Advertisement

نفح الطيب 007



نفخ الطيب من غصن الأندلس الرطيب
أحمد بن محمد المقري التلمساني
سنة الولادة 986/ سنة الوفاة
تحقيق د. إحسان عباس
الناشر دار صادر
سنة النشر 1388هـ
مكان النشر بيروت
عدد الأجزاء 8 فأخلق به أن يلوذ باكناف الإحجام ويزم على نفثه فيه كأنما ألجم بلجام حينئذ نقول له والحق قد أبان وجهه وجلاه وقهره بحجته وعلاه ليس لك من الأمر شيء قل إن الأمر كله لله وفي محاجة آدم وموسى ما يقطع لسان الخصم ويرخص عن أثواب أعراضنا ما عسى ان يعلق بها من درن الوصم وكيفما كانت الحال وإن ساء الرأي والانتحال ووقعنا في اوجال وأوحال فثل عرشنا وطويت فرشنا ونكس لوانا وملك مثوانا فنحن أمثل من سوانا وفي الشر خيار ويد اللطائف تكسر من صولة الأغيار فحتى الآن لم نفقد من اللطيف تعالى لطفا ولا عدمنا أدوات أدعية تعطف بلا مهلة على جملتنا المقطوعة جمل النعم الموصولة عطفا وإلا فتك بغداد دار السلام ومتبوأ الاسلام المحفوف بفرسان السيوف والأقلام مثابة الخلافة العباسية ومقر العلماء والفضلاء أولي السير الأويسية والعقول الإياسية قد نوزلت بالجيوش ونزلت وزوولت بالزحوف وزلزلت وتحيف جوانبها الحيف ودخلها كفار التتار عنوة بالسيف ولا تسل إذ ذاك عن كيف أيام تجلت عروس المنية كاشفة عن ساقها مبدية وجرت الدماء في الشوارع والطرق كالأنهار والأودية وقيد الأئمة والقضاة تحت ظلال السيوف المنتضاة بالعمائم في رقابهم والأردية وللنجيع سيول تخوضها الخيول فتخضبها الى أرساغها وتهم ظماؤها بوردها فتنكل عن تجرعها ومساغها فطاح عاصمها ومستعصمها وراح ولم يعد ظالمها ومتظلمها وخربت مساجدها وديارها واصطلم بالحسام أشرارها وخيارها فلم يبق من جمهور أهلها عين تطرف حسبما عرفت أو حسبما تعرف فلا تك متشككا متوقفا فحديث تلك الواقعة الشنعاء أشهر عند المؤرخين من قفا فأين تلك الجحافل والآراء المدارة في المحافل حين أراد الله تعالى
____________________
(4/539)

بإدالة الكفر لم تجد ولا قلامة ظفر إذن فمن سلمت له نفسه التى هي رأس ماله وعياله واطفاله اللذان هما من أعظم آماله وكل أو جل أو أقل رياشه وأسباب معاشه الكفيلة بانتهاضه وانتعاشه ثم وجد مع ذلك سبيلا الى الخلاص في حال مياسرة ومساهلة دون تصعب واعتياص بعدما ظن كل الظن أن لا محيد ولا مناص فما أحقه حينئذ وأولاه أن يحمد خالقه ورازقه ومولاه على ما أسداه إليه من رفده وخيره ومعافاته مما ابتلي به كثير من غيره ويرضى بكل ايراد وإصدار تتصرف فيهما الأحكام الإلهية والأقدار فالدهر غدار والدنيا دار مشحونة بالأكدار والقضاء لا يرد ولا يصد ولا يغالب ولا يطالب والدائرات تدور ولا بد من نقص وكمال للبدور والعبد مطيع لا مطاع وليس يطاع إلا المستطاع وللخالق القدير جلت قدرته في خليقته علم غيب للأذهان عن مداه انقطاع
ومالي والتكلف لما لا أحتاج إليه من هذا القول بين يدي ذي الجلال والمجادة والفضل والطول فله من العقل الارجح ومن الخلق الأسجح مال ا تلتاط معه تهمتي بصفرة ولا تنفق عنده وشاية الواشي لا عد من نفره ولا فاز قدحه بظفره والمولى يعلم ان الدنيا تلعب باللاعب وتجر براحتها إلى المتاعب وقديما للأكياس من الناس خدعت وانحرفت عن وصالهم أعقل ماكانوا وقطعت وفعلت بهم ما فعلت بيسار الكواعب تلك التي جبت وجدعت ولئن رهصت وهصرت فقد نبهت وبصرت ولئن قرعت وامعضت لقد أرشدت ووعظت ويا ويلنا من تنكرها لنا بمرة ورميها لنا في غمرة أي غمرة أيام قلبت لنا ظهر المجن وغيم أفقها المصحي وأدجن فسرعان ما عاينا حبالها منبتة ورأينا منها مالم نحتسب كما تقوم الساعة بغتة فمن استعاذ من شيء
____________________
(4/540)

فليستعذ مما صرنا إليه من الحور بعد الكور والانحطاط من النجد إلى الغور
( فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ** إذا نحن فيهم سوقة نتنصف )
( فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ** تقلب تارات بنا وتصرف )
وأبيها لقد أرهقتنا ارهاقا وجرعتنا من صاب الأوصاب كأسا دهاقا ولم نفزع الى غير بابكم المنيع الجناب المنفتح حين سدت الأبواب ولم نلبس غيرلباس نعمائكم حين خلعنا ما ألبسنا الملك من الأثواب وإلى أمه يلجأ الطفل لجأ اللهفان وعند الشدائد تمتاز السيوف في الأجفان من الأجفان ووجه الله تعالى يبقى وكل من عليه فان وإلى هنا ينتهي القائل ثم يقول حسبي هذا وكفان
ولا ريب في اشتمال العلم الكريم على ما تعارفته الملوك بينها في الحديث والقديم من الأخذ باليد عند زلة القدم وقرع الأسنان وعض البنان من الندم دينا تدينت حتى مع اختلاف الأديان وعادة اطردت فيهم على تعاقب الأزمان والأحيان
ولقد عرض علينا صاحب قشتالة مواضع معتبرة خير فيها وأعطى من امانه المؤكد فيه خطه بأيمانه ما يقنع النفوس ويكفيها فلم نر ونحن من سلالة الأحمر مجاورة الصفر ولا سوغ لنا الايمان الإقامة بين ظهراني الكفر وما وجدنا عن ذلك مندوحة ولو شاسعة وأمنا من المطالب المشاغب حمة شر لنا لاسعة وادكرنا أي ادكار قول الله تعالى المنكر لذلك غايى الإنكار { ألم تكن أرض الله واسعة } وقول الرسول عليه المبالغ في ذلك بأبلغ الكلام انا بريء من مؤمن مع كافر لا تتراءى ناراهما وقول الشاعر الحاث على
____________________
(4/541)

حث المطية المتثاقلة عن السير في طريق منجاتها البطية
( وما انا والتلدد نحو نجد ** وقد غصت تهامة بالرجال )
ووصلت أيضا من الشرق إلينا كتب كريمة المقاصد لدينا تستدعي الانحياز الى تلك الجنبات وتتضمن مالا مزيد عليه من الرغبات فلم نختر إلا دارنا التى كانت دار آبائنا من قبلنا ولم نرتض الانضواء إلا لمن بحبله وصل حبلنا وبريش نبله ريش نبلنا إدلالا على محل إخاء متوارث لا عن كلالة وامتثالا لوصاة أجداد لأنظارهم وأقدارهم أصالة وجلالة إذ قد روينا عمن سلف من أسلافنا في الايصاء لمن يخلف بعدهم من أخلافنا ان لا يبتغوا إذا دهمهم داهم بالحضرة المرينية بدلا ولا يجدوا عن طريقها في التوجه إلى فريقها معدلا فاخترقنا الى الرياض الأريضة الفجاج وركبنا إلى البحر الفرات ظهر البحر الأجاج فلا غرو أن نرد منه على ما يقر العين ويشفى النفس الشاكية من ألم البين ومن توصل هذا التوصل وتوسل بمثل ذلك التوسل تطارحا على سدة أمير المؤمنين المحارب للمحاربين والمؤمن للمستأمنين فهو الخليق الحقيق بأن يسوغ أصفى مشاربه ويبلغ أوفى مآربه على توالي الأيام والشهور والسنين ويخلص من الثبور إلى الحبور ويخرج من الظلمات الى النور خروج الجنين ولعل شعاع سعادته يفيض عينا ونفحة قبول إقباله تسري إلينا فتخامرنا أريحية تحملنا على أن نبادر لإنشاد قول الشريف الرضي في الخليفة القادر
( عطفا أمير المؤمنين فإننا ** في دوحة العلياء لا نتفرق )
( ما بيننا يوم الفخار تفاوت ** أبدا كلانا في المعالي معرق )
( إلا الخلافة ميزتك فإنني ** أنا عاطل منها وانت مطوق )
____________________
(4/542)


لا بل الاحرى بنا والأحجى والأنجح لسعينا والأرجى ان نعدل عن هذا المنهاج ويقوم وافدنا بين يدي علاه مقام الخاضع المتواضع الضعيف المحتاج وينشد ماقال في الشيرازي ابن حجاج
( الناس يفدونك اضطرارا ** منهم وأفديك باختياري )
( وبعضهم في جوار بعض ** وأنت حتى أموت جاري )
( فعش لخبزي وعش لمائي ** وعش لداري وأهل داري )
ونستوهب من الوهاب تعالى جلت أسماؤه وتعاظمت نعماؤه رحمة تجعل في يد الهداية أعنتنا وعصمة تكون في مواقف المخاوف جنتنا وقبولا يعطف علينا نوافر القلوب وصنعا يسني لنا كل مرغوب ومطلوب ونسأله وطالما بلغ السائل سؤلا ومأمولا متابا صادقا على موضوع الندم محمولا ثم عزاء حسنا وصبرا جميلا عن أرض أورثها من شاء من عباده معقبا لهم ومديلا وسادلا وسادلا عليهم من ستور الإملاء الطويلة سدولا { سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا } الفتح 23 فليطر طائر الوسواس المرفرف مطيرا كان ذلك في الكتاب مسطورا لم نستطع عن مورده صدورا وكان امر الله قدرا مقدورا ألا وإن لله سبحانه في مقامكم العلي الذي أيده واعانه سرا من النصر يترجم عنه لسان من النصل وترجع فروع البشائر الصادقة بالفتوحات المتلاحقة من قاعدته المتأصلة إلى أصل فبمثله يجب اللياذ والعياذ ولشبهه يحق الالتجاء والارتجاء ولأمر ما آثرناه واخترناه بعد أن استرشدنا الله سبحانه واستخرناه ومنه جل جلاله نرغب ان يخير لنا ولجميع المسلمين ويؤوينا من حمايته ووقايته إلى معقل منيع وجناب رفيع أمين آمين آمين ونرجو ان يكون ربنا الذي هو في جميع الأمور حسبنا قد خار لنا حيث أرشدنا وهدانا
____________________
(4/543)

وساقنا توفيقه وحدانا إلى الاستجارة بملك حفي كريم وفي أعز جارا من أبي دواد وأحمى انفا من الحارث بن عباد يشهد بذلك الداني والقاصي والحاضر والباد إن أغاث ملهوفا فما الأسود بن قنان يذكر وإن انعش حشاشة هالك فما كعب بن مامة على فعله وحده يشكر جليسه كجليس القعقاع بن شور ومذاكره كمذاكر سفيان المنتسب من الرباب إلى ثور إلى التحلي بامهات الفضائل التى أضدادها امهات الرذائل وهي الثلاث الحكمة والعدل والعفة التى تشملها الثلاثة الأقوال والأفعال والشمائل وينشأ منها ما شئت من عزم وحزم وعلم وحلم وتيقظ وتحفظ واتقاء وارتقاء وصول وطول وسماح ونائل فبنور حلاه المشرق يفتخر المغرب على المشرق وبمحتده السامي خطره في الأخطار وبيته الذي ذكره في النباهة والنجابة قد طار يباهي جميع ملوك الجهات والأقطار وكيف لا وهو الرفيع المنتمى والنجار الراضع من الطهارة صفو ألبان الناشىء من السراوة وسط أحجار في ضئضىء المجد وبحبوح الكرم وسراوة أسرة المملكة التى أكنافها حرم وذؤابة الشرف التى مجاذبتها لم ترم من معشر بخلوا إن وهبوا ما دون اعمارهم وجبنوا إن لم يحموا سوى ذمارهم بنومرين وما أدراك ما بنو مرين
( سم العداة وآفة الجزر )
( النازلون بكل معترك ** والطيبون معاقد الأزر )
لهم من الهفوات انتفاء وعندهم من السير النبوية اكتفاء انتسبوا إلى بر
____________________
(4/544)

ابن قيس فخرجوا في البر عن القيس مالهم القديم المعروف قد نفذ في سبيل المعروف وحديثهم الذي نقلته رجال الزحوف من طرق القنا والسيوف على الحسن من المقاصد موقوف تحمد من صغيرهم وكبيرهم ذابلهم ولدنهم فلله آباء أنجبوهم وامهات ولدنهم
( شم الأنوف من الطراز الأول )
إليهم في الشدائد الاستناد وعليهم في الأزمات المعول ولهم في الوفاء والصفاء والاحتفاء والعناية والحماية والرعاية الخطو الواسع والباع الأطول كانما عناهم بقوله جرول
( أولئك قوم ان بنوا أحسنوا البنا ** وإن عاهدوا اوفوا وإن عقدوا شدوا )
( وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها ** وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا )
( وتعذلني أبناء سعد عليهم ** وما قلت إلا بالتي علمت سعد )
وبقوله الوثيق مبناه البليغ معناه
( قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ** شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا )
يزيحون عن التنزيل كل نازح قاصم وليس له منهم عائب ولا واصم فهم أحق بما قاله في منقر قيس بن عاصم
____________________
(4/545)


( لا يفطنون لعيب جارهم ** وهم لحفظ جوارهم فطن )
حلاهم هذه الغريزة التى ليست باستكراه ولا جعل وامير المؤمنين دام نصره قسيمهم فيها حذو النعل بالنعل ثم هو عليهم وعلى من سواهم بالأوصاف الملوكية مستعل ارفض مزنهم منه عن غيث ملث يمحو آثار اللزبة وانشق غيلهم منه عن ليث ضار متقبض على براثنه للوثبة فقل لسكان الفلا لا تغرنكم أعدادكم وأمدادكم فلا يبالي السرحان المواشي سواء مشى إليها النقرى أو الجفلى بل يصدمهم صدمة تحطم منهم كل عرنين ثم يبتلع بعد أشلاءهم المعفرة ابتلاع التنين فهو هو كما عرفوه وعهدوه وألفوه أخو المنايا وابن جلا وطلاع الثنايا مجتمع أشده قد احتنكت سنه وبان رشده جاد مجد محتزم بحزام الحزم مشمر عن ساعد الجد
( لا يشرب الماء إلا من قليب دم ** ولا يبيت له جار على وجل )
أسدي القلب آدمي الرواء لابس جلد النمر يزوي العناد والنواء
( وليس بشاوي عليه دمامة ** إذا ما سعى يسعى بقوس وأسهم )
( ولكنه يسعى عليه مفاضة ** دلاص كأعيان الجراد المنظم )
فالنجاء النجاء سامعين له طائعين والوحى الوحى لاحقين به خاضعين قبل أن تساقوا إليه مقرنين في الأصفاد ويعيا الفداء بنفائس النفوس والأموال على الفاد حينئذ يعض ذو الجهل والفدامة على يديه حسرة وندامة إذا رأى
____________________
(4/546)

أبطال الجنود تحت خوافق الرايات والبنود قد لفحتهم نار ليست بذات خمود وأخذتهم صاعقة مثل صاعقة الذين من قبلهم عاد وثمود زعقات تؤز الكتائب أزا وهمزا محققا للخيل بعد المد المشبع للأعنة همزا وسلا للهندية سلا وهزا للخطية هزا حتى يقول النسر للذئب { هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا } ثق خليفة الله بذاك في كل من رام أذى رعيتك أو ذاك فتلك عادة الله سبحانه وتعالى في ذوي الشقاق والنفاق الذين يشقون عصا المسلمين ويقطعون طريق الرفاق وينصبون حبائل البغي والفساد في جميع النواحي والآفاق فلن يجعلهم الله عز وجل من الآمنين أنى وكيف وقد أفسدوا وخانوا وهو سبحانه لا يصلح عمل المفسدين ولا يهدي كيد الخائنين وها نحن قد وجهنا إلى كعبة مجدكم وجوه صلوات التقديس والتعظيم بعدما زينا معاطفها باستعطافكم بدر ثناء أبهى من در العقد النظيم منتظمين في سلك أوليائكم متشرفين بخدمة عليائكم ولا فقد عزه ولا عدمها من قصد مثابتكم العزيزة وخدمها وإن المترامي على سنائكم لجدير بحرمتكم واعتنائكم وكل ملهوف تبوأ من كنفكم حصنا حصينا عاش بقية عمره محروسا من الضيم مصونا وقد قيل في بعض الكلام من قعدت به نكاية الأيام أقامته إغاثة الكرام ومولانا أيده الله تعالى ولي ما يزفه إلينا من مكرمة بكر ويصنعه لنا من صنيع حافل يخلد في صحائف حسن الذكر ويروي معنعن حديث حمده وشكره طرس عن قلم عن بنان عن لسان عن فكر وغيره من ينام عن ذلك فيوقظ ويسترسل مع الغفلة حتى يذكر ويوعظ وما عهد منذ وجد إلا سريعا إلى داعي الندي والتكرم بريئا من الضجر بالمطال والتبرم حافظا للجار الذي أوصى النبي بحفظه مستفرغا وسعه في رعيه المستمر ولحظه آخذا من حسن الثناء في جميع الأوقات والآناء بحظه
____________________
(4/547)


( فهو من دوحة السنا فرع عز ** ليس يحتاج مجتنيه لهز )
( كفه في الأمحال أغزر وبل ** وذراه في الخوف امنع حرز )
( حلمه يسفر اسمه لك عنه ** فتفهم يامدعي الفهم لغزي )
( لا تسله شيئا ولا تستنله ** نظرة منه فيك تغني وتجزي )
( فنداه هو الفرات الذي قد ** عام فيه الأنام عوم الإوز )
( وحماه هو المنيع الذي ترجع ** عنه الخطوب مرجع عجز )
( فدعوا ذهنه يزاول قولي ** فهو أدرى بما تضمن رمزي )
( دام يحيا بكل صنع ومن ** ويعافى من كل بؤس ورجز )
وكانا به قد عمل على شاكلة جلاله من مد ظلاله وتمهيد حلاله وتلقى ورودنا بحسن تهلله واستهلاله وتأنيسنا بجميل قبوله وإقباله وإيرادنا على حوض كوثره المترع بزلاله والله سبحانه يسعد مقامه العلي ويسعدنا به في حله وارتحاله ومآله وحاله ويؤيد جنده المظفر ويؤيدنا بتأييده على نزال عدوه واستنزاله وهز الذوابل لإطفاء ذباله وهو سبحانه وتعالى المسؤول ان يريه قرة العين في نفسه وأهله وخدامه وامواله وأنظاره وأعماله وكافة شؤونه واحواله وأحق ما نصل بالسلام وأولى على المقام الجليل مقام الخليفة المولى أزكى على خاتمة انبيائه وأرساله سيدنا ومولانا محمد وعلى جميع أصحابه وآله صلاة وسلاما دائمين أبدا موصولين بدوام الأبد واتصاله ضامنين لمجددهما ومرددهما صلاح فاسد أعماله وبلوغ غاية آماله وذلك بمشيئة الله تعالى وإذنه وفضله وإفضاله انتهى ترجمة محمد العربي كاتب الرسالة عن الوادي آشي
وكاتب هذه الرسالة على لسان السلطان المخلوع قال الوادي آشي في حقه
____________________
(4/548)

إنه إمام الصناعة وفارس حلبة القرطاس واليراعة وواسطة عقد البلاغة واليراعة الذي قطف الكمال لما نور ورتب محاسن البديع في درر فقره وطور وغرف من بحر عجاج واقتطف من خاطر وهاج أبو عبدالله محمد بن عبدالله العربي العقيلي وما احسن قوله فيمن قد ظفر به المسلمون
( ألا رب مغرور تنصر ضلة ** فحاق به شؤم الضلال وشره )
( فإن يرتفع عند النصارى بالابتدا ** فكم عندنا من حرف حبل يجره )
وقال الوادي آشي أيضا في موضع آخر ما نصه ولشاعر العصر ومالك زمامي النظم والنثر والفقيه العالم المتقن التمفنن العارف الأوحد النبيه النبيل سيدي محمد العربي وصل الله تعالى رفعة قدره وحرس من غير الأيام أشعة بدره
( الحب في جمهور انواره ** فأين الاخوان والأحباب )
( وأين أين الاجتماعات قد ** تهيأت لهن الاسباب )
( وأين بنت لجبن مهما بدت ** طارت إليها شوقا الباب )
( وأين الألبان لأكوابها ** في برم الأرز تسكاب )
( واللحم بالبسباس قد ألفت ** لطبخه في القدر الاحطاب )
( والعوذ ذو دندنة يطبي ** آثارها للطار دبداب )
( وملح الاصوات قد طورحت ** وجاء معبد وزرياب )
( وفض للهو ختام ولم ** يسد في وجه الهوى باب )
( وقيل للوقار قم قبل أن ** تسلب عنك الآن الاثواب )
( وكل انسان وما يشتهي ** ليس على مناه حجاب )
____________________
(4/549)


( مسترسلا ليس له عذل ** كلا ولا عليه رقاب )
( في راحة خلعت أرسانها ** لمثلها تعصر الاعناب )
( فكل بستان قد استأسدت ** فيه النواوير والاعشاب )
( وأطلع التراب أدواحه ** كأنها العرب الاتراب )
( لما تحلت بحلى زهرها ** داخلها بالحسن الاعجاب )
( عرائس ليس لها في سوى ** ماية او ينية خطاب )
( أيام تبدى ثمرات بدا ** في جنباتهن الارطاب )
( كأنه في العين ياقوت أو ** كأنه في الفم جلاب )
( هيهات هيهات أمان لها ** خلب برق لك خلاب )
( ماحوت الرؤوس امثالها ** فكيف تحويهن الاذناب )
( قد عاق عن ذلك دهر به ** تعدم الافراح والاطراب )
( يروم الانسان غلابا له ** والدهر للانسان غلاب )
وقال رحمه الله تعالى لما نزل النصارى لمحاصرة غرناطة
( بالطبل في كل يوم ** وبالنفيز نراع )
( وليس من بعد هذا ** وذاك إلا القراع )
( يارب جبرك يرجو ** من هيض منه الذراع )
( لا تسلبني صبرا ** منه لقلبي ادراع )
وله رحمه الله تعالى في الموشحات اليد الطولى فمن ذلك قوله
( بدر أهل الزمان ** الرفيع القدر )
( لا تزل في أمان ** من كسوف البدر )
وله من أخرى
____________________
(4/550)


( هل يصح الأمان ** من شبيه البدر )
( وهو مثل الزمان ** منتم للغدر )
( لم يغر الأغر ** غير غمر جاهل )
( عيشه الحلو مر ** وهو فيه ناهل )
( والصبا الغض مر ** وهو عنه ذاهل )
( مرشف البهرمان ** فوق ثغر الدر )
( طمع للأمان ** باقتراب الدر )
وعارض رحمه الله تعالى بهاتين الموشحتين الموشحة المشهورة
( ضاحك عن جمان ** سافر عن بدر )
( ضاق عنه الزمان ** وحواه صدري )
وممن عارض هذه الموشحة ابن أرقم إذ قال
( مبسم البهرمان ** في المحيا الدري )
( صاد قلبي وبان ** وأنا لم أدر )
والإنصاف ان معارضة العربي أحسن من هذه
وله أيضا معارضتان غير ما تقدم الأولى قوله
( بان لي ثم بان ** ذا خدود حمر )
( ينثني مثل بان ** في ثياب خضر )
والثانية قوله
( هل لمرآك ثان ** في سناه الدري )
( أو لحوباي ثان ** عن هواها العذري )
____________________
(4/551)


( يا مليحا جلا ** عن محيا جميل )
( همت فيه ولا ** هيمان جميل )
( مل قليلا الى ** من إليك يميل )
( عاشق فيك فان ** كاتم للسر )
( لك منه مكان ** في صميم الصدر )
ومن نظم العربي المذكور لما عرض عليه السلطان رياسة كتابه من قصيدة
( أوجه سعدي انحط عنه اللثام ** أم بدر أفق فض عنه الغمام )
( أم انا في حالي لا عقل لي ** أم حلم قد لاح لي في المنام )
( يالك مرأى من رأى حسنه ** هيج للقلب غراما فهام )
( كأنما اقبس نور البها ** من وجه مولانا الامام الهمام )
( ابن أبي الحسن الأسرى الذي ** قد كان للأملاك مسك الختام )
( ضرغام قد أنجب شبها له ** في صدق بأس ومضاء اعتزام )
( حامى وسامى فأفاعيله ** تنقلها أبناء سام وحام )
( دام له النصر الذي جاءه ** والسيف من طلى أعاديه دام )
( فيا أمير المؤمنين الذي ** له بعروة اليقين اعتصام )
( أبشر بجد مقبل لم يؤل ** إلى انصراف لا ولا لانصرام )
( وعزة لم يفض بنيانها ** إلى انهداد لا ولا لانهدام )
( لله منك ملك جنده ** زهر النجوم وهو بدر التمام )
ومنها
( يطرب من مادحه مثلما ** يطرب قلب الصب سجع الحمام )
____________________
(4/552)


( فيفعل الشعر بأعطافه ** ماليس تفعل بهن المدام )
( وإن حكى في حسنه يوسفا ** فمدحه يشبه زهر الكمام )
ومنها
( فداره ليست ببغدادهم ** مع انها تدعى بدار السلام )
ومنها
( أسأله الإعفاء من كل ما ** أعجز عن حمل له والتزام )
ومنها
( مستشفعا له بخير الورى ** محمد عليه أزكى السلام )
ومنها
( وكل انسان وما اختاره ** ورب ذي عذر قد أضحى يلام )
وآخرها
( فالحمد لله على ان غدا ** للشمل بعد الانصداع التئام )
ولنختم هذه الترجمة بقوله
( جز بالبساتين والرياض فما ** أبهج مرئيها واحلاه )
( واعجب بها للنبات ولتك في ** أسفله ناظرا وأعلاه )
( وقدس الله عند ذاك وقل ** سبحانه لا إله إلا هو ) سبحان وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين والحمد لله رب العالمين انتهى المجلد الرابع
____________________
(4/553)

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب = تأليف الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني المجلد الخامس
____________________
(5/1)

بسم الله الرحمن الرحيم & الباب الأول &
في أولية لسان الدين وذكر أسلافه الذين ورث عنهم المجد وارتضع در أخلافه وما يناسب ذلك مما لا يعدل المنصف إلى خلافه
أقول هو الوزير الشهير الكبير لسان الدين الطائر الصيت في المغرب والمشرق المزري عرف الثناء عليه بالعنبر والعبير المثل المضروب في الكتابة والشعر والطب ومعرفة العلوم على اختلاف أنواعها ومصنفاته تخبر عن ذلك ولا ينبئك مثل خبير علم الرؤساء الأعلام الوزير الشهير الذي خدمته السيوف والأقلام وغني بمشهور ذكره عن مسطور التعريف والإعلام واعترف له بالفضل أصحاب العقول الراجحة والأحلام
قال سليل السلاطين الأمير العلامة إسماعيل بن يوسف ابن السلطان القائم بأمر الله محمد الأحمر نزيل فاس رحمه الله في كتابه المسمى بفرائد الجمان فيمن نظمني وإياه الزمان في حق المذكور ما نصه ذو الوزارتين الفقيه الكاتب أبو عبد الله ابن محمد الرئيس الفقيه الكاتب المنتزي ببلدة لوشة عبد الله ابن الفقيه الكاتب القائد سعيد بن عبد الله ابن الفقيه الصالح ولي الله الخطيب سعيد السلماني اللوشي المعروف بابن الخطيب
____________________
(5/7)

وقال القاضي ابن خلدون المغربي المالكي رحمه الله في تاريخه الكبير عندما أجرى ذكر لسان الدين ما نصه أصل هذا الرجل من لوشة على مرحلة من غرناطة في الشمال من البسيط الذي في ساحتها المسمى بالمرج وعلى وادي شنجيل ويقال شنيل المخترق في ذلك البسيط من الجنوب إلى الشمال كان له بها سلك معدود في وزرائها وانتقل أبوه عبد الله إلى غرناطة واستخدم لملوك بني الأحمر واستعمل على مخازن الطعام انتهى
وقال غيره إن بيتهم يعرف قديما ببني الوزير وحديثا ببني الخطيب وسعيد جده الأعلى أول من تلقب بالخطيب وكان من أهل العلم والدين والخير وكذلك سعيد جدهالأقرب كان على خلال حميدة من خط وتلاوة وفقه وحساب وأدب خيرا صدرا توفي عام ثلاثة وثمانين وستمائة وأبوه عبد الله كان من أهل العلم بالأدب والطب وقرأ على أبي الحسن البلوطي وأبي جعفر ابن الزبير وغيرهما وأجازه طائفة من أهل المشرق وتوفي بطريف عام أحد وأربعين وسبعمائة شهيدا يوم الإثنين السابع من جمادى الأولى من العام المذكور مفقودا ثابت الجأش شكر الله فعله
قلت وما ذكره هؤلاء أكثره مأخوذ من كلامه عند تعريفه رحمه الله بنفسه آخر الإحاطة ولنذكر ملخصه إذ صاحب البيت أدرى بالذي فيه مع ما فيه من الزيادة على ما سبق وهي تتم للطالب أمله وتوفيه
قال رحمه الله يقول مؤلف هذا الديوان تغمد الله خطله في ساعات
____________________
(5/8)

أضاعها وشهوة من شهوات اللسان أطاعها وأوقات للإشتغال بما لا يعنيه استبدل بها اللهو لما باعها أما بعد حمد الله الذي يغفر الخطية ويحث من النفس اللجوج المطية فتحرك ركائبها البطية والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد ميسر سبل الخير الوطية والرضى عن آله وصحبه منتهى الفضل ومناخ الطية فإنني لما فرغت من تأليف هذا الكتاب الذي حمل عليه فضل النشاط مع الالتزام لمراعاة السياسة السلطانية والارتباط والتفت إليه فراقني منه صوان درر ومطلع غرر قد تخلدت مآثرهم مع ذهاب أعيانهم وانتشرت مفاخرهم بعد انطواء زمانهم نافستهم في اقتحام تلك الأبواب ولباس تلك الأثواب وقنعت باجتماع الشمل بهم ولو في الكتاب وحرصت على أن أنال منهم قربا وأخذت أعقابهم أدبا وحبا وكما قيل ساقي القوم آخرهم شربا فأجريت نفسي مجراهم في التعريف وحذوت بها حذوهم في بابي النسب والتصريف بقصد التشريف والله سبحانه لا يعدمني وإياهم واقفا يترحم وركاب الاستغفار بمنكبه يزحم عندما ارتفعت وظائف الأعمال وانقطعت من التكسبات حبال الآمال ولم يبق إلا رحمة الله التي تنتاش النفوس وتخلصها وتعينها بميسم السعادة وتخصصها جعلنا اللهممن حسن ذكره ووقف على التماس ما لديه فكره بمنه
محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن علي بن أحمد السلماني قرطبي الأصل ثم طليطلية ثم لوشية ثم غرناطية يكنى أبا عبد الله
____________________
(5/9)

ويلقب من الألقاب المشرقية بلسان الدين
أوليتي يعرف بيتنا في القديم بوزير ثم حديثا بلوشة ببني الخطيب انتقلوا مع أعلام الجالية القرطبية كيحيى بن يحيى الليثي وأمثاله عند وقعة الربض الشهيرة إلى طليطلة ثم تسربوا محومين على وطنهم قبل استيلاء الطاغية عليه فاستقر منهم بالموسطة الأندلسية جملة من النبهاء تضمن منهم ذكر خلق كعبد الرحمن قاضي كورة باغه وسعيد المستوطن بلوشة الخطيب بها المقرون اسمه بالتسويد عند أهلها جاريا مجرى التسمية بالمركب في تاريخ الغافقي وغيره وسكن عقبهم بها وسكن بعضهم منتقرير مملكين إياها مختطين جبل التحصن والمنعة فنسبوا إليها
وكان سعيد هذا من أهل العلم والخير والصلاح والدين والفضل وزكاء الطعمة أوقفني الوزير أبو الحكم ابن محمد المنتقريري وهو بقية هذا البيت وإخباريه على جدار برج ببعض ربى أملاكنا بلوشة تطؤه الطريق المارة من غرناطة إلى إشبيلية وقال كان جدك يذيع بهذا المكان فصولا من العلم ويجهر بتلاوة القرآن فيستوقف الرفاق المدلجة الحنين إلى نغمته والخشوع إلى صدقه فتعرس رحالها لصق جداره وتريح ظهرها موهنا إلى أن يأتي على ورده
وتوفي وقد أصيب بأهله وحرمه عندما تغلب العدو على بلده عنوة في خبر طويل
وقفت على مكتوبات من المتوكل على الله محمد بن يوسف بن هود أمير المسلمين بالأندلس في غرض إعانته والشفاعة إلى الملكة زوج سلطان قشتالة بما يدل على تباهته قديما
____________________
(5/10)

ويفيد إثارة عبرة واستقالة عثرة
وتخلف ولده عبد الله جاريا مجراه في التجلد والتمعش من حر النشب والتزيي بالانقباض والتحلي بالنزاهة إلى أن توفي وتخلف ولده سعيدا جدنا الأقرب وكان صدرا خيرا مستوليا على خلال حميدة من خط وتلاوة وفقه وحساب وأدب نافس جيرته بني الطنجالي الهاشميين وتحول إلى غرناطة عندما شعر بعملهم على الثورة واستطلاعهم إلى النزوة التي خضدت الشوكة واستأصلت منهم الشأفة وصاهر بها الأعيان من بني أضحى بن عبد اللطيف الهمداني أشراف جند حمص الداخلين إلى الجزيرة في طليعة بلج بن بشر القشيري ولحقه من جراء منافسيه لما جاهروا السلطان بالخلعان اعتقال أعتبه السلطان بعده وأحظاه على تفئته وولاه الأعمال النبيهة والخطط الرفيعة
حدثني من أثق به قال عزم السلطان على أن يقعد جدك أستاذا لولده فأنفت من ذلك أم الولد إشفاقا عليه من فظاظة كانت فيه
ثم صاهر القواد من بني الجعدالة على أم أبي ومشت إلى زوج السلطان ببنوة الخؤولة فنبه القدر وانفسخت الحظوة وانثال على البيت الرؤساء والقرابة وكان على قوة شكيمته وصلابة مكسره مؤثرا للخمول محبا في الخير حدثني أبي عن أمه قالت قلما تهنأنا نحن وأبوك طعاما حافلا لإيثاره به من كان يكمن بمسجد جواره من أهل الحاجة وأحلاف الضرورة يهجم علينا منهم بكل وارد ويجعل يده مع يده ويشركه في أكيلته ملتذا بموقعها من فؤاده
وتوفي في ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وستمائة صهرته الشمس مستسقيا في بعض المحول
____________________
(5/11)

وقد استغرق في ضراعته فدلت الحتف على نفسه
وتخلف والدي نابتا في الترف نبت العليق يكنفه رعي أم تجر ذيل نعمة وتحنو منه على واحد تحذر عليه النسيم إذا سرى ففاته لترفه حظ كبير من الاجتهاد وعلى ذلك فقرأ على الخطيب أبي الحسن البلوطي والمقرئ أبي عبد الله ابن مسمغور وأبي جعفر ابن الزبير خاتمة الجلة وكان يفضله
وانتقل إلى لوشة بلد سلفه مخصوصا بلقب الوزارة إلى أن قصدها السلطان أبو الوليد متخطيا إلى الحضرة هاويا إلى ملك البيضة فعضد أمره وأدخله بلده لدواع يطول استقصاؤها ولما تم له الأمر صحب ركابه إلى دار ملكه مستأثرا بشقص عريض من دنياه وكان من رجال الكمال طلق الوجه مع الظرف وتضمن كتاب التاج المحلى والإحاطة رائقا من شعره وفقد في الكائنة العظمى بطريف يوم الإثنين سابع جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وسبعمائة ثابت الجأش غير جزوع ولا هيابة حدثني الخطيب بالمسجد الجامع من غرناطة الفقيه أبو عبد الله ابن اللوشي قال كبا بأخيك الطرف وقد غشي العدو وجنحت إلى إردافه فانحدر إليه والدك وصرفني وقال أنا أولى به فكان آخر العهد بهما انتهى
ومما رثي به والد لسان الدين وأخوه ما ذكره في الإحاطة في ترجمة أبي محمد عبد الله الأزدي إذ قال ما نصه ومما كتب إلي فيما أصابني بطريف
( خطب ألم فأذهب الأخ والأبا ** رغما لأنف شاء ذلك أو أبى )
( قدر جرى في الخلق لا يجد امرؤ ** عما به جرت المقادر مهربا )
( إما جزعت له فعذر بين ** قضت الدواهي أن تحل له الحبا )
____________________
(5/12)


( لاكان يومهما الكربة فكم وكم ** فيه المجلي والمصلي قد كبا )
( يوم لوى ليانه لم يبق للإسلام ** حد مهند إلا نبا )
( وتجمعت فيه الضلال فقابلت ** فيه الهدى فتفرقت أيدي سبا )
( آها لعز المحتدين صرامة ** لأذل عز المهتدين وأذهبا )
( دهم المصاب فعم إلا أنه ** فيما يخصك ما أمر وأصعبا )
( يا ابن الخطيب خطاب مكترث لما ** قد ألزم البث الألد وأوجبا )
( قاسمتك الشجو المقاسمة التي ** صارت بخالص ما محضتك مذهبا )
( لم لا وأنت لدي سابق حلبة ** تزهى بمن في السابقين تأدبا )
( لا عاد يوم نال منك ولا أتت ** سنة به ما الليل أبدى كوكبا )
( يهني الشهيدين الشهادة إنها ** سبب يزيد من الإله تقربا )
( وردا على دار النعيم وحورها ** كلفا ببرهما يزدن ترحبا )
( فاستغن بالرحمن عمن قد ثوى ** من حزب خير من ارتضى ومن اجتبى )
فأجبته بقولي
( أهلا بمقدمك السني ومرحبا ** فلقد حباني الله منك بما حبا )
( وافيت والدنيا علي كأنها ** سم الخياط وطرف صبري قد كبا )
( والدهر قد كشف القناع ولم يدع ** لي عدة للروع إلا أذهبا )
( صرف العنان إلي غير مدافع ** عني وأثبت دون نصرتي الشبا )
( خطب تأوبني يضيق لهوله ** رحب الفضا وتهي لموقعه الربى )
( لو كان بالورق الصوادح في الدجى ** ما بي لعاق الورق عن أن تندبا )
( فأنرت من ظلماء همي ما دجا ** وقدحت من زند اصطباري ما خبا )
____________________
(5/13)


( فكأني لعب الهجير بمهجتي ** وبعثت لي من نفحها نفس الصبا )
( لا كان يومك يا طريف فطالما ** أطلعت للآمال برقا خلبا )
( ورميت دين الله منك بفادح ** عم البسيط مشرقا ومغربا )
( وخصصتني بالرزء والثكل الذي ** أوهى القوى مني وهد المنكبا )
( لا حسن للدنيا لدي ولا أرى ** للعيش بعد أبي وصنوي مأربا )
( لولا التعلل بالرحيل وأننا ** ننضي من الأعمار فيها مركبا )
( فإذا ركضنا للشبيبة أدهما ** حال المشيب به فأصبح أشهبا )
( والملتقى كثب وفي ورد الردى ** نهل الورى من شاء ذلك أو أبى )
( لجريت طوع الحزن دون نهاية ** وذهبت من خلع التصبر مذهبا )
( والصبر أولى ما استكان له الفتى ** رغما وحق العبد أن يتأدبا )
( وإذا اعتمدت الله يوما مفزعا ** لم تلف منه سوى إليه المهربا ) واقعة طريف
وواقعة طريف هذه استشهد فيها جماعة من الأكابر وغيرهم وكان سببها أن سلطان فاس أمير المسلمين أبا الحسن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المريني أجاز البحر إلى جزيرة الأندلس برسم الجهاد ونصرة أهلها على عدوهم حسبما جرت بذلك عادة سلفه وغيرهم من ملوك العدوة وشمر عن ساعد الاجتهاد وجر من الجيوش الإسلامية نحو ستين ألفا وجاء إليه أهل الأندلس بقصد الإمداد وسلطانهم ابن الأحمر ومن معه من الأجناد فقضى الله الذي لا مرد لما قدره أن صارت تلك الجموع مكسرة ورجع السلطان أبو الحسن مغلولا وأضحى حسام الهزيمة عليه وعلى من معه مسلولا ونجا برأس طمرة
____________________
(5/14)

ولجام ولا تسل كيف وقتل جمع من أهل الإسلام ولمة وافرة من الأعلام وأمضى فيهم حكمه السيف وأسر ابن السلطان وحريمه وخدمه ونهبت ذخائره واستولت على الجميع أيدي الكفر والحيف واشرأب العدو الكافر لأخذ ما بقي من الجزيرة ذات الظل الوريف وثبتت قدمه إذ ذاك في بلد طريف وبالجملة فهذه الواقعة من الدواهي المعضلة الداء والأرزاء التي تضعضع لها ركن الدين بالمغرب وقرت بذلك عيون الأعداء ولولا خشية الخروج عن المقصود لأوردت قصتها الطويلة وسردت منها ما يحق لسامعه أن يكثر بكاءه وعويله وقد ألم بها الولي قاضي القضاة ابن خلدون المغربي في كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر فليراجعه من أراده في المجلد الثامن من هذا التاريخ الجامع فإنه ذكر حين ساق هذه الكائنة ما يخرس الألسن ويصم المسامع ولله الأمر من قبل ومن بعد واقعة الربض
وقول لسان الدين رحمه الله في أولية سلفه إنهم انتقلوا مع أعلام الجالية القرطبية إلى آخره أشار بذلك إلى واقعة الربض الشهيرة التي ذكرها ابن حيان في تاريخه الكبير المسمى بالمقتبس في تاريخ الأندلس وقص أمرها غير واحد كابن الفرضي وابن خلدون وملخصها أن أهل ربض قرطبة ثاروا على الأمير الحكم الأموي وفيهم علماء أكابر مثل يحيى بن يحيى الليثي صاحب إمامنا مالك رضي الله عنه وغيره فكانت النصرة للحكم فلما ظفر وقتل من
____________________
(5/15)

شاء أجلى من بقي إلى البلاد وبعضم إلى جزيرة إقريطش ببحر الإسكندرية وفي قصتهم طول وليس هذا محلها والد لسان الدين
وقال لسان الدين رحمه الله أيضا في حق والده ما حاصله عبد الله بن سعيد ابن عبد الله بن سعيد بن أحمد بن علي بن السلماني أبو محمد غرناطي الولادة والاستيطان لوشي الأصل طليطلية قرطبية
وقال في الإكليل إن طال الكلام وجمحت الأقلام كنت كما قيل مادح نفسه يقرئك السلام وإن إجحمت فما سديت في الثناء ولا ألحمت وأضعت الحقوق وخفت ومعاذ الله العقوق هذا ولو أني زجرت طير البيان من أوكاره وجئت بعون الإحسان وأبكاره لما قضيت حقه بعد ولا قلت إلا بالتي علمت سعد فقد كان رحمه الله ذمر عزم ورجل رخاء وأزم تروق أنوار خلاله الباهرة وتضيء مجالس الملوك من صورتيه الباطنة والظاهرة ذكاء يتوقد وطلاقة يحسد نورها الفرقد وكانت له في الأدب فريضة وفي النادرة العذبة منادح عريضة تكلمت يوما بين يديه في مسائل من الطب وأنشدته أبياتا من شعري ورقاعا من إنشائي فتهلل وما برح أن ارتجل
( الطب والشعر والكتابة ** سماتنا في بني النجابة )
( هن ثلاث مبلغات ** مراتبا بعضها الحجابة )
____________________
(5/16)


ووقع لي يوما بخطة على ظهر أبيات بعثتها إليه أعرض عليه نمطها
( وردت كما صدر النسيم بسحرة ** عن روضة جاد الغمام رباها )
( وكأنما هاروت أودع سحره ** فيها وآثرها به وحباها )
( مصقولة الألفاظ يبهر حسنها ** فبمثلها افتخر البليغ وباهى )
( فقررت عينا عند رؤية حسنها ** إني أبوك وكنت أنت أباها )
ومن نظمه قوله
( وقالوا قد دنا فاصبر ستشفى ** فترياق الهوى بعد الديار )
( فقلت هبوا بأن الحق هذا ** بقلبي يمموا فبم اصطباري )
وقال
( عليك بالصمت فكم ناطق ** كلامه أدى إلى كلمه )
( إن لسان المرء أهدى إلى ** غرته والله من خصمه )
( يرى صغير الجرم مستضعفا ** وجرمه أكبر من جرمه )
وقال
( أنا بالدهر يا بني خبير ** فإذا شئت علمه فتعالا )
( كم مليك قد ارتعى منه روضا ** لم يدافع عنه الردى ما ارتعى لا )
( كل شيء تراه يفنى ويبقى ** ربنا الله ذو الجلال تعالى )
مولده بغرناطة في جمادى الأولى عام اثنين وسبعين وستمائة وفقد يوم الوقيعة الكبرى بظاهر طريف يوم الإثنين سابع جمادى الأولى عام واحد وأربعين وسبعمائة ورثيته بقصيدة أولها
____________________
(5/17)


( سهام المنايا لا تطيش ولا تخطي ** وللدهر كف تسترد الذي تعطي )
( وإنا وإن كنا على ثبج الدنا ** فلا بد يوما أن نحل على الشط )
( تساوى على ورد الردى كل وارد ** فلم يغن رب السيف عن ربة القرط )
( وسيان ذل الفقر أو عزة الغنى ** ومن أسرع السير الحثيث ومن يبطي )
وهي طويلة
قال ورثاه شيخنا أبو زكريا ابن هذيل بقصيدة يقول فيها
( إذا أنا لم أرث الصديق فما عذري ** إذا قلت أبياتا حسانا من الشعر )
( ولو كان شعري لم يكن غير ندبة ** وأجريت دمعي لليراع عن الحبر )
( لما كنت أقضي حق صحبته التي ** توخيتها عونا على نوب الدهر )
( رماني عبد الله يوم وداعه ** بداهية دهياء قاصمة الظهر )
( قطعت رجائي حين صح حديثه ** فإن يوف لي دمعي فقد خانني صبري )
( وهل مؤنس كابن الخطيب لوحشتي ** أبث له همي وأودعه سري )
ومنها
( تولى وأخبار الجلالة بعده ** مؤرجة الأنباء طيبة النشر )
( رضينا بترك الصبر من بعد بعده ** على قدر ما في الصبر من عظم الأجر )
( أتى بفتيت المسك فوق جبينه ** نجيعا يفوق المسك في موقف الحشر )
( لقد لقي الكفار منها بعزمة ** لها لقيته الحور بالبر والبشر )
( تجلت عروسا جنة الخلد في الوغى ** تقول لأهل الفوز لا يغلكم مهري )
( فكان من القوم الذين تبادروا ** إلى العالم الأعلى مع الرفقة الغر )
( تعالوا بنا نسقي الأباطح والربى ** بقطر دموع غالبات على القطر )
____________________
(5/18)


( ألا لا تلم عيني لسكب دموعها ** فما سكبت إلا على الماجد الحر )
ومنها
( أإخواننا جدوا فكم جد غيركم ** وسيروا على خف من الحوب والوزر )
( على سفر أنتم لدار تأخرت ** وما الفوز في الأخرى سوى خفة الظهر )
( وما العيش إلا يقظة مثل نومة ** وما العمر إلا كالخيال الذي يسري )
( على الحق أنتم قادمون فشمروا ** فليس لمخذول هنالك من عذر )
وهي طويلة تجاوز الله عنا وعنهم أجمعين انتهى ما لخصته من كلام لسان الدين رحمه الله ترجمة أبي بكر ابن عاصم
قلت على منوال كلامه في تحلية أبيه النبيه شيخ الوزير الكاتب الشهير القاضي أبو يحيى ابن عاصم القيسي الأندلسي رحمه الله في وصف أبيه القاضي أبي بكر ابن عاصم صاحب التحفة في علم القضاء وهو محمد بن محمد بن محمد بن عاصم الأندلسي الغرناطي قاضي الجماعة الرئيس أبو بكر ونص المحتاج إليه في هذا المحل من كلام ولده قوله رحمه الله إن بسطت القول أو عددت الطول وأحكمت الأوصاف وتوخيت الإنصاف أنفدت الطروس وكنت كما يقول الناس في المثل من مدح العروس وإن أضربت عن ذلك صفحا فلبئسما صنعت ولشر ما أمسكت المعروف ومنعت ولكم من حقوق الأبوة
____________________
(5/19)

أضعت ومن ثدي للمعقة رضعت ومن شيطان لغمصة الحق أطعت ولم أرد إلا الإصلاح ما استطعت وإن توسطت واقتصرت وأوجزت واختصرت فلا الحق نصرت ولا أفنان البلاغة هصرت ولا سبيل الرشد أبصرت ولا عن هوى الحسدة أقصرت هذا لو أني أجهدت ألسنة البلاغة فجهدت وأيقظت عيون الإجادة فسهدت واستعرت مواقف عكاظ على ما عهدت لما قررت من الفضل إلا ما به الأعداء قد شهدت ولا استقصيت من المجد إلا ما أوصت به الفئة الشانئة لخلفها الأبتر وعهدت فقد كان رحمه الله علم الكمال ورجل الحقيقة وقارا لا يخف راسيه ولا يعرى كاسيه وسكونا لا يطرق جانبه ولا يرهب غالبه وحلما لا تزل حصاته ولا تهمل وصاته وانقباضها لا يتعدى رسمه ولا يتجاوز حكمه ونزاهة لا ترخص قيمتها ولا تلين عزيمتها وديانة لا تحسر أذيالها ولا يشف سربالها وإدراكا لا يفل نصله ولا يدرك خصله وذهنا لا يخبو نوره ولا ينبو مطروره وفهما لا يخفى فلقه ولا يهزم فيلقه ولا يلحق بحره ولا يعطل نحره وتحصيلا لا يفلت قنيصه ولا يسام حريصه بل لا يحل عقاله ولا يصدأ صقاله وطلبا لا تتحد فنونه ولا تتعين عيونه بل لا تحصر معارفه ولا تقصر مصارفه يقوم أتم قيام على النحو على طريقة متأخري النحاة جمعا بين القياس والسماع وتوجيه الأقوال البصرية واستحضار الشواهد الشعرية واستظهار اللغات والأعربة واستبصار في مذاهب المعربة محليا أجياد تلك الأعاريب من علمي البديع والبيان بجواهر أسلاك ومجليا في آفاق تلك الأساليب من فوائد هذين الفنين زواهر أفلاك إلى ما يتعلق بذلك من قافية للعروض وميزان وما للشعر من بحور وأوزان تضلع بالقراءات أكمل اضطلاع مع التحقيق والاطلاع
____________________
(5/20)

فيقنع ابن الباذش من إقناعه ويشرح لابن شريح ما أشكل من أوضاعه ويقصر عن رتبته الداني ويحوز صدر المنصة من حرز الأماني ويشارك في المنطق وأصول الفقه والعدد والفرائض والأحكام مشاركة حسنة ويتقدم في الأدب نظما ونثرا وكتبا وشعرا إلى براعة الخط وإحكام الرسم وإتقان بعض الصنائع العملية كتفسير الكتب وتنزيل الذهب وغيرهما نشأ بالحضرة العلية لا يغيب عن حلقات المشيخة ولا يريم عن مظان الاستفادة ولا يفتر عن المطالعة والتقييد ولا ينسألم من المناظرة والتحصيل مع المحافظة التي لا تنخرم ولا تنكسر والمفاوضة في الأدب ونظم القريض والفكاهة التي لا تقدح في وقار انتهى ملخصا
وقد أطال في تعريفه بأوراق عدة ثم قال مولده في الربع الثالث من يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى من عام ستين وسبعمائة كما نقلته من خط ابنه ثم قال وله مسائل متعددة في فنون شتى ضمنها كل سديد من البحث وصحيح النظر وأما كتبه فالدر النفيس والياقوت الثمين والروض الأنف والزهر النضير نصاعة لفظ وأصالة غرض وسهولة تركيب ومتانة أسلوب انتهى
ثم ذكر مشيخته وأطال ثم سرد تآليفه الأرجوزة المسماة بتحفة الحكام والأرجوزة المسماة بمهيع الوصول في علم الأصول أصول الفقه والأرجوزة الصغرى المسماة بمرتقى الوصول للأصول كذلك والأرجوزة المسماة بنيل المنى في اختصار الموافقات والقصيدة المسماة بإيضاح المعاني في القراءات الثماني والقصيدة المسماة بالأمل المرقوب في قراءة يعقوب والقصيدة المسماة بكنز المفاوض في علم الفرائض والأرجوزة المسماة بالموجز في النحو حاذى بها رجز ابن مالك في غرض البسط له والمحاذاة لقصده والكتاب المسمى بالحدائق في أغراض شتى من الآداب والحكايات
توفي بين العصر والمغرب يوم الخميس حادي عشر شوال عام تسعة وعشرين
____________________
(5/21)

وثمانمائة انتهى كلام الوزير ابن عاصم وإنما ذكرته لأن أهل الأندلس يقولون في حقه إنه ابن الخطيب الثاني ولولا خوف الإطالة لذكرت بعض إنشائه ونظمه فإنه في الذروة العليا وقد ذكرت جملة من ذلك في أزهار الرياض في أخبار عياض ومايناسبها مما يحصل به للنفس ارتياح وللعقل ارتياض
ولنرجع إلى الترجمة المقصودة فنقول والسلماني نسبة إلى سلمان بإسكان اللام على الصحيح قال ابن الأثير والمحدثون يفتحون اللام وسلمان حي من مراد من عرب اليمن القحطانيين دخل الأندلس منهم جماعة من الشأم وسلف لسان الدين رحمه الله تعالى ينتسبون إليهم كما سبق في كلامه وهو مشهور إلى الآن بالمغرب بابن الخطيب السلماني ولذلك خاطبه شيخه شيخ الكتاب الرئيس أبو الحسن ابن الجياب حين حل مالقة بقوله
( أيا كتابي إذا ما جئت مالقة ** دار الكلام من مثنى ووحدان )
( فلا تسلم على ربع لذي سلم ** بها وسلم على ربع لسلمان )
فأجابه لسان الدين رحم الله تعالى الجميع بقوله
( يا ليت شعري هل يقضي تألفنا ** ويثني الشوق عن غاياته الثاني )
( أو هل يحن على نفسي معذبها ** أو هل يرق لقلبي قلبي الثاني ) عبد العزيز الفشتالي ونونيته
وعلى ذكر نسبة ابن الخطيب لسلمان فقد تذكرت هنا بيتا أنشدنيه لنفسه صاحبنا الوزير الشهير الكبير البليغ صاحب القلم الأعلى سيدي أبو فارس عبد العزيز الفشتالي صب الله تعالى عليه شآبيب رحماه من قصيدة نونية مدح
____________________
(5/22)

بها سيد الوجود وتخلص إلى مدح مولانا السلطان المنصور بالله أبي العباس أحمد الحسني أمير المؤمنين صاحب المغرب رحمه الله تعالى وهو
( أولئك فخري إن فخرت على الورى ** ونافس بيتي في الولا بيت سلمان )
وأراد كما أخبرني ببيت سلمان القبيلة التي منها لسان الملة والدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى أشار إلى ولاء الكتابة للخلافة كما كان لسان الدين السلماني رحمه الله تعالى كذلك وفيه مع ذلك تورية بسلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه
وقد رأيت أن أسرد هنا هذه القصيدة الفريدة لبلاغتها التي بذت شعراء اليتيمة والخريدة ولأن شجون الحديث الذي جر إليها شوقني إلى معاهدي المغربية التي أكثر البكاء عليها بحضرة المنصور بالله الإمام سقى الله تعالى عهادها صوب الغمام حيث الشباب غض يانع والمؤمل لم يحجبه مانع والسلطان عارف بالحقوق والزمان وهو أبو الورى لم يشب بره بالعقوق والليالي مسالمة غير رامية من البين بنبال والغربة الجالبة للكربة لم تخطر ببال ورؤساء الدولة الحسنية السنية ساعون فيما يوافق الغرض ويلائم والأيام ثغورها بواسم وأوقاتها أعياد ومواسم وأفراح وولائم فلله فيها عيش ما نسيناه وعز طالما اقتبسنا نور الهدى من طورسيناه
( مضى ما مضى من حلو عيش ومره ** كأن لم يكن إلا كأضغاث أحلام )
وهذا نص القصيدة
( هم سلبوني الصبر والصبر من شاني ** وهم حرموا من لذة الغمض أجفاني )
( وهم أخفروا في مهجتي ذمم الهوى ** فلم يثنهم عن سفكها حبي الجاني )
____________________
(5/23)


( لئن أترعوا من قهوة البين أكؤسي ** فشوقهم أضحى سميري وندماني )
( وإن غادرتني بالعراء حمولهم ** لقى إن قلبي جاهد إثر أظعاني )
( قف العيس واسأل ربعهم أية مضوا ** أللجزع ساروا مدلجين أم البان )
( وهل باكروا بالسفح من جانب اللوى ** ملاعب آرام هناك وغزلان )
( وأين استقلوا هل بهضب تهامة ** أناخوا المطايا أم على كثب نعمان )
( وهل سال في بطن المسيل تشوقا ** نفوس ترامت للحمى قبل جثمان )
( وإذ زجروها بالعشي فهل ثنى ** أزمتها الحادي إلى شعب بوان )
( وهل عرسوا في دير عبدون أم سروا ** يؤم بهم رهبانهم دير نجران )
( سروا والدجى صبغ المطارف فانثنى ** بأحداجهم شتى صفات وألوان )
( وأدلج في الأسحار بيض قبابهم ** فلحن نجوما في معارج كثبان )
( لك الله من ركب يرى الأرض خطوة ** إذا زمها بدنا نواعم أبدان )
( أرحها مطايا قد تمشي بها الهوى ** تمشي الحميا في مفاصل نشوان )
( ويمم بها الوادي المقدس بالحمى ** به الماء صدا والكلا نبت سعدان )
( وأهد حلول الحجر منه تحية ** تفاوح عرفا ذاكي الرند والبان )
( لقد نفحت من شيح يثرب نفحة ** فهاجت مع الأسحار شوقي وأشجاني )
( وفتت منها الشرق في الغرب مسكة ** سحبت بها في أرض دارين أرداني )
( وأذكرني نجدا وطيب عراره ** نسيم الصبا من نحو طيبة حياني )
( أحن إلى تلك المعاهد إنها ** معاهد راحاتي وروحي وريحاني )
( وأهفو مع الأشواق للوطن الذي ** به صح لي أنسي الهني وسلواني )
( وأصبوا إلى أعلام مكة شائقا ** إذ لاح برق من شمام وثهلان )
( أهيل الحمى ديني على الدهر زورة ** أحث بها شوقا لكم عزمي الواني )
( متى يشتفي جفني القريح بلحظة ** تزج بها في نوركم عين إنساني )
____________________
(5/24)


( ومن لي بأن يدنو لقاكم تعطفا ** ودهري عني دائما عطفة ثاني )
( سقى عهدهم بالخيف عهد تمده ** سوافح دمع من شؤوني هتان )
( وأنعم في شط العقيق أراكة ** بأفيائها ظل المنى والهوى داني )
( وحيا ربوعا بين مروة والصفا ** تحية مشتاق بها الدهر حيران )
( ربوعا بها تتلو الملائكة العلا ** أفانين وحي بين ذكر وقرآن )
( وأول أرض باكرت عرصاتها ** وطرزت البطحا سحائب إيمان )
( وعرس فيها للنبوة موكب ** هو البحر طام فوق هضب وغيطان )
( وأدى بها الروح الأمين رسالة ** أفادت بها البشرى مدائح عنوان )
( هنالك فض ختمها أشرف الورى ** وفخر نزار من معد بن عدنان )
( محمد خير العالمين بأسرها ** وسيد أهل الأرض م الإنس والجان )
( ومن بشرت في بعثه قبل كونه ** نوامس كهان وأخبار رهبان )
( وحكمة هذا الكون لولاه ما سمت ** سماء ولا غاضت طوافح طوفان )
( ولا زخرفت من جنة الخلد أربع ** تسبح فيها أدم حور وولدان )
( ولا طلعت شمس الهدى غب دجية ** تجهم من ديجورها ليل كفران )
( ولا أحدقت بالمذنبين شفاعة ** يذود بها عنهم زباني نيران )
( له معجزات أخرست كل جاحد ** وسلت على المرتاب صارم برهان )
( له انشق قرص البدر شقين وارتوى ** بماء همى من كفه كل ظمآن )
( وأنطقت الأصنام نطقا تبرأت ** إلى الله فيه زخارف ميان )
( دعا سرحة عجما فلبت وأقبلت ** تجر ذيول الزهر ما بين أفنان )
____________________
(5/25)


( وضاءت قصور الشام من نوره الذي ** على كل أفق نازح القطر أو داني )
( وقد بهج الأنوا بدعوته التي ** كست أوجه الغبراء بهجة نيسان )
( وإن كتاب الله أعظم آية ** بها افتضح المرتاب وابتأس الشاني )
( وعدي على شأو البليغ بيانه ** فهيهات منه سجع قس وسحبان )
( نبي الهدى من أطلع الحق أنجما ** محا نورها أسداف إفك وبهتان )
( لعزتها ذل الأكاسرة الألى ** هم سلبوا تيجانها آل ساسان )
( وأحرز للدين الحنيفي بالظبى ** تراث الملوك الصيد من عهد يونان )
( ونقع من سمر القنا السم قيصرا ** فجرعه منه مجاجة ثعبان )
( وأضحت ربوع الكفر والشك بلقعا ** يناغي الصدى فيهن هاتف شيطان )
( وأصبحت السمحا ترف نضارة ** ووجه الهدى بادي الصباحة للراني )
( أيا خير أهل الأرض بيتا ومحتدا ** وأكرم كل الخلق عجم وعربان )
( فمن للقوافي أن تحيط بوصفكم ** ولو ساجلت سبقا مدائح حسان )
( إليك بعثناها أماني أجدبت ** لتسقى بمزن من أياديك هتان )
( أجرني إذا أبدى الحساب جرائمي ** وأثقلت الأوزار كفة ميزاني )
( فأنت الذي لولا وسائل عزه ** لما فتحت أبواب عفو وغفران )
( عليك سلام الله ما هبت الصبا ** وماست على كثبانها ملد قضبان )
( وحمل في جيب الجنوب تحية ** يفوح بمسراها شذا كل توقان )
( إلى العمرين صاحبيك كليهما ** وتلوهما في الفضل صهرك عثمان )
( وحيا عليا عرفها وأريجها ** ووالى على سبطيك أوفر رضوان )
____________________
(5/26)


( إليك رسول الله صممت عزمة ** إذا أزمعت فالشحط والقرب سيان )
( وخاطبت مني القلب وهو مقلب ** على جمرة الأشواق فيك فلباني )
( فيا ليت شعري هل أزم قلائصي ** إليك بدارا أو أقلقل كيراني )
( وأطوي أديم الأرض نحوك راحلا ** نواجي المهارى في صحاصح قيعان )
( يرنحها فرط الحنين إلى الحمى ** إذا غرد الحادي بهن وغناني )
( وهل تمحون عني خطايا افترفتها ** خطا لي في تلك البقاع وأوطان )
( وماذا عسى يثني عناني وإن لي ** بآلك جاها صهوة العز أمطاني )
( إذا ند عن زوارك البأس والعنا ** فجود ابنك المنصور أحمد أغناني )
( عمادي الذي أوطا السماكين أخمصا ** وأوفى على السبع الطباق فأدناني )
( متوج أملاك الزمان وإن سطا ** أحل سيوفا في معاقد تيجان )
( وقاري أسود الغاب بالصيد مثلها ** إذا اضطرب الخطي من فوق جدران )
( هزبر إذا زار البلاد زئيره ** تضاءل في أخياسها أسد خفان )
( وإن أطلعت غيم القتام جيوشه ** وأرزم في مركومه رعد نيران )
( صببن على أرض العداة صواعقا ** أسلن عليهم بحر خسف ورجفان )
( كتائب لو يعلون رضوى لصدعت ** صفاه الجياد الجرد تعدو بعقبان )
( عديد الحصى من كل أروع معلم ** وكل كمي بالرديني طعان )
( إذا جن ليل الحرب عنهم طلى العدا ** هدتهم إلى أوداجها شهب خرصان )
( من اللاء جرعن العدا غصص الردى ** وعفرن في وجه الثرى وجه بستان )
( وفتحن أقطار البلاد فأصبحت ** تؤدي الخراج الجزل أملاك سودان )
____________________
(5/27)


( إمام البرايا من علي نجاره ** ومن عترة سادوا الورى آل زيدان )
( دعائم إيمان وأركان سؤدد ** ذوو همم قد عرست فوق كيوان )
( هم العلويون الذين وجوههم ** بدور إذا ما أحلكت شهب أزمان )
( وهم آل بيت شيد الله سمكه ** على هضبة العلياء ثابت أركان )
( وفيهم فشا الذكر الحكيم وصرحت ** بفضلهم آيات ذكر وفرقان )
( فروع ابن عم المصطفى ووصيه ** فناهيك من فخرين قربى وقربان )
( ودوحة مجد معشب الروض بالعلا ** يجود بأمواه الرسالة ريان )
( بمجدهم الأعلى الصريح تشرفت ** معد على العرباء عاد وقحطان )
( أولئك فخري إن فخرت على الورى ** ونافس بيتي في الولا بيت سلمان )
( إذا اقتسم المداح فضل فخارهم ** فقسمي بالمنصور ظاهر رجحان )
( إمام له في جبهة الدهر ميسم ** ومن عزه في مفرق الملك تاجان )
( سما فوق هامات النجوم بهمة ** يحوم بها فوق السموات نسران )
( وأطلع في أفق المعالي خلافة ** عليها وشاح من علاه وسمطان )
( إذا ما احتبى فوق الأسرة وارتدى ** على كبرياء الملك نخوة سلطان )
( توسمت لقمان الحجي وهو ناطق ** وشاهدت كسرى العدل في صدر إيوان )
( وإن هزه حر الثناء تدفقت ** أنامله عرفا تدفق خلجان )
( أيا ناظر الإسلام شم بارق المنى ** وباكر لروض في ذرا المجد فينان )
( قضى الله في علياك أن تملك الدنا ** وتفتحها ما بين سوس وسودان )
( وأنك تطوي الأرض غير مدافع ** فمن أرض سودان إلى أرض بغدان )
( وتملؤها عدلا يرف لواؤه ** على الهرمين أو على رأس غمدان )
( فكم هنأت أرض العراق بك العلا ** ووافت بك البشرى لأطراف عمان )
( فلو شارفت شرق البلاد سيوفكم ** أتاك استلابا تاج كسرى وخاقان )
____________________
(5/28)


( ولو نشر الأملاك دهرك أصبحت ** عيالا على علياك أبناء مروان )
( وشايعك السفاح يقتاد طائعا ** برايته السوداء أهل خراسان )
( فما المجد إلا ما رفعت سماكه ** على عمدي سمر الطوال ومران )
( وهاتيك أبكار القوافي جلبتها ** تغار لهن الحور في دار رضوان )
( أتتك أمير المؤمنين كأنها ** لطائم مسك أو خمائل بستان )
( تعاظمن حسنا أن يقال شبيهها ** فرائد در أو قلائد عقيان )
( فلا زلت للدنيا تحوط جهاتها ** وللدين تحميه بملك سليمان )
( ولا زلت بالنصر العزيز مؤزرا ** تقاد لك الأملاك في زي عبدان ) نونية أبي الفتح التونسي
انتهت القصيدة التي في تغزلها شرح الحال وإعراب عما في ضمير الغربة والارتحال ولنعززها بأختها في البحر والروي قصيدة القاضي الشهير الذكر الأديب الذي سلبت النهى كواعب شعره إذ أبرزها من خدور الفكر الشيخ الإمام سيدي أبو الفتح محمد بن عبد السلام المغربي التونسي نزيل دمشق الشام صب الله على ضريحه سجال الرحمة والإنعام فإنها نفث مصدور غريب وبث معذور أريب فارق مثلي أوطانه وما سلاها وقرأ آيات الشجو وتلاها وتمنى أن يجود له الدهر برؤية مجتلاها وهي قوله رحمه الله وأنشأها بدمشق عام واحد وخمسين وتسعمائة
( سلوا البارق النجدي عن سحب أجفاني ** وعما بقلبي من لواعج نيران )
( ولا تسألوا غير الصبا عن صبابتي ** وشدة أشواقي إليكم وأشجاني )
( فما لي سواها من رسول إليكم ** سريع السرى في سيره ليس بالواني )
____________________
(5/29)


( فيا طال بالأسحار ما قد تكلفت ** بإنعاش محزون وإيقاظ وسنان )
( وتنفيس كرب عن كثيب متيم ** يحن إلى أهل ويصبو لأوطان )
( فلله ما أذكى شذا نسمة الصبا ** صباحا إذا مرت على الرند والبان )
( وسارت مسير الشمس وهنا فأصبحت ** من الشرق نحو الغرب تجري بحسبان )
( وقد وقفت بالشام وقفة حامل ** نوافج مسك من ظباء خراسان )
( لترتاض في تلك الرياض هنيئة ** وتزداد من أزهارها طيب أردان )
( وما غربت حتى تضاعف نشرها ** بواسطتي روح هناك وريحان )
( فكم نحوكم حملتها من رسالة ** مدونة في شرح حالي ووجداني )
( وناشدتها بالله إلا تفضلت ** بتبليغ أحبابي السلام وجيراني )
( تحية مشتاق إلى ذلك الحمى ** وسكانه والنازحين بأظعان )
( سقى الله هاتيك الديار وأهلها ** سحائب تحكي صوب مدمعي القاني )
( وحيا ربوع الحي من خير بلدة ** تخيرها قدما أفاضل يونان )
( هي الحضرة العليا مدينة تونس ** أنيسة إنسان رآها بإنسان )
( لها الفخر والفضل المبين بما حوت ** من الأنس والحسن المنوط بإحسان )
( لقد حل منها آل حفص ملوكها ** مراتب تسمو فوق هامة كيوان )
( وسادوا بها كل الملوك وشيدوا ** بها من مباني العز أفخر بنيان )
( وكان لهم فيها بهاء وبهجة ** وحسن نظام لا يعاب بنقصان )
( وكان لهم فيها عساكر جمة ** تصول بأسياف وتسطو بمران )
( وجيوش وفرسان يضيق بها الفضا ** ويحجم عنها الفرس من آل ساسان )
( وكان لأهليها المفاخر والعلا ** وكان بها حصنا أمان وإيمان )
( وكان على الدنيا جمال بحسنها ** وحسن بنيها من ملوك وأعيان )
( وكانت لطلاب المعارف قبلة ** لما في حماها من أئمة عرفان )
( وكان لأهل العلم فيها وجاهة ** وجاه وعز مجده ليس بالفاني )
( وكان بواديها المقدس فتية ** تقدس باريها بذكر وقرآن )
____________________
(5/30)


( ومن أدباء النظم والنثر معشر ** تفوق بناديها بلاغة سحبان )
( وكانت على الأعداء في حومة الوغى ** تطول بأبطال وتسطو بشجعان )
( وما برحت فيها محاسن جمة ** وفي كل نوع أهل حذق وإتقان )
( إلى أن رمتها الحادثات بأسهم ** وسلت عليها سيف بغي وعدوان )
( فما لبثت تلك المحاسن أن عفت ** وأقفر ربع الأنس من بعد سكان )
( وشتت ذاك الشمل من بعد جمعه ** كما انتثرت يوما قلائد عقيان )
( فأعظم برزء خص خير مدينة ** وخير أناس بين عجم وعربان )
( لعمري لقد كادت عليها قلوبنا ** تضرم من خطب عراها بنيران )
( وقد عمنا غم بعظم مصابها ** وإن خصني منه المضر بجثماني )
( وما بقيت فيما علمناه بلدة ** من الشرق إلا ألبست ثوب أحزان )
( فصبرا أخي صبرا على المحنة التي ** رمتك بها الأقدار ما بين إخوان )
( فما الدهر إلا هكذا فاصطبر له ** رزية مال أو تفرق خلان )
( أأحبابنا إن فرق الدهر بيننا ** وطال مغيبي عنكم منذ أزمان )
( فإني على حفظ الوداد وحقكم ** مقيم وما هجر الأحبة من شاني )
( ووالله والله العظيم ألية ** على صدقها قامت شواهد برهان )
( لقد زاد وجدي واشتياقي إليكم ** وبرح بي طول البعاد وأضناني )
( فلا تحسبوا أني تسليت بعدكم ** بشيء من الدنيا وزخرفها الفاني )
( ولا أنني يوما تناسيت عهدكم ** بحال ولا أن التكاثر ألهاني )
( ولا راقني روض ولا هش مسمعي ** لنغمة أطيار ورنة عيدان )
( ولا حل في فكري سواكم بخلوة ** ولا جلوة ما بين حور وولدان )
( ولا اختلجت يوما ضمائر مهجتي ** لغيركم في سر سري وإعلاني )
( ولو لم أسل النفس بالقرب واللقا ** لأدرج جسمي في مقاطع أكفاني )
____________________
(5/31)


( فما أنا في عودي إليكم بآيس ** فما اليأس إلا من علامة كفران )
( عليكم سلام الله في كل ساعة ** تحية صب لا يدين بسلوان )
( مدى الدهر ما ناحت مطوقة وما ** تعاقب بين الخافقين الجديدان ) نونية ابن الخطيب
ولصاحب الترجمة لسان الدين ابن الخطيب قصيدة طنانة بهذا الوزن والقافية مدح بها السلطان أبا سالم المريني حين فتح تلسمان وقد رأيت إيرادها في هذا الباب لما اشتمل عليه آخرها من شرح أمر الإغتراب الذي حير الألباب وللمناسبة أسباب لا تخفى على من له فكر مصيب وكل غريب للغريب نسيب وهي
( أطاع لساني في مديحك إحساني ** وقد لهجت نفسي بفتح تلمسان )
( فأطلعتها تفتر عن شنب المنى ** وتسفر عن وجه من السعد حياني )
( كما ابتسم النوار عن أدمع الحيا ** وجف بخد الورد عارض نيسان )
( كما صفقت ريح الشمال شمولها ** فبان ارتياح السكر في غصن البان )
( تهنيك بالفتح لذي معجزاته ** خوارق لم تذخر سواك لإنسان )
( خففت إليها والجفون ثقيلة ** كما خف شثن الكف من أسد خفان )
( وقدت إلى الأعداء فيها مبادرا ** ليوث رجال في مناكب عقبان )
( تمد بنود النصر منهم ظلالها ** على كل مطعام العشيات مطعان )
( جحاجحة غر الوجوه كأنما ** عمائمهم فيها معاقد تيجان )
( أمدك فيها الله بالملإ العلا ** فجيشك مهما حقق الأمر جيشان )
____________________
(5/32)


( لقد جليت منك البلاد لخاطب ** لقد جنيت منك الغصون إلى جاني )
( لقد كست الإسلام بيعتك الرضى ** وكانت على أهليه بيعة رضوان )
( ولله من ملك سعيد ونصبة ** قضى المشتري فيها بعزلة كيوان )
( وسجل حكم العدل بين بيوتها ** وقوفا مع المشهور من رأي يونان )
( فلم تخش سهم القوس صفحة بدرها ** ولم تشك فيها الشمس من بخس ميزان )
( ولم يعترض مبتزها قطع قاطع ** ولا نازعت نوبهرها كف عدوان )
( تولى اختيار الله حسن اختيارها ** فلم يحتج الفرغان فيها لفرغان )
( ولا صرفت فيها دقائق نسبة ** ولو خفقت فيها طوالع بلدان )
( وجوه القضايا في كمالك شأنها ** وجوب إذا خصت سواك بإمكان )
( ومن قاس منك الجود بالبحر والحيا ** فقد قاس تمويها قياس سفسطاني )
( وطاعتك العظمى بشارة رحمة ** وعصيانك المحذور نزغة شيطان )
( وحبك عنوان السعادة والرضى ** ويعرف مقدار الكتاب بعنوان )
( ودين الهدى جسم وذاتك روحه ** وكم وصلة ما بين روح وجثمان )
( تضن بك الدنيا ويحرسك العلا ** كأنك منها بين لحظ وأجفان )
( بنيت على أساس أسلافك العلا ** فلا هدم المبني ولا عدم الباني )
( وصاحت بك العليا فلم تك غافلا ** ونادت بك الدنيا فلم تك بالواني )
( ولم تك في خوض البحار بهائب ** ولم تك في نيل الفخار بكسلان )
( لقد هز منك العزم لما انتضيته ** ذوائب رضوى أو مناكب ثهلان )
( ولله عينا من رآها محلة ** هي الحشر لا تحصى بعد وحسبان )
( وتنور عزم فار في إثر دعوة ** يعم الأقاصي والأدانى بطوفان )
( عجائب أقطار ومألف شارد ** وأفلاذ آفاق وموعد ركبان )
( إذا ما سرحت اللحظ في عرصاتها ** تبلد منك الذهن في العالم الثاني )
( جنى حان والنصر العزيز اهتصاره ** إذا انتظمت بالقلب منها جناحان )
____________________
(5/33)


( فمن سحب لاحت بها شهب القنا ** ومن كثب بيض بدت فوق كثبان )
( مضارب في البطحاء بيض قبابها ** كما قلبت للعين أزهار سوسان )
( وما إن رأى الراءون في الدهر قبلها ** قرارة عز في مدينة كتان )
( تفوت التفات الطرف حال اقتبالها ** كأنك قد سخرت جن سليمان )
( فقد أطرقت من خوفها كل بيعة ** وطأطأ من إجلالها كل إيوان )
( وقد ذعرت خولان بين بيوتها ** غداة بدت منها البيوت بخولان )
( فلو رميت مصر بها وصعيدها ** لأضحت خلاء بلقعا بعد عمران )
( ولو يممت سيف بن ذي يزن لما ** تقرر ذاك السيف في غمد غمدان )
( تراع بها الأوثان في أرض رومة ** إذا خيمت شرقا على طرق أوثان )
( وتجفل إجفال النعامي ببرقة ** ليوث الشرى ما بين ترك وعربان )
( وعرضا كيوم العرض أذهل هوله ** عياني وأعياني تعدد أعيان )
( وجيشا كقطع الليل للخيل تحته ** إذا صهلت مفتنة رجع ألحان )
( فيومض من بيض الظبي ببوارق ** ويقذف من سمر الرماح بشهبان )
( ويمطر من ودق السهام بحاصب ** سحائبه من كل عوجاء مرنان )
( وجردا إذا ما ضمرت يوم غاية ** تعجبت من ريح تقاد بأرسان )
( تسابق ظلمان الفلاة بمثلها ** وتذعر غزلان الرمال بغزلان )
( ودون مهب العزم منك قواضب ** أبي النصر يوما أن تلم بأجفان )
( نظرت إليها والنجيع لباسها ** فقلت سيوف أم شقائق نعمان )
( تفتح وردا خدها حين جردت ** ولا ينكر الأقوام خجلة عريان )
( كأن الوغى نادت بها لوليمة ** قد احتفلت أوضاعها منذ أزمان )
( فإن طعمت بالنصر كان وضوءها ** نجيعا ووافاها الغبار بأشنان )
( لقد خلصت لله منك سجية ** جزاك على الإحسان منك بإحسان )
( فسيفك للفتح المبين مصاحب ** وعزمك والنصر المؤزر إلفان )
( فرح واغد للرحمن تحت كلاءة ** وسرحان في غاب العدا كل سرحان )
____________________
(5/34)


( ودم المنى تدني إليك قطافها ** ميسر أوطار ممهد أوطان )
( وكن واثقا بالله مستنصرا به ** فسلطانه يعلو على كل سلطان )
( كفاك العدا كاف لملكك كافل ** فضدك نضو ميت بين أكفان )
( رضى الوالد المولى أبيك عرفته ** وقد أنكر المعروف من بعد عرفان )
( فكم دعوة أولاك عند انتقاله ** إلى العالم الباقي من العالم الفاني )
( فعرفت في السراء نعمة منعم ** وألحفت في الضراء رحمة رحمان )
( عجبت لمن يبغي الفخار بدعوة ** مجردة من غير تحقيق برهان )
( وسنة إبراهيم في الفخر قد أتت ** بكل صحيح عن علي وعثمان )
( ومن مثل إبراهيم في ثبت موقف ** إذا ما التقى في موقف الحرب صفان )
( إذا هم لم يلفت بلحظة هائب ** وإن من لم ينفث بلفظه منان )
( فصاحة قس في سماحة حاتم ** وإقدام عمرو تحت حكمة لقمان )
( شمائل ميمون النقيبة أروع ** له قصبات السبق في كل ميدان )
( محبته فرض على كل مسلم ** وطاعته في الله عقدة إيمان )
( هنيئا أمير المسلمين بنعمة ** حبيت بها من مطلق الجود منان )
( لزينت أجياد المنابر بالتي ** أتاح لها الرحمن في آل زيان )
( قلائد فتح هن لكن قدرها ** ترفع أن يدعى قلائد عقيان )
( أمولاي حبي في علاك وسيلتي ** ولطفك بي دأبا بمدحك أغراني )
( أياديك لا أنسى على بعد المدى ** نعوذ بك اللهم من شر نسيان )
( فلا جحد ما خولتني من سجيتي ** ولا كفر نعماك العميمة من شاني )
( ومهما تعجلت الحقوق لأهلها ** فإنك مولاي الحقيق وسلطاني )
( وركني الذي لما نبا بي منزلي ** أجاب ندائي بالقبول وآواني )
( وعالج أيامي وكانت مريضة ** بحكمة من لم ينتظر يوم بحران )
( فأمنني الدهر الذي قد أخافني ** وجدد لي السعد الذي كان أبلاني )
____________________
(5/35)


( وخولني الفضل الذي هو أهله ** وشيكا وأعطاني فأفعم أعطاني )
( تخونني صرف الحوادث فانثنى ** يقبل أرداني ومن بعد أرداني )
( وأزعجني من منشئي ومبوئي ** ومعهد أحبابي ومألف جيراني )
( بلادي التي فيها عقدت تمائمي ** وجم بها وفري وجل بها شاني )
( تحدثني عنها الشمال فتنثني ** وقد عرفت مني شمائل نشوان )
( وآمل أن لا أستفيق من الكرى ** إذا الحلم أوطاني بها تراب أوطاني )
( تلون إخواني علي وقد جنت ** علي خطوب جمة ذات ألوان )
( وما كنت أدري قبل أن يتنكروا ** بأن خواني كان مجمع خواني )
( وكانت وقد حم القضاء صنائعي ** علي بما لا أرتضي شر أعواني )
( فلولاك بعد الله يا ملك العلا ** وقد فت ما ألفيت من يتلافاني )
( تداركت مني بالشفاعة منعما ** بريئا رماه الدهر في موقف الجاني )
( فإن عرف الأقوام حقك وفقوا ** وإن جهلوا باءوا بصفقة خسران )
( وإن خلطوا عرفا بنكر وقصروا ** وزنت بقسطاس قويم وميزان )
( وحرمة هذا اللحد يأبى كمالها ** هضيمة رد أو حطيطة نقصان )
( وقد نمت عن أمري ونبهت همة ** تحدق من علو إلى صرح هامان )
( إذا دانت الله النفوس وأملت ** إقالة ذنب أو إنالة غفران )
( فمولاك يا مولاي قبلة وجهتي ** وعهدة إسراري وحجة إعلاني )
( وقفت على مثواه نفسي قائما ** بترديد ذكر أو تلاوة قرآن )
( ولو كنت أدري فوقها من وسيلة ** إلى ملكك الأرضى لشمرت أرداني )
( وأبلغت نفسي جهدها غير أنني ** طلابي ما بعد النهاية أعياني )
( قرأت كتاب الحمد فيك لعاصم ** فصح أدائي واقتدائي وإتقاني )
____________________
(5/36)


( فدونكها من بحر فكري لؤلؤا ** يفصل من حسن النظام بمرجان )
( وكان رسول الله بالشعر يعتني ** وكم حجة في شعر كعب وحسان )
( ووالله ما وفيت قدرك حقه ** ولكنه وسعي ومبلغ إمكاني ) رسالة لسان الدين إلى أبي سالم
وكتب لسان الدين رحمه الله قبل هذه القصيدة نثرا من إنشائه يخاطب به السلطان أبا سالم المذكور وذلك أنه ورد على لسان الدين وهو بشالة سلا كتاب السلطان المذكور بفتح تلمسان وكان وروده يوم الخميس سابع عشر شعبان عام واحد وستين وسبعمائة ونص ما كتب به لسان الدين
مولاي فتاح الأقطار والأمصار فائدة الأزمان والأعصار أثير هبات الله الآمنة من الاعتصار قدوة أولي الأيدي والأبصار ناصر الحق عند قعود الأنصار مستصرخ الملك الغريب من وراء البحار مصداق دعاء الأب المولى في الأصائل والأسحار أبقاكم الله سبحانه لا تقف إيالتكم عند حد ولا تحصى فتوحات الله تعالى عليكم بعد ولا تفيق اعداؤكم من كد ميسرا على مقامكم ما عسر على كل أب كريم وجد عبدكم الذي خلص إبريز عبوديته لملك ملككم المنصور المعترف لأدنى رحمة من رحماتكم بالعجز عن شكرها والقصور الداعي إلى الله سبحانه أن يقصر عليكم سعادة العصور ويذلل بعز طاعتكم أنف الأسد الهصور ويبقى الملك في عقبكم وعقب عقبكم إلى يوم ينفخ فيه الصور فلان من الضريح المقدس بشالة وهو الذي تعددت على المسلمين حقوقه وسطع نوره وتلألأ شروقه وبلغ مجده السماء لما بسقت فروعه ووشجت عروقه وعظم ببيوتكم فخره فما فوق البسيطة فخر يفوقه حيث الجلال قد رست هضابه والملك قد كسيت بأستار الكعبة الشريفة قبابه والبيت العتيق قد ألحفت الملاحف الإمامية أثوابه والقرآن العزيز ترتل أحزابه
____________________
(5/37)

والعمل الصالح يرتفع إلى الله ثوابه والمستجير يخفي بالهيبة سؤاله فيجهر بنعرة العز جوابه وقد تفيأ من أوراق الذكر الحكيم حديقة وخميلة أنيقة وحط بجودي الجود نفسا في طوفان العز غريقة والتحف رفرف الهيبة التي لا تهتدي النفس فيها إلا بهداية الله تعالى طريقة واعتز بعزة الله وقد توسط جيش الحرمة المرينية حقيقة إذ جعل المولى المقدس المرحوم أبا الحسن مقدمة وأباه وجده سيقة يرى بركم بهذا اللحد الكريم قد طنب عليه من الرضى فسطاطا وأعلق به يد العناية المرينية اهتماما واغتباطا وحرر له أحكام الحرمة نصا جليا واستنباطا وضمن له حسن العقبى التزاما واشتراطا وقد عقد البصر بطريقة رجمتكم المنتظرة المرتقبة ومد اليد إلى لطائف شفاعتكم التي تتكفل بعتق المال كما تكفلت بعتق الرقبة وشرع في المراح بميدان نعمتكم بعد اقتحام هذه العقبة لما شنفت الأذن البشرى التي لم يبق طائر إلا سجع بها وصدح ولا شهاب دجنة إلا اقتبس من نورها واقتدح ولا صدر إلا انشرح ولا غصن عطف إلا مرح بشرى الفتح القريب وخبر النصر الصحيح الحسن الغريب فتح تلمسان الذي قلد المنابر عقود الابتهاج ووهب الإسلام منيحة النصر غنية عن الانتهاج وألحف الخلق ظلا ممدودا وفتح باب الحج وكان مسدودا وأقر عيون أولياء الله الذين يذكرون الله قياما وقعودا وأضرع بسيف الحق جباها أبية وخدودا وملككم حق أبيكم الذي أهان عليه الأموال وخاض من دونه الأهوال وأخلص فيه الضراعة والسؤال من غير كد يغمز عطف المسرة ولا جهد يكدر صفو النعم الثرة ولا حصر ينفض به المنجنيق ذؤابته ويظهر بتكرار الركوع إنابته
فالحمد لله الذي أقال العثار ونظم بدعوتكم الإنتثار وجعل ملككم يجدد الآثار ويأخذ الثار والعبد يهنئ مولاه بما أنعم الله تعالى به عليه وأولاه فإذا أجال العبيد قداح السرور فللعبد المعلى والرقيب إذا استهموا حظوظ الجذل فلي القسم الوافر والنصيب وإذا اقتسموا فريضة شكر الله فلي الحظ
____________________
(5/38)

والتعصيب لتضاعف أسباب العبودية قبلي وترادف النعم التي عجز عنها قولي وعملي وتقاصر في ابتغاء مكافأتها وجدي وإن تطاول أملي فمقامكم المقام الذي نفس الكربة وآنس الغربة ورعى الوسيلة والقربة وأنعش الأرماق وفك الوثاق وأدر الأرزاق وأخذ على الدهر بالاستقالة العهد والميثاق
وإن لم يباشر العبد اليد العالية بهذا الهناء ويمثل بين يدي الخلافة العظيمة السنا والسناء ويمد بسبب اليد إلى تلك السماء فقد باشر به اليد التي يحن مولاي لتذكر تقبيلها ويكمل فروض المجد بتوفية حقوقها الأبوية وتكميلها ووقفت بين يدي ملك الملوك الذي أجال عليها القداح ووصل في طلب وصالها بالمساء الصباح وكان فتحه إياها أبا عذرة الافتتاح وقلت يهنيك يا مولاي رد ضالتك المنشودة وجبر لقطعتك المعرفة المشهودة ورد أمتك المودودة فقد استحقها وارثك الأرضى وسيفك الأمضى وقاضي دينك وقرة عينك مستنفذ دارك من يد غاصبها وراد رتبتك إلى مناصبها وعامر المثوى الكريم وساتر الأهل والحريم مولاي هذه تلمسان قد طاعت وأخبار الفتح على ولدك الحبيب إليك قد شاعت والأمم إلى هنائه قد تداعت وعدوك وعدوه قد شردته المخافة وانضاف إلى عرب الصحراء فخفضته الإضافة وعن قريب تتحكم فيه يد احتكامه وتسلمه السلامة إلى حمامه فلتطب يا مولاي نفسك وليستبشر رمسك فقد نمت بركتك وزكا غرسك نسأل الله أن يورد على ضريحك من أنباء نصره ما تفتح له أبواب السماء قبولا ويترادف إليك مددا موصولا وعددا آخرته خير لك من الأولى ويعرفه بركة رضاك ظعنا وحلولا ويضفي عليك منه سترا مسدولا
ولم يقنع العبد بخدمة النثر حتى أجهد القريحة التي ركضها الدهر فأنضاها واستشفها الحادث الجلل فتقضاها فلفق من خدمة المنظوم ما يتغمد حلمكم تقصيره ويكون إغضاؤكم إذا لقي معرة العتب وليه ونصيره وإحالة مولاي
____________________
(5/39)

على الله في نفسي جبرها ووسيلة عرفها مجده فما أنكرها وحرمة بضريح مولاي والده شكرها ويطلع العبد منه على كمال أمله ونجح عمله وتسويغ مقترحه وتتميم جذله
( أطاع لساني في مديحك إحساني ** )
إلى آخر القصيدة التي تقدمت نونية الفقيه عمر الزجال
وحيث اقتضت المناسبة جلب هذه النونيات فلنضف إليها قصيدة أديب الأندلس الفقيه عمر صاحب الأزجال إذ هو من فرسان هذا المجال وقد وطأ لها بنثر وجعل الجميع مقامة ساسانية سماها تسريح النصال إلى مقاتل الفصال ونصها يا عماد السالكين ومحط المستفيدين والمتبركين وثمال الضعفاء والمساكين والمتروكين في طريقك يتنافس المتنافس وعلى أعطافك تزهى العباءات وتروق الدلافس وبكتابك تحيا جوامد الأفهام وبمذبتك تشرد ذباب الأوهام وفي زنبيلك يدس التالد والطارف وبعصاك يهش على بدائع المعارف الله الله في سالك ضاقت عليه المسالك وشاد رمي بإبعاد أدركته متاعب الحرفة وأقيم من صف أهل الصفة فلا يجد نشاطا على ما يتعاطى ولا يلقى اغتباطا إن حل زاوية أو نزل رباطا أقصي عن أهل القرب والتخصيص وابتلى بمثل حالة برصيص فأحيل عليك وتوقفت إقالته على
____________________
(5/40)

توبة بين يديك فكاتبك استدعاء واستوهب منك هداية ودعاء ليسير على ما سويت ويتحمل عنك أشتات ما رويت فيلقى الأكفاء الظرفاء عزيزا ويباهي بك كل من خاطبك مستجيزا فاصرف إلي محيا الرضى وعد من إيناسك للعهد الذي مضى ولا تلقى معرضا ولا معرضا وأصخ لي سمعك كما قدر الله تعالى وقضى
( تعال نجددها طريقة ساسان ** نعض عليها ما توالى الجديدان )
( ونصرف إليها من مثار عزائم ** ونحلف عليها من مؤكد أيمان )
( ونعقد على حكم الوفاء هواءنا ** لنأمن من أقوال زور وبهتان )
( ونقسم على أن لا نصدق واشيا ** يروح ويغدو بين إثم وعدوان )
( يطوف حوالينا ليفسد بيننا ** بمنطق إنسان وخدعة شيطان )
( على أننا من عالم كلما بدا ** تعوذ منه عالم الإنس والجان )
( وحاشاك أن تلقي على الصلح معرضا ** إلى الصلح آلت حرب عبس وذبيان )
( وإني أهمتني شؤون كثيرة ** وصلحت أولى ما أقدم من شاني )
( فأنت إمامي إن كلفت بمذهب ** وأنت دليلي إن صدعت ببرهان )
( سأرعاك في أهل العباءات كلما ** رأيتك في أهل الطيالس ترعاني )
( ويا لابسي تلك العباءات إنها ** لباس إمام في الطريقة دهقان )
( تفرقت الألوان منها إشارة ** بأنك تأتي من حلاك بألوان )
( ويا بأبي الفصال شيخ طريقة ** خلوب لألباب لعوب بأذهان )
( إذا جاء في الثوب المحبر خلته ** زنيبيرة قد مد منها جناحان )
( فما تأمن الأبدان آفة لسعها ** وإن أقبلت في سابغات وأبدان )
( سأدعوك في حالات كيدي وكديتي ** بشيخي ساسان وعمي هامان )
____________________
(5/41)


( فإن كان في الأنساب منا تباين ** فما تنكر الآداب أنا نسيبان )
( ألا فادع لي في جنح ليلك دعوة ** لتنجح آمالي ويرجح ميزاني )
( لك الطائر الميمون في كل وجهة ** سريت إليها غير نكس ولا واني )
( فكم من فقير بائس قد عرفته ** فرفت عليه نعمة ذات أفنان )
( وكم من رفيع الحياة واليت أنسه ** فعاش قرير العين مرتفع الشان )
( فلو كنت للفتح بن خاقان صاحبا ** لما خانه المقدور في ليلة الخان )
( ولو كنت للصابي صديقا ملاطفا ** لما قبلت فيه مقالة بهتان )
( ولو كنت من عبد الحميد مقربا ** لما هزم السفاح أشياع مروان )
( ولو كنت قد أرسلتها دعوة على ** أبي مسلم ما حاز أرض خراسان )
( ولو كنت في يوم الغبيط مراسلا ** لبسطام لم تهزم به آل شيبان )
( ولو كنت في حرب الأمين لطاهر ** لما هام في يوم اللقاء ابن ماهان )
( ولو كنت في مغزى أبي يوسف لما ** رماه بغدر عبده في تلمسان )
( ولو أن كسرى يزدجرد عرفته ** لما لاح مقتولا على يد طحان )
( ولو أن لذريقا وطئت بساطه ** لما أثرت فيه مكيدة اليان )
( وفيما مضى في فاس أوضح شاهد ** غني لدينا عن بيان وتبيان )
( ولما اعتنى منك السعيد بكاتب ** رأى ما ابتغى من عز ملك وسلطان )
( فلا تنسني من أهل ودك إنني ** أخاف الليالي أن تطول فتنساني )
____________________
(5/42)


( ولا خير إن تجعل كفاء قصيدتي ** كفاء ابن دراج على مدح خيران )
( فجد بدنانير ولا تكن التي ** ألم بها الكندي في شعب بوان )
( فجودك فينا الغيث في رمل عالج ** وفضلك فينا الخبز في دار عثمان )
( وما زلت من قبل السؤال مقابلا ** مرادي بإحساب وقصدي بإحسان )
( ولا تنس أياما تقضت كريمة ** بزاوية المحروق أو دار همدان )
( وتأليفنا فيها لقبض إتاوة ** وإغرام مسنون وقسمة حلوان )
( وقد جلس الطرقون بالبعد مطرقا ** يقول نصيبي أو أبوح بكتمان )
( عريفي يلحاني إذا ما أتيته ** ولم أنصرف عنكم بواجب ألحان )
( وقد جمعت تلك الطريقة عندنا ** أئمة حساب وأعلام كهان )
( إذا استنزلوا الأرواح باسم تبادرت ** طوائف ميمون وأشياع برقان )
( وإن بخروا عند الحلول تأرجت ** مباخرهم عن زعفران ولوبان )
( وإن فتحوا الدارات في رد آبق ** ثنت عزمه أوهام خوف وخذلان )
( فيحسب أن الأرض حيث ارتمت به ** ركائبه سرعان رجل وركبان )
( وقد عاشرتنا أسرة كيموية ** أقامت لدينا في مكان وإمكان )
( فلله من أعيان قوم تألفوا ** على عقد سحر أو على قلب أعيان )
____________________
(5/43)


( ونحن على ما يغفر الله إنما ** نروح ونغدو من رباط إلى خان )
( مع الصبح نصفيها عباءة صفة ** وبالليل نلويها زنانير رهبان )
( أتذكر في سفح العقاب مبيتكم ** ثمانين شخصا من إناث وذكران )
( لديكم من الألوان ما لم يجئ به ** طهور ابن ذنون ولا عرس بوران )
( وكم شائق منكم إلى عقد تكة ** وكم هائم فيكم على حل هميان )
( فأطفأت قنديل المكان تعمدا ** وأومأت فانقضوا كأمثال عقبان )
( وناديت في القوم الركوب فأسرعوا ** فريق لنسوان وقوم لذكران ) فأقسم بالأيمان لولا تعففي ** عن السوء لانحلت عقيدة إيماني )
( فعد للذي كنا عليه فإن لي ** على الغير إن صاحبته حقد غيران )
( فمن يوم إذا صيرت ودي جانبا ** وأعرضت عني ما تناطح عنزان )
( ولا روت الكتاب بعد نفارنا ** محاورة من ثعلبان لسرحان )
( وما هو قصدي منك إلا إجازة ** تخولني التفضيل ما بين خلاني )
( وإنك إن سخرت لي وأجزتني ** لنعم ولي صان ودي وجازاني )
( ولم لا ترويني وأنت أجل من ** سقاني من قبل الرحيق فرواني )
( ألا فأجزني يا إمام بكل ما ** رويت لمدغليس أو لابن قزمان )
( ولا تنس للدباغ نظما عرفته ** فإنكما في ذلك النظم سيان )
( ومزدوجات ينسبون نظامها ** إلي ابن شجاع في مديح ابن بطان )
( وألم بشيء من خرافات عنتر ** وألمع ببعض من حكايات سوسان )
____________________
(5/44)


( وإن كنت طالعت اليتيمة واسني ** بلامية في الفحش من نظم واساني )
( أجزني بكشف الدك أرضى وسيلة ** وخير جليس في بساط ودكان )
( وناولني المصباح فهو لغربتي ** ميسر أغراضي ورائد سلواني )
( وألحق به شمس المعارف إنني ** أسائل عن إسناده كل إنسان )
( وقد كنت قبل اليوم عرفتني به ** ولكنني أنسيته بعد عرفان )
( ولا بد يا أستاذ من أن تجيزني ** ببدء ابن سبعين وفصل ابن رضوان )
( وكتب ابن أحلى كيف كانت فإنها ** لوزن دقيق القوم أكرم ميزان )
( ولا تنس ديوان الصبابة والصفا ** لإخوان صدق في الصبا خير إخوان )
( وزهر رياض في صفوف أضاحك ** وجبذ كساء في مكايد نسوان )
( كذاك فناولني كتاب حبائب ** وزدني تعريفا بها وببرجان )
( ولي أمل في أن أروى رسالة ** مضمنة أخبار حي بن يقظان )
( وحبس على الكوز والكاس والعصا ** فإنك مثر من عصى وكيزان )
( وصير لي الدلفاس أرفع لبسة ** فقد جل قدري عن حرير وكتان )
( وقد رق طبعي واعترتني خشية ** تكاد بها روحي تفارق جثماني )
( وخل مفاتيح الطريقة في يدي ** وسوغ لهم حكمي مزيدي ونقصاني )
( فإني لم أخدمك إلا بنية ** وإني لم أتبعك إلا بإحسان )
____________________
(5/45)


( فكن لي بالأسرار أفصح معلن ** فإني قد أخلصت سري وإعلاني )
وليس قصدي علم الله بجلب هذه القصيدة ما فيها من المجون بل ما فيها من التلميحات التي يرغب في مثله أهل الأدب والحديث شجون على أن أمثال هؤلاء الأعلام لا يقصدون بمثل هذا الكلام إلا مجرد الإحماض فينبغي أن ينظر كلامهم الواقف عليه بعين الإغضاء عن النقد والإغماض ولا يبادر بالإعتراض من لم يعلم في الأصول برهان القطع والإفتراض والله سبحانه المسؤول في التجاوز عن الزلات والنجاة من الأمور المضلات فعفوه سبحانه وراء جميع ذلك والله تعالى المطلع على أسرار الضمائر والخبير بما هنالك لا رب غيره ولا خير إلا خيره نونية ابن زمرك
وحيث ذكرنا هذه القصائد النونية التي اتفق فيها البحر والروي وجرت من البلاغة على النهج السوي فلا بأس أن نعززها بقصيدة الرئيس الوزير أبي عبد الله ابن زمرك سامحه الله تعالى وهي قصيدة ميلادية أنشدها سلطان الأندلس عام خمسة وستين وسبعمائة ونجعلها مكفرة لما مر في قصيدة الفقيه عمر من المجون ومبلغه للناظرين في هذا التأليف ما يرجون والحديث شجون وهي قوله
( لعل الصبا إن صافحت روض نعمان ** تؤدي أمان القلب عن ظبية البان )
( وماذا على الأرواح وهي طليقة ** لو احتملت أنفاسها حاجة العاني )
( وما حال من يستودع الريح سره ** ويطلبها وهي النموم بكتمان )
( وكالطيف أستقريه في سنة الكرى ** وهل تنقع الأحلام غلة ظمآن )
____________________
(5/46)


( أسائل عن نجد ومرمى صبابتي ** ملاعب غزلان الصريم بنعمان )
( وأبدي إذا ريح الشمال تنفست ** شمائل مرتاح المعاطف نشوان )
( عرفت بهذا الحب لم أدر سلوة ** وإني لمسلوب الفؤاد بسلوان )
( فيا صاحبي نجواي والحب غاية ** فمن سابق جلى مداه ومن واني )
( وراءكما ما اللوم يثني مقادتي ** فإني عن شأن الملامة في شان )
( وإني وإن كنت الأبي قيادة ** ليأمرني حب الحسان وينهاني )
( وما زلت أرعى العهد فيمن يضيعه ** وأذكر إلفي ما حييت وينساني )
( فلا تنكرا ما سامني مضض الهوى ** فمن قبل ما أودى بقيس وغيلان )
( لي الله إما أومض البرق في الدجى ** أقلب تحت الليل مقلة وسنان )
( وإن سل من غمد الغمام حسامه ** برى كبدي الشوق الملم وأضناني )
( تراءى بأعلام الثنية باسما ** فأذكرني العهد القديم وأبكاني )
( أسامر نجم الأفق حتى كأننا ** وقد سدل الليل الرواق حليفان )
( ومما أناجي الأفق أعديه بالجوى ** فأرعى له سرح النجوم ويرعاني )
( ويرسل صوب القطر من فيض أدمعي ** ويقدح زند البرق من نار أشجاني )
( وضاعف وجدي رسم دار عهدتها ** مطالع شهب أو مراتع غزلان )
( على حين شرب الوصل غير مصرد ** وصفو الليالي لم يكدر بهجران )
( لئن أنكرت عيني الطلول فإنها ** تمت إلى قلبي بذكر وعرفان )
( ولم أر مثل الدمع في عرصاتها ** سقى تربها حين استهل وأظماني )
( ومما شجاني أن سرى الركب موهنا ** تقاد به هوج الرياح بأرسان )
( غوارب في بحر السراب تخالها ** وقد سبحت فيه مواخر غربان )
( على كل نضو مثله فكأنما ** رمى منهما صدر المفازة سهمان )
( ومن زاجر كوماء مخطفة الحشا توسد منها فوق عوجاء مرنان )
( نشاوى غرام يستميل رؤوسهم ** من النوم والشوق المبرح سكران )
( أجابوا نداء البين طوع غرامهم ** وقد تبلغ الأوطار فرقة أوطان )
____________________
(5/47)


( يؤمون من قبر الشفيع مثابة ** تطلع منها جنة ذات أفنان )
( إذا نزلوا من طيبة بجواره ** فأكرم مولى ضم أكرم ضيفان )
( بحيث علا الإيمان وامتد ظله ** وزان حلى التوحيد تعطيل أوثان )
( مطالع آيات مثابة رحمة ** معاهد أملاك مظاهر إيمان )
( هنالك تصفو للقبول موارد ** يسقون منها فضل عفو وغفران )
( هناك تؤدي للسلام أمانة ** يحييهم عنها بروح وريحان )
( يناجون عن قرب شفيعهم الذي ** يؤمله القاصي من الخلق والداني )
( لئن بلغوا دوني وخلفت إنه ** قضاء جرى من مالك الأرض ديان )
( وكم عزمة مليت نفسي صدقها ** وقد عرفت مني مواعد ليان )
( إلى الله نشكوها نفوسا أبية ** تحيد عن الباقي وتغتر بالفاني )
( ألا ليت شعري هل تساعدني المنى ** فأترك أهلي في رضاه وجيراني )
( وأقضي لبانات الفؤاد بأن أرى ** أعفر خدي في ثراه وأجفاني )
( إليك رسول الله دعوة نازح ** خفوق الحشا رهن المطامع هيمان )
( غريب بأقصى الغرب قيد خطوة ** شباب تقضى في مراح وخسران )
( يجد اشتياقا للعقيق وبانه ** ويصبو إليها ما استجد الجديدان )
( وإن أومض البرق الحجازي موهنا ** يردد في الظلماء أنه لهفان )
( فيا مولى الرحمى ويا مذهب العمى ** ويا منجي الغرقى ويا منقذ العاني )
( بسطت يد المحتاج يا خير راحم ** وذنبي ألجاني إلى موقف الجاني )
( وسيلتي العظمى شفاعتك التي ** يلوذ بها عيسى وموسى بن عمران )
( فأنت حبيب الله خاتم رسله ** وأكرم مخصوص بزلفى ورضوان )
( وحسبك ان سماك أسماءه العلا ** وذاك كمال لا يشاب بنقصان )
( وأنت لهذا الكون علة كونه ** ولولاك ما امتاز الوجود بأكوان )
( ولولاك للأفلاك لم تجل نيرا ** ولا قلدت لباتهن بشهبان )
( خلاصة صفو المجد من آل هاشم ** ونكتة سر الفخر من آل عدنان )
____________________
(5/48)


( وسيد هذا الخلق من نسل آدم ** وأكرم مبعوث إلى الإنس والجان )
( وكم آية أطلعت في أفق الهدى ** يبين صباح الرشد منها ليقظان )
( وما الشمس يجلوها النهار لمبصر ** بأجلى ظهورا أو بأوضح برهان )
( وأكرم بآيات تحديتنا بها ** ولا مثل آيات لمحكم فرقان )
( وماذا عسى يثني البليغ وقد أتى ** ثناؤك في وحي كريم وقرآن )
( فصلى عليك الله ما انسكب الحيا ** وما سجعت ورقاء في غصن البان )
( وأيد مولانا ابن نصر فإنه ** لأشرف من ينمي لملك وسلطان )
( أقام كما يرضيك مولدك الذي ** به سفر الإسلام عن وجه جذلان )
( سمى رسول الله ناصر دينه ** معظمه في حال سر وإعلان )
( ووارث سر المجد من آل خزرج ** وأكرم من تنمي قبائل قحطان )
( ومرسلها ملء الفضاء كتائبا ** تدين لها غلب الملوك بإذعان )
( حدائق خضر والدروع غدائر ** وما أنبتت إلا ذوابل مران )
( تجاوب فيها الصاهلات وترتمي ** جوانبها بالأسد من فوق عقبان )
( فمن كل خوار العنان قد ارتمى ** به كل مطعام العشيات مطعان )
( وموردها ظمأى الكعوب ذوابلا ** ومصدرها من كل أملد ريان )
( ولله منها والربوع مواحل ** غمام ندى كفت بها المحل كفان )
( إذا أخلف الناس الغمام وأمحلوا ** فإن نداه والغمام لسيان )
( إمام أعاد الملك بعد ذهابه ** إعادة لا نابي الحسام ولا واني )
( فغادر أطلال الضلال دوارسا ** وجدد للإسلام أرفع بنيان )
( وشيدها والمجد يشهد دولة ** محافلها تزهى بيمن وإيمان )
( وراق من الثغر الغريب ابتسامة ** وهز له الإسلام أعطاف مزدان )
( لك الخير ما أسنى شمائلك التي ** يقصر عن إدراكها كل إنسان )
____________________
(5/49)


( ذكاء إياس في سماحة حاتم ** وإقدام عمرو في بلاغة سحبان )
( أمولاي ما أسنى مناقبك التي ** هي الشهب لا تحصى بعد وحسبان )
( فلا زلت يا غوث البلاد وأهلها ** مبلغ أوطار ممهد أوطان )
ولابن زمرك المذكور ترجمة نأتي بها في هذا التأليف إن شاء الله تعالى في محلها وهو من تلامذة لسان الدين ومن عداد خدامه فحين نبا به الزمان وتعوض الخوف بعد الأمان كان أحد الساعين في قتله كما سنذكره وصرح بذمه وهجوه بعد أن كان ممن يشكره وهكذا عادة بني الدنيا يدورون معها حيث دارت ويسيرون حيث سارت ويشربون من الكأس التي أدارت وقد تولى المذكور الوزارة عوضا عن ابن الخطيب وصدح طير عزه بعده على فنن من الإقبال رطيب ثم آل الأمر به إلى القتل كما سعى في قتل لسان الدين وكان الجزاء له من جنس عمله والمرء يدان بما كان به يدين وعفو الله سبحانه مرجو للجميع في الآخرة وهو سبحانه وتعالى المسؤول أن ينيلنا وإياهم المراتب الفاخرة فإنه لا يتعاظمه ذنب وليس للكل غيره من رب
رجع إلى ما كنا بسبيله وأما لوشة التي ينسب إليها لسان الدين فقد تقدم من كلام ابن خلدون أنها على مرحلة من حضرة غرناطة في الشمال من البسيط الذي في ساحتها المسمى بالمرج وقد أجرى ذكرها لسان الدين في الإحاطة وقال إنها بنت الحضرة يعني غرناطة وقال ذلك في ترجمة ابن مرج الكحل ولنذكر الترجمة بكمالها تتميما للغرض فنقول ترجمة ابن مرج الكحل
قال رحمه الله ما نصه محمد بن إدريس بن علي بن إبراهيم بن القاسم من
____________________
(5/50)

أهل جزيرة شقر يكنى أبا عبد الله ويعرف بابن مرج الكحل
حاله كان شاعرا مفلقا غزلا بارع التوليد رقيق الغزل وقال الأستاذ أبو جعفر شاعر مطبوع حسن الكتابة ذاكر للأدب متصرف فيه قال ابن عبد الملك وكانت بينه وبين طائفة من أدباء عصره مخاطبات ظهرت فيها إجادته وكان مبتذل اللباس على هيئة أهل البادية ويقال إنه كان أميا
من أخذ عنه روى عنه أبو جعفر ابن عثمان الوراد وأبو الربيع ابن سالم وأبو عبد الله ابن الأبار وابن عسكر وابن أبي البقاء وأبو محمد ابن عبد الرحمن ابن برطلة وأبو الحسن الرعيني
شعره ودخوله غرناطة قال في عشية بنهر الغنداق من خارج بلدنا لوشة بنت الحضرة والمحسوب من دخلها أنه دخل إلبيرة وقد قيل إن نهر الغنداق من أحواز برجة وهذا الخلاف داع لذكره
( عرج بمنعرج الكثيب الأعفر ** بين الفرات وبين شط الكوثر )
( ولتغتبقها قهوة ذهبية ** من راحتي أحوى المراشف أحور )
( وعشية كم كنت أرقب وقتها ** سمحت بها الأيام بعد تعذر )
( فلنا بهذا ما لنا في روضة ** تهدي لناشقها شميم العنبر )
( والدهر من ندم يسفه رأيه ** فيما مضى فيه بغير تكدر )
( والورق تشدو والأراكة تنثي ** والشمس ترفل في قميص أصفر )
( والروض بين مفضض ومذهب ** والزهر بين مدرهم ومدنر )
( والنهر مرقوم الأباطح والربى ** بمصندل من زهرة ومعصفر )
( وكأنه وكأن خضرة شطه ** سيف يسل على بساط أخضر )
( وكأنما ذاك الحباب فرندة ** مهما طفا في صفحة كالجوهر )
____________________
(5/51)


( وكأنه وجهاته محفوفة ** بالآس والنعمان خد معذر )
( نهر يهيم بحسنه من لم يهم ** ويجيد فيه الشعر من لم يشعر )
( ما اصفر وجه الشمس عند غروبها ** إلا لفرقة حسن ذاك المنظر )
ولا خفاء ببراعة هذا الشعر وقال منها
( أرأت جفونك مثله من منظر ** ظل وشمس مثل خد معذر )
( وجداول كأراقم حصباؤها ** كبطونها وحبابها كالأظهر )
وهذا تتميم عجيب لم يسبق إليه ثم قال منها
( وقرارة كالعشر بين خميلة ** سالت مذانبها بها كالأسطر )
( فكأنها مشكولة بمصندل ** من يانع الأزهار أو بمعصفر )
( أمل بلغناه بهضب حديقة ** قد طرزته يد الغمام الممطر )
( فكأنه والزهر تاج فوقه ** ملك تجلى في بساط أخضر )
( راق النواظر منه رائق منظر ** يصف النضارة عن جنان الكوثر )
( كم قاد خاطر خاطر مستوفز ** وكم استفز جماله من مبصر )
( لو لاح لي فيما تقادم لم أقل ** عرج بمنعرج الكثيب الأعفر )
قال أبو الحسن الرعيني وأنشدني لنفسه
( وعشية كانت قنيصة فتية ** ألفوا من الأدب الصريح شيوخا )
( فكأنما العنقاء قد نصبوا لها ** من الإنحناء إلى الوقوع فخوخا )
( شملتهم آدابهم فتجاذبوا ** سر السرور محدثا ومصيخا )
( والورق قرأ سورة الطرب التي ** ينسيك منها ناسخ منسوخا )
____________________
(5/52)


( والنهر قد صفحت به نارنجة ** فتيممت من كان فيه منيخا )
( فتخالهم خلل السماء كواكبا ** قد قارنت بسعودها المريخا )
( خرق العوائد في السرور نهارهم ** فجعلت أبياتي له تاريخا )
ومن أبياته في البديهة قوله
( وعندي من مراشفها حديث ** يخبر أن ريقتها مدام )
( وفي أجفانها السكرى دليل ** وما ذقنا ولا زعم الهمام )
( تعالى الله ما أجرى دموعي ** إذا عنت لمقلتي الخيام )
( وأشجاني إذا لاحت بروق ** وأطربني إذا غنت حمام )
ومن قصيدة
( عذيري من الآمال خابت قصودها ** ونالت جزيل الحظ منها الأخابث )
( وقالوا ذكرنا بالغنى فأجبتهم ** خمولا وما ذكر مع البخل ماكث )
( يهون علينا أن يبيد أثاثنا ** وتبقى علينا المكرمات الأثائث )
( وما ضر أصلا طيبا عدم الغنى ** إذا لم يغيره من الدهر حادث )
وله يتشوق إلى عمرو بن أبي غياث
( أيا عمرو متى تقضي الليالي ** بلقياكم وهن قصصن ريشي )
( أبت نفسي هوى إلا شريشا ** ويا بعد الجزيرة من شريش )
وله من قصيدة
( طفل المساء وللنسيم تضوع ** والأنس يجمع شملنا ويجمع )
( والزهر يضحك من بكاء غمامة ** ريعت لشيم سيوف برق تلمع )
____________________
(5/53)


( والنهر من طرب يصفق موجه ** والغصن يرقص والحمامة تسجع )
( فانعم أبا عمران واله بروضة ** حسن المصيف بها وطاب المربع )
( يا شادن البان الذي دون النقا ** حيث التقى وادي الحمى والأجرع )
( الشمس يغرب نورها ولربما ** كسفت ونورك كل حين يسطع )
( إن غاب نور الشمس لسنا نتقي ** بسناك ليل تفرق يتطلع )
( أفلت فناب سناك عن إشراقها ** وجلا من الظلماء ما يتوقع )
( فأمنت يا موسى الغروب ولم أقل ** فوددت يا موسى لو أنك يوشع )
وقال
( ألا بشروا بالصبح من كان باكيا ** أضر به الليل الطويل مع البكا )
( ففي الصبح للصب المتيم راحة ** إذا الليل أجرى دمعه وإذا شكا )
( ولا عجب أن يمسك الصبح عبرتي ** فلم يزل الكافور للدم ممسكا )
ومن بديع مقطوعاته قوله
( مثل الرزق الذي تطلبه ** مثل الظل الذي يمشي معك )
( أنت لا تدركه متبعا ** فإذا وليت عنه تبعك )
وقال
( دخلتم فأفسدتم قلوبا بملكها ** فأنتم على ما جاء في سورة النمل )
( وبالجود والإحسان لم تتخلقوا ** فأنتم على ما جاء في سورة النحل )
____________________
(5/54)


وقال أبو بكر محمد بن محمد بن جهور رأيت لابن مرج الكحل مرجا أحمر قد أجهد نفسه في خدمته فلم ينجب فقلت
( يا مرج كحل ومن هذي المروج له ** ما كان أحوج هذا المرج للكحل )
( ما حمرة الأرض من طيب ومن كرم ** فلا تكن طمعا في رزقها العجل )
( فإن من شأنها إخلاف آملها ** فما تفارقها كيفية الخجل )
فقال مجيبا
( يا قائلا إذ رأى مرجي وحمرته ** ما كان أحوج هذا المرج للكحل )
( هو احمرار دماء الروم سيلها ** بالبيض من مر من آبائي الأول )
( أحببته أن حكى من قد فتنت به ** في حمرة الخد أو إخلافه أملي )
وفاته توفي ببلده يوم الإثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول عام أربعة وثلاثين وستمائة ودفن في اليوم بعده
انتهى ما في الإحاطة في شأن ابن مرج الكحل
وكتب أبو الحسن علي بن لسان الدين على أول ترجمته ما نصه شاعر جليل القدر من مشايخ شعراء الأندلس من أهل بلنسية وسكن جزيرة شقر
وكتب على قوله والنهر مرقوم الأباطح ما صورته لم يصف أحد النهر بأرق ديباجة ولا أظرف من هذا الإمام رحمة الله عليه انتهى كلام ابن لسان الدين رائية شمس الدين الكوفي
قلت وما رأيت رائية تقرب من التي لابن مرج الكحل السابقة التي أولها
____________________
(5/55)

عرج بمنعرج الكثيب الأعفر إلا رائية شمس الدين الكوفي الواعظ وهي قوله
( روح الزمان هو الربيع فبكر ** وانهض إلى اللذات غير منكر )
( هذا الربيع يبيع من لذاته ** أصناف ما تهوي فأين المشتري )
( فافرح به فلفرحة بقدومه ** رفل الشقائق في القباء الأحمر )
( والكون مبتهج وخفاق الصبا ** يحيي القلوب بنشره المتعطر )
( والغيم يبكي والأقاحي باسم ** لبكائه كتبسم المستبشر )
( والسرو إن عبث النسيم فهز أعطاف ** الغصون يميس ميس موقر )
( وكأنما القداح فستق فضة ** يهدي إليك أريج مسك أذفر )
( وكأنما المنثور في أثوابه ** ألوان ياقوت أنيق المنظر )
( وترى البهار كعاشق متخوف ** متشوق باد بوجه أصفر )
( وكأنما النارنج في أوراقه القنديل ** والأوراق شبه مسحر )
( وكأنما الخشخاش قوم جاءهم ** خبر يسرهم بطيب المخبر )
( فثنوا ملابسهم لفرط سرورهم ** كي يخلعوا فرحا بقول المخبر )
( فتعلقت أذيالها بأكفهم ** وتعلقت أزياقها بالمنحر )
( والطل من فوق الرياض كأنه ** درر نثرن على بساط أخضر )
( وترى الربى بالنور بين متوج ** ومدملج ومخلخل ومسور )
( ورياضها بالزهر بين مقرطق ** ومطوق وممنطق ومزنر )
( والورد بين مضعف ومشنف ** ومكتف وملطف لم يهصر )
( والزهر بين مفضض ومذهب ** ومرصع ومدرهم ومدنر )
( والنثر بين مطيب وممسك ** ومعطر ومصندل ومعنبر )
( والورق بين مرجع وموجع ** ومفجع ومسجع في منبر )
( ومغرد ومردد ومعدد ** ومبدد في الخد ماء المحجر )
____________________
(5/56)

ولكن قصيدة ابن مرج الكحل أعذب مذاقا وكل منهما لم يقصر رحمهما الله تعالى فلقد أجادا فيما قالاه إلى الغاية وليس الخبر كالعيان عود إلى ابن مرج الكحل
ومن نظم ابن مرج الكحل قوله
( الشمس يغرب نورها ولربما ** كسفت ونورك كل حين يسطع )
( أفلت فناب سناك عن إشراقها ** وجلا من الظلماء ما يتوقع )
( فأمنت يا موسى الغروب ولم أقل ** فوددت يا موسى لو أنك يوشع )
ولمح بهذه الأبيات إلى قول الرصافي الأندلسي البلنسي يخاطب من اسمه موسى بقصيدة أولها
( ما مثل موضعك ابن رزق موضع ** زهر يرف وجدول يتدفع )
ومنها
( وعشية لبست ثياب شحوبها ** والجو بالغيم الرقيق مقنع )
( بلغت بنا أمد السرور تألفا ** والليل نحو فراقنا يتطلع )
( فابلل بها ريق الغبوق فقد أتى ** من دون قرص الشمس ما يتوقع )
( سقطت ولم يملك نديمك ردها ** فوددت يا موسى لو أنك يوشع )
قلت ومن نثر ابن مرج الكحل المذكور ما كتبه إلى أديب الأندلس أبي بحر صفوان بن إدريس مراجعا له بعد نظم ونص الجميع
____________________
(5/57)


( يا من تبوأ في العلياء منزلة ** جداه قد أسساها أي تأسيس )
( لم يتركا في العلا حظا لملتمس ** سيان هذا وهذاك ابن إدريس )
( وافى كتابكم فارتد لي جذلي ** واعتضت من فرط أشواقي بتأنيس )
( وللنوى لوعة تطفو فيطفئها ** مسك المداد وكافور القراطيس )
حرس الله سناءك وسناك وأظفر يمناك بمناك ودي الأسلم كما تعلم وعهدي الأقدم لم تزل له قدم وأنا دام عزكم إن اتفق معكم انتسابا فلم أتفق في شأو الأدب باعا ولا قاربتكم طباعا وانطباعا بل بذلك الإتفاق تشرفت وسموت إلى ذروة العلا واستشرفت وأقررت بذلك الفضل واعترفت وكرعت في مناهله واغترفت ولقد وافى كتابكم فقلت لقد نثر الدر من فيه وبلغ نفسي مما كانت تنويه من التنويه
( حديث لو أن الميت نودي ببعضه ** لأصبح حيا بعدما ضمه القبر )
ولولا ما طالعني وجه من رضاكم وسيم وسقاني مزن اهتبالكم ما أروى به وأسيم وحياني منكم روض ونسيم لما ساعدني الفكر بقسيم لا زلتم في ظل من العيش وارف مرتدين رداء المعارف والسلام انتهى رسالة صفوان إلى ابن مرج الكحل
وكانت مخاطبة صفوان له التي أجاب عنها بما نصه
( يا قاطع البيد يطويها وينشرها ** إلى الجزيرة ينضي بدن العيس )
( الثم بها عن أخي حب وذي كلف ** يد العلا والقوافي وابن إدريس )
وأبلغها إليه تحية كالمسك صدرا ووردا وكالماء الزلال عذوبة وبردا يسري بها إلى دار ابن نسيم ويسفر منها بجزيرة شقر وجه وسيم وهي وإن
____________________
(5/58)

كانت تذيب المسك خجلا وتستفز بصوتها وجلا فما هي إلا خائفة تترقب وسافرة تكاد تتنقب تمشي على استحياء وتعثر من التقصير في ذيل إعياء هذا لأنها جلبت إلى هجر تمرا وإلى شبام وبيت رأس خمرا ولكن على المجد أن يبدي في قبول عذرها ويعيد لعلمه أنه يتيمم ممن لم يجد إلا الصعيد فله الفضل أن لا يلفحها بنار النقد ولا يعرضها على ما هنالك من الحل والعقد والله يبقي ذكره في مقلة الأدب حورا وفي قلب الحسود خورا ويديمه والقوافي طوع قريحته والأغراض الجميلة ملء تعريضته وتصريحته وزهر البيان تطلع في سماء جنانه وزهر التبيان يونع في أنداء جنانه وعذرا إليه فإني كتبت والحامل يمسك زمامه ويلتفت في البيداء أمامه والسلام خطبة نكاح من إنشاء صفوان
ومن إنشاء صفوان خطبة نكاح نصها الحمد لله الذي تطول بالإحسان من غير جزاء ولا ثواب والبس المخلوقات من فواضله سوابغ المطارف وكواسي الأثواب وجاءوا على أقدام الرجاء إلى محال نوافله فوجدوها مفتحة لهم الأبواب وسألوه كفاية المؤنة فكان الفعل بدل القول والإسعاف بدل الجواب خلق البرية من غير افتقار ولا اضطرار ونقلهم من الطفولية إلى غيرها نقل البدر من التمام إلى السرار وشرف هذه الطبقة الإنسانية فرزقها الإدراكات العقلية والإبانات اللسانية فضرب سرادق اعتنائه عليها وأنشأها من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها ومع صنعه الرفيق بهم اللطيف وتنويهه الحاف بأرجائهم المطيف رزقهم أحسن الصور الحيوانية وأجملها وأتاح لهم أتم أقسام الاعتناء وأكملها وبعث إليهم الرسل صلوات الله عليهم صنعا منه جميلا وربا للصنيعة لديهم وتكميلا فبشروا وأنذروا وأمنوا وحذروا وباينوا بين الحرام والحلال مباينة إدراك البصير بين الكدر والزلال ودلوا على السمت الأهدى
____________________
(5/59)

ونصبوا أعلام التوفيق والهدى ولم يدعوا شيئا سدى بل توازنت بهم مقادير الأقوال والأعمال وكانت إشاراتهم ثمال الهدايا وأي ثمال فآب كل متسحب إلى الارتباط وشد كل موفق على الاعتلاق بحالهم يد الاغتباط فصلوات الله الزاكية عليهم ونوافح رحمته النامية تغدو وتروح إليهم وأتم الصلاة والسلام على علم أولئك الأعلام الداعي على بصيرة إلى دار السلام السراج المنير المبشر النذير محمد وعلى آله وصحبه صلاة تؤول بهم إلى فسيح رضوانه ورحبه بعثه الله رحمة للعالمين عامة وأرسله نعمة للناس موفورة تامة فأخذ بحجز مصدقيه عن التهافت في مداحض الأقدام والتتابع في مزلات الجرأة على العصيان والإقدام فأقام الحجة وأوضح المحجة ودل على المقامات التي تمحض الأولياء وأفصح عن الكرامات التي تنقذ الأتقياء وقال وأهلا به من قائل تناكحوا فإني مكاثر بكم الأنبياء حرصا منه على الزيادة في أهل الإسلام والنماء ودفعا في صدر الباطل بواضح الحق الصادع غيهب الظلماء وحض على ذات الدين الحصان وأغرى بالإعتصام والإحصان ونصب أعلام النكاح مشيدة المباني وجاء بها سنة عذبة المجاني وقال من تزوج فقد كمل نصف دينه فليتق الله في النصف الثاني وأمر بالنكاح الذي توافقت فيه الطبيعة والشريعة ولبته النفوس وهي سريعة وأخصبت به ربوة التناسل فهي مروضة مريعة وسدت به عن اتباع الهوى وارتكاب المحارم الذريعة وحفظت به الأنسال والأنساب وفاض به نهر الالتئام السلسال المنساب إذ لا سبيل لأن يستغني بذاته من كان أسير هواه ومأمور لذاته وإنما الانفراد والاستغنا لمن له الكمال والغنى ولا يجوز أن يتعاقب عليه الإنى لا إله إلا هو له السناء والسنا وإن فلانا لما ارتقت همته إلى اتباع الصالحات وسمت ووسمته النجابة من أعلامها اللائحة بما وسمت رأى أن الاعتصام بالنكاح أولى ما حمى به
____________________
(5/60)

دينه ووقاه وأهم ما رفع إليه اعتناءه ورقاه فخطب إلى فلان ابنته فلانة خطبة تضافر فيها اليمن والقبول ونفحت بها شمال من الجد المصمم وقبول وارتقى بها إلى اللوح المحفوظ والديوان المكنون عمل مقبول فتلقى فلان خطبته بالإجابة لماتوسم فيه من مخايل النجابة حرصا منه على المساعدة والعون واغتباطا بمياسرة أهل الرشد والصون وانعقد النكاح بينهما على بركة الله التي يتضاعف بها العدد القليل ويتزيد ويمنه الذي ينتهض به من اعتمده ويتأيد وحسن توفيقه الذي يرتبط به من أخلص ضميره ويتقيد على أن أصدقها كذا تزوجها بكلمة الله التي علت الكلمات وبهرتها وعلى سنة نبيه التي أحيت الحنيفية وأظهرتها وأنفت الملة من ارجاس الجاهلية وطهرتها وهداية مهدية التي غلبت الأباطل وقهرتها ولتكون عنده بأمانة الله التي هي جنة واعتصام وعهدته للزوجات على أزواجهن التي ليس لعروتها انفصام وعلى إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وتسلسل في ميدان التناصف وأرسان وله عليها من حسن العشرة التي هي بحقيق الإتفاق عائدة مثل ذلك ودرجة زائدة والله تعالى يمهد لهما مهاد نعمته الوثير ويخلف منهما الطيب الكثير ويرزقهما التوفيق الباعث لطول المرافقة المثير بمنه ونعمته من رسالة عتاب لصفوان
وله رحمة الله من رسالة عتاب أدام الله سبحانه مدة الأخ الذي أستديم إخاءه وإن واجهتني زعازعه أرتقب رخاءه وتجاوزت عن يومه لأمسه وأغضيت عن ظلامه لشمسه إناء واعتناء وإنذارا وإعذارا ورحم الله من اعتمد على الأفهام وعصى أوامر الأوهام ورأى الخليفة في المعقول لا في المختلق المنقول وبعد فإنه وصل كلامك بل ملامك وكتابك بل عتابك ورسالتك بل بسالتك أسمعتني بألفاظك العذاب سوء العذاب وأريتني لمعان
____________________
(5/61)

الحسام من فقرك الوسام
وقال صفوان رحمه الله اجتمعت مع ابن مرج الكحل يوما فاشتكى إلي ما يجد لفراقي وأطال عتب الزمان في إشآمه وإعراقي فقلت إذا تفرقنا والنفوس مجتمعة فما يضر أن الجسوم للرحيل مزمعة ثم قلت له
( أنت مع العين والفؤاد ** دنوت أو كنت ذا بعاد )
فقال وهو من بارع الإجازة
( وأنت في القلب في السويدا ** وأنت في العين في السواد )
وإذ جرى ذكر صفوان فلا حرج أن نترجمه فنقول ترجمة صفوان
قال في الإحاطة ما ملخصه صفوان بن إدريس بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عيسى بن إدريس التجيبي المرسي أبو بحر كان أديبا حسيبا ممتعا من الظرف ريان من الأدب حافظا سريع البديهة ترف النشأة على تصاون وعفاف جميلا سريا ممن تساوى حظه في النظم والنثر على تباين الناس في ذلك روى عن أبيه وخاله وابن عم أبيه القاضي أبي القاسم ابن إدريس وأبي بكر ابن مغاور وأبي رجال ابن غلبون وأبي العباس ابن مضا سمع عليه صحيح مسلم وأبي القاسم ابن حبيش وابن حوط الله وأبي الوليد ابن رشد وأجاز له ابن بشكوال وروى عنه أبو إسحاق اليابري وأبو الربيع ابن البني وأبو عبد الله ابن أبي البقاء وأبو عمر ابن سالم وابن عيشون وله تواليف أدبية
____________________
(5/62)

منها زاد المسافر وكتاب الرحلة وكتاب العجالة سفران يتضمنان من نظمه ونثره أدبا لا كفاء له وانفرد من تأبين الحسين وبكاء أهل البيت بما ظهرت عليه بركته في حكايات كثيرة
ثم سرد لسان الدين جملة من نظمه إلى أن قال وقال في غرض الرصافي من وصف بلده وذكر إخوانه يساجله في الغرض والروي عقب رسالة سماها طراد الجياد في الميدان وتنازع اللدات والأخدان في تقديم مرسية على غيرها من البلدان
( لعل رسول البرق يغتنم الأجرا ** فينثر عني ماء عبرته نثرا )
( معاملة أربي بها غير مذنب ** فأقضيه دمع العين عن نقطة بحرا )
( ليسقي من تدمير قطرا محببا ** يقر بعين القطر أن تشرب القطرا )
( ويرضعه ذوب اللجين وإنما ** توفيه عيني من مدامعها تبرا )
( وما ذاك تقصيرا بها غير أنه ** سجية ماء البحر أن يذوي الزهرا )
( خليلي قوما فاحسبا طرق الصبا ** مخافة أن يحمى بزفرتي الحرى )
( فإن الصبا ريح علي كريمة ** بآية ما تسري من الجنة الصغرى )
( خليلي أعني أرض مرسية المنى ** ولولا توخي الصدق سميتها الكبرى )
( محلي بل جوى الذي عبقت به ** نواسم آدابي معطرة نشرا )
( ووكري الذي منه درجت فليتني ** فجعت بريش العزم كي ألزم الوكرا )
( وما روضة الخضراء قد مثلت بها ** مجرتها نهرا وأنجمها زهرا )
( بأبهج منها والخليج مجرة ** وقد فضحت أزهار ساحتها الزهرا )
( وقد أسكرت أعطاف أغصانها الصبا ** وما كنت أعتد الصبا قبلها خمرا )
____________________
(5/63)


( هنالك بين الغصن والقطر والصبا ** وزهر الربى ولدت آدابي الغرا )
( إذا نظم الغصن الحيا قال خاطري ** تعلم نظام النثر من ههنا شعرا )
( وإن نثرت ريح الصبا زهر الربى ** تعلمت حل الشعر أسبكه نثرا )
( فوائد أسحار هناك اقتبستها ** ولم أر روضا غيره يقرئ السحرا )
( كأن هزيز الريح يمدح روضها ** فتملأ فاه من أزاهرها درا )
( أيا زنقات الحسن هل فيك نظرة ** من الجرف الأعلى إلى السكة الغرا )
( فأنظر من هذي لتلك كأنما ** أغير إذ غازلتها أختها الأخرى )
( هي الكاعب الحسناء تمم حسنها ** وقدت لها أوراقها حللا خضرا )
( إذا خطبت أعطت دراهم زهرها ** وما عادة الحسناء أن تنقد المهرا )
( وقامت بعرس الأنس قينة أيكها ** أغاريدها تسترقص الغصن النضرا )
( فقل في خليج يلبس الحوت درعه ** ولكنه لا يستطيع بها نصرا )
( إذا ما بدا فيها الهلال رأيته ** كصفحة سيف وسمها قبعة صفرا )
( وإن لاح فيها البدر شبهت متنه ** بشط لجين ضم من ذهب عشرا )
( وفي جرفي روض هناك تجافيا ** بنهر يود الأفق لو زاره فجرا )
( كأنهما خلا صفاء تعاتبا ** وقد بكيا من رقة ذلك النهرا )
( وكم لي بأبيات الحديد عشية ** من الأنس ما فيه سوى أنه مرا )
( عشايا كأن الدهر غض بحسنها ** فأجلت بساط البرق أفراسها الشقرا )
( عليهن أجري خيل دمعي بوجنتي ** إذا ركبت حمرا ميادينها الصفرا )
____________________
(5/64)


( أعهدي بالغرس المنعم دوحة ** سقتك دموعي إنها مزنة شكرا )
( فكم فيك من يوم أغر محجل ** تقضت أمانيه فخلدتها ذكرا )
( على مذنب كالبحر من فرط حسنه ** تود الثريا أن يكون لها نحرا )
( سقت أدمعي والقطر أيهما انبرى ** نقا الرملة البيضاء فالنهر فالجسرا )
( وإخوان صدق لو قضيت حقوقهم ** لما فارقت عيني وجوههم الزهرا )
( ولو كنت أقضي حق نفسي ولم أكن ** لما بت أستحلي فراقهم المرا )
( وما اخترت هذا البعد إلا ضرورة ** وهل تستجيز العين أن تفقد الشفرا )
( قضى الله أن تنأى بي الدار عنهم ** أراد بذاك الله أن أعتب الدهرا )
( ووالله لو نلت المنى ما حمدتها ** وما عادة المشغوف أن يحمد الهجرا )
( أيأنس باللذات قلبي ودونهم ** مرام يجد الكرب في طيها شهرا )
( ويصحب هادي الليل راء حروفه ** وصادا ونونا قد تقوس واصفرا )
( فديتهم بانوا وضنوا بكتبهم ** فلا خبرا منهم لقيت ولا خبرا )
( ولولا علا هماتهم لعتبتهم ** ولكن عراب الخيل ولا تحمل الزجرا )
( ضربت غبار البيد في مهرق السرى ** بحيث جعلت الليل في ضربه حبرا )
( وحققت ذاك الضرب جمعا وعدة ** وطرحا وتجميلا فأخرج لي صفرا )
( كأن زماني حاسب متعسف ** يطارحني كسرا وما يحسن الجبرا )
( فكم عارف بي وهو يحسن رتبتي ** فيمدحني سرا ويشتمني جهرا )
( لذلك ما أعطيت نفسي حقها ** وقلت لسرب الشعر لا ترم الفكرا )
( فما برحت فكري عذارى قصائدي ** ومن خلق العذراء أن تألف الخدرا )
( ولست وإن طاشت سهامي بآيس ** فإن مع العسر الذي يتقى يسرا )
____________________
(5/65)


وقال يراجع أبا الربيع ابن سالم عن أبيات مثلها
( سقى مضرب الخيمات من علمي نجد ** أسح غمامي أدمعي والحيا الرغد )
( وقد كان في دمعي كفاء وإنما ** يجففها ما بالضلوع من الوقد )
( فإن فترت نار الضلوع هنيهة ** فسوف ترى تفجيره للحيا العد )
( وإن ضن صوب المزن يوما فأدمعي ** تنوب كما ناب الجميع عن الفرد )
( وإن هطلا يوما بساحتها معا ** فأرواهما ما صاب من منتهى الود )
( أرى زفرتي تذكي ودمعي ينهمي ** نقيضين قاما بالصلاء وبالورد )
( فهل بالذي أبصرتم أم سمعتم ** غمام بلا أفق وبرق بلا رعد )
( لي الله كم أهذي بنجد وأهلها ** وما لي بها إلا التوهم من عهد )
( وما بي إلى نجد نزوع ولا وهدى ** خلا أنهم شنوا القوافي على نجد )
( وجاءوا بدعوى حسن الشعر زورها ** فصارت لهم في مصحف الحب كالحمد )
( شغلنا بأبناء الزمان عن الهوى ** وللدرع وقت ليس يحسن للبرد )
( إلى الله أشكو ريب دهر يغص بي ** نوائبه قد ألجمت ألسن العد )
( لقد صرفت حكم الفؤاد إلى الهوى ** كما فوضت أمر الجفون إلى السهد )
( أما تتوقى ويحها أن أصيبها ** بدعوة مظلوم على جورها يعدي )
( أما راعها أن زحزحت عن أكارم ** فراقهم دل القلوب على حدي )
( أعاتبها فيهم فتزداد قسوة ** أجدك هل عاينت للحجر الصلد )
( أما علمت أن القساوة نافرت ** طباع بني الآداب إلا من الرد )
( إذا وعدت يوما بتأليف شملنا ** فألمم بعرقوب وما سن من وعد )
( وإن عاهدت أن لا تؤلف بيننا ** تذكرت آثار السموأل في العهد )
( خليلي أعني الظم والنثر أرسلا ** جياد كما في حلبة الشكر والحمد )
( قفا ساعداني إنه حق صاحب ** بريء جمام الكتم من كدر الحقد )
____________________
(5/66)


( بآية ما قيدتما ألسن الورى ** بذكري فيا ويح الكناني والكندي )
( فأين بياني أو فأين فصاحتي ** إذا لم أعد ذكر الأكارم أو أبدي )
( فيا خاطري وف الثناء حقوقه ** وصغه كما قالوا سوار على زند )
( ولا تلزمني بالتكاسل حجة ** تشببها نار الحياء على خدي )
( ثكلت القوافي وهي أبناء خاطري ** وغيبها الإقحام عني في لحد )
( لئن لم أصغ زهر النجوم قلادة ** وآت ببدر التم واسطة العقد )
( إلى أن يقول السامعون لرفقتي ** نعم طار ذاك السقط عن ذلك الزند )
( أحيي برياها جناب ابن سالم ** فيقرع فيه الباب في زمن الورد )
وهي طويلة
ومن مقطوعات قوله
( يا قمرا مطلعه أضلعي ** له سواد القلب فيها غسق )
( وربما استوقد نار الهوى ** فناب فيها لونها عن شفق )
( ملكتني في دولة من صبا ** وصدتني في شرك من حدق )
( عندي من حبك ما لو سرت ** في البحر منه شعلة لاحترق )
وقال
( قد كان لي قلب فلما فارقوا ** سوى جناحك للغرام وطارا )
( وجرت سحاب للدموع فأوقدت ** بين الجوانح لوعة وأوارا )
( ومن العجائب أن فيض مدامعي ** ماء ويثمر في ضلوعي نارا )
وشعره الرمل والقطر كثرة فلنختمه بقوله
( قالوا وقد طال بي مدى خطئي ** ولم أزل في تجرمي ساهي )
____________________
(5/67)


( أعددت شيئا ترجو النجاة به ** فقلت أعددت رحمة الله )
وكتب يهنئ قاضي الجماعة أبا القاسم ابن بقي برسالة منها لأن محله دام عمره وامتثل نهيه الشرعي وأمره أعلى رتبة وأكرم محلا من أن يتحلى بخطة هي به تتحلى كيف يهنأ بالقعود لسماع دعاوي الباطل والمعاناة لإنصاف الممطول من الماطل والتعب في المعادلة بين ذوي المجادلة أما لو علم المتشوفون إلى خطة الأحكام المستشرفون إلى ما لها من التبسط والاحتكام ما يجب لها من اللوازم والشروط الجوازم كبسط الكنف ورفع الجنف والمساواة بين العدو ذي الذنب والصاحب بالجنب وتقديم ابن السبيل على ذي الرحم والقبيل وإيثار الغريب على القريب والتوسع في الأخلاق حتى لمن ليس له من خلاق إلى غير ذلك مما علم قاضي الجماعة أحصاه واستعمل خلقه الفاضل أدناه وأقصاه لجعلوا خمولهم مأمولهم وأضربوا عن ظهورهم فنبذوه وراء ظهورهم اللهم إلا من أوتي بسطة في العلم ورسا طودا في ساحة الحلم وتساوي ميزانه في الحرب والسلم وكان كمولانا في المماثلة بين أجناس الناس فقصاراه أن يتقلد الأحكام للأجر لا للتعنيف والزجر ويتولاها للثواب لا للغلظة في رد الجواب ويأخذها لحسن الجزاء لا لقبيح الاستهزاء ويلتزمها لجزيل الذخر لا للإزراء والسخر فإذا كان كذلك وسلك المتولي هذه المسالك وكان مثل قاضي الجماعة ولا مثل له ونفع الحق به علله ونقع غلله فيومئذ تهنى به خطة القضاء وتعرف ما الله تعالى عليها من اليد البيضاء
ورحل إلى مراكش في جهاز بنت بلغت التزويج وقصد دار الإمارة مادحا
____________________
(5/68)

فما تيسر له شيء من أمله ففكر في خيبة قصده وقال لو كنت أملت الله سبحانه ومدحت نبيه وآل بيته الطاهرين لبلغت أملي بمحمود عملي ثم استغفر الله تعالى من اعتماده في توجهه الأول وعلم أن ليس على غير الثاني معول فلم يك إلا أن صرف نحو هذا المقصد همته وأمضى فيه عزمته وإذا به قد وجه إليه فأدخل على الخليفة فسأله عن مقصده فأخبره مفصحا به فأنفذه وزاده عليه وأخبره أن ذلك لرؤيا رسول الله في النوم يأمر بقضاء حاجته فانفصل موفى الأغراض واستمر في مدح أهل البيت عليهم السلام حتى اشتهر بذلك وتوفي سنة ثمان وتسعين وخمسمائة وسنه دون الأربعين وصلى عليه أبوه فإنه كان بمكان من الفضل والدين رحم الله تعالى الجميع انتهى كلام ابن الخطيب في حق المذكور ملخصا
ولا بأس أن نزيد عليه ما حضر فنقول قال ابن سعيد وغيره ولد صفوان سنة ستين وخمسمائة أو في التي بعدها قال وديوان شعره مشهور بالمغرب انتهى
ومن نظمه قوله
( أومض ببرق الأضلع ** واسكب غمام الأدمع )
( واحزن طويلا واجزع ** فهو مكان الجزع )
( وانثر دماء المقلتين ** تألما على الحسين )
( وابك بدمع دون عين ** إن قل فيض الأدمع )
وهذا من قصيدة عارض بها الحريري في قوله
( خل ادكار الأربع ** )
وله أيضا مطلع قصيدة فيه
____________________
(5/69)


( يا عين سحي ولا تشحي ** ولو بدمع بحذف عين )
وقال ابن الأبار توفي صفوان بمرسية ليلة الإثنين السادس عشر من شوال سنة ثمان وتسعين وخمسمائة وثكله أبوه وصلى عليه وهو دون الأربعين إذ مولده سنة إحدى وستين وخمسمائة وكان من جلة الكتاب البلغاء ومهرة الأدباء الشعراء ناقدا فصيحا مدركا جليل القدر متقدما في النظم والنثر ممن جمع ذلك وله رسائل بديعة وقصائد جليلة وخصوصا في مراثي الحسين رضي الله تعالى عنه رثاء ناهض الوادي آشي للحسين
وقد تذكرت هنا قول ناهض بن محمد الأندلسي الوادي آشي في رثاء الحسين رضي الله تعالى عنه
( أمرنة سجعت بعود أراك ** قولي مولهة علام بكاك )
( أجفاك إلفك أم بليت بفرقة ** أم لاح برق بالحمى فشجاك )
( لو كان حقا ما ادعيت من الجوى ** يوما لما طرق الجفون كراك )
( أو كان روعك الفراق إذا لما ** ضنت بماء جفونها عيناك )
( ولما ألفت الروض يأرج عرفه ** وجعلت بين فروعه مغناك )
( ولما اتخذت من الغصون منصة ** ولما بدت مخضوبة كفاك )
( ولما ارتديت الريش بردا معلما ** ونظمت من قزح سلوك طلاك )
( لو كنت مثلي ما أفقت من البكا ** لا تحسبي شكواي من شكواك )
( إيه حمامة خبريني إنني ** أبكي الحسين وأنت ما أبكاك )
( أبكي قتيل الطف فرع نبينا ** أكرم بفرع للنبوة زاكي )
( ويل لقوم غادروه مضرجا ** بدمائه نضوا صريع شكاك )
____________________
(5/70)


( متعفرا قد مزقت أشلاؤه ** فريا بكل مهند فتاك )
( أيزيد لو راعيت حرمة جده ** لم تقتنص ليث العرين الشاكي )
( أو كنت تصغي إذ نفرت بثغره ** قرعت صماخك أنه المسواك )
( أتروم ويك شفاعة من جده ** هيهات لا ومدبر الأفلاك )
( ولسوف تنبذ في جهنم خالدا ** ما الله شاء ولات حين فكاك )
وتوفي ناهض المذكور بوادي آش سنة 615
رجع إلى أخبار صفوان بن إدريس رحمه الله تعالى فنقول ومن شعر صفوان قوله
( قلنا وقد شام الحسام مخوفا ** رشأ بعادية الضراغم عابث )
( هل سيفه من طرفه أم طرفه ** من سيفه أم ذاك طرف ثالث )
وقوله
( غيري يروع بسيفه ** رشأ تشاجع ساخرا )
( إن كف عني طرفه ** فالسيف أعف ناصرا )
وقال صفوان المذكور رحمه الله تعالى حييت بعض أصحابنا بزهرة سوسن فقال
( حيا بسوسنة أبو بحر ** ) فقلت مجيزا
( نضراء تفضح يانع الزهر ** )
( عجبا لها لم تذوها يده ** من طول ما مكث على الصدر )
____________________
(5/71)


وقال أيضا ماشيت الوزير الكاتب أبا محمد ابن حامد يوما فاتفق أن قال لأمر تذكره
( بين الكثيب ومنبت السدر ** ريم غدا مثواه في صدري )
فقلت أجيزه
( لوشاحه قلم بلا ألم ** ولقرطه خفق بلا ذعر )
( لو كنت قد أنصفت مقتله ** برأت هاروتا من السحر )
( أو كنت أقضي حق مرشفه ** أعرضت لا ورعا عن الخمر )
وناولته يوما وردة مغلقة فقال
( ومحمرة تختال في ثوب سندس ** كوجنة محبوب أطل عذاره )
فقلت أجيزه
( كتطريف كف قد أحاطت بنانها ** بقلب محب ليس يخبو أواره )
وقال رآني الوزير أبو إسحاق وأنا أقيد أشعارا من ظهر دفتر فقال
( ما الذي يكتب الوزير ** )
قلت
( بدائع ما لها نظير ** )
فقال
( در ولكنه نظيم ** من خير أسلاكه السطور )
فقلت
( من أظهر الكتب أقتنيها ** وخل ما تحتوي البحور )
( بتلك تزهو النحور لكن ** بهذه تزدهي الصدور )
____________________
(5/72)


ولكن الإنصاف واجب هو قال المعنى الأخير نثرا وأنا سبكته نظما
وقال جلسنا بعض العشايا بالولجة خارج مرسية والنسيم يهب على النهر فقال أبو محمد ابن حامد
( هب النسيم وماء النهر يطرد ** )
فقلت على جهة المداعبة لا الإجازة
( ونار شوقي في الأحشاء تتقد ** )
فقال أبو محمد ما الذي يجمع بين هذا العجز وذاك الصدر فقلت أنا أجمع بينهما ثم قلت
( فصاغ من مائة درعا مفضضة ** وزاد قلبي وقدا للذي يجد )
( وإنما شب أحشائي لحاجته ** إذ ليس دون لهيب يصنع الزرد )
وخطرنا بلقنت على ثمرة تهزها الريح فقال أبو محمد
( وسرحة كاللواء تهفو ** بعطفها هبة الرياح )
فقلت
( كأن أعطافها سقتها ** كف النعامى كؤوس راح )
فقال
( إذا انتحاها النسيم هزت ** أعطافها هزة السماح )
فقلت
( كأن أغصانها كرام ** تقابل الضيف بارتياح )
____________________
(5/73)

ولصفوان رحمه الله
( تحية الله وطيب السلام ** على رسول الله خير الأنام )
( على الذي فتح باب الهدى ** وقال للناس ادخلوا بالسلام )
( بدر الهدى غيم الندى والسدى ** وما عسى أن يتناهى الكلام )
( تحية تهزأ أنفاسها ** بالمسك لا أرضى بمسك الختام )
( تخصه مني ولا تنثني ** عن أهله الصيد السراة الكرام )
( وقدرهم أرفع لكنني ** لم ألف أعلى لفظة من كرام )
وقال
( يقولون لي لما ركبت بطالتي ** ركوب فتى جم الغواية معتدي )
( أعندك شيء ترتجي أن تناله ** فقلت نعم عندي شفاعة أحمد )
وشرف وكرم ومجد وعظم وبارك وأنعم ووالي وكمل وأتم
____________________
(5/74)

& الباب الثاني &
في نشأته وترقيه ووزارته وسعادته ومساعدة الدهر له ثم قلبه له ظهر المجن على عادته في مصافاته ومنافاته وارتباكه في شباكه وما لقي من إحن الحاسد ذي المذهب الفاسد ومحن الكائد المستأسد وآفاته وذكر قصوره وأمواله وغير ذلك من أحواله في تقلباته عندما قابله الزمان بأهواله في بدئه وإعادته إلى وفاته
أقول كان مولد الوزير لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله كما في الإحاطة في الخامس والعشرين من شهر رجب عام ثلاثة عشر وسبعمائة وقال الرئيس الأمير أبو الوليد ابن الأحمر رحمه الله نشأ لسان الدين ابن الخطيب على حالة حسنة سالكا سبيل أسلافه فقرأ القرآن على المكتب الصالح أبي عبد الله ابن عبد المولى العواد تكتبا ثم حفظا ثم تجويدا ثم قرأ القرآن أيضا على أستاذ الجماعة أبي الحسن القيجاطي وقرأ عليه العربية وهو أول من انتفع به وقرأ على الخطيب أبي القاسم ابن جزي ولازم قراءة العربية والفقه والتفسير على الشيخ الإمام أبي عبد الله ابن الفخار البيري شيخ النحويين لعهده وقرأ على قاضي الجماعة أبي عبد الله ابن بكر وتأدب بالرئيس أبي الحسن ابن الجياب وروى عن كثير من الأعيان وسرد ابن الأحمر المذكور هنا جملة أعلام من مشايخ لسان الدين سيأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى ثم قال وأخذ الطب والتعاليم وصناعة التعديل عن الإمام أبي زكريا يحيى بن هذيل ولازمه انتهى
____________________
(5/75)


وقال بعضهم في حق لسان الدين هو الوزير العلامة المتحلي بأجمل الشمائل وأفضل المناقب المتميز في الأندلس بأرفع المراقي وأعلى المراتب علم الأعلام ورئيس أرباب السيوف والأقلام جامع أشتات الفضائل والمربي بحسن سياسته وعظيم رياسته على الأواخر والأوائل حائز رتبة رياسة السيف والقلم والقائم بتدبير الملك على أرسخ قدم صاحب القلم الأعلى الوارد من البراعة المنهل الأحلى صاحب الأحاديث التي لا تمل على كثرة ما تتلى والمحاسن التي صورها على منصة التنويه تجلى انتهى
وقال لسان الدين في الإحاطة بعد ذكر سلفه رحمهم الله تعالى ما ملخصه وخلفني يعني أباه عبد الله عالي الدرجة شهير الخطة مشمولا بالقبول مكنوفا بالعناية فقلدني السلطان سره ولما يستكمل الشباب ويجتمع السن معززة بالقيادة ورسوم الوزارة واستعملني في السفارة إلى الملوك واستناني بدار ملكه ورمى إلي يدي بخاتمه وسيفه وائتمنني على صوان حضرته وبيت ماله وسجوف حرمه ومعقل امتناعه ولما هلك السلطان ضاعف ولده حظوتي وأعلى مجلسي وقصر المشورة على نصحي إلى أن كانت عليه الكائنة فاقتدى في أخوه المتغلب على الأمر به فسجل الاختصاص وعقد القلادة ثم حمله أهل الشحناء من أهل أعوان ثورته على القبض علي فكان ذلك وتقبض علي ونكث ما أبرم من أماني واعتقلت بحال ترفيه وبعدأن كسبت المنازل والدور واستكثر من الحرس وختم على الأعلاق وأبرد إلى ما ناء واستؤصلت نعمة لم تكن بالأندلس من ذوات النظائر ولا ربات
____________________
(5/76)

الأمثال في تبحر الغلة وفراهة الحيوان وغبطة العقار ونظافة الآلات ورفعة الثياب واستجادة العدة ووفور الكتب إلى الآنية والفرش والماعون والزجاج والطيب والذخيرة والمضارب والأبنية واكتسحت السائمة وثيران الحرث وظهر الحمولة وقوام الفلاحة والخيل فأخذ ذلك البيع وتناهبتها الأسواق وصاحبها البخس ورزأتها الخونة وشمل الخاصة والأقارب الطلب واستخلصت القرى وأعملت الحيل وطوقت الذنوب وأمد الله تعالى بالعون وأنزل السكينة وانصرف اللسان إلى ذكر الله تعالى وتعلقت الآمال به وطبقت نكبة مصحفية مطلوبها الذات وسببها المال حسبما قلت عند إقالة العثرة والخلاص من الهفوة
( تخلصت منها نكبة مصحفية ** لفقداني المنصور من آل عامر )
ووصلت الشفاعة في مكتتبة بخط ملك المغرب وجعل خلاصي شرطا في العقدة ومسالمة الدولة فانتقلت صحبة سلطاني المكفور الحق إلى المغرب وبالغ ملكه في بري منزلا رحبا وعيشا خفضا وإقطاعا جما وجراية ما وراءها مرمى وجعلني بمجلسه صدرا ثم أسعف قصدي في تهيؤ الخلوة بمدينة سلا منوه الصكوك مهنأ القرار متفقدا باللها والخلع مخول العقار موفور الحاشية مخلي بيني وبين إصلاح معادي إلى أن رد الله تعالى على السلطان أمير المسلمين أبي عبد الله ابن أمير المسلمين أبي الحجاج ملكه وصير إليه حقه فطالبني بوعد ضربته وعمل في القدوم عليه بولده أحكمته ولم يوسعني عذرا ولا فسح في الترك مجالا فقدمت عليه بولده وقد ساءه بإمساكه رهينة ضده ونغص مسرة الفتح بعده على كل حال من التقشف
____________________
(5/77)

والزهد فيما بيده وعزف عن الطمع في ملكه وزهد في رفده حسبما قلت من بعض المقطوعات
( قالوا لخدمته دعاك محمد ** فأنفتها وزهدت في التنويه )
( فأجبتهم أنا والمهيمن كاره ** في خدمة المولى محب فيه )
عاهدت الله تعالى على ذلك وشرحت صدري للوفاء به وجنحت إلى الانفصال لبيت الله الحرام نشيدة أملي ومرمى نيتي وعملي فعلق بي وخرج لي عن الضرورة وأراني أن موازرته أبر القرب وراكنني إلى عهد بخطه فسح لعامين أمد الثواء واقتدى بشعيب صلوات الله عليه في طلب الزيادة على تلك النسبة وأشهد من حضر من العلية ثم رمى إلي بعد ذلك بمقاليد رأيه وحكم عقلي في اختيارات عقله وغطى من جفائي بحلمه وحثا في وجوه شهواته تراب زجري ووقف القبول على وعظي وصرف هواي في التحول ثانيا وقصدي واعترف بقبول نصحي فاستعنت الله تعالى وعاملت وجهه فيه من غير تلبس بجراية ولا تشبث بولاية مقتصرا على الكفاية حذرا من النقد خامل المركب معتمدا على المنسأة مستمشيا بخلق النعل راضيا بغير النبيه من الثوب مشفقا من موافقة الغرور هاجرا للزخرف صادعا بالحق في أسواق الباطل كافا عن السخال براثن السباع ثم صرفت الفكر إلى بناء الزاوية والمدرسة والتربة بكر الحسنات بهذه الخطة بل بالجزيرة فيما سلف من المدة فتأتي بمنه الله تعالى من صلاح السلطان وعفاف الحاشية والأمن ورم الثغور وتثمير الجباية وإنصاف الحماة والمقاتلة ومقارعة الملوك المجاورة في إيثار المصلحة الدينية والصدعفوق المنابر ضمانا من السلطان بترياق سم الثورة وإصلاح بواطن الخاصة والعامة ما الله تعالى المجازي عليه والمعوض
____________________
(5/78)

من سهر خلعته على أعطافه وخطر اقتحمته من أجله لا للثريد الأعفر ولا للجرد تمرح في الأرسان ولا للبدر تثقل للأكتاد فهو الذي لا يضيع عمل من عمل ذكر أو أنثى سبحانه وتعالى ومع ذلك فلم أعدم الاستهداف للشرور والاستغراض للمحذور والنظر الشزر المنبعث من خزر العيون شيمة من ابتلاه الله تعالى بسياسة الدهماء ورعاية سخطة أرزاق السماء وقتلة الأنبياء وعبدة الأهواء ممن لا يجعل لله تعالى إرادة نافذة ولا مشيئة سابقة ولا يقبل معذرة ولا يجمل في الطلب ولا يتلبس مع الله بأدب ربنا لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا والحال إلى هذا العهد وهو منتصف عام خمسة وستين وسبعمائة على ما ذكرته أداله الله بحال السلامة وبفيأة العافية والتمتع بالعبادة وربك يخلق ما يشاء ويختار
( وعلي أن أسعى وليس ** علي إدراك النجاح )
ولله سبحانه فينا علم غيب نحن صائرون إليه ألحفنا الله لباس التقوى وختم لنا بالسعادة وجعلنا في الآخرة من الفائزين نفثت عن بث وتأوهت عن حمى ليظهر بعد المنقلب قصدي ويدل مكتتبي على عقدي انتهى وجله بلفظه
وكان رحمه الله تعالى عارفا بأحوال الملوك سريع الجواب حاضر الذهن حاد النادرة ومن حكاياته في حضور الجواب ما حكاه عن نفسه قال حضرت يوما بين يدي السلطان أبي عنان في بعض وفاداتي عليه لغرض الرسالة وجرى ذكر بعض أعدائه فقلت ما أعتقده في إطراء ذلك العدو وما عرفته
____________________
(5/79)

من فضله فأنكر علي بعض الحاضرين ممن لا يحطب إلا في حبل السلطان فصرفت وجهي وقلت أيدكم الله تحقير عدو السلطان بين يديه ليس من السياسة في شيء بل غير ذلك أحق وأولى فإن كان السلطان غالب عدوه كان قد غلب غير حقير وهو الأولى بفخره وجلالة قدره وإن غلبه العدو لم يغلبه حقير فيكون أشد للحسرة وآكد للفضيحة فوافق رحمه الله تعالى على ذلك واستحسنه وشكر عليه وخجل المعترض انتهى
وكان رحمه الله تعالى مبتلي بداء الأرق لا ينام من الليل إلا النزر اليسير جدا وقد قال في كتابه الوصول لحفظ الصحة في الفصول العجب مني مع تأليفي لهذا الكتاب الذي لم يؤلف مثله في الطب وعملي ذلك لا أقدر على مداواة داء الأرق الذي بي أو كما قال ولذا يقال له ذو العمرين لأن الناس ينامون في الليل وهو ساهر فيه ومؤلفاته ما كان يصنف غالبها إلا بالليل وقد سمعت بالمغرب بعض الرؤساء يقول لسان الدين ذو الوزارتين وذو العمرين وذو الميتتين وذو القبرين انتهى وسيأتي ما يعلم منه معنى الأخيرين التعريف بالسلطان أبي الحجاج
وقد عرف رحمه الله تعالى بالسلطان أبي الحجاج في الإحاطة فقال ما حاصله يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر الأنصاري الخزرجي أمير المسلمين بالأندلس أبو الحجاج تولى الملك بعد أخيه بوادي السقائين من ظاهر الخضراء ضحوة يوم الأربعاء ثالث عشر ذي الحجة عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة وسنه خمسة عشر يوما وثمانية أشهر أمه أم ولد وكان له ثلاثة أولاد كبيرهم محمد أمير المسلمين من بعده وتلوه
____________________
(5/80)

أخوه إسماعيل محجوره وثالثهم قيس شقيق إسماعيل وذكر لسان الدين أنه وزر له بعد شيخه ابن الجياب وتولى كتابة سره مضافة إلى الوزارة في أخريات شوال عام تسعة وأربعين وسبعمائة انتهى وقد علم أنه وزر بعده لابنه محمد كما تقدم ويأتي وأما إسماعيل بن أبي الحجاج فهو الذي تغلب على الأمر وانتهز الفرصة في ملك أخيه محمد كما تقدم وفيه وفي أخيه قيس حين قتلا يقول لسان الدين
( بإسماعيل ثم أخيه قيس ** )
البيتين
وقد ذكر أيضا رحمه الله تعالى حكاية وفاة السلطان أبي الحجاج ما محصله أنه هجم عليه رجل من عداد الممرورين وهو في الركعة الأخيرة من صلاة عيد الفطر عام خمسة وخمسين وسبعمائة فطعنه بخنجر وقبض عليه واستفهم فتكلم بكلام مخلط واحتمل إلى منزله على فوت لم يستقر به إلا وقد قضى وأخرج قاتله إلى الناس فقتل لحينه وأحرق بالنار ودفن عشية اليوم المذكور في مقبرة قصره ضجيع والده وولي أمره ولده محمد ورثيته في غرض ناء عن الجزالة مختار ولده
( العمر نوم والمنى أحلام ** ماذا عسى أن يستمر مقام )
( وإذا تحققنا لشيء بدأة ** فله بما تقضي العقول تمام )
( والنفس تجمح في مدى آمالها ** ركضا وتأبى ذلك الأيام )
( من لم يصب في نفسه فمصابه ** بحبيبه نفذت بذا الأحكام )
( بعد الشبيبة كبرة ووراءها ** هرم ومن بعد الحياة حمام )
( ولحكمة ما أشرقت شهب الدجى ** وتعاقب الإصباح والإظلام )
( دنياك يا هذا محلة نقلة ** ومناخ ركب ما لديه مقام )
( هذا أمير المسلمين ومن به ** وجد السماح وأعدم الإعدام )
____________________
(5/81)


( سر الأمانة والخلافة يوسف ** غيث الملوك وليثها الضرغام )
( قصدته عادية الزمان فأقصدت ** والعز سام والخميس لهام )
( فجعت به الدنيا وكدر شربها ** وشكا العراق مصابه والشام )
( أسفا على الخلق الجميل كأنما ** بدر الدجنة قد جلاه تمام )
( أسفا على العمر الجديد كأنه ** زهو الحديقة زهرة بسام )
( أسفا على الخلق الرضى كأنه ** زهر الرياض هما عليه غمام )
( أسفا على الوجه الذي مهما بدا ** طاشت لنور جماله الأفهام )
( يا ناصر الثغر الغريب وأهله ** والأرض ترجف والسما قتام )
( يا صاحب الصدقات في جنح الدجى ** والناس في فرش النعيم نيام )
( يا حافظ الحرم الذي بظلاله ** ستر الأرامل واكتسى الأيتام )
( مولاي هل لك للقصور زيارة ** بعد انتزاح الدار أو إلمام )
( مولاي هل لك للعبيد تذكر ** حاشاك أن ينسى لديك ذمام )
( يا واحد الآحاد والعلم الذي ** خفقت بعزة نصره الأعلام )
( وافاك أمر الله حين تكاملت ** فيك النهى والجود والإقدام )
( ورحلت عنا الركب خير خليفة ** أثنى عليك الله والإسلام )
( نعم الطريق سلكت كان رفيقه ** والزاد فيه تهجد وصيام )
( وكسفت يا شمس المحاسن ضحوة ** فاليوم ليل والضياء ظلام )
( وسقاك عيد الفطر كأس شهادة ** فيها من الأجل الوحي مدام )
( وختمت عمرك بالصلاة فحبذا ** عمل كريم سعيه وختام )
( مولاي كم هذا الرقاد إلى متى ** بين الصفائح والتراب تنام )
( أعد التحية واحتسبها قربة ** إن كان يمكنك الغداة كلام )
( تبكي عليك مصانع شيدتها ** بيض كما تبكي الهديل حمام )
( تبكي عليك مساجد عمرتها ** فالناس فيها سجد وقيام )
____________________
(5/82)


( تبكي عليك خلائق أمنتها ** بالسلم وهي كأنها أنعام )
( عاملت وجه الله فيما رمته ** منها فلم يبعد عليك مرام )
( لو كنت تفدى أو تجار من الردى ** بذلت نفوس من لدنك كرام )
( لو كنت تمنع بالصوارم والقنا ** ما كان ركنك بالغلاب يرام )
( لكنه أمر الإله وما لنا ** إلا رضى بالحكم واستسلام )
( والله قد كتب الفناء على الورى ** وقضاؤه جفت به الأقلام )
( نم في جوار الله مسرورا بما ** قدمت يوم تزلزل الأقدام )
( واعلم بأن سليل ملكك قد غدا ** في مستقر علاك وهو إمام )
( ستر تكنف منه من خلفته ** ظل ظليل فهو ليس يضام )
( كنت الحسام وصرت في غمد الثرى ** ولنصر ملكك سل منه حسام )
( خلفت أمة أحمد لمحمد ** فقضت بسعد الأمة الأحكام )
( فهو الخليفة للورى في عهده ** ترعى العهود وتوصل الأرحام )
( أبقى رسومك كلها محفوظة ** لم ينتثر منها عليك نظام )
( العدل والشيم الكريمة والتقى ** والدار والألقاب والخدام )
( حسبي بأن أغشي ضريحك لاثما ** وأقول والدمع السفوح سجام )
( يا مدفن التقوى ويا مثوى الهدى ** مني عليك تحية وسلام )
( أخفيت من حزني عليك وفي الحشا ** نار لها بين الضلوع ضرام )
( ولو أنني أديت حقك لم يكن ** لي بعد فقدك في الوجود مقام )
( وإذا الفتى أدى الذي في وسعه ** وأتى بجهد ما عليه ملام )
قال لسان الدين وكتبت في بعض معاهده
( غبت فلا عين ولا مخبر ** ولا انتظار منك مرقوب )
( يا يوسف أنت لنا يوسف ** وكلنا في الحزن يعقوب )
____________________
(5/83)


انتهى ورحم الله تعالى الجميع بمنه وقد قدمنا ما كتبه لسان الدين على لسان سلطانه إلى السلطان أبي عنان في شأن قتل السلطان أبي الحجاج في الباب الثامن من القسم الأول الغني ولسان الدين يلجآن للمغرب
وقال لسان الدين في كتابه اللمحة البدرية في الدولة النصرية في ذكر ما يتعلق بخلع سلطانه وقيام أخيه عليه وفي خلال ذلك ما نصه كان السلطان أبو عبد الله عند تصير الأمر إليه قد ألزم أخاه إسماعيل قصرا من قصور أبيه بجوار داره مرفها عليه متممة وظائفه له وأسكن معه أمه وأخواته منها وقد استأثرت يوم وفاة والده بمال جم من خزائنه الكائنة في بيتها فوجدت السبيل إلى السعي لولدها فجعلت تواصل زيارة ابنتها التي عقد لها الوالد مع ابن عمه الرئيس أبي عبد الله ابن الرئيس أبي الوليد ابن الرئيس أبي عبد الله المبايع له بأندرش ابن الرئيس أبي سعيد جدهم الذي تجمعهم جرثومته وشمر الصهر المذكور عن ساعد عزمه وجده وهو ما هو من الإقدام ومداخلة ذؤبان الرجال واستعان بمن آسفته الدولة وهفت به الأطماع فتألف منهم زهاء مائة قصدوا جهة من جهات القلعة متسنمين شفا صعب المرتقى واتخذوا آلة تدرك ذروته لقعود بنية كانت به عن التمام وكبسوا حرسيا بأعلاه بما اقتضى صماته فاستووا به ونزلوا إلى القلعة سحور الليلة الثامنة والعشرين من شهر رمضان عام ستين وسبعمائة فاستظهروا بالمشاعل والصراخ وعالجوا دار الحاجب رضوان ففضوا أغلاقها ودخلوها فقتلوه بين أهله وولده وانتهبوا ما اشتملت عليه داره وأسرعت طائفة مع الرئيس الصهر فاستخرجت الأمير المعتقل إسماعيل وأركبته وقرعت
____________________
(5/84)

الطبول ونودي بدعوته وقد كان أخوه السلطان متحولا بولده إلى سكنى الجنة المنسوبة للعريف لصق داره وهي المثل المضروب في الظل الممدود والماء المسكوب والنسيم البليل يفصل بينهما وبين معقل الملك السور المنيع والخندق المصنوع فما راعه إلا النداء والعجيج وأصوات الطبول وهب إلى الدخول إلى القلعة فألفاها قد أخذت دونه شعابها كلها ونقابها وقذفته الحراب ورشقته السهام فرجع أدراجه وسدده الله تعالى في محل الحيرة ودس له عرق الفحول من قومه فامتطى صهوة فرس كان مرتبطا عنده وصار لوجهه فأعيا المتبع وصبح مدينة وادي آش ولم يشعر حافظ قصبتها إلا به وقد تولج عليها فالتف به أهلها وأعطوه صفقتهم بالذب عنه فكان أملك بها وتجهزت الحشود إلى منازلته وقد جدد أخوه المتغلب على ملكه عقد السلم مع طاغية قشتالة باحتياجه إلى سلم المسلمين لجراء فتنة بينه وبين البرجلونيين من أمته واغتبط به أهل المدينة فذبوا عنه ورضوا بهلاك نعمتهم دونه واستمرت الحال إلى يوم عيد النحر من عام التاريخ ووصله رسول صاحب المغرب مستنزلا عنها ومستدعيا إلى حضرته لما عجز عن إمساكها وراسل ملك الروم فلم يجد عنده من معول فانصرف ثاني يوم عيد النحر المذكور وتبعه الجمع الوافر من أهل المدينة خيلا ورجلا إلى مربلة من ساحل إجازته وكان وصوله إلى مدينة فاس مصحوبا من البر والكرامة بما لا يزيد عليه في السادس من شهر محرم فاتح عام أحد وستين وسبعمائة وركب السلطان للقائه ونزل إليه عندما سلم عليه وبالغ في الحفاية به وكنت قد ألحقت به مفلتا من شرك النكبة التي استأصلت المال وأوهمت سوء الحال بشفاعة السلطان أبي سالم قدس الله روحه فقمت بين يديه في الحفل المشهود يومئذ وأنشدته
____________________
(5/85)


( سلا هل لديها من مخبره ذكر ** وهل أعشب الوادي ونم به الزهر )
( وهل باكر الوسمي دارا على اللوى ** عفت آيها إلا التوهم والذكر )
( بلادي التي عاطيت مشمولة الهوى ** بأكنافها والعيش فينان مخضر )
( وجوى الذي ربى جناحي وكره ** فها أنا ذا ما لي جناح ولا وكر )
( نبت بي لا عن جفوة وملالة ** ولا نسخ الوصل الهنيء بها هجر )
( ولكنها الدنيا قليل متاعها ** ولذاتها دأبا تزور وتزور )
( فمن لي بقرب العهد منها ودوننا ** مدى طال حتى يومه عندنا شهر )
( ولله عينا من رآنا وللأسى ** ضرام له في كل جانحة جمر )
( وقد بددت در الدموع يد النوى ** وللشوق أشجان يضيق لها الصدر )
( بكينا على النهر الشروب عشية ** فعاد أجاجا بعدنا ذلك النهر )
( أقول لأظعاني وقد غالها السرى ** وآنسها الحادي وأوحشها الزجر )
( رويدك بعد العسر يسر أن أبشري ** بإنجاز وعد الله قد ذهب العسر )
( ولله فينا سر غيب وربما ** أتى النفع من حال أريد بها الضر )
( وإن تخن الأيام لم تخن النهى ** وإن يخذل الأقوام لم يخذل الصبر )
( وإن عركت مني الخطوب مجربا ** نقابا تساوى عنده الحلو والمر )
( فقد عجمت عودا صليبا على الردى ** وعزما كما تمضي المهندة البتر )
( إذا أنت بالبيضاء قررت منزلي ** فلا اللحم حل ما حييت ولا الظهر )
( زجرنا بإبراهيم برء همومنا ** فلما رأينا وجهه صدق الزجر )
( بمنتجب من آل يعقوب كلما ** دجا الخطب لم يكذب لعزمته فجر )
( تناقلت الركبان طيب حديثه ** فلما رأته صدق الخبر الخبر )
( ندى لو حواه البحر لذ مذاقه ** ولم يتعقب مده أبدا جزر )
____________________
(5/86)


( وبأس غدا يرتاع من خوفه الردى ** وترفل في أثوابه الفتكة البكر )
( أطاعته حتى العصم في قنن الربى ** وهشمت إلى تأميله الأنجم الزهر )
( قصدناك يا خير الملوك على النوى ** لتنصفنا مما جنى عبدك الدهر )
( كففنا بك الأيام عن غلوائها ** وقد رابنا منها التعسف والكبر )
( وعذنا بذاك المجد فانصرم الردى ** ولذنا بذاك العزم فانهزم الذعر )
( ولما أتينا البحر يرهب موجه ** ذكرنا نداك الغمر فاحتقر البحر )
( خلافتك العظمى ومن لم يدن بها ** فإيمانه لغو وعرفانه نكر )
( ووصفك يهدي المدح قصد صوابه ** إذا ضل في أوصاف من دونك الشعر )
( دعتك قلوب المؤمنين وأخلصت ** وقد طاب منها السر لله والجهر )
( ومدت إلى الله الأكف ضراعة ** فقال لهن الله قد قضي الأمر )
( وألبسها النعمى ببيعتك التي ** لها الطائر الميمون والمحتد الحر )
( فأصبح ثغر الثغر يبسم ضاحكا ** وقد كان مما نابه ليس يفتر )
( وأمنت بالسلم البلاد وأهلها ** فلا ظبة تعرى ولا روعة تعرو )
( وقد كان مولانا أبوك مصرحا ** بأنك في أبنائه الولد البر )
( وكنت حقيقا بالخلافة بعده ** على الفور لكن كل شيء له قدر )
( وأوحشت من دار الخلافة هالة ** أقامت زمانا لا يلوح بها البدر )
( فرد عليك الله حقك إذ قضى ** بأن تشمل النعمى وينسدل الستر )
( وقاد إليك الملك رفقا بخلقه ** وقد عدموا ركن الإمامة واضطروا )
( وزادك بالتمحيص عزا ورفعة ** وأجرا ولولا السبك ما عرف التبر )
( وأنت الذي تدعى إذا دهم الردى ** وأنت الذي ترجى إذا أخلف القطر )
( وأنت إذا جار الزمان محكم ** لك النقض والإبرام والنهي والأمر )
( وهذا ابن نصر قد أتى وجناحه ** مهيض ومن علياك يلتمس الجبر )
____________________
(5/87)


( غريب يرجى منك ما أنت أهله ** فإن كنت تبغي الفخر قد جاءك الفخر )
( ففز يا أمير المسلمين ببيعة ** موثقة قد حل عروتها الغدر )
( ومثلك من يرعى الدخيل ومن دعا ** بيا لمرين جاءه العز والنصر )
( وخذ يا إمام الحق بالحق ثأره ** ففي ضمن ما تأتي به العز والأجر )
( وأنت لها يا ناصر الحق فلتقم ** بحق فما زيد يرجى ولا عمرو )
( فإن قيل مال مالك الدثر وافر ** وإن قيل جيش عندك العسكر المجر )
( يكف بك العادي ويحيا بك الهدى ** ويبني بك الإسلام ما هدم الكفر )
( أعده إلى أوطانه عنك راضيا ** وطوقه نعماك التي ما لها حصر )
( وعاجل قلوب الناس فيه بجبرها ** فقد صدهم عنه التغلب والقهر )
( وهم يرقبون الفعل منك وصفقة ** تحاولها يمناك ما بعدها خسر )
( مرامك سهل لا يؤودك كلفة ** سوى عرض ما إن له في العلا خطر )
( وما العمر إلا زينة مستعارة ** ترد ولكن الثناء هو العمر )
( ومن باع ما يفنى بباق مخلد ** فقد أنجح المسعى وقد ربح التجر )
( ومن دون ما تبغيه يا ملك الهدى ** جياد المذاكي والمحجلة الغر )
( وراد وشقر واضحات شياتها ** فأجسامها تبر وأرجلها در )
( وشهب إذا ما ضمرت يوم غارة ** مطهمة غارت بها الأنجم الزهر )
( وأسد رجال من مرين مخيفة ** عمائمها بيض وآسالها سمر )
( عليها من الماذي كل مفاضة ** تدافع في أعطافها اللجج الخضر )
( هم القوم إن هبوا لكشف ملمة ** فلا الملتقى صعب ولا المرتقى وعر )
( إذا سئلوا أعطوا وإن نوزعوا سطوا ** وإن واعدوا وفوا وإن عاهدوا بروا )
( وإن مدحوا اهتزوا ارتياحا كأنهم ** نشاوى تمشت في معاطفهم خمر )
( وإن سمعوا العوراء فروا بأنفس ** حرام على هاماتها في الوغى الفر )
____________________
(5/88)


( وتبسم ما بين الوشيج ثغورهم ** وما بين قضب الدوح يبتسم الزهر )
( أمولاي غاضت فكرتي وتبلدت ** طباعي فلا طبع يعين ولا فكر )
( ولولا حنان منك داركتني به ** وأحييتني لم تبق عين ولا أثر )
( فأوجدت مني فائتا أي فائت ** وأنشرت ميتا ضم أشلاءه قبر )
( بدأت بفضل لم أكن لعظيمه ** بأهل فجل اللطف وانفرج الصدر )
( وطوقتني النعمى المضاعفة التي ** يقل عليها مني الحمد والشكر )
( وأنت بتتميم الصنائع كافل ** إلى أن يعود الجاه والعز والوفر )
( جزاك الذي أسنى مقامك عصمة ** يفك بها عان وينعش مضطر )
( إذا نحن أثنينا عليك بمدحة ** فهيهات يحصى الرمل أو يحصر القطر )
( ولكننا نأتي بما نستطيعه ** ومن بذل المجهود حق له العذر )
فلا تسأل عن امتعاض وانتفاض وسداد أنحار في التأثر لنا وأغراض والله غالب على أمره
وفي صبيحة يوم السبت السابع عشر من شهر شوال عام اثنين وستين وسبعمائة كان انصرافه إلى الأندلس وقد ألح صاحب قشتالة في طلبه وترجح الرأي على قصده فقعد السلطان بقبة العرض من جنة المصارة وبرز الناس وقد أسمعهم البريح واستحضرت البنود والطبول والآلة وألبس خلعة الملك وقيدت له مراكبه فاستقل وقد التف عليه كل من جلا عن الأندلس من لدن الكائنة في جملة كثيفة ورأى من رقة الناس وإجهاشهم وعلو أصواتهم بالدعاء ما قدم به العهد إذ كان مظنة ذلك سكونا وعفافا وقربا قد ظلله الله برواق الرحمة وعطف عليه وشائج المحبة إلى كونه مظلوم العقد منتزع الحق فتبعته
____________________
(5/89)

الخواطر وحميت عليه الأنفس وانصرف لوجهته وهو الآن برندة مستقل بها وبجهاتها ومتعلل بألقاب ومقتنع برسم وقد قام له برسم الوزارة الشيخ القائد أبو الحسن علي بن يوسف ابن كماشة الحضرمي وبكتابته الفقيه أبو عبد الله ابن زمرك وقد استفاض عنه من الحزم والتدرب والتيقظ للأمور والمعرفة بوجوه المصالح ما لا ينكر كان الله لنا وله بفضله انتهى كلام لسان الدين ابن الخطيب في اللمحة البدرية رسالة للسان الدين عن الغني إلى المنصور بن قلاوون
وقد علمت أنه بعد هذا التاريخ عاد سلطانه إلى حضرة غرناطة واستبد بملك الأندلس وعاد لسان الدين إليه حسبما أحسن سياق ذلك لسان الدين رحمه الله تعالى في كتاب من إنشائه على لسان سلطانه الغني بالله وخاطب به ملك الحرمين مصر والشام السلطان المنصور بن أحمد بن الناصر بن قلاوون وقد ذكرنا منه ما يتعلق بالأندلس في الباب الثاني من القسم الأول وقال بعد ذلك فيما يتعلق بالخلع المذكور ما نصه ولما صير الله إلينا تراثهم الهني وأمرهم السني وبناءهم العادي وملكهم الجهادي أجرانا وله الطول على سننهم ورفع أعلامنا في هضابهم المشرفة وقننهم وحملنا فيهم خير حمل ونظم بنا لهم أي شمل وألبس أيامنا سلما فسح الدارة وأحكم الإدارة وهنأ الإمارة ومكن العمارة وأمن في البحر والبر السيارة والعبارة لولا ما طرقهم فينا من تمحيص أجلي عن تخصيص وتمحض تبره بعد تخليص ومرام عويص نبثكم بثه ونوالي لديكم حثه ونجمع منبثه فإن في الحوادث ذكرا ومعروف الدهر لا يؤمن أن يعود نكرا وشر الوجود
____________________
(5/90)

معاقب بخيره والسعيد من اتعظ بغيره والحزم أفضل ما إليه ينتسب وعقل التجربة بالمرانة يكتسب وهو أن بعضا ممن ينسب إلينا بوشائج الأعراق لا بمكارم الأخلاق ويمت إلينا بالقرابة البعيدة لا بالنصبة السعيدة ممن كفلناه يتيما وصناه ذميما شتيما وبوأناه مبوأ كريما بعد أن نشأ حرشوفا دميما وملعونا لئيما ونوهناه من خموله بالولاية ونسخنا حكم تسحبه بآية العناية داخل أخا لنا كنا ألزمناه الاقتصار على قصره ولم نجعل أداة تدل على حصره وسامحناه في كثير من أمره ولم نرتب بزيده ولا عمره واغتررنا برماد علا على جمره فاستدعى له من الصعاليك شيعته كل درب بفك الأغلاق وتسرب أنفاق النفاق وخارق للإجماع والإصفاق وخبير بمكان الخراب ومذاهب الفساق وتسور بهم القلعة من ثلم شرع في سده بعد هده ولم تكمل الأقدار المميزة في ليلة آثرنا مبيتنا ببعض البساتين خارج قصورنا واستنبنا من يضطلع بأمورنا فاستتم الحيلة التي شرعها واقتحم القلعة وافترعها وجدل حرس النوبة وصرعها وكبس محل النائب عنا وجد له ولم ينشب أن جد له واستخرج الأخ البائس فنصبه وشد به تاج الولاية وعصبه وابتز أمرنا وغصبه
وتوهم الناس أن الحادثة على ذاتنا قد تمت والدائرة بنا قد ألمت ولقد همت فخذل الناصر وانقطعت الأواصر وأقدم المتقاصر واقتحمت الأبهاء والمقاصر وتفرقت الأجزاء وتحللت العناصر وفقد من عين الأعيان النور الباصر فأعطوه طاعة معروفة وأصبحت الوجوه إليه مصروفة وركضنا وسرعان الخيل تقفو أثر منجاتنا والظلام يخفيها وتكفي علينا السماء والله يكفيها إلى أن خلصنا إلى مدينة وادي آش خلوص القمر من السرار لا نملك إلا نفسا مسلمة لحكم الأقدار ملقية لله مقادة الاختيار مسلوبة بموجب الإستقرار وناصحنا أهل تلك المدينة فعملوا على الحصار واستبصروا في الدفاع عنا أتم الاستبصار ورضوا لبيوتهم المصحرة وبساتينهم المستبحرة
____________________
(5/91)

بفساد الحديد وعياث النار ولم يرضوا لجوارهم بالإخفار ولا لنفوسهم بالعار إلى أن كان الخروج عن الوطن بعد خطوب تسبح فيها الأقلام سبحا طويلا وتوسعها الشجون شرحا وتأويلا وتلقي القصص منها على الآذان قولا ثقيلا وجزنا البحر وضلوع موجه إشفاقا علينا تخفق وأكف رياحه حسرة تصفق ونزلنا من جناب سلطان بني مرين على المثوى الذي رحب بنا ذرعه ودل على كرم الأصول فرعه والكريم الذي وهب فأجزل ونزل لنا عن الصهوة وتنزل وخير وحكم ورد على الدهر الذي تهكم واستعبر وتبسم وآلى وأقسم وبسمل وقدم واستركب لنا واستخدم
ولما بدا لمن وراءنا سيئات ما كسبوا وحققوا ما حسبوا وطفا الغثاء ورسبوا ولم ينشب الشقي الخزي أن قتل البائس الذي موه بزيفه وطوقه بسيفه ودل ركب المخافة على خيفه إذ أمن المضعوف من كيده وجعل ضرغامه بازيا لصيده واستقل على أريكته استقلال الظليم على تريكته حاسر الهامة متنفقا بالشجاعة والشهامة مستظهرا بأول الجهالة والجهامة وساءت في محاولة عدو الدين سيرته ولما حصحص الحق انكشفت سريرته وارتابت لجبنه المستور جيرته وفغر عليه طاغية الروم فمه فالتقمه ومد عليه الصليب ذراعه فراعه وشد الكفر عليه يده فما عضده الله ولا أيده وتخرمت ثغور الإسلام بعد انتظامها وشكت إليه باهتضامها وغصت بأشلاء عباد الله وعظامها ظهور أوضامها ووكلت السنة والجماعة وانقطعت من النجح الطماعة واشتدت المجاعة وطلعت شمس دعوتنا من المغرب فقامت عليها الساعة وأجزنا البحر تكاد جهتاه تتقاربان تيسيرا ورياحه لا تعرف في غير وجهتنا مسيرا وكأن ماءه ذوب لقي إكسيرا ونهضنا يتقدمنا الرعب ويتقد منا الدعاء وتجأجئ بنا الإشارة ويحفزنا الاستدعاء
____________________
(5/92)


وأقصر الطاغية عن البلاد بعد أن ترك ثغورها مهتومة والإخافة عليها محتومة وطوابعها مفضوضة وكانت بنا مختومة وأخذت الخائن الصيحة فاختبل وظهر تهوره الذي عليه جبل فجمع أوباشه السفلة وأوشابه وبهرجه الذي غش به المحض وشابه وعمد إلى الذخيرة التي صانتها الأغلاق الحريزة والمعاقل العزيزة فملأ بها المناطق واستوعب الصامت والناطق والوشح والقراطق واحتمل عدد الحرب والزينة وخرج ليلا عن المدينة واقتضت آراؤه الفائلة ونعامته الشائلة ودولة بغيه الزائلة أن يقصد طاغية الروم بقضه وقضيضه وأوجه وحضيضه وطويله وعريضه من غير عهد اقتضى وثيقة ولا أمر عرف حقيقته إلا ما أمل اشتراطه من تبديل الكلمة واستئصال الأمة المسلمة فلم يكن إلا أن تحصل في قبضته ودنا من مضجع ربضته واستشار نصحاءه في أمره وحكم الحيلة في جناية غدره وشهره ببلده وتولى قتله بيده وألحق به جميع من أمده في غيه وظاهره على سوء سعيه وبعث إلينا برؤوسهم فنصبت بمسور غدرها وقلدت لبة تلك البنية بشذرها وأصبحت عبرة للمعتبرين وآية للمستبصرين وأحق الله الحق بكلماته وقطع دابر الكافرين
وعدنا إلى أريكة ملكنا كما رجع القمر إلى بيته بعد كيته وكيته أو العقد إلى جيده بعد انتثار فريده أو الطير إلى وكره مفلتا من غول الشرك ومكره ينظر الناس إلينا بعيون لم ترو مذ غبنا من محيا رحمة ولا طشت عليها بعدنا غمامة رحمة ولا باتت للسياسة في ذمة ولا ركنت لدين ولا همة فطوينا بساط العتاب طي الكتاب وعالجنا سطور المؤاخذة بالاضطراب وآنسنا نفوس أولي الاقتراف بالاقتراب وسهلنا الوصول إلينا واستغفرنا الله لنفسنا ولمن جنى علينا فلا تسألوا عما أثار ذلك من استدراك ندم ورسوخ قدم واستمتاع بوجود بعد عدم فسبحان الذي يمحص ليثيب ويأمر بالدعاء ليجيب وينبه من الغفلة ويهيب ويجتبي إليه من يشاء ويهدي
____________________
(5/93)

إليه من ينيب
ورأينا أن نطالع علومكم الشريفة بهذا الواقع تسبيبا للمفاتحة المعتمدة وتمهيدا للموالاة المجددة فأخبار الأقطار مما تنفقه الملوك على أسمارها وترقم ببدائعه هالات أقمارها وتستفيد منه حسن السير والأمان من الغير وتستعين على الدهر بالتجارب وتستدل بالشاهد على الغائب وبلادكم ينبوع الخير وأهله ورواق الإسلام الذي يأوى قريبه وبعيده إلى ظله ومطلع نور الرسالة وأفق الرحمة المنثالة منه تقدم علينا الكواكب تضرب آباط أفلاكها وتتخلل مداريها المذهبة غدائر أحلاكها وتستعلي البدور ثم يدعوها إلى المغرب الحدور وتطلع الشمس متجردة من كمائم ليلها متهادية في دركات ميلها ثم تسحب إلى الغروب فضل ذيلها ومن تلقائكم ورد العلم والعمل وأرعى الهمل
فنحن نستوهب من مظان الأجابة لديكم دعاء يقوم لنا مقام المدد ويعدل منه الشيء بالمال والعدد ففي دعاء المؤمن بظهر الغيب ما فيه مما ورد وإياه سبحانه نسأل أن يدفع عنا وعنكم دواعي الفتن وغوائل المحن ويحملنا على سنن السنن ويلبسنا من تقواه أوقى الجنن وهو سبحانه يصل لأبوتكم ما تستقل لدى قاضي القضاة رسومه فتكتب حقوقه وتكبت خصومه ولا تكلفه الأيام ولا تسومه بفضل الله وعزته وكرمه ومنته والسلام الكريم الطيب المبارك بدءا بعد عود وجودا إثر جود ورحمة الله تعالى وبركاته انتهى
وللسان الدين ابن الخطيب رحمه الله عن سلطانه المذكور كتاب آخر في هذه الكائنة إلى كبير الموحدين أبي محمد عبد الله بن تفراجين ولعلنا نذكره إن
____________________
(5/94)

شاء الله تعالى في الباب الخامس من هذا القسم عند تعرضنا لبعض نثر لسان الدين رحمه الله تعالى نقل عن ابن خلدون في خلع الغني
وقد ساق هذه القضية قاضي القضاة الشهير الكبير ولي الدين عبد الرحمن ابن خلدون الحضرمي رحمه الله تعالى في تاريخه الكبير في ترجمة السلطان الشهير أبي سالم ابن السلطان أبي الحسن المريني صاحب المغرب مما نصه الخبر عن خلع ابن الأحمر صاحب غرناطة ومقتل رضوان ومقدمه على السلطان لما هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وسبعمائة ونصب ابنه محمد للأمر واستبد عليه رضوان مولى أبيه وكان قد رشح ابنه الأصغر إسماعيل بما ألقى عليه وعلى أمه من محبته فلما عدلوا بالأمر عنه حجبوه ببعض قصورهم وكان له صهر من ابن عمه محمد بن إسماعيل ابن الرئيس أبي سعيد فكان يدعوه سرا إلى القيام بأمره حتى أمكنته فرصة في الدولة بخروج السلطان إلى بعض منتزهاته برياضه فصعدسور الحمراء ليلة سبع وعشرين لرمضان من سنة ستين في أوشاب جمعهم من الطغام لثورته وعمد إلى دار الحاجب رضوان فاقتحم عليه الدار وقتله بين حرمه وبناته وقربوا إلى إسماعيل فرسه وركب فأدخلوه القصر وأعلنوا بيعته وقرعوا طبولهم بسور الحمراء وفر السلطان من مكانه بمنتزهه فلحق بوادي آش وغدا الخاصة والعامة على إسماعيل فبايعوه واستبد عليه هذا الرئيس بن عمه فخلعه لأشهر من بيعته واستقل بسلطان الأندلس ولما لحق السلطان أبو عبد الله محمد بوادي آش بعد مقتل حاجبه رضوان واتصل الخبر بالمولى السلطان أبي سالم امتعض لمهلك رضوان وخلع السلطان رعيا لما سلف له في جوارهم وأزعج لحينه أبا القاسم الشريف
____________________
(5/95)

من أهل مجلسه لاستقدامه فوصل إلى الأندلس وعقد مع أهل الدولة على إجازة المخلوع من وادي آش إلى المغرب وأطلق من اعتقالهم الوزير الكاتب أبا عبد الله ابن الخطيب كانوا اعتقلوه لأول أمرهم لما كان رديفا للحاجب رضوان وركنا لدولة المخلوع فأوصى المولى أبو سالم إليهم بإطلاقه فأطلقوه ولحق مع الرسول أبي القاسم الشريف بسلطانه المخلوع بوادي آش للإجازة إلى المغرب وأجاز لذي القعدة من سنته وقدم على السلطان بفاس وأجل قدومه وركب للقائه ودخل به إلى مجلس ملكه وقد احتفل ترتيبه وغص بالمشيخة والعلية ووقف وزيره ابن الخطيب فأنشد السلطان قصيدته الرائية يستصرخه لسلطانه ويستحثه لمظاهرته على أمره واستعطف واسترحم بما أبكى الناس شفقة له ورحمة ثم سرد ابن خلدون القصيدة وقد تقدمت
ثم قال بعد ما صورته ثم انفض المجلس وانصرف ابن الأحمر إلى نزله وقد فرشت له القصور وقربت له الجياد بالمراكب الذهبية وبعث إليه بالكسا الفاخرة ورتبت الجرايات له ولمواليه من المعلوجي وبطانته من الصنائع وحفظ عليه رسم سلطانه في الراكب والراجل ولم يفقد من ألقاب ملكه إلا الآلة أدبا مع السلطان واستقر في جملته إلى أن كان من لحاقه بالأندلس وارتجاع ملكه سنة ثلاث وستين ما نحن نذكره انتهى المقصود جلبة من كلام ابن خلدون في هذه الواقعة وفيه بعض مخالفة لكلام لسان الدين السابق في اللمحة البدرية إذ قال فيها إن الثورة عليهم كانت ليلة ثمان وعشرين من رمضان وابن خلدون جعلها ليلة سبع وعشرين منه والخطب سهل وقال في اللمحة إن انصرف السلطان من وادي آش كان ثاني يوم النحر وقال ابن خلدون في ذي القعدة ولعله غلط من الكاتب حيث جعل مكان الحجة القعدة
ورائيه ابن الخطيب التي ذكرها هي من حر كلامه وغرر شعره على
____________________
(5/96)

أنه كله غرر إذ جمع فيها المطلوب في ذلك الوقت بأبدع لفظ وأحسن عبارة في ذلك المحفل العظيم ولم نزل نسمع في المذاكرات بالمغرب أنه لما انتهى فيها إلى قوله فقد أنجح المسعى وقد ربح التجر قال له بعض من حضر ولعله أراد الغض منه أحسنت يا وزير فيما قلت وفي وصف الحال والسلطان غير أنه بقي عليك شيء وهو ذكر قرابة السلطان موالينا بني مرين وهم من هم ولا ينبغي السكوت عنهم فارتجل ابن الخطيب حينئذ قوله ومن دون ما تبغيه إلى آخره حتى تخلص لمدح بني مرين أقارب السلطان بما لا مرمى وراءه ثم قال بعد ذلك معتذرا أمولاي غاضت فكرتي إلى آخره وهذا إن صح أبلغ مما وقع لأبي تمام في سينيته حيث قال لا تنكروا ضربي له البيتين لأن أبا تمام ارتجل بيتين فقط ولسان الدين ارتجل تسعة عشر بيتا مع ما هو عليه من الخروج عن الوطن وذهاب الجاه والمال فأين الحال من الحال
وقد كرر ابن خلدون رحمه الله تعالى في تاريخه قضية اعتقال لسان الدين وخلع سلطانه في موضع آخر ولنذكره وإن سبق بعضه لاشتماله على منشإ الوزير لسان الدين وجملة من أحواله إلى قريب من مهلكه فنقول قال رحمه الله تعالى بعد ذكره عبد الله والد لسان الدين وأنه انتقل من لوشة إلى غرناطة واستخدم لملوك بني الأحمر واستعمل على مخازن الطعام ما محصله ونشأ ابنه محمد هذا يعني لسان الدين ابن الخطيب بغرناطة وقرأ وتأدب على مشيختها واختص بصحبة الحكيم المشهور يحيى بن هذيل وأخذ عنه العلوم الفلسفية وبرز في الطب وانتحل الأدب وأخذ عن أشياخه وامتلأ من حول اللسان نظمه ونثره مع انتقاء الجيد منه ونبغ في الشعر والترسيل بحيث لا يجاري فيهما
____________________
(5/97)

وامتدح السلطان أبا الحجاج من ملوك بني الأحمر لعصره وملأ الدنيا بمدائحه وانتشرت في الآفاق فرقاه السلطان إلى خدمته وأثبته في ديوان الكتاب ببابه مرؤوسا بأبي الحسن ابن الجياب شيخ العدوتين في النظم والنثر وسائر العلوم الأدبية وكاتب السلطان بغرناطة من لدن أيام محمد المخلوع من سلفه عندما قتل وزيره محمد بن الحكيم المستبد عليه فاستبد ابن الخطيب برياسة الكتاب ببابه مثناه بالوزارة ولقبه بها فاستقل بذلك وصدرت عنه غرائب من الترسيل في مكاتبات جيرانهم من ملوك العدوة ثم داخله السلطان في تولية العمال على يده بالمشارطت فجمع له بها أموالا وبلغ به في المخالصة إلى حيث لم يبلغ بأحد ممن قبله وسفر عنه إلى السلطان أبي عنان ملك بني مرين بالعدوة معزيا بأبيه السلطان أبي الحسن فجلى في أغراض سفارته ثم هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وسبعمائة عدا عليه بعض الزعانف في سجوده للصلاة وطعنه فأشواه وفاظ لوقته وتعاورت سيوف الموالي المعلوجي هذا القاتل فمزقوه أشلاء وبويع ابنه محمد لوقته وقام بأمره مولاهم رضوان الراسخ القدم في قيادة عساكرهم وكفالة الأصاغر من ملوكهم واستبد بالدولة وأفرد ابن الخطيب بوزارته كما كان لأبيه وجعل ابن الخطيب رديفا لرضوان في أمره ومشاركا في استبداده معه فجرت الدولة على أحسن حال وأقوم طريقة ثم بعثوا الوزير ابن الخطيب سفيرا إلى السلطان أبي عنان مستمدين منه على عدوهم الطاغية على عادتهم مع سلفه فلما قدم على السلطان ومثل بين يديه تقدم الوفد الذين معه من وزراء الأندلس وفقهائها واستأذنه في إنشاد شعر قدمه بين يدي نجواه فأذن له وأنشد وهو قائم
( خليفة الله ساعد القدر ** علاك ما لاح في الدجى قمر )
____________________
(5/98)


( ودافعت عنك كف قدرته ** ما ليس يسطيع دفعه البشر )
( وجهك في النائبات بدر دجى ** لنا وفي المحل كفك المطر )
( والناس طرا بأرض أندلس ** لولاك ما أوطنوا ولا عمروا )
( وجملة الأمر أنه وطن ** في غير علياك ما له وطر )
( ومن به مذ وصلت حبلهم ** ما جحدوا نعمة ولا كفروا )
( وقد أهمتهم بأنفسهم ** فوجهوني إليك وانتظروا )
فاهتز السلطان لهذه الأبيات وأذن له في الجلوس وقال له قبل أن يجلس ما ترجع إليهم إلا بجميع طلباتهم ثم أثقل كاهلهم بالإحسان وردهم بجميع ما طلبوه وقال شيخنا القاضي أبو القاسم الشريف وكان معه في ذلك الوفد لم نسمع بسفير قضى سفارته قبل أن يسلم على السلطان إلا هذا ومكثت دولتهم هذه بالأندلس خمس سنين ثم ثار بهم محمد الرئيس ابن عم السلطان شركه في جده الرئيس أبي سعيد وتحين خروج السلطان إلى منتزهه خارج الحمراء وتسور دار الملك المعروفة بالحمراء وكبس رضوان في بيته فقتله ونصب للملك إسماعيل ابن السلطان أبي الحجاج بما كان صهره على شقيقته وكان معتقلا بالحمراء فأخرجه وبايع له وقام بأمره مستبدا عليه وأحس السلطان محمد بقرع الطبول وهو بالبستان فركب ناجيا إلى وادي آش وضبطها وبعث بالخبر إلى السلطان أبي سالم إثر ما استولى على ملك آبائه بالمغرب وقد كان مثواه أيام أخيه أبي عنان عندهم بالأندلس واعتقل الرئيس القائم بالدولة هذا الوزير ابن الخطيب وضيق عليه في محبسه وكانت بينه وبين الخطيب ابن مرزوق مودة استحكمت أيام مقامه بالأندلس وكان غالبا على هوى السلطان أبي سالم فزين له استدعاء هذا السلطان المخلوع من وادي آش يعده زبونا على أهل الأندلس ويكف به عادية القرابة المرشحين هنالك متى طمحوا إلى ملك المغرب فقبل ذلك منه وخاطب أهل الأندلس في تسهيل طريقه من وادي
____________________
(5/99)

آش إليه وبعث من أهل مجلسه الشريف أبا القاسم التلمساني وحمله مع ذلك الشفاعة في ابن الخطيب وحل معتقله فأطلق وصحب الشريف أبا القاسم إلى وادي آش وسار في ركاب سلطانه وقدموا على السلطان أبي سالم فاهتز لقدوم ابن الأحمر وركب في الموكب لتلقيه وأجلسه إزاء كرسيه وأنشد ابن الخطيب قصيدته يستصرخ السلطان لنصره فوعده وكان يوما مشهودا ثم أكرم مثواه وأرغد نزله ووفر أرزاق القادمين مع ركابه وأرغد عيش ابن الخطيب في الجراية والإقطاع ثم استيأس واستأذن السلطان في التجوال بجهات مراكش والوقوف على أعمال الملك بها فأذن له وكتب إلى العمال بإتحافه فتبادروا في ذلك وحصل منه على حظ وعندما مر بسلا إثر قفوله من سفره دخل مقبرة الملوك بشالة ووقف على قبر السلطان أبي الحسن وأنشد قصيدة روي الراء يرثيه ويستجير به في استرجاع ضياعه بغرناطة مطلعها
( إن بان منزله وشطت داره ** قامت مقام عيانه أخباره )
( قسم زمانك عبرة أو عبرة ** هذي ثراه وهذه آثاره )
فكتب السلطان أبو سالم في ذلك إلى أهل الأندلس بالشفاعة فشفعوه واستقر هو بسلا منتبذا عن سلطانه طول مقامه بالعدوة ثم عاد السلطان محمد المخلوع إلى مكة بالأندلس سنة ثلاث وستين وسبعمائة وبعث عن مخلفه بفاس من الأهل والولد والقائم بالدولة يومئذ الوزير عمر بن عبد الله بن علي فاستقدم ابن الخطيب من سلا وبعثهم لنظره فسر السلطان لقدومه ورده إلى منزلته كما كان مع رضوان كافله وكان عثمان بن يحيى بن عمر شيخ الغزاة وابن أشياخهم قد لحق بالطاغية ملك النصارى في ركاب أبيه عندما أحسن بالشر
____________________
(5/100)

من الرئيس صاحب غرناطة وأجاز يحيى من هنالك إلى العدوة وأقام عثمان بدار الحرب فصحب السلطان في مثوى اغترابه هنالك وتقلب في مذاهب خدمته وانحرفوا عن الطاغية عندما يئسوا من الفتح على يده فتحولوا عنه إلى ثغور بلادهم وخاطبوا الوزير عمر بن عبد الله في أن يمكنهم من بعض الثغور الغريبة التي لطاعتهم بالأندلس يرتقبون منها الفتح وخاطبني السلطان المخلوع في ذلك وكانت بيني وبين عمر بن عبد الله ذمة مرعية وخاصة متأكدة فوفيت للسلطان بذلك من عمر بن عبد الله وحملته على أن يرد عليه مدينة رندة إذ هي من تراث سلفه فقبل إشارتي في ذلك وتسوغها السلطان المخلوع ونزل بها وعثمان بن يحيى في جملته وهو المقدم في بطانته ثم غزوا منها مالقة فكانت ركابا للفتح وملكها السلطان واستولى بعدها على دار ملكه بغرناطة وعثمان بن يحيى متقدم القدم في الدولة عريق في المخالصة وله على السلطان دالة واستبداد على هواه فلما وصل ابن الخطيب بأهل السلطان وولده وأعاده إلى مكانه في الدولة من علو يده وقبول إشارته أدركته الغيرة من عثمان ونكر على السلطان الاستكفاء به وأراه التخوف من هؤلاء الأعياص على ملكه فحذره السلطان وأخذ في التدبير عليه حتى نكبه وأباه وإخوته في رمضان سنة أربع وستين وسبعمائة وأودعهم المطبق ثم غربهم بعد ذلك وخلا لابن الخطيب الجو وغلب على هوى السلطان ودفع إليه تدبير الدولة وخلط بنيه بندمائه وأهل خلوته وانفراد ابن الخطيب بالحل والعقد وانصرفت إليه الوجوه وعلقت به الآمال وغشي بابه الخاصة والكافة وغصت به بطانة السلطان وحاشيته فتفننوا في السعايات فيه وقد هم السلطان
____________________
(5/101)

عن قبولها ونمي الخبر بذلك إلى ابن الخطيب فشمر عن ساعده في التفويض واستخدم للسلطان عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن ملك العدوة يومئذ في القبض على ابن عمه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ابن السلطان أبي علي ابن السلطان أبي سعيد ابن السلطان يعقوب بن عبدالحق كانوا قد نصبوه شيخا على الغزاة بالأندلس لما أجاز من العدوة بعدما جاس خلالها لطلب الملك وأضرم بها نار الفتنة في كل ناحية وأحسن دفاعه الوزير عمر بن عبد الله القائم حينئذ بدولة بني مرين فاضطر إلى الإجازة إلى الأندلس فأجاز هو ووزيره مسعود ابن ماساي ونزلوا على السلطان المخلوع أعوام سبعة وستين وسبعمائة فأكرم نزلهم وتوفي علي بن بدر الدين شيخ الغزاة فقدم عبد الرحمن مكانه وكان السلطان عبد العزيز قد استبد بملكه بعد مقتل الوزير عمر بن عبد الله فغص بما فعله السلطان المخلوع من ذلك وتوقع انتقاض أمره منهم ووقف على مخاطبات من عبد الرحمن يسر بها في بني مرين فجزع لذلك وداخله ابن الخطيب في اعتقال ابن أبي يفلوسن وابن ماساي وإراحة نفسه من شغبهم على أن يكون له المكان من دولته متى نزع إليه فأجابه إلى ذلك وكتب له العهد بخطة على يد سفيره إلى الأندلس وكاتبه أبي يحيى ابن أبي مدين وأغرى ابن الخطيب سلطانه بالقبض على ابن أبي يفلوسن وابن ماساي فتقبض عليهما واعتقلهما وفي خلال ذلك استحكمت نفرة ابن الخطيب لما بلغه عن البطانة من القدح فيه والسعاية وربما تخيل أن السلطان مال إلى قبولها وأنهم قد أحفظوه عليه فأجمع التحول عن الأندلس إلى المغرب واستأذن السلطان في تفقد الثغور وسار إليها في لمة من فرسانه وكان معه ابنه علي الذي كان خالصة للسلطان وذهب لطيته فلما حاذى جبل الفتح فرضة المجاز إلى العدوة مال إليه وسرح إذنه بين يديه فخرج قائد الجبل لتلقيه وقد كان السلطان عبد العزيز
____________________
(5/102)

اوعز إليه إليه بذلك وجهز له الأسطول من حينه فأجاز إلى سبته وتلقاه ولاتها بأنواع التكرمة وامتثال المراسم ثم سار لقصد السلطان فقدم عليه سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بمقامه من تلمسان فاهتزت له الدولة وأركب السلطان خاصته لتلقيه وأحله من مجلسه بمحل الأمن والغبطة ومن دولته بمكان التنويه والعزة وأخرج لوقته كاتبه أبا يحيى ابن أبي مدين سفيرا إلى صاحب الأندلس في طلب أهله وولده فجاء بهم على أكمل حالات الأمن والتكرمة ثم أكثر المنافسون له في شأنه وأغروا سلطانه بتتبع عثراته وإبداء ما كان كامنا في نفسه من سقطاته وإحصاء معايبه وشاع على ألسنة أعدائه كلمات منسوبة إلى الزندقة أحصوها عليه ونسبوها ورفعت إلى قاضي الحضرة أبي الحسن ابن الحسن فاسترعاها وسجل عليه بالزندقة وراجع صاحب الأندلس رأيه فيه وبعث القاضي ابن الحسن إلى السلطان عبد العزيز في الإنتقام منه بتلك السجلات وإمضاء حكم الله فيه فصم عن ذلك وأنف لذمته أن تخفر ولجواره أن يرد وقال لهم هلا انتقمتم منه وهو عندكم وأنتم عالمون بما كان عليه وأما أنا فلا يخلص إليه بذلك أحد ما كان في جواري ثم وفر الجراية والاقطاع له ولبنيه ولمن جاء من أهل الأندلس في جملته فلما هلك السلطان عبد العزيز سنة أربع وسبعين وسبعمائة ورجع بنو مرين إلى المغرب وتركوا تلمسان سار هو في ركاب الوزير أبي بكر ابن غازي القائم بالدولة فنزل بفاس واستكثر من شراء الضياع وتأنق في بناء المساكن واغتراس الجنان وحفظ عليه القائم بالدولة الرسوم التي رسمها له السلطان المتوفى واتصلت حاله على ذلك إلى أن كان ما نذكره انتهى
____________________
(5/103)

رواية ابن خلدون عن نهاية لسان الدين
وقال ابن خلدون في تاريخه ما صورته كان محمد بن الأحمر المخلوع قد رجع من رندة إلى ملكه بغرناطة في جمادى من سنة ثلاث وستين وقتل له الطاغية عدوة الرئيس المنتزي على ملكهم حين هرب من غرناطة إليه وفاء بعهد المخلوع واستوى على كرسيه واستقل بملكه ولحق به كاتبه وكاتب أبيه محمد بن الخطيب فاستخلصه وعقد له على وزارته وفوض إليه في القيام بملكه فاسولى عليه وملك هواه وكانت عينه ممتدة إلى المغرب وسكناه إلى أن نزلت به آفة في رياسته فكان لذلك يقدم السوابق والوسائل عند ملوكه وكان لأبناء السلطان أبي الحسن كلهم غيرة من ولد عمهم السلطان أبي علي ويخشونهم على أمرهم ولما لحق الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن بالأندلس اصطفاه ابن الخطيب واستخلصه لنجواه ورفع في الدولة رتبته وأعلى منزلته وحمل السلطان على أن عقد له على الغزاة المجاهدين من زناتة مكان بني عمه من الأعياص فكانت له آثار في الاضطلاع بها ولما استبد السلطان عبد العزيز بأمره واستقل بملكه وكان ابن الخطيب ساعيا في مرضاته عند سلطانه فدس إليه باعتقال عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ووزيره مسعود بن ماساي وأدار ابن الخطيب في ذلك مكره وحمل السلطان عليهما إلى أن سطا بهما ابن الأحمر واعتقلهما سائر أيام السلطان عبد العزيز وتغير الجو بين ابن الأحمر ووزيره ابن الخطيب وأظلم وتنكر له فنزع عنه إلى عبد العزيز سلطان المغرب سنة ثنتين وسبعين وسبعمائة لما قدم من الوسائل ومهد من السوابق فقبله السلطان وأحله من مجلسه محل الإصطفاء والقرب وخاطب ابن الأحمر في أهله وولده فبعثهم إليه واستقر في جملة السلطان ثم تأكدت العداوة بينه
____________________
(5/104)

وبين ابن الأحمر فرغب السلطان عبد العزيز في ملك الأندلس وحمله عليه وتواعدوا لذلك عند رجوعه من تلمسان إلى المغرب ونمى ذلك إلى ابن الأحمر فبعث إلى السلطان عبد العزيز بهدية لم يسمع بمثلها انتقى فيها من متاع الأندلس وماعونها وبغالها الفارهة ومعلوجي السبي وجواريه وأوفد بها رسله يطلب إسلام وزيره ابن الخطيب إليه فأبى السلطان من ذلك ونكره ولما هلك السلطان واستبد الوزير ابن غازي بالأمر تحيز إليه ابن الخطيب وداخله وخاطبه ابن الأحمر بمثل ما خاطب به السلطان عبد العزيز فلج واستنكف عن ذلك وأقبح الرد وانصرف رسوله إليه وقد رهب سطوته فأطلق ابن الأحمر لحينه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن وأركبه الأسطول وقذف به إلى ساحل بطوية ومعه الوزير مسعود بن ماساي ونهض يعني ابن الأحمر إلى جبل الفتح فنازله بعساكره ونزل عبد الرحمن ببطوية
ثم ذكر ابن خلدون كلاما كثيرا تركته لطوله وملخصه أن الوزير أبا بكر ابن غازي الذي كان تحيز إليه ابن الخطيب ولى ابن عمه محمد بن عثمان مدينة سبتة خوفا عليها من ابن الأحمر ونهض هو أعني الوزير إلى منازلة عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ببطوية إذ كانوا قد بايعوه فامتنع عليه وقاتله أياما ثم رجع إلى تازا ثم إلى فاس واستولى عبد الرحمن على تازا وبينما الوزير أبو بكر بفاس يدبر الرأي إذ وصله الخبر بأن ابن عمه محمد بن عثمان بايع السلطان أحمد بن أبي سالم وهو المعروف بذي الدولتين وهذه هي دولته الأولى وذلك أن ابن عم الوزير وهو محمد بن عثمان لما تولى سبتة كان ابن الأحمر قد طاول حصار جبل الفتح وأخذ بمخنقة وتكررت المراسلة بينه وبين محمد بن عثمان والعتاب وفاستعتب له وقبح ما جاء به ابن عمه الوزير أبو بكر ابن غازي من الاستغلاظ له في شأن ابن الخطيب وغيره فوجد ابن
____________________
(5/105)

الأحمر في ذلك السبيل إلى غرضه وداخله في البيعة لابن السلطان أبي سالم من الأبناء الذين كانوا بطنجة تحت الحوطة والرقبة وأن يقيمه للمسلمين سلطانا ولا يتركهم فوضى وهملا تحت ولاية الصبي الذي لم يبلغ ولا تصح ولايته شرعا وهو السعيد بن أبي فارس الذي بايعه الوزير أبو بكر ابن غازي بتلمسان حين مات أبوه واستبد عليه واختص ابن الأحمر أحمد بن أبي سالم من بين أولئك الأبناء لما سبق بينه وبين أبيه أبي سالم من الموات وكان ابن الأحمر اشترط على محمد بن عثمان وحزبه شروطا منها أن ينزلوا له عن جبل الفتح الذي هو محاصر له وأن يبعثوا إليه جميع أبناء الملوك من بني مرين ليكونوا تحت حوطته وأن يبعثوا إليه بالوزير ابن الخطيب متى قدروا عليه فانعقد أمرهم على ذلك وتقبل محمد بن عثمان شروطه وركب من سبتة إلى طنجة واستدعى أبا العباس أحمد من مكان اعتقاله فبايعه وحمل الناس على طاعته واستقدم أهل سبتة للبيعة وكتابتها فقدموا وبايعوا وخاطب أهل جبل الفتح فبايعوا وأفرج ابن الأحمر عنهم وبعث إليه محمد بن عثمان عن سلطانه بالنزول له عن جبل الفتح وخاطب أهله بالرجوع إلى طاعته فارتحل ابن الأحمر من مالقة إليه ودخله ومحا دولة بني مرين مما وراء البحر وأهدى للسلطان أبي العباس وأمده بعسكر من غزاة الأندلس وحمل إليه مالا للإعانة على أمره ولما وصل الخبر بهذا كله إلى الوزير أبي بكر ابن غازي قامت عليه القيامة وكان ابن عمه محمد بن عثمان كتب إليه يموه بأن هذا عن أمره فتبرأ من ذلك ولاطف ابن عمه أن ينقض ذلك الأمر فاعتل له بانعقاد البيعة لأبي العباس وبينما الوزير أبو بكر ينتظر إجابة ابن عمه إلى ما رامه منه بلغه الخبر بأنه أشخص الأبناء المعتقلين كلهم للأندلس وحصلوا تحت كفالة ابن الأحمر فوجم وأعرض عن ابن عمه ونهض إلى تازا لمحاصرة عبد الرحمن بن أبي يفلوسن فاهتبل في غيبته ابن عمه محمد بن عثمان ملك المغرب ووصله مدد السلطان ابن الأحمر من رجال الأندلس الناشبة نحو ستمائة وعسكر آخر من
____________________
(5/106)

الغزاة وبعث ابن الأحمر رسله إلى الأمير عبد الرحمن باتصال اليد مع ابن عمه السلطان أحمد ومظاهرته واجتماعهما على ملك فاس وعقد بينهما الاتفاق على أن يختص عبد الرحمن بملك سلفه فتراضيا وزحف محمد بن عثمان وسلطانه إلى فاس وبلغ الخبر إلى الوزير أبي بكر بمكانه من تازا فانفض معسكره ورجع إلى فاس ونزل بكدية العرائس وانتهى السلطان أبو العباس أحمد إلى زرهون فصمد إليه الوزيربعساكره فاختل مصافه ورجع على عقبه مفلولا وانتهب عسكره ودخل البلد الجديد وجأجأ بالعرب أولاد حسين فعسكروا بالزيتون ظاهر فاس فنهض إليهم الأمير عبد الرحمن من تازا بمن كان معه من العرب الأجلاف وشردهم إلى الصحراء وشارف السلطان أبو العباس أحمد بجموعه من العرب وزناتة وبعثوا إلى ولي دولتهم ونزمار بن عريف بمكانه من قصره الذي اختطه بملوية فجاءهم وأطلعوه على كامن أسرارهم فأشار عليهم بالإجتماع والإتفاق فاجتمعوا بوادي النجا وتحالفوا ثم ارتحلوا إلى كدية العرائس في ذي القعدة من سنة خمس وسبعين وبرز إليهم الوزير بعساكره فانهزمت جموعه وأحيط به وخلص إلى البلد الجديد بعد غص الريق واضطرب معسكر السلطان أبي العباس بكدية العرائس ونزل الأمير عبد الرحمن بإزائه وضربوا على البلد الجديد سياجا بالبناء للحصار وأنزلوا بها أنواع القتال والإرهاب ووصلهم مدد السلطان ابن الأحمر فأحكموا الحصار وتحكموا في ضياع الوزير ابن الخطيب بفاس فهدموها وعاثوا فيها ولما كان فاتح سنة ست وسبعين داخل محمد بن عثمان ابن عمه الوزير أبا بكر في النزول عن البلد الجديد والبيعة للسلطان لكون الحصار قد اشتد به ويئس وأعجزه المال فأجاب واشترط عليهم الأمير عبد الرحمن التجافي له عن أعمال مراكش بدل سجلماسة فعقدوا له على كره وطووا على المكر وخرج الوزير أبو بكر إلى السلطان وبايعه واقتضى عهده بالأمان وتخلية سبيله من الوزارة ودخل السلطان أبو العباس إلى البلد
____________________
(5/107)

الجديد سابع المحرم وارتحل الأمير عبد الرحمن يومئذ إلى مراكش واستولى عليها انتهى رواية ابن الأحمر
وقال حفيد السلطان ابن الأحمر في تاريخه ما صورته لما لحق الرئيس أبو عبد الله ابن الخطيب بالمغرب عام اثنين وسبعين وسبعمائة وكان من وفاة مجيره والمحامي عنه السلطان عبد العزيز ما ألمعنا بذكره شد الوزير أبو بكر ابن غازي يده على ابن الخطيب بانيا على أشد الأشياء ألا يسلمه لمولانا جدنا مع توقع البغضاء واقتدى هذا الوزير بالسلطان عبد العزيز في إعراضه عن العقود الموجهة من الأندلس بالمقذع من موبقات ابن الخطيب ولج في الغلواء وسجل موجبات الوفاء والبواعث من مولانا جدنا تتزايد والأساطيل تتجهز والآراء بالقصد الخطير ينتقي منها الصواب ويتخير حتى خيم مولانا جدنا بظاهر جبل الفتح وكان إذ ذاك راجعا إلى إيالة المغرب فأناخ عليه ككل الجيش وأهمهم ثقل الوطأة ولم يبال مولانا جدنا بما أرسلت آناء الليل وأطراف النهار من شآبيب الأنفاط والجوار من باب الشطائين قريب والخالصة من الثقات مستريب والنجاة من تلك الأهوال من الأمر الغريب ولم يبق بغرناطة من له خلوص ولا من ترامى به همة إلا وأعمل السير الحثيث ولحق بمولانا جدنا لحاق المحب بالحبيب حتى اهل العلم والرجاحة والحلم ولا كالسيد الإمام الأستاذ أبي سعيد قطب الجملة وعميد الملة وهو الذي بلغنا نظمه في هذه الوجهة وعندما ألقى عصا التسيار في الجهة القريبة من أولي العداوة ومن ذلك قصيدته المشهورة التي أولها
( يا جبل الفتح استلمت نفوسنا ** فلا قلب إلا نحو مغناك قد سبق )
( فأرسلت إذ جئناك فينا صواعقا ** تخال بها جو السماء قد انطبق )
____________________
(5/108)

وقوله في إجابة السفهاء من الهاتفين بالسور موطئا معجبا رحمة الله تعالى عليه
( وذموا وما يعنون إلا مذمما ** وأنت بحمد الله تدعى محمدا )
وقول حامل اللواء الآتي ذكره في تضاعيف الأسماء
( أما مرامك في عراض البيد ** فمبلغ ما شئت من مقصود )
( والهجر إن ألقته ألسنة العدا ** يأباه فضل مقامك المحمود )
( سحقا لهم سفهاء كل قبيلة ** شذت مقالتهم عن المعهود )
( قد ضلت الأحلام منهم رشدها ** هذا ومنك الحلم غير بعيد )
( مع عزمة لو شئت هدت كل ما ** قد أحكموا من معلم ومشيد )
إلى أن قال الخبر عن اجتماع الأميرين أبي العباس وأبي زيد متصاحبين ومترافقين على استخلاص مدينة فاس من يد الوزير أبي بكر ابن غازي بن الكاس وكتب الرئيس أبو عبد الله ابن زمرك في مخلص هذه الكائنة حث الوزير محمد ابن عثمان السير في وسط عام خمسة وسبعين وسبعمائة وتلاقى بسلطانه أبي العباس مع الأمير أبي زيد عبد الرحمن واستقلا بالطائلة وحصلا من التضييق على السعيد الطفل الصغير وعلى وزيره أبي بكر ابن غازي في متسع الخطة ورحيب ذرع الخلافة وتصالحا عن رضى وتسليم منهما ومن أشياعهما على تسليم السعيد إلى اللحاق بمن كان في طنجة من الأمراء واتصل السلطان عبد الرحمن بمراكش فكان ملكها وجابي أموالها وتملك السلطان أبو العباس مدينة فاس وما إلى البلاد الساحلة وسواها مما يحتوي عليه ملك المدينة البيضاء برا وبحرا
وعبر كاتب الدولة عن المدينة وعن الطفل متملكها بقوله وإلى هذا فقد ارتفع الالتباس واطرد القياس وغير خفي عن ذي عقل سليم وذي تفويض للحق وتسليم أن دار الملك المريني كمامة بلا زهر ورياض بلا نهر إن لم يقتعد كرسيها من يزين جيدها ويجيد حليها وآن أوان البشرى لمن يمتعض
____________________
(5/109)

للدين والآن قلادة التقوى منوطة بقلم اعلام الملوك المهتدين ثم ذكر ما يطول من فصول وربما اشتملت على فضول وملخصه مثل ما ذكر ابن خلدون تتمة الخبر عن نهاية لسان الدين نقلا عن ابن خلدون
ثم ساق قاضي القضاة ابن خلدون بعد ما تقدم جلبه من تاريخه الكلام على محنة لسان الدين ابن الخطيب ووفاته مقتولا رحمه الله تعالى فقال ما صورته ولما استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد دار ملكه فاتح ست وسبعين استقل بسلطانه والوزير محمد بن عثمان مستبد عليه وسليمان بن داود بن أعراب كبير بني عسكر رديفة وقد كان الشرط وقع بينه وبين السلطان ابن الأحمر عندما بويع بطنجة على نكبة الوزير ابن الخطيب وإسلامه إليه لما نمي إليه عنه أنه كان يغري السلطان عبد العزير بملك الأندلس فلما زحف السلطان أبو العباس من طنجة ولقيه أبو بكر ابن غازي بساحة البلد الجديد فهزمه السلطان ولازمه بالحصار أوى معه ابن الخطيب إلى البلد الجديد خوفا على نفسه فلما استولى السلطان على البلد أقام أياما ثم أغراه سليمان بن داود بالقبض على ابن الخطيب فقبضوا عليه وأودعوه السجن وطيروا بالخبر إلى السلطان ابن الأحمر وكان سليمان بن داود شديد العداوة لابن الخطيب لما كان سليمان قد بايعه السلطان ابن الأحمر على مشيخة الغزاة بالأندلس متى أعاده الله تعالى إلى ملكه فلما استقر إليه سلطانه أجاز إليه سليمان سفيرا عن الوزير عمر بن عبد الله ومقتضيا عهده من السلطان فصده الوزير ابن الخطيب عن ذلك محتجا بأن تلك الرياسة إنما هي لأعياص الملك من بني عبد الحق لأنهم يعسوب زناتة فرجع سليمان وأثار حقد ذلك لابن الخطيب ثم جاوز الأندلس لمحل إمارته من جبل الفتح فكانت تقع بينه وبين ابن الخطيب مكاتبات
____________________
(5/110)

ينفث كل واحد منهما لصاحبه بما يحفظه مما كمن في صدورهما وحين بلغ خبر القبض على ابن الخطيب إلى السلطان ابن الأحمر بعث كاتبه ووزيره بعد ابن الخطيب وهو أبو عبد الله ابن زمرك فقدم على السلطان أبي العباس وأحضر ابن الخطيب بالمشور في مجلسه الخاصة وعرض عليه بعض كلمات وقعت له في كتابه في المحبة فعظم النكير فيها فوبخ ونكل وامتحن بالعذاب بمشهد ذلك الملأ ثم تل إلى محبسه واشتوروا في قتله بمقتضى تلك المقالات المسجلة عليه وأفتى بعض الفقهاء فيه ودس سليمان بن داود لبعض الأوغاد من حاشيته بقتله فطرقوا السجن ليلا ومعهم زعانفة جاؤوا في لفيف الخدم مع سفراء السلطان ابن الأحمر وقتلوه خنقا قي محبسه وأخرج شلوه من الغد فدفن بمقبرة باب المحروق ثم أصبح من الغد على سافة قبره طريحا وقد جمعت له أعواد وأضرمت عليه نار فاحترق شعره واسود بشره فأعيد إلى حفرته وكان في ذلك انتهاء محنته وعجب الناس من هذه الشنعاء التي جاء بها سليمان واعتدوها من هناته وعظم النكير فيها عليه وعلى قومه وأهل دولته والله الفعال لما يريد
وكان عفا الله تعالى عنه أيام امتحانه بالسجن يتوقع مصيبة الموت فتجهش هواتفه بالشعر يبكي نفسه ومما قال في ذلك رحمه الله تعالى
( بعدنا وإن جاورتنا البيوت ** وجئنا بوعظ ونحن صموت )
( وأنفاسنا سكنت دفعة ** كجهر الصلاة تلاه القنوت )
( وكنا عظاما فصرنا عظاما ** وكنا نقوت فها نحن قوت )
( وكنا شموس سماء العلا ** غربن فناحت علينا السموت )
( فكم جدلت ذا الحسام الظبي ** وذو البخت كم جدلته البخوت )
____________________
(5/111)


( وكم سيق للقبر في خرقة ** فتي ملئت من كساه التخوت )
( فقل للعدا ذهب ابن الخطيب ** وفات ومن ذا الذي لا يفوت )
( ومن كان يفرح منهم له ** فقل يفرح اليوم من لا يموت )
انتهى كلام ابن خلدون في ديوان العبر عن ابن حجر
وقال الحافظ ابن حجر في أنباء الغمر بعد أن ذكر ما قدمناه على سبيل الاختصار ما نصه واشتهر أنه يعني لسان الدين نظم حين قدم للقتل الأبيات المشهورة التي يقول فيها
( وقل للعداة مضى ابن الخطيب ** وفات فسبحان من لا يفوت )
( فمن كان يشمت منكم به ** فقل يشمت اليوم من لا يموت )
والصحيح في ذلك ما ذكره صديقه شيخنا ولي الدين ابن خلدون أنه نظم الأبيات المذكورة وهو في السجن لما كان يستشعر من التشديد انتهى
ثم حكى ابن حجر عن بعض الأعيان أن ابن الأحمر وجهه إلى ملك الإفرنج في رسالة فلما أراد الرجوع أخرج له رسالة لابن الخطيب تشتمل على نظم ونثر فلما قرأها قال له مثل هذا كان ينبغي أن لا يقتل ثم بكى حتى بل ثيابه انتهى كلام الحافظ وبعضه بالمعنى فانظر سددك الله تعالى بكاء العدو الكافر على هذا العلامة وقتل إخوانه في الإسلام له على حظ نفساني ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لا رب غيره تخميس لأبيات لسان الدين
قلت ورأيت بحضرة فاس حاطها الله تعالى تخميسا لهذه الأبيات بديعا
____________________
(5/112)

منسوبا إلى بعض بني الصباغ وزاد في الأصل بعض أبيات على ما ذكره ابن خلدون من هذه القطعة والمزيد يشبه نفس لسان الدين ابن الخطيب فلعل ابن خلدون اختصر منها أو لم يقف على الزائد ولنثبت جملته تتميما للمقصود فنقول قال رحمه الله تعالى
( أيا جاهلا غره ما يفوت ** وألهاه حال قليل الثبوت )
( تأمل لمن بعد أنس يقوت ** بعدنا وإن جاورتنا البيوت )
( وجئنا بوعظ ونحن صموت ** )
( لقد نلت من دهرنا رفعة ** تقضت كبرق مضى سرعة )
( فهيهات نرجو لها رجعة ** وأصواتنا سكنت دفعة )
( كجهر الصلاة تلاه القنوت ** )
( بدا لي من العز وجه شباب ** يؤمل سيبي وبأسي يهاب )
( فسرعان مزق ذاك الإهاب ** ومدت وقد أنكرتنا الثياب )
( علينا نسائجها العنكبوت ** )
( فآها لعز تقضى مناما ** منحنا به الجاه قوما كراما )
( وكنا نسوس أمورا عظاما ** وكنا عظاما فصرنا عظاما )
( وكنا نقوت فها نحن قوت ** )
____________________
(5/113)


( وكنا لدى الملك حلي الطلى ** فآها عليه زمانا خلا )
( نعوض من جده بالبلى ** وكنا شموس سماء العلا )
( غربنا فناحت علينا السموت ** )
( تعودت بالرغم من صرف الليالي ** وحملت نفسي فوق احتمالي )
( وأيقنت أن سوف يأتي ارتحالي ** ومن كان منتظرا للزوال )
( فكيف يؤمل منه الثبوت ** )
( هو الموت يا ما له من نبا ** يجوز الحجاب إلى من أبى )
( ويألف أخذ سني الحبا ** فكم أسلمت ذا الحسام الظبي )
( وذا البخت كم جدلته البخوت ** )
( هو الموت أفصح عن عجمة ** وأيقظ بالوعظ من خفقة )
( وسلى عن الحزن ذا حرقة ** وكم سيق للقبر في خرقة )
( في ملئت من كساه التخوت ** )
( تقضى زماني بعيش خصيب ** وعندي لذنبي انكسار المنيب )
( وها الموت قد صبت منه نصيبي ** فقل للعدا ذهب ابن الخطيب )
( وفات ومن ذا الذي لا يفوت ** )
( مضى ابن الخطيب كمن قبله ** ومن بعده يقتفي سبله )
( وهذا الردى ناثر شمله ** فمن كان يفرح منهم له )
( فقل يفرح اليوم من لا يموت )
____________________
(5/114)


( هو الموت عم فما للعدا ** يسرون بي حين ذقت الردى )
( ومن فاته اليوم يأتي غدا ** سيبلى الجديد إذا ما المدى )
( تتابع آحاده والسبوت ** )
( أخي توخ طريق النجاة ** وقدم لنفسك قبل الممات )
( وشمر بجد لما هو آت ** ولا تغترر بسراب الحياة )
( فإنك عما قريب تموت ** )
وقد ذكرني قوله رحمه الله تعالى فمن كان يفرح منهم له إلى آخره قول بعض العلماء الشاميين
( يا ضاحكا بمن استقل غباره ** سيثور عن قدميك ذاك العثير )
( لا فارس بجنودها منعت حمى ** كسرى ولا للروم خلد قيصر )
( جدد مضت عاد عليه وجرهم ** وتلاه كهلان وعقب حمير )
( وسطا بغسان الملوك وكندة ** فلها دماء عنده لا تثأر )
( لعبت بهم فكأنهم لم يخلقوا ** ونسوا بها فكأنهم لم يذكروا ) فصل في الاعتبار لابن دحية
وما أحسن قول أبي الخطاب ابن دحية الحافظ بعد الكلام ما صورته وأخذت من طريق خوزستان إلى طريق حلوان وقاسيت من الغربة أصناف الألوان ومررت على مدائن كسرى أنوشروان وزرت بها قبر صاحب النبي صلى الله عليه وسلم الزاهد العابد المعمر سلمان وأعملت منها السير والإغذاذ إلى مدينة بغذاذ فنظرت إليها معالم وربوعا وأقمت بها مرة عاما ومرة أسبوعا وأسبوعا وانا أبدي في ندائهم وأعيد والترب قد علا على منازلهم والصعيد وأسأل عن الخلفاء الماضين وأنشد ولسان الحال يجاوبني وينشد
____________________
(5/115)


( يا سائل الدار عن أناس ** ليس لهم نحوها معاد )
( مرت كما مرت الليالي ** أين جديس وأين عاد )
بل أين أبو البشر آدم الذي خلقه بيده الكبير المتعال أين الأنبياء من ولده والأرسال أهل النبوة والرسالة والوحي من الله ذي الجلالة أين سيدهم محمد الذي فضله عليهم ذو العزة والجلال وجعله شفيعهم مع أمته والناس في شدائد الأهوال أين القرون الماضية والأجيال أين التبابعة والأقيال أين ملوك همدان أين أولو الأبلق الفرد أو غمدان أين أولو التيجان والأكاليل أين الصيد والبهاليل بل أين النمارذة وأكبرهم نمروذ إبراهيم الخليل أين الفراعنة ومن هو بالسحر عليم الذي منهم فرعون موسى الكليم أين ملك الهدنانية هدد بن بدد الكردي الذي لم يكن غدره بمفيد له ولا مجدي وقد أخبر الحق جل جلاله عنه أنه كان يأخذ كل سفينة غصبا وزعم المؤرخون أنه كان أيضا يملأ القلوب رعبا ويسوم أصحابه قتلا وصلبا مع الطمع في المال وعدم النظر في عقبى المآل أين الفرس وملوكها وعدلها وعدولها أين دارا بن دارا بن بهمان أين اسكندر بن فلبس اليوناني الذي غلبه وملك بلاده في ذلك الزمان وأطاعه جميع ملوك الأقاليم وقدر الله به امتحان الخلق ذلك تقدير العزيز العليم أين كسرى وقيصر غلبهما من الموت الأسد القسور بعد أن أخرجهما من بلادهما أمير المؤمنين أبو حفص عمر لما ظهرت الملة الحنيفية كما ظهرت الشمس وبدا القمر أين أولاد جفنة وملوك غسان أين مماديح زياد وحسان أين هرم بن سنان أين الملاعب بالسنان أين أولاد مضر بن نزار بن معد بن عدنان أين بنو عبد المدان أين أرباب العواصم أين قيس بن عاصم أين العرب العرباء الأمة الفاضلة والجماعة المناضلة أين أولو الباس والحفاظ وذوو الحمية والإحفاظ حيث الوفاء والعهد
____________________
(5/116)

والحباء والرفد إلى علو الهمم والوفاء بالذمم والعطاء الجزل والضيف والنزل وهبة الافال والبزل وإنها لا تدين عزا ولا تقاد ولا ترام أنفة ولا تفاد أين قريش المغرورون في الجاهلية بالحي اللقاح والشعب الرقاح أين الماضون من ملوك بني أمية ذوو الألسن الذلق والأوجه الطلق والحمية أين خلفاء بني العباس بن عبد المطلب الذين شرفهم بالأصالة وليس إليهم بالمنجلب ذوو الشرف الشامخ والفخر الباذخ والخلافة السنية الرضية والمملكة العامة المرضية بلغتنا والله وفاتهم ولم يبق إلا ذكرهم وصفاتهم قبض ملك الموت أرواحهم قبضا ولم يترك لهم حراكا ولا نبضا ومزق الدود لحومهم قددا ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا إلا ما كان من أجساد الأنبياء عليهم أفضل التسليم فإن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء وقد تكلمت على هذا الحديث وأثبت أنه من الصحيح لا السقيم وخرجت طرقه في كتابي العلم المشهور بعون العزيز الرحيم فما أبعد المرء عن رشده وما أقصاه كم وعظه الدهر وكم وصاه يخلط الحقيقة بالمحال والعاطل بالحال ولا توبة حتى يشيب الغراب ويألف الدم التراب فيا لهفي لبعد الدار وانقضاض الجدار وأنت هامة ليل أو نهار وقاعد من عمرك على شفا جرف هار تقرأ العلم وتدعيه ولا تفهمه ولا تعيه فهو عليك لا لك فأولى لك ثم أولى لك أما آن لليل الغي أن تنجلي أحلاكه ولنظم البغي أن تنتثر أسلاكه وأن يستفظع الجاني جناه ويأسف على ما اقترفه وجناه وأن يلبس عهاده بتا ويطلق الدنيا بتا ويفر منها فرار الأسد ويتيقن أنه لا بد من مفارقة الروح الجسد نبهنا الله تعالى من سنات غفلاتنا وحسن ما ساء من صنائعنا الذميمة وسلاتنا وجعل التقوى أحصن عددنا وأوثق آلاتنا اللهم إليك المآب وبيدك المتاب قد واقعنا الخطايا
____________________
(5/117)

وركبنا الاجرام رواحل ومطايا فتب علينا أجمعين وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين الطائعين وصلى الله على سيد ولد آدم محمد شفيعنا يوم القيامة وصاحب الحوض المورود والمقام المحمود والكرامة وعلى آله الطاهرين وأصحابه أهل الرضوان المنتخبين وسلام الله عليه وعليهم إلى يوم الدين انتهى وهو آخر كتابه النبراس في تاريخ بني العباس وذكرته بطوله لمناسبته
قلت وقد سلكت هذا المنحى نظما في خطبة هذا الكتاب كما مر وللسان الدين رحمه الله تعالى كلام قريب من هذا سيأتي في نثره إن شاء الله تعالى
وأقول إني قد تذكرت هنا قول القائل
( نطوي سبوتا وآحادا وننشرها ** ونحن في الطي بين السبت والأحد )
( فعد ما شئت من سبت ومن أحد ** لا بد أن يدخل المطوي في العدد )
وقول آخر
( ألم تر أن الدهر يوم وليلة ** يكران من سبت عليك إلى سبت )
( فقل لجديد العيش لا بد من بلى ** وقل لاجتماع الشمل لا بد من شت ) نبذة عن أعداء لسان الدين
واعلم أن لسان الدين لما كانت الأيام له مسالمة لم يقدر أحد أن يواجهه بما يدنس معاليه أو يطمس معالمه فلما قلبت الأيام له ظهر مجنها وعاملته بمنعها بعد منحها ومنها أكثر أعداؤه في شأنه الكلام ونسبوه إلى الزندقة والانحلال من ربقة الإسلام بتنقص النبي عليه أفضل الصلاة والسلام والقول بالحلول والإتحاد والإنخراط في سلك أهل الإلحاد وسلوك مذاهب الفلاسفة في الاعتقاد وغير ذلك مما أثاره الحقد والعداوة والانتقاد مقالات نسبوها
____________________
(5/118)

إليه خارجة عن السنن السوي وكلمات كدروا بها منهل علمه الروي ولا يدين بها ويفوه إلا الضال الغوي والظن أن مقامه رحمه الله تعالى من لبسها بري وجنابه سامحه الله تعالى عن لبسها عري وكان الذي تولى كبر محنته وقتله تلميذه أبو عبد الله ابن زمرك الذي لم يزل مضمرا لخلته فلقد وقفت على خط ابن لسان الدين على أنه تسبب في قتل لسان الدين ابيه وسيأتي الإلماع والإلمام بابن زمرك المذكور في تلامذة لسان الدين مع أنه أعني لسان الدين حلاه في الإحاطة أحسن الحلى وصدقه فيما انتحله من أوصاف العلا وقد سبق في كلام ولي الدين ابن خلدون أنه قدم على السلطان أبي العباس أحمد المريني في شأن الوزير ابن الخطيب وأخرج إلى مجلس الخاصة وامتحن والمجالس بالأعيان غاصة ولا حول ولا قوة إلى بالله
ومن أعدائه الذين باينوه بعد أن كانوا يسعون في مرضاته سعي العبيد القاضي أبو الحسن ابن الحسن النباهي فكم قبل يده ثم جاهره بعد انتقال الحال وجد في أمره مع ابن زمرك حتى قتل لسان الدين وانقضت دولته فسبحان من لا يتحول ملكه ولا يبيد
وقد سبق فيما جلبناه من كلام ابن خلدون أن القاضي ابن الحسن قدم على السلطان عبد العزيز في شأن لسان الدين والانتقام منه بسبب تلك السجلات وإمضاء حكم الله فيه بمقتضاها فأبى السلطان من ذلك وقال هلا فعلتم أنتم ذلك حين كان عندكم وامتنع لذمته أن يخفره فلما أراد الله بنفوذ الأمر وعدم نفع زيد وعمرو توفي السلطان عبد العزيز واختلت الأحوال واضطربت بالمغرب نيران الأهوال فقدم في شأنه الوزير الكاتب ابن زمرك خادمه الذي رباه وصنيعته فكان ما كان مما سبق به الإلمام
____________________
(5/119)


وقد ذكرنا في الباب الأول قول لسان الدين رحمه الله تعالى في قصيدته النونية
( تلون إخواني علي وقد جنت ** علي خطوب جمة ذات ألوان )
( وما كنت أدري قبل أن يتنكروا ** بأن خواني كان مجمع خواني )
( وكانت وقد حم القضاء صنائعي ** علي بما لا أرتضي شر أعوان )
ولقد صدق رحمه الله تعالى على أنه قال هذه القصيدة في النكبة الأولى التي انتقل فيها مع سلطانه إلى المغرب كما مر مفصلا وكأنه عبر عن هذه المحنة الأخيرة التي ذهبت فيها نفسه على يد صنائعه الكاتب ابن زمرك والقاضي ابن الحسن سامح الله الجميع
ويرحم الله أبا إسحاق التلمساني صاحب الرجز في الفرائض حيث يقول
( الغدر في الناس شيمة سلفت ** قد طال بين الورى تصرفها )
( ما كل من قد سرت له نعم ** منك يرى قدرها ويعرفها )
( بل ربما أعقب الجزاء بها ** مضرة عز عنك مصرفها )
( أما ترى الشمس كيف تعطف بالنور ** على البدر وهعو يكسفها )
وقال لسان الدين بعد ذكره أن ملك النصارى دون جانجه بن دون الفنش استنصر على أبيه بالسلطان المجاهد أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني ولاذ به ورهن عنده تاجه ذخيرة النصارى ولقيه بصخرة عباد من أحواز رندة فسلم عليه ويقال إن أمير المسلمين لما فرغ من ذلك طلب بلسان زناتة الماء ليغسل يده به من قبلة الفنش أو مصافحته ما نصه والشيء بالشيء يذكر فأثبت حكاية اتفقت لي بسبب ذلك أستدعي بها الدعاء ممن يحسن عنده موقعها وهي أن اليهودي الحكيم ابن زرزار على عهد ملك النصارى حفيد هذا الفنش
____________________
(5/120)

المذكور وصل إلينا بغرناطة في بعض حوائجه ودخل إلي بدار سكناي مجاور القصر السلطاني بحمراء غرناطة وعندي القاضي اليوم بغرناطة وغيره من أهل الدولة وبيده كتاب من سلطان المغرب محمد بن أبي عبد الرحمن ابن السلطان الكبير المولى أبي الحسن وكان محمد هذا قد فر إلى صاحب قشتالة واستدعى من قبله إلى الملك فسهل له ذلك وشرط عليه ما شاء وربما وصله خطابه بما لم يقنعه في إطرائه فقال لي مولاي السلطان دن بطره يسلم عليك ويقول لك انظر مخاطبة هذا الشخص وكان بالأمس كلبا من كلاب بابه حتى ترى خسارة الكرامة فيه فأخذت الكتاب من يده وقرأته وقلت له أبلغه عني أن هذا الكلام ما جرك إليه إلا خلو بابك من الشيوخ الذين يعرفونك بالكلاب وبالأسود وبمن تغسل الأيدي منهم إذا قبلوها فتعلم من الكلب الذي تغسل اليد منه ومن لا وإن جد هذا الولد هو الذي قبل جدك يده واستدعى الماء لغسل يده منه بمحضر النصارى والمسلمين ونسبة الجد إلى الجد كنسبة الحفيد للحفيد وكونه لجأ إلى بلادك ليس بعار عليه وأنت معرض إلى اللجإ إليه فيكافئك بأضعاف ما عاملته به فقال أبو الحسن المستقضي يبكي ويقبل يدي ويصفني بولي الله وكذلك من حضرني وتوجه إلى المغرب رسولا فقص علي بني مرين خبر ما شاهده مني وسمعه وبالحضرة اليوم ممن تلقى منه ذلك كثير جعل الله تعالى ذلك خالصا لوجهه انتهى
وقد أثنى لسان الدين في الإحاطة على القاضي ابن الحسن المذكور كما سيأتي وقال في ترجمة السلطان ابن الأحمر ما نصه ثم قدم للقضاء الفقيه الحسيب أبا الحسن وهو عين الأعيان بمالقة الخصوص برسم التجلة والقيام بالعقد والحل فسدد وقارب وحمل الكل وأحسن مصاحبة الخطبة والخطة وأكرم المشيخة مع النزاهة ولم يقف في حسن التأتي على غاية فاتفق على رجاحته ولم يقف في النصح عند غاية انتهى وحين أظلم الجو بينه وبين لسان الدين ذكره في الكتيبة الكامنة بما يباين ما سبق ولقبه بالجعسوس
____________________
(5/121)

ولم يقنعه ذلك حتى ألف فيه خلع الرسن في وصف القاضي ابن الحسن كتاب من النباهي إلى لسان الدين
وقد وقفت بفاس المحروسة على كتاب مطول كتبه ابن الحسن للسان الدين بعد تحوله عن الأندلس ونص ما تعلق به الغرض هنا
فشرعتم في الشراء وتشييد البناء وتركتم الاستعداد لهاذم اللذات هيهات هيهات تبنون ما لا تسكنون وتدخرون ما لا تأكلون وتؤملون ما لا تدركون { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة } النساء 78 فأين المهرب مما هو كائن ونحن إنما نتقلب في قدرة الطالب شرقتم أو غربتم الأيام تتقاضى الدين وتنادي بالنفس الفرارة إلى أين إلى أين ونترك الكلام مع الناقد فيما ارتكبه من تزكية نفسه وعد ما جلبه من مناقبه ما عدا ما هدد به من حديد لسانه خشية اندراجه في نمط من قال فيه رسول الله ( إن من شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه ) ولا غيبة فيمن ألقى جلباب الحياء عن وجهه ونرحمه على ما أبداه أو أهداه من العيوب التي نسبها لأخيه واستراح على قوله بها فيه ونذكره على طريقة نصيحة الدين بالحديث الثابت في الصحيح عن رسول الله وهو قوله ( أتدرون من المفلس ) قالوا المفلس فينا من لا دراهم له ولا متاع فقال إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ) ويعلم الله أن معنى هذا الحديث الثابت
____________________
(5/122)

عن النذير الصادق هو الذي حملني على نصحكم ومراجعتكم في كثير من الأمور منها الإشارة عليكم بإذهاب عين ما كتبتم به في التاريخ وأمثاله فإنكم نفعتم بما وقعتم فيه من الغيبة المحرمة أحياء وأمواتا لغير شيء حصل بيدكم وضررتم نفسكم بما رتبتم لهم من المطالبات بنص الكتاب والسنة قبلكم والرضى بهذه الصفقة الخاسرة أمر بعيد من الدين والعقل وقد قلت لكم غير مرة عن أطراسكم المسودة بما دعوتم إليه من البدعة والتلاعب بالشريعة إن حقها التخريق والتحريق وإن من أطراها لكم فقد خدع نفسه وخدعكم والله الشهيد بأني نصحتكم وما غششتكم وليس هذا القول وإن كان ثقيلا عليكم بمخالف كل المخالفة لما ذنبتم به من تقدم المواجهة بالملاطفة والمعاملة بالمكارمة فليست المداراة بقادحة في الدين بل هي محمودة في بعض الأحوال مستحسنة على ما بينه العلماء إذ هي مقاربة في الكلام أم مجاملة بأسباب الدنيا لصلاحها أو صلاح الدين وإنما المذموم المداهنة وهي بذل الدين لمجرد الدنيا والمصانعة به لتحصيلها ومن خالط للضرورة مثلكم وزايله بأخلاقه ونصحه مخاطبة ومكاتبة واستدل له بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله على صحة مقالته فقد سلم والحمد لله من مداهنته وقام لله تعالى بما يجب عليه في حقكم من التحذير والإنكار مع الإشفاق والوجل
وأكثرتم في كتابكم من المن بما ذكرتم أنكم صنعتم وعلى تقدير الموافقة لكم ليتكم ما فعلتم فسلمنا من المعرة وسلمتم وجل القائل سبحانه { قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم } البقرة 263 وقلما شاركتم أنتم في شيء إلا بأغراض حاصلة في يدكم ولأغراض دنيوية خاصة بكم فالملام إذن في الحقيقة إنما هو متوجه إليكم وأما ما أظهرتم بمقتضى حركاتكم وكلامكم من التندم على فراق محلكم والتعلل بأخبار قطركم وأهلكم فتناقض منكم وإن كنتم فيه بغدركم
____________________
(5/123)


( أتبكي علي ليلى وأنت تركتها ** فكنت كآت غيه وهو طائع )
( وما كل ما منتك نفسك مخليا ** تلاقي ولا كل له أنت تابع )
( فلا تبكين في إثر شيء ندامة ** إذا نزعته من يديك النوازع )
وعلى أن تأسفكم لما وقعتم فيه من الغدر لسلطانكم والخروج لا لضرورة غالبة عن أوطانكم من الواجب بكل اعتبار عليكم سيما وقد مددتم إلى التمتع بغيرها عينيكم ولو لم يكن بهذه الجزيرة الفريدة من الفضيلة إلا ما خصت به من بركة الرباط ورحمة الجهاد لكفاها فخرا على ما يجاورها من سائر البلاد قال رسول الله رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه وقال عليه الصلاة والسلام الروحة يروحها العبد في سبيل الله والغدوة خير من الدنيا وما فيها وعلى كل تقدير فإذا لم يكن يا أخي فراركم من الأندلس إلى الله وحده بالتوبة المكملة والاستغفار مع الانقطاع في أحد المواطن المكرمة المعظمة بالإجماع وهي طيبة أو مكة أو بيت المقدس فقد خسرتم صفقة رحلتكم وتبين أن لغير وجه الله العظيم كانت نية هجرتكم اللهم إلا إن كنتم قد لاحظتم مسألة الرجل الذي قتل مائة نفس وسأل أعلم أهل الأرض فأشار عليه بعد إزماع التوبة بمفارقة المواطن التي ارتكب فيها الذنوب واكتسب بها العيوب فأمر آخر مع أن كلام العلماء في هذا الحديث معروف ويقال لكم من الجواب الخاص بكم فعليكم إذا بترك القيل والقال وكسر حبرة الجدال والقتال وقصر ما بقي من مدة العمر على الاشتغال بصالح الأعمال
ووقعت في مكتوبكم كلمات أوردها النقد في قالب الاستهزاء والازدراء والجهالة بمقادير الأشياء ومنها ريح صرصر وهو لغة القرآن وقاع قرقر وهو لفظ سيد العرب والعجم محمد ثبت في الصحيح في باب التغليظ فيمن لا يؤدي زكاة ماله قيل يا رسول الله والبقر والغنم قال ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان
____________________
(5/124)

يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها الحديث الشهير قال صاحب المعلم بطح لها بقاع قرقر أي ألقي على وجهه والقاع المستوي من الأرض والقرقر كذلك هذا ما حضر من الجواب وبقي في مكتوبكم حشو كثير من كلام إقذاع وفحش بعيد من الحشمة والحياء رأيت من الصواب الإعراض عن ذكره وصون اليد عن الاستعمال فيه والظاهر أنه إنما صدر منكم وأنتم بحال مرض فلا حرج فيه عليكم أنسأ الله تعالى أجلكم ومكن أمنكم وسكن وجلكم ومنه جل اسمه نسأل لي ولكم حسن الخاتمة والفوز بالسعادة الدائمة والسلام الأتم يعتمدكم والرحمات والبركات من كاتبه علي بن عبد الله بن الحسن وفقه الله وذلك بتاريخ أخريات جمادى الأولى من عام ثلاثة وسبعين وسبعمائة
وقيد رحمه الله تعالى في مدرج طي هذا الكتاب ما نصه يا أخي أصلحني الله وإياكم بقي من الحديث شيء من الصواب الخروج عنه لكم إذ هذا أوانه وتأخير البيان عن وقت الحاجة فيه ما فيه وليكون البناء بعد أن كان على أصل صحيح بحول الله وحاصله أنكم عددتم ما شاركتكم فيه بحسب الأوقات وقطعتم بنسبة المور كلها إلى أنفسكم وإنها إنما صدرت عن أمركم وبإذنكم من غير مشارك في شيء منها لكم ثم مننتم بها المن القبيح المبطل لعمل بركم على تقدير التسليم في فعله لكم ورميتم غيركم بالتقصير في حاله كله طريقة من يبصر القذى في عين أخيه ويدع الجذع في عينه وأقصى ما تسنى للمحب أيام كونكم بالأندلس تقلد كلفة قضاء الجماعة وما كان إلا أن وليتها بقضاء الله وقدره فقد تبين لكل ذي عقل سليم أنه لا موجد إلا الله وأنه إذا كان كذلك كان الخير والشر والطاعة والمعصية حاصلا بإيجاده سبحانه وتخليقه وتكوينه من غير عاضد له على تحصيل مراده ولا معين ولكنه جلت قدرته وعد فاعل الخير بالثواب فضلا منه واوعد فاعل الشر بالعقاب عدلا منه وكأني بكم تضحكون من تقرير هذه المقدمة وما أحوجكم إلى
____________________
(5/125)

تأملها بعين اليقين فكابدت أيام تلك الولاية النكدة من النكاية باستحقاركم للقضايا الشرعية وتهاونكم بالأمور الدينية ما يعظم الله به الأجر وذلك في جملة مسائل منها مسألة ابن الزبير المقتول على الزندقة بعد تقضي موجباته على كره منكم ومنها مسألة ابن أبي العيش المثقف في السجن على آرائه المضلة التي كان منها دخوله على زوجه إثر تطليقه إياها بالثلاث وزعمه أن رسول الله أمره مشافهة بالاستمتاع بها فحملتم أحد ناسكم تناول إخراجه من الثقاف من غير مبالاة بأحد ومنها أن أحد الفتيان المتعلقين بكم توجهت عليه المطالبة بدم قتيل وسيق المدعى عليه للذبح بغير سكين فما وسعني ولي الدم وسرحتم الفتى المطلوب على الفور إلى غير ذلك مما لا يسع الوقت شرحه ولا يجمل بي ولا بكم ذكره والمسألة الأخرى أنتم توليتم كبرها حتى جرى فيها القدر بما جرى به من الانفصال والحمد لله على كل حال وأما الرمي بكذا وكذا مما لا علم لنا بسببه ولا عذر لكم من الحق في التكلم به فشيء قلما يقع مثله من البهتان ممن كان يرجو لقاء ربه وكلامكم في المدح والهجو هو عندي من قبيل اللغو الذي نمر به كراما والحمد لله فكثروا أو قللوا من أي نوع شئتم أنتم وما ترضونه لنفسكم وما فهت لكم بما فهت من الكلام إلا على جهة الإعلام لا على جهة الانفعال لما صدر أو يصدر عنكم من الأقوال والأفعال فمذهبي غير مذهبكم وعندي ما ليس عندكم
وكذلك رأيتكم تكثرون في مخاطباتكم من لفظ الرقية في معرض الإنكار لوجود نفعها والرمي بالمنقصة والحمق لمستعملها ولو كنتم قد نظرتم في شيء من كتب السنة وسير الأمة المسلمة نظر مصدق لما وسعكم إنكار ما أنكرتم وكتبه بخط يدكم فهو قادح كبير في عقيدة دينكم فقد ثبت بالإجماع في سورة الفلق أنها خطاب للنبي وانه المراد بها هو وآحاد
____________________
(5/126)

أمته وفي أمهات الإسلام أن رسول الله كان إذا اشتكى رقاه جبريل فقال بسم الله يبريك من كل داء يشفيك ومن شر حاسد إذا حسد ومن شر كل ذي عين وفي الصحيح أيضا أن ناسا من أصحاب رسول الله كانوا في سفر فمروا بحي من أحياء العرب فاستضافوهم فلم يضيفوهم فقالوا هل فيكم راق فإن سيد الحي لديغ أو مصاب فقال رجل من القوم نعم فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب فبرئ الرجل فأعطى قطيعا من غنم الحديث الشهير قال أهل العلم فيه دليل على جواز أخذ الأجرة على الرقية والطب وتعليم القرآن وهو قول مالك وأحمد والشافعي وأبي ثور وجماعة من السلف وفيه جواز المقارضة وإن كان ضد ذلك أحسن وفي هذا القدر كفاية وما رقيت قط أحدا على الوجه الذي ذكرتم ولا استرقيت والحمد لله وما حملني على تبيين ما بينته الآن لكم في المسألة إلا إرادة الخير التام لجهتكم والطمع في إصلاح باطنكم وظاهركم فإني أخاف عليكم من الإفصاح بالطعن في الشريعة ورمي علمائها بالمنقصة على عادتكم وعادة المستخف ابن هذيل شيخكم منكر علم الجزيئات القائل بعدم قدرة الرب جل اسمه على جميع الممكنات وأنتم قد انتقلتم إلى جوار أناس أعلام قلما تجوز عليهم حفظهم الله المغالطات فتأسركم شهادة العدول التي لا مدفع لكم فيها وتقع الفضيحة والدين النصيحة أعاذنا الله من درك الشقاء وشماتة الأعداء وجهد البلاء
وكذلك أحذركم من الوقوع بما لا ينبغي في الجناب الرفيع جناب سيد المرسلين وقائد الغر المحجلين صلوات الله وسلامه عليه فإنه نقل عنكم في هذا الباب أشياء منكرة يكبر في النفوس التكلم بها أنتم تعلمونها وهي التي زرعت في القلوب ما زرعت من بغضكم وإيثار بعدكم مع استشعار الشفقة والوجل من وجه آخر عليكم ولولا أنكم سافرتم قبل تقلص ظل السلطنة عنكم لكانت الأمة المسلمة امتعاضا لدينها ودنياها قد برزت بهده الجهات
____________________
(5/127)

لطلب الحق منكم فليس يعلم أنه صدر عن مثلكم من خدام الدول ما صدر عنكم من العيث في الأبشار والأموال وهتك الأعراض وإفشاء الأسرار وكشف الأستار واستعمال المكر والحيل والغدر في غالب الأحوال للشريف والمشروف والخديم والمخدوم ولو لم يكن في الوجود من الدلائل على صحة ما رضيتم به لنفسكم من الاتسام بسوء العهد والتجاوز المحض وكفران النعم والركون إلى ما تحصل من الحطام الزائل إلا عملكم مع سلطانكم مولاكم وابن مولاكم أيده الله بنصره وما ثبت من مقالاتكم السيئة فيه وفي كثير من أهل قطره لكفاكم وصمة لا يغسل دنسها البحر ولا ينسى عارها الدهر فإنكم تركتموه أولا بالمغرب عند تلون الزمان وذهبتم للكدية والأخذ بمقتضى المقامة الساسانية إلى ان استدعاه الملك وتخلصت له بعد الجهد بالأندلس فسقطتم عليه سقوط الذباب على الحلواء وضربتم وجوه رجاله بعضا ببعض حتى خلا لكم الجو وتمكن الأمر والنهي فهمزتم ولمزتم وجمعتم من المال ما جمعتم ثم وريتم بتفقد ثغر الجزيرة الخضراء مكرا منكم فلما بلغتم أرض الجبل انحرفتم عن الجادة وهربتم بأثقالكم الهروب الذي أنكره عليكم كل من بلغه حديثكم أو يبلغه إلى أخر الدهر في العدوتين من مؤمن وكافر وبر وفاجر فكيف يستقيم لكم بعد المعرفة بتصرفاتكم حازم أو يثق بكم في قول أو فعل صالح أو طالح ولو كان قد بقي لكم من العقل ما تتفكرون به في الكيفية التي ختمتم بها عملكم بالأندلس من الزيادة في المغرم وغير ذلك مما لكم وزره ووزر من عمل به بعدكم إلى يوم القيامة حسبما ثبت في الصحيح لحملكم على مواصلة الحزن وملازمة الأسف والندم عى ما أوقعتم فيه نفسكم الأمارة من التورط والتنشب في أشطان الآمال ودسائس الشيطان ونعوذ بالله من شرور الأنفس وسيئات الأعمال
وأما قولكم عن فلان إنه كان حشرة في قلوب اللوز وإن فلانا كان برغوثا في تراب الخمول فكلام سفساف يقال لكم من الجواب عليه وأنتم يا هذا أين كنتم منذ خمسين سنة مثلا خلق الله الخلق لا استظهارا بهم
____________________
(5/128)

ولا استكثارا وأنشأهم كما قدر أحوالا واطوارا واستخلفهم في الأرض بعد أمة أمما وبعد عصر أعصارا وكلفهم شرائعه وأحكامه ولم يتركهم هملا وامرهم ونهاهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } الحجرات 13 وبكل اعتبار فلا نعلم في نمط الطلبة تدريجا كان أسمج من تدريجكم ونبدأ من كذا فإنه كان كذا وأكثر أهل زمانه تحملا وتقللا في نفسه بالنسبة إلى منصبه كان الشيخ أبو الحسن ابن الجياب ولكنه حين علم رحمه الله تعالى من نشأتكم وحالتكم ما علم نبذ مصاهرتكم وصرف عليكم صداقكم وكذلك فعلت بنت جزي زوج الرهيصي معكم حسبما هو مشهور في بلدكم وذكرتم أنكم ما زلتم من أهل الغنى حيث نقرتم بذكر العرض وهو بفتح العين والراء حطام الدنيا على ما حكى أبو عبيد وقال أبو زيد هو بسكون الراء المال الذي لا ذهب فيه ولا فضة وأي مال خالص يعلم لكم أو لأبيكم بعد الخروج من الثقاف على ما كان قد تبقى عنده من مجبى قرية مترايل ثم من العدد الذي برز قبلكم أيام كانت أشغال الطعام بيدكم على ما شهد به الجمهور من أصحابكم وأما الفلاحة التي أشرتم إليها فلا حق لكم فيها إذ هي في الحقيقة لبيت مال المسلمين مع ما بيدكم على ما تقرر في الفقهيات والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا ولو قبل من أهل المعرفة بكم بعض ما لديكم من سقطاتكم في القال والقيل ولم يصرف إلى دفع معرتها عنكم وجه التأويل لكانت مسألتكم ثانية لمسألة أبي الخير بل أبي الشر الحادثة أيام خلافة الحكم المسطورة في نوازل أبي الأصبغ ابن سهل فاعلموا ذلك ولا تهملوا إشارتي عليكم قديما وحديثا بلزوم الصلوات وحضور الجماعات وفعل الخيرات والعمل على التخلص من التبعات { إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور } لقمان 33
____________________
(5/129)

وقلم في كتابكم أين الخطط المتوارثة عن الآباء والأجداد وقد أذهب الله عنا ببركة الملة المحمدية عيبة الجاهلية في التفاخر بالآباء ولكني أقول لكم على جهة المقابلة لكلامكم إن كانت الإشارة إلى المجيب بهذا فمن المعلوم المتحقق عند أفاضل الناس أنه من حيث الأصالة أحد أماثل قطره قال القاضي أبو عبد الله ابن عسكر وقد ذكر في كتابه من سلفى فلان بن فلان ما نصه وبيته بيت قضاء وعلم وجلالة لم يزالوا يرثون ذلك كابرا عن كابر استقضى جده المنصور ابن أبي عامر وقاله غيره وغيره وبيدي من عهود الخلفاء وصكوك الأمراء المكتتبة بخطوط أيديهم من لدن فتح جزيرة الأندلس وإلى هذا العهد القريب ما تقوم به الحجة القاطعة للسان الحاسد والجاحد والمنة لله وحده وإن كانت الإشارة للغير من الأصحاب في الوقت حفظهم الله فكل واحد منهم إذا نظر إليه بعين الحق وجد أقرب منكم نسبا للخطط المعتبرة وأولى بميراثها بالفرض والتعصيب او مساويا على فرض المسامحة لكم قال رسول الله المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره حرام دمه وماله وعرضه
ونرجع إلى طريقة أخرى فنقول من كان يا فلان من قومكم في عمود نسبكم نبيها مشهورا أو كاتبا قبلكم معروفا أو شاعرا مطبوعا أو رجلا نبيها مذكورا ولو كان يالوشي وكان لكان من الواجب الرجوع إلى التناصف والتواصل والتواضع وترك التحاسد والتباغض والتقاطع إن الله لا ينظر إلى صوركم وأبدانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم وكذلك العجب كل العجب من تسميتكم الخربات التي شرعتم في بنائها بدار السلامة وهيهات هيهات المعروف من الدنيا أنها دار بلاء وجلاء وعناء وفناء ولو لم يكن من الموعظة الواقعة بتلك الدار في الوقت إلا موت سعيدكم عند دخولها لأغناكم عن العلم اليقين بمآلها
وأظهرتم سرورا كثيرا بما قلتم إنكم نلتم حيث أنتم من الشهوات التي
____________________
(5/130)

ذكرتم أن منها الإكثار من الأكل والخرق والقعود بإزاء جارية الماء على نطع الجلد والإمساك أولى بالجواب على هذا الفصل فلا خفاء بما فيه من الخسة والخبائث والخبث وبالجملة فسرور العاقل إنما ينبغي أن يكون بما يجمل تقدمه من زاد التقوى للدار الباقية فما العيش كما قال رسول الله إلا عيش الآخرة فقدموا إن قبلتم وصاة الحبيب أو البغيض بعضا عسى أن يكون لكم ولا تخلفوا كلا يكون عليكم هذا الذي قلته لكم وإن كان لدى من يقف عليه من نمطه الكثير فهو باعتبار المكان وما مر من الزمان في حيز اليسير وهو في نفسه قول حق وصدق ومستند أكثره كتاب الله وسنة محمد رسول الله وعلى سائر أنبيائه فاحمدوا الله العلي العظيم على تذكيركم به إذ هو جار مجرى النصيحة الصريحة يسرني الله وإياكم لليسرى وجعلنا ممن ذكر فانتفع بالذكرى والسلام انتهى كلام القاضي ابن الحسن النباهي في كتابه الذي خاطب به لسان الدين رحمه الله تعالى ظهير من إنشاء لسان الدين بتولية النباهي خطة القضاء
وأين هذا الكلام الذي صدر من ابن الحسن في حقه من إنشاء لسان الدين رحمه الله تعالى في تولي ابن الحسن المذكور القضاء وهو
هذا ظهير كريم انتج مطلوب الاختيار قياسه ودل على ما يرضي الله عز وجل التماسه وأطلع نور العناية الذي يجلو الظلام نبراسه واعتمد بمثابة العدل من عرف بافتراع هضبتها ناسه وألقى بيد المعتمد به زمام الاعتقاد الجميل تروق أنواعه وأجناسه وشيد مبنى العز الرفيع في قبة الحسب المنيع وكيف لا والله بانيه والمجد أساسه أمر به وأمضى العمل بمقتضاه وحسبه أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر أيد الله أوامره وخلد مفاخره لقاضي حضرته العليا وخطيب حمرائه السنية المخصوص لديه بترفيع المزية
____________________
(5/131)

المصروف إليه خطاب القضاة بإيالته النصرية قاضي الجماعة ومصرف الأحكام الشرعية المطاعة الشيخ الكذا أبي الحسن ابن الشيخ الكذا أبي محمد ابن الحسن وصل الله سعادته وحرس مجادته وسنى من فضله إرادته عصب منه جبين المجد بتاج الولاية واجال قداح الاختيار حتى بلغ الغاية وتجاوز النهاية ما ألقى منه بيمين عرابة الراية وأحله منه محل اللفظ من المعنى والإعجاز من الآية وحشر إلى مدعاة ترفيعه وجوه البر وأعيان العناية وأنطق بتبجيله ألسن أهل جيله بين الإفصاح والكناية ولما كان له الحسب الأصيل الذي شهدت به ورقات الدواوين والأصالة التي قامت عليها صحاح البراهين والآباء الذين اعتد بمضاء قضائهم الدين وطبق مفاصل الحكم بسيوفهم الحق المبين وازدان بمجالسة وزرائهم السلاطين فمن فارس حكم أو حكيم تدبير وقاض في الأمور الشرعية ووزير أو جامع بينهما جمع سلامة لا جمع تكسير تعدد ذلك واطرد ووجد مشرع المجد عذبا فورد وقصرت النظراء عن مداه فانفرد وفرى الفري في يد الشرع فأشبه السيف البرد وجاء في أعقابهم محييا لما درس بما حقق ودرس جانيا لما بذر السلف المبارك واغترس طاهر النشأة وقورها محمود السجية مشكورها متحليا بالسكينة حالا من النزاهة بالمكانة المكينة ساحبا أذيال الصون بعيدا عن الإتصاف بالفساد من لدن الكون فخطبته الخطط العلية واغتبطت به المجادة الأولية واستعملته دولته التي ترتاد أهل الفضائل للرتب واستظهرت على المناصب بأبناء التقى والحسب والفضل والمجد والأدب ممن يجمع بين الطارف والتالد والإرث والمكتسب فكان معدودا من عدول قضاتها وصدور نبهائها وأعيان وزرائها وأولي آرائها فلما زان الله تعالى خلافته بالتمحيص المتحلي من التخصيص وخلص ملكه الأصيل كالذهب الإبريز بعد التخليص كان ممن
____________________
(5/132)

صحب ركابه الطالب للحق بسيف الحق وسلك في مظاهرته أوضح الطرق وجادل من حاده بأمضى من الحداد الذلق واشتهر خبر وفائه في الغرب والشرق وصلى به صلاة السفر والحضر والأمن والحذر وخطب به في الأماكن التي بعد بذكر الله عهدها وخاطب عنه أيده الله تعالى المخاطبات التي حمد قصدها حتى استقل ملكه فوق سريره وابتهج منه الإسلام بأميره وابن أميره ونزل الستر على العباد والبلاد ببركة إيالته ويمن تدبيره وكان الجليس المقرب المحل والحظي المشاور في العقد والحل والرسول المؤتمن على الأسرار والأمين على الوظائف الكبار مزين المجلس السلطاني بالوقار ومتحف الملك بغريب الأخبار وخطيب منبره العالي في الجمعات وقارىء الحديث لديه في المجتمعات
ثم رأى أيده الله تعالى أن يشرك رعيته في نفعه ويصرف عوامل الحظوة على مزيد رفعه ويجلسه مجلس الشارع صلوات الله عليه لإيضاح شرعه وأصله الوثيق وفرعه وقدمه أعلى الله تعالى قدمه وشكر آلاءه ونعمه قاضيا في الأمور الشرعية وفاصلا في القضايا الدينية بحضرة غرناطة العلية تقديم الإختيار والانتقاء وأبقى له فخر السلف على الخلف والله سبحانه يمتعه بطول البقاء فليتول ذلك عادلا في الحكم مهتديا بنور العلم مسويا بين الخصوم حتى في لحظة والتفاته متصفا من الحلم بأفضل صفاته مهيبا في الدين رؤوفا بالمؤمنين جزلا في الأحكام مجتهدا في الفصل بأمضى حسام مراقبا لله عز وجل في النقض والإبرام
وأوصاه بالمشورة التي تقدح زناد التوفيق والتثبت حتى ينتج قياس التحقيق بارا بمشيخة أهل التوثيق عادلا إلى سعة الأقوال عند المضيق سائرا من مشورة المذهب على أهدى طريق وصية أصدرها له مصدر الذكرى التي تنفع ويعلي الله بها الدرجات ويرفع وإلا فهو عن الوصاة غني وقصده قصد سني والله عز وجل ولي إعانته والحارس من التبعات أكناف ديانته
____________________
(5/133)

والكفيل بحفظه من الشبهات وصيانته
وأمر أيده الله تعالى أن ينظر في الأحباس على اختلافها والأوقاف على شتى أصنافها واليتامى التي انسدلت كفالة القضاة على إضعافها فيذود عنها طوارق الخلل ويجري أمورها بما يتكفل لها بالأمل وليعلم أن الله عز وجل يراه وأن فلتات الحكم تعاوده المراجعة في أخراه فيدرع جنة تقواه وسبحان من يقول { إن الهدى هدى الله }
فعلى من يقف عليه أن يعرف أمر هذا الإجلال صائنا منصبه من الإخلال مبادرا أمره الواجب بالامتثال بحول الله وكتب في الثالث من شهر الله المحرم فاتح عام أربعة وستين وسبعمائة عرف الله سبحانه فيه هذا المقام العي عوارف النصر المبين والفتح القريب بمنه وكرمه فهو المستعان لا رب غيره انتهى ظهير من إنشائه بتولية ابن زمرك كتابه السر
ونظير هذا ما أنشأه لسان الدين على لسان سلطانه للكاتب أبي عبد الله ابن زمرك حين تولى كتابه السر ونصه
هذا ظهير كريم نصب المعتمد به للأمانة الكبرى ببابه فرفعه وأفرد له متلو العز وجمعه وأوتره وشفعه وقربه في بساط الملك تقريبا فتح له باب السعادة وشرعه وأعطاه لواء القلم الأعلى فوجب على من دون رتبته من أولي صنعته أن يتبعه ورعى له وسيلة السابقة عند استخلاص الملك لما ابتزه الله من يد الغاصب وانتزعه وحسبك من زمام لا يحتاج إلى شيء معه أمر به أمير الله تعالى له وجه العناية أبهى من الصبح الوسيم وأقطعه جناب الإنعام الجسيم وأنشقه آراج الحظوة عاطرة النسيم ونقله من كرسي التدريس والتعليم إلى
____________________
(5/134)

مرقى التنويه والتكريم والرتبة التي لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم وجعل أقلامه جيادا لإجالة أمره العلي وخطابه السني في ميدان الأقاليم ووضع في يده أمانة القلم الأعلى جاريا من الطريقة المثلى على المنهج القويم واختصه بمزية الشفوف على كتاب بابه والتقديم لما كان ناهض الفكر في طلبة حضرته زمن البداية ولم تزل تظهر عليه لأولي التمييز مخايل هذه العناية فإن حضر في حلق العلم جلي في حلبة الحفاظ إلى الغاية وإن نظم أو نثر أتى بالقصائد المصقولة والمخاطبات المنقولة فاشتهر في بلده وغير بلده وصارت أزمة العناية طوع يده بما أوجب له المزية في يومه وغده
وحين رد الله عليه ملكه الذي جبر به جناح الإسلام وزين وجوه الليالي والأيام وأدال الضياء من الإظلام كان ممن وسمه الوفاء وشهره وعجم الملك عود خلوصه وخبره فحمد أثره وشكر ظاهره ومضمره واستصحب على ركابه الذي صحب اليمن سفره وأخلصت الحقيقة نفره وكفل الله ورده وصدره ميمون النقيبة حسن الضريبة صادقا في الأحوال المريبة ناطقا عن مقامه بالمخاطبات العجيبة واصلا إلى المعاني البعيدة بالعبارة القريبة مبرزا في الخدم الغريبة حتى استقام العماد ونطق بصدق الطاعة الحي والجماد ودخلت في دين الله أفواجا العباد والبلاد لله الحمد على نعمه الثرة العهاد وآلائه المتوالية الترداد رعى له أيده الله هذه الوسائل وهو أحق من يرعاها وشكر له الخدم المشكور مسعاها فنص عليه الرتبة الشماء التي خطبها بوفائه وألبسه أثواب اعتنائه وفسح له مجال آلائه وقدمه أعلى الله قدمه كاتب السر وأمين النهي والأمر تقديم الاختيار بعد الاختبار والاغتباط بخدمته الحسنة الآثار وتيمن باستخدامه قبل الحلول بدار الملك والاستقرار وغير ذلك من موجبات الإكبار
____________________
(5/135)

فليتول ذلك عارفا بمقداره مقتفيا لآثاره مستعينا بالكتم لأسراره والاضطلاع بما يحمد من أمانته وعفافه ووقاره معطيا هذا الرسم حقه من الرياسة عارفا بأنه أكبر أركان السياسة حتى يتأكد الاغتباط بتقريبه وإدنائه وتتوفر أسباب الزيادة في إعلائه وهو إن شاء الله غني عن الوصاة فهما ثاقبا يهتدي بضيائه وهو يعمل في ذلك أقصى العمل المتكفل ببلوغ الأمل وعلى من يقف عليه من حملة الأقلام والكتاب الأعلام وغيرهم من الكافة والخدام أن يعرفوا قدر هذه العناية الواضحة الأحكام والتقديم الراسخ الأقدام ويوجبوا ما أوجب من البر والإكرام والإجلال والإعظام بحول الله وكتب في كذا انتهى
فانظر صانني الله وإياك من الأغيار وكفانا شر من كفر الصنيعة التي هي على النقص عنوان ومعيار إلى حال الوزير لسان الدين ابن الخطيب مع هذين الرجلين القاضي ابن الحسن والوزير ابن زمرك اللذين تسببا في هلاكه حتى صار أثرا بعد عين مع تنويهه بهما في هذا الإنشاء وغيره وتفيئهما كما هو معلوم ظلال خيره فقابلاه بالغدر وأظهرا عند الإمكان حقد القلب وغل الصدر وسددا لقتله سهاما وقسيا وصيرا سبيل الوفاء نسيا منسيا ولا حول ولا قوة إلا بالله ظهير ثالث بإضافة الخطابة إلى القضاء للنباهي
ومن إنشاء لسان الدين في حق القاضي ابن الحسن أيضا حيث أضيفت إليه الخطابة إلى القضاء على لسان سلطانه
هذا ظهير كريم أعلى رتبة الاحتفاء اختيارا واختبارا وأظهر معاني الكرامة والتخصيص انتقاء واصطفاء وإيثارا ورفع لواء الجلالة على من اشتمل عليه حقيقة واعتبارا ورقى في درجات العز من طاولها على بهر أنوارا ودينا
____________________
(5/136)

كرم في الصالحات آثارا وزكا في الأصالة نجارا وخلوصا إلى هذا المقام العلي السعيد الذي راق إظهارا وإضمارا أمر به وأمضاه وأنفذ حكمه ومقتضاه أمير المسلمين عبد الله محمد إلى آخره للشيخ الكذا القاضي العدل الأرضي قاضي الجماعة وخطيب الحضرة العلية المخصوص لدى المقام العلي بالحظوة السنية والمكانة الحفية الموقر الفاضل الحافل الكامل المبرور أبي الحسن ابن الشيخ الفقيه الوزير الأجل الأعز الماجد الأسنى المرفع الأحفل الأصلح المبارك الأكمل الموقر المبرور المرحوم أبي محمد ابن الحسن وصل الله عزته ووالى رفعته ومبرته ووهب له من صلة العناية الربانية أمله وبغيته لما أصبح في صدور القضاة العلماء مشارا إلى جلاله مستندا إلى معرفته المخصوصة بكماله مطرزا على الإفادة العلمية والأدبية بمحاسنه البديعة وخصاله محفوفا مقعد الحكم النبوي ببركة عدالته وفضل خلاله وحل في هذه الحضرة العلية المحل الذي لا يرقاه إلا عين الأعيان ولا يثوي مهاده إلا مثله من أبناء المجد الثابت الأركان ومؤملي العلم الواضح البرهان والمبرزين بالمآثر العلية في الحسن والإحسان وتصدر لقضاء الجماعة فصدرت عنه الأحكام الراجحة الميزان والأنظار الحسنة الأثر والعيان والمقاصد التي وفت بالغاية التي لا تستطاع في هذا الميدان فكم من قضية جلا بمعارفه مشكلها ونازلة مبهمة فتح بإدراكه مقفلها ومسألة عرف نكرتها وقرر مهملها حتى قرت بعدالته وجزالته العيون وصدقت فيه الآمال الناجحة والظنون وكان في تصديره لهذه الولاية العظمى من الخير والخيرة ما عسى أن يكون كان أحق بالتشفيع لولايته وأولى وأجدر بمضاعفة النعم التي لا تزال ترادف على قدره الأعلى فلذلك أصدر له أيده الله هذا الظهير الكريم مشيدا بالترفيع والتنويه ومؤكدا للإحتفاء الوجيه وقدمه أعلى الله قدمه وشكر نعمه خطيبا بالجامع الأعظم من حضرته مضافا ذلك إلى ولايته ورفيع منزلته مرافقا لمن بالجامع الأعظم عمره الله بذكره من علية الخطباء وكبار العلماء وخيار النبهاء الصلحاء فليتداول ذلك في جمعاته
____________________
(5/137)

مظهرا في الخطة أثر بركاته وحسناته عاملا على ما يقربه عند الله من مرضاته ويظفره بجزيل مثوباته بحول الله وقوته انتهى
فهذا ثناء لسان الدين المرحوم على القاضي ابن الحسن وإشادته بذكره وبإشارته وتدبيره ولي قضاء القضاة وخطابة الجامع الأعظم بغرناطة وهذان المنصبان لم يكن في الأندلس في ذلك الزمان من المناصب الدينية أجل منهما ولما حصل للسان الدين رحمه الله تعالى ما حصل من النفرة عن الأندلس وإعمال الحيلة في الإنفصال عنها لعلمه أن سعايات ابن زمرك وابن الحسن ومن يعضدهما تمكنت فيه عند سلطانه خلص منها على الوجه الذي قدمناه وشمر القاضي ابن الحسن عن ساعد أذايته والتسجيل عليه بما يوجب الزندقة كما سبق جميعه مفصلا فحينئذ أطلق لسان الدين عنان قلمه في سب المذكور وثلبه وأورد في كتابه الكتيبة الكامنة في أبناء المائة الثامنة من مثالبة ما أنسى ما سطره صاحب القلائد في ابن باجة المعروف بابن الصائغ حسبما نقلنا ذلك أعني كلام الفتح في غير هذا الموضع ولم يقتنع بذلك حتى ألف الكتاب الذي سماه بخلع الرسن كما ألمعنا به فيما سبق والله سبحانه يتجاوز عن الجميع بمنه وكرمه نماذج من براعة لسان الدين في القدح
واعلم أن لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى الغاية في المدح والقدح فتارة على طريق الترسل وطورا على غيرها وقد اقذع وبالغ رحمه الله تعالى في هجو أعدائه بما لا تحتمله الجبال وهو اشد من وقع النبال ومنه ما وصف به الوزير الذي كان استوزره السلطان إسماعيل بن الأحمر الثائر على سلطان ابن الخطيب حسبما سبق الإلمام بذلك والوزير هو إبراهيم بن أبي الفتح الأصلع الغوي إذ قال في المذكور وفي ابن عمه محمد بن إبراهيم بن أبي الفتح العقرب
____________________
(5/138)

الردى بعد كلام ما صورته
وما ظنك برجل مجهول الجد موصوم الأبوة إلى أن قال تنور خبز وبركة مرقة وثعبان حلواء وفاكهة مغي في شح النفس متهالك في مسترذل الطبع عليه العذيوط الغبي ابن عمه بسذاجة زعموا مع كونه قبيح الشكل بشيع الطلعة إلى أن قال وفي العشر الأول من رمضان عام واحد وستين وسبعمائة تقبض على الوزير المشؤوم وابن عمه الغوي الغشوم وولد الغوي مرسل الظفيرة أبعد الناس في مهوى الاغترار يختال في السرق والحيلة سم من سم القوارير وابتلاء من الله لذوي الغيرة يروح نشوان العشيات يرقص بين يديه ومن خلفه عدد من الأخلاف يعاقرون النبيذ في السكك الغاصة وولد العقرب الردي بضده قماءة وتقطبا تنبو عنهما العيون ويبكي منهما الخز كأنهما صمتا عند المحاورة وإظلاما عند اللألاء من أذلاء بني النضير ومهتضمي خيبر فثقفا مليا وبودر بهما إلى ساحل المنكب
قال المخبر فما رأيت منكوبين أقبح شكلا ولا أفقد صبرا من ذينك التيسين الحبقين صلع الرؤوس ضخام الكروش مبهوري الأنفاس متلجلجي الألسنة قد ربت بمحل السيف من عنق كل جبار منهما شحمة أترجية كأنها سنام الحوار لا يثيرون دمعا ولا يستنزلون رحمة ولا يمهدون عذرا ولا يتزودون من كتاب الله آية قد طبع الله على قلوبهم وأخذهم ببغيهم وعجل لهم سوء سعيهم وللحين أركبوهم وجراءهم يعني أولادهم في جفن غزوي تحف بهم المساعير من الرجال واقتفى بهم أثر قرقورة تحمل حاجا إلى الإسكندرية تورية بالقصد فلما لججوا قذف بهم في لجة بعد استخلاص
____________________
(5/139)

ما ضبثوا به وتلكأ الأصلع الغوي فأثبت بجراحة أشعر بها هديه واختلط العقرب الردي فنال من جناب الله سخطا وضيقا تعالى الله عن نكيره فكان فرعون هذا الزمان جبروتا وعتوا وميتة عجل الله لهم العذاب وأغرقهم في اليم
فانظر كيف كان عاقبة الظالمين فسبحان من لا تضيع الحقوق مع عدله ولا تنفسخ الآماد منازعة رداء كبريائه مرغم الأنوف وقاطع دابر الكافرين وفي ذلك أقول مستريحا وإن لم يكن علم الله تعالى شاني ولا تكرر في ديواني
( وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ** ولكن من يبصر جفونك يعشق )
ومن أمثالهم من استغضب فلم يغضب فهو حمار والله سبحانه يقول ومن أصدق من الله قيلا { وجزاء سيئة سيئة مثلها } الشورى 40 والعفو أقرب للتقوى والقرب والبعد بيده سبحانه وصدرت هذه الكلمة لحين تعرف إجلائهم في الجفن إلى الإسكندرية وبعد ذلك صح هلاكهم
( كن من صروف الردى على حذر ** لا يقبل الدهر عذر معتذر )
( ولا تعول فيه على دعة ** فأنت في قلعة وفي سفر )
( فكل ري يفضي إلى ظمإ ** وكل أمن يدعو إلى غرر )
( كم شامخ الأنف ينثني فرحا ** بال عليه زمانه وخري )
( قل للوزير البليد قد ركضت ** في ربعك اليوم غارة الغير )
( يا ابن أبي الفتح نسبة عكست ** فلا بفتح أتت ولا ظفر )
( وزارة لم يجد مقلدها ** عن شؤمها في الوجود من وزر )
( في طالع النحس حزت رتبتها ** وكل شيء في قبضة القدر )
____________________
(5/140)


( أي اختبار لم تأل نصبته ** في جسد للنحوس أو نظر )
( بات له المشتري على غير ** وأحرقت فيه قرصة القمر )
( يا طللا ما عليه من عمل ** يا شجرا ما لديه من ثمر )
( يا مفرط الجهل والغباوة لا ** يحسب إلا من جملة البقر )
( يا دائم الحقد والفظاظة لا ** يفرق ما بين ظالم وبري )
( يا كمد اللون ينطفي كمدا ** من حسد يستطير بالشرر )
( يا عدل سرج يا دن مقتعد ** ملآن من ريبة ومن قذر )
( يا واصلا للجشاء ناشئة الليل ** ورب الضراط في السحر )
( من غير لب ولا مراقبة ** لله في مورد ولا صدر )
( يا خاملا جاهه الفروج يرى ** صهر أولي الجاه فخر مفتخر )
( كانوا نبيطا في الأصل أو حبشا ** ما عنده عبرة بمعتبر )
( يا ناقص الدين والمروءة والعقل ** ومجري اللسان بالهذر )
( يا ولد السحق غير مكتتم ** حديثه يا ابن فاسد الدبر )
( يا بغل طاحونة يدور بها ** مجتهد السير مغمض البصر )
( في أشهر عشرة طحنتهم ** فيا رحى الشؤم والبوار در )
( والله ما كنت يا مشوم ولا ** أنت سوى عرة من العرر )
( ومن أبو الفتح في الكلاب وهل ** لجاهل في الأنام من خطر )
( قد ستر الدهر منك عورته ** وكان لليوم غير مستتر )
( حانوت بز يمشي على فرش ** وثور عرس يختال في حبر )
( لا منة تتقى لمعترك ** ولا لسان يبين عن خبر )
( ولا يد تنتمي إلى كرم ** ولا صفاء يريح من كدر )
( عهدي بذاك الجبين قد ملئت ** غصونه الغبر بالدم الهدر )
____________________
(5/141)


( عهدي بذاك القفا الغليظ وقد ** مد لوقع المهند الذكر )
( أهدتك للبحر كف منتقم ** ألقتك للحوت كف مقتدر )
( يا يتم أولادك الصغار ويا ** حيرتهم بعد ذاك في الكبر )
( يا ثكل تلك الصماء أمهم ** وظاعن الموت غير منتظر )
( والله لا نال من تخلفه ** من أمل بعدها ولا وطر )
( والله يا مسخفان لا انتقلت ** رجلك منها إلا إلى سفر )
( ألحفك الله بالهوان ولا ** رعاك فيمن تركت من عرر )
( ما عوقب الليل بالصباح وما ** تقدم البرق عارض المطر )
انتهى وقال موريا بدم الأخوين في شأن سلطان تلك الدولة الذي أضحى أثرا بعد عين
( بإسماعيل ثم أخيه قيس ** تأذن ليل همي بانبلاج )
( دم الأخوين داوى جرح قلبي ** وعالجني وحسبك من علاج )
وهذه تورية بديعة لأن الأطباء يقولون إن من خاصية دم الأخوين النفع من الجراح
وقال رحمه الله تعالى قلت في رأس الغادر بالدولة حين عرض علي
( في غير حفظ الله من هامة ** هام بها الشيطان في كل واد )
( ما تركت حمدا ولا رحمة ** في فم إنسان ولا في فؤاد )
وقال أيضا في تلك الدولة بعد كلام ما نصه
وانتدب قاضيهم الشيخ المتراخي الدبر والفك المنحل العصب والعقدة
____________________
(5/142)

المعرق في العمومية المشهور بقبول الرشوة أبو فلان ابن فلان الغريب الاسم والولاية ومفتيهم معدن الرياء والهوادة والبعد عن التخصص والحشمة والمثل في العماه والطرف في التهالك في الحطام فلان البناء المسخر في بناء الحفيرة المستخدم في دار ابنه أجيرا مختضبا بالطين مضايقا في رمق العيشة وحسبك به دليلا على الحياء وفضل البنوة فلفقوا من خيوط العناكب شبهات تقلدوا بها حل العقد الموثق ديدنهم في معارضة صلب الملة بالآراء الخبيثة يتحكم الوقاح منهم في الحكم الذي نزل به شديد القوى على الذي لا ينطق عن الهوى بحسب شهوته تحكمه في غزل أمه إيثارا للعاجل واسترابة بالوعيد ففسخوا النكاح وحللوا محرم البضع للدائل وقد تأذن الله بفسخه وأجرى دمه نقدا قبل دفع فقده سبحانه حكم الحكام وقاهر الظلام وباء مشيخة السوء بلعنة الله وسوء الأحدوثة ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا انتهى
ومن كلامه في نفاضة الجراب وقد ذكر وزير المغرب محمد بن علي ابن مسعود ما ملخصه وإنه مجنون أحول العين وحش النظرة يظن به الغضب في حال الرضى يهيج به المرار فيكمن زمانا خلف كلة مرقده يدخل إليه وعاء الحاجتين خوفا من إصحاره إلى فضاء منزله وتوحشه من أهله وولده إلى أن تضعف سورة المرة فيخف أمره قد باين زوجه مع انسحاب رواق الشبيبة وتوفر داعية الغبطة لحلف جره الوسواس السوداوي نستدفع بالله شر بلائه فاستعان مستوزره منه برأي الفضل بن سهل ويحيى بن خالد وأمثالهما تدارك الله رمق الإسلام بلطفه انتهى في عتاب ابن أبي رمانة
ولما دخل لسان الدين رحمه الله تعالى مدينة مكناسة الزيتون تأخر قاضيها الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي رمانة عن لقائه يوم وصوله
____________________
(5/143)

فكتب إليه ما نصه
( جفا ابن أبي رمانة وجه مقدمي ** ونكب عني معرضا وتحاماني )
( وحجب عني حبه غير جاهل ** بأني ضيف والمبرة من شاني )
( ولكن رآني مغربيا محققا ** وأن طعامي لم يكن حب رمان )
زيارة القاضي أصلحه الله لمثلي ممن لا يخافه ولا يرجوه تجب من وجوه أولها كوني ضيفا ممن لا يعد على الاختبار زيفا ولا تجر مؤانسته حيفا فضلا عن أن تشرع رمحا أو تسل سيفا وثانيها أني أمت إليه من الطلب بنسب بين موروث ومكتسب وقاعدة الفضل قد قررها الحق وأصلها والرحم كما علم تدعو لمن وصلها وثالثها المبدأ في هذا الغرض ولكن الواو لا ترتب إلا بالعرض وهو اقتفاء سنن المولى ايده الله في تأنيسي ووصفه إياي بمقربي وجليسي ورابعها وهو عدة كيسي وهزبر خيسي وقافية تجنيسي ومقام تلويني وتلبيسي مودة رئيس هذا الصنف العلمي ورئيسي فليت شعري ما الذي عارض هذه الأصول الأربعة ورجح مذاهبها المتبعة إلا أن يكون عمل أهل المدينة ينافيها فهذا بحسب النفس ويكفيها وإن تعذر لقاء أو استدعاء وعدم طعام أو وعاء ولم يقع نكاح ولا استرعاء فلم يتعذر عذر يقتضيه الكرم والمنصب المحترم فالجلة إلى التماس الحمد ذات استباق والعرف بين الله والناس باق والغيرة على لسان مثله مفروضة والأعمال معروضة والله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة وإن كان لدى القاضي في ذلك عذر فليفده وأولى الأعذار به أنه لم يقصده والسلام انتهى
ويعني بالمولى السلطان أبا سالم ابن السلطان أبي الحسن المريني وبرئيس
____________________
(5/144)

هذا الصنف العلامة الخطيب أبا عبد الله ابن مرزوق رحم الله الجميع رسالته إلى ابن مرزوق ينصحه برفض الدنيا
ومن كلام لسان الدين رحمه الله تعالى رسالة في أحوال خدمة الدولة ومصائرهم وتنبيههم على النظر في عواقب الرياسة بعيون بصائرهم عبر فيها عن ذوق ووجدان وليس الخبر كالعيان وخاطب بها الإمام الخطيب عين الأعيان سيدي أبا عبد الله ابن مرزوق وكأنه أعني لسان الدين أشار ببعض فصولها إلى نفسه ونطق بالغيب في نكبته التي قادته إلى رمسه وكان ذلك منه عندما أراد التخلي عن خدمة الملوك والتحلي بزينة أهل التصوف والسلوك فلم يرد الله أن تكون مهجته نائية عن ساحة الظلمة خارجة وأراد سامحه الله وغفر له عمرا وأراد الله خارجة وصورة ما قاله رحمه الله تعالى
وأحسست منه يعني ابن مرزوق في بعض كتبه الواردة إلي صاغية إلي الدنيا وحنينا لما بلاه من غرورها فحملني الطور الذي ارتكبته في هذه الأيام بتوفيق الله على أن أخاطبه بهذه الرسالة وحقها أن يجعلها خدمة الملوك ممن ينسب إلى نبل ويلم بمعرفة مصحفا يدرسه وشعارا يلتزمه وهي
سيدي الذي يده البيضاء لم تذهب بشهرتها المكافاة ولم تختلف في مدحها الأفعال ولا تغايرت الصفات ولا تزال تعترف بها العظام الرفات أطلقك الله من أسر كل الكون كما أطلقك من أسر بعضه وزهدك في سمائه الفانية وفي أرضه وحقر الحظ في عين بصيرتك بما يحملك على رفضه اتصل بي الخبر السار من تركك لشأنك وإجناء الله تعالى إياك ثمرة إحسانك وإنجياب ظلام الشدة الحالك عن أفق حالك فكبرت وفي الفرج من بعد الشدة اعتبرت لا بسوى ذلك من رضى مخلوق يؤمر فيأتمر ويدعوه القضاء فيبتدر إنما هو فيء وظل ليس له من الأمر شيء ونسأله جل وعلا أن يجعلها آخر عهدك بالدنيا
____________________
(5/145)

وبنيها وأول معارج نفسك التي تقربها من الحق وتدنيها وكأني والله أحس بثقل هذه الدعوة على سمعك ومضادتها ولا حول ولا قوة إلا بالله لطبعك وأنا أنافرك إلى العقل الذي هو قسطاس الله تعالى في عالم الإنسان والآلة لبث العدل والإحسان والملك الذي يبين عنه ترجمان اللسان فأقول
ليت شعري ما الذي غبط سيدي بالدنيا وإن بلغ من زبرجها الرتبة العليا ونفرض المثال بحال إقبالها ووصل حبالها وخشوع جبالها وضراعة سبالها ألتوقع المكروه صباحا ومساء وارتقاب الحوالة التي تديل من النعيم البأساء ولزوم المنافسة التي تعادي الأشراف والرؤساء الترتب العتب على التقصير في الكتب وضغينة جار الجنب وولوع الصديق بإحصاء الذنب ألنسبة وقائع الدولة إليك وأنت بري وتطويقك الموبقات وأنت منها عري ألاستهدافك للمضار التي تنتجها غيرة الفروج والأحقاد التي تضبطها ركبة السروج وسرحة المروج ونجوم السماء ذات البروج ألتقليدك التقصير فيما ضاقت عنه طاقتك وصحت إليه فاقتك من حاجة لا يقتضي قضاءها الوجود ولا يكفيها الركوع للملك والسجود ألقطع الزمان بين سلطان يعبد وسهام للغيوب تكبد وعجاجة شر تلبد وأقبوحة تخلد وتؤبد ألوزير يصانع ويداري وذي حجة صحيحة يجادل في مرضاة السلطان ويماري وعورة لا توارى ألمباكرة كل قرن حاسد وعدو مستاسد وسوق للإنصاف والشفقة كاسد وحال فاسد ألوفود تتزاحم بسدتك مكلفة لك غير ما في طوقك فإن لم يقع الإسعاف قلبت عليك السماء من فوقك ألجلساء ببابك لا يقطعون زمان رجوعك وإيابك إلا بقبيح اغتيابك فالتصرفات تمقت والقواطع توقت والألاقي تبث والسعايات تحث والمساجد يشتكي في حلقها البث يعتقدون أن السلطان في يدك بمنزلة الحمار المدبور واليتيم المحجور والأسير المأمور ليس له شهوة ولا غضب ولا أمل في الملك
____________________
(5/146)

ولا أرب ولا موجدة لأحد كامنه وللشر ضامنة وليس في نفسه عن رأي نفرة ولا بإزاء ما لا يقبله نزوة ولا طفرة إنما هو جارحة لصيدك وعان في قيدك وآلة لتصرف كيدك وأنك علة حيفه ومسلط سيفه
الشرار يسملون عيون الناس باسمك ثم يمزقون بالغيبة مزق جسمك قد تنخلهم الوجود أخبث ما فيه واختارهم السفيه فالسفيه إذ الخير يستره الله تعالى عن الدول ويخفيه ويقنعه بالقليل فيكفيه فهم يمتاحون بك ويولونك الملامة ويفتحون عليك القول ويسدون طرق السلامة وليس لك في أثناء هذه إلا ما يعوزك مع ارتفاعه ولا يفوتك مع انقشاعه وذهاب صداعه من غذاء يشبع وثوب يقنع وفراش ينيم وخديم يقعد ويقيم وما الفائدة في فرش تحتها جمر الغضا ومال من ورائه سوء القضا وجاه يحلق عليه سيف منتضى وإذا بلغت النفس إلى الالتذاذ بما لا تملك واللجاج حول المسقط الذي تعلم أنها فيه تهلك فكيف تنسب إلى نبل أو تسير من السعادة في سبل وإن وجدت في القعود بمجلس التحية بعض الأريحية فليت شعري أي شيء زادها او معنى أفادها إلا مباكرة وجه الحاسد وذي القلب الفاسد ومواجهة العدو المستاسد أو شعرت ببعض الإيناس في الركوب بين الناس ما التذت إلا بحلم كاذب أو جذبها غير الغرور جاذب إنما راكبك من يحدق إلى الحلية والبزة ويستطيل مدة العزة ويرتاب إذا حدثت بخبرك ويتتبع بالنقد والتجسس مواقع نظرك ويمنعك من مسايرة أنيسك ويحتال على فراغ كيسك ويضمر الشر لك ولرئيسك وأي راحة لمن لا يباشر قصده ويمشي إذا شاء وحده
ولو صح في هذه الحال لله تعالى حظ وهبه زهيدا وعين الرشد عملا حميدا لساغ الصاب وخفت الأوصاب وسهل المصاب لكن الوقت أشغل والفكر أوغل والزمن قد عمرته الحصص الوهمية واستنفدت منه الكمية أما ليله ففكر أو نوم وعتب بجزاء الضرائر ولوم وأما يومه فتدبير
____________________
(5/147)

وقبيل ودبير وأمور يعيا بها ثبير وبلاء مبير ولغط لا يدخل فيه حكم كبير وأنا بمثل ذلك خبير ووالله يا سيدي ومن فلق الحب وأخرج الأب وذرأ من مشى ومن دب وسمى نفسه الرب لو تعلق المال الذي يجره هذا القدح ويوري سقيطه هذا القدح بأذيال الكواكب وزاحمت البدر بدره بالمناكب لما ورثه عقب ولا خلص به محتقب ولا فاز به سافر ولا منتقب والشاهد الدول والمشائيم الأول
فأين الرباع المقتناة وأين الديار المبتناة وأين الحوائط المغترسات وأين الذخائر المختلسات وأين الودائع المؤملة وأين الأمانات المحملة تأذن الله بتتبيرها وإدناء نار التبار من دنانيرها فقلما تلقى أعقابهم إلا أعراء الظهور مترمقين لجرايات الشهور متعللين بالهباء المنثور يطردون من الأبواب التي حجب عنها آباؤهم وعرف منها إباؤهم وشم من مقاصيرها عنبرهم وكباؤهم ولم تسامحهم الأيام إلا في إرث محرر أو حلال مقرر وربما محقه الحرام وتعذر منه المرام
هذه أعزك الله حال قبولها مع الترفيه ومالها المرغوب فيه وعلى فرض أن يستوفي العمر في العز مستوفيه وأما ضده من عدو يتحكم وينتقم وحوت بغي يبتلع ويلتقم ومطبق يحجب الهواء ويطيل في الترب الثواء وثعبان قيد بعض الساق وشؤبوب عذاب يمزق الأبشار الرقاق وغيلة يهديها الواقب الغاسق ويجرعها العدو الفاسق فصرف السوق وسلعته المعتادة الطروق مع الأفول والشروق فهل في شيء من هذا مغتبط لنفس حرة أو ما يساوي جرعة حال مرة واحسرتا للأحلام ضلت وللأقدام زلت ويا لها مصيبة جلت
ولسيدي أن يقول حكمت باستثقال الموعظة واستجفائها ومراودة الدنيا بين خلانها وأكفائها وتناسي عدم وفائها فأقول الطبيب بالعلل أدرى والشفيق بسوء الظن مغرى وكيف لا وأنا أقف على السحاءات بخط يد سيدي
____________________
(5/148)

من مطارح الاعتقال ومثاقف النوب الثقال وخلوات الاستعداد للقاء الخطوب الشداد ونوشى الأسنة الحداد وحيث يجمل بمثله أن لا يصرف في غير الخضوع لله تعالى بنانا ولا يثني لمخلوق عنانا وأتعرف أنها قد ملأت الجو والدو وقصدت الجماد والبو تقتحم أكف أولي الشمات وحفظة المذمات وأعوان النوب الملمات زيادة في الشقاء وقصدا بريا من الاختيار والانتقاء مشتملة من التجاوز على أغرب من العنقاء ومن النفاق على أشهر من البلقاء فهذا يوصف بالإمامة وهذا يجعل من أهل الكرامة وهذا يكلف الدعاء وليس من أهله وهذا يطلب منه لقاء الصالحين وليسوا من شكله إلى ما أحفظني والله من البحث عن السموم وكتب النجوم والمذموم من العلوم هلا كان من ينظر في ذلك قد قوطع بتاتا وأعتقد أن الله قد جعل لزمان الخير والشر ميقاتا وانا لا نملك موتا ولا نشورا ولا حياتا وأن اللوح قد حصر الأشياء محوا وإثباتا فكيف نرجو لما منع منالا أو نستطيع مما قدر إفلاتا أفيدونا ما يرجح العقيدة المتقررة فنتحول إليه وبينوا لنا الحق ونعول عليه
الله الله يا سيدي في النفس المرشحة والذات المحلاة بالفضائل الموشحة والسلف الشهير الخير والعمر المشرف على الرحلة بعد حث السير ودع الدنيا لبنيها فما أوكس حظوظهم وأخس لحوظهم وأقل متاعهم وأعجل إسراعهم وأكثر عناءهم وأقصر آناءهم
( ما ثم إلا ما رأيت ** وربما تعيي السلامة )
( والناس إما جائر ** أوحائر يشكو ظلامه )
( وإذا أردت العز لا ** ترزأ بني الدنيا قلامه )
( والله ما احتقب الحريص ** سوى الذنوب أو الملامة )
( هل ثم شك في المعاد ** الحق أو يوم القيامة )
( قولوا لنا ما عندكم ** أهل الخطابة والإمامة )
____________________
(5/149)


وإن رميت بأحجاري وأوجرت المر من أشجاري فوالله ما تلبست اليوم منها بشيء قديم ولاحديث ولا استأثرت بطيب فضلا عن خبيث وما أنا إلا عابر سبيل وهاجر مرعى وبيل ومرتقب وعدا قدر فيه الإنجاز وعاكف على حقيقة لا تعرف المجاز قد فررت من الدنيا كما يفر من الأسد وحاولت المقاطعة حتى بين روحي والجسد وغسل الله قلبي ولله الحمد من الطمع والحسد فلم أبق عادة إلا قطعتها ولا جنة للصبر إلا ادرعتها أما اللباس فالصوف وأما الزهد فيما بأيدي الخلق فمعروف وأما المال الغبيط فعلى الصدقة مصروف ووالله لو علمت أن حالي هذه تتصل وعراها لا تنفصل وأن ترتيبي هذا يدوم ولا يحيرني الوعد المحتوم والوقت المعلوم لمت أسفا وحسبي الله وكفى
ومع هذا يا سيدي فالموعظة تتلقى من لسان الوجود والحكمة ضالة المؤمن يطلبها ببذل المجهود ويأخذها من غير اعتبار بمحلها المذموم ولا المحمود ولقد أعملت نظري فيما يكافىء عني بعض يدك أو ينتهي في الفضل إلى أمدك فلم أر لك اللدنيا كفاء هذا لو كنت صاحب دنيا وألفيت بذل النفس قليلا لك من غير شرط ولا ثنيا فلما ألهمني الله لمخاطبتك بهذه النصيحة المفرغة في قالب الجفاء لمن لا يثبت عين الصفاء ولا يشيم بارقة الوفاء ولا يعرف قاذورة الدنيا معرفة مثلي من المتدنسين بها المنهمكين وينظر عوارها القادح بعين اليقين ويعلم أنها المومسة التي حسنها زور وعاشقها مغرور وسرورها شرور تبين لي أنني قد كافيت صنيعتك المتقدمة وخرجت عن عهدتك الملتزمة وامحضت لك النصح الذي يعز بعز الله ذاتك ويطيب حياتك ويحيي مواتك ويريح جوارحك من الوصب وقلبك من النصب ويحقر الدنيا وأهلها في عينك إذا اعتبرت ويلاشي عظائمها لديك إذا اختبرت
كل ما تقع عينك عليه فهو حقير قليل وفقير ذليل ولا يفضلك
____________________
(5/150)

بشيء إلا باقتفاء رشد أو ترك غي أثوابه النبيهة يجردها الغاسل وعروة عزه يفصلها الفاصل وماله الحاضر الحاصل يعيث فيه الحسام القاصل والله ما تعين للخلف إلا ما تعين للسلف ولا مصير المجموع إلا إلى التلف ولا صح من الهياط والمياط والصياح والعياط وجمع القيراط إلى القيراط والاستظهار بالوزعة والأشراط والخبط والخباط والاستكثار والاغتباط والغلو والاشتطاط وبناء الصرح وعمل الساباط ورفع العمد وإدارة الفسطاط إلا أمل يذهب القوة وينسي الآمال المرجوة ثم نفس يصعد وسكرات تتردد وحسرات لفراق الدنيا تتجدد ولسان يثقل وعين تبصر الفراق وتمقل { قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون } ص 67 ثم القبر وما بعده والله منجز وعيده ووعده فالإضراب الإضراب والتراب التراب
وإن اعتذر سيدي بقلة الجلد لكثرة الولد فهو ابن مرزوق لا ابن رزاق وبيده من التسبب ما يتكفل بإمساك أرماق أين النسخ الذي يتبلغ الإنسان بأجرته في كن حجرته لا بل السؤال الذي لا عار عند الحاجة بمعرته السؤال والله أقوم طريقا وأكرم رفيقا من يد تمتد إلى حرام لا يقوم بمرام ولا يؤمن من ضرام أحرقت فيه الحلل وقلبت الأديان والملل وضربت الأبشار ونحرت العشار ولم يصل منه على يدي واسطة السوء المعشار ثم طلب عند الشدة ففضح وبان شؤمه ووضح اللهم طهر منها أيدينا وقلوبنا وبلغنا من الإنصراف إليك مطلوبنا وعرفنا بمن لا يعرف غيرك ولا يسترفد إلا خيرك يا ألله
وحقيق على الفضلاء إن جنح سيدي منها إلى إشارة أو أعمل في اجتلابها إضبارة أو لبس منها شارة أو تشوف لخدمة إمارة أن لا يحسنوا ظنونهم بعدها بابن ناس ولا يغتروا بسمة ولا خلق ولا لباس فما عدا عما بدا تقضى العمر في سجن وقيد وعمرو وزيد وضر وكيد وطراد صيد وسعد وسعيد وعبد وعبيد فمتى تظهر الأفكار ويقر القرار وتلازم
____________________
(5/151)

الأذكار وتشام الأنوار وتستجلي الأسرار ثم يقع الشهود الذي يذهب معه الإخبار ثم يحق الوصول الذي إليه من كل ما سواه الفرار وعليه المدار
وحق الحق الذي ما سواه فباطل والفيض الرحماني الذي ربابه الأبد هاطل ما شابت مخاطبتي لك شائبة تريب ولقد محضت لك ما يمحضه الحبيب للحبيب فتحمل جفائي الذي حملت عليه الغيرة ولا تظن بي غيره وإن لم تعذرني مكاشفة سيادتك بهذا النث في الأسلوب الرث فالحق أقدم وبناؤه لايهدم وشأني معروف في مواجهة الجبابرة على حين يدي إلى رفدهم ممدودة ونفسي في النفوس المتهافتة عليهم معدودة وشبابي فاحم وعلى الشهوات مزاحم فكيف بي اليوم مع الشيب ونصح الجيب واستكشاف العيب إنما أنا اليوم على كل من عرفني كل ثقيل وسيف العدل في كفي صقيل أعذل أهل الهوى وليست النفوس في القبول سوا ولا لكل مرض دوا وقد شفيت صدري وإن جهلت قدري فاحملني حملك الله تعالى على الجادة الواضحة وسحب عليك ستر الأبوة الصالحة والسلام
انتهت الرسالة البديعة في بابها الآتية من الموعظة بلبابها ذات النصيحة الصريحة التي يتعين على كل عاقل خصوصا من يريد خدمة الملوك التمسك بأسبابها تعليقات ابن مرزوق وابن لسان الدين على الرسالة
قلت وقد رأيت بخط الإمام العلامة الخطيب ابن مرزوق على هامش قول لسان الدين أول الكلام وأحسست منه في بعض كتبه إلى آخره ما صورته توهم ما لا يقع بل لما تجلت عني سحب النكبة والامتحان جزمت بالرحلة وعزمت على النقلة ونفرت عن خدمة السلطان وملازمة الأوطان قال ابن
____________________
(5/152)

مرزوق والعجب كل العجب أن جميع ما خاطبني به أبقاه الله تعالى تحلى به أجمع وابتلى بما منه حذر كأنه خاطب نفسه وأنذرها بما وقع له فالله تعالى يحسن له الخاتمة والخلاص انتهى
وكتب تحت كلام ابن مرزوق هذا بخطه ابن لسان الدين علي ما نصه صدق والله سيدي أبو عبد الله ابن مرزوق كان الله تعالى له قاله ولده ابن المؤلف انتهى
قلت وهذا الذي قاله ابن مرزوق كان في حياة ابن الخطيب ولذلك دعا له بالبقاء وبحسن الخاتمة والخلاص وقد أسفر الغيب عن محنته ثم قتله على الوجه الذي وصفه أثناء هذه الرسالة إذ قال وأما ضده من عدو يتحكم وينتقم وحوت بغي يبتلع ويلتقم ومطبق يحجب الهواء ويطيل في التراب الثواء وثعبان قيد يعض الساق وشؤبوب عذاب يمزق الأبشار الرقاق وغيلة يهديها الواقب الغاسق ويجرعها العدو الفاسق فصرف السوق وسلعته المعتادة الطروق مع الأفول والشروق فإنه رحمه الله تعالى حصل له ما ذكر ثم اغتاله ليلا وخنقه في محبسه عدوه الفاسق سليمان بن داود كما تقدمت الإشارة إلى ذلك فالله تعالى يثيبه بهذه الشهادة مرثية المنجنيقي
وقد تذكرت هنا مرثية ابن صابر المنجنيقي وهي
( هل لمن يرتجي البقاء خلود ** وسوى الله كل شيء يبيد )
( والذي كان من تراب وإن عاش ** طويلا إلى التراب يعود )
( فمصير الأنام طرا لما صار ** إليه آباؤهم والجدود )
( أين حوا أن أين آدم إذ فاتهما ** الملك والثوا والخلود )
____________________
(5/153)


( أين هابيل أين قابيل إذ هذا ** لهذا معاند وحسود )
( أين نوح ومن نجا معه بالفلك ** والعالمون طرا فقيد )
( أسلمته الأيام كالطفل للموت ** ولم يغن عمره الممدود )
( أين عاد بل أين جنة عاد ** إرم أين صالح وثمود )
( أين إبراهيم الذي شاد بيت الله ** فهو المعظم المقصود )
( أين إسحاق أين يعقوب أم أين ** بنوه وعدهم والعديد )
( حسدوا يوسفا أخاهم فكادوه ** ومات الحساد والمحسود )
( وسليمان في النبوة والملك ** قضى مثلما قضى داود )
( ذهبا بعدما أطاع لذا الخلق ** وهذا له ألين الحديد )
( وابن عمران بعد آياته التسع ** وشق الخضم فهو صعيد )
( والمسيح ابن مريم وهو روح الله ** كادت تقضي عليه اليهود )
( وقضى سيد النبيين والهادي ** إلى الحق أحمد المحمود )
( وبنوه وآله الطاهرون الزهر ** صلى عليهم المعبود )
( ونجوم السماء منتثرات ** بعد حين وللهواء ركود )
( ولنار الدنيا التي توقد الصخر ** خمود وللمياه جمود )
( وكذا للثرى غداة يقوم الناس ** منها تزلزل وهمود )
( هذه الأمهات نار وترب ** وهواء رطب وماء برود )
( سوف تفنى كما فنينا فلا يبقى ** من الخلق والد ووليد )
( لا الشقي الغوي من نوب الأيام ** ينجو ولا السعيد الرشيد )
( ومتى سلت المنايا سيوفا ** فالموالي حصيدها والعبيد ) العبرة من مراث أخرى
وأما قصيدة ابن عبدون الأندلسي التي رثى بها بني الأفطس وذكر فيها
____________________
(5/154)

كثيرا من الملوك الذين أبادهم الدهر وطحنهم برحاه وصيرهم أثرا بعد عين ففيها ما يوقظ النوام وأولها
( الدهر يفجع بعد العين بالأثر ** فما البكاء على الأشباح والصور )
وبالجملة فالأمر كما قال ابن الهبارية
( الموت لا يبقي أحد ** ولا والدا ولا ولد )
( مات لبيد ولبد ** وخلد الفرد الصمد )
{ كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } اللهم اختم لنا بالحسنى وردنا إليك ردا جميلا
وتذكرت هنا أيضا مرثية على روي مرثية المنجنيقي السابقة منها
( أين أهل الديار من قوم نوح ** ثم عاد من بعدهم وثمود )
( بينما هم على الأسرة والأنماط ** أفضت إلى التراب الخدود )
( ثم لم ينقض الحديث ولكن ** بعد ذا الوعد كله والوعيد )
( وأطباء بعدهم لحقوهم ** ضل عنهم سعوطهم واللدود )
( وصحيح أضحى يعود مريضا ** وهو أدنى للموت ممن يعود )
وما أحكم قول السلطان أبي علي ابن السلطان أبي سعيد المريني يخاطب أخاه السلطان أبا الحسن وقد حصره بسجلماسة حتى أخذه قسرا
( فلا يغرنك الدهر الخئون فكم ** أباد من كان قبلي يا أبا الحسن )
( الدهر مذ كان لا يبقي على صفة ** لا بد من فرح فيه ومن حزن )
( أين الملوك التي كانت تهابهم ** أسد العرين ثووا في اللحد والكفن )
( بعد الأسرة والتيجان قد محيت ** رسومها وعفت عن كل ذي حسن )
( فاعمل لأخرى وكن بالله مؤتمرا ** واستعن بالله في سر وفي علن )
____________________
(5/155)


( واختر لنفسك أمرا أنت آمره ** كأنني لم أكن يوما ولم تكن )
ودخل السلطان أبو الحسن سجلماسة عنوة على أخيه السلطان أبي علي عمر سنة 734 وجاء به في الكبل لفاس ثم قتله بالفصد والخنق في ربيع الأول من السنة وكان القبض عليه في المحرم رحمه الله تعالى
ومما وجد مكتوبا على قصر بعض السلاطين
( قد كان صاحب هذا القصر مغتبطا ** في ظل عيش يخاف الناس من باسه )
( فبينما هو مسرور بلذته ** في مجلس اللهو مغبوط بجلاسة )
( إذ جاءه بغتة ما لا مرد له ** فخر ميتا وزال التاج عن راسه )
رجع إلى أخبار لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى قلت وقد زرت قبره مرارا رحمه الله تعالى بفاس المحروسة فوق باب المدينة الذي يقال له باب الشريعة وهو يسمى الآن باب المحروق وشاهدت موضع دفنه غير مستو مع الأرض بل ينزل إليه بانحدار كثير ويزعم الجل من عوام فاس أن الباب المذكور إنما سمي بباب المحروق لأجل ما وقع من حرق لسان الدين به حين أخرجه بعض أعدائه من حفرته كما مر وليس كذلك وإنما سمي باب المحروق في دولة الموحدين قبل أن يوجد لسان الدين ولا أبوه بسبب ثائر ثار على الدولة فأمسك وأحرق في ذلك المحل والله غالب على أمره وحصل لي من الخشوع والحزن عند زيارة قبره رحمه الله تعالى ما لا مزيد عليه جعل الله له تلك المحن كفارة وطهره فإنه كان آية الله علما وجلالة وحكمة وشهرة رسالة في العزاء بأبي جعفر ابن جبير
وقد تذكرت عند كتبي هذا المحل رسالة كتبها بعض أئمة المغرب في عزاء
____________________
(5/156)

الوزير الشهير أبي جعفر ابن جبير الأندلسي رحمه الله تعالى إلى بنيه وهي مما يصلح أن يوصف بمثلها لسان الدين رحمه الله تعالى وفيها عزاء بمن مضى ونصها
عزاء يا كواكب الهدى في بدركم الذي تحيفه الردى وفجع به الفضل والندى فقل لشهب أن تنكدر على فراقه وللصبح أن يخبو نور إشراقه وللريح أن تمزق صدارا وللأهلة أن لا تعرف إبدارا ولليل أن يشتمل خميصة الحزن وللسماء أن تبكيه بأدمع المزن وللرعد أن ينتحب لوفاته وللبرق أن يحكي برجفاته أفئدة عفاته وللثريا أن ينفصم سوارها وللشمس أن تنكسف أنوارها وللنثرة أن تنثر كواكبها وللجوزاء أن تنفض مناكبها وللنيرات أن ترفض مواكبها وللرامح أن يبيت أعزلا وللبدر أن لا يألف منزلا وللمجرة أن يفيض دمعا نهرها وللغميصاء أن يطرد بكاؤها وسهرها وللروض أن يفارق إمراعه وللأوراق أن يهتف بما راعه وللغصون أن تنهصر لهتفه وتتقصف أسفا على حتفه
ولكن هو الحمام يختل ويختر ولا يحفل بمن يتر يعدم ما أوجده الكون ويذيل من أكنفه الصون وأين بنا عن مكافح لا نقاتله ورام أرواحنا مقاتله لا يد به ناصرة وعزمته قاصرة للقياصرة ويمينه كاسرة للأكاسرة لم يبق من رسم لطسم ولا من إحسان لغسان ولا من أياد لإياد ولا من سلطان لقحطان ولا من نجيب لتجيب ولاشرف ضخم للخم لم يكن له عن اليمنيين إقصار ومنهم الأنصار وهم أسماع للنبي وأبصار وعمد إلى المصابيح من مضر يطفيها هذا والوحي يتنزل فيها ولم يصخ في الصديق إلى التصديق وأصمى الفاروق برداه وحكم فيه أبا لؤلؤة ومداه وأمكن صرف الأقدار من شهيد الدار ولم يرع من علي بالبسالة والذبل العسالة ولا أبقى سبطيه وقد تفقأت عنهما بيضة الرسالة وأذهب الزبير حواري الرسول وحنظلة وهو بأيدي الملائكة مغسول وأفات ابن معاذ ولم
____________________
(5/157)

يحفل بفوته على أنه اهتز العرش لموته وأودى بحمزة ومقعده من النبوة مقعد الأبوة وشفى من عمار صدور الأسل وأردى مالكا بشربة من عسل ولم يعبأ بمضاء عمرو ولا بحلم معاوية ودهاء عمرو
فيا له من خطب مود بكل يابس ورطب يشرب ماء الأعمار ويجعل الأحداث منازل الأقمار ويلوك السوقة والأملاك ولا يبالي أيه لاك لا يقبل شفيعا ولا يغادر منحطا ولا رفيعا ها هو اعتمد نور علا فكسفه وطود حلم فنسفه وأعلق المجد في حباله وأقصد الفضل بنباله وفجع كنانة بسهم لم ينثل مثله من كنانة فيا طارق الأعين لقد بؤت بأنفس الأعلاق ويا ناعيه لقد نعيت باسق الأخلاق رويدا أسائلك عمن لم تضع لديه وسائلك أين سماحه وطلاقته أين كلفه بالحمد وعلاقته ما الذي ثنى عطفه من الارتياح أم أين عافيه من ذلك الإمتياح أم من يؤلف أمنية كما ألفت السحب أيدي الرياح
فيا هبة الحمد اطوي عرفك فما تنشق ويا ربة المجد أقصري طرفك فما تعشق ويا معشر عفاته كيف حييتم وقد علمتم بوفاته ويا زمر أماله صفرت أيديكم من إجماله ويا أخاير صحابه أين مواقع سحابه ويا بني ولائه من يتبوأ مقام علائه ويا منافسي شيمه من يجود بمثل ديمه ويا منازعي كرمه من يطيف المعتفين بمثل حرمه ويا حاسدي هممه من له كحفاظه وذممه
سيدي لقد أضاءت مساعيك وأشرقت وأغصت الحاسدين طرا وأشرقت وحسبهم أن لم ينتبهوا إلا إذا نمت ولا نطقوا إلا حين مت وليهن ملاك وصحبك أن أحيتك صنائعك وقد قضيت نحبك وإن حم فناؤك فقد أبقى الحياة الخالدة ثناؤك
____________________
(5/158)


( ردت صنائعه عليه حياته ** فكأنه من نشرها منشور )
( والناس مأتمهم عليه واحد ** في كل دار أنه وزفير )
سيدي أما تجيب صرخة لهفان أم عداك عن الجواب أنك فان سيدي من لآملك ببسط أناملك من للمرملات الضرائك بإرشادك وآرائك من لقربائك بصلتك وحبائك من لأخيك بمواثق أواخيك من لأبنائك بلطف أحبائك انفض شملهم وكان جميعا ونادوك لو نادوا منك سميعا هذاكبيرهم يدعوك فلا تجيبه وقد فت الأضلاع وجيبه يبكي عند تلك الرجام بأدمع سجام وقد ألهبت الزفرات حشاه وألح الدمع بجفنه حتى أعشاه والأصاغر ما لهم بعدك مفزع ورضيعهم تسلب به الأنفس رحمة وتنزع لا يدري ما جزع عليك فيجزع لشد ما أذابتهم وقدة الأوار حين عدموا منك كرم النجوى والجوار أف لدهر رماهم بالأجوار وتركهم أنجما مسلوبة الأنوار لا جرم أن يحزنوا عليك ويكترثوا فلقد تسلوا عنك ببعض ما ورثوا وما ورثتهم غير الحزن والبث وأمل في الحياة كالهباء المنبث كما تتلى محاسنك فاسمع طفقت عليك شؤون عيني تدمع أيا ضريحة كيف وجدت ريحه لقد أرج بك ذلك المعفر حتى ما ينافحه المسك الأذفر وكما ظفرت بوجوده فجد كل قبر بجوده ففيه سماء ثرة وغمام ونور انضم عليه منك كمام ولو علمت بمن بين جنبيك راقد لعلوت حتى تلوح في ذراك الفراقد ويا دافنيه كيف هلتم عليه الرغام أولم تنكروا على الشمس أن تغام هيهات لقد سمحتم بإقبار عف الشمائل طيب الأخبار وإلحاد من لا نزاع في فضله ولا إلحاد أي نفس تخذتم له التراب مستودعا فأضحى عرنين المكارم مجدعا
( فتى مثل نصب السيف من حيث جئته ** لنائبة نابتك فهو مضارب )
( فتى همه حمد على النأي رابح ** وإن بات عنه ماله وهو عازب )
____________________
(5/159)


أما وإن ازدحمت بمهلكه الأوصاب وفدح الرزء وجل المصاب حتى لا نألف التأساء فلقد سر الموت من حيث ساء خلفنا بدهر ما فيه غير مصائب ولا يبالي من أقصد سهمه الصائب فيا فقيد الندى ما كان أجدرك بالخلود وأخلقك ويا جواد عمره ما كان أقصر طلقك ثوى حين استوى وتوارى إذ ملأ الأفق أنوارا وكسف حين بلغ الكمال فكان كالغصن عندما اعتدل مال أو كالشهاب عندما استقام حار
( وكذاك عمر كواكب الأسحار ** )
هذه اليراعة التحفت بعده الضنى والصحف تطوي على جهالة وتحني وعهدي به إن امتطى راحته اليراع راع أو دبج الأوراق راق أو استدر طبعه السلسال سال وأي روض أراد راد ومتى أراغ الإنشاء أحسن إن شاء فحق للفؤاد أن يستعر بوقده وللمدامع أن تسيل دما على فقده بيد أنه الموت لا بد أن نرد مشرعه ونسيغ على شرق به جرعه فإنا زرع يحصده الذي ازدرعه وصبرا يا ذوي أرحامه وبنيه ومن مر في غلواء الوجد فالسلوان يثنيه وشحا على أجركم لا يذهب به الجزع ويفنيه والله يزلف الفقيد من رحمته ويدنيه ويقطفه زهر رضوانه ويجنيه وييسر لكم العزاء الأجمل برحمته ويسنيه والسلام انتهت قطع زهدية
ويرحم الله القائل
( كل جمع إلى الشتات يصير ** أي صفو ما شابه تكدير )
____________________
(5/160)


( أنت في اللهو والأماني مقيم ** والمنايا في كل وقت تسير )
( والذي غره بلوغ الأماني ** بسراب وخلب مغرور )
( ويك يا نفس أخلصي إن ربي ** بالذي أخفت الصدور بصير )
ولا خفاء على ذوي الأحلام من الأعلام أن الدنيا أضغاث أحلام
( يندم المرء على ما فاته ** من لبانات إذا لم يقضها )
( وتراه فرحا مستبشرا ** بالتي أمضى كأن لم يمضها )
( إنها عندي كأحلام الكرى ** لقريب بعضها من بعضها )
وقال أبو منصور أسعد النحوي
( يجمع المرء ثم يترك ما يجمع ** من كسبه لغير شكور )
( ليس يحظى إلا بذكر جميل ** أو بعلم من بعده مأثور ) شيء من مواعظ ابن الجوزي
وقال الإمام الشهير أبوالفرج ابن الجوزي
( يا ساكن الدنيا تأهب ** وانتظر يوم الفراق )
( وأعد زادا للرحيل ** فسوف يحدى بالرفاق )
( وابك الذنوب بأدمع ** تنهل من سحب المآق )
( يا من أضاع زمانه ** أرضيت ما يفنى بباق )
وكان ابن الجوزي المذكور آية الله في كثرة التأليف والكتابة والوعظ
____________________
(5/161)

والحفظ وأقل من كان يحضر مجلسه عشرة آلاف وربما حضر عنده مائة ألف وقال في آخر عمره على المنبر كتبت بإصبعي هاتين ألفي مجلدة وتاب على يدي مائة ألف وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني وأسمع رحمه الله تعالى الناس أكثر من أربعين سنة وحدث بمصنفاته مرارا
وقال الحافظ الذهبي في حقه الحافظ الكبير الواعظ المفتن صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة في العلوم المتعددة وعظ من صغره وفاق فيه الأقران ونظم الشعر المليح وكتب بخطه ما لا يوصف ورأى من القبول والإحترام ما لا مزيد عليه وحزر مجلسه غير مرة بمائة ألف وحضر مجلسه المستضيء مرارا من وراء الستر انتهى
ومن كلامه في بعض مجالسه والله ما اجتمع لأحد أمله إلا وسعى في تفريقه أجله وعقارب المنايا تلسع الناس وخدران جسم الأمل يمنع الإحساس
وقال في قوله أعمار أمتي من الستين إلى السبعين إنما طالت أعمار القدماء لطول البادية فلما شارفت الركب بلد الإقامة قيل حثوا المطي
وقال في الذين عبدوا العجل لو أن الله خار لهم ما خار لهم
وقال يوما وقد طرب أهل المجلس فهمتم فهمتم
وقال في خلافة أبي بكر رضي الله عنه بعد أن ذكر أحاديث تدل على خلافته كقوله مروا أبا بكر فليصل بالناس وغيره ما صورته فهذه أحاديث تجري مجرى النص فهمها الخصوص غير أن الرافضة في إخفائها كاللصوص فقال السائل لما قال أقيلوني ما سمعنا مثل جواب علي رضي الله عنه والله لا أقلناك فقال لما غاب علي عن البيعة في الأول أخلف ما فات بالمدح في المستقبل ليعلم السامع والرائي أن بيعة أبي بكر وإن كانت من ورائي فهي رائي ومثل ذلك الصدر لا يرائي
وقال في قول فرعون { أليس لي ملك مصر } الزخرف 51 يفتخر
____________________
(5/162)

بما أجراه ما أجراه
وتواجد رجل في مجلسه فقل عجبا كلنا في إنشاد الضالة سوا فلم وجدت وحدك ألم الجوى وأنشد
( قد كتمت الحب حتى شفني ** وإذا ما كتم الداء قتل )
( بين عينيك علالات الكرى ** فدع النوم لربات الحجل )
ونظر يوما إلى أقوام يبكون في مجلسه ويتواجدون فأنشد
( ولو لم يهجني الظاعنون لهاجني ** حمائم ورق في الديار وقوع )
( تداعين فاستبكين من كان ذا هوى ** نوائح لم تقطر لهن دموع )
( وكيف أطيق العاذلين وذكرهم ** يؤرقني والعاذلون هجوع )
وقام رجل وتواجد فأنشد
( وما زال يشكو الشوق حتى كأنما ** تنفس من أحشائه وتكلما )
( ويبكي فأبكى رحمة لبكائه ** إذا ما بكى دمعا بكيت له دما )
وأعجبه يوما كلامه فأنشد
( تزدحم الألفاظ والمعاني ** على فؤادي وعلى لساني )
( تجري بي الأفكار في ميدان ** أزاحم النجم على مكان )
ووعظ المستضيء يوما فقال يا أمير المؤمنين إن تكلمت خفت منك وإن سكت خفت عليك فأنا أقدم خوفي عليك على خوفي منك لمحبتي لدوام أيامك وإن قول القائل اتق الله خير من قول القائل أنتم أهل بيت معفور لكم وقال الحسن البصري لأن تصحب أقواما يخوفونك حتى تبلغ المأمن
____________________
(5/163)

خير لك من ان تصحب أقواما يؤمنونك حتى تبلغ المخاوف وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول إذا بلغني عن عامل ظالم أنه قد ظلم الرعية ولم أغيره فأنا الظالم يا أمير المؤمنين كان يوسف عليه السلام لا يشبع في زمان القحط لئلا ينسى الجياع وكان عمر رضي الله عنه يصر بطنه عام الرمادة فيقول قرقري إن شئت أو لا تقرقري فوالله لا شبعت والمسلمون جياع فتصدق الخليفة المستضيء بصدقات كثيرة وأطلق من في السجن
وقال رحمه الله تعالى لبعض الولاة اذكر عدل الله فيك وعند العقوبة قدرة الله عليك وإياك أن تشفي غيظك بسقم دينك
وقال الطاعة تبسط اللسان والمعاصي تذل الإنسان
وقال له قائل ما نمت البارحة من شوقي إلى المجلس فقال نعم لأنك تريد أن تتفرج وإنما ينبغي أن لا تنام الليلة لأجل ما سمعت فيه
وقيل له إن فلان أوصى عند الموت فقال طين سطوحه في كانون
وقال له قائل أسبح أم أستغفر فقال الثياب الوسخة أحوج إلى الصابون من البخور
وسأله سائل ما الذي وقر في قلب أبي بكر رضي الله عنه فقال قوله ليلة المعراج إن كان قال فلقد صدق فله السبق
ولما قال له بعضهم سيف علي نزل من السماء فسعفة أبي بكر أين أجابه بقوله إن سعفة هزت يوم الردة فأثمرت سبيا جاء منه مثل ابن الحنفية لأمضى من سيوف الهند ثم قال يا عجبا للروافض إذا مات لهم ميت تركوا معه سعفة من أين ذا المصطلح
وسئل عن معنى قوله من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر فقال الميت يقسم ماله ويكفن وأبو بكر أخرج ماله كله وتخلل بالعباء
وقال في قوله تعالى { ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا } الأعراف 43
____________________
(5/164)

قال علي إني والله لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم ثم قال أبو الفرج إذا اصطلح أهل الحرب فما بال النظارة
وقال قال جبريل لرسول الله سلم على عائشة ولم يواجهها بالخطاب احتراما لزوجها وواجه مريم لأنها لم يكن لها زوج فمن يحترمها جبريل كيف يجوز في حقها الأباطيل
قال أبو شامة وكان ابن الجوزي رحمه الله تعالى مبتلى بالكلام في مثل هذه الأشياء لكثرة الروافض ببغداد وتعنتهم بالسؤالات فيها فكان بصيرا بالخروج منها لحسن إشارته
وانقطع القراء يوما عن مجلسه فأنشد
( وما الحلي إلا زينة لنقيصة ** يثمم من حسن إذا الحسن قصرا )
( وأما إذا كان الجمال موفرا ** كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا )
وقيل له لم تعلل موسى عليه السلام بسوف تراني فأنشد
( إن لم يكن وصل لديك لنا ** يشفي الصبابة فليكن وعد )
ولما ذكر أن بلالا رضي الله عنه لما منع الطواف بالبيت كان يقف من بعيد وينظر إليه ويبكي أنشد
( أمر على منازلهم وإني ** بمن أضحى بها صب مشرق )
( وأومي بالتحية من بعيد ** كما يومي بإصبعه الغريق )
ومن شعر أبي الفرج رحمه الله تعالى
( لعبت ومثلك لا يلعب ** وقد ذهب الأطيب الأطيب )
( وقد كنت في ظلمات الشباب ** فلما أضاء انجلى الغيهب )
( ألا أين أقرانك الراحلون ** لقد لاح إذ ذهبوا المذهب )
____________________
(5/165)


ولنقتصر على هذا المقدار ونرجع إلى أحوال لسان الدين رحمه الله تعالى وارتحاله والاعتبار بحاله فنقول
ومما يناسب أن نذكره في هذا المحل ونثبته فيه ما حكاه العالم العلامة بلدينا سيدي أبو الفضل ابن الإمام التلمساني رحمه الله تعالى عن جدي الإمام قاضي القضاة سيدي أبي عبد الله المقري التلمساني رحمه الله تعالى وهو أحد أشياخ لسان الدين كما يأتي إن شاء الله ذلك في محله قال كنت مع ذي الوزارتين أبي عبد الله ابن الخطيب في جامع إلبيرة من الأندلس إذ مر بنا الاعتبار في تلك الآثار فأنشد ابن الخطيب ارتجالا
( أقمنا برهة ثم ارتحلنا ** كذاك الدهر حال بعد حال )
( وكل بداية فإلى انتهاء ** وكل إقامة فإلى ارتحال )
( ومن سام الزمان دوام حال ** فقد وقف الرجاء على المحال ) انتهى
وحكى لسان الدين في الإحاطة عن نفسه أنه خطط هذه الأبيات في مرحلة نزلها رحمه الله تعالى حسبما يأتي ذلك في شعره
وما أحسن قوله رحمه الله تعالى
( لبسنا فلم نبل الزمان وابلانا ** يتابع أخرانا على الغي أولانا )
( ونغتر بالآمال والعمر ينقضي ** فما كان بالرجعي إلى الله أولانا )
( وماذا عسى أن ينظر الدهر من عسا ** فما انقاد للزجر الحثيث ولا لانا )
( جزينا صنيع الله شر جزائه ** فلم نرع ما من سابق الفضل أولانا )
( فيا رب عاملنا بما أنت أهله ** من العفو واجبر صدعنا أنت مولانا )
____________________
(5/166)


وقد حكى غير واحد أنه رحمه الله تعالى ريء بعد موته في المنام فقال له الرائي ما فعل الله بك فقال غفر لي ببيتين قلتهما وهما
( يا مصطفى من قبل نشأة آدم ** والكون لم تفتح له أغلاق )
( أيروم مخلوق ثناءك بعدما ** أثنى على أخلاقك الخلاق )
وقد كرر رحمه الله تعالى هذا المعنى في قصيدة في حقه وشرف وكرم ومجد وعظم وبارك وأنعم وهو قوله
( مدحتك آيات الكتاب فما عسى ** يثني على علياك نظم مديحي )
( وإذا كتاب الله أثنى مفصحا ** كان القصور قصار كل فصيح )
وستأتي هذه القصيدة في نظمه إن شاء الله تعالى
وقد رأيت بالمغرب تخميسا للبيتين الأولين منسوبا للأديب الشهير الذكر بالمغرب أبي عبد الله محمد بن جابر الغساني المكناسي رحمه الله تعالى ولا بأس أن نورده هنا وهو قوله رحمه الله تعالى
( يا سائلا لضريح خير العالم ** ينهي إليه مقام صب هائم )
( بالله ناد وقل مقالة عالم ** يا مصطفى من قبل نشأة آدم )
( والكون لم تفتح له أغلاق ** )
( بثناك قد شهدت ملائكة السما ** والله قد صلى عليك وسلما )
( يا مجتبى ومعظما ومكرما ** أيروم مخلوق ثناءك بعدما )
( أثنى على أخلاقك الخلاق ** )
____________________
(5/167)


وما احسن قول لسان الدين رحمه الله تعالى بعدما عرف بنفسه وسلفه وكأني بالحي ممن ذكر قد التحق بالميت وبالقبر قد استبدل من البيت
وقال رحمه الله تعالى بعد إيراد جملة من نظمه ما صورته وقلت والبقاء لله وحده وبه يختم الهدر
( عد عن كيت وكيت ** ما عليها غير ميت )
( كيف ترجى حالة البقيا ** لمصباح وزيت )
وسيأتي ذلك ولقد صدق رحمه الله تعالى ورقى درجته في الجنة تحقيق في نسبة بيتين
وأما البيتان الشائعان على ألسنة أهل المشرق والمغرب وأنهما قيلا في لسان الدين رحمه الله تعالى وبعضهم ينسبهما له نفسه فالصحيح خلاف ذلك كما سيأتي وهما
( قف كي ترى مغرب شمس والضحى ** بين صلاة العصر والمغرب )
( واسترحم الله قتيلا بها ** كان إمام العصر في المغرب )
وشرح بعضم البيتين فقال إن قوله قتيلا بها من باب الاستخدام أي قتيلا بشمس الضحى التي هي المنغزل فيها
قد رأيت وأنا بالمغرب بخط الشيخ الأغصاوي أنهما لم يعن بهما قائلهما لسان الدين ابن الخطيب وإنما هما مقولان في غيره ونسبهما ونسيت الآن ذلك لطول العهد والله أعلم
ويدل على ذلك أنه رحمه الله تعالى لم يقتل بين صلاة العصر والمغرب
____________________
(5/168)

وإنما قتل في جوف الليل كما علم في محله على أنه يمكن بتكليف تأويل ذلك بأنه قامت لقائلهما قرينة على أنه بصدد الموت في ذلك الوقت وهذا لو ثبت أنهما قيلا فيه وقد علمت أن الأغصاوي نفى ذلك فالله أعلم بحقيقة الأمر في ذلك
ثم رأيت في كتاب إسماعيل بن الأحمر في ترجمة بعض العلماء ما نصه فمن قوله يرثي الأمراء بالمغرب وقد حل رمسه بين صلاة العصر والمغرب
( قف كي ترى مغرب شمس العلا ** بين صلاة العصر والمغرب )
( واسترحم الله دفينا به ** كان مليك العصر في المغرب )
وهذا مما يبعد أنهما في لسان الدين من وجوه لا تخفى على المتأمل منها قوله كان مليك العصر فإن لسان الدين لم يكن كذلك وقد تقدم آنفا كان إمام العصر في المغرب وهو أحسن لما فيه من التورية البديعة والله أعلم ثلاث قصائد لابن زمرك
رجع إلى أخبار لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى وقد عرض عدوه الرئيس ابن زمرك في بعض قصائده التي مدح بها سلطانه الغني بالله أبا عبد الله ابن نصر بما تسنى له من الظفر بابن الخطيب ومن حماه منه وهو الوزير ابن الكاس على يد من عينه لملك المغرب وأعانه بجند وعضده كما تقدم وهو السلطان أحمد المريني فقال من قصيدة عيدية
( يهني زمانك أعياد مجددة ** من الفتوح مع الأيام تغشاه )
( غضبت للدين والدنيا بحقهما ** يا حبذا غضب في الله أرضاه )
( فوقت للغرب سهما راشه قدر ** وسدد الله للأعداء مرماه )
____________________
(5/169)


( سهم أصاب وراميه بذي سلم ** لقد رمى الغرض الأقصى فأصماه )
( من كان بندك يا مولاي يقدمه ** فليس يخلفه فتح ترجاه )
( من كان جندك جند الله ينصره ** أناله الله ما يرجو وسناه )
( ملكته غربه خلدت من ملك ** للغرب والشرق منه ما تمناه )
( وسام أعداءك الأشقين ما كسبوا ** ومن تردى رداء الغدر أرداه )
( قل للذي رمدت جهلا بصيرته ** فلم تر الشمس شمس الهدى عيناه )
( غطى الهوى عقله حتى إذا ظهرت ** له المراشد أعشاه وأعماه )
( هل عنده وذنوب الغدر توبقه ** أن الذي قد كساه العز أعراه )
( لو كان يشكر ما أوليت من نعم ** ما زلت ملجأه الأحمى ومنجاه )
( سل السعود وخل البيض مغمدة ** فالسيف مهما مضى فالسعد أقصاه )
( واشرع من البرق نصلا راع مصلته ** وارفع من الصبح بندا راق مجلاه )
( فالعدوتان وما قد ضم ملكهما ** أنصار ملكك صان الله علياه )
( لا أوحش الله قطرا أنت مالكه ** وآنس الله بالألطاف مغناه )
( لا أظلم الله أفقا أنت نيره ** لا أهمل الله سرحا أنت ترعاه )
( واهنأ بشهر صيام جاء زائره ** مستنزلا من إله العرش رحماه )
( أهل بالسعد فانهلت به منن ** وأوسع الصنع إجمالا ووفاه )
( أما ترى بركات الأرض شاملة ** وأنعم الله قد عمت براياه )
( وعادك العيد تستحلي موارده ** ويجزل الأجر والرحمى مصلاه )
( جهزت جيش دعاء فيه ترفعه ** لذي المعارج والإخلاص رقاه )
( أفضت فيه من النعماء أجزلها ** وأشرف البر بالإحسان زكاه )
( واليت للخلق ما أوليت من نعم ** والى لك الله ما أولى ووالاه )
____________________
(5/170)


وأول هذه القصيدة
( هذي العوالم لفظ أنت معناه ** كل يقول إذا استنطقته الله )
( بحر الوجود وفلك الكون جارية ** وباسمك الله مجراه ومرساه )
( من نور وجهك ضاء الكون أجمعه ** حتى تشيد بالأفلاك مبناه )
( عرش وفرش وأملاك مسخرة ** وكلها ساجد لله مولاه )
( سبحان من أوجد الأشياء من عدم ** وأوسع الكون قبل الكون نعماه )
( من ينسب النور للأفلاك قلت له ** من أين أطلعت الأنوار لولاه )
( مولاي مولاي بحر الجود أغرقني ** والخلق أجمع في ذا البحر قد تاهوا )
( فالفلك تجري كما الأفلاك جارية ** بحر السماء وبحر الأرض أشباه )
( وكلهم نعم للخلق شاملة ** تبارك الله لا تحصى عطاياه )
( يا فاتق الرتق من هذا الوجود كما ** في سابق العلم قد خطت قضاياه )
( كن لي كماكنت لي إذ كنت لا عمل ** أرجو ولا ذنب قد أذنبت أخشاه )
( وأنت في حضرات القدس تنقلني ** حتى استقر بهذا الكون مثواه )
( ما أقبح العبد أن ينسى وتذكره ** وأنت باللطف والإحسان ترعاه )
( غفرانك الله من جهل بليت به ** فمن أفاد وجودي كيف أنساه )
( مني علي حجاب لست أرفعه ** إلا بتوفيق هدى منك ترضاه )
( فعد علي بما عودت من كرم ** فأنت أكرم من أملت رحماه )
( ثم الصلاة صلاة الله دائمة ** على الذي باسمه في الذكر سماه )
( المجتبي وزناد النور ما قدحت ** ولا ذكا من نسيم الروض مسراه )
( والمصطفى وكمام الكون ما فتقت ** عن زهر زهر يروق العين مرآه )
( ولا تفجر نهر للنهار على ** در الدراري فغطاه وأخفاه )
( يا فاتح الرسل أو يا ختمها شرفا ** والله قدس في الحالين معناه )
____________________
(5/171)


( لم أدخر غير حب فيك أرفعه ** وسيلة لكريم يوم ألقاه )
( صلى عليك إله أنت صفوته ** ما طيبت بلذيذ الذكر أفواه )
( وعم بالروح والريحان صحبته ** وجادهم من نمير العفو أصفاه )
( وخص أنصاره الأعلين صفوته ** وأسكنوا من جوار الله أعلاه )
( أنصار ملته أعلام بيعته ** مناقب شرفت أثنى بها الله )
( وأيد الله من أحيا جهادهم ** وواصل الفخر أخراه بأولاه )
( المنتقى من صميم الفخر جوهره ** ما بين نصر وأنصار تهاداه )
( العلم والحلم والإفضال شيمته ** والبأس والجود بعض من سجاياه ) وهي طويلة ولنقتصر منها على ما ذكر
وقد صرح ابن زمرك المذكور في قصيدة أخرى مدح بها سلطانه الغني بالله وهنأه بفتح المغرب على يد السلطان أحمد وذكر فيها ظفره بالوزير ابن الكاس وهو أعني ابن الكاس كان القائم بنصرة لسان الدين والمانع له والمجير له منهم حين طلبوه منه فلما لم يخفر ذمته تمكنت كما سبق أسباب العداوة وجر ذلك أن أغرى السلطان أحمد على تملك فاس واشترطوا عليه كما مر القبض على لسان الدين وإرساله إليهم وقد نقلت أنا هذه القصيدة من تأليف لحفيد السلطان الغني بالله ونص محل الحاجة منه ومن ذلك أيضا قوله يعني ابن زمرك هناء لمولانا الجد رحمه الله تعالى بالفتح المغربي للسلطان أبي العباس ابن السلطان أبي سالم المريني
( هي نفحة هبت من الأنصار ** أهدتك فتح ممالك الأمصار )
( في بشرها وبشارة الدنيا بها ** مستمتع الأسماع والأبصار )
( هبت على قطر الجهاد فروضت ** أرجاءه بالنفحة المعطار )
____________________
(5/172)


( وسرت وأمر الله طي برودها ** يهدي البرية صنع لطف الباري )
( مرت بأدواح المنابر فانبرت ** خطباؤها مفتنة الأطيار )
( حنت معارجها إلى أعشارها ** لما سمعن بها حنين عشار )
( لو أنصفتك لكللت أدواحها ** تلك البشائر يانع الأزهار )
( فتح الفتوح أتاك في حلل الرضى ** بعجائب الأزمان والأعصار )
( فتح الفتوح جنيت من أفنانه ** ما شئت من نصر ومن أنصار )
( كم آية لك في السعود جلية ** خلدت منها عبرة استبصار )
( كم حكمة لك في النفوس خفية ** خفيت مداركها عن الأفكار )
( كم من أمير أم بابك فانثنى ** يدعى الخليفة دعوة الإكبار )
( أعطيت أحمد راية منصورة ** بركاتها تسري من الأنصار )
( أركبته في المنشآت كأنما ** جهزته في وجهه لمزار )
( من كل خافقة الشراع مصفق ** منها الجناح تطير كل مطار )
( ألقت بأيدي الريح فضل عنانها ** فتكاد تسبق لمحة الأبصار )
( مثل الجياد تدافعت وتسابقت ** من طافح الأمواج في مضمار )
( لله منها في المجاز سوابح ** وقفت عليك الفخر وهي جواري )
( لما قصدت بها مراسي سبتة ** عطفت على الأسوار عطف سوار )
( لما رأت من صبح عزمك غرة ** محقوقة بأشعة الأنوار )
( ورأت جبينا دونه شمس الضحى ** لبتك بالإجلال والإكبار )
( فأفضت فيها من نداك مواهبا ** حسنت مواقعها على التكرار )
( ورأيت أهل الغرب عزم مغرب ** قد ساعدته غرائب الأقدار )
( وخطبت من فاس الجديد عقيلة ** لبتك طوع تسرع وبدار )
( ما صدقوا متن الحديث بفتحها ** حتى رأوه في متون شفار )
( وتسمعوا الأخبار باستفتاحها ** والخبر قد أغنى عن الأخبار )
( قولوا لقرد في الوزارة غره ** حلم مننت به على مقدار )
____________________
(5/173)


( أسكنته من فاس جنة ملكها ** متنعما منها بدار قرار )
( حتى إذا كفر الصنيعة وازدرى ** بحقوقها ألحقته بالنار )
( جرعت نجل الكأس كأسا مرة ** دست إليه الحتف في الإسكار )
( كفر الذي أوليته من نعمة ** لا تأنس النعماء بالكفار )
( فطرحته طرح النواة فلم يفز ** من عز مغربه بغير فرار )
( لم يتفق لخليفة مثل الذي ** أعطى الإله خليفة الأنصار )
( لم أدر والأيام ذات عجائب ** تردادها يحلو على التذكار )
( ألواء صبح في ثنية مشرق ** أم راية في جحفل جرار )
( وشهاب أفق أم سنان لامع ** ينقض نجما في سماء غبار )
( ومناقب المولى الإمام محمد ** قد أشرقت أم هن زهر دراري )
( فاق الملوك بهمة علوية ** من دونها نجم السماء الساري )
( لو صافح الكف الخضيب بكفه ** فخرت بنهر للمجرة جاري )
( والشهب تطمع في مطالع أفقها ** لو أحرزت منه منيع جوار )
( سل بالمشارق صحبها عن وجهه ** يفتر منه عن جبين نهار )
( سل بالغمائم صوبها عن كفه ** تنبيك عن بحر بها زخار )
( سل بالبروق صفاحها عن عزمه ** تخبرك عن أمضى شبا وغرار )
( قد أحرز الشيم الخطيرة عندما ** أمطى العزائم صهوة الأخطار )
( إن يلق ذو الإجرام صفحة صفحة ** فسح القبول له خطا الأعمار )
( يا من إذا هبت نواسم حمده ** أزرت بعرف الروضة المعطار )
( يا من إذا افترت مباسم بشره ** وهب النفوس وعاث في الإقتار )
( يا من إذا طلعت شموس سعوده ** تعشي أشعتها قوى الأبصار )
( قسما بوجهك في الضياء وإنه ** شمس تمد الشمس بالأنوار )
( قسما بعزمك في المضاء فإنه ** سيف تجرده يد الأقدار )
____________________
(5/174)


( لسماح كفك كلما استوهبته ** يزري بغيث الديمة المدرار )
( لله حضرتك العلية لم تزل ** يلقي الغريب بها عصا التسيار )
( كم من طريد نازح قذفت به ** أيدي النوى في القفر رهن سفار )
( بلغته ما شاء من آماله ** فسلا عن الأوطان بالأوطار )
( صيرت بالإحسان دارك داره ** متعت بالحسنى وعقبى الدار )
( والخلق تعلم أنك الغوث الذي ** يضفي عليها وافي الأستار )
( كم دعوة لك في المحول مجابة ** أغرت جفون المزن باستعبار )
( جادت مجاري الدمع من قطر الندى ** فرعى الربيع لها حقوق الجار )
( فأعاد وجه الأرض طلقا مشرقا ** متضاحكا بمباسم النوار )
( يا من مآثره وفضل جهاده ** تحدى القطار بها إلى الأقطار )
( حطت البلاد ومن حوته ثغورها ** وكفى بسعدك حاميا لذمار )
( فلرب بكر للفتوح خطبتها ** بالمشرفية والقنا الخطار )
( وعقيلة للكفر لما رعتها ** أخرست من ناقوسها المهذار )
( أذهبت من صفح الوجود كيانها ** ومحوتها إلا من التذكار )
( عمروا بها جنات عدن زخرفت ** ثم انثنوا عنها ديار بوار )
( صبحت منها روضة مطلولة ** فأعدتها للحين موقد نار )
( واسود وجه الكفر من خزي متى ** ما احمر وجه الأبيض البتار )
( ولرب روض للقنا متأود ** ناب الصهيل به عن الأطيار )
( مهما حكت زهر الأسنة زهره ** حكت السيوف معاطف الأنهار )
( متوقد لهب الحديد بجوه ** تصلى به الأعداء لفح أوار )
( فبكل ملتفت صقال مشهر ** قداح زند للحفيظة واري )
( في كف أروع فوق نهد سابح ** متموج الأعطاف في الإحضار )
( من كل منخفر بلمحة بارق ** حمل السلاح به على طيار )
( من أشهب كالصبح يطلع غرة ** في مستهل العسكر الجرار )
____________________
(5/175)


( أو أدهم كالليل إلا انه ** لم يرض بالجوزاء حلي عذار )
( أو أحمر كالجمر يذكي شعلة ** وقد ارتمى من بأسه بشرار )
( أو أشقر حلي الجمال أديمه ** وكساه من زهو جلال نضار )
( أو أشعل راق العيون كأنه ** غلس يخالط سدفة بنهار )
( شهب وشقر في الطراد كأنها ** روض تفتح عن شقيق بهار )
( عودتها أن ليس تقرب منهلا ** حتى يخالط بالدم الموار )
( يا أيها الملك الذي أيامه ** غرر تلوح بأوجه الأعصار )
( يهني لواءك أن جدك زاحف ** بلواء خير الخلق للكفار )
( لا غرو أن فقت الملوك سيادة ** إذ كان جدك سيد الأنصار )
( السابقون الأولون إلى الهدى ** والمصطفون لنصرة المختار )
( متهللون إذا النزيل عراهم ** سفروا له عن أوجه الأقمار )
( من كل وضاح الجبين إذا احتبى ** تلقاه معصوبا بتاج فخار )
( قد لاث صبحا فوق بدر بعدما ** لبس المكارم وارتدى بوقار )
( فاسأل ببدر عن مواقف بأسهم ** فهم تلافوا أمره ببدار )
( لهم العوالي عن معالي فخرها ** نقل الرواة عوالي الأخبار )
( وإذا كتاب الله يتلو حمدهم ** أودى القصور بمنة الأشعار )
( يا ابن الذين إذا تذوكر فخرهم ** فخروا بطيب أرومة ونجار )
( حقا لقد أوضحت من آثارهم ** لما أخذت لدينهم بالثار )
( أصبحت وارث مجدهم وفخارهم ** ومشرف الأعصار والأمصار )
( يا صادرا في الفتح عن ورد المنى ** رد ناجح الإيراد والإصدار )
( واهنأ بفتح جاء يشتمل الرضى ** جذلان يرفل في حلى استبشار )
( وإليكها ملء العيون وسامة ** حيتك بالأبكار من أفكاري )
( تجري حداة العيس طيب حديثها ** يتعللون به عل الأكوار )
( إن مسهم لفح الهجير أبلهم ** منه نسيم ثنائك المعطار )
____________________
(5/176)


( وتميل من اصغى لها فكأنني ** عاطيته منها كؤوس عقار )
( قذفت بحور الفكر منها جوهرا ** لما وصفت أناملا ببحار )
( لا زلت للإسلام سترا كلما ** أم الحجيج البيت ذا الأستار )
( وبقيت يا بدر الهدى تجري بما ** شاءت علاك سوابق الأقدار )
انتهت
ولابن زمرك السابق قصيدة أخرى قالها بعد موت لسان الدين ابن الخطيب وخلع السلطان أبي العباس أحمد بن أبي سالم الذي قتل ابن الخطيب في دولته وكان سلطان الأندلس موئلا للسلطان أحمد المذكور ولذلك امتعض لرده لملكه فقال ابن زمرك وزير صاحب الأندلس بعد ابن الخطيب هذه القصيدة يمدح بها سلطانه أثناء وجهته لتجديد الدولة الأحمدية المذكورة صدر عام تسعة وثمانين وسبعمائة
( هب النسيم على الرياض مع السحر ** فاستيقظت في الدوح أجفان الزهر )
( ورمى القضيب دراهما من نوره ** فاعتاض من طل الغمام بها درر )
( نثر الأزاهر بعدما نظم الندى ** يا حسن ما نظم النسيم وما نثر )
( قم هاتها والجو أزهر باسم ** شمسا تحل من الزجاجة في قمر )
( إن شجها بالماء كف مديرها ** ترميه من شهب الحباب بها شرر )
( نارية نورية من ضوئها ** يقد السراج لنا إذا الليل اعتكر )
( لم يبق منها الدهر إلا صبغة ** قد أرعشت في الكأس من ضعف الكبر )
( من عهد كسرى لم يفض ختامها ** إذ كان يدخر كنزها فيما دخر )
( كانت مذاب التبر فيما قد مضى ** فأحالها ذوب اللجين لمن نظر )
( جدد بها عرس الصبوح فإنها ** بكر تحييها الكرام مع البكر )
____________________
(5/177)


( وابلل بها رمق الأصيل عشية ** والشمس من وعد الغروب على خطر )
( محمرة مصفرة قد أظهرت ** خجل المريب يشوبه وجل الحذر )
( من كف شفاف تجسد نوره ** من جوهر لألاء بهجته بهر )
( تهوي البدور كماله وتود أن ** لو أوتيت منه المحاسن والغرر )
( قد خط نون عذاره في خده ** قلمان من آس هنالك ومن شعر )
( والى عليك بها الكؤوس وربما ** يسقيك من كأس الفتور إذا فتر )
( سكر الندامى من يديه ولحظه ** متعاقب مهما سقى وإذا نظر )
( حيث الهديل مع الهدير تناغيا ** فالطير تنشد في الغصون بلا وتر )
( والقضب مالت للعناق كأنها ** وفد الأحبة قادمين من السفر )
( متلاعبات في الحلي ينوب في ** وجناتهن الوردحسنا عن خفر )
( والنرجس المطلول يرنو نحوها ** بلواحظ دمع الندى مهما انهمر )
( والنهر مصقول الحسام متى يرد ** درع الغدير مصفقا فيه صدر )
( يجري على الحصباء وهي جواهر ** متكسرا من فوقها مهما عثر )
( هل هذه أم روضة البشرى التي ** فيها لأرباب البصائر معتبر )
( لم أدر من شغف بها وبهذه ** من منهما فتن القلوب ومن سحر )
( جاءت بها الأجفان ملء ضلوعها ** ملء الخواطر والمسامع والبصر )
( ومسافر في البحر ملء عنانه ** وافى مع الفتح المبين على قدر )
( قادته نحوك بالحطام كأنه ** جمل يساق إلى القياد وقد نفر )
( وأراه دين الله عزة أهله ** بك يا أعف القادرين إذا قدر )
( يا فخر أندلس وعصمة أهلها ** للناس سر في اختصاصك قد ظهر )
( كم معضل من دائها عالجته ** فشفيت منه بالبدار وبالبدر )
( ماذا عسى يصف البليغ خليفة ** والله ما أيامه إلا غرر )
____________________
(5/178)


( ورثت هذا الفخر يا ملك الهدى ** من كل من آوى النبي ومن نصر )
( من شاء يعرف فخرهم وكمالهم ** فليتل وحي الله فيهم والسير )
( أبناؤهم أبناء نصر بعدهم ** بسيوفهم دين الإله قد انتصر )
( مولاي سعدك والصباح تشابها ** وكلاهما في الخافقين قد اشتهر )
( هذا وزير الغرب عبد آبق ** لم يلف غيرك في الشدائد من وزر )
( كفر الذي أوليته من نعمة ** والله قد حتم العذاب لمن كفر )
( إن لم يمت بالسيف مات بغيظه ** وصلى سعيرا للتأسف والفكر )
( ركب الفرار مطيه ينجو بها ** فجرت به حتى استقر على سقر )
( وكذا أبوه وكان منه حمامه ** قد حم وهو من الحياة على غرر )
( بلغته والله أكبر شاهد ** ما شاء من وطن يعز ومن وطر )
( حتى إذا جحد الذي أوليته ** لم تبق منه الحادثات ولم تذر )
( في حاله والله أعظم عبرة ** لله عبد في القضاء قد اعتبر )
( فاصبر تنل أمثالها في مثله ** إن العواقب في الأمور لمن صبر )
( رد حيث شئت مسوغا ورد المنى ** فالله حسبك في الورود وفي الصدر )
( لا زلت محروسا بعين كلاءة ** ما دام عين الشمس تعشي من نظر )
ومنها وقد أضاف إليه من التغزل طوع بداره وحجة اقتداره فقال
( والعود في كف النديم بسر ما ** تلقي لنا منه الأنامل قد جهر )
( غنى عليه الطير وهو بدوحه ** والآن غنى فوقه ظبي أغر )
( عود ثوى حجر القضيب رعى له ** أيام كانا في الرياض مع الشجر )
( لا سيما لما رأى من ثغره ** زهرا وأين الزهر من تلك الدرر )
( ويظن أن عذاره من آسه ** ويظن تفاح الخدود من الثمر )
( يسبي القلوب بلفظه وبلحظه ** وافتنتي بين التكلم والنظر )
( قد قيدته لأنسنا أوتاره ** كالظبي قيد في الكناس إذا نفر )
____________________
(5/179)


( لم يبل قلبي قبل سمع غنائه ** بمعذر سلب العقول وما اعتذر )
( جس القلوب بجسه أوتاره ** حتى كأن قلوبنا بين الوتر )
( نمت لنا ألحانه بجميع ما ** قد أودعت فيه القلوب من الفكر )
( يا صامتا والعود تحت بنانه ** يغنيك نطق الخبر فيه عن الخبر )
( أغنى غناؤك عن مدامك يا ترى ** هل من لحاظك أم بنانك ذا السكر )
( باحت أناملك اللدان بكل ما ** كان المتيم في هواه قد ستر )
( ومقاتل ما سل غير لحاظه ** والرمح هز من القوام إذا خطر )
( دانت له منا القلوب بطاعة ** والسيف يملك ربه مهما قهر )
وسنلم إن شاء الله تعالى بترجمة ابن زمرك هذا في باب التلامذة ونشير هناك إلى كثير من أحواله وكيفية قتله مع أولاده وخدمه بمرأى ومسمع من أهله فكان الجزاء من جنس العمل وخاب منه الأمل إذ لسان الدين قتل غيلة بليل غاسق على يد مختلس في السجن فاسق وأما ابن زمرك فقتل بالسيف جهارا وتناوشته سيوف مخدومه بين بناته إبداء للتشفي وإظهارا وقتل معه من وجد من خدمه وأبناه وأبعده الدهر وطالما أدناه وهكذا الحال في خدام الدول وذوي الملك أنهم أقرب شيء من الهلك ويرحم الله من قال إياك وخدمة الملوك فإنهم يستقلون في العقاب ضرب الرقاب ويستكثرون في الثواب رد الجواب انتهى
رجع إلى ما كنا فيه من أحوال لسان الدين ابن الخطيب وكان رحمه الله تعالى قبيل موته لما توفي السلطان أبو فارس عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن المريني بتلمسان وتغلب على الأمر الوزير أبو بكر ابن غازي بن الكاس مبايعا لابن صغير السن من أولاد السلطان عبد العزيز ألف كتابه المسمى بأعمال الأعلام بمن بويع من ملوك الإسلام قبل الاحتلام ومراده بذلك تثبيت دولة الوزير الذي أبى أن يخفر عهده وذمته وامتنع أن يمكن منه أهل الأندلس فأكثروا
____________________
(5/180)

القالة في الوزير بسبب مبايعته للصبي وبنوا ظاهر الأمر على أن ذلك لا يجوز بالشرع وأبدأوا وأعادوا في ذلك وأسروا ما كان من أمرهم حسوا في ارتغاء ومن جملة كلام لسان الدين ابن الخطيب في ذلك الكتاب قوله فمتى نبس أهل الأندلس بإنكار بيعة صبي صغير أو نيابة صاحب أو وزير فقد عموا وصموا وخطروا بربع الإنصاف فأعرضوا وما ألموا وبما سنوه لغيرهم ذموا انتهى
وكان رحمه الله تعالى ألف للسلطان عبد العزيز حين انحيازه إليه المباخر الطيبية في المفاخر الخطيبية يذكر فيه نباهة سلفه وما لهم من المجد وقصده الرد على أهل الأندلس المجاهرين له بالعداوة القادحين في فخر سلفه ثم ألف للسلطان المذكور كتاب خلع الرسن في التعريف بأحوال ابن الحسن لكونه تولى كبر الحط منه والسعي في هلاكه كما مر وقال في حق هذا الكتاب إنه لا شيء فوقه في الظرف والاستطراف يسلي التكالي ونستغفر الله تعالى انتهى
ومع هذا كله لما أنشبت المنية أظفارها لم تنفعه مما كتب تميمة ونال ما أمل فيه أهل السعاية والنميمة وسجلوا عليه المقالات الذميمة وقد صار الجميع إلى حكم عدل قادر يحيى من العظم رميمه وينصف المظلوم من الظالم ويجازي الجاهل والعالم ويساوي بين المأمور والآمر والشريف والمشروف والعزيز والحقير والمنكر والمعروف وعفوه سبحانه مؤمل بعد وهو لا يخلف الوعد ومن سبقت له العناية لم تضره الجناية
وقد كان لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى محبا في العفو حتى إنه كان إذا جرى لديه ذكر عقوبة الملوك لأتباعهم تشمئز نفسه من ذلك ويقول ما معناه ما ضرهم لو عفوا ورأيت له رحمه الله تعالى في بعض مؤلفاته وقد أجرى ذكر استعطاف ذي الوزارتين أبي بكر ابن عمار للسلطان المعتمد بن عباد حين قبض عليه بقوله
____________________
(5/181)


( سجاياك إن عافيت أندى واسمح ** وعذرك إن عاقبت أولى وأوضح )
( وإن كان بين الخطتين مزية ** فأنت من الأدنى إلى الله أجنح )
( وماذا عسى الأعداء أن يتزيدوا ** سوى أن ذنبي ثابت ومصحح )
( وإن رجائي أن عندك غير ما ** يخوض عدوي اليوم فيه ويمرح )
( أقلني بما بيني وبينك من رضى ** له نحو روح الله باب مفتح )
( ولا تلتفت قول الوشاة وزورهم ** فكل إناء بالذي فيه يرشح )
( وقالوا سيجزيه فلان بذنبه ** فقلت وقد يعفو فلان ويصفح )
( ألا إن بطشا للمؤيد يرتمي ** ولكن حلما للمؤيد يرجح )
( وبين ضلوعي من هواه تميمة ** ستشفع لو أن الحمام يجلح )
( سلام عليه كيف دار به الهوى ** إلي فيدنو أو علي فينزح )
( ويهنيه إن رمت السلو فإنني ** أموت ولي شوق إليه مبرح )
ما نصه ولابن عمار كلمات شهيرة تعالج بمراهمها جراح القلوب وتعفي عن هضبات الذنوب لولا ما فرغ عنه من القدر المكتوب والأجل المحسوب إلى أن قال وما كان أجمل بالمعتمد أن يبقي على جان من عبيده قد مكنه الله من عنقه لا يؤمل الحصول على أمره ولا يحذر تعصب قبيله ولا يزيده العفو عنه إلا ترفعا وعزة وجلالة وهمة وذكرا جميلا وأجرا جزيلا فلا شيء أمحى للسيئة من الحسنة ولا أقتل للشر من الخير ورحم الله الشاعر إذ يقول
( وطعنتهم بالمكرمات وباللها ** في حيث لو طعن القنا لتكسرا )
وقد تذكرت هنا قول الأديب أبي عبد الله محمد بن أحمد التجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه
( أتعجب أن حطت يد الدهر فاضلا ** عن الرتبة العليا فأصبح تحتها )
____________________
(5/182)


( أما هذه الأشجار تحمل أكلها ** وتسقط منه كل ما طاب وانتهى ) نكبة أبي جعفر ابن عطية
وحكى غير واحد من مؤرخي الأندلس أن الكاتب الشهير الوزير أبا جعفر ابن عطية القضاعي لما تغير له عبد المؤمن وتذاكر مع بعض من أهل العلم أبيات ابن عمار السابقة قال ما كان المعتمد إلا قاسي القلب حيث لم تعطفه هذه الأبيات إلى العفو ووقع لابن عطية المذكور مثل قضية ابن عمار واستعطف فما نفع ذلك وقتل رحمه الله تعالى ولنلم بذلك فنقول
كان أبو جعفر هذا من أهل مراكش وأصله القديم من طرطوشة ثم بعد من دانية وهو ممن كتب عن علي بن يوسف بن تاشفين أمير لمتونة وعن ابنيه تاشفين واسحاق ثم استخلصه لنفسه سالب ملكهم عبد المؤمن بن علي وأسند إليه وزارته فنهض بأعبائها وتحبب إلى الناس بإجمال السعي والإحسان فعمت صنائعه وفشا معروفه وكان محمود السيرة مبخت المحاولات ناجح المساعي سعيد المآخذ ميسر المآرب وكانت وزارته زينا للوقت وكمالا للدولة وفي أيام توجهه للأندلس وجد حساده السبيل إلى التدبير عليه والسعي به حتى أوغروا صدر الخليفة عبد المؤمن عليه فاستوزر عبد السلام بن محمد الكومي وانبرى لمطالبة ابن عطية وجد في التماس عورارته وتشنيع سقطاته وطرحت بمجلس السلطان أبيات منها
( قل للإمام أطال الله مدته ** قولا تبين لذي لب حقائقه )
( إن الزراجين قوم قد وترتهم ** وطالب الثأر لم تؤمن بوائقه )
____________________
(5/183)

وللوزير إلى آرائهم ميل ** لذاك ما كثرت فيهم علائقه )
( فبادر الحزم في إطفاء نارهم ** فربما عاق عن أمر عوائقه )
( هم العدو ومن والاهم كهم ** فاحذر عدوك واحذر من يصادفه )
( الله يعلم أني ناصح لكم ** والحق أبلج لا تخفى طرائفه )
قالوا ولما وقف عبد المؤمن على هذه الأبيات البليغة في معناها وغر صدره على وزيره أبي جعفر وأسر له في نفسه تغيرا فكان من أقوى الأسباب نكبته
وقيل أفضى إليه بسر فأفشاه وانتهى ذلك كله إلى أبي جعفر وهو بالأندلس فقلق وعجل الانصراف إلى مراكش فحجب عند قدومه ثم قيد إلى المسجد في اليوم بعده حاسر العمامة واستحضر الناس على طبقاتهم وقرروا على ما يعلمون من أمره وما صار إليه منهم فأجاب كل بما اقتضاه هواه وأمر بسجنه ولف معه أخوه أبو عقيل عطية وتوجه في إثر ذلك عبد المؤمن إلى زيارة تربة المهدي محمد بن تومرت فاستصحبهما منكوبين بحال ثقاف وصدرت عن أبي جعفر في هذه الحركة من لطائف الأدب نظما ونثرا في سبيل التوسل بتربة إمامهم المهدي عجائب لم تجد شيئا مع نفوذ قدر الله تعالى فيه ولما انصرف من وجهته أعادهما معه قافلا إلى مراكش فلما حاذى تاقمرت أنفذ الأمر بقتلهما بالشعراء المتصلة بالحصن على مقربة من الملاحة هنالك فمضيا لسبيلهما رحمهما الله تعالى
ومما خاطب به الخليفة عبد المؤمن مستعطفا له من رسالة تغالى فيه فغالته المنية ولم ينل الأمنية وهذه سنة الله تعالى فيمن لم يحترم جناب الألوهية ولم يحرس لسانه من الوقوع فيما يخدش في وجه فضل الأنبياء على غيرهم وعصمتهم قوله سامحه الله
تالله لو أحاطت بي كل خطيئة ولم تنفك نفسي عن الخيرات بطيئة حتى سخرت بمن في الوجود وأنفت لآدم من السجود وقلت إن الله تعالى
____________________
(5/184)

لم يوح في الفلك لنوح وبريت لقدار ثمود نبلا وأبرمت لحطب نار الخليل حبلا وحططت عن يونس شجرة اليقطين وأوقدت مع هامان على الطين وقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وافتريت على العذراء البتول فقذفتها وكتبت صحيفة القطيعة بدار الندوة وظاهرت الأحزاب بالقصوى من العدوة وذممت كل قريش وأكرمت لأجل وحشي كل حبشي وقلت إن بيعة السقيفة لا توجب إمامة خليفة وشحذت شفرة غلام المغيرة بن شعبة واعتلقت من حصار الدار وقتل أشمطها بشعبة وقلت تقاتلوا رغبة في الأبيض والأصفر وسفكوا الدماء على الثريد الأعفر وغادرت الوجه من الهامة خضيبا وناولت من قرع سن الحسين قضيبا ثم أتيت حضرة المعلوم لائذا وبقبر الإمام المهدي عائذا لقد آن لمقالتي أن تسمع وتغفر لي هذه الخطيئات أجمع مع أني مقترف وبالذنب معترف
( فعفوا أمير المؤمنين فمن لنا ** برد قلوب هدها الخفقان )
وكتب مع ابن له صغير آخره
( عطفا علينا أمير المؤمنين فقد ** بان العزاء لفرط البث والحزن )
( قد أغرقتنا ذنوب كلها لجج ** وعطفة منكم أنجى من السفن )
( وصادفتنا سهام كلها غرض ** ورحمة منكم أوقى من الجنن )
( هيهات للخطب أن تسطو حوادثه ** بمن أجارته رحماكم من المحن )
( من جاء عندكم يسعى على ثقة ** بنصره لم يخف بطشا من الزمن )
( فالثوب يطهر عند الغسل من درن ** والطرف ينهض بعد الركض في سنن )
( أنتم بذلتم حياة الخلق كلهم ** من دون من عليهم لا ولا ثمن )
( ونحن من بعض من أحيت مكارمكم ** كلتا الحياتين من نفس ومن بدن )
( وصبية كفراخ الورق من صغر ** لم يألفوا النوح في فرع ولا فنن )
____________________
(5/185)


( قد أوجدتهم أياد منك سابقة ** والكل لولاك لم يوجد ولم يكن )
فوقع عبد المؤمن على هذه القصيدة { آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين } يونس 91
ومما كتب به من السجن
( أنوح على نفسي أم أنتظر الصفحا ** فقد آن أن تنسى الذنوب وأن تمحى )
( فها أنا في ليل من السخط حائر ** ولاأهتدي حتى أرى للرضى صبحا )
وامتحن عبد المؤمن الشعراء بهجو ابن عطية فلما أسمعوه ما قالوا أعرض عنهم وقال ذهب ابن عطية الأدب معه
وكان لأبي جعفر أخ اسمه عطية قتل معه ولعطية هذا ابن أديب كاتب وهو أبو طالب عقيل ابن عطية ومن نظمه في رجل تعشق قينة كانت ورثت من مولاها مالا فكانت تنفق عليه منه فلما فرغ المال ملها
( لا تلحه أن مل من حبها ** فلم يكن ذلك من ود )
( لما رآها قد صفا مالها ** قال صفا الوجد مع الوجد )
وكان أبو جعفر ابن عطية من أبلغ أهل زمانه وقد حكى أنه مر مع الخليفة عبد المؤمن ببعض طرق مراكش فأطلت من شباك جارية بارعة الجمال فقال عبد المؤمن
( قدت فؤادي من الشباك إذ نظرت ** )
فقال الوزير ابن عطية مجيزا له
( حوراء ترنو إلى العشاق بالمقل ** )
فقال عبد المؤمن
( كأنما لحظها في قلب عاشقها ** )
____________________
(5/186)


فقال ابن عطية
( سيف المؤيد عبد المؤمن بن علي ** )
ولا خفاء أن هذه طبقة عالية
ومن فصول رسالته التي كتب بها عن أبي حفص وهي التي أورثته الرتبة العلية السنية والوزارة الموحدية المؤمنية قوله
كتابنا هذا من وادي ماسة بعد ما تجدد من امر الله الكريم ونصر الله تعالى المعهود المعلوم { وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم } آل عمران 126 فتح بهر الأنوار إشراقا وأحدق بنفوس المؤمنين إحداقا ونبه للأماني النائمة جفونا وأحداقا واستغرق غاية الشكر استغراقا فلا تطيق الألسن لكنه وصفه إدراكا ولا لحاقا جمع أشتات الطلب والأرب وتقلب في النعم أكرم منقلب وملأ دلاء الأمل إلى عقد الكرب
( فتح تفتح أبواب السماء له ** وتبرز الأرض في أثوابها القشب )
وتقدمت بشارتنا به جملة حين لم تعط الحال بشرحه مهلة كان أولئك الضالون المرتدون قد بطروا عدوانا وظلما واقتطعوا الكفر معنى واسما وأملى لهم الله تعالى ليزدادوا إثما وكان مقدمهم الشقي قد استمال النفوس بخزعبلاته واستهوى القلوب بمهولاته ونصب له الشيطان من حبالاته فأتته المخاطبات من بعد وكثب ونسلت إليه الرسل من كل حدب واعتقدته الخواطر أعجب عجب وكان الذي قادهم إلى ذلك وأوردهم تلك المهالك وصول من كان بتلك السواحل ممن ارتسم برسم الانقطاع عن الناس فيما سلف من الأعوام واشتغل على زعمه بالقيام والصيام آناء الليالي والأيام لبسوا الناموس أثوابا وتدرعوا الرياء جلبابا فلم يفتح الله تعالى لهم للتوفيق بابا
____________________
(5/187)


ومنها في ذكر صاحبهم الماسي المدعي للهداية فصرع بحمد الله تعالى لحينه وبادرت إليه بوادر منونه وأتته وافدات الخطيئات عن يساره ويمينه وقد كان يدعي أنه بشر بأن المنية في هذه الأعوام لا تصيبه والنوائب لا تنوبه ويقول في سواه قولا كثيرا ويختلق على الله تعالى إفكا وزورا فلما رأوا هيئة اضطجاعه وما خطته الأسنة في أعضائه وأضلاعه ونفذ فيه من أمر الله تعالى ما لم يقدروا على استرجاعه هزم من كان لهم من الأحزاب وتساقطوا على وجوههم تساقط الذباب وأعطوا عن بكرة أبيهم صفحات الرقاب ولم تقطر كلومهم إلا على الأعقاب فامتلأت تلك الجهات بأجسادهم وآذنت الآجال بانقراض آمادهم وأخذهم الله تعالى بكفرهم وفسادهم فلم يعاين منهم إلا من خر صريعا وسقى الأرض نجيعا ولقي من أمر الهنديات فظيعا ودعت الضرورة باقيهم إلى الترامي في الوادي فمن كان يؤمل الفرار ويرتجيه ويسح طامعا في الخروج إلى ما ينجيه اختطفته الأسنة اختطافا وأذاقته موتا ذعافا ومن لج في الترامي على لججه ورام البقاء في ثبجه قضى عليه شرقه وألوى بذقنه غرقه ودخل الموحدون إلى البقية الكائنة فيه ينتاولون قتالهم طعنا وضربا ويلقونهم بأمر الله تعالى هولا عظيما وكربا حتى انبسطت مراقات الدماء على صفحات الماء وحكت حمرتها على زرقته حمرة الشفق على زرقة السماء وجرت العبرة للمعتبر في جري ذلك الدم جري الأبحر
وبالجملة فالرجل كان نسيج وحده رحمه الله تعالى وسامحه وقضية لسان الدين تشبه قضيته وكلاهما قد ذاق من الذل بعد العز غصته وبدل الدهر نصيبه من الوزارة وحصته بعد أن اقتعد ذروة الأمر ومنصته رحم الله تعالى الجميع إنه مجيب سميع
____________________
(5/188)

& الباب الثالث &
في ذكر مشايخه الجلة هداة الناس ونجوم الملة وما يتعلق بذلك من الأخبار الشافية من العلة والمواعظ المنجية من الأهواء المضلة والمناسبات الواضحة البراهين والأدلة
أقول لا خفاء أن الشيخ لسان الدين رحمه الله تعالى أخذ عن جماعة من أهل العدوة والأندلس عدة فنون وحدث عنهم ما يصدق الأقوال ويحقق الظنون
1 - فمن أشياخه رحمه الله تعالى الفقيه الجليل الشريف النبيه الشهير رئيس العلوم اللسانية بالأندلس قاضي الجماعة أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد الحسني السبتي رحمه الله تعالى كان هذا الشريف آية الله الباهرة في العربية والبيان والأدب ويكفيه فضلا أنه شرح الخزرجية وافترع هضاب مشكلاتها بفهمه من غير أن يسبقه أحد إلى استخراج كنوزها وإيضاح رموزها وشرح مقصورة أديب المغرب الإمام أبي الحسن حازم بن محمد القرطاجني الأندلسي التي مدح بها أمير المؤمنين المستنصر بالله أبا عبد الله محمدا الحفصي وسمى هذا الشرح برفع الحجب المستورة عن محاسن المقصورة وهذا
____________________
(5/189)

الشرح في مجلدين كبيرين وفيه من الفوائد ما لا مزيد عليه رأيته بالمغرب واستفدت منه كثيرا
ومن فوائد الشريف المذكور أنه قال فيما جاء من الحديث في صفة وضوء رسول الله فأقبل بهما وأدبر إن أحسن الوجوه في تأوليه أن يكون قدم الإقبال تفاؤلا ثم فسر بعد ذلك على معنى أدبر وأقبل قال والعرب تقدم في كلامها ألفاظا على ألفاظ أخرى وتلتزمه في بعض المواضع كقولهم قام وقعد ولا تقول قعد وقام وكذلك أكل وشرب ودخل وخرج وعلى هذا النمط كلام العرب فتكون هذه المسألة من هذا قال ويؤيد ما قلناه وهو موضع النكتة تفسيره لأقبل وأدبر في باقي الحديث على معنى أدبر ثم أقبل ولو كان اللفظ على ظاهره لم يحتج إلى تفسير انتهى
وحدث رحمه الله تعالى عن جده لأمه قال كنت بالمشرق فدخلت على بعض القرائين فألفيت الطلبة يعربون عليه قول امرئ القيس
( كأن أبانا في أفانين ودقه ** كبير أناس في بجاد مزمل )
فأنشد ولا أدري هل هي له أو لغيره
( إذا ما الليالي جاورتك بساقط ** وقدرك مرفوع فعنه ترحل )
( ألم تر ما لاقاه في جنب جاره ** كبير أناس في بجاد مزمل )
وكان بعض الناس ينشد في هذا المقصد قول الآخر
( عليك بأرباب الصدور فمن غدا ** مضافا لأرباب الصدور تصدرا )
____________________
(5/190)


( وإياك أن ترضى بصحبة ساقط ** فتنحط قدرا من علاك وتحقرا )
( فرفع أبو من ثم خفض مزمل ** يبين قولي مغريا ومحذرا )
وهذا معنى قول الشاعر
( إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ** ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى )
وما أحسن قول أبي بحر صفوان بن إدريس المرسي رحمه الله تعالى
( إنا إلى الله من أناس ** قد خلعوا لبسة الوقار )
( جاورتهم فانخفضت هونا ** يا رب خفض على الجوار )
ومن نظم الشريف رحمه الله تعالى
( وأحور زان خديه عذار ** سبى الألباب منظره العجاب )
( أقول لهم وقد عابوا غرامي ** به إذ لاح للدمع انسكاب )
( أبعد كتاب عارضه يرجى ** خلاص لي وقد سبق الكتاب )
ومن الغريب في توارد الخواطر ما وجد بخط الأديب البارع المحدث الكاتب أبي عبد الله محمد ابن الشيخ الكبير أبي القاسم ابن جزي الكلبي رحمهما الله تعالى وسيأتيان ما معناه قلت هذه القطعة
( ومعسول اللمى عادت عذابا ** على قلبي ثناياه العذاب )
( وقد كتب العذار بوجنتيه ** كتابا حظ قارئه اكتئاب )
( وقالوا لو سلوت فقلت خيرا ** وأنى لي وقد سبق الكتاب )
ثم عرضتها على شيخنا القاضي أبي القاسم الشريف بعد نظمها بمدة يسيرة فقال لي قد نظمت هذا المعنى بالعروض والقافية في هذه الأيام اليسيرة وأنشدني
( وأحور زان خديه عذار ** ) الأبيات السابقة
____________________
(5/191)

وهذا يقع كثيرا ومنه ما وقع لابن الرقام حيث قال من شعر عمي قوله
( جل في البلاد تنل عزا وتكرمة ** في أي أرض فكن تبلغ مناك بها )
( جل الفوائد بالأسفار مكتسب ** والله قد قال { فامشوا في مناكبها } )
فقال له الفقيه ابن حذلم مثل هذا وقع لأبي حيان إذ قال
( يا نفس ما لك تهوين الإقامة في ** أرض تعذر كل من مناك بها )
( أما تلوت وعجز المرء منقصة ** في محكم الوحي { فامشوا في مناكبها } )
فحصل العجب من هذا الاتفاق الغريب
ونقلت ممن نقل من خط الفقيه محمد بن علي بن الصباغ العقيلي ما صورته كان الشريف الغرناطي رحمه الله تعالى آية زمانه وأزمة البيان طوع بنانه له شرح المقصود القرطاجنية أغرب ما تتحلى به الآذان وأبدع ما ينشرح له الجنان إلى العقل الذي لا يدرك والفضل الذي حمد منه المسلك حدثني بنادرة جرت بينه وبين مولاي الوالد من أثق به من طلبة الأندلس وأعلامها قال دخل والدك يوما لأداء الشهادة عنده فوجد بين يديه جماعة من الغزاة يؤدون شهادة فسمع القاضي منهم وقال لهم هل ثم من يعرفكم فقالوا نعم يعرفنا علي الصباغ فقال القاضي أتعرفهم يا أبا الحسن فقال له نعم يا سيدي معرفة محمد بن يزيد فما أنكر عليه شيئا بل قال لهم عرف الفقيه أبو الحسن ما عنده فانظروا من يعرف معه رسم حالكم فانصرفوا راضين ولم يرتهن والدي في شيء من حالهم ولا كشف القاضي لهم ستر القضية
قال محمد بن علي بن الصباغ أما قول والدي معرفة محمد بن يزيد فإشارة إلى قول الشاعر
____________________
(5/192)


( أسائل عن ثمالة كل حي ** فكلهم يقول وما ثماله )
( فقلت محمد بن يزيد منهم ** فقالوا الآن زدت بهم جهالة )
فتفطن القاضي رحمه الله تعالى لجودة ذكائه إلى أنه لم يرتهن في شيء من معرفتهم ممتنعا من إظهار ذلك بلفظه الصريح فكنى واكتفى بذكاء القاضي الصحيح رحمهما الله تعالى انتهى
ومن فوائد الشريف ما حكاه عنه تلميذه الإمام النظار أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى ونصه قال لي الشيخ القاضي الكبير الشهير أبو القاسم الحسني يوما وقد جرى ذكر حتى التي للابتداء وأن معناها التي يقع بعدها الكلام سواء كان ذلك متعلقا بما قبلها لم يتم دونه أو لا بل لا يكون الأمر إلا كذلك قال وقد حدثني بعض الأصحاب أنه سمع رجلا يصلي أشفاع رمضان فقرأ من سورة الكهف إلى قوله تعالى { ثم أتبع سببا } الكهف 89 فوقف هنالك وركع وسجد قال فظننت أنه نسي ما بعد ثم ركع وسجد حتى يتذكر بعد ذلك ويعيد أول الكلام فلما قام من السجود ابتدأ القراءة بقوله { حتى إذا بلغ } الكهف 90 فلما أتم الصلاة قلت له في ذلك فقال أليست حتى الإبتدائية قال القاضي الشريف المذكور فيجب أن يفهم أن الاصطلاح في حتى وفي غيرها من حروف الابتداء ما ذكر انتهى
وقال الشاطبي أنشدني أبو محمد ابن حذلم لنفسه
( شأن المحبين في أشجانهم عجب ** وحالتي بينهم في الحب أعجبها )
( قد كنت أبعث من ريح الصبا رسلا ** تأتي فتطفىء أشواقي فتذهبها )
( والآن أرسل دمعي إثرها ديما ** فتلتظى نار وجدي حين أسكبها )
( فاعجب لنار اشتياق في الحشا وقفت ** ألريح تذهبها والماء يلهبها )
____________________
(5/193)


ثم قال الشاطبي ما نصه أخذ هذا المعنى فتممه من قطعة أنشدناها شيخنا القاضي أبو القاسم الشريف رحمة الله تعالى عليه أذكر الآن آخر بيت منها وهو
( يا من رأى النار إن تطفأ مخالفة ** فبالرياح وإن توقد فبالماء )
وأخذ عن الشريف المذكور رحمه الله تعالى جماعة غير لسان الدين من أشهرهم العلامة النظار أبو إسحاق الشاطبي والوزير الكاتب أبو عبد الله ابن زمرك
قال حفيد السلطان الغني بالله بن الأحمر رحمه الله تعالى في حق ابن زمرك إنه كان يتردد في الأعوام العديدة إلى قاضي الجماعة أبي القاسم الشريف فأحسن الإصغاء وبذ الأئمة البلغاء بما أوجب أن رثاه عند الوقوف على قبره بالقصيدة الفريدة التي أولها
( أغرى سراة الحي بالإطراق ** )
وقال في موضع آخر ومما بذ به يعني ابن زمرك سبقا وتبريزا وعرضه على نقدة البيان فرأت منه كل مذهبة خلصت إبريزا مرثيته للقاضي المعظم الشريف أبي القاسم الحسني من شيوخه وهي
( أغرى سراة الحي بالإطراق ** نبأ أصم مسامع الآفاق )
( أمسى به ليل الحوادث داجيا ** والصبح أصبح كاسف الإشراق )
( فجمع الجميع بواحد جمعت له ** شتى العلا ومكارم الأخلاق )
( هبوا لحكمكم الرصين فإنه ** صرف القضاء فما له من واق )
( نقش الزمان بصرفه في صفحة ** كل اجتماع مؤذن بفراق )
( ماذا ترجى من زمانك بعدما ** علق الفناء بأنفس الأعلاق )
____________________
(5/194)


( من تحسد السبع الطباق علاءه ** عالوا عليه من الثرى بطباق )
( إن المنايا للبرايا غاية ** سبق الكرام لخصلها بسباق )
( لما حسبنا أن تحول أبؤسا ** كشفت عوان حروبها عن ساق )
( ما كان إلا البدر طال سراره ** حتى رمته يد الردى بمحاق )
( أنف المقام مع الفناء نزاهة ** فنوى الرحيل إلى مقام باق )
( عدم الموافق في مرافقة الدنا ** فنضى الركاب إلى الرفيق الباقي )
( أسفا على ذاك الجلال تقلصت ** أفياؤه وعهدن خير رواق )
( يا آمري بالصبر عيل تصبري ** دعني عدتك لواعج الأشواق )
( وذر اليراع تشي بدمع مدادها ** وشي القريض يروق في الأوراق )
( واحسرتا للعلم أقفر ربعه ** والعدل جرد أجمل الأطواق )
( ركدت رياح المعلوات لفقدها ** كسدت به الآداب بعد نفاق )
( كم من غوامض قد صدعت بفهمها ** خفيت مداركها على الحذاق )
( كم قاعد في البيد بعد قعوده ** قعدت به الآمال دون لحاق )
( لمن الركائب بعد بعدك تنتضي ** ما بين شام ترتمي وعراق )
( تفلى الفلا بمناسم مفلولة ** تسم الحصى بنجيعها الرقراق )
( كانت إذا اشتكت الوجى وتوقفت ** يهفو نسيم ثنائك الخفاق )
( فإذا تنسمت الثناء أمامها ** مدت لها الأعناق في الإعناق )
( يا مزجي البدن القلاص خوافقا ** رفقا بها فالسعي في إخفاق )
( مات الذي ورث العلا عن معشر ** ورثوا تراث المجد باستحقاق )
( رفعت لهم رايات كل جلالة ** فتميزوا في حلبة السباق )
____________________
(5/195)


( علم الهداة وقطب أعلام النهى ** حرم العفاة المجتنى الأرزاق )
( رقت سجاياه وراقت مجتلى ** كالشمس في بعد وفي إشراق )
( كالزهر في لألائه والبدر في ** عليائه والزهر في الإبراق )
( مهما مدحت سواه قيد وصفه ** وصفاته حمد على الإطلاق )
( يا وارثا نسب النبوة جامعا ** في العلم والأخلاق والأعراق )
( يا ابن الرسول وإنها لوسيلة ** يرقى بها أوج المصاعد راقي )
( ورد الكتاب بفضلكم وكمالكم ** فكفى ثناء الواحد الخلاق )
( مولاي إني في علاك مقصر ** قد ضاق عن حصر النجوم نطاقي )
( ومن الذي يحصي مناقب مجدكم ** عد الحصى والرمل غير مطاق )
( يهني قبورا زرتها فلقد ثوت ** منا مصون جوانح وحداق )
( خط الردى منها سطورا نصها ** لا بد أنك للفناء ملاق )
( ولحقت ترجمة الكتاب وصدره ** وفوائد المكتوب في الإلحاق )
( كم من سراة في القبور كأنهم ** في بطنها در ثوى بحقاق )
( قل للسحاب اسحب ذيولك نحوه ** والعب بصارم برقك الخفاق )
( أودى الذي غيث العباد بكفه ** يزري بواكف غيثك الغيداق )
( إن كان صوبك بالمياه فدرها ** در يروض ماحل الإملاق )
( بشر كثير قد نعوا لما نعى ** قاضي القضاة وغاب في الأطباق )
( ألبستهم ثوب الكرامة ضافيا ** وأرحت من كد ومن إرهاق )
( يتفيأون ظلال جاهك كلما ** لفحت سموم الخطب بالإحراق )
( عدموا المرافق في فراقك وانطوى ** عنهم بساط الرفق والإرفاق )
( رفعوا سريرك خافضين رؤوسهم ** مامنهم إلا حليف سياق )
____________________
(5/196)


( لكن مصيرك للنعيم مخلدا ** كان الذي أبقى على الأرماق )
( ومن العجائب أن يرى بحر الندى ** طود الهدى يسري في الأعناق )
( إن يحملوك على الكواهل طالما ** قد كنت محمولا على الأحداق )
( أو يرفعوك على العواتق طالما ** رفعت ظهر منابر وعتاق )
( ولئن رحلت إلى الجنان فإننا ** نصلى بنار الوجد والأشواق )
( لو كنت تشهد حزن من خلفته ** لثنى عنانك كثرة الإشفاق )
( إن جن ليل جن من فرط الأسى ** وسوى كلامك ما له من راق )
( فابعث خيالك في الكرى يبعث به ** ميت السرور لثاكل مشتاق )
( أغليت يا رزء التصبر مثلما ** أرخصت در الدمع في الآماق )
( إن يخلف الأرض الغمام فإنني ** أسقي الضريح بدمعي المهراق )
وكانت وفاة الشريف المذكور سنة إحدى وستين وسبعمائة
قال ابن الخطيب القسمطيني في وفياته وفي هذه السنة يعني سنة 761 توفي شيخنا قاضي الجماعة بغرناطة حرسها الله تعالى أبو القاسم محمد بن أحمد الشريف الحسني وكتب لي بالإجازة العامة بعد التمتع بمجلسه وله شعر مدون سماه جهد المقل وله الشرح على الخزرجية في العروض وأقدم عليها بعد أن عجز الناس عن فكها وكان إماما في الحديث والفقه والنحو وهو على
____________________
(5/197)

الجملة ممن يحصل الفخر بلقائه ولم يكن أحد بعده مثله بالندلس انتهى
وقال في الإحاطة إن مولد الشريف كان سنة سبع وتسعين وستمائة وإن وفاته سنة ستين وسبعمائة وفي وفاته مخالفة لما تقدم والله أعلم
وما أحسن قول الشريف أبي القاسم المترجم به
( حدائق أنبتت فيها الغوادي ** ضروب النور رائقة البهاء )
( فما يبدو بها النعمان إلا ** نسبناه إلى ماء السماء ) ابنا الشريف
وكان للشريف أبي القاسم المذكور ابنان نجيبان أحدهما قاضي الجماعة أبو المعالي والآخر أبو العباس أحمد قال الراعي في كتابه الفتح المنير في بعض ما يحتاج إليه الفقير ما نصه حكاية تتعلق بالانقطاع نسأل الله تعالى العافية وقع للسيد الشريف قاضي الجماعة بغرناطة أبي المعالي ابن السيد الشريف أبي القاسم الحسني شارح الخزرجية ومقصورة حازم نفع الله تعالى بسلفهم الكريم وكانت أم السيد أبي المعالي حسينية فكان شريفا من الجهتين أنه كان قد ترك كبار الوظائف والرياسات وتجرد للعبادة ولبس المرقعة وسلك طريق القوم وكان من الدين والعلم والتعظيم في قلوب أهل الدنيا وأهل الآخرة على جانب عظيم يشار إليه بالأصابع وكان أخوه شيخي وأستاذي أبو العباس أحمد قاضيا بشرقي الأندلس فكان أخوه أبو المعالي المذكور لا يأكل في بيت شقيقه شيئا لأجل
____________________
(5/198)

ذلك ولعيشه من خدم السلطان وكان إذا احتاج إلى الطعام وهو في بيت أخيه أعطاني درهما من عنده أشتري له به ما يأكل وأقام على هذا الحالة الحسنة سنين كثيرة ثم إنه دخل يوما على الفقراء بزاوية المحروق من ظاهر غرناطة وكان شيخ الفقراء بها في ذلك الوقت الشيخ أبا جعفر أحمد المحدود فقال لهم يا سادتي إنه كان معي قنديل أستضيء به فقدته في هذه الأيام وما بقيت أبصر شيئا فقال لهم شيخهم المذكور يا شريف أول رجل يدخل علينا في هذا المجلس يجيبك عن مسألتك فدخل عليهم رجل من خيارهم من أهل البادية فسلم وجلس فقال له الشيخ إن الشريف سأل الجماعة فقلت له أول رجل يدخل علينا يجيبك فوفقت أنت فأجبه عن مسألته فقال له ما سؤالك يا شريف فقال إنه كان لي قنديل أستضيء به ففقدته وما بقيت أبصر شيئا فقال له الفقير هذا لا يصدر إلا عن سوء أدب أخبرنا بما وقع منك فقال له الشريف ما أعلم أنه وقع مني شيء غير أن المباشر فلانا طلبه السلطان للمصادرة فاستخفى منه فمررت ببابه يوما فناداني من شقة الباب يا سيدي اجعل خاطرك معي لله تعالى فقلت له اذكر الذكر الفلاني قلت وأنا أظن أنه أمره بذكر اسمه تعالى اللطيف فإنه سريع الإجابة في تفريج الشدائد والكرب نص عليه البوني في منتخبه وهو مجرب في ذلك وقد رواه لي عن بعض مشايخه السيد الشريف أحمد أخوه فقال له الفقير هل كان أذن لك في تلقينه قال لا قال له الفقير لا يعود إليك نورك أبدا لأنك قد أسأت الأدب فكان كما قال فانقطع وولي بعده قضاء الجماعة وعزل عن سخط وخدم الملوك وأكل طعامهم وحالته أولا وآخرا معروفة بغرناطة نسأل الله تعالى أن لا يجعلنا من المطرودين عن باب رحمته بمنه وكرمه انتهى كلام الراعي رحمه الله تعالى
رجع إلى مشايخ لسان الدين رحمه الله تعالى ورضي عنه وسامحه فنقول
____________________
(5/199)


2 - ومن مشايخ لسان الدين الإمام الرحال شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن جابر الوادي آشي ولد بتونس وهو محمد ابن الإمام المحدث معين الدين جابر بن محمد بن قاسم بن أحمد القيسي شيخ ممتع نبيل رحال متقن
قال الخطيب ابن مرزوق وعاشرته كثيرا سفرا وحضرا وسمعت بقراءته وسمع بقراءتي وقرأت عليه الكثير وقيدت من فوائده وأنشدني الكثير فأول ما قرأت عليه بالقاهرة بمسجد ( . . . ) وقرأت عليه بمدينة فاس وبظاهر قسنطينة وبمدينة بجاية وبظاهر المهدية وبمنزلي من تلمسان وقرأت عليه أحاديث عوالي من تخريج الدمياطي وفيها الحديث المسلسل بالأولية وسلسلته عنه من غير رواية الدمياطي بشرطه ثم قرأت عليه أكثر كتاب الموطإ رواية يحيى وأعجله السفر فأتممته عليه في غير القاهرة وحدثني به عن جماعة ومعوله على الشيخين قاضي القضاة أبي العباس ابن الغماز الخزرجي وهو أحمد بن محمد بن حسن والشيخ أبي محمد ابن هارون وهو عبد الله بن محمد القرطبي الطائي الكاتب المعمر الأديب بحق سماعه لأكثره على الأول وقراءته بأجمعه على الثاني قال الأول أخبرنا أبو الربيع ابن سالم بجميع طرقه فيه منها عن ابن مرزوق وأبي عبد الله ابن أبي عبد الله الخولاني عن أبي عمرو عثمان بن أحمد المعافري عن أبي عيسى بسنده وقال الثاني أخبرنا أبو القاسم ابن بقي بقرطبة أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الحق عن محمد بن فرج مولى الطلاع عن يونس بتمام سنده
قال شيخنا وفي هذا السند غريبتان إحداهما أنه ليس فيه إجازة والثانية أن شيوخه كلهم قرطبيون
قال ابن مرزوق قلت ولا غرابة في اتصال سماع الموطإ وقراءته فقد
____________________
(5/200)

وقع لي على قلة التحصيل متصلا من طرق ولله الحمد وقد رويته عن قرطبي وهو أبو العباس ابن العشا ثم قرأت عليه كتاب الشفاء لعياض وحدثني به عن أبي القاسم عن أبي عبد الله ابن أبي القاسم الأنصاري المالقي نزيل سبتة ويعرف بها بابن حكم وبابن أخت أبي صالح عن أبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الخزرجي عن أبي جعفر أحمد بن حكم عن المؤلف وحدثني به أيضا عن قاضي الجماعة ابن أبي الربيع ابن سالم عن أبي جعفر ابن حكم
ثم قال ابن مرزوق بعد كلام ما صورته رويت عنه وأنشدني لأبي محمد ابن هارون
( لا تطمعن في نفع آلك إنه ** ضرر وقل النفع عند الآل )
( أقصر رويدك إن ما أعلقته ** بالآل من اهل كمثل الآل )
ولابن هارون المذكور
( أقل زيارة الأحباب ** تزدد عندهم قربا )
( فإن المصطفى قد قال ** زر غبا تزد حبا )
ولابن هارون أيضا
( رماني بالنوى زمني ** فشمل الأنس مفترق )
( وليلي كله فكر ** فقلبي منه محترق )
( وللآداب أبناء ** ببحر الفقر قد غرقوا )
( وكل منهم وجل ** بما يلقاه أو فرق )
____________________
(5/201)


( يغص بريقه منه ** كما في النطق أو شرق )
( وقد صفرت أكفهم ** فلا ورق ولا ورق )
( ولطف الله مرتقب ** به العادات تنخرق )
قال ابن مرزوق وشعره الفائق لا يحصر وهو عندي في مجلد كبير وولد ابن جابر سنة 67 وسمع بمصر على جماعة وكتب بخطه كثيرا وله معرفة بالحديث والنحو واللغة والشعر وله نظم حسن وتوفي بتونس سنة 779 وأخذ القراءات عن ابن الزيات وغيره وترجمة الحافظ ابن جابر رحمه الله تعالى واسعة مشهورة وقد ذكرناه في غير هذا الكتاب بما جمعناه أشعار لبعض شيوخ لسان الدين
ومما أنشده لسان الدين رحمه الله تعالى لبعض المتصوفة من شيوخه ولم يسمه قوله
( هل تعلمون مصارع العشاق ** عند الوداع بلوعة الأشواق )
( والبين يكتب من نجيع دمائهم ** إن الشهيد بكم توى بفراق )
( لو كنت شاهد حالهم يوم النوى ** لرأيت ما يلقون غير مطاق )
( منهم كثيب لا يمل بكاءه ** قد أحرقته مدامع الآماق )
( ومحرق الأحشاء أشعل نارها ** طول الوجيب بقلبه الخفاق )
( وموله لا يستطيع كلامه ** مما يقاسي في الهوى ويلاقي )
( خرس اللسان فما يطيق عبارة ** ألم ألم وما له من راق )
( ما للمحب من المنون وقاية ** إن لم يجد محبوبه بتلاق )
( مولاي عبدك ذاهب بغرامه ** أدرك بفضلك من ذماه الباقي )
( إني إليك بذلتي متوسل ** فاعطف بلطف منك أو إشفاق )
____________________
(5/202)


وهذه الأبيات أوردها رحمه الله تعالى في الروضة في العشق بعد أن حده وتكلم عليه ثم أورد عدة مقطوعات ثم ذكر منها هذه الأبيات كما ذكر
وأنشد لسان الدين رحمه الله تعالى لبعض أشياخه وسماه وأنسيته أنا الآن
( بما بيننا من خلوة معنوية ** أرق من النجوى وأحلى من السلوى )
( قفي ساعة في ساحة الدار وانظري ** إلى عاشق لا يستفيق من البلوى )
( وكم قد سألت الريح شوقا إليكم ** فما حن مسراها علي ولا ألوى )
وقوله أيضا
( أنست بوحدتي حتى لو أني ** أتاني الأنس لاستوحشت منه )
( ولم تدع التجارب لي صديقا ** أميل إليه إلا ملت عنه )
وقوله رحمه الله تعالى
( عليك بالعزلة إن الفتى ** من طاب بالقلة في العزلة )
( لا يرتجي عزلة وال ولا ** يخشى من الذلة في العزلة )
3 - ومن أكابر شيوخ ابن الخطيب رحمه الله تعالى جدي الإمام العلامة قاضي القضاة بحضرة الخلافة فاس المحروسة أبو عبد الله
قال في الإحاطة محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي القرشي المقري يكنى أبا عبد الله قاضي الجماعة بفاس تلمساني
أوليته نقلت من خطه قال وكان الذي اتخذها من سلفنا قرارا بعد أن كانت لمن قبله مزارا عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي المقري صاحب الشيخ
____________________
(5/203)

أبي مدين الذي دعا له ولذريته بما ظهر فيهم قبوله وتبين وهو أبي الخامس فأنا محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الرحمن وكان هذا الشيخ عروي الصلاة حتى إنه ربما امتحن بغير شيء فلم يؤنس منه التفات ولا استشعر منه شعور ويقال إن هذا الحضور مما أدركه من مقامات شيخه أبي مدين هل المقري الجد قرشي
وكتب بعض المغاربة على هامش هذا المحل من الإحاطة ما صورته القرشي وهم انتهى فكتب تحته الشيخ الإمام أبو الفضل ابن الإمام التلمساني رحمه الله تعالى ما نصه بل صحيح نطقت به الألسن والمكاتبات والإجازات وأعربت عنه الخلال الكريمة إلا أن البلدية يا سيدي أبا عبد الله والمنافسة تجعل القرشية في إمام المغرب أبي عبد الله المقري وهما والحمد لله انتهى
قلت وممن صرح بالقرشية في حق الجد المذكور ابن خلدون في تاريخه وابن الأحمر في نثير الجمان وفي شرح البردة عند قوله
( لعل رحمة ربي حين ينشرها ** )
والشيخ ابن غازي والولي الصالح سيدي أحمد رزوق والشيخ العلامة علامة زمانه سيدي أحمد الونشريسي وغير واحد وكفى بلسان الدين شاهدا مزكى
وقد ألف عالم الدنيا ابن مرزوق تأليفا استوفى فيه التعريف بمولاي الجد سماه النور البدري في التعريف بالفقيه المقري وهذا بناء منه على مذهبه أنه
____________________
(5/204)

بفتح الميم وسكون القاف كما صرح بذلك في شرح الألفية عند قوله
( ووضعوا لبعض الأجناس علم ** )
وضبطه غيرهم وهم الأكثرون بفتح الميم وتشديد القاف وعلى ذلك عول أكثر المتأخرين وهما لغتان في البلدة التي نسب إليها وهي مقرة من قرى زاب إفريقية وانتقل منها جده إلى تلمسان صحبة شيخه ولي الله سيدي أبي مدين رضي الله عنه
رجع إلى تكملة كلام مولاي الجد في حق أوليته
قال رحمه الله تعالى بعد الكلام السابق في حق جده عبد الرحمن ما صورته ثم اشتهرت ذريته على ما ذكر من طبقاتهم بالتجارة فمهدوا طريق الصحراء بحفر الآبار وتأمين التجار واتخذوا طبلا للرحيل وراية تقدم عند المسير وكان ولد يحيى الذين أحدهم أبو بكر خمسة رجال فعقدوا الشركة بينهم في جميع ما ملكوه أو يملكونه على السواء بينهم والاعتدال فكان أبو بكر ومحمد وهما أرومتا نسبي من جميع جهات أمي وأبي بتلمسان وعبد الرحمن وهو شقيقهما الأكبر بسجلماسة وعبد الواحد وعلي وهما شقيقاهم الصغيران بإيوالاتن فاتخذوا بهذه الأقطار الحوائط والديار وتزوجوا النساء واستولدوا الإماء وكان التلمساني يبعث إلى الصحراوي بما يرسم له من السلع ويبعث إليه الصحراوي بالجلد والعاج والجوز والتبر والسجلماسي كلسان الميزان يعرفهما بقدر الخسران والرجحان ويكاتبهما باحوال التجار وأخبار البلدان حتى اتسعت أموالهم وارتفعت في الضخامة أحوالهم ولما فتح التكرور كورة إيوالاتن وأعمالها أصيبت أموالهم فيما أصيب من أموالها بعد أن جمع من كان بها منهم إلى نفسه الرجال ونصب دونها ودون مالهم القتال ثم اتصل بملكهم فأكرم مثواه
____________________
(5/205)

ومكنه من التجارة بجميع بلاده وخاطبه بالصديق الأحب والخلاصة الأقرب ثم صار يكاتب من بتلمسان يستقضي منهم مآربه فيخاطبه بمثل تلك المخاطبة وعندي من كتبه وكتب ملوك المغرب ما ينبئ عن ذلك فلما استوثقوا من الملوك تذللت لهم الأرض للسلوك فخرجت أموالهم عن الحد وكادت تفوت الحصر والعد لأن بلاد الصحراء قبل أن يدخلها أهل مصر كان يجلب إليها من المغرب ما لا بال له من السلع فتعاوض عنه بما له بال من الثمن أي مدبر دنيا ضم جنبا أبي حمو وشمل ثوباه كان يقول لولا الشناعة لم أزل في بلادي تاجرا من غير تجار الصحراء الذين يذهبون بخبيث السلع ويأتون بالتبر الذي كل أمر الدنيا له تبع ومن سواهم يحمل منها الذهب ويأتي إليها بما يضمحل عن قريب ويذهب ومنه ما يغير من العوائد ويجر السفهاء إلى المفاسد ولما درج هؤلاء الأشياخ جعل أبناؤهم ينفقون مما تركوا لهم ولم يقوموا بأمر التثمير قيامهم وصادفوا توالي الفتن ولم يسلموا من جور السلاطين فلم يزل حالهم في نقصان إلى هذا الزمن فها أنا ذا لم أدرك من ذلك إلا أثر نعمة اتخذنا فضوله عيشا وأصوله حرمة ومن جملة ذلك خزانة كبيرة من الكتب وأسباب كثيرة تعين على الطلب فتفرغت بحول الله عز وجل للقراءة فاستوعبت أهل البلد لقاء وأخذت عن بعضهم عرضا وإلقاء سواء المقيم القاطن والوارد والظاعن انتهى كلامه في أوليته وقد نقله لسان الدين في الإحاطة
وقال مولاي الجد رحمه الله تعالى كان مولدي بتلمسان أيام أبي حمو موسى عثمان بن يغمراسن بن زيان وقد وقفت على تاريخ ذلك ولكني
____________________
(5/206)

رأيت الصفح عنه لأن أبا الحسن ابن مؤمن سأل أبا طاهر السلفي عن سنه فقال أقبل على شانك فإني سألت أبا الفتح ابن زيان عن سنه فقال أقبل على شانك فإني سألت علي بن محمد اللبان عن سنه فقال أقبل على شانك فإني سألت أبا القاسم حمزة بن يوسف السهمي عن سنه فقال أقبل على شانك فإني سألت أبا بكر محمد بن عدي المنقري عن سنه فقال أقبل على شانك فإني سألت أبا إسماعيل الترمذي عن سنه فقال أقبل على شانك فإني سألت بعض أصحاب الشافعي عن سنه فقال أقبل على شانك فإني سألت الشافعي عن سنه فقال أقبل على شانك فإني سألت مالك بن أنس عن سنه فقال أقبل على شانك ليس من المروءة للرجل أن يخبر بسنه انتهى
قلت ولما تذاكرت مع مولاي العم الإمام صب الله تعالى على مضجعه من الرحمة الغمام هذا المعنى الذي ساقه مولاي الجد رحمه الله تعالى أنشدني لبعضهم
( احفظ لسانك لا تبح بثلاثة ** سن ومال ما استطعت ومذهب )
( فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة ** بمكفر وبحاسد ومكذب )
قال الونشريسي في حق الجد ما نصه القاضي الشهير الإمام العالم أبو عبد الله محمد بن محمد المقري التلمساني المولد والمنشأ الفاسي المسكن كان رحمه الله تعالى عالما عاملا ظريفا نبيها ذكيا نبيلا فهما متيقظا جزلا محصلا انتهى
وقد وقفت له بالمغرب على مؤلف عرف فيه بمولاي الجد وذكر جملة من أحواله وذلك أنه طلبه بعض أهل عصره في تأليف أخبار الجد فألف فيه ما ذكر
____________________
(5/207)

وقال في الإحاطة في ترجمة مولاي الجد بعد ذكره أوليته ما صورته حاله هذا الرجل مشار إليه بالعدوة الغربية اجتهادا ودؤوبا وحفظا وعناية واطلاعا ونقلا ونزاهة سليم الصدر قريب الغور صادق القول مسلوب التصنع كثير الهشة مفرط الخفة ظاهر السذاجة ذاهب أقصى مذاهب التخلق محافظ على العمل مثابر على الإنقطاع حريص على العبادة مضايق في العقد والتوجه يكابد من تحصيل النية بالوجه واليدين مشقة ثم يغافص الوقت فيها ويوقعها دفعة متبعا إياها زعقة التكبير برجفة ينبو عنها سمع من لم تؤنسه بها العادة بما هو دليل على حسن المعاملة وإرسال السجية قديم النعمة متصل الخيرية مكب على النظر والدرس والقراءة معلوم الصيانة والعدالة منصف في المذاكرة حاسر للذراع عند المباحثة راحب عن الصدر في وطيس المناقشة غير مختار للقرن ولا ضان بالفائدة كثير الالتفات متقلب الحدقة جهير بالحجة بعيد عن المراء والمباهتة قائل بفضل أولي الفضل من الطلبة يقول أتم القيام على العربية والفقه والتفسير ويحفظ الحديث ويتهجر بحفظ التاريخ والأخبار والآداب ويشارك مشاركة فاضلة في الأصلين والجدل والمنطق ويكتب ويشعر مصيبا غرض الإجادة ويتكلم في طريقة الصوفية كلام أرباب المقال ويعتني بالتدوين فيها شرق وحج ولقي جلة واضطبن رحلة مفيدة ثم عاد إلى بلده فأقرأ به وانقطع إلى خدمة العلم فلما ولي ملك المغرب السلطان محالف الصنع ونشيدة الملك وأثير الله من بين القرابة والأخوة أمير المؤمنين أبو عنان اجتذبه وخلطه بنفسه واشتمل عليه وولاه قضاء الجماعة بمدينة فاس فاستقل بذلك أعظم الاستقلال وأنفذ الحق وألان الكلمة وآثر التسديد وحمل الكل وخفض الجناح
____________________
(5/208)

فحسنت عنه القالة وأحبته الخاصة والعامة حضرت بعض مجالسه للحكم فرأيت من صبره على اللدد وتأنيه للحجج ورفقه بالخصوم ما قضيت منه العجب
دخوله غرناطة ثم لما أخر عن القضاء استعمل بعد لأي في الرسالة فوصل الأندلس أوائل جمادى الثانية من عام سبعة وخمسين وسبعمائة فلما قضى غرض رسالته وأبرم عقد وجهته واحتل مالقة في منصرفه بدا له في نبذ الكلفة واطراح وظيفة الخدمة وحل التقيد إلى ملازمة الإمرة فتقاعد وشهر غرضه وبت في الانتقال طمع من كان صحبته وأقبل على شأنه فخلي بينه وبين همه وترك وما انتحله من الانقطاع إلى ربه وطار الخبر إلى مرسله فأنف من تخصيص إيالته بالهجرة والعدول عنها بقصد التخلي والعبادة وأنكر ما حقه الإنكار من إبطال عمل الرسالة والانقباض قبل الخروج عن العهدة فوغر صدره على صاحب الأمر ولم يبعد حمله على الظنة والمواطأة على النفرة وتجهزت جملة من الخدام المجلين في مأزق الشبهة المضطلعين بإقامة الحجة مولين خطة الملام مخيرين بين سحائب عاد من إسلامه مظنة إعلاق النقمة وإيقاع العقوبة أو الإشادة بسبب إجارته بالقطيعة والمنابذة وقد كان المترجم به لحق بغرناطة فتذمم بمسجدها وجأر بالانقطاع إلى الله وتوعد من يجبره بنكير من يجير ولا يجار عليه سبحانه فأهم أمره وشغلت القلوب آبدته وأمسك الرسل بخلال ما صدرت شفاعة اقتضى له فيها رفع التبعة وتركه إلى تلك الوجهة ولما تحصل ما تيسر من ذلك انصرف محفوفا بعالمي القطر قاضي الجماعة أبي القاسم الحسني المذكور قبله والشيخ الخطيب أبي البركات ابن الحاج مسلمين لوروده
____________________
(5/209)

مشافهين بالشفاعة في غرضه فانقشعت الغمة وتنفست الكربة واستصحبا من المخاطبة السلطانية في أمره من إملائي ما يذكر حسبما ثبت في الكتاب المسمى بكناسة الدكان بعد انتقال السكان المجموع بسلا ما صورته
المقام الذي يحب الشفاعة ويرعى الوسيلة وينجز العدة ويتمم الفضيلة ويضفي مجده المنن الجزيلة ويعيي حمده الممادح العريضة الطويلة مقام محل والدنا الذي كرم مجده ووضع سعده وصح في الله تعالى عقده وخلص في الأعمال الصالحة قصده وأعجز الألسنة حمده السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا أبقاه الله سبحانه لوسيلة يرعاها وشفاعة يكرم مسعاها وأخلاق جميلة تجيب دعوة الطبع الكريم إذا دعاها معظم سلطانه الكبير وممجد مقامه الشهير المتشيع لأبوته الرفيعة قولا باللسان واعتقادا بالضمير المعتمد منه بعد الله على الملجإ الأحمى والولي النصير فلان سلام كريم طيب بر عميم يخص مقامكم الأعلى وأبوتكم الفضلى ورحمة الله وبركاته
أما بعد حمد الله الذي جعل الخلق الحميد دليلا على عنايته بمن حلاه حلاها وميز بها النفوس النفيسة التي اختصها بكرامته وتولاها حمدا يكون كفؤا للنعم التي أولاها وأعادها ووالاها والصلاة على سيدنا ومولانا محمد عبده ورسوله المترقي من درجات الاختصاص أرفعها وأعلاها الممتاز من أنوار الهداية بأوضحها واجلاها مطلع آيات السعادة يروق مجتلاها والرضى عن آله وصحبه الذين خبر صدق ضمائرهم لما ابتلاها وعسل ذكرهم في الأفواه فما أعذب أوصافهم على الألسن وأحلاها والدعاء لمقام أبوتكم حرس الله تعالى علاها بالسعادة التي يقول الفتح أنا طلاع الثنايا وابن جلاها والصنائع
____________________
(5/210)

التي تخترق المفاوز بركائبها المبشرات فتفلي فلاها فإنا كتبنا إليكم كتب الله تعالى لكم عزة مشيدة البناء وحشد على أعلام صنائعكم الكرام جيوش الثناء وقلدكم من قلائد مكارم الأخلاق ما يشهد لذاتكم منه بسابقة الاعتناء من حمراء غرناطة حرسها الله والود باهر السنا ظاهر السناء مجدد على الآناء والتشيع رحب الدسيعة والفناء
وإلى هذا وصل الله تعالى سعدكم وحرس مجدكم فإننا خاطبنا مقامكم الكريم في شأن الشيخ الفقيه الحافظ الصالح أبي عبد الله المقري خار الله تعالى لنا وله وبلغ الجميع من فضله العميم أمله جوابا عما صدر عن مثابتكم فيه من الإشارة الممتثلة والمآرب المعملة والقضايا غير المهملة نصادركم بالشفاعة التي مثلها بأبوابكم لا يرد وظمآها عن منهل قبولكم لا تحلأ ولا تصد حسبما سنه الأب الكريم والجد والقبيل الذي وضح منه في المكارم الرسم والحد ولم نصدر الخطاب حتى ظهر لنا من أحواله صدق المخيلة وتبلج صبح الزهادة والفضيلة وجود النفس الشحيحة بالعرض الأدنى البخيلة وظهر تخليه عن هذه الدار واختلاطه باللفيف والغمار وإقباله على ما يعني مثله من صلة الأوراد ومداومة الاستغفار وكنا لما تعرفنا إقامته بمالقة لهذا الغرض الذي شهره والفضل الذي أبرزه للعيان وأظهره أمرنا أن يعتني بأحواله ويعان على فراغ باله ويجري عليه سيب من ديوان الأعشار الشرعية وصريح ماله وقلنا ما أتاك من غير مسألة مستند صحيح لاستدلاله ففر من مالقة على ما تعرفنا لهذا السبب وقعد بحضرتنا مستور المنتمى والمنتسب وسكن بالمدرسة بعض الأماكن المعدة لسكنى المتسمين بالخير والمحترفين ببضاعة الطلب بحيث لم يتعرف وروده ووصوله إلى ممن لا يؤبه بتعريفه ولم تتحقق زوائده وأصوله لقلة تصريفه
ثم تلاحق إرسالكم الجلة فوجبت حينئذ الشفاعة وعرضت على سوق الحلم والفضل من الاستلطاف والاستعطاف البضاعة وقررنا ما تحققناه من أمره
____________________
(5/211)

وانقباضه عن زيد الخلق وعمره واستقباله الوجهة التي من ولى وجهه شطرها فقد آثر أثيرا ومن ابتاعها بمتاع الدنيا فقد نال فضلا كبيرا وخيرا كثيرا وسألنا منكم أن تبيحوا له ذلك الغرض الذي رماه بعزمه وقصر عليه أقصى همه فما أخلق مقامكم أن يفوز منه طالب الدنيا بسهمه ويحصل منه طالب الآخرة على حظه الباقي وقسمه ويتوسل الزاهد بزهده والعالم بعلمه ويعول البرئ على فضله ويثق المذنب بحلمه فوصل الجواب الكريم بمجرد الأمان وهو أرب من آراب وفائدة من جراب ووجه من وجوه إعراب فرأينا أن المطل بعد جفاء والإعادة ليس يثقلها خفاء ولمجدكم بما ضمنا عنه وفاء وبادرنا الآن إلى العزم عليه في ارتحاله وأن يكون الانتقال عن رضى منه من صفة حاله وأن يقتضي له ثمرة المقصد ويبلغ طية الإسعاف في الطريق الأقصد إذ كان الأمان لمثله ممن تعلق بجناب الله مثلكم حاصلا والدين المتين بين نفسه وبين المخافة فاصلا وطالب كيمياء السعادة بإعانتكم واصلا ولما مدت اليد في تسويغ حالة هديكم عليها أبدا يحرض وعلمكم يصرح بمزيتها فلا يعرض فكملوا أبقاكم الله ما لم تسعنا فيه مشاحة الكتاب وألحقوا بالأصل حديث هذه الإباحة فهو أصح حديث في الباب ووفوا غرضنا من مجدكم وخلوا بينه وبين مراده من ترك الأسباب وقصد غافر الذنب وقابل التوب بإخلاص المتاب والتشمير ليوم العرض وموقف الحساب وأظهروا عليه عناية الجناب الذي تعلق به أعلق الله به يدكم من جناب ومعاذ الله أن تعود شفاعتنا من لدنكم غير مكملة الاراب
وقد بعثنا من ينوب عنا في مشافهتكم بها أحمد المناب ويقتضي خلاصها بالرغبة لا بالغلاب وهما فلان وفلان ولولا الأعذار لكان في هذا الغرض إعمال الركاب يسبق أعلام الكتاب وأنتم تولون هذا القصد من مكارمكم ما يوفر الثناء الجميل ويربي على التأميل ويكتب على الود الصريح العقد وثيقة التسجيل وهو سبحانه يبقيكم لتأييد المجد الأثيل وإنالة الرفد الجزيل والسلام
____________________
(5/212)

الكريم يخص مقامكم الأعلى ومثابتكم الفضلى ورحمة الله تعالى وبركاته في الحادي والعشرين لجمادى الآخرة من عام سبعة وخمسين وسبعمائة انتهى كلام ابن الخطيب في الإحاطة
وذكر في الريحانة أنه كتب في هذا الغرض ما نصه
وإلى هذا فإننا وقفنا على كتابكم الكريم في شأن الشيخ الصالح الفقيه الفاضل أبي عبد الله المقري وفقنا الله وإياه لما يزلف لديه وهدانا لما يقرب إليه وما بلغكم يتقاعده بمالقة وما أشرتم به في أمره فاستوفينا جميع ما قررتم واستوعبنا ما أجملتم في ذلك وفسرتم واعلموا يا محل والدنا أمتعنا الله ببقائكم الذي في ضمنه اتصال السعادة وتعرف النعم المعادة أننا لما انصرف عن بابنا هو ومن رافقه عن انشراح صدور وتكييف جذل بما تفضلتم به وسرور تعرفنا أنه تقاعد بمالقة عن صحبه وأظهر الاشتغال بما يخلصه عنه ربه وصرف الوجه إلى التخلي مشفقا من ذنبه واحتج بأن قصده ليس له سبب ولا تعين له في الدنيا أرب وأنه عرض عليكم أن تسمحوا له فيما ذهب إليه وتقروه عليه فيعجل البدار ويمهد تحت إيالتكم القرار فلما بلغنا هذا الخبر لم يخلق الله عندنا به مبالاة تعتبر ولا أعددناه فيما يذكر فكيف فيما ينكر وقطعنا أن الأمر فيه هين وأن مثل هذا الغرض لا تلتفت إليه عين فإن بابكم غني من طبقات أولي الكمال ملي بتسويغ الآمال موفور الرجال معمور بالفقهاء العارفين بأحكام الحرام والحلال والصلحاء أولي المقامات والأحوال والأدباء فرسان الروية والارتجال ولم ينقص بفقدان الحصى أعداد الرمال ولا يستكثر بالقطرة جيش العارض المنثال مع ما علم من إعانتكم على مثل هذه الأعمال واستمساككم بإسعاف غرض من صرف وجهه إلى ذي الجلال ولو علمنا أن شيئا يهجس في الخاطر من أمر مقامه لقابلناه بعلاج سقامه
ثم لم ينشب أن تلاحق بحضرتنا بارزا في طور التقلل والتخفيف خالطا
____________________
(5/213)

نفسه باللفيف قد صار نكرة بعد العلمية والتعريف وسكن بعض مواضع المدرسة منقبضا عن الناس لا يظهر إلا لصلاة يشهد جماعتها ودعوة للعباد يخاف إضاعتها ثم تلاحق إرسالكم الجلة الذي تحق لمثلهم التجلة فحضروا لدينا وأدوا المخاطبة الكريمة كما ذكر إلينا وتكلمنا معهم في القضية وتنخلنا في الوجوه المرضية فلم نجد وجها أخلص من هذا الغرض ولا علاجا يتكفل ببرء المرض من إن كلفناهم الإقامة التي يتبرك بيمن جوارها ويعمل على إيثارها بخلاف ما نخاطب مقامكم بهذا الكتاب الذي مضمنه شفاعة يضمن حباؤكم احتسابها ويرعى انتماءها إلى الخلوص وانتسابها ويعيدها وقد أعملت الحظوة أثوابها ونقصدكم ومثلكم من يقصد في المهمة فأنتم المثل الذائع في عموم الحلم وعلو الهمة في أن تصدروا له مكتوبا مكمل الفصول مقرر الأصول يذهب الوجل ويرفع الخجل ويسوغ من مآربه لديكم الأمل ويخلص النية ويرتب العمل حتى يظهر ما لنا عند أبوتكم من تكميل المقاصد جريا على ما بذلتم من جميل العوائد وإذا تحصل ذلك كان بفضل الله إيابه وأناخت بعقوة وعدكم الوفي ركابه ويحصل لمقامكم عزه ومجده وثوابه وأنتم ممن يرعى أمور المجد حق الرعاية ويجري في معاملة الله تعالى على ما أسس من فضل البداية وتحقق الظنون فيما لديه من المدافعة عن حوزة الإسلام والحماية هذا ما عندنا أعجلنا به الإعلام وأعملنا فيه الأقلام بعد ان أجهدنا الاختيار وتنخلنا الكلام وجوابكم بالخير كفيل ونظركم لنا وللمسلمين جميل والله تعالى يصل سعدكم ويحرس مجدكم والسلام انتهى
قلت هذه آفة مخالطة الملوك فإن مولاي الجد المذكور كان نزل عن القضاء وغيره فلما أراد التخلي إلى ربه لم يتركه السلطان أبو عنان كما رأيت
____________________
(5/214)

شيوخ المقري الجد
وقد ذكر لسان الدين رحمه الله تعالى في الإحاطة شيوخ مولانا الجد فلنذكرهم من جزء الجد الذي سماه نظم اللآلي في سلوك الأمالي ومنه اختصر لسان الدين ما في الإحاطة في ترجمة مشيخته فنقول قال مولاي الجد رحمه الله تعالى
1 ، 2 - فممن أخذت عنه واستفدت منه علماها يعني تلمسان الشامخان وعالماها الراسخان أبو زيد عبد الرحمن وأبو موسى عيسى ابنا محمد بن عبد الله ابن الإمام وكانا قد رحلا في شبابهما من بلدهما برشك إلى تونس فأخذا بها عن ابن جماعة وابن العطار واليفرني وتلك الحلبة وأدركا المرجاني وطبقته من إعجاز المائة السابعة ثم وردا في أول المائة الثامنة تلمسان على أمير المسلمين أبي يعقوب وهو محاصر لها وفقيه حضرته يومئذ أبو الحسن علي بن يخلف التنسي وكان قد خرج إليه برسالة من صاحب تلمسان المحصورة فلم يعد وارتفع شأنه عند أبي يعقوب حتى إنه شهد جنازته ولم يشهد جنازة أحد قبله وقام على قبره وقال نعم الصاحب فقدنا اليوم حدثني الحاج الشيخ بعباد تلمسان أبو عبد الله محمد بن محمد بن مرزوق العجيسي أن أبا يعقوب طلع إلى جنازة التنسي في الخيل حوالي روضة الشيخ ابي مدين فقال كيف تتركون الخيل تصل إلى ضريح الشيخ هلا عرضتم هنالك وأشار إلى حيث المعراض الآن خشبة ففعلنا فلما قتل أبو يعقوب وخرج المحصوران أنكرا ذلك فأخبرتهما فأما أبو زيان وكان السلطان يومئذ فنزل وطأطأ رأسه ودخل
____________________
(5/215)

وأما أبو حمو وكان أميرا فوثب وخلفها ولما رجع الملك إلى هذين الرجلين اختصا ابني الإمام وكان أبو حمو أشد اعتناء بهما ثم بعده ابنه أبو تاشفين ثم زادت حظوتهما عند أمير المسلمين أبي الحسن إلى أن توفي أبو زيد في العشر الأوسط من رمضان عام أحد وأربعين وسبعمائة بعد وقعة طريف بأشهر فزادت مرتبة أبي موسى عند السلطان إلى أن كان من أمر السلطان بإفريقية ما كان في أول عام تسعة وأربعين وكان أبو موسى قد صدر عنه قبل الوقعة فتوجه صحبة ابنه أمير المسلمين أبي عنان إلى فاس ثم رده إلى تلمسان وقد استولى عليها عثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيان فكان عنده إلى أن مات الفقيه عقب الطاعون العام
قال لي خطيب الحضرة الفاسية أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن مالك بن عبد الله الرندي لما أزمع الفقيه ومن أطلق معه على القفول إلى تلمسان بت على تشييعهم فرأيتني كأنني نظمت هذا البيت في المنام
( وعند وداع القوم ودعت سلوتي ** وقلت لها بيني فأنت المودع )
فانتهبت وهو في في فحاولت قريحتي بالزيادة عليه فلم يتيسر لي مثله
ولما استحكم ملك أبي تاشفين واستوثق رحل الفقيهان إلى المشرق في حدود العشرين وسبعمائة فلقيا علاء الدين القونوي وكان بحيث إني لما رحلت فلقيت أبا علي حسين بن حسين ببجاية قال لي إن قدرت أن لا يفوتك شيء من كلام القونوي حتى تكتب جميعه فافعل فإنه لا نظير له ولقيا أيضا جلال الدين القزويني صاحب البيان وسمعا صحيح البخاري على الحجار وقد سمعته أنا عليهما وناظرا تقي الدين بن تيمية وظهرا عليه وكان ذلك من أسباب محنته وكانت له مقالات فيما يذكر وكان شديد الإنكار على الإمام فخر الدين حدثني
____________________
(5/216)

شيخي العلامة أبو عبد الله الآبلي أن عبد الله بن إبراهيم الزموري أخبره أنه سمع ابن تيمة ينشد لنفسه
( محصل في أصول الدين حاصله ** من بعد تحصيله علم بلا دين )
( أصل الضلالة والإفك المبين فما ** فيه فأكثره وحي الشياطين )
قال وكان في يده قضيب فقال والله لو رأيته لضربته بهذا القضيب هكذا ثم رفعه ووضعه
وبحسبك مما طار لهذين الرجلين من الصيت بالمشرق أني لما حللت بيت المقدس وعرف به مكاني من الطلب وذلك أني قصدت قاضيه شمس الدين بن سالم ليضع لي يده على رسم أستوجب به هنالك حقا فلما أطللت عليه عرفه بي بعض من معه فقال إلي حتى جلست ثم سألني بعض الطلبة بحضرته فقال لي إنكم معشر المالكية تبيحون للشامي يمر بالمدينة أن يتعدى ميقاتها إلى الجحفة وقد قال رسول الله بعد ان عين المواقيت لأهل الآفاق هن لهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن وهذا قد مر علي ذي الحليفة وليس من أهله فيكون له فقلت له إن النبي قال من غير أهلهن أي من غير أهل المواقيت وهذا سلب كلي وإنه غير صادق على هذا الفرد ضرورة صدق نقيضه وهو الإيجاب الجزئي عليه لأنه من بعض أهل المواقيت قطعا فلما لم يتناوله النص رجعنا إلى القياس ولا شك أنه لا يلزم أحدا أن يحرم قبل ميقاته وهو يمر به لكن من ليس من أهل الجحفة لا يمر بميقاته إذا مر بالمدينة فوجب عليه الإحرام من ميقاتها بخلاف أهل الجحفة فإنها بين أيديهم وهم يمرون عليها فوقعت من نفوس أهل البلد بسبب ذلك فلما عرفت أتاني آت من أهل المغرب فقال لي تعلم أن مكانك في
____________________
(5/217)

نفوس أهل هذا البلد مكين وقدرك عندهم رفيع وأنا أعلم انقباضك عن ابني الإمام فإن سئلت فانتسب لهما فقد سمعت منهما وأخذت عنهما ولا تظهر العدول عنهما إلى غيرهما فتضع من قدرك فإنما أنت عند هؤلاء الناس خليفتهما ووارث علمهما وأن لا أحد فوقهما
( وليس لما تبني يد الله هادم ** )
وشهدت مجلسا بين يدي السلطان أبي تاشفين عبد الرحمن بن أبي حمو ذكر فيه أبو زيد ابن الإمام أن ابن القاسم مقلد مقيد النظر بأصول مالك ونازعه أبو موسى عمران بن موسى المشدالي وادعى أنه مطلق الاجتهاد واحتج له بمخالفته لبعض ما يرويه ويبلغه عنه لما ليس من قوله واتى من ذلك بنظائر كثيرة قال فلو تقيد بمذهبه لم يخالفه لغيره فاستظهر أبو زيد بنص لشرف الدين التلمساني مثل فيه الاجتهاد المخصوص باجتهاد ابن القاسم بالنظر إلى مذهب مالك والمزني إلى الشافعي فقال عمران هذا مثال والمثال لا تلزم صحته فصاح به أبو موسى ابن الإمام وقال لأبي عبد الله ابن أبي عمرو تكلم فقال لا أعرف ما قال هذا الفقيه الذي أذكره من كلام أهل العلم أنه لا يلزم من فساد المثال فساد الممثل فقال أبو موسى للسلطان هذا كلام أصولي محقق فقلت لهما وأنا يومئذ حديث السن ما أنصفتما الرجل فإن المثل كما تؤخذ على جهة التحقيق كذلك تؤخذ على طريق التقريب ومن ثم جاء ما قاله هذا الشيخ أعني ابن أبي عمرو وكيف لا وهذا سيبويه يقول وهذا مثال ولا يتكلم به فإذا صح أن المثال قد يكون تقريبا فلا يلزم صحة المثال ولا فساد الممثل لفساده فهذان القولان من أصل واحد
____________________
(5/218)


وشهدت مجلسا آخر عند هذا السلطان قرئ فيه على أبي زيد ابن الإمام حديث لقنوا موتاكم لا إله إلا الله في صحيح مسلم فقال له الأستاذ أبو إسحاق ابن حكم السلوي هذا الملقن محتضر حقيقة ميت مجازا فما وجه ترك محتضريكم إلى موتاكم والأصل الحقيقة فأجابه أبو زيد بجواب لم يقنعه وكنت قد قرأت على الأستاذ بعض التنقيح فقلت زعم القرافي أن المشتق إنما يكون حقيقة في الحال مجازا في الاستقبال مختلفا فيه في الماضي إذا كان محكوما به أما إذا كان متعلق الحكم كما هنا فهو في حقيقة مطلقا إجماعا وعلى هذا التقرير لا مجاز فلا سؤال لا يقال إنه احتج على ذلك بما فيه نظر لأنا نقول أنه نقل الإجماع وهو أحد الأربعة التي لا يطالب مدعيها بالدليل كما ذكر أيضا بل نقول إنه أساء حيث احتج في موضع الوفاق كما أساء اللخمي وغيره في الاحتجاج على وجوب الطهارة ونحوها بل هذا أشنع لكونه مما علم من الدين بالضرورة ثم إنا لو سلمنا نفي الإجماع فلنا أن نقول إن ذلك إشارة إلى ظهور العلامات التي يعقبها الموت عادة لأن تلقينه قبل ذلك إن لم يدهش فقد يوحش فهو تنبيه على وقت التلقين أي لقنوا من تحكمون بأنه ميت أو نقول إنما عدل عن الاحتضار لما فيه من الإبهام ألا ترى اختلافهم فيه هل أخذ من حضور الملائكة أو حضور الأجل أو حضور الجلاس ولا شك أن هذه حالة خفية يحتاج في نصبها دليلا على الحكم إلى وصف ظاهر يضبطها وهو ما ذكرناه أو من حضور الموت وهو أيضا مما لا يعرف بنفسه بل بالعلامات فما وجب اعتبارها وجب كون تلك التسمية إشارة إليها والله تعالى أعلم
كان أبو زيد يقول فيما جاء من الأحاديث من معنى قول ابن أبي زيد وإذا سلم الإمام فلا يثبت بعد سلامه ولينصرف إن ذلك بعد أن ينتظر بقدر ما يسلم من خلفه لئلا يمر بين يدي أحد وقد ارتفع عنه حكمه فيكون كالداخل مع المسبوق جمعا بين الأدلة قلت وهذا من ملح الفقيه
____________________
(5/219)


اعترض عند أبي زيد قول ابن الحاجب ولبن الآدمي والمباح طاهر بأنه إنما يقال في الآدمي لبان فأجاب بالمنع واحتج بقول النبي اللبن للفحل وأجيب بأن قول ذلك لتشريكه المباح معه في الحكم لأن اللبان خاص به وليس موضع تغليب لأن اللبان ليس بعاقل ولا حجة على تغليب ما يختص بالعاقل
تكلم أبو زيد يوما في مجلس تدريسه في الجلوس على الحرير فاحتج إبراهيم السلوي للمنع بقول أنس فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فمنع أبو زيد أن يكون إنما أراد باللباس الافتراش فحسب لاحتمال أن يكون إنما أراد التغطية معه أو وحدها وذكر حديثا فيه تغطية الحصير فقلت كلا الأمرين يسمى لباسا قال الله عز وجل { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } البقرة 187 وفيه بحث
كان أبو زيد يصحف قول الخونجي في الجمل والمقارنات التي يمكن اجتماعه معها فيقول والمفارقات ولعله في هذا كما قال أبو عمرو ابن العلاء لللأصمعي لما قرأ عليه
( وغررتني وزعمت أنك لابن بالصيف تامر ** )
فقال
( وغررتني وزعمت أنك لا تني بالضيف تامر ** )
فقال أنت في تصحيفك أشعر من الحطيئة أو كما حكي عمن صلى بالخليفية في رمضان ولم يكن يومئذ يحفظ القرآن فكان ينظر في المصحف فصحف آيات صنعة الله أصيب بها من أساء إنما المشركون نحس وعدها
____________________
(5/220)

أباه تقية الله خير لكم هذا أن دعوا للرحمن ولدا لكل امرئ منهم يومئذ شأن يعنيه
سمعت أبا زيد يقول إن أبا العباس الغماري التونسي أول من أدخل معالم الإمام فخر الدين للمغرب وبسبب ما قفل به من الفوائد رحل أبو القاسم ابن زيتون
وسمعته يقول إن ابن الحاجب ألف كتابه الفقهي من ستين ديوانا وحفظت من وجادة أنه ذكر عند أبي عبد الله ابن قطرال المراكشي أن ابن الحاجب اختصر الجواهر فقال ذكر هذا لأبي عمرو حين فرغ منه فقال بل ابن شاس اختصر كتابي قال ابن قطرال وهو أعلم بصناعة التأليف من ابن شاس والإنصاف أنه لا يخرج عنه وعن ابن بشير إلا في الشيء اليسير فهما أصلاه ومعتمداه ولا شك أن له زيادات وتصرفات تنبئ عن رسوخ قدمه وبعد مداه
وكان أبو زيد من العلماء الذين يخشون الله حدثني أمير المؤمنين المتوكل أبو عنان أن والده أمير المسلمين أبا الحسن ندب الناس إلى الإعانة بأموالهم على الجهاد فقال له أبو زيد لا يصح لك هذا حتى تكنس بيت المال وتصلي ركعتين كما فعل علي ابن أبي طالب وسأله أبو الفضل ابن أبي مدين الكاتب ذات يوم عن حاله وهو قاعد ينتظر خروج السلطان فقال له أما الآن فأنا مشرك فقال أعيذك من ذلك فقال لم أرد الشرك في التوحيد لكن في التعظيم والمراقبة وإلا فأي شيء جلوسي ههنا
والشيء بالشيء يذكر قمت ذات يوم على باب السلطان بمراكش فيمن
____________________
(5/221)

ينتظر خروجه فقام إلى جانبي شيخ من الطلبة وأنشدني لأبي بكر ابن الخطاب رحمه الله تعالى
( أبصرت أبواب الملوك تغص بالراجين ** إدراك العلا والجاه )
( مترقبين لها فمهما فتحت ** خروا لأذقان لهم وجباه )
( فأنفت من ذاك الزحام وأشفقت ** نفسي على إنضاء جسمي الواهي )
( ورأيت باب الله ليس عليه من ** متزاحم فقصدت باب الله )
( وجعلته من دونهم لي عدة ** وأنفت من غيي وطول سفاهي )
يقول جامع هذا المؤلف رأيت بخط عالم الدنيا ابن مرزوق على هذا المحل من كلام مولاي الجد مقابل قوله ورأيت باب الله ما صورته قلت ذلك لسعته أو لقلة أهله
( إن الكرام كثير في البلاد وإن ** قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا ) { قل لا يستوي الخبيث والطيب } الآية المائدة 100 انتهى
رجع إلى كلام مولاي الجد قال رحمه الله تعالى ورضي عنه وحدثني شيخ من أهل تلمسان أنه كان عند أبي زيد مرة فذكر القيامة وأهوالها فبكى فقلت لا بأس علينا وأنتم أمامنا فصاح صيحة واسود وجهه وكاد يتفجر دما فلما سري عنه رفع يديه وطرفه إلى السماء وقال اللهم لا تفضحنا مع هذا الرجل وأخباره كثيرة
وأما شقيقه أبو موسى فسمعت عليه كتاب مسلم واستفدت منه كثيرا
____________________
(5/222)

فمما سألته عنه قول ابن الحاجب في الاستلحاق وإذا استلحق مجهول النسب إلى قوله أو الشرع بشهرة نسبه كيف يصح هذا القسم مع فرضه مجهول النسب فقال يمكن أن يكون مجهول النسب في حال الاستلحاق ثم يشتهر بعد ذلك فيبطل الاستلحاق فكأنه يقول ألحقه ابتداء ودواما ما لم يكذبه أحد هذه هي إحدى الحالتين إلا أن هذا إنما يتصور في الدوام فقط ومما سألته عنه أن الموثقين يكتبون الصحة والجواز والطوع على ما يوهم القطع وكثيرا ما ينكشف الأمر بخلافه ولو كتبوا مثلا ظاهر الصحة والجواز والطوع لبرئوا من ذلك فقال لي لما كان مبنى الشهادة وأصلها العلم لم يجمل ذكر الظن ولا ما في معناه احتمال فإذا أمكن العلم بمضمونها لم يجز أن يحمل على غيره فإذا تعذر كما ها هنا بني باطن أمرها على غاية ما يسعه فيه الإمكان عادة وأجري ظاهره على ما ينافي أصلها صيانة لرونقها ورعاية لما كان ينبغي أن تكون عليه لولا الضرورة قلت ولذلك عقد ابن فتوح وغيره عقود الجوائح على ما يوهم العلم بالتقدير مع ان ذلك إنما يدرك بما غايته الظن في الحزر والتخمين وكانا معا يذهبان إلى الإختيار وترك التقليد
3 - وممن أخذت عنه أيضا حافظها ومدرسها ومفتيها أبو موسى عمران ابن موسى بن يوسف المشدالي صهر شيخ المدرسين أبي علي ناصر الدين على ابنته وكان قد فر من حصار بجاية فنزل الجزائر فبعث فيه أبو تاشفين وأنزله من التقريب والإحسان بالمحل المكين فدرس بتلمسان الحديث والفقه والأصلين والنحو والمنطق والجدل والفرائض وكان كثيرا الاتساع في الفقه والجدل مديد الباع فيما سواهم مما ذكر سألته عن قول ابن الحاجب في
____________________
(5/223)

السهو فإن أخال الإعراض فمبطل عمده فقال معناه أخال غيره أنه معرض فحذف المفعول لجوازه وأقام المصدر مقام المفعولين كما يقوم مقامه ما في معناه من أن وأن قال الله العظيم { الم أحسب الناس أن يتركوا } العنكبوت 1 - 2 قلت وأقوى من هذا أن يكون المصدر هو المفعول الثاني وحذف الثالث اختصارا لدلالة المعنى عليه أي فإن أخال الإعراض كائنا قالوا خلت ذلك وقد أعربت الآية بالوجهين وهذا عندي أقرب ومن هذا الباب ما يكتب به القضاة من قولهم أعلم باستقلاله فلان أي أعلم فلان من يقف عليه بأن الرسم مستقل فحذفوا الأول وصاغوا ما بعده المصدر
سئل عمران وأنا عنده عما صبغ من الثياب بالدم فكانت حمرته منه فقال يغسل فإن لم يخرج شيء من ذلك في الماء فهو طاهر لأن المتعلق به على هذا التقدير ليس إلا لون النجاسة وإذا عسر قلعه بالماء فهو عفو وإلا وجب غسله إلى أن لا يخرج منه شيء قلت في البخاري قال معمر رأيت الزهري يصلي فيما صبغ بالبول من ثياب اليمن وتفسيره على ما ذكره عمران وكان قد صاهر لقاضي الجماعة أبي عبد الله بن هربة على ابنته فلم تزل عنده إلى أن توفي عنها
4 ومنهم مشكاة الأنوار الذي يكاد زيته يضيء ولو لم تمسسه نار الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن حكم السلوي رحمه الله تعالى ورد تلمسان بعد العشرين ثم لم يزل بها إلى أن قتل يوم دخلت على بني عبد الواد وذلك في الثامن والعشرين من شهر رمضان عام سبعة وثلاثين وسبعمائة
قال لي الشيخ ابن مرزوق ابتدأ أمر بني عبد الواد بقتلهم لأبي الحسن السعيد وكان أسمر لأم ولد تسمى العنبر وختم بقتل أبي الحسن ابن عثمان إياهم وهو بصفته المذكورة حذوك النعل بالنعل فسبحان من دقت حكمته في كل شيء
____________________
(5/224)

ولما وقف الرفيقان أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري ومحمد بن عبد الرحمن بن الحكيم الرندي في رحلتهما على قبر السعيد بعباد تلمسان تناول ابن الحكيم فحمة ثم كتب بها على جدار هناك
( انظر ففي إليك اليوم معتبر ** إن كنت ممن بعين الفكر قد لحظا )
( بالأمس أدعى سعيدا والورى خولي ** واليوم يدعى سعيدا من بي اتعظا )
قال ابن حكم كان أول اتصالي بالأستاذ أبي عبد الله ابن آجروم أني دخلت عليه وقد حفظت بعض كتاب المفصل فوجدت الطلبة يعربون بين يديه هذا البيت
( عهدي به الحي الجميع وفيهم ** قبل التفرق ميسر وندام )
وقد عمي عليهم خبر عهدي فقلت له قد سدت الحال وهي الجملة بعده مسده فقال لي بعض الطلبة وهل يكون هذا في الجملة كما كان في قولك ضربي زيدا قائما فقلت له نعم قال رسول الله أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد
ذكر أبو زيد ابن الإمام يوما في مجلسه أنه سئل بالمشرق عن هاتين الشرطيتين { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } الأنفال 23 فإنهما تستلزمان بحكم الإنتاج لو علم الله فيهم خيرا لتولوا وهو محال ثم أراد أن يرى ما عند الحاضرين فقال ابن حكم قال الخونجي والإهمال بإطلاق لفظ لو وإن في المتصلة فهاتان القضيتان على هذا مهملتان والمهملة في قوة الجزئية ولا قياس عن جزئيتين فلما اجتمعت ببجاية بأبي علي حسين بن حسين وأخبرته بهذا وبما أجاب به الزمخشري وغيره مما يرجع إلى انتفاء تكرر الوسط قال لي الجوابان به في المعنى سواء لأن القياس على
____________________
(5/225)

الجزئيتين إنما امتنع لانتفاء أمر تكرر الوسط فأخبرت بذلك شيخنا الآبلي فقال إنما يقوم القياس على الوسط ثم يشترط فيه بعد ذلك أن لا يكون من جزئيتين ولا سالبتين إلى سائر ما يشترط فقلت ما المانع من كون هذه الشروط تفصيلا لمجمل ما ينبني عليه من الوسط وغيره وإلا فلا مانع غير ما قاله ابن حسين قال الآبلي وقد أجبت بجواب السلوى ثم رجعت إلى ما قاله الناس لوجوب كون مهملات القرآن كلية لأن الشرطية لا تنتج جزئية فقلت هذا فيما يساق منها للحجة مثل { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } الأنبياء 22 أما في مثل هذا فلا
ولما ورد تلمسان الشيخ الأديب أبو الحسن ابن فرحون نزيل طيبة على تربتها السلام سأل ابن حكم عن معنى هذين البيتين
( رأيت قمر السماء فأذكرتني ** ليالي وصلها بالرقمتين )
( كلانا ناظر قمرا ولكن ** رأيت بعينها ورأت بعيني )
ففكر ثم قال لعل هذا الرجل كان ينظر إليها وهي تنظر إلى قمر السماء فهي تنظر إلى القمر حقيقة وهو لإفراط الاستحسان يرى أنها الحقيقة فقد رأى بعينها لأنها ناظرة الحقيقة وأيضا فهو ينظر إلى قمر مجازا وهو لإفراط الاستحسان لها يرى أن قمر السماء هو المجاز فقد رأت بعينه لأنها ناظرة المجاز
قلت ومن ههنا تعلم وجه الفاء في قوله فأذكرتني لأنه لما صارت رؤيتها رؤيته وصار القمر حقيقة إياها كان قوله رأت قمر السماء فأذكرتني بمثابة قولك أذكرتني فتأمله فإن بعض من لا يفهم كلام الأستاذ حق الفهم ينشده وأذكرتني فالفاء في البيت الأول مبنية على معنى البيت الثاني لأنها
____________________
(5/226)

مبنية عليه وهذا النحو يسمى الإيذان في علم البيان
ولما اجتمعنا بأبي الوليد ابن هانىء مقدمه علينا من غرناطة سأل ابن حكم عن تكرار من في قوله تعالى { سواء منكم من أسر القول ومن جهر به } الرعد 10 دون ما بعدها فقال لولا تكررها أولا لتوهم التضاد بتوهم اتحاد الزمان فارتفع بتكرار الموضوع أما الآخر فقد تكرر الزمان فارتفع توهم التضاد فلم يحتج إلى زائد على ذلك فقلت فهلا اكتفى بسواء عن تكرار الموضوع لأن التسوية لا تقع إلا بين أمرين وإنما الجواب عندي أنها تكررت أولا على الأصل لأنهما صنفان يستدعيها كل واحد منهما أن تقع عليه ثم اختصرت ثانيا لفهم المراد من التفصيل بالأول مع أمن اللبس وقد أجاب الزمخشري بغير هذين فانظره
سألني ابن حكم المذكور عن نسب المجيب في هذا البيت
( ومهفهف الأعطاف قلت له انتسب ** فأجاب ما قتل المحب حرام )
ففكرت ثم قلت أراه تميميا لإلغائه ما النافية فاستحسنه مني لصغر سني يومئذ
تذاكرت يوما مع ابن حكم في تكملة البدر بن محمد بن مالك لشرح التسهيل لأبيه ففضلت عليه كلام أبيه ونازعني الأستاذ فقلت
( عهود من الآبا توارثها الأبنا ** )
فمارأيت بأسرع من أن قال
( بنوا مجدها لكن بنوهم لها أبنى ** )
فبهت من العجب
____________________
(5/227)


وتوفي الشيخ ابن مالك سنة اثنتين وسبعين وستمائة وفيها ولد شيخنا عبد المهيمن الحضرمي فقيل مات فيها إمام نحو وولد فيها إمام نحو
سألت ابن حكم عن قول فخر الدين في أول المحصل وعندي أن شيئا منها غير مكتسب بمعنى لا شيء ولا واحد هل له أصل في العربية أو هو كما قيل من بقايا عجمته فقال لي بل له أصل وقد حكى ابن مالك مثله عن العرب فلم يتفق أن استوقفه عليه ثم لم أزل أستكشف عنه كل من أظن أن لديه شيئا منه فلم أجد من عنده أثارة منه حتى مر بي في باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليها كان من شرح التسهيل قوله فإن تقدم على الاستفهام أحد المفعولين نحو علمت زيدا أبو من هو اختير نصبه لأن الفعل مسلط عليه فلا مانع ويجوز رفعه لأنه والذي بعد الاستفهام شيء واحد في المعنى فكأه في حيز الاستفهام والاستفهام مشتمل عليه وهو نظير قوله إن أحد إلا يقول ذلك وأحد هذا لا يقع إلا بعد نفي ولكن لما كان هنا والضمير المرفوع بالقول شيئا واحدا في المعنى تنزل منزلة واقع بعد نفي فعلمت أنه نحا إلى هذا لأن شيئا ههنا والضمير المرفوع بمكتسب المنفي في المعنى شيء واحد فكان شيئا كأنه وقع بعد غير أي بعد النفي
سأل ابن فرحون ابن حكم هل تجد في التنزيل ست فاءات مرتبة ترتيبها في هذا البيت
( رأى فحب فرام الوصل فامتنعت ** فسام صبرا فأعيا نيله فقضى )
ففكر ثم قال نعم { فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون } إلى آخره القلم 19 فمنعت له البناء في فتنادوا فقال لابن فرحون فهل عندك غيره فقال نعم { فقال لهم رسول الله } إلى آخر السورة فمنع له
____________________
(5/228)

بناء الآخرة لقراءة الواو فقلت امنع ولا تسند فيقال لك إن المعاني قد تختلف باختلاف الحروف وإن كان السند لا يسمع الكلام عليه وأكثر ما وجدت الفاء تنتهي في كلامهم إلى هذا العدد سواء بهذا الشرط وبدونه كقوله نوح عليه السلام { فعلى الله توكلت } الآية يونس 71 وكقول امرئ القيس
( غشيت ديار الحي بالبكرات )
البيتين لا يقال فالجب سابع لأنا نقول إنه عطف على عاقل المجرد منها ولعل حكمة الستة أنها أول الأعداد التامة كما قيل في حكمة خلق السموات والأرض فيها وشأن اللسان عجيب
وقوله في هذا البيت فحب لغة قليلة جرى عليها محبوب كثيرا حتى استغنى به عن محب فلا تكاد تجده إلا في قول عنترة
( ولقد نزلت فلا تظني غيره ** مني بمنزلة المحب المكرم )
ونظيره محسوس من حس والأكثر أحس ولا تكاد تجد محسا وهذا التوجيه أحسن من قول القرافي في شرح التنقيح إنهم أجروا محسوسات مجرى معلومات لأن الحس أحد طرق العلم
سمعت ابن حكم يقول بعث بعض أدباء فاس إلى صاحب له
( ابعث إلي بشيء ** مدار فاس عليه )
( وليس عندك شيء ** مما أشير إليه )
فبعث إليه ببطة من مري يشير بذلك إلى الرياء
____________________
(5/229)


وحدثت أن قاضيها أبا محمد عبد الله بن أحمد بن الملجوم حضر وليمة وكان كثير البلغم فوضع بين يديه صهره أبو العباس ابن الأشقر غضارا من اللون المطبوخ بالمري لمناسبته لمزاجه فخاف أن يكون قد عرض له بالرياء
وكان ابن الأشقر يذكر بالوقوع في الناس فناوله القاضي غضار المقروض فاستحسن الحاضرون فطنته
5 - ومنهم عالم الصلحاء وصالح العلماء وجليس التنزيل وحليف البكاء والعويل أبو محمد عبد الله بن عبد الواحد بن إبراهيم بن الناصر المجاصي خطيب جامع القصر الجديد وجامع خطتي التحديث والتجويد ويسميه أهل مكة البكاء ولما قدم أبو الحسن علي بن موسى البحيري سأل عنه فقيل له لو علم بك أتاك فقال أنا آتي من سمعت سيدي أبا زيد الهزميري يقول له لأول ما رآه ولم يكن يعرفه قبل ذلك مرحبا بالفتى الخاشع أسمعنا من قراءتك الحسنة
دخلت عليه بالفقيه أبي عبد الله السطي في أيام عيد فقدم لنا طعاما فقلت لو أكلت معنا فرجونا بذلك ما يرفع من حديث من أكل مع مغفور له غفر له فتبسم وقال لي دخلت على سيدي أبي عبدالله الفاسي بالإسكندرية فقدم طعاما فسألته عن هذا الحديث فقال وقع في نفسي منه شيء فرأيت النبي في المنام فسألته عنه فقال لي لم أقله وأرجو أن يكون كذلك
وصافحته بمصافحته الشيخ أبا عبد الله زيان بمصافحته أبا سعيد عثمان بن عطية الصعيدي بمصافحته أبا العباس أحمد الملثم بمصافحته المعمر بمصافحته رسول الله
____________________
(5/230)


وسمعته يحدث عن شيخه أبي محمد الدلاصي أنه كان للملك العادل مملوك اسمه محمد فكان يخصه لدينه وعقله بالنداء باسمه وإنما كان ينعق بمماليكه يا ساقي يا طباخ يا مزين فنادى به ذات يوم يا فراش فظن ذلك لموجدة عليه فلما لم ير أثر ذلك وتصورت له به خلوة سأله عن مخالفته لعادته معه فقال لا عليك كنت حينئذ جنبا فكرهت ذكر رسول الله في تلك الحالة
ومما نقلته من خط المجاصي ثم قرأته عليه فحدثني به قال حدثني القاضي أبو زكريا يحيى بن محمد بن يحيى بن أبي بكر ابن عصفور قال حدثني جدي يحيى المذكور أخبرنا محمد بن عبد الرحمن التجيبي المقرىء بتلمسان حدثنا الحافظ أبو محمد يعني والله أعلم عبد الحق الإشبيلي أخبرنا أبو غالب أحمد ابن الحسن المستعمل أخبرنا أبو الفتوح عبد الغافر بن الحسين بن أبي الحسن ابن خلف الألمعي أخبرنا أبو نصر أحمد بن إسحاق النيسابوري أملى علينا أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني أخبرنا محمد بن علي بن الحسين العلوي أخبرنا عبد الله بن إسحاق اللغوي وأنا سألته أخبرنا إبراهيم بن الهيثم البلدي أخبرنا عبد الله بن نافع بن عيسى بن يونس عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله قال لي جبريل ألا أعلمك الكلمات التي قالهن موسى حين انفلق له البحر قلت بلى قال قل اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وبك المستغاث وأنت المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله قال ابن مسعود فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ثم تسلسل الحديث على ذلك كل أحد من رجاله يقول ما تركتهن منذ سمعتهن من فلان لشيخه وقد سمعت المجاصي
____________________
(5/231)

يكررها كثيرا وما تركتهن منذ سمعتهن منه
وانشدني المجاصي قال أنشدني نجم الدين الواسطي أنشدني شرف الدين الدمياطي أنشدني تاج الدين الأرموي مؤلف الحاصل قال أنشدني الإمام فخر الدين لنفسه
( نهاية إقدام العقول عقال ** وأكثر سعي العالمين ضلال )
( وأرواحنا في وحشة من جسومنا ** وحاصل دنيانا أذى ووبال )
( ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا )
( وكم من رجال قد رأينا ودولة ** فبادوا جميعا مسرعين وزالوا )
( وكم من جبال قد علت شرفاتها ** رجال فماتوا والجبال جبال )
وتوفي المجاصي في العشر الأخر من شهر ربيع الأول عام أحد وأربعين وسبعمائة
6 - ومنهم الشيخ الشريف القاضي الرحلة المعمر أبو علي حسن بن يوسف ابن يحيى الحسيني السبتي
أدرك أبا الحسين ابن أبي الربيع وأبا القاسم العزفي واختص بابن عبيدة وابن الشاط ثم رحل إلى المشرق فلقي ابن دقيق العيد وحلبته ثم قفل فاستوطن تلمسان إلى أن مات بها سنة أربع وخمسين أوثلاث وخمسين وسبعمائة قرأ علينا حديث الرحمة وهو أول حديث سمعته منه حدثنا الحسن بن علي بن عيسى ابن الحسن اللخمي وهو أول حديث سمعته منه أخبرنا علي بن المظفر بن القاسم الدمشقي وهو أول حديث سمعته منه أخبرنا أبو الفرج محمد بن عبد الرحمن بن أبي العز الواسطي وهو أول حديث سمعته منه أخبرنا أبو العز
____________________
(5/232)

عبد المغيث بن زهير وهو أول حديث سمعته منه أخبرنا زاهر بن طاهر بن محمد الشحامي وهو أول حديث سمعته منه ( ح ) قال الحسن بن علي وحدثنا أيضا عاليا الحسن بن محمد البكري وهو أول حديث سمعته منه أخبرنا أبو الفتوح محمد بن محمد بن محمد بن الجنيد الصوفي وهو أول حديث سمعته منه أخبرنا زاهر بن طاهر وهو أول حديث سمعته منه أخبرنا أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي الفضائل عبد الوهاب بن صالح عرف بابن المغرم إمام جامع همذان بها وهو أول حديث سمعته منه أخبرنا أبو منصور عبد الكريم بن محمد بن حامد المعروف بابن الخيام وهو أول حديث سمعته منه أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك وهو أول حديث سمعته منه حفظا أخبرنا أبو الطاهر محمد بن محمد بن مخمش الزيادي وهو أول حديث سمعته منه أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن هلال البزار وهو أول حديث سمعته منه أخبرنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم وهو أول حديث سمعته منه أخبرنا سفيان بن عيينة وهو أول حديث سمعته منه عن عمرو ابن دينار عن أبي قابوس مولى لعبد الله بن عمرو بن العاص عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله قال الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء
( ح ) وحدثني الشريف أيضا كذلك بطريقة عن السلفي بأحاديثه المشهورة فيه وهذا الحديث أخرجه الترمذي وقال (1)
قال لي الشريف قال لي القاضي أبو العباس الرندي لما قدم أبو العباس ابن الغماز من بلنسية نزل بجاية فجلس بها في الشهود مع عبد الحق بن ربيع
____________________
1- حديث حسن صحيح
(5/233)


____________________
(5/234)

فجاء عبد الحق يوما وعليه برنس أبيض وقد حسنت شارته وكملت هيأته فلما نظر إليه ابن الغماز أنشده
( لبس البرنس الفقيه فباهى ** ورأى أنه المليح فتاها )
( لو زليخا رأته حين تبدى ** لتمنته أن يكون فتاها )
وبه أن ابن الغماز جلس لارتقاب الهلال بجامع الزيتونة فنزل الشهود من المئذنة وأخبروا أنهم لم يهلوه وجاء حفيد له صغير فأخبره أنه أهله فردهم معه فأراهم إياه فقال ما أشبه الليلة بالبارحة وقع لنا مثل هذا مع أبي الربيع ابن سالم فأنشدنا فيه
( توارى هلال الأفق عن أعين الورى ** وأرخى حجاب الغيم دون محياه )
( فلما تصدى لارتقاب شقيقه ** تبدى له دون الأنام فحياه )
سمعت الشريف يقول أول زجل عمل في الدنيا
( بالله يا طير مدلل ** مر بي وسط القفار )
( إياك تجدد لعاده ** ترمي حجيرة في داري )
7 - ومنهم قاضي جماعتها وكاتب خلافتها وخطيب جامعها أبو عبد الله محمد بن منصور بن علي بن هدية القرشي من ولد عقبة بن نافع الفهري نزلها سلفه قديما وخلفه بها إلى الآن توفي في أواسط سنة خمس وثلاثين وسبعمائة وشهد جنازته سلطانها يومئذ أبو تاشفين وولى ابنه أبا علي منصورا مكانه يومئذ ولما ثقل لسانه دعا ابنه هذا فقال له اكتب هذين البيتين فإني نظمتهما على هذه الحالة فكتب
( إلهي مضت للعمر سبعون حجة ** جنيت بها لما جنيت الدواهيا )
____________________
(5/234)


( وعبدك قد أمسى عليل ذنوبه ** فجد لي برحمى منك نعم الدواهيا )
ولما ورد الأديب أبو عبد الله محمد بن محمد المكودي من المغرب رفع إليه قصيدة أولها
( سرت والدجى لم يبق إلا يسيرها ** نسيم صبا يحيي القلوب مسيرها )
وفيها الأبيات العجاب التي سارت سير الأمثال وهي قوله
( وفي الكلة الحمراء حمراء لو بدت ** لثكلى لولى ثكلها وثبورها )
( فما يستوي مثوى لها من سوى القنا ** خيام ومن بيض الصفاح ستورها )
( وما بسوى صدق الغرام أرومها ** ولا بسوى زور الخيال أزورها )
فأحسن إليه وكلم السلطان حتى أرسل جرايته عليه وقد شهدت المكودي وهذه القصيدة تقرأ عليه
8 - ومنهم القاضي أبو عبد الله محمد بن احمد بن علي بن أبي عمرو التميمي
أدرك ابن زيتون وأخذ عن أبي الطاهر ابن سرور وحلبته وعنه أخذت شرح المعالم له وولي القضاء بتلمسان مرات فلم تستفزه الدنيا ولا باع الفقر بالغنى
9 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد النور
قاضي الجماعة بعد ابن أبي عمرو وكانت له رحلة إلى المشرق لقي بها
____________________
(5/235)

جلال الدين القزويني وحلبته وتوفي بتونس في الوباء العام في حدود الخمسين وسبعمائة
10 - ومنهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن الحسين البروني
قدم عليها من الأندلس فأقام إلى أن مات سمعته يقول البقر العدوية كالإبل المهملة في الصحراء لا يجوز أن تباع بالنظر إليها لكن بعد أن تمسك ويستولى عليها 11 - ومنهم أبو عمران موسى المصمودي الشهير بالبخاري
سمعت البروني يقول كان الشيخ أبو عمران يدرس صحيح البخاري ورفيق له يدرس صحيح مسلم فكانا يعرفان بالبخاري ومسلم فشهدا عنه قاض فطلب المشهود عليه الإعذار فيهما فقال له أبو عمران أتمكنه من الإعذار في الصحيحين فضحك القاضي وأصلح بين الخصمين
سألته عما ضربه ابن هدية عليه من إباحة الاستياك في رمضان بقشر الجوز فقال لي نعم ويبلع ريقه تأول رحمه الله تعالى أن الخصال المذكورة في السواك إنما تجتمع في الجوز فكان يحمل كل ما روى فيه عليه وهذا غلط فاحش لأن العرب لا تكاد تعرفه ونظر إلى ما في البخاري من قوله بعد أن ذكر جواز السواك للصائم ولا بأس أن يبتلع ريقه يعني الصائم في الجملة فحمله على المستاك بالجوز وكان رحمه الله تعالى قليل الإصابة في الفتيا كثير المصيبات عليها
12 - ومنهم نادرة الأعصار أبو عبد الله محمد بن يحيى بن علي بن النجار
____________________
(5/236)


قال لي العلامة الآبلي ما قرأ أحد علي حتى قلت له لم أبق عندي ما أقول لك غير ابن النجار
سمعت ابن النجار يقول مر عمل الموقتين على تساوي فضلتي ما بين المغرب والعشاء والفجر والشمس فيؤذنون بالعشاء لذهاب ثماني عشرة درجة وبالفجر لبقائها والجاري على مذهب مالك أن الشفق الحمرة وأن تكون فضلة ما بين العشاءين أقصر لأن الحمرة ثانية الغوارب والطوالع فتزيد فضلة الفجر بمقدار ما بين ابتداء طلوع الحمرة والشمس فعرضت كلامه هذا على المزوار أبي زيد عبد الرحمن بن سليمان اللجائي فصوبه
وذكرت يوما حكاية ابن رشد الاتفاق في الخمر إذا تخللت بنفسها أنها تطهر واعترضته بما في الإكمال عن ابن وضاح أنها لا تطهر فقال لي لا معتبر بقول ابن وضاح هذا لأنه يلزم عليه تحريم الخل لأن العنب لا يصير خلا حتى يكون خمرا وفيه بحث
وذكرت يوما قول ابن الحاجب فيما يحرم من النساء بالقرابة وهي أصول وفصول وفصول أول أصوله وأول فصل من كل أصل وإن علا فقال إن تركب لفظ التسمية العرفية من الطرفين حلت وإلا حرمت فتأملته فوجدته كما قال لأن أقسام هذا الضابط أربعة التركب من الطرفين كابن العم وابنة العم مقابله كالأب والبنت التركب من قبل الرجل كابنة الأخ والعم مقابله كابن الأخت والخالة
وأنشدت يوما عنده على زيادة اللام
( باعد أم العمر من أسيرها ** )
____________________
(5/237)

فقال لي وما يدريك أنه أراد العمر الذي أراده المعري بقوله
( وعمر هند كأن الله صوره ** عمرو بن هند يعني الناس تعنيتا )
وأضاف اللام إليه كما قالوا أم الحليس قلت ولا يندفع هذا بثبوت كون المعنية أم عمرو لأن ذلك لا يمنع إرادة المعنى الأخر فتكون أم عمرو وأم العمر
قال ابن النجار بعثت بهذه الأبيات من نظمي إلى القاضي أبي عبد الله ابن هدية فأخرج لغزها
( إن حروف اسم من كلفت به ** خفت على كل ناطق بفم )
( سائغة سهلة مخارجها ** من أجل هذا تزداد في الكلم )
( صحفه ثم اقلبن مصحفه ** فعل ذكي مهذب فهم )
( واطلبه في الشعر جد مطلبه ** تجده كالصبح لاح في الظلم )
( فإن تأملت بت منه على ** علم وإلا فأنت عنه عمي )
واللغز سلمان وموضعه تأملت بت وتوفي رحمه الله تعالى بتونس أيام الوباء العام
13 - ومنهم الأستاذ المقرىء الراوية الرحلة أبو الحسن علي بن أبي بكر ابن سبع بن مزاحم المكناسي
ورد علينا من المشرق فأقام معنا أعواما ثم رحل إلى فاس فتوفي بها في الوباء العام جمعت عليه السبع وقرأت عليه البخاري والشاطبيتين وغير
____________________
(5/238)

ذلك فأما البخاري فحدثني به قراءة منه على أحمد بن الشحنة الحجار سنة ثلاثين وسبعمائة وكان الحجار قد سمعه على ابن الزبيدي سنة ثلاثين وستمائة وهذا ما لا يعرف له نظير في الإسلام وقد قال عبد الغني الحافظ لا نعرف في الإسلام من وازاه غير عبد الله بن محمد البغوي في قدم السماع فإنه توفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة قال ابن خلاد سمعناه يقول أخبرنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني سنة خمس وعشرين ومائتين وسمعه ابن الزبيدي على أبي الوقت بسنده قال لي ابن مزاحم هذا طريق كله سماع واما الشاطبيتان فحدثني بهما قراءة عليه لجميعهما عن بدر الدين ابن جماعة بقراءتهما عليه عن أبي الفضل هبة الله بن الأزرق بقراءتهما عليه عن المؤلف كذلك وحدثني بتسهيل الفوائد عن ابن جماعة عن المؤلف ابن مالك وغير ذلك
14 - وممن ورد عليها لا يريد الإقامة بها شيخي وبركتي وقدوتي أبو عبد الله محمد بن حسين القرشي الزبيدي التونسي
حدثني بالصحيحين قراءة لبعضهما ومناولة لجميعهما عن أبي اليمن ابن عساكر لقيه بمكة سنة إحدى وثمانين وستمائة بسنده المشهور وحدثني أيضا أن أبا منصور العجمي حدثه بمحضر الشيخين والده حسين وعمه حسن وأثنى عليه دينا وفضلا أنه أدخل ببعض بلاد المشرق على المعمر أدخله عليه بعض ولد ولده فألفاه ملفوفا في قطن وسمع له دويا كدوي النحل فقيل له ألقيت رسول الله ورأيته قال نعم قلت ليس في هذا ما يستراب منه إلا الشيخ المعمر فإنا لا نعرف حاله فإن صح فحديثنا عنه
____________________
(5/239)

ثلاثي وقد تركت سنة خمس وأربعين بمصر رجلا يسمى بعثمان معه تسعون حديثا يزعم أنه سمعها من المعمر وقد أخذت عنه وكتبت منه فهذا ثنائي وأمر المعمر غريب والنفس أميل إلي نفيه
15 - ومنهم إمام الحديث والعربية وكاتب الخلافة العثمانية والعلوية أبو محمد عبد المهيمن بن محمد الحضرمي السبتي
جمع فأوعى واستوهب أكثر المشاهير وما سعى فهو المقيم الظاعن الضارب القاطن سألني عن الفرق بين علم الجنس واسم الجنس فقلت له زعم الخسر وشاهي أنه ليس بالديار المصرية من يعرفه غيره وأنا أقول ليس في الدنيا عالم إلا وهو يعلمه غيره لأنه حكم لفظي أوجب تقديره المحافظة على ضبط القوانين كعدل عمر ونحوه فاستحسن ذلك
وكان ينكر إضافة الحول إلى الله عز وجل فلا يجيز أن يقال بحول الله وقوته قال لأنه لم يرد إطلاقه والمعنى يقتضي امتناعه لأن الحول كالحيلة أو قريب منها
وتوفي بتونس أيام الوباء العام
16 - ومنهم الفقيه المحقق الفرضي المدقق أبو عبد الله محمد بن سليمان بن
____________________
(5/240)

علي السطي قرأت عليه كتاب الحوفي علما وعملا قال لي في قول ابن الحاجب والثمن والثلث والسدس من أربعة وعشرين هذا لا يصح إذ لا يجتمع الثلث والثمن في فريضة وقد سبقه إلى هذا الوهم صاحب المقدمات وسألت عنه ابن النجار فقال لي إنما أراد المقام لأنه يجتمع مع الثلثين والإنصاف أنه لا يحسن التعبير بما لا تصح إرادة نفسه عن غيره فكان الوجه أن يقول والثلثان أو ومقام الثلث ونحو ذلك لأن الثلث إنما يدخل هنا تقديرا لا تحقيقا كما في الجواهر وانظر باب المدبر من كتاب الحوفي فإن فيه موافقة السبعة لعدد لا توافقه فهو من باب الفرض وعليه ينبغي أن يحمل كلام ابن الحاجب
17 - 19 - ومنهم الأستاذ أبو عبد الله الرندي والقاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الرزاق الجزولي والقاضي أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي يحيى في كثير من الخلق فلنضرب عن هذا
20 - ومن شيوخي الصلحاء الذين لقيت بها خطيبها الشيخ أبو عثمان سعيد بن إبراهيم بن علي الخياط أدرك أبا إسحاق الطيار وقد صافحته وأنا صغير لأنه توفي سنة تسع وعشرين بمصافحته أباه بمصافحته الشيخ أبا تميم بمصافحته أبا مدين بمصافحته أبا الحسن ابن حرزهم بمصافحته ابن العربي بمصافحته الغزالي بمصافحته أبا المعالي بمصافحته أبا طالب المكي بمصافحته أبا محمد الجريري بمصافحته الجنيد بمصافحته سريا بمصافحته معروفا بمصافحته داود الطائي بمصافحته حبيبا العجمي بمصافحته الحسن البصري بمصافحته علي بن أبي طالب بمصافحته رسول الله
____________________
(5/241)


21 - ومنهم خطيبها المصقع أبو عبد الله محمد بن علي بن الجمال أدرك محمد بن رشيد البغدادي صاحب الزهر والوتريات على حروف المعجم المذهبة وغيرها حدثني عنه أنه تاب بين يديه لأول مجلس جلسه بتلمسان سبعون رجلا
22 ، 23 - ومنهم الشقيقان الحاجان الفاضلان أبو عبد الله محمد وابو العباس أحمد ابنا ولي الله أبي عبد الله محمد بن محمد بن أبي بكر ابن مرزوق العجيسي
كساني محمد خرقة التصوف بيده كما كساه إياها الشيخ بلال بن عبد الله الحبشي خادم الشيخ أبي مدين كما كساه أبو مدين قال محمد بن مرزوق وكان مولد بلال سنة تسع وخمسين وخمسمائة وخدم أبا مدين نحوا من خمسة عشر عاما إلى أن توفي في عام تسعين وخمسمائة ثم عاش بعده أكثر من مائة سنة ولبس أبو مدين من يد ابن حرزهم ولبس ابن حرزهم من يد ابن العربي واتصل اللباس اتصال المصافحة
24 - ومنهم أبو زيد عبد الرحمن بن يعقوب بن الصنهاجي المكتب حديثا عن قاضيها أبي زيد عبد الرحمن بن علي الدكالي أنه اختصم عنده رجلان في شاة ادعى أحدهما أنه أودعها الآخر وادعى الآخر أنها ضاعت منه فأوجب اليمين على المودع عنده انها ضاعت من غير تضييع فقال كيف أضيع وقد شغلتني حراستها عن الصلاة حتى خرج وقتها فحكم عليه بالغرم فقيل له في
____________________
(5/242)

ذلك فقال تأولت قول عمر ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع
25 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن محمد الغزموني مكتبي الأول ووسيلتي إلى الله عز وجل قرأ على الشيخين أبي عبد الله القصري وأبي حريث وحج حجات وكان عقد بقلبه أنه كلما ملك مائة دينار عيونا سافر إلى الحج وكان بصيرا بتعبير الرؤيا فمن عجائب شأنه فيه أنه كان في سجن أبي يعقوب يوسف بن يعقوب بن عبد الحق فيمن كان فيه من أهل تلمسان أيام محاصرته لها فرأى أبو جمعة ابن علي التلالسي الجرائحي منهم كأنه قائم على سانية دائرة وجميع قواديسها يصب في نقير في وسطها فجاء ليشرب فلما اغترف الماء إذا فيه فرث ودم فأرسله ثم اغترف فإذا هو كذلك ثلاثا أو أكثر فعدل عنه فرأى خصمه ماء وشرب منها ثم استيقظ وهو النهار فأخبره فقال إن صدقت رؤياك فنحن عما قليل خارجون من هذا المكان قال كيف قال السانية الزمان والنقير السلطان وأنت جرائحي تدخل يدك في جوفه فينالها الفرث والدم وهذا ما لا تحتاج معه فلم يكن إلا ضحوة الغد وإذا النداء عليه فأخرج فوجد السلطان مطعونا بخنجر فأدخل يده فنالها الفرث والدم فخاط جراحته ثم خرج فرأى خصة ماء فغسل يديه وشرب ثم لم يلبث السلطان أن توفي وسرحوا
وتعداد أهل هذه الصفة يكثر فلنصفح عنهم ولنختم فصل من لقيته
____________________
(5/243)

بتلمسان بذكر رجلين هما بقيد الحياة أحدهما عالم الدنيا والآخر نادرتها
26 - أما العالم فشيخنا ومعلمنا العلامة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن أحمد العبدري الآبلي التلمساني سمع جده لأمه أبا الحسين ابن غلبون المرسي القاضي بتلمسان وأخذ عن فقهائها أبي الحسين التنسي وابني الإمام ورحل في آخر لالمائة السابعة فدخل مصر والشام والحجاز والعراق ثم قفل إلى المغرب فأقام بتلمسان مدة ثم فر أيام أبي حمو موسى بن عثمان إلى المغرب
حدثني أنه لقي أبا العباس أحمد بن إبراهيم الخياط شقيق شيخنا أبي عثمان المتقدم ذكره فشكا له ما يتوقعه من شر أبي حمو فقال له عليك بالجبل فلم يدر ما قال حتى تعرض له رجل من غمارة فعرض عليه الهروب به قال فخفت أن يكون أبو حمو قد دسه علي فتنكرت له فقال لي إنما أسير بك على الجبل فتذكرت قول أبي إسحاق فواطأته وكان خلاصي على يده قال ولقد وجدت العطش في بعض مسيري به حتى غلظ لساني واضطربت ركبتاي فقال لي إن جلست قتلتك لئلا أفتضح بك فكنت أقوي نفسي فمر على بالي في تلك الحالة استسقاء عمر بالعباس وتوسله به فوالله ما قلت شيئا حتى رفع لي غدير ماء فأريته إياه فشربنا ونهضنا
ولما دخل المغرب ادرك أبا العباس ابن البناء فأخذ عنه وشافه كثيرا من علمائه قال لي قلت لأبي الحسن الصغير ما قولك في المهدي فقال عالم سلطان فقلت له قد أبنت عن مرادي ثم سكن جبال الموحدين ثم رجع إلى فاس فلما افتتحت تلمسان لقيته بها فأخذت عنه فقال لي الآبلي
____________________
(5/244)

كنت يوما مع القاسم بن محمد الصنهاجي فوردت عليه طومارة من قبل القاضي أبي الحجاج الطرطوشي فيها
( خيرات ما تحويه مبذولة ** ومطلبي تصحيف مقلوبها )
فقال لي ما مطلبه فقلت نارنج
دخل على الآبلي وأنا عنده بتلمسان الشيخ أبو عبد الله الدباغ المالقي المتطبب فأخبرنا أن أديبا استجدى وزيرا بهذا الشطر
( ثم حبيب قلما ينصف ** )
فأخذته فكتبته ثم قلبته وصحفته فإذا هو قصبتا ملف شحمي
ومر الدباغ علينا يوما بفاس فدعاه الشيخ فلباه فقال حدثنا بحديث اللظافة فقال نعم حدثني أبو زكريا ابن السراج الكاتب بسجلماسة أن أبا إسحاق التلمساني وصهره مالك بن المرحل وكان ابن السراج قد لقيهما اصطحبا في مسير فآواهما الليل إلى مجشر فسألا عن طالبه فدلا فاستضافاه فأضافهما فبسط قطيفة بيضاء ثم عطف عليهما بخبز ولبن وقال لهما استعملا من هذه اللظافة حتى يحضر عشاؤكما وانصرف فتحاور في اسم اللظافة لأي شيء هو منهما حتى ناما فلم يرع أبا إسحاق إلا مالك يوقظه ويقول قد وجدت اللظاظة قال كيف قال أبعدت في طلبها حتى وقعت بما لم يمر قط على مسمع هذا البدوي فضلا عن أن يراه ثم رجعت القهقرى حتى وقعت على قول النابغة
( بمخضب رخص كأن بنانه ** عنم يكاد من اللطافة يعقد )
فسنح لبالي انه وجد اللطافة وعليها مكتوب بالخط الرقيق اللين فجعل
____________________
(5/245)

إحدى النقطتين للطاء فصارت اللطافة اللظافة واللين واللبن وإن كان قد صحف عنم بغنم وظن أن يعقد جبن فقد قوي عنده الوهم فقال أبو إسحاق ما خرجت عن صوبه فلما جاء سألاه فأخبر أنها اللبن واستشهد بالبيت كما قال مالك
ولا تعجب من مالك فقد ورد فاسا شيخنا أبو عبد الله محمد بن يحيى الباهلي عرف بابن المسفر رسولا عن صاحب بجاية فزاره الطلبة فكان فيما حدثهم أنهم كانوا على زمان ناصر الدين يستشكلون كلاما وقع في تفسير سورة الفاتحة من كتاب فخر الدين ويستشكله الشيخ معهم وهذا نصه ثبت في بعض العلوم العقلية أن المركب مثل البسيط في الجنس والبسيط مثل المركب في الفصل وأن الجنس أقوى من الفصل فرجعوا به إلى الشيخ الآبلي فتأمله ثم قال هذا كلام مصحف وأصله أن المركب قبل البسيط في الحس والبسيط قبل المركب في العقل وأن الحس أقوى من العقل فأخبروا ابن المسفر فلج فقال لهم الشيخ التمسوا النسخ فوجدوه في بعضها كما قال الشيخ والله يؤتي فضله من يشاء
قال لي الأبلي لما نزلت تازي بت مع أبي الحسن ابن بري وأبي عبد الله الترجالي فاحتجت إلى النوم وكرهت قطعهما عن الكلام فاستكشفتهما عن معنى هذا البيت للمعري
( أقول لعبد الله لما سقاؤنا ** ونحن بوادي عبد شمس وهاشم )
فجعلا يفكران فيه فنمت حتى أصبحا ولم يجداه فسألاني عنه فقلت معناه أقول لعبد الله لما وهى سقاؤنا ونحن بوادي عبد شمس شم لنا برقا
____________________
(5/246)

قلت وفي جواز مثل هذا نظر
سمعت الآبلي يقول دخل قطب الدين الشيرازي والدبيران على أفضل الدين الخونجي ببلده وقد تزيا بزي القونوية فسأله أحدهما عن مسألة فأجابه فتعايا عن الفهم وقرب التقرير فتعايا فقال الخونجي متمثلا
( علي نحت المعاني من معادنها ** وما علي لكم أن تفهم البقر )
فقال له ضم التاء يا مولانا فعرفهما فحملهما إلى بيته
قلت سمعت الشيخ شمس الدين الأصبهاني بخانقاه قوصون بمصر يقول إن شيخه القطب توفي عام أحد عشر وسبعمائة وله سبع وسبعون سنة وهذا يضعف هذه الحكاية عندي
سمعت الآبلي يقول إن الخونجي ولي قضاء مصر بعد عز الدين بن عبد السلام فقدم شاهدا كان عز الدين أخره فعذله في ذلك فقال إن مولان لم يذكر السبب الذي رفع يده من أجله وهو الآن غير متمكن من ذكره
سمعت الشيخ الآبلي يحدث عن قطب الدين القسطلاني أنه ظهر في المائة السابعة من المفاسد العظام ثلاث مذهب ابن سبعين وتملك الططر للعراق واستعمال الحشيشة
سمعت الآبلي يقول قال أبو المطرف ابن عميرة
( فضل الجمال على الكمال بوجهه ** فالحق لا يخفى على من وسطه )
( وبطرفه سقم وسحر قد أتى ** مستظهرا بهما على ما استنبطه )
( عجبا له برهانه بشروطه ** معه فما مقصوده بالسفسطه )
قال فأجابه أبو القاسم ابن الشاط فقال
( علم التباين في النفوس وأنها ** منها مغلطة وغير مغلطة )
( فئة رأت وجه الدليل وفرقة ** وأصغت إلى الشبهات فهي مورطة )
( فأراد جمعهما معا في ملكه ** هذي بمنتجة وذي بمغلطة )
____________________
(5/247)


يعني قولهم في التام هو ما تحمل فيه البرهان الفصل
وأخبار الآبلي وأسمعتي منه تحتمل كتابا فلنقف على هذا القدر منها
27 - وأما النادرة فأبو عبد الله محمد بن أحمد بن شاطر الجمحي المراكشي صحب أبا زيد الهزميري كثيرا وأبا عبد الله ابن تجلات وأبا العباس ابن البناء وأضرابه من المراكشيين ومن جاورهم ورزق بصحبة الصالحين حلاوة القبول فلا تكاد تجد من يستثقله وربما سئل عن نفسه فيقول ولي مفسود
قلت له يوما كيف أنت فقال محبوس في الروح وقال الليل والنهار حرسيان أحدهما أسود والآخر أبيض وقد أخذا بمجامع الخلق يجرانهم إلى يوم القيامة وإن مردنا إلى الله تعالى
وسمعته يقول المؤذنون يدعون أولياء الله إلى بيته لعبادته فلا يصدهم عن دعائهم ظلمة ولا شتاء ولا طين ويصرفونهم عن الاشتغال بما لم يبين لهم فيخرجونهم ويغلقون الأبواب دونهم
ووجدته ذات يوم في المسجد ذاكرا فقلت له كيف أنت فقال { فهم في روضة يحبرون } الروم 15 فهممت بالانصراف فقال أين تذهب من روضة من رياض الجنة يقام بها على رأسك بهذا التاج وأشار إلى المنار مملوءا الله أكبر
مر ابن شاطر يوما على أبي العباس أحمد بن شعيب الكاتب وهو جالس
____________________
(5/248)

في جامع الجزيرة طهره الله تعالى وقد ذهبت به الكفرة فصاح به فلما رفع رأسه إليه قال له انظر إلى مركب عزرائيل هذا وأشار إلى نعش هنالك قد رفع شراعه ونودي عليه الطلوع يا غزي
وأكل يوما مع أبي القاسم عبد الله بن رضوان الكاتب جلجلانا فقال له أبو القاسم إن في هذا الجلجلان لضربا من طعم اللوز فقال ابن شاطر وهل الجلجلان إلا لوزة دقة
وسئل عن العلة في نضارة الحداثة فقال قرب عهدها بالله فقيل له فمم تغير الشيوخ فقال من بعد العهد من الله وطول الصحبة مع الشياطين فقيل له فبخر أفواههم فقال من كثرة ما تفل الشياطين فيها
وكان يسمى الصغير فأر المصطكي قال لي ابن شاطر لقيت عمي ميمونا المعروف بدبير لقرب موته وقد اصفر وجهه وتغيرت حالته فقلت له ما بالك وكان قد خدم الصالحين ورزق بذلك القبول فقال انسدت الزربطانة فطلع يعني العذرة يشير إلى الاحتقان للطبيعة
أنشدني ابن شاطر قال أنشدني أبو العباس ابن البناء لنفسه ( قصدت إلى الوجازة في كلامي ** )
الأبيات
وأخبار ابن شاطر عندي تحتمل كراسة فلنقنع منها بهذا القدر
فصل ولما دخلت تلمسان على بني عدب الواد تهيأ لي السفر منها فرحلت
____________________
(5/249)

إلى بجاية فلقيت بها أعلاما درجوا فأمست بعدهم خلاء بلقعا
28 - فمنهم الفقيه أبو عبد الله محمد بن يحيى الباهلي عرف بابن المسفر باحثته واستفدت منه وسألني عن اسم كتاب الجوهري فقلت له من الناس من يقول الصحاح بالكسر ومنهم من يفتح فقال إنما هو بالفتح بمعنى الصحيح كما ذكره في باب صح قلت ويحتمل أن يكون مصدر صح كحنان
وكتب إلى بعض أصحابه بجواب رسالة صدره بهذين البيتين
( وصلت صحيفتكم فهزت معطفي ** فكأنما أهدت كؤوس القرقف )
( وكأنها نيل الأمان لخائف ** أو وصل محبوب لصب مدنف )
29 - ومنهم قاضيها أبو عبد الله محمد ابن الشيخ أبي يوسف يعقوب الزواوي فقيه ابن فقيه كان يقول من عرف ابن الحاجب اقرأ به المدونة قال وأنا أقرأ به المدونة
30 - ومنهم أبو علي حسين بن حسين إمام المعقولات بعد ناصر الدين
31 - ومنهم خطيبها أبو العباس أحمد بن عمران وكان قد ورد تلمسان وأورد بها على قول ابن الحاجب في حد العلم صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض الخاصة إلا أن يزاد في الحد لمن قامت به لأنها إنما توجب فيه تميزا لا تمييزا وهذا حسن
32 - 33 - ومنهم الشيخان أبو عزيز وأبو موسى ابن فرحان وغيرهم من أهل عصرهم
____________________
(5/250)


34 - ثم رحلت إلى تونس فلقيت بها قاضي الجماعة وفقيهها أبا عبد الله ابن عبد السلام فحضرت تدريسه وأكثرت مباحثته ولما نزلت بظاهر فسمطينة تلقاني رجل من الطلبة فسألني عن هذه الآية { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } المائدة 67 فإن ظاهرها أن الجزاء هو الشرط أي وإن لم تبلغ فما بلغت وذلك غير مفيد فقلت بل هو مفيد أي وإن لم تبلغ في المستقبل لم ينفعك تبليغك في الماضي لارتباط أول الرسالة بآخرها كالصلاة ونحوها بدليل قصة يونس فعبر بانتفاء ماهية التبليغ عن انتفاء المقصود منه إذ كان إنما يطلب ولا يعتبر بدونه كقوله عليه الصلاة والسلام لا صلاة إلا بطهور ثم اجتمعت بابن عبد السلام بجامع بوقير من تونس فسألته عن ذلك فلم يزد على أن قال هذا مثل قوله عليه الصلاة والسلام فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله وقد علمتم ما قال الشيخ تقي الدين فيه قلت كلام تقي الدين لا يعطي الجواب عن الآية فتأمله
35 - 41 - وقالضي المناكح أبا محمد الأجمي وهو حافظ فقهائها في وقته والفقيه أبا عبد الله ابن هارون شارح ابن الحاجب في الفقه والأصول والخطيب أبا عبد الله ابن عبد الستار وحضرت تدريسه بمدرسة المعرض والعلامة أبا عبد الله ابن الجياب الكاتب والفقيه أبا عبد الله ابن سلمة والشيخ الصالح أبا الحسن المنتصر وارث طريقة الشيخ أبي محمد المرجاني آخر المذكورين بإفريقية ورأيت ابن الشيخ المرجاني فحدثني أبو موسى ابن الإمام أنه أشبه به من الغراب بالغراب وسيدي أبا عبد الله الزبيدي المتقدم ذكره وأوقفني على خطإ في كتاب الصحاح وذلك أنه زعم أن السالم جلدة ما بين العين والأنف قال وفيه يقول ابن عمر في ابنه السالم
____________________
(5/251)


( يديرونني عن سالم وأديرهم ** وجلدة بين الأنف والعين سالم )
قال وهذا أراد عبد الملك حيث كتب إلى الحجاج أنت مني كسالم وهذا خطا فاحش وكان يلزمه أن يسميها بالعمارة أيضا لقوله عليه السلام عمارة جلدة ما بين عيني وأنفي وإنما يراد بمثل هذا القرب والتحمد
ولقيت بتونس غير واحد من العلماء والصلحاء يطول ذكرهم ثم قفلت إلى المغرب يسايرني رجل من أهل قسنطينة يعرف بمنصور الحلبي فما لقيت رجلا أكثر أخبارا ولا أظرف نوادر منه فمما حفظته من حديثه أن رجلا من الأدباء مر برجل من الغرباء وقد قام بين ستة أطفال جعل ثلاثة عن يمينه وثلاثة عن شماله وأخذ ينشد
( ما كنت أحسب أن أبقى كذا أبدا ** أعيش والدهر في أطرافه حتف )
( ساس بستة أطفال توسطهم ** شخصي كأحرف ساس وسطها ألف )
قال فتقدمت إليه وقلت فأين تعريقة السين فقال طالب ورب الكعبة ثم قال الآخر من جهة يمينه قم فقام يجر رجله كأنه مبطول فقال هذا تمام تعريقة السين
41 - 53 ثم رحلت من تلمسان إلى المغرب فلقيت بفاس الشيخ الفقيه الحاج أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحيم اليزناسي والشيخ الفقيه أبا محمد عبد المؤمن الجاناتي والشيخ الفقيه الصالح أبا زرهون عبد العزيز بن محمد القيرواني والفقيه أبا الضياء مصباح بن عبد الله اليالصوني وكان حافظ وقته والفقيه أبا عبد الله ابن عبد الكريم وشيخ الشيوخ أبا زيد عبد الرحمن بن عفان الجزولي والأستاذ أبا العباس المكناسي وكنت لقيت الأستاذ أبا العباس ابن
____________________
(5/252)

حزب الله والأستاذ أبا عبد الله ابن القصار بتلمسان ولقيت غير هؤلاء ممن يكثر عددهم وكنت قد لقيت بتازي الفقيه أبا عبد الله ابن عطية والأستاذ أبا عبد الله المجاصي والشيخ أبا الحسين الجيار وغيرهم
53 - 67 - ثم بلغت بالرحلة إلى أغمات ثم وصلت إلى سبتة فاستوعبت بلاد المغرب ولقيت بكل بلد من لا بد من لقائه من علمائه وصلحائه ثم قفلت إلى تلمسان فأقمت بها ما شاء الله تعالى ثم أعملت الرحلة إلى الحجاز فلقيت بمصر الأستاذ أثير الدين أبا حيان الغرناطي فرويت عنه واستفدت منه وشمس الدين الأصبهاني الآخر وشمس الدين بن عدلان وقرأ علي بعض شروحه لكتب المزني وناولني إياه وشمس الدين بن اللبان آخر المذكورين بها والشيخ الصالح أبا محمد المنوفي فقيه المالكية بها وتاج الدين التبريزي الأصم وغيرهم ممن يطول ذكرهم
ثم حججت فلقيت بمكة إمام الوقت أبا عبد الله ابن عبد الرحمن التوزري المعروف بخليل وسألته يوم النحر حين وقف بالمشعر الحرام عن بطن محسر لأحرك فيه على الجمل فقال لي تمالأ الناس على ترك هذه السنة حتى نسي بتركها محلها والأقرب أنه هذا وأشار إلى ما يلي الجابية التي على يسار المار من المشعر إلى منى من الطريق من أول ما يحاذيها إلى أن يأخذ صاعدا إلى منى وما رأيت أعلم بالمناسك منه والإمام أبا العباس ابن رضي الدين الشافعي وغير واحد من الزائرين والمجاورين وأهل البلد
وبالمدينة أعجوبة الدنيا أبا محمد عبد الوهاب الجبرتي وغيره
____________________
(5/253)


ثم أخذت على الشام فلقيت بدمشق شمس الدين بن قيم الجوزية صاحب الفقيه ابن تيمية وصدر الدين الغماري المالكي وأبا القاسم ابن محمد اليماني الشافعي وغيرهم وببيت المقدس الأستاذ أبا عبد الله ابن مثبت والقاضي شمس الدين بن سالم والفقيه المذكر أبا عبد الله ابن عثمان وغيرهم
ثم رجعت إلى المغرب فدخلت سجلماسة ودرعة ثم قطعت إلى الأندلس فدخلت الجبل وأصطبونة ومربلة ومالقة وبلش والحامة وانتهت بي الرحلة إلى غرناطة وفي علم الله تعالى ما لا علم وهو المسؤول أن يحملنا على الصراط الأقوم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم انتهى كلام جدي رحمه الله تعالى في الجزء الذي ألفه في مشيخته وقد لخصه لسان الدين في الإحاطة ترجمة المقري بقلم ابن خلدون
ولنذكر هنا زيادات لا بأس بها فنقول ولما ألم ولي الدين ابن خلدون بذكر مولاي الجد في تاريخه الكبير عند تعريفه بنفسه وصفه بأنه كبير علماء المغرب ونص محل الحاجة من تاريخه لما رحلت من تونس منتصف شعبان من سنة أربع وثمانين أقمنا في البحر نحوا من أربعين ليلة ثم وافينا مرسى الإسكندرية يوم الفطر ولعشر ليال من جلوس الملك الظاهر على التخت واقتعاد كرسي الملك دون أهله بني قلاوون وكنا على ترقب ذلك لما كان يؤثر بقاصية البلاد
____________________
(5/254)

من سموه لذلك وتمهيده له وأقمت بإسكندرية شهرا لتهيئة أسباب الحج ولم يقدر عامئذ فانتقلت إلى القاهرة أول ذي القعدة فرأيت حضرة الدنيا وبستان العالم ومحشر الأمم ومدرج الذر من البشر وإيوان الإسلام وكرسي الملك تلوح القصور والأواوين في أوجه وتزهو الخوانق والمدارس بآفاقه وتضيء البدور والكواكب من علمائه وقد مثل بشاطئ بحر النيل نهر الجنة ومدفع مياه السماء يسقيهم النهل والعلل سيحه ويجبي إليهم الثمرات والخيرات ثبجه ومررت في سكك المدينة تغص بزحام المارة وأسواقها تزخر بالنعم وما زلنا نحدث عن هذا البلد وبعد مداه في العمران واتساع الأحوال ولقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا حاجهم وتاجرهم بالحديث عنه سألت صاحبنا قاضي الجماعة بفاس وكبير العلماء بالمغرب أبا عبد الله المقري فقلت له كيف هي القاهرة فقال من لم يرها لم يعرف عز الإسلام وسألت شيخنا أبا العباس ابن إدريس كبير العلماء ببجاية مثل ذلك فقال كأنما انطلق أهله من الحساب يشير إلى كثرة أممه وأمنهم العواقب وحضرت صاحبنا قاضي العسكر بفاس الفقيه الكاتب أبا القاسم البرجي بمجلس السلطان أبي عنان منصرفه من السفارة عنه إلى ملوك مصر وتأدية رسالته النبوية إلى الضريح الكريم سنة خمس وخمسين وسأله عن القاهرة فقال أقول في العبارة عنها على سبيل الاختصار إن الذي يتخيله الإنسان فإن ما يراه دون الصورة التي تخيلها لاتساع الخيال على كل محسوس إلا القاهرة فإنها أوسع من كل ما يتخيل
____________________
(5/255)

فيها فأعجب السلطان والحاضرون بذلك انتهى كلام ابن خلدون ولا يخلو عن فائدة زائدة فوائد عن المقري الجد
ولا بأس أن نورد من فوائد مولاي الجد ما حضرني الآن فمن ذلك ما حكاه ابن عبد الرزاق عن ابن قطران قال سمع يهودي بالحديث المأثور نعم الإدام الخل فأنكر ذلك حتى كاد يصرح بالقدح فبلغ ذلك بعض العلماء فأشار على الملك أن يقطع عن اليهود الخل وأسبابه سنة قال فما تمت حتى ظهر فيهم الجذام
ومنها أنه قال أنشدني الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد قال أنشدني الشيخ التقي ابن دقيق العيد لنفسه في معنى لطيف حجازي
( إذا كنت في نجد وطيب نعيمه ** تذكرت أهلي باللوى فمحسر )
( وإن كنت فيهم زدت شوقا ولوعة ** إلى ساكني نجد وعيل تصبري )
( فقد طال ما بين الفريقين موقفي ** فمن لي بنجد بين أهلي ومعشري )
ومنها ما حكاه عن عبد الله بن عبد الحق عن ابن قطرال قال كنت بالمدينة على ساكنها الصلاة والسلام إذ أقبل رافضي بفحمة في يده فكتب بها على جدار هناك
( من كان يعلم أن الله خالقه ** فلا يحب أبا بكر ولا عمرا )
____________________
(5/256)


وانصرف فألقى علي من الفطنة وحسن البديهة ما لم أعهد مثله من نفسي قبل فجعلت مكان يحب يسب ورجعت إلى مجلسي فجاء فوجده كما أصلحته فجعل يلتفت يمينا وشمالا كأنه يطلب من صنع ذلك ولم يتهمني فلما أعياه الأمر انصرف
ومنها أنه قال حدثت أن الزاهد أبا عمرة ابن غالب المرسي نزيل تلمسان وقد لقيت غير واحد من أصحابه سأله بعض أن يشهد عقد ابنته فتعذر عليه فلم يزل به حتى أجاب بعد جهد فحضر العقد وطعم الوليمة ثم لما حضرت ليلة الزفاف استحضره في ركوبها إلى دار زوجها على عادة أهل تلمسان فأجابه مسرعا فقيل له أين هذا التيسري من ذاك التعسير فقال من أكل طعام الناس مشى في خدمتهم أو كما قال
ومنها أنه قال حدثت أن الفقيه أبا عبد الله ابن العواد العدل بتونس التقى يوما مع القاضي أبي علي ابن قداح وكان ابن العواد شيخا فقال له أبو علي كبرت أبا عبد الله فصرت تمشي كل شبر بدينار يوري بكثرة الفائدة في مشيه إلى الشهادة فقال له كنت إذ كنت في سنك أخرج رزقي من الحجر يعرض لابن قداح بأنه جيار وكذلك كان هو وأبوه رحمهم الله تعالى جميعا وهذا من مزاج الأشراف كما جرى بين معاوية والأحنف انظر صدر أدب الكتاب
ومنها أنه قال قال لي الحاج أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الواحد الرباطي كنا عند الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد ففقد أحدنا نعليه فقال الشيخ كنا عند العلم التبريزي فدخل عليه رجل يدعى بشيرا فكلمه ثم خرج فلم يجد نعليه فرجع إلى العلم وأنشده
( دخلت إليك يا أملي بشيرا ** فلما أن خرجت خرجت بشرا )
( أعد يائي التي سقطت من اسمي ** فيائي في الحساب تعد عشرا )
____________________
(5/257)


وقال رحمه الله تعالى لما سعى أولاد الشيخ أبي شعيب بالقاضي أبي الحجاج الطرطوشي إلى السلطان وأمر بإشخاصه وكثر إرجاف المتشيعين فيهم من بعده وخرج الأمر على خلاف ما أملوا منه قال في ذلك
( حمدت الله في قوم أثاروا ** شرورا فاستحالت لي سرورا )
( وقالوا النار قد شبت فلما ** دنوت لها وجدت النار نورا )
ومنها أنه حكى أن الشيخ أبا القاسم ابن محمد اليمني مدرس دمشق ومفتيها حكى له بدمشق أنه قال له شيخ صالح برباط الخليل عليه السلام نزل بي مغربي فمرض حتى طال علي أمره فدعوت الله أن يفرج عني وعنه بموت أو صحة فرأيت النبي في المنام فقال أطعمه الكسكسون قال يقوله هكذا بالنون فصنعته له فكأنما جعلت له فيه الشفاء وكان أبو القاسم يقول فيه كذلك ويخالف الناس في حذف النون من هذا الاسم ويقول لا أعدل عن لفظ رسول الله ثم قال قلت ووجه هذا من الطب أن هذا الطعام مما يعتاده المغاربة ويشتهونه على كثرة استعمالهم له فربما نبه منه شهوة أو رده إلى عادة
وقال الجد رحمه الله تعالى رأيت بجامع الفسطاط من مصر فقيرا عليه قميص إلى جانبه دفاسة قائمة وبين يديه قلنسوة فذكر لي هنالك أنهما محشوتان بالبرادة وأن زنة الدفاسة أربعمائة رطل مصرية وهي ثلاثمائة وخمسون مغربية وزنة القلنسوة مائتا رطل مصرية وهي مائة وخمسة وسبعون مغربية فعمدت إلى الدفاسة فأخذتها من طوقها أنا ورجل آخر فأملناها بالجهد ثم أقمناها ولم نصل بها إلى الأرض وعدت إلى القلنسوة فأخذتها من إصبع كان
____________________
(5/258)

في رأسها فلم أطق حملها فتركتها وكان يوم جمعة فلما قضيت الصلاة مررنا في جملة من أصحابنا بالفقير فوجدناه لابسا تلك الدفاسة في عنقه واضعا تلك القلنسوة على رأسه فقام إلينا وإلى غيرنا ومشى بهما كما يمشي أحدنا بثيابه فجعلنا نتعجب ويشهد بعضنا بعضا على ما رأى من ذلك ولم يكن بالعظيم الخلقة
وقال رحمه الله تعالى كان الأستاذ ابن حكم قد بعث إلي بمحرر لأبعث به إلى من يعرضه للبيع ثم بلغه أن أحمالا من المتاع التونسي قد وصلت إلى البلد فكتب إلي الحمد لله الذي أمر عند كل مسجد بأخذ الزينة وصلواته الطيبة وبركاته الصيبة على من ختم به شريعته وأكمل دينه وعلى آله وأصحابه الذين اتبعوه والذين يتبعونه وبعد فما تعلق به الإعلام أن تعوضوا المحرر بإحرام لا يخفى على مثلكم جنسه ومجانسه ومن كلام العرب كل ثوب ولابسه وإن أربى على ثمن الأول ثمن الثاني فلست عن الزيادة والحمد لله بالواني
ومن فوائده أنه قال كتب في صدر رسالة إلى صاحبنا الشيخ الناسك أبي علي منصور ابن شيخ عصره وفريد دهره ناصر الدين المشدالي الشيخ الخاشع صاحبنا أبو الحسن علي بن موسى البحيري يذكره شوقه إلى لقائه لما كان يبلغه عنه حتى قدر باجتماعهما بوهران أيام قضاء البحيري بها
( أوحشتني ولو اطلعت على الذي ** لك في فؤادي لم تكن لي موحشا )
( يا محرقا بالنار قلب محبه ** أنسيت أنك مستكن في الحشا )
وقال رحمه الله تعالى أنشدني محمد البلفيقي قال أنشدني ابن رشيد قال أنشدني أبو حفص ابن الخيمي المصري لنفسه
____________________
(5/259)


( لو رأى وجه جبيبي عاذلي ** لتفاصلنا على وجه جميل )
وقال رحمه الله تعالى قال لي محمد بن داود بن المكتب قال لي بلال الحبشي خادم الشيخ أبي مدين كان الشيخ كثيرا ما ينشد هذا البيت
( الله قل وذر الوجود وما حوى ** إن كنت مرتادا بصدق مراد )
وقال رحمه الله تعالى دخلت على عبد الرحمن بن عفان الجزولي وهو يجود بنفسه وكنت قد رأيته قبل ذلك معافى فسألته عن السبب فأخبرني أنه خرج إلى لقاء السلطان فسقط عن دابته فتداعت أركانه فقلت ما حملك أن تتكلف مثل هذا في ارتفاع سنك فقال حب الرياسة آخر ما يخرج من قلوب الصديقين
وقال رحمه الله تعالى قال لي محمد بن مرزوق قال لي بعض أصحاب أبي إسحاق الطيار دفين عباد تلمسان إن أبا إسحاق أقام خمسا وعشرين سنة لا ينام إلا قاعدا فسألت ابن مرزوق لم لقب بالطيار فحدثني عن بعض أصحابه أنه نشر ذات يوم ثوبه في الشمس على بعض السطوح ثم قعد هنالك فمر به رجل فقال له طر فقال أعن أمرك قال نعم فطار حتى وقع على الأرض وما به من باس فقال الجد رحمه الله تعالى بعد هذا ما نصه فقلت إذا ما صار الحق للعبد سمعا وبصرا فسمع به وأبصر أصاخ إلى الأحوال واجتلى المعاني فيرى من غير مبصر ويسمع من غير ناطق كما قال الشيخ أبو عبد الله الشوذي الحلوي دفين تلمسان
____________________
(5/260)


( إذا نطق الوجود أصاخ قوم ** بآذان إلى نطق الوجود )
( وذاك النطق ليس به انعجام ** ولكن دق عن فهم البليد )
( فكن فطنا تنادى من قريب ** ولا تك من ينادى من بعيد )
وقال رحمه الله تعالى حدثت بمصر أن الشيخ سيدي عمر بن الفارض ولع بجمل فكان يستأجره من صاحبه ليتأنس به فقيل له لو اشتريته فقال المحبوب لا يملك فسألت في أي حال كان هذا منه فقيل لي في ابتداء أمره فقلت وجد اعتبار { أفلا ينظرون إلى الإبل } الغاشية 17 فوقفت به رؤية المعنى فيه عليه فأحبه مدلا وطلب مجلا
وقال رضي الله عنه حفظت من خط أبي زيد والد صاحبنا أبي الحسن قيل للغزالي ما تقول في الحلاج فقال وما عسى أن أقول فيمن شرب بكأس الصفاء على بساط الوفاء فسكر وعربد فاستوجب من الله الحد فكان حده شهادته ثم قال بعد هذا قلت عربد الحلاج في الحضرة لما نسي بسكره أوامره فانتصر الظاهر لنفسه لصحة تعلق اسمه وسدل الباطن على عذره حجاب الغيرة من إفشاء سره
( على سمة الأسماء تجري أمورهم ** وحكمة وصف الذات للحكم أجرت )
وقال رحمه الله تعالى سمعت شيخنا ببيت المقدس يقول تجلى الله على المسجد الأقصى بالجمال وعلى المسجد الحرام بالجلال وعلى مسجد الرسول بالكمال قلت فذلك يوقف النواظر وذاك يملأ الخواطر وهذا يفتح البصائر
وقال رحمه الله تعالى أخبرني أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو عنان فارس
____________________
(5/261)

نصره الله أن جده أمير المسلمين أبا سعيد سأل كاتبه عبد المهيمن الحضرمي عن تهادي أهل الحب التفاح دون الخوخ وكلاهما حسن المنظر طيب المخبر شديد شبه بأخيه سديد تشبيه الوجنات به لمتوخيه فقال ما عند مولانا فقال أرى ذلك لاشتمال التفاح على الحب الذي يذكر بالحب والهوى والخوخ على النوى الذي يذكر اسمه صفرة الجوى
وقال رحمه الله تعالى قال لي أبو حيان بالقاهرة قال لي عمر بن الخيمي تجاذبت أنا ونجم الدين بن إسرائيل هذا البيت
( يا بارقا بأعالي الرقمتين بدا ** لقد حكيت ولكن فاتك الشنب )
فتحاكمنا إلى ابن الفارض فأشار بأن ننظم قصيدة نضمنها البيت فنظم ونظمت
( يا مطلبا ليس لي في غيره أرب ** إليك آلى التقضي وانتهى الطلب )
فقضى به لي
وقال رحمه الله تعالى حدثت أن أبا زيد الهزميري بعث إلى أبي عمران التسولي وكان كثير الصلاة أنه لم يبق بينك وبين الله حجاب إلا الركيعات فرجع إليه ما معناه إن الاتصال كان منها فلا كان يوم الانفصال عنها يعني من رزق من باب فليلزمه
وقال رحمه الله تعالى كنت بجامع تلمسان وإلى جانبي رجل ينتمي إلى طريقة العرفان فجعل سائل يشكو الجوع والألم فتصدق ذلك الرجل عليه بدرهم وقال إياك أن تشكو الرحمن إلى من لا يرحم فقلت أمره أن
____________________
(5/262)

يسأل عزيزا بمولاه ونهاه أن يشكو ذليلا إلى سواه
وكان الفارابي كثيرا ما يقول يا رب إليك المشتكى حتى إنه يوجد أثناء كلامه في غير موضعه فيعجب منه من لا علم عنده بمنزعه
وقال رحمه الله تعالى حدثت أن الفخر مر ببعض شيوخ الصوفية فقيل للشيخ هذا يقيم على الصانع ألف دليل فلو قمت إليه فقال وعزته لو عرفه ما استدل عليه فبلغ ذلك الإمام فقال نحن نعلم من وراء الحجاب وهم ينظرون من غير حجاب
وقال رحمه الله تعالى حدثت أن رجلا كان يجلس إلى أبي الحسن الحرالي وكان يشرب الخمر فسكر ذات يوم فسقط على زجاجة فشج وجهه فاختفى إلى أن برئ ثم عاد إلى مجالسة الشيخ فلما رآه أنشد
( أجريح كاسات أرقت نجيعها ** طلب الترات يعز منه خلاص )
( لا تسفكن دم الزجاجة بعدها ** إن الجروح كما علمت قصاص )
ففهمها الشاب فتاب
وقال رحمه الله تعالى كثيرا ما كنت أسمع أبا محمد المجاصي ينشد هذا البيت
( هم الرجال وعيب أن يقال لمن ** لم يتصف بمعاني وصفهم رجل )
ثم يبكي وكان أهل البلد يسمونه البكاء وبعضهم الخاشع
ووجدت بخط مولاي الجد على ظهر كتابه القواعد ما نصه الحمد لله تعالى جده قرأت صدر كتاب زهرة البساتين للقاسم بن الطيلسان ثم سمعت ثلاثة أحاديث من أوله بل حديثا وأثرا وإنشادا من في الشيخ الخطيب الصالح أبي عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن عياش الأنصاري ثم تناولت منه جميع الكتاب المذكور وأجازنيه بحق سماعه لبعضه وتناوله لجميعه من جده
____________________
(5/263)

محمد المذكور بحق أخذه له عن مؤلفه صهره القاسم المذكور وذلك بالمسجد الجامع من مالقة المحروسة قال ذلك وكتبه محمد بن محمد بن أحمد المقري في متم عشرين لشهر ربيع الآخر من عام سبعة وخمسين وسبعمائة
وبخطه رحمه الله تعالى حيث ذكر ما نصه الحمد لله مخالفة القواعد الشرعية للعوائد العرفية كإنكار الحشر وفتنة القبر ونحوهما من الأمر بالمعروف للركون إلى المشهور المألوف أو كالتقليد مع الدليل الذي ذمه الشرع في محكم التنزيل
وبخطه أيضا الحمد لله قد تتابع صفات العام حتى يصير كأنه أشير به إلى شخص بعينه فيختص ومن ثم قيل في قول الله عز وجل { ولا تطع كل حلاف مهين } القلم 10 إنه الأخنس بن شريق وفي قوله تعالى { ويل لكل همزة لمزة } الهمزة 1 إنه أميه ابن خلف وفي قوله تعالى { ذرني ومن خلقت وحيدا } المدثر 11 إنه الوليد بن المغيرة انتهى
ووجدت بخطه أيضا رحمه الله تعالى ما نصه الحمد لله قال لي المتوكل على الله أبو عنان أمير المؤمنين فارس بن علي كان جدنا أبو يوسف يعقوب ابن عبد الحق يقول الولايات ست ثلاث وقفتها على اختياري الحجابة والقصبة والشرطة وثلاث موكولة إليكم القضاء والإمامة والحسبة ثم قال رحمه الله تعالى وهذا تدبير حسن
ومن فوائده حدثني العدل أبو عبد الله محمد بن أبي زرع عن القاضي أبي عبدالله ابن أبي الصبر أنه أمر الوالي بفاس أن يبني فندق الشماعين وكان قد خرب فتوقف حتى يأذن السلطان فقال له أسلفني ما أبنيه به فإن أجاز ذلك السلطان وإلا رددته عليك ففعل فلما طولب ذكر ما قال له القاضي
____________________
(5/264)

فغضب السلطان وبعث فيه فجعل المبعوثون يأتونه واحدا بعد واحد وهو متمهل في وضوئه وإصلاح بزته ومركوبه ثم جعل يمشي الهوينا فلقيه ابنه فقال له أسرع فقد أكثر السلطان من التوجيه إليك وهو واجد عليك فقال له مسكين أبو يحيى خاف وثبت على حاله فلما كان في الطريق لقي بعض العلماء فتعرض إليه فقال قل بخفي لطفك بلطيف صنعك بجميل سترك دخلت في كنفك تشفعت بنبيك فحفظه ثم طلبه فلم يجده فجعل يقول ذلك فلما رآه السلطان سكن ما به ثم سأله عن ذلك برفق فقال له القاضي كرهت الخراب بقرب القرويين وبالشماعين الذي هو عين فاس فسألت الوالي ذلك على أني أغرم إن لم تجز وقلت له المرجو من السلطان أن يجعله حبسا فقال قد فعلت ثم بعث إلى الشهود وحبسه على الجامع وشكر للقاضي صنيعه وصرفه مغبوطا
وهذا السلطان هو أبو يعقوب يوسف بن أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني وتوفي محاصرا لتلمسان في ذي القعدة من عام ستة وسبعمائة وكان ابتداء حصاره إياها سنة ثمان وتسعين وستمائة وكان جملة الحصار فيما حدثت ألف شهر انتهى
ومن فوائد مولاي الجد رحمه الله تعالى ما حكاه تلميذه أبو إسحاق الشاطبي في كتاب الإنشادات والإفادات ونصه إفادة حضرت يوما مجلسا في المسجد الجامع بغرناطة مقدم الأستاذ القاضي أبي عبد الله المقري في أواخر ربيع الأول عام سبعة وخمسين وسبعمائة وقد جمع ذلك المجلس القاضي أبا عبد الله والقاضي أبا القاسم الشريف شيخنا والأستاذ أبا سعيد ابن لب والأستاذ أبا عبد الله البلنسي وذا الوزارتين أبا عبد الله ابن الخطيب وجماعة من الطلبة
____________________
(5/265)

فكان من جملة ما جرى أن قال القاضي أبو عبد الله المقري سئلت في مسألة في الأصول لم أجد لأحد فيها نصا وهي تخصيص العام المؤكد بمنفصل فأجبت بالجواز محتجا بقول الله عز وجل { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن } الأعراف 33 فهذا عام مؤكد وقد قال رسول الله لم يحل الله من الفواحش إلا مسألة الناسي انتهى
ومن الكتاب المذكور ما نصه إفادة حدثني الشيخ الفقيه القاضي الجليل الشهير الخطير أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد المقري رحمه الله تعالى وأملاه علينا عن العالم الكبير أبي حيان ابن يوسف بن حيان أنه قال ورد كتاب من الأستاذ أبي عبد الله ابن مثبت الغرناطي إلى صاحب له يسمى حمزة وفيه سئل الشيخ قال أبو حيان يعني وجدت على ظهر نسخة من المفصل بخط عتيق سئل ابن الأخضر بمحضر ابن الأبرش علام انتصب قوله
( مقالة أن قد قلت سوف أناله ** ) فقال
( ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى ** )
فقال سألتك عن إعراب كلمة فأجبتني بشطر بيت فقال ابن الأبرش قد أجابك لو كنت تفهم قال أبو حيان فوقعت عليه للحين إن هذا الشطر من قول النابغة
( أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ** وتلك التي تصطك منها المسامع )
( مقالة أن قد قلت سوف أناله ** وذلك من تلقاء مثلك رائع )
يروى مقالة بالرفع على أنه بدل من أنك لمتني الفاعل وبالفتح على ذلك إلا أنه بناه لما أضافه إلى مبني
____________________
(5/266)


ومنه إفادة حدثني الشيخ الفقيه القاضي أبو عبد الله المقري رحمه الله تعالى قال سئل أبو العباس ابن البناء رحمه الله تعالى وكان رجلا صالحا في قوله تعالى { قالوا إن هذان لساحران } طه 63 لم لم تعمل إن في هذان فقال لما لم يؤثر القول في المقول لم يؤثر العامل في المعمول فقال له يا سيدي هذا لا ينهض جوابا فإنه لا يلزم من بطلان قولهم بطلان عمل إن فقال له إن هذا الجواب نوارة لا تحتمل أن تحك بين الأكف انتهى
ومنه إفادة قال لنا الشيخ الأستاذ القاضي أبو عبد الله المقري رحمه الله تعالى إن أهل المنطق وغيره يزعمون أن الأسماء المعدولة لا تكاد توجد في كلام العرب وهي موجودة في القرآن وذلك قوله { لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك } البقرة 68 فإن زعم زاعم أن ذلك على حذف المبتدأ ودخلت لا على الجملة وتقديره لا هي فارض ولا هي بكر قيل له إن كان يسوغ لك ذلك في هذا الموضع فلا يسوغ في قوله تعالى { لا شرقية ولا غربية } النور 35 فصح أن الاسم المعدول موجود فصيح في كلام العرب
ومنه إفادة حدثنا الأستاذ أبو عبد الله المقري قال سئل عن قوله تعالى { وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون } الأنبياء 33 لم عاد ضمير من يعقل إلى ما لا يعقل فقال بعضهم لما اشرك مع من يعقل في السباحة وهي العوم عومل لذلك معاملته قال وهذا لا ينهض جوابا فإن السباحة لما لا يعقل كالحوت وإنما لمن يعقل العوم لا السباحة وأيضا فإلحاقه بما العوم له لازم كالحوت أولى من إلحاقه بما هو غير لازم له قال وأجاب الأستاذ أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي السبتي بأن الشيء المعظم عند العرب تعامله معاملة العاقل وإن لم يكن عاقلا لعظمه عندهم وأجبت أنا بأنه لما عوملت في غير هذا الموضع معاملة من يعقل في نحو قوله تعالى { والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين } يوسف 4 لصدور أفعال العقلاء عنها أجرى عليها هنا ذلك الحكم للأنس به في موضعه
____________________
(5/267)


ومنه إفادة لقمني الشيخ الفقيه القاضي أبو عبد الله المقري رحمه الله تعالى لقمة بيده المباركة وقال لقمني الشيخ أبو عبد الله المسفر قال لقمني أبو زكريا المحياوي قال لقمني أبو محمد صالح قال لقمني الشيخ أبو مدين قال لقمني أبو الحسن ابن حرزهم قال لقمني ابن العربي قال لقمني الغزالي قال لقمني أبو المعالي قال لقمني أبو طالب المكي قال لقمني أبو محمد الجريري قال لقمني الجنيد قال لقمني السقطي قال لقمني معروف الكرخي قال لقمني داود الطائي قال لقمني حبيب العجمي قال لقمني الحسن البصري قال لقمني علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال لقمني رسول الله قلت وبهذا السند صافحته أيضا رضي الله تعالى عنه انتهى
وللمحدثين في هذا السند كلام مشهور وانتصر بعضهم للسادة الصوفية رضي الله تعالى عنهم
ومنه إنشادة أنشدني الشريشي الفقيه أبو عبد الله قال أنشدني القاضي المقري قال أنشدني الرباطي قال أنشدني ابن دقيق العيد لنفسه من صدر رسالة كتب بها لبعض إخوانه بالحجاز
( يهيم قلبي طربا عندما ** أستلمح البرق الحجازيا )
( ويستميل الوجد قلبي وقد ** أصبح لي ثوب الحجي زيا )
( يا هل أقضي من منى حاجتي ** فأنحر البدن المهاريا )
( وأوتوي من زمزم فهي لي ** ألذ من ريق المها ريا )
____________________
(5/268)


ومنه إفادة حدثنا الأستاذ القاضي أبو عبد الله المقري رحمه الله تعالى قال رأيت لبعض من ألف على كتاب الكشاف للزمخشري فائدة لم أرها لغيره في قوله تعالى { والراسخون في العلم } إذ الناس يختلفون في هذا الموضع اختلافا كثيرا فقال قوم الراسخون في العلم يعلمون تأوليه والوقوف عند قوله { والراسخون في العلم } وقال قوم إن الراسخين لا يعلمون تأويله وإنما يوقف عند قوله { وما يعلم تأويله إلا الله } فقال هذا القائل إن الآية من باب الجمع والتفريق والتقسيم من أنواع البيان وذلك لأن قوله تعالى { هو الذي أنزل عليك الكتاب } هو جمع وقوله { منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } تفريق وقوله تعالى { فأما الذين في قلوبهم زيغ } إلى قوله تعالى { وابتغاء تأويله } أحد طرفي التقسيم وقوله تعالى { والراسخون في العلم } الطرف الثاني وتقديره وأما الراسخون في العلم فيقولون آمنا به وجاء قوله تعالى { وما يعلم تأويله إلا الله } آل عمران 7 اعتراضا بين طرفي التقسيم قال وهذا مثل قوله تعالى { وأنا منا المسلمون } - الآية الجن 14 فقوله { وإنا } جمع وقوله { منا المسلمون ومنا القاسطون } تفريق وقوله { فمن أسلم } { وأما القاسطون } تقسيم وهو من بديع التفسير قلت ومثله أيضا قوله تعالى { يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه } - الآيات هود 105 انتهى
ومنه إنشادة أنشدنا الشيخ الفقيه القاضي أبو عبد الله المقري في القول بالموجب لبعض العلماء في وديعة
( إن قال قد ضاعت فصدق أنها ** ضاعت ولكن منك يعني لو تعي )
( أو قال قد وقعت فصدق أنها ** وقعت ولكن منه أحسن موقع )
ومنه إنشادة أيضا من القول بالموجب لبعض الحنابلة
____________________
(5/269)


( يحجون بالمال الذي يجمعونه ** حراما إلى البيت العتيق المحرم )
( ويزعم كل أن تحط ذنوبهم ** تحط ولكن فوقهم في جهنم )
ومنه إفادة كتب لي بخطه شيخنا الفقيه القاضي الجليل أبو عبد الله المقري رحمه الله تعالى على ظهر التسهيل لابن مالك الذي كتبه بخطي بعدما كتب لي بخطه روايته فيه عن أبي الحسن ابن مزاحم عن بدر الدين ابن جماعة عن المؤلف فكتب بعد ذلك ما نصه قال محمد بن محمد المقري بدر الدين ابن جماعة المذكور يدعى بقاضي القضاة على ما جرت به عوائد أهل المشرق في تسمية مثله وأنا أكره هذا الإسم محتجا بقول النبي صلى الله عليه وسلم إن أخنع اسم عند الله يوم القيامة رجل تسمى بملك الملوك لا ملك إلا الله انتهى ما انتقيته من كتاب الإنشادات والإفادات للشاطبي فيما يتعلق بجدي رحمه الله تعالى
ومن فوائد مولاي الجد رحمه الله مما لم يذكر فيما سبق أنه حكي أن ابن أمجوط الموله دخل في حلقة أبي عبد الله ابن رشيد بجامع القرويين وبين رجليه قصبة كأنها فرس وبيده اخرى كأنها رمح فانتهره رجل فضربه برمحه على رأسه وقال له اسكت يا ميت فأبهت الناس لكلامه فقال له الشيخ يا فقير أنت في حال ونحن في مقال وشأن أرباب الأحوال التسليم لأصحاب المقال فنظر إليه الموله وانصرف ثم لم ينشب المنتهر أن توفي بعد ذلك بأيام قلائل أخبار للمقري عن ابن شاطر
ومنها قلت لابن شاطر يوما كيف حالك فقال محبوس في الروح
____________________
(5/270)

وصدق لأن الدنيا سجن المؤمن ولا مخلص له من حبسه إلا بمفارقة نفسه
وقال سألت ابن شاطر عن معنى قول ابن الفارض
( فلم أله باللاهوت عن حكم مظهري ** ولم أنس بالناسوت موضع حكمتي )
فقال يقول ما أنا بالحلاج ولا ببلعام ثم قال مولاي الجد بعد هذا الكلام ما صورته قلت وهذا هو الإنسان على الكمال والتمام ولقد سمعته يقول في الحلاج نصف إنسان يشير إلى البيت
وقال أيضا رحمه الله تعالى سمع ابن شاطر إنسانا يقول الجنة رخيصة فقال كيف تكون رخيصة والله عز وجل يقول { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } التوبة 111 انتهى ثم قال مولاي الجد بأثر هذا الكلام قلت ما الأنفس والأموال في جنب ما فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر لا سيما وفوق هذه الحسنى زيادة الإكرام بالنظر والرضى
وقال أيضا قيل لابن شاطر صف لنا الدنيا فقال { كسراب بقيعة } النور 39 الآيتين فبلغ ذلك أبا زيد ابن الإمام فأنكر عائبا لاستحسان سامعه تاليا { يحرفون الكلم عن مواضعه } المائدة 13 ولقد أصيب المتعسف بأدهى منها وأمر فإنه أفحم يوما ببعض أهل النظر فتلا عليه { فبهت الذي كفر } البقرة 58 على أن له أن يقول لم أخرج الآية عن مرادها فالبهت من انقطاع المعاند والكفر من جحد الجاحد ولنا أن نقول التحريف المذموم هو التحويل للإبطال وليس هذا في قصد الممثل الأول بالمثال انتهى
وهذا كله على مذهب جمهور المالكية في منع الاقتباس وللكلام على ذلك موضع غير هذا فليراجع في كتب البيان وغيرها
____________________
(5/271)


وقال رحمه الله تعالى حدثت أن المتوكل على الله أبا عنان رحمه الله تعالى أعطى ابن شاطر ألف دينار ليحج بها فمر بها إلى تلمسان فصار يدفع منها شيئا فشيئا للمتفرجين بغدير الوريط شرقي عباد تلمسان العلوي إلى أن نفدت فلما ورد السلطان أبو عنان تلمسان لقيه بسوق العطارين من منشر الجلد فقال له ياسيدي أبا عبد الله حج مبرور فقال له إذا جهلت أصل المال فانظر مصارفه ويأبى الله إلا أن ينفق الخبيث في مثله فضحك السلطان وانصرف انتهى
وكان لابن شاطر هذا عجائب ولم يكن مخلا بشيء من الحقوق الشرعية وكان معتقدا عند اهل وقته وكان السلطان أبو عنان على فقهه يعظمه ويصله ويسلم له وبات عنده ليلة بقصره وكان يدخل القصر ولا تحتجب منه الجواري فاحتاج إلى البول فبال في قبة القصر عظيمة فانتهرته إحدى الجواري وقالت له أتبول في قبة مولانا فقال لها إن قبة مولانا الخضراء أعظم من هذه وأنا أفعل تحتها ما هو أفظع من البول وما انتهرني قط فذكرت ذلك الجارية للسلطان فضحك وعلم أنه يريد السماء وكان يكتب القرآن والعمدة ولا يغلق حرفا مجوفا فإذا غلب على ذلك أصلحه حتى حكي أنه سافر لإصلاح حرف مجوف أغلقه سهوا من نسخة كان باعها ولم يتذكر ذلك حتى سافر مشتريها فما رجع حتى جدده
وحكى الشيخ أبو القاسم ابن داود الفخار السلوي أن الشيخ أبا عبد الله الشريف التلمساني صاحب المفتاح في أصول الفقه وشارح الجمل الخونجية المتوفي عام اثنين وسبعين وسبعمائة دفين المدرسة اليعقوبية من تلمسان المحروسة افتتح شرح العمدة بما نصه اللهم احمد نفسك عمن أمرته أن يتخذك وكيلا حمدا عائدا منك إليك متحديا بك دائما بدوام ملكك لا منقطعا ولا مفصولا
____________________
(5/272)

قال فقال لي أبو عبد الله ابن شاطر ما هو انفصال عالم الملك فقلت له بالضرورية الوقتية فقال لي ما أجهلك وأجهل سيدك أبا عبد الله وأجهل ابن سودكين الذي اخذ من كتابه هذا الحمد إذ قال لا منقطعا ولا مفصولا بعد قوله بدوام ملكك وهو بالضرورية الوقتية وهي منقطعة فهلا قال دائما بدوام قيوميتك وعظيم قدرك ومجدك الأعلى وسبحات وجهك الأكرم لا منقطعا ولا مفصولا فبلغ لذلك أبا عبد الله الشريف فبدله انتهى
واخبار ابن شاطر كثيرة وقد مر ذكره في كلام مولاي الجد رحمه الله تعالى وسيأتي ما ذكره لسان الدين به في الإحاطة تتمة الفوائد عن المقري
ومن فوائد مولاي الجد رحمه الله تعالى ما قاله إثر قول الرازي في التفسير الحس أقوى من العقل ونصه هذا على ما حكاه في المحصل من أن المعقولات فرع المحسوسات قال ولذلك من فقد حسا فقد فقد علما كالأكمه والعنين ومذهب جمهور الفلاسفة أن اليقينيات هي المعقولات لا المحسوسات انظر المحصل انتهى
ومن فوائده رحمه الله تعالى أنه قال أنشدت يوما الآبلي قول ابن الرومي
( أفنى وأعمى ذا الطبيب بطبه ** وبكحله الأحياء والبصراء )
( فإذا مررت رأيت من عميانه ** أمما على أمواته قراء )
فاستعادني حتى عجبت منه مع ما أعرف من عدم ميله إلى الشعر وانفعاله له وظننت أنه أعجب بما تضمنه البيت الأول من غريب اللف والنشر المكرر الذي لا أعرف له ثانيا فيه فقال أظننت أني أستحسنت الشعر فقلت مثلك
____________________
(5/273)

يستحسن مثل هذا الشعر فقال إنما تعرفت منه كون العميان كانوا في ذلك الزمان يقرؤون على المقابر فإنني كنت أرى ذلك حديث العهد فاستفدت التاريخ
وقال مولاي الجد رحمه الله تعالى حدثني الآبلي أن أبا عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن أبي العيش الخزرجي الخطيب بتلمسان كان يقول في خطبته من يطع الله ورسوله فقد رشد بالكسر وكان الطلبة ينكرون عليه ذلك فلما ورد عليهم الراوية الرحلة أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري سمعه يقول ذلك فأنكر عليه في جملتهم وبلغ الخطيب ذلك فلم يرجع فلما قفل ابن رشيد من وجهته تلك دخل على الأستاذ أبي الحسن ابن أبي الربيع بسبتة فهنأه بالقدوم وقال له فيما قال رشدت يا ابن رشيد ورشدت لغتان صحيحتان حكاهما يعقوب في الإصلاح ثم قال مولاي الجد قلت هذه كرامة للرجلين أو للثلاثة
وقال رحمه الله تعالى قال طالب لشيخنا الآبلي يوما مفهوم اللقب صحيح فقال له الشيخ قل زيد موجود فقال زيد موجود فقال له الشيخ أما أنا فلا أقول شيئا فعرف الطالب ما وقع فيه فخجل
وهذا الآبلي تقدم في كلام مولاي الجد رحمه الله تعالى أنه عالم الدنيا وهو تلمساني كما تقدم قال تلميذه أبو القاسم السلوي الفخار دخل علي شيخنا الآبلي يوما وأنا أعجن طين الفخارة فقال لي ما علامة قبول هذه المادة أكمل صورة ترد عليها فقلت أن تدفع عن نفسها ما هو من غير جنسها من حجر أو زبل أو غيره فأدركه وجد عظيم حتى إنه صاح وقام وقعد وبقي هنية مطرقا برأسه مفكرا ثم قال هكذا هي النفوس البشرية
____________________
(5/274)


قال وقال لي يوما وقد وجد الصبيان يصوتون بقصب رقاق على الذباب فإذا خرج قتلوه الغلط الداخل عليه من أي أنواع المغلطات هو فقلت له من إيهام العكس لما كان كل ذباب مصوتا ظن أن كل مصوت ذباب فاستحسن ذلك
قلت وحدثني مولاي العم الإمام شيخ الإسلام سيدي سعيد بن أحمد المقري رحمه الله تعالى عن شيخه ابن جلال مفتي حضرتي فاس وتلمسان أنه كان يحكي أن الغلط جاءه من عدم كلية الكبرى في الشكل الأول لأنه ركبه هكذا هذا مصوت وكل مصوت ذباب وقد علمت أنها هنا إنما تصدق جزئية لا كلية وإذا كانت جزئية بطل الإنتاج لأن ذلك من الضروب العقيمة انتهى
ومن فوائد مولاي الجد رحمه الله تعالى أنه قال سمعت شيخنا الآبلي يقول ما في الأمة المحمدية أشعر من ابن الفارض
وقال أيضا رحمه الله تعالى سمعت شيخنا الآبلي يقول إنما أفسد العلم كثرة التواليف وإنما أذهبه بنيان المدارس وكان ينتصف له من المؤلفين والبانين وإنه لكما قال غير أن في شرح ذلك طولا وذلك أن التأليف نسخ الرحلة التي هي أصل جمع العلم فكان الرجل ينفق فيها المال الكثير وقد لا يحصل له من العلم إلا النزر اليسير لأن عنايته على قدر مشقته في طلبه ثم صار يشتري أكبر ديوان بأبخس ثمن فلا يقع منه أكثر من موقع ما عوض عنه فلم يزل الأمر كذلك حتى نسي الأول بالآخر وأفضى الأمر إلى ما يسخر منه الساخر وأما البناء فلأنه يجذب الطلبة إلى ما يرتب فيه من الجرايات فيقبل بها على من
____________________
(5/275)

يعينه أهل الرياسة للأجراء والإقراء منهم أو ممن يرضى لنفسه الدخول في حكمهم ويصرفونها عن أهل العلم حقيقة الذين لا يدعون إلى ذلك وإن دعوا لم يجيبوا وإن أجابوا لم يوفوا لهم بما يطلبون من غيرهم ثم قال مولاي الجد رحمه الله تعالى ولقد استباح الناس النقل من المختصرات الغريبة أربابها ونسبوا ظواهر ما فيها إلى أمهاتها وقد نبه عبد الحق في تعقيب التهذيب على ما يمنع من ذلك لو كان من يسمع وذيلت كتابه بمثل عدد مسائله أجمع ثم تركوا الرواية فكثر التصحيف وانقطعت سلسلة الإتصال فصارت الفتاوي تنقل من كتب من لا يدري ما زيد فيها مما نقص منها لعدم تصحيحها وقلة الكشف عنها ولقد كان أهل المائة السادسة وصدر السابعة لا يسوغون الفتوى من تبصرة الشيخ أبي الحسن اللخمي لكونه لم يصحح على مؤلفه ولم يؤخذ عنه وأكثر ما يعتمد اليوم ما كان من هذا النمط ثم انضاف إلى ذلك عدم الاعتبار بالناقلين فصار يؤخذ من كتب المسخوطين كما يؤخذ من كتب المرضيين بل لا تكاد تجد من يفرق بين الفريقين ولم يكن هذا فيمن قبلنا فلقد تركوا كتب البراذعي على نبلها ولم يستعمل منها على كره من كثير منهم غير التهذيب الذي هو المدونة اليوم لشهرة مسائله وموافقته في أكثر ما خالف فيه المدونة لأبي محمد ثم كل أهل هذه المائة عن حال من قبلهم من حفظ المختصرات وشق الشروح والأصول والكبار فاقتصروا على حفظ ما قل لفظه ونزر حظه وأفنوا أعمارهم في فهم رموزه وحل لغوزه ولم يصلوا إلى رد ما فيه إلى أصوله بالتصحيح فضلا عن معرفة الضعيف من ذلك والصحيح بل هو حل مقفل وفهم أمر مجمل ومطالعة تقييدات
____________________
(5/276)

زعموا أنها تستنهض النفوس فبينا نحن نستكبر العدول عن كتب الأئمة إلى كتب الشيوخ أتيحت لنا تقييدات للجهلة بل مسودات المسوخ فإنا لله وإنا إليه راجعون فهذه جملة تهديك إلى أصل العلم وتريك ما غفل الناس عنه انتهى
ولنصلها بخاتمة تشير إلى حال العلماء أيضا اعلم أن شر العلماء علماء السلاطين وللعلماء معهم أحوال فكان الصدر الأول يفرون منهم وهم يطلبونهم فإذا حضر واحد منهم أفرغوا عليه الدنيا إفراغا ليقتنصوا بذلك غيره ثم جاء أهل العصر الثاني فطمحت أنفسهم إلى دنيا من حصل لهم ومنعهم قرب العهد بالخير عن إتيانهم فكانوا لا يأتونهم فإن دعوهم أجابوهم إلا القليل فانتقصوا مما كان لغيرهم بقدر ما نقصوا من منابذتهم ثم كان فيمن بعدهم من يأتيهم بلا دعوة وأكثرهم إن دعى اجاب فانتقصوا بقدر ذلك أيضا ثم تطارح جمهور من بعدهم عليهم فاستغنوا بهم عن دعاء غيرهم لا على جهة الفضل أو محبة المدحة منهم فلم يبقوا عليهم من ذلك إلا النزر اليسير وصرفوهم في أنواع السخر والخدم إلا القليل وهم ينتظرون صرفهم والتصريح بالاستغناء عنهم وعدم الحاجة إليهم ولا تستعظم هذا فلعله سبب إعادة الحال جذعة عجب الله من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل وهذا كله ليظهر لك سر قول النبي لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه خلفهم قيل اليهود والنصارى قال فمن وقد قص علينا القرآن والأخبار من أمرهم ما شاهدنا أكثره او أكثر منه فينا سمعت العلامة الآبلي يقول لولا انقطاع الوحي لنزل فينا أكثر مما نزل فيهم لأنا أتينا أكثر مما اتوا يشير
____________________
(5/277)

إلى افتراق هذه الأمة على أكثر مما افترقت عليه بنو إسرائيل واشتهار بأسهم بينهم إلى يوم القيامة حتى ضعفوا بذلك عن عدوهم وتعدد ملوكهم لاتساع أقطارهم واختلاف أنسابهم وعوائدهم حتى غلبوا بذلك على الخلافة فنزعت من أيديهم وساروا في الملك بسير من قبلهم مع غلبة الهوى واندراس معالم التقوى لكنا آخر الأمم أطلعنا الله من غيرنا على أقل مما ستر منا وهو المرجو أن يتم نعمته علينا ولا يرفع ستره الجميل عنا فمن أشد ذلك إتلافا لغرضنا تحريف الكلم عن مواضعه الصحيحة أن ذلك لم يكن بتبديل اللفظ إذ لا يمكن ذلك في المشهورات من كتب العلماء المستعملة فكيف في الكتب الإلهية وإنما كان ذلك بالتأويل كما قال ابن عباس وغيره وأنت تبصر ما اشتملت عليه كتب التفسير من الخلاف وما حملت الآي والأخبار من التأويلات الضعاف قيل لمالك لم اختلف الناس في تفسير القرآن فقال قالوا بآرائهم فاختلفوا أين هذه من قول الصديق أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله عز وجل برأيي كيف وبعض ذلك قد انحرف عن سبيل العدل إلى بعض الميل وأقرب ما يحمل عليه جمهور اختلافهم أن يكون بعضهم قد علم بقصد إلى تحقيق نزول الآية من سبب أو حكم أو غيرهما وآخرون لم يعلموا ذلك على التعيين فلما طال بحثهم وظنوا عجزهم ارادوا تصوير الآية بما يسكن النفوس إلى فهمها في الجملة ليخرجوا عن حد الإبهام المطلق فذكروا ما ذكروه على جهة التمثيل لا على سبيل القطع بالتعيين بل منه ما لا يعلم أنه أريد لا عموما ولا خصوصا لكنه يجوز أن يكون المراد فإن لم يكن إياه فهو قريب من معناه ومنه أنه مراد لكن بحسب الشركة والخصوصية مع جواز أن يكون هو المراد بحسب الخصوصية ثم اختلط الأمران والحق أن تفسير القرأن من أصعب الأمور فالإقدام عليه جراءة وقد قال الحسن
____________________
(5/278)

لابن سيرين تعبر الرؤيا كأنك من آل يعقوب فقال له تفسر القرآن كأنك شهدت التنزيل وقد صح أن رسول الله لم يكن يفسر من القرآن إلا آيات معدودة وكذلك أصحابه والتابعون بعدهم وتكلم أهل النقل في صحة التفسير المنسوب لابن عباس إليه إلى غير ذلك ولا رخصة في تعيين الأسباب والناسخ والمنسوخ إلا بنقل صحيح أو برهان صريح وإنما الرخصة في تفهيم ما تفهمه العرب بطباعها من لغة وإعراب وبلاغة لبيان إعجاز ونحوها انتهى ترجمة المقري من نيل الابتهاج
ولنرجع إلى بقية أنباء مولاي الجد رحمه الله فنقول قال صاحب نيل الابتهاج بتطريز الديباج ما صورته محمد بن محمد بن احمد القرشي التلمساني الشهير بالمقري بفتح الميم وتشديد القاف المفتوحة كذا ضبطه الشيخ عبد الرحمن الثعالبي في كتابه العلوم الفاخرة وضبطه ابن الأحمر في فهرسته وسيدي أحمد زروق بفتح الميم وسكون القاف الإمام العلامة النظار المحقق القدوة الحجة الجليل الرحلة أحد فحول أكابر علماء المذهب المتأخرين الأثبات قاضي الجماعة بفاس ذكره ابن فرحون في الأصل يعني الديباج وأثنى عليه انتهى
وقال الخطيب ابن مرزوق كان صاحبنا المقري معلوم القدر مشهور الذكر بالخير تبعه بعد موته من حسن الثناء وصالح الدعاء ما يرجى له النفع به يوم اللقاء وعوارفه معلومة عند الفقهاء ومشهورة بين الدهماء انتهى
____________________
(5/279)

وقال أبو العباس الونشريسي في بعض فوائده ومقره بفتح الميم بعدها قاف مفتوحة مشددة قرية من قرى بلاد الزاب من أعمال إفريقية سكنها سلفه ثم تحولوا إلى تلمسان وبها ولد الفقيه المذكور وبها نشأ وقرأ وأقرأ إلى أن خرج منها صحبة الركاب المتوكلي العناني أمير المؤمنين فارس عام تسعة وأربعين وسبعمائة إلى مدينة فاس المحروسة فولاه القضاء فنهض بأعبائه علما وعملا وحمدت سيرته ولم تأخذه في الله لومة لائم إلى أن توفي بها إثر قدومه من بلاد الأندلس في غرض الرسالة لأبي عنان عام تسعة وخمسين وسبعمائة ثم نقل إلى مسقط رأسه تلمسان
وقال في موضع آخر إنه توفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء التاسع والعشرين من جمادى الأولى عام تسعة وخمسين وسبعمائة بمدينة فاس المحروسة ثم نقل إلى تلمسان محل ولادته ومقر أسلافه ودفن بها في البستان الملاصق لقبلي داره الكائنة بباب الصرف من البلد المذكور وهو الآن على ملك بعض ورثة الشيخ أبي يحيى الشريف انتهى
ومن أخبار مولاي الجد رحمه الله تعالى أنه قال شهدت الوقفة سنة أربع وأربعين وسبعمائة وكانت جمعة وقام الخطيب في سابع ذي الحجة في الناس بالمسجد الحرام وقال إن جمعة وقفتكم هذه خاتمة مائة جمعة وقف بها من الجمعة التي وقف فيها رسول الله في حجة الوداع آخر عشر من الهجرة وشاع ذلك في الناس وذاع وكان علم ذلك مما تواتر عندهم والله أعلم وهم يزعمون أن الجمعة تدور على خمس سنين وهذا مناف لذلك ولكن كثير منهم ينكر اطراد هذا ويقول إنها قد تكون على خلاف ذلك فلا أدري
____________________
(5/280)


ومنها أنه قال شهدت شمس الدين بن قيم الجوزية قيم الحنابلة بدمشق وقد سأله رجل عن قوله عليه الصلاة والسلام من مات له ثلاثة من الولد كانوا له حجابا من النار كيف إن أتى بعد ذلك بكبيرة فقال موت الولد حجاب والكبيرة خرق لذلك الحجاب وإنما يكون الحجاب حجابا ما لم يخرق فإذا خرق فقد زال عن أن يكون حجابا ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام الصوم جنة ما لم يخرقها ثم قال وهذا الرجل أكبر أصحاب تقي الدين ابن تيمية
ومن أخبار مولاي الجد الدالة على صرامته ما حكاه ابن الأزرق عنه أنه كان يحضر مجلس السلطان أبي عنان لبث العلم وكان نقيب الشرفاء بفاس إذا دخل مجلس السلطان يقوم له السلطان وجميع من في المجلس إجلالا له إلا الشيخ المقري فإنه كان لا يقوم في جملتهم فأحس النقيب من ذلك وشكاه إلى السلطان فقال له السلطان هذا رجل وارد علينا نتركه على حاله إلى أن ينصرف فدخل النقيب في بعض الأيام على عادته فقام له السلطان على العادة وأهل المجلس فنظر إلى المقري وقال له أيها الفقيه ما لك لا تقوم كما يفعل السلطان نصره الله وأهل مجلسه إكراما لجدي ولشرفي ومن أنت حتى لا تقوم لي فنظر إليه المقري وقال له أما شرفي فمحقق بالعلم الذي أنا أبثه ولا يرتاب فيه أحد وأما شرفك فمظنون ومن لنا بصحته منذ أزيد من سبعمائة سنة ولو علمنا شرفك قطعا لأقمنا هذا من هنا وأشار إلى السلطان أبي عنان وأجلسناك مجلسه فسكت انتهى
____________________
(5/281)


قال ابن الأزرق وعلى اعتذاره ذلك بأن الشرف الآن مظنون فمن معنى ذلك أيضا ما يحكى عنه أنه كان يقرأ بين يدي السلطان أبي عنان المذكور صحيح مسلم بحضرة أكابر فقهاء فاس وخاصتهم فلما وصل إلى أحاديث الأئمة من قريش قال الناس إن قال الشيخ الأئمة من قريش وأفصح بذلك استوغر قلب السلطان وإن ورى وقع في محظور فجعلوا يتوقعون له ذلك فلما وصل إلى الأحاديث قال بحضرة السلطان والجمهور أن الأئمة من قريش ثلاثا ويقول بعد كل كلمة وغيرهم متغلب ثم نظر إلى السلطان وقال له لا عليك فإن القرشي اليوم مظنون أنت أهل للخلافة إذ بعض الشروط قد توفرت فيك والحمد لله فلما انصرف إلى منزله بعث له السلطان بألف دينار انتهى
قال أبو عبد الله ابن الأزرق قلت ويلزم أيضا من اعتذاره أن قيام السلطان لذي الشرف المحقق بالعلم أولى بالمحافظة على تعظيم حرمات الله وقد روي عن بعض الأمراء أنه تكبر على ذلك واستخف بمنزلة من عظم به غيره فسلبه الله ملكه وملك بنيه من بعده انتهى
ومن أجوبة مولاي الجد رحمه الله تعالى قوله سألني السلطان عمن لزمته يمين على نفي العلم فحلف جهلا على البت هل يعيد أم لا فأجبته بإعادتها وقد كان من حضر من الفقهاء أفتوا بأن لا تعاد لأنه أتى بأكثر مما أمر به على وجه يتضمنه فقلت له اليمين على وجه الشك غموس قال ابن يونس والغموس الحلف على تعمد الكذب أو على غير يقين ولا شك أن الغموس محرمة منهي عنها والنهي يدل على الفساد ومعناه في العقود عدم ترتب أثره فلا أثر لهذه اليمين ويجب أن تعاد وقد يكون من هذا اختلافهم فيمن إذنها
____________________
(5/282)

السكوت فتكلمت هل يجتزأ بذلك والإجزاء هنا أقرب لأنه الأصل والصمات رخصة لغلبة الحياء فإن قلت البت أصل ونفي العلم إنما يعتبر عند تعذره قلت ليس رخصة كالصمات
ومنها أنه قال سألني بعض الفقراء عن السبب في سوء بخت المسلمين في ملوكهم إذ لم يل امرهم من يسلك بهم الجادة ويحملهم على الواضحة بل من يغتر في مصلحة دنياه غافلا عن عاقبة أخراه فلا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة ولا يراعي عهدا ولا حرمة فأجبته بأن ذاك لأن الملك ليس في شريعتنا وذلك أنه كان فيمن كان قبلنا شرعا قال الله تعالى ممتنا على بني إسرائيل { وجعلكم ملوكا } المائدة 20 ولم يكن ذلك في هذه الأمة بل جعل لهم خلافة قال الله تعالى { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض } - الآية النور 55 وقال تعالى { وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } البقرة 247 وقال سليمان { رب اغفر لي وهب لي ملكا } ص 35 فجعلهم الله تعالى ملوكا ولم يجعل في شرعنا إلا الخلفاء فكان أبو بكر خليفة رسول الله وإن لم يستخلفه نصا لكن فهم الناس ذلك فهما وأجمعوا على تسميته بذلك ثم استخلف أبو بكر عمر فخرج بها عن سبيل الملك الذي يرثه الولد عن الوالد إلى سبيل الخلافة الذي هو النظر والإختيار ونص في ذلك على عهده ثم اتفق أهل الشورى على عثمان فإخراج عمر لها عن بنيه إلى الشورى دليل على أنها ليست ملكا ثم تعين علي بعد ذلك إذ لم يبق مثله فبايعه من آثر الحق على الهوى واصطفى الآخرة على الدنيا ثم الحسن كذلك ثم كان معاوية أول من حول الخلافة ملكا والخشونة
____________________
(5/283)

لينا ثم إن ربك من بعدها لغفور رحيم فجعلها ميراثا فلما خرج بها عن وضعها لم يستقيم ملك فيها ألا ترى أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان خليفة لا ملكا لأن سليمان رحمه الله تعالى رغب عن بني أمية إيثارا لحق المسلمين ولئلا يتقلدها حيا وميتا وكان يعلم اجتماع الناس عليه فلم يسلك طريق الاستقامة بالناس قط إلا خليفة وأما الملوك فعلى ما ذكرت إلا من قل وغالب أفعاله غير مرضية انتهى
وفوائد مولاي الجد وتحفه وطرفه ولطائفه ودقائقه يستدعي استقصاؤها مجلدات فلنكتف بما قدمناه
( وفي الإشارة ما يغني عن الكلم ** ) مؤلفات المقري الجد
وأما تآليفه فكثيرة منها كتاب القواعد اشتمل على ألف قاعدة ومائتي قاعدة قال العلامة الونشريسي في حقه إنه كتاب غزي العلم كثير الفوائد لم يسبق إلى مثله بيد أنه يفتقر إلى عالم فتاح انتهى
وقد أشار فيه إلى مأخذ الأربعة وهو قليل بهذه الديار المشرقية ولم أر منه بمصر إلا نسخة عند بعض الأصحاب وذكر أنها من أوقاف رواق المغاربة بالأزهر المعمور وأما قول لسان الدين في الإحاطة عند تعرضه لذكر تآليف مولاي الجد ما صورته ألف كتابا يشتمل على أزيد من مائة مسألة فقهية ضمنها كل أصل من الرأي والمباحثة فهو غير القواعد بلا مرية
____________________
(5/284)


ومنها كتاب الطرف والتحف غاية في الحسن والظرف قاله الونشريسي وقد وقفت على بعضه فرأيت العجب العجاب
ومنها اختصار المحصل ولم يكمله وشرحه لجمل الخونجي كذلك ومنها كتاب عمل من طب لمن حب وهو بديع في بابه مشتمل على أنواع الأول فيه أحاديث حكمية كأحاديث الشهاب وسراج المهتدين لابن العربي والنوع الثاني منه الكليات الفقهية على جملة أبواب الفقيه في غاية الإفادة والثالث في قواعد وأصول والرابع في اصطلاحات وألفاظ قال الونشريسي وقد أطلعني الفقيه أبو محمد عبد الله بن عبد الخالق على نسخة من هذا الكتاب فتلطفت في استنساخها فلم يسمح به انتهى
قلت وقد رأيت هذا الكتاب بحضرة فاس عند بعض أولاد ملوك تلمسان وهو فوق ما يوصف وفيه يقول مولاي الجد رحمه الله تعالى
( هذا كتاب بديع في محاسنه ** ضمنته كل شيء خلته حسنا )
( فكل ما فيه إن مر اللبيب به ** ولم يشم عبيرا شام منه سنا )
( فخذه واشدد به كف الضنين وذذ ** حتى تحصله عن جفنك الوسنا )
وهذه الأبيات كافية في وصف هذا الكتاب إذ صاحب البيت أدرى بالذي فيه تقول من كتاب المحاضرات للمقري الجد
ومنها كتاب المحاضرات وفيه من الفوائد والحكايات والإشارات كثير وقد ملكت منه بالمغرب نسختين فلنذكر منه بعض الفوائد فنقول قال رحمه الله تعالى قيل لصوفي لم تقول الله الله ولا تقول لا إله إلا الله فقال
____________________
(5/285)

نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب وهذا إن لم يكن في هذه الكلمة لأنها أفضل ما قالته الأنبياء فهو في كثير من التنزيه الذي يطلقه المتكلمون وغيرهم حتى قال الشاشي عنهم إنهم يتمندلون بأسماء الله عز وجل ما عرفه من كيفه ولا وحده من مثله ولا عبده من شبهه المشبه أعشى والمعطل أعمى المشبه متلوث بفرث التجسيم والمعطل نجس بدم الجحود ونصيب المحق لبن خالص وهو التنزيه انزل من علو التشبيه ولا تعل قلل أباطيل التعطيل فالوادي المقدس بين الجبلين
أبو المعالي من اطمأن إلى موجود انتهى إليه فكره فهو مشبه ومن سكن إلى النفي المحض فهو معطل ومن قطع بموجود واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحد
( جل رب الأعراض والأجسام ** عن صفات الأعراض والأجسام )
( جل ربي عن كل ما اكتنفته ** لحظات الأفكار والأوهام )
( برىء الله من هشام وممن ** قال في الله مثل قول هشام )
الدقاق المريد صاحب وله لأن المراد بلا شبه وقيل مثله الأعلى { ليس كمثله شيء }
الجنيد أشرف كلمة في التوحيد قول الصديق الحمد لله الذي لم يجعل للخلق سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته
القشيري يعني أن العارف عاجز عن معرفته والمعرفة موجودة فيه غيره ما عرف الله سوى الله لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك
( كل ما ترتقي إليه بوهم ** من جلال وقدرة وسناء )
( فالذي أبدع البرية أعلى ** منه سبحان مبدع الأشياء )
____________________
(5/286)


سأل المريسي الشافعي عن التوحيد بحضرة الرشيد فقال أن لا تتوهمه ولا تتهمه فأبهت بشر
الشبلي من توهم أنه واصل فليس له حاصل ومن رأى أنه قريب فهو بعيد ومن تواجد فهو فاقد ومن أجاب عن التوحيد بالعبارة فهو غافل ومن سكت عنه فهو جاهل ما أرادت همة سالك أن تقف عندما كشف لها إلا نادته هواتف الحقيقة الذي تطلب أمامك وما تبرجت ظواهر المكونات إلا نادتك حقائقها إنما نحن فتنة فلا تكفر
( ما ينتهي نظري منهم إلى رتب ** في الحسن إلا ولاحت فوقها رتب )
الجريري ليس لعلم التوحيد إلا لسان التوحيد
الحسن العجز عن درك الإدراك إدراك
( تبارك الله وارت غيبه حجب ** فليس يعرف إلا الله ما الله )
دعا نبي إلى الله عز وجل بحقيقة التوحيد فلم يستجب له إلا الواحد بعد الواحد فعجب من ذلك فأوحى الله عز وجل إليه تريد أن تستجيب لك العقول قال نعم قال احجبني عنها قال كيف أحجبك وأنا أدعو إليك قال تكلم في الأسباب وفي أسباب الأسباب فدعا الخلق من هذا الطريق فاستجاب له الجم الغفير
ومنه سمع أعرابي اختلاف المتكلمين بمسجد البصرة في الإنسان وانتزاع كل واحد منهم الحجة على رأيه فخرج وهو يقول
____________________
(5/287)


( إن كنت أدرى فعلي بدنه ** من كثرة التخليط في من أنه )
ومن عجز عن أقرب الأشياء نسبة منه فكيف يقدر على أبعد الأمور حقيقة عنه من عرف نفسه عرف ربه
ومنه دع ما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره
لما احتضر الوليد ابن أبان قال لبنيه هل تعلمون أحدا هو أعلم بالكلام مني قالوا لا قال فإني أوصيكم بما عليه أهل الحديث فإني رأيت الحق معهم وعن أبي المعالي نحوه
ومنه هجر أحمد المحاسبي لما صنف في علم الكلام فقال إنما قصدت إلى نصر السنة فقال ألست تذكر البدعة وشبهة البدعة قلت من تحقق كلام فخر الدين الرازي وجده في تقرير الشبه أشد منه في الانفصال عنها وفي هذا ما لا يخفى
ومنه من آمن بالنظر إلى ظاهر الثعبان كفر بالاستماع إلى خوار العجل ومن شاهد مجاوزة القدرة الإلهية وسع القوة البشرية لم يكترث بوعيد الدنيا ولم يؤثر الهوى على الهدى والتقوى
ومنه علي بن الحسين من عرف الله بالأخبار دون شواهد الاستبصار والاعتبار اعتمد على ما تلحقه التهم
ومنه قيل لطبيب بم عرفت ربك قال بالإهليلج يجفف الحلق ويلين البطن وقيل لأديب بم عرفت ربك قال بنحلة في أحد طرفيها عسل وفي الآخر لسع والعسل مقلوب اللسع وسأل الدهرية الشافعي عن دليل الصانع فقال ورقة الفرصاد تأكلها دودة القز فيخرج منها الإبريسم والنحل فيكون منها العسل والظباء فينعقد في نوافجها المسك والشاء فيكون منها البعر فآمنوا كلهم وكانوا سبعة عشر
____________________
(5/288)


قيل لأعرابي بم عرفت ربك فقال البعرة تدل على البعير والروث يدل على الحمير وآثار الأقدام تدل على المسير فسماء ذات أبراج وبحار ذات أمواج أما يدل ذلك على العليم القدير
( قد يستدل بظاهر عن باطن ** حيث الدخان يكون موقد نار )
قيل لأعرابي بم عرفت الله قال بنقض عزائم الصدور وسوق الاختيار إلى حبائل المقدور
ومنه الدقاق لو كان إبليس بالحق عارفا ما كان لنفسه بالإضلال والإغواء واصفا
ومنه التوحيد محو آثار البشرية وتجديد صفات الألوهية الحق واحد في ذاته لا ينقسم واحد في صفاته لا يماثل واحد في أفعاله لا يشارك لو كان موجودا عن عدم ما كان موصوفا بالقدم الحياة شرط القدرة دلت على ذلك الفطرة لو لم يكن الصانع حيا لاستحال أن يوجد شيئا لو لم يكن باقيا لكان للألوهية منافيا لو كان الباري جسما ما استحق الإلهية اسما لو كان الباري جوهرا لكان للحيز مفتقرا العرض لا يبقى والقديم لا يتغير ولا يفنى لو لم يكن بصفة القدرة موصوفا لكان بسمة العجز معروفا لو لم يكن عالما قادرا لاستحال كونه خالقا فاطرا دلت الفطرة والعبرة أن الحوادث لا تحصل إلا من ذى قدرة لو لم يكن بالإرادة قاصدا ما كان العقل بذلك شاهدا من تنوع إيجاده دل ذلك على أن الفعل مراده لو لم يكن بالسمع والبصر موصوفا لكان لضديهما مألوفا لو جاز سامع لا سمع له لجاز صانع لا صنع له لو كان سمعه بأذن لافتقرت ذاته إلى ركن من صدرت عنه الشرائع والأحكام كان موصوفا بالكلام ليس في الصفات
____________________
(5/289)

السبع ما لايتعلق إلا الحياة ولا ما يؤثر إلا القدرة وإلارادة كما جاز أن يأمر بما لا يريد جاز أن يريد ما لايحب لا يسأل عما يفعل الواحد كاف وما زاد عليه متكاف ليس مع الله تعالى موجودات لأن الموجودات كلها كالظل من نور القدرة له رتبة التبعية لا رتبة المعية
( إن من أشرك بالله ** جهول بالمعاني )
( أحول العقل لهذا ** ظن للواحد ثاني )
قال جعفر بن محمد لو كان على شيء لكان محمولا ولو كان في شيء لكان محصورا ولو كان من شيء لكان محدثا
قيل لثمامة بن الأشرس متى كان الله فقال ومتى لم يكن فقيل فلم كفر الكافر فقال الجواب عليه
قال خادم أبي عثمان قال لي مولاي يا محمد لو قيل لك أين معبودك ما كنت تجيب قال أقول بحيث لم يزل قال فإن قيل لك فأين كان في الأزل فقال أقول بحيث هو الآن فنزع قميصه وأعطانيه
قيل لصوفي أين هو فقال محقك الله أيطلب من العين أين
ومنه سمعت شيخنا يقول نقصنا صفة كمال له فينا يعني إذا وجب له كل الكمال وجب لنا كل النقص وهذا على أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان وفيه كلام
ومنه بلغ أحمد أن أبا ثور قال في الحديث خلق الله آدم على صورته إن الضمير لآدم فهجره فأتاه أبو ثور فقال احمد أي صورة كانت لآدم يخلقه عليها كيف تصنع بقوله خلق الله آدم على صورة الرحمن فاعتذر إليه وتاب بين يديه
ومنه أتى يهودي المسجد فقال أيكم وصي محمد فأشاروا إلى الصديق فقال إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي أو وصي
____________________
(5/290)

نبي قال سل قال فأخبرني عما ليس لله وعما ليس عند الله وعما لا يعلمه الله فقال هذه مسائل الزنادقة وهم بقتله فقال ابن عباس ما أنصفتموه إما أن تجيبوه وإما أن تصرفوه إلى من يجيبه فإني سمعت رسول الله يقول لعلي اللهم اهد قلبه وثبت لسانه فقال أبو بكر قم معه إلى علي فقال له أما ما لا يعلمه الله فقولكم في عزيز إنه ابن الله والله عز وجل لا يعلم له ولدا قال في التنزيل { ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله } - الآية يونس 18 وأما ما ليس عند الله فالظلم وأما ما ليس له فالشريك فأسلم اليهودي فقبل أبو بكر رأس علي وقال له يا مفرج الكربات ووردت مثل هذه المسائل عن الصحابة فالله تعالى أعلم
وقال العتابي لأبي قرة النصراني عند المأمون ما تقول في المسيح قال من الله قال البعض من الكل على سبيل التجزيء والوالد من الوالد على طريق التناسل والخل من الخمر على وجه الاستحالة والخلق من الخالق على جهة الصنعة فهل من معنى خامس قال لا ولكن لو قلت بواحد منها ما كنت تقول قال الباري لا يتجزأ ولو جاز عليه ولد جاز له ثان وثالث وهلم جرا ولو استحال فسد والرابع مذهبنا وهو الحق
ومنه أول ما تكلم به عيسى في المهد أن قال { إني عبد الله } مريم 30 وهو حجة على الغالين فيه يقال لهم إن صدق فقد كذبتم وإلا فمن عبدتم ولمن ادعيتم
قال القاضي ابن الطيب للقسيس لما وجهه عضد الدولة إلى ملك الروم لم اتحد اللاهوت بالناسوت فقال أراد أن ينجي الناس من الهلاك قال
____________________
(5/291)

فهل درى أنه يقتل ويصلب أولا لم يدر لم يجز أن يكون إلها ولا ابنا وإن درى فالحكمة تمنع من التعرض لمثل ما قلتم إنه جرى
سأل القاضي هذا البطرك عن أهله وولده فأنكر ذلك النصارى فقال تبرئون هذا مما تثبتونه لربكم سوأة لهذا الرأي فانكسروا
ابن العربي سمعت الفقراء ببغداد يقولون إن عيسى عليه السلام كان إذا خلق من الطين كهيئة الطير طار شيئا ثم سقط ميتا لأنه كان يخلق ولا يرزق ولو رزق لم يبق أحد إلا قال هو الله إلا من أوتي هداه
سأل ابن شاهين الجنيد عن معنى مع فقال مع الأنبياء بالنظر والكلاءة { إنني معكما } طه 46 ومع العامة بالعلم والإحاطة { إلا هو معهم } المجادلة 7 فقال مثلك يصلح دليلا على الله
ومنه سأل قدري عليا رضي الله عنه عن القدر فأعرض عنه فألح عليه فقال أخلقك كيف شئت أو كيف شاء فأمسك فقال أترونه يقول كيف شئت إذن والله أقتله فقال كيف شاء قال أيحييك كيف تشاء أو كيف يشاء قال كيف يشاء قال فيدخلك حيث تشاء أو حيث يشاء قال حيث يشاء قال اذهب فليس لك من الأمر شيء
أبو سليمان أدخلهم الجنة قبل أن يطيعوه وأدخلهم النار قبل أن يعصوه جل حكم الأزل ان يضاف إلى العلل سبق قضاؤه فعله { إني جاعل في الأرض خليفة } البقرة 30 وأوقفت مشيئته أمره { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا } يونس 99
قال الشاذلي أهبط آدم إلى الأرض قبل أن يخلقه لأنه قال { في الأرض } ولم يقل في السماء ولا في الجنة
الأوزاعي قضى بما نهى وحال دون ما أمر واضطر إلى ما حرم
( ألقاه في اليم مكتوفا وقال له ** إياك إياك أن تبتل بالماء )
____________________
(5/292)


قال الأوزاعي لغيلان مشيئتك مع مشيئة الله عز وجل أو دونها فلم يجب فقال هشام بن عبد الملك فلو اختار واحدة فقال إن قال معها فقد زعم أنه شريك وإن قال وحدها فقد تفرد بالربوبية قال لله درك أبا عمرو
من بيان عظمته { رفيع الدرجات } غافر 15 من آثار قدرته { بديع السماوات } الرعد 2 توقيع أمره { يأمر بالعدل والإحسان } واقع زجره { وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي } النحل 90 تنفيذ حكمه { فعال لما يريد } البروج 16 دستور ملكه { لا يسأل عما يفعل } الأنبياء 23
إياس بن معاوية ما خاصمت أحدا بعقلي كله إلا القدرية قلت لقدري ما الظلم فقال أخذ ما ليس لك قلت فإن الله له كل شيء
الواسطي ادعى فرعون الربوبية على الكشف وادعت المعتزلة الربوبية على الستر تقول ما شئت فعلت
ومنه من أقصته السوابق لم تدنه الوسائل إذا كان القدر حقا فالحرص باطل إذا كان الله عز وجل عدلا في قضائه فمصيبات الخلق بما كسبت أيديهم
( ما عذر معتزلي موسر منعت ** كفاه معتزليا معسرا صفدا )
( أيزعم القدر المحتوم ثبطه ** إن قال ذاك فقد حل الذي عقدا )
ومنه دخل محمد بن واسع على بلال بن فروة فقال ما تقول في القدر قال تفكر في جيرانك أهل القبور فإن فيهم شغلا عن القدر
( وكل من أغرق في نعته ** أصبح منسوبا إلى العي )
المقادير تبطل التقدير وتنقض التدبير
قال معتزلي لسني لو أراد ثبوت أحد على الكفر لم يقل { ليخرجكم من الظلمات إلى النور } الأحزاب 43 فقال السني لو لم يكن الإيمان من
____________________
(5/293)

فعله لم يقل { ليخرجكم من الظلمات إلى النور }
قال نقفور طاغية النصاري لأبي الحسن الشلباني أنت تقول إن الخير والشر من الله وذلك لأن النصارى كلهم على مذهب القدرية في الاستطاعة قال نعم قال كيف يعذب عليه هل كان حقا عليه أن يخلق فقال لم يضطره إلى ما خلق مضطر
قيل نزلت { وما أضلنا إلا المجرمون } الشعراء 99 في القدرية لأنهم أضافوا الحول والقوة في الشر إلى البشر فأشركوهم في الخلق أما ترى قوله تعالى { إن المجرمين في ضلال وسعر } القمر 47 إلى قوله تعالى { إنا كل شيء خلقناه بقدر } القمر 49
( كنت دهرا أقول بالاستطاعة ** وأرى الجبر ضلة وشناعة )
( ففقدت استطاعتي في هوى ظبي ** فسمعا لمن أحب وطاعة )
غيره
( ما لا يكون فلا يكون بحيلة ** أبدا وما هو كائن سيكون )
غيره
( تريد النفس أن تعطي مناها ** ويأبى الله إلا ما يشاء )
شفاء الصدور في التسليم للمقدور
( إذا لم يكن إلا الأسنة مركب ** فلا رأي للمضطر إلا ارتكابها )
غيره
____________________
(5/294)


( أي يومي من الموت أفر ** يوم لا يقدر أم يوم قدر )
إذا كان الداء من السماء بطل الدواء
قال الحائط للوتد لم تشقني قال سل من يدقني
( الناس يلحون الطبيب وإنما ** غلط الطبيب إصابة المقدور )
قيل لحكيم أخرج الهم من قلبك فقال ليس بإذني دخل
( نفسي تنازعني فقلت لها قري ** موت يريحك أو صعود المنبر )
( ما قد قضي سيكون فاصطبري له ** ولك الأمان من الذي لم يقدر )
( ولتعلمي أن المقدر كائن ** لا بد منه صبرت أو لم تصبري )
ومنه الهارب من المقدور كالمتقلب في كف الطالب من كان السلطان يطلبه ضاق عليه مذهبه { وما أنتم بمعجزين } الأنعام 134 يونس 53 هود 23 أسلى آية في التنزيل { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم } - إلى قوله تعالى { بما آتاكم } الحديد 22
ومنه أخل رجل بخدمة صاحب الإسكندرية فتغيب ثم ظفر به عرفاؤه فقادوه فانساب منهم ورمى بنفسه في بئر وتحت الإسكندرية أسراب يسير فيها القائم من أول البلد إلى آخره فلم يزل يمشي حتى وجد بئرا صاعدة فتعلق بها فإذا هي في دار السلطان فأخذه فأدبه فانظر كيف فر من قودة السلطان مكرها وأتاه برجله طائعا
( ذهب القضاء بحيلة العقلاء ** )
ومنه قال يزيد بن المهلب لموسى بن نصير أنت أدهى الناس وأعلمهم
____________________
(5/295)

فكيف طرحت نفسك في يد سليمان فقال إن الهدهد يهتدي للماء في الأرض الفيفاء وينصب له الصبي الفخ بالدودة او الحبة فيقع فيه
( ولوجرت الأمور على قياس ** لوقي شرها الفطن اللبيب )
الواسطي اختيار ما جرى لك في الأزل خير من معارضة الوقت
ابن معاذ عجبت من ثلاثة رجل يريد تناول رزقه بتدبيره ورجل شغله غده وعالم مفتون يعيب على زاهد مغبوط
ومنه شكي لبعض الأنبياء امرأة كانت تؤذي أهل زمانها فأوحى الله إليه أن فر من قدامها حتى تنقضي أيامها
ومنه ابن المعتز كرم الله عز وجل لا ينقض حكمته ولذلك لا تقع الإجابة في كل دعوة { ولو اتبع الحق أهواءهم } المؤمنون 71
( أريد فلا أعطى وأعطى ولم أرد ** وقصر علمي أن أنال المغيبا )
ومنه كان ابن مجاهد ينشد لبعضهم
( أيها المغتدي ليطلب علما ** كل علم عبد لعلم الكلام )
( تطلب الفقه كي تصحح حكما ** ثم أغفلت منزل الأحكام )
ومنه قال الأحدب البغدادي للقاضي الباقلاني هل لله عز وجل أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه فقال إن أردتم بالتكليف القول المجرد فقد وجد { قل كونوا حجارة } الإسراء 50 { أنبئوني بأسماء هؤلاء } البقرة 31 { ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون } القلم 42 وإن أردتم به ما يصح فعله وتركه فالكلام متناقض وهذا هو الذي نعرفه لأن التكليف اقتضاء فعل ما فيه مشقة وما لا يطاق لا يفعل البتة فقال سئلت عن كلام مفهوم فطرحته في الاحتمالات فقال إني بينت الوجوه المحتملة فإن كان معك شيء فهاته
____________________
(5/296)

فقال عضد الدولة قد صدق وما جمعتكم إلا للفائدة لا للمهاترة ثم قال لقاضيه بشر بن الحسن المعتزلي تكلم فقال ما لا يطاق على ضربين أحدهما ما لا يطاق للإشتغال بضده وهذا سبيل الكافر لا يطيق الإيمان للإشتغال بالكفر وأما العاجز فما ورد في الشريعة تكليفه ولو ورد لكان جائزا وقد أثنى الله عز وجل على من سأله أن لا يكلفه ما لا يطيقه فقال { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } البقرة 268 لأن الله له أن يفعل في ملكه ما يريد
ومنه خرج عمر بن عبد العزيز في سفر ليلا فقال له رجل انظر إلى القمر ما أحسنه فنظر فقال قد علمت أنك أردت نزوله بالدبران ونحن لا نتطير بذلك ولا نعتقده
( إذا عقد القضاء عليك أمرا ** فليس يحله إلا القضاء )
( يدبر بالنجوم وليس يدري ** ورب النجم يفعل ما يشاء )
وقال آخر
( ليس للنجم إلى ضر ** ولا نفع سبيل )
( إنما النجم على الأوقات ** والسمت دليل )
غيره
( من كان يخشى زحلا ** أو كان يرجو المشتري )
( فإنني منه وإن ** كان أخي الأدنى بري )
لما وجه عضد الدولة القاضي ابن الطيب إلى ملك الروم قال له الوزير
____________________
(5/297)

أخذت الطالع لخروجك فسأله القاضي عن ذلك ففسره له فقال السعد والنحس بيد الله ليس للكواكب فيه تأثير وإنما وضعت كتب النجوم ليتمعش بها العامة ولا حقيقة لها فاستحضر الوزير ابن الصوفي ودعاه إلى مناظرة القاضي فقال لا أقوم على المناظرة وإنما أقول إذا كان من النجوم كذا كان كذا وأما التعليل فمن علم المنطق والذي يتولى المناظرة عليه أبو سليمان المنطقي فأحضر وأمر فقال هذا القاضي يقول إذا ركب عشرة أنفس في ذلك المركب الذي في دجلة فالله تعالى قادر على أن يزيد فيهم آخر في ذلك الوقت فإن قلت له لا يقدر قطعتم لساني فأي معنى لمناظرتي فقال القاضي للوزير ليس كلامنا في القدرة لكن في تأثير الكواكب فانتقل هذا إلى ما ترى لعجزه وأنا إن قلت إن الله تعالى قادر على ذلك فلا أقول إنه يخرق العادة الآن ولا يجوز عندنا ذلك فهو فرار من الزحف فقال المنطقي المناظرة دربة وأنا لا أعرف مناظرة هؤلاء القوم وهم لا يعرفون مواضعاتنا فقال الوزير قد قبلنا اعتذارك والحق أبلج
رأس الدين صحة اليقين من سابق القدر عثر
( وإذا خشيت من الأمور مقدرا ** وفررت منه فنحوه تتوجه )
قيل لما وقع الوباء بالكوفة فر ابن أبي ليلى على حمار فسمع منشدا ينشده
( لن يسبق الله على حمار ** ولا على ذي منسر طيار )
( أو يأتي الحتف على مقدار ** قد يصبح الله أمام الساري ) فقال إذا كان الله أمام الساري فلا مهرب ورجع
____________________
(5/298)


ومنه شكا بعض الصالحين إلى الخليفة ضرر الأتراك فقال أنتم تعتقدون أن هذا من قضاء الله وقدره فكيف أرده فقال إن صاحب القضاء قال { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } البقرة 251 فردهم عنهم
القدر والطلب كالعدلين على ظهر الدابة كل واحد منهما معين لصاحبه فالقدر بالطلب والطلب بالقدر
قيل لعارف إن كنت متوكلا فألق بنفسك من هذا الحائط فلن يصيبك إلا ما كتب الله لك فقال إنما خلق الله الخلق ليجربهم لا ليجربوه
الجوهري كف الله النار عن يد موسى لئلا تقول النار طبعي واحترق لسانه لئلا يقوم الكليم مكاني وقال غيره لو لم يقل لنار إبراهيم سلاما لهلك من برد النار
قيل للجنيد أنطلب الرزق قال إن علمتم أين هو فاطلبوه قيل فنسأل الله قال إن خشيتم أن ينساكم فذكروه قيل فنلزم البيوت قال التجربة منك شك قيل فما الحيلة قال ترك الحيلة يقول ليكن تصرفك بإذنه لا بشهوتك فقد قيل ترك الطلب يضعف الهمة ويذل النفس ويورث سوء الظن
الطرطوشي القدر والطلب كأعمى ومقعد في قرية يحمل الأعمى المقعد ويدل المقعد الأعمى
قال رجل لبشر إني أريد السفر إلى الشام وليس عندي زاد فقال اخرج لما قصدت إليه فإنه إن لم يعطك ما ليس لك لم يمنعك ما لك
الناس في هذا الباب ثلاثة فرقة عاملت الله عز وجل على مقتضى شمول قدرته للشر والخير وأعرضوا عن الأسباب فأدركوا التوكل وفاتهم الأدب وهم بعض الصوفية وقد قيل اجعل أدبك دقيقا وعلمك ملحا وهذا
____________________
(5/299)

إبليس لم تنفعه كثرة علمه لما دفعته قلة أدبه وفرقة عاملته على ذلك مع الجريان على عوائد مملكته والتصرف بإذنه على مقتضى حكمته وهم الأنبياء وخواص العلماء فأصابوا الأدب وما أخطأوا التوكل والفرقة الثالثة وهم الجمهور أقبلوا على الأسباب ونسوا المسبب ففاتهم الأمران فهلكوا
ومنه جل الواحد المعروف قبل الحدود والحروف
( لقد ظهرت فما تخفى على أحد ** إلا على أكمه لا يعرف القمرا )
( كما بطنت بما أبديت من حجب ** وكيف يبصر من بالعزة استترا )
سئل النصيبي عن الرؤية بمجلس عضد الدولة فأنكرها محتجا بأن كل شيء يرى بالعين فهو في مقابلتها فقال له القاضي ابن الطيب لا يرى بالعين قال له الملك فبماذا يرى قال بالإدراك الذي يحدثه الله في العين وهو البصر ولو أدرك المرئي بالعين لوجب أن يدرك بكل عين قائمة وهذا الأجهر عينه قائمة ولا يرى بها شيئا
ومنه ابن العربي للصوفية في إطلاق لفظ العشق على الحق تجاوز عظيم واعتداء كبير ولولا إطلاقه للمحبة ما أطلقناها فكيف أن نتعداها
الدقاق العشق مجاوزة الحد في الحب ولما كان الحق لا يوصف بالحد لم يوصف بالمحدود إذ لو جمع محاب الخلق كلهم لشخص واحد لم يبلغ ما يستحقه قدر الحق من الحب
خمسة أبهمت فلم تعين لعظم أمرها الاسم الأعظم وساعة الجمعة وليلة القدر والصلاة الوسطى والكبائر لأن اجتنابها يكفر غيرها يعني على أحد الأقوال في المسألة
____________________
(5/300)


ومنه قيل في التسعة والتسعين اسما إنها تابعة لاسم الله وهو تمام المائة فهي عدد درج الجنة لما في الصحيح من أن درجها مائة بين كل درجتين مسيرة مائة عام ولذلك قيل من أحصاها دخل الجنة وهذه الأسماء مفضلة على غيرها مما لا يحصى ألا ترى قوله عليه السلام في الصحيح بأسمائه الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم
ذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعا منه فلم يشر في شيء منها إلى خلقه وذكر الإنسان في ثمانية عشر موضعا ثلث ذلك العدد فصرح في جميعها بخلقه قال ابن عطية وهذا يدل على أنه غير مخلوق
أبو علي ابن أبي اللحم بت ليلة جمعة بمصر في أيام أبي حريش وكان يقول بخلق القرآن وأبي خلف المعافري وكان يقول القرآن كلام الله ليس بمخلوق أفكر عن أيهما آخذ فلما نمت أتاني آت فقال لي قم فقمت قال قل فقلت ما أقول فقال
( لا والذي رفع السماء ** بلا عماد للنظر )
( فتزينت بالساطعات ** اللامعات وبالقمر )
( والمالىء السبع الطباق ** بكل مختلف الصور )
( ما قال خلق في القران ** بخلقه إلا كفر )
( لكن كلام منزل ** من عند خلاق البشر )
ثم قال اكتبها فأخذت كتابا من كتبي وكتبتها فيه فلما أصبحت وجدت ذلك بخطي على كتاب من كتبي فجلست في البيت إلى الزوال ثم خرجت فسألني إنسان عما رأيت البارحة فقلت ما أخبرت أحدا فقال قد شاعت رؤياك في الناس
الخواص انتهيت إلى رجل مصروع فجعلت أؤذن في أذنه فناداني الشيطان من جوفه دعني أقتله فإنه يقول بخلق القرآن
____________________
(5/301)


عمرو بن دينار أدركت سبعة من الصحابة يقولون من قال القرآن مخلوق فهو كافر قلت قال مالك يستتاب
ومنه كان عضد الدولة يحب العلم والعلماء فكان مجلسه يحتوي على عدد منهم أكثرهم الفقهاء والمتكلمون وكان يعقد لهم مجالس للمناظرة فقال لقاضيه بشر بن الحسن إن مجلسنا خال عن عاقل من أهل الإثبات ينصر مذهبه فقال إنما هم عامة يرون الخير وضده ويعتقدونهما جميعا وإنما أراد ذم القوم ثم أقبل يمدح المعتزلة فقال عضد الدولة محال أن يخلو مذهب طبق الأرض من ناصر فانظر قال بلغني أن بالبصرة شيخا يعرف بأبي الحسن الباهلي وفي رواية بأبي بكر ابن مجاهد وشابا بابن الباقلاني فكتب إليهما فلما وصل الكتاب قال الشيخ قوم كفرة لأن الديلم كانوا روافض لا يحل لنا أن نطأ بساطهم فقال الشاب كذا قال ابن كلاب والمحاسبي ومن في عصرهم إن المأمون فاسق لا يحضر مجلسه حتى ساق أحمد بن حنبل إلى طرسوس وجرى عليه ما عرف ولو ناظروه لكفوه عن هذا الأمر وتبين له ما هم عليه بالحجة وأنت أيضا أيها الشيخ تسلك سبيلهم حتى يجري على الفقهاء ما جرى على أحمد ويقولون بخلق القرآن ونفي الرؤية وها أنا خارج إن لم تخرج قال الشيخ إن شرح الله صدرك لهذا فاخرج فرد الله به الكرة
حفظ من كلام النبي المنتقى والمرسل أمثال المنزل ثم انتقي من ذلك صحة وفصاحة ما يبلغ حجم المصحف أو يربى عليه فهل وجدت فيه ما يشبهه او ينزع إليه أشهد أنه من عند الله تنزيل من لدنه
أول إعجاز القرآن الجهل بنوعه من جنس الكلام فإنه لا يدخل في مضمار الشعر ولا ينخرط في سلك الخطب ولا المواعظ والمقامات والكتب ولا في شيء مما يؤلف التخاطب به وتعرف فيه طبقات أهل مذهبه فإن
____________________
(5/302)

لم يتبين ما رسمت لك فاعرض كلامك في كل صنف من هذه الأصناف تجد لنفسك مع فحوله حالة القصور أوالمماثلة أو الزيادة ولا تجد لكلامك نسبة إلى القرآن بل لا تدري ما تقول إن طلب منك البيان إلا أن تسلب العقل كمسيلمة وأمثاله ممن ابتلى بالهذيان وقد تفطن للدلالة كافر غلبت عليه الجهالة انظر السيرة
الزمخشري ما أعجب شأن الضلال لم يرضوا للنبوة ببشر وقد رضوا للإلهية بحجر
سأل القاضي أبا بكر ملك الروم حين وجهه عضد الدولة إليه عن انشقاق القمر كيف لم يره جميع الناس فقال لأنهم لم يكونوا على أهبة ووعد قال فما النسبة التي بينكم وبين القمر حتى لم يره غيركم من الروم وغيرهم قال النسبة التي بينكم وبين المائدة حتى رأيتموها دون اليهود والمجوس فدعا القسيس فأقر للقاضي فقال له القاضي أتقول إن الكسوف يراه جميع أهل الأرض أم أهل الإقليم الذي في محاذاته قال لا يراه إلا من في محاذاته قال فما تنكر من لا يرى انشقاق القمر إلا في تلك الناحية ممن تأهب لذلك قال هذا صحيح إلا أن الشأن في مثله أن لا ينقل آحادا لكن تواترا بحيث يصل العلم الضروري به إلينا وإلى غيرنا وانتفاء ذلك يدل على افتعال الخبر فقال الملك للقاضي الجواب فقال يلزمه في نزول المائدة ما ألزمنا في انشقاق القمر فبهت الذي كفر
قال ملك الروم للقاضي ابن الطيب في هذه الرسالة ما تقول في المسيح قال روح الله وكلمته وعبده قال تقولون المسيح عبد قال بذلك ندين قال ولا تقولون إنه ابن الله قال ما اتخذ الله من ولد قال العبد يخلق ويحيي ويبرىء قال ما فعل المسيح ذلك قط قال هذا مشهور في الخلق
____________________
(5/303)

قال لا قال ما قال أحد من أهل المعرفة إن الأنبياء يفعلون المعجزات لكن الله تعالى يفعلها على أيديهم تصديقا لهم قال إن ذلك في كتابكم قال في كتابنا أن ذلك كله بإذن الله تعالى ولو جاز أن يكون ذلك فعل المسيح لجاز أن يقال إن موسى قلب العصا وأخرج يده بيضاء وفلق البحر قل إن الأنبياء من لدن آدم كانوا يتضرعون للمسيح حتى يفعل ما يطلبون قال أفي لسان اليهود عظم لا يقولون معه إن المسيح كان يتضرع لموسى وكذلك أمة كل نبي لا فرق بين الموضين في الدعوى
الجوزي في قوله عليه السلام يوشك ان ينزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم وإنما كان الإمام منا لئلا يتدنس بغبار الشبهة وجه لا نبي بعدي
كان بالبصرة يهودي يقرر المتكلمين على نبوة موسى فإذا اقروا جحد نبوة محمد وقال نحن على ما اتفقنا عليه إلى أن نتفق على غيره فسأل أبا الهذيل عن ذلك فقال إن كان موسى هذا الذي أخبر بمحمد وأقر بشرفه وأمر باتباعه فأنا أقر بنبوته وإن كان غيره فأنا لا أعرفه فتحير اليهودي ثم سأله عن التوراة فقال إن كانت التي نزلت على موسى المذكور فهي حق وإلا فهي عندي باطل
ومنه قيل للحسن الملائكة أفضل أم الأنبياء فقال أين أنت من هذه الآية { ولا أقول إني ملك } هود 31
ومنه وعن عمر وعلي رضي الله عنهما أن الخضر لقيهما وعلمهما هذا الدعاء وذكر فيه خيرا كثيرا لمن قاله إثر كل صلاة يا من لا يشغله سمع عن سمع ويا من لا تغلطه المسائل ومن لا يتبرم على إلحاح الملحين أذقني برد عفوك وحلاوة مغفرتك
ومنه سمع إياس يهوديا يقول ما أحمق المسلمين يزعمون أن أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون فقال أوكل ما تأكله تحدثه قال لا لأن الله تعالى يجعل أكثره غذاء قال فما تنكر أن يجعل
____________________
(5/304)

جميع ما يأكل أهل الجنة غذاء
الرزية كل الرزية تضييع أمر المرأة الرندية وذلك أنه وردت على تلمسان في العشرة الخامسة من المائة الثامنة امرأة من رندة لا تأكل ولا تشرب ولا تبول ولا تتغوط وتحيض فلما اشتهر هذا من أمرها أنكره الفقيه أبو موسى ابن الإمام وتلا { كانا يأكلان الطعام } المائدة 75 فأخذ الناس يبث ون ثقات نسائهم ودهاتهن إليها فكشفن عنها بكل وجه يمكنهن فلم يقفن على غير ما ذكر وسئلت هل تشتهين الطعام فقالت هل تشتهون التبن بين يدي الدواب وسئلت هل يأتيها شيء فأخبرت أنها صامت ذات يوم فأدركها الجوع والعطش فنامت فأتاها آت في النوم بطعام وشراب فأكلت وشربت فلما أفاقت وجدت نفسها قد استغنت فهي على تلك الحال تؤتى في المنام بالطعام والشراب إلى الآن ولقد جعلها السلطان في موضع بقصره وحفظها بالعدول ومن يكشف عما عسى تجيء أمها به إذا أتت إليها أربعين يوما فلم بوقف لها على أمر بيد أني أردت أن يزاد في عدد العدول ويجمع إليهم الأطباء ومن يخوض في المعقولات من علماء الملل المسلمين وغيرهم ويوكل من نساء الفرق من يبالغ في كشف من يدخل إليها ولا يترك أحد يخلو بها وبالجملة يبالغ في ذلك ويستدام رعيها عليه سنة لاحتمال أن يغلب عليها طبع فتستغني في فصل دون فصل ثم يكتب هذا في العقود ويشاع أمره في العالم وذلك لأنه يهدم حكم الطبيعة الذي هو أضر الأحكام على الشريعة ويبين كيفية غذاء أهل الجنة وأن الحيض ليس من فضلات الغذاء ويبطل التأثير والتوليد ويوجب أن الاقترانات بالعادات لا باللزوم وعند الأسباب لا بها إلى غير ذلك إلا أني لما أشرت بهذا انقسم من أشرت عليه بتبليغه إلى من لم يفهم ما قلت ومن لم يرفع به رأسا لإيثار الدنيا على الدين فإنا لله وإنا إليه راجعون
وقد ذكر أن امرأة أخرى كانت معها على تلك الحالة وحدثني غير واحد
____________________
(5/305)

من الثقات ممن أدرك عائشة الجزيرية أنها كانت كذلك وأن عائشة بنت أبي يحيى اختبرتها أربعين يوما أيضا وكم من آية أضيعت وحجة نسيت هذا مما لم يعرف مثله قبل المائة الثامنة وكذلك الوباء العام القريب فروطه يوشك أن يطول أمره فينسي ذكره ويكذب المحدث به إذا انقضى عصره وكم فيه أيضا من أدلة على أصول الملة
ومنه قال شيخ صالحي الفقهاء في عصرنا بفاس أو زرهون عبد العزيز ابن محمد القيرواني رحمه الله تعالى مات فقير عندنا بالمئذنة فوجدوا عنده ربطة من دراهم فوضعوها عند المؤذن فلما نزل ليلحده سقطت من جيبه في القبر ولم يشعر حتى واراه فكشف عنه فإذا الدراهم قد لصقت ببدنه درهما إلى درهم كالنجوم فحاول قلع واحد منها فقامت معه قطعة من لحمه وتبعها من ذلك المحل ريح منتنة قال الشيخ فاطلعت على ذلك وشاهدته ثم ردوا الترب عليه وانصرفوا
قال عبد الله بن إدريس لغيلان الممرور متى تقوم الساعة قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل غير أنه من مات فقد قامت قيامته قال فالمصلوب يعذب عذاب القبر قال إن حقت عليه الكلمة وما تدري لعل جسده في عذاب لا تدركه أبصارنا ولا أسماعنا فإن لله لطفا لا يدرك وانظر الحديث فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم ما أسمع من عذاب القبر
ومنه المازري مسألة التكفير بالمال مشكلة وقد اضطرب فيها قول مالك وهو إمام الفقهاء والقاضي أبي بكر وهو إمام المتكلمين
الغزالي لا يقطع بتكفير الفلاسفة إلا في ثلاث مسائل قدم العالم ونفي العلم بالجزيئات وإنكار المعاد البدني وتوابعه القطعية
____________________
(5/306)


أصل الفلاسفة اعتقاد المحسوسات معقولات والمعتزلة اعتقاد المشهورات قطعيات ومن ثم قيل لهم مخنثة الفلاسفة
لا يكفي التقليد في عقائد التوحيد لا فرق بين إنسان ينقاد وبهيمة تقاد
ومنه كان أبو هاشم من أفسق الناس فجلس ذات يوم يعيب الإرجاء وكان في المجلس مرجىء فأنشد
( يعيب القول بالإرجاء حتى ** يرى بعض الرجاء من الجرائر )
( وأعظم من ذوي الإرجاء ذنبا ** وعيدي يصر على الكبائر )
كان مالك ينشد كثيرا
( وخير أمور الدين ما كان سنة ** وشر الأمور المحدثات البدائع )
ابن عقيل يشبه أن يكون واضع الإرجاء زنديقا فإن صلاح العالم في إثبات الوعيد واعتقاد الجزاء فلما لم يمكن هذا المائن جحد الصانع لمخالفة العقل أسقط فائدة الإثبات وهي الخشية والمراقبة وهدم سياسة الشريعة فهم شر طائفة على الإسلام
سئل مالك عن أشر الطوائف فقال الروافض
بينا ابن المعلم شيخ الرافضة في بعض مجالس المناظرة مع أصحابه أقبل ابن الطيب فقال جاءكم الشيطان فسمعه على بعد فلما جلس إليهم تلا عليهم { ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا } مريم 83
مالك أهل السنة من لا لقب له لا خارجي ولا قدري ولا رافضي
البديع
( يقولون لي ما تحب الوصي ** فقلت الثرى بفم الكاذب )
____________________
(5/307)


( أحب النبي وآل النبي ** وأختص آل أبي طالب )
( وأعطي الصحابة حق الولاء ** وأجري على السنن الواجب )
( فإن كان نصبا ولاء الجميع ** فإني كما زعموا ناصبي )
( وإن كان رفضا ولاء الجميع ** فلا برح الرفض من جانبي )
( أحب النبي وأصحابه ** فما المرء إلا مع الصاحب )
( أيرجو الشفاعة من سبهم ** بل المثل السوء للضارب )
( يوقى المكاره قلب الجبان ** وفي الشبهات يد الحاطب )
أخذ البيت الخامس من قول الشافعي
( إن كان رفضا حب آل محمد ** فليشهد الثقلان أني رافضي )
ومنه أبو حنيفة لقيت عطاء فقال لي ممن أنت فقلت من أهل الكوفة فقال من أهل القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا قلت نعم قال فممن أنت منهم قلت ممن يؤمن بالقدر ولا يسب السلف ولا يكفر بالذنب قال عرفت فالزم
ومنه الإرادة تطلق على المحبة وعلى قصد أحد الجائزين بالتخصيص وكل واحد من المعنيين يوجد بدون الآخر أما الأول فكقوله ( تريد النفس أن تعطى مناها ** )
وهو ظاهر وأما الثاني فكقصد المتوعد بالإهلاك إلى أمر عبده الذي أمره بأمر لينظر امتثاله ولدقة الفرق بينهما ضل المعتزلة في أمرهما فقالوا إن الله عز وجل لا يريد المعاصي لأنه لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر قال عمار بن ياسر يوم صفين
____________________
(5/308)


( صدق الله وهو للصدق أهل ** وتعالى ربي وكان جليلا )
( رب عجل شهادة لي بقتل ** في الذي قد أحب قتلا جميلا )
ومنه العبدري قتل الحسين دعا إلى حرب وأخذ بثأره كذاب ثقيف ونوه باسمه أعداء ملة جده بنو عبيد ليقتص من قضية بمثلها فيقرأ الفهم سورة تلك الصور ويتهجى اللبيب حروف تلك الحروب فيعلم أن الكل آلات مستعملات حسبما اقتضاه العلم القديم
ومنه أبو العباس الأبياني ثلاث لو كتبت على ظفر لوسعهن وفيهم خير الدنيا والآخرة اتبع لا تبتدع اتضع لا ترتفع اتزع لا تتسع
ومنه كانت سكينة بني إسرائيل في التابوت فغلبوا عليها وسكينة هذه الأمة في القلوب فغلبوا بها استحفظوا كتابهم فحرفوا من أحكامه ووصفه وحفظ كتابنا فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه
ومنه في الصحيح كان أبو ذر يقسم قسما أن { هذان خصمان اختصموا في ربهم } الحج 19 نزلت في الذين برزوا يوم بدر حمزة وعلي وعبيدة وعتبة وشيبة والوليد قلت ففي الآية شهادة من الله تعالى لعلي بالجنة والشهادة أما الجنة فبنصها وأما الشهادة فلأنه وصاحبيه استشهدوا وخصمهم قتلوا فهي رادة على الخوارج قطعا
ومنه جاز أبو بكر ابن نافع بالكرخ أيام الديلم وقوة الرفض فقالت له امرأة سيدي أبا بكر فقال لبيك يا عائشة فقالت له متى كان اسمي عائشة فقال أيقتلونني وتخلصين
وفي آخر هذا الكتاب ما صورته فهذه جملة تراجم وفيها مقنع لمن أراد المحاضرة أو تنميق مجالس المناظرة وكان الفراغ من جمعها في آخر
____________________
(5/309)

يوم من شعبان المكرم من عام سبعة وخمسين وسبعمائة انتهى ما تعلق به الغرض من بعض كلام مولاي الجد رحمه الله تعالى في كتابه المحاضرات
ولنرجع إلى سرد بقية تواليفه رحمه الله تعالى فنقول ومنها شرح لغة قصائد المغربي الخطيب ومقالة في الطلعة المملكة وشرح التسهيل والنظائر وكتاب المحرك لدعاوي الشر من أبي عنان وإقامة المريد ورحلة المتبتل وحاشية بديعة جدا على مختصر ابن الحاجب الفقهي فيها أبحاث وتدقيقات لا توجد في غيرها وقد وقفت عليها بالمغرب ومن أشهر كتبه في التصوف كتاب الحقائق والرقائق وهو من الحسن بمكان لا يلحق وقد شرحه الشيخ الصالح شيخ شيوخ شيوخنا سيدي أحمد زروق رضي الله عنه ونفعنا به نقول من كتاب الحقائق والرقائق للمقري
وقد سنح لي أن أسرد هنا شيئا من هذا الكتاب الفذ في بابه فنقول
قال فيه مولاي الجد رحمه الله تعالى هذا كتاب شفعت فيه الحقائق بالرقائق ومزجت المعنى الفائق باللفظ الرائق فهو زبدة التذكير وخلاصة المعرفة وصفوة العلم ونقاوة العمل فاحتفظ بما يوحيه إليك فهو الدليل وعلى الله قصد السبيل
حقيقة عمل قوم على السوابق وقوم على اللواحق والصوفي من لا ماضي له ولا مستقبل فإن كان زجاجيا فبخ بخ
رقيقة من لم يجد ألم البعد لم يجد لذة القرب فإن اللذة هي التخلص من الألم
____________________
(5/310)


حقيقة لما انطبعت الصور في مرآة الخيال قال العقل أنا الملك المكوكب فقالت الرياضة الزمني وتعرف قدرك فإذا العقل عقال
رقيقة من ضحك في نوم الغفلة بكي عند الانتباه فإن الأضغاث أضداد
حقيقة أثر الزهد عقل دن سقراط على سراج غوطة أبي نصر فقيل فأين اعتبار { أفلا ينظرون } فقال { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } الذاريات 21
رقيقة طالب الدنيا يخاف الفوت وصاحبها يترقب الزوال ولو بالموت فإذا حمي الوطيس وحج الرئيس أنشأ الزاهد بينهما ينشد
( عزيز النفس لا ولد يموت ** ولا أنس يحاذره يفوت )
حقيقة العابد طالب رياسة وحرمة والزاهد صاحب نفاسة وهمة والمعنى للعارف يعادي في الله تعالى ويوالي ويرضى الله ولا يبالي
رقيقة من سابق سبق ومن رافق ارتفق ومن لاحق التحق والعجز والكسل مقدمتا الخيبة و
( على قدر أهل العزم تأتي العزائم ** )
حقيقة العمل دواء القلب وإذا كان الدواء لا يصلح إلا إذا كان على حمية البدن فكذلك العمل لا ينجح إلا بعد صوم النفس فارق نفسك وتعال
رقيقة مثل دواعي الخير والشر في الإنسان كمثل الخلط الفاعل والقوة الدافعة في العليل تغلب القوة فيسكن الخلط فيجد الراحة وعن قليل يتحرك فيجد الألم
حقيقة العمل على السلامة مسالمة وعلى الغنيمة وعلى الأمر قرض فيضاعف له أضعافا كثيرة
رقيقة تطهر من أدناس هواك وتزين بلباس تقواك وقم لمسجد انقطاعك
____________________
(5/311)

على قدم شكواك وأحرم بتوجيه قلبك إلى قبلة نجواك تجد الحق عندك وليس بسواك
حقيقة وجد العارف فجاد بنفسه فوجد الله عنده وتواجد المريد فحاكى ومن لم يبك تباكى
رقيقة زك نفسك لقلبك تزك عند ربك بعها منه رخيصة فهي على ثمنها لديه حريصة { إن الله اشترى } التوبة 111
حقيقة الزوال وقت المناجاة فطهر قلبك قبله من الحاجات وإياك والحظ فذهاب نقطته أسرع من اللحظ
رقيقة الزاد لك وهو مكتوب والزائد عليك وهو مسلوب فأجمل في طلب المضمون ولا تلزم نفسك صفقة المغبون
حقيقة أمر بالتوكل لتقصر الطرف عليه وإذن في التسبب لتنصرف منه إليه فذاك مخبر بحقيقة التفرد وهذا مظهر لحكمة التعبد
رقيقة الملك أبو الدينا وهو مع ذلك محبوس فيها تبهم عليه الأبواب ويستدعي الحراس والحجاب فإذا خرج حدقت إليه الألحاظ وأحدقت بجهاته الحفاظ أي حظ حظ من فقد نعمة { فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه } الملك 15
حقيقة قال صاحب الزهر الأنيق علامات الحبة أربع الإفلاس والاستئناس والأنفاس والوسواس قلت الإفلاس التجرد إلا عنه كالخليل والاستئناس التوحش إلا منه كالكليم والأنفاس والوسواس صلة الاسم وعائده
رقيقة ذكر مذكر بمالقة فقام الخطيب الشيخ الولي أبو عبد الله الساحلي بهذا البيت
( ليت شعري أفي زمام رضاكم ** كتب اسمي أم في زمام الهوان )
____________________
(5/312)


وكنت يوما مع السلطان والجند يعرضون عليه وكان يسقط ويثبت وأنا أتفكر في البيت حتى خفت أن أفتضح فقلت واهماه من هذا الإبهام ثم كدت أخلد بقبح العمل إلى الأرض فينشلني حسن الظن بالله عز وجل فإنهض
( إن المقادير إذا ساعدت ** ألحقت العاجز بالحازم )
حقيقة إذا قابل إبرة القلب مغناطيس الحسن صبا فانجذب فإذا اتصل عشق فانقطع فإذا انجذ فني فبقي حاشا الصوفي أن يموت
رقيقة افتخر الغراب بإقامة قرآن الفجر فقيل حتى تغسل بول الشيطان من أذنك فطرب الديك فرحا بالفوز وندب العصفور ترحا على الفوت
حقيقة الخلوة بيت الاعتبار وفي بيته يؤتى الحكم وباب هذا البيت العلم { وأتوا البيوت من أبوابها } البقرة 189
رقيقة واقع فقير هناه ثم دخل خلوته فبدت له نفسه بوجه مومسة فقال ما أنت قالت أم الحياة فقال ما أجمل أن تبدل هاؤك همزة فقالت إذن لم تصنع ما شئت فانتبه لقرع العتاب فتاب
حقيقة القلب إيوان الملك ويسعني وعز الملك يأنف عن ذل المزاحمة أنا أغني الشركاء عن الشرك
رقيقة لما وضع البسطامي أوزار حوبه فك طابع الصحيفة عن قلبه فلم يجد بها غير الطفرى فصاح بنفسه لك البشرى انزل طيفور عما تريد ليس في الدار أبو يزيد
حقيقة قال شيخنا أبو هادي يوما لأصحابه بماذا يرتقي العبد عن مقامه إلى
____________________
(5/313)

مقام أعلى منه قالوا بفضل الله ورحمته فقال إنما سألتكم عن السبب الخاص بهذا الأمر قالوا ما عند الشيخ قال يخلق الله له همة فيرتقي بها إلى رتبة أسمى من رتبته
ومن هذا الكتاب
حقيقة التفت إلى مواهب الملوك تجدهم إنما يوسعون فيما قد يسترجعون فأما العلماء وكل من يعطي بحق فإنما يعطون بقصد { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم } طه 131 واصبر نفسك فعن قريب تنصرف عنهم
رقيقة قلت لقلبي كيف تجدك فقال أما من أمارتك ففي عناء الجهاد وأما من لوامتك فعلى جمر الصبر قلت فمتى الراحة قال إذا اطمأنت النفس فاضمحل الوهم وغاب الحس
حقيقة قطع السوي طهارة المنيب ولا يقبل الله صلاة بغير طهور وكتابه النحيب والمكاتب عبد ما بقي عليه وبابه الدخول على الحبيب
نظر رجل إلى امرأة عفيفة فقالت يا هذا غض بصرك عما ليس لك تنفتح بصيرتك فترى ما هو لك
رقيقا لما حنكت الطينة بتمر الجنة وغذيت بلبانها قطرت على محبتها انظروا إلى حب الأنصار التمر فلم تطق الفطام عنها ( وتأبى الطباع على الناقل ** )
فذاك ما تجد من الحنين إلى التلاق والأنين على الفراق والشغف بمدح العابر وذم الغابر وفي ذلك
____________________
(5/314)


( كم أردنا ذاك الزمان بمدح ** فشغلنا بذم هذا الزمان )
وإن لم تعرف عصرا خاليا ولا خلا نائيا لم يمر عليك مما تشتهيه أطيب مما أنت فيه
( كم منزل في الأرض يألفه الفتى ** وحنينه أبدا لأول منزل )
ومنه
حقيقة قيل عرض الكليم بطلب القوت في رحلة الهجرة { إني لما أنزلت إلي من خير فقير } القصص 24 فحمل على كاهل { إن أبي يدعوك } القصص 25 وصرح في سفر التأديب { لو شئت لاتخذت عليه أجرا } الكهف 77 فحمل على كاهل { هذا فراق بيني وبينك } الكهف 78 قلت لما تمحض الطلب له اكتفى فلما تعلق حق الغير به وفى ولذلك قضى أبا المرأتين الأجلين
رقيقة كان خرق السفينة إراءة لكرامة { فاقذفيه في اليم } طه 39 في مرآة { وكان وراءهم ملك } الكهف 79
( وربما صحت الأجسام بالعلل ** )
وقتل الغلام إشارة إلى اشتمال قتله { فقضى عليه } القصص 15 على رحمة { فنجيناك من الغم } طه 40 برمز { فخشينا أن يرهقهما } الكهف 80 والمحن الصم حبائل المنح وإقامة الجدار إثارة لفتوة { فسقى لهما } ليخفض له جناح { إني لما أنزلت إلي من خير فقير } القصص 24 فيستظل من حر { لو شئت لاتخذت عليه } الكهف 77 في نية { هذا فراق بيني وبينك } الكهف 78
____________________
(5/315)


حقيقة قيل لمحمد بن حسن الزبيدي التونسي وأنا عنده بها كيف لم يصبر الكليم وقد ناط الصبر بالمشيئة { ستجدني إن شاء الله صابرا } الكهف 69 وقد جاء في الصحيح في قصة سليمان عليه السلام لو قال إن شاء الله لكان كما قال والمقام الموسوي أجل { واصطنعتك لنفسي } طه 41 وطلابه أفضل ما جميع أعمال البر والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في بحر فقال كان موسى على علم من علم الله وهو علم المعاملة لا يعلمه الخضر وكان الخضر على علم من علم الله لا يعلمه موسى فلم يظن أن ما لم يحط به خبرا يأباه حكم الظاهر وإلا كيف يلتزم الصبر عليه وقد أمر بصرف الإنكار إليه { ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } طه 92 بل لم يعتد مثله من ملاقاة المشاق فيما كان عليه الخضر من اختراق الآفاق وركوب الطباق فما علقه بقوله فقد صدقه بفعله وما لم يستطع عليه صبرا فلم يدخل في التزامه اعتقادا ولا ذكرا
رقيقة قال لي عبد الرحمن بن يعقوب المكتب كان عندنا بالساحل سائح هجيراه إلهي بسطت لي أملي وأحصيت علي عملي وغيبت عني أجلي ولا أدري إلى أي الدارين يذهب بي لقد أوقفتني موقف المحزونين ما أبقيتني
حقيقة تنازع القلب والنفس الخلق فقسمها بينهما قاضي العقل فمن باع منهما حظه فلا شفعة لصاحبه عليه
ومنه
حقيقة الحجب ثلاثة فحجاب الغيرة منع وحجاب الحيرة دفع وحجاب الغفلة قطع { أولئك كالأنعام بل هم أضل } الأعراف 179
رقيقة اللحم أيام التشريق مكروه وكل لذة عند أرباب الدنيا كاللحم عندك أيام الأضحى فلا ترينك الغفلة عن سرك زيادة النعمة عندك
حقيقة الفقر إلى الله الاستغناء به عما سواه وهوية الرضى بالله أن لا يخطر بالبال إلاه
____________________
(5/316)


ومنه
حقيقة التلون مجون تارة طربا وطورا شجون والتمكن معرفة وأين الحال من الصفة
رقيقة قال لي محمد بن عبد الواحد الرباطي قال لي محمد بن عبد السيد الطرابلسي دخلت على أبي الحسن الحرالي فقلت له كيف أصبحت فأنشد
( أصبحت ألطف من مر النسيم سرى ** على الرياض يكاد الوهم يؤلمني )
( من كل معنى لطيف أحتسي قدحا ** وكل ناطقة في الكون تطربني )
حقيقة قال الطالب الوقت سيف وقال الواصل بل مقت فتلا العارف { قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } الأنعام 91
رقيقة لصاحب الوقت يومان
( يوم بأرواح يباع ويشترى ** وأخوه ليس يسام فيه بدرهم )
وفصل الفضل بينهما
( وما تفضل الأيام أخرى بذاتها ** ولكن أيام الملاح ملاح )
ومنه
حقيقة قال لي الشيخ أبو عبد الله محمد بن مرزوق العجيسي بعباد تلمسان قال لي أبو عبد الله ابن حيون إنه وجد على ظهر كتاب بخط عتيق قال أبو يزيد البسطامي يظهر في آخر الزمان رجل يسمى شعيبا لا تدرك له نهاية قالا وهو أبو مدين قلت وقف بظاهره مع الشريعة وذهب بباطنه مع الحقيقة فما انقطع لصحة البداية ولا رجع لعدم الغاية
____________________
(5/317)


رقيقة قمت ببعض الأسحار على قدم الاستغفار وقد استشعرت الصبابة واستدثرت الكآبة فأملى الجنان على اللسان بما نفث في روعه روح الإحسان
( منكسر القلب بالجنايا ** يدعوك يا مانح العطايا )
( أقعده الذنب عن رفيق ** حثوا لرضوانك المطايا )
ومنه إثر حقيقة في شأن الحلاج ما نصه ثم قلت
( ولرب داع للجمال أطعته ** وأبى الجلال علي أن أتقدما )
( فأطعت بالعصيان أمرهما معا ** وجنحت للتسليم كيما أسلما )
ومنه
حقيقة قلت للسر ما لك تحس من خلف الموانع فقال خرق شعاعي سور العوائق ثم انعكس إلي بصور الحقائق فأصبحت كما قيل
( كأن مرآة عين الدهر في يده ** يرى بها غائب الأشيا فلم يغب )
رقيقة الليل رداء الرهبة تهاب الجبان فيه الأبطال وتتقي الحواس دونه الخيال { إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا } المزمل 6
حقيقة النهار معاش النفس فهو استعداد { إن لك في النهار سبحا طويلا } المزمل 7 والليل رياش الأنس فهو معاد { واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا } المزمل 8 فهذا جمع وذلك فرق والحال أسرع ذهابا من البرق
ومنه
حقيقة إن أكبرت النفس حالها فذكرها أصلها ومآلها فإنها تصغر عند ذلك وتستقيم بك على أرض المسالك احثوا التراب في وجوه المداحين { منها خلقناكم وفيها نعيدكم } طه 55
____________________
(5/318)


رقيقة إنما يتعاظم من يجد الحقارة من نفسه ويتوهم المهانة عند أبناء جنسه فلذلك تراه مغمزا للعيون مهمزا للظنون من أسر سريرة حسنة كساه الله رداءها
رقيقة رأيت الملوك لا يشمتون ولا يدعى لهم إلا بما يتعلق بأغراض الدنيا وأكثر ذلك مما تحيل عقوده العوائد فعلمت أن الدنيا ضد الآخرة
حقيقة من لم يفر خور وذلك الجبن من خاف أدلج ورجا من لم يكر تمن وتلك الزمانة { يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما } النساء 72
رقيقة سمعت أبا محمد المجاصي يقول رويت بالسند الصحيح أن عابدا رابط ببعض الثغور مدة فكان كلما طلع الفجر يسمع من ينشد دون أن يرى شيئا
( لولا رجال لهم سرد يصومونا ** وآخرون لهم ورد يقومونا )
( لزلزلت أرضكم من تحتكم غضبا ** فإنكم فوم سوء لا تبالونا )
حقيقة ما حمد الله حق حمده إلا من عرفه حق معرفته وذلك مما لا ينبغي لغيره لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك
رقيقة قلت
( أشيم البرق من بين الثنايا ** وأشتم العبير من الثناء )
( فأبدو تارة وأغيب أخرى ** مثار الشوق مثني الحياء )
حقيقة تحقق الحامد بكمال الذات فغاب عن حسه في بحار العظمة وتعلق الشاكر بجمال الفعل فوقف مع نفسه بسوق النعمة فهذا تاجر { لئن شكرتم لأزيدنكم } إبراهيم 7 وذاك ذاكر { وما بكم من } النحل 53
ومنه
حقيقة الصبر مطية المريد والرضى سجية المراد فهذا يقوم للأمر وذاك يسعى للأجر
____________________
(5/319)


رقيقة الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف والصبر بغير حساب والرضى بالرضى وذلك سدرة المنتهى
حقيقة النفس الأمارة آبدة لا تملك إلا بلطائف الحيل والمطمئنة ذلول لا تنفلت إلا ممن غفل { وأخاف أن يأكله الذئب } يوسف 13
رقيقة الدنيا معشوق الطالب عاشق الهارب هذا يستخدمها وذاك يخدمها يبني الخادم المسجد ليقال ويعمره المخدوم لينال فعلى الخادم السعي من غير جدوى
( وليس لرحل حطه الله حامل ** )
وللمخدوم الجدوى بغير سعي
( وليس لما تبني يد الله هادم ** إن السعادة أصلها التخصيص )
حقيقة الجمال رياش والحسن صورة والملاحة روح فذلك ستره عليك وهذا سره فيك { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي } الحجر 29
رقيقة أعطي يوسف شطر الحسن يعني حسن آدم لأنه إن لم يكن في الإمكان أبدع مما كان فقد خلقه الحق بيده في أحسن تقويم ثم نفخ فيه من روحه لتتم علة الأمر بسجود التحية والتكريم فكان كما قال من أنزل عليه الفرقان خلق الله آدم على صورة الرحمن فآدم إذا كمال الحسن وإلا فهو المراد لأن الشطر يقتضي الحصر والنصف ينزع عن الوصف وأعطي محمد كمال الجمال فما أبصره أحد إلا هابه وتمام الملاحة فما عرفه شخص إلا أحبه مع أنباء نوره في الآباء بأن أبوه المعنى لسيد نجباء الأبناء كما قال العارف عمر
( وإني وإن كنت ابن آدم صورة ** فلي فيه معنى شاهد بأبوتي )
____________________
(5/320)


حقيقة لا يثنينك الخوف عن قرع الباب فتيأس فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ولا يدنينك الرجاء من الفترة فتأمن فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون فإن لم تستطع بعد الحرص أن تعدل فلا تمل كل الميل مع النفس { إن النفس لأمارة بالسوء } يوسف 53
رقيقة ارفع قصتك في رقعة الإقبال على كف الرجاء خافضا من طرف الحياء وصوت الإدلال عاكفا في زاوية الإنكماش من وراء ستر الخوف يخرج عليك حاجب القدر من باب الكرم بتوقيع { فاستجبنا له } الأنبياء 848890
ومنه
حقيقة صدق مجاهدة الفاروق أيقظ الوسنان وطرد الشيطان وأرضى الرحمن ففاز بسلامة ما سلكت فجا إلا سلك الشيطان فجا غير فجك وحقق مشاهدة الصديق أسمع من ناجى فحاز غنيمة لو كشف الغطاء ما ازداد يقينا
رقيقة ذهب أبو بكر في السابقين ولحق عمر بأهل اليقين فما أدرك الصديق أداء التصلية حتى استدرك الفاروق قضاء التقفية
( ولو كنت في أهل اليمين منعما ** بكيت على ما فات من زمن الصبا )
حقيقة النص سلاح والنظر مطية والإتباع جنة والورع نجاة والخلاف فتنة والبدع مهالك وخير الأمور أوساطها
ومنه
حقيقة تخير المساعد واختبر المصاعد وليكن همك في سفرك منك معرفتك كيف ترجع إليك فلن يحقق صفة الربوبية من لم يتحقق نعت العبودية
____________________
(5/321)


رقيقة حدثت أن سيدي أبا الحسن الشاذلي لما أزمع على التحول من طيبة على من بها الصلاة والسلام أوقف فعله على إذن رسول الله له فرآه في منامه فقال توحشنا يا علي فأخذ يعتل فأذن له وقال إذا جئت مصر فاقرأ عز الدين بن عبد السلام مني السلام قال فلما التقينا بلغته المالكة سرا فلم تظهر نفسه لذلك فلما قام المزمزم قال
( صدق المحدث والحديث كما جرى ** وحديث أهل الحب ما لا يفترى )
فاستغفر الشيخ ثم كذب نفسه ثم حط للتسليم رأسه
حقيقة الوهم شيطان القلب يأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وسائر الجهات لمراقبة { قل هو القادر } الأنعام 65 فمن ثم كان أشد تقلبا من المرجل على النار فإذا ذكر الله سكن { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } الرعد 28
رقيقة فرق القلب من ذكر الله خوف { وجلت قلوبهم } الحج 35 ثم سكن لذكره رجاء { وتطمئن قلوبهم } الرعد 28 فعاد داء تقشعر منه دواء { ثم تلين } فنعق بلائمه
( دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ** )
ثم هتف بمنادمه
( وداوني بالتي كانت هي الداء ** )
حقيقة العبودية صفة نفسك لأنها حال أحد العبيد والعبودة صفة قلبك لأنها ملكة واحد العباد والعبادة قصد وجهك لأنها نعت الفردوس من العباد
____________________
(5/322)


ومنه
حقيقة إنما تزيد في الدنيا بقدر ما تنقص من الآخرة فإن تشييد الجدار على قدر انتقاص الجبل
رقيقة من جر لنفسه جار على قلبه فلا تجوز شهادته عند ربه لأن العدل من ترك العدول والميل
حقيقة لا تقدمن إلا بدليل وإذن واحذر ما لا ينفع ما استطعت فقد تم انظر فلا حرج إن جهلت ما لم تكلف علمه وأخاف عليك سوء عاقبة الهجوم
رقيقة إذا اهتز العرش بالسحر لدعاء أهل { تتجافى جنوبهم } السجدة 16 انبعث من نسيمه ما أغشاهم طيبه الراحة { أمنة منه } الأنفال 11 وأهب المستغفر من نومه لإدراك فضل { رضي الله عنهم ورضوا عنه } المائدة 119 والمجادلة 22 والبينة 8
حقيقة دع الغريب وما يريب واركب الجادة ولا تسلك بنيات الطريق { فتفرق بكم عن سبيله } الأنعام 153
ومنه
حقيقة سفر المريد تجارة وسفر العارف عمارة فهذا يرحل للإقامة عند الحقيقة وذاك يطلب الاستقامة على الطريقة
رقيقة إياك أيها المصلي لنا أن تلتفت إلى غيرنا وأقبل علينا بصدق نيتك وناجنا بخلوص سريرتك فقد قمنا بينك وبين قبلتك وناجيناك بلسان تلاوتك فإن غبت عنا فلست منا
حقيقة الشطح كناية والكرامة عناية والاعتراض جناية فإياك ولم فإن عرفت فاتبع وإن جهلت فسلم
____________________
(5/323)


رقيقة الليل معاد الأنس { إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا } المزمل 6 والنهار معاش النفس { إن لك في النهار سبحا طويلا } فهذا نشاط رغبة يتسع في مناكبه المجال وتعتور على مراكبه الأحوال وذلك حجاب رهبة تهوي إليه الأوجال وتجتمع فيه هموم الرجال ألا ترى كيف تهاب الجبان دونه الأبطال وتتقي الحواس خلفه الخيال كما قال
( نهاري نهار الناس حتى إذا دجا ** لي الليل هزتني إليك المضاجع )
( أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ** ويجمعني والهم بالليل جامع )
حقيقة حجب الطالب أربعة فحجاب الغيرة قاذع قيل لبعضهم أتحب أن تراه فقال لا قيل ولم قال أجل ذلك عن نظر مثلي وحجاب التيه قامع نزل فقير على ابن عجوز فبينما هي تصلح له الطعام غشي على الفتى فسألها الفقير فقالت له إنه يهوى ابنة عم له بتلك الخيمة فخطرت فاشتم غبار ذيلها فذهب الفقير ليخطبها عليه فقالت إذا لم يطق غبار ذيلي فكيف بيستطيع أن يشاهدني وحجاب الحيرة دافع ومن ثم حلا لأرباب الغيبة قال بعضهم يا دليل الحائرين زدني تحيرا ومر على أصحاب الرغبة والرهبة كما قال
قد تحيرت فيك خذ بيدي ** يا دليلا لمن تحير فيكا )
وحجاب الغفلة قاطع كان بعضهم يقول إن عذبتني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب ونظر آخر إلى امرأة فوقع عليه سهم فعوره وعليه مكتوب نظرت بعين العورة فرميناك بسهم الأدب ولو نظرت بعين الشهوة لرميناك بسهم القطيعة
رقيقة حدثت أن ابن الفارض دخل على الشيخ عز الدين وقد ذهب به التفكر فيما له عند الله عز وجل فكاشفه بأن أنشده من قصيدة له
____________________
(5/324)


( لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ** ذكرت ثم على ما فيك من عوج )
فبدرته البشاشة وأظن أن قد خلع قماشه
حقيقة وقفت ذات يوم بالجبانة واستفهمت اسمي هل عرف منها مكانه فأملى بعد هنيئة من نظمه ما وقفت منه على حقيقة مبلغ علمه
( كل ميت رأته عيني فإني ** ذلك الميت إن نظرت بقلبي )
( وجميع القبور قبري لولا ** جهل نفسي بما لها عند ربي )
رقيقة أهم ما على السالك مراعاة قلبه أن يتلف في تقلبه فذلك فساد حاله وذهاب رأس ماله تزوج فقير فلبس ثياب العرس فطلب قلبه فلم يجده فصاح خلقاني فأعطوه فأخذها وخرج
حقيقة حجب المطلوب ثلاثة فحجاب التيه جمال كما قال العارف عمر
( ته دلالا فأنت أهل لذاكا ** وتحكم فالحسن قد أعطاكا )
وحجاب العزة جلال
( همت بإتياننا حتى إذا نظرت ** إلى المرآة نهاها وجهها الحسن )
وحجاب الكبرياء كمال أنشدت لرابعة
( أحبك حبين حب الهوى ** وحبا لأنك أهل لذاكا )
( فأما الذي هو حب الهوى ** فشغلي بذكرك عمن سواكا )
( وأما الذي أنت أهل له ** فأن ترفع الحجب حتى أراكا )
( وما الحمد في ذا ولا ذاك لي ** ولكن لك الحمد في ذا وذاكا )
____________________
(5/325)

وهذا معنى ما في الصحيح وما بين أهل الجنة وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن
ومنه
حقيقة الآثار منصة التجلي فمن لم يزر مهلب { ويتفكرون } زار عمير ( يمرون ) وبطل رصد الحجاج
رقيقة من تفكر تذكر ومن تذكر تبصر فإن أكمل وقف وإن قصر انصرف { إنا هديناه السبيل } الإنسان 3
حقيقة الوحدة فهم والتوحيد علم والإتحاد حكم والاثنينية وهم ( ألا كل شيء ما خلا الله باطل ** )
ومنه
حقيقة أهم ما على السالك مراعاة قلبه أن يتلف في تقلبه فإن ذلك فساد حاله وذهاب رأس ماله رؤي فقير ينادي في السوق ارحموا صوفيا ذهب رأس ماله فقيل له وهل للصوفي رأس مال فقال نعم كان لي قلب ففقدته
ومنه
حقيقة تنازع القلب والنفس الخلق فترافعا إلى العقل فقسمه بينهما فانفردت النفس بالهوى والقلب بالتقوى فصرفت طرقهما إلى الجهتين وقطعت الشفعة فيهما بين الفئتين
ومنه عند ختم الكتاب ما نصه
حقيقة لا يودع السر إلا عند أهله ولا يذيعه إلا من ضاق ذرعا بحمله
____________________
(5/326)

فإن عدا مودعه الرمز فقد زل وإن تعدى مذيعه الغمز فقد ضل
رقيقة الحسن خلق والجمال خلق وحسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن وحيث هو الجمال هو الجميل
حقيقة تحقق العلماء بالتوحيد فاستشعروا { والله خلقكم وما تعملون } الصافات 96 لكنهم اعتبروا خلق السبب والابتلاء به فتصرفوا بدلالة الإذن في مذهبه فاستقاموا على طريقة الأدب ولم يفتهم فصل التوكل ولم تتسع معارف الزهاد لما عرفوا المسبب بكيفية الإنصراف إلى السبب منه لدقة الفرق بينه وبين الانصراف عنه فوقفوا مع التوكل للعذر ولم يستعملوا أدب الجريان مع ابتلاء الأمر وعكف الغافلون على ظاهر السبب ففاتهم التوكل والأدب { أولئك كالأنعام بل هم أضل } الأعراف 179
رقيقة أفيت لعبد الحق الإشبيلي بيتا هو عندي أفضل من قصيدة وهو
( قد يساق المراد وهو بعيد ** ويريد المريد وهو قريب )
ومن أراد معرفة قدر هذا البيت فليتل { الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب } الشورى 13
حقيقة أشرف أسمائك ما أضافك إليه وأكرم صفاتك ما دل فيك عليه
( لا تدعني إلا بيا عبدها ** فإنه أشرف أسمائي )
( ولا تصفني بالهوى عندها ** فعندها تحقيق أنبائي )
رقيقة
( أعزز بمن سوداء قلبي مغرب ** لخياله وسواد عيني مشرق )
( إن غاب عن سري فعنه لم يغب ** أو عن عياني فهو فيه محقق )
____________________
(5/327)


( والعين تعجز أن ترى إنسانها ** والقلب بالروح اللطيف مصدق )
صن عينك عن قلبك لربك وقلبك عن نفسك لحبك ونفسك عن طبعك لوليك وطبعك عن هواك لعدوك وهواك عمن سواك وقد كنت من نسل الجنة وكان بينك وبين البلاء أوقى جنة لطف الله تعالى بي وبكم في مجاري أحكامه ويسرنا أجمعين للعمل بموجبات إكرامه وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وسلم تسليما كثيرا إلى يوم لقائه انتهى ما تعلق به الغرض من كتاب الحقائق والرقائق لمولاي الجد الإمام سقى الله عهده صوب الغمام وما ذكرته من كلامه غيض من فيض وقل من كثر ويكفي من الحلي ما قل وستر العنق
ولنذكر بعض نظمه رحمه الله تعالى وقد تقدم بعضه أثناء ما سبق من كلامه رضي الله عنه فراجعه إن شئت من شعر المقري الجد
ومن بديع نظمه رحمه الله تعالى ما في الإحاطة ونصه نقلت من ذلك قوله هذه لمحة العارض لتكملة ألفية ابن الفارض سلب الدهر من فرائدها مائة وسبعة وسبعين فاستعنت على ردها بحول الله المعين
من فصل الإقبال
( رفضت السوى وهو الطهارة عندما ** تلفعت في مرط الهوى وهو زينتي )
( وجئت الحمى وهو المصلى ميمما ** بوجهة قلبي وجهها وهو قبلتي )
( وقمت وما استفتحت إلا بذكرها ** وأحرمت إحراما لغير تحلة )
( فديني إن لاحت ركوع وإن دنت ** سجود وإن لاهت قيام بحسرة )
____________________
(5/328)


( على أننا في القرب والبعد واحد ** تؤلفنا بالوصل عين التشتت )
( وكم من هجير خضت ظمآن طاويا ** إليها وديجور طويت برحلة )
( وفيها لقيت الموت أحمر والعدا ** بزرقة أسنان الرماح وحدة )
( وبيني وبين العذل فيها منازل ** تنسيك أيام الفجار ومؤتة )
( ولما اقتسمنا خطتينا فحامل ** فجار بلا أجر وحامل برة )
( خلا مسمعي من ذكرها فاستعدته ** فعاد ختام الأمر أصل القضية )
( وكم لي على حكم الهوى من تجلد ** دليل على أن الهوى من سجيتي )
( يقول سميري والأسى سالم الأسى ** ولا توضع الأوزار إلا لمحنة )
( لو أن مجوسا بت موقد نارها ** لما ظل إلا منهلا ذا شريعة )
( ولو كنت بحرا لم يكن فيه نضحة ** لعين إذا نار الغرام استحرت )
( فلا ردم من نقب المعاول آمن ** ولا هدم إلا منك شيد بقوة )
( فمم تقول الأسطقسات منك أو ** علام مزاج ركبت أو طبيعة )
( فإن قام لم يثبت له منك قاعد ** وإلا فأنت الدهر صاحب قعدة )
( فما أنت يا هذا الهوى ماء أو هوا ** أم النار أم دساس عرق الأمومة )
( وإني على صبري كما أنا واصف ** وحالي أقوى القائمين بحجة )
( أقل الضنى أن عج من جسمي الضنى ** وما شاكه معشار بعض شكيتي )
( وأيسر شوقي أنني ما ذكرتها ** ولم أنسها إلا احترقت بلوعة )
( وأخفى الجوى قرع الصواعق منك في ** جواي وأخفي الوجد صبر المودة )
( وأسهل ما ألقى من العذل أنني ** أحب أقلي ذكرها وفضيحتي )
( وأوج حظوظي اليوم منها حضيضها ** بالأمس وسل حر الجفون الغزيرة )
____________________
(5/329)


( وأوجز أمري أن دهري كله ** كما شاءت الحسناء يوم الهزيمة )
( أروح وما يلقى التأسف راحتي ** وأغدو وما يعدو التفجع خطتي )
( وكالبيض بيض الدهر والسمر سوده ** مساءتها في طي طيب المسرة )
( وشأن الهوى ماقد عرفت ولا تسل ** وحسبك أن لم يخبر الحب رؤيتي )
( سقام بلا برء ضلال بلا هدى ** أوام بلا ري دم لا بقيمة )
( ولا عتب فالأيام ليس لها رضى ** وإن ترض منها الصبر فهو تعنتي )
( ألا أيها اللوام عني قوضوا ** ركاب ملامي فهو أول محنتي )
( ولا تعذلوني في البكاء ولا البكى ** وخلوا سبيلي ما استطعتم ولوعتي )
( فما سلسلت بالدمع عيني إن جنت ** ولكن رأت ذاك الجمال فجنت )
( تجلى وأرجاء الرجاء حوالك ** ورشدي غاو والعمايات عمت )
( فلم يستبن حتى كأني كاسف ** وراجعت إبصاري له وبصيرتي )
ومن فصل الاتصال
( وكم موقف لي في الهوى خضت دونه ** عباب الردى بين الظبي والأسنة )
( فجاوزت في حدي مجاهدتي له ** مشاهدتي لما سمت بي همتي )
( وحل جمالي في الجلال فلا أرى ** سوى صورة التنزيه في كل صورة )
( وغبت عن الأغيار في تيه حيرتي ** فلم أنتبه حتى امتحى اسمي وكنيتي )
( وكاتبت ناسوتي بأمارة الهوى ** وعدت إلى اللاهوت بالمطمئنة )
( وعلم يقيني صار عينا حقيقة ** ولم يبق دوني حاجب غير هيبتي )
( وبدلت بالتلوين تمكين عزة ** ومن كل أحوالي مقامات رفعة )
( وقد غبت بعد الفرق والجمع موقفي ** مع المحو والإثبات عند تثبتي )
____________________
(5/330)


( وكم جلت في سم الخياط وضاق بي ** لبسطي وقبضي بسط وجه البسيطة )
( وما اخترت إلا دن سقراط زاهدا ** وفي ملكوت النفس أكبر عبرة )
( وفقري مع الصبر اصطفيت على الغنى ** مع الشكر إذ لم يحظ فيه مثوبتي )
( وأكتم حبي ما كنى عنه أهله ** وأكني إذا هم صرحوا بالخبية )
( وإني في جنسي ومنه لواحد ** كنوع ففصل النوع عله حصتي )
( تسببت في دعوى التوكل ذاهبا ** إلى أن أجدى حيلتي ترك حيلتي )
( وآخر حرف صار مني أولا ** مريدا وحرف في مقام العبودة )
( تعرفت يوم الوقف منزل قومها ** فبت بجمع سد خرق التشتت )
( فأصبحت أقضي النفس منها منى الهوى ** وأقضي على قلبي برعي الرعية )
( فبايعتها بالنفس دارا سكنتها ** وبالقلب منه منزلا فيه حلت )
( فخلص الاستحقاق نفسي من الهوى ** وأوجب الاسترقاق تسليم شفعة )
( فيا نفس لا ترجع تقطع بيننا ** ويا قلب لا تجزع ظفرت بوحدة )
ومن فصل الإدلال
( تبدت لعيني من جمالك لمحة ** أبادت فؤادي من سناها بلفحة )
( ومرت بسمعي من حديثك ملحة ** تبدت لها فيك القران وقرت )
( ملامي بن عذري استبن وجدي استعن ** سماعي أعن حالي أبن قائلي اصمت )
( فمن شاهدي سخط ومن قائلي رضى ** وتلوين أحوالي وتمكين رتبتي )
( مرامي إشارات مراعي تفكر ** مراقي نهايات مراسي تثبت )
( وفي موقفي والدار أقوت رسومها ** تقرب أشواقي تبعد حسرتي )
( معاني أمارات مغاني تذكر ** مباني بدايات مثاني تلفت )
( وبث غرام والحبيب بحضرة ** ورد سلام والرقيب بغفلة )
____________________
(5/331)


( ومطلع بدر في قضيب على نقا ** فويق محل عاطل دون دجية )
( وممكن سحر بابلي له بما ** حوت أضلعي فعل القنا السمهرية )
( ومنبت مسك من شقيق ابن منذر ** على سوسن غض بجنة وجنة )
( ووصف اللآلي في اليواقيت كلما ** تعل بصرف الراح في كل سحرة )
( سل السلسبيل العذب عن طعم ريقه ** ونكهته يخبرك عن علم خبرة )
( ورمان كافور علته طوابع ** من الند لم تحمل به بنت مزنة )
( ولطف هواء بين حقف وبانة ** ورقة ماء في قوارير فضة )
( لقد عز عنك الصبر حتى كأنه ** سراقة لحظ منك للمتلفت )
( وأنت وإن لم تبق مني صبابة ** منى النفس لم تقصد سواك بوجهة )
( وكل فصيح منك يسري لمسمعي ** وكل مليح منك يبدو لمقلتي )
( تهون علي النفس فيك وإنها ** لتكرم أن تغشى سواك بنظرة )
( فإن تنظريني بالرضى تشف علتي ** وإن تظفريني باللقا تطف غلتي )
( وإن تذكريني والحياة بقيدها ** عدلت لأمني منيتي بمنيتي )
( وإن تذكريني بعدما أسكن الثرى ** تجلت دجاه عند ذاك وولت )
( صليني وإلا جددي الوعد تدركي ** صبابة نفس أيقنت بتفلت )
( فما أم بو هالك بتنوفة ** أقيم لها خلف الخلاب فدرت )
( فلما رأته لاينازع خلفها ** إذا هي لم ترسل عليه وضنت )
( بكت كلما راحت عليه وإنها ** إذا ذكرته آخر الليل حنت )
( بأكثر مني لوعة غير أنني ** رأيت وقار الصبر أحسن حلية )
( فرحت كما أغدو إذا ما ذكرتها ** أطامن أحشائي على ما أجنت )
____________________
(5/332)


( أهون ما ألقاه إلا من القلى ** هوى ونوى نيل الرضى منك بغيتي )
( أخوض الصلا أطفي العلا والعلو لا ** أصل السلا أرعى الخلا بين عبرتي )
( ألا قاتل الله الحمامة غدوة ** لقد أصلت الأحشاء نيران لوعة )
( وقاتل مغناها وموقف شجوها ** على الغصن ماذا هيجت حين غنت )
( فغنت غناء أعجميا فهيجت ** غرامي من ذكرى عهود تولت )
( فأرسلت الأجفان سحبا واوقدت ** جواي الذي كانت ضلوعي أكنت )
( نظرت بصحراء البريقين نظرة ** وصلت بها قلبي فصل وصلت )
( فيا لهما قلبا شجيا ونظرة ** حجازية لو جن طرف لجنت )
( وواعجبا للقلب كيف اعترافه ** وكيف بدت أسراره خلف ستره )
( وللعين لما سوئلت كيف أخبرت ** وللنفس لما وطنت كيف ذلت )
( وكنا سلكنا في صعود من الهوى ** يسامي بأعلام العلا كل رتبة )
( إلى مستوى ما فوقه فيه مستوى ** فلما توافينا ثبت وزلت )
( وكنا عقدنا عقدة الوصل بيننا ** على نحر قربان لدى قبر شيبة )
( مؤكدة بالنذر أيام عهده ** فلما تواثقنا شددت وحلت )
ومن فصل الاحتفال
( أزور اعتمارا أرضها بتنسك ** وأقصد حجا بيتها بتحلة )
( وفي نشأتي الأخرى ظهرت بما علت ** له نشأتي الأولى على كل فطرة )
( ولولا خفاء الرمز من لا ولن ولم ** تجدها لشملي مسلكا بتشتت )
( ولو لم يجدد عهدنا عقد خلة ** قضيت ولم يقض المنى صدق توبة )
____________________
(5/333)


( بعثت إلى قلبي بشيرا بما رأت ** على قدم عيناي منه فكفت )
( فلم يعد أن شام البشارة شام ما ** جفا الشام من نور الصفات الكريمة )
( فيا لك من نور لو أن التفاتة ** تعارض منه بالنفوس النفيسة )
( تحدث أنفاس الصبا أن طيبها ** بما حملته من حراقة حرقة )
( وتنبيء آصال الربيع عن الربى ** وأشجاره أن قد تجلت فجلت )
( وتخبر أصوات البلابل أنها ** تغنت بترجيعي على كل أيكة )
( فهذا جمالي منك في بعد حسرتي ** فكيف به إن قربتني بخلة )
( تبدى وما زال الحجاب ولا دنا ** وغاب ولم يفقده شاهد حضرتي )
( له كل غير في تجليه مظهر ** ولا غير إلا ما محت كف غيرة )
( تجلى دليل واحتجاب تنزه ** وإثبات عرفان ومحو تثبت )
( فما شئت من شيء وآليت أنه ** هو الشيء لم تحمد فجار أليتي )
( وفي كل خلق منه كل عجيبة ** وفي كل خلق منه كل لطيفة )
( وفي كل خاف منه مكمن حكمة ** وفي كل باد منه مظهر جلوة )
( أراد بقلب القلب واللغز كامنا ** وفي الزجر والفال الصحيح الأدلة )
( وفي طي أوفاق الحساب وسر ما ** يتم من الأعداد فابدأ بستة )
( وفي نفثات السحر في العقد التي ** تطوع لها كل الطباع الأبية )
( يصور شكلا مثل شكل ويعتلي ** عليه بأوهام النفوس الخبيثة )
( وفي خضرة الكمون تزجى شرابه ** مواعيد عرقوب على إثر صفرة )
( وفي شجر قد خوفت قطع أصلها ** فبان بها حمل لأقرب مدة )
( وفي النخل في تلقيحه واعتبر بما ** أتى فيه عن خير البرية واسكت )
____________________
(5/334)


( وفي الطابع السبتي والأحرف التي ** يبين منها النظم كل خفية )
( وفي صنعة الطلسم والكيمياء والكنوز ** وتغوير المياه المعينة )
( وفي حرز أقسام المؤدب محرز ** وحزب أصيل الشاذلي وبكرة )
( وفي سيمياء الخاتمي ومذهب ابن ** سبعين إذ يعزي إلى شر بدعة )
( وفي الملل الأولى وفي النحل الألى ** بها أوهموا لما تساموا بسنة )
( وفي كل ما في الكون من عجب وما ** حوى الكون إلا ناطقا بعجيبة )
( فلا سر إلا وهو فيه سريرة ** ولا جهر إلا وهو فيه كحيلة )
( سل الذكرى عن إنصاف أصناف ما انبنى ** عليه الكلام من حروف سليمة )
( وعن وضعها في بعضها وبلوغ ما ** أتت فيه أمضى عدها وتثبت )
( فلا بد من رمز الكنوز لذي الحجي ** ولا ظلم إلا ظلم صاحب حكمة )
( ولولا سلام ساق للأمن خيفتي ** لعاجل مس البرد خوفي لميتتي )
( ولو لم تداركني ولكن بعطفها ** درجت رجائي أن نعتني خيبتي )
( ولو لم تؤانسني عنا قبل لم ولم ** قضى العتب مني بغية بعد وحشي )
( ونعم أقامت أمر ملكي بشكرها ** كما هونت بالصبر كل بلية )
ومن فصل الاعتقال
( سر بفؤادي إذ سرت فيه نظرتي ** وسارت ولم تثن العنان بعطفة )
( وذلك لما أطلع الشمس في الدجى ** محيا ابنة الحيين في خير ليلة )
( يمانية لو أنجدت حين أنجدت ** لما أبصرت عيناك حيا كميت )
____________________
(5/335)


( لأصحمة في نصحها قدم بنى ** لكل نجاشي بها حصن ذمة )
( ألمت فحظت رحلها ثم لم يكن ** سوى وقفة التوديع حتى استقلت )
( فلو سمحت لي بالتفات وحل من ** مهاوي الهوى والهون جد تفلتي )
( ولكنها همت بنا فتذكرت ** قضاء قضاة الحسن قدما فصدت )
( أجلت خيالا إنني لا أجله ** ولم أنتسب منه لغير تعلة )
( على أنني كلي وبعضي حقيقة ** وباطل أوصافي وحق حقيقتي )
( وجنسي وفصلي والعوارض كلها ** ونوعي وشخصي والهواء وصورتي )
( وجسمي ونفسي والحشا وغرامه ** وعقلي وروحانيتي القدسية )
( وفي كل لفظ عنه ميل لمسمعي ** وفي كل معنى منه معنى للوعتي )
( ودهري به عيد ليوم عروبة ** وأمري أمري والورى تحت قبضتي )
( ووقتي شهود في فناء شهدته ** ولا وقت لي إلا مشاهد غيبة )
( أراه معي حسا ووهما وإنه ** مناط الثريا من مدارك رؤيتي )
( وأسمعه من غير نطق كأنه ** يلقن سمعي ما توسوس مهجتي )
( ملأت بأنوار المحبة باطني ** كأنك نور في سرار سريرتي )
( وجليت بالإجلال أرجاء ظاهري ** كأنك في أفقي كواكب زينة )
( فأنت الذي أخفيه عند تستري ** وأنت الذي أبديه في حين شهرتي )
( فته أحتمل واقطع أصل واعل أستفل ** ومر أمتثل واملل أمل وارم أثبت )
( فقلبي إن عاتبته فيك لم أجد ** لعتبي فيه الدهر موقع نكتة )
( ونفسي تنبو عن سواك نفاسة ** فلا تنتمي إلا إليك بمنة )
( تعلقت الآمال منك بفوق ما ** أرى دونه ما لا ينال بحيلة )
( وحامت حواليها وما وافقت حمى ** سحائب يأس أمطرت ماء عبرتي )
( فلو فاتني منك الرضى ولحقتني ** بعفو بكيت الدهر فوت فضيلة )
____________________
(5/336)


( ولو كنت في أهل اليمن منعما ** بكيت على ما كان من أسبقية )
( وكم من مقام قمت عنك مسائلا ** أرى كل حي كل حي وميت )
( أتيت بفاراب أبا نصرها فلم ** أجد عنده علما يبرد غلتي )
( ولم يدر ما قولي ابن سيناء سائلا ** فقل كيف أرجو عنده برء علتي )
( فهل في ابن رشد بعد هذين مرتجى ** وفي ابن طفيل لاحتثاث مطيتي )
( لقد ضاع لولا أن تداركني حمى ** من الله سعي بينهم طول مدتي )
( فقيض لي نهجا إلى الحق سالكا ** وأيقظني من نوم جهلي وغفلتي )
( فحصنت أنظار الجنيد جنيدها ** بترك فلي من رغبة ريح رهبة )
( وكسرت عن رجل ابن أدهم أدهما ** وأنقذته من أسر حب الأسرة )
( وعدت على حلاج سكري بصلبه ** وألقيت بلعام التفاتي بهوة )
( فقولي مشكور ورأيي ناجح ** وفعلي محمود بكل محلة )
( رضيت بعرفاني فأعليت للعلا ** وأجلسني بعد الرضى فيه جلتي )
( فعشت ولا ضيرا أخاف ولا قلى ** وصرت حبيبا في ديار أحبتي )
( فها أناذا أمسي وأصبح بينهم ** مبلغ نفسي منهم ماتمنت )
ومن نظمه أيضا ما حكى عنه في الإحاطة إذ قال وأنشدني قوله في حال قبض وقيدتها عنه
( إليك بسطت الكف أستنزل الفضلا ** ومنك قبضت الطرف أستشعر الذلا )
( وها أناذا قد قمت يقدمني الرجا ** ويحجم في الخوف الذي خامر العقلا )
( أقدم رجلا إن يضىء برق مطمع ** وتظلم أرجائي فلا أنقل الرجلا )
( ولي عثرات لست آمل إن هوت ** بنفسي أن لا أستقيل وأن أصلى )
( فإن تدركني رحمة أنتعش بها ** وإن تكن الأخرى فأولى بي الأولى )
____________________
(5/337)


ومن نظمه رحمه الله تعالى
( وجد تسعره الضلوع ** وما تبرده المدامع )
( هم تحركه الصبابة ** والمهابة لا تطاوع )
( أمل إذا وصل الرجا ** أسبابه فالموت قاطع )
( بالله يا هذا الهوى ** ما أنت بالعشاق صانع )
وقال رحمه الله تعالى كما في الإحاطة ومما كتبت به لمن بلغني عنه بعض الشيء
( نحن إن تسأل بناس معشر ** أهل ماء فجرته الهمم )
( عرب من بيضهم أرزاقهم ** ومن السمر الطوال الخيم )
( عرضت أحسابهم أرواحهم ** دون نيل العرض وهي الكرم )
( أورثونا المجد حتى إننا ** نرتضي الموت ولا نزدحم )
( ما لنا في الناس من ذنب سوى ** أننا نلوي إذا ما اقتحموا )
وقال مما قلته مذيلا به قول القاضي أبي بكر ابن العربي
( أما والمسجد الأقصى ** وما يتلى به نصا )
( لقد رقصت بنات الشوق ** بين جوانحي رقصا )
قولي
( فأقلع بي إليه هوى ** جناحا عزمه قصا )
( أقل القلب واستعدى ** على الجثمان فاستعصى )
( فقمت أجول بينهما ** فلا أدنى ولا أقصى )
____________________
(5/338)


قال رحمه الله تعالى ومما قلته في التورية بشأن راوي المدونة
( لا تعجبن لظبي قد دها أسدا ** فقد دها أسدا من قبل سحنون )
ومن نظم مولاي الجد مما لم يذكره في الإحاطة قوله حسبما ألفي بخطه على ظهر نسخة من تأليفه القواعد
( ناديت والقلب بالأشواق محترق ** والنفس من حيرة الإبعاد في دهش )
( يا معطشي من وصال كنت آمله ** هل فيك لي فرج إن صحت واعطشي )
ومن نظمه ما أسنده الونشريسي إليه
( خالف هواك وكن لعقلك طائعا ** تجد الحقيقة عند طرف الناظر )
ومنه مما نسبه له المذكور ورأيت من ينسبهما لغيره
( لما رأيناك بعد الشيب يا رجل ** لا تستقيم وأمر النفس تمتثل )
( زدنا يقينا بما كنا نصدقه ** بعد المشيب يشب الحرص والأمل )
وفي الإحاطة في ترجمة شعره ما صورته قال ومما قلته من الشعر وبه نختم الكلام
( أنبت عودا لنعماء بدأت بها ** فضلا وألبستها بعد اللحا الورقا )
( فظل مستشعرا مستدثرا أرجا ** ريان ذا بهجة يستوقف الحدقا )
( فلا تشنه بمكروه الجنى فلكم ** عودته من جميل من لدن خلقا )
( وانف القذى عنه واثر الدهر منبته ** وغذه برجاء واسقه غدقا )
( واحفظه من حادثات الدهر أجمعها ** ما جاء منها على ضوء وما طرقا )
____________________
(5/339)


انتهى ما قصدته من ترجمة مولاي الجد على ما اقتضاه الوقت ولو أرسلت عنان القلم في شأنه لضاق هذا الديوان عن ذلك ويرحم الله شيخ شيوخ شيوخنا عالم المغرب سيدي أبا العباس الونشريسي ثم التلمساني نزيل فاس صاحب المعيار وغيره إذ قال في تأليفه الذي عرف فيه بمولاي الجد لما سأله بعضهم في ذلك وذكر ما حضره ما نصه ولقد استوفى شيخ شيوخنا المحقق النظار أبو عبد الله ابن مرزوق الحفيد ترجمة المقري في كتاب سماه النور البدري في التعريف بالفقيه المقري وقد تقدمت الإشارة إلى أن اسم هذا التأليف مبني على أن المقري بفتح الميم وسكون القاف وقد علمت ما في ذلك مما مضى
قلت وقد ملكت بفاس مجلدا ضخما بخط مؤلفه وهو أحد علماء مدينة فاس ألفه برسم مولاي الجد وسماه بالزهر الباسم وأطال فيه في مدح مولاي الجد والثناء عليه والتنويه بقدره وذكر محاسنه ولم يحضرني الآن لكوني تركته مع جملة كتبي بالمغرب وقد تعلق بحفظي ما قاله في أوله من جملة أبيات
( إذا ذكرت مفاخر أهل فاس ** ذكرنا من أتى من تلمسان )
( وقلنا هل رأيتم في قضاة ** شبيها للفقيه العدل ثاني )
إلى أن قال
( ونفس العلم إن شانت لشخص ** فما للمقري في العلم شاني ) تلامذة المقري الجد
وقد أخذ عنه رحمه الله تعالى جماعة أعلام مشهورون منهم لسان الدين ابن الخطيب ذو الوزارتين والوزير أبو عبد الله ابن زمرك والأستاذ العلامة أبو عبد الله القيجاطي الآية في علم القراءات والشيخ الفقيه القاضي الرحال
____________________
(5/340)

الحاج أبو عبد الله محمد بن سعيد بن عثمان بن سعيد الصنهاجي الزموري الدار المعروف بنقشابو والولي ابن خلدون صاحب التاريخ وفي بعض المواضع يعبر عنه بصاحبنا وفي بعضها بشيخنا والنظار أبو إسحاق الشاطبي والعلامة أبو محمد عبد الله بن جزي والحافظ ابن علاق وغيرهم ممن يطول تعداده ولا كالشيخ الولي الشهير الكبير العارف بالله سيدي محمد بن عباد الرندي شارح حكم ابن عطاء الله فإنه ممن يفتخر مولاي الجد رحمه الله تعالى بكون مثله تلميذا له ولا بأس أن نورد ترجمته تبركا به في هذا الكتاب ولو لم تقتضه المناسبة التي راعيناها في هذا التأليف فكيف وقد اقتضته فنقول ترجمة تلميذه ابن عباد الرندي
قال في حقه صاحبه الشيخ أبو زكريا السراج ما صورته شيخنا الفقيه الخطيب البليغ الخاشع الخاشي الإمام العالم المنصف السالك العارف المحققق الرباني ذو العلوم الباهرة والمحاسن المتظاهرة سليل الخطباء ونتيجة العلماء أبو عبد الله محمد ابن الشيخ الفقيه الواعظ الخطيب البليغ العلم الحظي الوجيه الحسيب الأصيل أبي إسحاق إبراهيم بن أبي بكر بن عباد كان حسن السمت طويل الصمت كثير الوقار والحياء جميل اللقاء حسن الخلق والخلق على الهمة متواضعا معظما عند الخاصة والعامة نشأ ببلده رندة على أكمل طهارة وعفاف وصيانة وحفظ القرآن ابن سبع سنين ثم تشاغل بعد بطلب العلوم النحوية والأدبية والأصولية والفروعية حتى رأس فيها وحصل معانيها ثم أخذ في طريق الصوفية والمباحثة على الأسرار الإلهية حتى أشير إليه وتكلم في علوم الأحوال والمقامات والعلل والآفات وألف فيه تواليف عجيبة وتصانيف
____________________
(5/341)

بديعة غريبة وله أجوبة كثيرة في مسائل العلوم نحو مجلدين ودرس كتبا وحفظها أو جلها كشهاب القضاعي والرسالة ومختصري ابن الحاجب وتسهيل ابن مالك ومقامات الحريري وفصيح ثعلب وغيرها وقوت القلوب أخذ ببلده رندة عن أبيه القرآن وغيره وعن خاله الشيخ الفقيه القاضي عبد الله الفريسي العربية وغيرها وعن الشيخ الفقيه الخطيب أبي الحسن علي بن أبي الحسن الرندي حرف نافع وعرض عليه الرسالة وبتلمسان وفاس عن السيد الشريف الإمام العالم العلامة المحقق أبي عبد الله التلمساني الحسني جمل الخونجي تفهما وغيره وعن الشيخ الفقيه القاضي العالم أبي عبد المقري كثيرا من المختصر الفرعي لابن الحاجب وفصيح ثعلب وبعض صحيح مسلم كلها تفقها وعن الشيخ الفقيه العالم أبي محمد عبد النور العمراني الموطأ والعربية وعن الإمام العالم أبي عبد الله الآبلي الإرشاد لأبي المعالي وجميع كتاب ابن الحاجب الأصلي وعقيدة ابن الحاجب تفقها وعن الشيخ الفقيه الحافظ أبي الحسن الصرصري بعض التهذيب تفقها وعن الشيخ الأستاذ المقرىء الصالح أحمد بن عبد الرحمن المجاصي شهر بالمكناسي كثيرا من جمل الزجاج وتسهيل ابن مالك وعن الشيخ الفقيه الصالح أبي مهدي عيسى المصمودي جميع كتاب ابن الحاجب والحاجبية له أيضا تفقها وتفقه على الفقيه العالم أبي محمد الوانغيلي في كتاب ابن الحاجب الفقهي وأخذ عنه حرف نافع وعن الشيخ الفقيه الصالح المدرس بالحلفاويين أبي محمد عبد الله الفشتالي كثيرا من التهذيب وعن قاضي الجماعة وخطيب الحضرة أبي عبد الله محمد بن أحمد القشتالي كثيرا من التهذيب تفقها وكذا عن غيرهم ولقي بسلا الشيخ الحاج الصالح السني الزاهد الورع أحمد بن عمر بن محمد بن عاشر وأقام معه ومع أصحابه سنين عديدة قال قصدتهم لوجدان السلامة معهم ثم رحل لطنجة فلقي بها الشيخ الصوفي أبا مروان عبد الملك قال لازمته كثيرا
____________________
(5/342)

وقرأت عليه وسمعت منه وأنشدني من شعره وشعر غيره وترددت بيني وبينه مسائل في إقامته بسلا وانتفعت به عظيما في التصوف وغيره وأجازني إجازة عامة مولده برندة عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة وتوفي بعد العصر يوم الجمعة ثالث رجب عام اثنين وتسعين وسبعمائة وحضر جنازته الأمير فمن بعده وهمت العامة بكسر نعشه تبركا به ولم أر جنازة أحفل ولا أكثر خلقا منها ورثاه الناس بقصائد كثيرة انتهى كلام السراج
وقال غيره في حقه محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن مالك بن إبراهيم بن محمد بن مالك بن إبراهيم بن يحيى بن عباد النفزي نسبا الرندي بلدا الشهير بابن عباد الفقيه الصوفي الزاهد الولي العارف بالله تعالى
وقال في حقه الشيخ ابن الخطيب القسمطيني في كتابه أنس الفقير وعز الحقير وهو الخطيب الشهير الصالح الكبير وكان والده من الخطباء الفصحاء النجباء ولأبي عبد الله هذا عقل وسكون وزهد بالصلاح مقرون وكان يحضر معنا مجلس شيخنا الفقيه أبي عمران موسى العبدوسي رحمه الله تعالى وهو من أكابر أصحاب ابن عاشر ومن خيار تلامذته وأخذ عنه وله كلام عجيب في التصوف وصنف فيه كما هو الآن يقرأ على الناس مع كتب التذكير وله في ذلك قلم انفرد به وسلم له فيه بسببه ومن تصانيفه شرح كتاب الحكم لابن عطاء الله في سفر رأيته وعلى ظهر نسخة منه مكتوب
( لا يبلغ المرء في أوطانه شرفا ** حتى يكيل تراب الأرض بالقدم )
ومن كلامه فيه الاستئناس بالناس ومن علامات الإفلاس فتح باب الأنس بالله تعالى الاستيحاش من الناس ومن كلامه فيه من لازم الكون وبقي معه وقصر همته عليه ولم تنفتح له طريق الغيوب الملكوتية ولا خلص بسره إلى
____________________
(5/343)

فضاء مشاهدة الوحدانية فهو مسجون بمحيطاته ومحصور في هيكل ذاته إلى غير ذلك من كلامه وكان يحضر السماع ليلة المولد عند السلطان وهو لا يريد ذلك وما رأيته قط في غير مجلس جالسا مع أحد وإنما حظ من يراه الوقوف معه خاصة وكنت إذا طلبته بالدعاء احمر وجهه واستحيا كثيرا ثم يدعو لي وأكثر تمتعه من الدنيا بالطيب والبخور الكثير ويتولى أمر خدمته بنفسه ولم يتزوج ولم يملك أمة ولباسه في داره مرقعة فإذا خرج سترها بثوب أخضر أو أبيض وله تلامذة كلهم أخيار مباركون وبلغني عن بعضهم أنه تصدق حين تاب على يده بعشرة آلاف دينار ذهبا وهو الآن إمام جامع القرويين بفاس وخطيبه وأكثر قراءته في صلاة الجمعة { إذا جاء نصر الله } وأكثر خطبته وعظ ومثله من يعظ الناس لأنه اتعظ في نفسه وقد أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام يا عيسى عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني ذكره الغزالي وعهدي به أنه على صفة البدلاء الصادقين النبلاء كثر الله مثله في الإسلام انتهى
قلت وقد زرت قبره مرارا بفاس ودعوت الله تعالى عنده وهوعند أهل فاس بمثابة الشافعي عند أهل مصر ومن منن الله سبحانه علي أني سكنت محله لما توليت الخطابة والإمامة بجامع القرويين من فاس المحروسة مضافين إلى الفتوى والدار المعلومة للخطيب بالجامع المذكور إلى الآن تعرف بدار الشيخ ابن عباد وأقمت على ذلك خمس سنين وأشهرا ثم قوضت الرحال للمشرق وها أنا إلى الآن فيها والله ييسر الخير حيث كان
وقال الشيخ سيدي أحمد زروق في شأن الشيخ ابن عباد إنه ولد برندة وبها نشأ في عفاف وصون ثم رحل لفاس وتلمسان فقرأ بهما الفقه والأصول والعربية ثم عاد فصحب بمدينة سلا أفضل أهل زمانه علما وعملا سيدي أحمد
____________________
(5/344)

ابن عاشر نفعنا الله به فأظهر الله تعالى عليه من بركاته ما لا يخفى على متأمل ثم نقل بعد وفاة الشيخ فجعل خطيبا بجامع القرويين من مدينة فاس وبقي بها خمس عشرة سنة خطيبا فتوفاه الله تعالى بها بعد صلاة العصر من يوم الجمعة رابع رجب سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة ودفن بكدية البراطل من داخل باب الفتوح وكان رضي الله عنه ذا صمت وسمت وتجمل وزهد معظما عند الكافة معولا في حل المشكلات على فتح الفتاح العليم
( ومن علمه أن ليس يدعى بعالم ** ومن فقره أن لا يرى يشتكي الفقرا )
( ومن حاله أن غاب شاهد حاله ** فلا يدعى وصلا ولا يشتكي هجرا )
كذا رأيت بخط من أثق به في تعريفه مختصرا مع زيادة ما تحققت وكتبه شاهدة بكماله علما وعملا فهي كافية في تعريفه وكان الذي طلبه في وضع الشرح على الحكم سيدي أبو زكريا السراج الذي أكثر رسائله له وسيدي أبو الربيع سليمان بن عمر انتهى
وقال في موضع آخر سيدنا العارف المحقق الخطيب البليغ نسيج وحده ومقدم من أتى من بعده أبو عبد الله قرأ بفاس وتلمسان العربية والأصول والفقه ككتاب الإرشاد ومختصر ابن الحاجب الفقهي والأصلي وتسهيل ابن مالك وتوفي بفاس وقبره بها مشهور ومزيته معروفة شرقا وغربا وقد كتب مسائل معروفة أكثرها لسيدي يحيى السراج وله كتب الشرح مع سيدي سليمان بن عمر الذي قال في حقه إنه ولي بلا شك بطلبهما لذلك ورأيت كتابا في الإمامة سماه تحقيق العلامة في أحكام الإمامة فذكرته لشيخنا القوري رحمه الله تعالى وكان معتنيا بكتبه معولا عليها في حاله فقال أظنه لوالده سيدي إبراهيم وقد كان خطيبا بالقصبة إذ كانت عامرة وله خطب عظيمة الفصاحة حسنة الموقع انتهى
وقال الشيخ أبو يحيى ابن السكاك أما شيخي وبركتي أبو عبد الله ابن عباد
____________________
(5/345)

رضي الله عنه فإنه شرح الحكم وعقد درر منثورها في نظم بديع وجمعت من إنشائه مسائل مدارها على الإرشاد إلى البراءة من الحول والقوة فيها نبذ كأنفاس الأكابر مع حسن التصرف في طريق الشاذلي وجودة تنزيله على الصور الجزئية وبسط التعبير مع إنهاء البيان إلى أقصى غاياته والتفنن في تقريب الغامض إلى الأذهان بالأمثلة الوضعية فقرب بها حقائق الشاذلية تقريبا لم يسبق إليه كما قرب الإمام ابن رشد مذهب مالك تقريبا لم يسبق إليه وكان مع ذلك آية في التحقق بالعبودية والبراءة من الحول والقوة وعدم المبالاة بالمدح والذم بل له مقاصد نفيسة في الإعراض عن الخلق وعدم المبالاة بهم وأعظم أخلاقه التي لا يصبر عنها ويضطرب لها غاية الاضطراب أن يحضر حيث ينسى الحق لا سيما إن كان نسيان الحق بالنسبة إليه فهو الذي يقلقه ويضيق صدره على اتساعه ووفور انشراحه عن ذلك ولقد ذكر بعض من كان من أخص الناس به ومنقطعا إليه أحوال رجال الرسالة القشيرية والحلية وما منحوا من المواهب قال فلما مات الشيخ واستبصرت ما أشاهده منه من أفعال تدل على القطع بصديقتيه لاح لي أن تلك الصفات التي يذكر مشخصة فيه نشاهدها عيانا ولو لم أر الشيخ لقلت إنني لم أر كمالا وعلى الجملة فهو واحد عصره بالمغرب ذكر لي عن قطب المعقول بالمغرب والمشرق الآبلي أنه كان يشير إليه في حال قراءته عليه أعني الشيخ ابن عباد ويقول إن هناك علما جما لا يوجد عند مشاهير أهل ذلك الوقت إلا أنه كان لا يتكلم رضي الله عنه وشهد له المقطوع بولايتهم بالتقدم وأقروا له بالشيخوخة وتبركوا به كسيدي سليمان اليازغي وسيدي محمد المصمودي وسيدي سليمان بن يوسف ابن عمر الأنفاسي وأمثالهم وكان شيخه الحجة الورع أحمد بن عاشر يشيد بذكره ويقدمه على سائر أصحابه ويأمرهم بالأخذ عنه والانتفاع به
____________________
(5/346)

والتسليم له ويقول ابن عباد أمة وحده ولا شك أنه كذلك كان أعني غريبا فإن العارف غريب الهمة بعيد القصد لا يجد مساعدا على قصده وكان الغالب عليه الحياء من الله تعالى والتنزل بين يدي عظمته وتنزيله نفسه منزلة أقل الحشرات لا يرى لنفسه مزية على مخلوق لما غلب عليه من هيبة الجلال وعظمة المالك وشهود المنة نظارا إلى جميع عباد الله تعالى بعين الرحمة والشفقة والنصيحة العامة مع توفية المراتب حقها والوقوف مع الحدود الشرعية واعتبارهم من حيث مراد الله تعالى بهم هذا دأبه مع الطائع والعاصي ما لم يظهر له من أحد مخايل حب التعظيم والمدح والتجبر على المساكين ورؤية الحق إذ هي دعوى لا تليق بالعبد ومن كانت هذه صفته فقد وصل حد الخذلان بل هي علامة تقارب القطع على أنه شقي مسلم إلى غضب الله تعالى ومقته أعاذنا الله تعالى منه وكان من حال هذا السيد تألف قلوب الأولاد الصغار فهم يحبونه محبة تفوق محبتهم لآبائهم وأمهاتهم فينتظرون خروجه للصلاة وهم عدد كثير يأتون من كل أوب ومن المكاتب البعيدة فإذا رأوه ازدحموا على تقبيل يده وكذا كان ملوك زمانه يزدحمون عليه ويتذللون بين يديه فلا يحفل بذلك وذكر لي بعض تلامذته أن أقواله تشبه أفعاله لما منحه الله تعالى من فنون الاستقامة مع ما في كلامه من النور والحلاوة التي استفزت ألباب المشارقة بحيث صار لهم بحث عريض على تواليفه انتهى كلام ابن السكاك
وله من التواليف الرسائل الكبرى والصغرى وشرح الحكم ونظمها في ثمانمائة بيت من الرجز
وحدث الشيخ أبو مسعود الهراس قال كنت أقرأ في صحن جامع القرويين
____________________
(5/347)

والمؤذنون يؤذنون بالليل فإذا أبو عبد الله ابن عباد قد خرج من باب داره وجاء يطير في الصحن كأنه جالس متربع حتى دخل في البلاط الذي حول الصومعة ثم مشيت فوجدته يصلي حول المحراب وسأله السراج عن أبي حامد الغزالي فقال هو فوق الفقهاء وأقل من الصوفية ومما نقل من خطه رحمه الله تعالى ولا يدرى هل هي له أم لا
( الحزم قبل العزم فاحزم واعزم ** وإذا استبان لك الصواب فصمم )
( واستعمل الرفق الذي هو مكسب ** ذكر القلوب وجد وأجمل واحلم )
( واحرس وسر واشجع وصل وامنن وصل ** واعدل وأنصف وارع واحفظ وارحم )
( وإذا عدت فعد بما تقوى على ** إنجازه وإذا اصطنعت فتمم )
وذكر الشيخ الفقيه الخطيب القاضي الحاج الرحيل أبو سعيد ابن أبي سعيد السلوي أنه رأى في حائط جامع القرويين أبياتا مكتوبة بفحم بخط الشيخ أبي عبد الله ابن عباد وهي
( أيتها النفس إليه اذهبي ** فحبه المشهور من مذهبي )
( مفضض الثغر له نقطة ** من عنبر في خده المذهب )
( أيأسني التوبة من حبه ** طلوعه شمسا من المغرب )
قال الشيخ أبو سعيد فاستشكلت هذه الأبيات لما اشتملت عليه من التغزل وذكر الخال والخد والثغر ومقام الشيخ ابن عباد يجل عن الاشتغال بمثل هذا فلقيت يوما أبا القاسم الصيرفي فذاكرته بالقصة ووجه الإشكال فيها فقال لي مقامك عندي أعلى من أن تستشكل مثل هذا هذه أوصاف ولي الله القائم بأمر الله المهدي فشكرته على ذلك انتهى
____________________
(5/348)


قلت رأيت بخط الونشريسي إثر هذه الحكاية ما نصه قلت في صحة هذه الحكاية عن الشيخ نظر لما احتوت عليه من تعبير الحسن وقدر الشيخ وورعه أعلى من هذا فهذان إشكالان والله أعلم
وحكى أن الشيخ ابن عباد رحمه الله تعالى لما احتضر جعل رأسه في حجر أبي القاسم هذا وأخذ في قراءة آية الكرسي إلى قوله { الحي القيوم } ثم يقول يا ألله يا حي يا قيوم فيلقنه من حضر { لا تأخذه سنة ولا نوم } فيمتنع الشيخ من قراءتها ويقول يا الله يا حي يا قيوم فلما قربت وفاته سمع منه هذا البيت وكان آخر ما تكلم به
( ما عودوني أحبابي مقاطعة ** بل عودوني إذا قاطعتهم وصلوا )
ولما توفي الشيخ ابن عباد رضي الله عنه في التاريخ المتقدم حضر جنازته السلطان أمير المسلمين أبو العباس أحمد بن السلطان أبي سالم وأهل البلدتين يعني فاسا الجديد التي هي مسكن السلطان وخواص أتباعه وفاسا العتيق التي هي محل الأعلام والخاص والعام من الناس في ذلك القطر إذ هي إذ ذاك حضرة الخلافة وقبة الإسلام في المغرب وتقدم بعده للإمامة والخطبة بجامع القرويين نائبه أيام مرضه الشيخ الصالح الورع أبو زيد عبد الرحمن الزرهوني حسبما قاله الجاديري رحمه الله تعالى
وحكى الونشريسي رحمه الله تعالى أن الشيخ ابن عباد كلم ابن دريدة الوالي في مظلمة فلم يقبل فلما كان يوم الجمعة ونزل السلطان أبو العباس للصلاة بجامع القرويين وراء الشيخ ابن عباد قال الشيخ في خطبته من الأمور المستحسنة أن لا يبقى الوالي سنة انتهى
وللشيخ ابن عباد خطب مدونة بالمغرب مشهورة بأيدي الناس ويقرؤون
____________________
(5/349)

منها ما يتعلق بالمولد النبوي الشريف بين يدي السلطان تبركا بها وكذا يقرؤونها في المجتمعات في المواسم كأول رجب وشعبان ونصفهما والسابع والعشرين منهما كرمضان وقد حضرت بمراكش المحروسة سنة عشر وألف قراءة كراسة الشيخ في المولد النبوي على صاحبه الصلاة والسلام بين يدي مولانا السلطان المرحوم أحمد المنصور بالله الشريف الحسني رحمه الله تعالى وقد احتفل لذلك المولد بأمور يستغرب وقوعها جازاه الله تعالى عن نيته خيرا وقد أشرت إلى ذلك في كتابي الموسوم بروضة الآس العاطرة الأنفاس في ذكر من لقيته من أعلام الحضرتين مراكش وفاس وسردت جملة من القصائد والموشحات في وصف ذلك التصنيع ورحمة الله وراء الجميع
رجع إلى مشايخ لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى فنقول
4 - ومنهم الشيخ الفقيه القاضي بمكناسة الزيتون أبو محمد عبد الحق بن سعيد بن محمد ذكره في نفاضة الجراب وقال إنه لقيه بمكناسة الزيتون سنة إحدى وستين وسبعمائة وكان من أهل المعرفة والحصافة قائما على كتاب أبي عمرو ابن الحاجب في مذهب مالك وكان ممتازا به فيما دون تلمسان قرأه على الشيخين علمي الأفق المغربي أبي موسى وأبي زيد ابني الإمام عالمي تلمسان والمغرب جميعا قال لسان الدين في النفاضة وتصدر المذكور لإقرائه الآن فما شئت من اضطلاع ومعرفة واطلاع وقيد جزءا نبيلا على فتوى الإمام القاضي أبي بكر ابن العربي المسماة بالحاكمة وسماه
____________________
(5/350)

بالخادمة على الرسالة الحاكمة أجاد فيه وأحسن وقرأت عليه بعضه وأذن في تحمله انتهى
5 - ومن أشياخ لسان الدين الذين لقيهم بمكناسة الزيتون الفقيه الفاضل الخير يونس بن عطية الونشريسي له عناية بفروع الفقه وولي القضاء بقصر كتامة
6 - ومنهم الفقيه الفاضل الخير أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي عفيف المتصدر لقراءة كتاب الشفاء النبوي لديه جملة حسنة من أصول الفقه أشف بها على كثير من نظرائه قراءة منه إياها على أبي عبد الله محمد بن أبي الفضل الصباغ وشاركه في قراءتها على الإمام أبي عبد الله الآبلي
7 - ومنهم الفقيه المدرك الأستاذ في فن العربية أبو علي عمر بن عثمان الونشريسي قال لسان الدين حضرت مذاكرته في مسألة أعوزت عليه وطال عنها سؤاله وهي قول الشاعر
( الناس أكيس من أن يمدحوا رجلا ** ما لم يروا عنده آثار إحسان )
وصورة السؤال كيف صح وقوع أفعل بين شيئين لا اشتراك بينهما في الوصف إذ أوقع الشاعر أكيس بين الناس وبين أن يمدحوا وهو مؤول بالمصدر وهو المدح ولا يوصف بذلك انتهى
قلت الإشكال مشهور والجواب عنه بضرب من المجاز ظاهر وقد
____________________
(5/351)

أشار إليه أبو حيان في الارتشاف وجماعة آخرون في قول بعض المؤلفين كصاحب التخليص أكثر من أن تحصى ولولا السآمة لذكرت ما قيل في ذلك وخلاصة ما قالوه أن في الكلام تقديرا والله أعلم
8 - وممن لقيه لسان الدين بمكناسة الزيتون الفقيه العدل الأخباري الأديب المشارك أبو جعفر أحمد بن محمد بن إبراهيم الأوسي الخباز من أهل الظرف والانطباع والفضيلة وهو كاتب عاقد للشروط ناظم ناثر مشارك في فنون من العلم مؤلف وقد ذكرنا في غير هذا المحل ما دار بينه وبين لسان الدين من المحاورة والمراجعة فليراجع قال لسان الدين رحمه الله تعالى ناولني المذكور تأليفه الحسن الذي سماه المنهل المورود في شرح المقصد المحمود شرح فيه وثائق الجزيري فأربى بيانا وإفادة وإجادة وأذن لي في حمله عنه وهو في ثلاث مجلدات وأنشدني كثيرا من شعره
9 - ومنهم القاضي بها أبو عبد الله ابن أبي رمانة قال لسان الدين لقيته بمكناسة وكان من أهل الحياء والحشمة وذوي السذاجة والعفة ثم ذكر ما داعبه به حين تأخر عن لقائه وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع
10 - وممن لقيه لسان الدين بمكناسة الفقيه العدل أبو علي الحسن بن عثمان ابن عطية الونشريسي قال وكان فقيها عدلا من أهل الحساب والقيام على الفرائض والعناية بفروع الفقه ومن ذوي السذاجة والفضل ويقرض الشعر وله أرجوزة في الفرائض مبسوطة العبارة مستوفية المعنى انتهى
وقال ابن الأحمر في حقه هو شيخنا الفقيه المفتي المدرس القاضي الفرضي الأديب الحاج أبو علي ابن الفقيه الصالح أبي سعيد عثمان التجاني المنعوت
____________________
(5/352)

بالونشريسي أجازني عامة أخذ عن الفقيه المفتي الأديب الخطيب المعمر القاضي المحدث الراوية خاتمة المحدثين بالمغرب أبي البركات ابن الحاج البلفيقي انتهى
ومولده في حدود أربع وعشرين وسبعمائة
وذكر صاحب المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي إفريقية والأندلس والمغرب جملة من فتاويه وقال في وثائقه وقد أجرى ذكره ما صورته إن بلدينا الشيخ القاضي العلامة أبا علي الحسن وقعت له قضية مع عدول مكناسة وذلك أن السلطان أبا عنان فارسا كان أمر بالاقتصار على عشرة من الشهود بمدينة مكناسة وكتب اسم الشيخ أبي علي هذا في العشرة فشق ذلك على بعض شيوخ العدول المؤخرين لحداثة سن أبي علي فلما علم تشغيبهم صنع رجزا ورفعه إلى مقام المتوكل على الله أبي عنان نصه
( نبدأ أولا بحمد الله ** ونستعينه على الدواهي )
( ثم نوالي بالصلاة والسلام ** على نبي دونه كل الأنام )
( وبعد ذا نسأل رب العالمين ** أن يهب النصر أمير المؤمنين )
( خليفة الله أبا عنان ** لا زال في خير وفي أمان )
( ملكه الله من البلاد ** من سوس الأقصى إلى بغداد )
( ويسر الحجاز والجهادا ** وجعل الكل له مهادا )
( يا أيها الخليفة المظفر ** دونك أمري إنه مفسر )
( عبدكم نجل عطية الحسن ** قد قيل لا يشهد إلا إن أسن )
( وهو في أمركم المعهود ** من جملة العشرة الشهود )
( نص عليه أمركم تعيينا ** وسنه قارب أربعينا )
____________________
(5/353)


( مع الذي ينتسب العبد إليه ** من طلب العلم وبحثه عليه )
( على الفرائض له أرجوزة ** أبرز في نظامها إبريزة )
( ومجلس له على الرسالة ** فكيف يرجو حاسد زواله )
( حاشا أمير المؤمنين ذاكا ** وعدله قد بلغ السماكا )
( وعلمه قد طبق الآفاقا ** وحلمه قد جاوز العراقا )
( وجوده مشتهر في كل حي ** قصر عن إدراكه حاتم طي )
وحكى بعض الحفاظ أنه لما بلغت الأبيات السلطان أمر بإقراره على ذلك وقد وقفت على رجزه المذكور وله شرح عليه لم أره والظاهر أنه ممن تدبج معه لسان الدين رحم الله الجميع وهو معدود في جملة من لقيه
11 - ومن مشايخ لسان الدين رحمه الله ذو الكرامات الكثيرة والمقامات الكبيرة سيدي الحاج أبو العباس أحمد بن عاشر الصالح المشهور كان لسان الدين رحمه الله تعالى حريصا على لقائه بسلا أيام كان بها وقد لقيه ولم يتمل منه لشدة نفوره من الناس خصوصا أصحاب الرياسة ولذا قال لسان الدين لما ذكر أنه لقيه في نفاضة الجراب ما صورته يسر الله لقاءه على تعذره انتهى
وسنترجم الولي المذكور في نظم لسان الدين حيث وصفه بقوله ( بولي الله فابدأ وابتدر ** )
وقبره الآن بسلا محط رجاء الطالبين وكعبة قصد الراغبين تلوح عليه أنوار العناية وتستمد منه أنواء الهداية وهو على ساحل البحر المحيط بخارج مدينة سلا المحروسة وقد زرته ولله الحمد عند توجهي إلى حضرة مراكش
____________________
(5/354)

سنة ألف وتسع والناس يشدون الرحال إليه من أقطار المغرب نفعنا الله تعالى به وأعاد علينا من بركاته بجاه نبينا محمد
رجع إلى مشايخ لسان الدين الوزير ابن الخطيب رحمه الله تعالى
12 - ومنهم الأستاذ المحقق العلامة الكبير النحوي الشهير أبو عبد الله محمد بن علي الفخار البيري رحمه الله تعالى
كان شيخ النجاه بالأندلس غير مدافع وأخذ عنه خلق كثيرون كالشاطبي أبي إسحاق صاحب شرح الألفية والوزير ابن زمرك وغيرهما وقد حكى عنه مسائل غريبة تلميذه الشاطبي وقال لسان الدين في الإحاطة في ترجمة مشيخته ما صورته ولازمت قراءة العربية والفقه والتفسير والمعتمد عليه العربية على الشيخ الأستاذ الخطيب أبي عبد الله ابن الفخار البيري الإمام المجمع على إمامته في فن العربية المفتوح عليه من الله تعالى فيها حفظا واطلاعا واضطلاعا ونقلا وتوجيها بما لا مطمع فيه لسواه انتهى
ولنورد بعض فوائد ابن الفخار فنقول
ومن فوائد ابن الفخار المذكور التي حكاها عنه الشاطبي قوله حدثني أن بعض الشيوخ كان إذا أتى بإجازة يشهد فيها سأل الطالب المجاز عن لفظ إجازة ما وزنه وما تصريفه ثم قال الشاطبي ولما حدثنا بذلك سألناه عنها فأملى علينا ما نصه وزان إجازة في الأصل إفعاله وأصلها إجوازة فأعلت بنقل حركة الواو إلى الجيم حملا على الفعل الماضي استثقالا فتحركت الواو في الأصل وانفتح ما قبلها في اللفظ فانقلبت ألفا فصارت إجازة بألفين فحذفت الألف الثانية عند سيبويه لأنها زائدة والزائد أولى بالحذف من الأصلي وحذفت
____________________
(5/355)

الأولى عند الأخفش لأنها لا تدل على معنى وهو المد وقول سيبويه أولى لأنه قد ثبت عوض التاء من المحذوف في نحو زنادقة والتاء زائدة وتعويض الزائد من الزائد أولى من تعويض الزائد من الأصلي للتناسب ووزنها في اللفظ عند سيبويه إفعلة وعند الأخفش إفالة لأن العين عنده محذوفة انتهى
وقال الشاطبي رحمه الله تعالى لما توفي شيخنا الأستاذ الكبير العلم الخطير أبو عبد الله ابن الفخار سألت الله عز وجل أن يرينيه في المنام فيوصيني بوصية أنتفع بها في الحالة التي أنا عليها من طلب العلم فلما نمت في تلك الليلة رأيت كأني أدخل عليه في داره التي كان يسكن بها فقلت له يا سيدي أوصني فقال لي لا تعترض على أحد ثم سألني بعد ذلك في مسألة من مسائل العربية كالمؤنس لي فأجبته عنها ولا أذكرها الآن انتهى
وقال الشاطبي أيضا ما صورته حدثنا الأستاذ الكبير الشهير أبو عبد الله محمد بن الفخار شيخنا رحمه الله تعالى قال حدثني بسبتة بعض المذاكرين أن ابن خميس لما ورد عليها بقصد الإقراء بها اجتمع إليه عيون طلبتها فألقوا عليه مسائل من غوامض الاشتغال فحاد عن الجواب عنها بأن قال لهم أنتم عندي كرجل واحد يعني أن ما ألقوه عليه من المسائل إنما تلقوها من رجل واحد وهو ابن أبي الربيع فكأنه إنما يخاطب رجلا واحدا إزدراء بهم فاستقبله أصغر القوم سنا وعلما بأن قال له إن كنت بالمكان الذي تزعم فأجبني عن هذه المسائل من باب معرفة علامات الإعراب التي أذكرها لك فإن أجبت فيها بالصواب لم تحظ بذلك في نفوسنا لصغرها بالنظر إلى تعاطيك من الإدراك والتحصيل وإن أخطأت فيها لم يسعك هذا البلد وهي عشر الأولى أنتم يا زيدون تغزون والثانية أنتن يا هندات تغزون والثالثة أنتم يا زيدون ويا هندات تغزون والرابعة أنتن يا هندات تخشين والخامسة
____________________
(5/356)

أنت يا هند تخشين والسادسة أنت ياهند ترمين والسابعة أنتن يا هندات ترمين والثامنة أنتن يا هندات تمحون أو تمحين كيف تقول والتاسعة أنت يا هند تمحين أو تمحون كيف تقول والعاشرة أنتما تمحوان أو تمحيان كيف تقول وهل هذه الأفعال كلها مبنية أو معربة أو بعضها مبني وبعضها معرب وهل هي كلها على وزن واحد أو على أوزان مختلفة علينا السؤال وعليك التمييز لنعلم الجواب فبهت الشيخ وشغل المحل بأن قال إنما يسأل عن هذا صغار الوالدان قال له الفتى فأنت دونهم إن لم تجب فانزعج الشيخ وقال هذا سوء أدب ونهض منصرفا ولم يصبح إلا بمالقة متوجها إلى غرناطة حرسها الله تعالى ولم يزل بها مع الوزير ابن الحكيم إلى أن مات رحمة الله تعالى عليه انتهى
ثم قال الشاطبي والجواب عن هذه المسائل ما يذكر أما الجواب عن تغزون الأولى فإنه معرب ووزنه أصلا تفعلون ولفظا تفعون وعن الثانية فمبني للحاق نون الإناث ووزنه تفعلين وعن الثالثة على التغليب فعلى رده للأول يلحق بالأول وللثاني كالثاني وأما تخشين من الرابعة فمبني للنون ووزنه تفعلن وعن الخامسة فمعرب ووزنه أصلا تفعلين ولفظا تفعين وأما ترمين من السادسة فمعرب ووزنه أصلا تفعين ولفظا تفعين ومن السابعة مبني للنون ووزنه تفعلن وأما تمحون وتمحين من الثامنة فهما لغتان وهما مبنيان للنون والتاسعة لا يقال إلا تمحين بالياء خاصة لتتفق اللغتان ووزنها تفعين كتخشين وأما تمحيان من العاشرة فعلى لغة الياء لا إشكال وعلى الواو فيظهر من كلام النحويين أنه لا يجوز إلا بالواو انتهى
وقد أورد هذه الحكاية عالم الدنيا سيدي أبو عبد الله محمد بن مرزوق رحمه الله تعالى في شرحه الواسع العجيب المسمى بتمهيد المسالك إلى شرح ألفية ابن مالك ونص محل الحاجة منه وقد حكى أن بعض طلبة سبتة أورد
____________________
(5/357)

على أبي عبد الله ابن خميس عشر مسائل من هذا النوع وهي أنتم يا زيدون تغزون وأنتن يا هندات تغزون وأنتم يا زيدون ويا هندات تغزون وأنتن يا هندات تخشين وأنت يا هند تخشين وأنت يا هند ترمين وأنتن يا هندات ترمين وأنتن يا هندات تمحون أو تمحين كيف تقول وأنت يا هند تمحون أو تمحين كيف تقول وأنتما تمحوان أو تمحيان على لغة من قال محوت كيف تقول وهل هذه الأمثلة كلها مبنية أو معربة أو مختلفة وهل وزنها واحد أو مختلف قالوا ولم يجب بشيء قلت ولعله استسهل أمرها فأما المثال الأول فمعرب ووزنه تفعلون كتنظرون إذ أصله تغزوون فاستثقلت ضمة الواو التي هي لام فحذفت ثم حذفت الواو أيضا لالتقائها ساكنة مع واو الضمير وكانت أولى بالحذف لأن واو الضمير فاعل ولغير ذلك مما تقدم بعضه وأما الثاني فمبني ووزنه تفعلن كتخرجن وأما الثالث فكالأول إعرابا ووزنا لأن فيع تغليب المذكر على المؤنث وأما الرابع فمبني ووزنه تفعلن مثل تفرحن لأنه لما احتيج إلى تسكين آخر الفعل لإسناده إلى نون جماعة النسوة ردت الياء إلى أصلها لأنها إنما قلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها والآن ذهبت حركتها لاستحقاقها السكون وأما الخامس فمعرب ووزنه تفعلين كتفرحين وأصله تخشيين فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم حذفت لالتقائها ساكنة مع ياء الضمير وترك فتحة الشين دالة على الألف وأما السادس فمعرب ووزنه تفعلين كتضربين وأصله ترميين حذفت كسرة الياء لاستثقالها ثم حذفت الياء لاجتماعها ساكنة مع ياء الضمير وأما السابع فمبني ووزنه تفعلن كتضربن وأما الثامن والتاسع فمضارع محى ورد بالأوزان الثلاثة فمن قال يمحو قال في المضارع من جماعة النسوة تمحون مثله من غزا بناء ووزنا ومن قال يمحي قال فيه تمحين كترمين بناء
____________________
(5/358)

ووزنا ومن قال يمحى قال فيه تمحين كتخشين بناء ووزنا ويقال في المضارع للواحدة على اللغة الأولى تمحين كتدعين إعرابا ووزنا وتصريفا وقد تقدم في كلام المصنف وعلى الثانية كما يقال لها من رمى إعرابا ووزنا وتصريفا وعلى الثالثة كما يقال لها من تخشى أيضا وقد تقدما وليس ما وقع في السؤال كما نقل من خط بعض الشارحين أنه يقال فيها تمحون كتفرحن بشيء وأمر التثنية ظاهر انتهى بحروفه
وما قاله رحمه الله تعالى في الاعتذار عن ابن خميس هو اللائق بمقامه فإن مكان ابن خميس من العلوم غير منكر وقد مدحه ابن خطاب بقوله
( رقت حواشي طبعك ابن خميس ** فهفا قريضك لي وهاج رسيسي )
( ولمثله يصبو الحليم ويمتري ** ماء الشؤون به وسير العيس )
( لك في البلاغة والبلاغة بعض ما ** تحويه من أثر محل رئيس )
( نظم ونثر لا تبارى فيهما ** عززت ذاك وذا بعلم الطوسي )
يعني أبا حامد الغزالي ترجمة ابن خميس
وقال لسان الدين ابن الخطيب في عائد الصلة في حق أبي عبد الله محمد ابن خميس التلمساني المذكور ما صورته كان رحمه الله تعالى نسيج وحده زهدا وانقباضا وبأوا وهمة حسن الشيبة جميل الهيئة سليم الصدر قليل التصنع بعيدا عن الرياء عاملا على السياحة والعزلة عارفا بالمعارف القديمة
____________________
(5/359)

مضطلعا بتفاريق النحل قائما على العربية والأصلين طبقة الوقت في الشعر وفحل الأوان في المطول أقدر الناس على اجتلاب الغريب ثم ذكر من أحواله جملة إلى أن قال وبلغ الوزير أبا عبد الله ابن الحكيم أنه يروم السفر فشق ذلك عليه وكلفه تحريك الحديث بحضرته وجرى ذلك فقال الشيخ أنا كالدم بطبعي أتحرك في كل ربيع انتهى
وقال ابن خاتمة في مزية المرية على غيرها من البلاد الأندلسية إنه نظم في الوزير ابن الحكيم القصائد التي حليت بها لبات الآفاق وتنفست عنها صدور الرفاق وكان من فحول الشعراء وأعلام البلغاء يصرف العويص ويرتكب مستعصبات القوافي ويطير في القريض مطار ذي القوادم الباسقة الخوافي حافظا لأشعار العرب وأخبارها وله مشاركة في العقليات واستشراف على الطلب وقعد لإقراء العربية بحضرة غرناطة ومال بأخرة إلى التصوف والتجوال والتحلي بحسن السمت وعدم الاسترسال بعد طي بساط ما فرط له في بلده من الأحوال وكان صنع اليدين حدثني بعض ما لقيت من الشيوخ أنه صنع قدحا من الشمع على أبدع ما يكون في شكله ولطافة جوهره وإتقان صنعته وكتب بدائرة شفته
( وما كنت إلا زهرة في حديقة ** تبسم عني ضاحكات الكمائم )
( فقلبت من طور لطور فها أنا ** أقبل أفواه الملوك الأعاظم )
وأهداه خدمة للوزير أبي عبد الله ابن الحكيم
وأنشدنا شيخنا القاضي أبو البركات ابن الحاج وحكى لنا قال أنشدني أبو عبد الله ابن خميس وحكى لي قال لما وقفت على الجزء الذي ألفه ابن سبعين وسماه الفقيرية كتبت على ظهره
( الفقر عندي لفظ دق معناه ** من رامه ذوي الغايات عناه )
( كم من غبي بعيد عن تصوره ** أراد كشف معماه فعماه )
____________________
(5/360)


وأنشدنا شيخنا الأستاذ أبو عثمان ابن ليون غير مرة قال سمعت أبا عبد الله ابن خميس ينشد وكان يحسب أنهما له ويقال إنهما لابن الرومي
( رب قوم في منازلهم ** عرر صاروا بها غررا )
( ستر الإحسان ما بهم ** سترى لو زال ما سترا )
ثم قال ابن خاتمة وقد جمع شعره ودونه صاحبنا القاضي أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم الحضرمي في جزء سماه الدر النفيس في شعر ابن خميس وعرف به صدره وقدم ابن خميس المرية سنة ست وسبعمائة فنزل بها في كنف القائد أبي الحسن ابن كماشة من خدام الوزير ابن الحكيم فوسع له في الإيثار والمبرة وبسط له وجه الكرامة طلق الأسرة وبها قال في مدح الوزير المذكور قصيدته التي أولها
( العشي تعيبا والنوابغ ** عن شكر أنعمك السوابغ )
ووجه بها إليه من المرية وهي طويلة ومنها
( ودسائع ابن كماشة ** مع كل بازغة وبازغ )
( تأتي بما تهوى النغانغ ** من شهيات اللغالغ )
ومنها
( ما ذاق طعم بلاغة ** من ليس للحوشي ماضغ )
ويقال أن الوزير اقترح عليه أن ينظم قصيدة هائية فابتدأ منها مطلعها وهو قوله
____________________
(5/361)


( لمن المنازل لا يجيب صداها ** محيت معالمها وصم صداها )
وذلك آخر شهر رمضان من سنة ثمان وسبعمائة ثم لم يزد على ذلك إلى أن توفي رحمه الله تعالى فكان آخر ما صدر عنه من الشعر وقد أشار معناه إلى منعاه وآذن أولاه بحضور أخراه وكانت وفاته بحضرة غرناطة قتيلا ضحوة يوم الفطر مستهل شوال سنة ثمان وسبعمائة وهو ابن نيف وستين سنة وذلك يوم مقتل مخدومه الوزير ابن الحكيم أصابه قاتله بحقده على مخدومه وكان آخر ماسمع منه { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله } غافر 28 واستفاض من حال القاتل أنه هلك قبل أن يكمل سنة من حين قتله من فالج شديد أصابه فكان يصيح ويستغيث ابن خميس يطالبني ابن خميس يضربني ابن خميس يقتلني وما زال الأمر يشتد به حتى قضى نحبه على تلك الحال نعوذ بالله من الورطات ومواقعات العثرات انتهى ملخصا
وحكى غيره أن بعضهم كتب بعد قوله لمن المنازل لا يجيب صداها ما نصه لابن الحكيم ومن بديع نظم ابن خميس قوله
( تراجع من دنياك ما أنت تارك ** وتسألها العتبى وها هي فارك )
( تؤمل بعد الترك رجع ودادها ** وشر وداد ما تود الترائك )
( حلا لك منها ما حلا لك في الصبا ** فأنت على حلوائه متهالك )
( تظاهر بالسلوان عنها تجملا ** فقلبك محزون وثغرك ضاحك )
( تنزهت عنها نخوة لا زهادة ** وشعر عذاري أسود اللون حالك )
وهي طويلة طنانة وفي آخرها يقول
( فلا تدعون غيري لدفع ملمة ** إذا ما دهى من حادث الدهر داهك )
____________________
(5/362)


( فما إن لذاك الصوت غيري سامع ** وما إن لبيت المجد بعدي سامك )
( يغص ويشجي نهشل ومجاشع ** بما أورثتني حمير والسكاسك )
( تفارقني الروح التي لست غيرها ** وطيب ثنائي لاصق بي صائك )
( وماذا عسى ترجو لذاتي وأرتجي ** وقد شمطت مني اللحى والأفانك )
( يعود لنا شرخ الشباب الذي مضى ** إذا عاد للدنيا عقيل ومالك )
ومما اشتهر من نظمه قوله
( أرق عيني بارق من أثال ** كأنه في جنح ليلي ذبال )
( أثار شوقا في ضمير الحشا ** وعبرتي في صحن خدي أسأل )
( حكى فؤادي فلقا واشتعال ** وجفن عيني أرقا وانهمال )
( جوانح تلفح نيرانها ** وأدمع تنهل مثل العزال )
( قولوا وشاة الحب ما شئتم ** ما لذة الحب سوى أن يقال )
( عذرا للوامي ولا عذر لي ** فزلة العالم ما إن تقال )
( قم نطرد الهم بمشمولة ** تقصر الليل إذا الليل طال )
( وعاطها صفراء ذمية ** تمنعها الذمة من أن تنال )
( كالمسك ريحا واللمى مطعما ** والتبر لونا والهوى في اعتدال )
( عتقها في الدن خمارها ** والبكر لا تعرف غير الحجال )
( لا تثقب المصباح لا واسقني ** على سنا البرق وضوء الهلال )
____________________
(5/363)


( فالعيش نوم والردى يقظة ** والمرء ما بينهما كالخيال )
( خذها على تنغيم مسطارها ** بين خوابيها وبين الدوال )
( في روضة باكر وسميها ** أخمل دارين وأنسى أوال )
( كأن فأر المسك مفتوقة ** فيها إذا هبت صبا أو شمال )
( من كف ساجي الطرف ألحاظه ** مفوقات أبدا للنضال )
( من عاذري والكل في عاذر ** من حسن الوجه قبيح الفعال )
( من خلبي الوعد كذابه ** ليان لا يعرف غير المطال )
( كأنه الدهر وأي امرىء ** يبقى على الدهر إذا الدهر حال )
( أما تراني آخذا ناقضا ** عليه ما سوغني من محال )
( ولم أكن قط له عائبا ** كمثل ما عابته قبلي رجال )
( يأبى ثراء المال علمي وهل ** يجتمع الضدان علم ومال )
( وتأنف الأرض مقامي بها ** حتى تهاداني ظهور الرحال )
( لولا بنو زيان ما لذ لي العيش ** ولا هانت علي الليال )
( هم خوفوا الدهر وهم خففوا ** على بني الدنيا خطاه الثقال )
( لقيت من عامرهم سيدا ** غمر رداء الحمد جم النوال )
( وكعبة للجود منصوبة ** يسعى إليها الناس من كل بال )
( حذها أبا زيان من شاعر ** مستملح النزعة عذب المقال )
( يلتقط الألفاظ لقط النوى ** وينظم الآلاء نظم اللآل )
( مجاريا مهيار في قوله ** ماكنت لولا طمعي في الخيال )
وقصيدة مهيار مطلعها
____________________
(5/364)


( ما كنت لولا طمعي في الخيال ** انشد ليلى بين طول الليال )
ومن نظم ابن خميس قوله
( نظرت إليك بمثل عيني جؤذر ** وتبسمت عن مثل سمطي جوهر )
( عن ناصع كالدر أو كالبرق أو ** كالطلع أو كالأقحوان مؤشر )
( تجري عليه من لماها نطفة ** بل خمرة لكنها لم تعصر )
( لو لم يكن خمرا سلافا ريقها ** تزري وتلعب بالنهى لم تخطر )
( وكذاك ساجي جفنها لو لم يكن ** فيه مهند لحظها لم يحذر )
( لو عجت طرفك في حديقة خدها ** وأمنت سطوة صدغها المتنمر )
( لرتعت من ذاك الحمى في جنة ** وكرعت من ذاك اللمى في كوثر )
( طرقتك وهنا والنجوم كأنها ** حصباء در في بساط أخضر )
( والركب بين مصعد ومصوب ** والنوم بين مسكن ومنفر )
( بيضا إذا اعتكرت ذوائب شعرها ** سفرت فأزرت بالصباح المسفر )
( سرحت غلائلها فقلت سبيكة ** من فضة أو دمية من مرمر )
( منحتك ما منعتك يقظانا فلم ** تخلف مواعدها ولم تتغير )
( وكأنما خافت بغاة وشاتها ** فأتتك من أردافها في عسكر )
( ويجزع ذاك المنحنى أدمانة ** تعطو فتسطو بالهزبر القسور )
( وتحية جاءتك في طي الصبا ** أذكى وأعطر من شميم العنبر )
( جرت على واديك فضل ردائها ** فعرفت فيها عرف ذاك الإذخر )
( هاجت بلابل نازح عن إلفه ** متشوق ذاكي الحشا متسعر )
( وإذا نسيت ليالي العهد التي ** سلفت لنا فتذكريها تذكري )
____________________
(5/365)


( رحنا تغنينا ونرشف ثغرها ** والشمس تنظر مثل عين الأخزر )
( والروض بين مفضض ومعسجد ** والجو بين ممسك ومعصفر )
وكان السلطان أمير المؤمنين أبو عنان المريني رحمه الله تعالى كثير العناية بنظم ابن خميس وروايته قال رحمه الله تعالى أنشدنا القاضي خطيب حضرتنا العلية أبو عبد الله محمد بن عبد الرزاق بقصر المصارة يمنه الله قال أنشدنا بلفظه شيخ الأدباء وفحل الشعراء أبو عبد الله ابن خميس لنفسه
( أنبت ولكن بعد طول عتاب ** وفرط لجاج ضاع فيه شبابي )
( وما زلت والعلياء تعني غريمها ** أعلل نفسي دائما بمتاب )
( وهيهات من بعد الشباب وشرخه ** يلذ طعامي أو يسوغ شرابي )
( خدعت بهذا العيش قبل بلائه ** كما يخدع الصادي بلمع سراب )
( تقول هو الشهد المشور جهالة ** وما هو إلا السم شيب بصاب )
( وما صحب الدنيا كبكر وتغلب ** ولا ككليب ريء فخل ضراب )
( إذا كعت الأبطال عنها تقدموا ** أعاريب غرا في متون عراب )
( وإن ناب خطب أو تفاقم معضل ** تلقاه منهم كل أصيد ناب )
( تراءت لجساس مخيلة فرصة ** تأتت له في جيئة وذهاب )
( فجاء بها شوهاء تنذر قومها ** بتشييد أرجام وهدم قباب )
( وكان رغاء السقب في قوم صالح ** حديثا فأنساه رغاء سراب )
( فما تسمع الآذان في عرصاتهم ** سوى نوح ثكلى أو نعيب غراب )
( وسل عروة الرحال عن صدق بأسه ** وعن بيته في جعفر بن كلاب )
( وكانت على الأملاك منه وفادة ** إذا آب منها آب خير مآب )
____________________
(5/366)


( يجير على الحيين قيس وخندف ** بفضل يسار أو بفضل خطاب )
( زعامة مرجو النوال مؤمل ** وعزمة مسموع الدعاء مجاب )
( فمر يزجيها حواسر ظلعا ** بما حملوها من منى ورغاب )
( إلى فدك والموت أغرب غاية ** وهذا المنى يأتي بكل عجاب )
( تبرض صفو العيش حتى استشفه ** فداف له البراض قشب حباب )
( فأصبح في تلك المعاطف نهزه ** لنهب ضباع أو لنهس ذئاب )
( وما سهمه عند النضال بأهزع ** ولا سيفه عند الصراع بنابي )
( ولكنها الدنيا تكر على الفتى ** وإن كان منها في أعز نصاب )
( وعادتها أن لا توسط عندها ** فإما سماء أو تخوم تراب )
( فلا ترج من دنياك ودا وإن يكن ** فما هو إلا مثل ظل سحاب )
( وما الحزم كل الحزم إلا اجتنابها ** فأشقى الورى من تصطفي وتحابي )
( أبيت لها ما دام شخصي أن ترى ** تمر ببابي أو تطور جنابي )
( فكم عطلت من أربع وملاعب ** وكم فرقت من أسرة وصحاب )
( وكم عفرت من حاسر ومدجج ** وكم أثكلت من معصر وكعاب )
( إليكم بني الدنيا نصيحة مشفق ** عليكم بصير بالأمور نقاب )
( طويل مراس الدهر جذل مماحك ** عريض مجال الهم حلس ركاب )
( تأتت له الأهوال أدهم سابقا ** وغصت به الأيام أشهب كابي )
( ولا تحسبوا أني على الدهر عاتب ** فأعظم ما بي منه أيسر ما بي )
( وما أسفي إلا شباب خلعته ** وشيب أبى إلا نصول خضاب )
____________________
(5/367)


( وعمر مضى لم أحل منه بطائل ** سوى ما خلا من لوعة وتصابي )
( ليالي شيطاني على الغي قادر ** وأعذب ما عندي أليم عذاب )
( عكسنا قضايانا على حكم عادنا ** وما عكسها عند النهى بصواب )
( على المصطفى المختار أزكى تحية ** فتلك التي أعتد يوم حساب )
( فتلك عتادي أو ثناء أصوغه ** كدر سحاب أو كدر سخاب )
ومن مشهور نظم ابن خميس قوله
( عجبا لها أيذوق طعم وصالها ** من ليس يأمل أن يمر ببالها )
( وأنا الفقير إلى تعلة ساعة ** منها وتمنعني زكاة جمالها )
( كم ذاد عن عيني الكرى متألق ** يبدو ويخفي في خفي مطالها )
( يسمو لها بدر الدجى متضائلا ** كتضاؤل الحسناء في أسمالها )
( وابن السبيل يجيء يقبس نارها ** ليلا فتمنحه عقيلة مالها )
( يعتادني في النوم طيف خيالها ** فتصيبني ألحاظها بنبالها )
( كم ليلة جادت به فكأنما ** زفت علي ذكاء وقت زوالها )
( أسرى فعطلها وعطل شهبها ** بأبي شذا المعطار من معطالها )
( وسواد طرته كجنح ظلامها ** وبياض غرته كضوء هلالها )
( دعني أشم بالوهم أدنى لمعة ** من ثغرها وأشم مسكة خالها )
( ما راد طرفي في حديقة خدها ** إلا لقنته بحسن دلالها )
( أنسيب شعري رق مثل نسيمها ** فشمول راحك مثل ريح شمالها )
( وانقل أحاديث الهوى واشرح غريب ** لغاتها واذكر ثقات رجالها )
____________________
(5/368)


( وإذا مررت برامة فتوق من ** أطلائها وتمش في أطلالها )
( وانصب لمغزلها حبالة قانص ** ودع الكرى شركا لصيد غزالها )
( وأسل جداولها بفيض دموعها ** وانضح جوانحها بفضل سجالها )
( أنا من بقية معشر عركتهم ** هذي النوى عرك الرحى بثفالها )
( أكرم بها فئة أريق نجيعها ** بغيا فراق العين حسن مآلها )
( حلت مدامة وصلها وحلت لهم ** فإن انتشوا فبحلوها وحلالها )
( بلغت بهرمس غاية ما نالها ** أحد وناء لها لبعد منالها )
( وعدت على سقراط سورة كأسها ** فهريق ما في الدن من جريالها )
( وسرت إلى فاراب منها نفحة ** قديسة جاءت بنخبة آلها )
( ليصوغ من ألحانه في حانها ** ما سوغ القسيس من أرمالها )
( وتغلغلت في سهرورد فأسهرت ** عينا يؤرقها طروق خيالها )
( فخبا شهاب الدين لما أشرقت ** وخوى فلم يثبت لنور جلالها )
( ما جن مثل جنونه أحد ولا ** سمحت يد بيضا بمثل نوالها )
( وبدت على الشوذي منها نشوة ** ما لاح منها غير لمعة آلها )
( بطلت حقيقته وحالت حاله ** فيمايعبر عن حقيقة حالها )
( هذي صبابتهم ترق صبابة ** فيروق شاربها صفاء زلالها )
وهي طويلة
قال السلطان أبو عنان رحمه الله تعالى أخبرني شيخنا الإمام العالم العلامة
____________________
(5/369)

وحيد زمانه أبوعبد الله محمد بن إبراهيم الآبلي رحمه الله تعالى قال لما توجه الشيخ الصالح الشهير أبو إسحاق التنسي من تلمسان إلى بلاد المشرق اجتمع هنالك بقاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد فكان من قوله له كيف حال الشيخ العالم أبي عبد الله ابن خميس وجعل يحليه بأحسن الأوصاف ويطنب في ذكر فضله فبقي الشيخ أبو إسحاق متعجبا وقال من يكون هذا الذي حليتموه بهذا الحلي ولا أعرفه ببلده فقال له هو القائل
( عجبا لها أيذوق طعم وصالها ** )
قال فقلت له إن هذا الرجل ليس عندنا بهذه الحالة التي وصفتم إنما هو عندنا شاعر فقط فقال له إنكم لم تنصفوه وإنه لحقيق بما وصفناه به
قال السلطان وأخبرنا شيخنا الآبلي المذكور أن قاضي القضاة ابن دقيق العيد كان قد جعل القصيدة المذكورة بخزانة كانت له تعلو موضع جلوسه للمطالعة وكان يخرجها من تلك الخزانة ويكثر تأملها والنظر فيها ولقد تعرفت أنه لما وصلت هذه القصيدة إلى قاضي القضاة تقي الدين المذكور لم يقرأها حتى قام إجلالا لها انتهى
وكان ابن خميس رحمه الله تعالى بعد مفارقة بلده تلمسان سقى الله أرجاءها أنواء نيسان كثيرا ما يتشوق لمشاهدها ويتأوه من تذكره لمعاهدها وينشد القصائد الطنانة في ذلك سالكا من الحنين إليها المسالك فمن ذلك قوله
( تلمسان لو أن الزمان بها يسخو ** منى النفس لا دار السلام ولا الكرخ )
( وداري بها الأولى التي حيل دونها ** مثار الأسى لو أمكن الحنق اللبخ )
____________________
(5/370)


( وعهدي بها والعمر في عنفوانه ** وماء شبابي لا أجين ولا مطخ )
( قرارة تهيام ومغنى صبابة ** ومعهد أنس لا يلذ به لطخ )
( إذ الدهر مثني العنان منهنه ** ولا ردع يثني من عناني ولا ردخ )
( ليالي لا أصغي إلى عذل عاذل ** كأن وقوع العذل في أذني صمخ )
( معاهد أنس عطلت فكأنها ** ظواهر ألفاظ تعمدها النسخ )
( وأربع ألاف عفا بعض آيها ** كما كان يعرو بعض ألواحنا اللطخ )
( فمن يك سكرانا من الوجد مرة ** فإني منه طول دهري لملتخ )
( ومن يقتدح زندا لموقد جذوة ** فزند اشتياقي لا عفار ولا مرخ )
( أأنسى وقوفي لاهيا في عراصها ** ولا شاغل إلا التودع والسبخ )
( وإلا اختيالي ماشيا في سماطها ** رخيا كما يمشي بطرته الرخ )
( وإلا فعدوي مثلما ينفر الطلا ** وليدا وحجلي مثلما ينهض الفرخ )
( كأني فيها أردشير بن بابك ** ولا ملك لي إلا الشبيبة والشرخ )
( وإخوان صدق من لداتي كأنهم ** جآذر رمل لا عجاف ولا بزخ )
( وعاة لما يلقى إليهم من الهدى ** وعن كل فحشاء ومنكرة صلخ )
( هم القوم كل القوم سيان في العلا ** شبابهم الفرعان والشيخة السلخ )
( مضوا ومضى ذاك الزمان وأنسه )
( ومر الصبا والمال والأهل والبذخ )
____________________
(5/371)


( كأن لم يكن يوما لأقلامهم بها ** صرير ولم يسمع لأكعبهم جبخ )
( ولم يكن في أرواحها من ثنائهم ** شميم ولا في القضب من لينهم ملخ )
( ولا في محيا الشمس من هديهم سنا ** ولا في جبين البدر من طيبهم ضمخ )
( سعيتم بني عمور في شت شملنا ** فما تجركم ربح ولا عيشنا ربخ )
( دعيتم إلى ما يرتجى من صلاحكم ** فردكم عنه التعجرف والجمخ )
( تعاليتم عجبا فطم عليكم ** عباب له في رأس عليائكم جلخ )
( وأوغلتم في العجب حتى هلكتم ** جماح غواة ما ينهنههم قفخ )
( كفاكم بها سجنا طويلا وإن يكن ** هلاك لكم فيها فهي لكم فخ )
( فكم فئة منا ظفرتم بنيلها ** بأبشارها من حجن أظفاركم برخ )
( كأنكم من خلفها وأمامها ** أسود غياض وهي ما بينكم أرخ )
( فللسوق منها القيد إن هي أغربت ** وللهام إن لم تعط ما رعت النقخ )
( كأن تحتها من شدة القلق القطا ** ومن فوقها من شدة الحذر الفتخ )
( وأقرب ما تهذي به الهلك والتوى ** وأيسر ما تشكو به الذل والفنخ )
( فماذا عسى نرجوه من لم شعثها ** وقد حز منها الفرع واقتلع الشلخ )
____________________
(5/372)


( وما يطمع الراجون من حفظ آيها ** وقد عصفت فيها رياحهم النبخ )
( زعانف أنكاد لثام عناكل ** متى قبضوا كفا على إثره طخوا )
( ولما استقلوا من مهاوي ضلالهم وأوموا إلى أعلام رشدهم زخوا )
( دعاهم أبو يعقوب للشرف الذي ** يذل له رضوى ويعنو له دمخ )
( فلم يستجيبوه فذاقوا وبالهم ** وما لامرىء عن أمر خالقه نخ )
( وما زلت أدعو للخروج عليهم ** وقد يسمع الصم الدعاء إذا أصخوا )
( وأبذل في استئصالهم جهد طاقتي ** وما لظنابيب ابن سابحة قفح )
( تركت لمينا سبتة كل نجعة ** كما تركت للعز أهضامها شمخ )
( وآليت أن لا أرتوي غير مائها ** ولو حل لي في غيره المن والمذخ )
( وأن لا أحط الدهر إلا بعقرها ** ولو بوأتني دار إمرتها بلخ )
( فكم نقعت من غلة تلكم الأضا ** وكم أبرأت من علة تلكم اللبخ )
( وحسبي منها عدلها واعتدالها ** وأبحرها العظمى وأريافها النفخ )
( وأملاكها الصيد المقاولة الألى ** لعزهم تعنو الطراخمة البلخ )
( كواكب هدي في سماء رياسة ** تضيء فما يدجو ضلال ولا يطخو )
( ثواقب أنوار ترى كل غامض ** إذا الناس في طخياء غيهم التخوا )
____________________
(5/373)