرج إليه ثوابة ومعه الصميل فقام رجل من المضرية ليلا فصاح بأعلى صوته يا معشر اليمن ما لكم تتعرضون إلى الحرب وتردون المنايا عن أبي الخطار أليس قد قدرنا عليه لو أردنا قتله لفعلنا لكننا مننا وعفونا وجعلنا الأمير منكم أفلا تفكرون في أمركم فلو أن الأمير من غيركم عذرتم ولا والله لا نقول هذا رهبة منكم ولا خوفا لحربكم ولكن تحرجا من الدماء ورغبة في عافية العامة فتسامع الناس به وقالوا صدق فتداعوا للرحيل ليلا فما أصبحوا إلا على أميال
قال الرازي ركب أبو الخطار البحر من ناحية تونس في المحرم سنة 125 وفي كتاب أبي الوليد ابن الفرضي كان أبو الخطار أعرابيا عصبيا أفرط في التعصب لليمانيين وتحامل على مضر وأسخط قيسا فثار به زعيمهم الصميل فخلعه ونصب مكانه ثوابة وهاج بين الفريقين الحروب المشهورة وخلع أبو الخطار بعد أربع سنين وتسعة أشهر وذلك سنة 128 وآل أمره إلى أن قتله الصميل
وولي الأندلس ثوابة بن سلامة الجذامي قال ابن بشكوال لما اتفقوا عليه خاطبوا بذلك عبد الرحمن بن حبيب صاحب القيروان فكتب إليه بعهد الأندلس وذلك سلخ رجب سنة 127 فضبط البلد وقام بأمره كله
____________________
(3/24)

الصميل واجتمع عليه أهل الأندلس وأقام واليا سنة أو نحوها ثم هلك وفي كتاب ابن الفرضي أنه ولي سنتين
ثم ولي الأندلس يوسف بن عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة ابن عقبة ابن نافع الفهري وجده عقبة بن نافع صاحب إفريقية وباني القيروان المجاب الدعوة صاحب الغزوات والآثار الحميدة ولهذا البيت في السلطنة بإفريقية والأندلس نباهة
وذكر الرازي أن مولده بالقيروان ودخل أبوه الأندلس من إفريقية مع حبيب بن أبي عبيدة الفهري عند افتتاحهم ثم عاد إلى إفريقية وهرب عنه ابنه يوسف هذا من إفريقية إلى الأندلس مغاضبا له فهوي الأندلس واستوطنها فساد بها قال الرازي كان يوسف يوم ولي الأندلس ابن سبع وخمسين سنة وأقامه أهل الأندلس بعد أميرهم ثوابة وقد مكثوا بغير وال أربعة أشهر فاجتمعوا عليه بإشارة الصميل من أجل أنه قرشي رضي به الحيان فرفعوا الحرب ومالوا إلى الطاعة فدانت له الأندلس تسع سنين وتسعة أشهر وقال ابن حيان قدمه أهل الأندلس في ربيع الآخر سنة 129 واستبد بالأندلس دون ولاية أحد له غير من بالأندلس وحكى ابن حيان أنه أنشد قول حرقة بنت النعمان بن المنذر يوم خلعه بالأمان من سلطانه ودخوله عسكر عبد الرحمن الداخل المرواني
( فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ** إذا نحن فيهم سوقة نتنصف )
قال ابن حيان لما سمع أبو الخطار بتقديمه حرك يمانيته فأجابوا دعوته فأدى ذلك إلى وقعة شقندة بين اليمانية والمضرية فيقال إنه لم يك بالمشرق ولا بالمغرب حرب أصدق منها جلادا ولا أصبر رجالا طال صبر بعضهم على بعض إلى أن فني السلاح وتجاذبوا بالشعور وتلاطموا بالأيدي وكل بعضهم عن بعض وثابت للصميل غرة في اليمانية في بعض الأيام فأمر بتحريك أهل الصناعات بأسواق قرطبة فخرجوا في نحو أربعمائة رجل من
____________________
(3/25)

أنجادهم بما حضرهم من السكاكين والعصي ليس فيهم حامل رمح ولا سيف إلا قليلا فرماهم على اليمانية وهم على غفلة وما فيهم من يبسط يدا لقتال ولا ينهض لدفاع فانهزمت اليمانية ووضعت المضربة السيف فيهم فأبادوا منهم خلقا واختفى أبو الخطار تحت سرير رحى فقبض عليه وجيء به إلى الصميل فضرب عنقه وقد ذكرنا خبر انخلاع يوسف عن سلطانه في ترجمة عبد الرحمن الداخل وهو آخر سلاطين الأندلس الذين ولوها من غير موارثة حتى جاءت الدولة المروانية
وذكر ابن حيان أن القائم بدولة يوسف والمستولي عليها الصميل بن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن الكلابي وجده شمر هو قاتل الحسين رضي الله تعالى عنه وكان شمر قد فر من المختار بولده من الكوفة إلى الشام فلما خرج كلثوم بن عياض للمغرب كان الصميل فيمن خرج معه ودخل الأندلس في طالعة بلج وكان شجاعا جوادا جسورا على قلب الدول فبلغ ما بلغ وآل أمره إلى أن قتله عبد الرحمن الداخل المرواني في سجن قرطبة مخنوقا
وذكر ابن حيان أنه كان ممن ثار على يوسف الفهري عبد الرحمن بن علقمة اللخمي فارس الأندلس ووالي ثغر أربونة وكان ذا بأس شديد ووجاهة عظيمة فبينما هو في تدبير غزو يوسف إذ اغتاله أصحابه وأقبلوا برأسه إليه
ثم ثار عليه بعد ذلك بمدينة باجة عروة بن الوليد في أهل الذمة وغيرهم فملك إشبيلية وكثر جمعه إلى أن خرج له يوسف فقتله وثار عليه بالجزيرة الخضراء عامر العبدري فخرج له وأنزله على أمان في سكنى قرطبة ثم ضرب عنقه بعد ذلك
وقيل إن أول من خرج على يوسف عمرو بن يزيد الأزرق في إشبيلية فظفر به فقتله وثار عليه في كورة سرقسطة الحباب الزهري إلى أن ظفر به يوسف فقتله ثم جاءته الداهية العظمى بدخول عبد الرحمن بن معاوية المرواني إلى الأندلس وسعيه في إفساد سلطانه فتم له ما أراده والله تعالى أعلم
____________________
(3/26)


32 - ومن الداخلين من المشرق إلى الأندلس ملكها عبد الرحمن بن معاوية ابن أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك بن مروان المعروف بالداخل وذلك أنه لما أصاب دولتهم ما أصاب واستولى بنو العباس على ما كان بأيديهم واستقر قدمهم في الخلافة فر عبد الرحمن إلى الأندلس فنال بها ملكا أورثه عقبه حقبة من الدهر
قال ابن حيان في المقتبس إنه لما وقع الاختلال في دولة بني أمية والطلب عليهم فر عبد الرحمن ولم يزل في فراره منتقلا بأهله وولده إلى أن حل بقرية على الفرات ذات شجر وغياض يريد المغرب لما حصل في خاطره من بشرى مسلمة فمما حكي عنه أنه قال إني لجالس يوما في تلك القرية في ظلمة بيت تواريت فيه لرمد كان بي وابني سليمان بكر ولدي يلعب قدامي وهو يومئذ ابن أربع سنين أو نحوها إذ دخل الصبي من باب البيت فازعا باكيا فأهوى إلى حجري فجعلت أدفعه لما كان بي ويأبى إلا التعلق وهو دهش يقول ما يقوله الصبيان عند الفزع فخرجت لأنظر فإذا بالروع قد نزل بالقرية ونظرت فإذا بالرايات السود عليها منحطة وأخ لي حديث السن كان معي يشتد هاربا ويقول لي النجاء يا أخي فهذه رايات المسودة فضربت بيدي على دنانير تناولتها ونجوت بنفسي والصبي أخي معي وأعلمت أخواتي بمتوجهي ومكان مقصدي وأمرتهن أن يلحقنني ومولاي بدر معهن وخرجت فكمنت في موضع ناء عن القرية فما كان إلا ساعة حتى أقبلت
____________________
(3/27)

الخيل فأحاطت بالدار فلم تجد أثرا ومضيت ولحقني بدر فأتيت رجلا من معارفي بشط الفرات فأمرته أن يبتاع لي دواب وما يصلح لسفري فدل علي عبد سوء له العامل فما راعنا إلا جلبة الخيل تحفزنا فاشتددنا في الهرب فسبقناها إلى الفرات فرمينا فيه بأنفسنا والخيل تنادينا من الشط ارجعا لا بأس عليكما فسبحت حاثا لنفسي وكنت أحسن السبح وسبح الغلام أخي فلما قطعنا نصف الفرات قصر أخي ودهش فالتفت إليه لأقوي من قلبه وإذا هو قد أصغى إليهم وهم يخدعونه عن نفسه فناديته تقتل يا أخي إلي إلي فلم يسمعني وإذا هو قد اغتر بأمانهم وخشي الغرق فاستعجل الانقلاب نحوهم وقطعت أنا الفرات وبعضهم قد هم بالتجرد للسباحة في أثري فاستكفه أصحابه عن ذلك فتركوني ثم قدموا الصبي أخي الذي صار إليهم بالأمان فضربوا عنقه ومضوا برأسه وأنا أنظر إليه وهو ابن ثلاث عشرة سنة فاحتملت فيه ثكلا ملأني مخافة ومضيت إلى وجهي أحسب أني طائر وأنا ساع على قدمي فلجأت إلى غيضة آشبة فتواريت فيها حتى انقطع الطلب ثم خرجت أؤم المغرب حتى وصلت إلى إفريقية
قال ابن حيان وسار حتى أتى إفريقية وقد ألحقت به أخته شقيقته أم الأصبغ مولاه بدرا ومولاه سالما ومعهما دنانير للنفقة وقطعة من جوهر فنزل بإفريقية وقد سبقه إليها جماعة من فل بني أمية وكان عند واليها عبد الرحمن بن حبيب الفهري يهودي حدثاني صحب مسلمة ابن عبد الملك وكان يتكهن له ويخبره بتغلب القرشي المرواني الذي هو من أبناء ملوك القوم واسمه عبد
____________________
(3/28)

الرحمن وهو ذو ضفيرتين يملك الأندلس ويورثها عقبه فاتخذ الفهري عند ذلك ضفيرتين أرسلهما رجاء أن تناله الرواية فلما جيء بعبد الرحمن ونظر إلى ضفيرتيه قال لليهودي ويحك هذا هو وأنا قاتله فقال له اليهودي إنك إن قتلته فما هو به وإن غلبت على تركه إنه لهو
وثقل فل بني أمية على ابن حبيب صاحب إفريقية فطرد كثيرا منهم مخافة وتجنى على ابنين للوليد بن يزيد كانا قد استجارا به فقتلهما وأخذ مالا كان مع إسماعيل بن أبان بن عبد العزيز بن مروان وغلبه على أخته فتزوجها بكرهه وطلب عبد الرحمن فاستخفى انتهى
وذكر ابن عبد الحكم أن عبد الرحمن الداخل أقام ببرقة مستخفيا خمس سنين وآل أمره في سفره إلى أن استجار ببني رستم ملوك تيهرت من المغرب الأوسط وتقلب في قبائل البربر إلى أن استقر على البحر عند قوم من زنانة وأخذ في تجهيز بدر مولاه إلى العبور للأندلس لموالي بني أمية وشيعتهم بها وكانت الموالي المروانية المدونة بالأندلس في ذلك الأوان ما بين الأربعمائة والخمسمائة ولهم جمرة وكانت رياستهم إلى شخصين أبي عثمان عبيد الله بن عثمان وعبد الله بن خالد وهما من موالي عثمان رضي الله تعالى عنه وكانا يتوليان لواء بني أمية يعتقبان حمله ورياسة جند الشام النازلين بكورة إلبيرة فعبر بدر مولى عبد الرحمن إلى أبي عثمان بكتاب عبد الرحمن يذكره فيه أيادي سلفه من بني أمية وسببه بهم ويعرفه مكانه من السلطان وسعيه لنيله إذ كان الأمر لجده هشام فهو حقيق بوراثته ويسأله القيام بشأنه وملاقاة من يثق به من الموالي الأموية وغيرهم ويتلطف في إدخاله إلى الأندلس ليبلي عذرا في الظهور عليها ويعده بإعلاء الدرجة ولطف المنزلة ويأمره أن يستعين في ذلك بمن يأمنه ويرجو قيامه معه ويأخذ فيه مع اليمانية ذوي الحنق على المضرية لما بين الحيين من الترات فمشى أبو عثمان لما دعاه إليه وبانت له فيه طماعية وكان عند ورود بدر قد تجهز إلى ثغر سرقسطة لنصرة
____________________
(3/29)

صاحبها الصميل بن حاتم وجه دولة يوسف بن عبد الرحمن صاحب الأندلس فقال لصهره عبد الله بن خالد المذكور لو كنا ذاكرنا الصميل خبر بدر وما جاء به لنختبر ما عنده في موافقتنا وكانا على ثقة في أنه لا يظهر على سرهما أحدا لمروءته وأنفته فقال له إن نحن فعلنا لم نأمن من أن تدركه الغيرة على سلطان يوسف لما هو عليه من شرف القدر وجلالة المنزلة فيتوقع سقوط رياسته فلا يساعدنا قال أبو عثمان فنمسح إذا على أمره ونذكر له أنه قصد لإرادة الإيواء والأمان وطلب أخماس جده هشام لدينا ليتعيش بها لا يريد غير ذلك فاتفقنا على هذا
فلما ودعا الصميل خلوا به في ذلك وقد ظهر لهما منه حقد على صاحبه يوسف في إبطائه عن إمداده لما حاربه الحباب الزهري بكورة سرقسطة فقال لهما أنا معكما فيما تحبان فاكتبا إليه أن يعبر فإذا حضر سألنا يوسف أن ينزله في جواره وأن يحسن له ويزوجه بابنته فإن فعل وإلا ضربنا صلعته بأسيافنا وصرفنا الأمر عنه إليه فشكراه وقبلا يده ثم ودعاه وأقام بطليطلة وقد ولاه يوسف عليها وعزله عن الثغر وانصرفا إلى وطنهما بإلبيرة وقد كانا لقيا من كان معهما في العسكر من وجوه الناس وثقاتهم فطارحاهم أمر ابن معاوية ثم دسا في الكور إلى ثقاتهما بمثل ذلك فدب أمره فيهم دبيب النار في الجمر وكانت سنة خلف بالأندلس بعد خروج من المجاعة التي دامت بالناس
وفي رواية أن الصميل لأن لهما في أن يطلب الأمر عبد الرحمن الداخل لنفسه ثم دبر ذلك لما انصرفا فتراجع فيه فردهما وقال إني رويت في الأمر الذي أدرته معكما فوجدت الفتى الذي دعوتماني إليه من قوم لو بال أحدهم بهذه الجزيرة غرقنا نحن وأنتم في بوله وهذا رجل نتحكم عليه ونميل على جوانبه ولا يسعنا بدل منه ووالله لو بلغتما بيوتكما ثم بدا لي فيما
____________________
(3/30)

فارقتكما عليه لرأيت أن لا أقصر حتى ألقاكما لئلا أغركما من نفسي فإني أعلمكما أن أول سيف يسل عليه سيفي فبارك الله لكما في رأيكما فقالا له ما لنا رأي إلا رأيك ولا مذهب لنا عنك
ثم انصرفا عنه على أن يعينهما في أمره إن طلب غير السلطان وانفصلا عنه إلى إلبيرة عازمين على التصميم في أمره ويئسا من مضر وربيعة ورجعا إلى اليمانية وأخذا في تهييج أحقاد أهل اليمن على مضر فوجداهم قوما قد وغرت صدورهم عليهم يتمنون شيئا يجدون به السبيل إلى إدراك ثأرهم واغتنما بعد يوسف صاحب الأندلس في الثغر وغيبة الصميل فابتاعا مركبا ووجها فيه أحد عشر رجلا منهم مع بدر الرسول وفيهم تمام بن علقمة وغيره وكان عبد الرحمن قد وجه خاتمه إلى مواليه فكتبوا تحت ختمه إلى من يرجونه في طلب الأمر فبثوا من ذلك في الجهات ما دب به أمرهم ولما وجه أبو عثمان المركب المذكور مع شيعته ألفوه بشط مغيلة من بلاد البربر وهو يصلي وكان قد اشتد قلقه وانتظاره لبدر رسوله فبشره بدر بتمكن الأمر وخرج إليه تمام مكثرا لتبشيره فقال له عبد الرحمن ما اسمك قال تمام قال وما كنيتك قال أبو غالب فقال الله أكبر الآن تم أمرنا وغلبنا بحول الله تعالى وقوته وأدنى منزلة أبي غالب لما ملك ولم يزل حاجبه حتى مات عبد الرحمن
وبادر عبد الرحمن بالدخول إلى المركب فلما هم بذلك أقبل البربر فتعرضوا دونه ففرقت فيهم من مال كان مع تمام صلات على أقدارهم حتى لم يبق أحد حتى أرضاه فلما صار عبد الرحمن بداخل المركب أقبل عات منهم لم يكن أخذ شيئا فتعلق بحبل الهودج يعقل المركب فحول رجل اسمه شاكر يده بالسيف فقطع يد البربري وأعانتهم الريح على التوجه بمركبهم حتى حلوا بساحل إلبيرة في جهة المنكب وذلك في ربيع الآخر سنة 138 فأقبل إليه نقيباه أبو عثمان وصهره أبو خالد فنقلاه إلى
____________________
(3/31)

قرية طرش منزل أبي عثمان فجاءه يوسف بن بخت وانثالت عليه الأموية وجاء جدار بن عمرو المذحجي من أهل مالقة فكان بعد ذلك قاضيه في العساكر وجاءه أبو عبدة حسان بن مالك الكلبي من إشبيلية فاستوزره وانثال عليه الناس انثيالا فقوي أمره مع الساعات فضلا عن الأيام وأمده الله تعالى بقوة عالية فكان دخوله قرطبة بعد ذلك بسبعة أشهر
وكان خبر دخوله للأندلس قد صادف صاحبها يوسف الفهري بالثغر وقد قبض على الحباب الزهري الثائر بسرقسطة وعلى عامر العبدري الثائر معه فبينما هو بوادي الرمل بمقربة من طليطلة وقد ضرب عنق عامر العبدري وابن عامر برأي الصميل إذ جاءه قبل أن يدخل رواقه رسول يركض من عند ولده عبد الرحمن بن يوسف من قرطبة يعلمه بأمر عبد الرحمن ونزوله بساحل جند دمشق واجتماع الموالي المروانية إليه وتشوف الناس لأمره فانتشر الخبر في العسكر لوقته وشمت الناس بيوسف لقتله القرشيين عامرا وابنه وختره بعهدهما فسارع عدد كثير إلى البدار لعبد الرحمن الداخل وتنادوا بشعارهم وقوضوا عن عسكره واتفق أن جادت السماء بوابل لا عهد بمثله لما شاء الله تعالى من التضييق على يوسف فأصبح وليس في عسكره سوى غلمانه وخاصته وقوم الصميل قيس وأتباعه فأقبل إلى طليطلة وقال للصميل ما الرأي فقال بادره الساعة قبل أن يغلظ أمره فإني لست آمن عليك هؤلاء اليمانية لحنقهم علينا فقال له يوسف أتقول ذلك ومع من نسير إليه وأنت ترى الناس قد ذهبوا عنا وقد أنفضنا من المال وأنضينا الظهر ونهكتنا المجاعة في سفرتنا هذه ولكن نسير إلى قرطبة فنستأنف الاستعداد له بعد أن ننظر في أمره ويتبين لنا خبره فلعله دون ما كتب
____________________
(3/32)


إلينا فقال الصميل الرأي ما أشرت به عليك وليس غيره وسوف تتبين غلطك فيما تنكبه ومضوا إلى قرطبة
وسار عبد الرحمن الداخل إلى إشبيلية وتلقاه رئيس عربها أبو الصباح بن يحيى اليحصبي واجتمع الرأي على أن يقصدوا به دار الإمارة قرطبة فلما نزلوا بطشانة قالوا كيف نسير بأمير لا لواء له ولا علم نهتدي إليه فجاءوا بقناة وعمامة ليعقدوها عليه فكرهوا أن يميلوا القناة لتعقد تطيرا فأقاموها بين زيتونتين متجاورتين فصعد رجل فرع إحداهما فعقد اللواء والقناة قائمة كما سيأتي وحكي أن فرقدا العالم صاحب الحدثان مر بذلك الموضع فنظر إلى الزيتونتين فقال سيعقد بين هاتين الزيتونتين لواء لأمير لا يثور عليه لواء إلا كسره فكان ذلك اللواء يسعد به هو وولده من بعده ولما أقبل إلى قرطبة خرج له يوسف وكانت المجاعة توالت قبل ذلك ست سنين فأورثت أهل الأندلس ضعفا ولم يكن عيش عامة الناس بالعسكر ما عدا أهل الطاقة مذ خرجوا من إشبيلية إلا الفول الأخضر الذي يجدونه في طريقهم وكان الزمان زمان ربيع فسمي ذلك العام عام الخلف وكان نهر قرطبة حائلا فسار يوسف من قرطبة وأقبل ابن معاوية على بر إشبيلية والنهر بينهما فلما رأى يوسف تصميم عبد الرحمن إلى قرطبة رجع مع النهر محاذيا له فتسايرا والنهر حاجز بينهما إلى أن حل يوسف بصحراء المصارة غربي قرطبة وعبد الرحمن في مقابلته وتراسلا في الصلح وقد أمر يوسف بذبح الجزر وتقدم بعمل الأطعمة وابن معاوية آخذ في خلاف ذلك قد أعد للحرب عدتها واستكمل أهبتها وسهر الليل كله على نظام أمره كما سنذكره ثم انهزم أهل قرطبة وظفر عبد الرحمن الداخل ونصر نصرا لا كفاء له وانهزم
____________________
(3/33)

الصميل وفر إلى شوذر من كورة جيان وفر يوسف إلى جهة ماردة
وذكر أن أبا الصباح رئيس اليمانية قال لهم عند هزيمة يوسف يا معشر يمن هل لكم إلى فتحين في يوم قد فرغنا من يوسف وصميل فلنقتل هذا الفتى المقدامة ابن معاوية فيصير الأمر لنا نقدم عليه رجلا منا ونحل عنه هذه المضرية فلم يجبه أحد لذلك وبلغ الخبر عبد الرحمن فأسرها في نفسه إلى أن اغتاله بعد عام فقتله
ولما انقضت الهزيمة أقام ابن معاوية بظاهر قرطبة ثلاثة أيام حتى أخرج عيال يوسف من القصر وعف وأحسن السيرة ولما حصل بدار الإمارة وحل محل يوسف لم يستقر به قرار من إفلات يوسف والصميل فخرج في إثر عدوه واستخلف على قرطبة القائم بأمره أبا عثمان واستكتب كاتب يوسف أمية بن زياد واستنام إليه إذ كان من موالي بني أمية ونهض في طلب يوسف فوقع يوسف على خبره فخالفه إلى قرطبة ودخل القصر وتحصن أبو عثمان خليفة عبد الرحمن بصومعة الجامع فاستنزله بالأمان ولم يزل عنده إلى أن عقد الصلح بينه وبين ابن معاوية وكان عقد الصلح المشتمل عليه وعلى وزيره الصميل في صفر سنة 139 وشارطه على أن يخلي بينه وبين أمواله حيثما كانت وأن يسكن بلاط الحر منزلة بشرقي قرطبة - على أن يختلف كل يوم إلى ابن معاوية ويريه وجهه وأعطاه رهينة على ذلك ابنه أبا الأسود محمد بن يوسف زيادة على ابنه عبد الرحمن الذي أسره ابن معاوية يوم الوقعة ورجع العسكران وقد اختلطا إلى قرطبة
وذكر ابن حيان أن يوسف بن عبد الرحمن نكث سنة 141 فهرب من قرطبة وسعى بالفساد في الأرض وقد كانت الحال اضطربت به في قرطبة ودس له قوم قاموا عليه في أملاكه زعموا أنه غصبهم إياها فدفع معهم إلى الحكام
____________________
(3/34)

فأعنتوه وحمل عنه في التألم بذلك كلام رفع إلى ابن معاوية أصاب أعداء يوسف به السبيل إلى السعاية به والتخويف منه فاشتد توحشه فخرج إلى جهة ماردة واجتمع إليه عشرون ألفا من أهل الشتات فغلظ أمره وحدثته نفسه بلقاء ابن معاوية فخرج نحوه من ماردة وخرج ابن معاوية من قرطبة فبينما ابن معاوية في حصن المدور مستعد إذ التقى بيوسف عبد الملك بن عمر بن مروان صاحب إشبيلية فكانت بينهما حرب شديدة انكشف عنها يوسف بعد بلاء عظيم منهزما واستحر القتل في أصحابه فهلك منهم خلق كثير وسار يوسف لناحية طليطلة فلقيه في قرية من قراها عبد الله بن عمرو الأنصاري فلما عرفه قال لمن معه هذا الفهري يفر قد ضاقت عليه الأرض وقتله الراحة له والراحة منه فقتله واحتز رأسه وقدم به إلى عبد الرحمن فلما قرب وأوذن عبد الرحمن به أمره أن يتوقف به دون جسر قرطبة وأمر بقتل ولده عبد الرحمن المحبوس عنده وضم إلى رأسه رأسه ووضعا على قناتين مشهرين إلى باب القصر
وكان عبد الرحمن لما فر يوسف قد سجن وزيره الصميل لأنه قال له أين توجه فقال لا أعلم فقال ما كان ليخرج حتى يعلمك ومع ذلك فإن ولدك معه وأكد عليه في أن يحضره فقال لو أنه تحت قدمي هذه ما رفعتها لك عنه فاصنع ما شئت فحينئذ أمر به للحبس وسجن معه ولدي يوسف أبا الأسود محمدا المعروف بعد بالأعمى وعبد الرحمن فتهيأ لهما الهرب من نقب فأما أبو الأسود فنجا سالما واضطرب في الأرض يبغي الفساد إلى أن هلك حتف أنفه وأما عبد الرحمن فأثقله اللحم فانبهر فرد إلى الحبس حتى قتل كما تقدم وأنف الصميل من الهرب فأقام بمكانه فلما
____________________
(3/35)

قتل يوسف أدخل ابن معاوية على الصميل من خنقه فأصبح ميتا فدخل عليه مشيخة المضرية في السجن فوجدوه ميتا وبين يديه كأس ونقل كأنه بغت على شرابه فقالوا والله إنا لنعلم يا أبا جوشن أنك ما شربتها ولكن سقيتها ومما ظهر من بطش الأمير عبد الرحمن بن معاوية وصرامته فتكه بأحدى دعائم دولته رئيس اليمانية أبي الصباح يحيى وكان قد ولاه إشبيلية وفي نفسه منه ما أوجب فتكه به
ومن ذلك النوع حكايته مع العلاء بن مغيث اليحصبي إذ ثار بباجة وكان قد وصل من إفريقية على أن يظهر الرايات السود بالأندلس فدخل في ناس قليلين فأرسى بناحية باجة ودعا أهلها ومن حولهم فاستجاب له خلق كثير إلى أن لقيه عبد الرحمن بجهة إشبيلية فهزمه وجيء به وبأعلام أصحابه فقطع يديه ورجليه ثم ضرب عنقه وأعناقهم وأمر فقرطت الصكاك في آذانهم بأسمائهم وأودعت جوالقا محصنا ومعها اللواء الأسود وأنفذ بالجوالق تاجرا من ثقاته وأمره أن يضعه بمكة أيام الموسم ففعل ووافق أبا جعفر المنصور قد حج فوضعه على باب سرادقه فلما كشفه ونظر إليه سقط في يده واستدعى عبد الرحمن وقال عرضنا هذا البائس يعني العلاء - للحتف ما في هذا الشيطان مطمع فالحمد لله الذي صير هذا البحر بيننا وبينه
ولما أوقع عبد الرحمن باليمانية الذين خرجوا في طلب ثأر رئيسهم أبي الصباح اليحصبي وأكثر القتل فيهم استوحش من العرب قاطبة وعلم أنهم على دغل وحقد فانحرف عنهم إلى اتخاذ المماليك فوضع يده في الابتياع فابتاع موالي الناس بكل ناحية واعتضد أيضا بالبرابر ووجه عنهم إلى بر العدوة فأحسن لمن وفد عليه إحسانا رغب من خلفه في المتابعة قال ابن
____________________
(3/36)

حيان واستكثر منهم ومن العبيد فاتخذ أربعين ألف رجل صار بهم غالبا على أهل الأندلس من العرب فاستقامت مملكته وتوطدت
وقال ابن حيان كان عبد الرحمن راجح الحلم فاسح العلم ثاقب الفهم كثير الحزم نافذ العزم بريئا من العجز سريع النهضة متصل الحركة لا يخلد إلى راحة ولا يسكن إلى دعة ولا يكل الأمور إلى غيره ثم لا ينفرد في إبرامها برأيه شجاعا مقداما بعيد الغور شديد الحدة قليل الطمأنينة بليغا مفوها شاعرا محسنا سمحا سخيا طلق اللسان وكان يلبس البياض يعتم به ويؤثره وكان قد أعطي هيبة من وليه وعدوه وكان يحضر الجنائز ويصلي عليها ويصلي بالناس إذا كان حاضرا الجمع والأعياد ويخطب على المنبر ويعود المرضى ويكثر مباشرة الناس والمشي بينهم إلى أن حضر في يوم جنازة فتصدى له في منصرفه عنها رجل متظلم عامي وقاح ذو عارضة فقال له أصلح الله الأمير إن قاضيك ظلمني وأنا أستجيرك من الظلم فقال له تنصف إن صدقت فمد الرجل يده إلى عنانه وقال أيها الأمير أسألك بالله لما برحت من مكانك حتى تأمر قاضيك بإنصافي فإنه معك فوجم الأمير والتفت إلى من حوله من حشمه فرآهم قليلا ودعا بالقاضي وأمر بإنصافه فلما عاد إلى قصره كلمه بعض رجاله ممن كان يكره خروجه وابتذاله فيما جرى فقال له إن هذا الخروج الكثير - أبقى الله تعالى الأمير - لا يجمل بالسلطان العزيز وإن عيون العامة تخلق تجلته ولا تؤمن بوادرهم عليه فليس الناس كما عهدوا فترك من يومئذ شهود الجنائز وحضور المحافل ووكل بذلك ولده هشاما
____________________
(3/37)


ومن نظم عبد الرحمن الداخل ما كتب به إلى أخته بالشام
( أيها الراكب الميمم أرضي ** اقر مني بعض السلام لبعضي )
( إن جسمي كما تراه بأرض ** وفؤادي ومالكيه بأرض )
( قدر البين بيننا فافترقنا ** وطوى البين عن جفوني غمضي )
( قد قضى الدهر بالفراق علينا ** فعسى باجتماعنا سوف يقضي ) الوفود
وكتب إلى بعض من وفد عليه من قومه لما سأله الزيادة في رزقه واستقل ما قابله به وذكره بحقه بهذه الأبيات
( شتان من قام ذا امتعاض ** منتضي الشفرتين نصلا )
( فجاب قفرا وشق بحرا ** مساميا لجة ومحلا )
( دبر ملكا وشاد عزا ** ومنبرا للخطاب فصلا )
( وجند الجند حين أودى ** ومصر المصر حين أجلى )
( ثم دعا أهله إليه ** حيث أنتأوا أن هلم أهلا )
( فجاء هذا طريد جوع ** شديد روع يخاف قتلا )
( فنال أمنا ونال شبعا ** ونال مالا ونال أهلا )
( ألم يكن حق ذا على ذا ** أعظم من منعم ومولى )
وحكى ابن حيان أن عبد الرحمن لما أذعن له يوسف صاحب الأندلس
____________________
(3/38)

واستقر ملكه استحضر الوفود إلى قرطبة فانثالوا عليه ووالى القعود لهم في قصره عدة أيام في مجالس يكلم فيها رؤساءهم ووجوههم بكلام سرهم وطيب نفوسهم مع أنه كساهم وأطعمهم ووصلهم فانصرفوا عنه محبورين مغتبطين يتدارسون كلامه ويتهافتون بشكره ويتهانون بنعمة الله تعالى عليهم فيه
وفي بعض مجالسهم هذه مثل بين يديه رجل من جند قنسرين يستجديه فقال له يا ابن الخلائف الراشدين والسادة الأكرمين إليك فررت وبك عذت من زمن ظلوم ودهر غشوم قلل المال وكثر العيال وشعث الحال فصير إلى نداك المآل وأنت ولي الحمد والمجد والمرجو للرفد فقال له عبد الرحمن مسرعا قد سمعنا مقالتك وقضينا حاجتك وأمرنا بعونك على دهرك على كرهنا لسوء مقامك فلا تعودن ولا سواك لمثله من إراقة ماء وجهك بتصريح المسألة والإلحاف في الطلبة وإذا ألم بك خطب أو حزبك أمر فارفعه إلينا في رقعة لا تعدوك كيما نستر عليك خلتك ونكف شمات العدو عنك بعد رفعك لها إلى مالكك ومالكنا عز وجهه بإخلاص الدعاء وصدق النية وأمر له بجائزة حسنة وخرج الناس يتعجبون منه من حسن منطقه وبراعة أدبه وكف فيما بعد ذوو الحاجات عن مقابلته بها شفاها في مجلسه
قال ابن حيان ووقع إلى سليمان بن يقظان الأعرابي على كتاب منه سلك به سبيل الخداع أما بعد فدعني من معاريض المعاذير والتعسف عن جادة الطريق لتمدن يدا إلى الطاعة والاعتصام بحبل الجماعة أو لأزوين بنانها عن رصف المعصية نكالا بما قدمت يداك وما الله بظلام للعبيد
وفي المسهب أن عبد الرحمن كان من البلاغة بالمكان العالي الذي يرتد عنه أكثر بني مروان حسيرا
وقد جرى بينه وبين مولاه بدر ما لا يجب إهماله
____________________
(3/39)

وذلك أنه لما سعى بدر في تكميل دولته من ابتدائها إلى استقرارها صحبه عجب وامتنان كادا يردان به حياض المنية فأول ما بدأ به أن قال بعنا أنفسنا وخاطرنا بها في شأن من هانت عليه لما بلغ أقصى أمله
وقال وقد أمره بالخروج إلى غزاة إنما تعبنا أولا لنستريح آخرا وما أرانا إلا في أشد مما كنا وأطال أمثال هذه الأقوال وأكثر الاستراحة في جانبه فهجره وأعرض عنه فزاد كلامه وكتب له رقعة منها أما كان جزائي في قطع البحر وجوب القفر والإقدام على تشتيت نظام مملكة وإقامة أخرى غير الهجر الذي أهانني في عيون أكفائي وأشمت بي أعدائي وأضعف أمري ونهيي عند من يلوذ بي وبتر مطامع من كان يكرمني ويحفدني على الطمع والرجاء وأظن أعداءنا بني العباس لو حصلت بأيديهم ما بلغوا بي أكثر من هذا فإنا لله وإنا إليه راجعون
فلما وقف عبد الرحمن على رقعته اشتد غيظه عليه فوقع عليها وقفت على رقعتك المنبئة عن جهلك وسوء خطابك ودناءة أدبك ولئيم معتقدك والعجب أنك متى أردت أن تبني لنفسك عندنا متاتا أتيت بما يهدم كل متات مشيد مما تمن به مما قد أضجر الأسماع تكراره وقدحت في النفوس إعادته مما استخرنا الله تعالى من أجله على أمرنا باستئصال مالك وزدنا في هجرك وإبعادك وهضنا جناح إدلالك فلعل ذلك يقمع منك ويردعك حتى نبلغ منك ما نريد إن شاء الله تعالى فنحن أولى بتأديبك من كل أحد إذ شرك مكتوب في مثالبنا وخيرك معدود في مناقبنا
فلما ورد هذا الجواب على بدر سقط في يده وسلم للقضاء وعلم أنه لا ينفع فيه قول ووجه عبد الرحمن من استأصل ماله وألزمه داره وهتك حرمته وقص جناح جاهه وصيره أهون من قعيس على عمته ومع هذا فلم ينته بدر عن الإكثار من مخاطبة مولاه تارة يستلينه وتارة يذكره وتارة ينفث مصدورا بخط قلمه ما يلقيه عليه بلسانه غير مفكر فيما يؤول إليه إلى أن كتب له قد طال هجري وتضاعف همي وفكري وأشد ما علي كوني سليبا من مالي فعسى أن تأمر
____________________
(3/40)

لي بإطلاق مالي وأتحد به في معزل لا أشتغل بسلطان ولا أدخل في شيء من أموره ما عشت فوقع له إن لك من الذنوب المترادفة ما لو سلب معها روحك لكان بعض ما استوجبته ولا سبيل إلى رد مالك فإن تركك بمعزل في بلهنية الرفاهية وسعة ذات اليد والتخلي من شغل السلطان أشبه بالنعمة منه بالنقمة فايأس من ذلك فإن اليأس مريح
فسكت لما وقف على هذه الإجابة مدة إلى أن أتى عيد فاشتد به حزنه لما رأى من حاجة من يلوذ به وهمهم بما يفرح به الناس فكتب إليه في ذلك رقعة منها وقد أتى هذا العيد الذي خالفت فيه أكثر من أساء إليك وسعى في خراب دولتك ممن عفوت عنه فتبنك النعمة في ذراك واقتعد ذروة العز وأنا على ضد من هذا سليبا من النعمة مطرحا في حضيض الهوان أيأس مما يكون وأقرع السن على ما كان
فلما وقف على هذه الرقعة أمر بنفيه عن قرطبة إلى أقصى الثغر وكتب له على ظهر رقعته لتعلم أنك لم تزل بمقتك حتى ثقلت على العين طلعتك ثم زدت إلى أن ثقل على السمع كلامك ثم زدت إلى أن ثقل على النفس جوارك وقد أمرنا بإقصائك إلى أقصى الثغر فبالله إلا ما أقصرت ولا يبلغ بك زائد المقت إلى أن تضيق بك معي الدنيا ورأيتك تشكو لفلان وتتألم من فلان وما تقولوه عليك وما لك عدو أكبر من لسانك فما طاح بك غيره فاقطعه قبل أن يقطعك ولما فتح الداخل سرقسطة وحصل في يده ثائرها الحسين الأنصاري وشدخت رؤوس وجوهها بالعمد وانتهى نصره فيها إلى غاية أمله أقبل خواصه يهنئونه فجرى بينهم أحد من لا يؤبه به من الجند فهنأه بصوت عال فقال والله لولا أن هذا اليوم يوم أسبغ علي فيه النعمة من هو فوقي فأوجب علي ذلك أن أنعم فيه على من هو دوني لأصلينك ما تعرضت له من
____________________
(3/41)

سوء النكال من تكون حتى تقبل مهنئا رافعا صوتك غير متلجلج ولا متهيب لمكان الإمارة ولا عارف بقيمتها حتى كأنك تخاطب أباك أو أخاك وإن جهلك ليحملك على العود لمثلها فلا تجد مثل هذا الشافع في مثلها من عقوبة فقال ولعل فتوحات الأمير يقترن اتصالها باتصال جهلي وذنوبي فتشفع لي متى أتيت بمثل هذه الزلة لا أعدمنيه الله تعالى فتهلل وجه الأمير وقال ليس هذا باعتذار جاهل ثم قال نبهونا على أنفسكم إذا لم تجدوا من ينبهنا عليها ورفع مرتبته وزاد في عطائه
ولما أنحى أصحابه على أصحاب الفهري بالقتل يوم هزيمتهم على قرطبة قال لا تستأصلوا شأفة أعداء ترجون صداقتهم واستبقوهم لأشد عداوة منهم يشير إلى استبقائهم ليستعان بهم على أعداء الدين
ولما اشتد الكرب بين يديه يوم حربه مع الفهري ورأى شدة مقاساة أصحابه قال هذا اليوم هو أس ما يبنى عليه إما ذل الدهر وإما عز الدهر فاصبروا ساعة فيما لا تشتهون تربحوا بها بقية أعماركم فيما تشتهون ولما خرج من البحر أول قدومه على الأندلس أتوه بخمر فقال إني محتاج لما يزيد في عقلي لا لما ينقصه فعرفوا بذلك قدره ثم أهديت إليه جارية جميلة فنظر إليها وقال إن هذه من القلب والعين بمكان وإن أنا اشتغلت عنها بهمتي فيما أطلبه ظلمتها وإن اشتغلت بها عما أطلبه ظلمت همتي ولا حاجة لي بها الآن وردها على صاحبها
ولما استقامت له الدولة بلغه عن بعض من أعانه أنه قال لولا أنا ما توصل لهذا الملك ولكان منه أبعد من العيوق وأن آخر قال سعده أعانه لا عقله وتدبيره فحركه ذلك إلى أن قال
( لا يلف ممتن علينا قائل ** لولاي ما ملك الأنام الداخل )
( سعدي وحزمي والمهند والقنا ** ومقادر بلغت وحال حائل )
____________________
(3/42)


( إن الملوك مع الزمان كواكب ** نجم يطالعنا ونجم آفل )
( والحزم كل الحزم أن لا يغفلوا أيروم تدبير البرية غافل ويقول قوم سعده لا عقله خير السعادة ما حماها العاقل أبني أمية قد جبرنا صدعكم بالغرب رغما والسعود قبائل ما دام من نسلي إمام قائم فالملك فيكم ثابت متواصل )
وحكى ابن حيان أن جماعة من القادمين عليه من قبل الشام حدثوه يوما في بعض مجالسهم عنده ما كان من الغمر بن يزيد بن عبد الملك أيام محنتهم وكلامه لعبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس الساطي بهم وقد حضروا رواقه وفيه وجوه المسودة من دعاة القوم وشيعتهم رادا على عبد الله فيما أراقه من دماء بني أمية وثلبهم والبراءة منهم فلم تردعه هيبته وعصف ريحه واحتفال جمعه عن معارضته والرد عليه بتفضيله لأهل بيته والذب عنهم وأنه جاء في ذلك بكلام غاظ عبد الله وأغصه بريقه وعاجل الغمر بالحتف فمضى وخلف في الناس ما خلف من تلك المعارضة في ذلك المقام وكثر القوم في تعظيم ذلك فكأن الأمير عبد الرحمن احتقر ذلك الذي كان من الغمر في جنب ما كان منه في الذهاب بنفسه عن الإذعان لعدوهم والأنف من طاعتهم والسعي في اقتطاع قطعة من مملكة الإسلام عنه وقام عن مجلسه فصاغ هذه الأبيات بديهة
( شتان من قام ذا امتعاض ** فشال ما قل واضمحلا )
( ومن غدا مصلتا لعزم ** مجردا للعداة نصلا )
( فجاب قفرا وشق بحرا ** ولم يكن في الأنام كلا )
( فشاد ملكا وشاد عزا ** ومنبرا للخطاب فصلا )
____________________
(3/43)


( وجند الجند حين أودى ** ومصر المصر حين أجلى )
( ثم دعا أهله جميعا ** حيث انتأوا أن هلم أهلا )
وله غير ذلك من الشعر وسيأتي بعضه مما يقارب هذه الطبقة وأول ناصر لعبد الرحمن سائر معه في الخمول والاستخفاء مولاه المتقدم الذكر سعى في سلطانه شرقا وغربا وبرا وبحرا فلما كمل له الأمر سلبه من كل نعمة وسجنه ثم أقصاه إلى أقصى الثغر حتى مات وحاله أسوأ حال والله تعالى أعلم بالسرائر فلعل له عذرا ويلومه من يسمع مبدأه ومآله
ورأس الجماعة الذين توجه إليهم بدر في القيام بسلطانه أبو عثمان ولما توطدت دولة الداخل استغنى عنه وعن أمثاله فأراد أبو عثمان أن يشغل خاطره وينظر في شيء يحتاج به إليه فجعل ابن أخته يثور عليه في حصن من حصون إلبيرة فوجه عبد الرحمن من قبض عليه وضرب عنقه ثم أخذ أبو عثمان مع ابن أخي الداخل وزين له القيام عليه فسعي لعبد الرحمن بابن أخيه قبل أن يتم أمره فضرب عنقه وأعناق الذين دبروا معه وقيل له إن أبا عثمان كان معه وهو الذي ضمن له تمام الأمر فقال هو أبو سلمة هذه الدولة فلا يتحدث الناس عنه بما تحدثوا عن بني العباس في شأن أبي سلمة لكن سأعتبه عتبا أشد من القتل وجعل يوعده ثم ورجع له إلى ما كان عليه في الظاهر
وكان صاحبه الثاني في المؤازرة والقيام بالدولة صهره عبد الله بن خالد وكان قد ضمن لأبي الصباح رئيس اليمانية عن الداخل أشياء لم يف بها الداخل وقتل أبا الصباح فانعزل عبد الله وأقسم لا يشتغل بشغل سلطان حياته فمات منفردا عن السلطان
____________________
(3/44)

وكان ثالثهما في النصرة والاختصاص تمام بن علقمة وهو الذي عبر البحر إليه وبشره باستحكام أمره فقتل هشام بن عبد الرحمن ولد تمام المذكور وكذلك فعل بولد أبي عثمان المتقدم الذكر قال ابن حيان فذاقا من ثكل ولديهما على يدي أعز الناس عليهما ما أراهما أن أحدا لا يقدر أن ينظر في تحسين عاقبته
وإذا تتبع الأمر في الذين يقومون في قيام دولة كان مآلهم مع من يظهرونه هذا المآل وأصعب وذكر أن أول حجاب الداخل تمام بن علقمة مولاه ذو العمر الطويل ثم يوسف بن بخت الفارسي مولى عبد الملك بن مروان وله بقرطبة عقب نابه ثم عبد الكريم بن مهران من ولد الحارث بن أبي شمر الغساني ثم عبد الرحمن بن مغيث بن الحارث بن حويرث بن جبلة بن الأيهم الغساني وأبوه مغيث فاتح قرطبة الذي تقدمت ترجمته ثم منصور الخصي وكان أول خصي استحجبه بنو مروان بالأندلس ولم يزل حاجبه إلى أن توفي الداخل
ولم يكن للداخل من ينطلق عليه سمة وزير لكنه عين أشياخا للمشاورة والمؤازرة أولهم أبو عثمان المتقدم الذكر وعبد الله بن خالد السابق الذكر وأبو عبدة صاحب إشبيلية وشهيد بن عيسى بن شهيد مولى معاوية بن مروان ابن الحكم وكان من سبي البرابر وقيل إنه رومي وبنو شهيد الفضلاء من نسله وعبد السلام بن بسيل الرومي مولى عبد الله بن معاوية ولولده نباهة عظيمة في الوزارة وغيرها وثعلبة بن عبيد بن النظام الجذامي صاحب سرقسطة لعبد الرحمن وعاصم بن مسلم الثقفي من كبار شيعته وأول من خاض النهر وهو عريان يوم الوقعة بقرطبة ولعقبه في الدولة نباهة
____________________
(3/45)

وأول من كتب له عند خلوص الأمر له واحتلاله بقرطبة كبير نقبائه أبو عثمان وصاحبه عبد الله بن خالد المتقدما الذكر ثم لزم كتابته أمية بن يزيد مولى معاوية بن مروان وكان في عديد من يشاوره أيضا ويفضل أمره وآراءه وكان يكتب قبله ليوسف الفهري وقيل إنه ممن اتهم في ممالأة اليزيدي في إفساد دولة عبد الرحمن فاتفق أن مات قبل قتل اليزيدي واطلاع عبد الرحمن على الأمر وذكر ابن زيدون أن الداخل ألفى على قضاء الجماعة بقرطبة يحيى ابن يزيد اليحصبي فأقره حينا ثم ولى بعده أبا عمرو معاوية بن صالح الحمصي ثم عمر ابن شراحيل ثم عبد الرحمن بن طريف وكان جدار بن عمرو يقضي في العساكر وكان الداخل يرتاح لما استقر سلطانه بالأندلس إلى أن يفد عليه فل بيته بني مروان حتى يشاهدوا ما أنعم الله تعالى عليه وتظهر يده عليهم فوفد عليه من بني هشام بن عبد الملك أخوه الوليد بن معاوية وابن عمه عبد السلام بن يزيد بن هشام قال ابن حيان وفي سنة 163 قتل الداخل عبد السلام ابن يزيد بن هشام المعروف باليزيدي وقتل معه من الوافدين عليه عبيد الله بن أبان بن معاوية بن هشام وهو ابن أخي الداخل وكانا تحت تدبير يبرمانه في طلب الأمر فوشى بهما مولى لعبيد الله بن أبان وكان قد ساعدهما على ما هما به من الخلاف أبو عثمان كبير الدولة فلم ينله ما نالهما
وذكر الحجاري أن الداخل كان يقول أعظم ما أنعم الله تعالى به علي بعد تمكني من هذا الأمر القدرة على إيواء من يصل إلي من أقاربي والتوسع في الإحسان إليهم وكبري في أعينهم وأسماعهم ونفوسهم بما منحني الله تعالى من هذا السلطان الذي لا منة علي فيه لأحد غيره
وذكر ابن حزم أنه كان فيمن وفد عليه ابن أخيه المغيرة بن الوليد بن معاوية فسعى في طلب الأمر لنفسه فقتله سنة 167 وقتل معه من أصحابه هذيل بن الصميل بن حاتم ونفى أخاه الوليد بن معاوية والد المغيرة المذكور إلى العدوة
____________________
(3/46)

بماله وولده وأهله
وفي المسهب حدث بعض موالي عبد الرحمن الخاصين به أنه دخل على الداخل إثر قتله ابن أخيه المغيرة المذكور وهو مطرق شديد الغم فرفع رأسه إلي وقال ما عجبي إلا من هؤلاء القوم سعينا فيما يضجعهم في مهاد الأمن والنعمة وخاطرنا فيه بحياتنا حتى إذا بلغنا منه إلى مطلوبنا ويسر الله تعالى أسبابه أقبلوا علينا بالسيوف ولما أويناهم وشاركناهم فيما أفردنا الله تعالى به حتى أمنوا ودرت عليهم أخلاف النعم هزوا أعطافهم وشمخوا بآنافهم وسموا إلى العظمى فنازعونا فيما منحنا الله تعالى فخذلهم الله بكفرهم النعم إذ أطلعنا على عوراتهم فعاجلناهم قبل أن يعاجلونا وأدى ذلك إلى أن ساء ظننا في البريء منهم وساء أيضا ظنه فينا وصار يتوقع من تغيرنا عليه ما نتوقع نحن منه وإن أشد ما علي في ذلك أخي والد هذا المخذول كيف تطيب لي نفس بمجاورته بعد قتل ولده وقطع رحمه أم كيف يجتمع بصري مع بصره اخرج له الساعة فاعتذر إليه وهذه خمسة آلاف دينار ادفعها إليه واعزم عليه في الخروج عني من هذه الجزيرة إلى حيث شاء من بر العدوة
قال فلما وصلت إلى أخيه فوجدته أشبه بالأموات منه بالأحياء فآنسته وعرفته ودفعت له المال وأبلغته الكلام فتأوه وقال إن المشؤوم لا يكون بليغا في الشؤم حتى يكون على نفسه وعلى سواه وهذا الولد العاق الذي سعى في حتفه قد سرى ما سعى فيه إلى رجل طلب العافية وقنع بكسر بيت في كنف من يحمل عنه معرة الزمان وكله ولا حول ولا قوة إلا بالله لا مرد لما حكم به وقضاه ثم ذكر أنه أخذ في الحركة إلى بر العدوة
قال ورجعت إلى الأمير فأعلمته بقوله فقال إنه نطق بالحق ولكن لا يخدعني بهذا القول عما في نفسه والله لو قدر أن يشرب من دمي ما عف عنه لحظة فالحمد لله الذي أظهرنا
____________________
(3/47)

عليهم بما نويناه فيهم وأذلهم بما نووه فينا
واعلم أنه دخل الأندلس أيام الداخل من بني مروان وغيرهم من بني أمية جماعة كثيرون سرد أسماءهم غير واحد من المؤرخين وذكر أعقابهم بالأندلس ومنهم جزي بن عبد العزيز أخو عمر بن عبد العزيز وسيأتي قريبا وقد ثار على عبد الرحمن الداخل من أعيان الغرب وغيرهم جماعة كثيرون ظفره الله تعالى بهم وقد سبق ذكر بعضهم ومنهم الدعي الفاطمي البربري بشنت مرية فأعيا الداخل أمره وطال شره سنين متوالية إلى أن فتك به بعض أصحابه فقتله
ومنهم حيوة بن ملابس الحضرمي رئيس إشبيلية وعبد الغفار بن حميد اليحصبي رئيس لبلة وعمرو بن طالوت رئيس باجة اجتمعوا وتوجهوا نحو قرطبة يطلبون دم رئيس اليمانية أبي الصباح فقتلوا في هزيمة عظيمة وقيل نجوا بالفرار فأمنهم الداخل
وفي سنة 157 ثار بسرقسطة الحسين بن يحيى بن سعيد بن سعد بن عبادة الخزرجي وشايعه سليمان بن يقظان الأعرابي الكلبي رأس الفتن وآل أمرهما إلى أن فتك الحسين بسليمان وقتل الداخل الحسين كما
مر وفي سنة 163 ثار الرماحس بن عبد العزيز الكناني بالجزيرة الخضراء فتوجه له عبد الرحمن الداخل ففر في البحر إلى المشرق
قال ابن حيان كان مولد عبد الرحمن الداخل سنة 113 وقيل في التي قبلها بالعلياء من تدمر وقيل بدير حنا من دمشق وبها توفي أبوه معاوية في حياة أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك وكان قد رشحه للخلافة - وبقبر معاوية المذكور استجار الكميت الشاعر حين أهدر هشام دمه -
وتوفي الداخل لست بقين من ربيع الآخر سنة 171 وهو ابن سبع وخمسين سنة وأربعة
____________________
(3/48)

أشهر وقيل اثنتان وستون سنة ودفن بالقصر من قرطبة وصلى عليه ابنه عبد الله
وكان منصورا مؤيدا مظفرا على أعدائه وقد سردنا من ذلك جملة حتى قال بعضهم إن الراية التي عقدت له بالأندلس حين دخلها لم تهزم قط وإن الوهن ما ظهر في ملك بني أمية إلا بعد ذهاب تلك الراية قال أكثر هذا مؤرخ الأندلس الثبت الثقة أبو مروان ابن حيان رحمه الله تعالى
ولا بأس أن نورد زيادة على ما سلف وإن تكرر بعض ذلك فنقول قال بعض المؤرخين من أهل المغرب بعد كلام ابن حيان الذي قدمنا ذكره ما نصه كان الإمام عبد الرحمن الداخل راجح العقل راسخ الحلم واسع العلم كثير الحزم نافذ العزم لم ترفع له قط راية على عدو إلا هزمه ولا بلد إلا فتحه شجاعا مقداما شديد الحذر قليل الطمأنينة لا يخلد إلى راحة ولا يسكن إلى دعة ولا يكل الأمر إلى غيره كثير الكرم عظيم السياسة يلبس البياض ويعتم به ويعود المرضى ويشهد الجنائز ويصلي بالناس في الجمع والأعياد ويخطب بنفسه جند الأجناد وعقد الرايات واتخذ الحجاب والكتاب وبلغت جنوده مائة ألف فارس
وملخص دخوله الأندلس أنه لما اشتد الطلب على فل بني أمية بالمشرق من وارثي ملكهم بني العباس خرج مستترا إلى مصر فاشتد الطلب على مثله فاحتال حتى وصل برقة ثم لم يزل متوغلا في سيره إلى أن بلغ المغرب الأقصى ونزل بنفزة وهم أخواله فأقام عندهم أياما ثم ارتحل إلى مغيلة بالساحل فأرسل مولاه بدرا بكتابه إلى مواليهم بالأندلس عبيد الله بن عثمان وعبد الله ابن خالد وتمام بن علقمة وغيرهم فأجابوه واشتروا مركبا وجهزوه بما يحتاج
____________________
(3/49)

إليه وكان الذي اشتراه عبيد الله بن عثمان وأركب فيه بدرا وأعطاه خمسمائة دينار برسم النفقة وركب معه تمام بن علقمة وبينما هو يتوضأ لصلاة المغرب على الساحل إذ نظر إلى المركب في لجة البحر مقبلا حتى أرسى أمامه فخرج إليه بدر سابحا فبشره بما تم له بالأندلس وبما اجتمع عليه الأمويون والموالي ثم خرج إليه تمام ومن معه في المركب فقال له ما اسمك وما كنيتك فقال اسمي تمام وكنيتي أبو غالب فقال تم أمرنا وغلبنا عدونا إن شاء الله تعالى ثم ركبوا المركب معه فنزل بالمنكب وذلك غرة ربيع الأول سنة 138
فلما اتصل خبر جوازه بالأموية أتاه عبيد الله بن عثمان وجماعة فتلقوه بالإعظام والإكرام وكان وقت العصر فصلى بهم العصر وركبوا معه إلى قرية طرش من كور إلبيرة فنزل بها وأتاه بها جماعة من وجوه الموالي وبعض العرب فبايعوه وكان من أمره ما يذكر وقيل إنه أقام بإلبيرة حتى كمل من معه ستمائة فارس من موالي بني أمية ووجوه العرب فخرج من إلبيرة إلى كورة رية فدخلت في جماعته ثم بايعته أهلها وأجنادها ثم ارتحل إلى شذونة ثم إلى مورور ثم سار إلى إشبيلية
وقال بعضهم لما أراد عبد الرحمن قصد قرطبة عند دخوله الأندلس من المشرق نزل بطشانة فأشاروا عليه أن يعقد له لواء فجاءوا بعمامة وقناة فكرهوا أن يميلوا القناة تطيرا فأقاموها بين شجرتين من الزيتون متجاورتين وصعد رجل على فرع إحداهما فعقد اللواء والقناة قائمة وتبرك هو وولده بهذا اللواء فكان بعد أن بلي لا تحل منه العقدة التي عقدت أولا بل تعقد فوقها الألوية الجدد وهي مستكنة تحتها ولم يزل الأمر على ذلك حتى انتهت الدولة إلى عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل وقيل إلى ابنه محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل فاجتمع الوزراء على تجديد اللواء فلما رأوا تحت اللواء أسمالا خلقة ملفوفة
____________________
(3/50)

معقدة جهلوها فاسترذلوها وأمروا بحلها ونبذها وجددوا غيرها وكان جهور بن يوسف بن بخت شيخهم غائبا فحضر في اليوم الثاني وطولع بالقصة فأنكرها أشد إنكار وساءه ما فعلوه وقال إن جهلتم شأن تلك الأخلاق فكان ينبغي أن تتوقفوا عن نبذها حتى تسألوا المشايخ وتتفكروا في أمرها وخبرهم خبرها فتطلبوا تلك الأخلاق فلم توجد ويقال كما قال ابن حيان إنه لم يزل يعرف الوهن في ملك بني أمية بالأندلس من ذلك اليوم وقد كان الذي عقده أولا عبد الله بن خالد من موالي بني أمية وكان والده خالد عقد لواء مروان بن الحكم جد عبد الرحمن الأعلى لما اجتمع عليه بنو أمية وبنو كلب بعد انقراض دولة بني حرب على قتال الضحاك بن قيس الفهري يوم مرج راهط فانتصر على الضحاك وقتله ولما عرف الأمير بقصة اللواء حزن أشد حزن وانفتقت عليه إثر ذلك الفتوق العظام وكانوا يرون أنها جرت بسبب اللواء لأنه لم ينهزم قط جيش كان تحته على ما اقتضته حكمة الله التي لا تتوصل إليها الأفكار وتولى حمل هذا اللواء لعبد الرحمن الداخل أبو سليمان داود الأنصاري ولم يزل يحمله ولده من بعده إلى أيام محمد بن عبد الرحمن
ولما تلاقى عبد الرحمن الداخل مع أمير الأندلس يوسف الفهري بالقرب من قرطبة وتراسلا فخادعه يومين آخرهما يوم عرفة من سنة ثمان وثلاثين ومائة أظهر عبد الرحمن قبول الصلح فبات الناس على ذلك ليلة العيد وكان قد أسر خلاف ما أظهر واستعد للحرب ولما أصبح يوم الأضحى لم ينشب أن غشيت الخيل ووكل عبد الرحمن بخالد بن زيد الكاتب رسول يوسف جماعة وأمرهم إن كانت الدائرة عليهم أن يضربوا عنقه وإلا فلا فكان خالد يقول ما كان شيء في ذلك الوقت أحب إلي من غلبة عبد الرحمن الداخل عدو صاحبي وركب عبد الرحمن جوادا فقالت اليمانية الذين أعانوه هذا فتى حديث السن تحته جواد وما نأمن أول ردعة يردعها أن يطير منهزما
____________________
(3/51)

على جواده ويدعنا فأتى عبد الرحمن أحد مواليه فأخبره بمقالتهم فدعا أبا الصباح وكان له بغل أشهب يسميه الكوكب فقال له إن فرسي هذا قلق تحتي لا يمكنني من الرمي فقدم إلي بغلك المحمود أركبه فقدمه فلما ركب اطمأن أصحابه وقال عبد الرحمن لأصحابه أي يوم هذا قالوا الخميس يوم عرفة فقال فالأضحى غدا يوم الجمعة والمتزاحفان أموي وفهري والجندان قيس ويمن قد تقابل الأشكال جدا وأرجو أنه أخو يوم مرج راهط فأبشروا وجدوا فذكرهم يوم مرج راهط الذي كانت فيه الوقعة بين جده مروان بن الحكم وبين الضحاك بن قيس الفهري وكانت يوم جمعة ويوم أضحى فدارت الدائرة لمروان على الضحاك فقتل الضحاك وقتل معه سبعون ألفا من قبائل قيس وأحلافهم وقيل إنه لم يحضر مرج راهط من قيس مع مروان غير ثلاثة نفر عبد الرحمن بن مسعدة الفزاري وابن هبيرة المحاربي وصالح الغنوي وكذا لم يحضر مع عبد الرحمن الداخل يوم المصارة غربي قرطبة من قيس غير ثلاثة جابر بن العلاء بن شهاب والحصين بن الدجن العقيليان وهلال بن الطفيل العبدي وكان الظفر لعبد الرحمن وانهزم يوسف وصبر الصميل بن حاتم بعده معذرا وعشيرته يحفونه فلما خاف انهزامهم عنه تحول على بغله الأشهب معارضة لعبد الرحمن الداخل فمر به أبو عطاء فقال له يا أبا جوشن احتسب نفسك فإن للأشباه أشباها أموي بأموي وفهري بفهري وكلبي بكلبي ويوم أضحى بيوم أضحى ويمني بقيسي والله إني لأحسب هذا اليوم بمثل مرج راهط سواء فقال له الصميل كبرت وكبر علمك الآن تنجلي الغماء وسحرك منتفخ فانثنى أبو عطاء لوجهه منقلبا وانهزم الصميل وملك عبد الرحمن قرطبة
____________________
(3/52)

ويوسف الفهري هو ابن عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري باني القيروان وأمير معاوية على إفريقية والمغرب وهو مشهور
وأما الصميل فهو ابن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن وقيل الصميل بن حاتم بن عمرو بن جندع بن شمر بن ذي الجوشن كان جده شمر من أشراف الكوفة وهو أحد قتلة الحسين رضي الله تعالى عنه ودخل الصميل الأندلس حين دخل كلثوم بن عياض المغرب غازيا وساد بها وكان شاعرا كثير السكر أميا لا يكتب ومع ذلك فانتهت إليه في زمانه رياسة العرب بالأندلس وكان أميرها يوسف الفهري كالمغلوب معه وكانت ولاية الفهري الأندلس سنة تسع وعشرين ومائة فدانت له تسع سنين وتسعة أشهر وعنه كما مر انتقل سلطانها إلى بني أمية واستفحل ملكهم بها إلى بعد الأربعمائة ثم انتثر سلكهم وباد ملكهم كما وقع لغيرهم من الدول في القرون السالفة سنة الله التي قد خلت في عباده
وكانت مدة الأمراء قبل عبد الرحمن الداخل من يوم فتحت الأندلس إلى هزيمة يوسف الفهري والصميل ستا وأربعين سنة وشهرين وخمسة أيام لأن الفتح كان حسبما تقدم لخمس خلون من شوال سنة اثنتين وتسعين وهزيمة يوسف يوم الأضحى لعشر خلون من ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين ومائة والله غالب على أمره
وحكي أن عبد الرحمن بن معاوية دخل يوما على جده هشام وعنده أخوه مسلمة بن عبد الملك وكان عبد الرحمن إذ ذاك صبيا فأمر هشام أن ينحى عنه فقال له مسلمة دعه يا أمير المؤمنين وضمه إليه ثم قال يا أمير المؤمنين هذا صاحب بني أمية ووزرهم عند زوال ملكهم فاستوص به خيرا قال فلم أزل أعرف مزية من جدي من ذلك الوقت
وكان الداخل يقاس بأبي جعفر المنصور في عزمه وشدته وضبط المملكة ووافقه في أن أم كل منهما بربرية وأن كلا منهما قتل ابن أخيه إذ قتل
____________________
(3/53)

المنصور ابن السفاح وقتل عبد الرحمن ابن أخيه المغيرة بن الوليد بن معاوية ومن شعر عبد الرحمن وقد رأى نخلة برصافته
( تبدت لنا وسط الرصافة نخلة ** تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل )
( فقلت شبيهي في التغرب والنوى ** وطول اكتئابي عن بني وعن أهلي )
( نشأت بأرض أنت فيها غريبة ** فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي )
( سقتك غوادي المزن في المنتأى الذي ** يسح ويستمري السماكين بالوبل )
وكان نقش خاتمه بالله يثق عبد الرحمن وبه يعتصم
وأشاع سنة 163 الرحيل إلى الشام لانتزاعها من بني العباس وكاتب جماعة من أهل بيته ومواليه وشيعته وعمل على أن يستخلف ابنه سليمان بالأندلس في طائفة ويذهب بعامة من أطاعه ثم أعرض عن ذلك بسبب أمر الحسين الأنصاري الذي انتزى عليه بسرقسطة فبطل ذلك العزم
ومن شعر عبد الرحمن أيضا قوله يتشوق إلى معاهد الشام
( أيها الراكب الميمم أرضي ** اقر مني بعض السلام لبعضي )
( إن جسمي كما علمت بأرض ** وفؤادي ومالكيه بأرض )
( قدر البين بيننا فافترقنا ** وطوى البين عن جفوني غمضي )
( قد قضى الله بالفراق علينا ** فعسى باجتماعنا سوف يقضي )
وترجمة الداخل طويلة وقد ذكر منها ما فيه مقنع انتهى والله تعالى الموفق للصواب
____________________
(3/54)

وفي بنائه جامع قرطبة يقول بعضهم
( وأبرز في ذات الإله ووجهه ** ثمانين ألفا من لجين وعسجد )
( وأنفقها في مسجد زانه التقى ** وقر به دين النبي محمد )
( ترى الذهب الوهاج بين سموكه ** يلوح كلمح البارق المتوقد )
33 - ومن الوافدين على الأندلس أبو الأشعث الكلبي دخل الأندلس وكان شيخا مسنا يروي عن أمه عن عائشة رضي الله تعالى عنها إلا أنه كان مندرا صاحب دعابة وكان مختصا بعبد الرحمن بن معاوية وله منه مكانة لطيفة يدل بها عليه ولما توفي حبيب بن عبد الملك بن عمر بن الوليد ابن عبد الملك بن مروان وكانت له من عبد الرحمن خاصة لم تكن لأحد من أهل بيته جعل عبد الرحمن يبكي ويجتهد في الدعاء والاستغفار لحبيب وكان إلى جنبه أبو الأشعث هذا قائما وكانت له دالة عليه ودعابة يحتملها منه فأقبل عند استعباره كالمخاطب للمتوفى علانية يقول يا أبا سلميان لقد نزلت بحفرة قلما يغني عنك فيها بكاء الخليفة عبد الرحمن بعره فأعرض عنه عبد الرحمن وقد كاد التبسم يغلبه هكذا ذكره ابن حيان رحمه الله تعالى في المقتبس ونقله عنه الحافظ ابن الأبار
34 - ومن الداخلين إلى الأندلس جزي بن عبد العزيز أخو عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه دخل الأندلس ومات في مدة الداخل وكان من أولياء الله تعالى مقتفيا سبيل أخيه عمر بن عبد العزيز رحمهما الله تعالى
35 - ومنهم بكر بن سوادة بن ثمامة الجذامي ويكنى أبا ثمامة وجده صحابي وكان بكر هذا فقيها كبيرا من التابعين روى عن جماعة من الصحابة كعبد الله بن عمرو بن العاص وقيس بن سعد بن عبادة وسهل بن سعد الساعدي وسفيان بن وهب الخولاني وحبان بن سمح الصدائي وقيد اسمه الدارقطني رحمه الله تعالى حبان بكسر الحاء المهملة وبباء معجمة بواحدة ونقله الأمير كذلك وهو ممن وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد فتح مصر قال ابن يونس ويقال فيه حبان بالكسر وحبان بالفتح أصح انتهى وضبطه بعضهم بالياء المثناة تحت
رجع - وممن روى عنه بكر من الصحابة أبو ثور الفهمي وأبو عميرة المزني وروى عن جماعة من التابعين أيضا كسعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير وجماعة سواهم يكثر عددهم ويطول سردهم منهم ربيعة بن قيس الجملي وأبو عبد الرحمن الحبلي وزياد بن نعيم الحضرمي وسفيان بن هانئ الجيشاني وسعيد بن شمر السبائي وعبد الله بن المستورد بن شداد الفهري وعبد الرحمن بن أوس المزني وزيادة بن ثعلبة البلوي وشيبان بن أمية القتباني وعامر بن ذريح الحميري وعمير بن الفيض اللخمي وأبو حمزة الخولاني وعياض بن فروخ المعافري ومسلم بن مخشي المدبجي وهانئ بن معاوية الصدفي وغيرهم ممن اشتمل على ذكرهم التاريخان لابن عبد الحكم وابن يونس
وممن روى عن بكر المذكور عبد الله بن لهيعة وعمرو بن الحارث وجعفر ابن ربيعة وأبو زرعة بن عبد الحكم الإفريقي وغيرهم
قال ابن يونس توفي بإفريقية في خلافة هشام بن عبد الملك وقيل بل
____________________
(3/55)


35 - ومنهم بكر بن سوادة بن ثمامة الجذامي ويكنى أبا ثمامة وجده صحابي وكان بكر هذا فقيها كبيرا من التابعين روى عن جماعة من الصحابة كعبد الله بن عمرو بن العاص وقيس بن سعد بن عبادة وسهل بن سعد الساعدي وسفيان بن وهب الخولاني وحبان بن سمح الصدائي وقيد اسمه الدارقطني رحمه الله تعالى حبان بكسر الحاء المهملة وبباء معجمة بواحدة ونقله الأمير كذلك وهو ممن وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد فتح مصر قال ابن يونس ويقال فيه حبان بالكسر وحبان بالفتح أصح انتهى وضبطه بعضهم بالياء المثناة تحت
رجع - وممن روى عنه بكر من الصحابة أبو ثور الفهمي وأبو عميرة المزني وروى عن جماعة من التابعين أيضا كسعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير وجماعة سواهم يكثر عددهم ويطول سردهم منهم ربيعة بن قيس الجملي وأبو عبد الرحمن الحبلي وزياد بن نعيم الحضرمي وسفيان بن هانئ الجيشاني وسعيد بن شمر السبائي وعبد الله بن المستورد بن شداد الفهري وعبد الرحمن بن أوس المزني وزيادة بن ثعلبة البلوي وشيبان بن أمية القتباني وعامر بن ذريح الحميري وعمير بن الفيض اللخمي وأبو حمزة الخولاني وعياض بن فروخ المعافري ومسلم بن مخشي المدبجي وهانئ بن معاوية الصدفي وغيرهم ممن اشتمل على ذكرهم التاريخان لابن عبد الحكم وابن يونس
وممن روى عن بكر المذكور عبد الله بن لهيعة وعمرو بن الحارث وجعفر ابن ربيعة وأبو زرعة بن عبد الحكم الإفريقي وغيرهم
قال ابن يونس توفي بإفريقية في خلافة هشام بن عبد الملك وقيل بل
____________________
(3/56)

غرق في مجاز الأندلس سنة ثمان وعشرين ومائة قال وجده ثمامة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وله بمصر حديث رواه عمرو بن الحارث
وقال أبو بكر عبد الله بن محمد القيرواني المالكي في تاريخه المسمى ب رياض النفوس وقد ذكر بكرا هذا إنه كان أحد العشرة التابعين يعني الموجهين إلى إفريقية من قبل عمر بن عبد العزيز في خلافته ليفقهوا أهل إفريقية ويعلموهم أمر دينهم قال وأغرب بحديث عن عقبة بن عامر لم يروه غيره فيما علمت حدث عبد الله بن لهيعة عنه عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان رأس مائتين فلا تأمر بمعروف ولا تنه عن منكر وعليك بخاصة نفسك وحكى المالكي أيضا عن أبي سعيد بن يونس قال كان فقيها مفتيا سكن القيروان وكانت وفاته كما تقدم وذكره الحميدي في الداخلين إلى الأندلس ولم يذكره ابن الفرضي
36 - ومنهم رزيق بن حكيم أحد المعدودين في الداخلين إلى الأندلس ذكره أبو الحسن بن النعمة عن أبي المطرف عبد الرحمن بن يوسف الرفاء القرطبي وحكى أنه كتب ذلك من خطه وسماه مع جماعة منهم حبان بن أبي جبلة وعلي بن أبي رباح وأبو عبد الرحمن الحبلي وحنش بن عبد الله الصنعاني ومعاوية ابن صالح وزيد بن الحباب العكلي وانتهى عددهم برزيق هذا سبعة ولم يذكره ابن الفرضي ولا غيره قاله الحافظ أبو عبد الله القضاعي
37 - ومنهم زيد بن قاصد السكسكي قال ابن الأبار وهو تابعي دخل الأندلس وحضر فتحها وأصله من مصر يروي عن عبد الله بن عمرو
____________________
(3/57)

ابن العاص رضي الله تعالى عنه وروى عنهس عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي ذكره يعقوب بن سفيان وأورد له حديثا من كتاب الحميدي انتهى ش
38 - ومنهم زرعة بن روح الشامي دخل الأندلس وحدث عنه ابنه مسلمة بن زرعة بحكاية عن القاضي مهاجر بن نوفل
39 - ومنهم محمد بن أوس بن ثابت الأنصاري قال ابن الأبار تابعي دخل الأندلس يروي عن أبي هريرة قرأته بخط ابن حبيش وقال أبو سعيد بن يونس مؤرخ مصر إنه يروي عنه الحارث بن يزيد ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وكان غزا المغرب والأندلس مع موسى بن نصير ويروي عن أبي هريرة رضي الله عنه وقال الحميدي إنه كان من أهل الدين والفضل معروفا بالفقه ولي بحر إفريقية سنة ثلاث وتسعين وغزا المغرب والأندلس مع موسى بن نصير فيما حكاه ابن يونس صاحب تاريخ مصر وكان على بحر تونس سنة ثنتين ومائة على ما حكاه عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم
ولما قتل يزيد بن أبي مسلم والي إفريقية اجتمع رأي أهلها عليه فولوه أمرهم وذلك في خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان إلى أن ولي بشر بن صفوان الكلبي إفريقية وكان على مصر فخرج إليها واستخلف أخاه حنظله انتهى
40 - ومنهم عبد الملك بن عمر بن مروان بن الحكم الأموي فر من الشام خوفا من المسودة فمر بمصر ومضى إلى الأندلس وقد غلب عليها الأمير عبد الرحمن بن معاوية الداخل فأكرمه ونوه به وولاه إشبيلية لأنه
____________________
(3/58)

كان قعدد بني أمية ثم إنه لما وجد الداخل يدعو لأبي جعفر المنصور أشار عليه بقطع اسمه من الخطبة وذكره بسوء صنيع بني العباس ببني أمية فتوقف عبد الرحمن في ذلك فما زال به عبد الملك حتى قطع الدعاء له وذلك أنه قال له حين امتنع من ذلك إن لم تقطع الخطبة لهم قتلت نفسي فقطع حينئذ عبد الرحمن الخطبة بالمنصور بعد أن خطب باسمه عشرة أشهر ولما زحف أهل غرب الأندلس نحو قرطبة لحرب الأمير عبد الرحمن أنهض إليهم عبد الملك هذا فنهض في معظم الجيش وقدم ابنه أمية أمامه في أكثر العساكر فخالطهم أمية فوجد فيهم قوة فخاف الفضيحة معهم فانحاز منهزما إلى أبيه فلما جاءه سقط في يده وقال له ما حملك على أن استخففت بي وجرأت الناس علي والعدو إن كنت قد فررت من الموت فقد جئت إليه فأمر بضرب عنقه وجمع أهل بيته وخاصته وقال لهم طردنا من الشرق إلى أقصى هذا الصقع ونحسد على لقمة تبقي الرمق اكسروا جفون السيوف فالموت أولى أو الظفر ففعلوا وحملوا وتقدمهم فهزم اليمانية وأهل إشبيلية ولم تقم بعدها لليمانية قائمة وقتل بين الفريقين ثلاثون ألفا وجرح عبد الملك فأتاه عبد الرحمن وجرحه يجري دما وسيفه يقطر دما وقد لصقت يده بقائم سيفه فقبل بين عينيه وجزاه خيرا وقال له يا ابن عم قد أنكحت ابني وولي عهدي هشاما ابنتك فلانة وأعطيتها كذا وكذا وأعطيتك كذا ولأولادك كذا وأقطعتك وإياهم كذا ووليتكم الوزارة
ومن شعره لما نظر نخلة منفردة بإشبيلية فتذكر وطنه بالشام وقال
( يا نخل أنت فريدة مثلي ** في الأرض نائية عن الأهل )
( تبكي وهل تبكي مكممة ** عجماء لم تجبل على جبل )
( ولو أنها عقلت إذا لبكت ** ماء الفرات ومنبت النخل )
( لكنها حرمت وأخرجني ** بغضي بني العباس عن أهلي )
41 - ومن الداخلين من المشرق إلى الأندلس هاشم بن الحسين بن إبراهيم ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين
ونزل حين دخوله بلبلة وتعرف منازلهم فيها بمنازل الهاشمي وذكره أمير المؤمنين الحكم المستنصر في كتابه أنساب الطالبيين والعلويين القادمين إلى المغرب 42 - ومن الداخلين إلى الأندلس عبد الله بن المغيرة الكناني حليف بني عبد الدار سماه أبو محمد الأصيلي الفقيه في الداخلين الأندلس من التابعين حكى ذلك عنه أبو القاسم بن بشكوال في مجموعه المسمى ب التنبيه والتعيين قال ابن الأبار وما أراه يتابع عليه وذكره أبو سعيد ابن يونس من أهل إفريقية انتهى وذكر أنه يروي عن سفيان بن وهب الخولاني
43 - ومنهم عبد الله المعمر الذي طرأ على الأندلس في آخر الزمان وكان يزعم أنه لقي بعض التابعين
قال ابن الأبار روى عنه أبو محمد أسد الجهني ذكر ذلك القيشي وفيه عندي نظر انتهى
44 - ومنهم أبو عمرو عبد الرحمن بن شماسة بن ذئب المهري روى عن أبي ذر وقيل عن أبي نضرة عن أبي ذر وعائشة وعمرو بن العاص
____________________
(3/59)


( يا نخل أنت فريدة مثلي ** في الأرض نائية عن الأهل )
( تبكي وهل تبكي مكممة ** عجماء لم تجبل على جبل )
( ولو أنها عقلت إذا لبكت ** ماء الفرات ومنبت النخل )
( لكنها حرمت وأخرجني ** بغضي بني العباس عن أهلي )
41 - ومن الداخلين من المشرق إلى الأندلس هاشم بن الحسين بن إبراهيم ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين
ونزل حين دخوله بلبلة وتعرف منازلهم فيها بمنازل الهاشمي وذكره أمير المؤمنين الحكم المستنصر في كتابه أنساب الطالبيين والعلويين القادمين إلى المغرب 42 - ومن الداخلين إلى الأندلس عبد الله بن المغيرة الكناني حليف بني عبد الدار سماه أبو محمد الأصيلي الفقيه في الداخلين الأندلس من التابعين حكى ذلك عنه أبو القاسم بن بشكوال في مجموعه المسمى ب التنبيه والتعيين قال ابن الأبار وما أراه يتابع عليه وذكره أبو سعيد ابن يونس من أهل إفريقية انتهى وذكر أنه يروي عن سفيان بن وهب الخولاني
43 - ومنهم عبد الله المعمر الذي طرأ على الأندلس في آخر الزمان وكان يزعم أنه لقي بعض التابعين
قال ابن الأبار روى عنه أبو محمد أسد الجهني ذكر ذلك القيشي وفيه عندي نظر انتهى
44 - ومنهم أبو عمرو عبد الرحمن بن شماسة بن ذئب المهري روى عن أبي ذر وقيل عن أبي نضرة عن أبي ذر وعائشة وعمرو بن العاص
____________________
(3/60)

وابنه عبد الله وزيد بن ثابت وأبي نضرة الغفاري وعقبة بن عامر الجهني وعوف ابن مالك الأشجعي ومعاوية بن حديج ومسلمة بن مخلد وأبي رهم ذكره ابن يونس في تاريخ مصر وسماه ابن بشكوال في الداخلين الأندلس من التابعين وروي ذلك عن الحميدي قاله ابن الأبار وقال ابن يونس وآخر من حدث عنه بمصر حرملة بن عمران
45 - ومن الداخلين إلى الأندلس من المشرق عبد الله بن سعيد بن عمار ابن ياسر رضي الله تعالى عنه وقد ذكره ابن حيان في مقتبسه وأخبر أن يوسف بن عبد الرحمن الفهري كتب له أن يدافع عبد الرحمن المرواني الداخل للأندلس وكان المذكور إذ ذاك أميرا على اليمانية من جند دمشق وإنما ركن إليه في محاربة عبد الرحمن لما بين بني عمار وبني أمية من الثأر بسبب قتل عمار بصفين وكان عمار رضي الله تعالى عنه من شيعة علي كرم الله وجهه
وهذا عبد الله بن سعيد هو جد بني سعيد أصحاب القلعة الذين منهم عدة رؤساء وأمراء وكتاب وشعراء ومنهم صاحب المغرب وغير واحد ممن عرفنا به في هذا الكتاب ومن مشاهيرهم أبو بكر محمد بن سعيد بن خلف بن سعيد صاحب أعمال غرناطة في مدة الملثمين قال وهو القائل يفتخر
( إن لم أكن للعلاء أهلا ** بما تراه فمن يكون )
( فكل ما أبتغيه دوني ** ولي على همتي ديون )
( ومن يرم ما يقل عنه ** فذاك من فعله جنون )
____________________
(3/61)


( فرع بأفق السماء سام ** وأصله راسخ مكين )
وقوله
( الله يعلم أني ** أحب كسب المعالي )
( وإنما أتوانى ** عنها لسوء المآل )
( تحتاج للكد والبذل ** واصطناع الرجال )
( دع كل من شاء يسمو ** لها بكل احتيال )
( فحالهم في انعكاس ** بها وحالي حالي )
وتراجمهم واسعة وقد بسطت في المسهب و المغرب وغيرهما وقد قدمنا في الباب قبل هذا من أخبار بني سعيد هؤلاء ما يثلج الصدر فليراجع
46 - ومن الوافدين على الأندلس من المشرق أبو زكريا عبد الرحيم بن أحمد بن نصر بن إسحاق بن عمرو بن مزاحم بن غياث التميمي البخاري الحافظ نزيل مصر
سمع ببخارى بلده من إبراهيم بن محمد بن يزداد وأخيه أحمد وكانا يرويان معا عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي وعن أبي الفضل السليماني ببيكند وأبي عبد الله محمد بن أحمد المعروف بغنجار وأبي يعلى حمزة بن عبد العزيز المهلبي وأقرانه باليمن وأبي القاسم تمام بن محمد الرازي بدمشق وابن أبي كامل بأطرابلس الشام وأبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ بمصر وله رواية عن أبي نصر الكلاباذي وأبي عبد الله الحاكم وأبي بكر بن فورك المتكلم وأبي العباس ابن الحاج الإشبيلي وأبي القاسم علي بن أحمد الخزاعي صاحب الهيثم ابن كليب وأبي الفضل العباس بن محمد الحداد التنيسي وأبي الفتح محمد بن إبراهيم الجحدري وأبي بكر محمد
____________________
(3/62)

ابن داود العسقلاني وهلال الحفار وصدقة بن محمد بن مروان الدمشقي ولقي بإفريقية العابد ولي الله سيدي محرز بن خلف التميمي مولاهم وصحبه وقال لقد هبته يوم لقيته هيبة لم أجدها لأحد في نفسي من الناس ودخل الأندلس وبلاد المغرب وكتب بها عن شيوخها ولم يزل يكتب إلى أن مات حتى كتب عمن دونه وله رسالة الرحلة وأسبابها وقول لا إله إلا الله وثوابها فسمع منه أبو عبد الله الرازي وذكره في مشيخته قال الحافظ ابن الأبار ومنها نقلت اسمه وتعرفت دخوله الأندلس وحدث عنه هو وجماعة منهم أبو مروان الطبني وقال هو من الرحالين في الآفاق أخبرني أنه يحدث عن مئين من أهل الحديث وأبو عبد الله الحميدي وأبو بكر جماهر بن عبد الرحمن الطليطلي وأبو عبد الله بن منصور الحضرمي وأبو سعيد الرهاوي وأبو محمد جعفر بن محمد السراج وأبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الباقي وأبو الحسن ابن مشرف الأنماطي وأبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي وأبو محمد شعيب بن سبعون الطرطوشي وأبو بكر ابن نعمة العابد وأبو الحسن علي بن الحسين الموصلي الغراف وأبو عثمان سعد بن عبد الله الحيدري من شيوخ السلفي وأبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن الخضر السلمي وأبو إسحاق الكلاعي من شيوخ أبي بحر الأسدي وأبو محمد ابن عتاب كتب إليه بجميع ما رواه ولم يعرف ذلك في حياته
وسماه أبو الوليد بن الدباغ في الطبقة العاشرة من طبقات أئمة المحدثين من تأليفه مع أبي عمر ابن عبد البر وأبي محمد ابن حزم وأبي بكر بن ثابت الخطيب وذكره أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه وقال سمع بما وراء النهر والعراق ومصر واليمن والقيروان ثم سكن مصر وقدم دمشق قديما وحدث بها وسمى جماعة كثيرة من الرواة عنه وحكى أنه قال لي ببخارى أربعة عشر ألف جزء حديث أريد أن أمضي وأجيء بها
____________________
(3/63)

64 قال وسئل عن مولده فقال في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة قال وتوفي بالحوراء سنة إحدى وسبعين وأربعمائة رحمه الله تعالى ورضي عنه انتهى
قلت والذي أعتقده أنه لم يدخل الأندلس من أهل المشرق أحفظ منه للحديث وهو ثقة عدل ليس له مجازفة والحق أبلج
47 - وممن دخل الأندلس من المشرق عبد الجبار بن أبي سلمة الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري دخل الأندلس مع موسى بن نصير وكان على ميسرة معسكره ونزل باجة ثم بطليوس ومن نسله الزهريون الأشراف الذين كانوا بإشبيلية انتقلوا إلى سكناها قديما هكذا في خبر القاضي أبي الحسين الزهري منهم عن أبي بكر بن خير وغيره قال ابن بشكوال في مجموعه المسمى ب التنبيه والتعيين لمن دخل الأندلس من التابعين عبد الجبار بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف من التابعين وقع ذكره في كتاب شيخنا أبي الحسن بن مغيث انتهى
قال ابن الأبار ولم يزد على هذا انتهى أبو
48 - ومن الداخلين إلى الأندلس من المشرق أبو محمد عبد الوهاب بن عبد الله بن عبد الوهاب من أهل مصر وسكن بغداد ويعرف بالطندتائي قرية بمصر نسب إليها روى عن أبي محمد الشارمساحي وتفقه به وقدم الأندلس رسولا بزعمه من عند الخليفة العباسي فسكن مرسية ودرس بها وخرج منها سنة اثنتين وأربعين وستمائة بعد أن تملكها النصارى صلحا وأسر بناحية صقلية قال ابن الأبار ثم بلغني أنه تخلص ولحق ببلده رحمه الله تعالى
49 - ومنهم عبد الخالق بن إبراهيم الخطيب يكنى أبا القاسم قال

____________________
(3/64)

ابن الأبار لا أعرف موضعه من بلاد المشرق وكان أديبا قوي العارضة مطبوع الشعر مديد النفس ومن شعره من قصيدة صنعها في وقت رحلته إلى الأندلس قوله
( على الذل أو فاحلل عقال الركائب ** وللضيم أو فاحلل صدور الكتائب )
( فإما حياة بعد إدراك منية ** وإما ممات تحت عز القواضب )
( فما العيش في ظل الهوان بطيب ** وما الموت في سبل العلاء بعائب ) 50 - ومنهم أبو محمد عبد اللطيف بن أبي الطاهر أحمد بن محمد بن هبة الله الهاشمي الصدفي من أهل بغداد يعرف بالنرسي دخل الأندلس وكان يزعم أنه روى عن أبي الوقت السجزي وأبي الفرج الجوزي وغيرهما وله تأليف سماه الدليل في الطريق من أقاويل أهل التحقيق ذكره أبو عبد الله محمد بن سعيد الطراز وضعفه بعد ما سمع منه أخذ عنه وسمع منه هو وأبو القاسم عبد الرحمن بن القاسم المغيلي وغيرهما وقال ورد علينا غرناطة قريبا من سنة ثلاث عشرة وستمائة وتوفي - عفا الله تعالى عنه بإشبيلية قريبا من هذا التاريخ وقال فيه أبو القاسم ابن فرقد عبد اللطيف بن عبد الله الهاشمي البغدادي النرسي منسوب إلى قرية من قرى بغداد سمع صحيح البخاري من أبي الوقت السجزي وروى عن غيره وله تآليف قال ابن الأبار في التصوف منها تأليف في إباحة السماع قرأت عليه أكثره وقرأت عليه عوالي النقيب بمدينة إشبيلية بحومة القصر المبارك عام خمسة عشر وستمائة
51 ومنهم أبو بكر عمر بن عثمان بن محمد بن أحمد الخراساني
____________________
(3/65)


الباخرزي الماليني يكني أبا بكر سمع من أبي الخير أحمد بن إسماعيل الطالقاني القزويني وأبي يعقوب يوسف بن عمر بن أحمد الخالدي الزنجاني وقدم الأندلس وحدث بصحيفتي الأشج وجعفر بن نسطور الرومي وسمع منه بغرناطة ومرسية وغيرهما من بلاد الأندلس وحدث عنه أبو القاسم الملاحي وسمع منه بمالقة أبو جعفر ابن عبد الجبار وأبو علي ابن هاشم في صفر سنة 600 ومولده في ربيع الأول سنة 560 انتهى من تكملة ابن الأبار قلت ولا يخفى على من له بصر بعلم الحديث أن الأشج وابن نسطور لا يلتفت إليهما ويرحم الله تعالى السلفي الحافظ إذ قال
( حديث ابن نسطور وقيس ويعنم ** وبعد أشج الغرب ثم خراش )
( ونسخة دينار ونسخة تربه ** أبي هدبة القيسي شبه فراش )
قال ابن عات كان الحافظ السلفي إذا فرغ من إنشاد هذين البيتين ينفخ في يديه إشارة إلى أن هذه الأشياء كالريح انتهى
52 - ومن الوافدين على الأندلس من أهل المشرق علي بن بندار بن إسماعيل بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي من أهل بغداد قدم الأندلس تاجرا سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وكان قد أخذ عن أبي الحسن عبد الله بن أحمد بن محمد بن المغلس الفقيه الداودي وتلمذ له وسمع منه الموضح والمنجح من تآليفه في الفقه وما تم له من أحكام القرآن هكذا نقله الحافظ ابن حزم عن أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله المعتني بهذا الشأن رحمه الله تعالى
53 - ومنهم أبو العلاء عبيد بن محمد بن عبيد أبو العلاء النيسابوري
____________________
(3/66)

لقيه الحافظ أبو علي الصدفي ببغداد وأخذ عنه إذ قدمها حاجا وهو يحدث عن أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد البصروي قال أبو علي وأراه دخل الأندلس ويغلب على ظني أني لقيته بسرقسطة ذكر ذلك القاضي عياض في المعجم من تأليفه والله تعالى أعلم
54 ومنهم سهل بن علي بن عثمان التاجر النيسابوري يكني أبا نصر سمع جماعة من الخراسانيين وغيرهم منهم أبو بكر أحمد بن خلف الشيرازي وأبو الفتح السمرقندي وأدرك الإمام أبا المعالي الجويني وحضر مدلسه ودرسه ولقي بعده أصحابه القشيري والطوسي وغيرهما وكان شافعي المذهب ذكره عياض وقال حدثني بحكايات وفوائد وأنشدني لأبي طاهر السلفي وأجازني جميع رواياته وحدثني أن وفاة أبي المعالي كانت بنيسابور سنة خمس أو أربع وسبعين وأربعمائة وقال أبو محمد العثماني أنشدنا أبو نصر سهل بن علي النيسابوري الحقواني قال أنشدنا أبو الفتح نصر ابن الحسن أنشدنا أبو العباس العذري قال أنشدنا أبو محمد بن حزم الحافظ لنفسه
( ولما رأيت الشيب حل مفارقي ** نذيرا بترحال الشباب المفارق )
( رجعت إلى نفسي فقلت لها انظري ** إلى ما أتى هذا ابتداء الحقائق )
( دعي دعوات اللهو قد فات وقتها ** كما قد أفات الليل نور المشارق )
( دعي منزل اللذات ينزل أهله ** وجدي لما ندعي إليه وسابقي )
قال عياض توفي سهل هذا غريقا في البحر منصرفا إلى بلده من المرية رحمه الله تعالى
____________________
(3/67)

55 - ومنهم أبو المكارم هبة الله بن الحسين المصري كان من أهل العلم عارفا بالأصول حافظا للحديث متيقظا حسن الصورة والشارة دخل الأندلس وولي قضاء إشبيلية منها آخر شعبان سنة تسع وسبعين وخمسمائة قال ابن الأبار وبه صرف أبو القاسم الخولاني وأقام بها سنة وحضر غزوة شنترين وكان قدوم أبي المكارم هذا الأندلس خوفا من صلاح الدين يوسف بن أيوب في قوم من شيعة العبيدي ملك مصر ووفد أيضا معه أبو الوفاء المصري ثم استصحبه أمير المؤمنين يعقوب المنصور معه في غزوة قفصة الثانية وولاه حينئذ قضاء تونس وكان قد ولي قضاء فاس وولي أيضا أبو الوفاء صاحبه القضاء وتوفي وهو يتولى قضاء تونس سنة ست وثمانين وخمسمائة رحمه الله تعالى
56 - ومنهم يحيى بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن عبد الله القيسي الدمشقي أصله من دمشق وبها ولد ويعرف بالأصبهاني في مجلس أبي طاهر السلفي لدخوله إياها وإقامته بها أزيد من خمسة أعوام لقراءة الخلافيات ويكنى أبا زكريا وسمع بالمشرق أبا بكر بن ماشاذة السكري وأبا الرشيد بن خالد البيع وأبا الطاهر السلفي وغيرهم وقصد المغرب بعد أداء الفريضة فلقي ببجاية أبا محمد عبد الحق الإشبيلي وأجازه وحضه على الوعظ والتذكير فامتثل ذلك ودخل الأندلس وتجول ببلادها واستوطن غرناطة منها وكان فقيها على مذهب الشافعي عارفا بالأصول والتصوف زاهدا ورعا كثير المعروف والصدقة يعظ الناس ويسمع الحديث ولم يكن بالضابط فيما قاله الحافظ ابن الأبار قال وله كتاب الروضة الأنيقة من تأليفه حدث عنه جماعة من الجلة منهم أبو جعفر ابن عميرة الضبي وابنا حوط الله أبو محمد وأبو
____________________
(3/68)

سليمان وأبو القاسم الملاحي وأبو العباس بن الجيار وأبو الربيع بن سالم وقال أنشدني عند توديعي إياه بغرناطة قال سمعت بعض المذكورين ينشد
( يا زائرا زار وما زارا ** كأنه مقتبس نارا )
( مر بباب الدار مستعجلا ** ما ضره لو دخل الدارا )
( نفسي فداء لك من زائر ** ما زار حتى قيل قد سارا )
وسمع منه أبو جعفر بن الدلال كتاب المعالم للخطابي في شرح سنن أبي داود بقراءة جميعه عليه
ومولده في شوال سنة ثمان وأربعين وخمسمائة وتوفي بغرناطة بعد أن سكنها يوم الاثنين سادس شوال سنة ثمان وستمائة قال ابن الأبار وفي هذا اليوم يعينه كانت وفاة شيخنا أبي عبد الله بن نوح ببلنسية رحمهما الله تعالى
57 - ومن الوافدين من المشرق إلى الأندلس إسماعيل بن عبد الرحمن بن علي القرشي من ذرية عبد بن زمعة أخي سودة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها رحل من مصر إلى الأندلس في زمن السلطان الحاكم المستنصر بالله أعوام الستين وثلاثمائة حين ملك بنو عبيد مصر وأظهروا فيها معتقدهم الخبيث فحل يومئذ من الحكم المستنصر محل الرحب والسعة ولما ثارت الدولة العامرية أوى إلى إشبيلية وأوطنها دارا واتخذها قرارا وبها لقيه أبو عمر بن عبد البر علامة الأندلس فدرس عليه واقتبس مما لديه وقد ذكره في تاريخ شيوخه ولم يزل عقبه بها إلى أن نجم منهم أبو الحسين سالم بن محمد بن سالم وهو من رجال الذخيرة وله نثر كما تفتح الزهر وتدفق البحر ونظم كما اتسق الدر وسفرت عن محاسنها الأوجه الغر
____________________
(3/69)

فمن نظمه قوله
( خليلي هل ليلى ونجد كعهدنا ** فيا حبذا ليلى ويا حبذا نجد )
( عسى الدهر أن يقضي لنا بالتفاتة ** فيا رب قرب قد يجدده بعد )
وله أثناء رسالة
( قوس العلا وضعت في كف باريها ** وأسهم الخطب عادت نحو راميها )
( ومنها وإنما الشمس لاحت في مطالعها ** بلى وأجرى جياد الخيل مجريها )
ونشأن هذا النجم الثاقب والصيب الساكب وقد أخذ من العلوم في غير ما فن وحقق فيه كل ما ظن وذكره في المسهب وسمط الجمان وفضله شهر رحمه الله تعالى
58 - ومنهم أبو علي القالي صاحب الأمالي والنوادر وفد على الأندلس أيام الناصر أمير المؤمنين عبد الرحمن فأمر ابنه الحكم - وكان يتصرف عن أمر أبيه كالوزير - عاملهم ابن رماحس أن يجيء مع أبي علي إلى قرطبة ويتلقاه في وفد من وجوه رعيته ينتخبهم من بياض أهل الكورة تكرمة لأبي علي ففعل وسار معه نحو قرطبة في موكب نبيل فكانوا يتذاكرون الأدب في طريقهم ويتناشدون الأشعار إلى أن تحاوروا يوما وهم سائرون أدب عبد الملك بن مروان ومساءلته جلساءه عن أفضل المناديل وإنشاده بيت عبدة بن الطبيب
____________________
(3/70)

( ثمت قمنا إلى جرد مسومة ** أعرافهن لأيدينا مناديل )
وكان الذاكر للحكاية الشيخ أبا علي فأنشد الكلمة في البيت أعرافها لأيدينا مناديل فأنكرها ابن رفاعة الإلبيري وكان من أهل الأدب والمعرفة وفي خلقه حرج وزعارة فاستعاد أبا علي البيت متثبتا مرتين في كلتيهما أنشده أعرافها فلوى ابن رفاعة عنانه منصرفا وقال مع هذا يوفد على أمير المؤمنين وتتجشم الرحلة لتعظيمه وهو لا يقيم وزن بيت مشهور بين الناس لا تغلط الصبيان فيه والله لا تبعته خطوة وانصرف عن الجماعة وندبه أميره ابن رماحس أن لا يفعل فلم يجد فيه حيلة وكتب إلى الحكم يعرفه ويصف له ما جرى لابن رفاعة ويشكوه فأجابه على ظهر كتابه الحمد لله الذي جعل في بادية من بوادينا من يخطئ وافد أهل العراق إلينا وابن رفاعة أولى بالرضى عنه من السخط فدعه لشأنه وأقدم بالرجل غير منتقص من تكرمته فسوف يعليه الاختبار إن شاء الله تعالى أو يحطه
وبعض المؤرخين يزعم أن وفادة أبي علي القالي إنما كانت في خلافة الحكم المستنصر بالأندلس لا في خلافة أبيه الناصر والصواب أن وفادته في أيام الناصر لما ذكره غير واحد من حصره وعيه عن الخطبة يوم احتفال الناصر لرسول الإفرنج كما ألمعنا به في غير هذا الموضع
وفي القالي يقول شاعر الأندلس الرمادي
( من حاكم بيني وبين عذولي ** الشجو شجوي والعويل عويلي )
( في أي جارحة أصون معذبي ** سلمت من التعذيب والتنكيل )
____________________
(3/71)


( إن قلت في بصري فثم مدامعي ** أو قلت في قلبي فثم غليلي )
( لكن جعلت له المسامع موضعا ** وحجبتها عن عذل كل عذول ) ولما سمع المتنبي البيت الثاني قال يصونه في استه وكان الرمادي لما سمع قول المتنبي
( كفى بجسمي نحولا أنني رجل ** لولا مخاطبتي إياك لم ترني )
قال أظنه ضرطة والجزاء من جنس العمل
وباسم أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله طرز الشيخ أبو علي القالي كتاب الأمالي
وكان الحكم كريما معنيا بالعلم وهو الذي وجه إلى الحافظ أبي الفرج الأصبهاني ألف دينار على أن يوجه له نسخة من كتاب الأغاني وألف أبو محمد الفهري كتابا في نسب أبي علي البغدادي ورواياته ودخوله الأندلس
وحكى ابن الطيلسان عن ابن جابر أنه قرأ هذين البيتين في لوح رخام كان سقط من القبة المبنية على قبر أبي علي البغدادي عند تهدمها وهما
( صلوا لحد قبري بالطريق وودعوا ** فليس لمن وارى التراب حبيب )
( ولا تدفنوني بالعراء فربما ** بكى أن رأى قبر الغريب غريب ) واسم أبي علي إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى بن محمد ابن سليمان وجده سليمان مولى عبد الملك بن مروان وكان أبو علي أحفظ أهل زمانه باللغة والشعر ونحو البصريين وأخذ الأدب عن أبي بكر بن دريد الأزدي وأبي بكر بن الأنباري وابن درستويه وغيرهم وأخذ عنه أبو بكر الزبيدي الأندلسي صاحب مختصر العين ولأبي علي التصانيف الحسان ك الأمالي والبارع وطاف البلاد وسافر إلى بغداد سنة 303 وأقام بالموصل لسماع الحديث من أبي يعلى الموصلي ودخل بغداد سنة 303 وأقام بها إلى سنة 328 وكتب بها الحديث ثم خرج من بغداد قاصدا الأندلس وسمع
____________________
(3/72)

من البغوي وغيره
قال ابن خلكان ودخل قرطبة لثلاث بقين من شعبان سنة ثلاثين وثلاثمائة انتهى
وهو مما يعين أنه قدم في زمن الناصر لا في زمن ابنه الحكم كما تقدم وقد صرح بذلك الصفدي في الوافي فقال ولما دخل المغرب قصد صاحب الأندلس الناصر لدين الله عبد الرحمن فأكرمه وصنف له ولولده الحكم تصانيف وبث علومه هناك انتهى وقال ابن خلكان إنه استوطن قرطبة إلى أن توفي بها في شهر ربيع الآخر وقيل جمادى الأولى سنة 356 ليلة السبت لست خلون من الشهر المذكور ودفن ظاهر قرطبة ومولده بمنازجرد من ديار بكر
سنة 288 وقيل سنة 280 وإنما قيل له القالي لأنه سافر إلى بغداد مع أهل قاليقلا وهي من أعمال ديار بكر
وهو من محاسن الدنيا رحمه الله تعالى
وعيذون بفتح العين وسكون الياء المثناة التحتية وضم الذال المعجمة
وقال ابن خلكان في ترجمة ابن القوطية إن أبا علي القالي لما دخل الأندلس اجتمع به وكان يبالغ في تعظيمه قال له الحكم بن عبد الرحمن الناصر من أنبل من رأيته ببلدنا هذا في اللغة فقال محمد بن القوطية وكان ابن القوطية مع هذه الفضائل من العباد النساك وكان جيد الشعر صحيح الألفاظ حسن المطالع والمقاطع إلا أنه تركه ورفضه وقال الأديب أبو بكر ابن هذيل إنه توجه يوما إلى ضيعة له بسفح جبل قرطبة وهي من بقاع الأرض الطيبة
____________________
(3/73)

المونقة فصادف أبا بكر بن القوطية المذكور صادرا عنها وكانت له أيضا هناك ضيعة قال فلما رآني عرج علي واستبشر بلقائي فقلت مداعبا له
( من أين أقبلت يا من لا شبيه له ** ومن هو الشمس والدنيا له ) فلك قال فتبسم وأجاب بسرعة
( من منزل تعجب النساك خلوته ** وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا )
فما تمالكت أن قبلت يده إذ كان شيخي ودعوت له انتهى
وهو صاحب كتاب الأفعال الذي فتح فيه هذا الباب فتلاه ابن القطاع وله كتاب المقصور والممدود جمع فيه ما لا يحد ولا يعد وأعجز من بعده به وفاق من تقدمه رحمه الله تعالى ورضي عنه
وممن أخذ عن أبي علي القالي بالأندلس أبو بكر محمد الزبيدي صاحب كتاب مختصر العين وغيره وكان الزبيدي كثيرا ما ينشد
( الفقر في أوطاننا غربة ** والمال في الغربة أوطان )
( والأرض شيء كلها واحد ** والناس إخوان وجيران ) وترجمة الزبيدي واسعة وكان مؤدب المؤيد هشام ووصفه بأنه كان في صباه في غاية الحذق والذكاء رحمه الله تعالى
وكان القالي قد بحث على ابن درستويه كتاب سيبويه ودقق النظر وانتصر للبصريين وأملى شيئا من حفظه ككتاب النوادر والأمالي والمقصور الممدود والإبل والخيل والبارع في اللغة نحو خمسة آلاف
____________________
(3/74)

ورقة لم يصنف مثله في الإحاطة والجمع ولم يتم ورتب كتاب المقصور والممدود على التفعيل ومخارج الحروف من الحلق مستقصى في بابه لا يشذ منه شيء وكتاب فعلت وأفعلت وكتاب مقاتل الفرسان وتفسير السبع الطوال
وكان الزبيدي إماما في الأدب ولكنه عرف فضل القالي فمال إليه واختص به واستفاد منه وأقر له
وكان الحكم المستنصر قبل ولايته الأمر وبعدها ينشط أبا علي ويعينه على التأليف بواسع العطاء ويشرح صدره بالإفراط في الإكرام وكانوا يسمونه البغدادي لوصوله إليها من بغداد ويقال إن الناصر هو الذي استدعاه من بغداد لولائه فيهم وفيه يقول الرمادي متخلصا في لاميته السابق بعضها
( روض تعاهده السحاب كأنه ** متعاهد من عهد إسماعيل )
( قسه إلى الأعراب تعلم أنه ** أولى من الأعراب بالتفضيل )
( حازت قبائلهم لغات فرقت ** فيهم وحاز لغات كل قبيل )
( فالشرق خال بعده وكأنما ** نزل الخراب بربعه المأهول )
( فكأنه شمس بدت في غربنا ** وتغيبت عن شرقهم بأفول )
( يا سيدي هذا ثنائي لم أقل ** زورا ولا عرضت بالتنويل )
( من كان يأمل نائلا فأنا امرؤ ** لم أرج غير القرب في تأميلي )
وقد تقدمت أبيات القالي التي أجاب بها منذر بن سعيد في الباب قبل هذا فلتراجع ثمة والله تعالى أعلم 59 - ومن الوافدين إلى الأندلس من المشرق أبو العلاء صاعد بن الحسين بن عيسى البغدادي اللغوي
____________________
(3/75)

وأصله من الموصل قال ابن بسام ولما دخل صاعد قرطبة أيام المنصور بن أبي عامر عزم المنصور على أن يعفي به آثار أبي علي البغدادي الوافد على بني أمية فما وجد عنده ما يرتضيه وأعرض عنه أهل العلم وقدحوا في علمه وعقله ودينه ولم يأخذوا عنه شيئا لقلة الثقة به وكان ألف كتابا سماه كتاب الفصوص فدحضوه ورفضوه ونبذوه في النهر ومن شعره قوله
( ومهفهف أبهى من القمر ** قهر الفؤاد بفاتن النظر )
( خالسته تفاح وجنته ** فأخذتها منه على غرر )
( فأخافني قوم فقلت لهم ** لا قطع في ثمر ولا كثر ) والكثر الجمار وهذا اقتباس من الحديث
وقال الحميدي سمعت أبا محمد بن حزم الحافظ يقول سمعت أبا العلاء صاعدا ينشد بين يدي المظفر عبد الملك بن أبي عامر من قصيدة يهنيه فيها بعيد الفطر سنة 396
( حسبت المنعمين على البرايا ** فألفيت اسمه صدر الحساب )
( وما قدمته إلا كأني ** أقدم تاليا أم الكتاب )
وذكر الحميدي أن عبد الله بن ماكان الشاعر تناول نرجسة فركبها في وردة ثم قال لصاعد ولأبي عامر بن شهيد صفاها فأفحما ولم يتجه لهما القول فبينما هم على ذلك إذ دخل الزهيري صاحب أبي العلاء وتلميذه وكان شاعرا
____________________
(3/76)

أديبا أميا لا يقرأ فلما استقر به المجلس أخبر بما هم فيه فجعل يضحك ويقول
( ما للأديبين قد اعيتهما ** مليحة من ملح الجنه )
( نرجسة في وردة ركبت ** كمقلة تطرف في وجنه )
انتهى ومن غريب ما جرى لصاعد أن المنصور جلس يوما وعنده أعيان مملكته ودولته من أهل العلم كالزبيدي والعاصمي وابن العريف وغيرهم فقال لهم المنصور هذا الرجل الوافد علينا يزعم أنه متقدم في هذه العلوم وأحب أن يمتحن فوجه إليه فلما مثل بين يديه والمجلس قد احتفل خجل فرفع المنصور محله وأقبل عليه وسأله عن أبي سعيد السيرافي فزعم أنه لقيه وقرأ عليه كتاب سيبويه فبادره العاصمي بالسؤال عن مسألة من الكتاب فلم يحضره جوابها واعتذر بأن النحو ليس جل بضاعته فقال له الزبيدي فما تحسن أيها الشيخ فقال حفظ الغريب قال فما وزن أولق فضحك صاعد وقال أمثلي يسأل عن هذا إنما يسأل عنه صبيان المكتب قال الزبيدي قد سألناك ولا نشك أنك تجهله فتغير لونه وقال أفعل وزنه فقال الزبيدي صاحبكم ممخرق فقال له صاعد إخال الشيخ صناعته الأبنية فقال له أجل فقال صاعد وبضاعتي أنا حفظ الأشعار ورواية الأخبار وفك المعمى وعلم الموسيقى فقال فناظره ابن العريف فظهر عليه صاعد وجعل لا يجري في المجلس كلمة إلا أنشد عليها شعرا شاهدا وأتى بحكاية يجانسها فأعجب المنصور ثم أراه كتاب النوادر لأبي علي القالي فقال
____________________
(3/77)

إن أراد المنصور أمليت على كتاب دولته كتابا أرفع منه وأجل لا أورد فيه خبرا مما أورده أبو علي فأذن له المنصور في ذلك وجلس بجامع مدينة الزاهرة يملي كتابه المترجم ب الفصوص فلما أكمله تتبعه أدباء الوقت فلم تمر فيه كلمة صحيحة عندهم ولا خبر ثبت لديهم وسألوا المنصور في تجليد كراريس بياض تزال جدتها حتى توهم القدم وترجم عليه كتاب النكت تأليف أبي الغوث الصنعاني فترامى إليه صاعد حين رآه وجعل يقبله وقال إي والله قرأته بالبلد الفلاني على الشيخ أبي فلان فأخذه المنصور من يده خوفا أن يفتحه وقال له إن كنت قد قرأته كما تزعم فعلام يحتوي فقال وأبيك لقد بعد عهدي به ولا أحفظ الآن منه شيئا ولكنه يحتوي على لغة منثورة لا يشوبها شعر ولا خبر فقال له المنصور أبعد الله مثلك فما رأيت أكذب منك وأمر بإخراجه وأن يقذف كتاب الفصوص في النهر فقال فيه بعض الشعراء
( قد غاص في النهر كتاب الفصوص ** وهكذا كل ثقيل يغوص )
فأجابه صاعد
( عاد إلى معدنه إنما ** توجد في قعر البحار الفصوص )
قال ابن بسام وما أظن أحدا يجترئ على مثل هذا وإنما صاعد اشترط أن لا يأتي إلا بالغريب غير المشهور وأعانهم على نفسه بما كان يتنفق به من الكذب
وحكى ابن خلكان أن المنصور أثابه على كتاب الفصوص بخمسة
____________________
(3/78)

آلاف دينار
ومن أعجب ما جرى له أنه كان بين يدي المنصور فأحضرت إليه وردة في غير وقتها لم يستتم فتح ورقها فقال فيها صاعد مرتجلا
( أتتك أبا عامر وردة ** يذكرك المسك أنفاسها )
( كعذراء أبصرها مبصر ** فغطت بأكمامها راسها )
فسر بذلك المنصور وكان ابن العريف حاضرا فحسده وجرى إلى مناقضته وقال لابن أبي عامر هذان البيتان لغيره وقد أنشدنيهما بعض البغداديين بمصر لنفسه وهما عندي على ظهر كتاب بخطه فقال له المنصور أرنيه فخرج ابن العريف وركب وحرك دابته حتى أتى مجلس ابن بدر وكان أحسن أهل زمانه بديهة فوصف له ما جرى فقال هذه الأبيات ودس فيها بيتي صاعد
( عشوت إلى قصر عباسة ** وقد جدل النوم حراسها )
( فألفيتها وهي في خدرها ** وقد صرع السكر أناسها )
( فقالت أسار على هجعة ** فقلت بلى فرمت كاسها )
( ومدت يديها إلى وردة ** يحاكي لك الطيب أنفاسها )
( كعذراء أبصرها مبصر ** فغطت بأكمامها راسها )
( وقالت خف الله لا تفضحن ** في ابنة عمك عباسها )
( فوليت عنها على غفلة ** وما خنت ناسي ولا ناسها )
فطار ابن العريف بها وعلقها على ظهر كتاب بخط مصري ومداد أشقر
____________________
(3/79)

ودخل بها على المنصور فلما رآها اشتد غيظه على صاعد وقال للحاضرين غدا أمتحنه فإن فضحه الامتحان أخرجته من البلاد ولم يبق في موضع لي عليه سلطان فلما أصبح وجه إليه فأحضر وأحضر جميع الندماء فدخل بهم إلى مجلس محفل قد أعد فيه طبقا عظيما فيه السقائف مصنوعة من جميع النواوير ووضع على السقائف لعب من ياسمين في شكل الجواري وتحت سقائف بركة ماء قد ألقي فيها اللآلئ مثل الحصباء وفي البركة حية تسبح فلما دخل صاعد ورأى الطبق قال له المنصور إن هذا يوم إما أن تسعد فيه معنا وإما أن تشقى بالضد عندنا لأنه قد زعم قوم أن كل ما تأتي به دعوى وقد وقفت من ذلك على حقيقة وهذا طبق ما توهمت أنه حضر بين يدي ملك قبلي شكله فصفه بجميع ما فيه وعبر بعض عن هذه القصة بقوله أمر فعبئ له طبق فيه أزهار ورياحين وياسمين وبركة ماء حصباؤها اللؤلؤ وكان في البركة حية تسبح وأحضرها صاعد فلما شاهد ذلك قال له المنصور إن هؤلاء يذكرون أن كل ما تأتي به دعوى لا صحة لها وهذا طبق ما ظننت أنه عمل لملك مثله فإن وصفته بجميع ما فيه علمت صحة ما تذكره فقال صاعد بديهة
( أبا عامر هل غير جدواك واكف ** وهل غير من عاداك في الأرض خائف )
( يسوق إليك الدهر كل غريبة ** وأعجب ما يلقاه عندك واصف )
( وشائع نور صاغها هامر الحيا ** على حافتيها عبقر ورفارف )
( ولما تناهى الحسن فيها تقابلت ** عليها بأنواع الملاهي الوصائف )
( كمثل الظباء المستكنة كنسا ** تظللها بالياسمين السقائف )
( وأعجب منها أنهن نواظر ** إلى بركة ضمت إليها الطرائف )
( حصاها اللآلي سابح في عبابها ** من الرقش مسموم الثعابين زاحف )
____________________
(3/80)


( ترى ما تراه العين في جنباتها ** من الوحش حتى بينهن السلاحف )
فاستغربت له يومئذ تلك البديهة في مثل ذلك الموضع وكتبها المنصور بخطه وكان إلى ناحيته من تلك السقائف سفينة فيها جارية من النوار تجذف بمجاذيف من ذهب لم يرها صاعد فقال له المنصور أحسنت إلا أنك أغفلت ذكر المركب والجارية فقال للوقت
( وأعجب منها غادة في سفينة ** مكللة تصبو إليها المهاتف )
( إذا راعها موج من الماء تتقي ** بسكانها ما أنذرته العواصف )
( متى كانت الحسناء ربان مركب ** تصرف في يمنى يديه المجاذف )
( ولم تر عيني في البلاد حديقة ** تنقلها في الراحتين الوصائف )
( ولا غرو أن شاقت معاليك روضة ** وشتها أزاهير الربى والزخارف )
( فأنت امرؤ لو رمت نقل متالع ** ورضوى ذرتها من سطاك نواسف )
( إذا قلت قولا أو بدهت بديهة ** فكلني له إني لمجدك واصف )
فأمر له المنصور بألف دينار ومائة ثوب ورتب له في كل شهر ثلاثين دينارا وألحقه بالندماء قال وكان شديد البديهة في ادعاء الباطل قال له المنصور يوما ما الخنبشار فقال حشيشة يعقد بها اللبن ببادية الأعراب وفي ذلك يقول شاعرهم
( لقد عقدت محبتها بقلبي ** كما عقد الحليب بخنبشار
____________________
(3/81)

وقال له يوما وقد قدم إليه طبق فيه تمر ما التمركل في كلام العرب فقال يقال تمركل الرجل تمركلا إذا التف في كسائه
وكان مع ذلك عالما
قال وكان لأبن أبي عامر فتى يسمى فاتنا أوحد لا نظير له في علم كلام العرب فناظر صاعدا هذا فقطعه وظهر عليه وبكته فأعجب المنصور منه فتوفي فاتن هذا سنة 402 وبيعت في تركته كتب مضبوطة جليلة مصححة وكان منقادا لما نزل به من المثلة فلم يتخذ النساء كغيره وكان في ذلك الزمان بقرطبة جملة من الفتيان المخانيث ممن أخذ بأوفر نصيب من الأدب
قال ورأيت تأليفا لرجل منهم يعرف بحبيب ترجمه بكتاب الاستظهار والمغالبة على من أنكر فضائل الصقالبة وذكر فيه جملة من أشعارهم وأخبارهم ونوادرهم
وقال ابن بسام وغيره ومن عجائب ما جرى لصاعد أنه أهدى أيلا إلى المنصور وكتب على يد موصله
( يا حرز كل مخوف وأمان كل ** مشرد ومعز كل مذلل )
( يا سلك كل فضيلة ونظام كل ** جزيلة وثراء كل معيل ) ومنها
( ما إن رأت عيني وعلمك شاهد ** شروى علائك في معم مخول ) ومنها
____________________
(3/82)


( وأبي مؤانس غربتي وتحفظي ** من صفر أيامي ومن ومستعملي )
( عبد جذبت بضبعه ورفعت من ** مقداره أهدى إليك بأيل )
( سميته غرسية وبعثته ** في حبله ليصح فيه تفاؤلي )
( فلئن قبلت فتلك أنفس منة ** أسدى بها ذو منحة وتطول )
( صبحتك غادية السرور وجللت ** أرجاء ربعك بالسحاب المخضل ) فقضي في سابق علم الله سبحانه وتعالى أن ملك الروم غرسية أسر في ذلك اليوم بعينه الذي بعث فيه بالإيل وسماه باسمه على التفاؤل انتهى
وكان غرسية أمنع من النجم وسبب أخذه أنه خرج يتصيد فلقيته خيل للمنصور من غير قصد فأسرته وجاءته به فكان هذا الاتفاق مما عظم به العجب
ولنزد من أخبار صاعد فنقول حكي أن المنصور قال بسبب هذه القضية إنه لم يتفق لصاعد هذا الفأل الغريب إلا لحسن نيته وسريرته وصفاء باطنه فرفع قدره من ذلك اليوم فوق ما كان ورجحه على أعدائه وحق له ذلك
وفي الزهرة الثامنة والعشرين من كتاب الأزهار المنثورة في الأخبار المأثورة حكي أن صاعدا قال جمعت خرق الأكياس والصرر التي قبضت فيها صلات المنصور محمد بن أبي عامر فقطعت لكافور الأسود غلامي منها قميصا كالمرقعة وبكرت به معي إلى قصر المنصور فاحتلت في تنشيطه حتى طابت نفسه فقلت يا مولانا لعبدك حاجة فقال أذكرها قلت
____________________
(3/83)

وصول غلامي كافور إلى هنا فقال وعلى هذه الحال فقلت لا أقنع بسواه إلا بحضوره بين يديك فقال أدخلوه فمثل قائما بين يديه في موقعته وهو كالنخلة إشرافا فقال قد حضر وإنه لباذ الهيئة فمالك أضعته فقلت يا مولانا هنالك الفائدة اعلم يا مولاي أنك وهبت لي اليوم ملء جلد كافور مالا فتهلل وقال لله درك من شاكر مستنبط لغوامض معاني الشكر وأمر لي بمال واسع وكسوة وكسا كافورا أحسن كسوة انتهى
ولما دخل صاعد دانية وحضر مجلس الموفق مجاهد العامري أمير البلد كان في المجلس أديب يقال له بشار فقال للموفق دعني أعبث بصاعد فقال له لا تتعرض إليه فإنه سريع الجواب فأبى إلا مساءلته وكان بشار المذكور أعمى فقال لصاعد يا أبا العلاء ما الجرنفل في كلام العرب فعرف صاعد أنه وضع هذه الكلمة وليس لها أصل في اللغة فقال بعد أن أطرق ساعة الجرنفل في اللغة الذي يفعل بنساء العميان ولا يتجاوزهن إلى غيرهن وهو في ذلك كله يصرح ولا يكني فخجل بشار وانكسر وضحك من كان حاضرا فقال له الموفق قلت لك لا تفعل فلم تقبل انتهى
والجرنفل بضم الجيم والراء وسكون النون وضم الفاء وبعدها لام
ولصاعد أخبار ونوادر كثيرة غير ما تقدم وله مع المنصور بن أبي عامر رحمه الله تعالى من ذلك كثير وبعضه ذكرناه في هذا الكتاب
ومن حكاياته أنه خرج معه يوما إلى رياض الزاهرة فمد المنصور يده إلى شيء من الريحان المعروف بالترنجان فعبث به ورماه إلى صاعد وأشار إليه أن يقول فيه فارتجل
( لم أدر قبل ترنجان عبثت به ** ) الأبيات الآتية
____________________
(3/84)

طرف من أخبار المنصور
وهذا المنصور بن أبي عامر قد تقدمت جملة من أخباره ومن أعجب ما وقع له ما رأيته بخزانة فاس في كتاب ألفه صاحبه في الأزهار والأنوار حكى فيه في ترجمة النيلوفر أن المنصور لما قدم عليه رسول ملك الروم الذي هو أعظم ملوكهم في ذلك الزمان ليطلع على أحوال المسلمين وقوتهم فأمر المنصور أن يغرس في بركة عظيمة ذات أميال نيلوفر على ما تسع ثم أمر بأربعة قناطير من الذهب وأربعة قناطير من الفضة فسبكت قطعا صغارا على قدر ما تسع النيلوفرة ثم ملأ بها جميع النيلوفر الذي في البركة وأرسل إلى الرومي فحضر عنده قبل الفجر في مجلسه السامي بالزاهرة بحيث يشرف على موضع البركة فلما قرب طلوع الشمس جاء ألف من الصقالبة عليهم أقبية الذهب والفضة ومناطق الذهب والفضة وبيد خمسمائة أطباق ذهب وبيد خمسمائة أطباق فضة فتعجب الرسول من حسن صورهم وجمال شارتهم ولم يدر ما المراد فحين أشرقت الشمس ظهر النيلوفر من البركة فبادروا لأخذ الذهب والفضة من النيلوفر وكانوا يجعلون الذهب في أطباق الفضة والفضة في أطباق الذهب حتى التقطوا جميع ما فيها وجاؤوا به فوضعوه بين يدي المنصور حتى صار كوما بين يديه فتعجب النصراني من ذلك وأعظمه وطلب المهادنة من المسلمين وذهب مسرعا إلى مرسله وقال له لا تعاد هؤلاء القوم فإني رأيت الأرض تخدمهم بكنوزها انتهى
وهذه القضية من الغرائب وإنها لحيلة عجيبة في إظهار عز الإسلام وأهله
وكان المنصور بن أبي عامر آية الله سبحانه في السعد ونصرة الإسلام قال ابن بسام نقلا عن ابن حيان إنه لما انتهت خلافة بني مروان بالأندلس إلى الحكم تاسع الأئمة وكان مع فضله قد استهواه حب الولد حتى خالف الحزم
____________________
(3/85)

في توريثه الملك بعده في سن الصبا دون مشيخة الإخوة وفتيان العشيرة ومن كان ينهض بالأمر ويستقل بالملك قال ابن بسام وكان يقال لا يزال ملك بني أمية بالأندلس في إقبال ودوام ما توارثه الأبناء عن الآباء فإذا انتقل إلى الإخوة وتوارثوه فيما بينهم أدبر وانصرم ولعل الحكم لحظ ذلك فلما مات الحكم أخفى جؤذر وفائق فتياه ذلك وعزما على صرف البيعة إلى أخيه المغيرة وكان فائق قد قال له إن هذا لا يتم لنا إلا بقتل جعفر المصحفي فقال له جؤذر ونستفتح أمرنا بسفك دم شيخ مولانا فقال له هو والله ما أقول لك ثم بعثنا إلى المصحفي ونعيا إليه الحكم وعرفاه رأيهما في المغيرة فقال لهما المصحفي وهل أنا إلا تبع لكما وأنتما صاحبا القصر ومدبرا الأمر فشرعا في تدبير ما عزما عليه وخرج المصحفي وجمع أجناده وقواده ونعى إليهم الحكم وعرفهم مقصود جؤذر وفائق في المغيرة وقال إن بقينا على ابن مولانا كانت الدولة لنا وإن بدلنا استبدل بنا فقالوا الرأي رأيك فبادر المصحفي بإنفاذ محمد بن أبي عامر مع طائفة من الجند إلى دار المغيرة لقتله فوافاه ولا خبر عنده فنعى إليه الحكم أخاه فجزع وعرفه جلوس ابنه هشام في الخلافة فقال أنا سامع مطيع فكتب إلى المصحفي بحاله وما هو عليه من الاستجابة فأجابه المصحفي بالقبض عليه وإلا وجه غيره ليقتله فقتله خنقا
فلما قتل المغيرة واستوثق الأمر لهشام بن الحكم افتتح المصحفي أمره بالتواضع والسياسة واطراح الكبر ومساواة الوزراء في الفرش وكان ذلك من أول ما استحسن منه وتوفر على الاستئثار بالأعمال والاحتجان للأموال وعارضه محمد بن أبي عامر فتى ماجد أخذ معه بطرفي نقيض بالبخل جودا وبالاستبداد أثرة وتملك قلوب الرجال إلى أن تحركت همته للمشاركة في التدبير بحق الوزارة وقوي على أمره بنظره في الوكالة وخدمته
____________________
(3/86)

للسيدة صبح أم هشام وكانت حاله عند جميع الحرم أفضل الأحوال بتصديه لمواقع الإرادة ومبالغته في تأدية لطيف الخدمة فأخرجن له أمر هشام الخليفة إلى الحاجب جعفر المصحفي بأن لا ينفرد عنه برأي وكان غير متخيل منه سكونا إلى ثقته فامتثل الأمر وأطلعه على سره وبالغ في بره وبالغ محمد بن أبي عامر في مخادعته والنصح له فوصل المصحفي يده بيده واستراح إلى كفايته وابن أبي عامر يمكر به ويضرب عليه ويغري به الحسدة ويناقضه في أكثر ما يعامل به الناس ويقضي حوائجهم ولم يزل على ما هذه سبيله إلى أن انحل أمر المصحفي وهوى نجمه وتفرد محمد بن أبي عامر بالأمر ومنع أصحاب الحكم وأجلاهم وأهلكهم وشردهم وشتتهم وصادرهم وأقام من صنائعهم من استغنى به عنهم وصادر الصقالبة وأهلكهم وأبادهم في أسرع مدة
قال ابن حيان وجاشت النصرانية بموت الحكم وخرجوا على أهل الثغور فوصلوا إلى باب قرطبة ولم يجدوا عند جعفر المصحفي غناء ولا نصرة وكان مما أتى عليه أن أمر أهل قلعة رباح بقطع سد نهرهم لما تخيله من أن في ذلك النجاة من العدو ولم تتسع حيلته لأكثر منه مع وفور الجيوش وجموم الأموال وكان ذلك من سقطات جعفر فأنف محمد بن أبي عامر من هذه الدنية وأشار على جعفر بتجريد الجيش بالجهاد وخوفه سوء العاقبة في تركه وأجمع الوزراء على ذلك إلا من شذ منهم واختار ابن أبي عامر
____________________
(3/87)

الرجال وتجهز للغزاة واستصحب مائة ألف دينار ونفذ بالجيش ودخل على الثغر الجوفي إلى جليقية ونازل حصن الحامة ودخل الربض وغنم وقفل فوصل الحضرة بالسبي بعد اثنين وخمسين يوما فعظم السرور به وخلصت قلوب الأجناد له واستهلكوا في طاعته لما رأوه من كرمه
ومن أخبار كرمه ما حكاه محمد بن أفلح غلام الحكم قال دفعت إلى ما لا أطيقه من نفقة في عرس ابنة لي ولم يبق معي سوى لجام محلى ولما ضاقت بي الأسباب قصدته بدار الضرب حين كان صاحبها والدراهم بين يديه موضوعة مطبوعة فأعلمته ما جئت له فابتهج بما سمعه مني وأعطاني من تلك الدراهم وزن اللجام بحديده وسيوره فملأ حجري وكنت غير مصدق بما جرى لعظمه وعملت العرس وفضلت لي فضلة كثيرة وأحبه قلبي حتى لو حملني على خلع طاعة مولاي الحكم لفعلت وكان ذلك في أيام الحكم قبل أن يقتعد ابن أبي عامر الذروة
وقال غير واحد إنه صنع يومئذ قصرا من فضة لصبح أم هشام وحمله على رؤوس الرجال فجلب حبها بذلك وقامت بأمره عند سيدها الحكم وحدث الحكم خواصه بذلك وقال إن هذا الفتى قد خلب عقول حرمنا بما يتحفهن به قالوا وكان الحكم لشدة نظره في علم الحدثان يتخيل في ابن أبي عامر أنه المذكور في الحدثان ويقول لأصحابه أما تنظرون إلى صفرة كفيه ويقول في بعض الأحيان لو كانت به شجة لقلت إنه هو بلا شك فقضى الله أن تلك الشجة حصلت للمنصور يوم ضربه غالب بعد موت الحكم بمدة
قال ابن حيان وكان بين المصحفي وغالب صاحب مدينة سالم وشيخ الموالي وفارس الأندلس عداوة عظيمة ومباينة شديدة ومقاطعة مستحكمة
____________________
(3/88)

وأعجز المصحفي أمره وضعف عن مباراته وشكا ذلك إلى الوزراء فأشاروا عليه بملاطفته واستصلاحه وشعر بذلك ابن أبي عامر فأقبل على خدمته وتجرد لإتمام إرادته ولم يزل على ذلك حتى خرج الأمر بأن ينهض غالب إلى تقدمة جيش الثغر وخرج ابن أبي عامر إلى غزوته الثانية واجتمع به وتعاقدا على الإيقاع بالمصحفي وقفل ابن أبي عامر ظافرا غانما وبعد صيته فخرج أمر الخليفة هشام بصرف المصحفي عن المدينة وكانت في يده يومئذ وخلع على ابن أبي عامر ولا خبر عند المصحفي وملك ابن أبي عامر الباب بولايته للشرطة وأخذ عن المصحفي وجوه الحيلة وخلاه وليس بيده من الأمر إلا أقله وكان ذلك بإعانة غالب له وضبط المدينة ضبطا أنسى به أهل الحضرة من سلف من الكفاة أولي السياسة وانهمك ابن أبي عامر في صحبة غالب ففطن المصحفي لتدبير ابن أبي عامر عليه فكاتب غالبا يستصلحه وخطب أسماء بنته لابنه عثمان فأجابه غالب لذلك وكادت المصاهرة تتم له وبلغ ابن أبي عامر الأمر فقامت قيامته وكاتب غالبا يخوفه الحيلة ويهيج حقوده وألقى عليه أهل الدار وكاتبوه فصرفوه عن ذلك ورجع غالب إلى ابن أبي عامر فأنكحه البنت المذكورة وتم له العقد في محرم سنة سبع وستين وثلاثمائة فأدخل السلطان تلك الابنة إلى قصره وجهزها إلى محمد بن أبي عامر من قبله فظهر أمره وعز جانبه وكثر رجاله وصار جعفر المصحفي بالنسبة إليه كلا شيء واستقدم السلطان غالبا وقلده الحجابة شركة مع جعفر المصحفي ودخل ابن أبي عامر على ابنته ليلة النيروز وكانت أعظم ليلة عرس في الأندلس وأيقن المصحفي بالنكبة وكف عن اعتراض ابن أبي عامر في شيء من التدبير وابن أبي عامر يساتره ولا يظاهره وانفض عنه الناس وأقبلوا على ابن أبي عامر إلى أن صار المصحفي يغدو إلى قصر قرطبة
____________________
(3/89)

ويروح وهو وحده وليس بيده من الحجابة سوى اسمها وعوقب المصحفي بإعانته على ولاية هشام وقتل المغيرة
ثم سخط السلطان على المصحفي وأولاده وأهله وأسبابه وأصحابه وطولبوا بالأموال وأخذوا برفع الحساب لما تصرفوا فيه وتوصل ابن أبي عامر بذلك إلى اجتثاث أصولهم وفروعهم وكان هشام ابن أخي المصحفي قد توصل إلى أن سرق من رؤوس النصارى التي كانت تحمل بين يدي ابن أبي عامر في الغزاة الثالثة ليقدم بها على الحضرة وغاظه ذلك منه فبادره بالقتل في المطبق قبل عمه جعفر المصحفي فلما استقصى ابن أبي عامر مال جعفر حتى باع داره بالرصافة وكانت من أعظم قصور قرطبة واستمرت النكبة عليه سنتين مرة يحتبس ومرة يترك ومرة يقر بالحضرة ومرة ينفر عنها ولا براح له من المطالبة بالمال ولم يزل على هذا الحكم حتى استصفي ولم يبق فيه محتمل واعتقل في المطبق بالزهراء إلى أن هلك وأخرج إلى أهله ميتا وذكر أنه سمه في ماء شربه قال محمد بن إسماعيل سرت مع محمد بن مسلمة إلى الزهراء لنسلم جسد جعفر بن عثمان إلى أهله بأمر المنصور وسرنا إلى منزله فكان مغطى بخلق كساء لبعض البوابين ألقاه على سريره وغسل على فردة باب اختلع من ناحية الدار وأخرج وما حضر أحد جنازته سوى إمام مسجده المستدعى للصلاة عليه ومن حضر من ولده فعحبت من الزمان انتهى
وما أحسن عبارة صاحب المطمح عن هذه القضية إذ قال قال محمد بن إسماعيل كاتب المنصور سرت بأمره لتسليم جسد جعفر إلى أهله وولده
____________________
(3/90)

والحضور على إنزاله في ملحده فنظرته ولا أثر فيه وليس عليه شيء يواريه غير كساء خلق لبعض البوابين فدعا له محمد بن مسلمة بغاسل فغسله والله على فردة باب اقتطع من جانب الدار وأنا أعتبر من تصرف الأقدار وخرجنا بنعشه إلى قبره وما معنا سوى إمام مسجده المستدعى للصلاة عليه وما تجاسر أحد منا للنظر إليه وإن لي في شأنه لخبرا ما سمع بمثله طالب وعظ ولا وقع في سمع ولا تصور في لحظ وقفت له في طريقه من قصره أيام نهيه وأمره أروم أن أناوله قصة كانت به مختصة فوالله ما تمكنت من الدنو منه بحيلة لكثافة موكبه وكثرة من حف به وأخذ الناس السكك عليه وأفواه الطرق داعين ومارين بين يديه وساعين حتى ناولت قصتي بعض كتابه الذين نصبهم جناحي موكبه لأخذ القصص فانصرفت وفي نفسي ما فيها من الشرق بحاله والغصص فلم تطل المدة حتى غضب عليه المنصور واعتقله ونقله معه في الغزوات واحتمله واتفق أن نزلت بجليقية إلى جانب خبائه في ليلة نهى فيها المنصور عن وقود النيران ليخفى على العدو أثره ولا ينكشف إليه خبره فرأيت والله عثمان ولده يسفه دقيقا قد خلطه بماء يقيم به أوده ويمسك بسببه رمقه بضعف حال وعدم زاد وهو يقول
( تعاطيت صرف الحادثات فلم أزل ** أراها توفي عند موعدها الحرا )
( فلله أيام مضت بسبيلها ** فإني لا أنسى لها أبدا ذكرا )
( تجافت بها عنا الحوادث برهة ** وأبدت لنا منها الطلاقة والبشرا )
( ليالي ما يدري الزمان مكانها ** ولا نظرت منها حوادثه شزرا )
( وما هذه الأيام إلا سحائب ** على كل أرض تمطر الخير والشرا )
انتهى
وأما غالب الناصري فإنه حضر مع ابن أبي عامر في بعض الغزوات وصعد إلى بعض القلاع لينظرا في أمرها فجرت محاورة بين ابن أبي عامر وغالب فسبه غالب وقال له يا كلب أنت الذي أفسدت الدولة وخربت القلاع وتحكمت في الدولة وسل سيفه فضربه وكان بعض الناس حبس يده فلم تتم الضربة وشجه فألقى ابن أبي عامر نفسه من رأس القلعة خوفا من أن يجهز عليه فقضى الله تعالى أنه وجد شيئا في الهوي منعه من الهلاك فاحتمله أصحابه وعالجوه حتى برئ ولحق غالب بالنصارى فجيش بهم وقابله ابن أبي عامر بمن معه من جيوش الإسلام فحكمت الأقدار بهلاك غالب وتم لابن أبي عامر ما جد له وتخلصت دولته من الشوائب
قالوا ولما وقعت وحشة بين ابن أبي عامر والمؤيد وكان سببها تضريب الحساد فيما بينهما وعلم أنه ما دهي إلا من جانب حاشية القصر فرقهم ومزقهم ولم يدع فيه منهم إلا من وثق به أو عجز عنه ثم ذكر له أن الحرم قد انبسطت أيديهن في الأموال المختزنة بالقصر وما كانت السيدة صبح أخت رائق تفعله من إخراج الأموال عندما حدث من تغيرها على ابن أبي عامر وأنها أخرجت في بعض الأيام مائة كوز مختومة على أعناق الخدم الصقالبة فيها الذهب والفضة وموهت ذلك كله بالمري والشهد وغيره
____________________
(3/91)


( تجافت بها عنا الحوادث برهة ** وأبدت لنا منها الطلاقة والبشرا )
( ليالي ما يدري الزمان مكانها ** ولا نظرت منها حوادثه شزرا )
( وما هذه الأيام إلا سحائب ** على كل أرض تمطر الخير والشرا )
انتهى
وأما غالب الناصري فإنه حضر مع ابن أبي عامر في بعض الغزوات وصعد إلى بعض القلاع لينظرا في أمرها فجرت محاورة بين ابن أبي عامر وغالب فسبه غالب وقال له يا كلب أنت الذي أفسدت الدولة وخربت القلاع وتحكمت في الدولة وسل سيفه فضربه وكان بعض الناس حبس يده فلم تتم الضربة وشجه فألقى ابن أبي عامر نفسه من رأس القلعة خوفا من أن يجهز عليه فقضى الله تعالى أنه وجد شيئا في الهوي منعه من الهلاك فاحتمله أصحابه وعالجوه حتى برئ ولحق غالب بالنصارى فجيش بهم وقابله ابن أبي عامر بمن معه من جيوش الإسلام فحكمت الأقدار بهلاك غالب وتم لابن أبي عامر ما جد له وتخلصت دولته من الشوائب
قالوا ولما وقعت وحشة بين ابن أبي عامر والمؤيد وكان سببها تضريب الحساد فيما بينهما وعلم أنه ما دهي إلا من جانب حاشية القصر فرقهم ومزقهم ولم يدع فيه منهم إلا من وثق به أو عجز عنه ثم ذكر له أن الحرم قد انبسطت أيديهن في الأموال المختزنة بالقصر وما كانت السيدة صبح أخت رائق تفعله من إخراج الأموال عندما حدث من تغيرها على ابن أبي عامر وأنها أخرجت في بعض الأيام مائة كوز مختومة على أعناق الخدم الصقالبة فيها الذهب والفضة وموهت ذلك كله بالمري والشهد وغيره
____________________
(3/92)

والأصباغ المتخذة بقصر الخلافة وكتبت على رؤوس الكيزان أسماء ذلك ومرت على صاحب المدينة فما شك أنه ليس فيها إلا ما هو عليها وكان مبلغ ما حملت فيها من الذهب ثمانين ألف دينار فأحضر ابن أبي عامر جماعة وأعلمهم أن الخليفة مشغول عن حفظ الأموال بانهماكه في العبادة وأن في إضاعتها آفة على المسلمين وأشار بنقلها إلى حيث يؤمن عليها فيه فحمل منها خمسة آلاف ألف دينار عن قيمة ورق وسبعمائة ألف دينار وكانت صبح قد دافعت عما بالقصر من الأموال ولم تمكن من إخراجها فاجتمع ابن أبي عامر بالخليفة هشام واعترف له بالفضل والغناء في حفظ قواعد الدولة فخرست ألسنة الأعدا والحسدة وعلم المنصور ما في نفوس الناس لظهور هشام ورؤيتهم له إذ كان منهم من لم يره قط فأبرزه للناس وركب الركبة المشهورة واجتمع لذلك من الخلق ما لا يحصى وكانت عليه الطويلة والقضيب في يده زي الخلافة والمنصور يسايره
ثم خرج المنصور لآخر غزواته وقد مرض المرض الذي مات فيه وواصل شن الغارات وقويت عليه العلة فاتخذ له سرير خشب ووطئ عليه ما يقعد عليه وجعلت عليه ستارة وكان يحمل على أعناق الرجال والعساكر تحف به وكان هجر الأطباء في تلك العلة لاختلافهم فيها وأيقن بالموت وكان يقول إن زماني يشتمل على عشرين ألف مرتزق ما أصبح
____________________
(3/93)

فيهم أسوأ حالة مني ولعله يعني من حضر تلك الغزاة وإلا فعساكر الأندلس ذلك الزمان أكثر من ذلك العدد - واشتغل ذهنه بأمر قرطبة وهو في مدينة سالم فلما أيقن بالوفاة أوصى ابنه عبد الملك وجماعته وخلا بولده وكان يكرر وصاته وكلما أراد أن ينصرف يرده وعبد الملك يبكي وهو ينكر عليه بكاءه ويقول وهذا من أول العجز وأمره أن يستخلف أخاه عبد الرحمن على العسكر
وخرج عبد الملك إلى قرطبة ومعه القاضي أبن ذكوان فدخلها أول شوال وسكن الإرجاف بموت والده وعرف الخليفة كيف تركه
ووجد المنصور خفة فأحضر جماعة بين يديه وهو كالخيال لا يبين الكلام وأكثر كلامه بالإشارة كالمسلم المودع وخرجوا من عنده فكان آخر العهد به ومات لثلاث بقين من شهر رمضان وأوصى أن يدفن حيث يقبض فدفن في قصره بمدينة سالم
واضطرب العسكر وتلوم ولده أياما وفارقه بعض العسكر إلى هشام وقفل هو إلى قرطبة فيمن بقي معه ولبس فتيان المنصور المسوح والأكسية بعد الوشي والحبر والخز
وقام ولده عبد الملك المظفر بالأمر وأجراه هشام الخليفة على عادة أبيه وخلع عليه وكتب له السجل بولاية الحجابة وكان الفتيان قد اضطربوا فقوم المائل وأصلح الفاسد وجرت الأمور على السداد وانشرحت الصدور بما شرع فيه من عمارة البلاد فكان أسعد مولود ولد في الأندلس
ولنمسك عنان القلم في أمر ابن أبي عامر فقد قدمنا في محله جملة من أحواله وما ذكرناه هنا وإن كان محله ما سبق وبعضه قد تكرر معه فهو لا يخلو من فوائد زوائد والله تعالى ولي التوفيق
____________________
(3/94)

رجع إلى أخبار صاعد اللغوي البغدادي 359 رجع إلى أخبار صاعد اللغوي البغدادي رجع إلى أخبار صاعد اللغوي البغدادي وحكي أنه دخل على المنصور يوم عيد وعليه ثياب جدد وخف جديد فمشى على حافة البركة لازدحام الحاضرين في الصحف فزلق فسقط في الماء فضحك المنصور وأمر بإخراجه وقد كاد البرد أن يأتي عليه فخلع عليه وأدنى مجلسه وقال له هل حضرك شيء فقال
( شيئان كانا في الزمان عجيبة ** ضرط ابن وهب ثم وقعة صاعد )
فاستبرد ما أتى به فقال أبو مروان الكاتب الجزيري هلا قلت
( سروري بغرتك المشرقه ** وديمة راحتك المغدقه )
( ثناني نشوان حتى غرقت ** في لجة البركة المطبقه )
( لئن ظل عبدك فيها الغريق ** فجودك من قبلها أغرقه )
فقال له المنصور لله درك يا أبا مروان قسناك بأهل بغداد ففضلتهم فبمن نقيسك بعد انتهى
وقال في الذخيرة في ترجمة صاعد وفد على المنصور نجما من المشرق غرب ولسانا عن العرب أعرب وأراد المنصور أن يعفي به آثار أبي علي القالي فألفى سيفه كهاما وسحابه جهاما من رجل يتكلم بملء فيه ولا يوثق بكل ما يذره ولا ما يأتيه انتهى باختصار
وأصل صاعد من ديار الموصل وقال ارتجالا وقد عبث المنصور بترنجان
( لم أدر قبل ترنجان عبثت به ** أن الزمرد أغصان وأوراق )
( من طيبه سرق الأترج نكهته ** يا قوم حتى من الأشجار سراق )
( كأنما الحاجب المنصور علمه ** فعل الجميل فطابت منه أخلاق )
وقدمه الحجاري بقوله
( كأن إبريقنا والراح في فمه ** طير تناول ياقوتا بمنقار )
وقبله
( وقهوة من فم الإبريق صافية ** كدمع مفجوعة بالإلف معبار )
وقال في بدائع البدائه دخل صاعد اللغوي على بعض أصحابه في مجلس شراب فملأ الساقي قدحا من إبريق فبقيت على فم الإبريق نقطة من الراح قد تكونت ولم تقطر فاقترح عليه الحاضرون وصف ذلك فقال
( وقهوة من فم الإبريق ساكبة ** ) البيتين
ثم قال بعدهما وإنما اهتدم صاعد قول الشريف أبي البركات علي بن الحسين العلوي
( كأن ريح الروض لما أتت ** فتت علينا مسك عطار )
( كأنما إبريقنا طائر ** يحمل ياقوتا بمنقار ) انتهى
____________________
(3/95)


( من طيبه سرق الأترج نكهته ** يا قوم حتى من الأشجار سراق )
( كأنما الحاجب المنصور علمه ** فعل الجميل فطابت منه أخلاق )
وقدمه الحجاري بقوله
( كأن إبريقنا والراح في فمه ** طير تناول ياقوتا بمنقار )
وقبله
( وقهوة من فم الإبريق صافية ** كدمع مفجوعة بالإلف معبار )
وقال في بدائع البدائه دخل صاعد اللغوي على بعض أصحابه في مجلس شراب فملأ الساقي قدحا من إبريق فبقيت على فم الإبريق نقطة من الراح قد تكونت ولم تقطر فاقترح عليه الحاضرون وصف ذلك فقال
( وقهوة من فم الإبريق ساكبة ** ) البيتين
ثم قال بعدهما وإنما اهتدم صاعد قول الشريف أبي البركات علي بن الحسين العلوي
( كأن ريح الروض لما أتت ** فتت علينا مسك عطار )
( كأنما إبريقنا طائر ** يحمل ياقوتا بمنقار ) انتهى
____________________
(3/96)

ومن نظم صاعد
( قلت له والرقيب يعجله ** مودعا للفراق أين أنا )
( فمد كفا إلى ترائبه ** وقال سر وادعا فأنت هنا )
وقال صاعد لما أمر المنصور بن أبي عامر بمعارضة قصيدة لأبي نواس
( إني لأستحيي علاك ** من ارتجال القول فيه )
( من ليس يدرك بالروية ** كيف يدرك بالبديه )
وقال حاشد البغدادي في صاعد اللغوي وكان صاعد ينشدهما ويبكي ويقول ما هجيت بشيء أشد علي منهما
( إقبل هديت أبا العلاء نصيحتي ** بقبولها وبواجب الشكر )
( لا تهجون أسن منك فربما ** تهجو أباك وأنت لا تدري )
نعوذ بالله من لسان الشعراء وأنواع البلاء بجاه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
ومن نظم صاعد قوله
( بعثت إليك من خيري روض ** مكرمة كأوراق العقيق )
( توكل بالغروب عن التصابي ** وتصطاد الخليع من الطريق )
وروى صاعد عن القاضي أبي سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي وأبي علي
____________________
(3/97)

الحسن بن أحمد الفارسي وأبي بكر بن مالك القطيعي وأبي سليمان الخطابي وغيرهم
قال الحميدي خرج من الأندلس في الفتنة وقصد صقلية فمات بها قريبا من سنة عشر وأربعمائة
وقال ابن حزم توفي بصقلية سنة سبع عشرة وأربعمائة
وقال ابن بشكوال في حقه إنه يتهم بالكذب وقلة الصدق فيما يورده عفا الله تعالى عنه وقدم الأندلس من مصر أيام المؤيد وتحكم المنصور بن أبي عامر في حدود سنة 380 فأكرمه المنصور وزاد في الإحسان إليه والإفضال عليه وكان عالما باللغة والآداب والأخبار سريع الجواب حسن الشعر طيب المعاشرة فكه المجالسة
وقال بعضهم دخل صاعد على المنصور وعنده كتاب ورد عليه من عامل له في بعض الجهات اسمه مبرمان بن يزيد يذكر فيه القلب والتزبيل وهما عندهم اسم الأرض قبل زراعتها فقال له يا أبا العلاء قال لبيك يا مولانا فقال هل رأيت أو وصل إليك من الكتب القوالبة والزوالبة لمبرمان ابن يزيد قال إي والله ببغداد في نسخة لأبي بكر ابن دريد بخط ككراع النمل في جوانبها علامات الوضاع فقال له أما تستحيي أبا العلاء من هذا الكذب هذا كتاب عاملي ببلد كذا واسمه كذا يذكر فيه كذا فجعل يحلف له أنه ما كذب ولكنه أمر وافق ومات عن سن عالية رحمه الله تعالى
____________________
(3/98)

60 - ومن الوافدين على الأندلس من المشرق الشيخ تاج الدين بن حمويه السرخسي ولد سنة 572 وقد ذكر في رحلته عجائب شاهدها بالمغرب ومشايخ لقيهم فمنهم الحافظ أبو محمد عبد الله بن سليمان بن داود بن حوط الله الأنصاري قال سمعت عليه سنة سبع وتسعين وخمسمائة الحديث وشيئا من تصانيف المغاربة وروى لنا عن الحافظ أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن قرقول وولي ابن حوط الله المذكور قضاء غرناطة وأدرك ابن بشكوال وابن حبيش وابن حميد المرسي النحوي وأبا يزيد السهيلي صاحب الروض وغيرهم
ومن الشيوخ الذين لقيهم السرخسي المذكور بالمغرب الفقيه ابن أبي تميم قال وأنشدني
( إسمع أخي نصيحتي ** والنصح من محض الديانه )
( لا تقربن إلى الشهادة ** والوساطة والأمانه )
( تسلم من ان تعزى لزور ** فضول أو خيانه وذكر ) أنه أدرك الشيخ الولي العارف بالله سيدي أبا العباس أحمد بن جعفر الخزرجي السبتي صاحب الحالات والكرامات الظاهرة والطريقة الغريبة والأحوال العجيبة قال أدركته بمراكش سنة أربع وتسعين وخمسمائة وقد ناهز الثمانين ومهما حصل عنده مال فرقه في الحال وتركته في سنة ثمان وتسعين حيا يرزق انتهى
وولي الله السبتي قد ذكرت في غير هذا الموضع بعض أحواله فلتراجع في الباب الثامن من ترجمة لسان الدين بن الخطيب ومحله مقصود
____________________
(3/99)

لقضاء الحاجات وقد زرته مرارا عديدة سنة 1010
وقال لسان الدين في نفاضة الجراب كتبت عن السلطان الغني بالله محمد بن يوسف بن نصر ونحن بفاس يخاطب الضريح المقصود والمنهل المورود والمرعى المنتجع والخوان الذي يكفي الغرثى ويمرض المرضى ويقوت الزمنى ويتعداهم إلى أهل الجدة زعموا والغنى قبر ولي الله سيدي أبي العباس السبتي نفعنا الله به وجبر حالنا وأعاد علينا النعم ودفع عنا النقم
( يا ولي الإله أنت جواد ** وقصدنا إلى حماك المنيع )
( راعنا الدهر بالخطوب فجئنا ** نرتجي من علاك حسن الصنيع )
( فمددنا لك الأكف نرجي عودة العز تحت شمل جميع )
( قد جعلنا وسيلة تربك الزا كي ** وزلفى إلى العليم السميع )
( كم غريب أسرى إليك فوافى ** برضا عاجل وخير سريع )
يا ولي الله الذي جعل جاهه سببا لقضاء الحاجات ورفع الأزمات وتصريفه باقيا بعد الممات وصدق لقول الحكايات ظهور الآيات نفعني الله بنيتي في بركة تربك وأظهر علي أثر توسلي بك إلى الله ربك مزق شملي وفرق بيني وبين أهلي وتعدي علي وصرفت وجوه المكايد إلي حتى أخرجت من وطني وبلدي ومالي وولدي ومحل جهادي وحقي الذي صار لي طوعا عن آبائي وأجدادي عن بيعة لم يحل عقدتها الدين ولا ثبوت جرحة تشين وأنا قد قرعت باب الله سبحانه بتأميلك فالتمس لي قبوله بقبولك وردني إلى وطني على أفضل حال وأظهر علي كرامتك التي تشد إليها ظهور الرحال فقد جعلت وسيلتي إليك رسول الحق إلى جميع الخلق والسلام عليك أيها الولي الكريم الذي يأمن به الخائف وينتصف الغريم ورحمة الله
انتهى رجع والسرخسي المذكور قال في حقه بعض الأئمة إنه الشيخ الإمام
____________________
(3/100)

شيخ الشيوخ تاج الدين أبو محمد عبد الله بن عمر بن علي بن محمد بن حمويه له رحلة مغربية انتهى
وهو من بيت كبير وقال البدري في تاريخه في حقه ما صورته تاج الدين شيخ الشيوخ بدمشق أحد الفضلاء المؤرخين المصنفين له كتاب في ثماني مجلدات ذكر فيه أصول الأشياء وله السياسة الملوكية صنفها للملك الكامل محمد وغير ذلك وسمع الحديث وحفظ القرآن وكان قد بلغ الثمانين وقيل لم يبلغها وقد سافر إلى بلاد المغرب سنة ثلاث وتسعين واتصل بمراكش عند ملكها المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن فأقام هنالك إلى سنة ستمائة وقدم مصر وولي مشيخة الشيوخ بعد أخيه صدر الدين ابن حمويه انتهى
وقال غيره إنه كان فاضلا متواضعا نزها حسن الاعتقاد قال أبو المظفر كان يحضر مجالسي وأنشدني يوما
( لم ألق مستكبرا إلا تحول لي ** عند اللقاء له الكبر الذي فيه )
( ولا حلا لي من الدنيا ولذتها ** إلا مقابلتي للتيه بالتيه )
وقال السرخسي المذكور في رحلته إني وإن كنت خراساني الطينة لكني شامي المدينة وإن كانت العمومة من المشرق فإن الخؤولة من المغرب فحدث باعث يدعو إلى الحركات والأسفار ومشاهدة الغرائب في النواحي والأقطار وذلك في حال ريعان الشباب الذي تعضده عزائم النفوس بنشاطها والجوارح بخفة حركاتها وانبساطها فخرجت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة إلى زيارة البيت المقدس وتجديد العهد ببركاته واغتنام الأجر في حلول بقاعه ومزاراته ثم سرت منه إلى الديار المصرية وهي آهلة بكل ما تتجمل به البلاد وتزدهي وينتهي وصف الواصف لشؤونها ولا تنتهي ثم دخلت الغرب من الإسكندرية في البحر ودخلت مدينة مراكش أيام السيد الإمام أمير المؤمنين
____________________
(3/101)

أبي يوسف يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي فاتصلت بخدمته والذي علمت من حاله أنه كان يجيد حفظ القرآن ويحفظ متون الأحاديث ويتقنها ويتكلم في الفقه كلاما بليغا وكان فقهاء الوقت يرجعون إليه في الفتاوى وله فتاوى مجموعة حسبما أدى إليه اجتهاده وكان الفقهاء ينسبونه إلى مذهب الظاهر وقد شرحت أحوال سيرته وما جرى في أيام دولته في كتاب التاريخ المسمى عطف الذيل وقد صنف كتابا جمع فيه متون أحاديث صحاح تتعلق بها العبادات سماه الترغيب وتهدده ملك الإفرنج ألفنش في كتابه فمزقه وقال لرسوله { ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون } [ النمل 37 ] إن شاء الله تعالى ثم قال للكاتب اكتب على هذه القطعة يعني من كتابه الذي مزقه الجواب ما ترى لا ما تسمع
( فلا كتب إلا المشرفية والقنا ** ولا رسل إلا الخميس العرمرم )
ومن شعره أبيات كتب بها إلى العرب وهي
( يا أيها الراكب المزجي مطيته ** على عذافرة تشقى بها الأكم )
( بلغ سليما على بعد الديار بها ** بيني وبينكم الرحمن والرحم )
( يا قومنا لا تشبوا الحرب إن خمدت ** واستمسكوا بعرى الإيمان واعتصموا )
( كم جرب الحرب من قد كان قبلكم ** من القرون فبادت دونها الأمم )
( حاشا الأعارب أن ترضى بمنقصة ** يا ليت شعري هل ترآهم علموا )
( يقودهم أرمني لا خلاق له ** كأنه بينهم من جهلهم علم ) يعني بالأرمني قراقوش مملوك بني أيوب الذي كان ذهب إلى بلاد الغرب
____________________
(3/102)

الأدنى وأوقد النار الحربية من طرابلس إلى تونس مع ابن غانية اللمتوني وحديثه مشهور وتمام الأبيات

( الله يعلم أني ما دعوتكم ** دعاء ذي قوة يوما فينتقم )
( ولا لجأت لأمر يستعان به ** من الأمور وهذا الخلق قد علموا )
( لكن لأجزي رسول الله عن نسب ** ينمى إليه وترعى تلكم الذمم )
( فإن أتيتم فحبل الوصل متصل ** وإن أبيتم فعند السيف نحتكم )
ثم قال السرخسي وبلغني أن قوما من الغرباء قصدوه ومعهم حيوانات معلمة منها أسد وغراب أما الأسد فيقصده من دون أهل المجلس ويربض بين يديه وربما أومأ بالسجود ومد ذراعيه وأما الغراب فكان يقول النصر والتمكين لسيدنا أمير المؤمنين وفي ذلك يقول بعض الشعراء
( أنس الشبل ابتهاجا بالأسد ** ورأى شبه أبيه فقصد )
( أنطق الخالق مخلوقاته ** شهدوا والكل بالحق شهد )
( أنك الخيرة من صفوته ** بعد ما طال على الناس الأمد )
فأعطاهم وكساهم وأحسن حباهم
وبلغني أن قوما أتوه بفيل من بلاد السودان هدية فأمر لهم بصلة ولم يقبله منهم وقال نحن لا نريد أن نكون أصحاب الفيل
وقال لي يوما كيف ترى هذه البلاد وأين هي من بلادك الشامية فقلت يا سيدنا بلادكم حسنة أنيقة مجملة مكملة وفيها عيب واحد فقال ما هو فقلت أنها تنسي الأوطان فتبسم وظهر لي إعجابه
____________________
(3/103)

بالجواب وأمر لي من غد بزيادة رتبة وإحسان
وحدثني بعض عمالهم أنه فرق على الجند والأمراء والفقراء في عيد سنة أربع وتسعين ثلاثة وسبعين ألف شاة من ضأن ومعز ودرج إلى رحمة الله تعالى سنة خمس وتسعين وخمسمائة وكان قد استخلف ولده محمدا وقرر الأمر له انتهى
قلت بهذا وأمثاله تعلم فساد ما زعمه غير واحد أن يعقوب المنصور هذا تخلى عن الملك وفر زهدا فيه إلى المشرق وأنه دفن بالبقاع لأن هذه مقالة عامية لا يثبتها علماء المغرب وسبب هذه المقالة تولع العامة به فكذبوا في موته وقالوا إنه ترك الملك وحكوا ما شاع إلى الآن وذاع مما ليس له أصل
ويرحم الله تعالى الإمام العلامة القاضي الشريف الغرناطي شارح الخزرجية إذ قال في شرح مقصورة حازم عند ذكره وقعة الأرك ما معناه إن بعض الناس يزعمون أن المنصور ترك الملك وذهب إلى المشرق وهذا كلام لا يصح ولا أصل
له انتهى
وقال في المغرب كان أبوه يوسف قد استوزره في حياته وتخرج بين يديه وتمرس وهزم الفرنج الهزيمة العظيمة وتولع بالعلم حتى نفى التقليد وحرق كتب المذاهب وقتل على السكر انتهى
وحكى لسان الدين الوزير ابن الخطيب في شرح كتابه رقم الحلل في نظم الدول أن المنصور طلب من بعض أعيان دولته رجلين لتأديب ولده يكون أحدهما برا في عمله والآخر بحرا في علمه فجاءه بشخصين زعم أنهما على وفق مقترح المنصور فلما اختبرهما لم يجدهما كما وصف فكتب إلى الآتي بهما { ظهر الفساد في البر والبحر } [ الروم 41 ] انتهى وناهيك
____________________
(3/104)

بهذا دلالة على قوة فطنته ومعرفته رحمه الله تعالى رجع إلى أخبار السرخسي وقال في رحلته لما ذكر السيد أبا الربيع سليمان بن عبد الله ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي وكان في تلك المدة يلي مدينة سجلماسة وأعمالها اجتمعت به حين قدم إلى مراكش بعد وفاة المنصور يعقوب لمبايعة ولده محمد فرأيته شيخا بهي المنظر حسن المخبر فصيح العبارة باللغتين العربية والبربرية ومن كلامه في جواب رسالة إلى ملك السودان بغانة ينكر عليه تعويق التجار قوله نحن نتجاور بالإحسان وإن تخالفنا في الأديان ونتفق على السيرة المرضية ونتألف على الرفق بالرعية ومعلوم أن العدل من لوازم الملوك في حكم السياسة الفاضلة والجور لا تعانيه إلا النفوس الشريرة الجاهلة وقد بلغنا احتباس مساكين التجار ومنعهم من التصرف فيما هم بصدده وتردد الجلابة إلى البلد مفيد لسكانها ومعين على التمكن من استيطانها ولو شئنا لاحتبسنا من في جهاتنا من أهل تلك الناحية لكنا لا نستصوب فعله ولا ينبغي لنا أن ننهى عن خلق ونأتي مثله والسلام
ووقع إلى عامل له كثرت الشكاوى منه قد كثرت فيك الأقوال وإغضائي عنك رجاء أن تتيقظ فتنصلح الحال وفي مبادرتي إلى ظهور الإنكار عليك نسبة إلى شر الاختيار وعدم الاختبار فاحذر فإنك على شفا جرف هار
ومن شعره المشهور قصيدة يمدح فيها ابن عمه المنصور يعقوب
____________________
(3/105)


( هبت بنصركم الرياح الأربع ** وجرت بسعدكم النجوم الطلع )
( واستبشر الفلك الأثير تيقنا ** أن الأمور إلى مرادك ترجع )
( وأمدك الرحمن بالفتح الذي ** ملأ البسيطة نوره المتشعشع )
( لم لا وأنت بذلت في مرضاته ** نفسا تفديها الخلائق أجمع )
( ومضيت في نصر الإله مصمما ** بعزيمة كالسيف بل هي أقطع )
( لله جيشك والصوارم تنتضى ** والخيل تجري والأسنة تلمع )
( من كل من تقوى الإله سلاحه ** ما إن له غير التوكل مفزع )
( لا يسلمون إلى النوازل جارهم ** يوما إذا أضحى الجوار يضيع ) ومنها يصف انهزام العدو
( إن ظن أن فراره منج له ** فبجهله قد ظن ما لا ينفع )
( أين المفر ولا فرار لهارب ** والأرض تنشر في يديك وتجمع )
( أخليفة الله الرضى هنيته ** فتح يمد بما سواه ويشفع )
( فلقد كسوت الدين عزا شامخا ** ولبست منه أنت ما لا يخلع )
( هيهات سر الله أودع فيكم ** والله يعطي من يشاء ويمنع )
( لكم الهدى لا يدعيه سواكم ** ومن ادعاه يقول ما لا يسمع )
( إن قيل من خير الخلائق كلها ** فإليك يا يعقوب تومي الإصبع )
( إن كنت تتلو السابقين فإنما ** أنت المقدم والخلائق تبع )
( خذها أمير المؤمنين مديحة ** من قلب صدق لم يشنه تصنع )
( واسلم أمير المؤمنين لأمة ** أنت الملاذ لها وأنت المفزع )
( فالمدح مني في علاك طبيعة ** والمدح من غيري إليك تطبع )
( وعليك يا علم الهداة تحية ** يفنى الزمان وعرفها يتضوع )
____________________
(3/106)


قال لي الفقيه أبو عبد الله محمد القسطلاني دخلت إلى السيد أبي الربيع بقصر سجلماسة وبين يديه أنطاع عليها رؤوس الخوارج الذين قطعوا الطريق على السفار بين سجلماسة وغانة وهو ينكت الأرض بقضيب من الآبنوس ويقول
( ولا غرو أن كانت رؤوس عداته ** جوابا إذا كان السيوف رسائله )
ومات بعد الستمائة رحمه الله تعالى انتهى
وقال لما هجره أمير المؤمنين يعقوب المنصور ووافق ذلك أن وفد على حضرة الخلافة مراكش جمع من العرب والغز من بلاد المشرق ونزلوا بتمرتانسقت ظاهر مراكش واستأذنوا في وقت الدخول فكتب إلى المنصور
( يا كعبة الجود التي حجت لها ** عرب الشآم وغزها والديلم )
( طوبى لمن أمسى يطوف بها غدا ** ويحل بالبيت الحرام ويحرم )
( ومن العجائب أن يفوز بنظرة ** من بالشآم ومن بمكة يحرم )
فعفا عنه وأحسن إليه وأمره بالدخول بهم والتقدم عليهم 370 حديث لأبي سعيد صاحب المغرب عن أبي الربيع سليمان بن عبد المؤمن وقال في المغرب في حق السيد أبي الربيع المذكور ما ملخصه لم يكن في بني عبد المؤمن مثله في هذا الشأن الذي نحن بصدده وكان تقدم على مملكتي سجلماسة وبجاية وكان كاتبا شاعرا أديبا ماهرا وشعره مدون وله ألغاز
____________________
(3/107)

وهو القائل في جارية حارية اسمها ألوف
( خليلي قولا أين قلبي ومن به ** وكيف بقاء المرء من بعد قلبه )
( ولو شئتما اسم الذي قد هويته ** لصحفتما أمري لكم بعد قلبه ) وله الأبيات المشهورة التي منها
( أقول لركب أدلجوا بسحيرة ** قفوا ساعة حتى أزور ركابها )
( وأملأ عيني من محاسن وجهها ** وأشكو إليها أن أطالت عتابها )
( فإن هي جادت بالوصال وأنعمت ** وإلا فحسبي أن رأيت قبابها )
وقال يخاطب ابن عمه يعقوب المنصور
( فلأملأن الخافقين بذكركم ** ما دمت حيا ناظما ومرسلا )
( ولأبذلن نصحي لكم جهدي وذا ** جهد المقل وما عسى أن أفعلا )
( ولأخلصن لك الدعاء وما أنا ** أهل له ولعله أن يقبلا )
وله مختصر كتاب الأغاني انتهى
رجع وذكر السرخسي أيضا في رحلته السيد أبا الحسن علي بن عمر ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن وقال في حقه إنه كان من أهل الأدب والطرب ولي بجاية مدة ثم عزل عنها لإهماله وإغفاله وانهماكه في ملاذه أنشدني محمد بن سعيد المهدوي كاتبه قال كتب الأمير أبو الحسن إلى أمير المؤمنين يعقوب يمدحه ويستزيده ويطلب منه ما يقضي به ديونه
____________________
(3/108)


( وجوه الأماني بكم مسفره ** وضاحكة لي مستبشره )
( ولي أمل فيكم صادق ** قريب عسى الله أن يسره )
( علي ديون وتصحيفها ** وعندكم الجود والمغفره )
يعني ذنوب
وحدثني الشيخ أبو الحسن ابن فشتال الكاتب وقد أنشدته
( أوحشتني ولو اطلعت على الذي ** لك في ضميري لم تكن لي موحشا ) فقال أنشدته هذا البيت في مجلس السيد أبي الحسن فقال لي ولمن حضر هل تعرفون لهذا البيت ثانيا فما فينا من عرفه فأنشدنا
( أترى رشيت على اطراح مودتي ** ولقد عهدتك ليس تثنيك الرشا ) أوحشتني - البيت انتهى
وقال في المغرب في حق السيد المذكور ما ملخصه كان هذا السيد أبو الحسن قد ولي مملكة تلمسان وبجاية وله حكايات في الجود برمكية ونفس عالية زكية كتب إليه السيد أبو الربيع يوم جمعة
( اليوم يوم الجمعه ** يوم سرور ودعه )
( وشملنا مفترق فهل ترى أن نجمعه )
فأجابه بقوله
( اليوم يوم الجمعه ** وربنا قد رفعه )
( والشرب فيه بدعة ** فهل ترى أن ندعه )
قال ولفظة السيد في المغرب بذلك العصر لا تطلق إلا على بني عبد المؤمن بن علي انتهى
رجع قال السرخسي وقد ذكر في الرحلة المذكورة السيد أبا محمد عبد الله صاحب فاس وله من أبيات في الفخر وقد انتحلها غيره
( ألست ابن من تخشى الليالي انتقامهم ** وترجو نداهم غاديات السحائب )
( يخطون بالخطي في حومة الوغى ** سطور المنايا في نحور المقانب )
( كتابا بأطراف العوالي ونقسه ** دم القلب مشكولا بنضح الترائب )
( وما كنت أدري قبلهم أن معشرا ** أقاموا كتابا من نفوس الكتائب ) وأنشدني المقدم الأمير أبو زيد بن يكيت قال أنشدني بعض السادة من بني عبد المؤمن
( فديت من أصبحت في أسره وليس لي من حكمه فادي )
( إن حل يوما واديا كان لي ** جنة عدن ذلك الوادي )
ثم ذكر رحمه الله تعالى جملة من علماء الأندلس والمغرب لقيهم في هذه الرحلة ومن نظم السرخسي المذكور قوله رحمه الله تعالى
( يا ساهر المقلة لا عن كرى ** غفلت عن هجعي وأوصابي )
( لو لم يكن وجهك لي قبلة ** ما أصبح الحاجب محرابي ) وكان متفننا في العلوم وهو عم الأمراء الوزراء الرؤساء فخر الدين وإخوته ومن مصنفاته المسالك والممالك وعطف الذيل في التاريخ وله أمال وتخاريج وقدمه المنصور صاحب المغرب على جماعة وتوفي رحمه الله تعالى بدمشق ودفن في مقابر الصوفية عند المنيبع وكان عالي الهمة
____________________
(3/109)


قال ولفظة السيد في المغرب بذلك العصر لا تطلق إلا على بني عبد المؤمن بن علي انتهى
رجع قال السرخسي وقد ذكر في الرحلة المذكورة السيد أبا محمد عبد الله صاحب فاس وله من أبيات في الفخر وقد انتحلها غيره
( ألست ابن من تخشى الليالي انتقامهم ** وترجو نداهم غاديات السحائب )
( يخطون بالخطي في حومة الوغى ** سطور المنايا في نحور المقانب )
( كتابا بأطراف العوالي ونقسه ** دم القلب مشكولا بنضح الترائب )
( وما كنت أدري قبلهم أن معشرا ** أقاموا كتابا من نفوس الكتائب ) وأنشدني المقدم الأمير أبو زيد بن يكيت قال أنشدني بعض السادة من بني عبد المؤمن
( فديت من أصبحت في أسره وليس لي من حكمه فادي )
( إن حل يوما واديا كان لي ** جنة عدن ذلك الوادي )
ثم ذكر رحمه الله تعالى جملة من علماء الأندلس والمغرب لقيهم في هذه الرحلة ومن نظم السرخسي المذكور قوله رحمه الله تعالى
( يا ساهر المقلة لا عن كرى ** غفلت عن هجعي وأوصابي )
( لو لم يكن وجهك لي قبلة ** ما أصبح الحاجب محرابي ) وكان متفننا في العلوم وهو عم الأمراء الوزراء الرؤساء فخر الدين وإخوته ومن مصنفاته المسالك والممالك وعطف الذيل في التاريخ وله أمال وتخاريج وقدمه المنصور صاحب المغرب على جماعة وتوفي رحمه الله تعالى بدمشق ودفن في مقابر الصوفية عند المنيبع وكان عالي الهمة
____________________
(3/110)


____________________
(3/111)

شريف النفس قليل الطمع لا يلتفت إلى أحد رغبة في دنياه لا من أهله ولا من غيرهم وذكره صاحب المرآة وغيره وترجمته واسعة رحمه الله تعالى
61 - ومن الوافدين على الأندلس ظفر البغدادي سكن قرطبة وكان من رؤساء الوراقين المعروفين بالضبط وحسن الخط كعباس بن عمرو الصقلي ويوسف البلوطي وطبقتهما واستخدمه الحكم المستنصر بالله في الوراقة لما علم من شدة اعتناء الحكم بجمع الكتب واقتنائها وقد أشار ابن حيان في كتاب المقتبس إلى ظفر هذا رحمه الله تعالى محمد بن موسى الكناني 372 محمد بن موسى الكناني 62 - ومنهم الرازي وهو محمد بن موسى بن بشير بن جناد بن لقيط الكناني الرازي والد أبي بكر أحمد بن محمد صاحب التاريخ غلب عليه اسم بلده وكان يفد من المشرق على ملوك بني مروان تاجرا وكان مع ذلك متقنا في العلوم وهلك منصرفه من الوفادة على الأمير المنذر بن محمد بإلبيرة في شهر ربيع الآخر سنة 273 ذكره ابن حيان في المقتبس الوزير 63 - ومنهم الوزير أبو الفضل محمد بن عبد الواحد بن عبد العزيز ابن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان التميمي الدارمي البغدادي
سمع من أبي طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص
____________________
(3/111)

وغيره وخرج من بغداد رسولا عن أمير المؤمنين القائم بأمر الله العباسي رضي الله تعالى عنه إلى صاحب إفريقية المعز بن باديس واجتمع مع أبي العلاء المعري بالمعرة وأنشده قصيدة لامية يمدح بها صاحب حلب فقبل عينيه وقال له لله أنت من ناظم وخرج من إفريقية من أجل فتنة العرب وخيم عند المأمون بن ذي النون بطليطلة وله فيه أمداح كثيرة ومن فرائد شعره قوله
( يا ليل ألا انجليت عن فلق ** طلت ولا صبر لي على الأرق )
( جفت لحاظي التغميض فيك فما ** تطبق أجفانها على الحدق )
( كأنني صورة ممثلة ** ناظرها الدهر غير منطبق )
وقال
( يزرع وردا ناضرا ناظري ** في وجنة كالقمر الطالع )
( أمنع أن أقطف أزهاره ** في سنة المتبوع والتابع )
( فلم منعتم شفتي قطفها ** والحكم أن الزرع للزارع )
هكذا نسبها له غير واحد كابن سعيد وابن كتيلة وبعضهم ينسبها للقاضي عبد الوهاب قلت وقد أجاب عنها بعض المغاربة بقوله
( سلمت أن الحكم ما قلتم ** وهو الذي نص عن الشارع )
____________________
(3/112)


( فكيف تبغي شفة قطفه ** وغيرها المدعو بالزارع )
ورده شيخ شيوخ شيوخنا الإمام الحافظ أبو عبد الله التنسي ثم التلمساني بقوله
( في ذا الذي قد قلتم مبحث ** إذ فيه إيهام على السامع )
( سلمتم الحكم له مطلقا ** وغير ذا نص عن الشارع )
يعني أنه يلزم على قول المجيب أن يباح له النظر مطلقا والشرع خلافه
وأجاب بعض الحنفية بقوله
( لأن أهل الحب في حكمنا ** عبيدنا في شرعنا الواسع )
( والعبد لا ملك له عندنا ** فحقه للسيد المانع )
وهو جواب حسن لا بأس به ورأيت جوابا لبعض المغاربة على غير رويه وهو
( قل لأبي الفضل الوزير الذي ** باهى به مغربنا الشرق )
( غرست ظلما وأردت الجنى ** وما لعرق ظالم حق )
قلت وهذا مما يعين أن الأبيات لأبي الفضل الدارمي المذكور في الذخيرة لا للقاضي عبد الوهاب والله تعالى أعلم
ومن شعر الوزير المذكور قوله
( بين كريمين منزل واسع ** والود حال تقرب الشاسع )
( والبيت إن ضاق عن ثمانية ** متسع بالوداد للتاسع )
وولد رحمه الله تعالى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة وهو من بيت علم وأدب قال الحميدي أخبرني بذلك أبو عمر رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز
____________________
(3/113)

ابن الحارث وتوفي بطليطلة سنة أربع وخمسين وأربعمائة وقال ابن حيان توفي ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمس وخمسين وأربعمائة في كنف المأمون يحيى بن ذي النون وذكر أنه كان يتهم بالكذب فالله تعالى أعلم بحقيقة الأمر
وقال ابن ظافر في كتابه بدائع البدائه ما نصه حضر أبو الفضل الدارمي البغدادي مجلس المعز بن باديس وبالمجلس ساق وسيم قد مسك عذاره ورد خديه وعجزت الراح أن تفعل في الندامى فعل عينيه فأمره المعز بوصفه فقال بديها
( ومعذر نقش الجمال بمسكه ** خدا له بدم القلوب مضرجا )
( لما تيقن أن سيف جفونه ** من نرجس جعل العذار بنفسجا )
وقوله في جارية تبخرت بالند ومحطوطة والمتنين مهضومة الحشا ** منعمة الأرداف تدمى من اللمس )
( إذا ما دخان الند من جيبها علا ** على وجهها أبصرت غيما على شمس )
وقوله لأغررن بمهجتي في حبه ** غررا يطيل مع الخطوب خطابي )
( ولئن تعزز إن عندي ذلة ** تستعطف الأعداء للأحباب )
وقوله
____________________
(3/114)


( دعتني عيناك نحو الصبا ** دعاء يكرر في كل ساعه )
( ولولا وحقك عذر المشيب ** لقلت لعينيك سمعا وطاعه )
وقد تمثل بهذين البيتين لسان الدين بن الخطيب في خطبة تأليفه المسمى ب روضة التعريف بالحب الشريف
وقال أبو الفضل الدارمي المذكور أيضا
( سطا الفراق عليهم غفلة فغدوا ** من جوره فرقا من شدة الفرق )
( فسرت شرقا وأشواقي مغربة ** يا بعد ما نزحت عن طرقهم طرقي )
( لولا تدارك دمعي يوم كاظمة ** لأحرق الركب ما أبديت من حرق )
( يا سارق القلب جهرا غير مكترث ** أمنت في الحب أن تعدى على السرق )
( أرمق بعين الرضى تنعش بعاطفة ** قبل المنية ما أبقيت من رمقي )
( لم يبق مني سوى لفظ يبوح بما ** ألقى فيا عجبا للفظ كيف بقي )
( صلني إذا شئت أو فاهجر علانية ** فكل ذلك محمول على الحدق ) وقال
( تذكر نجدا والحمى فبكى وجدا ** وقال سقى الله الحمى وسقى نجدا )
( وحيته أنفاس الخزامى عشية ** فهاجت إلى الوجد القديم به وجدا )
( فأظهر سلوانا وأضمر لوعة ** إذا طفئت نيرانها وقدت وقدا )
( ولو أنه أعطى الصبابة حكمها ** لأبدى الذي أخفى وأخفى الذي أبدى )
____________________
(3/115)

وقال أيضا
( قلت للملقي على الخدين ** من ورد خمارا )
( أسبل الصدغ على خدك ** من مسك عذارا )
( أم أعان الليل حتى ** قهر الليل النهارا )
( قال ميدان جرى الحسن ** عليه فاستدارا )
( ركضت فيه عيون ** فأثارته غبارا ) وقال
( وكاتب أهديت نفسي له ** فهي من السوء فدا نفسه ) فلست أدري بعد ما حل بي بمسكه أتلف أم نقسه سلط خديه على مهجتي فاستأصلتها وهي من غرسه وقال
( وشادن أسرف في صده ** وزاد في التيه على عبده )
( الحسن قد بث على خده ** بنفسجا يزهو على ورده )
( رأيته يكتب في طرسه ** خطا يباري الدر من عقده )
( فخلت ما قد خطه كفه ** للحسن قد خط على خده ) وقال
( إني عشقت صغيرا ** قد دب فيه الجمال )
( وكاد يغشى حديث الفضول ** منه الدلال )
( لو مر في طرق الهجر ** لاعتراه ضلال )
( يريك بدرا منيرا ** في الحسن وهو هلال ) وقال
( ظبي إذا حرك أصداغه ** لم يلتفت خلق إلى العطر )
( غنى بشعري منشدا ليتني اللفظ ** الذي أودعته شعري )
( فكلما كرر إنشاده ** قبلته فيه ولم يدر ) وقال
( أينفع قولي إنني لا أحبه ** ودمعي بما يمليه وجدي يكتب )
( إذا قلت للواشين لست بعاشق ** يقول لهم فيض المدامع يكذب )
وقال
( وهبني قد أنكرت حبك جملة ** وآليت أني لا أروم محطها )
( فمن أين لي في الحب جرح شهادة ** سقامي أملاها ودمعي خطها ) وقال
( أنا أخشى إن دام ذا الهجر أن ينشط ** من حبه عقال وثاقي )
( فأريح الفؤاد مما اعتراه ** وأرد الهوى على العشاق )
وقال
( كلانا لعمري ذائبان من الهوى ** فنارك من جمر وناري من هجر )
( فأنت على ما قد تقاسين من أذى ** فصدرك في نار وناري في صدري )
____________________
(3/116)


( يريك بدرا منيرا ** في الحسن وهو هلال ) وقال
( ظبي إذا حرك أصداغه ** لم يلتفت خلق إلى العطر )
( غنى بشعري منشدا ليتني اللفظ ** الذي أودعته شعري )
( فكلما كرر إنشاده ** قبلته فيه ولم يدر ) وقال
( أينفع قولي إنني لا أحبه ** ودمعي بما يمليه وجدي يكتب )
( إذا قلت للواشين لست بعاشق ** يقول لهم فيض المدامع يكذب )
وقال
( وهبني قد أنكرت حبك جملة ** وآليت أني لا أروم محطها )
( فمن أين لي في الحب جرح شهادة ** سقامي أملاها ودمعي خطها ) وقال
( أنا أخشى إن دام ذا الهجر أن ينشط ** من حبه عقال وثاقي )
( فأريح الفؤاد مما اعتراه ** وأرد الهوى على العشاق )
وقال
( كلانا لعمري ذائبان من الهوى ** فنارك من جمر وناري من هجر )
( فأنت على ما قد تقاسين من أذى ** فصدرك في نار وناري في صدري )
____________________
(3/117)

وقال
( ومن عجب العشق أن القتيل ** يحن ويصبو إلى القاتل )
وقال ألم أجعل مثار النقع بحرا ** على أن الجياد له سفين ) وقال
( أصبحت أحلب تيسا لا مدر له ** والتيس من ظن أن التيس محلوب )
وأما الحكيم أبو محمد المصري وهو القائل
( رعى الله دهرا قد نعمنا بطيبه ** لياليه من شمس الكؤوس أصائل )
( ونرجسنا در على التبر جامد ** وخمرتنا تبر على الدر سائل )
فقد ترجمته في الذخيرة فليراجع فإن الذخيرة غريبة في البلاد المشرقية
وقد كان عندي بالمغرب من هذا النوع ما أستعين به فخلفته هنالك والله تعالى يلم الشمل
وقد ذكر فيها أنه مغربي سافر إلى مصر فقيل له المصري لذلك فليعلم والله تعالى أعلم
64 - ومن الوافدين على الأندلس أشهب بن العضد الخراساني قال ابن سعيد أنشدنا لما وفد على ابن هود في إشبيلية قصيدة ابن النبيه
( طاب الصبوح لنا فهاك وهات ** وادعاها وفيها في روضة غنا تخال طيورها ** وغصونها همزا على ألفات )
ولم أجد هذا البيت في قصيدة ابن النبيه انتهى
65 - ومن الوافدين على الأندلس من المشرق أبو الحسن البغدادي الفكيك وهو مذكور في الذخيرة وكان حلو الجواب مليح التندر يضحك من حضر ولا يضحك هو إذا ندر وكان قصيرا دميما
قال ورأيته يوما وقد لبس طاقا أحمر على بياض وفي رأسه طرطور أخضر عمم عليه عمة لازوردية وهو بين يدي المعتمد بن عباد ينشد شعرا قال فيه
( وأنت سليمان في ملكه ** وبين يديك أنا الهدهد )
وأنشد له في المعتمد
( أبا القاسم الملك المعظم قدره ** سواك من الأملاك ليس يعظم )
( لقد أصبحت حمص يعدلك جنة ** وقد أبعدت عن ساكنيها جهنم )
( ولي حياك الريع عاما وأشهر ** وإنني أزخرف أعلام الثناء وأرقم )
( وأنفقت ما أعطيتني ثقة بما ** أؤمل فالدينار عندي درهم )
( وقلبي إلى بغداد يصبو وإنني ** لنشر صباها دائما أتنسم )
وقال
( وذرى على ربع العقيق دموعه ** عقيقا ففيها توأم وفريد )
( شهدت وما تغني شهادة عاشق ** بأن قتيل الغانيات شهيد ) ومنها
____________________
(3/118)

في روضة غنا تخال طيورها ** وغصونها همزا على ألفات )
ولم أجد هذا البيت في قصيدة ابن النبيه انتهى
65 - ومن الوافدين على الأندلس من المشرق أبو الحسن البغدادي الفكيك وهو مذكور في الذخيرة وكان حلو الجواب مليح التندر يضحك من حضر ولا يضحك هو إذا ندر وكان قصيرا دميما
قال ورأيته يوما وقد لبس طاقا أحمر على بياض وفي رأسه طرطور أخضر عمم عليه عمة لازوردية وهو بين يدي المعتمد بن عباد ينشد شعرا قال فيه
( وأنت سليمان في ملكه ** وبين يديك أنا الهدهد )
وأنشد له في المعتمد
( أبا القاسم الملك المعظم قدره ** سواك من الأملاك ليس يعظم )
( لقد أصبحت حمص يعدلك جنة ** وقد أبعدت عن ساكنيها جهنم )
( ولي حياك الريع عاما وأشهر ** وإنني أزخرف أعلام الثناء وأرقم )
( وأنفقت ما أعطيتني ثقة بما ** أؤمل فالدينار عندي درهم )
( وقلبي إلى بغداد يصبو وإنني ** لنشر صباها دائما أتنسم )
وقال
( وذرى على ربع العقيق دموعه ** عقيقا ففيها توأم وفريد )
( شهدت وما تغني شهادة عاشق ** بأن قتيل الغانيات شهيد ) ومنها
____________________
(3/119)


( إذا قابلوه قبلوا ترب أرضه ** وهم لعلاه ركع وسجود )
( وقد هز منه الله للملك صارما ** تقام بحدي شفرتيه حدود ) وقال
( لأية حال حال عن سنة الكرى ** ولم أصغ يوما في هواه إلى العذل ) ومنها
( كأن بقاء الطل فوق جفونها ** دموع التصابي حرن في الأعين النجل )
ومنها
( تملكت رقي بالعوارف منعما ** وأغنيتني بالجود عن كل ذي فضل ) وأنسيتني أرض العراق ودجلة وربعي حتى ما أحن إلى أهلي ) وقال في المقتدر بن هود
( لعزك ذلت ملوك البشر ** وعفرت تيجانهم في العفر )
( وأصبحت أخطرهم بالقنا ** وأركبهم لجواد الخطر )
( سهرت وناموا غن المأثرات ** فما لهم في المعالي أثر )
( وجليت في حيث صلى الملوك ** فكل بذيل المنى قد عثر ) ومنها
( وأنتم ملوك إذا شاجروا ** أظلتهم من قناهم شجر ) وقال الفكيك من قصيدة
( غنى حسامك في أرجاء قرطبة ** صوتا أباد العدى والليل معتكر )
( حيث الدماء مدام والقنا زهر ** والقوم صرعى بكأس الحتف قد سكروا )
____________________
(3/120)


وكان مشهورا بالهجاء وله في نقيب بغداد وكانت في عنقه غدة
( بلغ الأمانة فهي في حلقومه ** لا ترتقي صعدا ولا تتنزل )
وقال في ناصر الدولة بن حمدان
( ولئن غلطت بأن مدحتك طالبا ** جدواك مع علمي بأنك باخل )
( فالدولة الغراء قد غلطت بأن ** سمتك ناصرها وأنت الخاذل )
( إن تم أمرك مع يد لك أصبحت ** شلاء فالأمثال شيء باطل )
ومما ينسب إليه وقيل لغيره
( ووعدتني وعدا حسبتك صادقا ** فجعلت من طمعي أجيء وأذهب )
( فإذا اجتمعت أنا وأنت بمجلس ** قالوا مسيلمة وهذا أشعب )
66 - ومنهم إبراهيم بن سليمان الشامي دخل الأندلس من المشرق في أخريات أيام الحكم شاديا للشعر وهو من موالي بني أمية ولم ينفق على الحكم وتحرك في أيام ولده الأمير عبد الرحمن فنفق عليه ووصله ثم في أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن وكان أدرك بالمشرق كبار المحدثين كأبي نواس وأبي العتاهية
ومن شعره ما كتب به إلى الأمير عبد الرحمن
( يا من تعالى من أمية في الذرى ** قدما فأصبح عالي الأركان )
( إن الغمام غياثه في وقته ** والغيث من كفيك كل أوان )
( فالغيث قد عم البلاد وأهلها ** وظمئت بينهم فبل لساني ) وله في الأمير عبد الرحمن بن الحكم
( ومن عبد شمس بالمغارب عصبة ** فأسعدها الرحمن حيث أحلها )
( دحا تحتها مهدا من العز آمنا ** ومد جناحا فوقها فأظلها )
____________________
(3/121)

67 - ومنهم أبو بكر ابن الأزرق وهو محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن حامد بن موسى بن العباس بن محمد بن يزيد وهو الحصني ابن محمد بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان من أهل مصر خرج من مصر سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وصار إلى القيروان وامتحن بها مع الشيعة وأقام محبوسا بالمهدية ثم أطلق ووصل الأندلس سنة تسع وأربعين فأحسن إليه المستنصر بالله الحكم وكان أديبا حكيما سمع من خاله أبي بكر أحمد بن مسعود الزهري وولد سنة تسع عشرة وثلاثمائة بمصر وتوفي بقرطبة في ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة رحمه الله تعالى

68 ومن الواردين على الأندلس من المشرق رئيس المغنين أبو الحسن علي بن نافع الملقب بزرياب مولى أمير المؤمنين المهدي العباسي
قال في المقتبس زرياب لقب غلب عليه ببلاده من أجل سواد لونه مع فصاحة لسانه وحلاوة شمائله شبه بطائر أسود غرد عندهم وكان شاعرا مطبوعا وكان ابنه أحمد قد غلب عليه الشعر أيضا وكان من خبره في الوصول إلى الأندلس أنه كان تلميذا لإسحاق الموصلي ببغداد فتلقف من أغانيه استراقا وهدي من فهم الصناعة وصدق العقل مع طيب الصوت وصورة الطبع إلى ما فاق به إسحاق وإسحاق لا يشعر بما فتح عليه إلى أن جرى للرشيد مع إسحاق خبره المشهور في الاقتراح عليه بمغن غريب مجيد للصنعة لم يشتهر مكانه إليه فذكر له تلميذه هذا وقال إنه مولى لكم وسمعت له نزعات حسنة ونغمات رائقة ملتاطة بالنفس إذا أنا وقفته على ما استغرب منها وهو من اختراعي واستنباط فكري أحدس أن يكون له شأن فقال الرشيد هذا طلبتي فأحضرنيه لعل حاجتي عنده فأحضره فلما كلمه الرشيد أعرب عن نفسه
____________________
(3/122)

بأحسن منطق وأوجز خطاب وسأله عن معرفته بالغناء فقال نعم أحسن منه ما يحسنه الناس وأكثر ما أحسنه لا يحسنونه مما لا يحسن إلا عندك ولا يدخر إلا لك فإن أذنت غنيتك ما لم تسمعه أذن قبلك فأمر بإحضار عود أستاذه إسحاق فلما أدني إليه وقف عن تناوله وقال لي عود نحته بيدي وأرهفته بإحكامي ولا أرتضي غيره وهو بالباب فليأذن لي أمير المؤمنين في استدعائه فأمر بإدخاله إليه فلما تأمله الرشيد وكان شبيها بالعود الذي دفعه قال له ما منعك أن تستعمل عود أستاذك فقال إن كان مولاي يرغب في غناء أستاذي غنيته بعوده وإن كان يرغب في غنائي فلا بد لي من عودي فقال له ما أراهما إلا واحدا فقال صدقت يا مولاي ولا يؤدي النظر غير ذلك ولكن عودي وإن كان في قدر جسم عوده ومن جنس خشبه فهو يقع من وزنه في الثلث أو نحوه وأوتاري من حرير لم يغزل بماء سخن يكسبها أناثة ورخاوة وبمها ومثلثها اتخذتهما من مصران شبل أسد فلها في الترنم والصفاء والجهارة والحدة أضعاف ما لغيرها من مصران سائر الحيوان ولها من قوة الصبر على تأثير وقع المضارب المتعاورة بها ما ليس لغيرها فاستبرع الرشيد وصفه وأمره بالغناء فحبس ثم اندفع فغناه
( يا أيها الملك الميمون طائره ** هارون راح إليك الناس وابتكروا ) فأتم النوبة وطار الرشيد طربا وقال لإسحاق والله لولا أني أعلم من صدقك لي على كتمانه إياك لما عنده وتصديقه لك من أنك لم تسمعه قبل لأنزلت بك العقوبة لتركك إعلامي بشأنه فخذه إليك واعتن بشأنه حتى أفرغ له فإن لي فيه نظرا فسقط في يد إسحاق وهاج به من داء الحسد ما غلب صبره فخلا بزرياب وقال يا علي إن الحسد أقدم الأدواء وأدواها والدنيا فتانة والشركة في الصناعة عداوة ولا حيلة في حسمها وقد مكرت بي فيما انطويت عليه من إجادتك وعلو طبقتك وقصدت منفعتك
____________________
(3/123)

فإذا أنا قد أتيت نفسي من مأمنها بإدنائك وعن قليل تسقط منزلتي وترتقي أنت فوقي وهذا ما لا أصاحبك عليه ولو أنك ولدي ولولا رعيي لذمة تربيتك لما قدمت شيئا على أن أذهب نفسك يكون في ذلك ما كان فتخير في ثنتين لا بد لك منهما إما أن تذهب عني في الأرض العريضة لا أسمع لك خبرا بعد أن تعطيني على ذلك الأيمان الموثقة وأنهضك لذلك بما أردت من مال وغيره وإما أن تقيم على كرهي ورغمي مستهدفا إلي فخذ الآن حذرك مني فلست والله أبقي عليك ولا أدع اغتيالك باذلا في ذلك بدني ومالي فاقض قضاءك
فخرج زرياب لوقته وعلم قدرته على ما قال واختار الفرار قدامه فأعانه إسحاق على ذلك سريعا وراش جناحه فرحل عنه ومضى يبغي مغرب الشمس واستراح قلب إسحاق منه
وتذكره الرشيد بعد فراغه من شغل كان منغمسا فيه فأمر إسحاق بحضوره فقال ومن لي به يا أمير المؤمنين ذاك غلام مجنون يزعم أن الجن تكلمه وتطارحه ما يزهى به من غنائه فما يرى في الدنيا من يعدله وما هو إلا أن أبطأت عليه جائزة أمير المؤمنين وترك استعادته فقدر التقصير به والتهوين بصناعته فرحل مغاضبا ذاهبا على وجهه مستخفيا عني وقد صنع الله تعالى في ذلك لأمير المؤمنين فإنه كان به لمم يغشاه ويفرط خبطه فيفزع من رآه فسكن الرشيد إلى قول إسحاق وقال على ما كان به فقد فاتنا منه سرور كثير
ومضى زرياب إلى المغرب فنسي بالمشرق خبره إذ لم يكن اسمه شهر هنالك شهرته بالصقع الذي قطنه ونزعت إليه نفسه وسمت به همته فأم أمير الأندلس الحكم المباين لمواليه وخاطبه وذكر له نزاعه إليه واختياره إياه ويعلمه بمكانه من الصناعة التي ينتحلها ويسأله الإذن في الوصول إليه فسر الحكم بكتابه وأظهر له من الرغبة فيه والتطلع إليه وإجمال الموعد ما تمناه فسار زرياب نحوه بعياله وولده وركب بحر الزقاق إلى الجزيرة الخضراء فلم يزل بها حتى توالت عليه الأخبار بوفاة الحكم فهم بالرجوع إلى العدوة فكان معه منصور
____________________
(3/124)

اليهودي المغني رسول الحكم إليه فثناه عن ذلك ورغبه في قصد القائم مقام الحكم وهو عبد الرحمن ولده وكتب إليه بخبر زرياب فجاءه كتاب عبد الرحمن يذكر تطلعه إليه والسرور بقدومه عليه وكتب إلى عماله على البلاد أن يحسنوا إليه ويوصلوه إلى قرطبة وأمر خصيا من أكابر خصيانه أن يتلقاه ببغال ذكور وإناث وآلات حسنة فدخل هو وأهله البلد ليلا صيانة للحرم وأنزله في دار من أحسن الدور وحمل إليها جميع ما يحتاج إليه وخلع عليه وبعد ثلاثة أيام استدعاه وكتب له في كل شهر بمائتي دينار راتبا وأن يجرى على بنيه الذين قدموا معه - وكانوا أربعة عبد الرحمن وجعفر وعبيد الله ويحيى عشرون دينارا لكل واحد منهم كل شهر وأن يجرى على زرياب من المعروف العام ثلاثة آلاف دينار منها لكل عيد ألف دينار ولكل مهرجان ونوروز خمسمائة دينار وأن يقطع له من الطعام العام ثلاثمائة مدي ثلثاها شعير وثلثها قمح وأقطعه من الدور والمستغلات بقرطبة وبساتينها ومن الضياع ما يقوم بأربعين ألف دينار
فلما قضى له سؤله وأنجز موعوده وعلم أن قد أرضاه وملك نفسه استدعاه فبدأ بمجالسته على النبيذ وسماع غنائه فما هو إلا أن سمعه فاستهوله واطرح كل غناء سواه وأحبه حبا شديدا وقدمه على جميع المغنين وكان لما خلا به أكرمه غاية الإكرام وأدنى منزلته وبسط أمله وذاكره في أحوال الملوك وسير الخلفاء ونوادر العلماء فحرك منه بحرا زخر عليه مده فأعجب الأمير به وراقه ما أورده وحضر وقت الطعام فشرفه بالأكل معه هو وأكابر ولده ثم أمر كاتبه بأن يعقد له صكا بما ذكرناه آنفا ولما ملك قلبه واستولى عليه حبه فتح له بابا خاصا يستدعيه منه متى أراده
وذكر أن زريابا ادعى أن الجن كانت تعلمه كل ليلة ما بين نوبة إلى
____________________
(3/125)

صوت واحد كان يهب من نومه سريعا فيدعو بجاريتيه غزلان وهنيدة فتأخذان عودهما ويأخذ هو عوده فيطارحهما ليلته ويكتب الشعر ثم يعود عجلا إلى مضجعه وكذلك يحكى عن إبراهيم الموصلي في لحنه البديع المعروف بالماخوري أن الجن طارحته إياه والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك
وزاد زرياب بالأندلس في أوتار عوده وترا خامسا اختراعا منه إذ لم يزل العود ذا أربعة أوتار على الصنعة القديمة التي قوبلت بها الطبائع الأربع فزاد عليها وترا خامسا أحمر متوسطا فاكتسب به عوده ألطف معنى وأكمل فائدة وذلك أن الزير صبغ أصفر اللون وجعل في العود بمنزلة الصفراء من الجسد وصبغ الوتر الثاني بعده أحمر وهو من العود مكان الدم من الجسد وهو في الغلظ ضعف الزير ولذلك سمي مثنى وصبغ الوتر الرابع أسود وجعل من العود مكان السوداء من الجسد وسمي البم وهو أعلى أوتار العود وهو ضعف المثلث الذي عطل من الصبغ وترك أبيض اللون وهو من العود بمنزلة البلغم من الجسد وجعل ضعف المثنى في الغلظ ولذلك سمي المثلث فهذه الأربعة من الأوتار مقابلة للطبائع الأربع تقضي طبائعها بالاعتدال فالبم حار يابس يقابل المثنى وهو حار رطب وعليه تسويته والزير حار يابس يقابل المثلث وهو حار رطب قوبل كل طبع بضده حتى اعتدل واستوى كاستواء الجسم بأخلاطه إلا أنه عطل من النفس والنفس مقرونة بالدم فأضاف زرياب من أجل ذلك إلى الوتر الأوسط الدموي هذا الوتر الخامس الأحمر الذي اخترعه بالأندلس ووضعه تحت المثلث وفوق المثنى فكمل في عوده قوى الطبائع الأربع وقام الخامس المزيد مقام النفس في الجسد
وهو الذي اخترع بالأندلس مضراب العود من قوادم النسر معتاضا به من مرهف الخشب فأبرع في ذلك للطف قشر الريشة ونقائه وخفته على
____________________
(3/126)

الأصابع وطول سلامة الوتر على كثرة ملازمته إياه
وكان زرياب عالما بالنجوم وقسمة الأقاليم السبعة واختلاف طبائعها وأهويتها وتشعب بحارها وتصنيف بلادها وسكانها مع ما سنح له من فك كتاب الموسيقى مع حفظه لعشرة آلاف مقطوعة من الأغاني بألحانها وهذا العدد من الألحان غاية ما ذكره بطليموس واضع هذه العلوم ومؤلفها
وكان زرياب قد جمع إلى خصاله هذه الاشتراك في كثير من ضروب الظرف وفنون الأدب ولطف المعاشرة وحوى من آداب المجالسة وطيب المحادثة ومهارة الخدمة الملوكية ما لم يجده أحد من أهل صناعته حتى اتخذه ملوك أهل الأندلس وخواصهم قدوة فيما سنه لهم من آدابه واستحسنه من أطعمته فصار إلى آخر أيام أهل الأندلس منسوبا إليه معلوما به فمن ذلك أنه دخل إلى الأندلس وجميع من فيها من رجل أو امرأة يرسل جمته مفروقا وسط الجبين عاما للصدغين والحاجبين فلما عاين ذوو التحصيل تحذيفه هو وولده ونساؤه لشعورهم وتقصيرها دون جباههم وتسويتها مع حواجبهم وتدويرها إلى آذانهم وإسدالها إلى أصداغهم - حسبما عليه اليوم الخدم الخصية والجواري هوت إليه أفئدتهم واستحسنوه
ومما سنه لهم استعمال المرتك المتخذ من المرداسنج لطرد ريح الصنان من مغابنهم ولا شيء يقوم مقامه وكانت ملوك الأندلس تستعمل قبله ذرور الورد وزهر الريحان وما شاكل ذلك من ذوات القبض والبرد فكانوا لا تسلم ثيابهم من وضر فدلهم على تصعيدها بالملح وتبييض لونها فلما جربوه أحمدوه جدا
وهو أول من اجتنى بقلة الهليون المسماة بلسانهم الإسفراج ولم يكن أهل الأندلس يعرفونها قبله ومما اخترعوه من الطبيخ اللون المسمى عندهم بالتفايا وهو مصطنع بماء الكزبرة
____________________
(3/127)

الرطبة محلى بالسنبوسق والكباب ويليه عندهم لون التقلية المنسوبة إلى زرياب
ومما أخذه عنه الناس بالأندلس تفضيله آنية الزجاج الرفيع على آنية الذهب والفضة وإيثاره فرش أنطاع الأديم اللينة الناعمة على ملاحف الكتان واختياره سفر الأديم لتقديم الطعام فيها على الموائد الخشبية إذ الوضر يزول عن الأديم بأقل مسحة ولبسه كل صنف من الثياب في زمانه الذي يليق به فإنه رأى أن يكون ابتداء الناس للباس البياض وخلعهم للملون من يوم مهرجان أهل البلد المسمى عندهم بالعنصرة الكائن في ست بقين من شهر يوفيه الشمسي من شهورهم الرومية فيلبسونه إلى أول شهر أكتوبر الشمسي منها ثلاثة أشهر متوالية ويلبسون بقية السنة الثياب الملونة ورأى أن يلبسوا في الفصل الذي بين الحر والبرد المسمى عندهم الربيع من مصبغهم جباب الخز والملحم والمحرر والدراريع التي لا بطائن لها لقربها من لطف ثياب البياض الظهائر التي ينتقلون إليها لخفتها وشبهها بالمحاشي ثياب العامة وكذا رأى أن يلبسوا في آخر الصيف وعند أول الخريف المحاشي المروية والثياب المصمتة وما شاكلها من خفائف الثياب الملونة ذوات الحشو والبطائن الكثيفة وذلك عند قرس البرد في الغدوات إلى أن يقوى البرد فينتقلون إلى أثخن منها من الملونات ويستظهرون من تحتها إذا احتاجوا إلى صنوف الفراء
واستمر بالأندلس أن كل من افتتح الغناء فيبدأ بالنشيد أول شدوه بأي نقر كان ويأتي إثره بالبسيط ويختم بالمحركات والأهزاج تبعا لمراسم زرياب وكان إذا تناول الإلقاء على تلميذ يعلمه أمره بالقعود على الوساد المدور المعروف بالمسورة وأن يشد صوته جدا إذا كان قوي الصوت فإن كان لينه أمره أن يشد على بطنه عمامة فإن ذلك مما يقوي الصوت ولا يجد متسعا في الجوف
____________________
(3/128)

عند الخروج على الفم فإن كان ألص الأضراس لا يقدر على أن يفتح فاه أو كانت عادته زم أسنانه عند النطق راضه بأن يدخل في فيه قطعة خشب عرضها ثلاث أصابع يبيتها في فمه ليالي حتى ينفرج فكاه وكان إذا أراد أن يختبر المطبوع الصوت المراد تعليمه من غير المطبوع أمره أن يصيح بأقوى صوته يا حجام أو يصيح آه ويمد بها صوته فإن سمع صوته بهما صافيا نديا قويا مؤديا لا يعتريه غنة ولا حبسة ولا ضيق نفس عرف أن سوف ينجب وأشار بتعليمه وإن وجده خلاف ذلك أبعده
وكان له من ذكور الولد ثمانية عبد الرحمن وعبيد الله ويحيى وجعفر ومحمد وقاسم وأحمد وحسن
ومن الإناث ثنتان علية وحمدونة
وكلهم غنى ومارس الصناعة واختلفت بهم الطبقة فكان أعلاهم عبيد الله ويتلوه عبد الرحمن لكنه ابتلي من فرط التيه وشدة الزهو وكثرة العجب بغنائه والذهاب بنفسه بما لم يكن له شبه فيه وقلما يسلم مجلس حضوره من كدر يحدثه ولا يزال يجترئ على الملوك ويستخف بالعظماء ولقد حمله سخفه على أن حضر يوما مجلس بعض الأكابر الأعاظم في أنس قد طاب به سروره وكان صاحب قنص تغلب عليه لذته فاستدعى بازيا كان كلفا به كثير التذكر له فجعل يمسح أعطافه ويعدل قوادمه ويرتاح لنشاطه فسأله عبد الرحمن أن يهبه له فاستحيا من رده وأعطاه إياه مع ضنه به فدفعه عبد الرحمن إلى غلامه ليعجل به إلى منزله وأسر إليه فيه بسر لم يطلع عليه فمضى لشأنه ولم يلبث أن جاءه بطيفورية مغطاة مكرمة بطابع مختوم عليها من فضة فإذا به لون مصوص قد اتخذ من البازي بعد ذبحه على ما حده لأهله وذهب إلى الانتقال عليه في شرابه وقال لصاحب المجلس شاركني في نقلي هذا فإنه شريف المركب بديع الصنعة فلما رآه الرجل أنكر صفته وعاب
____________________
(3/129)

لحمه وسأله عنه فقال هو البازي الذي كنت تعظم قدره ولا تصبر عنه قد صيرته إلى ما ترى فغضب صاحب المنزل حتى ربا في أثوابه وفارقه حلمه وقال له قد كان والله أيها الكلب السفيه على ما قدرته وما اقتديت فيه إلا بكبار الناس المؤثرين لمثله وما أسعفتك به إلا معظما من قدرك ما صغرت من قدري وأظهرت من هوان السنة عليك باستحلالك لسباع الطير المنهي عنها ولا أدع والله الآن تأديبك إذ أهملك أبوك معلم الناس المروءة ودعا له بالسوط وأمر بنزع قلنسوته وساط هامته مائة سوط فاستحسن جميع الناس فعله به وأبدوا الشماتة به
وكان محمد منهم مؤنثا وكان قاسمهم أحذقهم غناء مع تجويده وتزوج الوزير هشام بن عبد العزيز حمدونة أول من
وذكر عبادة الشاعر أن أول من دخل الأندلس من المغنين علون وزرقون دخلا في أيام الحكم بن هشام فنفقا عليه وكانا محسنين لكن غناؤهما ذهب لغلبة غناء زرياب عليه
وقال عبد الرحمن بن الشمر منجم الأمير عبد الرحمن ونديمه في زرياب
( يا علي بن نافع يا علي ** أنت أنت المهذب اللوذعي )
( أنت في الأصل حين يسأل عنه ** هاشمي وفي الهوى عبشمي )
وقال ابن سعيد وأنشد لزرياب والدي في معجمه
( علقتها ريحانة ** هيفاء عاطرة نضيره )
( بين السمينة والهزيلة ** والطويلة والقصيره )
( لله أيام لنا ** سلفت على دير المطيره ) لا عيب فيها للمتيم ** غير أن كانت يسيره ) انتهى
____________________
(3/130)


وكان لزرياب جارية اسمها متعة أدبها وعلمها أحسن أغانيه حتى شبت وكانت رائعة الجمال وتصرفت بين يدي الأمير عبد الرحمن بن الحكم تغنيه مرة وتسقيه أخرى فلما فطنت لإعجابه بها أبدت له دلائل الرغبة فأبى إلا التستر فغنته بهذه الأبيات وهي لها في ظن بعض الحفاظ
( يا من يغطي هواه ** من ذا يغطي النهارا )
( قد كنت أملك قلبي ** حتى علقت فطارا )
( يا ويلتا أتراه ** لي كان أو مستعارا )
( يا بأبي قرشي ** خلعت فيه العذارا )
فلما انكشف لزرياب أمرها أهداها إليه فحظيت
وكانت حمدونة بنت زرياب متقدمة في أهل بيتها محسنة لصناعتها متقدمة على أختها علية وهي زوجة الوزير هاشم بن عبد العزيز كما مر وطال عمر علية بعد أختها حمدونة ولم يبق من أهل بيتها غيرها فافتقر الناس إليها وحملوا عنها
وكانت مصابيح جارية الكاتب أبي حفص عمر بن قلهيل أخذت عن زرياب الغناء وكانت غاية في الإحسان والنبل وطيب الصوت وفيها يقول ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد وكتب به إلى مولاها
( يا من يضن بصوت الطائر الغرد ** ما كنت أحسب هذا الضن من أحد )
( لو أن أسماع أهل الأرض قاطبة ** أصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد )
من أبيات فخرج حافيا لما وقف على ذلك وأدخله إلى مجلسه وتمتع من سماعها رحم الله تعالى الجميع
____________________
(3/131)

وقال علويه كنت مع المأمون لما قدم الشام فدخلنا دمشق وجعلنا نطوف فيها على قصور بني أمية فدخلنا قصرا مفروشا بالرخام الأخضر وفيه بركة يدخلها الماء ويخرج منها فيسقي بستانا وفي القصر من الأطيار ما يغني صوته عن العود والمزمار فاستحسن المأمون ما رأى وعزم على الصبوح فدعا بالطعام فأكلنا وشربنا ثم قال لي غن بأطيب صوت وأطربه فلم يمر على خاطري غير هذا الصوت
( لو كان حولي بنو أمية لم ** ينطق رجال أراهم نطقوا )
فنظر إلي مغضبا وقال عليك لعنة الله وعلى بني أمية فعلمت أني قد أخطأت فجعلت أعتذر من هفوتي وقلت يا أمير المؤمنين أتلومني أن أذكر موالي بني أمية وهذا زرياب مولاك عندهم بالأندلس يركب في أكثر من مائة مملوك وفي ملكه ثلاثمائة ألف دينار دون الضياع وإني عندكم أموت جوعا وفي الحكاية طول واختلاف ومحل الحاجة منها ما يتعلق بزرياب رحم الله تعالى الجميع
وذكرها الرقيق في كتاب معاقرة الشراب على غير هذا الوجه ونصه وركب المأمون يوما من دمشق يريد جبل الثلج فمر ببركة عظيمة من برك بني أمية وعلى جانبها أربع سروات وكان الماء يدخل سيحا فاستحسن المأمون الموضع ودعا بالطعام والشراب وذكر بني أمية فوضع منهم وتنقصهم فأخذ علويه العود واندفع يغني
( أرى أسرتي في كل يوم وليلة ** يروح بهم داعي المنون ويغتدي )
( أولئك قوم بعد عز وثروة تفانوا ** فإلا أذرف العين أكمد ) فضرب المأمون بكأسه الأرض وقال لعلويه يا بن الفاعلة لم يكن لك وقت تذكر مواليك فيه إلا هذا الوقت فقال مولاكم زرياب عند موالي بالأندلس يركب في مائة غلام وأنا عندكم بهذه الحالة فغضب عليه نحو شهر ثم
____________________
(3/132)

رضي عنه
انتهى ونحوه لابن الرقيق في كتابه قطب السرور وقال في آخر الحكاية وأنا عندكم أموت من الجوع ثم قال وزرياب مولى المهدي ووصل إلى بني أمية بالأندلس فعلت حاله حتى كان كما قال علويه انتهى
ولما غنى زرياب بقوله
( ولو لم يشقني الظاعنون لشاقني ** حمام تداعت في الديار وقوع )
( تداعين فاستبكين من كان ذا هوى ** نوائح ما تجري لهن دموع )
ذيلها عباس بن فرناس يمدح بعض الرؤساء بديهة فقال
( شددت بمحمود يدا حين خانها ** زمان لأسباب الرجاء قطوع )
( بنى لمساعي الجود والمجد قبلة ** إليها جميع الأجودين ركوع ) وكان محمود جوادا فقال له يا أبا القاسم أعز ما يحضرني من مالي القبة يعني قبة قامت عليه بخمسمائة دينار وهي لك بما فيها مع كسوتي هذه ونكون في ضيافتك بقية يومنا ودعا بكسوة فلبسها ودفع إليه الكسوة
69 - ومن الوافدين من المشرق الأمير شعبان بن كوجبا من غز الموصل وفد على أمير المؤمنين يعقوب المنصور ملك الموحدين ورفع له أمداحا جليلة وقدمه على إمارة مدينة بسطة من الأندلس
قال أبو عمران بن سعيد أنشدني لنفسه
( يقولون إن العدل في الناس ظاهر ** ولم أر شيئا منه سرا ولا جهرا )
____________________
(3/133)


( ولكن رأيت الناس غالب أمرهم ** إذا ما جنى زيد أقادوا به عمرا )
( وإلا فما بال النطاسي كلما ** شكوت له يمنى يدي فصد اليسرى )
70 - ومن الوافدين من المشرق على الأندلس أبو اليسر إبراهيم بن أحمد الشيباني من أهل بغداد وسكن القيروان ويعرف بالرياضي وكان له سماع ببغداد من جلة المحدثين والفقهاء والنحويين لقي الجاحظ والمبرد وثعلبا وابن قتيبة ولقي من الشعراء أبا تمام والبحتري ودعبلا وابن الجهم ومن الكتاب سعيد بن حميد وسليمان بن وهب وأحمد بن أبي طاهر وغيرهم وهو الذي أدخل إفريقية رسائل المحدثين وأشعارهم وطرائف أخبارهم وكان عالما أديبا ومرسلا بليغا ضاربا في كل علم وأدب سمع وكتب بيده أكثر كتبه مع براعة خطه وحسن وراقته
وحكي أنه كتب على كبره كتاب سيبويه كله بقلم واحد ما زال يبريه حتى قصر فأدخله في قلم آخر وكتب به حتى فني بتمام الكتاب
وله تآليف منها لقيط المرجان وهو أكبر من عيون الأخبار وكتاب سراج الهدى في القرآن ومشكله وإعرابه ومعانيه والمرصعة والمدبجة
وجال في البلاد شرقا وغربا من خراسان إلى الأندلس وقد ذكر ذلك في أشعار له
وكان أديب الأخلاق نزيه النفس كتب لأمير إفريقية إبراهيم بن أحمد بن الأغلب ثم لابنه أبي العباس عبد الله وكان أيام زيادة الله بن عبد الله آخر ملوك الأغالبة على بيت الحكمة وتوفي بالقيروان سنة ثمان وتسعين ومائتين في أول ولاية عبيد الله الشيعي وهو ابن خمس وسبعين سنة
وممن ألم بذكره المؤرخ الأديب أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم المعروف بالرقيق
وقال عريب بن سعد في حقه إنه كان أديبا شاعرا مرسلا حسن التأليف
____________________
(3/134)

وقدم الأندلس على الإمام محمد بن عبد الرحمن وذكر له معه قصة ذكرها ابن الأبار في كتابه إفادة الوفادة وحكى أن له مسندا في الحديث وكتابا في القرآن سماه سراج الهدى والرسالة الوحيدة والمؤنسة وقطب الأدب وغير ذلك من الأوضاع
قال وكتب لبني الأغلب حتى انصرمت أيامهم ثم كتب لعبيد الله حتى مات ومن الرواة عنه أبو سعيد عثمان بن سعيد الصيقل مولى زيادة الله بن الأغلب وأسند إليه الحافظ ابن الأبار رواية شعر أبي تمام بأن قال قرأت شعر حبيب على أبي الربيع بن سالم وقرأت جملة منه على غيره وناولني جميعه وحدثني به عن أبي عبد الله بن زرقون عن الخولاني عن أبي القاسم حاتم بن محمد عن أبي غالب تمام بن غالب بن عمر اللغوي عن أبيه أبي تمام عن أبي سعيد المذكور يعني ابن الصيقل عن أبي اليسر عن حبيب وهو إسناد غريب انتهى بن 71 - ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن خلف بن منصور الغساني الدمشقي المعروف بالسنهوري وسنهور من بلاد مصر روى عن أبي القاسم ابن عساكر وأبي اليمن الكندي وأبي المعالي الفراوي وأبي الطاهر الخشوعي وغيرهم
قال أبو العباس النباتي قدم علينا - يعني إشبيلية - سنة ثلاث وستمائة وسمى جماعة من شيوخه وحكى أنه كان يروي موطأ أبي مصعب وصحيح مسلم بعلو
وقال أبو سليمان بن حوط الله أجازني وابني محمدا جميع ما رواه عن شيوخه الذين منهم أبو الفخر فناخسرو بن فيروز الشيرازي وذكر أن روايته بنزول لأنه لم يرحل إلا بعد وفاة الشيوخ المشاهير بهذا الشأن
وقال أبو الحسن ابن القطان وسماه في شيوخه قدم علينا تونس
____________________
(3/135)

سنة اثنتين وستمائة واستجزته لابني حسن فأجازه وإياي قال وانصرف من تونس إلى المغرب ثم الأندلس وقدم علينا بعد ذلك مراكش مفلتا من الأسر فظهر في حديثه عن نفسه تجازف واضطراب وكذب زهد فيه وإثر ذلك انصرف إلى المشرق راجعا وقد كان إذا أجاز ابني كتب بخطه جملة من أسانيده وسمى كتبا منها الموطأ والصحيحان وغير ذلك قال وقد تبرأت من عهدة جميعه لما أثبت من حاله وحدثني أبو القاسم بن أبي كرامة صاحبنا بتونس أن السنهوري هذا لما انصرف إلى مصر امتحن بملكها الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب لأجل معاداته أبا الخطاب بن الجميل فضرب بالسياط وطيف به على جمل مبالغة في إهانته انتهى
وقال بعض المؤرخين في حقه ما نصه الشيخ المحدث الرحالة إبراهيم السنهوري صاحب الرحلة إلى البلاد دخل الأندلس كما ذكره ابن النجار وغيره وهو الذي ذكر لمشايخ الأندلس وعلمائها أن الشيخ أبا الخطاب بن دحية يدعي أنه قرأ على جماعة من شيوخ الأندلس القدماء فأنكروا ذلك وأبطلوه وقالوا لم يلق هؤلاء ولا أدركهم وإنما اشتغل بالطلب أخيرا وليس نسبه بصحيح فيما يقوله ودحية لم يعقب فكتب السنهوري محضرا وأخذ خطوطهم فيه بذلك وقدم به ديار مصر فعلم أبو الخطاب بن دحية بذلك فاشتكى إلى السلطان منه وقال هذا يأخذ عرضي ويؤذيني فأمر السلطان بالقبض عليه فقبض وضرب بالسياط وأشهر على حمار وأخرج من ديار مصر وأخذ ابن دحية المحضر وحرقه ولم يزل ابن دحية على قرب من السلطان إلى حين وفاته وبنى له دارا للحديث وهي الكاملية ببين القصرين فلم يزل يحدث بها إلى أن مات
وقد ذكرنا في ترجمة ابن دحية من هذا الكتاب شيئا من أحواله وأن الناس
____________________
(3/136)

فيه معتقد ومنتقد وهكذا جرت العادة خصوصا في حق الغريب المنتسب للعلم
( وعند الله تجتمع الخصوم ** ) وممن كان عليه لا له أبو المحاسن محمد بن نصر المعروف بابن عنين فإنه قال فيه
( دحية لم يعقب فلم تعتزي ** إليه بالبهتان والإفك )
( ما صح عند الناس شيء سوى ** أنك من كلب بلا شك ) هكذا ذكره ابن النجار وأطال في الوقيعة في أبي الخطاب ابن دحية وقال الذهبي قرأت بخط الضياء عندما ذكر ابن دحية أنه قال لقيته بأصبهان ولم أسمع منه شيئا وأخبرني إبراهيم السنهوري بأصبهان أنه دخل المغرب وأن مشايخه كتبوا له جرحه وتضعيفه وقد رأيت أنا منه غير شيء مما يدل على ذلك وبسببه بنى السلطان الملك الكامل دار الحديث بالقاهرة وجعله شيخها وقد سمع منه الإمام أبو عمرو ابن الصلاح الموطأ سنة نيف وستمائة وأخبره به عن جماعة منهم أبو عبد الله ابن زرقون
وقال ابن واصل كان أبو الخطاب - مع فرط معرفته بالحديث وحفظه الكثير منه - متهما بالمجازفة في النقل وبلغ ذلك الملك الكامل فأمره أن يعلق شيئا على كتاب الشهاب فعلق كتابا تكلم فيه على أحاديثه وأسانيده فلما وقف الملك الكامل على ذلك قال له بعد أيام قد ضاع مني ذلك الكتاب فعلق لي مثله ففعل فجاء في الثاني مناقضة للأول فعلم الملك الكامل صحة ما قيل عنه ونزلت مرتبته عنده وعزله عن دار الحديث أخيرا وولى أخاه أبا عمرو عثمان
____________________
(3/137)

وقال ابن نقطة كان أبو الخطاب موصوفا بالمعرفة والفضل ولم أره إلا أنه كان يدعي أشياء لا حقيقة لها ذكر لي أبو القاسم بن عبد السلام - وكان ثقة - قال نزل عندنا ابن دحية فقال إني أحفظ صحيح مسلم والترمذي فأخذت خمسة أحاديث من الترمذي ومثلها من المسند ومثلها من الموضوعات فجعلتها في جزء ثم عرضت عليه حديثا من الترمذي فقال ليس بصحيح وآخر فقال لا أعرفه ولم يعرف منها شيئا فأفسد نفسه بذلك
وقال سبط ابن الجوزي إنه كان يتزيد في كلامه ويثلب المسلمين ويقع فيهم فترك الناس الرواية عنه وكذبوه وقد كان الملك الكامل مقبلا عليه فلما انكشف له شأنه أخذ منه دار الحديث وأهانه
وقال العماد ابن كثير قد تكلم الناس فيه بأنواع من الكلام ونسبه بعضهم إلى وضع حديث في قصر صلاة المغرب وكنت أود أن أقف على إسناده ليعلم كيف رجاله وقد أجمع العلماء - كما ذكره ابن المنذر وغيره - على أن صلاة المغرب لا تقصر واتفق أنه وصل في جمادى الأولى سنة 616 إلى غزة فخرج كل من في غزة بالأسلحة والعصي والحجارة إلى الموضع الذي هو فيه وضربوه ضربا شديدا بعد أن انهزم من كان معه انتهى
وقدمنا في ترجمته توثيق جماعة له فربك أعلم بحاله 72 - ومنهم عبد الله بن محمد بن آدم القارىء الخراساني رحل من خراسان إلى الأندلس يكنى أبا محمد ذكره أبو عمرو المقرىء وقال سمعته يقرأ مرات كثيرة فكان من أحسن الناس صوتا ولم تكن له معرفة بالقراءة ولا دراية بالأداء انتهى
____________________
(3/138)


73 - ومنهم عبد الرحمن بن داود بن علي الواعظ من أهل مصر يعرف بالزبزاري يكنى أبا البركات وأبا القاسم ويلقب زكي الدين قدم على الأندلس وتجول في بلادها واعظا ومذكرا وسمع منه الناس بقرطبة وإشبيلية ومرسية وبلنسية سنة 608
قال ابن الأبار وسمعت وعظه إذ ذاك بالمسجد الجامع من بلنسية وادعى الرواية عن أبي الوقت السجزي والسلفي وأبي الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي وأبي محمد ابن المبارك بن الطباخ وأبي الفضل محمد بن يوسف الغزنوي وشهدة الكاتبة بنت الأبري زعم أنه قرأ عليها صحيح البخاري وجماعة بالمشرق والأندلس لم يلقهم ولم يسمع منهم وربما حدث بواسطة عن بعضهم وأكثرهم مجهولون وقفت على ذلك في فهرست روايته فزهد أكثر السامعين منه واطرحوا الرواية عنه ومنهم أبو العباس النباتي وأبو عبد الله بن أبي البقاء وجمع أربعين حديثا مسلسلة سماها باللآلئ المفصلة حدث فيها عن ابن بشكوال وابن غالب الشراط وغيرهما من الأندلسيين الذين لم يلقهم ولا أجازوا له أخذها عنه ابن الطيلسان وغيره وكان - مع هذا - فقيها على مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه فصيحا مشاركا في فنون من العلم سمح الله تعالى له انتهى ولا بأس أن نذكر جملة من النساء القادمات من المشرق على الأندلس ثم نعود أيضا إلى ذكر أعلام الرجال فنقول 74 - من النساء الداخلات الأندلس من المشرق عابدة المدنية أم ولد حبيب بن الوليد المرواني المعروف بدحون
وكانت جارية سوداء من رقيق المدينة حالكة اللون غير أنها تروي عن مالك بن أنس إمام دار الهجرة
____________________
(3/139)

وغيره من علماء المدينة حتى قال بعض الحفاظ إنها تروي عشرة آلاف حديث
وقال ابن الأبار إنها تسند حديثا كثيرا وهي أم ولده بشر بن حبيب والذي وهبها لدحون في رحلته إلى الحج هو محمد بن يزيد بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان فقدم بها الأندلس وقد أعجب بعلمها وفهمها واتخذها لفراشه رحم الله تعالى الجميع 75 - ومنهن فضل المدنية وكانت حاذقة بالغناء كاملة الخصال وأصلها لإحدى بنات هارون الرشيد ونشأت وتعلمت ببغداد ودرجت من هناك إلى المدينة المشرفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام فازدادت ثم طبقتها في الغناء واشتريت هنالك للأمير عبد الرحمن صاحب الأندلس مع صاحبتها علم المدنية وصواحب غيرها إليهن تنسب دار المدنيات بالقصر وكان يؤثرهن لجودة غنائهن ونصاعة ظرفهن ورقة أدبهن وتضاف إليهن جارية يقال لها قلم وهي ثالثة فضل وعلم في الحظوة عند الأمير المذكور وكانت أندلسية الأصل رومية من سبي البشكنس وحملت صبية إلى المشرق فوقعت بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم وتعلمت هنالك الغناء فحذقته وكانت أديبة ذاكرة حسنة الخط راوية للشعر حافظة للأخبار عالمة بضروب الآداب
76 - ومن النساء الداخلات إلى الأندلس من المشرق قمر جارية إبراهيم بن حجاج اللخمي صاحب إشبيلية وكانت من أهل الفصاحة والبيان والمعرفة بصوغ الألحان وجلبت إليه من بغداد وجمعت أدبا وظرفا ورواية وحفظا مع فهم بارع وجمال رائع وكانت تقول الشعر بفضل
____________________
(3/140)

أدبها ولها في مولاها تمدحه
( ما في المغارب من كريم يرتجى ** إلا حليف الجود إبراهيم )
( إني حللت لديه منزل نعمة ** كل المنازل ما عداه ذميم ) وأنشد لها السالمي لما ذكرها عدة أشعار منها قولها تتشوق إلى بغداد
( آها على بغدادها وعراقها ** وظبائها والسحر في أحداقها )
( ومجالها عند الفرات بأوجه ** تبدو أهلتها على أطواقها )
( متبخترات في النعيم كأنما ** خلق الهوى العذري من أخلاقها )
( نفسي الفداء لها فأي محاسن ** في الدهر تشرق من سنا إشراقها ) 77 - ومنهن الجارية العجفاء قال الأرقمي قال لي أبو السائب وكان من أهل الفضل والنسك هل لك في أحسن الناس غناء فجئنا إلى دار مسلم بن يحيى مولى بني زهرة فأذن لنا فدخلنا بيتا عرضه اثنا عشر ذراعا في مثلها وطوله في السماء ستة عشر ذراعا وفي البيت نمرقتان قد ذهب عنهما اللحمة وبقي السدى وقد حشيتا بالليف وكرسيان قد تفككا من قدمهما ثم اطلعت علينا عجفاء كلفاء عليها قرقل هروي أصفر غسيل وكأن وركيها في خيط من رسخها فقلت لأبي السائب بأبي أنت ما هذه فقال اسكت فتناولت عودا فغنت
( بيد الذي شغف الفؤاد بكم ** تفريج ما ألقى من الهم )
( فاستيقني أن قد كلفت بكم ** ثم افعلي ما شئت عن علم )
( قد كان صرم في الممات لنا ** فعجلت قبل الموت بالصرم )
____________________
(3/141)

قال فتحسنت في عيني وبدا ما أذهب الكلف عنها وزحف أبو السائب وزحفت معه ثم تغنت
( برح الخفاء فأيما بك تكتم ** ولسوف يظهر ما تسر فيعلم )
( مما تضمن من عزيرة قلبه ** يا قلب إنك بالحسان لمغرم )
( يا ليت أنك يا حسام بأرضنا ** تلقي المراسي طائعا وتخيم )
( فتذوق لذة عيشنا ونعيمه ** ونكون إخوانا فماذا تنقم )
فقال أبو السائب إن نقم هذا فأعضه الله تعالى بكذا وكذا من أبيه ولا يكنى فزحفت مع أبي السائب حتى فارقنا النمرقتين وربت العجفاء في عيني كما يربو السويق بماء مزنة ثم غنت
( يا طول ليلي أعالج السقما ** إذ حل كل الأحبة الحرما )
( ما كنت أخشى فراقكم أبدا ** فاليوم أمسى فراقكم عزما ) فألقيت طيلساني وأخذت شاذكونة فوضعتها على رأسي وصحت كما يصاح على اللوبيا بالمدينة وقام أبو السائب فتناول ربعة في البيت فيها قوارير ودهن فوضعها على رأسه وصاح صاحب الجارية وكان ألثغ قوانيني يعني قواريري فاصطكت القوارير وتكسرت وسال الدهن على رأس أبي السائب وصدره وقال للعجفاء لقد هجت لي داء قديما ثم وضع الربعة
وكنا نختلف إليها حتى بعث عبد الرحمن بن معاوية صاحب الأندلس فابتيعت له العجفاء وحملت إليه
____________________
(3/142)

78 - ومن القادمين على الأندلس من المشرق الشيخ عبد القاهر بن محمد بن عبد الرحمن الموصلي
قال أبو حيان قدم علينا رسولا من ملك مصر إلى ملك الأندلس فسمعت منه بالمرية انتهى
79 - ومنهم أحمد بن الحسن بن الحارث بن عمرو بن جرير بن إبراهيم بن مالك المعروف بالأشتر بن الحارث النخعي يكنى أبا جعفر دخل الأندلس في أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن وأصله من الكوفة وكان يروي أحاديث عظيمة العدد ذكر ذلك الرازي وحكى أن الأمير محمدا روى عنه منها وأنزله
80 - ومنهم أحمد بن أبي عبد الرحمن واسمه يزيد بن أحمد بن أبي عبد الرحمن القرشي الزهري من ولد عبد الرحمن بن عوف من أهل مصر وفد على الناصر بقرطبة وكان دخوله إليها في محرم سنة 343 فأكرم الناصر مثواه وكان فقيه أهل مصر ذكره ابن حيان
81 - ومنهم أبو الطاهر إسماعيل بن الإسكندراني لقي ببلده أبا طاهر السلفي وسمع منه ودرس عليه كتاب الاصطلاح للسمعاني وقدم الأندلس ودخل مرسية تاجرا وكان فقيها على مذهب الشافعي وأنشد على السلفي قوله
( أنا من أهل الحديث ** وهم خير فئه )
( عشت تسعين وأر جو ** أن أعيش لمائه ) فعاش كما تمنى رحمه الله تعالى
____________________
(3/143)


82 - ومنهم أبو الحسن علي بن محمد بن إسماعيل بن بشر الأنطاكي الإمام أبو الحسن التميمي نزيل الأندلس ومقرئها ومسندها أخذ القراءة عرضا وسماعا عن إبراهيم بن عبد الرزاق ومحمد بن الأخرم وأحمد بن يعقوب التائب وأحمد بن محمد بن خشيش ومحمد بن جعفر بن بيان وصنف قراءة ورش قرأ عليه جماعة منهم أبو الفرج الهيثم الصباغ وإبراهيم بن مبشر المقرئ وطائفة آخرون من قراء الأندلس وسمع منه عبد الله بن أحمد بن معاذ الداراني
قال أبو الوليد بن الفرضي أدخل الأنطاكي الأندلس علما جما وكان بصيرا بالعربية والحساب وله حظ من الفقه قرأ الناس عليه وسمعت أنا منه وكان رأسا في القراءات لا يتقدمه أحد في معرفتها في وقته وكان مولده بأنطاكية سنة 299 ومات بقرطبة في ربيع الأول سنة 377 رحمه الله تعالى
83 - ومنهم عمر بن مودود بن عمر الفارسي البخاري يكنى أبا البركات ولد بسلماس ونشأ بها كتب الحديث هنالك وتعلم العربية والفقه وهو من أبناء الملوك وانتقل إلى المغرب فدخل الأندلس ونزل مالقة في حدود ثلاثين وستمائة ودخل إشبيلية وكانت له رواية بالمشرق
قال ابن الأبار أجاز لي ما رواه ولم يسم أحدا من شيوخه وبلغني أنه سمع صحيح البخاري بالدامغان على أبي عبد الله محمد بن محمود وكانت إجازته لي سنة 631 وعاش بعد ذلك وتوفي بمراكش بعد الأربعين وستمائة وحدث بالأندلس وأخذ عنه الناس وكان من أهل التصوف والتحقق بعلم
____________________
(3/144)

الكلام رحمه الله تعالى 84 - ومنهم الشريف الأجل الرحالة الشيخ نجم الدين بن مهذب الدين وكنت لا أتحقق من أي البلاد هو من المشرق ثم إني علمت أنه من بغداد إذ وقفت على كتابين كتبهما في شأن العناية به الأديب العلامة أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن عميرة المخزومي أحدهما لأبي العلاء حسان والثاني للكاتب أبي الحسن العنسي وهو الذي يفهم منه أنه من بغداد
ونص الأول
( يا ابن الوصي إذا حملت وصيتي ** أوجبت حقا للحقوق يضاف )
( وتحيتي كل التحايا دونها ** وكذاك دون رسولها الأشراف )
( أحسن بأن تلقى ابن حسان بها ** مهتزة لورودها الأعطاف )
( كالروض باكره الندى فلعرفها ** يا ابن النبي على الندي مطاف )
( وعلاك إن أبا العلا ومكانه ** يلفى به الإسعاد والإسعاف )
( وأحق من عرف الكرام بوصفهم ** من جمعت منهم له أوصاف ) هذه يا سيدي تحية تجب لها إجابة وحية وتصلح بها هشاشة وأريحية أودعتها بطن هذه العجالة وبعثتها مع صدر من أبناء الرسالة ولله دره من راضع در النبوة متواضع مع شرف الأبوة نازعته طرق الأشعار وأطراف الأخبار فوجدت بحرا حصاه الدر النفيس وروضا يجني منه أطايب السمر الجليس وينعت بنجم الدين وهو كنعته نجم يضيء سناه ويحل بيتا من الشرف ربه بناه وقد جاب الفضاء العريض ورأى القصور الحمر والبيض وورد الحجون بعد ما شرب من ماء جيحون وزار مشاهد الحرمين ثم سار في أرض الهرمين وفارق إفريقية لهذا الأفق مختارا وعبر إلى الأندلس فأطال بها اعتبارا وتشوق إلى حضرة الأنوار المفاضة والنعم السابغة الفضفاضة وجعل قصدها بحجة سفره طواف الإفاضة وهمه أن
____________________
(3/145)

يشاهد سناها العلوي ويبصر ما يحقر عنده المرئي والمروي وهي غاية يقول للأمل عليها أطلت حومي وجنة يتلو الداخل لها { يا ليت قومي } وسيدي هو منها باب على الفتح بني وجناب عنان الأمل إليه ثني وقصده من هذا الشريف أجل قاصد وأظلته سماء المجد بجمال المشتري وظرف عطارد ومتى نعتناه فالخبر ليس كالعيان ومتى شبهناه فالتمويه بالشبه عقوق العقيان ومن يفضح قريحته بأن يقول لها صفيه لكن يعرف عن نفسه بما ليس في وسع واصفيه ويقتضي من عزيمة بره ما لا سعة للمترخص فيه إن شاء الله تعالى وهو يديم علاكم ويحرس مجدكم وسناكم بمنه والسلام الكريم الطيب العميم يخصكم به معظم مجدكم المعتد بذخيرة ودكم المحافظ على كريم عهدكم ابن عميرة ورحمة الله تعالى وبركاته في الرابع والعشرين لربيع الآخر من سنة 639
انتهى ونص الثاني
( هل لك يا سيدي أبا الحسن ** فيمن له كل شاهد حسن )
( في الشرف المنتقى له قدم ** أثبتها بالوصي والحسن )
أيها الأخ الذي ملكته قيادي وأسكنته فؤادي عهدي بك تعتام الآداب النقية وتشتاق اللطائف المشرقية وتنصف فترى أن في سيلنا جفاء وفي مغربنا جفاء وأن المحاسن نبت أرض ما بها ولدنا وزرع واد ليس مما عهدنا وأنا في هذا أشايعك وأتابعك وأناضل من ينازلك وينازعك وقد أتانا الله تعالى بحجة تقطع الحجج وتسكت المهج وهو الشريف الأجل السيد المبارك نجم الدين بن مهذب الدين نجل الذرية المختارة ونجم الدرية السيارة جرى مع زعزع ونسيم ورتع في جميم وهشيم وشاهد عجائب كل إقليم وشرق إلى مطلع ابن جلا وغرب حتى نزل شاطئ سلا وقد توجه الآن إلى حضرة الإمامة الرشيدية أيدها الله تعالى لينتهي من أصابع العد
____________________
(3/146)

إلى العقدة ويحصل من مخض الحقيقة على الزبدة وقد علم أنه ما كل الخطب كخطبة المنبر ولا جميع الأيام مثل يوم الحج الأكبر وأدبه يا سيدي من نسبه أفقه بل على شكل حسبه وخلقه فإذا رأيته شهدت بأن الشرق قد أتحف إفريقية ببغداده بل رمانا بجملة أفلاذه والحظ فيما يجب من بره وتأنيسه إنما هو في الحقيقة لجليسه فيا غبطة من يسبق لجواره ويقبس من أنواره وأنت لا محالة تفهمه فهمي وتشيم من شيمه عارضا بري القلوب الهيم يهمي وتضرب في الأخذ من فوائده وقلائده بسهم وددت أنه سهمي والسلام انتهى
85 - ومنهم تقي الدين محمد ابن الشيخ شهاب الدين أبي العباس أحمد بن الغرس الحنفي المصري
قال الوادي آشي فيه إنه من أعيان مصر قال وسألته هل يقع بين أهل مصر تنازع في تفضيل بعض المذاهب على بعض فأجابني بأن هذا لا يقع عندهم بين أهل الرسوخ في العلم وذوي المعرفة والفهم وإنما يصدر هذا بين الناشئين قال وللحنفية الظهور عليهم حين يقولون لهم لنا عليكم اليد الطولى في الخبز لكونه بمصر يطبخ في الفرن بأرواث الدواب وكذلك تسخين الحمام فإن المالكية وغيرهم بمصر يقلدون الحنفية في ذلك قال وسألته حفظه الله تعالى هل للوباء بمصر وقت معلوم فقال لي جرت العادة عندهم بقدر الله تعالى وسره في خليقته أن كل سنة أولها ثاء مثلثة يكون فيها الوباء والله تعالى أعلم وأن هذا متعارف عندهم هكذا قال لي
وعيب ما يقع من بعض النقاد بتونس وما يصدر عنهم بكثرة من إلقائهم الأسئلة العويصة في أصول الدين وغيرها على من يرد عليهم قصدا في تعجيزه وتعنيته ثم قال إن من المنقول عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن من حفظت عنه تسعة وتسعون خصلة تقتضي الكفر وواحدة تقتضي الإيمان
____________________
(3/147)

أن الواحدة المقتضية للإيمان تغلب وتبقى حرمتها عليه انتهى
وقد ذكرنا في الباب الأول من هذا القسم حكاية البصري المغني القادم من المشرق من البصرة على عبد الوهاب الحاجب بإفريقية في دولة بني المعز بن باديس وسردنا دخوله عليه في مجلس أنسه وما اتفق في ذلك له معه وأنه وصف له بلاد الأندلس وحسنها وطيبها فارتحل المغني إليها ومات بها حسبما لخصناه من كلام الكاتب ابن الرقيق الأديب المؤرخ في كتابه قطب السرور ولولا أنه لم يسم المغني المذكور لجعلنا له ترجمة في هذا الباب إذ هو به أليق والأمر في ذلك سهل والله تعالى الموفق
86 - ومنهم الولي الصالح العارف بالله سيدي يوسف الدمشقي رضي الله تعالى عنه وهو كما قال ابن داود من كبار الأولياء شاذلي الطريقة قدم من المشرق إلى الأندلس وكان يأتي مدينة وادي آش الكرة بعد الكرة لزيارة معارف له بها وكان من الذين أخفاهم الله لا يعرف به إلا من تعرف له أعاد الله تعالى علينا من بركاته
قال العلامة ابن داود وحدثني مولاي والدي رضي الله تعالى عنه من لفظه بتلمسان أمنها الله تعالى يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة 895 قال دخل علي سنة شهر رمضان المعظم في زمان ولايتي الخطابة والإمامة بالعراص من خارج وادي آش أعادها الله تعالى فقعدت أول ليلة منه منفردا بالمسجد الأعظم من الرباط المذكور بين العشاءين وفكرت في ذكر أتخذه في هذا الشهر المبارك يكون جامعا بين الدنيا والآخرة فأجمعت على مطالعة حلية النواوي لعلي أقف على ما أختاره لذلك فلما أصبحت دخلت إلى المدينة ولم أكن أطلعت على فكرتي أحدا فلقيني الحاج الأستاذ أبو عبد الله ابن خلف رحمه الله تعالى في الطريق فقال لي سيدي يوسف الدمشقي يسلم عليك ويقول لك الذكر الذي تعمر به هذا الشهر الفاضل
____________________
(3/148)

اللهم ارزقني الزهد في الدنيا ونور قلبي بنور معرفتك قال لي والدي رضي الله تعالى عنه وكان هذا سبب تعرفي له ولقائي إياه وكنت قبل ذلك منكرا عليه لكثرة الدعاوى في هذا الطريق نفع الله تعالى به
انتهى ولنجعل هذه الترجمة آخر هذا الباب تبركا بهذا الولي الصالح نفعنا الله تعالى ببركاته مع علمي بأن الوافدين من المشرق على الأندلس كثيرون جدا إلا أن عدم المادة التي أستعين بها في هذه البلاد تبين عذري ولو اجتمعت على كتبي المخلفة بالمغرب لأتيت في ذلك وغيره بما يشفي ويكفي
( وفي الإشارة ما يغني عن الكلم ** )
____________________
(3/149)

& الباب السابع &
في نبذة مما من الله تعالى به على أهل الأندلس من توقد الأذهان وبذلهم في اكتساب المعارف والمعالي ما عز أو هان وحوزهم في ميدان البراعة من قصب اليراعة خصل الرهان وجملة من أجوبتهم الدالة على لوذعيتهم وأوصافهم المؤذنة بألمعيتهم وغير ذلك من أحوالهم التي لها على فضلهم أوضح برهان نقول في فضائل الأندلس
1 عن فرحة الأنفس اعلم أن فضل أهل الأندلس ظاهر كما أن حسن بلادهم باهر ولذلك ذكر ابن غالب في فرحة الأنفس لما أثنى على الأندلس وأهلها أن بطليموس جعل لهم - من أجل ولاية الزهرة لبلادهم - حسن الهمة في الملبس والمطعم والنظافة والطهارة والحب للهو والغناء وتوليد اللحون ومن أجل ولاية عطارد حسن التدبير والحرص على طلب العلم وحب الحكمة والفلسفة والعدل والإنصاف
وذكر ابن غالب أيضا ما خصوا به من تدبير المشتري والمريخ
وانتقد عليه بعضهم بأن أقاليم الأندلس الرابع والخامس والسادس في ساحلها الشمالي والسابع في جزائر المجوس وللإقليم الرابع الشمس وللخامس الزهرة وللسادس عطارد وللسابع القمر والمشتري للإقليم الثاني والمريخ للثالث ولا مدخل لهما في الأندلس انتهى
ثم قال صاحب الفرحة وأهل الأندلس عرب في الأنساب والعزة
____________________
(3/150)

والأنفة وعلو الهمم وفصاحة الألسن وطيب النفوس وإباء الضيم وقلة احتمال الذل والسماحة بما في أيديهم والنزاهة عن الخضوع وإتيان الدنية هنديون في إفراط عنايتهم بالعلوم وحبهم فيها وضبطهم لها وروايتهم بغداديون في ظرفهم ونظافتهم ورقة أخلاقهم ونباهتهم وذكائهم وحسن نظرهم وجودة قرائحهم ولطافة أذهانهم وحدة أفكارهم ونفوذ خواطرهم يونانيون في استنباطهم للمياه ومعاناتهم لضروب الغراسات واختيارهم لأجناس الفواكه وتدبيرهم لتركيب الشجر وتحسينهم للبساتين بأنواع الخضر وصنوف الزهر فهم أحكم الناس لأسباب الفلاحة ومنهم ابن بصال صاحب كتاب الفلاحة الذي شهدت له التجربة بفضله وهم أصبر الناس على مطاولة التعب في تجويد الأعمال ومقاساة النصب في تحسين الصنائع أحذق الناس بالفروسية وأبصرهم بالطعن والضرب
وعد رحمه الله تعالى من فضائلهم اختراعهم للخطوط المخصوصة بهم قال وكان خطهم أولا مشرقيا
قال ابن سعيد أما أصول الخط المشرقي وما تجد له في القلب واللحظ من القبول فمسلم له لكن خط الأندلس الذي رأيته في مصاحف ابن غطوس الذي كان بشرق الأندلس وغيره من الخطوط المنسوبة عندهم له حسن فائق ورونق آخذ بالعقل وترتيب يشهد لصاحبه بكثرة الصبر والتجويد انتهى
ونحو صدر كلام ابن غالب السابق مذكور في رسالة لابن حزم وقال فيها إن أهل الأندلس صينيون في إتقان الصنائع العملية وإحكام المهن الصورية تركيون في معاناة الحروب ومعالجات آلاتها والنظر في مهماتها انتهى
4 ابن غالب يذكر فضائل الأندلس والأندلسيين في كتابه فرحة الأنفس وعد ابن غالب من فضائلهم اختراعهم للموشحات التي قد استحسنها
____________________
(3/151)

أهل المشرق وصاروا ينزعون منزعها وأما نظمهم ونثرهم فلا يخفى على من وقف عليهما علو طبقاتهم
ثم قال ابن غالب ولما نفذ قضاء الله تعالى على أهل الأندلس بخروج أكثرهم عنها في هذه الفتنة الأخيرة المبيرة تفرقوا ببلاد المغرب الأقصى من بر العدوة مع بلاد إفريقية فأما أهل البادية فمالوا في البوادي إلى ما اعتادوه وداخلوا أهلها وشاركوهم فيها فاستنبطوا المياه وغرسوا الأشجار وأحدثوا الأرحي الطاحنة بالماء وغير ذلك وعلموهم أشياء لم يكونوا يعلمونها ولا رأوها فشرفت بلادهم وصلحت أمورهم وكثرت مستغلاتهم وعمتهم الخيرات فهم أشبه الناس باليونانيين فيما ذكرت ولأن اليونانيين سكنوا الأندلس فورثوا عنهم ذلك وأما أهل الحواضر فمالوا إلى الحواضر واستوطنوها فأما أهل الأدب فكان منهم الوزراء والكتاب والعمال وجباة الأموال والمستعملون في أمور المملكة ولا يستعمل بلدي ما وجد أندلسي وأما أهل الصنائع فإنهم فاقوا أهل البلاد وقطعوا معاشهم وأخملوا أعمالهم وصيروهم أتباعا لهم ومتصرفين بين أيديهم ومتى دخلوا في شغل عملوه في أقرب مدة وأفرغوا فيه من أنواع الحذق والتجويد ما يميلون به النفوس إليهم ويصير الذكر لهم قال ولا يدفع هذا عنهم إلا جاهل أو مبطل انتهى
2 عن بن سعيد
وقال ابن سعيد لما ذكر جملة من محاسن الأندلسيين يعلم الله تعالى أني ما أقصد إلا إنصاف المنصفين الذين لا يميل بهم التعصب ولا يجمع بهم الهوى ولكن الحق أحق أن يتبع فلعل مطلعا يقف على ما ذكره ابن غالب فيقول تعصب هذا الرجل لأهل بلده ثم يغمس التابع له والراضي بنقل قوله في هذه الصبغة ويحمله على ذلك بعده عن الأرضين
____________________
(3/152)


( ولو أبصروا ليلى أقروا بحسنها ** وقالوا بأني في الثناء مقصر )
ويكفي في الإنصاف أن أقول إن حضرة مراكش هي بغداد المغرب وهي أعظم ما في بر العدوة وأكثر مصانعها ومبانيها الجليلة وبساتينها إنما ظهرت في مدة بني عبد المؤمن وكانوا يجلبون لها صناع الأندلس من جزيرتهم وذلك مشهور معلوم إلى الآن
ومدينة تونس بإفريقية قد انتقلت إليها السعادة التي كانت في مراكش بسلطان إفريقية الآن أبي زكريا يحيى بن أبي محمد بن أبي حفص فصار فيها من المباني والبساتين والكروم ما شابهت به بلاد الأندلس وعرفاء صناعه من الأندلس وتماثيله التي يبنى عليها وإن كان أعرف خلق الله باختراع محاسن هذا الشأن فإنما أكثرها من أوضاع الأندلسيين وله من خاطره تنبيهات وزيادة ظهر حسن موقعها ووجوه صنائع دولته لا تكاد تجدهم إلا من الأندلس فصح قول ابن غالب انتهى قال الحميدي أنشد بحضرة بعض ملوك الأندلس قطعة لبعض أهل المشرق وهي
( وماذا عليهم لو أجابوا فسلموا ** وقد علموا أني المشوق المتيم )
( سروا ونجوم الليل زهر طوالع ** على أنهم بالليل للناس أنجم )
( وأخفوا على تلك المطايا مسيرهم ** فنم عليها في الظلام التبسم )
فأفرط بعض الحاضرين في استحسانها وقال هذا ما لا يقدر أندلسي
____________________
(3/153)

على مثله وبالحضرة أبو بكر يحيى بن هذيل فقال بديها
( عرفت بعرف الريح أين تيمموا ** وأين استقل الظاعنون وخيموا )
( خليلي رداني إلى جانب الحمى ** فلست إلى غير الحمى أتيمم )
( أبيت سمير الفرقدين كأنما ** وسادي قتاد أو ضجيعي أرقم )
( وأحور وسنان الجفون كأنه ** قضيب من الريحان لدن منعم )
( نظرت إلى أجفانه وإلى الهوى ** فأيقنت أني لست منهن أسلم )
( كما أن إبراهيم أول نظرة ** رأى في الدراري أنه سوف يسقم ابن انتهى
4 عن ابن بسام
ومن كلام ابن بسام صاحب الذخيرة في جزيرة الأندلس أشراف عرب المشرق افتتحوها وسادات أجناد الشام والعراق نزلوها فبقي النسل فيها بكل إقليم على عرق كريم فلا يكاد بلد منها يخلو من كاتب ماهر وشاعر قاهر
وذكر أن أبا علي البغدادي صاحب الأمالي الوافد على الأندلس في زمان بني مروان قال لما وصلت القيروان وأنا أعتبر من أمر به من أهل الأمصار فأجدهم درجات في العبارات وقلة الفهم بحسب تفاوتهم في مواضعهم منها بالقرب والبعد كأن منازلهم من الطريق هي منازلهم من العلم محاصة ومقايسة
قال أبو علي فقلت إن نقص أهل الأندلس عن مقادير من رأيت في أفهامهم بقدر نقصان هؤلاء عمن قبلهم فسأحتاج إلى ترجمان في هذه الأوطان قال ابن بسام فبلغني أنه كان يصل كلامه هذا بالتعجب
____________________
(3/154)

من أهل هذا الأفق الأندلسي في ذكائهم ويتغطى عنهم عند المباحثة والمفاتشة ويقول لهم إن علمي بعلم رواية وليس علم دراية فخذوا عني ما نقلت فلم آل لكم أن صححت هذا مع إقرار الجميع له يومئذ بسعة العلم وكثرة الروايات والأخذ عن الثقات انتهى ومن كلام الحجاري في المسهب د الأندلس عراق المغرب عزة أنساب ورقة آداب واشتغالا بفنون العلوم وافتنانا في المنثور والمنظوم لم تضق لهم في ذلك ساحة ولا قصرت عنه راحة فما مر فيها بمصر إلا وفيه نجوم وبدور وشموس وهم أشعر الناس فيما كثره الله تعالى في بلادهم وجعله نصب أعينهم من الأشجار والأنهار والطيار والكؤوس لا ينازعهم أحد في هذا الشان و ابن خفاجة سابقهم في هذا المضمار الحائز فيه قصب الرهان
وأما إذا هب نسيم ودار كأس في كف ظبي رخيم ورجع بم وزير وصفق للماء خرير أو رقت العشية وخلعت السحب أبرادها الفضية والذهيبه أو تبسم عن شعاع ثغر نهر أو ترقرق بطل جفن زهر أو خفق بارق أو وصل طيف طارق أو وعد حبيب فزار من الظلماء تحت جناح وبات مع من يهواه كالماء والراح إلى أن ودع حين أقبل رائد الصباح أو أزهرت دوحة السماء بزهر كواكبها أو قوضت عند فيض نهر الصباح بيض مضاربها فأولئك هم السابقون السابقون الذين لا يجارون ولا يلحقون وليسوا بالمقصرين في الوصف إذا تقعقعت السلاح وسالت خلجان الصوارم بين قضبان الرماح وبنت الحرب من العجاج سماء وأطلعت شبه النجوم أسنة وأجرت شبه الشفق دماء وبالجملة فإنهم في جميع الأوصاف والتخيلات أئمة ومن وقف على أشعارهم في هذا الشأن فضلهم فيه على أصناف الأمة
____________________
(3/155)

وقد أعانتهم على الشعر أنسابهم العربية وبقاعهم النضرة وهممهم الأبية
ولشطار الأندلس من النوادر والتنكيتات والتركيبات وأنواع المضحكات ما تملأ الدواوين كثرته وتضحك الثكلى وتسلي المسلوب قصته مما لو سمعه الجاحظ لم يعظم عنده ما حكى وما ركب ولا استغرب أحد ما أورده ولا تعجب إلا أن مؤلفي هذا الأفق طمحت هممهم عن التصنيف في هذا الشأن فكاد يمر ضياعا فقمت محتسبا للظرف فتداركته جامعا فيه ما أمسى شعاعا انتهى
6 رسالة ابن حزم في فضائل الأندلسي قلت وقد رأيت أن أذكر رسالة أبي محمد بن حزم الحافظ التي ذكر فيها بعض فضائل علماء الأندلس لاشتمالها على ما نحن بصدده
وذلك أنه كتب أبو علي الحسن بن محمد بن أحمد بن الربيب التميمي القيرواني إلى أبي المغيرة عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الرحمن بن حزم يذكر تقصير أهل الأندلس في تخليد أخبار علمائهم ومآثر فضائلهم وسير ملوكهم ما صورته كتبت يا سيدي وأجل عددي كتب الله تعالى لك السعادة وأدام لك العز والسيادة سائلا مسترشدا وباحثا مستخبرا وذلك أني فكرت في بلادكم إذ كانت قرارة كل فضل ومنهل كل خير ومقصد كل طرفة ومورد كل تحفة وغاية آمال الراغبين ونهاية أماني الطالبين إن بارت تجارة فإليها
____________________
(3/156)

تجلب وإن كسدت بضاعة ففيها تنفق مع كثرة علمائها ووفور أدبائها وجلالة ملوكها ومحبتهم في العلم وأهله يعظمون من عظمه علمه ويرفعون من رفعه أدبه وكذلك سيرتهم في رجال الحرب يقدمون من قدمته شجاعته وعظمت في الحروب نكايته فشجع الجبان وأقدم الهيبان ونبه الخامل وعلم الجاهل ونطق العيي وشعر البكي واستنسر البغاث وتثعبن الحفاث فتنافس الناس في العلوم وكثر الحذاق في جميع الفنون ثم هم مع ذلك على غاية التقصير ونهاية التفريط من أجل أن علماء الأمصار دونوا فضائل أمصارهم وخلدوا في الكتب مآثر بلدانهم وأخبار الملوك والأمراء والكتاب والوزراء والقضاة والعلماء فأبقوا لهم ذكرا في الغابرين يتجدد على مر الليالي والأيام ولسان صدق في الآخرين يتأكد مع تصرف الأعوام وعلماؤكم مع استظهارهم على العلوم كل امرىء منهم قائم في ظله لا يبرح وراتب على كعبه لا يتزحزح يخاف إن صنف أن يعنف وإن ألف أن يخالف ولا يؤالف أو تخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق لم يتعب أحد منهم نفسا في جمع فضائل أهل بلده ولم يستعمل خاطره في مفاخر ملوكه ولا بل قلما بمناقب كتابه ووزرائه ولا سود قرطاسا بمحاسن قضاته وعلمائه على أنه لو أطلق ما عقل الإغفال من لسانه وبسط ما قبض الإهمال من بيانه لوجد للقول مساغا ولم تضق عليه المسالك ولم تخرج به المذاهب ولا اشتبهت عليه المصادر والموارد ولكن هم أحدهم أن يطلب شأو من تقدمه من العلماء ليحوز قصبات السبق ويفوز بقدح ابن مقبل ويأخذ بكظم دغفل ويصير شجا في حلق أبي
____________________
(3/157)

العميثل فإذا أدرك بغيته واخترمته منيته دفن معه أدبه وعلمه فمات ذكره وانقطع خبره ومن قدمنا ذكره من علماء الأمصار احتالوا لبقاء ذكرهم احتيال الأكياس فألفوا دواوين بقي لهم بها ذكر مجدد طول الأبد فإن قلت إنه كان مثل ذلك من علمائنا وألفوا كتبا لكنها لم تصل إلينا فهذه دعوى لم يصحبها تحقيق لأنه ليس بيننا وبينكم غير روحة راكب أو رحلة قارب لو نفث من بلدكم مصدور لأسمع من ببلدنا في القبور فضلا عمن في الدور والقصور وتلقوا قوله بالقبول كما تلقوا ديوان أحمد بن عبد ربه الذي سماه بالعقد على أنه يلحقه فيه بعض اللوم لا سيما إذ لم يجعل فضائل بلده واسطة عقده ومناقب ملوكه يتيمة سلكه أكثر الحز وأخطأ المفصل وأطال الهز لسيف غير مقصل وقعد به ما قعد بأصحابه من ترك ما يعنيهم وإغفال ما يهمهم
فأرشد أخاك أرشدك الله واهده هداك الله إن كانت عندك في ذلك الجلية وبيدك فصل القضية والسلام عليك ورحمة الله وبركاته
فكتب الوزير الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم عند وقوفه على هذه الرسالة ما نصه الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله وعلى أصحابه الأكرمين وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته الفاضلين الطيبين
أما بعد يا أخي يا أبا بكر سلام عليك سلام أخ مشوق طالت بينه وبينك الأميال والفراسخ وكثرت الأيام والليالي ثم لقيك في حال سفر ونقلة ووادك في خلال جولة ورحلة فلم يقض من مجاورتك أربا ولا بلغ في
____________________
(3/158)

محاورتك مطلبا وإني لما احتللت بك وجالت يدي في مكنون كتبك ومضمون دواوينك لمحت عيني في تضاعيفها درجا فتأملته فإذا فيه خطاب لبعض الكتاب من مصاقبينا في الدار أهل إفريقية ثم ممن ضمته حاضرة قيروانهم إلى رجل أندلسي لم يعينه باسمه ولا ذكره بنسبه يذكر له فيها أن علماء بلدنا بالأندلس - وإن كانوا على الذروة العليا من التمكن بأفانين العلوم وفي الغاية القصوى من التحكم على وجوه المعارف - فإن هممهم قد قصرت عن تخليد مآثر بلدهم ومكارم ملوكهم ومحاسن فقهائهم ومناقب قضاتهم ومفاخر كتابهم وفضائل علمائهم ثم تعدى ذلك إلى أن أخلى أرباب العلوم منا من أن يكون لهم تأليف يحيي ذكرهم ويبقي علمهم بل قطع على أن كل واحد منهم قد مات فدفن علمه معه وحقق ظنه في ذلك واستدل على صحته عند نفسه بأن شيئا من هذه التآليف لو كان منا موجودا لكان إليهم منقولا وعندهم ظاهرا لقرب المزار وكثرة السفار وترددهم إليهم وتكررهم علينا
ثم لما ضمنا المجلس الحافل بأصناف الآداب والمشهد الآهل بأنواع العلوم والقصر المعمور بأنواع الفضائل والمنزل المحفوف بكل لطيفة وسيعة من دقيق المعاني وجليل المعالي قرارة المجد ومحل السؤدد ومحط رحال الخائفين وملقى عصا التسيار عند الرئيس الأجل الشريف قديمه وحسبه الرفيع حديثه ومكتسبه الذي أجله عن كل خطة يشركه فيها من لا توازي قومته نومته ولا ينال حضره هويناه وأربأ به عن كل مرتبة يلحقه فيها من لا يسمو إلى المكارم سموه ولا يدنو من المعالي دنوه ولا يعلو في حميد
____________________
(3/159)

الخلال علوه بل أكتفي من مدحه باسمه المشهور وأجتزي من الإطالة في تقريظه بمنتماه المذكور فحسبي بذينك العلمين دليلا على سعيه المشكور وفضله المشهور أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن قاسم صاحب البونت أطال الله بقاءه وأدام اعتلاءه ولا عطل الحامدين من تحليهم بحلاه ولا أخلى الأيام من تزينها بعلاه فرأيته أعزه الله تعالى حريصا على أن يجاوب هذا المخاطب وراغبا في أن يبين له ما لعله قد رآه فنسي أو بعد عنه فخفي فتناولت الجواب المذكور بعد أن بلغني أن ذلك المخاطب قد مات رحمنا الله تعالى وإياه فلم يكن لقصده بالجواب معنى وقد صارت المقابر له مغنى فلسنا بمسمعين من في القبور فصرفت عنان الخطاب إليك إذ من قبلك صرت إلى الكتاب المجاوب عنه ومن لدنك وصلت إلى الرسالة المعارضة وفي وصول كتابي على هذه الهيئة حيثما وصل كفاية لمن غاب عنه من أخبار تآليف أهل بلدنا مثل ما غاب عن هذا الباحث الأول ولله الأمر من قبل ومن بعد وإن كنت في إخباري إياك بما ارسمه في كتابي هذا كمهد إلى البركان نار الحباحب وباني صوى في مهيع القصد اللاحب فإنك وإن كنت المقصود والمواجه فإنما المراد من أهل تلك الناحية من نأى عنه علم ما استجلبه السائل الماضي وما توفيقي إلا بالله سبحانه
فأما مآثر بلدنا فقد الف في ذلك أحمد بن محمد الرازي التاريخي كتبا جمة منها كتاب ضخم ذكر فيه مسالك الأندلس ومراسيها وأمهات مدنها وأجنادها الستة وخواص كل بلد منها وما فيه مما ليس في غيره وهو
____________________
(3/160)

كتاب مريح مليح وأنا اقول لو لم يكن لأندلسنا إلا ما رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر به ووصف أسلافنا المجاهدين فيه بصفات الملوك على الأسرة في الحديث الذي رويناه من طريق ابي حمزة أنس بن مالك أن خالته أم حرام بنت ملحان زوج أبي الوليد عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه وعنهم أجمعين حدثته عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبرها بذلك لكفى شرفا بذلك يسر عاجله ويغبط آجله
فإن قال قائل فلعله صلوات الله تعالى عليه إنما عنى بذلك الحديث أهل صقلية وإقريطش وما الدليل على ما ادعيته من أنه صلى الله عليه وسلم عنى الأندلس حتما ومثل هذا من التأويل لا يتساهل فيه ذو ورع دون برهان واضح وبيان لائح لا يحتمل التوجيه ولا يقبل التجريح فالجواب - وبالله التوفيق - أنه صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم وفصل الخطاب وأمر بالبيان لما أوحي إليه وقد أخبر في ذلك الحديث المتصل سنده بالعدول عن العدول بطائفتين من أمته يركبون ثبج هذا البحر غزاة واحدة بعد واحدة فسألته أم حرام أن يدعو ربه تعالى أن يجعلها منهم فأخبرها صلى الله عليه وسلم وخبره الحق بأنها من الأولين وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم وهو إخباره بالشيء قبل كونه وصح البرهان على رسالته بذلك وكانت من الغزاة إلى قبرس وخرت عن بغلتها هناك فتوفيت رحمها الله تعالى وهي أول غزاة ركب فيها المسلمون البحر فثبت يقينا أن الغزاة إلى قبرس هم الأولون الذين بشر بهم النبي صلى الله عليه وسلم وكانت أم حرام منهم كما أخبر صلوات الله تعالى وسلامه عليه ولا سبيل أن يظن به
____________________
(3/161)

وقد أوتي ما أوتي من البلاغة والبيان أنه يذكر طائفتين قد سمى إحداهما أولى إلا والتالية لها ثانية فهذا من باب الإضافة وتركيب العدد وهذا يقتضي طبيعة صناعة المنطق إذ لا تكون الأولى أولى إلا لثانية ولا ثانية إلا لأولى فلا سبيل إلى ذكر ثالث إلا بعد ثان ضرورة وهو صلى الله عليه وسلم إنما ذكر طائفتين وبشر بفئتين وسمى إحداهما الأولين فاقتضى ذلك بالقضاء الصدق آخرين والآخر من الأول هو الثاني الذي أخبر صلى الله عليه وسلم أنه خير القرون بعد قرنه وأولى القرون بكل فضل بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه خير من كل قرن بعده ثم ركب البحر بعد ذلك أيام سليمان بن عبد الملك إلى القسطنطينية وكان الأمير بها في تلك السفن هبيرة الفزاري وأما صقلية فإنها فتحت صدر أيام الأغالبة سنة 212 أيام قاد إليها السفن غازيا أسد بن الفرات القاضي صاحب أبي يوسف رحمه الله تعالى وبها مات وأما إقريطش فإنها فتحت بعد الثلاث والمائتين افتتحها أبو حفص عمر بن شعيب المعروف بابن الغليظ من أهل قرية بطروج من عمل فحص البلوط المجاور لقرطبة من بلاد الأندلس وكان من فل الربضيين وتداولها بنوه بعده إلى أن كان آخرهم عبد العزيز بن شعيب الذي غنمها في أيامه أرمانوس بن قسطنطين ملك الروم سنة 350 وكان أكثر المفتتحين لها أهل الأندلس
____________________
(3/162)


وأما في قسم الأقاليم فإن قرطبة مسقط رؤوسنا ومعق تمائمنا مع سر من رأى في إقليم واحد فلنا من الفهم والذكاء ما اقتضاه إقليمنا وإن كانت الأنوار لا تأتينا إلا مغربة عن مطالعها على الجزء المعمور وذلك عند المحسنين للأحكام التي تدل عليها الكواكب ناقص من قوى دلائلها فلها من ذلك على كل حال حظ يفوق حظ أكثر البلاد بارتفاع أحد النيرين بها تسعين درجة وذلك من أدلة التمكن في العلوم والنفاذ فيها عند من ذكرنا وقد صدق ذلك الخبر وأبانته التجربة فكان أهلها من التمكن في علوم القراءات والروايات وحفظ كثير من الفقه والبصر بالنحو والشعر واللغة والخبر والطب والحساب والنجوم بمكان رحب الفناء واسع العطن متنائي الأقطار فسيح المجال والذي نعاه علينا الكاتب المذكور لو كان كما ذكر لكنا فيه شركاء لأكثر أمهات الحواضر وجلائل البلاد ومتسعات الأعمال فهذه القيروان بلد المخاطب لنا ما اذكر أني رأيت في أخبارها تأليفا غير المعرب عن أخبار المغرب وحاشا تواليف محمد بن يوسف الوراق فإنه ألف للمستنصر رحمه الله تعالى في مسالك إفريقية وممالكها ديوانا ضخما وفي أخبار ملوكها وحروبهم والقائمين عليهم كتبا جمة وكذلك ألف أيضا في أخبار تيهرت ووهران وتنس وسجلماسة ونكور والبصرة وغيرها تواليف حسانا ومحمد هذا اندلسي الأصل والفرع آباؤه من وادي الحجارة ومدفنه بقرطبة وهجرته إليها وإن كانت نشأته بالقيروان
ولا بد من إقامة الدليل على ما أشرت إليه ها هنا إذ مرادنا أن نأتي منه
____________________
(3/163)

بالمطلب فيما يستأنف إن شاء الله تعالى وذلك أن جميع المؤرخين من ائمتنا السالفين والباقين دون محاشاة أحد بل قد تيقنا إجماعهم على ذلك متفقون على أن ينسبوا الرجل إلى مكان هجرته التي استقر بها ولم يرحل عنها رحيل ترك لسكناها إلى أن مات فإن ذكروا الكوفيين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم صدروا بعلي وابن مسعود وحذيفة رضي الله تعالى عنهم وإنما سكن علي الكوفة خمسة أعوام وأشهرا وقد بقي 58 عاما وأشهرا بمكة والمدينة شرفهما الله تعالى
وكذلك أيضا أكثر أعمار من ذكرنا وإن ذكروا البصريين بدأوا بعمران بن حصين وأنس بن مالك وهشام بن عامر وأبي بكرة وهؤلاء مواليدهم وعامة زمن أكثرهم وأكثر مقامهم بالحجاز وتهامة والطائف وجمهرة أعمارهم خلت هنالك وإن ذكروا الشاميين نوهوا بعبادة بن الصامت وأبي الدرداء وأبي عبيدة بن الجراح ومعاذ ومعاوية والأمر في هؤلاء كالأمر فيمن قبلهم وكذلك في المصريين عمرو بن العاص وخارجة بن حذافة العدوي وفي المكيين عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير والحكم في هؤلاء كالحكم فيمن قصصنا فمن هاجر إلينا من سائر البلاد فنحن أحق به وهو منا بحكم جميع أولي الأمر منا الذين إجماعهم فرض اتباعه وخلافه محرم اقترافه ومن هاجر منا إلى غيرنا فلا حظ لنا فيه والمكان الذي اختاره أسعد به فكما لا ندع إسماعيل بن القاسم فكذلك لا ننازع في محمد بن هانئ سوانا والعدل أولى ما حرص عليه والنصف أفضل ما دعي إليه بعد التفصيل الذي ليس هذا موضعه وعلى ما ذكرنا من الأنصاف تراضى الكل
____________________
(3/164)


وهذه بغداد حاضرة الدنيا ومعدن كل فضيلة والمحلة التي سبق أهلها إلى حمل ألوية المعارف والتدقيق في تصريف العلوم ورقة الأخلاق والنباهة والذكاء وحدة الأفكار ونفاد الخواطر وهذه البصرة وهي عين المعمور في كل ما ذكرنا وما أعلم في أخبار بغداد تأليفا غير كتاب أحمد بن أبي طاهر وأما سائر التواريخ التي ألفها أهلها فلم يخصوا بلدتهم بها دون سائر البلاد ولا أعلم في أخبار البصرة غير كتاب عمر بن شبة وكتاب لرجل من ولد الربيع ابن زياد المنسوب إلى أبي سفيان في خطط البصرة وقطائعها وكتابين لرجلين من أهلها يسمى أحدهما عبد القاهر كريزي النسب في صفاتها وذكر أسواقها ومحالها وشوارعها ولا أعلم في أخبار الكوفة غير كتاب عمر بن شبة وأما الجبال وخراسان وطبرستان وجرجان وكرمان وسجستان والري والسند وأرمينية وأذربيجان وتلك الممالك الكثيرة الضخمة فلا أعلم في شيء منها تأليفا قصد به أخبار ملوك تلك النواحي وعلمائها وشعرائها وأطبائها ولقد تاقت النفوس إلى أن يتصل بها تأليف في أخبار فقهاء بغداد وما علمناه علم على أنهم العلية الرؤساء والأكابر العظماء ولو كان في شيء من ذلك تأليف لكان الحكم في الأغلب أن يبلغنا كما بلغ سائر تأليفهم وكما بلغنا كتاب حمزة بن الحسن الأصبهاني في أخبار أصبهان وكتاب
____________________
(3/165)

الموصلي وغيره في أخبار مصر وكما بلغنا سائر تواليفهم في أنحاء العلوم وقد بلغنا تأليف القاضي أبي العباس محمد بن عبدون القيرواني في الشروط واعتراضه على الشافعي رحمه الله تعالى وكذلك بلغنا رد القاضي أحمد بن طالب التميمي على أبي حنيفة وتشيعه على الشافعي وكتب ابن عبدوس ومحمد بن سحنون وغير ذلك من خوامل تآليفهم دون مشهورها
وأما جهتنا فالحكم في ذلك ما جرى به المثل السائر ( ( أزهد الناس في عالم أهله ) ) وقرأت في الإنجيل أن عيسى عليه السلام قال ( ( لا يفقد النبي حرمته إلا في بلده ) ) وقد تيقنا ذلك بما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من قريش - وهم أوفر الناس أحلاما وأصحهم عقولا وأشدهم تثبتا مع ما خصوا به من سكناهم أفضل البقاع وتغذيتهم بأكرم المياه - حتى خص الله تعالى الأوس والخزرج بالفضيلة التي أبانهم بها عن جميع الناس والله يؤتي فضله من يشاء ولا سيما أندلسنا فإنها خصت من حسد أهلها للعالم الظاهر فيهم الماهر منهم واستقلالهم
____________________
(3/166)

كثير ما يأتي به واستهجانهم حسناته وتتبعهم سقطاته وعثراته وأكثر ذلك مدة حياته بأضعاف ما في سائر البلاد إن أجاد قالوا سارق مغير ومنتحل مدع وإن توسط قالوا غث بارد وضعيف ساقط وإن باكر الحيازة لقصب السبق قالوا متى كان هذا ومتى تعلم وفي أي زمان قرأ ولأمه الهبل وبعد ذلك إن ولجت به الأقدار أحد طريقين إما شفوفا بائنا يعليه على نظرائه أو سلوكا في غير السبيل التي عهدوها فهنالك حمي الوطيس على البائس وصار غرضا للأقوال وهدفا للمطالب ونصبا للتسبب إليه ونهبا للألسنة وعرضة للتطرق إلى عرضه وربما نحل ما لم يقل وطوق ما لم يتقلد وألحق به ما لم يفه به ولا أعتقده قلبه وبالحرى وهو السابق المبرز إن لم يتعلق من السلطان بحظ أن يسلم من المتالف وينجو من المخالف فإن تعرض لتأليف غمز ولمز وتعرض وهمز واشتط عليه وعظم يسير خطبه واستشنع هين سقطه وذهبت محاسنه وسترت فضائله وهتف ونودي بما أغفل فتنكس لذلك همته وتكل نفسه وتبرد حميته وهكذا عندنا نصيب من ابتدأ يحوك شعرا أو يعمل بعمل رسالة فإنه لا يفلت من هذه الحبائل ولا يتخلص من هذه النصب إلا الناهض الفائت والمطفف المستولي على الأمد
وعلى ذلك فقد جمع ما ظنه الظان غير مجموع وألفت عندنا تآليف في غاية الحسن لنا خطر السبق في بعضها فمنها كتاب الهداية لعيسى بن دينار وهي أرفع كتب جمعت في معناها على مذهب مالك و ابن القاسم وأجمعها للمعاني الفقهية على المذهب فمنها كتاب الصلاة و كتاب البيوع وكتاب الجدار في الأقضية وكتاب النكاح والطلاق ومن الكتب المالكية التي
____________________
(3/167)

ألفت بالأندلس كتاب القطني مالك بن علي وهو رجل قرشي من بني فهر لقي أصحاب مالك وأصحاب أصحابه وهو كتاب فيه غرائب ومستحسنات من الرسائل المولدات ومنها كتاب أبي إسحاق يحيى بن إبراهيم بن مزين في تفسير الموطأ والكتب المستقصية لمعاني الموطأ وتوصيل مقطوعاته من تآليف ابن مزين أيضا وكتابه في رجال الموطأ وما لمالك عن كل واحد منهم من الآثار في موطإه وفي تفسير القرآن كتاب أبي عبد الرحمن بقي بن مخلد فهو الكتاب الذي أقطع قطعا لا أستثني فيه أنه لم يؤلف في الإسلام تفسير مثله ولا تفسير محمد بن جرير الطبري ولا غيره
ومنها في الحديث مصنفه الكبير الذي رتبه على أسماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم فروى فيه عن ألف وثلاثمائة صاحب ونيف ثم رتب حديث كل صاحب على أسماء الفقه وأبواب الأحكام فهو مصنف ومسند وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله في الحديث وجودة شيوخه فإنه روى عن مائتي رجل وأربعة وثمانين رجلا ليس فيهم عشرة ضعفاء وسائرهم أعلام مشاهير
ومنها مصنفه في فضل الصحابة والتابعين ومن دونهم
____________________
(3/168)

الذي اربى فيه على مصنف أبي بكر بن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق بن همام ومصنف سعيد بن منصور وغيرها وانتظم علما عظيما لم يقع في شيء من هذه فصارت تآليف هذا الإمام الفاضل قواعد للإسلام لا نظير لها وكان متخيرا لا يقلد أحدا وكان ذا خاصة من أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه
ومنها في أحكام القرآن كتاب ابن أمية الحجاري وكان شافعي المذهب بصيرا بالكلام على اختياره وكتاب القاضي أبي الحكم منذر بن سعيد وكان داودي المذهب قويا على الانتصار له وكلاهما في أحكام القرآن غاية ولمنذر مصنفات منها كتاب الإبانة عن حقائق أصول الديانة
ومنها في الحديث مصنف أبي محمد قاسم بن أصبغ بن يوسف بن ناصح ومصنف محمد بن عبد الملك بن أيمن وهما مصنفان رفيعان احتويا من صحيح الحديث وغريبه على ما ليس في كثير من المصنفات و لقاسم بن أصبغ هذا تآليف حسان جدا منها أحكام القرآن على أبواب كتاب إسماعيل وكلامه ومنها كتاب المجتبى على أبواب كتاب ابن الجارود المنتقى وهو خير منه وأنقى حديثا وأعلى سندا وأكثر فائدة ومنها كتاب في فضائل قريش وكنانة وكتابه في الناسخ والمنسوخ وكتاب غرائب حديث مالك بن أنس مما ليس في الموطأ
ومنها كتاب التمهيد لصاحبنا أبي عمر يوسف بن عبد البر وهو الآن بعد في الحياة لم يبلغ سن الشيخوخة وهو كتاب لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلا فكيف أحسن منه ومنها كتاب الاستذكار وهو اختصار التمهيد المذكور ولصاحبنا أبي عمر بن عبد البر
____________________
(3/169)

المذكور كتب لا مثيل لها منها كتابه المسمى بالكافي في الفقه على مذهب مالك وأصحابه خمسة عشر كتابا اقتصر فيه على ما بالمفتي الحاجة إليه وبوبه وقربه فصار مغنيا عن التصنيفات الطوال في معناه ومنها كتابه في الصحابة ليس لأحد من المتقدمين مثله على كثرة ما صنفوا في ذلك ومنها كتاب الاكتفاء في قراءة نافع وأبي عمرو ابن العلاء والحجة لكل واحد منهما ومنها كتاب بهجة المجالس وأنس المجالس مما يجري في المذاكرات من غرر الأبيات ونوادر الحكايات ومنها كتاب جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته
ومنها كتاب شيخنا القاضي أبي الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف بن الفرضي في المختلف والمؤتلف في أسماء الرجال ولم يبلغ عبد الغني الحافظ البصري في ذلك إلا كتابين وبلغ أبو الوليد رحمه الله تعالى نحو الثلاثين لا أعلم مثله في فنه البتة ومنها تاريخ أحمد بن سعيد ما وضع في الرجال أحد مثله إلا ما بلغنا من تاريخ محمد بن موسى العقيلي البغدادي ولم أره و أحمد بن سعيد هو المتقدم إلى التأليف القائم في ذلك ومنها كتب محمد بن أحمد بن يحيى بن مفرج القاضي وهي كثيرة منها أسفار سبعة جمع فيها فقه الحسن البصري وكتب كثيرة جمع فيها فقه الزهري
ومما يتعلق بذلك شرح الحديث لقاسم بن ثابت السرقسطي فما شآه
____________________
(3/170)

أبو عبيد إلا بتقدم العصر فقط
ومنها في الفقه ( ( الواضحة ) ) والمالكيون لا تمانع بينهم في فضلها واستحسانهم إياها ومنها المستخرجة من الأسمعة وهي المعروفة ب العتبية ولها عند أهل إفريقية القدر العالي والطيران الحثيث والكتاب الذي جمعه أبو عمر أحمد ابن عبد الملك بن هشام الإشبيلي المعروف بابن المكوي و القرشي أبو مروان المعيطي في جمع أقاويل مالك كلها على نحو الكتاب الباهر الذي جمع فيه القاضي أبو بكر محمد بن أحمد بن الحداد البصري أقاويل الشافعي كلها ومنها كتاب المنتخب الذي ألفه القاضي محمد بن يحيى بن عمر بن لبابة وما رأيت لمالكي قط كتابا أنبل منه في جمع روايات المذهب وشرح مستغلقها وتفريع وجوهها وتأليف قاسم بن محمد المعروف بصاحب الوثائق وكلها حسن في معناه وكان شافعي المذهب نظارا جاريا في ميدان البغداديين
ومنها في اللغة الكتاب البارع الذي ألفه إسماعيل بن القاسم يحتوي على لغة العرب وكتابه في المقصور والممدود والمهموز لم يؤلف مثله في بابه وكتاب الأفعال لمحمد بن عمر بن عبد العزيز المعروف بابن القوطية بزيادات ابن طريف مولى العبديين فلم يوضع في فنه مثله كتاب جمعه أبو
____________________
(3/171)

غالب تمام بن غالب المعروف ابان التياني في اللغة لم يؤلف مثله اختصارا وإكثارا وثقة نقل وهو أظن في الحياة بعد
وههنا قصة لا ينبغي أن تخلو رسالتنا منها وهي أن أبا الوليد عبد الله بن محمد بن عبد الله المعروف بابن الفرضي حدثني أن أبا الجيش مجاهدا صاحب الجزائر ودانية وجه إلى أبي غالب أيام غلبته على مرسية وأبو غالب ساكن بها ألف دينار أندلسية على أن يزيد في ترجمة الكتاب المذكور ( ( مما ألفه تمام بن غالب لأبي الجيش مجاهد ) ) فرد الدنانير وأبى من ذلك ولم يفتح في هذا بابا البتة وقال والله لو بذل لي الدنيا على ذلك ما فعلت ولا استجزت الكذب لأني لم أجمعه له خاصة بل لكل طالب فأعجب لهمة هذا الرئيس وعلوها وأعجب لنفس هذا العالم ونزاهتها
ومنها كتاب أحمد بن أبان بن سيد في اللغة المعروف بكتاب العالم نحو مائة سفر على الأجناس في غاية الإيعاب بدأ بالفلك وختم بالذرة وكتاب النوادر لأبي علي إسماعيل بن القاسم وهو مبار لكتاب الكامل لأبي العباس المبرد ولعمري لئن كان كتاب أبي العباس أكثر نحوا وخبرا فإن كتاب أبي علي أكثر لغة وشعرا وكتاب الفصوص لصاعد بن الحسن الربعي وهو جار في مضمار الكتابين المذكورين
ومن الأنحاء تفسير الجرفي لكتاب الكسائي حسن في معناه وكتاب
____________________
(3/172)

ابن سيده في ذلك المنبوز ب العالم والمتعلم وشرح له لكتاب الأخفش
ومما ألف في الشعر كتاب عبادة بن ماء السماء في أخبار شعراء الأندلس كتاب حسن وكتاب الحدائق لأبي عمر أحمد بن فرج عارض به كتاب الزهرة لأبي محمد ابن داود رحمه الله تعالى إلا أن أبا بكر إنما أدخل مائة باب في كل باب مائة بيت و أبو عمر أورد مائتي باب في كل باب مائة بيت ليس منها باب تكرر اسمه لأبي بكر ولم يورد فيه لغير أندلسي شيئا وأحسن الاختيار ما شاء وأجاد فبلغ الغاية وأتى الكتاب فردا في معناه ومنها كتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس جمعه أبو الحسن علي بن محمد بن أبي الحسن الكاتب وهو حي بعد ومما يتعلق بذلك شرح أبي القاسم إبراهيم بن محمد بن الإفليلي لشعر المتنبي وهو حسن جدا
ومن الأخبار تواريخ أحمد بن محمد بن موسى الرازي في أخبار ملوك الأندلس وخدمتهم وغزواتهم ونكباتهم وذلك كثير جدا وكتاب له في صفة قرطبة وخططها ومنازل الأعيان بها على نحو ما بدأ به ابن أبي طاهر في اخبار بغداد وذكر منازل صحابة أبي جعفر المنصور بها وتواريخ متفرقة رأيت منها أخبار عمر بن حفصون القائم برية ووقائعه وسيره وحروبه وتاريخ آخر في أخبار عبد الرحمن بن مروان الجليقي القائم بالجوف وفي أخبار بني
____________________
(3/173)

قسي والتجيبيين وبني الطويل بالثغر فقد رأيت من ذلك كتبا مصنفة في غاية الحسن وكتاب مجزأ في أجزاء كثيرة في أخبار رية وحصونها وحروبها وفقهائها وشعرائها تأليف إسحاق بن سلمة بن إسحاق القيني وكتاب محمد بن الحارث الخشني في ( ( أخبار القضاة بقرطبة وسائر الأندلس وكتاب في أخبار الفقهاء بها وكتاب لأحمد بن محمد بن موسى في أنساب مشاهير أهل الأندلس في خمسة أسفار ضخمة من أحسن كتاب في الأنساب وأوسعها وكتاب قاسم بن أصبغ في الأنساب في غاية الحسن والإيعاب والإيجاز وكتابه في فضائل بني أمية وكان من الثقة والجلالة بحيث اشتهر أمره وانتشر ذكره ومنها كتب مؤلفة في أصحاب المعاقل والأجناد الستة بالأندلس ومنها كتب كثيرة جمعت فيها أخبار شعراء الأندلس للمستنصر رحمه الله تعالى رأيت منها أخبار شعراء إلبيرة في نحو عشرة أجزاء ومنها كتاب الطوالع في أنساب أهل الأندلس ومنها كتاب التاريخ في أخبار أهل الأندلس تأليف أبي مروان ابن حيان نحو عشرة أسفار من أجل كتاب ألف في هذا المعنى وهو في الحياة بعد لم يتجاوز الاكتهال وكتاب المآثر العامرية لحسين بن عاصم في سير ابن أبي عامر وأخباره وكتاب الأقشتين محمد بن عاصم النحوي في
____________________
(3/174)

طبقات الكتاب بالأندلس وكتاب سكن بن سعيد في ذلك وكتاب أحمد ابن فرج في المنتزين والقائمين بالأندلس وأخبارهم وكتاب أخبار أطباء الأندلس لسليمان بن جلجل وأما الطب فكتب الوزير يحيى بن إسحاق وهي كتب حسان رفيعة وكتب محمد بن الحسن المذحجي أستاذنا رحمه الله تعالى وهو المعروف بابن الكتاني وهي كتب رفيعة حسان وكتب التصريف لأبي القاسم خلف بن عياش الزهراوي وقد أدركناه وشاهدناه ولئن قلنا إنه لم يؤلف في الطب أجمع منه ولا أحسن للقول والعمل في الطبائع لنصدقن وكتب ابن الهيثم في الخواص والسموم والعقاقير من أجل الكتب وأنفعها
وأما الفلسفة فإني رأيت فيها رسائل مجموعة وعيونا مؤلفة لسعيد بن فتحون السرقسطي المعروف بالحمار دالة على تمكنه من هذه الصناعة وأما رسائل أستاذنا أبي عبد الله محمد بن الحسن المذحجي في ذلك فمشهورة متداولة وتامة الحسن فائقة الجودة عظيمة المنفعة
____________________
(3/175)


وأما العدد والهندسة فلم يقسم لنا في هذا العلم نفاذ ولا تحققنا به فلسنا نثق بأنفسنا في تمييز المحسن من المقصر في المؤلفين فيه من أهل بلدنا إلا أني سمعت من أثق بعقله ودينه من أهل العلم ممن اتفق على رسوخه فيه يقول إنه لم يؤلف في الأزياج مثل زيج مسلمة وزيج ابن السمح وهما من أهل بلدنا وكذلك كتاب المساحة المجهولة لأحمد بن نصر فما تقدم إلى مثله في معناه
وإنما ذكرنا التآليف المستحقة للذكر والتي تدخل تحت الأقسام السبعة التي لا يؤلف عاقل عالم إلا في أحدها وهي إما شيء لم يسبق إليه يخترعه أو شيء ناقص يتمه أو شيء مستغلق يشرحه أو شيء طويل يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه أو شيء متفرق يجمعه أو شيء مختلط يرتبه أو شيء أخطأ فيه مؤلفه يصلحه
وأما التواليف المقصرة عن مراتب غيرها فلم نلتفت إلى ذكرها وهي عندنا من تأليف أهل بلدنا أكثر من أن نحيط بعلمها
وأما علم الكلام فإن بلادنا وإن كانت لم تتجاذب فيها الخصوم ولا اختلفت فيها النحل فقل لذلك تصرفهم في هذا الباب فهي على كل حال غير عرية عنه وقد كان فيهم قوم يذهبون إلى الاعتزال نظار على أصوله ولهم فيه تواليف منهم خليل بن إسحاق ويحيى بن السمينة والحاجب موسى بن حدير وأخوه الوزير صاحب المظالم أحمد وكان داعية إلى الاعتزال
____________________
(3/176)

لا يستتر بذلك ولنا على مذهبنا الذي تخيرناه من مذاهب أصحاب الحديث كتاب في هذا المعنى وهو وإن كان صغير الجرم قليل عدد الورق يزيد على المائتين زيادة يسيرة فعظيم الفائدة لأنا أسقطنا فيه المشاغب كلها وأضربنا عن التطويل جملة واقتصرنا على البراهين المنتخبة من المقدمات الصحاح الراجعة إلى شهادة الحس وبديهة العقل لها بالصحة
ولنا فيما تحققنا به تآليف جمة منها ما قد تم ومنها ما شارف التمام ومنها ما قد مضى منه صدر ويعين الله تعالى على باقيه لم نقصد به قصد مباهاة فنذكرها ولا أردنا السمعة فنسميها والمراد بها ربنا جل وجهه وهو ولي العون فيها والملي بالمجازاة عليها وما كان لله تعالى فسيبدو وحسبنا الله ونعم الوكيل
وبلدنا هذا - على بعده من ينبوع العلم ونأيه من محلة العلماء - فقد ذكرنا من تآليف أهله ما إن طلب مثلها بفارس والأهواز وديار مضر وديار ربيعة واليمن والشام أعوز وجود ذلك على قرب المسافة في هذه البلاد من العراق التي هي دار هجرة الفهم وذويه ومراد المعارف وأربابها
ونحن إذا ذكرنا أبا الأجرب جعونة بن الصمة الكلابي في الشعر لم نباه به إلا جريرا والفرزدق لكونه في عصرهما ولو أنصف لاستشهد بشعره فهو جار على مذهب الأوائل لا على طريقة المحدثين وإذا سمينا بقي بن مخلد لم نسابق به إلا محمد بن إسماعيل البخاري و مسلم بن الحجاج النيسابوري و سليمان ابن الأشعث السجستاني و أحمد بن شعيب النسائي وإذا ذكرنا قاسم بن محمد لم نباه به إلا القفال و محمد بن عقيل الفرياني وهو شريكهما في صحبة المزني أبي إبراهيم والتلمذة له وإذا نعتنا عبد الله بن قاسم بن هلال و منذر بن سعيد لم نجار
____________________
(3/177)

بهما إلا أبا الحسن بن المفلس و الخلال و الديباجي و رويم بن أحمد
وقد شاركهم عبد الله في أبي سليمان وصحبته وإذا أشرنا إلى محمد بن عمر بن لبابة وعمه محمد بن عيسى و فضل بن سلمة لم نناطح بهم إلا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم و محمد بن سحنون و محمد بن عبدوس وإذا صرحنا بذكر محمد بن يحيى الرباحي و أبي عبد الله محمد بن عاصم لم يقصرا عن أكابر أصحاب محمد بن يزيد المبرد
ولو لم يكن لنا من فحول الشعراء إلا أحمد بن محمد بن دراج القسطلي لما تأخر عن شأو بشار بن برد و حبيب والمتنبي فكيف ولنا معه جعفر بن عثمان الحاجب و أحمد بن عبد الملك بن مروان و أغلب بن شعيب و محمد بن شخيص و احمد بن فرج و عبد الملك بن سعيد المرادي وكل هؤلاء فحل يهاب جانبه وحصان ممسوح الغرة
ولنا من البلغاء أحمد بن عبد الملك بن شهيد صديقنا وصاحبنا وهو حي بعد لم يبلغ سن الاكتهال وله من التصرف في وجوه البلاغة وشعابها مقدار يكاد ينطق فيه بلسان مركب من لساني عمرو وسهل ومحمد بن عبد الله بن مسرة في طريقه التي سلك فيها وإن كنا لا نرضى مذهبه في جماعة يكثر تعدادهم
____________________
(3/178)


وقد انتهى ما اقتضاه خطاب الكاتب رحمه الله تعالى من البيان ولم نتزيد فيما رغب فيه إلا ما دعت الضرورة إلى ذكره لتعلقه بجوابه والحمد لله الموفق لعلمه والهادي إلى الشريعة المزلفة منه والموصلة وصلى الله على محمد عبده ورسوله وعلى آله وصحبه وسلم وشرف وكرم
انتهت الرسالة
وكتب الحافظ ابن حجر على هامش قوله فيها ( ( وإنما سكن على الكوفة خمسة أعوام وأشهرا ) ) ما نصه صوابه أربعة أعوام انتهى
7 تذييل ابن سعيد على رسالة ابن حزم
وقال ابن سعيد بعد ذكره هذه الرسالة ما صورته رأيت أن أذيل ما ذكره الوزير الحافظ أبو محمد بن حزم من مفاخر أهل الأندلس بما حضرني والله تعالى ولي الإعانة أما القرآن فمن أجل ما صنف في تفسيره كتاب الهداية إلى بلوغ النهاية في نحو عشرة أسفار صنفه الإمام العالم الزاهد أبو محمد مكي بن أبي طالب القرطبي وله كتاب تفسير إعراب القرآن وعد ابن غالب في كتاب فرحة الأنفس تآليف مكي المذكور فبلغ بها 77 تأليفا وكانت وفاته سنة 437 و لأبي محمد بن عطية الغرناطي في تفسير القرآن الكتاب الكبير الذي اشتهر وطار في الغرب والشرق وصاحبه من فضلاء المائة السادسة وأما القراءات فلمكي المذكور فيها كتاب التبصرة وكتاب التيسير
____________________
(3/179)

لأبي عمرو الداني مشهور في أيدي الناس
وأما الحديث فكان بعصرنا في المائة السابعة الإمام أبو الحسن علي بن القطان القرطبي الساكن بحضرة مراكش وله في تفسير غرائبه وفي رجاله مصنفات وإليه كانت النهاية والإشارة في عصرنا وسمعت أنه كان اشتغل بجمع أمهات كتب الحديث المشهورة وحذف المكرر وكتاب رزين بن عمار الأندلسي في جمع ما يتضمنه كتاب مسلم و البخاري و الموطأ و السنن و النسائي و الترمذي كتاب جليل مشهور في أيدي الناس بالمشرق والمغرب وكتاب الأحكام لأبي محمد عبد الحق الإشبيلي مشهور متداول القراءة وهي أحكام كبرى وأحكام صغرى قيل ووسطى وكتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي مشهور
وأما الفقه فالكتاب المعتمد عليه الآن الذي ينطلق عليه اسم الكتاب عند المالكية حتى بالإسكندرية فكتاب التهذيب للبراذعي السرقسطي وكتاب النهاية لأبي الوليد بن رشد كتاب جليل معظم معتمد عليه عند المالكية وكذلك كتاب المنتقى للباجي
وأما أصول الدين وأصول الفقه فللإمام أبي بكر ابن العربي الإشبيلي من
____________________
(3/180)

ذلك ما منه كتاب العواصم والقواصم المشهور بأيدي الناس وله تآليف في غير هذا ولأبي الوليد ابن رشد في أصول الفقه ما منه مختصر المستصفى وأما التواريخ فكتاب ابن حيان الكبير المعروف بالمتين في نحو ستين مجلدة وإنما ذكر ابن حزم كتاب المقتبس وهو في عشر مجلدات والمتين يذكر فيه أخبار عصره ويمعن فيها مما شاهده ومنه ينقل صاحب الذخيرة وقد ذيل عليه أبو الحجاج البياسي أحد معاصرينا وهو الآن بإفريقية في حضرتها تونس عند سلطانها تحت إحسانه الغمر وكتاب المظفر بن الأفطس ملك بطليوس المعروف بالمظفري نحو كتاب المتين في الكبر وفيه تاريخ على السنين وفنون آداب كثيرة وتاريخ ابن صاحب الصلاة في الدولة اللمتونية وذكر ابن غالب أن ابن الصيرفي الغرناطي له كتاب في أخبار دولة لمتونة وأن أبا الحسن السالمي له كتاب في أخبار الفتنة الثانية بالأندلس بدأ من سنة 539 ورتبه على السنين وبلغ به سنة 547 وأبو القاسم خلف بن بشكوال له كتاب في تاريخ أصحاب الأندلس من فتحها إلى زمانه وأضاف إلى ذلك من أخبار قرطبة وغيرها ما جاء في خاطره وله كتاب الصلة في تاريخ العلماء وللحميدي قبله جذوة المقتبس وقد ذيل كتاب الصلة في عصرنا هذا أبو عبد الله بن الأبار البلنسي كاتب سلطان إفريقية
وذكر ابن غالب أن الفقيه أبا جعفر بن عبد الحق الخزرجي القرطبي له كتاب كبير بدأ فيه من بدء
____________________
(3/181)

الخليقة إلى أن انتهى في أخبار الأندلس إلى دولة عبد المؤمن قال وفارقته سنة 565 و أبو محمد ابن حزم صاحب الرسالة المتقدمة الذكر له كتب جمة في التواريخ مثل كتاب نقط العروس في تواريخ الخلفاء وقد صنف أبو الوليد بن زيدون كتاب التبيين في خلفاء بني أمية بالأندلس على منزع كتاب التعيين في خلفاء المشرق للمسعودي
وللقاضي أبي القاسم صاعد بن أحمد الطليطلي كتاب التعريف بأخبار علماء الأمم من العرب والعجم وكتاب جامع أخبار الأمم
وأبو عمر بن عبد البر له كتاب القصد والأمم في معرفة أخبار العرب والعجم وعريب
بن سعد القرطبي له كتاب اختصار تاريخ الطبري قد سعد باغتباط الناس به وأضاف إليه تاريخ إفريقية والأندلس و لأحمد بن سعيد بن محمد بن عبد الله بن أبي الفياض كتاب العبر وكتاب أبي بكر الحسين بن محمد الزبيدي في أخبار النحويين واللغويين بالمشرق والأندلس ) ) وكتاب القاضي أبي الوليد ابن الفرضي في أخبار العلماء والشعراء وما يتعلق بذلك وليحيى بن حكم الغزال تاريخ ألفه كله منظوما كما صنع أيضا بعده أبو طالب المتنبي من جزيرة شقر في التاريخ الذي أورد منه صاحب الذخيرة ما أورد وكتاب الذخيرة لابن بسام في جزيرة الأندلس ليس هذا مكان الإطناب في تفصيلها وهي كالذيل على حدائق ابن فرج وفي عصرها صنف الفتح كتاب القلائد وهو مملوء بلاغة
____________________
(3/182)

والمحاكمة بين الكتابين ذكرت بمكان آخر ذكرت بمكان ولصاحب القلائد كتاب المطمح وهو ثلاث نسخ كبرى ووسطى وصغرى يذكر فيها من الذين ذكرهم في القلائد ومن غيرهم الذين كانوا قبل عصرهم وكتاب سمط الجمان وسقط المرجان لأبي عمرو بن بعد الإمام بعد الكتابين المذكورين ذكر من أخلا بتوفيته حقه من الفضلاء واستدرك من أدركه بعصره في بقية المائة السادسة وذيل عليه - وإن كان ذيلا قصيرا - أبو بحر صفوان بن إدريس المرسي بكتاب زاد المسافر ذكر فيه جماعة ممن أدرك المائة السابعة وكتاب أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الحجاري المسمى ب المسهب في فضائل المغرب صنفه بعد الذخيرة و القلائد من أول ما عمرت الأندلس إلى عصره وخرج فيه عن مقصد الكتابين إلى ذكر البلاد وخواصها مما يختص بعلم الجغرافيا وخلطه بالتاريخ وتفنن الأدب على ما هو مذكور في غير هذا المكان ولم يصنف في الأندلس مثل كتابه ولذلك فضله المصنف له عبد الملك بن سعيد وذيل عليه ثم ذيل على ذلك ابناه أحمد ومحمد ثم موسى بن محمد ثم علي بن موسى كاتب هذه النسخة ومكمل كتاب فلك الأدب المحيط بحلى لسان العرب المحتوي على كتابي المشرق في حلى المشرق و المغرب في حلى المغرب فيكفي الأندلس في هذا الشأن تصنيف هذا الكتاب بين ستة أشخاص في 115 سنة آخرها سنة 645 وقد احتوى على جميع ما يذاكر به ويحاضر بحلاه من فنون الأدب المختارة على جهد الطاقة في شرق وغرب على النوع الذي هو مذكور في غير هذا الموضع ومن أغفلت التنبيه على عصره وغير ذلك من المصنفين المتقدمي الذكر فيطلب الملتمس منهم في مكانه المنسوب إليه كابن
____________________
(3/183)

بسام في شنترين والفتح في إشبيلية وابن الإمام في إستجة والحجاري في وادي الحجارة وأما ما جاء منثورا من فنون الأدب فكتاب سراج الأدب لأبي عبد الله بن أبي الخصال الشقوري رئيس كتاب الأندلس صنفه على منزع كتاب النوادر لأبي علي و زهر الآداب للحصري وكتاب واجب الأدب لوالدي لوالدي موسى بن محمد بن سعيد واسمه يغني عن المراد به وكتاب اللآلئ لأبي عبيد البكري على كتاب الأمالي لأبي علي البغدادي مفيد في الأدب وكذلك كتاب الاقتضاب في شرح أدب الكتاب لأبي محمد ابن السيد البطليوسي وأما شرح سقط الزند له فهو الغاية ويكفي ذكره عند أرباب هذا الشأن وثناؤهم عليه وشروح أبي الحجاج الأعلم لشعر المتنبي والحماسة وغير ذلك مشهورة وأما النحو فلأهل الأندلس من الشروح على ( ( الجمل ) ) ما يطول ذكره فمنها شرح ابن خروف ومنها شرح الرندي ومنها شيخنا أبي الحسن ابن عصفور الإشبيلي وإليه انتهت علوم النحو وعليه الإحالة الآن من المشرق والمغرب وقد أتيت له من إفريقية بكتاب المقرب في النحو فتلقي باليمين من كل جهة وطار بجناح الاغتباط ولشيخنا أبي علي الشلوبين كتاب التوطئة على الجزولية وهو مشهور و لابن السيد و ابن الطراوة و السهيلي من التقييدات في النحو ما هو مشهور عند أصحاب هذا الشأن معتمد عليه و لأبي الحسن بن خروف شرح مشهور على كتاب سيبويه وأما علم الجغرافيا فيكفي في ذلك كتاب المسالك والممالك لأبي عبيد البكري
____________________
(3/184)

الأونبي وكتاب معجم ما استعجم من البقاع والأماكن وفي كتاب المسهب للحجاري في هذا الشأن وتذييلنا عليه في هذا الكتاب الجامع ما جمع زبد الأولين والآخرين في ذلك وأما الموسيقى فكتاب أبي بكر بن باجة الغرناطي في ذلك فيه كفاية وهو في المغرب بمنزلة ابي نصر الفارابي بالمشرق وإليه تنسب الألحان المطربة بالأندلس التي عليها الاعتماد و ليحيى الخدوج المرسي كتاب الأغاني الأندلسية على منزع الأغاني لأبي الفرج وهو ممن أدرك المائة السابعة وأما الطب فالمشهور بأيدي الناس الآن في المغرب وقد سار أيضا في المشرق لنبله كتاب التيسير لعبد الملك بن أبي العلاء ابن زهر وله كتاب الأغذية ايضا مشهور مغتبط به في المغرب والمشرق و لأبي العباس ابن الرومية الإشبيلي من علماء عصرنا بهذا الشأن كتاب في الأدوية المفردة وقد جمع أبو محمد المالقي الساكن الآن بقاهرة مصر كتابا في هذا الشأن حشر عليه ما سمع به فقدر عليه من تصانيف الأدوية المفردة ككتاب الغافقي وكتاب الزهراوي وكتاب الشريف الإدريسي الصقلي وغيرها وضبطه على حروف المعجم وهو النهاية في مقصده
وأما الفلسفة فإمامها في عصرنا أبو الوليد بن رشد القرطبي وله فيها تصانيف جحدها لما رأى انحراف منصور بني عبد المؤمن عن هذا العلم
____________________
(3/185)

وسجنه بسببها وكذلك ابن حبيب الذي قتله المأمون بن المنصور المذكور على هذا العلم بإشبيلية وهو علم ممقوت بالأندلس لا يستطيع صاحبه إظهاره فلذلك تخفى تصانيفه
وأما التنجيم فلابن زيد الأسقف القرطبي فيه تصانيف وكان مختصا بالمستنصر بن الناصر المرواني وله ألف كتاب تفصيل الأزمان ومصالح الأبدان وفيه من ذكر منازل القمر وما يتعلق بذلك ما يستحسن مقصده وتقريبه وكان مطرف الإشبيلي في عصرنا قد اشتغل بالتصنيف في هذا الشأن إلا أن أهل بلده كانوا ينسبونه للزندقة بسبب اعتكافه على هذا الشأن فكان لا يظهر شيئا مما يصنف رسالة الشقندي في الدفاع عن الأندلس ثم قال ابن سعيد أخبرني والدي قال كنت يوما في مجلس صاحب سبتة أبي يحيى بن أبي زكريا صهر ناصر بني عبد المؤمن فجرى بين أبي الوليد الشقندي وبين أبي يحيى بن المعلم الطنجي نزاع في التفضيل بين البرين فقال الشقندي لولا الأندلس لم يذكر بر العدوة ولا سارت عنه فضيلة ولولا التوقير للمجلس لقلت ما تعلم فقال الأمير أبو يحيى أتريد أن تقول كون أأهل برنا عربا وأهل بركم بربر فقال حاش لله فقال الأمير والله ما أردت غير هذا فظهر في وجهه أنه أراد ذلك فقال ابن المعلم أتقول هذا وما الملك والفضل إلا من بر العدوة فقال الأمير الرأي عندي أن يعمل كل واحد منكما رسالة في تفضيل بره فالكلام هنا يطول ويمر ضياعا وأرجو إذا أخليتما له فكر كما يصدر عنكما ما يحسن تخليده ففعلا ذلك
____________________
(3/186)

فكانت رسالة الشقندي الحمد لله الذي جعل لمن يفخر بجزيرة الأندلس أن يتكلم ملء فيه ويطنب ما شاء فلا يجد من يعترض عليه ولا من يثنيه إذ لا يقال للنهار يا مظلم ولا لوجه النعيم يا قبيح
( وقد وجدت مكان القول ذا سعة ** فإن وجدت لسانا قائلا فقل )
أحمده على أن جعلني ممن أنشأته وحباني بأن كنت ممن أظهرته فامتد في الفخر باعي وأعانني على الفضائل كرم طباعي وأصلي على سيدنا محمد نبيه الكريم وعلى آله وصحبه الأكرمين وأسلم تسليما
أما بعد فإنه حرك مني ساكنا وملأ مني فارغا فخرجت عن سجيتي في الإغضاء مكرها إلى الحمية والإباء منازع في فضل الأندلس أراد أن يخرق الإجماع ويأتي بما لم تقبله النواظر والأسماع إذ من رأى ومن سمع لا يجوز عنده ذلك ولا يضله من تاه في تلك المسالك رام أن يفضل بر العدوة على بر الأندلس فرام أن يفضل على اليمين اليسار ويقول الليل أضوأ من النهار فيا عجبا كيف قابل العوالي بالزجاج وصادم الصفاة بالزجاج فيا من نفخ في غير ضرم ورام صيد البزاة بالرخم كيف تتكثر بما جعله الله قليلا وتتعزر بما حكم الله أن يكون ذليلا ماهذه المباهتة التي لا تجوز وكيف تبدي أمام الفتاة العجوز سل العيون إلى وجه من تميل واستخبر الأسماع إلى حديث من تصغي
____________________
(3/187)


( لشتان ما بين اليزيدين في الندى ** يزيد سليم والأغر بن حاتم )
اقن حياءك أيها المغرد بالنحيب المتزين بالخلق المتحبب إلى الغواني بالمشيب الخضيب أين عزب عقلك وكيف نكص على عقبه فهمك ولبك أبلغت العصبية من قلبك أن تطمس على نوري بصرك ولبك أما قولك ( ( الملوك منا ) ) فقد كان الملوك منا أيضا وما نحن إلا كما قال الشاعر
( فيوم علينا ويوم لنا ** ويوم نساء ويوم نسر )
إن كان الآن كرسي جميع بلاد المغرب عندكم بخلافة بني عبد المؤمن - أدامها الله تعالى فقد كان عندنا بخلافة القرشيين الذين يقول مشرقيهم
( وإني من قوم كرام أعزة ** لأقدامهم صيغت رؤوس المنابر )
( خلائف في الإسلام في الشرك قادة ** بهم وإليهم فخر كل مفاخر )
ويقول مغربيهم
( ألسنا بني مروان كيف تبدلت ** بنا الحال أو دارت علينا الدوائر )
( إذا ولد المولود منا تهللت ** له الأرض واهتزت إليه المنابر )
وقد نشأ في مدتهم من الفضلاء والشعراء ما اشتهر في الآفاق وصار أثبت في صحائف الأيام من الأطواق في أعناق الحمام
____________________
(3/188)


( وسار مسير الشمس في كل بلدة ** وهب هبوب الريح في البر والبحر ) ولم تزل ملوكهم في الاتساق كما قيل
( إن الخلافة فيكم لم تزل نسقا ** كالعقد منظومة فيه فرائده ) إلى أن حكم الله بنثر سلكهم وذهاب ملكهم فذهبوا وذهبت أخبارهم ودرسوا ودرست آثارهم
( جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم ** بعد الممات جمال الكتب والسير )
فكم مكرمة أنالوها وكم عثرة أقالوها
( وإنما المرء حديث بعده ** فكن حديثا حسنا لمن وعى ) وكان من حسنات ملكهم المنصور بن أبي عامر وما أدراك الذي بلغ في بلاد النصارى غازيا إلى البحر الأخضر ولم يترك أسيرا في بلادهم من المسلمين ولم يبرح في جيش الهرقل وعزمة الإسكندر ولما قضى نحبه كتب على قبره
( آثاره تنبيك عن أوصافه ** حتى كأنك بالعيان تراه )
( تالله لا يأتي الزمان بمثله ** أبدا ولا يحمي الثغور سواه )
وقد قيل فيه من الأمداح وألف له من الكتب ما سمعت وعلمت حتى قصد من بغداد وعم خيره وشره أقاصي البلاد ولما ثار بعد انتثار
____________________
(3/189)

هذا النظام ملوك الطوائف وتفرقوا في البلاد كان في تفرقهم اجتماع على النعم لفضلاء العباد إذ نفقوا سوق العلوم وتباروا في المثوبة على المنثور والمنظوم فما كان أعظم مباهاتهم إلا قول العالم الفلاني عند الملك الفلاني والشاعر الفلاني مختص بالملك الفلاني وليس منهم إلا من بذل وسعه في المكارم ونبهت الأمداح من مآثره ما ليس طول الدهر بنائم وقد سمعت ما كان منالفتيان العامرية مجاهد ومنذر وخيران وسمعت عن الملوك العربية بنو عباد وبنو صمادح وبنو الأفطس وبنو ذي النون وبنو هود كل منهم قد خلد فيه من الأمداح ما لو مدح به الليل لصار أضوأ من الصباح ولم تزل الشعراء تتهادى بينهم تهادي النواسم بين الرياض وتفتك في أموالهم فتكة البراض حتى إن أحد شعرائهم بلغ به ما رآه من منافستهم في أمداحه أن حلف أن لا يمدح أحدا منهم بقصيدة إلا بمائة دينار وأن المعتضد بن عباد على ما اشتهر من سطوته وإفراط هيبته كلفه أن يمدحه بقصيدة فأبى حتى يعطيه ما شرطه في قسمه ومن أعظم ما يحكى من المكارم التي لم نسمع لها أختا أن ابا غالب اللغوي ألف كتابا فبذل له مجاهد العامري ملك دانية ألف دينار ومركوبا وكسى على أن يجعل الكتاب باسمه فلم يقبل ذلك أبو غالب وقال كتاب ألفته لينتفع به الناس وأخلد فيه همتي أجعل في صدره اسم غيري وأصرف الفخر له لا أفعل ذلك فلما بلغ هذا مجاهدا استحسن أنفته وهمته وأضعف له العطاء وقال هو في حل من أن يذكرني فيه لا نصده عن غرضه
وإن كان كل ملوك الأندلس المعروفين بملوك الطوائف قد تنازعوا في ملاءة الحضر فإني أخص منهم بني عباد كما قال الله
____________________
(3/190)

تعالى { فيهما فاكهة ونخل ورمان } الرحمن فإن الأيام لم تزل بهم كأعياد وكان لهم من الحنو على الأدب ما لم يقم به بنو حمدان في حلب وكانوا هم وبنوهم ووزراؤهم صدورا في بلاغتي النظم والنثر مشاركين في فنون العلم وآثارهم مذكورة وأخبارهم مشهورة وقد خلدوا من المكارم التامة ما هو متردد في ألسن الخاصة والعامة وبالله إلا سميت لي بمن تفخرون قبل هذه الدعوة المهدية أبسقوت الحاجب أم بصالح البرغواطي أم بيوسف بن تاشفين الذي لولا توسط ابن عباد لشعراء الأندلس في مدحه ما أجروا له ذكرا ولا رفعوا لملكه قدرا وبعدما ذكروه بوساطة المعتمد ابن عباد فإن المعتمد قال له وقد أنشدوه أيعلم أمير المسلمين ما قالوه قال لا أعلم ولكنهم يطلبون الخبز ولما انصرف عن المعتمد إلى حضرة ملكه كتب له المعتمد رسالة فيها
( بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا ** شوقا إليكم ولا جفت مآقينا )
( حالت لفقدكم أيامنا فغدت ** سودا وكانت بكم بيضا ليالينا )
فلما قرئ عليه هذان البيتين قال للقارئ يطلب منا جواري سودا وبيضا قال لا يا مولانا ما أراد إلا أن ليله كان بقرب أمير المسلمين نهارا لأن ليالي السرور بيض فعاد نهاره ببعده ليلا لأن أيام الحزن ليال سود فقال والله جيد أكتب له في جوابه إن دموعنا
____________________
(3/191)

تجري عليه ورؤوسنا توجعنا من بعده فليت العباس بن الأحنف قد عاش حتى يتعلم من هذا الفاضل رقة الشوق
( ولا تنكرن مهما رأيت مقدما ** على حمر بغلا فثم تناسب ) فاسكتوا فلولا هذه الدولة لما كان لكم على الناس صولة
( وإن الورد يقطف من قتاد ** وإن النار تقبس من رماد )
وإنك إن تعرضت للمفاضلة بالعلماء فأخبرني هل لكم في الفقه مثل عبد الملك بن حبيب الذي يعمل بأقواله إلى الآن ومثل أبي الوليد الباجي ومثل أبي بكر ابن العربي ومثل أبي الوليد ابن رشد الأكبر ومثل أبي الوليد ابن رشد الأصغر وهو ابن ابن الأكبر نجوم الإسلام ومصابيح شريعة محمد عليه السلام وهل لكم في الحفظ مثل أبي محمد ابن حزم الذي زهد في الوزارة والمال ومال إلى رتبة العلم ورآها فوق كل رتبة وقال وقد احرقت كتبه
( دعوني من إحراق رق وكاغد ** وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري )
( فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي ** تضمنه القرطاس إذ هو في صدري )
ومثل أبي عمر بن عبد البر صاحب الاستذكار و التمهيد ومثل أبي بكر بن الجد حافظ الأندلس في هذه الدولة وهل لكم في حفاظ اللغة كابن سيده صاحب كتاب المحكم وكتاب السماء والعالم الذي إن أعمى الله بصره فما أعمى بصيرته وهل لكم في النحو مثل أبي محمد ابن السيد وتصانيفه ومثل ابن الطراوة ومثل أبي علي الشلوبين الذي بين أظهرنا الآن وقد سار في المغارب والمشارق ذكره وهل لكم في علوم اللحون والفلسفة كابن باجة
____________________
(3/192)

وهل لكم في علم النجوم والفلسفة والهندسة ملك كالمقتدر بن هود صاحب سرقسطة فإنه كان في ذلك آية وهل لكم في الطب مثل ابن طفيل صاحب رسالة حي بن يقظان المقدم في علم الفلسفة ومثل بني زهر أبي العلاء ثم ابنه عبد الملك ثم ابنه أبي بكر ثلاثة على نسق وهل لكم في علم التاريخ كابن حيان صاحب المتين و المقتبس وهل عندكم في رؤساء علم الأدب مثل أبي عمر بن عبد ربه صاحب العقد وهل لكم في الاعتناء بتخليد مآثر فضلاء إقليمه والاجتهاد في حشد محاسنهم مثل ابن بسام صاحب الذخيرة وهب أنه كان يكون لكم مثله فما تصنع الكيسة في البيت الفارغ وهل لكم في بلاغة النثر كالفتح بن عبيد الله الذي إن مدح رفع وإن ذم وضع وقد ظهر له من ذلك في كتاب القلائد ما هو أعدل شاهد ومثل ابن أبي الخصال في ترسيله ومثل أبي الحسن سهل بن مالك الذي بين أظهرنا الآن في خطبه وهل لكم في الشعر ملك مثل المعتمد بن عباد في قوله
( وليل بسد النهر أنسا قطعته ** بذات سوار مثل منعطف النهر )
( نضت بردها عن غصن بان منعم ** فيا حسن ما انشق الكمام عن الزهر )
وقوله في أبيه
( سميدع يهب الآلاف مبتدئا ** وبعد ذلك يلفى وهو يعتذر )
( له يد كل جبار يقبلها ** لولا نداها لقلنا إنها الحجر ) ومثل ابنه الراضي في قوله
____________________
(3/193)


( مروا بنا أصلا من غير ميعاد ** فأوقدوا نار قلبي أي إيقاد )
( لا غرو أن زاد في وجدي مرورهم ** فرؤية الماء تذكي غلة الصادي ) وهل لكم ملك ألف في فنون الآدب كتابا في نحو مائة مجلدة مثل المظفر بن الأفطس ملك بطليوس ولم تشغله الحروب ولا المملكة عن همة الأدب زهل لكم من الوزراء مثل ابن عمار في قصيدته التي سارت أشرد من مثل وأحب إلى الأسماع من لقاء حبيب وصل التي منها
( أثمرت رمحك من رؤوس ملوكهم ** لما رأيت الغصن يعشق مثمرا )
( وصبغت درعك من دماء كماتهم ** لما رأيت الحسن يلبس أحمرا )
ومثل ابن زيدون في قصيدته التي لم يقل مع طولها في التسيب ارق منها وهي التي يقول فيها
( كأننا لم نبت والوصل ثالثنا ** والسعد قد غض من أجفان واشينا )
( سران في خاطر الظلماء يكتمنا ** حتى يكاد لسان الصبح يفشينا )
وهل لكم من الشعراء مثل ابن وهبون في بديهته بين يدي المعتمد بن عباد وإصابته الغرض حين إستحسن المعتمد قول المتنبي
( إذا ظفرت منك المطي بنظرة ** أثاب بها معيي المطي ورازمه )
فارتجل
( لئن جاد شعر ابن الحسين فإنما تجيد العطايا واللها تفتح اللها )
( تنبأ عجبا بالقريض ولو درى ** بأنك تروي شعره لتألها )
____________________
(3/194)

وهل لكم مثل شاعر الأندلس ابن دراج الذي قال فيه الثعالبي ( هو بالصقع الأندلسي كالمتنبي بصقع الشام الذي إن مدح الملوك قال مثل قوله
( ألم تعلمي أن الثواء هو التوى ** وأن بيوت العاجزين قبور )
( وأن خطيرات المهالك ضمن ** لراكبها أن الجزاء خطير )
( تخوفني طول السفار وإنه ** بتقبيل كف العامري جدير )
( مجير الهدى والدين من كل ملحد ** وليس عليه للضلال مجير )
( تلاقت عليه من تميم ويعرب ** شموس تلاقت في العلا وبدور )
( هم يستقلون الحياة لراغب ** ويستصغرون الخطب وهو كبير )
( ولما توافوا للسلام ورفعت ** عن الشمس في أفق الشروق ستور )
( وقد قام من زرق الأسنة دونها ** صفوف ومن بيض السيوف سطور )
( رأوا طاعة الرحمن كيف اعتزازها ** وآيات صنع الله كيف تنير )
( وكيف استوى بالبر والبحر مجلس ** وقام بعبء الراسيات سرير )
( فجاؤوا عجالا والقلوب خوافق ** وولوا بطاء والنواظر صور )
( يقولون والإجلال يخرس ألسنا ** وحازت عيون ملأها وصدور )
( لقد حاط أعلام الهدى بك حائط ** وقدر فيك المكرمات قدير ) وأنا أقسم بما حازته هذه الأبيات من غرائب الآيات لو سمع هذا المدح سيد بني حمدان لسلا به عن مدح شاعره الذي ساد كل شاعر ورأى أن هذه الطريقة أولى بمدح الملوك من كل ما تفنن فيه كل ناظم وناثر
وإن ذكر الغربة عن الأوطان ومكابدة نوائب الزمان قال
____________________
(3/195)


( قالت وقد مزج الفراق مدامعا ** بمدامع وترائبا بترائب )
( أتفرق حتى بمنزل غربة ** كم نحن للأيام نهبة ناهب )
( ولئن جنيت عليك ترحة راحل ** فأنا الزعيم لها بفرحة آيب )
( هل أبصرت عيناك بدرا طالعا ** في الأفق إلا من هلال غارب )
( وإن شبه قال
( كمعاقل من سوسن قد شيدت ** أيدي الربيع بناءها فوق القضب )
( شرفاتها من فضة وحماتها ** حول الأمير لهم سيوف من ذهب )
وهل من شعرائكم من تعرض لذكر العفة فاستنبط ما يسحر به السحر ويطيب به الزهر وهو أبو عمر بن فرج في قوله
( وطائعة الوصال عففت عنها ** وما الشيطان فيها بالمطاع )
( بدت في الليل سافرة فباتت ** دياجي الليل سافرة القناع )
( وما من لحظة إلا وفيها ** إلى فتن القلوب لها دواعي )
( فملكت النهى جمحات شوقي ** لأجري في العفاف على طباعي )
( وبت بها مبيت السقب يظما ** فيمنعه الكعام من الرضاع )
( كذاك الروض ما فيه لمثلي ** سوى نظر وشم من متاع )
( ولست من السوائم مهملات ** فأتخذ الرياض من المراعي ) وهل بلغ أحد من مشبهي شعرائكم أن يقول مثل قول أبي جعفر اللمائي
____________________
(3/196)


( عارض أقبل في جنح الدجى ** يتهادى كتهادي ذي الوجى )
( بددت ريح الصبا لؤلؤه ** فانبرى يوقد عنها سرجا )
ومثل قول أبي حفص بن برد
( وكأن الليل حين لوى ** ذاهبا والصبح قد لاحا )
( كلة سوداء أحرقها ** عامد أسرج مصباحا )
وهل منكم من وصف ما تحدثه الحمرة على الوجنة بمثل قول الشريف الطليق
( أصبحت شمسا وفوه مغربا ** ويد الساقي المحيي مشرقا )
( وإذا ما غربت في فمه ** تركت في الخد منه شفقا ) بمثل هذا الشعر فليطلق اللسان ويفخر كل إنسان
وهل منكم من عمد إلى قول امرئ القيس
( سموت إليها بعد ما نام أهلها ** سمو حباب الماء حالا على حال )
فاختلسه اختلاس النسيم لنفحة الأزهار واستلبه بلطف استلاب ثغر الشمس لرضاب طل الأسحار فلطفه تلطيفا يمتزج بالأرواح ويغني في
____________________
(3/197)

الارتياح عن شرب الراح وهو ابن شهيد في قوله
( ولما تملأ من سكره ** ونام ونامت عيون الحرس )
( دنوت إليه على رقبة ** دنو رفيق درى ما التمس )
( أدب إليه دبيب الكرى ** وأسمو إليه سمو النفس )
( أقبل منه بياض الطلى ** وأرشف منه سواد اللعس )
( فبت به ليلتي ناعما ** إلى أن تبسم ثغر الغلس )
وقد تناول هذا المعنى ابن أبي ربيعة على عظم قدره وتقدمه فعارض الصهيل بالنهاق وقابل العذب بالزعاق فقال وليته سكت
( ونفضت عني العين أقبلت مشية الحباب ** وركني خيفة القوم أزور ) وأنا أقسم لو زار جمل محبوبة له لكان ألطف في الزيارة من هذا الأزور الركن المنفض للعيون لكنه إن أساء هنا فقد أحسن في قوله
( قالت لقد أعييتنا حجة ** فأت إذا ما هجع الساهر )
( واسقط علينا كسقوط الندى ** ليلة لا ناه ولا زاجر ) ولله در محمد بن سفر أحد شعرائنا المتأخرين عصرا المتقدمين قدرا حيث نقل السعي إلى محبوبته فقال وليته لم يزل يقول مثل هذا فبمثله ينبغي أن يتكلم ومثله يليق أن يدون
( وواعدتها والشمس تجنح للنوى ** بزورتها شمسا وبدر الدجى يسري )
( فجاءت كما يمشي سنا الصبح في الدجى ** وطورا كما مر النسيم على النهر )
( فعطرت الآفاق حولي فأشعرت ** بمقدمها والعرف يشعر بالزهر )
( فتابعت بالتقبيل آثار سعيها ** كما يتقصى قارئ أحرف السطر )
( فبت بها والليل قد نام والهوى ** تنبه بين الغصن والحقف والبدر )
( أعانقها طورا وألثم تارة ** إلى أن دعتنا للنوى راية الفجر )
( ففضت عقودا للتعانق بيننا ** فيا ليلة القدر اتركي ساعة النفر ) وهل منكم من قيد بالإحسان فأطلق لسانه الشكر فقال وهو ابن اللبانة
( بنفسي وأهلي جيرة ما استعنتهم ** على الدهر إلا وانثنيت معانا )
( أراشوا جناحي ثم بلوه بالندى ** فلم أستطع من أرضهم طيرانا ) ومن يقول وقد قطع عنه ممدوحه ما كان يعتاده منه من الإحسان فقابل ذلك بقطع مدحه له فبلغه أنه عتبه على ذلك وهو ابن وضاح
( هل كنت إلا طائرا بثنائكم ** في دوح مجدكم أقوم وأقعد )
( إن تسلبوني ريشكم وتقلصوا ** عني ظلالكم فكيف أغرد )
وهل منكم شاعر رأى الناس قد ضجوا من سماع تشبيه الثغر بالأقاح وتشبيه الزهر بالنجوم وتشبيه الخدود بالشقائق فتلطف لذلك في أن يأتي به في منزع يصير خلقه في الأسماع جديدا وكليله في الأفكار حديدا فأغرب أحسن إغراب وأعرب عن فهمه بحسن تخيله أنبل إعراب وهو ابن الزقاق
( وأغيد طاف بالكؤوس ضحى ** وحثها والصباح قد وضحا )
( والروض أهدى لنا شقائقه ** وآسه العنبري قد نفحا )
( قلنا وأين الأقاح قال لنا ** أودعته ثغر من سقى القدحا )
( فظل ساقي المدام يجحد ما ** قال فلما تبسم افتضحا )
وقال
( أديراها على الروض المندى ** وحكم الصبح في الظلماء ماضي )
( وكأس الراح تنظر عن حباب ** ينوب لنا عن الحدق المراض )
( وما غربت نجوم الأفق لكن ** نقلن من السماء إلى الرياض ) وقال
( ورياض من الشقائق أضحت ** يتهادى بها نسيم الرياح )
( زرتها والغمام يجلد منها ** زهرات تروق لون الراح )
( قلت ما ذنبها فقال مجيبا ** سرقت حمرة الخدود الملاح )
فانظر كيف زاحم بهذا الاختيال المخترعين وكيف سابق بهذا اللفظ المبتدعين وهل منكم من برع في أوصاف الرياض والمياه وما يتعلق بذلك فانتهى إلى راية السباق وفضح كل من طمع بعده في اللحاق وهو أبو إسحاق ابن خفاجة القائل
( وعشي أنس أضجعتنا نشوة ** فيها يمهد مضجعي ويدمث )
( خلعت علي بها الأراكة ظلها ** والغصن يصغي والحمام يحدث )
( والشمس تجنح للغروب مريضة ** والرعد يرقي والغمامة تنفث )
والقائل
( لله نهر سال في بطحاء ** أشهى ورودا من لمى الحسناء )
( متعطف مثل السوار كأنه ** والزهر يكنفه مجر سماء )
( قد رق حتى ظن قرصا مفرغا ** من فضة في بردة خضراء )
( وغدت تحف به الغصون كأنها ** هدب تحف بمقلة زرقاء )
( ولطالمها عاطيت فيه مدامة ** صفراء تخضب أيدي الندماء )
( والريح تعبث بالغصون وقد جرى ** ذهب الأصيل على لجين الماء )
والقائل
( حث المدامة والنسيم عليل ** والظل خفاق الرواق ظليل )
( والروض مهتز المعاطف نعمة ** نشوان تعطفه الصبا فيميل )
( ريان فضضه الندى ثم انجلى ** عنه فذهب صفحتيه أصيل ) والقائل
( أذن الغمام بديمة وعقار ** فامزج لجينا منهما بنضار )
( واربع على حكم الربيع بأجرع ** هزج الندامى مفصح الأطيار )
( متقسم الألحاظ بين محاسن ** من ردف رابية وخصر قرار )
( نثرت بحجر الروض فيه يد الصبا ** درر الندى ودراهم الأنوار )
( وهفت بتغريد هنالك أيكة ** خفاقة بمهب ريح عرار )
( هزت له أعطافها ولربما ** خلعت عليه ملاءة النوار )
____________________
(3/198)


( وواعدتها والشمس تجنح للنوى ** بزورتها شمسا وبدر الدجى يسري )
( فجاءت كما يمشي سنا الصبح في الدجى ** وطورا كما مر النسيم على النهر )
( فعطرت الآفاق حولي فأشعرت ** بمقدمها والعرف يشعر بالزهر )
( فتابعت بالتقبيل آثار سعيها ** كما يتقصى قارئ أحرف السطر )
( فبت بها والليل قد نام والهوى ** تنبه بين الغصن والحقف والبدر )
( أعانقها طورا وألثم تارة ** إلى أن دعتنا للنوى راية الفجر )
( ففضت عقودا للتعانق بيننا ** فيا ليلة القدر اتركي ساعة النفر ) وهل منكم من قيد بالإحسان فأطلق لسانه الشكر فقال وهو ابن اللبانة
( بنفسي وأهلي جيرة ما استعنتهم ** على الدهر إلا وانثنيت معانا )
( أراشوا جناحي ثم بلوه بالندى ** فلم أستطع من أرضهم طيرانا ) ومن يقول وقد قطع عنه ممدوحه ما كان يعتاده منه من الإحسان فقابل ذلك بقطع مدحه له فبلغه أنه عتبه على ذلك وهو ابن وضاح
( هل كنت إلا طائرا بثنائكم ** في دوح مجدكم أقوم وأقعد )
( إن تسلبوني ريشكم وتقلصوا ** عني ظلالكم فكيف أغرد )
وهل منكم شاعر رأى الناس قد ضجوا من سماع تشبيه الثغر بالأقاح وتشبيه الزهر بالنجوم وتشبيه الخدود بالشقائق فتلطف لذلك في أن يأتي به في منزع يصير خلقه في الأسماع جديدا وكليله في الأفكار حديدا فأغرب أحسن إغراب وأعرب عن فهمه بحسن تخيله أنبل إعراب وهو ابن الزقاق
( وأغيد طاف بالكؤوس ضحى ** وحثها والصباح قد وضحا )
( والروض أهدى لنا شقائقه ** وآسه العنبري قد نفحا )
( قلنا وأين الأقاح قال لنا ** أودعته ثغر من سقى القدحا )
( فظل ساقي المدام يجحد ما ** قال فلما تبسم افتضحا )
وقال
( أديراها على الروض المندى ** وحكم الصبح في الظلماء ماضي )
( وكأس الراح تنظر عن حباب ** ينوب لنا عن الحدق المراض )
( وما غربت نجوم الأفق لكن ** نقلن من السماء إلى الرياض ) وقال
( ورياض من الشقائق أضحت ** يتهادى بها نسيم الرياح )
( زرتها والغمام يجلد منها ** زهرات تروق لون الراح )
( قلت ما ذنبها فقال مجيبا ** سرقت حمرة الخدود الملاح )
فانظر كيف زاحم بهذا الاختيال المخترعين وكيف سابق بهذا اللفظ المبتدعين وهل منكم من برع في أوصاف الرياض والمياه وما يتعلق بذلك فانتهى إلى راية السباق وفضح كل من طمع بعده في اللحاق وهو أبو إسحاق ابن خفاجة القائل
( وعشي أنس أضجعتنا نشوة ** فيها يمهد مضجعي ويدمث )
( خلعت علي بها الأراكة ظلها ** والغصن يصغي والحمام يحدث )
( والشمس تجنح للغروب مريضة ** والرعد يرقي والغمامة تنفث )
والقائل
( لله نهر سال في بطحاء ** أشهى ورودا من لمى الحسناء )
( متعطف مثل السوار كأنه ** والزهر يكنفه مجر سماء )
( قد رق حتى ظن قرصا مفرغا ** من فضة في بردة خضراء )
( وغدت تحف به الغصون كأنها ** هدب تحف بمقلة زرقاء )
( ولطالمها عاطيت فيه مدامة ** صفراء تخضب أيدي الندماء )
( والريح تعبث بالغصون وقد جرى ** ذهب الأصيل على لجين الماء )
والقائل
( حث المدامة والنسيم عليل ** والظل خفاق الرواق ظليل )
( والروض مهتز المعاطف نعمة ** نشوان تعطفه الصبا فيميل )
( ريان فضضه الندى ثم انجلى ** عنه فذهب صفحتيه أصيل ) والقائل
( أذن الغمام بديمة وعقار ** فامزج لجينا منهما بنضار )
( واربع على حكم الربيع بأجرع ** هزج الندامى مفصح الأطيار )
( متقسم الألحاظ بين محاسن ** من ردف رابية وخصر قرار )
( نثرت بحجر الروض فيه يد الصبا ** درر الندى ودراهم الأنوار )
( وهفت بتغريد هنالك أيكة ** خفاقة بمهب ريح عرار )
( هزت له أعطافها ولربما ** خلعت عليه ملاءة النوار )
____________________
(3/199)


( وأغيد طاف بالكؤوس ضحى ** وحثها والصباح قد وضحا )
( والروض أهدى لنا شقائقه ** وآسه العنبري قد نفحا )
( قلنا وأين الأقاح قال لنا ** أودعته ثغر من سقى القدحا )
( فظل ساقي المدام يجحد ما ** قال فلما تبسم افتضحا )
وقال
( أديراها على الروض المندى ** وحكم الصبح في الظلماء ماضي )
( وكأس الراح تنظر عن حباب ** ينوب لنا عن الحدق المراض )
( وما غربت نجوم الأفق لكن ** نقلن من السماء إلى الرياض ) وقال
( ورياض من الشقائق أضحت ** يتهادى بها نسيم الرياح )
( زرتها والغمام يجلد منها ** زهرات تروق لون الراح )
( قلت ما ذنبها فقال مجيبا ** سرقت حمرة الخدود الملاح )
فانظر كيف زاحم بهذا الاختيال المخترعين وكيف سابق بهذا اللفظ المبتدعين وهل منكم من برع في أوصاف الرياض والمياه وما يتعلق بذلك فانتهى إلى راية السباق وفضح كل من طمع بعده في اللحاق وهو أبو إسحاق ابن خفاجة القائل
( وعشي أنس أضجعتنا نشوة ** فيها يمهد مضجعي ويدمث )
( خلعت علي بها الأراكة ظلها ** والغصن يصغي والحمام يحدث )
( والشمس تجنح للغروب مريضة ** والرعد يرقي والغمامة تنفث )
والقائل
( لله نهر سال في بطحاء ** أشهى ورودا من لمى الحسناء )
( متعطف مثل السوار كأنه ** والزهر يكنفه مجر سماء )
( قد رق حتى ظن قرصا مفرغا ** من فضة في بردة خضراء )
( وغدت تحف به الغصون كأنها ** هدب تحف بمقلة زرقاء )
( ولطالمها عاطيت فيه مدامة ** صفراء تخضب أيدي الندماء )
( والريح تعبث بالغصون وقد جرى ** ذهب الأصيل على لجين الماء )
والقائل
( حث المدامة والنسيم عليل ** والظل خفاق الرواق ظليل )
( والروض مهتز المعاطف نعمة ** نشوان تعطفه الصبا فيميل )
( ريان فضضه الندى ثم انجلى ** عنه فذهب صفحتيه أصيل ) والقائل
( أذن الغمام بديمة وعقار ** فامزج لجينا منهما بنضار )
( واربع على حكم الربيع بأجرع ** هزج الندامى مفصح الأطيار )
( متقسم الألحاظ بين محاسن ** من ردف رابية وخصر قرار )
( نثرت بحجر الروض فيه يد الصبا ** درر الندى ودراهم الأنوار )
( وهفت بتغريد هنالك أيكة ** خفاقة بمهب ريح عرار )
( هزت له أعطافها ولربما ** خلعت عليه ملاءة النوار )
____________________
(3/200)


( والشمس تجنح للغروب مريضة ** والرعد يرقي والغمامة تنفث )
والقائل
( لله نهر سال في بطحاء ** أشهى ورودا من لمى الحسناء )
( متعطف مثل السوار كأنه ** والزهر يكنفه مجر سماء )
( قد رق حتى ظن قرصا مفرغا ** من فضة في بردة خضراء )
( وغدت تحف به الغصون كأنها ** هدب تحف بمقلة زرقاء )
( ولطالمها عاطيت فيه مدامة ** صفراء تخضب أيدي الندماء )
( والريح تعبث بالغصون وقد جرى ** ذهب الأصيل على لجين الماء )
والقائل
( حث المدامة والنسيم عليل ** والظل خفاق الرواق ظليل )
( والروض مهتز المعاطف نعمة ** نشوان تعطفه الصبا فيميل )
( ريان فضضه الندى ثم انجلى ** عنه فذهب صفحتيه أصيل ) والقائل
( أذن الغمام بديمة وعقار ** فامزج لجينا منهما بنضار )
( واربع على حكم الربيع بأجرع ** هزج الندامى مفصح الأطيار )
( متقسم الألحاظ بين محاسن ** من ردف رابية وخصر قرار )
( نثرت بحجر الروض فيه يد الصبا ** درر الندى ودراهم الأنوار )
( وهفت بتغريد هنالك أيكة ** خفاقة بمهب ريح عرار )
( هزت له أعطافها ولربما ** خلعت عليه ملاءة النوار )
____________________
(3/201)

والقائل
( سقيا لها من بطاح خز ** ودوح نهر بها مطل )
( إذ لا ترى غير وجه شمس ** أطل فيه عذار ظل ) والقائل
( نهر كما سال اللمى سلسال ** وصبا بليل ذيلها مكسال )
( ومهب نفحة روضة مطلولة ** في جانبيها للنسيم مجال )
( غازلتها والأقحوانة مبسم ** والآس صدغ والبنفسج خال ) والقائل
( وساق كحيل اللحظ في شأو حسنه ** جماح وبالصبر الجميل حران )
( ترى للصبا نارا بخديه لم يثر ** لها من سوادي عارضيه دخان )
( سقاها وقد لاح الهلال عشية ** كما اعوج في درع الكمي سنان )
( عقارا نماها الكرم فهي كريمة ** ولم تزن بابن المزن فهي حصان )
( وقد جال من جون الغمامة أدهم ** له البرق سوط والشمال عنان )
( وضمخ درع الشمس نحر حديقة ** عليه من الطل السقيط جمان )
( ونمت بأسرار الرياض خميلة ** لها النور ثغر والنسيم لسان ) والقائل في وصف فرس ولم يخرج عن طريقته
( وأشقر تضرم منه الوغى ** بشعلة من شعل الباس )
( من جلنار ناضر لونه ** وأذنه من ورق الآس )
( يطلع للغرة في شقرة ** حبابة تضحك في كاس )
____________________
(3/202)


وهل منكم من يقول منادما لنديمه وقد باكر روضا بمحبوب وكأس فألفاه قد غطى محاسنه ضباب فخاف أن يكسل نديمه عن الوصول إذا رأى ذلك وهو أبو الحسن افبن بسام
( ألا بادر فما ثان سوى ما ** عهدت الكأس والبدر التمام )
( ولا تكسل برؤيته ضبابا ** تغص به الحديقة والمدام )
( فإن الروض ملتثم إلى أن ** توافيه فينحط اللثام )
وهل منكم من تغزل في غلام حائك بمثل قول الرصافي
( قالوا وقد أكثروا في حبه عذلي ** لو لم تهم بمذال القدر مبتذل )
( فقلت لو كان أمري في الصبابة لي ** لاخترت ذاك ولكن ليس ذلك لي )
( علقته حببي الثغر عاطره ** حلو اللمى ساحر الأجفان والمقل )
( غزيل لم تزل في الغزل جائلة ** بنانه جولان الفكر في الغزل )
( جذلان تلعب بالمحواك أنمله ** على السدى لعب الأيام بالأمل )
( ضما بكفيه أو فحصا بأخمصه ** تخبط الظبي في أشراك محتبل ) ومثل قوله في تغلب مسكة الظلام على خلوق الأصيل
( وعشي رائق منظره ** قد قطعناه على صرف الشمول )
( وكأن الشمس في أثنائه ** ألصقت بالأرض خدا للنزول )
( والصبا ترفع أذيال الربى ** ومحيا الجو كالنهر الصقيل )
( حبذا منزلنا مغتبقا ** حيث لا يطرقنا غير الهديل )
____________________
(3/203)


( طائر شاد وغصن منثن ** والدجى تشرب صهباء الأصيل )
وهل منكم من يقول في موشح فيما يجره هذا المعنى رداء الأصيل تطويه كف الظلام وهو أبو قاسم بن الفرس
وهل منكم من زصف غلاما جميل الصورة راقصا بمثل قول ابن خروف
( ومنزع الحركات يلعب بالنهى ** لبس المحاسن عند خلع لباسه )
( متأودا كالغصن وسط رياضه ** متلاعبا كالظبي عند كناسه )
( بالعقل يلعب مقبلا أو مدبرا ** كالدهر يلعب كيف شاء بناسه )
( ويضم للقدمين منه رأسه ** كالسيف ضم ذبابه لرئاسه
وهل منكم من وصف خالا بأحسن من قول النشار
( ألوامي على كلفي بيحيى ** متى من حبه أرجو سراحا )
( وبين الخد والشفتين خال ** كزنجي أتى روضا صباحا )
( تحير في جناه فليس يدري ** أيجني الورد أم يجني الأقاحا )
وهل منكم الذي اهتدى إلى معنى في لثم وردة الخد ورشف رضاب الثغر لم يهتد إليه أحد غيره وهو أبو الحسن سلام بن سلام المالقي في قوله
____________________
(3/204)


( لما ظفرت بليلة من وصله ** والصب غير الوصل لا يشفيه )
( أنضجت وردة خده بتنفسي ** وطفقت أرشف ماءها من فيه )
وهل منكم من هجا من غير النطق بإقذاع فبلغ ما لم يبلغه المقذع وهو المخزومي في قوله
( يود عيسى نزول عيسى ** عساه من دائه يريح )
( وموضع الداء منه عضو ** لا يرتضي مسه المسيح )
ولما أقذع أتى أيضا بأبدع فقال
( يا فارس الخيل ولا فارس ** إلا على متن جواد الخصى )
( زدت على موسى وآياته ** تفجر الماء وتخفي العصا )
وهل منكم من مدح بمعنى فبلغ به النهاية من المدح ثم نقله إلى الهجاء فبلغ به النهاية من الذم وهو اليكي في قوله مادحا
( قوم لهم شرف العلا في حمير ** وإذا انتموا لمتونة فهم هم )
( لما حووا أحراز كل فضيلة ** غلب الحياء عليهم فتلثموا )
وفي قوله هاجيا
( إن المرابط باخل بنواله ** لكنه بعياله يتكرم )
____________________
(3/205)


( الوجه منه مخلق بقبيح ما ** يأتيه فهو من اجله يتلثم )
وهل منكم من هجا أشتر العين بمثل قول أبي العباس بن حنون الإشبيلي
( يا طلعة أبدت قبائح جمة ** فالكل منها إن نظرت قبيح )
( أبعينك الشتراء عين ثرة ** منها ترقرق دمعها المسفوح )
( شترت فقلنا زورق في لجة ** مالت بإحدى دفتيه الريح )
( وكأنما إنسانها ملاحها ** قد خاف من غرق فظل يميح )
وهل منكم من حضر مع عدو له جاحد لما فعله معه من الخير وأمامهما زجاجة سوداء فيها خمر فقال له الحسود المذكور إن كنت شاعرا فقل في هذه فقال ارتجالا وهو ابن مجبر
( سأشكو إلى الندمان أمر زجاجة ** تردت بثوب حالك اللون أسحم )
( نصب بها شمس المدامة بيننا ** فتغرب في جنح من الليل مظلم )
( وتجحد أنوار الحميا بلونها ** كقلب حسود جاحد يد منعم )
وهل منكم من قال لفاضل جمع بينه وبين فاضل وهو أبو جعفر الذهبي
____________________
(3/206)


( أيها الفاضل الذي قد هداني ** نحو من قد حمدته باختبار )
( شكر الله ما أتيت وجازا ك ** ولا زلت نجم هدى لساري )
( أي برق أفاد أي غمام ** وصباح أدى لضوء نهار )
( وإذا ما غدا النسيم دليلي ** لم يحلني إلا على الأزهار )
وهل منكم أعمى قال في ذهاب بصره وسواد شعره وهو التطيلي
( أما اشتفت مني الأيام في وطني ** حتى تضايق فيما عن من وطري )
( ولا قضت من سواد العين حاجتها ** حتى تكر على ما طل في الشعر ) وهل منكم الذي طار في مشارق الأرض ومغاربها قوله وهو أبو القاسم محمد بن هانئ الإلبيري
( فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ** وأمدكم فلق الصباح المسفر )
( وجنيتم ثمر الوقائع يانعا ** بالنصر من ورق الحديد الأخضر )
وقد سمعت فائيته في النجوم ولولا طولها لأنشدتها هنا فإنها أحسن ما قيل في معناها وهل منكم من قال في الزهد مثل قول أبي وهب العباسي القرطبي
( أنا في حالتي التي قد تراني ** إن تأملت أحسن الناس حالا )
( منزلي حيث شئت من مستقر الأرض ** أسقى من المياه زلالا )
( ليس لي كسوة أخاف عليها ** من مغير ولا ترى لي مالا )
( أجعل الساعد اليمين وسادي ** ثم أثني إذا انقلبت الشمالا )
____________________
(3/207)


( ليس لي والد ولا مولود ** ولا لي حزت مذ عقلت عيالا )
( قد تلذذت حقبة بأمور ** فتأملتها فكانت خيالا )
ومثل قول أبي محمد عبد الله بن العسال الطليطلي
( أنظر الدنيا فإن أبصرتها شيئا يدوم فاغد منها في أمان إن يساعدك النعيم وإذا أبصرتها منك ** على كره تهيم )
( فاسل عنها واطرحها ** وارتحل حيث تقيم ) وهل نشأ عندكم من النساء مثل ولادة المروانية التي تقول مداعبة للوزير ابن زيدون وكان له غلام اسمه ( علي )
( ما لابن زيدون على فضله ** يغتابني ظلما ولا ذنب لي )
( ينظرني شزرا إذا جئته ** كأنما جئت لأخصي علي )
ومثل زينب بنت زياد المؤدب الوادي آشية التي تقول
( ولما أبى الواشون إلا فراقنا ** وما لهم عندي وعندك من ثار )
( وشنوا على أسماعنا كل غارة ** وقل حماتي عند ذاك وأنصاري )
( غزوتهم من مقلتيك وأدمعي ** ومن نفسي بالسيف والماء والنار )
وأنا أختم هذه القطع المتخيرة بقول أبي بكر ابن بقي ليكون الختام مسكا
( عاطيته والليل يسحب ذيله ** صهباء كالمسك الفتيق لناشق )
( وضممته ضم الكمي لسيفه ** وذؤابتاه حمائل في عاتقي )
( حتى إذا مالت به سنة الكرى ** زحزحته شيئا وكان معانقي
( باعدته عن أضلع تشتاقه ** كيلا ينام على وساد خافق )
ويقول القاضي أبي حفص ابن عمر القرطبي
( هم نظروا لواحظها فهاموا ** وتشرب لب شاربها المدام )
( يخاف الناس مقلتها سواها ** أيذعر قلب حامله الحسام )
( سما طرفي إليها وهو باك ** وتحت الشمس ينسكب الغمام )
( وأذكر قدها فأنوح وجدا ** على الأغصان تنتدب الحمام )
( وأعقب بينها في الصدر غما ** إذا غربت ذكاء أتى الظلام )
وبقوله أيضا
( لها ردف تعلق في لطيف ** وذاك الردف لي ولها ظلوم )
( يعذبني إذا فكرت فيه ** ويتعبها إذا رامت تقوم )
وقد أطلت عنان النظم على أني اكتفيت عن الاستدلال على النهار بالصباح فبالله إلا ما أخبرتني من شاعركم الذي تقابلون به شاعرا ممن ذكرت لا أعرف لكم أشهر ذكرا وما أضخم شعرا من أبي العباس الجراوي
____________________
(3/208)


( عاطيته والليل يسحب ذيله ** صهباء كالمسك الفتيق لناشق )
( وضممته ضم الكمي لسيفه ** وذؤابتاه حمائل في عاتقي )
( حتى إذا مالت به سنة الكرى ** زحزحته شيئا وكان معانقي
( باعدته عن أضلع تشتاقه ** كيلا ينام على وساد خافق )
ويقول القاضي أبي حفص ابن عمر القرطبي
( هم نظروا لواحظها فهاموا ** وتشرب لب شاربها المدام )
( يخاف الناس مقلتها سواها ** أيذعر قلب حامله الحسام )
( سما طرفي إليها وهو باك ** وتحت الشمس ينسكب الغمام )
( وأذكر قدها فأنوح وجدا ** على الأغصان تنتدب الحمام )
( وأعقب بينها في الصدر غما ** إذا غربت ذكاء أتى الظلام )
وبقوله أيضا
( لها ردف تعلق في لطيف ** وذاك الردف لي ولها ظلوم )
( يعذبني إذا فكرت فيه ** ويتعبها إذا رامت تقوم )
وقد أطلت عنان النظم على أني اكتفيت عن الاستدلال على النهار بالصباح فبالله إلا ما أخبرتني من شاعركم الذي تقابلون به شاعرا ممن ذكرت لا أعرف لكم أشهر ذكرا وما أضخم شعرا من أبي العباس الجراوي
____________________
(3/209)

وأولى لكم أن تجحدوا فخره وتنسوا ذكره فقد كفاكم ما جرى من الفضيحة عليكم في قوله من قصيدة يمدح بها خليفة
( إذا كان أملاك الزمان أراقما ** فإنك فيهم دائم الدهر ثعبان )
فما أقبح ما وقع ( ( ثعبان ) ) وما أضعف ما جاء ( ( دائم الدهر ) ) ولقد أنشدت أحد ظرفاء الأندلس هذا البيت فقال لا ينكر هذا على مثل الجراوي فسبحان من جعل نسبه وروحه وشعره تتناسب في الثقالة وإن أردت الافتخار بالفرسان والتفاضل بالشجعان فمن كان قبلنا منهم في مدة المنصور بن أبي عامر ومدة ملوك الطوائف أخبارهم مشهورة وآثارهم مذكورة وكفاك من أبطال عصرنا ما سمعت عن الأمير أبي عبد الله ابن مردنيش وأنه كان يدفع في المواكب ويشقها يمينا ويسارا منشدا
( أكر على الكتيبة لا أبالي ** أحتفي كان فيها أم سواها ) حتى أنه دفع يوما في موكب من النصارى فصرع وقتل وظهر منه ما أعجبت به نفسه فقال لشيخ من خواصه عالم بأمور الحرب مشهور بها كيف رأيت فقال له لو رآك السلطان زاد فيما لك في بيت المال وأعلى مرتبتك أمن يكون رأس جيش يقدم هذا الإقدام ويتعرض بهلاك نفسه إلى هلاك جيشه فقال له دعني فإني لا أموت مرتين وإذا مت أنا فلا عاش من بعدي
والقائد أبو عبد الله ابن قادس الذي اشتهر من شجاعته ومواقعه في النصارى وحسن بلائه ما صير النصارى من رعبه والإقرار بفضله في هذا الشأن أن يقول
____________________
(3/210)

أحدهم لفرسه إذا سقاه فلم يقبل على الماء ما لك أرأيت ابن قادس في الماء وهذه مرتبة عظيمة
( والفضل ما شهدت به الأعداء ** ) ولقد أخبرني من أثق به أنه خرج من عسكر في كتيبة مجردة برسم الغارة على بلاد النصارى فوقع في جمع كبير منهم فجهد جهده في الخلاص منهم والرجوع إلى العسكر فجعل يقاتل مع أصحابه في حالة الفرار إلى أن كبا بأحد جنده فرسه وفر عنه فناداه مستغيثا فقال اصبر ثم نظر إلى فارس من النصارى قد طرق فقال اجر إلى هذا النصراني فخذ فرسه وركض نحوه فأسقطه وقال لصاحبه اركب فركب ونجا معه سالما وأمثال هذا كثير وإنما جئت بحصاة من ثبير وأما كرم النفس وشمائل الرياسة فأنا أحكي لك حكاية تتعجب منها وهي مما جرى في عصرنا وذلك أن أبا بكر بن زهر نشأت بينه وبين الحافظ أبي بكر ابن الجد عداوة مفرطة للاشتراك في العلم والرياسة وكثرة المال والبلدية فأجرى ابن زهر يوما ذكره في جماعة من أصحابه وقال لقد آذانا هذا الرجل أشد أذية ولم يقصر في القول عند أمير المؤمنين وعند خواص الناس وعوامهم فقال له أحد عوامهم إني أذكر لك عليه عقدا فيه مخاصمة في موضع مما يعز عليه من مواضعه ومتى خاصمته في ذلك بلغت منه في النكاية أشد مبلغ فحرج ابن زهر وأظهر الغضب الشديد والإنكار لذلك وقال لوكيله أمثلي يجازي على العداوة بما يجازى به السفل والأوباش وإني أجعل ابن الجد في حل من موضع الخصام وأمر بأن يحمل له العقد ثم قال وإني
____________________
(3/211)

والله ما أروم بذلك أن أصالحه فإن عداوته من حسد وأنا أسأل الله تعالى أن يديمها لأنها مقترنة بدوام نعم الله علي
وإن تعرضت إلى ذكر البلاد وتفسير محاسنها وما خصها الله تعالى به مما حرمها غيرها فاسمع ما يميت الحسود كمدا أما إشبيلية فمن محاسنها اعتدال الهواء وحسن المباني وتزيين الخارج والداخل وتمكن التمصر حتى أن العامة تقول لو طلب لبن الطير في إشبيلية وجد ونهرها الأعظم الذي يصعد المد فيه اثنين وسبعين ميلا ثم يحسر وفيه يقول ابن سفر
( شق النسيم عليه جيب قميصه ** فانساب من شطيه يطلب ثاره )
( فتضاحكت ورق الحمام بدوحها ** هزءا فضم من الحياء إزاره )
وزيادته على الأنهار كون ضفتيه مطرزتين بالمنازه والبساتين والكروم والأنشام متصل ذلك اتصالا لا يوجد على غيره
وأخبرني شخص من الأكياس دخل مصر وقد سألته عن نيلها أنه لا تتصل بشطيه البساتين والمنازه اتصالها بنهر إشبيلية وكذلك أخبرني شخص آخر دخل بغداد وقد سعد هذا الوادي بكونه لا يخلو من مسرة وأن جميع ادوات الطرب وشرب الخمر فيه غير منكر لا ناه عن ذلك ولا منتقد ما لم يؤد السكر إلى شر وعربدة وقد رام من وليها من الولاة المظهرين للدين قطع ذلك فلم يستطيعوا إزالته وأهله أخف الناس أرواحا وأطبعهم نوادر وأحملهم لمزاح بأقبح ما يكون من السب قد مرنوا على ذلك فصار لهم ديدنا حتى صار عندهم من لا يبتذل فيه ولا يتلاعن ممقوتا ثقيلا
وقد سمعت عن شرف إشبيلية الذي ذكره أحد الوشاحين في موشحة مدح بها المعتضد بن عباد
____________________
(3/212)


( إشبيليا عروس ** وبعلها عباد )
( وتاجها الشرف ** وسلكها الواد )
أي شرف قد حاز ما شاء من الشرف إذ عم أقطار الأرض خيره وسفر ما يعصر من زيتونه من الزيت حتى بلغ الإسكندرية وتزيد قراه على غيرها من القرى بانتخاب مبانيها وتهمم سكانها فيها داخلا وخارجا إذ هي من تبييضهم لها نجوم في سماء الزيتون وقيل لأحد من رأى مصر والشام أيها رأيت أحسن هذان أم إشبيلية فقال بعد تفضيل إشبيلية وشرفها غابة بلا أسد ونهرها نيل بلا تمساح
وقد سمعت عن جبال الرحمة بخارجها وكثرة ما فيها من التين القوطي والشعري وهذان الصنفان أجمع المتجولون في أقطار الأرض أن ليس في غير إشبيلية مثل لهما وقد سمعت ما في هذا البلد من أصناف أدوات الطرب كالخيال والكريج والعود والروطة والرباب والقانون والمؤنس والكثيرة والفنار والزلامي والشقرة والنورة - وهما مزماران الواحد غليظ الصوت والآخر رقيقه - والبوق وإن كان جميع هذا موجودا في غيرها من بلاد الأندلس فإنه فيها أكثر وأوجد وليس في بر العدوة من هذا شيء إلا ما جلب إليه من الأندلس وحسبهم الدف وأقوال واليرا وأبو قرون ودبدبة السودان وحماقي البرابر وأما جواريها ومراكبها برا وبحرا ومطابخها وفواكهها الخضراء واليابسة فأصناف
____________________
(3/213)

أخذت من التفضيل بأوفر نصيب وأما مبانيها فقد سمعت عن إتقانها واهتمام أصحابها بها وكون أكثر ديارها لا تخلو من الماء الجاري والأشجار المتكاثفة كالنارنج والليم والليمون والزنبوع وغير ذلك وأما علماؤها في كل صنف رفيع أو وضيع جدا أو هزلا فأكثر من أن يعدوا وأشهر من أن يذكروا وأما ما فيها من الشعراء والوشاحين والزجالين فما لو قسموا على بر العدوة ضاق بهم والكل ينالون خير رؤسائها ورفدهم وما من جميع ما ذكرت في هذه البلدة الشريفة إلا وقصدي به العبارة عن فضائل جميع الأندلس فما تخلو بلادها من ذلك ولكن جعلت إشبيلية بل الله جعلها أم قراها ومركز فخرها وعلاها إذ هي أكبر مدنها وأعظم أمصارها
وأما قرطبة فكرسي المملكة في القديم ومركز العلم ومنار التقى ومحل التعظيم والتقديم بها استقرت ملوك الفتح وعظماؤه ثم الملوك المروانية وبها كان يحيى بن يحيى راوية مالك وعبد الملك بن حبيب وقد سمعت من تعظيم أهلها للشريعة ومنافستهم في السؤدد بعلمها وأن ملوكها كانوا يتواضعون لعلمائها ويرفعون أقدارهم ويصدرون عن آرائهم وأنهم كانوا لا يقدمون وزيرا ولا مشاورا ما لم يكن عالما حتى أن الحكم المستنصر لما كره له العلماء شرب الخمر هم بقطع شجرة العنب من الأندلس فقيل له فإنها تعصر من سواها فأمسك عن ذلك وأنهم كانوا لا يقدمون أحدا للفتوى ولا لقبول الشهادة حتى يطول اختباره وتعقد له مجالس المذاكرة ويكون ذا مال في غالب الحال خوفا من أن يميل به الفقر إلى الطمع فيما في أيدي الناس فيبيع به حقوق الدين ولقد أخبرت أن الحكم الربضي أراد تقديم شخص من الفقهاء يختص به للشهادة فأخذ في ذلك مع يحيى بن يحيى وعبد الملك وغيرهما من أعلام العلماء فقالوا له هو أهل ولكنه شديد الفقر ومن
____________________
(3/214)

يكون في هذه الحالة لا تأمنه على حقوق المسلمين لا سيما وأنت تريد انتفاعه وظهوره في الدخول في المواريث والوصايا وأشباه ذلك فسكت ولم ير منازعتهم وبقي مهموما من كونهم لم يقبلوا قوله فنظر إليه ولده عبد الرحمن الذي ولي الملك بعده وعلى وجهه أثر ذلك فقال ما بالك يا مولاي فقال ألا ترى لهؤلاء الذين نقدمهم وننوه عند الناس بمكانهم حتى إذا كلفناهم ما ليس عليهم فيه شطط بل ما لا يعيبهم ولا هو مما يرزؤهم شيئا صدونا عنه وغلقوا أبواب الشفاعة وذكر له ما كان منهم فقال يا مولاي أنت أولى الناس بالإنصاف إن هؤلاء ما قدمتهم أنت ولا نوهت بهم وإنما قدمهم ونوه بهم علمهم أو كنت تأخذ قوما جهالا فتضعهم في مواضعهم قال لا قال فأنصفهم فيما تعبوا فيه من العلم لينالوا به لذة الدنيا وراحة الآخرة قال صدقت ثم قال وأما كونهم لم يقبلوا هذا الرجل لشدة فقره فالعلة في ذلك تنحسم بما يبقي لك في الصالحات ذكرا قال وما هو قال تعطيه من مالك قدر ما يلحق به من الغنى ما يؤهله لتلك المنزلة ويزيل عنك هذا خجل ردهم لك وتكون هذه مكرمة ما سبقك إليها أحد فتهلل وجه الحكم وقال إلي إلي إنها والله شنشنة عبشمية وإن الذي قال فينا لصادق
( وأبناء أملاك خضارم سادة ** صغيرهم عند الأنام كبير )
ثم استدعى عبد الملك بن حبيب وسأله عن قدر ما يؤهله لتلك المرتبة من الغنى فذكر له عددا فأمر له به في الحين ونبه قدره بأن أعطاه من إصطبله مركوبا وكانت هذه أكرومة لا خفاء بعظمها
____________________
(3/215)


( يفنى الزمان وما بنته مخلد ** )
ثم إنه إذا كان له من الغنى ما يكفه عن أموال الناس ومن الدين ما يصده عن محارم الله تعالى ومن العلم ما لا يجهل به التصرف في الشريعة أباحوا له الفتوى والشهادة وجعلوا علامة لذلك بين الناس القالس والرداء
وأهل قرطبة أشد الناس محافظة على العمل بأصح الأقوال المالكية حتى أنهم كانوا لا يولون حاكما إلا بشرط أن لا يعدل في الحكم عن مذهب ابن القاسم
وقال ابن سارة لما دخل قرطبة
( الحمد لله قد وافيت قرطبة ** دار العلوم وكرسي السلاطين )
وهي كانت مجمع جيوش الإسلام ومنها نصر الله على عبدة الصليب
يقال إن المنصور بن أبي عامر - حين تم له ملك البرين وتوفرت الجيوش والأموال - عرض بظاهر قرطبة خيله ورجله وقد جمع من أقطار البلاد ما ينهض به إلى قتال العدو وتدويخ بلاده فنيف الفرسان على مائتي ألف والرجالة على ستمائة ألف
وبها حتى الآن من صناديد المسلمين وقوادهم من لا يفتر عن محاربة ولا يمل من مضاربة من أسماؤهم بأقاصي بلاد النصارى مشهورة وآثارهم فيها مأثورة وقلوبهم على البعد بخوفهم معمورة ويحكى أن العمارة في مباني قرطبة والزاهرة اتصلت إلى أن كان يمشى فيها لضوء السرج المتصلة عشرة أميال وأما جامعها الأعظم فقد سمعت أن ثرياته من نواقيس النصارى وأن الزيادة التي زاد في بنائه ابن أبي عامر من تراب نقله النصارى على رؤوسهم مما هدم من كنائس بلادهم وقد
____________________
(3/216)

سمعت أيضا عن قنطرتها العظمى وكثرة أرحي واديها يقال إنها تنيف على خمسة آلاف حجر وقد سمعت عن كنبانيتها وما فضل الله تعالى به تربها من بركة وما ينبت فيها من القمح وطيبه وفيها جبال الورد الذي بلغ الربع منه مرات إلى ربع درهم وصار أصحابه يرون الفضل لمن قطف بيده ما يمنحونه منه ونهرها إن صغر عندها عن عظمه عند إشبيلية فإن لتقارب بريه هنالك وتقطع غدره ومروجه معنى آخر وحلاوة أخرى وزيادة أنس وكثرة أمان من الغرق وفي جوانبه من البساتين والمروج ما زاده نضارة وبهجة
وأما جيان فإنها لبلاد الأندلس قلعة إذ هي أكثرها زرعا وأصرمها أبطالا وأعظمها منعة وكم رامتها من عساكر النصارى عند فترات الفتن فرأوها أبعد من العيوق وأعز منالا من بيض الأنوق ولا خلت من علماء ولا من شعراء ويقال لها ( ( جيان الحرير ) ) لكثرة اعتناء باديتها وحاضرتها بدود الحرير
ومما يعد في مفاخرها ما ببياسة إحدى بلاد أعمالها من الزعفران الذي يسفر برا وبحرا وما في أبدة من الكروم التي كاد العنب فيها لا يباع فيها ولا يشترى كثرة وما كان بأبدة من أصناف الملاهي والرواقص المشهورات بحسن الانطباع والصنعة فإنهن أحذق خلق الله تعالى باللعب بالسيوف والدك وإخراج القروى والمرابط والمتوجه
وأما غرناطة فإنها دمشق بلاد الأندلس ومسرح الأبصار ومطمح الأنفس لها القصبة المنيعة ذات الأسوار الشامخة والمباني الرفيعة وقد اختصت بكون النهر يتوزع على ديارها وحماماتها وأسواقها وأرحاها الداخلة والخارجة وبساتينها وزانها الله تعالى بأن جعلها مرتبة على بسيطها الممتد الذي تفرعت
____________________
(3/217)

فيه سبائك الأنهار بين زبرجد الأشجار ولنسيم نجدها وبهجة منظر حورها في القلوب والأبصار استلطاف يروق الطباع ويحدث فيها ماشاءه الإحسان من الاختراع والابتداع ولم تخل من أشراف أماثل وعلماء أكابر وشعراء افاضل ولو لم يكن لها إلا ما خصها الله تعالى به من كونها قد نبغ فيها من الشواعر مثل نزهون القلاعية وزينب بنت زياد وقد تقدم شعرهما وحفصة بنت الحاج وناهيك في الظرف والأدب وهل ترى أظرف منها في جوابها للوزير للحسيب الناظم الناثر أبي جعفر بن القائد الأجل أبي مروان بن سعيد وذلك أنهما باتا بحور مؤمل على ما يبيت به الروض والنسيم من طيب النفحة ونضارة النعيم فلما حان الانفصال قال أبو جعفر
( رعى الله ليلا لم يرع بمذمم ** عشية وارانا بحور مؤمل )
( وقد خفقت من نحو نجد أريجة ** إذا نفحت هبت بريا القرنفل )
( وغرد قمري على الدوح وانثنى ** قضيب من الريحان من فوق جدول )
( ترى الروض مسرورا بما قد بدا له ** عناق وضم وارتشاف مقبل ) وكتبه إليها بعد الافتراق لتجاوبه على عادتها في ذلك فكتبت له ما لا يخفى فيه قيمتها
( لعمرك ما سر الرياض بوصلنا ** ولكنه أبدى لنا الغل والحسد )
( ولا صفق النهر ارتياحا لقربنا ** ولا صدح القمري إلا بما وجد )
( فلا تحسن الظن الذي أنت أهله ** فما هو في كل المواطن بالرشد )
( فما خلت هذا الأفق أبدى نجومه ** لأمر سوى كيما تكون لنا رصد )
وأما مالقة فإنها قد جمعت بين منظر البحر والبر بالكروم المتصلة التي
____________________
(3/218)

لا تكاد ترى فيها فرجة لموضع غامر والبروج التي شابهت نجوم السماء كثرة عدد وبهجة ضياء وتخلل الوادي الزائر لها في فصلي الشتاء والربيع في سرر بطحائها وتوشيحه لخصور أرجائها ومما اختصت به من بين سائر البلاد التين الريي المنسوب إليها لأن اسمها في القديم رية ولقد أخبرت أنه يباع في بغداد على جهة الاستطراف وأما ما يسفر منه المسلمون والنصارى في المراكب البحرية فأكثر من أن يعبر عنه بما يحصره ولقد اجتزت بها مرة وأخذت على طريق الساحل من سهيل إلى أن بلغت إلى بليش قدر ثلاثة أيام متعجبا فيما حوته هذه المسافة من شجر التين وإن بعضها ليجتني جميعها الطفل الصغير من لزوقها بالأرض وقد حوت ما يتعب الجماعة كثرة وتين بليش هو الذي قيل فيه للبربري كيف رأيته قال لا تسألني عنه وصب في حلقي بالقفة وهو لعمر الله معذور لأنه نعمة حرمت بلاده منها وقد خصت بطيب الشراب الحلال والحرام حتى سار المثل بالشراب المالقي وقيل لأحد الخلعاء وقد أشرف على الموت اسأل ربك المغفرة فرفع يديه وقال يا رب أسألك من جميع ما في الجنة خمر مالقة وزبيبي إشبيلية وفيها تنسج الحلل الموشية التي تجاوز أثمانها الآلاف ذات الصور العجيبة المنتخبة برسم الخلفاء فمن دونهم وساحلها محط تجارة لمراكب المسلمين والنصارى
وأما المرية فإنها البلد المشهور الذكر العظيم القدر الذي خص أهله باعتدال المزاج ورونق الديباج ورقة البشرة وحسن الوجوه والأخلاق وكرم المعاشرة والصحبة وساحلها أنظف السواحل وأشرحها وأملحها منظرا
____________________
(3/219)

وفيها الحصى الملون العجيب الذي يجعله رؤساء مراكش في البراريد والرخام الصقيل الملوكي وواديها المعروف بوادي بجانة من أفرج الأودية ضفتاه بالرياض كالعذارين حول الثغر فحق أن ينشد فيها
( أرض وطئت الدر رضراضا بها ** والترب مسكا والرياض جنانا )
وفيها كان ابن ميمون القائد الذي قهر النصارى في البحر وقطع سفرهم فيه وضرب على بلاد الرمانية فقتل وسبى وملأ صدور أهلها رعبا حتى كان منه كما قال أشجع
( فإذا تنبه رعته وإذا غفا ** سلت عليه سيوفك الأحلام ) وبها كان محط مراكب النصارى ومجتمع ديوانهم ومنها كانت تسفر لسائر البلاد بضائعهم ومنها كانوا يوسقون جميع البضائع التي تصلح لهم وقصد بضبط ذلك بها حصر ما يجتمع في أعشارهم ولم يوجد لهذا الشأن مثلها لكونها متوسطة ومتسعة قائمة بالوارد والصادر وهي أيضا مصنع للحلل الموشية النفيسة وأما مرسية فإنها حاضرة شرق الأندلس ولأهلها من الصرامة والإباء ما هو معروف مشهور وواديها قسيم وادي إشبيلية كلاهما ينبع من شقورة وعليه من البساتين المتهدبة الأغصان والنواعير المطربة الألحان والأطيار المغردة والأزهار المتنضدة ما قد سمعت وهي من أكثر البلاد فواكه وريحانا وأهلها أكثر الناس راحات وفرجا لكون خارجها معينا على ذلك
____________________
(3/220)

بحسن منظره وهي بلدة تجهز منها العروس التي تنتخب شورتها لا تفتقر في شيء من ذلك إلى سواها وهي للمرية ومالقة في صنعة الوشي ثالثة وقد اختصت بالبسط التنتلية التي تسفر لبلاد المشرق وبالحصر التي تغلف بها الحيطان المبهجة للبصر إلى غير ذلك مما يطول ذكره ولم تخل من علماء وشعراء وابطال
وأما بلنسية فإنها لكثرة بساتينها تعرف بمطيب الأندلس ورصافتها من أحسن متفرجات الأرض وفيها البحيرة المشهورة الكثيرة الضوء والرونق ويقال إنه لمواجهة الشمس لتلك البحيرة يكثر ضوء بلنسية إذ هي موصوفة بذلك ومما خصت به النسيج البلنسي الذي يسفر لأقطار المغرب ولم تخل من علماء ولا شعراء ولا فرسان يكابدون معاقبة الأعداء ويتجرعون فيها النعماء ممزوجة بالضراء وأهلها أصلح الناس مذهبا وأمتنهم دينا وأحسنهم صحبة وأرفقهم بالغريب
وأما جزيرة ميورقة فمن أخصب بلاد الله تعالى أرجاء وأكثرها زرعا ورزقا وماشية وهي على انقطاعها من البلاد مستغنية عنها يصل فاضل خيرها إلى غيرها إذ فيها من الحضارة والتمكن والتمصر وعظم البادية ما يغنيها وفيها من الفوائد ما فيها ولها فضلاء وأبطال اقتصروا على حمايتها من الأعداء المحدقة بها
( من كل من جعل الحسام خليله ** لا يبتغي أبدا سواه معينا )
هذا - زان الله تعالى فضلك بالإنصاف وشرف كرمك بالاعتراف ما حضرني الآن في فضل جزيرة الأندلس ولم أذكر من بلادها إلا ما كل
____________________
(3/221)

بلد منها مملكة مستقلة يليها ملوك بني عبد المؤمن على انفراد وغيرها في حكم التبع
وأما علماؤها وشعراؤها فإني لم أعرض منهم إلا لمن هو في الشهرة كالصباح وفي مسير الذكر كمسير الرياح وأنا أحكي لك حكاية جرت لي في مجلس الفقيه الرئيس أبي بكر بن زهر وذلك أني كنت يوما بين يديه فدخل علينا رجل عجمي من فضلاء خراسان وكان ابن زهر يكرمه فقلت له ما تقول في علماء الأندلس وكتابهم وشعرائهم فقال كبرت فلم أفهم مقصده واستبردت ما أتى به وفهم مني أبو بكر بن زهر أني نظرته نظر المستبرد المنكر فقال لي أقرأت شعر المتنبي قلت نعم وحفظت جميعه قال فعلى نفسك إذن فلتنكر وخاطرك بقلة الفهم فلتتهم فذكرني بقول المتنبي
( كبرت حول ديارهم لما بدت ** منها الشموس وليس فيها المشرق )
فاعتذرت للخراساني وقلت له قد والله كبرت في عيني بقدر ما صغرت نفسي عندي حين لم أفهم نبل مقصدك فالحمد لله الذي أطلع من المغرب هذه الشموس وجعلها بين جميع أهله بمنزلة الرؤوس وصلى الله على سيدنا محمد نبيه المختار من صفوة العرب وعلى آله وصحبه صلاة متصلة إلى غابر الحقب
كملت رسالة الشقندي ترجمة الشقندي وهو أبو الوليد إسماعيل بن محمد وشقنده المنسوب إليها قرية مطلة
____________________
(3/222)

على نهر قرطبة مجاورة لها من جهة الجنوب قال ابن سعيد وهو ممن كان بينه وبين والدي صحبة أكيدة ومجالسات أنس عديدة ومزاورات تتصل ومحاضرات لا تكاد تنفصل وانتفعت بمجالسته وله رسالة في تفضيل الأندلس يعارض بها أبا يحيى في تفضيل بر العدوة أورد فيها من المحاسن ما يشهد له بلطافة المنزع وعذوبة المشرع وكان جامعا لفنون من العلوم الحديثة والقديمة وعني بمجلس المنصور فكانت له فيه مشاهد غير ذميمة وولي قضاء بياسة وقضاء لورقة ولم يزل محفوظ الجانب محمود المذاهب سمعته ينشد والدي قصيدة في المنصور وقد نهض للقاء العدو منها
( إذا نهضت فإن السيف منتهض ** ترمي السعود سهاما والعدا غرض )
( لك البسيطة تطويها وتنشرها ** فليس في كل ما تنويه معترض )
قال وسمعته يقول له أنشدت الوزير أبا سعيد ابن جامع قصيدة أولها
( استوقف الركب قد لاحت لك الدار ** واسأل بربع تناءت عنه أقمار )
( لا خفف الله عني بعد بينهم ** فإنني سرت والأجباب ما ساروا )
ومنها
( ألا رعى الله ظبيا في قبابهم ** منه لهم في ظلام الليل أنوار )
وله
( عللاني بذكر من همت فيه ** وعداني عنه بما أرتجيه )
____________________
(3/223)


( وإذا ما طربتما لارتياحي ** فاجعلا خمرتي مدامة فيه )
( ليت شعري وكم أطيل الأماني ** أي يوم في خلوة ألتقيه )
( وإذا ما ظفرت يوما بشكوى ** قال لي أين كل ما تدعيه )
( لا دموع ولا سقام فماذا ** شاهد عنك بالذي تدعيه )
( قلت دعني أمت بدائي فإني ** لو براني الغرام لا أبديه )
وقال في عودة لما مرض
( إني مرضت مرضة ** أسقط منها في يدي )
( فكان في الإخوان من ** لم أره في العود )
( فقلت في كلهم ** قول امرئ مقتصد )
( أير الذي قد عادني ** في است الذي لم يعد )
مات بإشبيلية سنة 629 استطراد في الإشادة بالأندلس وقال ابن سعيد أنشدني والدي للحافظ أبي الطاهر السلفي قال وكفى به شاهدا وبقوله مفتخرا
( بلاد أذربيجان في الشرق عندنا ** كأندلس بالغرب في العلم والأدب )
( فما إن تكاد الدهر تلقى مميزا ** من اهليهما إلا وقد جد في الطلب )
وحكى غير واحد كابن الأبار أن عباس بن ناصح الشاعر لما توجه من قرطبة
____________________
(3/224)

إلى بغداد ولقي أبا نواس قال له أنشدني لأبي الأجرب قال فأنشدته ثم قال أنشدني لبكر الكناني فأنشدته وهذان شاعران من الأندلس حكايات وأشعار أندلسية واعلم أنا إن تتبعنا كلام الأندلسيين وحكاياتهم الدالة على سبقهم طال بنا الكتاب ولم نستوف المراد فرأينا أن نذكر بعضا من ذلك بحسب ما اقتضاه الحال وأبداه ليكون عنوانا دالا على ما عداه
( يكفي من الحلي ما قد حف بالعنق ) ولنبدأ ما نسوقه من أخبار الأندلسيين وأشعارهم وحكاياتهم في الجد والهزل والتولية والعزل بقول الفقيه الزاهد أبي عمران موسى بن عمران المارتلي وكان سكن إشبيلية
( لا تبك ثوبك إن أبليت جدته ** وابك الذي أبلت الأيام من بدنك )
( ولا تكونن مختالا بجدته ** فربما كان هذا الثوب من كفنك )
( ولا تعفه إذا أبصرته دنسا ** فإنما اكتسب الأوساخ من درنك ) وقال أبو عمرو اليحصبي اللوشي
( شرد النوم عن جفونك وانظر ** حكمة توقظ النفوس النياما )
____________________
(3/225)


( فحرام على امرئ لم يشاهد ** حكمة الله أن يذوق المناما )
وقال أيضا
( ليس للمرء اختيار في الذي ** يتمنى من حراك وسكون )
( إنما الأمر لرب واحد إن يشأ قال له كن فيكون وقال أبو وهب القرطبي
( تنام وقد أعد لك السهاد ** وتوقن بالرحيل وليس زاد )
( وتصبح مثل ما تمسي مضيعا ** كأنك لست تدري ما المراد )
( أتطمع أن تفوز غدا هنيئا ** ولم يك منك في الدنيا اجتهاد )
( إذا فرطت في تقديم زرع ** فكيف يكون من عدم حصاد )
وقيل إن الأبيات السابقة التي أولها أنا في حالتي التي - إلخ وجدت في تركته بخطه في شقف وبعضهم ينسبها لغيره واسم أبي وهب المذكور عبد الرحمن وذكره ابن بشكوال في الصلة وأثنى عليه بالزهد والانقطاع وكان في أول أمره قد حسب عامة الناس أنه مختل العقل فجعلوا يؤذونه ويرمونه بالحجارة ويصيحون عليه يا مجنون يا أحمق فيقول
( يا عاذلي أنت به جاهل ** دعني به لست بمغبون )
( أما تراني أبدا والها ** فيه كمسحور ومفتون )
( أحسن ما أسمع في حبه ** وصفي بمختل ومجنون )
____________________
(3/226)

وقال الخطيب أبو محمد ابن برطلة
( بأربعة أرجو نجاتي وإنها ل ** أكرم مذخور لدي وأعظم )
( شهادة إخلاصي وحبي محمدا ** وحسن ظنوني ثم أني مسلم )
وقال ابن حبيش
( قالوا تصبر عن الدنيا الدنية أو ** كن عبدها واصطبر للذل واحتمل ) لا بد من أحد الصبرين قلت نعم الصبر عنها بعون الله أوفق لي وقال ابن الشيخ
( أطلب لنفسك فوزها واصبر لها ** نظر الشفيق وخف عليها واتق )
( من ليس يرحم نفسه ويصدها ** عما سيهلكها فليس بمشفق )
وقال ابو محمد القرطبي
( لعمرك ما الدنياوسرعة سيرها ) بسكانها إلا طريق مجاز )
( حقيقتها أن المقام بغيرها ** ولكنهم قد أولعوا بمجاز ) وقال السمير
( لله في الدنيا وفي أهلها ** معميات قد فككناها )
( من بشر نحن فمن طبعنا ** نحب فيها المال والجاها )
( دعني من الناس ومن قولهم ** فإنما الناسك خلاها
____________________
(3/227)


( لم تقبل الدنيا على ناسك
إلا وبالرحب تلقاها )
( وإنما يعرض عن وصلها ** من صرفت عنه محياها ) وقال أبو القاسم بن بقي
( ألا إنما الدنيا كراح عتيقة ** أراد مديروها بها جلب الأنس )
( فلما أداروها أثارت حقودهم ** فعاد الذي راموا من الأنس بالعكس )
وقال أبو محمد عبد الله بن العسال الطليطلي
( انظر الدنيا فإن أبصرتها ** شيئا يدوم )
( فاغد منها في أمان ** إن يساعدك النعيم )
( وإذا أبصرتها منك ** على كره تهيم فاسل عنها واطرحها وارتحل حيث تقيم ) وقال ابن هشام القرطبي
( وأبي المدامة لا أريد بشربها ** صلف الرقيع ولا انهماك اللاهي ) ( لم يبق من عهد الشباب وطيبه ** شيء كعهدي لم يحل إلا هي )
( إن كنت أشربها لغير وفائها ** فتركتها للناس لا لله ) وقال أبو محمد ابن السيد البطليوسي مما نسبه إليه في ( المغرب )
( أخو العلم حي خالد بعد موته ** وأوصاله تحت التراب رميم )
( وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى ** يظن من الأحياء وهو عديم د )
وقال أبو الفضل بن شرف
( لعمرك ما حصلت على خطير ** من الدنيا ولا أدركت شيا )
( وها أنا خارج منها سليبا ** أقلب نادما كلتا يديا )
( وأبكي ثم أعلم أن مبكاي ** لا يجدي فأمسح مقلتيا )
( ولم أجزع لهول الموت لكن ** بكيت لقلة الباكي عليا )
( وأن الدهر لم يعلم مكاني ** ولا عرفت بنوه ما لديا )
( زمان سوف أنشر فيه نشرا ** إذا أنا بالحمام طويت طيا )
( أسر بأنني سأعيش ميتا ** به ويسوءني أن مت حيا ) وقال الزاهد العارف بالله سيدي أبو العباس بن العريف نفعنا الله تعالى به [ البسيط ]
( سلوا عن الشوق من أهوى فإنهم ** أدنى إلى النفس من وهمي ومن نفسي )
( فمن رسولي إلى قلبي ليسألهم ** عن مشكل من سؤال الصب ملتبس )
( حلوا فؤادي فما يندى ولو وطئوا ** صخرا لجاد بماء منه منبجس )
( وفي الحشا نزلوا والوهم يجرحهم ** فكيف قروا على أذكى من القبس )
( لأنهضن إلى حشري بحبهم ** لا بارك الله فيمن خانهم ونسي )
قلت وقد زرت قبره المعظم بمراكش سنة عشر وألف وهو ممن
____________________
(3/228)


وقال أبو الفضل بن شرف
( لعمرك ما حصلت على خطير ** من الدنيا ولا أدركت شيا )
( وها أنا خارج منها سليبا ** أقلب نادما كلتا يديا )
( وأبكي ثم أعلم أن مبكاي ** لا يجدي فأمسح مقلتيا )
( ولم أجزع لهول الموت لكن ** بكيت لقلة الباكي عليا )
( وأن الدهر لم يعلم مكاني ** ولا عرفت بنوه ما لديا )
( زمان سوف أنشر فيه نشرا ** إذا أنا بالحمام طويت طيا )
( أسر بأنني سأعيش ميتا ** به ويسوءني أن مت حيا ) وقال الزاهد العارف بالله سيدي أبو العباس بن العريف نفعنا الله تعالى به [ البسيط ]
( سلوا عن الشوق من أهوى فإنهم ** أدنى إلى النفس من وهمي ومن نفسي )
( فمن رسولي إلى قلبي ليسألهم ** عن مشكل من سؤال الصب ملتبس )
( حلوا فؤادي فما يندى ولو وطئوا ** صخرا لجاد بماء منه منبجس )
( وفي الحشا نزلوا والوهم يجرحهم ** فكيف قروا على أذكى من القبس )
( لأنهضن إلى حشري بحبهم ** لا بارك الله فيمن خانهم ونسي )
قلت وقد زرت قبره المعظم بمراكش سنة عشر وألف وهو ممن
____________________
(3/229)

يتبرك به في تلك الديار ويستسقى به الغيث وهو من أهل المرية وأحضره السلطان إلى مراكش فمات بها وله كرامات شهيرة ومقامات كبيرة نفعنا الله تعالى به واعلم أن أهل الأندلس كانوا في القديم على مذهب الأوزاعي وأهل الشام منذ أول الفتح ففي دولة الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل - وهو ثالث الولاة بالأندلس من الأمويين - انتقلت الفتوى إلى رأي مالك بن أنس وأهل المدينة فانتشر علم مالك ورأيه بقرطبة والأندلس جميعا بل والمغرب وذلك برأي الحكم واختياره واختلفوا في السبب المقتضي لذلك فذهب الجمهور إلى أن سببه رحلة علماء الأندلس إلى المدينة فلما رجعوا إلى الأندلس وصفوا فضل مالك وسعة علمه وجلالة قدره فأعظموه كما قدمنا ذلك وقيل إن الإمام مالكا سأل بعض الأندلسيين عن سيرة ملك الأندلس فوصف له سيرته فأعجبت مالكا لكون سيرة بني العباس في ذلك الوقت لم تكن بمرضية وكابد لما صنع أبو جعفر المنصور بالعلوية بالمدينة من الحبس والإهانة وغيرهما على ما هو مشهور في كتب التاريخ فقال الإمام مالك رضي الله تعالى عنه لذلك المخبر نسأل الله تعالى أن يزين حرمنا بملككم أو كلاما هذا معناه فنميت المسألة إلى ملك الأندلس مع ما علم من جلالة مالك ودينه فحمل الناس على مذهبه وترك مذهب الأوزاعي والله تعالى أعلم من شعر ابن يغمور 61 من شعر وحكي أن القاضي الزاهد أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن أبي يغمور لما ندبه أهل الأمر لولاية القضاء بمدينة فاس استعفى فلم يقبل منه وخرج إلى تلك الناحية وخرج الناس لوداعه فأنشد
( عليكم سلام الله إني راحل ** وعيناي من خوف التفرق تدمع )
____________________
(3/230)


( فإن نحن عشنا فهو يجمع بيننا ** وإن نحن متنا فالقيامة تجمع ) وأنشد أصحابه رحمه الله تعالى ولا أدري هل هي له أو لغيره
( كنا نعظم بالآمال قدركم ** حتى انقضت فتساوى عندنا الناس )
( لم تفضلونا بشيء غير واحدة ** هي الرجاء فسوى بيننا الياس )
وأنشد أيضا
( بلوتهم مذ كنت طفلا فلم أجد ** كما أشتهي منهم صديقا وصاحبا )
( فصوبت رأيي في فراري منهم ** وشمرت أذيالي وأمعنت هاربا )
وأنشد لغيره في الكتمان
( أخفى الغرام فلا جوارحه ** شعرت بذاك ولا مفاصله )
( كالسيف يصحبه الحمام ولم ** يعلم بما حملت حمائله )
وأنشد
( قد كنت أمرض في الشبيبة دائما ** والموت ليس يمر لي في البال )
( والآن شبت وصحتي موجودة ** وأرى كأن الموت في أذيالي )
ولما أنشده تاج الدين بن حمويه السرخسي الوافد على المغرب من المشرق قول بعضهم
( فلا تحقرن عدوا رماك ** وإن كان في ساعديه قصر )
( فإن السيوف تحز الرقاب ** وتعجز عما تنال الإبر ) قال حسن جيد ولكن اسمع ما قال شاعرنا القسطلي وأنشد
____________________
(3/231)


( أثرني لكشف الخطب والخطب مشكل ** وكلني لليث الغاب وهو هصور )
( فقد تخفض الأسماء وهي سواكن ** ويعمل في الفعل الصريح ضمير )
( وتنبو الردينيات والطول وافر ** ويبعد وقع السهم وهو قصير )
وكان الوزير الكريم أبو محمد عبد الرحمن بن مالك المعافري أحد وزراء الأندلس كثير الصنائع جزل المواهب عظيم المكارم على سنن عظماء الملوك وأخلاق السادة لم ير بعده مثله في رجال الأندلس ذاكرا للفقه والحديث بارعا في الآداب شاعرا مجيدا وكاتبا بليغا كثير الخدم والأهل ومن آثاره الحمام بجوفي الجامع الأعظم من غرناطة وزاد في سقف الجامع من صحنه وعوض أرجل قسيه أعمدة الرخام وجلب الرؤوس والموائد من قرطبة وفرش صحنه بكذان الصخر
ووجهه أميره علي بن يوسف بن تاشفين إلى طرطوشة برسم بنائها فلما حلها سأل قاضيها فكتب له جملة من أهلها ممن ضعفت حاله وقل تصرفه من ذوي البيوتات فاستعملهم أمناء ووسع أرزاقهم حتى كمل له ما أراد من عمله ومن عجز أن يستعمله وصله من ماله فصدر عنها وقد أنعش خلقا رضي الله تعالى عنه ورحمه
ومن شعره في مجلس أطربه سماعه وبسط احتشاد الأنس فيه واجتماعه فقال
( لا تلمني إذا طربت لشجو ** يبعث الأنس فالكريم طروب )
( ليس شق الجيوب حقا علينا ** إنما الحق أن تشق القلوب )
وقطف غلام من غلمانه نوارة ومد بها يده إلى أبي نصر الفتح بن عبيد الله فقال أبو نصر
____________________
(3/232)


( وبدر بدا والطرف مطلع حسنه ** وفي كفه من رائق النور كوكب ) فقال أبو محمد ابن مالك
( يروح لتعذيب النفوس ويغتدي ** ويطلع في أفق الجمال ويغرب )
( ويحسد منه الغصن أي مهفهف ** يجيء على مثل الكثيب ويذهب )
وقد سبق هذا
وكتب إلى الفتح من غير ترو يا سيدي جرت الأيام بفراقك وكان الله جارك في انطلاقك فغيرك روع بالظعن وأوقد للوداع جاحم الشجن فإنك من أبناء هذا الزمن خليفة الخضر لا يستقر على وطن كأنك - والله يختار لك ما تأتيه وما تدعه - موكل بفضاء الأرض تذرعه فحسب من نوى بعشرتك الاستمتاع أن يعدك من العواري السريعة الارتجاع فلا يأسف على قلة الثوا وينشد
( وفارقت حتى ما أبالي من النوى ** )
ومات رحمه الله تعالى بغرناطة سنة 518 وحضر جنازته الخاصة والعامة وهو من محاسن الأندلس رحمه الله تعالى
ومن نوادر الاتفاق أن جارية مشت بين يدي المعتمد وعليها قميص لا تكاد تفرق بينه وبين جسمها وذوائبها تخفي آثار مشيها فسكب
____________________
(3/233)

عليها ماء ورد كان بين يديه وقال
( علقت جائلة الوشاح غريرة ** تختال بين أسنة وبواتر )
وقال لبعض الخدم سر إلى أبي الوليد البطليوسي المشهور بالنحلي وخذه بإجازة هذا البيت ولا تفارقه حتى يفرغ منه فأجاب النحلي لأول وقوع الرقعة بين يديه
( راقت محاسنها ورق أديمها ** فتكاد تبصر باطنا من ظاهر )
( وتمايلت كالغصن في دعص النقا ** تلتف في ورق الشباب الناضر )
( يندى بماء الورد مسبل شعرها ** كالطل يسقط من جناح الطائر )
( تزهى برونقها وعز جمالها ** زهو المؤيد بالثناء العاطر )
( ملك تضاءلت الملوك لقدره ** وعنا له صرف الزمان الجائر )
( وإذا لمحت جبينه ويمينه ** أبصرت بدرا فوق بحر زاخر )
فلما قرأها المعتمد استحضره وقال له أحسنت أو معنا كنت فقال له يا قاتل المحل أما تلوت { وأوحى ربك إلى النحل } [ النحل 68 ]
وأصبح المعتمد يوما ثملا فدخل الحمام وأمر أن يدخل النحلي معه فجاء وقعد في مسيح الحمام حتى يستأذن عليه فجعل المعتمد يحبق في الحمام وهو خال وقد بقيت في رأسه بقية من السكر وجعل كلما سمع دوي ذلك الصوت يقول الجوز اللوز القسطل ومر على هذا ساعة إلى أن تذكر النحلي فصادفه فلما دخل قال له من أي وقت أنت هنا قال من أول ما رتب مولانا الفواكه في النصبة فغشي عليه من الضحك وأمر له بإحسان
والنصبة مائدة يصبون فيها هذه الأصناف
____________________
(3/234)

ولما استحسن المعتمد قول المتنبي
( إذا ظفرت منك المطي بنظرة ** أثاب بها معيي المطي ورازمه )
قال ابن وهبون بديهة وقد تقدم ذكرهما فأمر له بمائتي دينار
ولما قال ابن وهبون المذكور
( غاض الوفاء فما تلقاه في رجل ** ولا يمر لمخلوق على بال )
( قد صار عندهم عنقاء مغربة ** أو مثل ما حدثوا عن ألف مثقال ) قال له المعتمد عنقاء مغربة وألف مثقال يا عبد الجليل عندك سواء فقال نعم قال قد أمرنا لك بألف دينار وبألف دينار أخرى تنفقها
وذكر القرطبي صاحب ( ( التذكرة ) ) في كتابه قمع الحرص بالزهد والقناعة ما صورته روينا أن الإمام أبا عمر ابن عبد البر رضي الله تعالى عنه بلغه وهو بشاطبة أن أقواما عابوه بأكل طعام السلطان وقبول جوائزه فقال
( قل لمن ينكر أكلي ** لطعام الأمراء )
( أنت من جهلك هذا ** في محل السفهاء )
لأن الاقتداء بالصالحين من الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى من المسلمين من السلف الماضين هو ملاك الدين فقد كان زيد بن ثابت - وكان من الراسخين في العلم - يقبل جوائز معاوية وابنه يزيد وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما - مع ورعه وفضله - يقبل هدايا صهره المختار بن أبي عبيد ويأكل
____________________
(3/235)

طعامه ويقبل جوائزه وقال عبد الله بن مسعود وكان قد ملئ علما - لرجل سأله فقال إن لي جارا يعمل بالربا ولا يجتنب في مكسبه الحرام يدعوني إلى طعامه أفأجيبه قال نعم لك المهنأ وعليه المأثم ما لم تعلم الشيء بعينه حراما وقال عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه - حين سئل عن جوائز السلاطين - لحم ظبي ذكي وكان الشعبي - وهو من كبار التابعين وعلمائهم - يؤدب بني عبد الملك بن مروان ويقبل جوائزه ويأكل طعامه وكان إبراهيم النخعي وسائر علماء الكوفة و الحسن البصري - مع زهده وورعه - وسائر علماء البصرة وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبان بن عثمان والفقهاء السبعة بالمدينة - حاشا سعيد بن المسيب - يقبلون جوائز السلطان وكان ابن شهاب يقبلها ويتقلب في جوائزهم وكانت أكثر كسبه وكذلك أبو الزناد وكان مالك وأبو يوسف والشافعي وغيرهم من فقهاء الحجاز والعراق يقبلون جوائز السلاطين والأمراء وكان سفيان الثوري - مع ورعه وفضله - يقول جوائز السلطان أحب إلي من صلة الإخوان لأن الإخوان يمنون والسلطان لا يمن ومثل هذا عن العلماء والفضلاء كثير وقد جمع الناس فيه أبوابا ولأحمد بن خالد فقيه الأندلس وعالمها في ذلك كتاب حمله على وضعه وجمعه طعن أهل بلده عليه في قبوله جوائز عبد الرحمن الناصر إذ نقله إلى المدينة بقرطبة وأسكنه دارا من دور الجامع قربه وأجرى عليه الرزق من الطعام والإدام والناض وله ولمثله في بيت المال حظ والمسئول عن التخليط فيه هو السلطان كما قال عبد الله بن مسعود هذا قد أجمع العلماء عليه فمن علم الشيء بعينه حراما مأخوذا من غير حله كالجريمة وغيرها وشبهها من الطعام أو الدابة وما كان مثل ذلك كله من الأشياء المتعينة غصبا أو سرقة أو مأخوذة بظلم بين لا شبهة فيه فهذا الذي لم يختلف أحد في تحريمه وسقوط عدالة آكله وأخذه وتملكه وما أعلم من علماء التابعين أحدا تورع عن جوائز السلطان إلا سعيد بن المسيب بالمدينة و محمد بن
____________________
(3/236)

سيرين بالبصرة وهما قد ذهبا مثلا في التورع وسلك سبيلهما في ذلك أحمد بن حنبل وأهل الزهد والورع والتقشف رحمة الله تعالى عليهم أجمعين
والزهد في الدنيا من أفضل الفضائل ولا يحل لمن وفقه الله تعالى وزهد فيها أن يحرم ما أباح الله تعالى منها والعجب من أهل زماننا يعيبون الشبهات وهم يستحلون المحرمات ومثالهم عندي كالذين سألوا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عن المحرم يقتل القراد والحلمة فقال للسائلين له من أنتم فقالوا من أهل الكوفة فقال تسألونني عن هذا وأنتم قتلتم الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما وروي ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما أتاك من غير مسألة فكله وتموله وروي هذا الحديث أيضا عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما ( ( ما أتاك من غير مسألة فكله وتموله ) ) وروى أبو سعيد الخدري وجابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه وفي حديث أحدهما ( ( إنما هو رزق رزقكه الله تعالى ) ) وفي لفظ بعض الرواة ولا ترد على الله رزقه وهذا كله مركب مبني على ما أجمعوا عليه وهو الحق فمن عرف الشيء المحرم يعينه فإنه لا يحل له فهذه المسألة من كلام ابن عبد البر انتهى
وحضر ابن مجبر مع عدو له جاحد لمعروفه وأمامهما زجاجة سوداء فيها خمر فقال له الحسود إن كنت شاعرا فقل في هذه فقال ارتجالا ( ( سأشكو إلى الندمان ) ) إلى آخر الحكاية وقد تقدمت في رسالة الشقندي رحمه الله تعالى ترجمة ابن مجبر وشعره وابن مجبر هو أبو بكر يحيى بن عبد الجليل بن عبد الرحمن بن مجبر الفهري
____________________
(3/237)

كان في وقته شاعر المغرب ويشهد له بقوة عارضته وسلامة طبعه قصائده التي صارت مثالا وبعدت على قربها منالا وشعره كثير يشتمل على أكثر من تسعة آلاف وأربعمائة بيت واتصل بالأمير أبي عبد الله بن سعد بن مردنيش وله فيه أمداح وأنشد يوسف بن عبد المؤمن يهنيه بفتح
( إن خير الفتوح ما جاء عفوا ** مثل ما يخطب الخطيب ارتجالا )
وكان أبو العباس الجراوي حاضرا فقطع عليه لحسادة وجدها وقال يا سيدنا اهتدم بيت وضاح
( خير شراب ما كان عفوا ** كأنه خطبة ارتجالا )
فبدر المنصور وهو حينئذ وزير أبيه وسنه قريب العشرين وقال إن كان اهتدمه فقد استحقه لنقله إياه من معنى خسيس إلى معنى شريف فسر أبوه بجوابه وعجب الحاضرون
ومر المنصور أيام إمرته بأونبة من أرض شلب فوقف على قبر الحافظ أبي محمد بن حزم وقال عجبا لهذا الموضع يخرج منه مثل هذا العالم ثم قال كل العلماء عيال على ابن حزم ثم رفع رأسه وقال كما أن الشعراء عيال عليك يا أبا بكر يخاطب ابن مجبر
ومن شعر ابن مجبر يصف خيل المنصور من قصيدة في مدحه
( له حلبة الخيل العتاق كأنها ** نشاوى تهاوت تطلب العزف والقصفا )
( عرائس أغنتها الحجول عن الحلى ** فلم تبغ خلخالا ولا التمست وقفا )
( فمن يقق كالطرس تحسب أنه ** وإن جردوه في ملاءته التفا )
____________________
(3/238)


( وأبلق أعطى الليل نصف إهابه ** وغار عليه الصبح فاحتبس النصفا )
( وورد تغشى جلده شفق الدجى ** فإذ حازه دلى له الذيل والعرفا )
( وأشقر مج الراح صرفا أديمه ** وأصفر لم يمسح بها جلده صرفا )
( وأشهب فضي الأديم مدنر ** عليه خطوط غير مفهمة حرفا )
( كما خطط الزاهي بمهرق كاتب ** فجر عليه ذيله وهو ما جفا )
( تهب على الأعداء منها عواصف ** ستنسف أرض المشركين بها نسفا )
( ترى كل طرف كالغزال فتمتري ** أظبيا ترى تحت العجاجة أم طرفا )
( وقد كان في البيداء يألف سربه ** فربته مهرا وهي تحسبه خشفا )
( تناوله لفظ الجواد لأنه ** على ما أردت الجري أعطاكه ضعفا )
ولما اتخذ المنصور مقصورة الجامع بمراكش بدار ملكها وكانت مدبرة على انتصابها إذا استقر المنصور ووزراؤه بمصلاه واختفائها إذا انفصلوا عنها أنشد في ذلك الشعراء فقال ابن مجبر من قصيدة أولها
( أعلمتني ألقي عصا التسيار ** في بلدة ليست بدار قرار ) إلى أن قال
( طورا تكون بمن حوته محيطة ** فكأنها سور من الأسوار )
( وتكون حينا عنهم مخبوءة ** فكأنها سر من الأسرار )
( وكأنها علمت مقادير الورى ** فتصرفت لهم على مقدار )
( فإذا أحست بالإمام يزورها ** في قومه قامت إلى الزوار )
( يبدو فتبدو ثم تخفى بعده ** كتكون الهالات للأقمار )
____________________
(3/239)


وممن روى عنه أبو علي الشلوبين وطبقته وتوفي بمراكش سنة 588 وعمره 53 سنة رحمه الله تعالى
وقد حكى الشريف الغرناطي شارح المقصورة هذه الحكاية بأتم مما ذكرناه فقال عن الكاتب ابن عياش كاتب يعقوب المنصور الموحدي قال كانت لأبي بكر ابن مجبر وفادة على المنصور في كل سنة فصادف في إحدى وفاداته فراغه من إحداث المقصورة التي كان أحدثها بجامعه المتصل بقصره في حضرة مراكش وكانت قد وضعت على حركات هندسية ترفع بها لخروجه وتخفض لدخوله وكان جميع من بباب المنصور يومئذ من الشعراء والأدباء قد نظموا أشعارا أنشدوه إياها في ذلك فلم يزيدوا على شكره وتجزيته الخير فيما جدد من معالم الدين وآثاره ولم يكن فيهم من تصدى لوصف الحال حتى قام أبو بكر ابن مجبر فأنشد قصيدته التي أولها ( ( أعلمتني ألقي عصا التسيار ) ) واستمر فيها حتى ألم بذكر المقصورة فقال يصفها ( ( طورا تكون - إلخ ) ) فطرب المنصور لسماعها وارتاح لاختراعها انتهى
وقد بطلت حركات هذه المقصورة الآن وبقيت آثارها حسبما شاهدته سنة عشر وألف والله تعالى وارث الأرض
ومن عليها ومن نظم ابن مجبر أيضا ما كتب به إلى السلطان ملك المغرب رحمه الله تعالى وقد ولد له ابن أعني لأبن مجبر
( ولد العبد الذي إنعامكم ** طينة أنشئ منها جسده )
( وهو دون اسم لعلمي أنه ** لا يسمي العبد إلا سيده )
وقوله
( ملك ترويك منه شيمة ** أنست الظمآن زرق النطف )
____________________
(3/240)


( جمعت من كل مجد فحكت ** لفظة قد جمعت من أحرف )
( يعجب السامع من وصفي لها ** ووراء العجز ما لم أصف )
( لو أعار السهم ما في رأيه ** من سداد وهدى لم يصف )
( حلمه الراجح ميزان الهدى يزن الأشياء وزن المنصف )
وقال ابن خفاجة
( صح الهوى منك ولكنني ** أعجب من بين لنا يقدر )
( كأننا في فلك دائر فأنت تخفى وأنا أظهر )
وهما الغاية في معناهما كما قاله ابن ظافر - رحمه الله تعالى
وقال الأعمى التطيلي
( أما اشتفت مني الأيام في وطني ** حتى تضايق فيما عز من وطري )
( فلا قضت من سواد العين حاجتها ** حتى تكر على ما طل في الشعر )
وقال القاضي أبو حفص ابن عمر القرطبي
( هم نظروا لواحظها فهاموا ** وتشرب لب شاربها المدام )
( يخاف الناس مقلتها سواها ** أيذعر قلب حامله الحسام )
( سما طرفي إليها وهو باك ** وتحت الشمس ينسكب الغمام )
( وأذكر قدها فأنوح وجدا ** على الأغصان تنتدب الحمام )
( فأعقب بينها في الصدر غما ** إذا غربت ذكاء أتى الظلام )
وقال الحاجب عبد الكريم بن مغيث
____________________
(3/241)


( طارت بنا الخيل ومن فوقها ** شهب بزاة لحمام الحمام )
( كأنما الأيدي قسي لها ** والطير أهداف وهن السهام ) وقال أخوه أحمد
( اشرب على البستان من كف من ** يسقيك من فيه وأحداقه )
( وانظر إلى الأيكة في برده ** ولاحظ البدر بأطواقه )
( وقد بدا السرو على نهره ** كخائض شمر عن ساقه )
وقال أبو العباس أحمد بن أبي عبد الله بن أمية البلنسي
( إذا كان ودي وهو أنفس قربة ** يجازى ببغض فالقطيعة أحزم )
( ومن أضيع الأشياء ود صرفته ** إلى غير من تحظى لديه وتكرم ) حكايات في البديهة والارتجال
27 ومن حكايات أهل الأندلس في خلع العذار والطرب والظرف وغير ذلك كسرعة الارتجال ما حكاه صاحب بدائع البدائه قال أخبرني من أثق به بما هذا معناه قال خرج الوزير أبو بكر بن عمار والوزير أبو الوليد بن زيدون ومعهما الوزير ابن خلدون من إشبيلية إلى منظرة لبني عباد بموضع يقال له الفنت تحف بها مروج مشرقة الأنوار متنسمة الأنجاد والإغوار متبسمة عن ثغور النوار في زمان ربيع سقت الأرض السحب فيه
____________________
(3/242)

بوسميها ووليها وجلتها في زاهر ملبسها وباهر حليها وأرداف الربى قد تأزرت بالأزر الخضر من نباتها وأجياد الجداول قد نظم النوار قلائده حول لباتها ومجامر الزهر تعطر أردية النسائم عند هباتها وهناك من البهار ما يزري على مداهن النضار ومن النرجس الريان ما يهزأ بنواعس الأجفان وقد نووا الانفراد للهو والطرب والتنزه في روضي النبات والأدب وبعثوا صاحبا لهم يسمى خليفة هو قوام لذتهم ونظام مسرتهم ليأتيهم بنبيذ يذهبون الهم بذهبه في لجين زجاجه ويرمونه منه بما يقضي بتحريكه للهرب عن القلوب وإزعاجه وجلسوا لانتظاره وترقب عوده على آثاره فلما بصروا به مقبلا من أول الفج بادروا إلى لقائه وسارعوا إلى نحوه وتلقائه واتفق أن فارسا من الجند ركض فرسه فصدمه ووطئ عليه فهشم أعظمه وأجرى دمه وكسر قمعل النبيذ الذي كان معه وفرق من شملهم ما كان الدهر قد جمعه ومضى على غلوائه راكضا حتى خفي عن العين خائفا من متعلق به يحين بتعلقه الحين وحين وصل الوزراء إليه تأسفوا عليه وأفاضوا في ذكر الزمان وعدوانه والخطب وألوانه ودخوله بطوام المضرات على تمام المسرات وتكديره الأوقات المنعمات بالآفات المؤلمات فقال ابن زيدون
( أتلهو والحتوف بنا مطيفه ** ونأمن والمنون لنا مخيفه )
فقال ابن خلدون
( وفي يوم وما أدراك يوم ** مضى قمعالنا ومضى خليفه )
____________________
(3/243)


فقال ابن عمار
( هما فخارتا راح وروح ** تكسرتا فأشقاف وجيفه )
وذكر ابن بسام ما معناه أن أبا عامر ابن شهيد حضر ليلة عند الحاجب أبي عامر المظفر بن المنصور بن ابي عامر بقرطبة فقامت تسقيهم وصيفة عجيبة صغيرة الخلق ولم تزل تسهر في خدمتهم إلى أن هم جند الليل بالانهزام وأخذ في تقويض خيام الظلام وكانت تسمى أسيماء فعجب الحاضرون من مكابدتها السهر طول ليلتها على صغر سنها فسأله المظفر وصفها فصنع ارتجالا
( أفدي أسيماء من نديم ** ملازم للكؤوس راتب )
( قد عجبوا في السهاد منها ** وهي لعمري من العجائب )
( قالوا تجافى الرقاد عنها ** فقلت لا ترقد الكواكب )
وحكى ابن بسام ما معناه أن ابن شهيد المذكور كان يوما مع جماعة من الأدباء عند القاضي ابن ذكوان فجيء بباكورة باقلا فقال ابن ذكوان لا ينفرد بها إلا من وصفها فقال ابن شهيد أنا لها وارتجل
( إن لآليك أحدثت صلفا ** فاتخذت من زمرد صدفا )
( تسكن ضراتها البحور وذي ** تسكن للحسن روضة أنفا )
( هامت بلحف الجبال فاتخذت ** من سندس في جنانها لحفا )
____________________
(3/244)


( شبهتها بالثغور من لطف ** حسبك هذا من رمز من لطفا )
( جاز ابن ذكوان في مكارمه ** حدود كعب زما به وصفا )
( قدم در الرياض منتخبا ** منه لأفراس مدحه علفا )
( أكل ظريف وطعم ذي أدب ** والفول يهواه كل من ظرفا )
( رخص فيه شيخ له قدر ** فكان حسبي من المنى وكفى ) وقال ابن بسام إن جماعة من أصحاب ابن شهيد المذكور قالوا له يا أبا عامر إنك لآت بالعجائب وجاذب بذوائب الغرائب ولكنك شديد الإعجاب بما يأتي منك هاز لعطفك عند النادر يتاح لك ونحن نريد منك أن تصف لنا مجلسنا هذا وكان الذي طلبوه منه زبدة التعنيت لأن المعنى إذا كان جلفا ثقيلا على النفس قبيح الصورة عند الحس كلت الفكرة عنه وإن كانت ماضية وأساءت القريحة في وصفه وإن كانت محسنة وكان في المجلس باب مخلوع معترض على الأرض ولبد أحمر مبسوط قد صففت خفافهم عند حاشيته فقال مسرعا
( وفتية كالنجوم حسنا ** كلهم شاعر نبيل )
( متقد الجانبين ماض ** كأنه الصارم الصقيل )
( راموا انصرافي عن المعالي ** والغرب من دونها فليل )
( فاشتد في أثرها فسيح ** كل كثير له قليل )
( في مجلس زانه التصابي ** وطاردت وصفه العقول )
____________________
(3/245)


( كأنما بابه أسير ** قد عرضت دونه نصول )
( يراد منه المقال قسرا ** وهو على ذاك لا يقول )
( ننظر من لبده لدينا ** بحر دم تحتنا يسيل )
( كأن أخفافنا عليه ** مراكب ما لها دليل )
( ضلت فلم تدر أين تجري ** فهل على شطه تقيل )
فعجب القوم من أمره ثم خرج من عندهم فمر على بعض معارفه من الطرائفيين وبين يديه زنبيل ملآن حرشفا فجعل يده في لجام بغلته وقال لا أتركك أو تصف الحرشف فقد وصفه صاعد فلم يقل شيئا فقال له ابن شهيد ويحك أعلى مثل هذه الحال قال نعم فارتجل
( هل أبصرت عيناك يا خليلي ** قنافذا تباع في زنبيل )
( من حرشف معتمد جليل ** ذي إبر تنفذ جلد الفيل )
( كأنها أنياب بنت الغول ** لو نخست في است امرئ ثقيل )
( لقفزته نحو أرض النيل ** ليس يرى طي حشا منديل )
( نقل السخيف المائن الجهول ** وأكل قوم نازحي العقول )
( أقسمت لا أطعمها أكيلي ** ولا طعمتها على شمول )
وقال في بدائع البدائه دخل الوزير أبو العلاء زهر ابن الوزير أبي مروان عبد الملك بن زهر على الأمير عبد الملك بن رزين في مجلس أنس وبين يديه ساق يسقي خمرين من كأسه ولحظه ويبدي درين من حبابه
____________________
(3/246)

ولفظه وقد بدا خط عذاره في صحيفة خده وكمل حسنه باجتماع الضد منه مع ضده فكأنه بسحر لحظه أبدى ليلا في شمس وجعل يومه في الحسن أحسن من أمس فسأله ابن رزين أن يصنع فيه فقال بديها
( تضاعف وجدي إذ تبدى عذاره ** ونم فخان القلب مني اصطباره )
( وقد كان ظني أن سيمحق ليله ** بدائع حسن هام فيها نهاره )
( فأظهر ضد ضده فيه إذ وشت ** بعنبره في صفحة الخد ناره )
واستزاده فقال بديها
( محيت آية النهار فأضحى ** بدر تم وكان شمس نهار )
( كان يعشي العيون نورا إلى أن ** شغل الله خده بالعذار )
وصنع أيضا
( عذار ألم فأبدى لنا ** بدائع كنا لها في عمى )
( ولو لم يجن النهار الظلا م ** لم يستبن كوكب في السما )
وصنع أيضا
( تمت محاسن وجهه وتكاملت ** لما استدار به عذار مونق )
( وكذلك البدر المنير جماله ** في أن يكنفه سماء أزرق )
انتهى وحكى الحميدي وغيره أن عبد الله بن عاصم صاحب الشرطة بقرطبة كان أديبا شاعرا سريع البديهة كثير النوادر وهو من جلساء الأمير محمد بن عبد الرحمن الأموي ملك الأندلس وحكوا أنه دخل عليه في يوم ذي غيم
____________________
(3/247)

وبين يديه غلام حسن المحاسن جميل الزي لين الأخلاق فقال الأمير يا ابن عاصم ما يصلح في يومنا هذا فقال عقار تنفر الذبان وتؤنس الغزلان وحديث كقطع الروض قد سقطت فيه مؤونة التحفظ وأرخي له عنان التبسط يديرها هذا الأغيد المليح فاستضحك الأمير ثم أمر بمراتب الغناء وآلات الصهباء فلما دارت الكأس واستمطر الأمير نوادره أشار إلى الغلام أن يلح في سقيه ويؤكد عليه فلما أكثر رفع رأسه إليه وقال على البديهة
( يا حسن الوجه لا تكن صلفا ** ما لحسان الوجوه والصلف )
( تحسن أن تحسن القبيح ولا ** ترثي لصب متيم دنف ) فاستبدع الأمير بديهته وأمر له ببدرة ويقال إنه خيره بينها وبين الوصيف فاختارها نفيا للظنة عنه انتهى
استطراد حول ابن ظافر قلت أذكرتني هذه الحكاية ما حكاه علي بن ظافر عن نفسه إذ قال كنت عند المولى الملك الأشرف بن العادل بن أيوب سنة 603 بالرها وقد وردت إليه في رسالة فجعلني بين سمعه وبصره وأنزلني في بعض دوره بالقلعة بحيث يقرب عليه حضوري في وقت طلبتي أو إرادة الحديث معي فلم أشعر في بعض الليالي وأنا نائم في فراشي إلا به وهو قائم على رأسي والسكر قد غلب عليه والشمع تزهر حواليه وقد حف مماليكه به وكأنهم الأقمار الزواهر في
____________________
(3/248)

ملابس كالرياض ذات الأزاهر فقمت مروعا فأمسكني وبادر بالجلوس إلى جانبي بحيث منعني عن القيام عن الوساد وأبدى من الجميل ما أبدلني بالنفاق بعد الكساد ثم قال غلبني الشوق إليك ولم أرد إزعاجك والتثقيل عليك ثم استدعى من كان في مجلسه من خواص القوالين فحضروا وأخذوا من الغناء فيما يملأ المسامع التذاذا ويجعل القلوب من الوجد جذاذا وكان له في ذلك الوقت مملوكان هما نيرا سماء ملكه وواسطتا در سلكه وقطبا فلك طربه ووجده وركنا بيت سروره ولهوه وكانا يتناوبان في خدمته فحضر أحدهما في تلك الليلة وغاب الآخر وكان كثيرا ما يداعبني في أمرهما ويستجلب مني القول فيهما والكلام في التفضيل بينهما فقلت للوقت
( يا مالكا لم يحك سيرته ** ماض ولا آت من البشر )
( اجمع لنا تفديك أنفسنا ** في الليل بين الشمس والقمر ) فطرب وأمر في الحال بإستدعاء الغائب منهما فحضر والنوم قد زاد أجفانه تفتيرا ومعاطفه تكسيرا فقلت بين يديه بديها في صفة المجلس
( سقى الرحمن عصرا قد مضى لي ** بأكنافالرها صوب الغمام )
( وليلا باتت الأنوار فيه ** تعاون في مدافعة الظلام )
( فنور من شموع أو ندامى ** ونور من سقاة أو مدام )
( يطوف بأنجم الكاسات فيه ** سقاة مثل أقمار التمام )
( تريك به الكؤوس جمود ماء ** فتحسب راحها ذوب الضرام )
( يميل به غصونا من قدود ** غناء مثل أصوات الحمام )
( فكم من موصلي فيه يشدو ** فينسي النفس عادية الحمام )
____________________
(3/249)


( وكم من زلزل للضرب فيه ** وكم للزمر فيه من زنام )
( لدى موسى بن أيوب المرجى ** إذا ما ضن غيث بانسجام )
( ومن كمظفر الدين المليك الأجل ** الأشرف الندب الهمام )
فما شمس تقاس إلى نجوم ** تحاكي قدره بين الكرام )
( فدام مخلدا في الملك يبقى ** إذا ما ضن دهر بالدوام )
فلما أنشدتها قام فوضع فرجية من خاص ملابسه كانت عليه على كتفي ووضع شربوشه بيده على رأس مملوك صغير كان لي انتهى
ولابن ظافر هذا بدائع منها ما حكاه عن نفسه إذ قال ومن أعجب ما دهيت به ورميت إلا أن الله بفضله نصر وأعطى الظفر وأعان خاطري الكليل حتى مضى مضاء السيف الصقيل أنني كنت في خدمة مولانا السلطان الملك العادل بالإسكندرية سنة إحدى وستمائة مع من ضمته حاشية العسكر المنصور من الكتاب والحواشي والخدام ودخلت سنة اثنتين وستمائة ونحن بالثغر مقيمون في الخدمة مرتضعون لأفاويق النعمة فحضرت في جملة من حضر الهناء من الفقهاء بالثغر والعلماء والمشايخ والكبراء وجماعة الديوان والأمراء واتفق أن كان اليوم من أيام الجلوس لإمضاء الأحكام والعرض لطوائف الأجناد فلم يبق أحد من أهل البلد ولا من أهل العسكر إلا حضر مهنيا ومثل شاكرا وداعيا فحين غص المجلس بأهله وشرق بجمع السلطان وحفله وخرج مولانا السلطان إلى مجلسه واستقر في دسته أخرج من بركة قبائه كتابا ناوله للصاحب الأجل صفي الدين أبي محمد عبد الله بن علي وزير دولته وكبير جملته وهو مفضوض الختام مفكوك الفدام ففتحه فإذا فيه قطعة وردت من المولى الملك المعظم كتبها إليه يتشوقه ويستعطفه لزيارته ويرققه ويستحثه على عود ركابه إلى بلاد الشام للمثاغرة
____________________
(3/250)

بها وقمع عدوها ويعرض بذكر مصر وشدة حرها ووقد جمرها وذلك بعد أن كان وصل إلى خدمته بالثغر ثم رجع إليها والأبيات
( أروي رماحك من نحور عداكا ** وانهب بخيلك من أطاع سواكا )
( واركب خيولا كالسعالي شزبا ** واضرب بسيفك من يشق عصاكا )
( واجلب من الأبطال كل سميدع ** يفري بعزمك كل من يشناكا )
( واسترعف السمر الطوال وروها ** واسق المنية سبفك السفاكا )
( وسر الغداة إلى العداة مبادرا ** بالضرب في هام العدو دراكا )
( وانكح رماحك للثغور فإنها ** مشتاقة أن تبتني بعلاكا )
( فالعز في نصب الخيام على العدا ** تردي الطغاة وتدفع الملاكا )
( والنصر مقرون بهمتك التي ** قد أصبحت فوق السماك سماكا )
( فإذا عزمت وجدت من هو طائع ** وإذا نهضت وجدت من يخشاكا )
( والنصر في الأعداء يوم كريهة ** أحلى من الكأس الذي رواكا )
( والعجز أن تضحي بمصر راهنا ** وتحل في تلك العراص عراكا )
( فأرح حشاشتك الكريمة من لظى ** مصر لكي نحظى الغداة بذاكا )
( فلقد غدا قلبي عليك بحرقة ** شغفا ولا حر البلاد هناكا )
( وانهض إلى راجي لقاك مسارعا ** فمناه من كل الأمور لقاكا )
( وابرد فؤاد المستهام بنظرة ** وأعد عليه العيش من رؤياكا )
( واشف الغداة غليل صب هائم ** أضحى مناه من الحياة مناكا )
( فسعادتي بالعادل الملك الذي ملك الملوك وقارن الأفلاكا )
( فبقيت لي يا مالكي في غبطة ** وجعلت من كل الأمور فداكا )
فلما تلا الصاحب على الحاضرين محكم آياتها وجلا منها العروس التي حازت من المحاسن أبعد غاياتها أخذ الناس في الاستحسان لغريب نظامها
____________________
(3/251)

وتناسق التئامها والثناء على الخاطر الذي نظم بديع أبياتها وأطلع من مشرق فكره آياتها فقال السلطان نريد من يجيبه عنا بأبيات على قافيتها فالتفت مسرعا إلي وأنا عن يمينه وقال يا مولانا مملوكك فلان هو فارس هذا الميدان والمعتاد للتخلص من مضايق هذا الشان ثم قطع وصلا من درج كان بين يديه وألقاه إلي وعمد إلى دواته فأدارها بين يدي فقال له السلطان أهكذا على مثل هذا الحال وفي مثل هذا الوقت فقال نعم أنا قد جربته فوجدته متقد الخاطر حاضر الذهن سريع إجابة الفكر فقال السلطان وعلى كل حال قم إلى هنا لتنكف عنك أبصار الناظرين وتنقطع عنك ضوضاء الحاضرين وأشار إلى مكان عن يمين البيت الخشب الذي هو بالجلوس فيه منفرد فقمت وقد فقدت رجلي انخذالا وذهني اختلالا لهيبة المجلس في صدري وكثرة من حضره من المترقبين لي المنتظرين حلول فاقرة الشماتة بي فما هو إلا أن جلست حتى ثاب إلي خاطري وانثال الكلام على سرائري فكنت أتوهم أن فكري كالبازي الصيود لا يرى كلمة إلا أنشب فيها منسره ولا معنى إلا شك فيه ظفره فقلت في أسرع وقت
( وصلت من الملك المعظم تحفة ** ملأت بفاخر درها الأسلاكا )
( أبيات شعر كالنجوم جلالة ** فلذا حكت أوراقها الأفلاكا )
( عجبا وقد جاءت كمثل الروض إذ ** لم تذوها بالحر نار ذكاكا ) جلت الهموم عن الفؤاد كمثل ما ** تجلو بغرة وجهك الأحلاكا )
( كقميص يوسف إذ شفت يعقوب ريياه ** شفتني مثله رياكا )
( قد أعجزت شعراء هذا العصر كلهم ** فلم لا تعجز الأملاكا )
( ما كان هذا الفضل يمكن مثله ** أن يحتويه من الأنام سواكا )
( لم لا أغيب عن الشآم وهل له ** من حاجة عندي وأنت هناكا )
( أم كيف أخشى والبلاد جميعها ** محمية في جاه طعن قناكا )
( يكفي الأعادي حر بأسك فيهم ** أضعاف ما يكفي الولي نداكا )
( ما زرت مصر لغير ضبط ثغورها ** فلذا صبرت فديت عن رؤياكا )
( أم البلاد علا عليها قدرها ** لا سيما مذ شرفت بخطاكا )
( طابت وحق لها ولم لا وهي قد ** حوت المعلى في القداح أخاكا )
( أنا كالسحاب أزور أرضا ساقيا ** حينا وأمنح غيرها سقياكا )
( مكثي جهاد للعدو لأنني ** أغزوه بالرأي السديد دراكا )
( لولا الرباط وغيره لقصدت بالسير ** الحثيث إليك نيل رضاكا )
( ولئن أتيت إلى الشآم فإنما ** يحتثني شوق إلى لقياكا )
( إني لأمنحك المحبة جاهدا ** وهواي فيما تشتهيه هواكا )
( فافخر فقد أصبحت بي وببأسك الحامي ** وكل مملك يخشاكا )
( لا زلت تقهر من يعادي ملكنا ** أبدا ومن عاداك كان فداكا )
( وأعيش أبصر ابنك الباقي أبا ** وتعيش تخدم في السعود أباكا )
ثم عدت إلى مكاني وقد بيضتها وحليت بزهرها ساحة القرطاس وروضتها فلما رآني السلطان قد عدت قال لي هل عملت شيئا ظنا منه أن العمل في تلك اللمحة القريبة معجز متعذر وبلوغ الغرض فيها غير متصور فقلت قد أجبت فقال أنشدنا فصمت الناس وحدقت الأبصار واصاخت الأسماع وظن الناس بي الظنون وترقبوا مني ما يكون فما هو إلا أن توالى الإنشاد لأبياتها حتى صفقت الأيدي إعجابا وتغامزت الأعين استغرابا وحين انتهيت إلى ذكر مولانا الملك الكامل بأنه المعلى في البنين إذا ضربت قداحهم وسردت أمداحهم اغرورقت عيناه دمعا لذكره وأبان صمته
____________________
(3/252)


( لم لا أغيب عن الشآم وهل له ** من حاجة عندي وأنت هناكا )
( أم كيف أخشى والبلاد جميعها ** محمية في جاه طعن قناكا )
( يكفي الأعادي حر بأسك فيهم ** أضعاف ما يكفي الولي نداكا )
( ما زرت مصر لغير ضبط ثغورها ** فلذا صبرت فديت عن رؤياكا )
( أم البلاد علا عليها قدرها ** لا سيما مذ شرفت بخطاكا )
( طابت وحق لها ولم لا وهي قد ** حوت المعلى في القداح أخاكا )
( أنا كالسحاب أزور أرضا ساقيا ** حينا وأمنح غيرها سقياكا )
( مكثي جهاد للعدو لأنني ** أغزوه بالرأي السديد دراكا )
( لولا الرباط وغيره لقصدت بالسير ** الحثيث إليك نيل رضاكا )
( ولئن أتيت إلى الشآم فإنما ** يحتثني شوق إلى لقياكا )
( إني لأمنحك المحبة جاهدا ** وهواي فيما تشتهيه هواكا )
( فافخر فقد أصبحت بي وببأسك الحامي ** وكل مملك يخشاكا )
( لا زلت تقهر من يعادي ملكنا ** أبدا ومن عاداك كان فداكا )
( وأعيش أبصر ابنك الباقي أبا ** وتعيش تخدم في السعود أباكا )
ثم عدت إلى مكاني وقد بيضتها وحليت بزهرها ساحة القرطاس وروضتها فلما رآني السلطان قد عدت قال لي هل عملت شيئا ظنا منه أن العمل في تلك اللمحة القريبة معجز متعذر وبلوغ الغرض فيها غير متصور فقلت قد أجبت فقال أنشدنا فصمت الناس وحدقت الأبصار واصاخت الأسماع وظن الناس بي الظنون وترقبوا مني ما يكون فما هو إلا أن توالى الإنشاد لأبياتها حتى صفقت الأيدي إعجابا وتغامزت الأعين استغرابا وحين انتهيت إلى ذكر مولانا الملك الكامل بأنه المعلى في البنين إذا ضربت قداحهم وسردت أمداحهم اغرورقت عيناه دمعا لذكره وأبان صمته
____________________
(3/253)

مخفي المحبة حتى أعلن بسره وحين انتهيت إلى آخرها فاض دمعه ولم يمكنه دفعه فمد يده مستدعيا للورقة فناولتها إلى يد الصاحب فناولها له وعند حصولها في يده قام من غير إشعار لأحد بما دار من إرادة القيام في خلده سترا لما ظهر عليه من الرقة على الموالي الأولاد وكتما لما عليه من الوجد بهم والمحبة لهم وانفض المجلس
وإنما حمل الصاحب على هذا الفعل الذي غرر بي فيه وخاطر بي بالتعريض له أشياء كان يقترحها علي فأنفذ فيها من بين يديه ويخف الأمر منها علي لدالتي عليه منها أنني كنت في خدمته سنة 599 بدمشق فورد عليه كتاب من الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر تقي الدين صاحب حماة وقد بعث صحبته نسخة من ديوان شعره فتشاغل بتسويد جواب كتابه فلما كتب بعضه التفت إلي وقال اصنع أبياتا أكتبها إليه في صدر الجواب واذكر فيها شعره فقلت له على مثل هذه الحال فقال نعم فقلت بقدر ما أنجز بقية النسخة
( أيا ملكا قد أوسع الناس نائلا ** وأغرقهم بذلا وعمهم عدلا )
( فديناك هب للناس فضلا يزينهم ** فقد حزت دون الناس كلهم الفضلا )
( ودونك فامنحهم من العلم والحجى ** كما منحتهم كفك الجود والبذلا )
( إذا حزت أوفى الفضل عفوا فما الذي ** تركت لمن كان القريض له شغلا )
( وماذا عسى من ظل بالشعر قاصدا ** لبابك أن يأتي به جل أو قلا )
( فلا زلت في عز يدوم ورفعة ** تحوز ثناء يملأ الوعر والسهلا )
ووقع لابن ظافر أيضا من هذا النمط أنه دخل في أصحاب له يعودون صاحبا لهم وبين يديه بركة قد راق ماؤها وصحت سماؤها وقد رص تحت دساتيرها نارنج فتن قلوب الحضار وملأ بالمحاسن عيون النظار فكأنما
____________________
(3/254)

رفعت صوالج فضة على كرات من النضار فأشار الحاضرون إلى وصفها فقال بديها
( أبدعت يا بن هلال في فسقية ** جاءت محاسنها بما لم يعهد )
( عجبا لأمواه الدساتير التي ** فاضت على نارنجها المتوقد )
( فكأنهن صوالج من فضة ** رفعت لضرب كرات خالص عسجد ) قدرة ابن قلاقس في الارتجال ومن بديع الارتجال ما حكاه المذكور عن ابن قلاقس الإسكندري رحمه الله تعالى إذ قال دخل الأعز أبو الفتوح بن قلاقس على بلال بن مدافع بن بلال الفزاري فعرض عليه سيفا قد نظم الفرند في صفحته جوهره وأذكى الدهر ناره وجمد نهره وألبسه من سلخ الأفاعي رداء وجسمه ردى أو داء لا يمنع من برقه بدر مجن ولا ثريا مغفر ولا يسلم من حده من ثبت ولا ينجو لطوله من فر فهو يبكي للنفاق ويضحك ويرعد للغيظ ويفتك وأمره بصفة شانه فقال على لسانه
( أروق كما أروع فإن تصفني ** فإني رائق الصفحات رائع )
( تدافع بي خطوب الدهر حتى ** نقلت إلى بلال عن مدافع )
وقال أيضا فيه
( رب يوم له من النقع سحب ** ما لها غير سائل الدم ودق )
( قد جلته يمنى بلال بحدي ** فكأني في راحة الشمس برق )
وقال أيضا فيه
( أنا في الكريهة كالشهاب الساطع ** من صفحة تبدو وحد قاطع )
( فكأنما استمليت تلك وهذه ** من وصف كف بلال ابن مدافع )
وقال أيضا فيه
( انظر لمطرد المياه بصفحتي ** ولنار حدي كم بها من صالي )
( قد عاد شدي في المضايق شيمتي ** كبلال ابن مدافع بن بلال ) وسأله صاحب له وصف مشط عاج قد اشبه الثريا شكلا ولونا وشق ليلا من الشعر جونا فقال
( ومتيم بالآبنوس وجسمه ** عاج ومن أدهانه شرفاته )
( كتمت دياجي الشعر منه بدرها ** فوشت به للعين عيوقاته )
وقال فيه
( وابيض ليل الآبنوس إذا سرى ** تمزق عن صبح من العاج باهر )
( وإن غاص في بحر الشعور رأيته ** تبشرنا أطرافه بالجواهر )
وقال فيه
( ومشرق يشبه ضوء الضحى ** حسنا ويسري في الدجى الفاحم )
( وكلما قلب في لمة ** أضحكها عن ثغره باسم )
وجلس بمصر في دار الأنماط يوما مع جماعة فمرت بهم امرأة تعرف بابنة أمين الملك وهي شمس تحت سحاب النقاب وغصن في أوراق الشباب
____________________
(3/255)


وقال أيضا فيه
( أنا في الكريهة كالشهاب الساطع ** من صفحة تبدو وحد قاطع )
( فكأنما استمليت تلك وهذه ** من وصف كف بلال ابن مدافع )
وقال أيضا فيه
( انظر لمطرد المياه بصفحتي ** ولنار حدي كم بها من صالي )
( قد عاد شدي في المضايق شيمتي ** كبلال ابن مدافع بن بلال ) وسأله صاحب له وصف مشط عاج قد اشبه الثريا شكلا ولونا وشق ليلا من الشعر جونا فقال
( ومتيم بالآبنوس وجسمه ** عاج ومن أدهانه شرفاته )
( كتمت دياجي الشعر منه بدرها ** فوشت به للعين عيوقاته )
وقال فيه
( وابيض ليل الآبنوس إذا سرى ** تمزق عن صبح من العاج باهر )
( وإن غاص في بحر الشعور رأيته ** تبشرنا أطرافه بالجواهر )
وقال فيه
( ومشرق يشبه ضوء الضحى ** حسنا ويسري في الدجى الفاحم )
( وكلما قلب في لمة ** أضحكها عن ثغره باسم )
وجلس بمصر في دار الأنماط يوما مع جماعة فمرت بهم امرأة تعرف بابنة أمين الملك وهي شمس تحت سحاب النقاب وغصن في أوراق الشباب
____________________
(3/256)

فحدقوا إليها تحديق الرقيب إلى الحبيب والمريض إلى الطبيب فجعلت تتلفت تلفت الظبي المذعور أفرقه القانص فهرب وتتثنى تثني الغصن الممطور عانقه النسيم فاضطرب فسألوه العمل في وصفها فقال هذا يصلح أن يعكس فيه قول العطار الأزدي القيرواني
( أعرضن لما أن عرضن فإن يكن ** حذرا فأين تلفت الغزلان )
ثم صنع
( لها ناظر في ذرا ناضر ** كما ركب السن فوق القناة )
( لوت حين ولت لنا جيدها ** فأي حياة بدت من وفاة )
( كما ذعر الظبي من قانص ** فمر وكرر في الالتفات )
ثم صنع أيضا
( ولطيفة الألفاظ لكن قلبها ** لم أشك منه لوعة إلا عتا )
( كملت محاسنها فود البدر أن ** يحظى ببعض صفاتها أو ينعتا )
( قد قلت لما أعرضت وتعرضت ** يا مؤيسا يا مطمعا قل لي متى )
( قالت أنا الظبي الغرير وإنما ** ولى وأوجس نبأة فتلفتا )
قال علي بن ظافر وحضر يوما عند بني خليف بظاهر الإسكندرية في قصر رسا بناؤه وسما وكاد يمزق بمزاحمته أثواب السما قد ارتدى جلابيب السحائب ولاث عمائم الغمائم وابتسمت ثنايا شرفاته واتسمت بالحسن حنايا غرفاته وأشرف على سائر نواحي الدنيا وأقطارها وحبته الرياض بما ائتمنتها عليه السحب من ودائع أمطارها والرمل بفنائه قد نثر تبره في زبرجد
____________________
(3/257)

كرومه والجو قد بعث بذخائر الطيب لطيمة نسيمه والنخل قد أظهرت جواهرها ونشرت غدائرها والطل ينثر لؤلؤه في مسارب النسيم ومساحبه والبحر يرعد غيظا من عبث الرياح به فسأله بعض الحضور أن يصف ذلك الموضع الذي تمت محاسنه وغبط به ساكنه فجاشت لذلك لجج بحره وألقت إليه جواهره لترصيع لبة ذلك القصر ونحره فقال
( قصر بمدرجة النسيم تحدثت ** فيه الرياض بسرها المستور )
( خفض الخورنق والسدير سموه ** وثنى قصور الروم ذات قصور )
( لاث الغمام عمامة مسكية ** وأقام في أرض من الكافور )
( غنى الربيع به محاسن وصفه ** فافتر عن نور يروق ونور )
( فالدوح يسحب حلة من سندس ** تزهى بلؤلؤ طلها المنثور )
( والنخل كالغيد الحسان تقرطت ** بسبائك المنظوم المنثور )
( والرمل في حبك النسيم كأنما ** أبدى غصون سوالف المذعور )
( والبحر يرعد متنه فكأنه ** درع تشن بمعطفي مقرور )
( وكأننا والقصر يجمع شملنا ** في الأفق بين كواكب وبدور )
( وكذاك دهر بني خليف لم يزل ** يثني المعاطف في حبير حبور ) ثم قال ابن ظافر وأخبرني الفقيه أبو الحسن علي ابن الطوسي المعروف بابن السيوري الإسكندري النحوي بما هذا معناه قال كنت مع الأعز بن قلاقس في جماعة فمر بنا أبو الفضائل بن فتوح المعروف بالمصري وهو راجع من المكتب ومعه دواته وهو في تلك الأيام قرة العين ظرفا وجمالا وراحة القلب قربا ووصالا كل عين إلى وجهه محدقة ولمشهد خديه بخلوق الخجل مخلقة فاقترحنا عليه أن يتغزل فيه فصنع بديها
( علقته متعلقا ** بالخط معتكفا عليه )
( حمل الدواة ولا دواء ** لعاشق يرجى لديه )
( فدماء حبات القلوب ** تلوح صبغا في يديه )
( لم أدر ما أشكو إليه ** أهجره أم مقلتيه )
( والحب يخرسني على ** أني ألكع سيبويه )
( ما لي إذا أبصرته ** شغل سوى نظري إليه )
وقد آن وقت الرجعة إلى كلام الأندلسيين الذي حلا وأبعدنا عنه بما مر النجعة فنقول ذكر الفتح في قلائد العقيان كما قال ابن ظافر ما معناه أخبرني الوزير أبو عامر بن بشتغير أنه حضر مجلس القائد أبي عيسى بن لبون في يوم سفرت فيه أوجه المسرات ونامت عنه أعين المضرات وأظهرت سقاته غصونا تحمل بدورا وتطوف من المدام بنار مازجت من الماء نورا وشموس الكاسات تطلع في أكفها كالورد في السوسان وتغرب بين أقاحي نجوم الثغور فتذبل نرجس الأجفان وعنده الوزير أبو الحسن ابن الحاج اللورقي وهو يومئذ قد بذل الجهد في التحلي بالزهد فأمر القائد بعض السقاة أن يعرض عليه ذهب كاسه ويحييه بزبرجد آسه ويغازله بطرفه ويميل عليه بعطفه ففعل ذلك عجلا فأنشد أبو الحسن مرتجلا
( ومهفهف مزج الفتور بشدة ** وأقام بين تبذل وتمنع )
( يثنيه من فعل المدامة والصبا ** سكران سكر طبيعة وتطبع )
( أو ما إلي بكأسه فكففتها ** ورنا فشفعها بلحظ مطمع )
( والله لولا أن يقال هوى الهوى ** منه بفضل عزيمة وتورع )
( لأخذت في تلك السبيل بمأخذي ** فيما مضى ونزعت فيها منزعي )
وحكى الحميدي أن عبد الملك بن إدريس الجزيري كان ليلة بين يدي الحاجب ابن أبي عامر والقمر يبدو تارة ويخفيه السحاب تارة فقال بديها
( أرى بدر السماء يلوح حينا ** فيبدو ثم يلتحف السحابا )
( وذاك لأنه لما تبدى ** وأبصر وجهك استحيا فغابا )
( مقال لو نمى عني إليه ** لراجعني بتصديقي جوابا )
وكان صاعد اللغوي صاحب كتاب القصوص - وقد تكرر ذكره في هذا الكتاب - كثيرا ما يمدح بلاد العراق بمجلس المنصور بن أبي عامر ويصفها ويقرظها فكتب الوزير أبو مروان عبد الملك بن شهيد والد الوزير أبي عامر أحمد بن شهيد صاحب الغرائب وقد تقدم بعض كلامه قريبا إلى المنصور في يوم برد - وكان أخص وزرائه به - بهذه الأبيات
( أما ترى برد يومنا هذا ** صيرنا للكمون أفذاذا )
( قد فطرت صحة الكبود به ** حتى لكادت تعود أفلاذا )
( فادع بنا للشمول مصطلبا ** نغذ سيرا إليك إغذاذا )
( وادع المسمى بها وصاحبه ** تدع نبيلا وتدع أستاذا ) ولا تبال أبا العلاء زها ** بخمر قطربل وكلواذا )
( ما دام من أرملاط مشربنا ** دع دير عمي وطيز ناباذا ) وكان المنصور قد عزم ذلك اليوم على الانفراد بالحرم فأمر بإحضار من جرى رسمه من الوزراء والندماء وأحضر ابن شهيد في محفة لنقرس كان يعتاده وأخذوا في شأنهم فمر لهم يوم لم يشهدوا مثله ووقت لم يعهدوا نظيره وطما الطرب وسما بهم حتى تهايج القوم ورقصوا وجعلوا يرقصون بالنوبة حتى انتهى الدور إلى ابن شهيد فأقامه الوزير أبو عبد الله ابن عباس فجعل يرقص وهو متوكئ عليه ويرتجل ويومئ إلى المنصور وقد غلب عليه السكر
( هاك شيخا قاده عذر لكا ** قام في رقصته مستهلكا )
( لم يطق يرقصها مستثبتا ** فانثنى يرقصها مستمسكا )
( عاقه عن هزها منفردا ** نقرس أخنى عليه فاتكا )
( من وزير فيهم رقاصة ** قام للسكر يناغي ملكا )
( أنا لو كنت كما تعرفني ** قمت إجلالا على رأسي لكا )
( قهقه الإبريق مني ضاحكا ** ورأى رعشة رجلي فبكى )
قال ابن ظافر وهذه قطعة مطبوعة وطرفها الأخير واسطتها وكان حاضرهم ذلك اليوم رجل بغدادي يعرف بالفكيك حسن النادرة سريعها وكان ابن شهيد استحضره إلى المنصور فاستطبعه فلما رأى ابن شهيد يرقص قائما مع ألم المرض الذي كان يمنعه من الحركة قال لله درك يا وزير ترقص بالقائمة وتصلي بالقاعدة فضحك المنصور وأمر لابن شهيد بمال جزيل ولسائر الجماعة وللبغدادي
وقال ابن بسام حدث أبو بكر محمد بن أحمد بن جعفر بن
____________________
(3/258)


( علقته متعلقا ** بالخط معتكفا عليه )
( حمل الدواة ولا دواء ** لعاشق يرجى لديه )
( فدماء حبات القلوب ** تلوح صبغا في يديه )
( لم أدر ما أشكو إليه ** أهجره أم مقلتيه )
( والحب يخرسني على ** أني ألكع سيبويه )
( ما لي إذا أبصرته ** شغل سوى نظري إليه )
وقد آن وقت الرجعة إلى كلام الأندلسيين الذي حلا وأبعدنا عنه بما مر النجعة فنقول ذكر الفتح في قلائد العقيان كما قال ابن ظافر ما معناه أخبرني الوزير أبو عامر بن بشتغير أنه حضر مجلس القائد أبي عيسى بن لبون في يوم سفرت فيه أوجه المسرات ونامت عنه أعين المضرات وأظهرت سقاته غصونا تحمل بدورا وتطوف من المدام بنار مازجت من الماء نورا وشموس الكاسات تطلع في أكفها كالورد في السوسان وتغرب بين أقاحي نجوم الثغور فتذبل نرجس الأجفان وعنده الوزير أبو الحسن ابن الحاج اللورقي وهو يومئذ قد بذل الجهد في التحلي بالزهد فأمر القائد بعض السقاة أن يعرض عليه ذهب كاسه ويحييه بزبرجد آسه ويغازله بطرفه ويميل عليه بعطفه ففعل ذلك عجلا فأنشد أبو الحسن مرتجلا
( ومهفهف مزج الفتور بشدة ** وأقام بين تبذل وتمنع )
( يثنيه من فعل المدامة والصبا ** سكران سكر طبيعة وتطبع )
( أو ما إلي بكأسه فكففتها ** ورنا فشفعها بلحظ مطمع )
____________________
(3/259)


( والله لولا أن يقال هوى الهوى ** منه بفضل عزيمة وتورع )
( لأخذت في تلك السبيل بمأخذي ** فيما مضى ونزعت فيها منزعي )
وحكى الحميدي أن عبد الملك بن إدريس الجزيري كان ليلة بين يدي الحاجب ابن أبي عامر والقمر يبدو تارة ويخفيه السحاب تارة فقال بديها
( أرى بدر السماء يلوح حينا ** فيبدو ثم يلتحف السحابا )
( وذاك لأنه لما تبدى ** وأبصر وجهك استحيا فغابا )
( مقال لو نمى عني إليه ** لراجعني بتصديقي جوابا )
وكان صاعد اللغوي صاحب كتاب القصوص - وقد تكرر ذكره في هذا الكتاب - كثيرا ما يمدح بلاد العراق بمجلس المنصور بن أبي عامر ويصفها ويقرظها فكتب الوزير أبو مروان عبد الملك بن شهيد والد الوزير أبي عامر أحمد بن شهيد صاحب الغرائب وقد تقدم بعض كلامه قريبا إلى المنصور في يوم برد - وكان أخص وزرائه به - بهذه الأبيات
( أما ترى برد يومنا هذا ** صيرنا للكمون أفذاذا )
( قد فطرت صحة الكبود به ** حتى لكادت تعود أفلاذا )
( فادع بنا للشمول مصطلبا ** نغذ سيرا إليك إغذاذا )
( وادع المسمى بها وصاحبه ** تدع نبيلا وتدع أستاذا ) ولا تبال أبا العلاء زها ** بخمر قطربل وكلواذا )
( ما دام من أرملاط مشربنا ** دع دير عمي وطيز ناباذا )
____________________
(3/260)

وكان المنصور قد عزم ذلك اليوم على الانفراد بالحرم فأمر بإحضار من جرى رسمه من الوزراء والندماء وأحضر ابن شهيد في محفة لنقرس كان يعتاده وأخذوا في شأنهم فمر لهم يوم لم يشهدوا مثله ووقت لم يعهدوا نظيره وطما الطرب وسما بهم حتى تهايج القوم ورقصوا وجعلوا يرقصون بالنوبة حتى انتهى الدور إلى ابن شهيد فأقامه الوزير أبو عبد الله ابن عباس فجعل يرقص وهو متوكئ عليه ويرتجل ويومئ إلى المنصور وقد غلب عليه السكر
( هاك شيخا قاده عذر لكا ** قام في رقصته مستهلكا )
( لم يطق يرقصها مستثبتا ** فانثنى يرقصها مستمسكا )
( عاقه عن هزها منفردا ** نقرس أخنى عليه فاتكا )
( من وزير فيهم رقاصة ** قام للسكر يناغي ملكا )
( أنا لو كنت كما تعرفني ** قمت إجلالا على رأسي لكا )
( قهقه الإبريق مني ضاحكا ** ورأى رعشة رجلي فبكى )
قال ابن ظافر وهذه قطعة مطبوعة وطرفها الأخير واسطتها وكان حاضرهم ذلك اليوم رجل بغدادي يعرف بالفكيك حسن النادرة سريعها وكان ابن شهيد استحضره إلى المنصور فاستطبعه فلما رأى ابن شهيد يرقص قائما مع ألم المرض الذي كان يمنعه من الحركة قال لله درك يا وزير ترقص بالقائمة وتصلي بالقاعدة فضحك المنصور وأمر لابن شهيد بمال جزيل ولسائر الجماعة وللبغدادي
وقال ابن بسام حدث أبو بكر محمد بن أحمد بن جعفر بن
____________________
(3/261)

عثمان المصحفي قال دخلت يوما على أبي عامر ابن شهيد وقد ابتدأت علته التي مات بها فأنس بي وجرى الحديث إلى أن شكوت له تجني بعض أصحابي علي ونفاره عني فقال لي سأسعى في إصلاح ذات البين فخرجت عنه واتفق لقائي لذلك المتجني علي مع بعض أصحابي وأعزهم علي فلما رآني ذلك الصديق موليا عنه أنكر عليه وسأله عن السبب الموجب فأخبره وزادا في مشيهما حتى لحقا بي وعزم علي في مكالمة صاحبي وتعاتبنا عتابا أرق من الهواء وأشهى من الماء على الظماء حتى جئنا دار أبي عامر فلما رآنا جميعا ضحك وقال من كان الذي تولى إصلاح ما كنا سررنا بفساده قلنا قد كان ما كان فأطرق قليلا ثم أنشد
( من لا أسمي ولا أبوح به ** أصلح بيني وبين من أهوى )
( أرسلت من كابد الهوى فدرى ** كيف يداوي مواقع البلوى )
ولي حقوق في الحب ثابتة لكن إلفي يعدها دعوى وقد ذكرنا في هذا الكتاب من غرائب أبي عامر بن شهيد في مواضع متفرقة الغرائب وقدمنا في الباب الرابع حكايته مع المرأة الداخلة في رمضان لجامع قرطبة وحكيناها هناك بلفظ ( المطمح ) فلتراجع
وعبر ابن ظافر عن معناها بقوله إن أبا عامر كان مع جماعة من أصحابه بجامع قرطبة في ليلة السابع والعشرين من رمضان فمرت امرأة به من بنات أجلاء قرطبة قد كملت حسنا وظرفا ومعها طفل يتبعها كالظبية تستتبع خشفا وقد حفت بها الجواري كالبدر حف بالدراري فحين رأت تلك الجماعة المعروفة بالخلاعة وقد رمقوا ذلك الظبي بعيون أسود رأت فريسة
____________________
(3/262)


( تقول التي من بيتها كف مركبي ** أقربك دان أم مداك بعيد )
( فقلت لها أمري إلى من سمت به ** إلى المجد آباء له وجدود )
ثم قال ولزمته آخر عمره علة دامت به سنين ولم تفارقه حتى تركته يد جنين وأحسب أن الله أراد بها تمحيصه وإطلاقه من ذنب كان قنيصه فطهره تطهيرا وجعل ذلك على العفو له ظهيرا فإنها أقعدته حتى حمل في المحفة وعاودته حتى غدت لرونقه مشتفة وعلى ذلك فلم يعطل لسانه ولم يبطل إحسانه ولم يزل يستريح إلى القول ويزيح ما كان يجده من الغول وآخر شعر قاله قوله
( ولما رأيت العيش لوى برأسه ** وأيقنت أن الموت لا شك لاحقي )
( تمنيت أني ساكن في عباءة ** بأعلى مهب الريح في رأس شاهق )
( أرد سقيط الطل في فضل عيشتي ** وحيدا وأحسو الماء ثني المعالق )
( خليلي من ذاق المنية مرة ** فقد ذقتها خمسين قولة صادق )
( كأني وقد حان ارتحالي لم أفز ** قديما من الدنيا بلمحة بارق )
( فمن مبلغ عني ابن حزم وكان لي ** يدا في ملماتي وعند مضايقي )
( عليك سلام الله إني مفارق ** وحسبك زادا من حبيب مفارق )
( فلا تنس تأبيني إذا ما ذكرتني ** وتذكار أيامي وفضل خلائقي )
( وحرك له بالله من أهل فننا ** إذا غيبوني كل شهم غرانق )
____________________
(3/262)

ارتاعت وتخوفت أن تخطف منها تلك الدرة النفيسة فاستدنت إليها خشفها وألزمته عطفها فارتجل ابن شهيد قائلا
( وناظرة تحت طي القناع إلخ ** ) ومرت في الباب الرابع هذه الأبيات وقال الرئيس أبو الحسن عبد الرحمن بن راشد الراشدي لما نعيت أبا عامر بن شهيد إلى أبي عبد الله بن الحناط الشاعر وقد عرف ما كان بينهما من المنافسة بكى وأنشدني لنفسه بديهة
( لما نعى الناعي أبا عامر ** أيقنت أني لست بالصابر )
( أودى فتى الظرف وترب الندى ** وسيد الأول والآخر ) وقال ابن بسام اصطبح المعتصم بن صمادح يوما مع ندمائه فأبرز لهم وصيفة مهدوية متصرفة في أنواع اللعب المطرب من الدك وحضر أيضا هناك لاعب مصري ساحر فكان لعبه حسنا فارتجل أبو عبد الله بن الحداد
( كذا فلتلح قمرا زاهرا ** وتجني الهوى ناظرا ناضرا ) وسيبك سيب ندى مغدق ** أقام لنا هاميا هامرا )
( وإن ليومك ذا رونقا ** منيرا كنور الضحى باهرا )
( صباح اصطباح بإسفاره ** لحظنا محيا العلا سافرا )
( وأطلعت فيه نجوم الكؤوس ** فما زال كوكبها زاهرا )
( وأسمعتنا لاحنا فاتنا ** وأحضرتنا لاعبا ساحرا )
____________________
(3/263)


( يرفرف فوق رؤوس القيان ** فننظر ما يذهل الناظرا )
( ويحفظها ذيل سرباله ** فننظر طالعها غائرا )
( فظاهرها ينثني باطنا ** وباطنها ينثني ظاهرا )
( وثناه ثان لألعابه ** دقائق تثني الحجى حائرا )
( وفي سورة الراح من سحره ** خواطر دلهت الخاطرا )
( إذا ورد اللحظ أثناءها ** فما الوهم عن وردها صادرا )
( ومن حسن دهرك إبداعه ** فما انفك عارضها ماطرا )
( وسعدك يجتلب المغربات ** فيجعل غائبها حاضرا )
قال وحضر الأديب أحمد بن الشقاق عند القائد بن دري بجيان هو وأبو زيد بن مقانا الأشبوني فأحضر لهما عنبا أسود مغطى بورق أخضر فارتجل ابن الشقاق
( عنب تطلع من حشا ورق لنا ** صبغت غلائل جلده بالإثمد )
( فكأنه من بينهن كواكب ** كسفت فلاحت في سماء زبرجد )
قال وحضر ابن مرزقان ليلة عند ذي النون بن خلدون وبحضرته وصيفة تحمل شمعة فاستحسنها ابن مرزقان فقال بديها
( يا شمعة تحملها أخرى ** كأنها شمس علت بدرا )
( امتحنت إحداكما مهجتي ** بمثل ما تمتحن الأخرى )
قال ودخل الأديب غانم يوما على باديس صاحب غرناطة فوسع له على ضيق كان في المجلس فقال بديها
( صير فؤادك للمحبوب منزلة ** سم الخياط مجال للمحبين )
( ولا تسامح بغيضا في معاشرة ** فقلما تسع الدنيا بغيضين )
وأخذه من قول الخليل ( ( ما تضايق سم الخياط بمتحابين ولا اتسعت الدنيا لمتباغضين )
وكان الخليل على نمرقة صغيرة والمجلس متضايق فدخل عليه بعض أصحابه فرحب به وأجلسه معه على النمرقة فقال له الرجل إنها لا تسعنا فقال ما ذكر
وقال ابن بسام أيضا أمر الحاجب المنذر بن يحيى التجيبي صاحب سرقسطة بعرض بعض الجند في بعض اليام ورئيسهم مملوك له رومي يقال له خيار في نهاية الجمال فجعل ينفخ في القرن ليجتمع أصحابه على عادة لهم في ذلك فقال ابن هندو الداني فيه ارتجالا
( أعن بابل أجفان عينيك تنفث ** ومن قوم موسى أنت للعهد تنكث )
( أفي الحق أن تحكي سرافيل نافخا ** وأمكث في رمس الصدود وألبث )
( عساك نبي الحسن تأتي بآية ** فتنفخ في ميت الصدود فيبعث ) قال وكان بقرطبة غلام وسيم فمر عليه ابن فرج الجياني ومعه صاحب له فقال صاحبه إنه لصبيح لولا صفرة فيه فقال ابن فرج ارتجالا
____________________
(3/264)


قال ودخل الأديب غانم يوما على باديس صاحب غرناطة فوسع له على ضيق كان في المجلس فقال بديها
( صير فؤادك للمحبوب منزلة ** سم الخياط مجال للمحبين )
( ولا تسامح بغيضا في معاشرة ** فقلما تسع الدنيا بغيضين )
وأخذه من قول الخليل ( ( ما تضايق سم الخياط بمتحابين ولا اتسعت الدنيا لمتباغضين )
وكان الخليل على نمرقة صغيرة والمجلس متضايق فدخل عليه بعض أصحابه فرحب به وأجلسه معه على النمرقة فقال له الرجل إنها لا تسعنا فقال ما ذكر
وقال ابن بسام أيضا أمر الحاجب المنذر بن يحيى التجيبي صاحب سرقسطة بعرض بعض الجند في بعض اليام ورئيسهم مملوك له رومي يقال له خيار في نهاية الجمال فجعل ينفخ في القرن ليجتمع أصحابه على عادة لهم في ذلك فقال ابن هندو الداني فيه ارتجالا
( أعن بابل أجفان عينيك تنفث ** ومن قوم موسى أنت للعهد تنكث )
( أفي الحق أن تحكي سرافيل نافخا ** وأمكث في رمس الصدود وألبث )
( عساك نبي الحسن تأتي بآية ** فتنفخ في ميت الصدود فيبعث ) قال وكان بقرطبة غلام وسيم فمر عليه ابن فرج الجياني ومعه صاحب له فقال صاحبه إنه لصبيح لولا صفرة فيه فقال ابن فرج ارتجالا
____________________
(3/265)


( قالوا به صفرة عابت محاسنه ** فقلت ما ذاك من عيب به نزلا )
( عيناه تطلب في أوتار من قتلت ** فلست تلقاه إلا خائفا وجلا ) قال وكان يوما مع لمة من أهل الأدب في مجلس أنس فاحتاج رب المنزل إلى دينار فوجه إلى السوق فدخل به عليهم غلام من الصيارف في نهاية الجمال فرمى بالدينار إليهم من فيه تماجنا فقال ابن فرج
( أبصرت دينارا بكف مهفهف ** يزهى به من كثرة الإعجاب )
( أو ما به من فيه ثم رمى به ** فكأنه بدر رمى بشهاب ) قال وخرج الأديب أبو الحسن ابن حصن الإشبيلي إلى وادي قرطبة في نزهة فتذكر إشبيلية فقال بديها
( ذكرتك يا حمص ذكرى هوى ** أمات الحسود وتعنيته )
( كأنك والشمس عند الغروب ** عروس من الحسن منحوته )
( غدا النهر عقدك والطود تاجك ** والشمس أعلاه ياقوته )
انتهى وعبر بعضهم وهو صاحب بدائع البدائه عن بعض حكايات صاحب القلائد بما يقاربها في المعنى فقال إن المستعين بن هود ملك سرقسطة والثغور ركب نهر سرقسطة يوما لتفقد بعض معاقله المنتظمة بجيد ساحله وهو نهر رق ماؤه وراق وأزرى على نيل مصر ودجلة العراق قد اكتنفته البساتين من جانبيه وألقت ظلالها عليه فما تكاد عين الشمس أن
____________________
(3/266)

تنظر إليه هذا على اتساع عرضه وبعد سطح مائه من أرضه وقد توسط زورقه زوارق حاشيته توسط البدر للهالة وأحاطت به إحاطة الطفاوة بالغزالة وقد أعدوا من مكايد الصيد ما استخرج ذخائر الماء وأخاف حتى حوت السماء وأهلة الهالات طالعة من الموج في سحاب وقانصة من بنات الماء كل طائرة كالشهاب فلا ترى إلا صيودا كقصد الصوارم وقدود اللهاذم ومعاصم الأبكار النواعم فقال الوزير أبو الفضل ابن حسداي والطرب قد استهواه وبديع ذلك المرأى قد استرق هواه
( لله يوم أنيق واضح الغرر ** مفضض مذهب الآصال والبكر )
( كأنما الدهر لما ساء أعتبنا ** فيه بعتبى فأبدى صفح معتذر )
( نسير في زورق حف السرور به ** من جانبيه بمنظوم ومنتثر )
( مد الشراع به قدا على ملك ** بذ الأوائل في أيامه الأخر )
( هو الإمام الهمام المستعين حوى ** علياء مؤتمن في هدي مقتدر )
( تحوي السفينة منه آية عجبا ** بحر تجمع حتى صار في نهر )
( تثار من قعره النينان مصعدة ** صيدا كما ظفر الغواص بالدرر )
( وللندامى به عب ومرتشف ** كالريق يعذب في ورد وفي صدر )
( والشرب في ود مولى خلقه زهر ** يذكو وبهجته أبهى من القمر ) ثم قال ما معناه وقوله ( ( نينان ) ) غير معروف فإن نونا لم يجئ جمعها على نينان وقد كان سيبويه لحن بشار بن برد في قوله في صفة السفينة
( تلاعب نينان البحور وربما ** رأيت نفوس القوم من جريها تجري )
فغيره بشار ب ( ( تيار البحور ) ) وقد قال أبو الطيب يصف خيلا
____________________
(3/267)


( فهن مع السيدان في البر عسل ** وهن مع النينان في البحر عوم )
انتهى
والمستعين بن هود هو أحمد بن المؤتمن على أمر الله يوسف بن المقتدر بالله أحمد بن المستضيء بالله سليمان بن هود الجذامي رحم الله تعالى الجميع
وعبر المذكور عن قضية ابن وهبون في هلال شوال بما نصه خرج ابن وهبون يوما لنظر هلال شوال وأبو بكر ابن القبطرنة الوزير يسايره وهو يومئذ غلام يخجل البدر ويذوي الغصن النضر وصفحته لم يسطرها العذار بأنقاسه ووردة خده لم يسترها الشعر بآسه فارتجل عبد الجليل
( يا هلال استتر بوجهك عني إن مولاك قابض بشمالي )
( هبك تحكي سناه خدا بخد ** قم فجئني لقده بمثال ) وقد ذكرنا هذه الحكاية في غير هذا الموضع بلفظ الفتح في القلائد ولكنا أعدناها هنا لتعبير صاحب البدائع عنها محاكيا لطريقته
وذكر ابن بسام أن الوزير أبا عبد الله ابن أبي الخصال وقف بباب بعض القضاة واستأذن عليه فحجب عنه فكتب إليه بديها
( جئناك للحاجة الممطول صاحبها ** وأنت تنعم والإخوان في بوس )
( وقد وقفنا طويلا عند بابكم ** ثم انصرفنا على رأي ابن عبدوس )
أشار به إلى قول الوزير أبي عامر بن عبدوس
( لنا قاض له خلق ** أقل ذميمه النزق )
( إذا جئناه يحجبنا ** فنلعنه ونفترق )
وهو تمليح مليح سامح الله تعالى الجميع
وقال أبو جعفر الكاتب القرطبي الربضي
( وأبي المدامة ما أريد بشربها ** صلف الرقيع ولا انهماك اللاهي )
( لم يبق من عصر الشباب وطيبه ** شيء كعهدي لم يحل إلا هي )
( إن كنت أشربها لغير وفائها ** فتركتها للناس لا لله )
وبعضهم ينسبها لأبي القاسم عامر بن هشام والصواب - كما قال ابن الأبار - الأول
وقال أبو جعفر المذكور في فوارة رخام كلفه وصفها والي قرطبة
( ما شغل الطرف مثل فائرة ** تمج صرف الحياة من فيها )
( إشرب بها والحباب في جذل ** يظهره حسنها ويخفيها )
( تكاد من رقة تضمنها ** تخطبها العين إذ توافيها )
( كأنها من درة منعمة ** زهراء قد ذاب نصفها فيها )
ومن شعره أيضا
____________________
(3/268)


( لنا قاض له خلق ** أقل ذميمه النزق )
( إذا جئناه يحجبنا ** فنلعنه ونفترق )
وهو تمليح مليح سامح الله تعالى الجميع
وقال أبو جعفر الكاتب القرطبي الربضي
( وأبي المدامة ما أريد بشربها ** صلف الرقيع ولا انهماك اللاهي )
( لم يبق من عصر الشباب وطيبه ** شيء كعهدي لم يحل إلا هي )
( إن كنت أشربها لغير وفائها ** فتركتها للناس لا لله )
وبعضهم ينسبها لأبي القاسم عامر بن هشام والصواب - كما قال ابن الأبار - الأول
وقال أبو جعفر المذكور في فوارة رخام كلفه وصفها والي قرطبة
( ما شغل الطرف مثل فائرة ** تمج صرف الحياة من فيها )
( إشرب بها والحباب في جذل ** يظهره حسنها ويخفيها )
( تكاد من رقة تضمنها ** تخطبها العين إذ توافيها )
( كأنها من درة منعمة ** زهراء قد ذاب نصفها فيها )
ومن شعره أيضا
____________________
(3/269)


( ضحك المشيب برأسه ** فبكى بأعين كاسه )
( رجل تخونه الزمان ** ببؤسه وبباسه )
( فجرى على غلوائه ** طلق الجموح بناسه )
( أخذا بأوفر حظه ** لرجائه من ياسه )
وقال أحد بني القبطرنة الوزراء
( ذكرت سليمى ونار الوغى ** بقلبي كساعة فارقتها )
( وأبصرت قد القنا شبهها ** وقد ملن نحوي فعانقتها )
وهذا معنى بديع ما أراه سبق به وقال أبو الحسن بن الغليظ المالقي قلت يوما للأديب أبي عبد الله بن السراج المالقي ونحن على خرير ماء أجز
( شربنا على ماء كأن خريره ** ) فقال مبادرا
( بكاء محب بان عنه حبيب ** )
( فمن كان مشغوفا كئيبا بإلفه ** فإني مشغوف به وكئيب ) وكتب أبو بكر البلنسي إلى الأديب أبي بحر صفوان بن إدريس هذين البيتين يستجيزه القسيم الأخير منهما
( خليلي أبا بحر وما قرقف اللمى ** بأعذب من قولي خليلي أبا بحر )
( أجز غير مأمور قسيما نظمته ** تأمل على نحر المياه حلى الزهر ) فأجازه
( تأمل على نحر المياه حلى الزهر ** كعهدك بالخضراء والأنجم الزهر )
( وقد ضحكت للياسمين مباسم ** سرورا بآداب الوزير أبي بكر )
( وأصغت من الآس النضير مسامع ** لتسمع ما يتلوه من سور الشعر ) وقال ابن خفاجة
( وما الأنس إلا في مجاج زجاجة ** ولا العيش إلا في صرير سرير )
( وإني وإن جئت المشيب لمولع ** بطرة ظل فوق وجه غدير ) وقال ابن خفاجة أيضا
( وأسود يسبح في لجة ** لا تكتم الحصباء غدرانها )
( كأنها في شكلها مقلة ** وذلك الأسود إنسانها ) قصائد لابن زيدون وكتب الوزير الشهير أبو الوليد بن زيدون إلى الوزير أبي عبد الله بن عبد العزيز أثر صدوره عن بلنسيه
( راحت فصح بها السقيم ** ريح معطرة النسيم )
( مقبولة هبت قبو ** لا فهي تعبق في الشميم )
____________________
(3/270)


( خليلي أبا بحر وما قرقف اللمى ** بأعذب من قولي خليلي أبا بحر )
( أجز غير مأمور قسيما نظمته ** تأمل على نحر المياه حلى الزهر ) فأجازه
( تأمل على نحر المياه حلى الزهر ** كعهدك بالخضراء والأنجم الزهر )
( وقد ضحكت للياسمين مباسم ** سرورا بآداب الوزير أبي بكر )
( وأصغت من الآس النضير مسامع ** لتسمع ما يتلوه من سور الشعر ) وقال ابن خفاجة
( وما الأنس إلا في مجاج زجاجة ** ولا العيش إلا في صرير سرير )
( وإني وإن جئت المشيب لمولع ** بطرة ظل فوق وجه غدير ) وقال ابن خفاجة أيضا
( وأسود يسبح في لجة ** لا تكتم الحصباء غدرانها )
( كأنها في شكلها مقلة ** وذلك الأسود إنسانها ) قصائد لابن زيدون وكتب الوزير الشهير أبو الوليد بن زيدون إلى الوزير أبي عبد الله بن عبد العزيز أثر صدوره عن بلنسيه
( راحت فصح بها السقيم ** ريح معطرة النسيم )
( مقبولة هبت قبو ** لا فهي تعبق في الشميم )
____________________
(3/271)


( أفضيض مسك أم بلنسية ** لرياها نميم )
( بلد حبيب أفقه ** لفتى يحل به كريم )
( إيه أبا عبد الإله ** نداء مغلوب العزيم )
( إن عيل صبري من فرا ** قك فالعذاب به أليم )
( أو أتبعتك حنينها ** نفسي فأنت لها قسيم )
( ذكري لعهدك كالعرار ** سرى فبرح بالسليم )
( مهما ذممت فما زماني ** في ذمامك بالذميم )
( زمن كمألوف الرضاع ** يشوق ذكراه الفطيم )
( أيام أعقد ناظري ** في ذلك المرأى الوسيم )
( وأرى الفتوة غضة ** في ثوب أواه حليم )
( الله يعلم أن حبك ** من فؤادي في الصميم )
( ولئن تحمل عنك لي ** جسم فعن قلب مقيم )
( قل لي باي خلال سرك ** فيك أفتن أو أهيم )
( ألمجدك العمم الذي ** نسق الحديث مع القديم )
( أم ظرفك الغض الجنى ** أم عرضك الصافي الأديم )
( أم برك العذب الجمام ** وبشرك الغض الجميم )
( إن أشمست تلك الطلا ** قة فالندى منها مغيم )
( أم بالبدائع كاللآلي ** من نثير أو نظيم )
( لبلاغة إن عد أهلوها ** فأنت بها زعيم )
( فقر تسوغ بها المدام ** إذا يكررها النديم )
( إن الذي قسم الحظوظ **
( حباك بالخلق العظيم )
( لا أستزيد الله نعمى ** فيك لا بل أستديم )
( فلقد أقر العين أنك ** غرة الزمن البهيم )
( حسبي الثناء بحسن برك ** ما بدا برق وشيم )
____________________
(3/272)


( ثم الدعاء بأن تهنأ ** طول عيشك في نعيم )
( ثم السلام تبلغنه ** فغيب مهديه سليم ) ولما ورد إشبيلية نزل بدار الوزير الكاتب ذي الوزارتين أبي عامر بن مسلمة وهو يبني مجلسا فصنع أبياتا كتبت
فيه
( عمر من يعمر ذا المجلسا ** أطول عمر يبهج الأنفسا )
( وبعد ذا عوض من داره ** عدنا ومن ديباجه السندسا )
( ولقي النور بها والرضى ** ووقي الأسواء والأبؤسا )
( ودام عباد لعضد الهدى ** يحرس حتى يفني الأحرسا )
( معتضد بالله إحسانه ** جم إذا ما الدهر يوما أسا )
( الملك الغمر الندى المقتني ** من كل حمد علقه الأنفسا )
( إن رام يوما وصف عليائه ** مفوه مقتدر أخرسا )
( لا زال بدرا طالعا نيرا ** يكشف عن آمالنا الحندسا ) وقال فيه أيضا
( أدرها فقد حسن المجلس ** وقد آن أن تترع الأكؤس )
( ولا تنس أن أوان الربيع ** إذا لم تجد فقده الأنفس )
( فإن خلال أبي عامر ** بها يحقر الورد والنرجس )
وكتب إلى الوزير أبي المعالي المهلب بن عامر يستدعيه
____________________
(3/273)


( طابت لنا ليلتنا الخاليه ** فلنتبعنها هذه الثانيه )
( أبا المعالي نحن في راحة ** فانقل إلينا القدم العاليه )
( لأنها عاطلة إن تغب ** عنا فزرنا كي ترى حاليه )
( أنت الذي لو تشترى ساعة ** منه بدهر لم تكن غاليه ) وكتب إليه ذو الوزارتين أبو عامر المذكور معاتبا
( تباعدنا على قرب الجوار ** كأنا صدنا شط المزار )
( تطلع لي هلال الهجر بدرا ** وصار هلال وصلك في سرار )
( وشاع شنيع قطعك لي بوصلي ** فهلا كان ذلك في استتار )
( أيجمل أن ترى عني صبورا ** فأصبح مولعا دون اصطبار )
( وكنت أزيد سمعك من عتابي ** ولكن عاقني فرط الخمار )
( فراع مودتي واحفظ جواري ** فإن الله أوصى بالجوار )
( وزرني منعما من غير أمر ** وآنس موحشا من عقر داري )
فكتب إليه ابن زيدون
( هواي وإن تناءت عنك داري ** كمثل هواي في حال الجوار )
( مقيم لا تغيره عواد ** تباعد بين أحيان المزار )
( رأيتك قلت إن الهجر بدر ** متى خلت البدور من السرار )
( ورابك أنني جلد صبور ** وكم صبر يكون عن اصطبار )
( ولم أهجر لعتب غير أني ** أضرت بي معاقرة العقار )
( وإن الخمر ليس لها خمار ** يبرح بي فكيف مع الخمار )
( وهل أنسى لديك نعيم عيش ** كوشي الخد طرز بالعذار ** وساعات يجول اللهو فيها ** مجال الطل في حدق النهار )
( وإن يك فر عنك اليوم جسمي ** فديت فما لقلبي من فرار )
( وكنت على البعاد أجل شيء ** لدي فكيف إذ أصبحت جاري )
وكان أبو العطاف إذ ورد إشبيلية رسولا قد سأله أن يريه شيئا من شعره فمطله به حتى كتب إليه شعرا يستبطئه فأجابه ابن زيدون في العروض والقافية
( أفدتني من نفائس الدرر ** ما أبرزته غوائص الفكر )
( من لفظة قارنت نظائرها ** قران سقم الجفون للحور )
وهي أكثر مما ذكر
وكتب رحمه الله تعالى - أعني ذا الوزارتين ابن زيدون - إلى ولادة
( أضحى التنائي بديلا من تدانينا ** وناب عن طيب دنيانا تجافينا )
( ألا وقد حان صبح الليل صبحنا ** حين فقام بنا للحين ناعينا )
( من مبلغ الملبسينا بانتزاحهم ** حزنا مع الدهر لا يبلى ويبلينا )
( أن الزمان الذي ما زال يضحكنا ** أنسا بقربهم قد عاد يبكينا )
( غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا ** بأن نغص فقال الدهر آمينا
____________________
(3/274)


( ولم أهجر لعتب غير أني ** أضرت بي معاقرة العقار )
( وإن الخمر ليس لها خمار ** يبرح بي فكيف مع الخمار )
( وهل أنسى لديك نعيم عيش ** كوشي الخد طرز بالعذار ** وساعات يجول اللهو فيها ** مجال الطل في حدق النهار )
( وإن يك فر عنك اليوم جسمي ** فديت فما لقلبي من فرار )
( وكنت على البعاد أجل شيء ** لدي فكيف إذ أصبحت جاري )
وكان أبو العطاف إذ ورد إشبيلية رسولا قد سأله أن يريه شيئا من شعره فمطله به حتى كتب إليه شعرا يستبطئه فأجابه ابن زيدون في العروض والقافية
( أفدتني من نفائس الدرر ** ما أبرزته غوائص الفكر )
( من لفظة قارنت نظائرها ** قران سقم الجفون للحور )
وهي أكثر مما ذكر
وكتب رحمه الله تعالى - أعني ذا الوزارتين ابن زيدون - إلى ولادة
( أضحى التنائي بديلا من تدانينا ** وناب عن طيب دنيانا تجافينا )
( ألا وقد حان صبح الليل صبحنا ** حين فقام بنا للحين ناعينا )
( من مبلغ الملبسينا بانتزاحهم ** حزنا مع الدهر لا يبلى ويبلينا )
( أن الزمان الذي ما زال يضحكنا ** أنسا بقربهم قد عاد يبكينا )
( غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا ** بأن نغص فقال الدهر آمينا
____________________
(3/275)


( فانحل ما كان معقودا بأنفسنا ** وانبت ما كان موصولا بأيدينا )
( بالأمس كنا وما يخشى تفرقنا ** واليوم نحن وما يرجى تلاقينا )
( يا ليت شعري ولم نعتب أعاديكم ** هل نال حظا من العتبى أعادينا ) لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم ** رأيا ولم نتقلد غيره دينا )
( كنا نرى اليأس تسلينا عوارضه ** وقد يئسنا فما لليأس يغرينا )
( بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا ** شوقا إليكم ولا جفت مآقينا )
( نكاد حين تناجيكم ضمائرنا ** يقضي علينا الأسى لولا تأسينا )
( حالت لفقدكم أيامنا فغدت ** سودا وكانت بكم بيضا ليالينا )
( إذ جانب العيش طلق من تألفنا ** ومورد اللهو صاف من تصافينا )
( وإذ هصرنا فنون الوصل دانية ** قطوفها فجنينا منه ما شينا )
( ليسق عهدكم عهد السرور فما ** كنتم لأرواحنا إلا رياحنا )
( لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا ** إن طال ما غير النأي المحبينا )
( والله ما طلبت أهواؤنا بدلا ** منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا )
( يا ساري البرق غاد القصر فاسق به ** من كان صرف الهوى والود يسقينا )
( واسأل هنالك هل عنى تذكرنا ** إلفا تذكره أمسى يعنينا )
( ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا ** من لو على البعد حيا كان يحيينا )
( من لا يرى الدهر يقضينا مساعفة ** فيه وإن لم يكن عنا يقاضينا )
( من بيت ملك كأن الله أنشأه ** مسكا وقد أنشأ الله الورى طينا )
( أو صاغه ورقا محضا وتوجه ** من ناصع التبر إبداعا وتحسينا )
( إذا تأود آدته رفاهية ** توم العقود وأدمته البرى لينا )
____________________
(3/276)


( كانت له الشمس ظئرا في تكلله ** بل ما تجلى لها إلا أحايينا )
( كأنما أثبتت في صحن وجنته ** زهر الكواكب تعويذا وتزيينا )
( ما ضر أن لم نكن أكفاءه شرفا ** وفي المودة كاف من تكافينا )
( يا روضة طالما أجنت لواحظنا ** وردا جلاه الصبا غضا ونسرينا )
( ويا حياة تملينا بزهرتها ** منى ضروبا ولذات أفانينا )
( ويا نعيما خطرنا من غضارته ** في وشي نعمى سحبنا ذيله حينا )
( لسنا نسميك إجلالا وتكرمة ** وقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا )
( إذا انفردت وما شوركت في صفة ** فحسبنا الوصف إيضاحا وتبيينا )
( يا جنة الخلد أبدلنا بسلسلها ** والكوثر العذب زقوما وغسلينا )
( كأننا لم نبت والوصل ثالثنا ** والسعد قد غض من أجفان واشينا )
( سران في خاطر الظلماء تكتمنا ** حتى يكاد لسان الصبح يفشينا )
( لا غرو في أن ذكرنا الحزن حين نهت ** عنه النهى وتركنا الصبر ناسينا )
( إنا قرأنا الأسى يوم النوى سورا ** مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا )
( أما هواك فلم نعدل بمشربه ** شربا وإن كان يروينا فيظمينا )
( لم نجف أفق جمال أنت كوكبه ** سالين عنه ولم نهجره قالينا )
( ولا اختيارا تجنبناك عن كثب ** لكن عدتنا على كره عوادينا )
( نأسى عليك إذا حثت مششعة ** فينا الشمول وغنانا مغنينا )
( لا أكؤس الراح تبدي من شمائلنا ** سيما ارتياح ولا الأوتار تلهينا )
( دومي على العهد ما دمنا محافظة ** فالحر من دان إنصافا كما دينا )
( فما استعضنا خليلا عنك يحبسنا ** ولا استفدنا حبيبا عنك يغنينا )
( ولو صبا نحونا من أفق مطلعه ** بدر الدجى لم يكن حاشاك يصبينا )
( أبلي وفاء وإن لم تبذلي صلة ** فالطيف يقنعنا والذكر يكفينا )
( وفي الجواب متاع لو شفعت به ** بيض الأيادي التي ما زلت تولينا )
( عليك مني سلام الله ما بقيت ** صبابة بك نخفيها وتخفينا )
____________________
(3/277)


وإنما ذكرت هذه القصيدة - مع طولها - لبراعتها ولأن كثيرا من الناس لا يذكر جملتها ويظن أن ما في القلائد وغيرها منها هو جميعها وليس كذلك فهي وإن اشتهرت بالمشرق والمغرب لم يذكر جملتها إلا القليل وقد كنت وقفت بالمغرب على تسديس لها لبعض علماء المغرب ولم يحضرني منه الآن إلا قوله في المطلع
( ما للعيون بسهم الغنج تصمينا ** وعن قطاف جنى الأعطاف تحمينا )
( تألف كان يحيينا ويضنينا ** تفرق عاث في شمل المحبينا )
( أضحى التنائي بديلا من تدانينا ** وناب عن طيب دنيانا تجافينا )
وما أحسن قوله في هذا التسديس
( ما للأحبة دانوا بالنوى ورأوا ** تعريض عهد اللقا بالبعد حين نأوا )
( رعاهم الله كانوا للعهود رعوا ** فغيرتهم وشاة بالفساد سعوا )
( غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا ** بأن نغص فقال الدهر آمينا )
وقد ذكرنا في الباب الرابع موشحة ابن الوكيل التي وطأ فيها لنونية ابن زيدون هذه فلتراجع
رجع وقال ذو الوزارتين ابن زيدون يتغزل
( وضح الصبح المبين ** وجلا الشك اليقين )
( ورأى الأعداء ما غرتهم ** منك الظنون )
( أملوا ما ليس يمنى ** ورجوا ما لا يكون )
( وتمنوا أن يخون العبد ** مولى لا يخون )
____________________
(3/278)


( فإذا الغيب سليم ** وإذا العهد مصون ) قل لمن دان بهجري ** وهواني إذ يدين )
( أرخص الحب فؤادي ** لك والعلق ثمين )
( يا هلالا تتراءاه ** نفوس لا عيون )
( عجبا للقلب يقسو ** منك والعطف يلين )
( ما الذي ضرك لو سر ** بمرآك الحزين )
( وتلطفت بصب ** حينه فيك يحين )
( فوجوه اللطف شتى ** والمعاذير فنون )
وقال أيضا
( إليك من الأنام غدا ارتياحي ** وأنت من الزمان مدى اقتراحي )
( وما اعترضت هموم النفس إلا ** ومن ذكراك ريحاني وراحي )
( فديتك إن صبري عنك صبري ** لدى عطشي عن الماء القراح )
( ولي أمل لو الواشون كفوا ** لأطلع غرسه ثمر النجاح )
( وأعجب كيف يغلبني عدو ** رضاك عليه من أمضى سلاح )
( ولما أن جلتك لي اختلاسا ** أكف الدهر للحين المتاح )
( رأيت الشمس تطلع في نقاب ** وغصن البان يرفل في وشاح )
( فلو أسطيع طرت إليك شوقا ** وكيف يطير مقصوص الجناح )
( على حالي وصال واجتناب ** وفي يومي دنو وانتزاح )
( وحسبي أن تطالعك الأماني ** بأفقك في مساء أو صباح )
( فؤادي من أسى بك غير خال ** وقلبي من هوى لك غير صاح )
____________________
(3/279)


( وأن تهدي السلام إلي شوقا ** ولو في بعض أنفاس الرياح )
وقال
( كم ذا أريد ولا أراد ** لله ما لقي الفؤاد )
( أصفي الوداد إلى الذي ** لم يصف لي منه الوداد )
( كيف السلو عن الذي ** مثواه من قلبي السواد )
( يقضي علي دلاله ** في كل حين أو يكاد )
( ملك القلوب بحسنه ** فلها إذا أمر انقياد )
( يا هاجري كم أستفيد ** الصبر عنك فلا أفاد )
( أفلا رثيت لمن يبيت ** وحشو مقلتيه السهاد )
( إن أجن ذنبا في الهوى ** خطأ فقد يكبو الجواد )
( كان الرضى وأعيذه ** أن يعقب الكون الفساد )
وقال
( متى أنبيك ما بي ** يا راحتي وعذابي )
( متى ينوب لساني ** في شرحه عن كتابي )
( الله يعلم أني ** أصبحت فيك لما بي )
( فما يلذ منامي ** ولا يسوغ شرابي )
( يا فتنة المتعزي ** وحجة المتصابي )
( الشمس أنت توارت ** عن ناظري بالحجاب )
( ما النور شف سناه ** على رقيق السحاب )
( إلا كوجهك لما ** أضاء تحت النقاب )
وقال
( هل لداعيك مجيب ** أم لشاكيك طبيب )
( يا قريبا حين ينأى ** حاضرا حين يغيب )
( كيف يسلوك محب ** زانه منك حبيب )
( إنما نسيم ** تتلقاه القلوب )
( قد علمنا علم ظن ** هو لا شك مصيب )
( إن سر الحسن مما ** أضمرت تلك القلوب )
وقال
( أنى تضيع عهدك ** أم كيف تخلف وعدك )
( وقد رأتك الأماني رضى فلم تتعدك )
( يا ليت شعري وعندي ** ما ليس في الحب عندك )
( هل طال ليلك بعدي ** كطول ليلي بعدك )
( سلني حياتي أهبها ** فلست أملك ردك )
( الدهر عبدي لما ** أصبحت في الحب عبدك )
وقال رحمه الله تعالى وقد أمره السلطان أن يعارض قطعا كان يغنى بها واستحسن ألحانها
____________________
(3/280)


( ما النور شف سناه ** على رقيق السحاب )
( إلا كوجهك لما ** أضاء تحت النقاب )
وقال
( هل لداعيك مجيب ** أم لشاكيك طبيب )
( يا قريبا حين ينأى ** حاضرا حين يغيب )
( كيف يسلوك محب ** زانه منك حبيب )
( إنما نسيم ** تتلقاه القلوب )
( قد علمنا علم ظن ** هو لا شك مصيب )
( إن سر الحسن مما ** أضمرت تلك القلوب )
وقال
( أنى تضيع عهدك ** أم كيف تخلف وعدك )
( وقد رأتك الأماني رضى فلم تتعدك )
( يا ليت شعري وعندي ** ما ليس في الحب عندك )
( هل طال ليلك بعدي ** كطول ليلي بعدك )
( سلني حياتي أهبها ** فلست أملك ردك )
( الدهر عبدي لما ** أصبحت في الحب عبدك )
وقال رحمه الله تعالى وقد أمره السلطان أن يعارض قطعا كان يغنى بها واستحسن ألحانها
____________________
(3/281)


( يقصر قربك ليلي الطويلا ** ويشفي وصالك قلبي العليلا )
( وإن عصفت منك ريح الصدود ** فقدت نسيم الجياة البليلا )
( كما أنني إن أطلت العثار ** ولم يبد عذري وجها جميلا )
( وجدت أبا القاسم الظافر المؤيد ** بالله مولى مقيلا )
( لأقلامه فعل أسيافه ** يظل الصرير يباري الصليلا )
وقال يهنيه بالقدوم من السفر
( أيها الظافر أبشر بالظفر ** واجتل التأييد في أبهى الصور )
( وتفيأ ظل سعد يجتنى ** فيه من غرس المنى أحلى الثمر )
( ورد النجح فكم مستوحش ** شائق منك إلى أنس الصدر )
( كان من قربك في عيش ند ** عاطر الآصال وضاح البكر )
( فثوى دونك مثوى قلق ** يشتكي من ليله مطل السحر )
( قل لساقينا يجد أكؤسه ** ولشادينا يطل قطع الوتر )
ومنها
( لي فيه المثل السائر في ** جالب التمر إلى أرض هجر )
( ثم قد وفق عبد عظمت ** نعمة المولى عليه فشكر )
( لا عدا حظك إقبال يرى ** قاضيا أثناءه كل وطر )
( واصطبح كأس الرضى من ملك ** سرت في إرضائه أزكى السير )
( حين صممت إلى أعدائه ** فانتحتهم منك صماء الغير )
____________________
(3/282)


( فاض غمر للندى من فوقهم ** كان يروي شربهم منه الغمر )
( سبق الناس فصلى سابق ** إذ رأى آثاره مثل الزهر )
وهي طويلة
وقال رحمه الله تعالى
( لم يكن هجر حبيبي عن قلى ** لا ولا ذاك التجني مللا )
( سره دعوى ادعائي ثم لم ** يدر ما غاية صبري فابتلى )
( أنا راض بالذي يرضى به ** لي من لو قال مت ما قلت لا )
( مثل في كل حسن مثل ما ** صار حالي في هواه مثلا )
( يا فتيت المسك يا شمس الضحى ** يا قضيب البان يا ظبي الفلا )
( إن يكن لي أمل غير الرضى ** منك لا بلغت ذاك الأملا )
وقال رحمه الله تعالى
( أذكرتني سالف العيش الذي طابا ** يا ليت غائب ذاك الوقت قد آبا )
( إذ نحن في روضة للوصل أنعمها ** من السرور غمام فوقها صابا )
( إني لأعجب من شوق يطالبني ** فكلما قيل فيه قد قضى ثابا )
( كم نظرة لك عندي قد علمت بها ** يوم الزيارة أن القلب قد ذابا )
( قلب يطيل معاصاتي لطاعتكم ** فإن أكلفه يوما سلوة يابى )
وقال رحمه الله تعالى
( عاودت ذكر الهوى من بعد نسياني ** واستحدث القلب بعد العشق سلواني )
( من حب جارية يبدو بها صنم ** من اللجين عليها تاج عقيان )
( غريرة لم تفارقها تمائمها ** تسبي القلوب بساجي الطرف وسنان )
( لأستجدن في عشقي لها زمنا ** يحيي سوالف أيامي وأزماني )
( حتى يكون لمن أحببت خاتمة ** نسخت في حبها كفرا بإيمان )
وقال رحمه الله تعالى
( أنت معنى الهوى وسر الدموع ** وسبيل الهوى وقصد الولوع )
( أنت والشمس ضرتان ولكن ** لك عند الغروب فضل الطلوع )
( ليس يا مؤنسي نكلفك العتب ** دلالا من الرضى الممنوع )
( إنما أنت والحسود معنى ** كوكب يستقيم بعد الرجوع )
وقال رحمه الله تعالى
( يا ليل طل لا أشتهي ** إلا كعهدي قصرك )
( لو بات عندي قمري ** ما بت أرعى قمرك )
( يا ليل خبر أنني ** ألتذ عنه خبرك )
( بالله قل لي هل وفى ** فقال لا بل غدرك )
وقال رحمه الله تعالى
( لئن فاتني منك حظ النظر ** لأكتفين بسماع الخبر )
____________________
(3/283)


( عاودت ذكر الهوى من بعد نسياني ** واستحدث القلب بعد العشق سلواني )
( من حب جارية يبدو بها صنم ** من اللجين عليها تاج عقيان )
( غريرة لم تفارقها تمائمها ** تسبي القلوب بساجي الطرف وسنان )
( لأستجدن في عشقي لها زمنا ** يحيي سوالف أيامي وأزماني )
( حتى يكون لمن أحببت خاتمة ** نسخت في حبها كفرا بإيمان )
وقال رحمه الله تعالى
( أنت معنى الهوى وسر الدموع ** وسبيل الهوى وقصد الولوع )
( أنت والشمس ضرتان ولكن ** لك عند الغروب فضل الطلوع )
( ليس يا مؤنسي نكلفك العتب ** دلالا من الرضى الممنوع )
( إنما أنت والحسود معنى ** كوكب يستقيم بعد الرجوع )
وقال رحمه الله تعالى
( يا ليل طل لا أشتهي ** إلا كعهدي قصرك )
( لو بات عندي قمري ** ما بت أرعى قمرك )
( يا ليل خبر أنني ** ألتذ عنه خبرك )
( بالله قل لي هل وفى ** فقال لا بل غدرك )
وقال رحمه الله تعالى
( لئن فاتني منك حظ النظر ** لأكتفين بسماع الخبر )
____________________
(3/284)


( وإن عرضت غفلة للرقيب ** فحسبي بتسليمة تختصر )
( أحاذر أن يتجنى الوشاة ** وقد يستدام الهوى بالحذر )
( فأصبر مستقينا أنه ** سيحظى بليل المنى من صبر )
وقال أيضا رحمه الله تعالى
( أيها البدر الذي يملأ ** عيني من تأمل )
( حمل القلب تباريح ** التجني فتحمل )
( ثم لا تيأس فكم قد ** نيل أمر لم يؤمل )
وقال أيضا رحمه الله تعالى
( أجد ومن أهواه في الحب عابث ** وأوفي له بالعهد إذ هو ناكث )
( حبيب نأى عني مع القرب والأسى ** مقيم له في مضمر القلب ماكث )
( جفاني بألطاف العدا وأزاله ** عن الوصل رأي في القطيعة حادث )
( تغيرت عن عهدي وما زلت واثقا ** بعهدك لكن غيرتك الحوادث )
( وما كنت إذ ملكتك القلب عالما ** بأني عن حتفي بكفي باحث )
( ستبلى الليالي والوداد بحاله ** مقيم وغض وهو للأرض وارث )
( فلو أنني أقسمت أنك قاتلي ** وأني مقتول لما قيل حانث )
وقال رحمه الله تعالى
____________________
(3/285)


( يا غزالا أصارني ** موثقا في يد المحن )
( إنني مذ هجرتني ** لم أذق لذة الوسن )
( ليت حظي إشارة ** منك أو لحظة تعن )
( شافعي يا معذبي ** في الهوى وجهك الحسن ) كنت خلوا من الهوى وأنا اليوم مرتهن
( كان سري مكتما ** وهو الآن قد علن )
( ليس لي عنك مذهب ** فكما شئت لي فكن )
وقال رحمه الله تعالى
( أيوحش لي الزمان وأنت أنسي ** ويظلم لي النهار وأنت شمسي )
( وأغرس في محبتك الأماني ** وأجني الموت من ثمرات غرسي )
( لقد جازيت غدرا عن وفائي ** وبعت مودتي ظلما ببخس )
( ولو أن الزمان أطاع حكمي ** فديتك من مكارهه بنفسي )
ومحاسن ابن زيدون كثيرة وقد ذكرنا منها في غير هذا المحل جملة
وسألت جارية من جواري الأندلس ذا الوزارتين أبا الوليد ابن زيدون أن يزيد على بيت أنشدته إياه وهو
( يا معطشي من وصال كنت وارده ** هل منك لي غلة إن صحت واعطشي )
قال وكانت الجارية المذكورة تتعشق فتى قرشيا والوزير يعلم ذلك وهي لا تعلم أنه يعلم فقال
( كسوتني من ثياب السقم أسبغها ** ظلما وصيرت من لحف الضنى فرشي )
( أنى بصرف الهوى عن مقلة كحلت ** بالسحر منك وخد بالجمال وشي )
( لما بدا الصدغ مسودا بأحمره ** أرى التشاكل بين الروم والحبش )
( أوفى إلى الخد ثم انصاع منعطفا ** كالعقربان انثنى من خوف محترش )
( لو شئت زرت وسلك الليل منتظم ** والأفق يختال في ثوب من الغبش )
( جفا إذا التذت الأجفان طيب كرى ** جفني المنام وصاح الليل يا قرشي )
( هذا وإن تلفت نفسي فلا عجب ** قد كان قتلي في تلك الجفون حشي )
وكان لابن الحاج صاحب قرطبة ثلاثة أولاد من أجمل الناس صورة رحمون وعزون وحسون فأولع بهم الحافظ الشهير أبو محمد ابن السيد البطليوسي صاحب شرح أدب الكاتب وغيره وقال فيهم
( أخفيت سقمي حتى كاد يحفيني ** وهمت في حب عزون فعزوني )
( ثم ارحموني برحمون وإن ظمئت ** نفسي إلى ريق حسون فحسوني )
قال ثم خاف على نفسه فخرج عن قرطبة وهو القائل
( نفسي الفداء لجؤذر حلو اللمى مستحسن بصدوده أفناني )
( في فيه سمطا جوهر يروي الظما ** لو علني ببروده أحياني )
وهذان البيتان تخرج منهما عدة مقطعات كما لا يخفى
وقال أبو بكر محمد بن أحمد الأنصاري الإشبيلي المعروف بالأبيض
____________________
(3/286)


( كسوتني من ثياب السقم أسبغها ** ظلما وصيرت من لحف الضنى فرشي )
( أنى بصرف الهوى عن مقلة كحلت ** بالسحر منك وخد بالجمال وشي )
( لما بدا الصدغ مسودا بأحمره ** أرى التشاكل بين الروم والحبش )
( أوفى إلى الخد ثم انصاع منعطفا ** كالعقربان انثنى من خوف محترش )
( لو شئت زرت وسلك الليل منتظم ** والأفق يختال في ثوب من الغبش )
( جفا إذا التذت الأجفان طيب كرى ** جفني المنام وصاح الليل يا قرشي )
( هذا وإن تلفت نفسي فلا عجب ** قد كان قتلي في تلك الجفون حشي )
وكان لابن الحاج صاحب قرطبة ثلاثة أولاد من أجمل الناس صورة رحمون وعزون وحسون فأولع بهم الحافظ الشهير أبو محمد ابن السيد البطليوسي صاحب شرح أدب الكاتب وغيره وقال فيهم
( أخفيت سقمي حتى كاد يحفيني ** وهمت في حب عزون فعزوني )
( ثم ارحموني برحمون وإن ظمئت ** نفسي إلى ريق حسون فحسوني )
قال ثم خاف على نفسه فخرج عن قرطبة وهو القائل
( نفسي الفداء لجؤذر حلو اللمى مستحسن بصدوده أفناني )
( في فيه سمطا جوهر يروي الظما ** لو علني ببروده أحياني )
وهذان البيتان تخرج منهما عدة مقطعات كما لا يخفى
وقال أبو بكر محمد بن أحمد الأنصاري الإشبيلي المعروف بالأبيض
____________________
(3/287)

في تهنئة بمولود قال ابن دحية وهذا أبدع ما قيل في هذا المعنى
( أصاخت الخيل آذانا لصرخته ** واهتز كل هزبر عندما عطسا )
( تعشق الدرع مذ شدت لفائفه ** وأبغض المهد لما أبصر الفرسا )
( تعلم الركض أيام المخاض به ** فما امتطى الخيل إلا وهو قد فرسا )
وقال الوزير الكاتب أبو عامر السالمي في غلام يرش الماء على خديه فتزداد حمرتهما
( لقد نعمت بحمام تطلع في ** أرجائه قمر والحسن يكمله )
( أبصرته كلما راقت محاسنه ** ونعمة الجسم والأرداف تخجله )
( يرش بالماء خديه فقلت له ** صف لي لما أحمر الياقوت تصقله )
( فقال طرفي سفاك بصارمه ** دماء قوم على خدي فأغسله )
وقال أيضا
( أوقد النار بقلبي ** ثم هبت ريح صده )
( فشرار النار طارت ** فانطفت في ماء خده )
وهو تخييل عجيب
وقال ابن الحناط المكفوف الأندلسي في المعنى المشهور
( لم يخل من نوب الزمان أديب ** كلا فشأن النائبات عجيب )
( وغضارة الأيام تأبى أن يرى ** فيها لأبناء الذكاء نصيب )
____________________
(3/288)


( وكذاك من صحب الليالي طالبا ** جدا وفهما فاته المطلوب ) أشعار لابن الزقازق
وكان ابن الزقاق الأندلسي الشاعر المشهور - وقد تكرر ذكره في هذا التآليف مرات كثيرة - يسسهر في الليل ويشتغل بالأدب وكان أبوه فقيرا جدا فلامه وقال له نحن فقراء ولا طاقة لنا بالزيت الذي تسهر عليه فاتفق أن برع في الأدب والعلم ونظم الشعر فقال في أبي بكر بن عبد العزيز صاحب بلنسية قصيدة أولها
( يا شمس خدر ما لها مغرب ** أرامة خدرك أم يثرب )
( ذهبت فاستعبر طرفي دما ** مفضض الدمع به مذهب )
ومنها
( ناشدتك الله نسيم الصبا ** أنى استقرت بعدنا زينب )
( لم نسر إلا بشذا عرفها ** أو لا فماذا النفس الطيب )
( إيه وإن عذبني حبها ** فمن عذاب النفس ما يعذب )
فأطلق له ثلاثمائة دينار فجاء بها إلى أبيه وهو جالس في حانوته مكب على صنعته فوضعها في حجره وقال خذها فاشتر بها زيتا
وقال رحمه الله تعالى في غلام رمي حجرا فشدخ وجهه
( وأحوى رمى عن قسي الحور ** سهاما يفوقهن النظر )
( يقولون وجنته قسمت ** ورسم محاسنه قد دثر )
____________________
(3/289)


( وما شق وجنته عابثا ** ولكنها آية للبشر )
( جلاها لنا الله كيما نرى ** بها كيف كان انشقاق القمر )
وقال أيضا
( بأبي وغير أبي أغن مهفهف ** مهضوم ما خلف الوشاح خميصه )
( لبس السواد ومزقته جفونه ** فأتى كيوسف حين قد قميصه )
وقال أيضا
( سقتني بيمناها وفيها فلم أزل ** يجاذبني من ذا ومن هذه سكر )
( ترشفت فاها إذ ترشفت كأسها ** فلا والهوى لم أدر أيهما الخمر ) وقال
( رق النسيم وراق الروض بالزهر ** فنبه الكأس والإبريق بالوتر )
( ما العيش إلا اصطباح الراح أو شنب ** يغني عن الراح من سلسال ذي أشر )
( قل للكواعب غضي للكرى مقلا ** فأعين الزهر أولى منك بالسهر )
( وللصباح ألا فانشر رداء سنا ** هذا الدجى قد طوته راحة السحر )
( وقام بالقهوة الصهباء ذو هيف ** يكاد معطفه ينقد بالنظر )
( يطفو عليها إذا ما شجها درر ** تخالها اختلست من ثغره الخصر )
( والكأس من كفه بالراح محدقة ** كهالة أحدقت في الأفق بالقمر ) وقال
( تضوعن أنفاسا وأشرقن أوجها ** فهن منيرات الصباح بواسم )
( لئن كن زهرا فالجوانح أبرج ** وإن كن زهرا فالقلوب كمائم ) وهو من بديع التقسيم
وقال السميسر
( تحفظ من ثيابك ثم صنها ** وإلا سوف تلبسها حدادا )
( وميز في زمانك كل حبر ** وناظر أهله تسد العبادا )
( وظن بسائر الأجناس خيرا ** وأما جنس آدم فالبعادا )
( أرادوني بجمعهم فردوا ** على الأعقاب قد نكصوا فرادى )
( وعادوا بعد ذا إخوان صدق ** كبعض عقارب رجعت جرادا ) وقال ابن رزين وهو من رجال الذخيرة
( لأسرحن نواظري ** في ذلك الروض النضير )
( ولآكلنك بالمنى ** ولأشربنك بالضمير )
وقال سلطان بلنسية عبد الملك بن مروان بن عبد الله بن عبد العزيز
( ولا غرو بعدي أن يسود معشر ** فيضحي لهم يوم وليس لهم أمس )
( كذاك نجوم الجو تبدو زواهرا ** إذا ما توارت في مغاربها الشمس )
____________________
(3/290)

وقال
( تضوعن أنفاسا وأشرقن أوجها ** فهن منيرات الصباح بواسم )
( لئن كن زهرا فالجوانح أبرج ** وإن كن زهرا فالقلوب كمائم ) وهو من بديع التقسيم
وقال السميسر
( تحفظ من ثيابك ثم صنها ** وإلا سوف تلبسها حدادا )
( وميز في زمانك كل حبر ** وناظر أهله تسد العبادا )
( وظن بسائر الأجناس خيرا ** وأما جنس آدم فالبعادا )
( أرادوني بجمعهم فردوا ** على الأعقاب قد نكصوا فرادى )
( وعادوا بعد ذا إخوان صدق ** كبعض عقارب رجعت جرادا ) وقال ابن رزين وهو من رجال الذخيرة
( لأسرحن نواظري ** في ذلك الروض النضير )
( ولآكلنك بالمنى ** ولأشربنك بالضمير )
وقال سلطان بلنسية عبد الملك بن مروان بن عبد الله بن عبد العزيز
( ولا غرو بعدي أن يسود معشر ** فيضحي لهم يوم وليس لهم أمس )
( كذاك نجوم الجو تبدو زواهرا ** إذا ما توارت في مغاربها الشمس )
____________________
(3/291)


وتحاكم إلى أبي أيوب سليمان بن محمد بن بطال البطليوسي المعروف بالمتلمس غلامان جميلان لأحدهما وفرة شقراء وللآخر سوداء أيهما أحسن والمتلمس المذكور هو صاحب كتاب الأحكام فيما لا يستغني عنه الحكام فقال
( وشادنين ألما بي على مقة ** تنازعا الحسن في غايات مستبق )
( كأن لمة ذا من نرجس خلقت ** على بهار وذا مسك على ورق )
( وحكما الصب في التفضيل بينهما ** ولم يخافا عليه رشوة الحدق )
( فقام يدلي إليه الريم حجته ** مبينا بلسان منه منطلق )
( فقال وجهي بدر يستضاء ** به ولون شعري مصبوغ من الغسق )
( وكحل عيني سحر للنهى وكذا ** والسحر أحسن ما يعزى إلى الحدق )
( فقال صاحبه أحسنت وصفك لكن ** فاستمع لمقال في متفق )
( أنا على أفقي شمس النهار ولم ** تغرب وشقرة شعري حمرة الشفق )
( وفضل ما عيب في عيني من زرق ** أن الأسنة قد تعزى إلى الزرق )
( قضيت للمة الشقراء حيث حكت ** نورا كذا حبها يقضي على رمقي )
( فقام ذو اللمة السوداء يرشقني ** سهام أجفانه من شدة الحنق )
( وقال جرت فقلت الجور منك على ** قلبي ولي شاهد من دمعي الغدق )
( فقلت عفوك إذ أصبحت متهما ** فقال دونك هذا الحبل فاختنق )
وقال محمد لابن عبد الله بن غالب
( ومهفهف خنث الجفون كأنما ** من أرجل النمل استفاد عذارا )
( فتخاله ليلا إذا استقبلته ** وتخال ما يجري عليه نهارا )
____________________
(3/292)


وقال أبو القاسم خلف بن فرج السميسر المتقدم
( الناس مثل حباب ** والدهر لجة ماء )
( فعالم في طفو ** وعالم في انطفاء )
وقال أحمد بن برد الأندلسي في النرجس وهو البهار عند الأندلسيين ويسمى العبهر
( تنبه فقد شق البهار مغلسا ** كمائمه عن نوره الخضل الندي )
( مداهن تبر في أنامل فضة ** على أذرع مخروطة من زبرجد )
عبدون وقال الوزير عبد المجيد بن عبدون في دار أنزله بها المتوكل بن الأفطس وسقفها قديم فهطل عليه المطر منه
( أيا ساميا من جانبيه إلى العلا ** سمو حباب الماء حالا إلى حال )
( لعبدك دار حل فيها كأنها ** ديار لسلمى عافيات بذي الخال )
( يقول لها لما رأى من دثورها ** ألا عم صباحا أيها الطلل البالي )
( فقالت وما عيت جوابا ** بردها وهل يعمن من كان في العصر الخالي )
( فمر صاحب الإنزال فيها بفاصل ** فإن الفتى يهذي وليس بفعال )
قيل وهو أبو عذرة تضمين لامية امرىء القيس وقد أولع الناس بعده بتضمينها
وقال أبو الفضل ابش حسداي وكان يهوديا فأسلم ويقال إنه
____________________
(3/293)

من ولد موسى على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام
( توريد خدك للأحداق لذات ** عليه من عنبر الأصداغ لامات )
( نيران هجرك للعشاق نار لظى ** لكن وصالك إن واصلت جنات )
( كأنما الراح والراحات تحملها ** بدور تم وأيدي الشرب هالات )
( حشاشة ما تركنا الماء يقتلها ** إلا لتحيا بها منا حشاشات )
( قد كان من قبلها في كأسها ثقل ** فخف إذ ملئت منها الزجاجات )
وقد تبارى المشارقة والمغاربة من المتقدمين والمتأخرين في هذا الوزن والقافية ولولا خوف السآمة لذكرت من ذلك الجملة الشافية الكافية
ومن سرعة جواب أهل الأندلس أن ابن عبد ربه كان صديقا لأبي محمد يحيى القلفاط الشاعر ففسد ما بينهما بسبب أن ابن عبد ربه صاحب العقد مر به يوما وكان في مشيه اضطراب فقال أبا عمر ما علمت أنك آدر إلا اليوم لما رأيت مشيك فقال له ابن عبد ربه كذبتك عرسك أبا محمد فعز على القلفاط كلامه وقال له أتتعرض للحرم والله لأرينك كيف الهجاء ثم صنع فيه قصيدة أولها
( يا عرس أحمد أني مزمع سفرا ** فودعيني سرا من أبي عمرا )
ثم تهاجيا بعد ذلك وكان القلفاط يلقبه بطلاس لأنه كان أطلس اللحية ويسمي كتاب العقد حبل الثوم فاتفق اجتماعهما يوما عند بعض الوزراء فقال الوزير للقلفاط كيف حالك اليوم مع أبي عمر فقال مرتجلا
____________________
(3/294)


( حال طلاس لي عن رائه ** وكنت في قعداد أبنائه ) فبدر ابن عبد ربه وقال
( إن كنت في قعدد أبنائه ** فقد سقى أمك من مائه )
فانقطع القلفاط خجلا وعاش ابن عبد ربه 82 سنة رحمه الله تعالى
ومن الحكايات في مروءة أهل الأندلس ما ذكره صاحب الملتمس في ترجمة الكاتب الأديب الشهير أبي الحسين ابن جبير صاحب الرحلة وقد قدمنا ترجمته في الباب الخامس من هذا الكتاب وذكرنا هنالك أنه كان من أهل المروءات عاشقا في قضاء الحوائج والسعي في حقوق الإخوان وأنشدنا هنالك قوله
( يحسب الناس بأني متعب ** الخ
وقد ذكر ذلك كله صاحب الملتمس ثم قال - أعني صاحب الملتمس - ومن أغرب ما يحكى أني كنت أحرص الناس على أن أصاهر قاضي غرناطة أبا محمد عبد المنعم بن الفرس فجعلته - يعني ابن جبير - الواسطة حتى تيسر ذلك فلم يوفق الله ما بيني وبين الزوجة فجئته وشكوت له ذلك فقال أنا ما كان القصد لي في اجتماعكما ولكن سعيت جهدي في غرضك وها أنا أسعى أيضا في افتراقكما إذ هو من غرضك وخرج في الحين ففصل القضية ولم أر في وجهه أولا ولا آخرا عنوانا لامتنان ولا تصعيب ثم إنه طرق بابي ففتحت له ودخل وفي يده محفظة فيها مائة دينار مؤمنية ثم قال يا ابن
____________________
(3/295)


أخي اعلم أني كنت السبب في هذه القضية ولم أشك أنك خسرت فيها ما يقارب هذا القدر الذي وجدته الآن عند عمك فبالله إلا ما سررتني بقبوله فقلت له أنا ما أستحيي منك في هذا الأمر والله إن أخذت هذا المال لأتلفنه فيما أتلفت فيه مال والدي من أمور الشباب ولا يحل لك أن تمكنني منه بعد أن شرحت لك أمري فتبسم وقال لقد احتلت في الخروج عن المنة بحيلة وانصرف بماله انتهى
ثم قال صاحب الملتمس وتذاكرنا يوما معه حالة الزاهد أبي عمران المارتلي فقال صحبته مدة فما رأيت مثله وأنشدني شعرين ما نسيتهما ولا أنساهما ما استطعت فالأول قوله
( إلى كم أقول فلا أفعل ** وكم ذا أحوم ولا أنزل )
( وأزجر عيني فلا ترعوي ** وأنصح نفسي فلا تقبل )
( وكم ذا تعلل لي ويحها ** بعل وسوف وكم تمطل )
( وكم ذا أؤمل طول البقا ** وأغفل والموت لا يغفل )
( وفي كل يوم ينادي بنا ** منادي الرحيل إلا فارحلوا )
( أمن بعد سبعين أرجو البقا ** وسبع أتت بعدها تعجل )
( كأن بي وشيكا إلى مصرعي ** يساق بنعشي ولا أمهل )
( فيا ليت شعري بعد السؤال ** وطول المقام لما أنقل )
والثاني قوله
( اسمع أخي نصيحتي ** والنصح من محض الديانه )
____________________
(3/296)


( لا تقربن إلى الشهادة ** والوساطة والأمانة )
( تسلم من ان تعزى لزور ** أو فضول أو خيانه )
قال فقلت له أراك لم تعمل بوصيته في الوساطة فقال ما ساعدتني رقة وجهي على ذلك انتهى
رجع إلى نظم الأندلسيين وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز
( أفضل ما استصحب النبيل فلا ** تعدل به في المقام والسفر )
( جرم إذا ما التمست قيمته ** جل عن التبر وهو من صفر )
( مختصر وهو إذ تفتشه ** عن ملح العلم غير مختصر )
( ذو مقلة تستبين ما رمقت ** عن صائب اللحظ صادق الخبر )
( تحمله وهو حامل فلكا ** لو لم يدر بالبنان لم يدر )
( مسكنه الأرض وهو ينبئنا ** عن كل ما في السماء من خبر )
( أبدعه رب فكرة بعدت ** في اللطف عن أن تقاس بالفكر )
( فاستوجب الشكر والثناء به ** من كل ذي فطنة من البشر )
( فهو لذي اللب شاهد عجب ** على اختلاف العقول والصور )
قلت وهي من أحسن ما سمعت في الاصطرلاب وأمر رحمه الله تعالى أن يكتب على قبره
( سكنتك يا دار الفناء مصدقا ** بأني إلى دار البقاء أصير )
( وأعظم ما في الأمر أني صائر ** إلى عادل في الحكم ليس يجور )
____________________
(3/297)


( فيا ليت شعري كيف ألقاه عندها ** وزادي قليل والذنوب كثير )
( فإن أك مجزيا بذنبي فإنني ** بشر عقاب المذنبين جدير )
( وإن يك عفو من غني ومفضل ** فثم نعيم دائم وسرور )
وقال ابن خفاجة وهو مما أورده له صاحب الذخيرة
( لقد زار من أهوى على غير موعد ** فعاينت بدر التم ذاك التلاقيا )
( وعاتبته والعتب يحلو حديثه ** وقد بلغت روحي لديه التراقيا )
( فلما اجتمعنا قلت من فرحي به ** من الشعر بيتا والدموع سواقيا )
( وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ** يظنان كل الظن أن لا تلاقيا )
ومن مجون الأندلسيين هذه القصيدة المنسوبة لسيدي أبي عبد الله بن الأزرق وهي
( عم باتصال الزمن ** ولا تبالي بمن )
( وهو يواسي بالرضى ** من سمج أو حسن )
( أو من عجوز تحتظي ** والظهر منها منحني )
( أو من مليح مسعد ** موافق في الزمن )
( مهما تبدي خده ** يبدو لك الورد الجني ) والفصن في أثوابه ** إذا تمشي ينثني )
( لا أم لي لا أم لي ** إن لم أبرد شجني )
( وأخلعن في المجو ** ن والتصابي رسني )
( واجعل الصبر على ** هجر الملاح ديدني )
____________________
(3/298)


( يا عاذلي في مذهبي ** أرداك شرب اللبن )
( أعطيت في البطن سنانا ** إن تخالف سنني )
( أي فتى خالفني ** يوما ولما يلقني )
( فإنني لناصح ** وإنني وإنني )
( فلا تكن لي لاحيا ** وفي الأمور استفتني )
( فلم أزل أعرب عن ** نصحي لمن لم يلحني )
( وإن تسفه نظري ** ومذهبي وتنهني )
( فالصفع تستوجبه ** نعم ونتف الذقن )
( والزبل في وجهك يعلو ** باتصال الزمن )
( وبعد هذا أشتفي ** منك ويبرا شجني )
( وأضرب الكف أمام ** ذلك الوجه الدني )
( طقطق طق طقطق طق ** أصخ بسمع الأذن )
( قحقح قح قحقح قح ** الضحك يغلبلبني )
( قد كان أولى بك عن ** هذي المخازي تنثني )
( النفي تستوجبه ** لواسط أو عدن )
( عرضت بالنفس كذا ** إلى ارتكاب المحن )
( أفدي صديقا كان لي ** بنفسه يسعدني )
( فتارة أنصحه ** وتارة ينصحني )
( وتارة ألعنه ** وتارة يلعنني )
( وربما أصفعه ** وربما يصفعني )
( أستغفر الله فهذا ** القول لا يعجبني )
( يا ليت هذا كله ** فيما مضى لم يكن )
____________________
(3/299)


( أضحكت والله بذا الحديث ** من يسمعني )
( دهر تولى وانقضى ** عني كطيف الوسن )
( يا ليتني لم أره ** وليته لم يرني )
( دنست فيه جانبي ** وملبسي بالدرن )
( وبعت فيه عيشتي ** لكن ببخس الثمن )
( كأنني ولست أدري ** الآن ما كأنني )
( والله ما التشبيه عند ** شاعر بهين )
( لكنه أنطقني ) بالقول ضيق العطن )
( وا حسرتي وا أسفي ** زلت وضاعت فطني )
( لو أنصف الدهر لما ** أخرجني من وطني )
( وليس لي من جنة ** وليس لي من مسكن )
( أسرح الطرف وما ** لي دمنة في الدمن )
( وليس لي من فرس ** وليس لي من سكن )
( يا ليت شعري وعسى ** يا ليت أن تنفعني )
( هل أمتطي يوما إلى الشرق ** ظهور السفن )
( وأجتلي ما شئته ** في المنزل المؤتمن )
( حينئذ أخلع في ** هذي القوافي رسني )
( وتحسن الفكرة بالعدوس ** والسمنسني )
( واللحم مع شحم ومع ** طوابق الكبش الثني )
( والبيض في المقلاة بالزيت ** اللذيذ الدهن )
____________________
(3/300)


( وجلدة الفروج مشويا ** كثير السمن )
( من منقذي أفديه من ** ذا الجوع والتمسكن )
( وعلة قد استوى ** فيها الفقير والغني )
( هل للثريد عودة ** إلي قد شوقني )
( تغوص فيه أنملي ** غوص الأكول المحسن )
( ولي إلى الأسفنج شو ** ق دائم يطربني )
( وللأرز الفضل إذ ** تطبخه باللبن )
( وللشواء والرقاق ** من هيام أنثني )
( واسكت عن الجبن فإن ** بنته يذهلني )
( ظاهرها كالورد أو ** باطنها كالسوسن )
( أي امرئ أبصرها ** يوما ولم يفتتن )
( تهيم فيها فكر الأستاذ ** والمؤذن )
( لو كان عندي معدن ** لبعت فيها معدني )
( لكنني عزمت أن ** أبيع كم البدن )
( والكم قد أكسبه ** بعد ولا يكسبني )
( لا تنسبوا لي سفها ** فالجوع قد أرشدني )
( وهات ذكر الكسكسو ** فهو شريف وسني )
( لا سيما إن كان مصنوعا ** بفتل حسن )
( أرفع منه كورا ** بهن تدوي أذني )
( وإن ذكرت غير ذا ** أطعمة في الوطن )
( فابدأ من المثومات ** بالجبن الممكن )
____________________
(3/301)