Advertisement

نفح الطيب 005



نفخ الطيب من غصن الأندلس الرطيب
أحمد بن محمد المقري التلمساني
سنة الولادة 986/ سنة الوفاة
تحقيق د. إحسان عباس
الناشر دار صادر
سنة النشر 1388هـ
مكان النشر بيروت
عدد الأجزاء 8
( من فوقها الفروج قد ** أنهي في التسمن )
( وثن بالعصيدة التي ** بها تطربني )
( لا سيما إن صنعت ** على يدي ممركن )
( كذلك البلياط بالزيت ** الذي يقنعني )
( تطبخه حتى يرى ** يحمر في التلون )
( والزبزبن في الصحاف ** حسب أهل البطن )
( فاسمع قضاء ناصح ** يأتي بنصح بين )
( من اقتنى التفين فهو ** الآن نعم المقتني )
( وإن في شاشية الفقير ** أنسا للغني )
( تبعدني عن وصلها ** عن وصلها تبعدني )
( تؤنسني عن اللقا ** عن اللقا تؤنسني )
( فأضلعي إن ذكرت ** تهفو كمثل الغصن )
( كم رمت تقريبا لها ** لكنه لم يهن )
( وصدني عن ذاك قلة ** الوفا بالثمن )
( إيه خليلي هذه ** مطاعم لكنني )
( أعجب من ريقك إذ ** يسيل فوق الذقن )
( هل نلت منها شبعا ** فذكرها أشبعني )
( وإن تكن جوعان ياصاح ** فكل بالأذن )
( فليس عند شاعر ** غير كلام الألسن )
( يصور الأشياء وهي ** أبدا لم تكن )
____________________
(3/302)


( فقوله يريك ما ** ليس يرى بالممكن )
( فاسمح وسامح واقتنع ** واطو حشاك واسكن )
( ولننصرف فقصدنا إطراف هذا الموطن )
وقال ابن خفاجة رحمه الله تعالى
( درسوا العلوم ليملكوا بجدالهم ** فيها صدور مراتب ومجالس )
( وتزهدوا حتى أصابوا فرصة ** في أخذ مال مساجد وكنائس )
وهذا المعنى استعمله الشعراء كثيرا
وقال - فيما أظن - الفقيه الكاتب المحدث الأديب الشهير أبو عبد الله محمد بن الأبار القضاعي وقد تكرر ذكره في هذا الكتاب في مواضع
( لقد غضبت حتى على السمط نخوة ** فلم تتقلد غير مبسمها سمطا )
( وأنكرت الشيب الملم بلمتي ** ومن عرف الأيام لم ينكر الوخطا ) نقول من القدح المعلى وقال ابن سعيد في القدح المعلى في حقه كاتب مشهور وشاعر مذكور كتب عن ولاة بلنسية وورد رسولا حين أخذ النصارى بمخنق تلك الجهات وأنشد قصيدته السينية
( أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ** إن السبيل إلى منجاتها درسا )
وعارضه جمع من الشعراء ما بين مخطئ ومحروم وأغري الناس بحفظها
____________________
(3/303)

إغراء بني تغلب بقصيدة عمرو بن كلثوم إلا أن أخلاقه لم تعنه على الوفاء بأسباب الخدمة فقلصت عنه تلك النعمة وأخر عن تلك العناية وارتحل إلى بجاية وهو الآن بها عاطل من الرتب خال من حلى الأدب مشتغل بالتصنيف في فنونه متنفل منه بواجبه ومسنونه ولي معه مجالسات آنق من الشباب وأبهج من الروض عب نزول السحاب ومما أنشدنيه من شعره
( يا حبذا بحديقة دولاب ** سكنت إلى حركاته الألباب )
( غنى ولم يطرب وسقى وهو لم ** يشرب ومنه العود والأكواب )
( لو يدعي لطف الهواء أو الهوى ** ما كنت في تصديقه أرتاب )
( وكأنه مما شدا مستهزئ ** وكأنه مما بكى نداب )
( وكأنه بنثاره ومداره ** فلك كواكبه لها أذناب ) وقال أبو المعالي القيجاطي
( فقلت يا ربعهم أين من ** أحببته فيك وأين النديم )
( فقال عهد قد غدا شمله ** كمثل ما ينثر در نظيم )
وقال أبو عمرو بن الحكم القبطلي وقبطلة من أعمال وادي إشبيلية
( كم أقطع الدهر بالمطال ساءت وحق الإله حالي )
____________________
(3/304)


( رحلت أبغي بكم نجاحا ** فلم تفيدوا سوى ارتحالي )
( وعدتم ألف ألف وعد ** لكنني عدت بالمحال )
وقال أبو عمران القلعي
( طلعت علي والأحوال سود ** كما طلع الصباح على الظلام )
( فقل لي كيف لا أوليك شعري ** وإخلاص التحية والسلام ) وقال أبو إسحاق إبراهيم بن أيوب المرسي
( أنا سكران ولكن ** من هوى ذاك الفلاني )
( كلما رمت سلوا ** لم يزل بين عياني ) وقال
( حبيبي ما لصبك من مراد ** سوى أن لا تدوم على البعاد )
( وإن كان ابتعادك بعد هذا ** مقيما فالسلام على فؤادي )
قال ابن سعيد وكان المذكور إذا غنى هذه الأشعار اللطيفة على الأوتار لم يبق لسامعه عند الهموم من ثار مع أخلاق كريمة وآداب كانسكاب الديمة انتهى
وقال ابن سعيد في أبي بكر محمد بن عمار البرجي كاتب ابن هود القائل
____________________
(3/305)

قل لمن يشهد حربا تحت رايات ابن هود ) إلخ
( يا ابن عمار لقد أحييت ** لي ذاك السميا )
( في حلى نظم ونثر ** علقا في مسمعيا )
( ولقد حزت مكانا ** من ذرى الملك عليا )
( مثل ما قد حاز لكن ** عش بنعماك هنيا )
وقال أبو بكر عبد الله بن عبد العزيز الإشبيلي المعروف بابن صاحب الرد
( يا أبدع الخلق بلا مرية ** وجهك فيه فتنة الناظرين )
( لا سيما إذ نلتقي خطرة ** فيغلب الورد على الياسمين )
( طوبى لمن قد زرته خاليا ** فمتع النفس ولو بعد حين )
( من ذلك الثغر الذي ورده ** ما زال فيه لذة الشاربين )
( وما حوى ذاك الإزار الذي ** لم يعد عنه أمل الزائرين )
وهذه الأبيات يقولها في غلام كان أدباء إشبيلية قد فتنوا به وكان مروره على داره
وحكي عنه أنه أعطاه في زيارة خمسين دينارا ومرت أيام ثم صادفه عند داره فقال له أتريد أن أزورك ثانية فقال له لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين وهذا الجواب - على ما فيه من قلة الأدب وهتك حجاب الشريعة - من أشد الأجوبة إصابة للغرض والله تعالى يسمح له فقد قال ابن سعيد في حقه إن بيته بإشبيلية من أجل البيوت ولم يزل له مع تقلب الزمان ظهور
____________________
(3/306)

وخفوت وكان أديبا شاعرا ذواقا لأطراف العلوم انتهى
ومن المشهورين بالمجون والخلاعة بالأندلس - مع البلاغة والبراعة - أبو جعفر أحمد بن طلحة الوزير الكاتب وهو من بيت مشهور من جزيرة شقر من عمل بلنسية وكتب عن ولاة من بني عبد المؤمن ثم استكتبه السلطان ابن هود حين تغلب على الأندلس وربما استوزره في بعض الأحيان
قال ابن سعيد وهو ممن كان والدي يكثر مجالسته ولم أستفد منه إلا ما كنت أحفظه في مجالسته وكان شديد التهور كثير الطيش ذاهبا بنفسه كل مذهب سمعته مرة وهو في محفل يقول تقيمون القيامة لحبيب والبحتري والمتنبي وفي عصركم من يهتدي إلى ما لم يهتدوا إليه فأهوى له شخص له قحة وإقدام فقال يا أبا جعفر فأرنا برهان ذلك ما أظنك تعني إلا نفسك فقال نعم ولم لا وأنا الذي أقول ما لم يتنبه إليه متقدم ولا يهتدي لمثله متأخر
( يا هل ترى أظرف من يومنا ** قلد جيد الأفق طوق العقيق )
( وأنطق الورق بعيدانها ** مرقصة كل قضيب وريق )
( والشمس لا تشرب خمر الندى ** في الروض إلا بكؤوس الشقيق )
فلم ينصفوه في الاستحسان وردوه في الغيظ إلى أضيق مكان فقلت له يا سيدي هذا هو السحر الحلال فبالله إلا ما زدتني من هذا النمط فقال
( أدرها فالسماء بدت عروسا ** مضمخة الملابس بالغوالي )
____________________
(3/307)


( وخد الروض حمره أصيل ** وجفن النهر كحل بالظلال )
( وجيد الغصن يشرق في لآل ** تضيء بهن أكناف الليالي )
فقلت زد وعد فعاد والارتياح قد ملك عطفه والتيه قد رفع أنفه فقال
( لله نهر عندما زرته ** عاين طرفي منه سحرا حلال )
( إذ أصبح الطل به ليلة ** وجال فيه الغصن شبه الخيال )
فقلت زد فأنشد
( ولما ماج بحر الليل بيني ** وبينكم وقد جددت ذكرا )
( أراد لقاءكم إنسان عيني ** فمد له المنام عليه جسرا )
فقلت إيه فقال
( ولما أن رأى إنسان عيني ** بصحن الخد منه غريق ماء )
( أقام له العذار عليه جسرا ** كما مد الظلام على الضياء )
فقلت أعد فأعاد وقال حسبك لئلا تكثر عليك المعاني فلا تقوم بحق قيمتها وأنشد
( هات المدام إذا رأيت شبيهها ** في الأفق يا فردا بغير شبيه )
( فالصبح قد ذبح الظلام بنصله ** فغدت تخاصمه الحمائم فيه )
ثم قال وكان قد تهتك في غلام لابن هود ولكثرة انهزام ابن هود ربما انهزم مع العلج وفيه يقول
____________________
(3/308)


( ألفت الحرب حتى علمتني ** مقارعة الحوادث والخطوب )
( ولم أك عالما وأبيك حربا ** بغير لواحظ الرشأ الربيب )
( فها أنا بين تلك وبين هذي ** مصاب من عدو أو حبيب )
ولما هرب بالعلج إلى سبتة أحسن إليه القائم بها أبو العباس الينشتي فلم يقنع بذلك الإحسان وكان يأتي بما يوغر صدره فقال يوما في مجلسه رميت مرة بقوس فبلغ السهم إلى كذا فقال ابن طلحة لشخص بجانبه لو كان قوس قزح ما بلغ إلى كذا فشعر بقوله فأسرها في نفسه ثم بلغه أنه هجاه بقوله
( سمعنا بالموفق فارتحلنا ** وشافعنا له حسب وعلم )
( ورمت يدا أقبلها وأخرى ** أعيش بفضلها أبدا وأسمو )
( فأنشدنا لسان الحال فيه ** يد شلا وأمر لا يتم )
فزاد في حنقه وبقي مترصدا له الغوائل فحفظت عنه أبيات قالها وهو في حالة استهتار في شهر رمضان وهي
( يقول أخو الفضول وقد رآنا ** على الإيمان يغلبنا المجون )
( أتنتهكون شهر الصوم هلا ** حماه منكم عقل ودين )
( فقلت اصحب سوانا نحن قوم ** زنادقة مذاهبنا فنون )
( ندين بكل دين غير دين الرعاع ** فما به أبدا ندين )
( بحي على الصبوح الدهر ندعو ** وإبليس يقول لنا أمين )
____________________
(3/309)


( فيا شهر الصيام إليك عنا ** إليك ففيك أكفر ما نكون )
فأرسل إليه من هجم عليه وهو على هذه الحال وأظهر أنه يرضي العامة بقتله فقتله وذلك سنة 631 انتهى
وحاكي الكفر ليس بكافر والله سبحانه وتعالى للزلات غير الكفر غافر
وقال محمد بن أحمد الإشبيلي ابن البناء
( كأنك من جنس الكواكب كنت لم ** يفتك طلوعا حالها وتواريا )
( تجليت من شرق تروق تلألؤا ** فلما انتحيت الغرب أصبحت هاويا )
ولما أمر المستنصر الموحدي بضرب ابن غالب الداني ألف سوط وصلبه وضرب بإشبيلية خمسمائة فمات وضرب بقية الألف حتى تناثر لحمه ثم صلب قال ابنه أبو الربيع يرثيه [ البسيط ] جهلا لمثلك أن يبكي لما قدرا ** وأن يقول أسى يا ليته قبرا )
( فاضت دموعك أن قاموا بأعظمه ** وقد تطاير عنه اللحم وانتثرا ) ومنها
( ضاقت به الأرض مما كان حملها ** من الأيادي فملت شلوه ضجرا )
( وعز جسمك أن يحظى به كفن ** فما تسربل إلا الشمس والقمرا )
وقال أبو العلاء عبد الحق المرسي رحمه الله تعالى
____________________
(3/310)


( يا ابا عمران دعني والذي ** لم يمل بي خاطري إلا إليه )
( ما نديمي غير من يخدمني ** لا الذي يجلسني بين يديه )
( يرفع الكلفة عني ويرى ** أنها واجبة مني عليه )
وقال ابن غالب الكاتب بمالقة
( لا تخش قولا قد عقدت الألسنا ** وابعث خيالك قد سحرت الأعينا )
( واعطف علي فإن روحي زاهق ** وانظر إلي بنظرة إن أمكنا )
( لا يخدعنك أن تراني لابسا ** ثوبي فقد أصبحت فيه مكفنا )
( ما زال سحرك يستميل خواطري ** بأرق من ماء الصفاء وألينا )
( حتى غدوت ببحر حب زاخر ** فرمت بي الأمواج في شط الضنى )
وقال
( ما للنسيم لدى الأصيل عليلا ** أتراه يشكو زفرة وغليلا )
( جر الذيول على ديار أحبتي ** فأتى يجر من السقام ذيولا )
وقال أبو عبد الله بن عسكر الغساني قاضي مالقة
( أهواك يا بدر وأهوى الذي ** يعذلني فيك وأهوى الرقيب )
( والجار والدار ومن حلها ** وكل من مر بها من قريب )
( ما إن تنصرت ولكنني ** أقول بالتثليث قولا غريب )
( تطابق الألحان والكاس إذ ** تبسم عجبا والغزال الربيب )
وكان أبو أمية بن عفير قاضي إشبيلية - مع براعته وتقدمه في
____________________
(3/311)

العلوم الشرعية - أقوى الناس بالعلوم الأدبية المرعية وقد اشتهر بسرعة الخاطر في الارتجال وعدم المناظر له في ذلك المجال قال ابن سعيد رأيته كثيرا ما يصنع القصائد والمقطعات وهو يتحدث أو يفصل بين الغرماء في أكثر الأوقات ومن شعره
( ديارهم صاح نصب عيني ** وليس لي وصلة إليها )
( إلا سلامي لدى ابتعاد ** من بعد سكانها عليها )
وقوله رحمه الله تعالى
( ووجه تغرق الأبصار فيه ** ولكن يترك الأرواح هيما )
( أتاني ثم حياني حبيب ** به وأباحني الخد الرقيما )
( فمر لنا مجون في فنون ** سلكت به الصراط المستقيما )
قلت أما مجرد الارتجال فأمر عن الكثير صادر وأما كونه مع التحدث أو فصل الخصومات فهو نادر وقد حكينا منها في هذا الكتاب من القسم الأول موارد ومصادر 128 عن ابن ظافر
ويعجبني من الواقع لأهل المشرق من ذلك قضية علي بن ظافر إذ قال بت ليلة والشهاب يعقوب ابن أخت نجم الدين في منزل اعترفت له مشيدات القصور بالانخفاض والقصور وشهدت له ساميات البروج بالاعتلاء والعروج قد ابيضت حيطانه وطاب استيطانه وابتهج به سكانه وقطانه والبدر قد محا خضاب الظلماء وجلا محياه في زرقة قناع السماء وكسا الجدران
____________________
(3/312)

ثيابا من فضة ونثر كافوره على مسك الثرى بعد أن سحقه ورضه والروض قد ابتسم محياه ووشت بأسرار محاسنه رياه والنسيم قد عانق قامات الأغصان فميلها وغصبها مباسم نورها فقبلها وعندنا مغن قد وقع على تفضيله الإجماع وتغايرت على محاسنه الأبصار والأسماع إن بدا فالشمس طالعة وإن شدا فالورق ساجعة تغازله مقلة سراج قد قصر على وجهه تحديقه وقابله فقلنا البدر قابل عيوقه وهو يغار عليه من النسيم كلما خفق وهب ويستجيش عليه بتلويح بارقه الموشى بالذهب ويديم حرقته وسهده ويبذل في إلطافه طاقته وجهده فتارة يضمنحه بخلوقه وتارة يحليه بعقيقه وآونة يكسوه أثواب شقيقه فلم نزل كذلك حتى نعس طرف المصباح واستيقظ نائم الصباح فصنعت بديها في المجلس وكتبت بها إلى الأعز بن المؤيد رحمه الله تعالى أصف تلك الليلة التي ارتقعت على أيام الأعياد كارتفاع الرؤوس على الأجياد بل فضلت ليلات الدهر كفضل البدر على النجوم الزهر
( غبت عني يا ابن المؤيد في وقت ** شهي يلهي المحب المشوقا )
( ليلة ظل بدرها يلبس الجدران ** ثوبا مفضضا مرموقا )
( وغدا الطل فيه ينثر كافورا ** فيعلو مسك التراب السحيقا )
( وتبدى النسيم يعتنق الأغصان ** لما سرى عناقا رفيقا )
( بت فيها منادما لصديق ** ظل بين الأنام خلا صدوقا )
( هو مثل الهلال وجها صبيحا ** ومثال النسيم ذهنا رقيقا )
( وغزال كالبدر وجها وغصن البان ** قدا والخمرة الصرف ريقا )
( مظهر للعيون ردفا مهيلا ** وحشا ناحلا وقدا رشيقا )
( إن تغنى سمعت داود أو لاح ** تأملت يوسف الصديقا ) وإذا قابل السراج رأينا ** منه بدرا يقابل العيوقا )
( وأظن الصباح هام بمرآه ** أبدى قلبا حريقا خفوقا )
____________________
(3/313)


( هو نجم ما لاح في الجدر كافور ** بياض إلا كساه خلوقا )
( ما بدا نرجس الكواكب إلا ** قام من نومه يرينا الشقيقا )
( وإذا ما بدت جواهرها في الجو ** أبدى في الأرض منهم عقيقا )
( فغدونا تحت الدجى نتعاطى ** من رقيق الآداب خمرا رحيقا )
( وجعلنا ريحاننا طيب ذكراك ** فخلناه عنبرا مفتوقا )
( ذاك وقت لولا مغيبك عنه ** كان بالمدح والثناء خليقا )
قال فأجاب عنها من الوزن دون الروي
( قد أتتني من الجمال قصيد ** يا لها من قصيدة غراء )
( جمعت رقة الهواء وطيب المسك ** في سبكها وصفو الماء )
( فأرتنا طباعه وشذاه ** والذي حاز ذهنه من ذكاء )
( سيدي هل جمعت فيها اللآلي ** يا اخا المجد أم نجوم السماء )
( أفحمتني حسنا وحق أياديك ** التي لا تعد بالإحصاء )
( فتركت الجواب والله عجزا ** فابسط العذر فيه يا مولائي )
( هل يسامي الثرى الثريا وأنى ** يدعي النجم فرط نور ذكاء )
رجع إلى أهل الأندلس وقال ابن السماك إياك أن تكثر الإخوان مغتنما ** في كل يوم إلى أن يكثر العدد )
( في واحد منهم تصفي الوداد له ** من التكاليف ما يفنى به الجلد ) وله
____________________
(3/314)


( تحن ركابي نحو أرض وما لها ** وما لي من ذاك الحنين سوى الهم )
( وكم راغب في موضع لا يناله ** وأمسيت منه مثل يونس في اليم )
( بهذا قضى الرحمن في كل ساخط ** يموت على كره ويحيا على رغم )
ولما قام الباجي بإشبيلية وخلع طاعة ابن هود وأبدل شعاره الأسود العباسي في البنود قال أبو محمد عبد الحق الزهري القرطبي في ذلك
( كأنما الراية السوداء قد نعبت ** لهم غرابا ببين الأهل والولد )
( مات الهوى تحتها من فرط روعته ** فأظهر الدهر منها لبسة الكمد )
وأنشدهما القائم الباجي في جملة قصيدة وقال الوزير أبو الوليد إسماعيل بن حجاج الأعلم الإشبيلي
( أمسى الفراش يطوف حول كؤوسنا ** إذ خالها تحت الدجى )
( قنديلا ما زال يخفق حولها بجناحه ** حتى رمته على الفراش قتيلا ) وله
( لامو على حب الصبا والكاس ** لما بدا وضح المشيب براسي ** والغصن أحوج ما يكون لسقيه )
أيام يبدو بالأزاهر كاسي وله وقد رأى على نهر قرطبة ثلاثين نفسا مصلوبين من قطاع الطريق
____________________
(3/315)


( ثلاثون قد صففوا كلهم ** وقد فتحوا أذرعا للوداع )
( وما ودعوا غير أرواحهم ** فكان وداعا لغير اجتماع )
وله في فتى وسيم عض كلب وجنته
( وأغيد وضاح المحاسن باسم ** إذا قامر الأرواح ناظره قمر )
( تعمد كلب عض وجنته التي ** هي الورد إيناعا وأبقى بها أثر )
( فقلت لشهب الأفق كيف صماتكم ** وقد أثر العواء في صفحة القمر )
وقال الفقيه أبو الحجاج يوسف بن محمد البياسي المؤرخ الأديب المصنف الشهير وكان حافظا لنكت الأندلسيين حديثا وقديما ذاكرا لفكاهاتهم التي صيرته للملوك خليلا ونديما في صبي من أعيان الجزيرة الخضراء تهافت في حبه جماعة من الأدباء والشعراء
( قد سلونا عن الذي تدريه ** وجفوناه إذ جفا بالتيه )
( وتركناه صاغرا لأناس ** خدعوه بالزور والتمويه )
( لمضل يسوقه لمضل ** وسفيه يقوده لسفيه )
وكان من القوم الذين هاموا بالمذكور وقاموا فيه المقام المشهور أديب يقال له الفار فتسلط على البياسي حتى سافر من الجزيرة وكان يلقب بالقط فقال أحد الشعراء
( عذرت أبا الحجاج من رب شيبة ** غدا لابسا في الحب ثوبا من القار )
( وألجأه الفار المشارك للنوى ** ولم أر قطا قبله فر من فار )

____________________
(3/316)

وله وقد كتب إلى بعض أصحابه يذكره بالأيام السوالف
( أبا حسن لعمرك إن ذكري ** لأيام النعيم من الصواب )
( أمثلي ليس يذكر عهد حمص ** وقد جمحت بنا خيل التصابي )
( ونحن نجر أثواب الأماني ** مطرزة هنالك بالشباب )
( وعهد بالجزيرة ليس ينسى ** وإن أغفلته عند الخطاب )
( هو الأحلى لدي وإن حماني ** عن العسل اجتماع للذباب )
أشار إلى المحبوب وكان كثير الاجتماع به في جنة لوالده على وادي العسل وقال
( جنة وادي العسل ** كم لي بها من أمل )
( لو لم يكن ذبابها ** يمنع ذوق العسل )
قال ابن سعيد ولما التقينا بتونس بعد إيابي من المشرق وقد ولج ظلام الشعر على صباح وجهه المشرق قلت لأبي الحجاج مشيرا إلى محبوبه وقد غطى هواه عنده على عيوبه
( خل أبا الحجاج هذا الذي ** قد كنت فيه دائم الوجد )
( وانظر إلى لحيته واعتبر ** مما جنى الشعر على الخد ) والله سبحانه يسمح للجميع في هذا الهزل الشنيع ويصفح عنا في ذكره إنه مجيب سميع
____________________
(3/317)

عودة إلى النقل عن بدائع
وقال صاحب البدائع ركب الأستاذ أبو محمد بن صارة مع أصحاب له في نهر إشبيلية في عشية سال أصيلها على لجين الماء عقيانا وطارت زواريقها في سماء النهر عقبانا وأبدى نسيمها من الأمواج والدارات سررا وأعكانا في زورق يجول جولان الطرف ويسود اسوداد الطرف فقال بديها
( تأمل حالنا والجو طلق ** محياه وقد طفل المساء )
( وقد جالت بنا عذراء حبلى ** تجاذب مرطها ريح رخاء )
( بنهر كالسنجنجل كوثري ** تعبس وجهها فيه السماء )
واتفق أن وقف أبو إسحاق بن خفاجة على القطعة واستظرفها واستلطفها فقال يعارضها على وزنها ورويها وطريقتها
( ألا يا حبذا ضحك الحميا ** بحانتها وقد عبس المساء )
( وأدهم من جياد الماء مهر ** تنازع جله ريح رخاء )
( إذا بدت الكواكب فيه غرقى ** رأيت الأرض تحسدها السماء )
133 بين ابن خفاجة وابن وهبون وقال الأديب ابن خفاجة في ديوانه صاحبت في صدري من المغرب سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة أبا محمد عبد الجليل بن وهبون شاعر المعتمد وكان أبو جعفر ابن رشيق يومئذ قد تمنع ببعض حصون مرسية وشرع في النفاق فقطع السبيل وأخاف الطريق ولما حاذينا قلعته وقد احتدمت جمرة الهجير
____________________
(3/318)

ومل الركب رسيمه وذميله وأخذ كل منا يرتاد مقيله اتفقنا على أن لا نطعم طعاما ولا نذوق مناما حتى نقول في صورة تلك الحال وذلك الترحال ما حضر وشاء الله أن أجبل ابن وهبون واعتذر وأخذت عفو خاطري فقلت أتربص به وأعرض بعظم لحيته
( ألا قل للمريض القلب مهلا ** فإن السيف قد ضمن الشقاء )
( ولم أر كالنفاق شكاه حر ** ولا كدم الوريد له دواء )
( وقد دحي النجيع هناك أرضا ** وقد سمك العجاج به سماء )
( وديس به انحطاطا بطن واد ** مذ اعشب شعر لحيته ضراء )
وقال ابن خفاجة أيضا حضرت يوما مع أصحاب لي ومعهم صبي متهم في نفسه واتفق أنهم تحاوروا في تفضيل الرمان على العنب فانبرى ذلك الصبي فأفرط في تفضيل العنب فقلت بديها أعبث به
( صلني لك الخير برمانة ** لم تنتقل عن كرم العهد )
( لا عنبا أمتص عنقوده ** ثديا كأني بعد في المهد )
( وهل يرى بينهما نسبة ** من عدل الخصبة بالنهد ) فخجل خجلا شديدا وانصرف
قال وخرجت يوما بشاطبة إلى باب السمارين ابتغاء الفرجة على خرير ذلك الماء بتلك الساقية وذلك سنة 480 وإذا بالفقيه أبي عمران بن أبي تليد رحمه الله تعالى قد سبقني إلى ذلك فألفيته جالسا على دكان كانت هناك مبنية لهذا الشأن فسلمت عليه وجلست إليه مستأنسا به فجرى أثناء ما تناشدناه ذكر قول ابن رشيق
( يا من يمر ولا تمر ** به القلوب من الفرق )
( بعمامة من خده ** أو خده منها استرق )
( فكأنه وكأنها ** قمر تعمم بالشفق )
( فإذا بدا وإذا انثنى ** وإذا شدا وإذا نطق )
( شغل الخواطر والجوا نح ** والمسامع والحدق )
فقلت وقد أعجب بها جدا وأثنى عليها كثيرا أحسن ما في القطعة سياقة الأعداد وإلا فأنت تراه قد استرسل فلم يقابل بين ألفاظ البيت الأخير والبيت الذي قبله فينزل بإزاء كل واحدة منها ما يلائمها وهل ينزل بإزاء قوله ( ( وإذا نطق ) ) قوله ( ( شغل الحدق ) ) وكأنه نازعني القول في هذا غاية الجهد فقلت بديها
( ومهفهف طاوي الحشا ** خنث المعاطف والنظر )
( ملأ العيون بصورة ** تليت محاسنها سور )
( فإذا رنا وإذا مشى ** وإذا شدا وإذا سفر )
( فضح الغزالة والغمامة ** والحمامة والقمر )
فجن بها استحسانا انتهى قال ابن ظافر والقطعة القافية ليست لابن رشيق بل هي لأبي الحسين علي بن بشر الكاتب أحد شعراء اليتيمة وكان بين السميسر الشاعر وبين بعض رؤساء المرية واقع لمدح
____________________
(3/319)


وقال ابن الزقاق
( دعاك خليل والأصيل كأنه ** عليل يقضي مدة الرمق الباقي )
( إلى شط منساب كأنك ماؤه ** صفاء ضمير أو عذوبة أخلاق )
( ومهوى جناح للصبا يمسح الربى ** خفي الخوافي والقوادم خفاق )
( على حين راح البرق في الجو مغمدا ** ظباه ودمع المزن من جفنه راق )
( وقد حان مني للرياض التفاتة ** حبست بها كأسي قليلا عن الساقي )
( على سطح خيري ذكرتك فانثنى ** يميل بأعناق ويرنو بأحداق )
( فصل زهرات منه هذا كأنها ** وقد خضلت قطرا محاجر عشاق )
ولما مدح الحسيب أبو محمد القاسم بن مسعدة الأوسي أمير المؤمنين عبد المؤمن بقوله
( حنانيك مدعوا ولبيك داعيا ** فكل بما ترضاه أصبح راضيا )
( طلعت على أرجائنا بعد فترة ** وقد بلغت منا النفوس التراقيا )
( وقد كثرت منا سيوف لدى العلا ** ومن سيفك المنصور نبغي التقاضيا )
( وغيرك نادينا زمانا فلم يجب ** وعزمك لم يحتج علاه مناديا )
كتب اسمه وزير عبد المؤمن في جملة الشعراء فلما وقف على ذلك عبد المؤمن ضرب على اسمه وقال إنما يكتب اسم هذا في جملة الحساء لا تدنسوه بهذه النسبة فلسنا ممن يتغاضى على غمط حسبه ثم أجزل صلته وأمر له بضيعة يحرث له بها يعني بذلك أنه من ذرية ملوك لأن جده كان ملك وادي الحجارة
____________________
(3/319)


( يا من يمر ولا تمر ** به القلوب من الفرق )
( بعمامة من خده ** أو خده منها استرق )
( فكأنه وكأنها ** قمر تعمم بالشفق )
( فإذا بدا وإذا انثنى ** وإذا شدا وإذا نطق )
( شغل الخواطر والجوا نح ** والمسامع والحدق )
فقلت وقد أعجب بها جدا وأثنى عليها كثيرا أحسن ما في القطعة سياقة الأعداد وإلا فأنت تراه قد استرسل فلم يقابل بين ألفاظ البيت الأخير والبيت الذي قبله فينزل بإزاء كل واحدة منها ما يلائمها وهل ينزل بإزاء قوله ( ( وإذا نطق ) ) قوله ( ( شغل الحدق ) ) وكأنه نازعني القول في هذا غاية الجهد فقلت بديها
( ومهفهف طاوي الحشا ** خنث المعاطف والنظر )
( ملأ العيون بصورة ** تليت محاسنها سور )
( فإذا رنا وإذا مشى ** وإذا شدا وإذا سفر )
( فضح الغزالة والغمامة ** والحمامة والقمر )
فجن بها استحسانا انتهى قال ابن ظافر والقطعة القافية ليست لابن رشيق بل هي لأبي الحسين علي بن بشر الكاتب أحد شعراء اليتيمة وكان بين السميسر الشاعر وبين بعض رؤساء المرية واقع لمدح
____________________
(3/320)

مدحه فلم يجزه عليه فصنع ذلك الرجل دعوة للمعتصم بن صمادح صاحب المرية واحتفل فيها بما يحتفل مثله في دعوة سلطان مثل المعتصم فصبر السميسر إلى أن ركب السلطان متوجها إلى الدعوة فوقف له في الطريق فلما حاذاه رفع صوته بقوله
( يا أيها الملك الميمون طائره ** ومن لذي مأتم في وجهه عرس )
( لا تفرسن طعاما عند غيركم ** إن الأسود على المأكول تفترس )
فقال المعتصم صدق والله ورجع من الطريق وفسد على الرجل ما كان عمله حكاية مشرقية ونظير هذه الحكاية أن عباد بن الحريش كان قد مدح رجلا من كبار أصبهان أرباب الضيع والأملاك والتبع الكثير فمطله بالجائزة ثم أجازه بما لم يرضه فرده عليه وبعد ذلك بحين عمل الرجل دعوة غرم عليها ألوف دنانير كثيرة لأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي على أن يجيء إليه من الكرج ووصل أبو دلف فلما وقعت عين عباد عليه وهو يساير بعض خواصه أومأ إلى ذلك السائر وأنشد بأعلى صوته
( قل له يا فديته ** قول عباد ذا سمج )
( جئت في ألف فارس ** لغداء من الكرج )
( ما على النفس بعد ذا ** في الدناءات من حرج )
فقال أبو دلف وكان أخوف الناس من شاعر صدق والله أجيء
____________________
(3/321)


( من الكرج إلى أصبهان حتى أتغدى بها والله ما بعد هذا في دناءة النفس من شيء
ثم رجع من طريقه وفسد على الرجل كل ما غرمه وعرف من أين أتي
وتخوف أن يعود عباد عليه بشر منها فسير إليه جائزة سنية مع جماعة من أصحابه فاجتمعوا به وسألوه فيه وفي قبول الجائزة فلم يقبل الجائزة ثم أنشد بديها
( وهبت يا قوم لكم عرضه ** )
فقالوا جزاك الله تعالى خيرا فقال
( كرامة للشعر لا للفتى ** )
( لأنه أبخل من ذرة ** على الذي تجمعه في الشتا ) انتهى وذكر أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي ما معناه أنه عزم بمصر هو ورفقة له على الاصطباح فقصدوا بركة الحبش في وقت ولاية الغبش وحلوا منها روضا بسم زهره ونسم عطره فأداروا كؤوسا تطلع من المدام شموسا وعاينوها نجوما تكون لشياطين الهموم رجوما فطرب حتى أظهر الطرب نشاطه وأبرز ابتهاجه وانبساطه فقال
( لله يومي ببركة الحبش ** والجو بين الضياء والغبش )
( النيل تحت الرياح مضطرب ** كصارم في يمين مرتعش )
( ونحن في روضة مفوفة ** دبج بالنور عطفها ووشي )
( قد نسجتها يد الغمام لنا ** فنحن من نورها على فرش )
____________________
(3/322)


( فعاطني الراح إن تاركها ** من سورة الهم غير منتعش )
( وأسقني بالكبار مترعة ** فهن أروى لشدة العطش )
( فأثقل الناس كلهم رجل ** دعاه داعي الصبا فلم يطش )
وهذا أبو الصلت أمية من كبراء أدباء الأندلس العلماء الحكماء وقد ترجمناه في الباب الخامس في المرتحلين من الأندلس إلى المشرق وقال رحمه الله تعالى كنت مع الحسن بن علي بن تميم بن المعز بن باديس بالمهدية في الميدان وقد وقف يرمي بالنشاب فصنعت فيه بديها
( يا ملكا مذ خلقت كفه ** لم تدر إلا الجود والباسا )
( إن النجوم الزهر مع بعدها ** قد حسدت في قربك الناسا )
( وودت الأفلاك لو أنها ** تحولت تحتك أفراسا )
( كما تمنى البدر لو أنه ** عاد لنشابك برجاسا )
وصنع الوزير أبو جعفر أحمد الوقشي وزير الرئيس أبي إسحاق بن همشك صهر الأمير أبي عبد الله محمد بن مردنيش في غلام أسود في يده قضيب نور بديها
( وزنجي أتى بقضيب نور ** وقد زفت لنا بنت الكروم )
( فقال فتى من الفتيان صفها ** فقلت الليل أقبل بالنجوم )
____________________
(3/323)


ولما أفرط ابو بكر يحيى اليكي في هجاء أهل فاس تعسفوا عليه وساعدهم واليهم مظفر الخصي من قبل أمير المسلمين علي بن يوسف والقائد عبد الله بن خيار الجياني وكان يتولى أمورا سلطانية بها فقدموا رجلا ادعى عليه بدين وشهد عليه به رجل فقيه يعرف بالزناتي ورجل آخر يكنى بأبي الحسين من مشايخ البلد فأثبت الحق عليه وأمر به إلى السجن فرفع إليه وسيق سوقا عنيفا فلما وصل إلى بابه طلب ورقة من كاتبه وكتب فيها وأنفذها إلى مظفر مع العون الذي أوصله إلى السجن فكان ما كتب
( ارشوا الزناتي الفقيه ببيضة ** يشهد بأن مظفرا ذو بيضتين )
( واهدوا إليه دجاجة يحلف ** لكم ما ناك عبد الله عرس أبي الحسين ) وقال أبو الحسن علي بن عتيق بن مؤمن القرطبي الأنصاري عمل والدي محملا للكتب من قضبان تشبه سلما فدخل عليه أبو محمد عبد الله بن مفيد فرآه فقال ارتجالا
( أيها السيد الذكي الجنان ** لا تقسني بسلم البنيان )
( فضل شكلي على السلالم أني ** محمل للعلوم والقرآن )
( حزت من حلية المحبين ضعفي ** واصفراري ورقة الأبدان )
( فادع للصانع المجيد بفوز ** ثم وال الدعاء للإخوان ) ثم عمل أيضا
( أيها السيد الكريم المساعي ** التفت صنعتي وحسن ابتداعي )
____________________
(3/324)


أنا للنسخ محمل خف حملي ** أنا في الشكل سلم الاطلاع )
وقال أحمد بن رضى المالقي
( ليس المدامة مما أستريح له ** ولا مجاوبة الأوتار والنغم )
( وإنما لذتي كتب أطالعها ** وخادمي أبدا في نصرتي قلمي )
وقال أبو القاسم البلوي الإشبيلي
( لمن أشكو مصابي في البرايا ** ولا ألقى سوى رجل مصاب )
( أمور لو تدبرها حكيم ** لعاش مدى الزمان أخا اكتئاب )
( أما في الدهر من أفشي إليه ** بأسراري فيؤنس بالجواب )
( يئست من الأنام فما جليس ** يعز على نهاي سوى كتابي )
وقال أبو زكريا يحيى بن صفوان بن إدريس صاحب كتاب العجالة و زاد المسافر وغيرهما
( ليت شعري كيف أنتم ** وأنا الصب المعنى )
( كل شيء لم تكونوا ** فيه لفظ دون معنى ) وله في نصراني وسيم لقيه يوم عيد
( توحد في الحسن من لم يزل ** يثلث والقلب في صده )
( يشف لك الماء من كفه ** ويقتدح النار من خده ) وهذان البيتان نسبهما له بعض معاشريه وأبوه صفوان سابق الميدان وقال ابن بسام ساير ابن عمار في بعض أسفاره غلامان من
____________________
(3/325)

بني جهور أحدهما أشقر العذار والآخر أخضره فجعل يميل بحديثه لمخضر العذار ثم قال ارتجالا
( تعلقته جهوري النجار ** حلي اللمى جوهري الثنايا )
( من النفر البيض أسد الزمان ** رقاق الحواشي كرام السجايا )
( ولا غرو أن تغرب الشارقات ** وتبقى محاسنها بالعشايا )
( ولا وصل إلا جمان الحديث ** نساقطه من ظهور المطايا )
( شنئت المثلث للزعفران ** وملت إلى خضرة في التفايا )
ومعناه أن ابن عمار أبغض المثلث لدخول الزعفران فيه لشبهه بعذار الأشقر منهما وأحب خضرة التفايا وهو لون طعام يعمل بالكزبرة لشبهها بعذار الأخضر منهما ابن عمار وابن معيشة الكناني 139
وقال أبو العرب بن معيشة الكناني السبتي أخبرني شيخ من أهل إشبيلية كان قد أدرك دولة آل عباد وكان عليه من أثر كبر السن ودلائل التعمير ما يشهد له بالصدق وينطق بأن قوله الحق قال كنت في صباي حسن الصورة بديع الخلقة لا تلمحني عين أحد إلا ملكت قلبه وخلبت خلبه وسلبت لبه وأطلت كربه فبينا أنا واقف على باب دارنا إذا بالوزير أبي بكر بن عمار قد أقبل في موكب زجل على فرس كالصخرة الصماء قدت من قنة الجبل فحين حاذاني ورآني اشرأب إلي ينظرني وبهت يتأملني ثم دفع بمخصرة كانت بيده في صدري وأنشد
____________________
(3/326)


( كف هذا النهد عني ** فبقلبي منه جرح )
( هو في صدرك نهد ** وهو في صدري رمح ) هود وعبر في ( ( البدائع ) ) على طريقة القلائد بما صورته ذكر الفتح بن خاقان ما هذا معناه أخبرني ذو الوزارتين أبو المطرف بن عبد العزيز أنه حضر عند المؤتمن بن هود في يوم أجرى الجو فيه أشقر برقه ورمى بنبل ودقه وحملت الرياح فيه أوقار السحاب على أعناقها وتمايلت قامات الأغصان في الحلل الخضر من أوراقها والأزهار قد تفتحت عيونها والكمائم قد ظهر مكنونها والأشجار قد انصقلت بالقطر ونشرت ما يفوق ألوان البز وبثت ما يعلو العطر والراح قد أشرقت نجومها في بروج الراح وحاكت شمسها شمس الأفق فتلفعت بغيوم الأقداح ومديرها قد ذاب ظرفا فكاد يسيل من إهابه وأخجل خدها حسنا فتكلل بعرق حبابه إذا بفتى رومي من أصبح فتيان المؤتمن قد أقبل متدرعا كالبدر اجتاب سحابا والخمر اكتست حبابا والطاووس انقلب حبابا فهو ملك حسنا إلا أنه جسد وغزال لينا إلا أنه في هيئة الأسد وقد جاء يريد استشارة المؤتمن في الخروج إلى موضع كان عول فيه عليه وأمره أن يتوجه إليه فحين وصل إلى حضرته لمحه ابن عمار والسكر قد استحوذ على لبه وانبثت سراياه في ضواحي قلبه فأشار إليه وقربه واستبدع ذلك اللباس واستغربه وجد في أن يستخرج تلك الدرة من ماء ذلك الدلاص وأن يجلي عنه سمكه كما يجلى الخبث عن الخلاص وأن يوفر على ذلك الوفر نعمة جسمه ويكون هو الساقي على عادته القديمة ورسمه فأمره المؤتمن بقبول أمره وامتثاله واحتذاء أمثاله فحين ظهرت تلك الشمس من حجبها ورمت شياطين النفوس من كمت المدام بشهبها ارتجل ابن عمار
____________________
(3/327)


( وهويته يسقي المدام كأنه ** قمر يدور بكوكب في مجلس )
( متناوح الحركات يندى عطفه ** كالغصن هزته الصبا بتنفس )
( يسقي بكأس في أنامل سوسن ** ويدير أخرى من محاجر نرجس )
( يا حامل السيف الطويل نجاده ** ومصرف الفرس القصير المحبس )
( إياك بادرة الوغى من فارس ** خشن القناع على عذار أملس )
( جهم وإن حسر القناع فإنما ** كشف الظلام عن النهار المشمس )
( يطغى ويلعب في دلال عذاره ** كالمهر يلعب في اللجام المجرس )
( سلم فقد قصف القنا غصن النقا ** وسطا بليث الغاب ظبي المكنس )
( عنا بكأسك قد كفتنا مقلة ** حوراء قائمة بسكر المجلس )
وصنع فيه أيضا
( وأحور من ظباء الروم عاط ** بسالفتيه من دمعي فريد )
( قسا قلبا وشن عليه درعأ ** فباطنه وظاهره حديد بكيت )
( وقد دنا ونأى رضاه ** وقد يبكي من الطرب الجليد )
( وإن فتى تملكه برق ** وأحرز حسنه لفتى سعيد ) وذكر في البدائع مؤلفه ما نصه خرج المعتصم بن صمادح صاحب المرية يوما إلى بعض متنزهاته فحل بروضة قد سفرت عن وجهها البهيج وتنفست عن مسكها الأريج وماست معاطف أغصانها وتكللت بلؤلؤ الطل أجياد قضبانها فتشوق إلى الوزير أبي طالب بن غانم أحد كبراء دولته وسيوف صولته فكتب إليه بديها بورقة كرنب بعود من شجرة
( أقبل أبا طالب إلينا ** واسقط سقوط الندى علينا )
وجلس المعتصم بن صمادح المذكور يوما وبين يديه ساقية قد أخمدت ببردهما حر الأوار والتوى ماؤها فيها التواء فضة السوار فقال ارتجالا
( انظر إلى الماء كيف انحط من صببه ** كأنه أرقم قد جد في هربه )
وقال السمسير
( بعوض شربن دمي قهوة ** وغنينني بضروب الأغاني )
( كأن عروقي أوتارهن ** وجسمي الرباب وهن القيان
وأحسن منه قول ابن شرف القيرواني
( لك مجلس كملت بشارة لهونا ** فيه ولكن تحت ذاك حديث )
( غنى الذباب فظل يزمر حوله ** فيه البعوض ويرقص البرغوث )
والسابق إلى هذا المعنى أبو الحسن أحمد بن أيوب من شعراء اليتيمة إذ قال
( لا أعذل الليل في تطاوله ** لو كان يدري ما نحن فيه نقص )
( لي والبراغيث والبعوض إذا أجننا حندس الظلام قصص ) إذا تغنى بعوضه طربا ** أطرب برغوثه الغنا فرقص )
ونحو هذا قول الحصري فيما نسبه إليه ابن دحية
( ضاقت بلنسية بي ** وذاد عني غموضي )
( رقص البراغيث فيها ** على غناء البعوض )
رجع إلى أهل الأندلس فنقول
كان ابن سعد الخير البلنسي الشاعر كثير الذهول مفرط النسيان ظاهر التغفل على جودة نظمه ورطوبة طبعه وكان كثيرا ما يسلك سكة الإسكافيين الذين يعملون الخفاف على بغلة له فاتخذت البغلة النفور من أطراف الأدم وفضلات الجلود الملقاة في السكة عادة لها واتفق أن عبر في السكة راجلا ومعه جماعة من أصحابه فلما رأى الجلود الملقاة قفز ووثب راجعا على عقبيه فقال له أصحابه ما هذا أيها الأستاذ فقال البغلة نفرت فعجبوا من مخلفه وتغفله كيف ظن مع ما يقاسيه من ألم المشي ونصب التعب أنه راكب وأن حركته الاختيارية منه حركة الدابة الضرورية له فكان تغفله ربما أوقعه في تهمة عند من لم يعرفه فاقترح عليه بعض الأمراء أن يصنع بيتين أول أحدهما كتاب وآخره ذئب وأول الآخر جوارح وآخره أنابيب فصنع بديها
( كتاب نجيع لاح في حومة الوغى ** وقارنه نسر هنالك أو ذيب )
( جوارح أهليه حروف وربما ** تولته من نقط الطعان أنابيب )
وقال الحميدي ذكر لي أبو بكر المرواني أنه شاهد محبوبا الشاعر النحوي قال بديهة في صفة ناعورة
____________________
(3/328)


( أقبل أبا طالب إلينا ** واسقط سقوط الندى علينا )
وجلس المعتصم بن صمادح المذكور يوما وبين يديه ساقية قد أخمدت ببردهما حر الأوار والتوى ماؤها فيها التواء فضة السوار فقال ارتجالا
( انظر إلى الماء كيف انحط من صببه ** كأنه أرقم قد جد في هربه )
وقال السمسير
( بعوض شربن دمي قهوة ** وغنينني بضروب الأغاني )
( كأن عروقي أوتارهن ** وجسمي الرباب وهن القيان
وأحسن منه قول ابن شرف القيرواني
( لك مجلس كملت بشارة لهونا ** فيه ولكن تحت ذاك حديث )
( غنى الذباب فظل يزمر حوله ** فيه البعوض ويرقص البرغوث )
والسابق إلى هذا المعنى أبو الحسن أحمد بن أيوب من شعراء اليتيمة إذ قال
( لا أعذل الليل في تطاوله ** لو كان يدري ما نحن فيه نقص )
( لي والبراغيث والبعوض إذا أجننا حندس الظلام قصص ) إذا تغنى بعوضه طربا ** أطرب برغوثه الغنا فرقص )
____________________
(3/329)


ونحو هذا قول الحصري فيما نسبه إليه ابن دحية
( ضاقت بلنسية بي ** وذاد عني غموضي )
( رقص البراغيث فيها ** على غناء البعوض )
رجع إلى أهل الأندلس فنقول
كان ابن سعد الخير البلنسي الشاعر كثير الذهول مفرط النسيان ظاهر التغفل على جودة نظمه ورطوبة طبعه وكان كثيرا ما يسلك سكة الإسكافيين الذين يعملون الخفاف على بغلة له فاتخذت البغلة النفور من أطراف الأدم وفضلات الجلود الملقاة في السكة عادة لها واتفق أن عبر في السكة راجلا ومعه جماعة من أصحابه فلما رأى الجلود الملقاة قفز ووثب راجعا على عقبيه فقال له أصحابه ما هذا أيها الأستاذ فقال البغلة نفرت فعجبوا من مخلفه وتغفله كيف ظن مع ما يقاسيه من ألم المشي ونصب التعب أنه راكب وأن حركته الاختيارية منه حركة الدابة الضرورية له فكان تغفله ربما أوقعه في تهمة عند من لم يعرفه فاقترح عليه بعض الأمراء أن يصنع بيتين أول أحدهما كتاب وآخره ذئب وأول الآخر جوارح وآخره أنابيب فصنع بديها
( كتاب نجيع لاح في حومة الوغى ** وقارنه نسر هنالك أو ذيب )
( جوارح أهليه حروف وربما ** تولته من نقط الطعان أنابيب )
وقال الحميدي ذكر لي أبو بكر المرواني أنه شاهد محبوبا الشاعر النحوي قال بديهة في صفة ناعورة
____________________
(3/330)


( وذات حنين ما تغيض جفونها ** من اللجج الخضر الصوافي على شط )
( وتبكي فتحيي من دموع جفونها ** رياضا تبدت بالأزاهر في بسط )
( فمن أحمر قان وأصفر فاقع ** وأزهر مبيض وأدكن مشمط )
( كأن ظروف الماء من فوق متنها ** لآلي جمان قد نظمن على قرط )
وقال أبو الخطاب ابن دحية دخلت على الوزير الفقيه الأجل أبي بكر عبد الرحمن بن محمد بن مغاور السلمي فوقع الكلام في علوم لم تكن من جنس فنونه فقال بديها
( أيها العالم أدركني سماحا ** فلمثلي يحق منك السماح )
( إن تخلني إذا نطقت عييا ** فبناني إذا كتبت وقاح )
( أحرز الشأو في نظام ونثر ** ثم أثني وفي العنان جماح )
( فبهزل كما تأود غصن ** وبجد كما تهز الصفاح
وقال دخلت عليه منزله بشاطبة في اليوم الذي توفي فيه وهو يجود بنفسه فأنشد بديها
( أيها الواقف اعتبارا بقبري ** استمع فيه قول عظمي الرميم )
( أودعوني بطن الضريح وخافوا ** من ذنوب كلومها بأديمي )
( ودعوني بما اكتسبت رهينا ** غلق الرهن عند مولى كريم )
وقال ابن طوفان دعا أبي أبا الوليد النحلي فلما قضوا وطرهم من الطعام سقيتهم وجعلت أترع الكاسات فلما مشت في النحلي
____________________
(3/331)

سورة الحميا ارتجل
( لابن طوفان أياد ** قل فيها مشبهوه )
( ملأ الكاسات حتى ** قيل في البيت أبوه )
ونظيره قول المنفتل من شعراء الذخيرة في الشاعر ابن الفراء
( فإذا ما قال شعرا ** نفقت سوق أبيه )
وذكر في بدائع البدائه أن جماعة من الشعراء في أيام الأفضل خرجوا متنزهين إلى الأهرام ليروا عجائب مبانيها ويتأملوا ما سطره الدهر من العبر فيها فاقترح بعض من كان معهم العمل فيها فصنع أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي
( بعيشك هل أبصرت أعجب منظرا ** على ما رأت عيناك من هرمي مصر )
( أنافا بأعنان السماء فأشرفا ** على الجو إشراف السماك أو النسر )
( وقد وافيا نشزا من الأرض عاليا ** كأنهما نهدان قاما على صدر )
وصنع أبو منصور ظافر الحداد
( تأمل هيئة الهرمين وانظر ** وبينهما ابو الهول العجيب )
( كعماريتين على رحيل ** بمحبوبين يبنهما رقيب )
( وفيض البحر عندهما دموع ** وصوت الريح بينهما نحيب )
( وظاهر سجن يوسف مثل صب ** تخلف فهو محزون كئيب )
____________________
(3/332)


وقال ابن بسام كان للمتوكل بن الأفطس فرس أدهم أغر محجل على كفله ست نقط بيض فندب المتوكل الشعراء لصفته فصنع النحلي أبو الوليد فيه بديها
( ركب البدر جوادا سابحا ** تقف الريح لأدنى مهله )
( لبس الليل قميصا سابغا ** والثريا نقط في كفله )
( وغدير الصبح قد خيض به ** فبدا تحجيله من بلله )
( كل مطلوب وإن طالت به ** رجله من أجله في أجله )
ثم انتدب الشعراء بعد ذلك للعمل فيه فصنع ابن اللبانة
( لله طرف جال يا ابن محمد ** فحبت به حوباؤه التأميلا )
( لما رأى أن الظلام أديمه ** أهدى لأربعه الهدى تحجيلا )
( وكأنما في الردف منه مباسم ** تبغي هناك لرجله تقبيلا )
وقال فيه أبو عبد الله ابن عبد البر الشنريني من قطعة
( وكأنما عمر على صهواته ** قمر تسير به الرياح الأربع ) ويعني بعمر المتوكل المذكور لأن اسمه عمر وقال أحمد بن عبد الرحمن بن الصقر الخزرجي قاضي إشبيلية
( لله إخوان تناءت دارهم ** حفظوا الوداد على النوى أو خانوا )
( يهدي لنا طيب الثناء ودادهم ** كالند يهدي الطيب وهو دخان )
____________________
(3/333)

أخبار عن المروانيين
وحكي أن أيوب بن سليمان السهيلي المرواني حضر يوما عند ابن باجة والشاعر أبو الحسن ابن جودي هناك فتكلم المرواني بكلام ظهر فيه نبل وأدب فتشوف أبو الحسن بن جودي لمعرفته وكان إذ ذاك فتي السن فقال له من أنت أكرمك الله تعالى فقال هلا سألت غيري عني فيكون ذلك أحسن لك أدبا ولي توقيرا فقال ابن جودي قد سألت من المعرف عنك فلم يعرفك فقال يا هذا لطالما مر علينا زمان يعرفنا من يجهل ولا يحتاج من يرانا فيه إلى أن يسأل وأطرق ساعة ثم رفع رأسه وأنشد
( أنا ابن الألى قد عوض الدهر عزهم ** بذل وقلوا واستحبوا التنكرا )
( ملوك على مر الزمان بمشرق ** وغرب دهاهم دهرهم وتغيرا )
( فلا تذكرنهم بالسؤال مصابهم ** فإن حياة الرزء أن يتذكرا )
ففطن ابن جودي أنه من بني مروان فقام وقبل رأسه واعتذر إليه ثم انصرف المرواني فقال ابن باجة لابن جودي أساء أدبك بعدما عهدت منك كيف تعمد إلى رجل في مجلسي تراني قد قربته وأكرمته وخصصته بالإصغاء إلى كلامه فتقدم عليه بالسؤال عن نفسه فاحذر أن تكون لك عادة فإنها من أسوأ الأدب فقال ابن جودي لم أزل من الشيخ على ما قاله أبو تمام
( نأخذ من ماله ومن أدبه ** )
وحكي أن بكارا المرواني لما ترك وطنه وخرج في الجهاد وقتل قال صاحب السقط إنه اجتمع به في أشبونة فقال قصدت منزله بها ونقرت
____________________
(3/334)

الباب فنادى من هذا فقلت رجل ممن يتوسل لرؤيتك بقرابة فقال لا قرابة إلا بالتقى فإن كنت من أهله فادخل وإلا فتنح عني فقلت أرجو في الاجتماع بك والاقتباس منك أن أكون من أهل التقى فقال ادخل فدخلت عليه فإذا به في مصلاه وسبحة أمامه وهو يعد حبوبها ويسبح فيها فقال لي ارفق علي حتى أتمم وظيفتي من هذا التسبيح وأقضي حقك فقعدت إلى أن فرغ فلما قضى شغله عطف علي وقال ما القرابة التي بيني وبينك فانتسبت له فعرف أبي وترحم عليه وقال لي لقد كان نعم الرجل وكان لديه أدب ومعرفة فهل لديك أنت مما كان لديه شيء فقلت له إنه كان يأخذني بالقراءة وتعلم الأدب وقد تعلقت من ذلك بما أتميز به فقال لي هل تنظم شيئا قلت نعم وقد ألجأني الدهر إلى أن أرتزق به فقال يا ولدي إنه بئسما يرتزق به ونعم ما يتحلى به إذا كان على غير هذا الوجه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من الشعر لحكمة ولكن تحل الميتة عند الضرورة فأنشدني أصلحك الله تعالى مما على ذكرك من شعرك قال فطلبت بخاطري شيئا أقابله به مما يوافق حاله فما وقع لي إلا فيما لا يوافقه من مجون ووصف خمر وما أشبه ذلك فأطرقت قليلا فقال لعلك تنظم فقلت لا ولكن أفكر فيما أقابلك به فقولي أكثره فيما حملني عليه الصبا والسخف وهو لائق تفير مجلسك فقال يا بني ولا هذا كله إنا لا نبلغ من تقوى الله إلى حد نخرج به عن السلف الصالح وإذا صح عندنا أن عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومفسر كتاب الله تعالى ينشد مثل قول القائل
( إن يصدق الطير ننك لميسا ** )
____________________
(3/335)

فمن نحن حتى نأبى أن نسمع مثل هذا والله لا نشذ عن السلف الصالح أنشدني ما وقع لك غير متكلف فلم يمدني خاطري إلى غير قولي من شعر أمجن فيه
( أبطأت عني وإني ** لفي اشتياق شديد )
( وفي يدي لك شيء ** قد قام مثل العمود )
( لو ذقته مرة لم ** تعد لهذا الصدود )
فتبسم الشيخ وقال أما كان في نظمك أطهر من هذا فقلت له ما وفقت لغيره فقال لا بأس عليك فأنشدني غيره ففكرت إلى أن أنشدته قولي
( ولما وقفت على ربعهم ** تجرعت وجدي بالأجزع )
( وأرسل دمعي شرار الدموع ** لنار تأجج في الأضلع )
فقال عذولي لما رأى بكائي رفقا على الأدمع فقلت له هذه سنة لمن حفظ العهد في الأربع قال فرأيت الشيخ قد اختلط وجعل يجيء ويذهب ثم أفاق وقال أعد بحق آبائك الكرام فأعدت فأعاد ما كان فيه وجعل يردده فقلت له لو علمت أن هذا يحركك ما أنشدتك إياه فقال وهل حرك مني إلا خيرا وعظة يا بني إن هذه القلوب المخلاة لله كالورق التي جفت وهي مستعدة لهبوب الرياح فإن هب عليها أقل ريح لعب بها كيف شاء وصادف منها طوعه فأعجبني منزعه وتأنست به ولم أر عنده ما يعتاد من هؤلاء المتدينين من الانجماع والانكماش بل ما زال يبسطني ويحدثني بأخبار فيها هزل ويذكر لي من تاريخ بني أمية وملوكها ما أرتاح له ولا اعلم أكثره فلما كثر تأنسي
____________________
(3/336)

به أهويت إلى يده كي أقبلها فضمها بسرعة وقال ما شأنك فقلت راغبا لك في أن تنشدني شيئا من نظمك فقال أما نظمي في زمان الصبا فكان له وقت ذهب ويجب للنظم أن يذهب معه وأما نظمي في هذا الوقت فهو فيما أنا بسبيله وهو يثقل عليك فقلت له إن أنصف سيدي الشيخ نفعنا الله تعالى به أنشدني من نظم صباه ومن نظم شيخوخته فيأخذ كلانا بحظه فضحك وقال ما أعصيك وأنت ضيف وقريب ولك حرمة أدب ووسيلة قصد ثم أنشدني وقد بدا عليه الخشوع وخنقته العبرة
( ثق بالذي سواك من ** عدم فإنك من عدم )
( وانظر لنفسك قبل قرع ** السن من فرط الندم )
( واحذر وقيت من الورى ** واصحبهم أعمى أصم )
( قد كنت في تيه إلى ** أن لاح لي أهدى علم )
( فاقتدت نحو ضيائه ** حتى خرجت من الظلم )
( لكن قناديل الهوى ** في نور رشدي كالحمم )
قال فوالله لقد أدركني فوق ما أدركه وغلب على خاطري بما سمعت من هذه الأبيات وفعلت بي من الموعظة غاية لم أجد منها التخلص إلا بعد حين فقال لي الشيخ إن هذه يقظة يرجى معها خيرك والله مرشدك ومنقذك ثم قال لي يا بني هذا ما نحن بسبيله الآن فاسمع فيما مضى والله ولي المغفرة وإنا لنرجو منه غفران الفعل فكيف القول وأنشد
( أطل عذار على خده ** فظنوا سلوي عن مذهبي )
( وقالوا غراب لوشك النوى ** فقلت اكتسى البدر بالغيهب )
( وناديت قلبي أين المسير ** وبدر الدجى حل بالعقرب )
____________________
(3/337)


( فقال ولو رمت عن حبه ** رحيلا عصيت ولم أذهب )
قال فسمعت ما يقصر عنه صدور الشعراء وشهدت له بالتقدم وقلت له لم أر أحسن من نظمك في جد ولا هزل ثم قلت له أأرويه عنك فقال نعم ما أرى به بأسا بعد اطلاع من يعلم السرائر على ما في الضمائر فما قدر هذه الفكاهة في إغضاء من يغفر الكبائر ويغضي عن العظائم قال فقلت له فإن أسبغت علي النعمة بزيادة شيء من هذا الفن فعلت ما تملك به قلبي آخر الدهر فقال يا بني لا ملك قلبك غير حب الله تعالى ثم قال ولا أجمع عليك رد قول ومنعا وأنشد
( أيها الشادن الذي ** حسنه في الورى غريب )
( لحظ ذاك الجمال يطفئ ** ما بي من اللهيب )
( وعليه أحوم دهري ** ولكنني أخيب )
( كلما رمت زورة ** قيض الله لي رقيب )
قال فمازج قلبي من الرقة واللطافة لهذا الشعر ما أعجز عن التعبير عنه فقلت له زدني زادك الله تعالى خيرا فأنشدني
( ما كان قلبي يدري قدر حبكم ** حتى بعدتم فلم يقدر على الجلد )
( وكنت أحسب أني لا أضيق به ** ذرعا فما حان حتى فت في عضدي )
( ثم استمرت على كره مريرته ** فكاد يفرق بين الروح والجسد )
( عساكم أن تلاقوا باللقا رمقي ** فليس لي مهجة تقوى على الكمد )
ثم قال حسبك وإن كلفتني زيادة فالله حسبك فقلت له قد وكلتني إلى كريم غفور رحيم فبالله إلا ما زدتني وأكببت لأقبل رجليه فضمهما وأنشد
____________________
(3/338)


( لله من قال لما ** شكوت فيه نحولي )
( أما السبيل لوصل ** فما له من وصول )
( فقلت حسبي التماح ** بحسن وجه جميل )
( وجه تلوح عليه ** علامة للقبول )
( فقال دعني فهذا ** تعرض للفضول )
( فقلت عاتب وخاطب ** بالأمن أهل العقول )
فملأ سمعي عجائب وبسط أنسي وكتبت كل ما أنشدني ثم قلت له لولا خوفي من التثقيلى عليك لم أزل أستدعي منك الإنشاد حتى لا تجد ما تنشد فقال إن عدت إن شاء الله تعالى إلى هنا تذكرت وأنشدتك فما عندي مما أضيفك غير ما سمعت وما تراه ثم قام وجاء من بيت آخر في داره بصفحة فيها حسا من دقيق وكسور باردة فجعل يفت فيها ثم أشار إلي أن أشرب فشربت ثم شرب إلى أن أتينا على آخرها ثم قال لي هذا غذاء عمك نهاره وإنه لنعمة من الله تعالى أستديم بشكرها اتصالها قال فقلت له يا عم ومن أين عيشك فقال يا بني عيشتي بتلك الشبكة اصطاد بها في سواحل البحر ما أقتات به ولي زوجة وبنت يعود من غزلهما مع ذلك ما نجد به معونة وهذا مع العافية والاستغناء عن الناس خير كثير جعلنا الله تعالى ممن يلقاه على حالة يرضاها وختم لنا بخاتمة لا يخاف معها فضيحة قال فتركته وقمت وفي نيتي أن أعود إلى زيارته ونويت أن يكون ذلك بعد أيام خوف التثقيل فعدت إليه بعد ثلاثة أيام فنقرت الباب فكلمتني المرأة بلسان عليه أثر الحزن وقالت إن الشيخ خرج إلى الغزو وذلك بعد انفصالك عنه بيوم ناله كالجنون فقلت له ما شأنك فقال أريد أن أموت شهيدا في الغزو وهؤلاء جيران لي
____________________
(3/339)

قد عزموا على الغزو وأنا إن شاء الله تعالى ماض معهم ثم احتال في سيف ورمح وتوجه معهم وقال نفسي هي التي قتلتني بهواها أفلا أقتص منها فأقتلها قال فقلت لها من خلف للنظر في شأنكم فقالت ليس ذلك لك فالذي خلفنا له لا نحتاج معه إلى غيره فأدركني من جوابها روعة وعلمت أنها مثله زهدا وصلاحا فقلت إني قريبه ويجب علي أن أنظر في حالكم بعده فقالت ياهذا إنك لست بذي محرم ولنا من العجائز من ينظر منا ويبيع غزلنا ويتفقد أحوالنا فجزاك الله تعالى عنا خيرا انصرف عنا مشكورا فقلت لها هذه دراهم خذوها تستعينوا بها فقالت ما اعتدنا أن نأخذ شيئا من غير الله تعالى وما كان لنا أن نخل بالعادة فانصرفت نادما على ما فاتني من الاستكثار من شعر الشيخ والتبرك بزيادة دعائه ثم عدت بعد ذلك لداره سائلا عنه فقالت لي المرأة إنه قد قبله الله تعالى فعلمت أنه قد قتل فقلت لها أقتل فقرأت { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله } الآية آل عمران 169 ] - فانصرفت معتبرا من حاله رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا به
وكانت للمروانيين بالأندلس يد عليا في الدين والدنيا انتهى
وقال محمد بن أيوب المرواني لما كلف قوما حاجة له سلطانية فما نهضوا بها فكلفها رأس بني مروان القائد سعيد بن المنذر فنهض بها
( نهضت بما سألتك غير وان ** وقد صعبت لسالكها الطريق )
( وليس يبين فضل المرء إلا ** إذا كلفته ما لا يطيق )
وعتبه يوما سعيد بن المنذر في كونه يتعرض لمدح خدام بني مروان فقال له أعز الله تعالى القائد الوزير إنكم جعلتموني ذنبا وجعلوني رأسا والنفس تتوق إلى من يكرمها وإن كان دونها أكثر منها إلى من يهينها وإن كان فوقها
____________________
(3/340)

وإني من هذا وهذا في أمر لا يعلمه إلا الذي أبلاني به ويا ويح الشجي من الخلي وأنا الذي أقول فيما يتخلل هذا المنزع
( نسبت لقوم ليتني نجل غيرهم ** فلي نسب يعلو وحظي يسفل )
( أقطع عمري بالتعلل والمنى ** وكم يخدع المرء اللبيب التعلل )
( فما لي مكان أرتضيه لهمة ** ولا مال منه أستعف وأفضل )
( ولكنني أقضي الحياة تجملا ** وهل يهلك الإنسان إلا التجمل )
فقال له سعيد قصدنا لومك فعطفت اللائمة علينا ونحن أحق بها وسننظر إن شاء الله تعالى فيما يرفع اللوم عن الجانبين ثم تكلم مع الناصر في شأنه فأجرى له رزقا أغناه عن التكفف فكانت هذه من حسنات سعيد وأياديه
وقال المطرف بن عمر المرواني يمدح المظفر بن المنصور بن أبي عامر
( إن المظفر لا يزال مظفرا ** حكما من الرحمن غير مبدل ) وهو الأحق بكل ما قد حازه ** من رفعة ورياسة وتفضل )
( تلقاه صدرا كلما قلبته ** مثل السنان بمحفل وبجحفل )
وحضر يوما مع شاعر الأندلس في زمانه ابن دراج القسطلي فقال له القسطلي أنشدني أبياتك التي تقول فيها
( على قدر ما يصفو الخليل يكدر ** ) فأنشده
( تخيرت من بين الأنام مهذبا ** ولم أدر أني خائب حين أخبر )
( فمازجني كالراح للماء واغتدى ** على كل ما جشمته يتصبر
____________________
(3/341)

إلى أن دهاني إذ أمنت غروره ** سفاها وأداني لما ليس يذكر )
( وكدر عيشي بعد صفو وإنما ** على قدر ما يصفو الخليل يكدر )
فاهتز القسطلي وقال والله إنك في هذه الأبيات لشاعر وأنا أنشدك فيما يقابلها لبلال بن جرير
( لو كنت أعلم أن آخر عهدهم يوم الفراق فعلت ما لم أفعل )
ولكن جعل نفسه فاعلا وعرضت نفسك لأن يقال إنك مفعول فقال ومن أين يلوح ذلك فقال القسطلي من قولك ( ( وأداني لما ليس يذكر ) ) فما يظن في ذلك إلا أنه أداك إلى موضع فعل بك فيه فاغتاظ الأموي وقال يا أبا عمر ومن أين جرت العادة بأن تمزح معي في هذا الشأن فقال له حلم بني مروان يحملنا على أن نخرق العادة في الحمل على مكارمهم فسكن غيظه
وكتب المرواني المذكور إلى صاحب له يستعير منه دابة يخرج عليها للفرجة والخلاعة أنهض الله تعالى سيدي بأعباء المكارم إن هذا اليوم قد تبسم أفقه بعدما بكى ودقه وصقلت أصداء أوراقه وفتحت أحداق حدائقه وقام نوره خطيبا على ساقه وفضضت غدرانه وتوجت أغصانه وبرزت شمسه من حجابها بعد ما تلفعت بسحابها وتنبه في أرجاء الروض أرج النسيم وعرف في وجهه نضرة النعيم وقد دعا كل هذا ناظر أخيك إن أن يجيله في هذه المحاسن ويجدد نظره في المنظر الذي هو غير مبتذل والماء الذي هو غير آسن والفحص اليوم أحسن ما ملح وأبدع ما حرن فيه وجمح فجد لي بإعارة ما أنهض عليه لمشاهدته ويرفع عني خجل الابتذال بمناكفه الأنذال لا زلت نهاضا بالآمال مسعفا بمراد كل خليل غير مقصر ولا آل
وكتب الأمير هشام بن عبد الرحمن إلى أخيه عبد الله المعروف بالبلنسي حين فر كتابا يقول في بعض فصوله والعجب من فرارك دون أن
____________________
(3/342)

ترى شيئا فخاطبه بجواب يقول فيه ولا تتعجب من فراري دون أن أرى شيئا لأنني خفت أن أرى ما لا أقدر على الفرار بعده ولكن تعجب مني أن حصلت في يدك بعدما أفلت منك وقال له وزيره أحمد بن شعيب البلنسي أليس من العار أن يبلغ بك الخور من هذا الصبي أن تجعل بينك وبينه البحر وتترك بلاد ملكك وملك أبيك فقال ما أعرف ما تقول وكل ما وقي به إتلاف النفس ليس بعار بل هو محض العقل وأول ما ينظر الأديب في حفظ رأسه فإذا نظر في ذلك نظر فيما بعده
وقال عبد الله بن عبد العزيز الأموي ويعرف بالحجر
( اجعل لنا منك حظا أيها القمر ** فإنما حظنا من وجهك النظر )
( رآك ناس فقالوا إن ذا قمر ** فقلت كفوا فعندي منهما الخبر )
( البدر ليس بغير النصف بهجته ** حتى الصباح وهذا كله قمر
وقال أبو عبد الله محمد بن محمد بن الناصر يرثي أبا مروان بن سراج
( وكم من حديث للنبي أبانه ** وألبسه من حسن منطقه وشيا )
( وكم مصعب للنحو قد راض صعبه ** فعاد ذلولا بعدما كان قد أعيا )
وحكي أنه دخل بعض شعراء الأندلس على الفقيه سعيد بن أضحى وكان من أعيان غرناطة فمدحه بقصيدة ثم بموشحة ثم بزجل فلم
____________________
(3/343)

يعطه شيئا بل شكا إليه فقرا حتى إنه بكى فأخذ الدواة والقرطاس وكتب ووضع بين يديه
( شكا مثال الذي أشكوه من عدم ** وساءه مثل ما قد ساءني فبكى )
( إن المقل الذي أعطاك دمعته ** نعم الجواد فتى أعطاك ما ملكا )
وقال ابن خفاجة
( نهر كما سال اللمى سلسال ** وصبا بليل ذيلها مكسال )
( ومهب نفحة روضة مطلولة ** فيها لأفراس النسيم مجال )
( غازلته والأقحوانة مبسم ** والآس صدغ والبنفسج خال ) وقال
( وساق كحيل الطرف في شأو حسنه ** جماح وبالصبر الجميل حران )
( ترى للصبا نارا بخديه لم يثر ** لها من سوادي عارضيه دخان )
( سقانا وقد لاح الهلال عشية ** كما اعوج في درع الكمي سنان )
( عقارا نماها الكرم فهي كريمة ** ولم تزن بابن المزن فهي حصان )
( وقد جال من جون الغمامة أدهم ** له البرق سوط والعنان عنان )
( وضمخ ردع الشمس نحر حديقة ** عليه ومن الطل السقيط جمان )
( ونمت بأسرار الرياض خميلة ** لها النور ثغر والنسيم لسان )
____________________
(3/344)


وقال في وصف فرس أصفر ولم يخرج عن طريقته
( وأشقر تضرم منه الوغى ** بشعلة من شعل الباس )
( من جلنار ناضر لونه ** وأذنه من ورق الآس )
( يطلع للغرة في شقرة ** حبابة تضحك في الكاس )
وقال أبو بكر يحيى بن سهل اليكي يهجو
( أعد الوضوء إذا نطقت به ** مستعجلا من قبل أن تنسى )
( واحفظ ثيابك إن مررت به ** فالظل منه ينجس الشمسا لابن لبانة
وقال ابن اللبانة
( أبصرته قصر في المشيه ** لما بدت في خده لحيه )
( قد كتب الشعر على خده ** أو كالذي مر على قرية )
وقال الوزير الكاتب أبو محمد عبد الغفور الإشبيلي في الأمير أبي بكر سير من أمراء المرابطين وكتب بها إليه في غزاة غزاها
( سر حيث سرت يحله النوار ** وأراك فيه مرادك المقدار )
( وإذا ارتحلت فشيعتك سلامة ** وغمامة لا ديمة مدرار )
( تنفي الهجير بظلها وتنيم بالرش ** القتام وكيف شئت تدار )
( وقضى الإله بأن تعود مظفرا ** وقضت بسيفك نحبها الكفار )
____________________
(3/345)


هذا غير ما تمناه الجعفي حيث قال حيث ارتحلت وديمة وما تكاد معها عزيمة وإذا سفحت على ذي سفر فما أحراها بأن تعوق عن الظفر ونعتها بمدرار فكان ذلك أبلغ في الإضرار وما أحسن قول القائل
( فسر ذا راية خفقت بنصر ** وعد في جحفل بهج الجمال )
( إلى حمص فأنت بها حلي ** تغاير فيه ربات الحجال )
وقال الحجاري في المسهب كتبت إلى القاضي أبي عبد الله محمد اللوشي أستدعي منه شعره لأكتبه في كتابي فتوقف عن ذلك وانقبض عني فكتبت إليه
( يا مانعا شعره عن سمع ذي أدب ** نائي المحل بعيد الشخص مغترب )
( يسير عنك به في كل متجه ** كما يمر نسيم الريح بالعذب )
( إني وحقك أهل أن أفوز به ** واسأل فديتك عن ذاتي وعن أدبي )
فكان جوابه
( يا طالبا شعر من لم يسم في الأدب ** ماذا تريد بنظم غير منتخب )
( إني وحقك لم أبخل به صلفا ** ومن يضن على جيد بمخشلب )
( لكنني صنت قدري عن روايته ** فمثله قل عن سام إلى الرتب )
( خذه إليك كما أكرهت مضطربا ** محللا ذم مولاه مدى الحقب )
قال ثم كتب لي مما أتحفني به من نظمه محاسن أبهى من الأقمار وأرق من نسيم الأسحار
____________________
(3/346)


وقال صالح بن شريف في البحر وهو أحسن ما قيل فيه
( البحر أعظم مما أنت تحسبه ** من لم ير البحر يوما ما رأى العجبا )
( طام له حبب طاف على زرق ** مثل السماء إذا ما ملئت شهبا )
وقال أيضا
( ما أحسن العقل وآثاره ** لو لازم الإنسان إيثاره )
( يصون بالعقل الفتى نفسه ** كما يصون الحر أسراره )
( لا سيما إن كان في غربة ** يحتاج أن يعرف مقداره )
وقال ابن برطلة
( خطوب زماني ناسبتني غرابة ** لذلك يرميني بهن مصيب )
( غريب أصابته خطوب غريبة ** وكل غريب للغريب نسيب )
وهذا من أحسن التضمين الذي يزري بالدر الثمين
ودخل ابن بقي الحمام وفيه الأعمى التطيلي فقال له أجز
( حمامنا كزمان القيظ محتدم ** وفيه للبرد صر غير ذي ضرر ) فقال الأعمى
( ضدان ينعم جسم المرء بينهما ** كالغصن ينعم بين الشمس والمطر ) ولا يخفى حسن ما قال الأعمى
____________________
(3/347)


وقد ذكر في بدائع البدائه البيتين معا منسوبين إلى ابن بقي ولنذكر كلامه برمته لما اشتمل عليه من الفوائد ونصه ذكر ابن بسام قال دخل الأديبان أبو جعفر بن هريرة التطيلي المعروف بالأعمى وأبو بقي بكر ابن الحمام فتعاطيا العمل فيه فقال الأعمى
( يا حسن حمامنا وبهجته ** مرأى من السحر كله حسن )
( ماء ونار حواهما كنف ** كالقلب فيه السرور والحزن )
ثم أعجبه المعنى فقال
( ليس على لهونا مزيد ** ولا لحمامنا ضريب )
( ماء وفيه لهيب نار ** كالشمس في ديمة تصوب )
( وابيض من تحته رخام ** كالثلج حين ابتدا يذوب )
وقال ابن بقي
( حمامنا فيه فصل القيظ ** ) البيتين فقال الأعمى وقد ظر فيه إلى فتى صبيح
( هل استمالك جسم ابن الأمير وقد ** سالت عليه من الحمام أنداء )
( كالغصن باشر حر النار من كثب ** فظل يقطر من أعطافه الماء ) وصف حمام مشرقي قلت تذكرت هنا عند ذكر الحمام ما حكاه بدر الدين الحسن بن زفير الإربلي المتطبب إذ قال رأيت ببغداد في دار الملك شرف الدين هرون ابن
____________________
(3/348)

الوزير الصاحب شمس الدين محمد الجويني حماما متقن الصنعة حسن البناء كثير الأضواء قد احتفت به الأزهار والأشجار فأدخلني إليه سائسه وذلك بشفاعة الصاحب بهاء الدين بن الفخر عيسى المنشئ الإربلي وكان سائس هذا الحمام خادما حبشيا كبير السن والقدر فطاف بي عليه وأبصرت مياهه وشبابيكه وأنابيبه المتخذ بعضها من فضة مطلية بالذهب وغير مطلية وبعضها على هيئة طائر إذا خرج منها الماء صوت بأصوات طيبة ومنها أحواض رخام بديعة الصنعة والمياه تخرج من سائر الأنابيب إلى الأحواض ومن الأحواض إلى بركة حسنة الإتقان ثم منها إلى البستان ثم أراني نحو عشر خلوات كل خلوة صنعتها أحسن من صنعة أختها ثم انتهى بي إلى خلوة عليها باب مقفل بقفل حديد ففتحه ودخل بي إلى دهليز طويل كله مرخم بالرخام الأبيض الساذج وفي صدر الدهليز خلوة مربعة تسع بالتقريب نحو أربعة أنفس إذا كانوا قعودا وتسع اثنين إذا كانوا نياما ورأيت من العجائب في هذه الخلوة أن حيطانها الأربعة مصقولة صقالا لا فرق بينه وبين صقال المرآة يرى الإنسان سائر بشرته في أي حائط شاء منها ورأيت أرضها مصورة بفصوص حمر وصفر وخضر ومذهبة وكلها متخذة من بلور مصبوغ بعضه أصفر وبعضه أحمر فأما الأخضر فيقال إنه حجارة تأتي من الروم وأما المذهب فزجاج ملبس بالذهب وتلك الصورة في غاية الحسن والجمال على هيئات مختلفة في اللون وغيره وهي ما بين فاعل ومفعول به إذا نظر المرء إليها تحركت شهوته وقال لي الخادم السائس هذا صنع على هذه الصفة لمخدومي حتى أنه إذا نظر إلى ما يفعل هؤلاء بعضهم مع بعض من المجامعة والتقبيل ووضع أيدي بعضهم على أعجاز بعض تتحرك شهوته سريعا فيبادر إلى مجامعة من يحبه
قال الحاكي وهذه الخلوة دون سائر الخلوات التي دخلت إليها هي مخصوصة بهذا الفعل إذا أراد الملك شرف الدين هرون الاجتماع في الحمام بمن يهواه من الجواري الحسان والصور الجميلة والنساء الفائقات الحسن لم يجتمع به إلا في هذه
____________________
(3/349)

الخلوة من أجل أنه يرى كل محاسن الصور الجميلة مصورة في الحائط ومجسمة بين يديه ويرى كل منهما صاحبه على هذه الصفة ورأيت في صدر الخلوة حوض رخام مضلع وعليه أنبوب مركب في صدره وأنبوب آخر برسم الماء البارد والأنبوب الأول برسم الماء الفاتر وعن يمين الحوض ويساره عمدان صغار منحوتة من البلور يوضع عليها مباخر الند والعود وأبصرت منها خلوة شديدة الضياء مفرحة بديعة قد أنفق عليها أموال كثيرة وسألت الخادم عن تلك الحيطان المشرقة المضيئة من أي شيء صنعت فقال لي ما أعلم
قال الحاكي فما رأيت في عمري ولا سمعت بمثل تلك الخلوة ولا بأحسن من ذلك الحمام مع أني ما أحسن أن أصفهما كما رأيتهما فإنه لم تتكرر رؤيتي لهما ولا اتفق لي الظفر بصناعتهما ومباشرتهما وفي الذي ذكرت كفاية انتهى دار جمال الملك البغدادي
ولما اتصل أبو القاسم علي بن أفلح البغدادي الكاتب بأمير المؤمنين المسترشد بالله العباسي ولقبه جمال الملك وأعطاه أربع ديار في درب الشاكرية اشترى دورا أخرى إلى جانبها وهدم الكل وأنشأ داره الكبيرة وأعانه الخليفة في بنائها وأطلق له أموالا وآلات البناء وكان في جملة ما أطلق له مائتا ألف آجرة وأجريت الدار بالذهب وصنع فيها الحمام العجيب الذي فيه بيت مستراح فيه أنبوب إن فركه الإنسان يمينا خرج ماء حار وإن فركه شمالا خرج ماء بارد وكان على إيوان الدار مكتوبا
( إن عجب الراءون من ظاهري ** فباطني لو علموا أعجب )
____________________
(3/350)


( شيدني من كفه مزنة ** يهمل منها العارض الصيب
( ودبجت روضة أخلاقه ** في رياضا نورها مذهب )
( صدر كسا صدري من نوره ** شمسا على الأيام لا تغرب )
وكتب على الطرز
( ومن المروءة للفتى ** ما عاش دار فاخره )
( فاقنع من الدنيا بها ** واعمل لدار الآخره )
( هاتيك وافية بما ** وعدت وهذي ساخره ) وكتب على النادي
( وناد كأن جنان الخلود ** أعارته من حسنها رونقا )
( وأعطته من حادثات الزمان ** أن لا تلم به موثقا )
( فأضحى يتيه على كل ما ** بنى مغربا كان أو مشرقا )
( تظل الوفود به عكفا ** وتمسي الضيوف به طرقا )
( بقيت له يا جمال الملوك ** والفضل مهما أردت البقا )
( وسالمه فيك ريب الزمان ** ووقيت فيه الذي يتقى ) أشعار للمشارقة في الحمام
وعلى ذكر الحمام فما أحكم قول ابن الوردي فيما أظن
( وما أشبه الحمام بالموت لامرئ ** تذكر لكن أين من يتذكر )
( يجرد عن أهل ومال وملبس ** ويصحبه من كل ذلك مئزر )
____________________
(3/351)


وقال الشهاب بن فضل الله
( وحمامكم كعبة للوفود ** تحج إليه حفاة عراه )
( يكرر صوت أنابيبه ** كتاب الطهارة باب المياه )
وقد تمثل بهذين البيتين البرهان القيراطي في جواب كتاب استدعاه فيه بعض أهل عصره إلى الحمام وافتتح الجواب بقوله
( قد أجبنا وأنت أيضا فصبحت ** بصبحي سوالف وسلاف )
( وبساق يسبي العقول بساق وقوام وفق العناق خلافي )
ووصله بنثر تمثل فيه بالبيتين كما مر
ولبعضهم
( إن حمامنا الذي نحن فيه ** أي ماء به وأية نار )
( قد نزلنا به على ابن معين ** وروينا عنه صحيح البخاري )
وألغز بعضهم في الحمام بقوله
( ومنزل أقوام إذا ما تقابلوا ** تشابه فيه وغده ورئيسه )
( ينفس كربي إذ ينفس كربه ** ويعظم أنسي إذ يقل أنيسه )
( إذا ما أعرت الجو طرفا تكاثرت ** على من به أقماره وشموسه )
رجع إلى ما كنا فيه من كلام أهل الأندلس فنقول
____________________
(3/352)


وكان محمد بن خلف بن موسى البيري متكلما متحققا برأي الأشعرية وذاكرا لكتب الأصول في الاعتقاد مشاركا في الأدب مقدما في الطب ومن نظمه يمدح إمام الحرمين رحمه الله تعالى
( حب حبر يكنى أبا للمعالي ** هو ديني ففيه لا تعذلوني )
( أنا والله مغرم بهواه ** عللوني بذكره عللوني )
وكتب أبو الوليد ابن الجنان الشاطبي يستدعي بعض إخوانه إلى مجلس أنس بما صورته نحن في مجلس أغصانه الندامى وغمامه الصهباء فبالله إلا ما كنت لروض مجلسنا نسيما ولزهر حديثنا شميما وللجسم روحا وللطيب ريحا وبيننا عذراء زجاجتها خدرها وحبابها ثغرها بل شقيقة حوتها كمامة أو شمس حجبتها غمامة إذا طاف بها معصم الساقي فوردة على غصنها أو شربها مقهقة فحمامة على فننها طافت علينا طوفان القمر على منازل الحلول فأنت وحياتك إكليلنا وقد آن حلولها في الإكليل انتهى وقال أبو الوليد المذكور
( فوق خد الورد دمع ** من عيون السحب يذرف )
( برداء الشمس أضحى ** بعدما سال يجفف ) حكاية مشرقية عن الورد والياسمين وتذكرت هنا بذكر الورد ما حكاه الشيخ أبو البركات هبة الله بن محمد النصيبي المعروف بالوكيل وكان شيخا ظريفا فيه آداب كثيرة إذ قال
____________________
(3/353)

كنت في زمن الربيع والورد في داري بنصيبين وقد احضر من بستاني من الورد والياسمين شيء كثير وعملت على سبيل الولع دائرة من الورد تقابلها دائرة من الياسمسن فاتفق أن دخل علي شاعران كانا بنصيبين أحدهما يعرف بالمهذب والآخر يعرف بالحسن بن البرقعيدي فقلت لهما اعملا في هاتين الدائرتين ففكرا ساعة ثم قال المهذب
( يا حسنها دائرة ** من ياسمين مشرق )
( والورد قد قابلها ** في حلة من شفق )
( كعاشق وحبه ** تغامزا بالحدق )
( فاحمر ذا من خجل ** واصفر ذا من فرق )
قال فقلت للحسن هات فقال سبقني المهذب إلى ما لمحته في هذا المعنى وهو قولي
( يا حسنها دائرة ** من ياسمين كالحلي )
( والورد قد قابلها ** في حلة من خجل )
( كعاشق وحبه ** تغامزا بالمقل )
( فاحمر ذا من خجل ** واصفر ذا من وجل )
قال فعجبت من اتفاقهما في سرعة الاتحاد والمبادرة إلى حكاية الحال انتهى
وما الطف قول بعضهم
( أرى الورد عند الصبح قد مد لي فما ** يشير إلى التقبيل في حالة اللمس )
( وبعد زوال الشمس ألقاه وجنة ** وقد أثرت في وسطها قبلة الشمس )
____________________
(3/354)


وقال ابن ظافر في بدائع البدائه اجتمع الوزير أبو بكر بن القبطرنة والأديب أبو العباس ابن صارة الأندلسيان في يوم جلا ذهب برقه وأذاب ورق ودقه والأرض قد ضحكت لتعبيس السماء واهتزت وربت عند نزول الماء فقال ابن القبطرنة
( هذي البسيطة كاعب أبرادها ** حلل الربيع وحليها النوار )
فقال ابن صارة
( وكأن هذا الجو فيها عاشق ** قد شفه التعذيب والإضرار )
ثم قال ابن صارة أيضا
( وإذا شكا فالبرق قلب خافق ** وإذا بكى فدموعه الأمطار ) فقال ابن القبطرنة
( من أجل ذلة ذا وعزة هذه ** يبكي الغمام وتضحك الأزهار ) بديهة ابن ظافر وتذكرت هنا ما حكاه ابن ظافر في الكتاب المذكور أنه اجتمع مع القاضي الأعز يوما فقال له ابن ظافر أجز
( طار نسيم الروض من وكر الزهر ** )
فقال الأعز
( وجاء مبلول الجناح بالمطر **
____________________
(3/355)

انتهى ويعجبني قول ابن قرناص
( أظن نسيم الروض والزهر قد روى ** حديثا ففاحت من شذاه المسالك )
( وقال دنا فصل الربيع فكله ** ثغور لما قال النسيم ضواحك )
رجع إلى الأندلسيين
وما أرق قول ابن الزقاق
( ورياض من الشقائق أضحت ** يتهادى بها نسيم الرياح )
( زرتها والغمام يجلد منها ** زهرات تفوق لون الراح )
( قلت ما ذنبها فقال مجيبا ** سرقت حمرة الخدود الملاح )
وقال أبو إسحاق ابن خفاجة
( تعلقته نشوان من خمر ريقه ** له رشفها دوني ولي دونه السكر )
( ترقرق ماء مقلتاي ووجهه ** ويذكي على قلبي ووجنته الجمر )
( أرق نسيبي فيه رقة حسنه ** فلم أدر أي قبلها منهما السحر )
( وطبنا معا شعرا وثغرا كأنما ** له منطقي ثغر ولي ثغره شعر )
وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز
( وقائلة ما بال مثلك خاملا ** أأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز )
( فقلت لها ذنبي إلى القوم أنني ** لما لم يحوزوه من المجد حائز )
____________________
(3/356)


( وما فاتني شيء سوى الحظ وحده ** وأما المعالي فهي عندي غرائز )
وقال
( جد بقلبي وعبث ** ثم مضى وما اكترث )
( واحربا من شادن ** في عقد الصبر نفث )
( يقتل من شاء بعينيه ** ومن شاء بعث )
وقال البليغ الفاضل يحيى بن هذيل أحد أعيان شعراء الأندلس
( نام طفل النبت في حجر النعامى ** لاهتزاز الطل في مهد الخزامى )
( وسقى الوسمي أغصان النقا ** فهوت تلثم أفواه الندامى )
( كحل الفجر لهم جفن الدجى ** وغدا في وجنة الصبح لثاما )
( تحسب البدر محيا ثمل ** قد سقته راحة الصبح مداما )
( حوله الزهر كؤوس قد غدت ** مسكة الليل عليهن ختاما )
وتذكرت هنا قول الآخر وأظنه مشرقيا
( بكر العارض تحدوه النعامى ** فسقاك الري يا دار أماما )
( وتمشت فيك أرواح الصبا ** يتأرجن بأنفاس الخزامى )
( قد قضى حفظ الهوى أن تصبحي ** للمحبين مناخا ومقاما )
( وبجرعاء الحمى قلبي فعج ** بالحمى واقرأ على قلبي السلاما )
( وترحل فتحدث عجبا ** أن قلبا سار عن جسم أقاما )
( قل لجيران الغضا آها على ** طيب عيش بالغضا لو كان داما )
____________________
(3/357)


( حملوا ريح الصبا من نشركم ** قبل أن تحمل شيحا وثماما )
( وابعثوا أشباحكم لي في الكرى ** إن أذنتم لجفوني أن تناما )
وخرج بعض علماء الأندلس من قرطبة إلى طليطلة فاجتار بحريز بن عكاشة الشجاع المشهور الذي ذكرنا في هذا الباب ما يدل على شجاعته وقوته وأيده بقلعة رباح فنزل بخارجها في بعض جنباتها وكتب إليه
( يا فريدا دون ثان ** وهلالا في العيان )
( عدم الراح فصارت ** مثل دهن اليلسان )
فبعث إليه بها وكتب معها
( جاء من شعرك روض ** جاده صوب اللسان )
( فبعثناها سلافا ** كسجاياك الحسان ) أشعار لابن شهيد
وقال الوزير أبو عامر بن شهيد يتغزل
( أصباح شيم أم برق بدا ** أم سنا المحبوب أورى زندا )
( هب من مرقده منكسرا ** مسبلا للكم مرخ للردا )
( يمسح النعسة من عيني رشا ** صائد في كل يوم أسدا )
____________________
(3/358)


( أوردته لطفا آياته ** صفوة العيش وأرعته ددا )
( فهو من دل عراه زبدة ** من مريج لم تخالط زبدا )
( قلت هب لي يا حبيبي قبلة ** تشف من عمك تبريح الصدى )
( فانثنى يهتز من منكبه ** مائلا لطفا وأعطاني اليدا ) كلما كلمني قبلته ** فهو إما قال قولا رددا )
( كاد أن يرجع من لثمي له ** وارتشاف الثغر منه أدردا )
( وإذا استنجزت يوما وعده ** أمطل الوعد وقال اصبر غدا )
( شربت أعطافه ماء الصبا ** وسقاه الحسن حتى عربدا )
( فإذا بت به في روضة ** أغيد يقرو نباتا أغيدا )
( قام في الليل بجيد أتلع ** ينفض اللمة من دمع الندى )
( ومكان عازب عن جيرة ** أصدقاء وهم عين العدا )
( ذي نبات طيب أعراقه ** كعذار الشعر في خد بدا )
( تحسب الهضبة منه جبلا ** وحدور الماء منه أبردا )
وقال يرثي القاضي ابن ذكوان نجيب ذلك الأوان وقد افتن في الآداب وسن فيها سنة ابن داب وما فارق ربع الشباب شرخه ولا استمجد في الكهولة غفاره ولا مزحه وكان لأبي عامر هذا قسيم نفسه ونسيم أنسه
( ظننا الذي نادى محقا بموته ** لعظم الذي أنحى من الرزء كاذبا )
( وخلنا الصباح الطلق ليلا وأننا ** هبطنا خداريا من الحزن كاربا )
( ثكلنا الدنى لما استقل وإنما فقدناك يا خير البرية ناعبا )
( وما ذهبت إذ حل في القبر نفسه ** ولكنما الإسلام أدبر ذاهبا )
____________________
(3/359)


( ولما أبى إلا التحمل رائحا ** منحناه أعناق الكرام ركائبا )
( يسير به النعش الأعز وحوله ** أباعد كانوا للمصاب أقاربا )
( عليه حفيف للملائك أقبلت ** تصافح شيخا ذاكر الله تائبا )
( تخال لفيف الناس حول ضريحه ** خليط تخطى قطا وافي الشريعة هاربا )
( إذا ما امتروا سحب الدموع تفرعت ** فروع البكا عن بارق الحزن لاهبا )
( فمن ذا لفصل القول يسطع نوره ** إذا نحن ناوينا الألد المناوبا )
( ومن ذا ربيع المسلمين يقوتهم ** إذا الناس شاموها بروقا كواذبا )
( فيا لهف قلبي آه ذابت حشاشتي ** مضى شيخنا الدفاع عنا النوائبا )
( ومات الذي غاب السرور لموته ** فليس وإن طال السرى منه آيبا )
( وكان عظيما يطرق الجمع عنده ** ويعنو له رب الكتيبة هائبا )
( وذا مقول عضب الغرارين صارم ** يروح به عن حومة الدين ضاربا )
( أبا حاتم صبر الأديب فإنني ** رأيت جميل الصبر أحلى عواقبا )
( وما زلت فينا ترهب الدهر سطوة ** وصعبا به نعيي الخطوب المصاعبا )
( سأستعتب الأيام فيك لعلها ** لصحة ذاك الجسم تطلب طالبا )
( لئن أفلت شمس المكارم عنكم ** لقد أسأرت بدرا لها وكواكبا )
قال في المطمح ودبت إلى أبي عامر بن شهيد أيام العلويين عقارب برئت بها منه أباعد وأقارب واجهه بها صرف قطوب وانبرت إليه منها خطوب نبا لها جنبه عن المضجع وبقي بها ليالي يأرق ولا يهجع إلى أن أعلقت في الاعتقال آماله وعقلته في عقال أذهب ماله فأقام مرتهنا ولقي وهنا وقال
____________________
(3/360)


( تقول التي من بيتها كف مركبي ** أقربك دان أم مداك بعيد )
( فقلت لها أمري إلى من سمت به ** إلى المجد آباء له وجدود )
ثم قال ولزمته آخر عمره علة دامت به سنين ولم تفارقه حتى تركته يد جنين وأحسب أن الله أراد بها تمحيصه وإطلاقه من ذنب كان قنيصه فطهره تطهيرا وجعل ذلك على العفو له ظهيرا فإنها أقعدته حتى حمل في المحفة وعاودته حتى غدت لرونقه مشتفة وعلى ذلك فلم يعطل لسانه ولم يبطل إحسانه ولم يزل يستريح إلى القول ويزيح ما كان يجده من الغول وآخر شعر قاله قوله
( ولما رأيت العيش لوى برأسه ** وأيقنت أن الموت لا شك لاحقي )
( تمنيت أني ساكن في عباءة ** بأعلى مهب الريح في رأس شاهق )
( أرد سقيط الطل في فضل عيشتي ** وحيدا وأحسو الماء ثني المعالق )
( خليلي من ذاق المنية مرة ** فقد ذقتها خمسين قولة صادق )
( كأني وقد حان ارتحالي لم أفز ** قديما من الدنيا بلمحة بارق )
( فمن مبلغ عني ابن حزم وكان لي ** يدا في ملماتي وعند مضايقي )
( عليك سلام الله إني مفارق ** وحسبك زادا من حبيب مفارق )
( فلا تنس تأبيني إذا ما ذكرتني ** وتذكار أيامي وفضل خلائقي )
( وحرك له بالله من أهل فننا ** إذا غيبوني كل شهم غرانق )
____________________
(3/361)


( قريب بمحتل الهوان مجيد ** يجود ويشكو حزنه فيجيد )
( نعى صبره عند الإمام فيا له ** عدو لأبناء الكرام حسود )
( وما ضره إلا مزاح ورقة ** ثنته سفيه الذكر وهو رشيد )
( جنى ما جنى في قبة الملك غيره ** وطوق منه بالعظيمة جيد )
( وما في إلا الشعر أثبته الهوى ** فسار به في العالمين فريد )
( أفوه بما لم آته متعرضا ** لحسن المعاني تارة فأزيد )
( فإن طال ذكري بالمجون فإنها ** عظائم لم يصبر لهن جليد )
( وهل كنت في العشاق أول عاقل ** هوت بحجاه أعين وخدود )
( فراق وشجو واشتياق وذلة ** وجبار حفاظ علي عتيد )
( فمن يبلغ الفتيان أني بعدهم ** مقيم بدار الظالمين وحيد )
( مقيم بدار ساكنوها من الأذى ** قيام على جمر الحمام قعود )
( ويسمع للجنان في جنباتها ** بسيط كترجيع الصدى ونشيد )
( ولست بذي قيد يرن وإنما ** على اللخط من سخط الإمام قيود )
( وقلت لصداح الحمام وقد بكى ** على القصر إلفا والدموع تجود )
( ألا أيها الباكي على من تحبه ** كلانا معنى بالخلاء فريد )
( وهل أنت دان من محب نأى به ** عن الإلف سلطان عليه شديد )
( فصفق من ريش الجناحين واقعا ** على القرب حتى ما عليه مزيد )
( وما زال يبكيني وأبكيه جاهدا ** وللشوق من دون الضلوع وقود )
( إلى أن بكى الجدران من طول شجونا ** وأجهش باب جانباه حديد )
( أطاعت أمير المؤمنين كتائب ** تصرف في الأموال كيف تريد )
( فللشمس عنها بالنهار تأخر ** وللبدر شحنا بالظلام صدود )
( ألا إنها الأيام تلعب بالفتى ** نحوس تهادى تارة وسعود )
( وما كنت ذا أيد فأذعن ذا قوى ** من الدهر مبد صرفه ومعيد )
( وراضت صعابي سطوة علوية ** لها بارق نحو الندى ورعود )
____________________
(3/362)


( عسى هامتي في القبر تسمع بعضه ** بترجيع شاد أو بتطريب طارق )
( فلي في ادكاري بعد موتي راحة ** فلا تمنعوها لي علالة زاهق )
( وإني لأرجو الله فيما تقدمت ** ذنوبي به مما درى من حقائق )
وكان أبو مروان عبد الملك بن غصن مستوليا على وزارة ابن عبيدة ولسانه ينشد
( وشيدت مجدي بين أهلي ولم أقل ** ألا ليت قومي يعلمون صنيعي ) وهجا ابن ذي النون بقوله
( تلقبت بالمأمون ظلما وإنني ** لآمن كلبا حيث لست مؤمنه )
( حرام عليه أن يجود ببشره ** وأما الندى فاندب هنالك مدفنه )
( سطور المخازي دون أبواب قصره ** بحجابه للقاصدين معنونه )
فلما تمكن منه المأمون سجنه فكتب إلى ابن هود من أبيات
( أيا راكب الوجناء بلغ تحية ** أمير جذام من أسير مقيد )
( ولما دهتني الحادثات ولم أجد ** لها وزرا أقبلت نحوك أعتدي )
( ومثلك من يعدي على كل حادث ** رمى بسهام للردى لم ترصد )
( فعلك أن تخلو بفكرك ساعة ** لتنقذني من طول هم مجدد )
( وها أنا في بطن الثرى وهو حامل ** فيسر على رقبي الشفاعة مولدي )
( حنانيك ألفا بعد ألف فإنني ** جعلتك بعد الله أعظم مقصدي )
( وأنت الذي يدري إذا رام حاجة ** تضل بها الآراء من حيث يهتدي )
____________________
(3/363)


فرق له ابن هود وتحيل حتى خلصه بشفاعته فلما قدم عليه أنشده
( حياتي موهوبة من علاكا ** وكيف أرى عادلا عن ذراكا )
( ولو لم يكن لك من نعمة ** علي وأصبحت أبغي سواكا )
( لناديت في الأرض هل مسعف ** مجيب فلم يصغ إلا نداكا )
فطرب ابن هود وخلع عليه ثوب وزارته وجعله من أعلام سلطنته وإمارته
وقال المنصور بن أبي عامر للشاعر المشهور أبي عمر يوسف الرمادي كيف ترى حالك معي فقال فوق قدري ودون قدرك فأطرق المنصور كالغضبان فانسل الرمادي وخرج وقد ندم على ما بدر منه وجعل يقول أخطأت لا والله ما يفلح مع الملوك من يعاملهم بالحق ما كان ضرني لو قلت له إني بلغت السماء وتمنطقت بالجوزاء وأنشدته
( متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة ** لنفسي إلا قد قضيت قضاءها )
لا حول ولا قوة إلا بالله ولما خرج كان في المجلس من يحسده على مكانه من المنصور فوجد فرصة فقال وصل الله لمولانا الظفر والسعد إن هذا الصنف صنف زور وهذيان لا يشكرون نعمة ولا يرعون إلا ولا ذمة كلاب من غلب وأصحاب من أخصب وأعداء من أجدب وحسبك منهم أن الله جل جلاله يقول فيهم { والشعراء يتبعهم الغاوون } إلى ما لا يفعلون والابتعاد منهم أولى من الاقتراب وقد قيل فيهم ما ظنك بقوم الصدق يستحسن إلا منهم فرفع المنصور رأسه وكان محبا في أهل الأدب والشعر وقد اسود وجهه وظهر فيه الغضب المفرط ثم قال ما بال أقوام يشيرون في شيء لم يستشاروا فيه ويسيئون الأدب بالحكم فيما
____________________
(3/364)

لا يدرون أيرضي أم يسخط وأنت أيها المنبعث للشر دون أن يبعث قد علمنا غرضك في أهل الأدب والشعر عامة وحسدك لهم لأن الناس كما قال القائل
( من رأى الناس له فضلا ** عليهم حسدوه )
وعرفنا غرضك في هذا الرجل خاصة ولسنا إن شاء الله تعالى نبلغ أحدا غرضه في أحد ولو بلغناكم في جانبكم وإنك ضربت في حديد بارد وأخطأت وجه الصواب فزدت بذلك احتقارا وصغارا وإني ما أطرقت من خطاب الرمادي إنكارا عليه بل رأيت كلاما يجل عن الأقدار الجليلة وتعجبت من تهديه له بسرعة واستنباطه له على قلته من الإحسان الغامر ما لا يستنبطه غيره بالكثير والله لو حكمته في بيوت الأموال لرأيت أنها لا ترجح ما تكلم به قلبه ذرة وإياكم أن يعود أحد منكم إلى الكلام في شخص قبل أن يؤخذ معه فيه ولا تحكموا علينا في أوليائنا ولو أبصرتم منا التغير عليهم فإننا لا نتغير عليهم بغضا لهم وانحرافا عنهم بل تأديبا وإنكارا فإنا من نريد إبعاده لم نظهر له التغير بل ننبذه مرة واحدة فإن التغير إنما يكون لمن يراد استبقاؤه ولو كنت مائل السمع لكل أحد منكم في صاحبه لتفرقتم أيدي سبا وجونبت أنا مجانبة الأجرب وإني قد أطلعتكم على ما في ضميري فلا تعدلوا عن مرضاتي فتجنبوا سخطي بما جنيتموه على أنفسكم ثم أمر أن يرد الرمادي وقال له أعد علي كلامك فارتاع فقال الأمر على خلاف ما قدرت الثواب أولى بكلامك من العقاب فسكن لتأنيسه وأعاد ما تكلم به فقال المنصور بلغنا أن النعمان بن المنذر حشا فم النابغة بالدر لكلام استحسنه منه وقد أمرنا لك بما لا يقصر عن ذلك ما هو أنوه وأحسن عائدة وكتب له بمال وخلع وموضع يتعيش منه ثم رد رأسه إلى المتكلى في شأن الرمادي
____________________
(3/365)

وقد كاد يغوص في الأرض لو وجد لشدة ما حل به مما رأى وسمع وقال والعجب من قوم يقولون الابتعاد من الشعراء أولى من الاقتراب نعم ذلك لمن ليس له مفاخر يريد تخليدها ولا أياد يرغب في نشرها فأين الذين قيل فيهم
( على مكريهم رزق من يعريهم ** وعند المقلين السماحة والبذل وأبن الذي قيل فيه )
( إنما الدنيا أبو دلف ** بين مبداه ومحتضره )
( فإذا ولى أبو دلف ** ولت الدنيا على أثره )
أما كان في الجاهلية والإسلام أكرم ممن قيل فيه هذا القول بلى ولكن صحبة الشعراء والإحسان إليهم أحيت غابر ذكرهم وخصتهم بمفاخر عصرهم وغيرهم لم تخلد الأمداح مآثرهم فدثر ذكرهم ودرس فخرهم انتهى بنو صمادح
ومن حكاياتهم في العدل أنه لما بنى المعتصم بن صمادح ملك ألمرية قصوره المعروفة بالصمادحية غصبوا أحد الصالحين في جنة وألحقوها بالصمادحية وزعم ذلك الصالح أنها لأيتام من أقاربه فبينا المعتصم يوما يشرب على الساقية الداخلة إلى الصمادحية إذ وقعت عينه على أنبوب قصبة مشمع فأمر من يأتيه به فلما أزال عنه الشمع وجد فيه ورقة فيها ( ( إذا وقفت أيها الغاصب على هذه الورقة فاذكر قول الله تعالى { إن هذا أخي له تسع }
____________________
(3/366)

وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب ) ص : 23 ] لا إله إلا الله أنت ملك قد وسع الله تعالى عليك ومكن لك في الأرض ويحملك الحرص على ما يفنى أن تضم إلى جنتك الواسعة العظيمة قطعة أرض لأيتام حرمت بها حلالها وخبثت طيبها ولئن تحجبت عني بسلطانك واقتدرت علي بعظم شأنك فنجتمع غدا بين يدي من لا يحجب عن حق ولا تضيع عنده شكوى
فلما استوعب قراءتها دمعت عيناه وأخذته خشية خيف عليه منها وكانت عادته رحمه الله تعالى وقال علي بالمشتغلين ببناء الصمادحية فأحضروا فاستفسرهم عما زعم الرجل فلم يسعهم إلا صدقه واعتذروا بأن نقصها من الصمادحية يعيبها في عين الناظر فاستشاط غضبا وقال والله إن عيبها في عين الخالق أقبح من عيبها في عين المخلوق ثم أمر بأن تصرف عليه واحتمل تعويرها لصمادحيته
ولقد مر بعض أعيان ألمرية وأخيارها مع جماعة على هذا المكان الذي أخرجت منه جنة الأيتام فقال أحدهم والله لقد عورت هذه القطعة هذا المنظر العجيب فقال له اسكت فوالله إن هذه القطعة طراز هذا المنظر وفخره وكان المعتصم إذا نظر إليها قال أشعرتم أن هذا المكان المعوج في عيني أحسن من سائر ما استقام من الصمادحية ثم إن وزيره ابن أرقم لم يزل يلاطف الشيخ والأيتام حتى باعوها عن رضى بما اشتهوا من الثمن وذلك بعد مدة طويلة فاستقام بها بناء الصمادحية وحصل للمعتصم حسن السمعة في الناس والجزاء عند الله تعالى
ولما مات المعتصم بن صمادح ركب البحر ابنه ولي عهده الواثق عز الدولة أبو محمد عبد الله وفارق الملك كما أوصاه المعتصم والده وفي ذلك يقول
____________________
(3/367)


( لك الحمد بعد الملك أصبحت خاملا ** بأرض اغتراب لا أمر ولا أحلي )
( وقد أصدأت فيها الجذاذة أنملي ** كما نسيت ركض الجياد بها رجلي )
( فلا مسمعي يصغي لنغمة شاعر ** وكفي لا تمتد يوما إلى بذل )
قال ابن اللبانة الشاعر علمت حقيقة جور الدهر حتى اجتمعت ببجاية مع عز الدولة بن المعتصم بن صمادح فإني رأيت منه خير من يجتمع به كأنه لم يخلقه الله تعالى إلا للملك والرياسة وإحياء الفضائل ونظرت إلى همته تنم من تحت حموله كما ينم فرند السيف وكرمه من تحت الصدأ مع حفظه لفنون الأدب والتواريخ وحسن استماعه وإسماعه ورقة طباعه ولطافة ذهنه ولقد ذكرته لأحد من صحبته من الأدباء في ذلك المكان ووصفته بهذه الصفات فتشوق إلى الاجتماع به ورغب إلي في أن أستأذنه في ذلك فلما أعلمت عز الدولة قال يا أبا بكر لتعلم أنا اليوم في خمول وضيق لا يتسع لنا معهما ولا يجمل بنا الاجتماع مع أحد لا سيما مع ذي أدب ونباهة يلقانا بعين الرحمة ويزورنا بمنة التفضل في زيارتنا ونكابد من ألفاظ توجعه وألحاظ تفجعه ما يجدد لنا هما قد بلي ويحيي كمدا قد فني وما لنا قدرة على أن نجود عليه بما يرضى به عن همتنا فدعنا كأننا في قبر نتدرع لسهام الدهر بدرع الصبر وأما أنت فقد اختلطت بنا اختلاط اللحم بالدم وامتزجت امتزاج الماء بالخمر فكأنا لم نكشف حالنا لسوانا ولا أظهرنا ما بنا لغيرنا فلا تحمل غيرك محملك قال ابن اللبانة فملأ والله سمعي بلاغة لا تصدر إلا عن سداد ونفس أبية متمكنة من أعنة البيان وانصرفت متمثلا
( لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ** ولم يبق إلا صورة اللحم والدم )
( وكائن ترى من صامت لك معجب ** زيادته أو نقصه في التكلم )
____________________
(3/368)


وكتب إليه ابن اللبانة
( يا ذا الذي هز أمداحي بحليته ** وعزه أن يهز المجد والكرما )
( واديك لا زرع فيه اليوم تبذله ** فخذ عليه لأيام المنى سلما ) فتحيل في قليل بر ووجهه إليه وكتب معه
( المجد يخجل من يفديك من زمن ** ثناك عن واجب البر الذي علما )
( فدونك النزر من مصف مودته ** حتى يوفيك أيام المنى السلما )
ومن شعر عز الدولة المذكور
( أفدي أبا عمرو وإن كان عاتبا ** فلا خير في ود يكون بلا عتب )
( وما كان ذاك الود إلاكبارق أضاء لعيني ثم أظلم في قلبي )
وقال الشقندي في الطرف إن عز الدولة أشعر من أبيه
151 وأما أخوه رفيع الدولة الحاجب أبو زكريا يحيى بن المعتصم فله أيضا نظم رائق ومنه ما كتب به إلى يحيى بن مطروح يستدعيه لأنس
( يا أخي بل سيدي بل سندي ** في مهمات الزمان الأنكد )
( لح بأفق غاب عنه بدره ** في اختفاء من عيون الحسد )
( وتعجل فحبيبي حاضر ** وفمي يشتاق كأسي في يدي )
فأجابه ابن مطروح وهو من أهل باغه بقوله
____________________
(3/369)


( أنا عبد من أقل الأعبد ** قبلتي وجه بأفق الأسعد )
( كلما أظمأني ورد فما ** منهلي إلا بذاك المورد )
( ها أنا بالباب أبغي إذنكم ** والظمأ قد مد للكأس يدي )
وكان قد سلط عليه إنسان مختل إذا رآه يقول هذا ألف لا شيء عليه يعني أن ملكه ذهب عنه وبقي فارغا منه فشكا رفيع الدولة ذلك إلى بعض أصحابه فقال أنا أكفيك مؤونته واجتمع مع الأحمق واشترى له حلواء وقال له إذا رأيت رفيع الدولة بن المعتصم فسلم عليه وقبل يده ولا تقل هذا ألف لا شيء عليه فقال نعم واشترط الوفاء بذلك لى أن لقيه فجرى نحوه وقبل يده وقال هذا هو باء بنقطة من أسفل فقامت قيامة رفيع الدولة وكان ذلك أشد عليه وكان به علة الحصى فظن أن الأحمق علم ذلك وقصده وصار كلما أحس به في موضع تجنبه
واستأذن يوما على أحد وجوه دولة المرابطين فقال أحد جلسائه { تلك أمة قد خلت } استحقارا له واستثقالا للإذن له فبلغ ذلك رفيع الدولة فكتب إليه
( خلت أمتي لكن ذاتي لم تخل ** وفي الفرع ما يغني إذا ذهل الأصل )
( وما ضركم لو قلتم قول ماجد ** يكون له فيما يجيء به الفضل )
( وكل إناء بالذي فيه راشح ** وهل يمنح الزنبور ما مجه النحل )
( سأصرف وجهي عن جناب تحله ** ولو لم تكن إلا إلى وجهك السبل )
( فما موضع تحتله بمرفع ** ولا يرتضى فيه مقال ولا فعل )
( وقد كنت ذا عذل لعلك ترعوي ولكن بأرباب العلا يجمل العذل )
وأما أخوهما أبو جعفر بن المعتصم فله ترجمة في المسهب
____________________
(3/370)

والمطرب والمغرب ومن شعره
( كتبت وقلبي ذو اشتياق ووحشة ** ولو أنه يسطيع مر يسلم )
( جعلت سواد العين فيه سواده ** وأبيضه طرسا وأقبلت ألثم )
( فخيل لي أني أقبل موضعا ** يصافحه ذاك البنان المسلم )
وأما أختهم أم الكرم فذكرناها مع النساء فلتراجع وقال أبو العلاء ابن زهر
( تمت محاسن وجهه وتكاملت ** لما بدا وعليه صدغ مونق )
( وكذلك البدر المنير جماله ** في أن تكنفه سماء أزرق )
وقال أبو الفضل ابن شرف لابن
( يا من حكى البيدق في شكله ** أصبح يحكيك وتحكيه )
( أسفله أوسع أجزائه ** ورأسه أصغر ما فيه )
وقال ابن خفاجة
( يا أيها الصب المعنى به ** ها هو لا خل ولا خمر )
( سود ما ورد من خده ** فصار فحما ذلك الجمر )
وقال أبو عبد الله البياسي
( صغر الرأس وطول العنق ** شاهدا عدل بفرط الحمق )
ولما سمعه أبو الحسن بن حريق قال
____________________
(3/371)


( صغر الرأس وطول العنق ** خلقة منكرة في الخلق )
( فإذا أبصرتها من رجل ** فاقض في الحين له بالحمق )
وقال أبو الحسن بن الفضل يذكر مقاما قامه سهل بن مالك وابن عياش
( لعمري لقد سر الخلافة قائما ** بخطبته الغراء سهل بن مالك )
( وأما ابن عياش ومن كان مثله ** فضلوا جميعا بين تلك المسالك )
( ومات وماتوا حسرة وحسادة وغيظا فقلنا هالك في الهوالك ) وسهل بن مالك له ترجمة مطولة رحمه الله تعالى
ومن حكاياتهم في الوفاء وحين الاعتذار والقيام بحق الإخاء أن الوزير الوليد بن عبد الرحمن بن غانم كان صديقا للوزير هاشم بن عبد العزيز ثابتا على مودته ولما قضى الله تعالى على هاشم بالأسر أجرى السلطان محمد بن عبد الرحمن الأموي ذكره في جماعة من خدامه والوليد حاضر فاستقصره ونسبه للطيش والعجلة والاستبداد برأيه فلم يكن فيهم من اعتذر عنه غير الوليد فقال أصلح الله تعالى الأمير إنه لم يكن على هاشم التخير في الأمور ولا الخروج عن المقدور بل قد استعمل جهده واستفرغ نصحه وقضى حق الإقدم ولم يكن ملاك النصر بيده فخذله من وثق به ونكل عنه من كان معه فلم يزحزح قدمه عن موطن حفاظه حتى ملك مقبلا غير مدبر مبليا غير فشل فجوزي خيرا عن نفسه وسلطانه فإنه لا طريق للملام عليه وليس عليه ما جنته الحرب الغشوم وأيضا فإنه ما قصد
____________________
(3/372)

أن يجود بنفسه إلا رضى للأمير واجتنابا لسخطه فإذا كان ما اعتمد فيه الرضى جالب التقصير فذلك معدود في سوء الحظ فأعجب الأمير كلامه وشكر له وفاءه وأقصر فيما بعد عن تفنيد هاشم وسعى في تخليصه واتصل الخبر بهاشم فكتب إليه الصديق من صدقك في الشدة لا في الرخاء والأخ من ذب عنك في الغيب لا في المشهد والوفي من وفى لك إذا خانك زمان وقد أتاني من كلامك بين يدي سيدنا - جعل الله تعالى نعمته سرمدا - ما زادني بمودتك اغتباطا وبصداقتك ارتباطا ولذلك ما كنت أشد يدي على وصلك وأخصك بإخائي وأنا الآن بموضع لا أقدر فيه على جزاء غير الثناء وأنت أقدر مني على أن تزيد ما بدأت به بأن تتم ما شرعت فيه حتى تتكمل لك المنة ويستوثق عقد الصداقة إن شاء الله تعالى وكتب إليه بشعر منه
( أيا ذاكري بالغيب في محفل به ** تصامت جمع عن جواب به نصري )
( أتتني والبيداء بيني وبينها ** رقى كلمات خلصتني من الأسر )
( لئن قرب الله اللقاء فإنني ** سأجزيك ما لا ينقضي غابر الدهر )
فأجابه الوليد خلصك الله أيها البدر من سرارك وعجل بطلوعك في أكمل تمامك وإبدارك وصلني شكرك على أن قلت ما علمت ولم أخرج عن النصح للسلطان بما زكنته من ذلك والله تعالى شاهد على أن ذلك في مجالس غير المجلس المنقول لسيدي إن خفيت عن المخلوق فما تخفى عن الخالق ما أردت بها إلا أداء بعض ما أعتقده لك وكم سهرت وأنا نائم وقمت في حقي وأنا قاعد والله لا يضيع أجر من أحسن عملا ثم ذكر أبياتا لم تحضرني الآن
ومن حكاياتهم في علو الهمة في العلم والدنيا أنه دخل أبو بكر بن الصائغ المعروف ب بابن باجة جامع غرناطة وبه نحوي حوله شباب يقرؤون فنظروا إليه وقالوا له مستهزئين به ما يحمل الفقيه وما يحسن من العلوم وما يقول فقال لهم أحمل اثني عشر ألف دينار وها هي تحت إبطي
____________________
(3/373)

وأخرج لهم اثنتي عشرة ياقوتة كل واحدة منها بألف دينار وأما الذي أحسنه فاثنا عشر علما أدونها علم العربية الذي تبحثون فيه وأما الذي أقول فأنتم كذا وجعل يسبهم هكذا نقلت هذه الحكاية من خط الشيخ أبي حيان النحوي رحمه الله تعالى
ومن حكاياتهم في الذكاء واستخراج العلوم واستنباطها أن أبا القاسم عباس بن فرناس حكيم الأندلس أول من استنبط بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة وأول من فك بها كتاب العروض للخليل وأول من فك الموسيقى وصنع الآلة المعروفة بالمنقانة ليعرف الأوقات على غير رسم ومثال واحتال في تطيير جثمانه وكسا نفسه الريش ومد له جناحين وطار في الجو مسافة بعيدة ولكنه لم يحسن الاحتيال في وقوعه فتأذى في مؤخره ولم يدر أن الطائر إنما يقع على زمكه ولم يعمل له ذنبا وفيه قال مؤمن بن سعيد الشاعر من أبيات
( يطم على العنقاء في طيرانها ** إذا ما كسا جثمانه ريش قشعم )
وصنع في بيته هيئة السماء وخيل للناظر فيها النجوم والغيوم والبروق والرعود وفيه يقول مؤمن بن سعيد أيضا
( سماء عباس الأديب أبي القاسم ** ناهيك حسن رائقها )
( أما ضراط استه فراعدها ** فليت شعري ما لمع بارقها )
( لقد تمنيت حين دومها فكري بالبصق في است خالقها )
( وأنشد ابن فرناس الأمير محمدا من أبيات
( رأيت أمير المؤمنين محمدا ** وفي وجهه بذر المحبة يثمر )
فقال له مؤمن بن سعيد قبحا لما ارتكبته جعلت وجه الخليفة محرثا يثمر فيه البذر فخجل وسبه المشهورون بعلوم الأوائل
وأول من اشتهر في الأندلس بعلم الأوائل والحساب والنجوم أبو عبيدة مسلم بن أحمد المعروف بصاحب القبلة لأنه كان يشرق في صلاته وكان عالما بحركات الكواكب وأحكامها وكان صاحب فقه وحديث دخل المشرق وسمع بمكة من علي بن عبد العزيز وبمصر من المزني وغيره
ومنهم يحيى بن يحيى المعروف بابن السمينة من أهل قرطبة وكان بصيرا بالحساب والنجوم والنحو واللغة والعروض ومعاني الشعر والفقه والحديث والأخبار والجدل ودخل إلى المشرق وقيل إنه كان معتزلي المذهب
وأبو القاسم أصبغ بن السمح وكان بارعا في علم النجوم والهندسة والطب وله تآليف منها كتاب المدخل إلى الهندسة في تفسير إقليدس وكتاب كبير في الهندسة وكتابان في الأسطرلاب وزيج على مذاهب الهند المعروف بالسند هند
وأبو القاسم بن الصفار وكان عالما بالهندسة والعدد والنجوم وله زيج مختصر على مذاهب السند هند وله كتاب في عمل الأسطرلاب
ومنهم أبو الحسن الزهراوي وكان عالما بالعدد والطب والهندسة وله
____________________
(3/374)


وأنشد ابن فرناس الأمير محمدا من أبيات
( رأيت أمير المؤمنين محمدا ** وفي وجهه بذر المحبة يثمر )
فقال له مؤمن بن سعيد قبحا لما ارتكبته جعلت وجه الخليفة محرثا يثمر فيه البذر فخجل وسبه المشهورون بعلوم الأوائل
وأول من اشتهر في الأندلس بعلم الأوائل والحساب والنجوم أبو عبيدة مسلم بن أحمد المعروف بصاحب القبلة لأنه كان يشرق في صلاته وكان عالما بحركات الكواكب وأحكامها وكان صاحب فقه وحديث دخل المشرق وسمع بمكة من علي بن عبد العزيز وبمصر من المزني وغيره
ومنهم يحيى بن يحيى المعروف بابن السمينة من أهل قرطبة وكان بصيرا بالحساب والنجوم والنحو واللغة والعروض ومعاني الشعر والفقه والحديث والأخبار والجدل ودخل إلى المشرق وقيل إنه كان معتزلي المذهب
وأبو القاسم أصبغ بن السمح وكان بارعا في علم النجوم والهندسة والطب وله تآليف منها كتاب المدخل إلى الهندسة في تفسير إقليدس وكتاب كبير في الهندسة وكتابان في الأسطرلاب وزيج على مذاهب الهند المعروف بالسند هند
وأبو القاسم بن الصفار وكان عالما بالهندسة والعدد والنجوم وله زيج مختصر على مذاهب السند هند وله كتاب في عمل الأسطرلاب
ومنهم أبو الحسن الزهراوي وكان عالما بالعدد والطب والهندسة وله
____________________
(3/375)

كتاب شريف في المعل ملات على طريق البرهان ومنهم أبو الحكم عمر الكرماني من أهل قرطبة من الراسخين في علم العدد والهندسة ودخل المشرق واشتغل بحران وهو أول من دخل برسائل إخوان الصفا إلى الأندلس
ومنهم أبو مسلم ابن خلدون من أشراف إشبيلية وكان متصرفا في علوم الفلسفة والهندسة والنجوم والطب وتلميذه ابن برغوث وكان عالما بالعلوم الرياضية وتلميذه أبو الحسن مختار الرعيني وكان بصيرا بالهندسة والنجوم وعبد الله بن أحمد السرقسطي كان نافذا في علم الهندسة والعدد والنجوم ومحمد بن الليث كان بارعا في العدد والهندسة وحركات الكواكب وابن حي قرطبي بصير بالهندسة والنجوم وخرج عن الأندلس سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة ولحق بمصر ودخل اليمن واتصل بأميرها الصليحي القائم بدعوة المستنصر العبيدي فحظي عنده وبعثه رسولا إلى بغداد إلى القائم بأمر الله وتوفي باليمن بعد انصرافه من بغداد وابن الوقشي الطليطلي عارف بالهندسة والمنطق والزيوج وغيرهم ممن يطول تعدادهم
وكان الحافظ أبو الوليد هشام الوقشي من أعلم الناس بالهندسة وآراء الحكماء والنحو واللغة ومعاني الأشعار والعروض وصناعة الكتابة والفقه والشروط والفرائض وغيرها وهو كما قال الشاعر
( وكان من العلوم بحيث يقضى ** له في كل فن بالجميع )
ومن شعره قوله
( قد بينت فيه الطبيعة أنها ** بدقيق أعمال المهندس ماهره )
( عنيت بمبسمه فخطت فوقه ** بالمسك خطا من محيط الدائره )
____________________
(3/376)


وعزم على ركوب البحر إلى الحجاز فهاله ذلك فقال
( لا أركب البحر ولو أنني ** ضربت فيه بالعصا فانفلق )
( ما إن رأت عيني أمواجه ** في فرق إلا تناهى الفرق )
وكان الوزير أبو المطرف عبد الرحمن بن مهند مصنف الأدوية المفردة آية الله تعالى في الطب وغيره حتى أنه عانى جميع ما في كتابه من الأدوية المفردة وعرف ترتيب قواها ودرجاتها وكان لايرى التداوي بالأدوية ما أمكن بالأغذية أو ما يقرب منها وإذا اضطر إلى الأدوية فلا يرى التداوي بالمركبة ما وجد سبيلا إلى المفردة وإذا اضطر إلى المركب لم يكثر التركيب بل يقتصر على أقل ما يمكنه وله غرائب مشهورة في الإبراء من الأمراض الصعبة والعلل المخوفة بأيسر علاج وأقربه ومنهم ابن البيطار وهو عبد الله بن أحمد المالقي الملقب بضياء الدين وله عدة مصنفات في الحشائش لم يسبق إليها وتوفي بدمشق سنة ست وأربعين وستمائة أكل عقارا قاتلا فمات من ساعته رحمه الله تعالى
ومن حكاياتهم في الحفظ أن الأديب الأوحد حافظ إشبيلية بل الأندلس في عصره أبا المتوكل الهيثم بن أحمد بن أبي غالب كان أعجوبة دهره في الرواية للأشعار والأخبار قال ابن سعيد أخبرني من أثق به أنه حضر معه ليلة عند أحد رؤساء إشبيلية فجرى ذكر حفظه وكان ذلك في أول الليل فقال لهم إن شئتم تختبروني أجبتكم فقالوا له بسم الله إنا نريد أن نحدث عن تحقيق فقال اختاروا أي قافية شئتم لا أخرج عنها حتى
____________________
(3/377)

تعجبوا فاختاروا القاف فابتدأ من أول الليل إلى أن طلع الفجر وهو ينشد وزن
( أرق على أرق ومثلي ** ) يأرق وسماره قد نام بعض وضج بعض وهو ما فارق قافية القاف
وقال أبو عمران ابن سعيد دخلت عليه يوما بدار الأشراف بإشبيلية وحوله أدباء ينظرون في كتب منها ديوان ذي الرمة فمد الهيثم يده إلى الديوان المذكور فمنعه منه أحد الأدباء فقال يا أبا عمران أواجب أن يمنعه مني وما يحفظ منه بيتأ وأنا أحفظه فأكذبته الجماعة فقال اسمعوني وأمسكوه فابتدأ من أوله حتى قارب نصفه فأقسمنا عليه أن يكف وشهدنا له بالحفظ
وكان آية في سرعة البديهة مشهورا بذلك قال أبو الحسن بن سعيد عهدي به في إشبيلية يملي على أحد الطلبة شعرا وعلى ثان موشحة وعلى ثالث زجلا كل ذلك ارتجالا
ولما أخذ الحصار بمخنق إشبيلية في مدة الباجي خرج خروج القارظين ولا يدري حيث ولا أين
ومن شعره وقد نزل بداره عبيد السلطان وكتب به إلى صاحب الأنزال
( كم من يد لك لا أقوم بشكرها ** وبها أشير إليك إن خرست فمي )
( وقد استشرتك في الحديث فهل ترى ** أن يدخل الغربان وكر الهيثم )
____________________
(3/378)


وله
( يجفى الفقير ويغشى الناس قاطبة ** باب الغني كذا حكم المقادير )
( وإنما الناس أمثال الفراش فهم ** بحيث تبدو مصابيح الدنانير )
وله
( عندي لفقدك أوجال أبيت بها ** كأنني واضع كفي على قبس )
( ولا ملامة إن لم أهد نيره ** حتى تمد إليها كف مقتبس )
( قد كنت أودع سر الشوق في طرس ** لكنني خفت أن يعدو على الطرس )
وأنشد له أبو سهل شيخ دار الحديث بالقاهرة في إملائه
( قف بالكثيب لغيرك التأنيب ** إن الكثيب هوى لنا محبوب )
( يا راحلين لنا عليكم وقفة ** ولكم علينا دمعنا المسكوب )
( تخلى الديار من المحبة والهوى ** أبدا وتعمر أضلع وقلوب )
وقال ارتجالا في وصفة فرس أصفر
( أطرف فات طرفي أم شهاب ** هفا كالبرق ضرمه التهاب )
( أعار الصبح صفحته نقابا ** ففر به وصح له النقاب )
( فمهما حث خال الصبح وافى ** ليطلب ما استعار فما يصاب )
( إذا ما انقض كل النجم عنه ** وضلت عن مسالكه السحاب )
( فيا عجبا له فضل الدراري ** فكيف أذال أربعه التراب )
( سل الأرواح عن أقصى مداه ** فعند الريح قد يلفى الجواب )
وقال أبو عمر الطلمنكي دخلت مرسية فتشبث بي أهلها
____________________
(3/379)

يسمعوا علي الغريب المصنف فقلت انظروا من يقرأ لكم وأمسكت أنا كتابي فأتوني برجل أعمى يعرف بابن سيده فقرأه علي من أوله إلى آخره فعجبت من حفظه وكان أعمى ابن أعمى وابن سيده المذكور هو أبو الحسن علي بن أحمد بن سيده وهو صاحب كتاب المحكم
ومن نظمه مما كتب به إلى ابن الموفق
( ألا هل إلى تقبيل راحتك اليمنى ** سبيل فإن الأمن في ذاك واليمنا ) ومنها ضحيت فهل في برد ظلك نومة ** لذي كبد حرى وذي مقلة وسنى )
وتوفي ابن سيده المذكور سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وعمره نحو الستين رحمه الله تعالى
ومن حكاياتهم في حب العلم أن المظفر بن الأفطس صاحب بطليوس كان كما قال ابن الأبار كثير الأدب جم المعرفة محبا لأهل العلم جماعة للكتب ذا خزانة عظيمة لم يكن في ملوك الأندلس من يفوقه في أدب ومعرفة قاله ابن حيان
وقال ابن بسام كان المظفر أديب ملوك عصره غير مدافع ولا منازع وله التصنيف الرائق والتأليف الفائق المترجم بالتذكرة والمشتهر أيضا اسمه بالكتاب المظفري في خمسين مجلدا يشتمل على فنون وعلوم من مغاز وسير ومثل وخبر وجميع ما يختص به علم الأدب أبقاه للناس خالدا وتوفي المظفر سنة ستين وأربعمائة
وكان يحضر العلماء للمذاكرة فيفيد
____________________
(3/380)

ويستفبد رحمه الله تعالى
ومن التآليف الكبار لأهل الأندلس كتاب السماء والعالم الذي ألفه أحمد بن أبان صاحب شرطة قرطبة وهو مائة مجلد رأيت بعضه بفاس وتوفي ابن أبان سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة رحمه الله تعالى روح الفكاهة عند الأندلسيين ولأهل الأندلس دعابة وحلاوة في محاوراتهم وأجوبة بديهية مسكتة والظرف فيهم والأدب كالغريزة حتى في صبيانهم ويهودهم فضلا عن علمائهم وأكابرهم
ولنذكر جملة من ذكر الجلة فنقول
166 حكي عن عالم ألمرية القاضي أبي الحسن مختار الرعيني وكان فيه حلاوة ولوذعية ووقار وسكون أنه استدعاه يوما زهير ملك المرية من مجلس حكمه فجاءه يمشي مشية قاض قليلا قليلا فاستعجله رسول زهير فلم يعجل فلما دخل عليه قال له يا فقيه ما هذا البطء فتأخر إلى باب المجلس وطلب عصا وشمر ثيابه فقال له زهير ما هذا قال هذا يليق باستعجال الحاجب لي فوقع في خاطري أنه عزلني عن القضاء وولاني الشرطة فضحك زهير واستحلاه ولم يعد إلى استعجاله
وهذا القاضي هو القائل - وقد دخل حماما فجلس بإزائه عامي أساء الأدب عليه -
( ألا لعن الحمام دارا فإنه ** سواء به ذو العلم والجهل في القدر )
( تضيع به الآداب حتى كأنها ** مصابيح لم تنفق على طلعة الفجر
____________________
(3/381)


وروي أن المقرئ أبا عبد الله محمد بن الفراء إمام النحو واللغة في زمانه - وكانت فيه فطنة ولوذعية - أبطأ خروجه يوما إلى تلامذته فطال بهم الكلام في المذاكرة فقال أحدهم نصف بيت وكان فيهم وسيم من أبناء الأعيان وكان ابن الفراء كثير الميل إليه فلما خرج قال له يا أستاذ عملت نصف بيت وأريد أن تتمه فقال ماهو فقال
( ألا بأبي شادن أوطف )
فقال الأستاذ ابن الفراء بديها
( إذا كان وردك لا يقطف ** وثغر ثناياك لا يرشف )
( فأي اضطرار بنا أن نقول ** ألا بأبي شادن أوطف ) وهذا ابن الفراء هو القائل
( قيل لي قد تبدلا ** فاسل عنه كما سلا )
( لك سمع وناظر ** وفؤاد فقلت لا )
( قيل غال وصاله ** قلت لما غلا حلا )
( أيها العاذل الذي ** بعذابي توكلا )
( عد صحيحا مسلما ** لا تعير فتبتلى )
وتذكرت بهذا ما أنشده لسان الدين في كتابه روضة التعريف بالحب الشريف
( قلت للساخر الذي ** رفع الأنف واعتلى )
( أنت لم تأمن الهوى
____________________
(3/382)

لا تعير فتبتلى )
ومن بديع نظم ابن الفراء المذكور قوله
( شكوت إليه بفرط الدنف ** فأنكر من قصتي ما عرف )
( وقال الشهود على المدعي ** وأما أنا فعلي الحلف )
( فجئنا إلى الحاكم الألمعي ** قاضي المجون وشيخ الطرف )
( وكان بصيرا بشرع الهوى ** ويعلم من أين أكل الكتف )
( فقلت له إقض ما بيننا ** فقال الشهود على ما تصف )
( فقلت له شهدت أدمعي ** فقال إذا شهدت تنتصف )
( ففاضت دموعي من حينها ** كفيض السحاب إذا ما يكف )
( فحرك رأسا إلينا وقال ** دعوا يا مهاتيك هذا الصلف )
( كذا تقتلون مشاهيرنا ** إذا مات هذا فأين الخلف )
( وأوما إلى الورد أن يجتنى ** وأوما إلى الريق أن يرتشف )
( فلما رآه حبيبي معي ** ولم يختلف بيننا مختلف )
( أزال العناد فعانقته ** كأني لام وحبي ألف )
( فظلت أعاتبه في الجفا ** فقال عفا الله عما سلف )84
وحكي عن الزهري خطيب إشبيلية - وكان أعرج - أنه خرج مع ولده إلى وادي إشبيلية فصادف جماعة في مركب وكان ذلك بقرب الأضحى فقال بعضهم له بكم هذا الخروف وأشار إلى ولده فقال له الزهري ما هو للبيع فقال بكم هذا التيس وأشار إلى الشيخ الزهري فرفع رجله العرجاء وقال هو معيب لايجزئ في الضحية فضحك كل
____________________
(3/383)

من حضر وعجبوا من لطف خلقه
وركب مرة هذا النهر مع الباجي يوم خميس فلما أصبحا وصعد الزهري يخطب يوم الجمعة و الباجي حاضر قدامه فنظر إليه الباجي وأومأ إلى محل الحدث وأخرج لسانه فجعل الزهري يلمس عصا الخطبة يشير بالعصا إلى جوابه على ما قصد رحمه الله تعالى
ومر العالم أبو القاسم ابن ورد صاحب التآليف في علم القرآن والحديث بجنة لأحد الأعيان فيها ورد فوقف بالباب وكتب إليه
( شاعر قد عراك يبغي أباه ** عندما اشتاق حسنه وشذاه )
( وهو بالباب مصغيا لجواب ** يرتضيه الندى فماذا تراه )
فعندما وقف على البيتين علم أنه ابن ورد فبادر من جنته إليه وأقسم في النزول عليه ونثر من الورد ما استطاع بين يديه
وحكي أن أبا الحسين سليمان بن الطراوة نحوي المرية حضر مع ندماء وإلى جانبه من أخذ بمجامع قلبه فلما بلغت النوبة إليه استعفى من الشرب وأبدى القطوب فأخذ ابن الطراوة الجام من يده وشربها عنه ويا بردها على كبده ثم قال بديها
( يشربها الشيخ وأمثاله ** وكل من تحمد أفعاله )
( والبكر إن لم يستطع صولة ** تلقى على البازل أثقاله )
ودخل عليه وهو مع ندمائه غلام بكأس في يده فقال
( ألا بأبي وغير أبي غزال ** أتى وبراحه للشرب راح )
( فقال منادمي في الحسن صفه ** فقلت الشمس جاء بها الصباح )
____________________
(3/384)


( وقال فيمن جاء بالراح
( ولما رأيت الصبح لاح بخده ** دعوتهم رفقا تلح لكم الشمس )
( وأطلعها مثل الغزالة وهو كالغزال ** فتم الطيب واكتمل الأنس )
وقال وقد شرب ليلة القمر
( شربنا بمصباح السماء مدامة ** بشاطي غدير والأزاهر تنفح )
( وظل جهول يرقب الصبح ضلة ومن أكؤسي لم يبرح الليل يصبح ) وكان أبو عبد الله بن الحاج المعروف بمدغليس صاحب الموشحات يشرب مع ندماء ظراف في جنة بهجة فجاءتهم ورقة من من ثقيل يرغب في الإذن وكان له ابن مليح فكتب إليه مدغليس
( سيدي هذا مكان ** لا يرى فيه بلحيه )
( غير تيس مصفعاني ** له بالصفع كديه )
( أوله ابن شافع فيه ** فيلقى بالتحيه )
( أيها القابل بادر ** سائقا تلك المطيه )
وكان مدغليس هذا مشهورا بالانطباع والصنعة في الأزجال خليفة ابن قزمان في زمانه وكان أهل الأندلس يقولون ابن قزمان في الزجالين بمنزلة المتنبي في الشعراء ومدغليس بمنزلة أبي تمام بالنظر إلى الانطباع والصناعة فابن قزمان ملتفت إلى المعنى ومدغليس ملتفت للفظ وكان أديبا معربا لكلامه مثل ابن قزمان ولكنه لما رأى نفسه في الزجل أنجب اقتصر عليه ومن شعره قوله
( ما ضركم لو كتبتم ** حرفا ولو باليسار )
( إذ أنتم نور عيني ** ومطلبي واختياري )
____________________
(3/385)


وقال الخطيب الأديب النحوي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الفراء - المذكور قبل هذا بقريب - الضرير في صبي كان يقرأ عليه النحو اسمه حسن وهو في غاية الجمال - بعد أن سأله كيف تقول إذا تعجبت من حسنك فقال أقول ما أحسني -
( يا حسنا ما لك لم تحسن ** إلى نفوس بالهوى متعبه )
( رقمت بالورد وبالسوسن ** صفحة خد بالسنا مذهبه )
( وقد أبى صدغك أن أجتني ** منه وقد ألدغني عقربه )
( يا حسنه إذ قال ما أحسني ** ويا لذاك اللفظ ما أعذبه )
( ففوق السهم ولم يخطني ** وإذ رآني ميتا أعجبه )
( وقال كم عاش وكم حبني ** وحبه إياي قد عذبه )
( يرحمه الله على أنني ** قتلي له لم أدر ما أوجبه ) هذا ابن الفراء من فضلاء المائة السادسة ذكره ابن غالب في فرحة الأنفس في فضلاء العصر من الأندلس وكان شاعرا مجيدا يعلم بالمرية القرآن والنحو واللغة وكانت فيه فطنة ولوذعية وذكاء وألمعية خرق بها العوائد وحكي أن قاضي المرية قبل شهادته في سطل ميزه في حمام باللمس واختبره في ذلك بحكاية طويلة وذكره صفوان في زاد المسافر ووصفه بالخطيب رسالة أبي عبد الله ابن الفراء إلى ابن تاشفين وجده القاضي أبو عبد الله ابن الفراء مشهور بالصلاح والفضل والزهد ومن العجائب أنه ليس له ترجمة في ( ( المغرب ) ) ولما كتب أمير المسلمين يوسف بن تاشفين إلى أهل ألمرية يطلب منهم المعونة جاوبه بكتابه المشهور الذي يقول فيه فما ذكره أمير المسلمين من اقتصاء المعونة وتأخري عن ذلك وأن
____________________
(3/386)

الباجي وجميع القضاة والفقهاء بالعدوة والأندلس أفتوا بأن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه اقتضاها وكان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعه في قبره ولا يشك في عدله فليس أمير المسلمين بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بضجيعه في قبره ولا من لا يشك في عدله فإن كان الفقهاء والقضاة أنزلوك بمنزلته في العدل فالله تعالى سائلهم عن تقلدهم فيك وما اقتضاها عمر رضي الله تعالى عنه حتى دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلف أن ليس عنده درهم واحد في بيت مال المسلمين ينفقه عليهم فتدخل المسجد الجامع هنالك بحضرة من أهل العلم وتحلف أن ليس عندك درهم واحد ولا في بيت مال المسلمين وحينئذ تستوجب ذلك والسلام انتهى
وأما ابن الفراء الأخفش بن ميمون الذي ذكره الحجاري في المسهب فليس هو من هؤلاء بل هو من حصن القبذاق من أعمال قلعة بني سعيد وتأدب في قرطبة ثم عاد إلى حضرة غرناطة واعتكف بها على مدح وزيرها اليهودي وهو القائل
( صابح محياه تلق النجح في الأمل ** وانظر بناديه حسن الشمس في الحمل )
( ما إن يلاقي خليل فيه من خلل ** وكلما حال صرف الدهر لم يحل ) وكان يهاجي المنفتل شاعر إلبيرة ومن هجاء المنفتل له قوله
( لابن ميمون قريض ** زمهرير البرد فيه )
( فإذا ما قال شعرا ** نفقت سوق أبيه )
ولما وفد على المرية مدح رفيع الدولة بن المعتصم بن صمادح بشعر فقال له
____________________
(3/387)

بعض من أراد ضره يا سيدي لا تقرب هذا اللعين فإنه قال في اليهودي
( ولكن عندي للوفاء شريعة ** تركت بها الإسلام يبكي على الكفر )
فقال رفيع الدولة هذا والله هو الحر الذي ينبغي أن يصطنع فلولا وفاؤه ما بكى كافرا بعد موته وقد وجدنا في أصحابنا من لا يرعى مسلما في حياته
وقال فيه بن المنفتل
( إن كنت أخفش عين ** فإن قلبك أعمى )
( فكيف تنثر نثرا ** وكيف تنظم نظما )
ومن شعر الأخفش المذكور قوله
( إذا زرتكم غبا فلم ألق بالبر ** وإن غبت لم أطلب ولم أجر في الذكر )
( فإني إذن أولى الورى بفراقكم ** ولا سيما بعد التجلد والصبر )
ولما وفد على المنصور بن أبي عامر الشاعر المشهور أبو عبد الله محمد بن مسعود الغساني البجاني اتهم برهق في دينه فسجنه في المطبق مع الطليق القرشي والطليق غلام وسيم وكان ابن مسعود كلفا به يومئذ وفيه يقول
( غدوت في السجن خدنا لابن يعقوب ** وكنت أحسب هذا في التكاذيب )
( رامت عداتي تعذيبي وما شعرت ** أن الذي فعلوه ضد تعذيبي )
( راموا بعادي عن الدنيا وزخرفها ** فكان ذلك إدنائي وتقريبي )
( لم يعلموا أن سجني لا أبا لهم ** قد كان غاية مأمولي ومرغوبي
____________________
(3/388)

وانطلق ابن مسعود والطليق قبله ووقع بينه وبين الطليق وعاد المدح هجاء فقال فيه
( ولي جليس قربه مني ** بعد الأماني كذبا عني )
( قد قذيت من لحظه مقلتي وقرحت من لفظه أذني
( هون لي في السجن من قربه ** أشد في السجن من السجن )
( لو أن خلقا كان ضدا له ** زاد على يوسف في الحسن )
( إذا ارتمى فكري في وجهه ** سلط إبطيه على ذهني )
( كأنما يجلس من ذا وذا ** بين كنيفين من النتن )
وقال يخاطب المنصور من السجن
( دعوت لما عيل صبري فهل ** يسمع دعواي المليك الحليم )
( مولاي مولاي ألا عطفة ** تذهب عني بالعذاب الأليم )
( إن كنت أضمرت الذي زخرفوا ** عني فدعني للقدير الرحيم )
( فعنده نزاعة للشوى ** وعنده الفردوس ذات النعيم )
وركب بعض أهل المرية في وادي إشبيلية فمر على طاقة من طاقات شنتبوس وهو يغني
( خلين من واد ومن قوارب ** ومن نزاها في شنتبوس )
( غرس الحبق الذي في داري ** أحب عندي من العروس )
فأخرجت رأسها جارية وقالت له من أي البلاد أنت يا من غنى فقال
____________________
(3/389)

من ألمرية فقالت وما أعجبك في بلدك حتى تفضله على وادي إشبيلية وهو بوجه مالح وقفا أحرش وهذا من أحسن تعييب وذلك أنها أتته بالنقيض من إشبيلية فإن وجهها النهر العذب وقفاها بجبال الرحمة أشجار التين والعنب لا تقع العين إلا على خضرة في أيام الفرج وأين إشبيلية من المرية وفي ألمرية يقول السميسر شاعرها
( بئس دار المرية اليوم دارا ** ليس فيها لساكن ما يحب )
( بلدة لا تمار إلا بريح ** ربما قد تهب أو لا تهب )
يشير إلى أن مرافقها مجلوبة وأن الميرة تأتيها في البحر من بر العدوة وفيها يقول أيضا
( قالوا المرية فيها ** نظافة قلت إيه )
( كأنها طست تبر ** ويبصق الدم فيه )
وحكى مؤرخ الأندلس أبو الحجاج البياسي أنه دخل عليه في مجلس أنس شيخ ضخم الجثة مستثقل فقال البياسي
( اسقني الكأس صاحيه ** ودع الشيخ - ناحيه )
فقال الكاتب أبو جعفر أحمد بن رضي
( إن تكن ساقيا ** له ليس ترويه ساقيه )
وحكي أن العالي إدريس الحمودي لما عاد إلى ملكه بمقالة وبخ قاضيها الفقيه أبا علي بن حسون وقال له كيف بايعت عدوي من بعدي وصحبته فقال وكيف تركت أنت ملكك لعدوك فقال ضرورة القدرة حملتني على ذلك فقال وأنا أيضا حصلت في يد من لا يسعني إلا طاعته
____________________
(3/390)

ومن نظم القاضي المذكور
( رفعت من دهري إلى جائر ** ويبتغي العدل بأحكامي )
( أضحت به أملاكه مثل أشكال ** خيال طوع أيام )
( هذا لما أبرم ذا ناقض ** كأنهم في حكم أحلام )
وكان الفقيه العالم أبو محمد عبد الله الوحيدي قاضي مالقة جرى - كما قال الحجاري - في صباه طلق الجموح ولم يزل يعاقب بين غبوق وصبوح إلى أن دعاه النذير فاهتدى منه بسراج منير وأحلته تلك الرجعة فيما شاء من الرفعة
وقال بعض معاشريه كنت أماشيه زمن الشباب فكلما مررنا على إمرأة يدعو حسنها وشكلها إلى أن تحير الألباب أمال إليها طرفه ولم ينح عنها صرفه ثم سايرته بعد لما رجع عن ذلك واقتصر فرأيته يغض البصر ويخلي الطريق معرضا إلى ناحية متى زاحمته امرأة ولو حكت الشمس ضاحية فقلت له في ذلك فقال
( ذاك وقت قضيت فيه غرامي ** من شبابي في سترة الإظلام )
( ثم لما بدا الصباح لعيني ** من مشيبي ودعته بسلام )
ومن شعره فيصباه
( لا ترتجوا رجعتي باللوم عن غرضي ** ولتتركوني وصيدي فرصة الخلس )
( طلبتم رد قلبي عن صبابته ** ومن يرد عنان الجامح الشرس )
ولما أقصر باطله وعريت أفراس الصبا ورواحله قال
____________________
(3/391)


( ولما بدا شيبي عطفت على الهدى ** كما يهتدي حلف السرى بنجوم )
( وفارقت أشياع الصبابة والطلا ** وملت إلى أهلي علا وعلوم )
ولما تألب بنو حسون على القاضي الوحيدي المذكور صادر عنه العالم الأصولي أبو عبد الله بن الفخار وطلع في حقه إلى حضرة الإمامة مراكش وقام في مجلس أمير المسلمين ابن تاشفين وهو قد غص بأربابه وقال إنه لمقام كريم نبدأ فيه بحمد الله على الدنو منه ونصلي على خيرة أنبيائه محمد الهادي إلى الصراط المستقيم وعلى آله وصحابته نجوم الليل البهيم أما بعد فأنا نحمد الله الذي اصطفاك للمسلمين أميرا وجعلك للدين الحنيفي نصيرا وظهيرا ونفزع إليك مما دهمنا في حماك ونبث إليك ما لحقنا من الضيم ونحن تحت ظل علاك ويأبى الله أن يدهم من احتمى بأمير المسلمين ويصاب بضيم من ادرع بحصنه الخصين شكوى قمت بها بين يديك في حق أمرك الذي عضده مؤيده لتسمع منها ما تختبره برأيك وتنقده وإن قاضيك ابن الوحيدي الذي قدمته في مالقة للأحكام ورضيت بعدله فيمن بها من الخاصة والعوام لم يزل يدل على حسن اختيارك بحسن سيرته ويرضي الله تعالى ويرضي الناس بظاهره وسريرته ما علمنا عليه من سوء ولا درينا له موقف خزي ولم يزل جاريا على ما يرضي الله تعالى ويرضيك ويرضينا إلى أن تعرضت بنو حسون إلى الطعن في أحكامه والهد من أعلامه ولم يعلموا أن اهتضام المقدم راجع على المقدم بل جمحوا في لجاجهم فعموا وصموا وفعلوا وأمضوا ما به هموا
( وإلى السحب يرفع الكف من قد ** جف عنه مسيل عين ونهر )
فملأ سمعه بلاغة أعقبت نصره ونصر صاحبه من
ومن شعر ابن الفخار المذكور ويعرف بابن نصف الربض قوله
( أمستنكر شيب المفارق في الصبا ** وهل ينكر النور المفتح في الغصن )
( أظن طلاب المجد شيب مفرقي ** وإن كنت في إحدى وعشرين من سني )
____________________
(3/392)


وقوله
( أقل عتابك إن الكريم ** يجازي على حبه بالقلى )
( وخل اجتنابك إن الزمان ** يمر بتكديره ما حلا )
( وواصل أخاك بعلاته ** فقد يلبس الثوب بعد البلى )
( وقل كالذي قاله شاعر ** نبيل وحقك أن تنبلا )
( إذا ما خليل أسا مرة ** وقد كان فيما مضى مجملا )
( ذكرت المقدم من فعله ** فلم يفسد الآخر الأولا )
ولما وفد أبو الفضل ابن شرف من برجة في زي تظهر عليه البداوة بالنسبة إلى أهل حضرة المملكة العظمى أنشده قصيدته القائقة
( مطل الليل بوعد الفلق ** وتشكى النجم طول الأرق )
( ضربت ريح الصبا مسك الدجى ** فاستفاد الروض طيب العبق )
( وألاح الفجر خدا خجلا ** جال من رشح الندى في عرق )
( جاوز الليل إلى أنجمه ** فتساقطن سقوط الورق )
( واستفاض الصبح فيه فيضة ** أيقن النجم لها بالغرق )
( فانجلى ذاك السنا عن حلك ** وانمحى ذاك الدجى عن شفق )
( بأبي بعد الكرى طيف سرى ** طارقا عن سكن لم يطرق )
( زارني والليل ناع سدفه ** وهو مطلوب بباقي الرمق )
( ودموع الطل تمريها الصبا ** وجفون الروض غرقى الحدق )
( فتأنى في إزار ثابت ** وتثنى في وشاح قلق )
( وتجلى وجهه عن شعره ** فتجلى فلق عن غسق )
( نهب الصبح دجى ليلته ** فحبا الخد ببعض الشفق )
____________________
(3/393)


( سلبت عيناه حدي سيفه ** وتحلى خده بالرونق )
( وامتطى من طرفه ذا خبب ** يلثم الغبراء إن لم يعنق )
( أشوس الطرف علته نخوة ** يتهادى كالغزال الخرق )
( لو تمطى بين أسراب المها ** نازعته في الحشا والعنق )
( حسرت دهمته عن غرة ** كشفت ظلماؤها عن يقق )
( لبست أعطافه ثوب الدجى ** وتحلى خده باليقق )
( وانبرى تحسبه أجفل عن ** لسعة أو جنة أو أولق )
( مدركا بالمهل ما لا ينتهي ** لاحقا بالرفق ما لم يلحق )
( ذو رضى مستتر في غضب ** ذو وقار منطو في خرق )
( وعلى خد كعضب أبيض ** أذن مثل سنان أزرق )
( كلما نصبها مستمعا ** بدت الشهب إلى مسترق )
( حاذرت منه شبا خطية ** لا يجيد الخط ما لم يمشق )
( كلما شامت عذاري خده ** خفقت خفق فؤاد الفرق )
( في ذرا ظمآن فيه هيف ** لم يدعه للقضيب المورق )
( يتلقاني بكف مصقع ** يقتفي شأو عذار مفلق )
( إن يدر دورة طرف يلتمح ** أو يجل جول لسان ينطق )
( عصفت ريح على أنبوبه ** وجرت أكعبه في زئبق )
( كلما قلبه باعد عن ** متن ملساء كمثل البرق )
( جمع السرد قوى أزرارها ** فتآخذن بعهد موثق )
( أوجبت في الحرب من وخز القنا ** فتوارت حلقا في حلق )
( كلما دارت بها أبصارها ** صورت منها مثال الحدق )
( زل عنه متن مصقول القوى ** يرتمي في مائها بالحرق )
____________________
(3/394)


( لو نضا وهو عليه ثوبه ** لتعرى عن شواظ محرق )
( أكهب من هبوات أخضر ** من فرند أحمر من علق )
( وارتوت صفحاه حتى خلته ** بحيا من لكفيك سقي )
( يا بني معن لقد ظلت بكم ** شجر لولاكم لم تورق )
( لو سقي حسان إحسانكم ** ما بكى ندمانه في جلق )
( أو دنا الطائي من حيكم ** ما حدا البرق لربع الأبرق )
( أبدعوا في الفضل حتى كلفوا ** كاهل الأيام ما لم يطق )
فلما سمعها المعتصم لعبت بارتياحه وحسده بعض من حضر وكان من جملة من حسده ابن أخت غانم فقال له من أي البوادي أنت قال أنا من الشرف في الدرجة العالية وإن كانت البادية علي بادية ولا أنكر حالي ولا أعرف بخالي فمات ابن أخت غانم خجلا وشمت به كل من حضر
وابن شرف المذكور هو الحكيم الفيلسوف أبو الفضل جعفر ابن أديب إفريقية أبي عبد الله محمد بن شرف الجذامي ولد ببرجة وقيل إنه دخل الأندلس مع أبيه وهو ابن سبع سنين ومن نظمه قوله
( رأى الحسن ما في خده من بدائع ** فأعجبه ما ضم منه وحرفا )
( وقال لقد ألفيت فيه نوادرا ** فقلت له لا بل غريبا مصنفا )
وقوله
( قد وقف الشكر بي لديكم ** فلست أقوى على الوفاده )
( ونلت أقصى المراد منكم ** فصرت أخشى من الزياده )
____________________
(3/395)


وقوله
( إذا ما عدوك يوما سما ** إلى رتبة لم تطق نقضها )
( فقبل ولا تأنفن كفه ** إذا أنت لم تستطع عضها )
وقوله وقد تقدم به على كل شاعر
( لم يبق للجور في أيامهم أثر إلا غير الذي في عيون الغيد من حور )
وأول هذه القصيدة قوله
( قامت تجر ذيول العصب والحبر ** ضعيفة الخصر والميثاق والنظر ) وكان قد قصر أمداحه على المعتصم وكان يفد عليه في الأعياد وأوقات الفرج والفتوحات فوفد عليه مرة يشكو عاملا ناقشه في قرية يحرث فيها وأنشده الرائية التي مر مطلعها إلى أن بلغ قوله
( لم يبق للجور البيت ** )
فقال له كم في القرية التي تحرث فيها فقال فيها نحو خمسين بيتا فقال له أنا أسوغك جميعها لهذا البيت الواحد ثم وقع له بها وعزل عنها نظر كل وال
وله ابن فيلسوف شاعر مثله وهو أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المذكور وهو القائل
( وكريم أجارني من زمان ** لم يكن من خطوبه لي بد )
( منشد كلما أقول تناهى ** ما لمن يبتغي المكارم حد )
____________________
(3/396)


وابن أخت غانم هو العالم اللغوي أبو عبد الله محمد بن معمر من أعيان مآلقة متفنن في علوم شتى إلا أن الغالب عليه علم اللغة وكان قد رحل من مآلقة إلى المرية فحل عند ملكها المعتصم بن صمادح بالمكانة العلية وهو القائل في ابن شرف المذكور
( قولوا لشاعر برجة هل جاء من ** أرض العراق فحاز طبع البحتري )
( وافى باشعار تضج بكفه ** وتقول هل أعزى لمن لم يشعر )
( يا جعفرا رد القريض لأهله ** واترك مباراة لتلك الأبحر )
( لا تزعمن ما لم تكن أهلا له ** هذا الرضاب لغير فيك الأبخر )
وذكره ابن اليسع في معربه وقال إنه حدثه بداره في مالقة وهو ابن مائة سنة وأخذ عنه عام أربعة وعشرين وخمسمائة وله تآليف منها شرح كتاب النبات لأبي حنيفة الدينوري في ستين مجلدا وغير ذلك وغانم خاله الذي يعرف به هو الإمام العالم غانم المخزومي نسب إليه لشهرة ذكره وعلو قدره
ولما قرأ العالم الشهير أبو محمد بن عبدون في أول شبابه على أبي الوليد ابن ضابط النحوي المالقي جرى بين يديه ذكر الشعر وكان قد ضجر منه فقال
( الشعر خطة خسف ** )
فقال ابن عبدون معرضا به حين كان مستجديا بالنظم وكان إذ ذاك شيخا
( لكل طالب عرف ** )
____________________
(3/397)


( للشيخ عيبة عيب ** وللفتى ظرف ظرف )
وابن ضابط هو القائل في المظفر بن الأفطس
( نظمنا لك الشعر البديع لأننا ** علمنا بأن الشعر عندك ينفق )
( فإن كنت مني بامتداح مظفرا ** فإني في قصدي إليك موفق )
المخزومي ودخل غانم المخزومي السابق ذكره وهو من رجال الذخيرة على الملك بن حبوس صاحب غرناطة فوسع له على ضيق كان في المجلس فقال
( صير فؤادك للمحبوب منزلة ** سم الخياط مجال للمحبين )
( ولا تسامح بغيضا في معاشرة ** فقلما تسع الدنيا بغيضين )
وهو القائل
( وقد كنت أغدو نحو قطرك فارحا ** فها أنا أغدو نحو قبرك ثاكلا )
( وقد كنت في مدحيك سحبان وائل ** فها أنا من فرط التأسف باقلا )
وله أيضا
( الصبر أولى بوقار الفتى ** من ملك يهتك ستر الوقار )
( من لزم الصبر على حالة ** كان على أيامه بالخيار )
وكتب أبو علي الحسن بن الغليظ إلى صاحبه أبي عبد الله بن السراج وقد قدم من سفر
____________________
(3/398)


( يا من أقلب طرفي في محاسنه ** فلا أرى مثله في الناس إنسانا )
( لو كنت تعلم ما لقيت بعدك ما ** شربت كأسا ولا استحسنت ريحانا )
فورد عليه من حينه وقال أردت مجاوبتك فخفت أن أبطىء وصنعت الجواب في الطريق
( يا من إذا ما سقتني الراح راحته ** أهدت إلي بها روحا وريحانا )
( من لم يكن في صباح السبت يأخذها ** فليس عندي بحكم الظرف إنسانا )
( فكن على حسن هذا اليوم مصطبحا مذكرا حسنا فيه وإحسانا )
( وفي البساتين إن ضاق المحل بنا ** مندوحة لا عدمنا الدهر بستانا )
ووفد أبو علي الحسن بن كسرين المالقي الشاعر المشهور على ملك إشبيلية السيد أبي إسحاق إبراهيم ابن أمير المؤمنين يوسف ابن امير المؤمنين عبد المؤمن بن علي فأنشده قصيدة طار مطلعها في الاقطار كل مطار وهو
( قسما بحمص إنه لعظيم ** فهي المقام وأنت إبراهيم )
ووصف الشاعر عطاء المالقي غادة جعلت على رأسها تاجا فقال
( وذات تاج رصعوا دوره ** فزاد في لألائها بالآل )
( كأنها شمس وقد توجت ** بأنجم الجوزاء فوق الهلال )
( قد اشتكى الخلخال منها إلى ** سوارها فاشتبها في المقال )
( وأجريا ذكر الوشاح الذي لما يزل من خصرها في مجال )
( فقال لم أرض بما نلته ** وليتني مثلكما لا أزال )
( لأغص بالخصر وأعيا به ** كغص ظمآن بماء زلال )
( وإنما الدهر بغير الرضى ** يقضي فكل غير راض بحال )
____________________
(3/399)


وهو القائل
( سل بحمامنا الذي ** كل عن شكره فمي )
( كم أراني بقربه ** جنة في جهنم )
وكان يحضر حلقة الإمام السهيلي وضيء الوجه من تلامذته فانقطع لعارض فخرج السهيلي مارا في الطريق الذي جرت عادته بالمشي فيه فوجد قناة تصلح فمنعته من المرور فرجع وسلك طريقا آخر فمر على دار تلميذه الوضيء فقال له بعض أصحابه ممازحا بعبوره على منزله فقال نعم وأنشد ارتجالا
( جعلت طريقي على بابه ** ومالي على بابه من طريق )
( وعاديت من أجله جيرتي ** وآخيت من لم يكن لي صديق )
( فإن كان قتلي حلالا لكم ** فسيروا بروحي سيرا رفيق )
وأبو القاسم السهيلي مشهور عرف به ابن خلكان وغيره
ويكنى أيضا بأبي زيد وهو صاحب كتاب الروض الأنف وغيره
واجتاز على سهيل وقد خربه العدو لما أغار عليه وقتلوا أهله وأقاربه وكان غائبا عنهم فاستأجر من أركبه دابة وأتى به إليه فوقف بإزائه
( يا دار أين البيض والآرام أم أين جيران علي كرام )
( راب المحب من المنازل أنه ** حيا فلم يرجع إليه سلام )
( لما أجابني الصدى عنهم ولم يلج المسامع للحبيب كلام طارحت ورق حمامها مترنما بمقال صب والدموع سجام ( يا دار ما فعلت بك الأيام ضامتك والأيام ليس تضام )
____________________
(3/400)


وجرى بين السهيلي والرصافي الشاعر المشهور ما اقتضى قول الرصافي
( عفا الله عني فإني امرؤ ** أتيت السلامة من بابها )
( على أن عندي لمن هاجني ** كنائن غصت بنشابها )
( ولو كنت أرمي بها مسلما ** لكان السهيلي أولى بها )
وتوفي السهيلي بمراكش سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وزرت قبره بها مرارا سنة عشر وألف وسكن رحمه الله تعالى إشبيلية مدة ولازم القاضي أبا بكر بن العربي وابن الطراوة وعنه أخذ لسان العرب وكان ضريرا ومن شعره أيضا لما قال ( ( كيف أمسيت ) ) موضع ( ( كيف أصبحت ) )
( لئن قلت صبحا كيف أمسيت مخطئا ** فما أنا في ذاك الخطا بملوم )
( طلعت وأفقي مظلم لفراقكم ** فخلتك بدرا والمساء همومي )
وحكي أن الوزير الكاتب أبا الفضل بن حسداي الإسلامي السرقسطي وهو من رجال الذخيرة عشق جارية ذهبت بلبه وغلبت على قلبه فجن بها جنونه وخلع عليها دينه وعلم بذلك صاحبه فزفها إليه وجعل زمامها في يديه فتحافى عن موضعه من وصلها أنفة من أن يظن الناس أن إسلامه كان من أجلها فحسن ذكره وخفي على كثير من الناس أمره ومن شعره قوله
( وأطربنا غيم يمازج شمسه ** فيستر طورا بالسحاب ويكشف )
( ترى قزحا في الجو يفتح قوسه ** مكبا على قطن من الثلج يندف )
وكان في مجلس المقتدر بن هود ينظر في مجلد فدخل الوزير الكاتب أبو
____________________
(3/401)

الفضل بن الدباغ وأراد أن يندر به فقال له وكان ذلك بعد إسلامه يا أبا الفضل ما الذي تنظر فيه من الكتب لعله التوراة فقال نعم وتجليدها من جلد دبغه من تعلم فمات خجلا وضحك المقتدر
وأراد الشاعر أبو الربيع سليمان السرقسطي حضور نديم له فكتب إليه
( بالراح والريحان والياسمين ** وبكرة الندمان قبل الأذين )
( وبهجة الروض بأندائه مقلدا منه بعقد ثمين ألا أجب سبقا ندائي إلى الكأس ** تبدت لذة الشاربين )
( هامت بها الأعين من قبل أن ** يخبرها الذوق بحق اليقين )
( لاحت لدينا شفقا معلنا ** فكن لها بالله صبحا مبين )
وكتب علي بن خير التطيلي إلى ابن عبد الصمد السرقسطي يستدعيه إلى مجلس أنس أنا - أطال الله تعالى بقاء الكاتب سراج العلم وشهاب الفهم - في مجلس قد عبقت تفاحه وضحكت راحه وخفقت حولنا للطرب ألوية وسالت بيننا للهو أودية وحضرتنا مقلة تسأل منك إنسانها وصحيفة فكن عنوانها فإن رأيت أن تجعل إلينا القصد لنحصل بك في جنة الخلد صقلت نفوسا أصدأها بعدك وأبرزت شموسا أدجاها فقدك
____________________
(3/402)


فأجابه ابن عبد الصمد فضضت - أيها الكاتب العليم والمصقع الحبر الصميم - طابع كتابك فمنحني منه جوهر منتخب لا يشوبه مخشلب هو السحر إلا أنه حلال دل على ود حنيت ضلوعك عليه ووثيق عهد انتدب كريم سجيتك إليه فسألت فالق الحب وعامر القلب بالحب أن يصون لي حظي منك ويدرأ لي النوائب عنك ولم يمنعني أن أصرف وجه الإجابة إلى مرغوبك وأمتطي جواد الانحدار إلى محبوبك إلا عارض ألم ألم بي فقيد يقيده نشاطي وروى براحته بساطي وتركني أتململ على فراشي كالسليم وأستمطر الإصباح منم الليل البهيم وأنا منتظر لإدباره
ومن لطف أهل الأندلس ورقة طباعهم ما حكاه أبو عمرو بن سالم المالقي قال كنت جالسا بمنزلي بمالقة فهاجت نفسي أن أخرج إلى الجبانة وكان يوما شديد الحر فراودتها على القعود فلم تمكني من القعود فمشيت حتى انتهيت إلى مسجد يعرف برابطة الغبار وعنده الخطيب أبو محمد عبد الوهاب بن علي المالقي فقال لي إني كنت أدعو الله تعالى أن يأتيني بك وقد فعل فالحمد لله فأخبرته بما كان مني ثم جلست عنده فقال أنشدني فأنشدته لبعض الأندلسيين
( غصبوا الصباح فقسموه خدودا ** واستوعبوا قضب الأراك قدودا )
( ورأوا حصى الياقوت دون نحورهم ** فتقلدوا شهب النجوم عقودا )
( لم يكفهم حد الأسنة والظبى حتى استعاروا أعينا وخدودا )
فصاح الشيخ وأغمي عليه وتصبب عرقا ثم أفاق بعد ساعة وقال يا بني اعذرني فشيئان يقهراني ولا أملك نفسي عندهما النظر إلى الوجه الحسن وسماع الشعر المطبوع انتهى
وستأتي هذه الأبيات في هذا الباب
____________________
(3/403)

بأتم من هذا وعلى كل حال فهي لأهل الأندلس لا لابن دريد كما ذكره بعضهم وسيأتي تسمية صاحبها الأندلسي كما في كتاب المغرب لابن سعيد العنسي المشهور رحمه الله تعالى
وقال بعض الأدباء ليحيى الجزار وهو يبيع لحم ضأن
( لحم إناث الكباش مهزول ** )
فقال يحيى
( يقول للمشترين مه زولوا ** )
وقال التطيلي الأعمى في وصف أسد رخام يرمي بالماء على بحيرة
( أسد ولو أني أنا ** قشه الحساب لقلت صخره )
( وكأنه أسد السماء ** يمج من فيه المجره ) وحضر جماعة من أعيان الأدباء مثل الأبيض وابن بقي وغيرهما من الوشاحين واتفقوا على أن يصنع كل واحد منهم موشحة فلما أنشد الأعمى موشحته التي مطلعها
( ضاحك عن جمان ** سافر عن بدر )
( ضاق عنه الزمان ** وحواه صدري )
خرق كل منهم موشحته
وتحاكمت امرأة إلى القاضي أبي محمد عبد الله اللاردي الأصبحي
____________________
(3/404)

وكانت ذات جمال ونادرة فحكم لزوجها عليها فقالت له من يضيع قلبه كل طرف فاتر جدير أن يحكم بهذا تشير إلى قوله
( أين قلبي أضاعه كل طرف ** فاتر يصرع الحليم لديه )
( كلما ازداد ضعفه ازداد ** فتكا أي صبر ترى يكون عليه )
وحضر أبو إسحاق بن خفاجة مجلسا بمرسية مع أبي محمد جعفر بن عنق الفضة الفقيه السالمي وتذاكرا فاستطال ابن عنق الفضة ولعب بأطراف الكلام ولم يكن ابن خفاجة يعرفه فقال له يا هذا لم تترك لأحد حظا في هذا المجلس فليت شعري من تكون فقال أنا القائل
( الهوى علمني سهد الليال ** ونظام الشعر في هذي اللآل )
( كلما هبت شمال منهم ** لعبت بي عن يمين وشمال )
( وأرقت فكرتي أرواحها ** فأتت منهن بالسحر الحلال )
( كان كالملح أجاجا خاطري ** وسحاب الحب أبدته زلال )
فاهتز ابن خفاجة وقال من يكون هذا قوله لا ينبغي أن يجهل ولك المعذرة في جهلك فإنك لم تعرفنا بنفسك فبالله من تكون فقال أنا فلان فعرفه وقضى حقه
وحكى ابن غالب في فرحة الأنفس أن الوزير أبا عثمان ابن شنتفير وأبا عامر ابن عند شلب وفدا رسولين على المعتمد بن عباد عن إقبال الدولة بن مجاهد والمعتصم بن صمادح والمقتدر بن هود لإصلاح ما كان بين المعتمد وبين ابن ذي النون فسر المعتمد بهم وأكرمهم ودعاهم إلى طعام صنعه لهم وكان لا يظهر شرب الراح منذ ولي الملك فلما رأوا انقباضه عن ذلك تحاموا الشراب فلما أمر بكتب أجوبتهم كتب إليه أبو عامر
____________________
(3/405)


( بقيت حاجة لعبد رغيب ** لم يدع غيرها له من نصيب )
أنا خيرية المساء حديثا ** وأنا في الصباح أخشى رقيبي )
( فإذا أمس كان عندي نهارا ** لم تخفني عليه بعد الغروب )
( وإذا الليل جن حدثت جلاسي ** بما كان من حديث غجيب )
( قيل إن الدجى لديك نهار ** وكذاك الدجى نهار الأريب )
( فتمنيت ليلة ليس فيها ** لذكا ذلك السنا من مغيب )
( حيث أعطيك في الخلاء وتعطيني ** مداما كمثل ريق الحبيب )
( ثم أغدو كأنني كنت في النوم ** وأخفي المنام خوف هزيب )
والهزيب الرقيب العتيد في كلام أهل الأندلس فسر المعتمد وانبسط بانبساطه وضحك من مجونه وكتب إليه
( يا مجابا دعا إلى مستجيب ** فسمعنا دعاءه من قريب )
( إن فعلت الذي دعوت إليه ** كنت فيما رغبت عين رغيب )
واستحضره فنادمه خاليا وكساه ووصله وانقلب مسرورا وظن المعتمد أن ذلك يخفى من فعله عن ابن شنتفير فأعلم بالأمر القائد ابن مرتين فكاد يتفطر حسدا وكتب إلى المعتمد
( أنا عبد أوليته كل بر ** لم تدع من فنون برك فنا )
( غير رفع الحجاب في شربك الرا ح ** فماذا جناه أن يتجنى )
( وتمنى شراب سؤرك في الكأس ** فبالله أعطه ما تمنى ) فسرته أبياته وأجابه
____________________
(3/406)


( يا كريم المحل في كل معنى ** والكريم المحل ليس يعنى )
( هذه الخمر تبتغيك فخذها ** أو فدعها أو كيفما شئت كنا )
وكان يقرأ في مجلس ملك السهلة أبي مروان بن رزين ذي الرياستين ديوان شعر محمد بن هانئ وكان القارئ فيه بله فلما وصل إلى قوله
( حرام حرام زمان الفقير ** ) اتفق أن عرض للملك ما اشتغل به فقال للقارئ أين وقفت فقال في حرام فقام الملك وقال هذا موضع لا أقف معك فيه ادخل أنت وحدك ثم دخل إلى قصره وانقلب المجلس ضحكا وكان للملك المذكور وزير من أعاجيب الدهر وهو الكاتب أبو بكر ابن سدراي وذكره الحجاري في المسهب وقال إن له شعرا أرق من نسيم السحر وأندى من الطل على الزهر ومنه قوله
( ما ضركم لو بعثتم ** ولو بأدنى تحيه )
( تهزني من شذاها ** إليكم الأريحيه )
( خذوا سلامي إليكم ** مع الرياح النديه )
( في كل سحرة يوم ** تترى وكل عشيه )
( يا رب طال اصطباري ** ما الوجد إلا بليه )
( غيلان بالشرق أضحى ** وحلت الغرب ميه )
وقوله
( سأبغي المجد في شرق وغرب ** فما ساد الفتى دون اغتراب )
____________________
(3/407)


( فإن بلغت مأمولا فإني ** جهدت ولم أقصر في الطلاب )
( وإن أنا لم أفز بمراد سعيي ** فكم من حسرة تحت التراب )
وقال ملك بلنسية مروان بن عبد العزيز لما ولي مكانه من لا يساويه
( ولا غرو بعدي أن يسود معشر ** فيضحي لهم يوم وليس لهم أمس )
( كذاك نجوم الجو تبدو زواهرا ** إذا ما توارت في مغاربها الشمس )
وقال ابن دحية دخلت عليه وهو يتوضأ فنظر إلى لحيته وقد اشتعلت بالشيب اشتعالا فأنشدني لنفسه ارتجالا
( ولما رأيت الشيب أيقنت أنه ** نذير لجسمي بانهدام بنائه )
( إذا ابيض مخضر النبات فإنه ** دليل على استحصاده وفنائه ) واعتل ابن ذي الوزارتين أبي عامر بن الفرج وزير المأمون بن ذي النون وهو من رجال الذخيرة والقلائد فوصف له أن يتداوى بالخمر العتيق وبلغه أن عند بعض الغلمان منها شيئا فكتب إليه يستهديه
( ابعث بها مثل ودك ** أرق من ماء خدك )
( شقيقة النفس فانضح ** بها جوى ابني وعبدك )
وهو القائل معتذرا عن تخلفه عمن جاءه منذرا
____________________
(3/408)


( ما تخلفت عنك إلا لعذر ** ودليلي في ذاك خوفي عليكا )
( هبك أن الفرار من غير عذر ** أتراه يكون إلا إليكا ) وله من رسالة هناء
( أهنئ بالعيد من وجهه ** هو العيد لو لاح لي طالعا )
( وأدعو إلي الله سبحانه ** بشمل يكون لنا جامعا )
وكتب إلى الوزير المصري يستدعيه أن يكون من ندمائه فكتب إليه الوزير المصري يستعلمه اليوم فلما أراده كتب إليه
( ها قد أهبت بكم وكلكم هوى ** وأحقكم بالشكر مني السابق )
( كالشمس أنت وقد أظل طلوعها ** فاطلع وبين يديك فجر صادق )
وله في رئيس مرسية أبي عبد الرحمن بن طاهر وكان ممتع المجالسة كثير النادرة
( قد رأينا منك الذي قد سمعنا ** فغدا الخبر عاضد الأخبار )
( قد وردنا لديك بحرا نميرا ** وارتقينا حيث النجوم الدراري )
( ولكم مجلس لديك انصرفنا ** عنه مثل الصبا عن الأزهار
وشرب الأديب الفاضل أبو الحسن علي بن حريق عشية مع من يهواه ورام الانفصال عند لداره فمنعه سيل حال بينه وبين داره فبات عنده على غير اختياره فقال ابن حريق
____________________
(3/409)


( يا ليلة جادت الليالي ** بها على رغم أنف دهري )
( للسيل فيها علي نعمى ** يقصر عنها لسان شكري )
( أبات في منزلي حبيبي ** وقام في أهله بعذر )
( فبت لا حالة كحالي ** ضجيع بدر صريع سكر )
( يا ليلة القدر في الليالي ** لأنت خير من ألف شهر )
ومن حسنات ابن حريق المذكور قوله
( يا ويح من بالمغرب الأقصى ثوى ** حلف النوى وحبيبه بالمشرق )
( لولا الحذار على الورى لملأت ما ** بيني وبينك من زفير محرق )
( وسكبت دمعي ثم قلت لسكبه ** من لم يذب من زفرة فليغرق )
( لكن خشيت عقاب ربي إن أنا ** أحرقت أو أغرقت من لم أخلق )
وله
( لم يبق عندي للصبا لذة ** إلا الأحاديث على الخمر )
وله
( فقبلت إثرك فوق الثرى ** وعانقت ذكرك في مضجعي ) وله
( إن ماء كان في وجنتها ** وردته السن حتى نشفا )
( وذوى العناب من أنملها ** فأعادته الليالي حشفا
وأورد له أبو بحر في زاد المسافر قوله
____________________
(3/410)


( كلمته فاحمر من خجل ** حتى اكتسى بالعسجد الورق )
( وسألته تقبيل راحته ** فأبى وقال أخاف أحترق )
( حتى زفيري عاق عن أملي ** إن الشقي بريقه شرق ) وقوله في السواقي
( وكأنما سكن الأراقم جوفها ** من عهد نوح مدة الطوفان )
( فإذا رأينا الماء يطفح نضنضت ** من كل خرق حية بلسان )
وقال الفيلسوف أبو جعفر ابن الذهبي فيمن جمع بينه وبين أحد الفضلاء
( أيها الفاضل الذي قد هداني ** نحو من قد حمدته باختبار )
( شكر الله ما أتيت وجازاك ** ولا زلت نجم هدي لساري )
( أي برق أفاد أي غمام ** وصباح أدى لضوء نهار )
( وإذا ما النسيم كان دليلي ** لم يحلني إلا على الأزهار )
وأنشد أبو عبد الله محمد بن عبادة الوشاح المعتصم بن صمادح شعرا يقول فيه
( ولو لم أكن عبدا لآل صمادح ** وفي أرضهم أصلي وعيشي ومولدي
( لما كان لي إلا إليهم ترحل ** وفي ظلهم أمسي اضحي وأغتدي )
فارتاح وقال يا ابن عبادة ما أنصفناك بل أنت الحر لا العبد فاشرح لنا في أملك فقال أنا عبدكم كما قال ابن نباتة
( لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ** تركتني أصحب الدنيا بلا أمل )
____________________
(3/411)


فالتفت إلى ابنه الواثق يحيى ولي عهده وقال إذا اصطنعت الرجال فمثل هذا فاصطنع ضمه إليك وافعل معه ما تقتضيه وصيتي به ونبهني إليه كل وقت فأقام نديما لولي العهد المذكور
وله فيهما الموشحات المشهورة كقوله
( كم في قدود البان ** تحت اللمم من أقمر عواطي )
( بأنمل وبنان مثل العنم ** لم تنبري للعاطي )
ولما بلغ المعتصم أن خلف بن فرج السميسر هجاه احتال في طلبه حتى حصل في قبضته ثم قال له أنشدني ما قلت في فقال له وحق من حصلني في يدك ما قلت شرا فيك وإنما قلت
( رأيت آدم في نومي فقلت له ** أبا البرية إن الناس قد حكموا )
( أن البرابر نسل منك قال إذن ** حواء طالقة إن كان ما زعموا )
فنذر ابن بلقين صاحب غرناطة دمي فخرجت إلى بلادك هاربا فوضع علي من أشاع ما بلغك عني لتقتلني أنت فيدرك ثأره بك ويكون الإثم عليك فقال وما قلت فيه خاصة مضافا إلى ما قلته في عامة قومه فقال لما رأيته مشغوفا بتشييد قلعته التي يتحصن فيها بغرناطة قلت
( يبني على نفسه سفاها ** كأنه دودة الحرير )
فقال له المعتصم لقد أحسنت في الإساءة إليه فاختر هل أحسن إليك وأخلي سبيلك أم أجيرك منه فارتجل
( خيرني المعتصم وهو بقصدي أعلم **
____________________
(3/412)


( وهو إذا يجمع لي ** أمنا ومنا أكرم )
فقال خاطرك خاطر شيطان ولك المن والأمان فأقام في إحسانه بأوطانه حتى خلع عن ملكه وسلطانه
ولما أنشده عمر بن الشهيد قصيدته التي يقول فيها
( سبط البنان كأن كل غمامة ** قد ركبت في راحتيه أناملا )
( لا عيش إلا حيث كنت وإنما ** تمضي ليالي العمر بعدك باطلا ) التفت إلى من حضر من الشعراء وقال هل فيكم من يحسن أن يجلب القلوب بمثل هذا فقال أبو جعفر بن الخراز البطرني نعم ولكن للسعادة هبات وقد أنشدت مولانا قبل هذا أبياتا أقول فيها
( وما زلت أجني منك والدهر ممحل ** ولا ثمر يجنى ولا الزرع يحصد )
( ثمار أياد دانيات قطوفها ** لأغصانها ظل علي ممدد )
( يرى جاريا ماء المكارم تحتها ** وأطيار شكري فوقهن تغرد )
فارتاح المعتصم وقال أأنت أنشدتني هذا قال نعم قال والله كأنها ما مرت بسمعي إلى الآن صدقت للسعد هبات ونحن نجيزك عليها بجائزتين الأولى لها والثانية لمطل راجيها وغمط إحسانها انتهى
____________________
(3/413)


وقال بعض ذرية ملوك إشبيلية
( نثر الورد بالخليج وقد درجه ** بالهبوب مرالرياح )
( مثل درع الكمي مزقها الطعن ** فسالت بها دماء الجراح )
وقال ابن صارة في النارنج
( كرات عقيق في غصون زبرجد ** بكف نسيم الريح منها صوالج )
نقلبها طورا وطورا نشمها ** فهن خدود بيننا ونوافج ) أشعارابن الزقاق
وقال أبو الحسن بن الزقاق ابن أخت ابن خفاجة
( وما شق وجنته عابثا ** ولكنها آية للبشر )
( جلاها لنا الله كيما نرى ** بها كيف كان انشقاق القمر ) وقال
( ضربوا ببطن الواديين قبابهم ** بين الصوارم والقنا المياد )
( والورق تهتف حولهم طربا بهم ** فبكل محنية ترنم شادي )
( يا بانة الوادي كفى حزنا بنا ** أن لا نطارح غير بانة وادي )
وقال
( نحن في مجلس به كمل الأنس ** ولو زرتنا لزاد كمالا
____________________
(3/414)

طلعت فيه من كؤوس الحميا ** ومن الزهر أنجم تتلالا )
( غير أن النجوم دون هلال ** فلتكن منعما لهن الهلالا )
وقال
( هويتها سمراء غنت وانثنت ** فنظرت من ورقاء في أملودها )
( تشدو ووسواس الحلي يجيبها ** مهما انثنت في وشيها وعقودها )
( أو ليس من بدع الزمان حمامة ** غنت فغنى طوقها في جيدها ) وقال
( لئن بكيت دما والعزم من شيمي ** على الخليط فقد يبكي الحسام دما ) أشعار للحجام
وقال أبو تمام غالب بن رباح الحجام في دولاب طار منه لوح فوقف
( وذات شدو وما لها حلم ** كل فتى بالضمير حياها )
( وطار لوح بها فأوقفها ** كلمحة العين ثم أجراها )
وكان المذكور ربي في قلعة رباح غربي طليطلة ولا يعلم له أب وتعلم الحجامة فأتقنها ثم تعلق بالأدب حتى صار آية وهو القائل في ثريا الجامع
( تحكي الثريا في تألقها ** وقد عراها نسيم فهي تتقد )
____________________
(3/415)


( كأنها لذوي الإيمان أفئدة ** من التخشع جوف الليل ترتعد ) وقال
( زرت الحبيب ولا شيء أحاذره ** في ليلة قد لوت بالغمض أشفارا )
( في ليلة خلت من حسن كواكبها ** دراهما وحسبت البدر دينارا )
وقال في الثريا أيضا
( انظر إلى سرج في الليل مشرقة ** من الزجاج تراها وهي تلتهب )
( كأنها ألسن الحيات قد برزت عند الهجير فما تنفك تضطرب وقال
( ترى النسر والقتلى على عدد الحصى ** وقد مزقت لترائبا )
( مضرجة مما أكلن كأنها ** عجائز بالحنا خضبن ذوائبا )
وقال وقد ابدع غاية الإبداع وأتى بما يحير الألباب وإن كان أبو نواس فاتح هذا الباب
( وكأس ترى كسرى بها في قرارة ** غريقا ولكن في خليج من الخمر )
( وما صورته فارس عبثا به ** ولكنهم جاؤوا بأخفى من السحر )
( أشاروا بما كانوا له في حياته ** فنومي إليه بالسجود وما ندري ) وما أحلى قوله
( الأقحوان رمى عليك ظلامة ** لما عنفت عليه بالمسواك )
____________________
(3/416)


( لا يحمل النور الأنيق تمسه ** كف بعود بشامة وأراك )
( وجلاؤه المخلوق فيه قد كفى ** من أن يراع عراره بسواك ) وقوله
( صغار الناس أكثرهم فسادا ** وليس لهم لصالحة نهوض )
( ألم تر في سباع الطير سرا ** تسالمنا ويأكلنا البعوض )
وقد بلغ غاية الإحسان في قوله
( فما للملك ليس يرى مكاني ** وقد كحلت لواحظه بنوري )
( كذا المسواك مطرحا مهانا ** وقد أبقى جلاء في الثغور )
ومن حسناته قوله
( لي صاحب لا كان من صاحب ** فإنه في كبدي جرحه )
( يحكي إذا أبصر لي زلة ** ذبابة تضرب في قرحه )
ولقيه أبو حاتم الحجاري على فرس في غاية الضعف والرذالة قد أهلكها الوجى وكانا في جماعتين فقال له يا أبا تمام أنشدني قولك
( وتحتي ريح تسبق الريح إن جرت ** وما خلت أن الريح ذات قوائم )
( لها في المدى سبق إلى كل غاية ** كأن لها سبقا يفوق عزائمي )
( وهمة نفسي نزهتها عن الوجى ** فيا عجبا حتى العلا في البهائم )
فلما انشده إياها رد رأسه أبو حاتم إلى الجماعتين وقال ناشدتكم الله
____________________
(3/417)

أيجوز لحجام على فرس مثل هذه الرمكة الهزيلة العرجاء أن يقول مثل هذا فضحك جميع من حضر وأقبل أبو تمام في غيظه يسبه
ومن شعر الحجام المذكور قوله
( لا يفخر السيف والأقلام في يده ** قد صار قطع سيوف الهند للقصب )
( فإن يكن أصلها لم يقو قوتها ** فإن في الخمر معنى ليس في العنب ) وقال
( ثقلت على الأعداء إلا أنها ** خفت على السباب والإبهام )
( أخذت من الليل البهيم سواده ** وبدت تنمق أوجه الأيام ) وقال
( نظر الحسود فازدرى لي هيئة ** والفضل مني لا يزال مبينا )
( قبحت صفاتي من تغير وده ** صدأ المراة يقبح التحسينا ) وقال
( تصبر وإن أبدى العدو مذمة ** فمهما رمى ترجع إليه سهامه )
( كما يفعل النحل الملم بلسعه ** يريد به ضرا وفيه حمامه ) وقال
( وبارد الشعر لم يؤلم به ولقد ** أضر منه جميع الناس واعتزلا )
( كأنه الصل لا تؤذيه ريقته ** حتى إذا مجها في غيره قتلا )
____________________
(3/418)


وقال أبو بكر محمد بن أزرق
( هل علم الطائر في أيكه ** بأن قلبي للحمى طائر )
( ذكرني عهد الصبا شجوه ** وكل صب للصبا ذاكر )
( سقى عهود لهم بالحمى ** دمع له ذكرهم ناثر )
وقال أبو جعفر بن أزرق
( أراك ملكت الخافقين مهابة ** بها ما تلح الشهب بالخفقان )
( وتغضي العيون عن سناك كأنها ** تقابل منك الشمس في اللمعان )
( وتصفر ألوان العداة كأنما ** رموا منك طول الدهر باليرقان )
وقال أبو القاسم ابن أزرق
( ذاك الزمان الذي تقضى ** يا ليته عاد منه حين )
( بكل عمري الذي تبقى ** وما أنا في الشراغبين )
راشد بن عريف الكاتب
( جمع في مجلس ندامى ** تحسدني فيهم النجوم )
( فقال لي منهم نديم ما لك إذ قمت لا تقوم )
( فقلت إن قمت كل حين ** فإن حظي بكم عظيم )
( وليس عندي إذن ندامى ** بل عندي المقعد المقيم )
____________________
(3/420)


وقال الحسيب أبو جعفر بن عائش
( ولي أخ أورده سلسلا ** لكنه يوردني مالحا )
ألقاه كي أبسطه ضاحكا ويلتقيني أبدا كالحا )
( وليس ينفك عنائي به ** ما رمت من فاسده صالحا )
قال الحجاري وكتب إلى جدي إبراهيم في يوم صحو بعد مطر
( إذا رأيت الجو يصحو فلا ** تصح سقاك الله من سكر )
( تعال فانظر لدموع الندى ** ما فعلت في مبسم الزهر )
( ولا تقل إنك في شاغل ** فليس هذا آخر الدهر )
( يخلف ما فات سوى ساعة ** تقنص فيها لذة الخمر ) فأجابه
( لبيك لبيك ولو أنني ** أسعى على الرأس إلى مصر )
( فكيف والدار جواري وما ** عندي من شغل ولا عذر )
( ولو غدا لي ألف شغل بلا ** عذر تركت الكل للحشر )
( وكلما أبصرني ناظر ** ببابكم عظم من قدري )
( أنا الذي يشربها دائما ** ماحضرت في الصحو والقطر )
( وليس نقلي أبدا بعدها ** إلا الذي تعهد من شكري
قال الحجاري ولم يقصر جدي في جوابه ولكن ابن عائش أشعر منه في ابتدائه ولو لم يكن له إلا قوله ( ( تعال فانظر - إلخ ) ) لكفاه ] قال وفيه يقول جدي إبراهيم يمدحه
____________________
(3/421)


( ولو كان ثان في الندى لابن عائش ** لما كان في شرق وغرب أخو فقر )
( يهش إلى الأمداح كالغصن للصبا ** وبشر محياه ينوب عن الزهر )
( فيا رب زد في عمره إن عمره ** حياة أناس قد كفوا كلفة الدهر )
وقتله ابن مسعدة ملك وادي الحجارة الثائر بها ولما قدمه ليقتله قال ارفق علي حتى أخاصم عن نفسي فقال على لسانك قتلناك فقال له لا رفق الله عليك يوم تحتاج إلى رفقه فقال بجبروته ما رهبنا السيوف الحداد نرهب دعاء الحساد
وقال أبو علي الحسن علي بن شعيب
( انزعي الوشي فهو يستر حسنا ** لم تحزه برقمهن الثياب )
( ودعيني عسى أقبل ثغرا ** لذ فيه اللمى وطاب الرضاب )
( وعجيب أن تهجريني ظلما ** وشفيعي إلى صباك الشباب )
وقال أخوه أبو حامد الحسين حين كبا به فرسه فحصل في اسر العدو
( وكنت أعد طرفي للرزايا ** يخلصني إذا جعلت تحوم )
( فأصبح للعدا عونا لأني ** أطلت عناءه فأنا الظلوم )
( وكم دامت مسراتي عليه ** وهل شيء على الدنيا يدوم )
وقال أبو الحسن علي بن رجاء صاحب دار السكة والأحباس بقرطبة
____________________
(3/422)


( يا سائلي عن حالتي إنني ** لا أشتكي حالي لمن يضعف )
( مع أنني أحذر من نقده ** لا سيما إن كان لا ينصف )
وأنشد له الحميدي في ( ( الجذوة ) )
( قل لمن نال عرض من لم ينله ** حسبنا ذو الجلال والإكرام )
( لم يزدني شيئا سوى حسنات ** لا ولا نفسه سوى آثام )
( كان ذا منعة فثقل ميزاني ** بهذا فصار من خدامي )
وقال أبو محمد القاسم بن الفتح
( أيام عمرك تذهب ** وجميع سعيك يكتب )
( ثم الشهيد عليك منك ** فأين أين المهرب )
وقال أبو مروان عبد الملك بن غصن
( فديتك لا تخف مني سلوا ** إذا ما غير الشعر الصغارا )
( أهيم بدن خمر صار خلا ** وأهوى لحية كانت عذارا )
وقال
( قد ألحف الغيم بانسكابه ** والتحف الجو في سحابه )
( وقام داعي السرور يدعو ** حي على الدن وانتهابه )
( وتاه فيه النديم مما ** يزدحم الناس عند بابه )
( وكان أحد الأعلام في الآداب والتاريخ والتأليف
____________________
(3/423)


ونقم عليه المأمون بن ذي النون بسبب صحبته لرئيس بلده ابن عبيدة وبلغه أنه يقع فيه فنكبه أشر نكبة وحبسه فكتب إليه من السجن
( فديتك هل لي منك رحمى لعلني ** أفارق قبرا في الحياة فأنشر )
( وليس عقاب المذنبين بمنكر ** ولكن دوام السخط والعتب ينكر )
( ومن عجب ** قول العداة مثقل )
( ومثلي في إلحاحه الدهر يعذر ** )
وألف للمأمون رسالة ( ( السجن والمسجون والحزن والمحزون ) ) ورسالة أخرى سماها ب ( ( العشر كلمات ) ) وقال
( يا فتية خيرة فدتهم ** من حادثات الزمان نفسي )
( شربهم الخمر في بكور ** ونطقهم عندها بهمس )
( أما ترون الشتاء يلقي ** في الأرض بسطا من الدمقس )
( مقطب عابس ينادي ** يوم سرور ويوم أنس ) وقال عنه الحميدي في الجذوة أنه شاعر أديب دخل المشرق وتأدب وحج ورجع وشعره كثير وله أبيات كتبها في طريق الحج إلى أحد القضاة
( يا قاضيا عدلا كأن أمامه ** ملك يريه واضح المنهاج )
( طافت بعبدك في بلادك علة ** قعدت به عن مقصد الحجاج )
( واعتل في البحر الأجاج فكن له ** بحرا من المعروف غير أجاج ) وقال الزاهد الورع المحدث أبو محمد إسماعيل ابن الديواني
____________________
(3/424)


( ألا أيها العائب المعتدي ** ومن لم يزل مؤذيا ازدد )
( مساعيك يكتبها الكاتبون ** فبيض كتابك أو سود )
وقال ابنه أبو بكر محمد
( خاصم عدوك باللسان ** وإن قدرت فبالسنان )
( إن العداوة ليس يصلحها ** الخضوع مدى الزمان )
وقال إبراهيم الحجاري جد صاحب المسهب
( لئن كرهوا يوم الوداع فإنني ** أهيم به وجدا من اجل عناقه )
( أصافح من أهواه غير مساتر ** وسر التلاقي مودع في فراقه )
وقال
( كن كما شئت إنني لا أحول ** غير مصغ لما يقول العذول )
( لك والله في الفؤاد محل ** ما إليه مدى الزمان وصول )
( ومرادي بأن تزور خفيا ** ليت شعري متى يكون السبيل )
وقال
( قد توالت في حالتينا الظنون ** فلنصدق ما كذبته العيون )
( ومرادي بأن تلوح بأفقي ** بدر تم وذاك ما لا يكون )
( أنا قد قلت ما دعاني إليه ** كثرة اليأس والحديث شجون )
( وإذا شئت أن تسفه رأيي ** فمحلي من الرقيب مصون وبه ما تشاء من كل معنى ** كل من لم يجب له مجنون )
____________________
(3/425)


( وإلى كم تضل ليل الأماني ** ومن اليأس لاح صبح مبين ) وقال
( سألته عن أبيه ** فقال خالي فلان )
( فانظر عجائب ما قد ** أتت به الأزمان )
( دهر عجيب لديه ** عن المعالي حران )
( فما له غير ذم ** كما تدين تدان )
وقال الكاتب العالم أبو محمد ابن خيرة الإشبيلي صاحب كتاب الريحان والريعان يمدح السيد أبا حفص ملك إشبيلية ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي من قصيدة
( كأنما الأفق صرح والنجوم به ** كواعب وظلام الليل حاجبه )
( وللهلال اعتراض في مطالعه ** كأنه أسود قد شاب حاجبه )
( وأقبل الصبح فاستحيت مشارقه ** وأدبر الليل فاستخفت كواكبه )
( كالسيد الماجد الأعلى الهمام أبي ** حفص لرحلته ضمت مضاربه )
وأنشد له ابن الإمام في سمط الجمان
( رعيا لمنزله الخصيب وظله ** وسقى الثرى النجدي سح ربابه )
( واها على ساداته لا أدعي ** كلفا بزينبه ولا بربابه )
ويعرف رحمه الله تعالى بابن المواعيني
____________________
(3/426)


وقال ابنه أبو جعفر أحمد
( يا أخي هاتها وحجب سناها ** عن مثير بها جنونا وسخفا )
( هذه الشمس إن بدت لضعيف العين ** زادت في ذلك الضعف ضعفا )
( إنما يشرب المدامة من إن ** خشنت كفه جفاها وكفا )
وكتب الوزير أبو الوليد إسماعيل بن حبيب الملقب بحبيب إلى أبيه لما خلق الربيع من أخلاقك الغر وسرق زهره من شيمك الزهر حسن في كل عين منظره وطاب في كل سمع خبره وتاقت النفوس إلى الراحة فيه ومالت إلى الإشراف على بعض ما يحتويه من النور الذي بسط على الأرض حللا لا ترى في أثنائها خللا سلوك نثرت على الثرى وقد ملئت مسكا وعنبرا إن تنسمتها فأرجة أو توسمتها فبهجة
( فالأرض في بزة من يانع الزهر ** تزري إذا قستها بالوشي والحبر )
( قد أحكمتها أكف المزن واكفة ** وطرزتها بما تهمي من الدرر )
( تبرجت فسبت منا العيون هوى ** وفتنة بعد طول الستر والخفر )
فأوجد لي سبيلا إلى أعمال بصري فيها لأجلو بصيرتي بمحاسن نواحيها والفصل على أن يكمل أوانه ويتصرم وقته وزمانه فلا تخلني من بعض التشفي منه لأصدر نفسي متيقظة عنه فالنفوس تصدأ كما يصدأ الحديد ومن سعى في جلائها فهو الرشيد السديد
____________________
(3/427)


ومن شعره يصف وردا بعث به إلى أبيه
( يا من تأزر بالمكارم وارتدى ** بالمجد والفضل الرفيع الفائق )
( انظر إلى خد الربيع مركبا ** في وجه هذا المهرجان )
( الرائق ورد تقدم إذ تأخر واغتدى ** في الحسن والإحسان أول سابق )
( وأفاك مشتملا بثوب حيائه ** خجلا لأن حياك آخر لاحق ) وله
( أتى الباقلاء الباقل اللون لابسا ** برود سماء من سحائبها غذي )
( ترى نوره يلتاح في ورقاته ** كبلق جياد في جلال زمرد ) وقال
( إذا ما أدرت كؤوس الهوى ** ففي شربها لست بالمؤتلي )
( مدام تعتق بالناظرين ** وتلك تعتق بالأرجل )
وكان وهو ابن سبع عشرة سنة ينظم النظم الفائق وينثر النثر الرائق وأبو جعفر بن الأبار هو الذي صقل مرآته وأقام قناته وأطلعه شهابا ثاقبا وسلك به إلى فنون الآداب طريقا لاحبا وله كتاب سماه ب البديع في فصل الربيع جمع فيه أشعار أهل الأندلس خاصة أعرب فيه عن أدب غزير وحظ من الحفظ موفور وتوفي وهو ابن اثنتين وعشرين سنة واستوزره داهية الفتنة ورحى المحنة قاضي إشبيلية عباد جد المعتمد ولم يزل يصغي إلى مقاله ويرضى بفعاله وهو ما جاوز العشرين إذ ذاك
____________________
(3/428)

وأكثر نظمه ونثره في الأزاهر وذلك يدل على رقة نفسه رحمه الله تعالى
وقال الوزير الكاتب أبو الحسن علي بن حصن وزير المعتضد بن عباد
( علي أن أتذلل ** له وأن يتدلل )
( خد كأن الثريا ** عليه قرط مسلسل )
وقال
( طل على خده العذار ** فافتضح الآس والبهار )
( وابيض هذا واسود هذا ** فاجتمع الليل والنهار )
وقال الوزير أبو الوليد بن طريف في المعتمد بعد خلعه
( يا آل عباد ألا عطفة ** فالدهر من بعدكم مظلم )
( من الذي يرجى لنيل العلا ** ومن إليه يفد المعدم )
( ما أنكر الدهر سوى أنه ** بجودكم في فعله يرغم
وله
( من حلقت لحية جار له ** فليسكب الماء على لحيته )
وقد أجرينا في هذا الكتاب ذكر جملة من أخبار المعتمد بن عباد ونظمه في أماكن متعددة فلتراجع ومن نظمه
( ثلاثة منعتها عن زيارتنا ** خوف الرقيب وخوف الحاسد الحنق )
____________________
(3/429)


( ضوء الجبين ووسواس الحلي وما ** تحوي معاطفها من عنبر عبق )
( هب الجبين بفضل الكم تستره ** والحلي تنزعه ما حيلة العرق )
وقال
( يوم يقول الرسول قد أذنت ** فأت على غير رقبة ولج )
( أقبلت أهوي إلى رحالهم ** أهدى إليها بريحها الأرج ) وقالوا ويستدل على الملوكية بالطيب في المواطن التي يكون الناس فيها غير معروفين كالحمام ومعارك الحرب ومواسم الحج
رجع إلى ما كنا فيه وقال أبو العباس أحمد الخزرجي القرطبي
( وفي الوجنات ما في الروض لكن ** لرونق زهرها معنى عجيب )
( وأعجب ما التعجب منه أني ** أرى البستان يحمله قضيب )
وقال الوزير أبو أيوب سليمان بن أبي أمية يخاطب رئيسا قد بلغه عن بعض أصحابه كلام فيه غض منه
( هون عليك كلامه ** واسمح له فيمن سمح )
( ماذا يسوءك إن هجا ** ماذا يسرك إن مدح )
( أو ما علمت بلى جهلت ** بأنه غل طفح )
( وخفي حقد كامن ** دابوا له حتى اتضح )
____________________
(3/430)

هذا بمستن الوقار ** فكيف لو دار القدح )
( فاشكر عوارف ذي الجلا ل بما وقى وبما منح )
وقال أبو علي عمر بن أبي خالد يخاطب أبا الحسن علي بن الفضل
( أبا حسن وما قدمت عهود ** لنا بيبن المنارة والجزيره )
( أتذكر أنسنا والليل داج ** بخمر في زجاجتها منيره )
( إذا الملاح ضل رنا إليها ** فأبصر في مناحيه مسيره )
وقال الكاتب عبد الله المهيريس وكان حلو النادرة لما شرب عند الوزير أبي العلاء ابن جامع وقد نظر إلى فاختة فأعجبه حسنها ولحنها
( ألا خذها إليك أبا العلاء ** حلى الأمداح ترفل في الثناء )
( وهبها قينة تجلى عروسا ** خضيب الكف قانية الرداء )
( لأجعلها محل جليس أنسي ** وأغنى بالهديل عن الغناء )
وحكي أنه ناوله ليمونة وأمره بالقول فيها فقال
( أهدى إلي بروضة ليمونة ** وأشار بالتشبيه فعل السيد )
( فصمت حينا ثم قلت كجلجل ** من فضة تعلوه صفرة عسجد )
وقال الكاتب أبو بكر بن البناء يرثي أحد بني عبد المؤمن وقد عزل من بلنسية وولي إشبيلية فمات بها
( كأنك من جنس الكواكب كنت لم ** تفارق طلوعا حالها وتواريا )
____________________
(3/431)


( تجليت من شرق تروق تلألؤا ** فلما انتحيت الغرب أصبحت هاويا ) وكان محمد بن مروان بن زهر - كما في المغرب والمسهب والمطرب وقد قدمنا بعض أخباره - منشأ الدولة العبادية وأول من تثنى عليه الخناصر وتستحسنه البواصر فضاقت الدولة العبادية عن مكانه وأخرج عن بلده فاستصفيت أمواله فلحق بشرق الأندلس وأقام فيه بقية عمره ونشأ ابنه الوزير أبو مروان عبد الملك بن محمد فما بلغ أشده حتى سد مسده ومال إلى التفنن في أنواع التعاليم من الطب وغيره ورحل إلى المشرق لأداء الفرض فملأ البلاد جلالة ونشأ ابنه أبو العلاء زهر بن عبد الملك فاخترع فضلا لم يكن في الحساب وشرع نبلا قصرت عنه نتائج أولي الألباب ونشأ بشرق الأندلس والآفاق تتهادى عجائبه والشام والعراق تتدارس بدائعه وغرائبه ومال إلى علم الأبدان فلولا جلالة قدره لقلنا جاذب هاروت طرفا من سحره ولولا أن الغلو آفة المديح لتجاوزت طلق الجموح ولكنني اكتفيت بالكناية عن التصريح ولم يزل مقيما بشرق الأندلس إلى أن كان من غزاة أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ومن انضم إليه من ملوك الطوائف ما علم وشخص أبو العلاء معهم فلقيه المعتمد بن عباد واستماله واستهواه وكاد يغلب على هواه وصرف عليه أملاكه فحن إلى وطنه حنين النيب إلى عطنه والكريم إلى سكنه ونزع إلى مقر سلفه نزوع الكوكب إلى بيت شرفه إلا أنه لم يستقر بإشبيلية إلا بعد خلع المعتمد وحل عند يوسف بن تاشفين محلا لم يحله الماء من العطشان ولا الروح من جسد الجبان ولما كتب إليه حسام الدولة ابن رزين ملك السهلة بقوله
( عاد اللئيم فأنت من أعدائه ** ودع الحسود بغله وبذائه )
____________________
(3/432)


( لا كان إلا من غدت أعداؤه ** مشغولة أفواههم بجفائه )
( أأبا العلاء لئن حسدت لطالما ** حسد الكريم بجوده ووفائه )
( فخر العلاء فكنت من آبائه ** وزها السناء فكنت من أبنائه )
( كن كيف شئت مشاهدا أو غائبا ** لا كان قلب لست في سودائه ) أجابه بقوله
( يا صارما حسم العدا بمضائه ** وتعبد الأحرار حسن وفائه )
( ما أثر العضب الحسام بذاته ** إلا بأن سميت من أسمائه )
وكلفه الحسام المذكور القول في غلام قائم على رأسه وقد عذر فقال
( محيت آية النهار فأضحى ** بدر تم وكان شمس نهار )
( كان يعشي العيون نارا إلى أن ** أشغل الله خده بالعذار ) وقال
( عذار ألم فأبدى لنا ** بدائع كنا لها في عمى )
( ولو لم يجن النهار الظلام ** لم يستبن كوكب في السما )
وقال
( يا راشقي بسهام ما لها غرض ** إلا الفؤاد وما منه له عوض )
( وممرضي بجفون لحظها غنج ** صحت وفي طبعها التمريض والمرض )
( امنن ولو بخيال منك يؤنسني ** فقد يسد مسد الجوهر العرض )
وهذا معنى في غاية الحسن
وكان بينه وبين الإمام أبي بكر بن باجة - بسبب المشاركة - ما يكون
____________________
(3/433)

بين النار والماء والأرض والسماء ولما قال فيه ابن باجة
( يا ملك الموت وابن زهر ** جاوزتما الحد والنهايه )
( ترفقا بالورى قليلا ** في واحد منكما الكفايه ) قال أبو العلاء
( لا بد للزنديق أن يصلبا ** شاء الذي يعضده أو أبى )
( قد مهد الجذع له نفسه ** وسدد الرمح إليه الشبا )
والذي يعضده مالك بن وهيب جليس أمير المسلمين وعالمه
وأما حفيده أبو بكر محمد بن عبد الملك بن زهر فهو وزير إشبيلية وعظيمها وطبيبها وكريمها ومن شعره
( رمت كبدي أخت السماء فأقصدت ** ألا بأبي رام يصيب ولا يخطي )
( قريبة ما بين الخلاخيل إن مشت ** بعيدة ما بين القلادة والقرط )
( نعمت بها حتى أتيحت لنا النوى ** كذا شيم الأيام تأخذ ما تعطي )
وتوفي سنة خمس وتسعين وخمسمائة وأمر أن يكتب على قبره
( تأمل بفضلك يا واقفا ** ولاحظ مكانا دفعنا إليه )
( تراب الضريح على صفحتي ** كأني لم أمش يوما عليه )
( أداوي الأنام حذار المنون ** فها أنا قد صرت رهنا لديه )
رحمه الله تعالى وعفا عنه
وفي هذه الأبيات إشارة إلى طبه ومعالجته للناس رحمه الله تعالى وقد ذكرنا بعض أخباره في غير هذا الموضع
____________________
(3/434)

وقال أبو الوليد ابن حزم
( مرآك مرآك لا شمس ولا قمر ** وورد خديك لا ورد ولا زهر )
( في ذمة الله قلب أنت ساكنه ** إن بنت بان فلا عين ولا أثر )
وقال
( لله أيام على وادي القرى ** سلفت لنا والدهر ذو ألوان )
( إذ نجتني في ظله ثمر المنى ** والطير ساجعة على الأغصان )
( والشمس تنظر من محاجر أرمد ** والطل يركض في النسيم الواني )
( فلثمت فاه والتزمت عناقه ** ويد الوصال على قفا الهجران )
وقال ابن عبد ربه
( يا قابض الكف لا زالت مقبضة ** فما أناملها للناس أرزاق )
( وغب إذا شئت حتى لا ترى أبدا ** فما لفقدك في الأحشاء إقلاق )
وقال في المدح
( وما خلقت كفاك إلا لأربع ** عقائل لم تخلق لهن يدان )
( لتقبيل أفواه وإعطاء نائل ** وتقليب هندي وحبس عنان )
وقال الكاتب أبو عبد الله بن مصادق الرندي الأصل
( صارمته إذ رأت عارضه ** عاد من بعد الشباب أشيبا )
____________________
(3/435)


( قلت ما ضرك شيب فلقد ** بقيت فيه فكاهات الصبا )
( هو كالعنبر غال نفحه ** وشذاه أخضرا أو أشهبا ) وقال
( ووردة وردت في غير موقتها ** والسحب قد هملت أجفانها هطلا )
( وإنما الروض لما لم يفد ثمرا ** يقريكه انفتحت في خده خجلا )
وله
( لم أحتفل لقدوم العيد من زمن ** قد كان يبهجني إذ كنت في وطني )
( لم ألق أهلي ولا إلفي ولا ولدي ** فليت شعري سروري واقع بمن )
وقال
( يقول لي العاذل تب عن هوى ** من ليس يدنيك إلى مطلب )
( وكيف لي والدين دين الهوى ** فلا أرى أرجح من مذهبي )
( أليس باب التوب قد سده ** طلوعه شمسا من المغرب )
وله
( امنع كرائمك الخروج ولا ** تظهر لذلك وجه منبسط )
( لا تعتبر منهن مسخطة ** نيل الرضى في ذلك السخط )
( أو لسن مثل الدر في شبه ** والدر من صدف إلى سفط ) الشمس ما يتوقع )
____________________
(3/436)


وقال المعتمد بن عباد
( تم له الحسن بالعذار ** واختلط الليل بالنهار )
( أخضر في أبيض تبدى ** فذاك آسي وذا بهاري )
( فقد حوى مجلسي تماما ** إن يك من ريقه عقاري )
وقال ابن فرج الجياني رحمه الله تعالى
( وطائعة الوصال صدرت عنها ** وما الشيطان فيها بالمطاع )
( بدت في الليل سافرة فباتت ** دياجي الليل سافرة القناع )
( وما من لحظة إلا وفيها ** إلى فتن القلوب لها دواعي )
( فملكت الهوى جمحات أمري ** لأجري في العفاف على طباعي )
( كذاك الروض ما فيه لمثلي ** سوى نظر وشم من متاع )
( ولست من السوائم مهملات ** فأتخذ الرياض من المراعي ) وقال
( بأيهما أنا في الشكر بادي ** بشكر الطيف أم شكر الرقاد )
( سرى فازداد لي أملي ولكن ** عففت فلم أنل منه مرادي )
( وما في النوم من حرج ولكن ** جريت مع العفاف على اعتيادي )
وقال الرصافي
( وعشي أنس للسرور وقد بدا ** من دون قرص
____________________
(3/437)

( سقطت فلم يملك نديمك ردها ** فوددت يا موسى لو أنك يوشع ) وقال ابن عبد ربه
( يراعة غرني منها وميض سنا ** حتى مددت إليها الكف مقتبسا )
( فصادفت حجرا لو كنت تضربه ** من لؤمه بعصا موسى لما انبجسا )
( كأنما صيغ من لؤم ومن كذب ** فكان ذاك له روحا وذا نفسا )
وقال ابن صارة في فروة
( أودت بذات يدي فرية أرنب ** كفؤاد عروة في الضنى والرقة )
( يتجشم الفراء من ترقيعها ** بعد المشقة في قريب الشقة )
( لو أن ما أنفقت في ترقيعها ** يحصى لزاد على رمال الرقة )
( إن قلت بسم الله عند لباسها ** قرأت علي إذا السماء انشقت )
وقال الغزال
( والمرء يعجب من صغيرة غيره ** أي امرئ إلا وفيه مقال )
( لسنا نرى من ليس فيه غميزة ** أي الرجال القائل الفعال )
وقال أبو حيان
( لا ترجون دوام الخير من أحد ** فالشر طبع وفيه الخير بالعرض )
( ولا تظن امرءا أسدى إليك ندى ** من أجل ذاتك بل أسداه للغرض )
____________________
(3/438)


وقال ابن شهيد
( ولما فشا بالدمع ما بين وجدنا ** إلى كاشحينا ما القلوب كواتم )
( أمرنا بإمساك الدموع جفوننا ** ليشجى بما نطوي عذول ولائم )
( أبى دمعنا يجري مخافة شامت ** فنظمه بين المحاجر ناظم )
( وراق الهوى منا عيونا كريمة ** تبسمن حتى ما تروق المباسم )
وقال في الانتحال
( وبلغت أقواما تجيش صدورهم ** علي وإني فيهم فارغ الصدر )
( أصاخوا إلى قولي فأسمعت معجزا ** وغاصوا على سري فأعجزهم أمري )
( فقال فريق ليس ذا الشعر شعره ** وقال فريق أيمن الله ما ندري )
( فمن شاء فليخبر فإني حاضر ** ولا شيء أجلى للشكوك من الخبر ) وينظر إلى مثل هذا قصة أبي بكر بن بقي حين استهدى من بعض إخوانه أقلاما فبعث إليه بثلاث من القصب وكتب معها
( خذها إليك أبا بكر العلا قصبا ** كأنما صاغها الصواغ من ورقه )
( يزهى بها الطرس حسنا ما نثرت بها ** مسك المداد على الكافور من ورقه ) فأجابه أبو بكر
( أرسلت نحوي ثلاثا من قنا سلب ** ميادة تطعن القرطاس في درقه )
( فالخط ينكرها والحظ يعرفها ** والرق يخدمها بالرق في عنقه )
____________________
(3/439)

فحسده عليه بعض من سمعه ونسبه إلى الانتحال فقال أبو بكر يخاطب صاحبه الأول
( وجاهل نسب الدعوى إلى كلمي ** لما رماه بمثل النبل في حدقه )
( فقلت من حنق لما تعرض لي ** من ذا الذي أخرج اليربوع من نفقه )
( ما ذم شعري وأيم الله لي قسم ** إلا امرؤ ليست الأشعار من طرقه )
( والشعر يشهد أني من كواكبه ** بل الصباح الذي يستن من أفقه )
وقال ابن شهيد أيضا في ضيف
( وما انفك معشوق الثناء يمده ** ببشر وترحيب وبسط بنان )
( إلى أن تشهى البين من ذات نفسه ** وحن إلى الأهلين حنة حاني )
( فأتبعته ما سد خلة حاله ** وأتبعني ذكرا بكل مكان )
وقال
( وبتنا نراعي الليل لم يطو برده ** ولم يجل شيب الصبح في فوده وخطا )
( تراه كملك الزنج من فرط كبره ** إذا رام مشيا في تبختره أبطا )
( مطلا على الآفاق والبدر تاجه ** وقد جعل الجوزاء في أذنه قرطا ) وقال ابن
وقال بعضهم في لباس أهل الأندلس البياض في الحزن مع أن أهل المشرق يلبسون فيه السواد
( ألا يا أهل أندلس فطنتم ** بلطفكم إلى أمر عجيب )
____________________
(3/440)


( لبستم في مآتمكم بياضا ** فجئتم منه في زي غريب )
( صدقتم فالبياض لباس حزن ** ولا حزن أشد من المشيب )
وقال أبو جعفر بن خاتمة
( هل جسوم يوم النوى ودعوها ** باقيات لسوء ما أودعوها )
( يا حداة القلوب ما العدل هذا ** أتبعوها أجسامها أو دعوها )
وقال القسطلي يصف هول البحر
( إليك ركبنا الفلك تهوي كأنها ** وقد ذعرت عن مغرب الشمس غربان )
( على لجج خضر إذا هبت الصبا ** ترامى بها فينا ثبير وثهلان )
( مواثل ترعى في ذراها مواثلا ** كما عبدت في الجاهلية أوثان )
( يقلن وموج البحر والهم والدجى ** يموج بها فيها عيون وآذان )
( ألا هل إلى الدنيا معاد وهل لنا ** سوى البحر قبر أو سوى الماء أكفان )
وقال الرمادي يهنئ ابن العطار الفقيه بمولود
( يهنيك ما زادت الأيام في عددك ** من فلذة برزت للسعد من كبدك )
( كأنما الدهر دهر كان مكتئبا ** من انفرادك حتى زاد في عددك )
( لا خلفتك الليالي تحت ظل ردى ** حتى ترى ولدا قد شب من ولدك )
وقال ابن صارة في النار
( هات التي للأيك أصل ولادها ** ولها جبين الشمس في الأشماس )
( يتقشع الياقوت في لباتها ** بوساوس تشفي من الوسواس )
____________________
(3/441)


( أنس الوحيد وصبح عين المجتلي ** ولباس من أمسى بغير لباس )
( حمراء ترفل في السواد كأنما ** ضربت بعرق في بني العباس )
وقال فيها أيضا
( لابنة الزند في الكوانين جمر ** كالدراري في الليلة الظلماء )
( خبروني عنها ولا تكذبوني ** ألديها صناعة الكيمياء )
( سبكت فحمها سبائك تبر ** رصعته بالفضة البيضاء )
( كلما ولول النسيم عليها ** رقصت في غلالة حمراء )
( سفرت عن جبينها فأرتنا ** حاجب الليل طالعا بالعشاء )
( لو ترانا من حولها قلت قوم ** يتعاطون أكؤس الصهباء )
وقال فيها الفقيه الأديب ابن لبال
( فحم ذكا في حشاه جمر ** فقلت مسك وجلنار )
( أو خد من قد هويت لما أطل ** من فوقه العذار )
وكان أبو المطرف الزهري جالسا في باب داره مع زائر له فخرجت عليهما من زقاق ثان جارية سافرة الوجه كالشمس الطالعة فحين نظرتهما على غفلة منها نفرت خجلة فرأى الزائر ما أبهته فكلفه وصفها فقال مرتجلا
____________________
(3/442)


( يا ظبية نفرت والقلب مسكنها ** خوفا لختلي بل عمدا لتعذيبي )
( لا تختشي فابن عبد الحق أنحلنا ** عدلا يؤلف بين الظبي والذيب )
وقال ابن شهيد
( أصباح لاح أم بدر بدا ** أم سنا المحبوب أورى زندا )
( هب من نعسته منكسرا ** مسبل للكم مرخ للردا )
( يمسح النعسة من عيني رشا ** صائد في كل يوم أسدا )
( قلت هب لي يا حبيبي قبلة ** تشف من همك تبريح الصدى )
( فانثنى يهتز من منكبه ** قائلا لا ثم أعطاني اليدا )
( كلما كلمني قبلته ** فهو ما قال كلاما رددا )
( قال لي يلعب صد لي طائرا ** فتراني الدهر أجري بالكدى )
( وإذا استنجزت يوما وعده ** قال لي يمطل ذكرني غدا )
( شربت أعضانه خمر الصبا ** وسقاه الحسن حتى عربدا )
( رشأ بل غادة ممكورة ** عممت صبحا بليل أسودا )
( أخجلت من عضة في نهدها ** ثم عضت حر وجهي عمدا )
( فأنا المجروح من عضتها ** لا شفاني الله منها أبدا )
وقال محمد بن هانئ في الشيب
( بنتم فلولا أن أغبر لمتي ** عبثا وألقاكم علي غضابا )
____________________
(3/443)


( لخضبت شيبا في مفارق لمتي ** ومحوت محو النقس عنه شبابا )
( وخضبت مبيض الحداد عليكم ** لو أنني أجد البياض خضابا )
( وإذا أردت على المشيب وفادة ** فاجعل مطيك دونه الأحقابا )
( فلتأخذن من الزمان حمامة ** ولتدفعن إلى الزمان غرابا )
وكتب ابن عمار إلى ابن رزين وقد عتب عليه أن اجتاز ببلده ولم يلقه
( لم تثن عنك عناني سلوة خطرت ** ولا فؤادي ولا سمعي ولا بصري )
( لكن عدتني عنكم خجلة خطرت ** كفاني العذر منها بيت معتذر )
( و اختصرتم من الإحسان زرتكم ** والعذب يهجر للأفراط في الخصر )
وقال ابن الجد
( وإني لصب للتلاقي وإنما ** يصد ركابي عن معاهدك العسر )
( أذوب حياء من زيارة صاحب ** إذا لم يساعدني على بره الوفر )
وقال ابن عبد ربه
( يا من عليه حجاب من جلالته ** وإن بدا لك يوما غير محجوب )
( ما أنت وحدك مكسوا ثياب ضنى ** بل كلنا بك من مضنى ومشحوب )
( ألقى عليك يدا للضر كاشفة ** كشاف ضر نبي الله أيوب )
____________________
(3/444)


وقال النحلي في مغنية
( ولاعبة الوشاح كغصن بان ** لها أثر بتقطيع القلوب )
( إذا سوت طريق العود نقرا ** وغنت في محب أو حبيب )
( فيمناها تقد بها فؤادي ** ويسراها تعد بها ذنوبي ) وقال ابن شهيد
( كلفت بالحب حتى لو دنا أجلي ** لما وجدت لطعم الموت من ألم )
( وعاقني كرمي عمن ولهت به ** ويلي من الحب أو ويلي من الكرم )
وكان بشريش صوفي حافظ للشعر فلا يعرض في مجلسه معنى إلا وهو ينشد عليه فاتفق أن عطس رجل بمجلسه فشمته الحاضرون فدعا لهم فرأى الصوفي أنه إن شمته قطع إنشاده بما لا يشاكله من النظم وإن لم يشمته كان تقصيرا في البر فرغب حين أصبح من الطلبة نظم هذا المعنى فقال الوزير الحسيب أبو عمرو بن أبي محمد
( يا عاطسا يرحمك الله إذ ** أعلنت بالحمد على عطستك )
( ادع لنا ** ربك يغفر لنا وأخلص النية في دعوتك )
( وقل له يا سيدي رغبتي ** حضور هذا الجمع في حضرتك )
( وأنت يا رب الندى والنوى ** بارك رب الناس في ليلتك )
( فإن يكن منكم لنا عودة ** فأنت محمود على عودتك )
____________________
(3/445)

وهذا الوزير المذكور كان يصرف شعره في أوصاف الغزلان ومخاطبات الإخوان وكتب إلى الشريشي شارح المقامات يستدعي منه كتاب العقد
( أيا من غدا سلكا لجيد معارفه ** ومن لفظه زهر أنيق لقاطفه )
( محبك أضحى عاطل الجيد فلتجد ** بعقد على لباته وسوالفه )
ووعك في بعض الأعياد فعاده من أعيان الطلبة جملة فلما هموا بالانصراف أنشدهم ارتجالا
( لله در أفاضل أمجاد ** شرف الندي بقصدهم والنادي )
( لما أشاروا بالسلام وأزمعوا ** أنشدتهم وصدقت في الإنشاد )
( في العيد عدتم وهو يوم عروبة ** يا فرحتي بثلاثة الأعياد )
قال الشريشي في شرح المقامات ولقد زرته في مرضه الذي توفي فيه رحمه الله تعالى أنا وثلاثة فتيان من الطلبة فسألني عنهم وعن آبائهم فلما أرادوا الانصراف ناول أحدهم محبرة وقال له اكتب وأملى عليه ارتجالا
( ثلاثة فتيان يؤلف بينهم ** ندي كريم لا أرى الله بينهم )
( تشابه خلق منهم وخليقة ** فإن قلت أين الحسن فانظره أين هم )
( وزينهم أستاذهم إذ غدا لهم ** معلم آيات فتمم زينهم )
( فإن خفت من عين ففي الكل فلتقل ** وقى الله رب الناس للكل عينهم )
وقال الشريشي حدثنا شيخنا أبو الحسين بن زرقون عن أبيه أبي عبد الله أنه قعد مع صهره أبي الحسن عبد الملك بن عياش
____________________
(3/446)

الكاتب على بحر المجاز وهو مضطرب الأمواج فقال له أبو الحسن أجز
( وملتطم الغوارب موجته ** بوارح في مناكبها غيوم )
فقال أبو عبد الله
( تمنع لا يعوم به سفين ** ولو جذبت به الزهر النجوم )
وكان لابن عبد ربه فتى يهواه فأعلمه أنه يسافر غدا فلما أصبح عاقه المطر عن السفر فانجلى عن ابن عبد ربه همه وكتب إليه
( هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر ** هيهات يأبى عليك الله والقدر )
( ما زلت أبكي حذار البين ملتهبا ** حتى رثى لي فيك الريح والمطر )
( يا برده من حيا مزن على كبد ** نيرانها بغليل الشوق تستعر )
( آليت أن لا أرى شمسا ولا قمرا ** حتى أراك فأنت الشمس والقمر )
وقال ابن عبد ربه
( صل من هويت وإن أبدى معاتبة ** فأطيب العيش وصل بين إلفين )
( واقطع حبائل خدن لا تلائمه ** فقلما تسع الدنيا بغيضين )
وقال أبو محمد غانم بن الوليد المالقي
( صير فؤادك للمحبوب منزلة ** سم الخياط مجال للمحبين )
( ولا تسامح بغيضا في معاشرة ** فقلما تسع الدنيا بغيضين )
وكان المتوكل صاحب بطليوس ينتظر وفود أخيه عليه من
____________________
(3/447)

شنترين يوم الجمعة فأتاه يوم السبت فلما لقيه عانقه وأنشده
( تخيرت اليهود السبت عيدا ** وقلنا في العروبة يوم عيد )
( فلما أن طلعت السبت فينا ** اطلت لسان محتج اليهود )
وقال أبو بكر بن بقي
( أقمت فيكم على الإقتار والعدم ) لو كنت حرا أبي النفس لم أقم )
( فلا حديقتكم يجنى لها ثمر ** ولا سماؤكم تنهل بالديم )
( أنا امرؤ إن نبت بي أرض أندلس ** جئت العراق فقامت لي على قدم )
( ما العيش بالعلم إلا حيلة ضعفت ** وحرفة وكلت بالقعدد البرم )
وقال الأبيض في الفقهاء المرائين
( أهل الرياء لبستم ناموسكم ** كالذئب يدلج في الظلام العاتم )
( فملكتم الدنيا بمذهب مالك ** وقسمتم الأموال بابن القاسم )
( وركبتم شهب البغال بأشهب ** وبأصبغ صبغت لكم في العالم ) وقال
( قل للإمام سنا الأئمة مالك ** نور العيون ونزهة الأسماع )
( لله درك من همام ماجد ** قد كنت راعينا فنعم الراعي )
( فمضيت محمود النقيبة طاهرا ** وتركتنا قنصا لشر سباع
____________________
(3/448)


( أكلوا بك الدنيا وأنت بمعزل ** طاوي الحشا متكفت الأضلاع )
( تشكوك دنيا لم تزل بك برة ** ماذا رفعت بها من الأوضاع )
وقال ابن صارة
( يا من يعذبني لما تملكني ** ماذا تريد بتعذيبي وإضراري )
( تروق حسنا وفيك الموت أجمعه ) كالصقل في السيف أو كالنور في النار ) وقال عبدون البلنسي
( يا من محياه جنات مفتحة ** وهجره لي ذنب غير مغفور )
( لقد تناقضت في خلق وفي خلق ** تناقض النار بالتدخين والنور )
وقال الوزير ابن الحكيم
( رسخت أصول علاكم تحت الثرى ** ولكم على خط المجرة دار )
( إن المكارم صورة معلومة ** أنتم لها الأسماع والأبصار )
( تبدو شموس الدجن من أطواقكم ** وتفيض من بين البنان بحار )
( ذلت لكم نسم الخلائق مثل ما ذلت لشعري فيكم الأشعار )
( فمتى مدحت ولا مدحت سواكم ** فمديحكم في مدحه إضمار )
وقال القاضي أبو جعفر بن برطال
____________________
(3/449)


( استودع الرحمن من لوداعهم قلبي وروحي آذنا بوداع بانوا وطرفي والفؤاد ومقولي باك ومسلوب العزاء وداع )
( فتول يا مولاي حفظهم ولا ** تجعل تفرقنا فراق وداع )
وقال ابن خفاجة
( وما هاجني إلا تألق بارق ** لبست به برد الدجنة معلما ) وهي طويلة
وقال من أخرى
( جمعت ذوائبه ونور جبينه ** بين الدجنة والصباح المشرق )
وقال ذو الوزارتين أبو الوليد ابن الحضرمي البطليوسي في غلام للمتوكل ابن الأفطس يرثيه
( غالته أيدي المنايا ** وكن في مقلتيه )
( وكان يسقي الندامى ** بطرفه ويديه )
( غصن ذوى وهلال ** جار الكسوف عليه )
وقال الفقيه العالم أبو أيوب سليمان بن محمد بن بطال البطليوسي عالمها في المذهب المالكي وقد تحاكم إليه وسيمان أشقر وأكحل فيمن يفضل بينهما
( وشادنين ألما بي على مقة ** تنازعا الحسن في غايات مستبق )
____________________
(3/450)


( كأن لمة ذا من نرجس خلقت ** على بهار وذا مسك على ورق )
( وحكما الصب في التفضيل بينهما ** ولم يخافا عليه رشوة الحدق )
( فقام يبدي هلال الدجن حجته ** مبينا بلسان منه منطلق )
( فقال وجهي بدر يستضاء به ** ولون شعري مقطوع من الغسق )
( وكحل عيني سحر للنهى وكذاك ** الحسن أحسن ما يعزى إلى الحدق )
( وقال صاحبه أحسنت وصفك لكن ** فاستمع لمقال في متفق )
( أنا على أفقي شمس النهار ولم ** تغرب وشقرة الشفق )
( وفضل ما عيب في العينين من زرق ** أن الأسنة قد تعزى إلى الزرق )
( قضيت للمة الشقراء حيث حكت ** نورا كذا يقضي على رمقي )
( فقام ذو اللمة السوداء يرشقني ** سهام أجفانه من شدة الحنق )
( وقال جرت فقلت الجور منك على ** قلبي ولي شاهد من دمعي الغدق )
( وقلت عفوك إذ أصبحت متهمنا ** فقال دونك هذا الحبل فاختنق ) وكان فيه ظرف وأدب وعنوان طبقته هذه الأبيات
وقال
( وغاب من الأكواس فيها ضراغم ** من الراح ألباب الرجال فريسها )
( قرعت بها سن الحلوم فأقطعت ** وقد كاد يسطو بالفؤاد رسيسها ) وله رحمه الله تعالى شرح البخاري وأكثر ابن حجر من النقل عنه في فتح الباري وله كتاب الأحكام وغير ذلك وترجمته شهيرة
وقال الأديب النحوي المؤرخ أبو إسحاق إبراهيم بن قاسم الأعلم البطليوسي صاحب التواليف التي بلغت نحو خمسين
____________________
(3/451)


( يا حمص لا زلت دارا ** لكل بؤس وساحه )
( ما فيك موضع راحه ** إلا وما فيه راحه ) وهو شيخ أبي الحسن بن سعيد صاحب المغرب وأنشده هذين البيتين لما ضجر من الإقامة بإشبيلية أيام فتنة الباجي
وقال الأديب الطبيب أبو الأصبغ عبد العزيز البطليوسي الملقب بالقلندر ( جرت مني الخمر مجرى دمي ** فجل حياتي من سكرها )
( ومهما دجت ظلم للهموم ** فتمزيقها بسنا بدرها )
وخرج يوما وهو سكران فلقي قاضيا في نهاية من قبح الصورة فقال سكران خذوه فلما أخذه الشرط قال للقاضي بفضل من ولاك على المسلمين بهذا الوجه القبيح عليك إلا ما أفضلت علي وتركتني فقال القاضي والله لقد ذكرتني بفضل عظيم ودرأ عنه الحد
وقال ابن جاخ الصباغ البطليوسي وهو من أعاجيب الدنيا لا يقرأ ولا يكتب
( ولما وقفنا غداة النوى وقد أسقط البين ما في يدي
( رأيت الهوادج فيها البدور ** عليها البراقع من عسجد )
( وتحت البراقع مقلوبها ** تدب على ورد خد ندي )
( تسالم من وطئت خده ** وتلدغ قلب الشجي المكمد )
____________________
(3/452)

وقال في المتوكل وقد سقط عن فرس
( لا عتب للطرف إن زلت قوائمه ** ولا يدنسه من عائب دنس )
( حملت جودا وبأسا فوقه ونهى ** وكيف حمل هذا كله الفرس )
وقال الشاعر المشهور بالكميت البطليوسي
( لا تلوموني فإني عالم ** بالذي تأتيه نفسي وتدع )
( بالحميا والمحيا صبوتي ** وسوى حبهما عندي بدع )
( فضل الجمعة يوما وأنا ** كل أيامي بأفراحي جمع ) وقال أبو عبد الله محمد بن البين البطليوسي وهو ممن يميل إلى طريقة ابن هانئ
( غصبوا الصباح فقسموه خدودا ** واستنهبوا قضب الأراك قدودا )
( ورأوا حصى الياقوت دون محلهم ** فاستبدلوا منه النجوم عقودا )
( واستودعوا حدق المها أجفانهم فسبوا بهن ضراغما وأسودا )
( لم يكفهم حمل الأسنة والظبى ** حتى استعاروا أعينا وقدودا )
( وتضافروا بضفائر أبدوا لنا ** ضوء النهار بليلها معقودا )
( صاغوا الثغور من الأقاحي بينها ** ماء الحياة لو اغتدى مورودا )
وكان عند المتوكل مضحك يقال له الخطارة فشرب ليلة مع المتوكل وكان في السقاة وسيم فوضع عينه عليه فلما كان وقت السحر دب إليه وكان بالقرب من المتوكل فأحس به فقال له ما هذا يا خطارة
____________________
(3/453)

فقال له يا مولاي هذا وقت تفرغ الخطارة الماء في الرياض فقال له لا تعد لئلا يكون ماء أحمر فرجع إلى نومه ولم يعد في ذلك كلمة بقية عمره معه ولا أنكر منه شيئا ولم يحدث بها الخطارة حتى قتل المتوكل رحمه الله تعالى
والخطارة صنف من الدواليب الخفاف يستقي به أهل الأندلس من الأودية وهو كثير على وادي إشبيلية وأكثر ما يباكرون العمل في السحر
وقال الوزير أبو زيد عبد الرحمن بن مولود
( أرني يوما من الدهر ** على وفق الأماني )
( ثم دعني بعد هذا ** كيفما شئت تراني
وقال أديب الأندلس وحافظها أبو محمد عبد المجيد بن عبدون الفهري اليابري وهو من رجال الذخيرة والقلائد وشهرته مغنية عن الزيادة يخاطب المتوكل وقد أنزله في دار وكفت عليه
( أيا ساميا من جانبيه كليهما ** سمو حباب الماء حالا على حال )
( لعبدك دار حل فيها كأنها ( ديار لسلمى عافيات بذي خال )
( يقول لها لما رأى من دثورها ** ألا عم صباحا أيها الطلل البالي )
( فقالت وما عيت جوابا بردها ** وهل يعمن من كان في العصر الخالي )
( فمر صاحب الإنزال فيها بعاجل ** فإن الفتى يهذي وليس بفعال )
وقال في جمع حروف الزيادة حسبما ذكره عنه في المغرب [ الطويل ] سألت الحروف الزائدات عن اسمها فقالت ولم تكذب أمان وتسهيل
____________________
(3/454)

ظوابط حروف الزيادة قلت وعلى ذكر حروف الزيادة فقد أكثر الناس في انتفاء الكلمات الضابطة لها وقد كنت جمعت فيها نحو مائة ضابط ولنذكر الآن بعضها فنقول منها ( ( أهوى تلمسانا ) ) ونظمتها فقلت
( قالت حروف زيادات لسائلها ** هل هويت بلدة أهوى تلمسانا )
وجمعها ابن مالك في بيت واحد بأربعة أمثلة من غير حشو وهو
( هناء وتسليم تلا يوم أنسه ** نهاية مسؤل أمان وتسهيل )
ومنها ( ( هويت السمان ) )
وحكي أن أبا عثمان المازني سئل عنه فأنشد
( هويت السمان فشيبنني ** وقد كنت قدما هويت السمانا )
فقيل له أجبنا فقال أجبتكم مرتين ويروى أنه قال سألتمونيها فأعطيتكم ثلاثة أجوبة هكذا حكاه بعض المحققين وهو أرق مما حكاه غير واحد على غير هذا الوجه ومنها ( ( سألتمونيها ) ) ومنها اليوم تنساه الموت ينساه أسلمني وتاه هم يتساءلون التناهي سمو تنمي وسائله أسلمي تهاون تهاوني أسلم التمس هواني ما سألت يهون مؤنس التياه لم يأتنا سهو يا أويس هل نمت نويت سؤالهم نويت مسائله سألتم هواني تأملها يونس أتاني وسهيل هوني مسألتها سألت ما يهون وسليمان أتاه تسأل من يهوى استملاني هو أسلمت وهناي هو استمالني سايل وأنت هم يا هول استنم أتاه وسليمان
قلت وليس هذا تكرارا مع السابق الذي هو ( ( وسليمان أتاه ) ) لأن التقديم والتأخير يصيرهما شيئين
ومنها الوسمي هتان أوليتم سناه واليتم أنسه أمسيت وناله أنله
____________________
(3/455)

توسيما أملتني سهوا أتوسل يمنها سألتهن يوما سألت يومنها سألت ما يوهن نهوي ما سألت يهون ما سألت وقد سبق ( ( سألت ما يهون ) ) وعدهما شيئين من أجل التقديم والتأخير كما مر نظيره ألا تنس يومه ليتأس ماؤه سله موتي أنا أنسته اليوم سألتم هوينا آوي من تسأله وهين ما سألت وهني ما سألت مسألتي نواه
ومنها مسألتي هاون سهوان يتألم أيلتم سهوان أو يلتم ناسه مسألتي أهون أو ميت تنساه سموتن إليها أمليت سهوان وسألتم هينا يهون ما تسأل أتلومن سهيا أسلم وانتهى يتأمل سهوان يتأمل ناسوه يتأملن سواه ايتأمل ونسوه الهوى أتنسم وليت ماه آسن تولين أسهما أتلوا سهمين أول ساهمتني أسماؤه تنيل يتأملنه سوا أو لم يتسناه آمن ويتساهل أمسيتن لهوا توسيمه لناء هو ما تسألين لأيها نتوسم أيهما نتوسل أتاني لسموه سميتهن أولا أولاهن سميت سلمتني أهوا أسلمتني هوا أو نستميلها أيستمهلونا هنأت الموسى سليم انتهوا وأنت سائلهم ساءلته ينمو تهنأ لا يسمو اسألي مؤنته سألتي موهنا التمسي هونا استملي أهون التناه موسى الهواء يتسنم نهوى ما تسأل ماؤه ليتأسن تنسمي الهواء تلومي إن سها ألمتني سهوا ستولينا أمه يتمهلون أسا أمهلتني سوا التناسي وهم أهويت سلمان هويت المأنس المأنس تهوي هويت أم ناسل أو ليس تم هنا استوهن أملي استهون ألمي استلمنا وهيأ أتسلمونيها أيتسلمونها ألا يتسمونه أليس توهمنا ألا يتسنموه فهذه مائة وأربعة وثلاثون تركيبا منها ما هو متين ومنها ما هو غير متين وقد جمع ابن خروف فيها اثنين وعشرين تركيبا محكيا وغير محكي وأحسنها بيت ابن عبدون السابق ويليه بيت ابن مالك وقال الطغمي جامعا لها أربع مرات
____________________
(3/456)


( آلمتني سهوا تلومي إن سها ** أو ليس تم هنا الهوا يتسنم )
هكذا بخطه يتسنم ولو قال يتنسم لكان أنسب وقال أيضا
( وليت ما سناه والتمسي هنا ** ما تسألين هو الهنا يتوسم )
قلت وقد جمعت في المغرب زيادة على ما تقدم وكنت قدرت رسالة فيها أسميها ( ( إتحاف أهل السيادة بضوابط حروف الزيادة
وقال أبو محمد عبد الله بن الليث يستدعي الوزير أبا الحسن اليابري في يوم غيم
( رقم الربيع بروضنا أزهاره ** فجرى على صفحاته أنهاره )
( فعسى تشرفنا ببهجة سيد ** ألقى على ليل الخطوب نهاره )
( تتمتع الآداب من نفحاته ** فيشم منها ورده وبهاره )
( يا سيدا بهر البرية سؤددا ** أبدى إلينا سره وجهاره )
( يوم أظل الغيم وجه ضيائه ** فعليك يا شمس العلا إظهاره )
وقال أبو القاسم بن الأبرش
( أدر كاس المدام فقد تغنى ** بفرع الأيك طائره الصدوح )
( وهب على الرياض نسيم صبح ** يمر كما دنا سار طليح )
( ومال النهر يشكو من حصاه ** جراحات كما أن الجريح )
وقال
( حلفت ويشهد دمعي بما ** أقاسيه من هجرك الزائد )
____________________
(3/457)


( فإن كنت تجحد ما أدعي ** وحاشاك تعرف بالجاحد )
( فإن النبي عليه السلام ** قضى باليمين مع الشاهد )
وقال أبو الحسن علي بن بسام الشنتريني صاحب الذخيرة وشهرته تغني عن ذكره ونظمه دون نثره يخاطب أبا بكر ابن عبد العزيز
( أبا بكر المجتبى للأدب ** رفيع العماد قريع الحسب )
( أيلحن فيك الزمان الخؤون ** ويعرب عنك لسان العرب )
( وإن لم يكن أفقنا واحدا ** فينظمنا شمل هذا الأدب )
وقد ذكرنا له في غير هذا المحل قوله
( ألا بادر فلا ثان سوى ما ** عهدت الكأس والبدر التمام ) الأبيات وتأخرت وفاته إلى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة وهو منسوب إلى ( ( شنترين ) ) من الكور الغربية البحرية من أعمال بطليوس
وقال أبو عمر يوسف بن كوثر
( مررت به يوما يغازل مثله ** وهذا على ذا بالملاحة يمتن )
( فقلت اجمعا في الوصل رأيكما فما ** لمثلكما كان التغزل والمجن )
( عسى الصب يقضي الله بينكما له ** بخير فقالا لي اشتهى العسل السمن )
وقال أبو محمد بن سارة
( أعندك أن البدر بات ضجيعي ** فقضيت أوطاري بغير شفيع
____________________
(3/458)


( جعلت ابنة العنقود بيني وبينه ** فكانت لنا أما وكان رضيعي ) وقال
( أيا من حارت الأوهام فيه ** فلم تعلم له الأقدار كنها )
( بجيد النبل منا عقد أنس ** أقام بغير واسطة فكنها )
وقال أبو الحسن بن منذر الأشبوني
( فديتك إني عن جنابك راحل ** فهل لي يوما من لقائك زاد )
( وحسبك والأيام خون غوادر ** فراق كما شاء العدا وبعاد )
( من شعر خلف القطيني 246 من شعر خلف القطيني وقال خلف بن هارون القطيني
( من أنبت الورد في خديك يا قمر ** ومن حمى قطفه إذ ليس مصطبر )
( الزهر في الروض مقرون بأزمنة ** وروض خدك موصول به الزهر )
وكان لابن الحاج صاحب قرطبة ثلاثة أولاد من أجمل الناس حسون وعزون ورحمون فأولع بهن الإمام أبو محمد بن السيد النحوي وقال فيهم
( أخفيت سقمي حتى كاد يخفيني ** وهمت في حب عزون فعزوني )
( ثم ارحمزني برحمون فإن ظمئت ** نفسي إلى ريق حسون فحسوني )
ثم خاف على نفسه فخرج من قرطبة هكذا رأيته بخط بعض المؤرخين والله أعلم
____________________
(3/459)


وقال ابن خفاجة يداعب من بقل عذاره
( التائه مهلا ** ساءني أن تهت جهلا )
( هل ترى ** فيما ترى ** إلا شبابا قد تولى )
( وغراما قد تسرى ** وفؤادا قد تسلى )
( أين دمع فيك يجري ** أين جنب يتقلى )
( أين نفس بك تهذي ** وضلوع فيك تصلى )
( أي باك كان لولا ** عارض وافى فولى )
( وتخلى عنك إلا ** أسفا لا يتخلى )
( وانطوى الحسن فهلا ** أجمل الحسن وهلا ) أما بعد أيها النبيل النبيه فإنه لا يجتمع العذار والتيه قد كان ذلك وغصن تلك الشبيبة رطب ومنهل ذلك المقبل عذب وأما والعذار قد بقل والزمان قد انتقل والصب قد صحا فعقل فقد ركدت رياح الأشواق ورقدت عيون العشاق فدع عنك من نظرة التجني ومشية التثني وغض من عنانك وخذ في تراضي إخوانك وهش عند اللقاء هشة أريحية واقنع بالإيماء رجع تحية فكأني بفنائك مهجورا وبزائرك مأجورا والسلام وقال الرصافي لما بعث إليه من يهواه سكينا
( تفاءلت بالسكين لما بعثته ** لقد صدقت مني العيافة والزجر ) فكان من السكين سكناك في الحشا وكان من القطع القطيعة والهجر )
____________________
(3/460)

وحضر الفقيه أبو بكر بن حبيش ليلة مع بعض الجلة وطفئ السراج فقال ارتجالا
( أذك السراج يرينا غرة سفرت ** فباتت الشمس تستحيي وتستتر )
( أو خله فكفانا وجه سيدنا ** لا يطلب النجم من في بيته قمر ) وقصد أحد الأدباء بمرسية أحد السادات من بني عبد المؤمن فأمر له بصلة خرجت على يد ابن له صغير فقال المذكور ارتجالا
( تبرك بنجل جاء باليمن والسعد ** يبشر بالتأييد طائفة المهدي )
( تكلم روح الله في المهد قبله ** وهذا براء بدل اللام في المهد )
وخرج الأستاذ أبو الحسن ابن جابر الدباج يوما مع طلبته للنزهة بخارج إشبيلية وأحضرت مجبنات ما خبا نارها ولا هدأ أوارها فما حاد عنها ولا كف ولا صرف حرها عن اختضابها البنان ولا الكف فقال
( أحلى مواقعها إذا قربتها ** وبخارها فوق الموائد سام )
( إن أحرقت لمسا فإن أوارها في داخل الأحشاء برد سلام
وقال أبو بكر أحمد بن محمد الأبيض الإشبيلي يتهكم برجل زعم أنه ينال الخلافة
( أمير المؤمنين نداء شيخ ** أفادك من نصائحه اللطيفه )
____________________
(3/461)


( تحفظ أن يكون الجذع يوما ** سريرا من أسرتك المنيفه )
( أفكر فيك مطويا فأبكي ** وتضحكني أمانيك السخيفه )
وقال صفوان
( ونهار أنس لو سألنا دهرنا ** في أن يعود بمثله لم يقدر )
( خرق الزمان لنا به عاداته ** فلو اقترحنا النجم لم يتعذر )
( في فتية علمت ذكاء بحسنهم ** فتلفعت من غيمها في مئزر )
( والسرحة الغناء قد قبضت بها ** كف النسيم على لواء أخضر )
( وكأن شكل الغيم منخل فضة ** يلقي على الآفاق رطب الجوهر )
واجتاز بعض الغلمان على أبي بكر بن يوسف فسلم عليه بإصبعه فقال أبو بكر في ذلك وأشار في البيت الثالث إلى أن والد الغلام كان خطيب البلد
( مر الغزال بنا مروعا نافرا ** كشبيهه في القفر ريع بصائده )
( لثم السلامى في السلام تسترا ** ثم انثنى حذر الرقيب لراصده )
( هلا تكلف وقفة لمحبه ** ولو أنها قصرا كجلسة والده )
وقال أبو
( القبتوري واحسرتا لأمور ليس يبلغها ** مالي وهن منى نفسي وآمالي )
( أصبحت كالآل لا جدوى لدي وما ** آليت جدا ولكن جدي الآلي )
وقال أبو الحسن بن الحاج
____________________
(3/462)


( كفى حزنا أن المشارع جمة ** وعندي إليها غلة وأوام )
( ومن نكد الأيام أن يعدم الغنى ** كريم وأن المكثرين لئام )
وقال أحمد بن أمية البلنسي
( قال رئيسي حين فاوضته ** وما درى أن مقامي عسير )
( أقم فقلت الحال لا تقتضي ** فقال سر قلت جناحي كسير )
وقال ابن برطلة
( لله ما ألقاه من همة ** لا ترتضي إلا السها منزلا )
( ومن خمول كلما رمت ** أن أسمو به بين الورى قال لا ) من شعر ابن خروف 249 من شعر ابن وكتب ابن خروف لبعض الرؤساء
( يا من حوى كل مجد ** بجده وبجده )
( أتاك نجل خروف ** فامنن عليه بجده )
وكتب أيضا لبعضهم يستدعي فروة
( بهاء الدين والدنيا ** ونور المجد والحسب )
( طلبت مخافة الأنواء ** من جدواك جلد أبي )
( وفضلك عالم أني ** خروف بارع الأدب )
( حلبت الدهر أشطره ** وفي حلب صفا حلبي )
وبعد كتبي لما ذكر خشيت أن يكون لابن خروف المشرقي لا الأندلسي والله تعالى أعلم
____________________
(3/463)


وركب محبوب أبي بكر ابن مالك كاتب ابن سعد بغلة رديف رجل يعرف بالدب فقال أبو بكر في ذلك
( وبغلة ما لها مثال ** يركبها الدب والغزال )
( كأن هذا وذا عليها ** سحابة خلفها هلال )
وخرج محبوب لأبي الحسن بن حريق يوما لنزهة وعرض سيل عاقه عن دخول البلد فبات ليلة عند أبي الحسن فقال في ذلك
( يا ليلة جادت الأماني ** بها على رغم أنف دهري )
( تسيل فيها علي نعمى ** يقصر عنها لسان شكري )
( ابات في منزلي حبيبي ** وقام في أهله بعذر )
( وبت لا حالة كحالي ** صريع سكر ضجيع بدر )
( يا ليلة القدر في الليالي ** لأنت خير من الف شهر )
وقال أبو الحسن بن الزقاق
( عذيري من هضيم الكشح أحوى ** رخيم الدل قد لبس الشبابا )
( أعد الهجر هاجرة لقلبي ** وصير وعده فيها سرابا )
وقال ابو بكر بن الجزار السرقسطي
( ثناء الفتى يبقى ويفنى ثراؤه ** فلا تكتسب بالمال شيئا سوى الذكر )
( فقد أبلت الأيام كعبا وحاتما ** وذكرهما غض جديد إلى الحشر )
____________________
(3/464)


وقال الأديب أبو عبد الله الجذامي كان لشخص من أصحابنا قينة فبينما هو ذات يوم قد رام تقبيلها على أثر سواك أبصره بمبسمها إذ مر فوال ينادي على فول يبيعه قال فكلفني أن أقول في ذلك شيئا فقلت
( ولم أنس يوم الأنس حين سمحت لي ** وأهديت لي من فيك فول سواك )
( ومر بنا الفوال للفول مادحا ** وماقصده في المدح فول سواك )
وشرب يوما أبو عبد الله المذكور عند بعض الأجلة وذرعة القيء فارتجل في العذر
( لا تؤاخذ من أخل به ** قهوة في الكاس كالقبس )
( كيف يلحى في المدام فتى ** أخذته أخذ مفترس )
( دخلت في الحلق مكرهة ** ضاق عنها موضع النفس )
( خرجت من موضع دخلت ** أنفت من مخرج النجس )
وجلس سلمة بن أحمد إلى جنب وسيم يكتب من محبرة فانصب الحبر منها على ثوب سلمة فخجل الغلام فقال سلمة
( صب المداد وما تعمد صبه ** فتورد الخد المليح الأزهر )
( يا من يؤثر حبره في ثوبنا ** تأثير لحظك في فؤادي أكبر )
وكان لأبي الحسن بن حزمون بمرسية محبوب يدعى أبا عامر وسافر أبو الحسن فبينما هو بخارج ألمرية إذ لقي فتى يشبه محبوبه وسأله عن اسمه فأخبره بأنه يدعى أبا عامر فقال أبو الحسن في ذلك
( إلى كم أفر أمام الهوى ** وليس لذا الحب من آخر
____________________
(3/465)


وكيف أفر أمام الهوى ** وفي كل واد أبو عامر )
وحضر أبو بكر ابن مالك كاتب ابن سعد مع محبوبه لارتقاب هلال شوال فأغمي على الناس ورآه محبوبه فقال أبو بكر في ذلك
( توارى هلال الأفق عن أعين الورى ** ولاح لمن أهواه منه وحياه )
( فقلت لهم لم تفهموا كنه سره ** ولكن خذوا عني حقيقة معناه )
( بدا الأفق كالمرآة راق صفاؤه ** فأبصر دون الناس فيه محياه )
وكتب أبو بكر بن حبيش لمن يهواه بقوله
( متى ما ترم شرحا لحالي وتبيينا ** فصحف على قلبي علومك تحيينا ) أراد ( ( إني بحبك مولع ) )
وكتب القاضي ابن السليم إ لى الحكم المستنصر بالله
( لو أن أعضاء جسمي ألسن نطقت ** بشكر نعماك عندي قل شكري لك )
( أو كان ملكني الرحمن من أجلي ** شيئا وصلت به يا سيدي أجلك )
( ومن تكن في الورى آماله كثرت ** فإنما أملي في أن ارى أملك )
وقال الوزير ابن أبي الخصال
( وكيف أؤدي شكر من إن شكرته ** على بر يوم زادني مثله غدا )
( فإن رمت أقضي اليوم بعض الذي مضى ** رأيت له فضلا علي مجددا )
____________________
(3/466)


وقال الرصافي
( قلدت جيد الفكر من تلك الحلى ** ما شاءه المنثور والمنظوم )
( وأشرت قدامي كأني لاثم ** وكأن كفي ذلك الملثوم ) وقال
( ويا لك نعمة رمنا مداها ** فما وصل اللسان ولا الضمير )
( عجزنا أن نقوم لها بشكر ** على أن الشكور لها كثير )
وقال ابن باجة
( قوم إذا انتقبوا رأيت أهلة ** وإذا هم سفروا رأيت بدورا )
( لا يسألون عن النوال عفاتهم ** شكرا ولا يحمون منه نقيرا )
( لو أنهم مسحوا على جدب الربى ** بأكفهم نبت الأقاح نضيرا )
وقال ابن الأبار يمدح أبا زكريا سلطان إفريقية
( تحلت بعلياك الليالي العواطل ** ودانت لسقياك السحاب الهواطل )
( وما زينة الأيام إلا مناقب ** يفرعها اصلان بأس ونائل )
( إذ الطول والصول استقلا براحة ** ترقت لها نحو النجوم أنامل )
وقال أيضا في سعيد بن حكم رئيس منرقة
( سيد أيد رئيس بئيس ** في أساريره صفات الصباح )
( قمر في أفق المعالي تجلى ** وتحلى بالسؤدد الوضاح )
( سلم البحر في السماحة منه ** لجواد سموه بحر السماح
____________________
(3/467)


وقال ابو العباس احمد الاشبيلي
( يا أفضل الناس إجماعا ومعرفتي ** تغني وما الحسن في ريب ولا ريب )
( ورثت عن سلف ما شئت من شرف ** فقد بهرت بموروث ومكتسب )
وقال ابن زهر الحفيد
( يا من يذكرني بعهد أحبتي ** طاب الحديث بذكرهم ويطيب )
( أعد الحديث علي من جنباته ** إن الحديث عن الحبيب حبيب )
( ملأ الضلوع وفاض عن أحنائها ** قلب إذا ذكر الحبيب يذوب )
( ما زال يضرب خافقا بجناحه ** يا ليت شعري هل تطير قلوب ) وقال في زهر الكتاب
( أهلا بزهر اللازورد ومرحبا ** في روضة الكتان تعطفه الصبا )
( لو كنت ذا جهل لخلتك لجة ** وكشفت عن ساق كما فعلت سبا ) ولما قال الموشحة المشهورة التي أولها
( صادني ولم يدر ما صادا ** )
قال أبو بكر بن الجد لو سئل عما صاد لقال تيس بلحية حمراء
ولما قال الموشحة التي أولها
( هات ابنة العنب واشرب ** ) إلى قوله
( وفده بأبي ثم بي ** )
سمعها أبوه فقال يفديه بالعجوز السوء أمه وأما أنا فلا
____________________
(3/468)


وهنالك أبو بكر بن زهر الأصغر وهو ابن عم هذا الأكبر ومن نظم الأصغر
( والله ما أدري بما أتوسل ** إذ ليس لي ذات بها أتوصل )
( لكن جعلت مودتي مع خدمتي لعلاك أحظى شافع يتقبل )
( إن كنت من أدوات زهر عاطلا ** فالزهر منهن السماك الأعزل )
وهذه الأبيات خاطب بها المأمون بن المنصور صاحب المغرب
وقال الأديب أبو جعفر عمر ابن صاحب الصلاة
( وما زالت الدنيا طريقا لهالك ** تباين في أحوالها وتخالف )
( ففي جانب منها تقوم مآتم ** وفي جانب منها تقوم معازف )
( فمن كان فيها قاطنا فهو ظاعن ** ومن كان فيها آمنا فهو خائف )
وقال أبو بكر محمد ابن صاحب الصلاة يخاطب أخيل لما انتقل إلى العدوة
( لا تنكرن زمانا رماك منه بسهم ** وأنت غاية مجد ) في كل علم وفهم )
( هذي دموعي حتى ** يراك طرفي تهمي )
( يا ليت ما كنت أخشى ** عليك عدوان هم )
( وإنما الدهر يبدي ** ما لا يجوز بوهم )
( ما زال شيهم مس لكل يقظان شهم )
ولما وفد أهل الأندلس على عبد المؤمن قام خطيبا ناثرا وناظما فأتى
____________________
(3/469)

بالعجب وباهى به أهل الأندلس في ذلك الوقت
وله في عبد المؤمن
( هم الألى وهبوا للحرب أنفسهم ** وأنهبوا ما حوت أيديهم الصفدا )
( ما إن يغبون كحل الشمس من رهج ** كأنما عينها تشكو لهم رمدا )
وقال ابن السيد البطليوسي في أبي الحكم عمرو بن مذحج بن حزم وقد غلب على لبه وأخذ بمجامع قلبه
( رأى صاحبي عمرا فكلف وصفه ** وحملني من ذاك ما ليس في الطوق )
( فقلت له عمرو كعمرو فقال لي ** صدقت ولكن ذاك شب عن الطوق )
وفيه يقول ابن عبدون
( يا عمرو رد على الصدور قلوبها ** من غير تقطيع ولا تحريق )
( وأدر علينا من خلالك أكؤسا ** لم تأل تسكرنا بغير رحيق ) وفيه يقول أحدهما
( قل لعمرو بن مذحج ** جاء ما كنت أرتجي )
( شارب من زبرجد ** ولمى من بنفسج )
وكتب إليه ابن عبدون
( سلام كما هبت من المزن نفحة ** تنفس عند الفجر في وجهها الزهر )
____________________
(3/470)

ومنها
( أبا حسن أبلغ سلام فمي يدي ** أبي حسن وارفق فكلتاهما بحر )
( ولا تنس يمناك التي هي والندى ** رضيعا لبان لا اللجين ولا التبر )
فأجابه من أبيات
( تحير ذهني في مجاري صفاته ** فلم أدر شعر ما به فهت أم سحر )
( أرى الدهر أعطاك التقدم في العلى ** وإن كان قد وافى أخيرا بك الدهر ** لئن حازت الدنيا بك الفضل آخرا ** ففي أخريات الليل ينبلج الفجر )
ولعمرو في أبي العلاء بن زهر
( قدمت علينا والزمان جديد ** وما زلت تبدي في الندى وتعيد )
( وحق العلا لولا مراتبك العلا ** لما اخضر في أفق المكارم عود )
( فلوحوا بني زهر فإن وجوهكم ** نجوم بأفلاك العلاء سعود )
وقوله لأبي الوليد ابن عمه
( إني لأعجب أن يدنو بنا وطن ** ولا يقضى من اللقيا لنا وطر )
( لا غرو إن بعدت دار مصاقبة ** بنا وجد بنا للحضرة السفر )
( فمحجر العين لا يلقاه ناظرها ** وقد توسع في الدنيا به النظر )
وقال ابن عمه أبو بكر محمد بن مذحج يخاطب ابن عمه أبا الوليد
____________________
(3/471)


( ولما رأى حمص استخفت بقدره ** على أنها كانت به ليلة القدر )
( تحمل عنها والبلاد عريضة ** كما سل من غمد الدجى صارم الفجر )
وقال أبو الوليد المذكور
( أتجزع من دمعي وأنت أسلته ** ومن نار أحشائي وأنت لهيبها )
( وتزعم أن النفس غيرك علقت ** وأنت ولا من عليك حبيبها )
( إذا طلعت شمس علي بسلوة ** أثار الهوى بين الضلوع غروبها )
وله أيضا
( لما استمالك معشر لم أرضهم ** والقول فيك كما علمت كثير )
( داريت دونك مهجتي فتماسكت ** من بعد ما كادت إليك تطير )
( فاذهب فغير جوانحي لك منزل ** واسمع فغير وفائك المشكور ) وقال
( يقول وقد لمته في هوى ** فلان وعرضت شيئأ قليلا )
( أتحسدني قلت لا والذي ** أحلك في الحب مرعى وبيلا )
( وكيف وقد حل ذاك الجناب ** وقد سلك الناس ذاك السبيلا ) وله مما يكتب على قوس
( إنا إذا رفعت سماء عجاجة ** والحرب تقعد بالردى وتقوم )
( وتمرد الأبطال في جنباتها ** والموت من فوق النفوس يحوم )
____________________
(3/472)


( مرقت لهم منا الحتوف كأنما ** نحن الأهلة والسهام نجوم )
وقال أبو الحسين بن فندلة في كلب صيد
( فجعت بمن لو رمت تعبير وصفه ** لقل ولوأني غرفت من البحر )
( بأخطل وثاب طموح مؤدب ** )
( ثبوت يصيد النسرلو حل في النسر )
( كلون الشباب الغض في وجهه سنا ** كأن ظلاما ليس فيه سوى البدر )
( إذا سار والبازي أقول تعجبا ** ألا ليت شعري يسبق الطير من يجري )
ولا يلتفت إلى قول أبي العباس بن سيد فيه
( الموت لا يبقي على مهجة ** لا أسدا يبقي ولا نعثله )
( ولا شريفا لبني هاشم ** ولا وضيعا لبني فندله )
وكان ابن سيد مسلطا على هذا البيت قال ابن سعيد وإنما ينبح الكلب القمر
قال أبو العباس النجار كان أبو الحسين يلقب بالوزعة فوصلت إلى بابه يوما فتحجب عني فكتبت على الباب
( تحجب الفندلي عني ** فساء من فعله ضميري )
( ينفر من رؤيتي كأني ** مضمخ الجيب بالعبير )
قال ومن عادة الوزعة أن تكره رائحة الزعفران وتهرب منه
____________________
(3/473)


وقال أبو القاسم بن حسان
( ألا ليتني ما كنت يوما معظما ** ولا عرفوا شخصي ولا علموا قصري )
( أكلف في حال المشيب بمثل ما ** تحملته والغصن في ورق نضر )
( فما عاش في الأيام في حر عيشة ** سوى رجل ناء عن النهي والأمر )
وقال أبو بكر بن مرتين
( صحبت منك العلا والفضل والكرما ** وشيمة في الندى لا ترتضي السأما )
( مودة في ثرى الإنصاف راسخة ** وسمكها فوق أعناق السماء سما )
وقال
( أنصفتني فمحضك الود الذي ** يجزى بصفوته الخليل المنصف )
( لاتشكرن سوى خلالك إنها ** جلبت إليك من الثنا ما يعرف )
وقال
( يا هلالا يتجلى ** وقضيبا يتثنى )
( كل أنس لم تكنه ** فهو لفظ دون معنى )
وقال القاضي أبو عبدالله محمد بن زرقون
( ذكر العهد والديار غريب ** فجرى دمعه ولج النحيب )
( ذكر العهد والنوى من حبيب ** حبذا العهد والنوى والحبيب )
( إذ صفاء الوداد غيرمشوب ** بتجن وودنا مشبوب )
____________________
(3/474)


( وإذا الدهر دهرنا وإذا الدار ** قريب وإذ يقول الرقيب )
ومنها
( أسأل الله عفوه فلئن ساء ** مقالي لقد تعف القلوب )
( قد ينال الفتى الصغائر ظرفا ** لاسواها وللذنوب ذنوب )
( وأخو الشعر جناخ عليه ** وسواء صدوقه والكذوب )
334 وقال الخطيب أبو عبد الله محمد بن عمر الإشبيلي
( وكل إلى طبعه عائد ** وإن صده المنع عن قصده )
( كذا الماء من بعد إسخانه ** يعود سريعا إلى برده )
وقال
( يا معدن الفضل وطود الحجى ** لا زلت من بحر العلا تغترف )
( عبدك بالباب فقل منعما ** يدخل أو ينصرف )
وقال إمام اللغة أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الإشبيلي
( ما طلبت العلوم إلا لأني ** لم أزل من فنونها في رياض )
( ما سواها له بقلبي حظ ** غير ما كان للعيون المراض )
وقال
( أشعرن قلبك ياسا ** ليس هذا الناس ناسا )
( ذهب الإبريز منهم ** فبقوا بعد نحاسا )
____________________
(3/475)


( سامريين يقولون ** جميعا لا مساسا )
وكان كتاب العين للخليل مختل القواعد فامتعض له هذا الإمام وصقل صدأه كما يصقل الحسام وأبرزه في أجمل منزع حتى قيل هذا مما أبدع واخترع وله كتاب في النحو يسمى الواضح وصيره الحكم المستنصر مؤدبا لولده هشام المؤيد وبالجملة فهو في المغرب بمنزلة ابن دريد في المشرق
وقال النحوي أبو بكر محمد بن طلحة الإشبيلي وشعره رقيق خارج عن شعر النحاة ومنه
( إلى أي يوم بعده يرفع الخمر ** وللورق تغريد وقد خفق النهر )
( وقد صقلت كف الغزالة أفقها ** وفوق متون الروض أردية خضر )
( وكم قد بكت عين السماء بدمعها ** عليها ولولا ذاك ما بسم الزهر )
وقال
( بدا الهلال فلما ** بدا نقصت وتما )
( كأن جسمي فعل ** وسحر عينيه لما ) وكان لا يملك نفسه في النظر إلى الصور الحسان وأتاه يوما أحد أصحابه بولد له فتان الصورة فعندما دخل مجلسه قصر عليه طرفه ولم يلتفت إلى والده وجعل والده يوصيه عليه وهو لا يعلم ما يقوله وقد افتضح في طاعة هواه فقال له الرجل يا أبا بكر حقق النظر فيه لعله مملوك ضاع لك وقد
____________________
(3/476)

جبره الله تعالى عليك ولكن على من يتركه عندك لعنة الله هذا ما عملت بمحضري والله إن غاب معك عن بصري لمحة لتفعلن به ما اشتهر عنك وأخذ ولده وانصرف به فانقلب المجلس ضحكا
وقال أبو جعفر أحمد بن الأبار الإشبيلي وهو من رجال ( ( الذخيرة ) )
( زارني خيفة الرقيب مريبا ** يتشكى منه القضيب الكثيبا )
( رشأ راش لي سهام المنايا ** من جفون يسبي بهن القلوبا )
( قال لي ما ترى الرقيب مطلا ** قلت دعه أتى الجناب الرحيبا )
( عاطه أكؤس المدام دراكا ** وأدرها عليه كوبا فكوبا )
( واسقنيها من خمر عينيك صرفا ** واجعل الكأس منك ثغرا شنيبا )
( ثم لما ان نام من نتقيه ** وتلقى الكرى سميعا مجيبا )
( قال لا بد أن تدب عليه ** قلت أبغي رشا وآخذ ذيبا )
( قال فابدأ بنا وثن عليه ** قلت عمري لقد أتيت قريبا )
( فوثبنا على الغزال ركوبا ** وسعينا على الرقيب دبيبا )
( فهل أبصرت أو سمعت بصب ** ناك محبوبه وناك الرقيبا )
وأنشد له ابن حزم
( أو ما رأيت الدهر أقبل معتبا ** متنصلا بالعذر مما أذنبا )
( بالأمس أذبل في رياضك أيكة ** واليوم أطلع في سمائك كوكبا )
____________________
(3/477)

وقيل إنه خاطب بهما ابن عباد ملك إشبيلية وقد ماتت له بنت وولد له ابن وبعضهم ينسبهما لغيره ودخل الأديب أبو القاسم بن العطار الإشبيلي حماما بإشبيلية فجلس إلى جانبه وسيم خمري العينين فافتتن بالنظر إليه والمحادثة إلى أن قام وقعد في مكانه أسود فقال
( مضت جنة المأوى وجاءت جهنم ** فها أنا أشقى بعد ما كنت أنعم )
( وما كان إلا الشمس حان غروبها ** فأعقبها جنح من الليل مظلم )
وقال الأديب المصنف أبو عمرو عثمان بن علي بن عثمان بن الإمام الإشبيلي صاحب سمط الجمان
( عذيري من الأيام لا در درها ** لقد حملتني فوق ما كنت أرهب )
( وقد كنت جلدا ما ينهنهني النوى ** ولا يستبيني الحادث المتغلب )
( يقاسي صروف الدهر مني مع الصبا ** جذيل حكاك أو عذيق مرجب )
( وكنت إذا ما الخطب مد جناحه ** علي تراني تحته أتقلب )
( فقد صرت خفاق الجناح يروعني ** غراب إذا أبصرته وهو ينعب )
( وأحسب من ألقى حبيبا مودعا ** وأن بلاد الله طرا محصب )
وقد امتعض للآداب في صدر دولة بني عبد المؤمن فجمع شمل الفضلاء الذين اشتملت عليهم المائة السابعة إلى مبلغ سنة منها في ذلك الأوان واستولى بذلك على خصل الرهان وانفرد بهذه الفضيلة التي لم ينفرد بها إلا فلان وفلان وكان الأديب العالم الصالح أبو الحسن علي بن جابر الدباج الإشبيلي إماما في فنون العربية ولكن شهر بإقراء كتب الآداب كالكامل للمبرد و نوادر
____________________
(3/478)

القالي وما أشبه ذلك وكان - مع زهده - فيه لوذعية ومن ظرفه أن أحد تلامذته قال لغلام جميل الصورة بالله أعطني قبلة تمسك رمقي فشكاه إلى الشيخ وقال له يا سيدي قال لي هذا كذا فقال له الشيخ وأعطيته ما طلب فقال له لا فقال له ما هذه الثقالة ما كفاك أن حرمته حتى تشتكي به أيضا وحسبك من جلالة قدره أن أهل إشبيلية رضوا به إماما في جامع العدبي وله
( لما تبدت وشمس الأفق بادية ** أبصرت شمسين من قرب ومن بعد )
( من عادة الشمس تعشي عين ناظرها ** وهذه نورها يشفي من الرمد )
وقال مالك بن وهيب
( أراميتي بالسحر من لحظاتها ** نعيذك كيف الرمي من دون أسهم )
( ألا فاعلمي أن قد أصبت فواصلي ** سهامك أو كفي فلست بمسلم )
( فإنسان عين الدهر أصميت فاحذري ** مطالبة بالقلب واليد والفم )
( أما هو في غيل غذا غابه القنا تحف به آساد كل ملثم )
( ولو أن لي ركنا شديدا بنجدة ** أويت له من بأس لحظك فارحمي )
وهو إشبيلي كان من أهل الفلسفة كما في المسهب قال وهو فيلسوف المغرب ظاهر الزهد والورع استدعاه من إشبيلية أمير المسلمين علي بن يوسف ابن تاشفين إلى حضرة مراكش وصيره جليسه وأنيسه وفيه يقول بعض أعدائه
( دولة لابن تاشفين علي ** طهرت بالكمال من كل عيب )
( غير أن الشيطان دس إليها ** من خباياه مالك بن وهيب )
____________________
(3/479)

وأمره علي بمناظرة محمد بن تومرت الملقب بالمهدي الذي أنشأ دولة بني عبد المؤمن شعار لأبي الصلت من شعر
وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز المذكور في غير هذا الموضع من هذا الكتاب يستدعي بعض إخوانه
( بمعاليك وجدك ** جد بلقياك لعبدك )
( حضر الكل ولكن ** لم يطب شيء لفقدك )
وقال
( وراغب في العلوم مجتهد ** لكنه في القبول جلمود )
( فهو كذي عنة به شبق ** ومشتهي الأكل وهو ممعود )
وقال
( لئن عرضت نوى وعدت عواد ** أدالت من دنوك بالبعاد )
( فما بعدت عن اللقيا جسوم ** تدانت بالمحبة والوداد )
( ولكن قرب دارك كان أندى ** على كبدي وأحلى في فؤادي )
وله في مجمرة
( ومحرورة الأحشاء لم تدر ما الهوى ** ولم تدر ما يلقى المحب من الوجد )
( إذا ما بدا برق المدام رأيتها ** تثير غماما في الندي من الند )
( ولم أر نارا كلما شب جمرها ** رأيت الندامى منه في جنة الخلد ) وق
____________________
(3/480)


وله من قصيدة
( وإن هم نكصوا يوما فلا عجب ** قد يكهم السيف وهو الصارم الذكر )
( العود أحمد والأيام ضامنة ) عقبى النجاح ووعد الله منتظر ) وقال [ السريع ]
( تقريب ذي الأمر لأهل النهى أفضل ما ساس به أمره )
( هذا به أولى وما ضره ** تقريب أهل اللهو في الندره )
( عطارد في جل أوقاته ** أدنى إلى الشمس من الزهره )
وقوله
( تفكر في نقصان مالك دائما ** وتغفل عن نقصان جسمك والعمر )
( ويثنيك خوف الفقر عن كل بغية ** وخوفك حال الفقر )
شر من الفقر وقوله
( يا ليلة لم تبن من القصر ** كأنها قبلة على حذر )
( لم تك إلا كلا ولا ومضت ** تدفع في صدرها يد السحر ) وقال فيمن نظر إليه نظر إليه فأعرض عنه
( قالوا ثنى عنك بعد البشر صفحته ** فهل أصاخ إلى الواشي فغيره )
( فقلت لا بل درى وجدي بعارضه ** فرد صفحته عمدا لأبصره ) وقال
( حكت الزمان تلونا ** لمحبها العاني الأسير )
( فوصالها برد الأصيل ** وهجرها حر الهجير
____________________
(3/481)

وقال يستدعي
( هو يوم كما تراه مطير ** كلب القر فيه والزمهرير )
( وأرانا الغمام والبرد ثوبين ** علينا كلاهما مجرور )
( ولدينا شمسان شمس من الرا ح ** وشمس تسعى بها وتدور )
( فمن الرأي أن تشب الكوانين ** بأجذالها وترخى الستور )
( فاترك الإعتذار فيه فترك الشرب ** في مثل يومنا تغرير )
وقال
( هو البحر غص فيه إذا كان ساكنا ** على الدر واحذره إذا كان مزبدا )
وقال
( غبت عنا فغاب كل جمال ** ونأى إذ نأيت كل سرور )
( ثم لما قدمت عادونا الأنس ** وقرت قلوبنا في الصدور )
( فلو أنا نجزي البشير بنعمى ** لوهبنا حياتنا للبشير )
وقال
( كم ضيعت منك المنى حاصلا ** كان من الأحزم أن يحفظا )
( فالفظ بها عنك فمن حق ما ** يخفي صواب الرأي أن يلفظا )
( فإن تعللت بأطماعها ** فإنما تحلم مستيقظا ) وقال
( يقولون لي صبرا وإني لصابر ** على نائبات الدهر وهي فواجع )
( سأصبر حتى يقضي الله ما قضى ** وإن أنا لم أصبر فما أنا صانع )
____________________
(3/482)


وقال
( بأبي خود شموع أقبلت تحمل شمعه )
( فالتقى نوراهما واختلفا ** قدرا ورفعه )
( ومسير الشمس تستهدي ** بضوء النجم بدعه )
وقال في فرس أشهب
( وأشهب كالشهاب أضحى ** يلوح في مذهب الجلال )
( قال حسودي وقد رآه ** يخب تحتي إلى القتال )
( من ألجم الصبح بالثريا ** وأسرج البرق بالهلال )
وقال
( رمتني صروف الدهر بين معاشر ** أصحهم ودا عدو مقاتل )
( وما غربة الإنسان في غير داره ** ولكنها في قرب من لا يشاكل )
وقال أصبحت صبا دنفا مغرما ** أشكو جوى الحب وأبكي دما )
( هذا وقد سلم إذ مر بي ** فكيف لو مر وما سلما )
وقال
( وقفنا للنوى فهفت قلوب ** أضر بها الجوى وهمت شؤون )
( يناجي بعضنا باللحظ بعضا ** فتعرب عن ضمائرنا العيون )
( فلا والله ما حفظت عهود ** كما ضمنوا ولا قضيت ديون )
____________________
(3/483)


( ولو حكم الهوى يوما بعدل ** لأنصف من يفي ممن يخون )
( أمر بداركم وأغض طرفي ** مخافة أن تظن بي الظنون )
ولما رأى عبد الرحمن بن شبلاق الحضرمي الإشبيلي في النوم أنه مر على قبر وقوم يشربون حوله وسط أزاهر فأمروه أن يرثي صاحب القبر وهو أبو نواس الحسن بن هانئ قال
( جادك يا قبر انسكاب الغمام ** وعاد بالروح عليك السلام )
( ففيك أضحى الظرف مستودعا ** واستترت عنا عيون الظلام )
وقال أبو بكر محمد بن نصر الأشبيلي
( وكأنما تلك الرياض عرائس ** ملبوسهم معصفر ومزعفر )
( أو كالقيان لبسن موشي الحلى ** فلهم في وشي اللباس تبختر )
وقال أحمد بن محمد الإشبيلي
( أما ترى النرجس الغض الذكي بدا ** كأنه عاشق شابت ذوائبه )
( أو المحب شكا لما أضر به ** فرط السقام فعادته حبائبه )
وقال
( رب نيلوفر غدا مخجل الرا ئي ** إليه نفاسة وغرابه )
( كمليك للزنج في قبة بيضاء ** يدنو الدجا فيغلق بابه )
____________________
(3/484)


وقال أبو الأصبغ بن سيد
( كأنما النرجس في منظر الحسن ** الذي أمثاله تبتغى )
( أنامل من فضة فوقه ** كأس من التبر به أفرغا )
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن خيرة الصباغ مما أنشده له أبو عامر ابن مسلمة في كتاب حديقة الارتياح
( يوم كأن سحابه لبست عمامي المصامت حجبت به شمس الضحى بمثال أجنحة الفواخت
( فالغيث يبكي فقدها ** والبرق يضحك مثل شامت )
( والرعد يخطب مفصحا ** والجو كالمحزون ساكت )
( والروض يسقيه الحيا ** والنور ينظر مثل باهت )
( فاشرب ولذ بجنة ** واطرب فإن العمر فائت )
وله
( رب ليل طال لا صبح له ** ذي نجوم أقسمت أن لا تغور قد هتكنا )
( جنحه من فلق ** من خمور ووجوه كالبدور )
( إذ بدت تشبهها في كأسها ** نار إبراهيم في برد ونور )
( صرعتنا أذ علونا ظهرها ** في ميادين التصابي والسرور )
( وكأنا حين قمنا معشر ** نشروا بعد ممات من قبور )
وقال أبو بكر بن حجاج
____________________
(3/485)


( لما كتمت الحب لا عن قلى ** ولم أجد إلا البكا والعويل )
( ناديت والقلب به مغرم ** يا حسبي الله ونعم الوكيل )
وقال
( يقولون إن السحر في أرض بابل ** وما السحر إلا ما أرتك محاجره )
( وما الغصن إلا ما انثنى تحت برده ** وما الدعص إلا ما طوته مآزره )
( وما الدر إلا ثغره وكلامه ** وما الليل إلا صدغه وغدائره ) وهذه الأبيات من قصيدة في محمد بن القاسم بن حمود ملك الجزيرة الخضراء أعادها الله تعالى
وقال الرصافي أبو عبد الله الشاعر المشهور وهو ابن رومي الأندلس في حريري
( وبنفسي من لاأسميه إلا ** بعض إلمامة وبعض إشاره )
( هو والظبي في المجال سواء ** ما استفاد الغزال منه استعاره )
( أغيد يمسك الحرير بفيه ** مثل ما يمسك الغزال العراره )
وهو القائل يمدح أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي
( لو جئت نار الهدى من جانب الطور ** قبست ما شئت من علم ومن نور )
ولأبي جعفر أحمد بن الجزار
( وما زلت أجني منك والدهر ممحل ** ولا ثمر يجنى ولا زرع يحصد )
( ثمار أياد دانيات قطوفها ** لأوراقها ظل علي ممدد )
____________________
(3/486)


( يرى جاريا ماء المكارم تحتها وأطيار شكري فوقهن تغرد )
ولما نفي أبو جعفر ابن البني من ميورقة وأقلع في البحر ثلاثة أميال ونشأت ريح ردته لم يتجاسر أحد من إخوانه على إتيانه فكتب إليهم [ الوافر ] أحبتنا الألى عتبوا علينا ** وأقصونا وقد أزف الوداع )
( لقد كنتم لنا جذلا وأنسا ** فما بالعيش بعدكم انتفاع )
( أقول وقد صدرنا بعد يوم ** أشوق بالسفينة أم نزاع
( إذا طارت بنا حامت عليكم ** كأن قلوبنا فيها شراع )
وله
( غصبت الثريا في البعاد مكانها ** وأودعت في عيني صادق نوئها )
( وفي كل حال لم تزالي بخيلة ** فكيف أعرت الشمس حلة ضوئها )
وله في غلام يرمي الطيور
( قالوا تصيب طيور الجو أسهمه ** إذا رماها فقلنا عندنا الخبر ) تعلمت قوسها من قوسه حاجبه
( وأيد السهم من أجفانه الحور )
( يلوح في بردة كالنقس حالكة ** كما أضاء بجنح الليلة القمر )
( وربما راق في خضراء مونقة ** كما تفتح في أوراقه الزهر )
وقال الأديب الكاتب القاضي أبو المطرف ابن عميرة المخزومي
____________________
(3/487)

لما قص شعر ملك شرق الأندلس زيان بن مردنيش مزين في يوم رفع فيه أبو المطرف شعرا فخرجت صلة المزين ولم تخرج صلة أبي المطرف
( أرى من جاء بالموسى مواسى ** وراحة من أذاع المدح صفرا )
( فأنجح سعي ذا إذ قص شعرا ** وأخفق سعي ذا إذ قص شعرا )
واسم أبي المطرف أحمد وهو من جزيرة شقر من كورة بلنسية
وكان الكاتب الحسيب أبو جعفر أحمد بن طلحة يعشق علجا من علوج ابن هود ويماشيه في غزواته وفيه يقول
( ما أحضر الغزو من صلاح ** كلا ولا رغبة الجهاد )
( لكن لكيما يكون داع ** لقربنا خيرة الجياد ) وقد تقدمت حكايته فلتراجع
وكان صنوبري الأندلس أبو إسحاق بن خفاجة وهو من رجال الذخيرة والقلائد والمسهب والمطرب والمغرب وشهرته تغني عن الإطناب فيه مغرى بوصف الأنهار والأزهار وما يتعلق بها وأهل الأندلس يسمونه الجنان ومن أكثر من شيء عرف به وتوفي سنة ثلاث أو خمس وثلاثين وخمسمائة وولد سنة خمسين وأربعمائة ومن نظمه قوله
( ربما استضحك الحباب حبيب ** نفضت لونها عليه المدام )
( كلما مر قاصرا من خطاه يتهادى كما تهادى الغمام )
____________________
(3/488)


( سلم الغصن والكثيب علينا ** فعلى الغصن والكثيب السلام ) وبات مع بعض الرؤساء فكاد ينطفئ السراج ثم تراجع نوره فقال
( وأغر ضاحك وجهه مصباحه ** فأنار ذا قمرا وذلك فرقدا )
( ما إن خبا تلقاء نور جبينه ** حتى ذكا بذكائه فتوقدا )
وله
( كتبت وقلبي في يديك أسير ** يقيم كما شاء الهوى ويسير )
( وفي كل حين من هواك وأدمعي ** بكل مكان روضة وغدير )
وله
( كتابنا ولدينا البدر ندمان ** وعندنا أكؤس للراح شهبان )
( والقضب مائسة والطير ساجعة ** والأرض كاسية والجو عريان )
ولما سئل أبو بكر محمد بن أحمد الأنصاري المعروف بالأبيض عن لغة فعجز عنها بمحضر من خجل منه أقسم أن يقيد رجليه بقيد حديد ولا ينزعه حتى يحفظ ( الغريب المصنف ) فاتفق أن دخلت عليه أمه في تلك الحال فارتاعت فقال
( ريعت عجوزي أن رأتني لابسا ** حلق الحديد ومثل ذاك يروع )
( قالت جننت فقلت بل هي همة ** هي عنصر العلياء والينبوع )
( سن الفرزدق سنة فتبعتها ** إني لما سن الكرام تبوع )
وكان شاعرا وشاحا وطاح دمه على يد الزبير أمير قرطبة لما هجاه بمثل قوله عكف
( الزبير على الضلالة جاهدا ** ووزيره المشهور كلب النار )
( ما زال يأخذ سجدة في سجدة ** بين الكؤوس ونغمة الأوتار )
____________________
(3/489)


( فإذا اعتراه السهو سبح خلفه ** صوت القيان ورنة المزمار ) ولما بلغ الزبير عنه ذلك وغيره أمره بإحضاره فقرعه وقال ما دعاك إلى هذا فقال إني لم أر أحق بالهجو منك ولو علمت ما أنت عليه من المخازي لهجوت نفسك إنصافا ولم تكلها إلى أحد فلما سمع الزبير ذلك قامت قيامته وأمر بقتله
وأنشد له ابن غالب في فرحة الأنفس قوله في حلقة حائط
( وحلقة كشعاع الشمس صافية ** لو قابلت كوكبا في الجو لالتهبا )
( تأنق القين في إحكام صنعتها ** حتى أفاض على أطرافها الذهبا )
( كأنها بيضة قد قد قونسها ** وكل جنب لها بالطعن قد ثقبا )
وقال فيمن يحدث نفسه بالخلافة
( أمير المؤمنين نداء شيخ ** أفادك من أماليه اللطيفه )
( تحفظ أن يكون الجذع يوما ** سريرا من أسرتك المنيفه وأذكر منك مصلوبا فأبكي ) وتضحكني أمانيك السخيفه ) وهاجى ابن سارة فقال فيه ابن سارة عجائب أن يكون الأبيض بحماره بين السوابق يركض )
وقال إمام النحاة بالأندلس أبو علي عمر الشلوبين فيمن اسمه قاسم
____________________
(3/490)


( ومما شجا قلبي وفض مدامعي ** هوى قد قلبي إذ كلفت بقاسم )
( وكنت أظن الميم أصلا فلم تكن وكانت كميم ألحقت بالزراقم والزراقم الحيات مشتقة من الزرقة والميم زائدة يريد أن ميم قاسم كميمها فهو قاس وهو منسوب إلى حصن شلوبينة على ساحل غرناطة وله من الشهرة والتآليف ما يغني عن الإطناب في وصفه وله التوطئة و شرح الجزولية وغيرهما وكان مغفلا ومع ذلك فهو آية الله تعالى في العربية وكان في لسانه لكنة ولما أراد مأمون بني عبد المؤمن التوجه إلى مرسية وقد ثار بها ابن هود وأنشده الشعراء وتكلم في مجلسه الخطباء قام الشلوبين وقال دعاء منه ثلمك الله ونثرك يريد سلمك الله ونصرك لأنه بلكنته يرد السين والصاد ثاء فكان كما قال عاد المأمون وقد ثلم عسكره ونثر
ولما مرض الفقيه الزاهد أبو إسحاق إبراهيم الإلبيري دخل عليه الوزير أبو خالد هاشم بن رجاء فرأى ضيق مسكنه فقال لو اتخذت غير هذا المسكن لكان أولى بك فقال وهو آخر شعر قاله
( قالوا ألا تستجيد بيتا ** تعجب من حسنه البيوت )
( فقلت ما ذلكم صوابا ** عش كثير لمن يموت )
( لولا شتاء ولفح قيظ ** وخوف لص وحفظ قوت )
( ونسوة يبتغين سترا ** بنيت بنيان عنكبوت )
____________________
(3/491)


وقال أبو بكر بن عبادة القزاز الموشح في ابن بسام صاحب الذخيرة
( يا منيفا على السماكين سام ** حزت خصل السباق عن بسام )
( إن تحك مدحة فأنت زهير ** أو تشبب فعروة بن حزام )
( أو تباكر صيد المها فابن حجرأ ** أو تبك الديار فابن حذام )
( أو تذم الزمان وهو حقيق ** فأبو الطيب البعيد المرامي )
ولما انتثر سلك نظام ملك لمتونة تفرق ملك الأندلس رؤساء البلاد وكان من جملتهم الأمير أبو الحسن بن نزار لما له من الأصالة في وادي آش فحسده أهل بلده وقصدوا تأخيره عن تلك المرتبة فخطبوا في بلدهم لملك شرق الأندلس محمد بن مردنيش ووجه لهم عماله وأوصاهم أن يخرج هذا الأسد من غيله ويفرق بينه وبين تأميله ورفعوا له أشعارا كان يستريح بها على كاسه ويبثها بمحضر من يركن إليه من جلاسه ومنها قوله وقد استشعر من نفسه أنها أهل للتقديم مستحقة لطلب سلفه القديم
( الآن أعرف قدر النفع والضرر ** فكيف أصدر ما للملك من صدر )
( وكيف أطلع في أفق العلا قمرا ** ويستهل بكفي واكف الدرر )
( وكيف أملأ صدر الدهر من رعب ** وأستقل بحمل الحادث النكر )
( وأستعد لما ترمي الخطوب به ** وأستطيل على الأيام بالفكر )
( لكنني ربما بادرت منتهزا ** لفرصة مرقت كاللمح بالبصر )
( في أم رأسي ما يعيا الزمان به شرحا فسل بعدها الأيام عن خبري ) فعندما وقف ابن مردنيش لأ على هذا القول وجه إلى وادي آش من حمله إليه وقيده وقدم به إلى مرسية أسيرا بعدما كان مرتقبا أن يقدم أميرا فلما وقعت عين ابن مردنيش عليه قال له أمكن الله منك يا فاجر فقال
____________________
(3/492)

أنت - أعزك الله - أولى بقول الخير من قول الشر ومن أمكنه الله من القدرة على الفعل فما يليق به أن يستقدر بالقول فاستحيا منه وأمر به للسجن فمكث فيه مدة وصدرت عنه أشعار في تشوقه إلى بلاده منها قوله
( لقد بلغ الشوق فوق الذي ** حسبت فهل للتلاقي سبيل )
( فلو أنني مت من شوقكم ** غراما لما كان إلا قليل )
( تعللني بالتداني المنى ** وينشدني الدهر صبر جميل )
( فقل لبثينة إن أصبحت ** بعيدا فلم يسل عنها جميل )
( أغض جفوني عن غيرها ** وسمعي عن اللوم فيها يميل )
ولم يزل على حاله من السجن إلى أن تحيل في جارية محسنة للغناء حسنة الصوت وصنع موشحته التي أولها
( نازعك البدر اللياح ** بنت الدنان فلم يدع لك اقتراح على الزمان وفيها يقول يا هل أقول للحسود والعيس تحدى
( يا لائمي على السراح ** كانت أماني )
( أخرجها ذاك السماح ** إلى العيان ) وجعل يلقيها على الجارية حتى حفظتها وأحكمت الغناء بها وأهداها إلى ابن مردنيش بعدما أوصاها أنها متى استدعاها إلى الغناء وظفرت به في أطرب ساعة وأسرها غنته بهذه الموشحة وتلطفت في شأن رغبتها في سراح قائلها فلعل الله تعالى يجعل في ذلك سببا واتفق أن ظفرت بما أوصاها به وأحسنت غناء الموشحة فطرب ابن مردنيش لسماع مدحه وأعجبه مقاصد قائلها
____________________
(3/493)

فسألها لمن هي فقالت لمولاي عبدك ابن نزار فقال أعيدي علي قوله ( ( يا لائمي على السراح ) ) فأعادته فداخلته عليه الرأفة والأريحية بما أصابه فأمر في الحين بحل قيده واستدعى به إلى موضعه في ذلك الوقت فلما دخل خلع عليه وأدناه وقال له يا أبا الحسن قد أمرنا لك بالسراح على رغم الحسود فارجع إلى بلدك مباحا لك أن تطلب الملك بها وبغيرها إن قدرت فأنت أهل لأن تملك جميع الأندلس لا وادي آش فقال له والله يا سيدي بل ألتزم طاعتك والإقرار بأنك بعثتني من قبر رماني فيه الحساد والوشاة ثم شربا حتى تمكنت بينهما المطايبة فقال له يا ابن نزار الآن أريد أن أسألك عن شيء قال وما هو يا سيدي قال عما في أم رأسك حين قلت
( ي أم رأسي ما يعيا الزمان به شرحا فسل بعدها الأيام عن خبري )
فقال له يا سيدي لا تسمع إلى غرور نفس ألقته على لسان نشوان لعبت بأفكاره الأماني وغطت على عقله الآمال والله لقد بقيت في داري أروم الاجتماع بجارية مهينة قدر سنة فما قدرت على ذلك ومنعتني منها زوجتي فكيف أطلب ما دونه قطع الرؤوس ونهب النفوس فضحك ابن مردنيش وجدد له الإحسان وجهزه إلى بلده وأمر عماله أن يشاركوه في التدبير
( ويستأذنوه في الصغير والكبير فتأثل به مجده وعظم سعده
ومن شعره قوله
( انظر إلى الروض سحيرا وقد ** بث به الطل علينا العيون )
( يرقب منا يقظة للمنى ** فقل لها أهلا بداعي المجون )
( وحثها شمسا إلى أن ترى ** شمس الضحى تطرق تلك الجفون )
____________________
(3/494)


وقوله
( تنبه لمعشوق وكأس وقينة ** وروض ونهر ليس يبرح خفاقا ) فيها الصبح بالطل أحداقا )
( ومهما تكن في ضيقة فأدر لها ** كؤوس الطلا فالسكر يوسع ما ضاقا )
وقوله
( عطف القضيب مع النسيم تميلا ** والنهر موشي الخمائل والحلى )
( تركته أعطاف الغصون مظللا ** ولنا عن النهج القويم مضللا )
( أمسى يغازلنا بمقلة أشهل ** والطرف أسحر ما تراه أشهلا )
وقال بعضهم استدعاني أبو الحسن بن نزار لمجلس أنس بوادي آش فلما احتفل مجلسنا وطابت لذتنا قال والله ما تمام هذه المسرة إلا حضور أبي جعفر بن سعيد وهو الآن بوادي آش فوافقناه على ذلك لما نعلم من طيب حالتنا معهما وأنهما لا يأتيان إلا بما يأتي به اجتماع النسيم والروض فخلا في موضع وكتب له
( يا خير من يدعى لكاس دائر ** ووجوه أقمار وروض ناضر )
( إنا حضرنا في الندي عصابة ** معشوقة من ناظم )
( أو ناثر كل مخلى للذي يختاره ** في الأمن من ناه له أو زاجر )
( ما إن لهم شغل بفن واحد ** بل كل ما يجري بوفق الخاطر )
( شدو ورقص واقتطاف فكاهة ** وتعانق وتغامز بنواظر )
( وهم كما تدري بأفقي أنجم لكن لنا شوق لبدر زاهر )
سيدي لا زلت متقدما لكا مكرمة هل يجمل التخلف عن ناد قام فيه
____________________
(3/495)

السرور على ساق وضحك فيه الأنس بملء فيه وانسدل به ستر الصون وفاء عليه ظل النعيم وسفرت فيه وجوه الطرب وركضت خيل اللهو وثار قتام الند وهطلت سحاب ماء الورد وطيبت الكؤوس كالعرائس على كراسي العروس المثقلة بالعاج والآبنوس وكأن قطع النهار ممتزجة بقطع الظلام أو بني حام قد خالطت بني سام وعلى رؤوس الأقداح تيجان نظمها امتزاج الماء بالراح فطورا تستحيي فيبدو خجلها وطورا تمتزج فيظهر وجلها والعود ترجمان المسرة قد جعلته أمه في حجرها كولد ترضعه بدرها وساقي الشرب كالغصن الرطيب أوراقه أردية الشرب وأزهاره الكؤوس التي لا تزال تطلع وتغرب كالشموس ساق يفهم بالإشارة حلو الشمائل عذب العبارة ذو طرف سقيم وخد كأنه من خفره لطيم ولدينا من أصناف الفواكه والأزاهر ما يحار فيه الناظر وهل تكمل لذة دون إحضار خدود الورد وعيون النرجس وأصداغ الآس ونهود السفرجل وقدود قصب السكر ومباسم قلوب الجوز وسرر التفاح ورضاب ابنة العنب فقد اكتمل بهذه الأوصاف المختلسة من أوصاف الحبائب الطرب
( فطر بجناح الشوق عند وصولها ** إليك ولا تجعل سواك جوابها )
( فلا عين إلا وهي ترنو بطرفها ** إليك فيسر في المطال حسابها )
( فقد أصبحت تعلو عليها غشاوة ** لبعدك فاكشف عن سناها ) ضبابها قال أبو جعفر فجعلت وصولي جواب ما نظم ونثر وألفيت الحالة يقصر عن خبرها الخبر فانغمسنا في النعيم انغماس عرف الزهر في
____________________
(3/496)

النسيم ومر لنا يوم غض الدهر عنه جفنه حتى حسبناه عنوانا لما وعد الله تعالى به في الجنة وشرب يوما مع أبي جعفر بن سعيد والكتندي الشاعر في جنة بزاوية غرناطة وفيها صهريج ماء قد أحدق به شجر نارنج وليمون وغير ذلك من الأشجار وعليه أنبوب ماء تتحرك به صورة جارية راقصة بسيوف وطيفور رخام يصنع في أنبوبة الماء صورة خباء فقالوا نقتسم هذه الأوصاف الثلاثة فقال أبو جعفر يصف الراقصة
( وراقصة ليست تحرك دون أن ** يحركها سيف من الماء مصلت )
( يدور بها كرها فتنضى صوارما ** عليه فلا تعيا ولا هو يبهت )
( إذا هي دارت سرعة خلت أنها ** إلى كل وجه في الرياض تلفت ) وقال ابن نزار في خباء الماء
( رأيت خباء الماء ترسل ماءها ** فنازعها هب الرياح رداءها )
( تطاوعه طورا وتعصيه تارة ** كراقصة حلت وضمت قباءها )
( وقد قابلت خير الأنام فلم تزل ** لديه من العلياء تبدي حياءها )
( إذا أرسلت جودا أمام يمينه ** أبي العدل إلا أن يرد إباءها )
وقد قيل إن هذه الأبيات صنعها بمحضر الأمير أبي عبد الله بن مردنيش ملك شرق الأندلس وإنه لما ألجأته الضرورة أن يرتجل في مثل ذلك شيئا وكانت هذه عنده معدة فزعم أنه ارتجلها قال أبو عمرو بن سعيد وهذا هو الصحيح فإنه ما كانت عادته أن يخاطب عمي أبا جعفر بخير الأنام فإن كل واحد منهما كفؤ الآخر
وقال الكتندي
( وصهريج تخال به لجينا ** يذاب وقد يذهبه الأصيل )
____________________
(3/497)


( كأن الروض يعشقه فمنه ** على أرجائه ظل ظليل )
( وتمنحه أكف الشمس عشقا ** دنانيرا فمنه لها قبول )
( إذا رفع النسيم القضب عنها ** فحينئذ يكون لها سبيل )
( وللنارنج تحت الماء لما ** تبدى عكسها جمر بليل )
( ولليمون فيه دون سبك ** جلاجل زخرف بصبا تجول )
( فيا روضا به صقلت جفوني ** وأرهف متنه الزهر الكليل )
( تناثر فيك أسلاك الغوادي ** وقبل صفح جدولك القبول )
( ولا برحت تجمع فيك شملا ** من الأكياس والكاس الشمول )
( بدور تستنير بها نجوم ** مع الإصباح ليس لها أفول )
( يهيم بهم نسيم الروض إلفا ** فمن وجد له جسم عليل ) وروي أن الوزير أبا الأصبغ عبد العزيز بن الأرقم وزير المعتصم بن صمادح رأى راية خضراء فيها صنيفة بيضاء في يد علج من علوج المعتصم نشرها على رأسه فقال
( نشرت عليك من النعيم جناحا ** خضراء صيرت الصباح وشاحا )
( تحكي بخفق قلب من عاديته ** مهما يصافح صفحها الأرواحا )
( ضمنت لك النعمى برأي ظافر ** فترقب الفأل المشير نجاحا )
وكان هذا الوزير آية الله تعالى في الوفاء وأرسله المعتصم إلى المعتمد بن عباد فأعجبت المعتمد محاولته ووقع في قلبه فأراد إفساده على صاحبه وأخذ معه في أن يقيم عنده فقال له ما رأيت من صاحبي ما أكره فأوثر عند غيره ما أحب ولو رأيت ما أكره لما كان من الوفاء تركي له في حين فوض إلي أمره ووثثق بي وحملني أعباء دولته فاستحسن ذلك ابن عباد وقال له فاكتم علي فلما عاد إلى صاحبه سأله عن جميع ما جرى له فقال له في
____________________
(3/498)

أثناء ذلك وجرى لي معه ما إن أعلمتك به خفت أن تحسب فيه كالامتنان والاستظهار وتظن أن خاطري فسد به وإن كتمتك لم أوف النصيحة حقها وخفت أن تطلع عليه من غيري فيحطني ذلك من عينك وتحسب فيه كيدا فحمل عليه في أن يعلمه فأعلمه بعد أن تلطف هذا التلطف وهو من رجال الذخيرة والمسهب وابنه الوزير أبو عامر من رجال القلائد
ومن نظم أبي عامر
( فتى الخيل يقتادها ذبلا خفاقا ** تباري القنا الذابلا )
( ترى كل أجرد سامي التليل ** وتحسبه غصنا مائلا )
وللوزير الكاتب أبي محمد بن فرسان واسمه عبد البر وهو حسنة وادي آش يخاطب يحيى الميورقي
( أنعم بتسريح علي فعله ** سبب الزيارة للحطيم ويثرب )
( ولئن تقول كاشح أن الهوى ** درست معالمه وأنكر مذهبي )
( فمقالتي ما إن مللت وإنما ** عمري أبى حمل النجاد بمنكبي )
( وعجزت عن أن أستثير كمينها ** وأشق بالصمصام صدر الموكب )
وهذه الأبيات كتب بها إليه وقد أسن ومل من الجهد معه يرغب في سراحه إلى الحجاز رحمه الله تعالى وتقبل نيته بمنه ويمنه
وقال حاتم بن حاتم بن سعيد العنسي وكان صاحب سيف وقلم وعلم وعلم
( يا دانيا مني وما أنا زائر ** لا أنت معذور ولا أنا عاذر )
____________________
(3/499)


( ماذا يضرك إذ ظللت بظلمة ** أن لا يطالع منك بدر زاهر )
وتوفي المذكور بغرناطة سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة
التطيلي وقال الأعمى في أسد نحاس يقذف الماء
( أسد ولو أني أنا ** قشه الحساب لقلت صخره )
( فكأنه أسد السماء ** يمج من فيه المجره ) من بدائه ابن ظافر قال ابن ظافر صرنا في بعض العشايا على البساتين المجاورة للنيل فرأينا فيه بئرا عليها دولابان متحاذيان قد دارت أفلاكهما بنجوم القواديس ولعبت بقلوب ناظريهما لعب الأماني بالمفاليس وهما يئنان أنين الأشواق ويفيضان ماء أغزر من دموع العشاق والروض قد جلا للأعين زبرجده والأصيل قد راقه حسنه فنثر عليه عسجده والزهر قد نظم جواهره في أجياد الغصون والسواقي قد أذابت من سلاسل فضتها كل مصون والنبت قد اخضر شاربه وعارضه وطرف النسيم قد ركضه في ميادين الزهر راكضه ورضاب الغيث قد استقر من الطين في لمى وحيات المجاري حائرة تخاف من زمرد النبات أن يدركها العمى والبحر قد صقل النسيم درعه وزعفران العشي قد ألقى في ذيل الجو ردعه فأوسعنا ذلك المكان حسنا
____________________
(3/500)

وقلوبنا استحواذا وملأ أبصارنا وأسماعنا مسرة والتذاذا وملنا إلى الدولابين شاكين أزمرا حين سجعت قيان الطير بألحانها وشدت على عيدانها أم ذكرا أيام أيام نعما وطابا وكانا أغصانا رطابا فنفيا عنهما لذيد الهجوع ورجعا النوح وأفاضا الدموع طلبا للرجوع وجلسنا نتذاكر ما في تركيب الدواليب من الأعاجيب ونتناشد ما وصفت به من الأشعار الغالية الأسعار فأفضى بنا الحديث الذي هو شجون إلى ذكر قول الأعمى التطيلي في أسد نحاس يقذف الماء
( أسد ولو أني ** ) إلخ فقال لي القاضي أبو الحسن علي بن المؤيد رحمه الله تعالى يتولد من هذا في الدولاب معنى يأخذ بمجامع المسامع ويطرب الرائي والسامع فتأملت ما قاله بعين بصيرتي البصيرة واستمددت مادة غريزتي الغزيرة فظهر لي معنى ملأني أطرابا وأوسعني إعجابا وأطرق كل منا ينظم ما جاش به مد بحره وأنبأه به شيطان فكره فلم يكن إلا كنقرة العصفور الخائف من الناطور حتى كمل ما أردنا من غير أن يقف واحد منا على ما صنعه الآخر فكان الذي قال
( حبذا ساعة العشية والدولاب ** يهدي إلى النفوس المسره )
( أدهم لا يزال يعدو ولكن ** ليس يعدو مكانه قدر ذره )
( ذو عيون من القواديس تبكي ** كل عين من فائض الدمع ثره )
( فلك دائر يرينا نجوما ** كل نجم يبدي لدينا المجره )
____________________
(3/501)

وكان الذي قلت
( ودولاب يئن أنين ثكلى ** ولا فقدا شكاه ولا مضره )
( ترى الأزهار في ضحك إذا ما ** بكى بدموع عين منه ثره )
( حكى فلكا تدور به نجوم ** تؤثر في سرائرنا المسره )
( يظل النجم يشرق بعد نجم ** ويغرب بعدما تجري المجره )
فعجبنا من اتفاقنا وقضى العجب منه سائر رفاقنا انتهى
وكان لأبي محمد عبد الله بن شعبة الوادي آشي ابن شاعر فعرض عليه شعرا نظمه فأعجبه فقال
( شعرك كالبستان في شكله ** يجمع بين الآس والورد )
( فاصنع به إن كنت لي طائعا ** ما يصنع الفارس بالبند )
الأندلس أبي عبد الله بن الحداد الوادي آشي وهو من رجال الذخيرة
( لزمت قناعتي وقعدت عنهم ** فلست أرى الوزير ولا الأميرا )
( وكنت سمير أشعاري سفاها ** فعدت بها لفلسفتي سميرا ) وله في العروض تأليف مزج فيه بين الأنحاء الموسيقية والآراء الخليلية ورد فيه على السرقسطي المنبوز بالحمار
____________________
(3/502)


( حجبوك إلا من توهم خاطري ** وحموك إلا من تصور بالي )
( والقارظان جميل صبري والكرى ** فمتى أرجي منك طيف خيال ) ومن بدائعه قوله
( سامح أخاك إذا أتاك بزلة ** فخلوص شيء قلما يتمكن )
( في كل شيء آفة موجودة ** إن السراج على سناه يدخن ) وأنشد أحد الأدباء هذين البيتين متمثلا فأعجبا المعتصم وسأل عن قائلهما فأخبر فتبسم وقال أتعرف إلى من أشار بهذا المعنى قال ما أعرف إلا أنه مليح فقال المعتصم كنت في الصبا وهو معي ألقب بسراج الدولة فقاتله الله ما أشعره فسلوه فلما باحثوه في ذلك أقر بحسن حدس المعتصم
واكتنفته سعايات وكان ممن يغلب لسانه على عقله ففر من المرية وحبس أخوه بها فقال
( الدهر لا ينفك من حدثانه ** والمرء منقاد لحكم زمانه )
( وعلمت أن السعد ليس بمنجح ** ما لا يكون السعد من أعوانه )
( والجد دون الجد ليس بنافع ** والرمح لا يمضي بغير سنانه )
وبلغت الأبيات المعتصم فقال شعره أعقل منه صدق فإنه لا يتهيأ له صلاح عيش إلا بأخيه وهو منه بمنزلة السنان من الرمح ثم أمر بإطلاقه ولحاقه به
ولما قال في المعتصم
____________________
(3/504)


( يا طالب المعروف دونك فاتركن ** دار المرية وارفض ابن صمادح )
( رجل إذا أعطاك حبة خردل ** ألقاك في قيد الأسير الطائح )
( لو قد مضى لك عمر نوح عنده ** لا فرق بينك والبعيد النازح ) اغتاظ عليه وأبعده ففر عن بلده
ومن المنسوب إليه في النساء
( خن عهدها مثل ما خانتك منتصفا ** وامنح هواها بنسيان وسلوان )
( فالغيد كالروض في خلق وفي خلق ** إن مر جان أتى من بعده جان )
وله
( حيثما كنت ظاعنا أو مقيما ** دم رفيعا وعش منيعا سليما )
( وقال ابن دحية في المطرب إن من المجيدين في الجد والهزل ورقيق النظم والجزل صاحبنا الوزير أبا بلال وقال لي إنه كان وبرد شبابه قشيب وغصن اعتداله رطيب بقميص النسك متقمص وبعلم الحديث متخصص فاجتاز يوما وبيده مجلد من صحيح مسلم بقصر بعض الملوك الأكابر ومن بعض مناظره ناظر ومجلسه بخواص ندمائه حال وصوت المثاني والمثالث عال فقال أطلعوا لنا هذا الفقيه فلعلنا نضحك منه فلما مثل بين يديه وحيا أمر الساقي بمناولته كأس الحميا فتقبض متأففا وأبدى تمعرا وتقشفا والسلطان يستغرب ضحكا بما هجم عليه ويد
____________________
(3/505)

الساقي ممدودة إليه واتفق أن انشقت من ذاتها الزجاجة فظهر من السلطان التطير من ذلك فأنشد الفقيه مرتجلا
( ومجلس بالسرور مشتمل ** لم يخل فيه الزجاج من أدب )
( سرى بأعطافه يرنحه ** فشق أثوابه من الطرب )
فسر السلطان وسري عنه واستحسن من الفقيه ما بدا منه وأمر له بجائزة سنية وخلعة رائقة بهية
وما أحسن قول ابن البراق
( يا سرحة الحي يا مطول ** شرح الذي بيننا يطول )
( ولي ديون عليك حلت ** لو أنه ينفع الحلول )
وقوله
( انظر إلى الوادي إذا ما غردت ** أطياره شق النسيم ثيابه )
( أتراه أطربه الهديل وزاده ** طربا وحقك أن حللت جنابه ) وله في غلام على فمه أثر المداد
( يا عجبا للمداد أضحى ** على فم ضمن الزلالا )
( كالقار أضحى على الحميا ** والليل قد لامس الهلالا )
وكتب أبو محمد عبد الله بن عذرة إلى بعض أصحابه من الأسر في طليطلة
____________________
(3/506)


( لو كنت حيث تجيبني ** لأذاب قلبك ما أقول )
( يكفيك مني أنني ** لا أستقل من الكبول )
( وإذا أردت رسالة ** لكم فما ألفي رسول )
( هذا وكم بتنا وفي ** أيماننا كأس الشمول )
( والعود يخفق والدخان ** العنبري به يجول )
( حال الزمان ولم يزل ** مذ كنت أعهده يحول )
ولأبي الحسن علي بن مهلهل الجلياني في أبي بكر ابن سعيد صاحب أعمال غرناطة في دولة الملثمين
( لولا النهود لما عراك تنهد ** وعلى الخدود القلب منك يخدد )
( يا نافذا قلبي بسهم جفونه ** مالي على سهم رميت به يد )
وقال أبو زكريا يحيى بن مطروح في غلام كاتب أطل عذاره
( يا حسنه كاتبا قد خط عارضه ** في خده حاكيا ما خط بالقلم )
( لام العذول عليه حين أبصره ** فقلت دعني فزين البرد بالعلم )
( وانظر إلى عجب مما تلوم به ** بدر له هالة قدت من الظلم )
( قولوا عن البحر ما شئتم ولا عجب ** من عنبر الشحر أو من در مبتسم )
وله وقد عزل عن مالقة وال غير مرضي ونزل المطر على إثره وكان الناس في جدب
( ورب وال سرنا عزله ** فبعضنا هنأه البعض )
( قد واصلتنا السحب من بعده ** ولذ في أجفاننا الغمض )
____________________
(3/507)


( لو لم يكن من نجس شخصه ** ما طهرت من بعده الأرض )
وكان الكاتب أبو بكر محمد بن نصر الأوسي مختصا بوزير عبد المؤمن أبي جعفر بن عطية فقال فيه
( أبا جعفر نلت الذي نال جعفر ** ولا زلت بالعليا تسر وتحبر )
( عليك لنا فضل وبر وأنعم ** ونحن علينا كل مدح يحبر **
وحدث من حضر مجلس الوزير ابن عطية وقد أحس من عبد المؤمن التغير الذي أفضى إلى قتله وقد افتتح ابن نصر مطلع هذه القصيدة فتغير وجه أبي جعفر لأن جعفر بن يحيى كان آخر أمره الصلب فكأن هذا عمم الدعاء والعجب أنه قتل مثل جعفر بعد ذلك وهذا الشاعر هو القائل
(
( وما أنا عن ذاك الهوى متبدل ** وذا الغدر بالإخوان غير كريم )
( بغيرك أجري ذكر فضلك في الندى ** كما قد جرى بالروض هب نسيم )
( وإن كان عندي للجديد لذاذة ** فلست بناس حرمة لقديم ) ولأبي عبد الله محمد بن علي اللوشي يخاطب صاحب المسهب
( بي إليكم شوق شديد ولكن ** ليس يبقى مع الجفاء اشتياق )
( إن يغيركم الفراق فودي ** لو خبرتم يزيد فيه الفراق ) وله
( لو أن لي قلبا كقلبك ** كنت أهجر هجركا )
____________________
(3/508)


( يكفيك أنك قد نسيت ** ولست أنسى ذكركا )
( ومن العجائب أنني ** أفنى وأكتم سركا )
( كن كيفما تختاره ** فالحب يبسط عذركا )
وله
( هل عندكم علم بما فعلت بنا ** تلك الجفون الفاتكات بضعفها )
( نصحا لكم أن تأمنوها أنها ** سحر النهى ما تبصرون بطرفها )
ولابنه أبي محمد عبد المولى وكان ماجنا لما نعي إليه وهو على الشراب أحد أصحابه مرتجلا
( إنما دنياك أكل ** وشراب وقحاب )
( ثم من بعد صراخ ** ووداع وتراب )
وله
( يا نديم اشرب على أفق ** صقيل وحديقه )
( واسقني ثم اسقني ثم ** اسقني خمرا وريقه )
( من غزال تطلع الشمس ** بخديه أنيقه )
( لا تفوت ساعة من ** كأس خمر وعشيقه )
( واجتنب ما سخرت جهلا ** له هذي الخليقه )
( رغبوا في باطل زور ** بزهد في الحقيقه )
( ليس إلا ما تراه ** أنا أدرى بالطريقه ) قال أبو عمران موسى بن سعيد قلنا له ما هذا الاعتقاد الفاسد الذي لا ينبغي لأحد أن يصحبك به فقال هذا قول لا فعل وقد قال الله تعالى
____________________
(3/509)

{ ألم تر أنهم في كل واد يهيمون } 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 *
( وكلما استنبط رأيا فسفهه ** ودعه مسخن الجفن (
( فهو إذا أكرمته فاسد ** وصالح بالهون واللعن )
____________________
(3/510)


( شفاعتي في مثله هذه ** فلا سقاه هاطل المزن )
ودفع إليه الكتاب مختوما فسربه وحمله إلى العامل وسافر إليه أياما فلما دفعه إليه قرأه وضحك ودفعه إلى من يشاركه في ذلك من أصحابه فوعده بخير وأخرجه إلى شغل لم يرضه فلما عاد منه قال له أخرجتني لأرذل شغل وأخسه فما فائدة الشفاعة إذن فقال له أو تريد أن أفعل معك ما تقتضيه شفاعة صاحبك قال لا أقل من ذلك فأمر من يأتيه بالأبيات فقرئت عليه فانصرف في أسوء حال فلما دخل غرناطة - وكان عبد المولى تزوج فيها امرأة اغتبط بها - تزيا هذا الرجل بزي أهل البادية وزور كتابا على لسان زوجة لعبد المولى في بلدة أخرى وقال في الكتاب وقد بلغني أنك تزوجت غيري وأردت أن أكتب إليك في أن تطلقني فوصلني كتابك تعرفني فيه أن الزوجة الجديدة لم توافق اختيارك وأنك ناظر في طلاقها فردني ذلك عما عزمت عليه فانظر في تعجيل ما وعدت به من طلاقها فإنك إن لم تفعل لم أبق معك أبدا فلما مر بدار عبد المولى رأى جارية زوجته فقال لها أنا رجل بدوي أتيت من عند فلانة زوجة أبي محمد عبد المولى فعندما سمعت ذلك أعلمت ستها وأخذت الكتاب فوقفت على ما فيه غير شاكه في صحته فلما دخل عبد المولى وجدها على خلاف ما فارقها عليه فسألها عن حالها فقالت أريد الطلاق فقال ما سبب هذا وأنا أرغب الناس فيك فألقت إليه الكتاب فلما وقف عليه حلف لها أن هذا ليس بصحيح وأن عدوا له اختلفه عليه فلم يفد ذلك عندها شيئا ولم يطب له بعد ذلك معها عيش فطلقها وعلم أن ذلك الرجل هو الذي فعل ذلك فقال له لا جزاك الله خيرا ولا أصلح لك حالا فقال وأنت كذلك فهذه بتلك والبادي أظلم فما كان ذنبي عندك حين كتبت في حقي ما كتبت فقال له مثلك لا يقول ( ( ما ذنبي ) ) أنت كلك ذنوب
____________________
(3/511)


( ألست بألأم الثقلين طرا ** وأثقلهم وأفحشهم لسانا )
( فمهما تبغ برا عند شخص ** تزد منه بما تبغي هوانا ) فانصرف عنه عالي اللسان بلعنته وكان أحد بني عبد المؤمن قد ألزمه أن ينسخ له كتابا بموضع منفرد فخطر له يوما جلد عميرة واتفق أن مر السيد يوما بذلك الموضع فنظر إليه في تلك الحال فقال له السيد ما تصنع فقال الدواة جفت ولم أجد ما أسقيها به إلا ماء ظهري فضحك السيد وأمر له بجارية فقال
( قل للعميرة طلقت ** بعد طول زواج )
( قد كان مائي ضياعا ** يمر في غير حاج )
( حتى حباني بحسناء ** قابل للنتاج )
( فكان ناقل خمر ** من حنتم لزجاج )
( كانت تمر ضياعا ** فأصبحت كالسراج )
وقال حاتم بن سعيد
( جنبوني عن المدامة إلا ** عند وقت الصباح أو في الأصيل )
( واشفعوها بكل وجه مليح ** ودعوني من كل قال وقيل )
( وإذا ما أردتم طيب عيشي ** فاحجبوني عن كل وجه ثقيل )
وقال مالك بن محمد ابن سعيد
( أتاني زائرا فبسطت خدي ** له ويقل بسط الخد عندي )
____________________
(3/512)


( فقلت له أيا مولاي ألفا ** فقال وأنت ألفا عبد عبدي )
( وعانقني وقبلني ونادى ** بلطف منه كيف رأيت وعدي )
وقال في استهداء مقص
( ألا قل نعم في مطلب قد حكاه لا ** يفصل إذ نبغي الوصال موصلا )
( نشق به صدر النهار وقد بدا ** ظلاما بأمثال النجوم مكللا )
وقال
( سارت كبدر وليل الخدر يسترها ** ولو بدا وجهها جاءتك بالفلق )
( ودونها من صليل اللامعات حمى ** فالبرق والرعد دون الشمس في الأفق ) بين محمد بن غالب والكتندي وأبي جعفر ابن سعيد 292 بين محمد بن غالب والكتندي وأبي جعفر بن سعيد واجتمع بغرناطة محمد بن غالب الرصافي الشاعر المشهور ومحمد بن عبد الرحمن الكتندي الشاعر وغيرهما من الفضلاء والرؤساء فأخذوا يوما في أن يخرجوا لنجد أو لحور مؤمل وهما منتزهان من أشرف وأظرف منتزهات غرناطة ليتفرجوا ويصقلوا الخواطر بالتطلع في ظاهر البلد وكان الرصافي قد أظهر الزهد وترك الخلاعة فقالوا ما لنا غنى عن أبي جعفر بن سعيد اكتبوا له فصنعوا هذا الشعر وكتبوه له وجعلوا تحته أسماءهم
( بعثنا إلى رب السماحة والمجد ** ومن ما له في ملة الظرف من ند **
( ليسعدنا عند الصبيحة في غد ** لنسعى إلى الحور المؤمل أو نجد )
( نسرح منا أنفسا من شجونها ** ثوت في شجون هن شر من اللحد )
( ونظفر من بخل الزمان بساعة ** ألذ من العليا وأشهى من الحمد )
( على جدول ما بين ألفاف دوحة ** تهز الصبا فيها لواء من الرند )
( ومن كان ذا شرب يخلى بشأنه ** ومن كان ذا زهد تركناه للزهد )
( وما ظرفه يأبى الحديث على الطلى ** ولا أن يديل الهزل حينا من الجد )
____________________
(3/513)


( تهز معاني الشعر أغضان ظرفه ** ويمرح في ثوب الصبابة والوجد )
( وما نغص العيش المهنأ غير أن ** يمازجه تكليف ما ليس بالود )
( نظمنا من الخلان عقد فرائد ** ولما نجد إلاك واسطة العقد )
( فماذا تراه لا عدمناك ساعة ** فنحن ما تبديه في جنة الخلد )
( ورشدك مطلوب وأمرك نحوه ار تقاب ** وكل منك يهدي إلى الرشد )
فكان جوابه لهم
( هو القول منظوما أو الدر في العقد ** هو الزهر نفاح الصبا أم شذا الود )
( أتاني وفكري في عقال من الأسى ** فحل بنفث السحر ما حل من عقد )
( ومن قبل علمي أين مبعث وجهه ** علمت جناب الورد من نفس الورد )
( وأيقنت أن الدهر ليس براجع ** لتقديم عصر أو وقوف على حد )
( فكل أوان فيه أعلام فضله ** ترادف موج البحر ردا )
( إلى رد فكم طيها من فائت متردم ** يهز بما قد اضمرت معطف الصلد )
( فيا من بهم تزهى المعالي ومن لهم ** قياد المعالي ما سوى قصدكم قصدي )
( فسمعا وطوعا للذي قد أشرتم ** به لا أرى عنه مدى الدهر من بد )
( فقوموا على اسم الله نحو حديقة ** مقلدة الأجياد موشية البرد )
( بها قبة تدعى الكمامة فاطلعوا ** بها زهرا أذكى نسيما من الند )
( وعندي ما يحتاج كل مؤمل ** ) ( من الراح والمعشوق والكتب والنرد )
( فكل إلى ما شاءه لست ثانيا ** عنانا له إن المساعد ذو الود )
( ولست خليا من تأنس قينة ** إذا ما شدت ضل الخلي عن الرشد )
( لها ولد في حجرها لا تزيله ** أوان غناء ثم ترميه بالبعد )
( فيا ليتني قد كنت منها مكانه ** تقلبني ما بين خصر إلى نهد )
( ضمنت لمن قد قال إني زاهد ** إذا حل عندي أن يحول عن الزهد )
____________________
(3/514)


( فإن كان يرجو جنة الخلد آجلا ** فعندي له في عاجل جنة الخلد )
فركبوا إلى جنته فمر لهم أحسن يوم على ما اشتهوا وما زالوا بالرصافي إلى أن شرب لما غلب عليه الطرب فقال الكتندي
( غلبناك عما رمته يا ابن غالب ** براح وريحان وشدو وكاعب )
فقال أبو جعفر
( بدا زهده مثل الخضاب فلم يزل ** به ناصلا حتى بدا زور كاذب )
فلما غربت الشمس قالوا ما رأينا أقصر من هذا اليوم وما ينبغي أن يترك بغير وصف فقال أبو جعفر أنا له ثم قال بعد فكرة وهو من عجائبه التي تقدم بها المتقدمين وأعجز المتأخرين
( الله يوم مسرة ** أضوا وأقصر من ذباله )
( لما نصبنا للمنى ** فيه بأوتار حباله )
( طار النهار به كمرتاع ** فأجفلت الغزاله )
( فكأننا من بعده ** بعنا الهداية بالضلاله )
والنهار ذكر الحبارى وإليه أشار بقوله ( ( طار النهار ) ) والغزالة الشمس ولا يخفى حسن التوريتين فسلم له الجميع تسليم السامع المطيع
وعلى ذكر الغزالة في هذا الموضع فلأبي جعفر أيضا فيها وهو من بدائعه قوله
( بدا ذنب السرحان ينبئ أنه ** تقدم سبت والغزالة خلفه )
____________________
(3/515)


( ولم تر عيني مثله من متابع ** لمن لا يزال الدهر يطلب حتفه )
وقوله
( اسقني مثل ما أنار لعيني ** شفق ألبس الصباح جماله )
( قبل أن تبصر الغزالة تستد رج ** منه على السماء غلاله )
( وتأمل لعسجد سال نهرا ** كرعت فيه أو تقضى غزاله )
ومن نظم أبي جعفر قوله
( لو لم يكن شدو الحمائم فاضلا ** شدو القيان لما استخف الأغصنا )
( طرب ثنى حتى الجماد ترنحا ** وأفاض من دمع السحائب أعينا ) وقوله
( في الروض منك مشابه من أجلها ** يهفو له طرفي وقلبي المغرم )
( الغصن قد والأزاهر حلية ** والورد خد والأقاحي مبسم ) وقوله
( ألا حبذا نهر إذا ما لخظته ** أبى أن يرد اللحظ عن حسنه الأنس )
( ترى القمرين الدهر قد عنيا به ** يفضضه بدر وتذهبه شمس )
وقوله وقد مر بقصر من قصور أمير المؤمنين عبد المؤمن وقد رحل عنه
( قصر الخليفة لا أخليت من كرم ** وإن خلوت من الأعداد ) والعدد
( جزنا عليك فلم تنقص مهابته ** والغيل يخلو وتبقى هيبة الأسد )
____________________
(3/516)

وقوله من أبيات
( سرح لحاظك حيث شئت فإنه ** في كل موقع لحظة متأمل )
وقوله أيضا
( ولقد قلت للذي قال حلوا ** ههنا سر فإننا ما سئمنا )
( لا تعين لنا مكانا ولكن ** حيثما مالت اللواحظ ملنا ) وقال
( ألا هاتها إن المسرة قربها ** وما الحزن إلا في توالي جفائها )
( مدام بكى الإبريق عند فراقها ** فأضحك ثغر الكاس عند لقائها )
وقال
( عرج على الحور وخيم به ** حيث الأماني ضافيات الجناح )
( واسبق له قبل ارتحال الندى ** ولا تزره دون شاد وراح )
( وكن مقيما منه حيث الصبا ** تمتار مسكا من أريج البطاح )
( والقضب مال البعض منها على ** بعض كما يثني القدود ارتياح )
( وشق جيب الصبح قصف إذا ** شقت جيوب الطل منها الرياح )
( لم أحص كم غاديته ثابتا ** واسترقصتني الراح عند الرواح ) وقوله
( ألا حبذا روض بكرنا له ضحى ** وفي جنبات الروض للطل أدمع )
( وقد جعلت بين الغصون نسيمة ** تمزق ثوب الطل منها وترقع )
( ونحن إذا ما ظلت القضب ركعا ** نظل لها من هزة السكر نركع )
____________________
(3/517)


وكان ابن الصابوني في مجلس أحد الفضلاء بإشبيلية فقدم فيما قدم خيار فجعل أحد الأدباء يقشرها بسكين فخطف ابن الصابوني السكين من يده فألح عليه في استرجاعها فقال له ابن الصابوني كف عني وإلا جرحتك بها فقال له صاحب المنزل اكفف عنه لئلا يجرحك ويكون جرحك جبارا تعريضا بقول النبي صلى الله عليه وسلم جرح العجماء جبار فاغتاظ ابن الصابوني وخرج من الاعتدال وأخطأ بلسانه وما كف إلا بعد الرغبة والتضرع
ومن نظم ابن الصابوني
( بعثت بمرآة إليك بديعة ** فأطلع بسامي أفقها قمر السعد )
( لننظر فيها حسن وجهك منصفا ** وتعذرني فيما أكن من الوجد )
( فأرسل بذاك الخد لحظك برهة ** لتجني منه ما جناه من الورد )
( مثالك فيها منك أقرب ملمسا ** وأكثر إحسانا وأبقى على العهد )
وقوله في لابس أحمر
( أقبل في حلة موردة ** كالبدر في حلة من الشفق )
( تحسبه كلما أراق دمي ** يمسح في ثوبه ظبى الحدق )
ورحل إلى القاهرة والإسكندرية فلم يلتفت إليه ولا عول عليه وكان شديد الانحراف فانقلب على عقبه يعض يديه على ما جرى عليه فمات عند إيابه إلى الإسكندرية كمدا ولم يعرف له بالديار المصرية مقدار
____________________
(3/518)

وحضر يوما بين يدي المعتضد الباجي ملك إشبيلية وقد نثرت أمامه جملة من دنانير سكت باسمه فأنشد
( قد فخر الدينار والدرهم ** لما علا ذين لكم ميسم )
( كلاهما يفصح عن مجدكم ** وكل جزء منه فرد فم )
ومر فيها إلى أن قال في وصف الدنانير
( كأنها الأنجم والبعد قد ** حقق عندي أنها الأرجم )
فأشار السلطان إلى وزيره فأعطاه منها جملة وقال له بدل هذا البيت لئلا يبقى ذما
وكان يلقب بالحمار ولذا قال فيه ابن عتبة الطبيب
( يا عير حمص عيرتك الحمير ** بأكلك البر مكان الشعير )
وهو أبو بكر محمد بن الفقيه أبي العباس أحمد بن الصابوني شاعر إشبيلية الشهير الذكر والذي أظهره مأمون بني عبد المؤمن وله فيه قصائد عدة منها قوله في مطلع
( استول سباقا على غاياتها ** نجح الأمور يبين في بدآتها )
وله الموشحات المشهورة رحمه الله تعالى
بين
ومن حكايات الصبيان أن ابن أبي الخصال وهو من شقورة اجتاز بأبدة وهوصبي صغير يطلب الأدب فأضافه بها القاضي ابن مالك
____________________
(3/519)

ثم خرج معه إلى حديقة معروشة فقطف لهما منها عنقودا أسود فقال القاضي
( انظر إليه في العصا ** ) فقال ابن أبي الخصال كرأس زنجي عصى فعلم أنه سيكون له شأن في البيان
وحدث أبو عبد الله بن زرقون أن أبا بكر ابن المنخل وأبا بكر الملاح الشلبيين كانا متواخيين متصافيين وكان لهما ابنان صغيران قد برعا في الطلب وحازا قصب السبق في حلبة الأدب فتهاجى الابنان بأقذع الهجاء فركب ابن المنخل في سحر من الأسحار مع ابنه عبد الله فجعل يعتبه على هجاء بني الملاح ويقول له قد قطعت ما بيني وبين صديقي وصفيي أبي بكر في إقذاعك في ابنه فقال له ابنه إنه بدأني والبادي أظلم وإنما يجب أن يلحى من بالشر تقدم فعذره أبوه فبينما هما على ذلك إذ أقبلا على واد تنق فيه الضفادع فقال أبو جعفر لابنه
( تنق ضفادع الوادي ** ) فقال ابنه
( بصوت غير معتاد ** ) فقال الشيخ
( كأن نقيق مقولها ** )
فقال ابنه
( بنو الملاح في النادي ** )
____________________
(3/520)

فلما أحست الضفادع بهما صمتت فقال أبو بكر
( وتصمت مثل صمتهم ** )
فقال ابنه ( إذا اجتمعوا على زاد ** ) فقال الشيخ ( فلا غوث لملهوف ** ) فقال الابن
( ولا غيث لمرتاد ** )
ولا خفاء أن هذه الإجازة لو كانت من الكبار لحصلت منها الغرابة فكيف ممن هو في سن الصبا
ومن حكايات النصارى واليهود من أهل الأندلس - أعادها الله تعالى إلى الإسلام عن قريب إنه سميع مجيب - ما حكي أن ابن المرعزي النصراني الإشبيلي أهدى كلبة صيد للمعتمد بن عباد وفيها يقول
( لم أر ملهى لذي اقتناص ** ومكسبا مقنع الحريص )
( كمثل خطلاء ذات جيد ** أتلع في صفرة القميص )
( كالقوس في شكلها ولكن ** تنفذ كالسهم للقنيص )
( إن تخذت أنفها دليلا ** دل على الكامن العويص )
( لو أنها تستثير برقا ** لم يجد البرق من محيص )
____________________
(3/521)

ومنها في المديح
( يشفع تنويله بود ** شفع القياسات بالنصوص )
وقال
( الله أكبر أنت بدر طالع ** والنقع دجن والكماة نجوم )
( والجود أفلاك وأنت مديرها ** وعدوك الغاوي وهن رجوم )
وقال
( نزلت في آل مكحول وضيفهم ** كنازل بين سمع الأرض والبصر )
( لا تستضيء بضوء في بيوتهم ** ما لم يكن لك تطفيل على القمر )
وسببهما أنه نزل عندهم فلم يوقدوا له سراجا
شعراء اليهود
وقال نسيم الإسرائيلي
( يا ليتني كنت طيرا ** أطير حتى أراكا )
( بمن تبدلت غيري ** أو لم تحل عن هواكا )
وهو شاعر وشاح من أهل إشبيلية وذكره الحجاري في المسهب
وقال إبراهيم بن سهل الإسرائيلي في أصفر ارتجالا
( كان محياك له بهجة ** حتى إذا جاءك ماحي الجمال )
____________________
(3/522)


( أصبحت كالشمعة لما خبا ** منها الضياء اسود فيها الذبال )
وهو شاعر إشبيلية ووشاحها وقرأ على أبي علي الشلوبين وابن الدباج وغيرهما وقال العز في حقه وكان أظهر الإسلام ما صورته كان يتظاهر بالإسلام ولا يخلو مع ذلك من قدح واتهام انتهى
وسئل بعض المغاربة عن السبب في رقة نظم ابن سهل فقال لأنه اجتمع فيه ذلان ذل العشق وذل اليهودية ولما غرق قال فيه بعض الأكابر عاد الدر إلى وطنه
ومن نظم ابن سهل المذكور قوله
( وألمى بقلبي منه جمر مؤجج ** تراه على خديه يندى ويبرد )
( يسائلني من أي دين مداعبا ** وشمل اعتقادي في هواه مبدد )
( فؤادي حنيفي ولكن مقلتي ** مجوسية من خده النار تعبد ) ومنه قوله
(
( هذا أبو بكر يقود بوجهه ** جيش الفتور مطرز الرايات )
( أهدى ربيع عذاره لقلوبنا ** حر المصيف فشبها لفحات )
( خد جرى ماء النعيم بجمره ** فاسود مجرى الماء في الجمرات )
وذكر الحافظ أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري في رحلته الكبيرة القدر والجرم المسماة ب ملء العيبة فيما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة خلافا في إسلام ابن سهلا باطنا وكتب على هامش هذا الكلام الخطيب العلامة سيدي أبو عبد الله بن مرزوق ما نصه صحح لنا من أدركناه من أشياخنا أنه مات على دين الإسلام انتهى ورأيت في بعض كتب الأدب بالمغرب أنه اجتمع جماعة مع ابن سهل في مجلس أنس فسألوه لما أخذت منه الراح عن إسلامه هل هو في الظاهر والباطب أم لا فأجابهم بقوله للناس ما ظهر ولله ما استتر انتهى
____________________
(3/523)


واستدل بعضهم على صحة إسلامه بقوله
( تسليت عن موسى بحب محمد ** هديت ولولا الله ما كنت أهتدي )
( وما عن قلى قد كان ذاك وإنما ** شريعة موسى عطلت بمحمد )
وله ديوان كبير مشهور بالمغرب حاز به قصب السبق في النظم والتوشيح
وما أحسن قوله من قصيدة
( تأمل لظى شوقي وموسى يشبها ** تجد خير نار عندها خير موقد )
وأنشد بعضهم له قوله
( لقد كنت أرجو أن تكون مواصلي ** فأسقيتني بالبعد فاتحة الرعد )
( فبالله برد ما بقلبي من الجوى ** بفاتحة الأعراف من ريقك الشهد )
وقال الراعي رحمه الله تعالى سمعت شيخنا أبا الحسن علي بن سمعة الأندلسي رحمه الله تعالى يقول شيئان لا يصحان إسلام إبراهيم بن سهل وتوبة الزمخشري من الاعتزال ثم قال الراعي قلت وهما في مروياتي أما إسلام إبراهيم بن سهل فيغلب علي ظني صحته لعلمي بروايته وأما الثاني - وهو توبة الزمخشري - فقد ذكر بعضهم أنه رأى رسما بالبلاد المشرقية محكوما فيه يتضمن توبة الزمخشري من الاعتزال فقوي جانب الرواية انتهى باختصار
وقال الراعي أيضا ما نصه وقد نكت الأديب البارع إبراهيم بن سهل الإسرائيلي الأندلسي على الشيخ أبي القاسم في تغزله حيث قال
( أموسى أيا بعضي وكلي حقيقة ** وليس مجازا قولي الكل والبعضا )
( خفضت مكاني إذ جزمت وسائلي ** فكيف جمعت الجزم عندي والخفضا )
____________________
(3/524)

وفي هذا دليل على أن يهود الأندلس كانوا يشتغلون بعلم العربية فإن إبراهيم قال هذين البيتين قبل إسلامه والله تعالى أعلم
وقد روينا أنه مات مسلما غريقا في البحر فإن كان حقا فالله تعالى رزقه الإسلام في آخر عمره والشهادة انتهى
ومن نظم ابن سهل في التوجيه باصطلاح النحاة قوله
( رفعت عوامله وأحسب رتبتي ** بنيت على خفض فلن تتغيرا ) ومنه
( تنأى وتدنو والتفاتك واحد ** كالفعل يعمل ظاهرا ومقدرا )
وقوله
( إذا كان نصر الله وقفا عليكم ** فإن العدا التنوين يحذفه الوقف )
وقوله
( ليتني نلت منه وصلا وأجلى ** ذلك الوصل عن صباح المنون )
( وقرأنا باب المضاف عناقا ** وحذفنا الرقيب كالتنوين )
وقوله
( بنيت بناء الحرف خامر طبعه ** فصرت لتأثير العوامل جازما مانعا )
وقوله
( لك الثناء فإن يذكر سواك به ** يوما فكالرابع المعهود في البدل )
____________________
(3/525)


يعني الغلط وقوله
( إذ اليأس ناجى النفس منك بلن ولا ** أجابت ظنوني ربما وعساني )
وقوله
( وقلت عساه إن أقمت يرق لي ** وقد نسخت لا عنده ما اقتضت عسى )
وقوله
( ينفي لي الحال ولكنه ** يدخل لا في كل مستقبل )
وقوله
( خفضت مقامي إذ جزمت وسائلي ** فكيف جمعت الجزم عندي والخفضا )
وقوله في غلام شاعر
( كيف خلاص القلب من شاعر ** رقت معانيه عن النقد )
( يصغر نثر الدر عن نثره ** ونظمه جل عن العقد )
( وشعره الطائل في حسنه ** طال على النابغة الجعدي )
وحدث أبو حيان عن قاضي القضاة أبي بكر محمد بن أبي النصر الفتح بن علي الأنصاري الإشبيلي بغرناطة أن إبراهيم بن سهل الشاعر الإشبيلي كان يهوديا ثم أسلم ومدح رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصيدة طويلة بارعة قال أبو حيان وقفت عليها وهي من أبدع ما نظم في معناها وكان سن ابن سهل حين غرق نحو الأربعين سنة وذلك سنة تسع وأربعين وستمائة وقيل إنه جاوز الأربعين وكان يقرأ مع المسلمين ويخالطهم وما أحسن قوله
____________________
(3/526)


( مضى الوصل إلا منية تبعث الأسى ** أداري بها همي إذا الليل عسعسا )
( أتاني حديث الوصل زورا على النوى ** أعد ذلك الزور اللذيذ المؤنسا )
( ويا أيها الشوق الذي جاء زائرا ** أصبت الأماني خذ قلوبا وأنفسا )
( كساني موسى من سقام جفونه ** رداء وسقاني من الحب أكؤسا )
ومن أشهر موشحاته قوله
( ليل الهوى يقظان ** والحب ترب )
( السهر والصبر لي خوان ** والنوم عن عيني بري )
وقد عارضه غير واحد فما شقوا له غبار
واما وأما إبراهيم بن الفخار اليهودي فكان قد تمكن عند الأذفونش ملك طليطلة النصراني وصيره سفيرا بينه وبين ملوك المغرب وكان عارفا بالمنطق والشعر قال ابن سعيد أنشدني لنفسه يخاطب أديبا مسلما كان يعرفه قبل أن تعلو رتبته ويسفر بين الملوك ولم يزده على ما كان يعامله به من الإذلال فضاق ذرع ابن الفخار وكتب إليه
( أيا جاعلا أمرين شبهين ما له ** من العقل إحساس به يتفقد )
( جعلت الغنى والفقر والذل والعلا ** سواء فما تنفك تشقى وتجهد )
( وهل يستوي في الأرض نجد وتلعة ** فتطلب تسهيلا وسيرك مصعد )
( وما كنت ذا ميز لمن كنت طالبا ** بما كنت في حال الفراغ تعود )
( وقد حال ما بيني وبينك شاغل ** فلا تطلبني بالذي كنت تعهد )
( فإن كنت تأبى غير إقدام جاهل ** فإنك لا تنفك تلحى وتطرد )
____________________
(3/527)


____________________
(3/527)


( ألا فأت في ابوابه كل مسلك ** ولا تك محلا حيثما قمت تقعد )
قال ابن سعيد وأنشدني لنفسه
( ولما دجا ليل العذار بخده ** تيقنت أن الليل أخفى وأستر )
( وأصبح عذالي يقولون صاحب ** فأخلو به جهرا ولا أتستر )
وقال يمدح الأذفونش لعنهما الله تعالى
( حضرة الأذفنش لا برحت ** غضة أيامها عرس )
( فاخلع النعلين تكرمة ** في ثراها إنها قدس )
قال وأدخلوني إلى بستان الخليفة المستنصر فوجدته في غاية الحسن كأنه الجنة ورأيت على بابه بوابا في غاية القبح فلما سألني الوزير عن حال فرجتي قلت رأيت الجنة إلا أني سمعت أن الجنة يكون على بابها رضوان وهذه على بابها مالك فضحك وأخبر الخليفة بما جرى فقال له قل له إنا قصدنا ذلك فلو كان رضوان عليها بوابا لخشينا أن يرده عنها ويقول له ليس هذا موضعك ولما كان هناك مالك أدخله فيها وهو لا يدري ما وراءه ويخيل أنها جهنم قال فلما أعلمني الوزير بذلك قلت له
{ الله أعلم حيث يجعل رسالته }
وكان في زمان الياس بن المدور اليهودي الطبيب الرندي طبيب آخر كان يجري بينهما من المحاسدة ما يجري بين مشتركين في صنعة فأصلح الناس بينهما مرارا وظهر لإلياس من ذلك الرجل الطبيب ما ينفر الناس منه فكتب إليه
____________________
(3/528)


( لا تخدعن فما تكون مودة ** ما بين مشتركين أمرا واحدا )
( انظر إلى القمرين حين تشاركا ** بسناهما كان التلاقي واحدا )
يعني أنهما معا لما اشتركا في الضياء وجب التحاسد بينهما والتفرقة هذا يطلع ليلا وهذه تطلع نهارا واعتراضهما يوجب الكسوف
وكتب أيوب بن سليمان المرواني إلى بسام بن شمعون اليهودي الوشقي في يوم مطير لما كنت وصل الله تعالى إخاءك وحفظك مطمح نفسي ومنزع اختياري من ابناء جنسي على جوانبك أميل وأرتع في رياض خلقك الجميل هزتني خواطر الطرب والارتياح في هذا اليوم المطير الداعي بكاؤه إلى ابتسام الأقداح واستنطاق البم والزير فلم أر معينا على ذلك ومبلغا إلى ما هنالك إلا حسن نظرك وتجشمك من المكارم ما جرت به عادتك وهذا يوم حرم الطرف فيه الحركة وجعل في تركها الخير والبركة فهل توصل مكرمتك أخاك إلى التخلي معك في زاوية متكئا على دن مستندا إلى خابية ونحن خلال ذلك نتجاذب أهداب الحديث الذي لم يبق من اللذات إلى هو ونجيل الألحاظ فيما تعودت عندك من المحاسن والأسماع في اصناف الملاهي وأنت على ذلك قدير وكرمك بتكلفه جدير
( ولا يعين المرء يوما على ** راحته إلا كريم الطباع )
( وها أنا والسمع مني إلى الباب ** وذو الشوق حليف استماع )
( فإن أتى داع بنيل المنى ** ودع أشجاني ونعم الوداع ) وهذا المرواني من ذرية عبد العزيز أخي عبد الملك بن مروان وهو من أهل المائة السادسة
____________________
(3/529)

وكانت الأندلس شاعرة من اليهود يقال لها قسمونة بنت إسماعيل اليهودي وكان أبوها شاعرا واعتنى بتأديبها وربما صنع من الموشحة قسما فأتمتها هي بقسم آخر وقال لها أبوها يوما أجيزي
( لي صاحب ذو بهجة قد قابلت ** نعمى بظلم واستحلت جرمها )
ففكرت غير كثير وقالت
( كالشمس منها البدر يقبس نوره ** أبدا ويكسف بعد ذلك جرمها ) فقام كالمختبل وضمها إليه وجعل يقبل رأسها ويقول أنت والعشر كلمات أشعر مني ونظرت في المرآة فرأت جمالها وقد بلغت أوان الترزويج ولم تتزوج فقالت
( أرى روضة قد حان منها قطافها ** ولست أرى جان يمد لها يدا )
( فوا أسفا يمضي الشباب مضيعا ** ويبقى الذي ما إن أسميه مفردا )
فسمعها أبوها فنظر في تزويجها وقالت في ظبية عندها
( يا ظبية ترعى بروض دائما ** إني حكيتك في التوحش والحور )
( أمسى كلانا مفردا عن صاحب ** فلنصطبر أبدا على حكم القدر )
واستدعى أبو عبد الله محمد بن رشيق القلعي ثم الغرناطي بعض أصحابه إلى أنس بقوله
( سيدي عندي أترجج ** ونارنج وراح )
____________________
(3/530)


( وجنى آس وزهر ** وحمانا لا يباح )
( ليس إلا مطرب يسلي ** الندامى والملاح )
( ومكان لانهتاك ** قد نأى عنه الفلاح )
( لا يرى يطلع فيه ** دون أكواس صباح )
( فيه فتيان لهم في ** لذة العيش جماح )
( طرحوا الدنيا يسارا ** فاستراحت واستراحوا )
( لا كقوم أوجعتهم ** لهم فيها نباح ) وله
( قال العذول إلى كم ** تدعو لمن لا يجيب )
( فقلت ليس عجيبا ** أن لا يجيب حبيب )
( هون عليك فإني ** من حبه لا أتوب )
قال ابو عمران بن سعيد دخلت عليه وهو مسجون بدار الأشراف بإشبيلية وقد بقي عليه من مال السلطان اثنا عشر ألف دينار قد أفسدها في لذات نفسه فلما لمحني أقبل يضحك ويشتغل بالنادر والحكايات الطريفة فقلت له قالوا إنك أفسدت للسلطان اثني عشر ألف دينار وما احسبك إلا زدت على هذا العدد لما أراك فيه من المسرة والاستبشار فزاد ضحكا وقال يا أبا عمران أتراني إذا لزمت الهم والفكر يرجع علي ذلك العدد الذي أفسدت ثم فكر ساعة وأنشدني
( ليس عندي من الهموم حديث ** كلما ساءني الزمان سررت )
( أتراني أكون للدهر عونا ** فإذا مسني بضر ضجرت )
____________________
(3/531)


( غمرة ثم تنجلي فكأني ** عند إقلاع همها ما ضررت )
وقال النحوي اللغوي أبو عيسى لب بن عبد الوارث القلعي
( بدا ألف التعريف في طرس خده ** فيا هل تراه بعد ذاك ينكر )
( وقد كان كافورا فهل أنا تارك ** له عند ما حياه مسك وعنبر )
( وما خير روض لا يرف نباته ** وهل أفتن الأثواب إلا المشهر )
وقال
( أبى لي أن أقول الشعر أني ** أحاول أن يفوق السحر شعري )
( وأن يصغي إليه كل سمع ** ويعلق ذكره في كل صدر )
قال الحجاري أخبرني أنه أحب أحد أولاد الأعيان ممن كان يقرأ عليه فلما خلا به شكا إليه ما يجده فقال له الصبيان يفطنون بنا فإذا أردت أن تقول شيئا فاكتبه لي في ورقة قال فلما سمعت ذلك منه تمكن الطمع مني فيه وكتبت له
( يا من له حسن يفوق به الورى ** صل هائما قد ظل فيك محيرا )
( وامنن علي بقبلة أو غيرها ** إن كنت تطمع في الهوى أن تؤجرا ) وكتبت بعدها من الكلام ما رأيته فلما حصلت الورقة عنده كتب إلي في غيرها أنا من بيت عادة أهله أن يكونوا اسم فاعل لا اسم مفعول وإنما أردت أن يحصل عندي خطك شاهدا على ما قابلتني به لئلا أشكوك إلى أبي فيقول لي حاش لله أن يقع الفقيه في هذا وإنما أنت خبيث رأيته يطالبك بالتزام الحفظ فاختلقت عليه لأخرجك من عنده فأبقى معذبا معك ومعه وإن
____________________
(3/532)

أنا أوقفته على خطك صدقني واسترحت ولكن لا أفعل هذا إلا إذا لم تنته عني وإن انتهيت فلا أخبر به أحدا قال ابن عبد الوارث فلما وقفت على خطه علمت قدر ما وقعت فيه وجعلت أرغب إليه في أن يرد الرقعة إلي فأبى وقال هي عندي رهن على وفائك بأن لا ترجع تتكلم في ذلك الشأن قال فكان والله يبطل القراءة فلا أجسر أكلمه لأني رأيت صيانتي وناموسي قد حصل في يده وتبت من ذلك الحين عن هذا وأمثاله
وقال جابر بن خلف الفحصي - وكان في خدمة عبد الملك بن سعيد وقرأ مع أبي جعفر بن سعيد وتهذب معه - يخاطبه حين عاثت الذئاب في غنمه
( أيا قائدا قد سما في العلا ** وساد علينا بذات وجد )
( غدا الذئب في غنمي عائثا ** وقد جئت مستعديا بالأسد )
وكثر عليه الدين فكتب إليه أيضا
( أفي أيامك الغر ** أموت كذا من الضر )
( وأخبط في دجى همي ** ووجهك طلعة الفجر ) فضحك وأدى دينه

ولما خلع أهل المرية طاعة عبد المؤمن وقتلوا نائبه ابن مخلوف قدموا عليهم أبا يحيى بن الرميمي ثم كان عليه من النصارى ما علم ففر إلى مدينة فاس وبقي بها ضائعا خاملا يسكن في غرفة ويعيش من النسخ فقال
____________________
(3/533)


( أمسيت بعد الملك في غرفة ** ضيقة الساحة والمدخل )
( تستوحش الأرزاق من وجهها ** فما تزال الدهر في معزل )
( النسخ بالقوت لديها ولا ** تقرعها كف أخ مفضل ) وأنشدها لبعض الأدباء فبينما هو ليلة ينسخ بضوء السراج إذا بالباب يقرع ففتحه فإذا شخص متنكر لا يعرفه وقد مد يده إليه بصرة فيها جملة دنانير وقال خذها من كف أخ لا يعرفك ولا تعرفه وأنت المفضل بقبولها فأخذها وحسن بها حاله
وقال له بعض هذا شعرك أيام خلعك فهل قلت أيام أمرك قال نعم لما قتل أهل المرية ابن مخلوف عامل عبد المؤمن وأكرهوني أن أتولى أمرهم قلت
( أرى فتنا تكشف عن لظاها ** رماد بالنفاق له انصداع )
( وآل بها النظام إلى انتثار ** وساد بها الأسافل والرعاع )
( سأحمل كل ما جشمت منها ** بصدر فيه للهول اتساع )
وأصل بني الرميمي من بني أمية ملوك الأندلس ونسبوا إلى رميمة قرية من أعمال قرطبة
وقال أبو بحر يوسف بن عبد الصمد
( فوصلت أقطارا لغير أحبة ** ومدحت أقواما بغير صلات )
( أموال أشعاري نمت فتكاثرت ** فجعلت مدحي للبخيل زكاتي ) وهذا من غريب المعاني
____________________
(3/534)

وفي بني عبد الصمد يقول بعض أهل عصرهم لما رأى من كثرة عددهم والتباسهم بالسلطان
( ملأت قلبي هموما مثل ما ** ملأ الدنيا بنو عبد الصمد كاثر الشيخ أبوهم آدما ** فغدا أكثر نسلا وولد )
( كلهم ذئب إذا آمنته ** والرعايا بينهم مثل النقد )
وكان الوزير الكاتب أبو جعفر أحمد بن عباس وزير زهير الصقلبي ملك ألمرية بذ الناس في وقته بأربعة أشياء المال والبخل والعجب والكتابة قال أبن حيان وكان قبل محنته صير هجيراه أوقات لعب الشطرنج أو ما ينسخ له هذا البيت
( عيون الحوادث عني نيام ** وهضمي على الدهر شيء حرام )
وذاع هذا البيت في الناس حتى قلب له مصراعه الأخير بعض الأدباء فقال
( سيوقظها قدر لا ينام ** ) وكان حسن الكتابة جميل الخط مليح الخطاب غزير الأدب قوي المعرفة مشاركا في الفقه حاضر الجواب جماعا للدفاتر حتى بلغت أربعمائة ألف مجلد وأما الدفاتر المخرومة فلم يوقف على عددها لكثرتها وبلغ ماله خمسمائة ألف مثقال جعفرية سوى غير ذلك وكان مقتله بيد باديس بن حبوس ملك غرناطة وكفى دليلا على إعجابه قوله
( لي نفس لا ترتضي الدهر عمرا ** وجميع الأنام طرا عبيدا )
( لو ترقت فوق السماك محلا ** لم تزل تبتغي هناك صعودا )
____________________
(3/535)


( أنا من تعلمون شيدت مجدي ** في مكاني ما بين قومي وليدا )
وكان يتهم بداء أبي جهل فيما ينقل حتى كتب بعض الأدباء على برجه بالمرية
( خلوت بالبرج فما الذي ** تصنع فيه يا سخيف الزمان ) فلما نظر إليه أمر أن يكتب
( أصنع فيه كل ما أشتهي ** وحاسدي خارجه في هوان )
وكان الأعمى التطيلي شاعرا مشهورا وكان الصبيان يقولون له ( ( تحتاج كحلا يا أستاذ ) ) فكان ذلك سبب انتقاله من مرسية وقيل له يا أبا بكر كم تقع في الناس فقال أنا أعمى وهم لا يبرحون حفرا فما عذري في وقوعي فيهم فقال له السائل والله لا كنت قط حفرة لك وجعل يواليه بره ورفده ومن شعره
( وجوه تعز على معشر ** ولكن تهون على الشاعر )
( قرونهم مثل ليل المحب ** وليل المحب بلا آخر ) وله
( زنجيكم بالفسوق داري ** يدلي من الحرص كالحمار )
( يخلو بنجل الوزير سرا ** فيولج الليل في النهار )
____________________
(3/536)

ومن شعر أبي جعفر أحمد بن الخيال الإستبي كاتب ابن الأحمر فيمن اسمه ( ( فضل الله ) )
( من الناس من يؤتى بنقد ومنهم ** بكره ومنهم من يناك إذا انتشى )
( ومنهم فتى يؤتى على كل حالة ** وذلك فضل الله يؤتيه من يشا )
ولعبد الملك بن سعيد الخازن
( ما حمدناك إذ وقفنا ببابك ** للذي كان من طويل حجابك )
( قد ذممنا الزمان فيك فقلنا ** أبعد الله كل دهر أتى بك )
وقال في المسهب كنت بمجلس القاضي ابن حمدين وقد أنشده شعراء قرطبة وغيرها وفي الجملة هلال شاعر غرناطة ومحمد بن الإستجي شاعر إستجة الملقب بزحكون فقام الإستجي وأنشده قصيدة منها
( إليك ابن حمدين انتخلت قصائدا ** بها رقصت في القضب ورق الحمائم )
( أنا العبد لكن بالمودة أشترى ** إذا كان غيري يشترى بالدراهم ) فشكره ابن حمدين ونبه على مكان الإحسان فحسده هلال البياني على ذلك فلما فرغ من القصيدة قال له هلال أعد علي البيت الذي فيه ( ( رقص الحمام ) ) فأعاده فقال له لو أزلت النقطة عن الخاء كنت تصدق فقال له في الحين ولو أزلت النقطة عن العين كنت تحسن
وكانت على عين هلال نقطة فكان ذلك من الاتفاق العجيب والجواب الغريب وعمل فيه

____________________
(3/537)

ولما قال المقدم بن المعافى في رثاء سعيد بن جودي
( من ذا الذي يطعم أو يكسو ** وقد حوى حلف الندى رمس )
( لا اخضرت الأرض ولا أورق العود ** ولا أشرقت الشمس )
( بعد ابن جودي الذي لن ترى ** أكرم منه الجن والإنس ) فقيل له اترثيه وقد ضربك فقال والله إنه نفعني حتى بذنوبه ولقد نهاني ذلك الأدب عن مضار جمة كنت أقع فيها على رأسي أفلا أرعى له ذلك والله ما ضربني إلا وأنا ظالم له أفأبقى على ظلمي له بعد موته وقيل له لم لا تهجو مؤمن بن سعيد فقال لا أهجو من لو هجا النجوم ما اهتدى أحد بها
وقال أبو مروان عبد الملك بن نظيف
( لا أشرب الراح إلا ** مع كل خرق كريم )
( ولست أعشق إلا ** ساجي الجفون رخيم )
ومدح هلال البياني ابن حمدين بقصيدة أولها
( عرج على ذاك الجناب العالي ** واحكم على الأموال بالآمال )
( فيه ابن حمدين الذي لنواله ** من كل أرض شد كل رحال )
فقال له القاضي ما هذا الوثوب على المدح من أول وهلة ألا تدري أنهم عابوا ذلك كما عابوا الطول أيضا وأن الأولى التوسط فقال يا سيدي اعذرني بما لك في قلبي من الإجلال والمحبة فإني كلما ابتدأت في مدحك
____________________
(3/538)

لم يتركني غرامي في اسمك إلى أن أتركه عند أول بيت فاستحسن ذلك منه وأحسن إليه
ومن هذه القصيدة )
( قاض موال برد ونواله ** فله جميع العالمين موالي )
وكان يهوى وسيما من متأدبي قرطبة فصنع فيه شعرا أنشده منه
( وكلت عيني برعي النجم في الظلم ** وعبرتي قد غدت ممزوجة بدم )
فقال له الغلام أنت لا تبرح بكوكب من عينك ليلا ولا نهارا وعاشقا وغير عاشق فخجل هلال وكان على عينه نقطة
وحكى ابن حيان أن الأمير
( عبد الرحمن عثرت به دابته وهو سائر في بعض أسفاره وتطأطأت فكاد يكبو لفيه ولحقه جزع وتمثل أثره بقول الشاعر
( وما لا ترى مما يقي الله أكثر ** )
وطلب صدر البيت فعزب عنه وأمر بالسؤال عنه فلم يوجد من يحفظه إلا الكاتب محمد بن سعيد الزجالي وكان يلقب بالأصمعي لذكائه وحفظه فأنشد الأمير
( ترى الشيء مما يتقى فتهابه ** )
فأعجب الأمير واستحسن شكله فقال له الزم السرداق وأعقب ابنا يسمى حامدا

____________________
(3/539)

وحضر مع الوزير عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني في مجلس فيه رؤساء فعرض عليهم فرس مطهم فتمثل فيه عبد الواحد بقول امرئ القيس
( بريد السرى بالليل من خيل بربرا ** )
ففهم الزجالي بأنه عرض بأنه من البربر فلم يحتمل ذلك وأراد الجواب فقال مدبجا لما أراده ومعرضا أحسن عندي من ليل يسري بي فيه على مثل هذا يوم على الحال التي قال فيها القائل
ويوم كظل الرمح قصر طوله ** دم الزق عنا واصطفاق المزاهر ) وإنما عرض للإسكندراني بأنه كان يشهد مجالس الراحات في أول أمره ومعرفة الغناء فقلق الوزير وشكاه إلى الحاجب عيسى بن شهيد فاجتمع مع الزجالي وأخذ معه في ذلك فحكى له الزجالي ما جرى من الأول إلى الآخر وأنشد
( وما الحر إلا من يدين بمثل ما ** يدان ومن يخفي القبيح وينصف )
( هم شرعوا التعريض قذفا فعندما ** تبعناهم لاموا عليه وعنفوا )
ومن نوادر ابنه حامد أنه غلط أمامه في قوله تعالى { الزانية والزاني } [ النورالآية 2 ] بأن قال ( ( فانكحوهما ) ) فأنشده حامد
( أبدع القارئ معنى ** لم يكن في الثقلين )
( أمر الناس جميعا ** بنكاح الزانيين )
وقال لبعض أصحابه حينئذ أما سمعت ما أتى به إمامنا من تبديل الحدود وتضاحكا
____________________
(3/540)

وتراجم من المطمح
وكتب الوزير أبو عبد الله بن عبد العزيز إلى المنصور صاحب بلنسية ويعرف بالمنصور الصغير قطعة أولها
( يا أحسن الناس آدابا وأخلاقا ** وأكرم الناس أغصانا وأوراقا )
( ويا حيا الأرض لم نكبت عن سنني ** وسقت نحوي إرعادا وإبراقا )
( ويا سنا الشمس لم أظلمت في بصري ** وقد وسعت بلاد الله إشراقا )
( من أي باب سعت غير الزمان إلى ** رحيب صدرك حتى قيل قد ضاقا )
( قد كنت أحسبني من حسن رأيك لي ** أني أخذت على الأيام ميثاقا )
( فالآن لم يبق لي بعد انحرافك ما ** آسى عليه وأبدي منه إشفاقا )
فأجابه بهذه القطعة
( ما زلت أوليك إخلاصا وإشفاقا ** وأنثني عنك مهما غبت مشتاقا )
( وكان من أملي أن أقتنيك أخا ** فأخفق الأمل المأمول إخفاقا )
( فقلت غرس من الإخوان أكلؤه ** حتى أرى منه أثمارا وأيراقا )
( فكان لما زها أزهاره ودنت ** إثمارها حنظلا مرا لمن ذاقا )
( فلست أول إخوان سقيتهم ** صفوي وأعلقتهم بالقلب إعلاقا )
( فما جزوني بإحساني ولا عرفوا ** قدري ولا حفظوا عهدا وميثاقا )
والوزير المذكور قال في حقه في المطمح إنه وزير المنصور بن عبد العزيز ورب السبق في وده والتبريز ومنقض الأمور ومبرمها ومخمد الفتن ومضرمها اعتقل بالدهي واستقل بالأمر والنهي على انتهاض بين الأكفاء واعتراض المحو لرسومه والإعفاء فاستمر غير مراقب وأمر
____________________
(3/541)

ما شاء غير ممتثل للعواقب ينتضي عزائم تنتضى فإن ألمت من الأيام مظلمة أضا إلى أن أودى وغار منه الكوكب الأهدى فانتقل الأمر إلى ابنه أبي بكر فناهيك من أي عرف ونكر فقد أربى على الدهاة وما صبا إلى الظبية ولا إلى والمهاة واستقل بالهول يقتحمه والأمر يسديه ويلحمه فأي ندى ندى أفاض وأي أجنحة بمدى هاض فانقادت إليه الآمال بغير خطام ووردت من نداه ببحر طام ولم يزل بالدولة قائما وموقظا من بهجتها ما كان نائما إلى أن صار الأمر إلى المأمون بن ذي النون أسد الحروب ومسد الثغور والدروب فاعتمد عليه واتكل ووكل الأمر إلى غير وكل فما تعدى الوزارة إلى الرياسة ولا تردى بغير التدبير والسياسة فتركه مستبدا ولم يجد من ذلك بدا
وكان أبو بكر هذا ذا رفعة غير متضائلة وآراء لم تكن آفلة أدرك بها ما أحب وقطع غارب كل منافس وجب إلى أن طلحه العمر وأنضاه وأغمده الذي انتضاه فخلى الأمر إلى ابنيه فتلبدا في التدبير ولم يفرقا بين القبيل والدبير فغلب عليهما القادر بن ذي بالنون وجلب إليهما كل خطب ما خلا المنون فانجلوا بعدما القوا ما عندهم وتخلوا وكان لأبي عبد الله نظم مستبدع يوضع بين الجوانح ويودع انتهى المقصود من الترجمة
وكان للوزير أبي الفرج ابن مكبود قد أعياه علاجه وتهيأ للفساد مزاجه فدل على خمر قديمة فلم يعلم بها إلا عند حكم وكان وسيما وللحسن قسيما فكتب إليه
( أرسل بها مثل ودك ** أرق من ماء خدك )
____________________
(3/542)


( شقيقة النفس فانضح ** بها جوى ابني وعبدك )
وكتب رحمه الله تعالى معتذرا عما جناه منذرا
( ما تغيبت عنك إلا لعذر ** ودليلي في ذاك حرصي عليكا )
( هبك أن الفرار من عظم ذنب ** أتراه يكون إلا إليكا )
وقال في المطمح في حق أبي الفرج من ثنية رياسة وعترة نفاسة ما منهم إلا من تحلى بالإمارة وتردى بالوزارة وأضاء في آفاق الدول ونهض بين الخيل والخول وهو أحد أمجادهم ومتقلد نجادهم فاتهم أدبا ونبلا وباراهم كرما تخاله وبلا إلا أنه بقي وذهبوا ولقي من الأيام ما رهبوا فعاين تنكرها وشرب عكرها وجال في الآفاق واستدر أخلاف الأرزاق وأجال للرجاء قداحا متواليات الإخفاق فأخمل قدره وتوالى عليه جور الزمان وغدره فاندفعت آثاره وعفت أخباره وقد أثبت له بعض ما قاله وحاله قد أدبرت والخطوب إليه قد انبرت أخبرني الوزير الحكيم أبو محمد المصري وهو الذي آواه وعنده استقرت نواه وعليه كان قادما ولوكان منادما أنه رغب إليه في أحد الأيام أن يكون من جملة ندمائه وأن لا يحجب عنه وتكون منة من أعظم نعمائه فأجابه بالإسعاف واستساغ منه ما كان يعاف لعلمه بقلته وإفراط خلته فلما كان ظهر ذلك اليوم كتب إليه
( أنا قد أهبت بكم وكلكم هوى ** وأحقكم بالشكر مني السابق )
( فالشمس أنت وقد أظل طلوعها ** فاطلع وبين يديك فجر صادق )
____________________
(3/543)


وقال الوزير أبو عامر بن مسلمة
( حج الحجيج منى ففازوا بالمنى ** وتفرقت عن خيفه الأشهاد ) ولنا بوجهك حجة مبرورة ** في كل يوم تنقضي وتعاد )
وقال الفتح في حقه ما صورته نبتة شرف باذخ ومفخر على ذوائب الجوزاء شامخ وزروا للخلفاء فانتجعتهم الأدباء واتبعتهم العظماء وانتسبت لهم النعماء وتنفست عن نور بهجتهم الظلماء وأبو عامر هذا هو جوهرهم المنتخل وجوادهم الذي لايبخل وزعيمهم المعظم وسلك مفخرهم المنظم وكان فتى المدام ومستفتي الندام وأكثر من النعت للراح والوصف وآثر الأفراح والقصف وأرى قينات السرور مجلوة وآيات الحسن متلوة وله كتاب سماه حديقة الارتياح في وصف حقيقة الراح واختص بالمعتضد اختصاصا جرعه رداه وصرعه في مداه فقد كان في المعتضد من عدم تحفظه للأرواح وتهاونه باللوام في ذلك واللواح فاطمأن إليه أبو عامر واغتر وأنس إلى ما بسم له من مؤانسته وافتر حتى أمكنته في اغتياله فرصة لم يعلق بها حصة ولم يضيق عليه إلا أنه زلت به قدمه فسقط في البحيرة وانكفا ولم يعلم به إلا بعدما طفا فأخرج وقد قضى وأدرج منه في الكفن حسام المجد منتضى فمن محاسنه قوله يصف السوسن وهو مما أبدع فيه وأحسن
( وسوسن راق مرآه ومخبره ** وجل في أعين النظار منظره )
( كأنه أكؤس البلور قد صنعت مسندسات تعالى الله مظهره )
( وبينها ألسن قد طوقت ذهبا ** من بينها قائم بالملك يؤثره )
____________________
(3/544)

إلى أن قال واجتمع بجنة بخارج إشبيلية مع إخوان له علية فبينما هم يديرون الراح ويشربون من كأسها الأفراح والجو صاح إذا بالأفق قد غيم وأرسل الديم بعدما كسا الجو بمطارف اللاذ وأشعر الغصون زهر قباذ والشمس منتقبة بالسحاب والرعد يبكيها بالانتحاب فقال
( يوم كأن سحابه ** لبست عمامات الصوامت )
( حجبت به شمس الضحى ** بمثال أجنحة الفواخت )
( والغيث يبكي فقدها ** والبرق يضحك مثل شامت )
( والرعد يخطب مفصحا ** والجو كالمحزون ساكت ) وخرج إلى تلك الخميلة والربيع قد نشر رداه ونثر على معاطف الغصون أنداه فأقام بها وقال
( وخميلة رقم الزمان أديمها ** بمفضض ومقسم ومشوب )
( رشفت قبيل الصبح ريق غمامة ** رشف المحب مراشف المحبوب ) وطردت في أكنافها ملك الصبا ** وقعدت واستوزرت كل أديب )
( وأدرت فيها اللهو حق مداره ** مع كل وضاح الجبين حسيب )
( وقال الوزير الكاتب أبو حفص أحمد بن برد
( قلبي وقلبك لا محالة واحد ** شهدت بذلك بيننا الألحاظ )
____________________
(3/545)


( فتعال فلنغظ الحسود بوصلنا ** إن الحسود بمثل ذاك يغاظ ) وقال
( يا من حرمت لذاذتي بمسيره ** هذي النوى قد صعرت لي خدها )
( زود جفوني من جمالك نظرة ** والله يعلم إن رأيتك بعدها )
وقال في المطمح في ابن برد المذكور إنه غذي بالأدب وعلا إلى أسمى الرتب وما من أهل بيته إلا شاعر كاتب لازم لباب السلطان راتب ولم يزل في الدولة العامرية بسبق يذكر وحق لا ينكر وهو بديع الإحسان بليغ القلم واللسان مليح الكتابة فصيح الخطابة وله رسالة السيف والقلم وهو أول من قال بالفرق بينهما وشعره مثقف المباني مرهف كالحسام اليماني وقد أثبت منه ما يلهيك سماعا ويريك الإحسان لماعا فمن ذلك قوله يصف البهار
( تأمل فقد شق البهار كمائما ** وأبرز عن نواره الخضل الندي )
( مداهن تبر في أنامل فضة ** على أذرع مخروطة من زبرجد )
وله يصف معشوقا أهيف القد ممشوقا أبدى صفحة ورد وبدا في ثوب لازورد
( لما بدا في لازور ** دي الحرير وقد بهر )
( كبرت من فرط الجمال ** وقلت ما هذا بشر )
( فأجابني لا تنكرن ** ثوب السماء على القمر )
____________________
(3/546)


وقال الوزير الكاتب أبو جعفر بن اللمائي
( ألما فديتكما نستلم ** منازل سلمى على ذي سلم )
( منازل كنت بها نازلا ** زمان الصبا بين جيد وفم )
( أما تجدن الثرى عاطرا ** إذا ما الرياح تنفسن ثم )
وقال في المطمح فيه إمام من أئمة الكتابة ومفجر ينبوعها والظاهر على مصنوعها بمطبوعها إذا كتب نثر الدر في المهارق ونمت فيه أنفاسه كالمسك في المفارق وانطوى ذكره على انتشار إحسانه وقسصر أمره مع امتداد لسانه فلم تطل لدوحته فروع ولا اتصل لها من نهر الإحسان كروع فاندفنت محاسنه من الإهمال في قبر وانكسرت الآمال بعدم بدائعه كسرا بعد جبر وكان كاتب علي بن حمود العلوي وذكر أنه كان يرتجل بين يديه ولا يروي فيأتي على البديه بما يتقبله المروي ويبديه فمن ذلك ما كتب به متفننا من ضمن رسالة روض القلم في فنائك مونق وغصن الأدب بمائك مورق وقد قذف بحر الهند درره وبعث روض نجد زهره فأهدى ذلك على يدي فلان الجاري في حمده على مباني قصده
وقال الوزير حسان بن مالك بن أبي عبدة في المهرجان
( أرى المهرجان قد استبشرا ** غداة بكى المزن واستعبرا )
( وسربلت الأرض أمواجها ** وجللت السندس الأخضرا )
( وهز الرياح صنابيرها ** فضوعت المسك والعنبرا )
( تهادى به الناس ألطافه ** وسامى المقل به المكثرا )
____________________
(3/547)

وقال في حقه في المطمح من بيت جلالة وعترة أصالة كانوا مع عبد الرحمن الداخل وتوغلوا معه في متشعبات تلك المداخل وسعوا في الخلافة حتى حضر مبايعها وكثر مشايعها وجدوا في الهدنة وانعقادها وأخمدوا نار الفتنة عند اتقادها فانبرمت عراها وارتبطت أولاها وأخراها فظهرت البيعة واتضحت وأعلنت الطاعة وأفصحت وصاروا تاج مفرقها ومنهاج طرقها وهو ممن بلغ الوزارة بعد ذلك وأدركها وحل مطلعها وفلكها مع اشتهار في اللغة والآداب وانخراط في سلك الشعراء والكتاب وإبداع لما ألف وانتهاض بما تكلف ودخل على المنصور وبين يديه كتاب ابن السري وهو به كلف وعليه معتكف فخرج وعمل على مثاله كتابا سماه ربيعة وعقيل جرد له من ذهنه أي سيف صقيل وأتى به منتسخا مصورا في ذلك اليوم من الجمعة الأخرى وأبرزه والحسن يتبسم عنه ويتفرى فسر به المنصور وأعجب ولم يغب عن بصره ساعة ولا حجب وكان له بعد هذه المرة حين أدجت الفتنة ليلها وأزجت إبلها وخيلها اغتراب كاغتراب الحارث بن مضاض واضطراب بين القوافي والمواضي كالحية النضناض ثم اشتهر بعد وافتر له السعد وفي تلك المدة يقول يتشوق إلى أهله
( سقى بلدا أهلي به وأقاربي ** غواد بأثقال الحيا وروائح
( وهبت عليهم بالعشي وبالضحى ** نواسم برد والظلال فوائح )
( تذكرتهم والنأي قد حال دونهم ** ولم أنس لكن أوقد القلب لافح )
( ومما شجاني هاتف فوق أيكة ** ينوح ولم يعلم بما هو نائح )
( فقلت اتئد يكفيك أني نازح ** وأن الذي أهواه عني نازح )
( ولي صبية مثل الفراخ بقفرة ** مضى حاضناها فاطحتها الطوائح )
____________________
(3/548)


( إذا عصفت ريح أقامت رؤوسها ** فلم يلقها إلا طيور بوارح )
( فمن لصغار بعد فقد أبيهم ** سوى سانح في الدهر لو عن سانح )
واستوزره المستظهر عبد الرحمن بن هشام أيام الفتنة فلم يرض بالحال ولم يمض في ذلك الانتحال وتثاقل عن الحضور في كل وقت وتغافل في ترك الغرور بذلك المقت وكان المستظهر يستبد بأكثر تلك الأمور دونه وينفرد مغيبا عنه شؤونه فكتب إليه
( إذا غبت لم أحضر وإن جئت لم أسل ** فسيان مني مشهد ومغيب )
( فأصبحت تيميا وما كنت قبلها ** لتيم ولكن الشبيه نسيب )
وله رأت طالعا للشيب بين ذوائبي فباحت بأسرار الدموع السواكب )
( وقالت أشيب قلت صبح تجاربي ** أنار على أعقاب ليل نوائبي ) ولما مات رثاه الوزير أبو عامر ابن شهيد بقوله
( أفي كل عام مصرع لعظيم ** أصاب المنايا حادثي وقديمي )
( وكيف اهتدائي في الخطوب إذا دجت ** وقد فقدت عيناي ضوء نجوم )
( مضى السلف الوضاح إلا بقية ** كغرة مسود القميص بهيم )
( فإن ركبت مني الليالي هضيمة ** فقبلي ما كان اهتضام تميم )
( أبا عبدة إنا غدرناك عندما ** رجعنا وغادرناك غير ذميم )
( أنخذل من كنا نرود بأرضه ** ونكرع منه في إناء علوم )
( ويجلو العمى عنا بأنوار رأيه ** إذا أظلمت ظلماء ذات غيوم )
( كأنك لم تلقح بريح من الحجا ** عقائم أفكار بغير عقيم )
( ولم نعتمد مغناك غدوا ولم نزر ** رواحا لفصل الحكم دار حكيم )
____________________
(3/549)

وقال الوزير الفقيه أبو أيوب ابن أبي أمية
( أمسك دارين حياك النسيم به ** أم عنبر الشحر أم هذي البساتين )
( بشاطئ النهر حيث النور مؤتلق ** والراح تعبق أم تلك الرياحين )
وحلاه في المطمح بقوله واحد الأندلس الذي طوقها فخارا وطبقها بأوانه افتخارا ما شئت من وقار لا تحيل الحركة سكونه ومقدار يتمنى مخبر أن يكونه إذا لاح رأيت المجد مجتمعا وإذا فاه أضحى كل شيء مستمعا تكتحل منه مقل المجد وتنتحل المعالي أفعاله انتحال ذي كلف بها ووجد لو تفرقت في الخلق سجاياه لحمدت الشيم ولو استسقيت بمحياه لما استمسكت الديم ودعي للقضاء فما رضي وأعفي عنه فكأنه ما استقضي لديه تثبت الحقائق وتنبت العلائق وبين يديه يسلك عين الجدد ويدع اللدد اللدد وله أدب إذا حضر به فلا البحر إذا عصف ولا أبو عثمان إذا وصف مع حلاوة مؤانسة تستهوي الجليس وتهوي حيث شاءت بالنفوس وأما تحبيره وإنشاؤه ففيهما للسامع تحييره وانتشاؤه وقد اثبت له بدعا يثني إليها الإحسان جيدا وأخدعا فمن ذلك قوله في منزل حله متنزها
( يا منزل الحسن أهواه وآلفه ** حقا لقد جمعت في صحنك البدع )
( لله ما اصطنعت نعماك عندي في ** يوم نعمت به والشمل مجتمع )
وحل منية صهره الوزير أبي مروان بن الدب بعدوة إشبيلية المطلة على النهر المشتملة على بدائع الزهر وهو معرس ببنته فأقام بها أياما متأنسا
____________________
(3/550)

ولجذوة السرور مقتبسا فوالى عليه من التحف وأهدى إليه من الطرف ما غمر كثرة وبهر نفاسة وأثرة فلما ارتحل وقد اكتحل من حسن ذلك الموضع بما اكتحل كتب إليه
( قل للوزير وأين الشكر من منن ** جاءت على سنن تترى وتتصل )
( غشيت مغناك والروض الأنيق به ** يندى وصوب الحيا يهمي وينهمل )
( وجال طرفي في أرجائه مرحا ** وفق اجتيازي يستعلي ويستفل )
( ندعو بلفتته حيث ارتمى زهر ** عليه من منثني أفنانه كلل )
( محل أنس نعمنا فيه آونة ** من الزمان وواتانا به الأمل )
وحل بعد ذلك متنزها بها على عادته فاحتفل في موالاة ذلك البر وإعادته فلما رحل كتب إليه
( يا دار أمنك الزمان ** صروفه ونوائبه )
( وجرت سعودك بالذي ** يهوى نزيلك آيبه )
( فلنعم مأوى الضيف أنت ** إذا تحاموا جانبه )
( خطر شأوت به الديار وأذعنت لك قاطبه )
وصنع له ولد ابن عبد الغفور رسالة سماها ب الساجعة حذا بها حذو أبي العلاء المعري في الصاهل والشاحج وبعث بها إليه فعرضها عليه فأقامت عنده أياما ثم استدعاها منه فصرفها إليه وكتب معها بكر زففتها أعزك الله تعالى نحوك وهززت بمقدمها سناك وسروك فلم ألفظها عن شبع ولا
____________________
(3/551)

جهلت ارتفاعها عما يجتلي من نوعها ويستمع ولكن لما أنسته من أنسك بانتجاعها وحرصك على ارتجاعها دفعت في صدر الولوع وتركت بينها وبين مجاثمها تلك الربوع حيث الأدب غض وماء البلاغة مرفض فأسعد أعزك الله بكرتها وسلها عن أفانين معرتها بما تقطفه من ثمارك وتغرفه من بحارك وترتاح له ولإخوانه من نتائج أفكارك وإنها لشنشنة أعرفها فيكم من أخزم وموهبة حزتموها وأحرزتم السبق فيها منذ كم انتهى
وابن عبد الغفور هو الوزير أبو القاسم الذي قال فيه الفتح فتى زكا فرعا وأصلا وأحكم البلاغة معنى وفصلا وجرد من ذهنه على الأعراض نصلا قدها به وفراها وقدح زند المعالي حتى أوراها مع صون يرتديه ولا يكاد يبديه وشبيبة ألحقته بالكهول فأقفرت منه ربعها المأهول وشرف ارتداه وسلف اقتفى أثره الكريم واقتداه وله شعر بديع السرد مفوف البرد وقد أثبت له منه ما ألفيت وبالدلالة عليه أكتفيت فمن ذلك قوله
( تركت التصابي للصواب وأهله ** وبيض الطلى للبيض والسمر للسمر )
( مدامي مدادي والكؤوس محابري ** وندماي أقلامي ومنقلتي سفري ) وله
( لا تنكروا أننا في رحلة أبدا ** نحث في نفنف طورا وفي هدف
( فدهرنا سدفة ونحن أنجمها ** وليس ينكر مجرى النجم في السدف )
( لو أسفر الدهر لي أقصرت عن سفري ** وملت عن كلفي بهذه الكلف )
____________________
(3/552)


____________________
(3/552)


____________________
(3/553)


وله من قصيدة
( رويدك يا بدر التمام فإنني ** أرى العيس حسرى والكواكب ظلعا )
( كأن أديم الصبح قد قد أنجما ** وغودر درع الليل فيها مرقعا )
( فإني وإن كان الشباب محببا ** إلي وفي قلبي أجل وأوقعا )
( لآنف من حسن بشعري مفترى ** وآنف من حسن بشعري قنعا )
وقال الوزير أبو الوليد بن حزم
( إليك أبا حفص وما عن ملالة ** ثنيت عناني والحبيب حبيب )
( مقالا يطير الجمر عن جنباته ** ومن تحته قلب عليك يذوب )
( مضت لك في أفياء ظلي صولة ** لها بين أحناء الضلوع دبيب )
( ولكن أبى إلا إليك التفاته ** فزاد عليه من هواك رقيب )
( وكم بيننا لو كنت تحمد ما مضى ** إذ العيش غض والزمان قشيب )
( وتحت جناح الغيم أحشاء روضة ** بها لخفوق العاصفات وجيب )
( وللزهر في ظل الرياض تبسم ** وللطير منها في الغصون نحيب ) وقال في الزهد
( ثلاث وستون قد جزتها ** فماذا تؤمل أو تنتظر )
( وحل عليك نذير المشيب ** فما ترعوي أو فما تزدجر )
( تمر لياليك مرا حثيثا ** وأنت على ما أرى مستمر )
( فلو كنت تعقل ما ينقضي ** من العمر لاعتضت خيرا بشر )
( فما لك تستعد إذن ** لدار المقام ودار المقر )
( أترغب عن فجأة للمنون ** وتعلم أن ليس منها مفر )
____________________
(3/553)


( فإما فإما إلى جنة أزلفت ** وإما إلى سقر تستعر )
وقال ابن أبي زمنين
( الموت في كل حين ينشر الكفنا ** ونحن في غفلة عما يراد بنا )
( لا تطمئن إلى الدنيا وبهجتها ** وإن توشحت من أثوابها الحسنا )
( أين الأحبة والجيران ما فعلوا ** أين الذين هم كانوا لنا سكنا )
( سقاهم الموت كأسا غير صافية ** فصيرتهم لأطباق الثرى رهنا )
( تبكي المنازل منهم كل منسجم ** بالمكرمات وترثي البر والمننا )
( حسب الحمام لو ابقاهم وأمهلهم ** أن لا يظن على معلوة حسنا )
وقال في المطمح الفقيه أبو عبد الله محمد بن أبي زمنين فقيه متبتل وزاهد لا منحرف إلى الدنيا ولا منفتل هجرها هجر المنحرف وحل أوطانه فيها محل المعترف لعلمه بارتحاله عنها وتفويضه وإبداله منها وتعويضه فنظر بقلبه لا بعينه وانتظر يوم فراقه وبينه ولم يكن له بعد ذلك بها اشتغال ولا في شعاب تلك المسالك إيغال وله تآليف في الوعظ والزهد وأخبار الصالحين تدل على تخليته عن الدنيا واتراكه والتفلت من حبائل الاغترار وأشراكه والتنقل من حال إلى حال والتأهب للارتحال ويستدل به على ذلك الانتحال فمنها قوله
( الموت في كل حين ينشر الكفنا ** فذكر الأبيات
____________________
(3/554)

وقال خلف بن هارون يمدح الحافظ أبا محمد بن حزم
( يخوض إلى المجد والمكرمات ** بحار الخطوب وأهوالها )
( وإن ذكرت للعلا غاية ** ترقى إليها وأهوى لها ) وقال في المطمح فيه فقيه مستنبط ونبيه بقياسه مرتبط ما تكلم تقليدا ولا عدا اختراعا وتوليدا ما تمنت به الأندلس أن تكون كالعراق ولا حنت الأنفس معه إلى تلك الآفاق أقام بوطنه وما برح عن عطنه فلم يشرب ماء الفرات ولم يقف عيشة الثمرات ولكنه أربى على من من ذلك غذي وأزرى على من هنالك نعل وحذي تفرد بالقياس واقتبس نار المعارف أي اقتباس فناظر بها أهل فاس وصنف وحبر حتى أفنى الأنقاس ونابذ الدنيا وقد تصدت له بأفتن محيا وأهدت إليه أعبق عرف وريا وخلع الوزارة وقد كسته ملاها وألبسته حلاها وتجرد للعلم وطلبه وجد في اقتناء نخبه وله تآليف كثيرة وتصانيف أثيرة منها الإيصال إلى فهم كتاب الخصال وكتاب الإحكام لأصول الأحكام وكتاب الفصل في الأهواء والملل والنحل وكتاب مراتب العلوم وغير ذلك مما لم يظهر مثله من هنالك مع سرعة الحفظ وعفاف اللسان واللحظ وفيه يقول خلف بن هارون
( يخوض إلى المجد والمكرمات ** ) ولابن حزم في الأدب سبق لا ينكر وبديهة لا يعلم أنه روى فيها ولا
____________________
(3/555)

فكر وقد أثبت من شعره ما يعلم أنه أوحد وما مثله فيه أحد ثم ذكر جملة من نظمه ذكرناها في غير هذا الموضع
وكتب أبو عبد الله بن مسرة إلى أبي بكر الؤلؤي يستدعيه في يوم طين ومطر لقضاء أرب من الأنس ووطر
( أقبل فإن اليوم يوم دجن إلى مكان كالضمير مكني )
( لعلنا نحكم أشهى فن فأنت في ذا اليوم أمشى مني )
وقال في المطمح إن ابن مسرة كان على طريق من الزهد والعبادة سبق فيها وانتسق في سلك مقتفيها وكانت له إشارة غامضة وعبارة عن منازل الملحدين غير داحضة ووجدت له مقالات ردية واستنباطات مردية نسب بها إليه رهق وظهر له فيها مزحل عن الرشد ومزهق فتتبعت مصنفاته بالحرق واتسع في استباحتها الخرق وغدت مهجورة على التالين محجورة وكان له تنميق في البلاغة وتدقيق لمعانيها وتزويق لأغراضها وتشييد لمبانيها انتهى
وهو من نمط الصوفية الذين تكلم فيهم والتسليم أسلم والله تعالى بأمرهم أعلم
ومن حكايات أهل الأندلس في الانقباض عن السلطان والفرار من المناصب مع العذر اللطيف ما حكاه في المطمح في ترجمة الفقيه أبي عبد الله الخشني إذ قال كان فصيح اللسان جزيل البيان وكان أنوفا منقبضا عن السلطان لم يتشبث بدنيا ولم ينكث له مبرم عليا دعاه الأمير محمد إلى
____________________
(3/556)

القضاء فلم يجب ولم يظهر رجاءه المحتجب وقال أبيت عن إمامة هذه الديانة كما أبت السموات والأرض عن حمل الأمانة إباية إشفاق لا إباية عصيان ونفاق وكان الأمير قد أمر الوزراء بإجباره أو حمل السيف إن تمادى على تأبيه وإصراره فلما بلغه قوله هذا أعفاه قال وكان الغالب عليه علم النسب واللغة والأدب ورواية الحديث وكان مأمونا ثقة وكانت القلوب على حبه متفقة وله رحلة دخل فيها العراق ثم عاد إلى هذه الآفاق وعندما اطمأنت داره وبلغ أقصى مناه مداره قال
( كأن لم يكن بين ولم تك فرقة ** )
الأبيات انتهى وهذه الأبيات قدمناها في الباب الخامس في ترجمة القاضي ابن أبي عيسى
فأنت ترى كلام الفتح قد اضطرب في نسبتها فمرة نسبها إلى هذا ومرة نسبها إلى ذاك وهي قطعة عرفها ذاك
ومن دعابات أهل الأندلس وملحهم ما يحكى عن ابن أبي حلى وهو علي ابن أبي حلى المكناسي أبو الحسن قال لسان الدين كان شيخا مليح الحديث حافظا للمسائل الفقهية قائما على المدونة مضطلعا بمشكلاتها كثير الحكايات يحكي أنه شاهد غرائب وتملحا فينمقها عليه بعض الطلبة ويتعدون ذلك إلى الافتعال والمداعبة حتى جمعوا من ذلك جزءا سموه السالك والمحلى في أخبار ابن أبي حلى فمن ذلك أنه كانت له هرة فدخل البيت يوما فوجدها قد بلت إحدى يديها وجعلتها في الدقيق حتى علق بها ونصبتها
____________________
(3/557)

بإزاء كوة فأر ورفعت اليد الأخرى لصيده فناداها باسمها فردت رأسها وجعلت إصبعها على فمها على هيئة المشير بالصمت وأشباه ذلك وتوفي المذكور سنة 406 قاله في الإحاطة ومن أجوبة ملوك الأندلس أن نزارا العبيدي صاحب مصر كتب إلى المرواني صاحب الأندلس كتابا يسبه فيه ويهجوه فكتب إليه المرواني أما بعد فإنك عرفتنا فهجوتنا ولو عرفناك لأجبناك والسلام فاشتد ذلك على نزار وأفحمه عن الجواب وحكي أنه كتب إلى العبيدي ملك مصر مفتخرا [ الطويل ] ألسنا بني مروان كيف تبدلت بنا الحال أو دارت علينا الدوائر إذا ولد المولود منا تهللت له الأرض واهتزت إليه المنابر من شجاعة الأندلسيين 330 من شجاعة الأندلسيين ومن غريب ما يحكى من قوة أهل الأندلس وشجاعتهم أن الأمير حريز بن عكاشة من ذرية عكاشة بن محصن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بساحة أذفونش ملك الروم فبدأهم بخراب ضياعها وقطع الشجر فكتب إليه حريز ليس من أخلاق القدير الفساد والتدمير فإن قدرت على البلاد أفسدت ملكك ولو كان الملك في عشرة أمثال عددي لم ينزل لي بساحة ولا تمكن منها براحة فلما وصلته الرسالة عف وأمر بالكف وبعث الملك يرغبه في الاجتماع به فاسترهنه في نفسه عدة من ملوك
____________________
(3/558)

الروم فأجاب إلى ما ارتهن ولما صاروا بالمدينة البيضاء - وهي قلعة رباح غربي طليطلة - خرج حريز لابسا لأمة حربه يرمق الروم منه شخصا أوتي بسطة في الجسم والبسالة يتعجبون من آلات حربه ويتحدثون بشجاعة قلبه ولما وصل فسطاط الملك تلقته الملوك بالرحب والسعة ولما أراد النزول عن فرسه ركز رمحه فأبصر الملك منه هيئة تشهد له بما عنه حدث وهيبة يجزع للقائها الشجاع ويكترث فدعاه إلى البراز عظيم أبطالهم فقال له الملك يا حريز أريد أن أنظر إلى مبارزتك هذا البطل فقال له حريز المبارز لا يبارز إلا أكفاءه وإن لي بينة على صدق قولي أن ليس لي فيهم كفء هذا رمحي قد ركزته فمن ركب واقتلعه بارزته كان واحدا أو عشرة فركب عظيمهم فلم يهز الرمح من مكانه حين رامه ثم فعل ذلك مرارا فقال له الملك أرني يا حريز كيف تقلعه فركب وأشار بيده واقتلعه فعجب القوم ووصله الملك وأكرمه انتهى
وكان حريز هذا شاعرا ولما اجتاز به كاتب ابن ذي النون الوزير أبو المطرف ابن المثنى كتب إليه
( يا فريدا دون ثان ** وهلالا في العيان )
( عدم الراح فصارت ** مثل دهن البلسان )
فجاوبه حريز وهو يومئذ أمير قلعته
( يا فريدا لا يجارى ** بين أبناء الزمان )
( جاء من شعرك روض ** جاده صوب البيان )
( فبعثناها سلافا ** كسجاياك الحسان )
____________________
(3/559)

وكان لحريز كاتب يقال له عبد الحميد بن لاطون فيه تغفل شديد فأمره أن يكتب إلى المأمون بن ذي النون في شأن حصن دخله النصارى فكتب وقد بلغني أن الحصن الفلاني دخله النصارى إن شاء الله تعالى فهذه الواقعة التي ذكرها الله تعالى في القرآن بل هي الحادثة الشاهدة بأشراط الزمان فإنا لله على هذ المصيبة التي هدت قواعد المسلمين وأبقت في قلوبهم حسرة إلى يوم الدين
فلما وصل الكتاب للمأمون ضحك حتى وقع للأرض وكتب لابن عكاشة جوابه وفيه وقد عهدناك منتقيا لأمورك نقادا لصغيرك وكبيرك فكيف جاز عليك أمر هذا الكاتب الأبله الجلف واسندت إليه الكتب عنك دون أن تطلع عليه وقد علمت أن عنوان الرجل كتابه ورائد عقله خطابه وما أدري من أي شيء يتعجب منه هل من تعليقه إن شاء الله تعالى بالماضي أم من حسن تفسيره للقرآن ووضعه مواضعه أم من تورعه عن تأويله إلا بتوقيف من سماع عن إمام أم من تهويله لما طرأ على من يخاطبه أم من علمه بشأن هذا الحصن الذي لو أنه القسطنطينية العظمى ما زاد عن عظمه وهوله شيئا ولو أن حقيرا يخفى عن علم الله تعالى لخفي عنه هذا الحصن ناهيك عن صخرة حيث لا ماء ولا مرعى منقطع عن بلاد الإسلام خارج عن سلك النظام لا يعبره إلا لص فاجر أو قاطع طريق غير متظاهر حراسه لا يتجاوزون الخمسين ولا يرون خبز البر عندهم إلا في بعض السنين باعه أحدهم بعشرين دينارا ولعمري إنه لم يغبن في بيعه ولا ربح أرباب ابتياعه وأراح من الشين بنسبته والنظر في خداعه فليت شعري ما الذي عظمه في عين هذا الجاهل حتى خطب في أمره بما لم يخطب به في حرب وائل
فلما وقف حريز على الكتاب كتب لابن ذي النون جوابا منه وإن المذكور ممن له حرمة قديمة تغنيه عن أن يمت بسواها وخدمة محمود أولاها وأخراها ولسنا ممن اتسعت مملكته وعظمت حضرته فنحتاج إلى انتقاء الكتاب والتحفظ في الخطاب وإنما نحن أحلاس ثغور وكتاب كتائب
____________________
(3/560)

لا سطور وإن كان الكاتب المذكور لا يحسن فيما يلقيه على القلم فإنه يحسن كيف يصنع في مواطن الكرم وله الوفاء الذي تحدث به فلان وفلان بل سارت بشأنه في أقصى البلاد الركبان وليس ذلك يقدح عندنا فيه بل زاده لكونه دالا على صحة الباطن والسذاجة في الإكرام والتنويه انتهى
ولهذا الكاتب شعر يسقط فيه سقوط الأغبياء وقد يتنبه فيه تنبه الأذكياء فمنه قوله من قصيدة يمدح حريزا المذكور مطلعها
( يذكرني بهم العنبر ** وظلم ثناياهم سكر )
إلى أن قال
( ولولا معاليك يا ذا الندى ** لما كان في الأرض من يشعر )
( فلا تنكرن زحاما على ** ذراك وفي كفك الكوثر )
ومشى في موكبه وهم في سفر وكان في فصل المطر والطين فجعل فرسه في ذنب فرس ابن عكاشة فلما أثارت يدا فرسه طينا جاء في عنق أميره ففطن لذلك الأمير فقال له يا أبا محمد تقدم فقال معاذ الله أن أسيء الأدب بالتقدم على أميري فقال فإن كان كذلك فتأخر مع الخيل فقال مثلي لا يزال على ركابك في مثل هذه المواضع فقال له فقد والله أهلكتني بما ترمي يدا
( فرسك علي من الطين فقال أعز الله الأمير يعذرني علمت فوالله ما علمت أن يد فرسي تصل إلى عنقك فضحك ابن عكاشة حتى كاد يسقط عن مركوبه
وكان بسرقسطة غلام اسمه يحيى بن يطفت من بني يفرن قد نشأ عند ملكها المقتدر بن هود وتخلق بالركوب والأدب وكان في غاية الجمال والحلاوة والظرف فعلق بقلب ابن هود وكتم حبه زمانا فلم ينكتم فكتب له
( يا ظبي بالله قل لي متى ترى في حبالي
____________________
(3/561)

يمر عمري وحالي ** من خيبتي منك خالي )
فكتب له الغلام في ظهر الرقعة
( إن كنت ظبيا فأنت الهزبز ** تبغي اغتيالي )
( وليس يخطر يوما ** حلول غيل ببالي )
ثم كتب بعدهما هذا ما اقتضاه حكم الجواب في النظم وأنا بعد قد جعلت رسني بيد سيدي فعسى أن يقودني إلى ما أحب لا ما أكره والذي أحبه أن يكون بيننا من المحبة ما يقضي بدوام الإخلاص ونأمن في مغبته من العار والقصاص فتركه مدة ثم كتب له يوما على الصورة التي ذكرها
( ماذا ترى في يوم أمن طرزت ** حلل السحاب به البروق المذهبه )
( وأنا وكاسي لا جليس غيره ** ملآن لا يخلو إلى أن تشربه )
( والأنس إن يسرته متيسر ** ومتى تصعبه فيا ما أصعبه ) فأجابه
( يا مالكا بذ الملوك بعلمه ** وخلاله وعلوه في المرتبه )
( وافى نداك فحرت عند جوابه ** إذ ما تضمن ريبة مستغربه )
( إنا إذا نخلو تقول حاسد ** وغدا بهذا الأمر ينصر مذهبه )
( هبني إلى يوم تطيش به النهى ** والبيض تنضى والقنا متأشبه )
( وهناك فانظرني بعين بصيرة ** فالشبل يعرف أصله من جربه ) ثم أعلاه إلى درجة الوزارة والقيادة إلى أن قتل في جيش كان قدمه عليه فقال فيه من قصيدة
( يا صارما أغمدته ** عن ناظري الصوارم )
____________________
(3/562)


( وزهرة غيبتها ** من الطيور كمائم )
( يا كوكبا خر من أنجمي ** وأنفي راغم )
( بكت علي وشقت ** جيوبهن الغمائم )
( قل للحمائم إني ** أصبحت أحكي الحمائم )
( وأنثر الدمع مهما ** رأيت للزهر باسم )
( تالله لا لذ عيش 5 لمترف لك عادم ) ولما رحل الوزير عبد البر بن فرسان من وادي آش إلى علي الميورقي صاحب فتنة إفريقية أقبل عليه ثم ولي أخوه يحيى الإمارة بعده فأسند جميع أموره إليه فقال يخاطبه
( أجبنا ورمحي ناصري وحسامي ** وعجزا وعزمي قائدي وإمامي )
( ولي منك بطاش اليدين غضنفر ** يحارب عن أشباله ويحامي )
( ألا غنياني بالصهيل فإنه ** سماعي ورقراق الدماء مدامي )
( وحطا على الرمضاء رحلي فإنها ** )
( مهادي وخفاق البنود خيامي ** )
وكان الأمير أبو عبد الله بن مردنيش ملك شرق الأندلس من أبطال عصره وكان يدفع في المواكب ويشقها يمينا وشمالا منشدا
( أكر على الكتيبة لا أبالي ** أحتفي كان فيها أم سواها )
حتى إنه دفع مرة في موكب النصارى فصرع منهم وقتل وظهر منه ما أعجبت به نفسه فقال لشخص من خواصه عالم بأمور الحرب كيف رأيت فقال لو رآك السلطان لزاد فيما لك في بيت المال وأعلى مرتبتك أمن يكون رأس جيش يقدم هذا الإقدام ويتعرض بهلاك نفسه إلى هلاك من
____________________
(3/563)

معه فقال له دعني فإني لا أموت مرتين وإذا مت أنا فلا عاش من بعدي
ومن حكاياتهم في الظرف أن القاضي أبا عبد الله محمد بن عيسى من بني يحيى بن يحيى خرج إلى حضور جنازة وكان لرجل من إخوانه منزل بقرب مقبرة قريش فعزم عليه في الميل إليه فنزل وأحضر له طعاما وغنت جارية
( طابت بطيب لثاتك الأقداح ** وزهت بحمرة وجهك التفاح )
( وإذا الربيع تنسمت أرواحه ** نمت بعرف نسيمك الأرواح )
( وإذا الحنادس ألبست ظلماءها ** فضياء وجهك في الدجى مصباح )
فكتبها القاضي طربا على ظهر يده قال الراوي فلقد رأيته يكبر على الجنازة والأبيات على ظهر يده
ومن حكاياتهم في البلاغة ما ذكره في المطمح أن أبا الوليد بن عيال لما انصرف من الحج اجتمع مع أبي الطيب في مسجد عمرو بن العاص بمصر ففاوضه قليلا ثم قال له أنشدني لمليح الأندلس يعني ابن عبد ربه فأنشده
( يا لؤلؤا يسبي العقول أنيقا ** ورشا بتعذيب القلوب رفيقا )
( ما إن رأيت ولا سمعت بمثله درا ** يعود من الحياء عقيقا )
( وإذا نظرت إلى محاسن وجهه ** أبصرت وجهك في سناه غريقا )
( يا من تقطع خصره من رقة ** ما بال قلبك لا يكون رقيقا )
____________________
(3/564)


فلما كمل إنشادها استعادها ثم صفق بيديه وقال يا ابن عبد ربه لقد تأتيك العراق حبوا انتهى
وقال مؤلف كتاب واجب الأدب مما يجب حفظه من مخترعات الأندلسيين قول ابن عبد ربه
( يا ذا الذي خط العذار بخده ** خطين هاجا لوعة وبلابلا )
( ما كنت أقطع أن لحظك صارم حتى حملت من العذار حمائلا )
وحكي أن الوزير أبا الوليد بن زيدون توفيت ابنته وبعد الفراغ من دفنها وقف للناس عند منصرفهم من الجنازة ليتشكر لهم فقيل إنه ما أعاد في ذلك الوقت عبارة قالها لأحد قال الصفدي وهذا من التوسع في العبارة والقدرة على التفنن في أساليب الكلام وهو أمر صعب إلى الغاية وأرى أنه أشق مما يحكى عن واصل بن عطاء أنه ما سمعت منه كلمة فيها راء لأنه كان يلثغ بحرف الراء لثغة قبيحة والسبب في تهوين هذا الأمر وعدم تهويله أن واصل بن عطاء كان يعدل إلى ما يرادف تلك الكلمة مما ليس فيه راء وهذا كثير في كلام العرب فإذا أراد العدول عن لفظ فرس قال جواد أو ساع أو صافن أو العدول عن رمح قال قناة أو صعدة أو يزني أو غير ذلك أو العدول عن لفظ صارم قال حسام أو لهذم أو غير ذلك وأما ابن زيدون فأقول في حقه إنه أقل ما كان في تلك الجنازة وهو وزير ألف رئيس ممن يتعين عليه أن يتشكر له ويضطر إلى ذلك فيحتاج في هذا المقام إلى ألف عبارة مضمونها الشكر وهذا كثير إلى الغاية لا سيما من محزون فقد
____________________
(3/565)

قطعة من كبده
( ولكنه صوب العقول إذا انبرت ** سحائب منه أعقبت بسحائب ) وقد استعمل الحريري هذا في مقاماته عندما يذكر طلوع الفجر وهو من القدرة على الكلام وأرى الخطيب ابن نباتة ممن لا يلحق في هذا الباب فإنه أملى مجلدة معناها من أولها إلى آخرها ( يا أيها الناس اتقوا الله واحذروه فإنكم إليه راجعون ) وهذا أمر بارع معجز والناس يذهلون عن هذه النكتة فيه انتهى كلام الصفدي ملخصا
وقال في الوافي بعد ذكره جملة من أحوال ابن زيدون ما نصه وقال بعض الأدباء من لبس البياض وتختم بالعقيق وقرأ لأبي عمرو وتفقه للشافعي وروى شعر ابن زيدون فقد استكمل الظرف
وكان يسمى بحتري المغرب لحسن ديباجة نظمه وسهولة معانيه انتهى
رجع إلى كلام أهل الأندلس وكان الأديب المحدث أبو الربيع سليمان بن علي الشلبي الشهير بكثير يهوى من يتجنى عليه ويقول إنه أبرد من الثلج فخاطبه كثير بقوله
( يا حبيبا له كلام خلوب ** قلبت في لظى هواه القلوب ) كيف تعزو إلى محبك بردا ** ومن الحب في حشاه لهيب )
( أنت شمس وقلت إني ثلج ** فلهذا إذا طلعت أذوب )
____________________
(3/566)


وقال ابن مهران مما يشتمل على أربعة أمثال
( المال زين والحياة شهية ** والجود يفقر والشجاعة تقتل )
( والبخل عيب والجبان مذمم ** والقصد أحكم والتوسط أجمل )
وقال ابن السيد البطليوسي متغزلا
( نفسي الفداء لجؤذر حلو اللمى ** مستحسن بصدوده أضناني )
( في فيه سمطا جوهر يروي الظما ** لو علني ببروده أحياني )
ويخرج من هذه القطعة عدة قطع
وقال ابن صارة مضمنا
( إلى كم ينفد الدينار مني ** ويطلب كف من عنه يحيد )
( ألم أنشده في وادي هيامي ** به لو كان يعطفه النشيد )
( حبيبي أنت تعلم ما أريد ** ولكن لا ترق ولا تجود )
( وكم غنيت حين تنكبتني ** منى شيطانها أبدا مريد ) ( يريد المرء أن يؤتى مناه ** ويأبى الله إلا ما يريد )
وقال ذو الرياستين أبو مروان عبد الملك بن رزين
( بالله إن لم تزدجر ** يا مشبه البدر المنير )
____________________
(3/567)


( أسرحن نواظري ** في ذلك الورد النضير )
( ولآكلنك بالمنى ** ولأشربنك بالضمير )
وقال ابن عبد ربه
( اشرب على المنظر الأنيق ** وامزج بريق الحبيب ريقي )
( واحلل وشاح الكعاب رفقا ** خوفا على خصرها الرقيق )
( وقل لمن لام في التصابي ** خل قليلا عن الطريق )
وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبا من بلاغة أهل الأندلس في الجد والهزل ما فيه مقنع لمن ومن حكاياتهم في عدم احتمال الضيم والذل والوصف بالأنفة أنه لما ثار أيوب بن مطروح في المائة الخامسة في الفتنة على ملك غرناطة عبد الله بن بلقين بن حبوس وخاض بحار الفتنة حتى رماه موجها فيمن رمى على الساحل وحصل فيما بث عليهم يوسف بن تاشفين من الحبائل وكانت له همة وأنفة عظيمة وخلع عن إمارته وحصل في حبالته أدخل رأسه تحته فانتظر من حضر معه أن يتكلم أو يخرج رأسه فلم يكن إلا قليل حتى وقع ميتا رحمه الله تعالى
ولما ثار الميورقي بإفريقية على بني عبد المؤمن الثورة المشهورة وخدمه جملة من أعيان أهل الأندلس وكان من جملتهم مالك بن محمد بن سعيد العنسي كتب عنه من رسالة وبعد فإنا لا نحتاج لك إلى برهان على أمير لسانه الحسام وأيده التأييد الرباني الذي لا يرام قد نصب خيامه
____________________
(3/568)

بالبراح ولم يتخذ سورا غير سمر القنا وبيض الصفاح له من العزم ردء ومن الرأي كمين
( إذا صدق الحسام ومنتضيه ** فكل قرارة حصن )
حصين وهو من القوم الذين لا يجورون على جار ولا يرحلون بخزية ولا يتركون من عار دينهم دين التقوى وإن كنت من ذلك في شك فأقدم علينا حتى يصح لك اختبار الذهب بالسبك وأنت بالخيار في الظعن والإقامة فإن حللت نزلت خير منزل وإن رحلت ودعت أفضل وداع وسرت في كنف السلامة إذ قد شهرنا بأنا لا نقيد إلا بالإحسان وأن ندع لاختياره كل إنسان من
كرم الأندلسيين 339 من كرم الأندلسيين
ومن حكايات أهل الأندلس في الجود والفضل ومكارم الأخلاق أن أبا العرب الصقلي حضر مجلس المعتمد بن عباد فأدخلت عليه جملة من دنانير السكة فأمر له بخريطتين منها وبين يديه تصاوير عنبر من جملتها صورة جمل مرصع بنفيس الدر فقال أبو العرب ما يحمل هذه الدنانير إلا جمل فتبسم المعتمد وأمر له به فقال
( أعطيتني جملا جونا شفعت به ** حملا من الفضة البيضاء لو حملا )
( نتاج جودك في أعطان مكرمة ** لا قد تعف من منع ولا عقلا )
( فاعجب لشأني فشأني كله عجب ** رفهتني فحملت الحمل والجملا )
ومن نظم أبي العرب المذكور
( إلام اتباعي للأماني الكواذب ** وهذا طريق المجد بادي المذاهب )
____________________
(3/569)


( أهم ولي عزمان عزم مشرق ** وآخر يثني همتي للمغارب )
( ولا بد لي أن أسأل العيس حاجة ** تشق على أخفافها والغوارب )
( إذا كان أصلي من تراب فكلها ** بلادي وكل العالمين أقاربي )
وذكر الحافظ الحجاري في المسهب أنه سأل عمه أبا محمد عبد الله بن إبراهيم عن أفضل من لقي من أجواد تلك الحلبة فقال يا ابن أخي لم يقدر أن يقضى لي الاصطحار بهم في شباب أمرهم وعنفوان رغبتهم في المكارم ولكن اجتمعت بهم وأمرهم قد هرم وساءت بتغير الأحوال ظنونهم وملوا الشكر وضجروا من المروءة وشغلتهم المحن والفتن فلم يبق فيهم فضل للإفضال وكانوا كما قال أبو الطيب
( أتى الزمان بنوه في شبيبته ** فسرهم وأتيناه على الهرم ) فإن يكن أتاه على الهرم فإنا أتيناه وهو في سياق الموت ثم قال ومع هذا فإن الوزير أبا بكر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى كان يحمل نفسه ما لا يحمله الزمان ويبسم في موضع القطوب ويظهر الرضى في حال الغضب ويجهد ألا ينصرف عنه أحد غير راض فإن لم يستطع الفعل عوض عنه القول
قلت له فالمعتمد بن عباد كيف رأيته فقال قصدته وهو مع أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في غزوته للنصارى المشهورة فرفعت له قصيدة منها
( لا روع الله سربا في رحابهم ** وإن رموني بترويع وإبعاد )
( ولا سقاهم على ما كان من عطش ** إلا ببعض ندى كف ابن عباد )
( ذي المكرمات التي ما زلت تسمعها ** أنس المقيم وفي الأسفار كالزاد )
( يا ليت
( شعري ماذا يرتضيه لمن ناداه ** يا موئلي في جحفل النادي )
____________________
(3/570)

فلما انتهيت إلى هذا البيت قال أما ما أرتضيه لك فلست أقدر في هذا الوقت عليه ولكن خذ ما ارتضى لك الزمان وأمر خادما له فأعطاني ما أعيش في فائدته إلى الآن فإني انصرفت به إلى المرية وكان يعجبني سكناها والتجارة بها لكونها ميناء لمراكب التجار من مسلم وكافر فتجرت فيها فكان إبقاء ماء وجهي على يديه رحمة الله تعالى عليه
ثم أخذ البطاقة وجعل يجيل النظر والفكر في القصيدة وأنا مترقب لنقده لكونه في هذا الشأن من أئمته وكثيرا ما كان الشعراء يتحامونه لذلك إلا من عرف من نفسه التبريز ووثق بها إلى أن انتهى إلى قولي
( ولا سقاهم على ما كان من عطش ** إلا ببعض ندى كف ابن عباد )
فقال لأي شيء بخلت عليهم أن يسقوا بكفه فقلت إذن كان يلحقني من النقد ما لحق ذا الرمة في قوله
( ولا زال منهلا بجرعائك القطر ** ) وكان طوفان نوح أهون عليهم من ذلك فتألقت غرته وبدت مسرته وقال إنا لله على أن لم يعنا الزمان على مكافأة مثلك
قال وكنت ممن زاره بسجنه بأغمات وحملتني شدة الحمية له والامتعاض لما حل به أن كتبت على حائط سجنه متمثلا
( فإن تسجنوا القسري لا تسجنوا اسمه ** ولا تسجنوا معروفه في القبائل ) ثم تقفدت الكتابة بعد أيام فوجدت تحت البيت لذلك سجناه
____________________
(3/571)


( ومن يجعل الضرغام في الصيد بازه ** تصيده الضرغام فيما تصيدا )
فما أدري من جاوب بذلك ثم عدت له ووجدته قد محي وأعلمت بذلك ابن عباد فقال صدق المجاوب وأنا الجاني على نفسه والحافر بيده لرمسه ولما أردت وداعه أمر لي بإحسان على قدر ما استطاع فارتجلت
( آليت لا أقبل إحسانكم ** والدهر فيما قد عراكم مسي )
( ففي الذي أسلفتم غنية ** وإن يكن عندكم قد نسي )
قال وفيه أقول من قصيدة
( يا طالب الإنصاف من دهره ** طلبت أمرا غير معتاد )
( فلو يكونى العدل في طبعه ** لما عدا ملك ابن عباد ) وللحجاري المذكور كتاب في البديع سماه الحديقة وأنشد لنفسه فيه
( وشادن ينصف من نفسه ** أمنني من سطوة الدهر )
( ينام للشرب على جنبه ** ويصرف الذنب إلى الخمر )
وله في فرس
( ومستبق يحار الطرف فيه ** ويسلم في الكفاح من الجماح )
( كأن أديمه ليل بهيم ** تحجل باليسير من الصباح )
( إذا احتدم التسابق صار جرما ** تقلب بين أجنحة الرياح )
وكتب أبو العلاء إدريس بن أزرق إلى ابن رشيق ملك مرسية وقد طالت إقامته عند ابن عبد العزيز
____________________
(3/572)


( ألا ليت شعري هل أعود إلى الذي ** عهدت من النعمى لديكم بلا جهد )
( فوالله مذ فارقتكم ما تخلصت ** من الدهر عندي ساعة دون ما كد )
( فمنوا بإذن كي أطير إليكم ** فلا عار في شوق إلى المال والمجد )
ووقف بعض أعدائه على هذه الأبيات فوشى بها إلى ابن عبد العزيز قاصدا ضرره وكان ذلك في محفل ليكون أبلغ فقال والله لقد ذكرتني أمره ولقد أحسن الدلالة على حاله فإن الرجل كريم وعلينا موضع اللوم لا عليه ووالله لأوسعنه مالا ووجدا بقدر وسعي ثم أخذ في الإحسان إليه حتى بر يمينه رحمه الله تعالى
( هكذا هكذا تكون المعالي ** طرق الجد غير طرق المزاح )

ولنذكر جملة من بني مروان بالأندلس فنقول
قال محمد بن هشام المرواني صاحب كتاب أخبار الشعراء
( وروضة من رياض الحزن حالفها ** طل أطلت به في أفقها الحلل )
( كأنما الورد فيما بينها ملك ** موف ونوارها من حوله خول ) وكان في مدة الناصر وأدخل عليه يوما ليذاكره فاستحسنه وأمره بالتزام بنيه ليؤدبهم بحسن أدبه ويتخلقوا بخلقه فاستعفى من ذلك وقال إن الفتيان لا يتعلمون إلا بشدة الضبط والقيد والإغلاظ وأنا أكره أن أعامل بذلك أولاد الخليفة فيكرهوني وقد يحقد لي بعضهم ذلك إلى أن يقدر على النفع والضرر قالوا وكان يتعشق المستنصر بالله ولي عهد الناصر وهو غلام وله فيه
____________________
(3/573)


( متع بوجهك جفني ** يا كوكبا فوق غصن )
( يا من تحجب حتى ** عن كل فكر وأذن )
( وخامر الخوف فيه ** فما يجول بذهن )
( فليس للطرف والقلب ** غير دمع وحزن )
( فإنني ذو ذنوب ** وأنت جنة عدن ) وقال أخوه أحمد بن هشام
( قطعت الليالي بارتجاء وصالكم ** وما نلت منكم غير متصل الهجر )
( وما كنت أدري ما التصبر قبلكم ** فعلمتموني كيف أقوى على الصبر )
( وما كنت ممن يعلق الصبر فكره ** ولكن خشيت الصبر يذهب بالعمر )
ومن حكاياتهم في علو الهمة أنه كان سبب قراءته واجتهاده أنه حضر مجلسا فيه القائد أحمد بن أبي عبدة وهو غلام فاستخبره القائد فرآه بعيدا من الأدب والظرف ورأى له ذهنا قابلا للصلاح فقال أي سيف لو كانت عليه حلية فقامت من هذه الكلمة قيامته وثابت له همة ملوكية عطف بها على الأدب والتعلم إلى أن صار ابن أبي عبدة عنده كما كان هو عند ابن أبي عبدة أولا فحضر بعد ذلك معه وجالا في مضمار الأدب فرأى ابن أبي عبدة جوادا لا يشق غباره فقال ما هذا أين هذا مما كان فقال إن كلمتك عملت في فكري ما أوجب هذا فقال والله إن هذه حلية تليق بهذا السيف فجزاك الله عن همتك خيرا ثم قال له سر إن لي عليك حقا إذ بعثتك على التأدب والتميز فإذا حضرنا في جماعة فلا تتطاول على تقصيري وحافظ على أن لا أسقط من العيون بإرباء غيري علي فقال لك ذلك وزيادة وكان المنذر ابن الأمير عبد الرحمن الأوسط سيئ الخلق في أول
____________________
(3/574)

أمره كثير الإصغاء إلى أقوال الوشاة مفرط القلق مما يقال في جانبه معاقبا على ذلك لمن يقدر على معاقبته مكثر التشكي ممن لا يقدر عليه لوالده الأمير عبد الرحمن فطال ذلك على الأمير فقال لوكيل خاص به عارف بالقيام بما يكلفه به الموضع الفلاني الذي بالجبل الفلاني المنقطع عن العمران تبني فيه الآن بناء أسكن فيه ابني المنذر وأوصاه بالاجتهاد فيه ففرغ منه وعاد إليه فقال له تعلم المنذر أني أمرته بالانفراد فيه ولا تترك أحدا من أصحابه ولا أصحاب غيره يزوره ولا يتكلم معه البتة فإذا ضجر من ذلك وسألك عنه فقل له هكذا أمر أبوك فتولى الثقة ذلك على ما أمر به ولما حصل المنذر في ذلك المكان وبقي وحده وفقد خوله ومن كان يستريح إليه ونظر إلى ما سلبه من الملك ضجر فقال للثقة عسى أن يصلني غلماني وأصحابي أتأنس بهم فقال له الثقة إن الأمير أمر أن لا يصلك أحد وأن تبقى وحدك لتستريح مما يرفع لك أصحابك من الوشاية فعلم أن الأمير قصد محنته بذلك وتأديبه فاستدعى دواة وكتب إلى أبيه إني قد توحشت في هذا الموضع توحشا ما عليه من مزيد وعدمت فيه من كنت آنس إليه وأصبحت مسلوب العز فقيد الأمر والنهي فإن كان ذلك عقابا لذنب كبير ارتكبته وعلمه مولاي ولم أعلمه فإني صابر على تأديبه ضارع إليه في عفوه وصفحه
( وإن أمير المؤمنين وفعله ** لكالدهر لا عار بما فعل الدهر ) فلما وقف الأمير على رقعته وعلم أن الأدب بلغ به حقه استدعاه فقال له وصلت رقعتك تشكو ما أصابك من توحش الانفراد في ذلك الموضع وترغب أن تأنس بخولك وعبيدك وأصحابك وإن كان لك ذنب يترتب عليه
____________________
(3/575)

أن تطول سكناك في ذلك المكان وما فعلت ذلك عقابا لك وإنما رأيناك تكثر الضجر والتشكي من القال والقيل فأردنا راحتك بأن نحجب عنك سماع كلام من يرفع لك وينم حتى تستريح منهم فقال له سماع ما كنت أضجر منه أخف علي من التوحد والتوحش والتخلي مما أنا فيه من الرفاهية والأمر والنهي فقال له فإذ قد عرفت وتأدبت فارجع إلى ما اعتدته وعول على أن تسمع كأنك لم تسمع وترى كأنك لم تر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لو تكاشفتم ما تدافنتم واعلم أنك أقرب الناس إلي وأحبهم في وبعد هذا فما يخلو صدرك في وقت من الأوقات عن إنكار علي وسخط لما أفعله في جانبك أو جانب غيرك مما لو أطلعني الله تعالى عليه لساءني لكن الحمد لله الذي حفظ ما بين القلوب بستر بعضها عن بعض فيما يجول فيها وإنك لذو همة ومطمح ومن يكن هكذا يصبر ويغض ويحمل ويبدل العقاب بالثواب ويصير الأعداء من قبيل الأصحاب ويصبر من الشخص على ما يسوء فقد يرى منه بعد ذلك ما يسر ولقد يخف علي اليوم من قاسيت من فعله وقوله ولو قطعتهم عضوا عضوا لما ارتكبوه مني ما شفيت فيهم غيظي ولكن رأيت الإغضاء والاحتمال لا سيما عن الاقتدار أولى ونظرت إلى جميع من حولي ممن يحسن ويسيء فوجدت القلوب متقاربة بعضها من بعض ونظرت إلى المسيء يعود محسنا والمحسن يعود مسيئا وصرت أندم على من سبق له مني عقاب ولا أندم على من سبق له مني ثواب فالزم يا بني معالي الأمور وإن جماعها في التغاضي ومن لا يتغاضى لا يسلم له صاحب ولا يقرب منه جانب ولا ينال ما تترقى إليه همته ولا يظفر بأمله ولا يجد معينا حين يحتاج إليه فقبل المنذر يده وانصرف ولم يزل يأخذ نفسه بما أوصاه
____________________
(3/576)

والده حتى تخلق بالخلق الجميل وبلغ ما أوصاه به أبوه ورفع قدره
ومن شعره في ابن عم له
( ومولى أبى إلا أذاي وإنني ** لأحلم عنه وهو بالجهل يقصد
( توددته فازداد بعدا وبغضة ** وهل نافع عند الحسود التودد )
وقوله
( خالف عدوك فيما ** أتاك فيه لينصح )
( فإنما يبتغي أن ** تنام عنه فيربح )
ومن كرم نفسه أن أحد التجار أهدى له جارية بارعة الحسن واسمها طرب ولها صنعة في الغناء حسنة فعندما وقع بصره على حسنها ثم أذنه على غنائها أخذت بمجامع قلبه فقال لأحد خدامه ما ترى أن ندفع لهذا التاجر عوضا عن هذه الجارية التي وقعت منا أحسن موقع فقال تقدر ما تساوي من الثمن وتدفع له بقدرها فقومت بخمسمائة دينار فقال المنذر للخديم ما عندك فيما ندفع له فقال الخمسمائة فقال إن هذا للؤم رجل أهدى لنا جارية فوقعت منا موقع استحسان نقابله بثمنها ولو أنه باعها من يهودي لوجد عنده هذا فقال له إن هؤلاء التجار لؤماء بخلاء وأقل القليل يقنعهم فقال وإنا كرماء سمحاء فلا يقنعنا القليل لمن نجود عليه فادفع له ألف دينار واشكره على كونه خصنا بها وأعلمه بأنها وقعت منا موقع رضى وفيها يقول
____________________
(3/577)


( ليس يفيد السرور والطرب ** إن لم تقابل لواحظي طرب )
( أبهت في الكأس لست أشربها ** والفكر بين الضلوع يلتهب )
( يعجب مني معاشر جهلوا 5 ولو رأوا حسنها لما عجبوا )
وقال له أبوه يوما بإن فيك لتيها مفرطا فقال له حق لفرع أنت أصله أن يعلو فقال له يا بني إن العيون تمج التائه والقلوب تنحرف عنه فقال يا أبي لي من العز والنسب وعلو المكان والسلطان ما يجمل من ذلك وإني لم أر العيون إلا مقبلة علي ولا الأسماع إلا مصغية إلي وإن لهذا السلطان رونقا يرنقه التبذل وعلوا يخفضه الانبساط ولا يصونه ويشرفه إلا التيه والانقباض وإن هؤلاء الأنذال لهم ميزان يسبرون به الرجل منا فإن رأوه راجحا عرفوا له قدر رجاحته وإن رأوه ناقصا عاملوه بنقصه وصيروا تواضعه صغرا وتخضعه خسة فقال له أبوه لله أنت فابق وما رأيت وكان له أخ اديب أيضا اسمه المطرف بن عبد الرحمن الأوسط ومن شعره
( أفنيت عمري في الشرب ** والوجوه الملاح )
( ولم أضيع أصيلا ** ولا اطلاع صباح )
( أحيي الليالي سهدا ** في نشوة ومراح )
( ولست أسمع ماذا ** يقول داعي الفلاح ) والعياذ بالله من هذا الكلام وحاكي الكفر ليس بكافر وعتبه أحد إخوانه على هذا القول فقال إني قلته وأنا لا أعقل ولا أعلم أنه يحفظ عني وأنا أستغفر الله تعالى منه والذي يغفر الفعل أكرم من
____________________
(3/578)

أن يعاقب على القول ومن جيد شعره له
( يا أخي فرقت صروف الليالي ** بيننا غير زورة الأحلام )
( فغدونا بعد ائتلاف وقرب ** نتناجى بألسن الأقلام )
وقال أخوهما الثالث هشام بن عبد الرحمن فيمن اسمه ريحان
( أحبك يا ريحان ما عشت دائما ** ولو لامني في حبك الإنس والجان )
( ولولاك لم أهو الظلام وسهده ** ولا حببت لي في ذرا الدار غربان )
( وما أعشق الريحان إلا لأنه ** شريكك في اسم فيه قلبي هيمان )
( على أنه لم يكمل الظرف مجلس ** إذا لم يكن فيه مع الراح ريحان )
وله فيه
( إذ أنا مازحت الحبيب فإنما ** قصدت شفاء الهم في ذلك المزح )
( فما العيش إلا أن أراه مضاحكا ** كما ضحك الليل البهيم عن الصبح ) من شعر يعقوب
وقال أخوهم الرابع يعقوب بن عبد الرحمن
( إذا أنا لم أجد يوما وقومي ** لهم في الجود آثار عظام )
( فمن يرجى لتشييد المعالي ** إذا قعدت عن الخير الكرام )
ومدحه بعض الشعراء فأمر له بمال جزيل فلما كان مثل ذلك الوقت جاءه بمدح آخر فقال أحد خدام يعقوب هذا اللئيم له دين عندنا جاء يقتضيه فقال الأمير يا هذا إن كان الله تعالى خلقك مجبولا على كره رب الصنائع
____________________
(3/579)

فاجر على ما جبلت عليه في نفسك ولا تكن كالأجرب يعدي غيره وإن هذا الرجل قصدنا قبل فكان منا له ما أنس به وحمله على العودة وقد ظن فينا خيرا فلا نخيب ظنه والحديث أبدا يحفظ القديم وقد جاءنا على جهة التهنئة بالعمر ونحن نسأل الله تعالى أن يطيل عمرنا حتى يكثر ترداده ويديم نعمنا حتى نجد ما ننعم به عليه ويحفظ علينا مروءتنا حتى يعيننا على التجمل معه ولا يبلينا بجليس مثلك بقبض أيدينا عن إسداء الأيادي وأمر الشاعر بما كان أمر له به قبل وأوصاه بالعود عند حلول ذلك الأوان ما دام العمر
وقال أخوهم الخامس الأمير عبد محمد بن الأمير عبد الرحمن لأخيهم السادس أبان وقد خلا معه على راحة هل لك أمل نبلغك إياه فقال لم يبق لي أمل إلا أن يديم الله تعالى عمرك ويخلد ملكك فأعجب ذلك الأمير وقال ما مالت إليك نفسي من باطل وكان كل واحد منهما يهيم بالآخر وفي ذلك يقول أبان [ البسيط ] يا من يلوم ولا يدري بمن أنا مف تون لو ابصرته ما كنت تلحاني من مازجت روحه روحي وشاطرني يا حسنه حين أهواه ويهواني أبناء محمد بن عبد الرحمن وشيء من شعرهم 348 أبناء محمد بن عبد الرحمن وشيء من شعرهم وكان للأمير محمد بن عبد الرحمن ثلاثة أولاد نجباء القاسم والمطرف ومسلمة ولهم أخ رابع اسمه عثمان فمن نظم القاسم في عثمان أخيه وقد زاره فاستسقاه ماء فأبطأ عليه غلامه لعله لم يقبلها القاسم
( الماء في دار عثمان له ثمن ** والخبز شيء له شأن من الشان )
____________________
(3/580)

فاسلح على كل عثمان مررت به غير الخليفة عثمان بن عفان وله
( شغلت بالكيمياء دهري ** فلم أفد غير كل خسر )
( إتعاب فكر خداع عقل ** فساد مال ضياع عمر ) وقال شقيقه المطرف ويعرف بابن غزلان وهي أمه وكانت مغنية بديعة محسنة عوادة أديبة
( هل أتكي مشرفا على نهر ** أرمي بطرفي إليه من قصري )
( عند أخ لو دهته حادثة ** أعطيته ما أحب من عمري ) وقال أخوهما مسلمة
( إن شيبا وصبوة لمحال ** أو لم يأن أن يكون زوال )
( فدع النفس عن مزاح ولهو ** تلك حال )
وكان يقول إني لا أفارق إلا من اختار مفارقتي ومن خادعني انخدعت له وأريته أني غير فطن بخداعه ليعجبه أمره وأدخل عليه مسرة بنفسه ورأيه من شعر محمد
( وقال محمد بن الأمير منذر ابن الأمير محمد في جاريته الأراكة
( قل للأراكة قد زاد ** بالدنو اشتياقي )
____________________
(3/581)


( وهاج ما بي إليها ** تمثلي للعناق )
( وإنني وبقلبي ** جمر جرى في المآقي )
( طويت ما بي ليوم ** يكون فيه التلاقي )
( فإن أعد لاجتماع ** حرمت يوم افتراق )
( لا يعرف الشوق إلا ** من ذاق طعم الفراق )
وقال عبد الله بن الناصر وقد أهدى له سعيد بن فرج ياسمينا أبيض وأصفر وكتب معه
( مولاي قد أرسلت نحوك تحفة ** بمراد ما أبغيه منك تذكر )
( من ياسمين كاللجين تبرجت ** بيضا وصفرا والسماح يعبر ) فأجابه بما نصه
( أتاك تفسيري ولما يحل ** عني على أضغاث أحلام )
( فاجعله رسما دائما زائرا ** منك وفي غرة العام )
وبعث إليه بهذين البيتين مع ملء الطبق دنانير ودراهم فقال ابن فرج
( قد سمعنا بجود كعب وحاتم ** ما سمعنا جودا مدى العمر لازم )
( فدعائي بأن تدوم دعاء ** لي ما زال طول ما عشت دائم )
( ما سمعنا كمثل هذا اختراعا ** هكذا هكذا تكون المكارم ) وتشبه هذه الحكاية حكاية اتفقت لبعض ملوك إفريقية وذلك أم رجلا
____________________
(3/582)

أهدى لي في قادوس وردا أحمر وأبيض فأمر أن يملأ له دراهم فقالت له جارية من جواريه إن رأى الأمير أن يلون ما أعطاه حتى يوافق ما أهداه فاستحسن ذلك الأمير وأمر أن يملأ دنانير ودراهم وكان المرواني المذكور يساير أحد الفقهاء الظرفاء فمرا بجميل فمال عبد الله بطرفه على وجهه وظهر ذلك لمسايره فتبسم ففهم عبد الله عنه فقال إن هذه الوجوه الحسان خلابة ولكنا لا نتغلغل في نظرها ولا ندعي العفة عنها بالجملة وفيها اعتبار وتذكار بالحور العين التي وعد الله تعالى فقال له الفقيه احتج لروحك بما شئت فقال أو ما هي حجة تقبل فقال الفقيه يقبلها من رق طبعه وكاد يضيق عن الصبر وسعه فقال وأراك شريكا لي فقال ولولا ذلك للمتك فأطرق عبد الله ساعة ثم أنشد
( أفدي الذي مر بي فمال له ** لحظي ولكن ثنيته غصبا )
( ما ذاك إلا مخاف منتقد ** فالله يعفو ويغفر الذنبا ) فقال له الفقيه إن كنت ثنيت لحظك خوف انتقادي فإني أدعوه إليك حتى تملأ منه ولا تنسب إلي ما نسبت فتبسم عبد الله وقال ولا هذا كله وقال له إن مثلك في الفقهاء لمعدوم فقال له ما كنت إلا أديبا ولكني لما رأيت سوق الفقه بقرطبة نافقة اشتغلت به فقال له ومن عقل المرء أن لا يفني عمره فيما لا ينفقه عصره وكان عبد الله المذكور يسمى الزاهد فبايع قوما على قتل والده الناصر وأخيه الحكم المستنصر ولي العهد فأخذ يوم عيد الأضحى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة فذبح بين يديه رحمه الله تعالى
وقال أخوه أو الأصبغ عبد العزيز بن الناصر وقد دخل ابن له
____________________
(3/583)

الكتاب فكتب أول لوح فبعثه إلى أخيه الحكم المستنصر ملك الأندلس ومعه
( هاك يا مولاي خطا ** مطه في اللوح مطا ) ابن سبع في سنيه لم يطق للوح ضبطا
( دمت يا مولاي حتى ** يلد ابن ابنك سبطا ) وله
( زارني من همت فيه سحرا ** يتهادى كنسيم السحر )
( أقبس الصبح ضياء ساطعا ** فأضا والفجر لم ينفجر )
( واستعار الروض منه نفحة ** بثها بين الصبا والزهر )
( أيها الطالع بدرا نيرا ** لا حللت الدهر إلا بصري ) وكان مغرى مغرما بالخمر والغناء فقطع الخمر فبلغه أن المستنصر لما بلغه تركه للخمر قال الحمد لله الذي أغنانا عن مفاتحته ودله على ما نريد منه ثم قال لو ترك الغناء لكمل خيره فقال والله لا تركته حتى تترك الطيور تغريدها ثم قال
( أنا في صحة وجاه ونعمى ** هي تدعو لهذه الألحان )
( وكذا الطير في الحدائق تشدو للذي سر نفسه بالقيان )
وقال أخوه محمد بن الناصر لما قدم أخوهما المستنصر من غزوة
( قدمت بحمد الله أسعد مقدم ** وضدك أضحى لليدين وللفم )
____________________
(3/584)


( لقد حزت فيها السبق إذ كنت أهله كما حاز بسم الله فضل التقدم )
وأما أخوهما محمد بن عبد الملك بن الناصر فقال الحجاري فيه إنه لم يكن في ولد الناصر ممن لم يل الملك أشعر منه ومن ابن أخيه وكتب إلى العزيز صاحب مصر
( الدوائر إذا ولد المولود منا تهللت ** له الأرض واهتزت إليه المنابر )
وكان جواب العزيز له أما بعد فإنك علمتنا فهجوتنا ولو علمناك لهجوناك وله في الصنوبر
( إن الصنوبر حصن ** لديه حرز وباس )
( خفت من اجل إرهاب ** من عداه تراس )
( كأنما هو ضد ** لما حواه الرئاس ) وبعض سيوف الأندلس محفور صدر الرئاس على صورة قشور الصنوير إلا أن تلك ناتئة وهذه محفورة وقال
( أتاني وقد خط العذار بخده ** كما خط في ظهر الصحيفة عنوان )
( تزاحمت الألحاظ في وجناته ** فشقت عليه للشقائق أردان )
( وزدت غراما حين لاح كأنما ** تفتح بين الورد والآس سوسان )
____________________
(3/585)

وقال
( لئن كنت خلاع العذار بشادن ** وكأس فإني غير نزر المواهب )
( وإني لطعان إذا اشتجر القنا ** ومقحم طرفي في صدور الكتائب )
( وإني إذا لم ترض نفسي بمنزل ** وجاش بصدري الفكر جم المذاهب )
( جليد يود الصخر لو أن صبره ** كصبري على ما نابني للنوائب ) ( واسري إلى أن يحسب الليل أنني ** لطول مسيري فيه بعض الكواكب )
وأما ابن أخيه مروان بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن الناصر فكان في بني أمية شبه عبد الله بن المعتز في بني العباس بملاحة شعره وحسن تشبيهه ومن شعره القصيدة المشهور
( غصن يهتز في دعص نقا ** يجتني منه فؤادي حرقا )
( سال لام الصدغ في صفحته ** سيلان التبر وافى الورقا )
( فتناهى الحسن فيه إنما ** يحسن الغصن إذا ما أورقا )
ومنها
( أصبحت شمسا وفوه مغربا ** ويد الساقي المحيي مشرقا )
( فإذا ما غربت في فمه ** تركت في الخد منه شفقا )
____________________
(3/586)

ومنها
( وكأن الورد يعلوه الندى ** وجنة المحبوب تندى عرقا )
قالوا وهذا النمط قد فاق به أهل عصره ويظن أنه لا يوجد لأحد منهم أحلى وأكثر أخذا بمجامع القلوب من قوله
( ودعت من أهوى أصيلا ليتني ** ذقت الحمام ولا أذوق نواه )
( فوجدت حتى الشمس تشكو وجده ** والورق تندب شجوها بهواه ) وعلى الأصائل رقة من بعده ** فكأنها تلقى الذي ألقاه )
( وغدا النسيم مبلغا ما بيننا ** فلذاك رق هوى وطاب شذاه )
( ما الروض قد مزجت به أنداؤه ** سحرا بأطيب من شذاه )
( والزهر مبسمه ونكهته الصبا ** والورد أخضله الندى خداه )
( فلذاك أولع بالرياض لأنها ** أبدا تذكرني بمن أهواه ) ولله قوله
( وعشي كأنه صبح عيد ** جامع بين بهجة وشحوب )
( هب فيه النسيم مثل محب ** مستعيرا شمائل المحبوب )
( ظلت فيه ما بين شمسين هذي ** في طلوع وهذه في غروب )
( وتدلت شمس الأصيل ولكن ** شمسنا لم تزل بأعلى الجيوب )
( رب هذا خلقته من بديع ** من رأى الشمس أطلعت في قضيب )
( أي وقت قد أسعف الدهر فيه ** وأجابت به المنى عن قريب )
( قد قطعناه نشوة ووصالا ** وملأناه من كبار الذنوب )
( حين وجه السعود بالبشر طلق ** ليس فيه أمارة للقطوب )
( ضيع الله من يضيع وقتا ** قد خلا من مكدر ورقيب )
____________________
(3/587)

وبات عند أحد رؤساء بني مروان فقدم إليه ذلك الرئيس قدحا من فضة فيه راح أصفر وقال اشرب وصف فداك ابن عمك فقام إجلالا وشرب صائحا بسروره ثم قال الدواة والقرطاس فأحضرا وكتب اشرب هنيئا لا عداك الطرب شرب كريم في العلا منتخب
( وافاك بالراح وقد ألبست ** برد أصيل معلما بالحبب )
( في قدح لم يك يسقى به ** غير أولي المجد وأهل الحسب )
( ما جار إذ سقاك من كفه ** في جامد الفضة ذوب الذهب )
( فقم على رأسك برا به واشرب على ذكراه طول الحقب )
( ويحكى أنه لما قتل أباه وقد وجده مع جارية له كان يهواها سجنه المنصور بن أبي عامر مدة إلى أن رأى في منامه النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بإطلاقه فأطلقه فمن أجل ذلك عرف بالطليق
وقال أحمد بن سليمان بن أحمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر في ابن حزم لما عاداه علماء عصره
( لما تحلى بخلق ** كالمسك أو نشر عود )
( نجل الكرام ابن حزم ** وقام في العلم عودي )
( فتواه جدد ديني ** جدواه أورق عودي )
وله في أبي عامر بن المظفر بن أبي عامر من قصيدة يمدحه بها
( بأبي عامر وصلت حبالي ** فزماني به زمان سعيد )
____________________
(3/588)


( فمتى زدت فيه ودا وشكرا ** فنداه وقد تناهى يزيد )
( كيف لي وصفه وفي كل يوم ** منه في المكرمات معنى جديد )
وقال أبو عبد الله محمد بن محمد بن الناصر يرثي أبا مروان ابن سراج
( وكم من حديث للنبي أبانه 5 وألبسه من حسن منطقه وشيا )
( وكم مصعب للنحو قد راض صعبه ** فعاد ذلولا بعد ما كان قد أعيا )
وقال عبيد الله بن محمد المهدي وهو من حسنات بني مروان ويعرف بالأقرع
( أقول لآمالي ستبلغ إن بدا ** محيا ابن عطاف ونعم المؤمل )
( فقالت دعاني كل يوم تعلل ** فقلت لها إن لاح يفنى التعلل )
( لئن كان مني كل حين ترحل ** فإني إن أحلل به لست أرحل )
( فتى ترد الآمال في بحر جوده ** وليس على نعمى سواه المعول )
وقال هذه في الوزير ابن عطاف فضن عليه حتى برجع الجواب فكتب إليه بقصيدة منها
( أيها الممكن من قدرته ** لا يراك الله إلا محسنا )
( إنما المرء بما قدمه ** فتخير بين ذم وثنا )
( لا تكن بالدهر غرا وإذا ** كنت فانظر فعله في ملكنا )
( كل ما خولت منه ذاهب والذي إنما تصحب منه الكفنا )
( مد كفا نحو كف طالما ** أمطرت منه السحاب الهتنا )
( أو أرحني بجواب مؤيس ** فمطال البر من شر العنا )
____________________
(3/589)

فلم يعطه شيئا وكان له كاتب فتحيل في خمسين درهما فأعطاها له فلما سمع الوزير بذلك طرده وقال له من أنت حتى تحمل نفسك هذا وتعطيه قال فوالله ما لبث إلا قليلا حتى مات الوزير وتزوج الكاتب بزوجته وسكن في داره وتخول في نعمته فحملني ذلك على أن كتبت بالفحم في حائط داره
( أيا دار قولي أين ساكنك الذي ** أبى لؤمه أن يترك الشكر خالدا )
( تسمى وزيرا والوزارة سبة 5 لمن قد أبى أن يستفيد المحامدا )
( وولى ولكن ليس يبرح ذمه 5 فها هو قد أرضى عدوا وناقدا )
( وأضحى وكيل كان يأنف فعله ** نزيلك في الحوض الممنع واردا )
( جزاء بإحسان لذا وإساءة ** لذاك وساع ورث الحمد قاعدا ) والمثل السائر في هذا ( ( رب ساع لقاعد ) )
وقال سليمان بن المرتضى بن محمد بن عبد الملك بن الناصر وكان في غاية الجمال ويلقب بالغزال
( قدم الربيع عليك بعد مغيب ** فتلقه بسلافة وحبيب )
( فصل جديد فلتجدد حالة ** يأتي الزمان بها على المرغوب )
( الجو طلق فالقه بطلاقة ** وإذا تقطب فالقه بقطوب )
( لله أيام ظفرت بها ومن ** أهواه منقاد بغير رقيب ) وله
( لي في كفالات الرماح لو أنها ** وفت ضمان يبلغ الآمالا )
( وكلت دهري في اقتضاء ضمانها ** ضنا به أن لا يحول فحالا )
وكان مولعا بالفكاهة والنادر محبا في الظرفاء وكان يلتزم خدمته المضحك
____________________
(3/590)

المشهور بالزرافة ويحضر معه ولعبوا في مجلس سليمان لعبة أفضوا فيها إلى أن تقسموا اثنين اثنين كل شخص ورفيقه فقال سليمان ومن يكون رفيقي فقال له المضحك يا مولاي وهل يكون رفيق الغزال إلا الزرافة فضحك منه على عادته ودخل عليه وهو قاعد في رحبة قصره وقد أطل عذاره فقال له ما تطلب الزرافة فقال ترعى الحشيش وأشار إلى عذاره فقال له اعزب لعنك الله
ومر سليمان به يوما وهو سكران وقد أوقف ذكره وجعل يقول له ماذا رأيت في القيام في هذا الزمان أما رأيت كل ملك قام كيف خلع وقتل والله إنك سيء الرأي فقال له سليمان وبم لقبت هذا الثائر فقال يا مولاي بصفته القائم فقال ويحتاج إلى خاتم فقال نعم ويكون خاتم سليمان فقال له أخزاك الله إن الكلام معك لفضيحة
وقال سعيد بن محمد المرواني وقد هجره المنصور بن أبي عامر مدة لكلام بلغه عنه فدخل والمجلس غاص وأنشد
( مولاي مولاي أما آن أن ** تريحني بالله من هجركا )
( وكيف بالهجر وأنى به ** ولم أزل أسبح في بحركا )
فضحك ابن أبي عامر على ما كان يظهره من الوقار وقام وعانقه وعفا عنه وخلع عليه
وله
( والبدر في جو السماء قد انطوى ** طرفاه حتى عاد مثل الزورق )
____________________
(3/591)


( فتراه من تحت المحاق كأنما ** غرق الكثير وبعضه لم يغرق ) وهو مأخوذ من قول ابن المعتز
( وانظر إليه كزورق من فضة ** قد أثقلته حمولة من عنبر )
وقال قاسم بن محمد المرواني يستعطف المنصور بن أبي عامر وقد سجنه لقول صدر عنه
( ناشدتك الله العظيم وحقه ** في عبدك المتوسل المتحرم )
( بوسائل المدح المعاد نشيدها ** في كل مجمع موكب أو موسم )
( لا تستبح مني حمى أرعاكه ** يا من يرى في الله أحمى محتمي )
وقال الأصم المرواني يمدح أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي بجبل الفتح معارضا بائية أبي تمام
( السيف أصدق أنباء من الكتب ** )
بقصيدة طويلة منها
( ما للعدا جنة أوقى من الهرب ** أين المفر وخيل الله في الطلب )
( وأين يذهب من في رأس شاهقة ** إذا رمته سماء الله بالشهب ) ومنها
( وطود طارق قد حل الإمام به ** كالطور كان لموسى أيمن الرتب )
( لو يعرف الطود ما غشاه من كرم ** لم يبسط النور فيه الكف للسحب )
____________________
(3/592)


( ولو تيقن بأسا حل ذروته ** لصار كالعين من خوف ومن رهب )
( سالف الحقب ويلبس الدين غضا ثوب عزته ** كأن أيام بدر عنه لم تغب )
وقال في نارنجة
( وبنت أيك دنا من لثمها قزح ** فصار منه على أرجائها أثر )
( يبدو لعينيك منها منظر عجب ** زبرجد ونضار صاغه المطر )
( كأن موسى نبي الله أقبسه ** نارا وجر عليها كفه الخضر )
وقال
( وشادن قلت له صف لنا ** بستاننا هذا ونارنجنا )
( فقال لي بستانكم جنة ** ومن جنى النارنج نارا جنى )
وقال في زلباني
( لله سفاح بدا لي مسحرا ** فأفاد علم الكيميا بيمينه )
( ذهبت فضة خده بلواحظي ** وكذاك تفعل ناره بعجينه )
وقال وقد نزل في فندق لا يليق بمثله
( يا هذه لا تفنديني ** أن صرت في منزل هجين )
( فليس قبح المحل مما ** يقدح في منصبي وديني )
( فالشمس علوية ولكن ** تغرب في حمأة وطين )
____________________
(3/593)

وقال أحمد المرواني
( حلفت بمن رمى فأصاب قلبي ** وقلبه على جمر الصدود )
( لقد أودى تذكره بجمي ** ولست أشك أن النفس تودي )
( فقيد وهو موجود بقلبي ** فواعجبا بموجود فقيد )
وقال الأصبغ القرشي يرثي ابن شهيد وهو من أصحابه
( نأى من به كان السرور مواصلا ** وأسلم قلبي للصبابة والفكر ) ومنها
( لعمرك ما يجدي النعيم إذا نأت ** وجوههم عني ولا فسحة العمر )
وقال سليمان بن عبد الملك الأموي
( وذي جدل أطال القول منه ** بلا معنى وقد خفي الصواب )
( فقلت أجيبه فازداد ردا ** فقلت له قد ازدحم الجواب )
( ولم أر غير صمتي من مريح ** إذا ما لم يفد فيه الخطاب )
وقال أبو يزيد بن العاصي
( عابه الحاسد الذي لام فيه ** أن رأى فوق خده جدريا )
( إنما وجهه هلال تمام ** جعلوا برقعا عليه الثريا )
وله
( إذا شئت أن يصفو صديقك فاطرح ** نزاع الذي يبديه في الهزل والجد )
( وإن كنت من أخلاقه في جهنم ** فأنزله من مثواك في جنة الخلد )
( إلى أن يتيح الله من لطف صنعه ** فراقا جميلا فاجعل العذر في البعد )
____________________
(3/594)

وليكن هذا آخر ما نورده من كلام بني مروان رحمهم الله تعالى
المنصفي ولنرجع إلى أهل الأندلس جملة فنقول أمر أبو الحجاج المنصفي أن يكتب على قبره
( قالت لي النفس أتاك الردى ** وأنت في بحر الخطايا مقيم )
( هلا ادخرت الزاد قلت اقصري ** لا يحمل الزاد لدار الكريم ) وقد ذكرنا هذين البيتين في غير هذا الموضع
وقال ابن مرج الكحل اجتمعنا في حانوت بعض الأطباء بإشبيلية فأضجرناه بكثرة جلوسنا عنده وتعذرت المنفعة عليه من أجلنا فأنشدنا
( خففوا عنا قليلا ** رب ضيق في براح )
( هل شكوتم من سقام ** أو جلسنا للصحاح )
فأضفت إليهما ثالثا وأنشدته إياه على سبيل المداعبة
( إن أتيتم ففرادى ذاك حكم المستراح )
ودخل أبو محمد غانم بن وليد مجلس باديس بن حبوس فوسع له على ضيق كان فيه فقال
____________________
(3/595)


( صير فؤادك للمحبوب منزلة ** سم الخياط مجال للمحبين )
( ولا تسامح بغيضا في معاشرة ** فقلما تسع الدنيا بغيضين )
ودخل على أبي جعفر اللمائي بعض أصحابه عائدا في علته التي مات فيها وجعل يروح عليه بمروحة فقال أبو جعفر على البديهة
( روحني عائدي فقلت له ** لا لا تزدني على الذي أجد )
( أما ترى النار وهي خامدة ** عند هبوب الرياح تتقد )
وقال الأعلم ليكن محفوظك من النظم مثل قول ابن القبطرنة
( دعاك خليلك واليوم طل ** وعارض وجه الثرى قد بقل )
( لقدرين فاحا وشمامة ** وإبريق راح ونعم المحل )
( ولو شاء زاد ولكنه ** يلام الصديق إذا ما احتفل )
وقال أبو عامر بن ينق الشاطبي
( ما احسن العيش لو أن الفتى أبدا ** كالبدر يرجو تماما بعد نقصان )
( إذ لا سبيل إلى تخليد مأثرة ** إذ لا سبيل إلى تخليد جثمان )
وقال أبو الحسن اللورقي
( عجبا لمن طلب المحا مد ** وهو يمنع ما لديه )
( ولباسط آماله ** للغير لم يبسط يديه )
( لم لا أحب الضيف أو ** أرتاح من طرب إليه )
____________________
(3/596)


( والضيف يأكل رزقه ** عندي ويحمدني عليه )
وقال أبو عيسى بن لبون وهو من قواد المأمون بن ذي النون
( نفضت كفي من الدنيا وقلت لها ** إليك عني فما في الحق أغتبن )
( من كسر بيتي لي روض ومن كتبي ** جليس صدق على الأسرار مؤتمن )
( أدري به ما جرى في الدهر من خبر ** فعنده الحق مسطور ومختزن )
( وما مصابي سوى موتي ويدفنني ** قوم وما لهم علم بمن دفنوا )
وقال أبو عامر بن الحمارة
( ولي صاحب أحنو عليه وإنه ** ليوجعني حينا فلا أتوجع )
( أقيم مكاني ما جفاني وربما ** يسائلني الرجعى فلا أتمنع )
( كأني في كفيه غصن أراكة ** تميل على حكم النسيم وترجع )
وقال أبو العباس بن السعود
( تبا لقلب عن الأحباب منصرف ** يهوى أحبته ما خالس النظر )
( مثل السجنجل فيه الشخص تبصره ** حتى إذا غاب لم يترك به أثرا )
ومرض أبو الحكم بن علندة فعاده جماعة من أصحابه فيهم
____________________
(3/597)

فتى صغير السن فوفاه من بره ما أوجب تغيرهم ففطن لذلك وأنشد ارتجالا
( تكثر من الإخوان للدهر عدة ** فكثرة در العقد من شرف العقد )
( وعظم صغير القوم وابدأ بحقه ** فمن خنصري كفيك تبدأ بالعقد ) ثم نظر إليهم وأنشدهم ارتجالا قوله
( مغيث أيوب والكافي لذي النون ** يحلني فرجا بالكاف والنون )
( كم كربة من كروب الدهر فرجها ** عني ولم ينكشف وجهي لمن دوني )
وقال القاضي أبو موسى بن عمران
( ما للتجارب من مدى ** والمرء منها في ازدياد )
( قد كنت أحسب ذا العلا ** من حاز علما واستفاد )
( فإذا الفقيه بغير مال ** كالخيام بلا عماد )
( شرف الفتى بنضاره ** إن الفقير أخو الجماد )
( ما العلم إلا جوهر ** قد بيع في سوق الكساد )
وقال أبو بكر بن الجزار السرقسطي
( إياك من زلل اللسان فإنما ** عقل الفتى في لفظه المسموع )
( والمرء يختبر الإناء بنقره ** ليرى الصحيح به من المصدوع )
وقال أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد تناول بعض أصحابنا نرجسة فركبها في وردة ثم دفعها إلي وإلى صاعد وقال قولا
____________________
(3/598)

فأبهمت دوننا أبواب القول فدخل الزهيري وكان أما لا يذكر من الكلام إلا ما علق بنفسه في الجالس وينفذ مع هذا في المطولات من الأشعار فأشعر بأمرنا فجعل يقول دون روية
( ما للأديبين قد أعيتهما ** مليحة من ملح الجنه )
( نرجسه في وردة ركبت ** كمقلة تطرف في وجنه ) وقال أبو محمد بن حزم في طوق الحمامة
( خلوت بها والراح ثالثة لنا ** وجنح ظلام الليل قد مد واعتلج )
( فتاة عدمت العيش إلا بقربها ** فهل في ابتغاء العيش ويحك من حرج )
( كأني وهي والكأس والخمر والدجى ** حيا وثرى والدر والتبر والسبج )
قال وهذه حمس تشبيهات لا يقدر أحد على أكثر منها إذ تضيق الأعارض عنه قال أبو عامر بن مسلمة ولا أذكر مثلها إلا قول بعض
( فأمطرت لؤلؤا من نرجس فسقت ** وردا وغضت على العناب بالبرد ) إلا أنه لم يعطف خمسة على خمسة كما صنع ابن حزم بل أكتفى بالعلم في التشبيهات قال ومن أغرب ما وقع لي من التشبيهات في بيت قول بن برون الكشوني الأندلسي يصف فرسا وردا أغر محجلا
____________________
(3/599)

فكأنه غرته وتحجيلاته ** خمس من السوسان وسط شقائق )
قال وهذا على التحقيق ستة على ستة ولم أسمع بمثله لأحد من الأندلسيين ولا من المشارقة قال ابن الجلاب وكلام أبي عامر هذا لا يخلو من النقد
وقال ابن صارة
( انظر إلى البدر وإشراقه ** على عدير موجه يزهر )
( كمشحذ من حجر أخضر ** خط عليه ذهب أحمر )
وقال أبو القاسم بن العطار الإشبيلي
( ركبنا سماء النهر والجو مشرق ** وليس لنا إلا الحباب نجوم )
( وقد ألبسته الأيك برد ظلالها ** وللشمس في تلك البرود رقوم )
وقال ابن صارة
( والنهر قد رقت غلالة صبغه ** وعليه من ذهب الأصيل طراز )
( تترقرق الأمواج فيه كأنها ** عكن الخصور تضمها الأعجاز )
وقال سهل بن مالك
( ورب يوم وردنا فيه كل منى ** وقل في مثل ذاك اليوم أن نردا )
( في روضتين بشطي سلسل شبم ** كما اجتليت من المحبوب مفتقدا )
____________________
(3/600)


( يبدد القطر في أثنائه حلقا ** فتنظم الريح منها فوقه زردا )
وقال ابن صارة
( انظر النهر في رداء عروس ** صبغته بزعفران العشي )
( ثم لما هب النسيم عليه ** هز عطفيه في دلاص )
الكمي ولبعضهم في شكل يرمي الماء مجوفا مثل الخباء وتمزقه الريح أحيانا
( ومطنب للماء ما أوتاده ** إلا نتائج فكر طب حاذق )
( لعبت به أيدي الصبا فكأنها ** أيدي الصبابة بالفؤاد العاشق )
وقال صفوان بن إدريس يصف تفاحة في الماء
( ولم أر فيما تشتهي العين منظرا ** كتفاحة في بركة بقرار )
( يفيض عليها ماؤها فكأنها ** بقية خد في اخضرار عذار )
وقال أبو جعفر بن وضاح في دولاب
( وباكية والروض يضحك كلما ** ألحت عليه بالدموع السواجم )
( يروقك منها إن تأملت نحوها ** زئير أسود والتفات أراقم )
( تخلص من ماء الغدير سبائكا ** فتنبتها في الروض مثل الدراهم )
____________________
(3/601)


وقال الوزير بن عمار
( يوم تكاثف غيمه فكأنه ** دون السماء دخان عود أخضر )
( والطل مثل برادة من فضة ** منثورة في تربة من عنبر )
( والشمس أحيانا تلوح كأنها ** أمة تعرض نفسها للمشتري )
وقال أبو الحسن بن سعد الخير
( لله دولاب يفيض بسلسل ** في روضة قد أينعت أفنانا )
( قد طارحته بها الحمائم شجوها ** فيجيبها ويرجع الألحانا )
( فكأنه دنف يدور بمعهد ** يبكي ويسأل فيه عمن بانا )
( ضاقت مجاري طرفه عن دمعه ** فتفتحت أضلاعه أجفانا )
وقال ابن أبي الخصال
( وورد جني طالعتنا خدوده ** ببشر ونشر يبعثان على السكر )
( وحف ترنجان به فكأنه ** خدوده العذارى في مقانعها الخضر )
وقال ابن صارة
( يا رب نارنجة يلهو النديم بها ** كأنها كرة من أحمر الذهب )
( أو جذوة حملتها كف قابسها ** لكنها جذوة معدومة اللهب )
وقال الخفاجي
____________________
(3/602)


( ومياسة تزهو وقد خلع الحيا ** عليها حلى حمرا وأردية خضرا )
( يذوب بها ريق الغمامة فضة ** ويجمد في أعطافها ذهبا نضرا ) وقال ابن صارة أيضا
( ونارنجة لم يدع حسنها ** لعيني في غيرها مذهبا )
( فطورا ارى لهبا مضرما ** وطورا أرى شفقا مذهبا )
وقال ابن وضاح في السرو
( أيا سرو لا يعطش منابتك الحيا ** ولا يدعن أعطافك الخضل النضر )
( فقد كسيت منك الجذوع بمثل ما ** تلف على الخطي راياته الخضر )
وقال أبو إسحاق الخولاني
( نيلوفر شكله كشكلي ** يعوم في أبحر الدموع )
( قد ألبست عطفه دروعا ** خوذ لريح الصبا شموع )
( يلوح إذ لونه كلوني ** من فوق فضفاضة هموع )
( مثل مسامير مذهبات ** في حلقات من الدروع )
وقال ابن الأبار
( وسوسنات أرت من حسنها بدعا ** ولم يزل عصر مولانا يري بدعه )
( شبيهة بالثريا في تألفها ** وفي تألقها تلتاح ملتمعه )
____________________
(3/603)


( هامت بيمناه تبغي أن تقبلها ** واستشرفت تجتلي مرآه مطلعه )
( ثم انثنى بعضها من بعضها غلبا ** على البدار فوافت وهي مجتمعه )
ورفع هذه الأبيات إلى الأمير أبي يحيى زكريا
وقال حازم
( لا نور يعدل نور اللوز في أنق ** وبهجة عند ذي عدل وإنصاف )
( نظام زهر يظل الدر منتثرا ** عليه من كل هامي القطر وكاف )
( بينا ترى وهي أصداف لدر حيا ** بيض غدت دررا في خضر أصداف )
وقال ابن سعد الخير في رمانة
( وساكنة في ظلال الغصون ** بروض يروقك أفنانه )
( تضاحك أترابها فيه إذ ** غدا الجو تدمع أجفانه )
( كما فتح الليث فاه وقد ** تضرج بالدم أسنانه )
وقال ابن نزار الوادي آشي
( ورمانة قد فض عنها ختامها ** حبيب أعار البدر بعض صفاته )
( فكسر منها نهد عذراء كاعب ** وناولني منها شبيه لداته )
وقال بعضهم في القراسيا ويقال له بالمغرب حب الملوك
( ودوح تهدل أشطانه ** رعى الدهر من حسنه ما اشتهى )
____________________
(3/604)


( فما احمر منه فصوص العقيق ** وما اسود منه عيون المها )
وقال بعضهم
( وأين معاهد للحسن فيها ** وللأنس التقاء البهجتين )
( وللأوتار والأطيار فيها ** لدى الأسحار أطرب ساجعين )
( فكم بدر تجلى من رباها ** ومن بطحائها في مطلعين )
( وأغيد يرتعي من تلعتيها ** ومن ثمر القلوب بمرتعين )
( إذا أهوى لسوسنة يمينا ** عجبت من التقاء السوسنين )
( وكم يوم توشح من سناه ومن زهراتها في حلتين )
( وراح أصيله ما بين نهر ** ودولاب يدور بمسمعين )
( بنهر كالسماء يجول فيه ** سحائب من ظلال الدوحتين )
( تدرع للنواسم حين هزت ** عليه كل غصن كالرديني )
( ملاعب في غرامي عند ذكري ** صباه وغصنه المتلاعبين )
وقال الوزير محمد بن عبد الرحمن بن هانئ
( يا حرقة البين كويت الحشا ** حتى أذبت القلب في أضلعه )
( أذكيت فيه النار حتى غدا ** ينساب ذاك الذوب من مدمعه )
( ياسؤل هذا القلب حتى متى ** يؤسى برشف الريق من منبعه )
( فإن في الشهد شفاء الورى ** لا سيما إن مص من مكرعه )
( والله يدني منكم عاجلا ** ويبلغ القلب إلى مطمعه )
ولو لم يكن للأندلسيين غير كتاب شذور الذهب لكفاهم دليلا على البلاغة ومؤلفه هو علي بن موسى بن علي بن محمد بن خلف أبو
____________________
(3/605)

الحسن الأنصاري الجياني نزيل فاس وولي خطابتها ولم ينظم أحد في الكيمياء مثل نظمه بلاغة معان وفصاحة ألفاظ وعذوبة تراكيب حتى قيل فيه إن لم يعلمك صناعة الذهب علمك الأدب
وفي عبارة بعضهم إن فاتك ذهبه لم يفتك أدبه وقيل
فيه إنه شاعر الحكماء وحكيم الشعراء وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة
عود إلى النقل عن بدائع البدائه ولنذكر هنا نبذة من سرعة بديهة أهل الأندلس وإن مرت من ذلك جملة وستأتي أيضا زيادة على الجميع فنقول
قال في بدائع البدائه ما صورته روى عبد الجبار بن حمديس الصقلي قال صنع عبد الجليل بن وهبون المرسي الشاعر لنا نزهة بوادي إشبيلية فأقمنا فيه يومنا فلما دنت الشمس للغروب هب نسيم ضعيف غضن وجه الماء فقلت للجماعة أجيزوا
( حاكت الريح من الماء زرد ** )
فأجازه كل منهم بما تيسر لي فقال له أبو تمام غالب بن رباح الحجاج كيف قلت يا أبا محمد فأعدت القسيم له فقال
( أي درع لقتال لو جمد ** ) وقد ذكرنا في هذا الكتاب ما يخالف هذا فليراجع في محله ثم قال صاحب بدائع البدائه بعد ما سبق ما صورته وقد نقله ابن
____________________
(3/606)

حمديس إلى غير هذا الوصف فقال
( نثر الجو على الترب برد ** أي در لنحور لو جمد )
فتناقض المعنى بذكر البرد وقوله ( ( لو جمد ) ) إذ ليس البرد إلا ما جمده البرد اللهم إلا أن يريد بقوله ( ( لو جمد ) ) دام جموده فيصح وينعقد عن التحقيق
ومثل هذا قول المعتمد بن عباد يصف فوارة
( ولربما سلت لنا من مائها ** سيفا وكان عن النواظر مغمدا )
( طبعته لجيا فزانت صفحة ** منه ولو جمد لكان مهندا )
وقد أخذت أنا هذا المعنى فقلت أصف روضا
( فلو دام ذاك النبت كان زبرجدا ** ولو جمدت أنهاره كن بلورا )
وهذا المعنى مأخوذ من قول علي التونسي الإيادي من قصيدته الطائية المشهورة
( ألؤلؤ قطر هذا الجو أم نقط ** ما كان أحسنه لو كان يلتقط )
وهذا المعنى كثير للقدماء قال ابن الرومي من قطعة في العنب الرازقي
( لو أنه يبقى على الدهور ** قرط آذان الحسان الحور )
قال علي بن ظافر وأخبرني من أثق به قال ركب المعتمد على الله أبو القاسم ابن عباد لنزهة بظاهر إشبيلية في جماعة من ندمائه وخواص شعرائه فلما أبعد أخذ في المسابقة بالخيول فجاء فرسه بين البساتين سابقا
____________________
(3/607)

فرأى شجرة تين قد أينعت وزهت وبرزت منها ثمرة قد بلغت وانتهت فسدد إليها عصا كانت في يده فأصابها وثبتت على أعلاها فأطربه ما رأى من حسنها وثباتها والتفت ليخبر به من لحقه من أصحابه فرأى ابن جاخ الصباغ أول من لحق به فقال أجر
( كأنها فوق العصا ** )
( فقال هامة زنجي عصى ** ) فز
( اد طربه وسروره بحسن ارتجاله وأمر له بجائزة سنية
قال علي بن ظافر وأخبرني أيضا أن سبب اشتهار ابن جاخ هذا أن الوزير أبا بكر بن عمار كان كثير الوفادة على ملوك الأندلس لا يستقر ببلدة ولا يستفزه عن وطره وطن وكان كثير التطلب لما يصدر عن أرباب المهن من الأدب الحسن فبلغه خبر ابن جاخ هذا قبل اشتهاره فمر على حانوته وهو آخذ في صباغته والنيل قد جر على يديه ذيلا وأعاد نهارهما ليلا فأراد أن يعلم سرعة خاطره فأخرج زنده ويده بيضاء من غير سوء وأشار إلى يده وقال
( كم بين زند وزند ** ) فقال
( ما بين وصل وصد ** )
فعجب من حسن ارتجاله ومبادرة العمل واستعجاله وجذب بضبعه وبلغ من الإحسان إليه غاية وسعه
____________________
(3/608)

وبلغني ايضا أنه دخل سرقسطة فبلغه خبر يحيى القصاب السرقسطي فمر عليه ولحم خرفانه بين يديه فأشار ابن عمار إلى اللحم وقال
( لحم سباط الخرفان مهزول ** ) فقال
( يقول يا مشترين مه زولوا ** )
ولما صنع المتوكل على الله بن الأفطس صاحب بطليوس هذا القسيم
( الشعر خطة خسف ** ) أرتج عليه فاستدعى أبا محمد عبد المجيد بن عبدون صاحب الرائية التي أولها
( الدهر يفجع بعد العين بالأثر ** ) وقد تكرر ذكره في هذا الكتاب وهو أحد وزراء دولته وخواص حضرته فاستجازه إياه فقال
( لكل طالب عرف ** )
( للشيخ عيبة عيب ** وللفتى ظرف ظرف )
وذكر ابن بسام في الذخيرة أن قائل القسيم الأول الأستاذ أبو الوليد بن ضابط وأن عبد المجيد أجازه ارتجالا وهو ابن ثلاث عشرة سنة وقد ذكرنا ما يقرب من ذلك في هذا الكتاب
____________________
(3/609)

وقال ابن الغليظ المالقي قلت يوما للأديب أبي عبد الله ابن السراج المالقي ونحن على جرية ماء أجز
( شربنا على ماء كأن خريره ) فقال بديها ( بكاء محب بان عنه حبيب ** فمن كان مشغوفا كئيبا بإلفه )
( فإني مشغوف به وكئيب ** )
وذكر ابن بسام في الذخيرة أنه اجتمع ابن عبادة وابن القابلة السبتي بألمرية نظر إلى وسيم يسبح في البحر وقد تعلق بسكان بعض المراكب فقال ابن عبادة
( انظر إلى البدر الذي لاح لك ** )
فقال ابن القابلة
( في وسط اللجة تحت الحلك ** )
( قد جعل الماء سماء له ** واتخذ الفلك مكان الفلك )
وقال أبو عامر بن شهيد لما قدم زهير الصقلبي إلى حضرة قرطبة من المرية وجه وزيره أبو جعفر ابن عباس إلى لمة من أصحابنا منهم ابن برد وأبو بكر المرواني وابن الحناط والطبني فحضروا إليه فسألهم عني
____________________
(3/610)

وقال وجهوا إليه فوافاني رسوله مع دابة بسرج محلى ثقيل فسرت إليه ودخلت المجلس وأبو جعفر غائب فتحرك المجلس لدخولي وقاموا جميعا لي حتى طلع أبو جعفر علينا ساحبا ذيلا لم أر أحدا سحبه قبله وهو يترنم فسلمت عليه سلام من يعرف قدر الرجال فرد ردا لطيفا فعلمت أن في أنفه نعرة لا تخرج إلا بسعوط الكلام ولا ترام إلا بمستحصد النظام ورأيت أصحابي يصيخون إلى ترنمه
فقال لي ابن الحناط وكان كثير الإنحاء علي جالبا في المحافل ما يسوء إلي إن الوزير حضره قسيم وهو يسألنا إجازته فعلمت أني المراد فاستنشدته فأنشد
( مرض الجفون ولثغة في المنطق ** ) فقلت لمن حضر لا تجهدوا أنفسكم فما المراد غيري ثم أخذت الدواة فكتبت
( سببان جرا عشق من لم يعشق ** )
( من لي بألثغ لا يزال حديثه ** يذكي على الأحشاء جمرة محرق )
( ينبي فينبو في الكلام لسانه ** فكأنه من خمر عينيه سقي )
( لا ينعش الألفاظ من عثراتها ** ولو انها كتبت له في مهرق )
ثم قمت عنهم فلم ألبث أن وردوا علي وأخبروني أن أبا جعفر لم يرض بما جئت به من البديهة وسألوني أن أحمل مكاوي الهجاء على حتاره فقلت
( أبو جعفر كاتب محسن ** مليح سنا الخط حلو الخطابة )
( تملأ شحما ولحما وما 5 يليق تملؤه بالكتابه )
( له عرق ليس ماء الحياء ** ولكنه رشح ماء الجنابه )
( جرى الماء في سفله جري لين ** فأحدث في العلو منه صلابه )
____________________
(3/611)


وذكر الوزير أبو بكر ابن اللبانة الداني في كتابه سقيط الدرر ولقيط الزهر أن المعتمد بن عباد صنع قسيما في القبة المعروفة بسعد السعود فوق المجلس المعروف بالزاهي وهو
( سعد السعود يتيه فوق الزاهي ** )
ثم استجاز الحاضرين فعجزوا فصنع ولده عبد الله الرشيد
( وكلاهما في حسنه متناهي ** )
( ومن اغتدى سكنا لمثل محمد ** قد جل في العليا عن الأشباه )
( لا زال يبلغ فيهما ما شاءه ** ودهت عداه من الخطوب دواهي )
وخرج القاضي الفقيه أبو الحسن علي بن القاسم بن محمد بن عشرة أحد رؤساء المغرب الأوسط في جماعة من أصحابه منهم محمد بن عيسى بن سوار الأشبوني ورجل يسمى بأبي موسى خفيف الروح ثقيل الجسم فجعل يعبث بالحاضرين بأبيات من الشعر يصنعها فيهم فصنع القاضي أبو الحسن معاتبا له
( وشاعر أثقل من جسمه ** )
ثم استجاز ابن سوار فقال
( تأتي معانيه على حكمه ** )
( يهجو فلا يهجى فهل عندكم ** ظلامة تعدي على ظلمه )
( لسانه في هجوه حية فيه ** منية الحية في سمه )
____________________
(3/612)


( يصيب سر المرء في رميه ** كأنما العالم في علمه )
( أما أبو موسى ففي كفه ** عصا ابنه والسحر في نظمه )
وفي المقتبس في تاريخ الأندلس أن الأمير عبد الرحمن خرج في بعض أسفاره فطرقه خيار جاريته طروب أم ولده عبد الله وكانت أعظم حظاياه عنده وأرفعهن لديه لا يزال كلفا بها هائما بحبها فانتبه وهو يقول
( شاقك من قرطبة الساري ** في الليل لم يدر به الداري ) ثم أنبه عبد الله بن الشمر نديمه فاستجازه كمال البيت فقال
( زار فحيا في ظلام الدجى ** أحبب به من زائر ساري ) وصنع الأمير عبد الرحمن المذكور في بعض غزواته قسيما وهو
( نرى الشيء مما يتقى فنهابه ** )
ثم أرتج عليه وكان عبد الله بن الشمر نديمه وشاعره غائبا عن حضرته فأراد من يجيزه فأحضر بعض قواده محمد بن سعيد الزجالي وكان يكتب له فأنشده القسيم فقال
( وما لا نرى مما يقي الله أكثر ** )
فاستحسنه وأجازه وحمله استحسانه على أن استوزره
____________________
(3/613)

وذكر ابن بسام أن المعتمد بن عباد أمر بصياغة غزال وهلال من ذهب فصيغا فجاء وزنهما سبعمائة مثقال فأهدى الغزال إلى السيدة ابنه مجاهد والهلال إلى ابنه الرشيد فوقع له إلى أن أن قال
( بعثنا بالغزال إلى الغزال ** وللشمس المنيرة بالهلال )
ثم أصبح مصطحبا وجاء الرشيد فدخل عليه وجاء الندماء والجلساء وفيهم أبو القاسم بن مرزقان فحكى لهم المعتمد البيت وأمرهم بإجازته فبدر ابن مرزبان فقال
( فذا سكني أبوئه فؤادي ** وذا نجلي أقلده المعالي )
( شغلت بذا الطلا خلدي ونفسي ** ولكني بذاك رخي بال )
( دفعت إلى يديه زمام ملكي ** محلى بالصوارم والعوالي )
( فقام يقر عيني في مضاء ** ويسلك مسلكي في كل حال )
( فدمنا للعلاء ودام فينا ** فإنا للسماح وللنزال )
ولما أنشد أبو القاسم ابن الصيرفي قول عبد الله بن السمط
( حار طرف تأملك ** ملك أنت أم ملك ) قال بديها
( بل تعاليت رتبة ** فلك الأرض والفلك )
وذكر ابن بسام في الذخيرة أنه غني يوما بين يدي العالي بالله الإدريسي بمالقة بيت لعبد الله بن المعتز
____________________
(3/614)


( هل ترين البين يحتال ** أن غدت للحي أجمال )
فأمر الفقيه أبا محمد غانم بن الوليد المالقي بإجازته فقال بديها
( إنما العالي إمام هدى ** حليت في عصره الحال )
( ملك أقيال دولته ** لذوي الأفهام إقبال )
( قل لمن أكدت مطالبه ** راحتاه الجاه والمال )
وغنى أبو الحسن زرياب يوما بين يدي الأمير عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بهذين البيتين وهما لأبي العتاهية
( قالت ظلوم سمية الظلم ** مالي رأيتك ناحل الجسم )
( يا من رمى قلبي فأقصده ** أنت الخبير بموقع السهم ) فقال عبد الرحمن هذان البيتان منقطعان فلو كان بينهما ما يصلهما لكان أبدع فصنع عبيد الله بن فرناس بديها
( فأجبتها والدمع منحدر ** مثل الجمان وهى من النظم )
فاستحسنه وأمر له بجائزة في
وذكر ابن بسام أيضا أن المعتمد بن عباد غني بين يديه بقول ابن المعتز [ المتقارب ] وخمارة من بنات المجوس ترى الزق في بيتها شائلا )
( وزنا لها ذهبا جامدا ** فكالت لنا ذهبا سائلا )
____________________
(3/615)

فقال بديها يجيزه
( وقلت خذي جوهرا ثابتا ** فقالت خذوا عرضا زائلا )
وركب المعتمد في بعض الأيام قاصدا الجامع والوزير أبو بكر بن عمار يسايره فسمع أذان مؤذن فقال المعتمد
( هذا المؤذن قد بدا بأذانه ** )
فقال ابن عمار
( يرجو بذاك العفو من رحمانه ** )
فقال المعتمد
( طوبى له من شاهد بحقيقة ** )
فقال ابن عمار
( إن كان عقد ضميره كلسانه ** )
وقال عبد الجبار بن حمديس الصقلي أقمت بإشبيلية لما قدمتها على المعتمد بن عباد مدة لا يلتفت إلي ولا يعبأ بي حتى قنطت لخيبتي مع فرط تعبي وهممت بالنكوص على عقبي فإني لكذلك ليلة من الليالي في منزلي إذا بغلام معه شمعة ومركوب فقال لي أجب السلطان فركبت من فوري ودخلت عليه فأجلسني على مرتبة فنك وقال لي افتح الطاق التي تليك ففتحتها فإذا بكور زجاج على بعد والنار تلوح من بابيه وواقدة تفتحهما تارة وتسدهما أخرى ثم دام سد أحدهما وفتح الآخر فحين تأملتهما قال لي أجز
____________________
(3/616)

انظرهما في الظلام قد نجما
فقلت
( كما رنا في الدجنة الأسد ** ) فقال
( يفتح عينيه ثم يطبقها ** ) فقلت
( فعل امريء في جفونه رمد ** ) فقال
( فابتزه الدهر نور واحدة ** ) فقلت
( وهل نجا من صروفه أحد ** ) فاستحسن ذلك وأمر لي بجائزة سنية وألزمني خدمته
وقد ذكرنا هذه الحكاية في هذا الكتاب ولكن ما هنا مساقا فلذلك نبهت عليه
475 وذكر صاحب فرحة الأنفس في أخبار أهل الأندلس أن أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر جلس في جماعة من خواصه ومعهم أبو القاسم لب وكان يعده للمجون والتطايب فقال له اهج عبد الملك بن جهور يعني أحد وزرائه فقال أخافه فقال لعبد الملك فاهجه أنت فقال أخاف على عرضي منه فقال أهجوه أنا وأنت ثم صنع
( لب أبو القاسم ذو لحية ** طوية أزري بها الطول )
____________________
(3/617)

فقال عبد الملك
( وعرضها ميلان إن كسرت ** والعقل مأفون ومخبول ) فقال الناصر للب اهجه فقد هجاك فقال بديهيا
( قال أمين الله في عصرنا ** لي لحية أزري بها الطول )
( وابن جهير قال قول الذي ** مأكوله القرضيل والفول )
( لولا حيائي من إمام الهدى ** نخست بالمنخس شو . . . )
ثم سكت فقال له الناصر هات تمام البيت فامتنع فقال له قولو يعني تمام البيت كلمة قالها الناصر مسترسلا غير متحفظ من زيادة الواو وإبدال الهاء واوا إذ صوابها قله على حكم المشي مع الطبع والراحة من التكلف فقال لب يا مولانا أنت هجوته ففطن الناصر والحاضرون وضحكوا وأمر له بجائزة
والقرضيل شوك له ورق عريض تأكله البقر وقوله شو اسم لذكر الرجل بالرومية وقولو اسم للاست بها فكأنه قال لولا حيائي من إمام الهدى نخست بالمنخس الذي هو الذكر استه
____________________
(3/618)

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب ، الجزء الرابع
____________________
(4/1)

بسم الله الرحمن الرحيم & الباب السابع & تتمة
476 - وقال ابن ظافر أخبرني من أثق به قال اجتمع الوزير أبو بكر ابن القبطرنة والأستاذ أبو العباس ابن صارة في يوم جلا ذهب برقه وأذاب ورق ودقه والأرض قد ضحكت لتعبيس السماء واهتزت وربت عند نزول الماء فترافدا فى صفتها فقال ابن صارة
( هذي البسيطة كاعب أبرادها ** حلل الربيع وحليها النوار )
فقال ابن القبطرنة
( وكأن هذا الجو فيها عاشق ** قد شفه التعذيب والإضرار )
فقال ابن صاره
( فإذا شكا فالبرق قلب خافق ** وإذا بكى فدموعه الأمطار )
فقال ابن القبطرنة
( فمن أجل عزة ذا وذلة هذه ** تبكي الغمام وتضحك الأزهار )
____________________
(4/5)


477 - وقال أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي النحوي صاحب الشرطة يخاطب الوزير أبا الحسن جعفر بن عثمان المصفحي لما كتب كتابا له فيه فاضت نفسه بالضاد مبينا له الخطأ دون تصريح
( قل للوزير السني محتده ** لي ذمة منك أنت حافظها )
( عناية بالعلوم معجزة ** قد بهظ الأولين باهظها )
( يقر لي عمرها ومعمرها ** فيها ونظامها وجاحظها )
( قد كان حقا قبول حرمتها ** لكن صرف الزمان لافظها )
( وفي خطوب الزمان لى عظة ** لو كان يثني النفوس واعظها )
( إن لم تحافظ عصابة نسبت ** إليك قدما فمن يحافظها )
( لا تدعن حاجتي بمطرحة ** فإن نفسي قد فاظ فائظها )
فأجابه المصحفي
( خفض فواقا فأنت أوحدها ** علما ونقابها وحافظها )
( كيف تضيع العلوم فى بلد ** أبناؤها كلهم يحافظها )
( ألفاظهم كلها معطلة ** مالم يعول عليك لافظها )
( من ذا يساويك إن نطقت وقد ** أقر بالعجز عنك جاحظها )
( علم ثنى العالمين عنك كما ** ثنى عن الشمس من يلاحظها )
( وقد أتتني فديت شاغلة ** للنفس أن قلت فاظ فائظها )
( فأوضحنها تفز بنادرة ** قد بهظ الأولين باهظها )
فأجابه الزبيدى وضمن شعره الشاهد على ذلك
( أاتاني كتاب من كريم مكرم ** فنفس عن نفس تكاد تفيظ )
____________________
(4/6)


( فسر جميع الأولياء وروده ** وسيء رجال آخرون وغيظوا )
( لقد حفظ العهد الذي قد أضاعه ** لدي سواه والكريم حفيظ )
( وباحثت عن فاظت وقبلي قالها ** رجال لديهم فى العلوم حظوظ )
( روى ذاك عن كيسان سهل وأنشدوا ** مقال أبي الغياظ وهو مغيظ )
( وسميت غياظا ولست بغائظ ** عدوا ولكن للصديق تغيظ )
( فلا رحم الرحمن روحك حية ** ولاهي فى الارواح حين تفيظ )
قلت وفي خطاب الوزير بهذا البيت وإن حكي عن قائله ما لا يخفي أن اجتنابه المطلوب على انه قد يقال فاضت نفسه بالضاد كما ذكره ابن السكيت فى خلل الألفاظ له والله أعلم
وكتب الزبيدي المذكور إلى أبي مسلم ابن فهد
( أبا مسلم إن الفتى بجنانه ** ومقوله لا بالمراكب واللبس )
( وليست ثياب المرء تغني قلامة ** إذا كان مقصورا على قصر النفس )
( وليس يفيد العلم والحلم والحجى ** أبا مسلم طول القعود على الكرسي )
وقال وقد استأذن الحكم المستنصر فى الرجوع الى أهله بإشبيلية ولم يأذن له فكتب إلى جاريته سلمى
( ويحك يا سلم لا تراعي ** لابد للبين من زماع )
( لا تحسبيني صبرت إلا ** كصبر ميت على النزاع )
( ماخلق الله من عذاب ** أشد من وقفة الوداع )
( ما بينها والحمام فرق ** لولا المناحات والنواعي )
____________________
(4/7)


( إن يفترق شملنا وشيكا ** من بعد ما كان ذا اجتماع )
( فكل شمل الى افتراق ** وكل شعب إلى انصداع )
( وكل قرب إلى بعاد ** وكل وصل إلى انقطاع )
478 - واجتمع جماعة من الأدباء فيهم أبو الحسن سهل بن مالك والمهر ابن الفرس وغيرهما بمدينة سبتة سنة 581 فتذاكروا محبوبا لهم يسكن الجزيرة الخضراء أمامهم فقالوا ليقل كل واحد منكم شيئا فيه فقال سهل بن مالك
( لما حططت بسبتة قتب النوى ** والقلب يرجو أن يحول حاله )
( والجو مصقول الأديم كأنما ** يبدى الخفي من الأمور صقاله )
( عاينت من بلد الجزيرة مكنسا ** والبحر يمنع أن يصاد غزاله )
( كالشكل فى المرآة تبصره وقد ** قربت مسافته وعز مناله )
فقال الجماعة والله لايقول أحد منا بعد هذا شيئا
479 - ولما قرأ أبو محمد عبدالله بن مطروح البلنسي صداق إملاك وغير فيه حال القراءة لفظة غير برفع ماكان منصوبا أو بالعكس أنشد بديها بعد الفراغ معتذرا عن لحنه
( غيرت غيرا فصرت عيرا ** وهكذا من يجد سيرا )
فأجابه الحافظ أبو الربيع ابن سالم الكلاعي وكان إلى جانبه بديهة
( ما أنت ممن يظن فيه ** بذاك جهل فظن خيرا )
____________________
(4/8)


480 - ووقف أبو أمية ابن حمدون بباب الأستاذ الشلوبين فكتب فى ورقة أبو أمية بالباب ودفع الورقة لخادم الأستاذ فلما نظر اليها الأستاذ نون تاء أمية ولم يزد على ذلك وأمر الخادم بدفع الورقة اليه فلما نظر فيها أبو أمية انصرف علما منه أن الأستاذ صرفه فانظر الى فطنة الشيخ والتلميذ مع أن الشيخ منسوب الى التغفل فى غير العلم
481 - ومن حكايات أهل الأندلس فى العفو أن المعتصم بن صمادح كان قد أحسن للنحلي البطليوسي ثم إن النحلي سار إلى إشبيلية فمدح المعتضد ابن عباد بشعر قال فيه
( أباد ابن عباد البربرا ** وأفنى ابن معن دجاج القرى )
ونسي ماقاله حتى حل بالمرية فأحضره ابن صمادح لمنادمته وأحضر للعشاء موائد ليس فيها غير دجاج فقال النحلي يامولاي ماعندكم فى المرية لحم غير الدجاج فقال انما أردت ان أكذبك فى قولك
( وأفنى ابن معن دجاج القرى **
فطار سكر النحلي وجعل يعتذر فقال له خفض عليك إنما ينفق مثلك بمثل هذا وإنما العتب على من سمعه فاحتمله منك فى حق من هو فى نصابه ثم أحسن إليه وخاف النحلي ففر من المرية ثم ندم فكتب الى المعتصم
( رضى ابن صمادح فارقته ** فلم يرضني بعده العالم )
( وكانت مريته جنة ** فجئت بما جاءه آدم )
فما زال يتفقده بالإحسان على بعد دياره وخروجه عن اختياره انتهى
482 - وقال فى بلنسية أبو عبدالله الرصافي وقد خرج منها صغيرا
____________________
(4/9)


( بلادي التي ريشت قويدمتي بها ** فريخا وآوتني قرارتها وكرا )
( مهادي ولين العيش في ريق الصبا ** أبى الله أن انسى اعتيادى بها خيرا )
483 - وقال أبو بكر محمد بن يحيى الشلطيشي
( وفاة المر ء سر لم يكاشف ** ولم تثبت حقيقته دراية )
( سيفنى كل ذى شبح ونفس ** وتلتحق النهاية بالبدايه )
( وينصدع الجميع الى صدوع ** تعود له البرية كالبرايه )
( كأن مصائب الدنيا سهام ** لها الأيام أغراض الرمايه )
( فنل ماشئت إن الفقر حد ** وعش ماشئت إن الموت غايه )
484 - وقال أبو بكر محمد بن العطار اليابسي وهو من رجال الذخيرة
( أمطيت عزمك منه متن سابحة ** خلت الحباب على لباتها لببا )
( تبدو على الموج أحيانا ويضمرها ** كالعيس تعتسف الأهضام والكثبا )
485 - وقال محمد بن الحسن الجبلي النحوي
( وما الأنس بالناس الذين عهدتهم ** بأنس ولكن فقد رؤيتهم أنس )
( إذا سلمت نفسي وديني منهم ** فحسبي أن العرض مني لهم ترس )
486 - وقال محمد بن حرب
( طوبى لروضة جنة ** لك قد نويت ورودها )
( نظمت على لباتها ** أيدى الغمام عقودها )
____________________
(4/10)


( وسقت بماء الورد وال مسك ** الفتيت صعيدها )
( والطير تشدو فى الغصون ** المائدات قصيدها )
( وتعير سمع المستعير ** نظيمها ونشيدها )
487 - وكان فى دار محمد بن اليسع شاعر الدولة العامرية وردة وكان يهدى وردها كل عام الى عارض الجيش أحمد بن سعيد فغاب العارض سنة فقال
( قال لي الورد وقد لا حظته ** فى روضتيه )
( وهو قد أينع طيبا ** جمع الحسن لديه )
( أين مولاي الذي قد ** كنت تهديني اليه )
( قلت غاب العام فايأس ** أن ترى بين يديه )
( فبدا يذبل حتى ** ظهر الحزن عليه )
488 - وقال أحمد بن أفلح
( ما أستريح إلى حال فأحمدها ** بالبين قلبي وقبل البين قد ذهبا )
( إن كان لي أرب فى العيش بعدكم ** فلا قضيت إذن من حبكم أربا )
489 - وقال أحمد بن تليد الكاتب
( لم أرض بالذل وإن قلا ** والحر لا يحتمل الذلا )
( يارب خل كان لي خامل ** صار الى العزة فاحولا ) ( حرمت إلمامي على بابه ** ووصله لم أره حلا )
____________________
(4/11)


( تأبى على النفس من أن أرى ** يوما على مستثقل كلا )
490 - وقال إسحاق بن المنادى وقد أهدى له من يهواه تفاحة
( مجال العين فى ورد الخدود ** يذكر طيب جنات الخلود )
( وآرجة من التفاح تزهو ** بطيب النشر والحسن الفريد )
( أقول لها فضحت المسك طيبا ** فقالت لي بطيب أبي الوليد )
491 - وقال غالب بن عبدالله الثغري
( ياراحلا عن سوادالمقلتين الى ** سواد قلب عن الأضلاع قد رحلا )
( غدا كجسم وأنت الروح فيه فما ** ينفك مرتحلا ما دمت مرتحلا )
( وللفراق جوى لو مر أبرده ** من بعد فرقتكم بالماء لاشتعلا )
492 - وقال الوزير أبو الحسن ابن الامام الغرناطي يهجو مراكش المحروسة
( ياحضرة الملك ما أشهاك لي وطنا ** لولا ضروب بلاء فيك مصبوب )
( ماء زعاق وجو كله كدر ** وأكلة من بذنجان ابن معيوب )
وابن معيوب هذا كان من خدام أبي العلاء ابن زهر يزعم الناس أنه سم
____________________
(4/12)

ابن باجة لعداوته لابن زهر فى باذنجان
493 - ولما بنى الفقيه أبو العباس ابن القاسم قصره بسلا وشيده وصفته الشعراء وهنته به ودعت له وكان بالحضرة حينئذ الوزير أبو عامر ابن الحمارة ولم يكن أعد شيئا فأفكر قليلا ثم قال
( يا واحد الناس قد شيدت واحدة ** فحل فيها محل الشمس فى الحمل )
( فما كدارك فى الدنيا لذى أمل ** ولا كدارك فى الأخرى لذى عمل )
وفيهم يقول ابن بقي فى موشحته الشهيرة التى آخرها
( إن جئت أرض سلا ** تلقاك بالمكارم فتيان )
( هم سطور العلا ** ويوسف بن القاسم عنوان )
494 - وكان محمد بن عبادة بالمرية ومعه ابن القابلة السبتي فنظر الى غلام وسيم يسبح وقد تعلق بمركب فقال ابن عبادة
( انظر الى البدر الذى لاح لك ** ) فقال ابن القابلة
فى وسط اللجة تحت الحلك )
( قد جعل الماء مكان السما ** واتخذ الفلك مكان الفلك )
____________________
(4/13)

- وقال ابن خروف ويروى لغيره
( أيتها النفس إليه اذهبي ** فحبه المشهور من مذهبي )
( مفضض الثغر له شامة ** مسكية فى خده المذهب )
( أيأسني التوبة من حبه ** طلوعه شمسا من المغرب )
496 - واجتمع فى بستان واحد ثلاثة شعراء من الأندلس وهم ابن خفاجة وابن عائشة وابن الزقاق فقال ابن خفاجة يصف الحال هنالك
( لله نورية المحيا ** تحمل نارية الحميا )
( درنا بها تحت ظل دوح ** قد راق مرأى وطاب ريا )
( تجسم النور فيه نورا ** فكل غصن به ثريا )
وقال ابن عائشة
( ودوحة قد علت سماء ** تطلع أزهارها نجوما )
( هفا نسيم الصبا علينا ** فخلتها أرسلت رجوما )
( كأنما الأفق غار لما ** بدت فأغرى بها النسيما )
وقال ابن الزقاق
( ورياض من الشقائق أضحت ** يتهادى بها نسيم الرياح )
( زرتها والغمام يجلد منها ** زهرات تفوق لون الراح )
____________________
(4/14)


( قلت ما ذنبها فقال مجيبا ** سرقت حمرة الخدود الملاح )
497 - وقال الأديب أبو الحسن ابن زنون وقع بيدى وأنا أسير بقيجاطة أعادها الله تعالى دار إسلام كتاب ترجمته كتاب التحف والطرف لابن عفيون فوجدت فيه قال الحسين بن الضحاك
( ماكان أحوجني يوما الى رجل ** فى وسطه ألف دينار على فرس )
( فى كفه حربة يفرى الدروع بها ** وصارم مرهف الحدين كالقبس )
( فلو رجعت ولم أظفر بمهجته ** وقد خضبت ذباب الصارم الشكس )
( فلا اغتبطت بعيش وابتليت بما ** يحول بيني وبين الشادن الأنس )
ووقف على هذه القطعة أبو نواس فقال
( ماكان أحوجني يوما الى خنث ** حلو الشمائل فى باق من الغلس )
( في كفه قهوة يسبي النفوس بها ** محكم الطرف للألباب مختلس )
( فلو رجعت ولم أظفر بتكته ** وقد رويت من الصهباء كالقبس )
( فلا هنيت بعيش وابتليت بما ** يكون منه صدود الشادن الأنس )
( هذا ألذ وأشهى من منى رجل ** فى وسطه ألف دينار على فرس )
ووقف على ذلك الوزير أبو عامر ابن ينق فقال
( ماكان أحوجني يوما الى رجل ** يردد الذكر فى باق من الغلس )
( فى حلقه غنة يشفي النفوس بها ** وفى الحشا زفرة مشبوبة القبس )
( فلو رجعت ولم أوثر تلاوته ** على سماع غناء الشادن الأنس )
____________________
(4/15)


( فلا حمدت إذن نفسي ولا اعتمدت ** بي النجائب قصد البيت والقدس )
( ولا أسلت بقبر المصطفى مقلا ** تبكي عليه بهامي الدمع منبجس )
فوقفت على ذلك يقول ابن زنون فقلت وكل ينفق مما عنده ومن عجائب الله أنه عند فراغي من كتب هذه القطعة وصل الفكاك الي وحل قيودي وأخرجني الى بلاد المسلمين وهي
( ما كان أحوجني يوما الى رجل ** يأتي فينبهني فى فحمة الغلس )
( يفك قيدي وغلي غير مرتقب ** ولا مبال من الحجاب والحرس )
( وقوله لي تأنيسا وتسلية ** هذا سلاحي فالبسه وذا فرسي )
( فلو جبنت ولم أقبل مقالته ** وأمتطي الطرف وثبا فعل مفترس )
( إذن خلعت لباس المجد من عنقي ** وصار حظي منه حظ مختلس )
( وأخلفتني أماني التى طمحت ** نفسي اليها وإحساني لكل مسي )
498 - وقال أبو بكر ابن حبيش وقد زاره بعض أودائه فى يوم عيد الفطر
( أكل ذا الاجمال فى ذا الجمال ** الله أستحفظ ذاك الكمال )
( يامالكا بالبر رقي أما ** يكفيك أن تملكني بالوصال )
( سرت الى ربعي زورا كما ** سرى الى المهجور طيف الخيال )
( العيد لي وحدي بين الورى ** حقا لأني قد رأيت الهلال )
( صومي مقبول وبرهانه ** أني أدخلت جنان الوصال )
499 - وقال أبو بكر ابن يوسف اللخمي وقد عاده في شكاية فتى وسيم من الأعيان كان والده خطيب البلد
____________________
(4/16)


( يا عائدي وهو أصل ما بي ** أفديك من ممرض طبيب )
( أصميت لما رميت قلبي ** بسهم ألحاظك المصيب )
( وجئتني منكرا لسقمي ** وتلك من عادة الحبيب )
( ياساعة قد غفرت فيها ** وما كان للدهر من ذنوب )
( ماكان فى فضلها مقال ** لو لم تكن جلسة الخطيب )
500 - وخاطب أبوزيد ابن أبي العافية أبا عبدالله ابن العطار القرطبي بقصيدة منها هذا البيت
( وكيف يفيق ذو صبر قصير ** حليف وساوس حول طوال )
يعرض له بطوله وحوله ولصاحبه أبي محمد ابن بلال بقصره فراجعه أبو عبدالله المذكور بهذه الأبيات يعرض له فيها بجربه وكان أبوزيد أصابه جرب كثير
( اجل يانافث السحر الحلال ** أتاني منك نظم كاللآلي )
( يروقك أولا لفظا ومعنى ** ويلدغ آخرا لدغ الصلال )
( تعرض فيه انك ذو مطال ** حليف وساوس حول طوال )
( كأنك لم تجرب قط خلقا ** ولم تعرف بتجربة الليالي )
( أأنسيت التجارب إذ تجاري ** بهن الجربياء مع الشمال )
( فلا تغفل عن التجريب يوما ** ولو أعطيت فيه جراب مال )
( وجرب جار بيتك واختبره ** وجر برجله إن كان قالي )
( وجار بنيك لا تستحي منه ** ومن نجار بابك لا تبال )
( وأجر ببالك الجرباء تبصر ** نجوم الأفق تجرى بانتقال )
( وجرب أهل جربة تلف قوما ** أبوا لبس الجوارب والنعال )
( تجارا باعة تجروا بزيت ** تسموا بالتجار بغير مال )
____________________
(4/17)


( اذا سمعوا بتمر في جريب ** جروا ببطاء ذى التمر البوالي )
( إذا جربت هذا الخلق أبدى ** لك التجريب أجربة خوالي )
( جرى بالنجح دهرا جر بؤسا ** عليك وجار بالنوب الثقال )
501 - وخرج ثلاثة أدباء لنزهة خارج مرسية وصلوا خلف إمام بمسجد قرية فأخطأ فى قراءته وسها فى صلاته فلما خرج أحدهم كتب على حائط المسجد
( ياخجلتي لصلاة ** صليتها خلف خلف )
فلما خرج الثاني كتب تحته
( أغض عنها حياء ** من المهيمن طرفي )
فلما خرج الثالث كتب تحته
( فليس تقبل منا ** لو أنها ألف ألف )
502 - وقال ابو اسحاق ابن خفيف الأندلسي فى أحدب أخذ مع صبي فى خلوة فضربا وطيف بهما والأحدب على عنق الصبي
( رأيت اليوم محمولا ** وأعجب منه من حمله )
( جمال الناس تحملهم ** وهذا حامل جمله )
503 - وقال أبو الصلت الأندلسي
____________________
(4/18)


( وقائلة مابال مثلك خاملا ** أأنت ضعيف الرأي ام أنت عاجز )
( فقلت لها ذنبي الى القوم أنني ** لما لم يحوزوه من المجد حائز )
504 - وكتب بعض المغاربة لأبي العباس ابن مضاء يذكره بحاله
( ياغارسا لي ثمار مجد ** سقيتها العذب من زلالك )
( أخاف من زهرها سقوطا ** إن لم يكن سقيها ببالك )
505 - وكتب الكاتب أبوعبدالله القرطبي مستنجزا وعدا
( أبا عبد الاله وعدت وعدا ** فأنجز تربح الشكر الجزيلا )
( ولا تمطل فإن المطل يمحو ** من الإحسان رونقه الصقيلا )
( إذا كان الجميل يحب طبعا ** فإني أكره الصبر الجميلا )
506 - وكتب ابن هذيل الفزاري للغني بالله سلطان لسان الدين بن الخطيب
( ليس يامولاي لي من جابر ** إذ غدا قلبي من البلوى جذاذا )
( غير صك احمر تكتب لي ** فيه يمناك اعتناء صح هذا )
507 - وقال أبو الحسن ابن الزقاق فى غلام يهودي كان يجلس معه وينادمه يوم سبت
( وحبب يوم السبت عندي أنني ** ينادمني فيه الذى أنا أحببت )
( ومن أعجب الأشياء أني مسلم ** حنيف ولكن خير أيامي السبت )
508 - وقال أبو حيان
( ويعجبني رشف تلك الشفاه ** وعض الخدود وهصر القوام )
____________________
(4/19)


( محاسن فاتت قضيب الأراك ** وورد الرياض وكأس المدام )
509 - وكتب أحد الأدباء بمرسية الى فتى وسيم من أعيانها كان يلازم حانوت بعض القضاة بها للتفقه عليه بأبيات فى غرض فراجعه عنه أبو العباس ابن سعيد بقوله
( ما للمحب لدي غير صبابة ** تقضي عليه ولوعة وغرام )
( فدع الطماعة واسترح باليأس من ** وصل عليك إلى الممات حرام )
510 - وقال السميسر
( قرابة السوء شر داء ** فاحمل أذاهم تعش حميدا )
( ومن تكن قرحة بفيه ** يصبر على مصه الصديدا )
511 - وقال ابن خفاجة
( إن للجنة بالأندلس ** مجتلى عين وريا نفس )
( فسنا صبحتها من شنب ** ودجى ليلتها من لعس )
( فإذا ما هبت الريح صبا ** صحت واشوقي إلى الاندلس )
512 - وقال بعض الأندلسيين ممن لم يحضرني اسمه الان
( إذا صال ذو ود بود صديقه ** فيا أيها الخل المصاحب لي صل بي )
( فإني مثل الماء لينا لصاحبي ** وناهيك للأعداء من رجل صلب )
513 - وقال أبو يحيى ابن هشام القرطبي
( وخائط رائع جمالا ** وصاله غاية اقتراحي )
____________________
(4/20)


( تنعم منه الخيوط فتلا ** بين أقاح وبين راح )
( تراه فى السلم ذا طعان ** بنافذات بلا جراح )
( حلقته أشبهت فؤادي ** لكثرة الوخز فى النواحي )
( تقطع الثوب راحتاه ** كصنع ألحاظه الملاح )
( فقبله ما رأيت بدرا ** ممزقا بردة الصباح )
514 - وقال أبو جعفر أحمد بن عبدالولي البلنسي
( غصبت الثريا فى البعاد مكانها ** وأودعت فى عيني صادق نوئها )
( وفى كل حال لم تزالي بخيلة ** فكيف أعرت الشمس حلة ضوئها )
قال ابن الأبار أنشد مؤلف قلائد العقيان هذين البيتين لأبي جعفر البني اليعمري وأحدهما غالط من قبل اشتباه نسبهما والتفرقة بينهما مستوفاة في تأليفي المسمى ب هداية المعتسف فى المؤتلف والمختلف انتهى
وأبو جعفر ابن عبدالولي المذكور أحرقه القنبيطور لعنه الله تعالى حين تغلبه بالروم على بلنسية قال ابن الأبار وذلك في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وقيل إن احراقه كان سنة تسعين وأربعمائة انتهى 515 - وقال أبو العباس القيجاطي فيما أنشده له ابن الطيلسان
( ليس الخمول بعار ** على امرىء ذى جلال )
( فليلة القدر تخفى ** وتلك خير الليالي )
____________________
(4/21)


516 - وقال أبو محمد ابن جحاف المعافرى البلنسي
( أقول وقد خوفوني القران ** وماهو من شره كائن )
( ذنوبي أخاف و أما القران ** فإني من شره آمن )
وأبوه أبو أحمد هو المحرق ببلنسية كما ذكرناه فى غير هذا الموضع
517 - وقال أبو العباس المالقي
( وبين ضلوعي للصبابة لوعة ** بحكم الهوى تقضي علي ولا أقضي )
( جني ناظري منها على القلب ماجنى ** فيا من رأى بعضا يعين على بعض )
518 - ودخل أبو القاسم ابن عبد المنعم وكان أزرق وسيما ومعه أبو عبدالله الشاطبي وأبو عثمان سعيد بن قوشترة على صاحب كتاب مشاحذ الأفكار فى مآخذ النظار فقال ابن قوشترة
( عابوه بالزرق الذى بجفونه ** والماء أزرق والسنان كذلكا )
فقال الشاطبي
( والماء يهدي للنفوس حياتها ** والرمح يشرع للمنون مسالكا )
فقال أبوبكر ابن طاهر صاحب كتاب المشاحذ
( وكذاك فى أجفانه سبب الردى ** لكن أرى طيب الحياة هنالكا )
وهذا من بارع الإجازة وكم لأهل الأندلس من مثل هذا الديباج الخسرواني رحمهم الله تعالى وسامحهم
____________________
(4/22)


519 - وكتب الشيخ الإمام العالم العلامة أبو عبدالله محمد بن الصائغ الأندلسي النحوي عند قول الحريري امنا أن يعززا بثالث مانصه قد جيء لهما بثالث ورابع في قافيتهما وهو قول بعض الفضلاء
( ما الأمة اللكعاء بين الورى ** كمسلم حر أتى ملأمة )
( فمه إذا استجديت من قول لا ** فالحر لا يملأ منها فمه )
ثم قال وبخامس وسادس
( انقد مهوى أزره فانثنى ** مه ياعذولي فى الذي انقد مه )
( مندمة قتل المعنى فلا ** ترسل سهام اللحظ تأمن دمه )
قلت رأيت فى المغرب فى هذا المعنى ما ينيف على سبعين بيتا كلها مساجلة لبيتي الحريري رحمه الله تعالى
520 - وقال أبو بكر عبادة الشاعر في أبي بكر والد الوزير أبي الوليد ابن زيدون
( أي ركن من الرياسة هيضا ** وجموم من المكارم غيضا )
( حملوه من بلدة نحو أخرى ** كي يوافوا به ثراه الأريضا )
( مثل حمل السحاب ماء طبيبا ** لتداوي به مكانا مريضا )
وكان المذكور توفي في ضيعة له ونقل تابوته الى قرطبة فدفن فى الربض سنة 405 وولد سنة 304
521 - وقال أبو بكر ابن قزمان صاحب الموشحات
____________________
(4/23)


( وعهدي بالشباب وحسن قدي ** حكى الف ابن مقلة فى الكتاب )
( فصرت اليوم منحنيا كأني ** أفتش فى التراب على شبابي )
وقال
( يارب يوم زارني فيه من ** أطلع من غرته كوكبا )
( ذو شفة لمياء معسولة ** ينشع من خديه ماء الصبا )
( قلت له هب لي بها قبلة ** فقال لي مبتسما مرحبا )
( فذقت شيئا لم أذق مثله ** لله ما أحلى وما أعذبا )
( أسعدني الله بإسعاده ** ياشقوتي يا شقوتي لو أبى )
قال لسان الدين كان ابن قزمان نسيج وحده أدبا وظرفا ولوذعية وشهرة قال ابن عبدالملك كان أديبا بارعا حلو الكلام مليح التندير مبرزا فى نظم الزجل قال لسان الدين وهذه الطريقة الزجلية بديعة تتحكم فيها ألقاب البديع وتنفسح لكثير مما يضيق على الشاعر سلوكه وبلغ فيها أبوبكر رحمه الله تعالى مبلغا حجره الله عمن سواه فهو آيتها المعجزة وحجتها البالغة وفارسها المعلم والمبتدىء فيها والمتمم
وقال الفتح فى حقه مبرز فى البيان ومحرز للسبق عند تسابق الأعيان اشتمل عليه المتوكل على الله فرقاه إلى مجالس وكساه ملابس فامتطى أسمى الرتب وتبوأها ونال أسنى الخطط وما تملأها وقد أثبت
____________________
(4/24)

له مايعلم به رفيع قدره ويعرف كيف أساء له الزمان بغدره كقوله
( ركبوا السيول من الخيول وركبوا ** فوق العوالي السمر زرق نطاف )
( وتجللوا الغدران من ماذيهم ** مرتجة إلا على الأكتاف )
والمأذي العسل والنطاف جمع النطفة وهى الماء الصافي قل أو كثر
522 - نقول من المطمح
1 - وقال الفقيه أبو بكر ابن القوطيه صاحب الأفعال فى اللغة والغريب في زمن الربيع
( ضحك الثرى وبدا لك استبشاره ** فاخضر شاربه وطر عذاره )
( ورنت حدائقه وزرر نبته ** وتعطرت أنواره وثماره )
( واهتز ذابل كل ماء قرارة ** لما أتى متطلعا آذاره )
( وتعممت صلع الربى بنباته ** وترنمت من عجمة أطياره )
وقال في المطمح فى حق ابن القوطية المذكور إنه ممن له سلف وثنية كلها شرف وهو أحد المجتهدين فى الطلب والمشتهرين بالعلم والأدب والمنتدبين للعلم والتصنيف والمرتبين له بحسن الترتيب والتأليف وكان له شعر نبيه وأكثره أوصاف وتشبيه انتهى
2 - وقال القاضي الأجل يونس بن عبدالله بن مغيث
____________________
(4/25)


( أتوا حسبة إذ قيل جد نحوله ** فلم يبق من لحم عليه ولا عظم )
( فعادوا قميصا في فراش فلم يروا ** ولا لمسوا شيئا يدل على جسم )
( طواه الهوى فى ثوب سقم من الضنى ** وليس بمحسوس بعين ولا وهم )
وقال فى المطمح فيه إنه قاضي الجماعة بقرطبة فاضل ورع مبرز في النساك والزهاد دائم الأرق فى التخشع والسهاد مع التحقق بالعلم والتمييز بحمله والتحيز إلى فئة الورع وأهله وله تآليف فى التصوف والزهد منها كتاب المنقطعين الى الله وكتاب المجتهدين وأشعار فى هذا المعنى منها قوله
( فررت إليك من ظلمي لنفسي ** وأوحشني العباد وأنت أنسي )
( قصدت إليك منقطعا غريبا ** لتؤنس وحدتي فى قعر رمسي )
( وللعظمى من الحاجات عندي ** قصدت وأنت تعلم سر نفسي )
ولما أراد المستنصر بالله غزو الروم تقدم الى أبي محمد والده بالكون في صحبته ومسايرته في غزوته فاعتذر بعذر يجده فقال له الحكم إن ضمن لي أن يؤلف في أشعار خلفائنا بالمشرق والأندلس مثل كتاب الصولي في أشعار خلفاء بني العباس أعفيته من الغزاة وجازيته أفضل المجازاة فأجابه إليه على أن يؤلفه بالقصر فزعم أنه رجل مزور وأن ذلك الوضع ممتنع على من يلم به ويزور فألفه بدار الملك المطلة على النهر وأكمله فيما دون شهر وتوفي والمستنصر بعد فى غزاته
3 - وقال ابن سيده صاحب المحكم يخاطب إقبال الدولة
( ألا هل الى تقبيل راحتك اليمنى ** سبيبل فإن الأمن في ذاك واليمنا )
قال في المطمح الفقيه أبو الحسن على بن أحمد المعروف بابن سيده إمام فى اللغة العربية وهمام فى الفئة الأدبية وله فى ذلك أوضاع لأفهام أخلافها استدرار واسترضاع حررها تحريرا وأعاد طرف الذكاء بها قريرا وكان منقطعا الى الموفق صاحب دانية وبها أدراك أمانيه ووجد تجرده للعلم وفراغه وتفرد بتلك الاراغة ولا سيما كتابة المسمى بالمحكم فإنه أبدع كتاب وأحكم ولما مات الموفق رائش جناحه ومثبت غرره وأوضاحه خاف من ابنه إقبال الدولة وأطاف به مكروها بعض من كان حوله إذ أهل الطلب كحيات مساورة ففر الى بعض الأعمال المجاورة وكتب إليه منها مستعطفا
( ألا هل الى تقبيل راحتك اليمنى ** سبيل فإن الأمن فى ذاك واليمنا )
( فتنضى هموم طلحته خطوبها ** ولا غاربا يبقين منه ولا متنا )
( غريب نأى أهلوه عنه وشفه ** هواهم فأمسى لايقر ولا يهنا )
( فيا ملك الأملاك إنى محلا ** عن الورد لا عنه أذاذ ولا أدنى )
( تحققت مكروها فأقبلت شاكيا ** لعمري أمأذون لعبدك أن يعنى )
( وإن تتأكد في دمي لك نية ** فإني سيف لا أحب له جفنا )
( إذا ماغدا من حر سيفك باردا ** فقدما غدا من برد نعماكم سخنا )
( وهل هي إلا ساعة ثم بعدها ** ستقرع ماعمرت من ندم سنا )
____________________
(4/26)

وقال ابن سيده صاحب المحكم يخاطب إقبال الدولة
( ألا هل الى تقبيل راحتك اليمنى ** سبيل فإن الأمن في ذاك واليمنا )
قال في المطمح الفقيه أبو الحسن على بن أحمد المعروف بابن سيده إمام فى اللغة العربية وهمام فى الفئة الأدبية وله فى ذلك أوضاع لأفهام أخلافها استدرار واسترضاع حررها تحريرا وأعاد طرف الذكاء بها قريرا وكان منقطعا الى الموفق صاحب دانية وبها أدرك أمانيه ووجد تجرده للعلم وفراغه وتفرد بتلك الاراغة ولا سيما كتابة المسمى بالمحكم فإنه أبدع كتاب وأحكم ولما مات الموفق رائش جناحه ومثبت غرره وأوضاحه خاف من ابنه إقبال الدولة وأطاف به مكروها بعض من كان حوله إذ أهل الطلب كحيات مساورة ففر الى بعض الأعمال المجاورة وكتب إليه منها مستعطفا
( ألا هل الى تقبيل راحتك اليمنى ** سبيل فإن الأمن فى ذاك واليمنا )
( فتنضى هموم طلحته خطوبها ** ولا غاربا يبقين منه ولا متنا )
( غريب نأى أهلوه عنه وشفه ** هواهم فأمسى لايقر ولا يهنا )
( فيا ملك الأملاك إنى محلأ ** عن الورد لا عنه أذاد ولا أدنى )
( تحققت مكروها فأقبلت شاكيا ** لعمري أمأذون لعبدك أن يعنى )
( وإن تتأكد في دمي لك نية ** فإني سيف لا أحب له جفنا )
( إذا ماغدا من حر سيفك باردا ** فقدما غدا من برد نعماكم سخنا )
( وهل هي إلا ساعة ثم بعدها ** ستقرع ماعمرت من ندم سنا )
____________________
(4/27)


( ومالي من دهري حياة ألذها ** فتجعلها نعمى علي وتمتنا )
( إذا ميتة أرضتك عنا فهاتها ** حبيب إلينا مارضيت به عنا )
4 - وقال الفقيه أبومحمد غانم بن الوليد الأندلسي المخزومي المالقي
( صير فؤادك للمحبوب منزلة ** سم الخياط مجال للمحبين )
( ولا تسامح بغيضا في معاشرة ** فقلما تسع الدنيا بغيضين )
وله
( الصبر أولى بوقار الفتى ** من قلق يهتك سترالوقار )
( من لزم الصبر على حالة ** كان على أيامه بالخيار )
وقال في المطمح فيه إنه عالم متفرس وفقيه مدرس وأستاذ متجرد وإمام لأهل الأندلس مجرد وأما الأدب فكان جل شرعته ورأس بغيته مع فضل وحسن طريقة وجد في جميع الأمور وحقيقة انتهى
5 - وقال المحدث الحافظ أبو عمر ابن عبدالبر يوصي ابنه بمقصورة
( تجاف عن الدنيا وهون لقدرها ** ووف سبيل الدين بالعروة الوثقى )

____________________
(4/28)


( وسارع بتقوى الله سرا وجهرة ** فلا ذمة أقوى هديت من التقوى )
( ولا تنس شكر الله فى كل نعمة ** يمن بها فالشكر مستجلب النعمى )
( فدع عنك ما لا حظ فيه لعاقل ** فإن طريق الحق أبلج لا يخفى )
( وشح بأيام بقين قلائل ** وعمر قصير لا يدوم ولا يبقى )
( ألم تر ان العمر يمضي موليا ** فجدته تبلى ومدته تفنى )
( نخوض ونلهو غفلة وجهالة ** وننشر أعمالا وأعمارنا تطوى )
( تواصلنا فيه الحوادث بالردى ** وتنتابنا فيه النوائب بالبلوى )
( عجبت لنفس تبصر الحق بينا ** لديها وتأبى أن تفارق ما تهوى )
( وتسعى لما فيه عليها مضرة ** وقد علمت أن سوف تجزى بما تسعى )
( ذنوبي أخشاها ولست بآيس ** وربي اهل أن يخاف وأن يرجى )
( وإن كان ربي غافرا ذنب من يشا ** فإني لا أدري أأكرم أم أخزى )
وقال فى المطمح الفقيه الإمام العالم الحافظ أبو عمر يوسف بن عبدالله بن عبدالبر إمام الأندلس وعالمها الذي التاحت به معالمها صحح المتن والسند وميز المرسل من المسند وفرق بين الموصول والقاطع وكسا الملة منه نور ساطع حصر الرواة وأحصى الضعفاء منهم والثقات وجد في تصحيح السقيم وجدد منه ماكان كالكهف والرقيم مع معلنات العلل وإرهاف ذلك العلل والتنبيه والتوقيف والإتقان والتثقيف وشرح المقفل واستدراك المغفل وله فنون هي للشريعة رتاج وفي مفرق الملة تاج أشهرت للحديث ظبى وفرعت لمعرفته ربى وهبت لتفهمه شمال وصبا وشفت منه وصبا وكان ثقة والأنفس على تفضيله متفقة وأما أدبه فلا تعبر
____________________
(4/29)

لجته ولاتدحض حجته وله شعر لم نجد منه إلا مانفث به أنفه وأقصى فيه عن معرفة فمن ذلك قوله وقد دخل اشبيلية فلم يلق فيها مبرة ولم يلق من أهلها تهلل أسرة فأقام بها حتى أخلقه مقامه وأطبقه اغتمامه فارتحل وقال
( تنكر من كنا نسر بقربه ** وعاد زعافا بعدما كان سلسلا )
( وحق لجار لم يوافقه جاره ** ولا لاءمته الدار أن يتحولا )
( بليت بحمص والمقام ببلدة ** طويلا لعمري مخلق يورث البلى )
( إذا هان حر عند قوم أتاهم ** ولم ينأ عنهم كان أعمى وأجهلا )
( ولم تضرب الأمثال إلا لعالم ** وما عوتب الإنسان إلا ليعقلا )
6 - وقال الفقيه أبوبكر ابن ابي الدوس
( إليك أبا يحيى مددت يد المنى ** وقدما غدت عن جود غيرك تقبض )
( وكانت كنوز العين يلمع بالدجى ** فلما دعاه الصبح لباه ينهض )
وقال في المطمح إنه من أبدع الناس خطا وأصحهم نقلا وضبطا اشتهر بالإقراء واقتصر بذلك على الأمراء ولم ينحط لسواهم ومطل الناس بذلك ولواهم وكان كثير التحول عظيم التجول لا يستقر في بلد ولا يستظهر على حرمانه بجلد فقذفته النوى وطردته عن كل ثوا ثم استقر آخر عمره بأغمات وبها مات وكان له شعر بديع يصونه أبدا ولا يمد به يدا أخبرني من دخل عليه بالمرية فرآه في غاية الإملاق وهو في ثياب أخلاق وقد توارى فى منزله توارى المذنب وقعد عن الناس قعود
____________________
(4/30)

مجتنب فلما علم ماهو فيه وترفعه عمن يجتديه عاتبه فى ذلك الاعتزال وآخذه حتى استنزله بفيض الاستنزال وقال له هلا كتبت الى المعتصم فما في ذلك ما يصم فكتب إليه إليك أبا يحيى مددت يد المنى البيتين انتهى
7 - وقال الفقيه القاضي الفاضل أبو الفضل ابن الأعلم حين أقلع وأناب وودع ذلك الجناب وتزهد وتنسك وتمسك من طاعة الله بما تمسك وتذكر يوما يتجرد من أمله وينفرد فيه بعمله
( الموت يشغل ذكره ** عن كل معلوم سواه )
( فاعمر له ربع ادكا رك ** فى العشية والغداه )
( واكحل به طرف اعتبا رك ** طول أيام الحياه )
( قبل ارتكاض النفس ما ** بين الترائب واللهاه )
( فيقال هذا جعفر ** رهن بما كسبت يداه )
( عصفت به ريح المنون ** فصيرته كما تراه )
( فضعوه فى أكفانه ** ودعوه يجني ماجناه )
( وتمتعوا بمتاعه ** المخزون واحووا ماحواه )
( يا منظرا مستبشعا ** بلغ الكتاب به مداه )
( لقيت فيه بشارة ** تشفي فؤادي من جواه )
( ولقيت بعدك خير من ** نباه ربي واجتباه )
( في دار خفض ما اشتهت ** نفس المقيم بها اتاه )
وقال في المطمح إنه كهل الطريقة وفتى الحقيقة تدرع الصيانة
____________________
(4/31)

وبرع فى الروع والديانة وتماسك عن الدنيا عفافا وما تماسك التماسا بأهلها والتفافا فاعتقل النهى وتنقل فى مراتبها حتى استقر فيها في السها وعطل أيام الشباب ومطل فيها سعاد وزينب والرباب إلا ساعات وقفها على المدام وعطفها الى الندام حتى تخلى عن ذلك واترك وأدرك من المعلومات ما أدرك وتعرى من الشبهات وسرى الى الرشد مستيقظا من تلك السنات وله تصرف في شتى الفنون وتقدم فى معرفة المفروض والمسنون وأما الأدب فلم يجاره في ميدانه أحد ولا استولى على إحسانه فيه حصر ولا حد وجده أبو الحجاج الأعلم هو خلد منه ما خلد ومنه تقلد ما تقلد وقد أثبت لأبي الفضل هذا ما يسقيك ماء الإحسان زلالا ويريك سحر البيان حلالا فمن ذلك ماكتب به الي وقد مررت على شنت مرية بعدما رحل عنها وانتقل واعتقل من نوانا وبيننا ما عتقل وشنت مرية هذه داره وبها كمل هلاله وإبداره وفيها استقضي وشيم مضاؤه وانتضي فالتقينا بها على ظهر وتعاطينا ذكر ذلك الدهر فجددت من شوقه ماكان قد شب عن طوقه فرامني على الإقامة وسامني على ذلك بكل كرامة فأبيت إلا النوى وانثنيت عن الثوا فودعني ودفع الي تلك القطعة حين شيعني
( بشراي أطلعت السعود على ** آفاق أنسي بدرها كملا )
( وكسا أديم الأرض منه سنا ** فكست بسائطها به حللا )
( إيه أبا نصر وكم زمن ** قصر ادكارك عندي الأملا )
( هل تذكرن والعهد يخجلني ** هل تذكرن أيامنا الأولا )
( أيام نعثر فى أعنتنا ** ونجر من أبرادنا خيلا )
( ونحل روض الأنس مؤتنفا ** وتحل شمس مرادنا الحملا )

____________________
(4/32)


( ونرى ليالينا مساعفة ** تدعو إلينا رفقنا الجفلى )
( زمن نقول على تذكره ** ماتم حتى قيل قد رحلا )
( عرضت لزورتكم وماعرضت ** إلا لتمحق كل ما فعلا )
ووافيته عشية من العشايا أيام ائتلافنا وعودنا إلى مجلس الطلب واختلافنا فرأيته مستشرقا متطلعا يرتاد موضعا يقيم به لثغور الأنس مرتشفا ولثديه مرتضعا فحين مقلني تقلدني إليه واعتقلني وملنا إلى روضة قد سندس الربيع في بساطها ودبج الزهر درانك أوساطها وأشعرت النفوس فيها بسرورها وانبساطها فأقمنا بها نتعاطى كؤوس أخبار ونتهادى أحاديث جهابذة وأحبار إلى أن نثر زعفران العشي وأذهب الأنس خوف العالم الوحشي فقمت وقام وعوج الرعب من ألسنتنا ماكان استقام وقال
( وعشية كالسيف إلا وحده ** بسط الربيع بها لنعلي خده )
( عاطيت كأس الأنس فيها واحدا ** ماضره أن كان جمعا وحده )
وتنزه يوما بحديقة من حدائق الحضرة قد اطرد نهرها وتوقد زهرها والريح يسقطه فينظم بلبة الماء ويتبسم به فتخاله كصفحة خضرة السماء فقال
( انظر إلى الأزهار كيف تطلعت ** بسماوة الروض المجود نجوما )
( وتساقطت فكأن مسترقا دنا ** للسمع فانقضت عليه رجوما )
( وإلى مسيل الماء قد رقمت به ** صنع الرياح من الحباب رقوما )
( ترمي الرياح لها نثيرا زهره ** فتمده في شاطئيه رقيما )
وله يصف قلم يراعة وبرع في صفته أعظم براعة
____________________
(4/33)


( ومهفهف ذلق صليب المكسر ** سبب لنيل المطلب المتعذر )
( متألق تنبيك صفرة لونه ** بقديم صحبته لآل الأصفر )
( ماضره أن كان كعب براعة ** بوحكمة اطردت كعوب السمهري )
وله عندما شارف الكهولة واستأنف قطع صرة كانت موصولة
( أما أنا فقد ارعويت عن الصبا ** وعضضت من ندم عليه بناني )
( فأطعت نصاحي ورب نصيحة ** جاءوا بها فلججت في العصيان )
( أيام أسحب من ذيول شبيبتي ** مرحا وأعثر في فضول عناني )
( وأجل كأسي أن ترى موضوعة ** فعلى يدي أو في يدي ندماني )
( أيام أحيا بالغواني والغنا ** وأموت بين الراح والريحان )
( في فتية فرضوا اتصال هواهم ** فمناهم دن من الأدنان )
( هزت علاهم أريحيات الصبا ** فهي النسيم وهم غصون البان )
( من كل مخلوع الأعنة لم يبل ** في غيه بمصارف الأزمان )
إلى أن قال ومن نثره يصف فرسا انظر إليه سليم الأديم كريم القديم كأنما نشأ بين الغبراء واليحموم نجم إذا بدا ووهم إذا عدا يستقبل بغزال ويستدبر برال ويتحلى بشيات تقسيمات الجمال
وله يصف سرجا بزة جياد ومركب أجواد جميل الظاهر رحيب مابين القادمة ولآخر كأنما قد من الخدود أديمة واختص بإتقان الحبك تقويمه
وله في وصف لجام متناسب الأشلاء صر يح الانتماء الى ثريا السماء فكله نكال وسائره جمال
وله في وصف رمح مطرد الكعوب صحيح اتصال الغالب والمغلوب أخ ينوب كلما استنيب ويصيب
وله في وصف قميص كافوري الأديم بابلي الرسوم تباشر منه الجسوم ما يباشر الروض من النسيم
وله في وصف بغل مقرف النسب مستخبر الشرف آمن الكبب إن ركب امتنع اعتماله أو ركب استقل به أخواله
وله في وصف حمار وثيق المفاصل عتيق النهضة إذا ونت المراسل انتهى ببعض اختصار
8 - وقال الأديب الشاعر أبو عمر يوسف بن هرون الكندي المعروف بالرمادي
( اومى لتقبيل البساط خنوعا ** فوضعت خدي في التراب خضوعا )
( ماكان مذهبه الخنوع لعبده ** إلا زيادة قلبه تقطيعا )
( قولوا لمن أخذ الفؤاد مسلما ** يمين علي برده مصدوعا )
( العبد قد يعصي وأحلف أنني ** ماكنت إلا سامعا ومطيعا )
( مولاي يحيى في حياة كاسمه ** وأنا أموت صبابة وولوعا )
( لا تنكروا غيث الدموع فكل ما ** ينحل من جسمي يكون دموعا )
والرمادي المذكور عرف به غير واحد منهم الحافظ أبو عبدالله الحميدى فى كتابه جذوة المقتبس وقال أظن أن احدا آبائه كان من أهل الرمادة وهي موضع بالمغرب وهو قرطبي كثير الشعر سريع القول مشهور عند
____________________
(4/34)


وله في وصف رمح مطرد الكعوب صحيح اتصال الغالب والمغلوب أخ ينوب كلما استنيب ويصيب
وله في وصف قميص كافوري الأديم بابلي الرسوم تباشر منه الجسوم ما يباشر الروض من النسيم
وله في وصف بغل مقرف النسب مستخبر الشرف آمن الكبب إن ركب امتنع اعتماله أو ركب استقل به أخواله
وله في وصف حمار وثيق المفاصل عتيق النهضة إذا ونت المراسل انتهى ببعض اختصار
8 - وقال الأديب الشاعر أبو عمر يوسف بن هرون الكندي المعروف بالرمادي
( اومى لتقبيل البساط خنوعا ** فوضعت خدي في التراب خضوعا )
( ماكان مذهبه الخنوع لعبده ** إلا زيادة قلبه تقطيعا )
( قولوا لمن أخذ الفؤاد مسلما ** يمنن علي برده مصدوعا )
( العبد قد يعصي وأحلف أنني ** ماكنت إلا سامعا ومطيعا )
( مولاي يحيى في حياة كاسمه ** وأنا أموت صبابة وولوعا )
( لا تنكروا غيث الدموع فكل ما ** ينحل من جسمي يكون دموعا )
والرمادي المذكور عرف به غير واحد منهم الحافظ أبو عبدالله الحميدى فى كتابه جذوة المقتبس وقال أظن أن احد آبائه كان من أهل الرمادة وهي موضع بالمغرب وهو قرطبي كثير الشعر سريع القول مشهور عند
____________________
(4/35)

الخاصة والعامة هنالك لسلوكه في فنون من المنظوم والمنثور مسالك حتى كان كثير من شيوخ الأدب في وقته يقولون فتح الشعر بكندة وختم بكندة يعنون امرأ القيس والمتنبي ويوسف بن هرون على أن في كون المتنبي من كندة القبيلة كلاما مشهورا
وأخذ أبو عمر ابن عبدالبر عن الرمادي هذا قطعة من شعره وضمنها بعض تأليفه
قال ابن حيان توفي الرمادي سنة 403 وذكر ابن سعيد في المغرب أن الرمادي اكتسب صناعة الأدب من شيخة أبي بكر يحيى بن هذيل الكفيف عالم أدباء الأندلس وهو القائل رحمه الله تعالى
( لا تلمني على الوقوف بدار ** أهلها صيروا السقام ضجيعي )
( جعلوا لي الى هواهم سبيلا ** ثم سدوا علي باب الرجوع )
وروى الرمادي عن أبي علي كتاب النوادر ومدح أبا علي بقصيدة كما أشرنا إليه في غير هذا الموضع
وقال في المطمح إنه شاعر مفلق انفرج له من الصناعة المغلق وومض له برقها المؤتلق وسال بها طبعه كالماء المندفق فاجمع على تفضيله المختلف والمتفق فتارة يحزن وأخرى يسهل وفى كلتيهما بالبديع يعل وينهل فاشتهر عند الخاصة والعامة بانطباعه فى الفريقين وإبداعه في الطريقين وكان هو وأبو الطيب متعاصرين وعلى الصناعة متغايرين وكلاهما من كندة وما منهما إلا من اقتدح في الإحسان زنده وتمادى بأبي عمر طلق العمر حتى أفرده صاحبه ونديمه وهريق شبابه واستشن أديمه
____________________
(4/36)

ففارق تلك الأيام وبهجتها وأدرك الفتنة فخاض لجتها وأقام فرقا من هيجانها شرقا بأشجانها ولحقته فيها فاقة نهكته وبعدت عنه الإفاقة حتى أهلكته وقد أثبت من محاسنه ما يعجبك سرده ولا يمكنك نقده فمن ذلك قوله
( شطت نواهم بشمس في هوادجهم ** لولا تلألؤها في ليلهن عشوا )
( شكت محاسنها عيني وقد غدرت ** لأنها بضمير القلب تنجمش )
( شعر ووجه تبارى في اختلافهما ** بحسن هذا وذاك الروم والحبش )
( شككت في سقمي منها أفي فرشي ** منها نكست وإلا الطيف والفرش )
الى أن قال وكان كلفا بفتى نصراني استسهل لباس زناره والخلود معه في ناره وخلع بروده لمسوحه وتسوغ الأخذ عن مسيحه وراح في بيعته وغدا من شيعته ولم يشرب نصيبه حتى حط عليه صليبه فقال
( أدرها مثل ريقك ثم صلب ** كعادتهم على وهمي وكاسي )
( فيقضى ما أمرت به اجتلابا ** لمسروري وزاد خضوع راسي )
وله في مثله
( ورأيت فوق النحر درعا ** فاقعا من زعفران )
( فزجرته لونا سقامي بالنوى والزجر شاني )
( يامن نأى عني ** كما تنأى العيون الفرقدان )
( فأرى بعيني الفرقدي ** ن ولا أراه ولا يراني )
____________________
(4/37)


( لا قدرت لك أوبة ** حتى يؤوب القارظان )
( هل ثم إلا الموت فردا ** لا تكون منيتان )
وله أيضا
( اشرب الكاس يانصير وهات ** إن هذا النهار من حسناتي )
( بأبي غرة ترى الشخص فيها ** في صفاء أصفى من المرآة )
( تنزع الناس نحوها بازدحام ** كازدحام الحجيج في عرفات )
( هاتها يا نصير إنا اجتمعنا ** بقلوب فى الدين مختلفات )
( إنما نحن في مجالس لهو ** نشرب الراح ثم أنت مواتي )
( فإذا ما انقضت دنانة ذا اللهو ** اعتمدنا مواضع الصلوات )
( لو مضى الدهر دون راح وقصف ** لعددنا هذا من السيئات )
وشاعت عنه أشعار فى دولة الخلافة وأهلها سدد اليهم صائبات نبلها وسقاهم كؤوس نهلها أوغرت عليه الصدور ونفرت عليه المنايا ولكن لم يساعدها المقدور فسجنه الخليفة دهرا وأسكنه من النكبة وعرا فاستعطفه أثناء ذلك واستلطفه وأجناه كل زهر من الإحسان وأقطفه فما أصغى اليه ولا ألغى موجدته عليه وله في السجن أشعار صرح فيها ببثه وأفصح فيها عن جل الخطب لفقد صبره ونكثه فمن ذلك قوله
( لك الأمن من شجو يزيد تشوقي )
____________________
(4/38)


ومنها
( فوافوا بنا الزهراء في حال خالع الأئمة ** لاستيفائهم في التوثق )
( وحولي من أهل التأدب مأتم ** ولا جؤذر إلا بثوب مشقق )
( فلو أن في عيني الحمام كروضها ** وإن كان في ألوانه غير مشفق )
( ونادى حمامي مهجتي لتقلقلت ** فهلا أجابت وهو عندي لمحنق )
( أعيني إن كانت لدمعي فضلة ** تثبت صبري ساعة فتدفقي )
( فلو ساعدت قالت أمن عدة الأسى ** تنقت دمومي أم من البحر تستقي )
ومنها
( وقالت تظن الدهر يجمع بيننا ** فقلت لها من لي بظن محقق )
( ولكنني فيما زجرت بمقلتي ** زجرت اجتماع الشمل بعد التفرق )
( فقد كانت الأشفار في مثل بعدنا ** فلما التقت بالطيف قالت سنلتقي )
( أباكية يوما ولم يأت وقته ** سينفد قبل اليوم دمعك فارفقي )
إلي أن قال وله أيضا
( على كبري تهمي السحاب وتذرف ** ومن جزعي تبكي الحمام وتهتف )
( كأن السحاب الواكفات غواسلي ** وتلك على فقدي نوائح هتف )
( ألا ظعنت ليلى وبان قطينها ** ولكنني باق فلوموا وعنفوا )
( وآنست فى وجه الصباح لبينها ** نحولا كأن الصبح مثلي مدنف )
( وأقرب عهد رشفة بلت الحشا ** فعاد شتاء باردا وهو صيف )
( وكانت على خوف فولت كأنها ** من الردف في قيد الخلاخل ترسف )
____________________
(4/39)


وله
( قبلته قدام قسيسه ** شربت كاسات بتقديسه )
( يقرع قلبي عند ذكري له ** من فرط شوقي قرع ناقوسه )
وسجن معه غلام من أولاد العبيد فيه مجال وفي نفس متأملة من لوعته أوجال فكتب يخاطب الموكل بالسجن بقطعة منها
( جليسك ممن أتلف الحب قلبه ** ويلذع قلبي حرقة دونها الجمر )
( هلال وفي غير السماء طلوعه ** وريم ولكن ليس مسكنه القفر )
( تأملت عينيه فخامرني السكر ** ولا شك في أن العيون هي الخمر )
( أناطقه كيما يقول وإنما ** أناطقه عمدا لينتثر الدر )
( أنا عبده وهو المليك كما اسمه ** فلي منه شطر كامل وله شطر )
انتهى باختصار
9 - وقال محمد بن هانىء
( قد مررنا على مغانيك تلك ** فرأينا بها مشابه منك )
( عارضتنا المها الخواذل سربا ** عند أجراعها فلم نسل عنك )
( لا يرع للمها بذكرك سرب ** أشبهتك فى الوصف إن لم تكنك )
( كن عذيرى لقد رأيت معاجي ** يوم تبكي بالجزع ولهى وأبكي )
( بحنين مرجع وتشك ** وأنين موجع كتشكي )
وقال صاحب المطمح في حقه الأديب أبو القاسم محمد بن هانىء ذخر
____________________
(4/40)

خطير وروض أدب مطير غاص في طلب الغريب حتى أخرج دره المكنون وبهرج بافتنانه فيه كل الفنون وله نظم تتمنى الثريا أن تتوج به وتتقلد ويود البدر أن يكتب ما اخترع فيه وولد زهت به الأندلس وتاهت وحاسنت ببدائعه الأشمس وباهت فحسد المغرب فيه المشرق وغص به من بالعراق وشرق غير أنه نبت به أكنافها وشمخت عليه آنافها وبرئت منه وزويت الخيرات فيها عنه لأنه سلك مسلك المعري وتجرد من التدين وعري وأبدى الغلو وتعدى الحق المجلو فمجته الأنفس وأزعجته الأندلس فخرج على غير اختيار وما عرج على هذه الديار إلى أن وصل الزاب واتصل بجعفر ابن الأندلسية مأوى تلك الجنسية فناهيك من سعد ورد عليه فكرع ومن باب ولج فيه وماقرع فاسترجع عنده شبابه وانتجع وبله وربابه وتلقاه بتأهيل ورحب وسقاه صوب تلك السحب فأفرط فى مدحه فيه في الغلو وزاد وفرغ عنده تلك المزاد ولم يتورع ولا ثناه ذو ورع وله بدائع يتحير فيها ويحار ويخال لرقتها أنها أسحار فإنه اعتمد التهذيب والتحرير واتبع في اغراضه الفرزدق مع جرير وأما تشبيهاته فخرق فيها المعتاد وما شاء منها اقتاد وقد أثبت له ما تحن له الأسماع ولا تتمكن منه الأطماع فمن ذلك قوله
( أليلتنا إذ أرسلت واردا وحفا ** وبتنا نرى الجوزاء فى أذنها شنفا )
( وبات لنا ساق يقوم على الدجى ** بشمعة صبح لا تقط ولا تطفا )
( أغن غضيض خفف اللين قده ** وثقلت الصهباء أجفانه الوطفا )
( ولم يبق إرعاش المدام له يدا ** ولم يبق إعنات التثني له عطفا )
( نزيف نضاه السكر إلا ارتجاجة ** إذا كل عنها الخصر حملها الردفا )
( يقولون حقف فوقه خيزرانة ** أما يعرفون الخيزرانة والحقفا )
( جعلنا حشايانا ثياب مدامنا ** وقدت لنا الأزهار من جلدها لحفا )

____________________
(4/41)


( فمن كبد توحي الى كبد هوى ** ومن شفة تومي الى شفة رشفا )
ومنها
( كأن السماكين اللذين تراهما ** على لبدتيه ضامنان له حتفا )
( فذا رامح يهوي إليه سنانه ** وذا أعزل قد عض أنمله لهفا )
( كأن سهيلا فى مطالع أفقه ** مفارق إلف لم يجد بعده إلفا )
( كأن بني نعش ونعشا مطافل ** بوجرة قد أضللن في مهمة خشفا )
( كأن سهاها عاشق بين عود ** فآونة يبدو وآونة يخفى )
( كأن قدامى النسر والنسر واقع ** قصصن فلم تسم الخوافي له ضعفا )
( كأن أخاه حين حوم طائر ** أتى دون نصف البدر فاختطف النصفا )
( كأن ظلام الليل إذ مال ميلة ** صريع مدام بات يشربها صرفا )
( كأن عمود الصبح خاقان معشر ** من الترك نادى بالنجاشي فاستخفى )
( كأن لواء الشمس غرة جعفر ** رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا )
وله أيضا
( فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ** وأمدكم فلق الصباح المسفر )
( وجنيتم ثمر الوقائع يانعا ** بالنصر من علق الحديد الأحمر )
( أبني العوالي السمهرية وزالسيوف ** المشرفية والعديد الأكثر )
( من منكم الملك المطاع كأنه ** تحت السوابغ تبع في حمير )
( جيش تعد له الليوث وفوقها ** كالغيل من قصب الوشيج الأخضر )
( وكأنما سلب القشاعم ريشها ** مما يشق من العجاج الأكدر )
( لحق القبول مع الدبور وسار في ** جمع الهرقل وعزمة الإسكندر )
____________________
(4/42)


( في فتية صدأ الحديد لباسهم ** في عبقري البيض جنة عبقر )
( وكفاه من حب السماحة أنه ** منها بموضع مقلة من محجر )
ومنها
( نعماؤه من رحمة ولباسه ** من جنة وعطاؤه من كوثر )
وله أيضا من قصيدة في جعفر بن علي
( ألا أيها الوادي المقدس بالندى ** وأهل الندى قلبي اليك مشوق )
( ويا أيها القصر المنيف قبابه ** على الزاب لا يسدد إليك طريق )
( ويا ملك الزاب الرفيع عماده ** بقيت لجمع المجد وهو فريق )
( فما أنس لا أنس الأمير إذا غدا ** تروع بحورا فلكه وتروق )
( ولا الجود يجري من صفيحة وجهه ** إذا كان من ذاك الجبين شروق )
( وهزته للمجد حتى كأنما ** جرت في سجاياه العذاب رحيق )
( أما وأبي تلك الشمائل إنها ** دليل على أن النجار عتيق )
( فكيف بصبر النفس عنه ودونه ** من الأرض مغبر الفجاج عميق )
( فكن كيف شاء الناس أو شئت دائما ** فليس لهذا الملك غيرك فوق )
( ولا تشكر الدنيا على نيل رتبة ** فما نلتها إلا وأنت حقيق )
وله من أخرى
( خليلي أين الزاب مني وجعفر ** وجنات عدن بنت عنها وكوثر )
( فقبلي نأى عن جنة الخلد آدم ** فما راقه من جانب الأرض منظر )
( لقد سرني أني أمر بباله ** فيخبرني عنه بذلك مخبر )
____________________
(4/43)


( وقد ساءني أني أراه ببلدة ** بها منسك منه عظيم ومشعر )
( وقد كان لي منه شفيع مشفع ** به يمحص الله الذنوب ويغفر )
( أتى الناس افواجا إليك كأنما ** من الزاب بيت أو من الزاب محشر )
( فأنت لمن قد مزق الله شمله ** ومعشره والأهل أهل ومعشر )
وله أيضا
( ألا طرقتنا والنجوم ركود ** وفي الحي أيقاظ وهن هجود )
( وقد أعجل الفجر الملمع خطوها ** وفي أخريات الليل منه عمود )
( سرت عاطلا غضبى على الدر وحده ** ولم يدر نحر ما دهاه وجيد )
( فما برحت إلا ومن سلك أدمعي ** قلائد في لباتها وعقود )
( ويا حسنها في يوم نضت سوالفا ** تريع إلى أترابها وتحيد )
( ألم يأتها أنا كبرنا عن الصبا ** وأنا بلينا والزمان جديد )
( ولا كالليابي مالهن مواثق ** ولا كالغواني ما لهن عهود )
( ولا كالمعز ابن النبي خليفة ** له الله بالفخر المبين شهيد )
وله من قصيدة يمدح بها يحيى بن علي بن رمان
( قفا بي فلا مسرى سرينا ولا نسري ** وإلا نرى مشي القطا الوارد الكدر )
( قفا نتبين أين ذا البرق منهم ** ومن أين تأتي الريح طيبة النشر )
( لعل ثرى الوادي الذي كنت مرة ** أزورهم فيه تضوع للسفر )
( وإلا فما واد يسيل بعنبر وإلا فما تدري الركاب ولا ندري )
( أكل كناس بالصريم تظنه ** كناس الظباء الدعج والشدن العفر )
( وهل عجبوا أني أسائل عنهم ** وهم بين أحناء الجوانح والصدر )
( وهل علموا اني أيمم أرضهم ** ومالي بها غير التعسف من خبر )
( ولي سكن تأتي الحوادث دونه ** فيبعد عن عيني ويقرب من فكري )

____________________
(4/44)


( إذا ذكرته النفس جاشت بذكره ** كما عثر الساقي بجام من الخمر )
( فلا تسألالي عن زماني الذى خلا ** فوالعصر إني قبل يحيى لفي خسر )
( وآليت لا أعطي الزمان مقادتي ** على مثل يحيى ثم أغضي على الوتر )
( حنيني اليه ظاعنا ومخيما ** وليس حنين الطير إلا إلى الوكر )
وله من قصيدة
( فتكات طرفك ام سيوف أبيك ** وكؤوس خمرك أم مراشف فيك )
( أجلاد مرهفة وفتك محاجر ** لا أنت راحمة ولا اهلوك )
( يا بنت ذي السيف الطويل نجاده ** أكذا يجوز الحكم في ناديك )
( عيناك أم مغناك موعدنا على ** وادي الكرى ألقاك ام واديك )
وله أيضا
( أحبب بهاتيك القباب قبابا ** لا بالحداة ولا الركاب ركابا )
( فيها قلوب العاشقين تخالها ** عنما بأيدي البيض أو عنابا )
( والله لولا أن يعنفني الهوى ** ويقول بعض العاذلين تصابى )
( لكسرت دملجها بضيق عناقها ** ورشفت من فيها البرود رضابا )
( بنتم فلولا أن أغير لمتي ** عبثا وألقاكم علي غضابا )
( لخضبت شيبا في مفارق لمتي ** ومحوت محو النقس عنه شبابا )
( وخضبت مبيض الحداد عليكم )
( لوأنني أجد البياض خضابا )
( وإذا أردت على المشيب وفادة ** فاحثث مطيك دونه الأحقابا )
( فلتأخذن من الزمان حمامة ** ولتبعثن الى الزمان غرابا )
ومنها
( قد طيب الأقطار طيب ثنائه ** من أجل ذا نجد الثغور عذابا )
( لم تدنني أرض إليك وإنما ** جئت السماء ففتحت أبوابا )

____________________
(4/45)


( ورأيت حولي وفد كل قبيلة ** حتى توهمت العراق الزابا )
( أرض وطئت الدر من رضراضها ** والمسك تربا والرياض جنابا )
( ورأيت أجبل أرضها منقادة ** فحسبتها مدت إليك رقابا )
( سد الإمام بها الثغور وقبلها ** هزم النبي بقومك الأحزابا )
وقال ابن هانىء يصف الأسطول
( معطفة الأعناق نحومتونها ** كما نبهت أيدي الحواة الأفاعيا )
( إذا ما وردن الماء شوقا لبرده ** صدرن ولم يشربن غرفا صواديا )
( إذا أعملوا فيها المجاذيف سرعة ** ترى عقربا منها على الماء ماشيا )
10 - وقال الأديب أبو عمر احمد بن فرج الجياني رحمه الله تعالى
( وطائعة الوصال عدوت عنها ** وما الشيطان فيها بالمطاع )
( بدت فى الليل ساترة ظلام الدياجي ** منه سافرة القناع )
( وما من لحظة إلا وفيها ** إلى فتن القلوب لها دواعي )
( فملكت النهى جمحات شوقي ** لأجري بالعفاف على طباعي )
( وبت بها مبيت الطفل يظما ** فيمنعه الفطام عن الرضاع )
( كذاك الروض ليس به لمثلي ** سوى نظر وشم من متاع )
( ولست من السوائم مهملات ** فأتخذ الرياض من المراعي )
وقال
( للروض حسن فقف عليه ** واصرف عنان الهوى إليه )

____________________
(4/46)


( أما ترى نرجسا نضيرا ** يرنو إليه بمقلتيه )
( نشر حبيبي على رباه ** وصفرتي فوق وجنتيه )
وقال
( بمهلكة يستهلك الحمد عفوها ** ويترك شمل العزم وهو مبدد )
( ترى عاصف الأرواح فيها كأنها ** من الأين تمشي ظالع أو مقيد )
وقال فيه في المطمح محرز الخصل مبرز فى كل معنى وفصل متميز بالإحسان منتم الى فئة البيان ذكي الخلد مع قوة العارضة والمنة الناهضة حضر مجلس بعض القضاة وكان مشتهر الضبط منتهرا لمن انبسط فيه بعض البسط حتى إن اهله لا يتكلمون فيه الا رمزا ولا يخاطبون إلا ايماء فلا تسمع لهم ركزا فكلم فيه خصما له كلاما استطال به عليه لفضل بيانه وطلاقة لسانه ففارق عادة المجلس في رفض الأنفة وخفض الحجة المؤتنفة وهز عطفه وحسر عن ساعده وأشار بيده مادا بها لوجه خصمه خارجا عن حد المجلس ورسمه فهم الأعوان بتقويمه وتثقيفه ووزعهم رهبة منه وخشية حتى تناوله القاضي بنفسه قوال له مهلا عافاك الله اخفض صوتك واقبض يدك ولا تفارق مركزك ولا تعد حقك وأقصر عن ادلالك فقال له مهلا يا قاضي أمن المخدرات انا فاخفض صوتي وأستر يدي وأغطي معاصمي لديك ام من الأنبياء انت فلا يجهر بالقول عندك وذلك لم يجعله الله تعالى إلا لرسوله لقول الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } -
____________________
(4/47)

الى قوله { لا تشعرون } الحجرات 2 ولست به ولا كرامة وقد ذكر الله تعالى ان النفوس تجادل في القيامة في موقف الهول الذي لا يعد له مقام ولا يشبه انتقامه انتقام فقال تعالى { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها } الى قوله تعالى { وهم لا يظلمون } النحل 111 لقد تعديت طورك وعلوت فى منزلك وانما البيان بعبارة اللسان وبالنطق يستبين الحق من الباطل ولابد في الخصام من إفصاح الكلام وقام وانصرف فبهت القاضي ولم يحر جوابا وكان في الدولة صدرا من اعيانها وناسق درر تبيانها ونفق فى سوقها وصنف وقرط محاسنها وشنف وله الكتاب الرائق المسمى بالحدائق وأدركه فى الدولة سعي ورفض له فيها الرعي واعتقله الخليفة وأوثقه في مكان أخيه فلم يومض له عفو ولم يشب كدر حاله صفو حتى قضى معتقلا ونعي للنائبات نعيا مثكلا وله فى السجن أشعار كثيرة وأقوال مبدعات منيرة فمن ذلك ما انشده ابن حزم يصف خيالا طرقة بعدما أسهره الوجد وأرقه
( بأيهما انا في الشكر بادي ** بشكر الطيف ام شكر الرقاد )
( سرى وازداد في أملي ولكن ** عففت فلم أجد منه مرادي )
( وأما في النوم من حرج ولكن ** جريت من العفاف على اعتيادي
11 - وقال الشاعر المشهور أبو عبدالله محمد بن الحداد
( ياغائبا خطرات القلب محضرة ** الصبر بعدك شيء لست أقدره )
( تركت قلبي وأشواقي تفطره ** ودمع عيني وأحداقي تحدره )
( لو كنت تبصر في تدمير حالتنا ** إذن لأشفقت مما كنت تبصره )
____________________
(4/48)


( فالعين دونك لا تحلى بلذتها ** والدهر بعدك لا يصفو تكدره )
( أخفي اشتياقي وما أطويه من أسف ** عن البرية والأنفاس تظهره )
قال في المطمح هو شاعر مادح وعلى أيك الندى صادح لم ينطقه إلا معن أو صمادح فلم يرم مثواهما ولم ينتجع سواهما واقتصر على المرية واختصر قطع المهامه وخوض البرية فعكف فيها ينثر درره في ذلك المنتدى ويرشف أبدا ثغور ذلك الندى مع تميزه بالعلم وتحيزه الى فئة الوقار والحلم وانتمائه الى آية سلف ومذهبه مذاهب أهل الشرف وكان له لسن ورواء يشهدان له بالنباهة ويقلدان كاهله ماشاء من الوجاهة وقد أثبت له بعض ما قذفه من درره وفاه به من محاسن غرره فمن ذلك قوله
( إلى الموت رجعى بعد حين فإن أمت ** فقد خلدت خلد الزمان مناقبي )
( وذكري فى الآفاق طار كانه ** بكل لسان طيب عذراء كاعب )
( ففي أي علم لم تبرز سوابقي ** وفي أي فن لم تبرز كتائبي )
وحضر مجلس المعتصم بحضور ابن اللبانة فأنشد فيه قصيدا أبرز به من عرى الإحسان مالم ينفصم واستمر فيها يستكمل بدائعها وقوافيها فإذا هو قد أغار على قصيد ابن الحداد الذي أوله
( عج بالحمى حيث الظباء العين )
فقال ابن الحداد مرتجلا
( حاشا لعدلك يا ابن معن أن يرى ** في سلك غيري دري المكنون )

____________________
(4/49)


( وإليكها تشكو استلاب مطيها ** عج بالحمى حيث الظباء العين )
( فاحكم لها واقطع لسانا لا يدا ** فلسان من سرق القريض يمين )
وله
( إن المدامع والزفير ** قد أعلنا مافي الضمير )
( فعلام أخفي ظاهرا ** سقمي علي به ظهير )
( هب لي الرضى من ساخط ** قلبي بساحته الأسير )
وله أيضا
( أيها الواصل هجري ** أنا في هجران صبري )
( ليت شعري أي نفع ** لك في ادمان ضري )
وله أيضا
( يا مشبه الملك الجعدي تسمية ** ومخجل القمر البدري أنوارا )
وله
( تطالبني نفسي بما فيه صونها ** فأعصي ويسطو شوقها فأطيعها )
( ووالله مايخفي علي ضلالها ** ولكنها تهوي فلا أستطيعها )
وقال
( بخافقه القرطين قلبك خافق ** وعن خرس القلبين دمعك ناطق )
( وفي مشرق الصدغين للبدر مغرب ** وللفكر حالات وللعين شارق )
( وبين حصى الياقوت ماء وسامة ** محلأة عنه الظباء السوابق )

____________________
(4/50)


( وحشو قباب الرقم أحوى مقرطق ** كما آس روض عطفه والقراطق )
انتهى باختصار
12 - وقال الأسعد بن بليطة
( برامة ريم زارني بعدما شطا ** تقنصته بالحلم في الشط فاشتطا )
( رعى من أفانين الهوى ثمر الحشا ** جنيا ولم يرع العهود ولا الشرطا )
( خيال لمرقوم غرير برامة ** تأوبني بالرقمتين لدى الأرطى )
( فأكسبني من خدها روضة الجنى ** وألدغني من صدغها حية رقطا )
( وباتت ذراعاها نجادا لعاتقي ** إذا ما التقاها الحلي غنى لها لغطا )
( وسل اهتصاري غصنها من مخصر ** طواه الضنى طي الطوامير فامتطا )
( وقد غاب كحل الليل في دمع فجره ** إلى أن تبدى الصبح في اللمة الشمطا )
ومنها في وصف الديك
( وقام لها ينعى الدجى ذو شقيقة ** يدير لنا من عين أجفانه سقطا )
( إذا صاح أصغى سمعه لأذانه ** وبادر ضربا من قوادمه الإبطا )
( كأن أنوشروان أعلاه تاجه ** وناطت عليه كف مارية القرطا )
( سبى حلة الطاووس حسن لباسها ** ولم يكفه حتى سبى المشية البطا )
ومن غزلها
( غلامية جاءت وقد جعل الدجى ** لخاتم فيها فص غالية خطا )
( فقلت أحاجيها بما في جفونها ** وما في الشفاه اللعس من حسنها المعطى )
( محيرة العينين من غير سكرة ** متى شربت ألحاظ عينيك إسفنطا )

____________________
(4/51)


( أرى نكهة المسواك في حمرة اللمى ** وشاربك المخضر بالمسك قد خطا )
( عسى قزح قبلته فإخاله ** على الشفة اللمياء قد جاء مختطا )
وقال في المطمح في تحلية الأسعد إنه سرد البدائع أحسن السرد وافترس المعاني كالأسد الورد وأبرز درر المحاسن من صدفها وحاز من بحر الإجادة وشرفها ومدح ملوكا طوقهم من مدائحه قلائد وزف إليهم منها خرائد وجلاها عليهم كواعب بالألباب لواعب فأسالت العوارف وماتقلص له من الحظوة ظل وارف وقد أثبت له مايعترف بحقه ويعرف به مقدار سبقه فمن ذلك قوله
( لو كنت شاهدنا عشية أمسنا ** والمزن يبكينا بعيني مذنب )
( والشمس قد مدت أديم شعاعها ** في الارض تجنح غير ان لم تغرب )
وقوله
وتلذ تعذبني كأنك خلتني ** عودا فليس يطيب مالم يحرق )
وهو مأخوذ من قول ابن زيدون
( تظنونني كالعود حقا وإنما ** تطيب لكم أنفاسه حين يحرق )
انتهى ببعض اختصار
13 - وقال الأديب أبو بكر عبادة بن ماء السماء وهو كما في المطمح من فحول الشعراء وأئمتهم الكبراء وكان منتجعا بشعره مسترجعا من صروف دهره وكانت له همة أطالت همه وأكثرت كمده وغمه
____________________
(4/52)


( يؤرقني الليل الذي أنا نائمه ** فتجهل ما ألقى وطرفك عالمه )
( وفي الهودج المرقوم وجه طوى الحشا ** على الحزن فيه الحسن قد حار راقمه )
( إذا شاء وقفا أرسل الحسن فرعه ** يضلهم عن منهج القصد فاحمه )
( أظلما رأوا تقليده الدر أم زروا ** بتلك اللآلي أنهن تمائمه )
14 - وقال الأديب أبوعبدالله ابن عائشة في فتى طرزت غلالة خده وركب من عارضه سنان على صعدة قده
( إذا كنت تهوى خده وهو روضة ** به الورد غض والأقاح مفلج )
( فزد كلفا فيه وفرط صبابة ** فقد زيد فيه من عذار بنفسج )
وحلاه في المطمح بأن قال اشتهر صونا وعفافا ولم يخطب بعقيلة حضرة زفافا فآثر انقباضا وسكونا واعتمد إليها ركونا إلى أن أنهضه أمير المسلمين إلى بساطه فهب من مرقد خموله وشب لبلوغ مأموله فبدا منه في الحال انزواء في تسنم تلك الرسوم والتواء وقعود عن مراتب الأعلام وجمود لا يحمد فيه ولا يلام إلا أن أمير المسلمين ألقى عليه منه محبه جلبت إليه مسرى الظهور ومهبه وكان له أدب واسع المدى يانع كالزهر بلله الندى ونظم مشرق الصفحة عبق النفحة إلا أنه قليلا ماكان يحل ربعه ويذيل له طبعه وقد أثبت له منه مايدع الألباب حائرة والقلوب إليه طائرة فمن ذلك قوله في ليلة سمحت له بفتى كان يهواه ونفحت له هبة وصل بردت جواه
( لله ليل بات عندي به ** طوع يدي من مهجتي في يديه )
( وبت أسقيه كؤوس الطلا ** ولم أزل أسهر شوقا إليه )
( عاطيته حمراء ممزوجة ** كأنها تعصر من وجنتيه )
____________________
(4/53)


وخرج من بلنسية يوما الى منية الوزير الأجل أبي بكر ابن عبدالعزيز وهي من أبدع منازل الدنيا وقد مدت عليها أدواحها الأفيا وأهدت إليها أزهارها العرف والريا والنهر قد غص بمائه والروض قد خص بمثل أنجم سمائه وكانت لبني عبدالعزيز فيها أطراب تهيأ لهم فيها من الأيام آراب فلبسوا فيها الأشر حتى أبلوه ونشروا فيها الأنس وطووه أيام كانوا بذلك الأفق طلوعا لم تضم عليهم النوب ضلوعا فقعد أبوعبدالله مع لمة من الأدباء تحت دوحة من أدواحها فهبت ريح أنس من أرواحها سطت بإعصارها وأسقطت لؤلؤها على باسم أزهارها فقال
( ودوحة قد علت سماء ** تطلع أزهارها نجوما )
( هفا نسيم الصبا عليها ** فأرسلت فوقنا رجوما )
( كأنما الجو غار لما ** بدت فأغرى بها النسيما )
وكان في زمان عطلته ووقت اصفراره وعلته ومقاساته من العيش أنكده ومن التخوف أجهده كثيرا ما ينشرح بجزيرة شقر ويستريح ويستطيب تلك الريح ويجول في أجارع واديها وينتقل من نواديها إلي بواديها فإنها صحيحة الهواء قليلة الأدواء خضلة العشب والأزاهر قد أحاط بها نهرها كما تحيط بالمعاصم الأساور والأيك قد نشرت ذوائبها على صفيحة والروض قد عطر جوانبه بريحه وأبو إسحاق ابن خفاجة هو كان منزع نفسه ومصرع أنسه نفح له بالمنى عبق وشذا ومسح عن عيون مسراته القذى وغدا على ما كان وراح وجرى متهافتا في ميدان ذلك المراح قريب عهد بالفطام ودهره ينقاد في خطام فلما اشتعل رأسه شيبا وزرت عليه الكهولة جيبا أقصر عن تلك الهنات واستيقظ من تلك السنات وشب
____________________
(4/54)

عن ذلك الطوق وأقصر عن الهوى والشوق وقنع بأدنى تحية وما يستشعره في وصف تلك العهاد من أريحية فقال
( ألا خلياني والأسى والقوافيا ** أرددها شجوي وأجهش باكيا )
( أآمن شخصا للمسرة باديا ** وأندب رسما للشبيبة باليا )
( تولى الصبا إلا توالي فكرة ** قدحت بها زندا وما زلت واريا )
( وقد بان حلو العيش إلا تعلة ** تحدثني عنها الأماني خاليا )
( ويابرد هذا الماء هل منك قطرة ** تهل فيستسقى غمامك صاديا )
( وهيهات حالت دون حزوى وأهلها ** ليال وأيام تخال اللياليا )
( فقل في كبير عاده صائد الظبا ** إليهن مهتاجا وقد كان ساليا )
( فيا راكبا يستعمل الخطو قاصدا ** ألا عج بشقر رائحا أو مغاديا )
( وقف حيث سال النهر ينساب أرقما ** وهب نسيم الأيك ينفث راقيا )
( وقل لأثيلات هناك وأجرع ** سقيت أثيلات وحييت واديا )
انتهى ببعض اختصار
وابن عائشة أشهر من أن يطال في أمره وليس الخبر كالعيان
523 - وقال أبو عمرو يزيد بن عبدالله بن أبي خالد اللخمي الإشبيلي الكاتب في فتح المهدية سنة 602
( كم غادر الشعراء من متردم ** ذخرت عظائمه لخير معظم )
( تبعا لمذخور الفتوح فإنه ** جاءت له بخوارق لم تعلم )
( من كل سامية المنال إذا انتمت ** رفعت إلى اليرموك صوت المنتمي )

____________________
(4/55)


( وتوسطت في النهروان بنسبة ** كرمت ففازت بالمحل الأكرم )
قال ابن الأبار في تحفة القادم هو صدر في نبهائها وأدبائها يعني إشبيلية وممن له قدر في منجبيها ونجبائها والى سلفه ينسب المعقل المعروف بحجر أبي خالد وتوفي بها سنة 612 وأورد له قوله
( ويا للجواري المنشآت وحسنها ** طوائر بين الماء والجو عوما )
( إذا نشرت في الجو أجنحة لها ** رأيت به روضا ونورا مكمما )
( وإن لم تهجه الريح جاء مصافحا ** فمدت له كفا خضيبا ومعصما )
( مجاذف كالحيات مدت رؤوسها ** على وجل في الماء كي تروي الظما )
( كما أسرعت عدا أنامل حاسب ** بقبض وبسط يسبق العين والفما )
( هي الهدب في أجفان أكحل أوطف ** فهل صنعت من عندم أو بكت دما )
قال ابن الأبار أجاد ما أراد في هذا الوصف وإن نظر الى قول أبي عبدالله ابن الحداد يصف أسطول المعتصم بن صمادح
( هام صرف الردى بهام الأعادي ** أن سمت نحوهم لها أجياد )
( وتراءت بشرعها كعيون ** دأبها مثل خائفيها سهاد )
( ذات هدب من المجاذيف حاك ** هدب باك لدمعه إسعاد )
( حمم فوقها من البيض نار ** كل من أرسلت عليه رماد )
( ومن الخط في يدي كل در ** ألف خطها على البحر صاد )
قالل وما أحسن قول شيخنا أبي الحسن ابن حريق في هذا المعنى من قصيدة أنشدنيها
____________________
(4/56)


( وكأنما سكن الأراقم جوفها ** من عهد نوح خشية الطوفان )
( فإذا رأين الماء يطفح نضنضت ** من كل خرق حية بلسان )
قال ولم يسبقهم الى الإحسان وإنما سبقهم بالزمان علي بن محمد الإيادي التونسي في قوله
( شرعوا جوانبها مجاذف أتعبت ** شادي الرياح لها ولما تتعب )
( تنصاع من كثب كما نفر القطا ** طورا وتجتمع اجتماع الربرب )
( والبحر يجمع بينها فكأنه ** ليل يقرب عقربا من عقرب )
( وعلى جوانبها أسود خلافة ** تختال في عدد السلاح المذهب )
( وكأنما البحر استعار بزيهم ** ثوب الجمال من الربيع المعجب )
ومن هذه القصيدة الفريدة في ذكر الشراع
( ولها جناح يستعار يطيرها ** طوع الرياح وراحة المتطرب )
( يعلو بها حدب العباب مطاره ** في كل لج زاخر معلولب )
( يسمو بآخر في الهواء منصب ** عريان منسرح الذؤابة شوذب )
( يتنزل الملاح منه ذؤابة ** لو رام يركبها القطا لم يركب )
( وكأنما رام استراقة مقعد ** للسمع إلا أنه لم يشهب )
( وكأنما جن ابن داود هم ** ركبوا جوانبها بأعنف مركب )
( سجروا جواهم بينهم فتقاذفوا ** منها بألسن مارج متلهب )
( من كل مسجون الحريق إذا انبرى ** من سجنه انصلت انصلات الكوكب )
( عريان يقدمه الدخان كأنه ** صبح يكر على ظلام غيهب )
ومن اولها
____________________
(4/57)


( أعجب بأسطول الإمام محمد ** وبحسنه وزمانه المستغرب )
( لبست به الأمواج أحسن منظر ** يبدو لعين الناظر المتعجب )
( من كل مشرفة على ما قابلت ** إشراف صدر الأجدل المتنصب )
ومنها
( جوفاء تحمل موكبا في جوفها ** يوم الرهان وتستقل بموكب )
وهي طويلة من غرر القصائد وقد سرد جملة منها صاحب المناهج وغيره
وقال أبو عمر القسطلي
( وحال الموج بين بني سبيل ** يطير بهم الى الغول ابن ماء )
( أغر له جناح من صباح ** يرفرف فوق جنح من سماء )
وأخذه أبو إسحاق ابن خفاجة فقال
( وجارية ركبت بها ظلاما ** يطير من الصباح بها جناح )
( إذا الماء اطمأن ورق خصرا ** علا من موجه ردف رداح )
( وقد فغر الحمام هناك فاه ** وأتلع جيده الأجل المتاح )
ولا يخفاك حسن هذه العبارة الصقيلة المرآة فالله تعالى يرحم قائلها وقال ابن الأبار وقد قلت أنا في ذلك
( ياحبذا من بنات الماء سابحة ** تطفو لما شب اهل النار تطفئه )
( تطيرها الريح غربانا بأجنحة الحمائم ** البيض للأشراك ترزؤه )
____________________
(4/58)


( من كل أدهم لا يلفى به جرب ** فما لراكبه بالقار يهنؤه )
( يدعي غرابا وللفتخاء سرعته ** وهو ابن ماء وللشاهين جؤجؤه )
واجتمع ابن أبي خالد وأبو الحسن ابن الفضل الأديب عند أبي الحجاج ابن مرطير الطبيب بحضرة مراكش وجرى ذكر قاضيها حينئذ أبي عمران موسى ابن عمران بينهم وماكان عليه من القصور والبعد عما أتيح له وأوثر به فقال أبو الحجاج
ليس فيه من أبي موسى شبه
فقال أبو الحسن
( فأبوه فضة وهو شبه ** )
فقال ابن أبي خالد
( كم دعاه إذ رآه عرة ** وأباه إذ دعاه يا أبه )
524 - وقال أبو العباس الأعمى
( بهيمة لو جرى في الخيل أكبرها ** لفاتت الريح فى الأحجال والغرر )
( تجرى فللماء ساقا عائم درب ** وللرياح جناحا طائر جذر )
( قد قسمتها يد التقدير بينهما ** على السواء فلم تسبح ولم تطر )
525 - وقال عبد الجليل بن وهبون يصف الأسطول
____________________
(4/59)


( يا حسنها يوما شهدت زفافها ** بنت الفضاء الى الخليج الأزرق )
( ورقاء كانت أيكة فتصورت ** لك كيف شئت من الحمام الأورق )
( حيث الغراب يجر شملة عجبه ** وكأنه من عزة لم ينعق )
( من كل لابسة الشباب ملاءة ** حسب اقتدار الصانع المتأنق )
( شهدت لها الأعيان أن شواهنا ** أسماؤها فتصحفت في المنطق )
( من كل ناشرة قوادم أجنح ** وعلى معاطفها وهادة سوذق )
( زأرت زئير الأسد وهي صوامت ** وزحفن زحف مواكب في مأزق )
( ومجاذف تحكي أراقم ربوة ** نزلت لتكرع من غدير متأق )
526 - وقال ابن خفاجة
( سقيا لها من بطاح خز ** ودوح نهر بها مطل )
( فما ترى غير وجه شمس ** أطل فيه عذار ظل )
وهو من بديع الشعر وكم لابن خفاجة من مثله
527 - قطعة منقولة عن المغرب
1 - وقال عبيدالله بن جعفر الإشبيلي وقد زار صاحبا له مرات ولم يزره هو فكتب على بابه
( يامن يزار على بعد المحل ولا ** يزورنا مرة من بين مرات )
( زرمن يزورك واحذر قول عاذلة ** تقول عنك فتى يؤتى ولا يأتي )
____________________
(4/60)


ومن مجونياته سامحه الله تعالى
( وأغيد ليس تعدوه الأماني ** ولو حكمت عليه باشتطاط )
( سقيت الراح حتى مال سكرا ** ونام على النمارق والبساط )
( وأسلم لي على طول التجني ** وأمكنني على فرط التعاطي )
( فأولجت المقادر جيد بكر ** ولا كفران في سم الخياط )
( وغناني بصوت من حشاه ** فأطربني وبالغ في نشاطي )
( فما نقر المثالث والمثاني ** بأطرب من تلاحين الضراط )
( ولولا الريق لم أظفر بشيء ** على عدم اهتبالي واحتياطي )
( فلا تسخر بريق بعد هذا ** فإن الريق مفتاح اللواط )
2 - وقال أبو الحسن علي بن جحدر الزجال
( كيف أصبحت أيهذا الحبيب ** نحن مرضى الهوى وأنت الطبيب )
( كل قلب إليك يهفو غراما ** ويحها يا علي منك القلوب )
( إن تلح حومت عليك هياما ** أو تغيب حنها عليك الوجيب )
( غير أني من بينهم مستريب ** حين تبدو وليس لي ما يريب )
( كل ما قد ألقاه منك ومني ** دون هذا له تشق الجيوب )
3 - وقال أحمد المعروف بالكساد في موسى الذي كان يتغزل فيه شعراء إشبيلية
( ما لموسى قد خر لله لما ** فاض نورا غشاه ضوء سناه )
( وأنا قد صعقت من نور موسى ** لا أطيق الوقوف حين أراه )
____________________
(4/61)


ولله دره في رثاء موسى المذكور إذ قال
( فر الى الجنة حوريها ** وارتفع الحسن من الأرض )
( وأصبح العشاق في مأتم ** بعضهم يبكي الى بعض )
وقوله فيه
( هتف الناعي يشجو الأبد ** إذ نعى موسى بن عبدالصمد )
( وماعليهم ويحهم لو دفنوا ** في فؤادي قطعة من كبدي )
ولقب بالكساد لقوله
( وبيع الشعر في سوق الكساد )
4 - وقال أبو القاسم ابن أبي طالب الحضرمي المنيشي
( صاغت يمين الرياح محكمة ** في نهر واضح الأسارير )
( فكلما ضاعفت به حلقا ** قام لها القطر بالمسامير )
5 - وقال أبوزيد عبدالرحمن العثماني وهو من بيت إمارة
( لا تسلني عن حالتي فهي هذي ** مثل حالي لا كنت يامن يراني )
( ملني الأهل والأخلاء لما ** أن جفاني بعد الوصال زماني )
( فاعتبر بي ولا يغرك دهر ** ليس منه ذو غبطة في أمان )
6 - وقال أبو زكريا يحيى بن محمد الأركشي
____________________
(4/62)


( لا حبذا المال والإفضال يتلفه ** والبخل يحميه والأقدار تعطيه )
وقال
( لا تبكين لإخوان تفارقهم ** فإنني قبلك استخبرت إخواني )
( فما حمدتهم في حال قربهم ** فكيف في حال إبعاد وهجران )
7 - وقال أبو عمران موسى الطرياني لما دخل يوم نيروز إلى بعض الأكابر وعادتهم أن يصنعوا في مثل هذا اليوم مدائن من العجين لها صور مستحسنة فنظر الى صورة مدينة فأعجبته فقال له صاحب المجلس صفها وخذها
( مدينة مسوره ** تحار فيها السحره )
( لم تبنها إلا يدا ** عذراء أو مخدره )
( بدت عروسا تجتلى ** من درمك مزعفره )
( وما لها مفاتح ** إلا البنان العشره )
8 - وقال أبو عمرو ابن حكم
( حاشا لمن أملكم أن يخيب ** وينثني نحو العدا مستريب )
( هذا وكم أقرأني بشركم ** { نصر من الله وفتح قريب }
9 - وقال أبو الحسن علي بن الجعد القرموني
( إياك من زلل اللسان فإنه ** قدر الفتى في لفظه المسموع )
____________________
(4/63)


( فالمرء يختبر الإناء بنقره ** ليرى الصحيح به من المصدوع )
10 - وقال الفقيه أبوالحسن علي بن لبال في محبرة عناب محلاة بفضة
( منعلة بالهلال ملجمة ** بالنسر مجدولة من الشفق )
( كأنما حبرها تميع في ** فرضتها سائلا من الغسق )
( فأنت مهما ترد تشبهها ** في كل حال فانظر إلى الأفق )
وقال في محبرة آبنوس
( وخديمة للعلم في أحشائها ** كلف بجمع حرامه وحلاله )
( لبست رداء الليل ثم توشحت ** بنجومه وتتوجت بهلاله )
11 - وقال أبوجعفر أحمد الشريشي
( على حسن نور الباقلاء أدرهما ** على صب كأسي خمرة وجفون )
( يذكرني بلق الحمام وتارة ** يؤكد للأشجان شهل عيون )
12 - وقال أبو العباس أحمد بن شكيل الشريشي
( تفاحة بت بها ليلتي ** أبثها سري والشكوى )
( أضمها معتنقا لاثما ** إذا ذكرت خد من أهوى )
وقال
( تفاحة حامضة عضها ** في ثمل من قطب الوجها )

____________________
(4/64)


( ولم أخل من قبلها محسنا ** يجزى عليه العض والنجها )
13 - وقال أبو عمرو ابن غياث
( وقالوا مشيب قلت واعجبا لكم ** أينكر صبح قد تخلل غيهبا )
( وليس مشيبا ماترون وإنما ** كميت الصبا لما جرى عاد أشهبا )
14 - وقال الوزير أبوبكر محمد بن ذي الوزارتين أبي مروان عبدالملك ابن عبدالعزيز يخاطب ابن عبدون
( في ذمة الفضل والعلياء مرتحل ** فارقت صبري إذ فارقت موضعه )
( ضاءت به برهة أرجاء قرطبة ** ثم استقل فسد البين مطلعه )
( عذرا الى المجد عني حين فارقني ** ذاك الجلال فأعيا أن أشيعه )
( قد كنت أصحبته قلبي وأقعدني ** ما كان أودعني عن أن أودعه )
وفيهم يقول ابن عبدون
( بحور بلاغة ونجوم عز ** وأطواد رواس من جلال )
15 - وقال الوزير الكاتب ابو القاسم ابن أبي بكر ابن عبدالعزيز
( نديمي لا عدمتك من نديم ** أدرها في دجي الليل البهيم )
( فخير الأنس أنس تحت ستر ** يصان عن السفيه او الحليم )
16 - وقال الثائر ابوعبدالله الجزيري
( في أم رأسي سر ** يبدو لكم بعد حين )

____________________
(4/65)


( لأبلغن مرادي ** إن كان سعدي معيني )
( أو لا فأكتب ممن ** سعى لإظهار دين )
وسبب قوله هذا أن بني عبدالمؤمن لما غيروا رسم مهديهم وصيروا الخلافة ملكا وتوسعوا في الرفاهية واهملوا حق الرعية جعل يتستر وقال هذه الأبيات وشاع سره في مدة ناصر بني عبدالمؤمن فطلبه ففر ولم يزل يتنقل مستخفيا مع أصحابه إلى أن حصل في حصن قولية من عمل مدينة بسطة فبينما هو ذات يوم في جامعها مع أصحابه وهم يأكلون بطيخا ويرمون قشره في صحن الجامع إذ أنكر ذلك رجل من العامة وقال لهم ما تتقون الله تعالى تتهاونون ببيت من بيوته فضحكوا منه واستهزأوا به واهل تلك الجهة لا تحتمل شيئا من ذلك فصاح بفتية من العامة فاجتمع جمع وحملوا الى الوالي فكان عند الوالي من عرفه فقتلوا جميعا وأمر الناصر ان يرفع عن جميع أرض قولية جميع تكاليف السلطان
17 - ولما عتب المنصور بن أبي عامر على الكاتب عبدالملك الجزيري وسجنه فى الزاهرة ثم صفح عنه قال وكتب به إليه
( عجبت من عفو أبي عامر ** لابد أن تتبعه منه )
( كذلك الله إذا ما عفا ** عن عبده أدخله الجنة )
فاستحسن ذلك وأعاده الى حاله
وقال على لسان بهار العامرية وهو النرجس
( حدق الحسان تقر لي وتغار ** وتضل في وصفي النهى وتحار )

____________________
(4/66)


( طلعت على قضبي عيون تمائمي ** مثل العيون تحفها الأشفار )
( وأخص شيء بي إذا شبهته ** در تمنطق سلكه دينار )
( أنا نرجس حقا بهرت عقولهم ** ببديع تركيبي فقيل بهار )
وقال في بنفسجها
( شهدت لنوار البنفسج ألسن ** من لونه الأحوى ومن إيناعه )
( بمشابه الشعر الأحم أعاره القمر ** المنير الطلق نور شعاعه )
( ولربما جمد النجيع من الطلى ** في صارم المنصور يوم قراعه )
( فحكاه غير مخالف في لونه ** لا في روائحه وطيب طباعه )
وقال في القمر حين جعل يختفي بالسحاب ويبدو أمام المنصور
( أرى بدر السماء يلوح حينا ** فيظهر ثم يلتحف السحابا )
( وذلك انه لما تبدى ** وأبصر وجهك استحيا وغابا )
18 - وقال الحجاري في المسهب سألت أبا الحسن علي بن حفص الجزيري أن ينشدني شيئا من شعره فقال يا أبا محمد إذا لم ينظم الإنسان مثل قول ابن شرف
( لم يبق للجور في أيامكم أثر ** إلا الذي في عيون الغيد من حور )
فالأولى له ان يترك نظم الشعر إلى ان خرجت معه يوما إلى سيف الجزيرة الخضراء فلقي غلاما قد كدر رونق حسنه السفر وأثر في وجهه كآثار الكلف في القمر فصافحه ثم قال
( بأبي الذي صافحته فتوردت ** وجناته وأناء نحوي قده )

____________________
(4/67)


( قمر بدا كلف السرى في خده ** لما توالى في الترحل جهده )
( لكن معالم حسنه تمت كما ** قد تم عن صدا الحسام فرنده )
فحفظتها من سمعه ثم قلت له قد أخذت عنك من نظمك بغير شكرك فضحك وقال فاحفظ هذا وأنشد ( لاتقولن فلان ** صاحب قبل اختبار )
( وانتظر ويحك نقد الليل ** فيه والنهار )
( أنا جربت فلم ألف ** صديقا باختياري )
وأنشد
كم قد بكرت الى الرياض وقضبها ** قد ذكرتني موقف العشاق )
( يا حسنها والريح يلحف بعضها ** بعضا كأعناق الى أعناق )
( والورد خد والأقاحي مبسم ** وغدا البهار ينوب عن أحداق )
( لم أنفصل عنها بكأس مدامة ** حتى حملت محاسن الأخلاق )
19 - ولما كتب أبوالحسن ابن سعيد إلى الأديب القائد أبي العباس احمد ابن بلال يستدعيه ليوم أنس بقوله
( أبا العباس لو أبصرت حولي ** ندامى بادروا العيش الهنيا )
( يبيحون المدام ولا انتقاد ** وقارهم ويزدادون غيا )
( وهم مع مابدا لك من عفاف ** يحبون الصبية والصبيا )
( ويهوون المثالث والمثاني ** وشرب الراح صبحا او عشيا )
( على الروض الذي يهدي لطرف ** وأنف منظرا بهجا وريا )
( فلا تلم السري على ارتياح ** حكى طربا بجانبه سريا )
____________________
(4/68)


( وبادر نحو ناد ماخلا من ** نداك فقد عهدتك لوذعيا )
اجابه بقوله
( أبيت سوى المعالي ياعليا ** فما تنفك دهرك أريحيا )
( تميل إذا النسيم سرى كغصن ** وتسرى للمكارم مشرفيا )
( وترتاح ارتياحا للمثاني ** وتقتنص الصبية والصبيا )
( وتهوى الروض قلده نداه ** وألبسه مع الحلل الحليا )
( وإن غنى الحمام فلا اصطبار ** وإن خفق الخليج فنيت حيا )
( تذكرني الشباب فلست أدري ** أصبحا حين تذكر أم عشيا )
( فلو أدركتني والغصن غض ** لأدركت الذي تهوى لديا )
( ولم أترك وحقك قدر لحظ ** وقد ناديتني ذاك النديا )
528 - وقال بعض اهل الأندلس
( وفرع كان يوعدني بأسر ** وكان القلب ليس له قرار )
( فنادى وجهه لا خوف فاسكن ** كلام الليل يمحوه النهار )
ولست على يقين أن قائلهما اندلسي غير أني رأيت في كلام بعض الأفاضل نسبتهما لأهل الأندلس والله تعالى أعلم
20 - وقال أبو الوليد القسطلي
( وفوق الدوحة الغنا غدير ** تلألأ صفحة وسجا قرارا )
( إذا ما انصب أزرق مستقيما ** تدور في البحيرة فاستدارا )
( يجرده فم الأنبوب صلتا ** حساما ثم يفلته سوارا )
____________________
(4/69)


21 - ولأبي كثير الطريفي يمدح الناصر بن المنصور
( فتوح لها يهتز شرق ومغرب ** كما اطردت في السمهرية أكعب )
( تجلت على الدنيا شموس منيرة ** فلم يبق في ليل الكآبة غيهب )
( أقام بها الإسلام شدو مغرد ** وظلت بأرض الشرك بالخطب تخطب )
( فلا سمع إلا وهو قد مال نحوها ** ولا قلب إلا في مناها يقلب )
22 - وقال أبو عامر ابن الجد
( لله ليلة مشتاق ظفرت بها ** قطعتها بوصال اللثم والقبل )
( نعمت فيها باوتار تعللني ** أحلى من المن أو أمنية الغزل )
( أحبب إلي بها إذ كلها سحر ** أراحت الصب من عذر ومن عذل )
23 - وقال الكاتب ابوعبدالله محمد الشلبي كاتب ملك افريقية عبدالواحد بن أبي حفص
( مد الي الكاس من لحظه ** لا يحوج الشرب إلى الكاس )
( ومنذ حياني بآس فلم ** أيأس ولكن كان لي آسي )
( وقال لولا الناس قبلته ** ما أشأم الناس على الناس )
24 - وقال أبو بكر محمد بن الملح وهو من رجال الذخيرة على لسان حال سوار مذهب
( أنا من الفضة البيضاء خالصة ** لكن دهتني خطوب غيرت جسدي )

____________________
(4/70)


( علقت غصنا على أحوى فأحسدني ** جري الوشاح وهذي صفرة الجسد )
وما احسن قوله من قصيدة في المعتضد والد المعتمد
( غرته الشمس والحيا يده ** بينهما للنجيع قوس قزح )
25 - واما ابنه ابو القاسم فهو من رجال المسهب وكان اشتغل أول أمره بالزهد وكتب التصوف فقال له أبوه يابني هذا الأمر ينبغي ان يكون آخر العمر واما الآن فينبغي أن تعاشر الأدباء والظرفاء وتأخذ نفسك بقول الشعر ومطالعة كتب الأدب فلما عاشرهم زينوا له الراح فتهتك في الخلاعة وفر الى اشبيلية وتزوج بامرأة لا تليق بحاله وصار يضرب معها بالدف فكتب إليه أبوه
( ياسخنة العين يا بنيا ** ليتك ما كنت لي بنيا )
( أبكيت عيني أطلت حزني ** امت ذكري وكان حيا )
( حططت قدري وكان أعلى ** في كل حال من الثريا )
( أما كفاك الزنا ارتكابا ** وشرب مشمولة الحميا )
( حتى ضربت الدفوف جهرا ** وقلت للشر جىء إليا )
( فاليوم أبكيك ملء عيني ** إن كان يغني البكاء شيا )
فأجاب أباه بقوله
( يا لائم الصب في التصابي ** ماعنك يغني البكاء شيا )
( أوجفت خيل العتاب نحوي ** وقبل أوثبتها إليا )
( وقلت هذا قصير عمر ** فاربح من الدهر ما تهيا )
( قد كنت أرجو المتاب مما ** فتنت جهلا به وغيا )

____________________
(4/71)


( لولا ثلاث شيوخ سوء ** أنت وإبليس والحميا )
26 - وقال ابو بكر محمد بن عبدالقادر الشلبي يستدعي
( فديتك باكر نحو قبة روضة ** تسيح بها الأمواه والطير تهتف )
( وقد طلعت شمس الدنان بأفقها ** ونحن لديها في انتظارك وقف )
( فلا تتخلف ساعة عن محلة ** صدودك عمن حل فيها تخلف )
27 - وقال اخو إمام نحاة الأندلس أبي محمد عبدالله بن السيد البطليوسي وهو أبو الحسن علي بن السيد
( يارب ليل قد هتكت حجابه ** بزجاجة وقادة كالكوكب )
( يسعى بها ساق أغن كأنها ** من خده ورضاب فيه الأشنب )
( بدران بدر قد امنت غروبه ** يسعي ببدر جانح للمغرب )
( فاذا نعمت برشف بدر طالع ** فانعم ببدر آخر لم يغرب )
( حتى ترى زهر النجوم كانها ** حول المجرة ربرب في مشرب )
( والليل منحفز يطير غرابه ** والصبح يطرده بباز أشهب )
28 - ولما مدح أبو بكر محمد بن الروح الشلبي الأمير إبراهيم الذي خطب به الفتح في القلائد وهو ابن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين وكان يدل عليه وينادمه بقصيدته التي أولها
( أنا شاعر الدنيا وانت أميرها ** فمالي لايسري الي سرورها )
أشار الأمير إلي مضحك له كان حاضرا أن يحبق له لقوله أنا شاعر الدنيا
____________________
(4/72)


فقال له ابن الروح على من حبقت يعني أنه يحتمل ان يكون ذلك الفعل لقوله انا شاعر الدنيا أو لقوله وأنت أميرها ففطن الأمير لما قصده وضحك وتغافل
29 - وقال أبو بكر ابن المنخل الشلبي
( كم ليلة دارت علي كواكب ** للخمر تطلع ثم تغرب في فمي )
( قبلتها في كف من يسعى بها ** وخلطت قبلتها بقبلة معصم )
( وكأن حسن بنانه مع كأسه ** غيم يشير لنا ببعض الأنجم )
30 - وقال ذو الوزارتين أبو بكر ابن عمار
( قرأت كتابك مستشفعا ** بوجه أبي الحسن من رده )
( ومن قبل فض ختام الكتاب ** قرأت الشفاعة في خده )
وقال
( غزا القلوب غزال ** حجت إليه العيون )
( قد خط في الخد نونا ** وآخر الحسن نون )
قال الحجاري وإكثار ابن عمار في المعذرين وإحسانه فيهم يدلك على أنه كما قيل عنه كان مشغوفا بالكاس والاستلقاء من غير نعاس
31 - وكان أبو الفضل ابن الأعلم أجمل الناس وأذكرهم في علم الأدب والنحو وأقرأ علم النحو قبل أن يلتحي فقال ابن صارة فيه
____________________
(4/73)


( أكرم بجعفر اللبيب فإنه ** مازال يوضح مشكل الإيضاح )
( ماء الجمال بخده مترقرق ** فالعين منه تجول في ضحضاح )
( ماخده جرحته عيني إنما ** صبغت غلالته دماء جراحي )
( لله زاي زبرجد في عسجد ** في جوهر في كوثر في راح )
( ذي طرة سبجية ذي غرة ** عاجية كالليل والإصباح )
( رشأ له خد البرىء ولحظه ** أبدا شريك الموت في الأرواح )
32 - وقال الرمادي
( نوء وغيث مسبل ** وقهوة تسلسل )
( تدور بين فتية ** بخلقهم تمثل )
( والأفق من سحابة ** طل ضعيف ينزل )
( كأنه من فضة ** برادة تغربل )
وقال

( بدر بدا يحمل شمسا بدت ** وحدها في الحسن من حده )
( تغرب في فيه ولكنها ** من بعد ذا تطلع في خده )
33 - ومن نظم أبي الفضل ابن الأعلم السابق الذكر
( وعشية كالسيف إلا حده ** بسط الربيع بها لنعلي خده )
( عاطيت كأس الأنس فيها واحدا ** ماضره أن كان جمعا وحده )
وهو جعفر ابن الوزير أبي بكر محمد ابن الأستاذ الأعلم من رجال القلائد
____________________
(4/74)

و المسهب وسمط الجمان وكان قاضي شنتمرية والأستاذ الأعلم هو إمام نحاة زمانه أبو الحجاج يوسف بن عيسى من رجال الصلة والمسهب والسمط وهو شارح الأشعار الست ومن نظمه يخاطب المعتمد بن عباد
( يامن تملكني بالقول والعمل ** ومبلغي في الذي أملته أملي )
( كيف الثناء وقد أعجزتني نعما ** مالي بشكري عليها الدهر من قبل )
( رفعت للجود أعلاما مشهرة ** فبابك الدهر منها عامر السبل )
34 - وقال أبو علي ادريس بن اليماني العبدري
( قبلة كانت على دهش ** أذهبت ما بي من العطش )
( ولها في القلب منزلة ** لو عدتها النفس لم تعش )
( طرقتني والدجي لبست ** خلعا من جلدة الحبش )
( وكأن النجم حين بدا ** درهم في كف مرتعش )
وسأله المعتضد أن يمدحه بقصيدة يعارض بها قصيدته السينية التى مدح بها ابن حمود فقال له أشعاري مشهورة وبنات صدري كريمة فمن أراد أن ينكح بكرها فقد عرف مهرها وكانت جائزته مائة دينار
ومن مشهور شعره بالمغرب والمشرق قوله
( ثقلت زجاجات أتتنا فرغا ** حتى إذا ملئت بصرف الراح )
( خفت فكادت أن تطير بما حوت ** وكذا الجسوم تخف بالأرواح )
35 - وكانت بين الأديب الحسيب أبي عمرو ابن طيفور والحافظ الهيثم
____________________
(4/75)

مهاجاة فقال فيه الحافظ
( لابن طيفور قريض ** فيه شوك وغموض )
( عدمت فيه القوافي ** والمعاني والعروض )
وقال فيه ابن طيفور
( إنما الهيثم سفر ** من كلام الناس ضخم )
( لا تطالبه بفهم ** ليس للديوان فهم )
36 - وقال أبو عمران ابن سعيد أخبرني والدي أنه زار ابن حمدين بقرطبة في مدة بحيى بن غانية قال فوجدته في هالة من العلماء والأدباء فقام وتلقاني ثم قال يا ابا عبدالله ماهذا الجفاء فاعتذرت بأني أخشى التثقيل وأعلم أن سيدي مشغول بما هو مكب عليه فأطرق قليلا ثم قال
( لو كنت تهوانا طلبت لقاءنا ** ليس المحب عن الحبيب بصابر )
( فدع المعاذر إنما هي جنة ** لمخادع فيها ولست بعاذر )
فقلت تصديق سيدي عندي احب الي وإن ترتيب علي فيه الملامة من منازعته منتصرا لحقي فاستحسن جوابي وقال لي كرره فإنه والله ماح لكل ذنب ثم سألته كتب البيتين عنه فقال لي وما تكتب فيهما فقلت أليس في الإنعام ذلك لأجد ما أخبر به والدي إذا أبت إليه فاملاهما علي فقلت من قائلهما قال قائلهما فعلمت أنهما له وقنعت بذلك
529 - وقال الحجاري صاحب المسهب في أخبار المغرب
( كم بت من أسر السهاد بليلة ** ناديت فيها هل لجنحك آخر )
____________________
(4/76)


( إذ قام هذا الصبح يظهر ملة ** حكمت بان ذبح الظلام الكافر )
وعلى ذكر المسهب فقد كتب كثيرا ما أستشكل هذه التسمية لم قال غير واحد إن المسهب إنما هو بفتح الهاء كقولهم سيل مفعم بفتح العين والفقرة الثانية وهي المغرب تقتضي ان يكون بكسر الهاء ولم يزل ذلك يتردد في خاطري إلى ان وقفت على سؤال في ذلك رفعه المعتمد بن عباد سلطان الأندلس إلى الفقيه الأستاذ أبي الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى النحوي الشنتمري المشهور بالأعلم ونص السؤال
سألك أبقاك الله الوزير الكاتب أبو عمرو ابن غطمش سلمه الله عن المسهب وزعم أنك تقول بالفتح والكسر والذي ذكر ابن قتيبة في أدب الكاتب والزبيدي في مختصر العين أسهب الرجل فهو مسهب إذا أكثر الكلام بالفتح خاصة فبين لي أبقاك الله تعالى ما تعتقد فيه وإلى أي كتاب تسند القولين لأقف على صحة من ذلك
فاجابه وصل إلي أدام الله تعالى توفيك هذا السؤال العزيز ووقفت على ما تضمنه والذى ذكرته من قول ابن قتيبة والزبيدي في الكتابين موضوع كما ذكرته والذي أحفظه واعتقده ان المسهب بالفتح المكثر في غير صواب وأن المسهب بالكسر البليغ المكثر من الصواب إلا أني لا أسند ذلك إلي كتاب بعينه ولكني أذكره عن أبي علي البغدادي من كتاب البارع او غيره معلقا في عدة نسخ من كتاب البيان والتبيين على بيت في صدره لمكي بن سوادة وهو
( حصر مسهب جريء جبان ** خير عي الرجال عي السكوت )
والمعلقة تقول العرب أسهب الرجل فهو مسهب وأحصن فهو محصن وألفج فهو ملفج إذا افتقر قال الخليل يقال رجل مسهب ومسهب قال ابو علي أسهب الرجل فهو مسهب بالفتح إذا أكثر في
____________________
(4/77)

غير صواب واسهب فهو مسهب بالكسر إذا أكثر وأصاب قال ابو عبيدة أسهب الرجل فهو مسهب إذا اكثر من خرف وتلف ذهن وقال أبو عبيدة عن الأصمعي أسهب الرجل فهو مسهب بالفتح إذا خرف واهتر فإن اكثر من الخطأ قيل أفند فهو مفند انتهت المعلقة فرأي مملوك أيدك الله تعالى واعتقاده أن المسهب بالفتح لا يوصف به البليغ المحسن ولا المكثر المصيب ألا ترى إلى قول الشاعر حصر مسهب انه قرن فيه المسهب بالحصر وذمه بالصفتين وجعل المسهب أحق بالعي من الساكت والحصر فقال
( خير عي الرجال عي السكوت )
والدليل على أن المسهب بالكسر يقال للبليغ المكثر من الصواب انهم يقولون للجواد من الخيل مسهب بالكسر خاصة لأنها بمعنى الإجادة والإحسان وليس قول ابن قتيبة والزبيدي في المسهب بالفتح هو المكثر من الكلام بموجب أن المكثر هو البليغ المصيب لأن الإكثار من الكلام داخل فى معنى الذم لأنه من الثرثرة والهذر ألا تراهم قالوا رجل مكثار كما قالوا ثرثار ومهذار وقال الشاعر
( فلا تمارون إن ماروا بإكثار )
فهذا ما عندي والله تعالى الموفق للصواب
قال الأعلم ثم نظمت السؤال العزيز والجواب المذكور فقلت
( سلام الإله وريحانه ** على الملك المجتبى المنتخل )
( سلام امرىء ظل من سيبه ** خصيب الجناب رحيب المحل )
( أتاني سؤالك أعزز به ** سؤال مبر على من سأل )
( يسائل عن حالتي مسهب ** ومسهب المبتلى بالعلل )
____________________
(4/78)


( لم اختلفا في بناءيهما ** وحكمهما واحد في فعل )
( أتى ذا على مفعل لم يعل ** وذاك على مفعل قد أعل )
( فقلت مقالا على صدقه ** شهيد من العقل لا يستزل )
( بناء البليغ أتى سالما ** سلامته من فضول الخطل )
( وأسهب ذاك مسيئا فزل ** زليلا ثنى متنه فانخذل )
( وأحسن ذا فجرى وصفه ** على سنن المحسن المستقل )
( فهذا مقالي مستبصرا ** ولست كمن قال حدسا فضل )
( تقلدت في رأيه مذهبا ** يخصك بين الظبى والأسل )
( سموك في الروع مستشرقا ** الى مهجة المستميت البطل )
( كأنك فيها هلال السما ** يزيد بهاء اذا ما أهل )
( بل أنت مطل كبدر السماء ** يمضي الظلام إذا ما أطل )
قلت رأيت في بعض الحواشي الأندلسية أن ابن السكيت ذكر في بعض كتبه في بعض ما جعله بعض العرب فاعلا وبعضهم مفعولا رجل مسهب ومسهب لكثير الكلام وهذا يدل على أنهما بمعنى واحد انتهى
530 - وسأل بعض الأدباء الأستاذ الأعلم المذكور عن المسألة الزنبورية المقترنة بالشهادة الزورية الجارية بين سيبويه والكسائي او الفراء والقضاء بينهم فيها وهي ظننت ان العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي أو إياها وعن نسب سيبويه هل هو صريح او مولى وعن سبب لزومه الخليل بعد أن كان يطلب الحديث والتفسير وعن علة تعرضه لمناظرة الكسائي والفراء وعن كتابه الجارى بين الناس هل هو أول كتاب أو انشأه بعد كتاب اول ضاع كما زعم بعض الناس
فاجاب اما المسألة الزنبورية المأثورة بين سيبويه والكسائي او بينه وبين
____________________
(4/79)

الفراء على حسب الاختلاف في ذلك بحضرة الرشيد أو بحضرة يحيى بن خالد البرمكي فيما يروى فقد اختلفت الرواة فيها فمنهم من زعم ان الكسائي أو الفراء قال لسيبويه كيف تقول ظننت ان العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي او إياها فأجاب سيبويه بعد أن أطرق شيئا فإذا هو إياها في بعض الأقاويل وزعم آخرون انه قال فإذا هو هي ففيها من الاختلاف عنهم ماترى فإن كان اجاب بإذا هو هي فقد أصاب لفظا ومعنى ولم تدخل عليه في جوابه شبهة ولا علقة لمعترض لأن إذا في المسألة من حروف الابتداء المتضمنة للتعليق بالخبر فإذا اعتبرت المضمرين بعدها بالاسمين المظهرين لزمك أن تقول فإذا الزنبور العقرب او اللسعة اللسعة أي مثلها سواء فلو قلت فإذا هو إياها بنصب الضمير الأخير للزمك ان تقول فإذا الزنبور العقرب بالنصب وهذا لا وجه له فإذا لم يجز نصب الخبر المظهر فكيف يجوز نصب الخبر المضمر الواقع موقعه ويروى في المسألة ان الكسائي او الفراء قال لسيبويه بعد ان أجاب برفع الضميرين على ما يوجبه القياس كيف تقول يابصرى خرجت فإذا زيد قائم او قائما فقال سيبويه أقول قائم ولا يجوز النصب فقال الكسائي أقول قائم وقائما والقائم والقائم بالرفع والنصب في الخبر مع النكرة والمعرفة فتأول الكسائي والفراء في اختيارهما فإذا هو إياها حمل الخبر المضمر في النصب على الخبر المظهر المعرفة مع الإعراب بوجه النصب فكأنه قال فإذا الزنبور العقرب كما تقول فإذا زيد القائم فيجري المعرفة في النصب مجرى النكرة وقولهما في هذا خطأ من جهتين إحداهما أن نصب الخبر بعد إذا لا يكون إلا بعد تمام الكلام الأول في الاسم مع حرف المفاجأة ومع كون الخبر نكرة كقولك خرجت فإذا زيد قائما لأنك لو قلت خرجت فإذا زيد تم الكلام لتعلق المفاجأة بزيد على معنى حضوره ثم تبين حاله في المفاجأة المتعلقة به فتقول قائما أي خرجت ففاجأني زيد في هذا الحال
____________________
(4/80)

وقوله في المسألة إياها لا يتم الكلام في الاسم الأول دونها ألا ترى انك لو قلت ظننت أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو وسكت لم يتم الكلام أولا ولا أفدت بذكر المفاجأة وتعليقها بالزنبور فائدة وإنما المفاجأة للضمير الآخر فلا بد من ذكره والاعتماد عليه وهذا يوجب الرفع في الخبر لأن الظرف له لا للمخبر عنه فهذا بين واضح والجهة الأخرى في غلطهما أن إياها معرفة والحال لا تكون إلا نكرة فقد اجتمع في قولهما أن أتيا بحال لم يتم الكلام دونها معرفة والحال لا تكون إلا بعد تمام الكلام ومع التنكير فقد تبين خطؤهما وإصابة سيبويه في لزوم الرفع في الخبر فقط
وأما من زعم عن سيبويه أنه قال خرجت فإذا زيد قائم بالرفع لا غير فباطل وكيف ينسب إليه وهو علمنا أن الظرف إذا كان مستقرا للاسم المخبر عنه نصب الخبر وإذا كان مستقرا للخبر رفع الخبر ونحن نقول خرجت فإذا زيد فيتم الكلام ونظرت فإذا الهلال طالع فيتبعه الخبر رفعا كما تقول في الدار زيد قائم وقائما و اليوم سيرك سريع وسريعا ولكن الخبر إذا كان الظرف له ولم يتعلق إلا به لم يكن إلا رفعا كقولك اليوم زيد منطلق وغدا عمرو خارج لأن الظرف لا يكون مستقرا للاسم المخبر عنه إذا كان زمانا والمخبر عنه جثة وكذلك المفاجأة إذا كانت للخبر لم يكن إلا مرفوعا معرفة كان أو نكرة فإذا كانت للمخبر عنه والخبر نكرة انتصب على الحال فجرى قولك ظننت أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي وظننت زيدا عالما فإذا هو جاهل في لزوم الرفع في الخبر مجرى اليوم زيد منطلق وغدا عمرو خارج كما جرى خرجت فإذا زيد قائم وقائما في جواز الرفع والنصب مجرى في الدار زيد جالس وجالسا فتأمل الفرق بينهما وحصله فإن النحويين المتقدمين والمتأخرين قد أغفلوا الفرق بين المفاجأتين
وأما نصب الخبر المعرفة بعد إذا تم الكلام او لم يتم فباطل لا تقوله
____________________
(4/81)

العرب ولا يجيزه إلا الكوفيون
وإن كان سيبويه رحمه الله تعالى أجاب بقوله فإذا هو إياها كما روى بعضهم فظاهر جوابه مدخول لما قدمت والخطأ فيه بين من جهة القياس كما ذكرنا فإن كان قاله والتزمه دون الرفع فقد أخطأ خطأ لا مخرج له منه وإن كان قد قاله وهو يرى ان الرفع أولى وأحق إلا أنه آثر النصب للإعراب حملا على المعنى الخفي دون ما يوجبه القياس واللفظ الجلي فلجوابه عندي وجهان حسنان
أحدهما أن يكون الضمير المنصوب وهو إياها كتابة عن اللسعة لا عن العقرب والضمير المرفوع كنايه عن الزنبور فكأنه قال ظننت ان العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا الزنبور لسعة العقرب أي فإذا الزنبور يلسع لسعة العقرب فاختزل الفعل لما تقدم من الدليل عليه بعد أن أضمر اللسعة متصله بالفعل فكأنه قال فإذا الزنبور يلسعها فاتصل الضمير بالفعل لوجوده فلما اختزل الفعل انفصل الضمير لعدم الفعل
ونظير هذا من كلام العرب قولهم إنما أنت شرب الإبل أي إنما أنت تشرب شرب الإبل فاختزل الفعل وبقي عمله في المصدر ولم يرفع لأنه غير الاسم الأول فلو أضمرت شرب الإبل بعدما جرى ذكره فقلت مايشرب زيد شرب الإبل إنما أنت تشربه لاتصل الضمير بالفعل فلو حذفته لانفصل الضمير فقلت إنما أنت إياه فتدبره تجده منقادا صحيحا
والوجه الاخر أن يكون قوله فإذا هو إياها محمولا على المعنى الذي اشتمل عليه أصل الكلام من ذكر الظن أولا وآخرا لأن الأصل في تأليف المسألة ظننت ان العقرب أشد لسعة من الزنبور فلما لسعني الزنبور ظننته هو إياها فاختصر الكلام لعلم المخاطب وحذف الظن آخرا لما جرى من ذكره أولا ودلت إذا لما فيها من المفاجأة على الفعل الواقع بعد لما الدالة على وقوع الشيء لوقوع غيره فإذا جاز حذف الكلام إيثارا للاختصار مع وجود الدليل على
____________________
(4/82)

المحذوف كان قولنا فإذا هو إياها بمنزلة قولنا فلما لسعني الزنبور ظننته هو إياها فحذف الظن مع مفعوله الأول وبقي الضمير الذي هو العماد والفصل مؤكدا للضمير المحذوف مع الفعل ودالا على ما ياتي بعده من الخبر المحتاج اليه فيكون في حذف المخبر عنه لما تقدم من الدليل عليه مع الإتيان بالعماد والفصل المؤكد له المثبت لما بعده من الخبر المحتاج إليه مثل قوله { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم } آل عمران 180 فحذف البخل الذي هو المفعول الأول لقوله { يحسبن } وبقي الضمير مؤكدا له مثبتا لما بعده من الخبر وجاز حذفه لدلالة { يبخلون } عليه والمعنى لا يحسبن الذين يبخلون البخل هو خيرا لهم فهو في المسألة عماد مؤكد لضمير الزنبور المحمول على الظن المضمر ومثبت لما يجىء بعده من الخبر الذي هو إياها فتفهمه فإنه متمكن من جهة المعنى وجار من الاختصار لعلم المخاطب على قياس وأصل وشاهده القرآن في الحذف واستعمال العرب النظائر وهي أكثر من أن تحصى فمنها قولهم ما أغفله عنك شيئا أي تثبت شيئا ودع الشك وقولهم لمن انكر عليه ذكر إنسان ذكره من أنت زيدا أي من أنت تذكر زيدا وربما قالوا من أنت زيد بالرفع على تقدير من أنت ذكرك زيد فحذفوا الفعل مرة وأبقوا عمله وحذفوا المبتدأ أخرى وأبقوا خبره وكل ذلك اختصار لعلم المخاطب بالمعنى وكذلك قولهم هذا ولا زعماتك أي هذا القول والزعم الحق ولا أتوهم زعماتك فحذف هذا لعلم السامع مع تحصل المعنى وقيامه عند المخاطب والحمل في كلامهم على المعنى أكثر من أن يحصى
فإن كان الضمير الأول في المسألة للزنبور والضمير الآخر للعقرب لم يجز البتة إلا رفع الضميرين بالابتداء والخبر على حد قولك ظننت زيدا عاقلا فإذا هو أحمق وحسبت عبدالله قاعدا فإذا هو قائم ولو تقدم ذكرالخبر والمخبر عنه لقلت فإذا هو هو ولم يجز فإذا هو إياه البتة ويجوز في المسألة
____________________
(4/83)

إذا قلت فإذا هو لأبى أن يكون الضمير للزنبور والعقرب على حد قولك الزنبور العقرب ويجوز أن تقول فإذا هي هو على التقديم والتأخير على حد قولك فإذا العقرب الزنبور أي سواء فى شدة اللسعة كما تقول خرجت فإذا قائم زيد على تقدير فإذا زيد قائم ويجوز ان يكون هو كناية عن اللسع بدلالة اللسعة عليه وتكون هي كناية عن اللسعة على تقدير فإذا لسع الزنبور لسعة العقرب ويجوز فإذا هي هو على اضمار اللسعة واللسع والتقدير فإذا لسعة الزنبور لسع العقرب وهذا كله لا يجوز فيه إلا الرفع عند البصريين لأن الآخر هو الأول والخبرمعرفة متعلق بالمفاجأة فلا يجوز فيه الحال والكوفيون يجيزون النصب كما تقدم وهو غلط بين وخطأ فاحش لا تقوله العرب ولا تعلق له بقياس فاعلمه
ويجوز في المسألة فإذا هوهو على تقدير فإذا اللسع اللسع ويجوز فإذا هي هي على تقدير فإذا اللسعة اللسعة وفي هذا كفاية إن شاء الله تعالى
وأما نسب سيبويه ففارسي مولى لبني الحارث بن كعب بن علة بن خلدة ابن مالك وهو مذحج واسمه عمرو بن عثمان بن قنبر وكنيته أبوبشر ولقبه الذي شهر به سيبويه ومعناها بالفارسية رائحة التفاح وكان من أطيب الناس رائحة وأجملهم وجها وقيل معنى سي ثلاثون ومعنى بويه رائحة فكأن معناها الذي ضوعف طيب رائحته ثلاثين مرة
واما سبب تعويله على الخليل في طلب النحو مع ماكان عليه من الميل الى التفسير والحديث فإنه سأل يوما حماد بن سلمة فقال له أحدثك هشام بن عروة عن أبيه في رجل رعف في الصلاة بضم العين فقال له حماد أخطأت إنما هو رعف بفتح العين فانصرف الى الخليل فشكا إليه ما لقيه من حماد فقال له الخليل صدق حماد ومثل حماد يقول هذا ورعف بضم العين لغة ضعيفة وقيل إنه قدم البصرة من البيداء من قرى شيراز من عمل فارس وكان مولده ومنشؤه بها ليكتب الحديث ويرويه فلزم حلقة حماد
____________________
(4/84)

ابن سلمة فبينما هو يستملي على حماد قول النبي ( ليس من أصحابي إلا من لو شئت لأقدت عليه ليس أبا الدرداء ) فقال سيبويه ( ليس أبو الدرداء ) بالرفع وخمنه اسم ليس فقال له حماد لحنت يا سيبويه ليس هذا حيث ذهبت إنما ليس ههنا استثناء فقال سيبويه سأطلب علما لا تلحنني فيه فلزم الخليل وبرع في العلم
وأما سبب وفوده على الرشيد ببغداد وتعرضه لمناظرة الكسائي والفراء فلما كانا عليه من تمكن الحال والقرب من السلطان وعلو همته وطلبه للظهور مع ثقته بعلمه لأنه كان أعلم أهل زمانه وكان بينه وبين البرامكة أقوى سبب فوفد على يحيى بن خالد بن برمك وابنيه جعفر والفضل فعرض عليهم ما ذهب إليه من مناظرة الكسائي وأصحابه فسعوا له في ذلك وأوصلوه الى الرشيد فجرى بينه وبين الكسائي والفراء ما ذكر واشتهر وكان آخر أمره أن الكسائي وأصحابه لما ظهروا عليه بشهادة الأعراب على حسب ما لقنوا أن قال يحيى بن خالد او الكسائي للرشيد يا أمير المؤمنين إن رأيت ان لا يرجع خائبا فعلت فأمر له بعشرة آلاف درهم وانصرف الى الأهواز ولم يعرج على البصرة وأقام هنالك مدة إلى أن مات كمدا ويروى أنه ذربت معدته فمات فيرون أنه مات غما ويروى أن الكسائي لما بلغه موته قال للرشيد ده يا أمير المؤمنين فإني أخاف أن أكون شاركت في دمه ولما احتضر وضع رأسه في حجر أخيه فقطرت دمعة من دموعه على خده فرفع عينيه وقال
( أخيين كنا فرق الدهر بيننا ** إلى الأمد الأقصى ومن يأمن الدهرا )
ومات على السنة والجماعة رحمه الله تعالى
وأما كتابه الجاري بين الناس فلم يصح أنه أنشأه بعد كتاب آخر قبله على أن ذلك قد ذكر
فهذا ماحضر فيما سألت عنه فمن قرأه وأشرف فيه على تقصير فليبسط
____________________
(4/85)

العذر فإنه لساعتين من نهار إملاء يوم الثلاثاء عشي النهار لثمان خلون لصفر سنة 476 انتهى
531 - وقال الإلبيري رحمه الله تعالى
( لا شيء أخسر صفقة من عالم ** لعبت به الدنيا مع الجهال )
( فغدا يفرق دينه أيدي سبا ** ويذيله حرصا بجمع المال )
( لاخير في كسب الحرام وقلما ** يرجى الخلاص لكاسب لحلال )
( فخذ الكفاف ولا تكن ذا فضلة ** فالفضل تسأل عنه أي سؤال )
532 - وكان أبو الفضل ابن الأعلم من أحسن الناس وجها وأذكرهم في علم النحو والأدب وأمرأ النحو في صباه وفيه يقول ابن صارة الأندلسي رحمه الله تعالى
( أكرم بجعفر اللبيب فإنه ** مازال يوضح مشكل الإيضاح )
( ماء الجمال بوجهه مترقرق ** فالعين منه تجول في ضحضاح )
( ماخده جرحته عيني انما ** صبغت غلالته دماء جراحي )
( لله زاي زبرجد في عسجد ** في جوهر في كوثر في راح )
( ذي طرة سبجية ذي غرة ** عاجية كالليل والإصباح )
( رشأ له خد البريء ولحظه ** أبدا شريك الموث في الأرواح )
533 - وقال محمد بن هانىء الأندلسي من قصيدة
( السافرات كأنهن كواكب ** والناعمات كأنهن غصون )
____________________
(4/86)


( ماذا على حلل الشقيق لو أنها ** عن لابسيها في الخدود تبين )
( لأعطشن الروض بعدهم ولا ** يرويه لي دمع عليه هتون )
( أعير لحظ العين بهجة منظر ** وأخونهم إني إذن لخؤون )
( لا الجو جو مشرق وإن اكتسى ** زهوا ولا الماء المعين معين )
( لا يبعدن إذ العبير له ثرى ** والبان روح والشموس قطين )
( الظل لا متنقل والحوض لا ** متكدر والأمن لا ممنون )
534 - وقال القسطلي في أسطول أنشأه المنصور بن أبي عامر من قصيدة
( تحمل منه البحر بحرا من القنا ** يروع بها امواجه ويهول
( بكل ممالات الشراع كأنها ** وقد حملت أسد الحقائق غيل )
( إذا سابقت شأو الرياح تخيلت ** خيولا مدى فرسانهن خيول )
( سحائب تزجيها الرياح فإن وفت ** أطافت بأجياد النعام فيول )
( ظباء سمام مالهن مفاحص ** وزرق حمام مالهن هديل )
( سواكن في أوطانهن كأن سما ** بها الموج حيث الراسيات نزول )
( كما رفع الآل الهوادج بالضحى ** غداة استقلت بالخليط حمول )
( أراقم تحوي ناقع السم ما لها ** بما حملت دون العداة مقيل )
وقد أطنب الناس في وصف السفن وأطابوا وقرطسوا القريض وأصابوا وقد ذكرنا نبذة من ذلك في هذا الكتاب
535 - وقال أبو بحر صفوان بن إدريس التجيبي حدثني بعض الطلبة بمراكش أن أبا العباس الجراوي كان في حانوت وراق بتونس وهناك فتى يميل إليه فتناول الفتى سوسنة صفراء وأومأ بها الى خديه مشيرا وقال أين الشعراء تحريكا للجراوي فقال ارتجالا
____________________
(4/87)


( وعلوي الجمال إذا تبدى ** أراك جبينه بدرا أنارا )
( أشار بسوسن يحكيه عرفا ** ويحكي لون عاشقه اصفرارا )
قال أبو بحر ثم سألني ان أقول في هذا المعنى فقلت بديها
( أومى الى خده بسونسة ** صفراء صيغت من وجنتي عبده )
( لم تر عيني من قبله غصنا ** سوسنه نابت إزا ورده )
( أعملت زجري فقلت ربتما ** قرب خد المشوق من خده )
فحدثني المذكور انه اجتمع مع أبي بكر ابن يحيى بن مجبر رحمه الله تعالى قبل اجتماعه بي في ذلك الموضع الذي اجتمع فيه بي بعينه فحدثه بالحكاية كما حدثني وسأله أن يقول في تلك الحال فقال بديها
( بي رشأ وسنان مهما انثنى ** حار قضيب البان في قده )
( مذ ولي الحسن وسلطانه ** صارت قلوب الناس من جنده )
( أودع في وجنته زهرة ** كأنها تجزع من صده )
( وقد تفاءلت على فعله ** أني أرى خدي على خده )
فتعجبت من توارد خاطرينا على معنى هذا البيت الأخير
قال أبو بحر ثم قلت في تلك الحال
( أبرز من وجنته وردة ** أودعها سوسنة صفرا )
( وإنما صورته آية ** ضمنها من سوسن عشرا )
536 - وقال بعضهم في الباذنجان
( ومستحسن عند الطعام مدحرج ** غذاه نمير الماء في كل بستان )
____________________
(4/88)


( تطلع في أقماعه فكأنه ** قلوب نعاج في مخاليب عقبان )
537 - وقال ابن خروف ويقال أنها في وصف دمشق
( إذا رحلت عروبة عن حماها ** تأوه كل أواه حليم )
( إلى سبت حكى فرعون موسى ** يجمع كل سحار عليم )
( فتبصر كل املود قويم ** يميس بكل ثعبان عظيم )
( إذا انسابت أراقمها عليها ** تذكرنا بها ليل السليم )
( وشاهدنا بها في كل حين ** حبالا ألقيت نحو الكليم )
538 - وقال أبو القاسم ابن هشام ارتجالا في وسيم عض وردة ثم رمى بها وسئل ذلك منه امتحانا
( ومعجز الأوصاف والوصاف في ** بردي جمال طرزا بالتيه )
( سوسان أنمله تناول وردة ** فغدا يمزقها أقاحي فيه )
( فكأنني شبهت وجنته بها ** فرمى بها غضبا على التشبيه )
وقال أيضا فيمن عض كلب وجنته
( وأغيد وضاح المحاسن باسم ** إذا قامر الأسياف ناظره قمر )
( تعمد كلب عض وجنته التي ** هي الورد إيناعا وأبقى بها أثر )
( فقلت لشهب الأفق كيف صماتكم ** وقد أثر العواء في صفحة القمر )
539 - وقال آخر يصف شجه في خد وسيم
( عذيري من ذي صفحة يوسفية ** بها شجة جلت عن اللثم واللمس )
____________________
(4/89)


( يقولون من عجب أتحسن وصفها ** فقلت هلال لاح في شفق الشمس )
540 - وقال القاضي أبوالوليد الوقشي فيمن طر شاربه
( قد بينت فيه الطبيعة انها ** لبديع أفعال المهندس باهره )
( عنيت بمبسمه فخطت فوقه ** بالمسك خطا من محيط الدائره )
541 - وقال أبو الحسن ابن عيسى
( عابوه أسمر ناحلا ذا زرقة ** رمدا وظنوا أن ذاك يشينه )
( جهلوا بأن السمهري شبيهه ** وخضابه بدم القلوب يزينه )
542 - وقال الأستاذ أبو ذر الخشني
( أنكر صحبي إذ رأوا طرفه ** ذا حمرة يشفى بها المغرم )
( لا تنكروا ما احمر من طرفه ** فالسيف لا ينكر فيه الدم )
543 - وقال أبو عبدالله محمد بن أبي خالص الرندي
( ياشادنا برز العذار بخده ** وازداد حسنا ليته لم يبرز )
( الآن أعلم حين جد بي الهوى ** كم بين مختصر وبين مطرز )
544 - وقال أبو الحسين عبدالملك بن مفوز المعافري
( ومعذر من خده ورقيبه ** شغلان حلا عقد كل عزيمة )
( خد وخب عيل صبري منهما ** هذا بنمنمة وذا بنميمة )
545 - وقال أبو الوليد ابن زيدون فيمن أصابه جدري
____________________
(4/90)


( قال لي اعتل من هويت حسود ** قلت أنت العليل ويحك لا هو )
( ما الذي قد نكرت من بثرات ** ضاعفت حسنه وزانت حلاه )
( جسمه في الصفاء والرقة الماء ** فلا غرو أن حباب علاه )
546 - وقال الهيثم
قالوا به جرب فقلت لهم قفوا ** تلك الندوب مواقع الأبصار )
( هو روضة والقد غصن ناعم ** أرأيتم غصنا بلا نوار )
547 - وقال أبو بكر محمد بن عياض القرطبي في مخضوبة الأنامل
( وعلقتها فتانة أعطافها ** تزري بغصن البانة المياد )
( من للغزالة والغزال بحسنها ** في الخد او في العين أو في الهادي )
( خضبت أناملها السواد وقلما ** أبصرت أقلاما بغير مداد )
548 - وقال أبو الحسين النفزي
( بدا يوسفا وشدا معبدا ** فللعين ما تشتهي والأذن )
( كأن بأعلاه قمرية ** تغرد من قده في غصن )
549 - وقال ابن صارة
( مقام حر بأرض هون ** عجز لعمري من المقيم )
( سافر فإن لم تجد كريما ** فمن لئيم الى لئيم )
____________________
(4/91)

550 - أشعار المعتمد وقال المعتمد بن عباد رحمه الله تعالى
( مولاي أشكو إليك داء ** أصبح قلبي به قريحا )
( سخطك قد زادني سقاما ** فأبعث إلي الرضى مسيحا )
قال بعضهم وقوله مسيحا من القوافي التى يتحدى بها
وكتب إلى أبيه جوابا عن تحفة
( يا مالكا قد أصبحت كفه ** ساخرة بالعارض الهاطل )
( قد أفحمتني منة مثلها ** يضيق القول على القائل )
( وإن كنت قصرت في وصفها ** فحسنها عن وصفها شاغلي )
وكتب الى وزيره ابن عمار
( لما نأيت نأى الكرى عن ناظري ** ووددته لما انصرفت عليه )
( طلب البشير بشارة يجزى بها ** فوهبت قلبي واعتذرت إليه )
وقال في جارية له كان يحبها وبينما هي تسقيه إذ لمع البرق فارتاعت
( يروعها البرق وفي كفها ** برق من القهوة لماع )
( ياليت شعري وهي شمس الضحى ** كيف من الأنوار ترتاع )
ومن توارد الخواطر أن ابن عباد أنشد عبد الجليل بن وهبون البيت الأول وأمره أن يذيله فقال
( ولن ترى أعجب من آنس ** من مثل ما يمسك يرتاع )
____________________
(4/92)


وقال المعتمد رحمه الله تعالى
( داوى ثلاثته بلطف ثلاثة ** فثنى بذاك رقيبه لم يشعر )
( أسراره بتستر وأواره ** يتصبر وخباله بتوقر )
وكانت له جارية اسمها جوهرة وكان يحبها فجرى بينهما عتاب ورأى أن يكتب إليها يسترضيها فأجابته برقعة لم تعنونها باسمها فقال
( لم تصف لي بعد وإلا فلم ** لم أر في عنوانها جوهره )
( درت بأني عاشق لاسمها )
( فلم ترد للغيظ أن تذكره )
( قالت إذا أبصره ثابتا ** قبله والله لا أبصره )
وقال في هذه الجارية
( سرورنا بعدكم ناقص ** والعيش لا صاف ولا خالص )
( والسعد إن طالعنا نجمه ** وغبت فهو الآفل الناكص )
( سموك بالجوهر مظلومة ** مثلك لا يدركه غائص )
وقال فيها أيضا
( جوهرة عذبني ** منك تمادي الغضب )
( فزفرتي في صعد ** وعبرتي في صبب )
( ياكوكب الحسن الذي ** أزرى بزهر الشهب )
( مسكنك القلب فلا ** ترضي له بالوصب )
وقال في جارية اسمها وداد
( اشرب الكأس في وداد ودادك ** وتأنس بذكرها في انفرادك )
____________________
(4/93)


( قمر غاب عن جفونك مرآه ** وسكناه في سواد فؤادك )
وقال
( لك الله كم أودعت قلبي من أسى ** وكم لك مابين الجوانح من كلم )
( لحاظك طول الدهر حرب لمهجتي ** ألا رحمة تثنيك يوما إلى سلمي )
وقال
( قلت متى ترحمني ** قال ولا طول الأبد )
( قلت فقد أيأستني ** من الحياة قال قد )
551 - وأهدى أبو الوليد ابن زيدون باكورة تفاح الى المعتضد والد المعتمد وكتب له معها
( يامن تزينت الرياسة ** حين ألبس ثوبها )
( جاءتك جامدة المدام ** فخذ عليها ذوبها )
552 - وقال المعتمد وقد أمره أبوه المعتضد أن يصف مجنا فيه كواكب فضة
( مجن حكى صانعوه السما ** لتقصر عنه طوال الرماح )
( وقد صوروا فيه شبه الثريا ** كواكب تقضي له بالنجاح )
553 - وقال ابن اللبانة كنت بين يدي الرشيد ابن المعتمد في مجلس أنسه فورد الخبر بأخذ يوسف بن تاشفين غرناطة سنة 483 فتفجع وتلهف
____________________
(4/94)

واسترجع وتأسف وذكر قصر غرناطة فدعونا لقصره بالدوام ولملكه بتراخي الأيام وامر عند ذلك أبا بكر الإشبيلي بالغناء فغنى
( يادار مية بالعلياء فالسند ** أقوت وطال عليها سالف الأمد )
فاستحالت مسرته وتجهمت أسرته وامر بالغناء من ستارته فغنى
( إن شئت أن لا ترى صبرا لمصطبر ** فانظر على أي حال أصبح الطلل )
فتأكد تطيره واشتد اربداد وجهه وتغيره وامر مغنية اخرى من سراريه بالغناء فغنت
( يالهف نفسي على مال أفرقه ** على المقلين من أهل المروءات )
( إن اعتذاري إلى من جاء يسألني ** مالست املك من إحدى المصيبات )
قال فتلافيت الحال بأن قلت
( محل مكرمة لا هد مبناه ** وشمل مأثره لا شتت الله )
( البيت كالبيت لكن زاد ذا شرفا ** ان الرشيد مع المعتد ركناه )
( ثاو على انجم الجوزاء مقعده ** وراحل في سبيل السعد مسراه )
( حتم على الملك أن يقوى وقد وصلت ** بالشرق والغرب يمناه ويسراه )
( بأس توقد فاحمرت لواحظه ** ونائل شب فاخضرت عذاراه )
فلعمري لقد بسطت من نفسه وأعادت عليه بعض أنسه على اني وقعت فيما وقع فيه الكل لقولي البيت كالبيت وأمر إثر ذلك أبا بكر بالغناء فغنى
( ولما قضينا من منى كل حاجة ** ولم يبق إلا أن تزم الركائب )
____________________
(4/95)

فأيقنا ان هذا التطير يعقبه التغير
554 - وقد كان المعتضد بن عباد حين تصرمت أيامه وتدانى حمامه استحضر مغنيا يغنيه ليجعل ما يبدأ به فألا وكان المغني السوسي فأول شعر قاله
( نطوي المنازل علما أن ستطوينا ** فشعشعيها بماء المزن واسقينا )
فمات بعد خمسة أيام وكان الغناء من هذا الشعر في خمسة أبيات
555 - وقال المعتمد بعدما خلع وسجن
( قبح الدهر فماذا صنعا ** كلما أعطى نفيسا نزعا )
( قد هوى ظلما بمن عاداته ** أن ينادي كل من يهوي لعا )
( من إذا قيل الخنى صم وإن ** نطق العافون همسا سمعا )
( قل لمن يطمع في نائله ** قد أزال اليأس ذاك الطمعا )
( راح لا يملك إلا دعوة ** جبر الله العفاة الضيعا )
556 - وقال ابن اللبانة كنت مع المعتمد بأغمات فلما قاربت الصدر وأزمعت السفر صرف حيله واستنفد ما قبله وبعث الي مع شرف الدولة ولده وهذا من بنيه أحسن الناس سمتا واكثرهم صمتا تخجله اللفظة وتجرحه اللحظة حريص على طلب الأدب مسارع في اقتناء الكتب مثابر على نسخ الدواوين مفتح فيها من خطه زهر الرياحين بعشرين مثقالا مرابطية وثوبين غير مخيطين وكتب معها أبياتا منها
( إليك النزر من كف الأسير ** وإن تقنع تكن عين الشكور )
____________________
(4/96)


( تقبل ما يذوب له حياء ** وإن عذرته حالات الفقير )
فامتنعت من ذلك عليه وأجبته بأبيات منها
( تركت هواك وهو شقيق ديني ** لئن شقت برودي عن غدور )
( ولا كنت الطليق من الرزايا ** إذا أصبحت أجحف بالأسير )
( جذيمة أنت والزباء خانت ** وما انا من يقصر عن قصير )
( تصرف في الندى حيل المعالي ** فتسمح من قليل بالكثير )
( وأعجب منك أنك في ظلام ** وترفع للعفاة منار نور )
( رويدك سوف توسعني سرورا ** إذا عاد ارتقاؤك للسرير )
( وسوف تحلني رتب المعالي ** غداة تحل في تلك القصور )
( تزيد على ابن مروان عطاء ** بها وأزيد ثم على جرير )
( تأهب ان تعود الى طلوع ** فليس الخسف ملتزم البدور )
وأتبعتها أبياتا منها
( حاش لله أن أجيح كريما ** يتشكى فقرا وقد سد فقرا )
( وكفاني كلامك الرطب نيلا ** كيف ألغي درا وأطلب تبرا )
( لم تمت إنما المكارم ماتت ** لا سقى الله بعدك الأرض قطرا )
ورأى ابن اللبانة أحد أبناء المعتمد وهو غلام وسيم وقد اتخذ الصياغة صناعة وكان يلقب أيام سلطانهم من الألقاب السلطانية بفخر الدولة فنظر إليه وهو ينفخ الفحم بقصبة الصائغ وقد جلس في السوق يتعلم الصياغة فقال
( شكاتنا لك يا فخر العلا عظمت ** والرزء يعظم ممن قدره عظما )
( طوقت من نائبات الدهر مخنقة ** ضاقت عليك وكم طوقتنا نعما )
( وعاد طوقك في دكان قارعة ** من بعد ماكنت في قصر حكى إرما )
____________________
(4/97)


( صرفت في آلة الصواغ أنملة ** لم تدر إلا الندى والسيف والقلما )
( يد عهدتك للتقبيل تبسطها ** فتستقل الثريا ان تكون فما )
( يا صائغا كانت العليا تصاغ له ** حليا وكان عليه الحلي منتظما )
( للنفخ في الصور هول ماحكاه سوى ** هول رأيتك فيه تنفخ الفحما )
( وددت إذ نظرت عيني إليك به ** لو أن عيني تشكو قبل ذاك عمى )
( ماحطك الدهر لما حط عن شرف ** ولا تحيف من أخلاقك الكرما )
( لح في العلا كوكبا ان لم تلح قمرا ** وقم بها ربوة إن لم تقم علما )
( واصبر فربما أحمدت عاقبة ** من يلزم الصبر يحمد غب ما لزما )
( والله لو أنصفتك الشهب لانكسفت ** ولو وفى لك دمع الغيث لانسجما )
( أبكى حديثك حتى الدر حين غدا ** يحكيك رهطا وألفاظا ومبتسما )
557 - وقال لسان الدين بن الخطيب رحمه الله تعالى وقفت على قبر المعتمد بن عباد بمدينة أغمات في حركة راحة أعملتها إلى الجهات المراكشية باعثها لقاء الصالحين ومشاهدة الآثار سنة 761 وهو بمقبرة أغمات في نشز من الأرض وقد حفت به سدرة وإلى جانبه قبر اعتماد حظيته مولاة رميك وعليها هيئة التغرب ومعاناة الخمول من بعد الملك فلا تملك العين دمعها عند رؤيتها فأنشدت في الحال
( قد زرت قبرك عن طوع بأغمات ** رأيت ذلك من أولى المهمات )
( لم لا أزورك يا أندى الملوك يدا ** ويا سراج الليالي المدلهمات )
( وأنت من لو تخطى الدهر مصرعه ** الى حياتي لجادت فيه أبياتي )
( اناف قبرك في هضب يميزه ** فتنتحيه حفيات التحيات )
( كرمت حيا وميتا واشتهرت علا ** فأنت سلطان أحياء وأموات )
____________________
(4/98)


( ما ريء مثلك في ماض ومعتقدي ** ان لايرى الدهر في حال وفي آت )
وقد زرت أنا قبر المعتمد بن عباد بمدينة أغمات سنة 1010 ورأيت فيه مثل ماذكره لسان الدين رحمه الله تعالى فسبحان من لايبيد ملكه لا اله إلا هو
وأخبار المعتمد كثيرة
558 - وقال وزيره أبو الوليد ابن زيدون
( متى أخف الغرام يصفه جسمي ** بألسنة الضنى الخرس الفصاح )
( فلو أن الثياب نزعن عني ** خفيت خفاء خصرك في الوشاح )
وقال يخاطب المعتمد
( وطاعة أمرك فرض أراه ** من كل مفترض أوكدا )
( هي الشرع أصبح دين الضمير ** فلو قد عصاك لقد ألحدا )
وقال فيه
( ياندى يمنى أبي القاسم عم ** ياسنا بشر المحيا أشمس )
( وارتشف معسول ثغر أشنب ** لحبيب من عجاج ألعس )
وقال
( مهما امتدحت سواك قبل فإنما ** مدحي الى مدحي لك استطراد )
( تغشى الميادين الفوارس حقبة ** كيما يعلمها النزال طراد )
وقال
____________________
(4/99)


( يحييني بريحان التجني ** ويصحبني معتقة السماح )
( فها أنا قد ثملت من الأيادي ** إذا اتصل اغتباقى باصطحابي )
وكتب إلى أبي عامر يستدعيه
( أبا المعالي نحن في روضة ** فانقل إلينا القدم العاليه )
( أنت الذي لو نشتري ساعة ** منه بدهر لم تكن غاليه )
وتذكرت هنا قول بعض المشارقة فيما أظن
( لله أيام مضت مأنوسة ** ماكان احسنها وأنضرها معا )
( لو ساعة منها تباع شريتها ** ولو انها بيعت بعمري اجمعا ) رجع 559 - وقال أبو القاسم أسعد من قصيدة في المعتصم بن صمادح
( وقد ذاب كحل الليل في دمع فجره ** الى ان تبدى الليل كاللمة الشمطا )
( كأن الدجى جيش من الزنج نافذ ** وقد أرسل الإصباح في إثره القبطا )
ومنها
( إذا سار الجود تحت لوائه ** فليس يحط المجد إلا إذا حطا )
560 - وقال ابن خلصة المكفوف النحوي من قصيدة
( ملك تملك حر المجد لايده ** نالت بظلم ولا مالت الى البخل )
( مهذب الجد ماضي الحد مضطلع ** لما تحمله العلياء من ثقل )
____________________
(4/100)


( أغر لاوعده يخشى له أبدا ** خلف ولا رأيه يؤتى من الزلل )
( قد جاوزت نطق الجوزاء همته ** به ومازحلت عن مرتقى زحل )
( يأبى له ان يحل الذم ساحته ** ماصد من جلل او سد من خلل )
ومنها
( إن لم تكن بكم حالي مبدلة ** فما انتفاعي بعلم الحال والبدل )
561 - وقال ابن الحداد يمدح المعتصم بن صمادح
( عج بالحمى حيث الغياض العين ** فعسى تعن لنا مهاه العين )
( واستقبلن أرج النسيم فدارهم ** ندية الأرجاء لا دارين )
( أفق إذا مارمت لحظ شموسه ** صدتك للنقع المثار دجون )
( أنى اراع لهم وبين جوانحي ** شوق يهون خطبهم فيهون )
( أنى يهاب ضرابهم وطعانهم ** صب بألحاظ العيون طعين )
( فكأنما بيض الصفاح جداول ** وكأنما سمر الرماح غصون )
( ذرني أسر بين الأسنة والظبى ** فالقلب في تلك القباب رهين )
( ياربة القرط المعير خفوقه ** قلبي اما لحراكه تسكين )
( توريد خدك للصبابة مورد ** وفتور طرفك للنفوس فتون )
( فإذا رمقت فوحي حبك منزل ** وإذا نطقت فإنه تلقين )
ومنها في وصف قصر
( رأس بظهر النون إلا أنه ** سام فقبته بحيث النون )
( هو جنة الدنيا تبوأ نزلها ** ملك تملكه التقى والدين )
( فكأنما الرحمن عجلها له ** ليرى بما قد كان ماسيكون )
( وكأن بانيه سنمار فما ** يعدوه تحسين ولا تحصين )
____________________
(4/101)


( وجزاؤه فيه نقيض جزائه ** شتان ما الإحياء والتحيين )
ومنها في المديح
( لا تلقح الأحكام حيفا عنده ** فكأنها الأفعال والتنوين )
ومنها
( وبدا هلال الأفق احنى ناسخا ** عهد الصيام كأنه العرجون )
( فكأن بين الصوم خطط نحوه ** خطا خفيا بان منه النون )
562 - وقال عبد الجليل بن وهبون
( زعموا الغزال حكاه قلت لهم نعم ** في صده عن عاشقيه وهجره )
( وكذا يقولون المدام كريقه ** يارب ماعلموا مذاقة ثغره )
563 - وقال أبو الحسن علي بن احمد بن أبي وهب الأندلسي
( قالوا تدانيت من وداعهم ** ولم نر الصبر عنك مغلوبا )
( فقلت للعلم أنني بغد ** أسمع لفظ الوداع مقلوبا )
وهذا كقول بعض شعراء اليتيمة
( أذا دهاك الوداع فاصبر ** ولا يروعنك البعاد )
( وانتظر العود عن قريب ** فإن قلب الوداع عادوا )
564 - وقال ابن اللبانة
( إن تكن تبتغي القتال فدعني ** عنك في حومة القتال احامي )
____________________
(4/102)


( خذ جناني عن جنة ولساني ** عن سنان وخاطري عن حسام )
565 - وقال القزاز يمدح ابن صمادح وخلط النسيب بالمديح
( نفى الحب عن مقلتي الكرى ** كما قد نفى عن يدي العدم )
( فقد قر حبك في خاطري ** كما قر في راحتيك الكرم )
( وفر سلوك عن فكرتي ** كما فر عن عرضه كل ذم )
( فحبي ومفخره باقيان ** لا يذهبان بطول القدم )
( فأبقى لي الحب خال وجد ** وأبقى له الفخر خال وعم )
566 - وقال أبو الحسن ابن الحاج
( أذوب اشتياقا يوم يحجب شخصه ** وإني على ريب الزمان لقاسي )
( وأذعر منه هيبة وهو المنى ** كما يذعر المخمور اول كاس )

وقال
( من لي بطرف كأنني أبدا ** منه بغير المدام مخمور )
( ما أصدق القائلين حين بدا ** عاشق هذا الجمال معذور )
وقال
( أبا جعفر مات فيك الجمال ** فأطهر خدك لبس الحداد )
( وقد كان ينبت نور الربيع ** فقد صار ينبت شوك القتاد )
( فهل كنت من عبد شمس فأخشى ** عليك ظهور شعار السواد )
وقال وما احكمه
( ما عجبي من بائع دينه ** بلذة يبلغ فيها هواه )
____________________
(4/103)


( وإنما اعجب من خاسر ** يبيع أخراه بدنيا سواه )
وقال من مخمسة يرثي فيها ابن صمادح ويندب الأندلس زمن الفتنة
( من لي بمجبول على ظلم البشر ** صحف في أحكامه حاء الحور )
( مر بنا يسحب أذيال الخفر ** ما أحسد الظبي له إذا نفر )
( وأشبه الغصن به إذا خطر )
( كافورة قد طرزت بمسك ** جوهرة لم تمتهن بسلك )
( نبذت فيها ورعي ونسكي ** بعد لجاجي في التقى ومحكي )
( فاليوم قد صح رجوعي واشتهر )
( نهيت قدما ناظري عن نظر ** علما بما يجني ركوب الغرر )
( وقلت عرج عن سبيل الخطر ** فاليوم قد عاين صدق الخبر )
( إذ بات وقفا بين دمع وسهر )
( سقى الحيا عهدا لنا بالطاق ** معترك الألباب والأحداق )
( وملتقى الأنفس والأشواق ** أيأس فيه الدهر عن تلاقي )
( وربما ساءك دهر ثم سر )
( أحسن به مطلعا ما أغربا ** قابل من دجلة مرأى معجبا )
( إن طلعت شمس وقد هبت صبا ** حسبته ينشر بردا مذهبا )
( بمنظر فيه جلاء للبصر )
( يارب أرض قد خلت قصورها ** وأصبحت آهلة قبورها )
( يشغل عن زائرها مزورها ** لا يأمل العودة من يزورها )
( هيهات ذاك الورد ممنوع الصدر )

____________________
(4/104)


( تنتحب الدنيا على ابن معن ** كأنها ثكلى أصيبت بابن )
( أكرم مأمول ولا أستثني ** أثني بنعماه ولا أثني )
( والروض لا ينكر معروف المطر )
( عهدي به والملك في ذماره ** والنصر فيما شاء من أنصاره )
( يطلع بدر التم من أزراره ** وتكمن العفة في إزاره )
( ويحضر السؤدد أيان حضر )
( قل للنوى جد بنا انطلاق ** مابعدت مصر ولا العراق )
( إذا حدا نحوهما اشتياق ** ومن دواء الملل الفراق )
( ومن نأى عن وطن نال وطر )
( سار بذي برد من الإصباح ** راكب نشوى ذات قصد صاح )
( مسودة مبيضة الجناح ** تسبح بين الماء والرياح )
( بزورها عن طافح الموج زور )
( يقتحم الهول بها اغترارا ** في فتية تحسبها سكارى )
( قد افترشن المسد المغارا ** حتى إذا شارفت المنارا )
( هب كما بل العليل المحتضر )
( يؤم عدل الملك الرضي ** الهاشمي الطاهر النقي )
( والمجتبى من ضضىء النبي ** من ولد السفاح والمهدي )
( فخر معد ونزار ومضر )
( حيث ترى العباس يستسقى به ** والشرف الأعظم في نصابه )
( والأمر موقوفا على أربابه ** والدين لا تختلط الدنيا به ) ( وسيرة الصديق تمضي وعمر )
____________________
(4/105)

567 - أشعار لابن خفاجة
وقال ابن خفاجة في صفة قوس
( عوجاء تعطف ثم ترسل تارة ** فكأنما هي حية تنساب )
( وإذا انحنت والسهم منها خارج ** فهي الهلال انقض منه شهات )
وقال
( وعسى الليالي أن تمن بنظمنا ** عقدا كما كنا عليه وأكملا )
( فلربما نثر الجمان تعمدا ** ليعاد أحسن في النظام وأجملا )
وهو من قول مهيار
( عسى الله يجعلها فرقة ** تعود بأكمل مستجمع )
وقول المتنبي
( سألت الله يجعله رحيلا ** يعين على الإقامة في ذراكا )
وقال
( اقض على خلك او ساعد ** عشت بجد في العلا صاعد )
( فقد بكى جفني دما سائلا ** حتى لقد ساعده ساعدي )
وقال
( وأسود يسبح في بركة ** لا تكتم الحصباء غدرانها )
( كأنها في صفوها مقلة ** زرقاء والأسود إنسانها )
____________________
(4/106)


وقال
( حيا بها ونسيمها كنسيمه ** فشربتها من كفه في ودة )
( منساغة فكأنها من ريقه ** محمرة فكأنها من خده )
وقال
( لعمري لو أوضعت في منهج التقى ** لكان لنا في كل صالحة نهج )
( فما يستقيم الأمر والملك جائر ** وهل يستقيم الظل والعود معوج )
وقال يرثي صديقا من أبيات
( تيقن أن الله أكرم جيرة ** فأزمع عن دار الحياة رحيلا )
( فإن أقفرت منه العيون فإنه ** تعوض منها بالقلوب بديلا )
( ولم أر أنسا قبله عاد وحشة ** وبردا على الأكباد عاد غليلا )
( ومن تك أيام السرور قصيرة ** به كان ليل الحزن فيه طويلا )
وقال
( تفاوت نجلا أبي جعفر ** فمن متعال ومن منسفل )
( فهذا يمين بها أكله ** وهذا شمال بها يغتسل )
568 - وقال ابن الرفاء
( ولما رأيت الغرب قد غص بالدجى ** وفي الشرق من ضوء الصباح دلائل )
( توهمت ان الغرب بحر أخوضه ** وأن الذي يبدو من الشرق ساحل )
569 - وقال أبو محمد ابن عبدالبر الكاتب
( لا تكثرن تأملا ** وامسك عليك عنان طرفك )
____________________
(4/107)


( فلربما أرسلته ** فرماك في ميدان حتفك )
570 - وقال أبو القاسم السميسر
( يا آكلا كل ما اشتهاه ** وشاتم الطب والطبيب )
( ثمار ماقد غرست تجني ** فانتظر السقم عن قريب )
( يجتمع الماء كل يوم ** أغذيه السوء كالذنوب )
وكان كثير الهجاء وله كتاب سماه بشفاء الأمراض في أخذ الأعراض والعياذ بالله تعالى
ومن قوله
( خنتم فهنتم وكم أهنتم ** زمان كنتم بلا عيون )
( فأنتم تحت كل تحت ** وأنتم دون كل دون )
( سكنتم يارياح عاد ** وكل ريح الى سكون )
وقال
( يا مشفقا من خمول قوم ** ليس لهم عندنا خلاق )
( ذلوا ويا طالما أذلوا ** دعهم يذوقوا الذي أذاقوا )
وقال
( وليتم فما أحسنتم مذ وليتم ** ولا صنتم عمن يصونكم عرضا )
( وكنتم سماء لا ينال منالها ** فصرتم لدى من لا يسائلكم أرضا )
( ستسترجع الأيام ما أقرضتكم ** ألا إنها تسترجع الدين والقرضا )
____________________
(4/108)


571 - وقال ابن شاطر السرقسطي
( قد كنت لا أدري لأية علة ** صار البياض لباس كل مصاب )
( حتى كساني الدهر سحق ملاءة ** بيضاء من شيبي لفقد شبابي )
( فبذا تبين لي إصابة من رأى ** لبس البياض على نوى الأحباب )
572 - وهذه عادة أهل الأندلس ولهذا قال الحصري
( إذا كان البياض لباس حزن ** بأندلس فذاك من الصواب )
( ألم ترني لبست بياض شيبي ** لأني قد حزنت على الشباب )
وما أحسن قوله رحمه الله تعالى
( لو كنت زائرتي لراعك منظري ** ورأيت بي ما يصنع التفريق )
( ولحال من دمعي وحر تنفسي ** بيني وبينك لجة وحريق )
573 - وقال ابن عبدالصمد يصف فرسا
( على سابح فرد يفوت بأربع ** له أربعا منها الصبا والشمائل )
( من الفتخ خوار العنان كأنه ** مع البرق سار أو مع السيل سائل )
574 - وقال ابن عبدالحميد البرجي
( أرح متن المهند والجواد ** فقد تعبا بجدك في الجهاد )
( قضيت بعزمة حق العوالي ** فقض براحة حق الهوادي )
575 - وقال عبادة
( إنما الفتح هلال طالع ** لاح من أزراره في فلك )
( خده شمس وليل شعره ** من رأى الشمس بدت في حلك )
____________________
(4/109)


576 - وقال ابن المطرف المنجم
( يرى العواقب في أثناء فكرته ** كأن أفكاره بالغيب كهان )
( لا طرفة منه إلا تحتها عمل ** كالدهر لا دورة إلا لها شان )
577 - وقال أبو الحسن ابن اليسع
( راموا ملامي وكان إغرا ** وذم حبي وكان إطرا )
( لو علم العاذلون مابي ** لانقلبت فيه لامهم را )
وقال
( لما قدمت وعندي ** شطر من الشوق وافي )
( قدمت قلبي قبلي ** فصنه حتى أوافي )
578 - ولما خاطب المستنصر ملك إفريقية ابن سيد الناس بقوله
( ماحال عينيك ياعين الزمان فقد ** أورثتني حزنا من أجل عينيكا )
( وليس لي حيلة غير الدعاء فيا ** رب براوي الصحيحين حنانيكا )
أجابه الحافظ أبو المطرف ابن عميرة المخزومي خدمة عن الحافظ أبي بكر ابن سيد الناس
( مولاي حالهما والله صالحة ** لما سألت فأعلى الله حاليكا )
( ماكان من سفر اوكان من حضر ** حتى تكون الثريا دون نعليكا )
579 - وقال الأديب أبوالعباس الرصافي وهو من أصحاب أبي حيان
( هذا هلال الحسن أطلع بيننا ** وجميعنا بحلى محاسنه شغف )
____________________
(4/110)


( لما رأى صل العذار بخده ** ماء النعيم أتى اليه ليرتشف )
( فكأن ذاك الخد أنكر أمره ** فاحمر من حنق عليه وقال قف )
وقال
( وعشية نعمت بها أرواحنا ** والخمر قد أخذت هنالك حقها )
( وكأنما إبريقنا لما جثا ** ألقى حديثا للكؤوس وقهقها )
580 - وقال الإمام الحافظ أبوالربيع ابن سالم
( كأنما ابريقنا عاشق ** كل عن الخطو فما أعمله )
( غازل من كأسي حبيبا له ** فكلما قبله أخجله )
581 - وقال أبو القاسم ابن الأبرش
( رأيت ثلاثة تحكي ثلاثا ** إذا ماكنت في التشبيه تنصف )
( فتنجو النيل منفعة وحسنا ** وشنترين مصر وأنت يوسف )
وقال في غريق وقيل إنه مما تمثل به
( الحمد لله على كل حال ** قد أطفأ الماء سراج الجمال )
( أطفأه ماكان محيا له ** قد يطفىء الزيت ضياء الذبال )
وهو القائل أيضا
( لو لم يكن لي آباء أسود بهم ** ولم يؤسس رجال الغرب لي شرفا )
( ولم أنل عند ملك العصر منزلة ** لكان في سيبويه الفخر لي وكفى )
( فكيف علم ومجد قد جمعتهما ** وكل مختلق في مثل ذا وقفا )
____________________
(4/111)


582 - وقال أبو الحسن ابن حريق
( أصبحت تدمير مصرا كاسمها ** وأبويوسف فيها يوسفا )
583 - وقال أبو القاسم ابن العطار الاشبيلي في بعض الهوزنيين وقد غرق في نهر طلبيرة عند فتحها
( ولما رأوا أن لا مقر لسيفه ** سوى هامهم لاذوا بأجرأ منهم )
( فكان من النهر المعين معينهم ** ومن ثلم السد الحسام المثلم )
( فيا عجبا للبحر غالته نطفة ** وللأسد الضرغام أرداه أرقم ) 584 - نقول من التكملة 1 - وقال أبو العباس اللص
( وقائلة والضنى شاملي ** علام سهرت ولم ترقد )
( وقد ذاب جسمك فوق الفراش ** حتى خفيت على العود )
( فقلت وكيف أرى نائما ** ورائي المنية بالمرصد )
ولما قرىء عليه ديوان أبي تمام ومر فيه وصف سيف قال أنا أشعر منه حيث اقول
( تراه في غداة الغيم شمسا ** وفي الظلماء نجما أو ذبالا )
( يروعهم معاينة ووهما ** ولو ناموا لروعهم خيالا )
2 - وقال أبو إسحاق الإلبيري
____________________
(4/112)


( تمر لداتي واحدا بعد واحد ** وأعلم اني بعدهم غير خالد )
( وأحمل موتاهم وأشهد دفنهم ** كأني بعيد عنهم غير شاهد )
( فها انا في علمي لهم وجهالتي ** كمستيقظ يرنو بمقلة راقد )
قيل ولو قال في البيت الثاني
( كأني عنهم غائب غير شاهد ) لكان أحسن وأبدع وأبرع في الصناعة الشعرية قاله ابن الأبار رحمه الله تعالى
3 - وقال الوزير ابو الوليد ابن مسلمة
( إذا خانك الرزق في بلدة ** ووافاك من همها ما كثر )
( فمفتاح رزقك في بلدة ** سواها فردها تنل مايسر )
( كذا المبهمات بوسط الكتاب ** مفتاحها أبدا في الطرر )
4 - وقال ابو الطاهر إسماعيل الخشني الجياني المعروف بابن أبي ركب وقيل أن اخاه الأستاذ أبا بكر هو المعروف بذلك
( يقول الناس في مثل ** تذكر غائبا تره )
( فمالي لا أرى سكني ** ولا أنسى تذكره )
5 - وأنشد ابو المعالي الإشبيلي الواعظ بمسجد رحبة القاضي من بلنسية أبياتا منها
____________________
(4/113)


( أنا في الغربة ابكي ** مابكت عين غريب )
( لم أكن يوم خروجي ** من بلادي بمصيب )
( عجبا لي ولتركي ** وطنا فيه حبيبي )
6 - وقال أبو القاسم ابن الأنقر السرقسطي
( احفظ لسانك والجوارح كلها ** فلكل جارحة عليك لسان )
( واخزن لسانك ما استطعت فإنه ** ليث هصور والكلام سنان )
7 - وقال أبو القاسم خلف بن يحيى بن خطاب الزاهد مما نسبه لأبي وهب الزاهد
( قد تخيرت ان أكون مخفا ** ليس لي من مطيهم غير رجلي )
( فإذا كنت بين ركب فقالوا ** قدموا للرحيل قدمت نعلي )
( حيثما كنت لا أخلف رحلا ** من رآني فقد رآني ورحلي )
8 - وقال أبو عبدالله ابن محمد بن فتح الأنصاري الثغري
( كم من قوي قوي في تقلبه ** مهذب الرأي عنه الرزق ينحرف )
( ومن ضعيف ضعيف الرأي مختبل ** كأنه من خليج البحر يغترف )
9 - وقال أبو القاسم محمد بن نصير الكاتب
( مضت اعمارنا ومضت سنونا ** فلم تظفر بذي ثقة يدان )
( وجربنا الزمان فلم يفدنا ** سوى التخويف من أهل الزمان )
____________________
(4/114)


10 - وحكي عن الفقيه الأديب النحوي ابي عبدالله محمد بن ميمون الحسيني قال كانت لي في صبوتي جارية وكنت مغرى بها وكان أبي رحمه الله يعذلني ويعرض لي ببيعها لأنها كانت تشغلني عن الطلب والبحث عليه فكان عذله يزيدني إغراء بها فرأيت ليلة في المنام كأن رجلا يأتيني في زي أهل المشرق كل ثيابه بيض وكان يلقى في نفسي أنه الحسين بن علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما وكان ينشدني
( تصبو الى مي ومي لا تني ** تزهو ببلواك التي لا تنقضي )
( وفخارك القوم الألى ما منهم ** إلا إمام أو وصي أو نبي )
( فاثن عنانك للهدى عن ذي الهوى ** وخف الإله عليك ويحك وارعوي )
قال فانتبهت فزعا مفكرا فيما رأيته فسألت الجارية هل كان لها اسم قبل أن تتسمى بالاسم الذي أعرفه فقالت لا ثم عاودتها حتى ذكرت أنها كانت تسمى مية فبعتها حينئذ وعلمت أنه وعظ وعظني الله به عز وجل وبشرى
11 - وقال ابن الحداد أول قصيدته حديقة الحقيقة
( ذهب الناس فانفرادي أنيسي ** وكتابي محدثي وجليسي )
( صاحب قد أمنت منه ملالا ** واختلالا وكل خلق بئيس )
( ليس في نوعه بحي ولكن ** يلتقي الحي منه بالمرموس )
12 - وقال بعض اهل الجزيرة الخضراء
____________________
(4/115)


( ألحاظكم تجرحنا في الحشا ** ولحظنا يجرحكم في الخدود )
( جرح بجرح فاجعلوا ذا بذا ** فما الذى أوجب جرح الصدود )
وقال ابن النعمة إنهما لابن شرف وقد ذكرناهما مع جوابهما في غير هذا الموضع
13 - وقال المعتمد بن عباد
( اقنع بحظك في دنياك ما كان ** وعز نفسك إن فارقت أوطانا )
( في الله من كل مفقود مضى عوض ** فأشعر القلب سلوانا وإيمانا )
( أكلما سنحت ذكرى طربت لها ** مجت دموعك في خديك طوفانا )
( أما سمعت بسلطان شبيهك قد ** بزته سود خطوب الدهر سلطانا )
( وطن على الكره وارقب إثره فرجا ** واستغفر الله تغنم منه غفرانا )
14 - وقال أبو عامر البرياني في الصنم الذي بشاطبة
( بقية من بقايا الروم معجبة ** أبدى البناة بها من علمهم حكما )
( لم أدر ما أضمروا فيه سوى أمم ** تتابعت بعد سموه لنا صنما )
( كالمبرد الفرد ما أخطأ مشبهه ** حقا لقد برد الأيام والأمما )
( كأنه واعظ طال الوقوف به ** مما يحدث عن عاد وعن إرما )
( فانظر الى حجر صلد يكلمنا ** أسمى وأوعظ من قس لمن فهما )
قيل لو قال مكان حكما علما لأحسن
15 - وقال السميسر
____________________
(4/116)


( إذا شئت إبقاء أحوالكا ** فلا تجر جاها على بالكا )
( وكن كالطريق لمجتازها ** يمر وانت على حالكا )
وقال
( هن إذا ما نلت حظا ** فأخو العقل يهون )
( فمتى حطك دهر ** فكما كنت تكون )
16 - وقال أبو الربيع ابن سالم الكلاعي أنشدني أبو محمد الشلبي أنشدني أبو بكر ابن منخل لنفسه
( مضت لي ست بعد سبعين حجة ** ولي حركات بعدها وسكون )
( فيا ليت شعري أين او كيف أو متى ** يكون الذي لابد أن سيكون )
17 - وقال أبو محمد عبدالحق الإشبيلي
( لا يخدعنك عن دين الهدى نفر ** لم يرزقوا في التماس الحق تأييدا )
( عمي القلوب عروا عن كل فائدة ** لأنهم كفروا بالله تقليدا )
18 - وقال أبو محمد ابن صارة
( بنو الدنيا بجهل عظموها ** فعزت عندهم وهي الحقيره )
( يهارش بعضهم بعضا عليها ** مهارشة الكلاب على العقيره )
وقال
( اسعد بمالك في الحياة ولا تكن ** تبقي عليه حذار فقر حادث
____________________
(4/117)


( فالبخل بين الحادثين وإنما ** مال البخيل لحادث أو وارث )
19 - ودخل أبو محمد الطائي القرطبي على القاضي أبي الوليد ابن رشد فأنشده ارتجالا
( قام لي السيد الهمام ** قاضي قضاة الورى الإمام )
( فقلت قم بي ولا تقم لي ** فقلما يؤكل القيام )
20 - وقال الحافظ أبو محمد ابن حزم
( لا تلمني لأن سبقت لحظ ** فات إدراكه ذوي الألباب )
( يسبق الكلب وثبة الليث في العدو ** ويعلو النخال فوق اللباب )
21 - وقال أبو عبدالله الجبلي الطبيب القرطبي
( اشدد يديك على كلب ظفرت به ** ولا تدعه فإن الناس قد ماتوا )
قلت تذكرت بهذا قول الآخر
( اشدد يديك بكلب إن ظفرت به ** فأكثر الناس قد صاروا خنازيرا )
22 - وقال محمد بن عبدالله الحضرمي مولى بني امية
( عاشر الناس بالجميل ** وسدد وقارب )
( واحترس من أذى الكرام ** وجد بالمواهب )
( لا يسود الجميع من ** لم يقم بالنوائب )
( ويحوط الأذى ويراعي ** ذمام الأقارب )
____________________
(4/118)


( لا تواصل إلا الشريف ** الكريم المناصب )
( من له خير شاهد ** وله خير غائب )
( واجتنب وصل كل وغد ** دنيء المكاسب ) ابن الأبار 585 - وقال الكاتب الحافظ أبو عبدالله ابن الأبار
( لله نهر كالحباب ** ترقيشه سامي الحباب )
( يصف السماء صفاؤه ** فحصاه ليس بذي احتجاب )
( وكأنما هو رقة ** من خالص الذهب المذاب )
( غارت على شطيه أبكار ** المنى عصر الشباب )
( والظل يبدو فوقه ** كالخال في خد الكعاب )
( لابل أدار عليه خوف ** الشمس منه كالنقاب )
( مثل المجرة جر فيها ** جون السحاب )
وقال
( شتى محاسنه فمن زهر على ** نهر تسلسل كالحباب تسلسلا )
( غربت به شمس الظهيرة لاتني ** إحراق صفحته لهيبا مشعلا )
( حتى كساه الدوح من أفنانه ** بردا بمزن في الأصيل مسلسلا )
( وكأنما لمع الظلال بمتنه ** قطع الدماء جمدن حين تحللا )
وقال يمدح المستنصر صاحب إفريقية
( إن البشائر كلها جمعت ** للدين والدنيا وللأمم )
____________________
(4/119)


( في نعمتين جسيمتين هما ** برء الإمام وبيعة الحرم )
قال ابن الأبار وأخبرني بعض أصحابنا يعني أبا عمرو ابن عبد الغني أنه أنشدهما الخليفة فسبقه إلى عجز البيت الثاني فقلت له على البديهة
( فخر لشعري على الأشعار يحفظه ** خليفة الله كان الله حافظه )
وأشار بقوله وبيعة الحرم الى ما ذكره ابن خلدون وغير واحد من المؤرخين ان أهل مكة خطبوا للمستنصر صاحب تونس بعرفة وكتبوا له بيعة من إنشاء ابن سبعين المتصوف وقد ذكر ابن خلدون نص البيعة في ترجمة المستنصر فليراجعها من أرادها
وقال ابن الأبار
( ألا اسمع في الأمير مقال صدق ** وخذه عن امرىء خدم الأميرا )
( متى يكتب ترد وشلا أجاجا ** وإن يركب ترد عذبا نميرا )
وقال مجيبا للتجاني
( أيها الصاحب الصفي مباح ** لك عني فيما نصصت الرواية )
( إن عناني إسعاف قصدك فيها ** فلكم لم تزل بها ذا عنايه )
( ولها شرطها فحافظ عليه ** ثم كافىء وصيتي بالكفايه )
( وتحام الإخلال جهدك لاقيت ** من الله عصمة وحمايه )
ونص استدعاء التجاني
( إن رأى سيدي الذي حاز في العلم ** مع الحلم والعلا كل غايه )
( وحوى المجد عن جدود كرام ** كلهم في السماح والفضل آيه )
( أن أرى عنه بالإجازة أروى ** كل مافيه لي تصح الروايه
____________________
(4/120)


( من حديث وكل نظم ونثر ** وفنون له بهن دراية )
( فله في ذاك الثواب من الله ** ومنا الثناء دون نهايه )
( دام في رفعة وعز وسعد ** وأمان ومكنة وحمايه )
( ماتولى جيش الظلام هزيما ** وعلت للصباح في الأفق رايه )
ولابن الأبار ترجمة واسعة ذكرتها في أزهار الرياض في أخبار عياض وما يناسبها مما يحصل به للنفس ارتياح وللعقل ارتياض ) فلتراجع فيه
586 - وأما التجاني أبو عبدالله هذا المذكور فقد وصفه قريبه أبو الفضل محمد حفيد عمه في كتابه الحلى التيجانية والحلل التجانية قال ابن رشيد وجمعه باسمنا حفظه الله تعالى وشكره وقال في موضع آخر إنه باسمه واسم صاحبه الوزير ابن الحكيم رحمهما الله تعالى انتهى
587 - وقال ابن مفوز أبو الحسين
( إذا عرتك عيلة ** يعجز عنها ماتجد )
( فلتقصد فإنه ** ما عال قط مقتصد )
وقال
( حاز دنياه كلها ** محرزا اكبر المنن )
( من حوى قوت يومه ** آمنا سالم البدن ) وقال
( أعن أخاك في الذي ** يأمله ويرتجيه )
( فالله في عون الفتى ** ما كان في عون أخيه )
وقال
( أنفس ما أودعته ** قلبك ذكرى موقظه )
____________________
(4/121)


( وخير ما أتلفته ** مال أفاد موعظه )
588 - وقال أبو البركات القميحي أنشدنا أبو العباس ابن مكنون وقد رأى اهتزاز الثمار وتمايلها مرتجلا
( حارت عقول الناس في إبداعها ** ألسكرها أم شكرها تتأود )
( فيقول أرباب البطالة تنثني ** ويقول أرباب الحقيقة تسجد )
قال الشيخ أبو البركات القميحي قلت لابن مكنون ما الذي يدل على أنهما في وصف الثمار فقال وطىء أنت لهما فقلت
( يامن أتى متنزها في روضة ** أزهارها من حسنها تتوقد )
( انظر إلي الأشجار في دوحاتها ** والريح تنسف والطيور تغرد )
( فترى الغصون تمايلت أطرافها ** وترى الطيور على الغصون تعربد )
قال ابن رشيد غلط المذكور في نسبته البيتين لابن مكنون وإنما هما لأبي زيد الفازازي من قصيدة أولها
( نعم الإله بشكره تتقيد ** فالله يشكر في النوال ويحمد )
( مدت إليه أكفنا محتاجة ** فأنالها من جوده ماتعهد )
والبيتان في أثنائها غير أن اولهما في ديوانه هكذا
( تاهت عقول الناس في حركاتها )

انتهى
ورأيت في روضة التعريف للسان الدين بعدهما بيتا ثالثا وهو
( وإذا أردت الجمع بينهما فقل ** في شكر خالقها تقوم وتقعد )
____________________
(4/122)


589 - وحكي أن حافظ الأندلس إمام الأدباء رئيس المؤلفين حسنة الزمان نادرة الإحسان أبا محمد عبدالله بن ابراهيم الصنهاجي الحجاري صاحب كتاب المسهب كان سبب اتصاله بعبد الملك بن سعيد جد علي بن موسى صاحب المغرب أنه وفد عليه في قلعته فلما وقف على بابه وهو بزي بداوة ازدراه البوابون فقال لهم استأذنوا لي على القائد فضحكوا به وقالوا له ماكان وجد القائد من يدخل عليه في هذه الساعة إلا أنت فمد يده الى دواة في حزامه وسحاءة وكتب بها بباب القائد الأعلى لازال آهلا بأهل الفضيلة رجل وفد عليه من شلب يقصيدة مطلعها
( عليك احالني الذكر الجميل )

فإن رأى سيدي أن يحجب من بلده شلب ومن قصيده هذا فهو أعلم بما يأتي ويذر ولا عتب على القدر ورغب إلى أحد غلمانه فاوصل الورقة فلما وقف عليها القائد قال من شلب وهذا مطلع قصيدته مالهذا إلا شأن ولعله الوزير ابن عمار وقد نشر إلى الدنيا عجلوا بالإذن له فأذنوا له ودخل وبقي واقفا لم يسلم ولا كلم أحدا فاستثقله الحاضرون واستبردوا مقصده ونسبوه للجهل وسوء الأدب فقال له أحدهم مالك لا تسلم على القائد وتدخل مداخل الأدباء والشعراء فقال حتى أخجل جميعكم قدر ما أخجلتموني على الباب مع أقوام أنذال وأعلم أيضا من هو الكثير الفضول من أصحاب القائد أعزه الله تعالى فاكون أتقيه إن قدر لي خدمته فقال له عبدالملك اتأخذنا بما فعل السفهاء منا قال لا والله بل أغفر لك ذنوب الدهر أجمع وإنما هي أسباب نقصدها لنحاور بها مثلك أعزك الله تعالى ويتمكن التأنيس وينحل قيد الهيبة ثم أنشد من رأسه ولا ورقة في يده
____________________
(4/123)


( عليك احالني الذكر الجميل ** فصح العزم واقتضي الرحيل )
( وودعت الحبيب بغير صبر ** ولم أسمع لما قال العذول )
( وأسبلت الظلام علي سترا ** ونجم الأفق ناظره كليل )
( ولم أشك الهجير وقد دعاني ** الى أرجائك الظل الظليل )
وهي طويلة فأكرمه وقربه رحم الله تعالى الجميع
590 - وأهديت للمعتمد بن عباد شمعة فقال في وصفها ابو القاسم ابن مرزقان الإشبيلي وهو ممن قتل في فتنة المعتمد
( مدينة في شمعة صورت ** قامت حماة فوق أسوارها )
( وما رأينا قبلها روضة ** تتقد النار بنوارها )
تصير الليل نهارا إذا ** ما أقبلت ترفل في نارها )
( كأنها بعض الأيادي التي ** تحت الدجى تسري بأنوارها )
( من ملك معتمد ماجد ** بلاده أوطان زوارها )
591 - وقال أبو الأصبغ ابن رشيد الإشبيلي لما هطت بإشبيلية سحابة بقطر أحمر يوم السبت الثالث عشر من صفر عام أربعة وستين وخمسمائة
( لقد آن للناس أن يقلعوا ** ويمشوا على السنن والأقوم )
( متى عهد الغيث ياغافلا ** كلون العقيق او العندم )
( أظن الغمائم في جوها ** بكت رحمة للورى بالدم )
وفيها أيضا
( لا تكن دائم الكآبة مما ** قد غدا في الثرى نميرا نجيعا )
____________________
(4/124)


( لطم البرق صفحة المزن حتى ** سال منه على الرياض نجيعا )
وله في دولاب
( ومنجنون إذا دارت سمعت لها ** صوتا اجش وظل الماء ينهمل )
( كا أقداسها ركب إذا سمعوا ** منها حداء بكوا للبين وارتحلوا )
وله فيمن اسمه مالك
( غزالي الجفون شقيق بدر ** تبسم عن عقيق فوق در )
( له نفحات مسك أي مسك ** له نفثات سحر أي سحر )
( شكوت له الهوى والهجر منه ** فقال عليك باسمي سوف تدري )
( تعلمت القساوة من سميي ** وأحرقت القلوب بنار هجري )
592 - وقال أبو بكر ابن حجاج الغافقي في موسى وسيم إشبيلية الذي كان شعراؤها يتغزلون فيه
( من مبلغ موسى المليح رسالة ** بعثت له من كافري عشاقه )
( ماكان خلق راغبا عن دينه ** لو لم تكن توراته من ساقه )
وقال
( إن الزويلي فتى شاعر ** قد أعجب العالم من نظمه )
( وأنت ياموسى قد اخترته ** واختار موسى قبل من قومه )
وقال
( على معاذ قرون لو يعاينها ** فرعون ماقال أوقد لي على الطين )
____________________
(4/125)


( قالت له عرسه إذ جاء ينكحها ** ماذا دهيت به من كل عنين )
( هلا استعنت بميمون فقال لها )
( إني استعنت على نفسي بميمون )
593 - وقال أبو وهب ابن عبدالرؤوف النحوي وكان له حظ في قرض الشعر وكان سناطا
( ليس لمن ليست له لحية ** بأس إذا حصلته ليسا )
( وصاحب اللحية مستقبح ** يشبه في طلعته التيسا )
( إن هبت الريح تلاهت به ** وماست الريح به ميسا )
594 - وقال أبو عبدالله محمد بن يحيى القلفاط
( ياغزالا عن لي فابتز ** قلبي ثم ولى )
( انت مني بفؤادي ** يامنى نفسي أولى )
595 - وقال أحمد بن المبارك الحبيبي في الناصر قبل أن يلي عهد جده
( ياعابد الرحمن فقت الورى ** بهذه العليا وهذا الكرم )
( ماجعل الله الندى في امرىء ** إلا وقد جنبه كل ذم )
596 - واستدعى الوزير عبيدالله بن إدريس ابا بكر احمد بن عثمان المرواني ونادمه ليلة فلما قرب الصباح قال له أين مايحدث عنك من حسن الشعر فهذا موضعه فقال الدواة والقرطاس فأمر له بإحضارهما فجعل يفكر ويكتب إلى ان أنشده هذه الأبيات
( بتنا ندامى صفاء يستحث لنا ** في جامد الفضة التبر الذي سبكا )

____________________
(4/126)


( كل مصيخ إلى ماقال صاحبه ** ولا يبالي أصدقا قال أم أفكا )
( موقرون خفاف عند شربهم ** ولا يخافون فيما احدثوا دركا )
( لا تعدمن إذا أبصرتهم فرحا ** اما ترى الصبح من بشر بهم ضحكا )
597 - وقال أبو محمد عبدالله المرواني في الخيري
( عجبت من الخيري يكتم عرفه ** نهارا ويسري بالظلام فيعرب )
( فتجني عروس الطيب منه يد الدجى الدى ** ويبدو له وجه الصباح فيحجب )
598 - وقال إبراهيم بن إدريس العلوي
( للبين في تعذيب نفسي مذهب ** ولنائبات الدهر عندي مطلب )
( أما ديون الحادثات فإنها ** تأتيي لوقت صادق لا يكذب )
599 - وخرج الأديب النحوي هذيل الإشبيلي يوما من مجلسه فنظر إلى سائل عاري الجسم وهو يرعد ويصيح الجوع والبرد فأخذ بيده ونقله الى موضع بلغته الشمس وقال له صح الجوع فقد كفاك الله مؤونة البرد
600 - ومر المعتمد بن عباد ليلة مع وزيره ابن عمار بباب شيخ كثير التهكم والتنذير يمزج ذلك بانحراف يضحك الثكلى فقال لابن عمار تعال نضرب على هذا الشيخ الساقط بابه حتى نضحك منه فضربا عليه الباب فقال من هذا فقال ابن عباد إنسان يرغب أن تقد له هذه الفتيلة فقال والله لو ضرب ابن عباد بابي في هذا الوقت ما فتحته له فقال فإني ابن عباد فقال مصفوع ألف صفعة فضحك ابن عباد حتى سقط الى الأرض وقال لوزيره امض بنا قبل ان يتعدى الصفع من القول إلى الفعل فهذا شيخ ركيك ولما كان من غد تلك الليلة وجه له ألف درهم وقال
____________________
(4/127)

لموصلها قل له هذه حق الألف صفعة التى كانت البارحة
601 - وكان في زمان المعتمد السارق المشهور بالبازي الأشهب وكان له في السرقة كل غريبة وكان مسلطا على اهل البادية وبلغ من سرقته أنه سرق وهو مصلوب لأن ابن عباد أمر بصلبه على ممر أهل البادية لينظروا إليه فبينما هو على خشبته على تلك الحال إذ جاءت إليه زوجته وبناته وجعلن يبكين حوله ويقلن لمن تتركنا نضيع بعدك وإذا ببدوي على بغل وتحته حمل ثياب وأسباب فصاح عليه يا سيدي انظر في أي حالة أنا ولي عندك حاجة فيها فائدة لي ولك قال وماهي قال انظر الى تلك البئر لما أرهقني الشرط رميت فيها مائة دينار فعسى تحتال في اخراجها وهذه زوجتي وبناتي يمسكن بغلك طلال ماتخرجها فعمد البدوي الى حبل ودلى نفسه في البئر بعدما اتفق معه على أن يأخذ النصف منها فلما حصل أسفل البئر قطعت زوجة السارق الحبل وبقي حائرا يصيح وأخذت ماكان على البغل مع بناتها وفرت به وكان ذلك في شدة حر وما سبب الله شخصا يغيثه إلا وقد غبن عن العين وخلصن فتحيل ذلك الشخص مع غيره على إخراجه وسألوه عن حاله فقال هذا الفاعل الصانع احتال علي حتى مضت زوجته وبناته بثيابي وأسبابي ورفعت هذه القصة الى ابن عباد فتعجب منها وأمر بإحضار البازي الأشهب وقال له كيف فعلت هذا مع أنك في قبضة الهلكة فقال له ياسيدي لو علمت قدر لذتي في السرقة خليت ملكك واشتغلت بها فلعنه وضحك منه ثم قال له إن سرحتك وأحسنت إليك وأجريت عليك رزقا يقلك أتتوب من هذه الصنعة الذميمة فقال يامولاي كيف لا أقبل التوبة وهي تخلصني من القتل فعاهده وقدمه على رجال انجاد
____________________
(4/128)

وصار من جملة حراس احواز المدينة
602 - ويحكى ان منصور بني عبدالمؤمن لما أراد بناء صومعة إشبيلية العظيمة القدر أحضر لها العرفاء والصناع من مظانهم فعرف بشيخ مغفل صحيح المذهب عارف بالبناء الذي يجهله كثير من الصناع فأحضر فقال له المنصور كم تقدر أن ينفق على هذه الصومعة فضحك وقال ياسيدي البنيان إنما هو مثل ذكر ليس يقدر حتى يقوم فكاد المنصور يفتضح من الضحك وصرف وجهه عنه وبقيت حكايته يضحك عليها زمانا
603 - وكان أحمد المقريني المعروف بالكساد شاعرا وشاحا زجالا إشبيليا وقال في موسى الذي تغزل فيه ابن سهل
( مالموسى قد خر لله لما ** فاض نور غشاه ضوء سناه )
( وأنا قد صعقت من نور موسى ** لا أطيق الوقوف حين أراه )
وقال في رثائه
( فر الى الجنة حوريها ** وارتفع الحسن من الأرض )
( وأصبح العشاق في مأتم ** بعضهم يبكي على بعض )
وقال فيه
( هتف الناعي بشجو الأبد ** إذ نعى موسى بن عبدالصمد )
( ماعليهم ويحهم لو دفنوا ** في فؤادي قطعة من كبدي )
____________________
(4/129)


ولابن سهل الإسرائيلي في موسى هذا ماهو مثبت في ديوانه
604 - وكان محمد بن أحمد بن أبي بكر القرموطي المرسي من أعرف اهل الأندلس بالعلوم القديمة المنطق والهندسة والعدد والموسيقى والطب فيلسوفا طبيبا ماهرا آية الله في المعرفة بالأندلس يقرىء الأمم بألسنتهم فنونهم التي يرغبون فيها وفي تعلمها ولما تغلب طاغية الروم على مرسية عرف له حقه فبنى له مدرسة يقرىء فيها المسلمين والنصارى واليهود وقال له يوما وقد أدنى منزلته لو تنصرت وحصلت الكمال كان لك عندي كذا وكنت كذا فاجابه بما أقنعه ولما خرج من عنده قال لأصحابه انا عمري كله أعبد إلها واحدا وقد عجزت عما يجب له فكيف حالي لو كنت أعبد ثلاثة كما طلب الملك مني انتهى
605 - وقال أبو عبدالله محمد بن سالم القيسي الغرناطي يخاطب السلطان على ألسنة أصحابه الأطباء الذين ببابه موريا بأسمائهم
( قد جمعنا ببابكم سطر علم ** لبلوغ المنى ونيل الإراده )
( ومن أسمائنا لكم حسن فال ** سالم ثم غالب وسعاده )
606 - وقال أبو عبدالله ابن عمر الإشبيلي الخطيب
( وكل إلى طبعه عائد ** وإن صده المنع عن قصده )
( كذا الماء من بعد إسخانه ** يعود سريعا إلى برده )
607 - وقال الكاتب أبو زيد عبدالرحمن العثماني لما تغير حاله بإشبيلية
____________________
(4/130)


( لا تسلني عن حالتي فهي هذي ** مثل حالي لا كنت يا من يراني )
( ملني الأهل والأخلاء لما ** أن جفاني بعد الوصال زماني )
( فاعتبر بي ولا يغرك دهر ** ليس منه ذو غبطة في امان )
608 - ودخل الأديب النحوي أبو عمران موسى الطرياني إلى بعض الأكابر يوم نيروز وعادتهم ان يصنعوا في مثل هذا اليوم مدائن من العجين لها صور مستحسنة فنظر الى مدينة أعجبته فقال له صاحب المجلس صفها وخذها فقال
( مدينة مسورة ** تحار فيها السحره )
( لم تبنها إلا يدا ** عذراء أو مخدره )
( بدت عروسا تجتلى ** من درمك مزعفرة )
( ومالها مفاتح ** إلا البنان العشرة )
ورفع إلى القائد أبي السرور صاحب ديوان سبتة قصيدة يعرض له فيها بزاد وقد عزم على سفر فأنعم عليه بذلك ثم أتبعه بتحف مما يكون في الديوان مما يجلبه الإفرنج إلى سبتة ولم يكن التمس منه ذلك ولا خطر بخاطره فكتب إليه
( أيا سابقا بالذي لم يجل ** بفكري ولم يبد لي في خطاب )
( وياغائصا في بحار الندى ** ويا فاتحا للعلا كل باب )
( كذا فلتكن نعم الأكرمين ** تفاجي بنيل المنى والطلاب )
( ولم أر أعظم من نعمة ** أتتني ولم تك لي في حساب )
( سأشكرها شكر عهد الرضى ** وأذكرها ذكر غض الشباب )
____________________
(4/131)


609 - وكتب مجاهد صاحب دانية إلى المنصور بن أبي عامر الأصغر ملك بلنسية رقعة ولم يضمنها غير بيت الحطيئة
( دع المكارم لا ترحل لبغيتها ** واقعد فإنك انت الطاعم الكاسي )
فأخرجت المنصور وأقامته وأقعدته فأحضر وزيره أبا عامر ابن التاكرني فكتب عنه
( شتمت مواليها عبيد نزار ** شيم العبيد شتيمة الأحرار )
فسلا المنصور عما كان فيه
ومن شعر المذكور في المنصور
( انهض على اسمك انه منصور ** وارم العدو فإنه مقهور )
( ولو اغتنيت عن النهوض كفيتهم ** فبذكر بأسك كلهم مذعور )
( ولتبلغن مدى مرادك فيهم ** ويكون يوم في العدا مشهور )
وقال له المنصور يوما والله لقد سئمت من هؤلاء الجند ووددت الراحة منهم فقال له يصبر مولاي فلا بد من السآمة فهي على حالتين إما ممن يكون امرك إليه أو يكون أمره إليك والحمد لله الذي رفعه عن الحالة الأولى
610 - وقال بعض الهجائين في رندة
( قبحا لرندة مثلما ** قبحت مطالعة الذنوب )
____________________
(4/132)


( بلد عليه وحشة ** ما إن يفارقه القطوب )
( ماحلها أحد فينوي ** بعد بين أن يؤوب )
( لم آتها عند الضحى ** إلا وخيل لي غروب )
( أفق أغم وساحة ** تملا القلوب من الكروب )
611 - وقال حبلاص الشاعر الرندي
( لا تفرحن بولاية سوغتها ** فالثور يعلف أشهرا كي يذبحا )
وله في بعض رؤساء الملثمين من قصيدة
( ولو لم تكن كالبدر نورا ورفعة ** لما كنت غرا بالسحاب ملثما )
( وماذاك إلا للنوال علامة ** كذا القطر مهما لثم الأفق انهمى )
فاهتز الملثم وأعجبه وامر له بكسوة وذهب
612 - ولما ذكر أبو بكر ابن عمر الأندي في مجلس بعض الرؤساء بحضرة أبي الحسن علي بن سعيد وأطنب في الثناء عليه وعمر المجلس بشكره واخبر بذلك أطرق ساعة ثم قال
( لا تذكرن ماغاب عني من ثنا ** أطنبت فيه فليس ذلك يجهل )
( فمتى حضرت بمجلس وجرى به ** خبري فإن الذكر فيه يجمل )
613 - ولما نفى بنو ذي النون أرقم من نسبهم لأنه كان ابن أمة مهينة واقعها أبو الظافر في حال سكره ولم يكن فيهم من ينظم ويتولع بالأدب غيره
____________________
(4/133)

وولي ابنه يحيى وكان أحسد من طلعت عليه الشمس فمال على أرقم بالأذبة ففر عن مملكته وقال مرتجلا
( لئن طبتم نفسا بتركي دياركم ** فنفسي عنكم بالتفرق أطيب )
( إذا لم يكن لي جانب في دياركم ** فما العذر لي أن لا يكون تجنب )
( زعمتم بأني لست فرعا لأصلكم ** فهلا علمتم أنني عنه أرغب )
( وحسبي إذا ما البيض لم ترع نسبة ** بأني الى سيفي ورمحي أنسب )
( وإن مدت الأيام عمري للعلا ** يشرق ذكري في الورى ويغرب )
614 - وكتب الوزير الكاتب ابو محمد ابن سفيان الى أبي أمية ابن عصام قاضي قضاة شرق الأندلس عين زمانه فوقعت نقطة على العين فتوهمها وظن انه أبهمها واعتقدها وعددها وانتقدها فقال
( لا تلزمني ما جنته يراعة ** طمست بريقتها عيون ثناء )
( حقدت علي لزامها فتحولت ** أفعى تمج سمامها بسحاء )
( غدر الزمان وأهله عرف ولم ** أسمع بغدر يراعة وإباء )
615 - وشرب المامون بن ذي النون مع أبي بكر محمد بن أرفع رأسه الطليطلي وحفل من رؤساء ندمائه كابن لبون وابن سفيان وابن الفرج وابن مثنى فجرت مذاكرة في ملوك الطوائف في ذلك العصر فقال كل واحد ما عنده بحسب غرضه فقال ابن أرفع رأسه ارتجالا
( دعوا الملوك وأبناء الملوك فمن ** أضحى على البحر لم يشتق الى نهر )
( مافي البسيطة كالمأمون ذو كرم ** فانظر لتصديق ما أسمعت من خبر )
____________________
(4/134)


( ياواحدا ماعلى علياه مختلف ** مذ جاد كفك لم نحتج الى المطر )
( وقد طلعت لنا شمسا فما نظرت ** عين الى كوكب يهدي ولا قمر )
( وقد بدوت لنا وسطى ملوكهم ** فلم نعرج على شذر ولا درر )
فداخل ابن ذي النون من الارتياح ماليس عليه مزيد وأمر له بإحسان جزيل عتيد
616 - وقال أبو أحمد عبد المؤمن الطليطلي
( رأيت حيائي قادحا في معيشتي ** ويصعب تركي للحياء ويقبح )
( وقد فسد الناس الذين عهدتهم ** وقد طال تأنيبي لمن ليس يصلح )
وله
( ولما غدوا بالغيد فوق جمالهم ** طفقت أنادي لا أطيق بهم همسا )
( عسى عيس من أهوى تجود بوقفة ** ولو كوقوف العين لاحظت الشمسا )
617 - وقال الزاهد ابو محمد عبدالله بن العسال
( أعندكم علم بأني متيم ** وإلا فما بال المدامع تسجم )
( ومابال عيني لا تغمض ساعة ** كأني في رعي الدراري منجم )
618 - وكان الوزير ابو جعفر الوقشي تياها معجبا بنفسه ومن شعره في غرضه الفاسد
( إذا لم أعظم قدر نفسي وإنني ** عليم بما حازته من عظم القدر )
( فغيري معذور إذا لم يبرني ** ولا يكبر الإنسان شيء سوى الكبر )
____________________
(4/135)


وله
( يرومون بي غير المكان الذي له ** خلقت وبعضي منكر ذاك من بعضي )
( فقولوا لبدر الأفق يترك سماءه ** ويحتل من أجل التواضع في الأرض )
وقال
( تكبر وإن كنت الصغير تظاهرا ** وباعد اخا صدق متى ما اشتهى القربا )
( وكن تابعا للهر في حفظ امره ** ألست تراه عندما يبصر الكلبا )
وقال له بعض ندماء ملكه يوما صاحب جيان ابن همشك يا أبا جعفر انت جملة محاسن وفيك الأدوات العلية التي هي أهل لكل فضيلة غير أنك قد قدحت في ذلك كله بكثرة عجبك وإذا مشيت على الأرض تشمئز منها فقال له كيف لا أشمئز من شيء أشترك معك في الوطء عليه فضحك جميع من حضر من جوابه وله جواب لمن اعتذر عن غيبته عنه
( لك الفضل في ان لا تلوح لناظري ** وتبعد عني ما بقيت مدى الدهر )
( فوجهك في لحظي كما صور الردى ** ولفظك في سمعي حديث عن الفقر )
( ومن حاز ماقد حزته من ركاكة ** وغاب فلا يحتج إلى كلفة العذر )
وله أيضا
( لك يومان لم تلح لعياني ** ولك الفضل في زيادة شهر )
( ولك الفضل في زيادة عام ** ولك الفضل في زيادة دهر )
( ولك الفضل أن تغيب عني ** ذلك الوجه ما تطاول عمري )
____________________
(4/136)


وله وقد شرب على صهريج فاختنق الأسد الذي يرمي بالماء فنفخ فيه رجل أبخر فجرى
( ليث بديع الشكل لا مثل له ** صيغ من الماء له سلسله )
( يقذف بالماء على حينه ** كانه عاف الذي قبله )
619 - وقال أبو الوليد هشام الوقشي
( برح بي ان علوم الورى ** اثنان ما إن فيهما من مزيد )
( حقيقة يعجز تحصيلها ** وباطل تحصيله لا يفيد )
وله
( وفاره يركبه فاره ** مر بنا في يده صعده )
( سنانها مشتمل لحظه ** وقدها منتحل قده )
( يزحف للنساك في جحفل ** من حسنه وهو يرى وحده )
( قلت لنفسي حين مدت لها الآمال ** والآمال ممتده )
( لا تطمعي فيه كما الشعر لا ** يطمع في تسويده خده )
وقال
( عجبا للمدام ماذا استعارت ** من سجايا معذبي وصفاته ) ( طيب أنفاسه وطعم ثناياه ** وسكر العقول من لحظاته )
( وسنا وجهه وتوريد خديه ** ولطف الديباج من بشراته )
( والتداوي منها بها كالتداوي ** برضى من هويت من سطواته )
____________________
(4/137)


( وهي من بعد ذا علي حرام ** مثل تحريمه جنى رشفاته )
ومن تآليفه نكت الكامل للمبرد وقد مر ذكر هذا الرجل الفرد قبل هذا
وحضر يوما مجلس ابن ذي النون فقدم نوع من الحلوى يعرف بآذان القاضي فتهافت جماعة من خواصة عليها يقصدون التندير فيه وجعلوا يكثرون من أكلها وكان فيما قدم من الفاكهة طبق فيه نوع يسمى عيون البقر فقال له المأمون ياقاضي أرى هؤلاء يأكلون أذنيك فقال وانا أيضا آكل عيونهم وكشف عن الطبق وجعل ياكل منه وكان هذا من الاتفاق الغريب
620 - وكان الفاضل أبو الحسين ابن الوزير أبي جعفر الوقشي آية الله في الظرف وكيف لا ووالده الوزير أبوجعفر وصهره أبوالحسين ابن جبير وشيخه في علم الموسيقى والتهذيب والظرف والتدريب أبو الحسن ابن الحسن ابن الحاسب شيخ هذه الطريقة وقد رزق أبو الحسين المذكور فيها ذوقا مع 00000000 صوت بديع أشهى من الكأس للخليع قال أبو عمران ابن سعيد ما سمعته إلا تذكرت قول الرصافي
( ومطارح مما تجس بنانه ** لحنا أفاض عليه ماء وقاره )
( يثني الحمام فلا يروح لوكره ** طربا ورزق بنيه في منقاره )
وكنت أرتاح إلى لقائه ارتياح العليل إلى شفائه ولم أزل أقرع بابا فبابا وأخرق للاتصال حجابا فحجابا حتى هجمت مع شفيع لا يرد عليه وجلست بين يديه فحينئذ حرضه حسبه على الإكرام وتلقى بما أوسع من البشر والسلام وقال ليعلم سيدي أني كنت أود الناس في لقائه واحبهم في
____________________
(4/138)

إخائه والحمد لله الذي جعلني أنشد
( وليس الذي يتبع الوبل رائدا ** كمن جائه في داره رائد الوبل )
ثم قام الى خزانة فاخرج منها عود غناء يطرب دون أن تجس أوتاره وتلحن أشعاره واندفع يغني دون ان أسأله ذلك ولا أتجشم تكليفه الدخول في تلك المسالك
( ومازلت أرجو في الزمان لقاءكم ** فقد يسر الرحمن ماكنت أرتجي )
( فذكركم مازلت أتلوه دائبا ** إذا ذكروا مابين سلمى ومنعج )
فلما فرغ من استهلاله وعمله قبلت رأسه وقلت له لا أدري علام أشكرك قبل هل على تعجيلك بما لم تدعني أسألك في شأنه أم على ما تفردت بإحسانه فما هذا الصوت قال هذا نشيد خسرواني من تلحيني قال وأنشدني لنفسه
( حننت الى صوت النواعير سحرة ** فأضحى فؤادي لا يقر ولا يهدا )
( وفاضت دموعي مثل فيض دموعها ** أطارحها تلك الصبابة والوجدا )
( وزاد غرامي حين أكثر عاذلي ** فقلت له أقصر ولا تقدح الزندا )
( أهيم بهم في كل واد صبابة ** وأزداد مع طول البعاد لهم ودا )
وأنشدني لنفسه
( ولقد مررت على المنازل بعدهم ** أبكي وأسأل عنهم وأنوح )
( وأقول إن سألوا بحالي في النوى ** ماحال جسم فارقته الروح )
قال وكتب إلي
( ياحسرة ما قضت من لذة وطرا ** أين الزمان الذي يرجى به الخلف )
____________________
(4/139)


( أبكيك ملء جفوني ثم يرجعني ** إلى التصبر أني سوف انصرف )
قال أبو عمران وكنت في أيام الفتنة إذا ركنت إلى الامال هونت على نفسي ما ألقى من أهوالها بقولي مع خاطري قوله
( أين الزمان الذي يرجى به الخلف )

انتهى
621 - وكان أبو الحسين علي بن الحمارة ممن برع في الألحان وعلمها وهو من أهل غرناطة واشتهر عنه أنه كان يعمد إلى الشعراء فيقطع العود بيده ثم يصنع منه عودا للغناء وينظم الشعر ويلحنه ويغني به فيطرب سامعيه ومن شعره قوله
( إذا ظن وكرا مقلتي طائر الكرى ** رأى هدبها فارتاع خوف الحبائل )
وقال بعض العلماء في حقه إنه آخر فلاسفة الأندلس قال وأعجب ما وقع له في الشعر أنه دخل سلا وقد فرغ ابن عشرة من بناء قصره والشعراء تنشده في ذلك فارتجل ابن الحمارة هذين البيتين وانشدهما بعدهم
( ياواحد الناس قد شيدت واحدة ** فحل فيها محل الشمس في الحمل )
( فما كدارك في الدنيا لذي أمل ** ولا كدارك في الأخرى لذي عمل )
وسيأتي ذكر هذين البيتين
622 - وكان اهل الأندلس في غاية الاستحضار للمسائل العلمية على البديهة
____________________
(4/140)


قال ابن مسدي أملى علينا ابن المناصف النحوي بدانية على قول سيبويه هذا باب ما الكلم من العربية عشرين كراسا بسط القول فيها في مائة وثلاثين وجها انتهى
وهذا وأشباهه يكفيك في تبحر أهل الأندلس في العلم وربما سئل العالم منهم عن المسألة التي يحتاج في جوابها الى مطالعة ونظر فلم يحتج الى ذلك ويذكر من فكره ما لا يحتاج معه الى زيادة
623 - ومن الحكايات في مثل ذلك ان الأديب البليغ الحافظ أبا بكر ابن حبيش لما قال في تخميسه المشهور
( بماذا على كل من الحق اوجبت )
اعترض عليه أبو زكريا اليفرني بما نصه استعمل المخمس ماذا في البيت تكثيرا وخبرا والمعروف من كلام العرب استعمالها استفهاما فجاوبه بقوله اما استعمالها استفهاما كما قال فكثير لا يحتاج الى شاهد واما استعمالها في ألسن فصحاء العرب للكثرة فكثير لا يحتاج إلى شاهد لو وصل بحث واستعمل مكث فلم يعترض علي ولي ولا تشكك في جلي
( وليس يصح في الأفهام شيء ** إذا احتاج النهار الى دليل )
قال الله تعالى في سورة يونس { قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } يونس 101 ووقع في صحيح البخاري في رثاء المقتولين من المشركين يوم بدر
( وماذا بالقليب قليب بدر ** من الفتيان والشرب الكرام )
____________________
(4/141)


( وماذا بالقليب قليب بدر ** من الشيزى تكلل بالسنام )
وفي السير في رثاء المذكورين أيضا
( ماذا ببدر فالعقنقل ** من مرازبة جحاجح )
وهذا الشعر لأمية بن أبي الصلت الثقفي ووقع في الأغاني للوليد بن يزيد يرثي نديما له يعرف بابن الطويل
( لله قبر ضمنت ** فيه عظام ابن الطويل )
( ماذا تضمن إذ ثوى ** فيه من الرأي الأصيل )
والخبر طويل وأجلى من هذا وأعلى وأحق بكل تقديم وأولى ولكن الواو لا تفيد رتبة ولا تتضمن نسبة قول رسول الله ( ماذا أنزل الليلة من الفتن ) وهو في الصحاح ووقع في الحماسة وقد أجمعوا على الاستشهاد بكل ما فيها
( ماذا أجال وثيرة بن سماك ** من دمع باكية عليه وباك )
وفي الحماسة أيضا وأظنها لأبي دهبل
( ماذا رزئنا غداة الحل من زمع ** عند التفرق من خيم ومن كرم )
ووقع في نوادر القالي لكعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه ابا المغوار
____________________
(4/142)


هوت امه ما يبعث الصبح غاديا ** وماذا يرد الليل حين يؤوب )
ووقع في شعر الخنساء ترثي اخاها صخرا
( ألا ثكلت أم الذين غدوا به ** الى القبر ماذا يحملون الى القبر )
( وماذا يواري القبر تحت ترابه ** من الجود في بؤسى الحوادث والدهر )
ولجرير وهو في الحماسة
( إن الذين غدوا بلبك غادروا ** وشلا بعينك لا يزال معينا )
( غيضن من عبراتهن وقلن لي ** ماذا لقيت من الهوى ولقينا )
وفي الحماسة أيضا
( ماذا من البعد بين البخل والجود )
ووقع في الحماسة أيضا وهو لامرأة
( هوت أمهم ماذا بهم يوم صرعوا ** بجيشان من أسباب مجد تصرما )
أرادت ماذا تصرم لهم يوم صرعوا بجيشان من أسباب مجد تصرما
ومما يستظهر به قول أبي الطيب المتنبي
( ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها ** أني بما أنا باك منه محسود )
وقوله أيضا
( وماذا بمصر من المضحكات ** ولكنه ضحك كالبكا )
____________________
(4/143)


ومن ملح المتأخرين كان بمرسية ابو جعفر المذكور في المطمح وكان يلقب بالبقيرة فقال فيه بعض أهل عصره
( قالوا البقيرة يهجونا فقلت لهم ** ماذا دهيت به حتى من البقر )
( هذا وليس بثور بل هو ابنته ** وأين منزلة الأنثى من الذكر )
وأنشد صاحب الزهر ولا أذكر قائله
( ماذا لقيت من المستعربين ومن ** قياس قولهم هذا الذي ابتدعوا )
( إن قلت قافية بكرا يكون لها ** معنى يخالف ماقالوا وما وضعوا )
( قالوا لحنت وهذا الحرف منتصب ** وذاك خفض وهذا ليس يرتفع )
( وضربوا بين عبدالله واجتهدوا ** وبين زيد فطال الضرب والوجع )
وقال صاحب الزهر أنشد أبو حاتم ولم يسم قائله
( ألا في سبيل الله ماذا تضمنت ** بطون الثرى واستودع البلد القفر )
هذا ماحضر بفضل الله من الاستشهاد على ان ماذا تستعمل بمعنى الخبر والتكثير ووالله الذى لا إله غيره ما طالعت عليه كتابا ولا فتحت فيه بابا وإنما هو ثمالة من حوض التذكار وصبابة مما علق به شرك الأفكار وأثر مما سدك به السمع أيام خلو الذرع وعقدت عليه الحبى في عصر الصبا ورحم الله من تصفح وتلمح فتسمح وصحح ماوقع إليه من الاعتلال وأصلح ماوضع لديه من اختلال فخير الناس من أخذ بالبر والإيناس فبصر من جهلة وادكر عن وهلة وإنما المؤمنون إخوة
____________________
(4/144)

وتحابهم في الله رفعة وحظوة ولهم في السلف الكريم ومحافظتهم على الود القديم أسوة كريمة وقدوة
قال ابن الطراح انظر تحصيل هذا الإمام الرئيس والأسمى النفيس واستحضاره كلام الأدباء وسير النقاد البلغاء ومساجلته مع فرسان المعاني ووصفه تلك المغاني وقد كان حامل لواء الأدب وفائق أبناء جنسه في مرقب الطلب وهذه الكلمة أعني ماذا جرت بسببها مناظرة بين الأستاذ أبي الحسين ابن أبي الربيع النحوي المشهور وبين مالك بن المرحل بسبتة حتى ألف مالك كتاب الرمي بالحصى والضرب بالعصا وفيه هنات لا ينبغي لعاقل أن يذكرها ولا لذي طي في البيان أن ينشرها وفي ذلك قال الأستاذ أبو الحسين رحمه الله تعالى
( كان ماذا ليتها عدم ** ** جنبوها قربها ندم )
( ليتني يا مال لم أرها ** إنها كالنار تضطرم )
وقوله يامال ترخيم مالك
وحكى الأستاذ ابن غازي أنهم اختلفوا هل يقال كان ماذا أم لا وقال إن الأستاذ ابن أبي الربيع تطفل على مالك بن المرحل في الشعر كما أن ابن المرحل تطفل عليه في النحو قال ومن نظم مالك بن المرحل في هذه القضية
( عاب قوم كان ماذا ** ليت شعري كان ماذا )
( إن يكن ذلك جهلا ** منهم فكان ماذا )
ومن نظم ابن حبيش المذكور قوله
____________________
(4/145)


( إذا ما شئت أن تحيا هنيا ** رفيع القدر ذا نفس كريمه )
( فلا تشفع الى رجل كبير ** ولا تشهد ولا تحضر وليمه )
وله أيضا
( لأعملن الى لقياكم قدمي ** ولو تجشمت بين الطين والماء )
( لأن يبل ثيابي الغيث أهون بي ** من أن تحرق نار الشوق أحشائي ) ترجمة اليفرني النحو وأبو زكريا المعترض على ابن حبيش هو الفقيه النحوي الأديب أبوزكريا يحيى بن علي بن سلطان اليفرني ولد سنة 641 وبرع في العربية كان يلقب في المشرق جبل النحو وكان عند نفسه مجتهدا وكان لا يجيز نكاح الكتابيات خلافا للإمام مالك وهو مذهب الإمام احمد بن حنبل رحمه الله تعالى ويتمسك بقوله تعالى { وجعل بينكم مودة ورحمة } الروم 21 وكان يرى أن الطلاق لا يكون إلا مرتين مرة للاستبراء ومرة للانفصال ولا يقول بالثلاث وهو خلاف الإجماع وكان يقول في نهيه والسلام عن أكل ذي ناب من السباع أي ماكول كل ذي ناب وتبقى هي على الإباحة ويدل عليه قوله تعالى { وما أكل السبع } المائدة 3 وكان يقول في قوله تعالى { إن هذان لساحران } طه 63 الهاء اسم ان وذان لساحران جملة خبر لإن ولا تحتاج لرابط لأنها تفسيرية والمعنى عنده وأسروا النجوى قالوا إنها أي نجوانا هذان لساحران أي قولنا هذان لساحران تثبيطا للناس عن اتباعهما وخط المصحف يرده لكن في المصحف أشياء كتبت على غير المصطلح مثل مال هذا ولا أوضعوا
____________________
(4/146)