Advertisement

نفح الطيب 009



نفخ الطيب من غصن الأندلس الرطيب
أحمد بن محمد المقري التلمساني
سنة الولادة 986/ سنة الوفاة
تحقيق د. إحسان عباس
الناشر دار صادر
سنة النشر 1388هـ
مكان النشر بيروت
عدد الأجزاء 8
فلما انسدل جنح الظلام وانتصفت من غريم العشاء الأخيرة فريضة السلام وخاطت خيوط المنام عيون الأنام تأتى دنو الجلسة ومسارقة الخلسة ثم عضة النهد وقبلة الفم والخد وإرسال اليد من النجد الى الوهد وكانت الإمالة القليلة قبل المد ثم الإفاضة فيما يغبط ويرغب ثم الإماطة لما يشوش ويشغب ثم إعمال المسير الى السرير
( وصرنا الى الحسنى ورق كلامنا ** ورضت فذلت صعبة اي إذلال )
وهذا بعد منازعة للأطواق يسيرة يراها الغيد من حسن السيرة ثم شرع فى التكة ونزع الشكة وتهيئة الأرض العزاز عمل السكة ثم كان الوحى والاستعجال وحمى الوطيس والمجال وعلا الجزء الخفيف وتضافرت الخصور الهيف وتشاطر الطبع العفيف وتواتر التقبيل وكان الأخذ الوبيل وامتاز الأنوك من النبيل ومنها جائر وعلى الله قصد السبيل فيا لها من نعم متداركة ونفوس فى سبيل القحة متهالكة ونفس يقطع حروف الحلق وسبحان الذى يزيد فى الخلق وعظمت الممانعة وكثرت باليد المصانعة وطال التراوغ والتزاور وشكى التحاور وهنالك تختلف الأحوال وتعظم الأهوال وتخسر أو تربح الأموال فمن عصا تنقلب ثعبانا مبينا ونونة تصير تنينا وبطل لم يهمله المعترك الهائل والوهم الزائل ولا حال بينه وبين قرنه الحائل فتعدى فتكه السليك الى فتكه البراض وتقلد مذهب الأزارقة من الخوارج فى الاعتراض ثم شق الصف وقد خضب الكف بعد أن كان يصيب البوسى
____________________
(6/176)

بطعنته ويبوء بمقت الله ولعنته
( طعنت ابن عبد الله طعنة ثائر ** لها نفذ لولا الشعاع أضاءها )
وهناك هدأ القتال وسكن الخبال ووقع المتوقع فاستراح البال وتشوف الى مذهب الثنوية من لم يكن للتوحيد بمبال وكثر السؤال عن المبال بما بال وجعل الجريح يقول وقد نظر الى دمه يسيل على قدمه
( إنى له عن دمى المسفوك معتذر ** أقول حملته فى سفكه تعبا )
ومن سنان عاد عنانا وشجاع صار جبانا كلما شابته شائبة ريبه أدخل يده فى جيبه فانجحرت الحية وماتت الغريزة الحية وهناك يزيغ البصر ويخذل المنتصر ويسلم الأشر ويغلب الحصر ويجف اللعاب ويظهر العاب ويخفق الفؤاد ويكبو الجواد ويسيل العرق ويشتد الكرب والأرق وينشأ فى محل الأمن الفرق ويدرك فرعون الغرق ويقوى اللجاج ويعظم الخرق فلا تزيد الحال إلا شدة ولا تعرف تلك الجائحة المؤمنة إلا ردة
( إذا لم يكن عون من الله للفتى ** فأول ما يجنى عليه اجتهاده )
فكم مغرى بطول اللبث وهو من الخبث يؤمل الكرة ليزيل المعرة ويستنصر الخيال ويعمل باليد الاحتيال
( إنك لا تشكو الى مصمت ** فاصبر على الحمل الثقيل أو مت )
____________________
(6/177)

ومعتذر بمرض أصابه جرعه أو صابه ووجع طرقه جلب أرقه وخطيب أرتج عليه أحيانا فقال سيحدث الله بعد عسر يسرا وبعد وعى بيانا اللهم إنا نعوذ بك من فضائح الفروج إذا استغلقت أقفالها ولم تتسم بالنجيع أغفالها ومن معرات الأقذار والنكول عن الأبكار ومن النزول عن البطون والسرر والجوارح الحسنة الغرر قبل ثقب الدرر ولا تجعلنا ممن يستحيى من البكر بالغداة وتعلم منه كلال الأداة وهو مجال فضحت فيه رجال وفراش شكيت فيه أوجال وأعملت روية وارتجال فمن قائل
( أرفعه طورا على إصبعى ** ورأسه مضطرب أسفله )
( كالحنش المقتول يلقى على ** عود لكى يطرح فى مزبلة ) وقائل
( عدمت من أيرى قوى حسه ** يا حسرة المرء على نفسه )
( تراه قد مال على أصله ** كحائط خر على أسه )
وقائل
( أيحسدنى إبليس داءين أصبحا ** برجلى ورأسى دملا وزكاما )
( فليتهما كانا به وأزيده ** رخاوة أير لا يطيق قياما )
( إذا نهضت للنيك أزباب معشر ** توسد إحدى خصيتيه وناما )
وقائل
( أقول لأيرى وهو يرقب فتكه ** به خبت من اير وعالتك داهيه )
( إذا لم يكن للأير بخت تعذرت ** عليه وجوه النيك من كل ناحيه )
وقائل
( تعقف فوق الخصيتين كأنه ** رشاء الى جنب الركية ملتف )
____________________
(6/178)


( كفرخ ابن ذى يومين يرفع رأسه ** الى أبويه ثم يدركه الضعف )
وقائل
( تكرش أيري بعدما كان أملسا ** وكان غنيا من قواه فأفلسا )
( وصار جوابى للمها إن مررن بى ** ومضى الوصل الامنية تبعث الأسى )
وقائل
( بنفسى من حييته فاستخف بى ** ولم يخطر الهجران يوما على بالى )
( وقابلنى بالغور والنجد بعدما ** حططت به رحلى وجردت سربالى )
( وما أرتجى من موسر فوق تكة ** عرضت له شيئا من الحشف البالى )
هموم لا تزال تبكى وعلل الدهر تشكى وأحاديث تقص وتحكى فإن كنت أعزك الله سبحانه من النمط الأول ولم تقل
( وهل عند رسم دارس من معول ** )
فقد جنيت الثمر واستطبت السمر فاستدع الأبواق من أقصى المدينة واخرج على قومك فى ثياب الزينة واستبشر بالوفود وعرف المسمع عازفة الجود وتبجح بصلابة العود وإنجاز الوعود واجن رمان النهود من أغصان القدود واقطف ببنان اللثم أقاح الثغور وورد الخدود وأن كانت الأخرى فأخف الكمد وارض الثمد وانتظر الأمد وأكذب التوسم واستعمل التبسم واستكتم النسوة وأفض فيهن الرشوة وتقلد المغالطة وارتكب وجىء على قميصه بدم كذب واستنجد الرحمن واستعن على أمرك بالكتمان
____________________
(6/179)


( لا تظهرن لعاذل أو عاذر ** حاليك فى الضراء والسراء )
( فلرحمة المتفجعين حرارة ** فى القلب مثل شماتة الأعداء )
وانتشق الأرج وارتقب الفرج فكم غمام طما { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } الانفال واملك بعدها عنان نفسك حتى تمكنك الفرصة وترفع اليك القصة ولا تشره الى عمل لا تفىء منه بتمام وخذ عن إمام ولله در الحارث بن هشام
( الله يعلم ما تركت قتالهم ** حتى رموا مهرى بأشقر مزبد )
( وعلمت أنى إن أقاتل دونهم ** أقتل ولم يضرر عدوى مشهدي )
( ففررت منهم والأحبة فيهم ** طعما لهم بعقاب يوم مفسد )
واللبانات تلين وتجمح والمآرب تدنو وتنزح وتحرن ثم تسمح وكم من شجاع خام ويقظ نام ودليل أخطأ الطريق وأضل الفريق والله عز وجل يجعلها خلة موصولة وشملا أكنافه بالخير مشمولة وبنية أركانها لركائب اليمن مأمولة حتى تكثر خدم سيدي وجواريه وأسرته وسراريه وتضفو عليه نعم باريه ما طورد قنيص واقتحم عيص وأدرك مرام عويص وأعطى زاهد وحرم حريص والسلام بقية ترجمة ابن خلدون عن الإحاطة
تواليفه شرح البردة شرحا بديعا دل به على انفساح ذرعه وتفنن إدراكه
____________________
(6/180)

وغزارة حفظه ولخص كثيرا من كتب ابن رشد وعلق للسلطان أيام نظره فى العقليات تقييدا مفيدا فى المنطق ولخص محصل الإمام فخر الدين الرازى وبه داعبته أول لقيه فقلت له لى عليك مطالبة فإنك لخصت محصلى وألف كتابا فى الحساب وشرع فى هذه الأيام فى شرح الرجز الصادر عنى فى أصول الفقه بشىء لا غاية فوقه فى الكمال
وأما نثره وسلطانياته السجعية فخلع بلاغة ورياض فنون ومعادن إبداع يفرغ عنها يراعه الجرىء شبيهة البداءات بالخواتم فى نداوة الحروف وقرب العهد بجرية المداد ونفوذ أمر القريحة واسترسال الطبع
وأما نظمه فنهض لهذا العهد قدما فى ميدان الشعر ونقده باعتبار أساليبه فانثال عليه جوه وهان عليه صعبه فأتى منه بكل غريبة
خاطب السلطان ملك المغرب ليلة الميلاد الكريم عام اثنين وستين وسبعمائة بقصيدة طويلة أولها
( أسرفن فى هجري وفى تعذيبى ** وأطلن موقف عبرتى ونحيبى )
( وأبين يوم البين وقفة ساعة ** لوداع مشغوف الفؤاد كئيب )
( لله عهد الظاعنين وغادروا ** قلبى رهين صبابة ووجيب )
( غربت ركائبهم ودمعى سافح ** فشرقت بعدهم بماء غروبى )
( يا ناقعا بالعتب غلة شوقهم ** رحماك فى عذلى وفى تأنيبى )
( يستعذب الصب الملام واننى ** ماء الملام لدى غير شريب )
( ما هاجنى طرب ولا اعتاد الجوى ** لولا تذكر منزل وحبيب )
( أهفو الى الأطلال كانت مطلعا ** للبدرمنهم أو كناس ربيب )
____________________
(6/181)


( عبثت بها أيدى البلى وترددت ** فى عطفها للدهر آي خطوب )
( تبلى معاهدها وان عهودها ** ليجدها وصفى وحسن نسيبى )
( واذا الديار تعرضت لمتيم ** هزته ذكراها الى التشبيب )
( ايه على الصبر الجميل فإنه ** الوى بدين فؤادى المنهوب )
( لم أنسها والدهر يثنى صرفه ** ويغض طرفى حاسد ورقيب )
( والدار مونقة محاسنها بما ** لبست من الأيام كل قشيب )
( يا سائق الأظعان تعتسف الفلا ** وتواصل الإساد بالتأويب )
( متهافتا عن رحل كل مذلل ** نشوان من اين ومس لغوب )
( تتجاذب النفحات فضل ردائه ** فى ملتقاها من صبا وجنوب )
( ان هام من ظمإ الصبابة صحبه ** نهلوا بمورد دمعه المسكوب )
( أو تعترض مسراهم سدف الدجى ** صدعوا الدجى بغرامه المشبوب )
( فى كل شعب منية من دونها ** هجر الأمانى أو لقاء شعوب )
( هلا عطفت صدورهن الى التى ** فيها لبانة أعين وقلوب )
( فتؤم من أكناف يثرب مأمنا ** يكفيك ما تخشاه من تثريب )
( حيث النبوة آيها مجلوة ** تتلو من الآثار كل غريب )
( سر غريب لم يحجبه الثرى ** ما كان سر الله بالمحجوب )
ومنها بعد تعديد معجزاته صلى الله عليه وسلم
( يا سيد الرسل الكرام ضراعة ** تقضى منى نفسى وتذهب حوبى )
( عاقت ذنوبى عن جنابك والمنى ** فيها تعللنى بكل كذوب )
( لا كالألى صرفوا العزائم للتقى ** فاستأثروا منها بخير نصيب )
____________________
(6/182)


( لم يخلصوا لله حتى فرقوا ** فى الله بين مضاجع وجنوب )
( هب لى شفاعتك التى ارجو بها ** صفحا جميلا عن قبيح ذنوبى )
( ان النجاة وان أتيحت لامرىء ** فبفضل جاهك ليس بالتسبيب )
( انى دعوتك واثقا باجابتى ** يا خير مدعو وخير مجيب )
( قصرت فى مدحى فإن يك طيبا ** فبما لذكرك من أريج الطيب )
( ماذا عسى يبغى المطيل وقد حوى ** فى مدحك القرآن كل مطيب )
( يا هل تبلغنى الليالى زورة ** تدنى الى الفوز بالمرغوب )
( امحو خطيئاتى بإخلاصى بها ** وأحط أوزارى واصر ذنوبى )
( فى فتية هجروا المنى وتعودوا ** إنضاء كل نجيبه ونجيب )
( يطوى صحائف ليلهم فوق الفلا ** ما شئت من خبب ومن تقريب )
( إن رنم الحادى بذكرك رددوا ** أنفاس مشتاق اليك طروب )
( أو غرد الركب الخلى بطيبة ** حنوا لمغناها حنين النيب )
( ورثوا اعتساف البيد عن آبائهم ** إرث الخلافة فى بنى يعقوب )
( الطاعنون الخيل وهى عوابس ** يغشى مثار النقع كل سبيب )
( والواهبون المقربات صوافنا ** من كل خوار العنان لعوب )
( والمانعون الجار حتى عرضهم ** فى منتدى الأعداء غير معيب )
( تخشى بوادرهم ويرجى حلمهم ** والعز شيمة مرتجى ومهيب )
ومنها
( سائل به طامى العباب وقد سرى ** تزجى بريح العزم ذات هبوب )
( تهدية شهب أسنة وعزائم ** يصدعن ليل الحادث المرهوب )
____________________
(6/183)


( حتى انجلت ظلم الضلال بسعيه ** وسطا الهدى بفريقها المغلوب )
( يا ابن الألى شادوا الخلافة بالتقى ** واستأثروك بتاجها المعصوب )
( جمعوا بحفظ الدين آي مناقب ** كرموا بها فى مشهد ومغيب )
( لله مجدك طارفا أو تالدا ** فلقد شهدنا منه كل عجيب )
( كم رهبة أو رغبة لك والعلا ** تقتاد بالترغيب والترهيب )
( لا زلت مسرورا بأشرف دولة ** يبدو الهدى من أفقها المرقوب )
( تحيي المعالى غاديا أو رائحا ** وجديد سعدك ضامن المطلوب )
وقال من قصيدة خاطبه بها عند وصول هدية ملك السودان اليه وفيها الزرافة
( قدحت يد الأشواق من زندي ** وهفت بقلبى زفرة الوجد )
( ونبذت سلوانى على ثقة ** بالقرب فاستبدلت بالبعد )
( ولرب وصل كنت آمله ** فاعتضت منه مؤلم الصد )
( لا عهد عند الصبر أطلبه ** إن الغرام أضاع من عهدى )
( يلحى العذول فما أعنفه ** وأقول ضل فأبتغى رشدى )
( وأعارض النفحات أسالها ** برد الجوى فتزيد فى الوقد )
( يهدى الغرام الى مسالكها ** لتعللى بضعيف ما تهدى )
( يا سائق الوجناء معتسفا ** طى الفلاة لطية الوجد )
( أرح الركاب ففى الصبا نبأ ** يغنى عن المستنة الجرد )
( وسل الربوع برامة خبرا ** عن ساكنى نجد وعن نجد )
( ما لى تلام على الهوى خلقى ** وهى التى تأبى سوى الحمد )
( لأبيت إلا الرشد مذ وضحت ** بالمستعين معالم الرشد )
( نعم الخليفة فى هدى وتقى ** وبناء عز شامخ الطود )
____________________
(6/184)


( نجل السراة الغر شأنهم ** كسب العلا بمواهب الوجد )
ومنها
( لله منى إذ تاوبنى ** ذكراه وهو بشاهق فرد )
( شهم يفل بواترا قضبا ** وجموع أقيال أولى ايد )
( أوريت زند العزم فى طلبى ** وقضيت حق المجد من قصدى )
( ووردت عن ظمإ مناهلة ** فرويت من عز ومن رفد )
( هى جنة المأوى لمن كلفت ** آماله بمطالب المجد )
( لو لم أعل بورد كوثرها ** ما قلت هذى جنة الخلد )
( من مبلغ قومى ودونهم ** قذف النوى وتنوفة البعد )
( أنى أنفت على رجائهم ** وملكت عز جميعهم وحدى )
ومنها
( ورقيمة الأعطاف حالية ** موشية بوشائع البرد )
( وحشية الأنساب ما أنست ** فى موحش البيداء بالقرد )
( تسمو بجيد بالغ صعدا ** شرف الصروح بغير ما جهد )
( طالت رؤوس الشامخات به ** ولربما قصرت عن الوهد )
( قطعت اليك تنائفا وصلت ** إسادها بالنص والوخد )
( تخدي على استصعابها ذللا ** وتبيت طوع القن والقد )
( بسعودك اللائي ضمن لنا ** طول الحياة بعيشة رغد )
( جاءتك في وفد الأحابش لا ** يرجون غيرك مكرم الوفد )
( وافوك أنضاء تقلبهم ** أيدي السرى بالغور والنجد )
( كالطيف يستقري مضاجعه ** أو كالحسام يسل من غمد )
____________________
(6/185)


( يثنون بالحسنى التى سبقت ** من غير إنكار ولا جحد )
( ويرون لحظك من وفادتهم ** فخرا على الأتراك والهند )
( يا مستعينا جل في شرف ** عن رتبة المنصور والمهدي )
( جازاك ربك عن خليفته ** خير الجزاء فنعم ما تسدي )
( وبقيت للدنيا وساكنها ** في عزة أبدا وفي سعد )
وقال يخاطب عمر بن عبد الله مدير ملك الغرب
( يا سيد الفضلاء دعوة مشفق ** نادى لشكوى البث خير سميع )
( ما لي وللإفضاء بعد تعلة ** بالقرب كنت لها أجل شفيع )
( وأرى الليالي رنقت لي صافيا ** منها فأصبح في الأجاج شروعي )
( ولقد خلصت إليك بالقرب التى ** ليس الزمان لشملها بصدوع )
( ووثقت منك بأي وعد صادق ** أني المصون وأنت غير مضيع )
( وسما بنفسي للخليفة طاعة ** دون الأنام هواك قبل نزوع )
حتى انتحاني الكاشحون بسعيهم ** فصددتهم عني وكنت منيعي )
( رغمت أنوفهم بنجح وسائلي ** وتقطعت أنفاسهم بصنيعي )
( وبغوا بما نقموا علي خلائقي ** حسدا فراموني بكل شنيع )
( لا تطمعنهم ببذل في التى ** قد صنتها عنهم بفضل قنوعي )
( أنى أضام وفي يدي القلم الذي ** ما كان طيعة ولهم بمطيع )
( ولي الخصائص ليس تأبى رتبة ** حسبي بعلمي ذاك من تفريعي )
( قسما بمجدك وهو خير ألية ** أعتدها لفؤادي المصدوع )
( إني لتصطحب الهموم بمضجعي ** فتحول ما بيني وبين هجوعي )
( عطفا علي بوحدتي عن معشر ** نفث الإباء صدودهم في روعي )
( أغدوا إذا باكرتهم متجلدا ** وأروح أعثر في فضول دموعي )
( حيران أوجس عند نفسي خيفة ** فتسر في الأوهام كل مروع )
____________________
(6/186)


( أطوى على الزفرات قلبا آده ** حمل الهموم تجول بين ضلوعى )
( ولقد اقول لصرف دهر رابنى ** بحوادث جاءت على تنويع )
( مهلا عليك فليس خطبك ضائرى ** فلقد لبست له أجن دروع )
( إنى ظفرت بعصمة من أوحد ** بذ الجميع بفضله المجموع )
وقال يخاطب بعض الوزراء فى حال وحشة
( هنيئا بصوم لا عداه قبول ** وبشرى بعيد انت فيه منيل )
( وهنيتها من عزة وسعادة ** تتابع أعوام بها وفصول )
( سقى الله دهرا أنت إنسان عينه ** ولا مس ربعا فى حماك محول )
( فعصرك ما بين الليالى مواسم ** لها غرر وضاحة وحجول )
( وجانبك المأمول للجرد مشرع ** يحوم عليه عالم وجهول )
( عساك وان ضن الزمان منولى ** فرسم الأمانى من سواك محيل )
( أجرنى وليس الدهر لى بمسالم ** اذا لم يكن لى فى ذراك مقيل )
( وأوليتنى الحسنى بما انا آمل ** فمثلك يولى راجيا وينيل )
( ووالله ما رمت الترحل عن قلى ** ولا سخط للعيش فهو جزيل )
( ولا رغبة عن هذه الدار انها ** لظل على هذا الأنام ظليل )
( ولكن نأى بالشعب عنى حبائب ** دعاهن خطب للفراق طويل )
( يهيج بهن الوجد أنى نازح ** وأن فؤادى حيث هن حلول )
( عزيز عليهن الذى قد لقيته ** وأن اغترابى فى البلاد يطول )
( توارت بانبائى البقاع كأننى ** تخطفت أو غالت ركابى غول )
____________________
(6/187)


( ذكرتك يا مغنى الأحبة والهوى ** فطارت بقلبى أنه وعويل )
( وحييت عن شوق رباك كأنما ** يمثل لى نؤي بها وطلول )
( أأحبابنا والعهد بينى وبينكم ** كريم وما عهد الكريم يحول )
( اذا انا لم ترض الحمول مدامعى ** فلا قربتنى للقاء حمول )
( الام مقامى حيث لم ترد العلا ** مرادى ولم تعط القياد ذلول )
( أجاذب فضل العمر يوما وليلة ** وساء صباح بينها وأصيل )
( ويذهب فيما بين يأس ومطمع ** زمان بنيل المعلوات بخيل )
( تعللنى منه أمان خوادع ** ويؤيسنى ليان منه مطول )
( أما لليال لا ترد خطوبها ** ففى كبدى من وقعهن فلول )
( يروعنى من صرفها كل حادث ** تكاد له صم الجبال تزول )
( أدارى على رغم العدا لا لريبة ** يصانع واش خوفها وعذول )
( وأغدو بأشجانى عليلا كأنما ** تجود بنفسى زفرة وغليل )
( وإنى وان أصبحت فى دار غربة ** تحيل الليالى سلوتى وتزيل )
( وصدتنى الأيام عن خير منزل ** عهدت به ان لا يضام نزيل )
( لأعلم أن الخير والشر ينتهى ** مداه وان الله سوف يديل )
( وأنى عزيز بابن ماساى مكثر ** وإن هان أنصار وبان خليل )
وقال يمدح
( هل غير بابك للغريب مؤمل ** أو عن جنابك للأمانى معدل )
( هى همة بعثت إليك على النوى ** عزما كما شحذ الحسام الصيقل )
( متبوأ الدنيا ومنتجع المنى ** والغيث حيث العارض المتهلل )
( حيث القصور الزاهرات منيفة ** تعنى بها زهر النجوم وتحفل )
____________________
(6/188)


( حيث الخيام البيض يرفع للعلا ** والمكرمات طرافها المتهدل )
( حيث الحمى للعز دون مجاله ** ظل أفاءته الوشيج الذبل )
( حيث الكرام ينوب عن نار القرى ** عرف الكباء بحيهم والمندل )
( حيث الجياد أملهن بنو الوغى ** مما أطالوا فى المغر وأوغلوا )
( حيث الوجوه الغر قنعها الحيا ** والبشر فوق جبينها يتهلل )
( حيث الملوك الصيد والنفر الألى ** عز الجوار لديهم والمنزل )
وأنشد السلطان أبا عبد الله ابن الحجاج لأول قدومه ليلة الميلاد الكريم عام أربعة وستين وسبعمائة هذه القصيدة
( حى المعاهد كانت قبل تحيينى ** بواكف الدمع يرويها ويظمينى )
( إن الألى نزحت دارى ودارهم ** تحملوا القلب فى آثارهم دونى )
( وقفت أنشد صبرا ضاع بعدهم )
( فيهم وأسال رسما لا يناجينى )
( أمثل الربع من شوق وألثمة ** وكيف والفكر يذنيه ويقصينى )
( وينهب الوجد منى كل لؤلؤة ** ما زال جفنى عليها غير مأمون )
( سقت جفونى مغانى الربع بعدهم ** فالدمع وقف على أطلاله الجون )
( قد كان للقلب عن داعى الهوى شغل ** لو أن قلبى إلى السلوان يدعونى )
( أحبابنا هل لعهد الوصل مدكر ** منكم وهل نسمة منكم تحيينى )
( ما لى وللطيف لا يعتاد زائره ** وللنسيم عليلا لا يداوينى )
( يا أهل نجد وما نجد وساكنها ** حسنا سوى جنة الفردوس والعين )
( أعندكم أننى ما مر ذكركم ** إلا انثنيت كأن الراح تثنينى )
( أصبو الى البرق من أنحاء أرضكم ** شوقا ولولاكم ما كان يصبينى )
____________________
(6/189)


( يا نازحا والمنى تدنيه من خلدي ** حتى لاحسبه قربا يناجينى )
( أسلى هواك فؤادى عن سواك وما ** سواك يوما بحال عنك يسلينى )
( ترى الليالى أنستك اد كارى يا ** من لم يكن ذكره الأيام تنسينى )
ومنها
( أبعد مر الثلاثين التى ذهبت ** أولى الشباب بإحسانى وتحسينى )
( أضعت فيها نفيسا ما وردت به ** إلا سراب غرور لا يروينى )
( واحسرتى من أمان كلها خدع ** تريش غيي ومر الدهر يبرينى ) ومنها فى وصف المشور المبنى لهذا العهد
( يا مصنعا شيدت منه السعود حمى ** لا يطرق الدهر مبناه بتوهين )
( صرح يحار لديه الطرف مفتتنا ** فيما يروقك من شكل وتكوين )
( بعدا لإيوان كسرى أن مشورك ** السامى لأعظم من تلك الأواوين )
( ودع دمشق ومغناها فقصرك ذا ** أشهى إلى القلب من أبواب جيرون )
ومنها فى التعريض بالوزير الذى كان انصرافه بسببه
( من مبلغ عنى الصحب الألى جهلوا ** ودى وضاع حماهم إذ أضاعونى )
( أنى أويت من العليا الى حرم ** كادت مغانية بالبشرى تحيينى )
( واننى ظاعنا لم ألق بعدهم ** دهرا أشاكى ولا خصما يشاكينى )
( لا كالتى أخفرت عهدي ليالي إذ ** أقلب الطرف بين الخوف والهون )
( سقيا ورعيا لأيامى التى ظفرت ** يداي منها بحظ غير مغبون )
( أرتاد منها مليا لا يماطلنى ** وعدا وأرجوا كريما لا يعنينى )
____________________
(6/190)


ومنها
( وهاك منها قواف طيها حكم ** مثل الأزاهر فى طى الرياحين )
( تلوح ان جليت درا وإن تليت ** تثنى عليك بأنفاس البساتين )
( عانيت منها بجهدى كل شاردة ** لولا سعودك ما كانت تواتينى )
( يمانع الفكر عنها ما تقسمه ** من كل حزن بطى الصدر مكنون )
( لكن بسعدك ذلت لى شواردها ** فرضت منها بتحبير وتزيين )
( بقيت دهرك فى أمن وفي دعه ** ودام ملكك فى نصر وتمكين )
وهو الآن بحالته الموصوفة من الوجاهة والحظوة قد استعمل فى السفارة إلى ملك قشتالة فراقه وعرف حقه
مولده بتونس بلده فى شهر رمضان عام اثنين وثلاثين وسبعمائة انتهى كلام لسان الدين فى حق ابن خلدون تعليق للمقرى والباعونى
قلت هذا كلام لسان الدين فى حق المذكور فى مبادىء أمره وأواسطه فكيف لو رأى تاريخه الكبير الذى نقلنا منه فى مواضع وسماه ديوان العبر وكتاب المبتدإ والخبر فى تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوى السلطان الأكبر ورأيته بفاس وعليه خطه فى ثمانى مجلدات كبار جدا وقد عرف فى آخره بنفسه وأطال وذكر أنه لما كان بالأندلس وحظى عند السلطان أبى عبد الله شم من وزيره ابن الخطيب رائحة الانقباض فقوض الرحال ولم يرض من الإقامة بحال ولعب بكرته صوالجة الأقدار حتى حل بالقاهرة المعزية واتخذها خير دار وتولى بها قضاء القضاة وحصلت له أمور رحمه الله تعالى
____________________
(6/191)


وكان أعنى الولى ابن خلدون كثير الثناء على لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى
ولقد رأيت بخط العالم الشهير الشيخ إبراهيم الباعونى الشامى فيما يتعلق بابن خلدون ما نص محل الحاجة منه تقلبت به الأحوال حتى قدم الى الديار المصرية وولى بها قضاة المالكية فى الدولة الشريفة الظاهرية وصحبته رحمه الله تعالى فى سنة 803 عند قدومه الى الشام صحبة الملك الناصر فرج ابن الملك الظاهر برقوق فى فتنة تمرلنك عليه من الله تعالى ما يستحقه وأكرمه تمرلنك غاية الإكرام وأعاده الى الديار المصرية وكنت أكثر الاجتماع به بالقاهرة المحروسة للمودة الحاصلة بينى وبينه وكان يكثر من ذكر لسان الدين ابن الخطيب ويورد من نظمه ونثره ما يشنف به الأسماع وينعقد على استحسانه الإجماع وتتقاصر عن إدراكه الأطماع فرحمه الله تعالى عليهما وأزكى تحياته تهدى اليهما
ولقد كان ابن خلدون هذا من عجائب الزمان وله من النظم والنثر ما يزرى بعقود الجمان مع الهمة العلية والتبحر فى العلوم النقلية والعقلية وكانت وفاته بالقاهرة المعزية سنة 807 سقى الله تعالى عهده ووطأ فى الفردوس مهده
قاله وكتبه الفقير الى الله تعالى إبراهيم بن أحمد الباعونى الشافعى غفر الله تعالى له زلله وأصلح خلله انتهى
10 - ومن نثر لسان الدين ما ذكره فى الإحاطة فى ترجمة يحيى بن إبراهيم ابن يحيى البرغواطى من بنى الترجمان ولنذكر الترجمة بجملتها لأشتمالها على ما ذكر وغيره فى حق المذكور بعد قوله إنه من بنى الترجمان ما صورته
عزف عنهم وانقطع إلى لقاء الصالحين وصحبه الفقراء المتجردين وكان نسيج وحده فى طلاقة اللسان حافظا لكل غريبة من غرائب الصوفية يتكلم فى مشكلاتهم حفظ منازل السائرين للهروى وتائية ابن الفارض مليح الملبس مترفع عن الكدية حسن الحديث صاحب شهرة ومع ذلك
____________________
(6/192)

فمغضوض منه محمول عليه لما جبل عليه من رفض الاصطلاح واطراح التغافل مولع بالنقد والمخالفة فى كل ما يطرق سمعه مرشحا ذلك بالجدل المبرم ذاهبا أقصى مذاهب القحة كثير الفلتات نالته بسبب هذه البلية محن ووسم بالرهق فى دينه مع صحة العقل وهو الآن عامر الرباط المنسوب إلى اللجام على رسم الشياخة عديم التابع مهجور الفناء قيد الكثير من الأجزاء منها فى نسبة الذنب إلى الذاكر جزء نبيل غريب المأخذ ومنها فيما أشكل من كتاب ابى محمد ابن الشيخ وصنف كتابا كبير الحجم فى الاعتقادات جلب فيه كثيرا من الحكايات رأيت عليه بخط شيخنا أبى عبد الله المقرى ما يدل على استحسانه
ومن البرسام الذى يجرى على لسانه بين الجد والقحة والجهالة والمجانة قوله لبعض خدام باب السلطان وقد ضويق فى شىء أضجره منقولا من خطه بعد رد كثير منه للإعراب ما نصه الله نور السموات من غير نار ولا غيرها والسلطان ظل له وسراجه فى الأرض ولكل منهما فراش مما يليق به ويتهافت عليه فهو تعالى محرق فراشه بذاته ومغرقهم بصفاته وسراجه وظله هو السلطان محرق فراشه بناره مغرقهم بزيته ونواله ففراش الله تعالى ينقسم الى حافين ومسبحين ومستغفرين وأمناء وشاخصين وفراش السلطان ينقسمون إلى أقسام لا يشذ أحدهم عنها وهم وزغة ابن وزغة وكلب ابن كلب وكلب مطلقا وعار ابن عار وملعون ابن ملعون وقط فأما الوزغة فهو المغرق فى زيت نواله المشغول بذلك عما يليق بصاحب النعمة من النصح وبذل الجهد والكلب ابن الكلب هو الكيس المتحرز فى تهافته من إحراق وإغراق يعطى بعض الحق ويأخذ بعضه وأما الكلب مطلقا فهو المواجه وهو المشرد للسفهاء عن الباب المعظم القليل النعمة وأما العار ابن العار فهو المتعاطى فى تهافته ما فوق الطوق ولهذا امتاز هذا الاسم بالرياسة عند العامة اذا مر بهم جلف أو متعاظم يقولون هذا العار ابن العار يحسب نفسه رئيسا وذلك لقرب المناسبة فهو موضوع لبعض الرياسة كما أن الكلب ابن الكلب لبعض الكياسة وأما الملعون
____________________
(6/193)

ابن الملعون فهو المغالط المعاند المشارك لربه المنعم عليه فى كبريائه وسلطانه وأما القط فهو الفقير مثلى المستغنى عنه لكونه لا تختص به رتبة فتارة فى حجر الملك وتارة فى السنداس وتارة فى أعلى الرتب وتارة محسن وتارة مسىء تغفر سيئاته الكثيرة بأدنى حسنة إذ هو من الطوافين متطير بقتله وإهانته تياه فى بعض الأحايين بعزة يجدها من حرمة أبقاها له الشارع وكل ذلك لا يخفى
وأما الفراش المحرق فهو عند الدول نوعان تارة يكون ظاهرا وحصته مسح المصباح وتصفية زيته وإصلاح فتيله وستر دخانه ومسايسة ما يكون من المطلوب منه ووجود هذا شديد الملازمة ظاهرا وأما المحرق الباطن فهو المشار اليه فى دولته بالصلاح والزهد والورع فيعظمه الخلق ويترك لما هو بسبيله فيكون وسيلة بينهم وبين ربهم وخليفته الذى هو مصباحهم فإذا أراد الله تعالى إهلاك المروءة وإطفاء مصباحها تولى ذلك أهل البطالة والجهالة وكان الأمر كما رأيتم والكل فراش متهافت وكل يعمل على شاكلته
11 - قال الوزير لسان الدين وطلب منى الكتب عليه بمثل ذلك فكتبت ببعض أوراقه إثارة لضجره واستدعاء لفكاهة انزعاجه ما نصه
وقفت من الكتاب المنسوب لصاحبنا ابى زكريا البرغواطى على برسام محموم واختلاط مذموم وانتساب زنج فى روم وكان حقه ان يتهيب طريقا لم يسلكها ويتجنب عقيله لم يملكها اذ المذكور لم يتلق شيئا من علم الأصول ولا نظر من الإعراب فى فصل من الفصول إنما هى قحة وخلاف وتهاون بالمعارف واستخفاف غير أنه يحفظ فى طريق القوم كل نادرة وفيه رجولية ظاهرة وعنده طلاقة لسان وكفاية قلما تتأتى لإنسان فإلى الله نضرع ان يعرفنا مقادير الأشياء ويجعلنا بمعزل عن الأغبياء وقد قلت مرتجلا من أول نظره واجتزاء بقليل من كثره
____________________
(6/194)


( كل جار لغاية مرجوه ** فهو عندى لم يعد حق الفتوة )
( وأراك اقتحمت ليلا بهيما ** مولجا منك ناقة فى كوه )
( لا اتباعا ولا اختراعا أتتنا ** إذ نظرنا عروسك المجلوة )
( كل ما قلته فقد قاله الناس ** مقالا آياته متلوه )
( لم تزد غير أن أبحت حمى الإعراب ** فى كل لفظة مقروه )
( نسأل الله فكرة تلزم العقل ** الى حشمة تحوط المروه )
( وعزيز على ان كنت يحيى ** ثم لم تأخذ الكتاب بقوة )
12 - ومن بديع نثر لسان الدين رحمه الله تعالى ما كتبه لسلطان تلمسان إثر قصيدة سينية حازت قصب السبق ولنثبت الكل هنا فنقول قال الإمام الحافظ عبد الله التنسى نزيل تلمسان رحمه الله تعالى عندما جرى ذكر أمير المسلمين السلطان أبى حمو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يغمراسن بن زيان رحمه الله تعالى ما صورته وكان الفقيه ذو الوزارتين أبو عبد الله ابن الخطيب كثيرا ما يوجه إليه بالأمداح ومن أحسن ما وجه له قصيدة سينية فائقة وذلك عندما أحس بتغير سلطانه عليه فجعلها مقدمة بين يدى نجواه لتمهد له مثواه وتحصل له المستقر إذا ألجأه الأمر إلى المفر فلم تساعده الأيام كما هو شأنها فى أكثر الأعلام وهى هذه
( أطلعن فى سدف الفروع شموسا ** ضحك الظلام لها وكان عبوسا )
( وعطفن قضبا للقدود نواعما ** بوئن أدواح النعيم غروسا )
( وعدلن عن جهر السلام مخافة ** الواشى فجئن بلفظه مهموسا )
( وسفرن من دهش الوداع وقومهن ** الى الترحل قد أناخوا العيسا )
( وخلسن من خلل الحجال إشارة ** فتركن كل حجالها مخلوسا )
( لم أنسها من وحشة والحى قد ** زجر الحمول وآثر التغليسا )
____________________
(6/195)


( لا الملتقى من بعدها كثب ولا ** عوج الركائب تسأم التخييسا )
( فوقفت وقفة هائم برحاؤه ** وقفت عليه وحبست تحبيسا )
( ودعوت عينى عاتبا وعيونها ** بعصا النوى قد بجست تبجيسا )
( نافست يا عينى در دموعهم ** فعرضت درا للدموع نفيسا )
( ما للحمى بعد الأحبة موحشا ** ولكم تراءى آهلا مأنوسا )
( ولسربه حول الخميلة نافرا ** عمن يحس به وكان أنيسا )
( ولظله المورود غمر قليبه ** لا يقتضى وردا ولا تعريسا )
( حييته فأجابنى رجع الصدى ** لا فرق بينهما إذا ما قيسا )
( ما ان يزيد على الإعادة صوته ** حرفا فيشفى بالمزيد نسيسا )
( نضب المعين وقلص الظل الذى ** ظلنا عكوفا عنده وجلوسا )
( نتواعد الرجعى ونغتنم اللقا ** وندير من شكوى الغرام كؤوسا )
( فإذا سألت فلا تسائل مخبرا ** واذا سمعت فلا تحس حسيسا )
( عهدى به والدهر يتحف بالمنى ** وقد اقتضت نعماه ان لا بوسا )
( والعيش غض الريع والدنيا قد ** اجتليت بمغناه على عروسا )
( أترى يعيد الدهر عهدا للصبا ** درست مغانى الأنس فيه دروسا )
( أوطان أوطار تعوض أفقها ** من رونق البشر البهى عبوسا )
( هيهات لا تغنى لعل ولا عسى ** فى مثلها إلا لآية عيسى )
( والدهر فى دست القضاء مدرس ** فإذا قضى يستأنف التدريسا )
( تفتن فى جمل الورى أبحاثه ** لا سيما فى باب نعم وبيسا )
( وسجية الإنسان ليس بناصل ** من صبغها حتى يرى مرموسا )
( يغتر مهما ساعدت آماله ** فإذا عراه الخطب كان يؤوسا )
____________________
(6/196)


( فلو أن نفسا مكنت من رشدها ** يوما وقدسها الهدى تقديسا )
( لم تستفز رسوخها النعمى ولا ** هلعت اذا كشرت اليها البوسى )
( قل للزمان اليك عن متذمم ** بضمان عز لم يكن ليخيسا )
( فإذا استحر جلاده فأنا الذى ** استغشيت من سرد اليقين لبوسا )
( واذا طغى فرعونه فأنا الذى ** من ضره وأذاه عذت بموسى )
( أنا ذا أبو مثواه من يحمي الحمى ** ليثا ويعلم بالزئير الخيسا )
( بحمى أبى حمو حططت ركائبى ** لما اختبرت الليث والعريسا )
( أسد الهياج إذا خطا قدما سطا ** فتخلف الأسد الهزبر فريسا )
( بدر الهدى يأبى الضلال ضياؤه ** أبدا فيجلو الظلمة الحنديسا )
( جبل الوقار رسا وأشرف واعتلى ** وسما فطأطأت الجبال رؤوسا )
( غيث النوال اذا الغمام حلوبة ** مثلت بأيدي الحالبين بسوسا )
( تلقاه يوم الأنس روضا ناعما ** وتراه بأسا فى الهياج بئيسا )
( كم غمرة جلى وكم خطب كفى ** ان أوطأ الجرد العتاق وطيسا )
( كم حكمة أبدى وكم قصد هدى ** للسالكين أبان منه دريسا )
( أعلى بنى زيان والفذ الذى ** لبس الكمال فزين الملبوسا )
( جمع الندى والبأس والشيم العلا ** والسؤدد المتواتر القدموسا )
( والحلم ليس يباين الخلق الرضى ** والعلم ليس يعارض الناموسا )
( والسعد يغنى حكمه عن نصبة ** تستخبر التربيع والتسديسا )
( كم راض صعبا لا يراض معاصيا ** كم خاض بحرا لا يخاض ضروسا )
____________________
(6/197)


( بلغ التى لا فوقها متمهلا ** وعلا السها واستسفل البرجيسا )
( يا خير من خفقت عليه سحابة ** للنصر تمطره أجش بجيسا )
( وأجل من حملته صهوة سابح ** ان كر ضعضع كره الكردوسا )
( قسما بمن رفع السماء بغير ما ** عمد ورفع فوقها إدريسا )
( ودحا البسيطة فوق لج مزبد ** ما ان يزال على القرار حبيسا )
( حتى يهيب بأهله الوعد الذى ** حشر الرئيس اليه والمرؤوسا )
( ما أنت إلا ذخر دهرك دمت فى ** الصون الحريز ممتعا محروسا )
( لو ساومته الأرض فيك بما حوت ** لرآك مستاما بها مبخوسا )
( حلف البرور بها اليه صادق ** ويمين من عقد اليمين غموسا )
( من قاس ذاتك بالذوات فإنه ** جهل الوزان واخطا التقييسا )
( لا تستوى الأعيان فضل مزية ** وطبيعة فطر الإله وسوسا )
( لعناية التخصيص سر غامض ** من قبل ذرء الخلق خص نفوسا )
( من انكر الفضل الذى اوتيته ** جحد العيان وأنكر المحسوسا )
( من دان بالإخلاص فيك فعقده ** لا يقبل التمويه والتلبيسا )
( والمنتمى العلوى عيصك لم تكن ** لترى دخيلا فى بنيه دسيسا )
( بيت البتول ومنبت الشرف الذى ** تحمى الملائك دوحة المغروسا )
( أما سياستك التى أحكمتها ** ورميت بالتقصير أسطاليسا )
( فلو ان كسرى الفرس أبصر بعضها ** ما كان يطمع ان يعدى سوسا )
( لو سار عدلك فى السنين لما اشتكت ** بخسا ولم يك بعضهن كبيسا )
____________________
(6/198)


( ولو الجوارى الخنس انتسبت إلى ** إقدام عزمك ما خنسن خنوسا )
( قدت الصعاب فكل صعب سامح ** لك بالقياد وكان قبل شموسا )
( تلقى الليوث وللقتام غمامة ** قدح الصفيح وميضها المقبوسا )
( وكأنها تحت الدروع أراقم ** ينظرن من خلل المغافر شوسا )
( ما لابن مامة فى القديم وحاتم ** ضرب الزمان بجودهم ناقوسا )
( من جاء منهم مثل جودك كلما ** حسبوا المكارم كسوة أو كيسا )
( أنت الذى افتك السفين وأهله ** إذ أوسعت سبل الخلاص طموسا )
( أنت الذى أمددت ثغر الله ** بالصدقات تبلس كرة ابليسا )
( وأعنت أندلسا بكل سبيكة ** موسومة لا تعرف التدليسا )
( وشحينة بالبر فى سبل الرضى ** والبر قارب قاعها القاموسا )
( أن لم تجر بها الخميس فطالما ** جهزت فيها للنوال خميسا )
( وملأت ايديها وقد كادت على ** حكم القضاء تشافه التفليسا )
( صدقت للآمال صنعة جابر ** وكفيتها التشميع والتشميسا )
( والحل والتقطير والتصعيد ** والتخمير والتصويل والتكليسا )
( فسبكت من آمالها مالا ومن ** أوراقها ورقا وكن طروسا )
( بهتوا فلما استخبروا لم ينكروا ** وزنا ولا لونا ولا ملموسا )
( وتدبر من قلب السطور سبائكا ** منها ومن طبع الحروف فلوسا )
( ونحوت نحو الفضل تعضد منه ** بالمسموع ما ألفيت منه مقيسا )
( وجبرت بعد الكسر قومك جاهدا ** تغنى العديم وتطلق المحبوسا )
____________________
(6/199)


( ونشرت راية عزهم من بعد ما ** دال الزمان فسامها تنكيسا )
( احكمت حيلة برئهم بلطافه ** قد اعجزت فى الطب جالينوسا )
( وفللت من حد الزمان وانه ** أوحى وأمضى من غرار الموسى )
( وشحذت حدا كان قبل مثلما ** ونعشت جدا كان قبل تعيسا )
( لم ترج إلا الله جل جلاله ** فى شدة تكفى وجرح يوسى )
( قدمت صبحا فاستضأت بنوره ** ووجدت عند الشدة التنفيسا )
( ما أنت إلا فالح متيقن ** بالنجح تعمر ممرعا ويبيسا )
( ومتاجر جعل الأريكة صهوة ** عربية والمتكا القربوسا )
( ما ان تبايع أو تشارى واثقا ** بالربح إلا المالك القدوسا )
( والعزم يفترع النجوم بناؤه ** مهما أقام على التقى تأسيسا )
( ومقام صبرك واتكالك مذكر ** بحديثه الشبلى أو طاووسا )
( ومن ارتضاه الله وفق سعيه ** فرأى العظيم من الحظوظ خسيسا )
( ما ازددت بالتمحيص إلا جده ** ونضوت من خلع الزمان لبيسا )
( ولطالما طرق الخسوف أهله ** ولطالما اعترض الكسوف شموسا )
( ثم انجلت قسماتها عن مشرق ** للسعد ليس بحاذر تتعيسا )
( خذها اليك على النوى سينية ** ترضى الطباق وتشكر التجنيسا )
( ان طوولت بالدر من حول الطلى ** يوما تشكت حظها الموكوسا )
( لولاك ما أصغت لخطبة خاطب ** ولعنست فى بيتها تعنيسا )
( قصدت سليمان الزمان وقاربت ** فى الخطو تحسب نفسها بلقيسا )
( لى فيك ود لم أكن من بعد ما ** أعطيت صفقة عهده لأخيسا )
( كم لى بصحة عقده من شاهد ** لا يحذر التجريح والتدليسا )
____________________
(6/200)


( يقفو الشهادة باليمين وانه ** لمؤمن من ان يعد فسيسا )
( لا يستقر قرار أفكارى الى ** أن أستقر لدى علاك جليسا )
( وأرى تجاهك مستقيم السير ** للقصد الذى أعملته معكوسا )
( هى دين أيامى فإن سمحت به ** لم يبق من شىء عليه يوسى )
( لا زال صنع الله مجنوبا الى ** مثواك يهدي البشر والتأنيسا )
( متتابعا كتتابع الأيام لا ** يذر التعاقب جمعة وخميسا )
( فلو أنصفتك إياله الملك التى ** رضت الزمان لها وكان شريسا )
( قرنت بذكرك والدعاء لك الذى ** تختاره التسبيح والتقديسا )
( القلب أنت لها رئيس حياتها ** لم تعتبر مهما صلحت رئيسا )
ثم قال الحافظ التنسى رحمه الله تعالى بعد سرد هذه القصيدة ما معناه ان لسان الدين ابن الخطيب حذا فى هذه القصيدة السينية حذو أبى تمام فى قصيدته التى أولها
( أقشيب ربعهم أراك دريسا ** تقرى ضيوفك لوعة ورسيسا )
واختلس كثيرا من ألفاظها ومعانيها انتهى
ووصل لسان الدين هذه القصيدة بنثر بديع نصه
هذه القصيدة أبقى الله تعالى أيام المثابة المولوية الموسوية ممتعة بالشمل المجموع والثناء المسموع والملك المنصور الجموع نفثة من باح بسر هواه ولبى دعوة الشوق العابث بلبه وقد ظفر بمن يهدى خبر جواه إلى محل هواه ويختلس بعث تحيته إلى مثير أريحيته وهى بالنسبة إلى ما يعتقد
____________________
(6/201)

من ذلك الكمال الشاذ عن الآمال عنوان من كتاب وذواق من أوقار ذات أقتاب وإلا فمن يقوم بحق تلك المثابة لسانه أو يكافىء إحسانها إحسانه أو يستقل بوصفها يراعه أو تنهض بايسر وظيفها ذراعه ولا مكابرة بعد الاعتراف والبحر لا ينفد بالاغتراف لا سيما وذاتكم اليوم والله تعالى يبقيها ومن المكاره يقيها وفى معارج القرب من حضرة القدس يرقيها ياقوته اختارها واعتبرها ثم ابتلاها بالتمحيص فى سبيل التخصيص واختبرها وسبيكه أخلصها مسجرها فخلصها بتسجيره من الشوب وأبرزها من لباب الذوب وقصرت عن هذه الاثمان وسر بصدق دعواه البهرمان ليفاضل بين الجهام والصيب { ليميز الله الخبيث من الطيب } الانفال فأراكم أن لا جدوى للعديد ولا للعدة وعرفكم بنفسه فى حال الشدة ثم فسح لكم بعد ذلك فى المدة لتعرفوه إذا دال الرخاء وهبت بعد تلك الزعازع الريح الرخاء وملأكم من التجارب وأوردكم من ألطافه أعذب المشارب ونقلكم بين إمرار الزمان وإحلائه ولم يسلبكم إلا حقيرا عند أوليائه وأعادكم المعاد المطهر والبسكم من أثواب اختصاصه المعلم المشهر فأنتم اليوم بعين العناية بالإفصاح والكناية قد وقف الدهر بين يديكم موقف الاعتراف بالجناية فإن كان الملك اليوم علما يدرس وقوانين فى قوة الحفظ تغرس وبضاعة برصد التجارب تحرس فأنتم مالك دار هجرته المحسوبة وأصمعى شعوبه المنسوبه إلى ما حزتم من أشتات الكمال المربية على الآمال فالبيت علوى المنتسب والملك بين الموروث والمكتسب والجود يعترف به الوجود والدين يشهد به الركوع والسجود والبأس تعرفه التهائم والنجود والخلق يحسده الروض المجود والشعر يغترف من عذب نمير ويصدق ما قال بدىء بأمير وختم بأمير وإن مملوككم حوم
____________________
(6/202)

من بابكم على العذب البرود فعاقه الدهر عن الورود واستقبل افقه ليحقق الرصد ولكنه اخطأ القصد ومن أخطأ الغرض اعاد ورجا من الزمان الاسعاد فربما خبىء نصيب او كان مع الخواطىء سهم مصيب وكان يؤمل صحبة ركاب الحجاز فانتقلت الحقيقه منه الى المجاز وقطعت القواطع التى لم ينلها الحساب ومنعت الموانع التى خلص منها إلى الفتنة الانتساب ومن طلب الايام ان تجرى على اقتراحه وجب العمل على اطراحه فانما هي البحر الزاخر الذي لا يدرك منه الاخر والرياح متغايره والسفينه الحائره فتارة يتعذر من المرسى الصرف وتاره تقطع المسافه البعيده قبل أن يرتد الطرف هذا أن سالمها عطبها واعفي من الوقود حطبها ولقد علم الله جل جلاله أن لقاء ذلك المقام الكريم عند الملوك تمام المطلوب ممن يجبر كسر القلوب فإنه مما انعقد على كماله الإجماع وصح في عوالي معاليه السماع وارتفعت في وجود مثاله الاطماع اخلاقا هذبها الكرم الوضاح وسجية كلف بها الكمال الفضاح وحرصا على الذكر الجميل وما يتنافس فيه إلا من سمت هممه وكرمت ذممه وألفت الخلد رممه إذ الوجود سراب وما فوق التراب تراب ولا يبقى إلا عمل راق أو ذكر بالجميل يسطر فى أوراق حسبما قلت من قصيدة كتبتها على ظهر مكتوب موضوع أشار به من كانت له طاعة فوفت بمقترحه استطاعه
( يمضى الزمان وكل فان ذاهب ** إلا جميل الذكر فهو الباقى )
( لم يبق من إيوان كسرى بعد ذاك ** الحفل إلا الذكر فى الأوراق )
( هل كان للسفاح والمنصور ** والمهدى من ذكر على الإطلاق )
( أو للرشيد وللأمين وصنوه ** لولا شباه يراعة الوراق )
( رجع التراب الى التراب بما اقتضت ** فى كل خلق حكمة الخلاق )
____________________
(6/203)


( إلا الثناء الخالد العطر الشذا ** يهدى حديث مكارم الأخلاق )
والرغبة من مقامكم الرفيع الجناب أن يمكنها من حسن المناب فتحظى بحلول ساحته ثم بلثم راحته ثم بالإبتغاء ولا مزيد للايتغاء الى ان ترتفع الوساطة وتغنى عن التركيب البساطة وينسى الأثر بالعين ويحسن الدهر قضاء الدين ونسأل الذى أغرى بها القريحة ولم يجعل الباعث إلا المحبة الصريحة أن يبقى تلك المثابة زينا للزمان وذخرا مكنوفا باليمن والأمان مظللا برحمة الرحمن بفضله وكرمه انتهى
13 - ومما كتب به لسان الدين رحمه الله تعالى الى الشيخ الرئيس الخطيب شيخه أبى عبد الله ابن مرزوق رحمه الله تعالى حين كانت أزمة أمر المغرب بيده أيام السلطان أبى سالم ابن السلطان أبى الحسن المرينى رحم الله تعالى الجميع ما صورته
سيدي بل مالكى بل شافعى ومنتشلى من الهفوة ورافعى وعاصمى عند تجويد حروف الصنائع ونافعى الذى بجاهة أجزلت المنازل قراى وفضلت أولاي والمنة لله تعالى أخراي وأصبحت وقول الحسن هجيراي
( علقت بحبل من حبال محمد ** أمنت به من طارق الحدثان )
( تغطيت من دهرى بظل جناحه ** فعيني ترى دهرى وليس يرانى )
( فلو تسأل الأيام ما اسمى ما درت ** واين مكانى ما عرفن مكانى )
وصلت مكناسه حرسها الله تعالى حدانى حدو نداك سحائب لولا الخصال المبرة قلت يداك وكان الوطن لاغتباطه بجوارى أو ما رآه من انتياب زواري
____________________
(6/204)

أوغر إلى بهت يقطع الطريق وأطلع يده على التفريق وأشرق القوافل مع كثرة الماء بالريق فلم يسع إلا المقام أياما قعودا فى البر وقياما واختيارا لضروب الأنس واعتياما ورأيت بلده معارفها أعلام وهواؤها برد وسلام ومحاسنها تعمل فيها ألسنة وأقلام فحيا الله تعالى سيدي فلكم من فضل أفاد وأنس أحياه وقد باد وحفظ منه على الأيام الذخر والعتاد كما ملكه زمام الكمال فاقتاد وأنا أتطارح عليه فى صلات تفقده وموالاه يده بأن يسهمنى فى فرض مخاطبته مهما خاطب معتبرا بهذه الجهات ويصحبنى من مناصحته بكؤوس مسرة يعمل فيها هاك وهات فالعز بعزه معقود والسعد بوجوده موجود ومنهل السرور بسروره مورود والله عز وجل يبقيه بقاء الدهر ويجعل حبه وظيفة السر وحمده وظيفة الجهر ويحفظ على الأيام من زمنه زمن الزهر ويصل لنا تحت إيالته العام بالعام والشهر بالشهر آمين آمين انتهى
14 - ومما خاطب به لسان الدين رحمه الله تعالى صاحب الأشغال بالمغرب أبا عبد الله ابن أبى القاسم بن أبى مدين يهنيه بتقلد المنصب من رسالة قوله
( تعود الأمانى بعد انصراف ** ويعتدل الشىء بعد انحراف )
( فإن كان دهرك يوما جنى ** فقد جاء ذا خجل واعتراف )
طلع البشير أبقاك الله تعالى بقبول الخلافة المرينية والإمامة السنية خصها الله تعالى ببلوغ الأمنية على تلك الذات التى طابت أرومتها وزكت وتأوهت العلياء لتذكر عهدها وبكت وكاد السرور ينقطع لولا أنها تركت منك الوارث الذى تركت فلولا العذر الذى تأكدت ضرورته والمانع الذى ربما تقررت لديكم صورته لكنت أول مشافه بالهناء ومصارف لهذا الاعتناء الوثيق البناء بنقود الحمد لله والثناء وهى طويلة
15 - ومما خاطب به رحمه الله تعالى قاضى الجماعة وقد نالته مشقة
____________________
(6/205)

جرها غلط الخدام السوء واشتراك الأسماء أعتبه عندها السلطان وخلع عليه وأشاد بقدره بما نصه
( تعرفت أمرا ساءنى ثم سرنى ** وفى صحة الأيام لا بد من مرض )
( تعمدك المحبوب بالذات بعدما ** جرى ضده والله يكفيه بالعرض )
فى مثلها سيدي يحمد الأختصار وتقصر الأنصار وتصرف الأبصار إذ لم يتعين ظالم ولم يتبين يقظ ولا حالم وإنما هى هدية أجر وحقيقة وصل أعقبت مجاز هجر وجرح جبار وأمر ليس به اعتبار ووقيعة لم يكن فيها إلا غبار وعثره القدم لا تنكر والله سبحانه يحمد فى كل حالة ويشكر وإذا كان اعتقاد الخلافة لم يشبه شائب وحسن الولاية لم يعبه عائب والعرى دائب والجانى تائب فما هو إلا الدهر الحسود لمن يسود خمش بيد ثم سترها ورمى عن قوس ما أصلحها والحمد لله ولا أوترها إنما باء بشينه وجنى من مزيد العناية محنة عينه ولا اعتراض على قدر أعقب بحظ معتذر وورد نغص بكدر ثم أنس بإكرام صدر وحسبنا أن نحمد الدفاع من الله تعالى والذب ولا نقول مع الكظم إلا ما يرضى الرب وإذا سابق أولياء سيدي في فخر مضمار وحماية ذمار واستباق الى بر وابتدار بجهد اقتدار فأنا ولا فخر متناول القصبة وصاحب الدين من بين العصبة لما بلوت من بر أوجبه الحسب والفضل الموروث والمكتسب ونصح وضخ منه المذهب وتنفيق راق منه الرداء المذهب هذا مجمل وبيانه إلى وقت الحاجة مؤخر ونبذه شره لتعجيلها يراع مسخر والله سبحانه يعلم ما أنطوى عليه لسيدي من إيجاب الحق والسير من إجلاله على أوضح الطرق والسلام انتهى
____________________
(6/206)


16 - وقال رحمه الله تعالى خاطبت بعض الفضلاء بقولى مما يظهر من الجملة غرضه
( تعرفت قرب الدار ممن أحبه ** فكنت أجد السير لولا ضروره )
( لاتلو من آي المحامد سورة ** وأبصر من شخص المحاسن صورة )
كنت أبقاك الله تعالى لاغتباطى بولائك وسرورى بلقائك أود أن أطوى إليك هذه المرحلة وأجدد العهد بلقياك المؤملة فمنع مانع وما ندرى فى الآتى ما الله صانع وعلى كل حال فشأنى قد وضح منه سبيل مسلوك وعلمه مالك ومملوك واعتقادى أكثر مما تسعة العبارة والألفاظ المستعارة وموصلها ينوب عنى فى شكر تلك الذات المستكملة شروط الوزارة المتصفة بالعفاف والطهارة والسلام
17 - وقال سامحه الله تعالى يخاطب السلطان أبا عبد الله ابن نصر جبره الله تعالى عند وصول ولده من الأندلس
( الدهر أضيق فسحة من ان يرى ** بالحزن والكمد المضاعف يقطع )
( واذا قطعت زمانه فى كربه ** ضيعت فى الأوهام ما لا يرجع )
( فاقنع بما أعطاك ربك واغتنم ** منه السرور وخل ما لا ينفع )
مولاي الذى له المنن والخلق الجميل والخلق الحسن والمجد الذى وضح منه السنن كتبه عبدك مهنئا بنعم الله تعالى التى أفاضها عليك وجلبها إليك من اجتماع شملك بنجلك وقضاء دينك من قرة عينك الى ما تقدم من إفلاتك وسلامة ذاتك وتمزق أعدائك وانفرادك بأودائك والزمن ساعة فى القصر لا بل كلمح البصر وكانى بالبساط قد طوى والتراب على الكل قد سوى فلا تبقى غبطة ولا حسرة ولا كربة ولا يسرة وإذا نظرت
____________________
(6/207)

ما كنت فيه تجدك لا تنال منه إلا أكله وفراشا وكنا ورياشا مع توقع الوقائع وارتقاب الفجائع ودعاء المظلوم وصداع الجائع فقد حصل ما كان عليه التعب وأمن الرهب ووضح الأجر المذهب والقدرة باقية والأدعية راقية وما تدرى ما تحكم به الأقدار ويتمخض عنه الليل والنهار وأنت اليوم على زمانك بالخيار فان اعتبرت الحال واجتنبت المحال لم يخف عليك أنك اليوم خير منك أمس من غير شك ولا لبس وكان من أملى التوجه إلى رؤية ولدكم ولكن عارضتنى موانع ولا ندرى فى الآتى ما الله تعالى صانع فاستنبت هذه فى تقبيل قدمه والهناء بمقدمه والسلام
18 - وقال رحمه الله تعالى قلت أخاطب محمد بن نوار وقد أعرس ببنت مزوار الدار السلطانية وهو معروف بالوسامة وحسن الصورة
( إن كنت فى العرس ذا قصور ** فلا حضور ولا دخاله )
( ينوب نظمى مناب تيس ** والنثر عن قفة النخاله )
هناكم الله سبحانه دعاء وخبرا والبسكم من السرور حبرا وعوذكم بالخمس حتى من عين الشمس فلعمرى لقد حصلت النسبة ورضيت هذه المعيشة الحسبة ومن يكن المزوار ذواقه كيف لا يشق البدر أطواقه وينشر القبول عليه رواقه وأنتم أيضا بركان جمال وبقية رأس مال ويمين فى الانطباع وشمال بمنزلكم اليوم بدر وهلال ولعقد التوفيق بفضل الله تعالى استقلال فأنا أهنيكم بتسنى أمانيكم والسلام
19 - وقال رحمه الله تعالى مخاطبا عميد مراكش المتميز بالرأى والسياسة
____________________
(6/208)

والهمة وإفاضة العدل وكف اليد والتجافى عن مال الجباية عامر بن محمد بن على الهنتاتى
( تقول لى الأظعان والشوق فى الحشا ** له الحكم يمضى بين ناه وآمر )
( إذا جبل التوحيد أصبحت فارعا ** فخيم قرار العين فى دار عامر )
( وزر تربة المعلوم ان مزارها ** هو الحج يفضى نحوه كل ضامر )
( ستلقى بمثوى عامر بن محمد ** ثغور الأمانى من ثنايا البشائر )
( ولله ما تبلوه من سعد وجهه ** ولله ما تلقاه من يمن طائر )
( وتستعمل الأمثال فى الدهر منكما ** بخير مزور أو بأغبط زائر )
لم يكن همى أبقاك الله تعالى مع فراغ البال وإسعاف الآمال ومساعدة الأيام والليال إذ الشمل جميع والزمان كله ربيع والدهر مطيع سميع إلا زيارتك فى جبلك الذى يعصم من الطوفان ويواصل أمنه بين النوم والأجفان وأن أرى الأفق الذى طلعت منه الهداية وكانت اليه العودة ومنه البداية فلما حم الواقع وعجز عن خرق الدولة الأندلسية الراقع وأصبحت ديار الأندلس وهى البلاقع وحسنت من استدعائك إياي المواقع وقوى العزم وإن لم يكن ضعيفا وعرضت على نفسى السفر بسببك فألفيته خفيفا والتمست الإذن حتى لا نرى فى قبله السداد تحريفا واستقبلتك بصدر مشروح وزند للعزم مقدوح والله سبحانه يحقق السول ويسهل بمثوى الأماثل المثول ويهيىء من قبل هنتاته القبول بفضله
20 - وللسان الدين ابن الخطيب مقامه عظيمة بديعة وصف بها بلاد الأندلس
____________________
(6/209)

والعدوة وأتى فيها من دلائل براعته بالعجب العجاب وقد تركتها مع كتبى بالمغرب ولم يحضرنى منها الآن إلا قوله فى وصف مدينة سبتة ما صورته
قلت فمدينة سبتة قال عروس المجلى وثنية الصباح الأجلى تبرجت تبرج العقيلة ونظرت وجهها من البحر فى المرآة الصقيلة واختص ميزان حسناتها بالأعمال الثقيلة وإذا قامت بيض أسوارها وكان جبل بنيونش شمامة أزهارها والمنارة منارة أنوارها كيف لا ترغب النفوس فى جوارها وتهيم الخواطر بين أنجادها وأغوارها إلى المينا الفلكية والمراقى الفلكية والركية الزكية غير المنزورة ولا البكية ذات الوقود الجزل المعد للأزل والقصور المقصورة على الجد والهزل والوجوه الزهر السحن المضنون بها عن المحن دار الناشبة والحامية المضرمة للحرب المناشبة والأسطول المرهوب المحذور الألهوب والسلاح المكتوب المحسوب والأثر المعروف المنسوب كرسى الأمراء والأشراف والوسيطة لخامس أقاليم البسيطة فلا حظ لها فى الانحراف بصرة علوم اللسان وصنعاء الحلل الحسان وثمرة امتثال قوله تعالى { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } النحل الأمينة على الاختزان القويمة المكيال والميزان محشر أنواع الحيتان ومحط قوافل العصير والحرير والكتان وكفاها السكنى ببنيونش فى فصول الأزمان ووجود المساكن النبيهة بأرخص الأثمان والمدفن المرحوم غير المزحوم وخزانة كتب العلوم والآثار المنبئة عن أصالة الحلوم إلا أنها فاغرة أفواه الجنوب للغيث المصبوب عرضه للرياح ذات
____________________
(6/210)

الهبوب عديمة الحرث فقيرة من الحبوب ثغر تنبو فيه المضاجع بالجنوب وناهيك بحسنة تعد من الذنوب فأحوال أهلها رقيقة وتكلفهم ظاهر مهما ظهرت وليمة أو عقيقة واقتصادهم لا تلتبس منه طريقة وأنساب نفقاتهم فى تقدير الأرزاق عريقة فهم يمصون البلالة مص المحاجم ويجعلون الخبز فى الولائم بعدد الجماجم وفتنتهم ببلدهم فتنة الواجم بالبشير الهاجم وراعى الجديب بالمطر الساجم فلا يفضلون على مدينتهم مدينة الشك عندي فى مكة والمدينة انتهى
وقد سلك فى هذه المقامة وصف بلدان المغرب بالسجع والتقفية ووفاها من المدح وضده أكمل توفيه وعكس هذه الطريقة فى نفاضة الجراب فوصف فيها الأماكن بكلام مرسل جزل غير مسجع مع كونه أقطع من السيف إذا بان عنه القراب
21 - فمن ذلك قوله حين أجرى ذكر مدينة مكناسة الزيتون وأطلت مدينة مكناسة فى مظهر النجد رافلة فى حلل الدوح مبتسمة عن شنب المياه العذبة سافرة عن أجمل المراد قد أحكم وضعها الذى اخرج المرعى قيد النص وفذلكة الحسن فنزلنا بها منزلا لا تستطيع العين أن تخلفه حسنا ووضعا من بلد دارت به المداشر المغلة والتفت بسورة الزياتين المفيدة وراق بخارجه للسلطان المستخلص الذى يسمو اليه الطرف ورحب ساحة والتفاف شجرة ونباهة بنية وإشراف ربوة ومثلت بإزائها الزاوية القدمى المعدة للوراد ذات البركة النامية والمئذنة السامية والمرافق المتيسرة يصاقبها الخان البديع المنصب الحصين الغلق الخاص بالسابلة والجوابة فى الأرض يبتغون من فضل الله
____________________
(6/211)

تعالى تقابلها غربا الزاوية الحديثة المربية برونق الشبيبة ومزية الجدة والانفساح وتفنن الاحتفال الى ان قال وبداخلها مدارس ثلاث لبث العلم كلفت بها الملوك الجلة الهمم وأخذها التنجيد فجاءت فائقة الحسن ما شئت من أبواب نحاسية وبرك فياضة تقذف فيها صافى الماء أعناق أسدية وفيها خزائن الكتب والجراية الدارة على العلماء والمتعلمين وتفضل هذه المدينة كثيرا من لداتها بصحة الهواء وتبحر أصناف الفواكه وتعمير الخزائن ومداومة البر لجوار ترابها سليما من الفساد معافى من العفن إذ تقام ساحات منازلها غالبا على أطباق الآلاف من الأقوات تتناقلها المواريث ويصحبها التعمير وتتجافى عنها الأرض ومحاسن هذه البلدة المباركة جمة قال ابن عبدون من أهلها ولله دره
( إن تفتخر فاس بما فى طيها ** وبأنها فى زيها حسناء )
( يكفيك من مكناسة أرجاؤها ** والأطيبان هواؤها والماء )
ويسامتها شرقا جبل زرهون المنبجس العيون الظاهر البركة المتزاحم العمران الكثير الزياتين والأشجار قد جلله سكرا ورزقا حسنا فهو عنصر الخير ومادة المجبى وفى المدينة دور نبيهة وبنى أصيلة والله سبحانه ولى من اشتملت عليه بقدرته وفيها أقول
( بالحسن من مكناسة الزيتون ** قد صح عذر الناظر المفتون )
( فضل الهواء وصحة الماء الذى ** يجرى بها وسلامة المخزون )
( سحت عليها كل عين ثرة ** للمزن هامية الغمام هتون )
( فاحمر خد الورد بين أباطح ** وافتر ثغر الزهر بين غصون )
( ولقد كفاها شاهدا مهما ادعت ** قصب السباق القرب من زرهون )
( جبل تضاحكت البروق بجوه ** فبكت عذاب عيونه بعيون )
____________________
(6/212)


( وكأنما هو بربري فاقد ** فى لوحة والتين والزيتون )
( حييت من بلد خصيب أرضه ** مثوى أمان أو مناخ أمون )
( وضفت عليك من الإله عناية ** تكسوك ثوبى أمنة وسكون )
22 - وقد وصفها فى مقامة البلدان على منوال السجع فقال مكناسة مدينة أصيلة وشعب للمحاسن وفصيلة فضلها الله تعالى ورعاها وأخرج منها ماءها ومرعاها فجانبها مريع وخيرها سريع ووضعها له فى فقه الفضائل تفريع اعتدل فيها الزمان وانسدل الأمان وفاقت الفواكه فواكهها ولا سيما الرمان وحفظ أقواتها الاختزان ولطفت فيها الأوانى والكيزان ودنا من الحضرة جوارها فكثر قصادها من الوزراء وزوارها وبها المدارس والفقهاء ولقصبتها الأبهة والمقاصير والأبهاء تعليق للمقري
ويعنى بالحضرة مدينة فاس المحروسة لأنها أذ ذاك كرسى الخلافة ومكناسة مقر الوزارة وأهل المغرب يعبرون عن المدينة التى فيها كرسى الخلافة بالحضرة
قلت دخلت مكناسة هذه مرارا عديدة وقد ابلى الدهر محاسنها التى كانت فى زمان لسان الدين ابن الخطيب جديدة واستولى عليها الخراب وتكدر منها بالفتن الشراب وعاث فى ظاهرها الأعراب وفى باطنها سماسرة الفتنة العائقة عن كثير من الآراب حتى صار أهلها حزبين لبس كثير من أهلها ثياب البعد عنها والبين والله تعالى يجبر حالها ويعقب بالخصب إمحالها ويرحم الله تعالى ابن جابر إذ قال
( لا تنكرن الحسن من مكناسة ** فالحسن لم يبرح بها معروفا )
( ولئن محت أيدى الزمان رسومها ** فلربما أبقت هناك حروفا )
____________________
(6/213)

على أن ضواحيها كانت فى زمان لسان الدين مأوى للمحاربين واللصوص ومثوى للأعراب الذين أعضل داؤهم باقطار المغرب على العموم والخصوص ولذلك يقول لسان الدين رحمه الله تعالى
( مكناسة حشرت بها زمر العدا ** فمدى بريد فيه ألف مريد )
( من واصل للجوع لا لرياضة ** أو لابس للصوف غير مريد )
( فإذا سلكت طريقها متصوفا ** فانو السلوك بها على التجريد )
وما أشار إليه رحمه الله تعالى فيما سبق من ذكر الزاوية القدمى والجديدة أشار به إلى زاويتين بناهما السلطان أبو الحسن المرينى الكثير الآثار بالمغرب الأقصى والأوسط والأندلس وكان بنى الزاوية القدمى فى زمان ابيه السلطان أبى سعيد والجديدة حين تولى الخلافة وله فى هذه المدينة غير الزاويتين المذكورتين عدة آثار كثيرة جميلة من القناطر والسقايات وغيرها ومن أجل مآثره بها المدرسة الجديدة وكان قدم للنظر على بنائها قاضيه على المدينة المذكورة ولما أخبر السلطان بتمام بنائها جاء إليها من فاس ليراها فقعد على كرسى من كراسى الوضوء حول صهريجها وجىء بالرسوم المتضمنة للتنفيذات اللازمة فيها فغرقها فى الصهريج قبل أن يطالع ما فيها وأنشد
( لا بأس بالغالى إذا قيل حسن ** ليس لما قرت به العين ثمن ) وهذا السلطان أبو الحسن أشهر ملوك بنى مرين وأبعدهم صيتا وكان قد ملك رحمه الله تعالى المغرب بأسره وبعض الأندلس وامتد ملكه إلى طرابلس الغرب ثم حصلت له الهزيمة الشنعاء قرب القيروان حين قاتل أعراب إفريقية فغدره بنو عبد الواد الذين أخذ من يدهم ملك تلمسان وانتهزوا الفرصة فيه وهربوا إلى الأعراب عند المصافه فاختل مصافة وهزم أقبح هزيمة ورجع الى تونس مغلوبا وركب البحر فى أساطيله وكانت نحو الستمائة من السفن فقضى الله تعالى ان غرقت جميعا ونجا على لوح وهلك من كان معه من أعلام المغرب
____________________
(6/214)

وهم نحو أربعمائة عالم منهم السطى شارح الحوفى وابن الصباغ الذى أملى فى مجلس درسه بمكناسة على حديث يا أبا عمير ما فعل النغير أربعمائة فائدة
قال الأستاذ أبو عبد الله ابن غازى رحمه الله تعالى حدثنى بعض أعيان الأصحاب أنه بلغه أن الفقيه ابن الصباغ المذكور سمع بمنصورة تلمسان المحروسة ينشد كالمعاتب لنفسه
( يا قلب كيف وقعت فى أشراكهم ** ولقد عهدتك تحذر الأشراكا )
( أرضى بذل فى هوى وصبابة ** هذا لعمر الله قد أشقاكا )
ومات رحمه الله تعالى غريقا فى أسطول السلطان ابى الحسن المرينى على ساحل تدلس هو والفقيه السطى والأستاذ الزواوى وغير واحد فى نكبة السلطان أبى الحسن المعروفة
ومن نظم ابن الصباغ المذكور فى العلاقات المعتبرة فى المجاز وفى المرجحات له قوله رحمه الله تعالى
( يا سائلا حصر العلاقات التى ** وضع المجاز بها يسوغ ويجمل )
( خذها مرتبة وكل مقابل ** حكم المقابل فيه حقا يحمل )
( عن ذكر ملزوم يعوض لازم ** وكذا بعلته يعاض معلل )
( وعن المعمم يستعاض مخصص ** وكذاك عن جزء ينوب المكمل )
( وعن المحل ينوب ما قد حله ** والحذف للتخفيف مما يسهل )
( وعن المضاف اليه ناب مضافه ** والضد عن أضداده مستعمل )
____________________
(6/215)


( والشبه فى صفه تبين وصورة ** ومن المقيد مطلق قد يبدل )
( والشىء يسمى باسم ما قد كانه ** وكذاك يسمى بالبديل المبدل )
( وضع المجاور فى مكانه جاره ** وبهذه حكم التعاكس يكمل )
( واجعل مكان الشىء آلته وجىء ** بمنكر قصد العموم فيحصل )
( ومعرف عن مطلق وبه انتهت ** ولجلها حكم التداخل يشمل )
( وبكثرة وبلاغة ولزومه ** لحقيقة رجحانه يتحصل ) انتهى كلام شيخ شيوخ شيوخنا الإمام أبى عبد الله محمد بن غازى رحمه الله تعالى
وقد حكى ابن غازى المذكور عن شيخه القورى عن شيخه ابن جابر أن ابن الصباغ المذكور اعترض على القاضى ابن عبد السلام التونسى قال لما لقى ابن الصباغ بتونس اعترض عليه ابن الصباغ أربع عشرة مسألة لم ينفصل عن واحدة منها بل أقر بالخطإ فيها إذ ليس ينبغى اتصاف بالكمال إلا لربى الكبير المتعال انتهى
وذكر الشيخ أبو عبد الله الأبى رحمه الله تعالى فى شرح مسلم عند تكلمه على احاديث العين ما معناه ان رجلا كان بتلك الديار معروفا بإصابة العين فسأل منه بعض الموتورين للسلطان أبى الحسن أن يصيب أساطيله بالعين وكانت كثيرة نحو الستمائة فنظر إليها الرجل العائن فكان غرقها بقدرة الله الذى يفعل ما يشاء ونجا السلطان برأسه وجرت عليه محن واستولى ولده السلطان أبو عنان فارس على ملكه وكان خلفه بتلمسان ولم يزل فى اضطراب حتى ذهب الى سجلماسة ومنها خلص إلى جبل هنتاته قرب مراكش فذهب إلى حربه ابنه السلطان أبو عنان فارس بجيوشه وأناخ على الجبل بكلكله ولم تخفر أهل هنتاتة جواره لديهم ولا كبيراهم عامر بن محمد وأخوه وصبروا على الحصار وخراب الديار وحرق الأماكن حتى مات هناك رحمه الله تعالى ونقل بعد إلى شالة سلا مدفن أسلافه ومن أراد الوقوف على أخباره فعليه بكتاب الخطيب
____________________
(6/216)

ابن مرزوق الذى ألفه فيه وسماه المسند الصحيح الحسن من أحاديث السلطان أبى الحسن
ولما ذهب لسان الدين ابن الخطيب الى عامر بن محمد بجبله المشهور زار محل وفاة السلطان المذكور وقد ألم بذكر ذلك فى نفاضة الجراب إذ قال وشاهدت بجبل هنتاتة محل وفاة السلطان المقدس أمير المسلمين أبى الحسن رحمه الله تعالى حيث أصابه طارق الأجل الذى فصل الخطة وأصمت الدعوة ورفع المنازعة وعاينته مرفعا عن الابتذال بالسكنى مفترشا بالحصباء مقصودا بالابتهال والدعاء فلم أبرح يوم زيارة محل وفاته أن قلت
( يا حسنها من أربع وديار ** أضحت لباغى الأمن دار قرار )
( وجبال عز لا تذل أنوفها ** إلا لعز الواحد القهار )
( ومقر توحيد وأس خلافة ** آثارها تنبى عن الأخبار )
( ما كنت أحسب أن أنهار الندى ** تجرى بها فى جملة الأنهار )
( ما كنت أحسب أن أنوار الحجى ** تلتاح فى قنن وفى أحجار )
( محت جوانبها البرود وان تكن ** شبت بها الأعداء جذوة نار )
( هدت بناها فى سبيل وفائها ** فكانها صرعى بغير عقار )
( لما توعدها على المجد العدا ** رضيت بعيث النار لا بالعار )
( عمرت بجلة عامر وأعزها ** عبد العزيز بمرهف بتار )
( فرسا رهان أحرزا قصب الندى ** والبأس فى طلق وفى مضمار )
( ورثا عن الندب الكبير أبيهما ** محض الوفاء ورفعه المقدار )
( وكذا الفروع تطول وهى شبيهة ** بالأصل فى ورق وفى أثمار )
( أزرت وجوه الصيد من هنتاتة ** فى جوها بمطالع الأقمار )
( لله أي قبيلة تركت لها ** النظراء دعوى الفخر يوم فخار )
____________________
(6/217)


( نصرت أمير المسلمين وملكه ** قد أسلمته عزائم الأنصار )
( وارت عليا عندما ذهب الردى ** والروع بالأسماع والأبصار )
( وتخاذل الجيش اللهام واصبح ** الأبطال بين تقاعد وفرار )
( كفرت صنائعه فيمم دارها ** مستظهرا منها بعز جوار )
( وأقام بين ظهورها لا يتقى ** وقع الردى وقد ارتمى بشرار )
( فكأنها الأنصار لما أنست ** فيما تقدم غربه المختار )
( لما غدا لحظا وهم أجفانه ** نابت شفارهم عن الأشفار )
( حتى دعاه الله بين بيوتهم ** فأجاب ممتثلا لأمر البارى )
( لو كان يمنع من قضاء الله ما ** خلصت اليه نوافذ الأقدار )
( قد كان يأمل أن يكافىء بعض ما ** أولوه لولا قاطع الأعمار )
( ما كان يقنعه لو امتد المدى ** إلا القيام بحقها من دار )
( فيعيد ذاك الماء ذائب فضه ** ويعيد ذاك الترب ذوب نضار )
( حتى تفوز على النوى أوطانها ** من ملكه بجلائل الأوطار )
( حتى يلوح على وجوه وجوههم ** أثر العناية ساطع الأنوار )
( ويسوغ الأمل القصى كرامها ** من غير ما ثنيا ولا استعصار )
( ما كان يرضى الشمس أو بدر الدجى ** عن درهم فيهم ولا دينار )
( أو أن يتوج أو يقلد هامها ** ونحورها بأهلة ودراري )
( حق على المولى ابنه إيثار ما ** بذلوه من نصر ومن إيثار )
( فلمثلها ذخر الجزاء ومثله ** من لا يضيع صنائع الأحرار )
( وهو الذى يقضى الديون وبره ** يرضيه فى علن وفى إسرار )
( حتى تحج محله رفعوا بها ** علم الوفاء لأعين النظار )
____________________
(6/218)


( فيصير منها البيت بيتا ثانيا ** للطائفين اليه أي بدار )
( تغنى قلوب القوم عن هدى به ** ودموعهم تكفى لرمى جمار )
( حييت من دار تكفل سعيها ** المحمود بالزلفى وعقبى الدار )
( وضفت عليك من الإله عناية ** ما كر ليل فيك إثر نهار ) ويعنى بالمولى ابنه السلطان أبا سالم ابن السلطان أبى الحسن
ومن العجائب ان الرئيس عامر بن محمد الذى جرى فى هذه الأبيات ذكره كان يؤمل بإيوائه للسلطان أبى الحسن ونصرته له وعدم إخفار ذمته فيه أن ينال من أولاده الملوك بذلك عزا مستطيلا ورياسة زائدة على ما كان فيه فقضى الله تعالى أن كان حتفه على يد السلطان عبد العزيز ابن السلطان أبى الحسن إذ نازله بجنوده وحاصره بمعتقله حتى استولى عليه وقتله حسبما استوفى ذلك الشيخ الرئيس قاضى القضاة أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون الحضرمى المغربى نزيل مصر فى تاريخه الكبير الذى سماه ب كتاب العبر وديوان المبتدإ والخبر فى ايام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوى السلطان الأكبر فمن شاء فليراجعه ثمة
وكان الرئيس أبو ثابت عامر بن محمد الهنتاتى المذكور خرج على السلطان عبد العزيز بالسلطان المعتمد على الله ابى الفضل محمد ابن أخى السلطان عبد العزيز المذكور فكان من قتله ما ذكر والله غالب على أمره
ولنرجع الى ما كنا فيه من نثر لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى عنه فنقول
23 - ومن كلام لسان الدين رحمه الله تعالى فى كتابه أعمال الأعلام ما صورته
وفى غرضى اذا من الله تعالى بانفراج الضيقة الوقتية ومعاودة الأزمان الهنية والنصبة النقية أن نصنف فى التاريخ كتابا مبنيا على التطويل مستوعبا
____________________
(6/219)

للكثير والقليل نسميه بضاعة المهولين فى أساطير الأولين يكون هذا الكتاب بالنسبة اليه الحصاة من الرمال والقطرة من الغيث المنثال بإعانة ذى القدرة والجلال انتهى
24 - ومن كلامه رحمه الله تعالى فما استبعد المرام من قصد الكرام وما فقد الإيناس من أمل الناس انتهى
وقد سلك لسان الدين رحمه الله تعالى فى كثير من كتبه ك الكتيبة الكامنة والتاج المحلى و الإكليل الزاهر وغيرها تحلية الأعلام من حملة السيوف والأقلام بالكلام المسجع الآخذ بحظه من الإتقان على طريقة صاحب القلائد والمطمح أبى نصر بن الفتح بن عبيد الله المدعو بابن خاقان بليغ الأندلس غير مدافع وعلى نهج مبارية ابن بسام صاحب الذخيرة فى محاسن أهل الجزيرة وهو كتاب ينبغى أن يراجع وقد رأيت أن آتى بشىء من كلام لسان الدين فيما ذكر ونلم بعد تحليته بالتعريف بحال من حلاه من الأعلام بحسب ما من به ويسره لى الملك العلام سبحانه وتعالى فنقول
25 - قال لسان الدين رحمه الله تعالى فى بعض كتبه فى وصف بعض من عرف به ما نصه أي نفس صافية من الكدر وصدر طيب الورد والصدر ودوحه عهد تندى أوراقها ومشكاة فضل يستطلع إشراقها تمسك برضاع الكأس يرى ذلك من حسن عهده وقسم لحظاته بين آس الرياض وورده فلما حوم حمامه للوقوع وكاد يقوض رحله عن الربوع وشعر بحبائل المنية تعتلقه وسرعان خيل الأجل تزهقه أقلع عن فنه وأمر بسفك دنه ولجأ الى الله تعالى بأوبته وضرع الى الله تعالى فى قبول توبته وغفران حوبته فكان ذلك عنوان الرضى وعلامة عفو الله تعالى عما مضى دخلت عليه فى مرضه وأشرت باستعمال الدواء المسمى بلحية التيس عند الأطباء فاستعمله فوجد بعض خفة
____________________
(6/220)

26 - وقال فى آخر كثيف الحاشية معدود فى جنس السائمة والماشية تليت على العمال به سورة الغاشية تولى الأشغال السلطانية فذعرت الجباة لولايته وقامت قيامتهم لطلوع آيته وقنطوا كل القنوط وقالوا جاءت الدابة تكلمنا وهى إحدى الشروط من رجل صائم الحشوة بعيد من المصانعه والرشوة يتجنب الناس ويقول عند المخاطبة لا مساس وعلى مسافة نجهه وتجهم وجهه فكان خالطا إساءته بإحسانه مشتغلا بشانه غاضا من عنان لسانه عهدى به فى الأعمال يقدر فيها ويدبر ويرجح ويعبر ويحبط ويتبر وهو مع ذلك يكبر ويحسن من الأزمنة ويقبح وهو يسبح ولما شرع فى البحث والتنقير والمحاسبة على القطمير والنقير أتاه قاطع الأجل فحن ركابه فاقضى العجل وصدرت عنه أبيات خضم فيها وقضم وحصل تحت القدر المشترك مع من نظم
27 - وقال فى آخر كودن حلبة الآداب وسنور عبد الله بيع بقيراط لما شاب هام بوادى الشعر مع من هام واستمطر منها الجهام فجاء بأبيات أوهى من بيت العنكبوت نسجا ومقاصد لا تبين قصدا ولا نهجا وله بيت معمور بقضاة أكابر فرسان اقلام ومحابر وعمال قادوا الدهر بأزمة أزمتهم وفرعوا الزهر بهمتهم وتكاثرت عليه رحمه الله الإحن وتعاورته المحن وتصرف آخر عمره فى بعض الأعمال المخزنية فتعلل بنزر القوت الى الأجل الموقوت
28 - وقال فى آخر معدود فى وقته من أدبائه ومحسوب فى أعيان بلده وحسبائه كان رخمه الله تعالى من أهل العدالة والخير سائرا على منهج الاستقامة
____________________
(6/221)

أحسن السير وله أدب لا يقصر عن السداد وان لم يكن بطلا فمن يكثر السواد قد أثبت له ما عثرت عليه مما ينسب الناس اليه
29 - وقال فى آخر معتر غير قانع ومنجع كل شهم وخانع نشأ ببلدة مالقة ابرع من أورد اليراعة فى نقس وهز غصنها فى روضة طرس إلا ما كان من سخافة عقله وقعوده تحت المثل اخبر تقله لا يرتبط الى رتبه ولا ينتمى الى عصبة ولا يتلبس بسمت ولا يستقيم من أمت أخبرنى من عنى بخبره وذكر عبره من صباه الى كبره أنه رشح فى بعض الدول وعرض لاكتساب الخيل والخول وخلعت عليه كسوة فاخرة وشارة بزهر الرياض ساخرة فانقاد طوع حرمانه ونبذ صفقة زمانه وحمله فرط النهم على ان ابتاع فى حجرة طعاما كثير الدسم وأقبل وأذياله منه تقطر كما اختلفت باللبن الأشطر فطرد ونبذ وطرح بعدما جبذ لقيته بمالقة وقد قلب له زمانه عينيه وسقط فى يديه فانتابنى بأمداحه وتعاورنى بأجاجه وقراحه
30 - وقال فى آخر أديب نار فكره تتوقد وأريب لا يعترض كلامه ولا ينقد أما الهزل فهو طريقته المثلى ركض فى ميدانها وجلى وطلع فى أفقها وتجلى فأصبح علم أعلامها وعابر أحلامها ان أخذ بها فى وصف الكاس وذكر الورد والآس وألم بالربيع وفصله والحبيب ووصله والروض وطيبه والغمام وتقطيبه شق الجيوب طربا وعل النفوس شربا وضربا وان ابتغى لاعتلال العشية فى فرش الربيع الموشية ثم تعداها الى وصف الصبوح وأجهز على الزق المجروح وأشار الى نغمات الورق يرفلن فى الحلل الزرق وقد اشتعلت فى عنبر الليل نار البرق وطلعت بنود الصباح فى
____________________
(6/222)

شرفات الشرق سلب الحليم وقاره وذكر الخليع كأسه وعقاره وحرك الأشواق بعد سكونها وأخرجها من وكونها بلسان يتزاحم على موارد الخيال ويتدفق من حافاته الأدب السيال وبيان يقيم أود المعانى ويشيد مصانع اللفظ محكمة المبانى ويكسو حلل الإحسان جسوم المثالث والمثانى الى نادرة لمثلها يشار ومحاضرة يجنى بها الشهد ويشار وقد أثبت من شعره المعرب وان كان لا يتعاطاه إلا قليلا ولا يجاوز إلا تعليلا أبياتا لا تخلو عن مسحة جمال على صفحاتها وهبة طيب ينم فى نفحاتها
31 - وقال أيضا فى آخر ظريف السجية كثير الأريحية ارتحل من لورقه فتحها الله تعالى واتخذ المرية دارا وألف بها استقرارا الى ان دعاه بها داعية وقام فيها ناعية
32 - وقال فى وصف آخر شيخ أخلاقه لينة ونفسه كما قيل فى نفس المؤمن هينة ينظم الشعر عذبا مساقه محكمة اتساقه على فاقة وحال ما لها من إفاقة أنشد المقام الكريم بظاهر بلده قصيدة استغرب منه منزعها واستعذب من مثله مشرعها
33 - وقال فى آخر من أئمة أهل الزمام خليق برعى المتات والذمام ذو خط كما تفتح زهر الكمام وأخلاق أعذب من ماء الغمام كان ببلده رحمه الله تعالى بدار إشرافه محاسبا ودرة فى لجة الإغفال راسبا صحيح العمل يلبس الطروس من براعته حسن الحلل وله شعر لا بأس به ولا خفاء بفضل مذهبه
34 - وقال فى آخر خير من استبق الى داعى الفلاح استباقا وانتمى الى القوم الذين هم فى الآخرة أطول أعناقا وان كانوا فى الدنيا أضيق أرزاقا مردد أذكار ومسبح أسحار وعامر مئذنة ومنار كان ببلده مؤذنا بجامعها
____________________
(6/223)

ومؤقتا بأم صوامعها ومعتبرا فيمن كان بها من السدنة ومن مثله قوله فكأنما قرب بدنه وله لسان مخيف وشعر سخيف توشح بحليته وجعله وسيلة كديته
35 - وقال فى آخر عظيم الهيئة حسن اللقاء أغرب فى حسن المداراة من العنقاء استمر عمره للحكم وصبر على حجج الصم والبكم وأفرط فى هشته وهزته وتنزل عن نخوة القضاء وعزته وله سلف فى القضاء عالى المراقب مزاحم للنجم الثاقب وقد أثبت من شعره ما تيسر إثباته ونجح بروض هذا المجموع نباته
36 - وقال فى آخر قاض توارث كل جلاله عن كلالة وجمع فى العلم الحسب بين الموروث والمكتسب أشرق بجيد معم فى العشيرة مخول وألقت عليه مقاليدها من منقول ومتأول الى نزاهة لا تغرها البيضاء ولا الصفراء وحلم لا تستهويه السعاية ولا يستفزه الإغراء ووقار يستخف الجبال الراسية ونظر يكشف الظلم الغاشية تولى قضاء الحضرة فأنفذ الأحكام وأمضاها وشام سيوف الجزالة وانتضاها ولبس أثواب النزاهة والانقباض فما نضاها وسلك الطريق التى اختارها السلف وارتضاها فاجتمعت الأهوال المفترقة عليه وصرف الثناء أعنة الألسن اليه ثم كر الى بلده واستقر خطيبا بقراره أهله وولده
37 - وقال فى آخر منتم الى معرفة متصف من الذكاء بأحسن صفة أقرأ ببلده علم اللسان وما حاد عن الإحسان وعانى الشعر فنظم قوافيه وما تكلف فيه وعلى غزارة مادته ووضوح جادته فشعره قليل البشاشة ذاهب الحشاشة وذو الإكثار كمثل العثار وله سلف يخوض فى الحقائق وينتحل بعض الكلام الرائق
38 - وقال فى آخر منتم لدين وعفة والى نفس بالعرض الأدنى
____________________
(6/224)

مستخفة ممن نزع الى سلوك ورياضة ويفيض فى طريق القوم بعض إفاضة
39 - وقال فى آخر ممن يتشوق الى المعارف والمقالات ويرتاح الى الحقائق والمحالات ويشتمل على نفس رقيقة ويسير من تعليم القرآن على خير طريقة ويعانى من الشعر ما يشهد بنبله ويستظرف من مثله
40 - وقال فى آخر مشمر فى الطلب عن ساق مثابر على اللحاق بدرجات الحذاق منتحل للعربية جاد فى إحصاء خلافها ومعاطاة سلافها وربما شرست فى المذاكرة أخلاقه إذا بهرجت أعلاقه ونوزع تمسكه بالحجة واعتلاقه ورحل الى المغرب فاستجدى بالشعر سلطانه ثم راجع أوطانه
41 - وقال فى آخر منتم الى زهد باذل فى التماس الخير الجهد نظمه لا يخلو من حلاوة ومعانيه فى طريقه عليها بعض طلاوة
42 - وقال فى آخر كاتب سجلات لا يساجل فى صحة فصولها وتوقيع فروعها على أصولها وكلما طلب بالنظم القريحة وأعمل الفكرة الصريحة مع إقلاله وعدم استعماله أجابت ولبت وتنسمت رياحها وهبت
43 - وقال رحمه الله تعالى وسامحه فى بعض العدول الصوفية الأخيار الذين وحدوا الله وفنوا عن سائر الأغيار خير عدل وممن له وقار وفضل متسم بخير معرض عن غير مشتمل بصفات مرضية ملم بالنظم فى الطريقة الصوفية
وللسان الدين رحمه الله تعالى ركض فى هذا الميدان لا يجارى فيه وثبوت فضل لا يستند الى دليل جاحده ونافيه
44 - وقال رحمه الله تعالى فى كتابه التاج المحلى فى مساجلة القدح
____________________
(6/225)

المعلى فى ترجمة محمج بن عبد الله بن محمد بن لب الأمى المريي ما صورته لج معرفة لا يغيض وصاحب قنوت يأخذ فيها ويفيض نشأ ببلده مشمرا عن ساعد اجتهاده وسائرا فى قنن العلم ووهاده حتى اينع روضه وفهق حوضه ثم أخذ فى راحة ذاته وشام بارق لذاته ثم سار فى البطالة سير الجموح وواصل الغبوق بالصبوح حتى قضى وطره وسئم بطره وركب الفلك وخاض اللجج الحلك واستقر بمصر على النعمة العريضة على شك فى قضاء حجة الفريضة وهو اليوم بمدرستها الصالحية نبيه المكانة معدود فى أهل العلم والديانة انتهى
وقال فى الإحاطة فى حق المذكور ما نصه من خط شيخنا ابى البركات فى الكتاب المؤتمن على انباء انباء الزمن كان سهلا سلس القياد لذيذ العشرة دمث الأخلاق ميالا الى الدعة نفورا عن النصب يركن الى فضل نباهة وذكاء يحاسب بهما عند التحصيل والدراسة والدؤوب على الطلب من رجل يجرى من الألحان على مضمار لطيف ولم يكن له صوت رخيم يساوق انطباعه فى التلحين فجبر ذلك بالأوتار وحاول من ذلك بيده مع أصحابه ما لاذ به الظرفاء منهم واستعمل بدار الأشراف بالمرية فأحكم تلك الطريقة فى أقرب زمان وجاء زمامه يروق من ذلك العمل من شأنه ثم نهضت به همته الى أرفع من ذلك فسار الى غرناطة فقرأ بها العربية وغيرها وانخرط فى سلك نبهاء الطلبة لأدنى مدة ثم رحل الى بلاد المشرق فى حدود العشرين وسبعمائة فلم يتجاوز القاهرة لموافقة هوائها علة كان يشكوها وأخذ فى إقراء العربية بها وعرف بها الى ان صار يدعى بأبى عبد الله النحوي قال شيخنا المذكور ورأى فى صغره فارة أنثى فقال هذه قرينة فلقب بذلك وصار هذا اللقب أغلب
____________________
(6/226)

عليه من اسمه ومعرفته
ثم قال لسان الدين فى حق المذكور ما ملخصه إنه قرأ بالحضرة على الخطيب أبى على القيجاطى وطبقته وأخذ بالقاهرة عن الأستاذ ابى حيان وانتفع بجاهه نقل الينا الحاج الحافظ أبو جعفر ابن غصن من شعره حسبما قيده عنه بمصر
( بعد المزار ولوعة الأشواق ** حكما بفيض مدامع الآماق )
( وخفوق نجدي النسيم اذا سرى ** أذكى لهيب فؤادى الخفاق )
( أمعللى ان التواصل فى غد ** من ذا الذى لغد فديتك باقى )
( ان الليالى سبق ان أقبلت ** واذا تولت لم تنل بلحاق )
( عج بالمطى على الحمى سقى الحمى ** صوب الغمام الواكف الرقراق )
( فيه لذى القلب السليم ودادة ** قلب سليم ما له من راق )
( قلب غداة فراقهم فارقته ** لا كان فى الأيام يوم فراق )
( يا ساريا والليل ساج عاكف ** يفرى الفلا بنجائب ونياق )
( عرج على مثوى النبى محمد ** خير البرية ذى المقام الراقى )
( ورسول رب العالمين ومن له ** حفظ العهود وصحة الميثاق )
( الظاهر الآيات قام دليلها ** والطاهر الأخلاق والأعراق )
( بدر الهدى وهو الذى آياته ** وجبينه كالشمس فى الإشراق )
( الشافع المقبول من عم الورى ** بالجود والإرفاد والإرفاق )
( الصادق المأمون أكرم مرسل ** سارت رسالته الى الآفاق )
( أعلى الكرام ندى وأبسطهم يدا ** قبضت عنان المجد باستحقاق )
( واشد خلق الله إقداما إذا ** حمى الوطيس وشمرت عن ساق )
( أمضاهم والخيل تعثر فى الوغى ** وتجول سبحا فى الدم المهراق )
____________________
(6/227)


( من صير الأديان دينا واحدا ** من بعد إشراك مضى ونفاق )
( واحلنا من حرمة الإسلام فى ** ظل ظليل وارف الأوراق )
( لو ان للبدر المنير كماله ** ما ناله كسف ونكس محاق )
( لو ان للبحرين جود يمينه ** أمن السفين غوائل الإيساق )
( لو ان للآساد شدة بأسه ** لثنت عن الانجاد والإعراق )
( لو أن للآباء رحمه قلبه ** ذابت نفوسهم من الإشفاق )
( ذو العلم والحلم الخفى المنجلى ** والجاه والشرف القديم الباقى )
( آياته شهب وغر بنانه ** سحب النوال تدر بالأرزاق )
( ماجت فتوح الأرض وهو غياثها ** وربت ربى الإيمان وهو الساقى )
( ذو رافة بالمؤمنين ورحمة ** وهدى وتأديب بحسن سياق )
( وخصال مجد أفردت بالخصل فى ** مرمى الفخار وغاية السباق )
( ذو المعجزات الغر والآي التى ** كم آية فقدت وهن بواقى )
( ثنت المعارض حائرا لما حكت ** فلق الصباح وكان ذا إفلاق )
( يقظ الفؤاد سرى وقد هجع الورى ** لمقام صدق فوق ظهر براق )
( وسما وأملاك السماء تحفة ** حتى تجاوزهن سبع طباق ) ومنها
( يا ذا الذى اتصل الرجاء بحبله ** وانبت من هذا الورى بطلاق )
( حبى اليك وسيلتى وذخيرتى ** إنى من الأعمال ذو إملاق )
( واليك أعملت الرواحل ضمرا ** تختال بين الوخد والإعناق )
( نجبا اذا نشدت حلى تلك العلا ** تطوى الفلا ممتدة الأعناق )
( يحدو بهن من النحيب مردد ** وتقودهن أزمة الأشواق )
( غرض اليه فوقتنا أسهما ** وهى القسى برين كالأفواق )
( فانختها بفنائك الرحب الذى ** وسع الورى بالنائل الدفاق )
____________________
(6/228)


( وقرى مؤملك الشفاعة فى غد ** وكفى بها هبة من الرزاق )
( وعليك يا خير الأنام تحية ** تحيي النفوس بنشرها الفتاق )
( تتأرج الأرجاء من نفحاتها ** أرج الندى بمدحك المصداق ) ومنها
( قسما بطيب تراب طيبة انه ** مسك الأنوف وإثمد الأحداق )
( وبشأن مسجدها الذى يرجى به ** لمعامل الرحمن أي نفاق )
( لأجود فيه بأدمع اسلاكها ** منظومة بترائب وتراق )
( أغدو بتقبيل على حصبائه ** وعلى كرائم جدره بعناق ) ومنها
( وعليك ذا النورين تسليم له ** نور يلوح بصفحة المهراق )
( كفؤ النبى وكفؤ أعلى جنة ** حيزت له بشهادة وصداق )
( وكفاه ما فى الفتح جاء ومصحف ** فى الفتح يحمده وفى الإطباق )
( وعلى ابى السبطين من سبق الألى ** سبقوا الى الاسلام يوم سباق )
( الطاهر الطهر ابن عم المصطفى ** شرف على التخصيص والإطلاق )
( مبدى القضايا من وراء حجابها ** ومفتح الأكمام عن أعلاق )
( يغزو العداة بغلظة فيهدهم ** بصوارم تفري الفقار رقاق )
( راياته لا شىء من عقبانها ** بمطار يوم وغى ولا بمطاق )
( وعلى كرام ستة عشرت بهم ** عند النظام لآلىء النساق )
( ما بين أروع ماجد نيرانه ** جنح الظلام تشب للطراق )
( وأخى حروب صده رشق القنا ** عما قدود مثلهن رقاق )
( ما غردت شجوا مطوقة وما ** شقت كمام الروض عن أطواق )
( وعلى القرابة والصحابة كلهم ** والتابعين لهم ليوم تلاق )
____________________
(6/229)

وذكر فى الإحاطة غير هذه
45 - وقال لسان الدين فى التاج فى ترجمة محمد بن عبد الرحيم الوادي آشى ما صورته ناظم أبيات وموضح غرر وشيات وصاحب توقيعات وقيعات وإشارات ذوات شارات وكان شاعرا مكثارا وجوادا لا يخاف عثارا دخل على أمير بلده المخلوع عن ملكه بعد انتثار سلكه وخروج الحضرة عن ملكه واستقراره بوادى آش مروع البال متعللا بالآمال وقد بلغه دخول طبرنش فى طاعته فأنشده من ساعته
( خذها اليك طبرنشا ** شفع بها وادى الأشا )
( والأم تأتى بنتها ** والله يفعل ما يشا ) ومن نوادره العذبة ما كتبه اليه يطلب منه الحسبة
( أنلنى ايا خير البرية خطة ** ترفعنى قدرا وتكسبنى عزا )
( فأعتز فى أهلى كما اعتز بيدق ** على سفرة الشطرنج لما انثنى فرزا ) فوقع له بما ثبت فى ترجمته انتهى
46 - وقال فى الإكليل فى ترجمة ابى عبد الله ابن العطار المزنى ما صورته ممن نبغ ونجب وحق له البر بذاته ووجب تحلى بوقار وشعشع للأدب كأس عقار إلا انه احترم فى اقتبال وأصيب للأجل بنبال انتهى
47 - وقال فى الإكليل فى ترجمة ابى عبد الله محمد بن علي بن محمد ابن علي بن يحيى بن خاتمه الأنصاري المزنى ما صورته ممن ثكلته اليراعة وفقدته البراعة تأدب باخيه وتهذب وأراه فى النظم المذهب وكساه من التفهم والتعليم الرداء المذهب فاقتفى واقتدى وراح فى الحلبة واغتدى حتى
____________________
(6/230)

نبل وشدا ولو أمهله الدهر لبلغ المدى وأما خطه فقيد الأبصار وطرفه من طرف الأمصار واعتبط يانع الشبيبة مخضر الكتيبة مات عام خمسين وسبعمائة واورد له فى الإحاطة قوله
( ومض البرق فثار القلق ** ومضى النوم وحل الارق )
( مذ تذكرت لأيام خلت ** ضمنا فيها الحمى والأبرق )
( وعشيات تقضت باللوى ** فى محيا الدهر منها رونق )
( إذ شبابى والتصابى جمعا ** ورياض الأنس غض مورق )
( شت يوم البين شملى ليت ما ** خلق البين لقلب يعشق )
( آه من يوم قضى لى فرقة ** شاب منى يوم حلت مفرق ) وقوله
( الرفع نعتكم لا خانكم أمل ** والخفض شيمة مثلى والهوى دول )
( هل منكم لى عطف بعد بعدكم ** إذ ليس لى منكم يا سادتى بدل ) قلت البيت الثانى غاية فى معناه وأما الأول فسافل وان أسس على الرفع مبناه والله اعلم
48 - وقال فى الإكليل فى ترجمة ابى عبد الله محمد بن محمد بن إبراهيم ابن عيسى بن داود الحميري المالقى ما صورته علم من أعلام هذا الفن ومشعشع راح هذا الدن مجموع أدوات وفارس يراعة ودواة ظريف المنزع أنيق المرأى والمسمع اختص بالرياسة فأدار فلك إمارتها واتسم
____________________
(6/231)

باسم كتابتها ووزارتها ناهضا بالأعباء صاعدا فى درج التقريب والاجتباء مصانعا دهره فى راح وراحة آويا الى فضل وسماحة وخصب ساحة كلما فرغ من شأن خدمته وانصرف عن رب نعمته عقد شربا وأطفأ من الاهتمام بغير الأيام حربا وعكف على صوت يستعيده وظرف يبديه ويعيده فلما تقلبت بالرياسة الخال وقوضت منها الرحال استقر بالمغرب غريبا يقلب طرفا مستريبا ويلحظ الدنيا تبعه عليه وتثريبا وان كان لم يعدم من أمرائه حظوه وتقريبا وما برح يبوح بشجنه ويرتاح الى عهود وطنه ومما اعرب به عن براعة أدبه قوله
( يا نازحين ولم أفارق منهم ** شوقا تأجج فى الضلوع ضرامه )
( غيبتم عن ناظرى وشخصكم ** حيث استقر من الضلوع مقامه )
( رمت النوى شملى فشتت نظمه ** والبين رام لا تطيش سهامه )
( وقد اعتدى فينا وجد مبالغا ** وجرت بمحكم جوره أحكامه )
( أترى الزمان مؤخرا فى مدتى ** حتى أراه قد انقضت أيامه ) تحملها يا نسيم نجديه النفحات وجدية اللفحات تؤدى عنى الى الأحبة نفحها سلاما وتورد عليهم لفحها بردا وسلاما ولا تقل كيف تحملنى نارا وترسل على الأحبة منى إعصارا كلا اذا أهديتهم تحية إيناسى وآنسوا من جانب هبوبك نار ضرام أنفاسى وارتاحوا الى هبوبك واهتزوا فى كف مسرى جنوبك وتعللوا بك تعليلا وأوسعوا آثار مهبك تقبيلا أرسلها عليهم بليلا وخاطبهم بلطافة تلطفك عليلا الم ترونى كيف جئتكم بما حملنى
____________________
(6/232)


( كذاك تركته ملقى بأرض ** له فيها التعلل بالرياح )
( اذا هبت اليه صبا اليها ** وان جاءته من كل النواحى )
( تساعده الحمائم حين يبكى ** فما ينفك موصول النواح )
( يخاطبهن مهما طرن شوقا ** أما فيكن واهبة الجناح ) ولولا تعلله بالأمانى وتحدث نفسه بزمان التدانى لكان قد قضى نحبه ولم أبلغكم إلا نعيه أو ندبه لكنه يتعلل من الآمال بالوعد الممطول ويتطارح باقتراحاته على الزمن المجهول ويحدث نفسه وقد قنعت من بروق الآمال بالخلب ووثقت بمواعيد الدهر القلب فيناجيها بوحى ضميره وإيماء تصويره كيف أجدك يوم الالتقاء بالأحباب والتخلص من ربقة الاغتراب أبائنه الحضور أم بادية الاضطراب كأنى بك وقد استفزك وله السرور فصرفك عن مشاهدة الحضور وعاقتك غشاوة الاستعبار للاستبشار عن اجتلاء محيا ذلك النهار
( يوم يداوى زماناتى من آزمانى ** أزال تنغيص أحيانى فأحيانى )
( جعلت لله نذرا صومه ابدا ** أفى به واوفى شرط إيمانى )
( إذا ارتفعنا وزال البعد وانقطعت ** أشطان دهر قد التفت باشطانى )
( أعده خير أعياد الزمان اذا ** أوطانى السعد فيه ترب أوطانى ) أرأيت كيف ارتياحى الى التذكار وانقيادى الى معللات توهمات الأفكار كأن البعد باستغراقها قد طويت شقته وذهبت عنى مشقته وكأنى بالتخيل بين تلك الخمائل أتسم صباها وأتسم رباها وأجتنى أزهارها وأجتلى أنوارها وأجول فى خمائلها وأتنعم ببكرها وأصائلها وأطوف بمعالمها وأنتشق
____________________
(6/233)

أزهار كمائمها وأصيخ بأذن الشوق الى سجع حمائمها وقد داخلتنى الأفراح ونالت منى نشوة الارتياح ودنا السرور لتوهم ذهاب الأتراح فلما أفقت من غمرات سكرى ووثبت من هفوات فكرى وجدت مرارة ما شابه لى فى استغراق دهرى وكأنى من حينئذ عالجت وقفه الفراق وابتدأت منازعه الأشواق وكأنما أغمضنى النوم وسمح لى بتلك الفكرة الحلم
( ذكر الديار فهاجه تذكاره ** وسرت به من حينه أفكاره )
( فاحتل منها حيث كان حلوله ** بالوهم منها واستقر قراره )
( ما أقرب الآمال من غفواته ** لو انها قضيت بها أوطاره ) فاذا جئتها ايها القادم والأصيل قد خلع عليها بردا مورسا والربيع قد مد على القيعان منها سندسا فاتخذها فديتك معرسا واجرر ذيولك فيها متبخترا وبث فيها من طيب نفحاتك عنبرا وافتق عليها من نوافج أنفاسك مسكا أذفرا واعطف معاطف بانها وأرقص قضب ريحانها وصافح صفحات نهرها ونافح نفحات زهرها هذه كلها أمارات وعن أسرار مقاصدى عبارات هنالك تنتعش بها صبابات تعالج بإقبالك وتعكف صبابات تتعلل بإقبالك ونعكف على لثم أذيالك وتبدو لك فى صفة الفانى المتهالك لاطفها بلطافه اعتلالك وترفق بها ترفق أمثالك فاذا مالت بهم الى هواك الأشواق ولووا اليك الأرؤس والأعناق وسألوك عن اضطرابى فى الآفاق وتقلبى بين الإشآم والإعراق فقل لهم عرض له فى أسفاره ما يعرض للبدر فى سراره من سرار السرار ولحاق المحاق وقد تركته وهو يسامر الفرقدين ويساير النيرين وينشد اذا راعه البين
( وقد نكون وما يخشى تفرقنا ** فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا ) لم يفارق وعثاء الأسفار ولا ألقى من يده عصا التسيار يتهاداه الغور والنجد
____________________
(6/234)

ويتداوله الإرقال والوخد وقد لفحته الرمضاء وسئمه الإنضاء فالجهات تلفظه والآكام تبهظه يحمل همومه الرواسم وتحياته البواسم
( لا يستقر بأرض حين يبلغها ** ولا له غير حدو العيس إيناس ) ثم اذا استوفوا سؤالك عن حالى وتقلبى بين حلى وترحالى وبلغت القلوب منهم الحناجر وملأت الدموع المحاجر وابتلت ذيولك بمائها لا بل تضرجت بدمائها فحيهم عنى تحية منفصل ووداع مرتحل ثم اعطف عليك ركابك ومهد لهم جنابك وقل لهم اذا سألنى عن المنازل بعد سكانها والربوع بعد ظعن أظعانها بماذا أجيبة وبماذا يسكن وجيبه فسيقولون لك هى البلاقع المقفرات والمعارف التى أصبحت نكرات
( صم صداها وعفا رسمها ** واستعجمت غن منطق السائل ) قل لهم كيف الروض وآسه وعم تتأرج أنفاسه عهدى به والحمام يردد به أسجاعه والذباب يغنى به هزجا فيحك بذراعه ذراعه وغصونه تعتنق وأحشاء جداوله تصطفق وأسحاره تتنسم وآصاله تتوسم كما كانت بقية نضرته وكما عهدتها أنيقة خضرته وكيف التفاته عن أزرق نهره وتأنقه فى تكليل إكليله بيانع زهره وهل رق نسيم أصائله وصفت موارد جداوله وكيف انفساح ساحاته والتفاف دوحاته وهل تمتد كما كانت مع العشى فينانه سرحاته وعهدى بها المديدة الظلال المزعفرة السربال وهل تحدق الآن به عيون نرجسه ويمد بساط سندسه وانى منه مجالس لداتى ومعاهد غدواتى وروحاتى اذ ابارى فى المجون لمن أبارى وأسابق الى اللذات كل من أجاري فسيقولون لك ذوت أفنانه وانقصفت أغصانه وتكدرت غدرانه وتغير روحه وريحانه وأقفرت معالمه وأخرست حمائمه واستحالت حلل خمائله وتغيرت وجوه بكره وأصائله فإن صلصل حنين رعد فعن قلبى
____________________
(6/235)

لفراقه خفق وان تلألأ برق فعن حر حشاي ائتلق وان سحت السحب فمساعدة لجفنى وان طال بكاؤها فعنى حياها الله تعالى منازل لم تزل بمنظوم الشمل أواهل وحين انتثرت نثرت أزهارها أسفا ولم تثن الريح من أغصانها معطفا أعاد الله تعالى الشمل فيها الى محكم نظامه وجعل الدهر الذى فرقه يتأنق فى إحكامه وهو سبحانه يجبر الصدع ويعجل الجمع إنه بالإجابة جدير وعلى ما يشاء قدير
إية بنى كيف حال من استودعتهم أمانتك وألزمتهم صونك وصيانتك وألبستهم نسبك ومهدت لهم حسبك الله فى حفظهم فهو اللأئق بفعالك المناسب لشرف خلالك ارع لهم الاغتراب لديك والانقطاع اليك فهم أمانة الله تعالى فى يديك وهو سبحانه يحفظك بحفظهم ويوالى بلحظك أسباب لحظهم وان ذهبتم الى معرفة الأحوال فنعم الله تعالى ممتدة الظلال وخيراته وارفه السربال لولا الشوق الملازم والوجد الذى سكن الحيازم
49 - وقال فى الإكليل فى ترجمة أبى بكر محمد بن محمد بن عبد الله ابن مقاتل المالقى ما نصه نابغة مالقية وخلف وبقية ومغربى الوطن أخلاقه مشرقية أزمع الرحيل الى المشرق مع اخضرار العود وسواد المفرق فلما توسطت السفينة اللجج وقارعت الثبج هال عليها البحر فسقاها كأس الحمام وأولدها قبل التمام وكان فيمن اشتملت عليه اعوادها وانضم على نوره سوادها من جملة الطلبة والأدباء وأبناء السراة الحسباء أصبح كل منهم مطيعا لداعى الردى وسميعا وأحيوا فرادى وماتوا جميعا فأجروا الدموع حزنا وأرسلوا العبرات عليهم مزنا وكأن البحر لما طمس سبيل خلاصهم وسدها وأهال هضبة سفينتهم وهدها غار على نفوسهم النفيسة فاستردها والفقيه ابو بكر مع إكثاره وانقياد نظامه ونثاره لم أظفر من أدبه
____________________
(6/236)

إلا بالقليل التافه بعد وداعه وانصرافه فمن ذلك قوله وقد أبصر فتى عاثرا
( ومهفهف هافى المعاطف احور ** فضحت أشعة نوره الأقمارا )
( زلت له قدم فاصبح عاثرا ** بين الأنام لعا لذاك عثارا )
( لو كنت أعلم ما يكون فرشت فى ** ذاك المكان الخد والأشفارا ) وقال
( أيا لبنى الرفاء تفضي ظباؤهم ** جفون ظباهم فالفؤاد كليم )
( لقد قطع الأحشاء منهم مهفهف ** له التبر خد واللجين أديم )
( يسدد إذ يرمى قسى حواجب ** وأسهمها من مقلتيه تسوم )
( وتسقمنى عيناه وهى سقيمة ** ومن عجب سقم جناه سقيم )
( ويذبل جسمى فى هواه صبابة ** وفى وصله للعاشقين نعيم ) كان غرقه فى أخريات عام تسعة وثلاثين وسبعمائة انتهى
50 - وقال فى الإكليل فى ترجمة أبى عبد الله محمد بن محمد الشديد المالقى ما نصه شاعر مجيد حوك الكلام ولا يقصر فيه عن درجة الأعلام رحل الى الحجاز لأول أمره فطال بالبلاد المشرقية ثواؤه وعميت أنباؤه وعلى هذا العهد وقفت له على قصيدة بخطه غرضها نبيل ومرعاها غير وبيل تدل على نفس ونفس وإضاءة قبس وهى
( لنا فى كل مكرمة مقام ** ومن فوق النجوم لنا مقام ) ومنها
( روينا من مياه المجد لما ** وردناها وقد كثر الزحام )
( فنحن هم وقل لى من سوانا ** لنا التقديم قدما والكلام )
( لنا الأيدي الطوال بكل صوب ** يهز به لدى الروع الحسام )
( ونحن اللابسون لكل درع ** يصيب السمر منهن انثلام )
____________________
(6/237)


( بأندلس لنا أيام حرب ** مواقفهن فى الدنيا عظام )
( ثوى منها قلوب الروم خوف ** يخوف منه فى المهد الغلام )
( حمينا جانب الدين احتسابا ** فها هو لا يهان ولا يضام )
( وتحت الراية الحمراء منا ** كتائب لا تطاق ولا ترام )
( بنو نصر وما أدراك ما هم ** أسود الحرب والقوم الكرام )
( لهم فى حربهم فتكات عمرو ** فللأعمار عندهم انصرام )
( يقول عداتهم مهما ألموا ** أتونا ما من الموت اعتصام )
( اذا شرعوا الأسنة يوم حرب ** فحقق ان ذاك هو الحمام )
( كأن رماحهم فيها نجوم ** اذا ما اشبه الليل القتام )
( أناس تخلف الأيام ميتا ** بحى منهم فلهم دوام )
( رأينا من أبى الحجاج شخصا ** على تلك الصفات له قيام )
( موقى العرض محمود السجايا ** كريم الكف مقدام همام )
( يجول بذهنه فى كل شىء ** فيدركه وان عز المرام )
( قويم الرأى فى نوب الليالى ** اذا ما الرأى فارقه القوام )
( له فى كل معضلة مضاء ** مضاء الكف ساعدها الحسام )
( رؤوف قادر يغضي ويعفو ** وان عظم اجتناء واجترام )
( تطوف ببيت سؤدده القوافى ** كما قد طاف بالبيت الأنام )
( وتسجد فى مقام علاه شكرا ** ونعم الركن ذلك والمقام )
( أفارسها اذا ما الحرب أخنت ** على أبطالها ودنا الحمام )
( وممطرها اذا ما السحب كفت ** وكف أخى الندى أبدا غمام )
( لك الذكر الجميل بكل قطر ** لك الشرف الأصيل المستدام )
( لقد جبنا البلاد فحيث سرنا ** رأينا ان ملكك لا يرام )
( فضلت ملوكها شرقا وغربا ** وبت لملكها يقظا وناموا )
( فأنت لكل معلوة مدار ** وأنت لكل مكرمة إمام )
____________________
(6/238)


( جعلت بلاد أندلس اذا ما ** ذكرت تغار مصر والشام )
( مكان أنت فيه مكان عز ** وأوطان حللت بها كرام )
( وهبتك من بنات الفكر بكرا ** لها من حسن لقياك ابتسام )
( فنزه طرف مجدك فى حلاها ** فللمجد الأصيل بها اهتمام )
51 - وقال فى الإكليل فى ترجمة الشريف محمد بن الحسن العمرانى من أهل فاس ما صورته كريم الانتماء متظلل بأغصان الشجرة الشماء من رجل سليم الضمير ذى باطن أصفى من الماء النمير له فى الشعر طبع يشهد بعروبية أصوله ومضاء نصوله وذكر فى الإحاطة أن الشريف المذكور توفى فى حدود ثمانية وثلاثين وسبعمائة
52 - وقال فى الإكليل فى ترجمة محمد بن أحمد بن ابراهيم المرادى العشاب وهو قرطبى الأصل تونسى المولد والمنشأ ما صورته جواد لا يتعاطى طلقه وصبح فضل لا يماثل فلقه كانت كانت لأبيه رحمه الله تعالى من الدول الحفصية منزلة لطيفة المحل ومفاوضة فى العقد والحل ولم يزل تسمو به قدم النجابة من العمل الى الحجابة ونشأ ابنه هذا مقضى الديون مفدى بالأنفس والعيون والدهر ذو ألوان ومارق حرب عوان والأيام كرات تتلقف وأحوال لا تتوقف فألوى بهم الدهر وأنحى وأغام جوهم بعقب ما أصحى فشملهم الاعتقال وتعاورتهم النوب الثقال واستقرت بالمشرق ركابه وحطت به أقتابه فحج واعتمر واستوطن تلك المعاهد وعمر وعكف على كتاب الله تعالى فجود الحروف وقرأ المعروف وقيد وأسند وتكرر الى دور الحديث وتردد وقدم على هذا الوطن قدوم النسيم البليل على كبد العليل ولما استقر به قراره واشتمل على جفنه غراره بادرت الى مؤانسته وثابرت على مجالسته فاجتليت للسر شخصا وطالعت ديوان الوفاء مستقصى
____________________
(6/239)

وشعره ليس بحائد عن الإحسان ولا غفل عن النكت الحسان انتهى
53 - وقال فى الإكليل فى ترجمة أبى عبد الله محمد بن عمر بن على ابن ابراهيم المليكشى ما صورته كاتب الخلافة ومشعشع الأدب الذى يزرى بالسلافة كان بطل مجال ورب روية وارتجال قدم على هذه البلاد وقد نبا به وطنه وضاق ببعض الحوادث عطنه فتلوم تلوم النسيم بين الخمائل وحل منها محل الطيف من الوشاح الجائل ولبث مدة إقامته تحت جراية واسعة وميرة يانعه ثم آثر قطره فولى وجهه شطره واستقبله دهره بالإنابة وقلده خطة الكتابة فاستقامت حاله وحطت رحاله وله شعر أنيق وتصوف وتحقيق ورحلة الى الحجاز سعيها فى الخير وثيق ونسبها فى الصالحات عريق ومن شعره قوله
( رضى نلت ما ترضين من كل ما يهوى ** فلا توقفينى موقف الذل والشكوى )
( وصفحا عن الجانى المسىء لنفسه ** كفاه الذى يلقاه من شدة البلوى )
( بما بيننا من خلوة معنوية ** أرق من النجوى وأحلى من السلوى )
( قفى أتشكى لوعة البين ساعة ** ولا يك هذا آخر العهد بالنجوى )
( قفى ساعة فى عرصة الدار وانظري ** إلى عاشق ما يستفيق من البلوى )
( وكم قد سألت الريح شوقا اليكم ** فما حن مسراها على ولا ألوى )
( فيا ريح حتى أنت ممن يغار بى ** ويا نجد حتى أنت تهوى الذى أهوى )
( خلقت ولى قلب جليد على النوى ** ولكن على فقد الأحبة لا يقوى )
وحدث بعض من عنى بأخباره أيام مقامه بمالقه واستقراره أنه لقى بباب الملعب من أبوابها ظبية من ظبيات الإنس وقينة من قينات هذا الجنس فخطب وصالها واتقى بفؤاده نصالها حتى همت بالانقياد وانعطفت انعطاف الغصن
____________________
(6/240)

المياد فأبقى على نفسه وأمسك وأنف من خلع العذار بعدما تنسك وقال
( لم أنس وقفتنا بباب الملعب ** بين الرجا واليأس من متجنب )
( وعدت فكنت مراقبا لحديثها ** يا ذل وقفه خائف مترقب )
( وتدللت فذللت بعد تعزز ** ياتى الغرام بكل أمر معجب )
( بدوية أبدى الجمال بوجهها ** ما شئت من خد شريق مذهب )
( تدنو وتبعد نفرة وتجنيا ** فتكاد تحسبها مهاة الربرب )
( ورنت بلحظ فاتن لك فاتر ** انضى وأمضى من حسام المضرب )
( وأرتك بابل سحرها بجفونها ** فسبت وحق لمثلها ان تستبى )
( وتضاحكت فحكت بنير ثغرها ** لمعان نور ضياء برق خلب )
( بمنظم فى عقد سمطى جوهر ** عن شبه نور الأقحوان الأشنب )
( وتمايلت كالغصن أخضله الندى ** ريان من ماء الشبيبة مخصب )
( تثنية أرواح الصبابة والصبا ** فتراه بين مشرق ومغرب )
( أبت الروادف ان تميل بميله ** فرست وجال كأنه فى لولب )
( متتوجا بهلال وجه لاح فى ** خلل السحاب لحاجب ومحجب )
( يا من رأى فيها محبا مغرما ** لم ينقلب الا بقلب قلب )
( ما زال مذ ولى يحاول حيلة ** تدنيه من نيل المنى والمطلب )
( فأجال نار الفكر حتى أوقدت ** فى القلب نار تشوق وتلهب )
( فتلاقت الأرواح قبل جسومها ** وكذا البسيط يكون قبل مركب ) وقال
( أرى لك يا قلبى بقلبي محبة ** بعثت بها سرى اليك رسولا )
( فقابله بالبشرى وأقبل عشيه ** فقد هب مسكى النسيم عليلا )
( ولا تعتذر بالقطر أو بلل الندى ** فأحسن ما يأتى النسيم بليلا )
____________________
(6/241)

توفى عام أربعين وسبعمائة بتونس رحمه الله تعالى انتهى
54 - وقال فى الإكليل فى ترجمة ابى عبد الله محمد بن على بن عمر العبدرى التونسى الشاطبى الأصل ما نصه غذى نعمة هامية وقريع رتبة سامية صرفت إلى سلفه الوجوه ولم يبق من إفريقية إلا من يخافه ويرجوه وبلغ هو مدة ذلك الشرف الغاية من الترف ثم قلب الدهر له ظهر المجن واشتد به الخمار عند فراغ الدن ولحق صاحبنا هذا بالمشرق بعد خطوب مبيرة وشدة كبيرة فامتزج بسكانه وقطانه ونال من اللذات به ما لم ينله فى أوطانه واكتسب الشمائل العذاب وكان كابن الجهم بعث إلى الرصافة ليرق فذاب ثم حوم على وطنه تحويم الطائر وألم بهذه البلاد المام الخيال الزائر فاغتنمت صفقة وده لحين وروده وخطبت موالاته على انقباضه وشروده فحصلت منه على درة تقتنى وحديقة طيبة الجنى أنشدنى فى أصحاب له بمصر قاموا ببره
( لكل أناس مذهب وسجيه ** ومذهب أولاد النظام المكارم )
( إذا كنت فيهم ثاويا كنت سيدا ** وان غبت عنهم لم تنلك المظالم )
( أولئك صحبي لا عدمت حياتهم ** ولا عدموا السعد الذى هو دائم )
( أغنى بذكراهم وطيب حديثهم ** كما غردت فوق الغصون الحمائم ) وقال
( أحبتنا بمصر لو رأيتم ** بكائى عند أطراف النهار )
( أكنتم تشفقون لفرط وجدي ** وما القاه من بعد الديار )
55 - وقال فى الإكليل فى ترجمة أبى القاسم محمد بن أبى زكريا يحيى ابن أبى طالب عبد الله بن محمد بن احمد العزفى السبتى ما صورته فرع تأود من الرياسة فى دوحة وتردد بين غدوة فى المجد وروحة نشأ والرياسة العزفية
____________________
(6/242)

تعله وتنهله والدهر ييسر أمله الأقصى ويسهله حتى اتسقت أسباب سعده وانتهت اليه رياسة سلفه من بعده فألقت اليه رحالها وحطت ومتعته بقربها بعدما شطت ثم كلح له الدهر بعدما تبسم وعاد زعزعا نسيمة الذى كان يتنسم وعاق هلالة عن تمه ما كان من تغلب ابن عمه واستقر بهذه البلاد نازح الدار بحكم الأقدار وإن كان نبيه المكانة والمقدار وجرت عليه جراية واسعة ورعاية متتابعة وله أدب كالروض باكرته الغمائم والزهر تفتحت عنه الكمائم رفع منه رايه خافقه واقام له سوقا نافقه وعلى تدفق أنهاره وكثرة نظمه واشتهاره فلم أظفر منه إلا باليسير التافه بعد انصرافه انتهى
56 - وقال فى الإكليل فى ترجمة أبى عبد الله محمد بن عبد الرحمن المكودي الفاسى ما نصه شاعر لا يتقاصى ميدانه ومرعى بيان رف غضاه واينع سعدانه يدعو الكلام فيهطع لداعيه ويسعى فى اجتلاب المعانى فتنجح مساعيه غير أنه أفرط فى الانهماك وهوى إلى السمكة من أوج السماك قدم على هذه البلاد مفلتا من رهق تلمسان حين الحصار صفر اليمين واليسار من اليسار فل هوى انحى على طريفه وتلاده واخرجه من بلاده ولما جد به البين وحل هذه البلدة بحال تقتحمها العين والسيف بهزته لا بحسن بزته دعوناه إلى مجلس أعاره البدر هالته وخلع عليه الأصيل غلالته وروض تفتح كمامه وهمى عليه غمامه وكأس أنس تدور فتتلقى نجومها البدور فلما ذهبت المؤانسة بخجله وتذكر هواه ويوم نواه حتى خفنا حلول أجله جذبنا للمؤانسة زمامه واستسقينا منه غمامه فأمتع واحسب ونظر ونسب وتكلم فى المسائل وحاضر بطرف الأبيات وعيون الرسائل حتى نشر الصباح رايته وأطلع النهار آيته فمما نسبه إلى نفسه وأنشدناه قوله
( غرامى فيك جل عن القياس ** وقد سقيتنيه بكل كاس )
( ولا أنسى هواك ولو جفانى ** عليك أقاربى طرا وناسى )
____________________
(6/243)


( ولا أدرى لنفسى من كمال ** سوى أنى لعهدك غير ناسى ) وقال
( بعثت بخمر فيه ماء وأنما ** بعثت بماء فيه رائحة الخمر )
( فقل عليه الشكر إذ قل سكرنا ** فنحن بلا سكر وأنت بلا شكر )
57 - وقال لسان الدين رحمه الله تعالى فى ترجمة أبى عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن بيبش العبدرى الغرناطى ما صورته معلم مدرب مسهل مقرب له فى صنعة العربية باع مديد وفى هدفها سهم سديد ومشاركة فى الأدب لا يفارقها تسديد خاصي المنازع مختصرها مرتب الأحوال مقررها تميز أول وقته بالتجارة فى الكتب فسلطت منه عليها أرضه آكله وسهم أصاب من رميتها الشاكلة أثرى بسببها وأترب واغنى جهة وأفقر اخرى وانتقل لهذا العهد الأخير إلى سكنى مسقط رأسه ومنبت غرسه وجرت عليه جراية من احباسها ووقع عليه قبول من ناسها وبها تلاحق به الحمام فكان من ترابها البداية وإليها التمام وله شعر لم يقصر فيه عن المدى وأدب توشح بالإجادة وارتدى أنشدنى بسبته تاسع جمادى الأولى عام اثنين وخمسين وسبعمائة يجيب عن بيتى ابن العفيف التلمسانى
( يا ساكنا قلبى المعنى ** وليس فيه سواك ثانى )
( لأي معنى كسرت قلبى ** وما التقى فيه ساكنان ) فقال
( نحلتنى طائعا فؤادا ** فصار اذ حزته مكانى )
( لا غرو إذ كان لى مضافا ** أنى على الكسر فيه بانى )
وقال يخاطب الشريف أبا العباس وأهدى أقلاما
____________________
(6/244)


( أناملك الغر التى سيب جودها ** يفيض كفيض المزن بالصيب القطر )
( أتتنى منها تحفة مثل حدها ** إذا انتضيت كانت كمرهفة السمر )
( هى الصفر لكن تعلم البيض أنها ** محكمة فيها على النفع والضر )
( مهذبة الاوصال ممشوقة كما ** تصوغ سهام الرمى من خالص التبر )
( فقبلتها عشرا ومثلت أننى ** ظفرت بلثم فى أناملك العشر ) وقال فى ترتيب حروف الصحاح
( أساجعة بالواديين تبوئى ** ثمارا جنتها حاليات خواضب )
( دعى ذكر روض زاره سقى شربه ** صباح ضحى طير ظماء عواصب )
( غرام فؤادى قاذف كل ليلة ** متى ما نأى وهنا هواه يراقب )
مولده فى حدود ثمانين وستمائة وتوفى بغرناطة فى رجب عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة انتهى
قلت رأيت بخط الجلال السيوطى على هامش جوابه عن بيتي ابن العفيف التلمسانى ما صورته قلت فى هذا البيت تصريح بان المضاف إلى الياء مبنى على الكسر وهو رأي مرجوح عند النحاة ذهب إليه الجرجانى والصحيح أنه معرب على أن ذاك لا يحتاج إلى جواب كما يظهر بالتأمل قاله عبد الرحمن السيوطى انتهى ويعنى بذلك أن الساكنين أنما يكسر احدهما لا محلهما والله سبحانه اعلم
58 - وقال لسان الدين فى الإكليل فى ترجمة أبى عبد الله محمد بن هانىء اللخمى السبتى وأصله من إشبيلية ما صورته علم تشير اليه الأكف ويعمل إلى لقائه الحافر والخف رفع للعربية ببلده راية لا تتاخر ومرج
____________________
(6/245)

منها لجة تزخر فانفسخ مجال درسه وأثمرت أنواع غرسه فركض ماشاء ومرح ودون وشرح إلى شمائل يملك الظرف زمامها ودعابه راشت الحلاوة سهامها ولما أخذ المسلمون فى منازلة الجبل وحصاره وأصابوا الكفر منه بجارحه إبصاره ورموا بالثكل فيه نازح امصاره كان ممن انتدب وتطوع وسمع النداء فاهطع فلازمه إلى أن نفذ لأهله القوت وبلغ من فسحة الأجل الموقوت فأقام الصلاة بمحرابه وحياه وقد غير محياه طول اغترابه وبادره الطاغية قبل أن يستقر نصل الإسلام فى قرابه أو يعلق أصل الدين فى ترابه وانتدب إلى الحصار ربه وتدرع ودعاه أجله فلبى وأسرع ولما هدر عليه الفنيق وركع إلى قبله المنجنيق اصيب بحجر دوم عليه كالجارح المحلق وانقض إليه انقضاض البارق المتألق فاقتنصه واختطفه وعمد إلى زهرة فاقتطفه فمضى إلى الله تعالى طوع نيته وصحبته غرابة المنازع حتى فى أمنيته انتهى
وقد جود ترجمته فى الإحاطة وقال أنه ألف كتبا منها شرح تسهيل الفوائد لابن مالك مبدع تنافس الناس فيه وكتاب الغرة الطالعة فى شعراء المائة السابعة وكتاب انشاد الضوال وإرشاد السؤال فى لحن العامة وهو مفيد وكتاب قوت المقيم ودون ترسيل أبى المطرف ابن عميرة وضمه فى سفرين وله جزء فى الفرائض وحدثنى شيخنا الشريف القاضى أبو القاسم قال خاطبت ابن هانىء بقصيدة من نظمى أولها
( هات الحديث عن الركب الذى شخصا ) فاجابنى بقصيدة على رويها أولها
( لولا مشيب بفودي للفواد عصى ** أنضيت فى مهمه التشبيب لى قلصا )
____________________
(6/246)


( واستوقفت عبراتى وهى جارية ** وكفاء توهم ربعا للحبيب قصا )
( مسائلا عن لياليه التى انتهزت ** أيدى الأمانى بها ما شئته فرصا )
( وكنت جاريت فيه من جرى طلقا ** من الإجادة لم يجمح ولا نكصا )
( أصاب شاكلة المرمى حين رمى ** من الشوارد ما لولاه ما اقتنصا )
( ومن اعد مكان النبل نبل حجى ** لم يرض إلا بابكار النهى قنصا )
( ثم انثنى ثانيا عطف النسيب إلى ** مدح به قد غلا ما كان قد رخصا )
( فظلت أرفل فيها لبسه شرفت ** ذاتا ومنتسبا أعزز بها قمصا )
( يقول فيها وقد خولت منحتها ** وجرع الكاشح المغرى بها غصصا )
( هذى عقائل وافت منك ذا شرف ** لولا أياديه بيع الحمد مرتخصا )
( فقلت هلا عكست القول منك له ** ولم يكن قابلا فى مدحه الرخصا )
( وقلت ذى بكر فكر من أخى شرف ** يردى ويرضى بها الحساد والخلصا )
( لها حلى حسنيات على حلل ** حسنية تستبى من حل أو شخصا )
( خولتها وقد اعتزت ملابسها ** بالبخت ينقاد للإنسان ما عوصا )
( خذها ابا قاسم منى نتيجة ذى ** ود إذا شئت ودا للورى خلصا )
( جاءت تجاوب عما قد بعثت به ** أن كنت تأخذ من در النحور حصى ) وهى طويلة ومما ينسب إليه
( ما للنوى مدت لغير ضرورة ** ولقبل ما عهدى بها مقصورة )
( أن الخليل وأن دعته ضرورة ** لم يرض ذاك فكيف دون ضروره ) وقال مضمنا للثانى
( لا تلمنى عاذلى حين ترى ** وجه من اهوى فلومى مستحيل ) 4
____________________
(6/247)


( لو رأى وجه حبيبى عاذلى ** لتفارقنا على وجه جميل ) وأجاب الشريف المذكور عن قصيدة مهموزة بقوله
( يا أوحد الأدباء أو يا اوحد ** الفضلاء أو يا أوحد الشرفاء )
( من ذا تراه أحق منك إذا التوت ** طرق الحجاج بان يجيب ندائى )
( أدب أرق من الهواء وان تشا ** فمن الهوا والماء والصهباء )
( وألذ من ظلم الحبيب وظلمه ** بالظاء مفتوحا وضم الظاء )
( ما السحر إلا ما تصوغ بنانه ** ولسانه من حليه الإنشاء ) وهى طويلة يقول فيها بعد جملة أبيات
( لله نفثه سحر ما قد شدت لى ** من نفث سحرك فى مشاد ثناء )
( عارضت صفوانا بها فأريت ما ** يستعظم الراوى لها والرائى )
( لو راء لؤلؤك المنظم لم يفز ** من نظم لؤلؤه بغير عناء )
( بواتنى منها أجل مبوإ ** فلأخمصى مستوطىء الجوزاء )
( وسما بها اسمى سائرا فانا بما ** أسديت ذو الأسماء فى الأسماء )
( وأشدت ذكري فى البلاد فلى بها ** طول الثناء وان أطلت ثوائى )
( ولقومى الفخر المشيد بنيته ** يا حسن تشييد وحسن بناء )
( فليهن هانيهم يد بيضاء ما ** أن مثلها لك من يد بيضاء )
( حليت أبياتا له لخمية ** تجلى على مضرية غراء )
( فليشمخوا أنفا بما أوليتهم ** يا محرز الآلاء بالإيلاء ) ووصلها بنثر نصه هذا بني وصل الله سبحانه لك ولى بك علو المقدار
____________________
(6/248)

وأجرى وفق إرادتك وإرادتى لك جاريات الأقدار ما سنح به الذهن الكليل واللسان الفليل فى مراجعة قصيدتك الغراء الجالبة السراء الآخذة بمجامع القلوب الموفية بجوامع المطلوب الحسنة المهيع والأسلوب المتحلية بالحلى السنية العريقة المنتسب فى العلا الحسنية الجالية لصدإ القلوب ران عليها الكسل وخانها المسعدان السؤل والأمل فمتى حامت المعانى حولها ولو أقامت حولها شكت ويلها وعولها وحرمت من فريضة الفضيلة عولها وعهدي بها والزمان زمان وأحكامها الماضية أمانى مقضية وأمان تتوارد الأفها ويجمع إجماعها وخلافها ويساعدها من الألفاظ كل سهل ممتنع مفترق مجتمع مستأنس غريب بعيد الغور قريب فاضح الحلى واضح العلا وضاح الغرة والجبين رافع عمود الصبح المبين أيد من الفصاحة بأياد فلم يحفل بصاحبى طيىء وإياد وكسى نصاعة البلاغة فلم يعبأ بهمام وابن المراغة شفاء المحزون وعلم سر المخزون ما بين منثوره والموزون والآن لا ملهج ولا مبهج ولا مرشد ولا منهج عكست القضايا فلم تنتج فتبلد القلب الذكى ولم يرشح القلم الزكى وعم الإفحام وغم الإحجام وتمكن الإكداء والإجبال وكورت الشمس وسيرت الجبال وعلت سآمة وغلبت ندامة وارتفعت ملامة وقامت لنوعى الأدب قيامة حتى أذا ورد ذلك المهرق وفرع غصنه المورق وتغنى به الحمام الأورق وأحاط بعداد عداته الغصص والشرق وأمن من ذلك الغصب والسرق وأقبل الأمن وذهب لإقباله الفرق نفخ فى صور أهل المنظوم والمنثور وبعثر ما فى القبور وحصل ما فى الصدور وتراءت للأدب صور وعمرت للبلاغة كور وهمت لليراعة درر ونظمت البراعة درر وعندها تبين أنك واحد حلبة البيان والسابق فى ذلك الميدان يوم الرهان فكان لك القدم وأقر لك مع التأخر السابق الأقدم فوحق نصاعة الفاظ أجدتها حين أوردتها وأسلتها
____________________
(6/249)

حين أرسلتها وأزنتها حين وزنتها وبراعة معان سلكتها حين ملكتها وأرويتها حين رويتها أو رويتها وأصلتها حين فصلتها أو وصلتها ونظام جعلته بجسد البيان قلبا ولمعصمه قلبا وهصرت حدائقه غلبا وارتكبت روية صعبا ونثار أتبعته له خديما وصيرته لمدير كأسه نديما ولحفظه ذمامه المدامى أو مدامه الذمامى مديما لقد فتنتني حين أتتنى وسبتنى حين اطبتنى فذهبت خفتها بوقاري ولم يرعها بعد شيب عذاري بل دعت للتصابى فقلت مرحبا وحللت لفتنتها الحبا ولم أحفل بشيب وألفيت ما رد تصابى نصيب وأن كنا فرسى رهان وسابقى حلبة ميدان غير أن الجلدة بيضاء والمرجو الإغضاء بل الإرضاء بنى كيف رأيت للبيان هذا الطوع والخروج فيه من نوع إلى نوع اين صفوان بن إدريس ومحل دعواه بين رحله وتعريس كم بين ثغاء بقر الفلاة وبين الليث ذى الفريس كما أنى أعلم قطعا وأقطع علما وأحكم مضاء وأمضى حكما أنه لو نظر إلى قصيدتك الرائقة وفريدتك الحالية الفائقة المعارضة بها قصيدته المنتسخة بها فريدته لذهب عرضا وطولا ثم اعتقد لك اليد الطولى وأقر فارتفع النزاع وذهبت له تلك العلاقات والأطماع ونسى كلمته اللؤلؤية ورجع عن دعواه الأدبية واستغفر ربه من تلك الألية بنى وهذا من ذلك الجرى فى تلك المسالك والتبسط فى تلك المآخذ والمتارك أينزع غيري هذا المنزع أم المرء بنفسه وابنه مولع حيا الله الأدب وبنيه وأعاد علينا من أيامه وسنيه ما أعلى منازعه وأكبى منازعه وأجل مآخذه وأجهل تاركه واعلم آخذه وأرق طباعه وأحق اشياعه وأتباعه وأبعد طريقه واسعد فريقه وأقوم نهجه وأوثق نسجه وأسمح ألفاظه وأفصح عكاظه وأصدق معانيه وألفاظه وأحمد نظامه ونثاره
____________________
(6/250)

وأغنى شعاره ودثاره فعائبه مطرود وعاتبه مصفود وجاهله محصود وعالمه محسود غير أن الإحسان فيه قليل ولطريق الإصابة فيه علم ودليل من ظفر بهما وصل وعلى الغاية القصوى منه حصل ومن نكب عن الطريق لم يعد من ذلك الفريق فليهنك أيها الابن الذكى البر الزكي الحبيب الحفى الصفى الوفى أنك حامل رايته وواصل غايته ليس أولوه وآخروه لذلك بمنكرين ولا تجد أكثرهم شاكرين ولولا أن يطول الكتاب وينحرف الشعراء والكتاب لفاضت ينابيع هذا الفضل فيضا وخرجت الى نوع آخر من البلاغة أيضا قرت عيون أودائك وملئت غيظا صدور أعدائك ورقيت درج الآمال ووقيت عين الكمال وحفظ منصبك العالى بفضل ربك الكبير المتعالى والسلام الأتم الأنم الأكمل الأعم يخصك به من طال فى مدحه إرقالك وإغذاذك وراد روض حمدك وابلك وطلك ورذاذك وغدت مصالح سعيه فى سعى مصالحك وسينفعك بحول الله وقوته وفضله ومنته معاذك ووسمت نفسك بتلميذه فسمت نفسه بأنه أستاذك ابن هانىء ورحمه الله تعالى وبركاته
وكانت وفاته شهادة فى أواخر ذى القعدة عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة ورثاه شيخنا أبو القاسم الحسنى بقصيدة أثبتت فى اسمه منها
( سقى الله بالخضراء أشلاء سؤدد ** تضمنهن الترب صوب الغمائم ) ورثاه شيخنا أبو بكر ابن شبرين فقال
( قد كان ما قال البريد ** فاصبر فحزنك لا يفيد )
( أودى ابن هانىء الرضى ** فاعتادنى للثكل عيد )
( بحر العلوم وصدرها ** وعميدها إذ لا عميد )
____________________
(6/251)


( قد كان زينا للوجود ** ففيه قد فجع الوجود )
( العلم والتحقيق والتوفيق ** والحسب التليد )
( تندى خلائقه فقل ** فيها هى الروض المجود )
( مغض عن الإخوان لا ** جهم اللقاء ولا كنود )
( أودى شهيدا باذلا ** مجهوده نعم الشهيد )
( لم أنسه حين المعارف ** باسمه فينا تشيد )
( وله صبوب فى طلاب ** العلم يتلوه صعود )
( لله وقت كان ** ينظمنا كما نظم الفريد )
( أيام نغدو أو نروح ** وسعينا السعى الحميد )
( وإذا المشيخة جثم ** هضبات حلم لا تميد )
( ومرادنا جم النبات ** وعيشنا خضر برود )
( لهفى على الإخوان ** والأتراب كلهم فقيد )
( لو جئت أوطانى ** لأنكرنى التهائم والنجود )
( ولراع نفسى شيب من ** غادرته وهو الوليد )
( ولطفت ما بين اللحود ** وقد تكاثرت اللحود )
( سرعان ما عاث الحمام ** ونحن أيقاظ هجود )
( كم رمت إعمال المسير ** فقيدت عزمى قيود )
( والآن أخلفت الوعود ** وأخلقت تلك البرود )
( ما للفتى ما يبتغى ** فالله يفعل ما يريد )
( أعلى القديم الملك يا ** ويلاه يعترض العبيد )
( يا بين قد طال المدى ** أبرق وأرعد يا يزيد )
____________________
(6/252)


( ولكل شىء غاية ** ولربما لان الحديد )
( ايه أبا عبد الإله ** ودوننا مرمى بعيد )
( أين الرسائل منك ** تأتينا كما نسق العقود )
( اين الرسوم الصالحات ** تصرمت اين العهود )
( أنعم مساء لا تخطيك ** البشائر والسعود )
( وأقدم على دار الرضى ** حيث الإقامة والخلود )
( والق الأحبة حيث دار ** الملك والقصر المشيد )
( حتى الشهادة لم تفتك ** فنجمك النجم السعيد )
( لا تبعدن وعدا لو أن ** البدء فى الدنيا يعود )
( فلئن بليت فان ذكرك ** فى الدنا غض جديد )
( تالله لا تنساك ** أندية العلا ما اخضر عود )
( وإذا تسومح فى الحقوق ** فحقك الحق الأكيد )
( جادت صداك غمامة ** يرمى بها ذاك الصعيد )
( وتعهدتك من المهيمن ** رحمة ابدا وجود )
وقوله أول هذه الرسالة عارضت صفوان بها إلى آخره يعنى بذلك همزية صفوان بن إدريس المشهورة بين أدباء المغرب ولنذكرها إفادة للغرض وهى
( جاد الربى من بانة الجرعاء ** نوءان من دمعى وغيم سماء )
( فالدمع يقضى عندها حق الهوى ** والغيم حق البانة الغناء )
( خلت الصدور من القلوب كما خلت ** تلك المقاصر من مها وظباء )
( ولقد أقول لصاحبى وإنما ** ذخر الصديق لآكد الأشياء )
( يا صاحبى ولا أقل إذا أنا ** ناديت من أن تصغيا لندائى )
____________________
(6/253)


( عوجا نجارى الغيث فى سقى الحمى ** حتى يرى كيف انسكاب الماء )
( ونسن فى سقى المنازل سنة ** نمضى بها حكما على الظرفاء )
( يا منزلا نشطت إليه عبرتى ** حتى تبسم زهرة لبكائى )
( ما كنت قبل مزار ربعك عالما ** أن المدامع أصدق الأنوار )
( يا ليت شعرى والزمان تنقل ** والدهر ناسخ شدة برخاء )
( هل نلتقى فى روضة موشية ** خفاقة الأغصان والأفياء )
( وننال فيها من تألفنا ولو ** ما فيه سخنة أعين الرقباء )
( فى حيث اتلعت الغصون سوالفا ** قد قلدت بلآلىء الآنداء )
( وبدت ثغور الياسمين فقبلت ** عنى عذار الآسة الميساء )
( والورد فى شط الخليج كأنه ** رمد ألم بمقلة زرقاء )
( وكان غض الزهر فى خضر الربى ** زهر النجوم تلوح بالخضراء )
( وكأنما جاء النسيم مبشرا ** للروض يخبره بطول بقاء )
( فكساه خلعة طيبة ورمى له ** بدراهم الأزهار رمى سخاء )
( وكأنما احتقر الصنيع فبادرت ** للعذر عنه نغمة الورقاء )
( والغصن يرقص فى حلى أوراقه ** كالخود فى موشيه خضراء )
( وافتر ثغر الأقحوان بما رأى )
( طربا وقهقه منه جرى الماء )
( أفدية من أنس تصرم فانقضى ** فكأنه قد كان فى الإغفاء )
( لم يبق منه غير ذكرى أو منى ** وكلاهما سبب لطول عناء )
( أو رقعة من صاحب هى تحفة ** إن الرقاع لتحفة النبهاء )
( كبطاقة الوشقى إذ حيا بها ** ان الكتاب تحية الخلطاء )
( ما كنت أدرى قبل فض ختامها ** أن البطائق أكؤس الصهباء )
( حتى ثنيت معاطفى طربا بها ** وجررت أذيالى من الخيلاء )
( فجعلت ذاك الطرس كأس مدامة ** وجعلت مهدية من الندماء )
( وعجبت من خل يعاطى خله ** كأسا وراء البحر والبيداء )
____________________
(6/254)


( ورأيت رونق خطها فى حسنها ** كالوشى نمق معصم الحسناء )
( فوحقها من تسع آيات لقد ** جاءت بتأييدي على أعدائى )
( فكاننى موسى بها وكانها ** تفسير ما فى سورة الإسراء )
( لو جاء فكر ابن الحسين بمثلها ** صحت نبوته لدى الشعراء )
( سوداء إذ أبصرتها لكنها ** كم تحتها لك من يد بيضاء )
( ولقد رأيت وقد تأوبنى الكرى ** فى حيث شابت لمة الظلماء )
( أن السماء أتى إلى رسولها ** بهدية ضاءت بها أرجائى )
( بالفرقدين وبالثريا أدرجا ** فى الطى من كافورة بيضاء )
( فكفى بذاك الطرس من كافورة ** وبنظم شعرك من نجوم سماء )
( قسما بها وبنظمها وبنثرها ** لقد انتحتنى ملء عين رجائى )
( وعلمت أنك أنت فى ابداعها ** لفظا وخطا معجز النبلاء )
( لا ما تعاطت بابل من سحرها ** لا ما ادعاه الوشى من صنعاء )
( ولقد رميت لها القياد وانها ** لقضية أعيت على البلغاء )
( وطلبت من فكرى الجواب فعقنى ** وكبا بكف الذهن زند ذكائى )
( فلذا تركت عروضها ورويها ** وهجرت فيها سنة الأدباء )
( ويعثتها ألفية همزية ** خدعا لفكر جامع إيبائى )
( علمت بقدرك فى المعارف فانبرت ** من خجلة تمشى على استحياء ) انتهت القصيدة ومن خط ناظمها صفوان نقلتها
رجع
59 - وقال لسان الدين رحمه الله تعالى فى ترجمة أبى محمد عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله الأزدي فى التاج ما صورته طويل القوادم والخوافى كلف على كبر سنة بعقائل القوافى شاب فى الأدب وشب ونشق ريح البيان لما هب فحاول رقيقة وجزله وأجاد جده وأحكم هزله فان مدح
____________________
(6/255)

صدح وأن وصف أنصف وأن عصف قصف وأن أنشأ ودون وتقلب فى أفانين البلاغة وتلون أفسد ما شاء الله وكون فهو شيخ الطريقة الأدبية وفتاها وخطيب حفلها كلما أتاها لا يتوقف عليه من أغراضها غرض ولا يضيع لديه منها مفترض ولم تزل بروقه تتألق ومعانيه بأذيال الإحسان تتعلق حتى برز فى أبطال الكلام وفرسانه وذعرت القلوب بسطوة لسانه وألقت إليه الصناعة زمامها ووقفت عليه أحكامها وعبر البحر منتجعا بشعره ومنفقا فى سوق الكساد من شعره فأبرق وأرعد وحذر وأوعد وبلغ جهد إمكانه فى التعريف بمكانه فما حرك ولا هز وذل فى طلب الرفد وقد عز وما برح أن رجع الى وطنه الذى اعتاده رجوع الحديث إلى قتاده وقد أثبت من نزعاته وبعض مخترعاته ما يدل على سعة باعه ونهضة ذراعه فمن النسيب قوله
( ما للمحب دواء يذهب الألما ** عنه سوى لمم فيه ارتشاف لمى )
( ولا يرد عليه نوم مقلته ** إلا الدنو إلى من شفه سقما )
( يا حاكما والهوى فينا يؤيده ** هواك فى بما ترضاه قد حكما )
ثم سردها وقال فى المديح
( إليك جد بى التسيار تأميلا ** فلى على فضلك المأمول تعويلا )
( الحمد لله حمدا لا كفاء له ** بسعد أيامك المأمول قد نيلا )
( يا راغبا مرتجاه دفع معضلة ** فصبره بصروف الدهر قد عيلا )
( ألمم بحضرة ملك كل مفتخر ** بالملك يوليه بالتعظيم ترسيلا )
( فرع من الدوحة النصرية اجتمعت ** فيه الفضائل تتميما وتكميلا )
( لديه مما لدى الصديق تسمية ** وميسم وكفاه ذاك تفضيلا )
____________________
(6/256)


60 - وقال لسان الدين فى الإكليل فى ترجمة أبى الحسن على بن إبراهيم ابن على بن خطاب السكاك من أهل غرناطة ما صورته متسور على بيوت القريض فى الطويل من الكلام والعريض ممن أطاعته براعة الخط وسلمت لأقلامه رماح الخط عانى كتابة الشروط لأول أمره ثم ألظت به محنته على توفر خصاله ونبل خلاله وهو الآن من كتاب ديوان الحساب يتعلل من الأمور المخزنية ببعض الألقاب انتهى
61 - وقال فى التاج فى ترجمة أبى الحسن على بن محمد بن عبد الحق ابن الصباغ العقيلي الغرناطى ما صورته اللسن العارف الناقد لجواهر المعانى كما يفعل بالسكة الصيارف والأديب المجيد الذى تحلى به للعصر النحر والجيد أن أجال جياد براعته فضح فرسان المهارق وأخجل بين بياض طرسه وسواد نقسه الطرر تحت المفارق وأن جلا أبكار أفكاره وأثار طير البيان من أوكاره سلب الرحيق المقدم فضل إسكاره إلى نفس لا يفارقها ظرف وهمه لا يرتد اليها طرف وإبانة لا يفل لها غرب ولا حرف وله أدب غض زهرة على مجتنيه منفض كتبت إليه أستنجز وعده فى الإتحاف برائقه والإمتاع بزهر حدائقه قولى
( عندي لموعدك افتقار محرج ** وعهودك افتقرت إلى إنجازها )
( والله يعلم فيك صدق مودتى ** وحقيقة الأشياء غير مجازها )
فاجابنى بقوله
( يا مهدى الدر الثمين منظما ** كلما حلال السحر فى ايجازها )
( أدركت حلبات الأوائل وانيا ** ورددت أولاها على أعجازها )
____________________
(6/257)


( أحرزت فى المضمار خصل سباقها ** ولأنت أسبقهم الى إحرازها )
( حليت بالسمطين منى عاطلا ** وبعثت من فكرى فتاه مفازها )
( فلأنجزن مواعدي مستعطفا ** فاسمح وبالإغضاء منك فجازها )
وقال فى الإحاطة فى حق المذكور إنه من أهل الفضل والسراوة والرجولة والجزالة فذ فى الكفاية ظاهر السذاجة والسلامة مصعب لأضداده شديد العصبية لأولى وداده يشتمل على خلال من خط بارع وكتابة حسنة وشعر جيد ومشاركة فى فقه وأدب ووثيقة ومحاضرة ممتعة ناب عن بعض القضاة وكتب الشروط وارتسم فى ديوان الجند وكتب عن شيخ الغزاة أبى زكريا يحيى بن عمر على عهده ثم انصرف إلى العدوة سابغ عشر جمادى الأولى من عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة فارتسم فى الكتابة السلطانية منوها به مستعملا فى خدم مجدية بان غناؤه فيها وظفرت كفايتة انتهى وقد وصفه بصاحبنا ثم قال ومن شعر المذكور قوله
( ليت شعري والهوى امل ** وأمانى الصب لا تقف )
( هل لذاك الوصل مرتجع ** أو لهذا الهجر منصوف )
وقال
( وظبى سبى بالطرف والعطف والجيد ** وما حاز من غنج ولين ومن غيد )
( أشرت اليه بالدنو مداعبا ** فقال أيدنو الظبى من غابة الأسد ) وقال فى مبدإ قصيدة مطولة
( حديث المغانى بعدهن شجون ** وأوجه أيام التباعد جون )
____________________
(6/258)


( لحا الله أيام الفراق فكم شجت ** وغادرت الجذلان وهو حزين )
( وحيا ديارا فى ربى أغرناطة ** وأنى بذاك القرب منك ضنين )
( لأرخصت فيها من شبابى ما غلا ** وعزمى على مال العفاف أمين )
( خليلي لا امر باربعها قفا ** فعندى إلى تلك الربوع حنين )
( الم تريانى كلما ذر شارق ** تضاعف عندى عبرة وأنين )
( إذا لم يساعدنى أخ منكما فلا ** حدت لخؤون بعد ذاك أمون )
( اليس عجيبا فى البرية من له ** إلى عهد إخوان الزمان ركون )
( فلا تثقن من ذى وفاء بعهده ** فقد اجن السلسال وهو معين )
( لقلبى عذر فى فراق ضلوعه ** وللدمع فى ترك الشؤون شؤون )
( ومن ترك الحزم المعين فانه ** لعان بأيدى الحادثات رهين )
( رعى الله ايامى الوثيق ذمامها ** فإن مكانى فى الوفاء مكين )
( ولم أر مثل الدهر أما عدوه ** فحب وأما خله فخؤون )
( ولولا أبو عمرو وجود بنانه ** لما كان فى هذا الزمان معين ) وقال
( زار الخيال ويا لها من لذة ** لكن لذات الخيال منام )
( ما زلت ألثم مبسما منظومه ** در ومورده الشهى مدام )
( وأضم غصن البان من أعطافه ** وأشم مسكا فض عنه ختام )
مولده عام ستة وسبعمائة وتوفى بفاس وقد تخلفه السلطان كاتب ولده عند توجهه لإفريقية فى العشرين من رمضان عام ثمانية وخمسين وسبعمائة رحمه الله تعالى
____________________
(6/259)

وقد وهم لسان الدين فى شهر وفاة المذكور وإنما الصواب أنة توفى يوم الأحد ثامن شوال فاعلم ذلك والله سبحانه أعلم رجع
62 - وقال فى التاج المحلى فى مساجلة القدح المعلى وفى الإكليل الزاهر فيمن فضل عند نظم التاج من الجواهر وغيرهما مما ثبت فى حلى رؤساء الكتاب وحاملى ألوية الآداب فى ترجمة شيخه ابن الجياب ما نصه صدر الصدور الجلة وعلم أعلام هذه الملة وشيخ الكتابة وبانيها وهاصر أفنان البدائع وجانيها اعتمدته الرياسة فناء بها على حبل ذراعه واستعانت به السياسة فدارت أفلاكها على قطب من شباة يراعه فتفيأ للعناية ظلا ظليلا وتعاقبت الدول فلم تر به بديلا من ندب على علوه متواضع وحبر لثدى المعارف راضع لا تمر مذاكرة فى فن إلا وله فيه التبريز ولا تعرض جواهر الكلام على محكات الأفهام إلا وكلامه الإبريز حتى أصبح الدهر راويا لإحسانه وناطقا بلسانه وغرب ذكره وشرق وأشام واعرق وتجاوز البحر الأخضر والخليج الأزرق إلى نفس هذبت الآداب شمائلها وجادت الرياضة خمائلها ومراقبة لربه واستنشاق لروح الله من مهبه ودين لا يعجم عوده ولا تخلف وعوده وكل ما ظهر علينا معشر بنيه من شارة تجلى بها العين أو إشارة كما سبك اللجين فهى اليه منسوبة وفى حسناته محسوبة فإنما هى انفس راضها بآدابه وأعلقها بأهدابه وهذب طباعها كالشمس تلقى على النجوم شعاعها والصور الجميلة تترك فى الأجسام الصقيلة انطباعها وما عسى أن أقول
____________________
(6/260)

فى إمام الأئمة ونورالدياجى المدلهمة والمثل السائر فى بعد الصيت وعلو الهمة وقد أثبت من عيون قصائده وأدبه الذى علق الإحسان فى مصايده كل وثيق المعنى كريم المجنى جامع بين حصافة اللفظ ولطافة المعنى انتهى
والمذكور له ترجمة فى هذا الكتاب فى باب مشيخة لسان الدين فلتراجع
63 - وقال فى الإكليل فى حق عمر بن على بن غفرون الكلبى من أهل منتفريد ما صورته شيخ خدم قام له الدهر فيها على قدم وصاحب تعريض ودهاء عريض وفائز من الدول النصرية باياد بيض أصله من حصن منتفريد خدم به الدولة النصرية عند انتزاء أهله وكان ممن استنزلهم من حزنه إلى سهله وحكم الأمر الغالبي فى يافعه وكهله فكسب حظوة أرضته ووسيلة أرهفته وأمضته حتى عظم جاهة وماله وبسقت آماله ثم دالت الدول وتنكرت أيامه الأول وتغلب من يجانسة وشقى بمن كان ينافسه فجف عوده والتائت سعوده وهلك والخمول يظله والدهر يقوته من صبابه حرث كان يستغله وله شعر لم يتقنه النظر ولا وضحت منه الغرر توفى فى ذى الحجة عام أربعة واربعين وسبعمائة انتهى
64 - وقال فى الإكليل فى حق قاسم بن محمد بن الجد الفهرى المرى ما صورته هو من أئمة اهل الزمام خليق برعى الذمام ذو حظ كما تفتح زهر الكمام وأخلاق اعذب من ماء الغمام كان ببلده حاسبا ودرا فى لجة الإغفال راسبا صحيح العمل يلبس الطروس من براعته أسنى الحلل قال يمدح السلطان
( أرى اوجه الأيام قد اشرقت بشرا ** فقل لى رعاك الله ما هذه البشرى )
( وما بال انفاس الخزامى تعطرت ** فأرجت الأرجاء من نفحها عطرا )
____________________
(6/261)


( ونقبت الشمس المنيرة وجهها ** قصورا عن الوجه الذى أخجل البدرا )
وهى طويلة توفى المذكور عام خمسين وسبعمائة بالطاعون
65 - وقال فى الإكليل فى حق أبى عثمان سعيد الغسانى ما صورته هو ممن يتشوق إلى المعرفة والمقالات ويتسق الى الحقائق والمحالات ويشتمل على نفس رقيقة ويسير من تعليم القرآن على خير طريقة ويعانى من الشعر ما يشهد بنبله ويستظرف من مثله انتهى
66 - وقال فى الإكليل فى ترجمة أبى الحجاج يوسف بن على الطرطوشى ما صورته روض ادب لا تعرف الذواء أزهاره ومجموع فضل لا تخفى آثاره كان فى فنون الأدب مطلق الأعنة وفى معاركه ماضى الظبى والأسنة فإن هزل وإلى تلك الطريقة اعتزل أبرم من الغزل ما غزل وبزل من دنان راحة ما بزل وأن صرف إلى المغرب غرب لسانه وأعاره لمحة من إحسانه أطاعه عاصية واستجمعت لدية اقاصية ورد على الحضرة الأندلسية والدنيا شابة وريح القبول هابة فاجتلى محاسن أوطانها وكتب عن سلطانها ثم كر إلى أوطانه وعطف واسرع اللحاق كالبارق إذا خطف وتوفى عن سن عالية وبرود من العمر غالية
67 - وقال فى ترجمة أبى عبد الله محمد بن أحمد بن المتأهل العذري من أهل وادي آش ما صورته رجل غليظ الحاشية معدود فى جنس السائمة والماشية تليت على العمال به سورة الغاشية ولى الأشغال السلطانية فذعرت الجباة لولايته وأيقنوا بقيام قيامتهم لطلوع آيته وقنطوا كل القنوط وقالوا جاءت الدابة تكلمنا وهى إحدى الشروط من رجل صائم الحشوة بعيد عن المصانعة والرشوة يتجنب الناس ويقول عند المخالطة لهم لا مساس عهدي
____________________
(6/262)

به فى الأعمال يحبط ويتبر وهو يهلل ويكبر ويحسن ويقبح وهو يسبح وقال يخاطب بعض أمراء الدولة
( عمادي ملاذى موئلى ومؤملى ** ألا انعم بما ترضاه للمتأهل )
( وحقق بنيل القصد منك رجاءه ** على نحو ما يرضيك يا ذا التفضل )
( فأنت الذى فى العلم يعرف قدره ** بخير زمان فيه لا زلت تعتلى )
( فهنيت يا معنى الكمال برتبة ** تقر لكم بالسبق فى كل محفل )
توفى عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة
انتهى وتذكرت بقوله ويحسن ويقبح وهو يسبح قول الآخر
( قد بلينا بأمير ** ظلم الناس وسبح )
( فهو كالجزار فيهم ** يذكر الله ويذبح ) رجع 68 - وقال لسان الدين فى ترجمة أبى عبد الله ابن باق من التاج ما صورته مدير أكؤس البيان المعتق ولعوب بأطراف الكلام المشقق انتحل لأول أمره الهزل من أصنافه فأبرز در معانية من أصدافه وجنى ثمرة الإبداع لحين قطافه ثم تجاوزه إلى المغرب وتخطاه فأدار كأسه المترع وعاطاه فأصبح لفنيه جامعا وفى فلكيه شهابا لامعا وله ذكاء يطير شرره وإدراك تتبلج غرره وذهن يكشف الغوامض ويسبق البارق الوامض وعلى ذلاقة لسانه وانفساح امد إحسانه فشديد الصبابة بشعره مغل لسعره انتهى والمذكور هو محمد بن إبراهيم بن على باق الأموي مرسي الأصل غرناطي النشأة مالقى الاستيطان
وقال فى عائد الصلة كان رحمه الله تعالى كاتبا أديبا ذكيا لوذعيا يجيد
____________________
(6/263)

الخط ويرسل النادرة ويقدم على العمل ويشارك فى الفريضة وبذ السباق فى الأدب الهزلى المستعمل بالأندلس غبر زمانا من عمره محارفا للفاقة يعالج بالأدب الكدية ثم استقام له الميسم وأمكنه البخت من امتطاء غاربه فأنشبت الحظوة فيه أناملها بين كاتب وشاهد وحاسب ومدير تجر فأثرى ونما ماله وعظمت حاله عهد عندها شارف الرحيل بجملة تناهز الألف من العين لتصرف فى وجوه من البر فتوهم انها كانت زكاة أمسك بها انتهى
وقال أيضا أخبرنى الكاتب ابو عبد الله ابن سلمة انه خاطبه بشعر أجابه عنه بقوله فى رؤية
( أحرز الخصل من بنى سلمة ** كاتب تخدم الظبى قلمة )
( يحمل الطرس من أنامله ** أثر الحسن كلما رقمه )
( وتمد البيان فكرته ** مرسلا حيث يممت ديمه )
( خصنى متحفا بخمس إذا ** بسم الروض فقن مبتسمه )
( قلت أهدى زهر الربى خضلا ** فإذا كل زهرة كلمه )
( أقسم الحسن لا يفارقها ** فأبر انتقاؤها قسمه )
( خط أسطارها ونمقها ** فأتت كالعقود منتظمة )
( كاسيا من حلاه لى حللا ** رسمها من بديع ما رسمه )
( طالبا عند عاطش نهلا ** ولديه الغيوث منسجمه )
( يبتغى الشعر من أخى بله ** أخرس العى والقصور فمه )
( أيها الفاضل الذى حفظت ** ألسن المدح والثنا شيمه )
( لا تكلف اخاك مقترحا ** نشر عار لديه قد كتمه )
( وابق فى عزة وفي دعة ** ضافى العيش واردا شبمه )
( ما ثنى الغصن عطفه طربا ** وشدا الطير فوقه نغمه ) ورأيت على هامش هذه القصيدة بخط ابى الحسن على بن لسان الدين ما صورته
____________________
(6/264)

نعم ما خاطب به شيخنا وبركة أهل الأندلس وصدر صدورهم أبا عبد الله ابن سلمة ومن لفظه سمعتها بالقاهرة وأنها لمن النظم العالى المتسق نسق الدر فى العقود رحمه الله تعالى قاله ابن المؤلف انتهى
وقرأ ابن باق المذكور على الأستاذ أبى جعفر ابن الزبير والخطيب أبى عثمان ابن عيسى وتوفى بمالقة فى اليوم الثامن والعشرين لمحرم فاتح عام اثنين وخمسين وسبعمائة وأوصى بعد أن يحفر قبره بين شيخيه الخطيبين أبى عبد الله الطنجالى وأبى عثمان ابن عيسى إن يدفن به وإن يكتب على قبره هذه الأبيات
( ترحم على قبر ابن باق وحيه ** فمن حق ميت الحي تسليم حيه )
( وقل آمن الرحمن روعه خائف ** لتفريطه فى الواجبات وغيه )
( قد اختار هذا القبر فى الأرض راجيا ** من الله تخفيفا بقدر وليه )
( فقد يشفع الجار الكريم لجاره ** ويشمل بالمعروف أهل نديه )
( وأنى بفضل الله اوثق واثق ** وحسبى وأن أذنبت حب نبيه ) انتهى
69 - وقال لسان الدين فى ترجمة ابى عبد الله محمد بن إبراهيم بن سالم ابن فضيلة المعافري المرى المدعو بالنتو من الإكليل ما نصه شيخ أخلاقه لينة ونفسه كما قيل هينة ينظم الشعر سهلا مساقه محكما اتساقه على فاقة ما لها من إفاقة انشد المقام السلطانى بظاهر بلده قوله
( سرت ريح نجد من ربى أرض بابل ** فهاجت إلى مسرى سراها بلابلى )
( وذكرنى عرف النسيم الذى سرى ** معاهد احباب سراه افاضل )
( فأصبحت مشغوفا بذكر منازل ** ألفت فواشوقى لتلك المنازل )
( فيا ريح هبى بالبطاح وبالربى ** ومرى على أغصان زهر الخمائل )
( وسيري بجسمى للتى الروح عندها ** فروحى لديها من أجل الوسائل )
____________________
(6/265)


( وقولى لها عنى معناك بالنوى ** له شوق معمود وعبرة ثاكل )
( فيا بابى هيفاء كالغصن تنثنى ** تقد بقد كاد ينقد مائل )
وهى طويلة
ومن شعر المذكور قوله من قصيدة
( بهرت كشمس فى غلاله عسجد ** وكبدر تم فى قضيب زبرجد )
( ثم انثنت كالغصن هزته الصبا ** طربا فتزرى بالغصون الميد )
( حوراء بارعة الجمال غريرة ** تزهى فتزرى بالقضيب الأملد )
( أن أدبرت لم تبق عقل مدبر ** أو أقبلت قتلت ولكن لا تدي )
قال القاضى أبو البركات ابن الحاج وابتلى المذكور باختصار كتب الناس فمن ذلك مختصره المسمى الدرر الموسومة فى اشتقاق الحروف المرسومة وكتاب حكايات يسمى دوحة الجنان وراحة الجنان وغير ذلك
وقال أبو البركات وسألته عن مولده فقال لى اليوم ستون سنة وقال ذلك ليلة الخميس السابع والعشرين لذى قعده عام اربعين وسبعمائة وتوفى آخر رمضان من عام تسعة واربعين رحمه الله تعالى انتهى رجع
70 - قال لسان الدين فى الإكليل فى ترجمة الكاتب صاحب العلامة أبى العباس احمد بن على المليانى المراكشى ما نصه الصارم الفاتك والكاتب الباتك اي اضطراب فى وقار وتجهم تحته انس العقار اتخذه ملك المغرب صاحب علامته وتوجه تاج كرامته وكان يطالب جملة من أشياخ مراكش بثار عمه ويطوقهم دمه بزعمه ويقصر على الاستنصار منهم بنات همه إذ سعوا فيه حتى اعتقل ثم جدوا فى امره حتى قتل فترصد كتابا إلى مراكش
____________________
(6/266)

يتضمن امرا جزما ويشمل من أمور الملك عزما جعل فيه الأمر بضرب رقابهم وسبى اسبابهم ولما اكد على حامل فى العجل وضايقه فى تقدير الأجل تانى حتى علم أنه قد وصل وان غرضه قد حصل فر إلى تلمسان وهى بحال حصارها فاتصل بانصارها حالا بين أنوفها وأبصارها وتعجب من فراره وسوء اغتراره ورجمت الظنون فى آثاره ثم وصلت الأخبار بتمام الحيلة واستيلاء القتل على أعلام تلك القبيلة فتركها شنيعة على الأيام وعارا فى الأقاليم على حملة الأقلام وأقام بتلمسان إلى أن حل مخنق حصرها وازيل هميان الضيقة عن خصرها فلحق بالأندلس ولم يعدم برا ورعيا مستمرا حتى أتاه حمامه وانصرمت أيامه انتهى
والمذكور ترجمه فى الإحاطة بقوله صاحب العلامة بالمغرب الكاتب الشهير البعيد الشأو فى اقتضاء الترة المثل المضروب فى الهمة وقوة الصريمة ونفاذ العزيمة
حالة - كان نبيه البيت شهير الأصالة رفيع المكانة على سجية غريبة من الوقار والانقباض والصمت آخذا بحظ من الطب حسن الخط مليح الكتابة قارضا للشعر تذهب نفسه فيه كل مذهب
وصمته فتك فتكه شهيرة أساءت الظن بحملة الأقلام على ممر الدهر وانتقل إلى الأندلس بعد مشقة
شعره من شعره الذى يدل على بأوه وانفساح خطاه فى النفاسة وبعد شأوه قوله
( العز ما ضربت عليه قبابى ** والفضل ما اشتملت عليه ثيابى )
____________________
(6/267)


( والزهر ما أهداه غصن براعتى ** والمسك ما أبداه نقس كتابى )
( فالمجد يمنع أن يزاحم موردى ** والعزم يابى أن يضام جنانى )
( فإذا بلوت صنيعة جازيتها ** بجميل شكرى أو جزيل ثوابى )
( وإذا عقدت مودة أجريتها ** مجرى طعامى من دمى وشرابى )
( وإذا طلبت من الفراقد والسها ** ثارا فاوشك أن أنال طلابى )
وفاته توفى بغرناطة يوم السبت تاسع ربيع الآخر عام خمسة عشر وسبعمائة ودفن بجبانه باب البيرة تجاوز الله تعالى عنه انتهى
رجع إلى نثر ابن الخطيب رحمه الله تعالى
71 - فمن ذلك قوله فى الروضة فى ترجمة ضخام الغصون من شجرة السر المصون ما صورته وهى التى أفاءت الظل الظليل وزانت المراى الجميل وتكفلت لمحاسن الشجرة الشماء بالتكفيل وتتعدد إلى غصون المحبوبات وأقسام موضوعاتها المكتوبات وغصن المحبين أصنافهم المرتبين وغصن علامات المحبة وشواهد النفوس الصبة وغصن الأخبار المنقولة عن ذوى النفوس المصقولة وعند تعين هذه الأغصان المقسومة كمل شكل الشجرة المرسومة والسرحة الموصوفة الموسومة ففاءت الظلال وكرمت الخلال فحيي من تفرد وتوجد واستظل من استهدى واسترشد ووقف الهائم فخطب وأنشد
( يا سرحة الحى يا مطول ** شرح الذى بيننا يطول )
( عندى مقال فهل مقام ** تصغين فيه لما أقول )
( ولى ديون عليك حلت ** لو أنه ينفع الحلول )
____________________
(6/268)


( ماض من العيش كان فيه ** منزلنا ظلك الظليل )
( زال وماذا عليه ماذا ** يا سرح لو لم يكن يزول )
( حيا عن المذنب المعنى ** منبتك القطر والقبول )
وقال رحمه الله تعالى فصول فى المعرفة تغازل بها عيون الإشارة إذا قصرت عن تمام المعنى السن العبارة ولله در القائل
( وإذا العقول تقاصرت عن مدرك ** لم تتكل الا على أذواقها )
المعرفة اختراق المراتب الحسية والنفوس الجنسية والعقول القدسية والبروز إلى فضاء الأزل إذا فنى من لم يكن وبقى من لم يزل مع عمران المراتب ورؤية الجائز فى الواجب
( ومن عجب أنى احن اليهم ** وأسال شوقا عنهم وهم معى )
( وتبكيهم عينى وهم فى سوادها ** ويشكو النوى قلبى وهم بين أضلعى )
المعرفة مقام يأتلف من جمع مفروق وأفول وشروق وسل عروق ورد مسروق حتى يذهب الكيف والأين ويتعين العين فيجمع العدد ويجمل وينحى السوى ومع ذلك لا يهمل
( للعدا منك نصيب ** ولك السهم المصيب )
( أنما يومك يومان ** خصيب وعصيب )
المعرفة مقام سامى المنعرج عاطر الأرج ينقل من السعة إلى الحرج ومن الشدة إلى الفرج
( طريقك لا تخفى به إن تتبعت ** خطاك ولا يخفى مبيتك فيه )
( متاعك منشور على كل خيمة ** ورؤياك أمن من ترفع تيه )
____________________
(6/269)


المعرفة عين أن لم تبصر أجزاءها أحسن الله عزاءها وحقيقة أن لم يجعل الفراق إزاءها كانت الغيرة جزاءها فهى دائرة مركزها يجمع ومحيطها فى التفريق يطمع يستقل الملك أجمع ويرى من يرى ويسمع من يسمع
( بعد المحيط من المحدد واحد ** والكل فى حق الوجود سواء )
( والحق يعرف ذاته من ذاته ** صح الهوى فتلاشت الأهواء )
المعرفة صعود ونزول ووقوف ووصول فلا الوصول عن البداية يقطع ولا البداية عن النهاية تمنع
( من له الأمر اجمع ** كل ما شاء يصنع )
( حصل القصد واستقر ** فلم يبق مطمع ) العارف فى البداية يشكر الراكع والساجد ثم يعذر الواجد المتواجد ثم يرجم المنكر الجاحد فإذا انتهى ورد العدد إلى الواحد قال لسان حاله
( من رأى لى نشيدة ** أو على عينها أثر )
( فله الحكم قل له ** ذهب العين والأثر ) إلى أن قال قال الرئيس العارق هش بش بسام فيجل الصغير من تواضعه مثلما يجل الكبير ويبسط من الخامل مثلما يبسط من النبيه ثم علل فقال وكيف لا يهش وهو فرحان بالحق وبكل شىء فإنه يرى فيه الحق أنى لأجد ريح يوسف
( لمعت نارهم وقد عسعس الليل ** وضج الحادى وحار الدليل )
( فتأملتها وقلت لصحبى ** هذه النار نار ليلى فميلوا )
____________________
(6/270)

العارف شجاع وكيف لا وهو بمعزل عن هيبة الموت وجواد وكيف لا وهو بمعزل عن صحبة الباخل وصفاح وكيف لا ونفسه أكبر من أن تحرجها زلة بشر ونساء للأحقاد وكيف لا وذكره مشغول بالحق وقالوا من عرف الله تعالى صفا له العيش وطابت له الحياة وهابة كل شىء وذهب عنه خوف المخلوقين وأنس بالله رب العالمين
الشبلى ليس لعارف علاقة ولا لمحب شكوى ولا لعبد دعوى من عرف الله سبحانه انقطع بل خرس وانقمع لا أحصى ثناء عليك انت كما أثنيت على نفسك انتهى
72 - وقال رحمه الله تعالى فى بعض تراجم الروضة الفرع الصاعد إلى الهواء على خط الاستواء من رأس العمود القائم إلى منتهى الوجود الدائم ويشتمل على قشر لطيف وجرم شريف وأفنان ذوات الوان قنوان وغير قنوان وطلع نضيد وجنى سعيد فالقشر الحدود والرسوم وخواص العارف الذى هو المعروف بها والموسوم والفنون التى يقوم عليها والعلوم والجرم ظاهر الخلق المقسوم وعلاجه كما تعالج الجسوم وباطنه المجاهدات التى عليها يقوم وقلبه الرياضة والغصون المقامات فيها المقام المعلوم ومادتها السلوك الذى بتدريج غذائه تبلغ الأفنان والورقات ما تروم والزهرات اللوائح والطوالع والبواده التى لها الهجوم والواردات التى تدوم أو لا تدوم ثم الجنى وهو الولاية التى كان الغارس عليها يحوم انتهى ثم فصل الكل رحمه الله تعالى فليراجعه من أراده
73 - ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى ما كتبه على لسان سلطانه للأمير يلبغا الخاصكى وهو إلى الأمير المؤتمن على أمر سلطان المسلمين
____________________
(6/271)

المقلد بتدبيره السديد قلادة الدين المثنى على رسوم بره لمقامه لسان الحرم الأمين الآوى من مرضاة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم إلى الربوة ذات القرار والمعين المستعين من الله تعالى على ما تحمله وأمله بالقوى المعين سيف الدعوة ركن الدولة قوام الملة مؤمل الأمة تاج الخواص أسد الجيوش كافى الكفاة زين الأمراء علم الكبراء عين الأعيان حسنة الزمان الأجل المرفع الأسنى الكبير الأشهر الأسمى الحافل الفاضل الكامل المعظم الموقر الأمير الأوحد يلبغا الخاصكى وصل الله له سعادة تشرق غرتها وصنائع تسح فلا تشح درتها وأبقى تلك المثابة قلادة الله تعالى وهو درتها
سلام كريم طيب بر عميم يخص إمارتكم التى جعل الله تعالى الفضل على سعادتها أمارة واليسر لها شارة فيساعد الفلك الدوار مهما أعملت إدارة وتمتثل الرسوم كلما أشارت إشارة
أما بعد حمد الله تعالى الذى هو يعلمه فى كل مكان من قاص ودان وإليه توجه الوجوه وأن اختلفت السير وتباعدت البلدان ومنه يلتمس الإحسان وبذكره ينشرح الصدر ويطمئن القلب ويمرح اللسان والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله العظيم الشان ونبيه الصادق البيان الواضح البرهان والرضى عن آله واصحابه وأحزابه أحلاس الخيل ورهبان الليل وأسود الميدان والدعاء لإمارتكم السعيدة بالعز الرائق الخبر والعيان والتوفيق الوثيق البنيان فانا كتبناه إليكم كتب الله تعالى لكم حظا من فضله وافرا وصنعا عن محيا السرور سافرا وفى جو الإعلام بالنعم الجسام مسافرا من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى دار ملك الأندلس دافع الله سبحانه عن حوزتها كيد العداة واتحف نصلها ببواكر النصر المهداة ولا رائد إلا الشوق إلى التعارف بتلك الأبواب الشريفة التى انتم عنوان كتابها المرقوم وبيت قصيدها المنظوم والتماس بركتها الثابتة الرسوم وتقرير المثول فى سبيل زيارتها بالارواح عند تعذره بالجسوم وإلى هذا فاننا كانت بين سلفنا تقبل الله تعالى جهادهم وقدس
____________________
(6/272)

نفوسهم وأمن معادهم وبين تلك الأبواب كما عرفتم من عدلها وإفضالها مراسلة ينم عرف الخلوص من خلالها وتسطع أنوار السعادة من آفاق كمالها وتلتمح من أسطار طروسها محاسن تلك المعاهد الزاكية المشاهد وتعرب عن فضل المذاهب وكرم المقاصد اشتقنا إلى أن نجددها بحسن منابكم ونواصلها بمواصلة جنابكم ونغتنم فى عودها الحميد مكانكم ونؤمل لها زمانكم فخاطبنا الأبواب الشريفة فى هذا الغرض مخاطبة خجلة من التقصير وجلة من الناقد البصير ونؤمل الوصول فى خفارة يدكم التى لها الأيادي البيض والموارد التى لا تغيض ومثلكم من لا تخيب المقاصد فى شمائله ولا تضحى المآمل فى ظل خمائله فقد اشتهر من حميد سيركم ما طبق الآفاق وصحب الرفاق واستلزم الإصفاق وهذه البلاد مباركة ما أسلف أحد فيها مشاركة إلا وجدها فى نفسه ودينه وماله وعياله والله سبحانه أكرم من وفى لأمرىء بمكياله والله عز وجل يجمع القلوب على طاعته وينفع بوسيلة النبى صلى الله عليه وسلم الذى نعول على شفاعته ويبقى تلك الأبواب ملجأ للإسلام والمسلمين وظلا لله تعالى على العالمين وإقامة لشعائر الحرم الأمين ويتولى إعانه امارتكم على وظائف الدين ويجعلكم ممن أنعم الله تعالى عليه من المجاهدين والسلام الكريم يخصكم ورحمه الله تعالى وبركاته انتهى
74 - ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى قوله فى قضية امتناع بعض الموثقين من أكل طعامه بمدينة سلا وقد صدر به كتابه المسمى ب مثلى الطريقة فى ذم الوثيقة وهذا نصه أما بعد حمد الله الذى قرر الحكم وأحكمه وبين الحلال من الحرام بما اوضحه من الأحكام وعلمه ونوع جنس المعاش وقسمه وماز كل نوع منه ووسمه فأثبته متفاوتا فى درجات التفضيل ورسمه والصلاة والسلام على مولانا محمد رسوله الذى فضله على الأنبياء وقربه وطهر من دنس الشبهات شيمه فما استعمله فى غير طاعته ولا استخدمه ولا أعمل فى سوى
____________________
(6/273)

البر والهدى بنانه ولا قدمه والرضى عن آله وأصحابه الذين رعوا ذممه واستمطروا ديمه وتواصوا من أجله بالبر وتواصوا بالمرحمة فهذا كتاب مثلى الطريقة فى ذم الوثيقة دعا إلى جمعه قلة الإنصاف من المداهن والمعاصر والمباهت فى مدرك النور الباصر ورضى مظنة النيل منهم بالباع القاصر والمناضلة عن الحمى الذى لم يؤيده الحق بالولى ولا بالناصر ولوضعه حكاية ولنفثته شكاية إذ معرفة الأشياء بعللها مما يتشوق إليه ويحرص عليه وهو أنى لما قدمت على مدينة فاس حرسها الله تعالى مستخلصا بشفاعة الخلافة ذات الإنافة مستدعى برسالة الإيالة ذات الجلالة فانسحب والمنة لله الستر وانفسح الفتر وشفع من النعم الوتر واقتدى المرؤوس بالرئيس وتنافس الأعلام فى التأنيس واتصل الاحتفاء والاستدعاء وانتخب الموعى والوعاء وأخذ أعقاب الطيبات الوضوء والطيب والدعاء تعرفت فيمن جمعته الأخونة والمداعى المتعينة برجل من نبهاء موثقيها غرنى بمخيلة البشاشة التى يستفز بها الغريب ويستخلص هوى من لم يعمل التجريب فأنست بمكانه واستظهرت على ما يعرض من مكتتب بدكانه وشأنى فى الاغتباط بمن عرفت شانى فلست للمقة بشانى واسترسالى حتى لمن أسا لى طوع عنانى
( أفادتكم النعماء منى ثلاثة ** ضميرى ويتلوه يدى ولسان )
ولم يك إلا أن حللت بمدينة سلا حرسها الله تعالى مقصود المحل وإن رغم الدهر الذى رمى فأقصد معتمدا بفتوحات الله تعالى وإن أرتج الباب بزعمه وأوصد مصحبا بمدد عنايته وإن كمن وارصد لا يمر فاضل الا عرج على مثواى واتى من البر فوق هواي وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وتعرفت عن صاحبى الفاسى أنه قدم علينا من سخر عملية فلا لها الدسر المنهوبة وتخللها المسبعة المرهوبة واغتذى الأطعمة التى مرقتها الدموع ومطبختها الحمى المروع واستقر بالمدينة بعد إن لان وضرع وجدل وصرع نافق البقلة كاسد الورع
____________________
(6/274)

ونزل بمثوى خمول ومحط مجهول وكنف ممقوت وجوار لا يبخل بغيبة ولا يسمح بقوت فبادرت استدعاءه بفاضل من الطلبة ممن يتلقى به الوارد ويقتاد الشارد وقد أغرب بقراءة الاحتفاء والاحتفال واجنب الإغفاء والإغفال وجهزت السرايا إلى التماس نعم الله تعالى فحلت الأنفال فلما عرض عليه الدعوة تعجزف ونفر ولما مسح عطفه بالاستنزال نزا وطفر حتى بهت الرسول كما بهت الذى كفر وآب يحمل عذرا باردا واحتجاجا شاردا فأقطعته جانب شماسه وخليت بينه وبين وسواسه ومن الغد قصدنى فاعتذر وأكثر الهذر ولم ينبت الله النبات الحسن شيئا مما بذر وكان جوابى اياه ما نصه
( أبيتم دعوتى إما لبأو ** وتابى لومة مثلى الطريقة )
( وبالمختار للناس اقتداء ** وقد حضر الوليمة والعقيقة )
( وغير غريبة ان رق حر ** على من حاله مثلى رقيقة )
( واما زاجر الورع اقتضاها ** ويابى ذاك دكان الوثيقة )
( وغشيان المنازل لاختيار ** يطالب بالجليلة والدقيقة )
( شكرت مخيلة كانت مجازا ** لكم وحصلت بعد على الحقيقة )
وذاع خبرها فقلبت عنها الجنوب وكلف بها الطالب والمطلوب وهش الى المراجعة عنها أحد الموثقين بسلا ممن يحوم حول حمى الإدراك ويروم درجة الاختصاص ببعض الفنون والاشتراك وله فى الأدب مساس وجلب الباس بما نصه
( رسولك لم يبن لى عن طريقه ** تقرب من حديقتك الأنيقة )
( فلا بأو لدى ولا إباء ** ولكن ساء فى الغرض الطريقة )
( وهب انى أسات فكم صديق ** تدلل واعتدى فجفا صديقه )
____________________
(6/275)


( فلا عجب فديت لرفق حر ** يسكن عند خجلته رفيقه )
( وانى فيك معتقد ولكن ** أرى الأيام حاقدة حنيقه )
( على ذى الود فيمن ود حتى ** يفارقه وان اضحى رفيقه ) فراجعته بما نصه لما أسلفته من جزاء مصاعه وكلت له بصاعه
( من استغضبت من هذى الخليقه ** بمغضبة بانكار خليقه )
( ولم يغضب فتيس أو حمار ** مجازا لا لعمرى بل حقيقه )
( بعثت بمرسل لك مع عتيقى ** فلم تطع الرسول ولا عتيقه )
( وطوقت السفير الذنب لما ** عجلت به ولم تبلعه ريقه )
( إمام جماعة وقريع تقوى ** ومبلغ حجة وحفيظ سيقه )
( فبؤت بها على الأيام داء ** عضالا لا تفيق عليه فيقه )
( وقد عارضت عذرك باعتراف ** فزدت مذمة تسم الطريقة )
( وهل بعد اعتراف من نزاع ** وهل بعد افتصال من وثيقه )
( ومن جهل الحقوق اطاع نفسا ** ببحر الجهل راسبه غريقه )
( ومنجى نيقة أمر بعيد ** اذا نصب المهندس منجنيقه )
فأمسك حينئذ وأقصر ورأى الأمر يطول فاختصر إلا أنه نمى لى عنه قوله ان دكان الوثيقة أن نافى الورع فبغير بلده وأذهلته لذة لدده عما هو بصدده فارتهنت له أن أنصر الدعوى بما يسلمه المنصف المساهل وينكره الأرعن الجاهل وتشد به المنازل والمناهل والمعالم والمجاهل مستندا إلى الحكم الشرعى والسنن المرعى والمشاهدة والحس وشهادة الجن والإنس
____________________
(6/276)


( ولو ترك القطا ليلا لناما ** )
والله يجعله موقظا من السنات وازعا عن كثير من الهنات وينفع فيه بالنية فإنما الأعمال بالنيات وها أنا أبتدىء وعلى الله الإعانة وبحوله وقوته الإفصاح والإبانة
قلت ينحصر الكلام فيه فى سبعة أبواب الباب الأول فى جواز الإجارة فيها عند العلماء الباب الثانى فى الشركة المستعملة بين أربابها الباب الثالث فى محلها من الورع ان سوغها الفقه الباب الرابع فى منزلتها من الصنائع والمهن الباب الخامس فى أحوال منتحليها من حيث العلم غالبا الباب السادس فى أحوالهم من جهة استقامة الرزق وانحرافه الباب السابع فى رد بعض ما يحتج به فيها انتهت الخطبة المقتطعة من تأليف لسان الدين رحمه الله تعالى
وهذا التأليف فى نحو كراسة وقال فى آخره ما صورته فان قيل ترك الأجر وقبول العوض فى هذا الأمر يدعو الى تعطيله فيفقد الناس منفعة هذه الطريقة وغناءها قلت الإنصاف فيها اليوم ان لو كان متوليها يرتزق من بيت المال وأموال المصالح والأوقاف التى تسع ذلك وحال الجماهير فى فقدانها والاضطرار اليها ورفع أمورهم بها الى السلطان ورغبتهم فى نصب من يتولى ذلك حالهم فى فقدان أئمة الصلاة فى المساجد الراتبة فى جريانه من بيت المال بعلة التزامهم وارتباطهم فقط حسبما نقل الإجماع فيه القاضى ابو بكر ابن العربى رحمه الله تعالى ومنع الارتزاق من غيره إجماعا وقد كان بالمدن المعتبرة من بلاد الأندلس جبرها الله تعالى ناس من أولى التعفف والتعين كبنى الجد بإشبيلية وبنى الخليل وغيرهم بغيرها يتعيشون من فضول أملاكهم ووجائب رباعهم ويقعدون بدورهم عاكفين على بر منتابين لرواية وفتيا يقصدهم الناس فى الشهادة فيجاملونهم ويبركون على صفقاتهم ويهدونهم الى سبيل الحق فيها من غير أجر ولا كلفة إلا الحفظ على المناصب وما يجريه السلطان من الحرمة
____________________
(6/277)

والتفقد فى الضرورة وما يهديهم الناس من الإطراء والتجلة والله سبحانه ينيلهم من الأجر والمثوبة وبلغنى اليوم ان حالها بمدينة سجلماسة ينظر الى هذا الحال من طرف خفى ولم يفسد بها كل الفساد وكذلك لم نزل نتعرف ان الأمر فى شانها بمدينة تونس أقرب وبعض الشر أهون من بعض ولو بقيت بحالها لوجب تقرير فضلها وتقريظ منتحلها فالصدق أنجى والحق عند الله احجى والله عز وجل يستعملنا فيما يرضيه ويلطف بنا فيما يجريه علينا من أحكامه وما يقضيه ويجعلنا ممن ختم له بالحسنى ويقربنا الى ما هو أقرب من رحمته وأدنى وصلوات الله على سيدنا محمد وآله وصحبه انتهى
وكتب على ظهر الورقه الأولى من هذا التأليف شيخ شيوخ شيوخنا الإمام الكبير المؤلف الشهير سيدي أحمد الونشريسى رحمه الله تعالى ما صورته الحمد لله جامع هذا الكلام المقيد هذا باول ورقة منه قد كد نفسه فى شىء لا يعنى الأفاضل ولا يعود عليه فى القيامة ولا فى الدنيا بطائل وأفنى طائفة من نفيس عمره فى التماس مساوىء طائفة بهم تستباح الفروج وتملك مشيدات الدور والبروج وجعلهم أضحوكة لذوي الفتك والمجانة وانتزع عنهم جلباب الصدق والديانة سامحه الله تعالى وغفر له قال ذلك وخطه بيمنى يديه عبيد ربه احمد بن يحيى بن محمد بن على الونشريسى خار الله سبحانه له انتهى ما ألفيته
وقد كان لسان الدين رحمه الله تعالى كثيرا ما يعرض ويصرح بهجو بعض أهل سلا أو كلهم حتى قال
( أهل سلا صاحت بهم صائحه ** غادية فى دورهم رائحه )
( يكفيهم من عوز أنهم ** ريحانهم ليست له رائحه )
والله المرجو للعفو عن الزلات
75 - ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى خطبة كتابه فى المحبة الذى ما
____________________
(6/278)

ألف فى فنه أجمع منه ولنوردها فإن فيها دلالة على فضله وعظم قدر الكتاب وهى اللهم طيب بريحان ذكرك أنفاس أنفسنا الناشقة وعلل بجريال حبك جوانح أرواحنا العاشقة وسدد الى اهداف معرفتك نبال نبلنا الراشقة واستخدم فى تدوين حمدك شبا أقلامنا الماشقة ودل على حضرة قدسك خطرات خواطرنا الذائقة وابن لنا سبل السعادة التى جعلت فيها الكمال الأخير لهذه الأنفس الناطقة واصرفنا عند سلوكها عن القواطع العائقة حتى نأمن مخاوف أجبالها الشاهقة وأحزابها المنافقة وأوهامها الطارئة الطارقة وبرازخها القاسية الغاسقة فلا تسرق بضائعنا العوائد السارية السارقة ولا تحجبنا عنك العوارض الجسمية اللاحقة ولا الأنوار المغلظة البارقة ولا العقول المفارقة يا من له الحكمة البالغة والعناية السابقة وصل على عبدك ورسولك محمد درة عقود أحبابك المتناسقة وجالب بضائع توحيدك النافقة المؤيد بالبراهين الساطعة والمعجزات الخارقة ما أطلعت أفلاك الأدواح زهر أزهارها الرائقة وحدت قطار السحائب حداه رعودها السائقة وجمعت ريح الصبا بين قدود أغصانها المتعانقة
أما بعد فإنه لما ورد على هذه البلاد الأندلسية المحروسة بحدود سيوف الله حدودها الصادقة بنصر الله للفئة القليلة على الفئة الكثيرة وعودها وصل الله تعالى عوائد صنعه الجميل لديها وأبقاها دار ايمان الى ان يرث الله تعالى الأرض ومن عليها ديوان الصبابة وهو الموضوع الذى اشتمل من أبطال العشاق على الكثير واستوعب من أقوالهم الحديثة والقديمة كل نظيم ونثير وأسدى فى غزل غزله وألحم ودل على مصارع شهدائهم من وقف وترحم فصدق الخبر المخبر وطمت اللجة التى لا تعبر وتأرج من مسراه المسك والعنبر وقالت العشاق عند طلوع قمره الله أكبر
( مررت بالعشاق قد كبروا ** وكان بالقرب صبي كريم )
____________________
(6/279)


( فقلت ما بالهم قال لى ** القى للحب كتاب كريم )
ولا غرو ان أقام بهذه الآفاق أسواق الأشواق وزاحم الزفرات فى مسالك الأطواق وأسال جواهر المدامع من بين أطباق تلك الحقاق وفتك نسيمها الضعيف العهد والميثاق بالنفوس الرقاق
( جنى النسيم علينا ** وما تبينت عذره )
( إذ صير الخلق نجدا ** والأرض أبناء عذره )
فوقع للحجة المصرية التسليم وقالت ألسنة الأقلام معربة عن ألسنة الأقاليم
( سلمت لمصر فى الهوى من بلد ** يهديه هواؤه لدى استنشاقه )
( من ينكر دعواي فقل عنى له ** تكفى امرأة العزيز من عشاقه )
فغمر المحافل والمجالس واستجلس الراكب واستركب الجالس يدعو الأدب الى مأدبته فلا يتوقف ويلقى عصا سحره المصري فتتلقف ما شئت من ترتيب غريب وتطريب من بنان أريب يشير الى الشعر فتنقاد اليه عيونه ويصيح بالأدب الشريد فتلبيه فنونه وانهى خبره للعلوم المقدسة ومدارك العز الموطدة المؤسسة سما به الجد صعدا الى المجلس السلطانى مقر الكمال ومطمح الأبصار والآمال حيث رفارف العز قد انسدلت وموازين القسط قد عدلت وفصول الفضل قد اعتدلت وورق أوراق المحامد قد هدلت مجلس السلطان المجاهد الفاتح الماهد المتحلى فى ريعان العمر الجديد والملك السعيد بحلى القانت الزاهد شمس أفق الملة وفخر الخلفاء الجلة بدر هالات السروج المجاهدة أسد الأبطال البارزة الى حومة الهياج الناهدة معشى الأبصار المشاهدة مظهر رضى الله تعالى عن هذه الأمة الغريبة عن الأنصار والأقطار من وراء أمواج
____________________
(6/280)

البحر الزخار باختياره لها واعتيامه وملبسها برود اليمن والأمان ببركة أيامه ومن أطلع الله تعالى أنوار الجمال من أفق جبينه وأنشا أمطار السماح من غمام يمينه وأجرى فى الأرض المثل السائر بحلمه وبسالته ودينه أمين الله تعالى على عهده الإسلام بهذا القطر وابن أمينه وابن أمينه فخر الأقطار والأمصار ومطمح الأيدى وملمح الأبصار وسلالة سعد بن عبادة سيد الأنصار ومن لو نطق الدين الحنيفى لحياة وفداه أو تمثل الكمال صورة ما تعداه مولانا السلطان الإمام العالم العامل المجاهد أمير المسلمين أبو عبد الله ابن مولانا أمير المسلمين ابى الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين ابى الوليد اسماعيل بن فرج بن نصر الأنصارى الخزرجى جعل الله تعالى ثغر الثغر مبتسما عن شنب نصره والفتح المبين مذخورا لعصره كما قصر آداب الدين والدنيا على مقاصير قصره وسوغه من أشتات مواهب الكمال ما تعجز الألسن عن حصره ولا زالت أفنان الأقلام تتحف الأقاليم بجنى فنون هصره فخصته عين استحسانه أبقاه الله تعالى بلحظة لحظ وما يلقاها إلا ذو حظ وصدرت الى منه الإشارة الكريمة بالإملاء فى فنه والمنادمة على بنت دنه وحسب الشحم من ذى ورم والله سبحانه يجعلنى عند ظنه ومتى قورن المثرى بالمترب أو وزن المشرق بالمغرب شتان بين من تجلى الشمس منه فوق منصتها وبين من يشره أفقه الغربى لابتلاع قرصتها لكنى امتثلت ورشت ونثلت ومكرها لا بطلا مثلث وكيف يتفرغ للتأليف ويتبرع للوفاء بهذا التكليف من حمل الدنيا فى سن الكهولة على كاهله وركض طرف الهوى بين معارفه ومجاهله واشترى السهر بالنوم واستنفد سواد الليل وبياض اليوم فى بعث يجهز وفرصة تنهز وثغر للدين يسد وأزر للملك يشد وقصه ترفع ووساطة تنفع وعدل يحرص على بذله وهوى يجهد فى عذله وكريم قوم ينصف من نذله ودين تزاح الشوائب عن سبله وسياسة تشهد للسلطان بنبله وإصابة نبله ما بين سيف وقلم وراحة وألم وحرب وسلم ونشر علم أو علم وجيش يعرض وعطاء
____________________
(6/281)

يفرض وقرض حسن لله تعالى يقرض فى وطن توافر العدو على حصره ودار به دور السوار على خصره وملك قصر الصبر والتوكل على قصره وعدد نسبته من العدد العظيم الطاقة الشديد الإضاقة نسبة الشعرة من جلد الناقة وبالله نستدفع المكروه واليه نمد الأيدي ونصرف الوجوه وسألت منه أيده الله تعالى القنوع بما يسره الوقت مما لا يناله المقت والذهاب بهذا الغرض لما يليق بالترب والسن ويؤمن من اعتراض الإنس والجن وما كنت ممن آثر على الجد الهزل واعتاض من الغزل الرقيق الغزل بشيمة الجزل ولا آنف من ذكر الهوى بعد ان خضت غماره واجتنيت ثماره وأقمت مناسكه ورميت جماره وما أبرىء نفسى ان النفس لأمارة فالهوى أول تميمة قلدتنى الداية والترب التى عرفتها فى البداية وانا الذى عن عروته نبت وبعثت الى الرصافة لأرق فذبت الى ان تبين الرشد من الغى وصار النشر الى الطى وتصايح ولدان الحى كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم كما من علي
( جزى الله عنى زاجر الشيب خير ما ** جزى ناصحا فازت يداي بخيره )
( ألفت طريق الحب حتى اذا انتهى ** تعوضت حب الله عن حب غيره )
حال السواد بحال الفؤاد وصوح المرعى فانقطعت الرواد ونهانى ازورار خيال الزوراء والتفات عاذل الشيب عن المقلة الحوراء وكيف الأمان وقد طلع منه النذير العريان يدل على الخبر بخبره وينذر بهاذم اللذات على أثره ولله در القائل
( دعتنى عيناك نحو الصبا ** دعاء يردد فى كل ساعة )
( فلولا وحقك عذر المشيب ** لقلت لعينيك سمعا وطاعه )
ولولا ان طيف هذا الكتاب الوارد طرق مضجعى وقد كاد يبدو الحاجب ويضيع من الفرض الواجب ويعجب من نوم الغفلة العاجب لجريت معه فى
____________________
(6/282)

ميدانه وعقدت بنانى ببنانه وتركت شانى وان رغم الشانى لشانه وقلت معتذرا عن التهويم فى بعض أحيانه
( أهلا بطيفك زائرا أو عائدا ** تفديك نفسى غائبا أو شاهدا )
( يا من على طيف الخيال أحالنى ** أتظن جفنى مثل جفنك راقدا )
( ما نمت لكن الخيال يلم بى ** فيجله طرفى فيطرق ساجدا )
ومن العصمة ان لا تجد هلا قبل المشيب ومع الزمن القشيب وقبل ان تمخض القربة وتبنى الخانقاه والتربة وتؤنس بالله الغربة وعلى ذلك فقد أثر وباء قلبى المعثر اللهم لا أكثر
( وبدا له من بعد ما اندمل الهوى ** برق تألق موهنا لمعانه )
( يبدو كحاشية الرداء ودونه ** صعب الذرا متمنع أركانه )
( فبدا لينظر كيف لاح فلم يطق ** نظرا اليه ورددت أشجانه )
( فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ** والماء ما سمحت به أجفانه )
وجعلت الإملاء على حمل مؤازرته أيده الله تعالى علاوة وبعد الفراغ من ألوان ذلك الخوان حلاوة وقلت أخاطب مؤلف كتاب الصبابة بما يعتمده جانب إنصافه ويغطى على نقص ان وقع فيه كمال أوصافه
( يا من أدار من الصبابة بيننا ** قدحا ينم المسك من رياه )
( وأتى بريحان الحديث فكلما ** سمح النديم براحة حياه )
( أنا لا أهيم بذكر من قتل الهوى ** لكن أهيم بذكر من أحياه )
وعن لى ان أذهب بهذا الحب المذهب المتأدى الى البقاء الموصل الى ذروة السعادة في معارج الارتقاء الذى غايته نعيم لا ينقضى أمده ولا ينفد مدده ولا يفصل وصله ولا يفارق الفرع أصله حب الله المبلغ الى قربه المستدعى لرضاه
____________________
(6/283)

وحبه المؤثر بالنظر الى وجهه ويا لها من غاية الملقى رحل المتصف به بعد قطع بحار الفناء على ساحل الولاية
وكنت وقفت من الكتب المؤلفة فى المحبة على جملة منها كتاب يشهده العوام ويستخفه الهوام ورسالة ابن واصل رسالة مهذارة تطفو من داره الى داره فى مطاردة هر وفارة وكتاب ابن الدباغ القيروانى كتاب مفرقع ووجه المقصود منه متبرقع وكتاب ابن خلصون وهو أعدلها لولا بداوة تسم الخرطوم وتناسب الجمل المخطوم فكنت بما ذكر لا اقنع وأقول ما أصنع فالله يعطى ويمنع
( قلت للساخر الذى ** رفع الأنف واعتلى )
( أنت لم تأمن الهوى ** لا تعير فتبتلى ) شعر
( وعذلت أهل العشق حتى ذقته ** فعجبت كيف يموت من لا يعشق )
ومن المنقول لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك
( بلانى الحب فيك بما بلانى ** فشانى ان تفيض غروب شانى ) أجل بلانى بالغرض الذى هو من القلوب سر أسرارها ومن أفنان الأذهان بمنزلة أزهارها ومن الموجودات وأطوارها قطب مدارها ليكون كتابى هذا المقدم على المأزق المهلك المتشبع بما لا يملك وان يقنع الاتصاف فعسى ان يشفع الإنصاف والاقتراف يدرؤه الاعتراف انا عند المنكسرة قلوبهم ولا تجود يد إلا بما تجد وكل ينفق مما آتاه الله
( وابن اللبون اذا ما لز فى قرن ** لم يستطع صوله البزل القناعيس )
____________________
(6/284)


وعسى الذى أنطق شوقا ان ينطق ذوقا والذى حرك سفلا ان يحرك فوقا والذى يسره مقالا ان يكفيه حالا
( فأول الغيث طل ثم ينسكب )
( الحرب اول ما تكون لجاجة )
( وان الحرب أولها الكلام )
نحمد الله سبحانه على الكلف بهذه الطريقة { وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } فصلت وللأرض نصيب من كأس الكريم
( أليس قليلا نظره ان نظرتها ** اليك وكلا ليس منك قليل )
( فاتنى ان أرى الديار بطرفى ** فلعلى ارى الديار بسمعى )
وعلى ذلك فذهبت فى ترتيبه اغرب المذاهب وقرعت فى التماس الإعانة باب الجواد الواهب وأطلعت فصوله فى ليل طلوع نجوم الغياهب وعرضت كتائب العزيمة عرضا وأقرضت الله قرضا وجعلته شجرة وأرضا فالشجرة المحبة مناسبة وتشبيها وإشارة لما ورد فى الكتب المنزلة وتنبيها والأرض النفوس التى تغرس فيها والأغصان أقسامها التى تستوفيها والأوراق حكاياتها التى تحكيها وأزهارها أشعارها التى تحييها والوصول الى الله تعالى ثمرتها التى ندخرها بفضل الله ونقتنيها شجرة لعمر الله يانعة وعلى الزعازع متمانعة ظلها ظليل والطرف عن مداها كليل والفائز بجناها قليل رست فى التخوم وسمت
____________________
(6/285)

الى النجوم وتنزهت عن أعراض الجسوم والرياح الحسوم وسقيت بالعلوم وغذيت بالفهوم وحملت كمائمها بالزهر المكتوم ووفيت ثمرتها بالغرض المروم فاز من استأثر بجناها وتعنى من عنى بلفظها دون معناها فمن استصبح بدهنها استضاء بسناها ما أبعدها وما أدناها عينا ملأت الأكف بغناها كم بين أوراقها من قلب مقلب وفى هوائها من هوى مغلب وكم فوق أفنانها من صادح وكم فى التماس سقيطها من كادح وكم دونها من خطب فادح ولأربابها من هاج ومادح تنوعت أسماؤها ولم تتنوع أرضها ولا سماؤها فسميت نخله تهز وتجنى وزيتونه مباركة يستصبح بزيتها الأسنى وسدرة اليها ينتهى المعنى أصلها للوجود أصل وليس لها كالشجر جنس ولا فصل وتربتها روح ونفس عقل وشرفها يعضده بديهة ونقل يحط الهائمون بفنائها ويصعد السالكون حول بنائها تخترق السبع الطباق ببراقها وتمحى ظلم الحس بنور إشراقها فسبحان الذى جعلها قطب الأفلاك ومدافن الأضواء والأحلاك ومغرد طيور الأملاك وسبب انتظام هذه الأسلاك لم يحل فيها طريد بعيد ولا اتصف بصفاتها إلا سعيد ولا اعتلق بأوجها هاو فى حضيض ولا بمحض برهانها متخبط فى شرك نقيض ولا تعرض لشيم بوارقها متسم بسمة بغيض الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا ان هدانا الله ومنه نستزيد الاستغراق فى بحارها والاستنشاق لنواسم أسحارها والاستدلال بذرى أفنانها عليه والوصول بسبب ذلك اليه انه ولى ذلك سبحانه فطاب لعمرى المنبت والنابت وسما الفرع الباسق ورسا الأصل الثابت وفاءت الأفنان وزخرفت الجنان وتعددت الأوراق والزهرات والأغصان ولم اترك فننا إلا جمعت بينه وبين مناسبه ولا فرعا إلا ضممته الى ما يليق به واستكثرت من الشعر لكونه من الشجرة بمنزلة النسيم الذى يحرك عذبات أفنانها ويؤدى الى الأنوف روائح بستانها وهو المزمار الذى ينفخ الشوق فى يراعته والعزيمة التى تنطق مجنون الوجد من ساعته وسلعة ألسن العشاق وترجمان ضمير الأشواق
____________________
(6/286)

ومجتلى صور المعانى الرقاق ومكامن قنائص الأذواق به عبر الواجدون عن وجدهم ومشى المحبوب الى قصدهم وهو رسول الاستلطاف ومنزل الألطاف اشتمل على الوزن المطرب والجمال المعجب المغرب وكان للأوطان مركبا ولانفعال النفوس سببا فلا شىء أنسب منه للحديث فى المحبة ولا أقرب للنفوس الصبة واجتلبت الكثير من الحكايات وهى نوافل فروض الحقائق ووسائل مجالس الرقائق ومراوح النفوس من كد الأفكار واحماض مسارح الأخبار وحظ جارحة السمع من منح الاعتبار وبعض الجواذب لنفوس المحبين والبواعث لهمم السالكين وحجتها واضحة بقوله تعالى { وكلا نقص عليك } هود فى القرآن المبين ونقلت شواهد من الحديث والخبر تجرى صحاحها مجرى الزكاة من الآموال والخواطر من الأحوال ويجرى ما سواها من غير الصحيح مجرى الأمثال ليكون هذا الكتاب لعموم خيره مسرحا للفاره وغيره ويجد كل ميدانا لسيره وملتقطا لطيره ومحكا لغيره فمن فاق كلف باصوله ومن قصر قنع بفصوله ومن وصل حمد الله تعالى على وصوله وسميته روضة التعريف بالحب الشريف ويحتوى على أرض زكية وشجرات فلكية وثمرات ملكية وعيون غير بكية
والحب حياة النفوس الموات وعلة امتزاج المركبات وسبب ازدواج الحيوان والنبات وسر قوله عز وجل { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات } الانعام ليس كالحب الذى دون فيه المدونون ولعبت بكرة أقباسه صوالج الجنون وقاد الهوى أهله بحبل الهون وساقت فيه المنى للمنون حين نظرت النفوس من سفلى الجنبتين ورضيت الأثر عن العين وباعت الحق بالمين ولم تحصل إلا على خفى حنين وارحمتا لعشاق الصور وسباق ملاعب الهوى والهور لقد كلفوا بالزخارف الحائنة الحائلة والمحاسن الزائفة الزائلة وسلع الجبانة وبضائع الإهانة أزمان التمتع بهم قصيرة والأنكاد عليهم مغيرة فتراهم ما بين طعين بعامل
____________________
(6/287)

قد ومضرج بدم خد واسير ثغر قد أعوز فداؤه وسقيم طرف قد أعضل داؤه وما شئت من ليل يسهر ونداء به يجهر وجيوب تشق وبصائر تخطف ابصارها اذا لمع البرق ونواسم تحمل التحيات وخلع أيك تتلقى بخلع الأريحيات وربما اشتد الختل وأصابت النبل فكان الخبل قلوب اشتغلت عن الله فشغلها الله بغيره وهب الحب الجسمانى لا تبعث عليه شهوة بهيمية ولا تدعو اليه قوة وهمية أليست الداعية مرتفعة والباعثة منقطعة وصورة الحسن داثرة وأجزاؤه المتناظمة متناثرة أليس الجراب العنصرى عائدا الى أصله اليس الجنس مفارقا لفصله ولله در على رضى الله تعالى عنه وقد نظر الى قدح الماء وقد أراد ان يشرب وعن الاعتبار اعرب فقال كم فيك من خد أسيل وطرف كحيل فأواه مكررة مرددة ووالهفاة معادة مجددة على قلب أصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهى خاوية على عروشها ويقول يا ليتنى لم أشرك بربى أحدا وحسبنا مرارة الفراق ذلا وفقد النقد قلا والغفلة عن الله شقاء محتوما والكآبة على الفائت شوما
( صدنى عن حلاوة التشييع ** اتقائى مرارة التوديع )
( لم يقم أنس ذا بوحشة هذا ** فرأيت الصواب ترك الجميع )
وان كانت الشهوة فاخسس بها داعية والى الفضيحة ساعية حسبك من حمار يعلن بنداء المحبة نهاقة ويقذفه على السباق اهتياجه الى السفاد واشتياقه أسير خبال وصريع مبال اولى له ثم اولى لو تأمل محاسن الحسوم ما أكذب رائدها المطري واخبث زخرفها المغري واقصر مدة استمتاعها وأكثر المساعى تحت قناعها
( على وجه مى مسحة من ملاحة ** وتحت الثياب العار لو كان باديا )
ما ثم إلا أنفاس تركد وتخبث وعلل تنشأ وتحدث وزخارف حسن تعاهد ثم
____________________
(6/288)

تنكث وتركيب يطلبه التحليل بدينه وياخذ أثره بعد عينه وأنس يفقد واجتماع كان لم يعقد وفراق ان لم يكن فكان قد
( ومن سره أن لا يرى ما يسوءه ** فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا )
( منغص العيش لا ياوى الى دعه ** من كان ذا بلد أو كان ذا ولد )
( والساكن النفس من لم ترض همته ** سكنى مكان ولم يسكن الى أحد )
وقلت وقد مات سكن عزيز على أيام التغرب بسلا عظم جزعى عليه
( يا قلب كم هذا الجوى والخفوت ** ذماءك استبق لئلا يفوت )
( فقال لا حول ولا قول لى ** قد كان ما كان فحسبى السكوت )
( فارقنى الرشد وفارقته ** لما تعشقت بشىء يموت )
والزمان لا يعتبر وحاصله خبر والحازم من نظر فى العواقب نظر المراقب وعرف الإضاعة ولم يجعل الحلم بضاعة انما الحب الحقيق حب يصعدك ويرقيك ويخلدك ويبقيك ويطعمك ويسقيك ويخلصك الى فئة السعادة مما يشقيك ويجعل لك الكون روضا ومشرب الحق حوضا ويجنيك زهر المنى ويغنيك عن أهل الفقر والغنى ويخضع التيجان لنعلك ويجعل الكون متصرف فعلك ليس الا الحب ثم الوصل والقرب ثم الشهود ثم البقاء بعدما اضمحل الوجود فشفيت الآلام وسقط الملام وذهبت الأضغاث والأحلام واختصر الكلام ومحيت الرسوم وخفيت الأعلام ولمن الملك اليوم والسلام فالحذر الحذر أن يعجل النفس سيرها ويفارق القفص طيرها وهى بالعرض الفانى متثبطة وبنائى الثقيل مرتبطة وبصحبة الفانى مغتبطة { أن تقول نفس }
____________________
(6/289)

يا حسرتا على ما فرطت فى جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ) الزمر وفى ذلك قلت
( أعشاق غير الواحد الأحد الباقى ** جنونكم والله أعيا على الراقى )
( جننتم بما يفنى وتبقى مضاضة ** تعذب بين البين مهجة مشتاق )
( وتربط بالأجسام نفسا حياتها ** مباينة الأجسام بالجوهر الراقى )
( فلا هى فازت بالذى علقت به ** ولا رأس مال كان ينفعها باقى )
( فراق وقسر وانقطاع وظلمة ** قنى البعد من نيل السعادة يا واقى )
( كأنى بها من بعد ما كشف الغطا ** صريعة أحزان لديغة أشواق )
( تقلب كفيها بخيط موصل ** رشيقة قد دون سبعة أطباق )
( فلا تطعموها السم فى الشهد ضلة ** فذلك سم لا يداوى بدرياق )
( بما اكتسبت تسعى الى مستقرها ** فأما بوفر محسب أو بإملاق )
( وليس لها بعد التفرق حيلة ** سوى ندم يذرى مدامع آماق )
( ولو كان مرمى الحزن منها الى مدى ** لهان الأسى ما بين وخد وإعناق )
( فجدوا فان الأمر جد وشمروا ** بفضل ارتياض او بإصلاح أخلاق )
( ولا تطلقوا فى الحس ثنى عنانها ** وشيموا بها للحق لمحة إشراق )
( ودسوا لها المعنى رويدا وأيقظوا ** بصيرتها من بعد نوم وإغراق )
( ومهما أفاقت فافتحوا لاعتبارها ** مصاريع ابواب واقفال أغلاق )
( وعاقبة الفانى اشرحوا وتلطفوا ** بأخلاقها المرضى تلطف إشفاق )
( فان سكرت واستشرفت عند سكرها ** لماهية المسقى ومعرفة الساقى )
( أطيلوا على روض الجمال خطورها ** الى ان يقوم الوجد فيها على ساق )
( وخلوا لهيب الشوق يطوي بها الفلا ** الى الوجد فى مسرى رموز وأذواق )
( فما هو إلا أن تحط رحالها )
( بمثوى التجلي والشهود بإطلاق )
____________________
(6/290)


( وتفنى اذا ما شاهدت عن شهودها ** وقد فنى الفانى وقد بقى الباقى )
( هنالك تلقى العيش تضفو ظلاله ** وتنعم من عين الحياة برقراق )
( وما قسم الأرزاق إلا عجيبة ** فلا تطرد السؤال يا خير رزاق ) وقد أخذ الكلام فى هذا الافتتاح حده وبلغ النهر مده فلآخذ أثر هذا الذى سردت فى تقرير ما أردت وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت واليه انيب فنقول ينقسم هذا الموضوع الى أرض وشجر غض وكل منها ميسور جده وفن على حدة ما شئت من مرأى ومستمع فمن شاء أفرد ومن شاء جمع فلنبدأ بالأرض والفلاحة والتكسير والمساحة وتعيين حدود تلك الساحة ثم نأتى بالشجرة التى نؤمل جناها وننظر إناها ونجعل الزاد المبلغ معناها قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون
برنامج هذا الكتاب الذى يحصر الأجناس والفصول ويرد الفروع الى الأصول ويسر الباحث عن مسائله بسبب الوصول بحول الله وقوته خطبة الأعراس وتوطئة الغراس وتنحصر فى جملتين
الجملة الأولى فى صفة الأرض وأجزائها وجعل الاختيار بإزائها وفيها رتب
الرتبة الأولى رتبة الأطباق المفروضة والاعتبارات المعروضة وفيه مقدمة وأطباق
المقدمة فى تعيين الأرض المذكورة
الطبق الأول طبق القلب
الطبق الثانى طبق الروح
الطبق الثالث طبق النفس
الطبق الرابع طبق العقل
الرتبة الثانية رتبة العروق الباطنة والشعب الكامنة وفيها فصول
____________________
(6/291)


الفصل الأول فى العروق المعدنية
الفصل الثانى فى المقررات العينية
الفصل الثالث فى المدبرات البدنية
الفصل الرابع فى البحوث البرهانية
الجملة الثانية فى صفة الفلاحة والعمل المتكفل فيها بنيل الأمل وفيها اختيارات
الاختيار الأول فيما يصلح للاعتمار من هذه الأرض وفيه فصول
الفصل الأول فى أرض النفس المطمئنة
الفصل الثانى فى أرض النفس الأمارة
الفصل الثالث فى أرض النفس اللوامة
الاختيار الثانى فى محركات العزيمة لاعتمار هذه الأرض الكريمة وفيه فصول
الفصل الأول فى الجذب وما يتصل بذلك
الفصل الثانى فى الوعظ المثمر لليقظة
الفصل الثالث فى ذم الكسل
الاختيار الثالث يشتمل على جلب الماء لسقى هذه الأرض من عين العلم فى جدولى العقل المحرر والنقل المقرر وفيه مقدمة فى فضل العلم وتعدد أجناسه وفصول
الفصل الأول فى جدول العقل
الفصل الثانى فى جدول النقل
الفصل الثالث فى مقدار الماء المجلوب للفلح المطلوب
الفصل الرابع فى غبار التكوين وسبب التلوين
____________________
(6/292)


الاختيار الرابع فى الحرث وإخراج لبن هذه الفلاحة من بين الدم والفرث وفيه أقسام
اولها القليب الأول
ثانيها القليب الثانى الذى عليه المعول
ثالثها فى سكة الازدراع والتعمير وهو مظنة التثمير
الاختيار الخامس فى تنظيف الأرض المعتمرة من الأرض الخبيثة والجدر المعترضة والشعب المذمومة وفيه فصول
الفصل الأول فى إزالة شكوك تسبق الى المعتقد غالبا
الفصل الثانى فى قلع الشجر التى تضر بهذه الأرض وتعاديها بالطبع
الاختيار السادس فى أمور ضرورية تلزم لهذه الفلاحة وفيه فصول
الفصل الأول فى أمراض يشرع فى علاجها مما يرجع لطبع الأرض ومزاجها
الفصل الثانى فى اختيار أنواعها وأجزائها
الفصل الثالث فى أقوال تليق بأفحاص الفلاح وإصحاره عند ملاحظة عجائب الكون وآثاره
الفصل الرابع فى الوقت المختار لغراسة الأسباب فى الحب اللباب وتنحصر فى مقدمة علمية وجرثومة جرمية المقدمة العلمية فى ترتيب المحبة والمعرفة الجرثومة الجرمية تنقسم الى بيان يعطى الصورة ويشرح الضرورة والى بطن وظهر وسر وجهر وباسط وبرزخ واسط فالباطن الشرع والنقل وينقسم الى أصول
الأصل الأول الكلام فى النبوة من حيث النقل
الأصل الثانى فى الإيمان والاعتبار العامى
الأصل الثالث فيما يتبع ذلك من اليقظة والتوبة فى حق غير المحتاج الى ذلك
____________________
(6/293)


الأصل الرابع فى تقرير العناية والتوفيق فى حق غير المحتاج الى ذلك
الأصل الخامس فى الموعظة والسماع من حيث تهذيب الجميع والظاهر الطبع والعقل وينقسم الى أصول
الأصل الأول جزء الفلسفة العلمى والعملى
الأصل الثانى سلامة الفطرة فى حق المستغنى عن ذلك
الأصل الثالث فى معرفة الجمال والكمال
الأصل الرابع فى الاعتبار الخاصى
الأصل الخامس السلوك بالفكر
الأصل السادس فى التشبيه بالمبدإ الأول باسط الذكر الباسط والبرزخ الواسط الصاعد من التخوم الى النجوم وهو من أخص الأشياء بباطن الشجرة وأصولها المعتبرة ويشتمل على مقدمة وثلاثة أصول
الأصل الأول الأدعية والأذكار وله عشر شعب
الأصل الثانى أصل الأسماء وهى أصول الأرض والسماء وله تسع وتسعون شعبة
الأصل الثالث أصل السيمياء وهو الذى عفن بعضه وبقى الانتفاع ببعضه
العمود المشتمل على القشر والعود والجنى الموعود ينقسم قسمين قشر وخشب ودر مخشلب والقشر ظاهر يكسر ويخذو وباطن ينمى ويغذو فظاهره الذى يكسر ويخذو يتضمن الكلام فى المحبة وأقسامها من حيث اللسان لا من حيث نوع الإنسان وباطنه الذى ينمى ويغذو يتضمن الثناء على المحبة طبعا وعقلا وشرعا ونقلا
الخشب الذى يتخذ منه النشب ينقسم الى أقسام
القسم الأول فى الحدود والمعرفات والأسماء الدالة عليها والصفات
القسم الثانى معقول معناها المتجلى فيه نور سناها
____________________
(6/294)


القسم الثالث ارتباطها بالمقامات واختصاصها فيها بالكرامات
القسم الرابع تبيين ضروريتها وإيضاح مزيتها
الفرع الصاعد فى الهواء على خط الاستواء من رأس العمود القائم الى منتهى الوجود الدائم ويشتمل على قشر لطيف وجرم شريف
القشر الحدود للمعرفة والرسوم وخواص العارف الذى هو المعروف بها والموسوم وينقسم الى فصول
الفصل الأول فى حدود المعرفة ورسومها وما قيل فيها
الفصل الثانى فى أوصاف العارف
الفصل الثالث فى تفضيل العارف
الفصل الرابع فى علوم العارف
والجرم الشريف من الفرع المنيف ينقسم الى ظاهر وباطن وقلب فالظاهر ينقسم الى أقسام الكلام فى الأخلاق ومنشئها وطباعها بحسب القوى النفسانية وإفراطها وتفريطها واعتدالها وعلاجها وفيه المجاهدات
والباطن يتضمن الكلام فى أن النظر الى وجه الله تعالى هو السعادة الكبرى بكل نظر واعتبار
والقلب قلب الغصن يتضمن الرياضة والسلوك على المقامات كلها ويتفرع منه عشرة غصون
الغصن الأول غصن فروع البدايات
الغصن الثانى غصن فروع الأبواب
الغصن الثالث غصن فروع المعاملات
الغصن الرابع غصن فروع الأخلاق
الغصن الخامس غصن فروع الأصول
الغصن السادس غصن فروع الأدوية
____________________
(6/295)


الغصن السابع غصن فروع الأحوال
الغصن الثامن غصن فروع الولايات
الغصن التاسع غصن فروع الحقائق
الغصن العاشر غصن فروع النهايات ولكل فروع أوراق ويلحق به صورة السلوك بالذكر حتى يتاتى الوصول وعلى المقصود الحصول والكلام على زهرات الطوالع واللوائح والبواده والواردات ونختم بالجنى المقترن بنيل المنى وهى الولاية
تفرع ضخام الغصون من شجرة السر المصون وهى
غصن المحبوبات وأقسامها وتنقسم إلى أربعة أفنان
الفن الأول فن الرب المحبوب
الفن الثانى فن العبد المحبوب
الفن الثالث فن الدنيا المحبوب
الفن الرابع فن الآخرة المحبوبة
غصن المحبين وأصنافهم المرتبين ينقسم الى مقدمة بيان وستة أفنان
الفن الأول فى رأى الفلاسفة الأقدمين
الفن الثانى فى رأى أهل الأنوار والإشراقيين
الفن الثالث فى رأى الحكماء الإسلاميين
الفن الرابع فى رأى المكملين بزعمهم المتممين
الفن الخامس فى أهل الوحدة المطلقة من المتوغلين
الفن السادس فى الصوفية سادة المسلمين
غصن علامات المحبة وشواهد النفوس الصبة وينقسم إلى ثلاثة أفنان
الفن الأول فيما يرجع إلى حقوق المحبوب
الفن الثانى فيما يرجع إلى باطن المحب
____________________
(6/296)


الفن الثالث فيما يرجع إلى ظاهره
غصن اختيار المحبين فى ميدان جهادهم وتباين أحوال أفرادهم وهو ثلاثة أفنان
الفن الأول فن المجاهد الصريح
الفن الثانى فن المنبت الجريح
الفن الثالث فن الصريع الطريح
جوائح الشجرة ومضار فلاحتها المعتبرة وينقسم الى جوائح من نسبتها بالنظر إلى مائها وتربتها وإلى ما هو راجح إلى الخواطر وهى على عدد الرياح وإلى ما سببه غفلة الفلاح عذر الطائر الصادح على فرض القادح ووجود الهاجى والمادح
صورة الشجرة ذات الحسن الباهر والجنى والأزاهر وآثارها للحسن الظاهر بفضل المريد القاهر لا إله إلا هو سبحانه له الحمد انتهت الخطبة التى تدل على ما وراءها
وقال رحمه الله تعالى فى آخر هذا الكتاب ما نصه ونختم الكلام فى هذه الشجرة والاستدلال على شرف هذه الفلاحة الضمنية بهذه الأبيات
( فلاحتنا لها القدح المعلى ** وسرحتنا الضمينة للنجاح )
( ألست ترى منادي الخمس نادى ** بمختلف الجهات أو النواحي )
( يردد فى الأذان لكل واع ** على الآذان حي على الفلاح )
وهذا طائر على الشجرة صادح ولاحق كادح ومعتذر أن قدح قادح وتعارض هاج ومادح قال المؤلف ولا بد لنا من درى صادح على هذه الأفنان وشاد يهيج أشجان الجنان ويثير شجو الرأفة والحنان ويبين مجال الضرورة لذوى الاتصاف بكرم الأوصاف والناظرين إلى الهنات بعيون الإنصاف فيرحم من قد كان شره النقد ويعذر من تشوف لاستضعاف هذا القصد
____________________
(6/297)

والأعذار التى تقرر عنا هذا الطائر عديدة ومبدئه فى الصدق معيدة وقريبة من الحق لا بعيدة فمنها أن هذا الفرض اليوم بأكثر الأرض ميدان عدم فيه ولا حول ولا قوة إلا بالله من يجيل كما يحب جوادا ونفير لا يجيبه إلا من يكثر سوادا قد طمست الأعلام وسقط الحمد والملام وما لجرح بميت إيلام فمدلول هذا الفن بهذه التخوم عنقاء مغرب وإكسير يحدث عنه غير واصل ولا مجرب إنما يرجع فيه إلى كتب مقفلة وأغراض مغفلة وما عسى أن يعول المسكين مثلى على قاصر إدراكه مع اقتسام باله واشتراكه قصر العلم والعمل فاختلط المرعى والهمل وأخفق المسعى وخاب الأمل ومنها شواغل الدنيا التى اختطفت من المكاتب وموهت بالمراتب ولقبت بالوزير والكاتب وأقامت العبد الذى لا يملك شيئا مقام العاتب ومن كان بهذه المثابة وأن عد يقظا حازما ونحريرا عالما فأنما هو غريق وتائة لا يبدو له طريق ولا ينساغ له ريق ولا يطفأ ببرد اليقين منه حريق ولا يربع عليه من قصاد الله تعالى فريق ونستغفر الله فالذى ألهم لهذه العيوب يتكفل بإصلاح القلوب ومكاشفة الغيوب وأن كانت النفوس للحق جاحدة فما أمرى إلا واحدة
( لا تعجبن لطالب نال العلا ** كهلا وأخفق فى الزمان الأول )
( فالخمر تحكم فى العقول مسنة ** وتداس أول عصرها بالأرجل )
ومنها الاشتغال بالهذر عن العلم والنظر منذ أزمان عديدة ومدد مديدة فلم يبق مما حصل وإليه مما فى الزمان القديم توصل إلا رسم بلقع وسمل ما له مرقع ومنها أننى لم أنتدب إلى هذا الوظيف الذى قل من يتعاطاه ويثير قطاه ويقتعد مطاه من تلقاء نفس جاهلة ببعد مداه ومطل جداه ومطالبة مدعية بما كسبت منه يداه فلا يتجاوز طوره ولا يتعداه وإن طالب الحق من شرط وصوله سلب فصوله وحاله موته وانقطاع حسه فضلا عن صوته
____________________
(6/298)

لكنى خضت على عدم السباحة غمرا وامتثلت مع سقوط الاستطاعة أمرا وجئت بما فى وسعى انقيادا وامتثالا ومثلت مثالا فضرورتي بفضل الله تعالى مشروحة والدعوي عن كتفى مطروحة وعلى ذلك فقد علم الذى يعلم الأسرار ويقرب الأبرار ويقيل العثار ويقبل الأعذار أن مدة الاشتغال به لم تجاوز شهرين اثنين بين كتب وكتم وابتداء وختم مع ما يتخلل الزمان من حمل لو رمى به رضوى لتدعدع أو أنزل على ثبير لخشع من خشية الله تعالى وتصدع مداراة عدو قد تكالب على الإسلام وسياسة سواد صم عن الملام وتعدى حدود النهى والأحلام وارتقاب هجوم جيش الآجال وراية الشيب من الأعلام وقد انذر بالفجر انقشاع الظلام وكاد يصعد الخطيب فينقطع الكلام جعلت لنقله حصة من جنح الظلام الغاسق والليل الواسق وعاطيت حمياه نديم الغارق وتعرضت لاقتناص خياله الطارق وسرقته من أيدي الشواغل والليل معين السارق ولم يعمل فيه عبد القيس نظرا معادا ولا أنجز من تصحيحه علم الله تعالى ميعادا إنما هو كراس يفرغ من تسويده رجراج الحبر مختلط الترب بالتبر فيدفع ملموم الماسخ إلى يد الناسخ وكلفة المتثاقل إلى كف الناقل وتقذف صحيفته من الزبرة إلى الصاقل إذ كان الآمر أيده الله تعالى ونفعه حريصا على تعجيل المعارضة ومتحريا سبيل الشرع فى هذه المصارفة والمقارضة والجفن المشرق يعلن بالتبريح وينتظر مساعدة الريح فمن وقف عليه من فاضل أنار الله بصيرته وجبل على الإنصاف سيرته أو من كان من أهل الله الذى يعلم إن ما سوى الله تعالى ظل وفىء ويتحقق معنى قوله { ليس لك من الأمر شيء } فقد أوجب الإنصاف إن يمحو اقترافى باعترافى ويغطى أوصافى بإنصافى والرحماء يرحمهم الرحمن وقد عذر القنبرة سليمان ومع
____________________
(6/299)

الاستسلام الأمان ولا حول ولا قوة إلا بالله ولا بأس إن يعرض بتلك الأخونة الخصيبة المثوى والمروج والحمل والفروج وفى السماء البروج وفى الأرض الفروج والأعرج يستندر منه العروج ونمد الأيدي المستعملة فى التقصير إلى الولى النصير والناقد البصير اللهم استر بسترك فضائحنا المخلفة وقبائحنا المجمعة المؤلفة فهو كله تحويم حول حماك ودندنة يا كريم بباب رحماك وزند أنت قدحته وتألق بارق أنت الحته فصل السبب يا واصل الأسباب واجعلنا ممن تذكر فنفعته الذكرى وما يتذكر إلا أولو الألباب اللهم دل نفوسنا الحائرة على عين الخبر واجذبها إلى المؤثر بزمام الأثر اللهم اجبر الضالة المثقلة الظهر وارفع عنها ملكه القهر وحيطة الدهر والسفر من بلد السر إلى بلد الجهر اللهم أعلق بعروة الحق أيدينا الخابطة وأظفر بعدو الهوى عزائمنا المرابطة اللهم أوصل سببنا بسببك واحملنا إليك بك لا إله إلا أنت وصل على عبدك ونبيك محمد خاتم النبيين والمرسلين وآله والصحابة أجمعين انتهى
وقال رحمه الله تعالى آخر بعض تراجم هذا الكتاب ما صورته خاتمة تشتمل على إشارات ونختال من الحق فى شارات قال بعض من يطأ بمطية السلوك حمى الملوك وينقض زوايا الغيوب عن المطلوب ببصر بصائر القلوب شهدت أصناف المحبين والعشاق على اختلاف البلاد وتباين الآفاق لا أدرى أقال كشفا وشهودا أو فرضا أو وجودا أو يقظة أو هجودا وقد ركضوا مطايا الأشواق وضربوا آباطها بعصى المشارب والأذواق وتزودوا ازواد الحقائق وودعوا أحباب العوائد والعلائق وتساهلوا فى المحبوب اعتراض العوائق وتفاضلوا فى اختيار الجواد واقتحام المضايق والطرق إلى الله تعالى عدد أنفاس الخلائق فمن خابط عشواء ومسقط أهواء يقول
( يا ليت أنى أوقد النارا ** فإن من يهواك قد حارا )
____________________
(6/300)

فيجيبه الصدى
( ومن طلب الوصول لدار ليلى ** بغير طريقها وقع الضلال )
ومثبت بحيث لا يبدو علم ولا يقتص خف ولا قدم فى مفازة وجود من حلها عدم وهو يصيح
( بأبى وأمى والذى ملكت يدي ** أفدي الذى يهدي الطريق اللاحبا ) ثم يقول
( ولقد سريت اليك لكن حين لم ** يكن الدليل أجل قصد السالك )
ومن طاو نفد زاده وفرغ مزاده قد استسلم وعجز أن يتكلم ولسان حاله ينشد
( إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ** ندمت على التفريط فى زمن البذر )
وراكض يقطع الدو ويعرف الجو يثبت الأعلام الخافية ويقصد الموارد الصافية والظلال الضافية حادية أمله ودليله علمه والراحلة عمله ينشد بأعلى صوته
( قرب اللقاء فكيف لا ترتاح ** للقاء سكان الحمى الأرواح ) وفرانق يركض البريد ويصحب التفريد بلغ الطية وأناخ المطية قبل وصول الرفقة البطية
( سرى سلخ شهر فى فواق حلوبة ** فلله ما أناى سراه وما أدنى ) { لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا } الكهف وقلت
( نهضوا وقد جن الدجى وتخالفت ** سبل الردى فمسد دون وضلل )
____________________
(6/301)


( سلنى عن المنبت حين تقطعت ** أسبابه تيها ولا من يسأل )
( قوم سطت بهم السباع وفرقه ** عطشوا وأين من الظماء المنهل )
( لفح الهجير وجوههم بسعيره ** فتهافتوا ببلاله وتعللوا )
( وجماعة ركبوا المفاوز دائما ** عثروا على أثر فشط المنزل )
( وركائب جعلوا الدليل أمامهم ** وسروا ففازوا بالذى قد أملوا )
( والليل متلفة ومدرجة الهوى ** لا يستقل بها المطى الذلل )
( والواصلون هم القليل وكيف لا ** قفر ومسبعة وليل أليل )
( يا رحمة للعاشقين تفحموا ** خطر النوى وعلى الشدائد عولوا )
( طارت بهم أشواقهم فعقولهم ** معقولة عن شأنها لا تعقل )
( عذرا لكم يا أهل عذرة شأنكم ** سلمت فيه لكم فقولوا وافعلوا )
حتى إذا خرجوا إلى قضاء القدر المشترك وافلت من أفلت من الشرك وسلم من قتيل المعترك واشرفوا بركاب الآمال على ثنيه الجمال زعقوا بإزاء الباب ونادوا من وراء الحجاب
( كل كنى عن شوقه بلغاته ** ولربما أبكى الفصيح الأعجم )
وأوصلوا رقاع شكواهم بسر هواهم وبرزوا صفا واستظهروا بشفعائهم التى ظنوا أنها لا تخفى { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } الزمر وقد تعينت ألاوصاف وتميزت وانتبذت الأصناف وتحيزت والعشاق نجت وسلمت مذ علمت منهم الصفوة والمجان والحرافيش والبهلوان ممن يعول على ذراعه وملء كمته وصواعه وطول باعه وصلابة طباعه وسلاطة لسانه وامتزاج إساءته بإحسانه شأنه البحث عن المحبوب مع الشروق والغروب والتوصل إلى وصله المطلوب بالحركة الرشيقة واللفظ الخلوب ومن اتسم بإذاعة الأسرار وصحبه الشرار
____________________
(6/302)

واللسان المهذار حسب من الأغيار ومنهم بذاة ليس لهم إلا المنادمة أدة تعذر عليهم تميز المحبوب فغلطوا وعكفوا على تنزيهه فافرطوا
( ربما ضر عاشق معشوقا ** ومن البر ما يكون عقوقا )
وغلبت على سجيتهم السلامة ولم تنلهم لعدم الموصل والمعرف الملامة وليس للقبول عليهم علامة ومنهم من شعاره الحشمة ولزيمه العفاف والعصمة أولو الحياء والوقار والكتم للأسرار ومخالطة الأبرار والتوسل إلى المحبوب بالافتقار وصفاء الضمائر من الأكدار لا تختلجهم الشواغل ولا يطرق شرابهم الواغل أغنتهم الشواهد عن الدعوى وأصمتهم الرضى عن الشكوى وتقسمت معاملاتهم الآداب وصح منهم إلى مراتب المراقبة الانتداب والناقد بصير وكلام النيات قصير ومنهم المغلوب الحال المحمول من فوق الرحال رقص وشطح وسكر فافتضح فهو بلخ الرفقة وملوع الحرقة دعنى وعبدي بلخ فانه يضحكنى سبع مرات فى اليوم ومنهم من لم يأخذه نعت ولا تعين له فوق ولا تحت ولا حمد ولا مقت ولا حين ولا وقت لو نطق لقال أنا المعدوم الموجود والشاهد المشهود { ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود } هود
( قضى وصلها لى وابتلاكم بحبها ** وهل يأخذ الإنسان غير نصيبه )
ولم يكن إلا أن خرجت الرقاع وفضلت البقاع { ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } آل عمران
فكان فى رقعة طائفة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء }
____________________
(6/303)

) الشورى قلدتم العقل وله طور ورأيتم الحركات لا يتناهى لها دور وعالم الجزئيات لا يسبر له غور وحور المعاد فى بعض الفروض لا يكون له كور ويا شر ما أصبحتم فى المعاد الأول تعتقدونه أن جعلتم التصرف فى عالم الملك لمن دونه قفوا مكانكم ولوموا أنفسكم ودعوا شأنكم
وكان فى أخرى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم { ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا } الحديد أساطين الحكمة المشرقية وفراش الأنوار الحقيقية دعونا من استكثار الأنوار واحتشاد الأطوار الحق نور إرشاد لا يطيق حسن ذاته إلا من ركب ظهر شتاته فارفعوا الكلف واذكروا مجرى من تقدم وسلف
وكان فى أخرى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم { قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } الأنعام لم تتركوا البراهين على أصلها ولا ناسبتم جنس هذه الموضوعات بفصلها وأثرتم شغبا طويلا وأوسعتم المتشابه تأويلا ولم تعتمدوا من العقل دليلا ولا وقفتم فى مجازات العقول قليلا وهولتم باصطلاح غيركم تهويلا وادعيتم الشهود ولم يجعل الله تعالى فى الاحتجاج به إلا للأنبياء سبيلا وبنيتم الحقائق على قياس ونظر من غير عين للعقل والنقل ولا أثر
( رب خل أدار فى اعتقادا ** لم أكن قبله عرفت بفنه )
( حكمت نفسه على علم غيبي ** جعل الله باطنى عند ظنه )
وعسى أن تكونوا ممن أخطأ فى اجتهاده فأثيب واستغفر فسمع لا
____________________
(6/304)

تثريب فثمرتكم صحيحة والمقاصد من التبعة مريحة إذا كانت صريحة ولولا الافتيات لوضحت فى ميدان السبق لكم الشيات لكن شانكم الهذيان وقلبت منكم بضعفائكم من المتأخرين الأعيان كابن قسى وابن برجان فتبراوا من أتباعكم المطيفة وأحزابكم المخيفة وأخلصوا فعل الأنصار يوم قتال بنى حنيفة وحبذا الحكم المقتدى ومن يهد الله فهو المهتدى واكبحوا الألسن عن طلاقتها وذلاقتها ولا تكلفوا العقول فوق طاقتها فلا بد من توقيف وتسليم وفوق كل ذي علم عليم وإذا محيتم فاثبتوا أو نطق إنسان فاسكتوا ولا ترضوا أن تكتبوا مع الذين كبتوا ولكم الحظ السنى والوصل الهنى
وكان فى أخرى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق } الأنبياء ذهب بوجودكم العدم وابتلع حدوثكم القدم ورضيتم بالإشراف فى الاستشراف والتوغل لزيم الانحراف ومن جعل الحس وهما فقد كابر العيان ظلما والعقل الذى غلطكم هو آلة حكمكم وأداة علمكم والعوالم أوثق من أن تكون تمويه راقش والوجود المطلق أبسط من أن يصير أبا براقش ثم ما لكم والتبجح والتشبع والتعقب والتتبع ولم يغن العراك ووقع فى ثمرتكم الاشتراك فالفيلسوف يتحد بالعلة القريبة من الخلق ثم يتلاشى فى ذات الحق والحكيم يجوز إلى عين الحق رتبة الفناء المطلق والمتشرع قد
____________________
(6/305)

عضده ونصره كنت سمعه وبصره وإن كان معظم القول الهذر ففيكم بعد نظر
وكان فى أخرى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين } العنكبوت أنتم الأحباب ولكم يفتح من الجنان الأبواب ركبتم ظهور الأعمال وركب غيركم ظهور الآمال وفزتم بسحب الأذيال ومن دونكم يحوك عناكب الخيال فبدايتكم الأساس الوثيق الذى يبنى عليه التحقيق ونهايتكم إليها ينتهى الطريق وبها يحط فريق الله تعالى ونعم الفريق أولكم المقرب المدرب وأوسطكم الفرد المعرب وآخركم الولي المقرب حضرتم بذكر محبوبكم حتى غبتم فهنيئا لكم طبتم حواس مسدودة وخيوط أفكار كلها ممدودة ومشاهد مشهودة ومغلطات تتجاوز حراسها وقواطع معترضة بحل مراسها إلى أن لا توجد تقية ولا تبقى بقية عند تجلى المعالم الخفية لو اشتمل العلم على عملكم لكان الكل من هملكم بحيث تتعين المراتب وتتميز وتتقرر المشارب وتتحيز فلا يعترض قاطع إلا وقد علم شانه وتعين وقته ومكانه ولا تمثل غاية إلا ودرجها محدودة ومراحلها معدودة ومشاهدها قبل دخول الطريق مشهودة فهناك تطوى المراحل ويلوح فى اللمحة القريبة الساحل ويأمن طول الطريق الواصل
وكان فى رقعة المحبين الذين قربوا قبل هذا اليوم وأدخلوا من بعد ما تخيروا للاصطفاء وانتخلوا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم }
____________________
(6/306)

) آل عمران أنتم الأحباب ولباب الألباب وبوساطتكم اتصلت بين النفوس وبين الحق الأسباب لولاكم لم يفتح الباب فلا يصل إلا من أوصلتم ولا يحجب إلا من قطعتم وفصلتم أنتم الرعاة والخلق الهمل وأنتم الدعاة لمن يريد نيل الأمل مهدت لكم سرر القرب تمهيدا وبعثتم إلى الناس ليوحدوا الله توحيدا { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } البقرة فطوبى لمن أصاخ منكم إلى ندا واستضاء بنور هدى صلوات الله عليكم أبدا أنتم أولو الألوية المعقودة والعساكر المحشورة المحشودة ورؤساء أهل المحبة وأدلاء مبتغى الوسيلة والقربة ومسالككم قد بينتها الصحف المنزلة والملائكة المرسلة ودخلت على العذارى خدورها وعمت السماء وبدورها وأغنت عن تقرير نحلها المكاتب المائجة بالصبيان والسنن المعقودة لها حلق التبيان والقواعد المفترضة على الأعيان والخزائن المرصوصة بعلوم الأديان { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } المائدة وقيل لأتباعهم من الجمهور وأقطاب فلكهم المشهور على قدر أتباعكم مناقل أبواعكم وبحسب أقتدائكم يكون سماع ندائكم والمهاد لمن وثره { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } الزلزلة وتأخيركم فى التوقيع هو التقديم وساقى القوم آخرهم شربا مثل قديم قال المخبر فرأيت وجوههم قد تهللت ونواسم المسرات نحوهم قد أقبلت ومن سواهم من خالص وزائف بين راج وخائف وسمعت أن طائفة استدعيت بحث حفى وأدخلت من باب خفى قيل لهم هم أصحاب الخبر المكتوم وأرباب المقام غير المعلوم جعلنا الله تعالى منهم برحمته
( ولولا الحب ما قطعوا الفيافى ** ولولا الحب ما قطعوا البحارا )
( فدعهم والذى ركبوا إليه ** وبحثا عن خلاصك واختبارا )
____________________
(6/307)


( فلا تشغل بحب ديار ليلى ** ولكن حب من سكن الديارا ) وقال قبل هذه الخاتمة بعد كلام كثير ما نصه وقد أتينا على ما شرطنا من تقرير ما أمكن من هذه الآراء وهم ما بين سابق للخيرات ومقتصد وظالم لنفسه ومع ذلك مخبون وعلى آثار الحبيب مكبون ما كل طريق توصل ولا كل تجارة على الربح تحصل ومن العشاق مهجور ومطرود وموصل وموعود ومغبوط ومحسود ومحروم ومجدود ومرحوم ومردود
( يا غايتى ولكل شىء غاية ** والحب فيه تأخر وتقدم )
( قل لى بأي وسيلة يحظى بما ** يرجوه غيرى من رضاك وأحرم )
ورقة ولكل دائرة مفروضة وهالة حول قمر الحق معروضة تعود الخطوط من محيطها المسدد إلى مركزها المحدد فالفيلسوف يروم التشبث بالعلة الأولى ويعنى بها ذات الحق أو أن يتحد بالثانية وهى مرآة وجه الحق والإشراقى يروم التجوهر بنور الأنوار المعبر عنه بالحق والاتصال به إما بواسطة من الحق أو بغير واسطة من الحق والحكيم أن يؤديه فكره إلى الحق ثم يفنى فى الحق ثم يبقى بالحق والمتشرع أن يجن فى جنة الحق ويحصل على جوار الحق وينظر إلى جوار الحق وصاحب الوحدة المطلقة أن يكون المتفرق عين الحق فسبحان الحق المعبود بالحق الموجد الجمع فى الفرق لا إله إلا هو وزيد فى هذا المحض الذى كثر فى قربه الدعداع وطال على الرؤوس منه الصداع ما تفرد له المقالة المختصرة والعناية الميسرة بحول من لا حول ولا قوة إلا به انتهى
وقال رحمه الله تعالى فى عد ما عدد من فرق الاعتزال ما نصه
____________________
(6/308)


( الحب حركهم لكل جدال ** والحب أقحمهم على الأهوال )
( والحب قاطع بينهم وأضلهم ** عن نيل ما راموه كل ضلال )
( والحب أنشأ فيهم عصبية ** بالقيل أضرم نارها والقال )
وأنما استكثرنا من ذكرهم عبرة لمن تأمل حركات هذا الفراش المختلف الآراء عن ذبال الحق يبتغون إليه الوسيلة قوم بالطاعة وقوم بالمعصية وما منهم إلا مدع فى المحبة متهالك حريص على السعادة بزعمه ( وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة ) الغاشية ممن قصد الحق فأخطأه وأراد الصواب فضل عنه واشتهر بالحكمة بعد فى الملة الإسلامية جماعة بالمشرق والأندلس فمن المشارقة أبو الفرج ويعقوب الكندي وحنين بن إسحاق وثابت بن قرة فكان عندهم مباشرتها من حيث الترجمة والمزاولة إلى أن قال ومن أهل الأندلس محمد بن مسعدة السرقسطى واحمد بن طاهر الطرطوشي ويحيى بن عمران القرطبى وطفيل بن عاصم وكليب بن همام البياسى والحسن بن حرب الدانى وابن مسرة ومسلمة المجريطى وأبو بكر ابن الصائغ وأبو بكر ابن طفيل وأبو الوليد ابن رشد وكل هؤلاء المتقدمين والمتأخرين محب عاشق مستهلك قال الشاعر
( وعلى أن أسعى وليس ** على إدراك النجاح )
( حيارى يميد بهم شجوهم ** كأنهم ارتضعوا الخندريسا )
____________________
(6/309)


( إذا لم يكن عون من الله للفتى ** أتته الرزايا من وجوه الفوائد ) { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } هود { فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة } الأعراف { قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين } { قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين } الأنعام والخلق قد مدوا أبصارهم وآمالهم وتحركوا طوعا وكرها يعشون إلى نور الله تعالى فمن أعمى أصم لا يسمع ولا يبصر وأعمى فقط يجتزىء عن العيان بالمخبر وأحول يبصر الشىء شيئين والواحد اثنين كما قال الشاعر
( أحوى الجفون له رقيب أحول ** الشىء فى إدراكه شيئان )
( فيلوح فى عينى منه واحد ** ويلوح فى عينيه منه اثنان )
( يا ليته ترك الذى أنا مبصر ** وهو المخير فى الحبيب الثانى )
وضعيف لا يبصر من بعيد وأجهر لا يبصر من قريب وأعشى تكثر فى عينيه الأشعة وربما تندر وزرقاء اليمامة
( سبحان من قسم الحظوظ ** فلا عتاب ولا ملامة )
( أعشى وأعمى ثم ذو ** بصر وزرقاء اليمامة )
( لولا استقامة من هداه ** لما تبينت العلامة )
( ومجاور الغرر المخيف ** له البشارة بالسلامه )
أقام سبحانه الحجة وفرق بين الأمر والإرادة وأعطى الكفاية من القدرة { فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون } ( الحديد اقتصرنا من هذا البحر
____________________
(6/310)

على نقطة ومن هذا الودق على قطرة
( ومن يسد طريق العارض الهطل ** )
( عد الحصى والقطر ليس يرام ** )
وذكرنا الرسل والأنبياء والأتباع ذكرا من غير تبويب ولا تعيين لشياع آرائهم والعلم بمقاصد مللهم وأغراض دعواتهم من توحيد الله تعالى وتنزيهه وصفاته وأسمائه وكيف يحشر الناس ليوم لا ريب فيه ) { ولتجزى كل نفس بما كسبت } الجاثية وتعليم طرق النجاة وإيضاح سبيل الله تعالى والتحذير من الغفلة عمن إليه الرجعى وله الآخرة والأولى والتخويف من كل ما يقطع عنه والترغيب فيما يوصل إليه وشأن الرياضة والتدريج فى أحوالها حتى تنتقل من الظواهر إلى البواطن وتسرى فى الخلف من السلف والندب إلى الاقتصار على الضرورة والقناعة بالبلاغ وتبين الرسم فيها والتعيين لحدودها قد تضمنت ذلك كله آيات الله التى تكفل بحفظها وسنة رسوله التى قيض مناخل الصدق لتصحيح نقلها فالمكاتب والمنة لله تعالى مائجة والمدارس حافلة فما لنا والإطالة فى الموجود الذائع والمشهور الشائع
( والشمس تكبر عن حلى وعن حلل )
( فهى الدراري فى التقليد بالدرر )
ما أغنى الشمس عن مدح المادح تحصيل الحاصل عناء { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } التوبة
فلنذكر بعض أرباب الآراء من قريب وبعيد وخلق جديد على صورة
____________________
(6/311)

المثال المفروض وليكون كعرض الحبوب الذى تجزىء منه الحفنة عن الجفنة والقربة عن القرية ونقتصر على اليسير لإقامة الترتيب وإحكام التبويب وليرى الواقف عليه أننا قد نفضنا الزوايا ورشفنا الروايا وإمتككنا العظام واستقصينا النظام حرصا على نشيدة الحق أن تعقل وعلى الطباع أن تنقل وعلى المرائى الصدئة أن تصقل وعلى صورة النجاة أن تمقل ونسأل الله تعالى هداية توصل إليه لا إله إلا هو الرحمن الرحيم انتهى
وقال رحمه الله تعالى فيما قبل هذا الكلام بكلام ما صورته غصن المحبين وأصنافهم المرتبين ويشتمل على مقدمة بيان وستة أفنان
فالمقدمة فنقول أصناف المحبين والعشاق كثير وهباء نثير وجراد أثارها مثير بحيث يشق إحصاؤهم ولا يتاتى استقصاؤهم
( فقلت كما شاءت وشاء لها الهوى ** قتيلك قالت أيهم فهم كثر ) ثم مد النفس بما لا يقتضى المقام الاختصاري ذكره فى هذا الموضع
وقال رحمه الله تعالى فى بعض تراجم الروضة وهى الخاتمة التى تنبه النفوس الصبة على حكم المحبة { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة } الأنفال بعد كلام ما صورته فقر فى معنى هذه الخاتمة فيها حكم تنثال وتجرى مجرى الأمثال
المحبة بحر بعيد الشط وخط والفناء منتهى الخط { إنا عرضنا الأمانة } إلخ الأحزاب
المحبة مهوى بعيد ومجال وعد ووعيد مرجل يغلى ثم خيال يولي وليس له حد عليه يعول
المحبة ظهر لا يركبه من يرى الموت فيتنكبه ولا يعلوه من يأتى
____________________
(6/312)

إلى وادى الفناء فيسلوه { إن الله مبتليكم بنهر } البقرة كم قصمت المحبة من ظهر وكم سر صيرت إلى جهر أولها العار المشهور وآخرها الطى المنشور ثم الموت ثم النشور { وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب } الزمر
المحبة أنس يستدرج ثم شوق يلجم ويسرج ثم فناء يزعج عن الوجود ويخرج
( على قدر أهل العزم تأتى العزائم )
المحبة كاس كم جردت من كاس وآس من شمه لم يجد من آس
( متى أرتجى يوما شفائى من الضنى ** إذا كان من يجنى على طبيبي )
تزاحم أنفاس المحبين على خطرات الصبا تزاحم الهباء على مطارح شعاع الدبا فلولا بليلها لالتهبت وتعليل عليلها لتلك الأرماق لذهبت
( عليلة فى حواشى مرطها بلل ** يهدى لكل عليل منه إبلال )
المحبة رقة ثم فكرة مسترقة ثم ذوق يطير به شوق ثم وجل لا يبقى معه طوق ثم لا تحت ولا فوق
( أينما كنت لا أخلف رحلا ** من رآنى فقد رآنى ورحلى )
الهوى هوان وحمام له ألوان دمع ساجم ووجد هاجم وهيام لا يبرح ثم وراءه ما لا يشرح قال
( بمن جن وهل فى الورى ** ما يبعث الخبل سوى حبه )
من اقتحم بحر الهوى هوى لا تدخل فى بحر الهوى حتى تشاور صبرك وتجاور قبرك فان كنت منا أو فرح بسلام
الهوى طريق ولسلوكه فريق الزاد سر مكتوم ووفاء معلوم
____________________
(6/313)


( وللميادين أبطال لها خلقوا ** وللدواوين حساب وكتاب )
الحب حج ثان لا يثنى نفس المريد عنه ثان طريقة التجريد وزاده الذكر وطوافه المعرفة وإفاضته الفناء { فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين } البقرة
الغرام صعب المرام والدخول فيه حرام ما لم يكن فيه شروط كرام من عرف ما أخذ هان عليه ما ترك { وربك يخلق ما يشاء ويختار } القصص ظهر الهوى طريقا سهلا فكثر التائهون جهلا
( إذا لم يكن عون من الله للفتى ** أتته الرزايا من وجوه الفوائد ) والعكس
( قد يخبأ المحبوب فى مكروهها ** من يخبأ المكروه فى المحبوب ) وقال الشيخ
( هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل ** فما اختاره مضنى به وله عقل )
( وعش خاليا فالحب راحته عنا ** واوله سقم وآخره قتل )
( نصحتك علما بالهوى والذى أرى ** مخالفتى فاختر لنفسك ما يحلو )
( فمن لم يمت فى حبه لم يعش به ** ودون اجتناء النحل ما جنت النحل )
طريق القوم مبنية على الموت وإليه الإشارة بقوله موتوا قبل أن تموتوا بيدى لا بيد عمرو وقال بعضهم رأيت رب العزة فقلت يا رب بم أصل اليك قال فارق نفسك وتعال
____________________
(6/314)


( رفض السوى فرض على العين ** لا تخلطن الحق بالمين )
( والأين والكيف سوى ظاهر ** فاستغن عن كيف وعن أين )
الخشب الذى يتخذ منه النشب ينقسم إلى أقسام وأجزاء جسام القسم الأول فى الحدود والمعرفات والأسماء الواقعة والصفات
وللسان الدين رحمه الله تعالى فى المواعظ اليد الطولى قال فى الروضة فى الفصل الثانى فى محركات العزيمة وهى اليقظة ما نصه قلت والمحركات المشتركات فى باعث اليقظة كثيرة منها الوعظ السائق بمقود الشارد عن الله تعالى إلى مربط التوبة ومحرك العزيمة يردد أذانه على نوام أهل الكهف وقد ضرب نوم الغفلة على آذانهم حتى يحول بينهم وبين أذانهم ويركبهم ظهر الرياضة التى تلحقهم بالمجذوبين من إخوانهم ولما كان حب الدنيا هو المانع عن الشروع فى إطلاق العمل والقاطع به بعده لم يجد أساة خبل الهوى وجنون الكسل أنجع من رقى العذل والتأنيب وتقبيح المحبوب سيما إذا انزعجت نبال نبله عن حنيات ضلوع الصدق وقال بعضهم الكلام إذا خرج من القلب دخل القلب
( أوقد النار من رسالة ليلى ** واحذر السيل بعدها من دموعى )
ولا تعدل الوعظ البليغ باللسان الفصيح والقلب القريح فإذا رأيت الأرض قد اهتزت وربت وهضاب القلوب القاسية قد تقلبت فشمر للغراس والزراع عن الذراع واغتنم السراع والإسراع
( إذا هبت رياحك فاغتنمها ** فإن لكل عاصفة سكونا )
( حفر لها ماء يريها بدأة ** واضمن لها حوضا وإن لم تحفر )
( واربأ بنفسك عن تسامح بائع ** واغنم إذا سامتك شهوة مشترى )
قالوا الوعظ يضرب وجه النفس عن التثبط فى بساط اللذات وينقل
____________________
(6/315)

خطواتها عن الخطو فى ملعب الخطيئات ويمثل لها الصبر عيانا ويبين العواقب المحجوبة بيانا وينشىء سحاب الحزن فى أجواف أجزائها ويذكرها بمآلها وانتهائها ويعرض عليها مصارع فنائها وخراب بنائها وفراق حبائبها وأبنائها عند نزول هاذم اللذات بفنائها فترجع إلى الله تعالى بحكم الاضطرار أفكارها وتخشع من خيفة الله تعالى وجلاله أبصارها
والوعظ يكون بلسانين ويوجد فنين لسان حال ولسان مقال وربما كان لسان الحال ابلغ وهو يسمع من القبور الموحشة والقصور الخالية والعظام البالية وفيه حكايات وأخبار ولسان المقال كقوله سبحانه وتعالى { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال } إبراهيم وهو سبيل الله تعالى التى بعث بها النبيين وضمن فصولها الكتاب المبين والسوط الذى يحمل على الأوبة ويسوق ذود المتطهرين إلى غدير التوبة ونحن نجعله هينمة بين يدي الفراسة لتزكية النفوس إن صدق حكم الفراسة فمن ذلك ما صدر عنى على لسان واعظ
الحمد لله الولى الحميد المبدىء المعيد البعيد فى قربه من العبيد القريب فى بعده فهو أقرب من حبل الوريد محيى ربوع العارفين بتحيات حياة التوحيد ومغنى نفوس الزاهدين بكنوز احتقار الافتقار إلى العرض الزهيد ومخلص خواطر المحققين من سجون دجون التقييد إلى فسح التجريد نحمده وله الحمد المنتظمة درره فى سلوك الدوام وسموط التأبيد حمد من نزه أحكام وحدانيته وأعلام فردانيته عن مرابط التقليد ومخابط الطبع البليد ونشكره شكر من افتتح بشكره ابواب المزيد ونشهد أنه الله الذى لا إله إلا هو شهادة نتخطى بها معالم الخلق إلى حضرة الحق على كبد التفريد ونشهد أن محمدا عبده ورسوله قلادة الجيد المجيد وهلال العيد وفذلكة الحساب وبيت القصيد المخصوص بمنشور الإدلال
____________________
(6/316)

واقطاع الكمال بين مقام المراد ومقام المريد الذى جعله السبب الأوصل فى نجاة الناجى وسعادة السعيد وخاطب الخلائق على لسانه الصادق بحجتى الوعد والوعيد فكان مما أوحى به إليه وأنزل الملك به عليه من الذكر الحميد ليأخذ بالحجز والأطواق من العذاب الشديد { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ق الى قوله حديد صلى الله عليه وعلى آله صلاة تقوم ببعض حقه الأكيد وتسرى إلى تربتة الزكية من ظهور المواجد الجائية على البريد
( قعدت لتذكير ولو كنت منصفا ** لذكرت نفسى فهى أحوج للذكرى )
( إذا لم يكن منى لنفسى واعظ ** فيا ليت شعرى كيف أفعل فى الأخرى )
آه أي وعظ بعد وعظ الله تعالى يا أحبابنا يسمع وفى ماذا وقد تبين الرشد من الغي يطمع يا من يعطى ويمنع إذا لم تقم الصنيعة فماذا نصنع اجمعنا بقلوبنا يا من يفرق ويجمع ولين حديدها بنار خشيتك فقد استعاذ نبيك صلى الله عليه وسلم من قلب لا يخشع ومن عين لا تدمع اعلموا رحمكم الله أن الحكمة ضالة المؤمن يأخذها من الأقوال والأحوال ومن الجماد والحيوان وما أملاه الملوان فإن الحق نور لا يضره أن يصدر من الخامل ولا يقصر بمحموله احتقار الحامل وانتم تدرون انكم فى أطوار سفر لا تستقر لها دون الغاية رحله ولا تتأتى معها إقامة ولا مهلة من الأصلاب إلى الأرحام إلى الوجود الى القبور الى النشور إلى إحدى داري البقاء أفى الله شك فلو أبصرتم مسافرا فى البرية يبنى ويفرش ويمهد ويعرش ألم تكونوا تضحكون من جهله وتعجبون من ركاكة عقله
____________________
(6/317)

ووالله ما أموالكم ولا أولادكم وشواغلكم عن الله التى فيها اجتهادكم إلا بقاء سفر فى قفر أو إعراس فى ليلة نفر كأنكم بها مطرحة تعبر فيها المواشى وتنبو العيون عن خبرها المتلاشي { إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم } الانفال ما بعد المقيل إلا الرحيل ولا بعد الرحيل إلا المنزل الكريم أو المنزل الوبيل وانكم تستقبلون أهوالا سكرات الموت بواكر حسابها وعتب أبوابها فلو كشف الغطاء عن ذرة منها لذهلت العقول وطاشت الألباب وما كل حقيقة يشرحها الكلام { يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور } فاطر أفلا أعددتم لهذه الورطة حيلة وأظهرتم للاهتمام بها مخيلة اتعويلا على عفوه مع المقاطعة وهو القائل فى مقام التهديد { إن عذابي لشديد } إبراهيم أأمنا من مكره مع المنابذة { فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } الاعراف أطمعا فى رحمته مع المخالفة وهو يقول { فسأكتبها للذين يتقون } الاعراف أمشاقة ومعاندة { ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب } الحشر أشكا فى الله فتعالوا نعيد الحساب ونقرر العقد ونتصف بدعوة الحق أو غيرها من اليوم تفقد عقد العقائد عند التساهل بالوعيد فالعامى يدمي الإصبع الوجعة والعارف يضمد لها مبدأ العصب
( هكذا هكذا يكون التعامى ** هكذا هكذا يكون الغرور
{ يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون } يس وما عدا عما بدا ورسولكم الحريص عليكم الرؤوف الرحيم يقول لكم الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانى فعلام بعد هذا المعول وماذا يتأول اتقوا الله سبحانه فى نفوسكم وانصحوها واغتنموا فرص الحياة واربحوها { أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين }
____________________
(6/318)

الزمر وتنادي أخرى { هل إلى مرد من سبيل } الشورى وتستغيث أخرى { أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل } الاعراف وتقول أخرى { رب ارجعون } المؤمنون فرحم الله من نظر لنفسه قبل غروب شمسه وقدم لغده من أمسه وعلم أن الحياة تجر إلى الموت والغفلة تقود الى الفوت والصحة مركب الألم والشبيبة سفينة تقطع إلى ساحل الهرم
وأن شاء قال بعد الخطبة إخوانى ما هذا التوانى والكلف بالوجود الفانى عن الدائم الباقى والدهر يقطع الأمانى وهاذم اللذات قد شرع فى نقض المبانى ألا معتبر فى عالم هذه المعانى ألا مرتحل عن مغابن هذه المغانى
( ألا أذن تصغى إلى سميعه ** احدثها بالصدق ما صنع الموت )
( مددت لكم صوتى فأواه حسرة ** على ما بدا منكم فلم يسمع الصوت )
( هو القدر الآتى على كل أمة ** فتوبوا سراعا قبل أن يقع الفوت )
يا كلفا بما لا يدوم يا مفتونا بغرور الوجود المعدوم يا صريع جدار الأجل المهدوم يا مشتغلا ببنيان الطرق قد ظهر المناخ وقرب القدوم يا غريقا فى بحار الأمل ما عساك تعوم يا معلل الطعام والشراب ولمع السراب لا بد أن تهجر المشروب وتترك المطعوم دخل سارق الأجل بيت عمرك فسلب النشاط وأنت تنظر وطوى البساط وانت تكرب واقتلع جواهر الجوارح وقد وقع بك النهب ولم يبق إلا أن يجعل الوسادة على أنفك ويقعد
( لو خفف الوجد عنى ** دعوت طالب ثاري )
{ كلا إنها كلمة هو قائلها } المؤمنون كيف التراخى والفوت مع الأنفاس ينتظر كيف الأمان وهاجم الموت لا يبقى ولا يذر كيف الركون الى الطمع الفاضح وقد صح الخبر من فكر فى كرب الخمار تنغصت عنده
____________________
(6/319)

لذة النبيذ من احس بلغط الحريق فوق جداره لم يصغ بصوته لنغمه العود من تيقن بذل العزلة هان عليه ترك الولاية
( ما قام خيرك يا زمان بشره ** أولى لنا ما قل منك وما كفى )
أوحى الله سبحانه الى موسى صلوات الله وسلامه عليه أن ضع يدك على متن ثور فبعدد ما حاذته من شعره تعيش سنين فقال يا رب وما بعد ذلك قال تموت قال يا رب فالآن
( رأى الأمر يفضى الى آخر ** فصير آخره أولا )
إذا شعرت نفسك بالميل الى شىء فاعرض عليها غصة فراقه { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة } الانفال فالمفروح به هو المحزون عليه اين الأحباب مروا فيا ليت شعري اين استقروا استكانوا والله واضطروا واستغاثوا بأوليائهم ففروا وليتهم إذا لم ينفعوا ما ضروا فالمنازل من بعدهم خالية خاوية والعروش ذابلة ذاوية والعظام من بعد التفاضل متشابهة متساوية والمساكن تندب فى أطلالها الذئاب العاوية
( صحت بالربع فلم يستجيبوا ** ليت شعرى اين يمضى الغريب )
( وبجنب الدار قبر جديد ** منه يستسقى المكان الجديب )
( غاض قلبى فيه عند التماحى ** قلت هذا القبر فيه الحبيب )
( لا تسل عن رجعتى كيف كانت ** أن يوم البين يوم عصيب )
( باقتراب الموت عللت نفسى ** بعد إلفى كل آت قريب )
أين المعمر الخالد اين الولد اين الوالد اين الطارف اين التالد اين المجادل اين المجالد { هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا } مريم وجوه علاهن الثرى وصحائف تفض وأعمال على الله تعرض بحث الزهاد
____________________
(6/320)

والعباد والعارفون والأوتاد والأنبياء الذين يهدى بهم العباد عن سبب الشقاء الذى لا سعادة بعده فلم يجدوا إلا البعد عن الله تعالى وسببه حب الدنيا لن تجتمع أمتى على ضلالة
( هجرت حبائبى من أجل ليلى ** فما لي بعد ليلي من حبيب )
( وماذا أرتجي من وصل ليلى ** ستجزى بالقطيعة عن قريب )
وقالوا ما أورد النفس الموارد وفتح عليها باب الحتف إلا الأمل كلما قومتها مثاقف الحدود فتح لها أركان الرخص كلما عقدت صوم العزيمة أهداها طرف الغرور فى أطباق حتى وإذا ولكن وربما فأفرط القلب فى تقليبها حتى أفطر
( ما أوبق الأنفس إلا الأمل ** وهو غرور ما عليه عمل )
( يفرض منه الشخص وهما ما له ** حال ولا ماض ولا مستقبل )
( ما فوق وجه الأرض نفس حية ** إلا قد انقض عليها الأجل )
( لو أنهم من غيرها قد كونوا ** لامتلأ السهل بهم والجبل )
( ما ثم إلا لقم قد هيئت ** للموت وهو الآكل المستعجل )
( والوعد حق والورى فى غفلة ** قد خودعوا بعاجل وضللوا )
( اين الذين شيدوا واغترسوا ** ومهدوا وافترشوا وظللوا )
( اين ذوو الراحات زادت حسرة ** إذ جنبوا إلى الثرى وانتقلوا )
( لم تدفع الأحباب عنهم غير أن ** بكوا على فراقهم وأعولوا )
( الله فى نفسك أولى من له ** ذخرت نصحا وعتابا يقبل )
( لا تتركنها فى عمى وحيرة ** عن هول ما بين يديها تغفل )
( حقر لها الفانى وحاول زهدها ** وشوقها الى الذى تستقبل )
( وفد الى الله بها مضطرة ** حتى ترى السير عليها يسهل )
____________________
(6/321)


( هو الفناء والبقاء بعده ** والله عن حكمته لا يسأل )
( يا قرة العين ويا حسرتها ** يوم يوفى الناس ما قد عملوا )
يا طرداء المخالفة إنكم مدركون فاستبقوا باب التوبة فان رب تلك الدار يجير ولا يجار عليه فإذا أمنتم فاذكروا الله كما هداكم يا طفيلية الهمة دسوا أنفسكم بزمر التائبين وقد دعوا إلى دعوة الحبيب فإن لم يكن أكل فلا أقل من طيب الوليمة قال بعض العارفين اذا عقد التائبون الصلح مع الله تعالى انتشرت رعايا الطاعة فى عمالة الأعمال { وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب } الزمر معانى هذا المجلس والله نسيم سحر إذا استنشقه مخمور الغفلة أفاق سعوط هذا الوعظ ينغص إن شاء الله زكمه البطالة إن الذى أنزل الداء أنزل الدواء إكسير هذا الكتاب يقلب بحكمة جابر القلوب المنكسرة عين من كان له قلب { إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله } الانعام إلهى دلنا من حيرة يضل فيها إلا إن هديت الدليل وأجرنا من غمرة وكيف إلا بإعانتك السبيل نفوس صدىء على مر الأزمان منها الصقيل ونبا بجنوبها عن الحق المقيل وآذان أنهضها القول الثقيل وعثرات لا يقيلها إلا أنت يا مقيل العثار يا مقيل أنت حسبنا ونعم الوكيل انتهى
ومن مواعظ لسان الدين رحمه الله سبحانه ما أورده فى الروضة إثر ما سبق إذ قال إخوانى صمت الآذان والنداء جهير وكذب العيان والمشار إليه شهير اين الملك واين الظهير اين الخاصة اين الجماهير اين القبيل والعشير اين كسرى بن أردشير صدق والله الناعى وكذب البشير وغش المستشار واتهم المشير وسئل عن الكل فأشار إلى التراب المشير
( خذ من حياتك للممات الاتى ** وبدار ما دام الزمان مواتى )
( لا تغترر فهو السراب بقيعة ** قد خودع الماضى به والآتى )
____________________
(6/322)


( يا من يؤمل واعظا ومذكرا ** يوما ليوقظه من الغفلات )
( هلا اعتبرت ويا لها من عبرة ** بمدافن الآباء والآمات )
( قف بالبقيع وناد فى عرصاته ** فلكم بها من جيرة ولدات )
( درجوا ولست بخالد من بعدهم ** متميز عنهم بوصف حياة )
( والله ما استهللت حيا صارخا ** إلا وانت تعد فى الأموات )
( لا فوت عن درك الحمام لهارب ** والناس صرعى معرك الآفات )
( كيف الحياة لدارج متكلف ** سنة الكرى بمدارج الحيات )
( أسفا علينا معشر الأموات لا ** ننفك عن شغل بهاك وهات )
( ويغرنا لمع السراب فنغتدى ** فى غفلة عن هاذم اللذات )
( والله ما نصح امرءا من غشه ** والحق ليس بخافت المشكاة )
يا من غدا وراح والف المراح يا من شرب الراح ممزوجة بالعذب القراح وقعد لعيان صروف الزمان مقعد الأفراح كأنك والله باختلاف الرياح وسماع الصياح وهجوم غارة الاجتياح فأديل الخفوت من الارتياح ونسيت أصوات الغناء برنات الرياح وعوضت عرر النوب القباح من غرر الوجوه الصباح وتناولت الجسوم الناعمة أيدي الأطراح وتنوسيت العهود الكريمة بمر المساء عليها والصباح وأصبحت كماة النطاح من تحت البطاح وخملت المهندة والرماح ذليلة من بعد الجماع
( ولو كان هول الموت لا شىء بعده ** لهان علينا الأمر واحتقر الهول )
( ولكنه حشر ونشر وجنه ** ونار وما لا يستقل به القول )
يا مشتغلا بداره ورم جداره عن إسراعه الى النجاة وبداره يا من صاح بإنذاره شيب عذاره يا من طرف عين اعتذاره بأقذاره يا من قطعه بعد مزاره وثقل أوزاره يا معتلفا ينتظر هجوم جزاره يا مختلسا للأمانة
____________________
(6/323)

6 يرتقب مفتش ما تحت إزاره يا من أمعن فى خمر الهوى خف من إسكاره يا من خالف مولى رقه توق من إنكاره يا كلفا بعارية ترد يا مفتونا بأنفاس تعد يا معولا على الإقامة والرحال تشد كأنى بك وقد أوثق الشد والصق بالوسادة الخد والرجل تقبض والأخرى تمد واللسان يقول { يا ليتنا نرد } الانعام
( إنا إلى الله وأنا له ** ما أشغل الإنسان عن شانه )
( يرتاح للأثواب يزهى بها ** والخيط مغزول لأكفانه )
( ويخزن الفلس لوراثه ** مستنفدا مبلغ أكوانه )
( قوض عن الفانى رحال امرىء ** مد اليه عين عرفانه )
( ما ثم إلا موقف زاهد ** قد وكل العدل بميزانه )
( مفرط يشقى بتفريطه ** ومحسن يجزى بإحسانه )
يا هذا خفى عليك مرض اعتقادك فالتبس الشحم بالورم جهلت قيم المعادن فبعت الشبه بالذهب فسد حس ذوقك فتفكهت بحنظلة اين حرصك من أجلك أين قولك من عملك يدركك الحياء من الطفل فتتحامى حمى الفاحشة فى البيت بسببه ثم تواقعها بعين خالق العين ومقدر الكيف والأين تالله ما فعل فعلك بمعبوده من قطع بوجوده { ما يكون من نجوى ثلاثة } - إلى { عليم } المجادلة تعود عليك مساعى الجوارح التى سخرها لك بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة فتبخل منها فى سبيله بفلس واحد الأمرين لازم إما التكذيب وإما الحماقة وجمعك بين الحالتين عجيب يرزقك السنين العديدة من غير حق وجب لك وتسىء الظن به فى يوم توجب الحق وتعتذر بالغفلة فما بال التمادي تعترف بالذنب فما
____________________
(6/324)

الحجة فى الإصرار { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا } الاعراف يا مدعى النسيان ماذا فعلت بعد التذكير يا معتذرا بالغفلة اين ثمرة التنبيه يا من قطع بالرحيل اين الزاد يا ذبابه الحرص كم ذا تلجج فى ورطة الشهد يا نائما ملء عينيه حذار الأجل قد انذر يا ثمل الاغترار قرب خمار الندم تدعى الحذق بالصنائع وتجهل هذا القدر تبذل النصح لغيرك وتغش نفسك هذا الغش اندمل جرح توبتك على عظم قام بناء عزمتك على رمل نبتت خضراء دعوتك على دمنه عقدت كفك من الحق على قبضة ماء { أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء } فاطر إذا غام جو هذا المجلس وابتدأ رش غمام الدموع قالت النفس الأمارة حوالينا لا علينا فدالت رياح الغفلة وسحاب الصيف هفاف كلما شد طفل العزيمة على درة التوبة صانعته ظئر الشهوة عن ذلك بعصفور إذا ضيق الخوف فسحة المهل سرق الأمل حدود الجار قال بعض الفضلاء كانوا إذا فقدوا قلوبهم تفقدوا مطلوبهم ولو صدق الواعظ لأثر اللهم لا أكثر
( طبيب يداوي الناس وهو عليل )
والخطب جليل والمتفطن قليل فهل إلى الخلاص سبيل اللهم انظر الينا بعين رحمتك التى وسعت الأشياء وشملت الأموات والأحياء يا دليل الحائرين دلنا يا عزيز ارحم ذلنا يا ولى من لا ولى له كن لنا كلنا أن أعرضت عنا فمن لنا نحن المذنبون وأنت غفار الذنوب فقلب قلوبنا يا مقلب القلوب واستر عيوبنا يا ستار العيوب يا أمل الطالب ويا غاية المطلوب انتهى
ومن كلام لسان الدين رحمه الله تعالى فى المواعظ ما خاطب به بعض من استدعى منه الموعظة ونصه
____________________
(6/325)


( إذا لم انح يوما على نفسى التى ** بجرائها احببت كل حبيب )
( وقد صح عندي أن عادية الردى ** تدب لها والله كل دبيب )
( فمنذا الذى يبكى عليها بادمعى ** إذا كنت موصوفا برأي لبيب )
كم قد نظرت إلى حبيب تغار من إرسال طرفك بكتاب الهوى إلى انسانه وقد ذبلت بالسقم نرجسه لحظة وذوت وردة خده واصفرت لمغيب الفراق شمس حسنه وهو يجود بنفسه التى كان يبخل منها بالنفس يخاطب بلسان حالة مترجما وليت الفجل يهضم نفسه وأنت على أثر مسحبة إلى دست الحكم { وما أدري ما يفعل بي ولا بكم } الاحقاف ومنها تالله لو لم يكن المخبر صادقا لنشب بحلق العيش بعده شوكة الشك
( ولو أنا إذا متنا تركنا ** لكان الموت راحة كل حي )
( ولكنا إذا متنا بعثنا ** ونسال بعده عن كل شي )
فالحازم من بتر الآمال طوعا وقال بيدي لا بيد عمرو { يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور } فاطر وقال أمير الوعاظ رحمه الله تعالى
( وبضدها تتبين الأشياء )
يا مقتولا ما له طالب ثار بريد الموت مطلق الأعنة فى طلبك وما يحميك حصن ثوب حياتك منسوج من طاقات أنفاسك والأنفاس تستلب ذرات ذاتك وحركات الزمان قوية فى النسج الضعيف فيا سرعة التمزق يا رابطا مناه بخيط الأمل إنه ضعيف الفتل صياد التلف قد بث الصقور وأرسل العقبان ونصب الأشراك وقطع المواد فكيف السلامة تهيأ
____________________
(6/326)

لسرعة الموت وأشد منها قلب القلب ليت شعري لما يؤول الأمر
( فو الله لا أدرى أيغلبنى الهوى ** إذا جد جد البين أم أنا غالبه )
( فان استطع أغلب وإن يغلب الهوى ** فمثل الذى لاقيت يغلب صاحبه )
مركب الحياة يجرى فى بحر البدن برخاء الأنفاس ولا بد من عاصف قاصف بفلكه ويغرق الركاب
( فاقضوا مآربكم عجالا إنما ** أعماركم سفر من الأسفار )
وقال كأنك بحرب التلف قد قامت على ساق وانهزمت جنود الأمل وإذا بملك الموت قد بارز الروح يجذبها بخطاطيف الشدائد من قنان العروق وقد شد كتاف الذبيح وحار البصر لشدة الهول وملائكة الرحمة عن اليمين قد فتحوا أبواب الجنة وملائكة العذاب عن اليسار قد فتحوا أبواب النار وجميع المخلوقات تستوكف الخبر والكون كله قد فاء على صيحة سعد فلان أو شقى فلان فهنالك تنجلى أبصار الذين كانت أعينهم فى غطاء عن ذكرى ويحك تهيأ لتلك الساعة حصل زادا قبل الفوت
( تمتع من شميم عرار نجد ** فما بعد العشية من عرار )
مثل لعينيك سرعة الموت وما قد عزمت أن تفعل حينئذ فى وقت الأسر فافعله فى وقت الإطلاق وقال أبو العتاهية
( خانك الطرف اتئد ** أيها القلب الجموح )
( فدواعى الخير والشر ** دنو ونزوح )
( كيف إصلاح قلوب ** إنما هن قروح )
____________________
(6/327)


( أحسن الله بنا ** أن الخطايا لا تفوح )
( فإذا المشهور منا ** بين ثوبيه فضوح )
( كم رأينا من عزيز ** طويت عنه الكشوح )
( صاح منه برحيل ** طائر الدهر الصدوح )
( موت بعض الناس فى الأرض ** على بعض فتوح )
( سيصير المرء يوما ** جسدا ما فيه روح )
( بين عيني كل حي ** علم الموت يلوح )
( كلنا فى غفلة ** والدهر يغدو ويروح )
( لبنى الدنيا من الدنيا ** غبوق وصبوح )
( رحن فى الوشي واصبحن ** عليهن المسوح )
( كل نطاح من الدهر ** له يوما نطوح )
( نح على نفسك يا ** مسكين ان كنت تنوح )
( لتنوحن ولو عمرت ** ما عمر نوح ) وقال فى المعنى
( لمن طلل اسائله ** معطلة مناهله )
( غداة رأيته تنعى ** أعاليه أسافله )
( وكنت أراه مأهولا ** ولكن باد آهله )
( وكل لاعتساف الدهر ** معرضة مقاتله )
( وما متملك إلا ** وريب الدهر شامله )
( فيصرع من يصارعه ** وينضل من يناضله )
( ينازل من يهم به ** وأحيانا يخاتله )
____________________
(6/328)


( واحيانا يؤخره ** وتارات يعاجله )
( كفاك به إذا نزلت ** على قوم كلاكله )
( وكم قد عز من ملك ** تحف به قبائله )
( ويثنى عطفه مرحا ** وتعجبه شمائله )
( فلما إن أتاه الحق ** ولى عنه باطله )
( فخفض عينه للموت ** واسترخت مفاصله )
( فما لبث السياق به ** إلى إن جاء غاسله )
( فجهزه إلى جدث ** سيكثر فيه خاذله )
( ويصبح شاحط المثوى ** مفجعة ثواكله )
( مخمشة نوادبه ** مسلبة حلائله )
( وكم قد طال من أمل ** فلم يدركه آمله )
( رأيت الحق لا يخفى ** ولا تخفى شواكله )
( ألا فانظر لنفسك أي ** زاد انت حامله )
( لمنزل وحدة بين ** المقابر أنت نازله )
( قصير السمك قد رضمت ** عليك به جنادله )
( بعيد تجاور الجيران ** ضيقة مداخله )
( أأيتها المقابر فيك ** من كنا ننازله )
( ومن كنا نتاجره ** ومن كنا نعامله )
( ومن كنا نعاشره ** ومن كنا نداخله )
( ومن كنا نشاربه ** ومن كنا نؤاكله )
____________________
(6/329)


( ومن كنا نفاخره ** ومن كنا نطاوله )
( ومن كنا نراقبه ** ومن كنا نزايله )
( ومن كنا نكارمه ** ومن كنا نجامله )
( ومن كنا له إلفا ** قليلا ما نزايله )
( ومن كنا له بالأمس ** إخوانا نواصله )
( فحل محله من حلها ** صرمت حبائله )
( ألا ان المنية منهل ** والخلق ناهله )
( اواخر من ترى تفنى ** كما فنيت أوائله )
( لعمرك ما استوى فى الأمر ** عالمه وجاهله )
( ليعلم كل ذي عمل ** بان الله سائله )
( فأسرع فأئزا بالخير ** قائله وفاعله )
ثم قال لسان الدين رحمه الله تعالى بعد ما سبق ما صورته وهذا الغرض بحر ويكفي من خزائنه عرض ومن بيت ماله قرض ان شاء الله تعالى
ثم قال تنبيه يشتمل على سؤالين أحدهما أن يقال الوعظ غير مناسب للمحبة إذ لا يحصل إلا بعد الفراغ واليقظة الثانى أن يقال عظمتم الحسرة لفراق عالم الحس وأطلتم فى قشور فنجيب عن الأول أنا لم نجلب الوعظ إلا بين يدى تأميل حضور المحبة فكأنه يجري مجرى الأسباب فإن الغرض به وجهة النفس من جو السرور واللعب بالزور إلى جو الحزن والارتماض ومن هنالك تأخذ بخطامها أيدي الاضطرار فتحصل اليقظة ثم التوبة ومنها يستقيم الطريق فى منازل السائرين إلى الحق
____________________
(6/330)


( والنفس راغبة إذا رغبتها ** وإذا ترد الى قليل تقنع )
وعند ذلك يطوى بساط الزجر والوعظ ويمد بساط الاعتبار والحب أن شاء الله تعالى فإنها كالثكلى بطبعها لما فارقته من عنصر نور الله تعالى والعوالم الروحانية التى هى الشعار والدثار والأمل والدار والحياة والجمال والوجود والكمال وأن كانت لا تشعر بالسبب ولا تستحضر ذكر العلة فإذا ذكر الفراق انت أو تنوشدت الآثار حنت ويطرقها الحزن عند الألحان الشجية وتحس بعض الأحيان بالمواجد العشقية
( وقالوا اتبكى كل قبر رأيته ** لقبر ثوى بين اللوى والدكادك )
( فقلت لهم أن الأسى يبعث الأسى ** دعونى فهذا كله قبر مالك )
وعن الثانى أن كثيرا من النفوس لا تشعر بوجود عالم الحس فضلا عن النظر فيه وأن شعرت بذلك عد منها نبلا ومن كان بهذه المثابة لا سبيل لندائه إلا من باب القشور { أولئك ينادون من مكان بعيد } فصلت إلى أن يتأتى النداء من باب الله تعالى بفضل الله تعالى فالنفوس الشخصية غير متساوية وهى بهوى الهوى هاوية فالقريب منها يجذب بالأنامل والبعيد بالجزل الكوامل وعلى قدر المحمول تكون قوة الحامل ( يضع الهناء مواضع النقب )
( يكفي اللبيب إشارة مكتومة ** وسواه يدعى بالنداء العالى )
( وسواهما بالزجر من قبل العصا ** ثم العصا هى رابع الأحوال )
____________________
(6/331)

وقال رحمه الله تعالى فى فصل ذم الكسل ما صورته ونحن نجلب بعض الأمثال فى ذمة مما يسهل حفظه ويجب لحظه فمن ذلك الكسل مزلقة الربح ومسخرة الصبح إذا رقدت النفس فى فراش الكسل استغرقها نوم الغفلة { لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } الملك الندامة فى الكسل كالسم فى العسل الكسل آفة الصنائع وأرضة فى البضائع العجز والكسل يفتحان الخمول ولا تسل الفلاح إذا مل الحركة عدم البركة
( ظهرأن لا يبلغان المرء ان ركبا ** باب السعادة ظهر العجز والكسل )
وفى اغتنام الأيام من أضاع الفرصة تجرع الغصة أن كان لك من الزمان شىء فالحال وما سواه فمحال تارك أمره إلى غد لا يفلح للأبد الإنسان ابن ساعته فليحطها من إضاعته التسويف سم الأعمال وعدو الكمال لم يحرم المبادر إلا فى النادر ما درجت أفراخ ذل إلا من وكر طماعة ولا بسقت فروع ندم إلا من جرثومة إضاعة العزم سوق والتاجر الجسور مرزوق من وثق بعهد الزمان علقت يداه بحبل الحرمان الربح فى ضمن الجسارة والمضيع اولى بالخسارة
ومن أمثالهم فى نظر الإنسان لنفسه قبل غروب شمسه قولهم اعلم أن كل حكيم صانع إذا فكر فى امره ونظر فى العواقب علم أنه لا بد يوما ان يخرب دكانه الذى هو محل بضاعته وتنحل انقاضه وتكل ادواته وتضعف قوته وتذهب ايام شبابه فمن بادر واجتهد قبل خراب الدكان واستغنى عن السعى فإنه لا يحتاج بعد ذلك إلى دكان آخر ولا إلى أدوات مجددة فيتجر بما اقتناه ويشتغل بالانتفاع والالتذاذ بما كسبت يداه وهذه حالة النفس بعد خراب الجسد فبادر واجتهد واحرص واستعجل وتزود قبل
____________________
(6/332)

خراب دكانك وهدم بنيته فان خير الزاد التقوى قال حسان
( إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ** وأبصرت بعد اليوم من قد تزودا )
( ندمت على أن لا تكون كمثله ** ولم تترصد مثل ما كان أرصدا )
قال ابو الفرج ابن الطيب البغدادي فى اغتنام الوقت فى كتابة فى السياسة والآراء الفاضلة يجب أن تعيد وتمثل فإن الفكر مضطرب متشوش بكثرة نوازع النفس واختلاف قواها والعمى فى بعض الاوقات فإذا سنح للنفس وقت فاضل بصفاء جوهرها وابرمت قانونا أو صورة متوسطة فاضلة يجب أن يقيد بذلك وقت سعد ربما لا يعاود أو يعاود انتهى
76 - ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى ما كتب به على لسان سلطانه إلى شيخ الموحدين بتونس ابن تافراجين يخبره بالتمحيص الجاري عليه ونصه من أمير المسلمين ايده الله ونصره وأعلى أمره واظهره إلى ولينا فى الله تعالى الذى له القدم الرفيع المناصب والمجد السامى الذوائب والسياسة التى اخبارها سمر الركبان وحدو الركائب الشيخ الجليل الكبير الشهير الخطير الهمام الأمضى الرفيع الأعلى الأمجد الأوحد الأسعد الأصعد الأوفى الظاهر الطاهر الفاضل الباسل الأرضى الأنقى المعظم الموقر المبرور علم الأعلام سلالة أكابر اصحاب الإمام معيد دولة التوحيد إلى الانتظام أبى محمد عبد الله ابن الشيخ الجليل الكبير الشهير الماجد الخطير الرفيع الاسعد
____________________
(6/333)

الأمجد الحسيب الأصيل الأمضى الأرضى الأفضل الأكمل المعظم المقدس المرحوم أبى العباس تافراجين وصل الله تعالى له عزة تناسب شهرة فضله وسعادة تتكفل له فى الدارين برفعة محله سلام كريم يخص مجادتكم الفاضلة ورتبتكم الحافلة ورحمه الله تعالى وبركاته
أما بعد حمد الذى يمحص ليثيب ويأمر بالاستقالة ليجيب ويعقب ليل الشدة بصبح الفرج القريب ويجنى من شجر التوكل عليه والتسليم إليه ثمر الصنع العجيب ويظهر العبر مهما كسر ثم جبر لكل ذى قلب منيب والصلاة على سيدنا ومولانا محمد رسوله الذى نلجأ إلى ظل شفاعته فى اليوم العصيب ونستظهر بجاهه على جهاد عبدة الصليب ونستكثر عدد بركاته فى هذا الثغر الغريب ونصول منه على العدو بالحبيب والرضى عن آله وصحبه نجوم الهداية من بعد الأمنة من الأفول والمغيب فإنا كتبناه إليكم كتب الله لكم عزة متصلة وعصمه بالأمان من نوب الزمان متكفلة من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى ولا زائد بفضل الله تعالى الذى لطف وجبر وأظهر فى الإقالة وحسن الإدالة العبر ممن كتب الله تعالى له العقبى لما صبر الا الخبر الذى كسا الأعطاف الحبر والصنع الذى صدق خبره الخبر والحمد لله تعالى كثيرا كما هو اهله فلا فضل إلا فضله ولمكانتكم عندنا المحل الذى قررت شهرة فضلكم قواعده وأعلت مصاعده وأثبت التواتر شواهده إذ لا نزال نتحف بسيركم التى فى التدبيرات تقتفى وعلم يسترشد به إذا العلم اختفى والسبيل عفا وأن تلك الدولة بكم استقام اودها وقامت والحمد لله عمدها وانكم رعيتم فى البنين حقوق آبائها وحفظتم عليها ميراث عليائها ولو لم تتصل بنا انباؤكم الحميدة وآراؤكم السديدة بما يفيد العلم بفضل ذاتكم ويغرى قوى الاستحسان بصفاتكم لغبطنا بمخاطبتكم
____________________
(6/334)

ومفاتحتكم ما نجده من الميل لكم طبعا وجبله من غير أن نعتبر سببا أو علة فالتعارف بين الارواح لا ينكر والحديث الكريم يؤيد من ذلك ما ينقل ويذكر
وبحسب ذلك نطلعكم على غريب ما جرى به فى ملكنا القدر وحيث بلغ الورد وكيف كان الصدر وربما اتصلت بكم الحادثة التى أكفاها على دار ملكنا من لم يعرف غير نعمتها غاذيا ولا برح فى جوانب احسانها رائحا وغاديا يتيم حجرها الكافل ورضيع درها الحافل الشقى الخاسر الخائن الغادر محمد بن اسماعيل بن محمد المستجير بنسبنا من لؤم غدره الخفية عنا حيل مكره لخمول قدره إذا دعاه محتوم الحين ليهلك إلى أن يهلك وسولت له نفسه الأمارة بالسوء أن يملك أخانا الخاسر ثم يملك وسبحان الذى يقول { يا نوح إنه ليس من أهلك } هود وكيف تم له ما أبرمه من تسور الاسوار واقتحام البوار وتملك الدار والاستيلاء على قطب المدار وأننا كنفتنا عصمه الله تعالى بمتحولنا الذي كان به ليلتئذ محل ثوائنا وكفت القدرة الإلهية أكف أعدائنا وخلصنا غلابا بحال انفراد إلا من عناية الله ونعم الرفيق وصدق اللجإ إلى رحمة الله تعالى التى ساحتها عن مثلنا لا تضيق مهما تنكر الزمان أو تفرق الفريق وشرذمة الغدر تأخذ علينا كل فج عميق حتى أوينا من مدينة وادي آش إلى الجبل العاصم والحجة المرغمة أنف المخاصم ثم أجزنا البحر بعد معاناة خطوب وتجهم من الدهر وقطوب وبلا الله هذا الوطن بمن لا يرجو لله وقارا ولا يألو شعائره المعظمة احتقارا فأضرمه نارا وجلل وجوه وجوهه خزيا وعارا حتى هتك الباطل حماه وغير اسمه ومسماه وبدد حاميته المتخيرة وشذ بها وسخم دواوينه التى محصها الترتيب والتجريب وهذبها وأهلك نفوسها وأموالها وأساء لولا
____________________
(6/335)

تدارك الله تعالى أحوالها
ولما تأذن جل جلاله فى إقالة العثار ودرك الثار وأنشات نواسم رضاه إدامة الاستغفار ورأينا قلادة الإسلام قد آن انتثارها والملة الحنيفية كادت تذهب آثارها ومسائل الخلاف يتعدد مثارها وجعلت الملتان نحونا تشير والملك يامل أن يوافيه بقدومنا البشير تحركنا حركة خفيفة تشعر أنها حركة الفتح ونهضنا نبتدر ما كتب الله تعالى من المنح وقد امتعض لنا الكون بما حمل واستخدم الفلك نفسه بمشيئته تعالى واكتمل وكاد يقرب لقرى ضيفنا الثور والحمل وظاهرنا محل أخينا السلطان الكبير الرفيع المعظم المقدس أبى سالم الذى كان وطنه مأوى الجنوح ومهب النصر الممنوح رحمه الله تعالى عليه مظاهرة مثله من الملوك الأعاظم وختم الجميل بالجميل والأعمال بالخواتم وأنف حتى عدو الدين لنعمتنا المكفورة وحقوقنا المحجوبة المستورة فأصبح بعد العدو حبيبا وعاد بعد الإباية منيبا وسخر اساطيله تحضيضا على الإجازة وترغيبا واستقبلنا البلاد وبحر البشر يزخر موجه وملك الإسلام قد خر على الحضيض أوجه والروم مستولية على الثغور وقد ساءت ظنون المؤمنين بالعقبى ولله عاقبة الأمور والخبيث الغادر الذى كان يموه بالإقدام قد ظهر كذب دعواه وهان مثواه وتورط فى أشراك المندمة تورط مثله ممن اتبع هواه وجحد نعمة مولاه فلولا أن الله عز وجل تدارك جزيرة الأندلس بركابنا وعاجل اوارها بانسكابنا لكانت القاضية ولم ترلها من بعد تلك الريح العقيم من باقية لكنا والفضل لله تعالى رفعنا عنها وطأة العدو وقد ناء بكلكل وابتززناه منها اي مشرب ومأكل واعتززنا عليه بالله تعالى الذى يعز ويذل ويهدى ويضل فلم نسامحه فى شرط يجر غضاضة ولا يخلف فى القلوب مضاضة وخضنا بحر الهول وبرئنا إلى الله تعالى ربنا عن القوة والحول وظهرت للمسلمين ثمرة سريرتنا وما بذلنا فى مصانعة
____________________
(6/336)

العدو عن الإجهاز عليهم من حسن سيرتنا فقويت فينا أطماعهم وانعقد على التحرم بنا إجماعهم
وقصدنا مالقة بعد أن انثالت الجهة الغربية وأذعنت المعاقل الأبية فيسر الله تعالى فتحها وهيأ منحها ثم توالت البيعات وصرخت بمآذن البلاد الدعاة واضطرب امر الخائن وقد دلفت المخاوف اليه وحسب كل صيحة عليه فاقتضت نعامته الشائلة ودولة بغيه الزائلة وآراؤه الفائلة ان ضم ما أمكنه من ذخيرة مكنونه وآله للملك مصونة واستركب أو باشه الذين استباح الحق دماءهم وعرف الخلق اعتزاءهم للغدر وانتماءهم وقصد سلطان قشتالة من غير عهد ولا وثيقة ولا مثلى طريقة ولا شيمة بالرعى خليقة لكن الله عز وجل حمله على قدمه لإراقة دمه وزين الوجود بعدمه فلحين قدومه عليه راجيا أن يستفزه بعرض أو يحيل صحه عقده المبرم إلى مرض ومؤملا هو وشيعته الغادرة كرة على الإسلام مجهزة ونصره لمواعيد الشيطان منجزه تقبض عليه وعلى شيعته وصم عن سماع خديعته وأفحش بهم المثلة وأساء بحسن رأيه فيهم القتلة فأراح الله تعالى بإبادتهم نفوس العباد وأحيا بهلاكهم أرماق البلاد
وحثثنا السير إلى دار ملكنا فدخلناها فى اليوم الأغر المحجل وحصلنا منها على الفتح الإلهى المعجل وعدنا إلى الأريكة التى نبا بنا عنها التمحيص فما حسبناه إلا سرارا أعقبه الكمال ومرضا عاجله الإبلال فثابت للدين الآمال ونجحت الأعمال وبذلنا فى الناس من العفو ما غفر الذنوب وجبر القلوب وأشعنا العفو فى القريب والقصى وألبسنا المريب ثوب البري وتألفنا الشارد وأعذبنا الموارد وأجرينا العوائد وأسنينا الفوائد إلا ما كان من شرذمة عظمت جرائرهم وخبثت فى معاملة الله تعالى سرائرهم وعرف شومهم وصدق من يلومهم فأقصيناهم وشردناهم وأجليناهم
____________________
(6/337)

عن هذا الوطن الجهادي وابعدناهم
ولما تعرف سلطان قشتالة باستقلالنا واستقرارنا بحضرة الملك واحتلالنا بادر يعرف بما كان من عمله فيمن لحق به من طائفة الغدر وإخوان الخديعة والمكر وبعث إلينا برؤوسهم ما بين رئيسهم الشقى ومرؤوسهم وقد طفا على جداول السيوف حبابها وراق بحناء الدماء خضابها وبرز الناس إلى مشاهدتها معتبرين وفى قدرة الله تعالى مستبصرين ولدفاع الناس بعضهم ببعض شاكرين وأحق الله تعالى الحق بكلماته وقطع دابر الكافرين فأمرنا بنصب تلك الرؤوس بمسور الغدر الذى فرعته وجعلناها علما على عاتق العمل السيىء الذى اخترعته وشرعنا فى معالجة العلم وافضنا على العباد والبلاد حكم السلم فاجتمع الشمل كأحسن أحواله وسكن هذا الوطن بعد زلزاله وأفاق من أهواله
ولعلمنا بفضلكم الذى قضاياه شائعة ومقدماته ذائعة أخبرناكم به على اختصار واجتزاء واقتصار ليسر دينكم المتين بتماسك هذا الثغر الأقصى بعد استرساله وإشرافه على سوء مآله وكنا نخاطب محل أخينا السلطان الجليل المعظم الأسعد الأوحد الخليفة امير المؤمنين أبى اسحاق ابن الخليفة أمير المؤمنين المعظم المقدس أبى يحيى ابن أبى بكر ابن الأئمة المهتدين والخلفاء الراشدين وصل الله تعالى أسباب سعده وحرس أكناف مجده لولا اننا تعرفنا كونه فى هذه المدة مقيما بغير تلك الحضرة التونسية فاجتزأنا بمخاطبة جهتكم السنية وبين سلفنا وسلفكم من الود الراسخ البنيان والكريم الأثر والعيان ما يدعو إلى أن يكون سبب المخاطبة موصولا وآخرة الود خيرا من الأولى لكن الطريق جم العوائق والبحر مفروق البوائق وقبول العذر بشواغل
____________________
(6/338)

القطر بالفضل لائق ومرادنا أن يتصل الود ويتجدد العهد والله عز وجل يتولى أمور المسلمين بمتوارد إحسانه ويجمع قلوبهم حيث كانوا على طاعة الله تعالى ورضوانه وهو سبحانه يطيل سعادتكم ويحرس مجادتكم وينجح إدارتكم ويسنى إرادتكم والسلام الكريم يخصكم ورحمة آله تعالى وبركاته
77 - ومن نثره رحمه الله تعالى ما أنشأه عن سلطانه الغنى بالله وذلك قوله يا أيها الناس ضاعف الله تعالى بمزيد النعم سروركم وتكفل بلطفه الخفى فى مثل هذا القطر الغريب أموركم أبشركم بما كتب به سلطانكم السعيد إليكم المترادفة بيمنه وسعادته نعم الله تعالى عليكم أمتع الله تعالى الإسلام ببقائه وأيده على أعدائه ونصره فى أرضه بملائكة سمائه وأن الله تعالى فتح له الفتح المبين وأعز بحركة جهاده الدين وبيض وجوه المؤمنين وأظفره باطريرة البلد الذى فجع المسلمين بأسرهم فجيعة تثير الحمية وتحرك الأنفس الأبية فانتقم الله تعالى منهم على يده وبلغه من استئصالهم غاية مقصده فصدق من الله تعالى لأوليائه وعلى اعدائه الوعد والوعيد وحكم بإبادتهم المبدىء المعيد { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } هود وتحصل من سبيه بعدما رويت السيوف من دمائهم آلاف عديدة لم يسمع بمثلها فى المدد المديدة والعهود البعيدة ولم يصب من إخوانكم المسلمين عدد يذكر ولا رجل يعتبر فتح هنى وصنع سنى ولطف خفى ووعد وفى فاستبشروا بفضل الله تعالى ونعمته وقفوا عند الافتقار والانقطاع لرحمته وقابلوا نعمه بالشكر يزدكم واستبصروا فى الدفاع عن دينكم ينصركم ويؤيدكم واغتبطوا بهذه الدولة المباركة التى لم تعدموا من الله تعالى معها عيشا خصيبا ولا رأيا مصيبا ولا نصرا عزيزا ولا فتحا قريبا وتضرعوا فى بقائها ونصر لوائها إلى من يزل سميعا للدعاء مجيبا والله عز وجل
____________________
(6/339)

يجعل البشائر الفاشية فيكم عادة ولا يعدمكم ولا أولى الأمر منكم توفيقا وسعادة والسلام الكريم يخصكم ورحمة الله تعالى وبركاته من مبلغ ذلك فلان انتهى
78 - ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى ما أنشاه عن سلطانه الغنى بالله تعالى حين وصله أبنه الذى كان بفاس يخاطب سلطان فاس ما نصه
المقام الذى تقلد نافلة الفضل شفعا وجود سورة الكمال إفرادا وجمعا واستولى وجمع ببره المنح والتهنئة والفتح فاحرز اصلا وفرعا واستحق الشكر عقلا وشرعا وأغرى ايدي جوده بالقصد الذى هو حظ وليه من وجوده فأثار من جيش اللقاء نقعا ووسط به جمعا مقام محل أخينا الذى اقلام مقاصده دربه بحسن التوقيع وعيون فضله مذكاة لإحكام الصنيع وعذبات فخره تهفو بذروة العلم المنيع ومكارمه تتفنن فيها مذاهب التنويع أبقاه الله تعالى والسن فضله ناطقة وأقيسة سعده صادقة وألويته بالنصر العزيز خافقة وبضائع مكارمه فى اسواق البر نافقة وعصائب التوفيق لركائب أغراضه موافقة السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا سلام كريم طيب بر عميم يخص مقامكم الأعلى وطريقتكم المثلى وأخوتكم الفضلى ورحمة الله تعالى وبركاته مجل قدركم وملتزم بركم وموجب حمدكم وشكركم فلان
أما بعد حمد الله تعالى الذى جعل الشكر على المكرمات وقفا ونهج منه بإزائها سبيلا لا تلتبس ولا تخفى وعقد بينه وبين المزيد سببا وحلفا وجعل المودة فى ذاته مما يقرب إليه زلفى مربح تجارة من قصد وجهه بعمله حتى يرى الشىء ضعفا وناصر هذه الجزيرة من أوليائه الكرام السيرة بمن يوسعها فضلا وعطفا ومدنى ثمار الآمال فتتمتع بها اجتناء وقطفا والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد النبى العربى الكريم الرؤوف الرحيم
____________________
(6/340)

الذى مد من الرحمة على الأمة سجفا وملأ قلوبها تعاطفا وتعارفا ولطفا القائل من أيقن بالخلف جاد بالعطية ووعد من عامل الله تعالى بربح المقاصد السنية وعدا لا يجد خلفا والرضى عن آله وأصحابه الذين كانوا من بعده للإسلام كهفا وعلى اهله فى الهواجر ظلا ملتفا غيوث الندى كلما شاموا سماحا وليوث العدى كلما شهدوا زحفا والدعاء لمقام أخوتكم الأسعد بالنصر الذى يكف من عدوان الكفر كفا والمجد الذى لا يغادر كتابه من المفاخر التى ترك الأول للآخر حرفا وإلى هذا أيدكم الله بنصر من عنده وحكم لملككم الأسمى باتصال سعده وانجز فى ظهوره على من عاند امره سابق وعده فاننا نقرر لدى مقامكم وأن كان الغنى باصالة عقله عن اجتلاء الشاهد ونقله وجلاء البيان وصقله أن الهدايا وأن لم تحل العين منها كما حلت أو تناولها الاستنزار فما نبهت فى لحظ الاعتبار ولا جلت أو كانت زيفا كلما أغري بها الاختبار قلت لا بد أن تترك فى النفوس ميلا وأن تستدعى من حسن الجزاء كيلا وأن تنال من جانب التراحم والتعاطف نيلا واي دليل اوضح محجة وابين حجة من قوله صلى الله عليه وسلم تهادوا تحابوا من غير تبيين مقدار ولا اعمال اعتبار ولا تفرقة بين لجين ولا نضار فكيف إذا كانت الهدية فلذة الكبد التى لا يلذ العيش بعد فراقها ولاتضىء ظلم الجوانح إلا بطلوع شمسها واشراقها وجمع الشمل الذى هو اقصى آمال النفوس الآلفة والبواطن المصاحبة للحنين المحالفة لا سيما إذا اقتعدت محل الهناء بالفتح الرائق السناء وحفت بها من خلفها وأمامها صنائع البر وقومه الاعتناء فهنالك تفخر السن الثناء وتتطابق اعلام الشكر السامية البناء
وأننا ورد علينا كتابكم الذى سطره البر واملاه وكنفه اللحظ وتولاه ووشحه البيان وحلاه مهنئا بما منح الله جل جلاله من رد الحق وتعيين الجمع ورفع الفرق وتطويق الأمان وأمان الطوق واسعاد السعد
____________________
(6/341)

وبلوغ القصد وقطع دابر من جحد نعمة الأب والجد وسل سيف البغى دامى الحد والحمد لله تعالى حمدا يلهمه ويتيحه ونسأله امدادا يسوغه ويبيحه على أن احسن العقبى وأعقب الحسنى وأرى النعم بين فرادى ومثنى وجمع الشمل الذى قد تبدد وجدد رسم السعادة لهذا القطر فتجدد واخذ الظالم فلم يجد من محيص وجمع لنا الاجر والفخر بين تخصيص وتمحيص وقلد برؤوس الفجرة الغدرة الفرضة التى فرعوها وأطفأ بمراق دمائهم نار الضلالة التى شرعوها وكتب لقبيلكم الفضل الذى يحمد ويشكر والحق الذى لا يجحد وى ينكر فلقد اوى لما تبرات الخلصان وتحفى عندما تنكر الزمان وسبب الإدالة وطاوع الأصالة والجلالة حتى فرج الله تعالى الكربة وآنس الغربة واقال العثرة وتقبل القربة له الحمد على آلائه وصله نعمائه ملء أرضه وسمائه
ووصل صحبته الولد مكنوفا بجناح اللطف ممهدا له ببركتكم مهاد العطف فبرزنا إلى تلقيه تنويها لهديتكم واشادة وابداء فى بركم واعادة واركبنا الجيش الذى آثرنا لحين استقلالنا عرضه وقررنا بموجب الاستحقاق فرضه فبرز إلى الفضاء الأفيح حسن الترتيب سافرا عن المرأى العجيب ولولا الحنان الذى تجده النفوس للأبناء وتستشعره والشوق إلى اللقاء الذى لا يجحده منصف ولا ينكره لما شق علينا طول مقامه فى حجركم ولا ثواؤه لصق أريكة امركم فجواركم محل لاستفادة رسوم الإمارة وتعلم السياسة والإدارة حتى يرد علينا يقدم كتيبة جهادكم ويقود إلينا طليعة نصركم ايانا وامدادكم فنحن الآن نشكر مقاصدكم التى اقتضى الكمال سياقها وزين المجد آفاقها وقدرها فاحكم طباقها ونقرر لديكم أن حظنا من ودادكم ومحلنا من جميل اعتقادكم حظ بان رجحانه وفضله ولم يتأت بين من يسلف من السلف مثله من الصحبة فى المنزل الخشن وهى الوسيلة وفى رعيها
____________________
(6/342)

تظهر الفضيلة والاشتراك فى لازم الوصول إلى الحق وضم اشتات الخلق والمودة الواضحة الطرق إلى ما بين السلف من الود الآمن بدره من الكلف المذخورة أذمته للخلف فإذا كانت المعاملة جارية على حسبة وشعبها راجعة إلى مذهبة جنى الإسلام ثمرة حافلة واستكفى الدين اياله كافلة فالله عز وجل يمهد البلاد بيمن تدبيركم ويجرى على مهيع السداد جميع اموركم ويجعلكم ممن زين الجهاد عواتق اعماله وكان رضى الله تعالى عنه اقصى آماله حتى تربى مآثركم على مآثر اسلافكم الذين عرف هذا الوطن الجهادى امدادهم وشكر جهادهم وقبل الله تعالى فيه اموالهم واولادهم وحسن من اجله معادهم
وقد حضر بين يدينا رسولكم الذى وجهتم الولد اسعده الله تعالى لنظره وتخيرتموه لصحبه سفرة فلان وهو من الأمانة والفضل والرجاحة والعقل بحيث طابق اختياركم واستحق ايثاركم فاطنب فى تقرير ما لديكم من عناية بهذه الأوطان عينت الرفد وضربت الوعد واخلصت فى سبيل الله تعالى القصد وغير ذلك مما يؤكد المودة المستقرة الأركان المؤسسة على التقوى والرضوان فأجبناه بأضعاف ذلك مما لدينا لكم وقابلنا بالثناء الجميل قولكم وعملكم والله تعالى يصل سعدكم ويحرس مجدكم والسلام الكريم يخصكم ورحمة الله تعالى وبركاته
79 - ومن ذلك ما كتبه رحمه الله تعالى على لسان الأمير سعد ابن سلطانه الغنى بالله تعالى إليه وهو
مولاي ومولى كبيرى ومولى المسلمين ورحمتى المتكفلة بالسعد الرائق الجبين يقبل قدمكم التى جعل الله تعالى العز فى تقبيلها والسعد فى اتباع سبيلها عبدكم الصغير فى سنه الكبير فى خدمتكم وخدمة كبيره فى حياتكم بفضل الله تعالى ومنه الهاش لتمريغ وجهه فى كتابكم حسن الذراع المنبئة طباعة
____________________
(6/343)

عن العبودية الكامنه بالبدار إلى ذلك والاسراع عبدكم وولدكم سعد كتبه من بابكم المحوط بعز امركم المتحف أن شاء الله تعالى بانباء نصركم وقد وصل إلى عبدكم تشريفكم السابغ الحلل وتنويهكم المبلغ غايات الأمل وخط يدكم الكريمة وغمامة رحمتكم الهامية الديمة فيا له من عز اثبت لى الفخر فى ابناء الملوك وسار بى من الترشيح لرتب حظوتكم على المنهج المسلوك قرر من عافيه مولاي وسعادته واقتران السعود حيث حل بوفادته ما تكفل ببلوغ الآمال وتمم لسان الحال فى شكر الله تعالى لسان المقال والله تعالى يديم أيام مولاي حتى يقوم بحق شكر النعم لسانه وتؤدى بعده جوارحه من الدفاع بين يدي سلطانه ما يسر به سلطانه وبعث جوابه منقولا ليد حامله من يده ليهنىء تقبيل اليد الكريمة بحال تأكيد ويقرر ما لعبده إلى وجهه الكريم من شوق شديد ويعرف شمول نعمة الله تعالى ونعمته لمن ببابه من خدم وحرم وعبيد ويمد يد الرغبة لمولاه فى صلة الإنعام بتشريفه واعلامه بتزايدات حركته وتعريفه ففى ضمن ذلك كل عز مشيد وخير جديد وينهى تحية أهل منزل مولاي على اختلافهم بحسب منازلهم من نعمة لحظه التى ياخذ منها كل بحظه والسلام الكريم ورحمة الله تعالى وبركاته
80 - وقال رحمه الله تعالى ومن نثري ما خاطبت به السلطان على لسان ولده من مالقة وقد وصلت به إليه من المغرب
مولاي الذى رضى الله تعالى مقرون برضاه والنجح مسبب عن نيته ودعاه وطاعته مرتبطة بطاعة الله ابقى الله تعالى علي بكم ظل رحماه وغمام نعماه وزادنى من مواهبة هداية فى توفيه حقه الكبير فإن الهدى هدى الله يقبل مواطىء اقدامكم التى ثراها شرف الخدود وفخر الجباه ويقرر من عبوديته ما يسجل الحق مقتضاه ويسلم على مثابة رحمتكم السلام الذى يحبه الله تعالى ويرضاه ولدكم وعبدكم يوسف من منزل تأييدكم
____________________
(6/344)

بظاهر مالقه حرسها الله والوجود السن بالعز بالله ناطقة والأعلام والشجر الوية بالسعد خافقة وانواع التوفيق متوافقة وصنائع اللطيف الخبير مصاحبة مرافقة
وقد وصل يا مولاي لعبدكم المفتخر بالعبودية لكم ما بعث به على مقامكم وجادت به سحائب انعامكم ولمن تحت حجبه ستركم المسدول وفى ظل اهتمامكم الموصول ولمن ارتسم بخدمة ابوابكم الشريفة من الخدام واولى المراقبة والالتزام ما يضيق عنه بيان العبارة ويفتضح فيه لسان القول والإشارة من عنايات سنية ونعم باطنه وجليه وملاحظة مولاية ومقاصد ملكية فما شئت من قباب مذهبه وملابس منتخبه وأسره مرتبة ومحاسن لا مستورة ولا محجبة واللواء الذى نشرتم على عبدكم ظله الظليل ومددتم عليه جناح العز الجليل جعله الله تعالى اسعد لواء يسير فى خدمتكم ومد على وعليه لواء حرمتكم حتى يكون لجهادى بين يديكم شاهدا وبالنصر العزيز والفتح المبين عليكم عائدا ولطائفه الخلوص لامركم قائدا ولأولياء بابكم هاديا ولأعدائكم كائدا
واتفق يا مولاي أن كان عبدكم قد ركب مغتنما برد اليوم ومؤثرا للرياضة فى عقب النوم والتف عليه الخدام والأولياء الكرام فلما عدنا تعرضت لنا تلك العنايات المجلوة الصور المتلوة السور وقد حشر الناس وحضرت منهم الأجناس فعلا الدعا وانتشر الثنا وراقت الأبصار تلك الهمة العليا فنسال الله تعالى يا مولاي أن يكافىء مقامكم بالعز الذى لا يتبدل والنصر الذى يستأنف ويستقبل والسعد الذى محكمه لا يتأول والعبد ومن له على حال اشتياق للورود على ابوابكم الرفيعة المقدار وارتياح لقرب المزار
( وابرح ما يكون الشوق يوما ** إذا دنت الديار من الديار )
____________________
(6/345)


والعمل على تيسير الحركة متصل والدهر لأوامر السعد محتفل بفضل الله تعالى والسلام على مقام مولاي مقام الشفقة والرحمة والمنة والنعمة ورحمه الله تعالى وبركاته انتهى
81 - ومن انشاء لسان الدين فى تولية الأمير يوسف المذكور مشيخة الغزاة على لسان السلطان والده ما نصه
هذا ظهير كريم فاتح بنشر الألوية والبنود وقود العساكر والجنود وأجال فى ميدان الوجود جياد البأس والجود واضفى ستر الحماية والوقاية بالتهائم والنجود على الطائفين والعاكفين والركع السجود عقد للمعتمد به عقد التشريف والقدر المنيف زاكى الشهود واوجب المنافسة بين مجالس السروج ومضاجع المهود وبشر السيوف فى الغمود وأنشا ريح النصر آمنة من الخمود أمضى احكامه وانهد العز امامه وفتح من زهر السرور والحبور كمامه أمير المسلمين عبد الله محمد ابن مولانا أمير المسلمين ابى الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبى الوليد ابن فرج بن نصر ايد الله تعالى امره وخلد ذكره لكبير ولده وسابق امده وريحانه خلده وياقوتة الملك على يده الأمير الكبير الطاهر الظاهر الاعلى واسطة السلك وهلال سماء الملك ومصباح الظلم الحلك ومظنة العناية الأزلية من مدير الفلك ومجرى الفلك عنوان سعده وحسام نصره وعضده وسمى جده وسلالة فضله ومجده السعيد المظفرالهمام الأعلى الأمضى العالم العامل الأرضى المجاهد المؤمل المعظم أبى الحجاج يوسف البسه الله تعالى من رضاه عنه حللا لا تخلق جدتها الأيام ولا تبلغ كنهها الأفهام وبلغة فى خدمته المبالغ التى يسر بها الإسلام وتسبح فى بحار صنائعها الأقلام وحرس معاليها الباهرة بعينة التى لا تنام وكنفه بركنه الذى لا يضام فهو الفرع الذى جرى بخصله على أصله وارتسم نصره فى نصله واشتمل حده على فصله وشهدت السن خلاله برفعة
____________________
(6/346)

جلاله وظهرت دلائل سعادته فى بدء كل أمر واعادته لما صرف وجهه إلى ترشيحه لافتراع هضاب المجد البعيد المدى وتوشيحة بالصبر والحلم والبأس والندى وارهف منه سيفا من سيوف الله تعالى لضرب هام العدا واطلعه فى سماء الملك بدر هدى لمن راح وغدا واخذه بالآداب التى تقيم من النفوس اودا وتبذر فى اليوم فتجنى غدا ورقاه فى رتب المعالى طورا فطورا ترقى النبات ورقا ونورا ليجده بحول الله تعالى يدا باطشة باعدائه ولسانا مجيبا عند ندائه وطرازا على حله علائه وغماما من غمائم آلاله وكوكبا وهاجا بسمائه وعقد له لواء الجهاد على الكتيبة الأندلسية من جنده قبل أن ينتقل عن مهده وظلله بجناح رايته وهو على كتد دابته واستركب جيش الإسلام ترحيبا بوفادته وتنويها بمجادته وأثبت فى غرض الإمارة النصرية سهم سعادته رأى أن يزيده من عنايته ضروبا وأجناسا ويتبع أثره ناسا فناسا قد اختلفوا لسانا ولباسا واتفقوا ابتغاء لمرضاة الله والتماسا ممن كرم انتماؤه وزينت بالحسب العد سماؤه وعرف غناؤه وتأسس على المجادة بناؤه حتى لا يدع من العناية فنا إلا وجلبه إليه ولا مقادة فخر إلا جعلها فى يدية ولا حله عز إلا أضفى ملابسها عليه
ولما كان جيش الإسلام فى هذه البلاد الأندلسية أمن الله سبحانه خلالها وسكن زلزالها وصدق فى رحمة الله تعالى التى وسعت كل شىء آمالها كلف همته ومرعى ذمته وميدان اجتهاده ومتعلق أمل جهاده ومعرج إرادته إلى تحصيل سعادته وسبيل خلاله إلى بلوغ كماله فلم يدع له علة إلا أزاحها ولا طلبه إلا أجال قداحها ولا عزيمة إلا أورى اقتداحها ولا رغبة إلا فسح ساحها آخذا مدونته بالتهذيب ومصافه بالترتيب وآماله بالتقريب محسنا فى تلقى الغريب
____________________
(6/347)

0 وتأنيس المريب مستنجزا له وبه وعد النصر العزيز والفتح القريب ورفع عنه لهذا العهد نظر من حكم الأغراض فى حماته واستشعر عروق الحسائف لتشذيب كماته واشتغل عن حسن الوساطة لهم بمصلحة ذاته وجلب جباته وتثمير ماله وتوفير أقواته ذاهبا أقصى مذاهب التعمير بأمد حياته فانفرج الضيق وخلص إلى حسن نظره الطريق وساغ الريق ورضى الفريق رأى والله الكفيل لنجح رايه وشكر سعيه وصلة حفظه ورعيه أن يجهد لهم اختياره ويحسن لديهم آثاره ويستنيب فيما بينه وبين سيوف جهاده وأبطال جلاده وحماه أحوازة وآلات اعتزازه من يجرى مجرى نفسه النفيسة فى كل مبنى ويكون له لفظ الولاية وله أيده الله تعالى المعنى فقدمه على الجماعة الأولى كبرى الكتائب ومقادة الجنائب وأجمة الأبطال ومزنة الودق الهطال المشتملة من الغزاة على مشيخة آل يعقوب نسباء الملوك الكرام وأعلام الإسلام وسائر قبائل بنى مرين ليوث العرين وغيرهم من أصناف القبائل وأولى الوسائل ليحوط جماعتهم ويعرف بتفقده إطاعتهم ويستخلص لله تعالى ولابيه ايده الله تعالى طاعتهم ويشرف بإمارته مواكبهم ويزين بهلالة الناهض إلى الإبدار على فلك سعادة الأقدار كواكبهم تقديما أشرق له وجه الدين الحنيف وتهلل واحس باقتراب ما امل فللخيل اختيال ومراح وللأسل السمر اهتزاز وارتياح وللصدور انشرح وللآمال مغدى فى فضل الله تعالى ورواح
فليتول ذلك أسعده الله تعالى تولى مثله ممن أسره الملك اسرته واسوة النبى صلوات الله تعالى عليه أسوته والملك الكريم أصل لفرعه والنسب العربى منجد لطيب طبعه آخذا أشرافهم بترفيع المجالس بنسبة أقدارهم مغريا حسن اللقاء بإيثارهم شاكرا غناءهم مستدعيا ثناءهم مستدرا لأرزاقهم موجبا المزية بحسب استحقاقهم شافعا لديه فى رغباتهم المؤملة ووسائلهم المتحملة مسهلا الإذن لوفودهم المتلاحقة منفقا لبضائعهم النافقة
____________________
(6/348)

مؤنسا لغرمائهم مستجليا أحوال أهليهم وآبائهم مميزا بين أغفالهم ونبهائهم
وعلى جماعتهم رعى الله تعالى جهادهم ووفر أعدادهم أن يطيعوه فى طاعة الله تعالى وطاعة أبيه ويكونوا يدا واحدة على دفاع أعداء الله تعالى وأعادية ويشدوا فى مواقف الكريهة أزره ويمتثلوا نهيه وأمره حتى يعظم الانتفاع ويشهر الدفاع ويخلص المصال لله تعالى والمصاع فلو وجد أيده الله تعالى غاية فى تشريفهم لبلغها أو موهبة لسوغها لكن ما بعد ولده العزيز عليه مذهب ولا وراء مباشرتهم بنفسه معزب والله تعالى منجح الأعمال ومبلغ الآمال والكفيل بسعادة المآل
فمن وقف على هذا الظهير الكريم فليعلم مقدار ما تضمنه من أمر مطاع وفخر مستند إلى إجماع ووجوب اتباع وليكن خير مرعى لخير راع بحول الله تعالى
وأقطعه ايده الله تعالى ليكون بعض المواد لأزواد سفره وسماط نفره فى جملة ما أولاه من نعمه وسوغه من موارد كرمه جميع القرية المنسوبة إلى عرب عنان وهى المحلة الأثيرة والمنزلة الشهيرة تنطلق عليها أيدي خدامه ورجاله جارية مجرى صريح ماله محررة من كل وظيفة لاستغلاله أن شاء الله تعالى فهو المستعان سبحانه وكتب فى كذا انتهى
82 - وكتب لسان الدين رحمه الله تعالى فى شأن تقليد الأمير سعد أخى المذكور الأصغر منه سنا ما صورته
هذا ظهير جعل الله تعالى له الملائكة ظهيرا وعقد منه فى سبيل الله تعالى لواء منصورا واعطى المعتمد به باليمن كتابا منشورا { وما كان عطاء ربك محظورا } الإسراء واطلع صبح العناية المبصرة الآية يبهر سفورا ويسطع نورا وأقر عيونا للمسلمين وشرح صدورا ووعد الأهلة أن تصير بإمداد شمس الهدى إياها بدورا وبشر الإسلام بالنصر المنتظر والفتح الرائق الغرر
____________________
(6/349)

مواسط وثغورا وأتبع حماه الدين لواء الإمارة السعيدة النصرية فأسعد بها آمرا وأكرم بها مأمورا أمر به وامضى العمل بمقتضاه وحسبه امير المسلمين عبد الله محمد ابن امير المسلمين المجاهد فى سبيل رب العالمين أبى الحجاج ابن امير المسلمين المجاهد فى سبيل رب العالمين أبى الوليد ابن فرج بن نصر أعلى الله تعالى رايته وسدد رأيه وشكر عن الإسلام والمسلمين سعيه لقوة عينه ومقتضى حقه من العدو ودينه وغصن دوحه وآية لوحه ودرة قلادته ودرى أفلاك مجادته وسيف نصره وهلال قصره وزينه عصره ومتقبل هديه ورشده ومظنة إشراق سعده وانجاز وعده ولده الأسعد وسليل ملكه المؤيد الأمير الأجل الأعز الأسنى الأطهر الأظهر الأعلى لابس أثواب رضاه ونعمته ومنحة الله لنصره وخدمته ومظهر عزه وبعد همته التقى الرضى العالم العامل الماجد حامى الحمى تحت ظل طاعته وكافى الإسلام الذى يأمن من إضاعته المحرز مزايا الأعمار الطويلة حظ الشهر فى يومه وحظ اليوم فى ساعته الموقر المهيب المؤمل المعظم أبى النصر سعد عرفه الله تعالى ببركة سعد بن عبادة جده خال رسول الله صلى عليه وسلم وأعظم بمجده ووزيره فى حله وعقده وأجناه ثمرة النصر الذى كناه به ووصل سببه بسببه فما النصر إلا من عنده وانتج له الفتح المبين من مقدمتى نصره وسعده لما صرف وجه عنايته إليه فى هذه البلاد الأندلسية التى خلص لله انفرادها وانقطاعها وتمحض لأن تكون كلمة الله هى العليا قراعها وصدق مصالها فى سبيله جل وعلا ومصاعها إلى ما يمهد أرجاءها ويحقق رجاءها من سلم يعقد ولا يعدم الحزم معه ولا يفقد وعطاء ينقد ورأي لا يتعقب ولا ينقد وحرب تضمر له الجياد ويعتقل الأسل المياد وكان الجيش روض أمله الذى فى جناه يسرح ومرمى فكره الذى عنه لا يبرح فديوانه ديوان أمانيه الذى تسهب فيه وتشرح أسهمه من سياسته أوفى الحظوظ
____________________
(6/350)

وأسناها وقصر عليه لفظ العناية ومعناها ووقف عليه موحدها ومثناها فازاح علله واحيا امله وأنشا جذله ورفع عنه من لم يبذل الجد له ولا أخلص لله فيه عمله
واختار لقيادة مقانبه المنصورة وامارة غزواته المبرورة أقرب الناس إلى نفسه نسبا وأوصلهم به سببا واحقهم بالرتب المنيفة والمظاهر الشريفة ذاتا وأبا وحدا وشبا وأمره على أشرافه ودل به الأنفال على أعرافه وصرف إليه آماله واستعمل فى أسنته يمينه وفى اعنته شماله وعقد عليه الويته الخافقة لعزة نصره ورأى الظهور على أعداء الله تعالى جنى فهيأه لهصره وأدار هالة قتام الجهاد عن قرب بالولادة على بدره ونبه نفوس المسلمين على جلاله قدرة وقدمه على الكتيبة الثانية من عسكر الغزاة المشتملة على الأشياخ من اولاد يعقوب كبار بنى مرين وسائر قبائلهم المكرمين وغيرهم من القبائل المحترمين ينوب عن امره فى عرض مسائلهم وقرى وافدهم واجراء عوائدهم تقديما تهلل له الإسلام واستبشر وتيقن الظفر فاستبصر لما علم بمن استنصر فليخلصوا له فى طاعته الكبرى الطاعة وليعلقوا ببنان نداه بنان الطماعة ويؤملوا على يديه نجح الوسيلة الى مقامه والشفاعة ويعلموا أن اختصاصهم به هو العنوان على رفع محالهم لديه وعزة شأنهم عليه فلو وجد هضبة أعلى لفرعها لهم وعلاها أو عزة اعز لجلالها أو قبله ازكى لصرف وجوههم شطرها وولاها حتى تجنى ثمرة هذا القصد وتعود بالسعد حركة هذا الرصد وتعلو ذؤابة هذا المجد وتشهد بنصر الدين على يده ألسنة الغور والنجد بفضل الله سبحانه
وعليه اسعد الله الدولة باستعماله مكافحا باعلامها وزينا لأيامها وسيفا فى طاعة إمامها أن يقدم منهم فى مجلسة أهل التقديم ويقابل كرامهم بالتكريم ويستدعى آراء مشايخهم فى المشكلات فى امور الحرب ويغضى جفون عزائمهم فى موقف الصبر والضرب ويتفقدهم باحسانه عند الغناء ويقابل حميد سعيهم
____________________
(6/351)

بالثناء على هذا يعتمد وبحسبه يعمل وهو الواجب الذى لا يهمل وقصده بالإعظام والإجلال والانقياد الذى يعود بالآمال وينجح الأعمال بحول الله تعالى متقبل وكتب فى كذا انتهى
83 - ومما اشتمل على نظم لسان الدين ونثره ما كتب به من سلا إلى سلطانه الغنى بالله تعالى وقد بلغه ما كان من صنع الله سبحانه له وعودته إلى سلطانه
( هنيئا بما خولت من رفعه الشان ** وأن كره الباغى وأن رغم الشانى )
( وأن خصك الرحمن جل جلاله ** بمعجزة منسوبة لسليمان )
( اغار على كرسيه بعض جنه ** فالقت له الدنيا مقالد إذعان )
( فلما رآها فتنه خر ساجدا ** وقال الهى امنن على بغفران )
( وهب لى ملكا بعدها ليس ينبغى ** تقلده بعدى لإنس ولا جان )
( فآتاه لما أن اجاب دعاءه ** من العز ما لم يؤت يوما لإنسان )
( وأن كان هذا الأمر فى الدهر مفردا ** فأنت له لما اقتديت به الثانى )
( فقابل صنيع الله بالشكر واستعن ** به واجز إحسان الإله بإحسان )
( وحق الذى سماك باسم محمد ** لو أن الصبا قد عاد منه بريعان )
( لما بلغ النعمى عليك سروره ** اليه واف لا اليه خوان )
( فانى أنا العبد الصريح انتسابه ** كما أنت مولاي العزيز وسلطانى )
( إذا كنت فى عز وملك وغبطة ** فقد نلت اوطاري وراجعت اوطانى )
مولاى الذى شأنه عجب والإيمان بعناية الله تعالى به قد وجب وعزة أظهره من برداء العزة احتجب إذا كانت الغاية لا تدرك فاولى إن تسلم وتترك ومنه الله تعالى عليك ليست مما يشرح قد عقل العقل فما يبرح وقيد اللسان فما يرتعى فى مجال العبارة ولا يسرح اللهم الهمنا على هذه النعمة شكرا
____________________
(6/352)

ترضاه وامدادا من لدنك نتقاضاه يا الله يا الله سعود انارت بعد افول شهابها وحياة كرت بعد ذهابها واحباب اجتمعت بعد فراقها واوطان دنت بعد شامها من عراقها واعداء اذهب الله تعالى رسم بغيهم ومحاه وبغاة ادار عليهم الدهر رحاه وعباد اعطوا من كشف الغم ما سالوه ونازحون لو سئلوا فى اتاحة القرب بما فى ارماقهم لبذلوه وسبحان الذى يقول { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه } النساء فليهن الإسلام بياض وجهه بعد اسودادة وتغلب اياله من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر على بلاده وعودة الملك المظلوم إلى معتاده واستواء الحق النائى جنبه فوق مهاده ورد الإرث المغصوب الى مستحقه عن آبائه واجداده والحمد لله الذى غسل عن وجه الأمة الحنيفية العار وأنقذ عهدتها وقد ملكها الذعار فرد المعار واعيد الشعار نحمدك اللهم حمدا يليق بقدسك لا بل لا نحصى ثناء عليك أنت كما اثنيت على نفسك
والعبد يا مولاى قد بهرت عقله آلاء الله تعالى قبلك فالفكر جائل واللسان ساكت والعقل ذاهل والطرف باهت فإن اقام رسما للمخاطبة فقلم مرح وركض وطرس هز جناح الارتياح ونفض ليس هذا المرام مما يرام ولا هذه العناية التى تحار فيها الأفهام مما تصمى غرضه السهام فنسأل الله تعالى أن يجعل مولاي من الشاكرين وباحكام تقلبات الأيام من المعتبرين حتى لا يغره السراب الخادع والدهر المرغم للأنوف الجادع ولا يرى فى الوجود غير الله من صانع ولا معط ولا مانع ويمتعه بالعز الجديد ويوفقه للنظر السديد ويلهمه للشكر فهو مفتاح المزيد والسلام انتهى
84 - ومما خاطب به لسان الدين رحمه الله تعالى أبا عبد الله ابن عمر التونسى قوله
سيدي الذى عهده لاينسى وذكره يصبح فى ترديده بالجميل ويمسى
____________________
(6/353)

ابقاكم الله تعالى تجلون من السعادة شمسا وتصرفون فى طاعته لسانا فردا وبنانا خمسا وصلنى كتابكم الأشعث الأغبر ومقتضبكم الذى أضغاثه لا تعبر شاهده بعدم الاعتناء اوضاعه معدوما امتاعه قصيرا فى التعريف بالحال المتشوف اليها باعه مضمنا الإحالة على خلى من معناها غير ملتبس بموحدها ولا مثناها سألته كما يسأل المريض عما عند الطبيب ويحرص الحبيب على تعرف احوال الحبيب فذكر أنه لم يتحمل غير تلك السحاءة المعنية فى الاختصار المجحفة بخظى الأسماع والأبصار فهممت بالعتب على البخيل بالكتب ثم عذرت سيدي بما يعترى مثله من شواغل تطرق وخواطر تومض وتبرق وإذا كان آمنا سربه مهنأ شربه فهو الأمل ويقنع هذا المجمل وأن كان التفسير هو الأكمل وما ثم ما يعمل ووده فى كل حال وده والله سبحانه بالتوفيق يمده والسلام
وكانت للسان الدين رحمه الله تعالى مخاطبات كثيرة لسلطان الدولة واعيانها دلت على قوة عارضته فى البلاغة وقد المعنا بجملة منها فى هذا الكتاب فى مواضع ولم نكثر منها طلبا للاختصار أو التوسط بحسب ما اقتضاه الباعث فى الحال والله سبحانه وتعالى يبلغ الآمال ويزكى الأعمال
85 - ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى ما كتبه عن السلطان أبى الحجاج يوسف بن نصر إلى سيد العالمين صلى الله عليه وسلم إثر نظم ونص الكل هو
( إذا فاتنى ظل الحمى ونعيمه ** فحسب فؤادى أن يهب نسيمه )
( ويقنعنى أنى به متكنف ** فزمزمه دمعى وجسمى حطيمة )
( يعود فؤادي ذكر من سكن الغصنا ** فيقعده فوق الغضا ويقيمه )
( ولم أر شيئا كالنسيم إذا سرى ** شفى سقم القلب المشوق سقيمه )
( نعلل بالتذكار نفسا مشوقة ** ندير عليها كأسه ونديمه )
____________________
(6/354)


( وما شفنى بالغور قد مرنح ** ولا شاقنى من وحش وجره ريمه )
( ولا سهرت عينى لبرق ثنيه ** من الثغر يبدو موهنا فاشيمه )
( برانى شوق للنبى محمد ** يسوم فؤادي برحة ما يسومه )
( ألا يا رسول الله ناداك ضارع ** على النأى محفوظ الوداد سليمه )
( مشوق إذا ما الليل مد رواقه ** تهم به تحت الظلام همومه )
( إذا ما حديث عنك جاءت به الصبا ** شجاه من الشوق الحثيث قديمه )
( أيجهر بالنجوى وانت سميعها ** ويشرح ما يخفى وأنت عليمه )
( وتعوزه السقيا وأنت غياثه ** وتتلقه الشكوى وأنت رحيمه )
( بنورك نور الله قد اشرق الهدى ** فاقماره وضاحة ونجومه )
( لك انهل فضل الله بالأرض ساكبا ** فانواؤه ملتفة وغيومه )
( ومن فوق اطباق السماء بك اقتدى ** خليل الذى اوطاكها وكليمه )
( لك الخلق الأرضى الذى جل ذكره ** ومجدك فى الذكر العظيم عظيمه )
( يجل مدى علياك عن مدح مادح ** فموسر در القول فيك عديمه )
( ولى يا رسول الله فيك وراثه ** ومجدك لا ينسى الذمام كريمه )
( وعندى الى انصار دينك نسبة ** هى الفخر لا يخشى انتقالا مقيمه )
( وكان بودى أن ازور مبوأ ** بك افتخرت اطلاله ورسومه )
( وقد يجهد الإنسان طرف اعتزامه ** ويعوزه من بعد ذاك مرومه )
( وعذرى فى تسويف عزمى ظاهر ** اذا ضاق عذر العزم عمن يلومه )
( عدتنى باقصى الغرب عن تربك العدا ** جلالقة الثغر الغريب ورومه )
( اجاهد منهم فى سبيلك امة ** هى البحر يعيى امرها من يرومه )
( فلولا اعتناء منك يا ملجأ الورى ** لريع حماه واستبيح حريمه )
( فلا تقطع الحبل الذى قد وصلته ** فمجدك موفور النوال عميمه )
____________________
(6/355)

356
( وأنت لنا الغيث الذى نستدره ** وأنت لنا الظل الذى نستديمه )
( ولما نأت دارى واعوز مطمعى ** واقلقنى شوق يشب جحيمه )
( بعثت بها جهد المقل معولا ** على مجدك الأعلى الذى جل خيمه )
( وكلت بها همى وصدق قريحتى ** فساعدنى هاء الروى وميمه )
( فلا تنسنى يا خير من وطىء الثرى ** فمثلك لا ينسى لديه خديمه )
( عليك صلاة الله ما ذر شارق ** وما راق من وجه الصباح وسيمه )
إلى رسول الحق إلى كافة الخلق وغمام الرحمة الصادق البرق الحائز فى ميدان اصطفاء الرحمن قصب السبق خاتم الأنبياء وامام ملائكة السماء ومن وجبت له النبوة وآدم بين الطين والماء شفيع أرباب الذنوب وطبيب أدواء القلوب والوسيلة إلى علام الغيوب نبى الهدى الذى طهر قلبه وغفر ذنبه وختم به الرسالة ربه وجرى فى النفوس مجرى الأنفاس حبه الشفيع المشفع يوم العرض المحمود فى ملإ السماء والأرض صاحب اللواء المنشور يوم النشور والمؤتمن على سر الكتاب المسطور ومخرج الناس من الظلمات إلى النور المؤيد بكفاية الله وعصمته الموفور حظه من عنايته ونعمته الظل الخفاق على أمته من لو حازت الشمس بعض كماله ما عدمت إشراقا أو كان للآباء رحمة قبله ذابت نفوسهم اشفاقا فائدة الكون ومعناه وسر الوجود الذى يبهر الوجود سناه وصفى حضرة القدس الذى لا ينام قلبه إذا نامت عيناه البشير الذى سبقت له البشرى ورأى من آيات ربه الكبرى ونزل فيه { سبحان الذي أسرى } الاسراء من الأنوار من عنصر نوره مستمدة والآثار تخلق وآثاره مستجدة من طوي بساط الوحى لفقده وسد باب الرسالة والنبوة من بعده واوتى جوامع الكلم فوقفت البلغاء حسرى دون حده الذى انتقل فى الغرر الكريمة نوره وأضاءت لميلاده مصانع الشام وقصوره وطفقت الملائكة تجيئه وفودها وتزوره واخبرت الكتب
____________________
(6/356)

357 المنزلة على الأنبياء باسمائه وصفاته واخذ عهد الإيمان به على من اتصلت بمبعثه منهم ايام حياته المفزع الأمنع يوم الفزع الأكبر والسند المعتمد عليه فى أهوال المحشر ذو المعجزات التى أثبتتها المشاهدة والحس وأقر بها الجن والإنس من جماد يتكلم وجذع لفراقه يتألم وقمر له ينشق وحجر يشهد أن ما جاء به هو الحق وشمس بدعائه عن مسيرها تحبس وماء من بين أصابعه يتبجس وغمام باستسقائه يصوب وطوى بصق فى اجاجها فاصبح ماؤها وهو العذب المشروب المخصوص بمناقب الكمال وكمال المناقب المسمى بالحاشر العاقب ذو المجد البعيد المرامى والمراقب أكرم من رفعت إليه وسيلة المعترف المغترب ونجحت لديه قربة البعيد المقترب سيد الرسل محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الذى فاز بطاعته المحسنون واستنقذ بشفاعته المذنبون وسعد باتباعه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون صلى الله عليه وسلم ما لمع برق وهمع ودق وطلعت شمس ونسخ اليوم أمس
من عتيق شفاعته وعبد طاعته المعتصم بسببه المؤمن بالله ثم به المستشفى بذكره كلما تألم المفتتح بالصلاة عليه كلما تكلم الذى أن ذكر تمثل طلوعه بين اصحابه وآله وأن هب النسيم العاطر وجد فيه طيب خلاله وان سمع الأذان تذكر صوت بلاله وأن ذكر القرآن استشعر تردد جبريل بين معاهده وخلاله لاثم تربه ومؤمل قربه ورهين طاعته وحبه المتوسل به إلى رضى الله ربه يوسف بن اسماعيل بن نصر
كتبه اليك يا رسول الله والدمع ماح وخيل الوجد ذات جماح عن شوق يزداد كلما نقص الصبر وانكسار لا يتاح له إلا بدنو مزارك الجبر وكيف لا يعيى مشوقك الأمر وتوطأ على كبده الجمر وقد مطلت الأيام بالقدوم على تربك المقدسة اللحد ووعدت الآمال ودانت باخلاف الوعد وانصرفت الرفاق والعين بنور ضريحك ما اكتحلت والركائب اليك
____________________
(6/357)

358 ما رحلت والعزائم قالت وما فعلت والنواظر فى تلك المشاهد الكريمة لم تسرح وطيور الآمال عن وكور العجز لم تبرح فيا لها من معاهد فاز من حياها ومشاهد ما اعطر رياها بلاد نيطت بها عليك التمائم واشرقت بنورك منها النجود والتهائم ونزل فى حجراتها عليك الملك وانجلى بضياء فرقانك فيها الحلك مدارس الآيات والسور ومطالع المعجزات السافرة الغرر حيث قضيت الفروض وحتمت وافتتحت سورة الرحمن وختمت وابتدئت الملة الحنيفية وتممت ونسخت الآيات واحكمت
أما والذى بعثك بالحق هاديا واطلعك للخلق نورا باديا لا يطفىء غلتى إلا شربك ولا يسكن لوعتى إلا قربك فما اسعد من أفاض من حرم الله إلى حرمك واصبح بعد اداء ما فرضت عن الله ضيف كرمك وعفر الخد فى معاهدك ومعاهد اسرتك وتردد ما بين داري بعثتك وهجرتك وأنى لما عاقتنى عن زيارتك العوائق وأن كان شغلى عنك بك وعدتنى الأعداء فيك عن وصل سببي بسببك واصبحت بين بحر تتلاطم امواجه وعدو تتكاثف افواجه ويحجب الشمس عند الظهيرة عجاجه فى طائفة من المؤمنين بك وطنوا على الصبر نفوسهم وجعلوا التوكل على الله وعليك لبوسهم ورفعوا إلى مصارختك رؤوسهم واستعذبوا فى مرضاه الله تعالى ومرضاتك بوسهم يطيرون من هيعة إلى اخرى ويلتفتون والمخاوف عن يمنى ويسرى ويقارعون وهم الفئة القليلة جموعا كجموع قيصر وكسرى لا يبلغون من عدو هو الذر عند انتشاره عشر معشاره قد باعوا من الله تعالى الحياة الدنيا لان تكون كلمة الله تعالى هى العليا فيا له من سرب مروع وصريخ الا منك ممنوع ودعاء إلى الله وإليك مرفوع وصبية حمر
____________________
(6/358)

الحواصل تخفق فوق اوكارها اجنحة المناصل والصليب قد تمطى فمد ذراعيه ورفعت الأطماع بضبعيه وقد حجبت بالقتام السماء وتلاطمت أمواج الحديد والباس الشديد فالتقى الماء ولم يبق إلا الذماء وعلى ذلك فما ضعفت البصائر ولا ساءت الظنون وما وعد به الشهداء تعتقده القلوب حتى تكاد تشاهده العيون إلى أن نلقاك غدا أن شاء الله تعالى وقد ابلينا العذر وارغمنا الكفر واعملنا فى سبيل الله تعالى وسبيلك البيض والسمر استنبت رقعتى هذه لتطير إليك من شوقى بجناح خافق وتسعد من نيتى التى تصحبها برفيق موافق فتؤدي عن عبدك وتبلغ وتعفر الخد فى تربك وتمرغ وتطيب بريا معاهدك الطاهرة وبيوتك وتقف وقوف الخضوع والخشوع تجاه تابوتك وتقول بلسان التملق عند التشبث باسبابك والتعلق منكسرة الطرف حذرا بهرجها من عدم الصرف يا غياث الأمة وغمام الرحمة ارحم غربتى وانقطاعي وتغمد بطولك قصر باعى وقو على هيبتك خور طباعى فكم جزت من لج مهول وجبت من حزون وسهول وقابل بالقبول نيابتى وعجل بالرضى اجابتى ومعلوم من كمال تلك الشيم وسجايا تيك الديم أن لا يخيب قصد من حط بفنائها ولا يظمأ وارد اكب على انائها
اللهم يا من جعلته أول الأنبياء بالمعنى وآخرهم بالصورة واعطيته لواء الحمد يسير آدم فمن دونه تحت ظلاله المنشورة وملكت امته ما زوى له من زوايا البسيطة المعمورة وجعلتنى من امته المجبولة على حبه المفطورة وشوقتنى الى معاهده المبرورة ومشاهده المزورة ووكلت لسانى بالصلاة عليه وقلبى بالحنين إليه ورغبتنى بالتماس ما لديه فلا تقطع منه أسبابى ولا تحرمنى من حبه ثوابى وتداركنى بشفاعته يوم أخذ كتابى
هذه يا رسول الله وسيلة من بعدت داره وشط مزاره ولم يجعل بيده
____________________
(6/359)

اختياره
فأن لم تكن للقبول اهلا فأنت للإغضاء والسماح أهل وأن كانت الفاظها وعرة فجنابك للقاصدين سهل وإن كان الحب يتوارث كما اخبرت والعروق تدس حسبما إليه اشرت فلى بانتسابى إلى سعد عميد انصارك مزية ووسيلة اثيرة حفية فإن لم يكن لى عمل ترتضيه فلى نية فلا تنسنى ومن بهذه الجزيرة المفتتحة بسيف كلمتك على ايدي خيار امتك فأنما نحن بها وديعة تحت بعض اقفالك نعوذ بوجه ربك من إغفالك ونستنشق من ريح عنايتك نفحة ونرتقب من محيا قبولك لمحة ندافع بها عدوا طغى وبغى وبلغ من مضايقتنا ما ابتغى فمواقف التمحيص قد اعيت من كتب وورخ والبحر قد اصمت من استصرخ والطاغية فى العدوان مستبصر والعدو محلق والولى مقصر وبجاهك ندفع ما لا نطيق وبعنايتك نعالج سقيم الدين فيفيق فلا تفردنا ولا تهملنا وناد ربك فينا { ربنا ولا تحملنا } البقرة وطوائف امتك حيث كانوا عناية منك تكفيهم وربك يقول لك وقوله الحق { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } الأنفال 33 والصلاة والسلام عليك يا خير من طاف وسعى وأجاب داعيا إذا دعا وصلى الله على جميع احزابك وآلك صلاة تليق بجلالك وتحق لكمالك وعلى ضجيعيك وصديقيك وحبيبيك ورفيقيك خليفتك فى امتك وفاروقك المستخلف بعده على جلتك وصهرك ذي النورين المخصوص ببرك ونحلتك وابن عمك سيفك المسلول على حلتك بدر سمائك ووالد اهلتك والسلام الكريم عليك وعليهم كثيرا أثيرا ورحمة الله تعالى وبركاته وكتب بحضرة جزيرة الأندلس غرناطة صانها الله تعالى ووقاها ودفع عنها ببركتك كيد عداها انتهت الرسالة 86 - وكتب أيضا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على لسان مخدومه
____________________
(6/360)

السلطان الغنى بالله محمد ابن السلطان أبى الحجاج رحم الله تعالى الجميع ما صورته
( دعاك باقصى المغربين غريب ** وأنت على بعد المزار قريب )
( مدل باسباب الرجاء وطرفه ** غضيض على حكم الحياء مريب )
( يكلف قرص البدر حمل تحية ** إذا ما هوى والشمس حين تغيب )
( لترجع من تلك المعالم غدوة ** وقد ذاع من رد التحية طيب )
( ويستودع الريح الشمال شمائلا ** من الحب لم يعلم بهن رقيب )
( ويطلب فى جيب الجيوب جوابها ** إذا ما اطلت والصباح جنيب )
( ويستفهم الكف الخضيب ودمعه ** غراما بحناء النجيع خضيب )
( ويتبع آثار المطى مشيعا ** وقدزمزم الحادى وحن نجيب )
( إذا أثر الأخفاف لاحت محاربا ** يخر عليها راكعا وينيب )
( ويلقى ركاب الحج وهى قوافل ** طلاح وقد لبى النداء لبيب )
( فلا قول إلا أنه وتوجع ** ولا حول إلا زفرة ونحيب )
( غليل ولكن من قبولك منهل ** عليل ولكن من رضاك طبيب )
( ألا ليت شعري والأمانى ضله ** وقد تخطىء الآمال ثم تصيب )
( اينجد نجد بعد شحط مزاره ** ويكثب بعد البعد منه كثيب )
( وتقضى ديونى بعدما مطل المدى ** وينفذ بيعى والمبيع معيب )
( وهل أقتضى دهري فيسمح طائعا ** وادعو بحظى مسمعا فيجيب
( ويا ليت شعرى هل لحومى مورد ** لديك وهل لى فى رضاك نصيب )
( ولكنك المولى الجواد وجاره ** على اي حال كان ليس يخيب )
( وكيف يضيق الذرع يوما بقاصد ** وذاك الجناب المستجار رحيب )
( وما هاجنى إلا تألق بارق ** يلوح بفود الليل منه مشيب )
____________________
(6/361)


( ذكرت به ركب الحجاز وجيرة ** أهاب بها نحو الحبيب مهيب )
( فبت وجفنى من لآلىء دمعه ** غنى وصبرى للشجون سليب )
( ترنحنى الذكرى ويهفو بى الجوى ** كما مال غصن فى الرياض رطيب )
( واحضر تعليلا لشوقى بالمنى ** ويطرق وجد غالب فاغيب )
( مرامى لو اعطى الأمانى زوره ** يبث غرام عندها ووجيب )
( فقول حبيب إذ يقول تشوقا ** عسى وطن يدنو الى حبيب )
( تعجبت من سيفي وقد جاور الغضا ** بقلبى فلم يسبكه منه مذيب )
( واعجب أن لا يورق الرمح فى يدي ** ومن فوقه غيث المشوق سكيب )
( فيا سرح ذاك الحي لو اخلف الحيا ** لأغناك من صوب الدموع صبيب )
( ويا هاجر الجو الجديب تلبثا ** فعهدي رطب الجانبين خصيب )
( ويا قادح الزند الشحاح ترفقا ** عليك فشوقى الخارجى شبيب )
( ايا خاتم الرسل المكين مكانه ** حديث الغريب الدار فيك غريب )
( فؤادي على جمر البعاد مقلب ** يماح عليه للدموع قليب )
( فو الله ما يزداد إلا تلهبا ** أأبصرت ماء ثار عنه لهيب )
( فليلته ليل السليم ويومها ** إذا شد للشوق العصاب عصيب )
( هواي هدى فيك اهتديت بنوره ** ومنتسبى للصحب منك نسيب )
( وحسبى على أنى لصحبك منتم ** وللخزرجيين الكرام نسيب )
( عدت عن مغانيك المشوقة للعدا ** عقارب لا يخفى لهن دبيب )
( حراص على إطفاء نور قدحته ** فمستلب من دونه وسليب )
( فكم من شهيد فى رضاك مجدل ** يظلله نسر ويندب ذيب )
( تمر الرياح الغفل فوق كلومهم ** فتعبق من انفاسها وتطيب )
( بنصرك عنك الشغل من غير منه ** وهل يتساوى مشهد ومغيب )
____________________
(6/362)


( فإن صح منك الحظ طاوعت المنى ** ويبعد مرمى السهم وهو مصيب )
( ولولاك لم يعجم من الروم عودها ** فعود الصليب الأعجمى صليب )
( وقد كانت الأحوال لولا مراغب ** ضمنت ووعد بالظهور تريب )
( فما شئت من نصر عزيز وانعم ** أثاب بهن المؤمنين مثيب )
( منابر عز اذن الفتح فوقها ** وأفصح للعضب الطرير خطيب )
( نقود الى هيجائها كل صائل ** كما ريع مكحول اللحاظ ربيب )
( ونجتاب من سرد اليقين مدارعا ** يكفتها من يجتنى ويثيب )
( إذا اضطرب الخطى حول غديرها ** يروقك منها لجه وقضيب )
( فعذرا وإغضاء ولا تنس صارخا ** بعزك يرجو ان يجيب مجيب )
( وجاهك بعد الله نرجو وانه ** لحظ ملىء بالوفاء رغيب )
( عليك صلاة الله ما طيب الفضا ** عليك مطيل بالثناء مطيب )
( وما اهتز قد للغصون مرنح ** وما افتر ثغر للبروق شنيب )
إلى حجة الله تعالى المؤيدة ببراهين أنواره وفائدة الكون ونكته ادواره وصفوة نوع البشر ومنتهى أطواره إلى المجتبى وموجود الوجود لم يغن بمطلق الوجود عديمة المصطفى من ذرية آدم قبل أن يكسو العظام أديمة المحتوم فى القدم وظلمات العدم عند صدق القدم تفضيله وتقديمه إلى وديعة النور المنتقل فى الجباة الكريمة والغرر ودرة الأنبياء التى لها الفضل على الدرروغمام الرحمة الهامية الدرر إلى مختار الله تعالى المخصوص باجتبائه وحبيبه الذى له المزية على احبائه وذرية انبياء الله تعالى آبائه الى الذى شرح صدره وغسله ثم بعثه واسطة بينه وبين العباد وارسله واتم عليه انعامة الذى اجزله وانزل عليه من الهدى والنور ما انزله إلى بشرى المسيح والذبيح ومن لهم التجر الربيح المنصور بالرعب والريح المخصوص
____________________
(6/363)

بالنسب الصريح إلى الذى جعله فى المحول غماما وللأنبياء اماما وشق صدره لتلقى روح امره غلاما واعلم به فى التوراة والإنجيل اعلاما وعلم المؤمنين صلاة عليه وسلاما إلى الشفيع الذى لا ترد فى العصاة شفاعته والوجيه الذى قرنت بطاعة الله تعالى طاعته والرؤوف الرحيم الذى خلصت إلى الله تعالى فى اهل الجرائم ضراعته صاحب الآيات التى لا يسع ردها والمعجزات التى اربى على الألف عدها فمن قمر شق وجذع حن له وحق وبنان يتفجر بالماء فيقوم بري الظماء وطعام يشبع الجمع الكثير يسيره وغمام يظلل به مقامه ومسيرة خطيب المقام المحمود إذا كان العرض واول من تنشق عنه الأرض ووسيله الله تعالى التى لولاها ما اقرض القرض ولا عرف النفل والفرض محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف المحمود الخلال من ذى الجلال الشاهد بصدقه صحف الأنبياء وكتب الأرسال وآياته التى أثلجت القلوب ببرد اليقين السلسال صلى الله عليه وسلم ما ذر شارق واومض بارق وفرق بين اليوم الشامس والليل الدامس فارق صلاة تتأرج على شذا الزهر وتتبلج عن سنا الكواكب الزهر وتردد بين السر والجهر وتستغرق ساعات اليوم وأيام الشهر وتدوم بدوام الدهر
من عبد هداه ومستقرى مواقع نداه ومزاحم أبناء انصاره فى منتداه وبعض سهامه المفوقه إلى نحور عداه مؤمل العتق من النار بشفاعته ومحرز طاعة الجبار بطاعته الآمن باتصال رعيه من إهمال الله تعالى وإضاعته متخذ الصلاة عليه وسائل نجاة وذخائر فى الشدائذ مرتجاه متاجر بضائعها غير مزجاة الذى ملأ بحبه جوانح صدره وجعل فكره هالة لبدره وأوجب حقه على قدر العبد لا على قدره محمد بن يوسف بن نصر الأنصارى الخزرجى نسيب سعد بن عبادة من أصحابه وبوارق سحابه وسيوف نصرته وأقطاب دار هجرته ظلله الله تعالى يوم الفزع الأكبر من رضاك عنه بظلال الأمان كما أنار قلبه من هدايتك بانوار الهدى والإيمان وجعله
____________________
(6/364)

من أهل السياحة فى فضاء حبك والهيمان
كتبه اليك يا رسول الله واليراع تقتضى الهيبة صفرة لونه والمداد يكاد أن يحول سواد جونه وورقة الكتاب يخفق فؤادها حرصا على حفظ اسمك الكريم وصونه والدمع يقطر فتنقط به الحروف وتفصل الأسطر وتوهم المثول بمثواك المقدس لا يمر بالخاطر سواه ولا يخطر عن قلب بالبعد عنك قريح وجفن بالبكاء جريح وتأوه عن تبريح كلما هب من ارضك نسيم ريح وانكسار ليس له إلا جبرك واغتراب لا يؤنس فيه إلا قربك وإن يقض فقبرك وكيف لا يسلم فى مثلها الأسى ويوحش الصباح والمسا ويرجف جبل الصبر بعدما رسا لولا لعل وعسى فقد سارت الركبان إليك ولم يقض مسير وحومت الأسراب عليك والجناح كسير ووعدت الآمال فاخلفت وحلفت العزائم فلم تف بما حلفت ولم تحصل النفس من تلك المعاهد ذات الشرف الأثيل إلا على التمثيل ولا من المعالم الملتمسة التنوير إلا على التصوير مهبط وحى الله تعالى ومتنزل اسمائه ومتردد ملائكة سمائه ومدافن اوليائه وملاحد اصحاب خيرة انبيائه رزقنى الله تعالى الرضى بقضائه والصبر على جاحم البعد ورمضائه من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى دار ملك الإسلام بالأندلس قاصية سيلك ومسحبة رجلك يا رسول الله وخيلك وأناى مطارح دعوتك ومساحب ذيلك حيث مصاف الجهاد فى سبيل الله وسبيلك قد ظللها القتام وشهبان الأسنة أطلعها منه الإعتام واسواق بيع النفوس من الله تعالى قد تعدد بها الأيامى والأيتام حيث الجراح قد تحلت بعسجد نجيعها النحور والشهداء تحف بها الحور والأمم الغريبة قد قطعها عن المدد البحور حيث المباسم المفترة تجلوها المصارع البرة فتحييها بالعراء ثغور الأزاهر وتندبها صوادح الأدواح برنات تلك المزاهر وتحلى السحاب أشلاءها المعطلة من ظلها بالجواهر وحيث الإسلام من عدوه المكايد بمنزلة
____________________
(6/365)

قطرة من عارض غمام وحصاه من ثبير أو شمام وقد سدت الطريق واسلم الفراق الفريق واغص الريق ويئس من الساحل الغريق إلا أن الإسلام بهذه الجهة المتمسكة بحبل الله تعالى وحبلك المهتدية بادلة سبلك سالم والحمد لله تعالى من الانصداع محروس بفضل الله تعالى من الابتداع مقدود من جديد الملة معدوم فيه وجود الطوائف المضلة إلا ما يخص الكفر من هذه العلة والاستظهار على جمع الكثرة من جموعه بجمع القلة
ولهذه الأيام يا رسول الله اقام الله تعالى اوده برا بوجهك الوجيه ورعيا وانجازا لوعدك وهو الذى لا يخلف وعدا ولا يخيب سعيا وفتح لنا فتوحا اشعرتنا برضاه عن وطننا الغريب وبشرتنا منه تعالى بغفر التقصير ورفع التثريب ونصرنا وله المنة على عبده الصليب وجعل لألفنا الردينى ولامنا السردي حكم التغليب وإذا كانت الموالى التى طوقت الأعناق مننها وقررت العوائد الحسان سيرها وسننها تبادر إليها نوابها الصرحاء وخدامها النصحاء بالبشائر والمسرات التى تشاع فى العشائر وتجلو لديها نتائج ايديها وغايات مباديها وتتاحفها وتهاديها بمجانى جناتها وأزاهر غواديها وتطرف محاضرها بطرف بواديها فبابك يا رسول الله اولى بذلك واحق ولك الحق الحق والحر منا عبدك المسترق حسبما سجله الرق وفى رضاك من كل من يلتمس رضاه المطمع ومثواك المجمع وملوك الإسلام فى الحقيقة عبيد سدتك المؤملة وخول مثابتك المحسنة بالحسنات المجملة وشهب تعشو إلى بدورك المكملة وبعض سيوفك المقلدة فى سبيل الله تعالى المحملة وحرسة مهادك وسلاح جهادك وبروق عهادك
وأن مكفول احترامك الذى لا يخفر وربى انعامك الذى لا يكفر وملتحف جاهك الذى يمحى ذنبه بشفاعتك أن شاء الله تعالى ويغفر يطالع روضة الجنة المفتحة ابوابها بمثواك ويفاتح صوان القدس الذى اجنك وحواك
____________________
(6/366)

وينثر بضائع الصلاة عليك بين يدي الضريح الذى طواك ويعرض جنى ما غرست وبذرت ومصداق ما بشرت به لما بشرت وانذرت وما انتهى إليه طلق جهادك ومصب عهادك لتقر عين نصحك التى انام العيون الساهرة هجوعها واشبع البطون ورواها ظمؤها فى الله تعالى وجوعها وان كانت الأمور بمرأى من عين عنايتك وغيبها متعرف بين إفصاحك وكنايتك ومجملة يا رسول الله صلى الله عليك وبلغ وسيلتى إليك هو أن الله سبحانه لما عرفنى لطفه الخفى فى التمحيص المقتضى عدم المحيص ثم فى التخصيص المغنى بعيانه عن التنصيص وفق ببركاتك السارية رحماتها فى القلوب ووسائل محبتك العائدة بنيل المطلوب إلى استفادة عظة واعتبار واغتنام اقبال بعد ادبار ومزيد استبصار واستعانه بالله تعالى وانتصار فسكن هبوب الكفر بعد إعصار وحل مخنق الإسلام بعد حصار وجرت على سنن السنة بحسب الاستطاعة والمنة السيرة وجبرت بجاهك القلوب الكسيرة وسهلت المآرب العسيرة ورفع بيد العزة الضيم وكشف بنور البصيرة الغيم وظهر القليل على الكثير وباء الكفر بخطه التعثير واستوى الدين الحنيف على المهاد الوثير فاهتبلنا يا رسول الله غرة العدو وانتهزناها وشمنا صوارم عزة الغدو وهززناها وأزحنا علل الجيوش وجهزناها
فكان مما ساعد عليه القدر والخطب المبتدر والورد الذى حسن بعده الصدر أننا عاجلنا مدينة برغة وقد جرعت الأختين مالقه ورندة من مدائن دينك ومزابن ميادينك أكواس الفراق وأذكرت مثل من بالعراق وسدت طرق التزاور عن الطراق واسالت المسيل بالنجيع المراق فى مراصد المراد والمراق ومنعت المراسلة مع هدير الحمام لا بل مع طيف المنام عند الإلمام فيسر الله تعالى اقتحامها والحمت بيض الشفار
____________________
(6/367)

فى زرق الكفار الحامها وازال بشر السيوف من بين تلك الحروف اقحامها فانطلق المسرى واستبشرت القواعد الحسرى وعدمت بطريقها المخيف مصارع الصرعى ومثاقف الأسرى والحمد لله على فتحه الأسنى ومنحه الأسرى ولا إله إلا هو منفل قيصر وكسرى وفاتح مغلقاتهما المنيعة قسرا واستولى الإسلام منها على قرار جنات وأم بنات وقاعدة حصون وشجرة غصون طهرت مساجدها المغتصبة المكرهة وفجع بحفظها الفيل الأفيل وابرهه وانطلقت بذكر الله الألسنة المدرهة وفاز بسبق ميدانها جيادك الفرهة هذا وطاغية الروم على توفر جموعه وهول مرئيه ومسموعه قريب جواره بحيث يتصل خواره وقد حرك اليها الحنين حواره
ثم نازل المسلمون بعدها شجا الإسلام الذى اعيا النطاسى علاجه وكرك هذا القطر الذى لا تطاول أعلامه ولا تصاول اعلاجه وركاب الغارات التى تطوى المراحل إلى مكايدة المسلمين طى البرود وحجر الحيات التى لا تخلع على اختلاف الفصول جلود الزرود ومنغص الورود فى العذب المورود ومقض المضاجع وحلم الهاجع ومجهز الخطب الفاجىء الفاجع ومستدرك فاتكة الراجع قبل هبوب الطائر الساجع حصن آشر حماه الله تعالى دعاء لا خبرا كما جعله للمتفكرين فى قدرته معتبرا فأحاطوا به إحاطة القلادة بالجيد وأذلوا عزته بعزة ذى العرش المجيد وحفت به الرايات يسمها وسمك ويلوح فى صفحاتها اسم الله تعالى واسمك فلا ترى إلا نفوسا تتزاحم على مورد الشهادة أسرابها وليوثا يصدق فى الله تعالى ضرابها وأرسل الله عليها رجزا إسرائيليا من جراد السهام تشذ آياته عن الأفهام
____________________
(6/368)

وسدد إلى الجبل النفوس القابلة للإلهام من بعد الاستغلاق والاستبهام وقد عبثت جوارح صخوره فى قنائص الهام واعيا صعبه على الجيش اللهام فأخذ مسائغه النقض والنقب ورغا فوق أهله السقب ونصبت المعارج والمراقى وقرعت المناكب والتراقى واغتنم الصادقون مع الله تعالى الحظ الباقى وقال الشهيد السابق يا فوز استباقى ودخل البلد فالحم السيف واستلب البحت والزيف ثم استخلصت القصبة فعلت اعلامك فى ابراجها المشيدة وظفر ناشد دينك منها بالنشيدة وشكر الله تعالى فى قصدها مساعى النصائح الرشيدة وعمل ما يرضيك يا رسول الله فى سد ثلمها وصون مستلمها ومداواة المها حرصا على الاقتداء فى مثلها باعمالك والاهتداء بمشكاة كمالك ورتب فيها الحماة تشجى العدو وتصل فى مرضاة الله تعالى ومرضاتك برواحها الغدو
ثم كان الغزو الى مدينة إطريرة بنت حاضرة الكفر اشبيلية التى اظلتها بالجناح الساتر وأنامتها فى ضمان الأمان للحسام الباتر وقد وتر الإسلام من هذه المومسة البائسة بوتر الواتر واحفظ منها باذى الوقاح المهاتر لما جرته على أسراه من عمل الخاتل الخاتر حسب المنقول لا بل المتواتر فطوى اليها المسلمون المدى النازح ولم تشك المطى الروازح وصدق الجد جدها المازح وخفقت فوق أو كارها اجنحة الأعلام وغشيتها أفواج الملائكة الموسومة وظلال الغمام وصابت من السهام ودق الرهام وكاد يكفى السهام على الأرض ارتجاج اجوائها بكلمة الإسلام وقد صم خاطب عروس الشهادة
____________________
(6/369)

عن الملام وسمح بالعزيز المصون مبايع الملك العلام وتكلم لسان الحديد الصامت وصمت إلا بذكر الله لسان الكلام ووفت الأوتار بالأوتار ووصل بالخطى ذرع الأبيض البتار وسلطت النار على أربابها واذن الله تعالى فى تبار تلك الأمة وتبابها فنزلوا على حكم السيف آلافا بعد أن اتلفوا بالسلاح إتلافا واستوعب المقاتلة كتافا وقرنوا فى الجدل أكتافا اكتافا وحملت العقائل والخرائد والولدان والولائد إركابا من فوق الظهور واردافا واقلت منها أفلاك الحمول بدورا تضىء من ليالى المحاق اسدافا وامتلأت الأيدي من المواهب والغنائم بما لا يصوره حلم النائم وتركت العوافى تتداعى الى تلك الولائم وتفتن من مطاعمها فى الملائم وشنت الغارات على حمص فجللت خارجها مغارا وكست كبار الروم بها صغارا وأجحرت ابطالها احجارا واستاقت من النعم ما لا يقبل الحصر استبحارا
ولم يكن إلا ان عدل القسم واستقل بالقفول العزيز الرسم ووضح من التوفيق الوسم فكانت الحركة الى قاعدة جيان قيعة الظل الأبرد ونسيجه المنوال المفرد وكناس الغيد الخرد وكرسى الإمارة وبحر العمارة ومهوى هوى الغيث الهتون وحزب التين والزيتون حيث خندق الجنة تدنو لأهل النار مجانيه وتشرق بشواطىء الأنهار إشراق الأزهار زهر مبانية والقلعة التى تختمت بنان شرفاتها بخواتيم النجوم وهمت من دون سحابها البيض سحائب الغيث السجوم والعقيلة التى أبدى الإسلام يوم طلاقها وهجوم فراقها سمة الوجوم لذلك الهجوم فرمتها البلاد المسلمة بأفلاذ اكبادها الوادعة وأجابت منادي دعوتك الصادقة الصادعة وحبتها بالفادحة الفادعة فغصت الربى والوهاد بالتكبير والتهليل وتجاوبت الخيل بالصهيل وانهالت الجموع المجاهدة فى الله تعالى انهيال الكثيب المهيل وفهمت نفوس العباد المجاهدة فى الله تعالى حق الجهاد معانى التيسير من ربها والتسهيل وسفرت الرايات عن المرأى الجميل وأربت المحلات المسلمة على التاميل ولما صبحتها
____________________
(6/370)

النواصى المقبلة الغرر والأعلام المكتتبة الطرر برز حاميتها مصحرين وللحوزة المستباحة منتصرين فكاثرهم من سرعان الأبطال رجل الدبا ونبت الوهاد والربى فاقحموهم من وراء السور واسرعت اقلام الرماح فى بسط عددهم المكسور وتركت صرعاهم ولائم للنسور ثم اقتحموا ربض المدينة الأعظم ففرعوه وجدلوا من دافع عن أسواره وصرعوه وأكواس الحتوف جرعوه ولم يتصل اولى الناس باخراهم ويحمد بمخيم النصر العزيز سراهم حتى خذل الكافر الصبر وأسلم الجلد ونزل على المسلمين النصر فدخل البلد وطاح فى السيل الجارف الوالد منه والولد وأتهم المطرف والمتلد فكان هولا بعيد الشناعة وبعثا كقيام الساعة أعجل المجانيق عن الركوع والسجود والسلالم عن مطاولة النجود والأيدي عن ردم الخنادق والأغوار والأكبش عن مناطحة الأسوار والنفوط عن إصعاق الفجار وعمد الحديد ومعاول البأس الشديد عن نقب الابراج ونقض الأحجار فهيلت الكثبان وابيد الشيب والشبان وكسرت الصلبان وفجع بهدم الكنائس الرهبان واهبطت النواقيس من مراقيها العالية وصروحها المتعالية وخلعت السنتها الكاذبة ونقل ما استطاعته الأيدي المجاذبة وعجزت عن الأسلاب ذوات الظهور وجلل الإسلام شعار العز والظهور بما خلت عن مثله سوالف الدهور والأعوام والشهور وأعرست الشهداء ومن النفوس المبيعة من الله تعالى نحل الصدقات والمهور ومن بعد ذلك هدم السور ومحيت عن محيطة المحكم السطور وكاد يسير ذلك الجبل الذى اقتعدته المدينة ويدك ذلك الطور ومن بعد ما خرب الوجار عقرت الأشجار وعفر المنار وسلطت على بنات
____________________
(6/371)

372 التراب والماء النار وارتحل عنها المسلمون وقد عمتها المصائب واصمى لبتها السهم الصائب وجللتها القشاعم العصائب فالذئاب فى الليل البهيم تعسل والضباع من الحدب البعيد تنسل وقد ضاقت الجدل عن المخانق وبيع العرض الثمين بالدانق وسبكت أسورة الأسوار وسويت الهضاب بالأغوار واكتسحت الأحواز القاصية سرايا الغوار وحجبت بالدخان مطالع الأنوار وتخلفت قاعتها عبرة للمعتبرين وعظة للناظرين وآية للمستبصرين ونادى لسان الحمية يا لثارات الإسكندرية فاسمع آذان المقيمين والمسافرين وأحق الله الحق بكلماته وقطع دابر الكافرين
ثم كانت الحركة الى اختها الكبرى ولدتها الحزينة عليها العبرى مدينة أبدة ذات العمران المستبحر والربض الخرق المصحر والمبانى الشم الأنوف وعقائل المصانع الجمة الحلى والشنوف والغاب الأنوف بلدة التجر والعسكر المجر وأفق الضلال الفاجر الكذب على الله تعالى الكاذب الفجر فخذل الله تعالى حاميتها التى يعيي الحسبان عدها وسجر بحورها التى لايرام مدها وحقت عليها كلمة الله تعالى التى لايستطاع ردها فدخلت لأول وهلة واستوعب جمها والمنة لله تعالى فى نهلة ولم يكف السيف من عليها ولا مهلة فلما تناولها العفا والتخريب واستباحها الفتح القريب واسند عن عواليها حديث النصر الحسن الغريب وأقعدت أبراجها من بعد القيام والانتصاب واضرعت مسايفها لهول المصاب انصرف عنها المسلمون بالفتح الذى عظم صيته والعز الذى سما طرفه واشرأب ليته والعزم الذى حمد مسراه ومبيته والحمد لله ناظم الأمر وقد راب شتيته وجابر الكسر وقد افات الجبر مفيته
____________________
(6/372)

373
ثم كان الغزو الى أم البلاد ومثوى الطارف والتلاد قرطبة وما قرطبة المدينة التى على عمل أهلها فى القديم بهذا الإقليم كان العمل والكرسى الذى بعصاه رعى الهمل والمصر الذى له فى خطة المعمور الناقة والجمل والأفق الذى هو لشمس الخلافة العبشمية الحمل فخيم الإسلام بعقوتها المستباحة وأجاز نهرها المعيى على السباحة وعم دوحها الأشب بوارا وادار المحلات بسورها سوارا وأخذ بمخنقها حصارا واعمل النصر بشجر بصلها اجتناء ما شاء واهتصارا وجدل من أبطالها من لم يرض انجحارا فاعمل الى المسلمين إصحارا حتى فرغ بعض جهاتها غلابا جهارا ورفعت الأعلام إعلاما بعز الإسلام واظهارا فلولا استهلال الغوادي وان اتى الوادي لأفضت الى فتح الفتوح تلك المبادى ولقضى تفثه العاكف والبادى فاقتضى الرأى ولذنب الزمان فى اغتصاب الكفر إياها متاب تعمل ببشراه بفضل الله تعالى أقتاد واقتاب ولكل اجل كتاب ان يراض صعبها حتى يعود ذلولا وتعفى معاهدها الآهلة فتترك طلولا فاذا فجع الله تعالى بمارج النار طوائفها المارجة واباد بخارجها الطائرة والدارجة خطب السيف منها أم خارجة فعند ذلك أطلقنا بها ألسنة النار ومفارق الهضاب بالهشيم قد شابت والغلات المستغلات قد دعا بها القصل فما ارتابت وكأن صحيفة نهرها لما
____________________
(6/373)

374 أضرمت النار فى ظهرها ذابت وحيته فرت أمام الحريق فانسابت وتخلفت لغمائم الدخان عمائم تلويها برؤوس الجبال ايدي الرياح وتنشرها بعد الركود ايدي الاجتياح واغريت باقطارها الشاسعة وجهاتها الواسعة جنود الجوع وتوعدت بالرجوع فسلب اهلها لتوقع الهجوم منزور الهجوع فأعلامها خاشعة خاضعة وولدانها لثدي البؤس راضعة والله سبحانه يوفد بخبر فتحها القريب ركاب البشرى وينشر رحمته قبلنا نشرا
ثم تنوعت يا رسول الله لهذا العهد أحوال العدو تنوعا يوهم إفاقته من الغمرة وكادت فتنته تؤذن بخمود الجمرة وتوقع الواقع وحذر ذلك السم الناقع وخيف الخرق الذى يحار فيه الراقع فتعرفنا عوائد الله سبحانه ببركة هدايتك وموصول عنايتك فأنزل النصر والسكينة ومكن العقائد المكينة فثابت العزائم وهبت واطردت عوائد الإقدام واستتبت وما راع العدو إلا خيل الله تعالى تجوس خلاله وشمس الحق توجب ظلاله وهداك الذى هديت يدحض ضلاله ونازلنا حصنى قنبيل والحائر وهما معقلان متجاوران يتناجى منهما الساكن سرارا وقد اتخذا بين النجوم قرارا وفصل بينهما حسام النهر يروق غرارا والتف معصمه فى حلة العصب وقد جعل الجسر سوارا فخذل الصليب بذلك الثغر من تولاه وارتفعت أعلام الإسلام باعلاه وتبرجت عروس الفتح المبين بمجلاه والحمد لله تعالى على ما أولاه
ثم تحركنا على تفئة تعدي ثغر الموسطة على عدوة المساور فى المضاجع ومصبحة بالفاجىء الفاجع فنازلنا حصن روطة الآخذ بالكظم المعترض بالشجا اعتراض العظم وقد شحنه العدو مددا بئيسا ولم يأل اختياره رايا ولا تلبيسا فاعيا داؤه واستقلت بالمدافعة أعداؤه ولما اتلع اليه جيد المنجنيق
____________________
(6/374)

375 وقد برك عليه بروك الفنيق وشد عصام العزم الوثيق لجأ أهله إلى التماس العهود والمواثيق وقد غصوا بالريق وكاد يذهب بابصارهم لمعان البريق فسكناه من حاميه المجاهدين بمن يحمي ذماره ويقرر اعتماره واستولى أهل الثغور إلى هذا الحد على معاقل كانت مستغلقة ففتحوها وشرعوا أرشية الرماح إلى قلب قلوبها فمتحوها
ولم تكد الجيوش المجاهدة تنفض عن الأعراف متراكم الغبار وترخى عن آباط خيلها شد حزم المغار حتى عاودت النفوس شوقها واستتبعت ذوقها وخطبت التى لا فوقها وذهبت بها الآمال إلى الغاية القاصية والمدارك المتصاعبة على الأفكار المتعاصية فقصدنا الجزيرة الخضراء باب هذا الوطن الذى منه طرق وادعه ومطلع الحق الذى صدع الباطل صادعه وثنية الفتح التى برق منها لامعه ومشرف الهجوم الذى لم تكن لتعثر على غيره مطامعه وفرضه المجاز التى لا تنكر ومجمع البحرين فى بعض ما يذكر حيث يتقارب الشطان ويتوازى الخطان وكاد أن تلتقى حلقتا البطان وقد كان الكفر قدر قدر هذه الفرضة التى طرق منها حماه ورماه الفتح الأول بما رماه وعلم أن لا تتصل ايدي المسلمين باخوانهم إلا من تلقائها وأنه لا يعدم المكروه مع بقائها فاجلب عليها برجله وخيله وسد افق البحر باساطيله ومراكب اباطيله بقطع ليله وتداعى المسلمون بالعدوتين الى استنقاذها من لهواته أو امساكها من دون مهواته فعجز الحول ووقع بملكه إياها القول واحتازها قهرا وقد صابرت الضيق ما يناهز ثلاثين شهرا وأطرق الإسلام بعدها إطراق الوجم واسودت الوجوه لخبرها الهاجم وبكتها حتى دمووع الغيث الساجم وانقطع المدد إلا من رحمه من ينفس الكروب ويغري بالإدالة الشروق والغروب ولما شكنا بشبا الله تعالى نحرها واغصصنا بجيوش الماء وجيوش الأرض تكاثر نجم السماء برها وبحرها ونازلناها نذيقها شديد النزال ونحجها بصدق الوعيد فى سبيل الاعتزال راينا باوا لا يظاهر إلا بالله تعالى ولا يطال
____________________
(6/375)

376 وممنعه يتحاماها الأبطال وجنابا روضة الغيث الهطال أما أسواقها فهى التى اخذت النجد والغور واستعدت بجدال الجلاد عن البلاد فارتكبت الدور تحوز بحرا من العمارة ثانيا وتشكك ان يكون الإنس لها بانيا وأما ابراجها فصفوف وصفوف تزين صفحات المسايف منها انوف وآذان لها من دوامغ الصخر شنوف وأما خندقها فصخر مجلوب وسور مقلوب فصدقها المسلمون القتال بحسب محلها من نفوسهم واقتران اغتصابها ببوسهم وافول شموسهم فرشقوها من النبال بظلالة تحجب الشمس فلا يشرق سناها وعرجوا فى المراقى البعيدة يفرعون مبناها ونفوسها انقابا وحصونها عقابا ودخلوا مدينه البنة بنتها غلابا واحسبوا السيوف استلالا والأيدي اكتسابا واستوعب القتل مقاتلتها السابغة الجنن البالغة المنن فاخذهم الهول المتفاقم وجدلوا كأنهم الأراقم لم تفلت منهم عين تطرف ولا لسان يلبى من يستطلع الخبر أو يستشرف
ثم سمت الهمم الإيمانية إلى المدينة الكبرى فداروا سوارا على سورها وتجاسروا على اقتحام اودية الفناء من فوق جسورها وادنوا إليها بالضروب من حيل الحروب بروجا مشيدة ومجانيق توثق حبالها منها نشيدة وخفقت بنصر الله تعالى عذبات الأعلام وأهدت الملائكة مدد السلام فخذل الله تعالى كفارها وأكهم شفارها وقلم بيد قدرته أظفارها فالتمسوا الأمان للخروج ونزلوا على مراقى العروج إلى الأباطح والمروج من سمائها ذات البروج فكان بروزهم إلى العراء من الأرض تذكرة بيوم العرض وقدر
____________________
(6/376)

377 جلل المقاتلة الصغار وتعلق بالأمان النساء والصغار وبودرت المدينة بالتطهير ونطقت المآذن العالية بالأذان الشهير والذكر الجهير وطرحت كفارها الثماثيل عن المسجد الكبير وأزرى بالسنة النواقيس لسان التهليل والتكبير وانزلت عن الصروح اجرامها يعيي الهندام مرامها والفى منبر الإسلام بها مجفوا فانست غربته واعيد اليه قربة وقربته وتلا واعظ الجمع المشهود قول منجز الوعود ومورق العود { وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود } هود فكان الدمع يغرق الآماق والوجد يستأصل الأرماق وارتفعت الرغبات وعلت السيات وجىء بأسرى المسلمين يرسفون فى القيود الثقال وينسلون من أحداب الاعتقال ففكت عن سوقهم أساود الحديد وعن أعناقهم فلكات البأس الشديد وظللوا بجناح اللطف العريض المديد وترتبت فى المقاعد الحامية وأزهرت بذكر الله تعالى المآذن السامية وعادت المدينة لأحسن أحوالها وسكنت من بعد أهوالها وعادت الجالية إلى اموالها ورجع إلى القطر شبابه ورد على دار الإسلام بابه واتصلت باهل لا إله إلا الله اسبابه فهى اليوم فى بلاد الإسلام قلادة النحر وحاضرة البر والبحر أبقى الله تعالى عليها وعلى ما وراءها من بيوت امتك ودائع الله تعالى فى ذمتك بكلمة دينك الصالحة الباقية وسدل عليه أستار عصمته الواقية وعدنا والصلاة عليك شعار البروز والقفول وهجيرا الشروق والأفول والجهاد يا رسول الله الشأن المعتمد ما امتد بالأجل الأمد والمستعان الفرد الصمد
ولهذا العهد يا رسول الله صلى الله عليك وبلغ وسيلتى إليك بلغ من هذا
____________________
(6/377)

378 القطر المرتدى بجاهك الذى لا يذل من ادرعه ولا يضل من اهتدى بالسبيل الذى شرعه إلى أن لا طفنا ملك الروم باربعة من البلاد كان الكفر قد اغتصبها ورفع التماثيل ببيوت الله تعالى ونصبها فانجاب عنها بنورك الحلك ودار بادالتها إلى دعوتك الفلك وعاد إلى مكاتبها القرآن الذى نزل به على قلبك الملك فوجبت مطالعة مقرك النبوى باحوال هذه الأمة المكفولة فى حجرك المفضلة بإدارة تجرك المهتدية بانوار فجرك وهل هو إلا ثمرات سعيك ونتائج رعيك وبركة حبك ورضاك الكفيل برضى ربك وغمام رعدك وانجاز وعدك وشعاع من نور سعدك وبذر يجنى ريعه من بعدك ونصر رايتك وبرهان آيتك واثر حمايتك ورعايتك
واستنبت هذه الرسالة مائحة بحر الندى الممنوح ومفاتحة باب الهدى بفتح الفتوح وفارعة المظاهر والصروح وملقية الرحل بمتنزل الملائكة والروح لتمد إلى قبولك يد استمناح وتطير إليك من الشوق الحثيث بجناح ثم تقف موقف الانكسار وأن كان تجرها آمنا من الخسار وتقدم بانس القربة وتحجم بوحشة الغربة وتتاخر بالهيبة وتجهش لطول الغيبة وتقول ارحم بعد دارى وضعف اقتدارى وانتزاح اوطانى وخلو اعطانى وقلة زادي وفراغ مزادي وتقبل وسيلة اعترافى وتغمد هفوة اقترافى وعجل بالرضى انصراف متحملى لانصرافى فكم جبت من بحر زاخر وقفر بالركاب ساخر وحاش لله تعالى أن يخيب قاصدك أو تتخطانى مقاصدك أو تطردنى موائدك أو تضيق عنى عوائدك ثم تمد مقتضية مزيد رحمتك مستدعية دعاء من حضر من أمتك وأصحبتها يا رسول الله عرضا من النواقيس التى كانت بهذه البلاد المفتتحة تعيق الإقامة والأذان وتسمع الأسماع الضالة والآذان مما قبل الحركة وسالم المعركة ومكن من نقله الأيدي المشتركة واستحق بالقدوم عليك والإسلام بين يديك السابقة فى الأزل البركة وما سواها فكانت جبالا عجز عن نقلها الهندام فنسخ وجودها الإعدام وهى يا
____________________
(6/378)

379 رسول الله جنى من جنانك ورطب من أفنانك وأثر ظهر علينا من مسحة حنانك
هذه هى الحال والانتحال والعائق أن تشد اليك الرحال ويعمل الترحال إلى أن نلقاك فى عرصات القيامة شفيعا ونحل بجاهك أن شاء الله تعالى محلا رفيعا ونقدم فى زمرة الشهداء الدامية كلومهم من أجلك الناهلة غللهم فى سجلك ونبتهل إلى الله تعالى الذى اطلعك فى سماء الهداية سراجا واعلى لك فى السبع الطباق معراجا وأم الأنبياء منك بالنبى الخاتم وقفى على آثار نجومها المشرقة بقمرك العاتم أن لا يقطع عن هذه الأمة الغريبة أسبابك ولا يسد فى وجوهها أبوابك ويوفقها لاتباع هداك ويثبت أقدامها على جهاد عداك وكيف تعدم ترفيها أو تخشى بخسا وانت موفيها أو يعذبها الله تعالى وأنت فيها وصلاة الله وسلامه تحط بفنائك رحال طيبها وتهدر فى ناديك شقاشق خطيبها ما أذكر الصباح الطلق هداك والغمام السكب نداك وما حن مشتاق إلى لثم ضريحك وبليت نسمات الأسحار عما استرقت من ريحك وكتب فى كذا
انتهت الرسالة وفيها ما لا خفاء به من براعة لسان الدين رحمه الله تعالى وقدس روحه الطاهرة آمين
87 - ومما علق بحفظى من نثره رحمه الله تعالى اثناء رسالة فى العزاء خاطب بها ملك المغرب قوله بعد كلام أين مروان بن الحكم ودهاؤه وعبد الملك بن مروان وبهاؤه والوليد وبناؤه وسليمان وغذاؤه وعمر بن عبد العزيز وثناؤه ويزيد ونساؤه وهشام وخيلاؤه والوليد وندماؤه والجعدى وآراؤه أم اين السفاح وحسامه والمنصور واعتزامه والمهدى واعظامه والهادى واقدامه والرشيد وأيامه والأمين وندامه والمأمون وكلامه والمعتصم واسراجه والجامه انتهى
____________________
(6/379)

380
وقد تقدم كلام ابى الخطاب ابن دحية فى هذا المعنى بطوله فى الباب الثانى من هذا القسم فليراجع ثمة
للمقري محاكيا لسان الدين
قلت وقد تقدم فى الخطبة نظمى لمثل هذا وقد كنت نسجت على منوال لسان الدين وأنا بالمغرب نثرا مما لم يحضرنى منه الآن غير قولى اين الإسكندر ويونانه وشداد وبنيانه والنمروذ وعدوانه وفرعون وهامانه وقارون وطغيانه وكسرى انوشروان وإيوانه وقيصر وبطارقته وأعوانه وسيف ابن ذى يزن وغمدانه والمنذر ونعمانه إلى أن قلت واين أبو بكر رضى الله تعالى عنه وثباته وعمر رضى الله تعالى عنه ووثباته وعثمان رضى الله تعالى عنه ورهباته أم اين علي رضى الله تعالى عنه وشجاعته وعلمه وأين معاوية رضى الله تعالى عنه وحمله وأين يزيد وظلمه
ثم ذكرت ما تقدم للسان الدين وقلت بعده وأين الواثق وغناؤه والمتوكل ومواليه وأولياؤه وأبناؤه والمنتصر وآماله والمعتز وجماله والمستعين وعماله والمهتدي وأعماله والمعتضد وذكاؤه وإحاطته بالأخبار واشتماله والمقتدر ونساؤه وإهماله إلى أن قلت وأين بنو عبيد وضلالهم وبنو بويه وجلالهم وبنو سلجوق ونظامهم وبنو سامان وإعظامهم وبنو ايوب وصلاحهم والجراكسة ومبانيهم وسلاحهم
ثم قلت فى ملوك المغرب وأين عبد الرحمن الداخل وأمراؤه والناصر وزهراؤه والحكم ووزراؤه والمؤيد وظهراؤه أم اين المنصور بن أبى عامر وغزواته ومواليه والمظفر وأدواته ومعاليه أم أين بنو حمود
____________________
(6/380)

381 وعلاهم وأوصافهم وحلاهم وبنو جهور وحزمهم وبنو باديس وعزمهم وأين معتضد بنى عباد ومعتمدهم الذى سنا كرمه للمعتفين باد وبنو ذى النون ومزيتهم وبنو صمادح ومريتهم وبنو الأفطس وبنو هود وما كان لهم من المكارم فى الحفل المشهود وأين لمتونه وصبرهم الذى ركبوا متونه أم أين الموحدون وناصرهم ومنصورهم ومصانعهم وقصورهم أم أين بنو الأحمر وغرناطتهم وإزالتهم عن حوزة الدين أدناس المعتدين وإماطتهم وجعلهم الأمور لمثل أبن الحكيم ولسان الدين واناطتهم أم أين بنو مرين وفارسهم ومغانيهم ومدارسهم وأين بنو زيان ومنازلهم الشاهقة وأشجار عزهم الباسقة واين الحفصيون ومستنصرهم الذى قضى للمعالى الديون وابو فارس الذى شنفت باخباره آذان الطروس والفهارس طحنت والله تعالى الجميع رحى المنون وتأيمت الأزواج ويتم البنون وطالت الأيام والسنون وبقيت القصور العالية خالية والرسوم المتكاثرة داثرة والسلوك المنظومة متناثرة وعن قريب يقف الكل بين يدي رب الأرباب فى يوم تذهل فيه الألباب وتنقطع إلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسباب ويقتص للمظلوم من الظالم وتنبهم للنجاة الطرق والمعالم وتبلى السرائر لدى من هو بها عالم { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } آل عمران يوم يحكم الله تعالى فى الخلق بالحق حسبما سبق فى علمه إذ جعلهم قريبا وبعيدا وشقيا وسعيدا اللهم اجعلنا فى ذلك اليوم الصعب ممن فاز بالنجاة وحاز شفاعة نبيك ومصطفاك ذى الحرمة والجاه صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم انتهى
رجع لنثر لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى 88 - ومن كلام لسان الدين رحمه الله تعالى ما خاطب به سلطان المغرب
____________________
(6/381)

382 أبا زيان لما تم له الأمر وهو مشتمل على نظم ونثر ونصه
( يا ابن الخلائف يا سمى محمد ** يا من علاه ليس يحصر حاصر )
( أبشر فانت مجدد الملك الذى ** لولاك أصبح وهو رسم داثر )
( من ذا يعاند منك وارثه الذى ** بسعوده فلك المشيئة دائر )
( ألقت اليك يد الخلافة أمرها ** إذ كنت انت لها الولى الناصر )
( هذا وبينك للصريخ وبينها ** حرب مضرسة وبحر زاخر )
( من كان هذا الصنع اول أمره ** حسنت له العقبى وعز الآخر )
( مولاي عندي فى علاك محبة ** والله يعلم ما تكن ضمائر )
( قلبى يحدثنى بانك جابر ** كسرى وحظى منك حظ وافر )
( بثرى جدودك قد حططت حقيبتى ** فوسيلتى لعلاك نور باهر )
( وبذلت وسعى واجتهادى مثلما ** يلقى لملكك سيف أمرك عامر )
( فهو الولى لدى الذى اقتحم الردى ** وقضى العزيمة وهو سيف باتر )
( وولى جدك فى الشدائد عندما ** خذلت علاه قبائل وعشائر )
( فاستهد منه النصح واعلم أنه ** فى كل معضلة طبيب ماهر )
( أن كنت قد عجلت بعض مدائحى ** فهى الرياض وللرياض بواكر )
مولانا وعمدة ديننا ودنيانا الذى سخر الله تعالى البر والبحر بامره وحكم فوق السموات السبع بعز نصره واغنى يوم سعده عن سل السلاح وشهرة وفتق عن زهر الصنع الجميل كمامه تسليمه وصبره وقيض له فى علم غيبه وزيرا مذخورا لشد أزره وقود الملك إليه على حال حصره الخليفة الإمام الذى استبشر به الإسلام وخفقت بعزة الأعلام ولاح بدر محياه فافتض الظلام المقتدى بالنبى الكريم سمية فى المراشد التى تألق منها الصبح والمقاصد التى لازمها النجح والتمحيص الذى نبع منه المنح حتى
____________________
(6/382)

383 فى الهجرة التى جاءه بعدها الفتح أبو زيان ابن مولانا السلطان ولى العهد ترشيحا ومآلا ومؤمل الإسلام تقلدا للمذهب الصريح وانتحالا وامير المسلمين لو أوسعه القدر امهالا ووسطى عقد البنين خلائق متعددة وخلالا المتحف بالشهادة ولما يعرف بدره هلالا المعوض بما عند الله تعالى سعادة البسته سربالا وابلغته من رضوان الله تعالى آمالا أبى عبد الرحمن ابن مولانا أمير المسلمين عظيم الخلفاء وعنصر الصبر والوفاء وستر الله تعالى المسدول على الضعفاء والمجاهد فى سبيل الله تعالى بنفسه وماله المنيف على مراكز النجوم بهممه وآماله المقدس أبى الحسن أبن موالينا الخلفاء الطاهرين والأئمة المرضيين من قبيل بنى مرين وصفوة الله تعالى فى هذا المغرب الأقصى من أوليائه المؤمنين وزينة الدنيا وعمدة الدين هنأه الله تعالى ما أورثه من سرير الملك الأصيل وخوله من سعادة الدنيا والدين على الإجمال والتفصيل وتوجه من تاج العزة القعساء عند اشتباه السبيل وعوضه من قبيل الملائكة عند تشتت القبيل وجعل قدمه الراسخة وآياته الناسخة وربوته السامية الباذخة وغرة نصره الشادخة وأوزعه شكر آلائه فى الخلاص من ملكه أعدائه وخطر البحر وعدوان مائه وغول السفر وارتكاب الغرر وثبات أقدام اوليائه الذين ما بدلوا تبديلا ولا ارتضوا لقبله طاعته بعد إن ولوا وجوههم شطرها تحويلا بل صبروا صبرا جميلا وباعوا نفوسهم تتميما لعقدة إيمانهم وتكميلا
يسلم على مقامكم الذى وسم السعد مشرق جبينه وذخرت قبل الطاعة ليمينه وأقسم الدهر بمظاهرة أمره السعيد فبر والشكر لله تعالى فى يمينه عبدكم الذى اعتلق منكم بالوسيلة الكبرى وقر بملككم عينا وشرح صدرا وبذل الجهد وإن قل قدرة وقدرا والتمس لكم الدعاء علنا وسرا أبن الخطيب الذى حط رحل اقتصاده بتراب الملوك الكرام جدودكم محاريب
____________________
(6/383)

384 بركم واسباب وجودكم وآبائكم الذين فى مظاهرتهم ورعيهم يظهر للناس مخايل هداكم وتدر سحائب جودكم ملتحفا منذ سنتين باصونه قبورهم وثيابها مستظلا بافنيتها المعظمة وقبابها ممرغا خده بترابها مواصلا الصراخ يا لمرين ويا ليعقوب متطارحا على ابوابها فلم يتح الله تعالى له نعره ترعى الضيف وتحمى الدخيل او حمية تدفع الضيم وتشفى الغليل إلا على يدكم يا أيها الكريم أبن الكريم أبن الكريم وبطل الميدان فى موقف الهول العظيم المذخور لنصر المظلوم وإنصاف الغريم واجالة اقلام الفتح بفتح الأقاليم
كتبه مهنئا بما سنى الله تعالى لملككم من الصنع الذى خرق حجاب العادة وأرى إعجاز السعادة معجلا ذلك بين يدي المبادرة إلى لثم بساطكم الذى شرف وجوهها بلثمه الوجوه وتخشاه الأملاك الجبابرة وترجوه واداء الواجب من القيام بمنظوم ثنائة فى الحفل المشهود وإبلاغ لسان الحمد وسع المجهود وإلقاء ما عند العبد من خلوص وجنوح وحب واضح اي وضوح فولى دعوتكم الشيخ أبو ثابت أعزة الله تعالى يقرره ويبين مجمله ويفسره والعبد واثق بفضل الله تعالى على يديكم وملتمس النصر لديكم وقاطع إن طلبته بكم تتسنى وانكم سبب عاقبته الحسنى إما بالظهور على الوطن الذى تجرأ به المنقلب على ملككم ومد اليد إلى نثر سلككم ونقص إرثكم المسلم المحرر وزلزل وطنكم المؤسس على الطاعة المقرر وأضرم النار فى بسائطكم وجبالكم وأطلق يد الفتنة على بيوت أموالكم متكثرا عليكم بالقلة متعززا بالذلة جانيا على داركم بما لا تبيحة الملة أو بالشفاعة الجازمة أن لم يتأذن الله تعالى فى الانتصاف والله يجعل الظهور بكم من الأوصاف ويعينكم على جبر الكسير وتيسير الأمر العسير ويهنيكم منيحة الملك الكبير ويبقى كلمته فى عقبكم بعد تملؤ التعمير والسلام
____________________
(6/384)

385 89 - وله رحمه الله تعالى فى مخاطبة السلطان أبى زيان المذكور المولى الذى طوق المنن وأحيا السنن وأنبت الله تعالى حبه فى القلوب النبات الحسن ناظم كلمة الدين بعد انتشارها ومقيل عثارها والآخذ بثارها والمخلد لآثارها السلطان أبو زيان الخ ابقاكم الله تعالى عالى القدم منصور العلم ظاهرا على الأمم مقصود الحمى كالركن الملتزم
عبد مقامكم الذى آويتموه غريبا وأنستموه مريبا وأنلتموه على عدوه الدهر نصرا عزيزا وفتحا قريبا فلم يخش دركا وتثريبا ولا عدم حظوة وشفقة ونعمة وتقريبا ابن الخطيب عن ثناء يعطر الآفاق ويرقم الأوراق ويخلق الجيوب والأطواق وحب بهر نورا وراق وجاس اشتهاره الشام والعراق
ويطالع العبد محل مولاه الذى خلف ببابه قلبه وولده وصبره وجلده وصير وطنه داره الحقيقية وبلده أنه لما قدم على محل أخيه المعتد بما أودع الله تعالى من الخلال الشريفة فيه مولاي ابن مولاي أبى عبد الله كفل الله تعالى جميل رعيه وكرم عهده وحكم باعلاء جده ومضاء حده رعى الوسيلة وصدق المخيلة وجلا عند اجتلاء مخاطبتكم اسارير الفضيلة فلم يدع حقا إلا صرفه ولا نكرة إلا عرفه ولا نعمة إلا سكبها ولا مزية إلا اوجبها ولا رتبه إلا اعلاها ولا نعمة إلا أولاها وما ذاك يا مولاي وإن تعددت الرسائل والأذمة وادكرت القرب بعد امة إلا بوصاتكم التى لا تهمل وحرمتكم التى لا تجهل وعطف مقامكم الذى اشتهر واعتنائكم بعبدكم الذى راق وبهر فالعبد عبدكم بكل اعتبار وخديمكم وإن نات الدار ومحسوب على نعمة مقامكم الرفيع المقدار والامل فى مقامكم غير منقطع السبب والأهل والولد تحت كنف مقامكم الأصيل الحسب حتى يمن الله تعالى بحج بيته وزيارة رسوله على يديكم ويكون قضاء هذا الوطر منسوبا اليكم وبعد هذا يستقر القرار حيث يختار من يخلق ما يشاء ويختار بحول الله تعالى
____________________
(6/385)

386
والعبد يذكر مولاه بما بشره به بين يدي وداعه وبمراى وزيره السعيد واستماعه من انجلاء الحركة عن عزة وظهوره ونجاح أحواله واستقامه أموره ويهنيه بصدق الوعد وامطار الرعد وظهور السعد وهى وسيلة إذا عدت الوسائل وروعيت الذمم الجلائل ومثل مولاي من رعى وابقى وسلك التى هى ابر واتقى وما قصر عنه القلم من حق مولاي فالرسول أعزه الله تعالى يتممه وما قصر عنه الرسول فالله تعالى يعلمه وهو جل وعلا يديم ايام مولاي ويبقى مجده ويصل سعده والسلام انتهى
90 - ومما خاطب به لسان الدين رحمه الله تعالى شيخ الدولة يحيى بن رحو قوله سيدي الذى له المزية العظمى والمحل الأسمى شيخ قبيل بنى مرين وقطب مدار الأحرار على الإجمال والتعيين والتميز بالدهاء والرجاجة والمعرفة الفسيحة الساحة والصدقة المباحة وشروط الصوفيه من ترك الأذى ووجود الراحة أسلم على ذاتكم الطاهرة التى بخلت الأزمان والله إن تاتى بنظيرها وتنافست الدول فى تكبيرها وسارت المواكب الملوكية بمسيرها وأثنت الألسن بفضلها وخيرها وأقرر لديها أنى اعددت من معرفتها بالأندلس كنزا لم انفق منه إلى اليوم وزنا إعدادا له وخزنا إذ له يخرج العتاد الكبير إلا عن حاجة وفاقة ولا ترد اليد إلى الذخيرة إلا فى إضاقة وعجز طاقة وما كانت الوصلة بمثلها ليهملها مثلى جهلا بقيمتها العالية وازراء بجهتها الكافلة الكافيه لكن نابت عن يدها ايد وكفى عن ابتذالها ما كف الله تعالى من عمرو وزيد والآن أقرر إنى قد كادت حاجتى إلى ذلك العتاد إن تتمحض وزبدته إن تتمخض إذ هو حظى من رعى ذلك القبيل الذى قصرت عليه رياسته والوزير
____________________
(6/386)

الذى من رايه تستمد سياستة وإذا وفد خاصة هذه المدينة مهنين وبشكر ايالته الكريمة مثنين فخيمته ظل ظليل ومشاركته معتمدي فى الكثير فكيف ولا غرض لى إلا فى القليل وعندي إن رعيه لمثلى لا يفتقر إلى وسيلة تجلب ولا ذمام يحسب فمثله من قدر قدر الهناء وشد أعلام الحمد والثناء سامية البناء وعرف إن الدنيا على الله تعالى أحقر الأشياء وقد رفعت امرى كله بعد الله تعالى إلى رايك وغنيت عن سعيى لنفسى بجميل سعيك والسلام
91 - ومما خاطب به لسان الدين شيخه سيدي أبا عبد الله ابن مرزوق التلمسانى رضى الله تعالى عنه قوله شافعا يا سيدي ابقاكم الله تعالى محط الآمال وقبلة الوجوه وبلغ سيادتكم ما تؤمله من فضل الله تعالى وترجوه وكلأ بعين حفظه ذاتكم الفاخرة وجعل عز الدنيا متصلا لكم بعز الآخرة بعد تقبيل يدكم التى يدها لا تزال تشكر وحسنتها عند الله تعالى تذكر انهى إلى مقامكم إن الشيخ الكذا أبا فلان مع كونه مستحق التجلة بهجرة إلى ابوابكم الكريمة قدمت ووسائل من أصالة وحشمة كرمت وفضل ووقار وتنويه للولاية إن كانت ذات احتقار وسن اقتضى الفضل بره وأدب شكر الاختبار عليه وسره له بمعرفة سلفكم الأرضى وسيلة مرعية وفى الاعتراف بنعمتكم مقامات مرضية وتوجه إلى بابكم والتمسك باسبابكم والمؤمل من سيدي سترة بجناح رعيه فى حال الكبرة ولحظة بطرف المبرة إما فى استعمال يليق بذوي الاحتشام أو سكون تحت رعى واهتمام وإعانة على عمل صالح يكون مسكة ختام وهو أحق الغرضين بالتزام واحالة سيدي فى حفظه رسم مثله على الله تعالى الذى يجزي المحسنين بفضله ومنه نسأل إن يديم أيام المجلس العلى محروسا من النوائب مبلغ الآمال والمآرب والمملوك قد قرر شأنه فى إسعاف المقاصد المأمولة من الشفاعة إليكم والتحسب فى هذه الأبواب عليكم وتقليب القلوب بيد الله تعالى الذى يعطى
____________________
(6/387)

ويمنع ويملك الأمر أجمع والسلام 92 - وكتب إليه أيضا فى الشفاعة بما نصه سيدي الأعظم وملاذى الأعصم وعروة عزي الوثقى التى لا تفصم أبقاك الله تعالى بقاء آثارك آية للعز تأمر الدهر فيأتمر ويلبى بفنائك الطائف والمعتمر بأي لسان أثنى على فواضلك وهى أمهات المنن وطرف الشام واليمن ومقامات بديع الزمن والتحف المرتفعة عن الثمن فحسبى دعاء أردده وأواليه وأرتقب مطلوب الإجابة من مقدمة وتاليه وإن تشوف المنعم للحال الموقوف خيرة بمشيئة الله تعالى على جميل سعيه الموسد على وطاء لطفه المغشى بغطاء رعيه قلب خافق وقلب مؤمن يجول به وسواس منافق وقد تجاوز موسى مجمع البحرين وأصبح سري بابه سري العين ولقد كانت مراحل الرمل قصيرة قبل إن يكسبها زجلى ثقل الحركة ويخلط خاصى فى وظائفها المشتركة وليت أمرى برز إلى طرف وأفضى الى منصرف وربما ظفر آيس بما يرجوه وزبرز المحبوب من المكروه والله تعالى لا يفضح جاه الكتاب الذى أحيا وأنشر وحيا وبشر وأعطى صحيفته باليمين وقد جمعت مثابتكم المحشر وموصل كتابى ينوب فى تقبيل اليد العليا منابى
وليعلم سيدي إن هذا القطر على شهرته وتألق مشتريه وزهرته إذا انتحل كرامه وعهد الفضل لم يبق إلا انصرامه فهو لبابه المتخير وزلاله الذى لا يتغير أصاله معروفة وهمة إلى الإيثار مصروفة ونبلا على السن والكبرة ورجولية خليقة بصلة الحرمة والمبرة والوسيلة لا تطرح والمعنى الذى لا يفسر لوضوحه ولا يشرح وهو انتماؤه إلى جناب سيدي حديثا وقديما واعترافه بنعمة مديرا لها ومديما والله تعالى يوفى من إيثار سيدي حظه ويجدد لديه رعيه ولحظه حتى يعود خافقا علم إقباله معلما برد اهتباله مسرورا
____________________
(6/388)

ببلوغ آماله فلعمرى أن محل ولايته لكفى وأن عهد أمانته لوفى وإن عامل جده لظاهر وخفى وما يفعله سيدي من رعيه وانجاح سعيه محسوب من مناقبه ومعدود فى فضل مذاهبه والسلام الكريم يخصكم ورحمة الله وبركاته انتهى
وقد تكررت فى كتابنا هذا مخاطبات لسان الدين رحمه الله تعالى للخطيب ابن مرزوق المذكور نظما ونثرا إذ كان اعنى ابن مرزوق رئيس الدولة ومعتمد الجلة وسبق منا التعريف ببعض أحواله فى باب مشايخ لسان الدين مما جرته المناسبة فليرجع إليه من أراده والله تعالى يجعل الجميع من أهل السعادة
93 - ومما اشتمل على نثر لسان الدين ونظمه ما خاطب به الرئيس أبا زيد ابن خلدون لما ارتحل من بحر المرية واستقر ببلد بسكرة عند رئيسها أبى العباس ابن مزنى صحبة رسالة خطبها أخوه أبو زكريا وقد تقلد كتابة صاحب تلمسان ووصل الكتاب عنه من إنشائه وهذه صورة ما كتبه لسان الدين رحمه الله تعالى
( بنفسى وما نفسى على بهينة ** فينزلنى عنها المكاس بأثمان )
( حبيب نأى عنى وصمم لا ينى ** وراش سهام البين عمدا فاصمانى )
( وقد كان هم الشيب لا كان كافيا ** فقد آدنى لما ترحل همان )
( شرعت له من دمع عينى موردا ** فكدر شربى بالفراق وأظمانى )
( وأرعيته من حسن عهدي حميمه ** فأجدب آمالى واوحش ازمانى )
( حلفت على ما عنده لى من رضى ** قياسا بما عندي فأحنث أيمانى )
( وأنى على ما نالنى منه من قلى ** لأشتاق من لقياه نغبه ظمآن )
____________________
(6/389)


( سألت جنونى فيه تقريب عرشه ** فقست بجن الشوق جن سليمان )
( اذا ما دعا داع من القوم باسمه ** وثبت وما استثبت شيمه هيمان )
( وتالله ما أصغيت فيه لعاذل ** تحاميته حتى ارعوى وتحامانى )
( ولا استشعرت نفسى برحمة عابد ** تظلل يوما مثله عبد رحمن )
( ولا شعرت من قبله بتشوق ** تخلل منها بين روح وجثمان )
أما الشوق فحدث عن البحر ولا حرج وأما الصبر فسل به أية درج بعد أن تجاوز اللوى والنعرج لكن الشدة تعشق الفرج والمؤمن ينشق من روح الله تعالى الأرج وأنى بالصبر على إبر الدبر لا بل الضرب الهبر ومطاولة اليوم والشهر حتى حكم القهر وهل للعين أن تسلو سلو المقصر عن إنسانها المبصر أو تذهل ذهول الزاهد عن سرها الرائى والمشاهد وفى الجسد بضعة يصلح إذا صلحت فكيف حاله إن رحلت عنه ونزحت وإذا كان الفراق هو الحمام الأول فعلام المعول أعيت مراوضة الفراق على الراق وكادت لوعة الأشتياق ان تفضى إلى السياق
( تركتمونى بعد تشييعكم ** أوسع أمر الصبر عصيانا )
( أقرع سنى ندما تاره ** واستميح الدمع أحيانا )
وربما تعللت بغشيان المعاهد الخالية وجددت رسوم الأسى بمباكرة الرسوم البالية أسال نون النوى عن أهلية وميم الموقد المهجور عن مصطليه وثاء الأثافى المثلثة عن منازل الموحدين وأحار بين تلك الأطلال حيرة الملحدين لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين كلفت لعمر الله بسال عن جفونى المؤرقة ونائم عن همومى المتجمعة المتفرقة ظعن عن ملال لا متبرما منى بشر خلال وكدر الوصل بعد صفائه وضرج النصل بعد عهد وفائه
____________________
(6/390)


( أقل اشتياقا أيها القلب ربما ** رأيتك تصفى الود من ليس جازيا )
فها أنا أبكى عليه بدم أساله وأنهل فيه أسى له وأعلل بذكراه قلبا صدعه وأودعه من الوجد ما أودعه لما خدعه ثم قلاه وودعه وأنشق رياه أنف ارتياح قد جدعه وأستعدي به على ظلم ابتدعه
( خليلي هل أبصرتما أو سمعتما ** قتيلا بكى من حب قاتله قبلى )
فلولا عسى الرجاء ولعله لا بل شفاعة المحل الذى حله لمزجت الحنين بالعتب وبثثت كتائبه كمناء فى شعاب الكتب تهز من الألفات رماحا خزر الأسنة وتوتر من النونات أمثال القسى المرنة وتقود من بياض الطرس وساد النقس بلقا تردى فى الأعنة ولكنه أوى إلى الحرم الأمين وتفيأ ظلال الجوار المؤمن من معرة العوار عن الشمال واليمين حرم الحلال المزنية والظلال اليزنية والهمم السنية والشيم التى لا ترضى بالدون ولا بالدنية حيث الرفد الممنوح والطير الميامن يزجر لها السنوح والمثوى الذى إليه مهما تقارع الكرام على الضيفان حول جوابى الجفان الميل والجنوع
( نسب كأن عليه من شمس الضحى ** نورا ومن فلق الصباح عمودا )
ومن حل بتلك المثابة فقد اطمأن جنبه وتغمد بالعفو ذنبه ولله در القائل حيث يقول
____________________
(6/391)


( فوحقه لقد انتدبت لوصفه ** بالبخل لولا ان حمصا داره )
( بلد متى أذكره تهتج لوعتى ** واذا قدحت الزند طار شراره )
اللهم غفرا لا كفرا واين قراره النخيل من مثوى الأقلف البخيل ومكذبه المخيل واين ثانية هجر من متبوإ من الحد وفجر
( من أنكر غيثا منشؤه ** فى الأرض وليس بمخلفها )
( فبنان بنى مزنى مزن ** تنهل بلطف مصرفها )
( مزن مذ حل ببسكرة ** يوما نطقت بمصحفها )
( شكرت حتى بعبارتها ** وبمعناها وباحرفها )
( ضحكت بابى العباس من ** الايام ثنايا زخرفها )
( وتنكرت الدنيا حتى ** عرفت منه بمعرفها )
بل نقول يا محل الولد { لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد } البلد لقد حل بينك عرى الجلد وخلق الشوق بعدك يا ابن خلدون فى الصميم من الخلد فحيا الله تعالى زمنا شفيت برقى قربك زمانته واجتليت فى صدف مجدك جمانته ويا من لمشوق لم تقض من طول خلتك لبانته وأهلا بروض أظلت أشتات معارفك بانته فحمائمه بعدك تندب فيساعدها الجندب ونواسمه ترق فتتغاشى وعشياته تتخافت وتتلاشى ومزنة باك ودوحه فى مأتم ذى اشتباك كأن لم تكن قمر هالات قبابه ولم يك أنسك شارع بابه إلى صفوة الظرف ولبابه ولم يسبح إنسان عينك فى ماء شبابه فلهفى عليك من درة اختلستها يد النوى ومطل بردها الدهر ولوى ونعق الغراب ببينها فى ربوع الجوى ونطق بالزجر فما نطق عن
____________________
(6/392)

الهوى وبأي شىء نعتاض منك أيتها الرياض بعد إن طمى نهرك الفياض وفهقت الحياض ولا كان الشانىء المشنوء والجرب المهنوء من قطع ليل أغار على الصبح فاحتمل وشارك فى الذم الناقة والجمل واستاثر جنحه ببدر النادى لما كمل نشر الشراع فراع واعمل الإسراع كأنما هو تمساح النيل ضايق الأحباب فى البرهة واختطف لهم من الشط نزهة العين وعين النزهة ولجج بها والعيون تنظر والغمر عن الاتباع يحظر فلم يقدر إلا على الأسف والتماح الأثر المنشف والرجوع بملء العيبة من الخيبة ووقر الجسرة من الحسرة وأنما نشكو إلى الله البث والحزن ونستمطر من عبارتنا المزن وبسيف الرجاء نصول إذا شرعت لليأس النصول
( ما أقدر الله أن يدنى على شحط ** من داره الحزن ممن داره صول )
فان كان كلم الفراق رغيبا لما نويت مغيبا وجللت الوقت الهنىء تشغيبا فلعل الملتقى يكون قريبا وحديثه يروى صحيحا غريبا
إية ثقة النفس كيف حال تلك الشمائل المزهرة الخمائل والشيم الهامية الديم هل يمر ببالها من راعت بالبعد باله وأخمدت بعاصف البين ذباله أو ترثى لشؤون شأنها سكب لا يفتر وشوق يبت حبال الصبر ويبتر وضنى تقصر عن حلله الفاقعة صنعاء وتستر والأمر أعظم والله يستر وما الذى يضيرك صين من لفح السموم نضيرك بعد إن أضرمت وأشعلت
____________________
(6/393)

وأوقدت وجعلت وفعلت فعلتك التى فعلت أن تترفق بذماء أو ترد بنغبة ماء أرماق ظماء وتتعاهد المعاهد بتحية يشم منها شذا أنفاسك أو تنظر إلينا على البعد بمقلة حوراء من بياض قرطااسك وسواد أنقاسك فربما قنعت الأنفس المحبة بخيال زور وتعللت بنوال منزور ورضيت لما لم تصد العنقاء بزرزور
( يا من ترحل والنسيم لأجله ** تشتاق إن هبت شذا رياها )
( تحيي النفوس إذا بعثت تحية ** فإذا عزمت اقرأ { ومن أحياها }
ولئن أحييت بها فيما سلف نفوسا تفديك والله تعالى إلى الخير يهديك فنحن نقول معشر مريديك ثن ولا تجعلها بيضة الديك وعذرا فإنى لم أجتر على خطابك بالفقر الفقيرة وأدللت لدى حجراتك برفع العقيرة لا عن نشاط يعثت مرموسة ولا اغتباط بالأدب تغرى بسياسته سوسه وانبساط أوحى إلى على الفترة ناموسه وأنما هو اتفاق جرته نفثة المصدور وهناء الجرب المجدور وخارق لا مخارق فثم قياس فارق أو لحن غنى به بعد الممات مفارق والذى سببه وسوغ منه المكروه وحببه ما اقتضاه الصنو يحيى مد الله تعالى حياته وحرس من الحوادث ذاته من خطاب ارتشف به لهذه القريحة بلالتها بعد إن رضى علالتها ورشح إلى الصهر الحضرمى سلالتها فلم يسع إلا إسعافه بما أعافه فأمليت مجيبا ما لا
____________________
(6/394)

يعد فى يوم الرهان نجيبا واسمعت وجيبا لما ساجلت بهذه الترهات سحرا عجيبا حتى إذا ألف القلم العريان سبحه وجمح برذون الغرارة فلم أطق كبحه لم أفق من غمرة غلوه وموقف متلوه إلا وقد تحيز إلى فئتك معتزا بل معترا واستقبلها ضاحكا مفترا وهش لها برا وإن كان لونه من الوجل مصفرا وليس باول من هجر فى التماس الوصل ممن هجر أو بعث التمر إلى هجر وأي نسب بينى اليوم وبين زخرف الكلام واجالة جياد الأقلام فى محاورة الأعلام بعد إن حال الجريض دون القريض وشغل المريض عن التعريض واستولى الكسل ونصلت الشعرات البيض كأنها الأسل وتروع برقط الحيات سرب الحياة وتطرق بذوات الغرز والشيات عند البيات والشيب الموت العاجل وإذا ابيض زرع صبحته المناجل والمعتبر الآجل وإذا اشتغل الشيخ بغير معاده حكم فى الظاهر بإبعاده وأسره فى ملكه عاده فأغض أبقاك الله واسمح لمن قصر عن المطمح وبالعين الكليلة فالمح واغتنم لباس ثوب الثواب واشف بعض الجوى بالجواب توالاك الله تعالى فيما استضفت وملكت ولا بعدت ولا هلكت وكان لك أية سلكت ووسمك من السعادة بأوضح السمات وأتاح لقاءك من قبل الممات والسلام الكريم يعتمد جلال ولدى وساكن خلدى بل أخى وإن عتبته وسيدي ورحمه الله تعالى وبركاته انتهى
قلت هذه الرسالة الرافلة فى حلل البلاغة لم أر مثلها ولم اقف عليه فرحم الله تعالى لسان الدين ووجه سحائب الرحمة إليه فلقد كان آية الله فى النظم
____________________
(6/395)

والنثر وجميع العلوم على اختلافها
94 - وكما خاطب الولى ابن خلدون خاطب أخاه أبا زكريا يحيى حسبما قال فى بعض كتبه ومما خاطبت به الفقيه أبا زكريا ابن خلدون لما ولى الكتابة عن السلطان أبى حمو سلطان تلمسان من بنى زيان واقترن بذلك نصر وصنع غبطته به وأشدت به قصد تنفيقه وإنهاضه لديه نخص الحبيب الذى هو فى الاستظهار به أخ وفى الشفقة عليه ولد والولى الذى ما بعد قرب مثله أمل ولا على بعده جلد والفاضل الذى لا يخالف فى فضله ساكن ولا بلد أبقاه الله تعالى وفاز فوزه وعصمته لها من توفيق الله سبحانه عمد ومورد سعادته المسوغ لعادته لا غور ولا ثمد ومدى إمداده من خزائن الهام الله تعالى وسداده ليس له أمد وحمى فرح قلبه بمواهب من ربه أن يطرقه كمد
تحية محله من صميم قلبه بمحله المنشىء رواق الشفقة مرفوعا بعمد المحبة والمقة فوق ظعنه وحله مؤثره ومجله المعتنى بدق أمره وجله ابن الخطيب من الحضرة الجهادية غرناطة صان الله تعالى خلالها ووقى هجير هجر الغيوم ظلالها وعمر بأسود الله تعالى اغيالها كما أغرى بمن كفر بالله تعالى صيالها ولا زائد إلا منن من الله تعالى تصوب وقوة يسترد بها المغصوب ويخفض الصليب المنصوب والحمد لله تعالى الذى بحمده ينال المطلوب وبذكره تطمئن القلوب ومودتكم المودة التى غذتها ثدى الخلوص بلبانها وأحلتها حلائل المحافظة بين أعينها وأجفانها ومهدت موات أخواتها الكبرى أساس بنيانها واستحقت ميراثها مع استصحاب حال الحياة إن شاء الله تعالى واتصال زمانها واقتضاء عهود الأيام بيمنها وأمانها ولله در القائل
( فإن لم يكنها أو تكنه فإنه ** أخوها غذته أمه بلبانها )
____________________
(6/396)


وصل الله تعالى ذلك من أجله وفى ذاته وجعله وسيلة إلى مرضاته وقربة تنفع عند اعتبار ما روعى من سنن الجبار ومفترضاته
وقد وصل كتابكم الذى فاتح بالريحان والروح وحل من مرسوم الولاء محل البسملة من اللوح وأذن لنوافح الثناء بالبوح يشهد عدله بإن البيان يا آل خلدون سكن من مثواكم دار خلود وقدح زندا غير صلود واستأثر من محابركم السيالة وقضب أقلامكم الميادة الميالة بأب منجب وأم ولود يقفو شانيه غير المشنو وفصيله غير الجرب ولا المهنو من الخطاب السلطانى سفينة منوح إن لم نقل سفينة نوح ما شئت من آل أزواج وزمر من الفضل وأفواج وأمواج كرم تطفو فوق أمواج وفنون بشائر وإهطاع قبائل وعشائر وضرب للمسرات أعيا الشائر فلله هو من قلم راعى نسب القنا فوصل الرحم وأنجد الوشيج والملتحم وساق بعصاه من البيان الذود المزدحم وأخاف من شذ عن الطاعة مع الاستطاعة فقال { لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } هود ولو لم يوجب الحق برقه ورعده ووعيده ووعده لأوجبه يمنه وسعده فلقد ظهرت مخايل نجحه علاوة على نصحه ووضحت محاسن صبحه فى وحشة الموقف الصعب وقبحه وصل الله تعالى له عوائد منحة وجعله إقليدا كلما استقبل باب أمل وكله الله تعالى بفتحه
أما ما قرره ولاؤكم من حب زكا على حبه القلب حبه وأنبته النبات الحسن ربه وساعده من الغمام سكبه ومن النسيم اللدن مهبة فرسم ثبت عند الولى نظيره ومن غير معارض يضيره وربما أربى بتذييل مزيد وشهادة ثابت ويزيد ولم لا يكون ذلك وللقلب على القلب شاهد وكونها
____________________
(6/397)

أجنادا مجندة لا يحتاج تقريره إلى ماهد وجهد جاهد ومودة الأخوة سبيلها لاحب ودليلها للدعوة الصادقة مصاحب إلى ما سبق من فضل ولقاء ونظافة سقاء واعتقاد لا يراع سربه بذئب انتقاد واجتلاء شهاب وقاد لا يحوج إلى ايقاء أنما عاق عن مواصلة ذلك نوى شط منها الشطن وتشذيب لم يتعين معه الوطن فلما تعين وكاد الصبح أن يتبين عاد الوميض ديجورا والثماد بحرا مسجورا إلى أن أعلق الله تعالى منكم اليد بالسبب الوثيق وأحلكم منجى نيق لا يخاف من منجنيق وجعل يراعكم لسعادة موسى معجزة تأتى على الخبر بالعيان فتخر لثعبانها سحرة البيان
( أيحيى سقى حيث لحت الحيا ** فنعم الشعاب ونعم الوكون )
( وحيا يراعك من آية ** فقد حرك القوم بعد السكون )
( دعوت لخدمة موسى عصاه ** فجاءت { تلقف ما يأفكون } )
( فأذعن من يدعي السحر رغما ** وأسلم من أجلها المشركون )
( وساعدك السعد فيما أردت ** فكان كما ينبغى أن يكون )
فأنتم أولى الأصدقاء بصلة السبب ورعى الوسائل والقرب أبقاكم الله تعالى وأيدي الغبطة بكم عالية وأحوال تلكم الجهات بدرككم المهمات حالية وديم المسرات من إنعامكم المبرات على معهود المبرات متوالية
وأما ما تشوفتم إليه من حال وليكم فأمل متقلص الظل وارتقاب لهجوم جيش الأجل المطل ومقام على مساورة الصل وعمل يكذب الدعوى وطمأنينة تنتظر الغارة الشعوا ويد بالمذخور تفتح وأخرى تجهد وتمنح ومرض يزور فيثقل وضعف عن الواجب يعقل إلا أن اللطائف تستروح
____________________
(6/398)

والقلب من باب الرجاء لا يبرح وربما ظفر البائس ولم تطرد المقايس تداركنا الله تعالى بعفوه وأوردنا من منهل الرضى والقبول على صفوة وأذن لهذا الخرق فى رفوة
وأما ما طلبتم من اننساخ ديوان وإعمال بنان فى الإتحاف ببيان فتلك عهود لدى مهجورة ومعاهد لا متعهدة ولا مزورة شغل عن ذلك حوض يعلو لجبه وحرص يقضى من لغط المانح عجبه وهول جهاد تساوى جمادياه ورجبه فلولا التماس أجر وتعلل بربح تجر لقلت أهلا بذات النحيين فلئن شكت وبذلت المصون بسبب ما أمسكت فلقد ضحكت فى الباطن ضعف ما بكت ونستغفر الله تعالى من سوء انتحال وإيثار المزاح بكل حال وما الذى ينتظر مثلى ممن عرف المآخذ والمتارك وجرب لما بلا المبارك وخبر مساءة الدنيا الفارك
هذا أيها الحبيب ما وسعه الوقت الضيق وقد ذهب الشباب الريق فليسمح فيه معهود كمالك جعل الله تعالى مطاوعة آمالك مطاوعة يمينك لشمالك ووطأ لك موطأ العز بباب كل مالك وقرن النجح بأعمالك وحفظك فى نفسك وأهلك ومالك والسلام انتهى
95 - ومن مخاطبات لسان الدين لصاحب العلامة أبى القاسم ابن رضوإن
( قد كنت أجهد فى التماس صنيعة ** نفسا شهاب ذكائها وقاد )
( وأقول لو كان المخاطب غيركم ** عند الشدائد تذهب الأحقاد )
سيدي أبقاكم الله تعالى علم فضل وإنصاف ومجموع كمال أوصاف كلام النية قصير والله تعالى بحسنات الأقوال والأفعال بصير وإليه بعد هذا الخباط كل رجعى منا ومصير وليس لنا إلا هو مولى ونصير وهذا الرجل سيدي الخطيب
____________________
(6/399)

ابو عبد الله ابن مرزوق جبره الله تعالى بالأمس كنا نقف ببابه ونتمسك باسبابه ونتوسل إلى الدنيا به فإن كنا قد عرفنا خيرا وجبت المشاركة أو كفافا تعينت المتاركة أو شرا اهتبلت غره الهدى الأنفس المباركة واتصفت بصفة من يعصى فيسمح ويسال فيمنح ويعود إلى قبيح بالفعل الجميل ويحسب يد التأميل ومع هذا فلم نذر إلا خيرا كرم منه المورد والمصرف ومن عرف حجة على من لا يعرف وأنتم فى الوقت سراج علم لا يخبو سناه ومجموع تخلق عرفنا منه ما عرفناه وهذه هى الشهرة التى تغتنم إذا سفرت والهنة التى تحبر عليها النفس إذا نفرت حتى لا تجد بعون الله تعالى عارضا يعوقها عن الخير وسبيل الكمال الأخير والأجر فى استيفاء كتاب الشفاعة وتحرى المقاصد النفاعة وتنفيق البضاعة قد ضمنه من وعد بقيام الساعة والجزاء على الطاعة وغير الطاعة وهذه المشاركة تسجيل لفضلكم قبلى وهى فى الحقيقة لى فكيف والله تعالى يرى عملكم وعملى والمتروك حقير والوجود إلى رحمة من رحمات الله تعالى فقير والسلام انتهى
96 - ومن كلام لسان الدين رحمه الله تعالى قوله فى مخاطبة شيخ العرب مبارك بن إبراهيم رحمه الله تعالى
( ساحات دارك للضياف مبارك ** وبضوء نار قراك يهدي السالك )
( ونوالك المبذول قد شمل الورى ** طرأ وفضلك ليس فيه مشارك )
( قل للذى قال الوجود قد انطوي ** والبأس ليس له حسام فاتك )
( والجود ليس له غمام هاطل ** والمجد ليس له همام باتك )
( جمع الشجاعة والرجاحة والندى ** والباس وارأى الأصيل مبارك )
____________________
(6/400)


( للدين والدنيا وللشيم العلا ** والجود أن شح الغمام السافك )
( عند الهياج ربيعة بن مكدم ** فى الفضل والتقوى الفضيل ومالك )
( ورث الجلالة عن ابيه وجده ** فكأنهم ما غاب منهم هالك )
( فجياده للآملين مراكب ** وخيامه للقاصدين أرائك )
( فإذا المعالى اصبحت مملوكة ** أعناقها بالحق فهو المالك )
( يا فارس العرب الذى من بيته ** حرم لها حج به ومناسك )
( يا من يبشر باسمه قصادة ** فلهم اليه مسارب ومسالك )
( أنت الذى استأثرت فيك بغبطتى ** وسواك فيه مآخذ ومتارك )
( لا زلت نورا يهتدى بضيائه ** من جنة للروع ليل حالك )
( ويخص مجدك من سلامى عاطر ** كالمسك به الغوالى صائك )
الحمد لله تعالى الذى جعل بيتك شهيرا وجعلك للعرب أميرا وجعل اسمك فالا ووجهك جمالا وقربك جاها ومالا وآل رسول الله صلى الله عليه وسلم لك آلا أسلم عليك يا أمير العرب وابن أمرائها وقطب سيادتها وكبرائها واهنيك بما منحك الله تعالى من شهرة تبقى ومكرمة لا يضل المتصف بها ولا يشقى إذ جعل خيمتك فى هذا المغرب على اتساعه واختلاف أشياعه مأمنا للخائف على قياس المذاهب والطوائف وصرف الألسنة إلى مدحك والقلوب إلى حبك وما ذلك إلا لسريرة لك عند ربك ولقد كنت أيام تجمعنى وإياك المجالس السلطانية على معرفتك متهالكا وطوع الأمل سالكا لما يلوح لى على وجهك من سيما المجد والحياء والشيم الدالة على العلياء وزكاء الأصول وكرم الآباء وكان والدي رحمه الله تعالى قد عين للقاء
____________________
(6/401)

خال السلطان قريبكم لما توجه فى الرسالة إلى الأندلس نائبا فى تأنيسه عن مخدومه ومنوها حيث حل بقدومه واتصلت بعد ذلك بينهما المهاداة والمعرفة والوسائل المختلفة فعظم لأجل هذه الوسائل شوقى إلى التشرف بزيارة ذلك الجناب الذى حلوله شرف وفخر ومعرفته كنز وذخر فلما ظهر الآن لمحل الأخ الكذا القائد فلان اللحاق بك والتعلق بسببك رأيت أنه قد اتصل بهذا الغرض المؤمل بعضى والله تعالى ييسر فى البعض عند تقرير الأمن وهدنة الأرض وهذا الفاضل بركة حيث حل لكونه من بيت أصالة وجهاد وماجدا وابن امجاد ومثلك لا يوصى بحسن جواره ولا ينبه على إيثاره وقبيلك فى الحديث من العرب والقديم وهو الذى أوجب لها مزية التقديم لم يفتخر قط بذهب يجمع ولا ذخر يرفع ولا قصر يبنى ولا غرس يجنى أنما فخرها عدو يغلب وثناء يجلب وجزور ينحر وحديث يذكر وجود على الفاقة وسماحة بحسب الطاقة فلقد ذهب الذهب وفنى النشب وتمزقت الأثواب وهلكت الخيل العراب وكل الذى فوق التراب تراب وبقيت المحاسن تروى وتنقل والأعراض تجلى وتصقل ولله در الشاعر إذ يقول
( وأنما المرء حديث بعده ** فكن حديثا حسنا لمن وعى )
هذه مقدمة إن يسر الله تعالى بعدها لقاء الأمير فيجلى اللسان عما فى الضمير
( ومدحى على الأملاك مدح وإنما ** رأيتك منها فامتدحت على وسمى )
( وما كنت بالمهدي لغيرك مدحتى ** ولو أنه قد حل فى مفرق النجم )
____________________
(6/402)


97 - ومن ذلك ما خاطب به شيخه الخطيب سيدي أبا عبد الله ابن مرزوق وهو
( راش زمانى وبرى نبله ** فكنت لى من وقعها جنه )
( ولو قهرت الموت أمنتنى ** منه وأدخلتنى الجنه )
( فكيف لا أنشرها منه ** قد عرفتها الإنس والجنه )
بماذا أخاطب به تلك الجلالة فيتيسر الخطاب وتحصل الدلالة أبسيدي ويشركنى فيه من قال لا إله إلا الله بفيه أو بروح حياتى ومقدم ماهية ذاتى وذخري الكبير الكثير لا بل فلكي الأثير وهو تضييق على الولد والأهل وتعدي المراتب المحدودة من الجهل فلم يبق إلا الإشارة الخارجة عن وظائف اللسان وهى بعض دلالات الإنسان أفدت الإكسير وجبرت الكسير ورويت يا أبا العلا التيسير وغمرت بالكرم وأمن حمام الحرم الظعن والمسير فمن رام شكر بعض أياديك فلقد شد حقائب الرحال إلى نيل المحال والحق إن نكل جزاك لمن جعل إلى المجد اعتزاك ونولى شكرك وثناك إلى من عمر بما يرضيه من الرفق بالخلق واقامة الحق اناك وندعو منك بالبقاء إلى الروض المجود وغمام الجود وإمام الركع السجود لا بل لنور الله تعالى المشرق على التهائم والنجود ورحمته المبثوثة أثناء هذا الوجود
وليعلم سيدي أن النفس طماعة جماعة وسراب آمالها بحارة لماعة فلا تفيق من كد ولا تقف عند حد سيما إذا لم يهذبها السلوك والتجريد ولم يسر منها فى عالم الغيب البريد ولا تجلت لها السعادة التى يجذب بها المراد ويشمر لها المريد إلى أن يتأتى عما دون الحق المحيد ويصح التوحيد
____________________
(6/403)

وقد مثلت الآن خصما توسع ظهر استظهاري بالتسليم قصما وتقول المال عديلي عند القيمة وطبيبى فى الأحوال السقيمة وهو نتيجة كدي عند الأقيسة العقيمة ومن استخلصنى على شرفى إذا تفاضلت الجواهر وتبينت للحق المظاهر وتعينت المراتب التى يقتعدها على رأي البراهمة النور الاصفهندي والنور القاهر فخلاص المال طوع يديه وهو كما قال الله تعالى أهون عليه فالاطفها حتى تلين معاطفها وأخادعها حتى تلوي أخادعها واقول قد وقع الوعد وأشرق السعد ولأن الجعد وسكن الرعد ولله تعالى الأمر من قبل ومن بعد فتجيبنى العمر المنام وأيام الجاه والقدرة قد يحق لها الاغتنام وهم العاقل إلى وقته الحاضر مصروف و إذا لم يغير حائطه مثل معروف وفى الوقت زبون يرجى به استخلاص الحقوق ويستبعد وقوع العقوق فإن رأى مولاي أن يشفع المنة ويقرع بابا ثانيا من أبواب الجنة قبل إن يشغل شاغل أو يكدر الأكل والشرب وارش أو واغل او يثوب للمتعدي نظر فى اللجاج أو يدس له ما يحمله على الاحتجاج وأو متسع مناطها فسيح استنباطها كثير هياطها ومياطها فهو تمام صنيعته التى لم ينسج على منوالها الأحرار ولا اهتدت إلى حسنتها الأبرار ولا عرف بدر مجدها السرار فإليه كان الفرار ولله تعالى ثم له خلص الاضطرار ويستقر تحت دخيله القرار وتطمئن الدار فإن ما ابتدأ به من عز ضرب على الأيدي العادية منه حكم الحكام وفارع الهضاب والآكام على ملإ ومجمع وبمرأى من الخلق ومسمع يقتضى اطراد قياس العزة القعساء وسعادة الإصباح والإمساء وظهور درجات الرجال على النساء فهو جاه حارت فيه الأوهام وهذه أذياله ومن ركب حقيقة أمرها هان عليه خياله والمال ماله والعيال عياله والوجود سريع زياله والجزاء عند الله تعالى مكياله
____________________
(6/404)

وعروض المغصوب باقية الأعيان مستقلة الشجر قائمة البنيان تمنع عن شرائها قاعدة الأديان وغيرها من مكيل وموزون بين مأكول ومخزون والكتب ملقاة بالقاع مطرحة باخبث البقاع فإن تاتى الجبر وإلا فالصبر على إن وعد عمادي لا يفارق الإنجاز ومكرمته التى طوقها قد بلغت الشام والحجاز وحقيقة التزامة تباين المجاز وآية مجده تستصحب الإعجاز ولله در إبراهيم بن المهدى يخاطب المامون لما أكذب فى العفو عنه الظنون
( وهبت مالى ولم تبخل على به ** وقبل ذلك ما إن قد وهبت دمى )
وقد كانت هذه المنقبة غريبة فعززتها باختها الكبرى وفريدة فجئت بأخرى وشفعت وتراء ابقاك الله تعالى لتخليد المناقب واعلاء المراتب وجعل اخمص نعلك تاجا للنجم الثاقب وتكفل لك فى النفس والولد بحسن العواقب
( آمين آمين لا أرضى بواحدة ** حتى أضيف إليها ألف آمينا )
واما تنبيه سيدي على أنشاء رزق وتقرير رفد ورفق فلا انبه حاتما وكعبا إن يملآ قعبا لمن خاض بحرا أو ركب صعبا هذا أمر كفانيه الكافى وداء كوخز الأشافى أذهبه الشافى والسلام انتهى
98 - ومن إنشاء لسان الدين رحمه الله تعالى على لسان السلطان قوله
هذا ظهير كريم مضمنه استجلاء لأمور الرعية واستطلاع ورعاية
____________________
(6/405)

كرمت منها اجناس وأنواع وعدل بهر منه شعاع ووصايا يجب لها إهطاع أصدرناه للفقيه فلان لما تقرر لدينا دينه وعدله وفضله رأينا أنه أحق من نقلده الهم الأكيد ونرمى به من أغراض البر الغرض البعيد ونستكشف به أحوال الرعايا حتى لا يغيب عنا شىء من أحوالها ولا يتطرق إليها طارق من أهوالها وينهى إلينا الحوادث التى تنشأ فيها إنهاء يتكفل بحياطة ابشارها وأموالها
وأمرناه إن يتوجه إلى جهة كذا حاطها الله تعالى فيجمع الناس فى مساجدهم ويندبهم من مشاهدهم ويبدا بتقرير غرضنا فى صلاح أحوالهم وإحساب أموالهم ومكابدتنا المشقة فى مداراة عدوهم الذى نعلم من أحواله ما غاب عنهم دفعه الله تعالى بقدرته ووقى نفوسهم وحريمهم من معرته ولما رأينا من انبتات الأسباب التى تؤمل وعجز الحيل التى كانت تعمل ويستدعى إنجادهم بالدعاء واخلاصهم فيه إلى رب السماء ويسال عن سيرة القواد وولاة الأحكام بالبلاد فمن نالته مظلمة فليرفعها إليه ويقصها عليه ليبلغها الينا ويوفدها مقررة الموجبات لدينا ويختبر ما افترض صدقة للجبل وما فضل عن كريم ذلك العمل ليعين إلى بناء الحصن بجبل فاره يسر الله تعالى لهم فى إتمامه وجعل صدقتهم تلك مسكة ختامه وغيره مما افترض إعانه للمسافرين وانجادا لجهاد الكافرين فيعلم مقداره ويتولى اختباره حتى لا يجعل منه شيء على ضعيف ولا يعدل به لمشروف عن شريف ولا تقع فيه مضايقة ذى الجاه ولا مخادعة غير المراقب لله ومتى تحقق إن غنيا قصر به عن حقه أو ضعيفا كلف منه فوق طوقه فيجير الفقير من الغنى
____________________
(6/406)

ويجرى من العدل على السنن السوى ويعلم الناس إن هذه المعونة وإن كانت بالنسبة إلى محل ضرورتها يسيرة وإن الله تعالى يضاعفها لهم اضعافا كثيرة فليست مما يلزم ولا من المعاون التى بتكررها يجزم وينظر فى عهود التوفيق فيصرفها فى مصارفها المتبينة وطرقها الواضحة البينة
ويتفقد المساجد تفقدا يكسو عاريها ويتمم منها المآرب تتميما يرضى باريها ويندب الناس إلى تعليم القرآن لصبيانهم فذلك أصل اديانهم ويحذرهم المغيب على كل شىء من أعشارهم فالزكاة أخت الصلاة وهما من قواعد الإسلام وقد اخترنا لهم بأقصى الجد والاعتزام ورفعنا عنهم رسم التعريف نظرا إليهم بعين الاهتمام وقدمنا الثقات لهذه الأحكام وجعلنا الخرص شرعيا فى هذا العام وفيما بعده إن شاء الله تعالى من الأعوام
ومن أهم ما أسندناه إليه وعولنا فيه عليه البحث بتلك الأحواز عن أهل البدع والأهواء والسائرين من السبيل على غير السواء ومن ينبز بفساد العقد وتحريف القصد والتلبس بالصوفية وهو فى الباطن من أهل الفساد والذاهبين إلى الإباحة وتأويل المعاد والمؤلفين بين النساء والرجال والمتبعين لمذاهب الضلال فمهما عثر على مطوق بالتهمة منبز بشىء من ذلك من هذه الأمة فليشد ثقافة شدا ويسد عنه سبيل الخلاص سدا ويسترعى فى شأنه الموجبات ويستوعب الشهادات حتى ينظر فى حسم دائه ويعاجل المرض بدوائه فليتول ما ذكرنا نائبا باحسن المناب ويقصد وجه الله تعالى راجيا منه جزيل الثواب ويعمل عمل من لا يخاف فى الله لومة لائم ليجد ذلك فى موقف الحساب
وعلى من يقف عليه من القواد والأشياخ والحكام إن يكونوا معه يدا واحدة
____________________
(6/407)

على ما حررنا فى هذه الفصول من العمل المقبول والعدل المبذول ومن قصر عن غاية من غاياته أو خالف مقتضى من مقتضياته فعقابه عقاب من عصى أمر الله وأمرنا فلا يلم إلا نفسه التى غرته وإلى مصرع النكير جرته والله تعالى المستعان انتهى
99 - ومن ذلك ما خاطب به تربة السلطان الكبير أبى الحسن المرينى لما قصدها عقب ما شرع فى جواره وتوسل إلى أغراضه بذلك إلى ولده رحم الله تعالى الجميع
السلام عليك ثم السلام أيها المولى الهمام الذى عرف فضله الإسلام وأوجبت حقه العلماء الأعلام وخفقت بعز نصره الأعلام وتنافست فى إنفاذ أمره ونهيه السيوف والأقلام السلام عليك أيها المولى الذى قسم زمانه بين حكم فصل وإمضاء نصل وإحراز خصل وعبادة قامت من اليقين على أصل السلام عليك يا مقرر الصدقات الجارية ومشبع البطون الجائعة وكاسى الظهور العارية وقادح زناد العزائم الوارية ومكتب الكتائب الغازية فى سبيل الله تعالى والسرايا السارية السلام عليك يا حجة الصبر والتسليم وملتقى أمر الله تعالى بالخلق المرضى والقلب السليم ومفوض الأمر فى الشدائد الى السميع العليم ومعمل البنان الطاهر فى اكتتاب الذكر الحكيم كرم الله تعالى تربتك وقدسها وطيب روحك الزكية وآنسها فلقد كنت للدهر جمالا وللإسلام ثمالا وللمستجيرا مجيرا وللمظلوم وليا ونصيرا لقد كنت للمحارب صدرا وفى المواكب بدرا وللمواهب بحرا وعلى العباد والبلاد ظلا ظليلا وسترا لقد فرعت أعلام عزك الثنايا وأجزلت همتك لملوك الأرض الهدايا كأنك لم تعرض الجنود ولم تنشر البنود ولم تبسط العدل المحدود ولم توجد الجود ولم تزين الركع السجود فتوسدت الثرى وأطلت الكرى وشربت الكأس التى يشربها الورى وأصبحت ضارع الخد كليل الحد
____________________
(6/408)

سالكا سنن الأب والجد لم تجد بعد انصرام أجلك إلا صالح عملك ولا أصبحت لقبرك إلا رابح تجرك وما أسلفت من رضاك وصبرك فنسأل الله تعالى إن يؤنس اغترابك ويجود بسحاب الرحمة ترابك وينفعك بصدق اليقين ويجعلك من الأئمة المتقين ويعلى درجتك فى عليين ويجعلك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين
وليهنك أن صير الله تعالى ملكك من بعدك إلى نير سعدك وبارق رعدك ومنجز وعدك أرضى ولدك وريحانة خلدك وشقة نفسك والسرحة المباركة من غرسك ونور شمسك وموصل عملك البر إلى رمسك فقد ظهر عليه أثر دعواتك فى خلواتك وأعقاب صلواتك فكلمتك والمنة لله تعالى باقية وحسنتك إلى محل القبول راقية يرعى بك الوسيلة ويتمم مقاصدك الجميلة أعانه الله تعالى ببركة رضاك على ما قلده وعمر بتقواه يومه وغده وأبعد فى السعد أمده وأطلق بالخير يده وجعل الملائكة أنصاره والأقدار عدده
وإننى أيها المولى الكريم البر الرحيم لما اشترانى وراشنى وبرانى وتعبدنى بإحسانه واستعمل فى استخلاصي خط بنانه ووصية لسانه لم أجد مكافأة إلا التقرب إليك وإليه برثائك وإغراء لسانى بتخليد عليائك وتعفير الوجنة فى حرمك والإشادة بعد الممات بمجدك وكرمك ففتحت الباب فى هذه الغرض إلى القيام بحقك المفترض الذى لولاه لاتصلت الغفلة عن أدائه وتمادت فما يبست الألسن ولا كادت متحيزا بالسبق إلى أداء هذا الحق بادئا بزيارة قبرك الذى هو رحله الغرب ما نويته من رحلة الشرق وما أعرضت عنه فاقطعه أثر مواقع الاستحسان وقد جمع بين الشكر والتنويه والإحسان والله سبحانه يجعله عملا مقبولا ويبلغ فيه من القبول مأمولا ويتغمد من ضاجعته من سلفك الكرام بالمغفرة الصيبة والتحيات الطيبة فنعم الملوك الكبار
____________________
(6/409)

والخلفاء الأبرار والأئمة الأخيار الذين كرمت منهم السير وحسنت الأخبار وسعد بعزماتهم الجهادية وشقى الكفار وصلوات الله تعالى عودا وبدءا على الرسول الذى اصطفاه واختاره فهو المصطفى المختار وعلى آله وأصحابه الذين هم السادة الأبرار وسلم تسليما انتهى
100 - وقال لسان الدين رحمه الله تعالى ومما خاطبت به الوزير المتغلب على الملك بالمغرب ما نصه
( لا ترج إلا الله فى شدة ** وثق به فهو الذى أيدك )
( حاشاك أن ترجو إلا الذى ** فى ظلمة الأحشاء قد أوجدك )
( فاشكره بالرحمة فى خلقه ** ووجهك ابسط بالرضى أو يدك )
( والله لا تهمل الطافه ** قلادة الحق الذى قلدك )
( ما أسعد الملك الذى سسته ** يا عمر العدل وما أسعدك )
نخص الوزير الذى بهر سعده وحمد فى المضاء قصده وعول على الشيم التى اقتضاها مجده وأورثه إياها أبوه وجده الوزير عمر الكذا ابن الشيخ الكذا أبقاه الله تعالى ثابت القدم خافق العلم شهيرا حديث سعده فى الأمم مثلا خبر بسالته وجلالته فى العرب والعجم
تحية معظم مجده الكبير المستند إلى عهده الوثيق وحسبه الشهير المسرور بما سناه الله تعالى له من نجح التدبير والنصر العديم النظير وإنجاده إياه عند إسلام النصير وفراق القبيل والعشير ابن الخطيب واليد ممدودة إلى الله تعالى فى صلة سعد الوزير أبقاه الله تعالى ودوام عصمته واللسان يطنب ويسهب فى شكر نعمته والأمل متعلق بأسبابه الكريمة وأذمته وقد كان شيعة مع الشفقة التى أذابت الفؤاد والزمت الأرق والسهاد على علم بأن عناية الله تعالى عليه عاكفة وديم الآئه لديه واكفة فإن الذى أقدره وأيده
____________________
(6/410)

ونصره وأنفذت مشيئته ما دبره كفيل بإمداده وملى بإسعاده ومرجو لإصلاح دنياه ومعاده وفى أثناء هذه الاراجيف استولى على معظم وزارته الجزع وتعاورته الأفكار تأخذ وتدع فإنى كما يعلم الوزير أعزه الله تعالى منقطع الأسباب مستوحش من الجهة الأندلسية على بعد الجناب ومستعدى على بكونى من المعدودين فيمن له من الخلصان والأحباب فشرعت فى نظر أحصل منه على زوال اللبس وأمان النفس واللحاق بمأمن يرعانى برعى الوزير بخلال ما يدبر الأمر من له التدبير ففى أثنائه وتمهيد أساس بنائه ورد البشير بما سناه الله تعالى لسيدي وجابر كسرى ومنصفى بفضل الله تعالى من دهري من الصنع الذى ظهر وراق نوره وبهر فأمنت وإن لم أكن ممن جنى وحفتنى المسرات بين فرادى وثنى وانشرح بفضل الله تعالى صدرى وزارتنى النعم والتهانى من حيث ولا أدرى ووجهت الولد الذى شملته نعمة الوزير واحسانه وسبق إليه امتنانه نائبا عنى فى تقبيل يده وشكر يده والوقوف ببابه والتمسك بأسبابه آثرته بذلك لأمور منها المزاولة فيما كان يلزمنى من إخواته الأصاغر وتدريبه على خدمة الجلال الباهر وإفرادى له بالبركة ولعائق ضعف عن الحركة وبعد ذلك أشرع بفضل الله تعالى فى العمل على تجديد العهد بباب الوزارة العلية عارضا من ثنائها ما يكون وفق الأمنية ورب عمل أغنى عنه فضل نية والسلام الكريم على سيدي ورحمة الله تعالى وبركاته
101 - قال وكتبت إليه ايضا على أثر الفتح الذى تكيف له
سيدي الذى أسر بسعادته وظهور عناية الله تعالى به فى إبدائه وإعادته وأعلم كرم مجادته وأعترف بسيادته الوزير الميمون الطائر الجاري حديث سعده ومضائه مجرى المثل السائر أبقاه الله تعالى عزيز الأنصار جارية بيمن نقيبته حركة الفلك الدوار معصوما من المكاره بعصمة الواحد القهار
____________________
(6/411)

معظم سيادته الرفيعة الجانب وموقر وزارته الشهيرة المناسب الداعى إلى الله تعالى بطول لقائه فى عز واضح المذاهب وصنع واكف السحائب ابن الخطيب عن الذى يعلم سيدي من لسان طلق بالثناء ويد ممدودة إلى الله تعالى بالدعاء والتماس لما يعد من جزيل النعماء والفتح الذى نفتح له ابواب السماء وقد اتصل ماسناه الله تعالى له من النصر والظهور والصنع البادى السفور لما التقى الجمعان وتهوديت أكواس الطعان وتبين الشجاع من الجبان وظهر من كرات سيدي وبسالته ما تحدث به ألسنة الركبان حتى كانت الطائلة لحزبه وظهرت عليه عناية ربه فقلت الحمد لله الذى جعل سعد عمادى متصل الآيات واضح الغرر والشيات
وقد كنت بعثت اهنئه بما قدم من صنع جميل وبلوغ تأميل فقلت اللهم افد علينا التهانى تترى واجعل الكبرى من نعمتك السالفة بنعمتك الرادفة الخالفة هى الصغرى واجمع له بين نعم الدنيا والأخرى والناس أبقى الله تعالى سيدي لهم مع الاستناد إليك جهات وأمور مشتبهات إلا المحب المتشيع فجهتك هى التى آنست الغربة وفرجت الكربة ووعدت بالخير وضمنت عاقبة الضير وأنا ارتقب ورود التعريف المولوي على عبيده بهذه المدينة وأصل أن شاء الله تعالى لمباشرة الهناء وقرة العين بمشاهدة الآلاء والله عز وجل يديم سعادة سيدي ويطيل بقاءه ويرادف قبلة نعمة وآلاءه بفضله انتهى
102 - وقال ومما خاطبت به المذكور وأنا ساكن بسلا
( أيا عمر العدل الذى مطل المدى ** بوعد الهدى حتى وفيت بدينه )
( ويا صارم الملك الذى يستعده ** لدفع عداه أو لمجلس زينه )
( هنت عينك اليقظى من الله عصمة ** كفت وجه دين الله موقع شينه )
( وهل أنت إلا الملك والدين والدنا ** ولا يلبس الحق المبين بمينه )
( إذا نال منك العين ضر فإنما ** أصيب به الإسلام فى عين عينه )
____________________
(6/412)


الوزير الذى هو للدين الوزر الواقى والعلم السامى المراقب والمراقى والحلى المقلد فوق الترائب والتراقى والكنز المؤمل والذخر الباقى حجب الله تعالى العيون عن عين كمالك وصير الفلك الدوار مطية آمالك وجعل اتفاق اليمن مقرونا بيمينك وانتظام الشمل معقودا بشمالك
أعلم إن مطلق لسان الثناء على مجدك والمستضىء على البعد بنور سعدك ومعقود الرجاء بعروة وعدك لا يزال فى كل ساعة يسحب الفلك فيه ذيلها ويعاقب يومها وليلها مصغى الأذان إلى نبإ يهدي عنك لله تعالى دفاعا أو يمد فى ميدان سعدك باعا وأنت اليوم النصير على الدهر الظلوم وآسى الكلوم وذو المقام المعلوم فتعرفت أن بعض ما يتلاعب به بين أيدي السادة الخدام وتتفكه به المثاقفة والافدام من كرة مرسلة الشهاب أو نارنجة ظهر عليها من اسمها صبغة الالتهاب حومت حول عينك لا كدر صفاؤها ولا هدم فوق مهاد الدعة والأمن إغفاؤها فرعت حول حماها ورامت أن تصيب فخيب الله تعالى مرماها
( نرى السوء مما نتقى فنهابه ** وما لا نرى مما يقى الله أكثر )
فقلت مكروه أخطأ سهمه وتنبيه من الله تعالى لمن نبل عقله وفهمه ودفاع قام دليله وسعد أشرق جليله وأيام أعربت عن إقبالها وعصمة غطت بسربالها وجوارح جعل الله تعالى الملائكة تحرسها فلا تغتالها الحوادث ولا تفترسها والفطن يشعر بالشىء وإن جهل أسبابه والصوفى يسمع من الكون جوابه فبادرت أهنئة من يرى تلك الجوارح الكريمة أعز عليه من جوارحه ويرسل طير الشكر لله تعالى فى مساقط اللطف الخفى ومسارحه
____________________
(6/413)

وسالته سبحانه إن يجعلك عن النوائب حجرا لا يقرب وربعك ربعا لا يخرب ما سبح الحوت ودب العقرب ثم إننى شفعت الهناء ووترته وأظهرت السرور فما سترته بما سناه لتدبيرك من مسالمة تكذب الإرجاف وتغنى عن الإيجاف وتخصب للإبل العجاف وتريح من كيد وتفرغ إلى مجادلة عمرو وزيد وكأنى بسعدك قد سدل الأمان وعدل الزمان وأصلح الفاسد ونفق الكاسد وقهر الروع المستاسد وسر الحبيب وساء الحاسد والسلام انتهى
103 - ومن إنشاء لسان الدين رحمه الله تعالى ما خاطب به الرئيس عامر ابن محمد بن على الهنتاتى معزبا له عن أخيه عبد العزيز
( أبا ثابت كن فى الشدائد ثابتا ** أعيذك أن يلغى حسودك شامتا )
( عزاؤك عن عبد العزيز هو الذى ** يليق بعز منك أعجز ناعتا )
( فدوحتك الغناء طالت ذوائبا ** وسرحتك الشماء طابت منابتا )
( لقد هد أركان الوجود مصابه ** وأنطق منه الشجو من كان صامتا )
( فمن نفس حر أوثق الحزن كظمها ** ومن نفس بالوجد أصبح خافتا )
( هو الموت للإنسان فصل لحده ** وكيف ترجى أن تصاحب مائتا )
( وللصبر أولى ان يكون رجوعنا ** إذا لم نكن بالحزن نرجع فائتا )
اتصل بى ايها الهمام وبدر المجد الذى لا يفارقه التمام ما جنته على عليائك الأيام واقتنصه محلق الردى بعد ان طال الحيام وما استاثر به الحمام فلم يغن الدفاع ولا نفع الذمام من وفاة صنوك الكريم الصفات وهلاك وسطى الأسلاك وبدر الأحلاك ومجير الأملاك وذهاب السمح الوهاب وأنا لديغ صل الفراق الذى لا يفيق بألف راق وجريح سهم
____________________
(6/414)

البين ومجارى العيون الجارية بدمع العين لفقد أنيس سهل على مضض النكبة ونحى ليث الخطب عن فريستى بعد صدق الوثبة وآنسنى فى الاغتراب وصحبنى إلى منقطع التراب وكفل أصاغرى خير الكفالة وعاملنى من حسن العشرة بما سجل عقد الوكالة انتزعه الدهر من يدي حيث لا أهل ولا وطن والاغتراب قد ألقى بعطن وذات اليد يعلم حالها من يعلم ماظهر وما بطن ورأيت من تطارح الأصاغر على شلو الغريب النازح عن النسيب والقريب ما حملنى على أن جعلت البيت له ضريحا ومدفنا صريحا لأخدع من يرى أنه لم يزل مقيما لديه وأن ظل شفقته منسحب عليه فأعيا مصابى عند ذلك القرح وأعظم الظمأ البرح ونكأ القرح القرح إذ كان ركنا قد بنته لى يد معرفتك ومتصفا فى البر بى والرعى لصاغيتى بكريم صفتك فوالهفا عليه من حسام وعز سام وأياد جسام وشهرة بين بنى حام وسام أي جمال خلق ووجه للقاصد طلق وشيم تطمح للمعالى بحق وأي عضد لك يا سيدي الأعلى لا يهن إذا سطا ولا يقهقر إذا خطا يوجب لك على تحليه بالشيبة ما توجبه البنوة من الهيبة ويرد ضيفك آمنا من الخيبة ويسد ثغرك عند الغيبة ذهبت إلى الجزع فرأيت مصابه أكبر ودعوت بالصبر فولى وأدبر واستنجدت الدمع فنضب واستصرخت الرجاء فأنكر ما روى واقتضب وبأي حزن يلقى عبد العزيز وقد جل فقده أو يطفأ لاعجه وقد عظم وقده اللهم لو بكى بندى أياديه أو بغمائم غواديه أو بعباب واديه وهى الأيام اي شامخ لم تهده أو جديد لم تبله وإن طالت المدة فرقت بين التيجان والمفارق والخدود والنمارق والطلى والعقود والكأس وأبنه العنقود فما التعلل بالفان وإنما هى إغفاءه أجفان والتشبث بالحبائل وإنما هو ظل زائل والصبر على المصائب ووقوع سهمها الصائب أولى ما اعتمد طلابا ورجع إليه طوعا أو غلابا فأنا يا سيدي أقيم رسم التعزية وإن بؤت بمضاعف المرزية ولا عتب على القدر فى الورد من الأمر والصدر ولولا أن هذا الواقع مما لا
____________________
(6/415)

يجدى فيه الخلصان ولا يغنى فيه اليراع ولا الخرصان لأبلى جهده من أقرضتموه معروفا وكان بالتشيع إلى تلك الهضبة معروفا لكنها سوق لا ينفق فيها إلا سلعة التسليم للحكيم العليم وطى الجوانح على المضض الأليم ولعمرى لقد خلدت لهذا الفقيد وإن طمس الحمام محاسنه الوضاحة لما كبس منه الساحة صحفا منشرة وثغورا بالحمد موشرة يفخر بها بنوه ويستكثر بها مكتسبو الحمد ومقتنوه وأنتم عماد البازة وعلم المفازة وقطب المدار وعامر الدار وأسد الأجمة وبطل الكتيبة الملجمة وكافل البيت والستر على الحى والميت ومثلك لا يهدى الى نهج لاحب ولا ترشده نار الحباحب ولا ينبه على سنن نبى كريم أو صاحب قدرك أعلى وفضلك أجلى وأنت صدر الزمان بلا مدافع وخير معل لأعلام الفضل ورافع وأنا وإن أخرت فرض بيعتك لما خصنى من المصاب ونالنى من الأوصاب ونزل بى من جور الزمان الغصاب ممن يقبل عذره الكرم ويسعه الحرم المحترم والله سبحانه الكفيل لسيدي وعمادى ببقاء يكفل به الأبناء وأبناء الأبناء ويعلى لقومه رتب العز سامية البناء حتى لا يوحش مكان فقيد مع وجوده ولا يحس بعض زمان مع جوده ويقر عينه فى ولده وولد ولده ويجعل أيدي مناويه تحت يده والسلام
104 - وخاطبه لسان الدين أيضا بما نصه
سيدي الذى هو رجل المغرب كله والمجمع على طهارة بيته وزكاء أصله علم أهل المجد والدين وبقية كبار الموحدين
بعد السلام الذى يجب لتلك الجلالة الراسخة القواعد السامية المصاعد والدعاء لله أن يفتح لك فى مضيقات هذه الأحوال مسالك التوفيق ويمسكك من عصمته بالسبب الوثيق أعرفك أن جبلك اليوم وقد عظم الرجفان وفاض التنور وطغى الطوفان تؤمل النفوس الغرقى جودي جوده وتغتبط غاية
____________________
(6/416)

الاغتباط بوجوده
ووالله لولا العلائق التى يجب لها الالتزام ما وقع على غير قصدك الاعتزام والله تعالى يمدك بإعانته على تحمل القصاد ويبقى محلك رفيع العماد كثير الرماد ويجعل أبا يحيى خلفا منك بعد عمر النهاية البعيد الآماد ويبقى كلمة التوحيد فيكم إلى يوم التناد
وحامله القائد الكذا معروف النباهة والجهاد ومحله لا ينكر فى الفؤاد لما اشتبهت السبل والتبس القول والعمل لم يجد أنجى من الركون إلى جنابك والتمسك بأسبابك والانتظام فى جملة خواصك وأحبابك حتى ينبلج الصبح ويظهر النجح ويعظم المنح ويكون بعد هجرته الفتح ومثلكم من قصد وأمل وانضي إليه المطى وأعمل وأما الذى عندي من القيام بحق تلك الذات الشريفة والقول بمناقبها المنيفة فهو شىء لا تفى به العبارة ولا تؤدية الألفاظ المستعارة والله تعالى المسؤول فى صلة عز سيدي ودوام سعده والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته انتهى
105 - وقال لسان الدين رحمه الله تعالى ومما خاطبت به شيخ الدولة وقد استقل من مرض ما نصه
( لا أعدم الله دار الملك منك سنا ** يجلى به الحالكان الظلم والظلم )
( وأنشدتك الليالى وهى صادقة ** المجد عوفى إذ عوفيت والكرم )
من علم أعلى الله تعالى قدرك أن المجد جواد حلاك شياته لا بل الملك بدر أنت آياته لا بل الإسلام جسم أنت حياته دعا منك بالبقاء لمجد يروق بك جبينه وملك تنيره وتزينه ولدين تعامل الله تعالى بإعزازه وتدينه فلقد ألمت نفوس المؤمنين لآلامك ووجم الإسلام لتوقع إسلامك وخفقت الأعلام لتاخر إطرافك بمصالح الملك وإعلامك فانما أنامل الدين والدنيا متشبثة بأذيال أيامك ورحال الأمل مخيمة بين حلالك وخيامك
____________________
(6/417)

فإذا قابلت الأشراف نعم الله تعالى بشكر ورمت الغفلة عن ذلك بنكر فاشكره جل وعلا بملء لسانك وجنانك واجر فى ميدان حمده مطلقا من عنانك على ما طوقك من استرقاق حر وإفاضة اياد غر واقتناء عسجد من الحمد ودر واتاحة نفع ودفع ضر وإدالة حلو من مر وكن على ثقة من مدافعة الله تعالى عن حماك وعز تبلغ ذوائبه السماك ورزق يجره فال منتماك ودونك مجلس الإمامة فقد تدبيره بزمامك وحظوة الخلافة فاستحقها بوسائلك القديمة وذمامك ومحاسن الدولة فاجلها على منصة إمامك ورسوم البر فأغر بها عين اهتمامك وذروه المنبر فأمض بها ظبه حسامك وأجن الآملين زهر الأيادي البيض من كمائم أكمامك فيا عز دولة بك يا جملة الكمال قد استظهرت وأذلت المعاند وقهرت وباعمال آرائك اشتهرت فراقت فضائلها وبهرت جزاله كما شق الجو جارح ولطافة كما طارح نغم التاليف مطارح وفكر فى الغيب سارح ودين لغوامض الحلم والعدل شارح ومكارم محت آثار الكرماء ونسخت وحلت عقود أخبار الأجواد فى الأعصار وفسخت فلم تدع الفضل ذكرا وتركت معروف يحيى بن خالد نكرا لا بل لم يبق لكعب من علو كعب وأنست دعوة حاتم بأي ماح وخاتم قصاره شي حوار ومنع حوار وعقر ناب عند اقشعرار جناب واين يقع من كبر قدر ترفع عن الكبر وجود خضب الأيدي بحناء التبر وعز استخدم الأسل الطوال بيراع أقل من الشبر وحقن الدماء المراقة بإراقة نجيع الحبر وفك العقال ورفع النوب الثقال وراع الذرة والمثقال وعثر الزمان فاقال ووجد لسان الصدق فقال
أقسم ببارىء النسم وهو أبر القسم ما فازت بمثلك الدول ولا ظفرت بمثلك الملوك الأواخر والأول ولو تقدمت لم يضرب إلا بك المثل ولم يقع إلا على سنتك وكتابك والإجماع المنعقد على آدابك العمل والمملوك لما شام مالكه برق العافية وتدرع بالالطاف الخافية كتب مبشرا بالهناء ومذيعا
____________________
(6/418)

ما يجب من الحمد والثناء وشاكرا ما له بوجوده من الاعتناء فقد بادر ركن الدين بالبناء وأبقى الستر والمنة على الآباء والأبناء فنسال الله تعالى أن يمتع منك باثير الملوك ووسطى السلوك وسلالة أرباب المقامات والسلوك ويبقيك وحصة الصحة وافرة وغرة العزة القعساء سافرة وغادة عادة السعادة غير نافرة وكتيبة الأمل فى مقامك السعيد غانمة ظافرة ما زحفت للصباح شهب المواكب وتفتحت بشط نهر المجرة أزهار الكواكب والسلام انتهى
106 - ومن ذلك ما خاطب به سيدي أبا عبد الله ابن مرزوق جوابا عن كتابه وقد استقر خطيب السلطان بتونس
( ولما أن نات منكم ديار ** وحال البعد بينكم وبينى )
( بعثت لكم سوادا فى بياض ** لأنظركم بشىء مثل عينى )
بم أفاتحك يا سيدي وأجل عددي كيف أهدي سلاما فلا أحذر ملاما أو أنتخب لك كلاما فلا أجد لتبعة التقصير فى حقك الكبير إيلاما أن قلت تحية كسرى فى الثناء وتبع فكلمة فى مرتع العجمة تربع ولها المصيف فيه والمربع والجميم والمنبع فتروى متى شاءت وتشبع وان قلت إذا العارض خطر ومهما همى أو قطر سلام الله يا مطر فهو فى الشريعة بطر وركبة خطر ولا يرعى به وطن ولا يقضى به وطر وأنما العرق الأوشج ولا يستوى البان والبنفسج والعوسج والعرفج
( سلام وتسليم وروح ورحمة ** عليك وممدود من الظل سجسج )
____________________
(6/419)


وما كان فضلك ليمنعنى الكفران أن أشكره ولا لينسينى الشيطان أن أذكره فأتخذ فى البحر سببا أو أسلك غير الوفاء مذهبا تأبى ذلك والمنة لله تعالى طباع لها فى مجال الرعى باع وتحقيق واشباع وسائم من الإنصاف ترعى فى رياض الاعتراف فلا يطرقها ارتياع ولا تخيفها سباع وكيف نجحد تلك الحقوق وهى شمس ظهيرة وأذان عقيرة جهيرة فوق مئذنة شهيرة آدت الأكتاد لها ديون تستغرق الذمم وتسترق حتى الرمم فإن قضيت فى الحياة فهى الخطة التى نرتضيها ولا نقنع من عامل الدهر المساعد إلا أن ينفذ مراسمها ويمضيها وأن قطع الأجل فالغنى الحميد من خزائنه التى لا تبيد يقضيها ويرضي من يقتضيها وحيا الله تعالى أيها العلم السامى الجلال زمنا بمعرفتك المبرة على الآمال بر واتحف وإن أساء بفراقك وأجحف وأعرى بعدما الحف وأظفر باليتيمة المذخورة للشدائد والمزاين ثم أوحش منها أصونة هذه الخزاين فآب حنين الأمل بخفية وأصبح المغرب غريبا يقلب كفيه ونستغفر الله تعالى من هذه الغفلات ونستهديه دليلا فى مثل هذه الفلوات وأي ذنب فى الفراق للزمن أو لغراب الدمن أو للرواحل المدلجة ما بين الشام إلى اليمن وما منها إلا عبد مقهور وفى رمة القدر مبهور عقد والحمد لله مشهور وحجة لها على النفس اللوامة ظهور جعلنا الله تعالى ممن ذكر المسبب فى الأسباب وتذكر { وما يذكر إلا أولوا الألباب } البقرة آل عمران قبل غلق الرهن وسد الباب وبالجملة فالفراق ذاتى ووعده مأتى فإن لم يكن فكأن قد ما أقرب اليوم من الغد والمرء فى الوجود غريب وكل آت قريب وما من مقام إلا لزيال من غير احتيال والأعمار مراحل والأيام أميال
____________________
(6/420)


( نصيبك فى حياتك من حبيب ** نصيبك فى منامك من خيال )
جعل الله تعالى الأدب مع الحق شاننا وأبعد عنا الفراق الذى شاننا وأنى لأسر لسيدي بأن رعى الله تعالى صالح سلفة وتداركه بالتلافى فى تلفه وخلص سعادته من كلفه وأحله من الأمن فى كنفه وعلى قدرها تصاب العلياء وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء
هذا والخير والشر فى هذه الدار المؤسسة على الأكدار ظلان مضمحلان فقد ارتفع ما ضر أو نفع وفارق المكان فكأنه ما كان ومن كلمات الملوك البعيدة عن السلوك إلا أن يشاء ملك الملوك
( خذ من زمانك تيسر ** واترك بجهدك ما تعسر )
( ولرب مجمل حاله ** ترضى به ما لم يفسر )
( والدهر ليس بدائم ** لا بد أن سيسوء إن سر )
( واكتم حديثك جاهدا ** شمت المحدث أو تحسر )
( والناس آنية الزجاج ** إذا عثرت به تكسر )
( لا تعدم التقوى فمن ** عدم التقى فى الناس أعسر )
( وإذا امرؤ خسر الإله ** فليس خلق منه أخسر )
وان لله تعالى فى رعيك لسرا ولطفا مستمرا مستقرا إذ القاك اليم إلى الساحل فأخذ بيدك من ورطة الواحل وحرك منك عزيمة الراحل إلى الملك الحلاحل فأدالك من إبراهيم سميا وعرفك بعد الولى وسميا ونقلك من عناية إلى عناية وهو الذى يقول وقوله الحق { ما ننسخ من آية } - الآية البقرة
____________________
(6/421)


وقد وصل كتاب سيدي يحمد والحمد لله العواقب ويصف المراقى التى حلها والمراقب وينشر المفاخر الحفصية والمناقب ويذكر ما هيأه الله تعالى لديها من إقبال ورخاء بال خصيصى اشتمال ونشوة آمال وأنه اغتبط وارتبط وألقى العصا بعدما خبط ومثل تلك الخلافة العلية من تزن الذوات المخصوصة من الله تعالى بتشريف الأدوات بميزان تمييزها وتفرق بين شبه المعادن وابريزها و شبه الشىء مثل معروف ولقد أخطأ من قال الناس ظروف أنما هم شجرات ريع فى بقعة ماحلة وإبل مائة لا تجد فيها راحلة وما هو إلا اتفاق ونجح للمسلك وإخفاق وقلما كذب إجماع وإصفاق والجليس الصالح لرب سياسة أمل مطلوب وحظ إليه مجلوب وأن سئل أطرف وعمر الوقت ببضاعة أشرف وسرق الطباع ومد فى الحسنات الباع وسلى فى الخطوب وأضحك فى اليوم القطوب وهدى إلى أقوم الطرق وأعان على نوائب الحق وزرع له المودة فى قلوب الخلق زاد الله تعالى سيدي لديها قربا أثيرا وجعل فيه للجميع خيرا كثيرا بفضله وكرمه
ولعلمى بأنه أبقاه الله تعالى يقبل نصحى ولا يرتاب فى صدق صبحى أغبطة بمثواه وأنشده ما حضر من البديهة فى مسارة هذاه ونجواه
( بمقام إبراهيم عذ واصرف به ** فكرا تؤرق عن بواعث تنبري )
( فجواره حرم وأنت حمامه ** ورقاء والأغصان عود المنبر )
( فلقد أمنت من الزمان وريبه ** وهو المروع للمسىء وللبري )
وأن تشوف سيدي فلعمر وليه لو كان المطلوب دنيا لوجب وقوع الاجتزاء
____________________
(6/422)

ولاغتبط بما تحصل فى هذه الجزور المبيعة فى حانوت الزور من السهام الوافرة الأجزاء فالسلطان رعاه الله تعالى يوجب ما فوق مزية التعليم والولد هداهم الله تعالى قد أخذوا بحظ قل أن ينالوه بغير هذا الإقليم والخاصة والعامة تعامل بحسب ما بلته من نصح سليم وترك لما بالأيدي وتسليم وتدبير عاد على عدوها بالعذاب الأليم إلا من أبدى السلامة وهو من إبطان الحسد بحال السليم ولا ينكر ذلك فى الحديث ولا فى القديم ولكن النفس منصرفة عن هذا الغرض نافضة يدها من العرض قد فوتت الحاصل ووصلت فى الله تعالى القاطع وقطعت الواصل وصدقت لما نصح الفود الناصل وتأهبت للقاء الحمام الواصل وقلت
( انظر خضاب الشباب قد نصلا ** وزائر الأنس بعده انفصلا )
( ومطلبى والذى كلفت به ** حاولت تحصيله فما حصلا )
( لا أمل مسعف ولا عمل ** ونحن فى ذا والموت قد وصلا )
والوقت إلى الإمداد منكم بالدعاء فى الأصائل والأسحار إلى مقيل العثار شديد الافتقار والله عز وجل يصل لسيدي رعى جوانبه ويتولى تيسير آماله من فضله العميم ومآربه واقرا عليه من التحيات المحملة من فوق رحال الأريحيات أزكاها ما أوجع البرق الغمائم فأبكاها وحسد الروض جمال النجوم الزواهر فقاسها بمباسم الأزهار وحكاها واضطبن هرم الليل عند الميل عصا الجوزاء وتوكاها ورحمة الله تعالى وبركاته انتهى
107 - ووما خاطب به لسان الدين رحمه الله تعالى ابن مرزوق المذكور قوله
____________________
(6/423)

فى هذه الجزور المبيعة فى حانوت الزور من السهام الوافرة الأجزاء فالسلطان رعاه الله تعالى يوجب ما فوق مزية التعليم والولد هداهم الله تعالى قد أخذوا بخط قل أن ينالوه بغير هذا الإقليم والخاصة والعامة تعامل بحسب ما بلته من نصح سليم وترك لما بالأيدي وتسليم وتدبير عاد على عدوها بالعذاب الأليم إلا من أبدى السلامة وهو من إبطان الحسد بحال السليم ولا ينكر فى الحديث ولا فى القديم ولكن النفس منصرفة عن هذا الغرض نافضة يدها من العرض قد فوتت الحاصل ووصلت فى الله تعالى القاطع وقطعت الواصل وصدقت لما نصح الفود الناصل وتأهبت للقاء الحمام الواصل وقلت
( انظر خضاب الشباب قد نصلا ** وزائر الأنس بعده انفصلا )
( ومطلبى والذى كلفت به ** حاولت تحصيله فما حصلا )
( لا أمل مسعف ولا عمل ** ونحن فى ذا والموت قد وصلا )
والوقت إلى الإمداد منكم بالدعاء فى الأصائل والأسحار إلى مقيل العثار شديد الافتقار والله عز وجل يصل لسيدي رعى جوانبه ويتولى تيسير آماله من فضله العميم ومآربه واقرا عليه من التحيات المحملة من فوق رحال الأريحيات أزكاها ما أوجع البرق الغمائم فأبكاها وحسد الروض جمال النجوم الزواهر فقاسها بمباسم الأزهار وحكاها واضطبن هرم الليل عند عصا الجوزاء وتوكاها ورحمة الله تعالى وبركاته انتهى 107 - ووما خاطب به لسان الدين رحمه الله تعالى ابن مرزوق المذكور قوله
____________________
(6/424)


سيدي وعمادي كشف قناع النصيحة من الوظائف صديق أو خديم لصيق وأنا بكلتا الجهتين جقيق ويتلجلج فى صدري كلام أنا إلى نفثه ذو احتياج ولو فى سبيل هياج وخرق سياج وخوض دياج وقد اصبحت سعادتى عن أصل سعادتك فرعا فوجب النصح طبعا وشرعا فليعلم سيدي أن الجاه ورطة والاستغراق فى تيار الدول غلطة وبمقدار العلو إلا أن يقى الله تعالى تكون السقطة وأنه والله تعالى يعصمه من الحوادث ويقيه من الخطوب الكوارث وإن تبعه الجم فهو مفرد وبسهام الحسدة مقصد وأن الذى يقبل يده يضمر حسده وما من يوم إلا والعلل تستشرى والحيل تريش وتبري وسموم المكايد تسري والعين الساهرة تطرق العين النائمة من حيث تدري ولا تدري وهذا الباب الكريم مخصوص بالزيادة والبركة وخصوصا فى مثل هذه الحركة فثم ظواهر تخالف السرائر وحيل تصيب فى الجو الطائر وما عسى أن يتحفظ المحسود وقد عوت الكلاب وزأرت الأسود وأن ظن سيدي أن الخطة الدينية تذب عن نفسها أو تنفع مع غير جنسها فذلك قياس غير صحيح وهبوب الريح وإنما هى درجة فوق الوزارة والحجابة ودهر يدعى فيبادر بالإجابة وجاه يجر على القبيل الأذيال ويفيذ العز والمال وبحرهال وصدور تحمل الجبال وأن قطع بالأمان من جهة السلطان لم يؤمن أن يقع فيه والله سبحانه يقيه ويمتع به ويبقيه ما البشر بصدده والحى يجري إلى أمده فيستظهر الغير بقبيل ويجرى من التغلب على سبيل ويبقى سيدي والله تعالى يعصمه طائرا بلا جناح ومحاربا دون سلاح ينادي من مكان يثق بوده فى طلل ويقرع سن النادم والأمر جلل ومثله بين غير صنفه ممن لا يتصف بظرف ولا يلتفت إلى الإنسانية بطرف ولا يعبد الله تعالى ولو على حرف محمول عليه من حيث الصنفية معتمد بالعداوة الخفية وأن ظن غير هذا فهو مخدوع مسحور ومفتون مغرور وبالفكر فى الخلاص تفاضلت النفوس واستدفع البوس وله وجوه كلها متعذر
____________________
(6/424)

الحصول دونه بيض النصول إلا ما كان من الغرض الذى بإن فيه بعد الجد الفتور وعدل عنه وقد أخذ الدستور وتيسرت الأمور وتقررت الأيمان والنذور فإنه عرض قريب وسفر قاصد ومسعى لاينفق فيه سيدي من ماله درهم واحد ووطن لحركته راصد لا يمنع عليه أهله ولا يستصعب سهله وأميره جبره الله تعالى يتطارح فى تعيينكم لاقتضائه واحكام آرائه وتأمين خائفه واستقدام اصنافه وطوائفه وتتحركون حركة العز والتنويه والقدر النبيه لا يعوزكم ممن وراءكم مطلب ولا يلفى عن مخالفتكم مذهب ولا يكدر لكم مشرب
وتمر أيام وشهور وتظهر بطون للدهر وظهور وتفتح أبواب وتسبب أسباب من رجوع يتاتى بعد السكون والفتور وقد سكنت الخواطر وتنوعت الأمور أو مقام تمهد به البلاد ويعمل فى ترتيب الصلة الحسنة الاجتهاد وتستغرق فى هذا الغرض الآماد ويتأتى أن حدث وتراكم حادث الاستقلال والاستبداد تتهنا فيه الأعمار ويكون لمن ينتقل به على الشرق والغرب الخيار أو التحكم فى ذخيرة سما منها المقدار وذهل عند مشاهدتها الاعتبار وخزانه الكتب بجملتها وفيها الأمهات الكبار قد تجافت عنها الحاجة وعدم إليها الاضطرار والربع الذى يسوغ بالشرع والعقار فهذا كله حاصل وثم ضامن لا يتهم وكافل وعهود صبغها غير ناصل
وبالجملة فالوطن لأغراض الملك جامع ولمقاصده من المقام أو الانتقال مطيع وسامع وإن توقع إثارة فتنة أو ارتكاب إحنة فالأمر أقرب وحاله المتيسر أغرب وهذه الحجة فى تلمسان غير معتبرة وأجوبتها مقررة وقدوم رسول الطاغية وإعانته تحصل فى الغالب على هذه المطالب وبالجملة فالدنيا
____________________
(6/425)

قد اختلت والأقدام قد زلت والأموال قد قلت وشبيبة الدهر ولت وذلك القطر على علاته أحكم لمن يروم الجاه وأمنع وأجدى بكل اعتبار وأنفع وقد حضرت لاستخلاصكم إياه الآلة التى لا تتأتى فى كل زمان وتهيأ إمكان أي إمكان واقتضيت أيمان وعرضت سلع تقل لها أثمان وارتهنت الوفاء مروءات وأديان وتحقق بذلك القطر الفساد الذى اشتهر به مأموره وأموره وأميره والمنكر الذى يجب على كل مسلم تغييره فإن شئت شرعا فالحكم ظاهر أو طبعا فالطبع حاضر وما ثم عاذل بل عاذر والمؤونة التى تلزم أقل من أن تكون ثمن بعض الحصون فضلا عن الشجرة ذات الغصون وما يستهلك فى هذا الغرض شىء له خطر ولا يستنقذ من الصحيفة سطر واليد محكمة بكل أو شطر
وما يخص المملوك من هذا الأمر إلا استنقاذ نشب واستخلاص مؤمل بين موروث ومكتسب وبعيد إن لا ينعر له فى زمن من الأزمان فلا بد فى كل وقت من أعيان ومروءات وأحساب وأديان والله سبحانه كل يوم هو فى شان وأما خدمة دولة فهى على حرام لا ينجح لى فيها إن أعتمدها مرام وكأنى بالمشرق لاحق ولأنفاسه الذكية ناشق فما هى إلا أطماع سرابها لماع فإذا انقطعت انفسحت الدنيا واتسعت ومعاش فى غمار أو عكوف فى كسر دار لمداومة استقالة واستغفار والله ما توهم أن من بتلك البلاد يستنسر بغاثة عليكم أو يحتقر ما لديكم فقد ظهر الكائن وتطابق المخبر والمعاين فسبحان من يقوى الضعيف ويهين المخيف ويجري يد المشروف والشريف والهمم بيد الله تعالى ينجدها ويخذلها والأرض فى قبضته يرعاها ويهملها
هذا بث لا يسع إفشاؤه وسر إن لم يطو سقط به على السرحان شاؤه
____________________
(6/426)

وفيه ما ينكره الآمر وتتعلق به الظنون وتعمل الخواطر فتدبروه واعتبروه وبعقلكم فاسبروه ثم غطوه بالإحراق واستروه والله تعالى يرشدكم للتى هى أسد ويحملكم على ما فيه لكم العز السرمد والفخر الذى لا ينفد والسلام انتهى
108 - وقال رحمه الله تعالى ومما صدر عنى ما أجبت به عن كتاب بعث به إلى الفقيه الكاتب عن سلطان تلمسان أبى عبد الله محمد بن يوسف القيسي الثغري
( حيا تلمسان الحيا فربوعها ** صدف يجود بدره المكنون )
( ما شئت من فضل عميم إن سقى ** أروى ومن ليس بالمنون )
( أو شئت من دين إذا قدح الهوى ** أورى ودنيا لم تكن بالدون )
( ورد النسيم لها بنشر حديقة ** قد أزهرت أفنانها بفنون )
( وإذا حبيبة أم يحيى أنجبت ** فلها الشفوف على عيون العين )
ما هذا النشر والصف والحشر واللف والنشر والفجر والليالى العشر شذا كما تنفست دارين وسطور رقم حللها التزيين وبيان قام على إبداعه البرهان المبين ونقس وشتى به طرس فجاء كأنه عيون العين لا بل ما هذه الكتائب الكتيبة التى أطلعت علينا الأعنة وأشرعت إلينا الأسنة وراعت الإنس والجنة فاقسم بالرحمن لولا أنها رفعت شعار الأمان وحيت بتحية الإيمان لراعت السرب وعاقت الذود أن يرد الشرب أظنها مدد الجهاد قدم وشارد العرب استعمل فى سبيل الله واستخدم والمتأخر على ما فاته ندم والعزم وجد بعدما عدم نستغفر الله إنما هى رقاع الرفاع
____________________
(6/427)

وصلات صلاة ليس فيها سبق ولا إرباع وبقاع لها بطل الطباع الكريمة انتفاع وألحان بيان يعضدها إيقاع ودر منسوق ورطب لنخلها بسوق ولله درالقائل الملك سوق ومن نصير الشيخ على كتيبة تعقبها كتيبة واقتضاء وجيبة من ذي غلة غير نجيبة بينا هو يكابد من مراجعة الحى من حضر موت الموت ولا يكاد يرجع الصوت إذ صبحته قيس وهى التى شذت عن القياس وأجحمت عن مبارزتها أسود الأخياس فلولا امتثال أمر وصبر على جمر لأعاد ما حكي فى مبارزة الوصى عن عمرو فتحرج من الخطل وبين عذر المكره عن مناجزه البطل الم يدر قائد رعيلها وزائر غيلها أني أمت بذمة من عميده لا تخفر وأن ذنب إضافتى له لا يغفر وحقه الحق الذى لا يجحد ولا يكفر
( لما رأت راية القيسى زاحفة ** إلى ريعت وقالت لى وما العمل )
( قلت الوغى ليس من رأيي ولا عملى ** لا ناقة لى فى هذا ولا جمل )
( قد كان ذاك ورنات الصهيل ضحى ** تهز عطفى كأنى شارب ثمل )
( والآن قد صوح المرعى وقوضت ** الخيمات والركب بعد االلبث محتمل )
( قالت ألست شهاب الدين تضرمها ** حاشا العلا أن يقال استنوق الجمل )
( وان أحسن من هذا وذا وزر ** بمثله فى الدواهي يبلغ الأمل )
( هو الحمى لأبى حمو استجره ففيه ** الأمن منسدل والفضل مكتمل )
( والله لو أهمل الراعى النقاد به ** ما خاف من أسد خفان به همل )
____________________
(6/428)


( تكون من قوم موسى إن قضوا عدلوا ** وان تقاعد دهر جائر حملوا )
( هم الجبال الرواسى كلما حلموا ** هم البحار الطوامى كلما حملوا )
( فقلت كان لك الرحمن بعدي ما ** سواه معتمد والرأى معتمل )
( فها أنا تحت ظل منه يلحفنى ** والشمل منى بستر العز يشتمل )
( فقل لقيس لقد خاب القياس فلا ** تذكوا المصاع وتحت الليل فاحتملوا )
( دامت له ديم النعمى مساجلة ** يمناه تنهمل اليمنى قتنهمل )
( وآمنت شمس علياه الأفول إلى ** طى الوجود فلا شمس ولا حمل )
ولو خوى والعوذ بالله نجم هذا المتات ولم يتصف السبب وحاشاه بالاتصال ولا بالانبتات فمرعى العدل مكفول وسبب الرفق موصول وإن اشتجرت نصول والهرم تأبى الأبطال التنزل إلى نزاله والناسك التائب يدين ضرب الغارات باعتزاله إلا من أعرق فى مذهب الخارجى الأخرق نافع بن الأزرق وحسبى وقد ساء كسبى أن أترك الخطر لراكبه وأخلى الطريق لمن يبنى المنار به ونسير بسير أمثالى من الضعفاء ونكف فهو زمان الانكفاء ونسلم مخطوبة هذا الفن إلى الأكفاء ونقول بالبنين والرفاء فقد ذهب الزمن المذهب وتبين المذهب وشاخ البازي الأشهب وعتاد العمر ينهب ومرهب الفوت من فوق الفود يرهب اللهم ألهم هذه الأنفس رشدها وأذكرها السكرات وما بعدها
إيه أخى والفضل وصفك ونعتك والزيف يبهرجه بحتك وسهام اليراعة انفرد بها بريك ونحتك وصلتنى رسالتك البرة بل غمامتك الثرة وحيتنى ثغور فضلك المفترة فعظمت بورودها المسرة جددت العهد بمحبوب لقائك وأنهلت ظامى الاستطلاع فى سقائك واقتضت تجديد الدعاء ببقائك إلا أنها ربما ذهلت عند وداعك وأبهر عقلها نور إبداعك
____________________
(6/429)

فلم تلقن الوصية وسلكت المسالك القصية وابعدت من التطوف وجاءت تبتغي من أسرار التصوف ومتى تقرن هيبة السبع الشداد بحانوت الحداد أو تنظر أحكام الاعتكاف بدكان الإسكاف أو يتعلم طبع المثقال بحانوت البقال والظن الغالب وقد تلتبس المطالب أنكم أمرتموها لما أصدرتموها بإعمال التشوف فطردت حكم الإبدال غائبة عما يلزم من الجدال وسمت الشين صادا وعينت لزرع الوصية حصادا والله تعالى يجعل المحب عند ظن من نظر بمرآته أو وصفه ببعض صفاته وهى تزلق عن صفاته فالتصوف أشرف وظلاله أورف من أن يناله كلف بباطل ومغرور بسراب ماطل لا برباب هاطل ومفتون بحال حال أو عاطل ومن قال ولم يتصف بمقاله فعقله لم يرم عن عقاله وجبال أثقاله مانعه له عن انتقاله
وعلى ذلك وبعد تقرير هذه المسالك فقد عمرت يدها كيلا تعود بها صفرا بعد إعمال السفر أو ترى انها قد طولبت بذنب الغلط المغتفر واصبحت المراجعة بمجلس وعظ فتحت به باب الحرج إلى إنكار الإمام ابى الفرج وفن الوعظ لما سأل الأخ هو الصديق المسعد والمبرق قبل غمام رحمته والمرعد ولله در القائل لست به ولم تبعد والاعتراض بعد ملازم لكن الإسعاف لقصده لازم وعاملة عند الاعتلال بالعذر جازم وإغضاؤه ملتمس وفضله لا يخبو منه قبس وعذرا أيها الفاضل وبعد الاعتذار عن القلم المهذار وإغفال الحذار اقرأ عليهم من طيب السلام ما يخجل أزهار الكمام عقب الغمام ورحمة الله تعالى من ممليه على الكاتب ولعلها تفثأ من عتب العاتب ابن الخطيب فإنى كتبته والليل دامس وبحر
____________________
(6/430)

الظلام طامس وعادة الكسل طبع خامس والنافخ بشكوى البرد هامس والذبال المنادم خافت لا يهتدى إليه الفراش المتهافت يقوم ويقعد ويفيق ثم يرعد ويزفر ثم يخمد وربما صار ورقة آس أو مبضع آس وربما أشبه العاشق فى البوح بما يخفيه وظهوره من فيه فتميله الآمال وتلويه وتميته النواسم الهفافه بعدما تحييه والمطر قد تعذر معه الوطر وساقه الخطر وفعل فى البيوت المتداعية ما لا يفعل الترك والططر والنشاط قد طوى منه البساط والجوارح بالكلال تعتذر ووظائف الغد تنتظر والفكر فى الأمور السلطانية جائل وهى بحر هائل ومثلى مقنوع منه باليسير ومعذور فى قصر الباع وضعف المسير والسلام انتهى
109 - ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى قوله ومما صدر عنى فى السياسة حدث من امتاز باعتبار الأخبار وحاز درجة الأشتهار بنقل حوادث الليل والنهار وولج بين الكمائم والأزهار وتلطف لخجل الورد من تبسم البهار قال سهر الرشيد ليله وقد مال فى هجر النبيذ ميله وجهد ندماؤه فى جلب راحته وإلمام النوم بساحته فشحت عهادهم ولم يغن اجتهادهم فقال اذهبوا إلى طرق سماها ورسمها وأمهات قسمها فمن عثرتم عليه من طارق ليل أو غثاء سيل أو ساحب ذيل فبلغوه والأمنة سوغوه واستدعوه ولا تدعوه فطاروا عجالى وتفرقوا ركبانا ورجالا فلم يكن إلا ارتداد طرف أو فواق حرف وأتوا بالغنيمة التى اكتسحوها والبضاعة التى ربحوها يتوسطهم الأشعث الأغبر واللج الذى لا يعبر شيخ طويل القامة ظاهر الاستقامة سبلته مشمطة
____________________
(6/431)

وعلى أنفه من القبع مطة وعليه ثوب مرقوع لطير الحرق عليه وقوع يهينم بذكر مسموع وينبىء عن وقت مجموع فلما مثل سلم وما نبس بعدها ولا تكلم فأشار إليه الملك فقعد بعد أن انشمر وابتعد وجلس فما استرق النظر ولا اختلس أنما حركة فكرة معقودة بزمام ذكره ولحظات اعتباره فى تفاصيل أخباره فابتدره الرشيد سائلا وانحراف إليه مائلا وقال ممن الرجل فقال فارسى الأصل أعجمى الجنس عربى الفصل قال بلدك وأهلك وولدك قال أما الولد فولد الديوان وأما البلد فمدينة الإيوان قال النحلة وما اعملت إليه الرحلة قال أما الرحلة فالاعتبار وأما النحلة فالأمر الكبار قال فنك الذى اشتمل عليه دنك فقال الحكمة فنى الذى جعلته أثيرا وأضجعت فيه فراشا وثيرا وسبحان الذى يقول { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } البقرة وما سوى ذلك فتبع ولى فيه مصطاف ومرتبع قال فتعاضد جذل الرشيد وتوفر كأنما أغشى وجهه قطعة من الصبح إذا اسفر وقال ما رأيت كالليلة أجمع لأمل وأنعم شارد بمؤانسة وارد يا هذا إنى سائلك ولن تخيب بعد وسائلك فأخبرنى ما عندك فى هذا الأمر الذى بلينا بحمل أعبائه ومنينا بمراوضة إنائه فقال هذا الأمر قلادة ثقيلة ومن خطة العجز مستقيلة ومفتقرة لسعة الذرع وربط السياسة المدنية بالشرع يفسده الحكم فى غير محله ويكون ذريعة إلى حله ويصلحه مقابلة الشكل بشكله ومن لم يكن سبعا آكلا تداعت سباع إلى أكله
فقال الملك أجملت ففصل وبريت فنصل وكلت فأوصل وانثر الحب لمن يحوصل واقسم السياسة فنونا واجعل لكل لقب قانونا وابدأ بالرعية وشروطها المرعية
____________________
(6/432)

فقال رعيتك ودائع الله تعالى قبلك ومرآة العدل الذى عليه جبلك ولا تصل إلى ضبطهم إلا بإعانة الله تعالى التى وهب لك وأفضل ما استدعيت به عونه فيهم وكفايته التى تكفيهم تقويم نفسك عند قصد تقويمهم ورضاك بالسهر لتنويمهم وحراسة كهلهم ورضيعهم والترفع عن تضييعهم وأخذ كل طبقة بما عليها وما لها أخذا يحوط مالها ويحفظ عليها كمالها ويقصر عن غير الواجبات آمالها حتى تستشعر عليتها رأفتك وحنانك وتعرف أوساطها فى النصب امتنانك وتحذر سفلتها سنانك وحظر على كل طبقة منها أن تتعدى طورها أو تخالف دورها أو تجاوز بأمر طاعتك فورها وسد فيها سبل الذريعة وأقر جميعها عن خدمة الملك بموجب الشريعة وامنع أغنياءها من البطر والبطالة والنظر فى شبهات الدين بالتمشدق والإطالة وليقل فيما شجر بين الناس كلامها ويرفض ما تنبز به أعلامها فإن ذلك يسقط الحقوق ويرتب العقوق وامنعهم من فحش الحرص والشره وتعاهدهم بالمواعظ التى تجلو البصائر من المره واحملهم من الاجتهاد فى العمارة على أحسن المذاهب وانههم عن التحاسد على المواهب ورضهم على الإنفاق بقدر الحال والتعزي عن الفائت فرده من المحال وحذر البخل على أهل اليسار والسخاء على أولى الإعسار وخذهم من الشريعة بالواضح الظاهر وامنعهم من تأويلها منع القاهر ولا تطلق لهم التجمع على من أنكروا أمره فى نواديهم وكف عنهم أكف تعديهم ولا تبح لهم تغيير ما كرهوه بأيديهم ولتكن غايتهم فيما توجهت إليه إبايتهم ونكصت عن الموافقة عليه رايتهم انهاءه إلى من وكلته بمصالحهم من ثقاتك المحافظين على أوقاتك وقدم منهم من أمنت عليهم مكره وحمدت على الإنصاف شكره ومن كثر حياؤه من التأنيب وقابل الهفوة باستتابة المنيب ومن لا يتخطى عندك محله الذى حله فربما عمد إلى المبرم فحله وحسن النية لهم
____________________
(6/433)

بجهد الاستطاعة واغتفر المكاره فى جنب حسن الطاعة وإن ثار جرادهم واختلف فى طاعتك مرادهم فتحصن لثورتهم واثبت لفورتهم فإذا سالوا وسلوا وتفرقوا وانسلوا فاحتقر كثرتهم ولا تقل عثرتهم واجعلهم لما بين أيديهم وما خلفهم نكالا ولاتترك لهم على حلمك اتكالا
ثم قال والوزير الصالح أفضل عددك وأوصل مددك فهو الذى يصونك عن الابتذال ومباشرة الانذال ويثب لك على الفرصة وينوب فى تجرع الغصة واستجلاء القصة ويستحضر مانسيته من أمورك ويغلب فيه الرأى بموافقة مأمورك ولا يسعه ما تمكنك المسامحة فيه حتى يستوفيه واحذر مصادمة تياره والتجوز فى اختياره وقدم استخارة الله تعالى فى ايثاره وأرسل عيون الملاحظة على آثاره وليكن معروفا بالإخلاص لدولتك معقود الرضى والغضب برضاك وصولتك زاهدا عما فى يديك مؤثرا لكل ما يزلف لديك بعيد الهمة راعيا للأذمة كامل الآلة محيطا بالإيالة رحيب الصدر رفيع القدر معروف البيت نبيه الحى والميت مؤثرا للعدل والإصلاح دريا بحمل السلاح ذا خبرة بدخل المملكة وخرجها وظهرها وسرجها صحيح العقد متحرزا من النقد جادا عند لهوك متيقظا فى حال سهوك يلين عند غضبك ويصل الإسهاب بمقتضبك قلقا من شكره دونك وحمده ناسبا لك الإصابة بعمده وإن أعيا عليك وجود أكثر هذه الخلال وسبق إلى نقضها شىء من الاختلال فاطلب منه سكون النفس وهدونها وإن لا يرى منك رتبة إلا رأى قدره دونها وتقوى الله تعالى تفضل شرف الانتساب وهى للفضائل فذلكه الحساب وساو فى حفظ غيبه بين قربه ونأيه واجعل حظه من نعمتك موازيا لحظك من حسن رايه واجتنب منهم من يرى فى نفسه إلى الملك سبيلا أو يقود من عيصه للاستظهار عليك قبيلا أو من كاثر مالك ماله أو من تقدم لعدوك استعماله أو من سمت لسواك آماله أو من يعظم عليه إعراض وجهك ويهمه نادر نجهك
____________________
(6/434)

أو من يداخل غير أحبابك أو من ينافس أحدا ببابك
وأما الجند فاصرف التقديم منهم للمقاتلة والمكايدة والمخاتلة واستوف عليهم شرائط الخدمة وخذهم بالثبات للصدمة ووف ما أوجبت لهم من الجراية والنعمة وتعاهدهم عند الغناء بالعلفة والطعمة ولا تكرم منهم إلا من أكرمه غناؤه وطاب فى الذب عن ظنك ثناؤه وول عليهم النبهاء من خيارهم واجتهد فى صرفهم عن الافتتان بأهليهم وديارهم ولا توطئهم الدعة مهادا وقدمهم على حصصك وبعوثك مهما أردت جهادا ولا تلين لهم فى الإغماض عن حسن طاعتك قيادا وعودهم حسن المواساة بانفسهم اعتيادا ولا تسمح لأحد منهم فى إغفال شىء من سلاح استظهاره أو عدة اشتهاره وليكن ما فضل من شبعهم وريهم مصروفا إلى سلاحهم وزيهم والتزيد فى مراكبهم وغلمانهم من غير اعتبار لأثمانهم وامنعهم من المستغلات والمتاجر وما تكسب به غير المشاجر وليكن من الغوار اكتسابهم وعلى المغانم حسابهم كالجوارح التى تفسد باعتيادها أن تطعم من غير اصطيادها
واعلم أنها لا تبذل نفوسها من عالم الإنسان إلا لمن يملك قلوبها بالإحسان وفضل اللسان ويملك حركاتها بالتقويم ورتبها بالميزان القويم ومن تثق بإشفاقه على أولادها ويشترى رضى الله تعالى بصبره على طاعته وجلادها فإذا استشعرت لها هذه الخلال تقدمتك إلى مواقف التلف مطيعة دواعى الكلف واثقة منك بحسن الخلف واستبق إلى تمييزهم استباقا وطبقهم طباقا أعلاها من تأملت منه فى المحاربة عنك أخطارا وأبعدهم فى مرضاتك مطارا وأضبطهم لما تحت يده من رجالك حزما ووقارا واستهانة بالعظائم واحتقارا وأحسنهم لمن تقلده أمرك من الرعية جوارا إذا أجدت اختبارا وأشدهم على مماطلة من مارسه من الخوارج عليك اصطبارا ومن بلا فى الذى عن لك إحلاء وإمرارا ولحقه الضر فى معارض الدفاع
____________________
(6/435)

عنك مرارا وبعده من كانت محبته لك أزيد من نجدته وموقع رأية أنفع من موقع صعدته وبعدهما من حسن انقياده لأمرائك وإحماده لآرائك ومن جعل نفسه من الأمر حيث جعله وكان صبره على ما عراه أكثر من اعتداده بما فعله
واحذر منهم من كان عند نفسه أكبر من موقعه فى الانتفاع ولم يستحى من التزيد بأضعاف ما بذله من الدفاع وشكا البخس فيما تعذر عليه من فوائدك وقاس بين عوائد عدوك وعوائدك وتوعد بانتقاله عنك وارتحاله وأظهر الكراهية لحاله
وأما العمال فإنهم ينبئون عن مذهبك وحالهم فى الغالب شديدة الشبه بك فعرفهم فى أمانتك السعادة وألزمهم فى رعيتك العادة وأنزلهم من كرامتك بحسب منازلهم فى الاتصاف بالعدل والإنصاف واحلهم من الحفاية بنسبة مراتبهم من الأمانة والكفاية وقفهم عند تقليد الأرجاء مواقف الخوف والرجاء وقرر فى نفوسهم أن أعظم ما به إليك تقربوا وفيه تدربوا وفى سبيله أعجموا وأعربوا إقامة حق ودحض باطل حتى لا يشكو غريم مطل ماطل وهو آثر لديك من كل رباب هاطل وكفهم من الرزق الموافق عن التصدى لدنىء المرافق واصطنع منهم من تيسرت كلفته وقويت للرعايا ألفته ومن زاد على تأميله صبره وأربى على خبره خبره وكانت رغبته فى حسن الذكر تشف على بنات الفكر واجتنب منهم من يغلب عليه التخرق فى الإنفاق وعدم الإشفاق والتنافس فى الاكتساب وسهل عليه سوء الحساب وكانت ذريعته المصانعه بالنفاية دون التقصى والكفاية ومن كان منشؤة خاملا ولأعباء الدناءة حاملا وابغ من يكون الاعتذار فى أعماله أوضح من الاعتذار فى أقواله ولايفتننك ممن قلدته اجتلاب الحظ المقنع والتنفق بالسعى المسمع ومخالفة السنن المرعية واتباعه رضاك بسخط الرعية فإنه قد غشك من حيث بلك ورشك وجعل من يمينك
____________________
(6/436)

فى شمالك حاضر مالك ولا تضمن عاملا مال عمله وحل بينه فيه وبين أمله فإنك تميت رسومك بمحياه وتخرجه من خدمتك فيه إلا أن تملكه إياه ولا تجمع له بين الأعمال فيسقط استظهارك ببلد على بلد والاحتجاج على والد بولد واحرص على أن يكون فى الولاية غريبا ومنتقلة منك قريبا ورهينة لا يزال معها مريبا ولا تقبل مصالحته على شىء اختانه ولو برغيبة فتاته فتقبل المصانعة فى أمانتك وتكون مشاركا له فى خيانتك ولا تطل مدة العمل وتعاهد كشف الأمور ممن يرعى الهمل ويبلغ الأمل
وأما الولد فأحسن آدابهم واجعل الخير دابهم وخف عليهم من إشفاقك وحنانك أكثر من غلظة جنانك واكتم عنهم ميلك وأفض فيهم جودك ونيلك ولا تستغرق بالكلف بهم يومك ولا ليلك وأثبهم على حسن الجواب وسبق لهم خوف الجزاء على رجاء الثواب وعلمهم الصبر على الضرائر والمهلة عند استخفاف الجرائر وخذهم بحسن السرائر وحبب إليهم مراس الأمور الصعبة المراس وحسن الاصطناع والاحتراس والاستكثار من أولى المراتب والعلوم والسياسات والحلوم والمقام المعلوم وكره إليهم مجالسة الملهين ومصاحبة الساهين وجاهد أهواءهم عن عقولهم وحذر الكذب على مقولهم ورشحهم إذا آنست منهم رشدا أو هديا وأرضعهم من الموازرة والمشاورة ثديا لتمرنهم على الاعتياد وتحملهم على الازدياد ورضهم رياضة الجياد واحذر عليهم الشهوات فهى داؤهم وأعداؤك فى الحقيقة وأعداؤهم وتدارك الخلق الذميمة كلما نجمت واقدعها إذا هجمت قبل أن يظهر تضعيفها ويقوى ضعيفها فإن أعجزتك فى الصغر الحيل عظم الميل
( إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ** ولن تلين إذا قومتها الخشب )
وإذا قدروا على التدبير وتشوفوا للمحل الكبير اياك إن توطنهم فى
____________________
(6/437)

مكانك جهد إمكانك وفرقهم فى بلدانك تفريق عبدانك واستعملهم فى بعوث جهادك والنيابة عنك فى سبيل اجتهادك فإن حضرتك تشغلهم بالتحاسد والتبارى والتفاسد وانظر إليهم بأعين الثقات فإن عين الثقة تبصر ما لا تبصر عين المحبة والمقة
وأما الخدم فإنهم بمنزلة الجوارح التى تفرق بها وتجمع وتبصر وتسمع فرضهم بالصدق والأمانة وصنهم صون الجمانة وخذهم بحسن الانقياد إلى ما آثرته والتقليل مما استكثرته واحذر منهم من قريت شهواته وضاقت عن هواه لهواته فإن الشهوات تنازعك فى استرقاقه وتشاركك فى استحقاقه وخيرهم من ستر ذلك منه بلطف الحيلة وآداب للفساد محيلة وأشرب قلوبهم أن الحق فى كل ما حاولته واستنزلته وأن الباطل فى كل ما جانبته واعتزلته وأن من تصفح منهم أمورك فقد أذنب وباين الأدب وتجنب وأعط من أكددته وأضقت منه ملكه وشددته روحه يشتغل فيها بما يعنيه على حسب صعوبة ما يعانيه تغبطهم فيها بمسارحهم وتجم كليلة جوارحهم ولتكن عطاياك فيهم بالمقدار الذى لا يبطر أعلامهم ولا يؤسف الأصاغر فيفسد أحلامهم ولا ترم محسنهم بالغاية من إحسانك واترك لمزيدهم فضله من رفدك ولسانك وحذر عليهم مخالفتك ولو فى صلاحك بحد سلاحك وامنعهم من التواثب والتشاجر ولا تحمد لهم شيم التقاطع والتهاجر واستخلص منهم لسرك من قلت فى الإفشاء ذنوبه وكان أصبر على ما ينوبه ولودائعك من كانت رغبته فى وظيفة لسانك أكثر من رغبته فى إحسانك وضبطه لما تقلد من وديعتك أحب إليه من حسن صنيعتك وللسفارة عنك من حلا الصدق فى فمه وآثره ولو باختطار دمه واستوفى لك وعليك فهم ما تحمله وعنى بلفظه حتى لا يهمله ولمن تودعه أعداء دولتك من كان مقصور الأمل قليل القول صادق العمل ومن كانت
____________________
(6/438)

قسوته زائدة على رحمته وعظمه فى مرضاتك آثر من شحمته ورأيه فى الحذر سديد وتحرزه من الحيل شديد ولخدمتك فى ليلك ونهارك من لانت طباعه وامتد فى حسن السجية باعه وأمن كيده وغدره وسلم من الحقد صدره ورأى المطامع فما طمع واستثقل إعادة ماسمع وكان بريئا من الملال والبشر عليه أغلب الخلال ولا تؤنسهم منك بقبيح فعل ولا قول ولا تؤيسهم من طول ومكن فى نفوسهم أن أقوى شفعائهم وأقرب إلى الإجابة من دعائهم إصابة الغرض فيما به وكلوا وعليه شكلوا فإنك لا تعدم بهم انتفاعا ولا يعدمون لديك ارتفاعا
وأما الحرم فهن مغارس الولد ورياحين الخلد وراحة القلب الذى أجهدته الأفكار والنفس التى تقسمها الإحماد إلى المساعى والإفكار فاطلب منهن من غلب عليهن من حسن الشيم المترفعة عن القيم ما لا يسوءك فى خلدك أن يكون فى ولدك وأحذر أن تجعل لفكر بشر دون بصر اليهن سبيلا وانصب دون ذلك عذابا وبيلا وأرعهن من النساء العجز من بانت فى الديانة والأمانة سبله وقويت غيرته ونبله وخذهن بسلامة النيات والشيم السنيات وحسن الاسترسال والخلق السلسال وحذر عليهن التغامز والتغاير والتنافس والتخاير وآس بينهن فى الأغراض والتصامم عن الإغراض والمحاباة بالأعراض وأقلل من مخالطتهن فهو أبقى لهمتك وأسبل لحرمتك ولتكن عشرتك لهن عند الكلال والملال وضيق الاحتمال بكثرة الأعمال وعند الغضب والنوم والفراغ من نصب اليوم واجعل مبيتك بينهن تنم بركاتك وتستتر حركاتك وافصل من ولدت منهن إلى مسكن تختبر به استقلالها وتعتبر بالتفرد خلالها ولا تطلق لحرمة شفاعة ولا تدبيرا ولا تنط بها من الأمر صغيرا ولا كبيرا واحذر إن يظهر على خدمهن فى خروجهن عن القصور وبروزهن من أجمة الأسد الهصور زي بارع ولا طيب للأنوف مسارع واخصص بذلك من طعن فى السن ويئس من الإنس
____________________
(6/439)

والجن ومن توفر النزوع إلى الخيرات قبله وقصر عن جمال الصورة ورسم بالبله
ثم لما بلغ إلى هذا الحد حمى وطيس اسحنفاره وختم حزبه باستغفاره ثم صمت مليا واستعاد كلاما أوليا
ثم قال واعلم يا أمير المؤمنين سدد الله تعالى سهمك لأغراض خلافته وعصمك من الزمان وآفته أنك فى مجلس الفصل ومباشرة الفرع من ملكك والأصل فى طائفة من عز الله تعالى تذب عنك حماتها وتدافع عن حوزتك كماتها فاحذر أن يعدل بك غضبك عن عدل تزرى منه بضاعة أو يهجم بك رضاك على إضاعة ولتكن قدرتك وقفا على الاتصاف بالعدل والإنصاف واحكم بالسوية واجنح بتدبيرك إلى حسن الروية وخف إن تقعد بك أناتك عن حزم تعين أو تستفزك العجلة فى أمر لم يتبين وأطع الحجة ما توجهت إليك ولا تحفل بها إذا كانت عليك فانقيادك إليها أحسن من ظفرك والحق أجدي من نفرك ولا تردن النصيحة فى وجه ولا تقابل عليها بنجه فتمنعها إذا استدعيتها وتحجب عنك إن استوعيتها ولا تستدعها من غير أهلها فيشغبك أولو الأغراض بجهلها واحرص على أن لا ينقضى مجلس جلسته أو زمن اختلسته إلا وقد أحرزت فضيلة زائدة أو وثقت منه فى معادك بفائدة
ولا يزهدنك فى المال كثرته فتقل فى نفسك أثرته وقس الشاهد بالغائب واذكر وقوع ما لا يحتسب من النوائب فالمال المصون أمنع الحصون ومن قل ماله قصرت آماله وتهاون بيمينه شماله والملك إذا فقد خزينه أخنى على أهل الجدة التى تزينه وعاد على رعيته بالإجحاف وعلى جبايته بالإلحاف وساء معتاد عيشه وصغر فى عيون جيشه ومنوا عليه بنصره وأنفوا من الاقتصار على قصره وفى المال قوة سماوية تصرف الناس لصاحبه وتربط آمال أهل السلاح به والمال نعمة الله تعالى فلا تجعله ذريعة إلى خلافة فتجمع
____________________
(6/440)

بالشهوات بين إتلافك وإتلافه واستأنس بحسن جوارها واصرف فى حقوق الله تعالى بعض أطوارها فإن فضل المال عن الأجل فأجل ولم يضر ما خلف منه بين يدي الله عز وجل وما ينفق فى سبيل الشريعة وسد الذريعة مأمول خلفه وما سواه فمتعين تلفه
واستخلص لنواديك الغاصة ومجالسك العامة والخاصة من يليق بولوج عتبها والعروج لرتبها أما العامية فمن عظم عند الناس قدرة وانشراح بالعلم صدره أو ظهر يساره وكان لله تعالى إخباته وانكساره ومن كان للفتيا منتصبا وبتاج المشورة معتصبا وأما الخاصية فمن رقت طباعة وامتد فيما يليق بتلك المجالس باعه ومن تبحر فى سير الحكماء وأخلاق الكرماء ومن له فضل سافر وطبع للدنية منافر ولديه من كل ما تستتر به الملوك عن العوام حظ وافر وصف ألبابهم بمحصول خيرك وسكن قلوبهم بيمن طيرك وأغنهم ما قدرت عن غيرك
واعلم بأن مواقع العلماء من ملكك مواقع المشاعل المتألقة والمصابيح المتعلقة وعلى قدر تعاهدها تبذل من الضياء وتجلو بنورها صور الأشياء وفرغها لتحبير ما يزين مدتك ويحسن من بعد البلاء جدتك وبعناية الأواخر ذكرت الأول وإذا محيت المفاخر خربت الدول
واعلم إن بقاء الذكر مشروط بعمارة البلدان وتخليد الآثار الباقية فى القاصى والدان فاحرص على ما يوضح فى الدهر سبلك ويحرز المزية على من قبلك وإن خير الملوك من ينطق بالحجة وهو قادر على القهر ويبذل الإنصاف فى السر والجهر مع التمكن من المال والظهر ويسار الرعية جمال للملك وشرف وفاقتهم من ذلك طرف فغلب اليق الحالين بمحلك وأولاهما بظعنك وحلك
واعلم أن كرامة الجور داثرة وكرامة العدل متكاثرة والغلبة بالخير
____________________
(6/441)

سيادة وبالشر هوادة واعلم إن حسن القيام بالشريعة يحسم عنك نكاية الخوارج ويسمو بك إلى المعارج فإنها تقصد أنواع الخدع وتورى بتغيير البدع وأطلق على عدوك أيدي الأقوياء من الأكفاء وألسنة اللفيف من الضعفاء واستشعر عند نكثة شعار الوفاء
ولتكن ثقتك بالله تعالى أكثر من ثقتك بقوة تجدها وكتيبة تنجدها فإن الإخلاص يمنحك قوى لا تكتسب ويمهد لك مع الأوقات نصرا لا يحتسب
والتمس أبدا سلم من سالمك بنفيس ما فى يدك وفضل حاصل يومك على منتظر غذك فإن أبى وضحت محجتك وقامت عليه للناس بذلك حجتك فللنفوس على الباغين ميل ولها من جانبه نيل واستهد فى كل يوم سيرة من يناويك واجتهد أن لا يوازيك فى خير ولا يساويك وأكذب بالخير ما يشيعه من مساويك ولا تقبل من الإطراء إلا ما كان فيك فضل عن إطالته وجد يزرى على بطالته ولا تلق المذنب بحميتك وسبك واذكر عند حركة الغضب ذنوبك الى ربك ولا تنس إن رب المذنب أجلسك مجلس الفصل وجعل فى قبضتك رياش النصل
وتشاغل فى هدنة الأيام بالاستعداد واعلم إن التراخى منذر بالاشتداد ولا تهمل عرض ديوانك واختبار أعوانك وتحصين معاقلك وقلاعك
وعم ايالتك بحسن اطلاعك ولا تشغل زمن الهدنة بلذاتك فتجنى فى الشدة على ذاتك ولا تطلق فى دولتك ألسنة الكهانة والإرجاف ومطاردة الآمال العجاف فإنه يبعث سوء القول ويفتح باب العول وخذ على المدرسين والمتعلمين والعلماء والمتكلمين حمل الأحداث على الشكوك الخالجة والمزلات الوالجة فإنه يفسد طباعهم ويغرى سباعهم ويمد فى مخالفة الملة باعهم وسد سبيل الشفاعات فإنها تفسد عليك حسن الاختيار ونفوس الخيار وابذل فى الأسرى من حسن ملكتك ما يرضى من ملكك رقابها وقلدك ثوابها وعقابها وتلق بدء نهارك بذكر الله تعالى فى ترفعك وابتذالك واختم اليوم بمثل ذلك
____________________
(6/442)


واعلم أنك مع كثرة حجابك وكثافة حجابك بمنزلة الظاهر للعيون المطالب بالديون لشدة البحث عن أمورك وتعرف السر الخفى بين أمرك ومأمورك فاعمل فى سرك ما لا تستقبح أن يكون ظاهرا ولا تأنف إن تكون به مجاهرا وأحكم بريك فى الله ونحتك وخف من فوقك يخف من تحتك واعلم إن عدوك من أتباعك من تناسيت حسن قرضه أو زادت مؤونته على نصيبه منك وفرضه فأصمت الحجج وتوق اللجج واسترب بالأمل ولا يحملنك انتظام الأمور على الاستهانة بالعمل ولا تحقرن صغير الفساد فياخذ فى الاستئساد واحبس الألسنة عن التخالى باغتيابك والتشبث بأذيال ثيابك فإن سوء الطاعة ينتقل من الأعين الباصرة إلى الألسن القاصرة ثم إلى الأيدي المتناصرة ولا تثق بنفسك فى قتال عدو ناواك حتى تظفر بعدو غضبك وهواك وليكن خوفك من سوء تدبيرك أكثر من عدوك الساعى فى تتبيرك وإذا اسنزلت ناجما أو أمنت ثائرا هاجما فلا تقلده البلد الذى فيه نجم وهمى عارضه فيه وانسجم يعظم عليك القدح فى اختيارك والغض من إيثارك واحترز من كيده فى حورك ومأمك فانك اكبر همه وليس باكبر همك وجمل المملكة بتأمين الفلوات وتسهيل الأقوات وتجديد ما يتعامل من الصرف فى البياعات وإجراء العوائد مع الأيام والساعات ولا تبخس عيار قيم البضاعات ولتكن يدك عن أموال الناس محجورة وفى احترامها إلا عن الثلاثة مأجورة مال من عدا طوره طور أهله وتخارق فى الملابس والزينة وفضول المدينة يروم معارضتك بجهله ومن باطن أعداك وأمن اعتداك ومن أساء جوار رعيتك بإخساره وبذل الأذاية فيهم بيمينه ويساره
____________________
(6/443)

وأضر ما منيت به التعادى بين عبدانك أو فى بلد من بلدانك فسد فيه الباب واسأل عن الأسباب وانقلهم بوساطة أولى الألباب إلى حالة الأحباب ولا تطوق الأعلام أطواق المنون بهواجس الظنون فهو أمر لا يقف عند حد ولا ينتهى إلى عد واجعل ولدك فى احتراسك حتى لا يطمع فى افتراسك
ثم لما رأى الليل قد كاد ينتصف وعموده يريد أن ينقصف ومجال الوصايا أكثر مما يصف قال يا أمير المؤمنين بحر السياسة زاخر وعمر المتمتع بناديك مستاخر فإن أذنت فى فن من فنون الأنس يجذب بالمقاد إلى راحة الرقاد ويعتق النفس بقدرة ذى الجلال من ملكه الكلال
فقال أما وقد استحسنا ما سردت فشأنك وما أردت
فاستدعى عودا فأصلحه حتى حمده وأبعد فى اختباره امده ثم حرك بمه وأطال الجس ثمه ثم تغنى بصوت يستدعى الإنصات ويصدع الحصاة ويستفز الحليم عن وقاره ويستوقف الطير ورزق بنيه فى منقاره وقال
( صاح ما أعطر القبول بنمه ** أتراها أطالت اللبث ثمه )
( هى دار الهوى منى النفس فيها ** أبد الدهر والأمانى جمه )
( إن يكن ما تأرج الجو منها ** واستفاد الشذا وإلا فممه )
( من لطرفى بنظرة ولأنفى ** فى رباها وفى ثراها بشمه )
( ذكر العهد فانتفضت كأنى ** طرقتنى من الملائك لمه )
( وطن قد نضيت فيه شبابا ** لم تدنس منه البرود مذمه )
( بنت عنه والنفس من أجل من قد ** خلفته خلاله مغتمه )
( كان حلما فويح من أمل الدهر ** وأعماه جهله وأصمه )
( تأمل العيش بعد أن خلق الجسم ** وبنيانه عسير المرمه )
( وغدت وفرة الشبيبة بالشيب ** على رغم أنفها معتمه )
____________________
(6/444)


( فلقد فاز سالك جعل الله ** إلى الله قصده ومأمه )
( من يبت من غرور دنيا بهم ** يلدغ القلب أكثر الله همه )
ثم أحال اللحن إلى لون التنويم فأخذ كل فى النعاس والتهويم وأطال الجس فى الثقيل عاكفا عكوف الضاحى فى المقيل فخاط عيون القوم بخيوط النوم وعمر بهم المراقد كأنما أدار عليهم الفراقد ثم انصرف فما علم به أحد ولا عرف ولما أفاق الرشيد جد فى طلبه فلم يعلم بمنقلبه فأسف للفراق وأمر بتخليد حكمه فى بطون الأوراق فهى إلى اليوم تتلى وتنقل وتجلى القلوب بها وتصقل والحمد لله رب العالمين انتهى
قال في الإحاطة بعد إيراد نبذة من نثره ما صورته فهذا ما حضر من المنثور وحظه عندي من الإجادة ضعيف وغرضه كما شاء الله تعالى سخيف لكن الله سبحانه بعباده لطيف انتهى
110 - ومما علق بحفظى من نثره قوله فى تحليته لبعض أهل زمانه هو إمام الفئة وعين أعيان هذه المائة
111 - وقوله فى وصف فاس نعم العرين لأسود بنى مرين ذات المشاهد التى منها مطرح الجنة ومسجد الصابرين
( بلد أعارته الحمامة طوقها ** وكساه ريش جناحه الطاووس )
( فكأنما الأنهار فيه مدامة ** وكأن ساحات الديار كؤوس )
جمعت ما ولد سام وحام وكثر الالتئام والالتحام واشتد الزحام إلى
____________________
(6/445)

أن قال يلقى الرجل أبا مثواه فلا يدعوه لبيته ولا يطعمه من بقله وزيته لا يطرق الضيف حماهم ولا يعرف اسمهم ولا مسماهم { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم } ص 112 - وقوله فى وصف مراكش المحروسة ذات المقاصر والقصور ومأوى الليث الهصور ومسكن الناصر والمنصور إلى أن قال ومنارها فى الفلاة بمنزلة وإلى الولاة
ثم بعد كلام إلا أن خرابها هائل وزحامها حرب وائل وعقاربها كثيرة الدبيب منغصة لمضاجعة الحبيب انتهى ما كتبته من حفظى لطول العهد
113 - وقال رحمه الله تعالى فى وصف مدينة بسطة من كلام لم يحضرنى جميعة الآن محل خصيب ومنزل رحيب وكفاها مسجد الجنة دليلا على البركة وباب المسك دليلا على الطيب ولها من اسمها نصيب إذ هى بحر الطعام وينبوع العيون المتعددة بتعدد أيام العام انتهى فى ذكر بسطة
ولما أجرى ذكر بسطة الإمام أبو الحسن القلصادى فى رحلته قال سقى الله تعالى أرجاءها المشرقة وأغصانها المورقة شآبيب الإحسان ومهدها بالهدنة واالأمان دار تخجل منها الدور وتتقاصر عنها القصور وتقر لها بالقصور مع ما حوته من المحاسن والفضائل من صحة أجسام أهلها وما طبعوا
____________________
(6/446)

عليه من كرم الشمائل وجسبك فيها من عدم الحرج أن داخلها باب الفرج ثم قال ولله در القائل
( دار مشى الإتقان فى تنجيدها ** حتى تناسب روضها وبناؤها )
( مرقومة الجنبات ذات قرارة ** يمتد قدام العيون فضاؤها )
( ما زال يضحك دائما نوارها ** فى وجه ساحته ويلعب ماؤها )
ولبعض أصحابنا فيها وهو الأديب الكاتب أبو عبد الله ابن الأزرق
( فى بسطة حيث الأباطح مشرقة ** أضحت جفونى بالمحاسن مغلقة ) وله أيضا فى تورية
( قل لمن رام النوى عن وطن ** قوله ليس بها من حرج )
( فرج الهم بسكنى بسطة ** إن فى بسطة باب الفرج ) رجع 114 - ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى ما خاطب به السلطان على لسان جدته وهو
إلى قرة أعيننا وأعين المؤمنين وفلذة كبدنا الذى نصل للقائه الحنين بالحنين وعزنا الذى حللنا من كنفه بالحرم الأمين وسترنا الذى خلفنا برضاه من أفقده الدهر من كرم البنين ووارثنا المستأثر بعدنا بطول السنين أمير المسلمين الأسعد المؤيد الموفق الطاهر البر الرحيم الأرضى الكافل الفاضل حفيدنا محمد ابن ولدنا الرضى وواحدنا الكريم الحفى السلطان الكبير الجليل السعيد الطاهر الظاهر المقدس جعل الله تعالى من عصمته لزيما يرافقه وأجرى القدر بما يوافقه وحفظ عليه الكمال الذى تناسب فيه خلقه وخلائقه والبر الذى حسنت فيه طرقه وطرائقه
____________________
(6/447)


من المستظلة بظلال رضاه وبره المبتهلة إلى الله تعالى فى عز نصره وسعادة أمره الداعية إلى الله تعالى أن يسترها فى الحياة وما بعدها بسترة وما يفضل عمرها من عمره جدته التائقة إليه كتبته من كنفه العزيز بحمرائه العلية عن الخير الدائم بدوامه واليسر الملازم ببركة أيامه ولا زائد بفضل الله تعالى إلا الشوق اليه وتحويم الكبد الخافقة خفوق رايته عليه وتجهيز مواكب الدعاء المقبول من خلفه ومن بين يديه
وقد وصل كتابه العزيز الوفادة والوصول الكريم الجمل والفصول مطلع وجه السرور والجذل ومهدي قصي الأمل ومجدد العهد بحديثه الذى فى ضمنه شفاء الغلل وبرء العلل ومهديا تحفة عافيته وهى الهدية التى جلت عن المكافأة وترفعت عن المجازاة إنما يجازى عليها من يصل بفضله عادتها ويوالى بعد الابداء إعادتها
ووصفتم يا ولدى ما عرفتم من نعم الله تعالى التى انثالت عليكم سحابها وعنايته التى يلقى ركابكم تسهالها وترحابها واستبشار الجهات بقدومكم الميمون واجتلاء وجهكم الذى فيه للإسلام قرة العيون وكيف لا يكون ذلك وأنتم ذخرهم العزيز وحرزهم الحريز والندرة التى خلصها من معادن سلفكم الذهب الإبريز فى أيامكم والحمد لله نامت أجفانهم وتكيف أمانهم نسأل الله تعالى أن يديم لنا ولهم نعمة بقائكم ويعلى الدين بعلوكم فى معارج العز وارتقائكم فقابلنا ما قرره سلطاانكم بالحمد والثناء والشكر المتصل على الآناء ومحضتكم من خالص الدعاء ما يتكفل لكم بالحسنى وما وعد الله تعالى من نيل الرجاء وتمهيد الأرجاء وأصدرت هذا الجواب لكم مصدر الهناء بنعم الله تعالى المغدقة والآلاء ونسأل من فضلكم وبركم صلة التعريف بمثل هذه الأخبار السارة والأنباء وإتحافنا بمثلها مع الصباح والمساء وإن كان مجدكم غنيا عن الشبه لمثل هذه الأشياء أدام الله تعالى لكم اسباب البقاء وكان لكم فى كل حال من إقامة وارتحال بعزة وجهه وقدرته انتهى
____________________
(6/448)


ويرحم الله تعالى لسان الدين ابن الخطيب فإنه يعبر فى كل مقام بما يليق فتارة يترقى فى أدراج البراعة وطورا يهتك عنان اليراعة شعر لسان الدين
وأما شعر لسان الدين رحمه الله تعالى فهو من النهاية فى الحسن وقد قدمنا فى هذا الكتاب منه نبذة فى اثناء نثره وكلامه الذى جلبناه وفى مواضع غيرهما جملة مفيدة من شعره رحمه الله تعالى
وقال رحمه الله تعالى فى الإحاطة ما نصه الشعر ولنثبت جملة من مطولاته ونتله بشىء من مقطوعاته ونقدم من المطولات أمداح رسول الله صلى الله عليه وسلم تبركا بها فمن ذلك قولى
( هل كنت تعلم فى هبوب الريح ** نفسا يؤجج لاعج التبريح )
( أهدتك من شيح الحجاز تحية ** فاحت لها عرض الفجاج الفيح )
( بالله قل لى كيف نيران الهوى ** ما بين ريح فى الفلاة وشيح )
( وخضيبة المنقار تحسب أنها ** نهلت بمورد دمعى المسفوح )
( باحت بما تخفي وناحت فى الدجى ** فرأيت فى الآماق دعوة نوح )
( نطقت بما يخفيه قلبى أدمعى ** ولطالما صمتت عن التصريح )
( عجبا لأجفان حملن شهادة ** عن خافت بين الضلوع جريح )
( ولقلما كتبت رواة مدامعي ** في صفحتيها حلية التجريح )
( جاد الحمى بعدي وأجراع الحمى ** جود تكل به متون الريح )
( هن المنازل ما فؤادي بعدها ** سال ولا وجدي بها بمريح )
( حسبى ولوعا أن أزور بفكرتى ** زوارها والجسم رهن نزوح )
____________________
(6/449)


( فأبث فيها من حديث صبابتى ** وأحث فيها من جناح جنوحي )
( ودجنة كادت تضل بها السرى ** لولا وميضا بارق وصفيح )
( رعشت كواكب جوها فكأنها ** ورق تقلبها بنان شحيح )
( صابرت منها لجة مهما ارتمت ** وطمت رميت عبابها بسبوح )
( حتى إذا الكف الخضيب بأفقها ** مسحت بوجه للصباح صبيح )
( شمت المنى وحمدت إدلاج السرى ** وزجرت للآمال كل سنيح )
( فكأنما ليلى نسيب قصيدتى ** والصبح فيه تخلصى لمديح )
( لما حططت لخير من وطىء الثرى ** بعنان كل مولد وصريح )
( رحمى إله العرش بين عباده ** وأمينة الأرضى على ما يوحى )
( والآية الكبرى التى أنوارها ** ضاءت أشعتها بصفحة يوح )
( رب المقام الصدق والآي التى ** راقت بها أوراق كل صحيح )
( كهف الأنام إذا تفاقم معضل ** مثلوا بساحة بابه المفتوح )
( يردون منه على مثابة راحم ** جم الهبات عن الذنوب صفوح )
( لهفى على عمر مضى أنضيته ** فى ملعب للترهات فسيح )
( يا زاجر الوجناء يعتسف الفلا ** والليل يعثر فى فضول مسوح )
( يصل السرى سبقا إلى خير الورى ** والركب بين موسد وطريح )
( لى فى حمى ذاك الضريح لبانه ** إن أصبحت لبنى أنا ابن ذريح )
( وبمهبط الروح الأمين أمانة ** اليمن فيها والأمان لروحى )
( يا صفوة الله المكين مكانه ** يا خير مؤتمن وخير نضيح )
( أقرضت فيك الله صدق محبتى ** أيكون تجرى فيك غير ربيح )
( حاشا وكلا أن تخيب وسائلى ** أو أن أرى مسعاي غير نجيح )
( إن عاق عنك قبيح ما كسبت يدي ** يوما فوجه العفو غير قبيح )
____________________
(6/450)


( واخجلتى من حلبة الفكر التى ** أغريتها بغرامى المشروح )
( قصرت خطاها بعدما ضمرتها ** من كل موفور الجمام جموح )
( مدحتك آيات الكتاب فما عسى ** يثنى على علياك نظم مديحى )
( واذا كتاب الله أثنى مفصحا ** كان القصور قصار كل فصيح )
( صلى عليك الله ما هبت صبا ** فهفت بغصن فى الرياض مروح )
( واستأثر الرحمن جل جلاله ** عن خلقه بخفى سر الروح )
وأنشدت السلطان ملك المغرب ليله الميلاد الأعظم من عام ثلاثة وستين وسبعمائة هذه القصيدة
( تألق نجديا فأذكرنى نجدا ** وهاج بى الشوق المبرح والوجدا )
( وميض رأى برد الغمامة مغفلا ** فمد يدا بالتبر أعلمت البردا )
( تبسم فى بحرية قد تجهمت ** فما بذلت وصلا ولا ضربت وعدا )
( وراود منها فاركا قد تنعمت ** فأهوى لها نصلا وهددها رعدا )
( وأغرى بها كف الغلاب فأصبحت ** ذلولا ولم تسطع لإمرته ردا )
( فحلتها الحمراء من شفق الضحى ** نضالها وحل المزن من جيدها عقدا )
( لك الله من برق كأن وميضه ** يد الساهر المقرور قد قدحت زندا )
( تعلم من سكانه شيم الندى ** فغادر أجراع الحمى روضة تندى )
( وتوج من نوارها قنن الربى ** وختم من أزهارها القضب الملدا )
( لسرعان ما كانت مناسف للصبا ** فقد ضحكت زهرا وقد خجلت وردا )
( بلاد عهدنا فى قرارتها الصبا ** يقل لذاك العهد أن يألف العهدا )
( إذا ما النسيم اعتل فى عرصاتها ** تناول فيها الباان والشيح والرندا )
____________________
(6/451)


( فكم فى مجانى وردها من علاقة ** اذا ما استثيرت أرضها أنبتت وجدا )
( اذا استشعرتها النفس عاهدت الجوى ** اذا التمحتها العين عاقدت السهدا )
( ومن عاشق حر اذا ما استماله ** حديث الهوى العذري صبره عبدا )
( ومن ذابل يحكى المحبين رقة ** فيثنى إذا ما هب عرف الصبا قدرا )
( سقى الله نجدا ما نضحت بذكرها ** على كبدي إلا وجدت لها بردا )
( وآنس قلبى فهو للعهد حافظ ** وقل على الأيام من يحفظ العهدا )
( صبور وان لم يبق إلا ذبالة ** إذا استقبلت مسرى الصبا اشتعلت وقدا )
( صبور إذا الشوق استجاد كتيبه ** تجوس خلال الصبر كان لها بندا )
( وقد كنت جلدا قبل أن يذهب النوى ** ذمائى وأن يستأصل العظم والجلدا )
( أأجحد حق الجب والدمع شاهد ** وقد وقع التسجيل من بعد ما أدى )
( تناثر فى إثر الحمول فريده ** فلله عينا من رأى الجوهر الفردا )
( جرى يققا فى ملعب الخد أشهبا ** وأجهده ركض الأسى فجرى وردا )
( ومرتحل أجريت دمعى خلفه ** ليرجعه فاستن فى إثره قصدا )
( وقلت لقلبى طر إليه برقعتى ** فكان حماما فى المسير بها هدى )
( سرقت صواع العزم يوم فراقه ** فلج ولم يرقب سواعا ولا ودا )
( وكحلت عيني من غبار طريقة ** فأعقبها دمعا وأورثها سهدا )
( لي الله كم أهذى بنجد وحاجر ** وأكنى بدعد فى غرامى أو سعدي )
( وما هو إلا الشوق ثار كمينه ** فأذهل نفسا لم تبن عنده قصدا )
( وما بى إلا أن سرى الركب موهنا ** وأعمل فى رمل الحمى النص والوخدا )
( وجاشت جنود الصبر والبين والأسى ** لدى فكان الصبر أضعفها جندا )
( ورمت نهوضا واعتزمت مودعا ** فصدنى المقدور عن وجهتى صدا )
( رقيق بدت للمشترين عيوبه ** ولم تلتفت دعواه فاستوجب الردا )
____________________
(6/452)


( تخلف منى ركب طيبة عانيا ** أما آن للعانى المعنى بأن يفدى )
( مخلف سرب قد اصيب جناحه ** وطرن فلم يسطع مراحا ولا مغدى )
( نشدتك يا ركب الحجاز تضاءلت ** لك الأرض مهما استعرض السهب وامتدا )
( وجم لك المرعى وأذعنت الصوى ** ولم تفتقد ظلا ظليلا ولا وردا )
( إذا أنت شافهت الديار بطيبة ** وجئت بها القبر المقدس واللحدا )
( وآنست نورا من جناب محمد ** يجلى القلوب الغلف والأعين الرمدا )
( فنب عن بعيد الدار فى ذلك الحمى ** وأذر به دمعا وعفر به خدا )
( وقل يا رسول الله عبد تقاصرت ** خطاه وأضحى من أحبته فردا )
( ولم يستطع من بعد ما بعد المدى ** سوى لوعة تعتاد أو مدحه تهدى )
( تداركه يا غوث العباد برحمه ** فجودك ما أجدى وكفك ما أندى )
( أجار بك الله العباد من الردى ** وبوأهم ظلا من الأمن ممتدا )
( حمى دينك الدنيا وأقطعك الرضى ** وتوجك العليا وألبسك الحمدا )
( وطهر منك القلب لما استخصه ** فجلله نورا وأوسعه رشدا )
( دعاه فما ولى هداه فما غوى ** سقاه فما يظما جلاه فما يصدا )
( تقدمت مختارا تأخرت مبعثا ** فقد شملت علياؤك القبل والبعدا )
( وعلة هذا الكون أنت وكل ما ** أعاد فأنت القصد فيه وما أبدا )
( وهل هو إلا مظهر أنت سره ** ليمتاز فى الخلق المكب من الأهدى )
( ففى عالم الأسرار ذاتك تجتلى ** ملامح نور لاح للطور فانهدا )
( وفى عالم الحس اغتديت مبوأ ** لتشفي من استشفى وتهدي من استهدى )
( فما كنت لولا أن ثبت هداية ** من الله مثل الخلق رسما ولا حدا )
( فماذا عسى يثنى عليك مقصر ** ولم يأل فيك الذكر مدحا ولا حمدا )
( بماذا عسى يجزيك هاو على شفا ** من النار قد أوردته بعدها الخلدا )
( عليك صلاة الله يا كاشف العمى ** ومذهب ليل الروع وهو قد اربدا )
____________________
(6/453)


( إلى كم أرانى فى البطالة كانعا ** وعمرى قد ولى ووزري قد عدا )
( تقضى زمانى فى لعل وفى عسى ** فلا عزمه تمضى ولا لوعة تهدا )
( حسام جبان كلما شيم نصله ** تراجع بعد العزم والتزم الغمدا )
( ألا ليت شعرى هل أرانى ناهدا ** أقود القلاص البدن والضامر النهدا )
( رضيع لبان الصدق فوق شملة ** مضمرة وسدت من كورها مهدا )
( فتهدى بأشواقى السراه اذا سرت ** وتحدى بأشعارى الركاب إذا تحدى )
( الى أن أحط الرحل فى تربك الذى ** تضوع ندا ما رأينا له ندا )
( وأطفىء فى تلك الموارد غلتى ** وأحسب قربا مهجة شكت البعدا )
( لمولدك اهتز الوجود فأشرقت ** قصور ببصرى ضاءت الهضب والوهدا )
( ومن رعبه الأوثان خرت مهابة ** ومن هوله إيوان كسرى قد انهدا )
( وغاض له الوادي وصبح عزة ** بيوتا لنار الفرس أعدمها الوقدا )
( رعى الله منها ليلة أطلع الهدى ** على الأرض من آفاقها القمر السعدا )
( وأقرض ملكا قام فينا بحقها ** لقد أحرز الفخر المؤثل والمجدا )
( وحيا على شط الخليج محله ** يحاالف من ينتابها العيشة الرغدا )
( وجاد الغمام العد فيها خلائفا ** مآثرهم لا تعرف الحصر والعدا )
( عليا وعثمانا ويعقوب لا عدا ** رضى الله ذاك النجل والأب والجدا )
( حموا وهم فى حومة البأس والندى ** فكانوا الغيوث المستهلة والأسدا )
( ولله ما قد خلفوا من خليفة ** حوى الإرث عنهم والوصية والعهدا )
( إذا ما أراد الصعب أغرى بنيله ** صدور العوالى والمطهمة الجردا )
( وكم معتد أردى وكم تائه هدى ** وكم حكمة أخفى وكم نعمة أبدى )
( أبا سالم دين الإله بك اعتلى ** أبا سالم ظل الإله بك امتدا )
( فدم من دفاع الله تحت وقاية ** كفاك بها أن تسحب الحلق السردا )
( ودونكها منى نتيجة فكرة ** إذا استرشحت للنظم كانت صفا صلدا )
( ولو تركت منى الليالى صبابه ** لأجهدتها ركضا وأرهقتها شدا )
____________________
(6/454)


( ولكنه جهد المقل بلغته ** وقد أوضح الأعذار من بلغ الجهدا )
وقلت أخاطب السلطان الملك الكبير العالم أبا عنان على أثر انصرافه من بابه رحمه الله تعالى
( أبدى لداعى الفوز وجه منيب ** وأفاق من عذل ومن تأنيب )
( كلف الجنان إذا جرى ذكر الحمى ** والبان حن له حنين النيب )
( والنفس لا تنفك تكلف بالهوى ** والشيب يلحظها بعين رقيب )
( رحل الصبا فطرحت فى أعقابه ** ما كان من غزل ومن تشبيب )
( أترى التغزل بعد أن ظعن الصبا ** شأنى الغداة أو النسيب نسيبى )
( أنى لمثلى بالهوى من بعد ما ** للوخط فى الفودين أي دبيب )
( لبس البياض وحل ذروة منبر ** منى ووإلى الوعظ فعل خطيب )
( قد كان يسترنى ظلام شبيبتى ** والآن يفضحنى صباح مشيبى )
( وإذا الجديدان استجدا أبليا ** من لبسه الأعمار كل قشيب )
( سلنى عن الدهر الخؤون وأهله ** تسل المهلب عن حروب شبيب )
( متقلب الحالات فاخبر تقله ** مهما أعدت يدا إلى تقليب )
( فكل الأمور إذا اعترتك لربها ** ما ضاق لطف الرب عن مربوب )
( قد يخبأ المحبوب فى مكروهها ** من يخبأ المكروه فى المحبوب )
( واصبر على مضض الليالى إنها ** لحوامل سيلدن كل عجيب )
( واقنع بخط لم تنله بحيلة ** ما كل رام سهمه بمصيب )
( يقع الحريص على الردى ولكم غدا ** ترك التسبب أنفع التسبيب )
( من رام نيل الشىء قبل أوانه ** رام انتقال يلملم وعسيب )
( فإذا جعلت الصبر مفزع معضل ** عاجلت علته بطب طبيب )
( وإذا استعنت على الزمان بفارس ** لبى نداءك منه خير مجيب )
____________________
(6/455)


( بخليفة الله الذى فى كفه ** غيث يروض ساح كل جديب )
( المنتقى من طينة المجد الذى ** ما كان يوما صرفه بمشوب )
( يرمى الصعاب بصعبه فيقودها ** ذللا على حسب الهوى المرغوب )
( ويرى الحقائق من وراء حجابها ** لا فرق بين شهادة ومغيب )
( من آل عبد الحق حيث توشحت ** شعب العلا وربت بأي كثيب )
( أسد الشرى سرج الورى فمقامهم ** لله بين محارب وحروب )
( إما دعا الداعى وثوب صارخا ** ثابوا وأموا حومه التثويب )
( شهب ثواقب فى سماء عجاجة ** مأثورها قد صح بالتجريب )
( ما شئت فى آفاقها من رامح ** يبدو وكف بالنجيع خضيب )
( عجبت سيوفهم لشدة بأسهم ** فتبسمت والجو فى تقطيب )
( نظموا بلبات العلا واستوسقوا ** كالرمح أنبوبا على أنبوب )
( تروى العوالى والمعالى عنهم ** أثر الندى المولود والمكسوب )
( من كل موثوق به إسناده ** بالقطع أو بالوضع غير معيب )
( فأبو عنان عن علي نصه ** للنقل عن عثمان عن يعقوب )
( جاءوا كما اتسق الحساب أصاله ** وغدا فذالك ذلك المكتوب )
( متجسدا من جوهر النور الذى ** لم ترم يوما شمسه بغروب )
( متألقا من مطلع الحق الذى ** هو نور أبصار وسر قلوب )
( قل للزمان وقد تبسم ضاحكا ** من بعد طول تجهم وقطوب )
( هى دعوة الحق التى أوضاعها ** جمعت من الآثار كل غريب )
( هى دعوة العدل الذى شمل الورى ** فالشاة لا تخشى اعتداء الذيب )
( لو إن كسرى الفرس أدرك فارسا ** ألقى إليه بتاجه المعصوب )
( لما حللت بأرضه مستمليا ** ما شئت من بر ومن ترحيب )
____________________
(6/456)


( شمل الرضى فكأن كل أقاحة ** تومى بثغر للسلام شنيب )
( وأتيت فى بحر القرى أم القرى ** حتى حطط بمرفإ التقريب )
( فرأيت أمن الله فى ظل التقى ** والعدل تحت سرادق مضروب )
( ورأيت سيف الله مطرور الشبا ** يمضى القضاء بحده المرهوب )
( وشهدت نور الحق ليس بآفل ** والدين والدنيا على ترتيب )
( ووردت بحر العلم يقذف موجه ** للناس من درر الهدى بضروب )
( لله من شيم كأزهار الربى ** غب انثيال العارض المسكوب )
( وجمال مرأى فى رداء مهابة ** كالسيف مصقول الفرند مهيب )
( يا جنة فارقت من غرفاتها ** دار القرار بما اقتضته ذنوبى )
( أسفى على ما ضاع من حظى بها ** لا تنقضى ترحاته ونحيبي )
( إن أشرقت شمس شرقت بعبرتى ** وتفيض فى وقت الغروب غروبى )
( حتى لقد علمت ساجعة الضحى ** شجوى وجانحة الأصيل شحوبى )
( وشهادة الإخلاص توجب رجعتى ** لنعيمها من غير مس لغوب )
( يا ناصر الدين الحنيف وأهله ** أنضاء مسغبة وفل خطوب )
( حقق ظنون بنية فيك فإنهم ** يتعللون بوعدك المرقوب )
( ضاقت مذاهب نصرهم فتعلقوا ** بجناب عز من علاك رحيب )
( ودجا ظلام الكفر فى آفاقهم ** أوليس صبحك منهم بقريب )
( فانظر بعين العز من ثغر غدا ** حذر العدا يرنو بطرف مريب )
( نادتك أندلس ومجدك ضامن ** أن لا يخيب لديك ذو مطلوب )
( غصب العدو بلادها وحسامك ** الماضى الشبا مسترجع المغصوب )
( أرض السوابح فى المجاز حقيقة ** من كل قعدة محرب وجنيب )
( يتأود الأسل المثقف فوقها ** وتجيب صاهلة رغاء نجيب )
____________________
(6/457)


( والنصر يضحك كل مبسم غرة ** واليمن معقود بكل سبيب )
( والروم فارم بكل نجم ثاقب ** يذكى بأربعها شواظ لهيب )
( بذوابل السلب التى تركت بنى ** زيان بين مجدل وسليب )
( وأضف إلى لام الوغى ألف القنا ** تظهر لديك علامة التغليب )
( إن كنت تعجم بالعزائم عودها ** عود الصليب اليوم غير صليب )
( ولك الكتائب كالخمائل أطلعت ** زهر الأسنة فوق كل قضيب )
( فمرنح العطفين لا من نشوة ** ومورد الخدين غير مريب )
( يبدو سداد الرأى فى راياتها ** وأمورها تجرى على تجريب )
( وترى الطيور عصائبا من فوقها ** لحلول يوم فى الضلال عصيب )
( هذبتها بالعرض يذكر يومه ** عرض الورى للموعد المكتوب )
( وهى الكثائب إن تنوسى عرضها ** كانت مدونة بلا تهذيب )
( حتى إذا فرض الجلاد جداله ** ورأيت ريح النصر ذات هبوب )
( قدمت سالبه العدو وبعدها ** أخرى بعز النصر ذات وجوب )
( وإذا توسط وصل سيفك عندها ** جزأي قياسك فزت بالمطلوب )
( وتبرأ الشيطان لما أن علا ** حزب الهدى من حزبه المغلوب )
( الأرض إرث والمطامع جمه ** كل يهش إلى التماس نصيب )
( وخلائف التقوى هم وراثها ** فاليكما بالحظ والتعصيب )
( لكاننى بك قد تركت ربوعها ** قفرا بكر الغزو والتعقيب )
( وأقمت فيها مأتما لكنه ** عرس لنسر بالفلاة وذيب )
( وتركت مفلتها بقلب واجب ** رهبا وخد بالأسى مندوب )
( تبكى نوادبها وينقلن الخطا ** من شلو طاغية لشلو سليب )
____________________
(6/458)


( جعل الإله البيت منك مثابة ** للعاكفين وأنت خير مثيب )
( فإذا ذكرت كأن هبات الصبا ** فضت بمدرجها لطيمة طيب )
( لولا ارتباط الكون بالمعنى الذى ** قصر الحجى عن سره المحجوب )
( قلنا لعالمك الذى شرفته ** حسد البسيط مزية التركيب )
( ولأجل قطرك شمسها ونجومها ** عدلت من التشريق للتغريب )
( تبدو بمطلع أفقها فضية ** وتغيب عندك وهى فى تذهيب )
( مولاي أشواقى اليك تهزنى ** والنار تفضح عرف عود الطيب )
( بحلى علاك أطلتها وأطبتها ** ولكم مطيل وهو غير مطيب )
( طالبت أفكارى بفرض بديهها ** فوفت بشرط الفوز والترتيب )
( متنبىء أنا فى حلى تلك العلى ** لكن شعرى فيك شعر حبيب )
( والطبع فحل والقريحة حرة ** فاقبله بين نجيبه ونجيب )
( هابت مقامك فاطبيت صعابها ** حتى غدت ذللا على التدريب )
( لكننى سهلتها وأدلتها ** من كل وحشي بكل ربيب )
( إن كنت قد قاربت فى تعديلها ** لا بد فى التعديل من تقريب )
( عذرى لتقصيرى وعجزى ناسخ ** ويجل منك العفو عن تثريب )
( من لم يدن لله فيك بقربة ** هو من جناب الله غير قريب )
ولما احتفل السلطان لإعذار ولده نظمت هذه القصيدة مساعدة لمن نظم من الأصحاب وتشتمل على أوصاف من ذكر الحلبة التى أرسلها والطلبة التى
____________________
(6/459)

نصبها فى الهواء للفرسان يرسلون العصى إليها والثيران التى أرسل عليها الأكلب الرومية تمسكها فى صورة القرط من آذانها وهى آخر النظم فى الأغراض السلطانية قصر الله تعالى ألسنتنا على ذكره وشغلها به عن غيره
( شحطت وفود الليل بان به الوخط ** وعسكره الزنجى هم به القبط )
( أتاه وليد الصبح من بعد كبره ** أيولد أجنا ناحل الجسم مشمط )
( كأن النجوم الزهر أعشار سورة ** ومن خطرات الرجم أثناءها مط )
( وقد وردت نهر المجرة سحره ** غوائص فيه مثلما تفعل البط )
( وقد جعلت تفلى بأنملها الفلا ** ويرسل منها فى غدائرة مشط )
( يجف عباب الليل عنهاجواهرا ** فيكثر فيها النهب للحين واللقط )
( فسارت خيالا مثلها غير أنه ** من البث والشكوى يبين له لغط )
( سرت سلخ شهر فى تلفت مقلة ** على قثب الأحلام تسمو وتنحط )
( لى الله من نفس شعاع ومهجة ** إذا قدحت لم يخب من زندها سقط )
( ونقطة قلب أصبحت منشأ الهوى ** وعن نقطة مفروضة ينشأ الخط )
( فأقسم لولا زاجر الشيب والنهى ** ونفس لغير الله ما خضعت قط )
( لريع لها الأحراس منى بطارق ** مفارقة شمط وأسيافه شمط )
( تناقله كوماء سامية الذرا ** ويقذفه شهم من النيق منحط )
( ولولا النهى لم تستهن سبل الهدى ** وكاد وزان الحق يدركه الغمط )
( ولولا عوادى الشيب لم يبرح الهوى ** يهيجه نوء على الرمل مختط )
( ولولا أمير المسلمين محمد ** لهالت بحار الروع واحتجب الشط )
( ينوب عن الإصباح إن مطل الدجى ** ويضمن سقى السرح إن عظم القحط )
____________________
(6/460)


( تقر له الأملاك بالشيم العلا ** إذا بذل المعروف أو نصب القسط )
( أرادوه فارتدوا وجاروه فانثنوا ** وساموه فى مرقى الجلالة فانحطوا )
( تبر على المداح غر خلاله ** وما رسموا فوق الطروس وما خطوا )
( تعلم منه الدهر حالية فى الورى ** فآونه يسخو وآونة يسطو )
( ويجمع بين القبض والبسط كفه ** بحكمه من فى كفه القبض والبسط )
( خلائق قد طابت مذاقا ونفحة ** كما مزجت بالبارد العذب إسفنط )
( أسبط الإمام الغالبي محمد ** ويا فخر ملك كنت أنت له سبط )
( وقتك أواقى الله من كل غائل ** فأي سلاح ما المجن وما اللمط )
( لقد زلزلت منك العزائم دولة ** أناخت على الإسلام تجنى وتشتط )
( إيالة غدر ضيع الله ركنها ** ونادى بأهليها التبار فلم يبطوا )
( على قدر جلى بك الله بؤسها ** ولا يكمل البحران أو ينضج الخلط )
( وكانوا نعيم الجنتين تفيأوا ** ولما يقع منها النزول ولا الهبط )
( فقد عوضوا بالأثل والخمط بعدها ** وهيهات أين الأثل منها أو الخمط )
( فمن طائح فوق العراء مجدل ** ومن راسف فى القيد أزهقه الضغط )
( وأتحف منك الله أمة أحمد ** أمانا كما يضفو على الغادة المرط )
( أنمت على مهد الأمان عيونها ** فيسمع من بعد السهاد لها غط )
( وصم صدى الدنيا فلما رحمتها ** تزاحم مرتاد عليها ومختط )
( وأحكمت عقد السلم لم تأل بعده ** وجاء فصح العقد واستوثق الربط )
( وأيقن مرتاب وأصحب نافر ** وأذعن معتاص وأقصر مشتط )
____________________
(6/461)


( ولله مبناك الذى معجزاته ** سمت أن توافيها الشفاه أو الخط )
( وأنست غريب الدار مسقط رأسه ** ومن دون فرخيه القتادة والخرط )
( تناسبت الأوضاع فيك وأحكمت ** على قدر حتى الأرائك والبسط )
( فجاء على وفق العلا رائق الحلى ** كما سمط المنظوم أو نظم السمط )
( ولله إعذار دعوت له الورى ** فهبوا لداعيه المهيب وإن شطوا )
( تقودهم الزلفى ويدعوهم الرضى ** ويحدوهم الخصب المضاعف والغبط )
( وأغريت بالبهم العلاج تحفيا ** فلم يذخر الشىء الغريب ولا السمط )
( أتت صورة معلولة عن مزاجها ** وأصل اختلاف الصورة المزج والخلط )
( قضيت بها دين الزمان ولم يزل ** اكد كذوب الوعد يلوى ويشتط )
( وأرسلت يوم السبق كل طمرة ** كما قذف الملمومة النار والنفط )
( رنت عن كحيل كالغزال إذا رنا ** وأوفت بهاد كالظليم إذا يعطو )
( وقامت على منحوته من زبرجد ** تخط على الصم الصلاب إذا تخطو )
( وكل عتيق من تماثل رومة ** تأنق فى استخطاطه القس والقمط )
( وطاعنة نحر السكاك أعانها ** على الكون عرق واشج ولحى سبط )
( تلقف حيات العصى إذا هوت ** فثعبانها لا يستقيم له سرط )
( أزرت بها بحر الهواء سفينة ** على الجو لا الجودي كان لها حط )
( وطاردت مقدام الصوار بجارح ** يصاب به منه الصماخ أو الإبط )
( متين الشوا فى رأسه سمهرية ** مقصرة عنهن ما ينبت الخط )
( وقد كا ذا تاج فلما تعلقا ** بسامعتيه زانه منهما قرط )
( وجىء بشبل الملك ينجد عزمه ** عليه الحفاظ الجعد والخلق السبط )
( سمحت به لم ترع فرط ضنانه ** وفى مثلها من سنة يترك الفرط )
( فأقدم مختارا وحكم عاذرا ** ولم يشتمل مسك عليه ولا ضبط )
____________________
(6/462)


( ولو غير ذات الله رامته نضنضت ** قنا كالأفاعى أو دونهما الرقط )
( وأسد نزال من ذؤابه خزرج ** بهاليل لا روم القديم ولا قبط )
( جلادهم مثنى إذا اشتجر الوغى ** كأن رعاء بالعضاه لها خبط )
( كتائب أمثال الكتاب تتاليا ** فمن بيضها شكل ومن سمرها نقط )
( دليلهم القرآن يا حبذا الهدى ** ورهطهم الأنصار يا حبذا الرهط )
( وبيض كأمثال البروق غمامها ** إذا وشحت سحب القتام دم عبط )
( ولكنه حكم يطاع وسنة ** وأعمال بر لا يليق بها الحبط )
( وربت نقص للكمال مآله ** ولا غرو فالأقلام يصلحها القط )
( فهنيته صنعا ودمت مملكا ** عزيزا تشيد المعلوات وتختط )
( ودون الذى يهدي ثناؤك فى الورى ** من الطيب ما تهدي الألوة والقسط )
( رضيت من لم يرض بالله حاكما ** ضلالا فلله الرضى وله السخط )
( حياتك للإسلام شرط حياته ** ولا يوجد المشروط إن عدم الشرط )
هذا كاف فى المطولات لنجلب منها عرضا يدل على حبوبها ونتحف منها أنفس الظرفاء بمطلوبها منقولة من الكتاب المسمى ب أبيات الأبيات ومن الكتاب المسمى ب الصيب والجهام
فمن التورية على طريقة المشارقة قولى
( مضجعى فيك عن قتادة يروي ** وروى عن أبى الزناد فؤادي )
( وكذا النوم شاعر فيك أمسى ** من دموعى يهيم فى كل وادي )
____________________
(6/463)


( ولما رأت عزمى حثيثا على السرى ** وقد رابها صبري على موقف البين )
( أتت بصحاح الجوهري دموعها ** فعارضت من دمعى بمختصر العين ) وفى هذا المعنى
( كتبت بدمع عيني صفح خدي ** وقد منع الكرى هجر الخليل )
( وراب الحاضرين فقلت هذا ** كتاب العين ينسب للخليل )
ومن الأغراض الظريفة فيها
( تعجلت وخط الشيب فى زمن الصبا ** لخوضى غمار الهم فى طلب المجد )
( فمهما رأيتم شيبة فوق مفرقى ** فلا تنكروها إنها شيبة الحمد )
ومن التورية بالنجوم والكاتب بيته بيت شرفه
( بأوت على زمنى همه ** فأعتبنى الزمن العاتب )
( وشرفنى الله فى موطنى ** وفى بيته يشرف الكاتب )
وأبدع منها قولى لمن يدعى بشمس الدين
( قل لشمس الدين وقيت الردى ** لم يدع سقمك عندى جلدا )
( رمدت عينك هذا عجب ** أوعين الشمس تشكو الرمدا ) وقلت فى غرض التورية بما يظهر من الأبيات
( أفل الألى كانوا نجو ** ما للورى فالكون مظلم )
( وتناكر الناس الحديث ** الحق وافتقد المعلم )
( أنا كاتب السلطان ما ** طالعت قط كتاب مسلم )
( إلا سخاما قادحا ** فى الدين والله المسلم )
____________________
(6/464)


وفى معنى الدعابة مع بعض الطلبة
( قال لى عندما أتى بجدال ** وشكوك على أصول الدين )
( ولسانى يبدل الدال تاء ** عاجز فى الأمور عن تبيين )
( التمس مخرجا يوافق قولى ** قلت أحسنت يا جلال التين )
وفى التورية
( اذمم ذوى التطفيل مهما أتى ** وإن تكن أجملتهم فاعنه )
( يمشى على رجليه مع أنه ** من جنس من يمشى على بطنه ) وقلت
( أفقد جفنى لذيذ الوسن ** من لم أزل فيه خليع الرسن )
( عذاره المسكى فى خده ** أنبته الله النبات الحسن ) وقلت فى رثاء من اسمه حسن
( أشكو إلى الله من بثى ومن شجنى ** لم أجن من محنتى شيئا سوى محن )
( أصابت الحسن العين التى رشقت ** وعادة العين لا تصمى سوى الحسن ) وفى الشيب
( تفر عن الشيب الغوانى تعززا ** كما يعتريها إن رأت سام أبرصا )
( بدا وضحا فى جده العمر شانيا ** فمن سام شيخا فهو قد سام أبرصا ) وقلت فى السها من النجوم الجوفية
( قالوا السها بادي النحول كأنه ** متستر تبدو مخايل خوفه )
( أتراه يشكو قلت هذا ممكن ** والله يعلم داره من جوفه )
____________________
(6/465)


وقلت
( عابوا وقالوا بساقه شعر ** لقد عداه الكمال من ساق )
( قلت أنظروا ورد روض وجنته ** وكل ورد مشوك الساق ) وقلت فى التضمين
( رفعت قصة اشتياقى ليحيى ** فزوى الوجه رافضا للفتوه )
( ورمى بالكتاب ضعف اهتبال ** قلت { يحيى خذ الكتاب بقوة } ) وقلت
( وذى حيل يعيى التقية أمره ** مكايده فى لجة الليل تسبح )
( يدب شبول الليث والليث ساهر ** ويسرق ناب الكلب والكلب ينبح ) وقلت
( لما رأوا كلفي به ودروا ** مقدار ما لى فيه من حب )
( قالوا الفتى حلو فقلت لهم ** طلعت حلاوته على قلبى ) وقلت ولهما حكاية
( وذي زوجة تشكو فقلت له اسقها ** دواء من الحب الملين للبطن )
( فقال أبت شرب الدواء بطبعها ** فقلت اسقها إن عافت الشرب بالقرن ) وقلت
( لعنوا بريا من خبائث ظنهم ** فالله يلعن أهل سوق العنبر )
( والله لا أوطأت ساقى سوقهم ** أبد الزمان فتلك سوق العن بري ) ومن الفكاهات
____________________
(6/466)


( ولما دعانى داعى الهوى ** وأخلف ما كنت أملته )
( ولم يبق غير البكا حيلة ** بكيت بمقدار ما نلته ) وقلت وقد رفع للسلطان باكورة بنفسج
( قدم البنفسج وهو نعم الوارد ** قدنم منه إلى طيب زائد )
( فسألته ما باله فأجابنى ** والحق لا يبغى عليه شاهد )
( أقبلت أطلب من بنان محمد ** صلة فعاد على منه عائد ) وقلت من التشبيه
( سهرنا وفى سير النجوم اعتبارنا ** إلى أن ضفا لليل من فوقنا ريط )
( فخلنا شهاب الرجم إبرة خائط ** مسوحا وما يبقى من الذنب الخيط ) وقلت أودع صديقا أنست به
( فلاحة مثلى ممقوتة ** وإن أعجب البدء منها وراق )
( زرعت اللقاء وعالجته ** فلم أستفد منه إلا الفراق ) ومن تضمين المثل
( لا تهج بالذكر فى كبدى ** نار وجد شق محتمله )
( ويقول الناس فى مثل ** لا تحرك من دنا أجله ) ومن المدح
( عجبا لراحتك الملثة بالندى ** أن لا تكون على الغمام غماما )
( يهمي ووجهك نوره متألق ** والقطر إن سحب السحاب أغاما ) ومن أبيات المدح
____________________
(6/467)


( يا ناصر الدين لما قل ناصره ** ومطلع الجود فى الدنيا وقد أفلا )
( لولا التشهد والترداد منك له ** لم يسمع الناس يوما من لسانك لا ) ومن أوصاف صنيع سلطانى
( ماذا أحدث فى صنيع خلافة ** هشت اليه الشهب فى آفاتها )
( فكأنما الجوزاء حين تعرضت ** شدت لتخدم فيه عقد نظاقها ) ومن قصيدة فى وصف فرس
( فبوأته من مهجتى متبوأ ** خفيا على سر الفؤاد المكتم )
( ويا عجبا منى وفرط تشيعي ** أهيم بوجدي فيه وهو ابن ملجم ) ومن الحماسة فى التورية بالمنطق
( حتى إذا فرض الجلاد جداله ** ورأيت ريح النصر ذات هبوب )
( قدمت سالبه العدو وبعدها ** أخرى بعز النصر ذات وجوب )
( وإذا توسط حد سيفك عندها ** جزأي قياس فزت بالمطلوب ) وفى خاتمة قصيدة
( ما ضرنى إن لم أجىء متقدما ** السبق يعرف آخر المضمار )
( ولئن غدا ربع البلاغة بلقعا ** فلرب كنز فى أساس جدار ) ومن المدح
( إن أبهم الخطب جلى فى دجنته ** رأيا يفرق بين الرأى والرشد )
( وإن عتا الدهر أبدى من أسرته ** وكفه هدى حيران وري صد )
____________________
(6/468)


( وإن نظرت إلى لألاء غرته ** يوم الهياج رأيت الشمس فى الأسد ) ومن الأوصاف فى قصيدة
( كم ليال بت فى ظلمائها ** أمتطى من نار شوقى فرشا )
( وكأن النجم شرب ثمل ** واصل الثمل حتى ارتعشا ) ومن التورية بالكفتين من الحيل العددية
( لا عدل فى الملك إلا وهو قد نصبه ** وصير الخلق فى ميزانه عصبه )
( والكفتان ترى من كفه درتا ** أن تخرج العدد المجهول للطلبه ) وفى رجل يحتال على الولاية
( حلفت لهم بأنك ذو يسار ** وذو ثقة وبر فى اليمين )
( ليستندوا اليك بحفظ مال ** فتأكل باليسار وباليمين ) وقلت ولهما حكاية تظهر من الأبيات
( قلت لما استقل مولاي زرعى ** ورأى غلة الطعام قليلة )
( دمنتى لانتجاعى الحرث كلت ** فهى اليوم دمنه وكليلة ) ومما صدرت به كتابا لأحد الفضلاء
( يا من تقلد للعلاء سلوكا ** والفضل صير نهجه مسلوكا )
( كاتبتنى متفضلا فملكتنى ** لا زلت منك مكاتبا مملوكا ) وقلت فى غرض يظهر منه
____________________
(6/469)


( جلس المولى لتسليم الورى ** ولفصل البرد فى الجو احتكام )
( فإذا ما سألوا عن يومنا ** قلت هذا اليوم برد وسلام ) وقلت من التورية
( يا مالكى بخلال ** تهدى إلى القلب حيره )
( أضرمت قلبى نارا ** يا مالك بن نويره ) وقلت فى التورية
( أضاف إلى الجفون السود شعرا ** كجنح الليل أو صبغ المداد )
( فقلت أمير هذا الحسن تزكو ** الأجور له بتكثير السواد ) وقلت أيضا
( بأبى بدر غزانى ** مستبيحا شرح صدرى )
( فأنا اليوم شهيد ** الحب من غزوة بدر ) وقلت ولهما حكاية
( أيا ليلة بالخصب لم تأل شهرة ** كما اشتهرت فى فضلها ليلة القدر )
( فآمن قلب اللوز من علة النوى ** وأصبح فيها التين منشرح الصدر ) ومن النزعات المشرقية فى التورية
( يا قائدي نحو الغرام بمقلة ** نفقت حلاوتها بكل فؤادي )
( ماذا جنيت على من مضض الهوى ** الله ينصف منك يا قوادي )
____________________
(6/470)

ومن هذا النمط المشرقى
( وقالت حلقت الكس منى بنورة ** فقلت لها استنصرت من ليس ينصر )
( ألا فابلغى عنى فديتك واصدقى ** محلق ذاك الكس أنى مقصر ) ومنها
( قال لى والدموع تنهل سحا ** فى عراض من الخدود محول )
( بك ما بى فقلت مولاي عافاك ** المعافى من عبرتى ونحولى )
( أنا جفني القريح يروى عن الأعمش ** والجفن منك عن مكحول ) ومن أبيات التورية أو ما داخلته
( فى مصر قلبى من خزائن يوسف ** حب وعير مدامعى تمتاره )
( حليت شعرى باسمه فكأنه ** فى كل قطر حله ديناره ) ومن المدح أيضا ولا أستحضر لقبه
( رأيت بكفك اعتبارا ** بأسا وندى ما إن يبارى )
( فقلت وقد عجبت منها ** يا بحر متى تدعو نوارا ) وقلت مما يجرى مجرى الحكم
( إن الهوى لشكاية معروفة ** صبر التصبر من أجل علاجها )
( والنفس إن ألفت مرارة طعمه ** ضمنت بذاك له صلاح مزاجها ) ومن الغرائب فى الأوصاف
( كأنما الروض ملك ** باهى به جلساه )
____________________
(6/471)


( يرضى النديم فمهما ** سقى الرياض كساه ) وفى غرض النسيب
( أصبح الخد منك جنة عدن ** مجتلى أعين وشم أنوف )
( ظللته من الجفون سيوف ** جنة الخلد تحت ظل السيوف ) وقلت فى النسيب
( أرسلت طرفى فى حلاك بنظرة ** هى كانت السبب الغريب لما بى )
( وأراك بالعبرات قد عاقبتها ** ليس الرسول بموضع لعقاب ) ومن تحسين القبيح
( وأحول يعدي القلب سهم جفونه ** فتضحى صحيحات القلوب به مرضى )
( رأى الحسن أن اللحظ منه مهند ** فحرفه كيما يكون له أمضى ) ومن النزعات الحسنة
( من لى بذكرى كلما أوجزتها ** تمحو سلوى واشتياقى تثبت )
( وسحاب دمع كلما أمطرته ** غير القتاد بمضجعى لا ينبت ) ومن النسيب
( جاء العذار بظل غير ممدود ** فمنتهى الحسن منه غير محدود )
( ناديت قلبى إذ لاحت طلائعه ** يا صبر أيوب هذا درع داود ) وفى نقيضه
( ما ضر منى أن أخلفت موعودي ** وروض خدك أضحى ذاوي العود )
( وقال قوس عذار فوق صفحته ** سفينة الحسن قد حطت على الجودي )
____________________
(6/472)

ومن التضمين
( يا من بأكناف فؤادي ربع ** قد ضاق بى عن حبك المتسع )
( ما فيك لى جدوى ولا أرعوي ** شح مطاع وهوى متبع ) ومن الأغراض المخترعة
( أنكرت لما أطل عارضه ** فقال لى حين رابه نظرى )
( ألم تقل لى بأننى قمر ** فانظر إلى وبر أرنب القمر ) ومن التضمين
( يا كوكب الحسن يا معناه يا قمرة ** يا روضة المتناهى الريع يا ثمرة )
( أمرتنى بسلو عنك ممتنع ** مأمور حسنك لما يقض ما أمره ) وقلت
( لما رضيت بفرقتى وبعادي ** وصرمت آمالى وخنت ودادي )
( لاعنت أم الصبر فيك وبعده ** ورثت للأشجان كنز فؤادي )
( فالصبر مني أجنبي بعدها ** ولواعج الأشجان من أولادي ) ومن الأغراض المشرقية
( سار بى للأمير يشكو اعتراضى ** يوسف والشهود أبناء جنسه )
( قال لى ما تقول قلت مجيبا ** لم نخف من نكاله أو لحبسه )
( حصحص الحق يا خوند فدعنى ** أنا راودت يوسفا عن نفسه ) ومن الأوصاف
____________________
(6/473)


( بثنا نطارح هم القحط ليلتنا ** وأيد الهم والسهد البراغيثا )
( وكان يحمد ما كنا نكابده ** من المشقة لو أن البرا غيثا ) وفى قريب من المعنى
( وقالوا بدت منكم على الجسم حمرة ** فقلت براغيث لكم رقطونا )
( عدت نحونا ليلا ومن بعدنا اغتدت ** كما رقصت فى القلو بزر قطونا ) ومن التضمين
( قال جوادي عندما ** همزت همزا أعجزه )
( إلى متى تهمزنى ** { ويل لكل همزة } ) وفى رثاء السلطان أبى الحجاج رحمه الله تعالى
( غبت فلا عين ولا مخبر ** ولا انتظار منك مرقوب )
( يا يوسف أنت لنا يوسف ** وكلنا فى الحزن يعقوب ) وقلت ولهما حكاية
( طال حزنى لنشاط ذاهب ** كنت أسقى دائما من حانه )
( وشباب كان يندى نضره ** نزل الثلج على ريحانه ) وقلت وقد أعجبني نشاط ولدي
( سرق الدهر شبابي من يدي ** ففؤادي مشعر بالكمد )
( وحمدت الأمر إذ أبصرته ** باع ما أفقدنى من ولدي )
____________________
(6/474)

وقلت ولهما حكاية
( قلت للشيب لا يربك جفائى ** فى اختصاري لك البرور ومقتك )
( أنت بالعتب يا مشيبي أولى ** جئتنى غفلة وفى غير وقتك ) ومما خططته فى رملة نزلتها
( أقمنا برهة ثم ارتحلنا ** كذاك الدهر حال بعد حال )
( وكل بداية فإلى انتهاء ** وكل إقامة فإلى ارتحال )
( ومن سام الزمان دوام أمر ** فقد وقف الرجاء على المحال ) وقلت أيام مقامى بسلا
( أيا أهل هذا القطر ساعده القطر ** بليت فدلونى لمن يرفع الأمر )
( تشاغلت بالدنيا ونمت مفرطا ** وفى شغلى أو نومتى سرق العمر ) وقلت والبقاء لله وحده وبه نختم الهذر
( عد عن كيت وكيت ** ما عليها غير ميت )
( كيف ترجو حالة البقيا ** لمصباح وزيت )
انتهى ما نقلته من الإحاطة من ترجمة نظمه وبعض ما ذكر هنا قد تقدم وكررته لكونه بلفظه فى الإحاطة وقد ذكرت أثناء الأبواب غير هذا الباب من نظم لسان الدين رحمه الله تعالى كثيرا ولنعزز ذلك هنا بذكر ما لم يتقدم ذكره إذ نظمه بحر لا ساحل له ولذا كتب ابنه أبو الحسن على هذا المحل من الإحاطة ما صورته ولوالدى أيضا المترجم به رحمه الله تعالى فى سكين الأضاحى لسلطانه أبى الحجاج يوسف بن نصر فيما يكتب بالسكين المضحية
____________________
(6/475)


( لي الفخر إن أبصرتنى أو سمعت لى ** على كل مصقول الغرارين مرهف )
( كفانى فخرا أن ترانى قائما ** بسنة إبراهيم فى كف يوسف ) ومقطوعاته كثيرة لم يتضمن هذا الديوان منها إلا القليل بسبب الاختصار ومن أراد الوقوف على جملتها فعليه بكتاب الصيب والجهام فى شعره رحمه الله تعالى قال ذلك ولده على لطف الله تعالى به آمين انتهى
فمن ذلك قوله رحمه الله تعالى
( عسى خطرة بالركب يا حادى العيس ** على الهضبة الشماء من قصر باديس )
( لنظفر من ذاك الزلال بعلة ** وننعم فى تلك الظلال بتعريس )
( حبست بها ركبى فواقا وإنما ** عقدت على قلبى بها عقد تحبيس )
( لقد رسخت آي الجوى فى جوانحى ** كما رسخ الإنجيل فى قلب قسيس )
( بميدان جفنى للسهاد كتيبة ** تغير على سرح الكرى فى كراديس )
( وما بى إلا نفحة حاجرية ** سرت والدجى ما بين وهن وتغليس )
( ألا نفس يا ريح من جانب الحمى ** تنفس من نار الجوى بعض تنفيس )
( ويا قلب لا تلق السلاح فربما ** تعذر فى الدهر اطراد المقاييس )
( وقد تعتب الأيام بعد عتابها ** وقد يعقب الله النعيم من البوس )
( ولا تخش لج الدمع يا خطرة الكرى ** إلى الجفن بل قيسي على صرح بلقيس )
( تقول سليمى ما لجسمك شاحبا ** مقالة تأنيب يشاب بتانيس )
( وقد كنت تعطو كلما هبت الصبا ** بريان فى ماء الشبيبة مغموس )
( ومن رابح الأيام يا ابنة عامر ** بجوب الفلا راحت يداه بتفليس )
____________________
(6/476)


( فلا تحسبى والصدق خير سجية ** ظهور النوى إلا بطون النواميس )
( وقفراء أما ركبها فمضلل ** ومربعها من آنس غير مأنوس )
( سحبنا بها من هضبة لقرارة ** ضلالا وملنا من كناس الى خيس )
( إذا ما نهضنا عن مقيل غزالة ** نزلنا فعرسنا بساحة عريس )
( أدرنا بها كأسا دهاقا من السرى ** أملنا بها عند الصباح من الروس )
( وحانة خمار هدانا لقصدها ** شميم الحميا واصطكاك النواقيس )
( تطلع ربانيها من جداره ** يهينم فى جنح الظلام بتقديس )
( بكرنا وقلنا إذ نزلنا بساحة ** عن الصافنات الجرد والضمر العيس )
( أيا عابد الناسوت إنا عصابه ** أتينا لتثليث بلى ولتسديس )
( وما قصدنا إلا المقام بحانه ** وكم ألبس الحق المبين بتلبيس )
( فأنزلنا قوراء فى جنباتها ** محاريب شتى لاختلاف النواميس )
( بدرنا بها طين الختام بسجدة ** أردنا بها تجديد حسرة إبليس )
( ودار العذارى بالمدام كأنها ** قطيع تهادى فى رياش الطواويس )
( وصارفنا فيها نضارا بمثله ** كأنا ملأنا الكاس ليلا من الكيس )
( وقمنا نشاوى عندما متع الضحى ** كما نهضت غلب الأسود من الخيس )
( فقال لبئس المسلمون ضيوفنا ** أما وأبيك الحبر ما نحن بالبيس )
( وهل فى بنى مثواك إلا مبرز ** بحلبة شورى أو بحلقة تدريس )
( إذا هز عسال اليراعة فاتكا ** أسال نجيع الحبر فوق القراطيس )
( يقلب تحت النقع مقلة ضاحك ** إذا التفت الأبطال عن مقل شوس )
____________________
(6/477)


( سبينا عقار الروم فى عقر دارها ** بحلية تمويه وخدعة تدليس )
( لئن أنكرت شكلى ففضلى واضح ** وهل جائز فى العقل إنكار محسوس )
( رسبت بأقصى الغرب ذخر مضنة ** وكم دره علياء فى قاع قاموس )
( وأغريت سوسي بالعذيب وبارق ** على وطن دانى الجوار من السوس ) ومن أبدع ما صدر عن لسان الدين رحمه الله تعالى لاميته المشهورة التى خاطب بها السلطان حين عاد من المغرب إلى الأندلس وأعاد الله تعالى عليه ملكه الذى كان خلع منه ويقال إن السلطان أمر بكتب هذه القصيدة على قصوره بالحمراء إعجابا بها وإنها إلى الآن لم تزل مكتوبة بتلك القصور التى استولى عليها العدو الكافر أعادها الله تعالى للإسلام وأول هذه القصيدة
( الحق يعلو والأباطل تسفل ** والله عن احكامه لا يسأل ) قال لسان الدين رحمه الله تعالى نظمتها للسلطان أسعده الله تعالى وأنا بمدينة سلا لما انفصل طالبا حقه بالأندلس كان صنع الله تعالى براعة استهلالها ووجهت بها اليه إلى رندة قبل الفتح ثم لما قدمت أنشدتها بعد الفتح وفاء بنذري وسميتها المنح الغريب فى الفتح القريب ومنها
( وإذا استحالت حالة وتبدلت ** فالله عز وجل لا يتبدل )
( واليسر بعد العسر موعود به ** والصبر بالفرج القريب موكل )
( والمستعد لما يؤمل ظافر ** وكفاك شاهد قيدوا وتوكلوا )
( أمحمد والحمد منك سجية ** بحليها دون الورى تتجمل )
( أما سعودك فهى دون منازع ** عقد بأحكام القضاء مسجل )
____________________
(6/478)


( ولك السجايا الغر والشيم التى ** بغريبها يتمثل المتمثل )
( ولك الوقار إذا تزلزلت الربى ** وهفت من الروع الهضاب المثل )
( عوذ كمالك ما استطعت فإنه ** قد تنقص الأشياء مما تكمل )
( تاب الزمان إليك مما قد جنى ** والله يأمر بالمتاب ويقبل )
( إن كان ماض من زمانك قد مضى ** بإساءة قد سرك المستقبل )
( هذا بذاك فشفع الجانى الذى ** أرضاك فيما قد جناه الأول )
( والله قد ولاك أمر عباده ** لما ارتضى بك قيما لا تعزل )
( وإذا تغمدك الإله بنصره ** وقضى لك الحسنى فمن ذا يخذل ) ومنها
( وظعنت عن أوطان ملكك راكبا ** متن العباب فأي صبر يجمل )
( والبحر قد حنيت عليك ضلوعه ** والريح تقطع للزفير وترسل )
( ولك الجواري المنشآت قد اغتدت ** تختال فى برد الشباب وترفل )
( جوفاء يحملها ومن حملت به ** من يعلم الأنثى وماذا تحمل ) ومنها
( صبحتهم غرر الجياد كأنما ** سد الثنية عارض متهلل )
( من كل منجرد أغر محجل ** يرمى الجلاد به أغر محجل )
( زجل الجناح إذا أجد لغاية ** وإذا تغنى للصهيل فبلبل )
( جيد كما التفت الظليم وفوقه ** أذن ممشقة وطرف أكحل )
( فكأنما هو صورة فى هيكل ** من لطفه وكأنما هو هيكل )
____________________
(6/479)

ومنها
( وخليج هند راق حسن صفائه ** حتى يكاد يعوم فيه الصيقل )
( غرقت بصفحته النمال وأوشكت ** تبغى النجاة فأوثقتها الأرجل )
( فالصرح منه ممرد والصفح ** منه مورد والشط منه مهدل )
( وبكل أزرق إن شكت الحاظه ** مرة العيون فبالعجاجة تكحل )
( متأود أعطافه فى نشوة ** مما يعل من الدماء وينهل )
( عجبا له أن النجيع بطرفه ** رمد ولا يخفى عليه مقتل ) ومنها
( لله موقفك الذى وثباته ** وثباته مثل به يتمثل )
( والخيل خط والمجال صحيفة ** والسمر تنقط والصوارم تشكل )
( والبيض قد كسرت حروف جفونها ** وعوامل الأسل المثقف تعمل )
( لله قومك عند مشتجر القنا ** إذ ثوب الداعى المهيب وأقبلوا )
( قوم إذا لفح الهجير وجوههم ** حجبوا برايات الجهاد وظللوا ) وهى طويلة لم يحضرنى الآن منها سوى ما كتبته
ومن نظمه رحمه الله تعالى قوله
( يا إمام الهدى وأي إمام ** أوضح الحق بعد إخفاء رسمه )
( أنت عبد الحليم حلمك نرجو ** فالمسمى له نصيب من اسمه ) وقال يخاطب عبد الواحد بن زكريا بن أحمد اللحيانى أبا مالك ابن سلطان إفريقية مودعا
____________________
(6/480)


( أبا مالك أنت نجل الملوك ** غيوث الندى وليوث النزال )
( ومثلك يرتاح للمكرمات ** وما لك بين الورى من مثال )
( عزيز بأنفسنا ان نرى ** ركابك مؤذنة بارتحال )
( وقد خبرت منك خلقا كريما ** أناف على درجات الكمال )
( وفازت لديك بساعات أنس ** كما زار فى الليل طيف الخيال )
( ولولا تعللنا أننا ** نزورك فوق بساط الجلال )
( ونبلغ فيك الذى نبتغى ** وذاك على الله سهل المنال )
( لما فترت أنفس من أسى ** ولا برحت أدمع فى انهمال )
( تلقتك حيث حللت السعود ** وكان لك الله فى كل حال )
وتوفى أبو مالك المخاطب بهذا فى بلاد الجريد سنة 750
ومن نظم ابن الخطيب قوله لما أشرف على الحضرة المراكشية حاطها الله تعالى
( ماذا أحدث عن بحر سبحت به ** من البحار فلا إثم ولا حرج )
( دحاه مبتدع الأشياء مستويا ** ما إن به درك كلا ولا درج )
( حتى إذا ما المنار الفرد لاح لنا ** صحت ابشري يا مطايا جاءك الفرج )
( قربت من عامر دارا ومنزلة ** والشاهد العدل هذا الطيب والأرج ) وقال رحمه الله تعالى
( كأنا بتامسنا نجوس خلالها ** وممدودها فى سيرنا ليس يقصر )
( مراكب فى البحر المحيط تخبطت ** ولا جهة تدري ولا البر تبصر )
____________________
(6/481)

وقال سامحه الله تعالى وهو مكتوب بالمدرسة التى بناها السلطان أبو الحجاج ابن نصر رحمه الله تعالى
( ألا هكذا تبنى المدارس للعلم ** وتبقى عهود المجد ثابتة الرسم )
( ويقصد وجه الله بالعمل الرضى ** وتجنى ثمار العز من شجر العزم )
( تفاخر منى حضرة الملك كلما ** تقدم خصم فى الفخار الى خصم )
( فأجدى إذا ضن الغمام من الحيا ** وأهدى إذا جن الظلام من النجم )
( فيا ظاعنا للعلم يطلب رحله ** كفيت اعتراض البيد أو لجج اليم )
( ببابى حط الرحل لا تنو وجهة ** فقد فزت فى حال الإقامة بالغنم )
( فكم من شهاب فى سمائى ثاقب )
( ومن هالة دارت على قمر تم )
( يفيضون من نور مبين إلى هدى ** ومن حكمه تجلو القلوب إلى حكم )
( جزى الله عنى يوسفا خير ما جزى ** ملوك بنى نصر عن الدين والعلم )
وقال رحمه الله تعالى مررت يوما مع شيخنا أبى البركات ابن الحاج ببعض مسالك غرناطة حرسها الله تعالى فأنشدنى من نظمه
( غرناطة ما مثلها حضره ** الماء والبهجة والخضرة )
واستجازنى رحمه الله تعالى فقلت
( سكانها قد أسكنوا جنة ** فهم يلقون بها نضره )
وقال فى تورية طبية
( إنى وإن كنت ذا اعتلال ** رث القوى بين الهزال )
____________________
(6/482)


( فى عارض التيس لى شفاء ** فكيف فى عارض الغزال )
وقال رحمه الله تعالى يخاطب شيخه سيدي أبا عبد الله ابن مرزوق موطئا على بيت المشارقة فى العذار
( أما والذى تبلى لديه السرائر ** لما كنت أرضى الخسف لولا الضرائر )
( غدوت لضيم ابن الربيب فريسة ** أما ثار من قومى لنصري ثائر )
( إذا التمست كفى لديه جرايتى ** كأنى جان أوبقته الجرائر )
( وما كان ظنى أن أنال جراية ** يحكم من جرائها فى جائر )
( متى جاد بالدينار أخضر زائفا ** ودارته دارت عليها الدوائر )
( وقد أخرج التعنيت كيس مرارتى ** ورقت لبلواي النفوس الأخاير )
( تذكرت بيتا فى العذار لبعضهم ** له مثل بالحسن فى الأرض ثائر )
( وما اخضر ذاك الخد نبتا وإنما ** لكثرة ما شقت عليه المرائر )
( وجاه ابن مرزوق لدي ذخيرة ** وللشدة العظمى تعد الذخائر )
( ولو كان يدري ما دهاني لساءه ** وأنكر ما صارت إليه المصائر )
وقال رحمه الله تعالى يخاطب أحد الشرفاء
( أعيا اللقاء علي إلا لمحة ** فى جملة لا تقبل التفصيلا )
( فجعلت بابك عن يمينك نائبا ** أهديه عند زيارتى تقبيلا )
( فإذا وجدتك نلت ما أملته ** أو لم أجدك فقد شفيت غليلا )
ولما دخل رحمه الله تعالى مدينة أنفا ومر منها على دار عظيمة تنسب إلى والي
____________________
(6/483)

جبايتها عبو من بنى الترجمان قارون قومه وغنى صنفه قال
( قد مررنا بدار عبو الوالى ** وهى ثكلى تشكو صروف الليالى )
( أقصدت ربها الحوادث لما ** رشقته بصائبات نبال )
( كان بالأمس واليا مستطيلا ** وهو اليوم ما له من وال )
وقال فى الشيخ ابن بطان الصنهاجي
( لله درك يا ابن بطان فما ** لشهير جودك فى البسيطة جاحد )
( إن كان فى الدنيا كريم واحد ** يزن الجميع فأنت ذاك الواحد )
( أجريت فضلك جعفرا يحيا به ** ما كان من مجد فذكرك خالد )
( فالقوم منك تجمعوا فى مفرد ** ولد كما شاء العلاء ووالد )
( وهى الليالى لا تزال صروفها ** يشقى بموقعها الكريم الماجد )
( وبمستعين الله يصلح منك ما ** قد كان أفسده الزمان الفاسد )
وقال رحمه الله تعالى وقد انتابه البرغوث
( زحفت إلى ركائب البرغوث ** نم الظلام بركبها المحثوث )
( بالحبة السوداء قابل مقدمى ** لله أي قرى أعد خبيث )
( كسحت بهن ذباب سرح تجلدى ** ليلا فحبل الصبر جد رثيث )
( إن صابرت نفسى أذاه تعبدت ** أو صحت منه أنفت من تحنيث )
( جيشان من ليل وبرغوث فهل ** جيش الصباح لصرختى بمغيث )
____________________
(6/484)


وقال يخاطب الوالى محمد بن حسون بن أبى العلاء وصدر بها رسالة
( لم يبق لى جود الولاية حاجة ** فى الأمن أو فى الجاه أو فى المال )
( بعد اللقاء أولو الفضائل بغيتي ** ورأيت هذا القصد شرط كمال )
( أجملته وتشوفت لبيانه ** همم فكنت مفسر الإجمال )
( وخصصت بالإلقاء غيرك غيره ** وجعلت ذكرك شاهد الأعمال )
( للبست يا ابن أبى العلا قشب الملا ** وتركت أهل الأرض فى أسمال )
( إن دون الفضلاء فضلا معلما ** فلقد أتيت عليه بالإكمال )
( تثني عليك رعيه آمالها ** فى أن تفوز يداك بالآمال )
( أرعيتها هملا فلم يطرق لها ** بمنيع سورك طارق الإهمال )
( من كنت واليه توالته العلا ** ومن اطرحت فما له من والي )
وقال فى عثمان بن يحيى بن عمر بن روح
( أسمى ذي النورين وجهك فى الوغى ** شمس الضحى حلت بليث عرين )
( إن تفتخر بمرين أرض العدوة ** القصوى فإنك أنت فخر مرين )
وقال رحمه الله تعالى عند وقوفه على مراكش واعتباره بما صار إليه أمرها
( بلد قد غزاه صرف الليالى ** وأباح المصون منه مبيح )
( فالذى خر من بناه قتيل ** والذى خر منه بعض جريح )
( وكأن الذى يزور طبيب ** قد تأتى له بها التشريح )
( أعجمت منه أربع ورسوم ** كان قدما بها اللسان الفصيح )
____________________
(6/485)


( كم معان غابت بتلك المغانى ** وجمال أخفاه ذاك الضريح )
( وملوك تعبدوا الدهر لما ** أصبح الدهر وهو عبد صريح )
( دوخوا نازح البسيطة حتى ** قال ما شاء ذابل وصفيح )
( حين شبت لهم من البأس نار ** ثم هبت لهم من النصر ريح )
( أثر يندب المؤثر لما ** طال بعد الدنو منه النزوح )
( ساكن الدار روحها كيف يبقى ** جسد بعدما تولى الروح )
وقال رحمه الله تعالى يخاطب أحمد بن يوسف حفيد الولى الصالح سيدي أبى محمد صالح النائم فى ظل صيته رحمه الله تعالى
( يا حفيد الولى يا وارث الفخر ** الذى نال فى مقام وحال )
( لك يا أحمد بن يوسف جبنا ** كل قطر يعيي أكف الرحال )
وقال فى نفاضة الجراب لما خرجت من آسفى سرت إلى منزل ينسب إلى أبى خدو وفيه رجل من بنى المنسوب إليه اسمه يعقوب فألطف وأجزل وآنس فى الليل وطلبنى بتذكرة تثبت عندي معرفته فكتبت له
( نزلنا على يعقوب نجل أبى خدو ** فعرفنا الفضل الذى ما له حد )
( وقابلنا بالبشر واحتفل القرى ** فلم يبق لحم لم ننله ولا زبد )
( يحق علينا أن نقوم بحقه ** ويلقاه منا البر والشكر والحمد ) وقال
( أألقى إلى الأيام فضل مقادتى ** فتجنبني مابين كد وإرهاق )
____________________
(6/486)


( وأتلف بين الخلق والرزق فكرتى ** ولست بخلاق ولست برزاق )
( إذا كنت بالإثراء لى فى تملق ** رضيت بعز النفس فى عز إملاق ) وقال
( لك الملك ملك الحسن فاقض بنا الذى ** تشاء فما يعصى لأمرك واجبه )
( إذا ما كسرى اللحظ من تحت حاجب ** تحكم فى الألباب كسرى وحاجبه ) وقال
( سألنا ربيع العام للعام رحمه ** فضن ولم يسمح بذرة إنعام )
( فقلنا وقد رد الوجوه ولم يبل ** قليل الحيا قبحت والله من عام ) وقال
( تخونه صرف الزمان وهل ترى ** بقاء لحى أو دواما على أمر )
( هو الدهر ذو وجهين يوم وليلة ** ومن كان ذا وجهين يعتب فى غدر ) وقال رحمه الله تعالى فى شجر الجوز
( انظر إلى ينعى وحسن بسوقى ** يهفو النسيم بقدي الممشوق )
( يجلو اللواحظ منظرى حسنا كما ** يجلو ثغور الغانيات عروقى ) وقال رحمه الله تعالى فى ساق
( كيف آمنتما على الشرب ظبيا ** لحظه فى القلوب غير أمين )
( راح يسقى فصب فى الكأس نزورا ** ثقة منه بالذى فى العيون )
وقال يخاطب السلطان
____________________
(6/487)


( أنت للمسلمين خير عماد ** وملاذ وأي حرز حريز )
( لو رأى ما شرعت لخلق فيه ** عمر الفاضل ابن عبد العزيز )
( لجزى ملكك المبارك خيرا ** وقضى بالشفوف والتبريز )
( فاشكر الله ما استطعت بفعل ** وبقول مطول أو وجيز )
( كل ملك يرى بصحبة أهل ** العلم قد باء بالمحل العزيز )
( فإذا ما ظفرت منهم بإكسير ** ملأت البلاد من إبريز )
( والبرايا تبيد والملك يفنى ** أين كسرى الملوك مع أبرويز ) وقال رحمه الله تعالى
( ما لى أهذب نفسى فى مطامعها ** والنفس تأنف تهذيبي وتهذي بى )
( إذا استعنت على دهري بتجربة ** تأبى المقادير تجريبي وتجري بى ) وقال
( من لا نصيب لصحبه فى خيره ** وإذا سعى لم يقض حاجة غيره )
( فاقصد أباه متى أردت وقل له ** الله يلهمه العزاء بايره ) وقال رحمه الله تعالى
( أمستخرجا كنز العقيق بآماقى ** أناشدك الرحمن فى الرمق الباقى )
( فقد ضعفت عن حمل صبرى طاقتى ** عليك وضاقت عن زفيري أطواقى ) وقال رحمه الله تعالى
( إذا لم أشاهد منك قبل منيتى ** نهاية آمالى وغاية غاياتى )
( فحسن عزائى حيل بيني وبينه ** وقرة عينى لم تحل بمرآتى )
( شهودك أمنى من عداة خواطري ** وقربك حرزي من توقع آفات )
____________________
(6/488)


( فإن لم يكن وصل فهبها إشارة ** فيا حسن شاراتى بها من إشارات )
وقال رحمه الله تعالى يخاطب الدنيا
( دنيا خدعت الذى سفرت له ** عن صفحة لم يحل بها كرم )
( سرقت حظ الإله من يده ** فهان ما كان منه يحترم )
( هذا الذى نال منك ليس له ** منقطع دائم ومنصرم )
( وهبه نال الذى أراد أما ** بين يديه المشيب والهرم )
ولما أورد رحمه الله تعالى قول القائل فى وصف الدنيا
( كلما أنبت الزمان قناة ** ركب المرء فى القناة سنانا )
( وكأنا لم نرض فيها بريب ** الدهر حتى أعانه من أعانا )
وقال أثره ما نصه والحق ما قلته من أبيات تناسب ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله
( والله إن لم يداركها وقد وحلت ** بلمحة أو بلطف من لدنه خفى )
( ولم يجد بتلافيها على عجل ** ما أمرها صائر إلا إلى التلف )
فحب الدنيا رأس كل بلية ولولاه لم تزل النفس صافية عالية عن سجيتها الأولية
ومن نظمه رحمه الله تعالى قوله
( إن رأى الحق فيك منه بقية ** فاتق البعد فيه حق التقيه )
( وإذا لم يكن لذاتك رسم ** قائم تلك حالة حقيه ) وقوله رحمه الله تعالى
____________________
(6/489)


( فسامح إذا ما لم تفدك عبارة ** وإن أشكلت يوما فخذها كما هيا )
( وتلخيص ما دندنت بالقول حوله ** إذا قمت بالباقى فما زلت باقيا ) وقال رحمه الله تعالى
( ففى عالم الأسرار ذاتك تجتلى ** ملامح نور لاح للطور فانهدا )
( وفى عالم الحس اغتديت مبوأ ** لتشفى من استشفى وتهدى من استهدى )
( فما كنت لولا أن أتيت هداية ** من الله مثل الخلق رسما ولا حدا )
وهذه الأبيات فى مدح النبى صلى الله عليه وسلم
وقال رحمه الله تعالى
( حمامة البان ما هذا البكاء على ** مر الليالى وما ذا البث والحزن )
( لا منزل بنت عنه أنت تندبه ** ولا حبيب ولا خل ولا سكن )
( لو كنت تنفث عن شوق منيت به ** إذا لصار رمادا تحتك الغصن )
وقال رحمه الله تعالى مضمنا
( أمط عنك مهما اسطعت كل إرادة ** وإلا فمغنى القوم عنك بعيد )
( تكون مريدا ثم فيك إرادة ** إذا لم ترد شيئا فأنت مريد ) وقال رحمه الله تعالى
( تعلقته من دوحة الجود والباس ** قضيبا لعوبا بالرجاء وبالياس )
( ضروبا بضرب لليراعة والقنا ** طروبا بحمل المشرفية والكاس )
( يذكرنيه الصبح عند انصداعه ** جمال رواء فى تأرج أنفاس )
( ويبدو لعينى شعره وجبينه ** إذا ما سفحت الحبر فى صفح قرطاس )
____________________
(6/490)

وقال رحمه الله تعالى
( أحب لحبها جملى ورحلى ** وعزمى والقتادة والطريقا )
( ومن أخشاه من سبع ولص ** فكيف فريقها سلموا فريقا )
( وكيف أخص باسم الحب إن لم ** أحب لأجلها إلا صديقا )
وقال رحمه الله تعالى وقلت من قصيدة
( أنا نسخة الأكوان أدمج خطها ** فسر ذوى التحقيق فى طي أوراقى )
( فمن عالم الأشباح ليلى وظلمتى ** ومن عالم الأرواح نورى وإشراقى )
وقال رحمه الله تعالى
( مولاى مولاي إن أرضاك بذل دمى ** فقد أتيت به أسعى على قدمى )
( وإن تعاظم ذنب قد جنته يدي ** وطال قرعى عليه السن من ندم )
( فهبه لى واغتفر ما كان من خطإ ** وزلة وارع لى حبى على القدم )
وقال رحمه الله تعالى من قصيدته العينية السلوية التى وجهها إلى سلا أيام خلف بها أهله وولده
( بولي الله فابدأ وابتدر ** واحد الآحاد فى باب الورع ) ترجمة الولى ابن عاشر
قلت هذا الولى هو العارف بالله تعالى سيدي الحاج أحمد بن عاشر أحد الصلحاء أصحاب الكرامات المشهورة بالمغرب وقد زرت قبره بسلا عام تسعة وألف وهو أحمد بن عمر بن محمد بن عاشر الأندلسى نزيل سلا الولى الزاهد المشهور بالمناقب والأحوال
____________________
(6/491)


قال ابن عرفة ما أدركت مبرزا فى زماننا هذا إلا الشيخ أبا الحسن المنتصر وأحمد بن عاشر بسلا انتهى
وقال بلدينا أبو عبد الله ابن صعد التلمسانى فى كتابه النجم الثاقب فيما لأولياء الله تعالى من المناقب كان أحد الأولياء الأبدال معدودا فى كبار العلماء مشهورا بإجابة الدعاء معروفا بالكرامات مقدما فى صدور الزهاد منقطعا عن الدنيا وأهلها ولو كانوا من صالحى العباد ملازما للقبور فى الخلاء المتصل ببحر مدينة سلا منفردا عن الخلق لا يفكر فى أمر الرزق وله أخبار جليلة وكرامات عجيبة مشهورة ممن جمع له العلم والعمل وألقى عليه القبوول من الخلق شديد الهيبة عظيم الوقار كثير الخشية طويل التفكر والاعتبار قصده أمير المؤمنين أبو عنان وارتحل إليه عام سبعة وخمسين وسبعمائة فوقف ببابه طويلا فلم يأذن له وانصرف وقد امتلأ قلبه من حبه وإجلاله ثم عاود الوقوف ببابه مرارا فما وصل اليه فبعث له بعض أولاده بكتاب كتبه إليه يستعطفه لزيارته ورؤيته فأجابه بما قطع رجاءه منه وأيس من لقائه واشتد حزنه وقال هذا ولى من أولياء الله تعالى حجبه الله عنا انتهى
ولما أجرى ذكره لسان الدين فى نفاضة الجراب قال ما ملخصه ولقيت من أولياء الله تعالى بسلا الولى الزاهد الكبير المنقطع القرين فرارا عن زهرة الدنيا وعزوفا عنها وإغفاء فى الورع وشهرة بالكشف وإجابة الدعوة وظهور الكرامة أبا العباس ابن عاشر يسر الله تعالى لقاءه على تعذره لصعوبة تأتيه وكثرة هيبته قاعدا بين القبور فى الخلاء رث الهيئة مطرق اللحظ كثير الصمت مفرط الانقباض والعزلة قد فر من أهل الدنيا وتطارحهم فهو شديد الاشمئزاز من قاصده مجرمز للوثبة من طارقه نفع الله تعالى به
وقال ابن الخطيب القسمطينى الشهير بابن قنفذ لقيته بسلا سنة 763 وهو على أتم حال فى الورع والفرار من الأمراء والتمسك بالسنة وهو الشيخ
____________________
(6/492)

الفقيه الولي توفى فى سنة خمس وستين وسبعمائة انتهى
وممن انتفع به ونال بركته الولى العارف بالله سيدي ابو عبد الله ابن عباد شارح الحكم وقد ترجمناه فى هذا الكتاب
وقال ابن عباد المذكور فى رسائله وقد كنت قدما خرجت فى يوم مولده صلى الله عليه وسلم صائما إلى ساحل البحر فوجدت هناك سيدي الحاج ابن عاشر رحمه الله تعالى وجماعة من أصحابه معهم طعامم يأكلونه فأرادوا منى الأكل فقلت إنى صائم فنظر إلى سيدي الحاج نظرة منكرة وقال لى هذا يوم فرح وسرور يستقبح فى مثله الصوم كالعيد فتأملت قوله فوجدته حقا وكأنه أيقظنى من النوم انتهى
وقال ابن قنفذ السابق فى رحلته ما صورته وكان ابن عاشر رحمه الله تعالى فريدا فى الورع ميسرا عليه فى ذاك أتم تيسير محفوظا من كل ما فيه شبهة كثير النفور من الناس وخصوصا أصحاب الولاية فى الأعمال وخرجت على يده تلامذة نجباء أخيار وطريقة أنه جعل إحياء علوم الدين بين عينيه واتبع ما فيه بجد واجتهاد وصدق وانقياد وكان الحجة فى ذلك الطريق وأول اجتماعى به نفر منى فحبسته بيدي وهززته فتبسم ووقف معى وسألنى عن نسبي ودعا لى وطلبته بما يطعمنى فاعتذر لى بالإقلال ثم قال أمهل فدخل وأخرج لى حبات تين يابسة فى يده اليمنى وغطاها باليد اليسرى ودفعها إلى وضحك معى وعجب الحاضرون من ليانته وانشراحه معى لأنه لا ينبسط إلى أحد وحصل لى بذلك فخر لا يدري قدرة إلا من حاول بعضه معه وقصدنى كثير من الخواص فسألنى عن مجلسى معه وما وقع من جوابه وسؤاله وقد حاول ملك المغرب لما ارتحل اليه فى عام سبعه وخمسين وسبعمائة على لقائه فلم يقدر عليه بوجه وحجبه الله تعالى حتى تبعه يوم جمعة من الجامع الأعظم على قدمه والناس ينظرونه وهو لم يره فرجع ولم يكن قوته إلا من نسخ العمدة فى الحديث وكيف يبيعها ولمن يبيعها ولا يأخذ إلا قيمتها
____________________
(6/493)

ولم تزل حالته وبركته فى زيادة إلى إن توفى سنة 765 وسأله بعض الأخيار بمحضري عن الفرق بين مكاشفة المسلم ومكاشفة النصرانى لوجود ذلك من بعضهم فقال المسلم الذى له هذه الدرجة يبرىء من العاهة والنصرانى لا يبرىء ثم قال وهل يبرىء الفقيه من العاهة فقال له نعم ثم نظر يمينا وشمالا ليجد صاحب عاهة فياتى بالعيان فلم يجد أحدا وكأنه اغتاظ لهذا السؤال ثم أخرج يده وقال يأتى لمن يقعد عن الحركة فيحبسه بيده ويقيمه وقد ذهب ألمة بعد أن جثا إلى الأرض فى الصفة ثم قال وسئل بعضهم عن هذا وكان السائل نصرانيا فى زي المسلم فقال له الفرق بينهما سقوط الزنار من وسطك قال فسقط وفضحه الله تعالى وأسلم بسبب ذلك انتهى كلام ابن قنفذ القسمطينى رحمه الله تعالى
وترجمة ولى الله تعالى سيدي الحاج ابن عاشر نفعنا الله تعالى ببركاته متسعة جدا وكراماته ومناقبه لا نبلغ لها حدا ولا نطيق لها عدا وإنما ألمعنا بذكره قصدا للتبرك به والله ولى التوفيق وهو الهادى إلى سواء الطريق
رجع الى نظم لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى
فنقول ومن مداعباته رحمه الله تعالى قوله
( ومولع بالكتب يبتاعها ** بأرخص السوم وأغلاه )
( فى نصف الاستذكار أعطيته ** مختصر العين فأرضاه )
ويعنى بمختصر العين الزبيدى فافهم وقال رحمه الله تعالى من قصيدة
( ووالله ما اعتل الأصيل وانما ** تعلم من شجوي فبان اعتلاله )
وهذا غاية فى المبالغة وحسن التعليل
____________________
(6/494)


وقال رحمه الله تعالى وقفت على قبر المعتمد بالله فى مدينة أغمات فى حركة راحة أعملتها إلى الجهات المراكشية باعثها لقاء الصالحين ومشاهدة الآثار عام واحد وستين وسبعمائة وهو بمقبرة أغمات فى نشز من الأرض وقد حفت به سدرة وإلى جنبه قبر اعتماد حظية مولاه رميك وعليهما هيئة التغرب ومعاناة الخمول من بعد الملك فلا تملك العين دمعها عند رؤيتهما فأنشدت فى الحال
( قد زرت قبرك عن طوع بأغمات ** رأيت ذلك من أولى المهمات )
( لم لا أزورك يا أندى الملوك يدا ** ويا سراج الليالى المدلهمات )
( وأنت من لو تخطى الدهر مصرعه ** إلى حياتى لجادت فيه أبياتى )
( أناف قبرك فى هضب يميزه ** فتنتحيه حفيات التحيات )
( كرمت حيا وميتا واشتهرت علا ** فأنت سلطان أحياء وأموات )
( ما ريء مثلك فى ماض ومعتقدي ** أن لا يرى الدهر فى حال ولا آت )
وقد تقدم هذا فى القسم الأول فى الباب السابع منه وكررته هنا والله الموفق
وقال رحمه الله تعالى موريا حين أكل مشرف الدار القابض أي أكل ماله
( مشرف دار الملك ما باله ** منتفخ الجوف شكا نافضا )
( فقيل لى ليس به علة ** لكنه قد أكل القابضا )
____________________
(6/495)

وقال
( يا نفس لا تصغى إلى سلوة ** كم أخلف الموعد عرقوب )
( وأنت يا قلبى وصاك ** ابراهيم بالحزن ويعقوب )
وقال فى السعيد أبى بكر ابن السلطان أبى عنان
( أمير كأن قمير الدجى ** أفاض الضياء على صفحتيه )
( تملأ قلبى من جبه ** غداة نظرت بعينى اليه )
( فلا بسط الدهر كف الردى ** لذاك الشخيص وذاك الوجيه )
وقال يخاطب الخطيب ابن مرزوق
( تعلم طيفوري خلال سميه ** وإن كان منسوبا الى غير بسطام )
( وجاء فقير الوقت لابس خرقة ** فليس براض غير صحبه صوام )
( فديتك لا تردده عنك مخيبا ** ودرسه يا مولاي قصة بلعام )
وقال مما كتبت به إلى ابن مرزوق المذكور وقد وصل ولده إلى سلا ومنع ابن الخطيب عن لقائه عذر مرض وكان نزوله بزاوية النساك
( صدنى عن لقاء نجلك عذر ** يمنع الجسم عن تمام العباده )
( واختصرت القرى لأن حط رحلا ** فى محل الغنى ودار الزهاده )
( ولو أنى احتفلت لم يعن الدهر ** ولا نلت بعض بعض أراده )
( وعلى كل حالة فقصوري ** عادة إذ قبولك العذر عاده )
____________________
(6/496)


( لا عدمت الرضى من الله والحسنى ** كما نص وحيه والزياده )
وقال يخاطبه من ضريح السلطان أبى الحسن بشاله لاستنهاض عزيمته فى قضاء غرضه
( برئت لله من حولى ومن حيلي ** إن نام عنى وليي فهو خير ولى )
( أصبحت ما لى من عطف أؤمله ** من غيره فى مهمات ولا بذل )
( ما كنت أحسب أن أرمى بقاصيه ** للهجر أقطع فيها جانب الأمل )
( من بعد ما خلصت نحوى الشفاعة ما ** بين العلا والدجى والبيض والأسل )
( إن كنت لست بأهل للذى طمحت ** اليه نفسى وأهوى نحوه أملى )
( فكيف يلغى ولا ترعى وسيلته ** دخيل قبر أمير المسلمين على )
( من بعد ما اشتهرت حالى به وسرت ** بها الركائب فى سهل وفى جبل )
( والرسل تترى ولا تخفى نتائجها ** عند التأمل من قول ولا عمل )
( ولا لليلى من صبح أطالعه ** كأن همى قد مد الدجنة لى )
( لو أننى بابن مرزوق عقدت يدي ** وكان محتكما فى خيرة الدول )
( لكان كربى قد افضى إلى فرج ** وكان حزنى قد أوفى على جذلى )
( ألمحت بالعتب لم أحذر مواقعه ** أنا الغريق فما خوفى من البلل )
( ولست أجحد ما خولت من نعم ** لكنها النفس لا تنفك عن أمل )
( ولست أياس من وعد وعدت به ** وإنما خلق الإنسان من عجل )
وقال رحمه الله تعالى يخاطب السلطان أبا الحجاج
( أمولاي إن الشعر ديوان حكمه ** يفيد الغنى والعز والجاه من كانا )
( وقد وجد المختار فى الحفل منصتا ** له وحبا كعبا عليه وحسانا )
____________________
(6/497)


( وفيما رواه الناقلون وأثبتوا ** بذلك ديوانا صحيحا فديوانا )
( بأن أبا بكر خيلفته الرضى ** وفاروقه الأدنى اليه وعثمانا )
( وأن عليا قدس الله جمعهم ** وكرمنا بالقرب منهم وحيانا )
( لهم فى ضروب القول إذا هم فحوله ** خطاب وشعر يستقران تبيانا )
( وفاض على أهل القريض نوالهم ** فروض روض القول سحا وتهتانا )
( وأنت أحق الناس أن تفعل الذى ** به فعل المختار دينا وإيمانا )
( فما زلت تهدي فى البرية هديه ** وتقضى بما يرضيه سرا وإعلانا )
( وان قيل قدر المرء ما هو محسن ** فصنعه نظم القول أرفعه شانا )
وقال موريا
( بنفسى حبيب فى ثناياه بارق ** ولكنها للواردين عذاب )
( إذا كان لى منه عن الوصل حاجز ** فدمعى عقيق بالجفون مذاب ) وقال
( عذبت قلبى بالهوى فقيامه ** فى نار هجرك دائما وقعوده )
( ولقد عهدت القلب وهو موحد ** فعلام يقضى فى العذاب خلوده )
وقال فى التجنيس
( دعوتك للود الذى جنباته ** تداعت مبانيها وهمت بأن تهي )
( وقلت لعهد الوصل والقرب بعدما ** تناءى وهل أسلو حياتى وأنت هى )
( ومن شام من جو الشبيبة بارقا ** ولم تنهه عنه النهى كيف ينتهى )
وقال
( ناديت دمعى إذ جد الرحيل بهم ** والقلب من فرق التوديع قد وجبا )
( سقطت يا دمع من عينى غداه نأى ** عنى الحبيب ولم تقض الذى وجبا )
____________________
(6/498)

وقال
( شلير لعمرى أساء الجوار ** وسد على رحيب الفضا )
( هو الشيخ أبرد شىء يرى ** إذا لبس البرنس الأبيضا )
وقال قلت أخاطب بعض من أدل عليه وما أولانى بذلك
( إذا قمت قل بعقيب الكرى ** إلهمى أنت إله الورى )
( تباركت أنشأتهم من تراب ** وأنشاتنى بينهم من خرا )
قلت ولا خفاء ببشاعة هذا فحذفه أولى من إثباته
وقال يداعب بعض أصحابه
( شيخ رباط إن أتى شادن ** خلوته عند انسدال الظلام )
( أدلى وقد أبصره دلوه ** وقال يا بشراي هذا غلام )
وقال فى غرض يظهر
( لم أجد فيه لين بث لقلبى ** وقبولا لحجتى واعتذارى )
( ثقل الله ظهره بعيال ** سود الله وجهه بعذار )
وقال من قصيدة
( أخذت وأمواج الردى متلاطمه ** بضبعى يا نجل الوصى وفاطمه )
وقال
( ووجه غرست الورد فيه بنظره ** فيا ليت كفى متعت بجنى غرسى )
( كأن سواد الخال فى وجناته ** علامة مولانا على احمر الطرس )
( وبينهما فى باطن الأمر نسبه ** لذلك أمضيت العزام على نفسى )
____________________
(6/499)


وقال يشير إلى بعض طبقات الغناء
( ضرط الفقيه فقلت ذاك غريبة ** ما كان ذلك منه بالمعلوم )
( فدنا إلى وقال قد أصرفتكم ** من ضرطتى بغريبة المزموم )
وفى آخر سنة أربع وسبعين وجه إلى السلطان أبى حمو سلطان تلمسان أبياتا لزومية فى غرض الهناء وهى
( وقف الغرام على ثناك لسانى ** رعيا لما اوليت من إحسان )
( فكانما شكرى لما أوليته ** شكر الرياض لعارض النيسان )
( أنا شيعة لك حيث كنت قضية ** لم يختلف فى حكمها نفسان )
( ولقد تشاجرت الرماح فكنت فى ** ميدان نهرك فارس الفرسان )
( ورويت غر مآثر أسندتها ** لعلاك بين صحائح وحسان )
( ولأنت أولى بالتشيع شيمة ** لم تتفق لسواك من إنسان )
( الشمس أنت قد انفردت وهل يرى ** بين الورى فى مطلع شمسان )
( جبرت بجبرك كل نفس حرة ** وشدا بشكر الله كل لسان )
( وبدت سعودك مستقيما سيرها ** وعلت ففر أمامها النحسان )
( فاستقبل السعد المعاود سافرا ** عن أي وجه للرضى حسان )
( وابغ المزيد بشكر ربك ولتثق ** بمضاعف الإنعام والإحسان )
( فالشكر يقتاد المزيد ركائبا ** تنتاب بابك منه فى أرسان )
( ثم السلام عليك يزرى عرفه ** طيبا بعرف العود والبلسان )
وقال
____________________
(6/500)


( بحق ما بيننا يا ساكنى القصبه ** ردوا علي حياتى فهى مغتصبه )
( ماذا جنيتم على قلبى ببينكم ** وانتم الأهل والأحباب والعصبه )
قلت ولعل ابن زمرك قال أبياته التى على هذا الروى المذكورة فى غير هذا الموضع من هذا الكتاب جوابا لهذه حين كان ابن زمرك من جملة أتباع لسان الدين رحم الله تعالى الجميع وقال لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى
( حين ساروا عنى وقد خنقتنى ** عبرات قد أعربت عن ولوعى )
( صحت من ينصر الغريب فلما ** لم أجد ناصرا بلعت دموعى ) وقال
( قال لى والدموع تنهل سحبا ** فى عراص من الخدود محول )
( بك ما بى فقلت مولاي عافاك ** المعافى من عبرتى ونحولى )
( أنا جفنى القريح يروى عن الأعمش ** والجفن منك عن مكحول ) وقال
( أشكو لمبسه الحريق وقد حمى ** عنى لماه المشتهى ورحيقه )
( يا ريقه حيرتنى ومطلتنى ** ما أنت إلا بارد يا ريقه )
وقال فيمن ركب البحر وماد
( ركب السفينة واستقل بافقها ** فكأنما ركب الهلال الفرقد )
____________________
(6/501)


( وشكوا إليه بميده فأجبتهم ** لا غرو ان ماد القضيب الأملد ) وقال عندما خرج السلطان ابن الأحمر من فاس متوجها إلى الأندلس لطلب حقه
( ولما حثثت السير والله حاكم ** لملكك فى الدنيا بعز وفى الأخرى )
( حكى فرس الشطرنج طرفك لا يرى ** ينقل من بيضاء إلا إلى حمرا ) ويعنى بالبيضاء فاسا الجديدة وبالحمراء حمراء غرناطة وتذكرت هنا أن بعض علماء الأندلس وأظنه أبا عبد الله ابن جزى لما رمدت عين بعض أهل فاس سأله عنها فقال
( يا سيدي عينى قد ** أودى قذاها بالأنس )
( فانظر إليها ترها ** دار مليك الأندلس ) يعني حمراء فأجابه بقوله
( وقيت مما تشتكى ** من القذى والوصب )
( ما رمدت عيناك بل ** عين العلا والأدب )
( فلتحمدن أن لم تكن ** دار مليك المغرب ) نى وقد خنقتنى ** عبرات قد أعربت عن ولوعى )
( صحت من ينصر الغريب فلما ** لم أجد ناصرا بلعت دموعى ) وقال
( قال لى والدموع تنهل سحبا ** فى عراص من الخدود محول )
( بك ما بى فقلت مولاي عافاك ** المعافى من عبرتى ونحولى )
( أنا جفنى القريح يروى عن الأعمش ** والجفن منك عن مكحول ) وقال
( أشكو لمبسه الحريق وقد حمى ** عنى لماه المشتهى ورحيقه )
( يا ريقه حيرتنى ومطلتنى ** ما أنت إلا بارد يا ريقه ) وقال فيمن ركب البحر وماد
( ركب السفينة واستقل بافقها ** فكأنما ركب الهلال الفرقد )
____________________
(6/502)


( وشكوا إليه بميده فأجبتهم ** لا غرو ان ماد القضيب الأملد )
وقال عندما خرج السلطان ابن الأحمر من فاس متوجها إلى الأندلس لطلب حقه
( ولما حثثت السير والله حاكم ** لملكك فى الدنيا بعز وفى الأخرى )
( حكى فرس الشطرنج طرفك لا يرى ** ينقل من بيضاء إلا إلى حمرا )
ويعنى بالبيضاء فاسا الجديدة وبالحمراء حمراء غرناطة
وتذكرت هنا أن بعض علماء الأندلس وأظنه أبا عبد الله ابن جزى لما رمدت عين بعض أهل فاس سأله عنها فقال
( يا سيدي عينى قد ** أودى قذاها بالأنس )
( فانظر إليها ترها ** دار مليك الأندلس )
يعني حمراء فأجابه بقوله
( وقيت مما تشتكى ** من القذى والوصب )
( ما رمدت عيناك بل ** عين العلا والأدب )
( فلتحمدن أن لم تكن ** دار مليك المغرب )
يعني بيضاء وهذا من غريب ما يحاضر به
رجع وقال لسان الدين رحمه الله تعالى
( أجاد يراع الحسن خط عذاره ** وأودعه السر المصون الذى يدري )
( ولم يفتقر فيه لختم وطابع ** فمبسمه أغناه عن طابع السر )
____________________
(6/502)


وقال فى غرناطة
( أحييك يا معنى الكمال بواجب ** وأقطع فى أوصافك الغر أوقاتى )
( تقسم منك الترب قومى وجيرتى ** ففى الظهر أحيائى وفى البطن أمواتى )
وقال فى غرض ينحو نحو المشارقة
( رموا بالسلو حليف الغرام ** وأدمعه كالحيا الهاطل )
( أعوذ بعزك يا سيدي ** لذلى من دعوة الباطل ) وقال
( يا ليل طلت ولم تجد بتبسم ** وأريتني خلق العبوس النادم )
( هلا رحمت تغربى وتفرقى ** لله ما أقساك يا ابن الخادم )
وقال فى مروحة سلطانية
( كأنى قوس الشمس عند طلوعها ** وقد قدمت من قبلها نسمة الفجر )
( وإلا كما هبت بمحتدم الوغى ** بنصر ولكن من بنود بنى نصر )
وقال يخاطب شيخه ابن الجياب
( بين السهام وبين كتبك نسبة ** فبها يصاب من العدو المقتل )
( وإذا أردت لها زيادة نسبة ** هذى وهذى فى الكنانة تجعل )
وقال يتغزل وفيه معنى غريب
( إن اللحاظ هى السيوف حقيقة ** ومن استراب فحجتى تكفيه )
( لم يدع غمد السيف جفنا باطلا ** إلا لشبه اللحظ يغمد فيه )
____________________
(6/503)


قيل وأحسن منه قول غيره
( إن العيون النجل أمضى موقعا ** من كل هندى وكل يمانى )
( فضل العيون على السيوف بأنها ** قتلت ولم تخرج من الأجفان )
وأصل ما قال لسان الدين قول الأول
( بين السيوف وعينيه مناسبة ** من اجلها قيل للأغماد أجفان )
وقال لسان الدين رحمه الله تعالى فى الساعة وتسميها المغاربة المنجانه
( تأمل الرمل فى المنجان منقطعا ** يجرى وقدره عمرا منك منتهبا )
( والله لو كان وادى الرمل ينجده ** ما طال كامله إلا وقد ذهبا ) وقال
( أقول لعاذلى لما نهانى ** وقد وجد المقالة إذ جفانى )
( علمت بأنه مر التجنى ** وفاتك أنه حلو اللسان )
وقال فى غرض صوفى
( لا تنكروا إن كنت قد أحببتكم ** أو أننى استولى على هواكم )
( طوعا وكرها ما ترون فإننى ** طفت الوجود فما وجدت سواكم )
وقال يمدح وفيه تورية
( وإن نظرت إلى لألاء غرته ** يوم الهياج رأيت الشمس فى الأسد )
وقال مما يكتب على طاق الماء بباب القبة
____________________
(6/504)


( أنا طاق تزهو بى الأيام ** تعبت فى بدائعى الأفهام )
( وتبديت للنواظر محرابا ** كأن الإناء فى امام )
( واقف للصلاة حتى إذا ما ** جئت للشرب حان منى سلام )
وقال فى ذلك أيضا
( يا صانعى لله ما أحكمته ** فلأنت بين العالمين رئيس )
( أحكمت تاجى يوم صغت رقوشه ** فصبت اليه مفارق ورؤوس )
( وأقمت فى محرابه فكأنه ** مجلى إناء الماء فيه عروس )
وقال فى المشيب
( أنى لمثلى بالهوى من بعد ما ** للوخط فى الفودين أي دبيب )
( لبس البياض وحل ذروة منبر ** منى ووإلى الوعظ فعل خطيب )
وقال رحمه الله تعالى
( والله ما جان على ماله ** أو جاهه من ذب عن عرضه )
( والناس فى خير وفى ضده ** هم شهداء الله فى أرضه ) وقال
( إلهى بالبيت المقدس والمسعى ** وجمع إذا ما الخلق قد نزلوا جمعا )
( وبالموقف المشهود يا رب فى منى ** إذا ما أسال الناس من خوفك الدمعا )
( وبالمصطفى والصحب عجل إقالتى ** وأنجح دعائى فيك يا خير من يدعى )
( صدعت وأنت المستغاث جنابه ** أقل عثرتى يا موئلى واجبر الصدعا )
____________________
(6/505)


وقال رحمه الله تعالى فى بنيونش سبتة
( بنيونش أسنى الأماكن رقعه ** وأجل أرض الله طرا شانا )
( هى جنة الدنيا التى من حلها ** نال الرضى والروح والريحانا )
( قالوا القرود بها فقلت فضيلة ** حيوانها قد قارب الإنسانا )
وفى بنيونش هذه يقول أبو عبد الله ابن مجبر
( بنيونش جنة ولكن ** طريقها يقطع النياطا )
( وجنة الخلد لا يراها ** إلا فتى يقطع الصرطا )
وقال ابن الخطيب رحمه الله تعالى
( إن الهوى لشكاية معروفة ** صبر التصبر من أجل علاجها )
( والنفس إن ألفت مرارة طعمه ** يوما ضمنت لها صلاح مزاجها )
وقال رحمه الله تعالى
( ولما رأت عزمى حثيثا على السرى ** وقد رابها صبرى على موقف البين )
( أتت بصحاح الجوهرى دموعها ** فقابلت من دمعى بمختصر العين ) وقال رحمه الله تعالى
( تذكرت عهدا كان أحلى من الكرى ** وأقصر من إلمام طيف خياله )
____________________
(6/506)


( فيا ليت شعرى من أتاح لى المنى ** وعذب بالى هل أمر بباله ) وقال رحمه الله تعالى
( عينى جنت فعلام تحرق أضلعى ** أبما جنى جار يعذب جار )
( يا قلب لا تدهشك نيران الهوى ** فكنار إبراهيم تلك النار )
( فاصبر على ما حملوا تنل المنى ** بالسبك أدرك نقشه الدينار ) وقال رحمه الله تعالى
( وما كان إلا أن جنى الطرف نظرة ** غدا القلب رهنا فى عقوبة ذنبه )
( وما العدل أن يأتى امرؤ بجريرة ** فيؤخذ فى اوزارها جار جنبه ) وقال رحمه الله تعالى
( برى جسدى فيكم غرام ولوعة ** إذا سكن الليل البهيم تثور )
( فلولا أنيني ما اهتدى نحو مضجعى ** خيالكم بالليل حين يزور )
( ولو شئت فى طى الكتاب لزرتكم ** ولم تدر عنى أحرف وسطور )
وقال رحمه الله تعالى
( بلد تحف به الرياض كأنه ** وجه جميل والرياض عذاره )
( وكأنما وادية معصم غادة ** ومن الجسور المحكمات سواره ) وقال رحمه الله تعالى يخاطب السلطان أبا حمو صاحب تلمسان ويشكره على ما كان أعان به أهل الأندلس
( لقد زار الجزيرة منك بحر ** يمد فليس تعرف منه جزرا )
____________________
(6/507)


( أعدت لها بعهدك عهد موسى ** سميك فهى تتلو منه ذكرا )
( أقمت جدارها وأفدت كنزا ** ولو شئت اتخذت عليه أجرا ) وقال أيضا
( وقالوا الجزيرة قد صوحت ** فقلت غمام الندى تنتظر )
( إذا وكفت كف موسى بها ** غماما يعود الجناب الخضر )
وقال رحمه الله تعالى عقب الإياب من الرحلة المراكشية
( أفادت وجهتى بنداك مالا ** قضى دينى وأصلح بعض حالى )
( ومتعت الخواطر بانشراح ** وأطرفت النواظر باكتحال )
( وأبت خفيف ظهر والمظايا ** بجاهك تشتكى ثقل الرحال )
( وشانى للمعالم غير شان ** وحالى بالمكارم جد حال )
( فحب علاك إيمانى وعقدى ** وشكر نداك دينى وانتحالى )
( كما قد صح لله انقطاعى ** بتأميلي جنابك وارتحالى )
( وما يبقى سوى فعل جميل ** وحال الدهر لا تبقى بحال )
( وكل بداية فإلى انتهاء ** وكل إقامة فإلى ارتحال )
( ومن سام الزمان دوام أمر ** فقد وقف الرجاء على المحال )
وقال رحمه الله تعالى فى الضراعة الى ربه والاعتراف بذنبه
( مولاي إن أذنبت ينكر أن يرى ** منك الكمال ومنى النقصان )
( والعفو عن سبب الذنوب مسبب ** لولا الجناية لم يكن غفران )
____________________
(6/508)

وقال رحمه الله تعالى
( سلام على تلك المرابع إنها ** معاهد الأفي وعهد صحابى )
( ويا آسة المغنى انعمى فلطالما ** سكبت على مثواك ماء شبابى )
وقال سامحه الله تعالى
( أموطنى الذى أزعجت منه ** ولم أرزأ به مالا ولا دم )
( لئن أزعجت عنك بغير قصد ** فقبلى فارق الفردوس آدم )
ومن ميلادياتة رحمه الله تعالى قوله
( ما على القلب بعدكم من جناح ** أن يرى طائرا بغير جناح )
( وعلى الشوق أن يشب إذا هب ** بأنفاسكم نسيم الصباح )
( جيرة الحى والحديث شجون ** والليالى تلين بعد الجماح )
( أترون السلو خامر قلبى ** بعدكم لا وفالق الإصباح )
( ولو أنى أعطى اقتراحى على ** الأيام ما كان بعدكم باقتراحى )
( ضايقتنى فيكم صروف الليالى ** واستدارت على دور الوشاح )
( وسقتنى كأس الفراق دهاقا ** فى اغتباق مواصل واصطباح )
( واستباحت من جدتى وفتائى ** حرما لم أخله بالمستباح )
ومنها
( يا ترى والنفوس أسرى أمان ** ما لها من وثاقها من سراح )
( هل يباح الورود بعد ذياد ** أو يتاح اللقاء بعد انتزاح )
____________________
(6/509)


( واذا أعوز الجسوم التلاقى ** ناب عنه تعارف الأرواح )
وهى طويلة لم يحضرنى منها الآن سوى ما ذكرته
وقد حذا حذوها الفقيه الكاتب أبو زكريا يحيى بن خلدون أخو قاضى القضاة ولى الدين بن خلدون صاحب التاريخ فقال فى مولد عام ثمانية وسبعين وسبعمائة واستطرد لمدح السلطان أبى حمو موسى صاحب تلمسان الذى تقدم ذكره قريبا
( ما على الصب فى الهوى من جناح ** أن يرى حلف عبره وافتضاح )
( وإذا ما المحب عيل اصطبارا ** كيف يصغى إلى نصيحة لاح )
( يا رعى الله بالمحصب ربعا ** آذنت عهده النوى بانتزاح )
( كم أدرنا كأس الهوى فيه مزحا ** رب جد من الجوى فى المزاح )
( هل إلى رسمه المحيل سبيل ** يا حداه المطى تلك الطلاح )
( نسأل الدار بالخليط ونسقى ** ذلك الربع بالدموع السفاح )
( أي شجو عاينت بعد نواها ** من أسى لازم وصبر مزاح )
( أهل ودى إن رابكم برح وجدى ** من صبا بارق وبرق لياح )
( فاسألوا البرق عن خفوق فؤادى ** والصبا عن سقام جسمى المتاح )
( يا أهيل الحمى نداء مشوق ** ما له عن هوى الدمى من براح )
( طالما استعذب المدامع وردا ** فى هواكم عن كل عذب قراح )
( عادة بالطلول للشوق عيد ** من حمام بدوحهن صداح )
( من لقلب من الجوى فى ضرام ** ولجفن من البكا فى جراح )
( ولصب يهيجه الذكر شوقا ** فهو سكرا يرتاد من غير راح )
( وليال قضيت للهو فيها ** وطرا والشباب ضافى الجناح )
____________________
(6/510)


( راكبا فى الهوى ذلول تصاب ** ساحبا فى الغرام ذيل مراح )
( ونجوم المنى تنير إلى إن ** روع الشيب سربها بالصباح )
( أي مسرى حمدت لم أخل منه ** بسوى حسرة وطول افتضاح )
( واخسارى يوم القيامة إن لم ** يغفرالله زلتى واجتراحى )
( لم أقدم وسيلة فيه إلا ** حب خير الورى الشفيع الماحى )
( سيد العالمين دنيا وأخرى ** أشرف الخلق فى العلا والسماح )
( سيد الكون من سماء وأرض ** سره بين غاية وافتتاح )
( زهرة الغيب مظهر الوحى معنى النور ** كنه المشكاة والمصباح )
( آية المكرمات قطب المعالى ** مصطفى الله من قريش البطاح )
( أول الأنبياء تخصيص زلفى ** آخر المرسلين بعث نجاح )
( صفوة الخلق أرفع الرسل قدرا ** وسراج الهدى وشمس الفلاح )
( من لميلاده بمكة ضاءت ** من قرى قيصر جميع الضواحى )
( وخبت نار فارس وتداعت ** من مشيد الإيوان كل النواحى )
( من رقى فى السماء سبعا طباقا ** ورأى آي ربه فى اتضاح )
( ودنا منه قاب قوسين قربا ** ظافرا فى العلا بكل اقتراح )
( من هدى الخلق بين حمر وسود ** وجلا ليل غيهم بالصباح )
( من يجير الورى غدا يوم يجزى ** كل عاص وطائع باجتراح )
( من إلى حوضه وظل لواه ** يلجأ الناس بين ظام وضاحى )
( أحمد المجتبى حبيبا وأنى ** فوق عز الحبيب مرمى طماح )
( فى أناجيلة المسيح تلاه ** باسمه والكليم فى الألواح )
( ولكم حجة وبرهان صدق ** فى سماع أتى بها والتماح )
( إن فى النجم والنبات لآيا ** بهرت والجماد والأرواح )
( معجزات فتن المدارك وصفا ** وحسابا كالزهر أو كالصباح )
____________________
(6/511)


( يا رواة القريض والشعر عجزا ** ما عسى تدركون بالأمداح )
( إنما حسبنا الصلاة عليه ** وهى للفوز آية استفتاح )
( يا إلهى بحق أحمد عفوا ** عن ذنوب جنيتهن قباح )
( وأدم دولة الخليفة موسى ** ذى المعالى المبينة الأوضاح )
( مفخر الملك مستقر المزايا ** مظهر اللطف ذو التقى والصلاح )
( ناصر الحق خاذل الجور عدلا ** ملجأ الخائفين بحر السماح )
( يتلقى الندى بوجه حيي ** ويلاقى العدا ببأس صفاح )
( وله المكرمات إرثا ولبسا ** حاز حمدا بها معلى القداح )
( من علا باذخ وفخر صميم ** وكمال بحت ومجد صراح )
( وأحاديث فى المعالى حسان ** رويت عنه فى العوالى الصحاح )
( عاقد صفقة العلا كل حين ** فائز فيه سعيه بالرباح )
( للندى والهدى يروح ويغدو ** أي مغدى الى العلا ومراح )
( ملك تشرق الأسرة منه ** فى سماء السرير نور صباح )
( وإذا ما علا بعالى العوالى ** صهوة الجرد فهو ليث الكفاح )
( لبس الدهر منه حله حسن ** وثنى للسرور عطف مراح )
( وعلى عاتق الخلافة منه ** طرز فخر سبى النهى بالتماح )
( ورث الملك شامخا عن سراة ** شيدوا ركنه بايدى الصفاح )
( من بنى القاسم الذين تحلوا ** بالمعالى واستأثروا بالفلاح )
( فرعوا هضبة الخلافة مجدا ** رفعوا سقفه على الأرماح )
( نشروا راية المفاخر حمدا ** خافق النور بالربى والبطاح )
( يا إماما بذ الملوك جلالا ** وجمالا فديت بالأرواح )
( أنت شمس الكمال دمت عليها ** فى اغتباق من المنى واصطباح )
( وبنوك الأعلون أنجم سعد ** زاهرات بنورك الوضاح )
( وأبو تاشفين بدر منير ** زانه الله بالخلال الصباح )
____________________
(6/512)


( أكمل العالمين خلقا وخلقا ** أشرف الناس فى الندى والكفاح )
( وبكم زينت سماء المعالى ** واهتدى الناس فى الدجى والصباح )
وكان السلطان ابو حمو الممدوح بهذه القصيدة يحتفل لليلة مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم غاية الاحتفال كما كان ملوك المغرب والأندلس فى ذلك العصر وما قبله
ومن احتفاله له ما حكاه شيخ شيوخ شيوخنا الحافظ سيدي أبو عبد الله التنسى ثم التلمسانى فى كتابه راح الأرواح فيما قاله المولى أبو حمو من الشعر وقيل فيه من الأمداح وما يوافق ذلك على حسب الاقتراح ونصه أنه كان يقيم ليلة الميلاد النبوى على صاحبه الصلاة والسلام بمشورة من تلمسان المحروسة مدعاة حفيلة يحشر فيها الناس خاصة وعامة فما شئت من نمارق مصفوفة وزرابى مبثوثة وبسط موشاة ووسائد بالذهب مغشاة وشمع كالأسطوانات وموائد كالهالات ومباخر منصوبة كالقباب يخالها المبصر تبرا مذاب ويفاض على الجميع أنواع الأطعمة كأنها أزهار الربيع المنمنمة تشتهيها الأنفس وتستلذها النواظر ويخالط حسن رياها الأرواح ويخامر رتب الناس فيها على مراتبهم ترتيب احتفال وقد علت الجميع أبهة الوقار والإجلال وبعقب ذلك يحتفل المسمعون بأمداح المصطفى عليه الصلاة والسلام ومكفرات ترغب فى الإقلاع عن الآثام يخرجون فيها من فن إلى فن ومن أسلوب إلى أسلوب ويأتون من ذلك بما تطرب له النفوس وترتاح إلى سماعه القلوب وبالقرب من السلطان رضوان الله تعالى عليه خزانة المنجانة قد زخرفت كأنها حلة يمانية لها أبواب موجفة على عدد ساعات الليل
____________________
(6/513)

الزمانية فمهما مضت ساعة وقع النقر بقدر حسابها وفتح عند ذلك باب من أبوابها وبرزت منه جارية صورت فى أحسن صورة فى يدها اليمنى رقعة مشتملة على نظم فيه تلك الساعة باسمها مسطورة فتضعها بين يدي السلطان بلطافة ويسراها على فمها كالمؤدية بالمبايعة حق الخلافة هكذا حالهم الى انبلاج عمود الصباح ونداء المنادى حى على الفلاح انتهى
وقال التنسى المذكور فى كتابه المسمى ب نظم الدر والقيان فى شرف بنى زيان وذكر ملوكهم الأعيان ما نصه وكان السلطان أبو حمو يقوم بحق ليلة مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم ويحتفل لها بما هو فوق سائر المواسم يقيم مدعاة يحشر لها الأشراف والسوقة فما شئت من نمارق مصفوفة وزرابى مبثوثة وشمع كالأطوانات وأعيان الحضرة على مراتبهم تطوف عليهم ولدان قد لبسوا أقبية الخز الملون وبأيديهم مباخر ومرشات ينال كل منها بحظة وخزانة المنجانة ذات تماثيل لجين محكمة الصنعه بأعلاها أيكة تحمل طائرا فرخاه تحت جناحيه ويختله فيهما أرقم خارج من كوة بجذر الأيكة صاعدا وبصدرها أبواب مرتجة بعدد ساعات الليل الزمانية يصاقب طرفيها بابان كبيران وفوق جميعها دوين رأس الخزانة قمر أكمل يسير على خط الاستواء سير نظيره فى الفلك ويسامت أول كل ساعة بابها المرتج فينقض من البابين الكبيرين عقابان بفى كل واحد منهما صنجة صفر يلقيها إلى طست من الصفر مجوف بوسطة ثقب يفضى بها إلى داخل الخزانة فيرن وينهش الأرقم أحد الفرخين فيصفر له أبوه فهناك يفتح باب الساعة الذاهبة وتبرز منه جارية محتزمة كأظرف ما أنت راء بيمناها إضبارة فيها اسم ساعتها منظوما ويسراها موضوعة على فيها كالمبايعة بالخلافة والمسمع قائم ينشد
____________________
(6/514)

أمداح سيد المرسيلن وخاتم النبيين سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم ثم يؤتى آخر الليل بموائد كالهالات دورا والرياض نورا وقد اشتملت من أنواع محاسن المطاعم على ألوان تشتهيها الأنفس وتستحسنها الأعين وتلذ بسماع اسمائها الآذان ويشره مبصرها للقرب منها والتناول وأن كان ليس بغرثان والسلطان لم يفارق مجلسه الذى ابتدأ جلوسه فيه وكل ذلك بمرأى منه ومسمع حتى يصلى هنالك صلاة الصبح
على هذا الأسلوب تمضى ليلة المصطفى صلى الله عليه وسلم فى جميع أيام دولته أعلى الله تعالى مقامه فى عليين وشكر له فى ذلك صنيعه الجميل آمين
وما من ليلة مولد مرت فى أيامه إلا ونظم فيها قصيدا فى مديح مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم
أول ما يبتدىء المسمع فى ذلك الحفل العظيم بإنشاده ثم يتلوه إنشاد من رفع الى مقامه العلى فى تلك الليلة نظما انتهى وهو أتم مساقا مما فى راح الأرواح
ولا باس أن نلم ببعض المقطوعات التى أنشأها الكاتب أبو زكريا يحيى ابن خلدون المذكور على لسان جارية المنجانة فى مخاطبة السلطان أبى حمو معلمة بما مر من ليل ففى مضى ساعتين قوله
( أخليفة الرحمن والملك الذى ** تعنو لعز علاه أملاك البشر )
( لله مجلسك الذى يحكي علا ** بك مالكى أفق السماء لمن نظر )
( أوما ترى فيه النجوم زواهرا ** وجه الخليفة بينهن هو القمر )
( والليل منه ساعتان قد انقضت ** تثنى عليك ثنا الرياض على المطر )
( لا زال هذا الملك منصورا بكم ** وبلغت مما ترتجى أسنى الوطر )
____________________
(6/515)


( أمولاي يا ابن الملوك الألى ** لهم فى المعالى سنى الرتب )
( تولت ثلاث من الليل أبقت ** لك الفخر فى عجمها والعرب )
( فدم حجة الله فى أرضه ** تنال الذى شئته من أرب )
وقوله فى مضى ست ساعات
( يا ماجدا وهو فرد ** تخاله فى عساكر )
( ست من الليل ولت ** ما إن لها من نظائر )
( دامت لياليك حتى ** إلى المعاد نواضر )
وقوله فى مضى ثمانى ساعات
( يا أكرم الخلق ذاتا ** وأشرف الناس أسره )
( مرت ثمان وأبقت ** فى القلب منى حسرة )
( فيهن كان شبابى ** أخا نعيم ونضره )
( ولى بها الدهر عنى ** ترى لها بعد كره )
( فالله يبقيك مولى ** يطيل فى السعد عمره )
وقوله فى مضى عشر ساعات
( يا مالك الخير والخيل التى حكمت ** له بعز على الأيام مقتبل )
( هذا الصباح وقد لاحت بشائره ** والليل ودعنا توديع مرتحل )
( لله عشر من الساعات باهرة ** مضين لا عن قلى منا ولا ملل )
( كذا تمر ليالي العمر راحلة ** عنا ونحن من الآمال فى شغل )
( نمسى ونصبح فى لهو نسر به ** جهلا وذلك يدنينا من الأجل )
____________________
(6/516)

7 بسم الله الرحمن الرحيم & الباب الخامس تتمه &
رجع الى نظم لسان الدين رحمه الله تعالى فنقول وأما موشحاته وأزجاله فكثيرة وقد انتهت إليه رياسة هذا الفن كما صرح بذلك قاضي القضاة ابن خلدون في مقدمة تاريخه الكبير ولنذكر بعض كلامه إذ لا يخلو من فائدة زائدة قال رحمه الله تعالى ما ملخصه وأما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قطرهم وتهذبت مناحيه وفنونه وبلغ التنميق فيه الغاية استحدث المتأخرون منهم فنا منه سموه بالموشح ينظمونه أسماطا أسماطا وأغصانا أغصانا يكثرون منها ومن أعاريضها المختلفة ويسمون المتعدد منها بيتا واحدا ويلتزمون عدد قوافي تلك الأغصان وأوزانها متتاليا فيما بعد إلى آخر القطعة وأكثر ما ينتهي عندهم إلى سبعة أبيات ويشتمل كل بيت على اغصان عددها بحسب الأغراض والمذاهب وينسبون فيها ويمدحون كما يفعل في القصائد وتجاوزوا في ذلك إلى الغاية واستظرفه الناس وحمده الخاصة والكافة لسهولة تناوله وقرب طريقه وكان المخترع
____________________
(7/5)

لها بجزيرة الأندلس مقدم بن معافى القبري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني وأخذ عنه ذلك ابن عبد ربه صاحب العقد ولم يذكر لهما مع المتأخرين ذكر وكسدت موشحاتهما فكان أول من برع في هذا الشأن بعدهما عبادة القزاز شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المرية وقد ذكر الأعلم البطليوسي أنه سمع أبا بكر ابن زهر يقول كل الوشاحين عيال على عبادة القزاز فيما اتفق له من قوله
( بدر تم شمس ضحى ** غصن نقا مسك شم )
( ما أتم ما أوضحا ** ما أورقا ما أنم )
( لا جرم من لمحا ** قد عشقا قد حرم )
وزعموا أنه لم يسبق عبادة وشاح من معاصريه الذين كانوا في زمان ملوك الطوائف وجاء مصليا خلفه منهم ابن أرفع رأسه شاعر المأمون بن ذي النون صاحب طليطلة قالوا وقد أحسن في ابتدائه في الموشحة التي طارت له حيث يقول
( العود قد ترنم بأبدع تلحين ** وشقت المذانب رياض البساتين )
وفي انتهائه حيث يقول
( تخطر ولم تسلم عساك المأمون ** مروع الكتائب يحيى بن ذي النون )
ثم جاءت الحلبة التي كانت في مدة الملثمين فظهرت لهم البدائع وفرسان حلبتهم الأعمى التطيلي ثم يحيى بن بقي وللتطيلي من الموشحات المذهبة قوله
____________________
(7/6)


( كيف السبيل إلى صبري وفي المعالم أشجان ** )
( والركب وسط الفلابالخرد النواعم قد بانوا ** )
وذكر غير واحد من المشايخ أن أهل هذا الشأن بالأندلس يذكرون أن جماعة من الوشاحين اجتمعوا في مجلس بإشبيلية وكان كل واحد منهم قد صنع موشحة وتأنق فيها فتقدم الأعمى التطليلي للإنشاد فلما افتتح موشحته المشهورة بقوله
( ضاحك عن جمان ** سافر عن بدر )
( ضاق عنه الزمان ** وحواه صدري )
خرق ابن بقي موشحته وتبعه الباقون
وذكر الأعلم البطليوسي أنه سمع ابن زهر يقول ما حسدت قط وشاحا على قول إلا ابن بقي حين وقع له
( أما ترى أحمد في مجده العالي لا يلحق ** )
( أطلعه المغرب فأرنا مثله يا مشرق ** )
وكان في عصرهما من الوشاحين المطبوعين أبو بكر الأبيض وكان في عصرهم أيضا الحكيم أبو بكر ابن باجة صاحب التلاحين المعروفة
ومن الحكايات المشهورة أنه حضر مجلس مخدومه ابن تيفلويت صاحب سرقسطة فألقى عليه بعض موشحته
____________________
(7/7)


( جرر الذيل أيما جر ** وصل السكر منك بالسكر )
فطرب الممدوح لذلك وختمها بقوله
( عقد الله راية النصر ** لأمير العلا أبي بكر )
فلما طرق ذلك التلحين سمع ابن تيفلويت صاح واطرباه وشق ثيابه وقال ما أحسن ما بدأت وما ختمت وحلف الأيمان المغلظة أن لا يمشي ابن باجة لداره إلا على الذهب فخاف الحكيم سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهبا في نعله ومشى عليه
ثم قال ابن خلدون بعد كلام واشتهر بعد هؤلاء في صدر دولة الموحدين محمد بن أبي الفضل بن شرف إلى أن قال وابن هردوس الذي له
( يا ليلة الوصل والسعود ** بالله عودي )
وابن مؤهل الذي له
( ما العيد في حلة وطاق وشم طيب ** )
( وإنما العيد في التلاقي مع الحبيب ** )
وأبو إسحاق الزويلي
____________________
(7/8)


قال ابن سعيد سمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول إنه دخل على ابن زهر وقد أسن وعليه زي البادية إذ كان يسكن بحصن سبتة فلم يعرفه فجلس حيث انتهى به المجلس وجرت المحاضرة أن أنشد لنفسه موشحة وقع فيها
( كحل الدجى يجري من مقلة الفجرعلى الصباح ** )
( ومعصم النهرفي حلل خضرمن البطاح ** )
فتحرك ابن زهر وقال أنت تقول هذا قال اختبر قال ومن تكون فأخبره فقال ارتفع فوالله ما عرفتك
قال ابن سعيد وسابق الحلبة التي أدركت هو أبو بكر ابن زهر وقد شرقت موشحاته وغربت قال وسمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول قيل لابن زهر لو قيل لك ما أبدع ما وقع لك في التوشيح فقال كنت أقول
( ما للموله من سكره لا يفيق يا له سكران ** )
( من غير خمر ما للكثيب المشوق يندب الأوطان ** )
( هل تستعادأيامنا بالخليج وليالينا ** )
( إذ يستفاد من النسيم الأريج مسك دارينا ** )
( وإذ يكاد حسن المكان البهيج أن يحيينا ** )
( نهر أظله دوح عليه أنيق مؤنق فينان ** )
( والماء يجري وعائم وغريق من جنى الريحان ** )
واشتهر بعده ابن حيون إلى أن قال وبعد هؤلاء ابن حزمون بمرسية ذكر ابن الرائس أن يحيى الخزرجي دخل عليه في مجلسه فأنشده موشحة لنفسه فقال له ابن حزمون ما الموشح بموشح حتى يكون عاريا من التكلف فقال
____________________
(7/9)

على مثل ماذا فقال على مثل قولي
( يا هاجري ** هل إلى الوصال ** منك سبيل )
( أو هل يرى ** عن هواك سال ** قلب العليل )
وأبو الحسن سهل بن مالك بغرناطة قال ابن سعيد كان والدي يعجب بقوله
( إن سيل الصباح في الشرق ** عاد بحرا في أجمع الأفق )
( فتداعت نوادب الورق ** أتراها خافت من الغرق )
( فبكت سحرة على الورق ** )
واشتهر بإشبيلية لذلك العهد ابو الحسن ابن الفضل قال ابن سعيد عن والده سمعت سهل بن مالك يقول له يا ابن الفضل لك على الوشاحين الفضل بقولك
( واحسرتي لزمان مضى ** عشية بان الهوى وانقضى )
( وأفردت بالرغم لا بالرضى ** وبت على جمرات الغضا )
( أعانق بالفكر تلك الطلول ** وألثم بالوهم تلك الرسوم )
قال وسمعت أبا بكر ابن الصابوني ينشد الأستاذ أبا الحسن الدباج موشحاته غير ما مرة فما سمعته يقول لله درك إلا في قوله
( قسما بالهوى لذي حجر ** ما لليل المشوق من فجر )
( خمد الصبح ليس يطرد ** )
( ما لليلي فيما أظن غد ** )
( صح يا ليل أنك الأبد ** )
( أو تقضت قوادم النسر ** فنجوم السماء لا تسري )
____________________
(7/10)


ومن موشحات ابن الصابوني قوله
( ما حال صب ذي ضنى واكتئاب ** أمرضه يا ويلتاه الطبيب )
( عامله محبوبه باجتناب ** ثم اقتدى فيه الكرى بالحبيب )
( جفا جفوني النوم لكنني ** لم أبكه إلا لفقد الخيال )
( وذو الوصال اليوم قد غرني ** منه كما شاء وشاء الوصال )
( فلست باللائم من صدني ** بصورة الحق ولا بالمحال )
واشتهر ببر العدوة ابن خلف الجزائري صاحب الموشحة المشهورة
( يد الإصباح ** قد قدحت ** زناد الأنوار ** من مجامر الزهر )
وابن خزر البجائي وله من موشحة
( ثغر الزمان موافق ** حياك منه بابتسام )
ومن محاسن الموشحات موشحة ابن سهل شاعر إشبيلية وسبتة من بعدها
( هل درى ظبي الحمى أن قد حمى ** قلب صب حله عن مكنس )
( فهو في حر وخفق مثلما ** لعبت ريح الصبا بالقبس )
وقد نسج على منواله فيها صاحبنا الوزير أبو عبد الله ابن الخطيب شاعر الأندلس والمغرب لعصره فقال
( جادك الغيث إذا الغيث همى ** يا زمان الوصل بالأندلس )
( لم يكن وصلك إلا حلما ** في الكرى أو خلسة المختلس )
____________________
(7/11)


( إذ يقود الدهر أشتات المنى ** ينقل الخطو على ما يرسم )
( زمرا بين فرادى وثنا ** مثلما يدعو الوفود الموسم )
( والحيا قد جلل الروض سنا ** فثغور الزهر منه تبسم )
( وروى النعمان عن ماء السما ** كيف يروي مالك عن أنس )
( فكساه الحسن ثوبا معلما ** يزدهي منه بأبهى ملبس )
( في ليال كتمت سر الهوى ** بالدجى لولا شموس الغرر )
( مال نجم الكأس فيها وهوى ** مستقيم السير سعد الأثر )
( وطر ما فيه من عيب سوى ** أنه مر كلمح البصر )
( حين لذ الأنس شيئا أو كما ** هجم الصبح هجوم الحرس )
( غارت الشهب بنا أو ربما ** أثرت فينا عيون النرجس )
( أي شيء لامرىءقد خلصا ** فيكون الروض قد مكن فيه )
( تنهب الأزهار منه الفرصا ** أمنت من مكره ما تتقيه )
( فإذا الماء تناجى والحصى ** وخلا كل خليل بأخيه )
( تبصر الورد غيورا برما ** يكتسي من غيظه ما يكتسي )
( وترى الآسى لبيبا فهما ** يسرق السمع بأذني فرس )
( يا أهيل الحي من وادي الغضا ** وبقلبي سكن أنتم به )
( ضاق عن وجدي بكم رحب الفضا ** لا أبالي شرقه من غربه )
( فأعيدوا عهد أنس قد مضى ** تعتقوا عانيكم من كربه )
( واتقوا الله وأحيو مغرما ** يتلاشى نفسا في نفس )
( حبس القلب عليكم كرما ** أفترضون عفاء الحبس )
____________________
(7/12)


( وبقلبي منكم مقترب ** بأحاديث المنى وهو بعيد )
( قمر أطلع منه المغرب ** شقوة المغرى به وهو سعيد )
( قد تساوى محسن أو مذنب ** في هواه بين وعد ووعيد )
( ساحر المقلة معسول اللمى ** جال في النفس مجال النفس )
( سدد السهم وسمى ورمى ** ففؤادي نهبة المفترس )
( إن يكن جار وخاب الأمل ** وفؤاد الصب بالشوق يذوب )
( فهو للنفس حبيب أول ** ليس في الحب لمحبوب ذنوب )
( أمره معتمل ممتثل ** في ضلوع قد براها وقلوب )
( حكم اللحظ بها فاحتكما ** لم يراقب في ضعاف الأنفس )
( منصف المظلوم ممن ظلما ** ومجازي البر منها والمسي )
( ما لقلبي كلما هبت صبا ** عاده عيد من الشوق جديد )
( كان في اللوح له مكتتبا ** قوله { إن عذابي لشديد }
( جلب الهم له والوصبا ** فهو للأشجان في جهد جهيد )
( لاعج في أضلعي قد أضرما ** فهي نار في هشيم اليبس )
( لم يدع في مهجتي إلا ذما ** كبقاء الصبح بعد الغلس )
( سلمى يا نفس في حكم القضا ** واعمري الوقت برجعى ومتاب )
( دعك من ذكرى زمان قد مضى ** بين عتبى قد تقضت وعتاب )
( واصرفي القول إلى المولى الرضى ** ملهم التوفيق في أم الكتاب )
( الكريم المنتهى والمنتمى ** أسد السرج وبدرالمجلس )
( ينزل النصر عليه مثلما ** ينزل الوحي بروح القدس )
____________________
(7/13)


إلى هذا الحد انتهى ابن خلدون من موشحة لسان الدين ولا أدري لم لم يكملها وتمامها قوله
( مصطفى الله سمي المصطفى ** الغني بالله عن كل أحد )
( من إذا ما عقد العهد وفى ** وإذا ما فتح الخطب عقد )
( من بني قيس بن سعد وكفى ** حيث بيت النصر مرفوع العمد )
( حيث بيت النصر محمي الحمى ** وجنى الفضل زكي المغرس )
( والهوى ظل ظليل خيما ** والندى هب إلى المغترس )
( هاكها يا سبط أنصار العلا ** والذي إن عثر الدهر أقال )
( غادة ألبسها الحسن ملا ** تبهرالعين جلاء وصقال )
( عارضت لفظا ومعنى وحلى ** قول من أنطقه الحب فقال )
( هل درى ظبي الحمى أن قد حمى ** قلب صب حله عن مكنس )
( فهو في خفق وحر مثلما ** لعبت ريح الصبا بالقبس )
ثم قال ابن خلدون وأما المشارقة فالتكلف ظاهر على ما عانوه من الموشحات ومن أحسن ما وقع لهم في ذلك موشحة ابن سناء الملك المصري التي اشتهرت شرقا وغربا وأولها
( يا حبيبي ارفع حجاب النور ** عن العذار )
( تنظر المسك على كافور ** في جلنار )
( كللي يا سحب تيجان الربى بالحلي ** )
( واجعلي سوارها منعطف الجدول ** )
ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس وأخذ به الجمهور لسلاسته وتنميق
____________________
(7/14)

كلامه وتصريع أجزائه نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله ونظموا في طريقتهم بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا فيه إعرابا واستحدثوا فنا سموه بالزجل والتزموا النظم فيه على مناحيهم إلى هذا العهد فجاءوا فيه بالغرائب واتسع فيه للبلاغة مجال بحسب لغتهم المستعجمة وأول من أبدع في هذه الطريقة الزجلية أبو بكر ابن قزمان وإن كانت قيلت قبله بالأندلس لكن لم تظهر حلاها ولا انسبكت معانيها واشتهرت رشاقتها إلا في زمانه وكان لعهد الملثمين وهو إمام الزجالين على الإطلاق قال ابن سعيد رأيت أزجاله مروية ببغداد أكثر مما رأيتها بحواضر المغرب قال وسمعت أبا الحسن ابن جحدر الإشبيلي إمام الزجالين في عصرنا يقول ما وقع لأحد من أئمة هذا الشأن مثل ما وقع لابن قزمان شيخ الصناعة وقد خرج إلى منتزه مع بعض أصحابه فجلسوا تحت عريش وأمامهم تمثال أسد من رخام يصب الماء على صفائح من الحجر فقال
( وعريش قد قام على دكان بحال رواق ** )
( وأسد قد ابتلع ثعبان من غلظ ساق ** )
( وفتح فمو بحال إنسان به الفواق ** )
( وانطلق من ثم على الصفاح والقى الصياح ** )
____________________
(7/15)


وكان ابن قزمان مع أنه قرطبي الدار كثيرا ما يتردد إلى إشبيلية وينتاب نهرها
إلى أن قال ابن خلدون وجاءت بعدهم حلبة كان سابقها مدغليس وقعت له العجائب في هذه الطريقة فمن قوله في زجله المشهور
( ورذاذ دق ينزل ** وشعاع الشمس يضرب )
( فترى الواحد يفضض ** وترى الآخريذهب )
( والنبات يشرب ويسكر ** والغصون ترقص وتطرب )
( وتريد تجي إلينا ** ثم تستحي وترجع )
ومن محاسن أزجاله قوله
( لاح الضيا والنجوم سكارى ** )
ثم قال وظهر بعد هؤلاء في إشبيلية ابن جحدر الذي فضل على الزجالين في فتح ميورقة بالزجل المشهور الذي أوله
( من يعاند التوحيد بالسيف يمحق ** أنا بري ممن يعاند الحق )
قال ابن سعيد لقيته ولقيت تلميذه البعبع صاحب الزجل المشهور الذي أوله
( ليتني إن ريت حبيبي ** أفتل أذنو بالرسيلا )
( لش أخذ عنق الغزيل ** وسرق فم الحجيلا )
____________________
(7/16)


ثم جاء من بعدهم أبو الحسن سهل بن مالك إمام الآداب ثم من بعدهم لهذه العصور صاحبنا الوزير أبو عبد الله ابن الخطيب إمام النظم والنثر في الملة الإسلامية غير مدافع فمن محاسنه في هذه الطريقة
( امزج الأكواس واملالي نجدد ** ما خلق المال إلا أن يبدد )
ومن قوله على طريقة الصوفية وينحو منحى الششتري منهم
( بين طلوع وبين نزول ** اختلطت الغزول )
( ومضى من لم يكن ** وبقي من لم يزول )
ومن محاسنه أيضا قوله في ذلك المعنى
( البعد عنك يا ابني أعظم مصايبي ** وحين حصل لي قربك سيبت أقاربي )
انتهى المقصود جلبه من كلام ابن خلدون وقد أطال رحمه الله تعالى في هذا المقصد ولم أرد إيراد جميع كلامه لطوله وعدم تعلق الغرض به وفيما ذكرته منه كفاية لتعلقه بأمر لسان الدين رحمه الله تعالى وشهادته له أنه شاعر الإسلام غير مدافع وأنه انتهت إليه رياسة الصناعة الزجلية والتوشيحية ترجمة ابن باجة من القلائد
وأبو بكر بن باجة الذي أشار إليه ابن خلدون هو أبو بكر ابن الصائغ التجيبي السرقسطي الذي قال في حقه لسان الدين في الإحاطة إنه آخر فلاسفة الإسلام بجزيرة الأندلس وكان بينه وبين الفتح بن خاقان صاحب القلائد معاداة فلذلك هجاه في القلائد وجعله آخر ترجمة فيها إذ قال ما نصه الأديب أبو بكر بن الصائغ هو رمد عين الدين وكمد نفوس
____________________
(7/17)

المهتدين اشتهر سخفا وجنونا وهجر مفروضا ومسنونا فما يتشرع ولا يأخذ في غير الأضاليل ولا يشرع ناهيك من رجل ما تطهر من جنابة ولا أظهر مخيلة إنابة ولا استنجى من حدث ولا أشجى فؤاده بتوار في جدث ولا أقر بباريه ومصوره ولا قر عن تباريه في ميدان تهوره الإساءة إليه أجدى من الإحسان والبهيمة عنده أهدى من الإنسان نظر في تلك التعاليم وفكر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم ورفض كتاب الله الحكيم العليم ونبذه وراء ظهره ثاني عطفه وأراد إبطال ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه واقتصر على الهيئة وأنكر أن تكون له إلى الله تعالى فيئة وحكم للكواكب بالتدبير واجترم على الله اللطيف الخبير واجترأ عند سماع النهي والإيعاد واستهزأ بقوله تعالى { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد } القص 85 فهو يعتقد أن الزمان دور وأن الإنسان نبات أو نور حمامه تمامه واختطافه قطافه قد محي الإيمان من قلبه فما له فيه رسم ونسي الرحمن لسانه فما يمر له عليه اسم وانتمت نفسه إلى الضلال وانتسبت ونفت { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } فقصر عمره على طرب ولهو واستشعر كل كبر وزهو وأقام سوق المويسقى وهام بحادي القطار وسقا فهو يعكف على سماع التلاحين ويقف عليه كل حين ويعلن بذلك الاعتقاد ولا يؤمن بشيء قادنا إلى الله تعالى في أسلس مقاد مع منشإ وخيم ولؤم أصل وخيم وصورة شوهها الله تعالى وقبحها وطلعة إذا أبصرها الكلب نبحها وقذارة يؤذي البلاد نفسها ووضارة يحكي الحداد دنسها وفند لا يعمر إلا كنفه ولدد لا يقوم إلا الصعاد جنفه وله نظم أجاد فيه بعض إجادة وشارف الإحسان أو كاده
____________________
(7/18)

فمن ذلك ما قاله في عبد حبشي ان يهواه فاشتمل عليه أسر سعر حشاه ونقله إلى حيث لم يعلم مثواه فقال
( يا شائقي حيث لا اسطيع أدركه ** ولا أقول غدا أغدو فألقاه )
( أما النهار فليلي ضم شملته ** على الصباح فأولاه كأخراه )
( أغر نفسي بآمال مزورة ** منها لقاؤك والأيام تأباه )
وله فيه لما بلغه موته وتحقق عنده فوته
( ألا يا رزق والأقدار تجري ** بما شاءت نشا أو لا نشاء )
( هل أنت مطارحي شجوي فتدري ** وأدري كيف يحتمل القضاء )
( يقولون الأمور تكون دورا ** وهذا فقده فمتى اللقاء )
وله في الأمير أبي بكر ابن إبراهيم قدس الله تعالى تربته وآنس غربته مدائح انتظمت بلبات الأوان ونظمت على كل شتيت من الإحسان فمن ذلك قوله
( توضح في الدجى طرف ضرير ** سنا بلوى الصريمة يستطير )
( فيا بأبي ولم أبذل يسيرا ** وإن لم يكفهم ذاك الكثير )
( بريق لا تقل هو ثغر سلمى ** فتأثم إنه حوب وزور )
( فكيف وما أطل الليل منه ** ولا عبقت بساحته الخمور )
( تراءى بالسدير فزاد قلبي ** من البرحاء ما شاء السدير )
( فلولا أن يوم الحشر يقضي ** علي بحكم مولى لايجور )
( دعوت على المشقر أن يجازى ** بما تجزى به الدار الغرور )
____________________
(7/19)


ومنها
( لقد وسع الزمان عليه عدوى ** وضر بشبله الليث الهصور )
( وقلبنا الزمان فلا بطون ** تضمنت الوفاء ولا ظهور )
( سوى ذكر أطارحه فولا ال ** أمير لقد عفا لولا الأمير )
( همام جوده يصف السواري ** وسطوته يعيرها الهجير )
( وقلنا نحن كيف وراحتاه ** بحور يلتظي فيها سعير )
( فهل فيما سمعت به خصام ** يكون الخصم فيه هو العذير )
وكان الأمير أبو بكر يعتقد له هذه الماتة ويراها ويجود أبدا ثراها فلما ولي الثغر والشرق لم يفغله من رعي ولم يكله إلى شفاعة وسعي وحمله على ما كان يعتقده فيه من المقت واستعمله على ما كان يقتضيه خلق الوقت من إقامة الوعد وتسويغه كل نعيم رغد وتغليب حجة داحضة وإنهاض عثرة غير ناهضة فتقلد وزارته ودولته تزهى منه بأندى من الوسمي المبتكر وأهدى من النجم في الليل المعتكر وألويته تميس زهوا ميس الفتاة ورعيته تبتهج بملكه ابتهاج حيي بابن الموماة ومذاهبه يبسطها الفضل وينشرها وكتائبه لا يكاد العدو يعشرها فجاس إليه وانبرى وراش في تنكيلهم وبرى وأقطعهم ما شاء من مقابحته وأسمعهم ما يصم بين ختمه ومفاتحته فوغرت
____________________
(7/20)

صدورهم السليمة واعتلت صحة ضمائرهم بنفوسهم الأليمة ولم يزل يأخذ في الإضرار بهم ولا يدع ويعلن به ويصدع حتى تفرق ذلك الجمع وألقاه بين بصر السباب والسمع وأفرد الدولة من ولاتها وجردها من حماتها فاستعجل العدو بذلك واستشرى وزأر منه على سرقسطة ليث شرى ولما رأى الشر قد ثار قتامه وبدا من ليله إعتامه ارتحل واحتمل وقال لا ناقة لي في هذا ولا جمل وأقام ببلنسية يشفي نفسه ويستوفي أنسه ونجوم سعدها كل يوم غائرة والعدو يتربص بها أسوأ دائرة ويروم منازلتها ثم يدع الاقتحام ويريد التقدم إليها فيؤثر الإحجام تهيبا لذلك الملك السري والليث الجري وفي خلال هذه المحاولة وأثناء تلك المطاولة عاجل الأمير أبا بكر حمامه واستسر فيها تمامه وأجنه الثرى وحاز منه بدر دجنة وليث شرى فعطلت الدنيا من علاء وجود وأطلت عليها بفقده حوادث أجدبت تهائمها والنجود وفيه يقول يرثيه بما يسيل الفؤاد نجيعا ويبيت به الأسى لسامعه ضجيعا
( أيها الملك قد لعمري نعى المج ** د نواعيك يوم قمن فنحنا )
( كم تقارعت والخطوب إلى أن ** غادرتك الخطوب في الترب رهنا )
( غير أني إذا ذكرتك والده ** ر إخال اليقين في ذاك ظنا )
( وسألنا متى اللقاء فقيل ال ** حشر قلنا صبرا إليه وحزنا )
وكثيرا ما يغير هذا الرجل على معاني الشعراء وينبذ الاحتشام من ذلك بالعراء ويأخذها من أربابها أخذ غاصب ويعوضهم منها كل هم ناصب فهذا مما أطال به كمد أبي العلاء وغمه فإنه أخذه من قوله يرثي أمه
____________________
(7/21)


( فيا ركب المنون ألا رسول ** يبلغ روحها أرج السلام )
( سألت متى اللقاء فقيل حتى ** يقوم الهامدون من الرجام )
ولما فاتت سرقسطة من يد الإسلام وباتت نفوس المسلمين فرقا منهم في يد الاستسلام ارتاب بقبح أفعاله وبرىء من احتذائه بتلك الآراء وانتعاله وأخافه ذنبه ونبا عن مضجع الأمن جنبه فكر ألى الغرب ليتوارى في نواحيه ولا يتراءى لعين لائمه ولاحيه فلما وصل شاطبة حضرة الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين وجد باب نفاذه وهو مبهم وعاقه عنه مدلول عليه ملهم فاعتلقه اعتقالا شفى الدين من آلامه وشهد له بعقيدة إسلامه وفي ذلك يقول وهو معقول ويصرح بمذهبه الفاسد وغرضه المستاسد
( خفض عليك فما الزمان وريبه ** شيء يدوم ولا الحياة تدوم )
( واذهب بنفس لم تضع لتحلها ** حيث احتللت بها وأنت عليم )
( يا صاحبي لفظا ومعنى خلته ** من قبل حتى بين التقسيم )
( دع عنك من معنى الإخاء ثقيله ** وانبذ بذاك العبء وهو ذميم )
( واسمح وطارحني الحديث فإنه ** ليل كأحداث الزمان بهيم )
( خذني على أثر الزمان فقد مضى ** بؤس على أبنائه ونعيم )
( فعسى أرى ذاك النعيم وربه ** مرح ورب البؤس وهو سقيم )
( هيهات ساوت بينهم أجداثهم ** وتشابه المحسود والمحروم )
ولما خلص من تلك الحبالة ونجا وأنار من سلامته ما كان دجا احتال في إخفاء ماله واستيفاء آماله فأظهر الوفاء للأمير أبي بكر بالرثاء له والتأبين وتداهيه في ذلك واضح مستبين فإنه وصل بهذه النزعة من الحماية إلى حرم
____________________
(7/22)

وحصل في ذمة ذلك الكرم واشتمل بالرعي وأمن من كل سعي فاقتنى قيانا ولقنهن أعاريض من القريض وركب عليها ألحانا أشجى من النوح ولطف بها إلى إشادة الإعلان باللوعة والبوح فسلك بها أبدع مسلك وأطلعها نيرات ما لها غير القلوب من فلك فمن ذلك قوله
( إن غرابا جرى ببينهم ** جاوبه بالثنية الصرد )
( طاروا فها أنت بعدهم جسد ** قد فارق الروح ذلك الجسد )
( واكتتموا صبحة ببينهم ** فبئس والله ما الذي اعتمدوا )
وكقوله
( سلام وإلمام ووسمي مزنة ** على الجدث النائي الذي لا أزوره )
( أحقا أبو بكر تقضى فلا يرى ** ترد جماهير الوفود ستوره )
( لئن أنست تلك القبور بلحده ** لقد أوحشت أنصاره وقصوره )
ومن قلة عقله ونزارته أنه في مدة وزارته سفر بين الأمير أبي بكر رحمه الله تعالى وبين عماد الدولة بن هود رحمه الله تعالى بعد سعايات عليه أسلفها وذخائر كانت له على يديه أتلفها فوافاه أوغر ما كان عليه صدرا وأصغر ما كان لديه قدرا فآل به ذلك الانتقال إلى الاعتقال فأقام فيه شهورا يغازله الحمام بمقلة شوهاء وتنازله الأوهام بفطرته الورهاء وفي ذلك يقول
( لعلك يا يزيد علمت حالي ** فتعلم أي خطب قد لقيت )
( وإني إن بقيت بمثل ما بي ** فمن عجب الليالي أن بقيت )
( يقول الشامتون شقاء بخت ** لعمر الشامتين لقد شقيت )
( أعندهم الأمان من الليالي ** وسالمهم بها الزمن المقيت )
( وما يدرون أنهم سيسقوا ** على كره بكأس قد سقيت )
____________________
(7/23)


وعزم عماد الدولة يوما على قتله وألزم المرقبين به التحيل على ختله فنمي إليه الأمر الوعر وارتمى به في لجج اليأس الذعر فقال
( أقول لنفسي حين قابلها الردى ** فراغت فرارا منه يسى إلى يمنى )
( قري تحمدي بعض الذي تكرهينه ** فقد طالما اعتدت الفرار إلى الأهنا )
ثم قضى له قدر قضى بإنظاره وما أمضى من إباحته ما كان رهين انتظاره ويمهل الفاجر حكمة من الله تعالى وعلما و { إنما نملي لهم ليزدادوا إثما } انتهى نص القلائد ثناء الفتح على ابن باجة
وأين هذا من تحليته له في بعض كتبه بقوله فيه ما صورته نور فهم ساطع وبرهان علم لكل حجة قاطع تتوجت بعصره الأعصار وتأرجت من طيب ذكره الأمصار وقام أوان المعارف واعتدل ومال للأفهام فننا وتهدل وعطل بالبرهان التقليد وحقق بعد عدمه الاختراع والتوليد إذا قدح زند فهمه أورى بشرر للجهل محرق وإن طما بحر خاطره فهو لكل شيء مغرق مع نزاهة النفس وصونها وبعد الفساد من كونها والتحقيق الذي هو للإيمان شقيق والجد الذي يخلق العمر وهو مستجد وله أدب يود عطارد أن يلتحفه ومذهب يتمنى المشتري ان يعرفه ونظم تعشقه اللبات والنحور وتدعيه مع نفاسة جوهرها البحور وقد أثبت منه ما تهوى الأعين النجل أن يكون إثمدها ويزيل من النفوس حزنها وكمدها فمن ذلك قوله يتغزل
( أسكان نعمان الأراك تيقنوا ** بأنكم في ربع قلبي سكان )
____________________
(7/24)


( ودوموا على حفظ الوداد فطالما ** بلينا بأقوام إذا استحفظوا خانوا )
( سلوا الليل عني إذ تناءت دياركم ** هل اكتحلت لي فيه بالنوم أجفان )
( وهل جردت أسياف برق سمائكم ** فكانت لها إلا جفوني أجفان )
وله
( أتأذن لي آتي العقيق اليمانيا ** أسائله ما للمعالي وما ليا )
( وهل داركم بالحزن قفراء إنني ** تركت الهوى يقتاد فضل زماميا )
( فيا مكرع الوادي أما فيك شربة ** لقد سال فيك الماء أزرق صافيا )
( ويا شجرات الجزع هل فيك وقفة ** وقد فاء فيك الظل أخضر ضافيا )
وأورد له في المطمح أنه استأذن على المستعين بالله فوجده محجوبا فقال
( من مبلغ خير إمام نشا ** ذا عزة وساميا قدرا )
( قول امرىء لو قاله للصفا ** أنبت فيه ورقا خضرا )
( عبدك بالباب له خجلة ** لو أنها بالنرجس احمرا )
وحكى غير واحد أنه مات له سكن كان يهواه فبات مع بعض أصحابه عند ضريحه ومثواه وكان قد عرف وقت كسوف البدر بصناعة التعديل فزور في نفسه بيتين في خطاب القمر أتقنهما ولحنهما حتى إذا كان قبيل وقت الكسوف بقليل تغنى فيهما بذلك الصوت المشجي واللحن يسوق الشوق ويزجي وهما
( شقيقك غيب في لحده ** وتشرق يا بدر من بعده )
( فهلا كسفت فكان الكسوف ** حدادا لبست على فقده )
فكسف القمر في الحال وعدت هذه من نوادره التي جيد الأخبار بفرائدها حال سامحه الله تعالى
____________________
(7/25)

ابن الحداد الوادي آشي
ثم رأيت في الإحاطة نسبة ذلك لغيره ونصه محمد بن أحمد بن الحداد الوادي آشي يكنى أبا عبد الله
حاله شاعر مفلق وأديب شهير مشار إليه في التعاليم منقطع القرين منها في المويسيقى مضطلع بفك المعمى سكن المرية واشتهر بمدح رؤسائها من بني صمادح وقال ابن بسام كان أبو عبد الله هذا شمس ظهيرة وبحر خبر وسيرة وديوان تعاليم مشهورة وضح في طريق المعارف وضوح الصبح المتهلل وضرب فيها بقدح ابن مقبل إلى جلالة مقطع وأصالة منزع ترى العلم ينم على أشعاره ويبين في منازعه وآثاره
تأليفه ديوان شعره كبير معروف وله في العروض تصنيف مشهور مزج فيه بين الألحان المويسيقية والآراء الخليلية
بعض أخباره حدث بعض المؤرخين مما يدل على ظرفه أنه فقد سكنا عزيزا عليه وأحوجت الحاجة إلى تكلف سلوة فلما حضر الندماء وكان قد رصد الخسوف القمري فلما حقق أنه ابتدأ أخذ العود وغنى شقيقك غيب إلى آخره وجعل يرددها ويخاطب البدر فلم يتم ذلك إلا واعترضه الخسوف وعظم من الحاضرين التعجب
ثم قال لسان الدين في ترجمة شعره وقال
( أقبلن في الحبرات يقصرن الخطا ** ويرين في حلل الوراشين القطا )
( سرب الجوى لا الجو عود حسنه ** أن يرتعي حب القلوب ويلقطا )
____________________
(7/26)


( مالت معاطفهن من سكر الصبا ** ميلا يخيف قدودها أن تسقطا )
( وبمسقط العلمين أوضح معلم ** لمهفهف سكن الحشا والمسقطا )
( ما أخجل البدر المنير إذا مشى ** يختال والغصن النضير إذا خطا )
ومنها في المدح
( يا وافدي شرق البلاد وغربها ** أكرمتما خيل الوفادة فاربطا )
( ورأيتما ملك البرية فاهنآ ** ووردتما أرض المرية فاخططا )
( يدمي نحور الدارعين إذا ارتأى ** ويذل عز العالمين إذا سطا )
انتهى المقصود منه وأورد له في الإحاطة قصيدة ثانية أولها
( حديثك ما أحلى فزيدي وحدثي ** )
وهي طويلة
وكتب عليها ابن المؤلف ما صورته سمعتها من لفظ شيخي أبي جعفر ابن خاتمة بالمرية في سنة خمس وستين وسبعمائة قاله علي بن الخطيب انتهى
رجع إلى أخبار ابن الصائغ ومن نظمه قوله
( ضربوا القباب على أقاحي روضة ** خطر النسيم بها ففاح عبيرا )
( وتركت قلبي سار بين حمولهم ** دامي الكلوم يسوق تلك العيرا )
( هلا سألت أميرهم هل عندهم ** عان يفك ولو سألت غيورا )
( لا والذي جعل الغصون معاطفا ** لهم وصاغ الأقحوان ثغورا )
( ما مر بي ريح الصبا من بعدهم ** إلا شهقت له فعاد سعيرا )
____________________
(7/27)


وتوفي ابن الصائغ في شهر رمضان سنة 523 وقيل سنة خمس وعشرين مسموما في باذنجان بمدينة فاس وهو تجيبي بضم التاء وفتحها وباجة بالباء الموحدة وبعد الألف جيم مشددة ثم هاء ساكنة وهي القصة بلغة الفرنج وسرقسطة بفتح السين والراء وضم القاف وسكون السين الثانية وبعدها طاء مهملة مدينة كبيرة بالأندلس استولى عليها العدو سنة 512
وقال الأمير ركن الدين بيبرس في تأليفه زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة إن ابن الصائغ كان عالما فاضلا له تصانيف في الرياضات والمنطق وإنه وزر لأبي بكر الصحراوي صاحب سرقسطة ووزر أيضا ليحيى بن يوسف ابن تاشفين عشرين سنة بالمغرب وإن سيرته كانت حسنة فصلحت به الأحوال ونجحت على يديه الآمال فحسده الأطباء والكتاب وغيرهم وكادوه فقتلوه مسموما انتهى
وأنشد له بعضهم
( هم رحلوا يوم الخميس عشية ** فودعتهم لما استقلوا وودعوا )
( ولما تولوا ولت النفس معهم ** فقلت ارجعي قالت إلى أين أرجع )
( إلى جسد ما فيه لحم ولا دم ** وما هو إلا أعظم تتقعقع )
( وعينين قد أعماهما كثرة البكا ** وأذن عصت عذالها ليس تسمع )
وقد ذكر بعضهم في تعزيز بيتي الحريري أنه لابن الصائغ الأندلسي وليس هو بهذا فيما أعلم
( انقد مهوى أزره فانثنى ** مه يا عذولي في الذي انقد مه )
( مندمة قتل المعنى فلا ** ترسل سهام اللحظ تأمن دمه )
____________________
(7/28)

ترجمة الفتح عن الإحاطة
رجع إلى ابن باجة وقد ذكر لسان الدين في الإحاطة سبب العداوة بينه وبين الفتح في ترجمة الفتح ولنذكرها بنصه فنقول قال رحمه الله تعالى الفتح بن محمد بن عبيد الله الكاتب من قرية تعرف بقلعة الواد من قرى يحصب يكنى أبا نصر ويعرف بابن خاقان
حاله كان آية من آيات البلاغة لا يشق غباره ولا يدرك شأوه عذب الألفاظ ناصعها أصيل المعاني وثيقها لعوبا بأطراف الكلام معجزا في باب الحلى والصفات إلا أنه كان محارفا مقدورا عليه لا يمل من المعاقرة والقصف حتى هان قدره وابتذلت نفسه وساء ذكره ولم يدع بلدا من بلاد الأندلس إلا ودخله مسترفدا أميره واغلا في عليته قال الأستاذ في الصلة وكان معاصرا للكاتب أبي عبد الله ابن أبي الخصال إلا أن بطالته أخلدت به عن مرتبته وقال ابن عبد الملك قصد يوما إلى مجلس قضاء أبي الفضل عياض مخمرا فتنسم بعض حاضري المجلس رائحة الخمر فأعلم القاضي بذلك فاستثبت وحده حدا تاما وبعث إليه بعد أن أقام عليه الحد بثمانية دنانير وعمامة فقال الفتح حينئذ لبعض من أصحابه عزمت على إسقاط القاضي أبي الفضل من كتابي الموسوم بقلائد العقيان قال فقلت لا تفعل وهي نصيحة فقال وكيف ذلك فقلت له قصتك معه من الجائز من أن تنسى وأنت تريد أن تتركها مؤرخة إذ كل من ينظر في كتابك يجدك قد ذكرت
____________________
(7/29)

فيه من هو مثله ودونه في العلم والصيت فيسأل عن ذلك فيقال له فيتوارث العلم عن الأكابر الأصاغر قال فتبين ذلك وعلم صحته وأقر اسمه
وحدثني بعض الشيوخ أن سبب حقده على ابن باجة أبي بكر آخر فلاسفة الإسلام بجزيرة الأندلس ما كان من إزرائه به وتكذيبه إياه في مجلس إقرائه إذ جعل يكثر ذكر ما وصله به أمراء الأندلس ووصف حليا وكان يبدو من أنفه فضلة خضراء اللون زعموا فقال له فمن تلك الجواهر إذن الزمردة التي على شاربك فثلبه في كتابه بما هو معروف وعلى ذلك فابو نصر نسيج وحده غفر الله تعالى له
مشيخته روي عن أبوي بكر ابن سليمان بن القصيرة وابن عيسى ابن اللبانة وأبي جعفر ابن سعدون الكاتب وأبي الحسن ابن سراج وأبي خالد ابن بشتغير وأبي الطيب ابن زرقون وأبي عبد الله ابن خلصة الكاتب وأبي عبد الرحمن ابن طاهر وأبي عامر ابن سرور وأبي محمد ابن عبدون وأبي الوليد ابن حجاج وابن دريد الكاتب
تواليفه ومصنفاته شهيرة منها قلائد العقيان و مطمح الأنفس والمطمح أيضا وترسيله مدون وشعره وسط وكتابته فائقة
شعره من شعره قوله وثبت في قلائده يخاطب أبا يحيى ابن الحاج
( أكعبة علياء وهضبة سؤدد ** وروضه مجد بالمفاخر تمطر )
( هنيئا لملك زار أفقك نوره ** وفي صفحتيه من مضائك أسطر )
( وإني لخفاق الجناحين كلما ** سرى لك ذكر أو نسيم معطر )
( وقد كان واش هاجنا لتهاجر ** فبت وأحشائي جوى تتفطر )
____________________
(7/30)


( فهل لك في ود ذوى لك ظاهرا ** وباطنه يندى صفاء ويقطر )
( ولست بعلق بيع بخسا وإنني ** لأرفع أعلاق الزمان وأخطر )
فروجع عنه بما ثبت أيضا في قلائده مما أوله
( ثنيت أبا نصر عناني وربما ** ثنت عزمة السهم المصمم أسطر )
نثره ونثره شهير ونثبت له من غير المتعارف من السلطانيات ظهيرا كتبه عن بعض الأمراء لصاحب الشرط ولا خفاء بإدلاله وبراعته كتاب تأكيد اعتناء وتقليد ذي منة وغناء أمر بإنفاذه فلان أيده الله تعالى لفلان ابن فلان صانه الله تعالى ليتقدم لولاية المدينة الفلانية وجهاتها ويضرح ما تكاثف من العدوان في جنباتها تنويها أحظاه بعلائه وكساه رائق ملائه لما علمه من سنائه وتوسمه من غنائه ورجاه من حسن منابه وتحققه من طهارة ساحته وجنابه وتيقن أيده الله تعالى أنه مستحق لماولاه مستقل بما تولاه لا يعتريه الكسل ولا تثنيه عن المضاء الصوارم والأسل ولم يكل الأمر منه إلى وكل ولا ناطه بمناط عجز ولا فشل وأمره أن يراقب الله تعالى في أوامره ونواهيه وليعلم أنه زاجره عن الجور وناهيه وسائله عما حكم به وقضاه وأنفذه وأمضاه { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله } فليتقدم إلى ذلك يجزم لا يخمد توقده وعزم لا ينفد تفقده ونفس مع الخير ذاهبة وعلى متن البر والتقوى راكبة ويقدم للاحتراس من عرف اجتهاده وعلم أرقه في البحث وسهاده وحمدت أعماله وأمن تفريطه وإهماله ويضم إليهم من يحذو حذوهم ويقفو شأوهم
____________________
(7/31)

ممن لا يستراب بمناحيه ولا يصاب خلل في ناحية من نواحيه وأن يذكي العيون على الجناة وينفي عنها لذيذ السنات ويفحص عن مكامنهم حتى يغص بالريق نفس آمنهم فلا يستقر بهم موضع ولا يفر منهم خب ولا موضع فإذا ظفر منهم بمن ظفر بحث عن باطنه وبث السؤال في مواضع تصرفه ومواطنه فإن لاحت شبهة أبداها الكشف والاستبراء وتعداها البغي والافتراء نكله بالعقوبة أشد نكال وأوضح له منها ما كان ذا إشكال بعد أن يبلغ إناه ويقف في طرفه مداه وحد له أن لا يكشف بشرة إلا في حد يتعين وإن جاءه فاسق أن يتبين وأن لا يطمع في صاحب مال موفور وأن لا يسمع من مكشوف في مستور وأن يسلك السنن المحمود وينزه عقوبته من الأفراط وعفوه من تعطيل الحدود وإذا انتهت أليه قصة مشكلة أخرها إلى غده فهو على العقاب أقدر منه على رده فقد يتبين في وقت ما لا يتبين في وقت والمعاجلة بالعقوبة من المقت وأن يتغمد هفوات ذوي الهيئات وأن يستشعر الإشفاق ويخلع التكبر فإنه ملابس أهل النفاق وليحسن لعباد الله تعالى اعتقاده ولا يرفض زمام العدل ولا مقاده وأن يعاقب المجرم قدر زلته ولا يعتز عند ذلته وليعلم أن الشيطان أغواه وزين له مثواه فليشفق من عثاره وسوء آثاره وليشكر الله تعالى على ما وهبه من العافية وألبسه من ملابسها الضافية ويذكره جل وعلا في جميع أحواله ويفكر في الحشر وأهواله ويتذكر وعدا ينجز فيه ووعيدا { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } والأمير أيده الله تعالى ولي له ما عدل وأقسط وبرىء منه إن جار وقسط فمن قرأه فليقف عند حده ورسمه وليعرف له حق
____________________
(7/32)

قطع الشر وحسمه ومن وافقه من شريف أو مشروف وخالفه في نهي عن منكر أو أمر بمعروف فقد تعرض من العقاب لما يذيقه وبال خبله ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله وكتب في كذا
وفاته بمراكش ليلة الأحد لثمان بقين من محرم من عام تسعة وعشرين وخمسمائة ألفي قتيلا ببيت من بيوت فندق أحد فنادقها وقد ذبح وعبث به وما شعر به إلا بعد ثلاث ليال من قتله انتهى نص الإحاطة ترجمة الفتح عن المغرب
وقال في المغرب ما ملخصه فخر أدباء إشبيلية بل الأندلس أبو نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله القيسي الإشبيلي صاحب القلائد والمطمح ذكره الحجاري في المسهب الدهر من رواة قلائده وحملة فرائده طلع من الأفق الإشبيلي شمسا طبق الآفاق ضياؤها وعم الشرق والغرب سناها وسناؤها وكان في الأدب أرفع الأعلام وحسنة الأيام وله كتاب قلائد العقيان ومن وقف عليه لا يحتاج في التنبيه على قدره إلى زيادة بيان وهو وأبو الحسن ابن بسام الشنتمري مؤلف الذخيرة فارسا هذا الأوان وكلاهما قس وسحبان والتفضيل بينهما عسير إلا أن ابن بسام أكثر تقييدا وعلما مفيدا وإطنابا في الأخبار وإمتاعا للأسماع والأبصار والفتح أقدر على البلاغة من غير تكلف وكلامه أكثر تعلقا وتعشقا بالأنفس ولولا ما اتسم به مما عرف من أجله بابن خاقان لكان أحد كتاب الحضرة المرابطية بل مجليها المستولي على الرهان وإنما أخل به ما ذكرناه مع كونه اشتهر بذم
____________________
(7/33)

أولي الأحساب والتمرين بالطعن على الأدباء والكتاب وقد رماه الله تعالى بما رمى به إمام علماء الأندلس أبا بكر ابن باجة فوجد في فندق بحضرة مراكش قد ذبحه عبد أسود خلا معه بما اشتهر عنه وتركه مقتولا وفي دبره وتد والله سبحانه يتغمده برحمته
ومن شعره قوله من أبيات في المدح
( إلى أين ترقى قد علوت على البدر ** وقد نلت غايات السيادة والقدر )
( وجدت إلى أن ليس يذكر حاتم ** وأغنيت أهل الجدب عن سبل القطر )
( وكم رام أهل اللوم باللوم وقفة ** وبحرك مد لا يؤول إلى جزر )
( ولو لم يكن فيك السماح جبلة ** لأثر ذاك اللوم فيك مع الدهر )
وذكره ابن الإمام في سمط الجمان وأنشد له
( لله ظبي من جنابك زارني ** يختال زهوا في ملاء مراح )
( ولي التماسك في هواه كأنه ** مروان خاف كتائب السفاح )
( فخلعت صبري بالعرا ونبذته ** وركبت وجدي في عنان جماح )
( أهدى لي الورد المضعف خده ** فقطفته باللحظ دون جناح )
( وأردت صبرا عن هواه فلم أطق ** وأريت جدا في خلال مزاح )
( وتركت قلبي للصبابة طائرا ** تهفو به الأشواق دون جناح )
وذكره ابن دحية في المطرب ونعته بابن خاقان قال والشيخ أبو الحجاج البياسي ينكر هذا وقيل إنما قيل له ابن خاقان لما تقدم ذكره في كلام الحجاري وقال ابن دحية إنه قتل ذبحا بمسكنه في فندق ببيت من حضرة مراكش صدر سنة تسع وعشرين وخمسمائة أشار بقتله علي بن يوسف بن تاشفين
____________________
(7/34)


وقال أبو الحسن ابن سعيد رأيت فضلاء الأندلس ينتقدون على الفتح أول افتتاحه في خطبة قلائده الحمد لله الذي راض لنا البيان حتى انقاد في أعنتنا وشاد مثواه في أجنتنا لكون ما تضمنته الفقرة الأولى أصوب مما تضمنته الفقرة الثانية والصواب ضد ذلك انتهى
وقال ابن الأبار في معجم أصحاب الصدفي إنه لم يكن مرضيا وحذفه أولى من إثباته انتهى ولذا لم يذكره في التكملة
وقال ابن خاتمة إنه لم يعرف من المعارف بغير الكتابة والشعر والآداب وما حكاه في الإحاطة من تاريخ وفاته مخالف لما حكاه ابن الأبار أنه ليلة عيد الفطر من سنة ثمان وعشرين وخمسمائة قال وقرأت ذلك بخط من يوثق به وحكى ابن خلكان قولا آخر أنه توفي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة وقيل وهو خطأ على أنه حكى القول الآخر أيضا
ودفن بباب الدباغين رحمه الله تعالى
وقد قيل إن قتله كان بإشارة أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين أخي إبراهيم الذي ألف برسمه قلائد العقيان
وقد ذكر ابن خلكان أن المطمح ثلاث نسخ صغرى ووسطى وكبرى والذي قاله ابن الخطيب وابن خاتمة وغير واحد من المغاربة أنه نسختان فقط صغرى وكبرى ولعله الصواب إذ صاحب البيت أدرى بالذي فيه
ومن تأليف الفتح راية المحاسن وغاية المحاسن ومجموع في ترسيله وتأليف صغير في ترجمة ابن السيد البطليوسي نحو الثلاثة كراريس على منهاج القلائد
____________________
(7/35)

رسائل للفتح
ومن بديع إنشاء الفتح المذكور سامحه الله تعالى قوله أطال الله تعالى بقاء الوزير الأجل عتادي الأسرى وزنادي الأورى وأيامه أعياد وللسعد في زمانه انقياد أما أنا أدام الله تعالى عزه فجوي عاتم وأعيادي مآتم وصبحي عشاء وما لي إلا من الخطوب انتشاء أبيت بين فؤاد خافق وطرف مسهد نائي المحلة من مزار العود حين لا أرى الروض المنور ولا أحس سهيلا إذا لاح ثم تهور وقد بعدت دار إلى حبيبة ودنت مني حوادث بأدناها تؤذى الشبيبة وأي عيش لمن لزم المفاوز لا يريمها حتى ألفه ريمها قد رمته النوائب فما اتقى وارتقت له الجوائح في وعور المرتقى يواصل النوى ولا يهجر سيرا ولا يزجر في الإراحة طيرا قد هام بالوطن هيام ابن طالب بالحوض والعطن وحن إلى تلك البقاع حنينه إلى أثلات القاع ولا سبيل أن يشعب صدر بينه شاعب أو تكلمه أحجار للدار وملاعب وليس له إلى أين يجنح ولا يرى أمله يسنح قد طوى البلاد وبسطها وتطرف الأرض وتوسطها ولم يلف مقيلا ولا وجد مقيلا إلى الله أشكو ما أقاسي وأقاصي وبيده الأقدام والنواصي ولقاؤه موعد كل موعد وكل معمر سيدركه يوما حمام الموعد وأنفذته وقد صدرت عن فلانة بعد أهوال لقيتها وأنكال سقيتها وسفر لقيت منه نصبا وكدر أعقبني وصبا وإلى متى يعزلني السعد ولله الأمر من قبل ومن بعد انتهى
____________________
(7/36)


2 وكتب رحمه الله تعالى من رسالة سيدي لا عدمت ارتفاقا ولا حرمت تكيفا من السعد واتفاقا أنا الآن مشتغل البال لا أفرق بين الإعراض والإقبال وعند تفرغي أوجه لك ما حضر ومثلك أرجأ الأمر وأنظر وفي علم الله تعالى لو أمكنني لحملتك على كاهل وأوردتك منه أعذب المناهل وأبحت لك السعد ثغرا ترتشفه وخلعته بردا عليك تلتحفه لكن الزمان لا يجد وصروفه لا تنجد وعلى أي حال فلا بد أن تجد قراك وتحمد سراك إن شاء الله تعالى
3 وكتب إلى أبي بكر بن علي عند ولايته إشبيلية أطال الله تعالى بقاء الأمير الأجل أبي بكر للأرض يتملكها ويستدير بسعده فلكها استبشر الملك وحق له الاستبشار وأومأ إليه السعد في ذلك وأشار بما اتفق له من توليتك وخفق عليه من ألويتك فلقد حبي منك بملك أمضى من السهم المسدد
( طويل نجاد السيف رحب المقلد ** )
يقدم حيث يتأخر الذابل ويكرم إذا بخل الوابل ويحمي الحمى كربيعة ابن مكدم ويسقي الظبى نجيعا كلون العندم فهنيئا للأندلس لقد استردت عهد خلفائها واستمدت تلك الإمامة بعد عفائها حتى كأن لم تمر أعاصرها ولم يمت حكمها ولا ناصرها اللذان عمرا الرصافة والزهرا ونكحا عقائل الروم وما بذلا إلا المشرفية مهرا والله تعالى أسأله انتصار أيامك وبه أرجو انتشار أعلامك حتى يكون عصرك أعجب من عصرهم ونصرك أعز من
____________________
(7/37)

نصرهم والسلام انتهى
وقال بعضهم من أحسن ما رأيت له قوله معاليك أشهر رسوما وأعطر نسيما من أن يغرب شهاب مسعاها أو يجدب لرائد مرعاها فإن نبهتك فإنما نبهت عمرا وإن استنرتك فإنما أستنير قمرا والأمير أيده الله تعالى أجل من أعتصم في ملكه وأنتظم في سلكه فإنه حسام بيد الملك طلاقته فرنده وشهامته حده وقضيب في دوحة الشرف رطيب بشره زهره وبره ثمره وقد توسمت نارك لعلي أفوز منها بقبس أو تكون كنار موسى بالوادي المقدس وعسى الأمل أن تعلو بكم قداحه ويشف من أفقكم مصباحه فجرد أيدك الله تعالى صارم عزم لا تفل غروبه واطلع كوكب سعد لا يخاف غروبه انتهى
ولنذكر بعض كلامه في المطمح لغرابته في هذه البلاد المشرقية بخلاف القلائد فإنها موجودة بأيدي الناس فيه نماذح من تراجم المطمح
قال رحمه الله تعالى في ترجمة أبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي إمام اللغة والإعراب وكعبة الآداب أوضح منها كل إبهام وفضح دون الجهل بها محل الأوهام وكان أحد ذوي الإعجاز وأسعد أهل الأختصار والإيجاز نجم والأندلس في إقبالها والأنفس أول تهممها بالعلم واهتبالها فنفقت له عندهم البضاعة واتفقت على تفضيله الجماعة وأشاد الحكم بذكره فأورى بذلك زناد فكره وله اختصار العين للخليل وهو معدوم
____________________
(7/38)

النظير والمثيل ولحن العامة وطبقات النحويين وكتاب الواضح وسواها من كل تأليف مخجل لمن أتى بعده فاضح وله شعر مصنوع ومطبوع كأنما يتفجر من خاطره ينبوع وقد أثبت له منه ما يقترح ولا يطرح فمن ذلك قوله
( كيف بالدين القديم ** لك من أم تميم )
( ولقد كان شفاء ** من جوى القلب السقيم )
( يشرق الحسن عليها ** في دجى الليل البهيم )
وكتب مراجعا
( أغرقتني في بحور فكر ** فكدت منها أموت لما )
( كلفتني غامضا عويصا ** أرجم فيه الظنون رجما )
( ما زلت أسرو السجوف عنه ** كأنني كاشف لظلما )
( أقرب من ليله وأنأى ** مستبصرا تارة وأعمى )
( حتى بدا مشرق المحيا ** لما اعتلى طالعا وتما )
( لله من منطق وجيز ** قد حل قدرا وجل فهما )
( أخلصت لله فيه قولا ** سلمت لله فيه حكما )
( إذ قلت قول امرىء حكيم ** مراقب للإله علما )
( الله ربي ولي نفسي ** في كل بوس ولك نعمى )
وكتب إلى أبي مسلم ابن فهد وكان كثير التكبر عظيم التجبر متغيرا لسانه مقفرا من المعالم جنانه
____________________
(7/39)


( أبا مسلم إن الفتى بفؤاده ** ومقوله لا بالمراكب واللبس )
( وليس رواء المرء يغني قلامة ** إذا كان مقصورا على قصر النفس )
( وليس يفيد الحلم والعلم والحجى ** أبا مسلم طول القعود على الكرسي )
واستدعاه الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين فعجل إليه وأسرع فأمرع من آماله ما أمرع فلما طالت نواه واستطالت عليه لوعته وجواه وحن إلى مستكنه بإشبيلية ومثواه استأذنه في اللحوق بها فلومه ولواه فكتب إلى من كان يألفه ويهواه
( ويحك يا سلم لا تراعي ** لا بد للبين من مساع )
( لا تحسبيني صبرت إلا ** كصبر ميت على النزاع )
( ما خلق الله من عذاب ** أشد من وقفة الوداع )
( ما بينها والحمام فرق ** إلا المناحات في النواعي )
( إن يفترق شملنا وشيكا ** من بعد ما كان في اجتماع )
( فكل شمل إلى افتراق ** وكل شعب إلى انصداع )
( وكل قرب إلى بعاد ** وكل وصل إلى انقطاع )
2 وقال سامحه الله تعالى بعد ترجمة السلطان بالمرية المعتصم بن صمادح ما نصه ابنه عز الدولة أبو مروان عبد الله فتى الراح المعاقر لدنانها المهتصر لأغصان الفتوة وأفنانها المهجر لفلاة الظباء والآرام المشهر في باب الصبابة والغرام نشأ في حجر أبيه نديم قهوة ومديم صبوة وخديم شهوة لا يريم كاسا ولا يروم إلا اقتضاء وانتكاسا ما شهد قتلا ولا قتالا ولا تقلد صارما إلا مختالا قد أمن منه جنان الجبان وعدت له غصون البان وما زال مرتضعا لأخلاف البطالة مقتطعا ما شاء من إطالة متوغلا
____________________
(7/40)

في شعاب الفتاك متغلغلا في طريق الانتهاك إلى أن وجهه أبوه إلى أمير المسلمين سفيرا عندما بدت له وجوه الفتنة تسفر ومعاهد الهدنة تقفر مع أكامل أصحبهم نقصانه وذوي أديان جعلهم خلصانه يسمعون بوادر بذاذته وينظرون مناكر لذاذته فآلت سفراته إلى الاعتقال وقصرت نخوته ما بين قيد وعقال فجاء كالمهر لا يعرف لجاما وصار حبيس قوم لا يألونه استعجاما وحين شالت نعامته وسالت عليه ظلامته كتب إلى أبيه
( أبعد السنا والمعالي خمول ** وبعد ركوب المذاكي كبول )
( ومن بعد ما كنت حرا عزيزا ** أنا اليوم عبد أسير ذليل )
( حللت رسولا بغرناطة ** فحل بها في خطب جليل )
( وثقفت إذ جئتها مرسلا ** وقبلي كان يعز الرسول )
( فقدت المرية أكرم بها ** فما للوصول إليها سبيل )
فراجعه أبوه بقطعة منها
( عزيز علي ونوحي دليل ** على ما أقاسي ودمعي يسيل )
( وقطعت البيض أغمادها ** وشقت بنود وناحت طبول )
( لئن كنت يعقوب في حزنه ** ويوسف أنت فصبر جميل )
ولم يزل يتحيل في تخلصه وأخذه من يد مقتنصه فسرق وحراسه منه بمكان السلك من النحر وطرق به على ثبج البحر فوافى المرية وقد أخذ البحث عليه آفاق البرية فهنىء المعتصم بخلاصه وبقي مستقرا بعراصه إلى أن أخلوها ومضوا لطلبة ما نووها فنجا أخوه إلى حيث ذكرنا من بلاد الناصر ولجأ هو إلى أحد المرابطين لأذمة كانت بينهما وأواصر وأقام معه سمير لهوه وأمير سهوه إلى أن انقرض أمده وطواه سروره لا كمده فلم ير إلا
____________________
(7/41)

خالعا لعذاره طالعا في ثنيات اغتراره غير مكترث باتضاعه ولا منحرف عن ارتشاف الغي وارتضاعه وبد منه في هذه الحال ندى كاثر به السحاب وظاهر بسببه الصحاب وتخدم الأوطار وتقدم لذوي الرتب فيها والأخطار تقدما حسن من ذكره وأولع الألسن بشكره فارتفع عنه الكدح وشفع له في الذم ذلك المدح وكان نظمه بديع الوصف رفيع الرصف وقد أثبت له ما يشهد بإجادته وإحسانه شهادة الروض بجود نيسانه
أخبرني ابن القطان أنه ساير الأمير يحيى بن أبي بكر إلى طليطلة في جيوش فاضت سيلا وخاضت المطايا قتامها ليلا وكان ملكا لم يعقد على مثله لواء ولم يحتو على شبهه حواء جمال محيا وكمال عليا وحسن شيم وبعد همم أغنى العفاة وأحيا الرفات وألغى الأجواد وأنسى كعب ابن مامة وابن أبي داود فلما شارف طليطلة وكشفها واشتف بلالتها وارتشفها وضرب بكنفها مضاربه وأجال بساحتها زنجه وأعاربه سقط أحد الويته عن يد حامله وانكسر عند عامله فطائفة تفاءلت وطائفة تطيرت وفرقة ابتهجت وأخرى تغيرت فقال
( لم ينكسر عود اللواء لطيرة ** يخشى عليك بها وأن تتأولا )
( لكن تحقق أنه يندق في ** نحر العدا ولدى الوغى فتعجلا )
وأخبرني أخوه رفيع الدولة أن ابن اللبانة كتب إليه والخلع قد نضا لبوسه وقصر بوسه وكدر صفاءه وغدر وفاءه وطوى ميدان جوده وأذوى أفنان وجوده قوله
( يا ذا الذي هز أمداحي بحليته ** وعزه أن يهز المجد والكرما )
____________________
(7/42)


( واديك لا زرع فيه اليوم تبذله ** فخذ عليه لأيام المنى سلما )
فدعته دواعي الندى وأولعته بالجدا في ذلك المدى فتحيل في بر طبعه وكتب معه
( المجد يخجل من نقديك في زمن ** ثناه عن واجب البر الذي علما )
( فدونك النزر من مصف مودته ** حتى يوفيك أيام المنى سلما )
3 ابنه الثاني رفيع الدولة أبو يحيى ابن المعتصم
من بيت إماره والى السعد طوافه بها واعتماره عمرت أنديته ونشرت به رايات العز وألويته إلى أن خوى كوكبهم وهوى مرقبهم فتفرقوا ايادي سبا وفرقوا من وقع الأسنة والظبى وفارقوا أرضا كأرض غسان ووافقوا أياما كيوم أهل اليمامة مع حسان بعدما خامرت النفوس مكارمهم مخامرة الرحيق وأمهم الناس من كل مكان سحيق وانتجعوا انتجاع الأنواء واستطعموا في المحل واللأواء وصالوا بالدهر وسطوا وبين النهي والأمر فيه خطوا ورفيع الدولة هذا فجر ذاك الصباح وضوء ذلك المصباح وغصن تلك الدوحة ونسيم تلك النفحة لم يمتهن والدهر قد بذله ولا ترك الانتصار والأمر قد خذله فالتحف بالصون وارتدى وراح على الانقباض واغتدى فما تلقاه إلا سالكا جددا ولا تراه إلا لابسا سوددا وله أدب كالروض المجود إذا أزهر ونظم كزهر التهائم والنجود بل كالصبح إذا أسفر واشتهر أوقفه على النسيب وصرفه إلى المحبوبة والحبيب فمن ذلك قوله
____________________
(7/43)


( ما لي وللبدر لم يسمح بزورته ** لعله ترك الإجمال أو هجرا )
( إن كان ذاك لذنب ما شعرت به ** فأكرم الناس من يعفو إذا قدرا )
وله أيضا
( يا عابد الرحمن كم ليلة ** أرقتني وجدا ولم تشعر )
( إذ كنت كالغصن ثنته الصبا ** وصحن ذاك الخد لم يشعر )
وله أيضا
( وأهيف لا يلوي على عتب عاتب ** ويقضي علينا بالظنون الكواذب )
( يحكم فينا أمره فنطيعه ** ونحسب منه الحكم ضربة لازب )
وله أيضا رحمه الله تعالى
( وعلقته حلو الشمائل ماجنا ** خنث الكلام مرنح الأعطاف )
( ما زلت أنصفه وأوجب حقه ** لكنه يأبى من الإنصاف )
وله أيضا
( حبيب متى ينأى عن العين شخصه ** يكاد فؤادي أن يطير من البين )
( ويسكن ما بين الضلوع إذا بدا ** كأن على قلبي تمائم من عين )
وله أيضا
( أفدي أبا عمرو وإن كان جانيا ** علي ذنوبا لا تعدد بالعتب )
( فما كان ذاك الود إلا كبارق ** أضاء لعيني ثم أظلم للقلب )
____________________
(7/44)


وله وقد بلغه موتي وتحقق عنده فوتي
( مثنى الوزارة قد أودى فما فعلت ** تلك المحابر والأقلام والطرس )
( ما كنت أحسب يوما قبل ميتتة ** أن البلاغة والآداب تختلس )
واستأذن ليلة على أحد الأمراء وأنا عنده في أسنى موضع وأبهى مطلع وجوانب حفده بين يدي محتلة وسحائب رفده علي منهلة وكان أجمل من مقل وأكمل من من المهد إلى سرير الملك قد نقل وكتب إلي يهنيني بقدوم من سفر
( قدمت أبا نصر على حال وحشة ** فجاءت بك الآمال واتصل الأنس )
( وقرت بك العينان واتصل المنى ** وفازت على يأس ببغيتها النفس )
( فأهلا وسهلا بالوزارة كلها ** ومن رأيه في كل مظلمة شمس )
4 وقال في المطمح في ترجمة الوزير أبي الوليد ابن حزم واحد دونه الجمع وهو للجلالة بصر وسمع روضة علاه رائقة السنا ودوحة بهاه طيبة الجنى لم يتزر بغير الصون ولم يشتهر بفساد بعد الكون مع نفس برئت من الكبر وخلصت خلوص التبر مع عفاف التحف به برودا وما ارتشف به ثغرا برودا فعفت مواطنه وما استرابت ظواهره ولا بواطنه وأما شعره ففي قالب الإحسان أفرغ وعلى وجه الاستحسان يلقى ويبلغ وكتب إليه ابن زهر
( أأبا الوليد وأنت سيد مذحج ** هلا فككت أسير قبضة وعده )
( وحياة من أمد الحياة بوصله ** وذهابها حتما بأيسر صده )
____________________
(7/45)


( لأقاتلنك إن قطعت بمرهف ** من جفنه وبصعدة من قده )
فراجعه أبو الوليد
( لبيك يا أسد البرية كلها ** من صادق عبث المطال بوعده )
( يمضي بأمرك ساء أو سر القضا ** ويفل حد النائبات بحده )
( إيه ووافقت الصبا في معرض ** ذهب المشيب بهزله وبجده )
5 وقال في المطمح في ترجمة أبي بكر الغساني ما صورته صليب العود مهيب الوعود لو دعي له الأسد الورد لأجاب ولو رمي بذكره الليل البهيم لانجاب ولو قعدت بين يديه الأطواد لتحرك سكونها ولو عصته الطيور ما آوتها وكونها مع وقار تخاله يذبلا وفخار يفضح بلبلا وشيم لو كانت بالروض ما ذوى أو تقاسمت في الخلق ما رمد أحد بعدما شوى وسجايا تنجلي عنها الظلماء كأن مزاجها عسل وماء انتهى
وهذا الغساني هو صاحب تفسير القرآن وقد عرف به في الإحاطة فليراجع ثمة
6 وقال أيضا في المطمح ما صورته أبو عامر ابن عقال كان له ببني قاسم تعلق وفي سماء دولتهم تألق فلما خوت نجومهم وعفت رسومهم انحط عن ذلك الخصوص وسقط سقوط الطائر المقصوص وتصرف بين وجود وعدم وتحرف قاعدا حينا وحينا على قدم وفي خلال حاله وأثناء انتحاله لم يدع حظه من الحبيب ولا ثنى لحظه
____________________
(7/46)

عن الغزال الربيب ولم يزل يطير ويقع والدهر يخرق حاله ويرقع إلى أن أرقاه الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين رحمه الله تعالى أعلى ربوة وأراه أبهى حظوة فأدرك عنده رتبة أعلام التحبير والإنشا وترك الدهر قلق الحشا وتسنم منزلة لا يتسنمها إلا من تطهر من درنه وجمح إحسانه في ميدان حرنه والحظوظ أقسام لا تسام والدنيا إنارة وإعتام
( ولو لم يعل إلا ذو محل ** تعالى الجيش وانحط القتام )
وقد أثبت عنه بعض ما انتقيته والذي أخذته مباين لما أبقيته فمن ذلك قوله
( يا ويح أجسام الأنا ** م لما تطيق من الأذى )
( خلقت لتقوى بالغذا ** ء وسقمها ذاك الغذا )
( وتنال أيام السلا ** مة بالحياة تلذذا )
( فإذا انقضى زمن الصبا ** ورمى المشيب فأنفذا )
( وجد السقام إلى المفا ** صل والجوانح منفذا )
( ويقول مهما يعط شي ** ئا ناولوني غير ذا )
وحذا في هذه القصيدة خذو الصابي في قوله
( وجع المفاصل وهو أي ** سر ما لقيت من الأذى )
( رد الذي استحسنته ** والناس من حظي كذا )
( والعمر مثل الكاس ير ** سب في أواخرها القذى )
____________________
(7/47)


وله يعتذر عن زيارة اعتمدها ومواصلة اعتقدها فعاقته عنها حوادث لوته وعدته عن ذلك وثنته
( بينما كنت راجيا للقائه ** والتشفي بالبشر من تلقائه )
( وترقبت من سماء نزاعي ** قمر الأنس طالعا من سمائه )
( إذ دهاني اعتراض خطب ثناني ** عن غمام يشفي الغليل بمائه )
( فتدلهت انزويت حياء ** منه والعذر واضح لسنائه )
وله فصل كتب به عن الأمير إبراهيم يصف إجازة أمير المسلمين البحر سنة خمس عشرة وخمسمائة وفي الساعة الثانية من يوم الجمعة كان جوازه أيده الله تعالى من مرسى جزيرة طريف على بحر ساكن قد ذل بعد استصعابه وسهل بعد أن رأى الشامخ من هضابه وصار حيه ميتا وهذره صمتا وجباله لا ترى فيها عوجا ولا أمتا وضعف تعاطيه وعقد السلم بين موجه وشاطيه فعبر آمنا من لهواته متملكا لصهواته على جواد يقطع الجو سبحا ويكاد يسبق البرق لمحا لم يحمل لجاما ولا سرجا ولا عهد غير اللجة الخضراء مرجا عنانه في رجله وهدب العين يحكي بعض شكله فلله هو من جواد له جسم وليس له فؤاد يخرق الهواء ولا يرهبه ويركض الماء ولا يشربه
وقال في ترجمة الفقيه أبي مروان عبد الملك بن زيادة الله الطبني ما نصه
من ثنية شرف وحسب ومن أهل حديث وأدب إمام في اللغة متقدم فارع لرتب الشعر متسنم له رواية بالأندلس ورحلة إلى المشرق ثم عاد
____________________
(7/48)