Advertisement

نفح الطيب 008



نفخ الطيب من غصن الأندلس الرطيب
أحمد بن محمد المقري التلمساني
سنة الولادة 986/ سنة الوفاة
تحقيق د. إحسان عباس
الناشر دار صادر
سنة النشر 1388هـ
مكان النشر بيروت
عدد الأجزاء 8 وروضات آداب إذا ما تأرجت ** تضاءل في أفياء أفنانها الرمخ )
( مجامر ند في حدائق نرجس ** تنم ولا لفح يصيب ولا دخ )
( وأبحر علم لا حياض رواية ** فيكبر منها النضح أو يعظم النضخ )
( بنو العزفيين الألى من صدورهم ** وأيديهم تملأ القراطيس والطرخ )
( إذا ما فتى منهم تصدى لغاية ** تأخر من ينحو وأقصر من ينخو )
( رياسة أخيار وملك أفاضل ** كرام لهم في كل صالحة رضخ )
( إذا ما بدا منا جفاء تعطفوا ** علينا وإن حلت بنا شدة رخوا )
( نزورهم حذا نحافا فننثني ** وأجمالنا دلح وأبداننا دلخ )
( يربوننا بالعلم والحلم والنهى ** فما خرجنا بز ولا حدنا برخ )
( وما الزهد في أملاك لخم ولا التقى ** ببدع وللدنيا لزوق بمن يرخو )
( وإلا ففي رب الخورنق غنية ** فما يومه سر ولا صيته رضخ )
( تطلع يوما والسدير أمامه ** وقد نال منه العجب ما شاء والجفخ )
( وعن له من شيعة الحق قائم ** بحجة صدق لا عبام ولا وشخ )
( فأصبح يجتاب المسوح زهادة ** وقد كان يؤذي بطن أخمصه النخ )
( وفي واحد الدنيا أبي حاتم لنا ** دواء ولكن ما لأدوائنا نتخ )
____________________
(5/374)


( تخلى عن الدنيا تخلي عارف ** يرى أنها في ثوب نخوته لتخ )
( وأعرض عنها مستهينا لقدرها ** فلم يثنه عنها اجتذاب ولا مضخ )
( فكان له من قلبها الحب والهوى ** وكان لها من كفه الطرح والطخ )
( وما معرض عنها وهي في طلابه ** كمن في يديه من معاناتها نبخ )
( ولا مدرك ما شاء من شهواتها ** كمن حظه منها التمجع والنجخ )
( ولكننا نعمى مرارا عن الهدى ** ونصلج حتى ما لآذاننا صمخ )
( ومالامرىء عما قضى الله مزحل ** ولا لقضاء الله نقض ولا فسخ )
( أبا طالب لم تبق شيمة سؤدد ** يساد بها إلا وأنت لها سنخ )
( لسوغت أبناء الزمان أياديا ** لدرتها في كل سامعة شخ )
( وأجريتها فيهم عوائد سؤدد ** فما لهم كسب سواها ولا نخ )
( غذتهم غواديها فهي في عروقهم ** دماء وفي أعماق أعظمهم مخ )
( وعمتهم حزنا وسهلا فأصبحوا ** ومرعاهم وزخ ومرعيهم ولخ )
( بني العزفيين ابلغوا ما أردتم ** فما دون ما تبغون وحل ولا زلخ )
( ولا تقعدوا عمن أراد سجالكم ** فما غربكم جف ولا غرفكم وضخ )
( وخلو وراء كل طالب غاية ** وتيهوا على من رام شأوكم وانخوا )
____________________
(5/375)


( ولا تذروا الجوزاء تعلوا عليكم ** ففي رأسها من وطء أسلافكم شدخ )
( لأفواه أعدائي وأعين حسدي ** إذا جليت خائيتي الغض والفضخ )
( دعوها تهادي في ملاءة حسنها ** ففي نفسها من مدح أملاكها مدخ )
( يمانية زارت يمانين فانثنت ** وقد جد فيها الزهو واستحكم الزمخ )
وقد بسط في الإحاطة ترجمة ابن خميس المذكور ومما أنشد له قوله
( سل الريح إن لم تسعد السفن أنواء ** فعند صباها من تلمسان أنباء )
( وفي خفقان البرق منها إشارة ** إليك بما تنمي إليها وإيماء )
( تمر الليالي ليلة بعد ليلة ** وللأذن إصغاء وللعين إكلاء )
( وإني لأصبو للصبا كلما سرت ** وللنجم مهما كان للنجم إصباء )
( وأهدي إليها كل يوم تحية ** وفي رد إهداء التحية إهداء )
( وأستجلب النوم الغرار ومضجعي ** قتاد كما شاءت نواها وسلاء )
( لعل خيالا من لدنها يمر بي ** ففي مره بي من جوى الشوق إبراء )
( وكيف خلوص الطيف منها ودونها ** عيون لها في كل طالعة راء )
( وإني لمشتاق إليها ومنبىء ** ببعض اشتياقي لو تمكن إنباء )
( وكم قائل تفنى غراما بحبها ** وقد أخلقت منها ملاء وأملاء )
( لعشرة أعوام عليها تجرمت ** إذا ما مضى قيظ بها جاء إهراء )
____________________
(5/376)


( يطنب فيها عائثون وخرب ** ويرحل عنها قاطنون وأحياء )
( كأن رماح الناهبين لملكها ** قداح وأموال المنازل أبداء )
( فلا تبغين فيها مناخا لراكب ** فقد قلصت منها ظلال وأفياء )
( ومن عجب أن طال سقمي ونزعها ** وقسم إضناء علينا وإطناء )
( وكم أرجفوا غيظا بها ثم أرجأوا ** فيكذب إرجاف ويصدق إرجاء )
( يرددها عيابها الدهر مثلما ** يردد حرف الفاء في النطق فأفاء )
( فيا منزلا نال الردى منه ما اشتهى ** ترى هل لعمر الأنس بعدك إنساء )
( وهل للظى الحرب التي فيك تلتظي ** إذا ما انقضت أيام بؤسك إطفاء )
( وهل لي زمان أرتجي فيه عودة ** إليك ووجه البشر أزهر وضاء )
ومنها
( أحن لها ما أطلت النيب حولها ** وما عاقها من مورد الماء أظماء )
( فما فاتها مني نزاع على النوى ** ولا فاتني منها على القرب إجشاء )
( كذلك جدي في صحابي وأسرتي ** ومن لي به في أهل ودي إن فاؤوا )
( ولولا جوار ابن الحكيم محمد ** لما فات نفسي من بني الدهر إقماء )
( حماني فلم تنتب محلي نوائب ** بسوء ولم ترزأ فؤادي أرزاء )
( وأكفأ بيتي في كفالة جاهة ** فصاروا عبيدا لي وهم لي أكفاء )
( يؤمون قصدي طاعة ومحبة ** فما عفته عافوا وما شئته شاؤوا )
____________________
(5/377)


( دعاني إلى المجد الذي كنت آملا ** فلم يك لي عن دعوة المجد إبطاء )
( وبوأني من هضبة العز تلعة ** يناجي السها منها صعود وطأطاء )
( يشيعني منها إذا سرت حافظ ** ويكلؤني منها إذا نمت كلاء )
( ولا مثل نومي في كفالة غيره ** وللذئب إلمام وللصل إيماء )
( بغيضه ليث أو بمرقب خالب ** تبز كسا فيه وتقطع أكساء )
( إذا كان لي من نائب الملك كافل ** ففي حيثما هومت كن وإدفاء )
( وإخوان صدق من صنائع جاهه ** يبادرني منهم قيام وإيلاء )
( سراع لما يرجى من الخير عندهم ** ومن كل ما يخشى من الشر أبراء )
( إليك أبا عبد الإله صنعتها ** لزومية فيها لوجدي إفشاء )
( مبرأة مما يعيب لزومها ** إذا عاب إكفاء سواها وإيطاء )
( أذعت بها السر الذي كان قبلها ** عليه لأحناء الجوانح إضناء )
( وإن لم يكن كل الذي كنت آملا ** وأعوز إكلاء فما عاز إكماء )
( ومن يتكلف مفحما شكر منة ** فما لي إلى ذاك التكلف إلجاء )
( إذا منشد لم يكن عنك ومنشىء ** فلا كان إنشاد ولا كان إنشاء ) رجع إلى ترجمة ابن الفخار وفوائده
قال الشاطبي حدثنا الأستاذ الكبير أبو عبد الله ابن الفخار قال جلس بعض الطلبة إلى بعض الشيوخ المقرئين قأتى المقرىء بمسألة الزوائد الأربع في أول الفعل المضارع وقال يجمعها قولك نأيت فقال له ذلك الطالب لو جمعتها بقولك أنيت لكان أملح ليكون كل حرف تضعيف ما قبله فالهمزة لواحد وهو المتكلم والنون لاثنين وهما الواحد ومعه غيره والواحد
____________________
(5/378)

المعظم نفسه والياء لأربعة للواحد الغائب وللغائبين وللغائبين وللغائبات والتاء لثمانية للمخاطب وللمخاطبين وللمخاطبين والمخاطبة والمخاطبتين والمخاطبات وللغائبة وللغائبتين فاستحسن الشيخ ذلك منه
وحكى الشاطبي أيضا أن شيخه ابن الفخار أورد عليهم سؤالا وهو كيف يجمع بين مسألة رجل أوقع الصلاة بثوب حرير اختيارا وبين قوله
( جرى المدميان بالخبر اليقين ** )
فلم ينقدح لنا شيء فقال الجواب أن الأول ممنوع عند الفقهاء شرعا ورد اللام في دم في التثنية ممنوع عند النحاة قياسا وكلاهما في حكم المعدوم حسا وإذا كان كذلك كان الأول بمنزلة من صلى بادي العورة اختيارا فتلزمه الإعادة وكان الثاني بمنزلة ما باشر فيه عين دم علم التثنية فتلزمه الفتحة وإن كان أصلها السكون قال وهذه المسألة تشبه مسألة ابن جني في الخصائص قال ألقيت يوما على بعض من كان يعتادني مسألة فقلت له كيف تجمع بين قوله
( لدن بهز الكف يعسل متنه ** فيه كما عسل الطريق الثعلب )
وبين قوله اختصم زيد وعمرو فلم ينقدح فيها شيء وعاد مستفهما فقال له اجتماعهما أن الواو اقتصر به على بعض ما وضع له من الصلاحية الملازمة مطلقا والطريق اقتصر به على بعض ما كان يصلح له
قال الشاطبي وحدثني أيضا قال كان لقاضي القضاة علما وجزالة أبي جعفر ولد يقرأ علي بمالقة وكان ابنا نبيها فهما ونبلا فسأل مني يوما مسألة
____________________
(5/379)

يذكرها لأقرانه وكان معجبا بالغرائب فجرى على لساني أن قلت له بين على زيد فعل أمر وفاعل والأصل ابأين على زيد ثم سهل بالنقل والحذف على قياس التسهيل فصار بين كما ترى فأعجب بالمسألة حتى ناظر فيها ليلة أباه وكان انحى نحاة أهل عصره فأعجب مما يرى من ابنه من النبل والتحصيل فبلغت المسألة الشيخ الأستاذ أبا بكر ابن الفخار رحمه الله تعالى فاعتنى بها وحاول في استخراج وجه من وجوه الاعتراض على عادة المصلحين من طلبة العلم فوجد في مختصر العين أن الكلمة من ذوات الواو ولم يذكر صاحب المختصر غير ذلك ولم يكن رحمه الله تعالى رأى قول أبي الحسن اللحياني في نوادره إنه مما يتعاقب على لامه الواو والياء فيقال بأي يبأى بأوا وبأيا كما يقال شأى يشأى شأوا وشأيا فلم يقدم شيئا على أن اجتمع بالقاضي المذكور فقال له ألم تسمع ما قال فلان بين على زيد وإنما هو بون على زيد لأنه من ذوات الواو ونص على ذلك صاحب المختصر وحمله على أن يرسل إلي ويردني عن ذلك الذي قلته في المسألة واجتمعت أنا معه وحدثني بما جرى له مع الأستاذ ابن الفخار فذكرت له ما حكاه أبو الحسن اللحياني في نوادره وما قاله ابن جني في سر الصناعة فسر بذلك وأرسل بعد إلى الأستاذ ابن الفخار وذكر له نص اللحياني وقول ابن جني وجمع القاضي بيننا وعقد في قلوبنا مودة فكان الأستاذ ابن الفخار يومئذ يقصدني في منزلي وفي المواسم ويستشيرني في أموره على سبيل التأنيس رحمة الله عليه فأواه على فقد الناس أمثاله
وقال الشاطبي أيضا أنشدني الفقيه الأستاذ الكبير أبو عبد الله ابن الفخار رحمه الله تعالى وقال ألقي في سري بيت لم أسمعه قط في السادس عشر من شهر رجب عام ستة وخمسين وسبعمائة
____________________
(5/380)


( لتكن راجيا كما أنت ترجو ** ولأربى من الذي أنت راجي )
قال الشاطبي وقرر لنا الأستاذ ابن الفخار المذكور يوما توجيه قول أبي الحسن الأخفش في كسرة الذال من نحو يومئذ إنها إعرابية لا بنائية إذ لم يذكر أحد وجه هذا المذهب قبل قال ابن جني إن الفارسي اعتذر له بما يكاد يكون عذرا فلما تم التوجيه قلت له وانا حينئذ صغير السن هب أن الأمر على ما قاله الأخفش من أن الكسرة إعرابية فما يصنع ببناء الزمان المضاف إلى إذ في أحد الوجهين والإضافة إلى المفرد المعرب تقتضي الإعراب دون البناء فتعجب من صدور هذا السؤال مني لصغر سني وأجاب عنه بأنه قد يذهب السبب ويبقى حكمه كما قاله ابن جني في اسم الإشارة في ترجمة سيبويه هذا علم ما الكلم من العربية على أن يكون سيبويه وضعه غير مشير به وتركه مبنيا وأزال سبب البناء ونظر ذلك بباب التسوية على ما هو مقرر في موضعه قال ونظير ذلك ما قرر من إضافة حيث إلى المفرد مع بقاء البناء فيما ذكره الزمخشري وذلك قوله
( أما ترى حيث سهيل طالعا ** )
وقوله أنشدنا ابن الأعرابي لبعض المحدثين
( ونحن سعينا بالبلايا لمعقل ** وقد كان منكم حيث لي العمائم )
وقد كان حقها أن تعرب لزوال سبب البناء وهو الإضافة إلى جملة وحصول سبب الإعراب وهو الإضافة إلى المفرد ولكنه لم يعتبر النادر وأبقى الحكم الشائع
وقال الشاطبي أيضا كان شيخنا ابن الفخار يأمرنا بالوقف على قوله تعالى في سورة البقرة { قالوا الآن } ونبتدىء { جئت بالحق } وكان يفسر لنا معنى ذلك قولهم الآن أي فهمنا وحصل البيان ثم قيل جئت بالحق يعني في كل
____________________
(5/381)

مرة وعلى كل حال وكان رحمه الله تعالى يرى هذا الوجه أولى من تفسير ابن عصفور له من أنه على حذف الصفة أي بالحق البين وكان يحافظ عليه
وقال الشاطبي أنشدني صاحبنا الفقيه الأجل الأديب البارع أبو محمد ابن حذلم لنفسه أبياتا أنشدنيها يوم عيد على قبر سيدنا الإمام الأستاذ الكبير الشهير أبي عبد الله بن الفخار يرثيه بها
( أيا جدثا قد أحرز الشرف المحضا ** بأن صار مثوى السيد العالم الأرضى )
( عجبت لما أحرزته من معارف ** وشتى معال لم تزل تعمر الأرضا )
( طويت عليه وهو عين زمانه ** فيا جفن عين الدهر كم تؤثر الغمضا )
( فحياك من صوب الحيا كل ديمة ** تديم له في الجنة الرفع والخفضا )
( فها نحن في عيد الأسى حول قبره ** وقوفا لنقضي من عيادته الفرضا )
( كمثل الذي كنا وقوفا ببابه ** بعيد الأماني زائرين له أيضا )
( ومنا سلام لا يزال يخصه ** يذكره من بعض أشواقنا البعضا ) ترجمة ابن حذلم
قلت وابن حذلم المذكور له باع مديد في العلم والأدب وهو أبو محمد عبد الله بن عبد الله بن حذلم ومن نظمه قوله
( أبت المعارف أن تنال براحة ** إلا براحة ساعد الجد )
( فإذا ظفرت بها فلست بمدرك ** أربا بغير مساعد الجد )
وقوله رحمه الله
____________________
(5/382)


( كم من صديق حال في وده ** ولم أزل أزويه عن محضه )
( حضوره عين على وده ** وغيبه عين على بغضه )
( ولم أكن أجهل هذا ولا ** عجزت أن أجري على قرضه )
( لكن من قد سرني بعضه ** أحب أن أصفح عن بعضه )
وقوله رحمه الله يوم عيد وهو مما ألهج به أنا كثيرا
( يقولون لي خل عنك الأسى ** ولذ بالسرور فذا يوم عيد )
( فقلت لهم والأسى غالب ** ووجدي يحيى وشوقي يزيد )
( توعدني مالكي بالفراق ** فكيف أسر وعيدي وعيد )
وقوله رحمه الله
( حبيب زارني في الليل سرا ** فأحيا نفس مشتاق إليه )
( وعللني بنشر المسك منه ** وحياني بصفحة وجنتيه )
( وعانقني عناق الود صفحا ** وفارقني فيا لهفي عليه )
رجع وتوفي الأستاذ سيبويه زمانه أبو عبد الله محمد بن علي بن الفخار أستاذ الجماعة بغرناطة ليلة الإثنين ثاني عشر رجب عام أربعة وخمسين وسبعمائة رحمه الله تعالى
رجع إلى مشايخ لسان الدين رحمه الله تعالى
13 - ومنهم الأستاذ ابن العواد قال في الإحاطة قرأت كتاب الله عز وجل على المكتب نسيج وحده في تحمل المنزل حق حمله تقوى وصلاحا وخصوصية وإتقانا ونغمة وعناية وحفظا وتبحرا في هذا الفن
____________________
(5/383)

واضطلاعا بغرائبه واستيعابا لسقطات الأعلام الأستاذ الصالح أبي عبد الله ابن عبد الولي العواد تكتيبا ثم حفظا ثم تجويدا على مقرإ أبي عمرو ثم نقلني إلى أستاذ الجماعة ومطية الفنون ومفيد الطلبة الشيخ الخطيب المتفنن أبي الحسن على القيجاطي فقرأت عليه القرآن والعربية وهو أول من انتفعت به انتهى
14 - ومن أشياخه رحمه الله الشيخ العلامة أبو عبد الله ابن بيبش وله رحمه الله تعالى نظم جيد فمنه قوله ملغزا في مسطرة الكتابة
( ومقصورة خلف الحجاب وسرها ** مضاع فما يلقاك من دونها ستر )
( لها جثة بيضاء أسبل فوقها ** ذوائب زانتها وليس لها شعر )
( إذا ألبست مثل الصباح وبرقعت ** رأيت سواد الليل لم يمحه الفجر )
( عقيلة صون لا يفرق شملها ** سوى من أهمته الخطابة والشعر )
وقوله في ترتيب حروف الصحاح
( أساجعة بالواديين تبوئي ** ثمارا جنتها حاليات خواضب )
( دعي ذكر روض زاره سقي شربه ** صباح ضحى طير ظماء عواصب )
( غرام فؤادي قاذف كل ليلة ** متى ما نأى وهنا هداه يراقب )
وله جواب عن البيتين المشهورين
( يا ساكنا قلبي المعنى ** وليس فيه سواك ثاني )
( لأي معنى كسرت قلبي ** وما التقى فيه ساكنان )
فقال
( نحلتني طائعا فؤادا ** فصار إذ حزته مكاني )
( لا غرو إذ كان لي مضافا ** أني على الكسر فيه باني )
____________________
(5/384)


وقد ذكرت ذلك في غير هذا الموضع مع زيادة بلفظ لسان الدين فليراجع في الباب الخامس من هذا الكتاب
15 - ومن أشياخ لسان الدين رحمه الله تعالى قاضي الجماعة الصدر المتفنن أبو عبد الله ابن بكر قال في الإحاطة وقرأت على قاضي الجماعة أبي عبد الله ابن بكر رحمه الله تعالى انتهى
وقاضي الجماعة عند المغاربة هو بمعنى قاضي القضاة عند المشارقة فليعلم ذلك وابن بكر المذكور هو محمد بن يحيى بن محمد بن أحمد بن بكر بن سعيد الأشعري المالقي من ذرية أبي موسى الأشعري كان من صدور العلماء وأعلام الفضلاء سذاجة ونزاهة ومعرفة وتفننا فسيح الدرس أصيل النظر واضح المذهب مؤثرا للإنصاف عارفا بالأحكام والقراءة مبرزا في الحديث تاريخا وإسنادا وتعديلا وجرحا حافظا للأنساب والأسماء والكنى قائما على العربية مشاركا في الأصول والفروع واللغة والعروض والفرائض والحساب مخفوض الجناح حسن الخلق عطوفا على الطلبة محبا في العلم والعلماء مطرحا للتصنع عديم المبالاة بالملبس بادي الظاهر عزيز النفس نافذ الحكم تقدم ببلده مالقة ناظرا في أمور العقد والحل ومصالح الكافة ثم ولي القضاء بها فأعز الخطة وترك الشوائب وأنفذ الحق ملازما للقراءة والإقراء محافظا
____________________
(5/385)

للأوقات حريصا على الإفادة ثم ولي القضاء بغرناطة المحروسة سنة 737 فقام بالوظائف وصدع بالحق وبهرج الشهود فزيف منهم ما ينيف على سبعين واستهدف بذلك إلى معاداة ومناضلة خاض ثبجها وصادم تيارها غير مبال بالمغبة ولا حافل بالتبعة فناله لذلك من المشقة والكيد العظيم ما ناله مثله حتى كان لا يمشي إلى الصلاة ليلا ولا يطمئن على حاله وجرت له في ذلك حكايات إلى أن عزم عليه الأمير أن يرد للعدالة بعض من أخره فلم يجد في قناته مغمزا ولا في عوده معجما وتصدر لبث العلم بالحضرة يقرىء فنونا جمة فنفع وخرج وأقرأ القرآن ودرس الفقه والأصول والعربية والفرائض والحساب وعقد مجالس الحديث شرحا وسماعا على انشراح صدر وحفظ تجمل وخفض جناح قال القاضي ابن الحسن إنه كان صاحب عزم ومضاء وحكم صادع وقضاء أحرق قلوب الحسدة وأعز الخطة بإزالة الشوائب وذهب وفضض الحق بمعارفه ونفذ في المشكلات وثبت في المعضلات واحتج وبكت وتفقه ونكت وحدثنا صاحبنا أبو جعفر الشقوري قال كنت جالسا بمجلس حكمه فرفعت إليه امرأة رقعة مضمنها أنها محبة في مطلقها وتبتغي الشفاعة لها في ردها فتناول الرقعة ووقع على ظهرها بلا مهلة الحمد لله من وقف على ما بالقلوب فليصخ لسماعه إصاخة مغيث وليشفع للمرأة عند زوجها تأسيا بشفاعة الرسول لبريرة في مغيث والله يسلم لنا العقل والدين ويسلك بنا سبيل المهتدين والسلام من كاتبه
____________________
(5/386)


قال الشقوري قال لي بعض الأصحاب هلا كان هو الشفيع لها فقلت الصحيح أن الحاكم لا ينبغي أن يباشر ذلك بنفسه على المنصوص
قرأ ابن بكر المذكور على الأستاذ ابن أبي السداد الباهي القرآن جمعا وإفرادا والعربية والحديث ولازمه وتأدب به وعلى الشيخ الصالح أبي عبد الله ابن عياش كثيرا من كتب الحديث وسمع عليه جميع صحيح مسلم إلا دولة واحدة وأخذ عن الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير والخطيب ابن رشيد والولي الصالح أبي الحسين ابن فضيلة والأستاذ أبي عبد الله ابن الكماد وأجازه العدل الراوية أبو فارس عبد العزيز بن الهواري وأبو إسحاق التلمساني ومن أهل إفريقية المعمر أبو محمد ابن هارون ومحمد بن سيد الناس ومن أهل مصر الشرف الدمياطي وجماعة من أهل الشام والحجاز فقد رحمه الله تعالى في المصاف يوم المناجزة بطريف زعموا أنه وقع عن بغلة ركبها وأشار عليه بعض المنهزمين بالركوب فلم يقدر وقال له انصرف هذا يوم الفرح إشارة لقوله تعالى { فرحين بما آتاهم الله من فضله } آل عمران 170 وذلك ضحى يوم الإثنين 7 جمادى الأولى سنة 741 رحمه الله تعالى
16 - ومن أشياخ لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى الشيخ أبو إسحاق ابن أبي يحيى الشهير الذكر في المغرب وقد عرف به في الإحاطة في اسم إبراهيم من ترجمة الغرباء بما نصه إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بكر التسولي من أهل تازى يكنى أبا سالم ويعرف بابن أبي يحيى
____________________
(5/387)


حاله من الكتاب المؤتمن كان هذا الرجل قيما على التهذيب ورسالة ابن أبي زيد حسن الإقراء لهما وله عليهما تقييدان نبيلان قيدهما أيام قراءته إياهما على أبي الحسن الصغير حضرت مجالسه بمدرسة عدوة الأندلس من فاس ولم أر في متصدري بلده أحسن تدريسا منه كان فصيح اللسان سهل الألفاظ موفيا حقوقها وذلك لمشاركته الحضر فيما بأيديهم من الأدوات وكان مجلسه وقفا على التهذيب والرسالة وكان مع ذلك سمحا فاضلا حسن اللقاء على خلق بائنة على أخلاق أهل مصره امتحن بصحبة السلطان فصار يستعمله في الرسائل فمر في ذلك حظ كبير من عمره ضائعا لا في راحة دنيا ولا في نصب آخرة ثم قال وهذه سنة الله قيمن خدم الملوك ملتفتا إلى ما يعطونه لا إلى ما يأخذون من عمره وراحته أن يبوء بالصفقة الخاسرة لطف الله بمن ابتلى بذلك وخلصنا خلاصا جميلا
ومن كتاب عائد الصلة الشيخ الفقيه الحافظ القاضي من صدور المغرب مشاركة في العلم وتبحرا في الفقه كان وجيها عند الملوك صحبهم وحضر مجالسهم واستعمل في السفارة فلقيناه بغرناطة وأخذنا بها عنه تام السراوة حسن العهد مليح المجالس أنيق المحاضرة كريم الطبع صحيح المذهب
تصانيفه قيد على المدونة بمجلس شيخه أبي الحسن كتابا مفيدا وضم أجوبته على المسائل في سفر وشرح كتابه الرسالة شرحا عظيم الإفادة
مشيخته لازم أبا الحسن الصغير وهو كان قارئ كتب الفقه عليه وجل انتفاعه في التفقه به وروى عن أبي زكريا ابن يس قرأ عليه كتاب
____________________
(5/388)

الموطأ إلا كتاب المكاتب وكتاب المدبر فإنه سمعه بقراءة الغير وعن أبي عبد الله ابن رشيد قرأ عليه الموطأ وشفاء عياض وعن أبي الحسن ابن عبد الجليل السدراتي قرأ عليه الأحكام الصغرى لعبد الحق وأبي الحسن ابن سليمان قرأ عليه رسالة ابن أبي زيد وعن غيرهم
وفاته فلج بأخرة فالتزم منزله بفاس يزوره السلطان ومن دونه وتوفي بعد عام ثمانية وأربعين وسبعمائة انتهى
وقال ابن الخطيب القسمطيني إن ابن أبي يحيى المذكور توفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة انتهى
17 - ومن أشياخ لسان الدين الطنجالي الهاشمي وهو محمد بن أحمد قال في عائد الصلة كان على سنن سلفه كثرة حياء وسمة صلاح وشدة انقباض وإفراط وقار وحشمة بذ الكهولة على حداثة سنه في باب الورع والدين والإغراق في الصلاح والخير وتقدم خطيبا ثم قاضيا ببلده فأظهر من النزاهة والعدالة ما يناسب منصبه ففزع الناس إليه في كائنة الوباء العظيم بأموالهم وقلدوه عهود صدقاتهم فاستقر في يده من المال الصامت والحلى والذخيرة والعدة ما تضيق بيوت أموال الملك عنه وصرف ذلك مصارفه ووضعه وفق عهوده فلم يتلبس منه بنفير ولا قطمير وكان مدركا أصيل الرأي قائما على الفرائض والحساب ثم تخرج وطلب الإعفاء فأسعف به على حال ضنانة وفي ذلك يقول قريبه صاحبنا الفقيه القاضي أبو الحسن ابن الحسن يخاطبه
____________________
(5/389)


( لك الله يا بدر السماحة والبشر ** رفعت بأعلى رتبة راية الفخر )
( ولا سيما لما وليت أمورها ** فرويتها من عذب نائلك الغمر )
( ودارت قضاياها عليك بأسرها ** على حين لا بر يعين على بر )
( فقمت بها خير القيام مصمما ** على الحق تصميم المهندة البتر )
( فسر بك الإسلام يا ابن حمامة ** وأمست بك الأيام باسمة الثغر )
( تعيد عليك الحمد ألسن حالها ** وتتلو لما يرضيك من سور الشكر )
( لذاك أمير المسلمين بعدله ** أقامك تقضي الزمان على جبر )
( فأحييت رسم العلم بعد مماته ** وغادرت وجه الحكم أسنى من البدر )
( ولكنك استعفيت عنه تورعا ** وتلك سبيل الصالحين كما تدري )
( فكم من ولي فر عنه لعلمه ** به كأبي الحجاج جدك من ذخر )
( فزاد اتصالا عزة باجتنابه ** له وسما قدرا على قنة النسر )
( جريت على نهج السلامة في الذي ** تبعت له فأبشر بأمنك في الحشر )
( وأرضاك مولاي الإمام بفضله ** وأعفاك إعفاء الكرامة والبر )
( فأنت على الحالين أفضل من قضى ** وأشرف من يعفي إلى أخر الدهر )
( لما حزت من شتى المعالي التي بها ** تحليت عن أسلافك السادة الغر )
( صدور مقامات المعارف كلها ** بحور النوال الجم في اليسر والعسر )
( هم النفر الأعلون من آل هاشم ** وناهيك من مجد أثيل ومن فخر )
وهي طويلة انتهى
18 - ومن أشياخ لسان الدين رحمه الله تعالى الشيخ الإمام الخطيب الرئيس سيدي أبو عبد الله ابن مرزوق ولنلخص ترجمته من الإحاطة وغيرها
____________________
(5/390)

فنقول هو محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق العجيسي التلمساني يكنى أبا عبد الله ويلقب من الألقاب المشرقية بشمس الدين
قال أبو الحسن علي بن لسان الدين ابن الخطيب في حقه سيدي وسند أبي فخر المغرب وبركة الدول وعلم الأعلام ومستخدم السيوف والأقلام ومولى أهل المغرب على الإطلاق أبقاه الله تعالى وأمتع بحياته وأعانني على ما يجب في حقه قال تربيته وولده علي ابن المؤلف انتهى يعني ابن الخطيب
وقال لسان الدين هذا الرجل من طرف دهره ظرفا وخصوصية ولطافة مليح التوسل حسن اللقاء مبذول البشر كثير التودد نظيف البزة لطيف التأني خير البيت طلق الوجه خلوب اللسان طيب الحديث مقدر الألفاظ عارف بالأبواب درب على صحبة الملوك والأشراف متقاض لإيثار السلاطين والأمراء يسحرهم بخلابة لفظه ويفتلهم في الذروة والغارب بتنزله ويهتدي إلى أغراضهم الكمينة بحذقه ويصطنع غاشيتهم بتلطفه ممزوج الدعابة بالوقار والفكاهة بالنسك والحشمة بالبسط عظيم المشاركة لأهل وده والتعصب لإخوانه آلف مألوف كثير الأتباع والعلق مسخر الرقاع في سبيل الوساطة مجدي الجاه غاص المنزل بالطلبة منقاد للدعوة بارع الخط أنيقه عذب التلاوة متسع الرواية مشارك في فنون من أصول وفروع وتفسير يكتب ويشعر ويقيد ويؤلف فلا يعدو السداد في ذلك فارس منبر غير جزوع ولا هياب رحل إلى المشرق في كنف حشمة من جناب والده رحمه الله تعالى فحج وجاور ولقي الجلة ثم فارقه وقد عرف بالمشرق حقه وصرف وجهه إلى المغرب فاشتمل عليه السلطان أبو الحسن أميره اشتمالا خلطه بنفسه وجعله مفضي سره وإمام جمعه وخطيب منبره وأمين رسالته فقدم في غرضها على الأندلس أواخر عام ثمانية وأربعين
____________________
(5/391)

وسبعمائة ولما حالت بالأمير المذكور الحال استقر بالأندلس مفلتا من النكبة في وسط عام اثنين وخمسين وسبعمائة فاجتذبه سلطانها رحمه الله وأجراه على تلك الوتيرة فقلده الخطبة بمسجده في السادس لصفر عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة وأقعده للإقراء بالمدرسة من حضرته وفي أخريات عام أربعة وخمسين صرف عنه جفن بره في أسلوب طماح ودالة وسبيل هوى وقحة فاغتنم الفترة وانتهز الفرصة وأنفذ في الرحيل العزمة وانصرف عزيز الرحلة مغبوط المنقلب فاستقر بباب ملك المغرب أمير المؤمنين أبي عنان فارس في محل تجلة وبساط قرب مشترك الجاه مجدي التوسط ناجع الشفاعة والله يتولاه ويزيده من فضله
مشيخته من كتابه المسمى عجالة المستوفز المستجاز في ذكر من استجازني من المشايخ دون من أجاز من أئمة المغرب والشام والحجاز فممن لقيه بالمدينة المشرفة على ساكنها الصلاة والسلام الإمام العالم العلامة عز الدين أبو محمد الحسن ابن علي ابن إسماعيل الواسطي صاحب خطتي الإمامة والخطابة بالمسجد الكريم النبوي وأفرد جزءا في مناقبه والشيخ الإمام جمال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خلف بن عيسى الخزرجي السعدي العبادي تحمل عن عفيف الدين أبي محمد عبد السلام بن مزروع وأبي اليمن وغيره والشيخ الإمام خادم الوقت بالمسجد الكريم ونائب الإمامة والخطابة به ومنشد الأمداح النبوية هنالك والشيخ الصالح الثقة المعمر محيي الدين أبو زكريا يحيى بن محمد المغراوي التونسي سمع ابن حامل والتوزري والشيخ نور الدين أبو الحسن علي ابن محمد الحجار الفراش بحرم رسول الله والوقاد به وكان مقصودا من كل قطر والشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد الصنعاني نائب القضاء بالمدينة والشيخ الإمام
____________________
(5/392)

قاضي القضاة بالمدينة شرف الدين بن محرز الإخميمي بن الأسيوطي والشيخ الصالح عز الدين خالد بن عبد الله الطواشي والشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الله المعيشي سمع ابن مزروع البصري وغيره والشيخ بهاء الدين موسى بن سلامة الشافعي المصري الخطيب بالمسجد الكريم بها والشيخ الخطيب أبو طلحة الزبير ابن أبي صعصعة الأسواني والشيخ عفيف الدين المطري والشيخ الأديب أبو البركات أيمن بن محمد بن محمد إلى أربعة عشر ابن أيمن التونسي المجاور والشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن فرحون اليعمري التونسي المجاور والشيخ أبو فارس عبد العزيز بن عبد الواحد بن أبي ركبون التونسي وقرأ بها على أبيه القرآن العظيم قال وكانت قراءتي عليه بالمدينة عند قبره عليه الصلاة والسلام
وبمكة شرفها الله تعالى الشيخ المعمر الثقة شرف الدين أبو عبد الله عيسى ابن عبد الله الحجبي المكي المتوفى وقد قارب المائة والشيخ زين الدين أحمد ابن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الطبري المكي والشيخ الصالح شرف الدين خضر بن عبد الرحمن العجمي وشيخ شيوخ رباط الأعجام حيدر بن عبد الله المقرىء والشيخ مقرىء الحرم برهان الدين إبراهيم ابن مسعود بن إبراهيم الأيلي المصري والشيخ مصلح الدين الحسن بن عبد الله العجمي والإمام الصالح أبو الصفاء خليل بن عبد الله القسطلاني التوزري والشيخ الإمام الصالح أبو محمد عبد الله بن أسعد الشافعي الحجة انتهت إليه الرياسة العلمية والخطط الشرعية بالحرم والشيخ فخر الدين عثمان بن أبي بكر النويري المالكي والشيخ الإمام المدرس بالحرم شهاب الدين أحمد بن الحرازي اليمني والشيخ قاضي القضاة نجم الدين محمد بن جمال الدين بن عبد الله بن المحب الطبري والشيخ جلال الدين أبو عبد الله محمدبن أحمد بن براجين القشيري التلمساني وقرأ بها على أبيه وألبسه بها الخرقة والشيخ الملك شرف الدين عيسى بن محمد بن أبي بكر بن أيوب والشيخة فاطمة بنت محمد ابن محمد بن أبي بكر بن أيوب والشيخة فاطمة بنت محمد بن محمد بن أبي بكر بن
____________________
(5/393)

محمد بن إبراهيم الطبري المكية والشيخ أبو الربيع سليمان بن يحيى بن سلمان المراكشي السفاح والشيخ قاضي القضاة وخطيب الخطباء عز الدين أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن جماعة الكناني قاضي القضاة بالديار المصرية
وبمصر الشيخ علاء الدين القونوي والتقي السعدي وقاضي القضاة القزويني وهو شهير الذكر رفيع القدر وقاضي القضاة البرهان الحنفي والشرف أقضى القضاة الإخميمي والشيخ المحدث المسند البدر محمد بن محمد الفارقي والقطب الحافظ محمد ابن منير والشهاب أحمد الجوهري الحلبي والمعمر الشرف يحيى المقدسي بن المصري والشيخ محسن القرشي والشهاب الحنبلي وفتح الدين محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمدبن يحيى بن سيد الناس اليعمري والشيخ المسند شمس الدين أبو بكر بن سيد الناس أخوه والإمام أبو حيان والحافظ النسابة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن طي ابن حاتم بن خيش الزبيري المصري يبلغ شيوخه نحوا من ألفي شيخ والشيخ الشمس بن عدلان والشهاب البوشي المالكي والشيخ المتصوف تاج الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن ثعلب المصري مدرس المالكية والشمس ابن كتشغري الخطابي الصيرفي والعماد ابن النجم الدمياطي والتاج الأشعري والتقي الثعلبي والفتح بن عبد القوي والشمس الورجمي والتقي الأشموني والعلامة التقي السبكي والمعروف ابن بنت الشاذلي وأبو الحسن التميمي والبرهان الخيمي والشمس الأسواني والبرهان الحكري والشمس بن جابر الوادي آشي وأبو محمد عبد الكريم الطوسي وأبو فارس الزروالي التونسي وصالح بن عبد العظيم بن يونس وأبو عبد الله ابن القماح والتاج التبريزي والشيخ محمود الأصبهاني والشرف المغيلي والبرهان السفاقسي
ومن النساء الشيخة المسندة ست الفقهاء فاطمة بنت محمد الفيومي البكري
وببلبيس أسد الدين يوسف بن داود الأيوبي من أبناء الملوك
ومن الشاميين بالقدس علاء الدين أبو الحسن علي بن أيوب وخطيب
____________________
(5/394)

القدس النور ابن الصائغ المقدسي ومحمد بن علي بن مثبت الأندلسي والبرهان الجعبري إمام الخليل
ومن أهل دمشق البرهان بن الفركاح والشمس بن مسلم قاضي الحنابلة
وبالإسكندرية أحمد المرادي بن العشاب وأبو القاسم ابن علي بن البراء والناصر بن المنير
وبطرابلس الخطيب أبو محمد جابر بن عبد الغفار
وبتونس الزبيدي والقاضي ابن عبد الرفيع والقاضي ابن عبد السلام وابن راشد وأبو موسى هارون والمحدث أبو عبد الله التلمساني والحافظ أبو زكريا يحيى بن عصفور التلمساني نزيل تونس وأبو محمد بن سعد الله بن أبي القاسم بن البراء
وببلاد الجريد الشيخ الخطيب أبو عبد الملك ابن حيون
وبالزاب ابن أبي والشيخ أبو محمد ابن راشد
وببجاية الإمام النظار المجتهد أبو علي ناصر الدين المشدالي والحافظ فقيه زمانه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن يللبخت الزواوي والشيخ الفقيه أبو عبد الله الخطيب المسفر
وبتلمسان الشيخان الإمامان ابنا الإمام وقاضي القضاة بها أبو عبد الله ابن هدية والخطيب أبو محمد المجاصي والشريف أبو علي حسن بن يوسف بن يحيى الحسني والشيخ أبو عثمان سعيد بن إبراهيم بن علي المعروف بابن إسحاق الخياط وغيرهم
محنته اقتضى الخوض الواقع بين يدي تأميل الأمير أبي الحسن رحمه الله
____________________
(5/395)

تعالى عودة الأمر إليه وقد ألقاه اليم إلى الساحل بمدينة الجزائر أن قبض عليه بتلمسان أمراؤها المتوثبون عليها في هذه الفترة من بني زيان إرضاء لقبيلهم المتهم بمداخلته وقد رحل عنهم دسيسا من أميرهم عثمان بن يحيى فصرف مأخوذا عليه طريقه منتهبا رحله منتهكة حرمته وأسكن قرارة مطبق عميق القعر مقفل المسلك حريز القفل ثاني اثنين انتهى ملخصا
ورأيت بخط ابن مرزوق على قوله وقد رحل عنهم دسيسا إلى آخره ما نصه لم أرحل عنهم إلا بإذنهم واقتراحهم علي في الإصلاح بينهم لكنهم غدروا تقية على أنفسهم قاله ابن مرزوق انتهى وكتب تحته ولد ابن الخطيب ما صورته نعم ما ترى
( وعند الله تجتمع الخصوم ** )
انتهى
رجع إلى كلام لسان الدين في حقه قال بعد الكلام السابق ما ملخصه ولأيام قتل ثانية ذبحا بمقربة من شفا تلك الركية وانقطع أثره وأيقن الناس بفوات الأمر فيه ولزمان من محنته ظهرت عليه بركة سلفه في خبر ينظر بطرفه إلى الكرامة فنجا ولا تسل كيف وخلصه الله خلاصا جميلا وقدم على الأندلس والله ينفعه بنيته انتهى
وكتب ابن مرزوق على هذا المحل ما نصه لم يكن المقتول حين قتل معي ولا قتل ذبحا قاله ابن مرزوق انتهى وكتب بعض علماء مصر تحته ما نصه هذه دعوى والمؤرخ أعرف انتهى فكتب آخر بعد هذا ما نصه أتخبرني عني انتهى
رجع ثم قال لسان الدين في ترجمة شعره ما صورته ركب مع السلطان
____________________
(5/396)

بخارج الحمراء أيام ضربت اللوز قبابها البيض وزينت الفحص العريض والروض الأريض فارتجل في ذلك
( انظر إلى النوار في أغصانه ** يحكي النجوم إذا تبدت في الحلك )
( حيا أمير المسلمين وقال قد ** عميت بصيرة من بغيرك مثلك )
( يا يوسفا حزت الجمال بأسره ** فمحاسن الأيام تومي هيت لك )
( أنت الذي صعدت به أوصافه ** فيقال فيه ذا مليك أو ملك )
إلى أن قال ومن الشعر المنسوب إلى محاسنه ما أنشد عنه وبين يديه ليلة الميلاد المعظم من عام ثلاثة وستين وسبعمائة
( قل لنسيم السحر ** لله بلغ خبري )
( إن أنت يوما بالحمى ** جررت فضل المئزر )
( ثم حثثت الخطو من ** فوق الكثيب الأعفر )
( مستقريا في عشبه ** مخفي وطء المطر )
( تروي عن الضحاك في الروض ** حديث الزهر )
( مخلق الأذيال بالعبير ** أو بالعنبر )
( وصف لجيران الحمى ** وجدي بهم وسهري )
( وحقهم ما غيرت ** ودي صروف الغير )
( لله عهد فيه قضيت ** حميد الأثر )
( أيامه هي التي ** أحسبها من عمري )
( ويا لليل فيه ما ** عيب بغير القصر )
( العمر فينان ووجه ** الدهر طلق الغرر )
( والشمل بالأحباب منظوم ** كنظم الدرر )
____________________
(5/397)


( صفو من العيش بلا ** شائبة من كدر )
( ما بين أهل تقطف الأنس ** جني الثمر )
( وبين آمال تبيح ** القرب صافي الغدر )
( يا شجرات الحي حياك ** الحيا من شجر )
( إذا أجال الشوق في ** تلك المغاني فكري )
( خرجت من خدي حديث ** الدمع فوق الطرر )
( وقلت يا خد آرو من ** دمعي صحاح الجوهري )
( عهدي بحادي الركب كالورقاء ** عند السحر )
( والعيس تجتاب الفلا ** واليعملات تنبري )
( تخبط بالأخفاف مظلوم ** البرى وهو بري )
( قد عطفت عن ميد ** والتفتت عن حور )
( قسي سير ما سوى العزم ** لها من وتر )
( حتى إذا الأعلام حلت ** لحفي البشر )
( واستبشر النازح بالقرب ** ونيل الوطر )
( وعين الميقات للسفر ** نجاح السفر )
( فالناس بين محرم ** بالحج أو معتمر )
( لبيك لبيك إليه ** الخلق باري الصور )
( ولاحت الكعبة بيت ** الله ذات الأثر )
( مقام إبراهيم والمأمن ** عند الذعر )
( واغتنم القوم طواف ** القادم المبتدر )
( وأعقبوا ركعتي السعي ** استلام الحجر )
( وعرفوا في عرفات ** كل عرف أذفر )
____________________
(5/398)


( ثم أفاض الناس سعيا ** في غد للمشعر )
( فوقفوا وكبروا ** قبل الصباح المسفر )
( وفي منى نالوا المنى ** وأيقنوا بالظفر )
( وبعد رمي الجمرات ** كان حلق الشعر )
( أكرم بذاك السفر والله ** وذاك السفر )
( يا فوزه من موقف ** يا ربحه من متجر )
( حتى إذا كان الوداع ** وطواف الصدر )
( فأي صبر لم يخن ** أو جلد لم يغدر )
( وأي وجد لم يطر ** وسلوة لم تهجر )
( ما أفجع البين لقلب ** الواله المستعبر )
( ثم ثنوا نحو رسول ** الله سير الضمر )
( فعاينوا في طيبة ** لألاء نور نير )
( رأوا رسول الله واستشفوا ** بلثم الجدر )
( نالوا به ما أملوا ** وعرجوا في الأثر )
( على الضجيعين أبي ** بكر الرضى وعمر )
( زيارة الهادي الشفيع ** جنة في المحشر )
( فأحسن الله عزاء ** قاصد لم يزر )
( ربع ترى مستنزل الآي ** به والسور )
( وملتقى جبريل بالهادي ** الزكي العنصر )
( وروضة الجنة بين ** روضة ومنبر )
( منتخب الله ومختار ** الورى من مضر )
( والمنتقى والكون من ** ملابس الخلق عري )
( إذ لم يكن في أفق ** من زحل ومشتري )
____________________
(5/399)


( ذو المعجزات الغر أمثال ** النجوم الزهر )
( يشهد بالصدق له ** منها انشقاق القمر )
( والضب والظبي إلى ** نطق الحصى والشجر )
( من أطعم الألف بصاع ** في صحيح الخبر )
( والجيش رواه بماء ** الراحة المنهمر )
( يا نكتة الكون التي ** فاتت منال الفكر )
( يا حجة الله على ** الرائح والمبتكر )
( يا أكرم الرسل على الله ** وخير البشر )
( يا من له التقدم الحق ** على التأخر )
( يا من لدى مولده ** المقدس المطهر )
( إيوان كسرى ارتج إذ ** ضاءت قصور قيصر )
( وموقد النار طفي ** كأنه لم يسعر )
( يا عمدتي يا ملجئي ** يا مفزعي يا وزري )
( يا من له اللواء والحوض ** وورد الكوثر )
( يا منقذ الغرقى وهم ** رهن العذاب الأكبر )
( إن لم تحقق أملي ** بؤت بسعي المخسر )
( صلى عليك الله يا ** ثمال كل معسر )
( صلى عليك الله يا ** نور الدجى المعتكر )
( يا ويح نفسي كم أرى ** في غفلة من عمري )
( واحسرتي من قلة الزاد ** وبعد السفر )
( يحجني والله بالبرهان ** وعظ المنبر )
( يا حسنها من خطب ** لو حركت من نظري )
( يا حسنها من شجر ** لو أورقت من ثمر )
____________________
(5/400)


( أؤمل الأوبة والأمر ** بكف القدر )
( أسوف العزم به ** من شهر لشهر )
( من صفر لرجب ** من رجب لصفر )
( ضيعت في الكبرة ما ** أعددته في صغري )
( وليس ما مر من ** الأيام بالمنتظر )
( وقلما أن حمدت ** سلامة في غرر )
( ولي غريم لا يني ** في طلب المنكسر )
( يا نفس جدي قد بدا ** الصبح ألا فاعتبري )
( واتعظي بمن مضى ** وارتدعي وازدجري )
( ما بعد شيب الفود من ** مرتقب فشمري )
( أنت وإن طال المدى ** في قلعة وسفر )
( وليس من عذر يقيم ** حجة المعتذر )
( يا ليت شعري والمنى ** تسرق طيب العمر )
( هل أرتجي من عودة ** أو رجعة أو صدر )
( فأبرد الغلة من ** ذاك الزلال الخصر )
( مقتديا بمن مضى ** من سلف ومعشر )
( نالوا جوار الله وهو ** الفخر للمفتخر )
( أرجو بإبراهيم مولانا ** بلوغ الوطر )
( فوعده لا يمتري ** في الصدق منه ممتري )
( وهو الإمام المرتضى ** والخير ابن الخير )
( أكرم من نال العلا ** بالمرهفات البتر )
( ممهد الملك وسيف ** الحق والليث الجري )
( خليفة الله الذي ** فاق بحسن السير )
( وكان منه الخبر في ** العلياء وفق الخبر )
____________________
(5/401)


( فصدق التصديق من ** مرآه للتصور )
( ومستعين الله في ** ورد له وصدر )
( فاق الملوك الصيد بالمجد ** الرفيع الخطر )
( فأصبحت ألقابهم ** منسية لم تذكر )
( وحاز منه أوحد ** وصف العديد الأكثر )
( برأيه المأمون أو ** عسكره المظفر )
( بسيفه السفاح أو ** بعزمه المقتدر )
( بالعلم المنصور أو ** بالذابل المنتصر )
( يا ابن الإمام الطاهر البر ** الزكي السير )
( مدحك قد علم نظم ** الشعر من لم يشعر )
( جهد المقل اليوم من ** مثلي كوسع المكثر )
( فإن يقصر ظاهري ** فلم يقصر مضمري )
قلت قول لسان الدين في حق هذه القصيدة إنها من الشعر المنسوب إلى محاسنه فيه تعريض خفي بأن هذه القصيدة يحتمل أن تكون قيلت على لسانه حسبما جرت بذلك عادة الأكابر والرؤساء أن ينسب إليهم ما ليس من كلامهم في نفس الأمر وليس الواقع عندي كذلك لأن باع ابن مرزوق في النظم والنثر مديد فأنى يقصر عن هذا القصيد ومن يصدر منه على البديهة قوله
( انظر إلى النوار في أغصانه ** )
الأبيات السابقة في اللوز لا يستغرب منه مثل هذا ولذ كتب ابن لسان الدين على قول والده من الشعر المنسوب إلى محاسنه ما صورته حضرت إنشاءها وإنشادها ليلة الميلاد الشريف في التاريخ المذكور واستحسنها شعراء العدوتين وهي مما لا ينكر على مدارك سيدي أبي عبد الله ورسوخه في علم
____________________
(5/402)

النظم والنثر قاله علي بن الخطيب انتهى
وكتب بعضهم على قوله في هذه القصيدة
( أيامه هي التي ** أعدها من عمري )
ما نصه ولت والله انتهى فكتب ابن مرزوق بعده ما نصه لكنها بدلت بخير منها والحمد لله وحسنت الخاتمة ببركة رسول الله تسليما انتهى
وكتب ابن لسان الدين على قوله
( وقلما أن حمدت ** سلامة في غرر )
ما نصه كذلك كان وليت والدي رحمه الله تعالى كذلك انتهى
وكتب على قوله برأيه المأمون إلخ ما نصه لو كان له رأي مأمون ما نزل على قلعة الملك لسكنى القصبة بدخيلة طلب الراحة فضربت عنقه وكانت الراحة منه انتهى
وكتب بعض أثر هذا ما صورته القدر لا يغالب الحذر ينفع ما لم يأتك القدر فإذا أتى قدر لم ينفع حذر انتهى
وكتب ابن لسان الدين على قوله فلم يقصر مضمري ما صورته صدق والله انتهى
ثم قال لسان الدين ووردت باب السلطان الكبير العالم أبي عنان فبلوت من مشاركته وحميد سعيه ما يليق بمثله ولما نكبه لم أقصر عن ممكن حيلة في أمره فلما هلك السلطان أبو عنان وصار الأمر لأخيه المتلاحق من الأندلس أبي سالم بعد
____________________
(5/403)

الولد المسمى بالسعيد كان ممن دانت له الطاعة وأناخ راحلة الملك وحلب ضرع الدولة وخطب عروس الموهبة فأنشب ظفره في متات معقود من لدن الأب مشدود من لدن القرابة فاستحكم عن قرب واستغلظ عن كثب فاستولى على أمره وخلطه بنفسه ولم يستأثر عنه ببثه ولا انفرد بما سوى بضع أهله بحيث لا يقطع في شيء إلا به و عن رأيه ولا يمحو ويثبت إلا واقفا عند حده فغشيت بابه الوفود وصرفت إليه الوجوه ووقفت عليه الآمال وخدمته الأشراف وجلبت إلى سدته بضائع العقول والأموال وهادته الملوك فلا تحدو الحداة إلا إليه ولا تحط الرحال إلا لديه إن حضر أجرى الرسم وأنفذ الأمر والنهي لحظا أو سرارا أو مكاتبة وإن غاب ترددت الرقاع واختلفت الرسل ثم انفرد أخيرا ببيت الخلوة ومنتبذ المناجاة من دونه معصب الوزراء وغايات الحجاب فإذا انصرف تبعته الدنيا وسارت بين يديه الوزراء ووقفت ببابه الأمراء وقد وسع الكل لحظه وشملهم بحسب الرتب والأحوال رعيه ووسم أفذاذهم تسويده وعقدت ببنان عليتهم بنانه لكن رضى الناس الغاية التي لا تدرك والحسد بين بني آدم قديم وقبيل الملك مباين لمثله فطويت الجوانح على سل وحنيت الضلوع على بث وأغضيت الجفون على قذى إلى أن كان من نكبته الثالثة ما هو معروف جعلها الله له طهورا ولما جرت الحادثة على الدولة بالأندلس وكان لحاق جميعنا بالمغرب جنيت ثمرة ما أسلفته من وده فوفي الكيل وأشرك في الجاه وأدر الرزق ورفع
____________________
(5/404)

المجلس بعد التسبب في الخلاص والسعي في الجبر جبره الله تعالى وكان له أحوج ما يكون إلى ذلك { يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم } الشعراء 89 انتهى
وكتب ابن لسان الدين على هذا المحل ما صورته هذا لسان أبي عليه في الغيبة والحضور انتهى
ومما خاطبه به لسان الدين مهنئا من طريق القدوم على الأبواب المرينيبة مفلتا من البلية بشفاعته ما نصه سيدي الذي إليه انقطاعي وانحياشي وملاذي وملجئي الذي يسر خلاصي وسني انتياشي ومنعمي الذي جبر جناحي وأنبت رياشي ومولى هذا الصنف العلمي ولا أحاشي كتبه صنيع نعمتكم الخالصة الحرة ومسترق فضلكم الذي تألقت منه في ليل الخطوب الغرة ابن الخطيب لطف الله به من كذا وقد شد إلى إبلاغ النفس عذرها في مباشرة تقبيل اليد التي لها اليد العظمى والسجية الرحمى فلكم طوقت من نعمى وجبال النعم قد أثقلت الظهر واستغرقت السر والجهر فبأي لسان أو بأي بنان ولا أثر بعد عيان تقابل نعمة تداركت الرمق وقد أشفى وأبقت الذماء والشروع في استئصالها لا يخفى فيا لك من فرد هزم ألفا ووعد نصر لم يعرف خلفا ونية خلصت تبتغي إلى الله زلفى لقد صدع بها مولاي غريبة في الزمن بالغا حسن صنيعها صنعاء اليمن مترفعة عن الثمن وإن لم يقم بها مثله وإلا فمن فليهن سيدي ما ذاع لمجده بها من فخر وما قدم يوم تزل الأقدام من ذخر وما جلب للمقام المولوي الإبراهيمي من طيب ذكر واستفاضة حمد وشكر
____________________
(5/405)

لقد ارتهن دعاء الحافي والناعل والدال على الخير شريك الفاعل والذي أحيا النفس جدير برد عدتها وإنجاز عدتها وأنا قد قويت بجاهكم وإن كنت ضعيفا واستشعرت سعدا جديدا وقدرا منيفا وأيقنت أن الله عز وجل كان بي لطيفا إذ هيأ لي من رحمة ذلك المقام المولوي على يدكم نصرا عزيزا وبوأني من جاهه حرزا حريزا وقد استأسدت الأعداء وأعضل الداء وأعمل الاعتداء وعز الفداء فانفرج الضيق وتيسرت للخير الطريق وساغ الريق ونجا الغريق غريبة لا تمثل إلا في الحلم ولطيفة فيها اعتبار لأولي العلم اللهم جاز سيدي في نفسه وولده وحاله وبلده ومعاده بعد طول عمره وانفساح أمده وكن له نصيرا أحوج ما يكون إلى نصر واجعل له سعة من كل حصر واقصر عليه جاه كل قصر كما جعلت ذاته فوق كل ذات وعصره فوق كل عصر وليعلم سيدي أن من أراد بي منافسة وحسدا وزأر علي أسدا لما استقل على الكرسي جسدا من غير ذنب تبين ولا حد تعين أصابه من خلاصي المقيم المقعد ووعد النفس بأمل أخلف منه الموعد لما استنقذني الله برحمته من بين ظفره ونابه وغطاني بستر جنابه وكثرني في العيون على قلة وأعزني بعز نصره على حال ذلة لم يدع حيلة إلا نصبها أمامي ليحبط ذلك المقام الكريم ذمامي ويكدر جمامي ويستدرك حمامي وزعم أن بيده على البعد زمامي ويأبى ذلك رأي يفرق بين الحق وضده وعدل لا يخرج الشيء عن حده فنبهت سيدي خوفا أن تتجه حيلة أو تفسد وسيلة وأنا قادم بالأهل والولد ليعمل في رب الصنيعة على شاكلة الحمد الذي هو له أهل فما بابتدائه جهل ولا يختلف في عظم ما أسداه غر ولا كهل ولا ينبه مثله على تتميم وإجزال فضل عميم ومؤانسة غريب وصلة
____________________
(5/406)

نصر عزيز وفتح قريب بحول الله تعالى
وقال لسان الدين بعد ما سبق نقله عنه في حق ابن مرزوق ولما انقضى أمر سلطانه رحمه الله تعالى متجنى عليه بسببه محمولا عليه من أجله تقبض عليه وأجمع الملأ على قتله وشد اعتقاله وطلب بالمال العريض وانتهبت أمواله واعتقلت رباعه وجنبت مراكبه واصطفيت أمهات أولاده وتمادى به الإعتقال والشدة إلى أن عادته عوائد الله في الخلاص من الشدة والانتياش من الورطة ظاهرة عليه بركة سلفه قائمة له حجة الكرامة في أمره
حكى أمير المسلمين سلطاننا أعزه الله قال عرض لي والدي رحمه الله تعالى في النوم فقال يا ولدي اشفع في الفقيه ابن مرزوق فقبلت يده واقتضيت حظه وحكيت داعيته وعينت للوجهة في ذلك قاضي الحضرة فكان في ذلك ابتداء الفرج
وحدثني الثقة من خدام السلطان أبي عنان عنه مخبرا عن نفسه لما نفس عنه من نكبته وأجاره من سخطته قال رأيت رسول الله فأمرني بذلك وكفى بها جاها وحرمة قلت فترك سبيله وأتيح له ركوب البحر إلى البلاد المشرقية بأهله وولده فسار في كنف الستر وتحت جناح الوقاية في وسط رجب من عام أربعة وستين وسبعمائة من ساحل باديس صحب الله وجهته وختم عصمته انتهى ما لخصته من كلام لسان الدين بلفظه
____________________
(5/407)


ورأيت على هامش هذا المحل من الإحاطة بخط المذكور ما صورته أقول وأنا ابن مرزوق المسمى فيه إني قد وصلت إلى تونس المحروسة في شهر رمضان من سنة خمس وستين فلقيت بها من المبرة والكرامة والوجاهة فوق ما يعهده أمثالي ووليت خطابة جامع ملكها وتدريس أم المدارس فيها وهي المعروفة بمدرسة الشماعين كل ذلك تحت رعاية وعناية وملازمة لمجلس ملكها إلى أن توفي سنة إحدى وسبعين ثم مع ولده وابن أخيه إلى أن رحلت في البحر في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين فحللت بالديار المصرية ولقيت من ملكها الذي لم أر في الملوك مثله حلما وفضلا وحياء وجودا وتلطفا ورحما السلطان المالك الملك الأشرف ناصر الدين والدنيا شعبان بن حسين فأحسن لي وأجري علي وعلى أولادي ما قام به الحال وقلدني دروسا ومدارس وأهلني للمثول بين يديه والحال مستمر على ذلك حتى الآن وذلك من فضل الله ومعهود إحسانه والمرجو من الله حسن العاقبة وكتب في رمضان سنة خمس وسبعين انتهى
وكتب بعده أبو الحسن علي بن لسان الدين رحمهما الله تعالى ما صورته صدق وهو فوق ذلك كله فقدره معروف ولطالما كان ملك المغرب يفتخر به فصار يفتخر بتقليد الدروس
( والدهر لا يبقي على حالة ** )
انتهى
قال في الإحاطة ولما شرح كتاب الشفاء للقاضي عياض رحمه الله تعالى واستبحر فيه وأكثر النقل وبذل الجهد طلب أهل العدوتين نظم
____________________
(5/408)

مقطوعات تتضمن الثناء على الكتاب المذكور وإطراء مؤلفه فانثال عليه من ذلك الطم والرم بما تعددت منه الأوراق واختلفت في الإجادة وغيرها الأرزاق إيثارا لغرضه ومبادرة من كل الجهات لإسعاف أربه وطلب مني أن ألم في ذلك بشيء فكتبت له في ذلك
( شفاء عياض للصدور شفاء ** فليس بفضل قد حواه خفاء )
( هدية بر لم يكن لمديلها ** سوى الأجر والذكر الجميل كفاء )
( وفى لنبي الله حق وفائه ** وأكرم أوصاف الكرام وفاء )
( وجاء به بحرا يقول بفضله ** على البحر طعم طيب وصفاء )
( وحق رسول الله بعد وفاته ** رعاه وإغفال الحقوق جفاء )
( هو الذخر يغني في الحياة عتاده ** ويترك منه للبنين رفاء )
( هوالأثر المحمود ليس يناله ** دثور ولا يخشى عليه عفاء )
( حرصت على الإطناب في نشر فضله ** وتمجيده لو ساعدتني فاء )
واستزاد من هذا الغرض الذي لم يقنع فيه بالقليل فبعثت إليه من محل انتقالي من مدينة سلا حرسها الله تعالى
( أأزاهير رياض ** أم شفاء لعياض )
( جدل الباطل للحق ** بأسياف مواض )
( وجلا الأنوار برهانا ** بحق وافتراض )
____________________
(5/409)


( وشفى من يشتكي الغلة ** في زرق الحياض )
( أي بنيان مقال ** آمن خوف انقضاض )
( أي عهد ليس يرمي ** بانتكاث وانتقاض )
( ومعان في سطور ** كأسود في غياض )
( وشفاء لصدور ** من ضنى الجهل مراض )
( حرر القصد فما شين ** بنقض واعتراض )
( يا أبا الفضل أدر أن الله ** عن سعيك راض )
( فاز عبد أقرض الله ** برجحان القراض )
( وجبت غر المزايا ** من طوال أو عراض )
( لك يا أصدق راو ** لك يا أعدل قاض )
( لرسول الله وفيت ** بجد وانتهاض )
( خير خلق الله في حال ** وفي آت وماض )
( سدد الله ابن مرزوق ** إلى تلك المراضي )
( زبدة العرفان معنى ** كل نسك وارتياض )
( فتولى بسط ما أجملت ** من غير انقباض )
( ساهرا لم يدر في استخلاصه ** طعم اغتماض )
( إن يكن دينا على الأيام ** يا قدحان التقاضي )
( دام في علو ومن عاداه ** يهوي في انخفاض )
( ما وشي الصبح الدياجي ** بسواد في بياض )
ثم نظمت له أيضا في الغرض المذكور والإكثار من هذا النمط في هذا الموضع ليس على سبيل التبجح بإجادته وغرابته ولكن على سبيل الإشادة
____________________
(5/410)

بالشرح المشار إليه فهو بالغ غاية الاستبحار
( حييت يا مختط سبت بن نوح ** بكل مزن يغتدي أو يروح )
( وحمل الريحان ريح الصبا ** أمانة فيك إلى كل روح )
( دار أبي الفضل عياض الذي ** أضحت برياه رياضا تفوح )
( يا ناقل الآثار يعنى بها ** وواصلا في العلم جري الجموح )
( طرفك في الفضل بعيد المدى ** طرفك للمجد شديد الطموح )
( كفاك إعجازا كتاب الشفا ** والصبح لا ينكر عند الوضوح )
( لله ما أجزلت فينا به ** من منحة تقصر عنها المنوح )
( روض من العلم همى فوقه ** من صيب الفكر الغمام السفوح )
( فمن بيان الحق زهر ند ** ومن لسان الصدق طير صدوح )
( تأرج العرف وطاب الجنى ** وكيف لا يثمر أو لا يفوح )
( وحلة من طيب خير الورى ** في الجيب والأعطاف منها نضوح )
( ومعلم للدين شيدته ** فهذه الأعلام منها تلوح )
( فقل لهامان كذا أو فلا ** يا من أضل الرشد تبني الصروح )
( في أحسن التقويم أنشأته ** خلقا جديدا بين جسم وروح )
( فعمره المكتوب لا ينقضي ** إذا تقضى عمر سام ونوح )
( كأنه في الحفل ريح الصبا ** وكل عطف فهو غصن مروح )
( ما عذر مشغوف بخير الورى ** إن هاج منه الذكر أن لا يبوح )
( عجبت من أكباد أهل الهوى ** وقد سطا البعد وطال النزوح )
( إن ذكر المحبوب سالت دما ** ما هن أكباد ولكن جروح )
____________________
(5/411)


( يا سيد الأوضاع يا من له ** بسيد الأرسال فضل الرجوح )
( يا من له الفضل على غيره ** والشمس تخفى عند إشراق يوح )
( يا خير مشروح وفى واكتفى ** من ابن مرزوق بخير الشروح )
( فتح من الله حباه به ** ومن جناب الله تأتي الفتوح )
ثم قال وعلى الجملة والتفصيل فهذا الرجل نسيج وحده شهرة وجلالة وخصالا وأبوة صالحة تولاه الله وكان له وانصرف بجملته إلى بلاد المشرق عام أربعة وستين وسبعمائة تولاه الله تعالى وأسعد منقلبه ومولده بتلمسان عام أحد عشر وسبعمائة انتهى كلام لسان الدين تراجم أخرى لابن مرزوق
ولنزد في هذه الترجمة على ما ذكره فنقول قال ابن خلدون صاحبنا الخطيب أبو عبد الله ابن مرزوق من أهل تلمسان كان سلفه نزلاء الشيخ أبي مدين بالعباد ومتوارثين تربته من لدن جدهم خادمه في حياته وكان جده الخامس أو السادس أبو بكر ابن مرزوق معروفا بالولاية فيهم ونشأ محمد هذا بتلمسان ومولده فيما أخبرني عام عشرة وسبعمائة انتهى
وهو مخالف لما ذكره لسان الدين فيما مر عنه
ثم قال ابن خلدون وارتحل مع والده إلى الشرق سنة ثلاث عشرة وسمع ببجاية على الشيخ ناصر الدين ولما جاور أبوه بالحرمين رجع إلى القاهرة فأقام وبرع في الطلب والرواية وكان يجيد الخطين ورجع سنة ثلاث وثلاثين إلى
____________________
(5/412)

المغرب ولقي السلطان أبا الحسن محاصرا لتلمسان وقد شيد بالعباد مسجدا عظيماوكان عمه محمد بن مرزوق خطيبا به على عادتهم في العباد وتوفي فولاه السلطان خطابة ذلك المسجد مكان عمه وسمعه يخطب على المنبر ويشيد بذكره ويثني عليه فحلي بعينيه فقربه وهو مع ذلك يلازم ابني الإمام ويأخذ نفسه بلقاء الأفاضل والأكابر والأخذ عنهم وحضر مع السلطان وقعة طريف ثم استعمله في الرسالة إلى الأندلس ثم إلى ملك قشتالة في تقرير الصلح واستنقاذ ولده المأسور يوم طريف ورجع بعد وقعة القيروان مع زعماء النصارى فرجع إلى المغرب ووفد على السلطان أبي عنان بفاس مع أمه حظيه أبي الحسن ثم رجع إلى تلمسان وأقام بالعباد وعلى تلمسان يومئذ أبو سعيد عثمان بن عبد الرحمن وأخوه أبو ثابت والسلطان أبو الحسن بالجزائر وقد حشد هنالك فأرسل أبو سعيد ابن مرزوق المذكور إليه سرا في الصلح فلما اطلع أخوه أبو ثابت على الخبر أنكره على أخيه فبعثوا من حبس ابن مرزوق ثم أجازوه البحر إلى الأندلس فنزل على أبي الحجاج سلطانها بغرناطة فقربه واستعمله على الخطبة بجامع الحمراء فلم يزل خطيبه إلى أن استدعاه أبو عنان سنة أربع وخمسين بعد مهلك أبيه واستيلائه على تلمسان وأعمالها فقدم عليه ورعى له وسائله ونظمه في أكابر أهل مجلسه ثم بعثه لتونس على ملكها سنة ثمان وخمسين ليخطب له ابنة السلطان أبي يحيى فردت الخطبة واختفت بتونس ووشي إلى السلطان أبي عنان أنه كان مطلعا على مكانها فسخطه لذلك وأمر بسجنه فسجن مدة ثم أطلقه قبل موته
ولما استولى أبو سالم على السلطنة آثره وجعل زمام الأمور بيده فوطىء الناس عقبه وغشي أشراف الدولة بابه وصرفوا إليه الوجوه فلما وثب عمر بن عبد الله بالسلطان أخر عام اثنين وستين حبس ابن مرزوق ثم أطلقه
____________________
(5/413)

بعد أن رام كثير من أهل الدولة قتله فمنعه منهم ثم لحق بتونس سنة أربع وستين ونزل على السلطان أبي إسحاق وصاحب دولته أبي محمد ابن تافراكين فأكرموه وولوه الخطابة بجامع الموحدين وأقام بها إلى أن هلك السلطان أبو يحيى سنة سبعين وولي ابنه خالد ثم لما قتل السلطان أبو العباس خالدا واستولى على السلطنة وكان بينه وبين ابن مرزوق شيء لميله مع ابن عمه محمد صاحب بجاية عزله عن الخطبة فوجم لها فأجمع الرحلة إلى المشرق وسرحه السلطان فركب السفينة ونزل بالإسكندرية ثم ارتحل إلى القاهرة ولقي أهل العلم وأمراء الدولة ونفقت بضائعه عندهم وأوصلوه إلى السلطان الأشرف فولاه الوظائف العلمية فلم يزل بها موفر الرتبة معروف الفضيلة مرشحا لقضاء المالكية ملازما للتدريس إلى أن هلك سنة إحدى وثمانين انتهى ملخصا
وقال الحافظ ابن حجر إنه لما وصل تونس أكرم إكراما عظيما وفوضت إليه الخطابة بجامع السلطان وتدريس أكبر المدارس ثم قدم القاهرة فأكرمه الأشرف شعبان ودرس بالشيخونية والصرغتمشية والنجمية وكان حسن الشكل جليل القدر مات في ربيع الأول سنة إحدى وثمانين انتهى
وقال ابن الخطيب القسمطيني هو شيخنا الفقيه الجليل الخطيب توفي بالقاهرة ودفن بين ابن القاسم وأشهب وله طريق واضح في الحديث ولقي أعلاما وسمعنا منه البخاري وغيره في مجالس ولمجلسه لباقة وجمال وله شرح جليل على العمدة في الحديث انتهى
وكتب بخطه بلدينا أبو عبد الله ابن العباس التلمساني ما نصه نقلت من خط بعض السادات كتبه للإمام زعيم العلماء الحفيد ابن مرزوق أنه وجد بخط جده
____________________
(5/414)

الخطيب ابن مرزوق لما ثقفه عمر بن عبد الله على يد الشيخ أبي يعقوب كتب ما نصه الحمد لله على كل حال خرج الطبري في منسكه وأبو حفص الملاي في سيرته عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم قالا وقف رسول الله على الثنية التي بأعلى مكة وليس بها يومئذ مقبور فقال يبعث الله من ههنا سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب وجوههم كالقمر ليلة البدر فقال أبو بكر من هم يا رسول الله قال هم الغرباء من أمتي الذين يدفنون ههنا ففي هذا الموضع دفن والدي رحمه الله تعالى وبعد سماعه لهذا الحديث بسبعة أيام دفن فيه أفتراه لا يشفع فيمن أقال عثرة ولده أفما يشترى هذا بأموال الأرض أفلا يرعى لي ثمانية وأربعين منبرا في الإسلام شرقا وغربا وأندلسا أفلا يرعى لي أنه ليس اليوم يوجد من يسند أحاديث الصحاح سماعا من باب إسكندرية إلى البرين والأندلس غيري ونحو من مائتين وخمسين شيخا والله ما أعلمه لكن حرمني الله تعالى نبذت الاشتغال به وآثرت اتباع الهوى والدنيا فهويت اللهم غفرانك أفلا يرعى لي مجاورة نحو اثني عشر عاما وختم القرآن في داخل الكعبة والإحياء في محراب النبي والإقراء بمكة ولا أعلم من له هذه الوسيلة غيري أفلا يرعى لي الصلاة بمكة وغربتي بينكم ومحنتي في بلدي على محبتكم وخدمتكم من ذا الذي خدمكم من الناس يخرج على هذا الوجه أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله من ذنوبي وذنوبي أعظم وربي أعلم وربي أرحم والسلام انتهى
____________________
(5/415)


ففي هذا دليل على عظم قدره ومكانته في الدين والدنيا
قلت ولقد رأيت مصحفه بتلمسان عند أحفاده وعليه خطه الرائق الذي أعرفه وهو يقول قرأت في هذا المصحف تجاه الكعبة المشرفة اثني عشر ألف ختمة انتهى
ومع هذا فقد نسي في المصحف المذكور لفظة إليك من قوله تعالى { ينقلب إليك البصر } حتى كتبه بخطه فوق السطر حفيده العلامة سيدي أبو عبد الله محمد ابن مرزوق رحم الله الجميع
قال الخطيب المذكور رحمه الله تعالى في بعض تعاليقه ما صورته ومن أشياخ والدي سيدي محمد المرشدي لقيه في ارتحالنا إلى الشرق وحين حملني إليه وأنا ابن تسع عشرة سنة نزلنا عنده ووافقنا صلاة الجمعة ومن عادته أن لا يتخذ للمسجد إماما وحضر يومئذ من أعلام الفقهاء من لا يمكن اجتماع مثلهم في غير ذلك المشهد قال فقرب وقت الصلاة فتشوف من حضر من الفقهاء والخطباء إلى التقديم فإذا الشيخ قد خرج فنظر يمينا وشمالا وأنا خلف والدي فوقع بصره علي فقال لي يا محمد تعال قال فقمت معه حتى دخلت معه في موضع خلوة فباحثني في الفروض والشروط والسنن قال فتوضأت وأخلصت النية فأعجبه وضوئي ودخل معي إلى المسجد وقادني إلى المنبر وقال لي يا محمد ارق المنبر فقلت له يا سيدي والله لا أدري ما أقول فقال لي ارق وناولني السيف الذي يتوكأ عليه الخطيب عندهم وأنا جالس مفكر فيما أقول إذا فرغ المؤذنون فلما فرغوا ناداني بصوته وقال لي يا محمد قم وقل بسم الله قال فقمت وانطلق لساني بما لا أدري ما هو إلا أني كنت أنظر إلى الناس ينظرون إلي ويخشعون من موعظتي فأكملت الخطبة فلما نزلت قال لي أحسنت يا محمد
____________________
(5/416)

قراك عندنا أن نوليك الخطابة وأن لا تخطب بخطبة غيرك ما وليت وحييت ثم سافرنا فحججنا وأراد والدي الجوار وأمرني بالرجوع لأونس عمي وقرابتي بتلمسان وأمرني بالوقوف على سيدي المرشيدي هنالك فوقفت عليه وسألني عن والدي فقلت له يقبل أيديكم ويسلم عليكم فقال لي تقدم يا محمد واستند إلى هذه النخلة فإن شعيبا يعني أبا مدين عبد الله عندها ثلاث سنين ثم دخل خلوته زمانا ثم خرج فأمرني بالجلوس بين يديه ثم قال لي يا محمد أبوك من أحبابنا وإخواننا إلا أنك يا محمد إلا أنك يا محمد فكانت هذه إشارة إلى ما امتحنت به من مخالطتي أهل الدنيا والتخليط ثم قال لي يا محمد أنت متشوش من جهة أبيك تتوهم أنه مريض ومن بلدك أما أبوك فبخير وعافية وهو الآن عن يمين منبر رسول الله وعن يمينه خليل المالكي وعن يساره أحمد قاضي مكة وأما بلدك فسم الله فخط دائرة في الأرض ثم قام فقبض إحدى يديه على الأخرى وجعلهما خلف ظهره يطوف بتلك الدائرة ويقول تلمسان تلمسان حتى طاف بتلك الدائرة مرات ثم قال لي يا محمد قد قضى الله الحاجة فيها فقلت له كيف يا سيدي ففال ستر الله إن شاء الله على من فيها من الذراري والحريم ويملكها هذا الذي حصرها يعني السلطان أبا الحسن فهو خير لهم ثم جلس وجلست بين يديه فقال لي يا خطيب فقلت يا سيدي عبدك ومملوكك فقال لي كن خطيبا أنت الخطيب وأخبرني بأمور وقال لي لا بد أن تخطب بالجامع الغربي وهو الجامع الأعظم بالإسكندرية ثم أعطاني شيئا من كعيكات صغار وزودني بها وأمرني بالرحيل
____________________
(5/417)

وأما خبر تلمسان فدخلها المريني كما ذكر وستر الله من فيها من الذراري والحريم وكان هذاالمرشدي يتصرف في الولاية كتصرف سيدي أبي العباس السبتي نفعنا الله بهما
وللخطيب ابن مرزوق المذكور تآليف منها شرحه الجليل على العمدة في خمسة أسفار جمع فيه بين ابن دقيق العيد والفاكهاني مع زوائد وشرحه النفيس على الشفاء ولم يكمل وشرحه على الأحكام الصغرى لعبد الحق وشرحه على ابن الحاجب الفرعي سماه إزالة الحاجب لفروع ابن الحاجب وله غيرها وديوان خطب بالغرب مشهور كقصديته التي قالها في تكبته بتلمسان وأولها
( رفعت أموري لباري النسم ** وموجدنا بعد سبق العدم )
ومن نظمه عند وداعه أهل تونس
( أودعكم وأثني ثم أثني ** على ملك تطاول بالجميل )
( وأسأل رغبة منكم لربي ** بتيسير المقاصد والسبيل )
( سلام الله يشملنا جميعا ** فقد عزم الغريب على الرحيل )
ومن نظم أبي المكارم منديل بن آجروم يسلي المذكور عندما سجن بعد قتل السلطان أبي سالم رحمهم الله أجمعين
( يا شمس علم أفلت بعدما ** أضاءت المشرق والمغربا )
( حجبت قسرا عن عيون الورى ** والشمس لا ينكر أن تحجبا )
وهو بيت علم وولاية وصلاح لعمه وجده وأبيه وجد أبيه ولولديه محمد وأحمد وحفيده عالم الدنيا البحر أبي عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق وولد حفيده المعروف بالكفيف وحفيد حفيده المعروف بالخطيب وهو آخر المذكورين منهم فيما نعلم
____________________
(5/418)

ابن مرزوق الكفيف
قلت كان مرادي أن أعرف بجميعهم ولكني خشيت الطول فلنلم بذكر الحفيد عالم الدنيا وابنه العلامة المشهور بالكفيف لأنه أعني الكفيف والد أم جدي أحمد لأني أحمد بن محمد بن أحمد فوالدة الجد أحمد بنت الكفيف المذكور وهو أعني الكفيف محمد بن محمد بن أحمد بن الخطيب الرئيس أبي عبد الله بن مرزوق المتقدم الذكر وكان الكفيف إماما عالما علامة ووصفه ابن داود البلوي بأنه الشيخ الإمام علم الأعلام فخر خطباء الإسلام سلالة الأولياء وخلف الأتقياء الأرضياء المسند الراوية المحدث العلامة المتفنن القدوة الحافل الكامل وأخذ العلم عن جماعة منهم عالم الدنيا أبوه قرأ عليه الصحيحين والموطأ وغير ما كتاب من تآليفه وغيرها وتفقه عليه وأجازه عموما وعن عالمي تلمسان أبوي الفضل ابن الإمام والعقباني وغيرهما واللجائي والثعالبي وللنظار أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم المشدالي وقاضي الجماعة ابن عقاب وحافظ الإسلام ابن حجر العسقلاني وكل هؤلاء أجازوه وقرأ عليهم مشافهة إلا ابن حجر فمكاتبة ومولده غرة ذي القعدة عام أربعة وعشرين وثمانمائة نصف ليلة الثلاثاء ومن شيوخه العلامة ابن العباس التلمساني وغيره
وقال السخاوي قدم الكفيف مكة سنة إحدى وستين وثمانمائة وسمعت سنة إحدى وسبعين وثمانمائة أنه في الأحياء انتهى
وأخذ عنه جماعة أئمة كالسنوسي صاحب العقائد الشهيرة وغيرها والونشريسي صاحب المعيار والعلامة أبي عبد الله ابن العباس وحلاه بشيخنا
____________________
(5/419)


ومفيدنا علم الأعلام وحجة الإسلام آخر حفاظ المغرب وقال قرأت عليه الصحيحين وبعض مختصري ابن الحاجب الفرعي والأصلي وحضرت عليه جملة من التهذيب وبعض الخونجي وغيرها وأخذ عنه بالإجازة عالم فاس ابن غازي حسبما ذكره في كتابه المسمى بالتعلل برسوم الإسناد بعد انتقال الساكن والناد
وقال بعض الحفاظ إن وفاته عام أحد وتسعمائة بتلمسان وزرت قبره مرارا رحمه الله تعالى ونقل عنه المازوني في نوازله المسماة بالدرة المكنونة في نوازل مازونة ابن مرزوق الحفيد
وأما والده عالم الدنيا أبو عبد الله محمد بن مرزوق الشهير بالحفيد فهو البحر الإمام المشهور الحجة الحافظ العلامة المحقق الكبير النظار المطلع المنصف التقي الصالح الناصح الزاهد العابد الورع البركة الخاشع الخاشي النبيه القدوة المجتهد الأبرع الفقيه الأصولي المفسر المحدث الحافظ المسند الراوية الأستاذ المقرىء المجود النحوي اللغوي البياني العروضي الصوفي الأواب الولي الصالح العارف بالله الآخذ من كل فن بأوفر نصيب الراعي في كل علم مرعاه الخصيب حجة الله على خلقه المفتي الشهير الرحلة الحاج فارس الكراسي والمنابر سليل الأكابر سيد العلماء الأخيار وإمام الأئمة وآخر الشيوخ ذوي الرسوخ بدر التمام الجامع بين المعقول والمنقول والحقيقة والشريعة بأجل محصول وآخر النظار الفحول شيخ المشايخ صاحب التحقيقات البديعة والإختراعات الأنيقة والأبحاث الغريبة والفوائد الغزيرة المتفق على علمه وصلاحه
____________________
(5/420)

وهديه الذكي الفهامة القدوة الذي لا يسمح الزمان بمثله أبدا أوحد الأفراد في جميع الفنون الشرعية ذو المناقب العديدة والأحوال السديدة شيخ الإسلام وإمام المسلمين ومفتي الأنام الذي له القدم الراسخ في كل مقام ضيق والرحب الواسع في حل كل مشكل مقفل صاحب الكرامات والاستقامات السني السني الحريص على تحصيل السنة ومجانبة البدعة السيف المسلول على أهل البدع والأهواء الزائغة الذي أفاض الله تعالى على خلقه به بركته ورفع بين البرية محله ودرجته ووسع على خليقته به نحلته معدن العلم وشعلة الفهم وكيمياء السعادة وكنز الإفادة ابن الشيخ الفقيه العالم أبي العباس أحمد ابن الإمام العلامة الرئيس الكبير الخطيب الحافظ الرحلة الفقيه المحدث الشهير شمس الدين محمد ابن الشيخ العالم الصالح الولي المجاور أبي العباس أحمد ابن الفقيه الولي الصالح الخاشع محمد ابن الولي الكبير ذي الكرامات والأحوال الصالحة محمد بن أبي بكر ابن مرزوق العجيسي التلمساني كان رحمه الله تعالى آية الله في تحقيق العلوم والاطلاع المفرط على النقول والقيام التام على الفنون بأسرها أما الفقه فهو فيه مالك ولأزمة فروعه حائز ومالك فلو رآه الإمام قال له تقدم فلك العهد والولاية فتكلم فمنك يسمع فقهي وفروعي ومثلك من راعى ما ينبغي فروعي أو ابن القاسم لقر به عينا وقال له طالما دفعت عن المذهب عينا وشينا او المازري لعلم أنه بمناظرته حري أو الحافظ ابن رشد لقال هلم يا حافظ الرشد أو اللخمي لأبصر منه محاسن التبصرة أو القرطبي لنال منه التذكرة أو القرافي لاستفاد منه قواعده المقررة أو ابن الحاجب لاستند إلى بابه في كشف الإشكالات المحررة إلى ما انضم إلى ذلك من معرفة التفسير ودرره والاضطلاع بحقائق التأويل وغرره فلو
____________________
(5/421)

رآه مجاهد لعلم أنه في التحقيق خير جاهد أو مقاتل لقال مثلك طبق من الفهوم الكلي وأصاب المقاتل أو الزمخشري لعلم أنه كشاف الخفيات على الحقيقة وقال لكتابه تنح لهذا الحبر عن سلوك الطريقة أو ابن عطية لركب في الرحلة إلى الاستفادة منه المطية أو أبو حيان لغرق في نهره ولم تسل له نقطة من بحره إلى الإحاطة بالحديث وفنونه والاطلاع على أسانيده ومتونه ومعرفة منكره ومعروفه ونظم أنواعه ورصف صنوفه إذ إليه الرحلة انتهت في رواياته ودراياته وعليه المعول في حل مشكلاته وفتح مقفلاته وأما الأصول فالعضد ينقطع عند مناظرته ساعده والسيف يكل عند بحثه حده حتى يترك ما عنده ويساعده والبرهان لا يهتدي معه لحجة والمقترح لا يركب في بحره لجة وأما النحو فلو رآه محمود لتلجلج في قراءة المفصل واستقل ما عنده من القدر المحصل أو الرماني لاشتاق إلى مفاكهته وارتاح واستجدى من ثمار فوائده وامتاح أو الزجاج لعلم أن زجاجه لا يقوم بجواهره وأنه لا يجري معه في هذا العلم إلا في ظواهره بل لو رآه الخليل لقال هذا هو المقصد الجليل وأثنى عليه بكل جميل وقال لفرسان النحو ما لكم إلى لحوق عربيته من سبيل وأما البيان فالمصباح لا يظهر له نور عند هذا الصبح وصاحب المفتاح لا يهتدي معه إلى الفتح والقزويني يلقي علومه لإيضاح المعاني والسعد يرقى بمفهومه في مطالع المثاني وكم له من مناقب تنحط عن منالها الثواقب ومواهب تجلو بأنوارها الغياهب وأما زهده
____________________
(5/422)

وصلاحه فقد سارت به الركبان واتفق عليه الثقلان فمن وصفه بالبحر فقل له دون علمه البحر أو البدر فما يصل خلقه البدر أو الدر فأنى يشبه منطقه الدر وبالجملة فالوصف يتقاصر عن صفاته وفضلاء عصره لا يرتقون إلى صفاته فهو شيخ العلماء في أوانه وإمام الأئمة في عصره وزمانه شهد بنشر علومه العاكف والبادي وارتوى من بحار تحقيقاته الظمآن والصادي
( حلف الزمان ليأتين بمثله ** حنثت يمينك يا زمان فكفر )
هكذا وصفه بعض العلماء وهو فوق ذلك كله
وقال في حقه بلدينا الشيخ أبو الفرج ابن أبي يحيى الشريف التلمساني رحمه الله تعالى هو شيخنا الإمام العالم العلم جامع أشتات العلوم الشرعية والعقلية حفظا وفهما وتحقيقا راسخ القدم رافع لواء الإمامة بين الأمم ناصر الدين بيده ولسانه وبنانه وبالقلم محيي السنة بالفعال والمقال والشيم قطب الوقت في الحال والمقام والنهج الواضح والسبيل الأمم مستمر على الإرشاد والهداية والتبليغ والإفادة والرواية والدراية والعناية ملازم الكتاب والسنة على نهج الأئمة المحفوظين من البدع في زمن لا عاصم فيه من أمر الله إلا من رحم ذو همة علية ورتبة سنية وأخلاق مرضية وفضل وكرم إمام الأئمة وعلم الأمة الناطق بالحكم ومنير الظلم سليل الصالحين وخلاصة مجد التقى والدين نتيجة مقدمات المهتدين حجة الله على العلم والعالم جامع بين الشريعة والحقيقة على أصح طريقة متمسك بالكتاب لا يفارق فريقه الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد اتصلت به فأويت منه إلى ربوة ذات قرار ومعين وقصرت توجهي عليه ومثلت بين يديه فأنزلني أعلى الله قدره منزلة ولده رعاية للذمم وحفظا على الود الموروث من القدم فأفادني من بحار علمه ما تقصر عنه العبارة
____________________
(5/423)

ويكل دونه القلم فقرأت عليه جملة من تفسير القرآن ومن الحديث صحيح البخاري بقراءتي وقراءة غيري مرارا وصحيح مسلم كذلك وسنن الترمذي وأبي داود بقراءتي والموطأ سماعا وتفقها والعمدة ومن علم الحديث أرجوزته الحديقة وبعض الكبرى وهي الروضة تفقها ومن العربية نصف المقرب تفقها وجميع سيبويه كذلك وألفية ابن مالك وأوائل شرح الإيضاح لابن أبي الربيع وبعض المغني لابن هشام وفي الفقيه التهذيب كله تفقها وابن الحاجب الفرعي وبعض مختصر الشيخ خليل والتلقين وثلثي الجلاب وجملة من المتيطية والبيان لابن رشد وبعض الرسالة وكل ذلك قراءة تفقه وتفقهت عليه من كتب الشافعية في تنبيه الشيرازي ووجيز الغزالي من أوله إلى كتاب الإقرار ومن كتب الحنفية مختصر القدوري تفقها ومن كتب الحنابلة مختصر الخرقي تفقها ومن أصول الفقه المحصول ومختصر ابن الحاجب والتنقيح وكتاب المفتاح لجدي وقواعد عز الدين وكتاب المصالح والمفاسد له وقواعد القرافي وجملة من النظائر والأشباه للعلائي وإرشاد العميدي ومن أصول الدين المحصل والإرشاد تفقها وفي القراءات قصيدة الشاطبي تفقها وابن بري وفي البيان التلخيص والإيضاح والمصباح وكلها تفقها وفي التفقه الإحياء للغزالي سوى الربع الأخير منه وألبسني خرقة التصوف كما ألبسه أبوه وعمه وهما ألبسهما أبوهما جده انتهى ملخصا
وكتب المذكور تحت هذا ما نصه صدق السيد بن السيد أبو الفرج المذكور فيما ذكر من القراءة والسماع والتفقه وبر وقد أجزته في ذلك كله فهو
____________________
(5/424)

حقيق بها مع الإنصاف وصدق النظر جعلني الله وإياه ممن علم وعمل لآخرته واعتبر قاله محمد بن مرزوق انتهى
وقال تلميذه الولي أبو زيد سيدي عبد الرحمن الثعالبي قدم علينا بتونس شيخنا أبو عبد الله ابن مرزوق فأقام بها فأخذت عنه كثيرا وسمعت عليه جميع الموطإ بقراءة صاحبنا أبي حفص عمر ابن شيخنا محمد القلشاني وختمت عليه أربعينيات النووي قرأتها عليه في منزله قراءة تفهم فكان كلما قرأت عليه حديثا يعلوه خشوع وخضوع ثم يأخذ في البكاء فلم أزل أقرأ وهو يبكي إلى أن ختمت الكتاب وكان من أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله وأجمع الناس على فضله من المغرب إلى الديار المصرية واشتهر ذكره في البلاد فكان بذكره تطرز المجالس وجعل الله تعالى حبه في قلوب العامة والخاصة فلا يذكر في مجلس إلا والنفوس مشوقة إلى ما يحكى عنه وكان في التواضع والإنصاف والإعتراف بالحق في الغاية وفوق النهاية لا أعلم له نظيرا في ذلك في وقته ثم ذكر كثيرا جدا من الكتب مما سمعه عليه وأطال في ذلك
وقال في موضع آخر هو سيدي الشيخ الإمام الحبر الهمام حجة أهل الفضل في وقتنا وخاتمتهم ورحلة النقاد وخلاصتهم ورئيس المحققين وقادتهم السيد الكبير والذهب الإبريز والعلم الذي نصبه التمييز بن البيت الكبير والفلك الأثير ومعدن الفضل الكثير سيدي أبو عبد الله محمد بن الإمام الجليل الأوحد الأصيل جمال الفضلاء سليل الأولياء أبي العباس أحمد ابن العالم الكبير العلم الشهير تاج المحدثين وقدوة المحققين أبي عبد الله محمد بن مرزوق
____________________
(5/425)


وقال أيضا في موضع آخر هو شيخي الإمام العلم الصدر الكبير المحدث الثقة المحقق بقية المحدثين وإمام الحفظة الأقدمين والمحدثين سيد وقته وإمام عصره وورع زمانه وفاضل أقرانه أعجوبة أوانه وفاروق زمانه ذو الأخلاق المرضية والأحوال الصالحة السنية والأعمال الفاضلة الزكية أبو عبد الله
وقال في حقه المازوني في أول نوازله شيخنا الإمام الحافظ بقية النظار والمجتهدين ذو التواليف العجيبة والفوائد الغريبة مستوفي المطالب والحقوق أبو عبد الله بن مرزوق
وقال تلميذه الحافظ العلامة أبو عبد الله التنسي عند ذكره إن إمامنا مالكا سئل عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين لا أدري وجنة العالم لا أدري ما نصه ولم نر فيمن أدركنا من شيوخنا من تمرن على هذه الخصلة الشريفة ويكثر استعمالها غير شيخنا الإمام العلامة رئيس علماء المغرب على الإطلاق أبي عبد الله محمد بن مرزوق
وقال الشيخ أبو الحسن القلصادي في رحلته أدركت كثيرا من العلماء والعباد والزهاد والصلحاء أولاهم في الذكر والتقديم الشيخ الفقيه الإمام العلامة الكبير الشهير شيخنا وبركتنا أبو عبد الله ابن مرزوق حل كنف العلم والعلا وجل قدره في الجلة الفضلا قطع الليالي ساهرا وقطف من العلم أزاهرا فأثمر وأورق وغرب وشرق حتى توغل في فنون العلم واستغرق إلى أن طلع للأبصار هلالا لأن الغرب مطلعه وسما في النفوس موضعه وموقعه فلا ترى أحسن من لقائه ولا أسهل من إلقائه لقي الشيوخ الأكابر وبقي حمده متعرفا من بطون الكتب وألسنة الأقلام وأفواه المحابر
____________________
(5/426)

وكان رضي الله عنه من رجال الدنيا والآخرة وكانت أوقاته كلها معمورة بالطاعات ليلا ونهارا من صلاة وقراءة قرآن وتدريس علم وفتيا وتصنيف وكانت له أوراد معلومة وأوقات مشهورة وكانت له بالعلم عناية تكشف بها العماية ودراية تعضدها الرواية ونباهة تكسب النزاهة قرأت عليه رضي الله عنه بعض كتابه في الفرائض وأواخر إيضاح الفارسي وشيئا من شرح التسهيل وعرضت عليه إعراب القرآن وصحيح البخاري والشاطبيتين وأكثر ابن الحاجب الفرعي والتلقين وتسهيل ابن مالك والألفية والكافية وابن الصلاح في علم الحديث ومنهاج الغزالي وبعض الرسالة وغيرها ثم توفي يوم الخميس بمصر رابع عشر شعبان عام اثنين وأربعين وثمانمائة وصلي عليه بالجامع الأعظم بعد صلاة الجمعة وحضر جنازته السلطان فمن دونه ولم أر مثلها قبل وأسف الناس لفقده وآخر بيت سمع منه قبل موته
( إن كان سفك دمي أقصى مرادكم ** فما غلت نظرة منكم بسفك دمي )
انتهى ملخصا
وفي فهرست ابن غازي في ترجمة شيخه أبي محمد الورياجلي ما صورته وممن لقي من شيوخ تلمسان المحروسة الإمام العلم العلامة الصدر الأجل الأوحد المحقق النظار الحجة العالم الرباني أبو عبد الله محمد بن مرزوق وقد حدثني بكثير من مناقبه وصفة إقرائه وقوة اجتهاده وتواضعه لطلبة العلم وشدته على أهل البدع وما اتفق له مع بعضهم إلى غيرها من شيمه الكريمة ومحاسنه العظيمة انتهى
وقال بعضهم في حقه إنه كان يسير سيرة سلفه في العلم والتخلق والحلم والشفقة وحب المساكين آية الله في الفهم والذكاء والصدق والعدالة والنزاهة
____________________
(5/427)

واتباع السنة في الأقوال والأفعال ومحبة أهلها في جميع الأحوال مبغضا لأهل البدع ومحبا سد الذرائع وله كرامات انتهى
أخذ العلم عن جماعة أجلاء فمنهم العلامة السيد عبد الله الشريف التلمساني وعالم المغرب القاضي سيدي سعيد العقباني التلمساني والولي العابد الصالح أبو إسحاق سيدي إبراهيم المصمودي وأفرد ترجمته بتأليف وعن عمه وأبيه ويروي عن جده بالإجازة وابن عرفة وأبي العباس القصار التونسي وبفاس عن النحوي أبي حيان وأبي زيد المكودي وجماعة غيرهما وبمصر عن السراج البلقيني والزين الحافظ العراقي والشمس الغماري والسراج ابن الملقن وصاحب القاموس والمحب ابن هشام ابن صاحب المغنى والنور النويري والولي ابن خلدون والقاضي التنسي وغيرهم
وأخذ عنه جماعة كالثعالبي والقاضي عمر القلشاني وابن العباس والعلامة نصر الزواوي والولي سيدي الحسن أبركان وابنه وأبي البركات الغماري وأبي الفضل المشدالي وقاضي غرناطة أبي العباس ابن أبي يحيى الشريف وإبراهيم بن فائد وأبي العباس الندرومي وابنه الكفيف وسيدي علي بن ثابت والشهاب بن كحيل التجاني والعلامة أحمد بن يونس القسمطيني والعلامة يحيى بن يدير وأبي الحسن القلصادي والشيخ عيسى بن سلامة البسكري وغيرهم كالحافظ التنسي التلمساني
قلت وسندي إليه عن عمي الإمام سيدي سعيد المقري عن الشيخ أبي عبد الله التنسي عن والده الحافظ أبي عبد الله محمد التنسي المذكور عن ابن مرزوق المذكور بكل مروياته وتآليفه
وقال السخاوي في حقه هو أبو عبد الله يعرف بحفيد ابن مرزوق وقد
____________________
(5/428)

يختص بابن مرزوق وقد تلا لنافع على عثمان الزروالي وانتفع في الفقه بأبي عبد الله ابن عرفة وأجازه أبو القاسم محمد بن الخشاب ومحمد بن علي الحفار الأنصاري ومحمد القيجاطي وحج قديما سنة تسعين وسبعمائة رفيقا لابن عرفة وسمع من ابن البهاء الدماميني والنور العقيلي بمكة وفيها قرأ البخاري على ابن صديق ولازم المحب ابن هشام في العربية وكذا حج سنة تسع عشرة وثمانمائة ولقيه الزيني رضوان بمكة وكذا لقيه ابن حجر انتهى
وأما تواليفه فكثيرة منها شروحه الثلاثة على البردة وسمي الأكبر إظهار صدق المودة في شرح البردة واستوفى فيه غاية الاستيفاء وضمنه سبعة فنون في كل بيت والأوسط والأصغر المسمى بالاستيعاب لما فيها من البيان والإعراب ومنها الغاية القراطيسية في شرح الشقراطيسية والمفاتيح المرزوقية في استخراج رموز الخزرجية ورجز في علوم الحديث سماه الروضة ومختصره في رجز سماه الحديقة ورجز في الميقات سماه المقنع الشافي مشتمل على ألف وسبعمائة بيت ونهاية الأمل في شرح الجمل أي جمل الخونجي واغتنام الفرصة في محادثة عالم قفصة وهو أجوبة عن مسائل في فنون العلم وردت عليه من علامة قفصة أبي يحيى ابن عقيبة فأجابه عنها والمعراج إلى استمطار فوائد الأستاذ ابن سراج في كراسة ونصف أجاب به أبا القاسم ابن سراج الغرناطي عن مسائل نحوية ومنطقية وأنوار اليقين في شرح حديث أولياء الله المتقين وهو حديث أول حلية أبي نعيم في شأن البدلاء وغيرهم والدليل المومي في ترجيح طهارة الكاغد الرومي والنصح الخالص في الرد على مدعي رتبة الكامل الناقص في سبعة كراريس رد به على عصرية الإمام أبي
____________________
(5/429)

الفضل قاسم العقباني في فتواه في مسألة الفقراء الصوفية لما صوب العقباني صنيعهم وخالفه هو ومختصر الحاوي في الفتاوي لابن عبد النور والروض البهيج في مسائل الخليج وأنوار الدراري في مكررات البخاري وأرجوزة نظم تلخيص ابن البناء ورجز تلخيص المفتاح نظمه في حال صغره ورجز حرز الأماني ورجز جمل الخونجي ورجز اختصار ألفية ابن مالك وتأليفه في مناقب شيخه المصمودي وتفسير سورة الإخلاص على طريقة الحكماء وهذه كلها تامة
وأما ما لم يكمل من تآليفه فالمتجر الربيح والسعي والرجيح والمرحب الفسيح في شرح الجامع الصحيح وروضة الأريب في شرح التهذيب والمنزع النبيل في شرح مختصر خليل شرح منه كتاب الطهارة في مجلدين ومن الأقضية إلى آخره في سفرين وإيضاح السالك على ألفية ابن مالك إلى اسم الإشارة أو الموصول مجلد كبير في قدر شرح المرادي وشرح شواهد شراح الألفية إلى باب كان مجلد وله خطب عجيبة
وأما أجوبته وفتاويه على المسائل المنوعة فقد سارت بها الركبان شرقا وغربا بدوا وحضرا وقد نقل المازوني والونشريسي منها جملة وافرة
ومن تآليفه أيضا عقيدته المسماة عقيدة أهل التوحيد المخرجة من ظلمة التقليد والآيات الواضحات في وجه دلالة المعجزات والدليل الواضح المعلوم في طهارة كاغد الروم وإسماع الصم في إثبات الشرف من قبل الأم وذكر السخاوي أن من تواليفه شرح ابن الحاجب الفرعي وشرح التسهيل انتهى
ومولده كما ذكره في شرحه على البردة ليلة الاثنين رابع عشري ربيع الأول عام ستة وستين وسبعمائة قال حدثتني أمي عائشة بنت الفقيه الصالح
____________________
(5/430)

القاضي أحمد بن الحسن المديوني وكانت من الصالحات ألفت مجموعا في أدعية أختارتها وكانت لها قوة في تعبير الرؤيا اكتسبتها من كثرة مطالعتها لكتب الفن أنه أصابني مرض شديد أشرفت منه على الموت ومن شأنها وأبيها أنهما لا يعيش لهما ولد إلا نادرا وكانوا أسموني أبا الفضل أول الأمر فدخل عليها أبوها أحمد المذكور فلما رأى مرضي وما بلغ بي غضب وقال ألم أقل لكم لا تسموه أبا الفضل ما الذي رأيتم له من الفضل حتى تسموه أبا الفضل سموه محمدا لا أسمع أحدا يناديه بغيره إلا فعلت به وفعلت يتوعد بالأدب قالت فسميناك محمدا ففرج الله عنك انتهى
ومن فوائده ما حكى في بعض فتاويه قال حضرت مجلس شيخنا العلامة نخبة الزمان ابن عرفة رحمه الله تعالى أول مجلس حضرته فقرأ { ومن يعش عن ذكر الرحمن } الزخرف 36 فجرى بيننا مذاكرات رائقة وأبحاث حسنة فائقة منها أنه قال قرئ يعشو بالرفع ونقيض بالجزم ووجهها أبو حيان بكلام ما فهمته وذكر أن في النسخة خللا وذكر بعض ذلك الكلام فاهتديت إلى تمامه فقلت يا سيدي معنى ما ذكره أن جزم نقيض بمن الموصولة لشبهها بالشرطية لما تضمنت من معنى الشرط وإذا كانوا يعاملون الموصول الذي لايشبه لفظه لفظ الشرط بذلك فما يشبه لفظ الشرط أولى بتلك المعاملة فوافق رحمه الله تعالى وفرح كما أن الإنصاف كان طبعه وعند ذلك أنكر علي جماعة من أهل المجلس وطالبوني بإثبات معاملة الموصول معاملة الشرط فقلت نصهم على دخول الفاء في خبر الموصول في نحو الذي يأتيني فله درهم من ذلك فنازعوني في ذلك وكنت حديث عهد بحفظ التسهيل فقلت قال ابن مالك فيما يشبه المسألة وقد يجزم متسبب عن صلة الذي تشبيها بجواب الشرط وأنشدت من شواهد المسألة قول الشاعر
____________________
(5/431)


( كذاك الذي يبغي على الناس ظالما ** تصبه على رغم عواقب ما صنع )
فجاء الشاهد موافقا للحال انتهى بنقل تلميذه المازوني
وقد ذكر الشيخ ابن غازي الحكاية في فهرسته في ترجمة شيخه الأستاذ الصغير وفيها بعض مخالفة لما تقدم فلنسقه قال حدثني أنه بلغه عن ابن عرفة أنه كان يدرس من صلاة الغداة إلى الزوال يقرىء فنونا ويبتدىء بالتفسير وأن الإمام ابن مرزوق أول ما دخل عليه وجده يفسر هذه الآية { ومن يعش عن ذكر الرحمن } فكان أول ما فاتحه أن قال له هل يصح كون من هنا موصولة فقال ابن عرفة كيف وقد جزمت فقال له تشبيها لها بالشرط فقال ابن عرفة إنما يقدم على هذا بنص من إمام أو شاهد من كلام العرب فقال أما النص فقول التسهيل كذا وأما الشاهد فقول الشاعر
( فلا تحفرن بئرا تريد أخا بها ** فإنك فيها أنت من دونه تقع )
( كذاك الذي يبغي على الناس ظالما ** تصبه على رغم عواقب ما صنع )
فقال ابن عرفة فأنت إذا ابن مرزوق قال نعم فرحب به انتهى وهو خلاف ما تقدم والأول أصوب لنقل غير واحد أن جزم الموصولات إنما يكون في الجواب لا في الشرط والله تعالى أعلم
وفي بعض المجاميع أن ابن عرفة اشتغل بضيافته لما انقضى المجلس
ومن فوائده أنه كان يصرف لفظ أبي هريرة بناء على أن جزء العلم غير علم وخالفه أهل فاس في ذلك لما بلغهم ومال الأستاذ الصغير والحافظ القوري إلى منع الصرف لوجوه ليس هذا موضعها ومنها قول ابن مالك
____________________
(5/432)


( ولاضطرار كبنات الأوبر ** )
فإنه مؤذن بان جزء العلم علم وقد ألف في المسألة ابن العباس التلمساني تأليفا سماه الاعتراف في ذكر ما لفظ أبي هريرة من الإنصراف انتهى
ومن نظمه رحمه الله تعالى
( بلد الجدار ما أمر نواها ** كلف الفؤاد بحبها وهواها )
( يا عاذلي كن عاذري في حبها ** يكفيك منها ماؤها وهواها )
يعني ببلد الجدار تلمسان ولذلك قال في رجز في علم الحديث ما صورته
( ومن بها أهل ذكاء وفطن ** في رابع من الأقاليم قطن )
( يكفيك أن الداودي بها دفن ** مع ضجيعه ابن غزلون الفطن )
قلت وحدثني عمي الإمام سيدي سعيد المقري رحمه الله تعالى أن العلامة ابن مرزوق لما قدم تونس في بعض الرسائل السلطانية طلب منه أهل تونس أن يقرأ لهم في التفسير بحضرة السلطان فأجابهم إلى ذلك وعينوا له محل البدء فطالع فيه فلما حضروا قرأ القارىء غير ذلك وهو قوله تعالى { فمثله كمثل الكلب } الآية الأعراف 176 وأرادوا بذلك إفحام الشيخ والتعريض به فوجم هنيهة ثم تفجر بينابيع العلم إلى أن أجرى ذكر ما في الكلب من الخصال المحمودة وساقها أحسن مساق وأنشد عليها الشواهد وجلب الحكايات حتى عد من ذلك جملة ثم قال في آخرها فهذا ما حضر من محمود أفعال الكلب وخصاله غير أن فيه واحدة ذميمة وهي إنكاره الضيف ثم افترق المجلس وأخبرني أنه أطال في ذلك المجلس من الصبح إلى قرب الظهر وقد طال عهدي بالحكاية وإنما نقلتها بمعناها من حفظي وهي من الغرائب ولولا الإطالة لذكرت ما وقع له مع بعض علماء برصه في الحجاز حسبما ذكره في مناقب شيخه المصمودي رحم الله الجميع
____________________
(5/433)


رجع إلى ذكر مشايخ لسان الدين فنقول
19 - ومن مشايخ لسان الدين الرئيس أبو الحسن علي بن الجياب وهو كما في الإحاطة علي بن محمد بن سليمان بن علي بن سليمان بن حسن الأنصاري الغرناطي أبو الحسن قال وهو شيخنا ورئيسنا العلامة البليغ ومن مشايخه أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي وخلق قال وقد دونت شعره فمن معشراته قوله في حرف الجيم
( جريئا على الزلات غير مفكر ** جبانا على الطاعات غير معرج )
( جمعت لما يفنى اغترارا بجمعه ** وضيعت ما يبقى سجية أهوج )
( جنونا بدار لا يدوم سرورها ** فدعها سدى ليست بعشك فادرجي )
( جيادك في شأو الضلال سوابق ** تفوت مدى سن الوجيه وأعوج )
( جهلت سبيل الرشد فاقصد دليله ** تجد دار سعد بابها غير مرتج )
( جناب رسول ساد أولاد آدم ** وقرب في السبع الطباق بمعرج )
( جمال أنار الأرض شرقا ومغربا ** فكل سنا من نوره المتبلج )
( جلا صدأ المرتاب أن سبح الحصى ** لديه بنطق ليس بالمتلجلج )
( جعلت امتداحي والصلاة عليه لي ** وسائل تحظيني بما أنا مرتج )
وقال من الأغراض الصوفية السلطانية
( هات اسقني صرفا بغير مزاج ** راحي التي هي راحتي وعلاجي )
____________________
(5/434)


( إن صب منها في الزجاجة قطرة ** شف الزجاج عن السنا الوهاج )
( وإذا الخليع أصاب منها شربة ** حاجاه بالسر المصون محاجي )
( وإذا المريد إصاب منها جرعة ** ناجاه بالحق المبين مناجي )
( تاهت به في مهمه لا يهتدي ** فيه لتأويب ولا إدلاج )
( يرتاح من طرب بها فكأنما ** غنته بالأرمال والأهزاج )
( هبت عليه نسمة قدسية ** في فيء باب دائم الإرتاج )
( فإذا انثنى يوما وفيه بقية ** سارت به قصدا على المنهاج )
( وإذا تمكن منه سكر معربد ** فليصبرن لمصرع الحلاج )
( قصرت عبارة فيه عن وجدانه ** فغدا يفيض بمنطق لجلاج )
( أعشاه نور للحقيقة باهر ** فتراه يخبط في الظلام الداجي )
( رام الصعود بها لمركز أصله ** فرمت به في بحرها المواج )
( فلئن أمد برحمة وسعادة ** فليخلصن من بعد طول هياج )
( وليرجعن بنعمة موفورة ** ما شيب عذب شرابها بأجاج )
( ولئن تخطاه القبول لما جنى ** فليرجعن نكسا على الأدراج )
( ما أنت إلا درة مكنونة ** قد أودعت في نطفة أمشاج )
( فاجهد على تخليصها من طبعها ** تعرج بها في أرفع المعراج )
( واشدد يديك معا على حبل التقى ** فإن اعتصمت به فأنت الناجي )
( ولدى العزيز ابسط بساط تذلل ** وإلى الغني امدد يد المحتاج )
( هذا الطريق له مقدمتان صادقتان ** أنتجتا أصح نتاج )
( فاجمع إلى ترك الهوى حمل الأذى ** واقنع من الإسهاب بالإدماج )
( حرفان قد جمعا الذي قد سطروا ** من بسط أقوال وطول حجاج )
( والمشرب الأصفى الذي من ذاقه ** فقد اهتدى منه بنور سراج )
( أن لا ترى إلا الحقيقة وحدها ** والكل مضطر إليها لاجي )
____________________
(5/435)


( هذي بدائع حكمة أنشأتها ** بإشارة المولى أبي الحجاج )
( وسع الأنام بفضله وبعدله ** وبحلمه وبجوده الثجاج )
( من آل نصر نخبة الملك الرضى ** أمن المروع هم وغيث الراجي )
( من آل قيلة ناصري خير الورى ** والخلق بين تخاذل ولجاج )
( ماذا أقول وكل قول قاصر ** في وصف بحر زاخر الأمواج )
( منه لباغي العرف در فاخر ** ولمن يعادي الدين هول فاجي )
( دامت سعودك في مزيد والمنى ** تأتيك أفواجا على أفواج )
وقال من المطولات
( لمن المطايا في السراب سوابحا ** تفلى الفلاة غواديا وروائحا )
( عوج كأمثال القسي ضوامر ** يرمين في الآفاق مرمى نازحا )
وقال يمدح ويصف مصنعا سلطانيا
( زارت تجر بنخوة أذيالها ** هيفاء تخلط بالنفار دلالها )
( فالشمس من حسد لها مصفرة ** إذ قصرت عن أن تكون مثالها )
( وافتك تمزج لينها بقساوة ** قد أدرجت طي العتاب نوالها )
( كم رمت كتم مزادها لكنه ** صحت دلائل لم تطق إعلالها )
( تركت على الأرجاء عند مسيرها ** أرجا كأن المسك فت خلالها )
( ما واصلتك محبة وتفضلا ** لو كان ذاك لواصلت إفضالها )
( لكن توقعت السلو فجددت ** لك لوعة لا تتقي ترحالها )
( فوحبها قسما يحق بروره ** لتجشمنك في الهوى أهوالها )
____________________
(5/436)

حسنت نظم الشعر في أوصافها ** إذ قبحت لك في الهوى أفعالها )
( يا حسن ليلة وصلها ما ضرها ** لو أتبعت من بعدها أمثالها )
( لما سكرت بريقها وجفونها ** أهملت كأسك لم ترد إعمالها )
( هذا الربيع أتاك ينشر حسنه ** فافسح لنفسك في مداه مجالها )
( واخلع عذارك في البطالة جامحا ** واقرن بأسحار الهنا آصالها )
( في جنة تجلو محاسنها كما ** تجلو العروس لدى الزفاف جمالها )
( شكرت أيادي للحيا شكر الورى ** شرف الملوك همامها مفضالها )
( وصميمها أصلا وفرعا خيرها ** ذاتا وخلقا سمحها بذالها )
( الطاهر الأعلى الأمين المرتضى ** بحرالمكارم غيثها سلسالها )
( حاز المعالي كابرا عن كابر ** وجرى لغايات الكرام فنالها )
( إن تلقه في يوم بذل هباته ** تلق الغمائم أرسلت هطالها )
( أو تلقه في يوم جرب عداته ** تلق الضراغم فارقت أشبالها )
( ملك إذا ما صال يوما صولة ** خلت البسيطة زلزلت زلزالها )
( فبسيبه وبسيفه نلت المنى ** واستعجلت أعداؤه آجاها )
( الواهب الآلاف قبل سؤالها ** فكفى العفاة سؤالها ومطالها )
( القاتل الآلاف قبل قراعها ** فكفى العداة قراعها ونزالها )
( إن قلت بحر كفه قصرت إذ ** شبهت بالملح الأجاج نوالها )
( ملأ البسيطة عدله وأمانه ** فالوحش لا تعدو على من غالها )
( وسقى البرية فيض كفيه فقد ** عم البلاد سهولها وجبالها )
( جمع العلوم عناية بعيونها ** آدابها وحسابها وجدالها )
( منقولها معقولها وأصولها ** وفروعها تفصيلها إجمالا )
( فإذا عفاتك عاينوك تهللوا ** لما رأوا من كفك استهلالها )
____________________
(5/437)


( وإذا عداتك أبصروك تيقنوا ** أن المنية سلطت رئبالها )
( بددت شملهم ببيض صوارم ** رويت من علق الكماة نصالها )
( وأبحت أرضهم فأصبح أهلها ** خورا تغادر نهبة أموالها )
( فتحت إمارتك السعيدة للورى ** أبواب بشرى واصلت إقبالها )
( وبنت مصانع رائقات ذكرت ** دار النعيم جنانها وظلالها )
( وأجلها قدرا وأرفعها مدى ** هذا الذي سامى النجوم وطالها )
( هو جنة فيها الأمير مخلد ** بلغت إمارته بها آمالها )
( ولأرض أندلس مفاخر أنتم ** أربابها أضفيتم سربالها )
( فحميتم أرجاءها وكفيتم ** أعداءها وهديتم ضلالها )
( فبآل نصر فاخرت لا غيرهم ** لم تعتمد من قبلهم أقيالها )
( بمحمد ومحمد ومحمد ** قصرت على الخصم الألد نضالها )
( فهم الألى ركبوا لكل عظيمة ** جردا كسين من النجيع جلالها )
( وهم الألى فتحوا لكل ملمة ** بابا أزاح بفتحه إشكالها )
( متقلدون من السيوف عضابها ** متأبطون من الرماح طوالها )
( الراكبون من الجياد عرابها ** والضاربون من العدا أبطالها )
( أولي عهد المسلمين ونخبة الأملاك ** صفوة محضها وزلالها )
( إن العباد مع البلاد مقرة ** بفضائل لك مهدت أحوالها )
( فتفك عانيها وتحمي سربها ** وتفيد حلما دائما جهالها )
وقال يرثي ولده أبا القاسم رحمهما الله تعالى
( هو البين حتما لا لعل ولا عسى ** فما بال نفسي لم تفض عنده أسى )
( وما لفؤادي لم يذب منه حسرة ** فتبا لهذا القلب سرعان ما قسا )
____________________
(5/438)


( وما لجفوني لا تفيض موردا ** من الدمع يهمي تارة ومورسا )
( وما للساني مفصحا بخطابه ** وما كان لو أوفى بعهد لينبسا )
( أمن بعد ما أودعت روحي في الثرى ** ووسدت مني فلذة القلب مرمسا )
( وبعد فراق ابني أبي القاسم الذي ** كساني ثوب الثكل لا كان ملبسا )
( أؤمل في الدنيا حياة وأرتضي ** مقيلا لذى أبنائها ومعرسا )
( فآها وللمفجوع فيها استراحة ** ولا بد للمصدور أن يتنفسا )
( على عمر أفنيت فيه بضاعتي ** فأسلمني للقبر حيران مفلسا )
( ظللت به في غفلة وجهالة ** إلى أن رمى سهم الفراق فقرطسا )
( إلى الله أشكو برح حزني فإنه ** تلبس منه القلب ما قد تلبسا )
( وهدة خطب نازلتني عشية ** فما أغنت الشكوى ولا نفع الأسا )
( فقد صذعت شملي وأصمت مقاتلي ** وقد هدمت ركني الوثيق المؤسسا )
( ثبت لها صبرا لشدة وقعها ** فما زلزلت صبري الجميل وقد رسا )
( وأطمع أن يلقى برحمته الرضى ** وأجزع أن يشقي بذنب فينكسا )
( أبا القاسم اسمع شكو والدك الذي ** حسا من كؤوس البين أفظع ما حسا )
( وقفت فؤادي مذ رحلت على الأسى ** فأشهد لا ينفك وقفا محبسا )
( وقطعت آمالي من الناس كلهم ** فلست أبالي أحسن المرء أم أسا )
( تواريت يا بدري وشمسي ناظري ** فصار وجودي مذ تواريت حندسا )
( وخلفت لي عبئا من الثكل فادحا ** فما أتعب الثكلان نفسا وأتعسا )
( أحقا ثوى ذاك الشباب فلا أرى ** له بعد هذا اليوم حولي مجلسا )
( فيا غصنا نضرا ثوى عندما استوى ** وأوحشني أضعاف ما كان أنسا )
( ويا نعمة لما تبلغتها انقضت ** فأنعم أحوالي بها صار أبؤسا )
____________________
(5/439)


( لودعته والدمع تهمي سحابه ** كما أسلم السلك الفريد المخمسا )
( وقبلت في ذاك الجبين مودعا ** لأكرم من نفسي علي وأنفسا )
( وحققت من وجدي به قرب رحلتي ** وماذا عسى أن ينظر الدهر من عسا )
( فيا رحمة للشيب يبكي شبيبة ** قياس لعمري عكسه كان أقيسا )
( فلو أن هذا الموت يقبل فدية ** حبوناه أموالا كراما وأنفسا )
( ولكنه حكم من الله واجب ** يسلم فيه من بخير الورى ائتسى )
( تغمدك الرحمن بالعفو والرضى ** وكرم مثواك الجديد وقدسا )
( وألف منا الشمل في جنة العلا ** فنشرب تسنيما ونلبس سندسا )
وكتب إلى القاضي الشريف وهو بوادي آش
( أهزلا وقد جدت بك اللمة الشمطا ** وأمنا وقد ساورت يا حية رقطا )
( أغرك طول العمر في غير طائل ** وسرك أن الموت في سيره أبطا )
( رويدا فإن الموت أسرع وافد ** على عمرك الفاني ركائبه حطا )
( فإذا ذاك لا تسطيع إدراك ما مضى ** بحال ولا قبضا تطيق ولا بسطا )
( تأهب فقد وافى مشيبك منذرا ** وها هو في فوديك أحرفه خطا )
( فوافقت منه كاتب السر واشيا ** له القلم الأعلى يخط به وخطا )
( معمى كتاب فكه احذر فهذه ** سفينة هذا العمر قاربت الشطا )
( وإن طالما خاضت به اللجج التي ** خبطت بها في كل مهلكة خبطا )
( وما زلت في أمواجها متقلبا ** فآونة رفعا وآونة حطا )
( فقد أوشكت تلقيك في قعر حفرة ** تشد عليك الجانبين بها ضغطا )
( ولست على علم بما أنت بعدها ** ملاق أرضوانا من الله أم سخطا )
____________________
(5/440)


( وأعجب شيء منك دعواك في النهى ** وهذا الهوى المردي على العقل قد غطى )
( قسطت عن الحق المبين جهالة ** وقد خالفتك النفس فادعت القسطا )
( وطاوعت شيطانا تجيب إذا دعا ** وتقبل إن أغوى وتأخذ إن أعطى )
( تناءى عن الأخرى وقد قربت مدى ** تدانى من الدنيا وقد أزمعت شحطا )
( وتمنحها حبا وفرط صبابة ** وما منحت إلا القتادة والخرطا )
( فها أنت تهوي وصلها وهي فارك ** وتأمل قربا من حماها وقد شطا )
( صراط هدى نكبت عنه عماية ** ودار ردى أوعيت في سحتها سرطا )
( فما لك إلا السيد الشافع الذي ** له فضل جاه كل ما يرتجي يعطي )
( دليل إلى الرحمن فانهج سبيله ** فمن حاد عن نهج الدليل فقد أخطا )
( محبته شرط القبول فمن خلت ** صحيفته منها فقد فقد الشرطا )
( وما قبلت منه لدى الله قربة ** وما زكت الأعمال بل حبطت حبطا )
( به الحق وضاح به الإفك زاهق ** به الفوز مرجو به الذنب قد حطا )
( هو الملجأ الأحمى هو الموئل الذي ** به في غد يستشفع المذنب الخطا )
( لقد مازجت روحي محبته التي ** بقلبي خطت قبل أن أعرف الخطا )
( إليك ابن خير الخلق بنت بديهة ** تقبل تبجيلا أناملك السبطا )
( وحيدة هذا العصر وافت وحيدة ** لتبسط من شتى بدائعها بسطا )
( وتتلو آيات التشيع إنها ** لموثقة عهدا ومحكمة ربطا )
( لك الشرف المأثور يا ابن محمد ** وحسبك أن تنمى إلى سبطه سبطا )
( إلى شرفي دين وعلم تظاهرا ** تبارك من اعطى وبورك في المعطى )
( ورهطك أهل البيت بيت محمد ** فأعظم به بيتا وأكرم به رهطا )
( بعثت به عقدا من الدر فاخرا ** وذكر رسول الله درته الوسطى )
( وأهديت منها للسيادة غادة ** نظمت من الدر الثمين بها سمطا )
____________________
(5/441)


( وحاشيتها من كل ما شأنها فإن ** تجعد حوشي تجد لفظها سبطا )
( وفي الطيبين الطاهرين نظمتها ** فساعدها من أجل ذلك حرف الطا )
( عليك سلام الله ما ذر شارق ** وما رددت ورقاء في غصن لغطا )
وقال
( لله عصر الشباب عصرا ** فتح للخير كل باب )
( حفظت ما شئت فيه حفظا ** كنت أراه بلا ذهاب )
( حتى إذا ما المشيب وافى ** ند ولكن بلا إياب )
( لا تعتنوا بعدها بحفظ ** وقيدوا العلم بالكتاب )
وقال
( يا أيها الممسك البخيل ** إلهك المنفق الكفيل )
( أنفق وثق بالإله تربح ** فإن إحسانه جزيل )
( وقدم الأقربين واذكر ** ما روي ابدأ بمن تعول )
وقال
( وقائله لم عراك المشيب ** وما إن بعهد الصبا من قدم )
( فقلت لها لم أشب كبرة ** ولكنه الهم نصف الهرم )
وقال
( أيعتادني سقم وأنت طبيب ** وتبعد آمالي وأنت قريب )
( يقيني أن الله جل جلاله ** يقيني فراجي الله ليس يخيب )
وقال
( هي النفس إن أنت سامحتها ** رمت بك أقصى مهاوي الخديعه )
____________________
(5/442)


( وإن أنت جشمتها خطة ** تنافي رضاها تجدها مطيعه )
( فإن شئت فوزا فناقض هواها ** وإن وصلتك اجزها بالقطيعة )
( ولا تعبأن بميعادها ** فميعادها كسراب بقيعة )
وقال
( من أنت يا مولى الورى مقصوده ** طوبى له قد ساعدته سعوده )
( فليشهدنك له فؤاد صادق ** وشهوده قامت عليه شهوده )
( وليفنين عن نفسه ورسومه ** طرا وفي ذاك الفناء وجوده )
( وليحفظنه بارق يرقى به ** في أشرف المعراج ثم يعيده )
( حتى يظل وليس يدري دهشة ** تقريبه المقصود أن تبعيده )
( لكنه ألقى السلاح مسلما ** فمراده ما أنت منه تريده )
( فلقد تساوى عنده إكرامه ** وهوانه ومفيده ومبيده )
وقال ملغزا في حجل
( حاجيت كل فطن لبيب ** ما اسم لأنثى من بني يعقوب )
( ذات كرامات فزرها قربة ** فزورها أحق بالتقريب )
( تشركها في الاسم انثى لم تزل ** حافظة لسرها المحجوب )
( وقد جرى في خاتم الوحي الرضى ** لها حديث ليس بالمكذوب )
( وهو إذا ما الفاء منه صحفت ** صبغ الحياء لا الحيا المسكوب )
( فهاكها واضحة أسرارها ** فأمرها أقرب من قريب )
وقال أيضا في آب
____________________
(5/443)


( حاجيتكم ما اسم علم ** ذو نسبة إلى العجم )
( يخبر بالرجعة وهو ** راجع كما زعم )
( وصف الحبيب هو بالتصحيف ** أو بدء قسم )
( دونكه أوضح من ** نار على رأس علم )
وقال في كانون
( وما اسم لسميين ** ولم يجمعهما جنس )
( فهذا كلما يأتي ** فبالآخر لي أنس )
( وهذا ما له شخص ** وهذا ما له حس )
( وهذا ما له سوم ** وذا قيمته فلس )
( وهذا أصله الأرض ** وهذا أصله الشمس )
( وهذا واحد من سبعة ** تحيا بها النفس )
( فمن محموله الجن ** ومن موضوعه الإنس )
( فقد بان الذي ألغزت ** ما في أمره لبس )
وقال في سلم
( ما اسم مركب مفيد الوضع ** مستعمل في الوصل لا في القطع )
( ينصب لكن أكثر استعمال من ** يعنى به في الخفض أو في الرفع )
( هو إذا حققته مغيرا ** تراه شملا لم يزل ذا صدع )
( فالاسم إن طلبته تجده في ** خامسة من الطوال السبع )
( وهو إذا صحفته يعرب عن ** مكسر في غير باب الجمع )
____________________
(5/444)


( له أخ أفضل منه لم تزل ** آثاره محمودة في الشرع )
( هما جميعا من بني النجار والأفضل ** أصل في حنين الجذع )
( فهاكه قد سطعت أنواره ** لا سيما لكل زاكي الطبع )
وقال في مائدة
( حاجيت كل فطن نظار ** ما اسم لأنثى من بني النجار )
( وفي كتاب الله جاء ذكرها ** فقلما يغفل عنها القاري )
( في خبر المهدي فاطلبها تجد ** إن كنت من مطالعي الأخبار )
( ما هي إلا العيد عيد رحمة ** ونعمة ساطعة الأنوار )
( يشركها في الاسم وصف حسن ** من وصف قضب الروضة المعطار )
( فهاكه كالشمس في وقت الضحى ** قد شف عنها حجب الأستار )
ثم قال لسان الدين وأما نثره فمطولات عرفت بما تخللها من الأحوال متونها وقلت لمكان البديهة والاستعجال عيونها وقد اقتنصت جزءا منها سميت تافه من جم ونقطة من يم وولد بغرناطة في جمادى الأولى عام ثلاثة وسبعين وستمائة وتوفي ليلة الأربعاء الثالث والعشرين من شوال عام تسعة وأربعين وسبعمائة وأنشدت من نظمي في رثائه خامس يوم دفنه على قبره هذه القصيدة
( ما لليراع خواضع الأعناق ** طرق النعي فهن في إطراق )
( وكأنما صبغ الشحوب وجوهها ** والسقم من جزع ومن إشفاق )
( ما للصحائف صوحت روضاتها ** أسفا وكن نضيرة الأوراق )
( ما للبيان كؤوسه مهجورة ** غفل المدير لها ونام الساقي )
____________________
(5/445)


( ما لي عدمت تجلدي وتصبري ** والصبر في الأزمات من أخلاقي )
( خطب أصاب بني البلاغة والحجي ** شب الزفير به عن الأطواق )
( أما وقد أودى أبو الحسن الرضى ** فالفضل قد أودى على الإطلاق )
( كنز المعارف لا تبيد نقوده ** يوما ولا تفنى على الإنفاق )
( من للبدائع أصبحت سمر السرى ** ما بين شام للورى وعراق )
( من لليراع يجيل من خطيها ** سم العدا ومفاتح الأرزاق )
( قضب ذوابل مثمرات بالمنى ** وأراقم ينفثن بالترياق )
( من للرقاع الحمر يجمع حسنها ** خجل الخدود وصبغة الأحداق )
( تغتال أحشاء العدو كأنها ** صفحات دامية الغرار رقاق )
( وتهز اعطاف الولي كأنها ** راح مشعشعة براحة ساقي )
( من للفنون يجيل في ميدانها ** خيل البيان كريمة الأعراق )
( من للحقائق أبهمت أبوابها ** للناس يفتحها على استغلاق )
( من للمساعي الغر تقصد جاهه ** حرما فينصرها على الإخفاق )
( كم شد من عقد وثيق حكمه ** في الله أو أفتى بحل وثاق )
( رحب الذراع بكل خطب فادح ** أعيت رياضته على الحذاق )
( صعب المقادة في الهوادة والهوى ** سهل على العافين والطراق )
( ركب الطريق إلى الجنان وحورها ** يلقينه بتصافح وعناق )
( فاعجب لأنس في مظنه وحشة ** ومقام وصل في مقام فراق )
( أمطيبا بمحامد العمل الرضى ** ومكفنا بمكارم الأخلاق )
( ما كنت أحسب قبل نعشك أن أرى ** رضوى تسير به على الأعناق )
( ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرى ** أن اللحود خزائن الأعلاق )
( يا كوكب الهدي الذي من بعده ** ركد الظلام بهذه الآفاق )
( يا واحدا مهما جرى في حلبة ** جلى بغرة سابق السباق )
____________________
(5/446)


( يا ثاويا بطن الضريح وذكره ** أبدا رفيق ركائب ورفاق )
( يا غوث من وصل الصريخ فلم يجد ** في الأرض من وزر ولا من واق )
( ما كنت إلا ديمة منشورة ** من غير إرعاد ولا إبراق )
( ما كنت إلا روضة ممطورة ** ما شئت من ثمر ومن أوراق )
( يا مزمعا عنا العشي ركابه ** هلا ثويت ولو بقدر فواق )
( رفقا أبانا جل ما حملتنا ** لا تنس فينا عادة الإشفاق )
( واسمح ولو بمزار لقيا في الكرى ** تبقي بها منا على الأرماق )
( وإذا اللقاء تصرمت أسبابه ** كان الخيال تعلة المشتاق )
( عجبا لنفس ودعتك وأيقنت ** أن ليس بعد نواك يوم تلاقي )
( ما عذرها إن لم تقاسمك الردى ** في فضل كأس قد شربت دهاق )
( إن قصرت أجفاننا عن أن ترى ** تبكي النجيع عليك باستحقاق )
( واستوقفت دهشا فإن قلوبنا ** نهضت بكل وظيفة الآماق )
( ثق بالوفاء على المدى من فتية ** بك تقتدى في العهد والميثاق )
( سجعت بما طوقتها من منة ** حتى زرت بحمائم الأطواق )
( تبكي فراقك خلوة عمرتها ** بالذكر في طفل وفي إشراق )
( أما الثناء على علاك فذائع ** قد صح بالإجماع والإصفاق )
( والله قد قرن الثناء بأرضه ** بثنائه من فوق سبع طباق )
( جادت ضريحك ديمة هطالة ** تبكي عليه بواكف رقراق )
( وتغمدتك من الإله سعادة ** تسمو بروحك للمحل الراقي )
( صبرا بني الجياب إن فقيدكم ** سيسر مقدمه بما هو لاق )
( وإذا الأسى لفح القلوب أواره ** فالصبر والتسليم أي رواق )
وأنشد في هذا الغرض الفقيه أبو عبد الله ابن جزي
____________________
(5/447)


( ألم تر أن المجد أقوت معالمه ** فأطنابه قد قوضت ودعائمه )
( هوى من سماء المعلوات هلالها ** وخانت جواد المكرمات قوائمه )
( وثلت من الفخر المشيد عروشه ** وفلت من العز المنيع صوارمه )
( وعطل من حلي البلاغة قسها ** وعري من جود الأنامل حاتمه )
( أجل إنه الخطب الذي جل وقعه ** وثلم غرب الدين والعلم هاجمه )
( وإلا فما للنوم طار مطاره ** وما للزيم الحزن قصت قوادمه )
( وما لصباح الأنس أظلم نوره ** وما لمحيا الدهر قطب باسمه )
( وما لدموع العين فضت كأنها ** فواقع زهر والجفون كمائمه )
( قضى الله في قطب الرياسة أن قضى ** فشتت ذاك الشمل من هو ناظمه )
( ومن قارع الأيام سبعين حجة ** ستنبو غراراه ويندق قائمه )
( وفي مثلها أعيا النطاسي طبه ** وضل طريق الحزم في الرأي حازمه )
( تساوى جواد في رداه وباخل ** فلا الجود واقيه ولا البخل عاصمه )
( وما نفعت رب الجياد كرامه ** ولا منعت منه الغني كرائمه )
( وكل تلاق فالفراق أمامه ** وكل طلوع فالغروب ملازمه )
( وكيف مجال العقل في غير منفذ ** إذا كان باني مصنع هو هادمه )
( ليبك عليا مستجير بعدله ** يصاخ لشكواه ويمنع ظالمه )
( ليبك عليا مائح بحر علمه ** يروى بأنواع المعارف هائمه )
( ليبك عليا مظهر فضل نصحه ** يحلا عن ورد المآثم حائمه )
( ليبك عليا معتف جود كفه ** يواسيه في أمواله ويقاسمه )
( ليبك عليا ليله وهو قائم ** يكابده أو يومه وهو صائمه )
( ليبك عليا فضل كل بلاغة ** يخلده في صفحة الطرس راقمه )
( وشخص ضئيل الجسم يرهب نفثه ** ليوث الشرى في خيسها وضراغمه )
____________________
(5/448)


( تكفل بالرزق المقدر للورى ** إذا الله أعطى فهو في الناس قاسمه )
( يسدده سهما وينضوه صارما ** ويشرعه رمحا فكل يلائمه )
( إذا سال من شقيه سائل حبره ** بما شاء منه سائل فهو عالمه )
( ليبك عليه اليوم من كان باكيا ** فتلك مغانيه خلت ومعالمه )
( تقلد منه الملك عضب بلاغة ** يقد السلوقي المضاعف صارمه )
( وقلده مثنى الوزارة فاكتفى ** بها ألمعي حازم الرأي عازمه )
( ففي يده وهو الزعيم بحقها ** براعته والمشرفي وخاتمه )
( سخي على العافين سهل قياده ** أبي على العادين صعب شكائمه )
( إذا ضلت الآراء في ليل حادث ** رآها برأي يصدع الخطب ناجمه )
( وقام بأمر الدين والملك حاميا ** فذل معاديه وضل مراغمه )
( وقد كان نيط العلم والحلم والتقى ** به وهو ما نيطت عليه تمائمه )
( ودوخ أعناق الليالي بهمة ** يبيت ونجم الأفق فيها يزاحمه )
( وزاد على بعد المنال تواضعا ** أبى الله إلا أن تتم مكارمه )
( سقيت الغوادي أي علم وحكمة ** ودين متين ذلك القبر كاتمه )
( وما زال يستسقى بدعوتك الحيا ** وها هو يستسقى لقبرك ساجمه )
( بكت فقدك الكتاب إذ كان شملهم ** يؤلفه من دوح فضلك ناعمه )
( وطوقتهم بالبر ثم سقيتهم ** نداك فكنت الروض ناحت حمائمه )
( ويبكيك مني ذاهب الصبر موجع ** توقد في جنبيه للحزن جاحمه )
( فتى نال منه الدهر إلا وفاءه ** فما وهنت في حفظ عهد عزائمه )
( عليل الذي زرت عليه جيوبه ** قريح الذي شدت عليه حزائمه )
( فقد كنت ألقى الخطب منه بجنة ** تعارض دوني بأسه وتصادمه )
( سأصبر مضطرا وإن عظم الأسى ** أحارب حزني مرة وأسالمه )
( وأهديك إذ عز اللقاء تحية ** وطيب ثناء كالعبير نواسمه )
____________________
(5/449)


وأنشد الفقيه القاضي أبو جعفر ابن جزي قصيدة أولها
( أبثكما والصبر للعهد ناكث ** حديثا أملته علي الحوادث )
وأنشد القاضي أبو بكر ابن علي القرشي قصيدة أولها
( هي الآمال غايتها نفاد ** وفي الغايات تمتاز الجياد )
وأنشد الفقيه الكاتب القاضي أبو القاسم ابن الحكم قصيدة أولها
( لينع الحجي والحلم من كان ناعيا ** ويرع العلا والعلم من كان راعيا )
قصائد مطولات يخرج استقصاؤها عن الغرض فكان هذا التأبين غريبا لم يتقدم به عهد بالحضرة لكونها دار ملك والتجلة في مثل هذا مقصورة على أولي الأمر انتهى ما لخصته من ترجمته في الإحاطة
ولنرد فنقول ومن ألغازه في الدرهم
( ما يغيض إلى الكرام خصوصا ** وحبيب إلى الأنام عموما )
( فاعجبوا منه كيف يحمي ويحمى ** ويكف الغدا ويغني العديما )
( إن تغير شطريه فالأول اسم ** يألف الضرع والغمام السجوما )
( ويكون الثاني كبير أناس ** حطمته حياته تحطيما )
( فإذا ما قلبت أول شطر ** رد منطوق لغزه مفهوما )
( وإذا ما قلبت ثاني شطر ** كان كفا وليس كفا رقيما )
( قلبه بعد حذفك الفاء منه ** وهو شيء يحلل التحريما )
( أو صغير مستحسن لم يؤدب ** إن تعلمه يقبل التعليما )
( فلتبين ما قلته ولتعين ** وبه فلتقم مقاما كريما )
وقال في المسك
____________________
(5/450)


( ما طاهر طيب ولكن ** ما أصله من ذوي الطهارة )
( من الظباء الحسان لكن ** إذا تأملته ففاره )
( نص حديث الرسول فيه ** شهادة تقتضي بشارة )
( تصحيفه بعد حذف حرف ** منزلك الآهل العمارة )
يعني مبني
وقال في فلك
( ما اسم لشيء مرتقي ** في مغرب ومشرق )
( إذا حذفت فاءه ** كان لك الذي بقي )
وقال أيضا في الفنار
( ما اسم إذا حذفت منه ** فاءه المنوعة )
( فإنه ابنة الزنا ** مضافة لأربعة )
يعني ابنة الزناد وهي النار
وقال في النوم
( ما اسم مسماه به ** يسقط حكم التكليف )
( وإن دخلت البيت ** بالتصحيف حق التعنيف )
( وإن أردت شبهه ** فقلبه بالتصحيف )
( بينه فهو في كتاب ** الله بادي التعريف )
وقال في غزال
( حاجيتكم ما اسم شيء ** يروق في الوصف حسنا )
( له محاسن شتى ** منها فرادى ومثنى )
____________________
(5/451)


( 0000000 ** له بل الشعر أثنى )
( مهما تنله بحذف ** أتاك حرفا لمعنى )
( إن زال أول حرف ** زال الذي منه يعنى )
( أو زال ثانيه منه ** فالقتل أدهى وأفنى )
( أو زال ثالثه فهو ** لغو صب معنى )
( أو زال رابعه ** فالجهاد فيه تسنى )
( فأوضح القصد يا من ** قد فاق عقلا وذهنا )
وقال في النمل
( ما حيوان اسمه ** قد جاء في الذكر الحكيم )
( وهو إذا قلبته ** لمن به أنت عليم )
( وإن تصحف اسمه ** فبعض أوصاف اللئيم )
وقال في دواة
( وما أنثى بها رعي الرعايا ** وإمضاء المنايا والقضايا )
( وتقصدها بنوها من رضاع ** إذا انبعثوا لإبرام القضايا )
( لها اسم إن أزلت النقط منه ** فعذ بالله من شر البلايا )
( وإن أبدلت آخره بهمز ** فقد أبرأت نازلة الشكايا )
( وإن بدلت أوله بنون ** أتيت ببعض أرزاق المطايا )
( فأوضح ما رمزناه بفكر ** سديد القصد مبد للخفايا )
وقال في سفينة
( ما ذات نفع وغناء عظيم ** لها حديث في الزمان القديم )
____________________
(5/452)


( أوحى بها الله إلى عبده ** فحبذا فعل الرسول الكريم )
( وعابها فيما مضى صالح ** حسبك ما نص الكتاب الحكيم )
( وفي كتاب الله تردادها ** فاقرأ تجده في قضايا الكليم )
( إن أنت صحفت اسمها تلقه ** محل أنس أو بلاء مقيم )
( أو هو فعل لك فيما مضى ** لكن إذا أبرأت داء السقيم )
( فهاكه قد لاح برهانه ** مبينا لكل فكر سليم )
وقال أيضا في المسك
( كتبتم كثيرا ولم تكتبوا ** كهذا الذي سبله واضحة )
( فما اسم جرى ذكره في الكتاب ** فإن شئته فاقرإ الفاتحة )
( ففيها مصحف مقلوبه ** يعبر عن حالة صالحه )
( وليست بغادية فاعلموا ** ولكنها أبدا رائحه )
ويعني بقوله في الفاتحة قوله أول الأبيات كتبتم فافهم
وقال في صقر
( حاجيتكم ما اسم لبعض السباع ** تصحيفه ما لك فيه انتفاع )
( وعكسه إن شئت عكسا له ** يوجد لكن عند دور السماع )
( وإن تصحف بعد قلب له ** فمذهب يعزي لأهل النزاع )
( فبين الإلغاز وارفع لنا ** بنور فكر منك عنه القناع )
وقال في الحوت
( ما حيوان في اسمه ** إن اعتبرته فنون )
____________________
(5/453)


( أحرفه ثلاثة ** والكل منها هو نون )
( إن أنت صحفت اسمه ** فما جناه المذنبون )
( أو أبيض أو أسود ** أو صفة النفس الخؤون )
( قلب اسمه مصحفا ** عليه دارت السنون )
( كانت به فيما مضى ** عبرة قوم يعقلون )
( أودع فيه زمنا ** سر من السر المصون )
( فهاكه كالنار في الزند ** له فيها كمون )
وقال في لبن
( أفديك ما اسم إذا ما ** صحفته فهو سبع )
( وإن تصحف بعكس ** ففيه للقبط شرع )
( والاسم يعرب عما ** لديه ري وشبع )
( في النحل يلفى ولكن ** لا يتقي فيه لسع )
( فليس للنحل أصل ** ولا لها فيه فرع )
( فهاكه قد تبدى ** لحجبه عنه رفع )
وقال في القلم
( وماموم به عرف الإمام ** كما باهت بصحبته الكرام )
( له إذ يرتوي طيشان صاد ** ويسكن حين يعروه الأوام )
( ويذري حين يستسقي دموعا ** يرقن كما يروق الإبتسام )
وله رحمه الله تعالى كثير من هذا ولم أر أحدا أحكم الإلغاز مثلما أحكمه ابن الجياب المذكور ولولا الإطالة لذكرت منها ما يستدل به على
____________________
(5/454)

صحة الدعوى وفيما ذكرنا كفاية
ومن نظم الرئيس ابن الجياب المذكور في رثاء عمر بن علي بن عتيق القرشي الهاشمي الغرناطي قوله
( قضي الأمر فيا نفس اصبري ** صبر تسليم لحكم القدر )
( وعزاء يا فؤادي إنه ** حكم ملك قاهر مقتدر )
( حكمه أحكمها تدبيره ** نحن منها في سبيل السفر )
( أجل مقدر ليس بمستقدم ** يوما ولا مستأخر )
( أحسن الله عزاء كل ذي ** خشية لربه في عمر )
( في إمامنا التقي الخاشع ** الطاهر الذات الزكي النير )
( قرشي هاشمي منتقى ** من صميم الشرف المطهر )
( يشهد الليل عليه أنه ** دائم الذكر طويل السهر )
( في صلاة بعثت وفودها ** زمرا للمصطفى من مضر )
( قائما وراكعا وساجدا ** لطلوع فجره المنفجر )
( جمع الرحمن شملنا غدا ** بحبيب الله خير البشر )
( وتلقته وفود رحمة الله ** تأتي بالرضى والبشر )
قلت هذا النظم وإن برد ما فيه من الزحاف فله من الوعظ وذكر الله ورسوله خير لحاف
قال لسان الدين ولما نظم القاضي أبو بكر ابن شبرين ببيت الكتابة ومألف الجملة هذين البيتين
( ألا يا محب المصطفى زد صبابة ** وضمخ لسان الذكر منك بطيبه )
( ولا تعبأن بالمبطلين فإنما ** علامة حب الله حب حبيبه )
وأخذ الأصحاب في تذييل ذلك قال الشيخ الرئيس أبو الحسن ابن الجياب
____________________
(5/455)

رحمه الله تعالى ورضي عنه
( فمن يعمر الأوقات طرا بذكره ** فليس نصيب في الهدى كنصيبه )
( ومن كان عنه معرضا طول ذكره ** فكيف يرجيه شفيع ذنوبه )
وقال أبو القاسم ابن أبي العافية
( أليس الذي جلى دجى الجهل هديه ** بنور أقمنا بعده نهتدي به )
( ومن لم يكن من ذاته شكر منعم ** فمشهده في الناس مثل مغيبه )
وقال أبو بكر ابن أرقم
( نبي هدانا من ضلال وحيرة ** إلى مرتقى سامي المحل خصيبه )
( فهل ينكر الملهوف فضل مجيره ** ويغمط شاكي الداء شكر طبيبه )
فانتهى القول إلى الخطيب أبي محمد ابن أبي المجد فقال
( ومن قال مغرورا حجابك ذكره ** فذلك مغمور طريد عيوبه )
( وذكر رسول الله فرض مؤكد ** وكل محق قائل بوجوبه )
وقال يوما الشيخ أبو الحسن ابن الجياب تجربة للخاطر على العادة
( جاهد النفس جاهدا فإذا ما ** فنيت منك فهو عين الوجود )
( وليكن حكمها المسدد فيها ** حكم سعد في قتله لليهود )
فأجابه أبو محمد ابن أبي المجد بقوله
( أيها العارف المعبر ذوقا ** عن معان عزيزة في الوجود )
( إن حال الفناء عن كل غير ** كمقام المراد غير المريد )
( كيف لي بالجهاد غير معان ** وعدوي مظاهر بجنود )
____________________
(5/456)


( ولو أني حكمت فيمن ذكرتم ** حكم سعد لكنت جد سعيد )
( فأراها حبابة بي فتونا ** وأراني في حبها كيزيد )
( سوف أسلو بنصحكم عن هواها ** ولو أبدت فعل المحب الودود )
( ليس شيء سوى إلهك يبقى ** واعتبر صدق ذا بقول لبيد ) ترجمة ابن أبي المجد
وابن أبي المجد المذكور هو عبد الله بن عبد البر بن علي بن سليمان بن محمد بن محمد بن أشعب الرعيني من أرجدونة من كورة رية يكنى أبا محمد ويعرف بابن أبي المجد كان من أعلام الكورة سلفا وصلاحا ونية في الصالحين كثير الإيثار بما تيسر مليح التخلق حسن السمت طيب النفس حسن الظن له حظ من الأدب والفقه والقراءات والفرائض وخوض في التصوف قطع عمره خطيبا وقاضيا ببلده ووزيرا قرأ على الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير وابن فضيلة المعافري وابن رشيد وأجازه طائفة كبيرة توفي ليلة النصف من شعبان عام تسعة وثلاثين وسبعمائة رحمه الله تعالى رجع إلى ابن الجياب
ومن نظم ابن الجياب ما كتب على باب المدرسة العلمية بغرناطة
( يا طالب العلم هذا بابه فتحا ** فادخل تشاهد سناه لاح شمس ضحى )
( واشكر مجيرك من حل ومرتحل ** إذ قرب الله من مرماك ما نزحا )
( وشرفت حضرة الإسلام مدرسة ** بها سبيل الهدى والعلم قد وضحا )
____________________
(5/457)


( أعمال يوسف مولانا ونيته ** قد طرزت صحفا ميزانها رجحا )
ومنه قوله
( أبى الله إلا أن تكون اليد العليا ** لأندلس من غير شرط ولا ثنيا )
( وإن هي عضتها بنوب نوائب ** فصيرت الشهد المشور بها شريا )
( فما عدمت أهل البلاغة والحجى ** يقيمون فيها الرسم للدين والدنيا )
( إذا خطبوا قاموا بكل بليغة ** تجلي القلوب الغلف والأعين العميا )
( وإن شعروا جاءوا بكل غريبة ** تخال النجوم النيرات لها حليا )
( فأسأل في الدنيا من الله ستره ** علينا وفي الأخرى إذا حانت اللقيا )
وقال أبو الحسن ابن الجياب
( أرى الدهر في أطواره متقلبا ** فلا تأمنن الدهر يوما فتخدعا )
( فما هو إلا مثلما قال قائل ** مكر مفر مقبل مدبر معا )
وحكي أنه أهدى له الفقيه ابن قطبة رمانا ثم دخل عليه عائدا فلما رآه قال له يا فقيه نعم بالهدنة زمانك أراد نعمت الهدية رمانك وكان هذا قبل موته من مرضه بيسير وهو مما يدل على ثبوت ذهنه حتى قرب الموت سامحه لله تعالى
ومن نثر ابن الجياب رحمه الله تعالى ما كتبه عن سلطانه إلى بعض سلاطين وقته وهو السلطان أبو سعيد المريني صاحب فاس ونصه المقام لدى الملك المنصور الأعلام والفضل الثابت الأحكام والمجد الذي أشرقت به وجوه الأيام والفخر الذي تتدارس أخباره بين الركن والمقام والعز الذي تعلو به كلمة الإسلام مقام محل الأب الواجب الإكبار والإعظام السلطان الكذا أبقاه
____________________
(5/458)

الله في ملك منيع الذمار وسعد باهر الأنوار ومجد رفيع المقدار وسلطان عزيز الأنصار كريم المآثر والآثار كفيل بالإعلاء لدين الله والإظهار معظم مقامه وموقره ومجل سلطانه ومكبره المثني على فضله الذي أربى على ظاهره مضمره الشاكر لمجده الذي كرم أثره المعتد بأبوته العلية في كل ما يقدمه ويؤخره ويورده ويصدره الداعي إلى الله تعالى بطول بقائه في سعد سام مظهره حام عسكره فلان سلام كريم طيب عميم يخص مقامكم الأعلى ورحمة الله وبركاته
أما بعد حمد الله الذي أولاكم ملكا منصورا وفخرا مشهورا وأحيا بدولتكم العلية لمكارم الأخلاق ذكرا منشورا والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسول الله الذي اختاره بشيرا ونذيرا وشرح بهدايته صدورا وجعل الملأ الأعلى له ظهيرا والرضى عن آله وصحبه الذين ظاهروه في حياته وخلفوه في أمته بعد وفاته فنالوا في الحالين فضلا مسطورا وأجرا موفورا والدعاء لمقامكم الأعلى أسماه الله تعالى بنصر لا يزال به الإسلام محبوا محبورا وسعد يملأ أرجاء البسيطة نورا فكتبته كتب الله لكم عوائد السعادة وحباكم من آلائه بالحسنى والزيادة من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى وليس بفضل الله سبحانه ثم ببركته مقامكم أيد الله تعالى سلطانه إلا الخير الأكمل واليسر الأشمل والحمد لله كثيرا كما هو أهله فلا فضل إلا فضله
وأما الذي عند معظم أمركم من الإعظام لمقامكم والإكبار والثناء المردد المجدد على توالي الأعصار والشكر الذي تتلى سوره آناء الليل والنهار والعلم بما لكم من المكارم التي سار ذكرها في الأقطار أشهر من المثل السيار والاعتداد بسلطانكم العلي في الإعلان والإسرار والاستناد لى جنابكم الكريم في الأقوال والأفعال والأخبار فذلك لا يزال بحمد الله تعالى محفوظا ملحوظا بعين الاستبصار والله ولي العون على ذلك بفضله وطوله
وإلى هذا أيد الله تعالى سلطانكم ومهد أوطانكم فقد تقدمت مطالعة
____________________
(5/459)

مقامكم أسماه الله أن ملك قشتالة دس من يتحدث في عقد صلح يعود بالهدنة على البلاد ويرتفع به عنها مكابدته من جهة الأعاد وقدرنا أولا أن ذلك ليس على ظاهر الحال فيه وأنه يبدي به غير ما يخفيه ولكن جرينا معه في ذلك المضمار قصدا للتشوف على الأخبار فلما دار الحديث في هذا الحكم ظهر منه أنه قد جنح للسلم وكان خديمنا نقروز بحكم الاتفاق قد ورد إشبيلية لبعض أشغاله فاستحضره وأخذ معه في أمر الصلح وشرح أحواله وأعاده إلى معظمكم ليستفهم ما عنده ويعلم مذهبه وقصده فأعيد إليه بأنه إن أراد المصالحة على صلح والده مع هذه الدار النصرية من غير زيادة على شروط تلك القضية ولا يعرض لاسترجاع معقل من المعاقل التي أخلصت من يد النصرانية وان يكون عقده على الجزيرة الخضراء ورندة وغيرهما من البلاد الأندلسية فلا بد من مطالعة محل والدنا السلطان أمير المسلمين أبي سعيد أيده الله واستطلاع ما يراه وحينئذ نعمل بحسب نظره الجميل ومقتضاه وأكد على نقروز في أنه إن انقاد لهذا الأمر فليعقد معه هدنة لأمد من الدهر بقدر ما يتسع لتعريفكم بهذه الحال وإعلامكم ويستطلع فيها نظر مقامكم فما هو إلا أن عاد يوم تاريخ هذا بكتاب ملك قشتالة وقد أجاب إلى الصلح وانقاد إليه على حسب ما شرط عليه وأعطى مهادنة مدة شهر فبرير ليعرف فيها مقامكم ويعلم ما لديه ووافق ذلك وصول الشيخ الفقيه الأجل أبي عبدالله ابن حبشية أعزه الله من بابكم الكريم أسماه الله فأخذ معه في هذا القصد واستفهم عما لديه من مقامكم في ذلك من الإمضاء أو الرد فذكر أنكم قد أذنتم لمعظمكم في عقد السلم على مايراه من الأحكام إذ ظهر فيها المصلحة لأهل الإسلام فلما عرف مذهبكم الصالح وقصدكم الناجح رأى أن يوجه إلى ملك النصارى من يخلص معه حال الصلح على ما يعود إن شاء الله
____________________
(5/460)

تعالى على المسلمين بالنجح وقدم تعريفكم بما دار من الحديث بين يدي جوابه الوافد على مقامكم صحبة الفقيه أبي عبدالله أعزه الله تعالى ولا يخفى على مقامكم حاجة هذه البلاد في الوقت إلى هدنة يستدرك بها رمقها مما لقيته من جهد الحرب وما حل بها في هذه السنين من القحط والجدب فالصلاح بحمد الله في هذه الحال بادي الظهور وإلى الله عاقبة الأمور
هذا ما تزيد لدى معظم مقامكم وما يتزيد بعد فليس إلا المبادرة إلى مطالعتكم وإعلامكم وما كان إمساك الفقيه أبي عبد الله ابن حبشية في هذه الأيام إلا لانتظار خبر الصلح حتى يأتيكم به مستوفى الشرح وها هو قد أخذ في الرجوع إلى بابكم الأسمى والقدوم إلى حضرتكم العظمى والله يصل سعودكم ويحرس وجودكم ويبلغكم أملكم ومقصودكم والسلام
ومن إنشاء ابن الجياب رحمه الله تعالى في العزاء بالسلطان أبي الحسن المريني ما صورته بعد الصدر
أما بعد حمد الله الواحد القهار الحي القيوم حياة لا تتقيد بالأعصار القادر الذي كل شيء في قبضة قدرته محصور بحكم الاضطرار الغني في ملكوته فلا يلحقه لاحق الافتقار المريد الذي بإرادته تصريف الأقدار وتقدير الآجال والأعمار العالم الذي لا تعزب عن علمه حفايا الأسرار وخبايا الأفكار مالك الملك وأهله ومدبر الأمور بحكمته وعدله تذكرة لأولي الألباب وعبرة لأولي الأبصار خالق الموت والحياة لينقلنا من دار الفناء إلى دار القرار والصلاة والسلام على سيدناومولانا محمد رسوله المصطفى المختار الذي نهتدي بهديه الكريم في الإيراد والإصدار والإحلاء والإمرار في الشدة والرخاء والسراء والضراء بسيره الكريمة الآثار ونتعزى بالمصيبة به عما دهم من المصائب الكبار ونتقدم منه إلى ربنا شفيعا ماحيا للأوزار وآخذا بالحجز عن النار
____________________
(5/461)

ونعلم أننا باتباع سبيله نسعد سعادة الأبرار وبإقامة ملته وحماية شرعته ننال مرضاة الملك الغفار والرضى عن آله وصحبه وأوليائه وحزبه الذين ظاهروه في حياته على إقامة الحق الساطع الأنوار وخلفوه في أمته قائمين بالعدل حامين للذمار والدعاء لمحل أبينا والدكم قدس الله روحه وبرد ضريحه بالرحمة التي تتعهد روضته التي هي أذكى من الروض المعطار والرضوان الذي يتبوأ به مبوأ صدق في الملوك المجاهدين الأخيار ولمقامكم الأعلى بسعادة المقدار وتمهيد السلطان وبلوغ الأوطار فإنا كتبناه كتب الله لكم عوائد النصر وربط على قلبكم بالصبر من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى عندما تحقق لدينا النبأ الذي فت في الأعضاد وشب نار الأكباد والحادث الذي هد أعظم الأطواد وزلزل الأرض الراسية الأوتاد والواقع الذي لولا وجودكم لمحا رسم الأجواد وعطل رسوم الجهاد وكسا الآفاق ثوب الحداد والخطب الذي ضاقت له الأرض بما رحبت وأمرت الدنيا بما عذبت من وفاة محل أبينا أكبر ملوك المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين والدكم ألحفه الله تعالى برود رضاه وجعل جنته نزله ومثواه ونفعه بما أسلف من الأعمال الكريمة وما خلده من الآثار العظيمة فإنا لله وإنا إليه راجعون تسليما لما قضاه ورضى بما أنفذه وأمضاه وعند الله نحتسب منه والدا شفيقا حانيا رفيقا لم يزل يولي الجميل قوله وفعله ويصل لنا من أسباب عنايته ما اقتضاه فضله وما هو أحق به وأهله
وكنا طول حياته لم نجد أثرا لفقد الوالد لما أولانا من جميل العوائد وكرم المقاصد جزاه الله أحسن جزائه وأعاننا على توفية حقه وأدائه ولمثل هذه المصيبة ولا مثل لها تظلم الأرجاء ويضيق الفضاء وتبكيه مسومة الجياد ومعالم الجهاد والسيوف في الأغماد وشتى العباد والبلاد فلا تسألوا كيف هو عندنا موقع هذا الخطب العظيم والحادث المقعد المقيم والرزية التي لا رزية مثلها والحادثة التي أصيبت بها الملة وأهلها فوجدنا لفقده
____________________
(5/462)

يتضاعف مع الآناء ويتجدد تذكار ما أسلف من أعمال الملوك الفضلاء ولكنه أمر حتم وقضاء من الله جزم وسبيل يسلك عليها الأول والآخر والآتي والغابر وليس إلا التسليم لما حكم به الحكيم العليم
ولما انتهى إلينا هذا النبأ الذي ملأ القلب حسرة والعين عبرة وتوارت شتى الأنباء وغلب اليأس فيها على الرجاء وجدنا له ما يوجد لفقد الأب الذي ابتدأ بالإحسان والإجمال وأولى عوارف القبول والإقبال ولكنه ما أطفأ نار ذلك الوجد وجبر كسر ذلك الفقد إلا ما من الله به علينا وعلى المسلمين من تقلدكم ذلك الملك الذي بكم سمعت معالمه وقامت مراسمه وعليكم انعقد الإجماع وبولايتكم استبشرت الأصقاع وكيف لا تستبشر بولاية الملك الصالح الخاشع الأواب صاحب الحرب والمحراب عدة الإسلام وعلم الأعلام من ثبت فضائله أوضح من محيا النهار وسارت مكارمه في الآفاق أشهر من المثل السيار
وقد كان محل أبينا والدكم رضي الله عنه لما علم من فضائلكم الكريمة الآثار وما قمتم به من حقه الذي وفيتموه توفية الصلحاء الأبرار ألقى إليكم مقاليد سلطانه وآثر إليكم أثر قبوله ورضوانه حتى انفصل عن الدنيا وقد ألبسكم من أثواب رضاه ما تنالون به قرة العين وعز الدارين والظفر بكلتا الحسنيين فتلك المملكة بحمد الله تعالى قد قام بها حامي ذمارها وابن خيارها ومطلع أنوارها الملك الرضي العدل الطاهر قوام الدياجي وصوام الهواجر حسنة هذا الزمان ونخبة ذلك البيت المؤسس على التقوى والرضوان فالحمد لله على أن جبر بكم صدع الإيمان وانتضى منكم سيفا مسلولا على عبدة الصلبان وأقر بكم ملك آبائكم الملوك الأعاظم وتدارك بولايتكم أمر هذا الرزء المتفاقم فإن فقدنا أعظم مفقود فقد ظفرنا بأكرم مقصود وما مات من أبقى منكم سلالة طاهرة تحيي سنن المعالي والمكارم وتعمل على شاكلة أسلافها الأكارم فتلك المملكة قد أصبحت بحمد الله ونور سعدكم في أرجائها طالع وسيف
____________________
(5/463)

بأسكم في أعدائها قاطع وعزمكم الأمضى لأمرها جامع مانع قد أوت منكم إلى الملجأ الأحمى واستمسكت بإيالتكم العظمى وعرفت أنكم ستبدون فيها من آثار دينكم المتين وفضلكم المبين ومعاليكم القاطعة البراهين ما يملؤها عدلا وإحسانا وتبلغ به آمالها مثنى ووحدانا فهنيئا لنا ولها أن صارت في ملككم وأن تشرفت بملككم وألقت مقاليدها إلى من يحمي حماها ويدفع عداها وليهن ذلك المقام الأعلى ما أولاه من العز المكين وما قلده من الملك الذي هو نظام الدنيا والدين وأن أعطاه راية الجهاد فتلقاها باليمين لينصر بها ملة الرسول الصادق الأمين فله الفخر بذلك على جميع السلاطين
وأما هذه البلاد الأندلسية حماها الله فهي وإن فقدت من السلطان الأعلى أبي سعيد أكرم ظهير ووقع مصابه منها بمحل كبير فقد لجأت منكم إلى من يحميها ويكف بأس أعاديها ويبتغي مرضاة خالقها فيها فملككم بحمد الله تعالى مقتبل الشباب جديد الأثواب عريق الأنساب أصيل الأحساب ومجدكم جار على أعراقه جري الجياد العراب
وإنا لما ورد علينا هذا النبأ معقبا بهذه البشرى ووفد علينا ذلك الخبر مردفا بهذه المسرة الكبرى علمنا أن الله سبحانه قد رأب ذلك الصدع بهذا الصنع الجميل وتلافى ذلك الخطب بهذا الخير الجزيل فأخذنا من مساهمتكم في الأمور النصيب الوافر ورأينا أن آمالنا منكم قد جلت عن محياها السافر وعينا للوفادة على بابكم لينوب عنا في العزاء والهناء عين الأعيان الفضلاء ووجه القواد والكرماء
ولنقتصر على هذا المقدار من كلام الرئيس ابن الجياب رحمه الله تعالى ويظهر لي أن نظمه أعلى طبقة من نثره وعلى كل حال فهو لا يتكلف نظما ولا نثرا رحمه الله تعالى ورضي عنه وعامله بمحض فضله
20 - ومن أشياخ لسان الدين رحمه الله تعالى الفقيه الكاتب البارع العلامة
____________________
(5/464)

النحوي اللغوي صاحب العلامة بالمغرب الشهير الرئيس أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي قال في الإحاطة فيه ما ملخصه عبد المهيمن بن محمد بن عبد المهيمن بن محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن محمد الحضرمي أبو محمد شيخنا الرئيس صاحب القلم الأعلى بالمغرب
من الإكليل تاج المفرق وفخر المغرب على المشرق أطلع منه نورا أضاءت له الآفاق وأثر منه بذخيرة حملت أحاديثها الرفاق ما شئت من مجد سامي المصاعد والمراقب عزيز عن لحاق النجم الثاقب وسلف زينت سماؤه بنجوم المناقب نشأ بسبتة بلده بين علم يقيده وفخر يشيده وطهارة يلتحف مطارفها ورياسة يتفيأ وارفها وأبوه رحمه الله تعالى قطب مدارها ومقام حجها واعتمارها فسلك الوعوث من المعارف والسهول وبذ على حداثة سنه الكهول فلما تحلى من الفوائد العلمية بما تحلى واشتهر اشتهار الصباح إذا تجلى تنافست فيه همم الملوك الأخاير واستأثرت به الدول على عادتها في الاستئثار بالذخاير فاستقلت بالسياسة ذراعه وأخدم الذوابل والسيوف يراعه وكان عين الملك التي بها يبصر ولسانه الذي يسهب به أو يختصر وقد تقدمت له إلى هذه البلاد الوفادة وجلت به عليها الإفادة وكتب عن بعض ملوكها وانتظم في عقودها الرفيعة وسلوكها وله في الآداب الراية الخافقة والعقود المتناسقة ومشيخته حافلة تزيد عن الإحصاء وشعره منحط عن محله من العلم والشهرة وإن كان داخلا تحت طور الإجادة فمن ذلك قوله
( تراءى سحيرا والنسيم عليل ** وللنجم طرف بالصباح كليل )
( وللفجر نهر خاضه الليل فاعتلت ** شوى أدهم الظلماء منه حجول )
( بريق بأعلى الرقمتين كأنه ** طلائع شهب في السماء تجول )
____________________
(5/465)


( فمزق ساجي الليل منه شراره ** وخرق ستر الغيم منه نصول )
( تبسم ثغر الروض عند ابتسامه ** وفاضت عيون للغمام همول )
( ومالت غصون البان نشوى كأنها ** يدار عليها من صباه شمول )
( وغنت على تلك الغصون حمائم ** لهن حفيف فوقها وهديل )
( إذا سجعت في لحنها ثم قرقرت ** يطيح خفيف دونها وثقيل )
( سقى الله ربعا لا تزال تشوقني ** إليه رسوم دونها وطلول )
( وجاد رباه كلما ذر شارق ** من الودق هتان أجش هطول )
( وما لي أستسقي الغمام ومدمعي ** سفوح على تلك العراص همول )
( وعاذلة باتت تلوم على السرى ** وتكثر من تعذالها وتطيل )
( تقول إلى كم ذا فراق وغربة ** ونأي على ما خيلت ورحيل )
( ذريني أسعى للتي تكسب العلا ** سناء وتبقي الذكر وهو جميل )
( فإما تريني من ممارسة الهوى ** نحيلا فحد المشرفي نحيل )
( وفوق أنابيب اليراعة صعدة ** تزين وفي قد القناة ذبول )
( ولولا السرى لم يجتل البدر كاملا ** ولا بات منه للسعود نزيل )
( ولولا اغتراب المرء في طلب العلا ** لما كان نحو المجد منه وصول )
( ولولا نوال ابن الحكيم محمد ** لأصبح ربع المجد وهو محيل )
( وزير سما فوق السماك جلالة ** وليس له إلا النجوم قبيل )
( من القوم أما في الندى فإنهم ** هضاب وأما في الندى فسيول )
( حووا أشرف العلياء إرثا ومكسبا ** وطابت فروع منهم وأصول )
( وما جونة هطالة ذات هيدب ** مرتها شمال حرجف وقبول )
( لها زجل من رعدها ولوامع ** من البرق عنها للعيون كلول )
( كما هدرت وسط القلاص وأرسلت ** شقاشقها عند الهياج فحول )
( بأجود من كف الوزير محمد ** إذا ما توالت للسنين محول )
____________________
(5/466)

ولا روضة بالحسن طيبة الشذا ** ينم عليها إذخر وجليل )
( وقد أذكيت للزهر فيها مجامر ** تعطر منها للنسيم ذيول )
( وفي مقل النوار للطل عبرة ** ترددها أجفانها وتجيل )
( بأطيب من أخلاقه الغر كلما ** تفاقم خطب للزمان يهول )
( حويت أبا عبد الإله مناقبا ** تفوت يدي من رامها وتطول )
( فغرناطة مصر وأنت خصيبها ** ونائل يمناك الكريمة نيل )
( فداك رجال حاولوا درك العلا ** ببخل وهل نال العلاء بخيل )
( تخيرك المولى وزيرا وناصحا ** فكان له مما أراد حصول )
( وألقى مقاليد الأمور مفوضا ** إليك فلم يعدم يمينك سول )
( وقام بحفظ الملك منك مؤيد ** نهوض بما أعيا سواك كفيل )
( وساس الرعايا منك أشوس باسل ** مبيد العدا للمعتفين منيل )
( وأبلج وقاد الجبين كأنما ** على وجنتيه للنضار مسيل )
( تهيم بها العلياء حتى كأنها ** بثينته في الحب وهو جميل )
( له عزمات لو أعير مضاءها ** حسام لما نالت ظباه فلول )
( سرى ذكره في الخافقين فأصبحت ** إليه قلوب العالمين تميل )
( وأعدى قريضي جوده وثناؤه ** فأصبح في أقصى البلاد يجول )
( إليك أيا فخر الوزارة أرقلت ** برحلي هوجاء النجاء ذلول )
( فليت إلى لقياك ناصية الفلا ** بأيدي ركاب سيرهن ذميل )
( تسددني سهما لكل ثنية ** ضوامر أشباه القسي نحول )
( وقد لفظتني الأرض حتى رمت إلى ** ذراك برحلي هوجل وهجول )
( فقيدت أفراسي به وركائبي ** ولذ مقام لي به وحلول )
( وقد كنت ذا نفس عزوف وهمة ** عليها لأحداث الزمان ذحول )
( وتهوى العلا حظي وتغري بضده ** لذاك اعترته رقة ونحول )
____________________
(5/467)


( وتأبي لي الأيام إلا إدالة ** فصونك لي إن الزمان مديل )
( فكل خضوع في جنابك عزة ** وكل اعتراز قد عداك خمول )
وقال
( أبت همتي أن يراني امرؤ ** على الدهر يوما له ذا خضوع )
( وما ذاك إلا لأني اتقيت ** بعز القناعة ذل الخشوع )
مولده بسبتة عام ستة وسبعين وستمائة وتوفي بتونس ثاني عشر شوال عام تسعة وأربعين وسبعمائة في الطاعون وكانت جنازته مشهورة رحمه الله تعالى انتهى
وحكى أن السلطان أبا الحسن المريني سب الشيخ عبد المهيمن الحضرمي بمجلس كتابه فأخذ عبد المهيمن القلم وكسره وقال هذا هو الجامع بيني وبينك ثم إن السلطان أبا الحسن ندم وأفضل عليه وخجل مما صدر منه وأحسن إليه
وكان عبد المهيمن ينطق بالكلام معربا ويرتفع نسبه إلى العلاء بن الحضرمي صاحب رسول الله وأصل سلفه من اليمن وكان جدهم الأعلى عبدون لحقه الضيم ببلده فارتحل إلى المغرب فنزل سبتة
ولعبد المهيمن الحضرمي شيوخ أجلاء كابن أبي الربيع النحوي وابن الشاط وابن مسعود وغيرهم وكان ذا سعد وسؤدد حسن الخط رأيت خطه بإجازته لأبي عبد الله بن مرزوق وغيره وكان عالي الهمة سريا أعطى المنصب حقه وكان لا يحتمل الضيم واحتقار العلم وكان سريع الجواب حكي أن القاضي المليلي وأبا محمد عبد المهيمن الحضرمي المذكور صاحب العلامة للسلطان أبي الحسن حضرا مجلس السلطان فجرى ذكر الفقيه ابن عبد الرزاق فقال المليلي جمع من الفنون كذا حتى وضع يده على أبي محمد عبد المهيمن وقال
____________________
(5/468)

مخاطبا للسلطان ويكتب لك أحسن من ذا فوضع عبد المهيمن يده على المليلي وقال نعم يا مولاي ويقضي لك أحسن من ذا
وقال ابن الخطيب القسمطيني الشهير بابن قنفذ في وفياته ما نصه وفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة توفي الشيخ الراوية المحدث الكاتب أبو محمد عبد المهيمن ابن محمد بن عبد المهيمن بن محمد بن علي بن محمد الحضرمي السبتي ومن أشياخه الأستاذ ابن أبي الربيع وابن الغماز وابن صالح الكناني وغيرهم من الأعلام انتهى
وقال غيره إن والد عبد المهيمن توفي غرة صفر سنة اثنتي عشرة وسبعمائة رحمه الله تعالى
وحكي أن الشيخ أبامحمد عبد المهيمن ذكر يوما بني العزفي فأثنى عليهم فقال له أحد الحسنيين وكان بينهم شيء إنهم كانوا لا يحبون أهل البيت فكيف حبك أنت لهم يعني لأهل البيت فقال أحبهم حب التشرع لا حب التشيع انتهى
قيل يعني بالعزفيين أهل الدولة الثانية وأما أهل الأولى فكانوا من المختصين بمحبة الآل وهم أحدثوا بالمغرب تعظم ليلة الميلاد النبوي على صاحبه الصلاة والسلام
ومن أغرب ما وقع للرئيس عبد المهيمن الحضرمي من التشبيه قوله
( لقد راقني مرأى سجلماسة الذي ** يقر له في حسنه كل منصف )
( كأن رؤوس النخل في عرصاتها ** فواتح سورات بآخر مصحف )
وهذا من التشبيه العقيم لم يسبق إليه فيما أظن وكان سبب قوله ذلك أن السلطان أمير المسلمين أبا الحسن المريني لما تحرك لقتال أخيه السلطان أبي علي عمر بسجلماسة فظفر به استمطر أنواء أفكار الكتاب وغيرهم في تشبيه النخل فقال عبد المهيمن ما مر فلم يترك مقالا لقائل
وقد أنشد الحافظ ابن مرزوق الحفيد قال أنشدني شيخنا ولي الدين الرئيس
____________________
(5/469)

أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي لشيخه الرئيس أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي السبتي رحمه الله تعالى قوله
( يجفى الفقير ويغشى الناس قاطبة ** باب الغني كذا حكم المقادير )
( وإنما الناس أمثال الفراش فهم ** يلفون حيث مصابيح الدنانير )
قلت ورأيت هذين البيتين في كتاب روح الشحر وروح الشعر للعالم الكاتب ابن الجلاب منسوبين لأبي المتوكل الهيثم بن أحمد السكوني الإشبيلي قال أنشدني أبو الحجاج الحافظ قال أنشدني الهيثم فذكر البيتين وكان تاريخ وفاته قبل أن يخلق عبد المهيمن فتعين أن البيتين ليسا من نظمه وإنما تمثل بهما ونسبتهما له وهم لا محالة والله أعلم
وأما ما اشتهر على الألسنة بالمغرب من أن أبا حيان مدح عبد المهيمن بقوله
( ليس في الغرب عالم ** مثل عبد المهيمن )
( نحن في العلم أسوة ** أنا منه وهو مني )
فقد نسبه ابن غازي إلى ابن حيان كما اشتهر لكن تاريخ مرور أبي حيان بالمغرب كان قبل ظهور عبد المهيمن بلا خفاء وهو عندي محمول على أحد أمرين أن المراد عبد المهيمن جد عبد المهيمن المذكور أو أن أبا حيان كتب بالبيتين من مصر بعدما ظهر عبد المهيمن وصارت له الرياسة بالمغرب إذ أبو حيان عاش إلى ذلك الزمان بلا ريب ولذا لما ذكر لسان الدين ابن الخطيب في كتابه الكتيبة الكامنة في أنباء أهل المائة الثامنة الشيخ أبا حيان قال وهذا الرجل طالت حياته حتى أجاز ولدي
ولعبد المهيمن المذكور أخبار غير ما قدمناه منع منها الاختصار وقد ألف الخطيب ابن مرزوق باسم ولد فهرسته المشهورة وحلاه في صدرها أحسن
____________________
(5/470)

حلية وهو أهل لذلك وقد ذكره مولاي الجد في شيوخه كما تقدم وقال فيه إنه إمام الحديث والعربية وكاتب الدولة العثمانية والعلوية فليراجع ذلك فيما سبق في ترجمة الجد
وأبو سعيد ابن عبد المهيمن كان عالي الهمة كآبائه ولما بويع السلطان أبو عنان طلب منه أن يكون مرتسما في جملة كتاب بابه فامتنع وقال لا أكون تحت حكم غيري وعنى بذلك أن أباه كان رئيس الكتاب فكيف يكون هو مرؤوسا بغيره فلم ترض همته رحمه الله تعالى إلا برتبة أبيه أو الترك وارتحل أبو سعيد محمد المذكور وكان فقيها عالما من فاس لسبتة إلى أن توفي بها سنة 787 وكان قليل الكلام جميل الرواء حسن الهيئة والبزة والشكل روى عن والده وعن الحجار وكتب له سنة 724 وروى عن الفقيه أبي الحسن ابن سليمان والرحالة ابن جابر الوادي آشي وابن رشيد وغيرهم
وابن أبي سعيد هذا اسمه عبد المهيمن كجده وكان صاحب القلم الأعلى روى عن أبيه وجده وغيرهما رحم الله الجميع
21 - ومن أشياخ لسان الدين رحمه الله تعالى الإمام العلامة قاضي الجماعة أبو البركات ابن الحاج البلفيقي نادرة الزمان وشاعر ذلك الأوان وهو محمد ابن محمد بن إبراهيم بن محمد ابن الشيخ الولي أبي إسحاق ابن الحاج البلفيقي وكان أبو البركات أحد رجال الكمال علما ومجدا وسؤددا موروثا ومكتسبا وقد عرف به في الإحاطة بترجمة مد فيها النفس وكتب ابنه على أول الترجمة ما صورته
رحمك الله تعالى يا فقيه الأندلس وحسيبها وصدرها وشيخها وبرد ضريحك فلله ما أفدت من نادرة واكتسبت من فائدة انتهى
____________________
(5/471)


وحكى في الإحاطة أنه لما استسقى وحصلت الإجابة أنشده لسان الدين
( ظمئت إلى السقيا الأباطح والربى ** حتى دعونا العام عاما مجدبا )
( والغيث مسدول الحجاب وإنما ** علم الغمام قدومكم فتأدبا )
ثم ذكر في الإحاطة تأليف أبي البركات وشعره إلى أن قال حاكيا عن أبي البركات ما صورته ومما نظمته وقد أكثروا من التعجب لملازمتي البناء وحفر الآبار
( في احتفار الأساس والآبار ** وانتقال التراب والجيار )
( وقعودي ما بين رمل وآجر ** وجص والطوب والأحجار )
( وامتهاني بردي بالطين والماء ** ورأسي ولحيتي بالغبار )
( نشوة لم تمر قط على قلب ** خليع وما لها من خمار )
( من غريب البناء أن بنيه ** متعبون يهوون طول النهار )
( يبتغون الوصال من صانعيه ** والبدار إليه كل البدار )
( فإذا حل في ذراهم تراهم ** يشتهون منه بعيد المزار )
( من عذيري من لائم في بنائي ** وهو لي الترجمان عن أخباري )
( ليس يدري معناه من ليس يدري ** أن ما عنده على مقدار )
( أقتدي بالذي يقول بناها ** ذلك الخالق الحكيم الباري )
( وبمن يرفع القواعد من بيت ** عتيق للحج والزوار )
( وبمن كان ذا جدار وقد كان ** أبوه من صالحي الأبرار )
( وبما قد أقامه الخضر المخصوص ** علما بباطن الأسرار )
____________________
(5/472)


( كان تحت الجدار كنز وما أدراك ** ما كان تحت كنز الجدار )
( وبمن قد مضى من آبائي الغر ** الألى شيدوا رفيع المنار )
( فالذي قد بنوه نبني له مثلا ** ونجري له على مضمار )
( قد بنينا من المساجد دهرا ** ثم نبني لجارها خير جار )
( مثلما قد بنيت للمجد أمثال ** مبانيهم بكل اعتبار )
( فالمباني لسان حالي ولي فيها ** لعمري ذكر من الأذكار )
( روح أعمالنا المقاصد لكن ** حيث تخفى تخفى مع الأعذار )
( فعسى من قضى ببنيان هذي الدار ** يقضي لنا بعقبى الدار )
ثم قال في الإحاطة بعد كلام ومن نظمه في الإنحاء على نفسه واستبعاد وجود المطالب في جنسه قال مما نظمته يوم عرفة عام خمسين وسبعمائة وأنا منزو في غار ببعض جبال المرية
( زعموا أن في الجبال رجالا ** صالحين قالوا من الأبدال )
( وادعوا أن كل من ساح فيها ** فسيلقاهم على كل حال )
( فاخترقنا تلك الجبال مرارا ** بنعال طورا ودون نعال )
( ما رأينا بها خلاف الأفاعي ** وشبا عقرب كمثل النبال )
( وسباع يجرون بالليل عدوا ** لا تسلني عنهم بتلك الليالي )
( ولو أنا كنا لدى العدوة الأخرى ** رأينا نواجذ الرئبال )
( وإذا أظلم الدجى جاء إبليس ** إلينا يزور طيف خيال )
( هو كان الأنيس فيها ولولاه ** أصيبت عقولنا بالخيال )
( خل عنك المحال يا من تعنى ** ليس يلقى الرجال غير الرجال )
وجمع شعره وسماه العذب والأجاج من كلام أبي البركات ابن الحاج
____________________
(5/473)

وسمى أبو القاسم الشريف ما استخرجه منه باللؤلؤ والمرجان من بحر أبي البركات ابن الحاج يستخرجان
ومن نظم الشيخ أبي البركات ابن الحاج قوله رحمه الله تعالى
( ألا ليت شعري لما أنا أرتجي ** من الله في يوم الجزاء بلاغ )
( وكيف لمثلي أن ينال وسيلة ** لها عن سبيل الصالحين مراغ )
( وكم رمت دهري فتح باب عبادة ** يكون بها في الفائزين مساغ )
( فكدت ولم أفعل وكيف وليس لي ** المعينان فيها صحة وفراغ )
( لأصبحت من قوم دعاهم إلى الرضى ** منادى الهدى فاستنكروه فراغوا )
( أباغ ترى أخراه من يزدهيه من ** زخارف دنياه الدنية باغ )
( ويضرب صفحا عن حقيقة ما طوت ** فيلهيه زور قد أتته مصاغ )
( إذا ما بدا للرشد نهج بيانه ** يراع به عن وحشة فيراغ )
( فيا رب برد العفو هب لي إذا غلت ** من الحر في يوم الحساب دماغ )
( فمن حرق للنفس فيه لواعج ** ومن خجل للوجد فيه صباغ )
( وعظتك نفسي لو أنبت وفي الذي ** وعظت به لو ترعوين بلاغ )
وأنشد القاضي أبو البركات في هذا الروي قول شيخه الأستاذ أبي علي ابن سليمان القرطبي
( ألا هل إلى ما أرتضيه بلاغ ** وكيف يرى يوما إليه فراغ )
( وقد قطعت دوني قواطع جمة ** أراع لها مهما جرت وأراغ )
( وما لي إلا عفو رب وفضله ** ففيه إلى ما أرتجيه بلاغ )
وكان القاضي أبو البركات من بيت كبير علما وصلاحا وزهدا وجده الإمام الولي العارف سيدي أبو إسحاق ابن الحاج أشهر من نار على علم وقبره مشهور بمراكش وقد زرته بها وله كرامات مشهورة
____________________
(5/474)


وحكى في مزية المرية من كراماته جملة قال حفيده الشيخ أبو البركات دخلت على الشيخ الصالح العابد المجتهد الحاج أبي عبد الله محمد بن علي البكري المعروف بابن الحاج في منزله بالمرية عائدا قال أظنه في مرضه الذي مات فيه فقال حين سألته عن حاله ادع لي فقلت له يا سيدي بل أنت تدعو لي فقال لي شرح الله صدرك ونور قلبك بنور معرفته فمن عرف الله لم يذكر غيره فقد حكى سيدي أبو جعفر ابن مكنون عن جدك قال كنت مع سيدي أبي إسحاق ابن الحاج بمراكش فقال لي هل ترى في المنام شيئا فقلت نعم أرى كأني في المرية أمشي من الدار إلى المسجد ومن كذا إلى كذا فأعرض عني وقال ألا ترى إلا الله قال ثم مر به في أثناء كلامه ابنه محمد فقال لي رأيت هذا والله ما أدري أن لي ابنا حتى يمر بي ولا أذكره إذا غاب عني ولا أرى إلا الله انتهى
ومن تآليف أبي البركات رحمه الله تعالى كتاب ذكر فيه أخبار سلفه رضي الله عنهم وذكر جملة من كرامات جدي سيدي أبي إسحاق المذكور نفعنا الله به
ومن شعر جده المذكور قوله
( ألا كرم الله البلاد بخطبة ** هم حسنات الدهر لا نابهم خطب )
( رعايتهم فرض على كل مسلم ** وحبهم حقا قد أوجبه الرب )
( إذا ما سألت الله شيئا فسل بهم ** فتعظيمهم قرب وغيبتهم حرب )
وقوله
( شكا فشكا قلبي خبالا مبرحا ** على غير علم كان مني بشكواه )
( وما التقت الأسرار إلا بجامع ** من النعت سلطان الحقيقة سواه )
____________________
(5/475)


( فيا فرحة المجهود إن بات سره ** وسر الذي يهواه مأواه مأواه )
( ومن أجله قد كان بالبعد راضيا ** فكيف ترى معناه والقلب مثواه )
( بدا فبدت أعلام ضدين في الهوى ** هما عجب لولا الدليل وفحواه )
( برؤيته فارقت موتي لبعده ** ومت بها من أجل علمي ببلواه )
( فها أنا حي ميت بلقائه ** ولم ينج من لم يسعد الفهم نجواه )
( إذا لم تكن أنت الحبيب بعينه ** رضى وعتابا ضل من قال يهواه )
( وأكذب ما يلفى الفتى وهو صادق ** إذا لم يحقق بالأفاعيل دعواه )
وقوله رضي الله تعالى عنه
( الحب في الله نور يستضاء به ** والهجر في ذاته نور على نور )
( جنب أخا حدث في الدين ذا غير ** إن المغير في نكس وتغيير )
( حاشا الديانة أن تبنى على خبل ** سبحان خالقنا من قول مثبور )
( إن الحقائق لا تبدو لمبتدع ** كذا المعارف لا تهدى لمغرور )
( تالله لو أبصرت عيناه أو ظفرت ** يمناه ما ظل في ظن وتقدير )
( حقق ترى عجبا إن كنت ذا أدب ** ولا يغرنك الجهال بالزور )
( إن الطريقة في التنزيل واضحة ** وما تواتر من وحي ومشهور )
( فافهم هديت هدى الرحمن واهد به ** هدى يفيدك يوم النفخ في الصور )
وقوله صدر رسالة وجه بها إلى ابنه محمد أيام قراءته بإشبيلية )
( إذا شئت أن تحظى بوصلي وقربتي ** فجنب قرين السوء واصرم حباله )
( وسابق إلى الخيرات واسلك سبيلها ** وحصل علوم الدين واعرف رجاله )
وكان رحمه الله تعالى كثيرا ما يتمثل ببيتي مهيار الديلمي وهما
( ومن عجب أني أحن إليهم ** وأسأل شوقا عنهم وهم معي )
____________________
(5/476)


( وتبكيهم عيني وهم في سوادها ** ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي )
وحدث القاضي أبو البركات حفيده عن ابن خميس التلمساني المتقدم الذكر قال سمعت بعض الأشياخ يقول كان الشيخ أبو إسحاق البلفيقي الكبير يقول اجتمع لنا في الله أربعون ألف صاحب
وحكى الشيخ أبو البركات المذكور عن الشيخ الصالح الحاج الصوفي أبي الأصبغ ابن عزرة قال هذه صلاة على النبي أخذتها عن رابك الشيخ الصالح الحاج ابي عبد الله محمد بن علي بن الحاج مشافهة وقال لي إنها صلاة أبي إسحاق ابن الحاج جدك وهي اللهم صل على محمد وعلى آل محمد صلاة دائمة مستمرة تدوم بدوامك وتبقى ببقائك وتخلد بخلودك ولا غاية لها دون مرضاتك ولا جزاء لقائلها ومصليها غير جنتك والنظر إلى وجهك الكريم
ونقل أبو البركات المذكور عن جده أنه كان يستفتح مجلسه بالمرية بهذا الدعاء اللهم اجعلنا في عياذ منك منيع وحصن حصين وولاية جميلة حتى تبلغنا آجالنا مستورين محفوظين مبشرين برضوانك يوم لقائك قال وفي وسط الدعاء وآخره واكفنا عدونا إبليس وأعداءنا من الجن والإنس بعافيتنا وسلامتنا
وكان الشيخ رضي الله عنه يواصل أربعين يوما ومن مآثره أنه بنى ثمانية عشر جبا في مواضع متفرقة ونحو عشرين مسجدا وبنى أكثر سور حصن بلفيق كل ذلك من ماله
وقال رضي الله عنه في بعض رسائله الصوفي عبارة عن رجل عدل تقي صالح زاهد غير منتسب لسبب من الأسباب ولا مخل بأدب من الآداب قد عرف شأنه وزمانه وملكت مكارم الأخلاق عنانه لا ينتصر لنفسه ولا يتفكر في غده وأمسه العلم خليله والقرآن دليله والحق حفيظه ووكيله
____________________
(5/477)

نظره إلى الخلق بالرحمة ونظره إلى نفسه بالحذر والتهمة انتهى
وأحوال هذا الشيخ عجيبة وكراماته شهيرة وإنما ذكرنا هذا النزر اليسير تبركا بذكره رضي الله عنه في هذا الكتاب وتطفلا على رب الأرباب أن ينفعنا بأمثاله ويحقق لنا النجاة والمتاب إنه على ذلك قدير
رجع إلى أخبار أبي البركات ولما وقع بينه وبين ابن صفوان ما يقع بين المتعاصرين رد عليه ابن صفوان فانتصر لأبي البركات بعض طلبته بتأليف سماه شواظ من نار ونحاس يرسل على من لم يعرف قدره وقدر غيره من الناس وهو قدر رسالة الشيخ أو أطول وألفي على ظهره بخط الشيخ أبي البركات ما صورته
( قد شبع الكلب كما ينبغي ** من حجر صلد ومن مقرع )
( فإن يعد من بعد ذا للذي ** قد كان منه فهو ممن نعي )
ومن بديع نظم الشيخ أبي البركات رحمه الله تعالى قوله
( يلومونني بعد العذار على الهوى ** ومثلي في وجدي له لا يفند )
( يقولون أمسك عنه قد ذهب الصبا ** وكيف أرى الإمساك والخيط أسود )
وقوله في المجبنات
( ومصفرة الخدين مطوية الحشا ** على الجبن والمصفر يؤذن بالخوف )
( لها بهجة كالشمس عند طلوعها ** ولكنها في الحين تغرب في الجوف )
وفي هذين البيتين تورية متعددة
وحدث القاضي أبو البركات أنه لما أراد الانصراف عن سبتة قال له السيد الشريف أبو العباس رحمه الله متى عزمت على الرحيل فأنشد أبو البركات
____________________
(5/478)


( أما الرحيل فدون بعد غد ** فمتى تقول الدار تجمعنا )
فأنشد الشريف رحمه الله تعالى
( لا مرحبا بغد ولا أهلا به ** إن كان تفريق الأحبة في غد )
وحكي أن السيد أبا العباس الشريف المذكور ساير القاضي أبا البركات في بعض أسفاره زمن الشباب ببر الأندلس أعاده الله تعالى فلما انتهيا إلى قرية ترليانة وأدركهما النصب واشتد عليهما حر الهجير نزلا وأكلا من باكر التين الذي هناك وشربا من ذلك الماء العذب واستلقى أبو البركات على ظهره تحت شجرة مستظلا بظلها ثم التفت إلى السيد أبي العباس وقال
( ماذا تقول فدتك النفس في حالي ** يفنى زماني في حل وترحال )
وأرتج عليه فقال لأبي العباس أجز فقال بديها
( كذا النفوس اللواتي العز يصحبها ** لا ترتضي بمقام دون آمال )
( دعها تسر في الفيافي والقفار إلى ** أن تبلغ السؤل أو موتا بتجوال )
( الموت أهون من عيش لدى زمن ** يعلي اللئيم ويدني الأشرف العالي )
ولما أوقع الشيخ أبو البركات على زوجه الحرة العربية أم العباس عائشة بنت الوزير المرحوم أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الكتاني ثم المغيلي طلقة كتب نسختها بما نصه بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وعلى آل محمد يقول عبد الله الراجي رحمته محمد المدعو بأبي البركات ابن الحاج خار الله له ولطف به إن الله جلت قدرته لما أنشأ خلقه على طبائع مختلفة وغرائز شتى ففيهم السخي والبخيل والشجاع والجبان والغبي والفطن والكيس والعاجز والمسامح والمناقش والمتكبر والمتواضع إلى غير ذلك من الصفات المعروفة من الخلق كانت العشرة لا تستمر بينهم إلا بأحد أمرين إما بالاشتراك في الصفات أو في
____________________
(5/479)

بعضها وإما بصبر أحدهما على صاحبه إذا عدم الاشتراك ولما علم الشارع أن بني آدم على هذا الوضع شرع لهم الطلاق ليستريح إليه من عيل صبره على صاحبه وتوسعة عليهم وإحسانا منه إليهم فلأجل العمل على هذا طلق كاتب هذا عبد الله محمد المذكور زوجه الحرة العربية المصونة عائشة ابنة الشيخ الوزير الحسيب النزيه الأصيل الصالح الفاضل الطاهر المقدس المرحوم أبي عبد الله محمد المغيلي طلقة واحدة ملكت بها أمر نفسها دونه عارفا قدره قصد بذلك إراحتها من عشرته طالبا من الله أن يغني كلا من سعته مشهدا بذلك على نفسه في صحته وجواز أمره يوم الثلاثاء أول يوم من شهر ربيع الثاني عام أحد وخمسين وسبعمائة انتهى
ومن نوادره رحمه الله تعالى أنه لما استناب بعض قضاة المرية الفقيه أبا جعفر المعروف بالقرعة في القضاء بخارج المرية من عمله فاتفق أن جاء بعض الجنانين بفحص المرية يشتكي من جائحة أو أذاية أصابت جنانه ففسدت غلته لذلك فأخذ ذلك الجنان قرعة وأشار إليها متشكيا وقال هذه القرعة تشهد بما أصاب جناني فقال الشيخ أبو البركات عند ذلك غريبتان في عام واحد القرعة تقضي والقرعة تشهد
وكان له رحمه الله تعالى من هذا النمط كثير
وقال رحمه الله تعالى نظمت صبيحة يوم السبت السابع والعشرين لرجب عام خمسة وأربعين وسبعمائة وقد رأيت في النوم كأني أريد إتيان امرأة لا تحل لي فيأتي رقيب فيحول بيني وبين ذلك المرة بعد المرة قولي
( ألا كرم الله الرقيب فإنه ** كفاني أمورا لا يحل ارتكابها )
( وبالغ في سد الذريعة فاغتدى ** يلاحظني نوما ليغلق بابها )
وقال رحمه الله أنشدني شيخي أبو عبد الله ابن رشيد عند قراءتي عليه
____________________
(5/480)

شرحه لقوافي أبي الحسن حازم وقد باحثته يوما مناقشة في بعض ألفاظه من الشرح المذكور
( تسامح ولا تستوف حقك كله ** وأغض فلم تستوف قط كريم )
ومن نظم الشيخ أبي البركات قوله
( ألا خل دمع العين يهمي بمقلتي ** لفرقة عين الدمع وقف على الدم )
( فللماء فيه رنة شجنية ** كرنة مسلوب الفؤاد متيم )
( وللطير فيه نغمة موصلية ** تذكرني عهد الصبا المتقدم )
( وللحسن أقمار به يوسفية ** ترد إلى دين الهوى كل مسلم )
وله رحمه الله تعالى
( ما كل من شد على رأسه ** عمامة يحظى بسمت الوقار )
( ما قيمة المرء بأثوابه ** السر في السكان لا في الديار )
وله سامحه الله تعالى
( إذا ما كتمت السر عمن أوده ** توهم أن الود غير حقيقي )
( ولم أخف عنه السر من ضنة به ** ولكنني أخشى صديق صديقي )
وله وقد جلس في حلقة بعض المشايخ واستدبر بعض الفضلاء ولم يره بسبتة
( إن كنت أبصرتك لا أبصرت ** بصيرتي في الحق برهانها )
( لا غرو أني لم أشاهدكم ** فالعين لا تبصر إنسانها )
ومما يعجبه رحمه الله من قوله قال في الإحاطة ويحق أن يعجبه
( تطالبني بما ليس لي به ** يدان فأعطيها الأمان فتقبل )
____________________
(5/481)


( عجبت لخصم لج في طلباته ** يصالح عنها بالمحال فيفصل )
ومما أورد له في الإحاطة وذكر أنه لو رحل راحل إلى خراسان لما أتى إلا بهما
( رعى الله إخوان الخيانة إنهم ** كفونا مؤونات البقاء على العهد )
( فلو قد وفوا كنا أسارى حقوقهم ** نراوح ما بين النسيئة والنقد )
وقد تمثل القاضي أبو البركات في مخاطبة له للسان الدين بقول القائل
( أيتها النفس إليه اذهبي ** فحبه المشهور من مذهبي )
( أيأسني التوبة من حبه ** طلوعه شمسا من المغرب )
وحكى غير واحد منهم ابن داود البلوي أن القاضي أبا البركات لما عزم على الرحلة إلى المشرق كتب إليه ابن خاتمة بما صورته
( أشمس الغرب حقا ما سمعنا ** بأنك قد سئمت من الإقامة )
( وأنك قد عزمت على طلوع ** إلى شرق سموت به علامه )
( لقد زلزلت منا كل قلب ** بحق الله لا تقم القيامة )
قال الحاكي فحلف أبو البركات أن لا يرحل من إقليم فيه من يقول مثل هذا انتهى يشير بقوله لقد زلزلت إلخ إلى طلوع الشمس من مغربها
قلت ولما عزمت على هذا الرحلة كتب إلي بعض أصحابنا المغاربة بالأبيات المذكورة متمثلا ولم أرجع عن العزم والله غالب على أمره
قال الوزير لسان الدين رحمه الله تعالى وما أحسن قول شيخنا أبي البركات معتذرا عن زرقة عينيه

( حزنت عليك العين يا مغني الهوى ** فالدمع منها بعد بعدك ما رقا )
____________________
(5/482)


( ولذاك ما ظهرت بلون أزرق ** أوما ترى ثوب المآثم أزرقا ) قال رحمه الله تعالى وهو من الغريب
وقال بعض الشيوخ كنت أقرأ على الشيخ أبي البركات التفسير فنسيت ذات ليلة السفر الذي كنت أقرأ فيه بمنزلي فاتفق أن أحضر الجامع الصحيح للبخاري فقال الشيخ بعد أن أردت القراءة عليه من أوله افتح في أثناء الأوراق ولا تعين وما خرج لك من ترجمة لجهة اليمين فاقرأها ففعلت فإذا غزوة أحد فقرأت الحديث الأول من الباب وهو عن عقبة بن عامر قال إن رسول الله صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع المنبر فقال إني بين أيديكم فرط وأنا شهيد عليكم وإن موعدكم الحوض وإني لأنظر إليه من مقامي هذا وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها قال فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله فقال الشيخ قوله صلى على قتلى أحد لفظ الصلاة يطلق لغة على الدعاء وشرعا على الأفعال المخصوصة المعلومة وإذا دار اللفظ بين الشرعي واللغوي فحمله على الشرعي أولى حتى يدل الدليل على خلافه فقوله صلى على قتلى أحد يحتمل الصلاة الشرعية ويكون ذلك منسوخا إذ قد تقرر أنه لا يصلى على شهيد المعترك ولا على من قد صلي عليه ولمن يعارضه أن يقول إن قتلى أحد متفرقون في أماكن فلا تتأتى الصلاة الشرعية عليهم إذ الصلاة الشرعية إنما تتأتى لو كانوا مجتمعين والجواب أنهم وإن كانوا متفرقين تجمعهم جهة واحدة وليس بعد ما بينهم بحيث لا تتأتى معه الصلاة عليهم هذا وإن احتمل حمله على الصلاة اللغوية وقوله كالمودع للأحياء والأموات أما وداعه للأحياء فلا إشكال فيه وأما الأموات فمعنى وداعه لهم وداع الدعاء لهم لأنه إذا مات فقد حيل بينه وبين
____________________
(5/483)

الدعاء لهم فلاجرم يودعهم بالدعاء لهم قبل أن يحال بينه وبين ذلك وقوله إني بين أيديكم أي أتقدم قبلكم وقوله بين أيديكم فرط أي متقدم وبين إذا أضيفت إلى الأيدي تستعمل فيما قبل زمانك وفيما بعده والمعنى هنا في قوله بين أيديكم أي أتقدم قبلكم وقوله وأنا شهيد عليكم فيه وجهان أحدهما أن يخلق الله في قلبه علما ضروريا يميز به بين البر والفاجر فيشهد بما خلق الله في قلبه من ذلك إذ لا تكون الشهادة إلا على أمر مشاهد ومعلوم أنه لم يشاهد مافعل بعده من أمته فيخلق الله له علما بذلك الوجه الثاني أن يخبره الله تعالى بذلك كما في حديث الحوض ليذادن عنه أقوام كما يذاد البعير الضال فأقول ألا هلم ألا هلم فيقال إنهم قد غيروا بعدك فأقول فسحقا فسحقا فسحقا فشهد بما أخبره الله تعالى به وهو نظير ما روي في تفسير قوله تعالى { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } البقرة 143 من ان قوم نوح يقولون كيف تشهدون علينا وزمانكم متأخر عن زماننا فيقولون لأن الله تعالى قص علينا اخباركم في كتابه فقال { إنا أرسلنا نوحا إلى قومه } - إلى آخره نوح 1 وقوله صلى الله عليه وسلم وإن موعدكم الحوض وإني لأنظر إليه من مقامي هذا نظره صلى الله عليه وسلم إلى الحوض فيه وجهان أحدهما أن يكون نظره إليه بقلبه إذ كان قد أطلعه الله عليه ليلة الإسراء فصار مرتسما في قلبه فيكون نظره إليه بعين قلبه كما يرتسم في قلب أحدنا شكل بيته وما فيه من المتاع والثياب وغير ذلك الثاني أن يكون الله تعالى قد كشف له عنه فيكون نظره إليه بعينه مشاهدة وقوله وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا إن قيل كيف قال ذلك وقد ارتد عن الإسلام من ارتد من العرب بعده فالجواب أنه إنما خاطب بذلك من لم يشرك من أصحابه ومن بعدهم من التابعين وغيرهم من أمته ولم يراع رعاع العرب
____________________
(5/484)

وجهالهم إذ لا اعتبار بهم لاحتقارهم وقوله عليه الصلاة والسلام ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها قد وقع ما خشي منه عليه الصلاة والسلام من المنافسة في الدنيا فكان كما ذكر انتهى
وحدث الشيخ أبو البركات قال كنت ببجاية بمجلس الإمام ناصر الدين المشدالي أيام قراءتي عليه وقد أفاض طلبة مجلسه بين يديه هل الملائكة أفضل أم الأنبياء فقلت الدليل لأن الملائكة أفضل أن الله أمرهم بالسجود لآدم قال فجعل الطلبة ينظر بعضهم إلى بعض حتى قال لي بعضهم استند يا سيدنا كأنه يقول استند إلى حائط ليزول هوس رأسك وكانت عبارتهم في ذلك وكل منهم يقول لي نحو ذلك إزراء وقال لي الإمام ناصر الدين أبصر فإنهم يقولون لك الحق وكانت لغته أن يقول أبصر قال فقلت أتقولون إن أمر الله للملائكة بالسجود لآدم أمر ابتلاء واختبار قالوا نعم قلت أفيختبر العبد بتقبيل يد سيده ليرى تواضعه قالوا لا فإن ذلك من شأن العبد دون أن يؤمر بل السيد يختبر تواضعه بأن يؤمر بالسجود للعبد قلت فكذا الملائكة لو أمرت بالسجود لأفضل منها لكان بمنزلة أمر العبد بالسجود لسيده قال فكأنما ألقمتهم حجرا
قال الشيخ أبو البركات وهذه كحكاية أبي بكر ابن الطيب مع بعض رؤساء المعتزلة وذلك أنه اجتمع معه في مجلس الخليفة فناظره في مسألة رؤية الباري فقال له رئيسهم ما الدليل أيها القاضي على جواز رؤية الله تعالى قال قوله تعالى { لا تدركه الأبصار } فنظر بعض المعتزلة إلى بعض وقالوا جن القاضي وذلك أن هذه الآية هي معظم ما احتجوا به على مذهبهم وهو ساكت ثم قال لهم أتقولون إن من لسان العرب قولك الحائط لا يبصر قالوا لا قال أتقولون إن من لسان العرب الحجر لا يأكل قالوا لا قال فلا يصح إذا نفي الصفة إلا عما من شأنه صحة إثباتها له قالوا نعم قال فكذلك قوله تعالى { لا تدركه الأبصار } لولا جواز إدراك الأبصار له لم يصح نفيه عنه
____________________
(5/485)

فأذعنوا لما قال واستحسنوه
وقال الشيخ أبو البركات كنت ببجاية وقدم علينا رجل من فاس برسم الحج يعرف بابن الحداد فركب الناس في الأخذ عنه والرواية لما يحمله كل صعب وذلول مع أنه لم تكن منزلته هناك في العلم فعجبت لذلك حتى قلت لبعض الطلبة لقد أخذتموه بكلتا اليدين ولم أركم مع من هو أعلى قدرا منه كذلك فقالوا لي لأنه قدم علينا ونحن لا نعرفه وهو في زي حسن بخادم يخدمه يظن من يراه أن أباه من أعيان أهل بلده فسألناه أحي أبوه أم لا قال بل حي قلنا أهو من أهل العلم قال لا هو دلال في سوق الخدم فلذلك آثرناه على من هو فوقه في العلم قال فقلت لهم حق له أن ترتفع منزلته ويعلو صيته لتخلقه وفضله
وفوائد أبي البركات كثيرة
ومن تواليفه المؤتمن على أنباء أبناء الزمن كتاب مفيد جدا وهو رضي الله عنه من ذرية العباس بن مرداس السلمي صاحب رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
وقال الشيخ أبو البركات ذكر لي أن الفقيه الكاتب أبا الحسن ابن الجياب يحدث عني ولا أذكر الآن أني قلت ذلك ولكنني لما سمعته علمت أنه مما من شأني أن أقوله وهو أني قلت مثل العالم مثل رجل يصب ماء في قفة إن واضب على صب الماء بقيت القفة ملأى وإن ترك صب الماء بقيت القفة لا شيء فيها من الماء فكذلك العالم إن واظب على طلب العلم بقي العلم لم ينقص منه شيء وإن ترك الطلب ذهب علمه انتهى
ونقلت ممن رأى كلام ابن الصباغ في ترجمة أبي البركات ما نصه لما ورد مدينة فاس في غرض الهناء والعزاء على أمير المسلمين أبي بكر السعيد ابن أمير المؤمنين أبي عنان وأبصر الدار غاصة بأرباب الدولة الفاسية ولم يعدم منها عدا شخصه والولد على أريكة أبيه أنشد
____________________
(5/486)


( لما تبدلت المجالس أوجها ** غير الذين عهدت من جلسائها )
( ورأيتها محفوفة بسوى الألى ** كانوا حماة صدورها وبنائها )
( أنشدت بيتا سائرا متقدما ** والعين قد شرقت بجاري مائها )
( أما القباب فإنها كقبابهم ** وأرى نساء الحي غير نسائها )
وأظن أنه تمثل بالأبيات في سره وإلا فيبعد أن يقولها في ذلك الحفل لما في ذلك من التعرض للهلك والله سبحانه أعلم
وحكى بعضهم انه كان جالسا في دهليز بيته مع بعض الأصحاب فدخلت زوجته من الحمام وهي بغير سراويل لقرب الحمام من البيت فانكشف ساقها فدخل خلفها مسرعا وغاب ساعة ثم خرج وأنشد
( كشفت على ساق لها فرأيته ** متلألئا كالجوهر البراق )
( لا تعجبوا إن قام منه قيامتي ** إن القيامة يوم كشف الساق )
وله في خديم اسمه يحيى احتجم محجمة واحدة
( أراني يحيى صنعة في قفائه ** مهذبة لما تبادر للباب )
( أرى الخمس فيها لا تفارق ساعة ** فصور بالموسى بها شكل محراب )
وتوفي الشيخ القاضي أبو البركات المذكور بشوال سنة 771 رحمه الله تعالى
22 - ومن أشياخ لسان الدين رحمه الله تعالى الشيخ الحكيم العلامة التعاليمي الشاعر البليغ أعجوبة زمانه في الإطلاع على علوم الأوائل أبو زكريا يحيى بن هذيل وقد قال في الإحاطة في حقه ما ملخصه يحيى
____________________
(5/487)

ابن احمد بن هذيل التجيبي أبو زكريا شيخنا جرى ذكره في التاج المحلى بما نصه درة بين الناس مغفلة وخزانة على كل فائدة مقفلة وهدية من الدهر الضنين لبنيه محتفلة أبدع من رتب التعاليم وعلمها وركض في الألواح قلمها وأتقن من صور الهيئة ومثلها وأسس قواعد البراهين وأثلها وأعرف من زاول شكاية ودفع عن جسم نكاية إلى غير ذلك من المشاركة في العلوم والوصول من المجهول إلى المعلوم والمحاضرة المستفزة للحلوم والدعابة التي ما خالع العذار فيها بالملوم فما شئت من نفس عذبة الشيم وأخلاق كالزهر من بعد الديم ومحاضرة تتحف المجالس والمحاضر ومذاكرة يروق النواظر زهرها الناضر وله أدب ذهب في الإجادة كل مذهب وارتدى من البلاغة بكل رداء مذهب والأدب نقطة من حوضه وزهرة من زهرات روضه وسيمر له في هذا الديوان ما يبهر العقول ويحاسن بروائه ورائق بهائه الفرند المصقول فمن ذلك ما خرجته من ديوانه المسمى بالسليمانيات والعزفيات قوله
( ألا استودع الرحمن بدرا مكملا ** بفاس من الدرب الطويل مطالعه )
( ففي فلك الأزرار يطلع سعده ** وفي أفق الأكباد تلفى مواقعه )
( يصير مرآه منجم مقلتي ** فتصدق في قطع الرجاء قواطعه )
( تجسم من ماء الملاحة خده ** وماء الحيا فيه ترجرج مائعه )
( تلون كالحرباء في خلجاته ** فيحمر قانيه ويبيض ناصعه )
( إذا اهتز غنى حليه فوق نحره ** كغصن النقا غنت عليه سواجعه )
( يؤكد حتف الصب عامل قدره ** وتعطف من واو العذار توابعه )
____________________
(5/488)


( أعد الورى سيفا كسيف لحاظه ** فهذا هو الماضي وذاك مضارعه )
وقال
( وصالك هذا أم تحية بارق ** وهجرك أم ليل السليم لتائق )
( أناديك والأشواق تركض جمرها ** بصفحة خدي من دموع سوابق )
( أبارق ثغر من عذيب رضابه ** قضت مهجتي بين العذيب وبارق )
ومنها
( فلا تتعبن ريح الصبا في رسالة ** ولا تخجل الطيف الذي كان طارقي )
( متى طعمت عيني الكرى بعد بعدكم ** فإني في دعوى الهوى غير صادق )
وقال
( بدا بدر تم فوقه الليل عسعسا ** وجنة أنس في صباح تنفسا )
( حوى النجم قرطا والدراري مقلدا ** وأسبل من مسك الذوائب حندسا )
( كأن سنا الإصباح رام يزورنا ** وخاف العيون الرامقات فغلسا )
( أتى يحمل التوراة ظبيا مزنرا ** لطيف التثني أشنب الثغر ألعسا )
( وقابل أحبار اليهود بوجهه ** فبارك ربي عليه وقدسا )
( فصير دمعي أعينا شرب سبطه ** وعمري تيها والجوانح مقدسا )
ومنها
( رويت ولوعي عن ضلوعي مسلسلا ** فأصبحت في علم الغرام مدرسا )
( نفى النوم عني كي أكون مسهدا ** فأصبحت في صيد الخيال مهندسا )
____________________
(5/489)


( غزال من الفردوس تسقيه أدمعي ** ويأوي إلى قلبي مقيلا ومكنسا )
( طغى ورد خديه بجنات صدغه ** فأضعفه بالآس نبتا وما أسا )
وهذا البيت محال على معنى فلاحي قال أهل الفلاحة إن الآس إذا اغترس بين شجر الورد أضعفه بالخاصية
وقال رحمه الله تعالى ورضي عنه
( نام طفل النبت في حجر النعامى ** لاهتزاز الطل في مهد الحزامى )
( وسما الوسمي أغصان النقا ** فهوت تلثم أفواه الندامى )
( كحل الفجر لهم جفن الدجى ** وغدا في وجنة الصبح لثاما )
( تحسب البدر محيا ثمل ** قد سقته راحة الصبح مداما )
( حوله الزهر كؤوس قد غدت ** مسكة الليل عليهن ختاما )
( يا عليل الريح رفقا علني ** أشف بالسقم الذي حزت سقاما )
( أبلغن شوقي عريبا باللوى ** همت في أرض بها حلوا غراما )
( فرشوا فيها من الدر حصى ** ضربوا فيها من المسك خياما )
( كنت أشفي غلة من صدكم ** لو أذنتم لجفوني أن تناما )
( واستفدت الروح من ريح الصبا ** لو أتت تحمل من سلمي سلاما )
وقال منها أيضا
( نشأت للصب منها زفرة ** تسكب الدمع على الربع سجاما )
( طرب البرق مع القلب بها ** وبها الأنات طارحن الحماما )
____________________
(5/490)


( طلل لا تشتفي الأذن به ** وهو للعينين قد ألقى كلاما )
( ترك الساكن لي من وصله ** ضمة الجدران لثما والتزاما )
( نزعات من سليمان بها ** فهم القلب معانيها فهاما )
( شادن يرعى حشاشات الحشا ** حسب حظي منه أن أرعى الذماما )
وقال
( أأرجو أمانا منك واللحظ غادر ** ويثبت عقلي فيك والطرف ساحر )
ومنها
( أعد سليمان أليم عذابه ** لطائر قلبي فهو للبين صائر )
( أشاهد منه الحسن في كل نظرة ** وناظر أفكاري بمغناه ناظر )
( دعت للهوى أنصار سحر جفونه ** فقلبي له عن طيب نفس مهاجر )
( إذا شق عن بدر الدجى أفق زره ** فإني بتمويه العواذل كافر )
( وفي حرم السلوان طابت خواطري ** وقلبي لما في وجنتيه مجاور )
( وقد ينزع القلب المبلى لسلوة ** كما اهتز من قطر الغمامة طائر )
( يقابل أغراضي بضد مرادها ** ولم يدر أن الضد للضد قاهر )
( ونار اشتياقي صعدت مزن أدمعي ** فمضمر سري فوق خدي ظاهر )
( وقد كنت باكي العين والبين غائب ** فقل لي كيف الدمع والبين حاضر )
____________________
(5/491)


( وليس النوى بالطبع مرا وإنما ** لكثرة ما شقت عليه المرائر )
وقال
( يا بارقا قاد الخيال فأومضا ** اقصد بطيفك مدنفا قد غمضا )
( ذاك الذي قد كنت تعهد نائما ** بالسهد من بعد الأحبة عوضا )
( لا تحسبني معرضا عن طيفه ** لكن منامي عن جفوني أعرضا )
ومنها
( عجب الوشاة لمهجتي أن لم تذب ** يوم النوى وتشككت فيما مضى )
( خفيت لهم من سر صبري آية ** ما فهمت إلا سليمان الرضى )
( لله درك ناهجا سبل الهوى ** فلمثله أمر الهوى قد فوضا )
( أمنت نملا فوق خدك سارحا ** وسللت سيفا من جفونك منتضى )
وقال في المدح
( حريص على جر الذوائب والقنا ** إذا كعت الأبطال والجو عابس )
( ويعتنق الأبطال لولا سقوطها ** لقلت لتوديع أتته الفوارس )
( إذا اختطفتهم كفه فسروجهم ** مجال وهم في راحتيه فرائس )
وقال يمدح السلطان أبا الوليد ابن نصر عند قدومه من فتح أشكر
( بحيث البنود الحمر والأسد الورد ** كتائب سكان السماء لها جند )
( وتحت لواء النصر ملك هو الورى ** تضيق به الدنيا إذا راح أو يغدو )
____________________
(5/492)


( تأمنت الأرواح في ظل بنده ** كأن جناح الروح من فوقه بند )
( فلو رام إدراك النجوم لنالها ** ولو هم لانقادت له السند والهند )
ومنها
( بعيني بحر النقع تحت أسنة ** تنمنمه وهنا كما نمنم البرد )
( سماء عجاج والأسنة شهبها ** ووقع القنا رعد إذا برق الهند )
( وظنوا بأن الرعد والصعق في السما ** محاق به من أيده الصعق والرعد )
( عجائب أشكال سما هرمس بها ** مهندسة تأتي الجبال فتنهد )
( ألا إنها الدنيا تريك عجائبا ** وما في القوى منها فلا بد أن يبدو )
وقال وهو معتقل
( تباعد عني منزل وحبيب ** وهاج اشتياقي والمزار قريب )
( وإني على قرب الحبيب مع النوى ** يكاد إذا اشتد الأنين يجيب )
( لقد بعدت عني ديار قريبة ** عجبت لجار الجنب وهو غريب )
( أعاشر أقواما تقر نفوسهم ** فللهم فيها عند ذاك ضروب )
( إذا شعروا من جارهم بتأوه ** أجابته منهم زفرة ونحيب )
( فلا ذاك يشكو هم هذا تأسفا ** لكل امرىء مما دهاه نصيب )
( كأني في غاب الليوث مسالم ** يروعني منه الغداة وثوب )
( تحكم فيها الدهر والعقل حاضر ** بكل قياس والأديب أديب )
( ولو مال بالجهال ميلته بنا ** لجاء بعذر إن ذا لعجيب )
( رفيق بمن لا ينثني عن جريمة ** بطوش بمن ما أوبقته ذنوب )
( ويطعمنا منه بوارق خلب ** نقول عساه يرعوي فيؤوب )
____________________
(5/493)


( إذا ما تشبثنا بأذيال برده ** دهتنا إذا جر الخطوب خطوب )
( أدار علينا صولجانا ولم يكن ** سوى أنه بالحادثات لعوب )
ومنها
( أيا دهر إني قد سئمت تهدفي ** أجرني فإن السهم منك مصيب )
( إذا خفق البرق الطروق أجابه ** فؤادي ودمع المقلتين سكوب )
( وإن طلع الكف الخضيب بسحرة ** فدمعي بحناء الدماء خضيب )
( تذكرني الأسحار دارا ألفتها ** فيشتد حزبي والحمام طروب )
( إذا علقت نفسي بليت وربما ** تكاد تفيض أو تكاد تذوب )
( دعوتك ربي والدعاء ضراعة ** وأنت تناجي بالدعا فتجيب )
( لئن كان عقبى الصبر فوزا وغبطة ** فإني على الصبر الجميل دروب )
قال وبعثت إليه هدية من البادية فقال يصف منها ديكا
( أيا صديقا جعلته سندا ** فراح فيما أحبه وغدا )
( طلبت منكم سريدكا خنثا ** وجئتم لي مكانه لبدا )
( صير مني مؤرخا ولكم ** ظللت في علمه من البلدا )
( قلت له آدم اتعرفه ** قال حفيدي بعصرنا ولدا )
( نوح وطوفانه رأيتهما ** قال علونا بفيضه أحدا )
( فقلت هل لي بجرهم خبر ** فقال قومي وجيرتي السعدا )
( فقلت فحطان هل مررت به ** قال نفثنا ببرده العقدا )
( فقلت صف لي سبا وساكنها ** فعند هذا تنفس الصعدا )
____________________
(5/494)


( فقال كم لي بدجنهم سحرا ** من صرخة لي وللنؤوم هدا )
( فقلت هاروت هل سمعت به ** فقال ريشي لسهمه نفدا )
( فقلت كسرى وآل شرعته ** فقال كنا بجيشه وفدا )
( ولوا وصاروا وها أنا لبد ** فهل رأيتم من فوقهم أحدا )
( ديك إذا ما انثنى لفكرته ** رأى وجودا طرائقا قددا ) ( يرفل في طيلسانه ولها ** قد صير الدهر لونه كمدا )
( إذا دجا الليل غاب هيكله ** كأن حبرا عليه قد جمدا )
( كأنما جلنار لحيته ** برجان جازا من الهواء مدى )
( كأن حصنا علا بهامته ** أعده للقتال فيه عدا )
( يرنو بياقوتتي لواحظه ** كأنما اللحظ منه قد رمدا )
( كأن متجالتي ذوائبه ** قوس سماء من أصله بعدا )
( وعوسج مدد من مخالبه ** طغى بها في نقاره وعدا )
( فذاك ديك جلت محاسنه ** له صراخ بين الديوك بدا )
( يطلبني بالذي فعلت به ** فكم فللنا بلبتيه مدى )
( وجهته محنة لآكله ** والله ما كان ذاك منك سدى )
ولم نزل بعد نستعدي عليه بإقراره بقتله ونطلبه بالقود عند تصرفه بالعمل فيوجه الدية لنا في ذلك رسائل
وقال في غرض أبي نواس
( طرقنا ديور القوم وهنا وتغليسا ** وقد شرفوا الناسوت إذ عبدوا عيسى )
( وقد رفعوا الإنجيل فوق رؤوسهم ** وقد قدسوا الروح المقدس تقديسا )
( فما استيقظوا إلا لصكة بابهم ** فأدهش رهبانا وروع قسيسا )
____________________
(5/495)


( وقام بها البطريق يسعى ملبيا ** وقد لين الناقوس رفعا وتأنيسا )
( فقلنا له أمنا فإنه عصابة ** أتينا لتثليث وإن شئت تسديسا )
( وما قصدنا إلا الكؤوس وإنما ** لحنا له في القول خبثا وتدليسا )
( ففتحت الأبواب بالرحب منهم ** وعرس طلاب المدامة تعريسا )
( فلما رأى رقي أمامي ومزهري ** دعاني أتأنيسا لحنت وتلبيسا )
( وقام إلى دن يفض ختامه ** فكبس أجرام الغياهب تكبيسا )
( وطاف بها رطب البنان مزنر ** فأبصرت عبدا صير الحر مرؤوسا )
( سلافا حواها القار لبسا فخلتها ** مثالا من الياقوت في الحبر مغموسا )
ومنها
( إلى أن سطا بالقوم سلطان نومهم ** ورأس فتيل الشمع نكس تنكيسا )
( وثبت إليه بالعناق فقال لي ** بحق الهوى هب لي من الضم تنفيسا )
( كتبت بدمع العين صفحة خده ** فطلس حبر الشعر كتبي تطليسا )
( فبئس الذي احتلنا وكدنا عليهم ** وبئس الذي قد أضمروا قبل ذا بيسا )
( فبتنا يرانا الله شر عصابة ** نطيع بعصيان الشريعة إبليسا )
وقال بديهة في غزالة من النحاس ترمي الماء على بركة
( عنت لنا من وحش وجرة ظبية ** جاءت لورد الماء ملء عنانها )
( وأظنها إذا حددت آذانها ** ريعت بنا فتوقفت بمكانها )
( حيت بقرني رأسها إذ لم تجد ** يوم اللقاء تحية ببنانها )
( حنت على الندمان من إفلاسهم ** فرمت قضيب لجينها لحنانها )
( لله در غزالة أبدت لنا ** در الحباب تصوغه بلسانها )
____________________
(5/496)


قال لسان الدين وفلج المذكور فلزم منزلي لمكان فضله ووجوب حقه وقد كانت زوجه توفيت وصحبه عليها وجد فلما ثقل وقربت وفاته استدعاني وكاد لسانه لا يبين فأوصاني وقال
( إذا مت فادفني حذاء حليلتي ** يخالط عظمي في التراب عظامها )
( ولا تدفنني في البقيع فإنني ** أريد إلى يوم الحساب التزامها )
( ورتب ضريحي كيفما شاءه الهوى ** تكون أمامي أو أكون أمامها )
( لعل إله العرش يجبر صدعتي ** فيعلي مقامي عنده ومقامها )
ومات رحمه الله تعالى في الخامس والعشرين لذي قعدة عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة ودفن بحذاء زوجه كما عهد رحمه الله تعالى انتهى
ومن نظم ابن هذيل
( وظبي زارني والليل طفل ** إلى أن لاح لي منه اكتهال )
( وألغى الشك من وصل فقلنا ** بليل الشك يرتقب الهلال )
23 - ومن أشياخ لسان الدين الشيخ أبو بكر ابن ذي الوزارتين وهو أعني أبا بكر الوزير الكاتب الأديب الفاضل المشارك المتفنن المتبحر في الفنون أبو بكر محمد ابن الشيخ الشهير ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الحكيم الرندي ومن نظمه قوله
( تصبر إذا ما أدركتك ملمة ** فصنع إله العالمين عجيب )
( وما يلحق الإنسان عار بنكبة ** ينكب فيها صاحب وحبيب )
____________________
(5/497)


( ففي من مضى للمرء ذي العقل أسوة ** وعيش كرام الناس ليس يطيب )
( ويوشك أن تهمي سحائب نعمة ** فيخصب ربع للسرور جديب )
( إلهك يا هذا قريب لمن دعا ** وكل الذي عند القريب قريب )
قال ابن خاتمة وأنشدني الوزير أبو بكر مقدمه على المرية غازيا مع الجيش المنصور قال أنشدني أبي
( ولما رأيت الشيب حل بمفرقي ** نذيرا بترحال الشباب المفارق )
( رجعت إلى نفسي فقلت لها انظري ** إلى ما أرى هذا ابتداء الحقائق ) ترجمة أبي عبد الله ابن الحكيم
وبيتهم بيت كبير وأخذ عن غير واحد وعن والده وهو ذو الوزارتين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى اللخمي الرندي الكاتب البليغ الأديب الشهير الذكر بالأندلس وأصل سلفه من إشبيلية من أعيانها ثم انتقلوا إلى رندة في دولة بني عباد ويحيى جد والده هو المعروف بالحكيم لطبه وقدم ذو الوزارتين على حضرة غرناطة أيام السلطان أبي عبد الله محمد بن محمد بن نصر إثر قفوله من الحج في رحلته التي رافق فيها العلامة أبا عبد الله ابن رشيد الفهري فألحقه السلطان بكتابه وأقام يكتب له في ديوان الإنشاء إلى أن توفي هذا السلطان وتقلد الملك بعده ولي عهده أبو عبد الله المخلوع فقلده الوزارة والكتابة وأشرك معه في الوزارة أبا سلطان عبد العزيز بن سلطان الداني فلما توفي أبو سلطان أفرده السلطان بالوزارة ولقبه ذا الوزارتين
____________________
(5/498)

وصار صاحب أمره إلى أن توفي بحضرة غرناطة قتيلا نفعه الله تعالى غدوة يوم الفطر مستهل شوال سنة ثمان وسبعمائة وذلك لتاريخ خلع سلطانه وخلافة أخيه أمير المسلمين أبي الجيوش مكانه ومولده برندة سنة ستين وستمائة
وكان رحمه الله تعالى علما في الفضيلة والسراوة ومكارم الأخلاق كريم النفس واسع الإيثار متين الحرمة عالي الهمة كاتبا بليغا أديبا شاعرا حسن الخط يكتب خطوطا على أنواع كلها جميلة الانطباع خطيبا فصيح القلم زاكي الشيم مؤثرا لأهل العلم والأدب برا بأهل الفضل والحسب نفقت بمدته للفضائل أسواق وأشرقت بإمداده للأفاضل آفاق ورحل للمشرق كما سبق فكانت إجازته البحر من المرية فقضى فريضة الحج وأخذ عمن لقي هنالك من الشيوخ فمشيخته متوافرة وكان رفيقه كما مر الخطيب أبا عبد الله ابن رشد الفهري فتعاونا على هذا الغرض وقضيا منه كل نفل ومفترض واشتركا فيمن أخذا عنه من الأعلام في كل مقام وكانت له عناية بالرواية وولوع بالأدب وصبابة باقتناء الكتب جمع من أمهاتها العتيقة وأصولها الرائقة الأنيقة ما لم يجمعه في تلك الأعصر أحد سواه ولا ظفرت به يداه أخذ عنه الخطيب الصالح أبو إسحاق ابن أبي العاصي وتدبج معه رفيقه أبو عبد الله ابن رشيد وغير واحد وكان ممدحا وممن مدحه الرئيس أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي والرئيس أبو الحسن ابن الجياب وناهيك بهما
ومن بديع مدح ابن الجياب له قصيدة رائية رائقة يهنيه فيها بعيد الفطر منها في أولها
( يا قادما عمت الدنيا بشائره ** أهلا بمقدمك الميمون طائره )
( ومرحبا بك من عيد تحف به ** من السعادة أجناد تظافره )
____________________
(5/499)


( قدمت فالخلق في نعمى وفي جذل ** أبدى بك البشر باديه وحاضره )
( والأرض قد لبست أثواب سندسها ** والروض قد بسمت منه أزاهره )
( حاكت يد الغيث في ساحاته حللا ** لما سقاها دراكا منه باكره )
( فلاح فيها من الأنوار باهرها ** وفاح فيها من النوار عاطره )
( وقام فيها خطيب الطير مرتجلا ** والزهر قد رصعت منه منابره )
( موشي ثوب طواه الدهر آونة ** فها هو اليوم للأبصار ناشره )
( فالغصن من نشوة يثني معاطفه ** والطير من طرب تشدو مزاهره )
( وللكمام انشقاق عن أزاهرها ** كما بدت لك من خل ضمائره )
( لله يومك ما أزكى فضائله ** قامت لدين الهدى فيه شعائره )
( فكم سريرة فضل فيك قد خبئت ** وكم جمال بدا للناس ظاهره )
( فافخر بحق على الأيام قاطبة ** فما لفضلك من ند يظاهره )
( فأنت في عصرنا كابن الحكيم إذا ** قيست بفخر أولي العليا مفاخره )
( يلتاح منه بأفق الملك نور هدى ** تضاءل الشمس مهما لاح زاهره )
( مجد صميم على عرش السماك سما ** طالت مبانيه واستعلت مظاهره )
( وزارة الدين والعلم التي رفعت ** أعلامه والندى الفياض زاخره )
( وليس هذا ببدع من مكارمه ** ساوت أوائله فيه أواخره )
( يلقى الأمور بصدر منه منشرح ** بحر وآراؤه العظمى جواهره )
( راعى أمور الرعايا معملا نظرا ** كمثل علياه معدولا نظائره )
( والملك سير في تدبيره حكما ** تنال ما عجزت عنه عساكره )
( سياسة الحلم لا بطش يكدرها ** فهو المهيب وما تخشى بوادره )
( لا يصدر الملك إلا عن إشارته ** فالرشد لا تتعداه مصايره )
( تجري الأمور على أقصى إرادته ** كأنما دهره فيه يشاوره )
( وكم مقام له في كل مكرمة ** أنست موارده فيها مصادره )
____________________
(5/500)


( ففضلها طبق الآفاق أجمعها ** كأنه مثل قد سار سائره )
( فليس يجحده إلا أخو حسد ** يرى الصباح فيعشى منه ناظره )
( لا ملك أكبر من ملك يدبره ** لا ملك أسعد من ملك يوازره )
( يا عز أمر به اشتدت مضاربه ** يا حسن ملك به ازدانت محاضره )
( تثني البلاد وأهلوها بما عرفوا ** ويشهد الدهر آتيه وغابره )
( بشرى لآمله الموصول مأمله ** تعسا لحاسده المقطوع دابره )
( فالعلم قد أشرقت نورا مطالعه ** والجود قد أسبلت سحا مواطره )
( والناس في بشر والملك في ظفر ** عال على كل عالي القدر قاهره )
( والأرض قد ملئت أمنا جوانبها ** بيمن من خلصت فيها سرائره )
( وإلى أياديه من مثنى وموحدة ** تساجل البحر إن فاضت زواخره )
( فكل يوم تلقانا عوارفه ** كساه أمواله الطولى دفاتره )
( فمن يؤدي لما أولاه من نعم ** شكرا ولو أن سحبانا يظاهره )
( يا أيها العيد بادر لثم راحته ** فلثمها خير مأمول تبادره )
( وافخر بأن قد لقيت ابن الحكيم على ** عصر يباريك أو دهر تفاخره )
( ولى الصيام وقد عظمت حرمته ** فأجره لك وافيه ووافره )
( وأقبل العيد فاستقبل به جذلا ** واهنأ به قادما عمت بشائره )
ومن نثر ذي الوزارتين آخر إجازة ما صورته وها أنا أجري معه على حسن معتقده وأكله في هذا الغرض إلى ما رآه بمقتضى تودده وأجيز له ولولديه أقر الله بهما عينه وجمع بينهما وبينه رواية جميع ما نقلته وحملته وحسن اطلاعه يفصل من ذلك ما أجملته فقد أطلقت لهم الإذن في جميعه وأبحت لهم الحمل عني ولهم الإختيار في تنويعه والله سبحانه يخلص أعمالنا لذاته ويجعلها في ابتغاء مرضاته قال هذا محمد بن عبد الرحمن بن الحكيم حامدا لله عز وجل ومصليا
____________________
(5/501)


ومن شعر ذي الوزارتين ابن الحكيم قوله
( ما أحسن العقل وآثاره ** لو لازم الإنسان إيثاره )
( يصون بالعقل الفتى نفسه ** كما يصون الحر أسراره )
( لا سيما إن كان في غربة ** يحتاج أن يعرف مقداره )
وقوله رحمه الله
( إني لأعسر أحيانا فيلحقني ** يسر من الله إن العسر قد زالا )
( يقول خير الورى في سنة ثبتت ** أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا )
وهو من أحسن ما قال رحمه الله
ومن شعر ذي الوزارتين المذكور قوله
( فقدت حياتي بالعراق ومن غدا ** بحال نوى عمن يحب فقد فقد )
( ومن أجل بعدي عن ديار ألفتها ** جحيم فؤادي قد تلظى وقد وقد )
وقد سبقه إلى هذا القائل
( أواري أواري بالدموع تجلدا ** وكم رمت إطفاء اللهيب وقد وقد )
( فلا تعذلوا من غاب عنه حبيبه ** فمن فقد المحبوب مثلي فقد فقد )
كذا رواه ابن خاتمة ورواه غيره هكذا
( أواري أواري والدموع تبينه ** )
وهو الصواب قال ابن خاتمة وأنشدني رئيس الكتاب الصدر البليغ
____________________
(5/502)

الفاضل أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان النجاري قال أنشدني رئيس الكتاب الجليل أبو محمد عبد المهيمن بن محمد الحضرمي قال أنشدني رئيس الكتاب ذو الوزارتين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن الحكيم رحمه الله
( صح الكتاب وعنه ** واختم على مكتنه )
( واحذر عليه من مخالسة ** الرقيب بجفنه )
( واجعل لسانك سجنه ** كيلا ترى في سجنه )
قال ابن خاتمة وفي سند هذه القطعة نوع غريب من التسلسل
وحكى أن ذا الوزارتين المذكور لما اجتمع مع الجليل الفقيه الكاتب ابن أبي مدين أنشده ابن أبي مدين
( عشقتكم بالسمع قبل لقاكم ** وسمع الفتى يهوى لعمري كطرفه )
( وحببني ذكر الجليس إليكم ** فلما التقينا كنتم فوق وصفه )
فأنشد ذو الوزارتين ابن الحكيم
( ما زلت أسمع من علياك كل سنا ** أبهى من الشمس أو أجلى من القمر )
( حتى رأى بصري فوق الذي سمعت ** أذني فوفق بين السمع والبصر )
ويعجبني في قريب من هذا المعنى قول الحاج الكاتب أبي إسحاق الحسناوي رحمه الله
( سحر البيان بناني صار يعقده ** والنفث في عقده من منطقي الحسن )
( لا أنشد المرء يلقاني ويبصرني ** أنا المعيدي فاسمع بي ولا ترني )
رجع وقال لسان الدين في عائد الصلة في حق ذي الوزارتين ابن الحكيم
____________________
(5/503)

ما صورته كان رحمه الله فريد دهره سماحة وبشاشة ولوذعية وانطباعا رقيق الحاشية نافذ العزمة مهتزا للمديح طلقا للأمل كهفا للغريب برمكي المائدة مهلبي الحلوى ريان من الأدب مضطلعا بالرواية مستكثرا من الفائدة يقوم على المسائل الفقهية ويتقدم الناس في باب التحسين والتقبيح ورفع راية الحديث والتحديث نفق بضاعة الطلب وأحيا معالم الأدب وأكرم العلم والعلماء ولم تشغله السياسة عن النظر ولا عاقه تدبير الملك عن المطالعة والسماع وأفرط في اقتناء الكتب ختى ضاقت قصوره عن خزائنها وأثرت أنديته من ذخائرها قام له الدهر على رجل وأخدمه صدور البيوتات وأعلام الرياسات وخوطب من البلاد النازحة وأمل في الآفاق النائية انتهى المقصود منه
ومن أحسن ما رثي به الوزير ابن الحكيم رحمه الله قول بعضهم
( قتلوك ظلما واعتدوا ** في فعلهم حد الوجوب )
( ورموك أشلاء وذا ** أمر قضته لك الغيوب )
( إن لم يكن لك سيدي ** قبر فقبرك في القلوب )
وقال لسان الدين في الإحاطة في حق رحلة ذي الوزارين ابن الحكيم ما صورته رحل إلى الحجاز الشريف من بلده على فتاء سنة أول عام ثلاثة وثمانين وستمائة فحج وزار وتجول في بلاد المشرق منتجعا عوالي الرواية في مظانها ومنقرا عنها عند مسني شيوخها وقيد الأناشيد الغربية والأبيات المرقصة واقام بمكة شرفها الله من شهر رمضان إلى انقضاء الموسم فأخذ بها
____________________
(5/504)

عن جماعة وانصرف إلى المدينة المشرفة ثم قفل مع الركب الشامي إلى دمشق ثم كر إلى المغرب لا يمر بمجلس علم أو تعلم إلا روى أو روى واحتل رندة حرسها الله أواخر عام خمسة وثمانين وستمائة وفأقام بها عينا في قرابته وعلما في أهله معظما لديهم إلى أن أوقع السلطان بالوزراء من بني حبيب الوقيعة البرمكية وورد رندة في أثر ذلك فتعرض إليه وهنأه بقصيدة طويلة من أوليات شعره أولها
( هل إلى رد عشيات الوصال ** سبب أم ذاك من ضرب المجال )
فلما أنشدها إياه أعجب به وبحسن خطه ونصاعة ظرفه فأثنى عليه واستدعاه إلى الوفادة على حضرته فوفد آخر عام ستة وثمانين فأثبته في خواص دولته وأحظاه لديه إلى أن رقاه إلى كتابة الإنشاء ببابه واستمرت حاله معظم القدر مخصوصا بالمزية إلى أن توفي السلطان ثاني الملوك من بني نصر وتقلد الملك بعده ولي عهد أبو عبد الله فزاد في إحظائه وتقريبه وجمع له بين الكتابة والوزارة ولقبه بذي الوزارتين وأعطاه العلامة وقلده الأمر فبعد الصيت وطاب الذكر إلى أن كان من أمره ما كان انتهى ملخصا
وقال في الإحاطة بعد كلام طويل في ترجمته قال شيخنا الوزير أبو بكر ابن الحكيم ولده وجدت بخطه رحمه الله تعالى رسالة خاطب بها أخاه الأكبر أبا إسحاق إبراهيم افتتحها بقصيدة أولها
( ذكر اللوى شوقا إلى أقماره ** فقضى أسى أو كاد من تذكاره )
( وعلا زفير حريق نار ضلوعه ** فرمى على وجناته بشراره )
____________________
(5/505)

وقد ذكرناها في غير هذا المحل
وقال ممايكتب على قوس
( أنا عدة للدين في يد من غدا ** لله منتصرا على أعدائه )
( أحكي الهلال وأسهمي في رجمها ** لمن اعتدى تحكي رجوم سمائه )
( قد جاء في القرآن أني عدة ** إذ نص خير الخلق محكم آية )
( وإذا العدو أصابه سهمي فقد ** سبق القضاء بهلكه وفنائه )
قال لسان الدين ومن توقيعه ما نقلته من خط ولده يعني أبا بكر في كتابه المسمى بالموارد المستعذبة وكان بوادي آش الفقيه الطرائفي فكتب إلى خاصة والدي أبي جعفر ابن داود قصيدة على روي السين يتشكى فيها من مشرف بلدهم إذ ذاك أبي القاسم ابن حسان منها
( فيا صفي أبي العباس كيف ترى ** وأنت أكيس من فيها من أكياس )
( ولوه إن كان ممن ترتضون به ** فقد دنا الفتح للأشراف في فاس )
ومنها يستطرد ذكر ذي الوزارتين
( للشرق فضل فمنه أشرقت شهب ** من نورهم أقبسونا كل مقباس )
فوقع عليها رحمه الله تعالى
( إن أفرطت بابن حسان غوائله ** فالأمر يكسوه ثوب الذكر والباس )
( وإن تزل به في جورة قدم ** كان الجزاء له ضربا على الراس )
____________________
(5/506)


( فقد أقامني المولى بنعمته ** لبث أحكامه بالعدل في الناس )
ثم أطال في أمره إلى أن قال في ترجمة قتله ما صورته واستولت يد الغوغاء على منازله شغلهم بها مدبر الفتنة خيفة من أن يعاجلوه قبل تمام أمره فصاع بها مال لا يكتب وعروض لا يعلم لها قيمة من الكتب والذخيرة والفرش والآنية والسلاح والمتاع والخرثي وأخفرت ذمته وتعدى به عدوه القتل إلى المثلة وقانا الله مصارع السوء فطيف بشلوه وانتهب فضاع ولم يقبر وجرت فيه شناعة كبيرة رحمه الله تعالى انتهى المقصود منه
رجع
24 - ومن مشايخ لسان الدين الأستاذ أبو الحسن علي القيجاطي
وقال في حقه في الإحاطة ما محصله علي بن عمر بن إبراهيم بن عبد الله الكناني القيجاطي أبو الحسن أوحد زمانه علما وتخلقا وتواضعا وتفننا ورد على غرناطة مستدعى عام اثني عشر وسبعمائة وقعد بمسجدها الأعظم يقرىء فنونا من العلم من قراءات وفقه وعربية وأدب وولي الخطابة وناب عن بعض القضاة بالحضرة مشكور المأخذ حسن السيرة عظيم النفع وقصده الناس وأخذوا عنه وكان أديبا لوذعيا فكها حلوا وهو أول أستاذ قرأت عليه القرآن والعربية والأدب إثر قراءة المكتب وله تآليف في فنون وشعر ونثر فمن شعره قوله
( روض المشيب تفتحت أزهاره ** حتى استبان ثغامه وبهاره )
____________________
(5/507)


( ودجى الشباب قد استبان صباحه ** وظلامه قد لاح فيه نهاره )
( فأتى حمام لا يعاف وقوعه ** ومضى غراب لا يخاف مطاره )
( والعمر مثل البدر يبدو حسنه ** حينا ويعقب بعد ذاك سراره )
( ما للإخاء تقلصت أفياؤه ** ما للصفاء تكدرت آثاره )
( والحر يصفح إن أخل خليله ** والبر يسمح إن تجرأ جاره )
( فتراه يدفع إن تمكن جاهه ** وتراه ينفع إن علا مقداره )
( ولأنت تعلم أنني زمن الصبا ** ما زلت زندا والحياء سواره )
( ولأنت تعلم أنني زمن الصبا ** مازلت ممن عف فيه إزاره )
( والهجر ما بين الأحبة لم يزل ** ترك الكلام أو السلام مثاره )
( ولكم تجافى عن جفاء خليله ** فطن وقد ظفرت به أظفاره )
( ولكم أصر على التدابر مدبر ** أفضى إلى ندم به إصراره )
( فأقام كالكسعي بأن نهاره ** أو كالفرزدق فارقته نواره )
( أنكرتم من حق معترف لكم ** بالحق ما لا ينبغي إنكاره )
( والشرع قد منع التقاطع نصه ** قطعا وقد وردت به أخباره )
( والسن سن تورع وتبرع ** وتسرع لتشرع تختاره )
( ما يومنا من أمسنا قدك اتئد ** ذهب الشباب فكيف ينفى عاره )
( هلا حظرتم أو حذرتم منه ما ** حق عليكم حظره وحذاره )
( عجبا لمن يجري هواه لغاية ** محدودة إضماره مضماره )
( يأتي ضحى ما كان يأتيه دجى ** فكأنه ما شاب منه عذاره )
( فيعد ما تفنى به حسناته ** ويعيد ما تبقى به أوزاره )
( فالنفس قد أجرته ملء عنانها ** يشتد في مضمارها إحضاره )
( والمرء من إخوانه في جنة ** بل جنة تجري بها أنهاره )
( واليمن قد مدت إليه يمينه ** واليسر قد شدت عليه يساره )
____________________
(5/508)


( شعر به أشعرت بالنصح الذي ** يهديه من أشعاره إشعاره )
( ولو اختبرتم نقده بمحكة ** لامتاز بهرجه ولاح نضاره )
( هذا هدى فبه اقتده تنل المنى ** أو أنت في هذا وما تختاره )
( وعليكم مني سلام مثلما ** أرجت بروض يانع أزهاره )
وقال من قصيدة رثائية
( حمام حمام فوق أيك الأسى تشدو ** تهيج من الأشجان ما أوجد الوجد )
( وذلك شجو في حناجرنا شجا ** وذلك هزل في ضمائرنا جد )
( أرى أرجل الأرزاء تشتد نحونا ** وأيديها تسعى إلينا فتمتد )
( ونحن أولو سهو عن الأمر ما لنا ** سوى أمل إيجابنا عنده جحد )
( فإن خطرت للمرء ذكرى بخاطر ** فتسبيحة الساهي إذا سمع الرعد )
( مصاب به قدت قلوب وأنفس ** لدينا إذا في غيره قطعت برد )
( تلين له الصم الصلاب وتنهمي ** عيون ويبكي عنده الحجر الصلد )
( فلا مقلة ترنو ولا أذن تعي ** ولا راحة تعطو ولا قدم تعدو )
( وقد كان يبدو الصبر منا تجلدا ** وهذا مصاب صبرنا فيه ما يبدو )
ومولده عام خمسين وستمائة وتوفي بغرناطة ضحى السبت في السابع والعشرين لذي حجة عام ثلاثين وسبعمائة وحضره السلطان فمن دونه رحمه الله تعالى انتهى
25 - ومنهم العلامة شيخ الشيوخ أبو سعيد فرج بن لب
قال في الإحاطة في حقه ما محصله فرج بن قاسم بن أحمد بن لب
____________________
(5/509)

قال ابن الصباغ من شعر ابن لب يمدح رسول الله
( إذا القلب ثار أثار ادكارا ** لقلبي فأذكى عليه أوارا )
( تروم جفوني لنار الهوى ** خمودا فتهمي دموعا غزارا )
( فماء جفوني يسح انهمالا ** ونارفؤادي تهيج استعارا )
( أطيل العويل صباحا مساء ** كئيبا ولست أطيق اصطبارا )
( رقيت مراقي للحب شتى ** فأفنى مرارا وأحيا مرارا )
( أحن اشتياقا لريح سرت ** وأبدي هياما لبرق أنارا )
( حنينا وشوقا إلى معلم ** حوى شرفا خالدا لا يجارى )
( به أسكن الله أسمى الورى ** نبيا كريما وصحبا خيارا )
( هو المصطفى المنتقى المجتبى ** أرى معجزات وآيا كبارا )
( يحق علينا ركوب البحار ** وجوب القفار إليه ابتدارا )
ومنها
( فيا فوز من فاز في طيبة ** بلثم المغاني جدارا جدارا )
( وألصق خدا على تربها ** وأكمل حجا بها واعتمارا )
( وأهدى السلام لخير الأنام ** على حين وافى عليه مزارا )
( فيا هادي الخلق دار نعيم ** تناهت جمالا وطابت قرارا )
( لأنت الوسيلة والمرتجى ** ليوم يرى الناس فيه سكارى )
( وما هم سكارى ولكنهم ** دهتهم دواه فهاموا حيارى )
( ترى المرء للهول من أمه ** ومن أقربيه يطيل الفرارا )
( وكل يخاف على نفسه ** فيكسوه خوف الإله انكسارا )
( فصلى الإله رسول الهدى ** عليك وأبقى هداك منارا )
( وقدس ربي ثرى روضة ** يعم الجهات سناها انتشارا )
____________________
(5/510)


( أعير شذا المسك منها الثرى ** بل المسك منه شذاه استعارا )
( هنيئا لمن بهداك اهتدى ** ومغناك وافى وإياك زارا )
وقصد رحمه الله تعالى بهذه القصيدة معارضة قصيدة الشهاب محمود التي نظمها بالحجاز في طريق المدينة المشرفة على ساكنها الصلاة والسلام وهي طويلة ومطلعها
( وصلنا السرى وهجرنا الديارا ** وجئناك نطوي إليك القفارا )
وقد تبارى الشعراء في هذا الوزن وهذا الروي ومنه القصيدة المشهورة
( أقول وآنست بالحي نارا ** )
ولابن لب رحمه الله تعالى الفتاوي المشهورة
وقال في الإحاطة في حقه ما محصله فرج بن قاسم بن أحمد بن لب التغلبي غرناطي أبو سعيد من أهل الخير والطهارة والذكاء والديانة وحسن الخلق رأس بنفسه وبرز بمزية إدراكه وحفظه فأصبح حامل لواء التحصيل وعليه مدار الشورى وإليه مرجع الفتوى لقيامه على الفقه وغزارة علمه وحفظه إلى المعرفة بالعربية واللغة ومعرفة التوثيق والقيام على القراءات والتبريز في التفسير والمشاركة في الأصلين والفرائض والأدب وجودة الحفظ وأقرأ بالمدرسة النصرية في الثامن والعشرين لرجب عام أربعة وخمسين وسبعمائة معظما عند الخاصة والعامة مقرونا اسمه بالتسويد قعد للتدريس ببلده على وفور الشيوخ وولي الخطابة بالجامع قرأ على القيجاطي والعربية على ابن الفخار وأخذ عن ابن جابر الوادي آشي فمن شعره في النسيب
( خذوا للهوى من قلبي اليوم ما أبقى ** فما زال قلبي كله للهوى رقا )
____________________
(5/511)


( دعوا القلب يصلى في لظى الوجد ناره ** فنار الهوى الكبرى وقلبي هو الأشقى )
( سلوا اليوم أهل الوجد ماذا به لقوا ** فكل الذي يلقون بعض الذي ألقى )
( فإن كان عبد يسأل العتق سيدا ** فلا أبتغي من مالكي في الهوى عتقا )
( بدعوى الهوى يدعو أناس وكلهم ** إذا سئلوا طرق الهوى جهلوا الطرقا )
( فطرق الهوى شتى ولكن أهله ** يحوزون في يوم السباق بها السبقا )
( وكم جمعت طرق الهوى بين أهلها ** وكم أظهرت عند السوى بينهم فرقا )
( بسيما الهوى تسمو معارف أهله ** فحيث ترى سيما الهوى فاعرف الصدقا )
( فمن زفرة تزجي سحائب عبرة ** إذا زفرة ترقى فلا عبرة ترقا )
( إذا سكتوا عن وجدهم أعربت به ** بواطن أحوال وما عرفت نطقا )
وقال في وداع شهر رمضان
( أأزمعت يا شهر الصيام رحيلا ** وقاربت يا بدر الزمان أفولا )
( أجدك قد جدت بك الآن رحلة ** رويدك أمسك للوداع قليلا )
( نزلت فأزمعت الرحيل كأنما ** نويت رحيلا إذ نويت نزولا )
( وما ذاك إلا أن أهلك قد مضوا ** تفانوا فأبصرت الديار طلولا )
( تفكرت في الأوقات ناشئة التقى ** أشد به وطأ وأقوم قيلا )
وهي طويلة
وكان موجودا عند تأليف الإحاطة رحمه الله تعالى انتهى بالمعنى
وقال الحافظ ابن حجر إنه صنف كتابا في الباء الموحدة وأخذ عنه شيخنا بالإجازة قاسم بن علي المالقي ومات سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة انتهى
وقال تلميذه المنتوري ما نصه من شيوخي الشيخ الأستاذ الخطيب المقرئ
____________________
(5/512)

المتفنن المفتي أبو سعيد ابن لب مولده سنة إحدى وسبعمائة وتوفي ليلة السبت لسبع عشرة ليلة مضت من ذي الحجة عام اثنين وثمانين انتهى
وهو مخالف لما سبق عن ابن حجر لكن صاحب البيت أدرى إذ المنتوري تلميذه ونحوه للشيخ أبي زكريا السراج في فهرسته إذ قال شيخنا الفقيه الخطيب الأستاذ المقرىء العالم العلم الصدر الأوحد الشهير كان شيخ الشيوخ وأستاذ الأستاذين بالأندلس إليه انتهت فيها رياسة الفتوى في العلوم كان أهل زمانه يقفون عندما يشير إليه قرأ على أبي علي القيجاطي بالسبع وتفقه عليه كثيرا في أنواع العلوم ولازمه إلى أن مات وأجازه عامة وعليه اعتمد وأخذ عن أبي جعفر ابن الزيات وأبي إسحاق ابن أبي العاصي وابن جابر الوادي آشي وقاضي الجماعة أبي بكر سمع عليه البخاري وتفقه عليه وقرأ عليه أكثر عقيدة المقترح تفهما وبعض الإرشاد وبعض التهذيب وعن أبي محمد ابن سلمون والبركة أبي عبد الله الطنجالي الهاشمي وأجازه انتهى بمعناه
وبالجملة فهو من أكابر علماء المالكية بالمغرب حتى قال المواق فيه شيخ الشيوخ أبو سعيد ابن لب الذي نحن على فتاويه في الحلال والحرام انتهى
وقل من لم يأخذ عنه في الأندلس في وقته فممن أخذ عنه الشاطبي وابن علاق وأبو محمد ابن جزي والأستاذ القيجاطي والأستاذ الحفار والشيخ الوزير ابن الخطيب السلماني والكاتب ابن زمرك في خلق كثير من طبقتهم ثم من الطبقة الثانية أبو يحيى ابن عاصم وأخوه القاضي أبو بكر ابن عاصم والشيخ أبو القاسم ابن سراج والمنتوري في خلق لا يحصون
وله تواليف فمنها شرح جمل الزجاجي وشرح تصريف التسهيل
____________________
(5/513)

وكتاب ينبوع عين الثرة في تفريع مسألة الإمامة بالأجرة وله فتاوي مدونة بأيدي الناس وممن جمعها الشيخ ابن طركاط الأندلسي وله كتابة في مسألة الأدعية إثر الصلوات على الهيئة المعروفة وقد رد عليه في هذا التأليف تلميذه أبو يحيى ابن عاصم الشهيد في تأليف نبيل انتصارا لشيخه أبي إسحاق الشاطبي رحم الله تعالى الجميع
26 - ومن أشياخ لسان الدين ابن الخطيب أبو القاسم ابن جزي ففي الإحاطة ما ملخصه محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن يوسف بن جزي الكلبي أبو القاسم من أهل غرناطة وذوي الأصالة والنباهة فيها شيخنا وأصل سلفه من ولبة من حصن البراجلة نزل بها أولهم عند الفتح صحبة قريبهم أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي وعند خلع دولة المرابطين كان لجدهم يحيى رياسة وانفراد بالتدبير وكان رحمه الله تعالى على طريقة مثلى من العكوف على العلم والاقتصار على الاقتيات من حر النشب والاشتغال بالنظر والتقييد والتدوين فقيها حافظا قائما على التدريس مشاركا في فنون من عربية وفقه وأصول وقراءات وأدب وحديث حفظة للتفسير مستوعبا للأقوال جماعة للكتب ملوكي الخزانة حسن المجلس ممتع المحاضرة قريب الغور صحيح الباطن تقدم خطيبا بالمسجد الأعظم من بلده على حداثة سنه فاتفق على فضله وجرى على سنن أصالته قرأ على الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير العربية والفقه والحديث والقرآن وعلى ابن الكماد ولازم الخطيب أبا عبد الله ابن رشيد وطبقتهم كالحضرمي وابن أبي الأحوص وابن برطال وأبي عامر ابن ربيع الأشعري والولي أبي عبد الله
____________________
(5/514)

الطنجالي وابن الشاط
وله تواليف منها وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم والأنوار السنية في الكلمات السنية والدعوات والأذكار المخرجة من صحيح الأخبار والقوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية والتنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبلية وكتاب تقريب الوصول إلى علم الأصول وكتاب النور المبين في قواعد عقائد الدين وكتاب المختصر البارع في قراءة نافع وكتاب أصول القراء الستة غير نافع وكتاب الفوائد العامة في لحن العامة إلى غير ذلك مما قيده في التفسير والقراءات وغير ذلك وله فهرسة كبيرة اشتملت على جملة كبيرة من علماء المشرق والمغرب
ومن شعره قوله في الأبيات الغينية ذاهبا مذهب المعري وابن المظفر والسلفي وأبي الحجاج ابن الشيخ وأبي الربيع ابن سالم وابن أبي الأحوص وغيرهم من علماء المشرق والمغرب
( لكل بني الدنيا مراد ومقصد ** وإن مرادي صحة وفراغ )
( لأبلغ في علم الشريعة مبلغا ** يكون به لي للجنان بلاغ )
( ففي مثل هذا فلينافس أولو النهى ** وحسبي من دار الغرور بلاغ )
( فما الفوز إلا في نعيم مؤبد ** به العيش رغد والشراب يساغ )
وقال
( أروم امتداح المصطفى فيردني ** قصوري عن إدراك تلك المناقب )
( ومن لي بحصر البحر والبحر زاخر ** ومن لي بإحصاء الحصى والكواكب )
( ولو أن أعضائي غدت ألسنا إذا ** لما بلغت في المدح بعض مآربي )
( ولو أن كل العالمين تألفوا ** على مدحه لم يبلغوا بعض واجب )
( فأمسكت عنه هيبة وتأدبا ** وعجزا وإعظاما لأرفع جانب )
____________________
(5/515)


( ورب سكوت كان فيه بلاغة ** ورب كلام فيه عتب لعاتب )
وقال
( يا رب إن ذنوبي اليوم قد كثرت ** فما أطيق لها حصرا ولا عددا )
( وليس لي بعذاب النار من قبل ** ولا أطيق لها صبرا ولا جلدا )
( فانظر إلهي إلى ضعفي ومسكني ** ولا تذيقنني حر الجحيم غدا )
وقال
( وكم من صفحة كالشمس تبدو ** فيسلي حسنها قلب الحزين )
( غضضت الطرف عن نظري إليها ** محافظة على عرضي وديني )
مولده يوم الخميس تاسع ربيع الثاني عام ثلاثة وتسعين وستمائة وفقد وهو يحرض الناس يوم الكائنة بطريف ضحوة يوم الإثنين تاسع جمادى الأولى عام أحد وأربعين وسبعمائة وعقبه ظاهر بين القضاء والكتابة انتهى شعر لابن لؤلؤة
وأذكرني روي الغين الصعب قول الشيخ أبي عبد الله محمد بن علي بن يوسف السكوني الأندلسي المعروف بابن لؤلؤة رحمه الله ورضي عنه
( أمن بعد ما لاح المشيب بمفرقي ** أميل لزور بالغرور يصاغ )
( وأرتاح للذات والشيب منذر ** بما ليس عنه للأنام مراغ )
( ومن لم يمت قبل الممات فإنه ** يراع بهول بعده ويراغ )
( فيا رب وفقني إلى ما يكون لي ** به للذي أرجوك منه بلاغ )
توفي المذكور بالطاعون سنة 750 وكان خطيبا بحصن قمارش رحمه الله تعالى
____________________
(5/516)

من نظم ابن جزي
ومن نظم ابن جزي المذكور قوله
( أيا من كففت النفس عنه تعففا ** وفي النفس من شوقي إليه لهيب غرام )
( ألا إنما صبري كصبر وإنما ** على النفس من تقوى الإله رقيب لجام )
وهما من التخيير المعلوم في فن البديع
وقول لسان الدين رحمه الله تعالى وله عقب ظاهر بين القضاء والكتابة يريد به بنيه البارع أبا بكر والعلامة أبا عبد الله والقاضي أبا محمد عبد الله تراجم أولاد ابن جزي
ولنذكرهم فنقول أما أبو بكر أحمد فهو الذي ألف أو أبوه الأنوار السنية وهو من أهل الفضل والنزاهة وحسن السمت والهمة واستقامة الطريقة غرب في الوقار ومال إلى الانقباض وله مشاركة حسنة في فنون من فقه وعربية وأدب وخط ورواية وشعر تسمو ببعضه الإجادة إلى غاية بعيدة وقرأ على والده ولازمه واستظهر ببعض تآليفه وتفقه وتأدب به وقرأ على بعض معاصري أبيه ثم ارتسم في الكتابة السلطانية لأول دولة السلطان أبي الحجاج ابن نصر وولي القضاء ببرجة وبأندرش ثم بوادي آش مشكور السيرة معروف النزاهة
ومن شعره
( أرى الناس يولون الغني كرامة ** وإن لم يكن أهلا لرفعة مقدار )
( ويلوون عن وجه الفقير وجوههم ** وإن كان أهلا أن يلاقي بإكبار )
( بنو الدهر جاءتهم أحاديث جمة ** فما صححوا إلا حديث ابن دينار )
____________________
(5/517)


ومن بديع نظمه الصادر عنه تصديره أعجاز قصيدة امرىء القيس بن حجر الكندي بقوله
( أقول لعزمي أو لصالح أعمالي ** ألا عم صباحا أيها الطلل البالي )
( أما واعظي شيب سما فوق لمتي ** سمو حباب الماء حالا على حال )
( أنار به ليل الشباب كأنه ** مصابيح رهبان تشب لقفال )
( تهاني عن غي وقال منبها ** ألست ترى السمار والناس أحوالي )
( يقولون غيره لتنعم برهة ** وهل يعمن من كان في العصر الخالي )
( أغالط دهري وهو يعلم أنني ** كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي )
( ومؤنس نار الشيب يقبح لهوه ** بآنسة كأنها خط تمثال )
( أشيخا وتأتي فعل من كان عمره ** ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال )
( وتشغفك الدنيا وما إن شغفتها ** كما شغف المهنوءة الرجل الطالي )
( ألا إنها الدنيا إذا ما اعتبرتها ** ديار لسلمى عافيات بذي خال )
( فأين الذين استأثروا قبلنا بها ** لناموا فما إن من حديث ولا صال )
( ذهلت بها غيا فكيف الخلاص من ** لعوب تنسيني إذا قمت سربالي )
( وقد علمت مني مواعد توبتي ** بأن الفتى يهذي وليس بفعال )
( ومذ وثقت نفسي بحب محمد ** هصرت بغصن ذي شماريخ ميال )
( وأصبح شيطان الغواية خاسئا ** عليه قتام سيء الظن والبال )
( ألا ليت شعري هل تقول عزائمي ** لخيلي كري كرة بعد إجفال )
( فأنزل دارا للرسول نزيلها ** قليل هموم ما يبيت بأوجال )
( فطوبى لنفس جاورت خير مرسل ** بيثرب أدنى دارها نظر عالي )
( ومن ذكره عند القبول تعطرت ** صبا وشمال في منازل قفال )
( جوار رسول الله مجد مؤثل ** وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي )
____________________
(5/518)


( ومن ذا الذي يثني عنان السرى وقد ** كفاني ولم أطلب قليل من المال )
( ألم تر أن الظبية استشفعت به ** تميل عليه هونة غير مجفال )
( وقال لها عودي فقالت له نعم ** ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي )
( فعادت إليه والهوى قائل لها ** وكان عداء الوحش مني على بال )
( رثى لبعير قال أزمع مالكي ** ليقتلني والمرء ليس بفعال )
( وثور ذبيح بالرسالة شاهد ** طويل القرا والروق أخنس ذيال )
( وحن إليه الجذع حنة عاطش ** لغيث من الوسمي رائده خال )
( وأصلين من نخل قد التأما له ** فما احتبسا من لين مس وتسهال )
( وقبضة ترب منه ذلت لها الظبي ** ومسنونة زرق كأنياب أغوال )
( وأضحى ابن جحش بالعسيب مقاتلا ** وليس بذي رمج وليس بنبال )
( وحسبك من سوط الطفيل إضاءة ** كمصباح زيت في قناديل ذبال )
( وبذت به العجفاء كل مطهم ** له حجبات مشرفات على الفال )
( ويا خسف أرض تحت باغية إذ علا ** على هيكل نهد الجزارة جوال )
( وقد أخمدت نار لفارس طالما ** أصابت غضا جزلا وكفت بأجزال )
( أبان سبيل الرشد إذ سبل الهدى ** يقلن لأهل الحلم ضلا بتضلال )
( لأحمد خير العالمين انتقيتها ** وريضت فذلت صعبة أي إذلال )
( وإن رجائي أن ألاقيه غدا ** ولست بمقلي الخلال ولا قالي )
( فأدرك آمالي وما كل آمل ** بمدرك أطراف الخطوب ولا آلي )
ولا خفاء ببراعة هذا النظم وإحكام هذا النسج وشدة هذه العارضة قصيدتان لحازم
قلت وقد أذكرني هذا التصدير قصيدة الأديب حازم صاحب المقصورة
____________________
(5/519)

إذ صدر قصيدة امرىء القيس قفا نبك ولنذكرها هنا قال رحمه الله تعالى
( لعينيك قل إن زرت أفضل مرسل ** قفا نبك من ذكر حبيب ومنزل )
( وفي طيبة فانزل ولا تغش منزلا ** بسقط اللوى بين الدخول فحومل )
( وزر روضة قد طالما طاب نشرها ** لما نسجتها من جنوب وشمال )
( وأثوابك اخلع محرما ومصدقا ** لدى الستر إلا لبسة المتفضل )
( لدى كعبة قد فاض دمعي لبعدها ** على النحر حتى بل دمعي محملي )
( فيا حادي الآبال سر بي ولا تقل ** عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل )
( فقد حلفت نفسي بذاك وأقسمت ** علي وآلت حلفه لم تحلل )
( فقلت لها لاشك أني طائع ** وأنك مهما تأمري القلب يفعل )
( وكم حملت في أظهر العزم رحلها ** فيا عجبا من رحلها المتحمل )
( وعاتبت العجز الذي عاق عزمها ** فقالت لك الويلات إنك مرجلي )
( نبي هدى قد قال للكفر نوره ** ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي )
( تلا سورا ما قولها بمعارض ** إذا هي نصته ولا بمعطل )
( لقد نزلت في الأرض ملة هديه ** نزول اليماني ذي العياب المحمل )
( أتت مغربا من مشرق وتعرضت ** تعرض أثناء الوشاح المفصل )
( ففازت بلاد الشرق من زينة بها ** بشق وشق عندنا لم يحول )
( فصلى عليه الله ما لاح بارق ** كلمع اليدين في حبي مكلل )
( نبي غزا الأعداء بين تلائع ** وبين إكام بعد ما متأمل )
( فكم ملك وافاه في زي منجد ** بمنجرد قيد الأوابد هيكل )
( وكم من يمان واضح جاءه اكتسى ** بضاف فويق الأرض ليس بأعزل )
____________________
(5/520)


( ومن أبطحي نيط منه نجاده ** بجيد معم في العشيرة مخول )
( أزالوا ببدر عن بروجهم العدا ** كما زلت الصفواء بالمتنزل )
( وفادوا ظباهم لا بفتك فتى ولا ** كبير أناس في بجاد مزمل )
( وفضي جموعا فدفدا جامعا بها ** لنا بطن حقف ذي ركام عقنقل )
( وأحموا وطيسا في حنين كأنه ** إذا جاش فيه حميه غلي مرجل )
( ونادوا بنات النبع بالنصر أثمري ** ولا تبعدينا من جناك المعلل )
( وممن له سددت سهمين فاضربي ** بسهميك في أعشار قلب مقتل )
( فما أغنت الأبدان درع بها اكتست ** ترائبها مصقولة كالسجنجل )
( وأضحت لواليها ومالكها العدا ** يقولون لا تهلك أسى وتجمل )
( وقد فر منصاع كما فر خاضب ** لدى سمرات الحي ناقف حنظل )
( وكم قال يا ليل الوغى طلت فانبلج ** بصبح وما الإصباح منك بأمثل )
( فليت جوادي لم يسر بي إلى الوغى ** وبات بعيني قائما غير مرسل )
( وكم مرتق أوطاس منهم بمسرج ** متى ما ترق العين فيه تسهل )
( وقرطه خرصا كمصباح مسرج ** أمال السليط بالذبال المفتل )
( فيرنو لهاد فوق هاديه طرفه ** بناظرة من وحش وجرة مطفل )
( ويسمع من كافورتين بجانبي ** أثيث كقنو النخلة المتعثكل )
( ترفع أن يعزى له شد شادن ** وإرخاء سرحان وتقريب تتفل )
( ولكنه يمضي كما مر مزبد ** يكب على الأذقان دوح الكنهبل )
( ويغشى العدا كالسهم أو كالشهاب أو ** كجلمود صخر حطه السيل من عل )
( جياد أعادت رسم رستم دارسا ** وهل عند رسم دارس من معول )
( وريعت بها خيل القياصر فاختفت ** جواحرها في صرة لم تزيل )
( سبت عربا من نسوة العرب تستبي ** إذا ما اسبكرت بين درع ومجول )
( وكم من سبايا الفرس والصفر أسهرت ** نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل )
____________________
(5/521)


( وحزن بدورا من ليالي شعرها ** تضل العقاص في مثنى ومرسل )
( وأبقت بأرض الشام هاما كأنها ** بأرجائها القصوى أنابيش عنصل )
( وما جف من حب القلوب بغورها ** وقيعانها كأنه حب فلفل )
( لخضراء ما دبت ولا نبتت بها ** أساريع ظبي أو مساويك إسحل )
( شدا طيرها في مثمر ذي أرومة ** وساق كأنبوب السقي المذلل )
( فشدت بروض ليس يذبل بعدها ** بكل مغار الفتل شدت بيذبل )
( وكم هجرت في القيظ تحكي ذوارعا ** عذارى دوار في ملاء مذيل )
( وكم أدلجت والقتر يهفو هزيزه ** ويلوي بأثواب العنيف المثقل )
( وخضن سيولا فضن بالبيد بعدما ** أثرن غبارا بالكديد المركل )
( وكم ركزوا رمحا بدعص كأنه ** من السيل والغثاء فلكه مغزل )
( فلم تبن حصنا خوف حصنهم العدا ** ولا أطما إلا مشيدا بجندل )
( فهدت بغضب شيب بعد صقاله ** بأمراس كتان إلى صم جندل )
( وجيش بأقصى الأرض ألقى جرانه ** وأردف أعجازا وناء بكلكل )
( يدك الصفا دكا ولو مر بعضه ** وأيسره عالي الستار ويذبل )
( دعا النصر والتأييد راياته اسحبي ** على أثرينا ذيل مرط مرحل )
( لواء منير النصل طاو كأنه ** منارة ممسى راهب متبتل )
( كأن دم الأعداء في عذباته ** عصارة حناء بشيب مرجل )
( صحاب بروا هام العداة وكم قروا ** صفيف شواء أو قدير معجل )
( وكم أكثروا ما طاب من لحم جفرة ** وشحم كهداب الدمقس المفتل )
( وكم جبن من غبراء لم يسق نبتها ** دراكا ولم ينضح بماء فيغسل )
( حكى طيب ذكراهم ومر كفاحهم ** مداك عروس أو صلاية حنظل )
( لأمداح خير الخلق قلبي قد صبا ** وليس فؤادي عن هواها بمنسل )
( فدع من لأيام صلحن له صبا ** ولا سيما يوم بدارة جلجل )
____________________
(5/522)


( وأصبح عن أم الحويرث ما سلا ** وجارتها أم الرباب بمأسل )
( وكن في مديح المصطفى كمدبج ** يقلب كفيه بخيط موصل )
( وأمل به الأخرى ودنياك دع فقد ** تمتعت من لهو بها غير معجل )
( وكن كنبيث للفؤاد منابث ** نصيح على تعذاله غير مؤتل )
( ينادي إلهي إن ذنبي قد عدا ** علي بأنواع الهموم ليبتلي )
( فكن لي مجيرا من شياطين شهوة ** علي حراص لو يسرون مقتلي )
( وينشد دنياه إذا ما تدللت ** أفاطم مهلا بعض هذا التدلل )
( فإن تصلي حبلي بخير وصلته ** وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي )
( وأحسن بقطع الحبل منك وبته ** فسلي ثيابي من ثيابك تنسل )
( أيا سامعي مدح الرسول تنشقوا ** نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل )
( وروضة حمد للنبي محمد ** غذاها نمير الماء غير المحلل )
( ويا من أبى الإصغاء ما أنت مهتد ** وما إن أرى عنك الغواية تنجلي )
( فلو مطفلا أنشدتها لفظها ارعوت ** فألهيتها عن ذي تمائم محول )
( ولو سمعته عصم طود أمالها ** فأنزل منها العصم من كل منزل )
وقد عرفت بحازم هذا في أزهار الرياض وذكرت جملة من نظمه ومن بارع ما وقع له قوله
( أدر المدامة فالنسيم مؤرج ** والروض مرقوم البرود مدبج )
( والأرض قد لبست برود جمالها ** فكأنما هي كاعب تتبرج )
( والنهر مما ارتاح معطفه إلى ** لقيا النسيم عبابه متموج )
( يمسي الأصيل بعسجدي شعاعه ** أبدا يوشى صفحه ويدبج )
( وتروم أيدي الريح تسلب ما اكتسى ** فتزيده حسنا بما هي تنسج )
( فارتح لشرب كؤوس راح نورها ** بل نارها في مائها تتوهج )
____________________
(5/523)

واسكر بنشوة لحظ من أحببته ** أو كأس خمر من لماه تمزج )
( واسمع إلى نغمات عود تطبي ** قلب الخلي إلى الهوى وتهيج )
( بم وزير يسعدان مثانيا ** ومثالثا طبقاتها تتدرج )
( من لم يهيج قلبه هذا فما ** للقلب منه محرك ومهيج )
( فأجب فقد نادى بألسن حاله ** للأنس دهر للهموم مفرج )
( طربت جمادات وأفصح أعجم ** فرحا وأصبح من سرور يهزج )
( أفيفضل الحي الجماد مسرة ** والحي للسراء منه أحوج )
( ما العيش إلا ما نعمت به وما ** عاطاك فيه الكأس ظبي أدعج )
( ممن يروقك منه ردف مردف ** عبل وخصر ذو اختصار مدمج )
( فإذا نظرت لطرة ولغرة ** ولصفحة منه بدت تتأجج )
( أيقنت أن ثلاثهن وما غدا ** من تحتها ينآد أو يتموج )
( ليل على صبح على بدر على ** غصن تحمله كثيب رجرج )
( كأس ومحبوب يظل بلحظه ** قلب الخلي إلى الهوى يستدرج )
( يا صاح ما قلبي بصاح عن هوى ** شيئان بينهما المنى تستنتج )
( وبمهجتي الظبي الذي في أضلعي ** قد حل وهو يشبها ويؤجج )
( ناديت حادي عيسه يوم النوى ** والعيس تحدى والمطايا تحدج )
( قف أيها الحادي أودع مهجة ** قد حازها دون الجوانح هودج )
( لما تواقفنا وفي أحداجها ** قمر منير بالهلال متوج )
( ناديتهم قولوا لبدركم الذي ** بضيائه تسري الركاب وتدلج )
( يحيي العليل بلفظة أو لحظة ** تطفي غليلا في الحشا يتأجج )
( قالوا نخاف يزيد قلبك لاعجا ** فأجبتهم خلوا اللواعج تلعج )
( وبكيت واستبكيت حتى ظل من ** عبراتنا بحر ببحر يمرج )
( وبقيت أفتح بعدهم باب المنى ** ما بيننا طورا وطورا يرتج )
____________________
(5/524)


( وأقول يا نفس اصبري فعسى النوى ** بصباح قرب ليلها يتبلج )
( فترقب السراء من دهر شجا ** والدهر من ضد لضد يخرج )
( وترج فرجة كل هم طارق ** فلكل هم في الزمان تفرج )
وتذكرت هنا جيمية ابن قلاقس وهي
( عرضت لمعترض الصباح الأبلج ** حوراء في طرف الظلام الأدعج )
( فتمزقت شيم الدجى عن غرتي ** شمسين في أفق وكلة هودج )
( ووراء أستار الجمول لواحظ ** غازلن معتدل الوشيج الأعوج )
( من كل مبتسم السنان إذا جرى ** دمع النجيع من الكمي الأهوج )
( ولقد صحبت الليل قلص برده ** لعباب بحر صباحه المتموج )
( وكأن منتثر النجوم لآلىء ** نظمت على صرح من الفيروزج )
( وسهرت أرقب من سهيل خافقا ** متفردا وكأنه قلب الشجي )
( واستعبرت مقل السحاب فأضحكت ** منها ثغور مفوف ومدبج )
ولنعد إلى ذكر أبي بكر ابن جزي فنقول
وله تقييد في الفقه على كتاب والده المسمى بالقوانين الفقهية ورجز في الفرائض وإحسانه كثير وتقدم قاضيا للجماعة بحضرة غرناطة ثامن شوال عام ستين وسبعمائة ثم صرف عنها ثم لما توفي الأستاذ الخطيب العالم الشهير أبو سعيد فرج بن لب رحمه الله تعالى وكان خطيب الجامع الأعظم بغرناطة ولي عوضا عنه أستاذا وخطيبا عام اثنين وثمانين وسبعمائة فبقي في الخطابة ثلاثة أعوام ثم توفي وأظن وفاته آخر عام خمسة وثمانين وسبعمائة رحمه الله تعالى
____________________
(5/525)

وأما أخوه أبو عبد الله محمد فهو الكاتب المجيد أعجوبة الزمان وتوفي بفاس رحمه الله تعالى عام ثمانية وخمسين وسبعمائة وقيل وهو الصواب إن وفاته آخر شوال من السنة قبلها حسبما ألفيته بخط بعض أكابر الثقات بداره من البيضاء وهي فاس الجديدة قرب مغرب يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شوال من عام سبعة وخمسين وسبعمائة وكان دفنه يوم الأربعاء بعد صلاة العصر وراء الحائط الشرقي الذي بالجامع الأعظم من المدينة البيضاء وكان مولده في شوال من عام واحد وعشرين وسبعمائة انتهى
قال الأمير ابن الأحمر في نثير الجمان أدركته ورأيته وهو من أهل بلدنا غرناطة وكان أبوه أبو القاسم محمد أحد المفتين بها عالم الأندلس الطائرة فتياه منها إلى طرابلس وقتل شهيدا بطريف بعد أن أبلى بلاء حسنا وأبو عبد الله ابنه هذا كتب بالأندلس في حضرة ابن عم أبينا أمير المسلمين أبي الحجاج يوسف وله فيه أمداح عجيبة ولم يزل كاتبا في الحضرة الأحمرية النصرية إلى أن امتحنه أمير المسلمين أبو الحجاج انتهى
ويعني ابن الأحمر بهذا الامتحان أنه ضربه بالسياط من غير ذنب اقترفه بل ظلمه ظلما مبينا هكذا ألفيته في بعض المقيدات
ثم قال ابن الأحمر فقوض الرحال عن الأندلس واستقر بالعدوة فكتب بالحضرة المرينية لأمير المسلمين أبي عنان إلى أن توفي بها رحمه الله تعالى وكان رحمه الله تعالى طلع في سماء العلوم بدرا مشرقا وسارت براعته مغربا ومشرقا وسما بشعره فوق الفردقين كما أربى بنثره على الشعرى والبطين له باع مديد في التاريخ واللغة والحساب والنحو والبيان والآداب بصير بالفورع والأصول والحديث عارف بالماضي من الشعر والحديث
____________________
(5/526)

إن نظم أنساك أبا ذؤيب برقته ونصيبا بمنصبه ونخوته وإن كتب أربى على ابن مقلة بخطه وإن أنشأ رسالة أنساك العماد بحسن مساقها وضبطه وهو رب هذا الشان وفارس هذا الميدان ومع تفننه في الشعر فهو في العلوم قد نبغ وما بلغ أحد من شعراء عصره منه ما بلغ بل سلموا التقدم فيه إليه وألقوا زمام الاعتراف بذلك في يديه ودخلوا تحت راية الأدب التي حمل إذ ظهر ساطع براعته ظهور الشمس في الحمل أنشدني لنفسه يمدح أمير المسلمين أبا الحجاج يوسف ابن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل عم أبينا ابن جدنا الرئيس الأمير أبي سعيد فرج هذه القصيدة البارعة وحذف منها الراء المهملة
( قسما بوضاح السنا الوهاج ** من تحت مسدول الذوائب داج )
( وبأبلج بالمسك خطت نونه ** من فوق وسنان اللواحظ ساجي )
( وبحسن خد دبجت صفحاته ** فغدت تحاكي مذهب الديباج )
( وبمبسم كالعقد نظم سلكه ** ولمى حكى الصهباء دون مزاج )
( وبمنطق تصبو القلوب لحسنه ** أنسى المسامع نغمة الأهزاج )
( وبمائس الأعطاف تثنيه الصبا ** فيميس كالخطي يوم هياج )
( ومنعم مثل الكثيب يقله ** مستضعف يشكو من الإدماج )
( وبموعد للوصل أنجز فجأة ** من بعد طول تمنع ولجاج )
( وبأكؤس أطلعن في جنح الدجى ** شمس السلافة في سماء زجاج )
( وحدائق سحب السحاب ذيوله ** فيها وبات لها النسيم يناجي )
( وجداول سلت سيوفا عندما ** فجئت بجيش للصبا عجاج )
( وبأقحوان قد تضاحك إذ بكت ** عين الغمام بمدمح ثجاج )
( وقدود أغصان يملن كأنها ** تخفي حديثا بينها وتناجي )
( وحمائم يهتفن شجوا بالضحى ** فهديلهن لذي الصبابة شاجي )
____________________
(5/527)


( إن المعالي والعوالي والندى ** والبأس طوع يدي أبي الحجاج )
( ملك تتوج بالمهابة عندما ** لم يستجز في الدين لبس التاج )
( وأفاض حكم العدل في أيامه ** فالحق أبلج واضح المنهاج )
( هو منقذ العاني ومغني المعتفي ** ومذلل العاتي وغوث اللاجي )
( ماضي العزيمة والسيوف كليلة ** طلق المحيا والخطوب دواجي )
( علم الهدى والناس في عمياء قد ** ضلوا لوقع الحادث المهتاج )
( غيث الندى والسحب تبخل بالحيا ** والمحل يبدي فاقه المحتاج )
( ليث الوغى والخيل تزجي بالقنا ** والبيض تنهل في دم الأوداج )
( يتقشع الإظلام إذ يبدو له ** وجه كمثل الكوكب الوهاج )
( من آل قيلة من ذؤابة سعدها ** أعلى بني قحطان دون خلاج )
( حيث العلا ممدودة الأطناب لم ** تخلق معالمها يد الإنهاج )
( والأعوجيات السوابق تمتطي ** فتظلل الآفاق سحب عجاج )
( والبيض والأسل العوامل تقتضي ** مهج الكماة بأبلغ الإزعاج )
( مجد ليوسف جمعت أشتاته ** أعيا سواه بعد طول علاج )
( مولاي هاك عقيلة تزهو على ** أخواتها كالغادة المغناج )
( إنشاء عبد خالص لك حبه ** ومن العبيد مداهن ومداجي )
( آوى إلى أكناف نعماك التي ** ليست إليه صلاتها بخداج )
( سباق ميدان البلاغة والوغى ** لشعاب كل منهما ولاج )
( جانب أخت الزاي منها عامدا ** فأتت من الإحسان في أفواج )
( فافتح لها باب القبول وأول من ** أهداكها ما يبتغي من حاج )
ثم قال ابن الأحمر وأنشدني أيضا لنفسه يمدح أمير المؤمنين المتوكل على الله أبا عنان فارس ملك المغرب
____________________
(5/528)


( إن قلبي لعهدة الصبر ناكث ** عن غزال في عقدة السحر نافث )
( أضرم النار في فؤادي وولي ** قائلا لا تخف فإني عابث )
( ورماني من مقلتيه بسهم ** ثم قال اصطبر لثان و ثالث )
( كم عذول أتى يناظر فيه ** كان تعذاله على الحب باعث )
( ويمين آليتها بالتسلي ** فقضى حسنه بأني حانث )
( جبر الله صدع قلب عميد ** صدعت شمله صروف الحوادث )
( فهو يهفو إلى البروق ويروي ** عن نسيم الصبا ضعاف الأحادث )
( سلبته الأشجان إلا بقايا ** من أماني حبالهن رثائث )
( وبكاء على عهود مواض ** ملأت صدره هموما حدائث )
( لست وحدي أشكو بليلة وجدي ** إن داء الغرام ليس بحادث )
( يا مضيع العهود والله يعفو ** عنك إنى ارتضيت خطه ناكث )
( غرني منك والجمال غرور ** وظبي اللحظ في القلوب عوابث )
( مقل يقتسمن أعشار قلبي ** بالرضى مني اقتسام الموارث )
( كيف غيرت بانتزاحك حالي ** وتغيرت لي ولست بحارث )
( فرط حبي وفرط بخلك آلى ** أن عينيك بالفتور نوافث )
( وندى فارس وحسبك ردا ** قول من قال سد باب البواعث )
( ملك البأس والندى فهو بالسيف ** وبالسيب عائث أو غائث )
( محرز المجد والثناء فهذا ** سائر في الورى وذلك لابث )
( أوطأ الشهب رجله وترقى ** صاعدا في سموه غير ماكث )
( فدرار تسري وما لحقته ** ونجوم خلف القصور لوابث )
( وله المقربات لا بل هي العقبان ** من فوقها الليوث الدلاهث )
____________________
(5/529)


( مطلعات من كل نعل هلالا ** فلهذا تجلو دجى كل حادث )
( إن ترافقن فالجبال الرواسي ** أو تسابقن فالغيوث الحثائث )
( والمواضي كأنها قد أعيرت ** حدة الذهن منه عند المباحث )
( هي نار محرقات الأعادي ** وهي ماء مطهرات الخبائث )
( فيردن الوغى ذكورا عطاشا ** ثم يصدرن ناهلات طوامث )
( من معانيه قد رأينا عيانا ** كل فضل ينصه من يحادث )
( خلق كالنسيم مر سحيرا ** بالأزاهير في البطاح الدمائث )
( في سبيل الإله يقصي ويدني ** ويوالي في ذاته ويناكث )
( شرف الملك منه سام وحام ** ففدته سام وحام ويافث )
( هاكها من بنات فكري بكرا ** ليس يسمو لها من الناس طامث )
( ذات لفظ لا يعتريه اختلال ** ومعان لا تنتحيها المباحث )
( زعماء القريض أبقوا بقايا ** كنت دون الورى لهن الوارث )
( من أراد انتقادها فهي هذي ** عرضة البحث فليكن جد باحث )
ورأيت بخط ابن الصباغ العقيلي على هامش قوله وندى فارس وحسبك ردا 000 البيت ما نصه ما أبدع تخلصه للمدح وأطبعه فإنه أشار إلى قول الشاعر رادا عليه بالتبكيت ومعقبا له بالتعنيت
( قالوا تركت الشعر قلت ضرورة ** باب السماحة والملاحة مغلق )
( مات الكرام فلا كريم يرتجى ** منه النوال ولا مليح يعشق )
وقيل إن السلطان أبا عنان أطل من برج يشاهد الحرب بين الثور والأسد على ما جرت به عادة الملوك فقال ابن جزي المذكور في وصف الحال
____________________
(5/530)


( لله يوم بدار الملك مر به ** من العجائب ما لم يجر في خلدي )
( لاح الخليفة في برج العلا قمرا ** يشاهد الحرب بين الثور والأسد )
ومن بارع نظمه رحمه الله تعالى قوله
( أ با حسن إن شتت الدهر شملنا ** فليس لود في الفؤاد شتات )
( وإن حلت عن عهد الإخاء فلم يزل ** لقلبي على حفظ العهود ثبات )
( وهبني سرت مني إليك إساءة ** الم تتقدم قلبها حسنات )
وقوله وهو بحال مرض
( إن يأخذ السقم من جسمي مآخذه ** وأصبح القوم من أمري على خطر )
( فإن قلبي بحمد الله مرتبط ** بالصبر والشكر والتسليم للقدر )
( فالمرء في قبضة الأقدار مصرفه ** للبرء والسقم أو للنفع والضرر )
وحكي أن الفقيه الرحال أبا اسحاق إبراهيم ابن الحاج النميري بقي في خلوته جميع شهر رمضان المعظم من عام سبعة وخمسين وسبعمائة فلما خرج في يوم عيد الفطر أنشده صهره أبو عبد الله ابن جزي المذكور لنفسه
( ما سرار البدور إلا ثلاث ** فلماذا أرى سرارك شهرا )
( أتعجلته سرارا لعام ** ثم تبقى في سائر العام بدرا )
وحكي أنه كتب للرئيس صاحب القلم الأعلى والعلامة بفاس أبي القاسم ابن رضوان يطلب منه شراب سكنجبين وقصد التصحيف بقوله أحسن زان بيتك نجيب تسر به بر مرضي تصحيفه أحب شراب سكنجبين شربه برء مرضي قال فجاوبني ابن رضوان بقوله أن برك نفيس تصحيفه مقلوبا يشفيك ربنا
ومن نظم ابن جزي المذكور قوله
____________________
(5/531)


( رعى الله عهدا بالمرية ما أرى ** به أبدا ما عشت في الناس بالناسي )
( وكيف ترى بالله صحبة معشر ** مجاهد بعض منهم وابن عباس )
وقوله في الزاوية التي أنشأها السلطان أبو عنان
( هذا محل الفضل والإيثار ** والرفق بالسكان والزوار )
( دار على الاحسان شيدت والتقى ** فجزاؤها الحسنى وعقبى الدار )
( هي ملجأ للواردين ومورد ** لابن السبيل وكل ركب ساري )
( آثار مولانا الخليفة فارس ** أكرم بها في المجد من آثار )
( لا زال منصور اللواء مظفرا ** ماضي العزائم سامي المقدار )
( بنيت على يد عبدهم وخديم بابهم ** العلي محمد بن جدار )
( في عام أربعة وخمسين انقضت ** من بعد سبع مئين في الاعصار )
ومن نظمه قوله موريا
( وما أنسى الأحبة يوم بانوا ** تخوض مطيهم بحر الدموع )
( وقالوا اليوم منزلنا الحنايا ** فقلت نعم ولكن من ضلوعي )
وقوله موريا أيضا
( ورب يهودي أتى متطببا ** ليأخذ ثارات اليهود من الناس )
( إذا جس نبض المرء أودى بنفسه ** سريعا ألم تسمع بفتكة جساس )
وقوله
( من أي أشجاني التي جنت النوى ** أشكو العذاب وهن في تنويع )
( من وصلي الموقوف أو من هجري الموصول ** أو من نومي المقطوع )
____________________
(5/532)


( أو من حديث تولهي وتولعي ** خبرا صحيحا ليس بالموضوع )
( يرويه خدي مسندا عن أدمعي ** عن مقلتي عن قلبي المفجوع )
وأول هذه القصيدة
( ذهبت حشاشة قلبي المصدوع ** بين السلام ووقفة التوديع )
وقد ضمن شطرها الفقيه عبيد شارح الحلبة اذ قال من قصيدة مطلعها
( اهمي دموعك ساعة التوديع ** يا مقلتي ممزوجة بنجيع )
بقوله
( يوم استقلت عيسهم وترحلوا ** ذهبت حشاشة قلبي المصدوع )
وقوله
( بخدي وجسمي والفؤاد وأدمعي ** شهود بهم دعوى الغرام تصحح )
( ومن عجب أن رجح الناس نقلهم ** وكلهم ذو جرحة فيه تقدح )
( فجسمي ضعيف والفؤاد مخلط ** ودمعي مطروح وخذي مجرح )
وقوله
( يا محيا كتب الحسن به ** أحرفا أبدع فيها وبرع )
( ميم ثغر ثم نون حاجب ** ثم عين هي تتميم البدع )
( أنا لا أطمع في وصلك لي ** وعلى وجهك مكتوب منع )
ثم قال ابن الأحمر ومن إنشائه البارع موريا بالكتب ورفعها لأمير المؤمنين
____________________
(5/533)

المتوكل على الله أبي عنان فارس رحمه الله تعالى يهنيه بإبلال ولده ولي عهده الأمير أبي زيان محمد بن مرض
( ماذا عسى أدب الكتاب يوضح من ** خصال مجدك وهو الزاهر الزاهي )
( وما الفصيح بكليات موعبها ** كاف فيأتي بأنباء وإنباه )
أبقى الله تعالى مولانا الخليفة ولسعادته القدح المعلى ولزاهر كماله التاج المحلى تجلى من حلاه نزهة الناظر ويسير بعلاه المثل السائر ويتسق من سناه العقد المنظم ويتضح بهداه القصد الامم ولا زالت مقدمات النصر له مبسوطة ومعونة السعد بإشارته منوطة وهدايته متكلفلة باحياء علوم الدين وإيضاح منهاج العابدين وإرشاده يتولى تنبيه الغافلين ويأتي من شفاء الصدور بالنور المبين وميقات الخدمة ببابه مطمح الانفس وملخص الجود من كفه بغية الملتمس قد حكم ادب الدين والدنيا بأنك سراج الملوك لما أتت عوارفك بالمشرع السلسل ومعارفك بنظم السلوك ووضحت معالم مجدك وضوح انوار الفجر وزهت بعدلك المسالك والممالك زهو خريدة القصر فلك في جمهرة الشرف النسب الوسيط ومن جمل المآثر الخلاصة والبسيط وسيل الخيرات لها برعايتك تيسير ومحاسن الشريعة لها بتحصيلك تحبير وانت حجة العلماء الذي تقصر عن تقصي مآثره فطن الاذكياء ان انبهم التفسير ففي يدك ملاك التأويل أو اعتاص تفريع الفقه فعندك فصل البيان له والتحصيل وان تشعب التاريخ فلديك استيعابه أو تطاول الادب ففي ايجاز بيانك اقتضابه وان ذكر الكلام ففي انتقائك من برهانه المحصول او المنطق ففي موجز آمالك لبابه المنخول وليس اساس البلاغة الا ما تأتي به من فصل المقال ولا جامع
____________________
(5/534)

الخير الا حزته من تهذيب الكمال ولذلك صارت خدمتك غاية المطلوب وحبك قوت القلوب ولا غرو ان كنت من العلياء درتها المكنونة فاسلافك الكرام هم جواهرها الثمينة بحماستهم أصيبت مقاتل الفرسان وبجود جودهم تسنى ري الظمآن وبتسهيل عدلهم وضحت شعب الايمان وانت المنتقى من سمط جمانهم والواسطة في قلائد عقيانهم عنك تؤثر سيرة الاكتفاء وعن فروعك السعداء تروى أخبار نجباء ألابناء فهم لمملكتك العلية بهجة مجالسها وأنس مجالسها وقطب سرورها ومطالع نورها وولي عهدك درتهم الخطيرة وذخيرتهم الأثيرة لا زال كامل سعادته بطول مقامك محكما وحرز أمانيه بالجمع بين الصحيحين حبك ورضاك معلما وقد وجبت التهنئة بما كان في حيلة برئه من التيسير وما تهيأ في استقامة قانون صحته من نجح التدبير ولم يكن الا ان بعدت به عنك المسالك واعوز نور طرفه تقريب المدارك وتذكر ما عهده من الايناس الموطأ جنابه عند أفضل مالك فوري من شوقه سقط الزند والتهب في جوانحه قبس الوجد فأمددته من دعائك الصالح بحلية الاولياء فظفر لما شارف مشارق الأنوار من حضرتك بالشفاء وقد حاز اكمال الأجر بذلك العارض الوجيز وكان له كتشبيب الابريز وها هو قادم بالطالع السعيد آيب بالمقصد الأسنى من الفتح والتمهيد يطلع بين يديك طلوع الشهاب ويبسم عن مفصل الثناء في الهناء بذلك زهر الآداب فاعد له تحفة القادم من احسانك الكامل واخصصه بالتكملة من إيناسك الشامل فهو الكوكب الدري المستمد من أنوارك السنية وفي تهذيب شمائله ايضاح للخلق الكريمة الفارسية لازالت تزدان بصحاح مآثرك عيون الاخبار وتتعطر بنفحة الزهر من ثنائك روضة الأزهار وتتلى من محامدك الآيات البينات وتتوالى عليك الألطاف الالهيات بمن الله سبحانه وفضله والسلام الكريم
____________________
(5/535)

يعتمد المقام العلي ورحمة الله تعالى وبركاته انتهى
وللمذكور عدة مقطعات يوري فيها بأسماء الكتب فمنها قوله
( ظبي هو الكامل في حسنه ** وثغره أبهى من العقد )
( جماله المدهش لكنما ** أخلاقه تحكي صبا نجد )
وقوله أيضا
( لك الله من خل حباني برقعة ** حبتني من آياتها بالنوادر )
( رسالة رمز في الجمال نهاية ** ذخيرة نظم أتحفت بالجواهر )
وقوله
( قصتي في الهوى المدونة ** الكبرى وأخبار عشقي المبسوطة ) ( حجتي في الغرام واضحة إذ ** لم تزل مهجتي بوجد منوطة ) نماذج من التورية بأسماء الكتب
وتذكرت بالتورية بأسماء الكتب قول الأرجاني
( لما تألق بارق من ثغره ** جادت دموعي بالسحاب الممطر )
( فكأن عقد الدر حل قلائد العقيان ** منه على صحاح الجوهري )
وقول لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى
( وظبي لأوضاع الجمال مدرس ** عليم بأسرار المحاسن ماهر )
( أرى جيده نص المحلى وقررت ** ثناياه ما ضمت صحاح الجواهر )
____________________
(5/536)


وقول ابن خاتمة
( ومعظم الأنفاس يبسم دائما ** عن در ثغر زانه ترتيب )
( من لم يشاهد منه عقد جواهر
لم يدر ما التنقيح والتهذيب )
وقوله أيضا
( سفهني عاذلي عليه ** وقال لي وده عليل )
( فقلت معتل أو صحيح ** يودعه عينه الخليل )
وقوله أيضا
( حازالجمال بصورة قمرية ** تجلو عليك مشارق الأنوار )
( وحوى الكمال بصورة عمرية ** تتلو عليك مناقب الأبرار )
وقول الرئيس أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي
( من اغتدى موطأ أكنافه ** صح له التمهيد في أحواله )
( وقابل استذكاره بالمنتقى ** من رأيه المختار من أعماله )
( وأضحت المسالك الحسنى له ** تدني تقصيا قصى آماله )
( وسار من مشارق الأنوار في ** أدنى المدارك إلى إكماله )
ولما وقف على هذه القطعة الفاضل أبو علي حسين بن صالح بن أبي دلامة عارضها وزاد ذكر القبس والمعلم
____________________
(5/537)


( قل للموطأ للورى أكنافه ** بشراه بالتمهيد في الأحوال )
( وإذا اكتفى بالمنتقى استذكاره ** وفى له المختار في الأعمال )
( ومسالك الحسنى تؤديه إلى ** أقصى التقصي من قصى الآمال )
( ويلوح من قبس الهداية رشده ** من معلم التفصيل والإجمال )
رجع إلى ابن جزي ومن نظمه
( يا دوحة الأنس من بطحاء واسجة ** هل من سبيل إلى أيامك الأول )
( إذ تجتلي أوجه الإيناس مسفرة ** ونجتني ثمر اللذات والغزل )
ومن نظمه رحمه الله تعالى عند خروجه إلى بلاد المغرب وورى بكتابي تحفة القادم وزاد المسافر فقال
( وإني لمن قوم يهون عليهم ** ورود المنايا في سبيل المكارم )
( يطيرون مهما ازور للدهر جانب ** بأجنحة من ماضيات العزائم )
( وما كل نفس تحمل الذل إني ** رأيت احتمال الذل شأن البهائم )
( إذا أنا لم أظفر بزاد مسافر ** لديكم فعند الناس تحفة قادم )
وزاد المسافر لصفوان والتحفة لابن الأبار
ومن نظمه قوله
( نصب الحبائل للورى بالحسن إذ ** رفع اللثام وذيله مجرور )
( وأماله عني العواذل غيلة ** فهو الممال وقلبي المكسور )
وقوله أيضا
( تلك الذؤابة ذبت من شوقي لها ** واللحظ يحميها بأي سلاح )
( يا قلب فانج وما إخالك ناجيا ** من فتنة الجعدي والسفاح )
____________________
(5/538)


وقوله أيضا
( وعاشق صلى ومحرابه ** وجه غزال ظل يهواه )
( قالوا تعبدت فقلت نعم ** تعبدا يفهم معناه )
وقوله رحمه الله تعالى
( لاتعد صنفك إن ذهبت لصاحب ** تعتده لكن تخير وانتق )
( أوما ترى الأشجار مهما ركبت ** إن خولفت أصنافها لم تعلق )
وقوله رحمه الله تعالى
( أيتها النفس قفي عندما ** ألزمت فعلا كان أو قولا )
( فمن يكن يرضى بما ساءه ** أوسره فهو له الأولى )
( لا يترك العبد وما شاءه ** إلا إذا أهمله المولى )
وقوله أيضا
( لولا ثلاث قد شغفت بحبها ** ما عفت في حوض المنية موردي )
( وهي الرواية للحديث وكتبه ** والفقه فيه وذاك حسب المهتدي )
وأما أخوهما القاضي أبو محمد عبد الله بن أبي القاسم بن جزي فهو الإمام العالم العلامة المعمر رئيس العلوم اللسانية قال في الإحاطة هذا الفاضل قريع بيت نبيه وسلف شهير وأبوة خير وأخوة بليغة وخؤولة اديب حافظ قائم على فن العربية مشارك في فنون لسانية ظرف في الإدراك جيد النظم مطواع القريحة باطنه نبل وظاهره غفلة قعد للإقراء ببلده غرناطة معيدا ومستقلا ثم تقدم للقضاء بجهات نبيهة على زمن الحداثة أخذ عن والده
____________________
(5/539)

الأستاذ الشهير الشهيد أبي القاسم أشياء كثيرة وعن القاضي أبي البركات ابن الحاج وقاضي الجماعة الشريف السبتي والأستاذ البياني والأستاذ الأعرف أبي سعيد ابن لب والشيخ المقرىء أبي عبد الله ابن بيبش وأجازه رئيس الكتاب أبو الحسن ابن الجياب وقاضي الجماعة أبو عبد الله ابن بكر وأبو محمد ابن سلمون والقاضي ابن شبرين والشيخ أبو حيان وقاضي الجماعة أبو عبد الله المقري وأبو محمد الحضرمي وجماعة آخرون وشعره نبيل الأغراض حسن المقاصد انتهى المقصود منه
وممن أخذ عنه العباس البقني شارح البردة والقاضي أبو بكر ابن عاصم وبالإجازة الإمام ابن مرزوق الحفيد وغيرهم
وقد عرف ابن فرحون في الديباج المذهب بأبيه الشهيد أبي القاسم وأخيه القاضي أبي بكر دونه وعرف ابن الخطيب في الإحاطة بأبيه وأخويه أبي بكر وأبي عبد الله وفيما ذكرنا من أمرهم كفاية
ومما نسبه الوادي آشي لأبي محمد عبد الله بن جزي قوله
( يا من أتاني بعده بعدما ** عاملته بالبر واللطف )
( إني تأملت وقد سرني ** بجملة من سورة الكهف )
وله أيضا
( لقد قطعت قلبي يا خليلي ** بهجر طال منك على العليل )
( ولكن ما عجيب منك هذا ** إذ التقطيع من شأن الخليل )
رجع إلى مشايخ لسان الدين رحمه الله تعالى
____________________
(5/540)


27 - ومنهم القاضي الأديب جملة الظرف أبو بكر ابن شبرين
وقد استوفى ترجمته في الإحاطة وذكره أيضا في ترجمة ذي الوزارتين ابن الحكيم بأن قال بعد حكايته قتل ابن الحكيم ما صورته وممن رثاه شيخنا أبو بكر ابن شبرين رحمه الله تعالى بقوله
( سقى الله أشلاء كرمن على البلى ** وما غض من مقدارها حادث البلا )
( ومما شجاني أن أهين مكانها ** وأهمل قدر ما عهدناه مهملا )
( ألا اصنع بها يا دهر ما أنت صانع ** فما كنت إلا عبدها المتذللا )
( سفكت دما كان الرقوء نواله ** لقد جئتما شنعاء فاضحة الملا )
( بكفي سبنتى أزرق العين مطرق ** عدا فغدا في غيه متوغلا )
( لنعم قتيل القوم في يوم عيده ** قتيل تبكيه المكارم والعلا )
( ألا أن يوم ابن الحكيم لمثكل ** فؤادي فما ينفك ما عشت مثكلا )
( فقدناه في يوم أغر محجل ** ففي الحشر نلقاه أغر محجلا )
( سمت نحوه الأيام وهو عميدها ** فلم تشكر النعمى ولم تحفظ الولا )
( تعاورت الأسياف منه ممدحا ** كريما سما فوق السماكين مزحلا )
( وخانته رجل في الطواف به سعت ** فناء بصدر للعلوم تحملا )
( وجدل لم يحضره في الحي ناصر ** فمن مبلغ الأحياء أن مهلهلا )
____________________
(5/541)


( يد الله في ذاك الأديم ممزقا ** تبارك ما هبت جنوبا وشمالا )
( ومن حزني أن لست أعرف ملحدا ** له فأرى للترب منه مقبلا )
( رويدك يا من قد غدا شامتا به ** فبالأمس ما كان العماد المؤملا )
( وكنا نغادي أو نراوح بابه ** وقد ظل في أوج العلا متوقلا )
( ذكرناه يوما فاستهلت جفوننا ** بدمع إما ما أمحل العام أخضلا )
( ومازج منا الحزن طول اعتبارنا ** ولم ندر ماذا منهما كان أطولا )
( وهاج لنا شجوا تذكر مجلس ** له كان يهدي الحي والملأ الألى )
( به كانت الدنيا تؤخر مدبرا ** من الناس حتما أو تقدم مقبلا )
( لتبك عيون الباكيات على فتى ** كريم إذا ما أسبغ العرف أجزلا )
( على خادم الآثار تتلى صحائحا ** على حامل القرآن يتلى مفصلا )
( على عضد الملك الذي قد تضوعت ** مكارمه في الأرض مسكا ومندلا )
( على قاسم الأموال فينا على الذي ** وضعنا لديه كل إصر على علا )
( وأنى لنا من بعده متعلل ** وما كان في حاجاتنا متعللا )
( ألا يا قصير العمر يا كامل العلا ** يمينا لقد غادرت حزنا مؤثلا )
( يسوء المصلى أن هلكت ولم تقم ** عليك صلاة فيه يشهدها الملا )
( وذاك لأن الأمر فيه شهادة ** وسنتها محفوظة لن تبدلا )
( فيا أيها الميت الكريم الذي قضى ** سعيدا حميدا فاضلا ومفضلا )
( لتهنك من رب السماء شهادة ** تلاقي ببشرى وجهك المتهللا )
( رثيتك عن حب ثوى في جوانحي ** فما ودع القلب العميد وما قلى )
( ويا رب من أوليته منك نعمة ** وكنت له ذخرا عتيدا وموئلا )
( تناساك حتى ما تمر بباله ** ولم يدكر ذاك الندى والتفضلا )
____________________
(5/542)


( يرابض في مثواك كل عشية ** صفيف شواء أو قديرا معجلا )
( لحي الله من ينسى الأذمة رافضا ** ويذهل مهما أصبح الأمر مشكلا )
( حنانيك يا بدر الهدى فلشد ما ** تركت بدور الأفق بعدك أفلا )
( وكنت لآمالي حياة هنيئة ** فغادرت مني اليوم قلبا مقتلا )
( فلا وأبيك الخير ما أنا بالذي ** على البعد ينسى من ذمامك ما خلا )
( فأنت الذي آويتني متغربا ** وأنت الذي أكرمتني متطفلا )
( فآليت لا ينفك قلبي مكمدا ** عليك ولا ينفك دمعي مسبلا )
وكتب ابن لسان الدين على هامش هذه القطعة ما صورته شكر الله وفاءك يا ابن شبرين وقدس لحدثك وأين مثلك في الدنيا حسنا ووفاء وعلما لا كما صنع ابن زمرك في ابن الخطيب مخدومه قاله علي بن الخطيب انتهى
28 - ومن أشياخ لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى الشيخ الأستاذ العلامة العلم الأوحد الصدر المصنف المحدث الأفضل الأصلح الأورع الأتقى الأكمل أبو عثمان سعد ابن الشيخ الصالح التقي الفاضل المبرور المرحوم أبي جعفر احمد بن ليون التجيبي رضي الله تعالى عنه وهو من أكابر الأئمة الذين أفرغوا جهدهم في الزهد والعلم والنصح وله تواليف مشهورة منها اختصار بهجة المجالس لابن عبد البر واختصار المرتبة العليا لابن راشد القفصي وكتاب في الهندسة وكتاب في الفلاحة وكتاب كمال الحافظ وجمال اللافظ في الحكم والوصايا والمواعظ وكان مولعا باختصار الكتب وتواليفه تزيد على المائة فيما يذكر وقد وقفت منها بالمغرب على أكثر من عشرين
ومما حكي عن بعض كبراء المغرب أنه رأى رجلا طوالا فقال لمن
____________________
(5/543)

حضره لو رآه ابن ليون لاختصره إشارة إلى كثرة اختصاره للكتب
ومن تواليفه كتاب نفح السحر في اختصار روح الشحر وروح الشعر لابن الجلاب الفهري رحمه الله ومنها كتاب أنداء الديم في الوصايا والمواعظ والحكم وكتاب الأبيات المهذبة في المعاني المقربة وكتاب نصائح الأحباب وصحائح الآداب أورد فيه مائتي قطعة من شعره تتضمن نصائح متنوعة ولننقح منها نبذه فنقول منها في التحريض على العلم قوله رحمه الله تعالى
( زاحم أولي العلم حتى ** تعتد منهم حقيقة )
( ولا يردك عجز ** عن أخذ أعلى طريقة )
( فإن من جد يعطى ** فيما يحب لحوقه )
وقوله
( شفاء داء العي حسن السؤال ** فاسأل تنل علما وقل لا تبال )
( واطلب فالاستحياء والكبر من ** موانع العلم فما إن ينال )
وقوله
( علمت شيئا وغابت عنك أشياء ** فانظر وحقق فما للعلم إحصاء )
( للعلم قسمان ما تدري وقولك لا ** أدري ومن يدعي الإحصاء هذاء )
وقوله
( من لم يكن علمه في صدره نشبت ** يداه عند السؤالات التي ترد )
( العلم ما أنت في الحمام تحضره ** وماسوى ذلك التكليف والكمد )
____________________
(5/544)

وقوله
( الدرس رأس العلم فاحرص عليه ** فكل ذي علم فقير إليه )
( من ضيع الدرس يرى هاذيا ** عند اعتبار الناس ما في يديه )
( فعزة العالم من حفظه ** كعزة المنفق فيما عليه )
وقال رحمه الله تعالى في غير ما سبق
( ثلاث مهلكات لا محالة ** هوى نفس يقود إلى البطالة )
( وشح لا يزال يطاع دأبا ** وعجب ظاهر في كل حاله )
وقال
( اللهو منقصة بصاحبه ** فاحذر مذلة مؤثر اللهو )
( واللغو نزه عنه سمعك لا ** تجنح له لا خير في اللغو )
وقال
( لا تمالىء على صديقك وادرأ ** عنه ما اسطعت من أذى واهتضام )
( ما تناسى الذمام قط كريم ** كيف ينسى الكريم رعي الذمام )
( تطعم الكلب مرة فيحامي ** عنك والكلب في عداد اللئام )
وقال
( احذر مؤاخاة الدنيء فإنها ** عار يشين ويورث التضريرا )
( فالماء يخبث طعمه لنجاسة ** إن خالطته ويسلب التطهيرا )
وقال
____________________
(5/545)


( تحفظ من الناس تسلم ولا ** تكن في تقربهم ترغب )
( ولا تترك الحزم في كل ما ** تريد ولا تبغ ما يصعب )
وقال
( إخوانك اليوم إخوان الضرورة لا ** تثق بهم يا أخي في قول أو فعل )
( لا خير في الأخ إلا أن يكون إذا ** عرتك نائبة يقيك أو يسلى )
وقال
( طلب الإنصاف من قلة ** إنصاف فساهل )
( لا تناقش وتغافل ** فاللبيب المتغافل )
( قلما يحظى أخو الإنصاف ** في وقت بطائل )
وقال
( من خافه الناس عظموه ** وأظهروا بره وشكره )
( ومن يكن فاضلا حليما ** فإنما حظه المضرة )
( فامرر وكن صارما مبيرا ** يهبك من قد تخاف شره )
وقال
( إن تبغ عدلا فما ترضى لنفسك من ** قول وفعل به أعمل في الورى تسد )
( وكل ما ليس ترضاه لنفسك لا ** تفعله مع أحد تكن أخا رشد )
وقال
( حسبي الله لقد ضلت بنا ** عن سبيل الرشد أهواء النفوس )
( عجبا أن الهوى هون وأن ** نؤثر الهون وإذلال الرؤوس )
____________________
(5/546)


وقال
( من يخف شره يوف الكرامة ** ويوالي الرعاية المستدامه )
( وأخو الفضل والعفاف غريب ** يحمل الذل والجفا والملامه )
وقال
( دع من يسيء بك الظنون ولا ** تحفل به إن كنت ذا همه )
( من لم يحسن ظنه أبدا ** بك فاطرحه تكتفي همه )
وقال
( نزه لسانك عن قول تعاب به ** وارغب بسمعك عن قيل وعن قال )
( لا تبغ غير الذي يعنيك واطرح الفضول ** تحيا قرير العين والبال )
وقال
( كثرة الأصدقاء كثرة غرم ** وعتاب يعيي وإدخال هم )
( فاغن بالبعض قانعا وتغافل ** عنهم في قبيح فعل وذم )
وقال
( ذل المعاصي ميتة يا لها ** من ميتة لا ينقضي عارها )
( عز التقي هو الحياة التي ** ذو العقل والهمة يختارها )
وقال
( لا تسمع يوما صديقك قولا ** فيه غض ممن يحب الصديق )
( إن بر الصديق لا شك منه ** لصديق الصديق أيضا فريق )
____________________
(5/547)


وقال
( للجار حق فاعتمد بره ** واحمل أذاه مغضيا ساترا )
( فالله قد وصى به فاغتفر ** زلله الباطن والظاهرا )
وقال
( سالم الناس ما استطعت وداري ** أخسر الناس أحمق لا يداري )
( ضرك الناس ضر نفسك يجني ** لا يقوم الدخان إلا لنار )
وقال
( النصح عند الناس ذنب فدع ** نصح الذي تخاف أن يهجرك )
( الناس أعداء لنصاحهم ** فاترك هديت النصح فيمن ترك )
وقال
( تجري الأمور على الذي قد قدرا ** ما حيلة أبدا ترد مقدرا )
( فارض الذي يجري القضاء به ولا ** تضجر فمن عدم الرضى أن تضجرا )
وقال :
( أخوك الذي يحميك في الغيب جاهدا ** ويستر ما تأتي من السوء والقبح )
( وينشر ما يرضيك في الناس معلنا ** ويغضي ولا يألو من البر والنصح )
وقال
( لا تصحب الأردى فتردى معه ** وربما قد تقتفي منزعه )
( فالحبل إن يجرر على صخرة ** أبدى بها طريقة مشرعة )
وقال
____________________
(5/548)


( ما فات او كان لا تندم عليه فما ** يفيد بعد انقضاء الحادث الندم )
( ارجع إلى الصبر تغنم أجره وعسى ** تسلو به فهو مسلاة ومغتنم )
وقال
( السخط عند النائبات زيادة ** في الكرب تنسي ما يكون من الفرج )
( من لم يكن يرضى بما يقضى فيا ** لله ما أشقى وأصعب ما انتهج )
وقال
( إن تبتغ الإخوان ما إن تجد ** أخا سوى الدينار والدرهم )
( فلا تهنهما وعززهما ** تعش عزيزا غير مستهضم )
وقال
( من يستهن بصديقه ** يعن العدو على أذاته )
( بر الصديق مهابة ** للمرء تخمل من عداته )
( فاحفظ صديقك ولتكن ** تبدي المحاسن من صفاته )
وقال
( نعوذ بالله من شر اللسان كما ** نعوذ بالله من شر البريات )
( يجني اللسان على الإنسان ميتته ** كم للسان من آفات وزلات )
وقال
( من لم يكن مقصده مدحة ** فقد أتى بحبوحة العافيه )
( محبة المدحة رق بلا ** عتق وذل يا له داهيه )
( من لا يبالي مدحا ولا ** ذما أصاب العيشة الراضية )
____________________
(5/549)


وقال
( شر إخوانك من لا ** تهتدي فيه سبيلا )
( يظهر الود ويخفي ** مكره داء دخيلا )
( يتقي منك اتقاء ** وهو يوليك الجميلا )
وقال
( قوام العيش بالتدبير فاجعل ** لعيشك منه في الأيام قسطا )
( وخذ بالصبر نفسك فهو عز ** تلوذ به إذا ما الخطب شطا )
وقال
( العيش ثلث فطنة ** والغير منه تغافل )
( فتغافل أن كنت امرأ ** إيثار عيشك تامل )
وقال
( ينفذ المقدور حتما لا يرد ** فعلاء الحرص دأبا والكمد )
( أرح النفس تعش في غبطة ** وكل الأمر إلى الله فقد )
وقال زر من تحب وزره ثم زره ولا ** تمل واجعله دأبا موضع النظر )
( لولا متابعة الأنفاس ما بقيت ** روح الحياة ولا دامت مدى العمر )
وقال
( لا تترك الحزم في شيء فإن به ** تمام أمرك في الدنيا وفي الدين )
( من ضيع الحزم تصحبه الندامة في ** أيامه ويرى ذل المهاوين )
____________________
(5/550)


وقال
( كن إذا زرت حاضر القلب واحذر ** أن تمل المزور أو أن تطيلا )
( لا تثقل على جليس وخفف ** إن من خف عد شخصا نبيلا )
وقال
( من خلا عن حاسد قد ** مات في الأحياء ذكره )
( إنما الحاسد كالنار ** لعود طاب نشره )
( لا عدمنا حاسدا في ** نعمة ليست تسره )
وقال
( حبيبك من يغار إذا زللتا ** ويغلظ في الكلام متى أسأتا )
( يسر إن اتصف بكل فضل ** ويحزن إن نقصت أو انتقصتا )
( ومن لا يكترث بك لا يبالي ** أحدت عن الصواب أم اعتدلتا )
وقال
( لن لمن تخشى أذاه ** والقه في باب داره )
( إنما الدنيا مداراة ** فمن تخشاه داره )
وقال
( حسد الحاسد رحمه ** لا يرى إلا لنعمه )
( إنما الحاسد يشكو ** حر أكباد وغمه )
( لا عدمنا حاسدا في ** نعمة تكثر همه )
وقال
( تبديل شخص بشخص ** خسران الاثنين جملة )
____________________
(5/551)


( فاشدد يديك على من ** عرفت وارفع محله )
( فإن قطع خليل ** بعد التواصل زله )
وقال
( أنت بخير ماتركت الظهور ** والقال والقيل وطرق الشرور )
( من خاض بحرا فهو لا بد يبتل ** ومن يجر يصبه العثور )
( سلامة المرء اشتغال بما ** يهمه لنفسه من أمور )
وقال
( أنت حر ما تركت الطمعا ** وعزيز ما تبعت الورعا )
( وكفى بالعز مع حرية ** شرفا يختاره من قنعا )
وقال
( خل بنيات الطرق ** ووافق الناس تفق )
( من خالف الناس أتى ** أعظم أبواب الحمق )
( فكن مع الناس فترك ** جملة الناس خرق )
وقال
( لا تضق صدرا بحاسد ** فهو في نار يكابد )
( من يرى أنك خير ** منه تعروه شدائد )
( إنما الحاسد يشقى ** وهو لا يحظى بعائد )
____________________
(5/552)


وقال
( من يستمع في صديق قول ذي حسد ** لا شك يقصيه فاحذر غيلة الحسد )
( يهابك الناس ما تدني الصديق فإن ** أقصيته زدت للأعداء في العدد )
وقال
( كم من أخ صحبته ** والنفس عنه راغبة )
( خشيت إن فارقته ** بالهجر سوء العاقبة )
وقال
( إذا كانت عيوبك عند نقد ** تعد فأنت أجدر بالكمال )
( متى سلمت من النقد البرايا ** وحسبك ما تشاهد في الهلال )
وقال
( إذا انطوت القلوب على فساد ** فإن الصمت ستر أي ستر )
( فلا تنطق وقلبك فيه شيء ** بغير الحق واحذر قول شر )
وقال
( إن كنت لا تنصر الصديق فدع ** سماعك القول فيه واجتنب )
( سماع عرض الصديق منقصة ** لا يرتضيها الكريم ذو الحسب )
وقال
( أنت في الناس تقاس ** بالذي اخترت خليلا )
( فاصحب الأخيار تعلو ** وتنل ذكرا جميلا )
____________________
(5/553)


( صحبة الخامل تكسو ** من يواخيه خمولا )
وقال
( اسمح يزنك السماح ** إن السماح رباح )
( لا تلق إلا ببشر ** فالبشر فيه النجاح )
( تقطيبك الوجه جد ** أجل منه المزاح )
وقال
( من كنت تعرفه كن فيه متئدا ** يكفيك من خلقه ما أنت تعرفه )
( لا تبغ من أحد عرفته أبدا ** غير الذي كنت منه قبل تألفه )
وقال
( حاسب حبيبك كالعدو تدم له ** ولك المحبة فالتناصف روحها )
( من كان يغمض في حقوق صديقه ** نقصت مودته وشيب صريحها )
وقال
( تغافل في الأمور ولا تناقش ** فيقطعك القريب وذو المودة )
( مناقشة الفتى تجني عليه ** وتبدله من الراحات شده )
وقال
( إن شئت تعرف نعمة الله التي ** أولاك فانظر كل من هو دونكا )
( لا تنظر الأعلى فتنسى ما لديك ** ومن من الضعفاء يستجدونكا )
وقال
( عجبا أن ترى قبيح سواكا ** وتعادي الذي يرى منك ذاكا )
____________________
(5/554)


( لو تناصفت كنت تنكر ما فيك ** وترضى الوصاة ممن نهاكا )
وقال
( جرب الناس ما استطعت تجدهم ** لا يرى الشخص منهم غير نفسه )
( فالسعيد السعيد من أخذ العفو ** ودارى جميع أبناء جنسه )
وقال
( فرط حب الشيء يعمي ويصم ** فليكن حبك قصدا لا يصم )
( نقص عقل أن يغطي حسك الحب ** أويلهيك عن أمر مهم )
وقال
( سلم وغض احتسابا ** فذا هو اليوم أسلم )
( النقد نار تخلي ** في القلب جمرا تضرم )
( فاطو اعتراضك واغفل ** عن عيب غيرك تسلم )
وقال
( عدة الكريم عطية ** لا مطل في عدة الكريم )
( المطل تحريض العداة ** وذاك من فعل اللئيم )
( فدع المطال إذا وعدت ** فإنه عمل ذميم )
وقال
( من تناسى ذنوبه قتلته ** وأبانت عنه الولي الحميما )
____________________
(5/555)


( ذكرك الذنب نفرة عنه تبقى ** لك إنكار فعله مستديما )
وقال
( عجبا لمادح نفسه لا يهتدي ** لتنقص يبديه فيه مدحها )
( مدح الفتى عند التحدث نفسه ** ذكرى معايبه فيدرى قبحها )
وقال
( ومن حست أخلاقه عاش في ** نعمى وفي عز هنيء وود )
( ومن تسؤ للخلق أخلاقه ** يعش حقيرا في هموم وكد )
وقال
( من كان يحمي ناسه صار ذا ** عز و هابته نفوس البشر )
( ومن يكن يخذل أحبابه ** هان ومن هان فلا يعتبر )
وقال
( قارب وسدد إذا ما كنت في عمل ** إن الزيادة في الأعمال نقصان )
( ما حالف القصد في كل الأمور هوى ** نفس وكل هوى شؤم وحرمان )
وقال ( بقدر همته يعلو الفتى أبدا ** لا خير في خامل الهمات ممتهن )
( هيهات يعلو فتى خمول همته ** يقوده لابتذال النفس والمهن )
____________________
(5/556)


وقال
( اصحب ذوي الحدة وارغب عن الخبيث ** فالصحبة ذا داؤها )
( وانظر إلى قول نبي الهدى ** خيار أمتي أحداؤها )
قال
( ما صديق الإنسان في كل حال ** يا أخي غير درهم يقتنيه )
( لا تعول على سواه فتغدو ** خائب القصد دون ما تبتغيه )
وقال ( يستفز الهوى للإنسان حتى ** لا يرى غير محنة أو ضلال )
( ويرى الرشد غير رشد ويغدو ** يحسب الحق من ضروب المحال )
وقال
( لا تبالغ في الشر مهما استطعتا ** وتغافل واحلم إذا ما قدرتا )
( فانقلاب الأمور أسرع شيء ** وتجازي بضعف ما قدرتا )
وقال
( مثل عواقب ما تأتي وما تذر ** واحذر فقد ترتجي أن ينفع الحذر )
( لا تقدمن على أمر بلا نظر ** فإن ذلك فعل كله خطر )
( وانظر وفكر لما ترجو توقعه ** فعمدة العاقل التفكير والنظر )
وقال
( حافظ على نفسك من كل ما ** يشينها من خلل أو زلل )
____________________
(5/557)


( واحرص على تخليصها بالذي ** تنجو به من قول أومن عمل )
وقال
( سكر الولاية ما له صحو ** وكلامها وحراكها وزهو )
( يهذي الفتى أيام عزتها ** فإذا تقضت نابه شجو )
( فحذار لا تغررك صولتها ** وزمانها فثبوتها محو )
وقال
( دع الجدال ولا تحفل به أبدا ** فإنه سبب للبغض ما وجدا )
( سلم تعش سالما من غير متعبة ** قرير عين إذا لم تعترض أحدا )
وقال
( إذا ترى المبتلي اشكر أن نجوت ولا ** تشمت به ولتسل من ربك العافية )
( وخف من أن تبتلى كما ابتلي فترى ** كما تراه وما تقيك من واقية )
وقال
( العمر ساعات تقضى فلا ** تقضها في السهو والغفلة )
( واعمل لما أنت له صائر ** ما دمت من عمرك في مهلة )
( ولا تكن تأوي لدينا وقل ** لا بد لابد من النقله )
وقال
( كن رفيقا إذا قدرت حليما ** وتغافل تسلك طريقا قويما )
( لا تظن الزمان يبقى على من ** سره أو ينيل عزا سليما )
____________________
(5/558)


( إن للدهر صولة وانقلابا ** ولهذا نعيمه لن يدوما )
وقال
( من لم يكن ينفع في الشدة ** فلا تكن معتمدا وده )
( لا تعتمد إلا أخا حرمه ** إن ناب خطب تلفه عده )
( وخل من يهزأ في وده ** ولا ترى في معضل جده )
وقال
( أخوك الذي تلفيه في كل معضل ** يدافع عنك السوء بالمال والعرض )
( ويستر ما تأتي من القبح دائما ** وينشر ما يرضى وإن سؤته يغضي )
وقال
( ولا تنه عما أنت فاعله ** وانظر لما تأتيه من ذنب )
( وابدأ بنفسك فانهها فإذا ** تقفو الصواب فأنت ذو لب )
وقال
( ليس الصديق الذي يلقاك مبتسما ** ولا الذي في التهاني بالسرور يرى )
( إن الصديق الذي يولي نصيحته ** وإن عرت شدة أغنى بما قدرا )
وقال
( عجبا لمستوف منافع نفسه ** ويرى منافع من سواه تصعب )
( ما ذاك إلا عدم إنصاف ومن ** عدم التناصف كيف يرجو يصحب )
وقال
( من عدم الهمة في راحة ** من أمره يكرم أو يهتضم )
____________________
(5/559)


( وإنما يشقي أخو همة ** فإن الانكاد بقدر الهمم )
وقال
( قلما تنفع المداراة إلا ** عند أهل الحفاظ والأحساب )
( من يداري اللئيم فهو من يستعمل ** الدر في نحور الكلاب )
وقال
( دنياك هذي عرض زائل ** تفتن ذا الغرة والغفلة )
( فاعمل لأخراك وقدم لها ** ما دمت من عمرك في مهله )
وقال
( نصيحة الصديق كنز فلا ** ترد ما حييت نصح الصديق )
( وخذ من الأمور ما ينبغي ** ودع من الأمور ما لا يليق )
وقال
( أنت حر ما لم يقيدك حب ** أو تكن في الورى يرى لك ذنب )
( الهوى كله هوان وشغل ** والمعاصي ذل يعانى وكرب )
وقال
( هون عليك الأمورا ** تعش هنيئا قريرا )
( واعلم بأن الليالي ** تبلي جديدا خطيرا )
( وتستبيح عظيما ** ولا تجير حقيرا )
وقال
( ألف صديق قليل ** والود منهم جميل )
____________________
(5/560)


( كما عدو كثير ** إذ ضره لا يزول )
( فلا تضيع صديقا ** فالنفع فيه جليل )
وقال
( دع الحسود تعاتبه لظى حسده ** حتى تراه لقى بموت من كمده )
( ما للحسود سوى الإعراض عنه وأن ** يبقى إلى كربه في يومه وغده )
وقال
( الناس حيث يكون الجاه والمال ** فخل عنك ولا تحفل بما قالوا )
( وعد عمن يقول العلم قصدهم ** أو الصلاح أما تبدو له الحال )
( انظر لماذا هم يسعون جهدهم ** بين لك الحق لا يعروه إشكال )
وقال
( توسط في الأمور ولا تجاوز ** إلى الغايات فالغايات غي )
( كلا الطرفين مذموم إذا ما ** نظرت وأخذك المذموم عي )
وقال
( عامل جميع الناس بالحسنى ** إن شئت أن تحظى وأن تهنا )
( ولا تسىء يوما إلى واحد ** فتجمع الراحة والأمنا )
وقال
( لا تفكر فللأمور مدبر ** وارض ما يفعل المهيمن واصبر )
( أنت عبد وحكم مولاك يجري ** بالذي قد قضى عليك وقدر )
____________________
(5/561)


وقال
( إذا رأيت القبيحا ** فقل كلاما مليحا )
( وأغض واستر وسلم ** وكن حليما صفوحا )
( تعش هنيئا وتلقى ** برا وشكرا صريحا )
وقال
( من ينكر الإحسان لا توله ** ما عشت إحسانا فلا خير فيه )
( البذر في السباخ ما إن له ** نفع فذره فهو فعل السفيه )
وقال
( من لم يكن ينفع في وده ** دعه ولا تقم على عهده )
( ود بلا نفع عناء فلا ** تعن بشيء حاد عن حده )
وقال
( در مع الدهر كيفما ** دار إن شئت تصحبه )
( ودع الحذق جانبا ** ليس بالحذق تغلبه )
( وحذار انقلابه ** فكثير تقلبه )
وقال
( من ليبس يغني في مغيب عنك لا ** تحفل به فوداده مدخول )
( يثني عليك وأنت معه حاضر ** فإذا تغيب يكون عنك يميل )
وقال
( دع نصح من يعجبه رأيه ** ومن يرى ينجحه سعيه )
____________________
(5/562)


( النصح وإرشاد فلا توله ** إلا فتى يحزنه غيه )
( لا يقبل النصح سوى مهتد ** يقوده لرشده هديه )
وقال
( البخت أفضل ما يؤتي الفتى فإذا ** يفوته البخت لا ينفك يتضع )
( يكفيك في البخت تيسير الأمور وأن ** يكون ما ليس ترضى عنك يندفع )
وقال
( افعل الخير ما استطعت ففعل الخير ** ذكر لفاعليه وذخر )
( وتواضع تنل علاء وعزا ** فاتضاع النفوس عز وفخر )
وقال
( صديق المرء درهمه ** به ما دام يعظمه )
( فصنه ما استطعت ولا ** تكن في اللهو تعدمه )
( ففقر المرء ميتته ** لذا تغدو فترحمه )
وقال
( لاتقرب ما اسطعت خل عدو ** فخليل العدو حلف عداوة )
( وتحفظ منه وداره وانظر ** هل ترى من سيماه إلا القساوة )
وقال
( لا تعد ذكر ما مضى فهو أمر ** قد تقضى وقد مضى لسبيله )
( وتكلم فيما تريد من الآتي ** ودبر للشيء قبل حلوله
وقال
( قساوة المرء من شقائه فإذا ** يلين ساد بلا أين ولا نصب )
____________________
(5/563)

لا يرحم الله إلا الراحمين فمن ** يرحم ينل رحمة في كل منقلب )
وقال
( جىء بالسماح إذا ما جئت في غرض ** ففي العبوس لدى الحاجات تصعيب )
( سماحة المرء تنبي عن فضيلته ** فلا يكن منك مهما اسطعت تقطيب )
وقال
لا تسامح يوما دنيا إذا ما ** قال في فاضل كلاما رديا )
( إن قصد الدني إنزال أهل الفضل ** حتى يرى عليهم عليا )
وقال
( خذ من القول بعضه فهو أولى ** وتحفظ مما يقول العداة )
( ربما تأخذ الكلام بجد ** وهو هزل قد نمقته عدات )
( فاحترز من غرور الأقوال واعلم ** أن الاقوال بعضها كذبات )
وقال
( نافس الأخيار كيما ** تحرز المجد الأثيلا )
( لا تكن مثل سراب ** ريء لم يشف غليلا )
( إنما أنت حديث ** فلتكن ذكرا جميلا )
وقال
( الصمت عز حاضر ** وسلامة من كل شر )
( فإذا نطقت فلا تكثر ** واجتنب قول الهذر )
( وحذار مما يتقى ** وحذار من طرق الغرر )
____________________
(5/564)


وقال
( سلامة الإنسان في وحدته ** وأنسه فيها وفي حرفته )
( ما بقي اليوم صديق ولا ** من ترتجي النصرة في صحبته )
( فقر في بيتك تسلم ودع ** من ابتلى بالناس في محنته )
وقال
( مطاوعة النساء إلى الندامة ** وتوقع في المهانة والغرامة )
( فلا تطع الهوى فيهن واعدل ** ففي العدل الترضي والسلامة )
وقال
( كانت مشاورة الإخوان في زمن ** قول المشاور فيهم غير متهم )
( والآن قد يخدع الذي تشاوره ** إشماتا أو حسدا يلقيك في الندم )
( فاضرع إلى الله فيما أنت تقصده ** يهديك للرشد في الأفعال والكلم )
وقال
( عد عمن يراك تصغر عنه ** وتحفظ من قربه وأبنه )
( إن من لا يراك في الناس خيرا ** منه فالخير في التحفظ منه )
وقال
( رزانة المرء تعلي قدره أبدا ** وطيشه مسقط له وإن شرفا )
( فاربأ بنفسك من طيش تعاب به ** وإن تكن حزت معه العلم والشرفا )
وقال
( الصدق عز فلا تعدل عن الصدق ** واحذر من الكذب المذموم في الخلق )
____________________
(5/565)


( من لازم الصدق هابته الورى وعلا ** فالزمه دأبا تفز بالعز والسبق )
وقال
( ليس التفضل يا أخي أن تحسنا ** لأخ يجازي بالجميل من الثنا )
( إن التفضل أن تجازي من أسالك ** بالجميل وأنت عنه في غنى )
وقال
( من واصل اللذات لا بد أن ** تعقبه منها الندامات )
( فخذ من اللذات واترك ولا ** تسرف ففي الإسراف آفات )
وقال
( دع معجبا بنفسه ** في غيه ولبسه )
( لا يقبل النصح لها ** من نخوة برأسه )
( فخله لكيده ** وعجبه بنفسه )
وقال
( عتب الصديق دلالة ** منه على صدق المودة )
( فإذا يقول فقصده التنزيه ** عما قام عنده )
( فاحلم إذا عتب الصديق ** ولا تخيب فيك قصده )
وقال
( ترتجى في النوائب الإخوان ** هم لدى كل شدة أعوان )
( فإذا لم يشاركوا فسواء ** هم والأعداء كيفما قد كانوا )
____________________
(5/566)


وقال
( انصر أخاك على علاته أبدا ** تهب وتسلك سبيل العز والظفر )
( ولا تدعه إلى الإشمات مطرحا ** فإن ذلك عين الذل والصغر )
وقال
من عز كانت له الأيام خادمة ** تريه آماله في كل ما حين )
( ومن يهن أولغت فيه المدى وأدت ** له النوائب في أثوابها الجون )
وقال
( خل المنجم يهذي في غوايته ** واقصد إلى الله رب النجم والفلك )
( لو كان للنجم حكم لم تجد أحدا ** يخالف النجم إلا انهد في درك )
وقال
( حماية المرء لمن يصحب ** تدل أن أصله طيب )
( لا خير فيمن لا يرى ناصرا ** صديقه وهو له ينسب )
وقال
( يا عاتبا من لا له همة ** ألا اتئد إلى متى تعتب )
( هل يسمع الميت أو يبصر الأعمى ** محال كل ما تطلب )
وقال
( لا يعرف الفضل لأهل الفضل ** إلا أولو الفضل من أهل العقل )
( هيهات يدري الفضل من ليس له ** فضل ولو كان من اهل النبل )
____________________
(5/567)


وقال
( لا تطلب المرء بما اعتدت من ** أخلاقه والمرء في وهن )
( تنتقل الأخلاق لا شك مع ** تنقل الحالات والسن )
وقال
( لا تعامل ما عشت غيرك إلا ** بالذي أنت ترتضيه لنفسك )
( ذاك عين الصواب فالزمه فيما ** تبتغيه من كل أبناء جنسك )
وقال
( باعد الناس يوالوكا ** واعتزل عنهم يهابوكا )
( فإذا ما تصطفيهم وقعوا فيك وعابوكا )
وقال
( إياك لا تخذل الصديقا ** وارع له العهد والحقوقا )
( نصرته ما قدرت عز ** تمهده للعلا طريقا )
( فلا تسامح به عدوا ** وكن له ناصرا حقيقا )
وقال
( حدث جليسك ما أصغى إليك فإن ** تراه يعرض فاقطع عنه وانصرف )
( خفف فقد يضجر الذي تجالسه ** طول المقام أو التحديث في سرف )
وقال
( جماع الخير في ترك الظهور ** وإظهار التواضع والبرور )
( وفي أضدادها من غير شك ** جميع وجوه أنواع الشرور )
____________________
(5/568)


وقال
( محبة الدرهم طبع البشر ** فاقنع من المرء بما قد حضر )
( وقس على نفسك في بذله ** تقف على تحقيق عين الخبر )
وقال
( لايلم غير نفسه كل من قد ** عرض النفس أن تهان فذلا )
( ينظر العاقل الأمور فيأبى ** أن يرى منه غير ما هو أولى )
وقال
( أعذر الناس من أتته المضرة ** من أخ كان يرتجي منه نصره )
( مثل من غص بالشراب فكان ** الهلك فيما رجاه يدفع ضره )
وقال
( سلم تعش سالما مما يقال ** من يعترض يعترض في كل حال )
( نقد الفتى غافلا عن عيبه ** لا يرتضى عند أرباب الكمال )
وقال
( تواضع المرء ترفيع لرتبته ** وكبره ضعة من غير ترفيع )
( في نخوة الكبر ذل لا اعتزاز له ** وفي التواضع عز غير مدفوع )
وقال
____________________
(5/569)


( إياك لا تنكر فضيلة كل من ** تدري فضيلته فترمي بالحسد )
( إنكارها يجني عليك تنقصا ** ويزيده شرفا يديم لك الكمد )
وقال
( انصر أخاك ما استطعت فإنما ** تعتز بالإخوان ما عزوا )
( من يخذل الإخوان يخذل نفسه ** ويهن وما لهوانه عز )
وقال
( إذا جزاك بسوء من أسأت له ** فذاك عدل وما في العدل من زلل )
( جزاء سيئة بالنص سيئة ** لا حيف في ذاك في قول ولا عمل )
وقال
( نفس وشيطان ودنيا والهوى ** يارب سلم من شرور الأربعة )
( أنت المخلص من رجاك وإنني ** أرجوك فيما أتقي أن تدفعه )
وقال
( لا تعظم يا أخي نفسك ** إن شئت السلامة )
( من يعظم نفسه يجن ** امتهانا وملامة )
( فتواضع تلق عزا ** واحتفاء وكرامة )
وقال
( دع لذة الدنيا فمن يبتلى ** بحبها ذاق عذاب السموم )
( لذاتها حلم وأيامها ** لمح ولكن كم لها من هموم )
( محبة الدنيا هلاك فمن ** يرومها أهلكه ما يروم )
____________________
(5/570)


وقال
( كل خل ما أنت تخطي ** لا تعول على صفاء وداده )
( إنما الخل من تناسى خطاياك ** ويبقى له جميل اعتقاده )
وقال
( من عامل الناس بالإنصاف شاركهم ** في ما لهم وأحبوه بلا سبب )
( إنصافك الناس عدل لا تزال به ** تعلو إلى أن ترى في أرفع الرتب )
وقال
( قل جميلا ان تكلمت ولا ** تقل الشر فعقبي الشر شر )
( من يقل خيرا ينل خيرا ومن ** يقل الشر اذا يخشى الضرر )
وقال
( اذا التأمت أمورك بعض شيء ** بأرضك فاستقم فيها ولازم )
( فما في غربة الانسان خير ** وما بالغربة الدنيا تلايم )
وقال ( الى متى تسرح مرخى العنان ** قل يا أخي حتى متى ذا الحران )
( ارجع الى الله وخل الهوى ** فما الهوى يا صاح الا هوان )
( قد أنذر الشيب فهل سامع ** أتن فمصغ للذي قد أبان )
وقال
( من يكفر النعمة لا بد أن ** يسلبها من حيث لا يشعر )
( ومن يكن يشكرها معلنا ** دامت له نامية تكثر )
____________________
(5/571)


وقال ( اعذر أخا الفقر في أن ** يضيق ذرعا بنفسه )
( الفقر موت ولكن ** من للفقير برمسه )
( إن الفقير لميت ** ما بين أبناء جنسه )
وقال
( كما تدين أنت يا صاحبي ** تدان فاعمل عمل الفاضل )
( أنت كما أنت فخل الذي ** تزين النفس من الباطل )
( وأين أنت ثم أنت أدر ذا ** حسبك فاحذر زلل العاقل )
وقال
( مالك ما أنفقته قربة ** لله والباقي حساب عليك )
( فقدم المال ترد آمنا ** من بعده وهو ثواب لديك )
وقال ( دع مدح نفسك ان أردت زكاءها ** فبمدح نفسك من مقامك تسقط )
( ما أنت تخفضها يزيد علاؤها ** والعكس فانظر أيما لك أحوط )
وقال
( ذو النقص يصحب مثله ** فالشكل يألف شكله )
( فاصحب أخا الفضل كيما ** تقفو بفعلك فعله )
( أما ترى المسك دأبا ** يكسب طيبا محله )
وقال
( من عيني المرء يبدو ما يكتمه ** حتى يكون الذي يرعاه يفهمه )
____________________
(5/572)


( ما يضمر المرء يبدو من شمائله ** لناظر فيه يهديه توسمه )
وقال
( انما الدنيا خيال ** وأمانيها خبال )
( حبها سكر ولكن ** وصلها ما ان ينال )
( فتنزه عن هواها ** فهوى الدنيا ضلال )
وقال
( قلما يؤذيك من لا يعرفك ** فتحفظ من صديق يألفك )
( لا تثق بالود ممن تصطفي ** كم صديق تصطفيه يتلفك )
وقال
( لا تضجرن في الامور وارض بما ** يقضي به الله فهو مكتتب )
( ما قدر الله لا مرد له ** فما يفيد العناء والتعب )
وقال
( تنزه عن دنيات الأمور ** وخذ بالحزم في الامر الخطير )
( فأشراف الأمور لها جمال ** وخطر في البهاء وفي الظهور )
( وفي سفسافها لا شك وهن ** وتمهين يشين مدى الدهور )
وقال
( من يبتلى من أهله بمنغص ** يصبر فما أحد بغير منغص )
( ومن أزمنت بالوجه منه قرحة ** يعزم على ضرر يشين مخصص )
وقال
( من كان في عزته داره ** وكرر المشي الى داره )
____________________
(5/573)


( قبل يدا تعجز عن قطعها ** ولن لمن تخشى من اضراره )
وقال
( لا تبتغ النعمة من جائع ** لم يرها قبل لآبائه )
( لا يرشح الاناء ما لم يكن ** ملآن قد أفعم من مائه )
وقال
( مروءة المرء رأس ماله ** وصونه أشرف اعتماله )
( من لم يصن نفسه تردى ** وزال عن رتبة اكتماله )
وقال
( ترك المطامع عزه ** واليأس أهنأ وانزه )
( هيهات يعتز مثر ** أضحى للاطماع نهزه )
( نزاهة النفس عز ** ما ذل من يتنزه )
وقال
( تعظيمك الناس تعظيم لفسك في ** قلوب الأعداء طرا والأوداء )
( من يعظم الناس يعظم في النفوس بلا ** مؤونة وينل عز الأعزاء )
وقال
( اقنع من الناس بمقدار ما ** يعطون لا تبتغ منهم مزيد )
( حسبك من كل امرىء قدر ما ** يعطيك فالأطماع ما إن تفيد )
وقال
( لن إذا كانت الأمور صعابا ** وتواضع لها تجدها قرابا )
____________________
(5/574)


( دار من شئت تنتفع منه واترك ** صوله الكبر فهي تجني عذابا )
( لا تكن تأخذ الأمور بعنف ** من يعاني الأمور بالعنف خابا )
وقال
( سامح الناس إن أساؤوا إليكا ** وتغافل إذا تجنوا عليكا )
( ما ترى كيف أنت تعصي ومولاك ** يزيد الإنعام دأبا لديكا )
وقال
( اغتنم ساعة الأنس ** وانس ما كان بالأمس )
( ليس للمرء من الدنيا ** سوى راحة نفس )
( من يكن حلف هموم ** باع دنياه ببخس )
وقال
( حبك الشيء يغطي قبحه ** فتراه حسنا في كل حال )
( لا يرى المحبوب إلا حسنا ** كان قبح فيه مع ذا أو جمال )
( حتم الحب على ذي الحب أن ** لا يرى المحبوب إلا في كمال )
وقال
( يحسب الناقص أن الناس قد ** غفلوا عن حاله في ضعته )
( لا يرى الناقص إلا أنه ** كامل من نعته في صفته )
( غلط المرء يغطي عقله ** أن يرى النقص الذي في جهته )
وقال
____________________
(5/575)


( أيام عمرك هذي ** ساعاتها رأس مالك )
( فاحرص على الخير فيها ** قبل أوان ارتحالك )
( فإنما أنت طيف ** تجتاب سبل المهالك )
وقال
( تجد الناس على النقص ولا ** تجد الكامل إلا من ومن )
( زمن الباطل وافى أهله ** وكذاك الناس أشباه الزمن )
وقال
( قل جميلا إذا أردت الكلاما ** تجن عزا مهنأ مستداما )
( إن قول القبيح يورث بغضا ** وصغارا عند الورى وملاما )
وقال
( حسن الظن تعش في غبطة ** إن حسن الظن من أوقى الجنن )
( من يظن السوء يجزى مثله ** قلما يجزى قبيح بحسن )
وقال
( إن تبغ إخوان الصفاء فهم ** تحت التراب انتقلوا للقبور )
( إخوانك اليوم كأزمانهم ** مشتبهون في جميع الأمور )
وقال
( ومستقبح من أخ خلة ** وفيه معايب تسترذل )
( كأعمى يخاف على أعور ** عثارا وعن نفسه يغفل )
____________________
(5/576)


وقال
( من يبتغ الود من الناس ** يكن لما قالوه بالناسي )
( أغض عن الناس تنل ودهم ** إنك لا تغني عن الناس
وقال
( أعيت مع الناس الحيل ** وبار فيهم العمل )
( في أي وجه أملوا ** يخيب منهم الأمل )
( فآثر العزلة عن ** هم تنج من كل خلل )
وقال
( لا ترج غير الله في شيء تنل ** ما تبتغيه وتكف كل تخوف )
( الله أعظم من رجوت فثق به ** فهو الذي أعطى وأنجى من كفي )
وقال
( توسل إلى الله في كل ما ** تحب بمحبوبه المصطفى )
( تنل ما تحب كما تنبغي ** وحسبك جاها به كفى )
انتهى ما لخصت واخترت من الكتاب المذكور
وهذه نبذة من كتابه الأبيات المهذبة في المعاني المقربة فمن ذلك قوله
( اكتم السر واجعل الصدر قبره ** لا تبح ما حييت منه بذرة )
( أتت ما لم تبح بسرك حر ** فإذا بحت صرت عبدا بمرة )
( من يرد أن يعيش عيشا هنيئا ** يتحفظ مما عسى أن يضره )
____________________
(5/577)


وقال
( عداوة العاقل مع عسرها ** آمن من صداقة الأحمق )
( يمكن الأحمق من نفسه ** عمدا ومن أحبابه يتقي )
( لا يحفظ الأحمق خلا ولا ** يرضاه للصحبة إلا شقي )
وقال
( إذا أمعنت في الدنيا اعتبارا ** رأيت سرورها رهن انتحاب )
( بعاج عن تدان وافتقار ** عن استغنا وشيب عن شباب )
( حياة كلها أضغاث حلم ** وعيش ظله مثل السراب )
وقال
من تره يسرف في ماله ** يتلفه في لذة وانهماك )
( فذلك المغبون في رأيه ** يسلك بالنفس سبيل الهلاك )
وقال
من لا يرى نفسه في الناس قاصرة ** عن الكمالات لم يكمل له أدب )
( ومن يكن راضيا عن نفسه أبدا ** فذاك غر عن الآداب محتجب )
( آداب الانسان تحقيقا تواضعه ** وجريه دائما على الذي يجب )
( وقال
( يحق الحق حتما دون شك ** وإن كره المشكك والملد )
( صريح الحق قد يخفى ولكن ** بعيد خفائه لا شك يبدو )
وقال
( كل ما قد فات لا رد له ** فلتكن عن ذاك مصروف الطمع )
____________________
(5/578)


( أيعود الحسن من بعد الصبا ** قلما أدبر شيء فرجع )
وقال
( اغتنم غفلة الزمان وبادر ** لذة العيش ما بقيت سليما )
( أمر هذي الحياة أيسر من ان تغتدي فيه لائما أو ملوما )
وقال
( لا تغرنك صولة الجاه يوما ** أو تظنن أنها تتمادى )
( صولة الجاه لفح نار ولكن ** كل نار لا بد تلفى رمادا )
وقال
( تنح عن الناس مهما استطعت ** ولا تك في الناس بالراغب )
( من اعتمد الناس يشقى ولا ** يرى غير منتقد عائب )
وقال
( لا تقل يوما أنا ** فتقاسي محنا )
( من يعظم نفسه ** يلق هونا وعنا )
( شر ما يأتي الفتى ** مدحه لو فطنا )
وقال
( الناس إخوان ذي الدنيا وإن قبحت ** أفعاله وغدا لا يعرف الدنيا )
( يعظمون أخا الدنيا وإن عثرت ** يوما به أولغوا فيه السكاكينا )
وقال
( العدل روح به تحيا البلاد كما ** هلاكها أبدا بالجور ينحتم )
____________________
(5/579)


( الجور شين به التعمير منقطع ** والعدل زين به التمهيد ينتظم )
( يا قاتل الله أهل الجور كم خربت ** ) بهم بلاد وكم بادت بهم أمم )
وقال
( اليأس أسلى وأغنى ** من نيل ما يتمنى )
( يسلو أخو اليأس ** حتى يهنا ولا يتعنى )
( لليأس برد فمن لم ** يذقه لم يتهنا )
قال
( إذا عظمت نفس امرىء صار قدره ** حقيرا وحيث احتل فالذل صاحبه )
( يسود ويعلو ذو التواضع دائما ** ويحظى كما يرضى وتقضى مآربه )
وقال
( ود من يصطفيك للنفع زور ** والجميل الذي يريك غرور )
( إنما الود ود من ليس يخشى ** فيك ممن يلوم أو من يضير )
وقال
( اشكر لمن والاك معروفا ** تكن بفضل النفس معروفا )
( شكر أخي المنة عدل فكن ** بالعدل مهما اسطعت موصوفا )
( من يكفر الإحسان لا بد أن ** يلفى عن الإحسان مصروفا )
وقال
( حسب الإنسان ماله ** وهو في الدنيا كماله )
( يضجر الفقر أخا الحلم ** وإن طال احتماله )
( عزة المرء غناه ** وبه تحسن حاله )
____________________
(5/580)


وقال
( لا تصاحب أبدا من ** عقله غير متين )
( إن نقص العقل داء ** يتقى مثل الجنون )
( صحبة الأحمق عار ** لاحق في كل حين )
وقال
( وافق الناس إن أردت السلامة ** إن روح الوفاق روح كرامه )
( من يوافق يعش هنيئا قريرا ** آمنا من أذية وملامه )
( فتوق الخلاف واحذر أذاه ** فركوب الخلاف عمدا ندامه )
وقال
( ظلمات الخطوب مهما ادلهمت ** يجلها كالصباح فجر انفراج )
( أرح النفس لا تبت حلف هم ** كم هموم فيها السرور يفاجي )
وقال
( من لم يكن يقصد أن يحمدا ** يعش هنيئا وينل أسعدا )
( من يبتغي المدحة لا بد أن ** يلحقه الذل وأن يجهدا )
( عيش الفتى في ترك تقييده ** وموته البحت إذا قيدا )
وقال
( قل لأهل الحاجات مهما ابتغوها ** حسبكم ما أتى من التنبيه )
( إن تريدوا الحاجات من غير بطء ** فاطلبوها عند الحسان الوجوه )
____________________
(5/581)


وقال
( خذ الأمور برفق واتئد أبدا ** إياك من عجل يدعو إلى وصب )
( الرفق أحسن ما تؤتى الأمور به ** يصيب ذو الرفق أو ينجو من العطب )
( من يصحب الرفق يستكمل مطالبه ** كما يشاء بلا أين ولا تعب )
وقال
( من يبتغي السؤدد لا بد أن ** يرهقه الجهد فلا يضجر )
( يصعب إدراك المعالي فمن ** يرم لحاق بعضها يصبر )
( لا يحصل السؤدد هينا ولا ** يظفر بالبغية إلا جري )
وقال
( عاش في الناس من درى قدر نفسه ** ثم دارى جميع أبناء جنسه )
( علم الإنسان قدره نبل عقل ** وذكاء يبين عن فضل حدسه )
وقال
( عظم الناس تنل تعظيمهم ** واجتنب تحقيرهم فهو الردى )
( من ير الناس بتحقير يكن ** عندهم مؤذى حقيرا أبدا )
( لا يغرنك إهمال امرىء ** ربما يؤذي الذباب الأسدا )
وقال
( حب الرياسة يا له من داء ** كم فيه من محن وطول عناء )
( طلب الرياسة فت أعضاد الورى ** وأذاق طعم الذل للكبراء )
( إن الرياسة دون مرتبة التقى ** فإذا اتقيت علوت كل علاء )
____________________
(5/582)


وقال
( لا تركنن إلى بشر ** إن شئت تأمن كل شر )
( ذهب الذين إذا ركنت ** لهم أمنت من الضرر )
( لم يبق إلا شامت ** أو من يضر إذا قدر )
وقال
( خل رأي الجهال ما اسطعت واتبع ** رأي أهل الحلوم والتجريب )
( لا تحد عن مشورة في مهم ** فهي مما تنمي حياة القلوب )
( رأي أهل الصلاح نور يجلي ** ظلمة الكرب في ليالي الخطوب )
وقال
( لا يرتضي بالدون إلا امرؤ ** مقصر ذو همة حاملة )
( الموت خير من حياة الفتى ** مهتضما ذا رتبة سافلة )
( روح حياة المرء في عره ** من ذل مات الميتة العاجله )
وقال
( استغن عمن تشاء ** فالله يغنيك عنه )
( من أمل الناس يشقى ** وليس يقنع منه )
( فإن ظفرت بحر ** فاحفظ عليه وصنه )
وقال
( خذ من صديقك قدر ما يعطيكا ** لا تبغ أزيد واحذر أن يجفوكا )
( من يبغ مقدار الذي يحتاجه ** من أخيه يبق مخيبا متروكا )
( شأن الألى رزقوا الحجى أن يقنعوا ** فابغ القناعة إنها تغنيكا )
____________________
(5/583)


وقال
( هن إذا عز أخوكا ** واخش أن يقرض فيكا )
( إن من عاند أقوى ** منه قد ضل سلوكا )
( نقص عقل أن تعادى ** بشرا لا يتقيكا )
وقال
( تنزه ما حييت عن القبيح ** وخالف من يرى رد النصيح )
( وخذ بالحزم مهما اسطعت واحذر ** من أن يلقيك حزمك في فضوح )
( فلا تعدل عن الحق التفاتا ** لغير الحق من بعد الوضوح )
وقال
( لا تخف في الحق لوما ** صدقه ينجيك حتما )
( ينجلي الحق ويبدو ** نوره لا يتعمى )
( شأن ذي الحق اهتداء ** وأخو الباطل أعمى )
وقال
( عامل بجد جميع الناس تحظ به ** وجنب الهزل إن الهزل يرديكا )
( الجد أحسن ماتبديه من خلق ** والجد أشرف ما في الناس يعليكا )
( من لازم الجد هابته النفوس ومن ** يهزل يكن أبدا في الناس مهتوكا )
وقال
( كفاك الله شر من اصطفيتا ** وضر من اعتمدت ومن عرفتا )
( جميع الناس موتى عنك إلا ** معارفك الذين لهم ركنتا )
( تحفظ من قريب أو صديق ** وكن في الغير دهرك كيف شئتا )
____________________
(5/584)


وقال
( من كان يرغب عن أحبابه ويرى ** تقريب أعدائه لا شك يهتضم )
( يدني العدو فلا تدنو مودته ** هيهات كل معاد قربه ندم )
( فاحفظ صديقك واحذر أن تعاديه ** إن الصديق إذا عاديته يصم )
وقال
( جامل عدوك كي يلين حقده ** فيكف بعض البعض من إيذائكا )
( واحفظ صديقك ما استطعت فإنه ** أدرى بطرق الضر من أعدائكا )
وقال
( إذا ظفرت بمن أنحى عليك فخذ ** بالحلم فيه ودع ما منه قد فرطا )
( إن المسيء إذا جازيته أبدا ** بفعله زدته في غيه شططا )
( العفو أحسن ما يجزى المسيء به ** يهينه أو يريه أنه سقطا )
وقال
( قاتل عدوك بالفضائل إنها ** أعدى عليه من السهام النفذ )
( كسب الفضائل عدة تعليك في ** رتب بها سبل السعادة تحتذى )
( فاحرص على نيل الفضائل جاهدا ** إن الفضيلة صعبة في المأخذ )
وقال
( وعد الكريم وفاء ** تجنيه كيف تشاء )
( ما حال قط كريم ** ولا ثناه التواء )
( فأنجز الوعد مهما ** وعدت فهو الزكاء )
____________________
(5/585)


وقال
( ليس الغني عن كثرة العرض ** إن الغني في النفس إن ترض )
( رأس الغني ترك المطامع عن ** زهد بلا ميل ولا غرض )
( فازهد تعش أغنى البرية في ** عز بلا هم ولا مضض )
وقال
( زمن الفضائل قد مضى لسبيله ** ولوى بطيب العيش وشك رحيله )
( ركدت رياح الجد بعد هبوبها ** وعلا فريق الهزل بعد خموله )
( هيهات ما زمن الكرام وما هم ** ذهبوا وجد الدهر في تحويله )
وقال
( مروءة المرء ثوبه ** والعري في الناس عيبه )
( بثوبه المرء يعلو ** قدرا ويحفظ قربه )
( من لم يصن ثوبه لم ** يصن وإن لاح شيبه )
وقال
( لا تصخ ما بقيت حيا لقول ** ليس يجني عليك إلا المضره )
( واطرح ما اتاك منه وجنب ** من يرى بالفضول واتق ضره )
وقال
( ثقيل تراه النفس في العين كالقذى ** وكالجبل الراسي على الصدر والقلب )
( تثير غموم المرء رؤية وجهه ** وتشكو جفاه الأرض شكوى ذوي الكرب )
وقال
( أما ترى الأشجار مصفرة ** أوراقها كالشمس عند المغيب )
____________________
(5/586)


( ما هي إلا صفرة آذنت ** بأنها ترحل عما قريب )
وقال
( كل ما تحب وتشتهي ** ودع الطبيب وما يرى )
( حفظ الغذاء مشقة ** ليست ترد مقدرا )
( كم عد من متحفظ ** كم صح ممن قصرا )
( كل التحفظ زائد ** لابد مما قدرا )
وقال
( من كان يأكل ما اشتهى ** ويرى مخالفة الطبيب )
( سيرى مضرة ما أتى ** بطرا ويندم عن قريب )
( إن التحفظ في الأمور ** لشيمة الفطن اللبيب )
( من لم يكن متحفظا ** يخطي ويبعد أن يصيب )
وقال
( وللحمام حاءات إذا ما ** ظفرت بها عثرت على النعيم )
( فحناء وحكاك مجيد ** وقل حجر يمر على الأديم )
( وحوض مفعم ماء لذيذا ** وحجام على النهج القويم )
( وللحلق الحديدة حين تنمى ** وأطيبها حديث أخ كريم )
وقال في الغزل وهي آخر كتابه المذكور
( الله أكبر جلت فتنة البشر ** بنور غرتك المغني عن البصر )
( شمس تطلع في أفق الجمال لها ** نور تألق في داج من الشعر )
( ووردة الخد في أبراد سوسنها ** شقائق زانها التغليف بالدرر )
____________________
(5/587)


( ومسكة الخال فوق الخد شاهدة ** بأن إبداعها إحكام مقتدر )
وهذه نبذة من كتابه أنداء الديم في المواعظ والوصايا والحكم وكل ما فيه كالذي قبله من نظمه رحمه الله تعالى فمن ذلك قوله رحمه الله
( العلم نور وهدى ** فكن بجد طالبه )
( واحرص عليه واعتمد ** فيه الأمور الواجبة )
( من لازم العلم علا ** على الأنام يخاطبة )
وقال
( خالف النفس عند قصد هواها ** تبق ما عشت سالما من أذاها )
( فاتباع الهوى هوان ولكن ** هان للنفس كي تنال مناها )
وقال
( من يخالف في شيء الناس يرجع ** هدفا للسهام من كل راشق )
( كم مع الناس كيف كانوا ووافق ** إن من لا يوافق الناس مائق )
وقال
( أرح النفس تنتفع بحياتك ** واغنم العيش قبل يوم وفاتك )
( واطرح عيب من سواك وسالم ** جملة الناس يغفلوا عن أذاتك )
( واعتبر بالذين بادوا وبادر ** ما يدانيك من سبيل نجاتك )
وقال
( سالم الناس ما استطعت وجامل ** من يعاديك إن أردت السلامه )
( وتنزه عن القبيح وجنب ** من يرى بالفضول واحذر كلامه )
____________________
(5/588)


وقال
( صديقي أنت ما أبقى بخير ** وموتي غير محتاج إليكا )
( فإن أحتج إليك فأنت مني ** بريء لا صداقة لي عليكا )
وقال
( من أنت عنه غني ** كن فيه مثل اعتقاده )
( فإن يكن منه ود ** فجازه بوداده )
( وإن يكن منه بعد ** فخله لبعاده )
وقال
( عليك بنفسك لا تشتغل ** بشيء سواها وخل الفضول )
( تعش رائح القلب في غبطة ** فلا من يضر ولا من يقول )
وقال
( اترك الفكر في الأمور ودعها ** فكما قدرت تكون الأمور )
( كل فكر وكل رأي وحزم ** غير مجد إذا جرى المقدور )
وقال
( هون عليك خطوب الدهر إن لها ** نهاية والتناهي عنده الفرج )
( واصبر فإن لحسن الصبر عاقبة ** بصبحها ظلمة المكروب تنبلج )
وقال
( احذر البخل إنه شر خلق ** يتحلى به وشر طريقه )
( من يجد غير مسرف فهو في الناس ** موقى تثني عليه الخليقه )
____________________
(5/589)


وقال
( الذل في طلب الإفادة عزة ** فاحرص على نيل الإفادة ترشد )
( إن التعزز في الذي تحتاجه ** كبر وكبر المرء أقبح مقصد )
وقال
( دع من عرفت ولا تشدد عليه يدا ** وداره وتحفظ منه ما بقيا )
( أما ترى البلد الذي نشأت به ** محقرا كلما أصبحت معتليا )
( وغيره من بلاد الله قاطبة ** يعليك لا سيما إن كنت متقيا )
وقال
( ينبغي للذي تحلى بعقل ** أن يرى كالبازي مدة عمره )
( بين أيدي الملوك أو في فلاه ** خيفة من شرور أبناء دهره )
وقال
( العزل يضحك ذله ** من تيه سلطان الولاية )
( فإذا وليت فسر على ** نهج الدماثة والرعاية )
( واقصد مداراة الورى ** واحذر كيود ذوي السعاية )
وقال
( لا تقبل الحكم على بلدة ** نشأت فيها إنه يحقد )
( رياسة المرء على الأهل والجيران ** والخلان لا تحمد )
وقال
( هي الدنيا إذا فكرت فيها ** رأيت نعيمها سما نقيعا )
____________________
(5/590)


( فلا تجفل بها واحذر أذاها ** فإن لسمها قتلا ذريعا )
( ولا تأسف على ما فات منها ** وبادر في حياتك أن تطيعا )
وقال
( كن وحيدا ما عشت تحيا بخير ** سالما ** من شرور كل البرية )
( إن من لا يخالط الناس يبقى ** دهره لا تعروه منهم أذية )
وقال
( لا تبح ما حييت يوما بسر ** لصديق ولا لغير صديق )
( إن سرا يجاوز الصدر فاش ** يدريه العدا ومن في الطريق )
وقال
( لا تصاحب ما عشت إلا الكبارا ** تنم ذكرا وتعتلي مقدارا )
( إن من ماشى في طريق حقيرا ** يكتسي منه مهنة واحتقارا )
( فتحفظ من أن تؤاخي دنيا ** فهو يعديك ذلة وصغارا )
وقال
( محدثات الأمور أردى الشرور ** فتحفظ من محدثات الأمور )
( إنما المحدثات غي فدعها ** واجتهد أن ترى مع الجمهور )
( كل من يتبع الحوادث يشقى ** ويرى نفسه بغير نظير )
وقال
( من تفضلت عليه ** أنت لا شك أميره )
( ومن احتجت إليه ** أنت بالرغم أسيره )
( ومن استغنيت عنه ** أنت في الدنيا نظيره )
____________________
(5/591)


وقال
( لم يبق من يطمع في وده ** كلا ولا من ترتضى صحبته )
( الناس أشباه ذئاب فهل ** يعلم ذئب حسنت عشرته )
( من يبتغي اليوم صديقا كما ** يرضى فقد زلت به بغيته )
وقال
( فاعل الخير موقى كل ما ** يتقي من ضر أو من فتنة )
( ليس يخشى فاعل الخير أذى ** إن فعل الخير أوقى جنة )
وقال
( تحفظ من صديقك في أمور ** فربتما يضر بك الصديق )
( من اعتمد الصديق ولم يبال ** يصبه الضر وهو به خليق )
وقال
( لا تركنن لمخلوق وكن أبدا ** ممن توكل في الدنيا على الله )
( ولا تمل لسواه ما حييت فمن ** يرجو سوى الله هاو حبله واهي )
وقال
( طلب الغاية اتباع غوايه ** فاعتمد في الأمور ترك النهاية )
( من يكن راضيا بما يتسنى ** عاش عيش الملوك دون أذايه )
وقال
( لا تعتمد أبدا على مخلوق أن ** تبغ النجاح وتقصد الرشدا )
____________________
(5/592)


( من يرج غير الله يحرم رشده ** ويذل وهو مخيب قصدا )
وقال
( سفر المرء قطعة من عذابه ** فيه تخليق جسمه وثيابه )
( إنما العيش للفتى بين أهليه ** وخلانه وفي أحبابه )
( من يرده بخير الله يكفى ** كرب تجواله وذل اغترابه )
وقال
( سلم ولا تعترض يوما على أحد ** إن شئت تسلم من حقد وأضرار )
( من يعترض يعترض لا شك وهو حر ** بذاك فالشر مقدار بمقدار )
وقال
( إن الصديق لعون ** في كل ما تبتغيه )
( فلا تسىء لصديق ** واحذر وقوعك فيه )
( فالمرء قيل كثير ** بنفسه وأخيه )
وقال
( افعل الخير ما استطعت تنل ما ** تبتغيه من الثناء الجميل )
( فاعل الخير آمن ليس يخشى ** صرف دهر ولا حلول جليل )
وقال
( يحق الحق حتما دون شك ** وإن كره المشكك والملد )
____________________
(5/593)


( صريح الحق قد يخفى ولكن ** بعيد خفائه لا شك يبدو )
وقال
( إن شئت عزا دائما ** فاسلك سبيل من اقتنع )
( إن القناعة عزة ** والذل عاقبة الطمع )
( المرء إن قنع اعتلى ** قدرا وإن طمع اتضع )
وقال
( استعن في الأمور بالكتمان ** وتحفظ من شر كل لسان )
( كل ما لا يدرى من أمرك فضل ** ليس فيه شيء من الخسران )
وقال
( من مال عنك بشبر ** مل أنت عنه بميل )
( فالله يغنيك عنه ** فمنه كل جميل )
( فليس في الود خير ** مع ترك حسن القبول )
وقال
( لا تقطعن صديقا ** وإن يضق بك صدرا )
( واحرص عليه وزده ** إن يجف برا وشكرا )
( فإن قطع صديق ** لا شك يعقب ضرا )
وقال
( خل التأنق في اللباس وسر على ** نهج الأفاضل في اختصار الملبس )
( إن التأنق في اللباس يكثر الحساد ** والأعداء للمتلبس )
( فالبس كمثل الناس لا تخرج عن المعتاد ** في شيء فتحظى أو تسي )
____________________
(5/594)


وقال
( لا تحقرن عدوا ** ولو يكون كذره )
( واحذره ما اسطعت واجهد ** أن لا تحرك شره )
( إن البعوضة تؤذي الملوك ** فوق الأسرة )
وقال
( ما أهنأ الإنسان في عيشه ** ما بين أهليه وفي منزله )
( الذل في الغربة يا كربها ** وكرب من قوض عن معقله )
( وفي اقتلوا أو اخرجوا شاهد ** ساوى خروج المرء مع مقتله )
وقال
( المال يستر عيب المرء فاقتتنه ** واحفظه تبق موقى مدة الزمن )
( من ضيع المال أبدى عيبه وجنى ** تمهينه أبدا من كل ممتهن )
وقال
( سريرة المرء تبديها شمائله ** حتى يرى الناس ما يخفيه إعلانا )
( فاجعل سريرتك التقوى ترى أملا ** في كل ما انت تبغيه وبرهانا )
وقال
( ما تمت الدنيا لشخص ولا ** أمل ذا فيها سوى من فتن )
( عادتها الفتك بمن رامها ** وكل من أعرض عنها أمن )
( فلا تغرنك بلذاتها ** فإن من غر بها قد غبن )
وقال
( لا يكن عندك الخديم نديما ** إن قدر الخديم دون النديم )
____________________
(5/595)


( من ينادم خديمه يتأذى ** ويصير الخديم غير خديم )
( إنما يصلح الخديم ابتعاد ** واشتغال بشأنه المعلوم )
وقال
( تثبت في الأمور ولا تبادر ** لشيء دون ما نظر وفكر )
( قبيح أن تبادر ثم تخطي ** وترجع للتثبت دون عذر )
وقال
( كن في زمانك كيف يرضى أهله ** ولا تعد طورهم ولا تتبدل )
( فإذا ترى الحمقى تحامق معهم ** وإذا ترى العقلاء فلتتعقل )
( من لم يكن أبدا كأهل زمانه ** يشقى ولا يحظى بنيل مؤمل )
وقال
( الفاضل اليوم غريب بلا ** عون على شيء من الحق )
( إن غاب لم يحضر وإن قال لم ** يسمع ولم يؤبه بما يلقي )
( ما أضيع الفاضل يا ويحه ** كانه ليس من الخلق )
وقال وهو آخر أنداء الديم
( العز عاقبة التقى ** والذل عاقبة الرياسة )
( فإذا اتقيت علوت في ** أهل المجادة والنفاسة )
( وإذا رأست نزلت في ** طرق التخلق والسياسة )
( فلتختر التقوى ولا ** ترأس فتخطيك الكياسة )
وكان تاريخ فراغه من كتاب أنداء الديم نصف شعبان عام واحد وثلاثين وسبعمائة
ولنذكر بعض أناشيده التي كان ينشدها أهل مجلسه ببلد قصبة المرية أعادها
____________________
(5/596)

الله تعالى فما أنشده رحمه الله تعالى لأبي العباس أحمد بن العريف صاحب محاسن المجالس
( من لم يشاور عالما بأصوله ** فيقينه في المشكلات ظنون )
( من أنكر الأشياء دون تيقن ** وتثبت فمعاند مفتون )
( الكل تذكار لمن هو عالم ** وصوابها بمحالها معجون )
( والفكر غواص عليها مخرج ** والحق فيها لؤلؤ مكنون )
وأنشد رحمه الله تعالى من وجادة
( أعوذ بالله من أناس ** تشيخوا قبل أن يشيخوا )
احدودبوا وانحنوا رياء ** فاحذرهم إنهم فخوخ )
وأنشد لنفسه رحمه الله تعالى
( أقلل العشرة تغبط ** وإن من أكثر ينحط )
( وعليك الصدق واحذر ** أن ترى في القول تشتط )
( والزم الصمت إذا ما ** خفت أن تلحى فتغلط )
( فعلى الفاضل يلفى ** كل مفضول مسلط )
وأنشد لنفسه أيضا
( جنة العالم لا أدري ** إذا ما احتاج جنة )
( فإذا ما ترك الجنة ** بانت فيه جنة )
( فالزم الجنة تسلم ** إنما الجنة جنة )
وأنشد للحلاج رحمه الله تعالى
____________________
(5/597)


( يا بدر يا شمس يا نهار ** أنت لنا جنة ونار )
( تجنب الإثم فيك واثم ** وخشية العار فيك عار )
( يخلع فيك العذار قوم ** فكيف من لا له عذار )

وأنشد مما ينسب للحلاج أيضا
( سقمي في الحب عافيتي ** ووجودي في الهوى عدمي )
( وعذاب ترتضون به ** في فمي أحلى من النعم )
( ما لضر في محبتكم ** عندنا والله من ألم )
وأنشد لسيدي أبي العباس ابن العريف في محاسن المجالس وهي أحسن ما قيل في طول الليل
( لست أدري أطال ليلي أم لا ** كيف يدري بذاك من يتقلى )
( لو تفرغت لاستطالة ليلي ** ولرعي النجوم كنت مخلا )
( إن للعاشقين عن قصر الليل ** وعن طوله من الفكر شغلا )
وأنشد رحمه الله تعالى مما أنشده بعض الوعاظ الغرباء
( عانقت لام صدغها صاد لثمي ** فأرتها المرآة في الخد لصا )
( فاسترابت لما رأت ثم قالت ** أكتابا أرى ولم أر شخصا )
( قلت بالكشط ينمحي قالت اكشط ** بالثنايا وتابع الكشط مصا )
( ثم لما ذهبت أكشط قالت ** كان لصا فصار والله فصا )
( قلت إن الفصوص تطبع باللثم ** على خد كل من كان رخصا )
وأنشد لابن خفاجة
____________________
(5/598)


( وأغر كاد لطافة وطلاقة ** ينساب ماء بيننا مسكوبا )
( قد قام في سطر الندامى فاستوى ** فحسبه ألفا به مكتوبا )
( وأكب يشربها وتشرب ذهنه ** فرأيت منه شاربا مشروبا )
( مشمولة بينا ترى في فكه ** ماء ترى في خده ألهوبا )
وأنشد لابن عبد ربه صاحب العقد مما نسبه له الفتح في مطمح الأنفس ومسرح التأنس
( يا لؤلؤ يسبي العقول أنيقا ** ورشا بتقطيع القلوب رفيقا )
( ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ** درا يعود من الحياء عقيقا )
( وإذا نظرت إلى محاسن وجهه ** ألفيت وجهك في سناه عريقا )
( يا من تقطع خصره من رقة ** ما بال قلبك لا يكون رقيقا )
وأنشد لابن عبد ربه أيضا
( ودعتني بزفرة واعتناق ** ثم قالت متى يكون التلاقي )
( وتصدت فأشرق الصبح منها ** بين تلك الجيوب والأطواق )
( يا سقيم الجفون من غير سقم ** بين عينيك مصرع العشاق )
( إن يوم الفراق أفظع يوم ** ليتني مت قبل يوم الفراق )
وأنشد له أيضا
( هيج البين دواعي سقمي ** وكسا جسمي ثوب الألم )
( أيها البين أقلني مرة ** فإذا عدت فقد حل دمي )
( يا خلي الذرع نم في غبطة ** إن من فارقته لم ينم )
( ولقد هاج لقلبي سقما ** حب من لو شاء داوى سقمي )
____________________
(5/599)


وأنشد للمصحفي
( صفراء تطرق في الزجاج فإن سرت ** في الجسم دبت مثل صل لاذع )
( عبث الزمان بجسمها فتسترت ** عن عينه برداء نور سابغ )
( خفيت على شرابها فكأنما ** يجدون ريا في إناء فارغ )
وأنشد لابن شهيد
( هب من رقدته منكسرا ** مسبل للكم مرخ للردا )
( يمسح النعسة عن عيني رشا ** صائد في كل يوم أسدا )
( شربت أعطافه خمر الصبا ** وسقاه الحسن حتى عربدا )
( رشأ بل غادة ممكورة ** عممت صبحا بليل أسودا )
( أححت من عضتي في نهدها ** ثم عضت حر وجهي عمدا )
( فأنا المجروح من عضتها ** لا شفاني الله منها أبدا )
وأنشد لصفوان بن إدريس
( حمى الهوى قلبه وأوقد ** فهو على أن يموت أو قد )
( وقال عنه العذول سال ** قلده الله ما تقلد )
( وباللوى شاذن عليه ** جيد غزال ولحظ فرقد )
( علله ريقه بخمر ** حتى انتشى طرفه فعربد )
( لا تعجبوا لانهزام طرفي ** فجيش أجفانه مؤيد )
( أنا له كالذي تمنى ** عبد نعم عبده وأزيد )
( إن بسملت عينه لقتلي ** صلى فؤادي على محمد )
____________________
(5/600)


وأنشد لأبي علي إدريس بن اليماني
( علقته شادنا صغيرا ** وكنت لا أعشق الصغارا )
( يسفر عن مستنير وجه ** صير جنح الدجى نهارا )
( لم أر من قبل ذاك ماء ** أضرم فيه الحياء نارا )
وأنشد للرمادي أو لابن برد القرطبي
( لما بدا في لازور ** دي الحرير وقد بهر )
( كبرت من فرط الجمال ** وقلت ما هذا بشر )
( فأجابني لا تنكروا ** ثوب السماء على القمر )
وأنشده من وجادة
( يا ذا الذي عذب محبوبه ** أنخت عيس العز مغنى الهوان )
( لم ينبت الشعر على خده ** بل دب في أصداغه عقربان )
( رفقا على نفسك لا تفنها ** فجوهر الأنفس در يصان )
وأنشد من حديقة ابن يربوع
( غزا القلوب غزال ** حجت إليه العيون )
( خطت بخديه نون ** وآخر الحسن نون )
وأنشد من وجادة
( أودع فؤادي حرقا أو دع ** ذاتك تؤذي أنت في أضلعي )
( وارم سهام اللحظ أو كفها ** أنت بما ترمي مصاب معي )
( موقعها قلبي وأنت الذي ** مسكنه في ذلك الموضع )
____________________
(5/601)


وأنشد من حديقة ابن يربوع
( يخط الشوق شخصك في ضميري ** على بعد التزاور خط زور )
( وتدنيك الأماني من فؤادي ** دنو البرق من لمح البصير )
( فلا تذهب فإنك نور عيني ** إذا ما غبت لم تطرف بنور )
وأنشد للوزير المصحفي
( لعينيك في قلبي علي عيون ** وبين ضلوعي للشجون فنون )
( لئن كنت صبا مخلقا في يد الهوى ** فحبك غض في الفؤاد مصون )
( نصيبي من الدنيا هواك وإنه ** عذابي ولكني عليه ضنين )
وأنشد لصالح بن شريف
( أيها العاذل بالله اتئد ** لك قلب في ضلوعي أو كبد )
( هي أجفاني فذرها تنهمي ** هي أحشائي فدعها تتقد )
( لا تظن الحب شيئا هينا ** ليس في الحب قياس يطرد )
( أنت خلو وأنا صب شج ** فإذا حدثت عني قل وزد )
( فاترك اليوم ملامي إنه ** يترك الشيء إذا ما لم يفد )
( أنا أسلو عن حبيبي ساعة ** يا عذولي قل هو الله أحد )
وأنشد له أيضا
( وافى وقد زانه جماله ** فيه لعشاقه اعتذار )
( ثلاثة ما لها شبيه ** الوجه والخد والعذار )
( فمن رآه رأى رياضا ** الورد والآس والبهار )
وأنشد من حديقة ابن يربوع
( عليك بإكرام وبر لستة ** من الناس واحذر شرهم وتوقه )
____________________
(5/602)


( طبيب وحجام وشيخ وشاعر ** وصاحب ديوان ومن يتفقه )
وأنشد لبعض الصوفية
( ما ترى عند أحمق ** في أمور توسطا )
( بل تراه في أمره ** مفرطا أو مفرطا )
وأنشد لبعض الأدباء
( الصبر أولى بوقار الفتى ** من قلق يهتك ستر الوقار )
( من لازم الصبر على حالة ** كان على أيامه بالخيار )
ولنقتتصر من ترجمة ابن ليون على هذا القدر فقد حصلت الإطالة بل ونكتفي من مشايخ لسان الدين بمن ذكرنا ولنورد ما في الإحاطة في ترجمة مشيخته وإن تكرر مع ما تقدم ونصه ثبت عام بشيوخ لسان الدين
المشيخة قرأت كتاب الله عز وجل على المكتب نسيج وحده في تحمل المنزل حق حمله تقوى وصلاحا وخصوصية وإتقانا ونغمة وعناية وحفظا وتبحرا في هذا الفن واطلاعا لغرائبه واستيعابا لسقطات الأعلام الأستاذ الصالح أبي عبد الله ابن عبد الولي العواد تكتيبا ثم حفظا ثم تجويدا إلى مقرءات أبي عمرو رحمة الله عليهما ثم نقلني إلى أستاذ الجماعة ومطية الفنون ومفيد الطلبة الشيخ الخطيب
____________________
(5/603)

المتفنن أبي الحسن علي القيجاطي فقرأت عليه القرآن والعربية وهو أول من انتفعت به وقرأت على الخطيب الحسيب الصدر أبي القاسم ابن جزي رحمه الله تعالى ولازمت قراءة العربية والفقه والتفسير والمعتمد عليه العربية على الشيخ الأستاذ الخطيب أبي عبد الله ابن الفخار البيري الإمام المجمع على إمامته في فن العربية المفتوح عليه من الله فيها حفظا واطلاعا ونقلا وتوجيها بما لا مطمع فيه لسواه وقرأت على قاضي الجماعة الصدر المتفنن أبي عبد الله ابن بكر رحمه الله وتأدبت بالشيخ الرئيس صاحب القلم الأعلى الصالح الفاضل أبي الحسن ابن الجياب ورويت عن الكثير ممن جمعهم الزمان بهذا القطر من أهل الرواية كالمحدث أبي عبد الله ابن جابر وأخيه أبي جعفر والقاضي الشهير الشيخ بقية السلف شيخنا أبي البركات ابن الحاج والشيخ المحدث الصالح أبي محمد ابن سلمون وأخيه القاضي أبي القاسم ابن سلمون وأبي عمرو ابن الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير وله رواية عالية والأستاذ اللغوي أبي عبد الله ابن بيبش والمحدث الكاتب أبي الحسن التلمساني المسن والحاج أبي القاسم ابن المهني المالقي والعدل أبي محمد السعدي يحمل عن الإمام ابن دقيق العيد والقائد الكاتب ابن ذي الوزارتين أبي بكر ابن الحكيم والقاضي المحدث الأديب جملة الظرف أبي بكر ابن شبرين والشيخ أبي عبد الله ابن عبد الملك والخطيب أبي جعفر الطنجالي والقاضي أبي بكر ابن منظور والراوية أبي عبد الله ابن حزب الله كلهم من مالقة والقاضي أبي عبد الله المقري التلمساني والشريف أبي علي حسن بن يوسف والخطيب الرئيس أبي عبد الله ابن مرزوق كلهم من تلمسان والمحدث الفاضل الحسيب أبي العباس ابن يربوع والرئيس أبي محمد الحضرمي
____________________
(5/604)

السبتيين والشيخ المقرىء أبي محمد ابن أيوب المالقي آخر الرواة عن ابن أبي الأحوص وأبي عثمان ابن ليون من أهل المرية والقاضي أبي الحجاج المنتشاقري من أهل رندة وطائفة كبيرة من المعاصرين تحملا وتدبجا ومن أهل العدوة الغربية والمشرق وإفريقية الكثير بالإجازه وأخذت الطب والتعاليم والمنطق وصناعة التعديل عن الإمام أبي زكريا ابن هذيل ولازمته هذا على سبيل الإلماع ولو تفرغت لذكر أفذاذهم لخرج هذا التأليف عما وضع له انتهى كلامه في الإحاطة
وقد ذكرت في هذا الباب زيادة في بعض التراجم على ما في الإحاطة على ما اقتضاه الحال إذ ذلك لا يخلو من فائدة زائدة وحكمة بالخير عائدة
ولو لم يكن في هذا الكتاب غير هذا الباب لكان كافيا لاشتماله على تصوف وحكم وكرامات وآداب ووصايا وإنشادات وغيرها مما يغني عن خبره العيان ويشتاق إلى الوقوف عليه ذوو الملكة في البيان ولو لم يشتمل إلا على المدائح النبوية التي فيه لتمت محاسنه والله سبحانه وتعالى ينفع به بجاه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وتابعيه وحزبه
انتهى المجلد الخامس
____________________
(5/605)

6
____________________
(6/1)

& الباب الرابع &
فى مخاطبات الملوك والأكابر الموجهة إلى حضرته العلية وثناء غير واحد من أعلام أهل عصره عليه وصرف القاصدين وجوه التأميل إليه واجتلائهم أنوار رياسته الجلية وكتبهم بعض المؤلفات باسمه ووقوفهم عند إشارته ورسمه وما يضاهي ذلك فى حظه وقسمه وسعيهم بين يديه
اعلم سلك الله بى وبك الطريق الأقوم الأقوى وحلى صدور جميعنا بزينة التقوى أن لسان الدين ذكر فى كتبه كالإحاطة ونفاضة الجراب وغيرهما جملة مما خاطبه به الملوك وغيرهم من تبجيل وتنويه ولنذكر بعض ذلك من كتبه ومن غيرها تتميما للمقصود وتبليغا لنفوس الناظرين فى هذه العجالة ما تؤمله وتنويه 1 - ظهير من أبى زيان المرينى للسان الدين
فمن ذلك ما ذكره فى الإحاطة من إكرام السلطان أبى زيان المرينى ابن الأمير أبى عبد الرحمن ابن السلطان أبى الحسن له وسرد ما كتب له به من قوله هذا ظهير الى قوله أيده الله ونصره وسنى له الفتح المبين ويسره
____________________
(6/5)

وبعده ما صورته للشيخ الفقيه الأجل الأسنى والأعز الأحظى الأرفع الأمجد الأسمى الأوحد الأنوه الأرقى العالم العلم الرئيس الأعرف المتفنن الأبرع المصنف المفيد الصدر الأحفل الأفضل الأكمل أبى عبد الله ابن الشيخ الفقيه الوزير الأجل الأسنى الأعز الأرفع الأمجد الوجيه الأنوه الأحفل الأفضل الحسيب الأصيل الأكمل المبرور المرحوم أبى محمد ابن الخطيب قابله أيده الله بوجه القبول والإقبال وأضفى عليه ملابس الإنعام والإفضال ورعى له خدمة السلف الرفيع الجلال وما تقرر من مقاصده الحسنة فى خدمة أمرنا العال وأمر فى جملة ما سوغه من الآلاء الوارفة الظلال الفسيحة المجال بأن يجدد له حكم ما بيده من الأوامر المتقدم تاريخها المتضمنة تمشية خمسمائة دينار من الفضة العشرية فى كل شهر عن مرتب له ولولده الذى لنظره من مجبى مدينة سلا حرسها الله فى كل شهر ومن حيث جرت العادة أن يتمشى له ورفع الاعتراض ببابها فيما يجلب من الأدم والأقوات على اختلافها من حيوان وسواه وفيما يستفيده خدامه بخارجها وأحوازها من عنب وقطن وكتان وفاكهة وخضر وغير ذلك فلا يطلب فى شىء من ذلك بمغرم ولا وظيف ولا يتوجه فيه إليه بتكليف يتصل له حكم جميع ما ذكر فى كل عام تجديدا تاما واحتراما عاما أعلن بتجديد الحظوة واتصالها وإتمام النعمة وإكمالها من تواريخ الأوامر المذكورة إلى الآن ومن الآن الى ما يأتى على الدوام واتصال الأيام وأن يحمل جانبه فيمن يشركه أو يخدمه محمل الرعى والمحاشاة فى السخر مهما عرضت والوظائف إذا افترضت حتى يتصل له تالد العناية بالطارف
____________________
(6/6)

وتتضاعف أسباب المنن والعوارف بفضل الله وتحرر له الأزواج التى يحرثها بتالمغت من كل وجيبة وتحاشى من كل مغرم أو ضريبة بالتحرير التام بحول الله وعونه ومن وقف على هذا الظهير الكريم فليعمل بمقتضاه وليمض ما أمضاه إن شاء الله وكتب فى العاشر من شهر ربيع الآخر من عام ثلاثة وستين وسبعمائة وكتب فى التاريخ انتهى
____________________
(6/7)


وقوله وكتب فى التاريخ هو العلامة السلطانية فى ذلك الزمان يكتب بقلم غليط وبعض ملوك المغرب يكتب عند العلامة صح فى التاريخ ترجمة أبى زيان المرينى
وقد عرف لسان الدين فى الإحاطة بهذا السلطان بما نصه محمد بن يعقوب أبى عبد الرحمن بن على أمير المسلمين بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق أمير المسلمين بالمغرب إلى هذا العهد يكنى أبا زيان وصل الله نصره على عدو الدين وارشده الى سنن الخلفاء المهتدين
حاله فاضل سكون منقاد مشتغل بخاصة نفسه قليل الكلام حسن الشكل درب بركض الخيل مفوض للوزراء عظيم التأتى لأغراضهم ووكل الأمور لمن استكفاه منهم استقدم من أرض النصارى بالأندلس وقد فر
____________________
(6/7)

إليهم خوفا على نفسه فسمح به ملك الروم بعد اشتراط واشتطاط فكان وصوله إلى مدينة الملك بفاس يوم الاثنين الثانى والعشرين لصفر عام ثلاثة وستين وسبعمائة ودخوله داره مغرب ليلة الجمعة بطالع الثامن من السرطان وبه السعد الأعظم كوكب المشترى من الكواكب السيارة وقد كان الوزير قيم الأمر والمثل فى الكفاية والاضطلاع بالعظيمة عمر بن عبد الله بن على اليابانى لما ثار بعمه السلطان أبى سالم رحمه الله تعالى وأقام الرسم بأخيه المعتوه المدعو بأبى عمر استدعى هذا المترجم به وقد نازله الأمير عبد الحليم ابن عمهم وتوجه عنه رسوله أثناء الحصار لما رأى الأمر لا يستقيم بمن نصبه فتلطف فيه إلى طاغية النصارى واستعان بالسلطان أبى عبد الله ابن نصر وقد جمعتهما إيالته فتم له اللحاق بالمغرب وانصرف الأمير عبد الحليم إلى سجلماسة فتملكها وتم الأمر للأمير أبى زيان يقوم به عنه وزيره ومستدعيه المذكور مصنوعا له فى خدمته أعانه الله تعالى وأصلح حاله وأحوال الخلق على يديه ووفدت عليه من محل الانقطاع بسلا وأنشدته قولى
( لمن علم فى هضبة الملك خفاق ** أفاقت به من غشية الهرج آفاق )
( تقل رياح النصر منه غمامة ** تمد لها أيد وتخضع أعناق )
( وبيعة شورى أحكم السعد عقدها ** وأعمل إجماع عليها وإصفاق )
( قضى عمر فيها بحق محمد ** فسجل عهد للوفاء وميثاق )
( أحلما ترى عيناى أم هى فترة ** أعندكما فى مشكل الأمر مصداق )
( وفاض لفضل الله فى الأرض تبتغى ** ومجتمعات لا تريب وأسواق )
( وسرح تهنيه الكلاءة بالكلا ** وفلح لسقى الغيث قام له ساق )
____________________
(6/8)


( وقد كان طيف الحلم لا يعمل الخطا ** وللفتنة العمياء فى الأرض إطباق )
( وللغيث إمساك وفى الأرض رجة ** وللدين والدنيا وجوم وإطراق )
( فكل فريق فيه للبغى راية ** وكل طريق فيه للعيث طراق )
( أجل إنه من آل يعقوب وارث ** يحن له البيت العتيق ويشتاق )
( له من جناح الروح ظل مسجف ** ومن رفرف العز الإلهى رستاق )
( أطل على الدنيا وقد عاد ضوءها ** دجى وعلى الأحداق للذعر إحداق )
( فأشرقت الأرجاء من نور ربها ** وساح بها لله لطف وإشفاق )
( فمن ألسن لله بالشكر أعلنت ** وكان لها من قبل همس وإطباق )
( وليس لأمر أبرم الله ناقض ** وليس لمسعى أنجح الله إخفاق )
( محمد قد أحييت دين محمد ** وللخلق أذماء تفيض وأرماق )
( ولو لم تثب غطى على شفق الضحى ** دم لسيوف البغى فى الأرض مهراق )
( فأيمن بمشحون من الفلك سابح ** له باختيار الله حط وايساق )
( اقلك والدأماء تظهر طاعة ** إليك وصفح الماء أزرق رقراق )
( إلى هدف السعد أنبرى منه والدجى ** يضل الحجى سهم من السعد رشاق )
( فخطت لتقويم القوام جداول ** وصحت من التوفيق واليمن أوفاق )
( تبارك من أهداك للخلق رحمة ** ومستبعد أن يهمل الخلق خلاق )
( هو الله يبلو الناس بالخير فتنة ** وبالشر والأيام سم وترياق )
( سمت منك أعناق الورى لخليفة ** له فى مجال السعد وخد وإعناق )
____________________
(6/9)


( وقالوا بنان ما استقل بكفه ** تفيض على العافين أم هى أرزاق )
( وأطنب فيك المادحون وأغرقوا ** فلم يجد إطناب ولم يغن إغراق )
( ألست من القوم الذين أكفهم ** غمام ندى ان أخلف الغيث غيداق )
( ألست من القوم الذين وجوههم ** بدور لها فى ظلمة الروع إشراق )
( رياض إذا العافى استظل ظلالها ** ففيها جنى ملء الأكف وإيراق )
( أبوك ولى العهد لو سالم الردى ** وجدك قد فاق الملوك وإن فاقوا )
( فمن ذا له جد كجدك أو أب ** لآلىء والمجد المؤثل نساق )
( وحسب العلا فى آل يعقوب أنهم ** هم الأصل فى العلياء والناس ألحاق )
( أسود سروح أو بدور أسرة ** فان حاربوا راعوا وإن سالموا راقوا )
( يطول لتحصيل الكمال سهادهم ** فهم للمعالى والمكارم عشاق )
____________________
(6/10)


ومنها
( لئن نسيت إحسان جدك فرقة ** تزر على أعناقهم منه أطواق )
( أجازت خروج ابن أبنه عن تراثه ** ولم تدر ما ضمت من الذكر أوراق )
( ومن دون ما راموه لله قدرة ** ومن دون ما أموه للفتح أغلاق )
( خذ العفو وابذل فيهم العرف ولتسع ** جريرة من أبدي لك الغدر أخلاق )
( فربتما تنبو مهندة الظبى ** وتهفو حلوم القوم والقوم حذاق )
( وما الناس إلا مذنب وابن مذنب ** ولله إرفاد عليهم وإرفاق )
( ولا ترج فى كل الأمور سوى الذى ** خزائنه ما ضرها قط إنفاق )
( إذا هو أعطى لم يضر منع مانع ** وإن حشدت طسم وعاد وعملاق )
( عرفت الردى واستأثرت بك للعدا ** تخوم بمختط الصليب وأعماق )
( فيسر لليسرى وأحيا بك الورى ** وللروع إرعاد عليك وإبراق )
( فجاز صنيع الله وازدد بشكره ** مواهب جود غيثها الدهر دفاق )
( وأوف لمن أوفى وكاف الذى كفى ** فأنت كريم طهرت منك أعراق )
____________________
(6/10)


( وتهنيك يا مولى الملوك خلافة ** شجتها تباريح اليك وأشواق )
( فقد بلغت اقصى المنى بك نفسها ** وكم فاز بالوصل المهنإ مشتاق )
( فلا راع منها السرب للدهر رائع ** ولا نال منها جدة السعد إخلاق )
( أمولاي راع الدهر سربى وغالنى ** فطرفى مذعور وقلبى خفاق )
( وليس لكسرى غيرك اليوم جابر ** ولا ليدي إلا بمجدك أعلاق )
( ولى فيك ود واعتداد غرسته ** فراقت به من يانع الحمد أوراق )
( وقد عيل صبرى فى ارتقابى خليفة ** تحل به للضر عنى أوهاق )
( وأنت حسام الله والله ناصر ** وأنت أمين الله والله رزاق )
( وأنت الأمان المستجار من الردى ** إذا راع خطب أو توقع إملاق )
( وأهون ما ترجى لديك شفاعة ** إذا لم يكن عزم حثيث وإرهاق )
( ودونكها من ذائع الحمد مخلص ** له فيك تقييد يروق وإطلاق )
( اذا قال أما كل سمع لقوله ** فمصغ وأما كل أنف فنشاق )
( ودم خافق الأعلام بالنصر كلما ** ذهبت لمسعى لم يكن فيه إخفاق )
وعدت منه ببر كثير واحترام شهير
دخوله غرناطة لحق بها مفلتا عند القبض على قرابته وبنى عمه وتقريبهم إلى مصارعهم فكان وصوله فى رمضان من عام خمسين وسبعمائة ثم رابه رائب لحق لأجله بصاحب قشتالة وأقام فى جملته إلى حين استدعائه المتقرر آنفا وهو لهذا العهد أمير المسلمين بالمغرب أعانه الله تعالى على الخير وأطلق به يده وألهمه لما يرضى منه بفضله وكرمه انتهت الترجمة
ورأيت على هامش هذا المحل من الإحاطة بخط الخطيب الشهير الإمام
____________________
(6/11)

أبى عبد الله ابن مرزوق التلمسانى رحمه الله ما صورته توفى يعنى السلطان أبا زيان مغتالا عام ستة وستين على يد مظاهره الخائن عمر بن عبد الله ابن على الوزير رداه فى بئر وأشاع انه أفرط فى السكر وألقى نفسه فى البئر المعروفة برياض الغزلان وبايع لعمه عبد العزيز ابن السلطان أبى الحسن فسلطه الله عليه وأخذ حقوق الخلائق على يديه فقتله غيلة بعد أن كان تغلب عليه فأعمل الحيلة فى قتله واستمر ملك عبد العزيز ظاهرا ظافرا قد جمع بين المغرب إلى أقصاه وبين ملك تلمسان وقد شرد أهلها كل مشرد فعندما أقبلت الدنيا عليه واستقام ملكه وكاد يلحق ملك أبيه أو يزيد مات رحمه الله تعالى قيل مطعونا وقيل غير ذلك وذلك فى حدود أربع وسبعين وولى ولده ثم عزل بابن عمه أبى العباس ابن السلطان أبى سالم وحاز ملك المغرب إلى حين كتب هذا سنة سبع وسبعين وسبعمائة انتهى ما ألفيته بخط سيدي أبى عبد الله ابن مرزوق
ورأيت تحته بخط ابن لسان الدين أبى الحسن على ما صورته رحمه الله عليك يا عمر بن عبد الله بن على فلقد كنت غسلت ملك المغرب من درن كبير وقمت على ملك لهو وضعف شهير وشهرت سيف الحق على الزواكرة الخرق فابتهج منبر الدين انتهى
ومراده بهذا الكلام الرد على ابن مرزوق فى ذمه للوزير عمر وقوله الزواكرة لفظ يستعمله المغاربة ومعناه عندهم المتلبس الذى يظهر النسك والعبادة ويبطن الفسق والفساد وعند الله تجتمع الخصوم
____________________
(6/12)

2 - رسالة من أبى سالم الى لسان الدين
ولنرجع إلى ما كنا بسبيله فنقول
ومما خوطب به ابن الخطيب رحمه الله تعالى من قبل سلطان المغرب المستعين بالله أبى سالم إبراهيم ابن السلطان أبى الحسن المرينى ما صورته بعد البسملة والصلاة
من عبد الله المستعين بالله إبراهيم أمير المسلمين المجاهد فى سبيل رب العالمين ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد فى سبيل رب العالمين أبى الحسن ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد فى سبيل رب العالمين أبى يوسف يعقوب ابن عبد الحق أيد الله أمره وأعز نصره إلى الشيخ الفقيه الأجل الأسنى الأعز الأحظى الأوجه الأنوه الصدر الأحفل المصنف البليغ الأعرف الأكمل أبى عبد الله ابن الشيخ الأجل الأعز الأسنى الوزير الأرفع الأنجد الأصيل الأكمل المرحوم المبرور أبى محمد ابن الخطيب وصل الله عزته ووإلى رفعته سلام عليكم ورحمه الله وبركاته
أما بعد حمد الله تعالى والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله الكريم المصطفى والرضى عن آله وصحبه أعلام الإسلام وأئمة الرشد والهدى وصلة الدعاء لهذا الأمر العلى العزيز المنصور المستعينى بالنصر الأعز والفتح الأسنى فإنا كتبناه اليكم كتب الله تعالى لكم بلوغ الأمل ونجح القول والعمل من منزلنا الأسعد بضفة وأدى ملوية يمنه الله وصنع الله جميل ومنه جزيل والحمد لله ولكم عندنا المكانة الواضحة الدلائل والعناية المتكفلة برعى الوسائل ذلكم لما تميزتم به من التمسك بالجناب العلى المولوى العلوى جدد الله تعالى عليه ملابس غفرانه وسقاه غيوث رحمته وحنانه
____________________
(6/13)

وما أهديتم إلينا من التقرب لدينا بخدمة ثراه الطاهر والاشتمال بمطارف حرمته السامية المظاهر
وإلى هذا وصل الله حظوتكم ووإلى رفعتكم فإنه ورد علينا خطابكم الحسن عندنا قصده المقابل بالإسعاف المستعذب ورده فوقفنا على ما نصه واستوفينا ما شرحه وقصه فآثرنا حسن تلطفكم فى التوسل بأكبر الوسائل الينا ورعينا أكمل الرعاية حق ذلكم الجناب العزيز علينا وفى الحين عينا لكمال مطلبكم وتمام مأربكم والتوجه بخطابنا فى حقكم والاعتماد بوفقكم خديمينا أبا البقاء ابن تاسكورت وأبا زكريا ابن فرقاجة أنجدهما الله وتولاهما وأمس تاريخه انفصلا مودعين إلى الغرض المعلوم بعد التأكيد عليهما فيه وشرح العمل الذى يوفيه فكونوا على علم من ذلكم وابسطوا له جملة آمالكم وإنا لنرجو ثواب الله فى جبر أحوالكم وبرء اعتلالكم والله سبحانه وتعالى يصل مبرتكم ويتولى تكرمتكم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته كتب فى الرابع والعشرين لرجب عام واحد وستين وسبعمائة 3 - جواب لسان الدين
فراجعه ابن الخطيب بما نصه مولاى خليفة الله بحق وكبير ملوك الأرض عن حجة ومعدن الشفقة والحرمة ببرهان وحكمة أبقاكم الله تعالى عالي الدرجة فى المنعمين وافر الحظ عند جزاء المحسنين وأراكم ثمرة بر أبيكم فى البنين وصنع لكم فى عدوكم الصنع الذى لا يقف عند معتاد وأذاق العذاب الأليم من أراد فى مثابتكم بإلحاد عبدكم الذى ملكتم رقه
____________________
(6/14)

وآويتم غربته وسترتم أهله وولده وأسنيتم رزقه وجبرتم قلبه يقبل موطىء الأخمص الكريم من رجلكم الطاهرة المستوجبة بفضل الله تعالى لموقف النصر الفارعة هضبة العز المعملة الخطو فى مجال السعد وميسر الحظ ابن الخطيب من شاله التى تأكد بملككم الرضى احترامها وتجدد برعيكم عهدها واستبشر بملككم دفينها وأشرق بحسناتكم نورها
وقد ورد على العبد الجواب المولوي البر الرحيم المنعم المحسن بما يليق بالملك الأصيل والقدر الرفيع والهمة السامية والعزة القعساء من رعى الدخيل والنصرة للذمام والاهتزاز لبر الأب الكريم فثاب الرجاء وانبعث الأمل وقوى العضد وزار اللطف فالحمد لله الذى أجرى الخير على يدكم الكريمة وأعانكم على رعى ذمام الصالحين المتوسل اليكم أولا بقبورهم ومتعبداتهم وتراب أجداثهم ثم بقبر مولاي ومولاكم ومولى الخلق أجمعين الذى تسبب فى وجودكم واختصكم بحبه وغمركم بلطفه وحنانه وعلمكم آداب الشريعة وأورثكم ملك الدنيا وهيأتكم دعواته بالاستقامة إلى ملك الآخرة بعد طول المدى وانفساح البقاء وفى علومكم المقدسة ما تضمنت الحكايات عن العرب من النعرة عن طائر داست أفراخه ناقة فى جوار رئيس منهم وما انتهى إليه الامتعاض لذلك مما أهينت فيه الأنفس وهلكت الأموال وقصارى من امتعض لذلك أن يكون كبعض خدامكم من عرب تامسنا فما الظن بكم وأنتم الكريم ابن الكريم ابن الكريم فيمن لجأ أولا إلى رحماكم بالأهل والولد عن حسنة تبرعتم بها وصدقة حملتكم الحرية
____________________
(6/15)

على بذلها ثم فيمن حط رحل الاستجارة بضريح أكرم الخلق عليكم دامع العين خافق القلب واهى الفزعة يتغطى بردائه ويستجير بعليائه كأننى تراميت عليهم فى الحياة أمام الذعر الذى يذهل العقل ويحجب عن التمييز بقصر داره ومضجع رقاده ما من يوم إلا وأجهر بعد التلاوة يا ليعقوب يا لمرين نسأل الله تعالى ان لا يقطع عنى معروفكم ولا يسلبنى عنايتكم ويستعملنى ما بقيت فى خدمتكم ويتقبل دعائى فيكم
ولحين وصول الجواب الكريم نهضت إلى القبر المقدس ووضعته بإزائه وقلت يا مولاي يا كبير الملوك وخليفة الله وبركة بنى مرين صاحب الشهرة والذكر فى المشرق والمغرب عبدك المنقطع اليك المترامى بين يدي قبرك المتوسل إلى الله ثم إلى ولدك بك ابن الخطيب وصله من مولاه ولدك ما يليق بمقامه من رعي وجهك والتقرب إلى الله تعالى برعيك والاشتهار فى مشرق الدنيا وغربها ببرك وأنتم من أنتم من إذا صنع صنيعة كملها وإذا من منة تممها وإذا أبدى يدا أبرزها طاهرة بيضاء غير معيبة ولا ممنونة ولا منتقضة وأنا بعد تحت ذيل حرمتك وظل دخيلك حتى يتم أملى ويخلص قصدي وتحف نعمتك بى ويطمئن إلى مأملك قلبى
ثم قلت للطلبة أيها السادة بيني وبينكم تلاوة كتاب الله تعالى منذ أيام ومناسبة النحلة وأخوة التأليف بهذا الرباط المقدس والسكنى بين أظهركم فأمنوا على دعائى بإخلاص من قلوبكم واندفعت فى الدعاء والتوسل الذى نرجو أن يتقبله الله تعالى ولايضيعه وخاطب العبد مولاه شاكرا لنعمته مشيدا بصنيعته مسرورا بقبوله وشأنه من التعلق والتطارح شأنه حتى يكمل القصد ويتم الغرض معمور الوقت بخدمة يرفعها ودعاء يردده والله المستعان
____________________
(6/16)

4 - رسالة من لسان الدين الى أبى سالم
وكان تقدم من لسان الدين كتاب للسلطان المذكور وكان ما سبق من كتاب السلطان جوابا له وذلك بعد رجوع لسان الدين من مراكش واستقراره فى مدينة سلا برباط شالة مدفن السلاطين من بنى مرين ومنهم السلطان ابو الحسن والد السلطان أبى سالم المذكور ونص الكتاب
مولاي المرجو لإتمام الصنيعة وصلة النعمة وإحراز الفخر أبقاكم الله تعالى تضرب بكم الأمثال فى البر والرضى وعلو الهمة ورعى الوسيلة مقبل موطىء قدمكم المنقطع إلى تربة المولى والدكم ابن الخطيب من الضريح المقدس بشالة وقد حط رحل الرجاء فى القبة المقدسة وتذمم بالتربة الزكية وقعد بإزاء لحد المولى أبيكم ساعة إيابه من الوجهة المباركة وزيارة الربط المقصودة والترب المعظمة وقد عزم أن لا يبرح طوعا من هذا الجوار الكريم والدخيل المرعى حتى يصله من مقامكم ما يناسب هذا التطارح على قبر هذا المولى العزيز على أهل الأرض ثم عليكم والتماس شفاعته فى أمر سهل عليكم لا يجر إنفاد مال ولا اقتحام خطر إنما هو إعمال لسان وخط بنان وصرف عزم وإحراز فخر وأجر وإطابة ذكر وذلك أن العبد عرفكم يوم وداعكم أنه ينقل عنكم إلى المولى المقدس بلسان المقال ما يحضر مما يفتح الله تعالى فيه ثم ينقل عنه لكم بلسان الحال ما يتلقى عنه من الجواب وقال لى صدر دولتكم وخالصتكم وخالصة المولى والدكم سيدي الخطيب يعنى ابن مرزوق سنى الله تعالى أمله من سعادة مقامكم وطول عمركم أنت يا فلان والحمد لله ممن لا ينكر عليه الوفاء بهذين الفرضين وصدر عنكم من البشر والقبول والإنعام ما صدر جزاكم الله تعالى جزاء المحسنين
____________________
(6/17)


وقد تقدم تعريف مولاي بما كان من قيام العبد بما نقله إلى التربة الزكية عنكم حسبما أداه من حضر ذلك المشهد من خدامكم والعبد الآن يعرض عليكم الجواب وهو أنى لما فرغت من مخاطبتة بمرأى من الملإ الكبير والجم الغفير أكببت على اللحد الكريم داعيا ومخاطبا وأصغيت بأذنى عند قبره وجعل فؤادي يتلقى ما يوحيه إليه لسان حاله فكأنى به يقول لى قل لمولاك يا ولدي وقرة عيني المخصوص برضاي وبري ومن ستر حريمى ورد ملكى وصان أهلى وأكرم صنائعي ووصل عملى أسلم عليك وأسال الله تعالى أن يرضى عنك ويقبل عليك الدنيا دار غرور والآخرة خير لمن اتقى
( وما الناس إلا هالك وابن هالك ** )
ولا تجد إلا ما قدمت من عمل يقتضى العفو والمغفرة أو ثناء يجلب الدعاء بالرحمة ومثلك من ذكر فتذكر وعرف فما أنكر وهذا ابن الخطيب قد وقف على قبري وتهمم بي وسبق الناس الى رثائى وأنشدنى ومجدنى وبكاني ودعا لي وهنأني بمصير أمري اليك وعفر وجهه فى تربى وأملنى لما انقطعت مني آمال الناس فلو كنت يا ولدى حيا لما وسعنى أن اعمل معه إلا ما يليق لى وأن أستقل فيه الكثير وأحتقر العظيم لكن لما عجزت عن جزائه وكلته اليك وأحلته يا حبيب قلبى عليك وقد أخبرنى أنه سليب المال كثير العيال ضعيف الجسم قد ظهر فى عدم نشاطه أثر السن وأمل أن ينقطع بجواري ويستتر بدخيلي وخدمتى ويرد عليه حقه بخدمتى ووجهى ووجوه من ضاجعنى من سلفي ويعبد الله تعالى تحت حرمتك وحرمتى وقد كنت تشوفت إلى استخدامه فى الحياة حسبما يعلمه حبيبنا الخالص المحبة وخطيبنا العظيم المزية القديم القربة أبو عبد الله ابن مرزوق فاسأله يذكرك
____________________
(6/18)

واستخبره يخبرك فأنا اليوم أريد أن يكون هذا الرجل خديمي بعد الممات إلى أن نلحق جميعا برضوان الله تعالى ورحمته التى وسعت كل شىء وله يا ولدي ولد نجيب يخدم ببابك وينوب عنه فى ملازمة بيت كتابك وقد استقر بدارك قراره وتعين بأمرك مرتبة ودشاره فيكون الشيخ خديم الشيخ والشاب خديم الشاب هذه رغبتى منك وحاجتى اليك واعلم أن هذا الحديث لا بد له أن يذكر ويتحدث به فى الدنيا وبين أيدي الملوك والكبار فاعمل ما يبقى لك فخره ويتخلد ذكره وقد أقام مجاورا ضريحي تاليا كتاب الله تعالى على منتظرا ما يصله منك ويقرؤه على من السعى فى خلاص ماله والاحتجاج بهذه الوسيلة فى جبره وإجراء ما يليق بك من الحرمة والكرامة والنعمة فالله الله يا إبراهيم اعمل ما يسمع عنى وعنك فيه ولسان الحال أبلغ من لسان المقال انتهى
والعبد يا مولاي مقيم تحت حرمته وحرمة سلفة منتظر منكم قضاء حاجته ولتعلموا وتتحققوا أنى لو ارتكبت الجرائم ورزأت الأموال وسفكت الدماء وأخذت حسائف الملوك الأعزة ممن وراء النهر من الططر وخلف البحر من الروم ووراء الصحراء من الحبشة وأمكنهم الله تعالى منى من غير عهد بعد أن بلغهم تذممى بهذا الدخيل ومقامى بين هذه القبور الكريمة ما وسع أحدا منهم من حيث الحياء والحشمة من الأحياء والأموات وإيجاب الحقوق التى لا يغفلها الكبار للكبار إلا الجود الذى لا يتعقبه البخل والعفو الذى لا تفسده المؤاخذة فضلا عن سلطان الأندلس أسعده الله تعالى بموالاتكم فهو فاضل وابن ملوك أفاضل وحوله أكياس ما فيهم من يجهل قدركم وقدر سلفكم لا سيما مولاي والدكم الذى أتوسل به اليكم وإليهم فقد كان يتبنى مولاي أبا الحجاج ويشمله بكنفه وصارخه بنفسه وأمده بأمواله
____________________
(6/19)

ثم صير الله تعالى ملكه إليكم وأنتم من أنتم ذاتا وقبيلا فقد قرت يا مولاي عين العبد بما رأت فى هذا الوطن المراكشى من وفور حشودكم وكثرة جنودكم وترادف أموالكم وعددكم زادكم الله تعالى من فضله ولا شك عند عاقل أنكم ان انحلت عروة تأميلكم وأعرضتم عن ذلك الوطن استولت عليه يد عدوه
وقد علم تطارحى بين الملوك الكرام الذين خضعت لهم التيجان وتعلقى بثوب الملك الصالح والد الملوك الكرام مولاي والدكم وشهرة حرمة شالة معروفة حاش لله أن يضيعها أهل الأندلس وما توسل إليهم قط بها إلا الآن وما يجهلون اغتنام هذه الفضيلة الغريبة وأملى منكم أن يتعين من بين يديكم خديم بكتاب كريم يتضمن الشفاعة فى رد ما أخذ لى ويخبر بمثواي متراميا على قبر والدكم ويقرر ما ألزمكم بسبب هذا الترامى من الضرورة المهمة والوظيفة الكبيرة عليكم وعلى قبيلكم حيث كانوا وتطلبون منه عادة المكارمة بحل هذه العقدة ومن المعلوم أنى لو طلبت بهذه الوسائل من صلب ما وسعهم بالنظر العقلي إلا حفظ الوجه مع هذا القبيل وهذا الوطن فالحياء والحشمة يأبيان العذر عن هذا فى كل ملة ونحلة
وإذا تم هذا الغرض ولا شك فى إتمامه بالله تعالى تقع صدقتكم على القبر الكريم بي وتعينوني لخدمة هذا المولى وزيارته وتفقده ومدح النبى صلى الله عليه وسلم ليلة المولد فى جواره وبين يديه وهو غريب مناسب لبركم به إلى أن أحج بيت الله بعناية مقامكم وأعود داعيا مثنيا مستدعيا للشكر والثناء من أهل المشرق والمغرب وأتعوض من ذمتى بالأندلس ذمة بهذا الرباط المبارك يرثها ذريتى وقد ساومت فى شىء من ذلك منتظرا ثمنه مما يباع بالأندلس بشفاعتكم ولو ظننت أنهم يتوقفون لكم فى مثل هذا أو يتوقع فيه وحشة أو جفاء والله ما طلبته لكنهم أسرى وأفضل وانقطاعى أيضا لوالدكم مما لا يسع مجدكم إلا عمل ما يليق بكم فيه وها أنا أرتقب جوابكم بما لي عندكم
____________________
(6/20)

من القبول ويسعنى مجدكم فى الطلب وخروج الرسول لاقتضاء هذا الغرض والله سبحانه يطلع من مولاي على ما يليق به والسلام
وكتب فى الحادي عشر من رجب عام أحد وستين وسبعمائة
وفى مدرج الكتاب بعد نثر هذه القصيدة
( مولاي ها أنا فى جوار أبيكا ** فابذل من البر المقدر فيكا )
( أسمعه ما يرضيه من تحت الثرى ** والله يسمعك الذى يرضيكا )
( واجعل رضاه إذا نهدت كتيبة ** تهدي اليك النصر أو تهديكا )
( واجبر بجبرى قلبه تنل المنى ** وتطالع الفتح المبين وشيكا )
( فهو الذى سن البرور بأمه ** وأبيه فاشرع شرعه لبنيكا )
( وابعث رسولك منذرا ومحذرا ** وبما تؤمل نيله يأتيكا )
( قد هز عزمك كل قطر نازح ** وأخاف مملوكا به ومليكا )
( فإذا سموت إلى مرام شاسع ** فغصونه ثمر المنى تجنيكا )
( ضمنت رجال الله منك مطالبى ** لما جعلتك فى الثواب شريكا )
( فلئن كفيت وجوهها فى مقصدي ** ورعيتها بركاتها تكفيكا )
( وإذا قضيت حوائجى وأريتنى ** أملا فربك ما أردت يريكا )
( واشدد على قولى يدا فهو الذى ** برهانه لا يقبل التشكيكا )
( مولاي ما استأثرت عنك بمهجتى ** إنى ومهجتى التى تفديكا )
( لكن رأيت جناب شالة مغنما ** يضفى على العز فى ناديكا )
( وفروض حقك لا تفوت فوقتها ** باق إذا استجزيته يجزيكا )
( ووعدتنى وتكرر الوعد الذى ** أبت المكارم أن يكون أفيكا )
( أضفى عليك الله ستر عناية ** من كل محذور الطريق يقيكا )
____________________
(6/21)


( ببقائك الدنيا تحاط وأهلها ** فالله جل جلاله يبقيكا )
فلما وصل الكتاب إلى السلطان أجابه بما مر آنفا
ورأيت بخط الفقيه الأديب المؤرخ أبى عبد الله محمد بن الحداد الوادي آشى نزيل تلمسان على هامش قول ابن الخطيب فى هذه الرسالة ولا شك عند عاقل أنكم إن انحلت عروة تأميلكم إلخ ما صورته كذلك وقع آخر الأمر وكان الاستيلاء على مدينة غرناطة آخر ما بقى من بلاد الأندلس للإسلام فى محرم عام سبعة وتسعين وثمانمائة فرحم الله تعالى ابن الخطيب العاقل اللبيب وغفر له برحمته انتهى
ومما خاطب به لسان الدين السلطان أبا سالم فى الغرض المتقدم قوله
( عن باب والدك الرضى لا أبرح ** يأسو الزمان لأجل ذا أو يجرح )
( ضربت خيامى فى حماه فصبيتي ** تجني الجميم به وبهمي تسرح )
( حتى يراعى وجهه فى وجهتى ** بعناية تشفى الصدور وتشرح )
( أيسوغ عن مثواه سيري خائبا ** ومنابر الدنيا بذكرك تصدح )
( أنا فى حماه وأنت أبصر بالذى ** يرضيه منك فوزن عقلك أرجح )
( فى مثلها سيف الحمية ينتضى ** فى مثلها زند الحفيظة يقدح )
( وعسى الذى بدأ الجميل يعيده ** وعسى الذى سد المذاهب يفتح ) ترجمة ابى سالم المرينى
وقد عرف في الإحاطة بالسلطان أبي سالم فقال بعد كلام أملاك المسلمين وحماة الدين وأمرأء المغرب الأقصى من بني مرين غيوث المواهب وليوث العرين ومعتمد الصريخ وسهام الكافرين حفظ الله تعالى على الإسلام والمسلمين ظلهم وزين ببدور الدنيا والدين هالتهم وأبقى الكلمة فيمن اختاره منهم أو من
____________________
(6/22)

أقاربهم فما عسى أن يطنب اللسان فى مدحهم وأين تقع العبارة وماذا يحصر الوصف إلى أن قال وفاته وفى ليلة العشرين من ذي القعدة من عام اثنين وستين وسبعمائة ثار عليه بدار الملك وبلد الإمارة المعروف بالبلد الجديد من مدينة فاس الخائن الغادر مخلفه عليها عمر بن عبد الله بن علي نسمه السوء وجملة الشؤم والمثل البعيد فى الجراءة على الله تعالى وقد اهتبل غرة انتقاله الى القصر السلطانى بالبلد القديم متحولا إليه حذرا من قاطع فلكى كان يحذر منه استعجله بضعف نفسه وأعانه على فرض صحة الحكم به وسد الباب فى وجهه ودعا الناس إلى بيعة أخيه المعتوه وأصبح حائرا بنفسه يروم ارتجاع أمر ذهب من يده ويطوف بالبلد يلتمس وجها إلى نجاح حيلة فأعياه ذلك ورشقت من معه السهام وفرت عنه الأجناد والوجوه وأسلمه الدهر وتبرأ منه الجد وعندما جن عليه الليل فر لوجهه وقد التف عليه الوزراء فسفهت حلومهم وفالت آراؤهم ولو قصدوا به بعض الجبال المنيعة لولوا أوجههم شطر مظنه الخلاص واتصفوا بإبلاغ الأعذار ولكنهم نكلوا عنه ورجعوا أدراجهم وتسللوا راجعين إلى يد غادر الجملة قد سلبهم الله سبحانه لباس الحياء والرجولية وتأذن الله تعالى لهم بعد بسوء العاقبة
وقصد بعض بيوت البادية وقد فضحه نهار الغد واقتفى المتبعة أثره حتى وقعوا عليه فسيق إلى مصرعه وقتل بظاهر البلد ثانى اليوم الذى غدر به فيه جعلها الله تعالى له شهادة ونفعه فلقد كان بقية البيت وآخر القوم دماثة وحياء وبعدا عن
____________________
(6/23)

الشرور وركونا للعافية وأنشدت على قبره الذى ووريت به جثته بالقلعة من ظاهر المدينة قصيدة أديت فيها بعض حقه
( بني الدنيا بنى لمع السراب ** لدوا للموت وابنوا للخراب )
انتهى المقصود من الترجمة
وكان يصف لسان الدين بمقربي وجليسي كما سبقت الإشارة إليه من كلام لسان الدين فيما خاطب به ابن أبى رمانة والله يسبل على الجميع رداء عفوه سبحانه
وقد تقدم أنه شفع لابن الخطيب عند أهل الأندلس ولذلك قال يخاطبهم
( سمي خليل الله أحييت مهجتي ** وعاجلنى منك الصريخ على بعد )
( فإن عشت أبلغ فيك نفسى عذرها ** وإن لم أعش فالله يجزيك من بعدي ) ثناء المغاربة والمشارقة على لسان الدين
وقال الرئيس الأمير الأديب أبو الوليد إسماعيل ابن الأحمر فى حق ابن الخطيب ما صورته هو شاعر الدنيا وعلم المفرد والثنيا وكاتب الأرض إلى يوم العرض لا يدافع مدحه في الكتب ولا يجنح فيه إلى العتب آخر من تقدم في الماضى وسيف مقوله ليس بالكهام إذ هو الماضي وإلا فانظر كلام الكتاب الأول من العصبة كيف كان فيهم بالإفادة صاحب القصبة للبراعة باليراعة وبه أسكت صائلهم وما حمدت بكرهم وأصائلهم للجزالة المشربة بالحلاوة الممكنة من مفاصل الطلاوة وهو نفيس العدوتين ورئيس الدولتين بالإطلاع على العلوم العقلية والإمتاع بالفهوم النقلية لكن
____________________
(6/24)

صل لسانه فى الهجاء لسع ونجاد نطاقه فى ذلك اتسع حتى صدمنى وعلى القول فيه أقدمنى بسبب هجوه فى ابن عمي ملك الصقع الأندلسى سلطان ذلك الوطن فى النفر الجنسي المعظم فى الملوك بالقول الجنى والإنسى ثم صفحت عنه صفحة القادر الوارد من مياه الظفر غير القاذر لأن مثلى لا يليق به إظهار العورات ولا يجمل له تتبع العثرات اتباعا للشرع فى تحريم الغيبة وضربا عن الكريهة وإثباتا لحظوظ النقيبة الرغيبة فما ضره لو اشتغل بذنوبه وتأسف على ما شربه من ماء اللهو بذنوبه وقد قال بعض الناس من تعرض للأعراض صار عرضه هدفا لسهام الأغراض انتهى
ومثل هذا فى لسان الدين لا يقدح وما زالت الأشراف تهجى وتمدح وعلى تقدير صدور ما يخدش وجه جنابه الرفيع فالأولى أن ينشد
( وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ** جاءت محاسنه بألف شفيع )
وممن أثنى على لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى بعض أكابر علماء تلمسان ولم يحضرنى الآن اسمه فى تأليف عرف فيه بالشيخ العلامة سيدي أبى عبد الله الشريف التلمساني وابنيه العالمين أبى يحيى وسيدي عبد الله فقال بعد كلام فى حق الشريف ما نصه وكان علماء الأندلس أعرف الناس بقدره وأكثرهم تعظيما له حتى إن العالم الشهير لسان الدين ابن الخطيب صاحب الأنباء العجيبة والتآليف البديعة كلما ألف تأليفا بعثه إليه وعرضه عليه وطلب أن يكتب عليه بخطه وكان الشيخ الإمام الصدر المفتى أبو سعيد ابن لب شيخ علماء الأندلس وآخرهم كلما أشكلت عليه مسألة كاتبه بها وطلب منه بيان ما أشكل عليه مقرا له بالفضل انتهى ما نقلته من الكتاب المذكور
____________________
(6/25)

رجع
وكتب لسان الدين ابن الخطيب متمثلا بشيخه الأوحد قاضى الجماعة أبى البركات ابن الحاج البلفيقي رحمهما الله تعالى
( أيتها النفس إليه اذهبي ** فحبه المشهور من مذهبي )
( أيأسنى التوبة من حبه ** طلوعه شمسا من المغرب )
ويغلب على ظنى أنه خاطبه بذلك عند قدومه أعنى لسان الدين من المغرب إلى الأندلس والله تعالى أعلم
وكان قاضى القضاة برهان الدين الباعوني الشامى كثير الثناء على لسان الدين رحمه الله تعالى لأنه تلقى أخباره من قاضي القضاة ابن خلدون حسبما ذكرناه فى غير هذا الموضع ولقد رأيت بخطه على هامش بعض تآليف لسان الدين فى الإنشاء ما نصه هذا بليغ إلى الغاية انتهى
وكتب أثره بعض أكابر علماء المشرق ما نصه هذا خط العلامة قاضى القضاة برهان الدين الباعوني وهو شديد الاعتناء والمدح للمصنف ابن الخطيب الأندلسى معظم له ولإنشائه وهو خليق بالتعظيم جدير بمزيد التمجيد والتكريم وكيف لا وهو شاعر مفلق وخطيب مصقع وكاتب مترسل بليغ لولا ما فى إنشائه من الإكثار الذى لا يكاد يخلو من عثار والإطناب الذى يفضى الى الاجتناب والإسهاب الذى يقد الإهاب ويورث الالتهاب انتهى
____________________
(6/26)


قلت وهذا الانتقاد غير مسلم فإن لسان الدين وإن أطنب وأسهب فقد سلك من البلاغة أحسن مذهب ويرحم الله تعالى العلامة البرهان الباعوني المذكور أعلاه إذ كتب بخطه فى آخر بعض تآليف لسان الدين فى الإنشاء ما صورته قال كاتبه إبراهيم بن أحمد الباعونى لطف الله تعالى به الحمد لله على ما ألهم من البيان وعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم وقفت على هذا الكتاب من أوله إلى آخره وعمت من بحر بلاغته فى زاخره وعددته من مناقب مؤلفه ومفاخره فإنه برز فيه غاية التبريز وأتى بما هو أحسن من الذهب الإبريز لا بل هو أبهى من الجواهر والنجوم الزواهر وعجبت من تلك الألفاظ المشبهة لسحر الألحاظ ورقة المعانى المحكمة المبانى انتهى
فانظر أيدك الله تعالى بعين الإنصاف إلى كلام هذا الفاضل المنصف الكامل وقسه مع كلام ذلك المنتقد المتعصب الناقص الخامل مع أن الكلام الذى تعرض له ذاك بالقدح هو الذى تصدى له الباعوني بالمدح وكل إناء بالذى فيه ينضح وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل أهل الفضل والأمر أجلى من أن يقام عليه دليل وأوضح رجع إلى ما كنا بصدده
وقال الوزير ابن عاصم عندما أجرى ذكر سلطان ابن الخطيب أمير المسلمين الغنى بالله بعد كلام كثير ما صورة محل الحاجة منه وكان هذا السلطان من نيل الأغراض على أكمل ما يكون عليه مثله ممن نزع غرقا فى قوس الخلافة حكى لي شيخنا القاضى أبو العباس الحسنى أن كبير ولده الأمير أبا الحجاج طلب من الشيخ ذي الوزارتين أبى عبد الله ابن الخطيب أن يطلب من أبيه الغنى بالله أن يبادر بإعذاره إذ كان قد جاوز سن الإثغار دون إعذار لمكان ما لحق والده من التمحيص وغير ذلك من الحوادث المهمة فأسعده الشيخ بذلك وقال
____________________
(6/27)

للغنى بالله يا مولانا إن سيدي يوسف وكلنى على طلب إعذاره من مولانا نصره الله على ما يليق بك وبه فقال له الغنى بالله حسبي الله وسكت سكتة لطيفة تشعر بفصل الكلام بعضه من بعض ثم قال ونعم الوكيل فعدها الأكياس من مدارك نبله ومحاسن قوله وفعله انتهى
قلت هذا من السلطان فى حق لسان الدين غاية التبجيل أعنى قوله ونعم الوكيل فأين هذا من سماع كلام أعدائه فيه بعد حتى آل أمره إلى النحس بعد ذلك السعد وسقاه دهره بعد الحلاوة ما مر ولم يكن قتله إلا بتسبب السلطان المذكور كما مر
( ثلاثة ليس لها أمان ** البحر والسلطان والزمان ) 5 - رسالة ابن خاتمة الى لسان الدين
وقال لسان الدين رحمه الله تعالى ولما قضى الله عز وجل بالإدالة ورجعنا الى أوطاننا من العدوة واشتهر عنى ما اشتهر من الانقباض عن الخدمة والتيه على السلطان والدولة والتكبر على أعلى رتب الخدمة وتطارحت على السلطان فى استنجاز وعد الرحلة ورغبت فى تبرئة الذمة ونفرت عن الأندلس بالجملة خاطبنى يعنى أبا جعفر ابن خاتمة بعد صدر بلغ من حسن الإشارة وبراعة الاستهلال الغاية بقوله وإلى هذا يا سيدي ومحل تعظيمي واجلالى أمتع الله تعالى الوجود بطول بقائكم وضاعف فى العز درجات ارتقائكم فإنه من الأمر الذى لم يغب عن رأى العقول ولا اختلف فيه أرباب المعقول أنكم بهذه الجزيرة شمس أفقها وتاج مفرقها وواسطة سلكها وطراز ملكها وقلادة نحرها وفريدة دهرها وعقد جيدها المنصوص وتمام
____________________
(6/28)

زينتها على العموم والخصوص ثم أنتم مدار أفلاكها وسر سياسة أملاكها وترجمان بيانها ولسان إحسانها وطب مارستانها والذى عليه عقد إدارتها وبه قوام إمارتها فلدية يحل المشكل واليه يلجأ فى الأمر المعضل فلا غرو أن تتقيد بكم الأسماع والأبصار وتحدق نحوكم الأذهان والأفكار ويزجر عنكم السانح والبارح ويستنبأ ما تطرف عنه العين وتختلج الجوارح استقراء لمرامكم واستطلاعا لطالع اعتزامكم واستكشافا عن مرامى سهامكم لا سيما مع إقامتكم على جناح خفوق وظهوركم فى ملتمع بروق واضطراب الظنون فيكم مع الغروب والشروق حتى تستقر بكم الديار ويلقى عصاه التسيار ولها العذر فى ذلك إذ صدعها بفراقكم لم يندمل وسرورها بلقائكم لم يكتمل ولم يبرأ بعد جناحها المهيض ولا جم ماؤها المغيض ولا تميزت من داجيها لياليها البيض ولا استوى نهارها ولا تألفت أنهارها ولا اشتملت نعماؤها ولا نسيت غماؤها بل هى كالناقة والحديث العهد بالمكاره يستشعر نفس العافية ويتمسح منكم باليد الشافية فبحنانكم عليها وعظيم حرمتكم على من لديها لا تشوبوا لها عذب المجاج بالأجاج وتفطموها عما عودت من طيب المزاج فما لدائها وحياة قربكم غير طبكم من علاج
وإنى ليخطر بخاطرى محبة فيكم وعناية بما يعنيكم ما نال جانبكم صانه الله تعالى بهذا الوطن من الجفاء ثم أذكر ما نالكم من حسن العهد وكرم الوفاء وأن الوطن إحدى المواطن الأظآر التى يحق لهن جميل الاحتفاء وما يتعلق بكم من حرمة أولياء القرابة وأوداء الصفاء فيغلب على ظنى أنكم لحسن العهد أجنح وبحق نفسكم عن حق أوليائكم أسمح وللتى هى أعظم قيمة من فضائلكم أوهب وأسجح وهب أن الدر لا يحتاج فى الإثبات إلى شهادة النحور واللبات والياقوت غنى فى المكان عن مظاهرة القلائد والتيجان أليس أنه أعلى للعيان وأبعد عن مكابرة البرهان تألقها فى تاج الملك أنو شروان فالشمس وإن كانت أم الأنوار وجلاء الأبصار مهما أغمى مكانها من الأفق
____________________
(6/29)

قيل أليل هو أم نهار وكما فى علمكم ما فارق ذوو الأرحام وأولو الأحلام مواطن استقرارهم وأماكن قرارهم إلا برغمهم واضطرارهم واستبدال دار خير من دارهم ومتى توازن الأندلس بالمغرب أو يعوض عنها إلا بمكة أو يثرب ما تحت أديمها أشلاء أولياء وعباد وما فوقه مرابط جهاد ومعاقد ألوية فى سبيل الله ومضارب أوتاد ثم يبوأ ولده مبوأ أجداده ويجمع له بين طارفه وتلاده أعيذ أنظاركم المسددة من رأى فائل وسعى طويل لم يحل منه بطائل فحسبكم من هذا الإياب السعيد والعود الحميد وهى طويلة 6 - من لسان الدين إلى ابن خاتمة
قال لسان الدين رحمه الله تعالى فأجبته بقولى
( لم فى الهوى العذرى أو لا تلم ** فالعذل لا يدخل أسماعى )
( شأنك تعنيفي وشأنى الهوى ** كل امرىء فى شأنه ساعى )
أهلا بتحفة القادم وريحانة المنادم وذكر الهوى المتقادم لا يصغر الله مسراك فما أسراك لقد جبت إلى من همومى ليلا وجست رجلا وخيلا ووفيت من صاع الوفاء كيلا وظننت بى الأسف على ما فات فأعملت الالتفات لكيلا فأقسم لو أن الأمر اليوم بيدى أو كانت اللمة السوداء من عددى ما أفلت أشراكى المنصوبة لأمثالك حول المياه وبين المسالك ولا علمت ما هنالك لكنك طرقت حمى كسعته الغارة الشعواء وغيرت
____________________
(6/30)

ربعة الأنواء فخمد بعد ارتجاجه وسكت أذين دجاجه وتلاعبت الرياح الهوج فوق فجاجه وطال عهده بالزمن الأول وهل عند رسم دارس من معول وحيا الله ندبا إلى زيارتى ندبك وبآدابه الحكمية أدبك
( فكان وقد أفاد بك الأمانى ** كمن أهدى الشفاء إلى العليل )
وهى شيمة بوركت من شيمة وهبة الله تعالى قبله من لدن المشيمة ومن مثله فى صلة رعى وفضل سعى وقول وعى
( قسما بالكواكب ** الزهر والزهرعاتمة )
( إنما الفضل ملة ** ختمت بابن خاتمه )
كسانى حله فضله وقد ذهب زمان التجمل وحملنى شكره وكتدى واه عن التحمل ونظرنى بالعين الكليلة عن العيب فهلا أجاد التأمل واستطلع طلع نثى ووالى فى مبرك المعجزة حثى { إنما أشكو بثي }
( ولو ترك القطا ليلا لناما ** )
وما حال شمل وتده مفروق وقاعدته فروق وصواع بنى أبيه مسروق وقلب قرحه من عضة الدهر دام وجمرة حسرته ذات احتدام هذا وقد صارت الصغرى التى كانت الكبرى لمشيب لم يدع أن هجم لما نجم ثم تهلل عارضة وانسجم
( لا تجمعى هجرا على وغربة ** فالهجر فى تلف الغريب سريع )
____________________
(6/31)

3 نظرت فإذا الجنب ناب والنفس فريسة ظفر وناب والمال أكيلة انتهاب والعمر رهن ذهاب واليد صفر من كل اكتساب وسوق المعاد مترامية والله سريع الحساب
( ولو نعطى الخيار لما افترقنا ** ولكن لا خيار مع الزمان )
وهب أن العمر جديد وظل الأمن مديد ورأى الاغتباط بالوطن سديد فما الحجة لنفسى إذا مرت بمطارح جفونها وملاعب هفوتها ومثاقف قناتها ومظاهر عزاها ومناتها والزمان ولود وزناد الكون غير صلود
( وإذا إمرؤ لدغته أفعى مرة ** تركته حين يجر حبل يفرق )
ثم إن المرغب قد ذهب والدهر قد استرجع ما وهب والعارض قد اشتهب وآراء الاكتساب مرجوحة مرفوضة وأسماؤه على الجوار مخفوضة والنية مع الله على الزهد فيما بأيدى الناس معقودة والتوبة بفضل الله عز وجل منقودة والمعاملة سامرية ودروع الصبر سابرية والاقتصاد قد قرت العين بصحبته والله قد عوض حب الدنيا بمحبته فإذا راجعها مثلى من بعد الفراق وقد رقى لدغتها ألف راق وجمعتنى بها الحجرة ما الذى تكون الأجرة جل شانى وإن رضى الوامق وسخط الشانى إنى إلى الله تعالى مهاجر وللعرض الأدنى هاجر ولأظعان السرى زاجر لنجد إن شاء الله تعالى وحاجر لكن دعانى للهوى إلى هذا المولى المنعم هوى خلعت نعلى الوجود وما خلعته وشوقى أمرنى فأطعته وغالب والله صبرى فما استطعته والحال أغلب وعسى أن لا يخيب المطلب فإن يسر رضاه فأمر كمل وراحل احتمل وحاد أشجى الناقة والجمل وإن كان خلاف ذلك فالزمان جم العلائق والتسليم
____________________
(6/32)

بمقامى لائق
( ما بين غمضة عين وانتباهتها ** يصرف الأمر من حال إلى حال ** )
وأما تفضيله هذا الوطن ليمن طيره وعموم خيره وبركة جهاده وعمران رباه ووهاده بأشلاء عباده وزهاده حتى لا يفضله إلا أحد الحرمين فحق برىء من المين لكننى للحرمين جنحت وفى جو الشوق إليهما سنحت فقد أفضت إلى طريق قصدى محجته ونصرتنى والمنة لله تعالى حجته وقصد سيدى استى قصد توخاه الحمد والشكر ومعروف عرف به النكر والآمال من فضل الله بعد تمتار والله تعالى يخلق ما يشاء ويختار ودعاؤه بظهر الغيب مدد وعدة وعدد وبره حالى الظعن والإقامة معتمل معتمد ومجال المعرفة بفضله لا يحصره أمد والسلام أنتهى
ومن خط ابن الصباغ ما صورته يكفى ابن خاتمه الغاية التى سلمها له إمام الطريقة وواحدها الفذ على الحقيقة حيث قال
( إنما الفضل ملة ** ختمت بابن خاتمه )
ومن نظمه وقد تخلى عن الكتابة وطلب منه أن يعود فأبى وأنشد
( تقضى فى الكتابة لى زمان ** كشأن العبد ينتظر الكتابه )
( فمن الله من عتقى بما لا ** يطيق الشكر أن يملا كتابه )
( وقالوا هل تعود فقلت كلا ** وهل حر يعود إلى الكتابه )
فانظر حسن هذه التورية العجيبة انتهى رسالة ابن خاتمة إلى ابن جزى
ولابن خاتمة يخاطب ابن جزى يا أخى الذى سما وده أن يجازى
____________________
(6/33)

وسيدى الذى علا مجده عن أن يوازى وصل الله تعالى لك أسباب الاعتلاء والاعتزاز وكافأ ما لك من الاختصاص بالفضائل والامتياز أما إنه لو وسع التخلف عن جواب أخ أعز ولم يجب التكلف عمن قد عجز لغطيت عجزى عن عين تعجيزك ولما تعاطيت المثول بين يدى مناهزك أو مجيزك لكنه فى حكم الود المكنون المكنوز مما لا يحل ولا يجوز فلكم الفضل فى الإغضاء عن عاجز دعاه حكم التكلف إلى القيام مقام مناجز وإن لم يكن ذلك عند الإنصاف وحميد الأوصاف من السائغ الجائز فعن جهد ما بلغ وليك إلى هذه الأحواز ولم يحصل الحقيقة إلا على المجاز
أما ما ذهبتم إليه من تخميس القصيدة التى أعجزت وبلغت من البلاغة الغاية التى عزت مناهضتها وأعوزت فلم أكن لأستهدف ثانيا لمضاضة الإعجاز وأسجل على نفسى بالإفلاس والإعواز انتهى
وكتب قبلها قصيدة زائية أجابه بها عن قصيدة زائية التزم فيها ابن جزى ترك الراء لأنه كان الثغ يبدلها غينا رحم الله تعالى الجميع
وقال لسان الدين فى ترجمة ابن خاتمة المذكور إنه الصدر المتفنن المشارك القوى الإدراك السديد النظر الثاقب الذهن الكثير الاجتهاد الموفور الآدوات المعين الطبع الجيد القريحة الذى هو حسنة من حسنات الأندلس أحمد بن على بن خاتمة من أهل المرية 7 - رسالة من ابن خاتمة إلى لسان الدين
إلى أن قال ومما خاطبنى به بعد إلمام الركاب السلطانى ببلده وأنا صحبته ولقائه إياي بما يلقى به مثله من تأنيس وبر وتودد وتردد
( يا من حصلت على الكمال بما رأت ** عيناى منه من الجمال الرائع )
____________________
(6/34)


( قمر يروق وفى عطافى برده ** ما شئت من كرم ومجد بارع )
( أشكو إليك من الزمان تحاملا ** فى فض شمل لى بقربك جامع )
( هجم البعاد عليه ضنا باللقا ** حتى تقلص مثل برق لامع )
( فلو آننى ذو مذهب لشفاعة ** ناديته يا مالكى يا شافعى )
شكواى إلى سيدى ومعظمى أقر الله تعالى بسنائه أعين المجد وأدر بثنائه ألسن الحمد شكوى ظمآن صد عن القراح العذب لأول وروده والهيمان رد عن استرواح القرب لمعضل صدوده من زمان هجم على بابعاده على حين إسعاده ودهمنى بفراقه غب إنارة أفقى به وإشراقة ثم لم يكفه ما اجترم فى ترويع خياله الزاهر حتى حرم عن تشييع كماله الباهر فقطع عن توفية حقه ومنع من تأدية مستحقه لا جرم أنه أنف لشعاع ذكائه من هذه المطالع النائية عن شريف الإنارة وبخل بالإمتاع بذكائه عن هذه المسامع النائية عن لطيف العبارة فراجع أنظاره واسترجع معارة وإلا
____________________
(6/35)

فعهدى بغروب الشمس إلى الطلوع وأن البدر يتصرف بين الإقامة والرجوع فما بال هذا النير الأسعد غرب ثم لم يطلع من الغد ما ذاك إلا لعدوى الأيام وعدوانها وشأنها فى تغطية إساءتها وجه إحسانها وكما قيل عادت هيف إلى أديانها أستغفر الله أن لا يعد ذلك من المغتفر فى جانب ما أولت من الأثر التى أزرى العيان فيها بالأثر وأربى الخبر على الخبر فقد سرت متشوفات الخواطر وأقرت مستشرفات النواظر بما حوت من ذلكم الكمال الباهر والجمال الناضر الذى قيد خطا الأبصار عن التشوف والاستبصار وأخذ بأزمة القلوب عن سبيل كل مأمول ومرغوب وأنى للعين بالتحول عن كمال الزين أو بالطرف بالتنقل عن خلال الظرف أو للسمع من مراد بعد
____________________
(6/35)

ذلكم الإصدار الأدبى والإيراد أو للقلب من مراد غير تلكم الشيم الرافلة من ملابس الكرم فى حلل وأبراد وهل هو إلا الحسن جمع فى نظام والبدر طالع لتمام وأنواع الفضل ضمها جنس اتفاق والتئام فما ترعى العين منه فى غير مرعى خصيب ولا تستهدف الأذن بغير سهم فى حدق البلاغة مصيب ولا تستطلع النفس سوى مطلع له فى الحسن والإحسان أوفر نصيب لقد أزرى بناظم حلاه فيما يتعاطاه التقصير وانفسح مدى علاه بكل باع قصير وسفه حلم القائل إن الإنسان عالم صغير شكرا للدهر على يد أسداها بقرب مزاره وتحفة أهداها بمطلع أنواره على تغاليه فى ادخار نفائسه وبخله بنفائس ادخاره لا غرو أن يضيق عنا نطاق الذكر ولا يتسع لنا سوار الشكر فقد عمت هذه الأقطار بما شاءت من تحف بين تحف وكرامة واجتنت أهلها ثمرة الرحلة فى ظل الإقامة وجرى لهم الأمر فى ذلك مجرى الكرامة
ألا وإن مفاتحتى لسيدى ومعظمى حرس الله تعالى مجده وضاعف سعده مفاتحة من ظفر من الدهر بمطلوبه وجرى له القدر على وفق مرغوبة فشرع له إلى أهله بابا ورفع له من خجله جلبابا فهو يكلف بالاقتحام ويأنف من الإحجام غير أن الحصر عن درج قصده يقيده والبصر يبهرج نقده فيقعده فهو يقدم رجلا ويؤخر أخرى ويجدد عزما ثم لا يتحرى فإن أبطأ خطابى فلواضح الأعذار ومثلكم من قبل جليات الأقدار والله سبحانه يصل لكم عوائد الإسعاد والإسعاف ويحفظ بكم ما للمجد من جوانب وأكناف إن شاء الله تعالى وكتب فى عاشر ربيع الأول عام ثمانية وأربعين وسبعمائة انتهى
ومن خاتمة رسالة من إنشاء ابن خاتمة المذكور فلنصرف عنان البطالة عن الإطالة ونسلم على السيادة الطاهرة الأصالة بأطيب تسليم ختامة مسك ومزاجه من تسنيم
____________________
(6/36)


ومن نظم ابن خاتمة المذكور
( هو الدهر لا يبقي على عائذ به ** فمن شاء عيشا يصطبر لنوائبه )
( فمن لم يصب بفي نفسه فمصابه ** بفوت أمانيه وفقد حبائبه ) ومنه قوله
( ملاك الأمر تقوى الله فاجعل ** تقاه عدة لصلاح أمرك )
( وبادر نحو طاعته بعزم ** فما تدري متى يقضى بعمرك ) 8 - رسالة أخرى من ابن خاتمة إلى لسان الدين
وقال لسان الدين وكتب إلى يعني ابن خاتمة المذكور عقب انصرافه من غرناطة في بعض قدماته عليها ما نصه مما قلته بديهة عند الإشراف على جنابكم السعيد ودخوله مع النفر الذين أتحفتهم سيادتكم بالإشراف عليه والدخول إليه وتنعيم الأبصار في المحاسن المجموعة لديه وإن كان يوما قد غابت شمسه ولم يتفق أن كمل أنسه وأنشدته حينئذ بعض من حضر ولعله لم يبلغكم وان كان قد بلغكم ففضلكم يحملني في إعادة الحديث
( أقول وعين الدمع نصب عيوننا ** ولاح لبستان الوزارة جانب )
( أهذى سماء أم بناء سما به ** كواكب غضت عن سناها الكواكب )
( تناظرت الاشكال منه تقابلا ** على السعد وسطى عقده والحبائب )
( وقد جرت الامواه فيه مجرة ** مذانبها شهب لهن ذوائب )
( وأشرف من علياه بهو تحفه ** شماسي زجاج وشيها متناسب )
____________________
(6/37)


( يطل على ماء به الآس دائرا ** كما افتر ثغر أو كما اخضر شارب )
( هنالك ما شاء العلا من جلالة ** بها يزدهي بستانها والمراتب )
ولما أحضر الطعام هنالك داعي شيخنا القاضي أبو البركات فاعتذر أنه صائم قد بيته من الليل فحضرني ان قلت
( دعونا الخطيب أبا البركات ** لاكل طعام الوزير الأجل )
( وقد ضمنا في نداه جنان ** به احتفل الحسن حتى كمل )
( فأعرض عنا لعذر الصيام ** وما كل عذر له مستقل )
( فإن الجنان محل الجزاء ** وليس الجنان محل العمل ) وعندما فرغنا من الطعام أنشدت الأبيات شيخنا أبا البركات فقال لي لو اتشدتنيها وانتم بعد لم تفرغوا منه لأكلت معكم برا بهذه الابيات والحوالة في ذلك على الله تعالى انتهى
ومن نظم ابن خاتمة المذكور في فران
( رب فران جلا صفحته ** لهب الفرن جلاء العسجد )
( يضرم النار بأحشاء الورى ** مثلما يضرم في المستوقد )
( فكأن الوجه منه خبزة ** فوقها الشعر كقدر أسود ) احمد بن ضفوان وقال لسان الدين رحمه الله تعالى ولما قدمت مالقة آيبا من السفارة الى ملك المغرب محفوفا بفضل الله تعالى وجميل صنعه موفي المآرب مصحبا
____________________
(6/38)

بالاعانة لقيني على عادته مهنيا يعني احمد بن صفوان أحد أعلام مالقة وبقية أدبائها وصدور كتابها وأنشدني معيدا في الود مبديا وضمن غرضا له تعجل قضاءه والحمد لله تعالى
( قدمت بما سر النفوس اجتلاؤه ** فهنيت ما عم الجميع هناؤه )
( قدوما بخير وافر وعناية ** وعز مشيد بالمعالي بناؤه )
( ورفعة قدر لا يداني محلها ** رفيع وان ضاهى السماك اعتلاؤه )
( عنيت بأمر المسلمين فكلهم ** بما يرتجيه قد توالى دعاؤه )
( بلغت الذي أملته من صلاحهم ** فأدركت مأمولا عظيما جزاؤه )
( فيا واحدا أغنت عن الجمع ذاته ** وقام بأعباء الامور غناؤه )
( تشوقك الملك الذي بك فخره ** وأنت حقيقا حسنه وبهاؤه )
( فلا زال مزدانا بحليك جوده ** ولا زال موفورا عليك اصطفاؤه )
( وخصصت من رب العباد بنعمة ** ينيلكها تخصيصه واحتفاؤه )
( وعشت عزيزا في النفوس محببا ** يلبي بتبجيل وبر نداؤه )
( وقد جاءني داعي السرور مؤديا ** لحق هناء فرض عين أداؤه )
( ولي بعد هذا مأرب متوقف ** على فضلك الرحب الجناب قضاؤه )
( هززت له عطف البطرني راجيا ** له النجح فاستعصى وخاب رجاؤه )
( ولم يدر اني من علائك منتض ** حساما كفيلا بالنجاح انتضاؤه )
( يصمم إن هزته كفى لمعضل ** فيكفي العنا تصميمه ومضاؤه )
( فحقق له دامت سعودك حرمتي ** لديك يرحني مطله والتواؤه )
( وشارك محبا خالصا لك حبه ** قديما كريما عهده ووفاؤه )
( وصل بجزيل الرعى حبل ذمامه ** يصلك جزيلا شكره وثناؤه )
( بقيت وصنع الله يدني لك المنى ** ويوليك من مصنوعة ما تشاؤه )
( بحرمة من حقت سيادته على ** بني آدم والخير منه ابتداؤه )
____________________
(6/39)


وجمعت ديوان شعره أيام مقامي بمالقة عند توجهي صحبة الركاب السلطاني إلى إصراخ الخضراء عام أربعة وأربعين وسبعمائة وقدمت صدره خطبة وسميت الجزء ب الدرر الفاخرة واللجج الزاخرة 9 - أجازة ابن صفوان للسان الدين
وطلبت منه أن يجيزني وولدي عبد الله رواية ذلك عنه فكتب بخطه الرائق بظهر المجموع ما نصه الحمد لله مستحق الحمد أجبت سؤال الفقيه الاجل الافضل السرى الماجد الأوحد الاحفل الاديب البارع الطالع في افق المعرفة والنباهة والرفعة المكينة والوجاهة بابهى المطالع المصنف الحافظ العلامة الحائز في فني النظم والنثر واسلوبي الكتابة والشعر رتبة الرياسة والامامة محلي جيد العصر بتاليفة الباهرة الرواء ومجلي محاسن بنية الرائقة على منصة الاشادة والانباء ابي عبد الله ابن الخطيب وصل الله تعالى سعادته وحرس مجادته وسني من الخير الاوفر والصنع الابهر مقصده وإرادته وبلغه في نجله الاسعد وابنه الراقي بمحتده الفاضل ومنشئه الاطهر محل الفرقد افضل ما يؤمل نحلته اياه من المكرمات وافادته وأجزت له ولابنه عبد الله المذكور ابقاهما الله تعالى في عزة سنية الخلال وعافية ممتدة الافياء وارفة الظلال رواية جميع ما تقيد في الأوراق المكتتب على ظهر اول ورقة منها من نظمي ونثري وما توليت انشاءه واعتمدت بالارتجال والرواية اختياره وانتقاءه ايام عمري وجميع ما لي من تصنيف وتقييد ومقطوعة وقصيد وجميع ما أحمله عن أشياضي رضى الله تعالى عنهم من العلوم وفنون المنثور والمنظوم باي وجه تأدى ذلك الي وصح حملي له وثبت اسناده لدي اجازة تامة في ذلك كله عامة على سنن الاجازات الشرعي وشرطها
____________________
(6/40)


المأثور عند أهل الحديث المرعى والله ينفعنى وإياهما بالعلم وحمله وينظمنا جميعا فى سلك حزبه المفلح وأهله ويفيض علينا من أنوار بركته وفضله قال ذلك وكتبه بخط يده الفانية العبد الفقير الى الله الغنى به أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن صفوان ختم الله تعالى له بخير حامدا الله تعالى ومصليا ومسلما على نبيه المصطفى الكريم وعلى آله الطاهرين ذوى المنصب العظيم وصحابته البررة أولى الأثرة والتقديم فى سادس ربيع الآخر عام أربعة وأربعين وسبعمائة وحسبنا الله ونعم الوكيل انتهى 10 - من العذرى إلى لسان الدين
وكتب الفقيه أبو جعفر ابن عبد الملك العذرى من أهل سبتة الى لسان الدين رحمه الله تعالى فى بعض الأغراض
( إنى بمجدك لم أزل مستيقنا ** أن لا يهدم بالتغير ما بنى )
( إذ أنت أعظم ماجد يعزى له ** صفح وأكرم من عفا عمن جنى ) وكتب أيضا
( إن كان دهرى قد أساء وجارا ** فذمام مجدك لا يضيع جارا )
( فلأنت أعظم ملجإ ينجى إذا ** ما الدهر أنجد موعدا وأغارا ) 11 - رسالة من لسان الدين الى ابن نفيس
وقال لسان الدين رحمه الله تعالى خاطبت الشيخ الشريف الفاضل أبا عبد الله ابن نفيس صحبة ثمن مسكن اشتريته منه وكان قد أهدانى فرسا عتيقا
( جزيت يا ابن رسول الله أفضل ما ** جزى الإله شريف البيت يوم جزى )
____________________
(6/41)


( إن أعجز الشكر منى منه ضعفت ** عن بعض حقك شكر الله ما عجزا )
سيدى أبقى الله شرفك تشهد به الطباع إذا بعدت المعاهد المقدسة والرباع وتعترف به الأبصار والأسماع وإن جحدت عارضها الإجماع بأى لسان أثنى أم أي الأفنان أهصر واجنى أم أى المقاصد الكريمة أعنى أمطيت جوادك المبارك وأسكنت دارك وأوسعت مطلبى اصطبارك وهضمت حقك وبوأت جوارك ووصلت للغرباء إيثارك أشهد بانك الكريم ابن الكريم لا أقف فى تعدادها عند حد إلى خير جد فإن أعان الدهر على مجازاة وإن ترفع كرمك عن موازاة فحاجة نفس قضيت وأحكام آمال أمضيت وإن اتصل العجز فعين على القذى أغضيت ومناصل عزم ما انتضيت وعلى كل حال فالثناء ذائع والحمد شائع واللسان والحمد لله طائع والله مشتر ما أنت بائع وقد وجهت من يحاول لسيدى ثمن ما اكتسبه مجده وسفر عنه حمده والعقيدة بعد التراضى وكمال التقاضى وحميد الصبر وسعة التغاضى وكونه الخصم والقاضى أنه هبة سوغها إنعامه وأكله هناها مطعامه نسأل الله تعالى أن يعلى ذكره ويتولى شكره وينمى ماله ويرفع قدره والولد جاره الغريب الذى برز إلى مقارعة الأيام عن خبره قاصرة وتجربة غير منجده على الدهر وناصرة قد جعلته وديعة فى كرم جواره ووضعته فى حجر إيثاره فإن زاغ فيده العليا فى تبصيرة ومؤاخذته بتقصيره ومن نبه مثله نام ومن استنام إليه بمهمة أكرم بمن إليه استنام وإن تشوف سيدى لحال محبه فمطلق للدنيا من عقال ورافض أثقال ومؤمل اعتياض بخدمة الله تعالى وانتقال انتهى
____________________
(6/42)

12 - من لسان الدين إلى ابن رضوان
وقال رحمه الله تعالى مما خاطبت به صدر الفضلاء الفقيه المعظم أبا القاسم ابن رضوان بما يظهر داعيته من فحواه
( مرضت فأيامى لديك مريضة ** وبرؤك مقرون ببرء اعتلالها )
( فلا راع تلك الذات للضر رائع ** ولا وسمت بالسقم غر خلالها )
وردت على من فئتى التى إليها فى معرك الدهر أتحيز وبفضل فضلها فى الأقدار المشتركة أتميز سحاءة سرت وساءت وبلغت من القصدين ما شاءت أطلع بها سيدى صنيعة وده من شكواه على كل عابث فى السويداء موجب اقتحام البيداء مضرم نار الشفقة فى فؤاد لم يبق من صبره إلا القليل ولا من إفصاح لسانه إلا الأنين والأليل ونوى مدت الغير ضرورة يرضاها الخليل فلا تسأل عن ضنين تطرقت اليد إلى رأس ماله أو عابد نوزع متقبل أعماله أو آمل ضويق فى فذلكة آماله لكننى رجحت دليل المفهوم على دليل المنطوق وعارضت القواعد الموحشة بالفروق ورايت الخط يبهر والحمد لله تعالى ويروق واللفظ الحسن تومض فى حبره للمعنى الأصيل بروق فقلت ارتفع الوصب ورد من الصحة المغتصب وآله الحس والحركة هى العصب وإذا أشرق سراج الإدراك دل على سلامة سليطه والروح خليط البدن والمرء بخليطة وعلى ذلك فلا يقنع بليد احتياطى إلا الشرح ففيه يسكن الظمأ البرح وعذرا عن التكليف فهو محل الاستقصاء والاستفسار والإطناب والإكثار وزند القلق فى مثلها أورى والشفيق بسوء الظن مغرى وسيدى هو العمدة التى سلمت لى الأيام فيها وقالت حسب آمالك ويكفيها فكيف لا أشفق ومن أنفق من عينه فأنا من عينى لا أنفق والله لا يحبط سعيى فى سؤال عصمتها ولا يخفق ويرشد إلى شكره على ما وهب منها ويوفق والسلام الكريم على سيدى البر الوصول
____________________
(6/43)

الذى زكت منه الفروع لما طابت الأصول وخلص من وده لابن الخطيب المحصول ورحمه الله تعالى وبركاته 13 - جواب ابن رضوان
قال فراجعنى حفظ الله سيادته بما نصه
( متى شئت ألفى من علائك كل ما ** ينيل من الآمال خير منالها )
( كبرء اعتلال من دعائك زارنى ** وعادات بر لم ترم عن وصالها )
أبقى الله ذلك الجلال الأعلى متطولا بتأكيد البر متفضلا بموجبات الحمد والشكر وردتنى سحاءته المشتملة على معهود تشريفه وفضله الغنى عن تعريفه متحفيا فى السؤال عن شرح الحال ومعلنا بما تحلى به من كرم الخلال والشرف العال والمعظم على ما يسر ذلك الجلال الوزارى الرياسى أجراه الله تعالى على أفضل ما عوده كما أعلى فى كل مكرمة يده ذلك ببركة دعائه الصالح وحبه المخيم بين الجوانح والله سبحانه المحمود على نعمه ومواهب لطفه وكرمه وهو سبحانه المسؤول أن يهيىء لسيدى قرار الخاطر على ما يسره فى الباطن والظاهر بمن الله تعالى وفضله والسلام الكريم على جلاله الأعلى ورحمة الله وبركاته كتبه المعظم الشاكر الداعى الذاكر المحب ابن رضوان وفقه الله تعالى فى ذى الحجة ختام عام واحد وستين وسبعمائة انتهى 14 - من لسان الدين إلى الجنان
وقال رحمه الله تعالى وفاتحته يعنى الشيخ الجنان محركا قريحته ومستثيرا ما عنده بقولى
____________________
(6/44)


( إن كانت الآداب أضحت جنة ** فلقد غدا جنانها الجنان )
( أقلامه القضب اللدان بدوحها ** والزهر ما رقمته منه بنان )
وذكر بعد البيتين سجعا بليغا 15 - جواب الجنان
ثم قال فراجعنى الجنان بما نصه
( يا خاطب الآداب مهلا فقد ** ردك عن خطبتها ابن الخطيب )
( هل غيره فى الأرض كفء لها ** وشرطها الكفاة قول مصيب )
( أصبح للشرط بها معرسا ** فاستفت فى الفسخ فهل من مجيب )
أيها السيد الذى يتنافس فى لقائه ويتغالى ويصادم بولائه صرف الزمان ويتعالى وتستنتج نتائج الشرف بمقدمات عرفانه وتقتنص شوارد العلوم بروايات كلامه فكيف بمداناة عيانه جلوت على من بنات فكرك عقائل نواهد وأقمت بها على معارفك الجمة دلائل وشواهد واقتنصت بشرك بديهتك من المعانى أوابد شوارد وفجرت من بلاغتك وبراعتك حياضا عذبة الموارد ثم كلفتنى من إجراء ظالعى فى ميدان ضليعها مقابلة الشمس المنيرة بسراج عند طلوعها فأخلدت إخلاد مهيض الجناح وفررت فرار الأعزل عن شاكى السلاح وعلمت أنى إن أخذت نفسى بالمقابلة وأدليت دلو قريحتى للمساجلة كنت كمن كلف الأيام مراجعة أمسها أو طلب ممن علته السماء محاولة لمسها وإن رضيت من القريحة بسجيتها وأظهرت القدر الذى كنت امتحت من ركيتها أصبحت مسخرة للراوين والسامعين ونبت عن أسمى دواوينهم نانها الجنان )
( أقلامه القضب اللدان بدوحها ** والزهر ما رقمته منه بنان ) وذكر بعد البيتين سجعا بليغا 15 - جواب الجنان ثم قال فراجعنى الجنان بما نصه
( يا خاطب الآداب مهلا فقد ** ردك عن خطبتها ابن الخطيب )
( هل غيره فى الأرض كفء لها ** وشرطها الكفاة قول مصيب )
( أصبح للشرط بها معرسا ** فاستفت فى الفسخ فهل من مجيب )
أيها السيد الذى يتنافس فى لقائه ويتغالى ويصادم بولائه صرف الزمان ويتعالى وتستنتج نتائج الشرف بمقدمات عرفانه وتقتنص شوارد العلوم بروايات كلامه فكيف بمداناة عيانه جلوت على من بنات فكرك عقائل نواهد وأقمت بها على معارفك الجمة دلائل وشواهد واقتنصت بشرك بديهتك من المعانى أوابد شوارد وفجرت من بلاغتك وبراعتك حياضا عذبة الموارد ثم كلفتنى من إجراء ظالعى فى ميدان ضليعها مقابلة الشمس المنيرة بسراج عند طلوعها فأخلدت إخلاد مهيض الجناح وفررت فرار الأعزل عن شاكى السلاح وعلمت أنى إن أخذت نفسى بالمقابلة وأدليت دلو قريحتى للمساجلة كنت كمن كلف الأيام مراجعة أمسها أو طلب ممن علته السماء محاولة لمسها وإن رضيت من القريحة بسجيتها وأظهرت القدر الذى كنت امتحت من ركيتها أصبحت مسخرة للراوين والسامعين ونبت عن أسمى دواوينهم
____________________
(6/45)

كما تنبو عن الأشيب عيون العين ثم إن أمرك يا سيدى لا يحل وثيق مبرمه ولا يحل نسخ محكمه فامتثلته امتثال من لم يجد فى نفسه حرجا من قضائك ورجوت حسن تجاوزك واغضائك أبقاك الله تعالى قطبا لفلك المكارم والمآثر وفصا لخاتم المحامد والمفاخر والسلام انتهى ترجمة ابن الجنان
والجنان المذكور مغربى من مكناسة الزيتون وهو الشيخ الفقيه العدل الأديب الأخبارى المشارك أبو جعفر أحمد بن محمد بن إبراهيم الأوسى الجنان من أهل الظرف والانطباع والفضيلة كاتب عاقل ناظم ناثر مشارك فى فنون من العلم له تصنيف حسن فى ثلاث مجلدات سماه المنهل المورود فى شرح المقصد المحمود شرح فيه وثائق أبى القاسم الجزيرى المالكى فأربى على غيره بيانا وإفاده قال فى نفاضه الجراب وناولنى إياه وأذن لى فى حملى عنه وأنشدنى كثيرا من شعره فمن ذلك ما صدر به رسالة يهنىء بها ناقها من مرض
( البس الصحة بردا قشيبا ** وارشف النعمة ثغرا شنيبا )
( واقطف الآمال زهرا نضيرا ** واعطف الإقبال غصنا رطيبا )
( إن يكن ساءك وعك تقضى ** تجد الأجر عظيما رحيبا )
( فانتعش فى دهرنا ذا سرور ** يصبح الحاسد منه كئيبا ) مقطعات وقصائد تكتب على المبانى
وقال أيضا لسان الدين فى النفاضة قرأت بالدور الخشبى فى الدار التى
____________________
(6/46)

نزلت بها بمكناسة الزيتون أبياتا منقشة استحسنتها لسهولتها فأخبرنى أنها من نظمه وهى
( انظر إلى منزل متى نظرت ** عيناك يعجبك كل ما فيه )
( ينبىء عن رفعة لمالكه ** وعن ذكاء الحجى لبانيه )
( يناسب الوشى فى أسافله ** ما يرقم النقش فى أعاليه )
( كأنه روضة مدبجة ** جاد لها وابل بما فيه )
( فأظهرت للعيون زخرفها ** ووافقتها على تجليه )
( فهو على بهجة تلوح به ** ورونق للجمال يبديه )
( يشهد للساكنين أن لهم ** من جنة الخلد ما يحاكيه )
قلت قد تذكرت هنا والشىء بالشىء يذكر ما رأيته مكتوبا على دائرة مجرى الماء بمدرسة تلمسان التى بناها أمير المسلمين ابن تاشفين الزيانى وهى من بدائع الدنيا وهو
( انظر بعينك بهجتى وسنائى ** وبديع إتقانى وحسن بنائى )
( وبديع شكلى واعتبر فيما ترى ** من نشأتى بل من تدفق مائى )
( جسم لطيف ذائب سيلانه ** صاف كذوب الفضة البيضاء )
( قد حف بى أزهار وشى نمقت ** فغدت كمثل الروض غب سماء )
وما أنشده بعض أهل العصر فى المغرب بقصد أن يرسم فى الأستار المذهبة المحكمة الصنعة التى جعلها السلطان المنصور أبو العباس الشريف الحسنى رحمه الله تعالى لكى يستر بها النواحى الأربع من القبة الكبيرة بالبديع وتسمى هذه الستور عند أهل المغرب بالحائطى ففى الجهة الأولى
( متع جفونك من بديع لباسى ** وأدر على حسنى حميا الكاس )
____________________
(6/47)


( هذي الربى والروض من جرعائها ** مما اغتذى بالعارض البجاس )
( أنى لروض أن يروق بهاؤه ** مثلى وأن يجرى على مقياس )
( فالروض تغشاه السوام وانما ** تأوى الى كنفى ظباء كناس )
وعلى الجهة الثانية
( من كل حسنا كالقضيب إذا انثنى ** تزرى بغصن البانة المياس )
( ولقد نشرت على السماك ذوائبى ** ونظرت من شزر إلى الكناس )
( وجررت ذيلى بالمجرة عابثا ** فخرا بمخترعى أبى العباس )
( ما نيط مثلى فى القباب ولا ازدهت ** بفتى سواه مراتب وكراسى )
وعلى الجهة الثالثة
( ملك تقاصرت الملوك لعزه ** ورماهم بالذل والإتعاس )
( غيث المواهب بحر كل فضيلة ** ليث الحروب مسعر الأوطاس )
( فرد المحاسن والمفاخر كلها ** قطب الجمال أخو الندى والباس )
( ملك إذا وافى البلاد تأرجت ** منه الوهاد بعاطر الأنفاس ) وعلى الجهة الرابعة
( وإذا تطلع بدره من هالة ** يعشي سناه نواظر الجلاس )
( أيامه غررا تجلت كلها ** ابهى من الأعياد والأعراس )
( لا زال للمجد السنى يشيده ** ويقيم مبناه على الآساس )
( ما مال بالغصن النسيم وحببت ** دررالندى فى جيده المياس )
وما أنشدنيه بعض العصريين من المغاربة لصاحبنا المرحوم الفقيه الكاتب
____________________
(6/48)

المحقق أبى محمد الحسن بن أحمد المسفيوي المراكشى أحد مشاهير الكتاب بباب أمير المؤمنين المنصور بالله أبى العباس الشريف الحسنى ملك المغرب صب الله تعالى على الجميع أمطار الرضوان مما كتب فى بعض مبانى صاحبنا الوزير العلامة الأجل سيدى عبد العزيز الفشتالى رحمه الله تعالى وهو
( أجل المعلى من قداح سرورى ** وأدر كؤوس الأنس دون شرور )
( ** خلعت على عطف البهاء محاسنى ** فكست به الآفاق ثوب حبور )
( وتناسق الوشى المفوف حلتى ** نسق الشذور على نحور الحور )
( شأو القصور قصورها عن رتبة ** لى بالسنا الممدود والمقصور )
( فى المبتنى المراكشى وأفقه ** أزرى على الزوراء والخابور )
( أعلى مقامى البارع الأسمى الذى ** قد حاز سبق النظم والمنثور )
( فإذا أقل بنانه أقلامه ** نفثت عقود السحر بين سطور )
( عبد العزيز أخو الجلالة كاتب ** سر الخليفة أحمد المنصور )
( لا زال فى يمن وأمن ما شدت ** ورق بروض بالندى ممطور )
وبعضه كتبته بالمعنى من حفظى لطول العهد والغاية فى هذا الباب ما أنشدنيه لنفسه الوزير أبو فارس عبد العزيز الفشتالى المذكور وهى جملة من قصائد كتبت فى المبانى الملوكية المنصورية بالحضرة المراكشية حاطها الله تعالى فمنها ما كتب خارج القبة الخمسينية أى التى فيها خمسون ذراعا بالعمل وذلك قوله رحمه الله تعالى على لسان القبة
____________________
(6/49)


( سموت فخر البدر دونى وانحطا ** وأصبح قرص الشمس فى أذنى قرطا )
( وصغت من الإكليل تاجا لمفرقى ** ونيطت بى الجوزاء فى عنقى سمطا )
( ولاحت بأطواقى الثريا كأنها ** نثير جمان قد تتبعته لقطا )
( وعديت عن زهر النجوم لاننى ** جعلت على كيوان رحلى منحطا )
( وأجريت من فيض السماحة والندى ** خليجا على نهر المجرة قد غطى )
( عقدت عليه الجسر للفخر فارتمت ** إليه وفود البحر تغرف ما أنطى )
( تنضنض ما بين الغروس كأنه ** وقد رقرقت حصباؤه حية رقطا )
( حواليه من دوح الرياض خرائد ** وغيد تجر من خمائلها مرطا )
( إذا أرسلت لدن الفروع وفتحت ** جنى الزهر لاح فى ذوائبها وخطا )
( يرنحها مر النسيم إذا سرى ** كما مال نشوان تشرب إسفنطا )
( يشق رياضا جادها الجود والندى ** سواء لديها الغيث أسكب أم أخطا )
( وسالت بسلسال اللجين حياضه ** بحارا غدا عرض البسيط لها شطا )
( تطلع منها وسط وسطاه دمية ** هى الشمس لا تخشى كسوفا ولا غمطا )
( حكت وحباب الماء فى جنباتها ** سنا البدر حل من نجوم السما وسطا )
( إذا غازلتها الشمس ألقى شعاعها ** على جسمها الفضى نهرا بها لطا )
( توسمت فيها من صفاء أديمها ** نقوشا كأن المسك ينقطها نقطا )
( إذا اتسقت بيض القباب قلادة ** فإنى لها فى الحسن درتها الوسطى )
( تكنفنى بيض الدمى فكأنها ** عذارى نضت عنها القلائد والريطا )
( قدود ولكن زانها الحسن عريها ** وأجمل فى تنعيمها النحت والخرطا )
( نمت صعدا تيجانها فتكسرت ** قوارير أفلاك السماح بها ضغطا )
( فيا لك شأوا بالسعادة آهلا ** بأكنافه رحل العلا والهدى حطا )
____________________
(6/50)


( وكعبة مجد شادها العز فانبرت ** تطوف بمغناها امانى الورى شوطا )
( ومسرح غزلان الصريم كناسها ** حنايا قباب لا الكثيب ولا السقطا )
( فلكن به ما طاب لا الأثل والخمطا ** ووسدن فيه الوشى لا السدر والأرطى )
( تراه من المسك الفتيت مدبرا ** إذا مازجته السحب عاد بها خلطا )
( وأن باكرته نسمة سحرا سرى ** إلى كل أنف عرف عنبره قسطا )
( أقرت له الزهراء والخلد وانتقت ** أواوين كسرى الفرس تغبطه غبطا )
( جناب رواق المجد فيه مطنب ** على خير من يعزى لخير الورى سبطا )
( إمام يسير الدهر تحت لوائه ** وترسى سفان للعلا حيثما وطا )
( وفتاح أقطار البلاد بفيلق ** يفلق هامات العدا بالظبى خبطا )
( تطلع من خرصانه الشهب فانثنت ** ذوائب أرض الزنج من ضوئها شمطا )
( كتائب نصر إن جرت لملمة ** جرت قبلها الأقدار تسبقها فرطا )
( إذا ما عقدن راية علوية ** جعلن ضمان الفتح فى عقدها شرطا )
( فما للسما تلك الأهلة إنما ** سنابكها أبقت مثالا بها خطا )
( يطاوع أيدى المعلوات عنانها ** فيعتاض من قبض الزمان بها بسطا )
( يد لأمير المؤمنين بكفها ** زمام يقود الفرس والروم والقبطا )
( أدار جدارا للعلا وسرادقا ** يحوط جهات الأرض من رعية حوطا )
وقوله مما كتب ببهوها بمرمر اسود فى أبيض
( لله بهو عز منه نظير ** لما زها كالروض وهو نضير )
( رصفت نقوش حلاه رصف قلائد ** قد نضدتها فى النحور الحور )
( فكأنها والتبر سال خلالها ** وشى وفضة تربها كافور )
____________________
(6/51)


( وكأن أرض قراره ديباجة ** قد زان حسن طرازها تشجير )
( وإذا تصعد نده نوءا ففى ** أنماطه نور به ممطور )
( شأو القصور قصورها عن وصفه ** سيان فيه خورنق وسدير )
( فإذا أجلت اللحظ فى جنباته ** يرتد وهو بحسنه محسور )
( وكأن موج البركتين أمامه ** حركات سجف صافحته دبور )
( صفت بصفتها تماثل فضة ** ملك النفوس بحسنها تصوير )
( فتدير من صفو الزلال معتقا ** يسرى إلى الأرواح منه سرور )
( ما بين آساد يهيج زئيرها ** وأساود يسلى لهن صفير )
( ودحت من الأنهار أرض زجاجة ** وأظلها فلك يضىء منير )
( راقت فمن حصبائها وفواقع ** تطفو عليها اللؤلؤ المنثور )
( يا حسنه من مصنع فبهاؤه ** باهى نجوم الأفق وهى تنور )
( وكأنما زهر الرياض بجنبه ** حيث التفت كواكب وبدور )
( ولدسته الأسمى تخير رصفه ** فخر الورى وإمامها المنصور )
( ملك أناف على الفراقد رتبة ** وأقلة فوق السماك سرير )
( قطب الخلافة تاج مفرق دولة ** رميت بجحفلها اللهام الكور )
( وجرى إلى أقصى العراق لرعيها ** جيش على جسر الفرات عبور )
( نجل النبى ابن الوصى سليل من ** حقن الدماء وعف وهو قدير )
( بحر الندى لكنه متموج ** سيف العلا لكنه مطرور )
( طود يخف لحلمه ووقاره ** ولجيشه يوم النزال ثبير )
( دامت معاليه ودام ومجده ** طوق على جيد العلا مزرور )
( وتعاهدته عن الفتوح بشائر ** يغدو عليه بها المسا وبكور )
____________________
(6/52)

)
( ما دام منزل سعده يرقى به ** نصر يرف لواؤه المنشور )
( ومشت به مرحا جياد مسرة ** وأدار كاس الأنس فيه سمير )
وقوله مما كتب بداخل القبة المذكورة
( جمال بدائعى سحر العيونا ** ورونق منظرى بهر الجفونا )
( وقد حسنت نقوشى واستطارت ** سنا يعشى عيون الناظرينا )
( وأطلع سمكى الأعلى نجوما ** ثواقب لا تغورالدهر حينا )
( وجوى من دخان الند ألقى ** على أرضى الغياهب والدجونا )
( علوت دوائر الأفلاك سبعا ** لذاك الدهر ما ألفت سكونا )
( فصغت من الأهلة والحنايا ** أساور والخلاخل والبرينا )
( تكنفنى حياض مائحات ** أمامى والشمال أو اليمينا )
( يقيد حسنها الطرف انفساحا ** ويجرى الفلك فيها والسفينا )
( تدافع نهرها نحوي فلما ** تلاقى البحر فى جرى دفينا )
( ترى شهب السماء بهن غرقى ** فتحسبها بها الدر المصونا )
( وقد نشر الحباب على سماها ** لآلىء تزدري العقد الثمينا )
( فخرت وحق لى لما اجتبانى ** لمجلسه أمير المؤمنينا )
( هو المنصور حائز خصل سبق ** وبانى المجد بنيانا مكينا )
( وليث وغى إذا زأر امتعاضا ** يروع زئيره هندا وصينا )
( إذا أمت كتائبه الأعادى ** بعثن برعبه جيشا كمينا )
____________________
(6/53)


( يدير عليهم من كل حرب ** تدقهم رحى أو منجنونا )
( إمام بالمغارب لاح شمسا ** بها الشرق اكتسى نورا مبينا )
( بقيت بذي القصور الغر بدرا ** تلوح بافقهن مدى السنينا )
( تحف بكم عواكف عند بابى ** ملائكة كرام كاتبونا )
( لك البشرى أمير المؤمنين اد ** خلوها بسلام آمنينا )
وقوله فى بعض المبانى المنصورية
( معانى الحسن تظهر فى المغانى ** ظهور السحر فى حدق الحسان )
( مشابه فى صفات الحسن أضحت ** تمت بها المغانى للغوانى )
( بكل عمود صبح من لجين ** تكون فى استقامة خوط بان )
( مفصلة القدود مثلثات ** مواصلة العناق من التدانى )
( تردت سابرى الحسن يزرى ** بحسن السابرى الخسروانى )
( وتعطو الخيزرانة من دماها ** بسالفة القطيع البرهمانى )
( لمجدك تنتمى لكن نماها ** إلى صنعاء ما صنع اليدان )
( يدين لك ابن ذى يزن ويعنو ** لها غمدان فى أرض اليمان )
( غدت حرما ولكن حل فيها ** لوفدكم الأمان مع الأمانى )
( مبان بالخلافة آهلات ** بها يتلوالهدى السبع المثانى )
( هى الدنيا وساكنها إمام ** لأهل الأرض من قاص ودانى )
( قصور ما لها فى الأرض شبه ** وما فى المجد للمنصور ثانى )
وقوله رحمه الله تعالى مما كتب فى المصرية المطلة على الرياض المرتفعة
____________________
(6/54)

على القبة الخضراء من بديع المنصور وكان إنشاؤها فى جمادى الأولى من عام خمسة وتسعين وتسعمائة
( باكر لدى من السرور كؤوسا ** وارض النديم أهلة وشموسا )
( واعرج على غرفى المنيف سماؤها ** تلق الفراقد فى حماي جلوسا )
( وإذا طلعت بأوجها قمر العلا ** لا ترتضى غير النجوم جليسا )
( شرق القصور بريقها لما اجتلت ** منى على بسط الرياض عروسا )
( واعتضت بالمنصور أحمد ضيغما ** وردا تحيز من بديعى خيسا )
( ملك أرى كل الملوك ممالكا ** لعلاه والدنيا عليه حبيسا )
( دامت وفود السعد وهي عواكف ** تصل المقيل لدي والتعريسا )
( وهناك يا شرف الخلافة دولة ** تلقى برايتها طلائع عيسى )
وقوله من جملة قصيدة من نمط ما تقدم لم أستحضر أولها
( سلبت تماثلها الحجى لما اغتدت ** تزهو بحسن طرازها تذهيبا )
( ولقد تشامخ فى العلو سماكها ** فجرى على الفلك المنير جنيبا )
( وسما الى الشهب الزواهر فاغتدى ** الإكليل منها تاجها المعصوبا )
( هذا البديع يعز شبه بدائع ** أبدعتهن به فجاء غريبا )
( أضنى الغزالة حسنة حسدا لذا ** أبدى عليها للأصيل شحوبا )
( وانقضت الزهر المنيرة إذ رأت ** زهر الرياض به ينور عجيبا )
( شيدتهن مصانعا وصنائعا ** أنجزن وعدك للعلا المرقوبا )
____________________
(6/55)


( وجريت فى كل الفخار لغاية ** أدركتها أو ما مست لغوبا )
( فانعم بملكك فيه دام مؤبدا ** تجنى به فنن النعيم رطيبا )
( وإليكها عذراء فكر أهديت ** وجعلت مدحك مهرها الموهوبا )
( ونظمت من درر البلاغة عقدها ** فغدا يروق بجيدها ترتيبا )
( ورفعتها لمقامكم تمشى على ** استحيا فيزعجها الولا ترغيبا )
( فأتت على شرف لكم فتوقفت ** لما رأت ذاك الجلال مهيبا )
( شفعت إليك بحب جدك أحمد ** لتنيلها منك الرضى المرغوبا )
( دامت بك الدنيا يروق جمالها ** وإلى القيامة أمركم مرهوبا )
( وكلاكم الله العظيم كلاءة ** يرعى بها خلفا لكم وعقيبا ) رسالة من الفشتالى إلى المؤلف
ومحاسن صاحبنا المذكور فى النظم والنثر يضيق عنها هذا التأليف وكنت أثبت منها جملة فى غير هذا الموضع
ولما أحس بعزمى على الرحلة إلى الحجاز واقتضائى من سلطان المغرب فى وعده لى بها النجاز كتب إلى من حضرة مراكش وأنا حينئذ بفاس ما صورته بعد سطر الافتتاح
( يا نسمة عطست بها أنف الصبا ** فتضمخت بعبيرها قنن الربى )
( هبى على ساحات أحمد واشرحى ** شوقى إلى لقياه شرحا مطنبا )
( وصفى له بالمنحنى من أضلعى ** قلبا على جمر الغضا متقلبا )
( بان الأحبة عنه حى قد توى ** منهم وآخر قد ناى وتغيبا )
( فعساك تسعد يا زمان بقربهم ** فأقول أهلا باللقاء ومرحبا )
السيادة التى سواها الله من طينة الشرف والحسب وغرس دوحتها الطيبة بمعدن العلم الزاكى المحتد والنسب سيادة العالم الذى تمشى تحت علم فتياه
____________________
(6/56)

العلماء الأعلام وتخضع لفصاحته وبلاغته صيارفة النثر والنظام وحملة الأقلام كلما خط أو كتب وإذا استطار بفكرة الوقاد سواجع السجع انثالت عليه من كل أو كارها ونسلت من كل حدب وحكت بانسجامها السيل والقطر فى صبب الفقيه العالم العلم والمحصل الذى ساجلت العلماء لتدرك فى مجال الإدراك شأوه فلم سيدنا الفقيه الحافظ حامل لواء الفتيا ومالك المملكة فى المنقول والمعقول من غير شرط ولا ثنيا أبو العباس سيدى أحمد بن محمد المقرى أبقاه الله تعالى للعلم يفتض أبكاره ويجنى من روضه اليانع ثماره سلام الله عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته كتبه المحب الشاكر عن ود راسخ العماد ثابت الأوتاد مزهر الأغوار والأنجاد ولا جديد إلا الشوق الذى تحن إلى لقياكم ركائبه وترتاح وتحوم على مورد الأنس بكم حوم ذات الجناح على العذب القراح جمع الله تعالى الأرواح المؤتلفة على بساط السرور وأسرة الهنا وأتاح للنفوس من حسن محاضرتكم قطف المشتهى وهو غض الجنى
وقد اتصل بالمحب الودود الرقيم الذى راقت من سواد النقش وبياض الطرس شياته وأرانا معجز أحمد فبهرت آياته وخبا سقط الزند لما أشرقت من سماء فكركم آياته فأطربنا بتغريد طيور همزاته على أغصان ألفاته وعوذنا بالسبع المثانى بنانا أجادت نثر زهراته على صفحاته ثم مررنا بتضاعيفه بسوق الرقيق فرمنا السلوك على منحاها فعمى علينا الطريق وقلنا واها على سوق ابن نباتة وكساد رقيقها واستلاب البهجة عن نفيس دررها وأنيقها لا كسوق نفق فيها سوق الغزل وعلا كعب الرامح والأعزل وتضافر على سحر النفوس والألباب هاروت الجد وماروت الهزل وقد ألقينا السلاح وجنحنا للسلم وتهيأنا للسباحة فوقفنا بساحل اليم وسلمنا لمن استوت به سفينة البلاغة على الجودى فأبنا والحمد لله على السلامة بالفهاهة والعى وقلنا ما لنا وللإنشاء فهو فضل الله يؤتيه من يشاء
وعذرا أيها الشيخ عن البيت الذى عطست به أنف الصبا فقذفت به البديهة
____________________
(6/57)

من الفم وشرقت به صدر قناة القلم كما شرقت صدر القناة من الدم
وأما ما تحمل الرسول من كلام فى صورة ملام لا بل مدام أترع به من سلاف المحبة كأس وجام فلا وربك ما هى إلا نفحة نفحت لا سموم لفحت هززنا بها جذع أدبكم كى يتساقط علينا رطبا جنيا ويهمى ودقه على الربع المحيل من أفكارنا وسميا ووليا فجاد وأروى وأجاد فيما روى وأحيا من القرائح ميتا كان حديثا يروى وطرسا بين أنامل الأيام ينشر ويطوى أحيا الله تعالى قلوبنا بمعرفتة ونواسم رحمته وعرج بأرواحنا عند الممات إلى المحل الأخص بالمؤمن من حضرته
وأهدى السلام المزرى بمسك الختام إلى الفقيهين الأمجدين الصدرين الأنجدين الفذين التوأمين الفاضلين المجيدين فارسى البراعة واليراعة ورئيسى الجماعة فى هذه الصناعة رضيعى لبان الأدب وواسطتى عقده ومجيلى قدحه المعلى وموريى زنده الممتعين بشميم عراره ورنده الكارعين بالبحر الفياض من هزله وجده الآتيين بالجنس والفصل من رسمه وجده الكاتب البارع أبى الحسن سيدي على ابن أحمد الشامى والكاتب البليغ أبى عبد الله سيدى محمد بن على الوجدى وأقرر لهما الود المستحكم المعاقد الصافى المناهل العذب الموارد وأنى قائم بورد الثناء عليكم وعليهما لدى المقام العلى الإمامى الناصرى دام سلطانه وتمهدت أوطاره وأوطانه
وننهى إليكم أن الفقيه المحب الأستاذ سيدى محمد بن يوسف طلق اللسان بالشكر صادح على أيك الثناء عن تلكم السيادة بما واليتموه به من جزيل الإحسان وقابلتموه به عند الورود والصدر من البشر والكرامة وجميل الأمتنان والسلام التام معاد عليكم ورحمه الله تعالى وبركاته وبه وجب الكتب إليكم
____________________
(6/58)

والله سبحانه يرعاكم فى يوم الخميس موفى عشرين من محرم الحرام فاتح سبعة وعشرين وألف المحب الودود الشاكر عبد العزيز بن محمد الفشتالى لطف الله تعالى به وخار له بمنه وكرمه انتهى
ومن أراد شيئا من أخباره فعليه بكتابى الموسوم ب روضة الآس العاطر الأنفاس فى ذكر من لقيته من أعلام مراكش وفاس وقد بلغتنى وفاته رحمه الله تعالى وأنا فى مصر بعد عام ثلاثين وألف رحمه الله تعالى فلقد كان أوحد عصره حتى ان سلطان المغرب كان يقول إن الفشتالى نفتخر به على ملوك الأرض ونبارى به لسان الدين ابن الخطيب رحم الله تعالى الجميع تعريف بأبى الحسن الشامى
والشامى الذى أشار إليه هو من أعيان أهل فاس وذوى البيوت بها وجده قدم من الشام على حضره فاس فشهر بنوه بالنسبة إلى الشام وقد بلغتنى وفاته أيضا بعد الثلاثين بعد الألف وقد أجاب عن الأبيات البائية التى خاطبنى بها الوزير سيدى عبد العزيز الفشتالى المذكور رحم الله تعالى الجميع بقوله
( نمت نوافح عرف أنفاس الصبا ** فنمى بها روض الوداد وأخصبا )
( نثرت جواهر سلكها فتتوج ** الغصن النضير بدرها وتعصبا )
( ورمت محاجر منحنى ذاك الحمى ** فغدا بها خيف القلوب محصبا ** )
( وروت أحاديث الغرام صحيحة ** فشفت فؤادا من بعادك موصبا )
( لا غرو أن طارت حشاشة لبه ** طربا فما خلو الغرام كمن صبا )
( لا زلتم والزهر ينشق عرفكم ** والزهر تحسد من كمالك منصبا ) 4
ولنمسك عنان البنان ونرجع إلى ما كنا بصدده من شأن لسان الدين ابن الخطيب المريع منه بمزن البلاغة والفصاحة جنان الجنان فنقول والله سبحانه ولى التوفيق والإمداد وليس إلا عليه الاعتماد
____________________
(6/59)

16 - بين ابن الجياب ولسان الدين
وقال ابن الصباغ العقيلى كان أبو الحسن ابن الجياب رئيس كتاب الأندلس وهم رؤساء غيرهم واختص به ذو الوزارتين أبو عبد الله ابن الخطيب اختصاصا تاما وأورثه رتبة من بعده وعهد بها إليه مشيرا بذلك على من استشاره من أعلام الحجاب عند حضور عمره وتدرب بذكائه حتى استحق أزمته فأنسى بحسن سياسته شيخه المذكور ونال التى لا فوقها من الحظوة وبعد الصيت وسعادة البخت اتفق له يوما بعدما عزم النصرانى على ورود البلد وضاقت به الصدور فأنشد ابن الجياب بديها بمحضر الكتاب
( هذا العدو قد طغى ** وقد تعدى وبغى )
وقال لابن الخطيب أجز أبا عبد الله فأنشده بديها
( وأظهر السلم وقد ** أسر حسوا فى ارتغا )
( فبلغ الرحمن سيف ** النصر فيه ما ابتغى )
( ورده رد ثمود ** والفصيل قد رغا )
( حتى يرى وليمة ** لكل مرهوب الثغا )
فقال ابن الجياب هكذا وإلا فلا وعجب الحاضرون من هذه البديهة انتهى 17 - قصيدتان للبلوى يخاطب بهما لسان الدين
ومما خوطب به لسان الدين قول الفقيه أبى يحيى البلوى المرى رحم الله الجميع
____________________
(6/60)


( عللونى ولو بوعد محال ** وصلونى ولو بطيف خيال )
( واعلموا اننى أسير هواكم ** لست أنفك دائما عن عقال )
( فدموعى من بينكم فى انسكاب ** وفؤادى من هجركم فى اشتغال )
( يا أهيل الحمى كفانى غرامى ** لا تزيدوا حسبى بما قد جرى لى )
( من مجيرى من لحظ ريم ظلوم ** حلل الهجر بعد طيب الوصال )
( ناعس الطرف أسهر الجفن منى ** طال منه الجفا بطول الليالى )
( بابلى اللحاظ أصمى فؤادى ** وزماه من غنجه بنبال )
( وكسا الجسم من هواه نحولا ** قصده فى النوى بذاك انتحالى )
( ما ابتدى فى الوصال يوما بعطف ** مذ روى فى الغرام باب اشتغالى )
( ليس لى منه فى الهوى من مجير ** غير تاج العلا وقطب الكمال )
( علم الدين عزه وسناه ** ذروه المجد بدر أفق الجلال )
( هو غيث الندى وبحر العطايا ** هو شمس الهدى فريد المعالى )
( ان وشى فى الرقاع بالنقش قلنا ** صفحة الطرس حليت باللآلى )
( أو دجا الخطب فهو فيه شهاب ** زانه الصبح فى ظلام الضلال )
( أو نبا الأمر فهو فى الأمر عضب ** صادق العزم عند ضيق المجال )
( لست تلقى مثاله فى زمان ** جل فى الدهر يا أخى عن مثال )
( قد نأى بى حبى له عن ديارى ** لا لجدوى ولا لنيل نوال )
( لكن اشتقت أن ارى منه وجها ** نوره فاضح لنور الهلال )
( وكما همت فيه ألثم كفا ** جاد لى بالنوال قبل السؤال )
( هاكها ابن الخطيب عذراء جاءت ** تلثم الأرض قبل شسع النعال )
( وتوفى حق الوزارة عمن ** هو ملك لها على كل حال ) ومن نظمه قوله يخاطبه مهنئا فى إعذاره أولاده بعد نثر نصه يعتذر عن خدمة الإعذار ويصل المدح والثناء على بعد الدار بتاريخ الوسط من شهر
____________________
(6/61)

شعبان عام تسعة وأربعين وسبعمائة
( لا عذر لى عن خدمة الإعذار ** ولئن نأى وطنى وشط مزارى )
( أو عاقنى عنه الزمان وصرفه ** تقضى الأمانى عادة الاعصار )
( قد كنت أرغب أن أفوز بخدمتى ** وأحط رحلى عند باب الدار )
( بادى المسرة بالصنيع وأهله ** متشمرا فيه بفضل إزارى )
( من شاء أن يلقى الزمان وأهله ** ويرى جلالا شاع فى الأقطار )
( فليأت حى ابن الخطيب ملبيا ** فيفوز بالإعظام والإكبار )
( كم ضم من صيد كرام قدرهم ** يسمو ويعلو فى ذوى الأقدار )
( إن جئت ناديه فنب عنى وقل ** نلت المنى بتلطف ووقار )
( يا من له الشرف القديم ومن له ** الحسب الصميم العد يوم فخار )
( يهنيك ما قد نلت من أمل به ** فى الفرقدين النيرين لسارى )
( نجلاك قطبا كل مجد باذخ ** أملان مرجوان فى الإعسار )
( عبد الإله وصنوه قمر العلا ** فرعان من أصل زكا ونجار )
( ناهيك من قمرين فى أفق العلا ** ينميهما نور من الأنوار )
( زاكى الأرومة معرق فى مجده ** جم الفضائل طيب الأخبار )
( رقت طبائعه وراق جماله ** فكأنما خلقا من الأزهار )
( وحلت شمائل حسنة فكأنما ** خلعت عليه رقة الأسحار )
( فإذا تكلم قلت طل ساقط ** أو وقع در من نحور جوارى )
( أو فت حبر المسك فى قرطاسه ** فالروض غب الواكف المدرار )
( تتبسم الأقلام بين بنانه ** فتريك نظم الدر فى الأسطار )
( فتخال من تلك البنان كمائما ** ظلت تفتح ناضر النوار )
____________________
(6/62)


( تلقاه فياض الندى متهللا ** يلقاك بالبشرى والاستبشار )
( بحر البلاغة قسها وإيادها ** سحبانها حبر من الأحبار )
( إن ناظر العلماء فهو إمامهم ** شرف المعارف واحد النظار )
( أربى على العلماء بالصيت الذى ** قد طار فى الآفاق كل مطار )
( ما ضره أن لم يجىء متقدما ** بالسبق يعرف آخر المضمار )
( إن كان أخره الزمان لحكمه ** ظهرت وما خفيت كضوء نهار )
( الشمس تحجب وهى أعظم نير ** وترى من الآفاق إثر درارى )
( يا ابن الخطيب خطبتها لعلاكم ** بكرا تزف لكم من خجل الأفكار )
( جاءتك من خجل على قدم الحيا ** قد طيبت بثنائك المعطار )
( وأتت تؤدى بعض حق واجب ** عن نازح الأوطان والأوطار )
( مدت يد التطفيل نحو علاكم ** فتوشحت من حليكم بنضار )
( فابذل لها فى النقد صفحك إنها ** تشكو من التقصير فى الأشعار )
( لا زلت فى دعة وعز دائم ** ومسرة تترى مع الأعمار ) ترجمة أبى يحيى البلوى
قال لسان الدين فى حق المذكور فى الإحاطة هو محمد بن محمد بن عبد الواحد بن محمد البلوى من أبناء النعم وذوى البيوتات كثير السكون والحياء آل به ذلك أخيرا إلى لوثة لم يستفق منها لطف الله به حسن الخط مطبوع الأدب سيال الطبع معينة وناب عن بعض القضاة وهو الآن رهين ما ذكر يتمنى أهله موته والله ولى المعافاة
وجرى ذكره فى الإكليل بما نصه من أولى الاتصال بأولى الخلال البارعة والخصال خطا رائقا ونظما بمثله لائقا ودعابه يسترها تجهم
____________________
(6/63)

وسكونا فى طيه إدراك وتفهم عنى بالدراية والتقييد ومال فى النظم إلى بعض التوليد وله أصالة نبتت فى السرو عروقها وتألقت فى سماء المجادة بروقها وتصرف بين النيابة فى الأحكام الشرعية وبين الشهادات العلمية المرعية انتهى
ورأيت بخط أبى الحسن على بن لسان الدين على هامش هذا المحل من الإحاطة ما صورته رحمه الله عليه ما أعذب حلاوته وأعظم مروءته وأكرم أصالته وبنو البلوى ذوو حسب وأهل نعيم وتربية ملوكية حياهم الله وبياهم قال ذلك حبيبهم وأخوهم على بن الخطيب انتهى 18 - من ابن مرزوق إلى لسان الدين
وقال لسان الدين رحمه الله تعالى عند ذكر الخطيب الرئيس أبى عبد الله محمد ابن مرزوق التلمسانى ما صورته ولما قدمت على مدينة فاس فى غرض الرسالة خاطبنى بمنزل الشاطبى على مرحلة منها بما نصه
( يا قادما وافى بكل نجاح ** أبشر بما تلقاه من أفراح )
( هذى ذرى ملك الملوك فلذ بها ** تنل المنى وتفز بكل سماح )
( مغنى الإمام أبى عنان يممن ** تظفر ببحر فى العلا طفاح )
( من قاس جود أبى عنان فى الندى ** بسواه قاس البحر بالضحضاح )
( ملك يفيض على العفاة نواله ** قبل السؤال وقبل بسطة راح )
( فلجود كعب وابن سعدى فى الندى ** ذكر محاه عن نداه ماحى )
( ما إن سمعت ولا رأيت بمثله ** من أريحى للندى مرتاح )
( بسط الأمان على الأنام فاصبحوا ** قد ألحفوا منه بظل جناح )
( وهمى على العافين سيب نواله ** حتى حكى سح الغمام الساحى )
____________________
(6/64)


( فنواله وجلاله وفعاله ** فاقت وأعيت ألسن المداح )
( وبه الدنا أضحت تروق وأصبحت ** كل المنى تنقاد بعد جماح )
( من كان ذا ترح فرؤية وجهه ** متلافة الأحزان والأتراح )
( فانهض أبا عبد الإله تفز بما ** تبغيه من أمل ونيل نجاح )
( لا زلت ترتشف الأمانى راحة ** من راحة المولى بكل صباح )
فالحمد لله يا سيدى وأخى على نعمة التى لا تحصى حمدا يؤم به جميعنا المقصد الأسنى فيبلغ الأمد الأقصى فطالما كان معظم سيدى للأسى فى خبال وللأسف بين اشتغال بال واشتعال بلبال ولقد ومكم على هذا المقام المولوي فى ارتقاب ولمواعيدكم بذلك فى تحقق وقوعه من غير شك ولا ارتياب فها أنت تجتلى من هذا المقام العلى بتشيعك وجوه المسرات صباحا وتتلقى أحاديث مكارمه ومواهبه مسندة صحاحا بحول الله تعالى ولسيدى الفضل فى قبول مركوبه الواصل إليه بسرجه ولجامه فهو من بعض ما لدى المعظم من إحسان مولاه وإنعامه ولعمرى لقد كان وافدا على سيدى فى مستقره مع غيره فالحمد لله الذي يسر فى إيصاله على أفضل أحواله 19 - جواب لسان الدين
فراجعته بما نصه
( راحت تذكرنى كؤوس الراح ** والقرب يخفض للجنوح جناحى )
( وسرت تدل على القبول كأنما ** دل النسيم على انبلاج صباح )
( حسناء قد غنيت بحسن صفاتها ** عن دملج وقلادة ووشاح )
( أمست تحض على اللياذ بمن جرت ** بسعوده الأقلام فى الألواح )
____________________
(6/65)


( بخليفة الله المؤيد فارس ** شمس المعالى الأزهر الوضاح )
( ما شئت من شيم ومن همم غدت ** كالزهر أو كالزهر فى الأدواح )
( فضل الملوك فليس يدرك شأوه ** أنى يقاس الغمر بالضحضاح )
( أنسى بنى عباسهم بلوائه ** المنصور أو بحسامه السفاح )
( وغدت مغانى الملك لما حلها ** تزهى ببدر هدى وبحر سماح )
( وحياة من أهداك تحفة قادم ** فى العرف منها راحة الأرواح )
( ما زلت أجعل ذكره وثناءه ** روحى وريحانى الأريج وراحى )
( ولقد تمازج حبه بجوارحى ** كتمازج الأجسام بالأرواح )
( ولو أننى أبصرت يوما فى يدى ** أمرى لطرت إليه دون جناح )
( فالآن ساعدنى الزمان وأيقنت ** من قربه نفسى بفوز قداحى )
( إيه أبا عبد الإله وانه ** لنداء ود فى علاك صراح )
( أما إذا استنجدتنى من بعد ما ** ركدت لما جنت الخطوب رياحى )
( فإليكها مهزولة وأنا امرؤ ** قررت عجزى واطرحت سلاحى )
سيدى أبقاك الله لعهد تحفظه وولى بعين الوفاء تلحظه وصلتنى رقعتك التى أبدعت وبالحق من مولى الخليقة صدعت وألفتنى وقد سطت بى الأوجال حتى كادت تتلف الرحال والحاجة إلى الغذاء قد شمرت كشح البطين وثانية العجماوين قد توقع فوات وقتها وإن كانت صلاتها صلاة الطين والفكر قد غاض معينه وضعف وعلى الله جزاء المولى الذى يعينه فغزتنى بكتيبة بيان أسدها هصور وعلمها منصور وألفاظها ليس فيها قصور ومعانيها عليها الحسن مقصور واعتراف مثلى بالعجز فى المضايق حول ومنة وقول لا أدرى للعالم فكيف لغيره جنة لكنها بشرتنى بما يقل لمؤديه بذل النفوس وإن جلت وأطلعتنى من السراء على وجه تحسده الشمس إذا تجلت بما أعلمتنى به من جميل اعتقاد مولانا أمير المؤمنين أيده الله فى
____________________
(6/66)

عبده وصدق المخيلة فى كرم مجده وهذا هو الجود المحض والفضل الذى شكره هو الفرض وتلك الخلافة المولويه تتصف بصفات من يبدأ بالنوال من قبل الضراعة والسؤال من غير اعتبار للأسباب ولا مجازاة للأعمال نسأل الله تعالى أن يبقى منها على الإسلام أوفى الظلال ويبلغها من فضله أقصى الآمال ووصل ما بعثه سيدى صحبتها من الهدية والتحفة الودية وقبلتها امتثالا واستجليت منها عتقا وجمالا وسيدي فى الوقت أنسب لاتخاذ ذلك الجنس وأقدر على الاستكثار من إناث البهم والإنس وأنا ضعيف القدرة غير مستطيع على ذلك إلا فى الندوة فلو راء سيدي ورأيه سداد وقصده فضل ووداد أن ينقل القضية إلى باب العارية من باب الهبة مع وجود الحقوق المترتبة لبسط خاطرى وجمعه وعمل فى رفع المؤونة على شاكله حالى معه وقد استصحبت مركوبا يشق على هجرة ويناسب مقامى شكله ونجره وسيدي فى الإسعاف على الله أجره وهذا أمر عرض وفرض فرض وعلى نظره المعول واعتماد إغضائه هو المعقول الأول والسلام على سيدي من معظم قدره وملتزم بره ابن الخطيب فى ليلة الأحد السابع والعشرين لذى قعدة خمس وخمسين وسبعمائة والسماء قد جادت بمطر سهرت منه الأجفان وظن أنه الطوفان واللحاق فى غدها بالباب المولوى مؤمل بحول الله انتهى 20 - من البرجى إلى لسان الدين
وكتب القاضى أبو القاسم البرجى للسان الدين فى غرض الشفاعة لبعض قرابته قوله
____________________
(6/67)


( أيا سابقا فى مجال البراعة ** وفارس ميدان أهل اليراعة )
( ومن بدره فى سماء المعالى ** يزين بوصف الكمال ارتفاعه )
( بما لك فى الفضل من حجة ** ومن إمره فى ذويه مطاعه )
( قضاءك فى معسر حل دين ** عليه فإرجاؤه قد أضاعه )
( وقد كان يبغى لديكم شفيعا ** توسط عندكم فى شفاعة )
( على أنه فى اقتضاء الوداد ** يوفى موازينه أو صواعه )
( وما هو فى سوق تقريظكم ** ونشر حلاكم بمزجى البضاعه )
كتبت يا سيدى أدام الله تعالى علاكم وحرس مجدكم الطاهر وسناكم وأنا بين خجل مفحم وعجل مقحم أتذكر تسويفى بلقائكم حين سمح الدهر باقترابكم فأحجم وأفكر فى أن إحجامى عند ذلك بإرجائى عسى أن يكون وفق رجائى أفاتنى المقصود فأرى الحزم فى أن أقدم وموقفها بين يديكم فلان يطالبنى مطالبة الغريم وأروم مطاله فلا يبرح ولا يريم والانقياد فى زمام طاعته مما توجبه المروة بعدما أوجبه الشارع إذ جعل له حظا فى الأبوة وقد أعلقته من ذمام علائكم بالحبل المتين وأنزلته من حماكم بربوة ذات قرار ومعين فإن أعرتموه من لحظكم الجميل طرف اهتبال وأقبلتموه من اعتنائكم الجزيل وجه إقبال فقد عاد دهره بعد النفار مواتيا ونزل على أهل المهلب شاتيا ومجدكم كفيل بتبليغ أمله وتوسيع جذله وذلكم يد على معظمكم شكرها وعلى الله أجرها انتهى ترجمة أبى القاسم البرجي
والبرجى المذكور هو محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن على بن إبراهيم الغسانى البرجى يكنى أبا القاسم من أهل غرناطة قال فى الإحاطة هو فاضل مجمع على فضله صالح الأبوة طاهر النشأة بادي الصيانة والعفة
____________________
(6/68)

طرف فى الخير والحشمة صدر فى الأدب جم المشاركة ثاقب الفهم جميل العشرة ممتع المجالسة حسن الشعر والخط والكتابة فذ فى الانطباع صناع اليد محكم لعمل الكثير من الآلات العلمية ويجيد تسفير الكتب رحل إلى العدوة ولقى جلة وتوسل إلى ملكها مجدد الرسم ومعتام أولى الشهرة وعامر دست الشعر والكتابة أمير المسلمين أبى عنان فاشتمل عليه ونوه به وملأ بالخير يده فاقتنى جده وحظوة وذكرا وشهرة وانقبض مع استرسال الملك لفضل عقله حتى تشكى إلى سلطانه بث ذلك عند قدومى عليه وآثر الراحة وجهد فى التماس الرحلة الحجازية ونبذ الكل وقصر الخطوة وسلا الحظوة فأسعفه سلطانه بغرضه وجعل حبل همه على غاربه وأصحبه إلى النبى الكريم صلوات الله عليه رسالة من إنشائه وقصيدة من نظمه وكلاهما يعلن فى الخلفاء ببعد شأوه ورسوخ قدم علمه وعراقة البلاغة فى نسب خصله ولما هلك وولى ابنه قدمه قاضيا بمدينة ملكه وضاعف له التنويه فأجرى الخطة على سبيل من السداد والنزاهة ثم لما ولى السلطان أبو سالم عمه أجراه على الرسم المذكور واستجلى المشكلات بصدقه وهو الآن بحاله الموصوفة مفخر من مفاخر ذلك الباب السلطانى على تعدد مفاخره
شعره ثبت فى كتاب نفاضة الجراب من تأليفنا عند ذكر المدعى الكبير بباب ملك المغرب ليلة ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر من أنشد ليلتئذ من الشعراء ما نصه وتلاه الفقيه الكاتب الحاج القاضى جملة السذاجة وكرم الخلق وطيب النفس وخدن العافية وابن الصلاح والعبادة ونشأة القرآن
____________________
(6/69)

المتحيز إلى حزب السلامة المنقبض عن الغمار العزوف عن فضول القول والعمل جامع المحاسن الأشتات من عقل رصين وطلب ممتع وأدب نقاوة ويد صناع أبو القاسم ابن أبى زكريا البرجى فأنشدت له على الرسم المذكور هذه القصيدة الفريدة
( أصغى إلى الوجد لما جد عاتبه ** صب له شغل عمن يعاتبه )
( لم يعط للصبر من بعد الفراق يدا ** فضل من ظل إرشادا يخاطبه )
( لولا النوى لم يبت حران مكتئبا ** يغالب الوجد كتما وهو غالبه )
( يستودع الليل أسرار الغرام وما ** تمليه أشجانه فالدمع كاتبه )
( لله عصر بشرقى الحمى سمحت ** بالوصل أوقاته لو عاد ذاهبه )
( يا جيرة أودعوا إذ ودعوا حرقا ** يصلى بها من صميم القلب ذائبه )
( يا هل ترى تجمع الأيام ألفتنا ** كعهدنا أو يرد القلب سالبه )
( ويا أهيل ودادى والنوى قذف ** والقرب قد أبهمت دونى مذاهبه )
( هل ناقض العهد بعد البعد حافظه ** وصادع الشمل يوم الشعب شاعبه )
( ويا ربوع الحمى لا زلت ناعمة ** يبكى عهودك مضنى الجسم شاحبه )
( يا من لقلب مع الأهواء منعطف ** فى كل أوب له شوق يجاذبه )
( يسمو إلى طلب الباقى بهمته ** والنفس بالميل للفانى تطالبه )
( وفتنه المرء بالمألوف معضلة ** والأنس بالإلف نحو الإلف جاذبه )
( أبكى لعهد الصبا والشيب يضحك بى ** يا للرجال سبت جدى ملاعبه )
( ولن ترى كالهوى أشجاه سالفه ** ولا كوعد المنى أحلاه كاذبه )
( وهمه المرء تغليه وترخصه ** من عز نفسا لقد عزت مطالبه )
____________________
(6/70)


( ما هان كسب المعالى أو تناولها ** بل هان فى ذاك ما يلقاه طالبه )
( لولا سرى الفلك السامى لما ظهرت ** آثاره ولما لاحت كواكبه )
( فى ذمة الله ركب للعلا ركبوا ** ظهر السرى فأجابتهم نجائبه )
( يرمون عرض الفلا بالسير عن عرض ** طي السجل إذا ما جد كاتبه )
( كأنهم فى فؤاد الليل سر هوى ** لولا الضرام لما خفت جوانبه )
( شدوا على لهب الرمضاء وطأتهم ** فغاص فى لجة الظلماء راسبه )
( وكلفوا الليل من طول السرى شططا ** فخلفوه وقد شابت ذوائبه )
( حتى إذا أبصروا الأعلام مائلة ** بجانب الحرم المحمى جانبه )
( بحيث يأمن من مولاه خائفه ** من ذنبه وينال القصد راغبه )
( فيها وفى طيبة الغراء لى أمل ** يصاحب القلب منه ما يصاحبه )
( إن أنس لا أنس أياما بظلهما ** سقى ثراه عميم الغيث ساكبه )
( شوقى إليها وإن شط المزار بها ** شوق المقيم وقد سارت حبائبه )
( إن ردها الدهر يوما بعدما عبثت ** فى الشمل منا يداه لا نعاتبه )
( معاهد شرفت بالمصطفى فلها ** من فضله شرف تعلو مراتبه )
( محمد المجتبى الهادى الشفيع إلى ** رب العباد أمين الوحى عاقبه )
( أوفى الورى ذمما أسماهم همما ** أعلاهم كرما جلت مناقبه )
( هو المكمل فى خلق وفى خلق ** زكت حلاه كما طابت مناسبه )
( عناية قبل بدء الخلق سابقة ** من أجلها كان آتيه وذاهبه )
( جاءت تبشرنا الرسل الكرام به ** كالصبح تبدو تباشيرا كواكبه )
( أخباره سر علم الأولين وسل ** بدير تيماء ما أبداه راهبه )
( تطابق الكون فى البشرى بمولده ** وطبق الأرض أعلاما تجاوبه )
____________________
(6/71)


( فالجن تهتف إعلانا هواتفه ** والجن تقذف إحراقا ثواقبه )
( ولم تزل عصمة التأييد تكنفه ** حتى انجلى الحق وانزاحت شوائبه )
( سرى وجنح ظلام الليل منسدل ** والنجم لا يهتدى فى الأفق ساربه )
( يسمو لكل سماء منه منفرد ** عن الأنام وجبرائيل صاحبه )
( لمنتهى وقف الروح الأمين به ** وامتاز قربا فلا خلق يقاربه )
( لقاب قوسين أو أدنى فما علمت ** نفس بمقدار ما أولاه واهبه )
( أراه أسرار ما قد كان أودعه ** فى الخلق والأمر باديه وغائبه )
( وآب والبدر فى بحر الدجى غرق ** والصبح لما يؤب للشرق آيبه )
( فأشرقت بسناه الأرض واتبعت ** سبل النجاة بما أبدت مذاهبه )
( واقبل الرشد والتاحت زواهره ** وادبر الغى فانجابت غياهبه )
( وجاء بالذكر آيات مفصلة ** يهدى بها من صراط الله لاحبه )
( نور من الحكم لا تخبو سواطعه ** بحر من العلم لا تفنى عجائبه )
( له مقام الرضى المحمود شاهده ** فى موقف الحشر إذ نابت نوائبه )
( والرسل تحت لواء الحمد يقدمها ** محمد أحمد السامى مراتبه )
( له الشفاعات مقبولا وسائلها ** إذا دهى الأمر واشتدت مصاعبه )
( والحوض يروى الصدى من عذب مورده ** لا يشتكى غله الظمآن شاربه )
( محامد المصطفى لا ينتهى أبدا ** تعدادها هل يعد القطر حاسبه )
( فضل تكفل بالدارين يوسعها ** نعمى ورحمى فلا فضل يناسبه )
( حسبى التوسل منها بالذى سمحت ** به القوافى وجلتها غرائبه )
( حياه من صلوات الله صوب حيا ** تحدى إلى قبره الزاكى نجائبه )
( وخلد الله ملك المستعين به ** مؤيد الأمر منصورا كتائبه )
( إمام عدل بتقوى الله مشتمل ** فى الأمر والنهى يرضيه يراقبه )
( مسدد الحكم ميمون نقيبته ** مظفر العزم صدق الرأى صائبه )
____________________
(6/72)


( مشمر للتقى اذيال مجتهد ** جرار اذيال سحب الجود ساحبه )
( قد أوسعت أمل الراجى مكارمه ** وأحسبت رغبة العافى رغائبه )
( وفاز بالأمن محبورا مسالمة ** وباء بالخزى مقهورا محاربه )
( كم وافد آمل معهود نائله ** أثنى وأثنت بما أولى حقائبه )
( ومستجير بعز من مثابته ** عزت مراميه وانقادت مآربه )
( وجاءه الدهر يسترضيه معتذرا ** مستغفرا من وقوع الذنب تائبه )
( لولا الخليفة إبراهيم لانبهمت ** طرق المعالى ونال الملك غاصبه )
( سمت لنيل تراث المجد همته ** والملك ميراث مجد وهو غاصبه )
( ينميه للعز والعليا أبو حسن ** سمح الخلائق محمود ضرائبه )
( من آل يعقوب حسب الملك مفتخرا ** بباب عزهم السامى تعاقبه )
( أطواد حلم رسا بالأرض محتده ** وزاحمت منكب الجوزا الجوزا مناكبه )
( تحفها من مرين أبحر زخرت ** أمواجها وغمام ثار صائبه )
( بكل نجم لدى الهيجاء ملتهب ** ينقض وسط سماء النقع ثاقبه )
( أكفهم فى دياجيها مطالعه ** وفى نحور أعاديهم مغاربه )
( يا خير من خلصت لله نيته ** فى الملك أو خطب العلياء خاطبه )
( جردت والفتنة الشعواء ملبسة ** سيفا من العزم لا تنبو مضاربه )
( وخضتها غير هياب ولا وكل ** وقلما أدرك المطلوب هائبه )
( صبرت نفسا لعقبى الصبر حامدة ** والصبر مذ كان محمود عواقبه )
( فليهن دين الهدى إذ كنت ناصرة ** أمن يواليه أو خوف يجانبه )
( لا زال ملكك والتأييد يخدمه ** تقضى بخفض مناويه قواضبه )
( ودمت فى نعم تضفو ملابسها ** فى ظل عز علا تصفو مشاربه )
( ثم الصلاة على خير البرية ما ** سارت إليه بمشتاق ركائبه )
____________________
(6/73)


ومن شعره ما قيده لى بخطه صاحب قلم الإنشاء بالحضرة المرينية الفقيه الرئيس الصدر المتفنن أبو زيد ابن خلدون
( صحا القلب عما تعلمين فأقلعا ** وعطل من تلك المعاهد أربعا )
( وأصبح لا يلوى على حد منزل ** ولا يتبع الطرف الخلى المودعا )
( وأضحى من السلوان فى حرز معقل ** بعيد عن الأيام أن يتضعضعا )
( يرد الجفون النجل عن شرفاته ** وإن لحظت عن كل أجيد اتلعا )
( عزيز على داعى الغرام انقيادة ** وكان إذ ناداه للوجد أهطعا )
( أهاب به للشيب أنصح واعظ ** أصاخ له قلبا منيبا ومسمعا )
( وسافر فى أفق التفكر والحجى ** زواهره لا تبرح الدهر طلعا )
( لعمرى لقد أنضيت عزمى تطلبا ** وقضيت عمرى رقبة وتطلعا )
( وخضت عباب البحر أخضر مزبدا ** ودست أديم الأرض أغبر أسفعا )
وقال حسبما قيده المذكور
( نهاه النهى بعد طول التجارب ** ولاح له منهج الرشد لاحب )
( وخاطبه دهره ناصحا ** بألسنة الوعظ من كل جانب )
( فأضحى إلى نصحه واعيا ** وألغى حديث الأمانى الكواذب )
( وأصبح لا تستبيه الغوانى ** ولا تزدريه حظوظ المناصب )
ثم قال فى الإحاطة وإحسانه كثير فى النثر والنظم والقصار والمطولات واستعمل فى السفارة إلى ملك مصر وملك قشتالة وهو الآن قاضى حضرة الملك
____________________
(6/74)

نسيج وحده فى السلامة والتخصص واجتناب فضول القول والعمل كان الله له انتهى
وكتب ابن المصنف بهامش ترجمة المذكور من الإحاطة ما صورته سيدى وشيخى علامة المغرب اليوم وحائز رتبه العلية من خطابه وقضاء وعلامة وهو أحق بها لخلاله الحميدة أبقاه الله تعالى قاله محبه على بن الخطيب انتهى
وكتب على القصيدة الميلادية المتقدمة ما نصه رويتها عنه وسمعتها من لفظه وأجازنى إياها بتلمسان انتهى
وكتب على حاشية قصيدته صحا القلب إلى آخره ما صورته سمعتها من لفظ سيدى وشقيق روحى الإمام العلامة الرائس أبى زيد ابن خلدون بالأندلس أمتع الله به تعالى قال ذلك أخوه على بن الخطيب انتهى 21 - مخاطبات ابن زمرك للسان الدين
وقال فى الإحاطة فى ترجمة ابن زمرك ما صورته وشعره مترام إلى هدف الإجادة خفاجى النزعة كلف بالمعانى البديعة والألفاظ الصقيلة غزير المادة فمن ذلك ما خاطبنى به وهى من أول ما نظمه قصيدة مطلعها
( أما وانصداع النور من مطلع الفجر ** )
يقول فيها بعد أبيات
( لك الله من فذ الجلالة أوحد ** تطاوعه الآمال فى النهى والأمر )
( لك القلم الأعلى الذي طال فخره ** على المرهفات البيض والاسل السمر )
( يقلد أجياد الطروس تمائما ** بصنفى لآل من نظام ومن نثر )
____________________
(6/75)


( تهيبك القرطاس فاحمر إذ غدا ** يقل بحورا من أناملك العشر )
( كأن رياض الطرس خد مورد ** يطرزه وشى العذار من الحبر )
( فشارة هذا الملك رائقة الحلى ** بألوية حمر وبالصحف الحمر )
( وما روضة غناء عاهدها الحيا ** تحوك بها وشى الربيع يد القطر )
( تغنى قيان الطير فى جنباتها ** فيرقص غصن البان فى حلل خضر )
( تمد لاكواس العرار أناملا ** من السوسن الغض المختم بالتبر )
( ويحرس خد الورد صارم نهرها ** ويمنع ثغر النور بالذابل النضر )
( يفاخر مرآها السماء محاسنا ** وتزرى نجوم الزهر منها على الزهر )
( إذا مسحت كف الصبا جفن نورها ** تنفس ثغر الزهر عن عنبر الشحر )
( بأعطر من ريا ثنائك فى السرى ** وأبهر حسنا من شمائلك الغر )
( عجبت له يحكى خلال خميلة ** وتفرق منه الأسد فى موقف الذعر )
( إذا أضرمت من بأسها الحرب جاحما ** تأجج منه العضب فى لجة البحر )
( وإن كلح الأبطال فى حومة الوغى ** ترقرق ماء البشر فى صفحة البدر )
( لك الحسب الوضاح والسؤدد الذى ** يضيق نطاق الوصف فيه عن الحصر )
( تشرف أفق أنت بدر كماله ** فغرناطة تختال تيها على مصر )
( تكلل تاج الملك منك محاسنا ** وفاخرت الأملاك منك بنو نصر )
( بعزمه مضمون السعادة أوحد ** وغرة وضاح المكارم والنجر )
( طوى الحيف منشور اللواء مؤيدا ** فعز حمى الإسلام بالطى والنشر )
( ومد ظلال الأمن إذ قصر العدا ** فيتلى سناء الملك بالمد والقصر )
( إذا احتفل الإيوان يوم مشورة ** وتضطرب الآراء من كل ذى حجر )
( صدعت بفصل القول غير منازع ** وأطلعت آراء قبسن من الفجر )
( فإن تظفر الخيل المغيرة بالضحى ** فعن رايك الميمون تظفر بالنصر )
( فلا زلت للعلياء تحمى ذمارها ** وتسحب أذيال الفخار على النسر )
____________________
(6/76)


( وللعلم فخر الدين والفتك بالعدا ** بأوت به يا ابن الخطيب على الفخر )
( فيهنيك عيد الفطر من أنت عيده ** ويثنى بما أوليت من نعم غر )
( جبرت مهيضا من جناحى ورشته ** وسهلت لى من جانب الزمن الوعر )
( وبواتنى من ذروة العز معتلى ** وشرفتنى من حيث أدرى ولا أدرى )
( وسوغتنى الآمال عذبا مسلسلا ** وأسميت من ذكرى ورفعت من قدرى )
( فدهرى عيد بالسرور وبالمنى ** وكل ليالى العمر لى ليلة القدر )
( فأصبحت مغبوطا على خير نعمة ** يقل لأدناها الكثير من الشكر ) وهى طويلة انتهى
قلت هذا الرئيس ابن زمرك صرح هنا بانه بجاه لسان الدين ابن الخطيب أدرك من العز ما أدرك ثم انقلب عليه مع الدهر وكفر نعمته وبها أشرك وحرك من دواعى قتله ما حرك وكم من صديق لك ضرك وعقك بعدما برك وساءك إثر ما سرك ولذا رأيت بخط ابن لسان الدين على هامش قوله فى هذه القصيدة ومد ظلال الأمن ألخ ما صورته هذا مدحه لحاه الله وعلى قوله وبوأتنى من ذروه العز إلخ ما مثاله هكذا شهادتك لحقه ثم تحولك عنه وكفر نعمته اغرب أخزاك الله انتهى
وكتب بهامش أول ترجمته من الإحاطة ما نصه أتبعه الله خزيا وعامله بما يستحقه فبهذا ترجمه والذي مولاه الذى رفع من قدره فيه ولم يقتله أحد غيره كفانا الله تعالى شر من أحسنا إليه
وكتب أيضا تحت هذا ما مثاله هذا الوغد ابن زمرك من شياطين الكتاب ابن حداد بالبيازين قتل أباه بيده أوجعه ضربا فمات من ذلك وهو أخس عباد الله تربية وأحقرهم صورة وأخملهم شكلا استعمله أبى فى الكتابة السلطانية فجنينا أيام تحولنا عن الأندلس منه كل شر وهو كان السبب فى قتل أبى مصنف هذا الكتاب الذى رباه وأدبه واستخدمه حسبما هو معروف
____________________
(6/77)

وكفانا الله شر من أحسنا إليه وأساء إلينا انتهى
وقد ألممنا بترجمته فى هذا الكتاب فى باب تلامذه لسان الدين فلتراجع هنالك
ومما كتب به ابن زمرك المذكور إلى لسان الدين ابن الخطيب جوابا عن رسالة قوله
( حيث صباحا فأحيت ساكنى القصبه ** واسترجعت أنفسا بالشوق مغتصبه )
( قضى البيان لها أن لا نظير لها ** فأحرزت من معانى خصله قصبه )
( ناجت طليح سرى لا يستفيق لها ** هدت جوارحه واستوهنت عصبه )
( فحركته على فتك الكلال به ** وأذهبت بسرور الملتقى نصبه )
( وأذكرت عهد مهديها على شحط ** فعاود القلب من تذكاره وصبه )
( ما كنت أسمح من دهرى بجوهره ** لو كان يسمح لى بالقلب من غصبه )
( سل أدمع الصب من أعدى السحاب بها ** وقلبه بجمار الشوق من حصبه )
( فالله يحفظ مهديها ويشكره ** فوجهها بعصاب الحسن قد عصبه )
( من كان وارث آداب يشعشعها ** بالفرض إنى فى إرثى لها عصبه )
( هو الملاذ ملاذ الناس قاطبة ** سبحان من لغياث الخلق قد نصبه )
وخاطبه كذلك بقوله
( يكلفنى مولاى رجع جوابه ** وما لتعاطى المعجزات وما ليا )
( أجيبك للفضل الذى أنت أهله ** وأكتب مما قد أفدت الأماليا )
( فأنت الذى طوقتنى كل منه ** وأحسبت آمالى وأكسبت ماليا )
( وأنت الذى أعدى الزمان كماله ** وصيرت أحرار الزمان مواليا )
( فلا زلت للفعل الجميل مواصلا ** ولا زلت للشكر الجزيل مواليا )
____________________
(6/78)

وخاطبه كذلك بقوله
( طالعتها دون الصباح صباحا ** لما جلت غرر البيان صباحا )
( ولقد رأيت وما رأيت كحسنها ** وجها أغر ومبسما وضاحا )
( عذراء أرضعها البيان لبانه ** وأطال مغدى عندها ومراحا )
( فأتت كما شاءت وشاء نجيبها ** تذكى الحجى وتنعم الأرواحا )
( لا بل كمثل الروض باكره الحيا ** وسقى به زهر الكمام ففاحا )
( وطوت بساط الشوق منى بعدما ** نشرت على من القبول جناحا )
وخاطبه كذلك بقوله
( ذرونى فإنى بالعلاء خبير ** أسير فإن النيرات تسير )
( وكم بت أطوى الليل فى طلب العلا ** كأنى إلى نجم السماء سفير )
( بعزم إذا ما الليل مد رواقه ** يكر على ظلمائه فينير )
( أخو كلف بالمجد لا يستفزه ** مهاد إذا جن الظلام وثير )
( إذا ما طوى يوما على السر كشحه ** فليس له حتى الممات نشور )
( وإنى وإن كنت الممنع جاره ** لتسبى فؤادى أعين وثغور )
( وما تعترينى فترة فى مدى العلا ** إلى أن أرى لحظا عليه فتور )
( وفى السرب من نجد تعلقت ظبية ** تصول على البابنا وتغير )
( وتمنع ميسور الكلام أخا الهدى ** وتبخل حتى بالخيال يزور )
( أسكان نجد جادها واكف الحيا ** هواكم بقلبى منجد ومغير )
( ويا سكنى بالأجرع الفرد من منى ** وأيسر حظ من رضاك كثير )
( ذكرتك فوق البحر والبعد بيننا ** فمدته من فيض الدموع بحور )
____________________
(6/79)


( وأومض خفاق الذؤابه بارق ** فطارت بقلبى أنه وزفير )
( ويهفو فؤادى كلما هبت الصبا ** أما لفؤادى فى هواك نصير )
( ووالله ما أدري أذكرك هزنى ** ام الكأس ما بين الخيام تدور )
( فمن مبلغ عنى النوى ما يسوءها ** وللبين حكم يعتدى ويجور )
( بأنا غدا أو بعده سوف نلتقى ** ونمسى ومنا زائر ومزور )
( إلى كم أرى أكنى ووجدى مصرح ** وأخفى اسم من أهواه وهو شهير )
( أمنجد آمالى ومغلى كاسدى ** ومصدر جاهى والحديث كثير )
( أأنسى ولا أنسى مجالسك التى ** بها تلتقينى نضرة وسرور )
( نزورك فى جنح الظلام وننثنى ** وبين يدينا من حديثك نور )
( على أننى إن غبت عنك فلم تغب ** لطائف لم يحجب لهن سفور )
( نروح ونغدو كل يوم وعندها ** رواح علينا دائم وبكور )
( فظلك فوقى حيثما كنت وارف ** ومورد آمالى لديك نمير )
( وعذرا فإنى إن أطلت فإنما ** قصاراى من بعد البيان قصور ) وكتب إليه خاتمه رسالة كذلك
( وحقك ما استطعمت بعدك غمضة ** من النوم حتى آذن النجم بالغروب )
( وعارضت مسرى الريح قلت لعلها ** تنم بريا منك عاطرة الهبوب )
( إلى أن بدا وجه الصباح كأنه ** محياك إذ يجلو بغرته الخطوب )
( فقلت لقلبى استشعر الأنس وابتهج ** فإن تبعد الأجسام لم تبعد القلوب )
( وسر فى ضمان الله حيث توجهت ** ركابك لا تخش الحوادث ان تنوب )
قلت هذه غاية فى معناها لولا خروجها عن القواعد فى ترتيب قافيتها ومبناها فانظر إلى تحوله عن لسان الدين بعد هذه المدائح ونسبته إليه بعده القبائح والأنسان خوان إلا النادر من الإخوان ولا حول ولا قوة إلا بالله
____________________
(6/80)

22 - من ابن سلبطور إلى لسان الدين
قال فى الإحاطة فى ترجمة ابن سلبطور ما نصه ومما خاطبنى به
( تالله ما أورى زناد القلق ** سوى بريق لاح لى بالأبرق )
( أيقنت بالحين فلولا نفحة ** نجديه منكم تلافت رمقى )
( لكنت أقضى بتلظى زفرة ** وحسرة بين الضلوع تلتقى )
( فآه من هول النوى وما جنى ** على القلوب موقف التفرق )
( يا حاكى الغصن انثنى متوجا ** بالبدر تحت لمة من غسق )
( الله فى نفس معنى اقصدت ** من لاعج الشوق بما لم تطق )
( أتى على أكثرها برح الأسى ** دع ما مضى منها وأدرك ما بقى ) ( ولو بالمام خيال فى الكرى ** إن ساعد الجفن رقيب الأرق )
( فرب زور من خيال زائر ** أقر عينى وإن لم يصدق )
( شقيت من برح الأسى لو ان من ** أصبح رقى فى يديه معتقى )
( ففى معاناة الليالى عائق ** عن التصابى وفنون العلق )
( وفى ضمان ما يعانى المرء من ** نوائب الدهر مشيب المفرق )
( هذا لعمرى مع أنى لم أبت ** منها بشكوى روعة أو فرق )
( فقد أخذت من خطوب غدرها ** بابن الخطيب الأمن مما اتقى )
( فخر الوزارة الذى ما مثله ** بدر علا فى مغرب أو مشرق )
( ومذ أرانيه زمانى لم ابل ** من صرفه بمرعد أو مبرق )
( لا سيما منذ حططت فى حمى ** مقامه الأمنع رحل اينقى )
( أيقنت أنى فى رجائى لم أخب ** وأن مسعى بغيتى لم يخفق )
( ندب له فى كل حسن آية ** تناسبت فى الخلق أو فى الخلق )
____________________
(6/81)


( فى وجهه مسحة بشر إن بدت ** تبهرجت أنوار شمس الأفق )
( تعتبر الأبصار فى اللألاء ما ** عليه من نور السماح المشرق )
( كالدهر فى استينائه وبطشه ** كالسيف فى حد الظبى والرونق )
( إن بخل الغيث استهلت يده ** بوابل من غيث جود غدق )
( وإن وشت صفحة طرس انجلى ** ليل دجاها عن سنا مؤتلق )
( بمثلها من حبرات أخجلت ** حواشى الروض خدود المهرق )
( ما راق فى الآذان أشناف سوى ** ملتقطات لفظه المفترق )
( تود أجياد الغوانى أن يرى ** حليها من در ذاك المنطق )
( فسل به هل آده الأمر الذى ** حمل فى شرخ الشباب المونق )
( إذا رأى الرأى فلا يخطئه ** يمن اختيار للطريق الأوفق )
( إيه أبا عبد الإله هاكها ** عذراء تحثو فى وجوه السبق )
( خذها إليك بكر فكر يزدرى ** لديك بالأعشى لدى المحلق )
( لا زلت مرهوب الجناب مرتجى ** موصول عز فى سعود ترتقى )
( مبلغ الآمال فيما تبتغى ** مؤمن الأغراض مما تتقى ) ترجمة ابن سلبطور
وابن سلبطور هو محمد بن محمد بن أحمد بن سلبطور الهاشمى
قال فى الإحاطة من أهل المرية يكنى أبا عبد الله من وجوه بلده وأعيانه نشأ نبيه البيت ساحبا بنفسه وبماله ذيل الحظوة متحليا بخصل من خط وأدب وزيرا متجندا ظريفا دربا على ركوب البحر وقيادة الأساطيل ثم انحط فى هواه انحطاطا أضاع مروءته واستهلك عقاره وهد بيته وألجأه أخيرا إلى اللحاق بالعدوة فهلك بها
وجرى ذكره فى الإكليل بما نصه مجموع شعر وخط وذكاء عن
____________________
(6/82)

درجة الظرفاء غير منحط إلى مجادة أثيلة البيت شهيرة الحى والميت نشأ فى حجر الترف والنعمة محفوفا بالمالية الجمة فلما عقل عن ذاته وترعرع بين لداته أجرى خيول لذاته فلم يدع منها ربعا إلا أقفره ولا عقارا إلا عقره حتى حط بساحلها واستولى بسفر الإنفاق على جميع مراحلها إلا انه خلص بنفس طيبة وسراوة سماؤها صيبة وتمتع ما شاء من زير وبم وتأنس لم يعط القياد لهم وفى عفو الله سعة وليس مع التوكل عليه ضعة
شعره من شعره قوله يمدح السلطان وأنشدها إياه بالمضارب من وادى الغيران عند قدومه المرية
( أثغرك أم سمط من الدر ينظم ** وريقك أم مسك به الراح تختم )
( ووجهك أم باد من الصبح نير ** وفرعك أم داج من الليل مظلم )
( أعلل منك الوجد والليل متلفى ** وهل ينفع التعليل والخطب مؤلم )
( وأقنع من طيف الخيال بزورة ** لو أن جفونى بالمنام تنعم )
ثم سرد لسان الدين القصيدة وهى طويلة
ثم قال ومن شعره مذيلا على البيت الأخير حسبما نسب إليه ببلده
( نامت جفونك يا سؤلى ولم أنم ** ما ذاك إلا لفرط الوجد والسقم )
( أشكو إلى الله ما بى من محبتكم ** فهو العليم بما ألقى من الألم )
( إن كان سفك دمى أقصى مرادكم ** فما غلت نظرة منكم بسفك دمى )
ومما ينسب إليه كذلك
( قف بى وناد بين تلك الطلول ** أين الألى كانوا عليها نزول )
( أين ليالينا بهم والمنى ** نجنيه غضا بالرضى والقبول )
____________________
(6/83)


( لا حملوا بعض الذى حملوا ** يوم تولت بالقباب الحمول )
( إن غبتم يا أهل نجد ففى ** قلبى أنتم وضلوعى حلول )
ثم قال ناب فى القيادة البحرية عن خاله القائد أبى على الرنداحى وولى أسطول المنكب برهة وتوفى بمراكش عام خمسة وخمسين وسبعمائة رحمه الله تعالى انتهى 23 - من ابن راجح إلى لسان الدين
وقال لسان الدين كتب إلى أبو عبد الله ابن راجح التونسى بما يظهر من أبياته وهى
( أما والذى لى فى حلاك من الحمد ** ومالك ملاكى لدى من الرفد )
( لقد أشعرتنى النفس أنك معرض ** عن المسرف الآتى لفضلك يستجدي )
( فإن زلة منى بدت لك جهرة ** فصفحا فما والله أذنبت عن قصد )4 - جواب لسان الدين فراجعته بقولى
( أجلك عن عتب يغض من الود ** وأكرم وجه العذر منك عن الرد )
( ولكننى أهدى إليك نصيحتى ** وإن كنت قد أهديتها ثم لم تجد )
( إذا مقول الإنسان جاوز حده ** تحولت الأغراض منه إلى الضد )
( فأصبح منه الجد هزلا مذمما ** وأصبح منه الهزل فى معرض الجد )
( فما اسطعت قبضا للعنان فإنه ** احق السجايا بالعلاء وبالمجد )
____________________
(6/84)

ترجمة ابن راجح
وقال فى الإحاطة فى حق ابن راجح المذكور ما محصله محمد بن على ابن الحسن بن راجح الشريف الحسنى باعترافه { ولا تزر وازرة وزر أخرى } الزمر والاسراء والأنعام تونسى أبو عبد الله يعرف بابن راجح صاحب رواء وأبهة نظيف البزة فاره المركب مطفف مكيال الإطراء جموح فى إيجاب الحقوق مترام إلى أقصى آماد التوغل سخى اللسان بالثناء ثرثاره مرسل لعنانه فى كل المحافل متواضع متودد فكه مطبوع حسن الخلق عذب الفكاهة مخصوص حيث حل من الملوك والأمراء بالأثرة وممن دونهم بالمداخلة والصحبة ينظم الشعر ويحاضر بالأبيات ويقوم على تاريخ بلده ويثابر على لقاء أهل المعرفة والأخذ عن أولى الرواية قدم الأندلس عام خمسين وسبعمائة مفلتا من الوقيعة بالسلطان أبى الحسن فمهد له سلطانها كنف بره وآواه إلى سعة رعيه وتأكدت بينى وبينه صحبة 25 - من لسان الدين إلى ابن راجح
كتبت إليه أول قدومه بما نصه أحذو حذو أبيات ذكر أن شيخنا أبا محمد الحضرمى خاطبه بها
( أمن جانب الغربى نفحة بارح ** سرت منه أرواح الجوى فى الجوارح )
( قدحت بها زند الغرام وإنما ** تجافيت فى دين السلو لقادح )
( وما هى إلا نسمة حاجرية ** رمى الشوق منها كل قلب بقادح )
( رجحنا لها من غير شك كأنها ** شمائل أخلاق الشريف ابن راجح )
____________________
(6/85)


( فتى هاشم سبقا إلى كل غاية ** وصبرا مغار الفتل فى كل فادح )
( أصيل العلا جم السيادة ذكره ** طراز نضار فى برود المدائح )
( وفرقان مجد يصدع الشك نوره ** حبا الله منه كل صدر بشارح )
( وفارس ميدان البيان إذا انتضى ** صحائفه أنست مضاء الصفائح )
( رقيق كما راقتك نغمة ساجع ** وجزل كما راعتك صولة جارح )
( إذا ما احتبى مستحضرا فى بلاغة ** وخوض خضم القول منه بسابح )
( وقد شرعت فى مجمع الحفل نحوه ** أسنة حرب للعيون اللوامح )
( فما ضعضعت منه لصولة صادع ** ولا ذهبت منه بحكمة ناصح )
( تذكرت قسا قائما فى عكاظة ** وقد غص بالشم الأنوف الجحاجح )
( ليهنك شمس الدين ما حزت من علا ** خواتمه موصولة بالفواتح )
( رعى الله ركبا أطلع الصبح مسفرا ** لمرآك من فوق الربى والبطائح )
( ولله ما أهدته كوماء أوضعت ** برحلك فى قفر عن الأنس نازح )
( أقول لقومى عندما حط كورها ** وساعدها السعدان وسط الأباطح )
( ذروها وأرض الله لا تعرضوا لها ** بمعرض سوء فهى ناقة صالح )
( إذا ما أردنا القول فيه فمن لنا ** بطوع القوافى وانبعاث القرائح )
( بقيت منى نفس وتحفة قادم ** ومورد ظمآن وكعبة مادح )
( ولا زلت تلقى البر والرحب حيثما ** أرحت السرى من كل غاد ورائح ) 26 - جواب ابن راجح
فأجبنى بما نصه
( أمن مطلع الأنوار لمحة لامح ** تعاد لموفؤود عن الحى نازح )
( وهل بالمنى من مورد الوصل يرتوى ** غليل عليل للتواصل جانح )
____________________
(6/86)


( فيا فيض عين الدمع ما لك والحمى ** ورند الحمى والشيح شيح الأشايح )
( مرابع آرامى ومورد ناقتى ** فسقيا لها سقيا لناقة صالح )
( سقى الله ذاك الحى ودقا فإنه ** حمى لمحات العين عن لمح لامح )
( وأبدى لنا حور الخيام تزف فى ** حلى الحسن والحسنى وحلى الملامح )
( ترى حى تلك الحور للحور مهيع ** يدل وهل حسم لداء التبارح )
( ويا يا دوحة الريحان هل لى عودة ** لعفر عفار الأنس بين الأباطح )
( وهل أنت إلا حلة حاتمية ** تغص نواديها بغاد ورائح )
( أقام بها الفخر الخطيب منابرا ** لترتيل ايات الندى والمنائح )
( وشفع بالإنجيل حمد مديحه ** وأوتر بالتوراة شفع المدائح )
( وفرق بالفرقان كل فريقة ** نأت عن رشاد فيه محض النصائح )
( وهل هو إلا للبرية مرشد ** لكل هدى هاد لأرجح راجح )
( فبشرى لسان الدين ساد بك الورى ** وأورى الهدى للرشد أوضح واضح )
( متى قلت لم تترك مقالا لقائل ** وإن لم تقل لم يغن مدح لمادح )
( فمن حام بالحى الذى أنت ربه ** وعام ببحر من عطاياك طافح )
( يحق له أن يشفع الحمد بالثنا ** ويغدو بذاك البحر اسبح سابح )
( ويا فوز ملك دمت صدر صدوره ** وبشرى له قد راح أربح رابح )
( بآرائك اللاتى تدل على الهدى ** وتبدى لمن خصصت سبل المناجح )
( ملكت خصال السبق فى كل غاية ** وملكت ما ملكت يا ابن الجحاجح )
( مطامح آمال لأشرف همة ** أقل مراميها أجل المطامح )
( فدونكها يا مهدى المدح مدحة ** أجبت بها عن مدح أشرف مادح )
____________________
(6/87)


( تهنيك بالعام الذى عم مدحه ** مواهب هاتيك البحار الطوافح )
( فخذها سمى الفخر يا خير مسبل ** على الخلق إغضاء ستور التسامح )
( ودم خاطب العليا بها خير خاطب ** وأتوق تواق وأطمح طامح ) بقية ترجمة ابن راجح
ثم قال لسان الدين توفى يوم الخميس ثالث شعبان سنة خمس وستين وسبعمائة وقد ناهز السبعين ودفناه بروضتنا إلبيرة وأعفى شارب الشعر من ثانى مقصه عفا الله تعالى عنا وعنه انتهى
قلت رأيت بخط البدر البشتكى فى اختصاره لإحاطة لسان الدين وسماه ب مركز الإحاطة فى هذا المحل ما نصه قال كاتبه لو وفق الله تعالى هذا الرجل لم يجب عن مثل تلك الحائية بهذا الهذاء ولعل ما فى كتاب أبى البركات الذى اسمه شعر من لا شعر له أنزل من هذه الطبقة انتهى
وقد أشار لسان الدين لهذا بقوله السابق وأعفى شارب الشعر من ثانى مقصه فلله دره من لوذعى زان خاتم البراعة بفصة فلكم له من عبارة وجيزة يقضى بها ما لم يستطيع غيره أن يعبر عنه بإطنابه فعلى كل من يروم التعبير عما فى الضمير أن يتمسك بأطنابه
وقال ابن خاتمة حدثنى الشريف الأديب أبو عبد الله ابن راجح التونسى مقدمة علينا بالمرية قال سجن القاضى أبو عبد الله ابن عبد السلام شابا وسيما لحق تعين عليه فأنشدته مداعبا
( أقاضى المسلمين حكمت حكما ** غدا وجه الزمان له عبوسا )
____________________
(6/88)


( سجنت على الدراهم ذا جمال ** ولم تسجنه إذ غصب النفوسا )
فأجابنى بأن قال إنما شكاه لى أرباب الدراهم دون أرباب النفوس انتهى
رجع إلى ما خوطب به لسان الدين رحمه الله تعالى 27 - من العشاب إلى لسان الدين
ومما خاطبه به أبو عبد الله العشاب التونسى فى بعض الأعياد قوله
( بيمن أبى عبد الإله محمد ** تيمن هذا القطر وانسجم القطر )
( أفاض علينا من جزيل عطائه ** بحورا تديم المد ليس له جزر )
( وآنسنا لما عدمنا مغانيا ** إذا ذكرت فى القلب ليس لها ذعر )
( هنيئا بعيد الفطر يا خير ماجد ** كريم به تسمو السيادة والفخر )
( ودمت مدى الأيام فى ظل نعمة ** تطيع لك الدنيا ويعنو لك الدهر )8 - من محمد بن محمد بن عبد الملك المراكشى إلى لسان الدين
وقال لسان الرحمن الدين فى ترجمة ابن عبد الملك المراكشى ما صورته وخاطبنى بقوله
( وليت ولاية أحسنت فيها ** ليعلم أنها شرفت بقدرك )
( وكم وال أساء فقيل فيه ** دنى القدر ليس لها بمدرك )
وقال أيضا يخاطبنى فى المعنى
____________________
(6/89)


( وليت فقيل أحسن خير وال ** ففاق مدى مداركها بفضله )
( وكم وال أساء فقيل فيه ** دنا فمحا محاسنها بفعله ) ترجمة ولد ابن عبد الملك
وفى الإحاطة ما محصله أن المذكور محمد بن محمد بن عبد الملك بن سعيد الأنصاري الأوسي كان شديد الانقباض محجوب المحاسن تنبو العين عنه جهامة ووحشة ظاهر وغرابة شكل وفى طى ذلك أدب غض ونفس حرة وحديث ممتع وأبوة كريمة أحد الصابرين على الجهد المستمسكين بأسباب الحشمة الراضين بالخصاصة وأبوه قاضى القضاة نسيج وحده الإمام العالم التاريخى المتبحر فى الآداب تقلبت به أيدى الليالي بعد وفاته لتبعة سلطت على نشبه فاستقر بمالقة مقدورا عليه لا يهتدي لمكان فضله إلا من عثر عليه ومن شعره قوله
( من لم يصن فى أمل وجهه ** عنك فصن وجهك عن رده )
( واعرف له الفضل وعرف له ** حيث أحل النفس من قصده )
ثم قال توفى فى ذى القعدة عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة انتهى 29 - من المكودي إلى لسان الدين ومما مدح به لسان الدين قول أبى عبد الله محمد المكودي الفاسي رحمه الله تعالى
( رحماك بى فلقد خلدت فى خلدي ** هوى أكابد منه حرقة الكبد )
( حللت عقد سلوى عن فؤادى إذ ** حللت منه محل الروح من جسدى )
( مرآك بدرى وذكراك التذاذ فمى ** ودين حبك إضمارى ومعتقدى )
____________________
(6/90)


( ومن جمالك نور لاح فى بصرى ** ومن ودادك روح حل فى خلدي )
( لا تحسبن فؤادى عنك مصطبرا ** فقبل حبك كان الصبر طوع يدي )
( وهاك جسمى قد أودى النحول به ** فلو طلبت وجودا منه لم تجد )
( بما بطرفك من غنج ومن حور ** وما بثغرك من در ومن برد )
( كن بين طرفى وقلبى منصفا فلقد ** حابيت بعضهما فاعدل ولا تحد )
( فقال لى قد جعلت القلب لى وطنا ** وقد قضيت على الأجفان بالسهد )
( وكيف تطلب عدلا والهوى حكم ** وحكمه قط لم يعدل على أحد )
( من لى بأغيد لا يرثى لذى شجن ** وليس يعرف ما يلقاه ذو كمد )
( ما كنت من قبل إذعانى لسطوته ** إخال أن الرشا يسطو على الأسد )
( إن جاد بالوعد لم تصدق مواعده ** فإن قنعت بزور الوعد لم يعد )
( شكوته علتى منه فقال ألا ** سر للطبيب فما برء الضنى بيدى )
( فقلت إن شئت برئى أو شفا ألمى ** فبارتشاف لماك الكوثرى جد )
( وإن بخلت فلى مولى يجود على ** ضعفى ويبرىء ما أضنيت من جسدى )
وخرج بعد هذا إلى مدح لسان الدين فأطال وأطاب وكيف لا وقد ملأ من إحسانه الوطاب رحم الله تعالى الجميع 30 - من اليتيم إلى لسان الدين
وقال لسان الدين كتبت إلى أبى عبد الله اليتيم أسأل منه ما أثبت فى كتاب التاج من شعره فكتب إلى بهذه الأبيات
( أما الغرام فلم أخلل بمذهبه ** فلم حرمت فؤادى نيل مطلبه )
____________________
(6/91)


( يا معرضا عن فؤاد لم يزل كلفا ** بحبه ذا حذار من تجنبه )
( قطعت عنه الذى عودته فغدا ** وحظه من رضاه برق خلبه )
( أيام وصلك مبذول وبرك بى ** مجدد قد صفا لى عذب مشربه )
( وسمع ودك عن إفك العواذل فى ** شغل وبدر الدجى ناس لمغربه )
( لا أنت تمنعنى نيل الرضى كرما ** ولا فؤادى بوان فى تطلبه )
( لله عرفك ما أذكى تنسمه ** لو كنت تمنحنى استنشاق طيبه )
( أنت الحبيب الذى لم أتخذ بدلا ** منه وحاشا لقلبى من تقلبه )
( يا ابن الخطيب الذى قد فقت كل سنا ** أزال عن ناظرى إظلام غيهبه )
( محمد الحسن فى خلق وفى خلق ** أكملت باسمك معنى الحسن فازه به )
( حضرت أو غبت ما لي عن هواك غنى ** لا ينقص البدر حسنا فى تغيبه )
( سيان حال التدانى والبعاد وهل ** لمبصر البدر نيل فى ترقبه )
( يا من أحسن ظنى فى رضاه وما ** ينفك يهدى قبيحا من تغضبه )
( إن كان ذنبى الهوى فالقلب منى لا ** يصغى لسمع ملام من مؤنبه ) 31 - من لسان الدين إلى اليتيم
فأجبته بهذه الرسالة وهى ظريفة فى معناها يا سيدى الذى إذا رفعت راية ثنائه تلقيتها باليدين وإذا قسمت سهام وداده على ذوى اعتقاده كنت صاحب الفريضة والدين دام بقاؤك لطرفة تبديها وغريبة تردفها بأخرى تليها وعقيلة بيان تجليها ونفس أخذ الحزن بكظمها وكلف الدهر بشت نظمها تؤنسها وتسليها لم أزل أشد على بدائعك يد الضنين وأقتنى
____________________
(6/92)

درر كلامك ونفثات أقلامك اقتناء الدر الثمين والأيام بلقائك تعد ولا تسعد وفى هذه الأيام انثالت على سماؤك بعد قحط وتواترت لدى آلاؤك على شحط وزارتنى من عقائل بيانك كل فاتنة الطرف عاطرة العرف رافلة فى حلل البيان والظرف لو ضربت بيوتها بالحجاز لأقرت لها العرب العاربة بالإعجاز ما شئت من رصف المبنى ومطاوعة اللفظ لغرض المعنى وطيب الأسلوب والتشبث بالقلوب غير أن سيدى أفرط فى التنزل وخلط المخاطبة بالتغزل وراجع الالتفات ورام استدراك ما فات ويرحم الله تعالى شاعر المعرة فلقد أجاد فى قوله وأنكر مناجاة الشوق بعد انصرام حوله
( أبعد حول تناجى الشوق ناجية ** هلا ونحن على عشر من العشر )
ولقد تجاوزت فى الأمد وأنسيت أخبار صاحبك عبد الصمد فأقسم بألفات القدود وهمزات الجفون السود وحامل الأرواح مع الألواح بالغدو والرواح لولا بعد مزارك ما أمنت غائلة ما تحت إزارك ثم إنى حققت الغرض وبحثت عن المشكل الذى عرض فقلت للخواطر انتقال ولكل مقام مقال وتختلف الحوائج باختلاف الأوقات ثم رفع اللبس خبر الثقات
ومنها وتعرفت ما كان من مراجعة سيدى لحرفة التكتيب والتعليم والحنين إلى العهد القديم فسررت باستقامة حاله وفضل ماله وإن لاحظ
____________________
(6/93)

اللاحظ ما قال الجاحظ فاعتراض لا يرد وقياس لا يطرد حبذا والله عيش التأديب فلا بالضنك ولا بالجديب معاهدة الإحسان ومشاهدة الصور الحسان
يمينا إن المعلمين لسادة المسلمين وإنى لأنظر منهم كلما خطرت على المكاتب أمراء فوق المراتب من كل مسيطر الدرة متقطب الأسرة متنمر للوارد تنمر الهرة يغدو إلى مكتبه كالأمير فى موكبه حتى إذا استقل فى فرشه واستوى على عرشه وترنم بتلاوة قالونه وورشه أظهر للخلق احتقارا وأزرى بالجبال وقارا ورفعت إليه الخصوم ووقف بين يديه الظالم والمظلوم فتقول كسرى فى إيوانه والرشيد فى أوانه أو الحجاج بين أعوانه فإذا استولى على البدر السرار وتبين للشهر الغرار تحرك إلى الخرج تحرك العود إلى الفرج أستغفر الله مما يشق على سيدى سماعه وتشمئز من ذكره طباعة شيم اللسان خلط الإساءة بالإحسان والغفلة من صفات الإنسان فأي عيش كهذا العيش وكيف حال أمير هذا الجيش طاعة معروفة ووجوه إليه مصروفه فإن أشار بالإنصات لتحقق القصات فكانما طمس على الأفواه ولأم بين الشفاه وإن أمر بالإفصاح وتلاوة الألواح علا الضجيج والعجيج وحف به كما حف بالبيت الحجيج وكم بين ذلك من رشوة تدس وغمزة لا تحس ووعد يستنجز وحاجة تستعجل وتحفز هنأ الله سيدى ما خوله وأنساه بطيب أخراه أوله وقد بعثت بدعابتى هذه مع إجلال قدره والثقة بسعة صدره فليتلقها بيمينه ويفسح لها فى المرتبة بينه وبين خدينه ويفرغ لمراجعتها وقتا من أوقاته عملا بمقتضى دينه وفضل يقينه والسلام
____________________
(6/94)


____________________
(6/95)

ترجمة أبى عبد الله اليتيم
ثم قال ومن المداعبة التى وقعت إليها الإشارة ما كتب به إليه صديقه أبو على ابن عبد السلام
( أبا عبد الإله نداء خل ** وفى جاء يمنحك النصيحة )
( إلى كم تألف الشبان غيا ** وخذلانا أما تخشى الفضيحة )
فأجابه بقوله
( فديتك صاحب السمة المليحة ** ومن طابت أرومته الصريحه )
( ومن قلبى وضعت له محلا ** فما عنه يحل بأن أزيحه )
( نأيت فدمع عينى فى انسكاب ** وأكبادى لفرقتكم قريحه )
( وطرفى لا يتاح له رقاد ** وهل نوم لأجفان جريحه )
( وزاد تشوقى أبيات شعر ** أتت منكم بألفاظ فصيحه )
( ولم تقصد بها جدا ولكن ** قصدت بها مداعبة وقيحه )
( فقلت أتألف الشبان غيا ** وخذلانا أما تخشى الفضيحه )
( ففيهم حرفتى وقوام عيشى ** وأحوالى بخلطتهم نجيحه )
( وأمرى فيهم أمر مطاع ** وأوجههم مصابيح صبيحه )
( وتعلم أننى رجل حصور ** وتعرف ذاك معرفة صحيحه )
ثم قال لسان الدين بعد إيراده ما مر ما صورته ولما اشتهر المشيب بعارضه ولمته وخفر الدهر بعهود صباه وأذمته أقلع واسترجع وتألم لما فرط وتوجع وهو الآن من جلة الخطباء طاهر العرض والثوب خالص
____________________
(6/95)

من الشوب باد عليه قبول قابل التوب وتوفى فى أخريات صفر سنة خمسين وسبعمائة فى الطاعون رحمه الله تعالى وغفر له انتهى
واليتيم المذكور هو أبو عبد الله محمد بن على العبدري المالقى وفى حقه يقول لسان الدين فى التاج ما مثاله هو مجموع أدوات حسان من خط ونغمة لسان أخلاقه روض تتضوع نسماته وبشره صبح تتألق قسماته ولا تخفى سماته يقرطس أغراض الدعابة ويصميها ويفوق سهام الفكاهة إلى مراميها فكلما صدرت فى عصره قصيدة هازلة أو ابيات منحطة عن الإجادة نازلة خمس أبياتها وذيلها وصرف معانيها وسيلها وتركها سمر الندمان وأضحوكة الأزمان وهو الآن خطيب المسجد الأعلى بمالقة متحل بوقار وسكينة حال من أهلها بمكانة مكينة لسهولة جانبه واتضاح مقاصده فى الخير ومذاهبه واشتغل لأول أمره بالتكتيب وبلغ الغاية فى التعليم والترتيب والشباب لم ينصل خضابه ولا سلت للمشيب عضابه ونفسه بالمحاسن كلفه صبه وشأنه كله هوى ومحبة ولذلك ما خاطبه بعض أودائه وكلاهما رمى أخاه بدائه حسبما يأتى خلال هذا المقول وفى أثنائه انتهى
وذكر نحو ما تقدم ذكره سامح الله الجميع بفضله 32 - مخاطبة الكرسوطى للسان الدين
وقال لسان الدين فى ترجمة أبى عبد الله محمد بن عبد الرحمن الكرسوطى الفاسى نزيل مالقة ما صورته وأنشدنى وأنا بمالقه أحاول لوث العمامة وأستعين بالغير على الإحكام لها
____________________
(6/96)


( أمعمما قمرا تكامل حسنة ** أربى على الشمس المنيرة فى البها )
( لا تلتمس ممن لديك زيادة ** فالبدر لا يمتار من نور السها ) ترجمة أبى عبد الله الكرسوطى
قال لسان الدين وهو فقيه محدث متكلم ألف كتبا منها الغرر فى تكميل الطرر طرر أبى إبراهيم الأعرج ثم كتاب الدرر فى اختصار الطرر المذكور وتقييدان على الرسالة كبير وصغير ولخص التهذيب لابن بشير وحذف أسانيد المصنفات الثلاثة والتزم إسقاط التكرار واستدرك الصحاح الواقعة فى الترمذى على البخارى ومسلم وقيد على مختصر الطليطلى وشرع فى تقييد على قواعد الإمام أبى الفضل عياض بن موسى برسم ولدى ويصدر منه الشعر مصدرا لا تكنفه منه العناية وكانت له اليد الطولى فى عبارة الرؤيا ومولده بفاس عام تسعين وستمائة انتهى ملخصا 33 - مخاطبة ابن الزبير للسان الدين
وقال فى الترجمة أبى عمرو ابن الزبير ما صورته ومما خاطبنى به عند إيابى من العدوة فى غرض الرسالة قوله
( نوالى الشكر للرحمن فرضا ** على نعم كست طولا وعرضا )
( وكم لله من لطف خفى ** لنا منه الذى قد شا وأمضى )
( بمقدمك السعيد أتت سعود ** ننال بها نعيم الدهر محضا )
( فيا بشرى لأندلس بما قد ** به والاك بارينا وأرضى )
( ويا لله من سفر سعيد ** قد أقرضك المهيمن فيه قرضا )
( ورحت بنية أخلصت فيها ** فأبت بكل ما يبغى ويرضى )
( وثبت لنصره الإسلام لما ** علمت بأن الأمر إليك أفضى )
____________________
(6/97)


( لقد أحييت بالتقوى رسوما ** كما أرضيت بالتمهيد أرضا )
( وقمت بسنة المختار فينا ** تمهد سنة وتقيم فرضا )
( ورضت من العلوم الصعب حتى ** جنيت ثمارها رطبا وغضا )
( فرأيك راجح فيما تراه ** وعزمك من مواضى الهند أمضى )
( تدبر أمر مولانا فيلقى ** المسىء لديك إشفاقا وإغضا )
( فأعقبنا شفاء وانبساطا ** وقد كانت قلوب الناس مرضى )
( ومن أضحى على ظمإ وأمسى ** يرد إن شاء من نعماك حوضا )
( أبا عبد الإله إليك أشكو ** زمانى حين زاد الفقر عضا )
( ومن نعماك أستجدى لباسا ** تفيض به على الجاه فيضا )
( بقيت مؤملا ترجى وتخشى ** ومثلك من إذا ما جاد أرضى ) ترجمة أبى عمرو ابن الزبير
وأبو عمرو المذكور هو محمد بن أحمد بن إبراهيم بن الزبير أبوه الأستاذ أبو جعفر ابن الزبير أستاذ الزمان شيخ أبى حيان وغيره وقال فى الإحاطة فى حقه إنه فكه حسن الحديث ركض طرف الشبيبة فى ميدان الراحة منكبا عن سنن أبيه وقومه مع شفوف إدراك وجوده حفظ كانا يطمعان والده فى نجابته فلم يعدم قادحا شرق فنال حظوة وجرت عليه خطوب ثم عاد إلى الأندلس فتطور بها وهو الآن قد نال منه الكبر يزجى لوقته بمالقة متعللا برمق من بعض الخدم المخزنية استجاز له والده الطم والرم من أهل المغرب والمشرق وبضاعته فى الشعر مزجاة ثم قال مات تاسع المحرم عام خمسة وستين وسبعمائة انتهى
____________________
(6/98)

ترجمة أبى يحيى الأكحل
وقال فى ترجمة أبى يحيى محمد بن أحمد بن محمد بن الأكحل ما صورته شيخ هيدورى الذقن خدوع الظاهر خلوب اللفظ شديد الهوى إلى الصوفية والكلف بإطراء أهل الخير من بيت صون وحشمة متقدم فى معرفة الأمور العلمية خائض فى غمار التصوف وانتحال كيمياء السعادة راكب متن دعوى عريضة فى مقام التوحيد تكذبها أحواله الراهنة لمعاصاة خلقه على الرياضة واستيلاء الشره وغلبة سلطان الشهوة والمشاحة أيام الولاية والسباب الشاهد بالشدة والحلف المتصل بياض اليوم فى ثمن الخردلة باليمين التى فيها فساد الأنكحة والغضب الذى يقلب العين 34 - مخاطبة الأكحل للسان الدين
خاطبنى بين يدى نكبته ولم أكن أظن الشعر مما تلوكه جحفلته ولكنه من أهل الكفاية
( رجوتك بعد الله يا خير منجد ** وأكرم مأمول وأعظم مرفد )
( وأفضل من أملت للحادث الذى ** فقدت به صبرى وما ملكت يدي )
( وحاشا وكلا أن يخيب مؤملى ** وقد علقت بابن الخطيب محمد )
( وما أنا إلا عبد نعمته التى ** عهدت بها يمنى وإنجاح مقصدي )
( وأشرف من حض الملوك على التقى ** وأبدى لهم رشدا نصيحة مرشد )
____________________
(6/99)


( وساس الرعايا الآن خير سياسة ** مباركة فى كل غيب ومشهد )
( وأعرض عن دنياه زهدا وإنها ** لمظهرة طوعا له عن تودد )
( وما هو إلا الليث الغيث إن أتى ** له خائف أو جاء مغناه مجتدي )
( وبحر علوم دره كلماته ** إذا رددت فى الحفل أي تردد )
( صقيل مرائى الفكر رب لطائف ** محاسنها تجلى بحسن تعبد )
( بديع عروج النفس للملإ الذى ** تجلت له الأسرار فى كل مصعد )
( شفيق رفيق دائم الحلم راحم ** ورأى جميل للجميل معود )
( صفوح عن الجاني على حين قدرة ** مواصل تقوى الله فى اليوم والغد )
( أيا سيدى يا عمدتى عند شدتى ** ويا مشربى مهما ظمئت وموردى )
( حنانيك والطف بى وكن لى راحما ** ورفقا على شيخ ضعيف منكد )
( رجاك رجاء للذى أنت أهله ** ووافاك يهدى للثناء المجدد )
( وأمك مضطرا لرحماك شاكيا ** بحال كحر الشمس حر توقد )
( وعندى افتقار لا يزال مواصلا ** لاكرم مولى حاز أجرا وسيد )
( ترفق بأولاد صغار بكاؤهم ** يزيد لوقع الحادث المتزيد )
( وليس لهم إلا إليك تطلع ** إذا مسهم ضر أليم التعهد )
( أنلهم أيا مولاى نظرة مشفق ** وجد بالرضى وانظر لشمل مبدد )
( وعامل أخا الكرب الشديد برحمة ** وأسعف بغفران الذنوب وأسعد )
( ولا تنظرن إلا لفضلك لا إلى ** جريمة شيخ عن محلك مبعد )
( وإن كنت قد أذنبت إنى تائب ** فعود لى الفعل الجميل وجدد )
( بقيت بخير لا يزال وعزة ** وعيش هنىء كيف شئت وأسعد )
( وسخرك الرحمن للعبد إنه ** لمثن وداع للمحل المجد )
ثم قال وهو الآن من مسطرى الأعمال على تهور واقتحام كبره من
____________________
(6/100)

خط لا غاية وراءه فى الركاكة كما قال المعرى
( تمشت فوقه حمر المنايا ** ولكن بعدما مسخت نمالا )5 - مخاطبة ابن عياش للسان الدين
وقال فى ترجمة أبى عبد الله محمد بن على بن عياش بن مشرف الأمى إنه من أهل الأصالة والحسب ظهرت منه على حداثة السن أبيات ونسب إليه شعر توسل به وتصرف فى الإشراف فحمدت سيرته وكتب إلى بقوله
( سفرت شموس اليمن والإقبال ** وبدت بدور السعد ذات كمال )
( لقدوم سيدنا الوزير محمد ** أعزز به من سيد مفضال )
( قمر تجلى بين زهر تجتلى ** يهدى لفعل الخير لا الإضلال )
( سر آمنا لا تكترث فلأنت فى ** حفظ الإله الواحد المتعالى )
( برا وبحرا لا تخاف ملمة ** وعدو ذاتك خلف ظهرك صالى )
( لا يستقر له قرار بعدكم ** مما يحل به من الاوجال )
( والآن ترجع سالما ومبشرا ** ببلوغ كل مسرة ومنال )
وهى طويلة نمطها متخلف عن الإجادة وهى من مثله مما يستظرف انتهى 36 - مخاطبة أبى عبد الله الوادى آشى للسان الدين
وقال فى ترجمة إبى عبد الله محمد بن محمد العراقى الوادى آشى فاضل
____________________
(6/101)


____________________
(6/102)

الأبوة بادى الاستقامة حسن الأخلاق تولى أعمالا كتب إلى وقد أبى عملا عرض عليه بقوله
( أأصمت ألفا ثم أنطق بالخلف ** وأفقد إلفا ثم آنس بالجلف )
( وأمسك دهرى ثم أفطر علقما ** ويمحق بدرى ثم ألحق بالخسف )
( وعزكم لا كنت بالذل عاملا ** ولو أن ضعفى ينتهى بى إلى الحتف )
( فإن تعملونى فى تصرف عزة ** وعدل وإلا فاحسموا علة الصرف )
( بقيتم وسحب العفو منكم تظلنى ** وحظ ثنائى دائما ثانى العطف )7 - مخاطبة أبى محمد الأزدى للسان الدين
وقال فى ترجمة أبى محمد عبد الله بن إبراهيم الأزدى ما صورته وخاطبنى لما وليت خطة الإنشاء وغيرها فى أواخر عام تسعة وأربعين وسبعمائة بما نصه
( حشاشة نفس أعلنت لمذيبها ** بتذكار أيام الوصال وطيبها )
( ونادته رحمى أحيها نفس مدنف ** تموت إذا لم تحيها بوجيبها )
( فداو بقرب منك لاعج وجدها ** وفيض أماقيها وطول نحيبها )
( وقد بلغت حدا به صح فى الهوى ** وأحكامه ثوب الضنى فى نصيبها )
( وهل يتداوى داء نفس تعيسة ** إذا كان يوما داؤها من طبيبها )
( لعل أوار الوجد تخمد ناره ** فيبرد عنها ما بها من لهيبها )
( إليك حداها الشوق يا بدرها الذى ** يعز عليها منه طول مغيبها )
( سلكت بها سبل الهوى فهى تبتغى ** لقاك وتبغى غفلة من رقيبها )
( أجبها بابقاء عليها فإنها ** ستفنى إذا ما لم تكن بمجيبها )
( ومل نحوها بالود فهى قد آذعنت ** كما تذعن الأقلام لابن خطيبها )
( وحيد الزمان الماهر الباهر الحلى ** وجهبذ آداب العلا وأديبها )
( إمام معاليها وبحر علومها ** وبدر دياجيها وصدر شعوبها )
____________________
(6/102)


( مصرفها كيف انثنت ومعيدها ** ومبدئها حيث انتهت ومصيبها )
( ورافع أعلام البلاغة والذى ** أتى ناثرا أو ناظما بعجيبها )
( وحامل رايات الرياسة رفعة ** قضى المجد تخصيصا له بوجوبها )
( من الغر ممن أوجبت لشبابها ** معاليهم الفضل العظيم وشيبها )
( من أبناء أرباب المنابر والأولى ** سما فخرهم بين الورى بركوبها )
( خلال ابن عبد الله طود الحجى أبى ** محمد باد حسنها من ضروبها )
( أجاد وأجدى فاسل عن ذكر طىء ** وحاتمها زهوا به وحبيبها )
( ففى كل ما يبدى محمد عبره ** محاسنها تنبى بسر غيوبها )
( تجيب القوافى إن دعا ببعيدها ** وتنقاد طوعا إن دعا بقريبها )
( تخير أخلاق الكرام فلم يكن ** نهى ولهى يرضى بغير رحيبها )
( تقدم فى دار الخلافة حاجبا ** لينجدها فى سلمها وحروبها )
( وقام لها فى ساحة العز كاتبا ** بمحضرها أسرارها ومغيبها )
( فأبدى من أنواع الفضائل أوجها ** تقر لها بالحسن عين لبيبها )
( هنيئا به يمنا بأسعد ماثل ** لغرناطة قاض بصرف خطوبها )
( فللسعد تأثير يجىء إذا جرى ** به قدر كالريح عند هبوبها )
( أموقد نار الفكر يقدح زندها ** فيسبى به الألباب سحر نسيبها )
( حدانى إليك الحب قدما ومال بى ** حديث لآمال خلت عن غريبها )
( فقدمتها نظما قوافى قصرت ** لديك بذاوى فكرتى ورطيبها )
( وكنت كمن وافى لدى الدار بالحصى ** يرفع منها ساهيا عن عيوبها )
( فصلها وخذ بالعفو فيها فلم أصل ** لأبلغ منها فاغتفر من ذنوبها ) قطع من شعر الأزدى
وصاحب هذا النظم من أهل بلش وله اقتدار على النظم والنثر قال فى
____________________
(6/103)

الإحاطة ما محصله ومما وقع له أثناء مقامات وأغراض تشهد باقتداره مهملا
( رعى الله عهدا حوى ما حوى ** لأهل الوداد وأهل الهوى )
( أراهم أمورا حلا وردها ** وأعطاهم السؤل كلا سوا )
( ولما حلا الوصل صالوا له ** وراموه مأوى وماء روا )
( وأوردهم سر أسرارهم ** ورد إلى كل داء دوا )
( وما أمل طال إلا وهى ** وما آمل صال إلا هوى )
وقال معجمه
( بث بينى يبثنى فيض جفنى ** شغفى شفنى فشبت ببينى )
( فتنتنى بغنج ظبى تجنى ** تبتغى نقض نيتى بتجنى )
( بزة زينت قضيب تثنى ** قضيت يغيتى ففزت بفن )
( خفت تشتيت بنيتى فجفتنى ** ثقة تنثنى فخيب ظنى ) وقال كلمة وكلمة
( الهوى شفنى وأهمل جفنى ** أدمعا تنثنى دما بتثنى )
( أحور شب حر بثى لما ** نقض العهد بين طول تجنى )
( حاكم يتقى ولا ذنب إلا ** شغف لم يخب لمسعاه ظنى )
( ما له ينقض العهود فيشجى ** ولها ينثنى مسهد جفن )
( لم يجز وصله فبت محالا ** يقتضى حل بغيتى كل فن )
وقال يرثى ديكا فقده ويصف الوجد الذى وجده ويبكى عدم أذانه إلى غير ذلك من مستظرف شانه
( أودى به الحتف لما جاءه الأجل ** ديكا فلا عوض منه ولا بدل )
____________________
(6/104)


( قد كان لى أمل فى أن يعيش فلم ** يثبت مع الحتف فى بقياه لى أمل )
( فقدته فلعمرى إنها عظة ** وبالمواعظ تذرى دمعها المقل )
( ما كان أبدع مرآه ومنظره ** وصفا به كل حين يضرب المثل )
( كأن مطرف وشى فوق ملبسه ** عليه من كل حسن باهر حلل )
( كأن إكليل كسرى فوق مفرقه ** وتاجه فهو عالى الشكل محتفل )
( موقت لم يكن يعزى له خطأ ** فيما يرتب من ورد ولا خلل )
( كأن زرقال فيما مر علمه ** علم المواقيت مما رتب الأول )
( يرحل الليل يحيى بالصراخ فما ** يصده كلل عنه ولا ملل )
( رأيته قد وهت منه القوى فهوى ** للأرض فعلا يريه الشارب الثمل )
( لو يفتدى بديوك الأرض قل له ** ذاك الفداء ولكن فاجأ الأجل )
( قالوا الدواء فلم يغن الدواء ولم ** ينفعه من ذاك ما قالوا وما فعلوا )
( أملت فيه ثوابا أجر محتسب ** إن نلت ذلك صح القول والعمل )
وأمره السلطان أبو عبد الله سادس الملوك النصريين وقد نظر إلى شلير وقد تردى بالثلج وتعمم وكمل ما أراد من بزته وتمم أن ينظم فى وصفه فقال بديها
( وشيخ جليل القدر قد طال عمره ** وما عنده علم بطول ولا قصر )
( عليه لباس أبيض باهر السنا ** وليس بثوب أحكمته يد البشر )
( فطورا تراه كله كاسيا به ** وكسوته فيها لأهل النهى عبر )
( وطورا تراه عاريا ليس يكتسى ** بحر ولا برد من الشمس والقمر )
( وكم مرت الأيام وهو كما ترى ** على حاله لم يشك ضعفا ولا كبر )
( وذاك شلير شيخ غرناطة التى ** لبهجتها فى الأرض ذكر قد اشتهر )
____________________
(6/105)


( بها ملك سامى المراقى أطاعه ** كبار ملوك الأرض فى حالة الصغر )
( تولاه رب العرش منه بعصمة ** تقيه مدى الأيام من كل ما ضرر )
وتوفى المذكور فى بلده بلش فى طاعون عام خمسين وسبعمائة انتهى 38 - من لسان الدين إلى ابن رضوان
وقال فى الإحاطة فى ترجمة صاحب القلم الأعلى بالمغرب أبى القاسم ابن رضوان النجارى ما صورته ولما ولى الإنشاء بباب ملك المغرب ظهر لسلطاننا بعض قصور فى المراجعات فكتبت إليه
( أبا قاسم لا زلت للفضل قاسما ** بميزان عدل ينصر الحق من نصر )
( مدادك وهو المسك طيبا ومنظرا ** وإلا سواد القلب والفود والبصر )
( عهدناه فى كل المعارف مطنبا ** فما باله فى حرمه الود مختصر )
( أظنك من ليل الوصال انتخبته ** إلينا وذاك الليل يوصف بالقصر )
( أردنا بك العذر الذى أنت أهله ** ومثلك لا يرمى بعى ولا حصر )9 - جواب ابن رضوان
فراجعنى ولا أدرى أهى من نظمه أم نظم غيره
____________________
(6/106)


( حقيق أبا عبد الإله بك الذى ** لمذهبه فى البر يتضح الأثر )
( وان الذى نبهت منى لم يكن ** نؤوما وحاشا الود أن أغمط الأثر )
( ورب اختصار لم يشن نظم ناظم ** ورب اقتصار لم يعب نثر من نثر )
( وعذرك عنى من محاسنك التى ** نظام حلاها فى الممادح ما انتثر )
( ومن عرف الوصف المناسب منصفا ** تأتى له نهج من العذر ما دثر )
ترجمة ابن رضوان
وهو عبد الله بن يوسف بن رضوان بن يوسف بن رضوان النجارى من أهل مالقة صاحب العلامة العلية والقلم الأعلى بالمغرب قرأ على جماعة منهم بتونس قاضى الجماعة ابن عبد السلام قال فى التاج فيه أيام لم يفهق حوضه ولا أزهر روضه ما نصه أديب أحسن ما شاء ومتح قليبه فملأ الدلو وبل الرشاء وعانى على حداثته الشعر والإنشاء وله ببلده بيت معمور بفضل وأمانة ومجد وديانة ونشأ هذا الفاضل على أتم العفاف والصون فما مال إلى فساد بعد الكون وله خط بارع وفهم إلى الغوامض مسارع وقد أثبت من كلامه ونفثات أقلامه كل محكم العقود زار بابنة العنقود فمن ذلك قوله
( لعلكما أن ترعيا لى وسائلا ** فبالله عوجا بالركاب وسائلا )
ومنها
( لقد جار دهرى إذ نأى بمطالبى ** وظل بما أبغى من القرب ماطلا )
( عتبت عليه فاغتدى لى عاتبا ** وقال أصخ لى لا تكن قط عاذلا )
( أتعتبنى أن قد أفدتك موقفا ** لدى أعظم الأملاك حلما ونائلا )
____________________
(6/107)


( مليك حباه الله بالخلق الرضى ** وأعلى له فى المكرمات المنازلا )
وهى طويلة
ومن نظم ابن رضوان المذكور
( تبرأت من حولى إليك وأيقنت ** برحماك آمالى أصح يقين )
( فلا أرهب الأيام إذ كنت ملجأ ** وحسبى يقينى باليقين يقينى )
وكلفه أبو عنان وصف صيد من غدير فقال من أبيات
( ولرب يوم فى حماك شهدته ** والسرح ناشرة عليك ظلالها )
( حيث الغدير يريك من صفحاته ** درعا تجيد به الرياح صقالها )
( والمنشآت به تدير حبائلا ** للصيد فى حيل تدير حبالها )
( وتريك إذ يلقى بها اليم الذى ** أخفت جوانحه وغاب خلالها )
( فحسبتها زردا وأن عواليا ** تركت به عند الطعان نصالها )
وقال فيه ايضا
( أبصرت فى يوم الغدير عجائبا ** جاءت بآيات العجائب مبصره )
( سمكا لدى شبك فقل ليل بدت ** فيه الزواهر للنواظر نيره )
( فكأن ذا زرد تضاعف نسجه ** وكأن تلك أسنة متكسره )
ومما نظمه عن أمر الخلافة المستعينية ليكتب فى طرة قبة رياض الغزلان
____________________
(6/108)

من حضرته
( هذا محل المنى بالأمن معمور ** من حله فهو بالآمال محبور )
( مأوى النعيم به ما شئت من ترف ** تهوى محاسنه الولدان والحور )
( ويطلع الروض منه مصنعا عجبا ** يضاحك النور من لألائه النور )
( ويسطع الزهر من أرجائه أرجا ** ينافح الند نشر منه منشور )
( مغنى السرور سقاه الله ما حملت ** غر الغمام وحلته الأزاهير )
( انظر إلى الروض تنظر كل معجبه ** مما ارتضاه لرأى العين تحبير )
( مر النسيم به يبغى القرى فقرى ** دراهم النور تبديد وتنثير )
( وهامت الشمس فى حسن الظلال به ** ففرقت فوقها منه دنانير )
( والدوح ناعمة تهتز من طرب ** همسا وصوت غناء الطير مجهور )
( كأنما الطير فى أفنائها صدحت ** بشكر مالكها والفضل مشكور )
( والنهر شق بساط الروض تحسبه ** سيفا ولكنه فى السلم مشهور )
( ينساب للجة الخضراء أزرقه ** كالأيم جد انسيابا وهو مذعور )
( هذى مصانع مولانا التى جمعت ** شمل السرور وأمر السعد مأمور )
( وهذه القبة الغراء ما نظرت ** لشكلها العين إلا عز تنظير )
( ولا يصورها فى الفهم ذو فكر ** إلا ومنه لكل الحسن تصوير )
( ولا يرام بحصر وصف ما جمعت ** من المحاسن إلا صد تقصير )
( فيها المقاصير تحميها مهابته ** لله ما جمعت تلك المقاصير )
( كأنها الأفق تبدو النيرات به ** ويستقيم بها فى السعد تسيير )
( وينشأ المزن فى أرجائه وله ** من عنبر الشحر إنشاء وتسخير )
( وينهمى القطر منه وهو منسكب ** ماء من الورد يذكو منه تقطير )
____________________
(6/109)


( وتخفق الريح منه وهى ناسمة ** مما أهب به مسك وكافور )
( ويشرق الصبح منه وهو من غرر ** غر تلألأ منهن الأسارير )
( وتطلع الشمس فيه من سنا ملك ** تبسم الدهر منه وهو مسرور )
( لله منه إمام عادل بهرت ** أوصافه فهى للأمداح تحبير )
( غيث السماح وليث البأس فالق به ** محيى الهدى وهو للعادين تتبير )
( قل للمبارى وإن لم تلقه أبدا ** ورب فرض محال وهو تقدير )
( فخر الأنام أحل الفخر منزله ** فكل مدح على علياه مقصور )
( إذا أبو سالم مولى الملوك بدا ** بدرا تضىء بمرآه الدياجير )
( فأى خطب يخاف الدهر آمله ** وأى سؤل له فى النيل تعذير )
( بشراك بشراك يا نجل الخلافة ما ** خولت من نيلها والضد مقهور )
( لك الخلود بعز الملك فى نعم ** لا يعترى صفوها فى الدهر تكدير )
( فانعم هنيئا بلذات مواصلة ** لا يأتليهن إلمام وتكرير )
( لا زلت تلقى المنى فى غبطة أبدا ** ما دام لله تهليل وتكبير )
وقال وكتب به على قلم فضة
( إذا شهدت بالنصر خطية القنا ** فملكت أمر الفتح من دون ما شرط )
( كفى شاهدا منى بفضلك ناطقا ** لسانى مهما أفصحت ألسن الخطى )
وقال وكتب به على سكين
( أرواح بأمر المستعين وأغتدى ** لإذهاب طغيان اليراع الرواقم )
( ويفعل فى الأقلام حدى مصلحا ** كفعل ظبى أسيافه فى الأقالم )
قال ومما كتب به على قصيدة عيدية
( لما رأيت هدايا العيد أعظمها ** هدية الطيب فى حسن وتعجيب )
____________________
(6/110)


( ولم أجد فى ضروب العاطرات شذا ** يحكى ثناءك فى نشر وفى طيب )
( أهديت نحوك منه كل ذى أرج ** أنفاسه بين تشريق وتغريب )
( وفى القبول منال السعد فالق به ** تلق الأمانى بتأهيل وترحيب )
وقال فى رجل يلقب بالبعير
( وذى لقب عنت له عند صحبه ** مآرب لم يسعد عليهن مسعد )
( دعوه بعيرا فاستشاط فقال مه ** أبا أحمد وارتد عنهم يهدهد )
( فقلت له عد نحوهم لتعود من ** مرامك بالمطلوب توفى وتحمد )
( فقال وقد غص الفضاء بصوته ** وقد هدرت منه الشقاشق تزبد )
( لئن عدت نادونى بعيرا كمثلها ** فقلت له لا تخش فالعود أحمد )
وقال
( وبخيل لما دعوه لسكنى ** منزل بالجنان ضن بذلك )
( قال لى مخزن بدارى فيه ** كل مالى فلست للدار تارك )
( قلت وفقت للصواب فحاذر ** قول خل مرغب فى انتقالك )
( لا تعرج على الجنان بسكنى ** ولتكن ساكنا بمخزن مالك )
وقال رحمه الله تعالى فى مركب
( يا رب منشأة عجبت لشأنها ** وقد احتوت فى البحر أعجب شان )
( سكنت بجنبيها عصابه شدة ** حلت محل الروح فى الجثمان )
( فتحركت بإرادة مع أنها ** فى جنسها ليست من الحيوان )
____________________
(6/111)


( وجرت كما قد شاءه سكانها ** فعلمت أن السر فى السكان )
وقال رحمه الله تعالى
( وذى خدع دعوة لاشتغال ** وما عرفوه غثا من سمين )
( فأظهر زهده وغنى بمال ** وجيش الحرص منه فى كمين )
( وأقسم لا فعلت يمين خب ** فيا عجبا لحلاف مهين )
( يغر بيسره ويمين حنث ** ليأكل باليسار وباليمين )
وهو الأن بحالة الموصوفة انتهى 40 - مخاطبة أبى بكر ابن عبد الملك للسان الدين
وقال لسان الدين رحمه الله تعالى خاطبنى أبو بكر عبد الرحمن بن عبد الملك مستدعيا إلى إعذار ولده بقوله
( أريد من سيدى الأعلى تكلفه ** إلى الوصول إلى دارى صباح غد )
( يزيدنى شرفا منه ويبصر لى ** صناعة القاطع الحجام فى ولدى )
فأجبته
( يا سيدى الأوحد الأسمى ومعتمدى ** وذا الوسيلة من أهلى ومن بلدى )
( دعوت فى يوم الأثنين الصحاب ضحى ** وفيه ما ليس فى سبت ولا أحد )
( يوم السلام على المولى وخدمته ** فاصفح وإن عثرت رجلى فخذ بيدى )
( والعذر أوضح من نار على علم ** فعد إن غبت عن لوم وعن فند )
( بقيت فى ظل عيش لا نفاد له ** مصاحبا غير محصور إلى أمد )
____________________
(6/112)

ترجمة أبى بكر ابن عبد الملك
وأبو بكر المذكور أصله من باغه ونشأ بلوشة وهو محسوب من الغرناطيين
وفى التاج فى حقه ما صورته فارض هاجى مداهن مداجى أخبث من نظر من طرف خفى وأغدر من تلبس بشعار وفى إلى مكيدة مبثوثة الحبائل وإغراء يقطع بين الشعوب والقبائل من شيوخ طريقة العمل المتقلبين من أحوالها بين الصحو والثمل المتعللين برسومها حين اختلط المرعى بالهمل وهو ناظم أرجاز ومستعمل حقيقة ومجاز نظم مختصر السيرة فى الألفاظ اليسيرة ونظم رجزا فى الزجر والفال نبه به تلك الطريقة بعد الإغفال انتهى
قال ومن شعره
( إن الولاية رفعة لكنها ** أبدا إذا حققتها تتنقل )
( فانظر فضائل من مضى من أهلها ** تجد الفضائل كلها لا تعزل )
توفى بالطاعون بغرناطة عام خمسين وسبعمائة انتهى 41 - مخاطبة أبى سلطان للسان الدين
وقال فى ترجمة أبى سلطان عبد العزيز بن على الغرناطى بن يشت ما صورته ومما خاطبنى به قوله
( أطلت عتب زمان فل من أملى ** وسمته الذم فى حل ومرتحل )
( عاتبته ليلين العتب جانبه ** فما تراجع عن مطل ولا بخل )
____________________
(6/113)


( فعدت أمنحه العتبى ليشفق لى ** فقال لى إن سمعى عنك فى شغل )
( فالعتب عندى كالعتبى فلست أرى ** أصغى لمدحك إذ لم أصغ للعذل )
( فقلت للنفس كفى عن معاتبه ** لا تنقضى وجواب صيغ من وجل )
( من يعتلق فى الدنا بابن الخطيب فقد ** سما عن الذل واستولى على الجذل )
( قالت فمن لى بتقريبى لخدمته ** فقد أجاب قريبا من جوابك لى )
( فقال للناس كفوا عن محادثتى ** فليس ينفعكم حولى ولا حيلى )
( قد اشتغلت عن الدنيا بآخرتى ** وكان ما كان من أيامى الأول )
( وقد رعيت وما أهملت من منح ** فكيف يختلط المرعى بالهمل )
( ولست أرجع للدنيا وزخرفها ** من بعد شيب غدا فى الرأس مشتعل )
( ألست تبصر أطمارى وبعدى عن ** نيل الحظوظ وإغذاذى إلى أجلى )
( فقلت ذلك قول صح مجمله ** لكن من شأنه التفصيل للجمل )
( ما أنت جالب أمر تستعين به ** على المظالم فى حال ومقتبل )
( ولا تحل حراما أو تحرم ما ** أحل ربك فى قول ولا عمل )
( ولا تبع آجل الدنيا بعاجلها ** كما الولاة تبيع اليم بالوشل )
( وأين عنك الرشا إن ظلت تطلبها ** هذا لعمرى أمر غير منفعل )
( هل أنت تطلب إلا أن تعود إلى ** كتب المقام الرفيع القدر فى الدول )
( فما لأوحد هذا الكون قاطبة ** وأسمح الخلق من حاف ومنتعل )
( لم يلتفت نحو ما تبغيه من وطر ** ولم يسد الذى قد بان من خلل )
( إن لم تقع نظره منه عليك فما ** يصفو لديك الذى أملت من أمل )
( فدونك السيد الأعلى فمطلبكم ** قد نيط منه بفضل غير منفصل )
( فقد خبرت بنى الدنيا بأجمعهم ** من عالم وحكيم عارف وولى )
( فما رأيت له فى الناس من شبه ** قل النظير له عندى فلا تسل )
( وقد قصدتك يا أسمى الورى همما ** وليس لى عن حمى علياك من حول )
( فما سواك لما أملت من أمل ** وليس لى عنك من زيغ ولا ميل )
____________________
(6/114)


( فانظر لحالى فقد رق الحسود لها ** واحسم زمانه ما قد ساء من علل )
( ودم لنا ولدين الله ترفعه ** ما أعقبت بكر الإصباح بالأصل )
( لا زلت معتليا عن كل حادثة ** كما علت ملة الإسلام فى الملل )
انتهى ترجمة عبد العزيز أبى سلطان
والمذكور هو عبد العزيز بن على بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد العزيز بن يشت من غرناطة يكنى أبا سلطان قال فى الإحاطة فى حقه فاضل حيي حسن الصورة بادى الحشمة فاضل البيت سريه كتب فى ديوان الأعمال فأتقن وترقى إلى الكتابة السلطانية وسفر فى بعض الأغراض الغربية ولازم الشيخ أبا بكر عتيق بن مقدم من مشيخة الصوفية بالحضرة فظهرت عليه آثار ذلك فى نظمه ومقاصده فمن نظمه ما أنشده ليلة الميلاد المعظم
( القلب يعشق والمدامع تنطق ** برح الخفاء فكل عضو منطق )
( إن كنت أكتم ما أكن من الجوى ** فشحوب لونى فى الغرام مصدق )
( وتذللى عند اللقا وتملقى ** إن المحب إذا دنا يتملق )
( فلكم سترت عن الوجود محبتى ** والدمع يفضح ما يسر المنطق )
( ولكم أموة بالطلول وبالكنى ** وأخوض بحر الكتم وهو الأليق )
( ظهر الحبيب فلست أبصر غيره ** فبكل مرئى أرى يتحقق )
( ما فى الوجود تكثر لمكثر ** إن المكثر بالأباطل يعلق )
( فمتى نظرت فأنت موضع نظرتى ** ومتى نطقت فما بغيرك أنطق )
( يا سائلى عن بعض كنه صفاته ** كل اللسان وكل عنه المنطق )
( فاسلك مقامات الرجال محققا ** إن المحقق شأوه لا يلحق )
( مزق حجاب الوهم لا تحفل به ** فالوهم يستر ما العقول تحقق )
____________________
(6/115)


( واخلص إذا شئت الوصول ولا تئل ** فالعجز عن طلب المعارف موبق )
( إن التحلى فى التخلى فاقتصد ** ذاك الجناب فبابه لا يغلق )
( ولتقتبس نار الكليم ولا تخف ** والغ السوى إن كنت منها تفرق )
( ومتى تجلى فيك سر جماله ** وصعقت خوفا فالمكلم يصعق )
( دع رتبه التقليد عنك ولا تته ** تلق الذى قيدت وهو المطلق )
( واقطع حبال علائق وعوائق ** إن العوائق بالمكاره تطرق )
( جرد حسام النفس عن جفن الهوى ** إن العوائد بالتجرد تخرق )
( فإذا فهمت السر منك فلا تبح ** فالسيف من بث الحقائق أصدق )
( بالذوق لا بالعلم يدرك علمنا ** سر بمكنون الكتاب مصدق )
( وبما أتى عن خير من وطىء الثرى ** سر الوجود وغيثه المتدفق )
( خير الورى وابن الذبيحين الذى ** أنواره فى هديها تتألق )
( من أخبر الأنباء قبل ببعثه ** ولنصه سر الكتاب يصدق )
( رفعت له الحجب التى لم ترتفع ** إلا إليه فكل ستر يخرق )
( ورقى مقاما قصرت عن كنهه ** رتب الوجود وكع عنه السبق )
( وطىء البساط تدللا وجرى إلى ** أمد تناهى ما إليه مسبق )
( إنسان عين الكون مبلغ سره ** قطب الجمال وغيثه المتدفق )
( سر الوجود ونكته الدهر الذى ** كل الوجود بجوده يتعلق )
( من جاء بالآيات يسطع نورها ** والذكر فهو عن الهوى لا ينطق )
( يا سيد الأرسال غير مدافع ** وأجلهم سبقا وإن هم أعنقوا )
( بالفقر جئتك موئلى لا بالغنى ** فالذل والإذعان عندك ينفق )
( فاجبر كسير جرائر وجرائم ** فالقلب من عظم الخطايا يقلق )
____________________
(6/116)


( أرجوك يا غوث الأنام فلا تدع ** باب الرضى دونى يسد ويغلق )
( حاشاك تطرد من أتاك مؤملا ** فلأنت لى منى أحن وأرفق )
( ومحبتى تقضى بأنك منقذي ** مما أخاف فما بغيرك أعلق )
( يا هل تساعدنى الأمانى والمنى ** وأحل حيث سنا الرسالة يشرق )
( إن كان ثبطنى القضا بمقيد ** فعنان عزمى نحو مجدك مطلق )
( ولئن ثوى شخص بأقصى مغرب ** فتشوقى منى إليك يشرق )
( فعليك يا أسنى الوجود تحية ** من طيب نفحتها البسيطة تعبق )
( وعلى صحابتك الذين تأنقوا ** رتب الكمال ومثلهم يتأنق )
( وعلى الألى آووك فى أوطانهم ** نالوا بذلك رتبة لا تلحق )
( أعظم بأنصار النبى وحزبه ** وبمن أتى بعباءة يتعلق )
( من مثل سعد أو كقيس نجله ** عرف السيادة من حماهم ينشق )
( أكرم بهم وبمن أتى من سرهم ** عز النظير فمجدهم لا يلحق )
( من مثل نصر أو بنيه ملوكنا ** كل الأنام لعزهم يتملق )
( بمحمد نجل الخليفة يوسف ** عز الهدى فحماه ما إن يطرق )
( مولى الملوك وتاج مفرق عزهم ** وأجل من تحدى إليه الأينق )
( ملك يرى أن التقدم مغنم ** مهما تعرض موكب أو فيلق )
( تروى أحاديث الوغى عن بأسه ** فالسيف يسند والعوالى تطلق )
( ملك البسالة والمكارم والنهى ** فعداته منه تغص وتفرق )
( ملئت قلوب عداه منه مهابة ** فمغرب من خوفه ومشرق )
( مولاى يا أسمى الملوك ومن غدت ** عين الزمان إلى سناه تحدق )
( لا تقطعوا عنى الذى عودتم ** فالعبد من قطع العوائد يشفق )
( لا تحرمونى مطلبى فمحبتى ** تقضى لسعيي أنه لا يخفق )
( فانعم بردى فى بساطك كاتبا ** وأعد لما قد كنت فهو الأليق )
( فاسلم أمير المسلمين لأمة ** أفواههم ما إن بغيرك تنطق )
____________________
(6/117)


( واهنا بها من ليلة نبوية ** جاءت بأكرم من به يتعلق )
( صلى عليه الله ما هبت صبا ** واهتز غصن فى الحديقة مورق )
ثم قال وهو الآن بحالته الموصوفة انتهى 42 - رسالة من النباهى للسان الدين
ومما خوطب به لسان الدين رحمه الله تعالى ما حكاه فى الإحاطة فى ترجمة القاضى أبى الحسن النباهى إذ قال ما نصه وخاطبنى بسبته وأنا يومئذ بسلا بقوله يا أيتها الآية البالغة وقد طمست الأعلام والغرة الواضحة وقد تنكرت الأيام والبقية الصالحة وقد ذهب الكرام أبقاكم الله تعالى البقاء الجميل وأبلغكم غاية المراد ومنتهى التأميل أبى الله أن يتمكن المقام بالأندلس بعدكم وأن يكون سكون النفس إلا عندكم سر من الكون غريب ومعنى فى التشاكل عجيب أختصر لكم الكلام فأقول بعد التحية والسلام تفاقمت الحوادث وتعاظمت الخطوب الكوارث واستأسدت الذئاب الأخابث ونكث الأكثر من ولد سام وحام ويافث فلم يبق إلا كاشح باحث أو مكافح عابث ويا ليت شعرى من الثالث فحينئذ وجهت وجهى للفاطر الباعث ونجوت بنفسى لكن منجى الحارث وقد عبرت البحر كسير الجناح دامى الجراح وإنى لأرجو الله سبحانه بحسن نيتكم أن يكون الفرج قريبا والصنع عجيبا فعمادى أعان الله على القيام بواجبه هو الركن الذى ما زلت أميل على جوانبه ولا تزيدنى الأيام إلا بصيرة فى الإقرار بفضله والاعتداد به وقد وصلنى خطاب سيدى الذى جلى الشكوك بنور يقينه ونصح النصح اللائق بعلمه ودينه وكأنه نظر إلى الغيب من وراء حجاب فأشار بما أشار به على سارية عمر بن الخطاب ومن العجب أنى عملت بمقتضى إشارته قبل بلوغ إضبارته فلله ما تضمنه مكتوبكم الكريم من الدر وحرره من الكلام
____________________
(6/118)

الحر وايم الله لو تجسم لكان ملكا ولو تنسم لكان مسكا ولو قبس لكان شهابا ولو لبس لكان شبابا فحل منى علم الله تعالى محل البرء من المريض وأعاد الأنس بما تضمنه من التعريض والكلم المزرية بقطع الروض الأريض فقبلته عن راحتكم وتخيلت أنه مقيم بساحتكم ثم وردت معينه الأصفى وكلت من بركات مواعظه بالمكيال الأوفى وليست بأول أياديكم وإحالتكم على الله فهو الذى يجازيكم وبالجملة فالأمور بيد الأقدار لا إلى المراد والاختيار
( وما كل ما ترجو النفوس بنافع ** ولا كل ما تخشى النفوس بضرار )
انتهى
قلت أين هذا الكتاب من الذى قدمناه عنه فى الباب الثانى حين أظلم بينه وبين لسان الدين الجو وعطفه إلى مهاجاته ثانى وسفر فى أمره إلى العدوة واجتهد فى ضرره بعد أن كان له به القدوة وقد قابله لسان الدين بما أذهب عن جفنه الوسن وألف فيه كما سبق خلع الرسن ترجمة النباهى
على أنه عرف به فى الإحاطة أحسن تعريف وشرفه بحلاه أجمل تشريف إذ قال ما ملخصه على بن عبد الله بن محمد بن محمد بن عبد الله ابن الحسن بن محمد بن الحسن الجذامى المالقى أبو الحسن ويعرف بالنباهى هذا الفاضل قريع بيت مجادة وجلالة وبقية تعين وأصالة عف النشأة طاهر الثوب مؤثر للوقار والحشمة خاطب للشيخوخة مستعجل للشيبة ظاهر الحياء متحرك مع السكون بعيد الغور مرهف الجوانب
____________________
(6/119)

مع الانكماش مقتصد فى الملبس والآلة متظاهر بالسذاجة بريء من النوك والغفلة يقظ للمعاريض مهتد إلى الملاحن طرف فى الجود حافظ مقيد طلعة إخبارى قائم على تاريخ بلده شرع فى تكميل ما صنف فيه ملازم للتقييد والتطرير منقر عن الإجادات والفوائد استفدت منه فى هذا الغرض وغيره كثيرا حسن الخط ناظم ناثر نثره يشف على نظمه ذاكر للكثير استظهر محفوظات منها النوادر للقالى وناهيك به محفوظا مهجورا ومسلكا غفلا فما ظنك بسواه نشأ ببلده حر الطعمة فاضل الأبوة وقرأ به ثم ولى القضاء بملتماس ثم ببلش وعملها فسيح الخطة مطلق الجراية بعيد المدى فى باب النزاهة ماضيا غير هيوب حتى أربى فى الزمن القريب على المحتنكين وغبر فى وجوه أهل الدربة وجرت أحكامه مستندة إلى الفتيا جارية على المسائل المشهورة ثم نقل منها إلى النظر فى أمور الحل والعقد بمالقة مضافة إليه الخطط النبيهة وصدر له منشور من إملائى إلى أن قال فى ترجمة نظمه قال نظمت سمح الله تعالى لى قطعتين موطئا فيهما على البيتين المشهورين إحداهما
( بنفسى من غزلان حزوى غزالة ** جمال محياها عن النسك زاجر )
( تصيد بلحظ الطرف من رام صيدها ** ولو أنه النسر الذى هو طائر )
( معطرة الأنفاس رائقة الحلى ** هواها بقلبى فى المهامه سائر )
( إذا رمت عنها سلوة قال شافع ** من الحب ميعاد السلو المقابر )
والأخرى
( وقائلة لما رأت شيب لمتى ** لئن ملت عن سلمى فعذرك ظاهر )
____________________
(6/120)


( زمان التصابى قد مضى لسبيله ** وهل لك بعد الشيب فى الحب عاذر )
( فقلت لها كلا وإن تلف الفتى ** فما لهواها عند مثلى آخر )
( سيبقى لها فى مضمر القلب والحشا ** سريرة ود يوم تبلى السرائر )
وكتب على مثال النعل الكريم وأهداه لمزمع سفر
( فديتك لا يهدى إليك أجل من ** حديث نبى الله خاتم رسله )
( ومن ذلك الباب المثال الذى أتى ** به الأثر المأثور فى شأن نعله )
( ومن فضله مهما يكن عند حامل ** له نال ما يهواه ساعة حملة )
( ولا سيما إن كان ذا سفر به ** فقد ظفرت يمناه بالأمن كله )
( فدونك منه أيها العلم الرضى ** مثالا كريما لا نظير لمثله )
وقال مراجعا عن أبيات يظهر منها غرضها
( إذا كنت بالقصد الصحيح لنا تهوى ** فسلم لنا فى حكمنا ودع الشكوى )
( ولا تتبع أهواء نفسك والتفت ** لنا حيث كنا فى الرخاء وفى اللأوا )
( وكم من محب فى رضانا وحبنا ** محا كل ما يبدو سوانا له محوا )
( رآنا عيانا عين معنى وجوده ** فعاج عن الشكوى وفوض فى البلوى )
( وقال تحكم كيف شئت بما ترى ** رضيت بما تقضى وهمت بما تهوى )
( فحل لدينا بالخلوص وبالرضى ** محل اختصاص نال منه المنى صفوا )
( فإن كنت ترجو فى الصبابة والهوى ** لحاقا بهم فاسلك طريقهم الأضوا )
( ومت فى سبيل الحب إن كنت مخلصا ** لنا فى الهوى تحيا حياة أولى التقوى )
( هنالك تؤتى ما تريد وتقتضى ** ديونك منا دون مطل ولا دعوى )
( وتشرب من عين اليقين وتغتذى ** بخمر الصفا الصرف الزلال لكى تروى )
____________________
(6/121)

وقال
( لا تلجأن لمخلوق من الناس ** من يافث كان أصلا أو من الياس )
( وثق بربك لا تيأس تجد عجبا ** فلا أضر على عبد من الياس )
وقال
( فديتك لا تصحب لئيما ولا تكن ** معينا له إن اللئيم خؤون )
( فلا عهد يرعى لا ولا نعمة يرى ** ولا سر خل عن عداه يصون )
وقال يخاطب أبا القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان
( لك الله قلبى فى هواك رهين ** وروحى عنى إن رحلت ظعين )
( ملكت بحكم الفضل كلى خالصا ** وملكت للحر الصريح يزين )
( فهب لى من نطقى بمقدار ما به ** يترجم سر فى الفؤاد دفين )
( فقد شملتنا من رضاك ملابس ** وسح لدينا من نداك معين )
( أعنت على الدهر الغشوم ولم تزل ** بدنياك فى الأمر المهم تعين )
( وقصر من لم تعلم النفس أنه ** خذول إذا خان الزمان يخون )
( وأنى بحمد الله عنه لفى غنى ** وحسبى صبر عن سواك يصون )
( أبى لى مجد عن كرام ورثته ** وقوفا بباب للكريم يهين )
( ونفس سمت فوق السماكين همه ** وما كل نفس بالهوان تدين )
( ولما رأت عينى محياك أقسمت ** بأنك للفعل الجميل ضمين )
( وعاد لها الأنس الذي كان قد مضى ** برية إذ شرخ الشباب خدين )
( بحيث نشأنا لابسين حلى التقى ** وكل بكل عند ذاك ضنين )
( أما وسنا تلك الليالى وطيبها ** ووجد غرامى والحديث شجون )
( وفتيان صدق كالشموس وكالحيا ** حديثهم ما شئت عنه يكون )
( لئن نزحت تلك الديار فوجدنا ** عليها له بين الضلوع أنين )
____________________
(6/122)


( إذا مر حين زاده الشوق جده ** وليس بعاب للربوع حنين )
( وأنى بمسلاها وللبين لذعة ** اقل أذاها للسليم جنون )
( لقد عبثت أيدى الزمان بجمعنا ** وحان افتراق لم نخله يحين )
( وبعد التقينا فى محل تغرب ** وكل الذى دون الفراق يهون )
( فقابلت بالفضل الذى أنت أهله ** وما لك فى حسن الصنيع قرين )
( وغبت وما غابت مكارمك التى ** على شكرها الرب العظيم يعين )
( يمينا لقد أوليتنا منك نعمة ** تلذ بها عند العيان عيون )
( ويقصر عنها الوصف إذ هى كلها ** لها وجه حر بالحياء مصون )
( ولما قدمت الآن زاد سرورنا ** ومقدمك الأسنى بذاك قمين )
( لأنك أنت الروح منا وكلنا ** جسوم فعند البعد كيف نكون )
( ولو كان قدر الحب فيك لقاؤنا ** إليك لكنا باللزوم ندين )
( ولكن قصدنا راحة المجد جهدنا ** فراحته شمل الجميع تصون )
( هنيئا هنيئا أيها العلم الرضى ** بما لك فى طى القلوب كمين )
( لك الحسن والإحسان والعلم والتقى ** فحبك دنيا للمحب ودين )
( وكم لك فى باب الخلافة من يد ** أقرت لها بالصدق منك مرين )
( وقامت عليها للملوك أدلة ** فأنت لديها ما حييت مكين )
( فلا وجه إلا وهو بالبشر مشرق ** ولا نطق إلا عن علاك مبين )
( بقيت لربع الفضل تحمى ذماره ** صحيحا كما قد صح منك يقين )
( ودونك يا قطب المعالى بنية ** من الفكر عن حال المحب تبين )
( أتتك ابن رضوان تمت بودها ** وما لسوى الإغضاء منك ركون )
( فخل انتقاد البحث عن هفواتها ** ومهد لها بالسمح حيث تكون )
( وخذها على علاتها فحديثها ** حديث غريب قد عراه سكون )
وهو بحاله الموصوفة انتهى باختصار
____________________
(6/123)

43 - مخاطبات بين لسان الدين وابن الجياب
ولما كتب لسان الدين الى شيخه الرئيس الكاتب أبى الحسن الجياب قصيدة أولها
( أمستخرجا كنز العقيق بآماقى ** أناشدك الرحمن فى الرمق الباقى )
( فقد ضعفت عن حمل صبرى طاقتى ** عليك وضاقت عن زفيري أطواقى ) وهى طويلة أجابه عنها بقوله
( سقانى فأهلا بالمدامة والساقى ** سلافا بها قام السرور على ساق )
( ولا نقل إلا من بدائع حكمه ** ولا كأس إلا من سطور وأوراق )
( فقد أنشأت لى نشوة بعد نشوة ** تمد بروحانية ذات أذواق )
( فمن خطها الفانى متاع لناظرى ** وسمعى وحظ الروح من خطها الباقى )
( أعادت شبابى بعد سبعين حجة ** فأثوابه قد جددت بعد إخلاق )
( وما كنت يوما للمدامة صاحبا ** ولا قبلتها قط نشأة أخلاقى )
( ولا خالطت لحمى ولا مازجت دمى ** كفى شرها مولاى فالفضل للواقى )
( وهذا على عهد الشباب فكيف لى ** بها بعد ماء للشبيبة مهراق )
( تبصر فحكما القهوتين تخالفا ** فكم بين إثبات لعقل وإزهاق )
( وشتان ما بين المدامين فاعتبر ** فكم بين إنجاح لسعى وإخفاق )
( فتلك تهادى بين ظلم وظلمة ** وهذى تهادى بين عدل وإشراق )
( أيا علم الإحسان غير منازع ** شهادة إجماع عليها وإصفاق )
____________________
(6/124)


( فضائلك الحسنى على تواترت ** بمنهمر من سحب فكرك غيداق )
( خزائن آداب بعثت بدرها ** إلى ولم تمنن بخشية إنفاق )
( ولا مثل بكر حرة عربية ** زكية أخلاق كريمة أعراق )
( فأقسم ما البيض الحسان تبرجت ** تناجيك سرا بين وحى وإطراق )
( بدور بدت من أفق أطواقها على ** رياض شدت فى قطبها ذات أطواق )
( فناظر منها الأقحوان ثغورها ** وقابل منها نرجس سحر أحداق )
( وناسب منها الورد خدا موردا ** سقاه الشباب النضر بورك من ساق )
( وألسبن من صنعاء وشيا منمنما ** وحلين من در نفائس أعلاق )
( بأحلى لأفواه وأبهى لأعين ** وأحيى لألباب وأشهى لعشاق )
( رايت بها شهب السماء تنزلت ** إلى تحيينى تحية مشتاق )
( ألا إن هذا السحر لآسحر بابل ** فقد سحرت قلبى المعنى فمن راق )
( لقد أعجزت شكرى فضائل ماجد ** أبر بأحباب وأوفى بميثاق )
( تقاضى ديوان الشعر منى منبها ** رويدك لا تعجل على بإرهاق )
( فلو نشر الصادان من ملحديهما ** لإنصاف هذا الدين لاذا بإملاق )
( فخذ بزمام الرفق شيخا تقاصرت ** خطاه وعاهده بمعهود إشفاق )
( فلا زلت تحيي للمكارم رسمها ** وقدرك فى أهل العلا والنهى راقى )
قال وكتبت إليه فى غرض العتاب قصيدة أولها
( أدرنا وضوء الأفق قد صدع الفضا ** مدامة عتب بيننا نقلها الرضى )
( فلله عينا من رآنا وللحيا ** حبى بآفاق البشاشة أومضا )
____________________
(6/125)


( نفر إلى عدل الزمان الذى أتى ** ونبرأ من جور الزمان الذى مضى )
( ونأسو كلوم اللفظ باللفظ عاجلا ** كذا قدح الصهباء داوى وأمرضا )
فراجعنى عنها بهذه القصيدة
( ألا حبذا ذاك العتاب الذى مضى ** وإن جره واش بزور تمضمضا )
( أغارت له خيل فما ذعرت حمى ** ولكنها كانت طلائع للرضى )
( تألق منه بارق صاب مزنه ** على معهد الحب الصميم فروضا )
( تلألأ نورا للصداقة حافظا ** وإن ظن سيفا للقطيعة منتضى )
( فإن سود الشيطان منه صحيفة ** أتى ملك الرحمى عليها فبيضا )
( وما كان حب أحكم الصدق عهده ** ليرمى بوسواس الوشاة فيرفضا )
( أعيذ ودادا زاكى القصد وافيا ** تخلص من أدرانه فتمحضا )
( ونية صدق فى رضى الله أخلصت ** سناها بآفاق البسيطة قد أضا )
( من الآفك الساعى ليخفى نورها ** أيخفى شعاع الشمس قد ملأ الفضا )
( وكيف يحل المبطلون بإفكهم ** معاقد حب أحكمتها يد القضا )
( تعرض يبغى هدمها فكأنه ** لتشييد مبناها الوثيق تعرضا )
( وحرض فى تنفيره فكأنما ** على البر والتسكين والحب حرضا )
( وأوقد نارا فهو يصلى جحيمها ** يقلب منها القلب فى موقد الغضا )
( أيا واحدي المعدود بالألف وحده ** ويا ولدى البر الزكى إن ارتضى )
( بعثت من الدر النفيس قلائدا ** على ما ارتضى حكم المحبة واقتضى )
( نتيجة آداب وطبع مهذب ** أطال مداه فى البيان وأعرضا )
( ولا مثل بكر باكرتنى آنفا ** كزورة خل بعدما كان أعرضا )
( هى الروضة الغناء أينع زهرها ** تناظر حسنا مذهبا ومفضضا )
( أو الغادة الحسناء راقت فينقضى ** مدى العمر فى وصفى لها وهو ما انقضى )
( تطابق منها شعرها وجبينها ** فذا الليل مسودا وذا الصبح أبيضا )
____________________
(6/126)


( أو الشهب منها زينة وهداية ** ورجم لشيطان إذا هو قيضا )
( أتت ببديع الشعر طورا مصرحا ** بآياتك الحسنى وطورا معرضا )
( ومهدت الأعذار دون جناية ** ولو أنك الجانى لكنت المغمضا )
( لك الله من بر وفى وصاحب ** محضت له صدق الضمير فامحضا )
( لسانك فى شكوى مفيض تفضلا ** فيا حسن ما أهدى وأسدى وأقرضا )
( وقلبك فاضت فيه أنوار خلتى ** فالقى يدي تسليمه لى مفوضا )
( وقصدك مشكور وعهدك ثابت ** وفضلك منشور وفعلك مرتضى )
( فهل مع هذا ريبة فى مودة ** بحال وإن رابت فما أنا معرضا )
( فثق بولائى إننى لك مخلص ** هوى ثابتا يبقى فليس له انقضا )
( عليك سلام الله ما هبت الصبا ** وما بارق جنح الدجنة اومضا )
وقال لسان الدين من غريب ما خاطبنى به قوله
( أقسم بالقيسين والنابغتين ** وشاعري طيىء المولدين )
( وبابن حجر وزهير وابنه ** والأعشيين بعد ثم الأعميين )
( ثم بعشاق الثريا والرقيات ** وعزة ومى وبثين )
( وبأبى الشيص ودعبل ومن ** كشاعرى خزاعة المخضرمين )
( وولد المعتز والرضى ** والسري ثم حسن وابن الحسين )
( واختم بقس وبسحبان وإن ** اوجب حق أن يكونا أولين )
( وحلبتى نثرهم ونظمهم ** فى مشرقى أقطارهم والمغربين )
( إن الخطيب ابن الخطيب سابق ** بنثره ونظمه للحلبتين )
( راقتنى الصحيفة الحسنا التى ** شاهدت فيها المكرمات رأى عين )
( تجمع من براعة المعنى إلى ** براعة الألفاظ كلتا الحسنيين )
____________________
(6/127)


( أشهد أنك الذى سبقت فى ** طريقى الآداب أقصى الأمدين )
( شعر حوى جزالة ورقة ** تصاغ منه حلة للشعريين )
( رسائل أزهارها منثورة ** سرور قلب ومتاع ناظرين )
( يا أحوذيا يا نسيج وحده ** شهادة تنزهت عن قول مين )
( بقيت فى مواهب الله التى ** تقر عينيك تملأ اليدين )
انتهى 44 - من سعيد الغرناطى إلى لسان الدين
وحكى لسان الدين ان سعيد بن محمد الغرناطى الغسانى استعار منه كتابا فأرسله إليه وعلى ظهره هذه الأبيات
( هذا كتاب كله معجم ** أفحمنى معناه إفحاما )
( أعجمه منشئه أولا ** وزاده الناسخ إعجاما )
( أسقط من إجماله جملة ** وزاد فى التفصيل أقساما )
( وغير الألفاظ عن وضعها ** وصير الايجاد إعداما )
( فليس فى إصلاحه حيلة ** ترجى ولو قوبل أعواما )
ولم أقف على جواب لسان الدين له عنها والله تعالى أعلم
وولد سعيد المذكور سنة 699 45 - مخاطبات بين ابن البناء ولسان الدين
ومما خوطب به لسان الدين لما تقلد الكتابة العليا قول ابى الحسن على بن محمد بن على بن البناء الوادي آشى رحمه الله تعالى
( هو العلاء جرى باليمن طائره ** فكان منك على الآمال ناصره )
____________________
(6/128)


( ولو جرى بك ممتدا الى امد ** لأعجز الشمس ما آبت عساكره )
( لقد حباه منيع العز خالقه ** بفاضل منك لا تحصى مآثره )
( فليزه فخرا فما خلق يعارضه ** ولا علاء مدى الدنيا يفاخره )
( لله اوصافك الحسنى لقد عجزت ** من كل ذى لسن عنها خواطره )
( هيهات ليس عجيبا عجز ذى لسن ** عن وصف بحر رمى بالدر زاخره )
( هل أنت إلا الخطيب ابن الخطيب ومن ** زانت حلى الدين والدنيا مفاخره )
( فان يقصر عن الأوصاف ذو أدب ** فما بدا منك فى التقصير عاذره )
( يا ابن الكرام الألى ما شب طفلهم ** إلا وللمجد قد شدت مآزره )
( مهلا عليك فما العلياء قافية ** ولا العلاء بسجع أنت ناثره )
( ولا المكارم طرسا أنت راقمه ** ولا المناقب طبا أنت ماهره )
( ماذا على سابق يسرى إلى سنن ** ان كان من رفقه خل يسايره )
( سر حيث شئت من العلياء متئدا ** فما أمامك سباق تحاذره )
( أنت الإمام لأهل الفخر ان فخروا ** أنت الجواد الذى عزت أوافره )
( ما بعد ما حزته من عزة وعلا ** شأو يطارد فيه المجد كابره )
( نادت بك الدولة النصرى محتدها ** نداء مستنجد أزرا يوازره )
( حليتها برداء البر مرتديا ** وصبح يمنك فجر السعد سافره )
( فالملك يرفل فى أبراده مرحا ** قد عمت الأرض إشراقا بشائره )
( فاهنأ بها نعمة ما إن يقوم لها ** من اللسان ببعض الحق شاكره )
( وليهنها أنها القت مقالدها ** إلى زكى زكت منه عناصره )
( فإنه بدر تم فى مطالعها ** قد طبق الأرض بالأنوار نائره )
وقال لسان الدين وأهدى الى قباقب خشب جوز وكتب معها
( هاكها ضمرا مطايا حسانا ** نشأت فى الرياض قضبا لدانا )
( وثوت بين روضة وغدير ** مرضعات من النمير لبانا )
____________________
(6/129)


( لابسات من الظلال برودا ** دونها القضب رقة وليانا )
( ثم لما أراد إكرامها الله ** وسنى لها المنى والأمانا )
( قصدت بابك العلى ابتدارا ** ورجت فى قبولك الإحسانا )
قال فأجبته
( قد قبلنا جيادك الدهم لما ** أن بلونا منها العتاق الحسانا )
( أقبلت خلف كل حجر تبيع ** خلعت وصفها عليه عيانا )
( فعنينا برعيها وفسحنا ** فى ربوع العلا لها ميدانا )
( وأردنا امتطاءها فاتخذنا ** من شراك الأديم فيها عنانا )
( قدمت قبلها كتيبة سحر ** من كتاب سبت به الأذهانا )
( مثلما تجنب الجيوش المذاكى ** عدة للقاء مهما كانا )
( لم يرق مقلتى ولا راق قلبى ** كعلاها براعة وبيانا )
( من يكن مهديا فمثلك يهدى ** لم أجد للثنا عليك لسانا )
وقال لسان الدين ومن أبدع ما هز به الى إقامة سوقه ورعى حقوقه قوله
( يا معدن الفضل موروثا ومكتسبا ** وكل مجد إلى عليائه انتسبا )
( بباب مجدكم الأسمى أخو أدب ** مستصرخ بكم يستنجد الأدبا )
( ذل الزمان له طورا فبلغه ** من بعض آماله فوق الذى طلبا )
( والآن أركبه من كل نائبه ** صعب الأعنة لا يألو به نصبا )
( فحملته دواعى حبكم وكفى ** بذاك شافع صدق يبلغ الأربا )
( فهل سرى نسمة من جاهكم فبها ** خليفة الله فينا يمطر الذهبا )
____________________
(6/130)

ترجمة ابن البناء
وقال لسان الدين فى الإكليل فى حق المذكور ما صورته فاضل يروقك وقارة وصقر بعد مطاره قدم من بلده يروم اللحاق بكتاب الإنشاء وتوسل بنظم أنيق ونسيب فى نسب الإجادة عريق تعرب براعته عن لسان ذليق وطبع طليق وذكاء بالأثرة خليق وبينما هو يلحم فى ذلك الغرض ويسدي ويعيد ويبدي وقد كادت وسائله ان تنجح وليل رجائه أن يصبح اغتاله الحمام وخانته الأيام والبقاء لله تعالى والدوام توفى بالطاعون فى عام واحد وخمسين وسبعمائة وسنة دون الثلاثين رحمه الله تعالى انتهى 46 - رسالة من لسان الدين الى سلطان تونس
ولما خوطب لسان الدين من سلطان تونس بما لم يحضرنى الآن أجاب عنه بما نصه المقام الإمامى الإبراهيمي المولوي المستنصري الحفصى الذى كرم فرعا وأصلا وشرف جنسا وفصلا وتملى فى ظل رعاية المجد من لدن المهد كرما وخصلا وصرفت متجردة الأقلام الى مثابة خلافته المنصورة الأعلام وجوه عبارة الكلام فاتخذ من مقام إبراهيم مصلى مقام مولانا أمير المؤمنين الخليفة الإمام أبى إسحاق ابن مولانا ابى يحيى أبى بكر ابن الخلفاء الراشدين أبقاه الله تعالى تهوى إليه الأفئدة كلما انتشت بذكره وتتنافس الألسنة فى إحراز غاية حمده وشكره وتتكفل الأقدار بإنفاذ نهيه وأمره وتغرى عوامل عوامله بحذف زيد عدوه وعمره ويتبرع أسمر الليل وأبيض النهار بإعمال بيضه وسمره ولا زال حسامه الماضى يغنى يومه فى النصر عن شهره والروض يحييه بمباسم زهره ويرفع إليه رقع الحمد ببنان قضبه الناشئة من معصم نهره وولى الدنيا والآخرة يمتعنا بهما بعد الإعانة على مهره يقبل بساطه المعود الاستلام بصفحات الخدود الرافع
____________________
(6/131)

عماده ظل العدل الممدود عبد مقامه المحمود ووارد غمر إنعامه غير المنزور ولا المثمود المثنى على نعمه العميمة ومنحه الجسيمة ثناء الروض المجود على العهود ابن الخطيب من باب المولى الموجب حقه المتأكد الفروض الثابت العهود المعتد منه بالود الجامع الرسوم والحدود والفضل المتوارث عن الآباء والجدود يسلم على مثابتها سلام متلو على مثلها ان وجد المثل فى الثانى ويعوذ كمالها بالسبع المثانى ويدعو الله تعالى لسلطانها بتشييد المبانى وتيسير الأمانى وينهى الى علوم تلك الخلافة الفاروقية المقدسة بمناسب التوحيد المستولية من مدارك الآمال على الأمد البعيد أن مخاطبتها المولوية تاهت على الملوك فارعة العلا مزعفرة الحلل والحلى ذهبية المجلى تفيد العز المكين والدنيا والدين وترعى فى الآباء والبنين على مر السنين ( صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ) البقرة وقد حملت من مدحها الكريم ما أخفى للمملوك من قرة عين وردة زين جبين الشرف الوضاح ومستوجب الحق على مثله من الخلق بالنسب الصراح والغرر والأوضاح والأرج الفواح فاقتنى دره النفيس ووجد المروع فى جانب الخلافة التنفيس وقراه لما قراه التعظيم والتقديس وقال { يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم } النمل وإن لم يكن بلقيس أعلى الله تعالى تلك اليد مطوقة الأيادي ومخجلة الغمائم والغوادى وأبقاها عامرة النوادى غالبة الأعادى وجعل سيفها السفاح ورأيها الرشيد وعلمها الهادى ووصل ما ألطف به رعيها من أشتات بر بلغت وموارد فضل سوغت أمدتها سعادة المولى بمدد لم يضر معه البحر الهائل ولا العدو الغائل وأقام أودها عند الشدائد الفلك المائل لا بل الملك الذى له إلى الله الوسائل وحسب الجفن رسالتكم الكريمة لحظا فصان وأكرم وعوذة فتعوذ بها وتحرم وتولى المملوك تنفيق عروضها
____________________
(6/132)

بانشراح صدره وعلى قدره فوقعت الموقع الذى لم يقعه سواها فأما الخيل فأكرم مثواها وجعلت جنان الصون مأواها ولو كسيت الربيع المزهر حللا وأوردت فى نهر المجرة علا ونهلا وقلدت النجوم العواتم صحلا ومسحت أعطافها بمنديل النسيم وألحفت بأردية الصباح الوسيم وأفترشت لمرابطها الحشايا وأقضمت حبات القلوب بالعشايا لكان بعض ما يجب لحقها الذى لا يجحد فضله ولا يحتجب وما عداها من الرقيق والفتيان رعاه ذلك الفريق تكفله الاستحسان وأطنب الاعتقاد وان قصر اللسان تولى الله تعالى تلك الخلافة بالشكر الذى يحسب العطاء والحفظ الذى يسبل الغطاء والصنع الذى ييسر من مطا الأمل الامتطاء وأما ما يختص بالمملوك فقد خصه بقبوله تبركا بتلك المقاصد التى سددها الدين وعددها الفضل المبين وأنشد الخلافة التى راق من مجدها الجبين
( قلدتنى بفرائد أخرجتها ** من بحر جودك وهو ملتطم الثبج )
( ورعيت نسبتها فإن سبيكة ** مما يلائم لونها قطع السبج )
والمملوك بهذا الباب النصرى أعزه الله تعالى على قدم خدمة وقائم بشكر منه لكم ونعمة وحاضر فى جملة الأولياء بدعائه وحبه ومتوسل فى دوام بقاء أيامكم ونصر أعلامكم إلى ربه وان بعد بجسمه فلم يبعد بقلبه والسلام الكريم الطيب البر العميم يخصها دائما متصلا ورحمه الله تعالى وبركاته انتهى 47 - مخاطبة من ابن البربري المالقى إلى لسان الدين
ومما خوطب به لسان الدين قول أبى الحسن على بن يحيى الفزارى المالقى
____________________
(6/133)

المعروف بابن البربرى وكان ممن يمدح الملوك والكبراء
( لبابك أم الآملون ويمموا ** وفى ساحتى رحماك حطوا وخيموا )
( ومن راحتى كفيك جدواك تنهمى ** فتروى عطاش من نداك وتنعم )
( وأنت لما راموه كعبه حجهم ** إذا شاهدوا مرآك لبوا وأحرموا )
( يطوفون سبعا حول بابك عندما ** يلوح لهم ذاك المقام المعظم )
( فيمناك يمن للرعايا ومنه ** ويسراك يسر للعفاة ومغنم )
( ولقياك بشر للنفوس وجنة ** ترن بها ورق المنى وترنم )
( فيا واحد الأزمان علما ومنصبا ** ويا من به الدنيا تروق وتبسم )
( ومن وجهه كالبدر يشرق نوره ** ومن جوده كالغيث بل هو أكرم )
( ومن ذكره كالمسك فض ختامه ** وكالشمس نورا بشره المتوسم )
( لقد حزت فضل السبق غير منازع ** فأنت على أهل السباق مقدم )
( حويت من العلياء كل كريمة ** بها الروض يندى والربى تتبسم )
( وباهيت أقلام الأنام براعة ** فلا قلم إلا يراعك يخدم )
( إذا فاخر الأمجاد يوما فإنما ** لمجدك فى حال الفخار يسلم )
( وإن سكتوا كنت البليغ لديهم ** تعبر عن سر العلا وتترجم )
ومنها
( فيا صاحبى نجواي عوجا برامة ** على ربعه حيث الندى والتكرم )
( وقولا له عبد ببابك يرتجى ** قضاء لبانات لديك تتمم )
( فليس له إلا علاك وسيلة ** ولا شىء أسمى من علاك وأعظم )
( فجد بالذى يرجوه منك فما له ** كعقد ثمين من ثنائك ينظم )
( بقيت ونجم السعد عندك طالع ** يضىء له بدر وتشرق أنجم )
توفى المذكور بالطاعون عام خمسين وسبعمائة انتهى
____________________
(6/134)

48 - مخاطبة من الحرالى الى لسان الدين
ومما خوطب به قول أبى القاسم قاسم بن محمد الحرالى المالقى القاضى بانتقيرة قبل وفاته
( عليك قصرت المدح يا خير ماجد ** وأفضل موصوف بكل المحامد )
( ويا كهف ملهوف وملجأ خائف ** ومورد جود قد كفى كل وارد )
( لقد شهرت بالمجد منك شمائل ** محاسنها أزكى وأعدل شاهد )
( وكل الذى يبدو من الفضل بعض ما ** حبيت به أعظم بها من محامد )
( إذا أملت منك المكارم ألفيت ** تنادي هلموا فزتم بالمساعد )
( عطاؤكم جزل فمن أمل الغنى ** فمثلكم يبغى فيا سعد قاصد )
( وراثة مجد كابرا بعد كابر ** وأصل زكى الفرع عذب الموارد ) ترجمة أبى القاسم الحوالى
وتوفى المذكور بالطاعون عام خمسين وسبعمائة وفى حقه يقول فى الإكليل مشمر فى الطلب عن ساق مثابر على اللحاق بدرجات الحذاق منتحل للعربية جاد فى إحصاء خلافها ومعاطاه سلافها وربما شرست فى المذاكرة أخلاقه إذا بهرجت أعلاقه ونوزع تمسكه بالحجة واعتلاقه
وقال لسان الدين فى ترجمة شعر المذكور إنه ضعيف مهزول انتهى 49 - رسالة من المنتشاقري الى لسان الدين
ومما خوطب به قول أبى الحجاج يوسف بن موسى الجذامى المنتشاقري من أهل رندة ونصه
( حباك فؤادى نيل بشرى وأحياكا ** وحيد بآداب نفائس حياكا )
____________________
(6/135)


( بدائع أبداها بديع زمانه ** فطاب بها يا عاطر الروض رياكا )
( أمهديها أودعت قلبى علاقة ** وإن لم يزل مغرى قديما بعلياكا )
( إذا ما أشار العصر نحو فريده ** فإياك يعنى بالإشارة إياكا )
( لاتحفنى لقياك أسنى مؤملى ** وهل تحفة فى الدهر إلا بلقياكا )
( وأعقبت إتحافى فرائدك التى ** وجوب ثناها يا لسانى أعياكا )
ووصل هذا النظم بنثر صورته خصصتنى أيها المخصوص بمآثر أعيا عدها وحصرها ومكارم طيب أرواح الأزاهر عطرها وسارت الركبان بثنائها وشملت الخواطر محبة علائها بفرائدك الأنيقة وفوائدك المزرية جمالا على أزهار الحديقة ومعارفك التى زكت حقا وحقيقة وهدت الضال عن سبيل الأدب مهيعه وطريقة وسبق تحفتك أعلى التحف عندى وهو مأمول لقائك والتمتع بالتماح سناك الباهر وسنائك على حين امتدت لذلكم اللقاء أشواقى وعظم من فوت استنارتى بنور محياك إشفاقى وتردد لهجى بما يبلغنى من معاليك ومعانيك وما شاده فكرك الوقاد من مبانيك وما أهلت به بلاغتك من دراسه وما أضفيت على الزمان من رائق ملابسه وما جمعت من أشتاته وأحييت من امواته وأيقظت من سناته وما جاد به الزمان من حسناته فلترداد هذه المحاسن من أنبائك وتصرف الألسنة بثنائك علقت النفس من هواها بأشد علاقة وجنحت إلى لقائك جنوح والهة مشتاقة والحوادث الجارية تصرفها والعوائق الحادثة كلما عطفت أملها إليه لا تتحفها به ولا تعطفها إلى إن ساعد الوقت وأسعد البخت بلقائكم فى هذه السفرة الجهادية وجاد إسعاف الإسعاد من أمنيتى بأسنى هدية فلقيتكم لقيا خجل ولمحت أنواركم لمحة على وجل ومحبتى فى محاسنكم الرائقة ومعاليكم الفائقة على
____________________
(6/136)

ما يعلمه ربنا عز وجل وتذكرت عند لقائكم المأمول إنشاء قائل يقول
( كانت مساءلة الركبان تخبر عن ** محمد بن الخطيب أطيب الخبر )
( حتى التقينا فلا والله ما سمعت ** أذنى بأحسن مما قد رأى بصرى )
قسم لعمرى أقوله وأعتقده واعتده واعمده فلقد بهرت منك المحاسن وفقت من يحاسن وقصر عن شأوك كل بليغ لسن وسبقت فطنتك النارية النورية بلاغة كل فطن وشهد لك الزمان أنك وحيده ورئيس عصبته الأدبية وفريدة فبورك لك فيما انلت من الفضائل وأوتيت من آيات المعارف التى بها نور الغزالة ضائل ولا زلت ترقى فى مراتب المعالى موقى صروف الأيام والليالى انتهى 50 - رسالة لسان الدين الى المنتشاقرى
وهذا الخطاب جواب من المذكور لكلام خاطبه به لسان الدين نصه
( حمدت على فرط المشقة رحله ** أتاحت لعينى اجتلاء محياكا )
( وقد كنت بالتذكار فى البعد قانعا ** وبالريح إن هبت بعاطر رياكا )
( فحلت لى النعمى بما أنعمت به ** على فحياها الإله وحياكا )
أيها الصدر الذى بمخاطبته يباهى ويتشرف والعلم الذى بالإضافة إليه يتعرف والروض الذى لم يزل على البعد بأزهاره الغضة يتحف دمت تتزاحم على موارد ثنائك الألسن ويروى الرواة من أنبائك ما يصح ويحسن طالما مالت إليك النفوس منا وجنحت وزجرت الطائر الميمون من رقاعك كلما سنحت فالآن اتضح البيان وصدق الأثر العيان ولقد كنا للمقام بهذه الرحال نرتمض ويجن الظلام فلا نغتمض هذا يقلقه إصفار كيسه وهذا يتوجع لبعد أنيسه وهذا تروعه الأهوال وتضجره بتقلباتها الأحوال
____________________
(6/137)

فمن أنه لا تنفع وشكوى إلى الله تعالى ترفع فلما ورد بقدومك البشير وأشار إلى ثنية طلوعك المشير تشوفت النفوس الصدئة إلى جلائها وصقالها والعقول إلى حل عقالها والأنفس المفحمة إلى فصل مقالها ثم إن الدهر راجع التفاته واستدرك ما فاته فلم يسمح من لقائك إلا بلمحة ولا بعث من نسيم روضك بغير نفحة فما زاد إن هيج الأشواق فالتهبت وشن غاراتها على الجوانح فانتهبت واعل القلوب وأمرضها ورمى ثغرة الصبر فأصاب غرضها فإن رأيت إن تنفس عن نفس شد الشوق مخنقها وكدر مشارب انسها وأذهب رونقها وتتحف من آدابك بدرر تقتنى وروضة طيبة الجنى فليست ببدع فى شيمك ولا شاذة فى باب كرمك ولولا شاغل لا يبرح وعوائق أكثرها لا يشرح لنافست هذه السحاءة فى القدوم عليك والمثول بين يديك فتشوقى إلى اجتلاء أنوارك شديد وتشيعى إلى ابلاء الزمان جديد انتهى ترجمة ابى الحجاج المنتشاقري
ووصف لسان الدين فى التاج المحلى أبا الحجاج المذكور بما صورته حسنة الدهر الكثير العيوب وتوبة الزمان الجم الذنوب ما شئت من أدب يتألق وفضل تتعطر به النسمات وتتخلق ونفس كريمة الشمائل والضرائب وقريحة يقذف بحرها بدرر الغرائب إلى خشية لله تعالى تحول بين القلوب وقرارها وتثنى النفوس عن اغترارها ولسان يبوح بأشواقه وجفن يسخو بدرر أماقه وحرص على لقاء كل ذى علم وأدب ومن يمت إلى أهل الديانة والعبادة بسبب سبق بقطره الحلبة وفرع من الأدب الهضبة ورفع الراية
____________________
(6/138)

وبلغ فى الإحسان الغاية فطارت قصائده كل المطار وتغنى بها راكب الفلك وحادى القطار وتقلد خطه القضاء ببلده وانتهت إليه رياسة الأحكام بين أهله وولده فوضحت المذاهب بفضل مذهبه وحسن مقصده وله شيمة فى الوفاء تعلم منها الآس ومؤانسة عذبه لا تستطيعها الأكواس وقد أثبت من كلامه ما تتحلى به مراتب المهارق ويجعل طيبه فوق المفارق وكنت أتشوق إلى لقائه فلقيته بالمحلة من جبل الفتح لقيا لم تبل صدى ولا شفت كمدا وتعذر بعد ذلك لقاؤه فخاطبته بهذه الرقعة
( حمدت على فرط المشقة رحله ** )
فذكر لسان الدين ما قدمنا إلى آخره
وقد أورد جملة من مطولاته وغيرها ومؤلفاته ولنلخص بعض ذلك فنقول
ومن شعر أبى الحجاج المذكور يمدح الجهة الكريمة النبوية مصدرا بالنسب لبسط الخواطر النفسانية قوله
( لما تناهى الصب فى تشويقه ** درر الدموع اعتاضها بعقيقه )
( متلهف وفؤاده متلهب ** كيف البقا بعد احتدام حريقه )
( متموج بحر الدموع بخده ** أنى خلاص يرتجى لغريقه )
( متجرع صاب النوى من هاجر ** ما ان يحن للاعجاب مشوقه )
( يسبى الخواطر حسنه ببديعه ** يصبى النفوس جماله بأنيقه )
( قيد النواظر إذ يلوح لرامق ** لا تنثنى الأحداق عن تحديقه )
( للبدر لمحته كبشر ضيائه ** للمسك نفحته كنشر فتيقه )
( سكرت خواطر لا محيه كأنهم ** شربوا من الصهباء كأس رحيقه )
( عطشوا لثغر لا سبيل لريقه ** إلا كلمحهم للمع بريقه )
____________________
(6/139)


( ما ضر مولى عاشقوه عبيده ** لو رق اشفاقا لحال رقيقه )
( عنه اصطبارى ما أنا بمطيعه ** مثل السلو ولا أنا بمطيقه )
( سجع الحمام بشوق ترجيع الهوى ** فأثار شجو مشوقه بمشوقه )
( وبكت هديلا راعها تفريقه ** ويحق إن يبكى أخو تفريقه )
( وبكاء أمثالى أحق لأننى ** لم اقض للمولى أكيد حقوقه )
( وغفلت فى زمن الشباب المنقضى ** أقبح بنسخ بروره بعقوقه )
( وبدا المشيب وفيه زجر ذوى النهى ** لو كنت مزدجرا لشيم بروقه )
( حسبى ندامة آسف مما جنى ** يصل النشيج لوزره بشهيقه )
( ويروم ما خرم الهوى زمن الصبا ** ويروم من مولاه رتق فتوقه )
( ويردد الشكوى لديه تذللا ** عل الرضى يحييه درك لحوقه )
( فيصح من سكر التصابى سكره ** نسخا لحكم صبوحه وغبوقه )
( لو كنت يممت التقى وصحبته ** وسلكت إيثار سواء طريقه )
( لأفدت منه فوائدا وفرائدا ** عرضت تسام لرابح فى سوقه )
( لله ارباب القلوب فانهم ** من حزب من نال الرضى وفريقه )
( قاموا وقد نام الأنام فنورهم ** هتك الدجى بضيائه وشروقه )
( وتأنسوا بحبيبهم فلهم به ** بشر لصدق الفضل فى تحقيقه )
( قصرت عنهم عندما سبقوا المدى ** ولسابق فضل على مسبوقه )
( لولا رجاء تلمح من نورهم ** يحيي الفؤاد بسيره وطروقه )
( وتأرج يستاف من أرواحهم ** سبب انتعاش الروح طيب خلوقه )
( لفنيت من جرا جرائرى التى ** من خوفها قلبى حليف خفوقه )
( ومعى رجاء توسل أعددته ** ذخرا لصدمات الزمان وضيقه )
( حبى ومدحى أحمد الهادى الذى ** فوز الأنام يصح فى تصديقه )
( أسمى الورى فى منصب وبمنسب ** من هاشم زاكى النجار عريقه )
( الحق أظهره عقيب خفائه ** والدين نظمه لدى تفريقه )
____________________
(6/140)


( ونفى هداه ضلالة من جائر ** مستوثق بيغوثه ويعوقه )
( سبحان مرسله الينا رحمة ** يهدى ويهدى الفضل من توفيقه )
( والمعجزات بدت بصدق رسوله ** وحقيقه بالمأثرات خليقه )
( كالظبى فى تكليمه والجذع فى ** تحنينه والبدر فى تشقيقه )
( والنار إذ خمدت بنور ولادة ** وأجاج ماء قد حلا من ريقه )
( والزاد قل فزاد من بركاته ** فكفى الجيوش بتمره وسويقه )
( ونبوع ماء الكف من آياته ** وسلام أحجار غدت بطريقة )
( والنخل لما إن دعاه مشى له ** ذا سرعة بعذوقه وعروقه )
( والآرض عاينها وقد زويت له ** فقريب ما فيها رأى كسحيقه )
( وكذا ذراع الشاة قد نطقت له ** نطق اللسان فصيحة وذليقة )
( ورمى عداه بكف حصبا فانثنت ** هربا كمذعور الجنان فروقه )
( وعليه آيات الكتاب تنزلت ** تتلى بعلو جلاله وبسوقه )
( وأذيق من كأس المحبة صرفها ** سبحان ساقيه بها ومذيقه )
( حاز السناء وناله بعروجه ** جاز السماء طباقها بخروقه )
( ولكم له من آية من ربه ** وعناية ورعاية بحقوقه )
( يا خيرة الأرسال عند إلهه ** يا محرز العليا على مخلوقه )
( علقت آمالى بجاهك عدة ** والقصد ليس يخيب فى تعليقه )
( وعلقت من حبل اعتمادى عمدة ** لتمسكى بقويه ووثيقه )
( ولئن غدوت أخيذ ذنبى إننى ** أرجو بقصدك أن أرى كطليقه )
( وكساد سوقى مذ لجأت لبابكم ** يقضى حصول نفوذه ونفوقه )
( ويحن قلبى وهو فى تغريبه ** لمزاره لرباك فى تشريقه )
( وتزيد لوعته متى حث السرى ** حاد حدا بجماله وبنوقه )
( وأرى قشيب العمر أمسى باليا ** ومرور دهرى جد فى تمزيقه )
____________________
(6/141)


( وأخاف أن أقضى ولم أقض المنى ** بنفوذ سهم منيتى ومروقه )
( فمتى أحط على اللوى رحلى وقد ** بلغت ركابى للحمى وعقيقه )
( وأمرغ الخدين فى ترب غدا ** كالمسك فى أرج شذا منشوقه )
( وأعيد إنشائى وإنشادى الثنا ** ببديع نظم قريحتى ورقيقه )
( حتى أميل العاشقين تطربا ** كالغصن مر صبا على ممشوقه )
( وتحية التسليم أبلغ شافع ** وثنا المديح حديثه وعتيقه )
( ولذى الفخار وذى الحلى ووزيره ** صديقه وأخى الهدى فاروقه )
( منى السلام عليهم كالزهر فى ** تأليفها والزهر فى تأنيقه )
وقال
( هواكم بقلبى ما لمحكمه نسخ ** ومن أجله جفنى بمدمعه يسخو )
( ومن نشأتى ما ان صحت منه نشوتى ** سواء به عصر المشيب أو الشرخ )
( عليه حياتى مذ تمادت وميتتى ** وبعثى إذا بالصور يتفق النفخ )
( ولى خلد أضحى قنيص غرامه ** ولا شرك يدنى إليه ولا فخ )
( قتلت سلوى حين أحييت لوعتى ** وما اجتيح بالإقرار فى حالتى لطخ )
( وأغدو الى سعدى بكرخ علاقتى ** وقصدى ليس سعدى ولا الكرخ )
( وناصح كتمى إذ زكت بيناته ** يجول عليه من دموع الأسى نضخ )
( وأرجو بتحقيقى هواكم بان أفى ** فعهد ولا نقض وعقد ولا فسخ )
( وما الحب إلا ما استقل ثبوته ** لمبناه رص فى الجوانح أو رسخ )
____________________
(6/142)


( إذا مسلك لم يستقم بطريقة ** سلكت اعتدالا مثلما يسلك الرخ )
( بدا لضميرى من سناكم تلمح ** فبخ لعقل لم يطر عندها بخ )
( على عود ذاك اللمح ما زلت نادبا ** كما تندب الورقاء فارقها الفرخ )
( يدي باياديكم وقلبى شاغل ** فمن فكرتى نسج ومن أنملى نسخ )
وقال
( إليك تحن النجب والنجباء ** فهم وهى فى أشواقهم شركاء )
( تخب بركاب تحب وصولها ** لأرض بها باد سنا وسناء )
( فأنفاسها ما إن تني صعداؤها ** وأنفسهم من فوقها سعداء )
( هم عالجوا إذ عجل السير داءهم ** وأشباه مثلى مدنفون بطاء )
( فعدت ودونى للحبيب ترحلوا ** وما قاعد والراحلون سواء )
( له وعليه حب قلبى وأدمعى ** وقد صح لى حب وسح بكاء )
( بطيبة هل أرضى وتبدو سماؤها ** وإن تك أرضا فالحبيب سماء )
( شذا نفحها واللمح منها كأنه ** ذكاء عبير والضياء ذكاء )
( فيا حاديا غنى وللركب حاديا ** عنانى بعد البعد عنك عناء )
( بسلع فسل عما أقاسى من الهوى ** وسل بقباء إذ يلوح قباء )
( وفى عالج منى بقلبى لاعج ** فهل لى علاج عنده وشفاء )
( وللرقمتين أرقم الشوق لادغ ** ودرياقه أن لو يباح لقاء )
( أماكن تمكين وأرض بها الرضى ** وأرجاء فيها للمشوق رجاء )
وقال
( أدب الفتى فى أن يرى متيقظا ** لأوامر من ربه ونواه )
( فإذا تمسك بالهوى يهوى به ** والحبل منه لمن تيقن واه )
____________________
(6/143)


وقال
( يا من بدنياه ظل فى لجج ** حقق بأن النجاة فى الشاطى )
( تطمع فى إرثك الفلاح وقد ** أضعت ما قبله من اشراط )
( كن حذرا فى الذى طمعت به ** من حجب نقص وحجب إسقاط )
وقال
( ترى شعروا أنى غبطت نسيمة ** ذكت بتلاقى الروض غب الغمائم )
( كما قابلت زهر الرياض وقبلت ** ثغور أقاحيه بلا لوم لائم ) وقال
( ورد المشيب مبيضا بوروده ** ما كان من شعر الشبيبة حالكا )
( يا ليته لو كان بيض بالتقى ** ما سودته مآثم من حالكا )
( إن المشيب غدا رداء للردى ** فإذا علاك أجد فى ترحالكا ) وقال
( لوعة الحب فى فؤادى تعاصت ** أن تداوى ولو أتى ألف راق )
( كيف يبرا من علة وعليها ** زائد علة النوى والفراق )
( فانسكاب الدموع جار فجار ** والتهاب الضلوع راق فراق )
ومن غرائب الاتفاق أنه قال كنت جالسا بين يدى الخطيب أبى القاسم التاكرونى صبيحة يوم بمسجد مالقة فقال لنا فى أثناء حديثه رأيت البارحة فى عالم النوم كأن أبا عبد الله الجليانى يأتينى ببيتي شعر فى يده وهما
____________________
(6/144)


( كل علم يكون للمرء شغلا ** بسوى الحق قادح فى رشاده )
( فإذا كان فيه لله حظ ** فهو مما يعده لمعاده )
قال فلم ينفصل المجلس حتى دخل علينا الفقيه الأديب أبو عبد الله الجليانى والبيتان معه فعرضهما على الشيخ فأخبره أنه صنعهما البارحة فقال له كل من فى المجلس أخبرنا بهما الشيخ قبل مجيئك فكان هذا من العجائب
ولأبى الحجاج المذكور تواليف منها كتاب ملاذ المستعين فى بعض خصائص سيد المرسلين أربعون حديثا وكتاب تخصيص القرب وتحصيل الأرب وقبول الرأى الرشيد فى تخميس الوتريات النبوية لابن رشيد وانتشاق النسمات النجدية واتساق النزعات الجدية وغرر الأمانى المسفرات فى نظم المكفرات والنفحات الرندية واللمحات الرندية مجموع شعره وحقائق بركات المنام فى مرأى المصطفى خير الأنام والاستشفاء بالعدة والاستشفاع بالعمدة فى تخميس البردة وتوجع الراثى فى تنوع المراثى واعتلاق السائل بأفضل الوسائل ولمح البهيج ونفح الأريج فى ترجيز كلام الشيخ أبى مدين من عبارات حكمية وإشارات صوفية وكتاب تجريد رؤوس مسائل البيان والتحصيل لتيسير البلوغ لمطالعتها والتوصيل وفهرسة روايته ورجز ذكر مشايخ ابى عمر الطنجى وكتاب أرج الأرجاء فى مزج الخوف والرجاء أربعون حديثا فى الرجاء والخوف
وكان رحمه الله تعالى حيا حين ألف لسان الدين الإحاطة رحم الله تعالى الجميع
ورأيت على ظهر أول ورقة من الريحانة بخط الإمام الكبير الشهير الشيخ إبراهيم الباعونى الدمشقى رحمه الله تعالى ما نصه قال كاتبه إبراهيم بن أحمد الباعونى غفر الله ذنوبه وستر عيوبه وبلغه من فضله مطلوبه صاحب كتاب الريحانة آية من آيات الله سبحانه لوجه أدبه طلاقة وللسانه ذلاقة
____________________
(6/145)

وللقلوب به علاقة وفى خطه غلاقة يعرفها من عرف اصطلاحه بمطالعته وينفتح له باب فهمها بتكرير مراجعته فليتأمل الناظر اليه والمقبل عليه ما فيه من الجواهر والنجوم الزواهر بل الآيات البواهر وليسبح الله تعالى تعجبا من قدرته جل وعلا ومواهبه التى عذب ماؤها النمير وحلا وليقل عند تأمل دره النظم { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم } الحديد انتهى
وقوله رحمه الله تعالى وفى خطة غلاقة ليس المراد به إلا صعوبة الخط المغربى على أهل المشرق حسبما يعلم مما بعده وإلا فإن خط لسان الدين رحمه الله تعالى محمود عند المغاربة ولنقتصر من هذا الغرض على ماذكر فان تتبعه يطول إذ هو بحر لا ساحل له نقل من الروض الآريض لابن عاصم
وكان لسان الدين رحمه الله تعالى مؤثرا لقضاء حاجة من أمله وقصد بابه وأم له سواء كان من أودائه أو من أعدائه وقد ذكر الوزير الرئيس الكاتب أبو يحيى ابن عاصم رحمه الله تعالى عنه فى ذلك حكاية فى أثناء كلام رأيت أن أذكر جملته لما اشتمل عليه من الفائدة وهو انه ذكر فى ترجمة شموس العصر من ملوك بنى نصر من كتابه ب المسمى الروض الأريض فى اسم السلطان الذى كان ابن الخطيب وزيره وهو الغنى بالله محمد بن يوسف بن إسماعيل بن فرج بن نصر الخزرجى بعد كلام ما صورته كان قد جرى عليه التمحيص الذى أزعجه عن وطنه الى الدار البيضاء بالمغرب من إيالة بنى مرين فأفادته الحنكة والتجربة هذه السيرة التى وقف شيوخنا على حقيقتها وانتهجوا واضح طريقتها وبلغتنا منقولة بألسنة صدقهم معبرا عنها فى عرف
____________________
(6/146)

التخاطب بالعادة فلم يكن الوزير الكيس والرئيس الجهبذ يجريان من الاستقامة على قانون ولا يطردان من الصواب على اسلوب الا بالمحافظة على ما رسم من القواعد والمطابقة لما ثبت من العوائد وكان ذوو النبل من هذه الطبقة وأولو الحذق من أرباب هذه المهن السياسية يتعجبون من صحة اختياره لما رسم وجوده تمييزه لما قصد ويرون المفسدة فى الخروج عنها ضربة لازب وأن الاستمرار على مراسمها آكد واجب فيتحرونها بالالتزام كما تتحرى السنن ويتوخونها بالإقامة كما تتوخى الفرائض وسواء تبادر لهم معناها ففهموه أو خفى عليهم وجه رسمها فجهلوه حدثنى شيخنا القاضى أبو العباس أحمد بن أبى القاسم الحسنى أن الرئيس ابا عبد الله ابن زمرك دخل على الشيخ ذى الوزارتين ابى عبد الله ابن الخطيب يستأذنه فى جملة مسائل مما يتوقف عادة على إذن الوزير وكان معظمها فيما يرجع الى مصلحة الرئيس أبى عبد الله ابن زمرك قال الشريف فأمضاها كلها له ما عدا واحدة منها تضمنت نقض عادة مستمرة فقال له ذو الوزارتين ابن الخطيب لا والله يا رئيس ابا عبد الله لا آذن فى هذا لأنا ما استقمنا فى هذه الدار إلا بحفظ العوائد
ثم قال صاحب الروض فلما تأذن الله تعالى للدولة بالاضطراب واستحكم الوهن بتمكن الأسباب عدل عن تلك القواعد الراسخة واستخف بتلك القوانين الثابتة فنشأ من المفاسد ما أعوز رفعه وتعدد وتره وشفعه واستحكم ضرره حتى لم يمكن دفعه وتعذر فيه الدواء الذى يرجى نفعه وكان قد صحبه من الجد ما سنى آماله وأنجح بإذن الله تعالى أقواله وأعماله فكان يجرى الأمر على رسم من السياسة واضح ونظر من الآراء السديدة راجح ثم يحفه من الجد سياج لا يفارقه الى تمام الغاية المطلوبة من حصوله وتمكن مقتضى الإرادة السلطانية من فروعه وأصوله انتهى كلام ابن عاصم
____________________
(6/147)


وإذ جرى ذكره فلا بأس ان نلمع بشىء من أحواله لأن أهل الأندلس كانوا يسمونه ابن الخطيب الثانى فنقول ترجمة أبى يحيى ابن عاصم
هو الإمام العلامة الوزير الرئيس الكاتب الجليل البليغ الخطيب الجامع الكامل الشاعر المفلق الناثر الحجة خاتمة رؤساء الأندلس بالاستحقاق ومالك خدم البراعة بالاسترقاق أبو يحيى محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عاصم القيسى الأندلسى الغرناطى قاضى الجماعة بها كان رحمه الله تعالى من أكابر فقهائها وعلمائها ورؤسائها أخذ عن الإمام المحقق أبى الحسن ابن سمعت والإمام القاضى ابى القاسم ابن سراج والشيخ الراوية ابى عبد الله المنتورى والإمام ابى عبد الله البيانى وغيرهم ومن تآليفه شرح تحفة والده وذكر فيه أنه ولى القضاء سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة ومنها كتاب جنة الرضى فى التسليم لما قدر الله تعالى وقضى وكتاب الروض الأريض فى تراجم ذوى السيوف والأقلام والقريض كأنه ذيل به إحاطة لسان الدين ابن الخطيب وله غير ذلك وقد أطلت الكلام فى ترجمته من كتابى أزهار الرياض فى اخبار عياض وما يناسبها مما يحصل للنفس به ارتياح وللعقل ارتياض
ووصفه ابن فرج السبتى بأنه الأستاذ العلم الصدر المفتى القاضى رئيس الكتاب ومعدن السماحة ومنبع الآداب انتهى نموذج من نثر ابن عاصم
وقد تقدم بعض كلامه فيما مر ومن بديع نثره الذى يسلك به نهج ابن
____________________
(6/148)

الخطيب رحمه الله تعالى قوله من كلام جلبت جملته فى أزهار الرياض واقتصرت هنا على قوله بعد الحمدلة الطويلة ما صورته أما بعد فان الله على كل شىء قدير وانه بعباده لخبير بصير وهو لمن أهل نيته وأخلص طويته نعم المولى ونعم النصير بيده الرفع والخفض والبسط والقبض والرشد والغى والنشر والطى والمنح والمنع والضر والنفع والبطء والعجل والرزق والأجل والمسرة والمساءة والإحسان والإساءة والإدراك والفوت والحياة والموت اذا قضى أمرا فانما يقول له كن فيكون وهو الفاعل على الحقيقة وتعالى الله عما يقول الآفكون وهو الكفيل بان يظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون وان فى احوال الوقت الداهية لذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد وعبره لمن يفهم قوله تعالى { إن الله يفعل ما يشاء } الحج { إن الله يحكم ما يريد } المائدة بينما الدسوت عامرة والولاة آمره والفئة مجموعة والدعوة مسموعة والإمرة مطاعة والأجوبة سمعا وطاعة واذا بالنعمة قد كفرت والذمة قد خفرت
إلى أن قال والسعيد من اتعظ بغيره ولا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا جعلنا الله تعالى ممن قضى عمره بخيره وبينما الفرقة حاصلة والقطيعة فاصلة والمضرة واصلة والحبل فى انبتات والوطن فى شتات والخلاف يمنع رعى متات والقلوب شتى من قوم أشتات والطاغية يتمطى لقصم الوطن وقضمه ويلحظه لحظ الخائف على هضمه والآخذ بكظمه ويتوقع الحسرة أن يأذن الله بجمع شمله ونظمه على رغم الشيطان ورغمه واذا بالقلوب قد ائتلفت والمتنافرة قد اجتمعت بعدما اختلفت والأفئدة بالألفة قد اقتربت الى الله تعالى وازدلفت والمتضرعة الى الله تعالى قد ابتهلت فى اصلاح الحالة التى سلفت فألقت الحرب أوزارها وأدنت الفرقة النافرة مزارها وجلت الألفة الدينية
____________________
(6/149)

أنوارها وأوضحت العصمة الشرعية آثارها ورفعت الوحشة الناشبة أظفارها أعذارها وأرضت الخلافة الفلانية أنصارها وغضت الفئة المتعرضة أبصارها وأصلح الله تعالى أسرارها فجمعت الأوطان بالطاعة والتزمت نصيحة الدين بأقصى الاستطاعة وتسابقت الى لزوم السنة والجماعة وألقت الى الإمامة الفلانية يد التسليم والضراعة فتقبلت فيأتهم وأحمدت جيأتهم وأسعدت آمالهم وارتضيت أعمالهم وكملت مطالبهم وتممت مآربهم وقضيت حاجاتهم واستمعت مناجاتهم وألسنتهم بالدعاء قد انطلقت ووجهتهم فى الخلوص قد صدقت وقلوبهم على جمع الكلمة قد اتفقت وأكفهم بهذه الإمامة الفلانية قد اعتلقت وكانت الإدالة فى الوقت على عدو الدين قد ظهرت وبرقت الى ان قال وكفت القدرة القاهرة والعزة الباهرة من عدوان الطاغية غوائل باعزاز دين الله الموعود بظهوره على الدين كله فواتح وأوائل ومعلوم بالضرورة أن الله تعالى لطيف بعباده حسبما شهد بذلك برهان الوجود { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ابراهيم دليل على ما سوغ من الكرم والجود انتهى المقصود منه وهو كلام بليغ ومن أراد جملته فعليه بأزهار الرياض = من نظم ابن عاصم
ومن نظم ابن عاصم المذكور قوله مخاطبا شيخه قاضى الجماعة ابا القاسم ابن سراج وقد طلب الاجتماع به زمن فتنة فظن أنه يستخبره عن سر من أسرار السلطان فأعده معتذرا ولم يصدق الظن
( فديتك لا تسأل عن السر كاتبا ** فتلقاه فى حال من الرشد عاطل )
( وتضطره إما لحالة خائن ** أمانته أو خائض فى الأباطل )
( فلا فرق عندى بين قاض وكاتب ** وشى ذا بسر أو قضى ذا بباطل )
____________________
(6/150)

قصيدة لابن الأزرق فى مدحه
ومن بديع ما نظم فى مدح الرئيس أبى يحيى ابن عاصم المذكور قول العلامة ابن الأزرق رحمه الله تعالى
( خضعت لمعطفه الغصون الميس ** ورنا فهام بمقلتيه النرجس )
( ذو مبسم زهر الربى فى كسبه ** متنافس عن طيبه متنفس )
( ومورد من ورده أو ناره ** يتنعم القلب العميد وييأس )
( فالورد فيه من دموعى يرتوي ** والنار فيه من ضلوعى تقبس )
( كملت محاسنه فقد ناضر ** ولو احظ نجل وثغر العس )
( صعب التعطف بالغرام حبيته ** فالحب يحبى والتعطف يحبس )
( غرس التشوق ثم أغرى الوجد بى ** فالوجد يغرى والتشوق يغرس )
( ما كنت أشقى لو حللت بجنة ** من وصله تحيا لديها الأنفس )
( ألحاظه ورضابه وعذاره ** حور بها أو كوثر أو سندس )
( وليال أنس قد أمنت بهن من ** واش ينم ومن رقيب يحرس )
( أطلعت شمس الراح فيها فاهتدى ** عاش إلينا فى الدجى ومغلس )
( صفراء كالعقيان فى الألوان ** للندمان كالشهبان منها أكؤس )
( صبت شقيقا فاستحالت نرجسا ** فى مزجها فمورد ومورس )
( وحبابها يغنى بأسنى جوهر ** أنفى لغم المعدمين وأنفس )
( يجلى بها للغم منها حندسا ** قمر عليه من الذؤابة حندس )
( حتى إذا عمشت مراة البدر من ** صبح بدا تلقاه إذ يتنفس )
( ناديته وسنا الصباح محصحص ** ينجاب عنه من الظلام معسعس )
( يا مطلع الأنوار زهرا يجتنى ** ومشعشع الصهباء نارا تلمس )
( بك مجلس الأنس اطمأن وبابن ** عاصم اطمأن من الرياسة مجلس )
( بدر بأنوار الهدى متطلع ** غيث بأشتات الندى متبجس )
____________________
(6/151)


( حامى فلم نرتع لخطب يعترى ** ووفى فلم نحفل بدهر يبخس )
( شيم مهذبة وعلم راسخ ** ومكارم هتن ومجد أقعس )
( لو كان شخصا ذكره لبدا على ** أعطافه من كل حمد ملبس )
( ذاكم أبو يحيى به تحمى العلا ** وبه خلال الفخر طرا تحرس )
( بيت على عمد الفخار مطنب ** مجد على متن السماك مؤسس )
( خيم وعرس فى حماه فكم حوى ** فيه المراد مخيم ومعرس )
( إنا لنغدو هيما فينيلنا ** ريا ويوحشنا النوى فيؤنس )
( حتى اقمنا والأمانى منهضات ** وابتسمنا والزمان معبس )
( لم ندر قبل يراعه وبنانه ** ان الذوابل بالغمائم تبجس )
( هن اليراع بها يؤمن خائف ** ويحاط مذعور ويغنى مفلس )
( مهما انبرت فهى السهام يرى لها ** وقع لأغراض البيان مقرطس )
( يشفى بمأمله الشكى المعترى ** يحيا بمأمنه الحمام المؤيس )
( فتقص حين تشق منها ألسن ** وتسير حين تقط منها أروس )
( من كل وشاء بأسرار النهى ** درب بإظهار السرائر يهجس )
( قد جمع الأضداد فى حركاته ** فلذا اطراد فخاره لا يعكس )
( عطشان ذو ري يبيس مثمر ** غضبان ذو صفح فصيح أخرس )
( لله من تلك اليراع جواذب ** للسحر منك كأنها المغنيطس )
( رضنا شماس القول فى أوصافها ** فهى التى راضت لنا ما يشمس )
( وإليكها حللا تشابه نسجها ** مثلى يفصلها ومثلك يلبس )
( واهنأ بعيد باسم متهلل )
( وافاك يجهر بالسرور ويهمس )
( واحبس لواء الفخر موقوفا فان ** الحمد موقوف عليك محبس )
قلت وعندى الآن شك فى صاحب هذه القصيدة هل هو قاضى الجماعة بغرناطة محمد بن الأزرق أو ابن الأزرق الثانى القائل فيما يكتب على السيف
____________________
(6/152)


( ان عمت الأفق من نقع الوغى سحب ** فشم بها بارقا من لمع إيماضى )
( وان نوت حركات النصر أرض عدا ** فليس للفتح إلا فعلى الماضى ) والله سبحانه أعلم رسالة ابن عاصم الى ابن طركاط
ومن إنشاء الرئيس ابن عاصم المذكور ما كتب به يخاطب الكاتب أبا القاسم ابن طركاط وهو القضاء حفظ الله تعالى كمالك وأنجح آمالك اذا لم يحطه العدل من كلا جانبيه سبيل معوج ومذهب لا يوافق عليه مناظر ولا ينصره محتج كما أنه إذا حاطة العدل جاده للنجاة وسبب فى حصول رحمه الله تعالى المرتجاة وسوق لنفاق بضاعة العبد المزجاة وأجمل العدل ما تحلى به فى نفسه الحكم وجرى على مقتضى ما شهدت به الآراء المشهورة والحكم حتى يكون عن البغى رادعا وبالقسط صادعا ولأنف الأنفة من الإذعان للحق جادعا وأنت أجلك الله تعالى على سعة اطلاعك وشدة ساعد قيامك بالطريقة واضطلاعك ممن لا ينبه على ما ينبغى ولا يرد على طلبته من الإنصاف المبتغى فلك فى الطريقة القاضوية التبريز وأنت إذا كان غيرك الشبه الذهب الإبريز ولعلمية عدلك التوشية بالنزاهة والتطريز وليتنى كنت لمظهرك الحكمى حاضرا ولإعلام القضاة بآرائك المرتضاة محاضرا والوازع قد تمرس بالخصوم وجعل المتصدى للإذن فى محل المخصوم وأنت حفظك الله تعالى قد قمت من غلظ الحجاب بالمقام المعصوم ومثلت من سعة المنزل فى الفضل والطول كالشهر المصوم والباب قد سد وداعى الشفاعة قد رد والميقات للإذن قد حد ومطلب الأجرة المتعارفة قد بلغ الأشد حتى إذا قضى الواجب وأذن فى دخول الخصمين الحاجب وكبح السابقين الى الحد الذى
____________________
(6/153)

لا يعدونه وحفز إيماؤه من تعداه أو وقف دونه وقد حصل باللحظ واللفظ التساوى وأنتج المطالب الأربعة هذا اللازم المساوى ومجلسك قد رجح وقاره برضوى ومجتلاك قد فضح نوره البدر الأضوا وقد امتزت عن سواك من القضاة بمراسم لا تليق بجملتهم معارفها وتخصصت عنهم بملابس تعج عجيجا من جذامهم مطارفها بحيث تحد لخلع النعلين حدا لا يتجاوز طواه وتسد فى بعض الأوقات الباب سدا لا ترقع بالمحاجر كواه وتفصل بين الخصمين أحيانا بالنية دون الكلام ولكل امرىء ما نواه
وهذه أعانك الله تعالى مكملات من العدل فى الحكم وقف عياض دون تحقيق مناطها وأعيت ابن رشد فلم يهتد بيانه ولا تحصيله لاستنباطها فما بال النازحة عنك حسا ومعنى النازلة من تقاضى دينك بمنزلة الممطول المعنى المعتقلة من ملكة رقك بحيث أقصاها لاعج الشوق المعذبة من الصبابة فيك بما شب عمره عن الطوق تتنفس الصعداء مما تشاهده منك من مبتدعات الجور وتردد البكاء على ضياع ما استعار الحسن لصفاتها من النجد والغور وتقضى العجب مما تسمع من عدلك الذي لم تجتل لمحة من نوره ومن حلمك الذى أشقاها فلم تحضر لدكة طوره وتستصوب أنظار النحاة فى منع التهيئة والقطع فى العامل وتستجلب اصطلاح العروضيين فى المديد والبسيط دون الطويل والكامل فهلا راجعت فيها النظر وأنجزت لها الوعد المنتظر وكففت من
____________________
(6/154)

عيونها دموعا مستهلة واجتليت من جبينها الوضاح ما أخجل بدورا مشرقة وأهلة ولم تحوجها الى ان ينطق قرينها الروحانى بالشعر على لسانها ولسانك ولم تضطرها فى هذه المعاملة الى ما لا ترتضيه من كفر إحسانك والعذر أظهر والبرهان أبهر وخلافك فى العالم أشهر وأنت ان لم يكن ما يعصم الله تعالى منه لمقتضى الطبيعة أقهر
وقد أدرجت لك فى طى هذا ما يصل الى يدك وتلهج به فى يومك وغدك منتظرة منك إطفاء الجوى بالجواب ومحو ما سبق من الخطإ بالخطاب ان شاء الله تعالى والله تعالى يصل سعادته ويحفظ مجادته ومعاد السلام من الشاكر الذاكر ابن عاصم وفقه الله تعالى فى أوائل ذى الحجة عام خمسة وأربعين وثمانمائة انتهى وهو مما لم أذكره فى أزهار الرياض ظهير بتقديم ابن عاصم للنظر فى أمور الفقهاء
ولنذكر هنا الظهير الذى جلبته فيها بتقديم المذكور للنظر فى أمور الفقهاء وغيرهم ونصه هذا ظهير كريم اليه انتهت الظهائر شرفا عليا وبه تقررت المآثر برهانا جليا وراقت المفاخر قلائد وحليا وتميزت الأكابر الذين افتخرت بهم الأقلام والمحابر اختصاصا مولويا
فهو وان تكاثرت المرسومات وتعددت وتوالت المنشورات وتجددت أكبر مرسوم تمم فى الاعتقاد نظرا خطيرا وأحكم فى التفويض أمرا كبيرا وأبرم فى الاستخلاص عزما أبيا
اعتمد بمسطوره العزيز واختص بمنشوره الذى تلقاه اليمن بالتعزيز من لم يزل
____________________
(6/155)

بالتعظيم حقيقا وبالإكبار خليقا وبالإجلال حريا فهو شهير لم يزل فى الشهرة سابقا هاد لم يزل بالهدى ناطقا بليغ لم يزل بالبلاغة دريا عظيم لم يزل فى النفوس معظما علم لم يزل فى الأعلام مقدما كريم لم يزل فى الكرام سنيا اشتملت منه محافل الملك على العقد الثمين وحلت به المشورة فى الكنف المحوط والحرم الأمين فكان فى مشكاة الأمور هاديا وفى ميدان المراشد جريا فالى مقاماته تبلغ مقامات الإخلاص والى مرتبته تنتهى مراتب الاختصاص فيمن حاز خصلا وزين حفلا وشرف نديا واستكمل همما واستحمل قلما واستخدم مشرفيا فلله ما أعلى قدر هذا الشرف الجامع بين المتلد والمطرف السابق فى الفضل أمدا قصيا الحال من الاصطفاء مظهرا الفارع من العلاء منبرا الصاعد من العز كرسيا حاز الفضل إرثا وتعصيبا واستوفى الكمال حقا ونصيبا ثناء أرجه كالروض لو لم يكن الروض ذابلا وهديا نوره كالبدر لو لم يكن البدر آفلا ومجد علوه كالسها لو لم يكن السها خفيا فما أشرف الملك الذى اصطفاه وكمل له حق التقريب ووفاه وأحله قرارة التمكين ومن اختصاصه بالمكان المكين فسبق فى ميدان التفويض وشأى ورأى من الأنظار الحميدة ما رأى صادعا بالحق إماما علما موضحا من الدين نهجا أمما هاديا من الواجب صراطا سويا بانيا للمجد صرحا مشيدا مشهرا للعدل قولا مؤيدا مبرما للخير سببا قويا فالله تعالى يصل لمقام هذا الملك الذى طلع فى سمائه بدرا دونه البدور وصدرا تلوذ به الصدور سعدا لا تمطله الأيام فى تقاضيه ونصرا يمضى به نصل الجهاد فلا يزال ماضيه على الفتح مبنيا ويوالى له عزا يذود عن حرم الدين ويمنحه تأييدا يصبح فى أعناق الكفر حديث سيفه قطعيا
____________________
(6/156)


أمر به مرسوما عزيزا لا تبلغ المرسومات الى مداه ولا يبدى بآثار الاختصاص مثل ما أبداه عبد الله أمير المسلمين محمد الغالب بالله أيد الله تعالى مقامه ونصر أعلامه وشكر إنعامه ويسر مرامه لإمام الأئمة وعلم الأعلام وعماد ذوى العقول والأحلام وبركة حملة السيوف والأقلام وقدوة رجال الدين وعلماء الإسلام الشيخ الفقيه أبى يحيى ابن كبير العلماء شهير العظماء حجة الأكابر والأعيان مصباح البلاغة والبيان قاضى القضاة وإمامهم أوحد الجلة وطود شمامهم الشيخ الفقيه أبى بكر ابن عاصم أبقاه الله تعالى ومناطق الشكر له فصيحة اللسان ومواهب الملك به معهودة الإحسان وقلائد الأيادي منه متقلدة بجيد كل إنسان قد تقرر والمفاخر لا تنسب إلا لبنيها والفضائل لا تعتبر إلا بمن يشيد أركانها ويبنيها والكمال لا يصفى شربه إلا لمن يؤمن سربه أن هذا العلم الكبير الذى لا يفى بوصفه التعبير علم بآثاره يقتدى وبأنظاره يهتدى وبإشارته يستشهد وبإدارته يسترشد إذ لا أمد علو إلا وقد تخطاه ولا مركب فضل إلا وقد تمطاه ولا شارقة هدى إلا وقد جلاها ولا لبة فخر إلا وقد حلاها ولا نعمة إلا وقد أسداها ولا حرمه إلا وقد أبداها لما له فى دار الملك من الخصوصية العظمى والمكانة التى تسوغ النعمى والرتب التى تسمو العيون إلى مرتقاها وتستقبلها النفوس بالتعظيم وتتلقاها حيث سر الملك مكتوم وقرطاسه مختوم وأمره محتوم والأقلام قد روضت الطروس وهى ذاوية وقسمت الأرزاق وهى طاوية شقت ألسنتها فنطقت وقطت أرجلها فسبقت ويبست فأثمرت إنعاما ونكست فأظهرت قواما وخطت فأعطت وكتبت فوهبت ومشقت فرفقت وأبرمت فأنعمت فكم يسرت الجبر
____________________
(6/157)

وعفرت الهزبر وشنفت المسامع وكيفت المطامع وأقلت فيما ارتفع من المواضع وأحلت لما امتنع من المراضع فهى تنجز النعم وتحجز النقم وتبث المذاهب وتحث المواهب وتروض المراد وتنهض المراد وتحرس الأكناف وتغرس الأشراف مصيخة لنداء هذا العماد الأعلى طامحة لمكانه الذى سما واستعلى فيما يملى عليها من البيان الذى يقر له بالتفضيل الملك الضليل ويشهد له بالإحسان لسان حسان ويحكم له ببرى القوس حبيب بن أوس ويهيم بما من الأساليب عنده شاعر كنده ويستمطر سحبه الثرة فصيح المعرة الى منثور تزيل الفقر فقره وتدر الرزق درره لو أنهى الى قس إياد لشكر فى الصنيعة أياديه واستمطر سحبه وغواديه أو بلغ الى سحبان لسحره وما فارقه عشيته ولا سحره ولو رآه الصابى لأبدى اليه من صبوته ما أبدى أو سمعه ابن عباد لكان له عبدا أو بلغ بديع الزمان لهجر بدائعه واستنزر بضائعه أو أتحف به البستى لأتخذه بستانا أو عرض على عبد الحميد لأحمد من صوبه هتانا فأعظم به من عال لا ترقى ثنيته ولا تحاز مزيته ولا يرجم أفقه ولا يكتم حقه ولا ينام له عن اكتساب الحمد ناظر ولا ينقاس به فى الفضل مناظر وهل تقاس الأجادل بالبغاث أو الحقائق بالأضغاث
ألا وان بيته هو البيت الذى طلع فى أفقه كل كوكب وقاد ممن وشج به للعلوم اتقاء واتقاد وترامى به للمدارك ذكاء وانتقاد فأعظم بهم أعلاما وصدورا وأهله وبدورا خلدت ذكرهم الدواوين المسطرة وسرت فى محامدهم الأنفاس المعطرة الى أن نشا فى سمائهم هذا الأوحد الذى شهرة فضله لا تجحد فكان قمرهم الأزهر ونيرهم الأظهر ووسيطة عقدهم الأنفس ونتيجة مجدهم الأقعس فأبعد فى المناقب آماده ورفع الفخر وأقام عماده وبنى على تلك الآساس المشيدة وجرى لإدراك تلك الغايات البعيدة
____________________
(6/158)

فسبق وجلى وشنف بذكره المسامع وحلى ورفع المشكل ببيانه وحرر الملتبس ببرهانه الى ان أحله قضاء الجماعة ذروة أفقه الأصعد وبوأه عزيز ذلك المقعد فشرف الخطة واخذ على الأيدى المشتطة لا يراقب إلا ربه ولا يضمر إلا العدل وحبه والمجلس السلطانى أسماه الله تعالى يختصه بنفسه ويفرغ عليه من حلل الاصطفاء ولبسه ويستمطر فوائده ويجرب بأنظاره حقوق الملك وعوائده فكان بين يديه حكما مقسطا ومقسما لحظوظ الإنعام مقسطا الى ان خصه بالكتابة المولوية ورأى له ذلك حق الأولوية إذ كان والده المقدس نعم الله تعالى ثراه ومنحه السعادة فى أخراه مشرف ذلك الديوان ومعلى ذلك الإيوان يحبر رقاع الملك فتروق وتلوح كالشمس عند الشروق فحل ابنه هذا الكبير شرفا الشهير سلفا مرتبته التى سمت وافترت به عن السعد وابتسمت فسحبت به للشرف مطارف وأحرزت به من الفخر التالد والطارف فهو اليوم فى وجهها غرة وفى عينها قرة ولله هو فى ملاحظة الحقائق ورعيها وسمع الحجج ووعيها فلقد فضل بذلك اهل الآختصاص وسبقهم فى تبيين ما يشكل منها وما يعتاص إذ المشكلة معه جلية الأغراض والآراء لديه آمنة من مأخذ الأعتراض فكم رتبه عمرها بذويها فأكسبها تشريفا وتنويها وعلى ذلك فأعلام قضاه الوطن ومن عبر منهم وقطن مع أقدارهم السامية ومعاليهم التى هى للزهر مسامية إنما رقتهم وساطته التى أحسنت وزينت بهم المجالس وحسنت فيه أمضوا أحكامهم وأعملوا فى الأباطيل احتكامهم وكتبوا الرسوم وكبتوا الخصوم وحلوا دست القضاء وسلوا سيف المضاء وفى زمانه تخرجوا
____________________
(6/159)

وفى بستانه تأرجوا ومن خلقه اكتسبوا والى طرقه انتسبوا وعلى موارده حاموا وحول فوائده قاموا وبتعريفه عرفوا وبتشريفه شرفوا وبصفاته كلفوا وبعرفاته وقفوا فأمنوا مع انسكاب سحب إفادته من الجدب وقاموا بذلك الفرض بسبب ذلك الندب وهل العلماء وان عمت فوائدهم وانتظمت بجياد الأذهان فرائدهم إلا من أنواره مستمدون والى الاستفادة من أنظاره ممتدون وببركاته معتدون وبأسبابه مشتدون فبه اجتنيت من أفنان المنابر ثمراتهم وتأرجت فى روضات المعارف زهراتهم وبه عمروا الحلق وائتلق من أنوارهم ما ائتلق إذ كل من اصطناعه محسوب والى بركته منسوب فهو بدرهم الأهدى وغيثهم الأجدى وعقدهم المقتنى وروضهم المجتنى وبدر منازلهم وصدر محافلهم
وعلى ما أعلى المقام المولوي من مكانه وقضى به من استمكانه واعتمد من إبرامه وأبرم من اعتماده ومهد من إكرامه وكرم من مهاده واختص من علاه وأعلى من اختصاصه واستخلص من حلاه وحلا من استخلاصه ووفى من تكرمه وكرم من وفائه واصطفى من مجده ومجد من اصطفائه وقدم من براعته وحكم من يراعته وشقق من كتابته وأنطق من خطابته وسجل من أنظاره وعجل من اختياره فذكا ذكره وسطا سطره وأمعن معناه وأغنى مغناه أشار أيده الله تعالى باستئناف خصوصيته وتجديدها وإثبات مقاماته وتحديدها لتعرف تلك الحدود فلا تتخطى وتكبر تلك المراتب فلا تستعطى فأصدر له شكر الله تعالى إصداره وعمر بالنصر داره هذا المنشور الذى تأرج بمحامده نشره وتضمن من مناقبه البديع فراق طيه ونشره وغدا وفرائد المآثر لديه موجدة مكونه وأصبح للمفاخر مالكا لما أتى به مدونه وخصه فيه بالنظر المطلق الشروط الملازم للتفويض ملازمة
____________________
(6/160)

الشرط للمشروط المستكمل الفروع والأصول المستوفى الأجناس والفصول فى الأمور التى تختص بأعلام القضاة الأكابر وكتاب القضاة ذوى الأقلام والمحابر وشيوخ العلم وخطباء المنابر وسائر أرباب الأقلام القاطن منهم والعابر بالحضرة العلية وجميع البلاد النصرية تولى الله تعالى جميع ذلك بمعهود ستره ووصل لديه ما تعود من شفع اللطف ووتره يحوط مراتبهم التى قطفت من روضاتها ثمرات الحكم وجنيت ويراعى أمورهم التى أقيمت على العوائد وبنيت وحقوقهم التى حفظت لهم فى المجالس السلطانية ورعيت ويحل كل واحد منهم فى منزلته التى تليق ومرتبته التى هو بها خليق على ما يقتضى ما يعلم من أدواتهم ويخبر من تباين ذواتهم ويرشح كل واحد الى ما استحقه ويؤتى كل ذى حق حقه اعتمادا على أغراضه التى عدلت وصدحت على أفنانها من الأفواه طيور الشكر وهدلت واستنادا فى ذلك الى آرائه وتفويضا له فى هذا الشأن بين خلصاء الملك وظهرائه وذلك على مقتضى ما كان عليه أعلام الرياسة الذين سبقوا وانتهضوا بهممهم واستبقوا كالشيخ الرئيس الصالح ابى الحسن ابن الجياب والشيخ ذى الوزارتين أبى عبد الله ابن الخطيب رحمهما الله تعالى
فليقم أبقاه الله تعالى بهذه الأعمال التى سمت واعتزت ومالت بها اعطاف العدل واهتزت وسار بها الخبر حثيث السرى وصار بها الحق مشدود العرى وعلى جميع القضاة الأمضياء والعلماء الأرضياء والخطباء الأولياء والمقرئين الأزكياء وحملة الأقلام الأحظياء ان يعتمدوا هذا الولى العماد فى كل ما يرجع الى عوائدهم ويختص فى دار الملك من مرتباتهم وفوائدهم وما يتعلق بولاياتهم وأمنياتهم ويليق بمقاصدهم ونياتهم فهو الذى يسوغهم المشارب ويبلغهم المآرب ويستقبل العلى بالعلى والعاطل بالحلى والمشكل بالجلى والمفرق بالتاج والمقدمة بالانتاج وعلى ذلك فهذا المنشور الكريم قد أقرهم على ولاياتهم وأبقاهم ولقاهم من حفظ المراتب ما رقاهم فليجروا
____________________
(6/161)

على ما هم بسبيله وليهتدوا بمرشد هذا الاعتناء ودليله وكتب فى صفر عام سبعة وخمسين وثمانمائة انتهى
قلت وانما أتيت به لوجوه أحدها ما يتعلق بلسان الدين اذ وقعت الإشارة الى مرتبته فى أخره والثانى ما اشتمل عليه من الإنشاء الغريب والثالث معرفة حال الرئيس أبى يحيى ابن عاصم وتمكنه من الرياسة لأنا بنينا هذا الكتاب على ذكر ما يناسبه من انباء أهل المغرب لكون أهل هذه البلاد المشرقية ليس لهم بها عناية والرابع أن بعض أكابر شيوخنا ممن ألف فى طبقات المالكية لما عرف بابى يحيى ذكره فى نحو أسطر عشرة وقال هذا الذى حضرنى من التعريف به والخامس ان ابن عاصم المذكور كما قاله الوادى آشى وغيره كان يدعى فى الأندلس بابن الخطيب الثانى ويعنون بذلك البلاغة والبراعة والرياسة والسياسة رجع إلى أخبار لسان الدين فنقول
وأما كتب التأليف باسم لسان الدين رحمه الله تعالى فقد قال فى الإحاطة لما أجرى ذكر ذلك ما صورته وأما ما رفع الى من الموضوعات العلمية والوسائل الأدبية والرسائل الإخوانية لما أقامنى الملك صنما يعتمد وخيالا اليه يستند صادرة عن الأعلام وحملة الأقلام ورؤساء النثار والنظام فجم يضيق عنه الإحصاء ويعجز عن ضم نشره الاستقصاء وربما تضمن هذا الكتاب كتاب الإحاطة منه كثيرا ومنظوما أثيرا ودرا نثيرا جرى فى أثناء الأسماء وانتمى الى الإجادة أكرم الانتماء غفر الله تعالى لى ولقائله فما كان اولانى وإياه بستر زوره وإغراء الإضراب بغروره فأهون بما لا ينفع وإن ارتفع الكلم الطيب لا يرفع اللهم تجاوز عنا بفضلك وكرمك انتهى
وقد تقدم فى ترجمة أبى عبد الله محمد بن عبد الرحمن الكرسوطى الفاسى نزيل مالقة صاحب التآليف العديدة أنه ألف تقييدا على قواعد الإمام القاضى
____________________
(6/162)

أبى الفضل عياض رحمه الله تعالى برسم ولد لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى وكذلك غير واحد من أهل عصره قصدوه بالنظم والنثر وهى سنة الله سبحانه وتعالى فى عبادة اذ السلطان سوق يجلب اليها ما ينفق فيها والله سبحانه وتعالى ولى المكافأة لا رب غيره ولا مأمول سواه انتهى
____________________
(6/163)


____________________
(6/163)

الباب الخامس
فى إيراد جملة من نثره الذى عبق أريج البلاغة من نفحاته ونظمه الذى تألق نور البراعة من لمحاته وصفحاته وما يتصل به من أزجاله وموشحاته ومناسبات رائقة فى فنون الأدب ومصطلحاته
اعلم سلك الله تعالى بى وبك اوضح محجه وجعلنا ممن انتحى صوب الصواب ونهجه أن هذا الباب هو المقصود بتأليف هذا الكتاب وغيره كالتبع له وها أنا أذكر ما حضرنى الآن من بنات أفكار لسان الدين التى هى بالمحاسن متقنعة وللبدائع منتعلة فاقول
____________________
(6/164)


أما نثره فهو البحر الزخار بل الدر الذى به الافتخار وناهيك أن كتبه الآن فى المغرب قبلة أرباب الإنشاء التى اليها يصلون وسوق دررهم النفيسة التى يزينون بها صدور طروسهم ويحلون وخصوصا كتابه ريحانة الكتاب ونجعه المنتاب فإنه وإن تعددت مجلداته على فن الإنشاء والكتابة مقصور وقد اشتمل على السلطانيات وغيرها ومخاطباته لأهل المشرق والمغرب على لسان ملوك الأندلس الذين علم بلاغتهم منصور وقد تركت نسختى منه فى المغرب ولو حضرتنى لكفتنى عن هذه الفوائد التى أتعبت خاطرى فى جمعها من مقيداتى التى صحبتها معى وهى قليلة
وقد مر فى هذا الكتاب جملة من نثره ونظمه والذى نجلبه هنا زيادة على ما سبق
وقال رحمه الله تعالى فى الإحاطة عند ترجمة نثره ما صورته وأما النثر
____________________
(6/164)

فبحر زاخر ومدى طوله مستاخر وإنك لم يفخر عليك كفاخر وقد مر منه فى تضاعيف هذا الديوان كثير ونحن نجلب منه ما يشير اليه مشير انتهى 1 - فمن ذلك قوله فى غرض التحميد مما افتتح به الكتاب فى التاريخ المتضمن دولة بنى نصر الحمد لله الذى جعل الأزمنة كالأفلاك ودول الأملاك كأنجم الأحلاك تطلعها من المشارق نيره وتلعب بها مستقيمة أو متحيرة ثم تذهب بها غائرة متغيرة السائق عجل وطبع الوجود مرتجل والحى من الموت وجل والدهر لا معتذر ولا خجل بينما ترى الدست عظيم الزحام والموكب شديد الالتحام والوزعة تشير والأبواب يقرعها البشير والسرور قد شمل الأهل والعشير والأطراف تلثمها الأشراف والطاعة يشهرها الاعتراف والأموال يحوطها العدل أو يبيحها الإسراف والرايات تعقد والأعطيات تنقد إذ رأيت الأبواب مهجورة والدسوت لا مؤملة ولا مزورة والحركات قد سكنت وأيدي الإدالة قد تمكنت فكأنما لم يسمر سامر ولا نهى ناه ولا أمر آمر ما أشبه الليلة بالبارحة والغادية بالرائحة { لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح }
2 - ومن نثره قوله فى استدعاء إمداد وحض على الجهاد أيها الناس رحمكم الله تعالى إخوانكم المسلمون بالأندلس 4 قد دهم العدو قصمه الله تعالى ساحتهم ورام الكفر خذله الله تعالى استباحتهم وزحفت أحزاب الطواغيت إليهم ومد الصليب ذراعيه عليهم وأيديكم بعزة الله تعالى أقوى وأنتم المؤمنون أهل البر والتقوى وهو دينكم فانصروه وجواركم الغريب فلا تخفروه وسبيل الرشد قد وضح فلتبصروه الحهاد الجهاد فقد تعين
____________________
(6/165)

الجار الجار فقد قرر الشرع حقه وبين الله الله فى الإسلام الله الله فى أمه محمد عليه الصلاة السلام الله الله فى المساجد المعمورة بذكر الله الله الله فى وطن الجهاد فى سبيل الله قد استغاث بكم الدين فأغيثوه قد تاكد عهد الله وحاشاكم أن تنكثوه أعينوا إخوانكم بما أمكن من الإعانة أعانكم الله تعالى عند الشدائد جددوا عوائد الخير يصل الله تعالى لكم جميل العوائد صلوا رحم الكلمة واسوا بأنفسكم وأموالكم تلك الطوائف المسلمة كتاب الله بين أيديكم وألسنة الآيات تناديكم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمة فيكم والله سبحانه يقول فيه { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم } الصف ومما صح عنه قوله ( من اغبرت قدماه فى سبيل الله حرمهما الله على النار ) ولا يجتمع غبار فى سبيل الله ودخان جهنم ) ( من جهز غازيا فى سبيل الله فقد غزا ) أدركوا رمق الدين قبل ان يفوت بادروا عليل الإسلام قبل ان يموت احفظوا وجوهكم مع الله تعالى يوم يسألكم عن عباده جاهدوا فى الله بالألسن والأقوال حق جهاده
( ماذا يكون جوابكم لنبيكم ** وطريق هذا العذر غير ممهد )
( ان قال لم فرطتم فى أمتى ** وتركتموهم للعدو المعتدى )
( تالله لو ان العقوبة لم تخف ** لكفى الحيا من وجه ذاك السيد )
اللهم اعطف علينا قلوب العباد اللهم بث لنا الحمية فى البلاد اللهم دافع عن الحريم والضعيف والأولاد اللهم انصرنا على أعدائك بأحبابك وأوليائك يا خير الناصرين اللهم أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا انتهى
3 - ومن ذلك قوله فى صداق أمره السلطان بإنشائه لكبير الشرفاء بفاس فى فصل منه تضمن ذكر أوليتهم واستيطانهم لتلك المدينة ما صورته
فضرب بفاس عمرها الله تعالى حلته وأورث منها بالبقعة الزكية
____________________
(6/166)

الرفيعة سراته وجلته فتبوأوا من ذلك الغور المعشب الروض الأرج النور هالة سعد وأفق برق ورعد ودست وعيد ووعد يتناقلون رتب الشرف الصريح كابرا عن كابر ويروى مسلسل المجد عن بيتهم الرفيع الجد كل حريص على عوالى المعالى مثابر
( فالكف عن صلة والأذن عن حسن ** والعين عن قرة والقلب عن جابر )
حيث الأنوف الشم والوجوه الغر والعزة القعساء والنسب الحر والفواطم فى صدف الصون من لدن الكون كأنهن الدر آل رسول الله ونعم الآل والموارد الصادقة اذا كذب الآل ومن أذا لم يصل عليهم فى الصلاة حبطت منها الأعمال طلبه الراكب ونشدة الطالب وسراة لؤى بن غالب وملتقى نور الله تعالى ما بين فاطمة الزهراء وعلى بن أبى طالب انتهى وهو طويل لم يحضرنى منه الآن سوى ما ذكرته 4 - ومن ذلك قوله رحمه الله تعالى كتبت الى بعض السادة الفضلاء وقد بلغنى مرضه أيام كان الانزعاج عن الأندلس الى الإيالة المرينية
وردت على من فئتى التى اليها فى معركة الدهر أتحيز وبفصل فضلها فى الأقدار المشتركة أتميز سحاءة سرت وساءت وبلغت من القصدين ما شاءت أطلع بها سيدي صنيعة وده من شكواه على كل عابث فى السويداء موجب اقتحام البيداء مضرم نار الشفقة فى فؤاد لم يبق من صبره الا القليل ولا من إفصاح لسانه الا الأنين والأليل ونوى مدت لغير ضرورة يرضاها الخليل فلا تسأل عن ضنين تطرقت اليد الى رأس ماله أو عابد نوزع فى تقبل أعماله أو آمل ضويق فى فذلكة آماله لكنى رجحت دليل المفهوم على دليل المنطوق وعارضت القواعد الموحشة بالفروق ورايت الخط يبهر والحمد لله تعالى ويروق
____________________
(6/167)

واللفظ الحسن تومض فى حبره للمعنى الأصيل بروق فقلت ارتفع الوصب ورد من الصحة المغتصب وآلة الحس والحركة هى العصب واذا اشرق سراج الإدراك دل على سلامة سليطه والروح خليط البدن والمرء بخليطه وعلى ذلك فبليد احتياطى لا يقنعه إلا الشرح فبه يسكن الظمأ البرح وعذرا عن التكليف فهو محل الاستقصاء والاستفسار والإطناب والإكثار وزند القلق فى مثلها أورى والشفيق بسوء الظن مغرى والسلام 5 - ومن نثر لسان الدين ما ذكره فى الإحاطة فى ترجمة ابى عبد الله الشديد وهو محمد بن قاسم بن أحمد بن ابراهيم الأنصارى الجيانى الأصل ثم المالقى إذ قال ما صورته
جملة جمال من خط حسن واضطلاع بحمل كتاب الله بلبل دوح السبع المثانى وماشطة عروس ابى الفرج ابن الجوزي وآية صقعه ونسيج وحده فى حسن الصوت وطيب النغمة اقتحم لذلك دسوت الملوك وجر أذيال الشهرة عذب الفكاهة ظريف المجالسة قادرا على المحاكاة متسورا حمى الوقار ملبيا داعى الانبساط قلد شهادة الديوان بمالقة فكان مغار حبل الأمانة شامخ مارن النزاهة لوحا للألقاب وعززت ولايته ببعض الألقاب النبيهة وهو الآن الناظر فى أمور الحسبة ببلده ولذلك خاطبته برقعة أداعبه بها وأشير الى أضداده بما نصه
( يا أيها المحتسب الجزل ** ومن لديه الجد والهزل )
( يهنيك والشكر لمولى الورى ** ولاية ليس لها عزل )
كتبت أيها المحتسب المنتمى الى النزاهة المنتسب أهنيك ببلوغ تمنيك وأحذرك
____________________
(6/168)

من طمع نفس بالغرور تمنيك فكأننى بك وقد طافت بركابك الباعة ولزم أمرك السمع والطاعة وارتفعت فى مصانعتك الطماعة وأخذت أهل الريب بغتة كما تقوم الساعة ونهضت تقعد وتقيم وسطوتك الريح العقيم وبين يديك القسطاس المستقيم ولا بد من شرك ينصب وجماعة على ذى جاه تعصب ودالة يمت بها الجناب الأخصب فإن غضضت طرفك أمنت على الولاية صرفك وان ملأت ظرفك رحلت عنها حرفك وان كففت فيها كفك حفك العز فيمن حفك فكن لقالى المجبنة قاليا ولحوت السلة ساليا وأبد لدقيق الحوارى زهد حوارى وازهد فيما بأيدى الناس من العوارى وسر فى اجتناب الحلواء على السبيل السواء وارفض فى الشواء دواعى الأهواء وكن على الهراس وصاحب ثريد الراس شديد المراس وثب على طبيخ الأعراس ليثا مرهوب الافتراس وأدب أطفال الفسوق فى السوق لا سيما من كان قبل البلوغ والبسوق وصمم على استخراج الحقوق والناس أصناف فمنهم خسيس يطمع منك فى أكله ومستعد عليك بوكزة أو ركلة وحاسد فى مطية تركب وعطية تسكب فاخفض للحاسد جناحك وسدد الى حربه رماحك وأشبع الخسيس منهم مرقة فإنه حنق ودس له فيها عظما لعله يختنق واحفر لشريرهم حفرة عميقة فانه العدو حقيقة حتى اذا حصل وعلمت ان وقت الانتصار قد اتصل فأوقع وأوجع ولا ترجع وأولياءه من الشياطين فافجع والحق أقوى وأن تعفو أقرب للتقوى سددك الله تعالى الى غرض التوفيق وأعلقك
____________________
(6/169)

من الحق بالسبب الوثيق وجعل قدومك مقرونا برخص اللحم والزيت والدقيق انتهى
6 - ومما كتب به لسان الدين الى علي بن بدر الدين الطوسى بن موسى ابن رحو بن عبد الله بن عبد الحق من مدينة سلا ما نصه
( يا جملة الفضل والوفاء ** ما بمعاليك من خفاء )
( عندى بالود فيك عقد ** صحفه الدهر باكتفاء )
( ما كنت أقضى حلاك حقا ** لو جئت مدحا بكل فاء )
( فأول وجه القبول عذرى ** وحسبك الشك فى صفاء ) س
يدى الذى هو فصل جنسه ومزية يومه على أمسه فإن افتخر الدين من أبيك ببدره افتخر منك بشمسه رحلت على المنشإ والقرارة ومحل الصبوة والفرارة فلم تتعلق نفسى بذخيرة ولا عهد جيرة خيرة كتعلقها بتلك الذات التى لطفت لطافة الراح واشتملت بالمجد الصراح شفقة أن تصيبها معرة والله تعالى يقيها ويحفظها ويبقيها إذ الفضائل فى الأزمان الرذلة غوائل والضد عن ضده منحرف بالطبع ومائل فلما تعرفت خلاص سيدي من ذلك الوطن والقاءه وراء الفرضة بالعطن لم تبق لى تعلة ولا أحرضتنى له علة ولا أوتى جمعى من قلة فكتبت أهنىء نفسى الثانية بعد هناء نفسى الأولى وأعترف للزمان باليد الطولى فالحمد لله الذى جمع الشمل بعد شتاته وأحيا الأنس بعد مماته سبحانه لا مبدل لكلماته واياه أسال ان يجعل العصمة حظ سيدي ونصيبه فلا يستطيع حادث ان يصيبه وانا اخرج له عن بث كمين ونصح أنا به قمين
____________________
(6/170)

بعد أن أسبر غوره وأخبر طوره وأرصد دوره فان كان له فى التشريق أمل وفى ركب الحجاز ناقة وجمل والرأى فيه قد نجحت منه نية وعمل فقد غنى عن عرف البقرات بأزكى الثمرات وأطفا هذه الجمرات برمى الجمرات وتأنس بوصل السرى ووصال السراة وأنا به ان رضينى أرضى مرافق ولواء عزى به خافق وان كان على السكون بناؤه وانصرف الى الإقامة اعتناؤه فأمر له ما بعده والله يحفظ من الغير سعده والحق ان تحذف الأبهة وتختصر ويحفظ اللسان ويغض البصر وينخرط فى الغمار ويخلى عن المضمار ويجعل من المحظور مداخلة من لا خلاق له ممن لا يقبل الله تعالى قوله ولا عمله فلا يكتم سرا ولا يتطوق من الرجولة زرا ويرفض زمام السلامة وترك العلامة على النجاة علامة وأما حالى فكما علمتم ملازم كن ومهبط تجربة وسن أزجى الأيام وأروم بعد التفرق الألتئام خالى اليد ملىء القلب والخلد بفضل الواحد الصمد عامل على الرحلة الحجازية التى أختارها لكم ولنفسى وأصل فى التماس الإعانة عليها يومى بأمسى أوجب ما قررته لكم ما أنتم أعلم به من ود قررته الأيام والشهور والخلوص المشهور وما أطلت فى شىء عند قدومى على هذا الباب الكريم إطالتى فيما يختص بكم من موالاته وبذل مجهود القول والعمل فى مرضاته وأما ذكركم فى هذه الأوضاع فهو مما يقر عين المجادة والوظيفة التى ينافس فيها أولو السيادة والله يصل بقاءكم وييسر لقاءكم والسلام انتهى
7 - ومن نثر لسان الدين ما أثبته فى الإحاطة فى ترجمة ابن خلدون صاحب التاريخ الذى تكرر نقلنا منه فى هذا التأليف
ولنذكر الترجمة بجملتها فنقول قال رحمه الله تعالى فى الإحاطة ما نصه عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن
____________________
(6/171)

إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن بن خلدون الحضرمى من ذرية عثمان أخى كريب المذكور فى نبهاء ثوار الأندلس وينسب سلفهم الى وائل بن حجر وحاله عند القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم معروفة انتقل سلفه من مدينة إشبيلية عن نباهة وتعين وشهرة عند الحادثة بها أو قبل ذلك فاستقر بتونس منهم ثانى المحمدين محمد بن الحسن وتناسلوا على حشمة وسراوة ورسوم حسنة وتصرف جد المترجم به فى القيادة وأما المترجم به فهو رجل فاضل حسن الخلق جم الفضائل باهر الخصل رفيع القدر ظاهر الحياء أصيل المجد وقور المجلس خاصى الزى عالى الهمة عزوف عن الضيم صعب المقادة قوى الجأش طامح لقنن الرياسة خاطب للحظ متقدم فى فنون عقلية ونقلية متعدد المزايا سديد البحث كثير الحفظ صحيح التصور بارع الخط مغرى بالتجلة جواد حسن العشرة مبذول المشاركة مقيم لرسم التعين عاكف على رعى خلال الأصالة مفخر من مفاخر التخوم المغربية 3 قرأ القرآن ببلده على المكتب ابن برال والعربية على المقرىء الزواوي وغيره وتأدب بأبيه وأخذ عن المحدث ابى عبد الله ابن جابر الوادى آشى وحضر مجلس القاضى ابى عبد الله ابن عبد السلام وروى عن الحافظ ابى عبد الله السطى والرئيس ابى محمد عبد المهيمن الحضرمى ولازم العالم الشهير ابا عبد الله الآبلى وانتفع به انصرف من إفريقية منشئة بعد ان تعلق بالخدمة السلطانية على الحداثة وإقامته لرسم العلامة بحكم الاستنابة عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة وعرف فضله وخطبه السلطان منفق سوق العلم والأدب أبو عنان فارس بن على بن عثمان واستحضره بمجلس المذاكرة فعرف حقه وأوجب فضله واستعمله على الكتابة أوائل عام ستة وخمسين ثم عظم عليه حمل الخاصة من طلبه الحضرة لبعده عن حسن التاتى وشفوفه بثقوب الفهم وجودة الإدراك فأغروا به
____________________
(6/172)

السلطان إغراء عضده ما جبل عليه عهدئذ من إغفال التحفظ مما يريب لديه فأصابته شدة تخلصه منها أجله كانت مغربة فى جفاء ذلك الملك وهناة جواره وإحدى العواذل لأولى الهوى فى القول بفضله وعدم الخشوع واهمال التوسل وإبادة المكسوب فى سبيل النفقة والإرضاخ على زمن المحنة وجار المنزل الخشن الى ان أفضى الأمر الى السعيد ولده فأعتبه قيم الملك لحينه وأعاده الى رسمه ودالت الدولة الى السلطان أبى سالم وكان له به الاتصال قبل تسوغ المحنة بما أكد حظوته فقلده ديوان الإنشاء مطلق الجرايات محرر السهام نبيه الرتبة الى آخر أيامه ولما ألقت الدولة مقادها بعده الى الوزير عمر بن عبد الله مدبر الأمر وله اليه وسيلة وفى حليه شركة وعنده حق رابه تقصيره عما ارتمى اليه أمله فساء ما بينهما بما آل الى انفصاله عن الباب المرينى وورد على الأندلس فى أول ربيع الأول عام أربعة وستين وسبعمائة واهتز له السلطان وأركب خاصته لتلقيه واكرم وفادته وخلع عليه وأجلسه بمجلسه ولم يدخر عنه برا ومؤاكله ومراكبه ومطايبه وفكاهة
8 - وخاطبنى لما حل بظاهر الحضرة مخاطبة لم تحضرنى الآن فأجبته عنها بقولى
( حللت حلول الغيث فى البلد المحل ** على الطائر الميمون والرحب والسهل )
( يمينا بمن تعنو الوجوه لوجهه ** من الشيخ والطفل المهدا والكهل )
( لقد نشأت عندى للقياك غبطة ** تنسى اغتباطى بالشبيبة والأهل )
أقسمت بمن حجت قريش لبيته وقبر صرفت أزمة الأحياء لميته ونور ضربت الأمثال بمشكاته وزيته لو خيرت أيها الحبيب الذى زيارته الأمنية السنية والعارفة
____________________
(6/173)

الوارفة واللطيفة المطيفة بين رجع الشباب يقطر ماء ويرف نماء ويغازل عيون الكواكب فضلا عن الكواعب إشارة وأيماء بحيث لا الوخط يلم بسياج لمته أو يقدح ذباله فى ظلمته أو يقوم حوارية فى ملته من الأحابش وأمته وزمانه روح وراح ومغدى فى النعيم ومراح وقصف صراح ورقى وجراح وانتحاب واقتراح وصدور ما بها إلا انشراح ومسرات تردفها أفراح وبين قدومك خليع الرسن ممتعا والحمد لله باليقظة والوسن محكما فى نسك الجنيد أو فتك الحسن ممتعا بظرف المعارف مالئا أكف الصيارف ماحيا بأنوار البراهين شبه الزخارف لما اخترت الشباب وان راقنى زمنه وأعيانى ثمنه وأجرت سحائب دمعى دمنه فالحمد لله الذى رقى جنون اغترابى وملكنى أزمة آرابى وغبطنى بمائى وترابى ومألف أترابى وقد أغصنى بلذيذ شرابى ووقع على سطوره المعتبرة إضرابى وعجلت هذه مغبطة بمناخ المطية ومنتهى الطية وملتقى السعود غير البطية وتهنى الآمال الوثيرة الوطية فما شئت من نفوس عاطشة الى ريك متجملة بزيك عاقلة خطى مهريك ومولى مكارمه نشيدة أمثالك ومظان مثالك وسيصدق الخبر ما هنالك ويسع فضل مجدك فى التخلف عن الإصحار لا بل اللقاء من وراء البحار والسلام
9 - ولما استقر بالحضرة جرت بينى وبينه مكاتبات أقطعها الظرف جانبه وأوضح الأدب مذاهبه فمن ذلك ما خاطبته به وقد تسرى جارية رومية اسمها هند صبيحة الابتناء بها
( أوصيك بالشيخ ابى بكره ** لا تأمنن فى حالة مكره )
( واجتنب الشك إذا جئته ** جنبك الرحمن ما تكره )
____________________
(6/174)


سيدى لا زلت تتصف بالوالج بين الخلاخل والدمالج وتركض فوقها ركض الهمالج أخبرنى كيف كانت الحال وهل حطت بالقاع من خير البقاع الرحال وأحكم بمرود المراودة الاكتحال وارتفع بالسقيا الإمحال وصح الانتحال وحصحص الحق وذهب المحال وقد طولعت بكل بشرى وبشر وزفت هند منك الى بشر فلله من عشيه تمتعت من الربيع بفرش موشية وأبدلت منها أي آساد وحشية وقد أقبل ظبى الكناس من الديماس ومطوق الحمام من الحمام وقد حسنت الوجه الجميل التطرية وأزيلت عن الفرع الأثيث الأبرية وصقلت الخدود فكأنها الأمرية وسلط الدلك على الجلود وأغريت النورة بالشعر المولود وعادت الأعضاء يزلق عنها اللمس ولا تنالها البنان الخمس والسحنة يجول فى صفحتها الفضية ماء النعيم والمسواك يلبى من ثنية التنعيم والقلب يرمى من الكف الرقيم بالمقعد المقيم وينظر الى نجوم الوشوم فيقول إنى سقيم وقد تفتح ورد الخفر وحكم لزنجى الضفيرة بالظفر واتصف أمير الحسن بالصدود المغتفر ورش بماء الطيب ثم أعلق بباله دخان العود الرطيب وأقبلت الغادة يهديها اليمن وتزفها السعادة فهى تمشى على استحيا وقد ذاع طيب الريا وراق حسن المحيا حتى إذا نزع الخف وقبلت الأكف وصخب المزمار وتجاوب الدف وذاع الأرج وارتفع الحرج وتجوز اللوى والمنعرج ونزل على بشر بزيارة هند الفرج اهتزت الأرض وربت وعوصيت الطباع البشرية فأبت ولله در القائل
( ومرت فقالت متى نلتقى ** فهش اشتياقا اليها الخبيث )
( وكاد يمزق سرباله ** فقلت اليك يساق الحديث )
____________________
(6/175)