Advertisement

نفح الطيب 006



نفخ الطيب من غصن الأندلس الرطيب
أحمد بن محمد المقري التلمساني
سنة الولادة 986/ سنة الوفاة
تحقيق د. إحسان عباس
الناشر دار صادر
سنة النشر 1388هـ
مكان النشر بيروت
عدد الأجزاء 8 ولا أذبحه قال ابن الطراح ورأيت هذا المعنى لغيره وأظنه ابن النحاس وتوفي اليفرني المذكور سنة 700 ومن شعره
( ماذا على الغصن المياس لو عطفا ** على صبابة صب حالف الدنفا )
( يارحمة لفؤادي من معذ به ** كم ذا يحمله أن يحمل الكلفا )
( ويارعى الله دارا ظل يجمعنا ** في ظل عيش صفا من طيبه وضفا )
( مودة بيننا في الحب كاملة ** ونحن لا نعرف لاتعرف الإعراض والصلفا ) رجع إلى كلام الأندلسيين 624 - قال صالح بن شريف الرندي رحمه الله تعالى في سكين الكتابة
( أنا صمصامة الكتابة ما لي ** من شبيه في المرهفات الرقاق )
( فكأني في الحسن يوم وصال ** وكأني في القطع يوم فراق )
وقال في المقص
( ومصطحبين ما اتهما بعشق ** وإن وصفا بضم واعتناق )
( لعمر أبيك ما اجتمعنا لشيء ** سوى معنى القطيعة والفراق )
625 - ولبعض الأندلسيين
( هلا اقتدى ذو خلة بفعالنا ** فيكون واصل خله كوصالنا ) ( مهما يجىء أحد ليقطع بيننا ** نقطعه ثم نعد لأحسن حالنا )
626 - وجرح بعض الكتاب يده بالمقص فأنشده أحد جلسائه وغالب ظني أنه أندلسي
____________________
(4/147)


( عداوة لا لكفك من قديم ** فلا تعجب لمقراض لئيم )
( لئن أدماك فهو للا شبيه ** وقد يعدو اللئيم على الكريم )
627 - ولما ألف ابن عصفور كتابه المقرب في النحو انتقده جماعة من أهل قطره الأندلسيين وغيرهم منهم ابن الصائغ وابن هشام والجزيري وله عليه المنهج المعرب في الرد على المقرب وفيه تخليط كثير وتعسف
( وفي تعب من يحسد الشمس نورها ** ويأمل أن يأتي لها بضريب )
ومنهم ابن الحاج وأبو الحسن حازم القرطاجني الخزرجي وسماه شد الزيار على جحفلة الحمار وابن مؤمن القابسي وبهاء الدين ابن النحاس
628 - ومن شعر حازم الأندلسي المذكور قوله
( لم تدر إذ سألتك ما أسلاكها ** أبكت أسى أم قطعت أسلاكها )
وعارضة التجابي بقوله
( ياساحر الألحاظ يا فتاكها ** فتيا جواز الصد من أفتاكها )
629 - ومن حكاياتهم في المجون وما يجري مجراه أن الوزير أبا بكر ابن الملح كان له ابن شاب فاسترسل مع الأدب إلى أن خرج من القول إلى الفعل وأتى بأشياء لا تليق بمثله فكتب إليه أبوه
( ياسخنة العين يابنيا ** ليتك ماكنت لي بنيا )
( أبكيت عيني أطلت حزني ** أمت صيتي وكان حيا )
( حططت قدري وكان أعلى ** في كل حال من الثريا )
____________________
(4/148)


( أما كفاك الزنا ارتكابا ** وشرب مشمولة الحميا )
( حتى ضربت الدفوف جهرا ** وقلت للشر جىء إليا )
( فاليوم أبكيك ملء عيني ** لو كان يغني البكاء شيا )
فأجابه ابنه بقوله
( يالائم الصب في التصابي ** ماعنك يغني البكاء شيا )
( أوجفت خيل العتاب نحوي ** وقبل وثبتها إليا )
( وقلت عمر الهنا قصير ** فاربح من العيش ما تهيا )
( قد كنت أرجو المتاب مما ** فتنت جهلا به وغيا )
( لولا ثلاث شيوخ سوء ** أنت وإبليس والحميا )
630 - وقال أبو جعفر ابن صفوان المالقي رحمه الله تعالى
( سألته الإتيان تحوي مقبلا ** فقال سل نحوي كي تحصلا )
( قرأت باب الجمع من شوقي له ** وهو بالاشتغال عني قد سلا )
( للاستغاثة ابتدأت تاليا ** وهو لأفعال التعدي قد تلا )
( وكلما طلبت منه في الهوى ** عطفا غدا يطلب مني بدلا )
( وإن أرم محض إضافة له ** أعمل في قطعي عنه الحيلا )
( في ألف الوصل ظللت باحثا ** وهو بباب الفصل قد تكفلا )
( فلست موصولا وليس عائدا ** وليس حالي عن أسى منتقلا )
( فيا منى نفسي ومن لفهمه ** دانت فهوم الأذكياء النبلا )
( وجدي موقوف عليك لا أرى ** عنك مدى الدهر له تنقلا )
( فما الذي يمنع من تسكينه ** والوقف بالتسكين حكم أعملا )
( والحب مرفوع إليك مفرد ** فلم ترى لضمتي مستثقلا )
( فالضم للرفع غدا علامة ** في مفرد مثلي فأوضح مشكلا )
____________________
(4/149)


( لا زلت للهيام عني رافعا ** للوصل ناصبا لقولي معملا )
( للشوق مسكنا لهجري صارفا ** بالقرب من حال البعاد مبدلا )
( تجزم أمرا في الأماني ماضيا ** وتبتدي بما تشا مستقبلا )
631 - وقال محمد بن إدريس القضاعي الأصطبوني
( علاه رياض أورقت بمحامد ** تنور بالجدوى وتثمر بالأمل )
( تسح عليها من نداه غمامة ** تروي ثرى المعروف بالعل والنهل )
( وهل هو إلا الشمس نفسا ورفعة ** فيقرب بالجدوى ويبعد بالأمل )
( تعم أياديه البرية كلها ** فدان وقاص جود كفيه قد شمل )
632 - وقال محمد التطيلي الهذلي من أعيان غرناطة
( جارت علي لواحظ الآرام ** لما رمت أجفانها بسهام )
( حكمت علي بحكمها فتبسمت ** فغدا الضنى منها لدى أحكام )
( ياقاتلي عمدا بسيف لحاظه ** اغمد ظباه قبل وقع حمامي )
( كم رمت وصلك والصدود يصدني ** ويفل عزمي أمره ومرامي )
( إني عدمت النفس يوم فراقكم ** والبين أسلمها الى الإعدام )
( كيف المقام وأصل جسمي ناحل ** إن النفوس مقيمة الأجسام )
( صعب العلاج فليس يمكن برؤها ** حتى يعود الشهر مثل العام )
( قد كنت أفرح بالسلو فها أنا ** قد زم قلبي في الهوى بزمام )
( مالت به نحو الفتون بدائع ** من شادن يحكيه بدر تمام )
( فقوام انفسنا بلذة وصله ** وجميع أعيننا عليه سوام )
( قد أبرزت خداه روض محاسن ** عظمت على الأفكار والأوهام )
____________________
(4/150)


( تندى بماء شبيبة وتنعم ** فيروق منه الزهر في الأكمام )
( فكأنما وجناتها في لونها ** ورد الرياض ربا بصوب غمام )
( وكأنما درع الدجى من شعره ** قد حاكه منها يد الإظلام )
( وكأنما ريق حواه ثغره ** مسك أديف بعنبر ومدام )
( وكأنما سيف نضت ألحاظه ** سبق الأمير ممهد الإسلام )
( ذاك الأمير محمد بن محمد ** ناهيك من ملك أغر همام )
( ملك علا فوق السماك علاؤه ** وسما فأدرك غاية الإعظام )
( لو كان يعتقل السها لأتاه في ** شكل الفتاة ملثما بلثام )
( أو كان يرضى بالمجرة أجردا ** لجرت إلى الإسراج والإلجام )
( فالسعد يفعل للأماني قولها ** والنصر يخدمه مع الأيام )
( واليوم يعشقه ويحسد ليله ** فيه كعشق سيوفه للهام )
( نامت عيون الشرك خوف سنانه ** لولاه ما اكتحلت بطيف منام )
( بهر الأنام بسيفه وببأسه ** فسبى وأنعم أيما إنعام )
( فالمعتفي يجني جزيل هباته ** والمعتدي يصلى الردى بحسام )
( مهما استعنت به فضيغم معرك ** وإذا استجرت به فطود شمام )
( أجرى مياه العدل بعد جفوفها ** وأزال نار الظلم بعد ضرام )
( كم من كتيبة جحفل قد هدها ** في معرك بمهند صمصام )
( المقتني الجرد المذاكي عدة ** للكر في الأعداء والإقدام )
( من كل مبيض كأن أديمه ** لون الصباح أتى عقيب ظلام )
ومنها
( ياخير من ركب الجياد وقادها ** تحت اللواء وعمدة الأقوام )
( لازلتم والسعد يخدم أمركم ** في غبطة موصولة بدوام )
( حتى يصير الأمن في أرجائنا ** عبدا يقوم لنا على الأقدام )
____________________
(4/151)


( والله ينصركم ويعلي مجدكم ** ما سح إثر الصحو ماء غمام )
633 - وكان يحيى السرقسطي أديبا فرجع إلى الجزارين فأمر الحاجب ابن هود أبا الفضل ابن حسداي أن يوبخه على ذلك فكتب إليه
( تركت الشعر من عدم الإصابة ** وملت إلى التجارة والقصابة )
فأجابه يحيى
( تعيب علي مألوف القصابه ** ومن لم يدر قدر الشيء عابه )
( ولو أحكمت منها بعض فن ** لما استبدلت منها بالحجابه )
( ولو تدري بها كلفي ووجدي ** علمت علام أحتمل الصبابه )
( وإنك لو طلعت علي يوما ** وحولي من بني كلب عصابه )
( لهالك ما رأيت وقلت هذا ** هزبر صير الأوضام غابه )
( وكم شهدت لنا كلب وهر ** بأن المجد قد حزنا لبابه )
( فتكنا في بني العنزي فتكا ** أقر الذعر فيهم والمهابه )
( ولم نقلع عن الثوري حتى ** مزجنا بالدم القاني لعابه )
( ومن يغتر منهم بامتناع ** فإن إلى صوارمنا إيابه )
( ويبرز واحد منا لألف ** فيغلبهم وذاك من الغرابه )
ومنها
( أبا الفضل الوزير أجب ندائي ** وفضلك ضامن عنك الإجابة )
( وإصغاء إلى شكوى شكور ** أطلت على صناعته عتابه )
( وحقك ماتركت الشعر حتى ** رأيت البخل قد أوصى صحابه )
____________________
(4/152)


( وحتى زرت مشتاقا خليلي ** فأبدى لي التحيل والكآبه )
( وظن زيارتي لطلاب شيء ** فنافرني وغلظ لي حجابه )
634 - وقال الأديب أبو الحسن ابن الحداد
( قالت وأبدت صفحة ** كالشمس من تحت القناع )
( بعت الدفاتر وهي آخر ** مايباع من المتاع )
( فأجبتها ويدي على ** كبدي وهمت بانصداع )
( لا تعجبي مما رأيت ** فنحن في زمن الضياع )
635 - وقال الأديب أبو زكريا ابن مطروح من أهل مدينة باغه وقد عزل وال فنزل المطر على إثره وهو من أحسن شعر قاله وكان الوالي غير مرضي
( ورب وال سرنا عزله ** فبعضنا هنأه البعض )
( قد واصلتنا السحب من بعده ** ولذ في أجفاننا الغمض )
( لو لم يكن من نجس شخصه ** ما طهرت من بعده الأرض )
636 - وقال القاضي أبو البركات ابن الحاج البلفيقي رحمه الله تعالى
( وعشية حكمت على من تاب من ** أهل الخلاعة أن يعود لما مضى )
( جمعت لنا شمل السرور بفتية ** جمعوا من اللذات شملا مرتضى )
( ماعاقني عن أن أسير بسيرهم ** إلا الرياء مع الخطابة والقضا )
637 - وقال أبو الحجاج يوسف الفهري من أهل دانية
____________________
(4/153)


( أبى الله إلا أن أفارق منزلا ** يطالعني وجه المنى فيه سافرا )
( كأن على الأيام أن لا أحله ** رويدا فما أغشاه إلا مسافرا )
638 - وقال بعضهم في الرثاء
( عبرات تفيض حزنا وثكلا ** وشجون تعم بعضا وكلا )
( ليس إلا صبابة أضرمتها ** حسرة تبعث الأسى ليس إلا )
639 - ولأبي جعفر البغيل أحد شعراء المرية وكتابها
( عزاء على هذا المصاب الذي دهى ** وشتت شمل الأنس من بعد ما انتهى )
( بفرع علاء في منابت سؤدد ** تسامى رقيا في المعالي الى السها )
( أصبت به من بعد ما تم مجده ** وقد شمخت منه الشماريخ وازدهى )
( فأية شمس فيه للمجد كورت ** وأي بناء للمكارم قد وهى )
( فصبرا عليه لا رزئت بمثله ** فمثلك من يعزى إلى الحلم والنهى )
640 - وقال الكاتب الماهر أبو جعفر أحمد بن أيوب اللمائي المالقي
( طلعت طلائع للربيع فأطلعت ** في الروض وردا قبل حين أوانه )
( حيا أمير المؤمنين مبشرا ** ومؤملا للنيل من إحسانه )
( ضنت سحائبه عليه بمائه ** فأتاه يستسقيه ماء بنانه )
( دامت لنا أيامه موصولة ** بالعز والتمكين في سلطانه )
641 - وقال أبو جعفر أحمد بن طلحة من جزيرة شقر
( ياهل ترى أظرف من يومنا ** قلد جيد الأفق طوق العقيق )
( وأنطق الورق بعيدانها ** مطربة كل قضيب وريق )
____________________
(4/154)


( والشمس لا تشرب خمر الندى ** في الروض إلا بكؤوس الشقيق )
642 - وقال أبو جعفر الغساني من أهل وادي آش واستوطن غرناطة ثم مات بالمرية فكتب على حمالة قراب لموطإ الإمام مالك بعدما استنجد قرائح أدباء عصره واستصرخ اختراعاتهم لنصره فكلهم قصر عن غرضه وأداء مفترضة فقال هو
( ياطالبا لكمال ** حفظي أتم كمالك )
( فما تقلدت مثلي ** إذ لم تقلد كمالك )
643 - وقال أبو بكر يحيى بن بقي
( خذها على وجه الربيع المخصب ** لم يقض حق الروض من لم يشرب )
( هممي سماء علا وهمي مارد ** فارجمه من تلك الكؤوس بكوكب )
وهو رحمه الله تعالى صاحب الأبيات المشهورة
( زحزحته عن أضلع تشتاقه ** كيلا ينام على فراش خافق )
وانتقد عليه بعض اللطفاء فقال إنه كان جافي الطبع حيث قال زحزحته ولو قال باعدت عنه أضلعا تشتاقه لكان أحسن
644 - وقال السلطان المتوكل بن الأفطس صاحب بطليوس يستدعي
( انهض أبا طالب إلينا ** واسقط سقوط الندى علينا )
( فنحن عقد بغير وسطى ** مالم تكن حاضرا لدينا )
وتذكرت هنا قول بعض المشارقة فيما أظن والله تعالى أعلم
____________________
(4/155)


( نحن في مجلس أنس ** مابه غير محبك )
( فتصدق بحضور ** واجمع الوقت بقربك )
( وخف الآن عتابي ** مثل خوفي عند عتبك )
645 - وقال أبو عبدالله ابن خلصة الضرير
( ولو جاد بالدنيا وثنى بمثلها ** لظن من استصغارها أنه ضنا )
( ولا عيب في إنعامه غير أنه ** إذا من لم يتبع مواهبه منا )
وله أيضا
( يامالكا حسدت عليه زمانه ** أمم خلت من قبله وقرون )
( مالي أرى الآمال بيضا وضحا ** ووجوه آمالي حوالك جون )
( أنا آمن فرق وراج آيس ** ورو صد ومسرح مسجون )
( لا تعدني انواء سيبك لا عداك ** النصر والتأييد والتمكين )
646 - وقال ابن اللبانة
( كرمت فلا بحر حكاك ولا حيا ** وفت فلا عجم شأتك ولا عرب )
( وأوليتني منك الجميل فواله ** عسى السح من نعماك يتبعه السكب )
647 - وقال أبو علي ابن اليمان
( أبنات الهديل أسعدن أوعدن ** قليل العزاء بالإسعاد )
( بيد أني لا أرتضي مافعلتن ** فأطواقكن في الأجياد )
____________________
(4/156)


648 - وقال أبو جعفر أحمد بن الدودين من كلمة
( فغدت غواني الحي عنك غوانيا ** وأسلن ألحاظ الرباب ربابا )
649 - وقال ابن أبي الخصال في مليحة لها أربع جوار قبيحات
( وليلة طولها على سنة ** بات بها الجفن نادبيا وسنه )
( بأربع بينهن واحدة ** كسيئات وبينها حسنه )
650 - وقال غالب بن تمام الملقب بالحجام
( صغار الناس أكثرهم قبيحا ** وليس لهم بصالحة نهوض )
( ألم تر في سباع الطير نسرا ** يسالمنا ويؤذينا البعوض )
651 - وقال ابن عائشة
( وروضة قد علت سماء ** تطلع أزهارها نجوما )
( هفا نسيم الصبا عليها ** فخلتها أرسلت رجوما )
( كأنما الجو غار لما ** بدت فأغرى بها النسيما )
وله يصف فرسا وهو من بدائعه
( قصرت له تسع وطالت أربع ** وزكت ثلاث منه للمتأمل )
( وكأنما سال الظلام بمتنه ** وبدا الصباح بوجهه المتهلل )
( وكأن راكبه على ظهر الصبا ** من سرعة أو فوق ظهر الشمأل )
____________________
(4/157)


وقال
( تربة مسك وجو عنبرة ** وغيم ند وطش ما ورد )
( كأنما جائل الحباب به ** يلعب في جانبيه بالنرد )
وتروى هذه الأبيات لغيره
وقال
( هم سليوني حسن صبري اذ بانوا ** بأقمار أطواق مطالعها بان )
( لئن غادروني باللوى إن مهجتي ** مسايرة أظعانهم حيثما كانوا )
652 - وقال أبو محمد ابن سفيان وهو من أبدع التخلص
( فقلت وجفني قد تداعت شؤونه ** وحر ضلوعي مقعد ومقيم )
( لئن دهمت دهم الخطوب وآلمت ** فإن أبا عيسى أغر كريم )
653 - وقال ابن الزقاق
( بأبي وغير أبي أغن مهفهف ** مهضوم ماتحت الوشاح حميصه )
( لبس الفؤاد ومزقته جفونه ** فأتى كيوسف حين قد قميصه )
وقال
( سلام على أيامكم مابكى الحيا ** وسقيا لذاك العهد ماابتسم الزهر )
( كأن لم نبت في ظل امن تضمنا ** من الليلة الظلماء أردية خضر )
ولم نغتبق تلك الأحاديث قهوة ** وكم مجلس طيب الحديث به خمر )
( ألا في ضمان الله في كل ساعة ** يجدد لي فيها بشوقي له ذكر )
____________________
(4/158)


( يذكرنيه البرق جذلان باسما ** ويذكرني إسفار غرته الفجر )
ومارق زهر الروض إلا تمثلت ** لناظر عيني منه آدابه الزهر )
654 - وقال يحيى السرقسطي
( هاتها عسجدية كوثرية ** بنت كرم رحيقة عطريه )
( كلما شفها النحول تقوت ** فاعجبوا من ضعيفة وقويه )
( رب خمارة سريت إليها ** والدجى في ثيابه الزنجية )
ومنها
( كم عقار بدلته بعقار ** وثياب صبغتها خمرية )
( إن خير البيوع ماكان نقدا ** ليس ماكان آجلا بنسيه )
وله
( نسبتم الظلم لعمالكم ** ونمتم عن قبح أعمالكم )
( والله لو حكمتم ساعة ** ماخطر العدل على بالكم )
655 - وقال الرصافي في الدولاب
( وذي حنين يكاد شجوا ** يختلس الأنفس اختلاسا )
( إذا غدا للرياض جارا ** قال لها المحل لا مساسا )
( يبتسم الروض حين يبكي ** بأدمع ما رأين باسا )
( من كل جفن يسل سيفا ** صار له عقده رئاسا )
656 - وخرج أبو بكر الصابوني لنزهة بوادي اشبيلية وكان يهوى
____________________
(4/159)

فتى اسمه علي فقال
( أبا حسن أبا حسن ** بعادك قد نفى وسني )
( وما أنسى تذكره ** فهل أنسى فيذكرني )
ويشبه هذا قول الطاهر بن أبي ركب
( يقول الناس في مثل ** تذكر غائبا تره )
( فما لي لا أرى سكني ** وما أنسى تذكره )
657 - وكتب بعض الأدباء الى ابن حزم الأندلسي بقوله
( سألت الوزير الفقيه الأجل ** سؤال مدل على من سأل )
( فقلت أيا خير مسترشد ** وياخير من عن إمام نقل )
( أيحرم أن نالني قبلة ** غزال ترشف فيه الغزل )
( وعانقني والدجى خاضب ** فبتنا ضجيعين حتى نصل )
( وجئتك أسأل مسترشدا ** فبين فديت لمن قد سأل )
فأجابه ابن حزم بقوله
( إذا كان ما قلته صادقا ** وكنت تحريت جهد المقل )
( وكان ضجيعك طاوي الحشا ** أعار المهاة احمرار المقل )
( قريب الرضى وله غنة ** تميت الهموم وتحيي الجذل )
( ففي أخذ أشهب عن مالك ** عن ابن شهاب عن الغير قل )
( بترك الخلاف على جمعهم ** على أن ذلك حل وبل )
658 - ونظر الرصافي يوما إلى صبي يبكي ويأخذ من ريقه ويبل
____________________
(4/160)

عينيه كي يخفي أثر البكاء فارتجل الرصافي
( عذيري من جذلان يبدي كآبة ** وأضلعه مما يحاوله صفر )
( أميلد مياس إذا قاده الصبا ** إلى ملح الإدلال أيده السحر )
( يبل مآقي مقلتيه بريقه ** ليحكي البكا عمدا كما ابتسم الزهر )
( أيوهم أن الدمع بل جفونه ** وهل عصرت يوما من النرجس الخمر )
وكان المذكور أعني الرصافي يميل في شبينته لبعض فتيان الطلبة وأجمع الطلبة على أن يصنعوا نزهة بالوادي الكبير بمالقة فركبوا زورقا للمسير الى الوادي فوافق أن اجتمع في الزورق شمل الرصافي بمحبوبه ثم ان الريح الغربية عصفت وهاج البحر ونزل المطر فنزلوا من الزورق وافترق شمل الرصافي من محبوبه فارتجل في ذلك ويقال إنها من أول شعره
( غار بي الغرب إذ رآني ** مجتمع الشمل بالحبيب )
( فأرسل الماء عن فراق ** وأرسل الريح عن رقيب )
فلما سمع ذلك أستاذه استنبله وقال له إنك ستكون شاعر زمانك
659 - وحكي أن أبا بكر ابن مجبر قال في ابن لأبي الحسن ابن القطان بمحضر والده
( جاء وفي يساره ** قوس وفي اليمنى قدح )
( كأنه شمس بدت ** وحولها قوس قزح )
( يا لائمي في حبه ** ماكل من لام نصح )
فقال ابن عياش الكاتب هذه أبيات الأندلسي استوطن المشرق في تركي
____________________
(4/161)

فأقسم أبو بكر أنه لم يسمع شيئا من ذلك وإنما ارتجلها وقيل إنها لأبي الفتح محمد بن عبيد الله من أهل بغداد وأولها
( جد بقلبي ومزح )
فالله أعلم بحقيقة الأمر
660 - وخرج أبو بكر ابن طاهر وأبو ذر الخشني والقاضي أبو حفص ابن عمر وهو إذ ذاك وسيم فأثرت الشمس في وجهه فقال أبو ذر
( وسمتك الشمس يا عمر ** سمة في القلب تنتثر )
فقال الآخر
( علمت قدر الذي صنعت ** فأتت صفراء تعتذر )
661 - وقال أبو الحسين البلنسي الصوفي كان لي صديق أمي لا يقرأ ولا يكتب فعلق فتى وكان خرج لنزهة فأثرت الشمس في وجهه فأعجبه ذلك وأنشد
( رأيت أحمد لما جاء من سفر ** والشمس قد أثرت في وجهه أثرا )
( فانظر لما أثرته الشمس في قمر ** والشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا )
662 - واجتمع أبو الوليد الوقشي وأبو مروان عبدالملك بن سراج القرطبي وكانا فريدي عصرهما حفظا وتقدما فتعارفا وتساءلا ثم بادر أبو الوليد بالسؤال وقال كيف يكون قول القائل
( ولو أن مابي بالحصى فعل الحصى ** وبالريح لم يسمع لهن هبوب )
____________________
(4/162)


ما ينبغي أن يكون مكان فعل الحصى فقال أبو مروان فلق الحصى فقال وهمت إنما يكون قلق الحصى ليكون مطابقا لقوله لم يسمع لهن هبوب يريد أن ما يحرك به ما شأنه السكون ويسكن ما شأنه الحركة فقال أبو مروان مايريد الشاعر بقوله
( وراكعة في ظل غصن منوطة ** بلؤلؤة نيطت بمنقار طائر )
وكان اجتماعهما في مسجد فأقيمت الصلاة إثر فراغ ابن سراج من إنشاد البيت فلما انقضت الصلاة قال له الوقشي ألغز الشاعر باسم أحمد فالراكعة الحاء والغصن كناية عن الألف واللؤلؤة الميم ومنقار الطائر الدال فقال له ابن سراج ينبغي أن تعيد الصلاة لشغل خاطرك بهذا اللغز فقال له الوقشي بين الإقامة وتكبيرة الإحرام فككته
والبيت الأول لعبدالله بن الدمينة وبعده
( ولو أنني أستغفر الله كلما ** ذكرتك لم تكتب علي ذنوب )
663 - وقال الوزير أبو الحسن ابن الأضحى
( ومستشفع عندي بخير الورى عندي ** واولاهم بالشكر مني وبالحمد )
( وصلت فلما لم أقم بجزائه ** لففت له رأسي حياء من المجد )
وكان سبب قوله هذين البيتين أنه كتب إليه بعض الوزراء شافعا لأحد الأعيان فلما وصل إليه بره وأنزله وأعطاه عطاء استعظمه واستجزله وخلع عليه خلعا وأطلعه من الأحمال بدرا لم يكن مطلعا ثم اعتقد أنه قد جاء مقصرا فكتب إليه معتذرا بالبيتين هكذا حكاه الفتح وقال بعد ذلك ما صورته ومن باهر جلاله وطاهر خلاله أنه أعف الناس بواطن
____________________
(4/163)

وأشرفهم في التقى مواطن ما علمت له صبوة ولا حلت له الى مستنكر حبوة مع عدل لا شيء يعدله وتحجب عما يتقى مما يرسل عليه حجابه ويسد له وكان لصاحب البلد الذي كان يتولى القضاء به ابن من أحسن الناس صورة وكانت محاسن الأقوال والأفعال عليه مقصورة مع ما شئت من لسن وصوت حسن وعفاف واختلاط بالبهاء والتفاف قال الفتح وحملنا لإحدى ضياعه بقرب من حضرة غرناطة فحللنا قرية على ضفة نهر احسن من شاذمهر تشقها جداول كالصلال ولا ترمقها الشمس من تكاثف الظلال ومعنا جملة من أعيانها فأحضرنا من انواع الطعام وأرانا من فرط الإكرام والإنعام مالا يطاق ولا يحد ويقصر عن بعضه العد وفي أثناء مقامنا بدا لي من ذلك الفتى المذكور ما أنكرته فقابلته بكلام اعتقده وملام احقده فلما كان من الغد لقيت منه اجتنابه ولم أر منه ما عهدته من الإنابة فكتبت اليه مداعبا له فراجعني بهذه القطعة
( أتتني أبا نصر نتيجة خاطر ** سريع كرجع الطرف في الخطرات )
( فأعربت عن وجد كمين طويته ** بأهيف طاو فاتر اللحظات )
( غزال أحم المقلتين عرفته ** بخيف منى للحسن أو عرفات )
( رماك فأصمى والقلوب رمية ** لكل كحيل الطرف ذي فتكات )
( وظن بأن القلب منك محصب ** فلباك من عينيه بالجمرات )
( تقرب بالنساك في كل منسك ** وضحى غداة النحر بالمهجات )
( وكانت له جيان مثوى فأصبحت ** ضلوعك مثواه بكل فلاة )
( يعز علينا ان تهيم فتنطوي ** كئيبا على الأشجان والزفرات )
( فلو قبلت للناس في الحب فدية ** فديناك بالأموال والبشرات )
ومن إيثار ديانته وعلامة حفظه للشرع وصيانته وقصده مقصد المتورعين وجريه جري المتشرعين أن أحد أعيان بلده كان متصلا به اتصال الناظر
____________________
(4/164)

بسواده محتلا في عينه وفؤاده لا يسلمه الى مكروه ولا يفرده في حادث يعروه وكان من الأدب في منزلة تقتضي إسعافه ولا تورده من تشفيعه في مورد قد عافه فكتب إليه ضارعا في رجل من خواصه اختلط بامرأة طلقها ثم تعلقها وخاطبه في ذلك بشعر فلم يسعفه وكتب إليه مراجعا
( ألا أيها السيد المجتبى ** ويا أيها الألمعي العلم )
( أتتني أبياتك المحكمات ** بما قد حوت من بديع الحكم )
( ولم أر من قبلها مثلها ** وقد نفثت سحرها في الكلم )
( ولكنه الدين لا يشترى ** بنثر ولا بنظام نظم )
( وكيف أبيح حمى مانعا ** وكيف أحلل ماقد حرم )
( ألست أخاف عقاب الإله ** ونارا مؤججة تضطرم )
( أأصرفها طالقا بتة ** على أنوك قد طغى واجترم )
( ولو أن ذاك الغوي الزري ** تثبت في أمره ماندم )
( ولكنه طاش مستعجلا ** فكان أحق الورى بالندم )
انتهى كلام الفتح الذي أردت جلبه هنا
ولا خفاء ان هذه الحكاية مما يدخل في حكايات عدل قضاة الأندلس
ومن نظم ابن أضحى المذكور ماكتب به الى بعض من يعز عليه
( يا ساكن القلب رفقا كم تقطعه ** الله في منزل قد ظل مثواكا )
( يشيد الناس للتحصين منزلهم ** وانت تهدمه بالعنف عيناك )
( والله والله ماحبي لفاحشة ** أعاذني الله من هذا وعافاكا )
____________________
(4/165)


وله في مثل ذلك
( روحي إليك فرديه الى جسدي ** من لي على فقده بالصبر والجلد )
( بالله زوري كئيبا لا عزاء له ** وشرفيه ومثواه غداة غد )
( لو تعلمين بما ألقاه يا أملي ** بايعتني الود تصفيه يدا بيد )
( عليك مني سلام الله مابقيت ** آثار عينيك في قلبي وفي كبدي )
664 - وإذا وصلت إلى هذا الموضع من كلام اهل الأندلس فقد رأيت أن أذكر جملة من نساء اهل الأندلس اللاتي لهن اليد الطولى في البلاغة كي يعلم ان البراعة في اهل الأندلس كالغريزة لهم حتى في نسائهم وصبيانهم
1 - فمن النساء المشهورات بالأندلس ام السعد بنت عصام الحميري من أهل قرطبة وتعرف بسعدونة ولها رواية عن أبيها وجدها وغيرهما كما حكاه ابن الأبار في ترجمتها من التكملة وأنشدت لنفسها في تمثال نعل النبي تكملة لقول غيرها ماصورته
( سألثم التمثال إذ لم أجد ** للثم نعل المصطفى من سبيل )
( لعلني احظى بتقبيله ** في جنة الفردوس أسنى مقيل )
( في ظل طوبى ساكنا آمنا ** أسقي بأكواس من السلسبيل )
( وأمسح القلب به عله ** يسكن ما جاش به من غليل )
( فطالما استشفى بأطلال من ** يهواه أهل الحب في كل جيل )
وأنشدني ابن جابر الوادي آشي عن شيخه المحدث أبي محمد ابن هرون
____________________
(4/166)

القرطبي لجدته سعدونة وأظنها هذه
( آخ الرجال من الأبا ** عد والأقارب لا تقارب )
( إن الأقارب كالعقارب ** أو أشد من العقارب )
هكذا نقله الخطيب ابن مرزوق ورأيت نسبة البيتين لابن العميد فالله أعلم
2 - ومنهن حسانة التميمية بنت أبي المخشى الشاعر
تأدبت وتعلمت الشعر فلما مات أبوها كتبت إلى الحكم وهي إذ ذاك بكر لم تتزوج
( إني إليك أبا العاصي موجعة ** أبا المخشى سقته الواكف الديم )
( قد كنت أرتع في نعماه عاكفة ** فاليوم آوي إلى نعماك يا حكم )
( أنت الإمام الذي انقاد الأنام له ** وملكته مقاليد النهى الأمم )
( لا شيء أخشى إذا ماكنت لي كنفا ** آوي إليه ولا يعروني العدم )
( لا زلت بالعزة القعساء مرتديا ** حتى تذل إليك العرب والعجم )
فلما وقف الحكم على شعرها استحسنه وامر لها بإجراء مرتب وكتب إلى عامله على إلبيرة فجهزها بجهاز حسن
ويحكى أنها وفدت على ابنه عبدالرحمن بشكية من عامله جابر بن لبيد
____________________
(4/167)

والي إ لبيرة وكان الحكم قد وقع لها بخط يده تحرير املاكها وحملها في ذلك على البر والإكرام فتوسلت إلى جابر بخط الحكم فلم يفدها فدخلت الى الإمام عبدالرحمن فأقامت بفنائه وتلطفت مع بعض نسائه حتى اوصلتها إليه وهو في حال طرب وسرور فانتسبت إليه فعرفها وعرف أباها ثم أنشدته
( الى ذي الندى والمجد سارت ركائبي ** على شحط تصلى بنار الهواجر )
( ليجبر صدعي إنه خير جابر ** ويمنعني من ذي الظلامة جابر )
( فإني وأيتامي بقبضة كفه ** كذي ريش أضحى في مخالب كاسر )
( جدير لمثلي أن يقال مروعة ** لموت أبي العاصي الذي كان ناصري )
( سقاه الحيا لو كان حيا لما اعتدى ** علي زمان باطش بطش قادر )
( أيمحو الذي خطته يمناه جابر ** لقد سام بالأملاك إحدى الكبائر )
ولما فرغت رفعت إليه خط والده وحكت جميع أمرها فرق لها وأخذ خط أبيه فقبله ووضعه على عينيه وقال تعدى ابن لبيد طوره حين رام نقض رأي الحكم وحسبنا أن نسلك سبيله بعده ونحفظ بعد موته عهده انصرفي ياحسانة فقد عزلته لك ووقع لها بمثل توقيع أبيه الحكم فقبلت يده وأمر لها بجائزة فانصرفت وبعثت إليه بقصيدة منها
( ابن الهشامين خير الناس مأثرة ** وخير منتجع يوما لرواد )
( إن هز يوم الوغى أثناء صعدته ** روى أنابيبها من صرف فرصاد )
( قل للإمام أيا خير الورى نسبا ** مقابلا بين آباء وأجداد )
( جودت طبعي ولم ترض الظلامة لي ** فهاك فضل ثناء رائح غاد )
( فإن أقمت ففي نعماك عاطفة ** وإن رحلت فقد زودتني زادي )
____________________
(4/168)

3 - ومنهن أم العلاء بنت يوسف الحجارية ذكرها صاحب المغرب وقال إنها من أهل المائة الخامسة ومن شعرها
( كل مايصدر منكم حسن ** وبعلياكم تحلى الزمن )
( تعطف العين على منظركم ** وبذكراكم تلذ الأذن )
( من يعش دونكم في عمره ** فهو في نيل الأماني يغبن )
وعشقها رجل أشيب فكتبت إليه
( الشيب لا يخدع فيه الصبا ** بحيلة فاسمع إلى نصحي )
( فلا تكن أجهل من في الورى ** يبيت في الجهل كما يضحي )
ولها أيضا
( افهم مطارح أحوالي وماحكمت ** به الشواهد واعذرني ولا تلم )
( ولا تكلني إلى عذر أبينه ** شر المعاذير ما يحتاج للكلم )
( وكل ما جئته من زلة فبما ** أصبحت في ثقة من ذلك الكرم )
والحجارية بالراء المهملة نسبة الى وادي الحجارة
4 - ومنهن أمة العزيز
قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتاب المطرب من أشعار المغرب أنشدتني أخت جدي الشريفة الفاضلة امة العزيز الشريفة الحسينية لنفسها
____________________
(4/169)


( لحاظكم تجرحنا في الحشا ** ولحظنا يجرحكم في الخدود )
( جرح بجرح فاجعلوا ذا بذا ** فما الذي أوجب جرح الصدود )
قلت هذا السؤال يحتاج الي جواب وقد رأيت لبلدينا القاضي الامام الفاضل أبي الفضل قاسم العقباني التلمساني رحمه الله تعالى جوابه والغالب أنه من نظمه وهو قوله
( أوجبه مني ياسيدي ** جرح بخد ليس فيه الجحود )
( وأنت فيما قلته مدع ** فأين ماقلت وأين الشهود )
انتهى
5 - ومنهن أم الكرام بنت المعتصم بن صمادح ملك المرية
قال ابن سعيد في المغرب كانت تنظم الشعر وعشقت الفتى المشهور بالجمال من دانية المعروف بالسمار وعملت فيه الموشحات ومن شعرها فيه
( يامعشر الناس ألا فاعجبوا ** مما جنته لوعة الحب )
( لولاه لم ينزل ببدر الدجى ** من أفقه العلوي للترب )
( حسبي بمن أهواه لو أنه ** فارقني تابعه قلبي )
6 - ومنهن الشاعرة الغسانية البجانية بالنون نسبة الى بجانة وهي كورة عظيمة وتشتهر بإقليم المرية وهي من أهل المائة الرابعة فمن نظمها من أبيات
____________________
(4/170)


( عهدتهم والعيش في ظل وصلهم ** أنيق وروض الوصل أخضر فينان )
( ليالي سعد لا يخاف على الهوى ** عتاب ولا يخشى على الوصل هجران )
7 - ومنهن العروضية مولاة أبي المطرف عبدالرحمن بن غلبون الكاتب
سكنت بلنسية وكانت قد أخذت عن مولاها النحو واللغة لكنها فاقته في ذلك وبرعت في العروض وكانت تحفظ الكامل للمبرد والنوادر للقالي وتشرحهما قال أبو داود سليمان بن نجاح قرأت عليها الكتابين وأخذت عنها العروض وتوفيت بدانية بعد سيدها في حدود الخمسين والأربعمائة رحمها الله تعالى
8 - ومنهن حفصة بنت الحاج الركونية الشاعرة الأديبة المشهورة بالجمال والحسب والمال ذكرها الملاحي في تاريخه وأنشد لها مما قالته في أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي ارتجالا بين يديه
( ياسيد الناس يامن ** يؤمل الناس رفده )
( امنن علي بطرس ** يكون للدهر عده )
( تخط يمناك فيه ** الحمد لله وحده )
وأشارت بذلك إلى العلامة السلطانية عند الموحدين فإنها كانت أن يكتب السلطان بيده بخط غليظ في رأس المنشور الحمد لله وحده 665 - استطراد بقصتين تذكرت بذلك والشيء بالشيء يذكر أنه لما قفل السلطان الناصر أمير
____________________
(4/171)

المؤمنين اببن أمير المؤمنين يعقوب المنصور ابن أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن بن علي سلطان المغرب والأندلس من إفريقية سنة ثلاث وستمائة بعد فتح المهدية هنأته الشعراء بذلك ثم اجتمع أبو عبدالله ابن مرج الكحل بالشعراء والكتاب فتذكروا الفتح وعظمه فأنشدهم ابن مرج الكحل في الوقت لنفسه
( ولما توالى الفتح من كل وجهة ** ولم تبلغ الأوهام في الوصف حده )
( تركنا أمير المؤمنين لشكره ** بما أودع السر الإلهي عنده )
( فلا نعمة إلا تؤدي حقوقها ** علامته بالحمد لله وحده )
فاستحسن الكتاب له ذلك ووقع أحسن موقع
وحكى صاحب كتاب روح الشعر وروح الشحر وهو الكاتب أبو عبدالله محمد بن الجلاب الفهري أن أمير المؤمنين يعقوب المنصور لما قفل من غزوة الأراكة المشهورة وكانت يوم الأربعاء تاسع شعبان سنة إحدى وتسعين وخمسمائة ورد عليه الشعراء من كل قطر يهنئونه فلم يمكن لكثرتهم أن ينشد كل انسان قصيدته بل كان يختص منها بالإنشاد البيتين أو الثلاثة المختارة فدخل أحد الشعراء فأنشده
( ما أنت في أمراء الناس كلهم ** إلا كصاحب هذا الدين في الرسل )
( أحييت بالسيف دين الهاشمي كما ** أحياه جدك عبدالمؤمن بن علي )
فأمر له بألفي دينار ولم يصل أحدا غيره لكثرة الشعراء وأخذ بالمثل منع الجميع أرضى للجميع قال وانتهت رقاع القصائد وغيرها إلى أن حالت بينه وبين من كان أمامه لكثرتها انتهى رجع الى أخبار حفصة وأنشد لها أبو الخطاب في المطرب قولها
____________________
(4/172)


( ثناءي على تلك الثنايا لأنني ** أقول على علم وأنطق عن خبر )
( وأنصفها لا أكذب الله إنني ** رشفت بها ريقا أرق من الخمر )
وتولع بها السيد أبو سعيد ابن عبدالمؤمن ملك غرناطة وتغير بسببها على أبي جعفر ابن سعيد حتى ادى تغيره عليه أن قتله وطلب أبو جعفر منها الاجتماع فمطلته قدر شهرين فكتب لها
( يامن اجانب ذكر اسمه ** وحسبي علامه )
( ما إن أرى الوعد يقضى ** والعمر أخشى انصرامه )
( اليوم أرجوك لا أن ** تكون لي في القيامه )
( لو قد بصرت بحالي ** والليل أرخى ظلامه )
( أنوح وجدا وشوقا ** إذ تستريح الحمامه )
( صب أطال هواه ** على الحبيب غرامه )
( لمن يتيه عليه ** ولا يرد سلامه )
( إن لم تنيلي أريحي ** فاليأس يثني زمامه )
فأجابته
فأجابته
( يامدعي في هوى الحسن ** والغرام الإمامه )
( أتى قريضك لكن ** لم أرض منه نظامه )
( أمدعي الحب يثني ** يأس الحبيب زمامه )
( ضللت كل ضلال ** ولم تفدك الزعامه )
( مازلت تصحب مذ كنت ** في السباق السلامه )
( حتى عثرت واخجلت ** بافتضاح السآمه )
( بالله في كل وقت ** يبدي السحاب انسجامه )
( والزهر في كل حين ** يشق عنه كمامه )
____________________
(4/173)


( لو كنت تعرف عذري ** كففت غرب الملامه )
ووجهت هذه الأبيات مع موصل أبياته بعدما لعنته وسبته وقالت له لعن الله المرسل والمرسل فما في جميعكما خير ولا لي برؤيتكما حاجة وانصرف بغاية من الخزي ولما أطل على أبي جعفر وهو في قلق لانتظاره قال له ماوراءك ياعصام قال مايكون وراء من وجهه خلف الى فاعلة تاركة اقرإ الأبيات تعلم فلما قرأ الأبيات قال للرسول ما أسخف عقلك وأجهلك إنها وعدتني للقبة التي في جنتي المعروفة بالكمامة سر بنا فبادروا للكمامة فما كان إلا قليلا وإذا بها قد وصلت وأراد عتبها فأنشدت
( دعي عد الذنوب إذا التقينا ** تعالي لا نعد ولا تعدي )
وجلسا على أحسن حالة وإذا برقعة الكتندي الشاعر لأبي جعفر وفيها
( أبا جعفر يا ابن الكرام الأماجد ** خلوت بمن تهواه رغما لحاسد )
( فهل لك في خل قنوع مهذب ** كتوم عليم باختفاء المراصد )
( يبيت إذا يخلو المحب بحبه ** ممتع لذات بخمس ولائد )
فقرأها على حفصة فقالت لعنه الله قد سمعنا بالوارش على الطعام والواغل على الشراب ولم نسمع اسما لمن يعلم باجتماع محبين فيروم الدخول عليهما فقال لها بالله سميه لنكتب له بذلك فقالت أسميه الحائل لأنه يحول بيني وبينك إن وقعت عيني عليه فكتب له في ظهر رقعته
( يامن إذا ما اتاني ** جعلته نصب عيني )
( تراك ترضى جلوسا ** بين الحبيب وبيني )
( إن كان ذاك فماذا ** تبغي سوى قرب حيني )
____________________
(4/174)


( والآن قد حصلت لي ** بعد المطال بديني )
( فإن أتيت فدفعا ** منها بكلتا اليدين )
( أو ليس تبغي وحاشاك ** ان ترى طير بين )
( وفي مبيتك بالخمس ** كل قبح وشين )
( فليس حقك إلا الخلو ** بالقمرين )
وكتب له تحت ذلك ماكان منها من الكلام وذيل ذلك بقوله
( سماك من اهواه حائل ** إن كنت بعد العتب واصل )
( مع أن لونك مزعج ** لوكنت تحبس بالسلاسل )
فلما رجع إليه الرسول وجده قد وقع بمطمورة نجاسة وصار هتكة فلما قرأ الأبيات قال للرسول أعلمهما بحالي فرجع الرسول وأخبرهما بذلك فكاد أن يغشى عليهما من الضحك وكتب إليه كل واحد بيتا وابتدأ أبوجعفر فقال
( قل للذي خلصنا ** منه الوقوع في الخرا )
( ارجع كما شاء الخرا ** يا ابن الخرا إلى ورا )
( وإن تعد يوما إلى ** وصالنا سوف ترى )
( يا أسقط الناس ويا ** انذلهم بلا مرا )
( هذا مدى الدهر تلاقي ** لو أتيت في الكرى )
( يالحية تشغف في ** الخرء وتشنا العنبرا )
( لا قرب الله اجتماعا ** بك حتى تقبرا
ومن شعرها
( سلام يفتح في زهره الكمام ** وينطق ورق الغصون )

____________________
(4/175)


( على نازح قد ثوى في الحشا ** وإن كان تحرم منه الجفون )
( فلا تحسبوا البعد ينسيكم ** فذلك والله مالا يكون )
وقولها من أبيات
( ولو لم يكن نجما لما كان ناظري ** وقد غبت عنه مظلما بعد نوره )
( سلام على تلك المحاسن من شج ** تناءت بنعماه وطيب سروره )
وقولها
( سلوا البارق الخفاق والليل ساكن ** أظل بأحبابي يذكرني وهنا )
( لعمري لقد أهدى لقلبي خفقة ** وأمطرني منهل عارضه الجفنا )
ونسب بعض إليها البيتين الشهيرين
( أغار عليك من عيني رقيبي ** ومنك ومن زمانك والمكان )
( ولو اني خبأتك في عيوني ** إلي يوم القيامة ماكفاني ) والله تعالى أعلم
وكتبت إلي أبي جعفر
( رأست فما زال العداة بظلمهم ** وعلمهم النامي يقولون ما رأس )
( وهل منكر أن ساد اهل زمانه ** جموح إلى العليا حرون عن الدنس )
وقال ابن دحية حفصة من أشراف غرناطة رخيمة الشعر رقيقة النظم والنثر انتهى
____________________
(4/176)


ومن قولها في السيد أبي سعيد ملك غرناطة تهنئه بيوم عيد وكتبت بذلك إليه
( ياذا العلا وابن الخليفة ** والإمام المرتضى )
( يهنيك عيد قد جرى ** فيه بما تهوى القضا )
( وأتاك من تهواه في ** قيد الإنابة والرضى )
( ليعيد من لذاته ** ماقد تصرم وانقضى )
وذكر الملاحي في تاريخه انها سألتها امرأة من أعيان أهل غرناطة أن تكتب لها شيئا بخطها فكتبت إليها
( ياربة الحسن بل يا ربة الكرم ** غضي جفونك عما خطه قلمي )
( تصفحيه بلحظ الود منعمة ** لا تحفلي بردىء الخط والكلم )
واتفق ان بات أبو جعفر ابن سعيد معها في بستان بحور مؤمل على ما يبيت به الروض والنسيم من طيب النفحة ونضارة النعيم فلما حان الانفصال قال أبو جعفر وكان يهواها كما سبق
( رعى الله ليلا لم يرح بمذمم ** عشية وارانا بحور مؤمل )
( وقد خفقت من نحو نجد أريجه ** إذا نفحت هبت بريا القرنفل )
( وغرد قمري على الدوح وانثنى ** قضيب من الريحان من فوق جدول )
( يرى الروض مسرورا بما قد بدا له ** عناق وضم وارتشاف مقبل )
وكتب بها إليها بعد الافتراق لتجيبه على عادتها في مثل ذلك فكتبت إليه بقولها
( لعمرك ما سر الرياض بوصلنا ** ولكنه أبدى لنا الغل والحسد )
( ولا صفق النهر ارتياحا لقربنا ** ولا غرد القمري إلا لما وجد )
____________________
(4/177)


( فلا تحسن الظن الذي أنت اهله ** فماهو في كل المواطن بالرشد )
( فما خلت هذا الأفق أبدى نجومه ** لأمر سوى كيما تكون لنا رصد )
وقال ابن سعيد في الطالع السعيد كتبت حفصة الركونية الى بعض أصحابها
( أزورك ام تزور فإن قلبي ** الى ما تشتهي أبدا يميل )
( فثغري مورد عذب زلال ** وفرع ذؤابتي ظل ظليل )
( وقد أملت أن تظما وتضحى ** إذا وافى إليك بي المقيل )
( فعجل بالجواب فما جميل ** إباؤك عن بثينة يا جميل ) 666 - سلمى بنت القراطيسي قال التجاني تشبه أبيات حفصة هذه أبيات أنشدها ابن أبي الحصين في تاريخه لسلمى بنت القراطيسي من اهل بغداد وكانت مشهورة بالجمال وهي
( عيون مها الصريم فداء عيني ** وأجياد الظباء فداء جيدي )
( أزين بالعقود وإن نحري ** لأزين للعقود من العقود )
( ولا أشكو من الأوصاب ثقلا ** وتشكو قامتي ثقل النهود )
وبلغت هذه الأبيات المقتفي أمير المؤمنين فقال ايألوا هل تصدق صفتها قولها فقالوا مايكون أجمل منها فقال اسألوا عن عفافها فقالوا له هي أعف الناس فأرسل إليها مالا جزيلا وقال تستعين به على صيانة جمالها ورونق بهجتها انتهى رجع الى حفصة
وقال أبو جعفر ابن سعيد أقسم ما رأيت ولا سمعت بمثل حفصة ومن
____________________
(4/178)

بعض ما أجعله دليلا على تصديق عزمي وبر قسمي أني كنت يوما في منزلي مع من يحب أن يخلى معه من الأجواد الكرام على راحة سمحت بها غفلات الأيام فلم نشعر إلا بالباب يضرب فخرجت جارية تنظر من الضارب فوجدت امرأة فقالت لها ماتريدين فقالت ادفعي لسيدك هذه الرقعة فجاءت برقعة فيها
( زائر قد اتى بجيد الغزال ** مطلع تحت جنحه للهلال )
( بلحاظ من سحر بابل صيغت ** ورضاب يفوق بنت الدوالي )
( يفضح الورد ماحوى منه خد ** وكذا الثغر فاضح للآلي )
( ماترى في دخوله بعد إذن ** أو تراه لعارض في انفصال )
قال فعلمت أنها حفصة وقمت مبادرا للباب وقابلتها بما يقابل به من يشفع له حسنه وآدابه والغرام به وتفضله بالزيارة دون طلب في وقت الرغبة في الأنس به انتهى 667 - أبو جعفر ابن سعيد
قلت وإذ قد جرى ذكر ابي جعفر ابن سعيد سابق الحلبة فلنلم ببعض أحواله فنقول هو أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد العنسي قال قريبه أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد في المغرب سمعت أبي يقول لا أعلم في بني سعيد أشعر منه بل لا أعلم في بلده وعشق حفصة شاعرة الأندلس وكانا يتجاوبان تجاوب الحمام ولما استبد والده بأمر القلعة حين ثار أهل الأندلس بسبب صولة بني عبدالمؤمن على الملثمين اتخذه وزيرا واستنابه في
____________________
(4/179)

أموره فلم يصبر على ذلك واستعفى فلم يعفه وقال أفي مثل هذا الوقت الشديد تركن الى الراحة فكتب إليه
( مولاي في أي وقت ** انال في العيش راحه )
( أن لم أنلها وعمري ** ما إن أنار صباحه )
( وللملاح عيون ** تميل نحو الملاحه )
( وكأس راحي ما إن ** تمل مني راحه )
( والخطب عني أعمى ** لم يقترب لي ساحه )
( وأنت دوني سور ** من العلا والرجاحه )
( فأعفني وأقلني ** مما رأيت صلاحه )
( مافي الوزارة حظ ** لمن يريد ارتياحه )
( كل وقال وقيل ** ممن يطيل نباحه )
( أنسي أتى مستغيثا ** فاترك فديت سراحه )
فلما قرأ الأبيات قال لا ينفع الله بما لايكون مركبا في الطبع مائلة له النفس ثم وقع على ظهر ورقته قد تركنا سراح أنسك والحقنا يومك بأمسك ولما رجع ثوار الأندلس إلى عبد المؤمن وبايعه عبدالملك بن سعيد فغمره إحسانا وبرا وولي السيد أبو سعيد ابن عبدالمؤمن غرناطة طلب كاتبا من أهلها فوصف له فضل أبي جعفر وحسبه وأدبه فاستكتبه فطلب أن يعفيه فأبى إلى أن شرب أبو جعفر يوما مع خواصة وخرج ثاني يوم الى الصيد وكان اليوم ذا غيم وبرد ولما اشتد البرد مالوا الى خيمة ناطور وجعلوا يصطلون ويشربون على ما اصطادوا فحمل أبا جعفر بقية السكر على ان قال يصف يومه ويستطرد بما في نفسه
( ويوم تجلى الأفق فيه بعنبر ** من الغيم لذنا فيه باللهو والقنص )
( وقد بقيت فينا من الأمس فضلة ** من السكر تغرينا بمنتهب الفرص )

____________________
(4/180)


( ركبنا له صبحا وليلا وبعضنا ** أصيلا وكل إن شدا جلجل رقص )
( وشهب بزاة قد رجمنا بشهبها ** طيورا يساغ اللهو إن شكت الغصص )
( وعن شفق تغري الصباح أو الدجى ** إذا أوثقت ماقد تحرك أو قمص )
( وملنا وقد نلنا من الصيد سؤلنا ** على قنص اللذات والبرد قد قرص )
( بخيمة ناطور توسط عذبها ** جحيم به من كان عذب قد خلص )
( أدرنا عليه مثله ذهبية ** دعته إلى الكبرى فلم يجب الرخص )
( فقل لحريص أن يراني مقيدا ** بخدمته لا يجعل الباز في القفص )
( وما كنت إلا طوع نفسي فهل أرى ** مطيعا لمن عن شأو فخري قد نقص )
فكان في أصحابه من حفظ هذين البيتين ووشى بهما للسيد فعزله أسوأ عزل ثم بلغه بعد ذلك أنه قال لحفصة الشاعرة ما تحبين في ذلك الأسود وانا أقدر أن أشتري لك من سوق العبيد عشرة خيرا منه وكان لونه مائلا إلى السواد فأسرها في نفسه الى أن فر عبدالرحمن بن عبدالملك بن سعيد إلى ملك شرق الأندلس محمد بن مردنيش فوجد له بذلك سببا فقتله صبرا بمالقة
وكان عبدالملك بن سعيد يذكر ابنه أبا جعفر لعبدالمؤمن وينشده من شعره رغبة في تشريفه بالحضور بين يديه وإنشاده في مجلسه فأمره بحضوره فعندما دخل عليه قبل يده وأنشد قصيدة منها قوله
( عليك أحالني داعي النجاح ** ونحوك حثني حادي الفلاح )
( وكنت كساهر ليلا طويلا ** ترنح حين بشر بالصباح )
( وذي جهل تغلغل في قفار ** شكا ظمأ فدل على القراح )
( دعانا نحو وجهك طيب الذكر ** ويذكر للرياض شذا الرياح )
____________________
(4/181)


وله في غلام أسود ساق ارتجالا
( أدار علينا الكأس ظبي مهفهف ** غدا نشره واللون للعنبر الشحري )
( وزاد لنا حسنا بزهر كؤوسه ** وحسن ظلام الليل بالأنجم الزهر )
وقوله فيه وقد لبس أبيض
( وغصن من الآبنوس ارتدى ** بعاج كليل علاه فلق )
( يحاكي لنا الكأس في كفه ** صباح بجنح علاه شفق )
وقوله مما كتب به إلى اخيه محمد وقد ورد منه كتاب بإنعام
( وافى كتابك ينبي ** عن سابغ الإنعام )
( فقلت در ودر ** من زاخر وغمام )
وقوله يذم حماما
( يارب حمام لعنا بما ** أبدى إلينا كل حمام )
( أفق له قطر حميم كما ** أصمت سهام من يدي رامي )
( يخرق سحبا للدخان الذي ** لاح لغيم العارض الهامي )
( وقيم يجذبني جذبة ** وتارة يكسر إبهامي )
( ويجمع الأوساخ من لؤمه ** في عضدي قصدا لإعلامي )
( وازدحم الأنذال فيه وقد ** ضجوا ضجيجا دون إفهام )
( وجملة الأمر دخلنا بني ** سام وعدنا كبني حام )
وله في ضد ذلك والنصف الأخير لابن بقي
( لا أنس ما عشت حماما ظفرت به ** وكان عندي أحلى من جني الظفر )
( نعمت جسمي في ضدين مغتنما ** تنعم الغصن بين الشمس والمطر )
____________________
(4/182)


وقال له السيد أبو سعيد ابن عبدالمؤمن صاحب غرناطة ما أنت إلا حسن الفراسة وافر العقل فقال
( نسبتم لمن هذبتموه فراسة ** وعقلا ولولاكم للازمة الجهل )
( وماهو أهل للثناء وإنما ** علاكم لتقليد الأيادي له أهل )
( وما انا إلا منكم وإليكم ** وما في من خير فأنتم له أصل )
وقال
( ولما رأيت السعد في صفح وجهه ** منيرا دعاني ما رأيت الى الشكر )
( وأقبل يبدي لي غرائب نطقه ** وماكنت ادري قبله منزع السحر )
( فأصغيت إصغاء الجديب إلى الحيا ** وكان ثنائي كالرياض على القطر )
وله
( لا تكثرن عتابي ** إن طال عنك فراقي )
( فما يضر بعاد ** يطول والود باقي )
وله
( ماخدمناكم لأن تشفعوا فينا ** بدار الجزاء يوم الحساب )
( ذاك يوم أنا وأنت سواء ** فيه كل يخاف سوء العقاب )
( إنما الشأن الذب في هذه الدنيا ** بسلطانكم عن الأصحاب )
( وإذا ماخذلتموهم بشكوى ** وبخلتم عنهم برد الجواب )
( فاعذروهم ان يطلبوا من سواكم ** نصرة وارفعوا حجال العتاب )
( وإذا أرض مجدب لفظته ** فله العذر في اتباع السحاب )
وله وقد تقدم أمامه في ليلة مظلمة أحد أصحابه فطفىء السراج في يده فقال لوقته
____________________
(4/183)


( لي من جبينك هادي ** في الليل نحو مرادي )
( فما أريد سراجا ** يدلني لرشاد )
( أنى وكفك سحب ** يبدو بها ذا اتقاد )
وله في قوادة
( قوادة تفخر بالعار ** أقود من ليل على سار )
( ولاجة في كل دار وما ** يدري بها من حذقها داري )
( ظريفة مقبولة الملتقى ** خفيفة الوطء على الجار )
( لحافها لا ينطوي دائما ** أقلق من راية بيطار )
( قد ربيت مذ عرفت نفعها ** مابين فتاك وشطار )
( جاهلة حيث ثوى مسجد ** عارفة حانة خمار )
( بسامة مكثرة برها ** ذات فكاهات وأخبار )
( علم الرياضات حوته وسا ** سته ** بتقويم وأسحار )
( مناعة للنعل من كيسها ** موسرة في حال اعسار )
( تكاد من لطف أحاديثها ** تجمع بين الماء والنار )
وما سمعنا في هذا الباب أحسن من هذا والبيت السائر
( تقود من السياسة ألف بغل ** إذا حرنت بخيط العنكبوت )
وشرب ليلة مع أصحاب له وفيهم وسيم فأعرض بجانبه وقطب فتكدر المجلس فقال أبو جعفر
( يا من نأى عنا الى جانب ** صدا كميل الشمس عند الغروب )
( لا تزو عنا وجهك المجتلى ** فالشمس لا يعهد منها قطوب )
( إن دام هذا الحال ما بيننا ** فإننا عما قريب نتوب )
____________________
(4/184)


( ما نشتكي الدهر ولا خطبه ** لولاك مادارت علينا خطوب )
وله أيضا
( أيا لائمي في حمل صحبة جاهل ** قطوب المحيا سيء اللحظ والسمع )
( لمنفعة ترجى لديه صحبته ** وإن كان ذا طبع يخالفه طبعي )
( كما احتمل الإنسان شرب مرارة الدواء ** لما يرجو لديه من النفع )
وله وقد أحسن ماشاء
( تركتكم لا كارها في جنابكم ** ولكن أبى ردي إلى بابكم دهري )
( وطاحت بي الأطماع في كل وجهة ** تنقلني من كل سهل إلى وعر )
( وما باختيار فارق الخلد آدم ** وماعن مراد لاذ أيوب بالصبر )
( ولكنها الأيام ليست مقيمة ** على ما اشتهاه مشته امد العمر )
( وإنك إن فكرت فيما أتيته ** تيقنت أن الترك لم يك عن غدر )
( ولكن لجاج في النفوس إذا انقضى ** رجعت كما قد عاد طير إلى وكر )
( وإني لمنسوب إليكم وإن نأت ** بي الدار عنكم والغدير إلى القطر )
( وإني لمثن بالذي نلت منكم ** مقيم على ما تعلمون من البر )
( وإن خنتكم يوما فخانني المنى ** وساء لديكم بعد إحماده ذكري )
( على أنني أقررت أني مذنب ** وذو المجد من يغني المقر عن العذر )
وله يصف نارا
( نظرت الى نار تصول على الدجى ** إذا ما حسبناها تدانت تبعد )
( ترفعها أيدي الرياح وتارة ** تخفضها مثل المكبر يسجد )
( وإلا فمن لا يملك الصبر قلبه ** يقوم به غيظ هناك ويقعد )
( لها ألسن تشكو بها ما أصابها ** وقد جعلت من شدة القر ترعد )
____________________
(4/185)


وله على لسان إنسان أخلقت بردته
( مولاي هذي بردتي أخلقت ** وليس شيء دونها املك )
( وصرت من بأس ومن فاقة ** أبكي إذا أبصرتها تضحك )
وله يستدعي احد أبناء الرؤساء إلى يوم اجتماع
( تداركنا فإنا في سرور ** وما بسؤاك يكتمل السرور )
( أهلة أنسنا بك في تمام ** أليس تتم بالشمس البدور )
وله وقد خطر على منزله من إليه له ميل وقال لولا أخاف التثقيل لدخلت وانصرف فلما أعلم أبو جعفر كتب إليه
( مولاي لم تقصد تعذيب من ** يهوى وما قصدك مجهول )
( طلبت تخفيفا ببعد وفي ** تخفيف من تهواه تثقيل )
( غيرك إن زار جنى ضجرة ** ولج منه القال والقيل )
( وأنت إن زرت حياة وما العيش ** إذا ماطال مملول )
وله وقد جلس إلى جانبه رجل تكلم فأنبأ عن علو قدر فسأله عن بلده فقال إشبيلية ففكر ثم قال
( ياسيدا لم أكن من قبل أعرفه ** حتى تكلم مثل الروض بالعبق )
( وزادني أن غدا في حمص منشؤه ** لقد تشاكل بين البدر والأفق )
وله وقد حضر مجلسا مع إخوان له في انبساط ومزاح فدخل عليهم أحد ظرفاء الغرباء بوجه طلق وبشاشة فاهتز لما سمع بينهم وجعل يصل ما
____________________
(4/186)

يحتاج من مزاحهم إلى صلة بأحسن منزع وأنبل مقصد فأنشده أبو جعفر ارتجالا
( ياسيدا قد ضمه مجلس ** حل به للمزح إخوان )
( لم نلق من فجأته خجلة ** ولا ثنانا عنه كتمان )
( كأنه من جمعنا واحد ** لم ينب منا عنه إنسان )
( ولم نكن ندريه لكن بدا ** في وجهه للظرف عنوان )
وله وقد لقي أحد إخوانه وكان قد أطال الغيبة عنه فدار بينهما ما اوجب أن قال
( إن لحت لم تلمح سواك الأعين ** أوغبت لم تذكر سواك الألسن )
( انت الذي ما إن يمل حضوره ** ومغيبه السلوان عنه يؤمن )
وله وهو من آياته
( إني لأحمد طيفها وألومها ** والفرق بينهما لدي كبير )
( هي إن بدت لي شيبة في جفوة ** ** والطيف في حين المشيب يزور )
( وإذا توالى صدها أو بينها ** وافى على أن المزار عسير )
وله وقد سافر بعض الأراذل بماله فنكب في سفره وعاد فقيرا بأسوء أحواله
( اغد ولا يغن عنك القيل والقال ** فالجود مبتسم والفضل يختال )
( قالوا فلان رماه الله في سفر ** رآه رأيا بما حالت به الحال )
( فآب منه سليبا مثل مولده ** عليه ذل وتفجيع وإقلال )
( فقلت لا خفف الرحمن عنه فلم ** يكن لديه على القصاد إقبال )
( فقل له دام في ذل ومسغبة ** ولا أعيدت له في المال آمال )
____________________
(4/187)


( قد كان حمقك حسن المال يستره ** فاليوم أصبحت لا عقل ولا مال )
وله وقد سافر احد الرؤساء من أصحابه
( أيا غائبا لم يغب ذكره ** ولا حال عن وده حائل )
( لئن مال دهري بي عنكم ** فقلبي نحوكم مائل )
( فإني شاهدت منكم علا ** من العجز قس بها باقل )
( لئن طال بي البعد عن لحظكم ** فما في حياتي إذن طائل )
وله وهو من حسناته
( شقت جيوب فرحا عندما ** آبت وفي البعد تشق القلوب )
( فقلت هذا موقف ما يشق الجيب ** فيه غير صب طروب )
( فابتسمت زهوا وقالت كذا الأفق ** لعود الشمس شق الجيوب )
وله وقد أجمع رأيه على أن يفد على امير المؤمنين عبدالمؤمن فأخذ في ذلك مع أصحاب له فجعلوا يثنونه عن ذلك وظهر عليهم الحسد له فقال
( سر نحو ما تختار لا تسمعن ** ماقاله زيد ولا عمرو )
( كلهم يحمد مارمته ** مهما يساعد رأيك الدهر )
( عجبت ممن رام صدر العلا ** يروم ان يصفو له دهر )
فقالوا له اتهمتنا في الود فقال لو لم اتهمكم كنت أتهم عقلي والعياذ بالله تعالى من ذلك وكيف لا أتهمكم وقد غدوتم تثنونني عن زيارة خليفة لوالدي عنده مكان وله علينا إحسان ولي شافع عنده مقرب لمجلسه عقلي ولساني ولكنني انا المخطىء الذي عدلت عن العمل بقول القائل
____________________
(4/188)


( ولم يستشر في امره غير نفسه ** ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا )
وله في شعاع القمر والشمس على النهر
( ألا حبذا نهر إذا ما لحظته ** أبى أن يرد اللحظ عن حسنه الأنس )
( ترى القمرين الدهر قد عنيا به ** يفضضه بدر وتذهبه شمس )
وله في والده وقد سن عليه درعا
( أيا قائد الأبطال في كل وجهة ** تطير قلوب الأسد فيها من الذعر )
( لقد قلت لما أن رأيتك دارعا ** أيا حسن ما لاح الحباب على البحر )
( وأنشدت والأبطال حولك هالة ** أيا حسن ما دار النجوم على البدر )
وقوله وقد بلغه أن حاسدا شكره
( متى سمعت ثناء ** عمن غدا لك حاسد )
( فكان منك انخداع ** به فرأيك فاسد )
( بصدره منك نار ** لهيبها غير خامد )
( وعله لك مازدت ** في السعادة زائد )
( وإنما ذاك منه ** كالحب في فخ صائد )
وله
( أبصره من يلوم فيه ** فقال ذا في الجمال فائق )
( أما ترى مادهيت منه ** كان عذولا فصار عاشق )
وله في أبيه وقد سجنه عبدالمؤمن
( مولاي إن يحبسك خير خليفة ** فبذاك فخرك واعتلاء الشان )
( فالجفن يحبس نوره من غبطة ** والمرهفات تصان في الأجفان )
____________________
(4/189)


( فابشر فنزع الدر من أصدافه ** يعليه للأسلاك والتيجان )
( ولئن غدا من ظل دونك مطلقا ** إن القذى ملقى عن الأجفان )
( والعين تحبس دائما أجفانها ** وهداية الإنسان بالإنسان )
( والطرس يختم ماحواه نفاسة ** ويهان مايبدو من العنوان )
( فاهنأ به لكن مليا مكثه ** سجنا لغير مذلة وهوان )
( فلتعلون رغم الأعادي بعده ** بذري الخليفة في ذري كيوان )
مولاي غيرك يعزي بما لم يزل يجري على الكرام ويذكر تأنيسا له في الوحشة بما يطرأ من الكسوف والخسوف على الشمس المنيرة والبدر التمام
( وأنت تعلم الناس التعزي ** وخوض الموت في الحرب السجال )
وقد كان مولاي أنشدني لعلي بن الجهم قائلا إن أحدا لم يسل نفسه عما ناله من السجن بمثله
( قالوا سجنت فقلت ليس بضائر ** سجني وأي مهند لا يغمد )
الأبيات ماذا تفيدك من العلم وصدرك ينبوعه وبخاطرك لا يزال غروبه وطلوعه وإنما هي عادة تبعناها أدبا وقضينا بها ما في النفس من الإعلام بالتوجع والتفجع أربا ولعل الله تعالى يتبع هذه التسلية بتهنئة ويعقب بالنعمة هذه المرزئة قال فأمر الملك بتسريحه إثر ذلك فلما اجتمع وجهه بوجهه جعل يحمد الله تعالى جهرا ويغرد بهذه الأبيات وكان سراحه بكرة
( طلعت علينا كالغزالة بالضحى ** وعزك طماح ووجهك مشرق )
____________________
(4/190)


( فغفرا لذنب الدهر أجمع إنه ** أتى اليوم من حسناه ماهو أليق )
( فلح في سماء العز بالسعد طالعا ** وقدرك سام أفقه ليس يلحق )
( فقد سرحت لما غدوت مسرحا ** قلوب وأفكار وسمع ومنطق )
فاهتز أبوه من شدة الطرب وقال له والله إنك لتملأ الدلو إلى عقد الكرب
وله يعتذر وقد دعي الى مجلس أنس سيدي ساعدك سولك لما وصل إلى أخيك المعتد بك رسولك قابله بما يجب من القبول وأبدى له من الشغل مامنع من الوصول
( ومن ذا الذي يدعى لعدن فلا يرى ** على الرأس اجلالا إليها يبادر )
ولكن الاضطرار لا يكون معه اختيار وإني لأشوق الناس إلى مشاهدة تلك المكارم وأحبهم في محاضرة تلك الآداب المترادفة ترادف الغمائم ولكن شغلني عارض قاطع وبرغمي أني لدعوتك عاص وله طائع وإني بعد ذلك لحامل على تلك السجية الكريمة في الغفران مستجير بالخلاص الذي أعهد من خرق فلان ومكر فلان فإني متى غبت لا أعدم مترصدا قرحة يقع عليها ذبابه ومستجمعا إذا أبصر فرصة سل عليها ذبابه
( ولكنني أدري بأني نازح ** ودان سواء عند من يحفظ العهدا )
وإني لأقول وقد غبت عن تلك الحضرة العلية وجانبت ذلك الجناب السامي والمثابة السنية
( لئن غبت عمن نوره نور ناظري ** فحسبي لديه أن أغيب عقابا )
( وسوف اوافيه مقرا بزلتي ** وفي حلمه أن لا يطيل حسابا )
وله في قصر النهار ولو لم يكن له غيره لكفاه
____________________
(4/191)


( لله يوم مسرة ** أضوا وأقصر من ذباله )
( لما نصبنا للمنى ** فيه بأوتار حباله )
( طار النهار به كمر تاع ** وأجفلت الغزاله )
وهذا المعنى لم يسبق إليه ولم يقدر أحد أن ينزعه من يديه
ولما وصل صحبة والده إلى إشبيلية افتتن بواديها واعتكف على الخلاعة فيها مصعدا ومنحدرا بين بساتينه ومنازهه فمر ليلة بطريانة فمال نحو منزه فيه طرب سمعه فاستوقفه هنالك وهو في الزورق متكىء وأصحابه وأصحاب أبيه مظهرون انحطاطهم عنه في المرتبة فأخرج رأسه أحد الأنذال المعتادين بالنادر من شرجب والشرجب هو الدرابزين من خشب فيه طاقات وطريانة مقابلة إشبيلية وبها المنازه والأبنية الحسنة فضرط له ذلك النذل بغاية ماقدر فرفع رأسه وقد أخذ منه السكر ولم يعتد مثل ذلك في بلده وقال ياسفلة أتقدم علي بهذا قبل معرفتي فثنى عليه واحدة أخرى ثم رفع ثوبه عن ذكره وهو منعظ وقال ياوزير اجعل هذا عندك وديعة حتى أعرف من تكون ثم رفع ماعلى استه من ثيابه وقال واعمل من هذا غلافا للحيتك فإذا عرفناك ذهبناه لك فغلبه الضحك على الحرج وجعل أصحابه يقولون له ماسمعت أن من دخل هذا الوادي يعول على هذا وأمثاله فمال عن ذلك المنزه قليلا وأطرق ساعة وقال
( نهر حمص لا عدمناك ** فما مثلك نهر )
( فيك يلتذ ارتياح ** أبد الدهر وسكر )
( كل عمر قد خلا منك ** فما ذلك عمر )
( خصه الله بمعنى ** فيه للألباب سر )
____________________
(4/192)


( يلعن الإنسان فيه ** وهو يصغي ويسر )
ثم سأل بعد ذلك عن رب المنزه فسمي له وأعلم ان ابن سيد الشاعر المشهور باللص كان حاضرا وانه أملى على السفلة ماقال وصنع فكتب له أبو جعفر
( ياسميي وإن أفاد اشتراك ** غير ما يرتضيه فضل وود )
( أكذا يزدري الخليل بأفق ** أنت فيه ولم يكن منك رد )
( لا أرى من سلطت وغدا ولكن ** ليس يخفى عليك من هو وغد )
فلما وقف على هذه الأبيات كتب له يامولاي وسيدي وأجل ذخري للزمان وعضدي الذي أفخر بمشاركة اسمه وتتيه هذه الصناعة بذكره ورسمه
( وخير الشعر أشرفه رجالا ** وشر الشعر ما قال العبيد )
سلام كتسنيم على ذلك المقام الكريم ورحمة الله تعالى وبركاته وإن كان مولاي لم يفاتحني بالسلام ولا رآني أهلا لمقاومة الكرام لكن حط قدري عنده مانسب لي من الذنب المختلق ولا والله مانطقت بلسان ولا كنت ممن رمق بل الذي زور لسيدي في هذه الوشاية كان المعين عليها والملم إليها فبادر إليكم قبل ان أسبقه فاتسم بأسقط خطتين النذالة الأولى والوشاية الأخرى ولولا أن المجالس بالأمانات وأن الخلاعة بساط يطوى على ماكان فيه لكنت أسبق منه لكني يأبي ذلك خلقي وما تأدبت به ومع ذلك فإني أقول
____________________
(4/193)


( فإن كنت ذا ذنب فقد جئت تائبا ** ومثلك غفار ومثلك قابل )
ولولا ما اخشى من التثقيل وما اتوقع من الخجل إذا التقى الوجهان لأتيت حتى أبلغت في الاعتذار بالمشافهة ما لا يسع القرطاس لكنني متكل على حلم سيدي وإغضائه متوسل إليه في الغفران بعلائه وكتب تحت ذلك شعرا طويلا منه
( ولا غرو أن تعفو وأنت ابن من غدا ** تعود عفوا عن كبار الجرائم )
( لكم آل عمار بيوت رفيعة ** تشيد من كسب الثنا بدعائم )
( إذا نحن أذنبنا رجونا ثوابكم ** ولم نقتنع بالعفو دون المكارم )
( وإنك فرع من أصول كريمة ** ولا تلد الأزهار غير الكمائم )
( وإني مظلوم لزور سمعته ** وقد جئت أرجو العفو في زي ظالم )
فأجابه أبو جعفر بما نصه سيدي الذي أكبر قدره وأجل ذكره وأجزل شكره وصل جوابك الذي لو كان لك من الذنب ماتحمله ابن ملجم لأضربت لك عنه صفحا ونسيت بما تأخر ما تقدم ومعاذ الله أن أنسب لفضلك عيبا فأذم لك حضورا أو غيبا وإنما قصدت بالمعاتبة ماتحتها من المطارحة والمداعبة على أن سيدي لو تيقنت انه ظالم لأنشدت
( منذ غدا طرفك لي ظالما ** آليت لا أدعو على ظالم )
لكنني أتيقن خلاف ذلك وأعلم حتى كاني حاضر ماكان هنالك وقد أطلت عليك وبعد هذا فلتعتمد على ان تصل إلي أو أصل إليك فهذا يوم كما قال البستي
( يوم له فضل على الأيام ** مزج السحاب ضياءه بظلام )
____________________
(4/194)


( فالبرق يخفق مثل قلب هائم ** والغيم يبكي مثل جفن هام )
( فاختر لنفسك أربعا هن المنى ** وبهن تصفو لذة الأيام )
( وجه الحبيب ومنظرا مستشرقا ** ومغنيا غردا وكأس مدام )
وقد حضرت عند محبك الثلاثة فكن رابعها ونادت بك همم الأماني فكن بفضلك سامعها ومركز أفلاك هذه المسرة حين كتب هذه الرقعة إلى مجدك منزه مطل على جزيرة شنتبوس لا أزال أترنم فيه بقول ابن وكيع
( قم فاسقني والخليج مضطرب ** والريح تثني ذوائب القضب )
( كأنها والرياح تعطفها ** صف قنا سندسية العذب )
( والجو في حلة ممسكة ** قد طرزتها البروق بالذهب )
فإن كان سيدي في مثل هذا المكان جرينا إليه جري الحلبة لخصل الرهان وإن كان في كسر بيته فليبادر إلى محل تقصر عنه همة قيصر وكسرى وإن أبطأ فإن الرقاع بالإستدعاء لا تزال عليه تترى وإن كان لا يجدي هذا الكلام فما نقنع من العقوبة المؤلمة بالملام وعلى المودة المرعية الداعية أكمل مايكون من السلام
فعندما قرأ الرقعة ركب إليه زورقا وصنع هذه الأبيات في طريقه فعند وصوله أنشده إياها
( ركبت إليك النهر يا بحر فالقنا ** بما يتلقى جوده كل قادم )
( بفيض ولكن من مدام وهزة ** ولكن إلى بذل الندى والمكارم )
( وكنا نسمي قبل كونك حاتما ** ومذ لحت فينا لم نعد ذكر حاتم )
( بآل سعيد يفخر السعد والعلا ** فأيديهم تلغي أيادي الغمائم )
فامتلأ أبو جعفر سرورا وخلع عليه ماكان عنده هنالك ووعده بغير ذلك فأطرق لينظم شيئا في شكره فأقسم عليه أن لا يشغل خاطره في ذلك
____________________
(4/195)

الوقت عن الارتياح وحث أكؤس الراح فأقبلوا على شأنهم وكان ابن سيد في ذلك الحين متسترا بشرب الراح وكان عند أبي جعفر خديم كثير النادر والالتفات يخاف أهل التستر من مثله فقال ابن سيد هات دواة وقرطاسا فأعطاه ذلك فكتب
( ياسيدي قد علمت أني ** بهذه الحال لا اظاهر )
( أخشى أناسا لهم عيون ** نواظر مني المعاير )
( أحذرهم طاقتي وإني ** وثقت بالله فهو غافر )
( ولا تقس حالتي بحال ** منك اعتذارفالفرق ظاهر )
( فأنت إن كنت ذا جهار ** غير مبال فالجاه ساتر )
( لاتخش من قول ذي اعتراض ** ولا حسود عليك قادر )
( وإنني قد رأيت ممن ** يكثر القول وهو ساخر )
( ماقد أراب العفيف منه ** ضحك وظن به يجاهر )
( أخشى إذا قيل كيف كنتم ** قال بحال تسر ناظر )
( واللص ما بيننا صريعا ** بكل كأس عليه دائر )
( مطرحا للصلاة يصغي ** لصولة الدف والمزامر )
( فأغتدي سيدي مشارا ** إلي مهما مررت خاطر )
( وإن أتيت الملوك أبغي ** نوالهم قيل أي شاعر )
( يذكر في شعره خلافا ** وهو لزور المحال ذاكر )
( بالأمس قد كان ذا انتهاك ** فما له بعد ذاك عاذر )
( إن كان هذا فإن حظي ** وافى لربح فآب خاسر )
فقال له أبو جعفر يا أبا العباس اشرب هنيئا غير مقدر ماقدرت فلو
____________________
(4/196)

كان هذا المضحك على الصفة التى ذكرت كان الذنب منسوبا الي في كوني احضر في مجلسي من يهتك ستر المستورين ومهما تره هنا بهذه الخفة والطيش والتسرع للكلام فإنه إذا فارقنا أثقل من جبل وأصمت من سمكة متزي بزي خطيب في نهاية من السكون والوقار
( وتحت الثياب العار لو كان باديا )
فكن في امن ما شربت معي فإني والله لا أسمع أحدا من أصحابنا تكلم في شأنك بأمر إلا عاقبته أشد العقاب والذنب في ذلك راجع إلي فسكن إبن سيد وجعل يحث الأقداح ويمرح أشد المراح على ماكان يظهره من الانقباض تقية لما يخشاه من الاعتراض إلى ان قاربت الشمس الغروب ومد لها في النهر معصم مخضوب فقال أبو جعفر
( انظر الى الشمس قد ألصقت ** على الأرض خدا )
فقال إبن سيد
( هي المرأة ولكن ** من بعدها الأفق يصدا )
فقال أبو جعفر
( مدت طرازا على النهر ** عندما لاح بردا )
فقال ابن سيد
( أهدت لطرفك منه ** ما للأكارم يهدى )
فقال أبو جعفر
( درع اللجين عليه ** سيف من التبر مدا )
____________________
(4/197)


فقال ابن سيد
( فاشرب عليه هنيئا ** وزد سرورا وسعدا
ثم لما أظلم الليل نظروا إلى منارة شنتبوس قد عكست مصابيحها في النهر والى النجوم قد طلعت فيه فقال ابن سيد
( اخلع على النهر ثوب الكرى ** فذلك واجب )
فقال أبو جعفر
( وانظر إلى السرج فيه ** كالزهر ذات الذوائب )
( وحين صفق للأفق ** نقطته الكواكب )
فقبل ابن سيد رأسه وقال ماتركت بعد هذا مقالا لقائل ثم جعلوا يشربون
فقال أبو جعفر
( سقني والأفق برد ** بنجوم الليل معلم )
فقال ابن سيد
( وبساط النهر منها ** وهو فضي مدرهم )
فقال أبو جعفر
( ورواق الليل مرخى ** والشذا بالروض قد نم )
فقال ابن سيد
( والندى في الزهر منثور ** على عقد منظم )
فقال أبو جعفر
( والصبا جرت على ميت ** الطلى كف ابن مريم )
____________________
(4/198)


فقال ابن سيد
( كان مبهوتا فلما ** نفخت فيه تكلم )
فقال أبو جعفر
( وكأن الكأس والقهوة ** دينار ودرهم )
فقال ابن سيد
( وبدا الدف يناغي العود ** والمزمار هيم )
فقال أبو جعفر
( فأذاع الأنس منا ** كل ماقد كان مكتم )
فقال ابن سيد
( أي عيش يهتك المستور ** لو كان ابن أدهم )
فقال أبو جعفر
( هكذا العيش ودعني ** من زمان قد تقدم )
فقال ابن سيد
( حين لا خمر سوى ما ** بكؤوس البيض من دم )
فقال أبو جعفر والله ما تعديت ماجال الساعة في خاطري فإني ذكرت أيام الفتنة وماكابدنا فيها من المحن وأنا لم نزل في مصادمة ومقارعة ثم رأيت مانحن الآن فيه بهذه الدولة السعيدة التي امنت وسكنت فشكرت الله تعالى ودعوت بدوامها
ثم لما طلع الفجر قال أبو جعفر
( نثر الطل عقوده ** ونضا الليل بروده )
____________________
(4/199)


فقال ابن سيد
( وبدا الصبح بوجه ** مطلع فينا سعوده )
فقال أبو جعفر
( وغدا ينشر لما ** فتر الليل بنوده )
فقال ابن سيد
( فهلم اشرب وقبل ** من غدا ينطق عوده ) فقال جعفر
( ثم صافحه على رغم ** النوى وافرك نهوده )
فقال ابن سيد
( واجعل الشكر على ما ** نلته منه جحوده )
فقال أبو جعفر يا أبا العباس إنك أغرت على التهامي في هذا البيت في قوله
( وشكر أيادي الغانيات جحودها )
قال فلم لقبت باللص لولا هذا وأمثاله ماكان ذلك
واللص المذكور اسمه أحمد بن سيد يكنى أبا العباس وهو من مشهوري شعراء الأندلس ولما أنشد أمير المؤمنين عبدالمؤمن بن علي بجبل الفتح قوله
( غمض عن الشمس واستقصر مدى زحل ** وانظر إلى الجبل الراسي على جبل ) قال له أنت شاعر هذه الجزيرة لولا أنك بدأتنا بغمض وزحل والجبل
ومن بديع له أنت شاعر هذه الجزيرة لولا أنك بدأتنا بغمض وزحل والجبلنظم اللص قوله
( سلبت قلبي بلحظ ** أبا الحسين خلوب )
____________________
(4/200)


( فلم أسمى بلص ** وأنت لص القلوب )
ولما اجتمع أبو جعفر ابن سعيد المترجم به باللص أبي العباس المذكور في جبل الفتح عندما وفد فضلاء الأندلس على عبدالمؤمن واستنشده فجعل ينشده ما استجفاه به لخروجه عن حلاوة منزع أبي جعفر إلى ان انشده قوله
( وما أفنى السؤال لكم نوالا ** ولكن جودكم افنى السؤالا )
فقال له أبو جعفر لا جعلك الله في حل من نفسك يكون في شعرك مثل هذا وتنشدني ماكان يحملني على أن أسأت معك الأدب والله لو لم يكن لك غير هذا البيت لكنت به أشعر أهل الأندلس
وكتب إلي أبي جعفر أبو الحكم بن هرودس في يوم بارد بغرناطة
( ياسميي فى علم مجدك مايحتاج ** فيه هذا النهار المطير )
( ندف الثلج فيه قطنا علينا ** ففررنا بعدلكم نستجير )
( والذي أبتغيه في اللحظ منه ** ورضاب الذي هويت نظير )
( يوم قر يود من حل فيه ** لو تبدى لمقلتيه سعير )
فوجه بما طلب وجاوبه بما كتب
( أيها السيد الأجل الوزير ** ألذي قدره معلى خطير )
( قد بعثنا بما أشرت إليه ** دمت للأنس والسرور تشير )
( كان لغزا فككته دون فكر ** إن فهمي بما تريد خبير )
____________________
(4/201)


ومن نظم أبي الحكم
( إذا ضاقت عليك فول عنها ** وسر في الأرض واختبر العبادا )
( ولا تمسك رحالك في بلاد ** غدوت بأهلها خبرا معادا ) 668 - أخيل الرندي ولما مدح أبو القاسم أخيل بن ادريس الرندي عبدالمؤمن في جبل الفتح بقصيدة اولها
( ما الفخر إلا فخر عبدالمؤمن ** أثنى عليه كل عبد مؤمن )
قال أبو جعفر ابن سعيد دعاه التجنيس إلى الضعف والخروج عن المقصود والأولى ان لو قال شاد الخلافة وهو أول مبتني
ومن هذه القصيدة
( اما ابن سعد فهو أول مارق ** ياليته بأبيه سعد يكتني )
( ما قدر مرسية وحكمك نافذ ** إن شئت من عدن لأرض المعدن )
فلما أكملها قال له عبدالمؤمن أجدت فقال ارتجالا
( من لي أمير المؤمنين بموقفي ** هذا وقولك لي أجدت ولم تن )
( فلقد مدحتك خائفا أن لا يفي ** لسني بما يعيي جميع الألسن )
ولابن إدريس المذكور
( أيها البدر هل علمت بأني ** لم أبت راعيا محياك ودا )
( انا لو بات من حكيت بجنبي ** لم يكن عنه ناظري يتعدى )
____________________
(4/202)


وله
( شتان مابيني وبينك في الهوى ** انا أبتغيك وأنت عني تصدف )
( وإذا عتبتك وارعويت يبين لي ** في الحين منك بأن ذاك تكلف )
( ياليت شعري كيف يقضى وصلنا ** والعمر يفنى والمواعد تخلف )
وقيل له لما هجره عبدالمؤمن اكتب له واعتذر وبرهن عن نفسك فقال مايكون أمير المؤمنين هجرني إلا وقد صح عنده ولا أنسبه في أمري لقلة التثبت والجور وإنما أرغب في عفوه ورحمته فكأن هذا الكلام ألان عليه قلب عبدالمؤمن لما بلغه وكان قد نقل عنه حساده أنه قال كيف تصح له الخلافة وليس بقرشي 669 - ترجمة اللص ولا بأس أن نزيد من أخبار اللص الذي جرى ذكرنا له مع أبي جعفر ابن سعيد فنقول
هو النحوي المبرز في الشعر أبو العباس أحمد بن سيد الإشبيلي ذكره ابن دحيه في المطرب وأخبر أنه شيخه وختم كتاب سيبويه مرتين على النحوي أبي القاسم ابن الرماك واجتمع به أبو جعفر ابن سعيد بحبل الفتح كما سبق ولقب اللص لإغارته على أشعار الناس
وله
( شاموا الردى فأشموا الترب آنفهم ** ولم يبالوا بما فيها من الشمم )
ثم جعل يقول قطع الله لساني إن كان اليوم على وجه الأرض من يعرف
____________________
(4/203)

أن يسمعه فضلا عن ان يقوله
وله القصيدة الشهيرة
( نداك الغيث إن محل توالى ** وأنت الليث إن شاءوا القتالا )
( سلبت الليث شدة ساعديه ** نعم وسلبت عينيه الغزالا )
( وما أفنى السؤال لكم نوالا ** ولكن جودكم أفنى السؤالا )
وقد تقدم هذا البيت في حكايته مع ابن سعيد
وقال في حلقة خياط وهو من محاسنه
( كأنها بيضة وخز الرماح بها ** باد وقونسها بالسيف قد قطعا )
وقال
( فالليل إن واصلت كالليل إن هجرت ** أشكو من الطول ما أشكو من القصر ) رجع إلى أخبار أبي جعفر ابن سعيد
قال في الأزهار المنثورة في الأخبار المأثورة مانصه لما قبض على الوزير أبي جعفر ابن عبدالملك بن سعيد العنسي وثقف بمالقة دخل إليه ابن عمه ووصل الى الإجتماع به ريثما استؤذن السيد أبو سعيد ابن الخليفة عبدالمؤمن في أمره قال فدمعت عيناي حين رأيته مكبولا فقال لي أعلي تبكي بعدما بلغت من الدنيا أطايب لذاتها فأكلت صدور الدجاج وشربت في الزجاج ولبست الديباج وتمتعت بالسراري والأزواج واستعملت من الشمع السراج الوهاج وركبت كل هملاج وها انا في يد الحجاج منتظر محنة الحلاج قادم على غافر لا يحتاج إلى اعتذار ولا احتجاج قال فقلت أفلا يؤسف
____________________
(4/204)

على من ينطق بهذا الكلام ثم يفقد وقمت عنه فكان آخر العهد به انتهى رجع إلى أخبار النساء
9 - ومن أشهرهن بالأندلس ولادة بنت المستكفي بالله محمد بن عبدالرحمن ابن عبيدالله بن الناصر لدين الله وكانت واحدة زمانها المشار إليها في أوانها حسنة المحاضرة مشكورة المذاكرة كتبت بالذهب على طرازها الأيمن
( انا والله أصلح للمعالي ** وأمشي مشيتي وأتيه تيها )
وكتبت على الطراز الأيسر
( وأمكن عاشقي من صحن خدي ** وأعطي قبلتي من يشتهيها )
وكانت مع ذلك مشهورة بالصيانة والعفاف وفيها خلع ابن زيدون عذاره وقال فيها القصائد الطنانة والمقطعات وكانت لها جارية سوداء بديعة المعنى فظهر لولادة ان ابن زيدون مال إليها فكتبت إليه
( لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا ** لم تهو جاريتي ولم تتخير )
( وتركت غصنا مثمرا بجماله ** وجنحت للغصن الذي لم يثمر )
( ولقد علمت بأنني بدر السما ** لكن ولعت لشقوتي بالمشتري )
ولقبت ابن زيدون بالمسدس وفيه تقول
( ولقبت المسدس وهو نعت ** تفارقك الحياة ولا يفارق )
( فلوطي ومأبون وزان ** وديوث وقرنان وسارق )
وقالت فيه
____________________
(4/205)


( إن ابن زيدون على فضله ** يغتابني ظلما ولا ذنب لي )
( يلخظني شزرا إذا جئته ** كأنني جئت لأخصي علي )
وقالت فيه أيضا
( إن ابن زيدون على فضله ** يعشق قضبان السراويل )
( لو أبصر الأير على نخلة ** صار من الطير الأبابيل )
وقالت ولادة تهجو الأصبحي
( يا أصبحي اهنأ فكم نعمة ** جاءتك من ذي العرش رب المنن )
( قد نلت باست ابنك مالم ينل ** بفرج بوران أبوها الحسن )
وكتبت إليه لما أولع بها بعد طول تمنع
( ترقب إذا جن الظلام زيارتي ** فإني رأيت الليل اكتم للسر )
( وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلح ** وبالبدر لم يطلع وبالنجم لم يسر )
ووفت بما وعدت ولما أرادت الانصراف ودعته بهذه الأبيات
( ودع الصبر محب ودعك ** ذائع من سره ما استودعك )
( يقرع السن على ان لم يكن ** زاد في تلك الخطى إذ شيعك )
( يا أخا البدر سناء وسنا ** حفظ الله زمانا أطلعك )
( إن يطل بعدك ليلي فلكم ** بت أشكو قصر الليل معك )
وكتبت إليه
( ألا هل لنا من بعد هذا التفرق ** سبيل فيشكو كل صب بما لقي )
( وقد كنت أوقات التزاور في الشتا ** أبيت على جمر من الشوق محرق )
( فكيف وقد أمسيت في حال قطعة ** لقد عجل المقدور ما كنت أتقي )
____________________
(4/206)


( تمر الليالي لا أرى البين ينقضي ** ولا الصبر من رق التشوق معتقي )
( سقى الله أرضا قد غدت لك منزلا ** بكل سكوب هاطل الوبل مغدق )
فأجابها بقوله
( لحى الله يوما لست فيه بملتق ** محياك من أجل النوى والتفرق )
( وكيف يطيب العيش دون مسرة ** وأي سرور للكئيب المؤرق )
وكتب في أثناء الكلام بعد الشعر وكنت ربما حثثتني على أن أنبهك على ما أجد فيه عليك نقدا وإني انتقدت عليك قولك
( سقى الله أرضا قد غدت لك منزلا ** )
فإن ذا الرمة قد انتقد عليه قوله مع تقديم الدعاء بالسلامة
( ألا يا اسلمي يادار مي على البلى ** ولا زال منهلا بجرعائك القطر )
إذ هو أشبه بالدعاء على المحبوب من الدعاء له واما المستحسن فقول الآخر
( فسقى ديارك غير مفسدها ** صوب الربيع وديمة تهمي ) وبسببها خاطب ابن عبدوس بالرسالة المشهورة التى شرحها غير واحد من أدباء المشارقة كالجمال ابن نباتة والصفدي وغيرهما وفيها من التلميحات والتنديرات ما لا مزيد عليه
وقد ذكر ولادة ابن بشكوال في الصلة فقال كانت اديبة شاعرة جزلة القول حسنة الشعر وكانت تناضل الشعراء وتساجل الأدباء وتفوق البرعاء وعمرت عمرا طويلا ولم تتزوج قط وماتت لليلتين خلتا من صفر سنة ثمانين وقيل أربع وثمانين وأربعمائة رحمها الله تعالى
____________________
(4/207)


وكان أبوها المستكفي بايعه أهل قرطبة لما خلعوا المستظهر كما ألمعنا به في غير هذا الموضع وكان جاهلا ساقطا وخرجت هي في نهاية من الأدب والظرف حضور شاهد وحرارة اوابد وحسن منظر ومخبر وحلاوة مورد ومصدر وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر وفناؤها ملعبا لجياد النظم والنثر يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها وعلى سهولة حجابها وكثرة منتابها تخلط ذلك بعلو نصاب وكرم أنساب وطهارة أثواب على أنها أوجدت للقول فيها السبيل بقلة مبالاتها ومجاهرتها بلذاتها ولما مرت بالوزير أبي عامر ابن عبدوس وامام داره بركة تتولد عن كثرة الأمطار وربما استمدت بشيء مما هنالك من الأقذار وقد نشر أبو عامر كميه ونظر في عطفيه وحشر أعوانه إليه فقالت له
( أنت الخصيب وهذه مصر ** فتدفقا فكلاكما بحر )
فتركته لا يحير حرفا ولا يرد طرفا
وقال في المغرب بعد ذكره أنها بالغرب كعلية بالشرق إلا ان هذه تزيد بمزية الحسن الفائق وأما الأدب والشعر والنادر وخفة الروح فلم تكن تقصر عنها وكان لها صنعة في الغناء وكان لها مجلس يغشاه أدباء قرطبة وظرفاؤها فيمر فيه من النادر وإنشاد الشعر كثير لما اقتضاه عصرها من مثل ذلك وفيها يقول ابن زيدون
( بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا ** شوقا إليكم ولا جفت مآقينا )
وقال أيضا يخاطب ابن عبدوس لاشتراكه معه في هواها
( أثرت هزبر الشرى إذ ربض ** ونبهته إذ هذا فاغتمض )
( وما زلت تبسط مسترسلا ** إليه يد البغي لما انقبض )
____________________
(4/208)


( حذار حذار فإن الكريم ** إذا سيم خسفا أبى فامتعض )
( وإن سكون الشجاع النهوس ** ليس بمانعه أن يعض )
( عمدت لشعري ولم تتئد ** تعارض جوهره بالعرض )
( أضاقت أساليب هذا القريض ** أم قد عفا رسمه فانقرض )
( لعمري فوقت سهم النضال ** وأرسلته لو أصبت الغرض )
ومنها
( وغرك من عهد ولادة ** سراب تراءى وبرق ومض )
( هي الما يعز على قابض ** ويمنع زبدته من مخض )
ومن اخبار ولادة مع ابن زيدون ما قاله الفتح فى القلائد إن ابن زيدون كان يكلف بولادة ويهيم ويستضيء بنور محياها في الليل البهيم وكانت من الأدب والظرف وتتميم السمع والطرف بحيث تختلس القلوب والألباب وتعيد الشيب إلى أخلاق الشباب فلما حل بذلك الغرب وانحل عقد صبره بيد الكرب فر إلى الزهراء ليتوارى في نواحيها ويتسلى برؤية موافيها فوافاها والربيع قد خلع عليها برده ونشر سوسنه وورده وأترع جداولها وأنطق بلابلها فارتاح ارتياح جميل بوادي القرى وراح بين روض يانع وريح طيبة السرى فتشوق إلى لقاء ولادة وحن وخاف تلك النوائب والمحن فكتب إليها يصف فرط قلقه وضيق امده إليها وطلقه ويعلمها انه ما سلا عنها بخمر ولا خبا ما في ضلوعه من ملتهب جمر ويعاتبها على إغفال تعهده ويصف حسن محضره بها ومشهده
( إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا ** والأفق طلق ووجه الأرض قد راقا )
____________________
(4/209)


( وللنسيم اعتلال في أصائله ** كأنما رق لي فاعتل إشفاقا )
( والروض عن مائه الفضي مبتسم ** كما حللت عن اللبات أطواقا )
( يوم كأيام لذات لنا انصرمت ** بتنا لها حين نام الدهر سراقا )
( نلهو بما يستميل العين من زهر ** جال الندى فيه حتى مال أعناقا )
( كأن أعينه إذ عاينت أرقي ** بكت لما بي فجال الدمع رقراقا )
( ورد تألق في ضاحي منابته ** فازداد منه الضحى في العين إشراقا )
( سرى ينافحه نيلوفر عبق ** وسنان نبه منه الصبح أحداقا )
( كل يهيج لنا ذكرى تشوقنا ** إليك لم يعد عنها الصدر أن ضاقا )
( لو كان وفى المنى في جمعنا بكم ** لكان من اكرم الأيام أخلاقا )
( لاسكن الله قلبا عن ذكركم ** فلم يطر بجناح الشوق خفاقا )
( لو شاء حملي نسيم الريح حين هفا ** وافاكم بفتى أضناه ما لاقى )
( ياعلقي الأخطر الأسنى الحبيب إلى ** نفسي إذا ما اقتنى الأحباب أعلاقا )
( كان التجاري بمحض الود مذ زمن ** ميدان أنس جرينا فيه أطلاقا )
( فالآن أحمد ماكنا لعهدكم ** سلوتم وبقينا نحن عشاقا )
وقال أيضا إن إبن زيدون لم يزل يروم دنو ولادة فيتعذر ويباح دمه دونها ويهدر لسوء أثره في ملك قرطبة وواليها وقبائح كان ينسبها إليه ويواليها أحقدت بني جهور عليه وسددت أسهمهم إليه فلما يئس من لقياها وحجب عنه محياها كتب إليها يستديم عهدها ويؤكد ودها ويعتذر من فراقها بالخطب الذي غشيه والامتحان الذي خشيه ويعلمها انه ما سلا عنها بخمر ولا خبا ما في ضلوعه من ملتهب الجمر وهي قصيدة ضربت في الإبداع بسهم وطلعت في كل خاطر ووهم ونزعت منزعا قصر عنه حبيب وابن الجهم وأولها
____________________
(4/210)


( بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا ** شوقا إليكم ولا جفت مآقينا )
( تكاد حين تناجيكم ضمائرنا ** يقضي علينا الأسى لولا تأسينا )
واخبار ولادة كثيرة وفيما ذكرناه كفاية
10 - ومن المشهورات بالأندلس اعتماد جارية المعتمد بن عباد وأم أولاده وتشتهر بالرميكية وفي المسهب والمغرب أنه ركب المعتمد في النهر ومعه ابن عمار وزيره وقد زردت الريح النهر فقال ابن عباد لابن عمار أجز
( صنع الريح من الماء زرد )
فأطال ابن عمار الفكرة فقالت امرأة من الغسالات
( أي درع لقتال لو جمد )
فتعجب ابن عباد من حسن ما أتت به مع عجز ابن عمار ونظر إليها فإذا هي صورة حسنة فأعجبته فسألها أذات زوج هي فقالت لا فتزوجها وولدت له أولاده الملوك النجباء رحمهم الله تعالى
وحكى البعض منهم صاحب البدائه بسنده الى بعض أدباء الأندلس وسماه ولم يحضرني الآن أنه هو الذي قال للمعتمد
( أي درع لقتال لو جمد )
قال فاستحسنه المعتمد وكنت رابعا في الإنشاد فجعلني ثانيا وأجازني بجائزة سنية
قال ابن ظافر وقد أخذت هذا المعنى فقلت أصف روضا
____________________
(4/211)


( فلو دام ذاك النبت كان زبرجدا ** ولو جمدت انهاره كان بلورا )
ولما قال ابن ظافر
( قد أذكت الشمس على الما لهبا )
قال القاضي الأعز
( فكست الفضة منه ذهبا ) رجع
ولما خلع المعتمد وسجن بأغمات قالت له ياسيدي لقد هنا هنا فقال
( قالت لقد هنا هنا ** مولاي أين جاهنا )
( قلت لها إلهنا ** صيرنا إلى هنا )
وحكي انها قالت له وقد مرض ياسيدي ما لنا قدرة على مرضاتك في مرضاتك
ولما قال الوزير ابن عمار قصيدته اللامية الشهيرة في المعتمد والرميكية اغرت المعتمد به حتى قتله وضربه بالطبرزين ففلق رأسه وترك الطبرزين في رأسه فقالت الرميكية قد بقي ابن عمار هدهدا والقصيدة أولها
( ألا حي بالغرب حيا حلالا ** أناخوا جمالا وحازوا جمالا )
( وعرج بيومين أم القرى ** ونم فعسى أن تراها خيالا )
ويومين قرية اشبيلية كانت منها اولية بني عباد وفي هذه القصيدة يقول معرضا بالرميكية
( تخيرتها من بنات الهجان ** رميكية ما تساوي عقالا )
____________________
(4/212)


( فجاءت بكل قصير العذار ** لئيم النجارين عما وخالا )
( قصار القدود ولكنهم ** أقاموا عليها قرونا طوالا )
( أتذكر أيامنا بالصبا ** وأنت إذا لحت كنت الهلالا )
( اعانق منك القضيب الرطيب ** وأرشف من فيك ماء زلالا )
( وأقنع منك بدون الحرام ** فتقسم جهدك أن لا حلالا )
( سأهتك عرضك شيئا فشيئا ** وأكشف سترك حالا فحالا )
ومنها
( فيا عامر الخيل يا زيدها ** منعت القرى وأبحت العيالا )
وسبب قول ابن عمار هذه القصيدة أن المعتمد ندر به وذيل على قصيدته الرائية المذكورة في القلائد بعد قوله
( كيف التفلت بالخديعة من يدي ** رجل الحقيقة من بني عمار ) وسخر به في أبيات مشهورة 670 - أخبار المعتمد
قال الفتح في حق المعتمد بعد كلام وما زالت عقارب تلك الداخلة تدب وريحها العاصفة تهب ونارها تقد وضلوعها تحنق وتحقد وتضمر الغدر وتعتقد حتى دخل البلد من واديه وبدت من المكروه بواديه وكر عليه الدهر بعوائده وعواديه وهو مستسمك بعرى لذاته منغمس فيها بذاته ملقى بين جواريه مغتر بودائع ملكه وعواريه التي استرجعت منه في يومه ونبهه فواتها من نومه ولما انتشر الداخلون في البلد وأوهنوا القوى والجلد
____________________
(4/213)

خرج والموت يتسعر في ألحاظه ويتصور من ألفاظه وحسامه يعد بمضائه ويتوقد عند انتضائه فلقيهم برحبة القصر وقد ضاق بهم فضاؤها وتضعضعت من رجتهم أعضاؤها فحمل فيهم حملة صيرتهم فرقا وملأتهم فرقا وما زال يوالي عليهم الكر المعاد حتى اوردهم النهر ومابهم جواد وأودعهم حشاه كأنهم له فؤاد ثم انصرف وقد أيقن بانتهاء حاله وذهاب ملكه وارتحاله وعاد إلى قصره واستمسك فيه يومه وليلته مانعا لحوزته دافعا للذل عن عزته وقد عزم على أفظع امر وقال بيدي لا بيد عمرو ثم صرفه تقاه عما كان نواه فنزل من القصر بالقسر إلى قبضة الأسر فقيد للحين وحان له يوم شر ماظن انه يحين ولما قيدت قدماه وذهبت عنه رقة الكبل ورحماه قال يخاطبه
( إليك فلو كانت قيودك أسعرت ** تضرم منها كل كف ومعصم )
( مخافة من كان الرجال بسيبه ** ومن سيفه في جنة او جهنم )
ولما آلمه عضه ولازمه كسره ورضه وأوهاه ثقله وأعياه نقله قال
( تبدلت من عز ظل البنود ** بذل الحديد وثقل القيود )
( وكان حديدى سنانا ذليقا ** وعضبا رقيقا صقيل الحديد )
( فقد صار ذاك وذا أدهما ** يعض بساقي عض الأسود )
ثم جمع هو وأهله وحملتهم الجواري المنشآت وضمتهم جوانحها كانهم اموات بعدما ضاق عنهم القصر وراق منهم العصر والناس قد حشروا بضفتي الوادي وبكوا بدموع كالغوادي فساروا والنوح يحدوهم والبوح باللوعة لا يعدوهم وفي ذلك يقول ابن اللبانة
( تبكي السماء بمزن رائح غاد ** على البهاليل من أبناء عباد )
( على الجبال التي هدت قواعدها ** وكانت الأرض منها ذات أوتاد )

____________________
(4/214)


( عريسة دخلتها النائبات على ** أساود لهم فيها وآساد )
( وكعبة كانت الآمال تخدمها ** فاليوم لا عاكف فيها ولا باد )
( ياضيف أقفر بيت المكرمات فخذ ** في ضم رحلك واجمع فضلة الزاد )
( ويامؤمل واديهم ليسكنه ** خف القطين وجف الزرع بالوادي )
( وأنت يافارس الخيل التى جعلت ** تختال في عدد منهم وأعداد )
( ألق السلاح وخل المشرفي فقد ** أصبحت في لهوات الضيغم العادي )
( لما دنا الوقت لم تخلف له عدة ** وكل شيء لميقات وميعاد )
( إن يخلعوا فبنو العباس قد خلعوا ** وقد خلت قبل حمص أرض بغداد )
( حموا حريمهم حتى إذا غلبوا ** سيقوا على نسق في حبل مقتاد )
( وأنزلوا عن متون الشهب واحتملوا ** فويق دهم لتلك الخيل انداد )
( وعيث في كل طوق من دروعهم ** فصيغ منهن أغلال لأجياد )
( نسيت إلا غداة النهر كونهم ** في المنشآت كأموات بألحاد )
( والناس قد ملأوا العبرين واعتبروا ** من لؤلؤ طافيات فوق أزياد )
( حط القناع فلم تستر مخدرة ** ومزقت اوجه تمزيق أبراد )
( حان الوداع فضجت كل صارخة ** وصارخ من مفداة ومن فاد )
( سارت سفائنهم والنوح يصحبها ** كانها إبل يحدو بها الحادي )
( كم سال في الماء من دمع وكم حملت ** تلك القطائع من قطعات اكباد )
انتهى ماقصد جلبه من كلام الفتح رحمه الله تعالى وسامحه
وقال ابن اللبانة في كتاب نظم السلوك في مواعظ الملوك في اخبار الدولة العبادية إن طائفة من اصحاب المعتمد خامرت عليه فأعلم باعتقادها وكشف له عن مرادها وحض على هتك حرمها وأغري بسفك دمها فأبى ذلك مجده الأثيل ومذهبه الجميل وماخصه الله تعالى به من حسن اليقين وصحة الدين إلى أن أمكنتهم الغرة فانتصروا ببغاث مستنسر وقاموا بجمع
____________________
(4/215)

غير مستبصر فبر ز من قصره متلافيا لأمره عليه غلالة ترف على جسده وسيفه يتلظى في يده
( وذاك السيف راق وراع حتى ** كأن عليه شيمة منتضية )
( كأن الموت اودع فيه سرا ** ليرفعه إلى يوم كرية )
فلقي على باب من أبواب المدينة فارسا مشهورا بنجدة فرماه الفارس برمح التوى على غلالته وعصمه الله تعالى منه وصب هو سيفه على عاتق الفارس فشقه إلى أضلاعه فخر صريعا سريعا فرأيت القائمين عندما تسنموا الأسوار تساقطوا منها وبعدما أمسكوا الأبواب تخلوا عنها وأخذوا على غير طريق وهوت بهم ريح الهيبة في مكان سحيق فظننا ان البلد من أقذائه قد صفا وثوب العصمة علينا قد ضفا إلى أن كان يوم الأحد الحادي والعشرون من رجب فعظم الأمر في الخطب الواقع واتسع الخرق فيه على الراقع ودخل البلد من جهة واديه وأصيب حاضره بعاديه باديه بعد أن ظهر من دفاع المعتمد وبأسه وتراميه على الموت بنفسه ما لا مزيد عليه ولا انتهى خلق إليه فشنت الغارة في البلد ولم يبق فيه على سبد لأحد ولا لبد وخرج الناس من منازلهم يسترون عوراتهم باناملهم وكشفت وجوه المخدرات العذارى ورأيت الناس سكارى وماهم بسكارى ورحل بالمعتمد وآله بعد استئصال جميع ماله لم يصحب معه بلغة زاد ولا بغية مراد فأمضيت عزيمتي في اتباعه فوصلت إليه بأغمات عقب ثقاف استنقذه الله منه فذكرت به شعرا كان لي في صديق اتفق له مثل ذلك في الشهر بعينه من العام الماضي وهو الأمير أبوعبدالله ابن الصفار وهو
( لم نقل في الثقاف كان ثقافا ** كنت قلبا به وكان شغافا )
( يمكث الزهر في الكمام ولكن ** بعد مكث الكمام يدنو قطافا )
( وإذا ما الهلال غاب بغيم ** لم يكن ذلك المغيب انكسافا )
____________________
(4/216)


( إانما أنت درة للمعالي ** ركب الدهر فوقها أصدافا )
( حجب البيت منك شخصا كريما ** مثلما تحجب الدنان السلافا )
( أنت للفضل كعبة ولو أني ** كنت أستطيع لاستطعت الطوافا )
قال أبو بكر وجرت بيني وبينه مخاطبات ألذ من غفلات الرقيب وأشهى من رشفات الحبيب وأدل على السماح من فجر على صباح انتهى
ثم قال ولما خلع المعتمد وذهب إلى أغمات طلب من حواء بنت تاشفين خباء عارية فاعتذرت بأنه ليس عندها خباء فقال
( هم أوقدوا بين جنبيك نارا ** أطالوا بها في حشاك استعارا )
( أما يخجل المجد أن يرحلوك ** ولم يصحبوك خباء معارا )
( فقد قنعوا المجد إن كان ذاك ** وحاشاهم منك خزيا وعارا )
( يقل لعينيك أن يجعلوا ** سواد العيون عليكم شعارا )
ثم إنه بقي مأسورا بأغمات إلى سنة 486 فأخذ بمالقة رجل كبير يعرف بابن خلف فسجن مع أصحاب له فنقبوا السجن وذهبوا إلى حصن منت ميور ليلا فأخرجوا قائدها ولم يضروه وبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رجل فسألوه فإذا هو عبدالجبار بن المعتمد فولوه على أنفسهم وظن الناس أنه الراضي فبقي في الحصن ثم أقبل مركب من الغرب يعرف بمركب ابن الزرقاء فانكسر بمرسى الشجرة قريبا من الحصن فأخذوا بنوده وطبوله وما فيه من طعام وعدة فاتسعت بذلك حالتهم ثم وصلت أم عبدالجبار إليه ثم خاطبه أهل الجزيرة وأهل أركش فدخلها سنة 488 ولما بلغ خبر عبدالجبار إلى ابن تاشفين أمر بثقاف المعتمد في الحديد وفي ذلك يقول
( قيدي اما تعلمني مسلما ** أبيت أن تشفق أو ترحما )
____________________
(4/217)


( يبصرني فيك أبو هاشم ** فينثني القلب وقد هشما ) وبقي إلى أن توفي رحمه الله سنة 488
وقد ساق الفتح قضية ثورة عبدالجبار بن المعتمد بعبارته البارعة فقال وأقام بالعدوة برهة لا يروع له سرب وإن لم يكن آمنا ولا يثور له كرب وإن كان في ضلوعه كامنا إلى أن ثار أحد بنيه بأركش معقل كان مجاورا لإشبيلية مجاورة الأنامل للراح ظاهر على بسائط وبطاح لا يمكن معه عيش ولا يتمكن من منازلته جيش فغدا على أهلها بالمكاره وراح وضيق عليهم المتسع من جهاتها والبراح فسار نحوه الأمير سير بن أبي بكر رحمة الله عليه قبل أن يرتد طرف استقامته إليه فوجده وشره قد تشمر وضره قد تنمر وجمره متسعر وأمره متوعر فنزل عدوته وحل للحزم حبوته وتدارك داءه قبل اعضاله ونازله وما اعد آلات نضاله وانحشدت إليه الجيوش من كل قطر وأفرغ من مسالكه كل قطر فبقي محصورا لايشد إليه إلا سهم ولا ينفذ عنه إلا نفس أو وهم وامتسك شهورا حتى عرضه أحد الرماة بسهم فرماه فأصماه فهوى في مطلعه وخر قتيلا في موضعه فدفن إلى جانب سريره وأمن عاقبة تغريره وبقي أهله ممتنعين مع طائفة من وزرائه حتى اشتد عليهم الحصر وارتد عنهم النصر وعمهم الجوع وأغب أجفانهم الهجوع فنزلت منهم طائفة متهافتة وولت بأنفاس خافتة فتبعهم من بقي ورغب في التنعم من شقي فوصلوا إلى قبضة الملمات وحصلوا في غصة الممات فوسمهم الحيف وتقسمهم السيف ولما زأر الشبل خيفت سورة الأسد ولم يرج صلاح الكل والبعض قد فسد فاعتقل المعتمد خلال تلك الحال وأثناءها وأحل ساحة الخطوب
____________________
(4/218)

وفناءها وحين أركبوه أساودا وأورثوه حزنا بات له معاودا قال
( غنتك أغماتية الألحان ** ثقلت على الأرواح والأبدان )
( قد كان كالثعبان رمحك في الورى ** فغدا عليك القيد كالثعبان )
( متمردا يحميك كل تمرد ** متعطفا لا رحمة للعاني )
( قلبي إلى الرحمن يشكو بثه ** ماخاب من يشكو إلى الرحمن )
( ياسائلا عن شأنه ومكانه ** ماكان أغنى شأنه عن شان )
( هاتيك قينته وذلك قصره ** من بعد أي مقاصر وقيان )
ولما فقد من يجالسه وبعد عنه من كان يؤانسه وتمادى كربه ولم تسالمه حربة قال
( تؤمل للنفس الشجية فرجة ** وتأبى الخطوب السود إلا تماديا )
( لياليك في زاهيك أصفى صحبتها ** كذا صحبت قبلي الملوك اللياليا )
( نعيم وبؤس ذا لذلك ناسخ ** وبعدهما نسخ المنايا الأمانيا )
ولما امتدت في الثقاف مدته واشتدت عليه قسوة الكبل وشدته وأقلقته همومه وأطبقته غمومه وتوالت عليه الشجون وطالت لياليه الجون قال
( أنباء أسرك قد طبقن آفاقا ** بل قد عممن جهات الأرض إقلاقا )
( سرت من الغرب لا تطوى لها قدم ** حتى أتت شرقها تنعاك إشراقا )
( فأحرق الفجع أكبادا وأفئدة ** وأغرق الدمع آماقا وأحداقا )
( قد ضاق صدر المعالي إذ نعيت لها ** وقيل إن عليك القيد قد ضاقا )
( أنى غلبت وكنت الدهر ذا غلب ** للغالبين وللسباق سباقا )
( قلت الخطوب أذلتني طوارقها ** وكان غربي إلى الأعداء طراقا )
____________________
(4/219)


( متى رأيت صروف الدهر تاركة ** إذا انبرت لذوي الأخطار أرماقا )
وقال لي من أثقه لما ثار ابنه حيث ثار وأثار من حقد امير المسلمين عليه ما أثار جزع جزعا مفرطا وعلم انه قد صار في أنشوطة الشر متورطا وجعل يتشكى من فعله ويتظلم ويتوجع منه ويتألم ويقول عرض بي للمحن ورضي لي أن أمتحن ووالله ما أبكي إلا انكشاف من أتخلفه بعدي ويتحيفه بعدي ثم أطرق ورفع رأسه وقد تهللت أسرته وظللته مسرته ورأيته قد استجمع وتشوف إلى السماء وتطلع فعلمت أنه قد رجا عودة إلى سلطانه وأوبة إلى أوطانه فما كان إلا بمقدار ما تنداح دائرة أو تلتفت مقلة حائرة حتى قال
( كذا يهلك السيف في جفنه ** إلى هز كفي طويل الحنين )
( كذا يعطش الرمح لم أعتقله ** ولم تروه من نجيع يميني )
( كذا يمنع الطرف علك الشكيم ** مرتقبا غرة في كمين )
( كأن الفوارس فيه ليوث ** تراعي فرائسها في عرين )
( ألا شرف يرحم المشرفي ** مما به من شمات الوتين )
( ألا كرم ينعش السمهري ** ويشفيه من كل داء دفين )
( ألا حنة لابن محنية ** شديد الحنين ضعيف الأنين )
( يؤمل من صدرها ضمة ** تبوئه صدر كفؤ معين )
وكانت طائفة من أهل فاس قد عاثوا فيها وفسقوا وانتظموا في سلك الطغيان واتسقوا ومنعوا جفون أهلها السنات وأخذوا البنين من حجور آبائهم والبنات وتلقبوا بالإمارة وأركبوا السوء نفوسهم الأمارة حتى كادت أن تقفر على أيديهم وتدثر رسومها بإفراط تعديهم إلى أن تدارك أمير المسلمين رحمه الله تعالى أمرهم وأطفأ جمرهم وأوجعهم ضربا وأقطعهم ماشاء حزنا وكربا وسجنهم بأغمات وضمتهم جوانح الملمات
____________________
(4/220)

والمعتمد إذ ذاك معتقل هناك وكانت فيهم طائفة شعرية مذنبة أو برية فرغبوا إلى سجانهم أن يستريحوا مع المعتمد من أشجانهم فخلى ما بينهم وبينه وغمض لهم في ذلك عينه فكان المعتمد رحمه الله تعالى يتسلى بمجالستهم ويجد أثر مؤانستهم ويستريح إليهم بجواه ويبوح لهم بسره ونجواه إلى أن شفع فيهم وانطلقوا من وثاقهم وانفرج لهم مبهم أغلاقهم وبقي المعتمد في محبسه يشتكي من ضيق الكبل ويبكي بدمع كالوبل فدخلوا عليه مودعين ومن بثه متوجعين فقال
( اما لانسكاب الدمع في الخد راحة ** لقد آن أن يفنى ويفنى به الخد )
( هبوا دعوة يا آل فاس لمبتلى ** بما منه قد عافاكم الصمد الفرد )
( تخلصتم من سجن أغمات والتوت ** علي قيود لم يحن فكها بعد )
( من الدهم أما خلقها فأساود ** تلوى وأما الأيد والبطش فالأسد )
( فهنيتم النعما ودامت لكلكم ** سعادته إن كان قد خانني سعد )
( خرجتم جماعات وخلفت واحدا ** ولله في أمري وأمركم الحمد )
ومر عليه في موضع اعتقاله سرب قطا لم يعلق لها جناح ولا تعلق بها من الأيام جناح ولا عاقها عن أفراخها الأشراك ولا أعوزها البشام ولا الأراك وهى تمرح في الجو وتسرح في مواقع النو فتنكد بما هو فيه من الوثاق ومادون أحبته من الرقباء والأغلاق وما يقاسيه من كبله ويعانيه من وجده وخبله وفكر في بناته وافتقارهن إلى نعيم عهدنه وحبور حضرنه وشهدنه فقال
( بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي ** سوارح لا سجن يعوق ولا كبل )
( ولم تك والله المعيذ حسادة ** ولكن حنينا أن شكلي لها شكل )
____________________
(4/221)


( فأسرح لا شملي صديع ولا الحشا ** وجيع ولا عيناي يبكيهما ثكل )
( هنيئا لها أن لم يفرق جميعها ** ولا ذاق منها البعد عن أهلها أهل )
( وإذ لم تبت مثلي تطير قلوبها ** إذا اهتز باب السجن أو صلصل القفل )
( وماذاك مما يعتريه وإنما ** وصفت التي في جبلة الخلق من قبل )
( لنفسي إلى لقيا الحمام تشوف ** سواي يحب العيش في ساقه كبل )
( ألا عصم الله القطا في فراخها ** فإن فراخي خانها الماء والظل )
وفي هذه الحالة زاره الأديب أبو بكر ابن اللبانة وهو احد شعراء دولته المرتضعين دررها المنتجعين دررها وكان المعتمد رحمه الله تعالى يميزه بالشفوف والإحسان ويجوزه في فرسان هذا الشأن فلما رآه وحلقات الكبل قد عضت بساقيه عض الأسود والتوت عليه التواء الأساود السود وهو لا يطيق إعمال قدم ولا يريق دمعا إلا ممزوجا بدم بعدما عهده فوق منبر وسرير ووسط جنة وحرير تخفق عليه الألوية وتشرق منه الأندية وتكف الأمطار من راحته وتشرف الأقدار بحلول ساحته ويرتاع الدهر من اوامره ونواهيه ويقصر النسر أن يقارنه أو يضاهيه ندبه بكل مقال يلهب الأكباد ويثير فيها لوعة الحارث بن عباد أبدع من أناشيد معبد وأصدع للكبد من مراثي أربد او بكاء ذي الرمة بالمربد سلك فيها للاحتفاء طريقا لاحبا وغدا فيها لذيول الوفاء ساحبا فمن ذلك قوله
( انفض يديك من الدنيا وساكنها ** فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا )
( وقل لعالمها السفلي قد كتمت ** سريرة العالم العلوي أغمات )
( طوت مظلتها لا بل مذلتها ** من لم تزل فوقه للعز رايات )
( من كان بين الندى والبأس أنصله ** هندية وعطاياه هنيدات )
____________________
(4/222)


( رماه من حيث لم تستره سابغة ** دهر مصيباته نبل مصيبات )
( أنكرت إلا التواءات القيود به ** وكيف تنكر في الروضات حيات )
( غلطت بين همايين عقدن له ** وبينها فإذا الأنواع أشتات )
( وقلت هن ذؤابات فلم عكست ** من رأسه نحو رجليه الذؤابات )
( حسبتها من قناه أو أعنته ** إذا بها لثقاف المجد آلات )
( دروه ليثا فخافوا منه عادية ** عذرتهم فلعدو الليث عادات )
( لو كان يفرج عنه بعض آونة ** قامت بدعوته حتى الجمادات )
( بحر محيط عهدناه تجيء له ** كنقطة الدارة السبع المحيطات )
( لهفي على آل عباد فإنهم ** أهلة مالها في الأفق هالات )
( راح الحيا وغدا منهم بمنزلة ** كانت لنا بكر فيها وروحات )
( أرض كأن على أقطارها سرجا ** قد أوقدتهن بالأدهان أنبات )
( وفوق شاطىء واديها رياض ربى ** قد ظللتها من الأنشام دوحات )
( كأن واديها سلك بلبتها ** وغاية الحسن أسلاك ولبات )
( نهر شربت بعبريه على صور ** كانت لها في قبل الراح سورات )
( وربما كنت أسمو للخليج به ** وفي الخليج لأهل الراح راحات )
( وبالعروسات لا جفت منابتها ** من النعيم غروسات جنيات )
ولم تزل كبده تتوقد بالزفرات وخلده يتردد بين النكبات والعثرات ونفسه تتقسم بين الأشجان والحسرات إلى أن شفته منيته وجاءته بها أمنيته فدفن بأغمات وأريح من تلك الأزمات
( وعطلت المآثر من حلاها ** وأفردت المفاخر من علاها )
ورفعت مكارم الأخلاق وكسدت نفائس الأعلاق وصار امره عبرة في عصره وصاب أندى عبرة في مصره وبعد أيام وافى أبو بحر ابن عبد الصمد شاعره المتصل به المتوصل إلى المنى بسببه فلما كان يوم العيد وانتشر
____________________
(4/223)

الناس ضحى وظهر كل متوار وضحا قام على قبره عند انفصالهم من مصلاهم واختيالهم يزينتهم وحلاهم وقال بعد أن طاف بقبره والتزمه وخر على تربه ولثمه
( ملك الملوك أسامع فأنادي ** أم قد عدتك عن السماع عوادي )
( لما خلت منك القصور فلم تكن ** فيها كما قد كنت في الأعياد )
( قبلت في هذا الثرى لك خاضعا ** وتخذت قبرك موضع الإنشاد )
وهي قصيدة أطال إنشادها وبنى بها اللواعج وشادها فانحشر الناس إليه وانحفلوا وبكوا ببكائه وأعولوا وأقاموا أكثر نهارهم مطيفين به طواف الحجيج مديمين للبكاء والعجيج ثم انصرفوا وقد نزفوا ماء عيونهم وأقرحوا مآقيهم بفيض شؤونهم وهذه نهاية كل عيش وغاية كل ملك وجيش والأيام لا تدع حيا ولا تألوا كل نشر طيا تطرق رزاياها كل سمع وتفرق مناياها كل جمع وتصمي كل ذي امر ونهي وترمي كل مشيد بوهي ومن قبله طوت النعمان ابن الشقيقة ولوت مجازه في تلك الحقيقة انتهى ما قصدنا جلبه من كلام الفتح مما يدخل في أخبار المعتمد بن عباد المناسبة لما مر
وكلام الفتح كله الغاية وليس الخبر كالعيان ولذا قال بعض من عرف به إنه أراد أن يفضح الشعراء الذين ذكرهم في كتبه بنثره سامحة الله تعالى
وأخبار المعتمد رحمه الله تعالى تحتمل مجلدات وآثاره إلى الآن بالغرب مخلدات وكان من النادر الغريب قولهم في الدعاء للصلاة على جنازته الصلاة على الغريب بعد اتساع ملكه وانتظام سلكه وحكمه على إشبيلية وأنحائها وقرطبة وزهرائها وهكذا شأن الدنيا في تدريسها نحو ندبتها وإغرائها
وقد توجه لسان الدين الوزير ابن الخطيب إلى أغمات لزيارة قبر المعتمد رحمه
____________________
(4/224)

الله تعالى ورأى ذلك من المهمات وأنشد على قبره أبياته الشهيرة التى ذكرتها في جملة نظمه الذي هو أرق من النسيم وأبهج من المحيا الوسيم
قلت وقد زرت انا قبر المعتمد والرميكية أم أولاده حين كنت بمراكش المحروسة عام عشرة وألف وعمي علي أمر القبر المذكور وسألت عنه من تظن معرفته له حتى هداني إليه شيخ طعن في السن وقال لي هذا قبر ملك ملوك الأندلس وقبر حظيته التي كان قلبه بحبها خفاقا غير مطمئن فرأيته في ربوة حسبما وصفه ابن الخطيب رحمه الله تعالى في الأبيات وحصلت لي في ذلك المحل خشية وادكار وذهبت بي الأفكار في ضروب الآيات فسبحان من يؤتي ملكه من يشاء لا إله غيره وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين
وما احسن قول الوزير ابن عبدون في مطلع رائيته الشهيرة
( الدهر يفجع بعد العين بالأثر ** فما البكاء على الأشباح والصور )
وهو القائل
( يانائم الليل في فكر الشباب أفق ** فصبح شيبك في أفق النهى بادي )
( غضت عنانك أيدي الدهر ناسخة ** علما بجهل وإصلاحا بإفساد )
( وأسلمت للمنايا آل مسلمة ** وعبدت للرزايا آل عباد )
( لقد هوت منك خانتها قوادمها ** بكوكب في سماء المجد وقاد )
ومنها
( ومالك كان يحمي شول قرطبة ** أستغفر الله لا بل شول بغداد )
____________________
(4/225)


( شق العلوم نطافا والعلا زهرا ** ثبين مابين رواد ووراد )
وأين هذه القصيدة في مدحهم من قصيدة الغض منهم وهي قول أبي الحسن جعفر بن إبراهيم ابن الحاج اللورقي
( تعز عن الدنيا ومعروف أهلها ** إذا عدم المعروف في آل عباد )
( حللت بهم ضيفا ثلاثة أشهر ** بغير قرى ثم ارتحلت بلا زاد )
وهذا يدلك على ان الشعراء لم يسلم من لسانهم من أحسن فضلا عمن أساء من العظماء والرؤساء وما امدح قول أبي محمد غانم فيهم
( ومن الغريب غروب شمس في الثرى ** وضياؤها باق على الآفاق ) وقال في المطمح في حق بني عباد وأوليتهم ما صورته الوزير أبو القاسم محمد بن عباد هذه بقية منتماها في لخم ومرتماها إلى مفخر ضخم وجدهم المنذر بن ماء السماء ومطلعهم من جو تلك السماء وبنو عباد ملوك أنس بهم الدهر وتنفس منهم عن أعبق الزهر وعمروا ربع الملك وأمروا بالحياة والهلك ومعتضدهم أحد من أقام وأقعد وتبوأ كاهل الإرهاب واقتعد وافترش من عريسته وافترس من مكايد فريسته وزاحم بعود وهد كل طود وأخمل كل ذي زي وشارة وختل بوحي وإشارة ومعتمدهم كان أجود الأملاك وأحد نيرات تلك الأفلاك وهو القائل وقد شغل عن منادمة خواص دولته بمنادمة العقائل
( لقد حننت إلى ما اعتدت من كرم ** حنين أرض إلى مستأخر المطر )
( فهاتها خلعا أرضي السماح بها ** محفوفة في أكف الشرب بالبدر )
____________________
(4/226)


وهو القائل وقد حن في طريقه إلى فريقه
( أدار النوى كم طال فيك تلذذي ** وكم عقتني عن دار أهيف أغيد )
( حلفت به لو قد تعرض دونه ** كماة الأعادي في النسيج المسرد )
( لجردت للضرب المهند فانقضى ** مرادي وعزما مثل حد المهند )
والقاضي أبو القاسم هذا جدهم وبه سفر مجدهم وهو الذي اقتنص لهم الملك النافر واختصهم منه بالحظ الوافر فإنه أخذ الرياسة من أيدي جبابر وأضحى من ظلالها أعيان اكابر عندما اناخت بها اطماعهم وأصاخت إليها أسماعهم وامتدت إليها من مستحقيها اليد وأتلعوا أجيادا زانها الجيد وفغر عليها فمه حتى هجا بيت العبدى وتصدى إليها من تحضر وتبدى فاقتعد سنامها وغاربها وأبعد عنها عجمها واعاربها وفاز من الملك بأوفر حصة وغدت سمته به صفة مختصة فلم يمح رسم القضاء ولم يتسم بسمة الملك مع ذلك النفوذ والمضاء وما زال يحمي حوزته ويجلو غرته حتى حوته الرجام وخلت منه تلك الآجام وانتقل الملك الى ابنه المعتضد وحل منه في روض نمق له ونضد ولم يعمر فيه ولم يدم ولاه وتسمى بالمعتضد بالله وارتمى إلى أبعد غايات الجود بما أناله وأولاه لولا بطش في اقتضاء النفوس كدر ذلك المنهل وعكر أثناء ذلك صفو العل والنهل ومازال للأرواح قابضا وللوثوب عليها رابضا يخطف أعداءه اختطاف الطائر من الوكر وينتصف منهم بالدهاء والمكر إلى أن أفضى الملك إلى إبنه المعتمد فاكتحل منه طرفه الرمد وأحمد مجده وتقلد منه أي بأس ونجدة ونال به الحق مناه وجر رسنه وأقام في الملك ثلاثا وعشرين سنة لم تعدم له فيها حسنة ولا سيرة مستحسنة إلى أن غلب على سلطانه وذهب به من أوطانه فنقل
____________________
(4/227)

إلى حيث اعتقل وأقام كذلك إلى ان مات ووارته برية اغمات وكان للقاضي جده أدب غض ومذهب مبيض ونظم يرتجله كل حين ويبعثه اعطر من الرياحين فمن ذلك قوله يصف النيلوفر
( يا ناظرين لذا النيلوفر البهج ** وطيب مخبره في الفوح والأرج )
( كأنه جام در في تألقه ** قد أحكموا وسطه فصا من السبج ) انتهى المقصود منه 671 - تراجم منقولة عن الفتح
1 - ترجمة ابن البنبي من المطمح
وهو اعني الفتح يشيد قصور الشرف إذا مدح ويهدم معاقلها إذا هجا وقدح
ومن أغراضه قوله في المطمح في حق الأديب أبي جعفر ابن البني رافع رايات القريض وصاحب آيات التصريح والتعريض أقام شرائعه وأظهر بدائعه إذا نظم أزرى بالعقود وأتى بأحسن من رقم البرود وكان أليف غلمان وحليف كفر لا إيمان مانطق متشرعا ولا رمق متورعا ولا اعتقد حشرا ولا صدق بعثا ولا نشرا وربما تنسك مجونا وفتكا وتمسك باسم التقى وقد هتكه هتكا لا يبالي كيف ذهب ولا بما تمذهب وكانت له أهاجي جرع بها صابا ودرع منها اوصابا وقد أثبت له ما يرتشف ريقا ويشرب تحقيقا فمن ذلك قوله يتغزل
( من لي بغرة فاتن يختال في ** حلل الجمال إذا بدا وحليه )
( لو شمت في وضح النهار شعاعها ** ما عاد جنح الليل بعد مضيه )
____________________
(4/228)


( شرقت لآلي الحسن حتى خلصت ** ذهبية في الخد من فضية )
( في صفحتيه من الجمال أزاهر ** غذيت بوسمي الحيا ووليه )
( سلت محاسنه لقتل محبه ** من سحر عينيه حسام سميه ) وله فيه
( كيف لا يزداد قلبي ** من جوى الشوق خبالا )
( وإذا قلت علي ** بهر الناس جمالا )
( هو كالغصن وكالبدر ** قواما واعتدالا )
( أشرق البدر كمالا ** وانثنى الغصن اختيالا )
( إن من رام سلوي ** عنه قد رام محالا )
( لست أسلو عن هواه ** كان رشدا أو ضلالا )
( قل لمن قصر فيه ** عذل نفسي او أطالا )
( دون أن تدرك هذا ** تسلب الأفق الهلالا )
وكنت بميورقة وقد حلها متسما بالعبادة وهو أسرى إلى الفجور من خيال أبي عبادة وقد لبس أسمالا ولبس منه أقوالا وأفعالا سجوده هجود وإقراره بالله جحود وكانت له رابطة لم يكن للوازمها مرتبطا ولا بسكناها مغتبطا سماها بالعقيق وسمى فتى كان يتعشقه بالحمى وكان لا يتصرف إلا في صفاته ولا يقف إلا بعرفاته ولا يؤرقه إلا جواه ولا يشوقه إلا هواه فإذا بأحد دعاة حبيبه ورواة تشبيبه قال له كنت البارحة بحماه وذكر له خبرا ورى به عني وعماه فقال
____________________
(4/229)


( تنفس بالحمى مطول أرض ** فأودع نشره نشرا شمالا )
( فصبحت العيون إلى كسلى ** تجرر فيه أردانا خضالا )
( أقول وقد شممت الترب مسكا ** بنفحتها يمينا او شمالا )
( نسيم جاء يبعث منك طيبا ** ويشكو من محبتك اعتلالا )
ولما تقرر عند ناصر الدولة من أمره ما تقرر وتردد على سمعه انتهاكه وتكرر أخرجه من بلده ونفاه وطمس رسم فسقه وعفاه فأقلع إلى المشرق وهو جار فلما صار من ميورقة على ثلاثة مجار نشأت له ريح صرفته عن وجهته إلى فقد مهجته فلما لحق بميورقة أراد ناصر الدولة إماحته وأخذ ثار الدين منه وإراحته ثم آثر صفحه وأخمد ذلك الجمر ولفحه وأقام أياما ينتظر ريحا علها تزجيه ويستهديها لتخلصه وتنجيه وفي أثناء بلوته لم يتجاسر أحد على إتيانه من إخوته فقال يخاطبهم
( أحبتنا الألى عتبوا علينا ** فأقصرنا وقد أزف الوداع )
( لقد كنتم لنا جذلا وأنسا ** فهل في العيش بعدكم انتفاع )
( أقول وقد صدرنا بعد يوم ** أشوق بالسفينة أم نزاع )
( إذا طارت بنا حامت عليكم ** كأن قلوبنا فيها شراع )
وله يتغزل
( بني العرب الصميم ألا رعيتم ** مآثركم بآثار السماح )
( رفعتم ناركم فعشا إليها ** بوهن فارس الحي الوقاح )
( فهل في القعب فضل تنضحوه ** به من محض ألبان اللقاح )
( لعل الرسل شابته الثنايا ** بشهد من ندى نور الأقاح )
____________________
(4/230)


وله أيضا
( وكأنما رشأ الحمى لما بدا ** لك في مضلعه الحديد المعلم )
( غصب الغمام قسية فأراكها ** من حسن معطفه قويم الأسهم )

وله أيضا
( نظرت إليه فاتقاني بمقلة ** ترد إلى نحري صدور رماح )
( حميت الجفون النوم يا رشأ الحمى ** وأظلمت أيامي وأنت صباحي ) وقال
( قالوا تصيب طيور الجو أسهمه ** إذا رماها فقلنا عندنا الخبر )
( تعلمت قوسها من قوس حاجبه ** وأيد السهم من ألحاظه الحور )
( يروح في بردة كالنقس حالكة ** كما أضاء بجنح الليلة القمر )
( وربما راق في خضراء مورقة ** كما تفتح في اوراقه الزهر ) 2 - ترجمة ابن لبال من المطمح
وقال في ترجمة أبي الحسن ابن لبال شاعر سمح متقلد بالإحسان متشح أم الملوك والرؤساء ويمم تلك العزة القعساء فانتجع مواقع خيرهم واقتطع ماشاء من ميرهم وتمادت أيامه إلى هذا الأوان فجالت به في ميدان الهوان فكسد نفاقه وارتدت آفاقه وتوالى عليه حرمانه وإخفاقه وأدركته وقد خبنته سنونه وانتظرته منونه ومحاسنه كعهدها في الاتقاد وبعدها من الانتقاد وقد أثبت منها ما يعذب جنى وقطافا ويستعذب استنزالا واستلطافا فمن ذلك قوله يستنجد الأمير الأجل أبا إسحاق ابن أمير المسلمين
____________________
(4/231)


( قل للأمير ابن الأمير بل الذي ** أبدا به في المكرمات وفي الندى )
( والمجتني بالزرق وهي بنفسج ** ورد الجراح مضعفا ومنضدا )
( جاءتك آمال العفاة ظوامئا ** فاجعل لها من ماء جودك موردا )
( وانثر على المداح سيبك إنهم ** نثروا المدائح لؤلؤا وزبرجدا )
( فالناس إن ظلموا فأنت هو الحمى ** والناس إن ضلوا فأنت هو الهدى )
أخبرني وزير السلطان ان هذه القطعة لما ارتفعت اعتنت بجملة الشعراء وشفعت فأنجز لهم الموعود وأورق لهم ذلك العود وكثر اللغط في تعظيمها واستجادة نظيمها وحصل له بها ذكر وانصقل له بسببها فكر وله من قطعة يصف بها سيفا
( كل نهر توقدت شفرتاه ** كاتقاد الشهاب في الظلماء )
( فهو ماء قد ركبت فوق نار ** أو كنار قد ركبت فوق ماء ) وكتب إلي معزيا عن والدتي
( على مثله من مصاب وجب ** على من أصيب به المنتجب )
( وقلب فروق ولب خفوق ** ونفس تشب وهم نصب )
( فقد خشعت للتقى هضبة ** ذؤابتها في صميم العرب )
( من الجاعلات محاريبها ** هوادجها أبدا والقتب )
( من القائمات بظل الدجى ** ولا من تسامر إلا الشهب )
( فكم ركعت إثرها في الدجى ** تناجي بها ربها من كثب )
( وكم سكبت في أوان السجود ** مدامع كالغيث لما انسكب )
( وقد خلفت ولدا باسلا ** فصيحا إذا ماقرأ او خطب )
____________________
(4/232)


( يفل السيوف بأقلامه ** ويكسر صم القنا بالقصب )
وكان القائد أبو عمرو عثمان بن يحيى بن ابراهيم أجل من جال في خلد واستطال على جلد رشأ يحيى باحتشامه ويسترد البدر بلثامه ويزري بالغصن تثنيه ويثمر الحسن لو دنت قطوفه لمجتنيه مع لوذعية تخالها جريالا وسجية يختال فيها الفضل اختيالا وكان قد بعد عن أنسنا بحمص وانتضى من تلك القمص وكان بثغر الأشبونة فسده ولم ينفرج لنا من الأنس بعده ما يسد مسده إلى أن صدر فأسرع إلينا وابتدر فالتقينا وبتنا ليلة نام عنها الدهر وغفل وقام لنا بما شئنا فيها وتكفل فبينا نحن نفض ختامها وننفض عنا غبار الوحشة وقتامها إذا أنا بابن لبال هذا وقد دخل إذنه علينا فأمرناه بالنزول والتقيناه بترحيب وأنزلناه بمكان من المسرة رحيب وسقيناه صغارا وكبارا وأريناه إعظاما وإكبارا فلما شرب طرب وكلما كرعها التحف السلوة وتدرعها ومازال يشرب أقداحا وينشد فينا أمداحا ويفدي بنفسه ويستهدي الاستزادة من أنسه فهتكنا الظلام بما أهداه من البديع واجتلينا محاسنه كالصديع وانفصلت ليلته عن أتم مسرة وأعم مبرة وارتحل عثمان أعزه الله إلى ثغره وأقام به برهة من دهره فمشيت بها إليه مجددا عهدا ومتضلعا من مؤانسته شهدا فكتب ابن لبال هذه القطعة من القصيدة يذهب إلى شكره ويجتهد في تجديد ذكره
( ماشام إنسان إنسان كعثمان ** ولا كبغيتة من حسن إحسان )
( بدر السيادة يبدو في مطالعه ** من المحاسن محفوفا بشهبان )
( له التمام وما بالأفق من قمر ** متمم دون أن يرمى بنقصان )
( به الشبيبة تزهى من نضارتها ** كما تساقط طل فوق بستان )

____________________
(4/233)


( معصفر الحسن للأبصار ناصعه ** كأنه فضة شيبت بعقيان )
( نبئت عنه بأنباء إذا نفحت ** تعطلت نفحات المسك والبان )
( قامت عليه براهين تصدقها ** كالشكل قام عليه كل برهان )
( قد زادها ابن عبيدالله من وضح ** مازادت الشمس نور الفجر للراني )
( بالله بلغه تسليمي إذا بلغت ** تلك الركاب وعجل غير ليان )
( وليت اني لو شاهدت أنسكما ** على كؤوس وطاسات وكيزان )
( فألفظ الكلم المنثور بينكما ** كأنما هو من در ومرجان )
( لله درك ياذا الخطتين لقد ** خططت بالمدح فيه كل ديوان )
( كلاكما البحر في وجود وفي كرم ** أو الغمامة تسقي كل ظمآن )
( إن كان فارس هيجاء ومعترك ** فأنت فارس إفصاح وتبيان )
( فاذكر أبا نصر
المعمور منزله ** بالرفد ماشئت من مثنى ووحدان )
( قصائدا لأخي ود وإن نزحت ** بك الركاب إلى أقصى خراسان ) 3 - ترجمة عبدالمعطي من المطمح
وقال في ترجمة الأديب أبي بكر عبدالمعطي بيت شعر ونباهة وأبو بكر ممن انتبه خاطره للبدائع أي انتباهة وله أدب باهر ونظم كما سفرت ازاهر وقد أثبت له جمالا يبلغ آمالا فمن ذلك قوله وقد اجتمعنا في ليلة لم يضرب لها وعد ولم يعزب عنها سعد وهو قعدي قد شب عن طوق الأنس في الندي وماقال خالي عمرو ولا عدي والكهولة قد قبضته وأقعدته عن ذلك وما أنهضته
____________________
(4/234)


( إمام النثر والمنظوم فتح ** جميع الناس ليل وهو صبح )
( له قلم جليل لا يجارى ** يقر بفضله سيف ورمح )
( يباري المزن ما سحت سماحا ** وإن شحت فليس لديه شح )
وكان مرتسما في عسكر قرطبة وكان ابن سراج يقوم له بكل ما يبغي تطلبه خيفة من لسانه ومحافظة على إحسانه ولما خرج إلى إقليش خرج معه وجعل يساير من شيعه فلما حصلوا بفحص سرادق وهو موضع توديع المفارق للمفارق قرب منه أبو الحسين ابن سراج لوداعه وأنشده في تفرق الشمل وانصداعه
( هم رحلوا عنا لأمر لهم عنا ** فما أحد منهم على أحد حنا )
( ومارحلوا حتى استقادوا نفوسنا ** كأنهم كانوا أحق بها منا )
( فيا ساكني نجد لتبعد داركم ** ظننا بكم ظنا فأخلفتم الظنا )
( غدرتم ولم أغدر وخنتم ولم أخن ** وقلتم ولم أعتب وجرتم وما جرنا )
( وأقسمتم أن لا تخونون في الهوى ** فقد وذمام الحب خنتم وما خنا )
( ترى تجمع الأيام بيني وبينكم ** ويجمعنا دهر نعود كما كنا
فلما استتم إنشاده لحق بالسلطان وإعتذر إليه بمريض خلفه وهو يخاف تلفه فأذن له بالانصراف وكتب ألي أبي الحسين ابن سراج
( أما والهدايا ما رحلنا ولا حلنا ** وإن عن من دون الترحل ماعنا )
( تركنا ثواب الفضل والعز للعزى ** على مضض منا وعدنا كما كنا )
( وليس لنا عنكم على البين سلوة ** وإن كان أنتم عندكم سلوة عنا )
وجمعتنا عشية بربض الزجالي بقرطبة ومعنا لمة من الإخوان وهو في
____________________
(4/235)

جملتهم مناهض لأعيانهم وجلتهم بفضل أدبه وكثرة سحبه فجعل يرتجل ويروي وينشر محاسن الآداب ويطوي ويمتعنا بتلك الأخبار ويقطعنا منها جانب اعتبار ويطلعنا على إقبال الأيام وعلى الادبار ثم قال
( أيا ابن عبيدالله يا ابن الأكارم ** لقد بخلت يمناك صوب الغمائم )
( لك القلم الأعلى الذي عطل القنا ** وفل ظبات المرهفات الصوارم )
( وأخلاقك الزهر الأزاهر بالربى ** ترف بشؤبوب الغيوث السواجم )
( بقيت لتشييد المكارم والعلى ** تظاهرها بالسالف المتقادم )
واجتمع عند أبيه لمة من أهل الأدب وذوي المنازل والرتب في عشية غيم أعقب مطرا وخط فيها البرق أسطرا والبرد يتساقط كدر من نظام ويتراءى كثنايا غادة ذات ابتسام وهو غلام ما نضا برد شبابه ولا انتضى مرهف آدابه فقال معرضا بهم ومتعرضا لتحقق أدبهم
( كأن الهواء غدير جمد ** بحيث البروق تذيب البرد )
( خيوط وقد عقدت في الهواء ** وراحة ريح تحل العقد )
وشرب في دار ابن الأعلم في يوم لم ير الدهر فيه اساءة وليل نسخ نور أنسه مساءه ومعهم جملة من الشعراء وجماعة من الوزراء منهم أبناء القبطرنة فوقع بينهم عتاب وتعذال وامتهان في ميدان المشاجرة وابتذال آل به إلى تجريد السيف وتكدير ما صفا بذلك الحيف فسكنوه بالاستنزال وثنوه عن ذلك النزال 4 - ترجمة ابن بقي من المطمح والقلائد
وقال في المطمح في حق أبي بكر يحيى بن بقي القرطبي صاحب الموشحات البديعة كان نبيل السيرة والنظام كثير الارتباط في سلكه والانتظام أحرز خصالا وطرز بمحاسنه بكرا وآصالا وجرى في ميدان الإحسان إلى أبعد
____________________
(4/236)

أمد وبنى من المعارف أثبت عمد إلا ان الأيام حرمته وقطعت حبل رعايته وصرمته فلم تتم له وطرا ولم تسجم عليه الحظوة مطرا ولا سوغت من الحرمة نصيبا ولا انزلته مرعى خصيبا فصار راكب صهوات وقاطع فلوات لا يستقر يوما ولا يستحسن نوما مع توهم لا يظفره بامان وتقلب ذهن كالزمان إلا أن يحيى بن علي بن القاسم نزعه من ذلك الطيش وأقطعه جانبا من العيش وأرقاه إلى سمائه وسقاه صيب نعمائه وفيأه ظلاله وبوأة أثر النعمة يجوس خلاله فصرف به أقواله وشرف بعواقبه فعاله وأفرده منها بأنفس در وقصده منها بقصائد غر انتهى المقصود جلبة من ترجمته في المطمح
وقال في حقه في القلائد رافع راية القريض وصاحب آية التصريح فيه والتعريض اقام شرائعه وأظهر روائعه وصار عصية طائعة إذا نظم زرى بنظم العقود واتى بأحسن من رقم البرود وطفا عليه حرمانه فما صفا له زمانه انتهى
وابن بقي المذكور هو القائل
( بأبي غزال غازلته مقلتي ** بين العذيب وبين شطي بارق ) الأبيات المذكورة في غير هذا الموضع
ومن موشحاته قوله
( غلب الشوق بقلبي فاشتكى ** ألم الوجد فلبت أدمعي )
( أيها الناس فؤادي شفف ** وهو من بغي الهوى لا ينصف )
( كم أداريه ودمعي يكف )
( أيها الشادن من علمكا ** بسهام اللحظ قتل السبع )
____________________
(4/237)


( بدر تم تحت ليل أغطش ** طالع في غصن بان منتشي )
( أهيف القد بخد أرقش )
( ساحر الطرف وكم ذا فتكا ** بقلوب الأسد بين الأضلع )
( أي ريم رمته باجتنبا ** وانثنى يهتز من سكر الصبا )
( كقضيب هزه ريح الصبا )
( قلت هب لي ياحبيبي وصلكا ** واطرح أسباب هجري ودع )
( قال خدي زهرة مذ فوفا ** جردت عيناي سيفا مرهفا )
( حذرا منه بأن لا يقطفا )
( إن من رام جناه هلكا ** فأزل عنك علال الطمع )
( ذاب قلبي في هوى ظبي غرير ** وجهه في الدجن صبح مستنير )
( وفؤادي بين كفيه أسير )
( لم أجد للصبر عنه مسلكا ** فانتصاري بانسكاب الأدمع )
وقال رحمه الله تعالى
( خذ حديث الشوق عن نفسي ** وعن الدمع الذي همعا )
( ماترى شوقي وقد وقدا **
____________________
(4/238)

وهمى دمعي واطردا )
( واغتدى قلبي عليك سدى )
( آه من ماء ومن قبس ** بين طرفي والحشا جمعا )
( بأبي ريم إذا سفرا ** أطلعت أزراره قمرا )
( فاحذروه كلما نظرا )
( فبألحاظ الجفون قسي ** انا منها بعض من صرعا )
( أرتضيه جار او عدلا ** قد خلعت العذر والعذلا )
( إنما شوقي إليه جلا )
( كم وكم أشكو إلى اللعس ** ظمئي لو أنه نفعا )
( صال عبدالله بالحور ** وبطرف فاتر النظر )
( حكمه في أنفس البشر )
( مثل حكم الصبح في الغلس ** إن تجلى نوره صدعا )
( شبهته بالرشا الأمم ** فلعمري إنهم ظلموا )
( فتغنى من به السقم )
( أين ظبي القفر والكنس ** من غزال في الحشا رتعا ) انتهى
____________________
(4/239)


وله أيضا
( ماردني لابس ثوب الضنى الدارس إلا قمر ** في غصن مائس شعاعه عاكس ضوء البصر )
( أسير كالسيل إليه لا باع إلا ودادي ** والطيف في خيل لهن إسراع مع الرقاد )
( ياكوكب الليل إن كنت ترتاع فلم فؤادي ** كالأسد العابس لكنه خانس من الحور )
ومن نظمه قصيدة مدح يحيى بن علي بن القاسم المذكور بها منها في المديح قوله
( نوران ليسا يحجبان عن الورى ** كرم الطباع ولا جمال المنظر )
( وكلاهما جمعا ليحيى فليدع ** كتمان نور علائه المتشهر )
( في كل أفق من جمال ثنائه ** عرف يزيد على دخان المجمر )
( رد في شمائله ورد في جوده ** بين الحديقة والغمام الممطر )
( بدر عليه من الوقار سكينة ** فيها لقيطة كل ليث مخدر )
( مثل الحسام إذا انطوى في غمده ** ألقى المهابة في نفوس الحضر )
( أربى على المزن الملث لأنه ** أعطى كما أعطى ولم يستعبر ) ومنها
( أقبلت مرتادا لجودك إنه ** صوب الغمامة بل زلال الكوثر )
( ورأيت وجه النجح عندك أبيضا ** فركبت نحوك كل لج أخضر ) وهي طويلة استطراد وقوله أربى على المزن الملث البيت هو معنى تلاعب الشعراء بكرته
____________________
(4/240)

وأورده كل منهم على حسب مقدرته فقال بعض
( من قاس جدواك بالغمام فما ** انصف في الحكم بين شيئين )
( أنت إذا جدت ضاحك أبدا ** وهو إذا جاد دامع العين )
وقال آخر
( ما نوال الغمام يوم ربيع ** كنوال الأمير يوم سخاء )
( فنوال الأمير بدرة عين ** ونوال الغمام قطرة ماء ) وهما من شواهد البديع
وقال أبو عبدالله الحوضي التلمساني في قصيدة مدح بها سلطان تلمسان أبا عبدالله الزياني
( أصبح المزن من عطائك يحكي ** يوم الاثنين للأنام عطاء )
( كيف يدعى لك الغمام شبيها ** ولقد فقته سنا وسناء )
( أنت تعطي إذا تقصر مالا ** وهو يعطي إذا تطول ماء )
رجع وذكر العماد في الخريدة ابن بقي المذكور وأورد له جملة من المقطعات ومحاسنه كثيرة رحمه الله تعالى وبقي على وزن علي رجع إلى بني عباد رحمهم الله تعالى
وقال ابن اللبانة في بني عباد ما نصه بماذا أصفهم وأحليهم وأي منقبة من الجلالة اوليهم فهم القوم الذين تجل مناقبهم عن العد والإحصاء ولا يتعرض لها بالاستيفاء والاستقصاء ملوك زينت بهم الدنيا وتحلت وترقت حيث شاءت وحلت إن ذكرت الحروب فعليهم يوقف منها الخبر اليقين أو عدت المآثر فهم في ذلك في درجة السابقين أصبح الملك بهم مشرق القسام والأيام
____________________
(4/241)

ذات بهجة وابتسام حتى اناخ بهم الحمام وعطل من محاسنهم الوراء والأمام فنقل إلى العدم وجودهم ولم يرع بأسهم وجودهم وكل ملك آدمي فمفقود { وما نؤخره إلا لأجل معدود } هود 104 فاول ناشئة ملكهم ومحصل الأمر تحت ملكهم عظيمهم الأكبر وسابقة شرفهم الأجل الأشهر وزينهم الذي يعد في الفضائل بالوسطى والخنصر محمد بن عباد ويكنى أبا القاسم واسم والده إسماعيل ومن شعره قوله
( يا حبذا الياسمين إذ يزهر ** فوق غصون رطيبة نضر )
( قد امتطى للجبال ذروتها ** فوق بساط من سندس أخضر )
( كأنه والعيون ترمقه ** زمرد في حلاله جوهر )
ولنذكر كلام ابن اللبانة وغيره في حقهم فنقول وصف المعتضد رحمه الله تعالى بما صورته المعتضد أبو عمرو عباد رحمه الله تعالى لم تخل أيامه في أعدائه من تقييد قدم ولا عطل سيفه من قبض روح وسفك دم حتى لقد كانت في باب داره حديقة لا تثمر إلا رؤوسا ولا تنبت إلا رئيسا ومرؤوسا فكان نظره إليها أشهى مقترحاته وفي التلفت إليها استعمل جل بكره وروحاته فبكى وأرق وشتت وفرق ولقد حكي عنه من اوصاف التجبر ما ينبغي أن تصان عنه الأسماع ولا يتعرض له بتصريح ولا إلماع ومن نظمه عفا الله عنه
( أتتك أم الحسن ** تشدو بصوت حسن )
( تمد في ألحانها ** من الغناء المدني )
( تقود مني ساكنا ** كأنني في رسن )
( أوراقها أستارها ** إذا شدت في فنن ) وقوله
( شربنا وجفن الليل يغسل كحله ** بماء صباح والنسيم رقيق )
____________________
(4/242)


( معتقة كالتبر اما نجارها ** فضخم وأما جسمها فرقيق )
وقوله
( قد وجدنا الحبيب يصفي وداده ** وحمدنا ضميره واعتقاده )
( قرب الحب من فؤاد محب ** لا يرى هجره ولا إبعاده )
وقال عند حصول رندة في ملكه
( لقد حصلت يارندة ** فصرت لملكنا عده )
( أفادتناك أرماح ** وأسياف لها حده )
وقال رحمه الله تعالى
( اشرب على وجه الصباح ** وانظر إلى نور الأقاح )
( واعلم بأنك جاهل ** مالم تقل بالاصطباح )
( فالدهر شيء بارد ** مالم تسخنه براح ) 672 - ابن جاخ والمعتضد ومن حكايات المعتضد عباد ما ذكره غير واحد ان ابن جاخ الشاعر ورد على حضرته فدخل الدار المخصوصة بالشعراء فسألوه فقال إني شاعر فقالوا أنشدنا من شعرك فقال
( إني قصدت إليك ياعبادي ** قصد القليق بالجري للوادي )
فضحكوا منه وازدروه فقال بعض عقلائهم دعوه فإن هذا شاعر وما يبعد أن يدخل مع الشعراء ويندرج في سلكهم فلم يبالوا بكلام الرجل وتنادروا على المذكور فبقي معهم وكان لهم في تلك الدولة يوم مخصوص
____________________
(4/243)

لا يدخل فيه على الملك غيرهم وربما كان يوم الاثنين فقال بعض لبعض هذه شنعة بنا أن يكون مثل هذا البادي يقدم علينا ويجترىء على الدخول معنا فاتفقوا على ان يكون هو اول متكلم في اليوم المخصوص بهم عند جلوس السلطان وقد راوا ان يقول مثل ذلك الشعر المضحك فيطرده عنهم ويكون ذلك حسما لعله إقدام مثله عليهم فلما كان اليوم المذكور وقعد السلطان في مجلسه ونصب الكرسي لهم رغبوا منه ان يكون هذا القادم اول متكلم في ذلك اليوم فأمر بذلك فصعد الكرسي وانتظروا أن ينشد مثل الشعر المضحك المتقدم فقال
( قطعت يا يوم النوى أكبادي ** وحرمت عن عيني لذيذ رقادي )
( وتركتني أرعى النجوم مسهدا ** والنار تضرم في صميم فؤادي )
( فكأنما آلى الظلام ألية ** لا ينجلي إلا إلى ميعاد )
( يا بين بين أين تقتاد النوى ** إبل الذين تحملوا بسعاد )
( ولرب خرق قد قطعت نياطه ** والليل يرفل في ثياب حداد )
( بشملة حرف كأن ذميلها ** سرح الرياح وكل برق غادي )
( والنجم يحدوها وقد ناديتها ** يا ناقتي عوجي على عباد )
( ملك إذا ما أضرمت نار الوغى ** وتلاقت الأجناد بالأجناد )
( فترى الجسوم بلا رؤوس تنثني ** وترى الرؤوس لقى بلا أجساد )
( يا أيها الملك المؤمل والذي ** قدما سما شرفا على الأنداد )
( إن القريض لكاسد في أرضنا ** وله هنا سوق بغير كساد )
( فجلبت من شعري إليك قوافيا ** يفنى الزمان وذكرها متمادي )
( من شاعر لم يضطلع أدبا ولا ** خطت يداه صحيفة بمداد )
فقال له الملك انت ابن جاخ فقال نعم فقال اجلس فقد وليتك رئاسة الشعراء واحسن إليه ولم يأذن في الكلام في ذلك اليوم لأحد بعده انتهى
____________________
(4/244)

رجع إلى أخبار بقية بني عباد

المعتمد على الله أبو القاسم محمد بن المعتضد أبي عمرو عباد ابن القاضي أبي القاسم ابن عباد رحمه الله تعالى ملك مجيد وأديب على الحقيقة مجيد وهمام تحلى به للملك لبة وللنظم جيد أفنى الطغاة بسيفه وأباد وأنسى بسيبه ذكر الحارث بن عباد فأطلع أيامه في الزمان حجولا وغررا ونظم معاليه في أجيادها جواهر ودررا وشيد في كل معلوة فناءه وعمر بكل نادرة مستغربة وبادرة مستظرفة أوقاته وآناءه فنفقت به للمحامد سوق وبسقت ثمرات إحسانه أي بسوق منع وقرى وراش وبرى ووصل وفرى وكان له من أبنائه عدة أقمار نظمهم نظم السلك وزين بهم سماء ذلك الملك فكانوا معاقل بلاده وحماة طارفه وتلاده إلى أن استدار الزمان كهيئته وأخذ البؤس في فيئته واعتز الخلاف وظهر وسل الشتات سيفه وشهر والمعتمد رحمه الله تعالى يطلب نفسه أثناء ذلك بالثبات بين تلك الثبات والمقام في ذلك المقام إلى أن بدل القطب بالواقع واتسع الخرق على الراقع فاستعضد بابن تاشفين فورد عليه خطابه يشعر بالوفاء فثاب إليه فكر خاطره وفاء وثبت خلال تلك المدة للنزال ودعا من رام حربة نزال إلى ان أصبح والحروب قد نهبته والأيام تسترجع منه ما وهبته فثل ذلك العرش واعتدت الليالي حين أمنت من الأرش فنقل من صهوات الخيول إلى بطون الأجفان وهذه الدنيا جميع ما لديها زائل وكل من عليها فان فما أغنت تلك المملكة وما دفعت وليتها ما ضرت إذ لم تكن نفعت وكل يلقى معجله ومؤجله ويبلغ الكتاب اجله
وقال الفقيه القاضي أبو بكر ابن خميسن رحمه الله تعالى حين ذكر تاريخ بني عباد وقد ذكر الناس للمعتمد من اوصافه ما لا يبلغ مع كثرته إلى إنصافه وأنا الآن أذكر نبذا من أخباره وأردفها بما وقفت عليه من منظومات
____________________
(4/245)

أشعاره فإنه رحمه الله تعالى جم الأدب رائقه عالي النظم فائقه كان يسمى بمحمد ويكنى بأبي القاسم على كنية جده القاضي استبد بالأمر عند موت أبيه المعتضد وفي ذلك يقول الحصري رحمه الله تعالى
( مات عباد ولكن ** بقي الفرع الكريم )
( فكأن الميت حي ** غير أن الضاد ميم )
قال ابن اللبانة رحمه الله تعالى ولم يزل المعتمد بخير إلى أن كانت سنة خمس وسبعين وأربعمائة ووصل اليهودي ابن شاليب لقبض الجزية المعلومة مع قوم من رؤساء النصارى وحلوا بباب من أبواب إشبيلية فوجه لهم المعتمد المال مع جماعة من وجوه دولته فقال اليهودي والله لا أخذت هذا العيار ولا آخذه منه إلا مشجرا وبعد هذا العام لا آخذ منه إلا أجفان البلاد ردوه إليه فرد المال إلى المعتمد وأعلم بالقصة فدعا بالجند وقال ائتوني باليهودي وأصحابه واقطعوا حبال الخباء ففعلوا وجاؤوا بهم فقال اسجنوا النصارى واصلبوا اليهودي الملعون فقال اليهودي لا تفعل وأنا أفتدي منك بزنتي مالا فقال والله لو أعطيتني العدوة والأندلس ما قبلتهما منك فصلب فبلغ الخبر النصراني فكتب فيهم فوجه اليه بهم فأقسم النصراني أن يأتي من الجنود بعدد شعر رأسه حتى يصل إلى بحر الزقاق وأمير المسلمين يوسف ابن تاشفين إذ ذاك محاصر سبتة فجاز المعتمد إليه ووعده بنصرته فرجع وحث ملوك الأندلس على الجهاد ثم وصل ابن تاشفين فكانت غزوة الزلاقة المشهورة ورجع ابن تاشفين إلى المغرب ثم جاز بعد ذلك الى الأندلس وتوهم ابن عباد أنه إذا أخذ البلاد يأخذ أموالها ويترك الأجفان فعزم ابن تاشفين على أن يخلع ملوك الأندلس ودارت إذ ذاك مكايد جمة ثم وجه ابن تاشفين من سبتة إلى المعتمد يطلب منه الجزيرة الخضراء وفيها ابنه يزيد فكتب إليه معتذرا عنها فلم يكن إلا كلمح البصر وإذا بمائة شراع قد أطلت على الجزيرة
____________________
(4/246)

فطير ابنه الحمام إليه فأمره باخلائها فظهر عند ذلك ابن تاشفين وقيل إنه لم يجز المرة الأولى حتى طلب من المعتمد الجزيرة لتكون عدة له وكان ذلك بدسيسة بعض اهل الأندلس نصحا لابن تاشفين ثم شرع ابن تاشفين في خلع ملوك الأندلس وقتالهم وأرسل إلى كل مملكة جماعة من أهل دولته وأجناده يحاصرونها وأرسل إلى حضرة المعتمد إشبيلية وشرع في قتالها والناس قد ملوا الدولة العبادية وسئموها على ماجرت به العادة من حب الجديد لاسيما وقد ظهر من ابن عباد من التهتك في الشرب والملاهي ما لا يخفى أمره فتمنى أكثر الناس الراحة من دولتهم ولما اشتد مخنق المعتمد وجه عن النصارى فأعد لهم ابن تاشفين من لقيهم في الطريق فهزمهم وجهز ابن تاشفين القطائع لإشبيلية وجد في حصارها والمعتمد مع ذلك منغمس في لذاته وقد ألقى الأمور بيد ابنه الرشيد فلم يشعر ابن عباد إلا والعسكر معه في البلد فأفاق من نومه وصحا من سكره وركب فرسه وحسامه في يده وليس عليه إلا ثوب واحد فوافق العسكر قد دخل من باب الفرج ووافى هنالك طبالا فضربه بسيفه ضربة قسمه بها نصفين ففر الناس امامه وتراموا من السور ووقف حتى بان الباب وفي ذلك يقول الأبيات المذكورة فيما يأتي
( إن يسلب القوم العدا إالخ )
فلما وصل إلى باب الصباغين وجد ابنه مالكا مقتولا فاسترحم له ودخل القصر وزاد الأمر بعد ذلك ودخل البلد من كل جهاته فطلب الأمان له ولمن معه فأمن وجميع من له وأعدت له مراكب واجتاز إلى طنجة فلقيه الحصري الشاعر وكان قد ألف له كتاب المستحسن من الأشعار فلم يقض بوصوله إليه إلا وهو على تلك الحالة فلما أخذ المعتمد الكتاب قال للحصري ارفع ذلك البساط فخذ ما تحته فوالله ما املك غيره فوجد تحته جملة مال فأخذه ثم انتقل حتى وصل أغمات ولم يزل بها إلى أن مات رحمه الله تعالى
____________________
(4/247)


وقال الفتح في ترجمته مانصه ملك قمع العدا وجمع البأس والندى وطلع على الدنيا بدر هدى لم يتعطل يوما كفه ولا بنانه آونة يراعه وآونة سنانه وكانت أيامه مواسم وثغوره بواسم ولياليه كلها دررا وللزمان حجولا وغررا لم يغفلها من سمات عوارف ولم يضحها من ظل إيناس وارف ولا عطلها من مأثرة بقي أثرها باديا ولقي معتفيه منها إلى الفضل هاديا وكانت حضرته مطمحا للهمم ومسرحا لآمال الأمم ومقذفا لكل كمي وموقفا لكل ذي انف حمي لم تخل من وفد ولم يصح جوها من انسجام رفد فاجتمع تحت لوائه من جماهير الكماة ومشاهير الحماة أعداد يغص بهم الفضاء وأنجاد يزهى بهم النفوذ والمضاء وطلع في سمائه كل نجم متقد وكل ذي فهم منتقد فأصبحت حضرته ميدانا لرهان الأذهان ومضمارا لأحراز الخصل في كل معنى وفصل فلم يلتحق بزمامه إلا كل بطل نجد ولم يتسق في نظامه إلا ذكاء ومجد فأصبح عصره اجمل عصر وغدا مصره أكمل مصر تسفح فيه ديم الكرم ويفصح فيه لسانا سيف وقلم ويفضح الرضى في وصفه أيام ذي سلم وكان قومه وبنوه لتلك الحلبة زينا ولتلك الجملة عينا إن ركبوا خلت الأرض فلكا يحمل نجوما وإن وهبوا رأيت الغمائم سجوما وإن أقدموا احجم عنترة العبسي وإن فخروا أفحم عرابة الأوسي ثم انحرفت الأيام فألوت بإشراقه وأذوت يانع إيراقه فلم يدفع الرمح ولا الحسام ولم تنفع تلك المنن الجسام فتملك بعد الملك وحط من فلكه إلى الفلك فأصبح خائضا تحدوه الرياح وناهضا يزجيه البكاء والصياح قد ضجت عليه أياديه وارتجت جوانب ناديه وأضحت منازله قد بان عنها الأنس والحبور وألوت ببهجتها الصبا والدبور فبكت العيون عليه دما وعاد
____________________
(4/248)

موجود الحياة عدما وصار أحرار الدهر فيه خدما فسحقا لدنيا مارعت حقوقه ولا أبقت شروقه فكم أحياها لبنيها وأبداها رائقة لمجتيها وهي الأيام لا يتقى من تجنيها ولا تبقي على مواليها ومدانيها أدثرت آثار جلق وأخمدت نار المحلق وذللت عزة ابن شداد وهدت القصر ذا الشرفات من سنداد ونعمت ببؤس النعمان وأكمنت غدرها له في طلب الأمان انتهى
ثم ذكر الفتح من أخباره وأشعاره ومجالس انسه وغير ذلك من أمره نبذا ذكرنا بعضها في هذا الكتاب 673 - الراضي ابن المعتمد
وقال في ترجمة ابنه الراضي بالله أبي خالد يزيد بن المعتمد مانصه ملك تفرع من دوحة سناء أصلها ثابت وفرعها في السماء وتحدر من سلالة اكابر ورقاة أسرة ومنابر وتصرف أثناء شبيبته بين دراسة معارف وإفاضة عوارف وكلف بالعلم حتى صار ملهج لسانه وروضة أجفانه لا يستريح منه إلا إلى متن سائل الغرة ميمون الأسرة يسابق به الرياح ويحاسن بغرته البدر اللياح عريق في السناء عتيق الاقتناء سريع الوخد والإرقال من آل أعوج أو لذي العقال إلى أن ولاه أبوه الجزيرة الخضراء وضم إليها رندة الغراء فانتقل من متن الجواد إلى ذروة الأعواد وأقلع عن الدراسة إلى تدبير الرياسة ومازال يدبرها بجوده ونهاه ويورد الآمل فيها مناه حتى غدت عراقا وامتلأت إشراقا إلى أن اتفق في أمر الجزيرة ما اتفق وخاب
____________________
(4/249)

فيها الرجاء وأخفق واستحالت بهجتها واحالت عليها من الحال لجتها فانتقل إلى رندة معقل أشب ومنزل للسماك منتسب وأقام فيها رهين حصار ومهين حماة وأنصار ولقيت ريحه كل إعصار حتى رمته سهام الخطوب عن قسيها وأمكنت منه يدي مسيها فحواه رمسه وطواه عن غده امسه حسبما بسطنا القول فيه فيما مر من أخبار أبيه انتهى
والذي أشار إليه هنا وأحال عليه فيما تقدم له من أخبار المعتمد هو قوله بعد حكايته قتل المأمون بن المعتمد بقرطبة وسياقة أخبار ذلك ما نصه ثم انتقلوا إلى رندة احد معاقل الأندلس الممتنعة وقواعدها السامية المرتفعة تطرد منها على بعد مرتقاها ودنو النجوم من ذراها عيون لانصبابها دوي كالرعد القاصف والرياح العواصف ثم تتكون واديا يلتوي بجوانبها التواء الشجاع ويزيدها في التوعر والامتناع وقد تجونت نواحيها وأقطارها وتكونت فيها لباناتها وأوطارها لا يتعذر لها مطلب ولا يتصورفيها عدو إلا علقه ناب أو مخلب فلما أناخوا منها على بعد وأقاموا من الرجاء فيها على غير وعد وفيها ابنه الراضي لم يحفل بأناختهم بإزائه ولا عدها من أرزائه لامتناعه من منازلتهم وارتفاعه عن مطاولتهم إلى ان انقضى في امر إشبيلية ما انقضى وأفضى أمر أبيه إلى ما أفضى فحمل على مخاطبته لينزل عن صياصيه ويمكنهم من نواصيه فنزل برا بأبيه وإبقاء على أرماق ذويه بعد أن عاقدهم مستوثقا وأخذ عليهم عهدا من الله وموثقا فلما وصل إليهم وحصل في يديهم مالوا به عن الحصن وجرعوه الردى وأقطعوه الثرى حين اودى وفي ذلك يقول المعتمد يرثيهما وقد رأى قمرية بائحة بشجنها نائحة بفننها على سكنها وامامها وكر فيه طائران يرددان نغما ويغردان ترحة وترنما
____________________
(4/250)


( بكت ان رأت إلفين ضمهما وكر ** مساء وقد أخنى على إلفها الدهر )
( وناحت فباحت واستراحت بسرها ** وما نطقت حرفا يبوح به سر )
( فما لي لا أبكي أم القلب صخرة ** وكم صخرة في الأرض يجري بها نهر )
( بكت واحدا لم يشجها غير فقده ** وأبكي لألاف عديدهم كثر )
( بني صغير أو خليل موافق ** يمزق ذا قفر ويغرق ذا بحر )
( ونجمان زين للزمان احتواهما ** بقرطبة النكداء او رندة القبر )
( غدرت إذن إن ضن جفني بقطرة ** وإن لومت نفسي فصاحبها الصبر )
( فقل للنجوم الزهر تبكيهما معي ** لمثلهما فلتحزن الأنجم الزهر )
وقال في ترجمة الراضي ما صورته وكان المعتمد رحمه الله تعالى كثيرا ما يرميه بملامه ويصميه بسهامه فربما استلطفه بمقال أفصح من دمع المحزون وأملح من روض الحزون فانه كان ينظم من بديع القول لآلىء وعقودا تسل من النفوس سخائم وحقودا وقد أثبت من كلامه في بث آلامه واستجارة عذله وملامه ما تستبدعه وتحله النفوس وتودعه فمن ذلك ما قاله وقد أنهض جماعة من إخوته وأقعده وأدناهم وأبعده
( أعيذك ان يكون بنا خمول ** ويطلع غيرنا ولنا أفول )
( حنانك إن يكن جرمي قبيحا ** فإن الصفح عن جرمي جميل )
( ألست بفرعك الزاكي وماذا ** يرجي الفرع خانته الأصول )
ثم قال الفتح بعد كلام ومرت عليه يعنى الراضي هوادج وقباب فيها حبائب كن له وأحباب ألفهن أيام خلائه من دولة وجال معهن في
____________________
(4/251)

ميدان المنى اعظم جولة ثم انتزعوا منه ببعده وأودعوا الهوادج من بعده ووجهوا هدايا إلى العدوة وألموا بها إلمام قريش بدار الندوة فقال
( مروا بنا أصلا من غير ميعاد ** فأوقدوا نار شوقي أي ايقاد )
( وأذكروني أياما لهوت بهم ** فيها ففازوا بإيثاري وإحمادي )
( لا غرو أن زاد في وجدي مرورهم ** فرؤية الماء تذكي غلة الصادي )
ولما وصل المعتمد لورقة أعلم ان العدو قد جيش لها واحتشد ونهد نحوها وقصد ليتركهاخاوية على عروشها طاوية الجوانح على وحوشها فتعرض له المعتمد دون بغيته وطلع عليه من ثنيته وامر الراضي بالخروج إليه في عسكر جرده لمحاربته وأعده لمصادمته ومضاربته فأظهر التمارض والتشكي وأضمر التقاعس والتلكي فرارا من المصادمة وإحجاما عن المساومة وجزعا من منازلة الأقران ومقابلة ذوابل المران ومقاساة الطعان وملاقاة أبطال كالرعان ورأى ان المطالعة أرجح من المقارعة ومعاناة العلوم أربح من مداواة الكلوم فقد كان عاكفا على تلاوة ديوان عارفا بإجادة صدر وعنوان فعلم المعتمد ما نواه وتحقق ما لواه فأعرض عنه ونفض يده منه ووجه المعتد مع ذلك الجيش الذي لم تنشر بنوده ولا نصرت جنوده فعندما لاقوا العدو لاذوا بالفرار وعاذوا بإعطاء الغرة بدلا من الغرار وتفرقوا في تلك الأماريت وفرقوا من تخطف اولئك العفاريت فتحيف العدو من بقي مع المعتد واهتضمه وخضم مافي العسكر وقضمه وغدت مضاربه مجر عواليه ومجرى مذاكيه وآب أخسر من بائع السدانة ومضيع الأمانة فانطبقت سماء المعتمد على أرضه وشغلته عن إقامة نوافله وفرضه فكتب إليه الراضي
____________________
(4/252)


( لايكرثنك خطب الحادث الجاري ** فما عليك بذاك الخطب من عار )
( ماذا على ضيغم أمضى عزيمته ** إن خانه حد أنياب وأظفار )
( لئن أتوك فمن جبن ومن خور ** قد ينهض العير نحو الضيغم الضاري )
( عليك للناس أن تبقى لنصرتهم ** وما عليك لهم إسعاد أقدار )
( لو يعلم الناس فيما أن تدوم لهم ** بكوا لأنك من ثوب الصبا عاري )
( ولو أطاقوا انتقاصا من حياتهم ** لم يتحفوك بشيء غير أعمار )
فحجب عنه وجه رضاه ولم يستنزله بذلك ولا استرضاه وتمادى على إعراضه وقعد عن إظهاره وأنماضه حتى بسطته سوانح السلو وعطفته عليه جوانح الحنو فكتب إليه بهزل غلب فيه كل منزع جزل وهو
( الملك في طي الدفاتر ** فتخل عن قود العساكر )
( طف بالسرير مسلما ** وارجع لتوديع المنابر )
( وازحف إلى جيش المعارف ** تقهر الحبر المقامر )
( واطعن بأطراف اليراع ** نصرت في ثغر المحابر )
( واضرب بسكين الدواة ** مكان ماضي الحد باتر )
( أولست رسطاليس إن ** ذكر الفلاسفة الأكابر )
( وأبوحنيفة ساقط ** في الرأي حين تكون حاضر )
( وكذاك إن ذكر الخليل ** فأنت نحوي وشاعر )
( من هرمس من سيبويه ** من ابن فورك إذ تناظر )
( هذي المكارم قد حويت ** فكن لمن حاباك شاكر )
( واقعد فإنك طاعم ** كاس وقل هل من مفاخر )
____________________
(4/253)


( لحجبت وجه رضاي عنك ** وكنت قد تلقاه سافر )
( أولست تذكر وقت لورفة ** وقلبك ثم طائر )
( لا يستقر مكانه ** وأبوك كالضرغام خادر )
( هلا اقتديت بفعله ** وأطعته إذ ذاك آمر )
( قد كان أبصر بالعواقب ** والموارد والمصادر )
فكتب إليه الراضي مراجعا بقطعة منها
( مولاي قد أصبحت كافر ** بجميع ماتحوي الدفاتر )
( وفللت سكين الدواة ** وظلت للأقلام كاسر )
( وعلمت ان الملك ما ** بين الأسنة والبواتر )
( والمجد والعلياء في ** ضرب العساكر بالعساكر )
( لاضرب أقوال بأقوال ** ضعيفات مناكر )
( قد كنت احسب من سفاه ** انها أصل المفاخر )
( فإذا بها فرع لها ** والجهل للإنسان عاذر )
( لايدرك الشرف الفتى ** إلا بعسال وباتر )
( وهجرت من سميتهم ** وحجدت انهم اكابر )
( لو كنت تهوى ميتتي ** لوجدتني للعيش هاجر )
( ضحك الموالي بالعبيد ** إذا تؤمل غير ضائر )
( إن كان لي فضل فمنك ** وهل لذاك النور ساتر )
( او كان بي نقص فمني ** غير أن الفضل غامر )
( ذكرت عبدك ساعة ** يبقى لها ما عاش ذاكر )
( ياليته قد غيبته ** عندها إحدى المقابر )
( أتريد مني أن أكون ** كمن غدا في الدهر نادر )
( هيهات ذلك مطمع ** يعيي الأوائل والأواخر )
____________________
(4/254)


( لا تنس يا مولاي قولة ** ضارع لا قول فاخر )
( ضبط الجزيرة عندما ** نزلت بعقوتها العساكر )
( أيام ظللت بها فريدا ** ليس غير الله ناصر )
( إذ كان يعشي ناظري ** لمع الأسنة والبواتر )
( ويصم أسماعي بها ** قرع الحجارة بالحوافر )
( وهي الحضيض سهولة ** لكن ثبت بها مخاطر )
( هبني أسأت كما أسأت ** أما لهذا العتب آخر )
( هب زلتي لبنوتي ** واغفر فإن الله غافر )
فقربه وأدناه وصفح عما كان جناه ولم تزل الحال آخذة في البوار والأمور معتلة اعتلال حب الفرزدق للنوار حتى مضوا لغير طية وقضوا بين الصوارم والرماح الخطية حسبما سردناه وعلى ما أوردناه وإذا أراد الله سبحانه إنفاذ أمر سبق في علمه فلا مرد له ولا معقب لحكمه ولا إله إلا هو رب العالمين انتهى كلام الفتح
وعلى الجملة فكانت دولة بني عباد بالأندلس من أبهج الدول في الكرم والفضل والأدب حتى قال ابن اللبانة رحمه الله تعالى إن الدولة العبادية بالأندلس أشبه شيء بالدولة العباسية ببغداد سعة مكارم وجمع فضائل ولذلك ألف فيها كتابا مستقلا سماه الاعتماد في أخبار بني عباد ولا يلتفت لكلب عقور نبح بقوله
( مما يزهدني في أرض أندلس ** أسماء معتضد فيها ومعتمد )
( ألقاب مملكة في غير موضعها ** كالهر يحكي انتفاخا صورة الأسد )
لأن هذه مقالة متعسف كافر للنعم ومثل ذلك في حقهم لايقدح ومازالت الأشراف تهجى وتمدح
____________________
(4/255)


وللمعتمد اولاد ملوك منهم المامون والرشيد والراضي والمعتد وغيرهم وقد سردنا خبر بعضهم 674 - مدائح ابن اللبانة في بني عباد
وكان الداني المذكور مائلا إلى بني عباد بطبعه إذ كان المعتمد هو الذي جب بضبعه وله فيه المدائح الأنيقة التى هي أذكى من زهر الحديقة فمن ذلك قوله من قصيدة يمدحه بها ويذكر اولاده الأربعة الذين عمروا من المجد أربعه وهم الرشيد عبيدالله والراضي يزيد والمأمون والمؤتمن وكانوا نجوم ذلك الأفق وغيوث ذلك الزمن ولقد اجاد في ذلك كل الإجادة وأطال لمجدهم نجاده
( يغيثك في محل يعينك في ردى ** يروعك في درع يروقك في برد )
( جمال وإجمال وسبق وصوله ** كشمس الضحى كالمزن كالبرق كالرعد )
( بمهجته شاد العلا ثم زادها ** بناء بأبناء جحاجحة لد )
( بأربعة مثل الطباع تركبوا ** لتعديل ذكر المجد والشرف العد )
والمامون بن المعتمد قتله لمتونة بقرطبة والراضي يزيد قتلوه برندة كما سقنا خبره آنفا وفي حالتهم هذه يقول الشاعر المشهور عبدالجبار بن حمديس الصقلي
( ولما رحلتم بالندى في اكفكم ** وقلقل رضوى منكم وثبير )
( رفعت لساني بالقيامة قد دنت ** فهذي الجبال الراسيات تسير )
وفي قصة المعتمد يقول الداني المذكور
( لكل شيء من الأشياء ميقات ** وللمنى في مناياهن غايات )
____________________
(4/256)


( والدهر في صفة الحرباء منغمس ** الوان حالاته فيها استحالات )
( ونحن من لعب الشطرنج في يده ** وطالما قمرت بالبيدق الشاة )
( انفض يديك من الدنيا وزينتها ** فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا )
( وقل لعالمها الأرضي قد كتمت ** سريرة العالم العلوي أغمات ) وهي طويلة ذكرها الفتح وغيره
وللداني أيضا قصيدة عملها في المعتمد وهو بأغمات سنة 486
( تنشق بريحان السلام فإنما ** أفض به مسكا عليك مختما )
( وقل لي مجازا إن عدمت حقيقة ** لعلك في نعمى فقد كنت منعما )
( أفكر في عصر مضى بك مشرقا ** فيرجع ضوء الصبح عندي مظلما )
( وأعجب من أفق المجرة إذ رأى ** كسوفك شمسا كيف أطلع أنجما )
( لئن عظمت فيك الرزية إننا ** وجدناك منها في الرزية أعظما )
( قناة سعت للطعن حتى تقسمت ** وسيف أطال الضرب حتى تثلما )
ومنها
( بكى آل عباد ولا كمحمد ** وأولاده صوب الغمامة إذ همى )
( حبيب إلى قلبي حبيب لقوله ** عسى طلل يدنو بهم ولعلما )
( صباحهم كنا به نحمد السرى ** فلما عدمناهم سرينا على عمى )
( وكنا رعينا العز حول حماهم ** فقد أجدب المرعى وقد أقفر الحمى )
( وقد ألبست أيدي الليالي قلوبهم ** مناسج سدى الغيث فيها وألحما )
( قصور خلت من ساكنيها فما بها ** سوى الأدم تمشي حول واقفة الدمى )
____________________
(4/257)


( تجيب بها الهام الصدى ولطالما ** اجاب القيان الطائر المترنما )
( كأن لم يكن فيها أنيس ولا التقى ** بها الوفد جمعا والخميس عرمرما )
ومنها
( حكيت وقد فارقت ملكك مالكا ** ومن ولهي احكي عليك متمما )
( مصاب هوى بالنيرات من العلا ** ولم يبق في أرض المكارم معلما )
( تضيق علي الأرض حتى كأنما ** خلقت وإياها سوارا ومعصما )
( ندبتك حتى لم يخل لي الأسى ** دموعا بها أبكي عليك ولا دما )
( وإني على رسمي مقيم فإن أمت ** سأجعل للباكين رسمي موسما )
( بكاك الحيا والريح شقت جيوبها ** عليك وناح الرعد باسمك معلما )
( ومزق ثوب البرق واكتست الضحى ** حدادا وقامت أنجم الجو أفحما )
( وحار ابنك الإصباح وجدا فما اهتدى ** وغار أخوك البحر غيضا فما طمى )
( وماحل بدر التم بعدك دارة ** ولا أظهرت شمس الظهيرة مبسما )
( قضى الله ان حطوك عن ظهر أشقر ** بشم وان أمطوك أشأم أدهما )
وكان قد انفكت عنه القيود فأشار إلى ذلك بقوله فيها
( قيودك ذابت فانطلقت لقد غدت ** قيودك منهم بالمكارم أرحما )
( عجبت لأن لان الحديد وأن قسوا ** لقد كان منهم بالسريرة أعلما )
( سينجيك من نجى من السجن يوسفا ** ويؤويك من آوى المسيح بن مريما )
ولأبي بكر الداني المذكور في البكاء على أيامهم وانتثار نظامهم عدة مقطوعات وقصائد هي قرة عين الطالب ونجعة الرائد وقد اشتمل عليها جزء لطيف صدر عنه في هيئة تصنيف سماه السلوك في وعظ الملوك ووفد على المعتمد وهو بأغمات عدة وفادات لم يخل في جميعها من إفادات وقال في إحداها هذه وفادة وفاء لا وفادة اجتداء
____________________
(4/258)

675 - مقتطفات من اخبار المعتمد
قال غير واحد من النادر الغريب أنه نودي في جنازته الصلاة على الغريب بعد عظم سلطانه وسعة أوطانه وكثرة صقالبته وحبشانه وعظم امره وشانه فتبارك من له العزة والبقاء والدوام واجتمع عند قبره جماعة من الأقوام الذين لهم في الأدب حصة ولقضية المعتمد في صدورهم غصة منهم البالغ في البلاغة الأمد شاعره أبو بحر عبدالصمد وكان به خصيصا وكم ألبسه من بره حلة وقميصا فقال من قصيدة طويلة أجاد فيها ما شا وجلب بها إلى انفس الحاضرين بعد الأنس ايحاشا مطلعها
( ملك الملوك أسامع فأنادي ** أم قد عدتك عن السماع عوادي )
ومنها
( لما خلت منك القصور ولم تكن ** فيها كما قد كنت في الأعياد )
( قبلت من هذا الثرى لك خاضعا ** وجعلت قبرك موضع الإنشاد )
فلما بلغ من إنشاده إلى مراده قبل الثرى ومرغ جسمه وعفر خده فبكى كل من حضر وصرفه ذلك عن سرور العيد وصده إذ كانت هذه القصة يوم عيد فسبحان المبدىء المعيد
ويحكى ان رجلا رأى في منامه إثر الكائنة على المعتمد بن عباد كأن رجلا صعد منبر جامع قرطبة فاستقبل الناس وأنشد هذه الأبيات متمثلا
( رب ركب قد اناخوا عيسهم ** في ذرى مجدهم حين بسق )
( سكت الدهر زمانا عنهم ** ثم أبكاهم دما حين نطق )
وعاش أبو بكر ابن اللبانة المعروف بالداني المذكور آنفا بعد المعتمد وقدم ميورقة آخر شعبان سنة 489 ومدح ملكها مبشر بن سليمان بقصيدة مطلعها
____________________
(4/259)


( ملك يروعك في حلى ريعانه ** راقت برونقه صفات زمانه )
وأين هذا من امداحه في المعتمد
وتذكرت هنا من احوال الداني انه دخل على ابن عمار في مجلس فأراد ان يندر به وقال له اجلس ياداني بغير ألف فقال له نعم يا ابن عمار بغير ميم وهذا هو الغاية في سرعة الجواب والأخذ بالثأر في المزاح
ونظيره وإن كان من باب آخر ان المعتمد مر مع وزيره ابن عمار ببعض أرجاء إشبيلية فلقيتهما امرأة ذات حسن مفرط فكشفت وجهها وتكلمت بكلام لا يقتضيه الحياء وكان ذلك بموضع الجباسين الذين يصنعون به الجبس والجيارين الصانعين للجير بإشبيلية فالتفت المعتمد إلى موضع الجيارين وقال يا ابن عمار الجيارين ففهم مراده وقال في الحال يا مولاي والجباسين فلم يفهم الحاضرون المراد وتحيروا فسالوا ابن عمار فقال له المعتمد لاتبعها منهم إلا غالية وتفسيرها أن ابن عباد صحف الحيا زين بقوله الجيازين إشارة إلى أن تلك المرأة لو كان لها حياء لازدانت فقال له والجباسين وتصحيفه والخنا شين أي هي وإن كانت جميلة بديعة الحسن لكن الخنا شانها وهذا شأو لا يلحق
ومن أخبار المعتمد انه جلس يوما والبزاة تعرض عليه فاستحث الشعراء في وصفها فصنع ابن وهبون بديها
( للصيد قبلك سنة مأثورة ** لكنها بك أبدع الأشياء )
( تمضي البزاة وكلما أمضيتها ** عاطيتها بخواطر الشعراء
فاستحسنهما وأسنى جائزته
وذكر ابن بسام أن أبا العرب الصقلي حضر مجلس المعتمد يوما وقد حمل إليه حمول وافرة من قراريط الفضة فأمر له بكيسين منها وكان بين يديه تماثيل
____________________
(4/260)

عنبر من جملتها جمل مرصع بالذهب واللآلىء فقال له أبو العرب معرضا مايحمل هذين الكيسين إلا جمل فتبسم المعتمد وأمر له به فقال أبو العرب بديها
( أهديتني جملا جونا شفعت به ** حملا من الفضة البيضاء لو حملا )
( نتاج جودك في أعطان مكرمة ** لاقد تصرف من منع ولا عقلا )
( فاعجب لشأني فشأني كله عجب ** رفهتني فحملت الحمل والجملا )
وذكر الحجاري هذه القصة فقال قعد المعتمد في مجلس احتفل في تنضيده وإحضار الطرائف الملوكية وكان في الجملة تمثال جمل من بلور وله عينان من ياقوتتين وقد حلي بنفائس الدر فأنشده أبو العرب قصيدة فأمر له بذهب كثير مما كان بيده من السكة الجديدة فقال معرضا بذلك الجمل ما يحمل هذه الصلة إلا جمل فقال خذ هذا الجمل فإنه حمال أثقال فارتجل شعرا منه
( رفهتني فحملت الحمل والجملا )
وذكر ان ذلك الجمل بيع بخمسمائة مثقال فسارت بهذا الخبر الركائب وتهادته المشارق والمغارب
وتباحث المعتمد مرة مع الجلساء في بيت المتنبي الذي زعم أنه أمير شعره
( أزورهم وسواد الليل يشفع لي ** وأنثني وبياض الصبح يغري بي )
فقال ماقصر في مقابلة كل لفظة بضدها إلا أن فيه نقدا خفيا ففكروا فيه فلما فكروا قالوا فيه ماوقفنا على شيء فقال الليل لا يطابق إلا بالنهار لأن الليل كلي والصبح جزئي فتعجب الحاضرون وأثنوا على تدقيق انتقاده
____________________
(4/261)


قال الصفدي قلت ليس هذا بنقد صحيح والصواب مع أبي الطيب لأنه قال أزورهم وسواد الليل يشفع لي فهذا محب يزور أحبابه في سواد الليل خوفا ممن يشي به فإذا لاح الصبح أغرى به الوشاة ودل عليه أهل النميمه والصبح أول ما يغري به قبل النهار وعادة الزائر المريب ان يزور ليلا وينصرف عند انفجار الصبح خوفا من الرقباء ولم تجر العادة أن الخائف يتلبث إلى أن يتوضح النهار ويمتلىء الأفق نورا فذكر الصبح هنا أولى من ذكر النهار والله أعلم انتهى
قلت كان يختلج في صدري ضعف ما قال الصفدي حتى وقفت على ما كتبه البدر البشتكي ومن خطه نقلت ما صورته هو ما انتقد عليه المعنى إنما انتقد عليه مطابقة الليل بالصبح فإن ذلك فاسد انتهى فحمدت الله على الموافقة انتهى
وقال في بدائع البدائه جلس المعتمد للشرب وذلك في وقت مطر أجرى كل وهدة نهرا وحلى جيد كل غصن من الزهر جوهرا وبين يديه جارية تسقيه وهي تقابل وجهها بنجم الكأس في راحة كالثريا وتخجل الزهر بطيب العرف والريا فاتفق ان لعب البرق بحسامه وأجال سوطه المذهب يسوق به ركامه فارتاعت لخطفته وذعرت من خيفته فقال المعتمد بديها
( روعها البرق وفي كفها ** برق من القهوة لماع )
( عجبت منها وهي شمس الضحي ** كيف من الأنوار ترتاع )
فاستدعى عبدالجليل بن وهبون المرسي وأنشده البيت الأول مستجيزا فقال عبدالجليل
( ولن ترى أعجب من آنس ** من مثل ما يمسك يرتاع )
____________________
(4/262)


فاستحسنه وأمر له بجائزة
قال ابن ظافر وبيته عندي أحسن من بيت المعتمد انتهى
وقال ابن بسام كان في قصر المعتمد فيل من الفضة على شاطىء بركة يقذف الماء وهو الذي يقول فيه عبدالجليل بن وهبون من بعض قصيدة
( ويفرغ فيه مثل النصل بدع ** من الأفيال لا يشكو ملالا )
( رعى رطب اللجين فجاء صلدا ** تراه قلما يخشى هزالا )
فجلس المعتمد يوما على تلك البركة والماء يجري من ذلك الفيل وقد أوقدت شمعتان من جانبيه والوزير أبو بكر ابن الملح عنده فصنع الوزير فيهما عدة مقاطيع بديها منها
( ومشعلين من الأضواء قد قرنا ** بالماء والماء بالدولاب منزوف )
( لاحا لعيني كالنجمين بينهما ** خط المجرة ممدود ومعطوف )
وقال أيضا
( كأنما النار فوق الشمعتين سنا ** والماء من نفذ الأنبوب منسكب )
( غمامة تحت جنح الليل هامعة ** في جانبيها حفاف البرق يضطرب )
وقال أيضا
( وأنبوب ماء بين نارين ضمنا ** هوى لكؤوس الراح تحت الغياهب )
( كأن اندفاع الماء بالماء حية ** يحركها في الماء لمع الحباحب )
وقال أيضا
( كأن سراجي شربهم في التظائها ** وأنبوب ماء الفيل في سيلانه )
( كريم تولى كبره من كليهما ** لئيمان في انفاقه يعذلانه )
____________________
(4/263)

676 - ابن زيدون عند بني عباد
ولما مات والد المعتمد واستقل بالملك قال ذو الوزارتين ابن زيدون يرثي المعتضد ويمدح المعتمد بقصيدة طويلة أولها
( هو الدهر فاصبر للذي أحدث الدهر ** فمن شيم الأحرار في مثلها الصبر )
( ستصبر صبر اليأس أو صبر حسبه ** فلا تؤثر الوجه الذي معه الوزر )
( حذارك من ان يعقب الرزء فتنة ** يضيق بها عن مثل إيمانك العذر )
( إذا آسف الثكل اللبيب فشفه ** رأى أفدح الثكلين ان يذهب الأجر )
( مصاب الذي يأسى بموت ثوابه ** هو البرح لا الميت الذي أحرز القبر )
( حياة الورى نهج إلى الموت مهيع ** لهم فيه إيضاع كما يوضع السفر )
ومنها
( إذا الموت أضحى قصد كل معمر ** فإن سواء طال أو قصر العمر )
( ألم تر أن الدين ضيم ذماره ** فلم يغن أنصار عديدهم دثر )
( بحيث استقل الملك ثاني عطفه ** وجرر من أذياله العسكر المجر )
( هو الضيم لو غير القضاء يرومه ** ثناه المرام الصعب والمسلك الوعر )
( إذا عثرت جرد العناجيج في القنا ** بليل عجاج ليس يصدعه فجر )
ومنها
أعباد يا أوفى الملوك لقد عدا ** عليك زمان من سجيته الغدر )
إلى ان قال بعد أبيات كثيرة
____________________
(4/264)


( ألا أيها المولى الوصول عبيده ** لقد رأبنا أن يتلو الصلة الهجر )
( يغاديك داعينا السلام كعهده ** فما يسمع الداعي ولا يرفع الستر )
( أعتب علينا ذاد عن ذلك الرضى ** فتسمع ام بالمسمع المعتلي وقر )
ومنها
( وكيف بنسيان وقد ملأت يدي ** جسام أياد منك أيسرها الوفر )
( وإن كنت لم أشكر لك المنن التي ** تمليتها تترى فأوبقني الكفر )
( فهل علم الشلو المقدس أنني ** مسوغ حال حار في كنهها الفكر )
( وان متاتي لم يضعه محمد ** خليفتك العدل الرضى وابنك البر )
( هو الظافر الأعلى المؤيد بالذي ** له في الذي وافاه من صنعه سر )
( له في اختصاصي ما رأيت وزادني ** مزية زلفى من نتائجها الفخر )
( وأرغم في بري أنوف عصابة ** لقاؤهم جهم ولحظهم شزر )
( إذا ما استوى في الدست عاقد حبوة ** وقام سماطا حفله فلي الصدر )
( وفي نفسه العلياء لي متبوأ ** يساجلني فيه السماكان والنسر )
ومنها
( لك الخير إن الرزء كان غيابة ** طلعت لنا فيها كما طلع البدر )
( فقرت عيون كان أسخنها البكا ** وقرت قلوب كان زلزلها الذعر )
ومنها
( ولما قدمت الجيش بالأمر أشرقت ** إليك من الآمال آفاقها الغبر )
____________________
(4/265)


( فقضيت من فرض الصلاة لبانة ** فشيعها نسك وقارنها طهر )
( ومن قبل ما قدمت مثنى نوافل ** يلاقي بها من صام من عوز فطر )
( ورحت إلى القصر الذي غض طرفه ** بعيد التسامي ان غدا غيره القصر )
( وأجمل عن الثاوي العزاء فإن ثوى ** فإنك لا الواني ولا الضرع الغمر )
( وما أعطت السبعون قبل أولي الحجى ** من اللب ما أعطاك عشروك والعمر )
( ألست الذي إن ضاق ذرع بحادث ** تبلج منه الوجه واتسع الصدر )
( فلا تهض الدنيا جناحك بعده ** فمنك لمن هاضت نوائبها جبر )
( ولا زلت موفور العديد بقرة ** لعينك مشدودا بها ذلك الأزر )
( فإنك شمس في سماء رياسة ** تطلع منهم حولنا أنجم زهر )
( شككنا فلم نثبت أأيام دهرنا ** بها وسن أم هز أعطافها سكر )
( وما إن تغشتها مغازلة الكرى ** وما إن تمشت في معاطفها الخمر )
( سوى نشوات من سجايا مملك ** يصدق في عليائها الخبر الخبر )
( أرى الدهر إن يبطش فأنت يمينه ** وإن تضحك الدنيا فأنت لها ثغر )
( وكم سائل بالغيب عنك أجبته ** هناك الأيادي الشفع والسودد الوتر )
( هناك التقى والعلم والحلم والنهى ** وبذل اللها والبأس والنظم والنثر )
( همام إذا لاقى المناجز رده ** وإقباله خطر وإدباره حصر )
( محاسن ما للروض سامره الندى ** رواء إذا نصت حلالها ولا نشر )
( متى انتشقت لم تدر دارين مسكها ** حياء ولم تفخر بعنبرها الشحر )
( عطاء ولا من وحكم ولا هوى ** وحلم ولا عجز وعز ولا كبر )
( قد استوفت النعماء فيك تمامها ** علينا فمنا الحمدلله والشكر
____________________
(4/266)


وكتب ابن زيدون المذكور إلى المعتمد رحمهما الله تعالى يشوقه إلى تعاطي الحميا في قصوره البديعة التى منها المبارك والثريا
( فز بالنجاح وأحرز الإقبالا ** وخذ المنى وتنجز الآمالا )
( وليهنك التأييد والظفر اللذا ** صدقاك في السمة العلية فالا )
( يا أيها الملك الذي لولاه لم ** تجد العقول الناشدات كمالا )
( اما الثريا فالثريا نسبة ** وإفادة وإنافة وجمالا )
( قد شاقها الإغباب حتى إنها ** لو تستطيع سرت إليك خيالا )
( رفه ورود كها لتغنم راحة ** وأطل مزاركها لتنعم بالا )
( وتأمل القصر المبارك وجنة ** قد وسطت فيها الثريا خالا )
( وأدر هناك من المدام كؤوسها ** وأتمها وأشفها جريالا )
( قصر يقر العين منه مصنع ** بهج الجوانب لو مشى لاختالا )
( لا زلت تفترش السرور حدائقا ** فيه وتلتحف النعيم ظلالا )
وأهدى إليه تفاحا واعتقد ان يكتب معه قطعة فبدأ بها ثم عرض له غيرها فتركها ثم ابتدأ
( دونك الراح جامدة ** وفدت خير وافده )
( وجدت سوق ذوبها ** عندك اليوم كاسده )
( قاستحالت إلى الجمود ** وجاءت مكايده )
وكتب إلى المعتمد
____________________
(4/267)


( يا أيها الظافر نلت المنى ** ولا أتانا فيك محذور )
( إن الخلال الزهر قد ضمها ** ثوب عليك الدهر مزرور )
( لا زال للمجد الذي شدته ** ربع بتعميرك معمور )
( وافاك نظم لي في طيه ** معنى معمى اللفظ مستور )
( مرامه يصعب مالم يبح ** بالسر قمري وشحرور )
وذكر أبياتا فيها اسماء طيور عمى بها عن بيت طيره فيها والبيت المطير فيه
( انت إن تغز ظافر ** فليطع من ينافر )
ففكه المعتمد وجاوبه
( ياخير من يلحظه ناظري ** شهادة ما شانها زور )
( ومن إذا خطب دجا ليله ** لاح به من رأيه نور )
( جاءتني الطير التي سرها ** نظم به قلبي مسرور )
( شعر هو السحر فلا تنكروا ** أني به ما عشت مسحور )
( اللفظ والقرطاس إن شبها ** قيل هما مسك وكافور )
( هوى لحسن الطير من فكرتي ** صقر فولى وهو مقهور )
( ولاح لي بيت فؤادي له ** دأبا على ودك مقصور )
( حظك من شكري ياسيدي ** حظ تمالا منك موفور )
( قصرت في نظمي فاعذر فمن ** ضاهاك في التقصير معذور )
( فأنت إن تنظم وتنثر فقد ** أعوز منظوم ومنثور )
____________________
(4/268)


( لا يعدكم روض من الحظ في الإكرام ** والترفيع ممطور )
فكتب إليه ابن زيدون
( حظي من نعماك موفور ** وذنب دهري بك مغفور )
( وجانبي إن رامه أزمة ** حجر لدى ظلك محجور )
( يا ابن الذي سرب الهدى آمن ** منذ انبرى يحميه مخفور )
( وآمر الدهر الذي لم يزل ** يصغي إليه منه مأمور )
( ألبس منك الدهر أسنى الحلى ** بظافر منحاه منصور )
( يامروي المأثور يا من له ** مجد مع الأيام مأثور )
( عبدك إن أكثر من شكره ** فهو بما توليه مكثور )
( إن تعف عن تقصيره منعما ** فاليسر أن يقبل معسور )
( إن حلال السحر إن صغته ** في صحف الأنفس مسطور )
( نظم زهاني منه إذ جاءني ** علق عظيم القدر مذخور )
( لا غرو أن أفتن إذ لاحظت ** فكري منه أعين حور )
( تنم عن معناه ألفاظه ** كما وشى بالراح بلور )
( جهلت إذ عارضته غير أن ** لابد أن ينفث مصدور )
( يا آ ل عباد موالاتكم ** زاك من الأعمال مبرور )
( إن الذي يرجو موازاتكم ** من المناوين لمغرور )
( مكانه منكم كما انحط عن ** منزلة المرفوع مجرور )
( لازلتم في غبطة ما انجلى ** عن فلق الإصباح ديجور )
____________________
(4/269)


( ولا يزل يجري بما شئتم ** أعماركم لله مقدور )
وكتب المعتمد إلى ابن زيدون بعد أن فك معمى كتب به إليه ابن زيدون ما صورته
( العين بعدك تقذي ** بكل شيء تراه )
( فليجل شخصك عنها ** ما بالمغيب جناه )
وقد قدمنا من كلام أبي الوليد ابن زيدون رحمه الله تعالى ما فيه كفاية رجع الى بني عباد قال ابن حمديس لما قدمت وافدا على المعتمد بن عباد استدعاني وقال افتح الطاق فإذا بكير زجاج والنار تلوح من بابيه وواقده يفتحهما تارة ويسدهما أخرى ثم أدام سد أحدهما وفتح آخر فحين تأملتهما قال لي أجز
( انظرهما في الظلام قد نجما )
فقلت
( كما رنا في الدجنة الأسد )
فقال
( يفتح عينيه ثم يطبقها )
فقلت
( فعل امرىء في جفونه رمد )
____________________
(4/270)


فقال
( فابتزه الدهر نور واحدة
فقلت
( وهل نجا من صروفه أحد )
فاستحسن ذلك وأطربه وامر لي بجائزة وألزمني الخدمة
677 - مقطعات لابن حمديس
وعلى ذكر ابن حمديس فما أحسن قوله
( أراك ركبت في الأهوال بحرا ** عظيما ليس يؤمن من خطوبه )
( تسير فلكه شرقا وغربا ** وتدفع من صباه إلى جنوبه )
( وأصعب من ركوب البحر عندي ** امور ألجأتك إلى ركوبه )
ولغيره
( إن ابن آدم طين ** والبحر ماء يذيبه )
( لولا الذي فيه يتلى ** ماجاز عندي ركوبه )
وقال ابن حمديس في هذا المعنى
( لا أركب البحر أخشى ** علي منه المعاطب )
( طين انا وهو ماء ** والطين في الماء ذائب ) رجع إلى بني عباد رحمهم الله تعالى قال ابن بسام أخبرني الحكيم النديم المطرب أبو بكر ابن الإشبيلي قال حضرت مجلس الرشيد بن المعتمد بن عباد وعنده الوزير أبو بكر ابن عمار
____________________
(4/271)

فلما دارت الكأس وتمكن الأنس وغنيت أصواتا ذهب الطرب بابن عمار كل مذهب فارتجل يخاطب الرشيد
( ماضر ان قيل إسحاق وموصله ** ها أنت أنت وذي حمص وإسحاق )
( أنت الرشيد فدع من قد سمعت به ** وإن تشابه أخلاق وأعراق )
( لله درك داركها مشعشعة ** واحضر بساقيك ماقامت بنا ساق )
وكان الرشيد هذا احد أولاد المعتمد النجيا وله اخبار في الكرم يقضي الناظر فيها من امرها عجبا وكذلك إخوته وقد ألمعنا في هذا الكتاب بجملة من محاسنهم وامهم اعتماد الملقبة بالرميكية هي التي ترجمناها في هذا الموضع واقتضت المناسبة ذكر أمر بني عباد فلنعد إلى ما كنا بصدده من أخبارها رحمها الله تعالى فنقول رجع إلى ذكر الرميكية قال ابن سعيد في بعض مصنفاته كان المعتمد كثيرا ما يأنس بها ويستطرف نوادرها ولم تكن لها معرفة بالغناء وإنما كانت مليحة الوجه حسنة الحديث حلوة النادر كثيرة الفكاهة لها في كل ذلك نوادر محكية وكانت في عصرها ولادة بنت محمد بن عبدالرحمن وهي أبدع منها ملحا وأحسن افتنانا وأجل منصبا وكان أبوها أمير قرطبة ويلقب بالمستكفي بالله وأخبار أبي الوليد ابن زيدون معها وأشعاره فيها مشهورة انتهى ملخصا
ومن أخبار الرميكية القصة المشهورة في قولها ولا يوم الطين وذلك أنها رأت الناس يمشون في الطين فاشتهت المشي في الطين فأمر المعتمد فسحقت أشياء من الطيب وذرت في ساحة القصر حتى عمته ثم نصبت الغرابيل وصب فيها ماء الورد على أخلاط الطيب وعجنت بالأيدي حتى عادت كالطين
____________________
(4/272)

وخاضتها مع جواريها وغاضبها في بعض الأيام فأقسمت انها لم تر منه خيرا قط فقال ولا يوم الطين فاستحيت واعتذرت وهذا مصداق قول نبينا في حق النساء ( لو أحسنت إلى احداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط )
قلت ولعل المعتمد أشار في أبياته الرائية إلى هذه القضية حيث قال في بناته
( يطأن في الطين والأقدام حافية ** كأنها لم تطأ مسكا وكافورا )
ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى ماجرت به عادة الملوك من ذر الطيب في قصورهم حتى يطؤوه بأقدامهم زيادة في التنعم
وسبب قول المعتمد ذلك ما حكاه الفتح فقال وأول عيد أخذه يعني المعتمد بأغمات وهو سارح وما غير الشجون له مبارح ولا زي إلا حالة الخمول واستحالة المأمول فدخل عليه من بنيه من يسلم عليه ويهنيه وفيهم بناته وعليهن أطمار كأنها كسوف وهن أقمار يبكين عند التساؤل ويبدين الخشوع بعد التخايل والضياع قد غير صورهن وحير نظرهن وأقدامهن حافية وآثار نعيمهن عافية فقال
( فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا ** فساءك العيد في أغمات مأسورا )
( ترى بناتك في الأطمار جائعة ** يغزلن للناس ما يملكن قطميرا )
( برزن نحوك للتسليم خاشعة ** أبصارهن حسيرات مكاسيرا )
____________________
(4/273)


( يطأن في الطين والأقدام حافية ** كأنها لم تطأ مسكا وكافورا )
( لا خد إلا تشكى الجدب ظاهره ** وليس إلا مع الأنفاس ممطورا )
( أفطرت في العيد لا عادت مساءته ** فكان فطرك للأكباد تفطيرا )
( قد كان دهرك إن تأمره ممتثلا ** فردك الدهر منهيا ومأمورا )
( من باب بعدك في ملك يسر به ** فإنما بات بالأحلام مغرورا ) 678 - عود إلى أخبار المعتمد
وقال الفتح أيضا ولما نقل المعتمد من بلاده وأعري من طارفه وتلاده وحمل في السفين واحل في العدوة محل الدفين تندبه منابره واعواده ولا يدنو منه زواره ولا عوادة بقي أسفا تتصعد زفراته وتطرد اطراد المذانب عبراته لا يخلو بمؤانس ولا يرى إلا عرينا بدلا من تلك المكانس ولما لم يجد سلوا ولم يؤمل دنوا ولم ير وجه مسرة مجلوا تذكر منازله فشاقته وتصور بهجتها فراقته وتخيل استيحاش اوطانه وإجهاش قصره إلى قطانه وإظلام جوه من أقماره وخلوه من حراسه وسماره فقال
( بكى المبارك في إثر ابن عباد ** بكى على إثر غزلان وآساد )
( بكت ثرياه لا غمت كواكبها ** بمثل نوء الثريا الرائح الغادي )
( بكى الوحيد بكى الزاهي وقبته ** والنهر والتاج كل ذله بادي )
( ماء السماء على أفيائه درر ** يا لجة البحر دومي ذات إزباد )
وفي ذلك يقول ابن اللبانة
( أستودع الله أرضا عندما وضحت ** بشائر الصبح فيها بدلت حلكا )
____________________
(4/274)


( كان المؤيد بستانا بساحتها ** يجني النعيم وفي عليائها فلكا )
( في أمره لملوك الدهر معتبر ** فليس يغتر ذو ملك بما ملكا )
( نبكيه من جبل خرت قواعده ** فكل من كان في بطحائه هلكا )
وكان القصر الزاهي من اجمل المواضع لديه وأبهاها وأحبها إليه وأشهاها لإطلاله على النهر وإشرافه على القصر وجماله في العيون واشتماله بالزهر والزيتون وكان له به من الطرب والعيش المزري بحلاوة الضرب مالم يكن بحلب لبني حمدان ولا لسيف بن ذي يزن في رأس غمدان وكان كثيرا ما يدير به راحه ويجعل فيه انشراحه فلما امتد الزمان إليه بعد وانه وسد عليه أبواب سلوانه لم يحن إلا إليه ولم يتمن غير الحلول لديه فقال
( غريب بأرض المغربين أسير ** سيبكي عليه منبر وسرير )
( وتندبه البيض الصوارم والقنا ** وينهل دمع بينهن غزير )
( مضى زمن والملك مستأنس به ** وأصبح منه اليوم وهو نفور )
( برأي من الدهر المضلل فاسد ** متى صلحت للصالحين دهور )
( أذل بني ماء السماء زمانهم ** وذل بني ماء السماء كبير )
( فيا ليت شعري هل أبيتن ليلة ** امامي وخلفي روضة وغدير )
( بمنبتة الزيتون مورثة العلا ** تغني حمام او ترن طيور )
( بزاهرها السامي الذي جاده الحيا ** تشير الثريا نحونا ونشير )
( ويلحظنا الزاهي وسعد سعوده ** غيورين والصب المحب غيور )
( تراه عسيرا لا يسيرا مناله ** ألا كل ما شاء الإله يسير )
وقال الحجاري في المسهب إن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين أهدى
____________________
(4/275)

إلى المعتمد جارية مغنية قد نشأت بالعدوة وأهل العدوة بالطبع يكرهون أهل الأندلس وجاء بها إلى إشبيلية وقد كثر الإرجاف بأن سلطان الملثمين ينتزع بلاد ملوك الطوائف منهم واشتغل خاطر ابن عباد بالفكر في ذلك فخرج بها إلى قصر الزاهر على نهر إشبيلية وقعد على الراح فخطر بفكرها أن غنت عندما انتشى هذه الأبيات
( حملوا قلوب الأسد بين ضلوعهم ** ولووا عمائمهم على الأقمار )
( وتقلدوا يوم الوغى هندية ** أمضى إذا انتضيت من الأقدار )
( إن خوفوك لقيت كل كريهة ** أو أمنوك حللت دار قرار )
فوقع في قلبه أنها عرضت بساداتها فلم يملك غضبه ورمى بها في النهر فهلكت انتهى فقدر الله تعالى أن كان تمزيق ملكه على يدهم تصديقا للجارية في قولها
( إن خوفوك لقيت كل كريهة )
وحصره جيوش لمتونه الملثمين حتى أخذوه قهرا وسيق إلى أمير المسلمين والقصة مشهورة
وقال الفتح في شأن حصار المعتمد ما صورته ولما تم في الملك امده وأراد الله تعالى ان تخر عمده وتنقرض أيامه وتتقوض عن عراص الملك خيامه نازلته جيوش أمير المسلمين ومحلاته وظاهرته فساطيطه ومظلاته بعدما نثرت حصونه وقلاعه وسعرت بالنكاية جوانحه وأضلاعه وأخذت عليه الفروج والمضايق وثنت إليه الموانع والعوايق وطرقته طوارقها بالإضرار وأمطرته من النكاية كل ديمة مدرار وهو ساه بروض ونسيم لاه براح
____________________
(4/276)

ومحيا وسيم زاه بفتاه تنادمه ناه عن هدم أنس هو هادمه لا يصيخ إلى نبأة سمعه ولا ينيخ إلا على لهو يفرق جموعه جمعه وقد ولى المدامه ملامه وثنى إلى ركنها طوافه واستلامه وتلك الجيوش تجوس خلاله وتقلص ظلاله وحين اشتد حصاره وعجز عن المدافعة أنصاره ودلس عليه ولاته وكثرت أدواؤه وعلاته فتح باب الفرج وقد لفح شواظ الهرج فدخلت عليه من المرابطين زمرة واشتعلت من التغلب جمرة تأجج اضطرامها وسهل بها إيقاد الفتنة وإضرامها وعندما سقط الخبر عليه خرج حاسرا من مفاضته جامحا كالمهر قبل رياضته فلحق اوائلهم عند الباب المذكور وقد انتشروا في جنباته وظهروا على البلد من اكثر جهاته وسيفه في يده يتلمظ للطلى والهام ويعد بانفراج ذلك الاستبهام فرماه أحد الداخلين برمح تخطاه وجاوز مطاه فبادره بضربة أذهبت نفسه وأغربت شمسه ولقي ثانيا فضربه وقسمه وخاض حشا ذلك الداء وحسمه فأجلوا عنه وولوا فرارا منه فأمر بالباب فسد وبني منه ماهد ثم انصرف وقد أراح نفسه وشفاها وأبعد الله تعالى عنه الملامة ونفاها وفي ذلك يقول عندما خلع وأودع من المكروه ما اودع
( إن يسلب القوم العدى ** ملكي وتسلمني الجموع )
( فالقلب بين ضلوعه ** لم تسلم القلب الضلوع )
( قد رمت يوم نزالهم ** أن لا تحصنني الدروع )
( وبرزت ليس سوى القميص ** على الحشا شيء دفوع )
( أجلي تأخر لم يكن ** بهواي ذلي والخضوع )
( ما سرت قط إلى القتال ** وكان من أملي الرجوع )
( شيم الألى انا منهم ** والأصل تتبعه الفروع )
____________________
(4/277)


وما زالت عقارب تلك الداخلة تدب ثم ذكر الفتح تمام هذا الكلام فراجعه فيما مر بنحو ثلاث ورقات
ومن حكايات مجالس انسه أيام ملكه قبل أن ينظمه صرف الدهر في سلكه ماحكاه الفتح عن ذخر الدولة انه دخل عليه في دار المزينية والزهر يحسد إشراق مجلسه والدر يحكي اتساق تأنسه وقد رددت الطير شدوها وجودت طربها ولهوها وجددت كلفها وشجوها والغصون قد التحفت بسندسها والأزهار تحيي بطيب تنفسها والنسيم يلم بها فتضعه بين أجفانها وتودعه أحاديث آذارها ونيسانها وبين يديه فتى من فتيانه يتثنى تثنى القضيب ويحمل الكأس في راحة أبهى من الكف الخضيب وقد توشح وكأن الثريا وشاحه وأنار فكأن الصبح من محياه كان اتضاحه فكلما ناوله الكأس خامرته سورة وتخيل أن الشمس تهديه نوره فقال المعتمد
( لله ساق مهفهف غنج ** قد قام يسقي فجاء بالعجب )
( أهدى لنا من لطيف حكمته ** في جامد الماء ذائب الذهب )
ولما وصل لورقة استدعى ذا الوزارتين القائد أبا الحسن ابن اليسع ليلته تلك في وقت لم يخف فيه زائر من مراقب ولم يبد فيه غير نجم ثاقب فوصل وما للأمن إلى فؤاده وصول وهو يتخيل ان الجو صوارم ونصول بعد أن وصى بما خلف وودع من تخلف فلما مثل بين يديه آنسه وازال توجسه وقال له خرجت من إشبيلية وفي النفس غرام طويته بين ضلوعي وكففت فيه غرب دموعي بفتاة هي الشمس أو كالشمس إخالها لا يجول قلبها ولا خلخالها وقد قلت في يوم وداعها عند تفطر كبدي وانصداعها
____________________
(4/278)


( ولما التقينا للوداع غدية ** وقد خفقت في ساحة القصر رايات )
( بكينا دما حتى كأن عيوننا ** لجري الدموع الحمر منها جراحات )
وقد زارتني هذه الليلة في مضجعي وأبرأتني من توجعي ومكنتني من رضابها وفتنتني بدلالها وخضابها فقلت
( أباح لطيفي طيفها الخد والنهدا ** فعض بها تفاحة واجتنى وردا )
( ولز قدرت زارت على حال يقظة ** ولكن حجاب البين ما بيننا مدا )
( اما وجدت عنا الشجون معرجا ** ولا وجدت منا خطوب النوى بدا )
( سقى الله صوب القطر ام عبيدة ** كما قد سقت قلبي على حره بردا )
( هي الظبي جيدا والغزالة مقلة ** وروض الربى عرفا وغصن النقا قدا )
فكرر استجادته وأكثر استعادته فامر له بخمسمائة دينار وولاه لورقة من حينه
قال الفتح وأخبرني ابن اللبانة انه استدعاه ليلة إلى مجلس قد كساه الروض وشيه وامتثل الدهر فيه امره ونهيه فسقاه الساقي وحياه وسفر له الأنس عن مونق محياه فقام للمعتمد مادحا وعلى دوحة تلك النعماء صادحا فاستجاد قوله وأفاض عليه طوله فصدر وقد امتلأت يداه وغمره جوده ونداه فلما حل بمنزله وافاه رسوله بقطيع وكأس من بلار قد أترعا بصرف العقار ومعهما
( جاءتك ليلا في ثياب نهار ** من نورها وغلالة البلار )
( كالمشتري قد لف من مريخه ** إذ لفه في الماء جذوة نار )
( لطف الجمود لذا وذا فتألفا ** لم يلق ضد ضده بنفار )
____________________
(4/279)


( يتحير الراءون في نعتيهما ** أصفاء ماء أم صفاء دراري )
وقال الفتح أيضا وأخبرني ذخر الدولة انه إستدعاه في ليلة قد ألبسها البدر رواءه وأوقد فيها أضواءه وهو على البحيرة الكبرى والنجوم قد انعكست فيها تخالها زهرا وقابلتها المجرة فسالت فيها نهرا وقد أرجت نوافج الند وماست معاطف الرند وحسد النسيم الروض فوشى بأسراره وأفشى حديث آسه وعراره ومشى مختالا بين لبات النور وأزراره وهو وجم ودمعه منسجم وزفراته تترجم عن غرامه وتجمجم عن تعذر مرامه فلما نظر إليه استدناه وقربه وشكا إليه من الهجران ما استغربه وأنشده
( أيا نفس لا تجزعي واصبري ** وإلا فإن الهوى متلف )
( حبيب جفاك وقلب عصاك ** ولاح لحاك ولا منصف )
( شجون منعن الجفون الكرى ** وعوضنها أدمعا تنزف )
فانصرف ولم يعلمه بقصته ولا كشف له عن غصته انتهى
وقال الفتح أيضا أخبرني ذخر الدولة بن المعتضد انه دخل عليه في ليلة قد ثنى السرور منامها وامتطى الحبور غاربها وسنامها وراع الأنس فؤادها وستر بياض الأماني سوادها وغازل نسيم الروض زوارها وعوادها ونور السرج قد قلص أذيالها ومحا من لجين الأرض نيالها والمجلس مكتس بالمعالي وصوت المثاني والمثالث عالي والبدر قد كمل والتحف بضوئه القصر واشتمل وتزين بسناه وتجمل فقال المعتمد
( ولقد شربت الراح يسطع نورها ** والليل قد مد الظلام رداء )
____________________
(4/280)


( حتى تبدى البدر في جوزائه ** ملكا تناهى بهجة وبهاء )
( وتناهضت زهر النجوم يحفه ** لألاؤها فاستكمل اللألاء )
( لما أراد تنزها في غربه ** جعل المظلة فوقه الجوزاء )
( وترى الكواكب كالمواكب حوله ** رفعت ثرياها عليه لواء )
( وحكيته في الأرض بين كواكب ** وكواعب جمعت سنا وسناء )
( إن نشرت تلك الدروع حنادسا ** ملأت لنا هذي الكؤوس ضياء )
( وإذا تغنت هذه في مزهر ** لم تأل تلك على التريك غناء )
وأخبرني ابن اقبال الدولة بن مجاهد انه كان عنده في يوم قد نشر من غيمه رداء ند وأسكب من قطره ماء ورد وأبدى من برقة لسان نار وأظهر من قوس قزحه حنايا آس حفت بنرجس وجلنار والروض قد بعث رياه وبن الشكر لسقياه فكتب إلى الطبيب الأديب أبي محمد المصري
( أيها الصاحب الذي فارقت عيني ** ونفسي منه السنا والسناء )
( نحن في المجلس الذي يهب الراحة ** والمسمع الغنى والغناء )
( نتعاطى التى تنسي من الرقة ** واللذة الهوى والهواء )
( فأته تلف راحة ومحيا ** قد أعدا لك الحيا والحياء )
فوافاه وألفى مجلسه وقد أتلعت فيه أباريقه أجيادها وأقامت فيه خيل السرور طرادها وأعطته الأماني انطباعها وانقيادها وأهدت الدنيا ليومه مواسمها وأعيادها وخلعت عليه الشمس شعاعها ونشرت فيه الحدائق إيناعها فأديرت الراح وتعوطيت الأقداح وخامر النفوس الابتهاج والارتياح وأظهر المعتمد من إيناسه ما استرق به نفوس جلاسه ثم دعا
____________________
(4/281)

بكبير فشربه كالشمس غربت في ثبير وعندما تناولها قام المصري ينشد أبياتا تمثلها
( اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ** بشاذمهر ودع غمدان لليمن )
( فأنت أولى بتاج الملك تلبسه ** من هوذة بن علي وابن ذي يزن )
فطرب حتى زحف عن مجلسه وأسرف في تأنسه وأمر فخلعت عليه خلع لا تصلح إلا للخلفاء وأدناه حتى أجلسه مجلس الأكفاء وأمر له بدنانير عددا وملأ له بالمواهب يدا
وله في غلام رآه يوم العروبة من ثنيات الوغى طالعا ولطلى الأبطال قارعا وفي الدماء والغا ولمستبشع كؤوس المنايا سائغا وهو ظبي قد فارق كناسه وعاد أسدا صارت القنا أخياسه ومتكاثف العجاج قد مزقه إشراقه وقلوب الدارعين قد شكتها أحداقه فقال
( أبصرت طرفك بين مشتجر القنا ** فبدا لطرفي أنه فلك )
( أو ليس وجهك فوقه قمرا ** يجلى بنير نوره الحلك )
وقال فيه
( ولما اقتحمت الوغى دارعا ** وقنعت وجهك بالمغفر )
( حسبنا محياك شمس الضحى ** عليها سحاب من العنبر )
وقد جمع بنا القلم في ترجمة المعتمد بن عباد بعض جموح وماذلك إلا لما علمنا ان نفوس الأدباء إلى أخباره رحمه الله تعالى شديدة الطموح وقد جعل الله تعالى له كما قال ابن الأبار في الحلة السيراء رقة في القلوب وخصوصا
____________________
(4/282)

بالمغرب فإن اخباره وأخبار الرميكية إلى الآن متداولة بينهم وإن فيها لأعظم عبرة رحم الله تعالى الجميع رجع إلى أخبار النساء
11 - ومنهن العبادية جارية المعتضد عباد والد المعتمد أهداها إليه مجاهد العامري من دانية وكانت أديبة ظريفة كاتبة شاعرة ذاكرة لكثير من اللغة قال ابن عليم في شرحه لأدب الكتاب لابن قتيبة وذكر الموسعة وهي خشبة بين حمالين يجعل كل واحد منهما طرفها على عنقه ما صورته وبذكر الموسعة أغربت جارية لمجاهد أهداها إلى عباد كاتبة شاعرة على علماء إشبيلية وبالهزمة التى تظهر في أذقان بعض الأحداث وتعتري بعضهم في الخدين عند الضحك فاما التي في الذقن فهي النونة ومنه قول عثمان رضي الله تعالى عنه دسموا نونته لتدفع العين واما التي في الخدين عند الضحك فهي الفحصة فما كان في ذلك الوقت في إشبيلية من عرف منها واحدة
وسهر عباد ليلة لأمر حزبه وهي نائمة فقال
( تنام ومدنفها يسهر ** وتصبر عنه ولا يصير )
فأجابته بديهة بقولها
( لئن دام هذا وهذا له ** سيهلك وجدا ولا يشعر )
ويكفيك هذا شاهدا على فضلها رحمها الله تعالى وسامحها
____________________
(4/283)


12 - ومنهن بثينة بنت المعتمد بن عباد وامها الرميكية السابقة الذكر وكانت بثينة هذه نحوا من امها في الجمال والنادرة ونظم الشعر ولما أحيط بأبيها ووقع النهب في قصره كانت من جملة من سبي ولم يزل المعتمد والرميكية عليها في وله دائم لا يعلمان ما آل إليه أمرها إلى أن كتبت إليهما بالشعر المشهور المتداول بين الناس بالمغرب وكان احد تجار إشبيلية اشتراها على انها جارية سرية ووهبها لابنه فنظر من شأنها وهيئت له فلما أراد الدخول عليها امتنعت وأظهرت نسبها وقالت لا أحل لك إلا بعقد النكاح إن رضي أبي بذلك وأشارت عليهم بتوجيه كتاب من قبلها لأبيها وانتظار جوابه فكان الذي كتبته بخطها من نظمها ما صورته
( اسمع كلامي واستمع لمقالتي ** فهي السلوك بدت من الأجياد )
( لا تنكروا أني سبيت وأنني ** بنت لملك من بني عباد )
( ملك عظيم قد تولى عصره ** وكذا الزمان يؤول للإفساد )
( لما أراد الله فرقة شملنا ** وأذاقنا طعم الأسى عن زاد )
( قام النفاق على أبي في ملكه ** فدنا الفراق ولم يكن بمراد )
( فخرجت هاربة فحازني امرؤ ** لم يأت في إعجاله بسداد )
( إذ باعني بيع العبيد فضمني ** من صانني إلا من الانكاد )
( وأرادني لنكاح نجل طاهر ** حسن الخلائق من بني الأنجاد )
( ومضى إليك يسوم رأيك في الرضى ** ولأنت تنظر في طريق رشادي )
( فعساك يا أبتي تعرفني به ** إن كان ممن يرتجى لوداد )
( وعسى رميكية الملوك بفضلها ** تدعو لنا باليمن والإسعاد )
فلما وصل شعرها لأبيها وهو بأغمات واقع في شراك الكروب
____________________
(4/284)

والأزمات سر هو وامها بحياتها ورأيا ان ذلك للنفس من أحسن أمنياتها إذ علما مآل أمرها وجبر كسرها إذ ذلك اخف الضررين وإن كان الكرب قد ستر القلب منه حجاب رين وأشهد على نفسه بعقد نكاحها من الصبي المذكور وكتب إليها أثناء كتابه مما يدل على حسن صبره المشكور
( بنيتي كوني به برة ** فقد قضى الوقت بإسعافه )
وأخبار المعتمد بن عباد تذيب الأكباد فلنرجع إلى ذكر نساء الأندلس فنقول
13 - ومنهن حفصة بنت حمدون من وادي الحجارة ذكرها في المغرب وقال انها من اهل المائة الرابعة ومن شعرها
( رأى ابن جميل ان يرى الدهر مجملا ** فكل الورى قد عمهم سيب نعمته )
( له خلق كالخمر بعد امتزاجها ** وحسن فما احلاه من حين خلقته )
( بوجه كمثل الشمس يدعو ببشره ** عيونا ويعشيها بإفراط هيبته )
ولها
( لي حبيب لا ينثني لعتاب ** وإذا ما تركته زاد تيها )
( قال لي هل رأيت لي من شبيه ** قلت أيضا وهل ترى لي شبيها )
ولها تذم عبيدها
( يارب أني من عبيدي على ** جمر الغضا ما فيهم من نجيب )
( إما جهول أبله متعب ** أو فطن من كيده لا يجيب )
____________________
(4/285)


وقال ابن الأبار إنها كانت أديبة عالمة شاعرة وذكرها ابن فرج صاحب الحدائق وانشد لها أشعارا منها قولها
( يا وحشتي لأحبتي ** يا وحشة متمادية )
( يا ليلة ودعتهم ** يا ليلة هي ما هيه )
14 - ومنهن زينب المرية كانت أديبة شاعرة وهي القائلة
( يا أيها الراكب الغادي لطيته ** عرج أنبئك عن بعض الذي أجد )
( ماعالج الناس من وجد تضمنهم ** إلا ووجدي بهم فوق الذي وجدوا )
( حسبي رضاه وأني في مسرته ** ووده آخر الأيام أجتهد )
15 - ومنهن غاية المنى وهي جارية أندلسية متأدبة قدمت إلى المعتصم بن صمادح فأراد اختبارها فقال لها ما اسمك فقالت غاية المنى فقال لها أجيزي
( اسألوا غاية المنى
فقالت
( من كسا جسمي الضنى ** وأراني مولها سيقول الهوى انا )
هكذا أورد السالمي هذه الحكاية في تاريخه
قال ابن الأبار وقرأت بخط الثقة حاكيا عن القاضي أبي القاسم ابن حبيش قال سيقت لابن صمادح جارية نبيلة تقول الشعر وتحسن المحاضرة فقال
____________________
(4/286)

تحمل إلى الأستاذ ابن الفراء الخطيب ليختبرها وكان كفيفا فلما وصلته قال ما اسمك فقالت غاية المنى فقال أجيزي
( سل هوى غاية المنى ** من كسا جسمي الضنى
فقالت تجيزه
( وأراني متيما ** سيقول الهوى أنا )
حكى ذلك لابن صمادح فاشتراها انتهى
16 - ومنهن حمدة ويقال حمدونة بنت زياد المؤدب من وادي آش وهي خنساء المغرب وشاعرة الأندلس ذكرها الملاحي وغيره وممن روى عنها أبو القاسم ابن البراق
ومن عجيب شعرها قولها
( ولما أبى الواشون إلا فراقنا ** ومالهم عندي وعندك من ثار )
( وشنوا على أسماعنا كل غارة ** وقل حماتي عند ذاك وانصاري )
( غزوتهم من مقلتيك وأدمعي ** ومن نفسي بالسيف والسيل والنار )
وبعض يزعم ان هذه الأبيات لمهجة بنت عبدالرزاق الغرناطية وكونها لحمدة أشهر والله سبحانه وتعالى أعلم
وخرجت حمدة مرة للوادي مع صبية فلما نضت عنها ثيابها وعامت قالت
____________________
(4/287)


( أباح الدمع أسراري بوادي ** له للحسن آثار بوادي )
( فمن نهر يطوف بكل روض ** ومن روض يرف بكل وادي )
( ومن بين الظباء مهاة إنس ** لها لبي وقد ملكت فؤادي )
( لها لحظ ترقده لأمر ** وذاك الأمر يمنعني رقادي )
( إذا سدلت ذوائبها عليها ** رأيت البدر في جنح الدآدي )
( كأن الصبح مات له شقيق ** فمن حزن تسربل بالحداد )
وقال ابن البراق في سوق هذه الحكاية انشدتنا حمدة العوفية لنفسها وقد خرجت متنزهة بالرملة من نواحي وادي آش فرأت ذات وجه وسيم أعجبها فقالت وبين الروايتين خلاف أباح الدمع إلى آخره ونسب بعضهم إلى حمدة هذه الأبيات الشهيرة بهذه البلاد المشرقية وهي
( وقانا لفحة الرمضاء واد ** سقاه مضاعف الغيث العميم )
( حللنا دوحة فحنا علينا ** حنو المرضعات على الفطيم )
( وأرشفنا على ظمإ زلالا ** ألذ من المدامة للنديم )
( يصد الشمس أنى واجهتنا ** فيحجبها ويأذن للنسيم )
( يروع حصاه حالية العذارى ** فتلمس جانب العقد النظيم )
وممن جزم بذلك الرعيني وقال إن مؤرخي بلادنا نسبوها لحمدة من من قبل أن يوجد المنازي الذي ينسبها له أهل المشرق وقد رأيت أن أذكر كلامه برمته ونصه كانت من ذوي الألباب وفحول أهل الآداب حتى إن بعض المنتحلين تعلق بهذه الأهداب وادعى نظم هذين البيتين يعني ولما أبى الواشون إلى آخره لما فيهما من المعاني والألفاظ العذاب وماغره في ذلك
____________________
(4/288)

إلا بعد دارها وخلو هذه البلاد المشرقية من أخبارها وقد تلبس بعضهم أيضا بشعهارها وادعى غير هذا من أشعارها وهو قولها وقانا لفحة الرمضاء واد وإلى آخره وإن هذه الأبيات نسبها أهل البلاد للمنازي من شعرائهم وركبوا التعصب في جادة ادعائهم وهي أبيات لم يخلبها غير لسانها ولا رقم برديها غير إحسانها ولقد رأيت المؤرخين من أهل بلادنا وهي الأندلس أثبتوها لها قبل أن يخرج المنازي من العدم إلى الوجود ويتصف بلفظة الموجود انتهى
وهو أبو جعفر الأندلسي الغرناطي نزيل حلب
وحكى ابن العديم في تاريخ حلب ما نصه وبلغني ان المنازي عمل هذه الأبيات ليعرضها على أبي العلاء المعري فلما وصل إليه أنشده الأبيات فجعل المنازي كلما أنشد المصراع الأول من كل بيت سبقه أبو العلاء إلى المصراع الثاني الذي هو تمام البيت كما نظمه ولما أنشده قوله
( نزلنا دوحه فحنا علينا )
فقال أبو العلاء
( حنو الوالدات على الفطيم )
فقال المنازي إنما قلت على اليتيم فقال أبو العلاء الفطيم أحسن انتهى
وهذا يدل على ان الرواية عنده حنو الوالدات وقد تقدم المرضعات والله تعالى اعلم
وقال ابن سعيد يقال لنساء غرناطة المشهورات بالحسب والجلالة العربيات لمحافظتهن على المعاني العربية ومن أشهرهن زينب بنت زياد الوادي آشي واختها حمدة وحمدة هذه هي القائلة وقد خرجت إلى نهر منقسم الجداول بين الرياض مع نسائها فسبحن في الماء وتلاعبن
____________________
(4/289)


( أباح الدمع أسراري بوادي ) الأبيات انتهى
17 - ومنهن عائشة بنت احمد القرطبية
قال ابن حيان في المقتبس لم يكن في زمانها من حرائر الأندلس من يعدلها علما وفهما وأدبا وشعرا وفصاحة تمدح ملوك الأندلس وتخاطبهم بما يعرض لها من حاجة وكانت حسنة الخط تكتب المصاحف وماتت عذراء لم تنكح سنة أربعمائة
وقال في المغرب إنها من عجائب زمانها وغرائب أوانها وأبو عبدالله الطبيب عمها ولو قيل إنها أشعر منه لجاز ودخلت على المظفر ابن المنصور بن أبي عامر وبين يديه ولد فارتجلت
( أراك الله فيه ما تريد ** ولا برحت معاليه تزيد )
( فقد دلت مخايله على ما ** تؤمله وطالعه السعيد )
( تشوقت الجياد له وهز الحسام ** هوى وأشرقت البنود )
( فسوف تراه بدرا في سماء ** من العليا كواكبه الجنود )
( وكيف يخيب شبل قد نمته ** إلى العليا ضراغمة أسود )
( فأنتم آل عامر خير آل ** زكا الأبناء منكم والجدود )
( وليدكم لدى رأي كشيخ ** وشيخكم لدى حرب وليد )
وخطبها بعض الشعراء ممن لم ترضه فكتبت إليه
( انا لبوة لكنني لا أرتضي ** نفسي مناخا طول دهري من احد )
( ولو أنني اختار ذلك لم أجب ** كلبا وكم غلقت سمعي عن أسد )
____________________
(4/290)


18 - ومنهن مريم بنت أبي يعقوب الأنصاري
سكنت إشبيلية و أصلها والله اعلم من شلب
وذكرها ابن دحية في المطرب وقال إنها أديبة شاعرة جزلة مشهورة وكانت تعلم النساء الأدب وتحتشم لدينها وفضلها وعمرت عمرا طويلا سكنت إشبيلية واشتهرت بها بعد الأربعمائة وذكرها الحميدي وأنشد لها جوابها لما بعث المهدي إليها بدنانير وكتب إليها
( مالي بشكر الذي اوليت من قبل ** لو أنني حزت نطق اللسن في الحلل )
( يافذة الظرف في هذا الزمان ويا ** وحيدة العصر في الإخلاص في العمل )
( أشبهت مريما العذراء في ورع ** وفقت خنساء في الأشعار والمثل )
ونص الجواب منها
( من ذا يجاريك في قول وفي عمل ** وقد بدرت إلى فضل ولم تسل )
( مالي بشكر الذى نظمت في عنقي ** من اللآلي وما اوليت من قبل )
( حليتني بحلى أصبحت زاهية ** بها على كل أنثى من حلى عطل )
( لله أخلاقك الغر التي سقيت ** ماء الفرات فرقت رقة الغزل )
( أشبهت مروان من غارت بدائعه ** وأنجدت وغدت من أحسن المثل )
( من كان والده العضب المهند لم ** يلد من النسل غيرالبيض والأسل )
ومن شعرها وقد كبرت
( وما يرتجى من بنت سبعين حجة ** وسبع كنسج العنكبوت المهلهل )
( تدب دبيب الطفل تسعى إلى العصا ** وتمشي بها مشي الأسير المكبل )
____________________
(4/291)


19 - ومنهن أسماء العامرية من اهل إشبيلية كتبت إلى عبدالمؤمن ابن على رسالة نمت فيها إليه بنسبها العامري وتسأله في رفع الانزال عن دارها والاعتقال عن مالها وفي آخرها قصيدة اولها
( عرفنا النصر والفتح المبينا ** لسيدنا أمير المؤمنينا )
( إذا كان الحديث عن المعالي ** رأيت حديثكم فينا شجونا )
ومنها
( رويتم علمه فعلمتموه ** وصنتم عهده فغدا مصونا )
20 - ومنهن ام الهناء بنت القاضي أبي محمد عبدالحق بن عطية سمعت أباها وكانت حاضرة النادرة سريعة التمثل من اهل العلم والفهم والعقل ولها تأليف في القبور ولما ولي أبوها قضاء المرية دخل داره وعيناه تذرفان وجدا لمفارقة وطنه فأنشدته متمثلة
( ياعين صار الدمع عندك عادة ** تبكين في فرح وفي أحزان )
وهذا البيت من جملة أبيات هي
( جاء الكتاب من الحبيب بأنه ** سيزورني فاستعبرت أجفاني )
( غلب السرور علي حتى إنه ** من عظم فرط مسرتي أبكاني )
وبعده البيت وبعده
( فاستقبلي بالبشر يوم لقائه ** ودعي الدموع لليلة الهجران )
____________________
(4/292)


21 - ومنهن مهجة القرطبية صاحبة ولادة رحمهما الله تعالى وكانت من أجل نساء زمانها وعلقت بها ولادة ولازمت تأديبها وكانت من أخف الناس روحا ووقع بينها وبين ولادة ما اقتضى ان قالت
( ولادة قد صرت ولادة ** من غير بعل فضح الكاتم )
( حكت لنا مريم لكنه ** نخلة هذي ذكر قائم )
قال بعض الأكابر لو سمع ابن الرومي هذا لأقر لها بالتقديم
ومن شعرها
( لئن قد حمى عن ثغرها كل حائم ** فما زال يحمى عن مطالبه الثغر )
( فذلك تحميه القواضب والقنا ** وهذا حماه من لواحظها السحر )
وأهدى إليها من كان يهيم بها خوخا فكتبت إليه
( يا متحفا بالخوخ أحبابه ** أهلا به من مثلج للصدور )
( حكى ثدي الغيد تفليكه ** لكنه أخزى رؤوس الأيور )
22 - ومنهن هند جارية أبي محمد عبدالله بن مسلمة الشاطبي وكانت أديبة شاعرة كتب إليها أبو عامر ابن ينق يدعوها للحضور عنده بعودها
( ياهند هل لك في زيارة فتية ** نبذوا المحارم غير شرب السلسل )
( سمعوا البلابل قد شدوا فتذكروا ** نغمات عودك في الثقيل الأول )
فكتبت إليه في ظهر رقعته
( ياسيدا حاز العلا عن سادة ** شم الأنوف من الطراز الأول )
____________________
(4/293)


( حسبي من الإسراع نحوك انني ** كنت الجواب مع الرسول المقبل )
23 - ومنهن الشلبية قال ابن الأبار ولم أقف على اسمها وكتبت إلى السلطان يعقوب المنصور تتظلم من ولاة بلدها وصاحب خراجه
( قد آن ان تبكي العيون الآبيه ** ولقد أرى أن الحجارة باكيه )
( ياقاصد المصر الذي يرجى به ** إن قدر الرحمن رفع كراهيه )
( ناد الأمير إذا وقفت ببابه ** ياراعيا إن الرعية فانيه )
( أرسلتها هملا ولا مرعى لها ** وتركتها نهب السباع العاديه )
( شلب كلا شلب وكانت جنة ** فأعادها الطاغون نارا حاميه )
( حافوا وماخافوا عقوبة ربهم ** والله لا تخفى عليه خافيه )
فيقال إنها ألقيت يوم الجمعة على مصلى المنصور فلما قضى الصلاة وتصفحها بحث عن القصة فوقف على حقيقتها وأمر للمرأة بصلة
وحكي أن بعض قضاة لوشة كانت له زوجة فاقت العلماء في معرفة الأحكام والنوازل وكان قبل أن يتزوجها ذكر له وصفها فتزوجها وكان في مجلس قضائه تنزل به النوازل فيقوم إليها فتشير عليه بما يحكم به فكتب إليه بعض أصحابه مداعبا بقوله
( بلوشة قاض له زوجة ** وأحكامها في الورى ماضيه )
( فيا ليته لم يكن قاضيا ** وياليتها كانت القاضيه )
فأطلع زوجته عليه حين قرأه فقالت ناولني القلم فناولها فكتبت بديهة
( هو شيخ سوء مزدرى ** له شيوب عاصيه )
( كلا لئن لم ينته ** لنسفعا بالناصيه )
____________________
(4/294)


وسمعت بعض أشياخنا يحكي القضية عن لسان الدين بن الخطيب وأنه هو الذي كتب يداعب زوج المرأة فكتبت إليه
( إن الإمام ابن الخطيب ** له شيوب عاصيه )
إلى آخره فالله أعلم
24 - ومنهن نزهون الغرناطية
قال في المغرب من أهل المائة الخامسة ذكرها الحجاري في المسهب ووصفها بخفة الروح والانطباع الزائد والحلاوة وحفظ الشعر والمعرفة بضرب الأمثال مع جمال فائق وحسن رائق وكان الوزير أبو بكر ابن سعيد أولع الناس بمحاضرتها ومذاكرتها ومراسلتها فكتب لها مرة
( يامن له ألف خل ** من عاشق وصديق )
( أراك خليت للناس ** منزلا في الطريق )
فأجابته
( حللت أبا بكر محلا منعته ** سواك وهل غير الحبيب له صدري )
( وإن كان لي كم من حبيب فإنما ** يقدم أهل الحق حب أبي بكر )
قيل لو قالت وإن كان خلاني كثيرا إلخ لكان أجود
ولما قال فيها المخزومي
____________________
(4/295)


( على وجه نزهون من الحسن مسحة ** وتحت الثياب العار لو كان باديا )
( قواصد نزهون توارك غيرها ** ومن قصد البحر استقل السواقيا )
قالت
( إن كان ما قلت حقا ** من بعض عهد كريم )
( فصار ذكري ذميما ** يعزى إلى كل لوم )
( وصرت أقبح شيء ** في صورة المخزومي )
وقد تقدمت حكايتها في الباب الأول من هذا فلتراجع
وقال لها بعض الثقلاء ماعلى من أكل معك خمسمائة سوط فقالت
( وذي شقوة لما رآني رأى له ** تمنيه أن يصلى معي جاحم الضرب )
( فقلت له كلها هنيئا فإنما ** خلقت إلى لبس المطارف والشرب ) 679 - ابن قزمان وقال ابن سعيد في طالعه لما وصف وصول ابن قزمان إلى غرناطه واجتماعه بجنته بقرية الزاوية من خارجها بنزهون القلاعية الأديبة وماجرى بينهما وانها قالت له بعقب ارتجال بديع وكان يلبس غفارة صفراء على زي الفقهاء حينئذ أحسنت يابقرة بني اسرائيل إلا أنك لا تسر الناظرين فقال لها إن لم أسر الناظرين فانا أسر السامعين وإنما يطلب سرور الناظرين منك يافاعلة ياصانعة وتمكن السكر من ابن قزمان وآل الأمر إلى أن تدافعوا معه حتى رموه في البركة فما خرج إلا وهو قد شرب كثيرا من الماء وثيابه تهطل فقال اسمع يا وزير ثم أنشد
____________________
(4/296)


( إيه أبا بكر ولا حول لي ** بدفع أعيان وأنذال )
( وذات فرج واسع دافق ** بالماء يحكي حال أذيالي )
( غرقتني في الماء ياسيدي ** كفرة بالتغريق في المال )
فأمر بتجريد ثيابه وخلع عليه ما يليق به ومر لهم يوم بعد عهدهم بمثله ولم ينتقل ابن قزمان من غرناطة إلا من بعد ما أجزل له الإحسان ومدحه بماهو ثابت له في ديوان أزجاله وحكي عنه فيما أظن أعني ابن قزمان ويحتمل أنه غيره أنه تبع إحدى الماجنات وكان أحول فأطمعته في نفسها وأشارت إليه أن يتبعها فاتبعها حتى أتت به سوق الصاغة بإشبيلية فوقفت على صائغ من صياغها وقالت له يامعلم مثل هذا يكون فص الخاتم الذي قلت لك عنه تشير إلى عين ذلك الأحول الذي تبعها وكانت قد كلفت ذلك الصائغ أن يعمل لها خاتما يكون فصه عين إبليس فقال لها الصائغ جيئيني بالمثال فإني لم أر هذا ولا سمعته قط فجاءته به عن مثال وحكاها بعضهم على وجه آخر وأنها ذهبت إلى الصائغ وقالت له صور لي صورة الشيطان فقال لها ائتيني بمثال فلما تبعها ابن قزمان جاءته به وقالت له مثل هذا فسأل ابن قزمان الصائغ فأعلمه فخجل ولعنها وكتب أبو بكر ابن قزمان على باب جنته
( وقائل ياحسنها جنة ** لا يدخل الحزن على بابها )
( فقلت والحق له صولة ** أحسن منها مجد أربابها )
وله
( كثير المال تمكسه فيفنى ** وقد يبقى مع الجود القليل )
( ومن غرست يداه ثمار جود ** ففي ظل الثناء له مقيل ) رجع إلى أخبار نزهون بنت القليعي
حكي أنها كانت تقرأ على أبي بكر المخزومي الأعمى فدخل عليهما أبو
____________________
(4/297)

بكر الكتندي فقال يخاطب المخزومي
( لو كنت تبصر من تجالسه ) فأفحم وأطال الفكر فما وجد شيئا فقالت نزهون
( لغدوت أخرس من خلاخله )
( البدر يطلع من أزرته ** والغصن يمرح في غلائله )
وكانت ماجنة ومن شعرها قولها
( لله در الليالي ما أحيسنها ** وما أحسن منها ليلة الأحد )
( لو كنت حاضرنا فيها وقد غفلت ** عين الرقيب فلم تنظر إلى احد )
( أبصرت شمس الضحى في ساعدي قمر ** بل ريم خازمة في ساعدي أسد ) 680 - مقطعات لابن الزقاق
وهذا المعنى متفق مع قول ابن الزقاق
( ومرتجة الأرداف اما قوامها ** فلدن وأما ردفها فرداح )
( ألمت فبات الليل من قصر بها ** يطير ولا غير السرور جناح )
( فبت وقد زارت بأنعم ليلة ** يعانقني حتى الصباح صباح )
( على عاتقي من ساعديها حمائل ** وفي خصرها من ساعدي وشاح )
وابن الزقاق هذا له في النظم والغوص على المعاني الباع المديد ومن نظمه قوله
____________________
(4/298)


( رئيس الشرق محمود السجايا ** يقصر عن مدائحه البليغ )
( نسميه بيحيى وهو ميت ** كما ان السليم هو اللديغ )
( يعاف الورد إن ظمئت حشاه ** وفي مال اليتيم له ولوغ )
وقوله
( كتبت ولو أنني أستطيع ** لإجلال قدرك بين البشر )
( قددت اليراعة من انملي ** وكان المداد سواد البصر )
وقوله
( غرير يباري الصبح إشراق خده ** وفي مفرق الظلماء منه نصيب )
( ترف بفيه ضاحكا أقحوانه ** ويهتز في برديه منه قضيب )
وقوله
( ومهفهف نبت الشقيق بخده ** واهتز أملود النقا في برده )
( ماء الشبيبة والغرام أرق من ** صقل الحسام المنتقى وفرنده )
( يحيي الورى بتحية من وصله ** من بعدما وردوا الحمام بصده )
( إن كنت أهديت الفؤاد له فقل ** أي الجوى بجوانح لم يهده )
وقوله
( أرق نسيم الصبا عرفه ** وراق قضيب النقا عطفه )
( ومر بنا يتهادى وقد ** نضا سيف أجفانه طرفه )
( ومد لمبسمه راحة ** فخلت الأقاح دنا قطفه )
( أشارت بتقبيلها للسلام ** فقال فمي ليتني كفه )
وقوله
( بأبي من لم يدع لي لحظه ** في الهوى من رمق حين رمق )
____________________
(4/299)


( جمعت نكهته في ثغره ** عبقا في نسق يسبي الحدق )
( وبدت خجلته في خده ** شفقا في فلق تحت غسق )
وقال
( وعشية لبست ملاء شقيق ** تزهى بلون للخدود أنيق )
( أبقت بها الشمس المنيرة مثل ما ** أبقى الحياء بوجنتي معشوق )
( لو أستطيع شربتها كلفا بها ** وعدلت فيها عن كؤوس رحيق )
وقال في مسامرة كتاب زعماء
( لله ليلتنا التي استخذى بها ** فلق الصباح لسدفة الإظلام )
( طرأت علي مع النجوم بأنجم ** من فتية بيض الوجوه كرام )
( إن حوربوا فزعوا إلى بيض الظبى ** أو خوطبوا فزعوا إلى الأقلام )
( فترى البلاغة إن نظرت إليهم ** والبأس بين يراعة وحسام )
وقال
( ومجدين في السرى قد تعاطوا ** غفوات الهوى بغير كؤوس )
( جنحوا وانحنوا على العيس حتى ** خلتهم يعتبون أيدي العيس )
( نبذوا الغمض وهو حلو إلى أن ** وجدوه سلافة في الرؤوس )
وقال
( وحبب يوم السبت عندي أنني ** ينادمني فيه الذي انا أحببت )
( ومن أعجب الأشياء أني مسلم ** حنيف ولكن خير أيامي السبت )
ولنقتصر من نساء الأندلس على هذا المقدار ونعد إلى ماكنا فيه من جلب كلام بلغاء الأندلس ذوي الأقدار فنقول
____________________
(4/300)

681 - قال الخفاجي رحمه الله تعالى ( وهاتفة في البان تملي غرامها ** علينا وتتلو من صبابتها صحفا )
( عجبت لها تشكو الفراق جهالة ** وقد جاوبت من كل ناحية إلفا )
( ويشجى قلوب العاشقين أنينها ** وما فهموا مما تغنت به حرفا )
( ولو صدقت فيما تقول من الأسى ** لما لبست طوقا ولا خضبت كفا )
682 - وقال الأستاذ أبو محمد ابن صارة
( متى تلتقي عيناي بدر مكارم ** تود الثريا أنها من مواطئه )
( ولما أهل المدلجون بذكره ** وفاح تراب البيد مسكا لواطئه )
( عرفنا بحسن الذكر حسن صنيعه ** كما عرف الوادي بخضرة شاطئه )
وقال يتغزل
( يامن تعرض دونه شحط النوى ** فاستشرفت لحديثه أسماعي )
( إني لمن يحظى بقربك حاسد ** ونواظري يحسدن فيك رقاعي )
( لم تطوك الأيام عني إنما ** نقلتك من عيني إلى أضلاعي ) 683 - مقطعات لابن العطار
وقال الأديب أبو القاسم ابن العطار
( عبرنا سماء الجو والنهر مشرق ** وليس لنا إلا الحباب نجوم )
( وقد ألبسته الأيك برد ظلالها ** وللشمس في تلك البرود رقوم )
____________________
(4/301)


وله أيضا
( لله بهجة نزهة ضربت به ** فوق الغدير رواقها الأنشام )
( فمع الأصيل النهر درع سابغ ** ومع الضحى يلتاح فيه حسام )
وقال أيضا
( هبت الريح بالعشي فحاكت ** زردا للغدير ناهيك جنه )
( وانجلى البدر بعد هدء فحاكت ** كفه للقتال منه أسنه )
وقال أيضا
( لله حسن حديقة بسطت لنا ** منها النفوس سوالف ومعاطف )
( تختال في حلل الربيع وحليه ** ومن الربيع قلائد ومطارف )
وله
( وسنان ما إن يزال عارضه ** يعطف قلبي بعطفة اللام )
( أسلمني للهوى فواحزني ** أن بزني عفتي وإسلامي )
( لحاظه أسهم وحاجبه ** قوس وإنسان عينه رامي )
684 - وارتجل أبو جعفر ابن خاتمة رحمه الله تعالى لما بات في قرية بيش
____________________
(4/302)


( لله منزلنا بقرية بيش ** كاد الهوى فيها ادكارا بي يشي )
( رحنا إليها والبطاح كأنها ** صحف مذهبة بإبريز العشي )
فأجازه الوزير ابن جزي بقوله
( في فتية هزت حميا الأنس من ** أعطافهم فالكل منها منتشي )
( يأتي علاهم بالصحيح ولفظهم ** بالمنتقى وجمالهم بالمدهش )
685 - وقال السلطان أبو الحجاج النصري مرتجلا أيام مقامه بظاهر جبل الفتح سنة 815
( ولم يتركوا أوطانهم بمرادهم ** ولكن الأحوال أشابت مفارقي )
( أقام بها ليل التهاني تقلبا ** وقد سكنت جهلا نفوس الخلائق )
( فعوضتها ليل الصبابة بالسرى ** وأنس التلاقي بالحبيب المفارق )
( ولم يثنني طرف من النور ناعس ** ولا معطف للبان وسط الحدائق )
( ولا منهض الأشبال في عقر غيرهم ** ولا ملعب الغزلان فوق النمارق )
( وعاطيتها صبح الدياجي مدامة ** تميل بها الركبان فوق الأيانق )
( إذا ما قطعنا بالمطي تنوفة ** دلجنا لأخرى بالجياد السوابق )
( بحيث التقى موسى مع الخضر آية ** عسى ترجع العقبى كموسى وطارق )
وله
( من عاذري من غزال زانه حور ** قد هام لما بدا في حسنه البشر )
( ألحاظه كسيوف الهند ماضية ** لها بقلبي وإن سالمتها أثر )
686 - وقال القاضي أبو القاسم ابن حاتم
( شكوت بما دهاك وكان سرا ** لمن ليست مودته صحيحة )
( فتلك مصيبة عادت ثلاثا ** لصحبتها الشماته والفضيحه )
____________________
(4/303)


687 - وقال الفقيه محمد بن سعيد الأندلسي مخاطبا للفقيه الفخار
( خفف علينا قليلا أيها العلم ** فربما كان فينا من به ألم )
( لا يستطيع نهوضا من تألمه ** وإن تمادى قليلا خانت القدم )
( كفى وصية مولانا وسيدنا ** محمد فاسمعوا ماقال والتزموا )
688 - وقال ابن جبير اليحصبي فيمن أهدى إليه تفاحا
( خليل لم يزل قلبي قديما ** يميل بفرط صاغية إليه )
( أتاني مقبلا والبشر يبدي ** وسائل برة كرمت لديه )
( وجاء بعرف تفاح ذكي ** فقلت أتى الخليل بسيبويه )
( فأهدى من جناه بكل شكل ** يلوح جمال مهديها عليه )
689 - وقال قاضي مالقة سيدي ابراهيم البدوي
( قطعت يأسي فصنت نفسي ** عن الوقوف لذي وجاهة )
( قصدت ربي فكان حسبي ** ألبسني فضله وجاهه )
( فلا يرى ينثني عناني ** مدى حياتي إلا تجاهه )
690 - وقال ابن خليل السكوني في فهرسته شاهدت بجامع العدبس بإشبيلية ربعة مصحف في أسفار ينحى به لنحو خطوط الكوفة إلا انه أحسن خطا وأبينه وأبرعه وأتقنه فقال لي الشيخ الأستاذ أبو الحسن ابن الطفيل بن عظيمة هذا خط ابن مقلة وأنشد
( خط ابن مقلة من أرعاه مقلته ** ودت جوارحه لو أنها مقل )
ثم قسنا حروفه بالضابط فوجدنا انواعها تتماثل في القدر والوضع فالألفات على قدر واحد واللامات كذلك والكافات والواوات وغيرها بهذه النسبة انتهى
____________________
(4/304)


قلت رأيت بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام مصحفا بخط ياقوت المستعصمي بهذه المثابة وهو من الأوقاف الرستمية ورأيت بالحجرة الشريفة على صاحبها الصلاة والسلام مصحفا مكتوبا في آخره ما صورته كتبته بقلم واحد فقط ماقط قط إلا مرة فقط انتهى رجع
691 - وقال ابن عبدون رحمه الله تعالى
( أذهبن من فرق الفراق نفوسا ** ونثرن من در الدموع نفيسا )
( فتبعتها نظر الشجي فحدقت ** رقباؤها نحوي عيونا شوسا )
( وحللن عقد الصبر إذ ودعنني ** فحللن أفلاك الخدور شموسا )
( حلته إذ حلته حتى خلته ** عرشا لها وحسبتها بلقيسا )
( فازور جانبها وكان جوابها ** لو كنت تهوانا صحبت العيسا ) وهي طويلة
قلت ما أظن لسان الدين نسج قصيدته من هذا البحر والروي إلا على منوال هذه وإن كان الحافظ التنسي قال إنه نسجها على قصيدة أبي تمام حسبما ذكر ذلك في محله فليراجع
692 - وقال أبو عبدالله ابن المناصف قاضي بلنسية ومرسية رحمه الله تعالى
( ألزمت نفسي خمولا ** عن رتبة الأعلام )
( لا يخسف البدر إلا ** ظهوره في تمام )
وتذكرت به قول غيره
( ليس الخمول بعار ** على امرىء ذي جلال )
( فليلة القدر تخفى ** وتلك خير الليالي )
____________________
(4/305)


693 - وقال الوزير ابن عمار وقد كتب له أبو المطرف ابن الدباغ شافعا لغلام طر له عذار
( أتاني كتابك مستشفعا ** بوجه أبى الحسن من رده )
( ومن قبل فضي ختم الكتاب ** قرأت الشفاعة في خده )
694 - وقال القاضي الأديب والفيلسوف الأريب أبو الوليد الوقشي قاضي طليطلة
( برح بي ان علوم الورى ** قسمان ما إن فيهما من مزيد )
( حقيقة يعجز تحصيلها ** وباطل تحصيله لا يفيد )
695 - وقال أبو عبدالله ابن الصفار وهو من بيت القضاء والعلم بقرطبة
( لا تحسب الناس سواء متى ** ما اشتبهوا فالناس أطوار )
( وانظر إلى الأحجار في بعضها ** ماء وبعض ضمنه نار )
وهذا مثل قول غيره
( الناس كالأرض ومنها هم ** من خشن الطبع ومن لين )
( مرو تشكى الرجل منه الوجى ** وإثمد يجعل في الأعين )
ومن نظم ابن الصفار المذكور
( إذا نويت انقطاعا ** فاعمل حساب الرجوع )
696 - وقال أبو مروان الجزيري
( ومن العجائب والعجائب جمة ** أن يلهج الأعمى بعيب الأعور )
____________________
(4/306)


697 - وقال حسان بن المصيصي كاتب الظافر بن عباد ملك قرطبة
( لا تأمنن من العدولبعده ** إن امرأ القيس اشتكى الطماحا )
698 - وقال الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن عربي في كتابه الإسفار عن نتائج الأسفار أنشدني الكاتب الأديب أبو عمرو ابن مهيب بإشبيلية أبياتا عملها في حمود بن إبراهيم بن أبي بكر الهرغي وكان أجمل أهل زمانه رآه عندنا زائرا وقد خط عذاره فقلت يا أبا عمرو ماتنظر إلى حسن هذا الوجه فعمل الأبيات في ذلك وهي
( وقالوا العذار جناح الهوى ** إذا ما استوى طار عن وكره )
( وليس كذاك فخبرهم ** قياما بعذري أو عذره )
( إذا كمل الحسن في وجنة ** فخاتمه ويك من شعره )
قال بعضهم رأيت آخر الكتاب المذكور بعد فراغه شعرا نسبه إليه وهو
( ياحاضرا بجماله في خاطري ** ومحجبا بجلاله عن ناظري )
( إن غبت عن عيني فإنك نورها ** وضمير سرك سائر في سائري )
( ومن العجائب أنني أبدا إلى ** رؤياك ذو شوق مديد وافر )
( مع أنني ماكنت قط بمجلس ** إلا وكنت منادمي ومسامري )
699 - وأنشد في الإحاطة لعبدالله الجذامي
( أيا سيدي أشكو لمجدك أنني ** صددت مرارا عن مثولي بساحتك )
( شكاة اشتياق أنت حقا طبيبها ** وماراحتي إلا بتقبيل راحتك )
قال وهو عبدالله بن عبدالله بن أحمد بن محمد الجذامي فاضل ملازم
____________________
(4/307)

للقراءة عاكف على الخير مشارك في العربية خاطب للرياسة الأدبية اختص بالأمير أبي علي المنصور ابن السلطان أيام مقامه بالأندلس ومما خاطبه به معتذرا
( أيا سيدي 00 البيتين ) انتهى
700 - وقال في ترجمة عبدالله بن أحمد المالقي قاضي غرناطة وكان فقيها بارع الأدب إنه كتب إلى أبي نصر صاحب القلائد والمطمح أثناء رسالة بقوله
( تفتحت الكتابة عن نسيم ** نسيم المسك في خلق كريم )
( أبا نصر رسمت لها رسوما ** تخال رسومها وضح النجوم )
( وقد كانت عفت فأنرت منها ** سراجا لاح في الليل البهيم )
( فتحت من الصناعة كل باب ** فصارت في طريق مستقيم )
( فكتاب الزمان ولست منهم ** إذا راموا مرامك في هموم )
( فما قس بأبدع منك لفظا ** ولا سحبان مثلك في العلوم )
701 - وقال الذهبي وقد جرى ذكر محمد بن الحسن المذحجي الأندلسي ابن الكتاني إنه أديب شاعر متفنن ذو تصانيف حمل عنه ابن حزم ومن شعره
( ألا قد هجرنا الهجر واتصل الوصل ** وبانت ليالي البين واجتمع الشمل )
( فسعدي نديمي والمدامة ريقها ** ووجنتها روضي وتقبيلها النقل )
702 - وقال العلامة محمد بن عبدالرحمن الغرناطي
( الشعب ثم قبيلة وعمارة ** بطن وفخذ والفصيلة تابعه )
____________________
(4/308)


( فالشعب مجتمع القبيلة كلها ** ثم القبيلة للعمارة جامعه )
( والبطن تجمعه العمائر فاعلمن ** والفخذ تجمعه البطون الواسعه )
( والفخذ يجمع للفصائل هاكها ** جاءت على نسق لها متتابعه )
( فخزيمة شعب وإن كنانة ** لقبيلة منها الفصائل شائعه )
( وقريشها تسمى العمارة يافتى ** وقصي بطن للأعادي قامعه )
( ذا هاشم فخذ وذا عباسها ** أثر الفصيلة لا تناط بسابعه )
وكتبت هذه الأبيات وإن لم تشتمل على البلاغة لما فيها من الفائدة ولأن بعض الناس سألني فيها لغرابتها والأعمال بالنيات
703 - ولما دخل أبو محمد الكلاعي الجياني على القاضي ابن رشد قام له فأنشده أبو محمد بديهة
( قام لي السيد الهمام ** قاضي قضاة الورى الإمام )
( فقلت قم بي ولا تقم لي ** فقلما يؤكل القيام )
704 - وقال أبو عبدالرحمن ابن جحاف البلنسي
( لئن كان الزمان أراد حطي ** وحاربني بأنياب وظفر )
( كفاني أن تصافيني المعالي ** وإن عاديتني يا أم دفر )
( فما اعتز اللئيم وإن تسامى ** ولا هان الكريم بغير وفر )
705 - وقال أبو محمد ابن برطله
( ألا إنما سيف الفتى صنو نفسه ** فنافس بأوفى ذمة وإخاء )
( يزينك مرأى أو يعينك حاجة ** فيحسن حالي شدة ورخاء )
____________________
(4/309)


وقال أيضا
( أنفسي صبرا لا يروعك حادث ** بإرتاجه واستشعري عاجل الفتح )
( فرب اشتداد في الخطوب لفرجة ** كما انشق ليل طال عن فلق الصبح )
وقال أيضا
( متى يدنو لوعدكم انتجاز ** ويبعد من حقيقته المجاز )
( أيجمل أن يؤمكم رجائي ** فيوقف لا يرد ولا يجاز )
( وجدكم كفيل بالأماني ** ومطلوبي قريب مستجاز )
( إذا ما امكنت فرص المساعي ** فعجز ان يطاولها انتهاز )
( وها انا قد هززتكم حساما ** ويحسن للمهندة اهتزاز )
( فما الإنصاف أن ينضى كهام ** ويودع غمده العضب الجراز )
( كما نعم العراق بعذب بحر ** ويشقى بالظما البرح الحجاز )
( فأعيى الناس في المقدار حكم ** تجاذبه خمول واعتزاز )
706 - وأنشد الشيخ أبو بكر ابن حبيش لابن وضاح البيت المشهور وهو
( أسرى وأسير في الآفاق من قمر ** ومن نسيم ومن طيف ومن مثل )
____________________
(4/310)


وابن حبيش المذكور هو أبو بكر محمد بن الحسن بن يوسف بن حبيش بفتح الحاء وقد عرف به تلميذه ابن رشيد الفهري في رحلته فقال بعد كلام أما النظم فبيده عنانه واما النثر فإن مال إليه توكف له بنانه مع تواضع زائد على صلة مخبره عائد لقيته بمنزله ليوم او يومين من مقدمي على تونس فتلقى بكل فن يونس وصادفته لحالة مرض من وثء في رجله عرض وعنده جملة من العواد من الصدور الأمجاد فأدنى وقرب وسهل ورحب وتفاوض اولئك الصدور في فنون من الأدب كانها الشذور إلى أن خاضوا في الأحاجي واستضاءوا بانوار أفكارهم في تلك الدياجي فخضت معهم في الحديث وأنشدتهم بيتين كنت صنعتهما وأنا حديث لقصة بلغتني عن أبي الحسن سهل بن مالك وهي انه كان يسائل أصحابه وهو في المكتب ويقول لهم أخرجوا اسمي فكل ينطق على تقديره فيقول لهم إنكم لم تصيبوه مع أنه سهل فنظمت هذا المعنى فقلت
( وما اسم فكه سهل يسير ** يكون مصغرا نجما يسير )
( مصحفه له في العين حسن ** وقلبي عند صاحبه أسير )
وكان الشيخ أبو بكر على فراشه فزحف مع ما به من ألم إلى محبرة وطرس وقلم وكتب البيتين بخطه وقال للحاضرين ارووا هذين البيتين عن قائلهما
ومن شيوخ ابن حبيش المذكور أبو عبدالله ابن عسكر المالقي كتب له ولأخيه أبي الحسين بخطه إجازة جميع مايجوز له وعنه وضمن آخرها هذه الأبيات
____________________
(4/311)


( أجبتكما لكن مقرا بانني ** أقصر فيما رمتما عن مداكما )
( فإنكما بدران في العلم أشرقا ** فسلم إذعانا وقسرا عداكما )
( فسيروا على حكم الوداد فإنني ** اجود بنفسي أن تكون فداكما )
قال ابن رشيد وقد جمع صاحبنا أبو العباس الأشعري لابن حبيش فهرسة جامعة ولما وقف عليها ابن حبيش كتب في أولها مانصه الحمد لله حق حمده أحسن هذا الفاضل فيما صنع أحسن الله إليه وبالغ فيما جمع بلغ الله تعالى به أشرف المراتب لديه غير أني أقول واحدة ما سريرتي لها بجاحدة وأصرح بمقال لا يسعني كتمه بحال والله ما انا للإجازة بأهل ولا مرامها لدي بسهل إذ من شرط المجيز ان يعد فيمن كمل ويعد العلم والعمل اللهم غفرا كيف ينيل من عدم وفرا أو يجيز من أصبح صدره من المعارف قفرا وصحيفته من الصالحات صفرا وكيف يرتسم في ديوان الجلة من يتسم بالأفعال المخلة ومتى يقترن الشبه بالإبريز او يوصف السكيت بالتبريز ومن ضعف النهى مجانسة الأقمار بالسها ومن اعظم التوبيخ تشييخ من لا يصلح للتشييخ وإن هذا المجموع ليروق ويعجب ولكنه جمع لمن لا يستوجب وإن القراءة قد تحصلت ولكن القواعد ما تأصلت وإن القارىء علم ولكن المقروء عليه عدم ولقد شكرت لهذا السري ما جلب وكتبت مسعفا له بما طلب وقرنت إلى دره هذا المخشلب قلت وحليي عطل ونطقي خطل مكره اخاك لا بطل والله سبحانه وتعالى ينفع بما اخلص له عند الاعتقاد ويسمح للبهرج عند الانتقاد كتبه العبد المذنب المستغفر محمد بن الحسن بن يوسف بن حبيش اللخمي حامدا لله تعالى
____________________
(4/312)

ومصليا على نبيه الكريم المصطفى وعلى آله أعلام الطهارة والهدى ومسلما تسليما
وكتب أيضا رحمه الله تعالى في جواب استجازه المسؤول مبذول إن شاء الله تعالى على التنجيز ولكن شروط الإجازة موجودة في المجاز معدومة في المجيز والله تعالى يصفح بكرمه ومنه ويشكر كل فاضل على تحصيل ظنه وهو المسؤول سبحانه أن يحفظ بعنايته مهجاتهم ويرفع بالعلم والعمل درجاتهم ويمتعهم بالكمال الرائق المعجب ويقر بالنجيبين عين المنجب وكتبه ابن حبيش انتهى
707 - وقال الوزير الكاتب أبو بكر ابن القبطرنة يستجدي بازيا من المنصور بن الأفطس صاحب بطليوس
( يا أيها الملك الذي آباؤه ** شم الأنوف من الطراز الأول )
( حليت بالنعم الجسام جسيمة ** عنقي فحل يدي كذاك بأجدل )
( وامنن به ضافي الجناح كانما ** حذيت قوائمه بريح شمأل )
( متلفتا والطل ينثر برده ** منه على مثل اليماني المحمل )
( أغدو به عجبا أصرف في يدي ** ريحا وآخذ مطلقا بمكبل )
708 - وأدخلت على المعتمد يوما باكورة نرجس فكتب إلى ابن عمار يستدعيه
( قد زارنا النرجس الذكي ** وآن من يومنا العشي )
( ونحن في مجلس أنيق ** وقد ظمئنا وفيه ري )
( ولي خليل غدا سميي ** ياليته ساعد السمي )
فأجابه ابن عمار
( لبيك لبيك من مناد ** له الندى الرحب والندي )
____________________
(4/313)


( ها انا بالباب عبد قن ** قبلته وجهك السني )
( شرفه والداه باسم ** شرفته أنت والنبي )
واصطبح المعتمد يوم غيم مع أم الربيع واحتجب عن الندماء فكتب إليه ابن عمار
( تجهم وجه الأفق واعتلت النفس ** لأن لم تلح للعين أنت ولا شمس )
( فإن كان هذا منكما من توافق ** وضمكما أنس فيهنيكما الأنس )
فأجابه المعتمد بقوله
( خليلي قولا هل علي ملامة ** إذا لم أغب إلا لتحضرني الشمس )
( وأهدي بأكواس المدام كواكبا ** إذا أبصرتها العين هشت لها النفس )
( سلام سلام أنتما الأنس كله ** وإن غبتما أم الربيع هي الأنس )
واستدعي جماعة من إخوان ابن عمار منه شرابا في موضع هو فيه مفقود فبعث لهم به وبرمانتين وتفاحتين وكتب لهم مع ذلك
( خذاها مثلما استدعيتماها ** عروسا لا تزف إلى اللئام )
( ودونكما بها ثديي فتاة ** أضفت إليهما خدي غلام )
709 - وشرب ذو الوزارتين القائد أبو عيسى ابن لبون مع الوزراء والكتاب ببطحاء لورقة عند أخيه وابن اليسع غائب فكتب إليه
( لو كنت تشهد ياهذا عشيتنا ** والمزن يسكن أحيانا وينحدر )
( والأرض مصفرة بالمزن طافية ** أبصرت درا عليه التبر ينتثر )
710 - وقال الحجاري من القصيدة المشهورة
( عليك أحالني الذكر الجميل )
____________________
(4/314)

في وصف زيه البدوي المستثقل ومافي طيه
( ومثلني بدن فيه خمر ** يخف به ومنظره ثقيل )
ولما انصرف عن ابن سعيد إلى ابن هود عذله ابن سعيد على تحوله عنه فقال النفس تواقة وما لي بغير التغرب طاقة ثم قال
( يقولون لي ماذا الملال تقيم في ** محل فعند الأنس تذهب راحلا )
( فقلت لهم مثل الحمام إذا شدا ** على غصن أمسى بآخر نازلا )
711 - وقد رأيت أن اكفر ماتقدم ذكره من الهزل الذي أتينا به على سبيل الإحماض بما لابد منه من الحكم والمواعظ وما يناسبها فنقول
1 - قال أبو العباس ابن خليل
( فهموا إشارات الحبيب فهاموا ** وأقام أمرهم الرشاد فقاموا )
( وتوسموا بمدامع منهلة ** تحت الدياجي والأنام نيام )
( وتلوا من الذكر الحكيم جوامعا ** جمعت لها الألباب والأفهام )
( ياصاح لو أبصرت ليلهم وقد ** صفت القلوب وصفت الأقدام )
( لرأيت نور هداية قد حفهم ** فسرى السرور وأشرق الإظلام )
( فهم العبيد الخادمون مليكهم ** نعم العبيد وأفلح الخدام )
( سلموا من الآفات لما استسلموا ** فعليهم حتى الممات سلام )
2 - وقال العالم الكبير الشهير صاحب التآليف أبو محمد عبدالحق الإشبيلي رحمه الله تعالى
( قالوا صف الموت يا هذا وشدته ** فقلت وامتد مني عندها الصوت )
____________________
(4/315)


( يكفيكم منه ان الناس إن وصفوا ** أمرا يروعهم قالوا هو الموت )
3 - وقال الخطيب الأستاذ أبو عبدالله محمد بن صالح الكناني الشاطبي نزيل بجاية
( جعلت كتاب ربي لي بضاعه ** فكيف أخاف فقرا او إضاعه )
( وأعددت القناعه رأس مال ** وهل شيء أعز من القناعه )
4 - وقال القاضي الكبير الأستاذ الشهير أبو العباس أحمد بن الغماز البلنسي نزيل افريقية
( هو الموت فاحذر ان يجيئك بغتة ** وأنت على سوء من الفعل عاكف )
( وإياك ان تمضي من الدهر ساعة ** ولا لحظة إلا وقلبك واجف )
( وبادر بأعمال تسرك أن ترى ** إذا نشرت يوم الحساب الصحائف )
( ولا تيأسن من رحمة الله إنه ** لرب العباد بالعباد لطائف )
وقال رحمه الله تعالى
( اما آن للنفس ان تخشعا ** أما آن للقلب أن يقلعا )
( أليس الثمانون قد أقبلت ** فلم تبق في لذة مطمعا )
( تقضى الزمان ولا مطمع ** لما قد مضى منه ان يرجعا )
( تقضى الزمان فواحسرتي ** لما فات منه وما ضيعا )
( ويا ويلتاه لذي شيبة ** يطيع هوى النفس فيما دعا )
( وبعدا وسحقا له إذ غدا ** يسمع وعظا ولن يسمعا )
____________________
(4/316)


5 - وقال الأستاذ الزاهد أبو إسحاق الإلبيري الغرناطي رحمه الله تعالى
( كل امرىء فيما يدين يدان ** سبحان من لم يخل منه مكان )
( ياعامر الدنيا ليسكنها وما ** هي بالتي يبقى بها سكان )
( تفنى وتبقى الأرض بعدك مثلما ** يبقى المناخ وترحل الركبان )
( أأسر في الدنيا بكل زيادة ** وزيادتي فيها هي النقصان )
وقال أيضا رحمه الله تعالى
( وذي غنى أوهمته همته ** أن الغنى عنه غير منفصل )
____________________
(4/317)


( يجر أذيال عجبه بطرا ** واختال للكبرياء في الحلل )
( بزته أيدي الخطوب بزته ** فاعتاض بعد الجديد بالسمل )
( فلا تثق بالغنى فآفته الفقر ** وصرف الزمان ذو دول )
( كفى بنيل الكفاف عنه غنى ** فكن به فيه غير محتفل )
وقال رحمه الله تعالى
( لا شيء أخسر صفقة من عالم ** لعبت به الدنيا مع الجهال )
( فغدا يفرق دينه أيدي سبا ** ويديله حرصا لجمع المال )
( لا خير في كسب الحرام وقلما ** يرجى الخلاص لكاسب الحلال )
( فخذ الكفاف ولا تكن ذا فضلة ** فالفضل تسأل عنه أي سؤال )
وقال رحمه الله تعالى
( الشيب نبه ذا النهى فتنبها ** ونهى الجهول فما استفاق ولا انتهى )
( فإلى متى ألهو وأخدع بالمنى ** والشيخ أقبح ما يكون إذا لها )
( ما حسنه إلا التقى لا أن يرى ** صبا بألحاظ الجآذر والمها )
( أنى يقاتل وهو مفلول الشبا ** كابى الجواد إذا استقل تأوها )
( محق الزمان هلاله فكأنما ** أبقى له منه على قدر السها )
( فغدا حسيرا يشتهي أن يشتهى ** ولكم جرى طلق الجموح كما اشتهى )
( إن أن اواه وأجهش بالبكا ** لذنوبه ضحك الجهول وقهقها )
( ليست تنبهه العظات ومثله ** في سنة قد آن أن يتنهنها )
( فقد اللدات وزاد غيا بعدهم ** هلا تيقظ بعدهم وتنبها )
( يا ويحه ما باله لا ينتهي ** عن غيه والعمر منه قد انتهى )
____________________
(4/318)


6 - وقال الأستاذ ولي الله سيدي أبو العباس ابن العريف
( من لم يشافه عالما بأصوله ** فيقينه في المشكلات ظنون )
( من أنكر الأشياء دون تيقن ** وتثبت فمعاند مفتون )
( الكتب تذكرة لمن هو عالم ** وصوابها بمحالها معجون )
( والفكر غواص عليها مخرج ** والحق فيها لؤلؤ مكنون )
7 - وقال أبو القاسم ابن الأبرش
( أيأسوني لما تعاظم ذنبي ** اتراهم هم الغفور الرحيم )
( فذروني وما تعاظم منه ** إنما يغفر العظيم العظيم )
8 - وقال أبو العباس ابن صقر الغرناطي أو المري وأصله من سرقسطة
( أرض العدو بظاهر متصنع ** إن كنت مضطرا إلى استرضائه )
( كم من فتى ألقى بوجه باسم ** وجوانحي تنقد من بغضائه )
9 - وقال الكاتب الشهير الشهيد أبو عبدالله محمد بن الأبار القضاعي البلنسي رحمه الله تعالى من أبيات
____________________
(4/319)


( يا شقيق النفس أوصيك وإن ** شق في الإخلاص ما تنتهجه )
( لا تبت في كمد من كبد ** رب ضيق عاد رحبا مخرجه )
( وبلطف الله أصبح واثقا ** كل كرب فعليه فرجه )
ولابن الأبار المذكور ترجمة طويلة استوفيت منها ما امكنني في ازهار الرياض في أخبار عياض وما يناسبها مما يحصل به للنفس ارتياح وللعقل ارتياض
قال الغبريني في عنوان الدراية لو لم يكن له من الشعر إلا قصيدته السينية التى رفعها للأمير أبي زكريا رحمه الله تعالى يستنجده ويستصرخه لنصرة الأندلس لكان فيه كفاية وإن كان قد نقدها ناقد وطعن عليه فيها طاعن ولكن كما قال أبو العلاء المعري
( تكلم بالقول المضلل حاسد ** وكل كلام الحاسدين هراء )
ولو لم يكن له من التآليف إلا كتابة المسمى معادن اللجين في مراثي الحسين لكفاه في ارتفاع درجته وعلو منصبه وسمو رتبته
ثم قال توفي بتونس ضحوة يوم الثلاثاء الموفي عشرين لمحرم سنة 658 ومولده آخر شهر ربيع سنة 595 ببلنسية رحمه الله تعالى وسامحه انتهى
وقال ابن علوان إنه يتصل سنده به من طرق منها من طريق الراوية أبي عبدالله محمد بن جابر القيسي الوادي آشي عن الشيخ المقرىء المحدث المتبحر أبي عبدالله محمد بن حيان الأوسي الأندلسي نزيل تونس عنه ومن طريق والدي صاحب عنوان الدراية عن الخطيب أبي عبدالله ابن صالح عنه انتهى
قلت وسندي إليه عن العم عن التنسي عن أبيه عن ابن مرزوق عن جده
____________________
(4/320)

الخطيب عن ابن جابر الوادي آشي به كما مر
10 - وقال ابن عبد ربه
( بادر الى التوبة الخلصاء مجتهدا ** والموت ويحك لم يمدد إليك يدا )
( وارقب من الله وعدا ليس يخلفه ** لابد لله من إنجاز ما وعدا )
11 - وقال الصدر أبو العلاء ابن قاسم القيسي
( ياواقف الباب في رزق يؤمله ** لا تقنطن فإن الله فاتحه )
( إن قدر الله رزقا أنت طالبه ** لا تيأسن فإن الله مانحه )
12 - وقال الأعمى التطيلي
( تنافس الناس في الدنيا وقد علموا ** أن سوف تقتلهم لذاتها بددا )
( قل للمحدث عن لقمان أو لبد ** لم يترك الدهر لقمانا ولا لبدا )
( وللذي همه البنيان يرفعه ** إن الردى لم يغادر في الثرى أحدا )
( ما لابن آدم لا تفنى مطامعه ** يرجو غدا وعسى أن لا يعيش غدا )
وقال أبو العباس التطيلي
( والناس كالناس إلا أن تجربهم ** وللبصيرة حكم ليس للبصر )
( كالأيك مشتبهات في منابتها ** وإنما يقع التفضيل في الثمر )
13 - وقال القاضي أبو العباس ابن الغماز البلنسي
____________________
(4/321)


( من كان يعلم لا محالة انه ** لابد ان يودي وإن طال المدى )
( هلا استعد لمشهد يجزي به ** من قد أعد من اهتدى ومن اعتدى )
وقال أيضا
( هو الموت فاحذر أن يجيئك بغتة ** وأنت على سوء من الفعل عاكف )
( وإياك أن تمضي من الدهر ساعة ** ولا لحظة إلا وقلبك واجف )
( فبادر بأعمال يسرك أن ترى ** إذا طويت يوم الحساب الصحائف )
( ولا تيأسن من رحمة الله إنه ** لرب العباد بالعباد لطائف )
14 - ولما استوزر باديس صاحب غرناطة اليهودي الشهير بابن نغدلة وأعضل داؤه المسلمين قال زاهد إلبيرة وغرناطة أبو إسحاق الإلبيري قصيدته النونية المشهورة التى منها في إغراء صنهاجة باليهود
( ألا قل لصنهاجة أجمعين ** بدور الزمان وأسد العرين )
( مقالة ذي مقة مشفق ** صحيح النصيحة دنيا ودين )
( لقد زل سيدكم زلة ** أقر بها أعين الشامتين )
( تخير كاتبه كافرا ** ولو شاء كان من المؤمنين )
( فعز اليهود به وانتموا ** وسادوا وتاهوا على المسلمين )
وهي قصيدة طويلة فثارت إذ ذاك صنهاجة على اليهود وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وفيهم الوزير المذكور وعادة أهل الأندلس ان الوزير هو الكاتب فأراح الله البلاد والعباد ببركة هذا الشيخ الذي نور الحق على كلامه باد
____________________
(4/322)


15 - وقال أبو الطاهر الجياني المشهور بابن أبي ركب بفتح الراء وسكون الكاف
( يقول الناس في مثل ** تذكر غائبا تره )
( فما لي لا أرى وطني ** ولا أنسى تذكره )
وكان أبو الطاهر هذا في جمله من الطلبة فمر بهم رجل معه محبرة آبنوس تأنق في حليتها واحتفل في عملها فأراهم إياها وقال أريد أن أقصد بها بعض الأكابر وأريد أن تتمموا احتفالي بأن تصنعوا لي بينكم أبيات شعر أقدمها معها فأطرق الجماعة وقال أبو الطاهر
( وافتك من عدد العلا زنجية ** في حلة من حلية تتبختر )
( صفراء سوداء الحلي كأنها ** ليل تطرزه نجوم تزهر )
فلم يغب الرجل عنهم إلا يسيرا وإذا به قد عاد إليهم وفي يده قلم نحاس مذهب فقال لهم وهذا مما أعددته للدفع مع هذه المحبرة فتفضلوا بإكمال الصنيعة عندي بذكره فبدر أبو الطاهر وقال
( حملت بأصفر من نجار حليها ** تخفيه أحيانا وحينا يظهر )
( خرسان إلا حين يرضع ثديها ** فتراه ينطق ما يشاء ويذكر )
قال ابن الأبار في تحفة القادم وحضر يوما في جماعة من أصحابه وفيهم أبو عبدالله ابن زرقون في عقب شعبان في مكان فلما تملأوا من الطعام قال أبو الطاهر لابن زرقون أجز يا أبا عبدالله وأنشد
( حمدت لشعبان المبارك شبعة ** تسهل عندي الجوع في رمضان )
____________________
(4/323)


( كما حمد الصب المتيم زورة ** تحمل فيه الهجر طول زمان )
فقال
( دعوها بشعبانية ولو انهم ** دعوها بشبعانية لكفاني )
16 - وقال أبو عبدالله ابن خميس الجزائري
( تحفظ من لسانك ليس شيء ** أحق بطول سجن من لسان )
( وكن للصمت ملتزما إذا ما ** أردت سلامة في ذا الزمان )
وقال أيضا
( كن حلس بيتك مهما فتنة ظهرت ** تخلص بدينك وافعل دائما حسنا )
( وإن ظلمت فلا تحقد على احد ** إن الضغائن فاعلم تنشىء الفتنا )
وقال
( بدا لي أن خير الناس عيشا ** من آمنه الإله من الأنام )
( فليس لخائف عيش لذيذ ** ولو ملك العراق مع الشآم )
وله
( جانب جميع الناس تسلم منهم ** إن السلامة في مجانبة الورى )
( وإذا رأيت من امرىء يوما أذى ** لا تجزه أبدا بما منه ترى )
وله
____________________
(4/324)


( من أدب ابنا له صغيرا ** قرت به عينه كبيرا )
( وأرغم الأنف من عدو ** يحسد نعماءه كثيرا )
17 - وقال أبومحمد ابن هرون القرطبي
( بيد الإله مفاتح الرزق الذي ** أبوابه مفتوحة لم تغلق )
( عجبا لذي فقر يكلف مثله ** في الوقت شيئا عنده لم يخلق )
وقال أيضا
( لعمرك ما الإنسان يرزق نفسه ** ولكنما الرب الكريم يسخره )
( وما بيد المخلوق في الرزق حيلة ** تقدمه عن وقته او تؤخره )
18 - وقال الأديب الأستاذ أبو محمد ابن صارة رحمه الله تعالى
( يا من يصيخ إلى داعي السفاه وقد ** نادى به الناعيان الشيب والكبر )
( إن كنت لا تسمع الذكرى ففيم ثوى ** في رأسك الواعيان السمع والبصر )
( ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل ** لم يهده الهاديان العين والأثر )
( لا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك الأعلى ** ولا النيران الشمس والقمر )
( ليرحلن عن الدنيا وإن كرها ** فراقها الثاويان البدو والحضر )
وقال رحمه الله تعالى في ابنة ماتت له
( ألا يا موت كنت بنا رؤوفا ** فجددت الحياة لنا بزوره )
( حماد لفعلك المشكور لما ** كفيت مؤونة وسترت عوره )
( فأنكحنا الضريح بلا صداق ** وجهزنا الفتاة بغير شوره )
____________________
(4/325)


19 - وانشد أبو عبدالله ابن الحاج البكري الغرناطي
( يا غاديا في غفلة ورائحا ** إلى متى تستحسن القبائحا )
( وكم إلى كم لا تخاف موقفا ** يستنطق الله به الجوارحا )
( ياعجبا منك وكنت مبصرا ** كيف تجنبت الطريق الواضحا )
( كيف تكون حين تقرا في غد ** صحيفة قد ملئت فضائحا )
( أم كيف ترضى ان تكون خاسرا ** يوم يفوز من يكون رابحا )
وممن روى عنه هذه الأبيات الكاتب الرئيس أبو الحسن ابن الجياب وتوفي ابن الحاج المذكور سنة 715 رحمه الله تعالى
20 - وقال حافظ الأندلس ومحدثها أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي رحمه الله تعالى
( إلهي مضت للعمر سبعون حجة ** ولي حركات بعدها وسكون )
( فيا ليت شعري أين أو كيف أو متى ** يكون الذي لا بد أن سيكون )
والصواب أنهما لغيره كما ذكرته في غير هذا الموضع وبالجملة فهما من كلام الأندلسيين وإن لم يحقق ناظمهما بالتعيين
21 - وقال أبو بكر يحيي التطيلي رحمه الله تعالى
( إليك بسطت الكف في فحمة الدجى ** نداء غريق في الذنوب عريق )
( رجاك ضميري كي تخلص جملتي ** وكم من فريق شافع لفريق )
22 - وحكي ان بعض المغاربة كتب إلى الملك الكامل بن العادل بن أيوب رقعة في ورقة بيضاء إن قرئت في ضوء السراج كانت فضية وإن قرئت في
____________________
(4/326)

الشمس كانت ذهبية وإن قرئت في الظل كانت حبرا أسود وفيها هذه الأبيات
( لئن صدني البحر عن موطني ** وعيني بأشواقها زاهره )
( فقد زخرف الله لي مكة ** بانوار كعبته الزاهره )
( وزخرف لي بالنبي يثربا ** وبالملك الكامل القاهره )
فقال الملك الكامل قل
( وطيب لي بالنبي طيبة ** وبالملك الكامل القاهره )
وأظن أن المغربي أندلسي لقوله لئن صدني البحر عن موطني فلذلك ادخلته في أخبار الأندلسيين ولست على تحقيق ويقين والله أعلم
23 - وأنشد ابن الوليد المعروف بابن الخليع قال أنشدنا أبو عمر ابن عبدالبر النمري الحافظ
( تذكرت من يبكي علي مداوما ** فلم ألف إلا العلم بالدين والخبر )
( علوم كتاب الله والسنن التي ** أتت عن رسول الله مع صحة الأثر )
( وعلم الألى من ناقديه وفهم ما ** له اختلفوا في العلم بالرأي والنظر )
وأنشد له أيضا
( مقالة ذي نصح وذات فوائد ** إذا من ذوي الألباب كان استماعها )
( عليكم بآثار النبي فإنه ** من آفضل أعمال الرشاد اتباعها )
24 - وقال أبو الحسن عبدالملك بن عياش الكاتب الأزدي اليابري وسكن أبوه قرطبة
( عصيت هوى نفسي صغيرا وعندما ** رمتني الليالي بالمشيب وبالكبر )

____________________
(4/327)


( أطعت الهوى عكس القضية ليتني ** خلقت كبيرا وانتقلت الى الصغر )
وقيل إن ابنه أبا الحسن علي بن عبدالملك قال بيتا مفردا في معني ذلك وهو
( هنيئا له إذ لم يكن كابنه الذي ** أطاع الهوى في حالتيه وما اعتبر )
وقيل إن هذا البيت رابع أربعة أبيات
25 - وقال أبو إسحاق ابن خفاجه لما اجتمع به أبو العرب وسأله عن حاله وقد بلغ في عمره إحدى وثمانين سنة فأنشده لنفسه
( أي عيش او غذاء او سنه ** لابن إحدى وثمانين سنه )
( قلص الشيب به ظل امرىء ** طالما جر صباه رسنه )
( تارة تسطو به سيئة ** تسخن العين وأخرى حسنه )
26 - وقال أبو محمد عبدالوهاب بن محمد القيسي المالقي
( الموت حصاد بلا منجل ** يسطو على القاطن والمنجلي )
( لا يقبل العذر على حالة ** ماكان من مشكل آو من جلي )
27 - وقال الشيخ عبدالحق الإشبيلي الأزدي صاحب كتاب العاقية
____________________
(4/328)

والإحكام وغيرهما
( إن في الموت والمعاد لشغلا ** وادكارا لذي النهى وبلاغا )
( فاغتنم خطتين قبل المنايا ** صحة الجسم يا أخي والفراغا )
28 - وقال أبو الفضل عبدالمنعم بن عمر بن عبدالله بن حسان الغساني من اهل جليانة من عمل وادي آش
( ألا إنما الدنيا بحار تلاطمت ** فما أكثر الغرقى على الجنبات )
( وأكثر من صاحبت يغرق إلفه ** وقل فتى ينجى من الغمرات )
وكان المذكور من أهل العلم والأدب رحل وحج وتجول في البلاد ونزل القاهرة المعزية وكان أحد السياحين في الأرض وله تآليف منها جامع أنماط الوسائل في القريض والخطب والرسائل وأكثره من نظمه ونثره رحمه الله تعالى
29 - وقال عبدالعليم بن عبدالملك بن حبيب القضاعي الطرطوشي
( وما الناس إلا كالصحائف غيرت ** وألسنهم إلا كمثل التراجم )
( إذا اشتجر الخصمان في فطنة الفتى ** فمقوله في ذاك أعدل حاكم )
30 - وقال أبو الحكم عبدالمحسن البلنسي
( من كان للدهر خدنا في تصرفه ** أبدت له صفحة الدهر الأعاجيبا )
( من كان خلوا من الآداب سربله ** مر الليالي على الأيام تأديبا )
31 - وقال أبو حاتم عمر بن محمد بن فرج من أهل ميرتلة مدينة بغرب الأندلس يمدح شهاب القضاعي
____________________
(4/329)


( شهب السماء ضياؤها مستور ** عنا إذا أفلت توارى النور )
( فانزع هديت إلى شهاب نوره ** متألق آماله تبصير )
( تشفي جواهره القلوب من العمى ** ولطالما انشرحت بهن صدور )
( فإذا اتى فيه حديث محمد ** خذ في الصلاة عليه يا مغرور )
( وترحمن على القضاعي الذي ** وضع الشهاب فسعيه مشكور )
32 - وقال الأستاذ أبو محمد غانم بن وليد المخزومي المالقي
( ثلاثة يجهل مقدارها ** الأمن والصحة والقوت )
( فلا تثق بالمال من غيرها ** لو أنه در وياقوت )
وتذكرت بهذا قول الآخر
( إذا القوت تأتى لك ** والصحة والأمن )
( وأصبحت أخا حزن ** فلا فارقك الحزن )
وكل ذلك أصله الحديث النبوي على صاحبه فإنه قال من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه معه قوت يومه فكأنما سيقت له الدنيا بحذافيرها
وأخبرنا شيخنا القصار ابو عبدالله محمد بن قاسم القيسي مفتى مدينة فاس وخطيبها سنة ة عشر وألف قال حدثنا شيخنا ابو عبدالله محمد بن أبي الفضل التونسي نزيل فاس الشهير بخروف قال حدثنا الإمام سيدي فرج الشريف
____________________
(4/330)

الطحطاوي قال سمعت النبي في النوم يقول من أصبح آمنا في سربه 000 الحديث رجع 33 - وقال الأستاذ العارف بالله سيدي أبو العباس أحمد بن العريف الأندلسي دفين مراكش وقد زرت قبره بها سنة 1010
( إذا نزلت بساحتك الرزايا ** فلا تجزع لها جزع الصبي )
( فإن لكل نازلة عزاء ** بما قد كان من فقد النبي )
وقال رحمه الله تعالى
( شدوا الرحال وقد نالوا المنى بمنى ** ولكلهم بأليم الشوق قد باحا )
( راحت ركائبهم تندى روائحها ** طيبا بما طاب ذاك الوفد أشباحا )
( نسيم قبر النبي المصطفى لهم ** راح إذا سكروا من أجله فاحا )
( ياراحلين إلى المختار من مضر ** زرتم جسوما وزرنا نحن أرواحا )
( إنا أقمنا على شوق وعن قدر ** ومن أقام على عذر كمن راحا )
34 - وقال أبو محمد المحاربي
( داء الزمان واهله ** داء يعز له العلاج )
( أطلعت في ظلمائه ** رأيا كما سطع السراج )
( لمعاشر أعيا ثقا ** في من قناتهم اعوجاج )
( كالدر مالم تختبر ** فإذا اختبرت فهم زجاج )
____________________
(4/331)


35 - وقال أبو عبدالله غريب الثقفي القرطبي
( يهددني بمخلوق ضعيف ** يهاب من المنية ما اهاب )
( له أجل ولي أجل وكل ** سيبلغ حيث يبلغه الكتاب )
( ومايدري لعل الموت منه ** قريب أينا قبل المصاب )
وله
( أيها الآمل ماليس له ** طالما غر جهولا أمله )
( رب من بات يمني نفسه ** خانه دون مناه أجله )
( وفتى بكر في حاجاته ** عاجلا أعقب ريثا عجله )
( قل لمن مثل في أشعاره ** يذهب المرء ويبقى مثله )
( نافس المحسن في إحسانه ** فسيكفيك مسيئا عمله )
قال ابن الأبار وهذا البيت الأخير في برنامج الظبني
36 - وقال أبو الحسين سليمان بن الطراوة النحوي المالقي
( وقائلة أتصبو للغواني ** وقد أضحى بمفرقك النهار )
( فقلت لها حثثت على التصابي ** أحق الخيل بالركض المعار )
37 - وقال الحافظ أبو الربيع ابن سالم
( إذا برمت نفسي بحال أحلتها ** على أمل ناء فقرت به النفس )
____________________
(4/332)


( وأنزل أرجاء الرجاء ركائبي ** إذا رام إلماما بساحتي اليأس )
( وإن أوحشتني من اماني نبوة ** فلي في الرضى بالله والقدر الأنس )
38 - وقال أبو الحسن سلام بن عبدالله بن سلام الباهلي الإشبيلي مما أنشده لنفسه في كتابه الذي سماه ب الذخائر والأعلاق في أدب النفوس ومكارم الأخلاق
( إذا تم عقل المرء تمت فضائله ** وقامت على الإحسان منه دلائله )
( فلا تنكر الأبصار ماهو فاعله ** ولا تنكر الأسماع ماهو قائله )
وكان أبو المذكور من وزراء المعتمد بن عباد رحم الله تعالى الجميع
39 - وقال أبو بكر الزبيدي اللغوي
( اترك الهم إذا ما طرقك ** وكل الأمر إلى من خلقك )
( وإذا أمل قوم أحدا ** فإلى ربك فامدد عنقك )
40 - وقال القاضي أبو الوليد هشام بن محمد القيسي الشلبي المعروف بابن الطلاء فاوضت القاضي أبا عبدالله ابن شبرين ما يحذر من فتنة النظر إلى الوجوه الحسان فقلت
( لا تنظرن إلى ذي رونق أبدا ** واحذر عقوبة ما يأتي به النظر )
( فكم صريع رأيناه صريع هوى ** من نظرة قادها يوما له القدر )
فأجابني في المعنى الذي انتحيته
____________________
(4/333)


( إذا نظرت فلا تولع بتقليب ** فربما نظرة عادت بتعذيب ) ورب هنا للتكثير
41 - وقال الأستاذ ابن حوط الله
( أتدري أنك الخطاء حقا ** وأنك بالذي تاتي رهين )
( وتغتاب الألى فعلوا وقالوا ** وذاك الظن والإفك المبين )
قال في الإحاطة أبو محمد عبدالله بن سليمان بن داود بن عمر بن حوط الله الأنصاري الحارثي كان فقيها جليلا أصوليا كاتبا أديبا شاعرا متفننا في العلوم ورعا دينا حافظا ثبتا فاضلا درس كتاب سيبويه ومستصفى أبي حامد الغزالي وكان رحمه الله تعالى مشهورا بالعقل والفضل معظما عند الملوك معلوم القدر لديهم يخطب في مجالس الأمراء والمحافل الجمهورية مقدما في ذلك بلاغة وفصاحة إلى أبعد مضمار ولي قضاء إشبيلية وقرطبة ومرسية وسبتة وسلا وميورقة فتظاهر بالعدل وعرف بما أبطن من الدين والفضل وكان من العلماء العاملين مجانبا لأهل البدع والأهواء بارع الخط حسن التقييد وسمع الحديث فحصل له سماع لم يشاركه فيه أحد من أهل الغرب وسمع على الجهابذة كابن بشكوال وغيره وقرأ أكثر من ستين تأليفا بين كبار وصغار وكمل له على أبي محمد بن عبدالله بين قراءة وسماع نحو من ستة وثلاثين تأليفا منها الصحيحان وأكثر عن ابن حبيش وابن الفخار والسهيلي وغيرهم ومولده في محرم سنة 541 ومات بغرناطة سحر يوم الخميس ثاني ربيع الأول سنة 612 ونقل منها في تابوته الذي ألحد فيه يوم السبت تاسع عشر شعبان من السنة المذكورة إلى مالقة فدفن بها رحمه الله تعالى انتهى وبعضه بالمعنى مختصرا
____________________
(4/334)


وللمذكور ترجمة واسعة جدا وألمعت بما ذكر على وجه التبرك بذكره رحمه الله تعالى ورضي عنه
42 - وقال أبو المتوكل الهيثم بن أحمد السكوني الإشبيلي
( يجفى الفقير ويغشى الناس قاطبة ** باب الغني كذا حكم المقادير )
( وإنما الناس أمثال الفراش فهم ** يرون حيث مصابيح الدنانير )
وقال تلميذه ابن الأبار أنشدني بعض أصحابنا عنه هذين البيتين ولم أسمعهما منه انتهى
قلت وبهذا تعرف وهم من نسب البيتين إلى عبدالمهيمن الحضرمي فإن هذا كان قبل أن يخلق والد عبدالمهيمن الحضرمي وقد أنشدهما أيضا ابن الجلاب الفهري في روح الشعر وروح الشحر
43 - وقال أبو محمد القاسم بن الفتح الحجاري المعروف بابن افريولة
( ركابي بأرجاء الرجاء مناخة ** ورائدها علمي بأنك لي رب )
( وأنك علام بما أنا قائل ** كما أنت علام بما أضمر القلب )
( لئن آدها ذنب تولت بعبئه ** لقد قرعت بابا به يغفر الذنب )
وقال أيضا
( عجبا لحبر قد تيقن انه ** سيرى اقتراف يديه في ميزانه )
( ثم امتطى ظهر المعاصي جهرة ** لم يثنه التأنيب عن عصيانه )
( أنى عصى ولكل جزء نعمة ** من نفسه وزمانه ومكانه )
44 - وقال الشاعر الكبير الشهير ابو بكر يحيي بن عبدالجليل بن مجبر الفهري
____________________
(4/335)


( إن الشدائد قد تغشى الكريم لأن ** تبين فضل سجاياه وتوضحه )
( كمبرد القين إذ يعلو الحديد به ** وليس يأكله إلا ليصلحه )
وقال
( لا تغبط المجدب في علمه ** وإن رأيت الخصب في حاله )
( إن الذي ضيع من نفسه ** فوق الذي ثمر من ماله )
45 - وقال أبو الحجاج يوسف بن أحمد الأنصاري المنصفي البلنسي
( قالت لي النفس اتاك الردى ** وأنت في بحر الخطايا مقيم )
( هلا اتخذت الزاد قلت اقصري ** هل يحمل الزاد لدار الكريم )
وكان المنصفي المذكور صالحا وله رحلة حج فيها ومال إلى علم التصوف رحمه الله تعالى وله فيه أشعار حملت عنه
46 - وقال أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن محمد بن الصائغ القرشي الأموي الأندلسي مخمسا أبيات عزالدين بن جماعة قاضي القضاة رحمه الله تعالى
( هم الأبي على مقدار منصبه ** وبسط راحته في طي منصبه )
( ما انت والدهر تشكو من تقلبه ** يا مبتلى بقضاء قد بليت به )
( عليك بالصبر واحذر يا أخي جزعك )
( صبرا فللصبر في حرب العدا عدد ** ذر العدو يمته الغيظ والحسد )
( ولا يكن لك إلا الله معتمد ** واعلم بأن جميع الخلق لو قصدوا )
( أذاك لم يقدروا والله قد رفعك )

____________________
(4/336)


( أعلاك في رتب غر معظمة ** بالعرف معروفة بالعلم معلمة )
( ومن يناويك في بهماء مظلمة ** فاصرف هواك وجانب كل مظلمة )
( واصحب فديتك من بالنصح قد نفعك )
( قد اجتلبت من الأيام تبصرة )
( وقد كفاك الهدى والذكر تذكرة )
( فاشكر وقدم مع الإخلاص معذرة ** واسأل إلهك في الإسحار مغفرة )
( منه وكن معه حتى يكون معك )
وتوفي المذكور بالقاهرة في الطاعون العام سنة 749
47 - وقال أبو عبدالله الحميدي
( الناس نبت وأرباب القلوب لهم ** روض وأهل الحديث الماء والزهر )
( من كان قول رسول الله حاكمه ** فلا شهود له إلا الألى ذكروا )
وقال أيضا
( من لم يكن للعلم عند فنائه ** أرج فإن بقاءه كفنائه )
( بالعلم يحيا المرء طول حياته ** فإذا انقضى أحياه حسن ثنائه )
وقال أ يضا
( دين الفقيه حديث يستضيء به ** عند الحجاج وإلا كان في الظلم )
( إن تاه ذو مذهب في قفر مشكلة ** لاح الحديث له في الوقت كالعلم )
ولما تعرض بعض من لا يبالي بما ارتكب إلى أصحابه الحديث بقوله
( أرى الخيرفي الدنيا يقل كثيره ** وينقص نقصا والحديث يزيد )
____________________
(4/337)


( فلو كان خيرا كان الخير كله ** ولكن شيطان الحديث مريد )
( ولابن معين في الرجال مقالة ** سيسأل عنها والمليك شهيد )
( فإن يك حقا قوله فهي غيبة ** وإن يك زورا فالقصاص شديد )
اجابه الإمام أبو عبدالله الحميدي بقصيدة طويلة منها
( وإني ألي إبطال قولك قاصد ** ولي من شهادات النصوص جنود )
( إذا لم يكن خيرا كلام نبينا ** لديك فإن الخير منك بعيد )
( وأقبح شيء أن جعلت لما اتى ** عن الله شيطانا وذاك شديد )
( وما زلت في ذكر الزيادة معجبا ** بها تبدىء التلبيس ثم تعيد )
( كلام رسول الله وحي ومن يرم ** زيادة شيء فهو فيه عنيد )
ومنها في ابن معين
( وماهو إلا واحد من جماعة ** وكلهم فيما حكوه شهود )
( فإن صد عن حكم الشهادة جاهل ** فإن كتاب الله فيه عتيد )
( ولولا رواة الدين ضاع وأصبحت ** معالمه في الآخرين تبيد )
( هم حفظوا الآثار من كل شبهة ** وغيرهم عما اقتنوه رقود )
( وهم هاجروا في جمعها وتبادروا ** إلى كل أفق والمرام كؤود )
( وقاموا بتعديل الرواة وجرحهم ** فدام صحيح النقل وهو جديد )
( بتبليغهم صحت شرائع ديننا ** حدود تحروا حفظها وعهود )
( وصح لأهل النقل منها احتجاجهم ** فلم يبق إلا عاند وحقود )
( وحسبهم أن الصحابة بلغوا ** وعنهم رووا لا يستطاع جحود )
( فمن حاد عن هذا اليقين فمارق ** مريد لإظهار الشكوك مريد )
____________________
(4/338)


( ولكن إذا جاء الهدى ودليله ** فليس لموجود الضلال وجود )
( وإن رام أعداء الديانة كيدها ** فكيدهم بالمخزيات مكيد )
48 - وقال أبو بكر محمد بن محرز الزهري البلنسي والتزم الراء في كل كلمة
( اشكر لربك وانتظر ** في إثر عسر الأمر يسرا )
( واصبر لربك وادخر ** في ستر ضر الفقر أجرا )
( فالدهر يعثر بالورى ** والصبر بالأحرار أحرى )
( والوفر أظهر معشرا ** والفقر بالأخيار يغرى )
وقال أيضا
( اقنع بما أوتيته تنل الغنى ** وإذا دهتك ملمة فتصبر )
( واعلم بأن الرزق مقسوم فلو ** رمنا زيادة ذرة لم نقدر )
( والله أرحم بالعباد فلا تسل ** بشرا تعش عيش الكرام وتؤجر )
( وإذا سخطت لضر حالك مرة ** ورأيت نفسك قد عدت فاستبصر )
( وانظر إلى من كان دونك تدكر ** لعظيم نعمته عليك فتشكر )
49 - وقال الحافظ أبو محمد ابن حزم انشدني والدي أحمد بن سعيد ابن حزم
( إذا شئت أن تحيا غنيا فلا تكن ** على حالة إلا رضيت بدونها )
50 - وقال القاضي أبو العباس أحمد بن الغماز البلنسي نزيل تونس
( وقالوا اما تخشى ذنوبا أتيتها ** ولم تك ذا جهل فتعذر بالجهل )
____________________
(4/339)


( فقلت لهم هبني كما قد ذكرتم ** تجاوزت في قولي وأسرفت في فعلي )
( اما في رضى مولى الموالي وصفحه ** رجاء ومسلاة لمقترف مثلي )
وأنشد رحمه الله تعالى لنفسه في اليوم الذي مات فيه وهو آخر ما سمع منه ليلة عاشوراء سنة 693
( أدعوك يارب مضطرا على ثقة ** بما وعدت كما المضطر يدعوكا )
( دارك بعفوك عبدا لم يزل أبدا ** في كل حال من الأحوال يرجوكا )
( طالت حياتي ولما اتخذ عملا ** إلا محبة أقوام أحبوكا )
51 - وقال ابن الزقاق ويقال إنها مكتوبة على قبره
( أإخواننا والموت قد حال دوننا ** وللموت حكم نافذ في الخلائق )
( سبقتكم للموت والعمر طية ** وأعلم أن الكل لا بد لاحقي )
( بعيشكم أو باضطجاعي في الثرى ** ألم نك في صفو من العيش رائق )
( فمن مر بي فليمض لي مترحما ** ولا يك منسيا وفاء الأصادق )
52 - وقال الخطيب أبو عبدالله محمد بن صالح الكتاني الشاطبي ومولده سنة 614
( أرى العمر يفنى والرجاء طويل ** وليس إلى قرب الحبيب سبيل )
( حباه إله الخلق أحسن سيرة ** فما الصبر عن ذاك الجمال جميل )
( متى يشتفي قلبي بلثم ترابه ** ويسمح دهر بالمزار بخيل )
( دللت عليه في أوائل أسطري ** فذاك نبي مصطفى ورسول )
____________________
(4/340)


53 - وقال أيمن بن محمد الغرناطي نزيل طيبة على ساكنها
( أرى حجرات قد احاطت عراصها ** ببحر محيط حصره غير ممكن )
( بحار المعالي والمعاني وإن طمت ** لدى لجة تفنى وعن هوله تني )
( محمد المحمود في كل موطن ** أبو القاسم المختار من خير معدن )
( نبي إذا أبصرت غرة وجهه ** تيقنت أن العز عز المهيمن )
( لك الله من بدر إذا الشمس قابلت ** محياه قالت إن ذا طالع سني )
وله
( كل القلوب مطيعة له في الهوى ** جانب فديتك من تشاء ووال )
( الحسن وال والقلوب رعية ** وعلى الرعية أن تطيع الوالي )
وقال أيضا
( ألا أيها الباكي على ما يفوته ** من الحظ في الدنيا جهلت وماتدري )
( على فوت حظ من جوار محمد ** حقيق بأن تبكي إلى آخر العمر )
( ستدري إذا قمنا وقد رفع اللوا ** وأحمدها دينا إلى موقف الحشر )
( من الفائز المغبوط في يوم عرضه ** أجار النبي المصطفى أم اخو الوفر )
وله
( فررت من الدنيا إلى ساكن الحمى ** فرار محب لائذ بحبيب )
( لجأت إلى هذا الجناب وإنما ** لجأت إلى سامي العماد رحيب )
( وناديت مولاي الذي عنده الغنى ** نداء عليل في الزمان غريب )
____________________
(4/341)


( أمولاي إني قد أتيتك لائذا ** وأنت طبيبي يا أجل طبيبي )
( فقال لك البشرى ظفرت من الرضى ** بأوفر حظ مجزل ونصيب )
( تناومت في أطلال ليل شبيبتي ** فأدركني بالفجر صبح مشيبي )
54 - وقال أبو بكر الزبيدي اللغوي
( لو لم تكن نار ولا جنة ** للمرء إلا أنه يقبر )
( لكان فيه واعظ زاجر ** ناه لمن يسمع أو يبصر )
ولقد صدق رحمه الله تعالى ورضي عنه
55 - ولبعض فقهاء طلبيرة
( رأيت الانقباض أجل شيء ** وأدعى في الأمور إلى السلامه )
( فهذا الخلق سالمهم ودعهم ** فرؤيتهم تؤول إلى الندامه )
( ولا تعنى بشيء غير شيء ** يقود إلى خلاصك في القيامه )
56 - وأمر الكاتب أبو بكر ابن مغاور بكتب هذه الأبيات على قبره وهي له
( أيها الواقف اعتبارا بقبري ** استمع فيه قول عظمي الرميم )
( أودعوني بطن الضريح وخافوا ** من ذنوب كلومها بأديمي )
( قلت لا تجزعوا علي فإني ** حسن الظن بالرؤوف الرحيم )
( ودعوني بما اكتسبت رهينا ** غلق الرهن عند مولى كريم )
57 - وقال الخطيب ابن صفوان
____________________
(4/342)


( رأيتك يدنيني إليك تباعدي ** فأبعدت نفسي لابتغائي في القرب )
( هربت له مني إليه فلم يكن ** بي البعد في قربي فصح به قربي )
( فيا رب هل نعمى على العبد بالرضى ** ينال بها فوزا من القرب بالقرب )
وقال الوادي آشي
وهذا النظم معناه جليل وتكرار القرب وإن قبح عند العروضي فهو عند المحب جميل وهم القوم يسلم لهم في الأفعال والأقوال وترتجى بركتهم في كل الأحوال انتهى
58 - وقال بعض قدماء الأندلس
( سئمت الحياة على حبها ** وحق لذي السقم أن يسأما )
( فلا عيش إلا لذي صحة ** تكون له للتقى سلما )
وذيله آخر منهم فقال
( ولا داء إلا لمن لم يزل ** يقارب في دينه مأثما )
( فلست تعالج جرح الهوى ** هديت بمثل التقى مرهما )
59 - وقال أبو جعفر أحمد السياسي القيسي المري
( إذا ما جنى يوما عليك جناية ** ظلوم يدق السمر بأسا ويقصف )
( فلا تنتقم يوما عليه بما جنى ** وكل امره للدهر فالدهر منصف )
وقال أيضا
( ليس حلم الضعيف حلما ولكن ** حلم من لو يشاء صال اقتدارا )
____________________
(4/343)


( من تغاضى عن السفيه بحلم ** أصبح الناس دونه أنصارا )
( من يزوج كريمة الهمة العليا ** علوا فقد أجاد الخيارا )
( ستريه عند الولاد بينها العلم ** والحلم والأناة كبارا )
60 - وقال الخطيب الصالح أبو إسحاق ابن أبي العاصي
( اعمل بعلمك تؤت علما إنما ** جدوى علوم المرء نهج الأقوم )
( وإذا الفتى قد نال علما ثم لم ** يعمل به فكأنه لم يعلم )
وقال موطئا على البيت الأخير
( أمولاي أنت العفو الكريم ** لبذل النوال وللمعذره )
( على ذنوب وتصحيفها ** ومن عندك الجود والمغفره )
61 - وقال الخطيب المتصوف الشهير أبو جعفر أحمد بن الزيات من بلش مالقة
( يقال خصال أهل العلم ألف ** ومن جمع الخصال الألف سادا )
( ويجمعها الصلاح فمن تعدى ** مذاهبه فقد جمع الفسادا )
وقال أيضا
( إن شئت فوزا بمطلوب الكرام غدا ** فاسلك من العمل المرضي منهاجا )
( واغلب هوى النفس لا يغررك خادعه ** فكل شيء يحط القدر منها جا )
62 - وقال الأديب الكبير الشهير أبو محمد عبدالله بن محمد بن صارة البكري الشنتريني رحمه الله تعالى
____________________
(4/344)


( بنو الدنيا بجهل عظموها ** فجلت عندهم وهي الحقيره )
( يهارش بعضهم بعضا عليها ** مهارشة الكلاب على العقيره )
وقال
( أي عذر يكون لا أي عذر ** لابن سبعين مولع بالصبابه )
( وهو ماء لم تبق منه الليالي ** في إناء الحياة إلا صبابه )
وقال أيضا
( ولقد طلبت رضى البرية جاهدا ** فإذا رضاهم غاية لا تدرك )
( وأرى القناعة للفتى كنزا له ** والبر أفضل مابه يتمسك )
63 - وقال أبو محمد ابن صاحب الصلاة الداني ويعرف بعبدون
( وعجل شيبي أن ذا الفضل مبتلى ** بدهر غدا ذو النقص فيه مؤملا )
( ومن نكد الدنيا على المرء أن يرى ** بها الحر يشقى واللئيم ممولا )
( متى ينعم المعتر عينا إذا اعتفى ** جوادا مقلا أو غنيا مبخلا )
64 - وقال أبو الحكم عبيدالله الأموي مولاهم الأندلسي
( إذا كان إصلاحي لجسمي واجبا ** فإصلاح نفسي لا محالة أوجب )
( وإن كان ما يفنى إلى النفس معجبا ** فإن الذي يبقى إلى العقل أعجب )
65 - وقال الفقيه الزاهد أبو إسحاق ابراهيم بن مسعود الإلبيري رحمه الله تعالى
( لله أكياس جفوا أوطانهم ** فالأرض أجمعها لهم أوطان )
____________________
(4/345)


( جالت عقولهم مجال تفكر ** وجلالة فبدا لها الكتمان )
( ركبت بحار الفهم في فلك النهى ** وجرى بها الإخلاص والإيمان )
( فرست بهم لما انتهوا بجفونهم ** مرسى لهم فيه غنى وأمان )
66 - وقال أبو جعفر ابن خاتمة رحمه الله تعالى
( يامن يغيث الورى من بعد ما قنطوا ** ارحم عبادا أكف الفقر قد بسطوا )
( عودتهم بسط أرزاق بلا سبب ** سوى جميل رجاء نحوه انبسطوا )
( وعدت بالفضل في ورد وفي صدر ** بالجود إن أقسطوا والحلم إن قسطوا )
( عوارف ارتبطت شم الأنوف لها ** وكل صعب بقيد الجود يرتبط )
( يامن تعرف بالمعروف فاعترفت ** بجم إنعامه الأطراف والوسط )
( وعالما بخفيات الأمور فلا ** وهم يجوز عليه لا ولا غلط )
( عبد فقير بباب الجود منكسر ** من شأنه ان يوافي حين ينضغط )
( مهما أتى ليمد الكف أخجله ** قبائح وخطايا أمرها فرط )
( يا واسعا ضاق خطو الخلق عن نعم ** منه إذا خطبوا في شكرها خبطوا )
( وناشرا بيد الإجمال رحمته ** فليس يلحق منه مسرفا قنط )
( ارحم عبادا بضنك العيش قد قنعوا ** فأينما سقطوا بين الورى لقطوا )
( إذا توزعت الدنيا فما لهم ** غير الدجنة لحف والثرى بسط )
( لكنهم من ذرا علياك في نمط ** سام رفيع الذرى ما فوقه نمط )
( ومن يكن بالذي يهواه مجتمعا ** فما يبالي أقام الحي أم شحطوا )

____________________
(4/346)


( نحن العبيد وأنت الملك ليس سوى ** وكل شيء يرجى بعد ذا شطط )
وقال رحمه الله تعالى
( ملاك الأمر تقوى الله فاجعل ** تقاه عدة لصلاح أمرك )
( وبادر نحو طاعته بعزم ** فما تدري متى يمضي بعمرك )
وقال أيضا
( إذا كنت تعلم أن الأمور ** بحكم الاله كما قد قضى )
( فغيم التفكر والحكم ماض ** ولا رد للحكم مهما مضى )
( فخل الوجود كما شاءه ** مدبره وابغ منه الرضى )
وقال
( إذا ما الدهر نابك منه خطب ** وشد عليك من حنق عقاله )
( فكل لله أمرك لا تفكر ** ففكرك فيه خبط في حباله )
وقال
( عدوك داره ما اسطعت حتى ** يعود لديك كالخل الشفيق )
( فما في الأرض أردى من عدو ** ومافي الأرض أجدى من صديق )
وقال
( إن أعرضت دنياك عنك بوجهها ** وغدت ومنها في رضاك نزاع )
( فاحذر بنيها واحتفظ من شرهم ** إن البنين لأمهم أتباع )
____________________
(4/347)


وقال
( يا مجيب المضطر عند الدعاء ** منك دائي وفي يديك دوائي )
( جذبتني الدنيا إليها بضبعي ** ودعتني لمحنتي وشقائي )
( يا إلهي وأنت تعلم حالي ** لا تذرني شماتة الأعداء )
67 - وقال الحافظ الكبير الشهير أبو عبدالله الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين رحمه الله تعالى
( كتاب الله عز وجل قولي ** وما صحت به الآثار ديني )
( وما اتفق الجميع عليه بدءا ** وعودا فهو عن حق مبين )
( فدع ماصد عن هذي وخذها ** تكن منها على عين اليقين )
وقال
( طريق الزهد أفضل ما طريق ** وتقوى الله بادية الحقوق )
( فثق بالله يكفك واستعنه ** يعنك وذر بنيات الطريق )
68 - وقال أبو بكر مالك بن جبير رحمه الله تعالى
( رحلت وإنني من غير زاد ** وما قدمت شيئا للمعاد )
( ولكني وثقت بجود ربي ** وهل يشقى المقل مع الجواد )
وتوفي المذكور بأريولة أعادها الله تعالى إلى الإسلام سنة 561
69 - وقال ابن جبير اليحصبي وهو الكاتب أبو عبدالله محمد
( كلما رمت أن أقدم خيرا ** لمعادي ورمت أني أتوب )
____________________
(4/348)


( صرفتني بواعث النفس قسرا ** فتقاعست والذنوب ذنوب )
( رب قلب قلبي لعزمة خير ** لمتاب ففي يديك القلوب )
ولتعلم أن كلام أهل الأندلس بحر لا ساحل له ويرحم الله تعالى لسان الدين بن الخطيب حيث قال في صدر الإحاطة وهذا الغرض الذي وضعنا له هذا التأليف يطلبنا فيه ما قصدنا به من المباهاة والافتخار بالإكثار واستيعاب النظام والنثار ويحملنا فيه خوف السآمة على الاختصار والاقتصاد وكفى بهذا جلاء في الأعذار والله تعالى مقيل العثار وساتر العيب المثار بفضله انتهى
70 - ولنختم هذا الباب بقول أبي زكريا يحيى بن سعد بن مسعود القلني
( عفوك اللهم عنا ** خير شيء نتمنى )
( رب إنا قد جهلنا ** في الذي قد كان منا )
( وخطينا وخلطنا ** ولهونا ومجنا )
( إن نكن رب أسأنا ** ما أسأنا بك ظنا )
وذيلته بقولي
( فأنلنا الختم بالحسنى ** وإنعاما ومنا آمين )
____________________
(4/349)

& الباب الثامن & في ذكر تغلب العدو الكافر على الجزيرة بعد صرفه وجوه الكيد إليها وتضريبه بين ملوكها ورؤسائها بمكره واستعماله في أمرها حيل فكره حتى استولى دمره الله تعالى عليها ومحا منها التوحيد واسمه وكتب على مشاهدها ومعاهدها وسمه وقرر مذهب التثليث والرأي الخبيث لديها واستغاث أهلها استغاثة أضرابها بالنظم والنثر أهل ذلك العصر من سائر الأقطار حين تعذرت بحصارها مع قلة حماتها وأنصارها المآرب والأوطار وجاءها الأعداء من خلفها ومن بين يديها اعاد الله تعالى إليها كلمة الإسلام وأقام فيها شريعة سيد الأنام عليه أفضل ورفع يد الكفر عنها وعما حواليها آمين ظهور بلاي وخلفائه
قال غير واحد من المؤرخين أول من جمع فل النصارى بالأندلس بعد غلبة العرب لهم علج يقال له بلاي من أهل أشتوريش من جليقية كان رهينة عن طاعة أهل بلده فهرب من قرطبة أيام الحر بن عبدالرحمن الثقفي الثاني من أمراء العرب بالأندلس وذلك في السنة السادسة من افتتاحها وهي سنة ثمان وتسعين من الهجرة وثار النصارى معه على نائب الحر بن عبدالرحمن فطردوه وملكوا البلاد وبقي الملك فيهم إلى الآن وكان عدة من ملك منهم إلى آخر أيام الناصر لدين الله اثنين وعشرين ملكا انتهى
وقال عيسى بن أحمد الرازي في أيام عنبسة بن سحيم الكلبي قام بأرض
____________________
(4/350)

جليقية علج خبيث يقال له بلاي من وقعة أخذ النصارى بالأندلس وجد الفرنج في مدافعة المسلمين عما بقي بأيديهم وقد كانوا لا يطمعون في ذلك ولقد استولى المسلمون بالأندلس على النصرانية وأجلوهم وافتتحوا بلادهم حتى بلغوا أريولة من أرض الفرنجة وافتتحوا بلبونة من جليقية ولم يبق إلا الصخرة فإنه لاذ بها ملك يقال له بلاي فدخلها في ثلاثمائة رجل ولم يزل المسلمون يقاتلونه حتى مات أصحابه جوعا وبقي في ثلاثين رجلا وعشر نسوة ولا طعام لهم إلا العسل يشتارونه من خروق بالصخرة فيتقوتون به حتى أعيا المسلمين أمرهم واحتقروا بهم وقالوا ثلاثون علجا ما عسى أن يجيء منهم فبلغ أمرهم بعد ذلك من القوة والكثرة ما لاخفاء به وفي سنة 133 هلك بلاي المذكور وملك ابنه فافله بعده وكان ملك بلاي تسع عشرة سنة وابنه سنتين فملك بعدهما أذفونش بن بيطر جد بني أذفونش هؤلاء الذين اتصل ملكهم إلى اليوم فأخذوا ما كان المسلمون أخذوه من بلادهم انتهى باختصار
وقال المسعودي بعد ذكره غزوة سمورة أيام الناصر ماصورته وأخذ ماكان بأيدي المسلمين من ثغور الأندلس مما يلى الفرنجة ومدينة أربونة خرجت عن أيدي المسلمين سنة 330 مع غيرها مما كان بأيديهم من المدن والحصون وبقي ثغر المسلمين في هذا الوقت وهو سنة 336 من شرق الأندلس طرطوشة وعلى سائر بحر الروم مما يلى طرطوشة آخذا في الشمال إفراغه على نهر عظيم ثم لاردة انتهى
____________________
(4/351)

الاستيلاء على طليطلة
ومن اول ما استرد الإفرنج من مدن الأندلس العظيمة مدينة طليطلة من يد ابن ذي النون سنة 475 وفي ذلك يقول عبدالله بن فرج اليحصبي المشهور بابن العسال
( يا أهل أندلس حثوا مطيكم ** فما المقام بها إلا من الغلط )
( الثوب ينسل من أطرافه وأرى ** ثوب الجزيرة منسولا من الوسط )
( ونحن بين عدو لا يفارقنا ** كيف الحياة مع الحيات في سفط )
ويروى صدر البيت الثالث هكذا
( من جاور الشر لا يأمن بوائقه ** كيف الحياة مع الحيات في سفط )
وتروى الأبيات هكذا
( حثوا رواحلكم يا أهل أندلس ** فما المقام بها إلا من الغلط )
( السلك ينثر من أطرافه وأرى ** سلك الجزيرة منثورا من الوسط )
( من جاور الشر لا يأمن عواقبه ** كيف الحياة مع الحيات في سفط )
وقال آخر
( يا أهل أندلس ردوا المعار فما ** في العرف عارية إلا مردات )
( ألم تروا بيدق الكفار فرزنه ** وشاهنا آخر الأبيات شهمات )
وقال بعض المؤرخين أخذ الأذفونش طليطلة من صاحبها القادر بالله بن المأمون يحيى بن ذي النون بعد أن حاصرها سبع سنين وكان أخذه لها في منتصف محرم سنة 478 انتهى وفيه بعض مخالفة لما قبله في وقت أخذها وسيأتى قريبا بعض ما يؤيده
____________________
(4/352)


قال وهي مدينة حصينة قديمة ازلية من بناء العمالقة على ضفة النهر الكبير ولها قصبة حصينة في غاية المنعة ولها قنطرة واحدة عجيبة البنيان على قوس واحد والماء يدخل تحته بعنف وشدة جري ومع آخر النهر ناعورة ارتفاعها في الجو تسعون ذراعا وهي تصعد الماء إلى أعلى القنطرة ويجرى الماء على ظهرها فيدخل المدينة وطليطلة هذه دار مملكة الروم وبها كان البيت المغلق الذي كانوا يتحامون فتحه حتى فتحه لذريق فوجد فيه صورة العرب انتهى
وقد تقدم شيء من هذا فيما مر من هذا الكتاب
وقد حكى ابن بدرون في شرح العبدونية أن المأمون يحيى بن ذي النون صاحب طليطلة بنى بها قصرا تأنق في بنائه وأنفق فيه مالا كثيرا وصنع فيه بحيرة وبنى في وسطها قبة وسيق الماء إلى رأس القبة على تدبير أحكمه المهندسون فكان الماء ينزل من أعلى القبة حواليها محيطا بها متصلا بعضه ببعض فكانت القبة في غلالة من ماء سكب لا يفتر والمأمون بن ذي النون قاعد فيها لا يمسه من الماء شيء ولو شاء أن يوقد فيها الشمع لفعل فبينما هو فيها إذ سمع منشدا ينشد
( أتبني بناء الخالدين وإنما ** بقاؤك فيها لو علمت قليل )
( لقد كان في ظل الأراك كفاية ** لمن كل يوم يعتريه رحيل )
فلم يلبث إلا يسيرا حتى قضى نحبه انتهى
وقال ابن خلكان إن طليطلة أخذت يوم الثلاثاء مستهل صفر سنة 478 بعد حصار شديد انتهى
____________________
(4/353)


وقال ابن علقمة إن طليطلة اخذت يوم الأربعاء لعشر خلون من المحرم سنة 478 وكانت وقعة الزلاقة فى السنة بعدها انتهى وقعة الزلاقة نقلا عن الروض المعطار وغيره
ورأيت أن أذكر هنا وقعة الزلاقة التى نشأت عن أخذ طليطلة وما يتبع ذلك من كلام صاحب الروض المعطار وغيره فنقول إنه لما ملك يوسف ابن تاشفين اللمتوني المغرب وبني مدينتي مراكش وتلمسان الجديدة وأطاعته البربر مع شكيمتها الشديدة وتمهدت له الأقطار الطويلة المديدة تاقت نفسه إلى العبور لجزيرة الأندلس فهم بذلك وأخذ في إنشاء المراكب والسفن ليعبر فيها فلما علم بذلك ملوك الأندلس كرهوا إلمامه بجزيرتهم وأعدوا له العدة والعدد وصعبت عليهم مدافعته وكرهوا أن يكونوا بين عدوين الفرنج من شمالهم والمسلمين من جنوبهم وكانت الفرنج تشتد وطأتها عليهم وتغير تنهب وربما يقع بينهم صلح على شيء معلوم كل سنة يأخذونه من المسلمين والفرنج ترهب ملك المغرب يوسف بن تاشفين إذ كان له اسم كبير وصيت عظيم لنفاذ أمره وسرعة تملكه بلاد المغرب وانتقال الأمر إليه في أسرع وقت مع ما ظهر لأبطال الملثمين ومشايخ صنهاجة في المعارك من ضربات السيوف التى تقد الفارس والطعنات التى تنظم الكلى فكان له بسبب ذلك ناموس ورعب في قلوب المنتدبين لقتاله وكان ملوك الأندلس يفيئون إلى ظله ويحذرونه خوفا على ملكهم مهما عبر إليهم وعاين بلادهم فلما رأوا ما دلهم على عبوره إليهم وعلموا ذلك راسل بعضهم بعضا يستنجدون آراءهم في أمره وكان مفزعهم في ذلك إلى المعتمد بن عباد لأنه أشجع القوم وأكبرهم مملكة فوقع اتفاقهم
____________________
(4/354)

على مكاتبته لما تحققوا انه يقصدهم يسألونه الإعراض عنهم وانهم تحت طاعته فكتب عنهم كاتب من أهل الأندلس كتابا وهو أما بعد فإنك إن أعرضت عنا نسبت إلى كرم ولم تنسب إلى عجز وإن أجبنا داعيك نسبنا إلى عقل ولم ننسب إلى وهن وقد اخترنا لأنفسنا أجمل نسبتينا فاختر لنفسك أكرم نسبتيك فإنك بالمحل الذى لا يجب أن تسبق فيه الى مكرمة وإن في استبقائك ذوي البيوت ما شئت من دوام لأمرك وثبوت والسلام فلما وصله الكتاب مع تحف وهدايا وكان يوسف بن تاشفين لا يعرف باللسان العربي لكنه ذكي الطبع يجيد فهم المقاصد وكان له كاتب يعرف اللغتين العربية والمرابطية فقال له أيها الملك هذا الكتاب من ملوك الأندلس يعظمونك فيه ويعرفونك أنهم أهل دعوتك وتحت طاعتك ويلتمسون منك أن لا تجعلهم في منزلة الأعادي فانهم مسلمون وذوو بيوتات فلا تغير بهم وكفى بهم من وراءهم من الأعداء الكفار وبلدهم ضيق لا يحتمل العساكر فأعرض عنهم إعراضك عمن أطاعك من أهل الغرب فقال يوسف بن تاشفين لكاتبه فما ترى أنت فقال أيها الملك أعلم أن تاج الملك وبهجته شاهده الذي لا يرد فإنه خليق بما حصل في يده من الملك والمال أن يعفو إذا استعفي وأن يهب إذا استوهب وكلما وهب جليلا جزيلا كان لقدره أعظم فإذا عظم قدره تأصل ملكه وإذا تأصل ملكه تشرف الناس بطاعته وإذا كانت طاعته شرفا جاءه الناس ولم يتجشم المشقة إليهم وكان وارث الملك من غير إهلاك لآخرته واعلم أن بعض الملوك الحكماء الأكابر البصراء بطريق تحصيل الملك قال من جاد ساد ومن ساد قاد ومن قاد ملك البلاد فلما ألقى الكاتب هذا الكلام على السلطان يوسف بلغته فهمه وعلم صحته فقال للكاتب أجب القوم واكتب بما يجب في ذلك واقرأ علي كتابك فكتب الكاتب بسم الله الرحمن الرحيم من يوسف بن تاشفين سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته تحية من سالمكم وسلم عليكم وإنكم مما في أيديكم من الملك في أوسع إباحة مخصوصين منا بأكرم إيثار
____________________
(4/355)

وسماحة فاستديموا وفاءنا بوفائكم واستصلحوا إخاءنا بإصلاح إخائكم والله ولي التوفيق لنا ولكم والسلام فلما فرغ من كتابه قرأه على يوسف بن تاشفين بلسانه فاستحسنه وقرن به ما يصلح لهم من التحف ودرق اللمط التى لا توجد إلا ببلاده وأنفذ ذلك إليهم فلما وصلهم ذلك وقرأوا كتابه فرحوا به وعظموه وسروا بولايته وتقوت نفوسهم على دفع الفرنج عنهم وازمعوا إن راوا من الفرنج ما يريبهم أنهم يرسلون إلى يوسف بن تاشفين ليعبر إليهم أو يمدهم بإعانة منه
وكان ملك الإفرنج الأذفونش لما وقعت الفتنة بالأندلس وثار الخلاف وكان كل من حاز بلدا وتقوى فيه ملكه وادعى الملك وصار مثل ملوك الطوائف فطمع فيهم الأذفونش بسبب ذلك وأخذ كثيرا من ثغورهم فقوي شأنه وعظم سلطانه وكثرت عساكره وأخذ طليطلة من صاحبها القادر بالله بن المأمون يحيى بن ذي النون بعد أن حاصرها سبع سنين وكان أخذه لها في منتصف محرم سنة ثمان وسبعين وأربعمائة فزاد لعنه الله تعالى بملكه طليطلة قوة إلى قوته وأخذ يجوس خلال الديار ويستفتح المعاقل والحصون
قال ابن الأثير في الكامل وكان المعتمد بن عباد أعظم ملوك الأندلس ومتملك أكثر بلادها مثل قرطبة وإشبيلية وكان مع ذلك يؤدي الضريبة إلى الأذفونش كل سنة فلما تملك الأذفونش طليطلة أرسل إليه المعتمد الضريبة المعتادة فلم يقبلها منه وأرسل إليه يهدده ويتوعده بالمسير إلى قرطبة ليفتحها إلا أن يسلم إليه جميع الحصون المنيعة ويبقى السهل للمسلمين وكان الرسول في جمع كثير نحو خمسمائة فارس فأنزله المعتمد وفرق أصحابه على قواد
____________________
(4/356)

عسكره ثم أمر قواده أن يقتل كل منهم من عنده من الكفرة وأحضر الرسول وصفعه حتى خرجت عيناه وسلم من الجماعة ثلاثة نفر فعادوا إلى الأذفونش وأخبروه الخبر وكان متوجها إلى قرطبة ليحاصرها فرجع إلى طليطلة ليجمع آلات الحصار ويكثر العدد والعدة انتهى
وقال الفقيه أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن عبدالمنعم الحميري في كتابه الروض المعطار في ذكر المدن والأقطار ما ملخصه إنه لما اشتغل المعتمد بغزو ابن صمادح صاحب المرية حتى تأخر الوقت الذي كان يدفع فيه الضريبة للأذفونش وأرسلها إليه بعد ذلك استشاط الطاغية غضبا وتشطط وطلب بعض الحصون زيادة على الضريبة وامعن في التجني وسأل في دخول امرأته القمجيطة إلى جامع قرطبة لتلد فيه إذ كانت حاملا لما أشار عليه بذلك القسيسون والأساقفة لمكان كنيسة كانت في الجانب الغربي منه معظمة عندهم عمل عليها المسلمون الجامع الأعظم وسأل أن تنزل امرأته المذكورة بالمدينة الزهراء غربي مدينة قرطبة وهي التى أنشأ بناءها الناصر لدين الله وأمعن في بنائها وأغرب في حسنها وجلب إليها الرخام الملون والمرمر الصافي والحوض المشهور من البلاد والأقطار وكان يثيب على السارية بكذا وكذا غير الثمن وأجرة الحمل وأنفق فيها الأموال العظيمة واشتغل بها وكان يباشر الصناع بنفسه حتى تخلف عن حضور الجمعة ثلاث مرات متواليات وحضر في الرابعة وكان الخطيب يومئذ الفقيه الزاهد منذر بن سعيد البلوطي فعرض به في الخطبة ووبخه على رؤوس الملأ وقصته في ذلك مشهورة وبناء الزهراء أيضا من أغرب مباني الإسلام فمن أراد الوقوف على ذلك فعليه بتاريخ ابن حيان
____________________
(4/357)


ولنرجع إلى الأذفونش فإن الأطباء والقسوس لما أشاروا أن تكون المرأة المذكورة ساكنة بالزهراء وتتردد إلى الجامع المذكور حتى تكون ولادتها بين طيب نسيم الزهراء وفضيلة موضع الكنيسة من الجامع المذكور وكان السفير في ذلك يهوديا كان وزير الأذفونش فامتنع ابن عباد من ذلك فراجعه فأباه وأيأسه من ذلك فراجعه اليهودي في ذلك وأغلظ له في القول وواجهه بما لم يحتمله ابن عباد فأخذ ابن عباد محبرة كانت بين يديه وضرب بها رأس اليهودي فأنزل دماغه في حلقه وامر به فصلب منكوسا بقرطبة واستفتى لما سكن غضبه الفقهاء عن حكم ما فعله اليهودي فبادره الفقيه محمد بن الطلاع بالرخصة في ذلك لتعدي الرسول حدود الرسالة إلى ما استوجب به القتل إذ ليس له ذلك وقال للفقهاء إنما بادرت بالفتوى خوفا أن يكسل الرجل عما عزم عليه من منابذة العدو وعسى الله أن يجعل في عزيمته للمسلمين فرجا
وبلغ الأذفونش ما صنعه ابن عباد فأقسم بآلهته ليغزونه بإشبيلية ويحاصره في قصره فجرد جيشين جعل احدهما كلبا من مساعير كلابه وأمره أن يسير على كورة باجة من غرب الأندلس ويغير على تلك التخوم والجهات ثم يمر على لبلة إلى إشبيلية وجعل موعده إياه طريانة للاجتماع معه ثم زحف الأذفونش بنفسه في جيش آخر عرمرم فسلك طريقا غير الطريق التى سلكها الآخر وكلاهما عاث في البلاد وخرب ودمر حتى اجتمعا لموعدهما بضفة النهر الأعظم قبالة قصر ابن عباد وفي أيام مقامه هنالك كتب الى ابن عباد زاريا عليه كثر بطول مقامي في مجلسي الذبان واشتد علي الحر فأتحفني من قصرك بمروحة أروح بها على نفسي وأطرد بها الذباب عن وجهي فوقع له ابن عباد بخط يده في ظهر الرقعة قرأت كتابك وفهمت خيلاءك وإعجابك وسأنظر لك في مراوح من الجلود اللمطية تروح منك لا تروح عليك إن شاء الله
____________________
(4/358)

تعالى فلما وصلت الأذفونش رسالة ابن عباد وقرئت عليه وعلم مقتضاها أطرق إطراق من لم يخطر له ذلك ببال
وفشا في الأندلس توقيع ابن عباد وما أظهر من العزيمة على جواز يوسف بن تاشفين والاستظهار به على العدو فاستبشر الناس وفرحوا بذلك وفتحت لهم أبواب الآمال واما ملوك طوائف الأندلس فلما تحققوا عزم ابن عباد وانفراده برأيه في ذلك اهتموا منه ومنهم من كاتبه ومنهم من كلمه مواجهة وحذروه عاقبة ذلك وقالوا له الملك عقيم والسيفان لا يجتمعان في غمد واحد فاجابهم ابن عباد بكلمته السائرة مثلا رعي الجمال خير من رعي الخنازير ومعناه أن كونه مأكولا ليوسف بن تاشفين أسيرا يرعى جماله في الصحراء خير من كونه ممزقا للأذفونش أسيرا له يرعى خنازيره في قشتالة وقال لعذاله ولوامه ياقوم إني من أمري على حالتين حالة يقين وحالة شك ولابد لي من إحداهما أما حالة الشك فإني إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى الأذفونش ففي الممكن أن يفي لي ويبقي على وفائه ويمكن أن لا يفعل فهذه حالة شك واما حالة اليقين فإني إن استندت إلى ابن تاشفين فانا أرضي الله وإن استندت إلى الأذفونش أسخطت الله تعالى فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة فلأي شيء أدع ما يرضي الله وآتي ما يسخطه فحينئذ قصر أصحابه عن لومه
ولما عزم أمر صاحب بطليوس المتوكل عمر بن محمد وعبدالله بن حبوس الصنهاجي صاحب غرناطة أن يبعث إليه كل منهما قاضي حضرته ففعلا واستحضر قاضي الجماعة بقرطبة أبا بكر عبيدالله بن أدهم وكان أعقل أهل زمانه فلما اجتمع عنده القضاة بإشبيلية أضاف إليهم وزيره أبا بكر ابن زيدون وعرفهم أربعتهم أنهم رسله إلى يوسف بن تاشفين وأسند إلى القضاة ما يليق بهم من وعظ يوسف بن تاشفين وترغيبه في الجهاد وأسند إلى وزيره ما لا بد منه في تلك السفارة من إبرام العقود السلطانية وكان يوسف بن تاشفين لا تزال
____________________
(4/359)

تفد عليه وفود ثغور الأندلس مستعطفين مجهشين بالبكاء ناشدين الله والإسلام مستنجدين بفقهاء حضرته ووزراء دولته فيسمع إليهم ويصغي لقولهم وترق نفسه لهم
فما عبرت رسل ابن عباد البحر الا ورسل يوسف بالمرصاد ولما انتهت الرسل إلى ابن تاشفين أقبل عليهم واكرم مثواهم واتصل ذلك بابن عباد فوجه من إشبيلية أسطولا نحو صاحب سبتة فانتظمت في سلك يوسف ثم جرت بينه وبين الرسل مراوضات ثم انصرفت إلى مرسلها ثم عبر يوسف البحر عبورا سهلا حتى اتى الجزيرة الخضراء ففتحوا له وخرج إليه أهلها بما عندهم من الأقوات والضيافات وأقاموا له سوقا جلبوا إليه ما عندهم من سائر المرافق وأذنوا للغزاة في دخول البلد والتصرف فيه فامتلأت المساجد والرحبات بالمطوعين وتواصوا بهم خيرا هذا مساق صاحب الروض المعطار
واما ابن الأثير فإنه لما ذكر وقعة الزلاقة ذكر ما تقدم من فعل المعتمد بالأرسال وقتلهم وتخوف اكابر الأندلس من الأذفونش وأنه اجتمع منهم رؤساء وساروا إلى القاضي عبيد الله بن محمد بن أدهم وقالوا له ألا تنظر إلى ما فيه المسلمون من الصغار والذلة وإعطائهم الجزية بعد أن كانوا يأخذونها وقالوا قد غلب على البلاد الفرنج ولم يبق إلا القليل وإن طال هذا الأمر عادت نصرانية كما كانت أولا وقد رأينا رأيا نعرضه عليك قال وماهو قالوا نكتب إلى عرب إفريقية ونبذل لهم إذا وصلوا إلينا شطر اموالنا ونخرج معهم مجاهدين في سبيل الله فقال لهم إنا نخشى إن وصلوا إلينا أن يخربوا بلادنا كما فعلوا بإفريقية ويتركوا الإفرنج ويبدأوا بنا والمرابطون أصلح منهم وأقرب إلينا فقالوا له فكاتب أمير المسلمين واسأله العبور إلينا أو إعانتنا بما تيسر من الجند فبينما هم في ذلك يتراوضون إذ قدم عليهم المعتمد بن عباد
____________________
(4/360)

قرطبة فعرض عليه القاضي ابن أدهم ماكانوا فيه فقال له ابن عباد أنت رسولي إليه في ذلك فامتنع وإنما أراد أن يبرىء نفسه من ذلك فألح عليه المعتمد فسار إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين فوجده بسبتة وأبلغه الرسالة وأعلمه بما فيه المسلمون من الخوف من الأذفونش ففي الحال أمر بعبور العساكر إلى الأندلس وأرسل إلى مراكش في طلب من بقي من العساكر فأقبلت إليه يتلو بعضها بعضا فلما تكاملت عنده عبر البحر واجتمع بالمعتمد بن عباد بإشبيلية وكان المعتمد قد جمع عساكره أيضا وخرج من أهل قرطبة عسكر كثير وقصده المطوعة من سائر بلاد الأندلس ووصلت الأخبار إلى الأذفونش فجمع عساكره وحشد جنوده وسار من طليطلة وكتب إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين كتابا كتبه له بعض غواة أدباء المسلمين يغلظ له في القول ويصف ما معه من القوة والعدد والعدد وبالغ في ذلك فلما وصله وقرأه يوسف أمر كاتبه أبا بكر ابن القصيرة أن يجيبه وكان كاتبا مفلقا فكتب وأجاد فلما قرأه على أمير المسلمين قال هذا كتاب طويل أحضر كتاب الأذفونش واكتب في ظهره الذي يكون ستراه وأرسله إليه فلما وقف عليه الأذفونش ارتاع له وعلم أنه بلي برجل لا طاقة له به
وذكر ابن خلكان ان يوسف بن تاشفين امر بعبور الجمال فعبر منها ما أغص الجزيرة وارتفع رغاؤها إلى عنان السماء ولم يكن أهل الجزيرة رأوا جملا قط ولا خيلهم فصارت الخيل تجمح من رؤية الجمال ومن رغائها وكان ليوسف في عبور الجمال رأي مصيب فكان يحدق بها عسكره ويحضرها للحرب فكانت خيل الفرنج تجمح منها وقدم يوسف بين يديه كتابا للأذفونش يعرض عليه فيه الدخول في الإسلام أو الجزية أو الحرب كما هي السنة ومن جملة مافي الكتاب بلغنا يا أذفونش أنك دعوت إلى الاجتماع بنا وتمنيت أن
____________________
(4/361)

تكون لك سفن تعبر بها البحر إلينا فقد عبرنا إليك وقد جمع الله تعالى في هذه الساحة بيننا وبينك وسترى عاقبة دعائك { وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } غافر 50 انتهى بمعناه وأكثره بلفظه
ولنرجع إلى كلام صاحب الروض المعطار فإنه أقعد بتاريخ الأندلس إذ هو منهم وصاحب البيت أدرى بالذي فيه قال رحمه الله تعالى فلما عبر يوسف وجميع جيوشه إلى الجزيرة الخضراء انزعج إلى إشبيلية على أحسن الهيئات جيشا بعد جيش وأميرا بعد أمير وقبيلا بعد قبيل وبعث المعتمد ابنه إلى لقاء يوسف وأمر عمال البلاد بجلب الأقوات والضيافات ورأى يوسف من ذلك ماسره ونشطه وتواردت الجيوش مع امرائها إلى إشبيلية وخرج المعتمد إلى لقاء يوسف من إشبيلية في مائة فارس ووجوه أصحابه فلما اتى محله يوسف ركض نحو القوم وركضوا نحوه فبرز إليه يوسف وحده والتقيا منفردين وتصافحا وتعانقا وأظهر كل منهما لصاحبه المودة والخلوص وشكرا نعم الله تعالى وتواصيا بالصبر والرحمة وبشرا أنفسهما بما استقبلاه من غزو أهل الكفر وتضرعا إلى الله تعالى في أن يجعل ذلك خالصا لوجهه مقربا إليه وافترقا فعاد يوسف لمحلته وابن عباد إلى جهته وألحق ابن عباد ماكان أعده من هدايا وتحف وضيافات أوسع بها على محلة يوسف بن تاشفين وباتوا تلك الليلة فلما أصبحوا وصلوا الصبح ركب الجميع وأشار ابن عباد على يوسف بالتقدم نحو إشبيلية ففعل ورأى الناس من عزه سلطانه ما سرهم ولم يبق من ملوك الطوائف بالأندلس إلا من بادر أو أعان وخرج أو أخرج وكذلك فعل الصحراويون مع يوسف كل صقع من أصقاعه رابطوا وصابروا وكان الأذفونش لما تحقق الحركة والحرب استنفر جميع اهل بلاده وما يليها وما
____________________
(4/362)

وراءها ورفع القسيسون والرهبان والأساقفة صلبانهم ونشروا اناجيلهم فاجتمع له من الجلالقة والإفرنجة ما لا يحصى عدده وجواسيس كل فريق تتردد بين الجميع وبعث الأذفونش إلى ابن عباد إن صاحبكم يوسف قد تعنى من بلاده وخاض البحور وانا اكفيه العناء فيما بقي ولا اكلفكم تعبا أمضي إليكم وألقاكم في بلادكم رفقا بكم وتوفيرا عليكم وقال لخاصته واهل مشورته إني رأيت أني إن مكنتهم من الدخول إلى بلادي فناجزوني فيها وبين جدرها وربما كانت الدائرة علي يستحكمون البلاد ويحصدون من فيها غداة واحدة ولكني أجعل يومهم معي في حوز بلادهم فإن كانت علي اكتفوا بما نالوه ولم يجعلوا الدروب وراءهم إلا بعد أهبة أخرى فيكون في ذلك صون لبلادي وجبر لمكاسري وإن كانت الدائرة عليهم كان مني فيهم وفي بلادهم ما خفت أنا أن يكون في وفي بلادي إذا ناجزوني في وسطها ثم برز بالمختار من جنوده وأنجاد جموعه على باب دربه وترك بقية جموعه خلفه وقال حين نظر إلى ما اختاره منهم بهؤلاء أقاتل الجن والإنس وملائكة السماء فالمقلل يقول المختارون أربعون ألف دارع ولكل واحد أتباع واما النصارى فيعجبون ممن يزعم ذلك ويرون أنهم أكثر من ذلك كله واتفق الكل أن عدد المسلمين أقل من الكفرة ورأى الأذفونش في نومه كانه راكب فيل يضرب نقيره طبل فهالته الرؤيا وسأل عنها القسوس والرهبان فلم يجبه أحد فدس يهوديا عمن يعلم تأويلها من المسلمين فدل على معبر فقصها عليه ونسبها لنفسه فقال له المعبر كذبت ماهذه الرؤيا لك ولا أعبرها له إلا إن صدقتني بصاحب الرؤيا فقال له اكتم علي الرؤيا للأذفونش فقال المعبر صدقت ولا يراها غيره والرؤيا تدل على بلاء عظيم ومصيبة فادحة فيه وفي عسكره وتفسيرها قوله تعالى { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } الفيل 1 واما ضربة النقيرة فتأويلها { فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير } المدثر 8 - 9 فانصرف اليهودي وذكر للأذفونش
____________________
(4/363)

ماوافق خاطره
ثم خرج الأذفونش ووقف على الدروب ومال بجيوشه إلى الجهة الغربية من بلاد الأندلس وتقدم السلطان يوسف فقصده وتأخر ابن عباد لبعض مهماته ثم انزعج يقفو أثره بجيش فيه حماة الثغور ورؤساء الأندلس وجعل ابنه عبدالله على مقدمته وسار وهو ينشد لنفسه متفائلا مكملا البيت المشهور
( لابد من فرج قريب ** يأتيك بالعجب العجيب )
( غزو عليك مبارك ** سيعود بالفتح القريب )
( لله سعدك إنه ** نكس على دين الصليب )
( لابد من يوم يكون ** له أخا يوم القليب )
ووافت الجيوش كلها بطليوس فاناخوا بظاهرها وخرج إليهم صاحبها المتوكل عمر بن محمد بن الأفطس فلقيهم بما يجب من الضيافات والأقوات وبذل المجهود وجاءهم الخبر بشخوص الأذفونش ولما ازدلف بعضهم إلى بعض أذكى المعتمد عيونه في محلات الصحراويين خوفا عليهم من مكايد الأذفونش إذ هم غرباء لاعلم لهم بالبلاد وجعل يتولى ذلك بنفسه حتى قيل إن الرجل من الصحراويين لا يخرج على طرف المحلة لقضاء أمر أو حاجة إلا ويجد ابن عباد بنفسه مطيفا بالمحلة بعد ترتيب الخيل والرجال على أبواب المحلات وقد تقدم كتاب السلطان يوسف إلى الأذفونش يدعوه إلى إحدى الثلاث المأمور بها شرعا فامتلأ الكافر غيظا وعتا وطغى وراجعه بما يدل على شقائه وقامت الأساقفة والرهبان فرفعوا صلبانهم ونشروا اناجيلهم وتبايعوا على الموت ووعظ يوسف وابن عباد أصحابهما وقام الفقهاء والصالحون مقام الوعظ وحضوهم على الصبر والثبات وحذروهم من الفشل والفرار
____________________
(4/364)

وجاءت الطلائع تخبر ان العدو مشرف عليهم صبيحة يومهم وهو يوم الأربعاء فأصبح المسلمون وقد أخذوا مصافهم فكع الأذفونش ورجع إلى إعمال المكر والخديعة فعاد الناس إلى محلاتهم وباتوا ليلتهم ثم أصبح يوم الخميس فبعث الأذفونش إلى ابن عباد يقول غدا يوم الجمعة وهو عيدكم والأحد عيدنا فليكن لقاؤنا بينهما وهو يوم السبت فعرف المعتمد بذلك السلطان يوسف واعلمه أنها حيلة منه وخديعة وإنما قصده الفتك بنا يوم الجمعة فليكن الناس على استعداد له يوم الجمعه كل النهار وبات الناس ليلتهم على أهبة واحتراس وبعد مضي جزء من الليل انتبه الفقيه الناسك أبو العباس أحمد ابن رميلة القرطبي وكان في محلة ابن عباد فرحا مسرورا يقول إنه رأى النبي تلك الليلة في النوم فبشره بالفتح والموت على الشهادة في صبيحة تلك الليلة فتأهب ودعا وتضرع ودهن رأسه وتطيب وانتهى ذلك إلى ابن عباد فبعث إلى يوسف يخبره بها تحقيقا لما توقعه من غدر الكافر بالله تعالى
ثم جاء بالليل فارسان من طلائع المعتمد يخبران أنهما أشرفا على محلة الأذفونش وسمعا ضوضاء الجيوش واضطراب الأسلحة ثم تلاحق بقية الطلائع متحققين بتحرك الأذفونش ثم جاءت الجواسيس من داخل محلتهم تقول استرقنا السمع فسمعنا الأذفونش يقول لأصحابه ابن عباد مسعر هذه الحروب وهؤلاء الصحراويون وإن كانوا اهل حفاظ وذوي بصائر في الحروب فهم غير عارفين بهذه البلاد وإنما قادهم ابن عباد فاقصدوه واهجموا عليه واصبروا فإن انكشف لكم هان عليكم الصحراويون بعده ولا أرى ابن عباد يصبر لكم إن صدقتموه الحملة فعند ذلك بعث ابن عباد الكاتب أبا بكر ابن القصيرة إلى السلطان يوسف يعرفه بإقبال الأذفونش ويستحث نصرته فمضى ابن القصيرة يطوى المحلات حتى جاء يوسف بن تاشفين فعرفه بجلية الأمر فقال له قل له إني سأقرب منه إن شاء الله تعالى وأمر يوسف بعض قواده أن يمضي
____________________
(4/365)

بكتيبة رسمها له حتى يدخل محلة النصارى فيضرمها نارا مادام الأذفونش مشتغلا مع ابن عباد
وانصرف ابن القصيرة إلى المعتمد فلم يصله إلا وقد غشيه جنود الطاغية فصدم ابن عباد صدمة قطعت آماله ومال الأذفونش عليه بجموعه واحاطوا به من كل جهة فهاجت الحرب وحمي الوطيس واستحر القتل في أصحاب ابن عباد وصبر ابن عباد صبرا لم يعهد مثله لأحد واستبطأ السلطان يوسف وهو يلاحظ طريقه وعضته الحرب واشتد عليه وعلى من معه البلاء وأبطأ عليه الصحراويون وساءت الظنون وانكشف بعض أصحاب ابن عباد وفيهم ابنه عبدالله وأثخن ابن عباد جراحات وضرب على رأسه ضربة فلقت هامته حتى وصلت إلى صدغه وجرحت يمنى يديه وطعن في أحد جانبيه وعقرت تحته ثلاثة أفراس كلما هلك واحد قدم له آخر وهو يقاسي حياض الموت ويضرب يمينا وشمالا وتذكر في تلك الحالة ابنا له صغيرا كان مغرما به تركه في إشبيلية عليلا وكنيته أبو هاشم فقال
( أبا هاشم هشمتني الشفار ** فلله صبري لذاك الأوار )
( ذكرت شخيصك تحت العجاج ** فلم يثنني ذكره للفرار )
ثم كان أول من وافى ابن عباد من قواد ابن تاشفين داود بن عائشة وكان بطلا شجاعا شهما فنفس بمجيئه عن ابن عباد ثم أقبل يوسف بعد ذلك وطبوله تصعد أصواتها إلى الجو فلما أبصره الأذفونش وجه حملته إليه وقصده بمعظم جنوده فبادر إليهم السلطان يوسف وصدمهم بجمعه فردهم إلى مركزهم وانتظم به شمل ابن عباد واستنشق ريح الظفر وتباشر بالنصر ثم صدقوا جميعا الحملة فتزلزلت الأرض بحوافر خيولهم وأظلم النهار بالعجاج والغبار وخاضت الخيل في الدماء وصبر الفريقان صبرا عظيما ثم تراجع ابن عباد إلى يوسف وحمل معه حملة جاء معها النصر وتراجع
____________________
(4/366)

المنهزمون من أصحاب ابن عباد حين علموا بالتحام الفئتين وصدقوا الحملة فانكشف الطاغية ومر هاربا منهزما وقد طعن في إحدى ركبتيه طعنة بقي يخمع بها بقية عمره
وعلى سياق ابن خلكان أن ابن تاشفين نزل على أقل من فرسخ من عسكر العدو في يوم الأربعاء وكان الموعد في المناجزة في يوم السبت فعذر الأذفونش ومكر فلما كان سحر يوم الجمعة منتصف رجب أقبلت طلائع ابن عباد والروم في أثرها والناس على طمأنينة فبادر ابن عباد للركوب وبث الخبر في العساكر فماجت بأهلها ووقع البهت ورجفت الأرض وصار الناس فوضى على غير تعبية ولا اهبة ودهمتهم خيل العدو فأحاطت بابن عباد وحطمت ما تعرض لها وتركت الأرض حصيدا خلفها وجرح ابن عباد جرحا أشواه وفر رؤساء الأندلس وتركوا محلاتهم وأسلموها وظنوا انه وهي لا يرقع ونازلة لا تدفع وظن الأذفونش أن السلطان يوسف في المنهزمين ولم يعلم أن العاقبة للمتقين فركب أمير المسلمين واحدق به أنجاد خيله ورجله من صنهاجة رؤساء القبائل وقصدوا محلة الأذفونش فاقتحموها ودخلوها وفتكوا فيها وقتلوا وضربت الطبول وزعقت البوقات فاهتزت الأرض وتجاوبت الجبال والآفاق وتراجع الروم إلى محلاتهم بعد أن علموا أن أمير المسلمين فيها فصدموا امير المسلمين فأفرج لهم عنها ثم كر عليهم فأخرجهم منها ثم كروا عليه فخرج لهم عنها ولم تزل الكرات بينهم تتوالى إلى أن أمر أمير المسلمين حشمه السودان فترجل منهم زهاء أربعة آلاف
____________________
(4/367)

ودخلوا المعترك بدرق اللمط وسيوف الهند ومزاريق الران فطعنوا الخيل فرمحت بفرسانها واجحمت عن أقرانها وتلاحق الأذفونش بأسود نفدت مزاريقه فأهوى ليضربه بالسيف فلصق به الأسود وقبض على عنانه وانتضى خنجرا كان متمنطقا به فأثبته في فخذه فهتك حلق درعه ونفذ من فخذه مع بداد سرجه وكان وقت الزوال وهبت ريح النصر فأنزل الله سكينته على المسلمين ونصر دينه القويم وصدقوا الحملة على الأذفونش وأصحابه فأخرجوهم عن محلتهم فولوا ظهورهم وأعطوا أعناقهم والسيوف تصفعهم والرماح تطعنهم إلى ان لحقوا ربوة لجأوا إليها واعتصموا بها وأحدقت بهم الخيل فلما أظلم الليل انساب الأذفونش وأصحابه من الربوة وأفلتوا بعدما تشبثت بهم أظفار المنية واستولى المسلمون على ماكان في محلتهم من الآلات والسلاح والمضارب والأواني وغير ذلك وامر ابن عباد بضم رؤوس قتلى المشركين فاجتمع من ذلك تل عظيم انتهى وبعضه بالمعنى رجع إلى كلام صاحب الروض المعطار قال
ولجأ الأذفونش إلى تل كان يلي محلته في نحو خمسمائة فارس كل واحد منهم مكلوم وأباد القتل والأسر من عداهم من أصحابهم وعمل المسلمون من رؤوسهم مآذن يؤذنون عليها والمخذول ينظر إلى موضع الوقيعة ومكان الهزيمة فلا يرى إلا نكالا محيطا به وبأصحابه وأقبل ابن عباد على السلطان يوسف وصافحه وهنأه وشكره وأثنى عليه وشكر يوسف صبر ابن عباد ومقامه وحسن
____________________
(4/368)

بلائه وجميل صبره وسأله عن حاله عندما أسلمته رجاله بانهزامهم عنه فقال له هم هؤلاء قد حضروا بين يديك فليخبروك
وكتب ابن عباد إلى إبنه بإشبيلية كتابا مضمونه كتابي هذا من المحلة المنصورة يوم الجمعة الموفي عشرين من رجب وقد أعز الله الدين ونصر المسلمين وفتح لهم الفتح المبين وهزم الكفرة والمشركين وأذاقهم العذاب الأليم والخطب الجسيم فالحمدلله على مايسره وسناه من هذه المسرة العظيمة والنعمة الجسيمة في تشتيت شمل الأذفونش والاحتواء على جميع عساكره أصلاه الله نكال الجحيم ولا اعدمه الوبال العظيم المليم بعد إتيان النهب على محلاته واستئصال القتل في جميع أبطاله وحماته حتى اتخذ المسلمون من هاماتهم صوامع يؤذنون عليها فلله الحمد على جميل صنعه ولم يصبني والحمد لله إلا جراحات يسيرة آلمت لكنها فرجت بعد ذلك فلله الحمد والمنة والسلام
واستشهد في ذلك اليوم جماعة من الفضلاء والعلماء وأعيان الناس مثل ابن رميلة صاحب الرؤيا المذكورة وقاضي مراكش أبي مروان عبدالملك المصمودي وغيرهما رحمهم الله تعالى
وحكي ان موضع المعترك كان على اتساعه ماكان فيه موضع قدم إلا على ميت أو دم وأقامت العساكر بالموضع أربعة أيام حتى جمعت الغنائم واستؤذن في ذلك السلطان يوسف فعف عنها وآثر بها ملوك الأندلس وعرفهم أن مقصده الجهاد والأجر العظيم وماعند الله في ذلك من الثواب المقيم فلما رأت ملوك الأندلس إيثار يوسف لهم بالغنائم استكرموه وأحبوه وشكروا له ذلك
ولما بلغ الأذفونش إلى بلاده وسأل عن أبطاله وشجعانه وأصحابه ففقدهم ولم يسمع إلا نواح الثكلى عليهم اهتم ولم يأكل ولم يشرب حتى هلك غما وهما وراح إلى أمه الهاوية ولم يخلف إلا بنتا واحدة جعل الأمر إليها فتحصنت بطليطلة
ورحل المعتمد إلى إشبيلية ومعه السلطان يوسف بن تاشفين فأقام السلطان
____________________
(4/369)

يوسف بن تاشفين بظاهر إشبيلية ثلاثة أيام ووردت عليه من المغرب أخبار تقتضي العزم فسافر وذهب معه ابن عباد يوما وليلة فحلف ابن تاشفين وعزم عليه في الرجوع وكانت جراحاته تورمت عليه فسير معه ولده عبدالله إلى أن وصل البحر وعبر إلى المغرب
ولما رجع ابن عباد إلى إشبيلية جلس للناس وهنىء بالفتح وقرأت القراء وقام على رأسه الشعراء فأنشدوه قال عبدالجليل بن وهبون حضرت ذلك اليوم وأعددت قصيدة أنشدها بين يديه فقرأ القارىء { إلا تنصروه فقد نصره الله } التوبة 40 فقلت بعدا لي ولشعري والله ما أبقت لي هذه الآية معنى أحضره وأقوم به
ولما عزم السلطان يوسف بن تاشفين إلى بلاده ترك الأمير سير بن أبي بكر أحد قواده المشاهير وترك معه جيشا برسم غزو الفرنج فاستراح الأمير المذكور أياما قلائل ودخل بلاد الأذفونش وأطلق الغارة ونهب وسبى وفتح الحصون المنيعة والمعاقل الصعبة العويصة وتوغل في البلاد وحصل أموالا وذخائر عظيمة ورتب رجالا وفرسانا في جميع ما أخذه وأرسل للسلطان يوسف جميع ما حصله وكتب له يعرفه أن الجيوش بالثغور مقيمة على مكابدة العدو وملازمة الحرب والقتال في أضيق العيش وانكده وملوك الأندلس في بلادهم وأهليهم فى أرغد العيش وأطيبه وسأله مرسومه فكتب إليه أن يأمرهم بالنقلة والرحيل إلى أرض العدوة فمن فعل فذاك ومن أبى فحاصره وقاتله ولا تنفس عليه ولتبدأ بمن والى الثغور ولا تتعرض للمعتمد بن عباد إلا بعد استيلائك على البلاد وكل بلد أخذته فول فيه أميرا من عساكرك فأول من ابتدأ به من ملوك الأندلس بنوهود وكانوا بروطة بضم الراء المهماة وبعدها واو ساكنة وطاء مهملة مفتوحة وبعدها هاء ساكنة وهي قلعة منيعة من
____________________
(4/370)

عاصمات الذرا وماؤها ينبع من أعلاها وفيها من الأقوات والذخائر المختلفات ما لا تفنيه الأزمان فحاصرها فلم يقدر عليها ورحل عنها وجند أجنادا على هيئة الفرنج وزيهم وأمرهم أن يقصدوها ويغيروا عليها وكمن هو وأصحابه بقرب منها فلما رآهم أهل القلعة استضعفوهم فنزلوا إليهم ومعهم صاحب القلعة فخرج عليه سير المذكور وقبضه باليد وتسلم الحصن ثم نازل بني طاهر بشرق الأندلس فأسلموا له البلاد ولحقوا ببر العدوة ثم نازل بني صمادح بالمرية ولها قلعة حصينة فحاصرهم وضيق بهم ولما علم ابن صمادح الغلب أسف ومات غبنا فأخذ القلعة واستولى على المرية وجميع أعمالها ثم قصد بطليوس وكان بها المتوكل عمر بن محمد بن الأفطس المتقدم ذكره فحاصره واخذه واستولى على جميع أعماله وماله ولم يبق له إلا المعتمد بن عباد فكتب للسلطان يوسف يعرفه بما فعل ويسأله مرسومه في ابن عباد فكتب إليه يأمره أنه يعرض عليه النقلة لبر العدوة وبجميع الأهل والعشيرة فإن رضي وإلا فحاصره وخذه وأرسل به كسائر أصحابه فواجهه وعرفه بما رسم به السلطان يوسف وسأله الجواب فلم يجب بنفي ولا إثبات ثم إنه نازل إشبيلية وحاصره بها وألح عليه فأقام الحصار شهرا ودخل البلد قهرا واستخرجه من قصره فحمل وجميع أهله وولده إلى العدوة فأنزل بأغمات وأقام بها إلى أن مات رحمه الله تعالى وعفا عنه
واما إبن الأثير ففي كلامه تقديم وتأخير وبعض خلاف لما مر
واخبار المعتمد بن عباد وما رآه من الملك والعز على كل حاضر وباد وما قاساه في الأسر من الضيق والعسر وسوء العيش أمر عجيب يتعظ به العاقل الأريب واما ما مدحته به الشعراء وأجوبته لهم في حالي يسره وعسره وملكه وأسره وطيه ونشره وتجهمه وبشره فهو كثير وفي كتب التواريخ منه نظيم ونثير وقد قدمنا منه في هذا الكتاب ما يبعث الاعتبار ويثير وخصوصا في الباب السابع من هذا التأليف الذي هو عند المنصف أثير وفي المعتمد وأبيه
____________________
(4/371)

المعتضد يقول بعض الشعراء
( من بني منذر وذاك انتساب ** زاد في فخرهم بنو عباد )
( فتية لم تلد سواها المعالي ** والمعالي قليلة الأولاد )
وقال ابن القطاع في كتابه لمح الملح في حق المعتمد إنه اندى ملوك الأندلس راحة وأرحبهم ساحة واعظمهم ثمادا وأرفعهم عمادا ولذلك كانت حضرته ملقى الرحال وموسم الشعراء وقبلة الامال ومألف الفضلاء حتى إنه لم يجتمع بباب أحد من الملوك من أعيان الشعراء وأفاضل الأدباء ما كان يجتمع ببابه وتشتمل عليه حاشيتا جنابه
وقال ابن بسام في الذخيرة للمعتمد شعر كما انشق الكمام عن الزهر لو صار مثله ممن جعل الشعر صناعة واتخذه بضاعة لكان رائقا معجبا ونادرا مستغربا فمن ذلك قوله
( أكثرت هجرك غير أنك ربما ** عطفتك أحيانا على أمور )
( فكأنما زمن التهاجر بيننا ** ليل وساعات الوصال بدور )
قال وهذا المعنى ينظر إلى قول بعضهم من أبيات
( أسفر ضوء الصبح عن وجهه ** فقام ذاك الخال فيه بلال )
( كأنما الخال على خده ** ساعات هجر في زمان الوصال )
____________________
(4/372)


وعزم على إرسال حظاياه من قرطبة إلى إشبيلية فخرج معهن يشيعهن فسايرهن من اول الليل إلى الصبح فودعهن ورجع وانشد أبياتا منها
( سايرتهم والليل عقد ثوبه ** حتى تبدى للنواظر معلما )
( فوقفت ثم مودعا وتسلمت ** مني يد الإصباح تلك الأنجما )
وهذا المعنى في نهاية الحسن ثم ذكر من كلامه جملة عود وانعطاف
ولما جاء أمير المسلمين يوسف بن تاشفين إلى ناحية غرناطة بعدما حصر بعض حصون الفرنج فلم يقدر عليه خرج إلى لقائه صاحب غرناطة عبد الله بن بلكين فسلم عليه ثم عاد إلى بلده ليخرج له التقادم فغدر به ودخل البلد وأخرج عبدالله ودخل قصره فوجد فيه من الذخائر والأموال ما لايحد ولا يحصى ثم رجع إلى مراكش وقد أعجبه حسن بلاد الأندلس وبهجتها وما بها من المباني والبساتين والمطاعم وسائر الأصناف التى لا توجد في بلاد العدوة إذ هي بلاد بربر وأجلاف عربان فجعل خواص يوسف يعظمون عنده بلاد الأندلس ويحسنون له أخذها ويوغرون قلبه على المعتمد بأشياء نقلوها عنه فتغير على المعتمد وقصد مشارفة الأندلس
وحكى ابن خلدون أن علماء الأندلس أفتوا ابن تاشفين بجواز خلع المعتمد وغيره من ملوك الطوائف وبقتالهم إن امتنعوا فجهز يوسف العساكر إلى الأندلس وحاصر سير بن أبي بكر أحد عظماء دولة يوسف إشبيلية وبها المعتمد فكان من دفاعه وشدة ثباته ما هو معلوم ثم أخذ أسيرا وصارف طرف الملك بعده حسيرا
____________________
(4/373)


وفي وصف ذلك يقول صاحب القلائد بعد كلام ثم جمع هو وأهله وحملتهم الجواري المنشآت وضمتهم جوانحها كانهم أموات بعدما ضاق عنهم القصر وراق منهم المصر والناس قد حشروا بضفتي الوادي يبكون بدموع كالغوادي فساروا والنوح يحدوهم والبوح باللوعة لا يعدوهم انتهى
ولما فرغ أمير المسلمين يوسف بن تاشفين من أمر غزوة الزلاقة المتقدم ذكرها ورجع تكرم له ابن عباد وسأله أن ينزل عنده فعرج إلى بلاده إذ أجابه إلى ما طلب فلما انتهى ابن تاشفين إلى إشبيلية مدينة المعتمد وهي من أحسن المدن وأجلها منظرا أمعن يوسف النظر فيها وفي محلها وهي على نهر عظيم مستبحر تجري فيه السفن بالبضائع جالبة من بر المغرب وحاملة إليه وفي غربيها رستاق عظيم مسيرة عشرين فرسخا يشتمل على آلاف من الضياع كلها تين وعنب وزيتون وهذا هو المسمى بشرف إشبيلية وتمتار بلاد المغرب كلها بهذه الأصناف منه وفي جانب المدينة قصور المعتمد وأبيه المعتضد في غاية الحسن والبهاء وفيها انواع ما يحتاج إليه من المطعوم والمشروب والملبوس والمفروش وغير ذلك فانزل المعتمد يوسف بن تاشفين في احدها وتولى من إكرامه وخدمته ما أوسع شكر ابن تاشفين له وكان مع ابن تاشفين أصحاب له ينبهونه على حسن تلك الحال وتاملها وماهي عليه من النعمة والإتراف ويغرونه باتخاذ مثلها ويقولون له إن فائدة الملك قطع العيش فيه بالتنعم واللذة كما هو المعتمد وأصحابه وكان ابن تاشفين داهية عاقلا مقتصدا
____________________
(4/374)

في اموره غير متطاول ولا مبذر غير سالك نهج الترف والتأنق في اللذة والنعيم إذ ذهب صدر عمره في بلاده بالصحراء في شظف العيش فأنكر على من أغراه بذلك الإسراف وقال له الذي يلوح لي من أمر هذا الرجل يعنى المعتمد انه مضيع لما في يده من الملك لأن هذه الأموال الكثيرة التى تصرف في هذه الأحوال لابد أن يكون لها أرباب لا يمكن أخذ هذا القدر منهم على وجه العدل أبدا فأخذه بالظلم وإخراجه في هذه الترهات من أفحش استهتار ومن كانت همته في هذا الحد من التصرف فيما لا يعدو الأجوفين متى تستنجد همته في ضبط بلاده وحفظها وصون رعينه والتوقير لمصالحها ولعمري لقد صدق في كل ذلك
ثم إن يوسف بن تاشفين سأل عن أحوال المعتمد في لذاته هل تختلف فتنقص عما عليه في بعض الأوقات فقيل له بل كل زمانه على هذا فقال أفكل أصحابه وأنصاره على عدوه ومنجديه على الملك ينال حظا من ذلك فقالوا لا قال فكيف ترون رضاهم عنه فقالوا لا رضى لهم عنه فأطرق وسكت وأقام عند المعتمد على تلك الحال أياما
وفي أثنائها استأذن رجل على المعتمد فدخل وهو ذو هيئة رثة وكان من أهل البصائر فلما مثل بين يديه قال أصلحك الله أيها السلطان وإن من اوجب الواجبات شكر النعمة وإن من شكر النعمة إهداء النصائح وإني رجل من رعيتك حالي في دولتك إلى الإختلال أقرب منها إلى الإعتدال ولكنني مع ذلك مستوجب لك من النصيحة ما للملك على رعيته فمن ذلك خبر وقع في أذني من بعض أصحاب ضيفك هذا يوسف بن تاشفين يدل على انهم يرون انفسهم وملكهم أحق بهذه النعمة منك وقد رأيت رأيا فإن آثرت الإصغاء
____________________
(4/375)

إليه قلته فقال المعتمد له قله فقال له رأيت ان هذا الرجل الذى أطلعته على ملكك مستأسد على الملوك قد حطم على زناتة ببر العدوة واخذ الملك من أيديهم ولم يبق على واحد منهم ولا يؤمن أن يطمح إلى الطمع في ملكك بل في ملك جزيرة الأندلس كلها لما قد عاينه من هناءة عيشك وإنه لمتخيل في مثل حالك سائر ملوك الأندلس وإن له من الولد والأقارب وغيرهم من يود له الحلول بما انت فيه من خصب الجناب وقد أردى الأذفونش وجيشه واستأصل شأفتهم وأعدمك منه أقوى ناصر عليه لو احتجت إليه فقد كان لك منه أقوى عضد وأوقى مجن وبعد فإنه إن فات الأمر في الأذفونش فلا يفتك الحزم فيما هو ممكن اليوم فقال له المعتمد وماهو الحزم اليوم فقال أن تجمع امرك على قبض ضيفك هذا واعتقاله في قصرك وتجزم انك لا تطلقه حتى يأمر كل من بجزيرة الأندلس من عسكره أن يرجع من حيث جاء حتى لا يبقى منهم أحد بالجزيرة طفل فمن فوقه ثم تتفق أنت وملوك الجزيرة على حراسة هذا البحر من سفينة تجري فيه له ثم بعد ذلك تستحلفه بأغلظ الأيمان ألا يضمر في نفسه عودا إلى هذه الجزيرة إلا باتفاق منكم ومنه وتأخذ منه على ذلك رهائن فإنه يعطيك من ذلك ما تشاء فنفسه أعز عليه من جميع ما يلتمس منه فعند ذلك يقتنع هذا الرجل ببلاده التى لا تصلح إلا له وتكون قد استرحت منه بعدما استرحت من الأذفونش وتقيم في موضعك على خير حال ويرتفع ذكرك عند ملوك الجزيرة ويتسع ملكك وينسب هذا الاتفاق لك إلى سعادة وحزم وتهابك الملوك ثم اعمل بعد هذا ما يقتضيه حزمك في مجاورة من عاملته هذه المعاملة واعلم أنه قد تهيأ لك من هذا أمر سماوي تتفانى الأمم وتجري بحار الدم دون حصول مثله فلما سمع المعتمد كلام
____________________
(4/376)

الرجل استصوبه وجعل يفكر في انتهاز الفرصة
وكان للمعتمد ندماء قد انهمكوا معه في اللذات فقال أحدهم لهذا الرجل الناصح ماكان المعتمد على الله وهو إمام أهل المكرمات ممن يعامل بالحيف ويغدر بالضيف فقال الرجل إنما الغدر أخذ الحق من يد صاحبه لا دفع الرجل عن نفسه المحذور إذا ضاق به فقال ذلك النديم ضيم مع وفاء خير من حزم مع جفاء ثم إن ذلك الناصح استدرك الأمر وتلافاه فشكر له المعتمد ووصله بصلة واتصل هذا الخبر بيوسف فأصبح غاديا فقدم له المعتمد الهدايا السنية والتحف الفاخرة فقبلها ثم رحل
انتهى خبر وقعة الزلاقة وما يتبعه ملخصا من كتب التاريخ
ولما انقرض بالأندلس ملك ملوك الطوائف بني عباد وبني ذي النون وبني الأفطس وبني صمادح وغيرهم انتظمت في سلك اللمتونيين وكانت لهم فيها وقعات بالأعداء مشهورة في كتب التواريخ دخول الأندلس في طاعة الموحدين
ولما مات يوسف بن تاشفين سنة خمسمائة قام بالملك بعده ابنه أمير المسلمين على بن يوسف وسلك سنن أبيه وإن قصر عنه في بعض الأمور ودفع العدو عن الأندلس مدة إلى أن قيض الله تعالى للثورة عليه محمد بن تومرت الملقب بالمهدي الذي أسس دولة الموحدين فلم يزل يسعى في هدم بنيان لمتونة إلى أن مات ولم يملك حضرة سلطنتهم مراكش ولكنه ملك كثيرا من البلاد فاستخلف عبدالمؤمن بن علي فكان من استيلائه على مملكة اللمتونيين ماهو معروف ثم جاز إلى الأندلس وملك كثيرا منها ثم أخرج الإفرنج من مهدية إفريقية وملك بلادإفريقية وضخم ملكه وتسمى بأمير المسلمين
____________________
(4/377)

عبدالمؤمن بن علي
ولما كانت سنة 545 سار الأذفونش صاحب طليطلة وبلاد الجلالقة إلى قرطبة ومعه أربعون ألف فارس فحاصرها وكان أهلها في غلاء شديد فبلغ الخبر عبدالمؤمن فجهز إليهم جيشا يحتوي على اثني عشر ألف فارس فلما أشرفوا على الأذفونش رحل عنها وكان فيها القائد أبو الغمر السائب فسلمها إلى صاحب جيش عبدالمؤمن يحيى بن ميمون فبات فيها فلما أصبح رأى الفرنج عادوا إلى مكانهم ونزلوا في المكان الذي كانوا فيه فلما عاين ذلك رتب هنالك ناسا وعاد إلى عبدالمؤمن ثم رحل الفرنج إلى ديارهم
وفي السنة بعدها دخل جيش عبدالمؤمن إلى الأندلس في عشرين ألفا عليهم الهنتاتي فصار إليه صاحب غرناطة ميمون وابن همشك وغيرهما فدخلوا تحت طاعة الموحدين وحرصوا على قصد ابن مردنيش ملك شرق الأندلس وبلغ ذلك ابن مردنيش فخاف وأرسل إلى صاحب برشلونة من الإفرنج يستنجده فتجهز إليه في عشرة آلاف من الإفرنج عليهم فارس وسار صاحب جيش عبدالمؤمن إلى أن قارب ابن مردنيش فبلغه أمر البرشلوني الإفرنجي فرجع ونازل مدينة المرية وهي بأيدي الروم فحاصرها فاشتد الغلاء في عسكره فرجع إلى إشبيلية فأقام فيها وسار عبدالمؤمن إلى سبتة فجهز الأساطيل وجمع العساكر
ثم سار عبدالمؤمن سنة 547 إلى المهدية فملكها وملك إفريقية وضخم ملكه كما قدمناه يوسف بن عبدالمؤمن
ولما مات بويع بعده ولده يوسف بن عبدالمؤمن ولما تمهدت له الأمور
____________________
(4/378)

واستقرت قواعد ملكه دخل إلى جزيرة الأندلس لكشف مصالح دولته وتفقد أحوالها وكان ذلك سنة ست وستين وخمسمائة وفي صحبته مائة ألف فارس من الموحدين والعرب فنزل بحضرة إشبيلية وخافه ملك شرق الأندلس مرسية وما انضاف إليها الأمير الشهير أبو عبدالله محمد بن سعد المعروف بابن مردنيش وحمل على قلب ابن مردنيش فمرض مرضا شديدا ومات وقيل إنه سم ولما مات جاء أولاده وأهله إلى أمير المؤمنين يوسف بن عبدالمؤمن وهو بإشبيلية فدخلوا تحت حكمه وسلموا لأحكامه البلاد فصاهرهم وأحسن إليهم وأصبحوا عنده في أعز مكان ثم شرع في استرجاع البلاد التي استولى عليها الإفرنج فاتسعت مملكته بالأندلس وصارت سراياه تغير إلى باب طليطلة وقيل إنه حاصرها فاجتمع الفرنج كافة عليه واشتد الغلاء في عسكره فرجع عنها إلى مراكش حضرة ملكه ثم ذهب إلى إفريقية فمهدها ثم رجع إلى حضرته مراكش ثم جاز البحر إلى الأندلس سنة ثمانين وخمسمائة ومعه جمع كثيف وقصد غربي بلادها فحاصر مدينة شنترين وهي من أعظم بلاد العدو وبقي محاصرا لها شهرا فأصابه المرض فمات في السنة المذكورة وحمل في تابوت إلى إشبيلية وقيل أصابه سهم من قبل الإفرنج والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة الحال
وفي ابنه السيد أبي إسحاق يقول مطرف التجيبي رحمه الله تعالى
( سعد كما شاء العلا والفخار ** تصرف الليل به والنهار )
( مادانت الأرض لكم عنوة ** وإنما دانت لأمر كبار )
( مهدتموها فصفا عيشها ** واتصل الأمن فنعم القرار )
____________________
(4/379)


ومنها
( فالشاة لا يختلها ذئبها ** وإن أقامت معه في وجار ) يعقوب المنصور
ولما مات يوسف قام بالأمر بعده ابنه الشهير أمير المؤمنين يعقوب المنصور ابن يوسف بن عبدالمؤمن فقام بالأمر أحسن قيام ولما مات يوسف المذكور رثاه أديب الأندلس أبو بكر يحيى بن مجبر بقصيدة طويلة أجاد فيها وأولها
( جل الأسى فأسل دم الأجفان ** ماء الشؤون لغير هذا الشان )
ويعقوب المنصور هو الذي أظهر أبهة ملك الموحدين ورفع راية الجهاد ونصب ميزان العدل وبسط الأحكام الشرعية وأظهر الدين وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وأقام الحدود على القريب والبعيد وله في ذلك أخبار وفيه يقول الأديب أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الكانمي الأسود الشاعر المشهور
( أزال حجابه عني وعيني ** تراه من المهابة في حجاب )
( وقربني تفضله ولكن ** بعدت مهابة عند اقترابي )
وكثرت الفتوحات في أيامه واول ما نظر فيه عند صيرورة الأمر إليه بلاد الأندلس فنظر في شأنها ورتب مصالحها وقرر المقاتلين في مراكزهم ورجع إلى كرسي مملكته مراكش المحروسة وفي سنة 586 بلغه أن الإفرنج ملكوا مدينة شلب وهي من غرب الأندلس فتوجه إليها بنفسه وحاصرها وأخذها وانفذ في الوقت جيشا من الموحدين والعرب ففتح أربع مدن مما بأيدي الإفرنج من البلاد التى كانوا أخذوها من المسلمين قبل ذلك بأربعين سنة وخافه صاحب طليطلة وسأله الهدنة والصلح فهادنه خمس سنين وعاد إلى مراكش
____________________
(4/380)


وأنشد القائد أبو بكر بن عبدالله بن وزير الشلبي وهو من أمراء كتائب إشبيلية قصيدة يخاطب بها يعقوب المنصور فيما جرى في وقعة مع الفرنج كان الشلبي المذكور مقدما فيها
( ولما تلاقينا جرى الطعن بيننا ** فمنا ومنهم طائحون عديد )
( وجال غرار الهند فينا وفيهم ** فمنا ومنهم قائم وحصيد )
( فلا صدر إلا فيه صدر مثقف ** وحول الوريد للحسام ورود )
( صبرنا ولا كهف سوى البيض والقنا ** كلانا على حر الجلاد جليد )
( ولكن شددنا شدة فتبلدوا ** ومن يتبلد لا يزال يجيد )
( فولوا وللسمر الطوال بهامهم ** ركوع وللبيض الرقاق سجود ) رجع إلى أخبار المنصور بعد هدنة الإفرنج
ولما انقضت مدة الهدنة ولم يبق منها إلا القليل خرج طائفة من الإفرنج في جيش كثيف إلى بلاد المسلمين فنهبوا وسعوا وعاثوا عيثا فظيعا فانتهى الخبر إليه فتجهز لقصدهم في جيوش موفرة وعساكر مكتبة واحتفل في ذلك وجاز إلى الأندلس سنة 591 فعلم به الإفرنج فجمعوا جمعا كثيرا من أقاصي بلادهم وأدانيها وأقبلوا نحوه وقيل إنه لما أراد الجواز من مدينة سلا مرض مرضا شديدا ويئس منه أطباؤه فعاث الأذفونش في بلاد المسلمين بالأندلس وانتهز الفرصة وتفرقت جيوش المسلمين بسبب مرض السلطان فأرسل
____________________
(4/381)

الأذفونش يتهدد ويتوعد ويرعد ويبرق ويطلب بعض الحصون المتاخمة له من بلاد الأندلس وخلاصة الأمر ان المنصور توجه بعد ذلك إلى لقاء النصارى وتزاحف الفريقان فكان المصاف شمالي قرطبة على قرب قلعة رباح في يوم الخميس تاسع شعبان سنة 591 فكانت بينهم وقعة عظيمة استشهد فيها جمع كبير من المسلمين
وحكي ان يعقوب المنصور جعل مكانه تحت الأعلام السلطانية الشيخ أبا يحيى ابن أبي حفص عم السلطان أبي زكريا الحفصي الذى ملك بعد ذلك إفريقية وخطب له ببعض الأندلس فقصد الإفرنج الأعلام ظنا أن السلطان تحتها فأثروا في المسلمين أثرا قبيحا فلم يرعهم إلا والسلطان يعقوب قد أشرف عليهم بعد كسر شوكتهم فهزمهم شر هزيمة وهرب الأذفونش في طائفة يسيرة وهذه وقعة الأرك الشهيرة الذكر
وحكي أن الذي حصل لبيت المال من دروع الإفرنج ستون ألفا وأما الدواب على اختلاف أنواعها فلم يحصر لها عدد ولم يسمع بعد وقعة الزلاقة بمثل وقعة الأرك هذه وربما صرح بعض المؤرخين بأنها أعظم من وقعة الزلاقة
وقيل ان فل الإفرنج هربوا إلى قلعة رباح فتحصنوا بها فحاصرها السلطان يعقوب حتى أخذها وكانت قبل للمسلمين فأخذها العدو فردت في هذه المرة ثم حاصر طليطلة وقاتلها أشد قتال وقطع أشجارها وشن الغارات على أرجائها وأخذ من أعمالها حصونا وقتل رجالها وسبى حريمها وخرب منازلها وهدم أسوارها وترك الإفرنج في أسوأ حال ولم يبرز إليه أحد من المقاتلة ثم رجع إلى إشبيلية وأقام إلى سنة 593 فعاد إلى بلاد الفرنج وفعل فيها الأفاعيل فلم يقدر العدو على لقائه وضاقت على الإفرنج الأرض بما رحبت فطلبوا الصلح فأجابهم إليه لما بلغه من ثورة الميرقي عليه بإفريقية مع قراقوش مملوك بني أيوب سلاطين مصر والشام
ثم توفي السلطان يعقوب سنة 595 وما يقال إنه ساح في الأرض
____________________
(4/382)

وتخلى عن الملك ووصل الى الشام ودفن بالبقاع لا أصل له وإن حكى ابن خلكان بعضه وممن صرح ببطلان هذا القول الشريف الغرناطي في شرح مقصورة حازم وقال إن ذلك من هذيان العامة لولوعهم بالسلطان المذكور محمد الناصر ووقعة العقاب
وولي بعده والده محمد الناصر المشؤوم على المسلمين وعلى جزيرة الأندلس بالخصوص فإنه جمع جموعا اشتملت على ستمائة ألف مقاتل فيما حكاه صاحب الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية ودخله الإعجاب بكثرة من معه من الجيوش فصاف الإفرنج فكانت عليه وعلى المسلمين وقعة العقاب المشهورة التى خلا بسببها أكثر المغرب واستولى الإفرنج على أكثر الأندلس بعدها ولم ينج من الستمائة ألف مقاتل غير عدد يسير جدا لم يبلغ الأف فيما قيل وهذه الوقعة هي الطامة على الأندلس بل والمغرب جميعا وماذاك إلا لسوء التدبير فإن رجال الأندلس العارفين بقتال الإفرنج استخف بهم الناصر ووزيره فشنق بعضهم ففسدت النيات فكان ذلك من بخت الإفرنج والله غالب على أمره وكانت وقعة العقاب هذه المشؤومة سنة 609 ولم تقم بعدها للمسلمين قائمة تحمد نهاية الموحدين
ولما مات الناصر سنة عشرين وستمائة ولي بعده ابنه يوسف المستنصر وكان مولعا بالراحة فضعفت الدولة في أيامه وتوفي سنة 620
____________________
(4/383)


فتولى عم أبيه عبدالواحد بن يوسف بن عبدالمؤمن فلم يحسن التدبير وكان إذ ذاك بالأندلس العادل بن المنصور فرأى أنه أحق بالأمر فاستولى على ما بقي في أيدي المسلمين من الأندلس بغير كلفة ولما خلع عبدالواحد وخنق بمراكش ثارت الإفرنج على العادل بالأندلس وتصاف معهم فانهزم ومن معه من المسلمين هزيمة شنعاء فكانت الأندلس قرحا على قرح فهرب العادل وركب البحر يروم مراكش وترك بإشبيلية اخاه أبا العلاء إدريس ودخل العادل مراكش بعد خطوب ثم قبض عليه الموحدون وقدموا يحيى بن الناصر صغير السن غير مجرب للأمور فادعى حينئذ الخلافة أبو العلاء إدريس بإشبيلية وبايعه أهل الأندلس ثم بايعه أهل مراكش وهو مقيم بالأندلس فثار على أبي العلاء بالأندلس الأمير المتوكل محمد بن يوسف الجذامي ودعا إلى بني العباس فمال الناس إليه ورجعوا عن أبي العلاء فخرج عن الأندلس أعنى أبا العلاء وترك ماوراء البحر لابن هود ولم يزل أبو العلاء يتحارب مع يحيى ابن الناصر إلى أن قتل يحيى وصفا الأمر لأبي العلاء بالمغرب دون الأندلس ثم مات سنة 630
وبويع ابنه الرشيد وبايعه بعض أهل الأندلس ثم توفي سنة 640
وولي بعده اخوه السعيد وقتل على حصن بينه وبين تلمسان سنة 646
وولي بعده المرتضى عمر بن ابراهيم بن يوسف بن عبدالمؤمن وفي سنة 665 دخل عليه الواثق المعروف بأبي دبوس ففر ثم قبض وسيق إلى الواثق فقتله ثم قتل الواثق بنو مرين سنة 668 وبه انقرضت دولة بني عبدالمؤمن وكانت من أعظم الدول الإسلامية فاستولى بنو مرين على المغرب ظهور ابن هود وابن الأحمر
وأما المتوكل بن هود فملك معظم الأندلس ثم كثرت عليه الخوارج قريب موته وقتله غدرا وزيره ابن الرميمي بالمرية واغتنم الإفرنج الفرصة بافتراق
____________________
(4/384)

الكلمة فاستولوا على كثير مما بقي بأيدي المسلمين من البلاد والحصون
ثم آل الأمر إلى ان ملك بنو الأحمر وخطب بعض أهل الأندلس لأبي زكريا الحفصي صاحب إفريقية وقد سبق الكلام على أكثر المذكور هنا وأعدناه لتناسق الحديث ولما في بعضه من زيادة الفائدة على البعض الآخر وذلك لايخفى على المتأمل وقد بسطنا في الباب الثالث احوال ابن هود وابن الأحمر وغيرهما رحم الله تعالى الجميع الدولة المرينية
ثم استفحل ملك يعقوب بن عبدالحق صاحب المغرب وحضرة ملك فاس فانتصر به أهل الأندلس على الإفرنج الذين تكالبوا عليهم فاجتاز إلى الأندلس وهزم الإفرنج أشد هزيمة حتى قال بعضهم ما نصر المسلمون من العقاب حتى دخل يعقوب المريني وفتك في بعض غزواته بملك من النصارى يقال له ذوننه ويقال إنه قتل من جيشه أربعين ألفا وهزمهم أشد هزيمة ثم تتابعت غزواته بالأندلس وجوازه للجهاد وكان له من بلاد الأندلس رندة والجزيرة الخضراء وطريف وجبل طارق وغير ذلك وأعز الله تعالى به الدين بعد تمرد الفرنج المعتدين ولما مات ولي بعده ابنه يوسف بن يعقوب ففر إليه الأذفونش ملك النصارى لائذا به وقبل يده ورهن عنده تاجه فاعانه على استرجاع ملكه
ولم يزل ملوك بني مرين يعينون أهل الأندلس بالمال والرجال وتركوا منهم حصة معتبرة من أقارب السلطان بالأندلس غزاة فكانت لهم وقائع في العدو مذكورة ومواقف مشكورة وكان عند ابن الأحمر منهم جماعة بغرناطة وعليهم رئيس من بيت ملك بني مرين يسمونه شيخ الغزاة
ولما أفضى الملك إلى السلطان الكبير الشهير أبي الحسن المريني وخلص له المغرب وبعض بلاد الأندلس أمر بإنشاء الأساطيل الكثيرة برسم الجهاد بالأندلس
____________________
(4/385)

واهتم بذلك غاية الاهتمام فقضى الله تعالى أن استولى الإفرنج على كثير من تلك المراكب بعد أخذهم الجزيرة الخضراء وكان الإفرنج جمعوا جموعا كثيرة برسم الاستيلاء على مابقي للمسلمين بالأندلس فاستنفر أهل الأندلس السلطان أبا الحسن المذكور فجاء بنفسه إلى سبتة فرضة المجاز ومحل أساطيل المسلمين فإذا بالإفرنج جاءوا بالسفن التي لا تحصى ومنعوه العبور وإغاثة أهل الأندلس حتى استولوا على الجزيرة الخضراء وأنكوه في مراكبه أعظم نكاية ولله الأمر وقد أفصح عن ذلك كتاب صدر من السلطان أبي الحسن المذكور إلى سلطان مصر والشام والحجاز الملك الصالح ابن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاوون الصالحي الألفي رحم الله تعالى الجميع رسالة من أبي الحسن المريني إلى الملك الصالح 745 هـ
وهذه نسخة الكتاب المذكور الذي خاطب به أمير المسلمين السلطان أبو الحسن المريني المذكور ملك المغرب رحمه الله تعالى السلطان الملك الصالح ابن السلطان الملك الشهير الكبير الناصر محمد بن قلاوون ووصل إلى مصر في النصف وقيل في العشر الأواخر من شعبان المكرم سنة 745 بعد البسملة والصلاة من عند عبدالله أمير المسلمين المجاهد في سبيل الله رب العالمين المنصور بفضل الله المتوكل عليه المعتمد في جميع اموره لديه سلطان البرين حامي العدوتين مؤثر المرابطة والمثاغرة مؤازر حزب الإسلام حق المؤازرة ناصر الاسلام مظاهر دين الملك العلام ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين فخر السلاطين حامي حوزة الدين ملك البرين إمام العدوتين ممهد البلاد مبدد شمل الأعاد مجند الجنود المنصور الرايات والبنود محط الرحال مبلغ الآمال أبي سعيد ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين حسنة الأيام حسام الإسلام أبي الأملاك شجا أهل العناد والإشراك مانع البلاد رافع علم الجهاد
____________________
(4/386)

مدوخ أقطار الكفار مصرخ من ناداه للانتصار القائم لله باعلاء دين الحق أبي يوسف يعقوب بن عبدالحق أخلص الله لوجهه جهاده ويسر في قهر عداة الدين مراده
إلى محل ولدنا الذي طلع في أفق العلاء بدرا تما وصدع بانواع الفخار فجلا ظلاما وظلما وجمع شمل المملكة الناصرية فأعلى منها علما وأحيا لها رسما حائط الحرمين القائم بحفظ القبلتين باسط الأمان قابض كف العدوان الجزيل النوال الكفيل تامينه بحياطة النفوس والأموال قطب المجد وسماكه حب الحمد وملاكه السلطان الجليل الرفيع الأصيل الحافل العادل الفاضل الكامل الشهير الخطير الأضخم الأفخم المعان المؤزر المؤيد المظفر الملك الصالح ابو الوليد إسماعيل ابن محل أخينا الشهير علاؤه المستطير في الآفاق ثناؤه زين الأيام والليال كمال عين إنسان المجد وإنسان عين الكمال وارث الدول النافث بصحيح رأيه في عقود اهل الملل والنحل حامي القبلتين بعدله وحسامه النامي في حفظ الحرمين أجر اضطلاعه بذلك وقيامه هازم أحزاب المعاندين وجيوشها هادم الكنائس والبيع فهي خاوية على عروشها السلطان الأجل الهمام الأحفل الأفخم الأضخم الفاضل العادل الشهير الكبير الرفيع الخطير المجاهد المرابط المقسط عدله في الجائر والقاسط المؤيد المظفر المنعم المقدس المطهر زين السلاطين ناصر الدنيا والدين أبي المعالي محمد ابن الملك الأرضى الهمام الأمضى والد السلاطين الأخيار عاقد لواء النصر في قهر الأرمن والفرنج والتتار ومحيي رسوم الجهاد معلي كلمة الإسلام في البلاد جمال الأيام ثمال الأعلام فاتح الأقالم صالح ملوك عصره المتقادم الإمام المؤيد المنصور المسدد قسيم أمير المؤمنين فيما تقلد الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون مكن الله له تمكين اوليائه ونمى دولته التى أطلعها السعد شمسا في سمائه وأحسن إيزاغه للشكر أن جعله وارث آبائه
____________________
(4/387)


سلام كريم يفوح زهر الربى مسراه وينافح نسيم الصبا مجراه يصحبه رضوان يدوم مادامت تقل الفلك حركاته ويتولاه روح وريحان تحييه به رحمة الله وبركاته اما بعد حمد الله مالك الملك جاعل العاقبة للتقوى صدعا باليقين ودفعا للشك وخاذل من أسر في النفاق النجوى فأصر على الدخن والإفك على سيدنا محمد رسوله الذي محا بانوار الهدى ظلم الشرك ونبيه الذي ختم به الأنبياء وهو واسطة ذلك السلك ودحا به حجة الحق فمادت بالكفرة محمولة الأفلاك وماجت بهم حاملة الفلك والرضى عن آله وصحبه الذين سلكوا سبيل هداه فسلك في قلوبهم أجمل السلك وملكوا أعنة هواهم فلزموا من محجة الصواب أنجح السلك وصابروا في جهاد الأعداء فزاد خلوصهم مع الابتلاء والذهب يزيد خلوصا على السبك والدعاء لأولياء الإسلام وحماته الأعلام بنصر لمضائه في العدا أعظم الفتك ويسر بقضائه درك آمال الظهور وأحفل بذلك الدرك فكتبناه إليكم كتب الله لكم رسوخ القدم وسبوغ النعم من حضرتنا بمدينة فاس المحروسة وصنع الله سبحانه يعرف مذاهب الألطاف ويكيف مواهب تلهج الألسنة في القصور عن شكرها بالاعتراف ويصرف من أمره العظيم وقضائه المتلقى بالتسليم ما يتكون بين النون والكاف ومكانكم العتيد سلطانه وسلطانكم المجيد مكانه وولاؤكم الصحيح برهانه وعلاؤكم الفسيح في مجال الجلال ميدانه وإلى هذا زاد الله سلطانكم تمكينا وأفاد مقامكم تحصينا وتحسينا وسلك بكم من سنن من خلفتموه سبيلا مبينا فلا خفاء بما كانت عقدته أيدي التقوى ومهدته الرسائل التى على الصفاء تطوى بيننا وبين والدكم نعم الله روحه وقدسه وبقربه مع الأبرار في عليين آنسه من مواخاة احكمت منها العهود تالية الكتب والفاتحة وحفظ عليها محكم الإخلاص معوذتاها المحبة والنية الصالحة فانعقدت على التقوى والرضوان واعتضدت بتعارف الأرواح عند تنازح الأبدان حتى استحكمت وصلة الولاء والتأمت كلحمة النسب لحمة
____________________
(4/388)

الإخاء فما كان إلا وشيكا من الزمان ولا عجب قصر زمن الوصلة أن يشكوه الخلان ورد وارد رنق المشارب وحقق قول ومن يسأل الركبان عن كل غائب أنبأ باستئثار الله تعالى بنفسه الزكية وإكنان درته السنية وانقلابه إلى ما أعد له من المنازل الرضوانية بجليل ما وقر لفقده في الصدور وعظيم ما تأثرت له النفوس لوقوع ذلك المقدور حنانا للإسلام بتلك الأقطار وإشفاقا من أن يعتور قاصدي بيت الله الحرام من جراء الفتن عارض الإضرار ومساهمة في مصاب الملك الكريم والولي الحميم ثم عميت الأخبار وطويت طي السجل الآثارفلم نر مخبرا صدقا ولا معلما بمن استقر له ذلكم الملك حقا
وفي أثناء ذلك أحفزنا للحركة عن حضرتنا استصراخ اهل الأندلس وسلطانها وتواتر الأخبار بأن النصارى اجمعوا على خراب أوطانها ونحن أثناء ذلكم الشان نستخبر الوراد من تلكم البلدان عما اجلى عنه ليل الفتن بتلكم الأوطان فبعد لأي وقعنا منها على الخبير وجاءنا بوقاية حرم الله بكم البشير وتعرفنا أن الملك استقر منكم في نصابه وتداركه الله تعالى منكم بفاتح الخير من أبوابه فأطفأ بكم نار الفتنة واخمدها وأبرأ من أدواء النفاق ما أعل البلاد وأفسدها فقام سبيل الحج سابلا وتعبد طريقه لمن جاء قاصدا وقافلا ولما احتفت بهذا الخبر القرائن وتواتر بنقل الحاضر له والمعاين أثار حفظ الاعتقاد البواعث والود الصحيح تجره حقا الموارث فأصدرنا لكم هذه المخاطبة المتفننة الأطوار الجامعة بين الخبر والاستخبار الملبسة من العزاء والهناء ثوبي الشعار والدثار ومثل ذلكم الملك رضوان الله عليه من تجل المصائب لفقدانه وتحل عرى الاصطبار بموته ولات حين اوانه لكن الصبر أجمل ما ارتداه ذو عقل حصين والأجر أولى ما اقتناه ذو دين متين ومثلكم من لايخف وقاره ولا يشف عن ظهور الجزع الحادث اصطباره ومن خلفكم فما مات ذكره ومن
____________________
(4/389)

قمتم بأمره فما زال بل زاد فخره وقد طالت والحمد لله العيشة الراضية بالحقب وطاب بين مبداه ومحتضره هنيئا بما من الأجر اكتسب وصار حميدا إلى خير المنقلب ووفد من كرم الله على أفضل ما منح موقنا ووهب فقد ارتضاكم الله بعده لحياطة أرضه المقدسة وحماية زوار بيته مقيلة أو معرسة ونحن بعد بسط هذه التعزية نهنيكم بما يخولكم الله أجمل التهنية وفي ذات الله الإيراد والإصدار وفي مرضاته سبحانه الإضمار والإظهار فاستقبلوا دولة ألقى العز عليها رواقه وعقد الظهور عليها نطاقه وأعطاها أمان الزمان عقده وميثاقه ونحن على ما عاهدنا عليه الملك الناصر رضوان الله عليه من عهود موثقة وموالاة محققة وثناء كمائمه عن أذكى من الزهر غب القطر مفتقة
ولم يغب عنكم ماكان من بعثنا المصحفين الأكرمين اللذين خطتهما منا اليمين وأوت بهما الرغبة من الحرمين الشريفين إلى قرار مكين وإنه كان لوالدكم الملك الناصر تولاه الله برضوانه واورده موارد إحسانه في ذلكم من الفعل الجميل والصنع الجليل ما ناسب مكانه الرفيع وشاكله فضله من البر الذي لا يضيع حتى طبق فعله الآفاق ذكرا وطوق أعناق الوراد والقصاد برا وكان من اجمل ما به تحفى واتحف وأعظم ما بعرفه إلى رضى الملك العلام في ذلك تعرف إذنه للمتوجهين إذ ذاك في شراء رباع توقف على المصحفين ورسم المراسم المباركة بتحرير ذلك الوقف مع اختلاف الجديدين فجرت أحوال القراء فيهما بذلك الخراج المستفاد ريثما يصلحهم من خراج ما وقفناه عليهم بهذه البلاد على ما رسمه رحمة الله عليه من عناية بهم متصلة واحترام في تلك الأوقاف فوائدها به متوفرة متحصلة وقد أمرنا مؤدي هذا لكمالكم وموفده على جلالكم كاتبنا الأسني الفقيه الأجل الأحظى الأكمل أبا المجد ابن كاتبنا الشيخ الفقيه الأجل الحاج الأتقى الأرضى الأفضل الأحظى الأكمل المرحوم أبي عبدالله ابن أبي مدين حفظ الله عليه رتبته ويسر في قصد
____________________
(4/390)

البيت الحرام بغيته بان يتفقد أحوال تلك الأوقاف ويتعرف تصرف الناظر عليها وما فعله من سداد وإسراف وأن يتخير لها من يرتضى لذلك ويحمد تصرفه فيما هنالك وخاطبنا سلطانكم في هذا الشأن جريا على الود الثابت الأركان وإعلاما بما لوالدكم رحمه الله تعالى في ذلك من الأفعال الحسان وكمالكم يقتضي تخليد ذلكم البر الجميل وتجديد عمل ذلكم الملك الجليل وتشييد ما اشتمل عليه من الشكر الأصيل والأجر الجزيل والتقدم بالإذن السلطاني في إعانة هذا الوفد بهذا الكتاب على ما يتوخاه في ذلك الشأن من طرق الصواب وثناؤنا عليكم الثناء الذي يفاوح زهر الربى ويطارح نغم حمام الأيك مطربا
وبحسب المصافاة ومقتضى الموالاة نشرح لكم المتزايدات بهذه الجهات وننبئكم بموجب إبطاء هذا الخطاب على ذلكم الجناب وذلك انه لما وصلنا من الأندلس الصريخ ونادى مناد للجهاد عزما لمثل ندائه يصيخ أنبأنا أن الكفار قد جمعوا أحزابهم من كل صوب وحتم عليهم باباهم اللعين التناصر من كل أوب وان تقصد طوائفهم البلاد الأندلسية بإيجافها وتنقص بالمنازلة أرضها من أطرافها ليمحوا كلمة الإسلام منها ويقلصوا ظل الإيمان عنها فقدمنا من يشتغل بالأساطيل من القواد وسرنا على إثرهم إلى سبتة منتهى المغرب الأقصى وباب الجهاد فما وصلناها إلا وقد أخذ أخذه العدو الكفور وسدت أجفان الطواغيت على التعاون مجاز العبور واتوا من أجفانهم بما لا يحصى عددا وأرصدوها بمجمع البحر حيث المجاز إلى دفع العدا وتقلصوا عن الانبساط في البلاد واجتمعوا إلى الجزيرة الخضراء أعادها الله بكل من جمعوه من الأعاد لكنا مع انسداد تلك السبيل وعدم أمور نستعين بها في ذلكم العمل الجليل حاولنا إمداد تلكم البلاد بحسب الجهد وأصرخناهم بمن أمكن من الجند وجهزنا أجفانا مختلسين فرصة الإجازة تتردد على خطر بمن جهز للجهاد جهازه وأمرنا لصاحب الأندلس من المال بما يجهز به حركته
____________________
(4/391)

لمداناة محلة حزب الضلال وأجرينا له و لجيشه العطاء الجزل مشاهرة وأرضخنا لهم في النوال ما نرجو به ثواب الآخرة وجعلت أجفاننا تتردد في ميناء السواحل وتلج أبواب الخوف العاجل لإحراز الأمن الآجل مشحونة بالعدد الموفورة والأبطال المشهورة والخيل المسومة والأقوات المقومة فمن ناج حارب دونه الأجل وشهيد مضى لما عند الله عز وجل ومازالت الأجفان تتردد على ذلك الخطر حتى تلف منها سبع وستون قطعة غزوية أجرها عند الله يدخر ثم لم نقنع بهذا العمل في الأمداد فبعثنا أحد أولادنا أسعدهم الله تعالى مساهمة به لأهل تلك البلاد فلقي من هول البحر وارتجاجه وإلحاح العدو ولجاجه مابه الأمثال تضرب وبمثله يتحدث ويستغرب ولما خلص لتلك العدوة بمن أبقته الشدائد نزل بإزاء الكافر الجاحد حتى كان منه بفرسخين أو أدنى وقد ضرب بعطن يصابح العدو ويماسيه بحرب بها يمنى
وقد كان من مددنا بالجزيرة جيش شريت شرارته وقويت في الحرب إدارته يبلون البلاد الأصدق ولا يبالون بالعدو وهم منه كالشامة البيضاء في البعير الأورق إلا أن المطاولة بحصرها في البحر مدة ثلاثة أعوام ونصف ومنازلتها في البر نحو عامين معقودا عليها الصف بالصف أدى إلى فناء الأقوات بالبلد حتى لم يبق لأهله قوت نصف شهر مع انقطاع المدد وبه من الخلق مايربي على عشرة آلاف دون الحرم والولد فكتب إلينا سلطان الأندلس يرغب في الإذن له في عقد الصلح ووقع الاتفاق على انه لاستخلاص المسلمين من وجوه النجح فأذنا له فيه الإذن العام إذ في إصراخه وإصراخ من بقطره من المسلمين توخينا ذلك المرام هنالك دعي النصارى إلى السلم فاستجابوا وقد كانوا علموا فناء القوت وما استرابوا فتم الصلح إلى عشر سنين وخرج من بها من فرسان ورجال وأهل وبنين ولم يرزأوا مالا ولا عدة ولا لقوا في خروجهم غير النزوع عن أول أرض مس الجلد ترابها شدة ووصلوا إلينا فأجزلنا لهم العطاء وأسليناهم عما جرى بالحباء فمن خيل تزيد على الألف
____________________
(4/392)

عتاقها وخلع تربي على عشرة آلاف أطواقها واموال عمت الغني والفقير ورعاية شملت الجميع بالعيش النضير وكف الله ضر الطواغيت عما عداها وما انقلبوا بغير مدرة عفا رسمها وصم صداها
وقد كان من لطف الله حين قضى باخذ هذا الثغر ان قدر لنا فتح جبل طارق من أيدي الكفر وهو المطل على هذه المدرة والفرصة منها إن شاء الله متيسرة حتى يفرق عقد الكفار ويفرج بهذه الجهة منهم مجاورو هذه الأقطار فلولا إجلابهم من كل جانب وكونهم سدوا مسلك العبور بما لجميعهم من الأجفان والمراكب لما بالينا بإصعاقهم ولحللنا بعون الله عقد اتفاقهم ولكن للموانع أحكام ولاراد لما جرت به الأقلام وقد أمرنا لذلك الثغر بمزيد المدد وتخيرنا له ولسائر تلك البلاد العدد والعدد وعدنا لحضرتنا فاس لتستريح الجيوش من وعثاء السفر وترتبط الجياد وتنتخب العدد لوقت الظهور المنتظر وتكون على أهبة الجهاد وعلى مرقبة الفرصة عند تمكنها في الأعاد
وعند عودنا من تلك المحاولة تيسر الركب الحجازي موجها إلى هنالكم رواحله فأصدرنا إليكم هذا الخطاب إصدار الود الخالص والحب اللباب وعندنا لكم ماعند أحنى الآباء واعتقادنا فيكم في ذات الله لا يخشى جديده من البلاء وما لكم من غرض بهذه الأنحاء فموفى قصده على أكمل الأهواء موالى تتميمه على أجمل الآراء والبلاد باتحاد الود متحدة والقلوب والأيدي على ما فيه مرضاة الله عز وجل منعقدة جعل الله ذلكم خالصا لرب العباد مدخورا ليوم التناد مسطورا في الأعمال الصالحة يوم المعاد بمنه وفضله وهو سبحانه وتعالى يصل إليكم سعدا تتفاخر به سعود الكواكب
____________________
(4/393)

وتتضافر على الانقياد له صدور المواكب وتتقاصر عن نيل مجده متطاولات المناكب والسلام الأتم يخصكم كثيرا أثيرا ورحمة الله وبركاته وكتب في يوم الخميس السادس والعشرين لشهر صفر المبارك من عام خمسة وأربعين وسبعمائة وصورة العلامة وكتب في التاريخ المؤرخ جواب الملك الصالح من إنشاء الصفدي
ونسخة الجواب عن ذلك من إنشاء خليل الصفدي شارح لامية العجم في سادس شهر رمضان سنة خمس وأربعين وسبعمائة بعد البسملة في قطع النصف بقلم الثلث عبدالله ووليه صورة العلامة ولده إسماعيل بن محمد السلطان الممالك الصالح السيد العالم العادل المؤيد المجاهد المرابط المثاغر المظفر المنصور عماد الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين محيي العدل في العالمين منصف المظلومين من الظالمين وارث الملك ملك العرب والعجم والترك فاتح الأقطار واهب الملك والأمصار إسكندر الزمان مملك أصحاب المنابر والأسرة والتخوت والتيجان ظل الله في أرضه القائم بسنته وفرضه مالك البحرين خادم الحرمين الشريفين سيد الملوك والسلاطين جامع كلمة الموحدين ولي أمير المؤمنين أبو الفداء إسماعيل ابن السلطان الشهيد السعيد الملك الناصر ناصر الدنيا والدين أبي الفتح محمد ابن السلطان الشهيد السعيد الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون خلد الله تعالى سلطانه وجعل الملائكة أنصاره وأعوانه يخص المقام العالي الملك الأجل الكبير المجاهد المؤيد المرابط المثاغر المعظم المكرم المظفر المعمر الأسعد الأصعد الأوحد الأمجد الأنجد السني السري المنصور أبا الحسن على ابن أمير المسلمين أبي سعيد ابن أمير المسلمين أبي يوسف
____________________
(4/394)

يعقوب بن عبدالحق أمده الله بالظفر وقرن عزمه بالتأييد في الآصال والبكر
سلام وشت البروق وشائعه وادخرت الكواكب ودائعه واستوعب الزمان ماضيه ومستقبله ومضارعه وثناء اتخذ النفحات المسكية طلائعه ونبه للتغريد في الروض سواجعه وجلى في كأسه من الشفق المحمر مدامه ومن النجوم فواقعه بعد حمد الله على نعم أدت لنا الأمانة في عود سلطنة والدنا الموروثة وأجلستنا على سرير مملكة زرابيها بين النجوم مبثوثة وأحسنت بنا الخلف عن سلف عهوده في الأعناق غير منكورة ولا منكوثة وصلاته على سيدنا محمد عبده ورسوله وعلى آله وصحبه الذين بلغ بجهادهم في الكفرة غاية أمله وسوله صلاة تحط بالرضوان سيولها وتجر بالغفران ذيولها ما تراسل أصحاب وتواصل أحباب ويوضح للعلم الكريم ورود كتابكم العظيم وخطابكم الفائق على الدر النظيم تفاخر الخمائل سطوره ويصبغ خد الورد بالخجل منثوره ويحكي الرياض اليانعة فالألفات غصونه والهمزات عليها طيوره ويخلع على الآفاق حلل الأيام والليالي فالطرس صباحه والنفس ديجوره لفظه يطرب ومعناه يعرب فيغرب وبلاغته تدل على أنه آية لأن شمس بيانها طلعت من المغرب فاتخذنا سطوره ريحانا ورجعنا ألفاته ألحانا ورجعنا إلى الجد فشبهنا ألفاظه بظلال الرماح وورقه بصقال الصفاح وحروفه المفرقة بأفواه الجراح وسطوره المنتظمة بالفرسان المزدحمة في يوم الكفاح وانتهينا إلى ما أودعتموه من اللفظ المسجوع والمعنى الذي يطرب طائره المسموع والبلاغة التى فضح المتطبع بيانها المطبوع
فأما العزاء بأخيكم الوالد قدس الله روحه وسقى عهده وأحسن لسلفه خلفنا بعده فلنا برسول الله أسوة حسنة ولولا الوثوق بأنه في عدة الشهداء ما رأى القلب قراره ولا الطرف وسنه عاش سعيدا يملك الأرض ومات
____________________
(4/395)

شهيدا يفوز بالجنة يوم العرض قد خلد الله ذكره يسير مسير الشمس في الآفاق ويوقف على نضارة حدائقه نظرات الأحداق وورثنا منه حسن الإخاء لكم والوفاء بعهود مودة تشبه في اللطف شمائلكم واما الهناء بوراثة ملكه والانخراط مع الملوك في سلكه فقد شكرنا لكم منحى هذه المنحه وقابلناها بثناء يعطر النسيم في كل نفحه ووقفنا عليها حمدا جعل الود علينا إيراده وعلى أنفاس سرحه الروض شرحه وتحققنا به حسن ودكم الجميل وكريم إخائكم الذي لا يميد طود رسوخه ولا يميل
واما ما ذكرتموه من امر المصحفين الشريفين اللذين وقفتموهما على الحرمين المنيفين وانكم جهزتم كاتبكم الفقيه الأجل الأسنى الأسمى أبا المجد ابن كاتبكم أبي عبدالله ابن أبي مدين أعزه الله تعالى لتفقد احوالهما والنظر في امر أوقافهما فقد وصل المذكور بمن معه في حرز السلامة وأكرمنا نزلهم وسهلنا بالترحيب سبلهم وجمعنا على بذل الإحسان إليهم شملهم وحضر المذكور بين أيدينا وقربناه وسمعنا كلامه وخاطبناه وأمرنا في أمر المصحفين الشريفين بما أشرتم ورسمنا لنوابنا في نواحي أوقافهما بما ذكرتم وهذا الوقف المبرور جار على أحسن عادة الفها وأثبت قاعدة عرفها مرعي الجوانب محمي المنازل والمضارب آمن من إزالة رسمه أو إزالة حكمه بدره أبدا في مطالع تمه وزهره دائما يرقص في كمه لا يزداد إلا تخليدا ولا إطلاق ثبوته إلا تقييدا ولا عنق اجتهاده إلا تقليدا جريا على عادة أوقاف ممالكنا وقاعدة تصرفاتنا في مسالكنا وله مزيد من الرعاية وإفادة الحماية ووفادة العناية
وأما ما وصفتموه من أمر الجزيرة الخضراء ومالاقاه أهلها ومني به من
____________________
(4/396)

الكفار حزنها وسهلها فإنه شق علينا سماعه الذي أنكى أهل الإيمان وعدد به ذنوب الزمان كل قلب بأنامل الخفقان وطالما فزتم بالظفر ورزقتم النصر على عدوكم فجر ذيل الهزيمة وفر ولكن الحروب سجال وكل زمان لدوائه دولة ولرجائه رجال ولو أمكنت المساعدة لطارت بنا إليكم عقبان الجياد المسومة وسالت على عدوكم أباطحهم بقسينا المعوجة وسهامنا المقومة وكحلنا عيون النجوم بمراود الرماح وجعلنا ليل العجاج ممزقا ببروق الصفاح واتخذنا رؤوسهم لصوالج القوائم كرات وفرجنا مضايق الحرب بتوالي الكرات وعطفنا إليهم الأعنة وخضنا جداول السيوف ودسنا شوك الأسنة وفلقنا الصخرات بالصرخات وأسلنا العبرات بالرعبات ولكن أين الغاية من هذا المدى المتطاول وأين الثريا من يد المتناول وما لنا غير إمدادكم بجنود الدعاء الذي نرفعه نحن ورعايانا والتوجه الصادق الذي تعرفه ملائكة القبول من سجايانا
وأما ما فقدتموه من الأجفان التي طرقها طيف التلاف وأم حرم فنائها الفناء وطاف به بعد الإلطاف فقد روع هذا الخبر قلب الإسلام ونوع له الحزن على اختلاف الإصباح والإظلام وهذه الدار ما يخلو صفوها من كدر القدر وطالما أنامت بالأمن أول الليل وخاطبت بالخطب في السحر ولكن في بقائكم ما يسلي من خطب العطب ومع سلامة نفسكم الكريمة فالأمر هين لأن الدر يفدى بالذهب
وأما ما رأيتموه من الصلح فرأي عقده مبارك وامر ما فيه فارط عزم وإن كان فيتدارك والأمر يجيء كما يحب لا كما نحب والحروب يزورها نصرها تارة ويغب ومع اليوم غدا وقد يرد الله الردى ويعيد الظفر بالعدا
وأما عودكم إلى فاس المحروسة طلبا لإراحة من عندكم من الجنود
____________________
(4/397)

وتجهيزا لمن يصل من عندكم إلى الحجاز الشريف من الوفود فهذا أمر ضروري التدبير سروري التثمير لأن النفوس تمل وثير المهاد فكيف ملازمة صهوات الجياد وتسأم من مجالسة الشرب فكيف بممارسة الحرب وتعرض عن دوام اللذة فكيف بمباشرة المنايا الفذة وهذا جبل طارق الذي فتح الله به عليكم وساق هدي هديته إليكم لعله يكون سببا إلى ارتجاع ما شرد وحسما لهذا الطاغية الذي مرد وردا لهذا النازل الذي قدم ورد الصبر لما ورد فعادة الألطاف الإلهية بكم معروفة وعزماتكم إلى جهات الجهاد مصروفة وقد تفاءلنا لكم من هذا الجبل بأنه طارق خير من الرحمن يطرق وجبل يعصم من سهم يمر من قسي الكفار ويمرق
واما ما منحتموه من الخيل العتاق والملابس التى تطلع بدور الوجوه من مشارق الأطواق والأموال التي زكت عند الله تعالى ونمت على الإنفاق فعلى الله عز وجل خلفها ولكم في منازل الدنيا والآخرة شرفها وإليكم تساق هدايا أثنيتها وتحفكم تحفها وإذا وصل وفدكم الحاج وأنار له بوجه إقبالنا عليهم ليلهم الداج كانوا مقيمين تحت ظل إكرامنا وشمول إسعافنا لهم وإنعامنا يتخولون تحفا أنتم سببها ويتناولون طرفا في كؤوس الاعتناء بهم تنضد حببها وإذا كان أوان الرحيل إلى الحج فسحنا لهم الطريق وسهلنا لهم الرفيق وبلغناهم بحول الله تعالى مناهم من منى وسولهم ممن إذا زاروا حجرته الشريفة حازوا الراحة من العنا وفازوا بالغنى وإذا عادوا عاملناهم بكل جميل ينسيهم مشقة ذلك الدرب ويخيل إليهم أن لا مسافة لمسافر بين الشرق والغرب وغمرناهم بالإحسان في العود إليكم وأمرناهم بما ينهونه شفاها لديكم وعناية الله تعالى تحوط ذاتكم وتوفر لأخذ الثأر حماتكم وتخصكم بتأييد تنزلون روضة الأنضر وتجنون به ثمر النصر اليانع من ورق الحديد الأخضر وتتحفكم بسعد لا يبلى قشيبه وعز لا يمحو شبابه مشيبه وتحيته المباركة تغاديكم وتراوحكم وتفاوحكم انفاسها المعنبرة وتنافحكم بمنه وكرمه انتهى
____________________
(4/398)

إجازة من الصفدي رواية الرسالتين
ورأيت بخط منشىء هذا الجواب الصلاح الصفدي رحمه الله تعالى إثر ذكره ما نصه أما بعد حمد لله تعالى على نعمائه محمد عبده ورسوله خاتم أنبيائه فقد قرأ الشيخ الإمام العالم العامل العلامة المفيد القدوة عزالدين أبو يعلى حمزة ابن الرئيس الكبير الفاضل القاضي قطب الدين موسى بن أحمد ابن شيخ السلامية الأحمدي امتع الله بفوائده الكتاب الوارد من سلطان المغرب الملك المجاهد المرابط أبي الحسن المريني صاحب مراكش تغمده الله تعالى برحمته والجواب عنه عن السلطان الشهيد الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن السلطان الشهيد الملك الناصر محمد قدس الله تعالى روحهما من إنشائي وانا أسمع ذلك جميعا من أولهما إلى آخرهما قراءة أطربت السمع لفصاحتها وامالت العطف لرجاحتها
( وأخجلت ورق الحمى باللوى ** إن صدحت في ذروة الغصن )
( تكاد من لطف ومن رقة ** تدخل في الأذن بلا إذن )
وذلك في مجلس واحد في ذي القعدة سنة 756 بالجامع الأموي بدمشق المحروسة فإن رأى رواية ذلك عني فله علو الرأي في تشريفي بذلك وكتبه خليل ابن أبيك الصفدي الشافعي عفا الله عنه انتهى أبو الحسن يكتب ثلاثة مصاحف
وكان السلطان ابو الحسن المريني المذكور كتب ثلاثة مصاحف شريفة بخطه وأرسلها إلى المساجد الثلاثة التى تشد إليها الرحال وأوقف عليها أوقافا جليلة كتب توقيعه سلطان مصر والشام بمسامحتها من إنشاء الأديب الشهير جمال الدين ابن نباتة المصري ونص ما يتعلق به الغرض منه هنا قوله وهو
____________________
(4/399)

1 الذي مد يمينه بالسيف والقلم فكتب في أصحابها وسطر الختمات الشريفة فأيد الله حزبه بما سطر من أحزابها واتصلت اخبار ملائكة النصر بلوائه تغدو وتروح وكثرت فتوحه لأملياء الغرب فقالت أوقاف الشرق لا بد للفقراء من فتوح ثم وصلت ختمات شريفة كتبها بقلمه المجيد المجدي وخط سطورها بالعربي وطالما خط في صفوف الأعداء بالهندي ورتب عليها اوقافا تجري أقلام الحسنات في إطلاقها وطلقها وحبس املاكا شامية تحدث بنعم الأملاك التى سرت من مغرب الأرض إلى مشرقها والله تعالى يمتع من وقف هذه الختمات بما سطر له في أكرم الصحائف وينفع الجالس من ولاة الأمور في تقريرها ويتقبل من الواقف انتهى
قلت وقد رأيت احد المصاحف المذكورة وهو الذي ببيت المقدس وربعته في غاية الصنعة نبذة من أخبار أبي الحسن وقال بعض المشارقة في حق السلطان أبي الحسن ما صورته ملك أضاء المغرب بانوار هلاله وجرت إلى المشرق انواء نواله وطابت نسماته واشتهرت عزماته كان حسن الكتابة كثير الإنابة ذا بلاغة وبراعة وشهامة وشجاعة كتب بخطه ثلاثة مصاحف ووقفها على المساجد الثلاثة أقام في الملك عشر سنين وسبعة أيام ثم صرف بولده أبي عنان بعد حروب يطول شرحها انتهى من كتاب نزهة الأنام
ولما ذكر الإمام الخطيب أبو عبدالله ابن مرزوق في كتابه المسند الصحيح الحسن من أخبار للسلطان أبي الحسن أمر الربعة التى أرسلها السلطان ابو الحسن بخطه قال ما ملخصه وأرسل معها السلطان الملك الناصر بن قلاوون صاحب الديار المصرية من احجار الياقوت العظيم القدر والثمن ثمانمائة وخمسة وعشرين ومن الزمرذ مائة وثمانية وعشرين ومن الزبرجد مائة وثمانية وعشرين
____________________
(4/400)

ومن الجوهر النفيس الملوكي ثلاثمائة وأربعة وستين وأرسل حللا كثيرة منها مذهبة ثلاثة عشر ومن الإناق عشرين مذهبة ومن الخلادي ستة وأربعين ومن القنوع ستة وعشرين مذهبة ومن المحررات المختمة ثمانمائة ومن الرصان عشرين شقة والأكسية المحررة أربعة وعشرين والبرانس المحررة ثمانية عشر والمشففات مائة وخمسين واحارم الصوف المحررة عشرين ومن شقق الملف الرفيع ستة عشر ومن الفضالي المنوعة والفرش والمخاد المنبوق والحلل ثمانمائة واوجه اللحف المذهبة عشرين وحائطان حلة وحنابل مائة واثني عشر كلها حرير وفرش جلد مخروز بالذهب والفضة ومن السيوف المحلاة بالذهب المنظم بالجوهر عشرة والسروج عشرة بركب ذهب ومهاميز ذهب كذلك وثلاثة ركب فضة وست مزججة ومذهبة ومضمتان من ذهب مما يليق بالملوك وشاشية حرير مطوقة بذهب مكلل بالجوهر ومن لزمات الفضة عشرة وسرج مخروزة بالفضة عشرة وعشر علامات معششة مذهبة وعشر رايات مذهبة وعشر براقع مذهبة وعشر أمثلة مرقومة وثلاثين جلد أشرك وأربعة آلاف درقة لمط منها مائتان بنهود الذهب وثمانية عشر بنهود الفضة وخباء قبه كبيرة من مائة بنيقة لها أربعة أبواب وقبة أخرى مضربة من ست وثلاثين بنيقة مبطنة بحلة مذهبة وهي حرير أبيض ومرابطها حرير ملون وعمودها عاج وآبنوس واكبارها من فضة مذهبة ومن البزاة الأحرار المنتقاة أربعة وثلاثين ومن عتاق الخيل العراب ثلاثمائة وخمسة وثلاثين ومن البغال الذكور والإناث مائة وعشرين ومن الجمال سبعمائة وتوجهت مع هذه الهدية أمم برسم الحج مع الربعة المكرمة وأعطى الحرة أم أخته أم
____________________
(4/401)

ولد أبيه مريم ثلاثة آلاف وخمسمائة ذهبا ولقاضي الركب ثلاثمائة وكسوة ولقائد الركب أربعمائة وكساوى متعددة وبغلات وللرسول المعين للهدية ألفا ولشيخ الركب احمد بن يوسف بن أبي محمد صالح خمسمائة ولجماعة الضعفاء من الحجاج ستمائة وبرسم العطاء للعرب ثلاثة آلاف وثمانمائة ولشراء ربع ستة عشر ألفا وخمسمائة ذهبا انتهى
وذكر في الكتاب المذكور أن السلطان أبا الحسن الموصوف أهدى هدايا غير هذه لكثير من الملوك ومنها لصاحب الأندلس صلة وصدقة في مرات ومنها لملوك النصارى بعد هداياهم ومنها لسلاطين السودان كصاحب مالي ومنها لصاحب إفريقية ومنها لصاحب تلمسان انتهى
وقال مؤرخ مصر المقريزي في كتاب السلوك في سنة 738 ما نصه وفي ثاني عشرين من رمضان قدمت الحرة من عند السلطان أبي الحسن علي بن عثمان بن يعقوب المريني صاحب فاس تريد الحج ومعها هدية جليلة إلى الغاية نزل لحملها من الإصطبل السلطاني ثلاثون قطارا من بغال النقل سوى الجمال كان من جملتها أربعمائة فرس منها مائة حجرة ومائة فحل ومائتا بغل وجميعها بسرج ولجم مسقطة بالذهب والفضة وبعضها سرجها وركبها كلها ذهب وكذلك لجمها وعدتها اثنان وأربعون رأسا منها سرجان من ذهب مرصع بجوهر وفيها إثنان وثلاثون بازا وفيها سيف قرابه ذهب مرصع وحياصته ذهب مرلاصع وفيها مائة كساء وغير ذلك من القماش العال وكان قد خرج المهمندار إلى لقائهم وانزلهم بالقرافة قريب مسجد الفتح وهم جمع كبير جدا وكان يوم طلوع الهدية من الأيام المذكورة ففرق السلطان الهدية على الأمراء بأسرهم على قدر مراتبهم حتى نفدت كلها سوى الجواهر واللؤلؤ فإنه اختص به فقدرت قيمة هذه الهدية بما يزيد على مائة ألف دينار ثم نقلت الحرة إلى الميدان بمن معها ورتب لها من الغنم والدجاج والسكر والحلوى والفاكهة في كل يوم بكرة وعشية ما عمهم وفضل عنهم فكان
____________________
(4/402)

مرتبهم كل يوم عدة ثلاثين رأسا من الغنم ونصف إردب أرز وقنطار حب رمان وربع قنطار سكر وثماني فانوسيات شمع وتوابل الطعام وحمل إليها برسم النفقة مبلغ خمسة وسبعين ألف درهم وأجرة حمل أثقالهم مبلغ ستين ألف درهم ثم خلع على جميع من قدم مع الحرة فكانت عدة الخلع مائتين وعشرين خلعة على قدر طبقاتهم حتى خلع على الرجال الذين قادوا الخيول وحمل إلى الحرة من الكسوة ما يجل قدره وقيل لها أن تملي ما تحتاج إليه ولا يعوزها شيء وإنما تريد عناية السلطان بإكرامها وإكرام من معها حيث كانوا فتقدم السلطان إلى النشو وإلى الأمير أحمد أقبغا بتجهيزها اللائق بها فقاما بذلك واستخدما لها السقائين والضوية وهيئا كل ما تحتاج إليه في سفرها من أصناف الحلاوات والسكر والدقيق والبقسماط وطلبا الحمالة لحمل جهازها وأزودتها وندب السلطان للسفر معها جمال الدين متولي الجيزة وأمره أن يرحل بها في مركب لها بمفردها قدام المحمل ويمتثل كل ما تأمر به وكتب لأميري مكة والمدينة بخدمتها اتم خدمة
وقال في سنة خمس وأربعين وسبعمائة ما نصه وفي نصف شعبان قدمت الحرة أخت صاحب المغرب في جماعة كثيرة وعلى يدها كتاب السلطان أبي الحسن يتضمن السلام وأن يدعو له الخطباء يوم الجمعة وخطبها ومشايخ الصلاح وأهل الخير بالنصر على عدوهم ويكتب إلى أهل الحرمين بذلك وذلك أن في السنة الخالية كانت بينه وبين الفرنج وقعة عظيمة قتل فيها ولده ونصره الله تعالى بمنه على العدو وقتل كثيرا منهم وملكوا منهم الجزيرة الخضراء فعمر الفرنج مائتي شيني وجمعوا طوائفهم وقصدوا المسلمين وأوقعوا بهم على حين غفلة فأستشهد عالم كثير ونجا أبو الحسن في طائفة من ألزامه بعد شدائد وملك الفرنج الجزيرة وأسروا وسبوا وغنموا شيئا يجل وصفه ثم مضوا إلى جهة غرناطة ونصبوا عليها مائة منجنيق حتى صالحهم أهلها على قطيعة يقومون بها وتهادنوا مدة عشر سنين انتهى كلامه
____________________
(4/403)


وقد تقدم نص هذا الكتاب الموجه من السلطان أبي الحسن فليراجع قريبا
وقال ابن مرزوق في المسند الصحيح الحسن بعد كلام ما ملخصه وكان يعني السلطان أبا الحسن مجتهدا في الجهاد بنفسه وحرمه وجاز للأندلس برسم ذلك بنفسه وأظهر آثاره الجميلة ومنها ارتجاع جبل الفتح ليد المسلمين بعد ان أنفق عليه الأموال وصرف إليه الجنود والحشود إذ كان من عمالته هو والجزيرة ورندة ونازلته جيوشه مع ولده وخواصه وضيقوا به إلى أن استرجعوه ليد المسلمين وأنفق على بنائه أحمال مال واعتنى بتحصينه وبنى حصنه وأبراجه وسوره وجامعه ودوره ومخازنه ولما كاد يتم ذلك نازله العدو برا وبحرا فصبر المسلمون صبر الكرام فخيب الله تعالى أمل العدو وعاد خاسرا والمنة لله فرأى أن يحصن سفح الحبل بسور يحيط به من جميع جهاته حتى لا يطمع عدو في منازلته ولا يجد سبيلا للتضييق عند محاصرته ورأى الناس ذلك من المحال فأنفق الأموال وانصف العمال فأحاط بمجموعه إحاطة الهالة بالهلال واما بناؤه للمحاسن والطوالع فامر غير مجهول انتهى رسائل للسان الدين ابن الخطيب 1 - رسالة إلى أحد سلاطين بني مرين
وقد رأيت أن أذكر هنا بعض إنشاء لسان الدين ابن الخطيب في شأن ما يتعلق بجبل الفتح وغيره من بلاد الأندلس وحال العدو الكافر وما ينخرط في هذا السلك فمن ذلك على لسان سلطانه يخاطب به أحد السلاطين من أولاد السلطان أبي الحسن المريني ونصه
المقام الذي يصرخ وينجد ويتهم في الفضل وينجد ويسعف
____________________
(4/404)

ويسعد ويبرق في سبيل الله ويرعد فيأخذ الكفر من عزماته المقيم المقعد حتى ينجز من نصر الله تعالى الموعد مقام محل أخينا الذي حسن الظن بمجده جميل وحد الكفر بسعده كليل وللإسلام فيه رجاء وتأميل ليس للقلوب عنه مميل السلطان الكذا ابن السلطان الكذا أبقاه الله تعالى وعزمه الماضي لصولة الكفر قامعا وتدبيره الناجح لشمل الإسلام جامعا وملكه الموفق لنداء الله مطيعا سامعا ومعظم مقداره وملتزم إجلاله وإكباره المعتد في الله بكرم شيمته وطيب نجاره المستظهر على عدو الله بإسراعه إلى تدمير الكافر وبداره
سلام كريم عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد حمد الله مجيب دعوة السائل ومتقبل الوسائل ومتيح النعم الجلائل مربح من عامله في هذا الوجود الزائف الزائل والأيام القلائل بالمتاع الدائم الطائل والنعيم غير الحائل ومقيم اود الإسلام المائل بأولي المكارم من اوليائه والفضائل محمد رسوله المنقذ من الغوائل المنجي من الروع الهائل الصادع بدعوة الحق الصائل بين العشائر والفصائل الذي ختم به وبرسالته ديوان الرسل والرسائل وجعله في الأواخر شرف الأوائل فحبه كنز العائل والصلاة عليه زكاة القائل والرضى عن آله وصحبه وعترته وحزبه تيجان الأحياء والقبائل المتميزين بكرم السجايا وطيب الشمائل والدعاء لمقام أخوتكم في البكر والأصائل بالسعد الصادق المخايل والصنع الذي تتبرج مواهبه تبرج العقائل والنصر الذي تهز له الصعاد الملد عطف المترانح المتخايل فإنا كتبناه إليكم كتب الله لكم عزا يانع الخمائل ونصرا يكفل للكتائب المدونة في الجهاد ومرضاة رب العباد بسرد المسائل وإقناع السائل من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى ولا زائد بفضل اله سبحانه إلا استبصار في التوكل على من بيده الأمور وتسبب مشروع تتعلق به بإذن الله تعالى أحكام القدر
____________________
(4/405)

المقدور ورجاء فيما وعد به من الظهور يتضاعف على توالي الأيام وترادف الشهور والحمدلله كثيرا كما هو اهله فلا فضل إلا فضله ومقامكم المعروف محله الكفيل بالإرواء نهله وعله وإلى هذا وصل الله تعالى سعدكم وحرس مجدكم ووالى النعم عندنا وعندكم فإننا في هذه الأيام أهمنا من أمر الإسلام مارنق الشراب ونغص الطعام وذاد المنام لما تحققنا من عمل الكفر على مكايدته وسعي الضلال والله الواقي في استئصال بقيته وعقد النوادي للاستشارة في شأنه وشروع الحيل في هد أركانه ومن يؤمل من المسلمين لدفع الردى وكشف البلوى وبث الشكوى وأهله حاطهم الله تعالى وتولاهم وتمم عوائد لطفه الذي اولاهم فهو مولاهم في غفلة ساهون وعن المغبة فيه لاهون قد شغلتهم دنياهم عن دينهم وعاجلهم عن آجلهم وطول الأمل عن نافع العمل إلا من نور الله تعالى قلبه بنور الإيمان وتململ بمناصحة الله تعالى والإسلام تململ السليم واستدل بالشاهد على الغائب وصرف الكفر إلى مطالب الأمم النوائب فلما رأينا ان الدولة المرينية التي هي على مر الأيام شجا العدا ومتوعد من يكيد الهدى وفئة الإسلام التي إليها يتحيز وكهفه الذي إليه يلجأ قد أذن الله تعالى في صلاح امورها ولم شعثها وإقامة صغاها بأن صرف الله تعالى عنها هنات الغدر وأراحها من مس الضر ورد قوسها إلى يد باريها وصير حقها إلى وارثها وأقام لرعي مصالحها من حسن الظن بحسبه ودينه ورجي الخير من ثمرات نصحه ومن لم يعلم إلا الخير من سعيه والسداد من سيرته ومن لا يستريب المسلمون بصحة عقده واستقامة قصده أردنا ان نخرج لكم عن العهدة في هذا
____________________
(4/406)

الدين الحنيف الذي وسمت دعوته وجوه احبابكم شملهم الله تعالى بالعافية وتشبثت به انفس من صار إلى الله تعالى من السلف تغمدهم الله بالرحمة والمغفرة وفي هذا القطر الذي بلاده ما بين مكفول يجب رعيه طبعا وشرعا وجار يلزم حقه دينا ودنيا وحمية وفضلا وعلى الحالين فعليكم بعد الله المعول وفيكم المؤمل فأرعونا أسماعكم المباركة نقص عليكم ما فيه رضى الله والمنجاة من نكيره والفخر والأجر وحفظ النعم والخلف في الذرية بهذا وعدت الكتب المنزلة والرسل المرسلة وهو أن هذا القطر الذي تعددت فيه المحارب والمنابر والراكع والساجد والذاكر والعابد والعالم واللفيف والأرملة والضعيف قد انقطع عنه إرفاد الإسلام وشحت الأيدي به منذ أعوام وسلم إلى عبدة الأصنام وقوبلت ضرائره بالأعذار والمواعيد المستغرقة للأعمار وإن عرضت شواغل وفتن وشواغب وإحن فقد كانت بحيث لا يقطع السبب بجملته ولا يذهب المعروف بكليته
( ولابد من شكوى إلى ذي مروءة ** يواسيك أو يسليك أو يتوجع )
ولو كانت الأشغاب تقطع المعروف وتصرف عن الواجب لم يفتح المقدس والدكم جبل الفتح وهو منازل أخاه بسجلماسة ولا امده ولده السلطان أبو عنان وهو بمراكش وبالأمس بعثنا إلى الجبل وشمانة في جملة ما اهمنا مبلغ جهد وسداد من عوز وقد فضلت عن ضرائرنا اموال فرضت من اجل الله على عباده وطعام سمحنا به على الاحتياج إليه في سبيل جهاده فلم يسهم المتغلب منها لجانب الله بحبة ولا أقطعه منها ذرة مستخفا به جل وعلا متهاونا بنكيره الذي هو أحق أن يخشى فضاعت الأمور واختلت الثغور وتشذبت الحامية وتبددت العدد وخلت المخازن وهلكت بها الجرذان وعظمت
____________________
(4/407)

بها حسرة الإسلام أضعاف ما عظمت حبرته أيام ما كانت تكفلها همم الملوك الكرام والخلفاء العظام والوزراء والنصحاء والأشياخ الأمجاد قدس الله تعالى أرواحهم وضاعف انوارهم ولا كالحسرة في الجبل باب الأندلس وركاب الجهاد وحسنة بني مرين ومآثر آل يعقوب وكرامة الله للسلطان المقدس أبي الحسن والد الملوك وكبير الخلفاء والمجاهدين والدكم الذى ترد على قبره مع الساعات والأنفاس وفود الرحمة وهدايا الزلفة وريحان الجنة فلولا أنكم على علم من أحواله لشرحنا المجمل وشكلنا المهمل إنما هو اليوم شبح ماثل وطلل بائد لولا ان الله تعالى شغل العدا عنه بفتنة لم يصرف وجهه إلا إليه ولا حوم طيره إلا عليه ولكان بصدد أن يتخذه الصليب دارا وان يقر به عينا والعدوة فضلا عن الأندلس قد أوسعها شرا وأرهق ما يجاوره عسرا نسأل الله تعالى بنور وجهه أن لا يسود الوجوه بالفجع فيه ولا يسمع المسلمين الثكلة وما دونه فهو وإن أنعش بالتعليل عليله ووقع بالجهد خلقه لحم على وضم إلا أن يصل الله تعالى وقايته ويوالي دفاعه وعصمته لا إله إلا هو الولي النصير وما زلنا نشكو إلى غير المصمت ونمد اليد إليه إلى المدبر عن الله المعرض ونخطب له زكاة الأموال من المباني الضخمة والخزائن الثرة والأهراء الطامية والحظ التافه من المفترض برسمه فتمضي الأيام لا تزيد الضرائر فيها إلا ضيقا ولا الأحوال إلا شدة ولا الثغر إلا ضعة ولا نعلم أن نظرا وقع له ولا فكرا أعمل فيه إلا ما كان من تسخير رعيته الضعيفة وبلالة مجباه السخيفة في بناء قصر بمنت ميور من جباله
( شاده مرمرا وجلله كلسا ** فللطير في ذراه وكور )
جلب إليه الزليج واختلفت فيه الأوضاع في رأس نيق لأمل نزوة
____________________
(4/408)

وسوء فكرة فلما تم أقطع الهجران فهو اليوم ممتنع البوم وحظ الخراب فلا حول ولا قوة إلا بالله حتى جاء أمر الله خالي الصحيفة من البر صفر اليد من العمل الصالح نعوذ بالله من نكيره ونسأله الإلهام والسداد والتوفيق والرشاد وقد بذلنا جهدنا قولا وفعلا وموعظة ونصحا واستدعينا لتلك الجهة صدقة المسلمين محمولة على أكتاد العباد الضعفاء الذين كانت صدقات فاتحيه رضي الله تعالى عنهم ترفدهم ونوافله تتعهدهم فما حرك ذلك الجؤار حلوبا ولا استدعى مطلوبا ولا رفدا مجلوبا فإلى متى تنضى ركاب الصبر وقد بلغ الغاية واستنفد البلالة بعد أن اعاد الله تعالى العهد وجبر المال وأصلح السعي وأجرى ينابيع الخير وانشق رياح الإقالة وجملة ما نريد أن نقرره فهو الباب الجامع والقصد الشامل والداعي والباعث ان صاحب قشتالة لما عاد إلى ملكه ورجع إلى قطره جرت بيننا وبينه المراسلة التى أسفرت بعدم رضاه عن كدحنا لنصره ومظاهرتنا إياه على أمره وإن كنا قد بلغنا جهدا وأبعدنا وسعا واجلت عن شروط ثقيلة لم نقبلها وأغراض صعبة لم نكملها ونحن نتحقق انه غما إما تهيج حفيظته وتثور إحنته فيكشف وجه المطالبة مستكثرا بالأمة التى داس بها أهل قشتالة فراجع أمره غلابا وحقه ابتزازا واستلابا أو يصرفها ويهادن المسلمين بخلال ما لايدع جهة من جهات دينه الغريب إلا عقد معها صلحا وأخذ عليها بإعانتها إياه عهدا ثم تفرغ إلى شفاء غليله وبلوغ جهده ولا شك انها تجيبه صرف لبأسه عن نحورها ومقارضة كما وقع باطريرة من مضيق صدورها ومؤسف جمهورها وكل من له دين ما فهو يحرص على التقرب إلى من دانه به وكلفه وظائف تكليف رجاء لوعده وخوفا من وعيده وبالله ندفع ما لانطيق من جموع تداعت من الجزر ووراء البحور والبر المتصل الذي لا تقطعه الرفاق ولا تحصي ذرعه الحذاق وقد أصبحنا بدار غربة ومحل روعة ومفترس نبوة ومظنة فتنة والإسلام عدده قليل ومنتجعه في هذه البقعة جديب وعهده بالإرفاد والإمداد
____________________
(4/409)

من المسلمين بعيد { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } - إلى اخر السورة البقرة 286
وإذا تداعت أمم الكفر نصرة لدينها المكذوب وحمية لصليبها المنصوب فمن يستدعى لنصر دين الله وحفظ امانة نبيه إلا أهل ذلك الوطن حيث المآذن بذكر الله تعالى تملأ الآفاق وكلمة الإسلام قد عمت الربى والوهاد إنما الإسلام غريق قد تشبث باهدابكم يناشدكم الله في بقية الرمق وقبل الرمي تراش السهام وهذا اوان الاعتناء واختيار الحماة وإعداد الأقوات قبل أن يضيق المجال وتمنع الموانع وقد وجهنا هذا الوفد المبارك للحضور بين يديكم مقررا الضرورة منهيا الرغبة مذكرا بما يقرب عند الله مذكرا لذمام الإسلام جالبا على من وراءهم بحول الله تعالى من المسلمين البشرى التى تشرح الصدور وتسني الآمال وتستدعي الدعاء والثناء فالمؤمن كثير بأخيه ويد الله مع الجماعة والمسلمون يد على من سواهم والمؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا والتعاون على البر والتقوى مشروع وفي الذكر الحكيم مذكور وحق الجار مشهور وما كان جبريل يوصي به في الصحيح مكتوب وكما راع المسلمين اجتماع كلمة الكفر فنرجو ان يروع الكفر من العز بالله وشد الحيازيم في سبيل الله ونفير النفرة لدين الله والشعور في حماية الثغور وعمرانها وإزاحة عللها وجلب الأقوات إليها وإنشاء الأساطيل وجبر ما تلف من عدة البحر امور تدل على ما وراءها وتخبر بمشيئة الله تعالى عما بعدها { وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } البقرة 197 ومن خطب على رضي الله تعالى عنه اما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فمن تركه رهبة ألبسه الله تعالى سيما الخسف ووسمه بالصغار وما بعد الدنيا إلا الآخرة وما بعد الآخرة إلا إحدى داري البقاء أفي الله شك { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } : 9
____________________
(4/410)


والاعتناء بالجبل عنوان هذا الكتاب ومقدمة هذا الباب والغفلة عنه منذ اعوام قد صيرتنا لا نقنع باليسير وقد أبرمته المواعيد وغير رسومه الانتظار ومن المنقول ارحموا السائل ولو جاء على فرس والإسراف في الخير أرجح في هذا المحل من عكسه وكان بعض الأجواد يقول وقد أقتر اللهم هب لي الكثير فإن حالي لا تقوم على القليل وعسى ان يكون النظر له بنسبة الغفلة عنه والامتعاض له مكافئا للإزراء به وخلو البحر يغتنم لإمداده وإرفاده قبل أن يثوب نظر الكفر إلى قطع المدد وسد البحر ومن ضيع الحزم ندم ولا عذر لمن علم والله عز وجل يطلع من قبلكم على ما فيه شفاء الصدور وجبر القلوب وشعب الصدور وما نقص مال من صدقة وطعام الواحد كاف لاثنين والدين دينكم والبلاد بلادكم ومحل رباطكم وجهادكم وسوق حسناتكم { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } وقد قلدنا العهد الحفيظ علينا المصروف العناية بفضل الله تعالى إلينا والله المستعان وعليه التكلان والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته انتهى
وفي اعتقادي أن هذا المكتوب للسلطان أبي فارس عبدالعزيز ابن السلطان أبي الحسن المريني وأن المراد بالمتغلب الوزير عمر بن عبدالله الذي ظفر به أبو فارس المذكور واستقل بالملك بعد محو أثره حسبما ذكرناه في غير هذا المحل والله سبحانه أعلم 2 - رسالة أخرى في استنهاض السلطان المريني
ومن إنشاء لسان الدين على لسان سلطانه في استنهاض عزم صاحب فاس السلطان المريني لنصرة الأندلس مانصه المقام الذي يؤثر حظ الله إذا اختلفت الحظوظ وتعددت المقاصد ويشرع الأدنى منه إذا تفاضلت المشارع وتمايزت
____________________
(4/411)

الموارد وتشمل عادة حلمه وفضله الشارد ويسع وارف ظله الصادر والوارد والغائب والشاهد ويعيد من نصر الله للإسلام العوائد ويسد الذرائع ويدر الفوائد مقام محل أخينا الذي حسنت في الملك سيره وتعاضد في الفضل خبره وخبره ودلت شواهد مداركه للحقوق وتغمده للعقوق على أن الله تعالى لا يهمله ولا يذره فسلك فخره متسقة درره ووجه ملكه شادخة غرره السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا أبقاه الله رفيعا علاؤه هامية لديه منن الله تعالى وآلاؤه مزدانة بكواكب السعد سماؤه محروسة بعز النصر أرجاؤه مكملا من فضل الله تعالى في نصر الإسلام وكبت عبدة الأصنام امله ورجاؤه معظم قدره الذي يحق له التعظيم وموقر سلطانه الذي له الحسب الأصيل والمجد الصميم الداعي إلى الله تعالى باتصال سعادته حتى ينتصف من عدو الإسلام الغريم ويتاح على يد سلطانه الفتح الجسيم فلان سلام كريم طيب عميم ورحمة الله وبركاته
اما بعد حمد الله الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا ولا يخيب لمن أخلص الرغبة إليه أملا وموفي من ترك له حقه أجره المكتوب متمما مكملا وجاعل الجنة لمن اتقاه حق تقاته نزلا ملك الملوك الذي جل وعلا وجبار الجبابرة الذي لا يجدون عن قدره محيصا ولا من دونه موئلا ومولانا محمد الذي أنزل الله تعالى عليه الكتاب مفصلا وأوضح طريق الرشد وكان مغفلا وفتح باب السعادة ولولاه كان مقفلا والرضى عن آله وأصحابه وعترته وأحزابه الذين ساهموه فيما مر وما حلا وخلفوه من بعد بالسير التى راقت مجتلى ورفعوا عماد دينه فاستقام لا يعرف ميلا وكانوا في الحلم والعفو مثلا والدعاء لمقامكم الأسمى بالنصر الذي يلفى نصه صريحا لا متأولا والصنع الذي يبهر حالا ومستقبلا والعز الذي يرسو جبلا والسعد الذي لا يبلغ أمدا ولا أجلا فإنا كتبناه إليكم أصحب الله تعالى ركابكم حليف التوفيق حلا ومرتحلا وعرفكم عوارف
____________________
(4/412)

اليمن الذي يثير جذلا ويدعو وافد الفتح المبين فيرد مستعجلا من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى ولا زائد بفضل الله سبحانه ثم بما عندنا من التشيع لمقامكم حرس الله تعالى سلطانه ومهد اوطانه إلا الخبر الذي نسأل بعده تحسين العقبى وتوالي عادة الرحمى والحمد لله على التي هي أزكى وسدل جناح الستر الأضفى وصلة اللطائف التي هي اكفل واكفى وأبر وأوفى ومقامكم عندنا العدة التى بها نصول ونرهب والعمدة التى نطيل في ذكرها ونسهب وقد اوفدنا عليكم كل مازاد لدينا أو فتح الله تعالى به علينا ونحن مهما شد المخنق بكم نستنصر أو تراخى ففي ودكم نستبصر أو فتح الله تعالى فأبوابكم نهني ونبشر وقررنا عندكم ان العدو في هذه الأيام توقف عن بلاد المسلمين فلم تصل منه إليها سرية ولا بطشت له يد جرية ولا افترعت من تلقائه ثنية ولا ندري ألمكيدة تدبر أم آراء تنقض بحول الله وتتبر أو لشاغل في الباطن لا يظهر وبعد ذلك وردت على بابنا من بعض كبارهم وزعماء أقطارهم مخاطبات يندبون فيها إلى جنوحها للسلم في سبيل النصح لأياد سلفت منا لهم قررها ووسائل ذكرها فلم يخف عنا أنه أمر دبر بليل وخبية تحت ذيل فظهر لنا أن نسبر الغور ونستفسر الأمر فوجهنا إليه على عادتنا مع سلفه لنعتبر ما لديه وننظر إلى بواطن أمره ونبحث عن زيد قومه وعمره فتأتى ذلك وجر مفاوضة في الصلح أعدنا لأجلها الرسالة واستشعرنا البسالة ووازنا الأحوال واختبرنا واعتززنا في الشروط ماقدرنا ونحن نرتقب ما يخلق الله تعالى من مهادنة تحصل بها الأقوات المهيأة للأنتساف وتسكن ما ساء البلاد المسلمة من هذا الإرجاف
____________________
(4/413)

ونفرغ الوقت لمطاردة هذه الآمال العجاف أو حرب يبلغ الاستبصار فيه غايته حتى يظهر الله تعالى في نصر الفئة القليلة آيته ولم نجعل سبب الاعتزاز فيما أدرنا وشموخ الأنف فيما أصدرنا إلا ما أشعنا من عزمكم على نصرة الإسلام وارتقاب خفوق الأعلام والخفوف إلى دعوة الرسول وأن الأرض حمية لله تعالى قد اهتزت والنفرة قد غلبت النفوس واستفزت واستظهرنا بكتبكم التى تضمنت ضرب المواعد وشمرت عن السواعد وأن الخيل قد أطلقت إلى الجهاد في سبيل الله الأعنة والثنايا سدتها بروق الأسنة وفرض الجهاد قد قام به المؤمنون والأموال قد سمح بها المسلمون وهذه الأمور التى تمشت بقريبها او بعيدها أحوال الإسلام والأماني المعدة لتزجية الأيام ثم اتصل بنا الخبر الكارث بما كان من حور العزائم المؤمنة بعد كورها وتسويف مواعد النصرة بعد استشعار فورها وأن الحركة معملة إلى مراكش الجهة التى في يديكم زمامها وإليكم وإن تراخى الطول ترجع أحكامها والقطر الذي لا يفوتكم مع الغفلة ولا يعجزكم عن الصولة ولا يطلبكم إن تركتموه ولا يمنعكم إن طرقتموه وعركتموه فسقط في الأيدي الممدودة واختلفت المواعد المحدودة وخسئت الأبصار المرتقبة ورجفت المعاقل الأشبة وساءت الظنون وذرفت العيون وأكذب الفضلاء الخبر ونفوا أن يعتبر وقالوا هذا لا يمكن حيث الدين الحنيف والملك المنيف والعلماء الذين أخذ الله تعالى ميثاقهم وحمل النصيحة أعناقهم هذا المفترض الذي يبعد والقائم الذي يقعد يأباه الله تعالى والإسلام وتأباه العلماء والأعلام وتأباه المآذن والمنابر وتأباه الهمم والأكابر فبادرنا نستطلع طلع هذا النبأ الذي إن كان باطلا فهو الظن ولله المن وإن كان خلافه لرأي ترجح وتنفق بقرب الملك وتبجح فنحن نوفد كل من
____________________
(4/414)

يقدم إلى الله تعالى بهذا القطر في شفاعة ويمد إليه كف ضراعة ومن يوسم بصلاح وعبادة ويقصد في الدين بث إفادة يتطارحون عليكم في نقض ما أبرم ونسخ ما أحكم فإنكم تجنون به على من استنصركم عكس ما قصد وتحلون عليه ماعقد وهب العذر يقبل في عدم الإعانة وضرورة الاستعانة والاستكانة أي عذر يقبل في الاطراح والاعراض الصراح كأن الدين غير واحد كأن هذا القطر لكلمة الإسلام جاحد كأن ذمام الإسلام غير جامع كان الله غير راء ولا سامع فنحن نسألكم بالله الذي تساءلون به والأرحام ونأنف لكم من هذا الاحجام ونتطارح عليكم أن تتركوا حظكم في أهل تلك الجهة حتى يحكم الله بيننا وبين العدو الذي يتكالب علينا بإدباركم بعدما تضاءل لاستنفاركم ولا نكلفكم غير اقتراب داركم وما سامكم المسلمون بها شططا وما حملوكم إلا قصدا وسطا وما ذهبتم إليه لا يفوت ولايبعد وقد تجاورت البيوت إنما الفائت ما وراءكم من حديث تأنف من سماعه أوداؤكم ودين يشمت به أعداؤكم فأسعفوا بالشفاعة فيمن بتلك الجهة المراكشية قصدنا وحاشا إحسانكم أن يرضى فيه ردنا وانتم بعد بالخيار فيما يجريه الله على يديكم من قدره أو يلهمكم إليه من نصره وجوابكم مرتقب بما يليق بكم ويجمل بحسبكم والله سبحانه يصل سعدكم ويحرس مجدكم والسلام الكريم عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته 3 - رسالة على لسان يوسف بن نصر إلى سلطان فاس
ومن إنشاء لسان الدين أيضا في مخاطبة سلطان فاس والمغرب على لسان
____________________
(4/415)

سلطان غرناطة فيما يقرب من الأنحاء السابقة مانصه
المقام الذي أقمار سعده في انتظام واتساق وجياد عزه إلى الغاية القصوى ذات استباق والقلوب على حبه ذات اتفاق وعناية الله تعالى عليه مديدة الرواق وأياديه الجمة في الأعناق ألزم من الأطواق وأحاديث مجدة سمر النوادي وحديث الرفاق مقام محل أبينا الذي شأن قلوبنا الاهتمام بشأنه وأعظم مطلوبنا من الله تعالى سعادة سلطانه السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا أبقاه الله تعالى والصنائع الإلهية تحط ببابه والألطاف الخفية تعرس في جنابه والنصر العزيز يحف بركابه وأسباب التوفيق متصلة بأسبابه والقلوب الشجية لفراقه مسرورة بإيابه معظم سلطانه الذي له الحقوق المحتومة والفواضل المشهورة المعلومة والمكارم المسطورة المرسومة والمفاخر المنسوقة المنظومة الداعي إلى الله تعالى في وقاية ذاته المعصومة وحفظها على هذه الأمة المرحومة الأمير عبدالله يوسف ابن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل ابن فرج بن نصر سلام كريم طيب بر عميم كما سطعت في غيهب الشدة أنوار الفرج وهبت نواسم ألطاف الله عاطرة الأرج يخص مقامكم الأعلى ورحمة الله وبركاته
أما بعد حمد الله جالي الظلم بعد اعتكارها ومقيل الأيام من عثارها ومزين سماء الملك بشموسها المحتجبة وأقمارها ومريح القلوب من وحشة أفكارها ومنشىء سحاب الرحمة على هذه الأمة بعد افتقارها وشدة اضطرابها واضطرارها ومتداركها باللطف الكفيل بتمهيد أوطانها وتيسير أوطارها والصلاة ومولانا محمد رسوله صفوة النبوة ومختارها ولباب مجدها السامي ونجارها نبي الملاحم وخائض تيارها ومذهب رسوم الفتن ومطفىء نارها الذي لم ترعه الشدائد باضطراب بحارها حتى بلغت
____________________
(4/416)

كلمة الله ماشاءت من سطوع انوارها ووضوح آثارها والرضى عن آله وأصحابه الذين تمسكوا بعهده على احلاء الحوادث وإمرارها وباعوا نفوسهم في إعلاء دعوته الحنيفية وإظهارها والدعاء لمقامكم الأعلى باتصال السعادة واستمرارها وانسحاب العناية الإلهية وإسدال أستارها حتى تقف الأيام ببابكم موقف اعتذارها وتعرض على مثابتكم ذنوبها راغبة في اغتفارها فإنا كتبناه إليكم كتب الله لكم أو في ما كتب لصالحي الملوك من مواهب إسعاده وعرفكم عوارف الآلاء في اصدار أمركم الرفيع وإيراده وأجرى الفلك الدوار بحكم مراده وجعل العاقبة الحسنى كما وعد به في محكم كتابه المبين للصالحين من عباده من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى وليس بفضل الله الذي عليه في الشدائد الاعتماد وإلى كنف فضله الاستناد ثم ببركة جاه نبينا الذي وضح بهدايته الرشاد إلا الصنائع التى تشام بوارق اللطف من خلالها وتخبر سيماها بطلوع السعود واستقبالها وتدل مخايل يمنها على حسن مآلها لله الحمد على نعمه التى نرغب في كمالها ونستدر عذب زلالها وعندنا من الاستبشار باتساق أمركم وانتظامه والسرور بسعادة أيامه والدعاء إلى الله تعالى في إظهاره وإتمامه ما لا تفي العبارة بأحكامه ولا تتعاطى حصر أحكامه وإلى هذا أيد الله تعالى أمركم وعلاه وصان سلطانكم وتولاه فقد علم الحاضر والغائب وخلص الخلوص الذي لا تغيره الشوائب ما عندنا من الحب الذي وضحت منه المذاهب وأننا لما اتصل بنا ما جرت به الأحكام من الأمور التى صحبت مقامكم فيها العناية من الله والعصمة وجعل على العباد والبلاد الوقاية والنعمة لا يستقر بقلوبنا القرار ولا تتأتى بأوطاننا الأوطار تشوفا لما تتيحه لكم الأقدار ويبرزه من سعادتكم الليل والنهار
____________________
(4/417)

ورجاؤنا في استئناف سعادتكم يشتد على الأوقات ويقوى علما بأن العاقبة للتقوى وفي هذه الأيام عميت الأنباء وتكالبت في البر والبحر الأعداء واختلفت الفصول والأهواء وعاقت الوراد الأنواء وعلى ذلك من فضل الله الرجاء ولو كنا نجد للاتصال بكم سببا أو نلفى لاعانتكم مذهبا لما شغلنا البعد الذي بيننا اعترض والعدو بساحتنا في هذه الأيام ربض وكان خديمكم الذي رفع من الوفاء راية خافقة واقتنى منه في سوف الكساد بضاعة نافقة الشيخ الأجل الأوفى الأود الأخلص الأصفى أبو محمد ابن أحبانا سنى الله ماموله وبلغه من سعادة أمركم سوله وقد ورد على بابنا وتحيز إلى اللحاق بجنابنا ليتيسر له من جهتنا القدوم ويتأتى له بإعانتنا الغرض المروم فبينما نحن ننظر في تتميم غرضه وإعانته على الوفاء الذي قام بمفترضه إذ اتصل بنا خبر قرقورتين من الأجفان التى استعنتم بها على الحركة والعزيمة المقترنة بالبركة حطت إحداهما بمرسى المنكب والأخرى بمرسى المرية في كنف العناية الإلهية فتلقينا من الواصلين فيها الأنباء المحققة بعد التباسها والأخبار التى يغني نصها عن قياسها وتعرفنا ماكان من عزمكم على السفر وحركتكم المعروفة باليمن والظفر وانكم استخرتم الله تعالى في اللحاق بالأوطان التى يؤمن قدومكم خائفها ويؤلف طوائفها ويسكن راجفها ويصلح أحوالها ويسكن أهوالها وأنكم سبقتم حركتها بعشرة أيام مستظهرين بالعزم المبرور والسعد الموفور واليمن الرائق السفور والأسطول المنصور فلا تسألوا عن انبعاث الآمال بعد سكونها ونهوض طيور الرجاء من وكونها واستبشار الأمة المحمدية منكم بقرة عيونها وتحقق ظنونها وارتياح البلاد إلى دعوتكم التى ألبستها ملابس العدل والإحسان وقلدتها قلائد السير الحسان وما منها إلا من باح بما يخفيه من وجده وجهر
____________________
(4/418)

بشكر الله تعالى وحمده وابتهل إليه في تيسير غرض مقامكم الشهير وتتميم قصده واستئناس نور سعده وكم مطل الانتظار بديون آمالها والمطاولة من اعتلالها واما نحن فلا تسألوا عمن استشعر دنو حبيبه بعد طول مغيبة إنما هو صدر راجعه فؤاده وطرف ألفه رقاده وفكر ساعده مراده فلما بلغنا هذا الخبر بادرنا إلى انجاز ما بذلنا لخديمكم المذكور من الوعد واغتنمنا ميقات هذا السعد ليصل سببه بأسبابكم ويسرع لحاقه بجنابكم فعنده خدم نرجو أن ييسر الله تعالى أسبابها ويفتح بنيتكم الصالحة أبوابها وقد شاهد من امتعاضنا لذلك المقام الذي ندين له بالتشيع الكريم الوداد ونصل له على بعد المزار ونزوح الأقطار سبب الاعتداد ما يغني عن القلم والمداد وقد ألقينا إليه من ذلك كله ما يلقيه إلى مقامكم الرفيع العماد وكتبنا إلى من بالسواحل من ولاتنا نحد لهم ما يكون عليه عملهم في بر من يرد عليهم من جهة أبوتكم الكريمة ذات الحقوق العظيمة والأيادي الحديثة والقديمة وهم يعملون في ذلك بحسب المراد وعلة شاكلة جميل الاعتقاد ويعلم الله تعالى أننا لو لم تعق العوائق الكبيرة والموانع الكثيرة والأعداء الذين دهيت بهم في الوقت هذه الجزيرة ماقدمنا عملا على اللحاق بكم والاتصال بسببكم حتى نوفي لأبوتكم الكريمة حقها ونوضح من المسرة طرقها لكن الأعذار واضحة وضوح المثل السائر والله العالم بالسرائر وإلى الله تعالى نبتهل في أن يوضح لكم من التيسير طريقا ويجعل السعد لكم مصاحبا ورفيقا ولايعدمكم عناية منه وتوفيقا ويتم سرورنا عن قريب بتعرف أنبائكم السارة وسعودكم الدارة فذلك منه سبحانه غاية آمالنا وفيه إعمال ضراعتنا وسؤالنا هذا ماعندنا بادرنا لإعلامكم به أسرع البدار والله تعالى يوفد علينا أكرم الأخبار بسعادة ملككم السامي المقدار وييسر ما له من الأوطار ويصل سعدكم
____________________
(4/419)

ويحرس مجدكم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته انتهى
وكان طاغية النصارى الملعون لكثرة ما مارس من امور ملوك الأندلس وسلاطين فاس كثيرا ما يدس لأقارب الملوك القيام على صاحب الأمر ويزين له الثورة ويعده بالإمداد بالمال والعدة وقصده بذلك كله توهين المسلمين وإفساد تدبيرهم ونسخ الدول بعضها ببعض لما له في ذلك من المصلحة حتى بلغ أبعده الله تعالى من أمله الغاية 4 - رسالة إلى السلطان المريني في الاعتذار عن فرار أبي الفضل المريني من غرناطة ومن إنشاء لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى عن سلطان الأندلس إلى سلطان فاس المريني يعتذر عن فرار الأمير أبي الفضل المريني الذي كان معتقلا بغرناطة فتحيل الطاغية في أمره حتى خرج طالبا للملك مانصه
المقام الذي شهد الليل والنهار بأصالة سعادته وجرى الفلك الدوار بحكم إرادته وتعود الظفر بمن يناوئه فاطرد والحمد لله جريان عادته فوليه متحقق لإفادته وعدوه مرتقب لإبادته وحلل الصنائع الإلهية تضفو على أعطاف مجادته مقام محل أخينا الذي سهم سعده صائب وأمل من كاده خاسر خائب وسير الفلك المدار في مرضاته دائب وصنائع الله تعالى له تصحبها الألطاف العجائب فسيان شاهد منه في عصمة وغائب السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا أبقاه الله تعالى مسدد السهم ماضي العزم تجل سعوده عن تصور الوهم ولا زال مرهوب الحد ممتثل الرسم موفور الحظ من نعمة الله تعالى عند تعدد القسم فائزا بفلج الخصام عند لدد الخصم معظم قدره وملتزم بره المبتهج بما يسببه الله تعالى له من إعزاز نصره وإظهار أمره فلان سلام كريم طيب بر عميم يخص مقامكم الأعلى ومثابتكم الفضلى التى حازت في الفخر الأمد البعيد وفازت من التأييد والنصر بالحظ السعيد ورحمة الله تعالى وبركاته
____________________
(4/420)


اما بعد حمدالله الذي فسح لملككم الرفيع في العز مدى وعرفه عوارف آلائه وعوائد النصر على اعدائه يوما وغدا وحرس سماء علائه بشهب من قدره وقضائه { فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا } ( الجن : 9 ) وجعل نجح اعماله وحسن مآله قياسا مطردا فرب مريد ضره ضر نفسه وهاد إليه أهدى وماهدى ومولانا محمد نبيه ورسوله الذي ملأ الكون نورا وهدى وأحيا مراسم الحق وقد صارت طرائق قددا أعلى الألنام يدا وأشرفهم محتدا الذي بجاهه نلبس أثواب السعادة جددا ونظفر بالنعيم الذي لا ينقطع أبدا والرضى عن آله وأصحابه الذين رفعوا لسماء سنته عمدا واوضحوا من سبيل اتباعه مقصدا وتقبلوا شيمه الطاهرة ركعا وسجدا سيوفا على من اعتدى ونجوما لمن اهتدى حتى علت فروع ملته صعدا وأصبح بناؤها مديدا مخلدا والدعاء لمقامكم الأسمى بالنصر الذي يتوالى مثنى وموحدا كما جمع لملككم ما تفرق من الألقاب على توالى الأحقاب فجعل سيفكم سفاحا وعلمكم منصورا ورأيكم رشيدا وعزمكم مؤيدا فإنا كتبناه إليكم كتب الله تعالى لكم صنعا يشرح للإسلام خلدا ونصرا يقيم للدين الحنيف أودا وعزما يملأ أفئدة الكفر كمدا وجعلكم ممن هيأ له من أمره رشدا ويسر لكم العاقبة الحسنى كما وعد في كتابه العزيز والله أصدق موعدا من حمراء غرناطة حرسها الله ولا زائد بفضل الله سبحانه إلا استطلاع سعودكم في آفاق العناية واعتقاد جميل صنع الله في البداية والنهاية والعلم بأن ملككم تحدى من الظهور على أعدائه بآية وأجرى جياد السعد في ميدان لا يحد بغاية وخرق حجاب المعتاد بما لم يظهر إلا لأصحاب الكرامة والولاية ونحن على ما علمتم من السرور بما يهز لملككم المنصور عطفا ويسدل عليه من العصمة سجفا نقاسمه الارتياح لمواقع نعم الله تعالى نصفا ونصفا ونعقد بين أنباء مسرته وبين الشكر لله حلفا ونعد التشيع له مما يقربنا إلى الله زلفى ونؤمل
____________________
(4/421)

من امداده ونرتقب من جهاده وقتا يكفل به الدين ويكفى وتروى غلل النفوس وتشفى
وإلى هذا وصل الله سعدكم ووالى نصركم وعضدكم فإنا من لدن صدر عن أخيكم أبي الفضل ماصدر من الانقياد لخدع الآمال والاغترار بموارد الآل وفال رأيه في اقتحام الأهوال وتورط في هفوة حار فيها حيرة أهل الكلام في الأحوال وناصب من أمركم السعيد جبلا قضى الله له بالاستقرار والاستقبال ومن ذا يزاحم الأطواد ويزحزح الجبال وأخلف الظن منا في وفائه وأضمر عملا استأثر عنا بإخفائه واستعان من عدو االدين بمعين فلما يري لمن استنصر به زند ولا خفق لمن تولاه بالنصر بند وإن الطاغية اعانه وأنجده ورأى انه سهم على المسلمين سدده وعضب للفتنة جرده فسخر له الفلك وامل أن يستخدمه بسبب ذلك الملك فاورده الهلك والظلم الحلك علمنا أن طرف سعادته كاب وسحاب آماله غير ذات انسكاب وقدم غرته لم يستقر من السداد في غرز ركاب فإن نجاح اعمال النفوس مرتبط بنياتها وغايات الأمور تظهر في بداياتها وعوائد الله تعالى فيمن نازع قدرته لا تجهل ومن غالب أمر الله خاب منه المعول
فبينما نحن نرتقب خسار تلك الصفقة المعقودة وخمود تلك الشعلة الموقودة وصلنا كتابكم يشرح الصدور ويشرح الأخبار ويهدي طرف المسرات على أكف الاستبشار ويعرب بلسان حال المسارعة والابتدار عن الود الواضح وضوح النهار والتحقق بخلوصنا الذي يعلمه عالم الأسرار فأعاد في الافادة وأبدى وأسدى من الفضائل الجلائل ما أسدى فعلم منه مآل من رام أن يقدح زند الشتات من بعد الالتئام ويثير عجاجة المنازعة من بعد ركود القتام هيهات تلك قلادة الله تعالى التى ماكان يتركها بغير نظام ولم يدر
____________________
(4/422)

أنكم نصبتم له من الحزم حباله لا يفلتها قنيص وسددتم له من السعد سهما ما له عنه من محيص بما كان من ارسال جوارح الأسطول السعيد في مطاره حائلا بينه وبين اوطاره فما كان إلا التسمية والإرسال ثم الإمساك والقتال ثم الاقتيات والاستعمال فيا له من زجر استنطق لسان الوجود فجدله واستنصر البحر فخذله وصارع القدر فجد له لما جد له وإن خدامكم استولوا على ماكان فيه من مؤمل غاية بعيدة ومنتسب إلى نصبة غير سعيدة وشانىء غمرته من الكفار خدام الماء وأولياء النار تحكمت فيهم أطراف العوالي وصدور الشفار وتحصل منهم من تخطاه الحمام في قبضة الإسار فعجبنا من تيسير هذا المرام وإخماد الله لهذا الضرام وقلنا تكييف لا يحصل في الأوهام وتسديد لا تستطيع إصابته السهام كلما قدح الخلاف زندا أطفأ سعدكم شعلته أو أظهر الشتات ألما أبرأ يمن طائركم علته ماذاك إلا لنية صدقت معاملتها في جنب الله تعالى وصحت واسترسلت بركتها وسحت وجهاد نذرتموه إذا فرغت شواغلكم وتمت واهتمام بالإسلام يكفيه الخطوب التى أهمت فنحن نهنيكم بمنح الله ومننه ونسأله أن يلبسكم من عنايته أوقى جننه فأملنا أن تطرد آمالكم وتنجح في مرضاة الله أعمالكم فمقامكم هو العمدة التي يدفع العدو بسلاحها وتنبلج ظلمات صفاحها وكيف لا نهنيكم بصنع على جهتنا يعود وبآفاقنا تطلع منه السعود فتيقنوا ما عندنا من الاعتقاد الذي رسومه قد استقلت واكتفت وديمه بساحة الود قد وكفت والله عز وجل يجعل لكم الفتوح عادة ولا يعدمكم عناية وسعادة وهو سبحانه يعلى مقامكم وينصر أعلامكم ويهني الإسلام أيامكم والسلام الكريم
____________________
(4/423)

يخصكم ورحمة الله وبركاته انتهى
وكان سلطان الأندلس في الأزمان المتأخرة كثيرا ما يشم أرج الفرج في سلم الكفار ومهادنتهم حيث لم يقدر في الغالب على مقاومتهم ولذلك لما قتل السلطان أبو الحجاج الذي كان لسان الدين كاتبه ووزيره وقام بالأمر بعده ابنه محمد الغني بالله الذي ألقى مقاليده للسان الدين اكد أمر السلم وانتظر ما يبرمه القضاء الجزم والقدر الحتم 5 - رسالة على لسان الغني إلى ابي عنان
ومن إنشاء لسان الدين في ذلك على لسان الغني مخاطبا لسلطان فاس والمغرب أبي عنان ماصورته
المقام الذي يغني عن كل مفقود بوجوده ويهز إلى جميل العوائد أعطاف بأسه وجوده ونستضيىء عند إظلام الخطوب بنور سعوده ونرث من الاعتماد عليه أسنى ذخر يرثه الولد عن آبائه وجدوده مقام محل أبينا الذي رعي الأذمة شانه وصلة الرعي سجية انفرد بها سلطانه ومواعد النصر ينجزها زمانه والقول والفعل في ذات الله تعالى تكفلت بهما يده الكريمة ولسانه وتطابق فيهما إسراره وإعلانه السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا أبقاه الله تعالى محروسا من غير الأيام جنابه موصولة بالوقاية الإلهية أسبابه مسدولا على ذاته الكريمة ستر الله تعالى وحجابه مصروفا عنه من صرف القدر ما يعجز عن رده بوابه ولا زال ملجأ تنفق لديه الوسائل التى تدخرها لأولادها أولياؤه وأحبابه ويسطر في صحف الفخر ثوابه وتشتمل على مكارم الدين والدنيا أثوابه وتتكفل بنصر الاسلام وجبر القلوب عند طوارق الأيام كتائبه وكتابه معظم ما عظم من حقه السائر من إجلاله وشكر خلاله على لاحب طرقه المستضيء في ظلمة الخطب بنور أفقه الأمير عبدالله محمد ابن أمير
____________________
(4/424)

المسلمين أبي الحجاج ابن أمير المسلمين أبي الوليد ابن فرج بن نصر سلام كريم طيب بر عميم يخص مقامكم الأعلى ورحمة الله تعالى وبركاته
اما بعد حمد الله الذي لا راد لأمره ولا معارض لفعله مصرف الأمر بحكمته وقدرته وعدله الملك الحق الذي بيده ملاك الأمر كله مقدر الآجال والأعمار فلا يتأخر شيء عن ميقاته ولا يبرح عن محله جاعل الدنيا مناخ قلعة لا يغتبط العاقل بمائه ولا بظله وسبيل رحلة فما أكثب ظغنه من حله ومولانا محمد صفوة خلقه وخيرة أنبيائه وسيد رسله الذي نعتصم بسببه الأقوى ونتمسك بحبله ونمد يد الافتقار إلى فضله ونجاهد في سبيله من كذب به أو حاد عن سبله ونصل إليه ابتغاء مرضاته ومن أجله والرضى عن آله وأحزابه وانصاره وأهله المستولين من ميدان الكمال على خصله والدعاء لمقامكم الأعلى بعز نصره ومضاء فصله فإنا كتبناه إليكم كتب الله تعالى لكم وقاية لا تطرق الخطوب حماها وعصمه ترجع عنها سهام النوائب كلما فوقها الدهر ورماها وعناية لا تغير الحوادث اسمها ولا مسماها وعزا يزاحم اجرام الكواكب منتماها من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى ونعم الله سبحانه تتواتر لدينا دفعا ونفعا وألطافه نتعرفها وترا وشفعا ومقامكم الأبوي هو المستند الأقوى والمورد الذي ترده آمال الإسلام فتروى وتهوي إليه أفئدتهم فتجد ما تهوى ومثابتكم العدة التي تأسست مبانيها على البر والتقوى
وإلى هذا وصل الله تعالى سعدكم وأبقى مجدكم فإننا لما نعلم من مساهمة مجدكم التى تقتضيها كرام الطباع وطباع الكرم وتدعو إليها ذمم الرعي ورعي الذمم نعرفكم بعد الدعاء لملككم بدفاع الله تعالى عن ارتقائه وإمتاع المسلمين ببقائه بما كان من وفاة مولانا الوالد نفعه الله تعالى بالشهادة التى ألبسه حلتها والشهادة التى في اعماله الزكية كتبها والدرجة العالية التى حتمها له وأوجبها وبما تصير إلينا من أمره وضم بنا من نشره وسدل على من
____________________
(4/425)

خلفه من ستره وإنها لعبرة لمن ألقى السمع وموعظة تهز الجمع وترسل الدمع وحادثة اجمل الله سبحانه فيها الدفع وشرح مجملها وإن أخرس اللسان هولها وأسلم العبارة قوتها وحولها انه رضي الله تعالى عنه لما برز لإقامة سنة هذا العيد مستشعرا شعار كلمة التوحيد مظهرا سمة الخضوع للمولى الذي تضرع بين يديه رقاب العبيد آمنا بين قومه واهله متسربلا في حلل نعم الله تعالى وفضله قرير العين باكتمال عزه واجتماع شمله قد احترس بأقصى استطاعته واستظهر بخلصان طاعته والأجل المكتوب قد حضر والإرادة الإلهية قد أنفذت القضاء والقدر وسجد بعد الركعة الثانية من صلاته أتاه امر الله لميقاته على حين الشباب غض جلبابه والسلاح زاخر عبابه والدين بهذا القطر قد أينع بالأمن جنابه وأمر من يقول للشيء كن فيكون قد بلغ كتابه ولم يرعه وقد اطمانت بذكر الله تعالى القلوب وخلصت الرغبات إلى فضله المطلوب إلا شقي قيضه الله لسعادته غير معروف ولا منسوب وخبيث لم يكن بمعتبر ولا محسوب تخلل الصفوف المعقودة وتجاوز الأبواب المسدودة وخاض الجموع المشهودة والأمم المحشورة إلى طاعة الله المحشودة لاتدل العين عليه شارة ولا بزة ولا تحمل على الحذر من مثله انفة ولا عزة وإنما هو خبيث ممرور وكلب عقور وحية سمها وحي محذور وآلة مصرفة لينفذ بها قدر مقدور فلما طعنه وأثبته وأعلق به شرك الحين فما أفلته قبض عليه من الخلصان الأولياء من خبر ضميره واحكم تقريره فلم يجب عند الاستفهام جوابا يعقل ولا عثر منه على شيء عنه ينقل لطفا من الله افاد براءة الذمم وتعاورته للحين أيدي التمزيق وأتبع شلوه بالتحريق واحتمل مولانا الوالد العزيز رحمه الله تعالى إلى القصر وبه ذماء لم يلبث بعد الفتكة العمرية إلا أيسر من اليسير وتخلف الملك ينظر من الطرف الحسير وينهض بالجناح الكسير وقد عاد جمع السلامة الى التكسير إلا أن الله تعالى تدارك هذا القطر الغريب بأن أقامنا مقامه
____________________
(4/426)

لوقته وحينه ورفع بناء عماد ملكه ولم شعث دينه وكان جميع من حضر المشهد من شريف الناس ومشروفهم واعلامهم ولفيفهم قد جمعه ذلك الميقات وحضر الأولياء الثقات فلم تختلف علينا كلمة ولا شذت منهم عن بيعتنا نفس مسلمة ولا اخيف بري ولا حذر جري ولا فري فري ولا وقع لبس ولا استوحشت نفس ولا نبض للفتنة عرق ولا أغفل للدين حق فاستند النقل إلى نصه ولم يعدم من فقيدنا غير شخصه وبادرنا إلى مخاطبة البلاد نمهدها ونسكنها ونقررالطاعة في النفوس ونمكنها وامرنا الناس بها بكف الأيدي ورفع التعدي والعمل من حفظ شروط المسالمة المعقودة بما يجدي ومن شره منهم للفرار عاجلناه بالإنكار وصرفنا على النصارى ما اوصاه مصحبا بالاعتذار وخاطبنا صاحب قشتالة نرى ما عنده في صلة السلم إلى أمدها من الأخبار واتصلت بنا البيعات من جميع الأقطار وعفى على حزن المسلمين بوالدنا ما ظهر عليهم بولايتنا من الاستبشار واستبقوا تطير بهم أجنحة الابتدار جعلنا الله تعالى ممن قابل الحوادث بالاعتبار وكان على حذر من تصاريف الأقدار واختلاف الليل والنهار وأعاننا على إقامة دينه في هذا الوطن الغريب المنقطع بين العدو الطاغي والبحر الزخار وألهمنا من شكره لما يتكفل بالمزيد من نعمه ولا قطع عنا عوائد كرمه
وإن فقدنا والدنا فانتم لنا من بعده الوالد والذخر الذي تكرم منه العوائد والحب يتوارث كما ورد في الأخبار التى صحت منها الشواهد ومن اعد مثلكم لبنيه فقد تيسرت من بعد الممات امانيه وتأسست قواعد ملكه وتشيدت مبانيه فالاعتقاد الجميل موصول والفروع لها في التشيع إليكم أصول وفي تقرير فخركم محصول وانتم ردء المسلمين بهذه البلاد المسلمة الذي يعينهم
____________________
(4/427)

بإرفاده وينصرهم بإنجاده ويعامل الله تعالى فيها بصدق جهاده
وعندما استقر هذا الأمر الذي تبعت المحنة فيه المنحة وراقت من فضل الله تعالى ولطفه فيه الصفحة واخذنا من اهل حضرتنا بعد استدعاء خواصهم وأعيانهم وتزاحمت على رقها المنشور خطوط أيمانهم وتأصلت قواعد ألفاظها ومعانيها في قلوبهم وآذانهم وضمنوا الوفاء بما عاهدوا الله عليه وقد خبر سلفنا والحمد لله وفاء ضمانهم بادرنا تعريف مقامكم الذي نعلم مساهمته فيما ساء وسر وأحلى وأمر عملا بمقتضى الخلوص الذي ثبت واستقر والحب الذي ما مال يوما ولا أزور وما أحق تعريف مقامكم بوقوع هذا الأمر المحذور وانجلاء ليله عن صبح الصنع البادي السفور وإن كنا قد خاطبنا من خدامكم من يبادر إعلامكم بالأمور إلا أنه أمر له ما بعده وحادث يأخذ حده ونبعث إلى بابكم من شاهد الحال مابين وقوعها إلى استقرارها رأي العيان وتولى تسديد الأمور باعماله الكريمة ومقاصده الحسان ليكون أبلغ في البر وأشرح للصدر وأوعب للبيان فوجهنا إليكم وزير أمرنا وكاتب سرنا الكذا أبا فلان وألقينا إليه من تقرير تعويلنا على ذلك المقام الأسنى واستنادنا من التشيع إليه إلى الركن الوثيق المبنى مانرجو أن يكون له فيه المقام الأعنى والثمرة العذبة المجنى فلاهتمامه بهذا الغرض الأكيد الذي هو أساس بنائنا وقامع أعدائنا آثرنا توجيهه على توفر الاحتياج إليه ومدار الحال عليه والمرغوب من أبوتكم المؤملة أن يتلقاه قبولها بما يليق بالملك العالي والخلافة السامية المعالي والله عز وجل يديم أيامكم لصلة الفضل المتوالي ويحفظ مجدكم من غير الأيام والليالي وهو سبحانه يصل سعدكم ويحرس مجدكم ويوالي نصركم وعضدكم والسلام الكريم يخصكم ورحمة الله وبركاته انتهى
____________________
(4/428)


وقوله في هذه الرسالة فوجهنا إليكم وزير امرنا إلى آخره هو لسان الدين رحمه الله تعالى إذ هو كان الوزير إذ ذاك والسفير في هذه القضية ومن صفحات هذا الكلام يتضح لك مانال لسان الدين رحمه الله تعالى من الرياسة والجاه ونفوذ الكلمة بالأندلس وبالمغرب رحمه الله تعالى وقد أكرمه السلطان أبو عنان في هذه الوفادة وغيرها غاية الإكرام وكان المقصود الأعظم من هذه الوقادة استعانة سلطان الأندلس الغني بالله بالسلطان أبي عنان على طاغية النصارى كما ألمعنا بذلك في الباب الثاني من القسم الثاني الذي يتعلق بلسان الدين وكان لسلطان أبو عنان ابن السلطان أبي الحسن معتنيا بالأندلس غاية الاعتناء وخصوصا بجبل الفتح حتى إنه بلغ من اهتمامه به أن أمرعليه ولده أبا بكر السعيد وهو الذي تولى الملك بعده 6 - رسالة عن الغني إلى الأمير السعيد
ومن إنشاء لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى على لسان سلطانه ماخاطب به الأمير السعيد المذكور إذ قلده والده جبل الفتح وهو
الإمارة التى أشرق في سماء الملك شهابها واتصلت بأسباب العز أسبابها واشتملت على الفضل والطهارة أثوابها وأجيلت قداح المفاخر فكان إلى جهة الله تعالى انتدابها إمارة محل أخينا الذي تأسس على مرضاة الله تعالى أصيل فخره واتسم بالمرابط المجاهد على اقتبال سنه وجدة عمره وبدأ بفضل الجهاد صحيفة أجره وافتتح بالرباط والصلاح ديوان نهيه وامره لما يسره من سعادة نصبته وحباه من عز نصره الأمير الأجل الأعز الأرفع الأسنى الأطهر الأظهر الأمنع الأصعد الأسمى الموفق الأرضى محل أخينا العزيز علينا المهداة أنباء مامول جواره إلينا أبي بكر السعيد ابن محل والدنا الذي مقاصده للإسلام واهله على مرضاة الله تعالى جارية وعزائمه على نصر الملة الحنيفية
____________________
(4/429)

متبارية السلطان الكذا أبو عنان ابن السلطان الكذا أبي الحسن ابن السلطان الكذا أبي سعيد ابن السلطان يعقوب بن عبدالحق أبقاه الله تعالى سديده آراؤه ناجحة أعماله ميسرة أغراضه من فضل الله تعالى متممة آماله رحيبا في السعد مجاله يكنفه من الله تعالى ومحل أبينا غمام وارفة ظلاله هامر نواله حتى يرضي الله تعالى مصاعه بين يديه ومصاله وتمضي في الأعداء امام رايته المنصورة نصاله أخوه المسرور بقربه المنطوي على مضمر حبه أمير المسلمين محمد ابن أمير المسلمين أبي اللحجاج ابن أمير المسلمين أبي الوليد ابن فرج بن نصر سلام كريم طيب برعميم يخص أخوختكم الفضلى وإمارتكم التى آثار فضلها بحول الله تتلى ورحمة الله تعالى وبركاته
اما بعد حمد الله على ما كيف من ألطافه المشرقة الأنوار ويسره لهذه الأوطان بنصرته من الأوطار فكلما دجت بها شدة طلع الفرج عليها طلوع النهار وكلما اضطرب منها جانب أعاده بفضل الله تعالى من أقامه لذلك واختاره إلى حال السكون والقرار على سيدنا ومولانا محمد رسوله المصطفى المختار الذي أكد عليه جبريل صلوات الله عليه حق الجوار حتى كاد يلحقه بالوسائل والقرب الكبار الذي وصانا بالالتئام واتصال اليد في نصرة الإسلام فنحن نقابل وصاته بالبدار ونجري على نهجه الواضح الآثار ونرتجي باتباعه الجمع بين سعادة هذه الدار وتلك الدار والرضى عن آله وأصحابه وأنصاره وأحزابه أكرم الآل والأصحاب والأحزاب والأنصار الذين كانوا كما أخبر الله تعالى عنهم على لسان الصادق الأخبار رحماء بينهم أشداء على الكفار والدعاء لإمارتكم السعيدة السعيدية بالتوفيق الذي تجري به الأمور على حسب الاختيار والعز المنيع الذمار والسعد القويم المدار والوقاية التى يامن بها أهلها من السرار فإنا كتبناه إليكم كتب الله تعالى لكم أسنى ما كتب للأمراء الأرضياء الأخيار ومتعكم من بقاء والدكم بالعدة العظمى والسيرة الرحمى والجلال الرفيع المقدار من حمراء
____________________
(4/430)

غرناطة حرسها الله تعالى ولا زائد بفضل الله سبحانه ثم ببركة سيدنا ومولانا محمد رسوله الذي أوضح برهانه إلا ألطاف باهرة وعناية من الله تعالى باطنة وظاهرة وبشارة بالقبول واردة وبالشكر صادرة والله تعالى يصل لدينا نعمه ويوالي فضله وكرمه
وإلى هذا فإننا اتصل بنا في هذه الأيام ماكان من عناية والدكم محل أبينا أبقاه الله تعالى بهذه البلاد المستندة إلى تأميل مجده وإقطاعها الغاية التى لا فوقها من حسن نظره وجميل قصده وتعيينكم إلى المقام بجبل الفتح إبلاغا في اجتهاده الديني وجده فقلنا هذا خبر إن صدق مخبره وتحصل منتظره فهو فخر تجددت أثوابه واعتناء تفتحت أبوابه وعمل عند الله تعالى ثوابه فإن الأندلس عصمها الله تعالى وإن أنجدته عدده وأمواله ونجحت في نصرها مقاصده الكريمة وأعماله لا تدري موقع النظر لها من نفسه وزيادة يومه في العناية على أمسه حتى يسمح لها بولده ويخصها بقرة عينه وفلذة كبده فلما ورد منه الخبر الذي راقت منه الحبر ووضحت من سعادته الغرر بإجازتكم البحر واختياركم في حال الشبيبة الفخر وصدق مخيلة الدين فيكم واستقراركم في الثغر الشهير الذي افتتحه سيف جدكم واستنقذه سعد أبيكم سررنا بقرب المزار ودنو الدار وقابلنا صنع الله تعالى بالاستبشار ووثقنا وإن لم نزل على ثقة من عناية الله تعالى وعناية محل والدنا بهذه الأقطار وحمدنا الله تعالى على هذه الآلاء المشرقة والنعم المغدقة والصنائع المتألقة بادرنا نهني أخوتكم اولا بما يسره الله تعالى لكم من سلامة المجاز ثم بما منحكم الله تعالى من فضل الاختصاص بهذا الغرض والامتياز فإمارتكم الإمارة التى أخذت بأسباب السماء وركبت إلى الجهاد في سبيل الله تعالى جياد الخيل والماء وأصبحت على حال الشبيبة شجا في حلوق الأعداء ونحن أحق بهذا
____________________
(4/431)

الهناء ولكنها عادة الود وسنة الإخاء فالله عز وجل يجعله مقدما ميمون الطائر متهلل البشائر تهلل بصنع الله بعده وجوه القبائل والعشائر ويجري خبر سعادتكم مجرى المثل السائر ويشكر محل والدنا فيما كان من اختياره ومزيد إيثاره ويجازيه جزاء من سمح في ذاته بمظنة ادخاره ومذ رأينا ان هذا الغرض لا يجتزى فيه بالكتابة دون الاستنابة وجهنا لكم من يقوم بحقه ويجري من تقرير ما لدينا على أوضح طرقه وهو القائد الكذا ومجدكم يصغي لما يلقيه ويقابل بالقبول ما من ذلك يؤديه والله تعالى يصل سعدكم ويحرس مجدكم والسلام انتهى
وكان الطاغية الملعون أيام السلطان أبي عنان رحمه الله تعالى نازل جبل الفتح ثم كفى الله تعالى شره في ذلك التاريخ 7 - من أبي الحجاج إلى أبي عنان
ومن إنشاء لسان الدين على لسان سلطانه أبي الحجاج يخاطب أبا عنان سلطان فاس والمغرب وذلك بما نصه
المقام الذي رمى له الملك الأصيل بأفلاذه وأدى منه الإسلام إلى ملجئه الأحمى وملاذه وكفلت السعود بإمضاء أمره المطاع وإنفاذه وشأى حلبه الكرم فكان وحيد آحاده وفذ أفذاذه وابتدع غرائب الجود فقال لسان الوجود نعمت البدعه هذه مقام محل أخينا الذي أركان مجده راسية راسخة وغرر عزه بادية باذخة وأعلام فخره سامية شامخة وآيات سعده محكمة ناسخة السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا أبقاه الله تعالى يجري بسعده الفلك ويجلى بنور هديه الحلك ويسطر حسنات ملكه الملك ويشهد بفضل بأسه
____________________
(4/432)

ونداه النادي والمعترك معظم حقوقه التى تأكد فرضها المثني على مكارمه التى أعيا الأوصاف البليغة بعضها أمير المسلمين عبدالله يوسف ابن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر سلام كريم طيب بر عميم يخص أخوتكم الفضلى ورحمة الله وبركاته
اما بعد حمد الله الذي هيأ لملة الإسلام بمظاهرة ملككم المنصور الأعلام إظهارا وإعزازا وجعل لها العاقبة الحسنى بيمن مقامكم الأسنى تصديقا لدعوة الحق وإنجازا وسهل لها بسعدكم كل صعب المرام وقد سامتها صروف الأيام ليا وإعوازا واتاح لها منكم وليا يسوم أعداءها استلاما وابتزازا ويسكن آمالها وقد استشعرت انحفازا حمدا يكون على حلل النعم العميمة والآلاء الكريمة طرازا ومولانا محمد رسوله الذي بهرت آياته وضوحا وإعجازا واستحقت الكمال صفاته حقيقة لا مجازا ونبيه الذي بين للخلق أحكام دينه الحق امتناعا وجوازا ويسر لهم وقد ضلوا في مفاوز الشك مفازا والرضى عن آله وأصحابه المستولين على ميادين فضائل الدنيا والدين اختصاصا بها وامتيازا فكانوا غيوثا إن وجدوا محلا وليوثا إن شهدوا برازا والدعاء لمقام أخوتكم الأسمى بنصر على أعدائه تبدي له الجياد الجرد ارتياحا والرماح الملد اهتزازا وعز يطأ من أكناف البسيطة وأرجائها المحيطة سهلا وعزازا ويمن يشمل من بلاد الإيمان أقطارا نازحة ويعم أحوازا وسعد تجول في ميدان ذكره المذاع أطراف ألسنة اليراع إسهابا وإيجازا وفخر يجوب جيوب الأقطار جوب المثل السيار عراقا وحجازا ولا زالت كتائب سعده تنتهز فرص الدهر انتهازا وتوسع مملكات الكفر انتهابا واحتيازا فإنا كتبناه إلى مقامكم كتب الله تعالى لكم سعدا ثابت المراكز وعزا لا تلين قناته في يد الغامز وثناء لا يثني عنان سراه عرض المفاوز وصنعا رحيب الجوانب
____________________
(4/433)

رغيب الحوائز من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى وفضله عز وجل قد أدال العسر يسرا واحال القبض بسطا وقرب نوازح الآمال بعد أن تناءت ديارها شحطا وراض مركب الدهر الذي كان لا يلين لمن استمطى وقرب غريم الرجاء في هذه الأرجاء وكان مشتطا والتوكل عليه سبحانه وتعالى قد أحكم منه اليقين والاستبصار المبين ربطا ومشروط المزيد من نعمه قد لزم من الشكر شرطا ومقامكم هو عدة الإسلام إذا جد حفاظه وظله الظليل إذا لفح للكفر شواظه وملجؤه الذي تنام في كنف امنه أيقاظه ووزره الذي إلى نصره تمد أيديه وتشير ألحاظه ففي أرجاء ثنائه تسرح معانيه وألفاظه ولخطب تمجيده وتحميده يقول قسه وتحتفل عكاظه وتشيعنا إلى ذلك الجناب الكريم طويل عريض ومقدمات ودنا إياه لا يعترضها نقيض وأفلاك تعظيمنا له ليس لأوجها الرفيع حضيض وانوار اعتقادنا الجميل فيه يشف سواد الحبر على أوجهها البيض
وإلى هذا ألبسكم الله تعالى ثوب السعادة المعادة فضفاضا كما صرف ببركة إيالتكم الكريمة على ربوع الإسلام وجوه الليالي والأيام وقد ازورت إعراضا وبسطت آمالها وقد استشعرت انقباضا فإننا ورد علينا كتابكم الذي كرم أنحاء وأغراضا وجالت البلاغة من طرسه الفصيح المقال رياضا ووردت الأفكار من معانيه الغرائب وألفاظه المزرية بدرر النحور والترائب بحورا صافية وحياضا فاجتلينا منه حلة من حلل الود سابغة وحجة من حجج المجد بالغة وشمسا في فلك السعد بازغة الذي بين المقاصد الكريمة وشرحها وجلا الفضائل العميمة وأوضحها فما أكرم شيم ذلك الجلال وأسمحها وأفضل خلال ذلك الكمال وأرجحها خثتم فيه على إحكام السلم التى تحوط النفس والحريم بسياج ويداوى القطر العليل منها بأنجع علاج والحال ذات احتياج وساحة الجبل عصمه الله تعالى ميدان هياج ومتبوأ أعلاج ومظنة اختلاف الظنون الموحشة واختلاج فحضر لدينا محتمله وزيركم الشيخ
____________________
(4/434)

الأجل الأعظم الموقر الأسمى الخاصة الأحظى أبو علي ابن الشيخ الوزير الأجل الحافل الفاضل المجاهد الكامل أبي عبدالله ابن محلى والشيخ الفقيه الأستاذ الأعرف الفاضل الكامل أبو عبدالله ابن الشيخ الفقيه الأجل العارف الفاضل الصالح المبارك المبرور المرحوم أبي عبدالله الغشتالي وصل الله سبحانه سعادتهما وحرس مجادتهما حالين من مراتب ترفيعنا أعلى محل الإعزاز وواردين على أحلى القبول الذي لا تشاب حقيقته بالمجاز عملا بما يجب علينا لمن يصل إلينا من تلك الأنحاء الكريمة والأحواز فتلقينا ما اشتملت عليه الإحالة السلطانية من الود الذي كرم مفهوما ونصا والبر الذي ذهب من مذاهب الفضل والكمال الأمد الأقصى وقد كان سبقهما صنع الله جل جلاله بما أخلف الظنون وشرح الصدور وأقر العيون فلم يصلا إلينا إلا وقد أهلك الله تعالى الطاغية ومزق أحزابه الباغية نعمة منه سبحانه وتعالى ومنة ملأت الصدور انشراحا وعمت الأرجاء أفراحا وعنوانا على سعد مقامكم الذي راق غررا في المكرمات وأوضاحا ومد يده إلى سهام المواهب الإلهية فحاز أعلاها قداحا فتشوفت نفوس المسلمين إلى ما كانت تؤمله من فضل الله تعالى وترجوه وبدت في القضية التى أشرتم بأعمالها الوجوه وانبعثت الآمال بما آلت إليه هذه الحال انبعاثا والتاثت امور العدو قصمه الله تعالى التياثا وانتقض غزله من بعد قوته بفضل الله تعالى انكاثا واحتملت المسألة التى تفضلتم بعرضها وأشرتم إلى فرضها مأخذا وأبحاثا فألقينا في هذه الحال إلى رسوليكم أعزهما الله تعالى ما يلقيانه إلى مقامكم الأعلى ومثابتكم الفضلى وما يتزيد عندنا من الأمور فركائب التعريف بها إليكم محثوثة وجزئياتها بين يدي مقامكم الرفيع مبثوثة وقد اضطربت أحوال الكفر وفالت آراؤه واستحكم بالشتات داؤه وارتجت بزلزال الفتن
____________________
(4/435)

أرجاؤه وتيسرت آمال الإسلام بفضل الله تعالى ورجاؤه وما هو إلا السعد يذلل لكم صعب العدو ويروضه والله سبحانه يهيىء لكم فضل الجهاد حتى تقضى بكم فروضه
واما الذي لكم عندنا من الخلوص الصافية شرائعه والثناء الذي هو الروض تأرج ذائعه فأوضح من فلق الصبح إذا أشرقت طلائعه جعله الله تعالى في ذاته ووسيلة إلى مرضاته ورسولاكم يشرحان لكم الحال بجزئياته ويقرران ماعندنا من الود الذي سطع نور آياته وهو سبحانه وتعالى يصل لكم سعدا سامي المراتب والمراقي ويجمع لكم بعد بعد المدى وتمهيد دين الهدى بين نعيم الدنيا والنعيم الباقي والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته انتهى 8 - رسالة عن يوسف النصري
وأبين من هذا في القضية كتاب آخر من إنشاء لسان الدين رحمه الله تعالى صورته
من أمير المسلمين عبدالله يوسف ابن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر إلى محل أخينا الذي نثني على مجادته أكرم الثناء ونجدد له ما سلف بين الأسلاف الكرام من الولاء ونتحفه من سعادة الإسلام واهله بالأخبار السارة والأنباء السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا أبقاه الله تعالى رفيع المقدار كريم المآثر والآثار وعرفه من عوارف فضله كل مشرق الأنوار كفيل بالحسنى وعقبى الدار سلام كريم بر عميم يخص جلالكم الأرفع ورحمة الله وبركاته
اما بعد حمدالله على عميم آلائه وجزيل نعمائه ميسر الصعب بعد إبائه والكفيل بتقريب الفرج وإدنائه له الحمد والشكر ملء أرضه وسمائه ومولانا محمد خاتم رسله الكرام وأنبيائه الهادي إلى سبيل الرشد وسوائه مطلع نور الحق يجلو ظلم الشك بضيائه والرضى
____________________
(4/436)

عن آله وأصحابه وانصاره وأحزابه وخلفائه السائرين في الدنيا والآخرة تحت لوائه الباذلين نفوسهم في إظهار دينه القويم وإعلائه والدعاء لمقامكم بتيسير أمله من فضل الله سبحانه ورجائه واختصاصه بأوفر الحظوظ من اعتنائه فإنا كتبناه إليكم كتبكم الله تعالى فيمن ارتضى قوله وعمله من أوليائه وعرفكم عوارف السعادة المعادة في نهاية كل امر وابتدائه من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى ولا زائد بفضل الله سبحانه ثم ببركة سيدنا ومولانا محمد رسوله الكريم الذي اوضح برهانه وعظم أمره ورفع شانه ثم بما عندنا من الود الكريم وتجديد العهد القديم لمقامكم اعلى الله تعالى سلطانه إلا الخير الهامي السحاب واليسر المتين الأسباب واليمن المفتح الأبواب والسعد الجديد الأثواب ومقامكم معتمد بترفيع الجناب متعهد بالود الخالص والاعتقاد اللباب معلوم له من فضل الدين وأصالة الأحساب
وإلى هذا وصل الله تعالى سعدكم مديد الأطناب ثاقب الشهاب وأطلع عليكم وجوه البشائر سافرة النقاب فإنه قد كان بلغكم ما آلت الحال إليه بطاغية قشتالة الذي كلب على هذه الأقطار الغربية من وراء البحار وما سامها من الإرهاق والأضرار وأنه جري في ميدان الأملاء والاغترار ومحص المسلمون على يده بالوقائع العظيمة الكبار وأنه نكث العهد الذي عقده وحل الميثاق الذي أكده وحمله الطمع الفاضح على أن أجلب على بلاد المسلمين بخيله ورجله ودهمها بتيار سيله وقطع ليله وأمل أن يستولي على جبل الفتح الذي يدعى منه فتحها وطلع للملة المحمدية صبحها فضيقه حصارا واتخذه دارا وعندما عظم الإشفاق وأظلمت الآفاق ظهر فينا لقدرة الله تعالى الصنع العجيب ونزل الفرج القريب وقبل الدعاء السميع المجيب وطرق الطاغية جند من جنود الله تعالى أخذه أخذة رابية ولم يبق له من باقية فهلك على الجبل حتف أنفه وغالته غوائل حتفه فتفرقت جموعه وأحزابه وانقطعت أسبابه وتعجل لنار الله تعالى مآبه وأصبحت البلاد
____________________
(4/437)

مستبشرة ورحمة الله منتشرة ورأينا ان هذه البشارة التى يأخذ منها كل مسلم بالنصيب الموفور ويشارك فيما جلبته من السرور انتم اولى من نتحفه بطيب رياها ونطلع عليه جميل محياها لما تقرر عندنا من دينكم المتين وفضلكم المبين وعملكم من المساهمة على شاكلة صالحي السلاطين فما ذلك إلا فضل نيتكم للمسلمين في هذه البلاد وأثر ما عندكم من جميل الاعتقاد
وقد ورد رسولنا إليكم القائد أبو عبدالله محمد بن أبي الفتح أعزه الله تعالى مقررا ما لديكم من الود الراسخ القواعد والخلوص الصافي الموارد الواضح الشواهد وأثنى على مكارمكم الأصيلة وألقى ما عندكم من المذاهب الجميلة فقابلنا ذلك بالشكر الذي يتصل سببه ويتضح مذهبه وسألنا الله أن يجعله ودا في ذاته ووسيلة إلى مرضاته وتعرفنا ماكان من تفضلكم بالطريدة المفتوحة المؤخر وما صدر عن الرئيس المعروف بالناظر من خدام دار الصنعة بالمرية من قبح محاولته وسوء معاملته فامرنا بقطع جرايته وثقافه بمطمورة القصبة جزاء لجنايته ولولا أننا توقفنا ان يكون عظيم عقابه مما لايقع من مقامكم بوفقه لمشهور عفافه ورفقه لجعلناه نكالا لأمثاله وعبرة لأشكاله وقد وجهنا جفنا سفريا لإيساق الخيل التى ذكرتم وإيصال ما إليه من ذلك أشرتم ويكمل القصد إن شاء الله تعالى تحت لحظ اعتنائكم وفضل ولائكم هذا ما تزيد عندنا عرفناكم به عملا على شاكلة الود الجميل والولاء الكريم الجملة والتفصيل فعرفونا بما يتزيد عندكم يكن من جملة أعمالكم الفاضلة ومكارمكم الحافلة والله تعالى يصل سعدكم ويحرس مجدكم والسلام الكريم عليكم ورحمة الله وبركاته انتهى 9 - رسالة في حاجة الأندلس إلى بر العدوة
ومن إنشاء لسان الدين فيما يتعلق بالأندلس وانقطاعها وأنها لا غنى لها عن العدوة وغير ذلك ما صورته
____________________
(4/438)


المقام الذي بنور سعادته تنجلي الغماء وتتصل النعماء من نيته قد حصل منها لجانب الله تعالى الانتماء واتفقت منها المسميات والأسماء مقام محل أبينا الذي تتفيأ هذه الجزيرة الغربية أفياء نيته الصالحة وعمله وتثق بحسن العاقبة اعتمادا على وعد الله تعالى المنزل على خيرة رسله وتجتني ثمار النجح من أفنان آرائه المتألقة تألق الصبح حالي ريثه وعجله وتتعرف حالي المودود والمكروه عارفة الخير والخيرة من قبله أبقاه الله تعالى يحسم الأدواء كلما استشرت ويحلي موارد العافية كلما امرت ويعفي على آثار الأطماع الكاذبة مهما خدعت بخلبها وغرت ويضمن سعده عودة الأمور إلى أفضل ما عليه استقرت معظم مقامه الذي هو بالتعظيم حقيق وموقر ملكه الذي لا يلتبس منه في الفخر والعز طريق ولا يختلف في فضله العميم ومجده الكريم فريق
اما بعد حمد الله المثيب المعاقب الكفيل لأهل التقوى بحسن العواقب المشيد بالعمل الصالح إلى أرفع المراقي والمراقب يهدي من يشاء ويضل من يشاء فبقضائه وقدره اختلاف المسالك والمذاهب رسوله الحاشر العاقب ونبيه الكريم الرؤوف الرحيم ذي المفاخر السامية والمناقب والرضى عن آله وأصحابه وانصاره وأحزابه الذين ظاهروه في حياته بإعمال السمر العوالي والبيض القواضب وخلفوه في امته بخلوص الضمائر عند شوب الشوائب فكانوا في سماء ملته كالنجوم الثواقب والدعاء لمقامكم الأسمى بالسعادة المعادة في الشاهد من الزمن والغائب والنصر الذي يقضي بعز الكتائب والصنع الذي تطلع من ثناياه غرر الصنائع العجائب من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى ولا زائد بفضل الله سبحانه ثم بما عندنا من الاعتداد بمقامكم أعلى الله تعالى سلطانه وشمل بالتمهيد اوطانه إلا تشيع ثابت ويزيد وإخلاص ماعليه في ميدان الاستطاعة مزيد وتعظيم أشرف منه جيد وثناء راق فوق رياضة تحميد وتمجيد
وإلى هذا وصل الله تعالى سعدكم وحرس الطاهر الكريم مجدكم فقد
____________________
(4/439)

وصلنا كتابكم الذي هو على الخلوص والاعتقاد عنوان وفي الاحتجاج على الرضى والقبول برهان تنطق بالفضل فصوله وتشير إلى كرم العقد فروعه الزكية وأصوله ويحق أن ينسب إلى ذلك الفخر الأصيل محصوله عرفتمونا بما ذهب إليه عيسى بن الحسين من الخلاف الذي ارتكبه وسبيل الصواب الذي انتكبه وتنبهون على ماحده الحق في مثل ذلك وأوجبه حتى لا يصل أحد من جهتنا سببه ولا يظاهره مهما ندبه ولا يسعف في الإيواء طلبه فاستوفينا ما استدعاه ذلك البيان الصريح وجلبه وخطه القلم الفصيح وكتبه وليعلم مقامكم وهو من أصالة النظر غني عن الإعلام ولكن لا بد من الاستراحة بالكلام والتنفس بنفثات الأقلام أننا إنما نجري امورنا مع هذا العدو الكافر الذي رمينا بجواره وبلينا والحمد لله بمصادمة تياره على تعداد أقطاره وإتساع براريه وبحاره بأن تكون الأمة المحمدية بالعدوتين تحت وفاق وأسواق النفاق غير ذات اتفاق والجماهير تحت عهد الله تعالى وميثاق فمهما تعرفنا أن اثنين اختلف منهما بالعدوتين عقد ووقع بينهما في قبول الطاعة رد ساءنا واقعه وعظمت لدينا مواقعه وسألنا أن يتدارك الخرق راقعه لما نتوقعه من التشاغل عن نصرنا وتفرغ العدو إلى ضرنا فكيف إذا وقعت الفتنة في صقعنا وقطرنا إنما هي شعلة في بعض بيوتنا وقعت وحادثة إلى جهتنا أشرعت وإن كان لسوانا لفظها فلنا معناها وعلى وطننا يعود جناها فنحن أحرص الناس على إطفائها وإخمادها وأسعى في اصلاح فسادها والمثابرة على كفها واستئسادها وما الظن بدار فسد بابها وآمال رثت أسبابها وجزيرة لا تستقيم أحوال من بها إلا بالسكون وسلم العدو المغرور المفتون حتى تقضى منه بإعانتكم الديون وإن اضطرابها إنما هو داء
____________________
(4/440)

نستنصر من رأيكم فيه بطبيب وهدف خطب نرميه من عزمكم بسهم مصيب وامر نضرع في تداركه إلى سميع للدعاء مجيب ونحن فيه يد امام يدكم ومقصدنا فيه تبع لقصدكم وتصرفنا على حد إشارتكم جار وعزمنا إلى منتهى مرضاتكم متبار وعقدنا في مشايعة أمركم غير متوار
وقد كنا لأول اتصال هذا الخبر القبيح العين والأثر بادرنا تعريفكم بجميع ما اتصل بنا في شأنه ولم نطو عنكم شيئا من إسراره ولا إعلانه وبعثنا رسولنا إلى بابكم العلي نعتد بسلطانه ونرتجي تمهيد هذا الوطن بتمهيد أوطانه وبادرنا بالمخاطبة من وجبت مخاطبته من أهل مربلة وأسطبونة نثبت بصائرهم في الطاعة ونقويها ونعدهم بتوجيه من يحفظ جهاتهم ويحميها وعجلنا إلى بعضها مددا من الرماة والسلاح ليكون ذلك عدة فيها وعلمنا ما اوجب الله تعالى من الأعمال التي يزلف بها ويرتضيها وكيف لا نظاهر أمركم الذي هو العدة المذخورة والفئة الناصرة المنصورة والباطل سراب يخدع والحق إليه يرجع والبغي يردي ويصرع وكم تقدم في الدهر منتز شذ عن الطاعة وخرج عن الجماعة ومخالف على الدول في العصور الأول بهرج الحق زائفه ورجمت شهب الأسنة طائفه وأخذت عليه الضيقة وهاده وتنائفه فتقلص ظله ونبا به محله وكما قال يذهب الباطل وأهله لا سيما وسعادة ملككم قد وطأت المسالك ومهدتها وقهرت الأعداء وتعبدتها وأطفأت جداول سيوفكم النار التى اوقدتها وكان بالأمور إذا أعملتم فيها رأيكم السديد وقد عادت إلى خير أحوالها والبلاد بيمن تدبيركم قد شفى ما ظهر من اعتلالها وعلى كل حال فإنما نحن على تكمبل مرضاتكم مبادرون وفي أغراضكم الدينية واردون وصادرون ولإشارتكم التى تتضمن الخير والخيرة منتظرون عندنا من ذلك عقائد لا يحتمل نصها التأويل ولا يقبل صحيحها التعليل فلتكن أبوتكم من ذلك على أوضح سبيل فشمس النهار لا تحتاج إلى دليل واله تعالى يسني لكم عوائد الصنع الجميل حتى لا يدع عزمكم
____________________
(4/441)

مغصوبا إلا رده ولا ثلما في ثغر الدين إلا سده ولا هدفا متعاصيا إلا هده ولا عرقا من الخلاف إلا جده وهو سبحانه يبقي ملككم ويصل سعده ويعلي امره ويحرس مجده والسلام الكريم يخصكم ورحمة الله وبركاته انتهى 10 - رسالة عن أبي الحجاج إلى الرعايا
ومن إنشائه رحمه الله تعالى من جملة رسالة على لسان سلطانه أبي الحجاج يخاطب الرعايا ما نص محل الحاجة منه
وإلى هذا فقد علمتم ما كانت الحال آلت إليه من ضيقة البلاد والعباد بهذا الطاغية الذي جرى في ميدان الأمل جري الجموح ودارت عليه خمرة النخوة والخيلاء مع الغبوق والصبوح حتى طمح بسكر اغتراره ومحص المسلمون على يده بالوقائع التى تجاوز منتهى مقداره وتوجهت إلى استئصال الكلمة مطامع أفكاره ووثق بانه يطفىء نور الله بناره ونازل جبل الفتح فشد مخنق حصاره وأدار أشياعه في البر والبحر دور السوار على أسواره وانتهز الفرصة بانقطاع الأسباب وانبهام الأبواب والأمور التى لم تجر للمسلمين بالعدوتين على مألوف الحساب وتكالب التثليث على التوحيد وساءت الظنون في هذا القطر الوحيد المنقطع بين الأمة الكافرة والبحور الزاخرة والمرام البعيد وإننا صابرنا بالله تعالى تيار سيله واستضأنا بنور التوكل عليه في جنح هذا الخطب ودجنة ليله ولجأنا إلى من بيده نواصي الخلائق واعتقلنا من حبله المتين باوثق العلائق وفسحنا مجال الأمل في ذلك الميدان المتضايق واخلصنا لله مقيل العثار ومؤوي أولي الاضطرار قلوبنا ورفعنا إليه أمرنا ووقفنا عليه مطلوبنا ولم نقصر مع ذلك في ابرام العزم واستشعار الحزم وإمداد الثغور بأقصى الإمكان وبعث الجيوش إلى ما يلينا من بلاد على الأحيان فرحم الله تعالى انقطاعنا إلى كرمه والتجاءنا إلى حرمه فجلى بفضله
____________________
(4/442)

سبحانه ظلم الشدة ومد على الحريم والأطفال ظلال رحمته الممتدة وعرفنا عوارف الصنع الذي قدم به العهد على طول المدة ورماه بجيش من جيوش قدرته أغنى عن إيجاف الركاب واحتشاد الأحزاب وأظهر فينا قدرة ملكه عند إنقطاع الأسباب واستخلاص العباد والبلاد من بين الظفر والناب فقد كان جعجع على الحق بأباطيله وسد المجاز بأساطيله ورمى الجزيرة الأندلسية بشؤبوب شره وصيرها فريسة بين غربان بحره وعقبان بره فلم يخلص إلى المسلمين من إخوانهم مرقبة إلا على الخطر الشديد والإفلات من يد العدو العنيد مع توفر العزائم والحمدلله على العمل الحميد والسعي فيما يعود على الدين بالتأييد
وبينما شفقتنا على جبل الفتح تقيم وتقعد وكلب الأعداء عليه يبرق ويرعد واليأس والرجاء خصمان هذا يقرب وهذا يبعد إذ طلع علينا البشير بانفراج الأزمة وحل تلك العزمة وموت شاه تلك الوقعة وإبقاء الله تعالى على تلك البقعة وأنه سبحانه أخذ الطاغية أكمل ما كان اغترارا وأعظم أنصارا وزلزل أرض عزه وقد أصابت قرارا وأن شهاب سعده قد أصبح آفلا وعلم كبره انقلب سافلا وأن من بيده ملكوت السموات والأرض طرقه بحتفه وأهلكه برغم أنفه وأن محلته عاجلها التباب والتبار وعاثت في منازلها النار وتمخض عن سوء عاقبتها الليل والنهار وان حماتها يخربون بيوتهم بأيديهم وينادي بشتات الشمل لسان مناديهم وتلاحق الفرسان من جبل الفتح المعقل الذي عليه من عناية الله تعالى رواق مضروب والرباط الذي من حاربه فهو المحروب فأخبرت بانفراج الضيق وارتفاع العائق لها عن الطريق وبرء الداء الذي أشرق بالريق وأن النصارى دمرها الله تعالى جدت في ارتحالها وأسرعت بجيفة طاغيتها إلى سوء مآلها وحالها وسمحت للنار والنهب بأسلابها واموالها فبهرنا هذا الصنع الإلهي الذي مهد الأقطار بعد رجفانها وانام العيون بعد سهاد أجفانها وسألنا الله تعالى أن يعيننا على
____________________
(4/443)

شكر هذه النعمة التى إن سلطت عليها قوى البشر فضحتها ورجحتها ورأينا سر اللطائف الخفية كيف سريانه في الوجود وشاهدنا بالعيان أنوار اللطائف الإلهية والجود وقلنا إنما هو الفتح الأول شفع بثان وقواعد الدين الحنيف أيدت من صنع الله تعالى ببنيان اللهم لك الحمد على نعمك الباطنة والظاهرة ومننك الوافرة إنك ولينا في الدنيا والآخرة انتهى 11 - رسالة توضح ضيق حال الأندلس
ومن إنشاء لسان الدين رحمه الله تعالى من أخرى مما يتعلق بضيق حال المسلمين بالأندلس ما صورته
وإن تشوفتم إلى أحوال هذا القطر ومن به من المسلمين بمقتضى الدين المتين والفضل المبين فاعلموا أننا في هذه الأيام ندافع من العدو تيارا ونكابر بحرا زخارا ونتوقع إلا إن وقى الله تعالى خطوبا كبارا ونمد اليد إلى الله تعالى انتصارا ونلجأ إليه اضطرارا ونستمد دعاء المسلمين بكل قطر استعدادا به واستظهارا ونستشير من خواطر الفضلاء ما يحفظ أخطارا وينشىء ريح روح الله طيبة معطارا فإن القومس الأعظم قيوم دين النصرانية الذي يأمرها فتطيع ومخالفته لا تستطيع رمى هذه الأمة الغريبة المنقطعة منهم بجراد لا يسد طريقها ولا يحصى فريقها التفت على أخي صاحب قشتالة وعزمها أن تملكه بدله وتبلغه أمله ويكون الكل يدا واحدة على المسلمين ومناصبة هذا الدين واستئصال شأفة المؤمنين وهي شدة ليس لأهل هذا الوطن بها عهد ولا عرفها نجد ولا وهد وقد اقتحموا الحدود القريبة والله تعالى ولي هذه الأمة الغريبة وقد جعلنا مقاليد أمورنا بيد من يقوي الضعيف ويدرأ الخطب المخيف ورجونا أن نكون ممن قال الله تعالى فيهم { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } آل عمران 173
____________________
(4/444)

وهو سبحانه المرجو في حسن العقبى والمآل ونصر فئة الهدي على فئة الضلال وما قل من كان الحق كنزه ولا ذل من استمد من الله عزه { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين } - الآية التوبة 52 ودعاء من قبلكم من المسلمين مدد موفور والله سبحانه على كل حال محمود مشكور انتهى 12 - من رسالة طويلة
ومن أخرى طويلة من جملتها ما صورته
وقد اتصل بنا الخبر الذي يوجب نصح الإسلام ورعي الجوار والذمام وماجعل الله تعالى للماموم على الإمام وإيقاظكم من مراقدكم المستغرقة وجمع أهوائكم المتفرقة وتهييئكم إلى مصادمة الشدائد المرعدة المبرقة وهو أن كبير دين النصرانية الذي إليه ينقادون وفي مرضاته يصادقون ويعادون وعند رؤية صليبه يكبرون ويسجدون لما رأى الفتن قد اكلتهم خضما وقضما وأوسعتهم هضما فلم تبق عصبا ولا عظما ونثرت ماكان نظما أعمل نظره فيما يجمع منهم ما افترق ويرفع ما طرق ويرفو ما مزق الشتات وخرق فرمى الإسلام بامة عددها القطر المنثال وأمرهم وشأنهم الامتثال أن يدمثوا لمن ارتضاه من امته الطاعة ويجمعوا في ملته الجماعة ويطلع الكل على هذه الفئة القليلة الغريبة بغتة كقيام الساعة وأقطعهم قطع الله تعالى بهم العباد والبلاد والطارف والتلاد وسوغهم الحريم والأولاد وبالله تعالى نستدفع ما لا نطيقه ومنه نسأل عادة الفرج فما سدت طريقه إلا أنا رأينا غفلة الناس مؤذنة البوار وأشفقنا للدين المنقطع من وراء البحار وقد أصبح مضغة في لهوات الكفار وأردنا أن نهزكم بالموعظة التى تكحل البصائر بميل الاستبصار فإن جبر اله تعالى الخواطر بالضراعة إليه والانكسار ونسخ الإعسار بالإيسار وأنجد اليمين بأختها اليسار وإلا فقد تعين في الدنيا والآخرة حظ الحسار فإن من ظهر عليه عدو دين الله تعالى وهو من الله مصروف
____________________
(4/445)

وبالباطل مشغوف وبغير العرف معروف وعلى الحطام المسلوب عنه ملهوف فقد تله الشيطان للجبين وقد خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ومن نفذ فيه أو له قدر اللله عن اداء الواجب وبذل المجهود وأفرد بالعبودية وجه الواحد الأحد المعبود ووطن النفس على الشهادة المبوئة دار الخلود العائدة بالحياة الدائمة والوجود أو الظهور على عدوه المحشور إليه المحشود صبرا على المقام المحمود وبيعا من الله تعالى تكون الملائكة فيه الشهود حتى تعين يد الله في ذلك البناء المهدود والسواد الأعظم الممدود كان على أمريه بالخيار المردود { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين } - الآية انتهى ضياع المدن الأندلسية
وقال صاحب مناهج الفكر بعد وصفه لجزيرة الأندلس وأقطارها ما صورته
ولم تزل هذه الجزيرة منتظمة لمالكها في سلك الانقياد والوفاق إلى أن طما بمترفيها سيل العناد والنفاق فامتاز كل رئيس منهم بصقع كان مسقط راسه وجعله معقلا يعتصم فيه من المخاوف بأفراسه فصار كل منهم يشن الغارة على جاره ويحاربه في عقر داره إلى أن ضعفوا عن لقاء عدو في الدين يعادي ويراوح معاقلهم بالعيث ويغادي حتى لم يبق في أيديهم منها إلا ما هو في ضمان هدنة مقدرة وإتاوة في كل عام على الكبير والصغير مقررة كان ذلك في الكتاب مسطورا وقدرا في سابق علم الله مقدورا انتهى
وهذا قاله قبل أن يستولي العدو على جميعها والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين
____________________
(4/446)

حذف
____________________
(4/446)

طليطلة - 478
ولنرجع إلى ما كنا بصدده من أخذ النصارى قواعد الأندلس فنقول قد قدمنا أوائل هذا الباب ان طليطلة أعادها الله تعالى من أول ما أخذ الكفار من المدن العظام بالأندلس قال ابن بسام لما توالت على اهل طليطلة الفتن المظلمة والحوادث المصطلمة وترادف عليهم البلاء والجلاء واستباح الفرنج لعنهم الله تعالى أموالهم وأرواحهم كان من أعجب ماجرى من النوادر الدالة على الخذلان ان الحنطة كانت تقيم عندهم مخزونة خمسين سنة لا تتغير ولا يؤثر فيها طول المدة بما يمنع من اكلها فلما كانت السنة التى استولى عليها العدو فيها لم ترفع الغلة من الأندر حتى أسرع فيها الفساد فعلم الناس أن ذلك بمشيئة الله تعالى لأمر أراده من شمول البلوى وعموم الضراء فاستولى العدو على طليطلة وأنزل من بها على حكمه وخرج ابن ذي النون منها على أقبح صورة وأفظع سيرة ورآه الناس وبيده إصطرلاب يأخذ به وقتا يرحل فيه فتعجب منه المسلمون وضحك عليه الكافرون وبسط الكافر العدل على أهل المدينة وحبب التنصر إلى عامة طغامها فوجد المسلمون من ذلك ما لا يطاق حمله وشرع في تغيير الجامع كنيسة فى ربيع الأول سنة ست وتسعين وأربعمائة
ومما جرى في ذلك اليوم أن الشيخ الأستاذ المغامي رحمه الله تعالى صار إلى الجامع وصلى فيه وأمر مريدا له بالقراءة ووافاه الفرنج لعنهم الله تعالى وتكاثروا لتغيير القبلة فما جسر أحد منهم على إزعاج الشيخ ولا معارضته وعصمه الله تعالى منهم إلى أن أكمل القراءة وسجد سجدة ورفع رأسه وبكى على الجامع بكاء شديدا وخرج ولم يعرض أحد له بمكروه وقيل لملك
____________________
(4/447)

النصارى ينبغي أن تلبس التاج كمن كان قبلك في هذا الملك فقال حتى نأخذ قرطبتهم واعد لذلك ناقوسا تأنق فيه وفيما رصع به من الجواهر فأكذبه الله وأزعجه وورد أمير المسلمين وناصر الدين يوسف بن تاشفين فما قصر فيما أثر من إذلال المشركين وإرغام الكافرين واستدراك أمور المسلمين انتهى ملخصا وقد مر مطولا وقعة بطرنة - 456
وكانت قبلها وقعة بطرنة سنة ست وخمسين وأربعمائة وذلك أن الفرنج خذلهم الله تعالى انتدبت منهم قطعة كثيفة ونزلت على بلنسية في السنة المذكورة وأهلها جاهلون بالحرب مغترون بأمر الطعن والضرب مقبلون على اللذات من الأكل والشرب وأظهر الفرنج الندم على منازلتها والضعف عن مقاومة من فيها وخدعوهم بذلك فانخدعوا وأطمعوهم فطمعوا وكمنوا في عدة أماكن جماعة من الفرسان وخرج أهل البلد بثياب زينتهم وخرج معهم أميرهم عبدالعزيز بن أبي عامر فاستدرجهم العدو لعنهم الله تعالى ثم عطفوا عليهم فاستأصلوهم بالقتل والأسر وما نجا منهم إلا من حصنه أجله وخلص الأمير نفسه ومما حفظ عنه أنه أنشد لما أعياه الأمر
( خليلي ليس الرأي في صدر واحد ** أشيرا علي اليوم ما تريان )
وفي أهل بلنسية يقول بعض الشعراء حين خرجوا في ثياب الزينة والترفه
( لبسوا الحديد إلى الوغى ولبستم ** حلل الحرير عليكم ألوانا )
( ماكان أقبحهم وأحسنكم بها ** لو لم يكن ببطرنة ماكانا )
____________________
(4/448)

قال ابن بسام وهكذا جرى لأهل طليطلة فإن العدو خذله الله تعالى استظهر عليهم وقتل جماهيرهم وكان من جملة ما غنمه الفرنج من أهلها لما خرجوا إليهم في ثياب الترفه ألف غفارة خارجا عما سواها بربشتر
وقال ابن حيان وكان تغلب العدو خذله الله تعالى على بربشتر قصبة بلد برطانية وهي تقرب من سرقسطة سنة ست وخمسين وأربعمائة وذلك أن جيش الأردمليس نازلها وحاصرها وقصر يوسف بن سليمان بن هود في حمايتها ووكل أهلها إلى نفوسهم فأقام العدو عليها أربعين يوما ووقع فيما بين أهلها تنازع في القوت لقلته واتصل ذلك بالعدو فشدد القتال عليها والحصر لها حتى دخل المدينة الأولى في خمسة آلاف مدرع فدهش الناس وتحصنوا بالمدينة الداخلة وجرت بينهم حروب شديدة قتل فيها خمسمائة إفرنجي ثم اتفق أن القناة التى كان الماء يجري فيها من النهر إلى المدينة تحت الأرض في سرب موزون انهارت وفسدت ووقعت فيها صخرة عظيمة سدت السرب بأسره فانقطع الماء عن المدينة ويئس من بها من الحياة فلاذوا بطلب الأمان على أنفسهم خاصة دون مال وعيال فأعطاهم العدو الأمان فلما خرجوا نكث بهم وغدر وقتل الجميع إلا القائد ابن الطويل والقاضي ابن عيسى في نفر من الوجوه وحصل للعدو من الأموال والأمتعة ما لايحصى حتى إن الذي خص بعض مقدمي العدو لحصنه وهو قائد خيل رومة نحو ألف وخمسمائة جارية أبكارا ومن أوقار الأمتعة والحلى
____________________
(4/449)

والكسوة خمسمائة جمل وقدر من قتل وأسر بمائة ألف نفس وقيل خمسون ألف نفس ومن نوادر ماجرى على هذه المدينة لما فسدت القناة وانقطعت المياه أن المرأة كانت تقف على السور وتنادي من يقرب منها أن يعطيها جرعة ماء لنفسها او ولدها فيقول لها أعطيني ما معك فتعطيه ما معها من كسوة وحلي وغيره
قال وكان السبب في قتلهم أنه خاف من يصل لنجدتهم وشاهد من كثرتهم ما هاله فشرع في القتل لعنه الله تعالى حتى قتل منهم نيفا وستة آلاف قتيل ثم نادى الملك بتامين من بقي وامر أن يخرجوا فازدحموا في الباب إلى ان مات منهم خلق عظيم ونزلوا من الأسوار في الحبال للخشية من الازدحام في الأبواب ومبادرة إلى شرب الماء وكان قد تحيز في وسط المدينة قدر سبعمائة نفس من الوجوه وحاروا في نفوسهم وانتظروا ما ينزل بهم فلما خلت ممن أسر وقتل وأخرج من الأبواب والأسوار وهلك في الزحمة نودي في تلك البقية بأن يبادر كل منهم إلى داره بأهله وله الأمان وأرهقوا وأزعجوا فلما حصل كل واحد بمن معه من أهله في منزله اقتسمهم الافرنج لعنهم الله تعالى بأمر الملك وأخذ كل واحد دارا بمن فيها من أهلها نعوذ بالله تعالى
وكان من أهل المدينة جماعة قد عاذوا برؤوس الجبال وتحصنوا بمواضع منيعة وكادوا يهلكون من العطش فأمنهم الملك على نفوسهم وبرزوا في صور الهلكى من العطش فأطلق سبيلهم فبينما هم في الطريق إذ لقيتهم خيل الكفر ممن لم يشهد الحادثة فقتلوهم إلا القليل ممن نجا بأجله

قال وكان الفرنج لعنهم الله تعالى لما استولوا على أهل المدينة يفتضون البكر بحضرة أبيها والثيب بعين زوجها وأهلها وجرى من هذه الأحوال مالم يشهد المسلمون مثله قط فيما مضى من الزمان ومن لم يرض منهم أن يفعل ذلك في خادم أو ذات مهنة أو وخش أعطاهن خوله وغلمانه يعيثون فيهن عيثة وبلغ الكفرة منهم يومئذ ما لا تلحقه الصفة على الحقيقة ولما عزم ملك الروم
____________________
(4/450)

على القفول إلى بلده تخير من بنات المسلمين الجواري الأبكار والثيبات ذوات الجمال ومن صبيانهم الحسان الوفا عدة حملهم معه ليهديهم إلى من فوقه وترك من رابطة خيله ببربشتر ألفا وخمسمائة ومن الرجالة ألفين انتهى
قال ابن حيان واختم هذه الأخبار الموقظة لقلوب اولي الألباب بنادرة منها يكتفى باعتبارها عما سواها وهي أن بعض تجار اليهود جاء بربشتر بعد الحادثة ملتمسا فدية بنات بعض الوجوه ممن نجا من أهلها حصلن في سهم قومس من الرابطة فيها كان يعرفه قال فهديت إلى منزله فيها واستأذنت عليه فوجدته جالسا مكان رب الدار مستويا على فراشه رافلا في نفيس ثيابه والمجلس والسرير كما تخلفهما ربهما يوم محنته لم يغير شيئا من رياشهما وزينتهما ووصائفه مضمومات الشعور قائمات على رأسه ساعيات في خدمته فرحب بي وسألني عن قصدي فعرفته وجهه وأشرت الى وفور ما أبذله في بعض اللواتي على رأسه وفيهن كانت حاجتي فتبسم وقال بلسانه ما أسرع ما طمعت فيمن عرضناه لك أعرض عمن هنا وتعرض لمن شئت ممن صيرته لحصني من سبيي وأسراي أقاربك فيمن شئت منهن فقلت له اما الدخول إلى الحصن فلا رأي لي فيه وبقربك أنست وفي كنفك اطمأننت فسمني ببعض من هنا فإني أصير إلى رغبتك فقال وماعندك قلت العين الكثير الطيب والبز الرفيع الغريب فقال كأنك تشميني ما ليس عندي يامجة ينادي بعض اولئك الوصائف يريد يا بهجة فغيره بعجمته قومي فاعرضي عليه ما في الصندوق فقامت إليه وأقبلت ببدر الدنانير وأكياس الدراهم وأسفاط الحلى فكشف وجعل بين يدي العلج حتى كادت تواري شخصه ثم قال لها أدني إلينا من تلك التخوت فأدنت منه عدة من قطع الوشي والخز والديباج الفاخر مما حار له ناظري وبهت
____________________
(4/451)

واسترذلت ما عندي ثم قال لي لقد كثر هذا عندي حتى ما ألذ به ثم حلف بإلهه انه لو لم يكن عنده شيء من هذا ثم بذل له بأجمعه في ثمن تلك ما سخت بها يدي فهي ابنة صاحب المنزل وله حسب في قومه اصطفيتها لمزيد جمالها لولادتي حسبما كان قومها يصنعون بنسائنا نحن أيام دولتهم وقد رد لنا الكرة عليهم فصرنا فيما تراه وازيدك بأن تلك الخودة الناعمة وأشار إلى جارية اخرى قائمة ألى ناحية أخرى مغنية والدها التى كانت تشدو له على نشواته إلى أن أيقظناه من نوماته يافلانة يناديها بلكنته خذي عودك تغني زائرنا بشجوك قال فأخذت العود وقعدت تسويه وإني لأتأمل دمعها يقطر على خدها فتسارق العلج مسحه واندفعت تغني بشعر ما فهمته أنا فضلا عن العلج فصار من الغريب أن حث شربه هو عليه وأظهر الطرب منه فلما يئست مما عنده قمت منطلقا عنه وارتدت لتجارتي سواه واطلعت لكثرة مالدى القوم من السبي والمغنم على ما طال عجبي به فهذا فيه مقنع لمن تدبره وتذكر لمن تذكره
قال ابن حيان قد أشفينا بشرح هذه الحادثة الفادحة مصائب جليلة مؤذنة بوشك القلعة طالما حذر أسلافنا لحاقها بما احتملوه عمن قبلهم من أثارة ولا شك عند ذوي الألباب أن ذلك مما دهانا من داء التقاطع وقد أمرنا بالتواصل والألفة فأصبحنا من استشعار ذلك والتمادي عليه على شفا جرف يؤدي إلى الهلكة لا محالة انتهى ببعض اختصار
وذكر بعده كلاما في ذم اهل ذلك الزمان من أهل الأندلس وانهم يعللون أنفسهم بالباطل وان من أول الدلائل على جهلهم اغترارهم بزمانهم وبعدهم عن طاعة خالقهم ورفضهم وصية نبيهم وغفلتهم عن سد ثغورهم حتى أطل عدوهم الساعي لإطفاء نورهم يجوس من خلال ديارهم ويستقري بسائط بقاعهم ويقطع كل يوم طرفا ويبيد أمة ومن لدينا وحوالينا من أهل كلمتنا صموت عن ذكرهم لهاة عن بثهم ما إن سمع عندنا بمسجد من
____________________
(4/452)

مساجدنا او محفل من محافلنا مذكر لهم او داع فضلا عن نافر إليهم أو ماش لهم حتى كأنهم ليسوا منا او كأن بثقهم ليس بمفض إلينا وقد بخلنا عليهم بالدعاء بخلنا عليهم بالغناء عجائب فاتت التقدير وعرضت للتغيير ولله عاقبة الأمور وإليه المصير
ولقد صدق رحمه الله تعالى فإن البثق سرى إليهم جميعا كما ستراه ولا حول ولا قوة إلا بالله
وقال قبله إن بربشتر هذه تناسختها قرون المسلمين منذ ثلاثمائة وثلاث وستين سنة من عهد الفتوح الإسلامية بجزيرة الأندلس فرسخ فيها الإيمان وتدورس القرآن إلى أن طرق الناعي بها قرطبتنا صدر رمضان من العام فصك الأسماع وأطار الأفئدة وزلزل أرض الأندلس قاطبة وصير لكل شغلا يشغل الناس في التحدث به والتساؤل عنه والتصور لحلول مثله أياما لم يفارقوا فيها عادتهم من استبعاد الوجل والاغترار بالأمل والاستناد إلى امرأة الفرقة الهمل الذين هم منهم مابين فشل ووكل يصدونهم عن سواء السبيل ويلبسون عليهم وضوح الدليل ولم تزل آفة الناس منذ خلقوا في صنفين هم كالملح فيهم الأمراء والفقهاء بصلاحهم يصلحون وبفسادهم يفسدون فقد خص الله تعالى هذا القرن الذي نحن فيه من اعوجاج صنفيهم لدينا بما لا كفاية له ولا مخلص منه فالأمراء القاسطون قد نكبوا عن نهج الطريق ذيادا عن الجماعة وجريا إلى الفرقة والفقهاء أئمتهم صموت عنهم صدوف عما أكده الله تعالى عليهم من التبيين لهم قد أصبحوا ما بين آكل من حلوائهم وخابط في اهوائهم وبين مستشعر مخافتهم آخذ في التقية في صدقهم واولئك هم الأقلون فيهم فما القول في أرض فسد ملحها الذي هو المصلح لجميع أغذيتها وماهي إلا مشفية من بوارها ولقد طما العجب من أفعال هؤلاء الأمراء لم يكن عندهم لهذه الحادثة إلا الفزع لحفر الخنادق وتعلية الأسوار وشد الأركان وتوثيق البنيان كاشفين لعدوهم عن السوأة
____________________
(4/453)

السوأى من إلقائهم يومئذ بأيديهم إليه امور قبيحات الصور مؤذنات الصدور بأعجاز الغير
( أمور لو تدبرها حكيم ** إذا لنهى وهيب ما استطاعا ) استرجاع بربشتر
ثم قال ابن حيان فلما كان عقب جمادى الأولى سنة 457 شاع الخبر بقرطبة برجوع المسلمين إليها وذلك أن أحمد المقتدر بن هود المفرط فيها والمتهم على أهلها لانحرافهم إلى أخيه صمد لها مع إمداد لحليفه عباد وسعى لإصمات سوء المقالة عنه وقد كتب الله تعالى عليه منها ما لا يمحوه إلا عفوه فتأهب لقصد بربشتر في جموع من المسلمين فجالدوا الكفار بها جلادا ارتاب منه كل جبان وأعز الله سبحانه أهل الحفيظة والشجعان وحمي الوطيس بينهم إلى أن نصر الله تعالى اولياءه وخذل أعداءه وولوا الأدبار مقتحمين أبواب المدينة فاقتحمها المسلمون عليهم وملكوهم أجمعين إلا من فر من مكان الوقعة ولم يدخل المدينة فأجيل السيف في الكافرين واستؤصلوا أجمعين إلا من استرق من أصاغرهم وفدي من أعاظمهم وسبوا جميع من كان فيها من عيالهم وأبنائهم وملكوا المدينة بقدرة الخالق البارىء وأصيب على منحة النصر المتاح طائفة من حماة المسلمين الجادين في نصر الدين نحو الخمسين كتب الله تعالى شهادتهم وقتل فيه من أعداء الله الكافرين نحو ألف فارس وخمسة آلاف راجل فغسلها المسلمون من رجس الشرك وجلوها من صدا الإفك انتهى
وليت طليطلة البائسة استرجعت كهذه ومع هذا فقد غلب العدو بعد على الكل والله سبحانه المرجو في الإدالة
____________________
(4/454)

تطيلة وطرسونة
وقال ابن اليسع أخذ العدو مدينة تطيلة وأختها طرسونة سنة أربع وعشرين وخمسمائة بلنسية والقنبيطور
ولما صار أمر بلنسية إلى الفقيه القاضي أبي أحمد ابن جحاف قاضيها صيرها لأمير المسلمين يوسف بن تاشفين فحصره بها القادر بن ذي النون الذي مكن الأذفونش من طليطلة فهجم عليه القاضي في لمة من المرابطين وقتله ودفع ابن جحاف لما لم يعهد من تدبير السلطان ورجعت عنه طائفة الملثمين الذين كان يعتد بهم وجعل يستصرخ إلى أمير المسلمين فيبطىء عليه وفي أثناء ذلك أنهض يوسف بن أحمد بن هود صاحب سرقسطة ردريق الطاغية للاستيلاء على بلنسية فدخلها وعاهده القاضي ابن جحاف واشترط عليه إحضار ذخيرة كانت للقادر بن ذي النون فأقسم انها ليست عنده فاشترط عليه أنه إن وجدها عنده قتله فاتفق أنه وجدها عنده فأحرقه بالنار وعاث في بلنسية وفيها يقول ابن خفاجة حينئذ
( عاثت بساحتك الظبا يادار ** ومحا محاسنك البلى والنار )
( فان تردد في جنابك ناظر ** طال اعتبار فيك واستعبار )
( أرض تقاذفت الخطوب بأهلها ** وتمخضت بخرابها الأقدار )
( كتبت يد الحدثان في عرصاتها ** لا أنت أنت ولا الديار ديار )
وكان استيلاء القنبيطور لعنه الله تعالى عليها سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وقيل في التي قبلها وبه جزم ابن الأبار قائلا فتم حصار القنبيطور إياها
____________________
(4/455)

عشرين شهرا وذكر أنه دخلها صلحا وقال غيره إنه دخلهاعنوة وأحرقها وعاث فيها وممن أحرق فيها الأديب أبو جعفر ابن البني الشاعر المشهور رحمه الله تعالى وعفا عنه فوجه أمير المؤمنين يوسف بن تاشفين الأمير أبا محمد مزدلي ففتحها الله تعالى على يديه سنه خمس وتسعين وأربعمائة وتوالى عليها أمراء الملثمين ثم صارت ليحيى بن غانية الملثم حين ولي جميع شرق الأندلس فقدم عليها أخاه عبدالله بن غانية ولما ثارت الفتنة في المائة السادسة أخرجه منها مروان بن عبدالعزيز إلى أن قام عليه جيش بلنسية سنة تسع وثلاثين وخمسمائة وبايعوا لابن عياض ملك شرق الأندلس ففر مروان إلى المرية ثم رجعت بلنسية إلى أبي عبدالله ابن مردنيش ملك شرق الأندلس بعد ابن عياض وقدم عليه أخاه أبا الحجاج يوسف بن سعد بن مردنيش إلى أن رجع أبو الحجاج إلى جهة بني عبدالمؤمن إلى أن ولي عليها السيد أبوزيد عبدالرحمن ابن السيد أبي عبدالله ابن أبي حفص ابن أمير المسلمين عبدالمؤمن بن علي فلما ثار العادل بمرسية تمنع واعتز وأظهر طاعة في باطنها معصية ودام على ذلك مع أبي العلاء المأمون وكان قائد الأعنة المشار إليه في الدفاع عن بلنسية الأمير زيان بن أبي الحملات ابن أبي الحجاج ابن مردنيش فأخرجه من بلنسية وملكها وفر السيد إلى النصارى نهاية بلنسية
ولم يزل أمر بلنسية يضعف باستيلاء العدو على أعمالها إلى أن حصرها ملك برشلونة النصراني فاستغاث زيان بصاحب إفريقية أبي زكريا ابن أبي حفص
____________________
(4/456)

وأوفد عليه في هذه الرسالة كاتبه الشهير أبا عبدالله ابن الأبار القضاعي صاحب كتاب التكملة واعتاب الكتاب وغيرهما فقام بين يدي السلطان منشدا قصيدته السينية الفريدة التى فضحت من باراها وكبا دونها من جاراها وهي
( أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ** إن السبيل إلى منجاتها درسا )
( وهب لها من عزيز النصر ما التمست ** فلم يزل منك عز النصر ملتمسا )
( وحاش مما تعانيه حشاشتها ** فطالما ذاقت البلوى صباح مسا )
( يا للجزيرة أضحى أهلها جزرا ** للحادثات وأمسى جدها تعسا )
( في كل شارقة إلمام بائقة ** يعود مأتمها عند العدا عرسا )
( وكل غاربة اجحاف نائبة ** تثني الأمان حذارا والسرور أسى )
( تقاسم الروم لا نالت مقاسمهم ** إلا عقائلها المحجوبة الأنسا )
( وفي بلنسية منها وقرطبة ** ما ينسف النفس أو ما ينزف النفسا )
( مدائن حلها الإشراك مبتسما ** جذلان وارتحل الإيمان مبتئسا )
( وصيرتها العوادي العائثات بها ** يستوحش الطرف منها ضعف ما أنسا )
( فمن دساكر كانت دونها حرسا ** ومن كنائس كانت قبلها كنسا )
( يا للمساجد عادت للعدا بيعا ** وللنداء غدا أثناءها جرسا )
( لهفي عليها إلى استرجاع فائتها ** مدارسا للمثاني أصبحت درسا )
( وأربعا نمنمت أيدي الربيع لها ** ما شئت من خلع موشية وكسا )
( كانت حدائق للأحداق مونقة ** فصوح النضر من أدواحها وعسا )
( وحال ما حولها من منظر عجب ** يستجلس الركب أو يستركب الجلسا )
( سرعان ما عاث جيش الكفر واحربا ** عيث الدبا في مغانيها التي كبسا )
____________________
(4/457)


( وابتز بزتها مما تحيفها ** تحيف الأسد الضاري لما افترسا )
( فأين عيش جنيناه بها خضرا ** وأين عصر جليناه بها سلسا )
( محا محاسنها طاغ أتيح لها ** مانام عن هضمها حينا ولا نعسا )
( ورج أرجاءها لما أحاط بها ** فغادر الشم من أعلامها خنسا )
( خلا له الجو فامتدت يداه إلى ** إدراك مالم تطأ رجلاه مختلسا )
( وأكثر الزعم بالتثليث منفردا ** ولو رأى راية التوحيد ما نبسا )
( صل حبلها أيها المولى الرحيم فما ** أبقى المراس لها حبلا ولا مرسا )
( وأحي ما طمست منها العداة كما ** أحييت من دعوة المهدي ما طمسا )
( أيام صرت لنصر الحق مستبقا ** وبت من نور ذاك الهدي مقتبسا )
( وقمت فيها بأمر الله منتصرا ** كالصارم اهتز أو كالعارض انبجسا )
( تمحو الذي كتب التجسيم من ظلم ** والصبح ماحية أنواره الغلسا )
( وتقتضي الملك الجبار مهجته ** يوم الوغى جهرة لا ترقب الخلسا )
( هذي رسائلها تدعوك من كثب ** وأنت أفضل مرجو لمن يئسا )
( وافتك جارية بالنجح راجية ** منك الأمير الرضى والسيد الندسا )
( خاضت خضارة يعليها ويخفضها ** عبابه فتعاني اللين والشرسا )
( وربما سبحت والريح عاتبة ** كما طلبت بأقصى شدة الفرسا )
( تؤم يحيى بن عبد الواحد بن أبي ** حفص مقبلة من تربه القدسا )
( ملك تقلدت الأملاك طاعته ** دينا ودنيا فغشاها الرضى لبسا )
( من كل غاد على يمناه مستلما ** وكل صاد إلى نعماه ملتمسا )
( مؤيد لو رمى نجما لأثبته ** ولو دعا أفقا لبى وما احتبسا )
( تا لله إن الذي ترجى السعود له ** ماجال في خلد يوما ولا هجسا )
( إمارة يحمل المقدار رايتها ** ودولة عزها يستصحب القعسا )
____________________
(4/458)


( يبدي النهار بها من ضوئه شنبا ** ويطلع الليل من ظلمائه لعسا )
( ماضى العزيمة والأيام قد نكلت ** طلق المحيا ووجه الدهر قد عبسا )
( كأنه البدر والعلياء هالته ** تحف من حوله شهب القنا حرسا )
( تدبيره وسع الدنيا وما وسعت ** وعرف معروفه واسى الورى وأسا )
( قامت على العدل والإحسان دولته ** وأنشرت من وجود الجود ما رمسا )
( مبارك هديه باد سكينته ** ماقام إلا إلى حسنى وما جلسا )
( قد نور الله بالتقوى بصيرته ** فما يبالي طروق الخطب ملتبسا )
( برى العصاة وراش الطائعين فقل ** في الليث مفترسا والغيث مرتجسا )
( ولم يغادر على سهل ولا جبل ** حيا لقاحا إذا وافيته بخسا )
( فرب أصيد لا تلفي به صيدا ** ورب أشوس لا تلقى له شوسا )
( إلى الملائك ينمى والملوك معا ** في نبعة أثمرت للمجد ما غرسا )
( من ساطع النور صاغ الله جوهره ** وصان صيقله أن يقرب الدنسا )
( له الثرى والثريا خطتان فلا ** أعز من خطتيه ما سما ورسا )
( حسب الذي باع في الأخطار يركبها ** إليه محياه أن البيع ما وكسا )
( إن السعيد امرؤ ألقى بحضرته ** عصاه محتزما بالعدل محترسا )
( فظل يوطن من أرجائها حرما ** وبات يوقد من أضوائها قبسا )
( بشرى لعبد إلى الباب الكريم حدا ** آماله ومن العذب المعين حسا )
( كأنما يمتطي واليمن يصحبه ** من البحار طريقا نحوه يبسا )
( فاستقبل السعد وضاحا أسرته ** من صفحة فاض منها النور وانعكسا )
( وقبل الجود طفاحا غواربه ** من راحة غاص فيها البحروانغمسا )
( يا أيها الملك المنصور أنت لها ** علياء توسع أعداء الهدى تعسا )
( وقد تواترت الأنباء أنك من ** يحيي بقتل ملوك الصفر أندلسا )
____________________
(4/459)


( طهر بلادك منهم إنهم نجس ** ولا طهارة مالم تغسل النجسا )
( واوطىء الفيلق الجرار أرضهم ** حتى يطأطىء رأسا كل من رأسا )
( وانصر عبيدا بأقصى شرقها شرقت ** عيونهم أدمعا تهمي زكا وخسا )
( هم شيعة الأمر وهي الدار قد نهكت ** داء متى لم تباشر حسمه انتكسا )
( فاملأ هنيئا لك التأييد ساحتها ** جردا سلاهب أو خطية دعسا )
( واضرب لها موعدا بالفتح ترقبه ** لعل يوم الأعادي قد أتي وعسى )
فبادر السلطان بإعانتهم وشحن الأساطيل بالمداد إليهم من المال والأقوات والكسى فوجدوهم في هوة الحصار إلى أن تغلب الطاغية على بلنسية ورجع ابن الأبار بأهله إلى تونس وكان تغلب العدو على بلنسية صلحا يوم الثلاثاء السابع عشر لصفر من سنة ست وثلاثين وستمائة فهزت هذه القصيدة من الملك عطف ارتياح وحركت من جنانه أخفض جناح ولشغفه بها وحسن موقعها منه أمر شعراء حضرته بمجاوبتها فجاوبها غير واحد وحال العدو بين بلنسية وبينه وتعاهد أهلها مع النصراني على أن يسلمهم في أنفسهم وذلك سنة سبع وثلاثين وستمائة أعادها الله تعالى للإسلام كتندة - 514
وقد كانت وقعة كتندة على المسلمين قبل هذا التاريخ بمدة وكتندة ويقال قتندة بالقاف من حيز دورقة من عمل سرقسطة من الثغر الأعلى وكانت
____________________
(4/460)

الهزيمة على المسلمين جبرهم الله تعالى قتل فيها من المطوعة نحو من عشرين ألفا ولم يقتل فيها من العسكر أحد وكان على المسلمين الأمير إبراهيم بن يوسف ابن تاشفين الذي ألف الفتح باسمه قلائد العقيان وكانت سنة أربع عشرة وخمسمائة وممن حضرها الشيخ أبو علي الصدفي السابق الذكر وقرينه في الفضل أبو عبدالله ابن الفراء خرجا غازيين فكانا ممن فقد فيها
وقال غير واحد إن العسكر انصرف مفلولا إلى بلنسية وإن القاضي أبا بكر ابن العربي كان ممن حضرها وسئل مخلصه منه عن حاله فقال حال من ترك الخباء والعباء وهذا مثل عند المغاربة معروف يقال لمن ذهبت ثيابه وخيامه بمعنى انه ذهب جميع ما لديه لوشة 622
ودخل العدو لوشة سنة اثنتين وعشرين وستمائة مع السيد أبي محمد البياسي في الفتنة التي كانت بينه وبين العادل فعاثوا فيها أشد العيث ثم ردها المسلمون إلى أن أخذت بعد ذلك كما يأتي المرية - 542
ودخل العدو مدينة المرية يوم الجمعة السابع عشر من جمادي الأولى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة عنوة وحكي أبو زكريا الجعيدي عن أبي عبدالله ابن سعادة الشاطبي المعمر أن أبا مروان ابن ورد اتاه في النوم شيخ عظيم الهيئة فرمى يديه في عضديه من خلفه وهزه هزا عنيفا حتى أرعبه وقال له قل
____________________
(4/461)


( ألا أيها المغرور ويحك لا تنم ** فالله في ذا الخلق أمر قد انبهم )
( فلا بد أن يرزوا بأمر يسوءهم ** فقد أحدثوا جرما على حاكم الأمم )
قال وكان هذا في سنة أربعين وخمسمائة فلم يمض إلا يسير حتى تغلب الروم على المرية في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة بعد تلك الرؤيا بعامين أو نحوهما وهو مما حكاه ابن الأبار الحافظ في كتاب التكملة له ترجمة الرشاطي
وفي وقعة المرية هذه استشهد الرشاطي الإمام المشهور وهو أبو محمد عبدالله بن علي بن عبدالله بن علي بن خلف بن أحمد بن عمر اللخمي الرشاطي المريي وكانت له عناية كبيرة بالحديث والرجال والرواة والتواريخ وهو صاحب كتاب اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار أخذه الناس عنه وأحسن فيه وجمع وما قصر وهو على أسلوب كتاب أبي سعد ابن السمعاني الحافظ المسمى بالأنساب وولد الرشاطي سنة 466 بقرية من أعمال مرسية يقال لها أوريواله بفتح الهمزة وسكون الواو وكسر الراء وضم المثناة التحتية وبعد الألف لام مفتوحة وبعدها هاء وتوفي شهيدا بالمرية عند تغلب العدو عليها صبيحة الجمعة العشرين من جمادى الأولى سنة 542 والرشاطي بضم الراء وفتح الشين المخففة وذكر هو أن أحد أجداده كان في جسمه شامة كبيرة وكانت حاضنته عجمية فإذا لاعبته قالت رشاطة وكثر ذلك منها فقيل له الرشاطي انتهى ملخصا من وفيات الأعيان وبعضه بالمعنى
____________________
(4/462)

استرداد المرية وضياعها نهائيا
وبعد أخذ النصارى المرية هذه المرة رجعت إلى ملك المسلمين واستنفذها الله تعالى على يد الموحدين وبقيت بأيدي أهل الإسلام سنين وكان أول الولاة عليها حين استولى عليها أمير المسلمين عبدالمؤمن بن علي رجلا يقال له يوسف ابن مخلوف فثار عليه أهل المرية وقتلوه وقدموا على أنفسهم الرميمي فأخذها النصارى منه عنوة كما ذكرنا وأحصي عدد من سبي من أبكارها فكان أربعة عشر ألفا
وقال ابن حبيش آخر الحفاظ بالأندلس كنت في قلعة المرية لما وقع الاستيلاء عليها أعادها الله تعالى للإسلام فتقدمت إلى زعيم الروم السليطين وهو ابن بنت الأذفونش وقلت له إني أحفظ نسبك منك إلى هرقل فقال لي قل فذكرته له فقال لي اخرج أنت وأهلك ومن معك طلقاء بلا شيء
وابن حبيش شيخ ابن دحية وابن حوط الله وأبي الربيع الكلاعي رحمهم الله تعالى
ولما أخذت المرية أقبل إليها السيدان أبو حفض وأبو سعيد ابنا أمير المؤمنين فحصرا النصارى بها وزحف إليهما أبو عبدالله ابن مردنيش ملك شرف الأندلس محاربا لهما فكانا يقاتلان النصارى والمسلمين داخلا وخارجا ثم رأى ابن مردنيش العار على نفسه في قتالهم مع كونهم يقاتلون النصارى فارتحل فقال النصارى مارحل ابن مردنيش إلا وقد جاءهم مدد فاصطلحوا ودخل الموحدون المدينة وقد خربت وضعفت إلى أن أحيا رمقها الرئيس أبو العباس أحمد بن كمال وذلك أن أخته أخذت سبية في دخلة عبدالمؤمن
____________________
(4/463)

لبجانة فاحتلت بقصره واعتنت بأخيها فولاه بلده فصلح به حالها وكان جوادا حسن المحاولة كثير الرفق واشتهر من ولاتها في مدة بني عبد المؤمن في المائة السابعة الأمير أبو عمران ابن أبي حفص عم ملك إفريقية أبي زكريا
ولما كانت سنة خمس وعشرين وستمائة وثارت الأندلس على مأمون بني عبد المؤمن بسبب قيام ابن هود بمرسية قام في المرية بدعوة ابن هود أبو عبد الله محمد بن عبدالله بن أبي يحيى ابن الرميمي وجده أبو يحيى هو الذي أخذها النصارى من يده ولما قام بدعوة ابن هود وفد عليه بمرسية وولاه وزارته وصرف إليه سياسته وآل أمره معه إلى أن أغراه بأن يحصن قلعة المرية ويجعلها له عدة وهو يبغي ذلك عدة لنفسه وترك ابن هود فيها جارية تعلق ابن الرميمي بها واجتمع معها فبلغ ذلك ابن هود فبادر الى المرية وهو مضمر الإيقاع بابن الرميمي فتغدى به قبل أن يتعشى به وأخرج من قصره ميتا ووجهه في تابوت إلى مرسية في البحر واستبد ابن الرميمي بملك المرية ثم ثار عليه ولده وآل الأمر بعد أحوال إلى أن تملكها ابن الأحمر صاحب غرناطة وبقيت في يد أولاده بعده إلى أن أخذها العدو الكافر عندما طوي بساط بلاد الأندلس كما سننبه عليه والله غالب على أمره شعر في العقاب
وما أحسن قول أبي إسحاق ابراهيم بن الدباغ الإشبيلي في هزيمة العقاب بإشبيلية
( وقائلة أراك تطيل فكرا ** كأنك قد وقفت لدى الحساب )
( فقلت لها أفكر في عقاب ** غذا سببا لمعركة العقاب )
( فما في أرض أندلس مقام ** وقد دخل البلا من كل باب )
____________________
(4/464)

ابن وزير
وقول القائد أبي بكر ابن الأمير ملك شلب أبي محمد عبدالله بن وزير يخاطب منصور بني عبدالمؤمن وقد التقى هو وأصحابه مع جماعة من الفرنج فتناصفوا ثم كان الظفر للمسلمين
( ولما تلاقينا جرى الطعن بيننا ** فمنا ومنهم طائحون عديد )
( وجال غرار الهند فينا وفيهم ** فمنا ومنهم قائم وحصيد )
( فلا صدر إلا فيه صدر مثقف ** وحول الوريد للحسام ورود )
( صبرنا ولا كهف سوى البيض والقنا ** كلانا على حر الجلاد جليد )
( ولكن شددنا شدة فتبلدوا ** ومن يتبلد لا يزال يحيد )
( فولوا وللسمر الطوال بهامهم ** ركوع وللبيض والرقاق سجود )
وكان المذكور من فرسان الأندلس وكان ابنه الفاضل أبو محمد غير مقصر عنه فروسية وقدرا وأدبا وشعرا وولاه ناصر بني عبدالمؤمن مدينة قصر أبي دانس في الجهة الغربية وقتله ابن هود بإشبيلية وزعم انه يروم القيام عليه ومن شعره قوله في ابن عمرو صاحب أعمال إشبيلية
( لا تيأسن من الخلافة بعدما ** ولى ابن عمرو خطة الأشراف )
( تبا لدهر هذه أفعاله ** يضع النوافج في يدي كناف ) ضياع ماردة
رجع - ودخل العدو كورة ماردة من محمد بن هود سنة ست وعشرين
____________________
(4/465)

وستمائة وكانت مفتتح المصائب على يده اعادها الله تعالى للإسلام وهي قاعدة بلاد الجوف في مدة العرب والعجم والحضرة المستجدة بعدها هي مدينة بطليوس وبين ماردة وقرطبة خمسة أيام المظفر ابن الأفطس وابنه المتوكل
وملك بطليوس وماردة وما إليها المظفر محمد بن المنصور بن الأفطس مشهور وهو من رجال القلائد والذخيرة وهو أديب ملوك عصره بلا مدافع ولا منازع وله التصنيف الرائق والتأليف الفائق المترجم ب التذكر المظفري خمسون مجلدا اشتمل على فنون وعلوم من مغاز وسير ومثل وخبر وجميع علوم الأدب وقال يوما والله ما يمنعني من إظهار الشعر إلا كوني لا أقول مثل قول أبي العشائر ابن حمدان
( أقرأت منه ما تخط يد الوغى ** والبيض تشكل والأسنة تنقط )
وقول ابي فراس ابن عمه
( وجررنا العوالي في مقام ** تحدث عنه ربات الحجال )
( كأن الخيل تعلم من عليها ** ففي بعض على بعض تعالي )
فأين هذا من قولي
( أنفت من المدام لأن عقلي ** أعز علي من أنس المدام )
( ولم أرتح إلى روض وزهر ** ولكن للحمائل والحسام )
____________________
(4/466)


( إذا لم املك الشهوات قهرا ** فلم أبغي الشفوف على الأنام )
وله رحمه الله تعالى
( يا لحظه زد فتورا ** تزد علي اقتدارا )
( فاللحظ كالسيف امضاه ** ما يرق غرارا )
وابنه المتوكل من رجال القلائد والمسهب وكان في حضرة بطليوس كالمعتمد بن عباد بإشبيلية قد اناخت الآمال بحضرتهما وشدت رحال الآداب إلى ساحتهما يتردد أهل الفضائل بينهما كتردد النواسم بين جنتين وينظر الأدب منهما عن مقلتين والمعتمد أشعر والمتوكل أكتب شعر لأبي عبدالله الفازازي
رجع - وقال الفاضل الكاتب أبو عبدالله محمد الفازازي وقيل إنها وجدت برقعة في جيبه يوم موته
( الروم تضرب في البلاد وتغنم ** والجور يأخذ ما بقي والمغرم )
( والمال يورد كله قشتالة ** والجند تسقط والرعية تسلم )
( وذوو التعين ليس فيهم مسلم ** إلا معين في الفساد مسلم )
( أسفي على تلك البلاد وأهلها ** الله يلطف بالجميع ويرحم )
وقيل إن هذه الأبيات رفعت إلى سلطان بلده فلما وقف عليها قال بعدما بكى صدق رحمه الله تعالى ولو كان حيا ضربت عنقه
____________________
(4/467)

ترجمة أبي زيد الفازازي
وهذا الفازازي اخو الشاعر الشهير الكاتب الكبير أبي زيد عبدالرحمن الفازازي صاحب الأمداح في سيد الوجود وهو كما قال فيه بعضهم صاحب القلم الأعلى والقدح المعلى أبرع من ألف وصنف وأبدع من قرط وشنف فقد طاع القلم لبنانه والنظم والنثر لبيانه كان نسيج وحده رواية وأخبارا ووحيد نسجه روية وابتكارا وفريد وقته خبرا وإخبارا وصدر عصره إيرادا وإصدارا صاحب فهوم ورافع ألوية علوم اما الأدب فلا يسبق فيه مضماره ولا يشق غباره إن شاء إنشاء أنشى ووشى سائل الطبع عذب النبع له في مدح النبي قد خضع لها البيان وسلم أعجز بتلك المعجزات نظما ونثرا وأوجز في تحبير تلك الآيات البينات فجلا سحرا ورفع للقوافي راية استظهار تخير فيها الأظهر فعجم وعشر وشفع وأوتر وأما الأصول فهي من فروعه في متفرق منظومه ومنثور مجموعه وأما النسب فإلى حفظه انتسب واما الأيام والدول ففي تاريخه الأواخر والأول وقد سبك من هذه العلوم في منثوره وموزونه ما يشهد بإضافتها إلى فنونه وله سماع في الحديث ورواية وفهم بقوانينه ودراية سمع من أبي الوليد اليزيد بن عبدالرحمن بن بقي القاضي ومن أبي الحسن جابر بن احمد القرشي التاريخي وهو آخر من حدث عنه ومن أبي عبدالله التجيبي كثيرا وهو اول من سمع عنه في حياة الحافظ أبي الطاهر السلفي إذ قدم عليهم تلمسان وأجازه الحافظ السهيلي وابن خلف
____________________
(4/468)

الحافظ وغيرهما وولد بعد الخمسين والخمسمائة وتوفي بمراكش سنة 637 رحمه الله تعالى انتهى ملخصا سقوط ميورقة عن ابن عميرة
رجع ولما ثارت الأندلس على طائفة عبدالمؤمن كان الوالي بجزيرة ميورقة ابو يحيى ابن أبي عمران التينمللي فأخذها الفرنج منه كذا قال ابن سعيد وقال ابن الأبار إنها أخذت يوم الاثنين الرابع عشر من صفر سنة سبع وعشرين وستمائة
وقال المخزومي في تاريخ ميورقة إن سبب أخذها من المسلمين ان أميرها في ذلك الوقت محمد بن علي بن موسى كان في الدولة الماضية أحد أعيانها ووليها سنة ست وستمائة واحتاج إلى الخشب المجلوب من يابسة فأنفذ طريدة بحرية وقطعة حربية فعلم بها والى طرطوشة فجهز إليها من أخذها فعظم ذلك على الوالي وحدث نفسه بالغزو لبلاد الروم وكان ذلك رأيا مشؤوما ووقع بينه وبين الروم وفي آخر ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وستمائة بلغه ان مسطحا من برشلونة ظهر على يابسة ومركبا آخر من طرطوشة انضم إليه فبعث ولده في عدة قطع إليه حتى نزل مرسى يابسة ووجد فيه لأهل جنوة مركبا كبيرا فأخذه وسار حتى أشرف على المسطح فقاتله واخذه وظن أنه غالب الملوك وغاب عنه انه أشأم من عاقر الناقة وان الروم لما بلغهم الخبر
____________________
(4/469)

قالوا لملكهم وهو من ذرية أذفونش كيف يرضى الملك بهذا الأمر ونحن نقاتل بنفوسنا واموالنا فأخذ عليهم العهد بذلك وجمع عشرين ألفا من اهل البلاد وجهز في البحر ستة عشر ألفا وشرط عليهم حمل السلاح وفي سنة ست وعشرين وستمائة اشتهر امر هذه الغزوة فاستعد لها الوالي وميز نيفا على ألف فارس من فرسان الحضر والرعية مثلهم ومن الرجالة ثمانية عشر ألفا وذلك في شهر ربيع الأول من السنة ومن سوء الاتفاق ان الوالي أمر صاحب شرطته أن يأتيه بأربعة من كبراء المصر فساقهم وضرب أعناقهم وكان فيهم ابن خاله وخالهما أبو حفص ابن سيري ذو المكانة الوجيهة فاجتمعت الرعية إلى ابن سيرى فأخبروه بما نزل وعزوه فيمن قتل وقالوا هذا أمر لا يطاق ونحن كل يوم إلى الموت نساق وعاهدوه على طلب الثأر وأصبح الوالي يوم الجمعة منتصف شوال والناس من خوفه في أهوال ومن أمر العدو في إهمال فأمر صاحب شرطته بإحضار خمسين من أهل الوجاهة والنعمة فأحضرهم وإذا بفارس على هيئة النذير دخل إلى الوالي وأخبره بأن الروم قد أقبلت وأنه عد فوق الأربعين من القلوع وما فرغ من إعلامه حتى ورد آخر من جانب آخر وقال إن اسطول العدو قد تظاهر وقال إنه عد سبعين شراعا فصح الأمر عنده فسمح لهم بالصفح والعفو وعرفهم بخبر العدو وأمرهم بالتجهز فخرجوا إلى دورهم كأنما نشروا من قبورهم ثم ورد الخبر بأن العدو قرب من البلد فإنهم عدوا مائة وخمسين قلعا ولما عبر وقصد المرسى أخرج الوالي جماعة تمنعهم النزول فباتوا على المرسى في الرجل والخيل وفي الثامن عشر من شوال وهو يوم الاثنين وقع المصاف وانهزم المسلمون وارتحل النصارى إلى المدينة ونزلوا منها على الحريبة الحزينة من جهة باب الكحل ولم يزل الأمر في شدة وقد أشرفوا على أخذ البلد ولما رأى ابن سيري ان العدو قد استولى على البلد خرج
____________________
(4/470)

إلى البادية ولما كان يوم الجمعة الحادي عشر من صفر قاتلوا البلد قتالا شديدا ولما كان يوم الأحد أخذ البلد واخذ منه أربعة وعشرون ألفا قتلوا على دم واحد وأخذ الوالي وعذب وعاش بعد ذلك خمسة وأربعين يوما ومات تحت العذاب واما ابن سيري فإنه صعد إلى الجبل وهو منيع لا ينال من تحصن فيه وجمع عنده ستة عشر ألف مقاتل ومازال يقاتل إلى أن قتل يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر سنة ثمان وعشرين وستمائة وجده من آل جبلة بن الأيهم الغساني واما الحصون فأخذت في آخر رجب سنة ثمان وعشرين وستمائة وفي شهر شعبان لحق من نجا من المسلمين إلى بلاد الإسلام انتهى ما ذكره ابن عميرة المخزومي ملخصا
وكان بميورقة جماعة أعلام وشعراء ومن شعر ابن عبد الولي الميورقي
( هل أمان من لحظك الفتان ** وقوام يميل كالخيزران )
( مهجتي منك في جحيم ولكن ** جفوني قد متعت في جنان )
( فتنتني لواحظ ساحرات ** لست أخشى من فتنة الشيطان ) سعيد بن حكم في منورقة
ولما استولى النصارى على ميورقة في التاريخ المتقدم ثار بجزيرة منورقة وهي قريبة منها الجواد العادل العالم أبو عثمان سعيد بن حكم القرشي وكان وليها من قبل الوالي أبي يحيى المقتول وتصالح مع النصارى على ضريبة معلومة واشترط أن لا يدخل جزيرته أحد من النصارى وضبطها أحسن ضبط قال أبو الحسن على بن سعيد أخبرني أحد من اجتمع به أنه لقي منه برا حبب اليه الإقامة في تلك الجزيرة المنقطعة وذكر أنه ركب معه فنظر إلى حمالة سيف
____________________
(4/471)

ضيقة وقد أثرت في عنقه فأمر له بإحسان وغنباز وكتب معه
( حمالة السيف توهي جيد حاملها ** لا سيما يوم إسراع وإنجاز )
( وخير ما استعمل الإنسان يومئذ ** لحسم علتها إلباس غنباز )
والغنباز عند أهل المغرب صنف من الملبوس غليظ يستر العنق
وأصل أبي عثمان من مدينة طبيرة من غرب الأندلس وقد ألفت باسمه التآليف المشهورة بالمغرب ككتاب روح الشحر وروح الشعر وغيره وأخذ العدو منورقة بعد مدة سقوط عدة مدن
واخذ العدو جزيرة شقر صلحا سنة تسع وثلاثين وستمائة في آخرها
وأخذ العدو دمره الله تعالى مدينة سرقسطة يوم الأربعاء لأربع خلون من رمضان سنة اثنتي عشرة وخمسمائة
وكان إستيلاء الإفرنج على شرق الأندلس شاطبة وغيرها واجلاؤهم من يشاركهم من المسلمين فيما تغلبوا عليه منها في شهر رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة
وكان استيلاء العدو دمره الله تعالى على مدينة قرطبة يوم الأحد الثالث والعشرين لشوال من سنة ست وثلاثين وستمائة
وكان تملك العدو مرسية صلحا ظهر يوم الخميس العاشر من شوال قدم أحمد بن محمد بن هود ولد والي مرسية بجماعة من وجوه النصارى فملكهم إياها صلحا ولا حول ولا قوة إلا بالله
وحصر العدو إشبيلية سنة خمس وأربعين وستمائة وفي يوم الاثنين الخامس من شعبان للسنة بعدها ملكها الطاغية صاحب قشتالة صلحا بعد منازلتها حولا كاملا وخمسة أشهر أو نحوها وقال ابن الأبار في ترجمة أبي علي الشلوبين من التكملة
____________________
(4/472)

ماصورته وتوفي بين يدي منازلة الروم إشبيلية ليلة الخميس منتصف صفر سنة خمس وأربعين وستمائة وفي العام القابل ملكها الروم موقعة أنيشة - 634 وترجمة أبي الربيع ابن سالم
وكانت وقعة أنيجة التى قتل بها الحافظ أبو الربيع الكلاعي رحمه الله تعالى يوم الخميس لعشر بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وستمائة ولم يزل رحمه الله تعالى متقدما أمام الصفوف زحفا إلى الكفار مقبلا على العدو ينادي بالمنهزمين أعن الجنة تفرون حتى قتل صابرا محتسبا برد الله تعالى مضجعه وكان دائما يقول إن منتهى عمره سبعون سنة لرؤيا رآها في صغره فكان كذلك ورثاه تلميذه الحافظ أبو عبدالله ابن الأبار بقصيدته الميمية الشهيرة التى اولها
( ألما بأشلاء العلا والمكارم ** تقد بأطراف القنا والصوارم )
( وعوجا عليها مأربا وحفاوة ** مصارع خصت بالطلى والجماجم ) نحيي وجوها في الجنان وجيهة ** بما لقيت حمرا وجوه الملاحم )
( وأجساد إيمان كساها نجيعها ** مجاسد من نسج الظبى واللهاذم )
وهي طويلة
ومن شعر الحافظ أبي الربيع المذكور
____________________
(4/473)


( تولت ليال للغواية جون ** ووافى صباح للرشاد مبين )
( ركاب شباب أزمعت عنك رحلة ** وجيش مشيب جهزته منون )
( ولا أكذب الرحمن فيما أجنه ** وكيف ولا يخفى عليه جنين )
( ومن لم يخل أن الرياء يشينه ** فمن مذهبي أن الرياء يشين )
( لقد ريع قلبي للشباب وفقده ** كما ريع بالعلق الفقيد ضنين )
( وآلمني وخط المشيب بلمتي ** فخطت بقلبي للشجون فنون )
( وليل شبابي كان أنضر منظرا ** وآنق مهما لا حظته عيون )
( فآها على عيش تكدر صفوه ** وأنس خلا منه صفا وحجون )
( ويا ويح فودي او فؤادي كلما ** تزيد شيبي كيف بعد يكون )
( حرام على قلبي سكون بغرة ** وكيف مع الشيب الممض سكون )
( وقالوا شباب المرء شعبة جنة ** فما لي عراني للمشيب جنون )
( وقالوا شجاك الشيب حدثان ما اتي ** ولم يعلموا أن الحديث شجون )
وقوله
( أمولي الموالي ليس غيرك لي مولى ** وما أحد يارب منك بذا أولى )
( تبارك وجه وجهت نحوه المنى ** فأوزعها شكرا وأوسعها طولا )
( وما هو إلا وجهك الدائم الذي ** أقل حلى عليائه يخرس القولا )
( تبرأت من حولي إليك وقوتي ** فكن قوتي في مطلبي وكن الحولا )
( وهب لي الرضى ما لي سوى ذاك مبتغى ** ولو لقيت نفسي على نيله الهولا )
وكان رحمه الله تعالى حافظا للحديث مبرزا في نقده تام المعرفة
____________________
(4/474)

بطرقه ضابطا لأحكام أسانيده ذاكرا لرجاله ريان من الأدب خطب ببلنسية واستقضى وكان مع ذلك من أولي الحزم والبسالة والإقدام والجزالة حضر الغزوات وباشر القتال بنفسه وأبلى بلاء حسنا وروى عن أبي القاسم ابن حبيش وطبقته وصنف كتبا منها مصباح الظلم في الحديث والأربعون عن أربعين شيخا لأربعين من الصحابة والأربعون السباعية والسباعيات من حديث الصدفي وحلية الأمالي في الموافقات والعوالي وتحفة الوراد ونجعة الرواد والمسلسلات والإنشادات وكتاب الاكتفاء في مغازي رسول الله الثلاثة الخلفاء وميدان السابقين وحلبة الصادقين المصدقين في غرض كتاب الاستيعاب ولم يكمله والمعجم فيمن وافقت كنيته كنية زوجه من الصحابة والإعلام بأخبار البخاري الإمام والمعجم في مشيخة أبي القاسم ابن حبيش وبرنامج رواياته وجني الرطب في سني الخطب ونكتة الأمثال ونفثة السحر الحلال وجهد النصيح في معارضة المعري في خطبة الفصيح والامتثال لمثال المبهج في ابتداع الحكم واختراع الأمثال ومفاوضة القلب العليل ومنابذة الأمل الطويل بطريقة المعري في ملقي السبيل ومجاز فتيا اللحن للاحن الممتحن مائة مسألة ملغزة ونتيجة الحب الصميم وزكاة المنثور والمنظوم في مثال النعل النبوية على لابسها أفضل قال ابن رشيد لو قال وزكاة النثير والنظيم لكان أحسن وله كتاب الصحف المنشرة في القطع المعشرة وديوان رسائله سفر وديوان شعره سفر وكتب إلى الأديب الشهير أبي بحر صفوان بن إدريس المرسي عقب انفصاله من
____________________
(4/475)

بلنسية سنة 587
( أحن الى نجد ومن حل في نجد ** وماذا الذي يغني حنيني أو يجدي )
( وقد أوطنوها وادعين وخلفوا ** محبهم رهن الصبابة والوجد )
( تبين بالبين اشتياقي إليهم ** ووجدي فساوى ما أجن الذي أبدي )
( وضاقت علي الأرض حتى كأنها ** وشاح بخصر أو سوار على زند )
( إلى الله أشكو ما ألاقي من الجوى ** وبعض الذي لاقيته من جوى يردي )
( فراق أخلاء وصد أحبة ** كأن صروف الدهر كانت على وعد )
( فيا سرحتي نجد نداء متيم ** له أبدا شوق إلى سرحتي نجد )
( ظمئت فهل طل يبرد لوعتي ** ضحيت فهل ظل يسكن من وجدي )
( ويا زمنا قد بان غير مذمم ** لعل الأنس قد تصرم من رد )
( ليالي نجني الأنس من شجر المنى ** ونقطف زهر الوصل من شجر الصد )
( وسقيا لاخوان بأكناف حاجر ** كرام السجايا لا يحولون عنه عهد )
( وكم لي بنجد من سري ممجد ** ولا كابن إدريس أخي البشر والمجد )
( اخو همة كالزهر في بعد نيلها ** وذو خلق كالزهر غب الحيا العد )
( تجمعت الأضداد فيه حميدة ** فمن خلق سبط ومن حسب جعد )
( أيا راحلا أودى بصبري رحيله ** وفلل من عزمي وثلم من حدي )
( أتعلم ما يلقى الفؤاد لبعدكم ** ألا مذ نأيتم ما يعيد ولا يبدي )
( فيا ليت شعري هل تعود لنا المنى ** وعيش كما نمنمت حاشيتي برد )
( عسى الله أن يدني السرور بقربكم ** فيبدو ومنا الشمل منتظم العقد ) ابن العربي ومعركة 527
وقال الحافظ القاضي أبو بكر ابن العربي في أحكام القرآن عند تفسير
____________________
(4/476)

قوله تعالى { انفروا خفافا وثقالا } التوبة 41 ما صورته ولقد نزل بنا العدو قصمه الله تعالى سنة سبع وعشرين وخمسمائة فجاس ديارنا وأسر جيرتنا وتوسط بلادنا في عدد حدد الناس عدده فكان كثيرا وإن لم يبلغ ما حددوه فقلت للوالي والمولى عليه هذا عدو الله قد حصل في الشرك والشبكة فلتكن عندكم بركة ولتكن منكم إلى نصرة الدين المتعينة عليكم حركة فليخرج إليه جميع الناس حتى لا يبقى منهم أحد في جميع الأقطار فيحاط به فإنه هالك لا محالة إن يسركم الله له فغلبت الذنوب ورجفت بالمعاصي القلوب وصار كل أحد من الناس ثعلبا يأوي إلى وجاره وإن رأى المكيدة بجاره فإنا لله وإنا إليه راجعون وحسبنا الله ونعم الوكيل انتهى
ولا خفاء أن هذا كان قبل أخذ العدو شرق الأندلس وسرقسطة وميورقة وغيرها مما قدمنا ذكره والبدايات عنوان على النهايات قصيدة الوقشي في مدح أبي يعقوب
وقال أبو جعفر الوقشي البلنسي نزيل مالقة يمدح أمير المؤمنين يوسف ابن أمير المؤمنين عبدالمؤمن بن علي
( أبت غير ماء بالنخيل ورودا ** وهامت به عذب الجمام برودا )
( وقالت لحاديها أثم زيادة ** على العشر في وردي له فأزيدا )
( غلبتك ما هذا القنوع وما انا ** عهدتك لا تثنين عنه وريدا )
( أنونا إذا ما كنت منه قريبة ** وضبا إذا ماكان عنك بعيدا )
( ردي حضرة الملك الظليل رواقه ** لعمري ففيها تحمدين ورودا )
( بحيث إمام الدين يوسع فضله ** جميع البرايا مبدئا ومعيدا )
____________________
(4/477)


( أعاد إليها الأنس بعد شروده ** وأحيا لنا ماكان منه أبيدا )
( ولين أيام الزمان بعدله ** وكانت حديدا في الخطوب حديدا )
( فلا ليلة إلا يروقك حسنها ** ولا يوم إلا عاد يفضل عيدا )
ومنها يصف حال الأندلس ويبعث على الجهاد
( ألا ليت شعري هل يمد لي المدى ** فأبصر شمل المشركين طريدا )
( وهل بعد يقضى في النصارى بنصرة ** تغادرهم للمرهفات حصيدا )
( ويغزو أبو يعقوب في شنت ياقب ** يعيد عميد الكافرين عميدا )
( ويلقي على إفرنجهم عبء كلكل ** فيتركهم فوق الصعيد هجودا )
( يغادرهم جرحى وقتلى مبرحا ** ركوعا على وجه الفلا وسجودا )
( ويفتك من أيدي الطغاة نواعما ** تبدلن من نظم الحجول قيودا )
( وأقبلن في خشن المسوح وطالما ** سحبن من الوشي الرقيق برودا )
( وغبر منهن التراب ترائبا ** وخدد منهن الهجير خدودا )
( فحق لدمعي أن يفيض لأزرق ** تملكها دعج المدامع سودا )
( ويا لهف نفسي من معاصم طفلة ** تجاوز بالقد الأليم نهودا )
( ويا أسفا ما إن يزال مرددا ** على شمل أعياد أعيد بديدا )
( وآها تمد الصوت منتحبا على ** خلو ديار لو يكون مفيدا )
وقال في آخرها وهو مما استحسنه الناس
( حملت إليه من نظامي قلادة ** يلقبها أهل الكلام قصيدا )
( غدت يوم إنشاد القريض وحيدة ** كما قصدت في المعلوات وحيدا )
ولما تمهدت الأندلس لعبدالمؤمن وبنيه كان لهم فيها وقائع مع عدو الدين واجتاز إليها عبدالؤمن ثم لما ولي بعده ملكه ابنه يوسف دخل الأندلس سنة 566 وفي صحبته مائة ألف فارس من العرب والموحدين فنزل بإشبيلية
____________________
(4/478)

فخافه الأمير أبو عبدالله محمد بن سعد بن مردنيش صاحب شرق الأندلس مرسية وأعمالها وما انضاف إليها فحمل على قلبه فمرض فمات وشرع السلطان يوسف في استرجاع بلاد المسلمين من أيدي الفرنج فاتسعت مملكته بالأندلس وأغارت سراياه على طليطلة إذ هي قاعدة ملكهم ثم إنه حاصرها فاجتمعت طائفة الفرنج عليه واشتد الغلاء في عسكره فرحل عنها وعاد إلى حضرة ملكه مراكش المحروسة قصيدة في استنهاض الحفصي بعد سقوط بلنسية ولم يزل أهل الأندلس بعد ظهور النصارى دمرهم الله تعالى على كثير منها يستنهضون عزائم الملوك والسوقة لأخذ الثار بالنظم والنثار فلم ينفعهم ذلك حتى اتسع الخرق وأعضل الداء أهل الغرب والشرق فمن القصائد الموجهة في ذلك قول بعضهم لما أخذت بلنسية يخاطب صاحب إفريقية أبا زكريا ابن عبدالواحد بن أبي حفص
( نادتك أندلس فلب نداءها ** واجعل طواغيت الصليب فداءها )
( صرخت بدعوتك العلية فاحبها ** من عاطفاتك ما يقي حوباءها )
( واشدد بجلبك جرد خيلك أزرها ** تردد على أعقابها أرزاءها )
( هي دارك القصوى أوت لإيالة ** ضمنت لها مع نصرها إيواءها )
( وبها عبيدك لا بقاء لهم سوى ** سبل الضراعة يسلكون سواءها )
( خلعت قلوبهم هناك عزاءها ** لما رأت أبصارهم ما ساءها )
( دفعوا الأبكار الخطوب وعونها ** فهم الغداة يصابرون عناءها )
( وتنكرت لهم الليالي فاقتضت ** سراءها وقضتهم ضراءها )
( تلك الجزيرة لا بقاء لها إذا ** لم يضمن الفتح القريب بقاءها )
( رش أيها المولى الرحيم جناحها ** واعقد بأرشية النجاة رشاءها )
____________________
(4/479)


( أشفى على طرف الحياة ذماؤها ** فاستبق للدين الحنيف ذماءها )
( حاشاك أن تفنى حشاشتها وقد ** قصرت عليك نداءها ورجاءها )
( طافت بطائفة الهدى آمالها ** ترجو بيحيى المرتضى إحياءها )
( واستشرفت أمصارها لإمارة ** عقدت لنصر المستضام لواءها )
( ياحسرتي لعقائل معقولة ** سئم الهدى نحو الضلال هداءها )
( إيه بلنسية وفي ذكراك ما ** يمري الشؤون دماءها لا ماءها )
( كيف السبيل الى احتلال معاهد ** شب الأعاجم دونها هيجاءها )
( وإلى ربى وأباطح لم تعر من ** حلل الربيع مصيفها وشتاءها )
( طاب المعرس والمقيل خلالها ** وتطلعت غرر المنى أثناءها )
( بأبي مدارس كالطول دوارس ** نسخت نواقيس الصليب نداءها )
( ومصانع كسف الضلال صباحها ** فيخاله الرائي إليه مساءها )
( راحت بها الورقاء تسمع شدوها ** وغدت ترجع نوحها وبكاءها )
( عجبا لأهل النار حلوا جنة ** منها تمد عليهم أفياءها )
( أملت لهم فتعجلوا ما املوا ** أيامهم لا سوغوا إملاءها )
( بعدا لنفس أبصرت إسلامها ** فتوكفت عن حزبها إسلاءها )
( أما العلوج فقد أحالوا حالها ** فمن المطيق علاجها وشفاءها )
( أهدى إليها بالمكاره جارح ** للكفر كره ماءها وهواءها )
( وكفى أسى أن الفواجع جمة ** فمتى يقاوم أسوها أسواءها )
( هيهات في نظر الإمارة كف ما ** تخشاه ليت الشكر كان كفاءها )
( مولاي هاك معادة أنباءها ** لتنيل منك سعادة أبناءها )
( جرد ظباك لمحو آثار العدا ** تقتل ضراغمها وتسب ظباءها )
( واستدع طائفة الإمام لغزوها ** تسبق إلى أمثالها استدعاءها )
( لا غرو أن يعزى الظهور لملة ** لم يبرحوا دون الورى ظهراءها )
( إن الأعاجم للأعارب نهبة ** مهما أمرت بغزوها أحياءها )
____________________
(4/480)


( تالله لو دبت لها دبابها ** لطوت عليها أرضها وسماءها )
( ولو استقلت عوفها لقتالها ** لاستقبلت بالمقربات عفاءها )
( أرسل جوارحها تجئك بصيدها ** صيدا وناد لطحنها أرحاءها )
( هبوا لها يامعشر التوحيد قد ** آن الهبوب وأحرزوا علياءها )
( إن الحفائظ من خلالكم التى ** لا يرهب الداعي بهن خلاءها )
( هي نكتة المحيا فحيهلا بها ** تجدوا سناها في غد وسناءها )
( أولوا الجزيرة نصرة إن العدا ** تبغى على أقطارها استيلاءها )
( نقصت بأهل الشرك من أطرفها ** فاستحفظوا بالمؤمنين نماءها )
( حاشاكم أن تضمروا إلغاءها ** في أزمة أو تضمروا إقصاءها )
( خوضوا إليها بحرها يصبح لكم ** رهوا وجوبوا نحوها بيداءها )
( وافى الصريخ مثوبا يدعو لها ** فلتجملوا قصد الثواب ثواءها )
( دار الجهاد فلا تفتكم ساحة ** ساوت بها أحياؤها شهداءها )
( هذي رسائلها تناجي بالتي ** وقفت عليها ريثها ونجاءها )
( ولربما أنهت سوالب للنهى ** من كائنات حملت أنهاءها )
( وفدت على الدار العزيزة تجتني ** آلاءها أو تجتلي آراءها )
( مستسقيات من غيوث غياثها ** ما وقعه يتقدم استسقاءها )
( قد أمنت في سبلها أهواءها ** إذ سوغت في ظلها أهواءها )
( وبحسبها أن الأمير المرتضى ** مترقب بفتوحها آناءها )
( في الله ما ينويه من إدراكها ** بكلاءة يفدي أبي أكلاءها )
( بشرى لأندلس تحب لقاءه ** ويحب في ذات الإله لقاءها )
( صدق الرواة المخبرون بأنه ** يشفي ضناها أو يعيد رواءها )
( إن دوخ العرب الصعاب مقادة ** وأبى عليها أن تطيع إباءها )
( فكأن بفيلقه العرمرم فالقا ** هام الأعاجم ناسفا أرجاءها )
( أنذرهم بالبطشة الكبرى فقد ** نذرت صوارمه الرقاق دماءها )
____________________
(4/481)


( لايعدم الزمن انتصار مؤيد ** تتسوغ الدنيا به سراءها )
( ملك أمد النيرين بنوره ** وأفاده لألاؤه لألاءها )
( خضعت جبابرة الملوك لعزه ** ونضت بكف صغارها خيلاءها )
( أبقى أبو حفص إمارته له ** فسما إليها حاملا أعباءها )
( سل دعوة المهدي عن آثاره ** تنبيك أن ظباه قمن إزاءها )
( فغزا عداها واسترق رقابها ** وحمى حماها واسترد بهاءها )
( قبضت يداه على البسيطة قبضة ** قادت له في قدة أمراءها )
( فعلى المشارق والمغارب ميسم ** لهداه شرف وسمه أسماءها )
( تطمو بتونسها بحار جيوشه ** فيزور زاخر موجها زوراءها )
( وسع الزمان فضاق عنه جلالة ** والأرض طرا ضنكها وفضاءها )
( ما أزمع الإيغال في أكنافها ** إلا تصيد عزمه زعماءها )
( دانت له الدنيا وشم ملوكها ** فاحتل من رتب العلا شماءها )
( ردت سعادته على أدراجها ** ليل الزمان ونهنهت غلواءها )
( إن يعتم الدول العزيزة بأسه ** فالآن يولي جوده إعطاءها )
( تقع الجلائل وهو راس راسخ ** فيها يوقع للسعود جلاءها )
( كالطود في عصف الرياح وقصفها ** لا رهوها يخشى ولا هوجاءها )
( سامي الذوائب في أعز ذؤابة ** أعلت على قمم النجوم بناءها )
( بركت بكل محلة بركاته ** شفعا يبادر بذلها شفعاءها )
( كالغيث صب على البسيطة صوبه ** فسقى عمائرها وجاد قواءها )
( ينميه عبدالواحد الأرضى إلى ** عليا فتمنح بأسها وسخاءها )
( في نبعة كرمت وطابت مغرسا ** وسمت وطالت نضرة نظراءها )
( ظهرت لمحتدها السماء وجاوزت ** لسرادقات فخارها جوزاءها )
( فئة كرام لا تكف عن الوغى ** حتى تصرع حولها أكفاءها ) وتكب في نار القري فوق الذرا ** من عزة ألويها وكباءها )
____________________
(4/482)


( قد خلقوا الأيام طيب خلائق ** فثنت إليهم حمدها وثناءها )
( ينضون في طلب النفائس انفسا ** حبسوا على احرازها إمضاءها )
( وإذا انتضوا يوم الكريهة بيضهم ** أبصرت فيهم قطعها ومضاءها )
( لاعذر عند المكرمات لهم متى ** لم تستبن لعفاتهم عذراءها )
( قوم الأمير فمن يقوم بما لهم ** من صالحات أفحمت شعراءها )
( صفحا جميلا أيها الملك الرضى ** عن محكمات لم نطق إحصاءها )
( تقف القوافي دونهن حسيرة ** لا عيها تخفي ولا إعياءها )
( فلعل علياكم تسامح راجيا ** إصغاءها ومؤملا إغضاءها ) في رثاء طليطلة
ومن ذلك قول بعضهم يندب طليطلة أعادها الله تعالى للإسلام
( لثكلك كيف تبتسم الثغور ** سرورا بعدما سبيت ثغور )
( أما وأبي مصاب هد منه ** ثبير الدين فاتصل الثبور )
( لقد قصمت ظهور حين قالوا ** أمير الكافرين له ظهور )
( ترى في لدهر مسرورا بعيش ** مضى عنا لطيته السرور )
( أليس بها أبي النفس شهم ** يدير على الدوائر إذ تدور )
( لقد خضعت رقاب كن غلبا ** وزال عتوها ومضى النفور )
( وهان على عزيز القوم ذل ** وسامح في الحريم فتى غيور )
( طليطلة أباح الكفر منها ** حماها إن ذا نبأ كبير )
( فليس مثالها إيوان كسرى ** ولا منها الخورنق والسدير )
( محصنة محسنة بعيد ** تناولها ومطلبها عسير )
( ألم تك معقلا للدين صعبا ** فذلله كما شاء القدير )
( وأخرج أهلها منها جميعا ** فصاروا حيث شاء بهم مصير )
____________________
(4/483)


( وكانت دار ايمان وعلم ** معالمها التى طمست تنير )
( فعادت دار كفر مصطفاة ** قد اضطربت بأهليها الأمور )
( مساجدها كنائس أي قلب ** على هذا يقر ولا يطير )
( فيا أسفاه يا أسفاه حزنا ** يكرر ما تكررت الدهور )
( وينشر كل حسن ليس يطوى ** إلى يوم يكون به النشور )
( أديلت قاصرات الطرف كانت ** مصونات مساكنها القصور )
( وأدركها فتور في انتظار ** لسرب في لواحظه فتور )
( وكان بنا وبالقينات أولى ** لو انضمت على الكل القبور )
( لقد سخنت بحالتهن عين ** وكيف يصح مغلوب قرير )
( لئن غبنا عن الاخوان إنا ** بأحزان وأشجان حضور )
( نذور كان للأيام فيهم ** بمهلكهم فقد وفت النذور )
( فإن قلنا العقوبة أدركتهم ** وجاءهم من الله النكير )
( فإنا مثلهم وأشد منهم ** نجور وكيف يسلم من يجور )
( أنأمن أن يحل بنا انتقام ** وفينا الفسق أجمع والفجور )
( وأكل للحرام ولا اضطرار ** إليه فيسهل الأمر العسير )
( ولكن جرأة في عقر دار ** كذلك يفعل الكلب العقور )
( يزول الستر عن قوم إذا ما ** على العصيان أرخيت الستور )
( يطول علي ليلي رب خطب ** يطول لهوله الليل القصير )
( خذوا ثأر الديانة وانصروها ** فقد حامت على القتلى النسور )
( ولا تهنوا وسلوا كل عضب ** تهاب مضاربا منه النحور )
( وموتوا كلكم فالموت أولى ** بكم من ان تجاروا أو تجوروا )
( أصبرا بعد سبي وامتحان ** يلام عليها القلب الصبور )
____________________
(4/484)


( فأم الثكل مذكار ولود ** وأم الصقر مقلات نزور )
( نخور إذا دهينا بالرزايا ** وليس بمعجب بقر يخور )
( ونجبن ليس نزأر لو شجعنا ** ولم نجبن لكان لنا زئير )
( لقد ساءت بنا الأخبار حتى ** أمات المخبرين بها الخبير )
( أتتنا الكتب فيها كل شر ** وبشرنا بأنحسنا البشير )
( وقيل تجمعوا لفراق شمل ** طليطلة تملكها الكفور )
( فقل في خطة فيها صغار ** يشيب لكربها الطفل الصغير )
( لقد صم السميع فلم يعول ** على نبإ كما عمي البصير )
( تجاذبنا الأعادي باصطناع ** فينجذب المخول والفقير )
( فباق في الديانة تحت خزي ** تثبطه الشويهة والبعير )
( وآخر مارق هانت عليه ** مصائب دينه فله السعير )
( كفى حزنا بأن الناس قالوا ** إلى أين التحول والمسير )
( أنترك دورنا ونفر عنها ** وليس لنا وراء البحر دور )
( ولا ثم الضياع تروق حسنا ** نباكرها فيعجبنا البكور )
( وظل وارف وخرير ماء ** فلا قر هناك ولا حرور )
( ويؤكل من فواكهها طري ** ويشرب من جداولها نمير )
( يؤدى مغرم في كل شهر ** ويؤخذ كل صائفة عشور )
( فهم أحمى لحوزتنا وأولى ** بنا وهم الموالي والعشير )
( لقد ذهب اليقين فلا يقين ** وغر القوم بالله الغرور )
( فلا دين ولا دنيا ولكن ** غرور بالمعيشة ما غرور )
( رضوا بالرق يا لله ماذا ** رآه وما أشار به مشير )
( مضى الإسلام فابك دما عليه ** فما ينفي الجوى الدمع الغزير )
( ونح واندب رفاقا في فلاة ** حيارى لا تحط ولا تسير )
( ولا تجنح إلى سلم وحارب ** عسى أن يجبر العظم الكسير )
____________________
(4/485)


( أنعمى عن مراشدنا جميعا ** وما إن منهم إلا بصير )
( ونلقى واحدا ويفر جمع ** كما عن قانص فرت حمير )
( ولو أنا ثبتنا كان خيرا ** ولكن ما لنا كرم وخير )
( إذا ما لم يكن صبر جميل )
( فليس بنافع عدد كثير )
( ألا رجل له رأي أصيل ** به مما نحاذر نستجير )
( يكر إذا السيوف تناولته ** وأين بنا إذا ولت كرور )
( ويطعن بالقنا الخطار حتى ** يقول الرمح ما هذا الخطير )
( عظيم أن يكون الناس طرا ** بأندلس قتيل أو أسير )
( أذكر بالقراع الليث حرصا ** على أن يقرع البيض الذكور )
( يبادر خرقها قبل اتساع ** لخطب منه تنخسف البدور )
( يوسع للذي يلقاه صدرا ** فقد ضاقت بما تلقى صدور )
( تنغصت الحياة فلا حياة ** وودع جيرة إذ لا مجير )
( فليل فيه هم مستكن ** ويوم فيه شر مستطير )
( ونرجو أن يتيح الله نصرا ** عليهم إنه نعم النصير ) نونية الرندي وشيء من شعره
ومن مشهور ما قيل في ذلك قول الأديب الشهير أبي البقاء صالح بن شريف الرندي رحمه الله تعالى
____________________
(4/486)


( لكل شيء إذا ما تم نقصان ** فلا يغر بطيب العيش انسان )
( هي الأمور كما شاهدتها دول ** من سره زمن ساءته ازمان )
( وهذه الدار لا تبقي على أحد ** ولا يدوم على حال لها شان )
( يمزق الدهر حتما كل سابغة ** إذا نبت مشرفيات وخرصان )
( وينتضي كل سيف للفناء ولو ** كان ابن ذي يزن والغمد غمدان )
( أين الملوك ذوو التيجان من يمن ** وأين منهم أكاليل وتيجان )
( وأين ما شاده شداد في إرم ** وأين ما ساسه في الفرس ساسان )
( وأين ما حازه قارون من ذهب ** وأين عاد وشداد وقحطان )
( أتى على الكل أمر لا مرد له ** حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا )
( وصار ماكان من ملك ومن ملك ** كما حكى عن خيال الطيف وسنان )
( دار الزمان على دارا وقاتله ** وأم كسرى فما آواه إيوان )
( كأنما الصعب لم يسهل له سبب ** يوما ولا ملك الدنيا سليمان )
( فجائع الدهر أنواع منوعة ** وللزمان مسرات وأحزان )
( وللحوادث سلوان يسهلها ** وما لما حل بالإسلام سلوان )
( دهى الجزيرة أمر لا عزاء له ** هوى له أحد وانهد ثهلان )
( أصابها العين في الإسلام فامتحنت ** حتى خلت منه أقطار وبلدان )
( فاسأل بلنسية ما شأن مرسية ** وأين شاطبة أم أين جيان )
( وأين قرطبة دار العلوم فكم ** من عالم قد سما فيها له شان )
( وأين حمص وما تحويه من نزه ** ونهرها العذب فياض وملآن )
( قواعد كن أركان البلاد فما ** عسى البقاء إذا لم تبق أركان )
( تبكي الحنيفية البيضاء من أسف ** كما بكى لفراق الإلف هيمان )
( على ديار من الإسلام خالية ** قد أقفرت ولها بالكفر عمران )
( حيث المساجد قد صارت كنائس ما ** فيهن إلا نواقيس وصلبان )
( حتى المحاريب تبكي وهي جامدة ** حتى المنابر ترثي وهي عيدان )
____________________
(4/487)


( ياغافلا وله في الدهر موعظة ** إن كنت في سنة فالدهر يقظان )
( وماشيا مرحا يلهيه موطنه ** أبعد حمص تغر المرء أوطان )
( تلك المصيبة أنست ما تقدمها ** وما لها من طول الدهر نسيان )
( يا راكبين عتاق الخيل ضامرة ** كأنها في مجال السبق عقبان )
( وحاملين سيوف الهند مرهفة ** كأنها في ظلام النقع نيران )
( وراتعين وراء البحر في دعة ** لهم بأوطانهم عز وسلطان )
( أعندكم نبأ من أهل أندلس ** فقد سرى بحديث القوم ركبان )
( كم يستغيث بنا المستضعفون وهم ** قتلى وأسرى فما يهتز إنسان )
( ماذا التقاطع في الإسلام بينكم ** وأنتم يا عباد الله إخوان )
( ألا نفوس أبيات لها همم ** اما على الخير أنصار وأعوان )
( يامن لذلة قوم بعد عزهم ** أحال حالهم كفر وطغيان )
( بالأمس كانوا ملوكا في منازلهم ** واليوم هم في بلاد الكفر عبدان )
( فلو تراهم حيارى لا دليل لهم ** عليهم من ثياب الذل ألوان )
( ولو رأيت بكاهم عند بيعهم ** لهالك الأمر واستهوتك أحزان )
( يا رب أم وطفل حيل بينهما ** كما تفرق أرواح وأبدان )
( وطفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت ** كانما هي ياقوت ومرجان )
( يقودها العلج للمكروه مكرهة ** والعين باكية والقلب حيران )
( لمثل هذا يذوب القلب من كمد ** إن كان في القلب إسلام وإيمان )
انتهت القصيدة الفريدة ويوجد بأيدي الناس زيادات فيها ذكر غرناطة وبسطة وغيرهما مما أخذ من البلاد بعد موت صالح بن شريف وما اعتمدته منها نقلته من خط من يوثق به على ما كتبته ومن له أدنى ذوق علم أن ما يزيدون فيها من الأبيات ليست تقاربها في البلاغة وغالب ظني أن تلك الزيادة لما أخذت غرناطة وجميع بلاد الأندلس إذ كان أهلها يستنهضون همم الملوك
____________________
(4/488)

بالمشرق والمغرب فكأن بعضهم لما أعجبته قصيدة صالح بن شريف زاد فيها تلك الزيادات وقد بينت ذلك في أزهار الرياض فليراجع
وصالح بن شريف الرندي صاحب القصيدة من أشهر أدباء الأندلس ومن بديع نظمه قوله
( سلم على الحي بذات العرار ** وحي من أجل الحبيب الديار )
( وخل من لام على حبهم ** فما على العشاق في الذل عار )
( ولا تقصر في اغتنام المنى ** فما ليالي الأنس إلا قصار )
( وإنما العيش لمن رامه ** نفس تدارى وكؤوس تدار )
( وروحه الراح ريحانه ** في طيبه بالوصل أو بالعقار )
( لا صبر للشيء على ضده ** والخمر والهم كماء ونار )
( مدامه مدنية للمنى ** في رقة الدمع ولون النضار )
( مما أبو ريق أباريقها ** تنافست فيها النفوس الكبار )
( معلتي والبرء من علتي ** ما أطيب الخمرة لولا الخمار )
( ما أحسن النار التى شكله ** كالماء لو كف شرار الشرار )
( وبي وإن عذبت في حبه ** ببعده على اقتراب المزار )
( ظبي غرير نام عن لوعتي ** ولا أذوق النوم إلا غرار )
( ذو وجنة كأنها روضة ** قد بهر الورد بها والبهار )
( رجعت للصبوة في حبه ** وطاعة اللهو وخلع العذار )
( ياقوم قولوا بذمام الهوى ** أهكذا يفعل حب الصغار )
( وليلة نبهت أجفانها ** والفجر قد فجر نهر النهار )
( والليل كالمهزوم يوم الوغى ** والشهب مثل الشهب عند الفرار )
____________________
(4/489)


( كأنما استخفى السها خيفة ** وطولب النجم بثار فثار )
( لذاك ما شابت نواصي الدجى ** وطارح النسر أخاه فطار )
( وفي الثريا قمر سافر ** عن غرة غير منها السفار )
( كأن عنقودا تثنى به ** إذ صار كالعرجون عند السرار )
( كأنها تسبك ديناره ** وكفها يفتل منه السوار )
( كأنما الظلماء مظلومة ** تحكم الفجر عليها فجار )
( كأنما الصبح لمشتاقه ** عز غنى من بعد ذل افتقار )
( كأنما الشمس وقد أشرقت ** وجه أبي عبدالإله استنار )
( محمد محمد كاسمه ** شخص له في كل معنى يشار )
( أما المعالى فهو قطب لها ** والقطب لا شك عليه المدار )
( مؤثل المجد صريح العلا ** مهذب الطبع كريم النجار )
( تزهى به لخم وساداتها ** وتنتمى قيس له في الفخار )
( يفيض من جود يديه على ** عافيه ما منه تحار البحار )
( اليمن من يمناه حكم جرى ** واليسر من شيمة تلك اليسار )
( أخ صفا منه لنا واحد ** فالدهر مما قد جنى في اعتذار )
( فإن شكرنا فضله مرة ** فقد سكرنا من نداه مرار )
( ونحن منه في جوار العلا ** تدور للسعد بنا منه دار )
( الحافظ الله وأسماؤه ** لذلك الجار وذاك الجوار ) رسالة ابن عميرة إلى ابن الأبار في سقوط بلنسية
رجع - وقد رأيت أن أثبت هنا رسالة خاطب بها الكاتب البارع القاضي أبو المطرف ابن عميرة المخزومي الشيخ الحافظ أبا عبدالله ابن الأبار يذكر له
____________________
(4/490)

أخذ العدو مدينة بلنسية وهي
( ألا فيئة للدهر تدنو بمن نأى ** وبقيا يرى منها خلاف الذي رأى )
( ويا من عذيري منه يغدر من أوى ** إليه ولا يدري سوى خلف من وأى )
( ذخائر مافي البر والبحر صيده ** فلا لؤلؤا أبقى عليه ولا وأى )
أيها الأخ الذي دهش ناظري لكتابه بعد أن أدهش خاطري من إغبابه وسرني من بشره إيماض بعد أن ساءني من جهته إعراض جرت على ذكره الصلة فقوم قدح نبعتها وروى أكناف تلعتها وأحدث ذكرا من عهدنا الماضي فنقط وجه عروسه وشعشع خمر كؤوسه وسقى بماء الشبيبة ثراه وأبرز مثل مرآة الغريبة مرآه فبورك فيه أحوذيا وصل رحمه وكسا منظره من البهجة ماكان حرمه وحيا الله تعالى منه وليا على سالف عهدي تمادى وبشعار ودي نادى وبين الإحسان شيمته وأبان والبيان لا تنجاب عنه ديمته ولا تغلو بغير قلمه قيمته واعتذر عن كلمة تمنى تبديلها ودعوة ذكر وجوم النادي لها ثم أرسلها ترجف بوادرها من خيفة وتوغر بوغم صدر قلم وصحيفة وتنذر من ريحانه قريش أن تمنعه عرفها وتحدق إليه طرفها واتقى غارة على غره من الناجي برأس طمرة ولم يأمن هجران المهاجر بعد وصله وعكر عكرمة المغطي بحلمه على أبي جهله وعند ذكر كتيبة خالد أجحم وذكر يوم أحاطت به فارس فاستلحم فاعتذر عما قال وأضمر الحذر إلا أن يقال فمهلا أيها الموفي على علمه النافث بسحر قلمه أتظن منزلتك في البلاغة ومهيعها لاحب ومنزعها بالعقول لاعب تسفل وقد ترفعت أو تخفى وإن تلفعت عرفناك ياسودة وشهرت حلة
____________________
(4/491)

عطارد الملاحة والجودة فلم حين تهيب الأخ الأوحد من قصي غطاريفها ولو استثار من حفائظها تالدها وطريفها لم يذكر يد قومه عند أبيها وقد رام خطة أشرف على تأبيها حين أهاب بكم لمهمة ودعا منكم أخاه لأمه ولولا ذلك لما خلا له وجه الكعبة ولا خلص من تلك المضايق الصعبة وبأن أعرتموه نجدتكم الموصوفة غلب على ماكان بأيدي صوفه فكيف نجحد اليد عند عمنا او نشحذ أسنة الألسنة لذمنا أو كيف نلقاكم بجدنا وأبوكم أبو بكر معدنا وما تيامنكم إلى سبأ بن يشجب وإن أطلنا فيه التعجب بالذي يقطع أرحامنا ويمنع اشتباكنا والتحامنا بعد أن شددنا فعالنا بفعالكم ورأينا أقدامنا في نعالكم ولو شئتم توعدتم بأسود سؤددكم عند الإقدام وإلحاح إلحافكم في ضرب الهام لكن نقول إن قومنا لكرام ولو شاءوا كان لنا منهم شرة وعرام
واعود من حيث بدا الأخ الذي أبثه شوقي وأتطعم حلاوة عشرته بقية في حاسة ذوقي طارحني حديث مورد جف وقطين خف فيا لله لأتراب درجوا وأصحاب عن الأوطان خرجوا قصت الأجنحة وقيل طيروا وانما هو القتل او الأسر أو تسيروا فتفرقوا أيدي سبا وانتشروا ملء الوهاد والربى ففي كل جانب عويل وزفرة وبكل صدر غليل وحسرة ولكل عين عبرة لا ترقأ من أجلها عبرة داء خامر بلادنا حين اتاها وما زال بها حتى سجى على موتاها وشجا ليومها الأطول كهلها وفتاها وأنذر بها في القوم بحران أنيجة يوم أثاروا أسدها المهيجة فكانت تلك الحطمة طل الشؤبوب وباكورة البلاء المصبوب أثكلتنا إخوانا أبكانا نعيهم ولله أحوذيهم
____________________
(4/492)

وألمعيهم ذاك أبو ربيعنا وشيخ جميعنا سعد بشهادة يومه ولم ير ما يسوءه في اهله وقومه وبعد ذلك أخذ من الأم بالمخنق وهي بلنسية ذات الحسن والبهجة والرونق وما لبث أن أخرس من مسجدها لسان الأذان وأخرج من جسدها روح الايمان فبرح الخفاء وقيل على آثار من ذهب العفاء وانعطفت النوائب مفردة ومركبة كما تعطف الفاء فأودت الخفة والحصافة وذهب الجسر والرصافة ومزقت الحلة والشملة وأوحشت الجرف والرملة ونزلت بالحارة وقعة الحرة وحصلت الكنيسة من جآذرها وظبائها على طول الحسرة فأين تلك الخمائل ونضرتها والجداول وخضرتها والأندية وأرجها والأودية ومنعرجها والنواسم وهبوب مبتلها والأصائل وشحوب معتلها دار ضاحكت الشمس بحرها وبحيرتها وأزهار ترى من أدمع الطل في أعينها ترددها وحيرتها ثم زحفت كتيبة الكفر بزرقها وشقرها حتى أحاطت بجزيرة شقرها فآها لمسقط الرأس هو نجمه ولفادح الخطب سرى كلمه ويالجنة أجرى الله تعالى النهر تحتها وروضة أجاد أبو إسحاق نعتها وإنما كانت داره التى فيها دب وعلى أوصاف محاسنها أكب وفيها اتته منيته كما شاء وأحب ولم تعدم بعده محبين قشيبهم إليها ساقوه ودمعهم عليها أراقوه وقد أثبت من النظم ما يليق بهذا الموضع وإن لم يكن له ذلك الموقع
( أقلوا ملامي أو فقولوا وأكثروا ** ملومكم عما به ليس يقصر )
( وهل غير صب ما تني عبراته ** إذا صعدت أنفاسه تتحدر )
( يحن وما يجدي عليه حنينه ** إلى أربع معروفها متنكر )
____________________
(4/493)


( ويندب عهدا بالمشقر فاللوى ** وأين اللوى منه وأين المشقر )
( تغير ذاك العهد بعدي وأهله ** ومن ذا على الأيام لا يتغير )
( وأقفر رسم الدار إلا بقية ** لسائلها عن مثل حالي تخبر )
( فلم تبق إلا زفرة إثر زفرة ** ضلوعي لها تنقد أو تتفطر )
( وإلا اشتياق لا يزال يهزني ** فلا غاية تدنو ولا هو يفتر )
( أقول لساري البرق في جنح ليلة ** كلانا بها قد بات يبكي ويسهر )
( تعرض مجتازا فكان مذكرا ** بعهد اللوى والشيء بالشيء يذكر )
( أتأوي لقلب مثل قلبك خافق ** ودمع سفوح مثل قطرك يقطر )
( وتحمل انفاسا كومضك نارها ** إذا رفعت تبدو لمن يتنور )
( يقر بعيني أن أعاين من نأى ** لما أبصرته منك عيناي تبصر )
( وأن يتراءاك الخليط الذين هم ** بقلبي وإن غابوا عن العين حضر )
( كفى حزنا أنا كأهل محصب ** بكل طريق قد نفرنا وننفر )
( وأن كلينا من مشوق وشائق ** بنار اغتراب في حشاه تسعر )
( ألا ليت شعري والأماني ضلة ** وقولي ألا يا ليت شعري تحير )
( هل النهر عقد للجزيرة مثلما ** عهدنا وهل حصباؤه وهي جوهر )
( وهل للصبا ذيل عليه تجره ** فيزور عنه موجه المتكسر )
( وتلك المغاني هل عليها طلاوة ** بما راق منها أو بما رق تسحر )
( ملاعب أفراس الصبابة والصبا ** تروح إليها تارة وتبكر )
( وقبلي ذاك النهر كانت معاهد ** بها العيش مطلول الخميلة أخضر )
( بحيث بياض الصبح أزرار جيبه ** تطيب وأردان النسيم تعطر )
( ليال بماء الورد ينضح ثوبها ** وطيب هواء فيه مسك وعنبر )
( وبالجبل الأدنى هناك خطى لنا ** إلى اللهو لا تكبو ولا تتعثر )
( جناب بأعلاه بهار ونرجس ** فأبيض مفتر الثنايا وأصفر )
( وموردنا في قلب قلت كمقلة ** حذارا علينا من قذى العين تستر )
____________________
(4/494)


( وكم قد هبطنا القاع نذعر وحشه ** وياحسنه مستقبلا حين يذعر )
( نقود إليه طائعا كل جارح ** له منخر رحب وخصر مضمر )
( إذا ما رميناه به عبثت به ** مؤللة الأطراف عنهن تكشر )
( تضم لأروى النيق حزان سهلها ** وقد فقدت فيها مهاة وجؤذر )
( كذاك إلى ان صاح بالقوم صائح ** وأنذر بالبين المشتت منذر )
( وفرقهم أيدي سبا وأصابهم ** على غرة منهم قضاء مقدر )
ونعود إلى حيث كنا من تبدد شمل الجيرة وطي بساط الجزيرة اما شاطبة فكانت من قصبتها شوساء الطرف وببطحائها عروسا في نهاية الظرف فتخلى عن الذروة من أخلاها وقيل للكافر شأنك وأعلاها فقبل أن تضع الحرب أوزارها كشط عنها إزارها فاستحل الحرمة أو تاولها وما انتظر أقصر المدة ولا أطولها واما تدميره فجاد عودها على الهصر وامكنت عدوها من القصر فداجى الكفر الايمان وناجى الناقوس الأذان وما وراءها من الأصقاع التى باض الكفر فيها وفرخ وانزل بها ما أنسى التاريخ ومن أرخ فوصفكم على الحادثة فيها أتى وفي ضمان القدرة الانتصاف من عدو عثا وعتا وإنا لنرجوها كرة تفك البلاد من أسرها وتجبرها بعد كسرها وإن كانت الدولة العامرية منعت بالقراع ذمارها ورفعت على اليفاع نارها فهذه العمرية بتلك المنقبة أخلق والعدو لها أهيب ومنها أفرق وما يستوي نسب مع البقل نبت وبالمستفيض من النقل ما ثبت وآخر علت سماؤه على اللمس ورسا ركنه في الإسلام رسو قواعده الخمس وكان كما قال أبو حنيفة في خبر المسح جاءنا مثل الشمس والأيام العمرية هي أم الوقائع المحكية ومن شاء عدها من اليرموكية إلى الأركية وهذه الأيام الزاهرة هي زبدة حلاوتها وسجدة تلاوتها وإمامتها العظمى أيدها الله تعالى تمهل الكافر مدة إملائه ثم تشفي الإسلام من دائه وتطهر الأرض بنجس دمائه بفضل الله تعالى المرجو
____________________
(4/495)

زيادة نعمه قبلها وآلائه
راجعت سيدي مؤديا ما يجب أداؤه ومقتديا وما كل أحد يحسن اقتداؤه وإنما ناضلت ثعليا وعهدي بالنضال قديم وناظرت جدليا وما عندي للمقال تقديم وأطعته في الجواب ولقريحتي يعلم الله تعالى نكول ورويتي لولا حق المسألة بطير الحوادث المرسلة عصف مأكول أتم الله تعالى عليه آلاءه وحفظ مودته وولاءه ومتع بخلته الكريمة أخلاءه بمنه والسلام انتهت الرسالة
ورأيت في رحلة ابن رشيد لما ذكر أبا المطرف ما صورته واما الكتابة فقد كان حامل لوائها كما قال بعض أصحابنا ألان الله تعالى له الكلام كما ألان الحديد لداود عليه السلام وأخبرني شيخنا أبو بكر أن شيخه أبا المطرف رأى رسول الله في النوم فأعطاه حزمة أقلام وقال استعن بهذه على كتابتك أو كما قال انتهى رسالة ابن الأبار التى أجاب أبو المطرف عنها
وبعد كتبي لهذه الرسالة رأيت ان أذكر رسالة الحافظ ابن الأبار التى هذه جواب عنها وهي من غرض ما نحن فيه فلنقتبس نور البلاغة منها وهي
سيدي وإن وجم لها النادي وجمجم بها المنادي ذلك لصغرها عن كبره في المعارف الأعلام وصدرها يوغر صدور الصحائف والأقلام وأعيذ ريحانة قريش ان تروح من حفيظتها في جيش قد هابتها مغاوير كل حي وأجابتها الغطاريف من قصي تدلف بين يديها كتيبة خالد وتحلف لا قدحت نار الهيجاء بزند صالد او تنصف من غامطها وتقذف به وسط غطامطها
____________________
(4/496)

لا جرم أني من جريمتي حذر وعما وضحت به قيمتي للمجد معتذر إلا أن يصوح من الروض نبته وجناته ويصرح بالقبول حلمه واناته الحديث عن القديم شجون والشأن بتقاضي الغريم شؤون فلا غرو أن أطارحه إياه وأفاتحه الأمل في لقياه ومن لي بمقالة مستقلة أو إخالة غير مخلة أبت البلاغة إلا عمادها وعلى ذلك فاستنبىء عمادها درجت اللدات والأتراب وخرجت الروم بنا إلى حيث الأعراب أيام دفعنا لأعظم الأخطار وفجعنا بالأوطان والأوطار فالإم نداري برح الألم وحتام نساري النجم في الظلم جمع أوصاب ما له من انقضاض ومضض اغتراب شذ عن ابن مضاض فلو سمع الأول بهذا الحادث ماضرب المثل بالحارث يالله من جلاء ليس به يدان وثناء قلما يسفر عن تدان وعد الجد العاثر لقاءه فأنجز ورام الجلد الصابر انقضاءه فأعجز هؤلاء الاخوان مكثهم لا يمتع به أوان وبينهم كنبت الأرض ألوان بين هائم بالسرى ونائم في الثرى من كل صنديد بطل أو منطيق غير ذي خطأ ولا خطل قامت عليه النوادب لما قعدت النوائب وهجمت بيوتها لمنعاه الجماجم والذوائب وأما الأوطان المحبب عهدها بحكم الشباب المشبب فيها بمحاسن الأحباب فقد ودعنا معاهدها وداع الأبد وأخنى عليها الذي أخنى على لبد أسلمها الإسلام وانتظمها الانتثار والاصطلام حين وقعت أنسرها الطائرة وطلعت أنحسها الغائرة فغلب على الجذل الحزن وذهب مع المسكن السكن
( كزعزع الريح صك الدوح عاصفها ** فلم يدع من جنى فيها ولا غصن )
( واها واها يموت الصبر بينهما ** موت المحامد بين البخل والجبن )
أين بلنسية ومغانيها وأغاريد ورقها وأغانيها أين حلى رصافتها
____________________
(4/497)

وجسرها ومنزلا عطائها ونصرها أين أفياؤها تندى غضارة وذكاؤها تبدو من خضارة أين جداولها الطفاحة وخمائلها أين جنائبها النفاحة وشمائلها شد ما عطل من قلائد أزهارها نحرها وخلعت شعشعانية ضحاها بحيرتها وبحرها فأية حلية لا حيلة في صرفها مع صرف الزمان وهل كانت حتى بانت إلا رونق الحق وبشاشة الإيمان ثم لم يلبث داء عقرها أن دب إلى جزيرة شقرها فأمر عذبها النمير وذوى غصنها النضير وخرست حمائم أدواحها وركدت نواسم أرواحها ومع ذلك اقتحمت من الأيام دانية فنزحت قطوفها وهي دانية ويا لشاطبة وبطحائها من حيف الأيام وإنحائها والهفاه ثم لهفاه على تدمير وتلاعها وجيان وقلاعها وقرطبة ونواديها وحمص وواديها كلها رعي كلؤها ودهي بالتفريق والتمزيق ملؤها عض الحصار أكثرها وطمس الكفر عينها وأثرها وتلك إلبيرة بصدد البوار ورية في مثل حلقة السوار ولا مرية في المرية وخفضها على الجوار إلى بنيات لواحق بالأمهات ونواطق بهاك لأول هاتف بهات
ما هذا النفخ بالمعمور اهو النفخ في الصور أم النفر عاريا من الحج المبرور وما لأندلس أصيبت بأشرافها ونقصت من أطرافها قوض عن صوامعها الأذان وصمت بالنواقيس فيها الآذان أجنت ما لم تجن الأصقاع أعقت الحق فحاق بها الإيقاع كلا بل دانت للسنة وكانت من البدع في أحصن جنة هذه المروانية مع اشتداد أركانها وامتداد سلطانها ألقت حب آل النبوة في حبات القلوب وألوت ما ظفرت من خلعه ولا قلعه بمطلوب إلى المرابطة بأقاصي الثغور والمحافظة على معالي الأمور والركون إلى الهضبة المنيعة والروضة المريعة من معاداة الشيعة وموالاة الشريعة فليت شعري بم استوثق تمحيصها ولم تعلق بعموم البلوى تخصيصها اللهم غفرا طالما ضر ضجر ومن الأنباء ما فيه مزدجر جرى بما لم نقدره المقدور فما عسى أن ينفث به المصدور وربنا الحكيم العليم فحسبنا
____________________
(4/498)

التفويض له والتسليم وياعجبا لبني الأصفر أنسيت مرج الصفر ورميها يوم اليرموك بكل أغلب غضنفر دع ذا فالعهد به بعيد ومن اتعظ بغيره فهو سعيد هلا تذكرت العامرية وغزواتها وهابت العمرية وهبواتها أما الجزيرة بخيلها محدقة وبأحاديث فتحها مصدقة هذا الوقت المرتقب والزمان الذي زجيت له الشهور والحقب وهذه الإمامة أيدها الله تعالى هى المنقذة من أسرها والمنفذة لسلطانها مراسم نصرها فيتاح الأخذ بالثار ويزاح عن الجنة أهل النار ويعلم الكافر لمن عقبى الدار
حاورت سيدي بمثار الفاجي الفاجع وحاولت برء الجوى من جوابه بالعلاج الناجع وبودي لو تقع في الأرجاء مصاقبة فترفع من الأرزاء معاقبة أليس لديه أسو المكلوم وتدارك المظلوم وبيديه أزمة المنثور والمنظوم خيال يختر في اقناع إياد وصوغ ما لم يخطر على قلب زيد ولا بخاطر زياد بست الجبال الطوامح فما بست وأبو فتحها وغيضت البحار الطوافح فمن يعبأ بالركايا ومتحها أين أبو الفضل ابن العميد من العماد الفاضل وصمصامة عمرو من قلمه الفاصل هذا مدرهها الذي فعل الأفاعيل وأحمدها الذي سما على ابراهيم وإسماعيل وهما اماما الصناعة وهماما البراعة واليراعة بهما فخر من نطق بالضاد وبسببهما حسدت الحروف الصاد لكن دفعهم بالراح وأعرى مدرعهم من المراح وشرف دونهم ضعيف القصب على صم الرماح أبقاه الله تعالى وبيانه صادق الأنواء وزمانه كاذب الأسواء ولا زال مكانه مجاوزا ذؤابة الجوزاء وإحسانه مكافأ بأحسن الجزاء والسلام
____________________
(4/499)

فصول من درر السمط لابن الأبار
وقد عرفت بابن الأبار في أزهار الرياض بما لا مزيد عليه غير أني رأيت هنا أن أذكر فصولا مجموعة من كلامه في كتابه المسمى بدر السمط في خبر السبط
قال رحمه الله تعالى رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت فروع النبوة والرسالة وينابيع السماحة والبسالة صفوة آل أبي طالب وسراة بني لؤي بن غالب الذين حباهم الروح الأمين وحلاهم الكتاب المبين فقل في قوم شرعوا الدين القيم ومنعوا اليتيم ان يقهر والأيم ماقد من أديم آدم أطيب من أبيهم طينة ولا أخذت الأرض أجمل من مساعيهم زينة لولاهم ماعبد الرحمن ولا عهد الإيمان وعقد الأمان ذؤابة غير أشابة فضلهم ما شانه نقص ولا شابه سرارة محلتهم سر المطلوب وقرارة محبتهم حبات القلوب أذهب الله عنهم الرجس وشرف بخلقهم الجنس فان تميزوا فبشريعتهم البيضاء او تحيزوا فلعشيرتهم الحمراء من كل يعسوب الكتيبة منسوب لنجيب ونجيبة نجاره الكرم وداره الحرم نمته العرانين من هاشم إلى النسب الأصرح الأوضح إلى نبعة فرعها في السماء ومغرسها سرة الأبطح اولئك السادة أحيي وأفدي والشهادة بحبهم أوفي وأؤدي ومن يكتمها فإنه آثم قلبه
فصل - ما كانت خديجة لتأتي بخداج ولا الزهراء لتلد إلا ازاهر
____________________
(4/500)

كالسراج مثل النحلة لا تأكل إلا طيبا ولا تضع إلا طيبا خلدت بنت خويلد ليزكو عقبها من الحاشر العاقب ويسمو مرقبها على النجم الثاقب لم تخد بمثلها المهارى ولم يلد له غيرها من المهارى آمت من بعولتها قبله لتصل السعادة بحبلها حبله ملاك العمل خواتمه رب ربات حجال أنفذ من فحول رجال
( وما التأنيث لاسم الشمس عيب ** ولا التذكير فخر للهلال )
هذه خديجة من أخيها حزام أحزم ولشعار الصدق من شعارات القص ألزم ركنت إلى الركن الشديد وسددت للهدى كما هديت للتسديد يوم نبىء خاتم الأنبياء وأنبىء بالنور المنزل عليه والضياء
فصل - وكان قبيل المبعث وبين يدي لم الشعث يثابر على كل حسنى وحسنة ويجاور شهرا من كل سنة يتحرى حراء بالتعهد ويزجي تلك المدة في التعبد وذلك الشهر المقصور على التبرر المقدور فيه رفع التضرر شهر رمضان المنزل فيه القرآن فبيناه لا ينام قلبه وإن نامت عيناه جاءه الملك مبشرا بالنجح وقد كان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح فغمره بالكلاءة وأمره بالقراءة وكلما تحبس له غطه ثم أرسله وإذا أراد الله بعبد خيرا عسله
( تريدين إدراك المعالي رخيصة ** ولا بد دون الشهد من ابر النحل )
كذلك حتى عاذ بالأرق من الفرق وقد علق فاتحة العلق فلا يجري
____________________
(4/501)

غيرها على لسانه وكانما كتبت كتابا في جنانه
فصل ولما أصبح يؤم الأهل وتوسط الجبل يريد السهل وقد قضى الأجل وما نضا الوجل نوجي بما في الكتاب المسطور ونودي كما نودي موسى من جانب الطور فعرض له في طريقه ما شغله عن فريقه فرفع رأسه متاملا فأبصر الملك في صورة رجل متمثلا يشرفه بالنداء ويعرفه بالاجتباء وإنما عضد خبر الليلة بعيان اليوم وأري في اليقظة مصداق ما أسمع في النوم ليحق الله الحق بكلماته وعلى ما ورد في الأثر وسرد رواة السير فذلك اليوم كان عيد فطرنا الان وغير بدع ولا بعيد ان يبدأ الوحي بعيد كما ختم بعيد { اليوم أكملت لكم دينكم } المائدة 3 فبهت لما سمعه وراءه وثبت لا يتقدم امامه ولا يرجع وراءه
( وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ** متقدم عنه ولا متأخر )
ثم جعل في الخوف والرجاء لا يقلب وجهه في السماء إلا تعرض له في تلك الصورة وعرض عليه ما أعطاه الله سبحانه من السورة فيقف موقف التوكل ويمسك حتى عن التامل
( تتوق إليك النفس ثم أردها ** حياء ومثلي بالحياء حقيق )
( أذود سوام الطرف عنك وماله ** إلى أحد إلا إليك طريق )
فصل - وفطنت خديجة لاحتباسه فأمعنت في التماسه تزوجوا الودود
____________________
(4/502)

الولود ولفورها بل لفوزها بعثت في طلبه رسلها وانبعثت تأخذ عليه شعاب مكة وسبلها
( إن المحب إذا لم يستزر زارا )
طال عليها الأمد فطار إليها الكمد والمحب حقيقة من لا يفيق فيقه بالنفس النفيسة سماحه وجوده وفي وجود المحبوب الأشرف وجوده
( كأن بلاد الله مالم تكن بها ** وإن كان فيها الخلق طرا بلاقع )
( أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ** ويجمعني والهم بالليل جامع ) ( نهاري نهار الناس حتى إذا دجا ** لي الليل هزتني إليك المضاجع )
( لقد ثبتت في القلب منك محبة ** كما ثبتت في الراحتين الأصابع )
فصل وبعد لأي ماورد عليها وقعد مضيفا إليها فطفقت بحكم الإجلال تمسح أركانه وتفسح مجال السؤال عما خلف له مكانه فباح له بالسرالمغيب وقد لاح وسم الكرامة على الطيب المطيب فعلمت انه الصادق المصدوق وحكمت بانه السابق لا المسبوق اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وما زالت حتى أزالت ما به من الغمة وقالت إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة
( إني تفرست فيك الخير أعرفه ** والله يعلم أن ما خانني البصر )
( أنت النبي ومن يحرم شفاعته ** يوم الحساب فقد أزرى به القدر )
لا ترهب فسوف تبهر وسيبدو أمر الله تعالى ويظهر أنت الذي سجعت به الكهان ونزلت له من صوامعها الرهبان وسارت بخير كرامته الركبان انت الذي ما حملت أخف منه حامل ودرت ببركته الشاة فإذا هي حافل
____________________
(4/503)


( وأنت لما ولدت أشرقت الأرض ** وضاءت بنورك الأفق )
( فنحن في ذلك الضياء وفي النور ** وسبل الرشاد نخترق )
فصل - وما لبثت أن أغلقت أبوابها وجمعت عليها أثوابها وانطلقت إلى ورقة بن نوفل تطلبه بتفسير ذلك المجمل وكان يرجع إلى عقل حصيف ويبحث عمن يبعث بالدين الحنيف فاستبشر به ناموسا وأخبر انه الذي كان يأتي موسى فازدادت إيمانا وأقامت على ذلك زمانا ثم رأت أن خبر الواحد قد يلحقه التفنيد ودرت أن المجتهد لا يجوز له التقليد طلب العلم فريضة على كل مسلم فرجعت أدراجها في ارتياد الإقناع وألقي فى روعها إلقاء الخمار والقناع فهناك وضح لها البرهان وصح لها أن الآني ملك لا شيطان
( تدلى عليه الروح من عند ربه ** ينزل من جو السماء ويرفع )
( تشاوره فيما نريد وقصدنا ** إذا ما اشتهى أنا نطيع ونسمع )
فصل - سبقت لها من الله تعالى الحسنى فصنعت حسنا وقالت حسنا ومن يؤمن بالله يهد قلبه ما فتر الوحي بعدها ولا مطل الحق الحي وعدها وعد الله لا يخلف الله وعده دانت لحب ذي الإسلام فحياها الملك بالسلام من الملك السلام من كان لله كان الله له أغنت غناء الأبطال فغناها لسان الحال
( هل تذكرين فدتك النفس مجلسنا ** يوم التقينا فلم أنطق من الحصر )
____________________
(4/504)


( لا أرفع الطرف حولي من مراقبة ** بقيا علي وبعض الحزم في الحذر )
يسرت لاحتمال الأذى والنصب فبشرت ببيت في الجنة من قصب هل أمنت إذ آمنت من الرعب حتى غنيت عن الشبع بما في الشعب
( لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ** لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا ) واها لها احتملت عض الحصار وما أطاقت فقد المختار
( يطول اليوم لا ألقاك فيه ** وشهر نلتقي فيه قصير ) والحبيب سمع المحب وبصره وله طول محياه وقصره
( أنت كل الناس عندي فإذا ** غبت عن عيني لم ألق أحدا )
مكثت للرياسة مواسية وآسية فثلثت في بحبوحة الجنة مريم وآسية ثم ربعت البتول فبرعت نطقت بذلك الآثار وصدعت خير نساء العالمين أربع فصل - إلى البتول سير بالشرف التالد وسيق الفخر بالأم الكريمة والوالد حلت في الجيل الجليل وتحلت بالمجد الأثيل ثم تولت إلى الظل الظليل
( وليس يصح في الأفهام شيء ** إذا احتاج النهار إلى دليل ) وأبيها إن أم أبيها لا تجد لها شبيها نثره النبي وطله الوصي وذات
____________________
(4/505)

الشرف المستولي على الأمد القصي كل ولد الرسول درج في حياته وحملت هي ما حملت من آياته ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء لا فرع للشجرة المباركة من سواها فهل جدوى أوفر من جدواها والله أعلم حيث يجعل رسالاته حفت بالتطهير والتكريم وزفت إلى الكفؤ الكريم فوردا صفو العارفة والمنة وولدا سيدي شباب أهل الجنة عوضت من الأمتعة الفاخرة بسيدي الدنيا والآخرة ما أثقل نحوها ظهرا ولا بذل غير درعه مهرا كان صفر اليدين من البيضاء والصفراء وبحالة لا حيلة معها في اهداء الحلة السيراء فصاهره الشارع وخالله وقال في بعض صعلوك لا مال له نرفع درجات من نشاء
فصل
( أتنتهب الأيام أفلاذ أحمد ** وأفلاذ من عاداهم تتعدد )
( ويضحى ويظما أحمد وبناته ** وبنت زياد وردها لا يصرد )
( أفي دينه في أمنه في بلاده ** تضيق عليهم فسحة تتورد )
( وما الدين إلا دين جدهم الذي ** به أصدروا في العالمين واوردوا )
انتهى ما سنح لي ذكره من درر السمط وهو كتاب غاية في بابه ولم اورد منه غير ما ذكرته لأن في الباقي ما تشم منه رائحة التشيع والله سبحانه يسامحه بمنه وكرمه
رجع إلى ما كنا بسبيله فنقول قد ذكرنا في الباب الثاني رسالة أبي المطرف ابن عميرة إلى أبي جعفر ابن أمية وهي مشتملة على التلهف على الجزيرة الأندلسية حين أخذ العدو بلنسية وظهرت له مخايل الاستيلاء على ما بقي
____________________
(4/506)

من الأندلس فراجعها فيما سبق وإن كان التناسب التام في ذكرها هنا فالمناسبة هناك حاصلة أيضا والله سبحانه الموفق وذكرنا هنالك أيضا جملة غيرها من كلامه رحمه الله تعالى تتعلق بهذا المعنى وغيره فلتراجع ثمة نهاية الأندلس كما يصورها كتاب جنة الرضى لابن عاصم
ورأيت أن أثبت هنا ما رأيته بخط الأديب الكاتب الحافظ المؤرخ أبي عبد الله محمد بن الحداد الوادي آشي نزيل تلمسان رحمه الله تعالى ما صورته
حدثني الفقيه العدل سيدي حسن ابن القائد الزعيم الأفضل سيدي إبراهيم العراف أنه حضر مرة لإنزال الطلسم المعروف بفروج الرواح من العلية بالقصبة القديمة من غرناطة بسبب البناء والإصلاح وأنه عاينه من سبعة معادن مكتوبا فيه
( إيوان غرناطة الغراء معتبر ** طلسمه بولاة الحال دوار )
( وفارس روحه ريح تدبره ** من الجماد ولكن فيه أسرار )
( فسوف يبقى قليلا ثم تطرقه ** دهياء يخرب منها الملك والدار )
وقد صدق قائل هذه الأبيات فإنه طرقت الدهياء ذلك القطر الذي ليس له في الحسن مثال ونسل الخطب إليه من كل حدب وانثال وكل ذلك من اختلاف رؤسائه وكبرائه ومقدميه وقضاته وامرائه ووزرائه فكل يروم الرياسة لنفسه ويجر نارها لقرصه والنصارى لعنهم الله تعالى يضربون بينهم بالخداع والمكر والكيد ويضربون عمرا منهم بزيد حتى تمكنوا من أخذ البلاد والاستيلاء على الطارف والتلاد قال الرائس القاضي العلامة الكاتب الوزير أبو يحيى ابن عاصم رحمه الله تعالى في كتابه جنة الرضى في التسليم
____________________
(4/507)

لما قدر الله تعالى وقضى ما صورة محل الحاجة منه ومن استقرأ التواريخ المنصوصة وأخبار الملوك المقصوصة علم أن النصارى دمرهم الله تعالى لم يدركوا في المسلمين ثارا ولم يرحضوا عن أنفسهم عارا ولم يخربوا من الجزيرة منازل وديارا ولم يستولوا عليها بلادا جامعة وأمصارا إلا بعد تمكينهم لأسباب الخلاف واجتهادهم في وقوع الافتراق بين المسلمين والاختلاف وتضريبهم بالمكر والخديعة بين ملوك الجزيرة وتحريشهم بالكيد والخلابة بين حماتها في الفتن المبيرة ومهما كانت الكلمة مؤتلفة والآراء لا مفترقة ولا مختلفة والعلماء بمعاناة اتفاق القلوب إلى الله مزدلفة فالحرب إذ ذاك سجال ولله تعالى في إقامة الجهاد في سبيله رجال وللممانعة في غرض المدافعة ميدان رحب ومجال وروية وارتجال
إلى أن قال وتطاولت الأيام ما بين مهادنة ومقاطعة ومضاربة ومقارعة ومنازلة ومنازعة وموافقة وممانعة ومحاربة وموادعة ولا أمل للطاغية إلا في التمرس بالإسلام والمسلمين وإعمال الحيلة على المؤمنين وإضمار المكيدة للموحدين واستبطان الخديعة للمجاهدين وهو يظهر أنه ساع للوطن في العاقبة الحسنى وأنه منطو لأهله على المقصد الأسنى ومهتم بمراعاة امورهم وناظر بنظر المصلحة لخاصتهم وجمهورهم وهو يسر حسوا في ارتغائه ويعمل الحيلة في التماس هلك الوطن وابتغائه فتبا لعقول تقبل مثل هذا المحال وتصدق هذا الكذب بوجه أو بحال وليت المغرور الذي يقبل هذا لو فكر في نفسه وعرض هذا المسموع على مدركات حسه وراجع أوليات عقله وتجربيات حدسه وقاس عدوه الذي لا ترجى مودته على أبناء جنسه فأنا أناشده الله هل بات قط بمصالح النصارى وسلطانهم مهتما وأصبح من خطب طرقهم مغتما ونظر لهم نظر المفكر في العاقبة الحسنة أو قصد لهم قصد المدبر
____________________
(4/508)

في المعيشة المستحسنة او خطر على قلبه أن يحفظ في سبيل القربة أربابهم وصلبانهم أو عمر ضميره من تمكين عزهم بما ترضاه احبارهم ورهبانهم فإن لم يكن ممن يدين بدينهم الخبيث ولم يشرب قلبه حب التثليث ويكون صادق اللهجة منصفا عند قيام الحجة فسيعترف أن ذلك لم يخطر له قط على خاطر ولا مر له ببال وأن عكس ذلك هو الذي كان به ذا اغتباط وبفعله ذا اهتبال وإن نسب لذلك المعنى فهو عليه أثقل من الجبال وأشد على قلبه من وقع النبال هذا وعقده التوحيد وصلاته التحميد وملته الغراء وشريعته البيضاء ودينه الحنيف القويم ونبيه الرؤوف الرحيم وكتابه القرآن الحكيم ومطلوبه بالهداية الصراط المستقيم فكيف نعتقد هذه المريبة الكبرى والمنقبة الشهرى لمن عقده التثليث ودينه المليث ومعبوده الصليب وتسميته التصليب وملته المنسوخة وقضيته المفسوخة وختانه التغطيس وغافر ذنبه القسيس وربه عيسى المسيح ونظره ليس البين ولا الصحيح وان ذلك الرب قد ضرج بالدماء وسقي الخل عوض الماء وأن اليهود قتلته مصلوبا وأدركته مطلوبا وقهرته مغلوبا وأنه جزع من الموت وخاف إلى سوى ذلك مما يناسب هذه الأقاويل السخاف فكيف يرجى من هؤلاء الكفرة من الخير مقدار الذرة أو يطمع منهم في جلب المنفعة أو دفع المضرة اللهم احفظ علينا العقل والدين واسلك بنا سبيل المهتدين
ثم قال بعد كلام ما صورته كانت خزانة هذه الدار النصرية مشتملة على كل نفيسة من الياقوت ويتيمة من الجوهر وفريدة من الزمرد وثمينة من الفيروزج وعلى كل واق من الدروع وحام من العدة وماض من الأسلحة وفاخر من الآلة ونادر من الأمتعة فمن عقود فذة وسلوك جمة وأقراط تفضل على قرطي مارية نفاسة فائقة وحسنا رائقا ومن سيوف شواذ في الإبداع غرائب في الإعجاب منسوبات الصفائح في الطبع خالصات الحلى من التبر ومن دروع مقدرة السرد متلاحمة النسج واقية للناس في يوم
____________________
(4/509)

الحرب مشهورة النسبة إلى داود نبي الله ومن جواشن سابغة اللبسة ذهبية الحلية هندية الضرب ديباجية الثوب ومن بيضات عسجدية الطرق جوهرية التنضيد زبرجدية التقسيم ياقوتية المركز ومن مناطق لجينية الصوغ عريضة الشكل مزججة الصفح ومن درق لمطية مصمتة المسام لينة المجسة معروفة المنعة صافية الأديم ومن قسي ناصعة الصبغة هلالية الخلقة منعطفة الجوانب زارية بالحواجب إلى آلات فاخرة من أتوار نحاسية ومنابر بلورية وطيافير دمشقية وسبحات زجاجية وصحاف صينية واكواب عراقية وأقداح طباشيرية وسوى ذلك مما لا يحيط به الوصف ولا يستوفيه العد وكل ذلك التهبه شواظ الفتنة والتقمه تيار الخلاف والفرقة فرزئت الدار منه بما يتعذر إتيان الدهور بمثله وتقصر ديار الملوك المؤثلة النعمة عن بعضه فضلا عن كله انتهى كلامه رحمه الله تعالى
رجع - ولما أخذت قواعد الأندلس مثل قرطبة وإشبيلية وطليطلة ومرسية وغيرها انحاز أهل الإسلام إلى غرناطة والمرية ومالقة ونحوها وضاق الملوك بعد اتساعه وصار تنين العدو يلتقم كل وقت بلدا او حصنا ويهصر من دوح تلك البلاد غصنا وملك هذا النزر اليسير الباقي من الجزيرة ملوك بني الأحمر فلم يزالوا مع العدو في تعب وممارسة كما ذكره ابن عاصم قريبا وربما أثخنوا في الكفار كما علم في أخبارهم وانتصروا بملوك فاس بني مرين في بعض الأحايين
ولما قصد ملوك الإفرنج السبعة في المائة الثامنة غرناطة ليأخذوها اتفق أهلها على أن يبعثوا لصاحب المغرب من بني مرين يستنجدونه وعينوا للرسالة الشيخ
____________________
(4/510)

أبا اسحاق ابن أبي العاصي والشيخ أبا عبدالله الطنجالي والشيخ ابن الزيات البلشي نفع الله تعالى بهم ثم بعد سفرهم نازل الإفرنج غرناطة بخمسة وثلاثين ألف فارس ونحو مائة الف راجل مقاتل ولم يوافقهم سلطان المغرب فقضى الله تعالى ببركة المشايخ الثلاثة أن كسر النصارى في الساعة التى كسر خواطرهم فيها صاحب المغرب وظهرت في ذلك كرامة لسيدي أبي عبدالله الطنجالي رحمه الله تعالى
ثم إن بني الأحمر ملوك الأندلس الباقية بعد استيلاء الكفار على الجل كانوا في جهاد وجلاد في غالب أوقاتهم ولم يزل ذلك شأنهم حتى أدرك دولتهم الهرم الذي يلحق الدول فلما كان زمان السلطان أبي الحسن على بن سعد النصري الغالبي الأحمري واجتمعت الكلمة عليه بعد أن كان أخوه أبو عبدالله محمد ابن سعد المدعو بالزغل قد بويع بمالقة بعد ان جاء به القواد من عند النصارى وبقي بمالقة برهة من الزمان ثم ذهب إلى أخيه وبقي من بمالقة من القواد والرؤساء فوضى وآل الحال إلى أن قامت مالقة بدعوة السلطان أبي الحسن وانقضت الفتنة واستقل السلطان أبو الحسن بملك ما بقي بيد المسلمين من بلاد الأندلس وجاهد المشركين وافتتح عدة اماكن ولاحت له بارقة الكرة على العدو الكافر وخافوه وطلبوا هدنته وكثرت جيوشه فأجمع على عرضها كلها بين يديه وأعد لذلك مجلسا أقيم له بناؤه خارج الحمراء قلعة غرناطة وكان ابتداء هذا العرض يوم الثلاثاء تاسع عشر ذي الحجة عام اثنين وثمانين وثمانمائة ولم تزل الجنود تعرض عليه كل يوم إلى الثاني والعشرين من محرم السنة التى تليها وهو يوم ختام العرض وكان معظم المتنزهين والمتفرجين بالسبيكة وماقارب ذلك فبعث الله تعالى سيلا عرما على وادي حدره بحجارة وماء غزير كأفواه القرب عقابا من الله سبحانه وتأديبا لهم لمجاهرتهم بالفسق والمنكر واحتمل الوادي ماعلى حافتيه من المدينة من حوانيت ودور ومعاصر وفنادق وأسواق وقناطر وحدائق وبلغ تيار السيل إلى رحبة الجامع الأعظم
____________________
(4/511)

ولم يسمع بمثل هذا السيل في تلك البلاد وكان بين رؤساء الإفرنج في ذلك الوقت اختلاف فبعضهم استقل بملك قرطبة وبعض بإشبيلية وبعض بشريش وعلى ذلك كان صاحب غرناطة السلطان أبو الحسن قد استرسل في اللذات وركن الى الراحات وأضاع الأجناد وأسند الأمر إلى بعض وزرائه واحتجب عن الناس ورفض الجهاد والنظر في الملك ليقضي الله تعالى ما شاء وكثرت المغارم والمظالم فأنكر الخاصة والعامة ذلك منه وكان أيضا قد قتل كبار القواد وهو يظن ان النصارى لا يغزون بعد البلاد ولا تنقضي بينهم الفتنة ولا ينقطع الفساد واتفق ان صاحب قشتالة تغلب على بلادها بعد حروب وانقاد له رؤساء الشرك المخالفون ووجدت النصارى السبيل إلى الإفساد والطريق إلى الإستيلاء على البلاد وذلك أنه كان للسلطان أبي الحسن ولدان محمد ويوسف وهما من بنت عمه السلطان أبي عبدالله الأيسر وكان قد اصطفى على أمهما رومية كان لها منه بعض ذرية وكانت حظية عنده مقدمة في كل قضية فخيق ان يقدم أولاد الرومية على أولاد بنت عمه السنية وحدث بين خدام الدولة التنافر والتعصب لميل بعضهم إلى أولاد الحرة وبعض إلى أولاد الرومية وكان النصارى أيام الفتنة بينهم هادنوا السلطان لأمد حددوه وضربوه ولما تم امد الصلح وافق وقته هذا الشان بين أولياء الدولة بسبب الأولاد وتشكى الناس مع ذلك بالوزير والعمال لسوء ما عاملوا به الناس من الحيف والجور فلم يصغ إليهم وكثر الخلاف واشتد الخطب وطلب الناس تأخير الوزير وتفاقم الأمر وصح عند النصارى لعنهم الله تعالى ضعف الدولة واختلاف القلوب فبادروا إلى الحامة فأخذوها غدرا آخر أيام الصلح على يد صاحب قادس سنة سبع وثمانين وثمانمائة وغدوا للقلعة وتحصنوا بها ثم شرعوا في أخذ البلد فملأوا الطرق خيلا ورجالا وبذلوا السيف فيمن ظهر من المسلمين ونهبوا
____________________
(4/512)

الحريم والناس في غفلة نيام من غير استعداد كالسكارى فقتل من قضي الله تعالى بتمام أجله وهرب البعض وترك اولاده وحريمه واحتوى العدو على البلد بما فيه وخرج العامة والخاصة من أهل غرناطة عندما بلغهم العلم وكان النصارى عشرة آلاف بين ماش وفارس وكانوا عازمين على الخروج بما غنموه وإذا بالسرعان من أهل غرناطة وصلوا فرجع العدو الى البلد فحاصرهم المسلمون وشددوا في ذلك ثم تكاثر المسلمون خيلا ورجالا من جميع بلاد الأندلس ونازلوا الحامة وطمعوا في منع الماء عن العدو وتبين للعامة ان الجند لم ينصحوا فأطلقوا ألسنتهم بأقبح الكلام فيهم وفي الوزير وبينما هم كذلك إذا بالنذير جاء ان النصارى أقبلوا في جمع عظيم لإغاثة من بالحامة من النصارى فأقلع جند المسلمين من الحامة وقصدوا ملاقاة الواردين من بلاد العدو ولما علم بهم العدو ولوا الأدبار من غير ملاقاة محتجين بقلتهم وكان رئيسهم صاحب قرطبة
ثم إن صاحب إشبيلية جمع جندا عظيما من جيش النصارى الفرسان والرجالة واتى لنصرة من في الحامة من النصارى وعندما صح هذا عند العسكر اجتمعوا وأشاعوا عند الناس انهم خرجوا بغير زاد ولا استعداد والصلاح الرجوع إلى غرناطة ليستعد الناس ويأخذوا ما يحتاج إليه الحصار من العدة والعدد فعندما أقلع المسلمون عنها دخلتها النصارى والواردون وتشاوروا في اخلائها أو سكناها واتفقوا على الاقامة بها وحصنوها وجعلوا فيها جميع ما يحتاج إليه وانصرف صاحب إشبيلية وترك أجناده وفرق فيهم الأموال ثم عاد المسلمون لحصارها وضيقوا عليها وطمعوا فيها من جهة موضع كان النصارى في غفلة عنه ودخل على النصارى جملة وافرة من المسلمين وخاب السعد بذلك بأن شعر بهم النصارى فعادوا عليهم وتردى بعضهم من أعلى الجبل وقتل أكثرهم وكانوا من أهل بسطة ووادي آش فانقطع أمل الناس من الحامة ووقع الإياس من ردها
____________________
(4/513)


وفي جمادى الأولى من السنة تواترت الأخبار أن صاحب قشتالة أتى في جنود لا تحصى ولا تحصر فاجتمع الناس بغرناطة وتكلموا في ذلك وإذا به قد قصد لوشة ونازلها قصدا ان يضيفها إلى الحامة وجاء بالعدة والعدد واغارت على النصارى جملة من المسلمين فقتلوا من لحقوه وأخذوا جملة من المدافع الكبار ثم جاءت جماعة أخرى من أهل غرناطة وناوشوا النصارى فألجؤوهم إلى الخروج عن الخيام وأخذوها وغيرها فهرب النصارى وتركوا طعاما كثيرا وآلة ثقيلة وذلك في السابع والعشرين من جمادى الأولى من السنة المذكورة
وفي هذا اليوم بعينه هرب الأميران أبو عبدالله محمد وأبو الحجاج يوسف خوفا من أبيهما أن يفتك بهما بإشاره حظيته الرومية ثريا واستقرا بوادي آش وقامت بدعوتهما ثم بايعتهما تلك البلاد المرية وبسطة وغرناطة وهرب أبوهما السلطان أبو الحسن إلى مالقة
وفي صفر سنة ثمان وثمانين وثمانمائة اجتمع جميع رؤساء النصارى وقصدوا قرى مالقة وبلش في نحو الثمانية آلاف وفيهم صاحب إشبيلية وصاحب شريش وصاحب إستجة وصاحب أنتقيرة وغيرهم فلم يتمكنوا من اخذ حصن ونشبوا في اوعار ومضايق وخنادق وجبال واجتمع عليهم أهل بلش ومالقة وصار المسلمون ينالون منهم في كل محل حتى بلغوا مالقة ففر كبيرهم ومن بقي أسر أو قتل وكان السلطان ابو الحسن في ذلك الوقت قد تحرك لنواحي المنكب وبقي أخوه أبو عبدالله بمالقة ومعه بعض الجند وقتل من النصارى في هذه الوقعة نحو ثلاثة آلاف وأسر نحو ألفين من جملتها خال السلطان وصاحب إشبيلية وصاحب شريش وصاحب انتقيرة وغيرهم وهم نحو الثلاثين من الأكابر وغنم المسلمون غنيمة وافرة من الأنفس والأموال والعدة والذهب والفضة وبعقب ذلك سافر أهل مالقة لبلاد النصارى فكسروا هنالك كسرة شنيعة قتل فيها أكثر قواد غرب الأندلس
____________________
(4/514)


ولما استقر السلطان ابو عبدالله ابن السلطان أبي الحسن بغرناطة وطاعت له البلاد غير مالقة والغربية تحرك السلطان أبو الحسن على المنكب ونواحيها وأتى ابنه السلطان أبو عبدالله في جند غرناطة والجهة الشرقية والتقوا في موضع يعرف بالدب فكسر السلطان أبو عبدالله
ولما سمع السلطان أبو عبدالله صاحب غرناطة بان عمه بمالقة غنم من النصارى أعمل السفر للغزو بأهل بلاده من غرناطة والشرقية وذلك في ربيع الأول من السنة إلى ان بلغ نواحي لشانة وقتل وأسر وغنم فتجمعت عليه النصارى من جميع تلك النواحي ومعه كبير قبرة وحالوا بين المسلمين وبلادهم في جبال وأوعار فانكسر الجند وأسر من الناس كثير وقتل آخرون وكان في جملة من أسر السلطان ابو عبدالله ولم يعرف ثم علم به صاحب لشانة وأراد صاحب قبرة أن يأخذه منه فهرب به ليلا وبلغه الى صاحب قشتالة ونال بذلك عنده رفعة على جميع القواد وتفاءل به فقلما توجه لجهة او بعث سرية إلا وبعثه فيها
ولما أسر السلطان أبو عبدالله اجتمع كبراء غرناطة وأعيان الأندلس وذهبوا لمالقة للسلطان أبي الحسن وذهبوا به لغرناطة وبايعوه مع انه كان أصابه مثل الصرع إلى أن ذهب بصره وأصابه ضرر ولما تعذر أمره قدم أخاه أبا عبدالله وخلع له نفسه ونزل بالمنكب فأقام بها إلى أن مات واستقل اخوه أبو عبدالله المعروف بالزغل بالملك بعده
واما أبو عبدالله ابن السلطان أبي الحسن فهو في أسر العدو
وفي شهر ربيع الآخر من سنة تسعين وثمانمائة خرج العدو في قوة إلى نواحي مالقة بعد ان كان في السنة قبلها استولى على حصون فاستولى هذه السنة على بعض الحصون وقصد ذكوان فهد أسوارها وكان بها جملة من اهل الغربية ورندة ودخل ألف مدرع ذكوان عنوة فأظفر الله تعالى بهم أهل ذكوان فقتلوهم جميعا ثم طلبوا الأمان وخرجوا
____________________
(4/515)


ثم انتقل في جمادى الأولى إلى رندة وحاصرها وكان اهلها خرجوا إلى نصرة ذكوان وسواها فحاصر رندة وهد أسوارها وخرج اهلها على الأمان وطاعت له جميع تلك البلاد ولم يبق بغربي مالقة إلا من دخل في طاعة الكافر وتحت ذمته وضيق بمالقة وفرق حصصه على بعض الحصون ليحاصروا مالقة وعاد إلى بلاده
وفي تاسع عشر شعبان من العام سافر صاحب غرناطة لتحصين بعض البلاد وبينما هو كذلك إذا بالخبر جاءه ان محلة العدو خارجة لذلك الحصن
وفي صبيحة الثاني والعشرين من شعبان أصبحت جنودالنصارى على الحصن كانوا قد سروا إليه ليلا وأصبحوا عند الفجر مع جند المسلمين فقاتلهم المسلمون من غير تعبية فاختل نظام المسلمين ووصل النصارى إلى خباء السلطان ثم التحم القتال واشتد وقوى الله تعالى المسلمين فهزموا النصارى شر هزيمة وقتل منهم خلائق وقصر المسلمون خوفا من محلة سلطان النصارى إذ كانت قادمة في أثر هذه ولما رجعت إليهم الفلول رجعوا القهقرى واستولى المسلمون على غنائم كثيرة وآلات وجعلوا ذلك كله بالحصن ولم يحدث شيء بعد إلى رمضان فتوجه الكافر لحصن قنبيل ونازله وهد أسواره ولما رأى المسلمون ان الحصن قد دخل طلبوا الأمان وخرجوا بأموالهم واولادهم مؤمنين وفر الناس من تلك المواضع من البراجلة هاربين واستولى العدو على عدة حصون مثل مشاقر وحصن اللوز وضيق العدو بجميع بلاد المسلمين ولم يتوجه لناحية إلا استأصلها ولا قصد جهة إلا اطاعته وحصلها ثم إن العدو دبر الحيلة مع ما هو عليه من القوة فبعث إلى السلطان أبي عبدالله الذي تحت أسره وكساه ووعده بكل ما يتمناه وصرفه لشرقي بسطة واعطاه امال والرجال ووعده ان من دخل تحت حكمه من المسلمين وبايعه من أهل البلاد فإنه في الهدنة والصلح والعهد والميثاق الواقع بين السلطانين وخرج لبلش فأطاعه اهلها ودخلت بلش في طاعته ونودي بالصلح في الأسواق وصرخت
____________________
(4/516)

به في تلك البلاد الشياطين وسرى هذا الأمر حتى بلغ أرض البيازين من غرناطة وكانوا من التعصب وحمية الجاهلية والجهل بالمقام الذي لا يخفى وتبعهم بعض المفسدين المحبين في تفريق كلمة المسلمين وممن مال الى الصلح عامة غرناطة لضعف الدولة ووسوس للناس شياطين الفتنة وسماسرتها بتقبيح وتحسين إلى أن قام ربض البيازين بدعوة السلطان الذي كان مأسورا عند المشركين ووقعت فتنة عظيمة في غرناطة نفسها بين المسلمين لما أراده الله تعالى من استيلاء العدو على تلك الأقطار ورجموا البيازين بالحجارة من القلعة وعظم الخطب وكانت الثورة ثالث شهر ربيع لأول عام احد وتسعين وثمانمائة ودامت الفتنة إلى منتصف جمادى الأولى من العام وبلغ الخبر ان السلطان الذي قاموا بدعوته قدم على لوشة ودخلها على وجه رجاء الصلح بينه وبين عمه الزغل صاحب قلعة غرناطة بان العم يكون له الملك وابن أخيه تحت إيالته بلوشة او بأي المواضع أحب ويكونون يدا واحدة على عدو الدين وبينما هم في هذا إذا بصاحب قشتالة قد خرج بجند عظيم ومحلة قوية وعدد وعدد ونازل لوشة حيث السلطان أبو عبدالله الذي كان أسيرا وضيق بها الحصار وقد كان دخلها جماعة من اهل البيازين بنية الجهاد والمعاضدة وليهم وخاف اهل غرناطة وسواها من أن يكون ذلك حيلة فلم يأت لنصرتهم غير البيازين واشتد عليهم الحصار وكثرت الأقاويل وصرحت الألسن بان ذلك باتفاق بين السلطان المأسور وصاحب قشتالة ودخل على أهل لوشة في ربضهم وخافوا من الاستئصال فطلبوا الأمان في اموالهم وأنفسهم وأهليهم فوفى لهم صاحب قشتالة بذلك واخذ البلد في السادس والعشرين لجمادى الأولى سنة احدى وتسعين وثمانمائة وهي أعني لوشة كانت بلد سلف الوزير لسان الدين ابن الخطيب كما ذكرناه مستوفى في غير هذا الموضع وهاجر أهل لوشة الى غرناطة وبقي السلطان أبو عبدالله الذي كان مأسورا مع النصراني بلوشة فصرح عند ذلك أهل غرناطة بانه ماجاء للوشة إلا ليدخل إليها العدو الكافر
____________________
(4/517)

ويجعلها فداء له وقيل إنه سرح له حينئذ ابنه إذ كان مرهونا في الفداء وكثر القيل والقال بينهم وبين اهل البيازين في ذلك وظهر بذلك ما كان كامنا في القلوب ثم رجع صاحب قشتالة إلى بلاده ومعه السلطان المذكور
وفي نصف جمادى الثانية خرج إلى إلبيرة فهد بعض الأسوار وتوعد الناس فأعطاه اهله الحصن على الأمان فخرجوا وقدموا على غرناطة ثم فعل بحص المتلين مثل ذلك وقاتلوا قتالا شديدا ولما ضاقوا ذرعا اعطوه بالمقادة على الأمان فخرجوا الى غرناطة وأطاع أهل قلنبيرة من غير قتال فخرجوا إلى غرناطة ثم وصل العدو إلى منت فريد فرمى عليهم بالمحرقات وغيرها وأحرق دار العدة فطلبوا الأمان وخرجوا إلى غرناطة وانتقل للصخرة فاخذها وحصن هذه الحصون كلها وشحنها بالرجال والعدة ورتب فيها الخيل لمحاصرة غرناطة ثم عاد الكافر لبلاده وتعاهد مع السلطان الذي في أسره بأن من دخل في حكمه وتحت امره فهو في الأمان التام وأشعاعوا ان ذلك بسبب فتنة وقعت بينه وبين صاحب إفرنسية فخرج لبلش واطاعته ثم بعث لمن والاه من البلاد انه اتى بصلح صحيح وعقد وثيق وان من دخل تحت أمره أمن من حركة النصارى عليه وأن معه وثائق بخطوط السلاطين فلم يقبل الناس ذلك إلا القليل منهم مثل اهل البيازين فلهجوا بهذا الصلح وأقاموا على صحته الدلائل وتكلموا في اهل غرناطة بالكلام القبيح مع تمكن الفتنة والعداوة في القلوب فبعث له اهل البيازين انه إذا قدم بهذه الحجج لتلك الجهات اتبعه الناس وقاموا بدعوته من غير التباس فأتى على حين غفلة ولم يكن يظن إتيانه بنفسه فاتى البيازين ودخلها ونادى في أسواقها بالصلح التام الصحيح فلم يقبل ذلك منه أهل غرناطة وقالو ما بعهد لوشة من قدم ودخل ربض البيازين سادس شوال سنة احدى وتسعين وثمانمائة وعمه بالحمراء
____________________
(4/518)

انتقل للقلعة واشتد امر الفتنة ثم إن صاحب قشتالة أمد صاحب البيازين بالرجال والعدة والمال والقمح والبارود وغيرها واشتد أمره بذلك وعظمت أسباب الفتنة وفشا في الناس القتل والنهب ولم يزل الامر كذلك إلى السابع والعشرين من محرم سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة فعزم اهل غرناطة مع سلطانهم على الدخول على البيازين عنوة وتكلم أهل العلم فيمن انتصر بالنصارى ووجوب مدافعته ومن أطاعه عصى الله ورسوله ودخلوا على اهل البيازين دخول فشل ثم إن صاحب غرناطة بعث إلى الأجناد والقواد من أهل بسطة ووادي آش والمرية والمنكب وبلش ومالقة وجميع الاقطار وتجمعوا بغرناطة وتعاهدوا وتحالفوا على أن يدهم واحدة على اعداء الدين ونصرة من قصده العدو من المسلمين وخاف صاحب البيازين فبعث لصاحب قشتالة في ذلك فخرج بمحلته قاصدا نواحي بلش وكان صاحب البيازين بعث وزيره إلى ناحية مالقة وإلى حصن المنشأة يذكر ويخوف ومعه النسخة من عقود الصلح فقامت مالقة وحصن المنشأة بدعوته ودخلوا في إيالته خوفا من صاحب قشتالة وصولته وطمعا في الصلح وصحته ثم اجتمع كبار مالقة مع أهل بلش وذكروا لهم سبب دخولهم في هذه الدعوة والسبب الحامل لهم على ذلك فلم يرجع اهل بلش عما عاهدوا عليه اهل غرناطة وسائر الأندلس من العهود والمواثيق
وخرج صاحب قشتالة قاصدا بلش مالقة ونزل عليها في ربيع الثاني سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة وحاصرها ولما صح عند صاحب غرناطة ذلك اجتمع بالناس فأشاروا بالمسير لإغاثة بلش للعهد الذي عقدوه واتى اهل وادي آش وغيرها وحشود البشرات وخرج صاحب غرناطة منها في الرابع والعشرين لربيع الثاني من السنة ووصل بلش فوجد العدو نازلا عليها برا وبحرا فنزل بجبل هنالك وكثر لغط الناس وحملوا على النصارى من غير تعبية وحين حركتهم للحملة بلغ السلطان الزغل ان غرناطة بايعت صاحب البيازين فالتقوا مع النصارى فشلين وقبل الالتحام انهزموا وتبددت جموعهم مع كون
____________________
(4/519)

النصارى خائفين وجلين منهم ولا حول ولا قوة إلا بالله فرجعوا منهزمين وقد شاع عند الخواص ثورة غرناطة على السلطان فقصدوا وادى آش وعاد النصارى الى بلش بعد ان كانوا رتبوا جيوشهم للقاء السلطان واهل غرناطة فلما عادوا إلى بلش دخلوا عنوة ربضها وضيقوا بها وكانت ثورة غرناطة خامس جمادى الأولى
ولما رأى اهل بلش تكالب العدو عليهم وادبار جيوش المسلمين عنهم طلبوا الأمان فخرجوا يوم الجمعة عاشر جمادى الأولى من السنة واطاعت النصارى جميع البلاد التى بشرقي مالقة وحصن قمارش
ثم انتقل العدو الى حصار مالقة وكان أهل مالقة قد دخلوا في الصلح وأطاعوا صاحب البيازين وأتى إليها النصارى بالميرة ولما نزل بلش بعثوا هدية لصاحب قشتالة مع قائدهم وزير صاحب البيازين وقائد شريش الذي كان مأسورا عندهم فلم يلتفت إليهم صاحب قشتاله لقيام جبل فاره وهو حصن مالقة بدعوة صاحب وادي آش وارتحل صاحب قشتالة إلى مالقة ونازلها برا وبحرا وقاتله أهلها قتالا عظيما بمدافعهم وعدتهم وخيلهم ورجلهم وطال الحصار حتى اداروا على مالقة من البر الخنادق والسور والأجفان من البحر ومنع الداخل إليها ولم يدخلها غير جماعة من المرابطين حال الحصار وحاربوا حربا شديدا وقربوا المدافع ودخلوا الأرباض وضيقوا عليهم بالحصار إلى أن فني ما عندهم من الطعام فأكلوا المواشي والخيل والحمير وبعثوا الكتب للعدوتين وهم طامعون في الإغاثة فلم يأت إليهم احد وأثر فيهم الجوع وفشا في أهل نجدتهم القتل ولم يظهروا مع ذلك هلعا ولا ضعفا إلى أن ضعف حالهم ويئسوا من ناصر او مغيث من البر والبحر فتكلموا مع النصارى في الأمان كما وقع ممن سواهم فعوتبوا على ماصدر منهم وما وقع من الجفاء وقيل لهم
____________________
(4/520)

لما تحقق العدو التجاءهم تؤمنون من الموت وتعطون مفتاح القلعة والحصن والسلطان ما يعاملكم إلا بالخير اذا فعلتم وهذا خداع من الكفار فلما تمكن العدو منهم أخذهم أسرى وذلك اواخر شعبان سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة ولم يبق في تلك النواحي موضع إلا وملكه النصارى
وفي عام ثلاثة وتسعين وثمانمائة خرج العدو الكافر إلى الشرقية وبلش التى كانت في الصلح فاستولى عليها واحتجوا بالصلح فلم يلتفت إليهم وأخذ تلك البلاد كلها صلحا ثم رجع لبلاده
وفي عام أربعة وتسعين وثمانمائة خرج لبعض حصون بسطة فأخذها بعد حرب واستولى على ما هنالك من الحصون ثم نازل بسطة وكان صاحب وادي آش لما تعين العدو بمحلته بعث جميع جنده وقواده وحشد اهل نجدة تلك البلاد من وادي آش والمرية والمنكب والبشرات فلما نزل العدو بسطة اتت الحشود المذكورة ودخلوها ووقعت بين المسلمين والنصارى حروب عظيمة حتى تقهقر العدو عن قرب بسطة ولم يقدر على منع الداخل والخارج وبقي الأمر كذلك رجبا وشعبان ورمضان ومحلات المسلمين نازلة خارج البلد ثم ان العدو شد الحصار وجد في القتال وقرب المدافع والآلات من الأسوار حتى منع الداخل والخارج بعض منع واشتد الحال في ذي القعدة وذي الحجة وقل الطعام وفي آخر ذي الحجة اختبروا الطعام في خفية فلم يجدوا الا القليل وكانوا طامعين في اقلاع العدو عند دخول فصل الشتاء وإذا بالعدو بنى وعزم على الإقامة وقوي اليأس على المسلمين فتكلموا في الصلح على ما فعل غيرهم من الأماكن وظن العدو أن الطعام لم يبق منه شيء وان ذلك هو الملجىء لهم للكلام وفهموا عنه ذلك فاحتالوا في إظهار جميع انواع الطعام بالأسواق وأبدوا للعدو القوة مع كونهم في غاية الضعف والحرب خدعة فدخل بعض كبار النصارى للتكلم معهم وهو عين ليرى ما عليه البلد وما صفة الناس وعند تحققهم بقاء الطعام والقوة أعطوهم الأمان على أنفسهم دون من اعانهم من أهل
____________________
(4/521)

وادي آش والمنكب والمرية والبشرات فإن دفعوا هؤلاء عنهم صح لهم الأمان وإلا فلا فلم يوافق أهل البلد على هذا وطال الكلام وخاف أهل البلد من كشف الستر فاتفقوا على ان تكون العقدة على بسطة ووادي آش والمرية والمنكب والبشرات ففعلوا ذلك ودخل جميع هؤلاء فى طاعة العدو على شروط شرطوها وأمور أظهروا بعضها للناس وبعضها مكتوم وقبض الخواص مالا وحصلت لهم فوائد
وفي يوم الجمعة عاشر محرم سنة خمس وتسعين وثمانمائة دخل النصارى قلعة بسطة وملكوها ولم يعلم القوام كيفية ما وقع عليه الشرط والالتزام وقالوا لهم من بقي بموضعه فهو آمن ومن انصرف خرج بماله وسلاحه سالما ثم أخرج العدو المسلمين من البلد وأسكنهم بالربض خوف الثورة ثم ارتحل العدو للمرية وأطاعته جميع تلك البلاد ونزل صاحب وادي آش للمرية ليلقاه بها فلقيه وأخذ الحصون والقلاع والبروج وبايع له السلطان أبو عبدالله على أن يبقى تحت طاعته في البلاد التى تحت حكمه كما أحب فوعده بذلك وانصرف معه إلى وادي آش ومكنه من قلعتها أوائل صفر من العام المذكور وأطاعته جميع البلاد ولم يبق غير غرناطة وقراها وجميع ماكان في حكم صاحب وادي آش صار للنصارى في طرفة عين وجعل في كل قلعة قائدا نصرانيا وكان قائد من المسلمين أصحاب هذه البلاد دفع لهم الكفار مالا من عند صاحب قشتالة إكراما منه لهم بزعمهم فتبا لعقولهم وما ذلك منه إلا توفير لرجاله وعدته ودفع بالتى هي أحسن ثم أخذ برج الملاحة وغيره وبناه وحصنه وشحن الجميع بالرجال والذخيرة وأظهر الصحبة والصلح مع صاحب وادي آش وأباح الكلام بالسوء في حق صاحب غرناطة مكرا منه وخداعا ودهاء ثم بعث في السنة نفسها رسلا لصاحب غرناطة أن يمكنه من الحمراء كما مكنه عمه من القلاع والحصون ويكون تحت إيالته ويعطيه مالا جزيلا على ذلك وأي بلاد شاء من الأندلس يكون فيها تحت حكمه قالوا
____________________
(4/522)

وأطمعه صاحب غرناطة في ذلك فخرج العدو في محلاته لقبض الحمراء والاستيلاء على غرناطة وهذا في سر بين السلطانين فجمع صاحب غرناطة الأعيان والكبراء والأجناد والفقهاء والخاصة والعامة وأخبرهم بما طلب منه العدو وأن عمه أفسد عليه الصلح الذي كان بينه وبين صاحب قشتالة بدخوله تحت حكمه وليس لنا إلا احدى خصلتين الدخول تحته أو القتال فاتفق الرأي على الجهاد والوفاء بما عقده من صلح وخرج بمحلته ثم إن صاحب قشتالة نزل على مرج غرناطة وطلب من أهل غرناطة الدخول في طاعته وإلا أفسد عليهم زروعهم فأعلنوا بالمخالفة فأفسد الزرع وذلك في رجب سنة خمس وتسعين وثمانمائة ووقعت بين المسلمين والعدو حروب كثيرة ثم ارتحل العدو عند الإياس منهم ذلك الوقت وهدم بعض الحصون وأصلح برج همدان والملاحة وشحنهما بما ينبغي ثم رجع إلى بلاده وعند انصرافه نزل صاحب غرناطة بمن معه إلى بعض الحصون التى في يد النصارى ففتحها عنوة وقتل من فيها من النصارى وأسكنها المسلمين ورجع لغرناطة ثم أعمل الرحلة الى البشرات في رجب المذكور فأخذ بعض القرى وهرب من بها من النصارى والمرتدين أصحابهم ثم أتى حصن أندرش فتمكن منه وأطاعته البشرات وقامت دعوة الإسلام بها وخرجوا عن ذمة النصارى وهنالك عمه أبو عبدالله محمد بن سعد بجملة وافرة فقصدهم في شعبان من غرناطة واستقر عمه بالمرية واطاعت صاحب غرناطة جميع البشرات إلى برجة ثم تحرك عمه مع النصارى إلى أندرش فأخذها لرمضان وخرج صاحب غرناطة لقرية همدان وكان برجها العظيم مشحونا بالرجال والعدة والطعام فحاصره أهل غرناطة ونصبوا عليه انواعا من الحرب ومات فيه خلق كثير منهم ونقبوا البرج الأول والثاني والثالث وألجؤوهم للبرج الكبير وهو القلعة فنقبوها ثم أسروا من كان بها وهم ثمانون ومائة واحتووا على ما هنالك من عدة وآلات حرب
____________________
(4/523)


وفي آخر رمضان خرج صاحب غرناطة بقصد المنكب فلما وصل حصن شلوبانية نزله وأخذه عنوة بعد حصاره وامتنعت القلعة وجاءتهم الأمداد من مالقة بحرا فلم تقدر على شيء وضيقوا بالقلعة فوصلهم الخبر أن صاحب قشتالة خرج بمحلته لمرج غرناطة فارتحل صاحب غرناطة عن قلعة شلوبانية وجاء غرناطة ثالث شوال وبعد وصولهم غرناطة وصل العدو إلى المرج ومعه المرتدون والمدجنون وبعد ثمانية أيام ارتحل العدو لبلاده بعد هدم برج الملاحة وإخلائه وبرج آخر وتوجه إلى وادي آش فأخرج المسلمين منها ولم يبق بها مسلم في المدينة ولا الربض وهدم قلعة أندرش وحاف على البلاد ولما رأى ذلك السلطان الزغل وهو أبو عبداله محمد بن سعد عم سلطان غرناطة بادر بالجواز لبر العدوة فجاز لوهران ثم لتلمسان واستقر بها وبها نسله إلى الآن يعرفون ببني سلطان الأندلس ودخل صاحب قشتالة لأقاصي مملكته بسبب فتنة بينه وبين الإفرنج ثم تحرك صاحب غرناطة على برشانة وحاصرها وأخذها وأسر من كان بها من النصارى وأرادت فتيانه القيام على النصارى فجاء صاحب وادي آش ففتك فيهم
وفي ذي القعدة من السنة رفع صاحب غرناطة من السند وخلت تلك الأوطان من الانس
وفي ثاني عشري جمادى الآخرة سنة ست وتسعين وثمانمائة خرج العدو بمحلاته إلى مرج غرناطة وأفسد الزرع ودوخ الأرض وهدم القرى وأمر ببناء موضع بالسور والحفير وأحكم بناءه وكانوا يذكرون أنه عزم على الانصراف فإذا به صرف الهمة إلى الحصار والإقامة وصار يضيق على غرناطة كل يوم ودام القتال سبعة أشهر واشتد الحصار بالمسلمين غير ان النصارى على بعد والطريق بين غرناطة والبشرات متصلة بالمرافق والطعام من ناحية
____________________
(4/524)

جبل شلير إلى أن تمكن فصل الشتاء وكلب البرد ونزل الثلج فانسد باب المرافق وقطع الجالب وقل الطعام واشتد الغلاء وعظم البلاء واستولى العدو على أكثر الأماكن خارج البلد ومنع المسلمين من الحرث والسبب وضاق الحال وبان الاختلال وعظم الخطب وذلك اول عام سبعة وتسعين وثمانمائة وطمع العدو في الاستيلاء على غرناطة بسبب الجوع والغلاء دون الحرب ففر ناس كثيرون من الجوع الى البشرات ثم اشتد الأمر في شهر صفر من السنة وقل الطعام ثم تفاقم الخطب فاجتمع ناس مع من يشار اليه من أهل العلم وقالوا انظروا في أنفسكم وتكلموا مع سلطانكم فأحضر السلطان أهل الدولة وأرباب المشورة وتكلموا في هذا المعنى وأن العدو يزداد مدده كل يوم ونحن لا مدد لنا وكان ظننا انه يقلع عنا في فصل الشتاء فخاب الظن وبنى وأسس وأقام وقرب منا فانظروا لأنفسكم وأولادكم فاتفق الرأي على ارتكاب أخف الضررين وشاع أن الكلام وقع بين النصارى ورؤساء الأجناد قبل ذلك في اسلام البلد خوفا على نفوسهم وعلى الناس ثم عددوا مطالب وشروطا أرادوها وزادوا أشياء على ما كان في صلح وادي آش منها أن صاحب رومة يوافق على الالتزام والوفاء بالشرط إذا امكنوه من حمراء غرناطة والمعاقل والحصون ويحلف على عادة النصارى في العهود وتكلم الناس في ذلك وذكروا أن رؤساء أجناد المسلمين لما خرجوا للكلام في ذلك امتن عليهم النصارى بمال جزيل وذخائر ثم عقدت بينهم الوثائق على شروط قرئت على أهل غرناطة فانقادوا إليها ووافقوا عليها وكتبوا البيعة لصاحب قشتالة فقبلها منهم ونزل سلطان غرناطة من الحمراء
وفي ثاني ربيع الأول من السنة أعني سنة سبع وتسعين وثمانمائة استولى النصارى على الحمراء ودخلوها بعد أن استوثقوا من أهل غرناطة بنحو خمسمائة من الأعيان رهنا خوف الغدر وكانت الشروط سبعة وستين منها تأمين الصغير والكبير في النفس والأهل والمال وإبقاء الناس في أماكنهم ودورهم ورباعهم
____________________
(4/525)

وعقارهم ومنها إقامة شريعتهم على ماكانت ولا يحكم احد عليهم إلا بشريعتهم وأن تبقى المساجد كما كانت والأوقاف كذلك وأن لا يدخل النصارى دار مسلم ولا يغصبوا أحدا وأن لا يولى على المسلمين إلا مسلم أو يهودي ممن يتولى عليهم من قبل سلطانهم قبل وأن يفتك جميع من أسر في غرناطة من حيث كانوا وخصوصا أعيانا نص عليهم ومن هرب من أسارى المسلمين ودخل غرناطة لا سبيل عليه لمالكه ولا سواه والسلطان يدفع ثمنه لمالكه ومن أراد الجواز للعدوة لا يمنع ويجوزون في مدة عينت في مراكب السلطان لا يلزمهم الا الكراء ثم بعد تلك المدة يعطون عشر مالهم والكراء وان لا يؤخذ أحد بذنب غيره وأن لا يقهر من أسلم على الرجوع للنصارى ودينهم وأن من تنصر من المسلمين يوقف أياما حتى يظهر حاله ويحضر له حاكم من المسلمين وآخر من النصارى فإن أبى الرجوع إلى الإسلام تمادى على ما أراد ولا يعاتب على من قتل نصرانيا أيام الحرب ولا يؤخذ منه ما سلب من النصارى أيام العداوة ولا يكلف المسلم بضيافة أجناد النصارى ولا يسفر لجهة من الجهات ولا يزيدون على المغارم المعتادة وترفع عنهم جميع المظالم والمغارم المحدثة ولا يطلع نصراني للسور ولا يتطلع على دور المسلمين ولا يدخل مسجدا من مساجدهم ويسير المسلم في بلاد النصارى آمنا في نفسه وماله ولا يجعل علامة كما يجعل اليهود وأهل الدجن ولا يمنع مؤذن ولا مصل ولا صائم ولا غيره من امور دينه ومن ضحك منه يعاقب ويتركون من المغارم سنين معلومة وان يوافق على كل الشروط صاحب رومة ويضع خط يده وامثال هذا مما تركنا ذكره
وبعد انبرام ذلك ودخول النصارى للحمراء والمدينة جعلوا قائدا بالحمراء وحكاما ومقدمين بالبلد ولما علم ذلك أهل البشرات دخلوا في هذا الصلح وشملهم حكمه على هذه لشروط ثم امر العدو الكافر ببناء ما يحتاج إليه في
____________________
(4/526)

الحمراء وتحصينها وتجديد بناء قصورها وإصلاح سورها وصار الطاغية يختلف إلى الحمراء نهارا ويبيت بمحلته ليلا إلى أن اطمأن من خوف الغدر فدخل المدينة وتطوف بها وأحاط خبرا بما يرومه ثم أمر سلطان المسلمين أن ينتقل لسكنى البشرات وانها تكون له وسكناه بأندرش فانصرف إليها وأخرج الأجناد منها ثم احتال في ارتحاله لبر العدوة وأظهر أن ذلك طلبه منه المذكور فكتب لصاحب المرية أنه ساعة وصول كتابي هذا لا سبيل لأحد ان يمنع مولاي أبا عبدالله من السفر حيث أراد من بر العدوة ومن وقف على هذا الكتاب فليصرفه ويقف معه وفاء بما عهد له فصرف في الحين بنص هذا الكتاب وركب البحر ونزل بمليلة واستوطن فاسا وكان قبل طلب الجواز لناحية مراكش فلم يسعف بذلك وحين جوازه لبر العدوة لقي شدة وغلاء ووباء
ثم إن النصارى نكثوا العهد ونقضوا الشروط عروة عروة إلى ان آل الحال لحملهم على المسلمين على التنصر سنة أربع وتسعمائة بعد امور وأسباب أعظمها وأقواها عليهم أنهم قالوا إن القسيسين كتبوا على جميع من كان أسلم من النصارى ان يرجعوا قهرا للكفر ففعلوا ذلك وتكلم الناس ولا جهد لهم ولا قوة ثم تعدوا إلى أمر آخر وهو ان يقولوا للرجل المسلم إن جدك كان نصرانيا فأسلم فترجع نصرانيا ولما فحش هذا الأمر قام أهل البيازين على الحكام وقتلوهم وهذا كان السبب للتنصر قالوا لأن الحكم خرج من السلطان أن من قام على الحاكم فليس إلا الموت إلا أن يتنصر فينجو من الموت وبالجملة فإنهم تنصروا عن آخرهم بادية وحاضرة وامتنع قوم من التنصر واعتزلوا الناس فلم ينفعهم ذلك وامتنعت قرى واماكن كذلك منها بلفيق واندرش وغيرهما فجمع لهم العدو الجموع واستأصلهم عن آخرهم قتلا وسبيا إلا ما كان من جبل بللنقة فإن الله تعالى اعانهم على عدوهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة مات فيها صاحب قرطبة وأخرجوا على الأمان إلى فاس بعيالهم وما خف من مالهم دون الذخائر ثم بعد هذا كله كان من أظهر التنصر من المسلمين
____________________
(4/527)

يعبد الله في خفية ويصلي فشدد عليهم النصارى في البحث حتى انهم أحرقوا منهم كثيرا بسبب ذلك ومنعوهم من حمل السكين الصغيرة فضلا عن غيرها من الحديد وقاموا في بعض الجبال على النصارى مرارا ولم يقيض الله لهم ناصرا إلى ان كان إخراج النصارى إياهم بهذا العصر القريب اعوام سبعة عشر وألف فخرجت ألوف بفاس وألوف أخر بتلمسان من وهران وجمهورهم خرج بتونس فتسلط عليهم الأعراب ومن لا يخشى الله تعالى في الطرقات ونهبوا اموالهم وهذا ببلاد تلمسان وفاس ونجا القليل من هذه المعرة واما الذين خرجوا بنواحي تونس فسلم أكثرهم وهم لهذا العهد عمروا قراها الخالية وبلادها وكذلك بتطاوين وسلا ومتيجة الجزائر ولما استخدم سلطان المغرب الأقصى منهم عسكرا جرارا وسكنوا سلا كان منهم من الجهاد في البحر ماهو مشهور الآن وحصنوا قلعة سلا وبنوا بها القصور والدور والحمامات وهم الآن بهذا الحال ووصل جماعة إلى القسطنطينية العظمى وإلى مصر والشام وغيرها من بلاد الإسلام وهم لهذا العهد على ما وصف والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين
والسلطان المذكور الذي أخذت على يده غرناطة هو أبو عبدالله محمد الذي انقرضت بدولته مملكة الإسلام بالأندلس ومحيت رسومها ابن السلطان أبي الحسن ابن السلطان سعد ابن الأمير على ابن السلطان يوسف ابن السلطان محمد الغني بالله واسطة عقدهم ومشيد مبانيهم الأنيقة وسلطان دولتهم على الحقيقة وهو المخلوع الوافد على الأصقاع المرينية بفاس العائد منها لملكه في أرفع الصنائع الرحمانية العاطرة الأنفاس وهو سلطان لسان الدين ابن الخطيب وقد ذكرنا جملة من أخباره في غير هذا الموضع ابن السلطان أبي الحجاج يوسف ابن السلطان إسماعيل قاتل سلطان النصارى دون بطره بمرج غرناطة ابن فرج
____________________
(4/528)

ابن اسماعيل بن يوسف بن نصر بن قيس الأنصاري الخزرجي رحمهم الله تعالى جميعا
وانتهى السلطان المذكور بعد نزوله بمليلة إلى مدينة فاس بأهله وأولاده معتذرا عما أسلفه متلهفا على ما خلفه وبنى بفاس بعض قصور على طريق بنيان الأندلس رأيتها ودخلتها وتوفي رحمه الله تعالى بفاس عام أربعين وتسعمائة ودفن بإزاء المصلى خارج باب الشريعة وخلف ولدين اسم احدهما يوسف والآخر أحمد وعقب هذا السلطان بفاس إلى الآن وعهدي بذريته بفاس سنة 1027 يأخذون من أوقاف الفقراء والمساكين ويعدون من جملة الشحاذين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم رسالة المخلوع أبي عبدالله إلى الشيخ الوطاسي
وقد رأيت ان أذكر هنا الرسالة التى كتب بها المخلوع المذكور الى سلطان فاس الشيخ الوطاسي وهي من انشاء الكاتب المجيد البارع البليغ ابي عبدالله محمد بن عبدالله العربي العقيلي رحمه الله تعالى وسماها بالروض العاطر الأنفاس في التوسل إلى المولى الإمام سلطان فاس ونصها بعد الافتتاح
( مولى الملوك ملوك العرب والعجم ** رعيا لما مثله يرعى من الذمم )
( بك استجرنا ونعم الجار أنت لمن ** جار الزمان عليه جور منتقم )
( حتى غدا ملكه بالرغم مستلبا ** وأفظع الخطب ما يأتي على الرغم )
( حكم من الله حتم لا مرد له ** وهل مرد لحكم منه منحتم )
( وهي الليالي وقاك الله صولتها ** تصول حتى على الآساد في الأجم )
( كنا ملوكا لنا في ارضنا دول ** نمنا بها تحت أفنان من النعم )
____________________
(4/529)


( فأيقظتنا سهام للردى صيب ** يرمى بأفجع حتف من بهن رمي )
( فلا تنم تحت ظل الملك نومتنا ** وأي ملك بظل الملك لم ينم )
( يبكي عليه الذي قد كان يعرفه ** بأدمع مزجت أمواهها بدم )
( كذلك الدهر لم يبرح كما زعموا ** يشم بو الصغار الأنف ذا الشمم )
( وصل اواصر قد كانت لنا اشتبكت ** فالملك بين ملوك الأرض كالرحم )
( وابسط لنا الخلق المرجو باسطه ** واعطف ولا تنحرف واعذر ولا تلم )
( لا تأخذنا بأقوال الوشاة ولم ** نذنب ولو كثرت أقوال ذي الوخم )
( فما أطقنا دفاعا للقضاء ولا ** أرادت انفسنا ماحل من نقم )
( ولا ركوبا بازعاج لسابحة ** في زاخر باكف الموج ملتطم )
( والمرء ما لم يعنه الله أضيع من ** طفل تشكى بفقد الام في اليتم )
( وكل ماكان غير الله يحرسه ** فإن محروسة لحم على وضم )
( كن كالسموأل إذ سار الهمام له ** في حجفل كسواد الليل مرتكم )
( فلم يبح أدرع الكندي وهو يرى ** أن ابنه البر قد أشفى على الرجم )
( أو كالمعلى مع الضليل الاروع إذ ** أجاره من أعاريب ومن عجم )
( وصار يشكره شكرا يكافىء ما ** أسدى إليه من الآلاء والنعم )
( ولا تعاتب على أشياء قد قدرت ** وخط مسطورها في اللوح بالقلم )
( وعد عما مضى إذ لا ارتجاع له ** وعد أحرارنا في جملة الخدم )
( إيه حنانيك يا ابن الأكرمين على ** ضيف ألم بفاس غير محتشم )
____________________
(4/530)


( فأنت أنت ولولا أنت ما نهضت ** بنا اليها خطا الوخادة الرسم )
( رحماك ياراحما ينمى إلى رحما ** في النفس والأهل والأتباع والحشم )
( فكم مواقف صدق في الجهاد لنا ** والخيل عالكة الأشداق وللجم )
( والسيف يخضب بالمحمر من علق ** ما ابيض من سبل واسود من لمم )
( ولا ترى صدر عضب غير منقصف ** ولا ترى متن لدن غير منحطم )
( حتى دهينا بدهيا لا اقتدار بها ** سوى على الصون للأطفال والحرم )
( فقل من لم يشاهدها فربتما ** يخال جامحها يقتاد بالخطم )
( هيهات لو زبنته الحرب كان بها ** أعيى يدا من يد جالت على رحم )
( تا لله ما أضمرت غشا ضمائرنا ** ولا طوت صحة منها على سقم )
( لكن طلبنا من الأمر الذي طلبت ** ولاتنا قبلنا في الأعصر الدهم )
( فخاننا عنده الجد الخؤون ومن ** تقعد به نكبات الدهر لم يقم )
( فاسود ما اخضر من عيش دهته عدا ** بالأسمر اللدن او بالأبيض الخذم )
( وشتت البين شملا كان منتظما ** والبين أقطع للموصول من جلم )
( فرب مبنى شديد قد أناخ به ** ركب البلا فقرته أدمع الديم )
( قمنا لديه أصيلانا نسائله ** أعيا جوابا وما بالربع من ارم )
( وما ظننا بان نبقى إلى زمن ** نرى به غرر الأحباب كالحمم )
( لكن رضى بالقضا الجاري وإن طويت ** منا الضلوع على برح من الألم )
( لبيك يامن دعانا نحو حضرته ** دعاء ابراهم الحجاج للحرم )
( واعط الأمان الذي رصت قواعده ** على أساس وفاء غير منهدم )
( خليفة الله وافاك العبيد فكن ** في كل فضل وطول عند ظنهم )
( وبين اسلافنا ماقد علمت به ** من اعتقاد بحكم الإرث مقتسم )
____________________
(4/531)


( وأنت منهم كأصل مطلع غصنا ** أو كالشراك الذي قد قد من أدم )
( وقد خطوت خطاهم في مآثرهم ** فلم يذموا إذن فيها ولم تذم )
( وصيت مولى الورى الشيخ الامام غدا ** في الناس أشهر من نار على علم )
( سلالة الأمراء الجلة الكبراء ** العلية الظهراء القادة البهم )
( بنو مرين ليوث في عرين ابوا ** رؤيا قرين لهم في البأس والكرم )
( النازلين من البيضاء وسط حمى ** أحمى من الأبلق السامي ومن إرم )
( والجائسين بدهم الخيل كل ذرا ** والداعسين بسمر الخط كل كمي )
( يريك فارسهم إن هز عامله ** في مارق بلظى الهيجاء مضطرم )
( ليثا على أجدل عار من أجنحة ** يسطو بأرقم لداغ بغير فم )
( في اللام يدغم من عساله ألفا ** ولم نجد ألفا أصلا بمدغم )
( أهل الحفيظة يوم الروع يحفظهم ** من عصمة الله ما يربي على العصم )
( يا من تطير شرار منه محرقة ** لكل مدرع بالحزم محتزم )
( هم بطائفة التثليث قد فتكوا ** كمثل ما يفتك السرحان بالغنم )
( وإن يلثمهم يوم الوغى رهج ** أنسوك ما ذكروه عن ذوي اللثم )
( تضىء آراؤهم في كل معضلة ** إضاءة السرج في داج من الظلم )
( هذا ولو من حياء ذاب محتشم ** لذاب منهم حياء كل محتشم )
( طابت مدائحهم إذ طابت أنفسهم ** فاشتقت النسمات اسما من النسم )
( لله درهم والسحب باخلة ** بدرهن على الأنعام والنعم )
( بحيث آلافق يرى من لون حمرته ** كالشيب يخضب بالحناء والكتم )
( هناك تنهل أيديهم بصوب حيا ** يحيي بالاجداث ما فيها من الرمم )
( وأن بيتي زياد طالما ذكرا ** إذ ألمت أحاديث بذكرهم )
( أحلام عاد وأجسام مطهرة ** من لمعقة والآفات والأثم )
____________________
(4/532)


( يرون حقا عليهم حفظ جارهم ** فلم يضر نازل فيهم ولم يضم )
( فروعه بالدواهي لا يراع ولا ** يغم منها بما يعرو من الغمم )
( هم البحار سماحا غير ان بها ** ماقد أناف على الأطواد من همم )
( وليس يسلم من حتف محاربهم ** حتى يكون إليهم ملقي السلم )
( كم فيهم من أمير اوحد ندس ** يقرطس الغرض المقصود بالفهم )
( ولا كسبط أبي حسون من حسنت ** امداحه حسن ما فيه من الشيم )
( هذاكم ابن أبي ذكرى الهمام فقل ** في أصله المنتقى من مجده العمم )
( خليفة الله حقا في خليقته ** كنائب ناب في حكم عن الحكم )
( مهما تنر قسمات منه نيرة ** تنل بنازله ماجل من نعم )
( فوجهه بدجى أو كفه بجدى ** أبهى من الزهر او أندى من الديم )
( وفضله وله الفضل المبين جرى ** كجري الامثال في الأقطار والأمم )
( وجوده المتوالي للبرية ما ** وجوده بينها طرا بمنهدم )
( إذا ابتغت نعما منه العفاة له ** لم يسمعوا كلمة منه سوى نعم )
( وإن يعبس زمان في وجوههم ** لم يبصروا غير وجه منه مبتسم )
( وجه تبين سمات المكرمات به ** كما تبين سمات الصدق في الكلم )
( وراحة لم تزل في كل آونة ** في نيلها راحة الشاكي من العدم )
( لله ما التزمته من نوافله ** أيام لا فرض مفروض بملتزم )
( أنسى الخلائف في حلم وفي شرف ** وفي سخاء وفي علم وفي فهم )
( فجاز معتمدا منهم ومعتضدا ** وامتاز عن واثق منهم ومعتصم )
( وناصر الدين في الإقبال فاق وفي ** محبة العلم أزرى بابنه الحكم )
( أفعال أعدائه معتلة أبدا ** متى يرم جزمها بالحذف تنجزم )
____________________
(4/533)


( فويل أهل القلى من حية ذكر ** للمتلئب اللهام المجر ملتقم )
( رموا عداوة من إن شاء غادرهم ** مثل الأحاديث عن عاد وعن إرم )
( فسوف يأكلهم من جيشه لجب ** بكل قرم إلى لحمانهم قرم )
( وإن الأعراب إذ ساروا لغايته ** لسائرون إلى لقم على لقم )
( وهم كما قاله ماض أرى قدمي ** بسعيه نحو حتفي قد اراق دمي )
( فقل إذن للمناوي الناو لان أذى ** ياغر غرك ما أبصرت في الحلم )
( له صوارم لو ناجتك ألسنها ** لبشرتك بعمر منك منصرم )
( وأن روحك عن قرب سيقبضه ** قبض المسلم ماقد حاز من سلم )
( فهو الذي ما له ند يشابهه ** من كل متصف بالدهي متسم )
( يدبر الأمر تدبيرا يخلصه ** مما عسى أن يرى فيه من الوهم )
( ويبصر الغيب لحظ الذهن منه إذا ** تعمى عن ادراكه ألحاظ كل عمي )
( وينعم النظر المفضي بناظره ** لصوب وجه صواب واضح اللقم )
( ذو منطق لم تزل تجلو نتائجه ** عن مبطل بخصام المبطل الخصم )
( ومسمع ليس يصغى للوشاة فلم ** ينفق لديه الذي عنهم إليه نمي )
( فعقله لا توازيه العقول وهل ** يوازن الطود ماقد طال من أكم )
( ايه جميع الورى من بدو أو حضر ** نداء مرتبط بالنصر مرتسم )
( شدوا وجدوا ولا تعنوا ولا تهنوا ** قد لفها الليل بالسواقة الحطم )
( هذا الإمام المريني السعيد له ** سعد يؤيده في كل مصطدم )
( قد أقسمت انه المنصور ألسنة ** من نخبة الأوليا مبرورة القسم )
( فشيعوه ووالوه تروا عجبا ** وتظفروا معه بالأجر والغنم )
( والحمد لله إذ أبقى خلافته ** كهفا لنا من يخيم فيه لم يرم )
( حرز حريز وعز قائم وندى ** غمر دراك بلا من ولا سام )
( دامت ودام لها سعد يساعدها ** في كل مبتدإ منه ومختتم )
( فالله عز اسمه قد زانها بحلى ** من غر امداحه كالدر في النظم )
____________________
(4/534)


( الواهب الألف بعد الألف من ذهب ** كالجمر يلمع في مستوقد الضرم )
( والفاعل الفعل لم يهمم به احد ** والقائل القول فيه حكمة الحكم )
( ذاكم هو الشيخ فاعجب إنه هرم ** جودا وحاشاه ان يعزى إلى هرم )
( وحسبنا ان أيدينا به اعتصمت ** من حبله بوثيق غير منفصم )
( فما محالفه يوما بمضطهد ** ولا مؤالفه يوما بمهتضم )
( ولا موافيه في جهد بمطرح ** ولا مصافيه في ود بمتهم )
( ولا محيا محييه بمنكسف ** ولا رجاء مرجيه بمنخرم )
( وما تكرمه سرا بمنكشف ** ولا تنكره جهرا بمكتتم )
( وليس لامح مرآه بمكتئب ** وليس راضع جدواه بمنفطم )
( ولا مقبل يمناه الكريمة في ** محل ممتهن بل دست محترم )
( وما وسيلتنا العظمى إليه سوى ** ما ليس ينكر ما فيها من العظم )
( وإنما هي وما أدراك ماهي من ** وسيلة ردها أدهى من الوخم )
( نبينا المصطفى الهادى بخير هدى ** محمد خير خلق الله كلهم )
( داعي الورى من اولي خيم وأهل قرى ** إلى طريق رشاد لاحب أمم )
( عليه منا ما ذكرت ** امن تذكر جيران بذي سلم )
( وما تشفع فيها بالشفيع له ** دخيل حرمته العلياء في الحرم )
ربنا ظلمنا انفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين انت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وانت خير الغافرين ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم نعم المولى ونعم النصير
اما بعد حمد الله الذي لا يحمد على السراء والضراء سواه محمد الذي طلع طلوع الفجر بل البدر فلاح يدعو إلى سبيل
____________________
(4/535)

كل فلاح أولي قلوب غافلة ونفوس سواه والرضى عن آله وأصحابه وعترته الأكرمين وأحزابه الذين تلقوا بالقبول ما اورده عليهم من اوامر ونواه وعزروه ونصروه في حال قربه ونواه فيا مولانا الذي أولانا من النعم ما اولانا لا حط الله تعالى لكم من العزة رواقا ولا أذوى لدوحة دولتكم أغصانا ولا اوراقا ولا زالت مخضرة العود مبتسمة عن زهرات البشائر متحفة بثمرات السعود ممطورة بسحائب البركات المتداركات دون بروق ولا رعود هذا مقام العائذ بمقامكم المتعلق بأسباب زمامكم المترجى لعواطف قلوبكم وعوارف إنعامكم المقبل الأرض تحت أقدامكم المتلجلج اللسان عند محاولة مفاتحة كلامكم وما الذي يقول من وجهه خجل وفؤاده وجل وقضيته المقضية عن التنصل والاعتذار تجل بيد اني أقول لكم ما أقوله لربي واجترائي عليه أكثر واحترامي اليه اكبر اللهم لا بريء فأعتذر ولا قوي فأنتصر لكني مستقيل مستنيل مستعتب مستغفر { وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء } هذا على طريق التنزل والإنصاف بما تقتضيه الحال ممن يتحيز إلى حيز الإنصاف واما على جهة التحقيق فأقول ما قالته الأم ابنة الصديق والله إني لأعلم أني إن أقررت بما يقوله الناس والله يعلم أني منه بريئة لأقول ما لم يكن ولئن أنكرت ما تقولون لا تصدقوني فأقول ما قاله أبو يوسف صبر جميل والله المستعان على ما تصفون على اني لا انكر عيوبى فأنا معدن العيوب ولا أجحد ذنوبي فأنا جبل الذنوب إلى الله أشكو عجري وبجري وسقطاتي وغلطاتي نعم كل شيء ولا ما يقوله المتقول المشنع المهول الناطق بفم الشيطان المسول ومن أمثالهم سبني واصدق ولا تفتر ولا تخلق أفمثلي كان يفعل امثالها ويحتمل من الأوزار المضاعفة أحمالها ويهلك نفسه ويحبط أعمالها عياذا بالله
____________________
(4/536)

من خسران الدين وإيثار الجاحدين والمعتدين قد ضللت إذا وما انا من المهتدين وايم الله لو علمت شعرة في فودي تميل إلى تلك الجهة لقطعتها بل لقطفت ماتحت عمامتي من هامتي وقطعتها غير ان الرعاع في كل وقت واوان للملك أعداء وعليه أحزاب وأعوان كان أحمق أو أجهل من أبي ثروان أو أعقل أو أعلم من أشج بني مروان رب متهم بري ومسربل بسربال وهو منه عري وفي الأحاديث صحيح وسقيم ومن التراكيب المنطقية منتج وعقيم ولكن ثم ميزان عقل تعتبر به أوزان النقل وعلى الراجح الاعتماد ثم إشاعة الأحماد المتصل المتماد وللمرجوح الاطرح ثم التزام الصراح بعد النفض من الراح وأكثر ما تسمعه الكذب وطبع جمهور الخلق إلا من عصمه الله تعالى إليه منجذب ولقد قذفنا من الأباطيل بأحجار ورمينا بما لا يرمى به الكفار فضلا عن الفجار وجرى من الأمر المنقول على لسان زيد وعمرو ما لديكم منه حفظ الجار وإذا عظم الإنكاء فعلى تكاءة التجلد الاتكاء أكثر المكثرون وجهد في تعثيرنا المتعثرون ورمونا عن قوس واحدة ونظمونا في سلك الملاحدة اكفرا أيضا كفرا غفرا اللهم غفرا اعد نظرا ياعبد قيس فليس الأمر على ما خيل لك ليس وهل زدنا على أن طلبنا حقنا ممن رام محقه ومحقنا فطاردنا في سبيله عداة كانوا لنا غائظين فانفتق علينا فتق لم يمكنا له رتق وما كنا للغيب حافظين وبعد فاسأل أهل الحل والعقد والتمييز والنقد فعند جهينتهم تلقى الخبر يقينا وقد رضينا بحكمهم يؤثمنا فيوبقنا أو يبرئنا فيقينا إيه يا من اشرأب إلى ملامنا وقدح حتى في اسلامنا رويدا رويدا فقد وجدت قوة وأيدا ويحك إنما طال لسانك علينا وامتد بالسوء
____________________
(4/537)

إلينا لأن الزمان لنا مصغر ولك مكبر والأمر عليك مقبل وعنا مدبر كما قال كاتب الحجاج الموبر وعلى الجملة فهبنا صرنا إلى تسليم مقالك جدلا وذهبنا فأقررنا بالخطإ في كل ورد وصدر فلله در القائل
( إن كنت أخطأت فما أخطا القدر )
وكأنما بمعتسف إذا وصل إلى هنا وعدم انصافه يعلمه إلهنا وقد ازور متجانفا ثم افتر متهانفا وجعل يتمثل بقولهم إذا عيروا قالوا مقادير قدرت وبقولهم المرء يعجزه المحال فيعارض الحق بالباطل والحالي بالعاطل ومنزع بقول القائل رب مسمع هائل وليس تحته من طائل وقد فرغنا أول أمس من جوابه وتركنا الضغن يلصق حرارة الجوى به وسنلم الان بما يوسعه تسكيتا ويقطعه تبكيتا فنقول له ناشدناك الله تعالى هل اتفق لك قط وعرض خروج أمر ما عن القصد منك فيه والغرض مع اجتهادك أثناءه في اصدارك وإيرادك في وقوعه على وفق اقتراحك ومرادك او جميع ما تزاوله بإدارتك لايقع الا مطابقا لإرادتك او كل ما تقصده وتنويه تحرزه كما تشاء وتحويه فلا بد أن يقر اضطرارا بأن مطلوبه يشذ عنه مرارا بل كثيرا ما يفلت صيده من أشراكه ويطلبه فيعجز عن ادراكه فنقول ومسألتنا من هذا القبيل أيها النبيه النبيل ثم نسرد له من الأحاديث النبوية ما شينا مما يسايرنا في غرضنا منه ويماشينا كقوله كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس وقوله أيضا لو اجتمع أهل السموات والأرض على أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه أو كما قال
____________________
(4/538)