Advertisement

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية 1


موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري

مقدمة موسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية"

تتناول هذه الموسوعة كل جوانب تاريخ العبرانيين فى العالم القديم، وتواريخ الجماعات اليهودية بامتداد بلدان العالم، وتعدادتها وتوزيعاتها، وسماتها الأساسية، وهياكلها التنظيمية، وعلاقات أفراد الجماعات اليهودية بالمجتمعات التى يوجدون فيها وبالدولة الصهيونية. وتغطى الموسوعة كذلك أشهر الأعلام من اليهود (مثل موسى بن ميمون) وغير اليهود ممن ارتبطت أسماؤهم بتواريخ الجماعات اليهودية (مثل نابليون وهتلر). كما تتناول هذه الموسوعة كل الجوانب المتعلقة بتاريخ اليهودية، وفرقها وكتبها الدينية، وطقوسها وشعائرها، وأزمتها فى العصر الحديث، وعلاقتها بالصهيونية وبمعاداة السامية (معاداة اليهود). وتغطى الموسوعة الحركة الصهيونية ونشاطاتها ومدارسها وأعلامها، وبعض الجوانب الأساسية للدولة الصهيونية.

وتهدف الموسوعة إلى توفير الحقائق التاريخية المعاصرة عن الظواهر اليهودية والصهيونية والإسرائيلية، وإلى تقديم رؤية جديدة للموضوعات التى تغطيها. وهى تحاول إنجاز ذلك من خلال عدة طرق:

1 - تقديم تاريخ عام للعقيدة والجماعات اليهودية وللحركة الصهيونية: تقدم الموسوعة رؤية تاريخية جديدة لكل من العقيدة والجماعات اليهودية والحركة الصهيونية أكثر علمية وحياداً وتفسيرية من تلك الرؤية الغربية التقليدية التى تبناها المؤلفون اليهود وغير اليهود فى الشرق والغرب، والمتأثرة بما يسمى "التاريخ المقدس" - أى التاريخ الذى ورد فى العهد القديم. والرؤية الجديدة تضع تواريخ الجماعات اليهودية فى أنحاء العالم فى إطار التاريخ الإنسانى العام. كما أن الموسوعة قامت بربط تاريخ الصهيونية، عقيدة وحركة وتنظيماً، بتاريخ الفكر الغربى والإمبريالية الغربية.

2- التعريف الدقيق للمفاهيم والمصطلحات السائدة، والتأريخ لها من منظور جديد، وإبراز جوانبها الإشكالية: فعلى سبيل المثال حينما تتعرض الموسوعة لظاهرة مثل يهود الاتحاد السوفيتى (سابقاً) فإنها تفعل ذلك من خلال عدة مداخل عن تاريخ اليهود وتوزيعهم الوظيفى وأعدادهم وأسباب هجراتهم وانتماءاتهم السياسية والفكرية فى كل من روسيا القيصرية وروسيا السوفيتية. كما توجد عدة مداخل أخرى عن أنواع يهود الاتحاد السوفيتى (قرائين - الكرمشاك - جورجيين - يهود البايشية - يهود الجبال - يهود بخارى … إلخ). وتضم الموسوعة أيضاً مداخل عن موقف ماركس وإنجلز والبلاشفة من المسألة اليهودية، وعلاقة اليهود بالفكر الاشتراكى وتطور الرأسمالية الغربية.

3- إسقاط المصطلحات المتحيزة وإحلال مصطلحات أكثر حياداً وتفسيرية محلها: تتسم المصطلحات المستخدمة لوصف الظاهرة اليهودية والصهيونية بأنها متحيزة لأقصى حد، وتجسد التحيزات الصهيونية والغربية. ولتجاوز هذا الوضع تم استبعاد مصطلح مثل "الشعب اليهودى" الذى يفترض أن اليهود يشكلون وحدة عرقية ودينية وحضارية متكاملة (الأمر الذى يتنافى مع الواقع)، وحل محله مصطلح "الجماعات اليهودية"، وبدلاً من كلمة "الشتات" استخدمت العبارة المحايدة "أنحاء العالم"، وبدلاً من "التاريخ اليهودى" تشير الموسوعة إلى "تواريخ الجماعات اليهودية". والمصطلحات البديلة ليست أكثر حياداً وحسب، وإنما أكثر دقة وتفسيرية.

ويمكن تلخيص هدف الموسوعة فى أنها محاولة تطوير خطاب تحليلى (مصطلحات ومفاهيم) لوصف الظاهرة اليهودية والصهيونية، وهو خطاب يسترجع البعد التاريخى لهذه الظاهرة، من حيث كونها ظاهرة تاريخية اجتماعية يمكن فهمها والتعامل معها.

وغنى عن القول أن موسوعة عربية عن الظواهر اليهودية أمر له أهمية بالغة بالنسبة للمتخصصين وغير المتخصصين فى هذا الحقل، أما بالنسبة للمتخصصين، فإن الموسوعة تحاول أن تضع إطاراً شاملاً وجديداً يمكن من خلاله دراسة اليهود واليهودية والصهيونية وإسرائيل. وعلى المستوى القومى، فإن هذه الموسوعة ستزود صانع القرار العربى، مهما كانت اتجاهاته السياسية، بقدر كبير من المعلومات اللازمة لاتخاذ أى قرار. كما أن العاملين فى مجالى السياسة والإعلام، وفى غيرهما من المجالات، سيجدون مرجعاً عربياً يزودهم بالمعلومات الضرورية عن اليهود واليهودية والصهيونية وإسرائيل. وسيستفيد من الموسوعة أيضاً المتخصصون فى الفروع الأخرى من المعرفة ممن يتصدون للظواهر اليهودية والصهيونية والإسرائيلية بالدراسة، كل فى حقل تخصصه.

وموسوعة اليهود واليهودية والصهيونية التي صدرت عام 1999 ، والتي نالت جائزة أحسن كتاب في معرض القاهرة للكتاب ذلك العام، هي من ضمن مساعي الدكتور المسيري العديدة الرامية إلى إلقاء الضوء على حقيقة الحركة والدولة الصهيونية (والعقيدة اليهودية والجماعات اليهودية في العالم). وقد استغرق إعدادها ما يزيد عن ربع قرن واشترك في هذه العملية عشرات الأفراد (مؤلفون - محرر فني - مساعدي باحث - سكرتارية - مكتب للترجمة العبرية - محرر لغوي - طابع على الكمبيوتر). وقد قام الدكتور المسيري بجهوده الذاتية بإعداد هذه الموسوعة والإنفاق عليها طيلة هذه الفترة.

وحينما عرف بأمر الموسوعة، قام "مائير كاهانا" (عضو الكنيست السابق ورئيس جماعة كاخ الصهيونية الإرهابية) بإرسال خطابات تهديد بالقتل لمؤلفها والمشرف عليها في يناير عام 1984، واعترف بإرسال الخطابات، في حديث مع جريدة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية في عددها الصادر في 21 فبراير 1984. وبلغ عدد هذه الخطابات ثلاثة عشر خطاباً، أرسل ستة منها على عنوان الدكتور المسيري بالرياض (المملكة العربية السعودية) وأرسلت الستة الأخرى على عنوانه بالقاهرة، أما الخطاب الثالث عشر فقد أرسل له في القاهرة فور عودته من الرياض، جاء فيه أن مرسلي الخطاب يعلمون بأمر عودته، وأنهم "يعدون قبراً له". كما جاء في هذه الرسائل أنه إن لم يتوقف الدكتور المسيري عن نشاطاته المعادية للصهيونية (وأهم هذه النشاطات - بطبيعة الحال - هو تأليف الموسوعة) فستصل إليه الأيدي الصهيونية، وستقوم بتصفيته. وقد وضع الدكتور المسيري تحت حراسة سلطات الأمن المصرية، حمايةً له.

كما أرسلت جامعة بار إيلان خطاباً إلى الملحق الثقافي الإسرائيلي تطلب منه الكتابة إلى السفير الأمريكي لتشويه سمعة بعض الشخصيات المصرية المعادية للصهيونية ومن ضمنها الدكتور المسيري (نشرت جريدة العربي المصرية نص الخطاب في عددها الصادر بتاريخ 11 نوفمبر 1993).

تقع موسوعة فى ثمانية مجلدات، متوسط عدد صفحات كل منها 450 صفحة، ويتناول كل مجلد واحد منها موضوعاً محدداً. فالمجلد الأول يتناول الإطار النظرى للموسوعة وقضايا المنهج. أما المجلدات التالية (الثانى والثالث والرابع) فتتناول موضوع الجماعات اليهودية. ويتناول المجلد الخامس اليهودية، والمجلد السادس الصهيونية، والمجلد السابع إسرائيل.

ويضم كل مجلد عدة أجزاء، ويضم كل جزء عدة أبواب، ويضم كل باب عدة مداخل. وعدد مداخل الموسوعة حوالى 2300 مدخل. والموسوعة مرتبة موضوعياً، فعلى سبيل المثال يتناول المجلد الرابع تواريخ الجماعات اليهودية فى بلدان العالم الغربى ويضم 18 باباً يتناول كل باب منها تاريخ جماعة يهودية بعينها فى إحدى بلدان العالم الغربى (إنجلترا - ألمانيا - روسيا… الخ). ويضم باب إنجلترا ثلاثة مداخل (إنجلترا من العصور الوسطى حتى عصر النهضة - إنجلترا منذ عصر النهضة - إنجلترا فى الوقت الحاضر) تغطى موضوع تاريخ الجماعة اليهودية فى إنجلترا.

إلا أن الموسوعة لا تقتصر على التصنيف الموضوعى إذ يوجد فى المجلد الثامن فهرس ألفبائى عربى بكل مداخل الموسوعة. فإذا أراد القارئ أن يعرف شيئاً عن "إنجلترا من العصور الوسطى حتى عصر النهضة" فإنه سيذهب إلى حرف الألف حيث سيجد عنوان المدخل وبجواره رقم المجلد والصفحة.

وحتى نعطى القارئ فكرة عن مدى شمول الموسوعة فسنورد فى الصفحات التالية عناوين المجلدات والأجزاء والأبواب.


-----------------------------------------------------------------------------------------------
المحتويات:
المجلد الأول : الإطار النظري

الجزء الأول: إشكاليات نظرية
1 ـ مقدمة.

2 ـ مفردات.

3 ـ فشل النموذج المادى في تفسير ظاهرة الإنسان.

4 ـ إشكاليات الإنساني والطبيعى والذاتى والجزئى والكلى.

الجزء الثاني: النماذج كأداة تحليلية
1 ـ النماذج: سماتها وطريقة صياغتها.

2 ـ أنواع النماذج.

3 ـ النموذج الاختزالي والنموذج المركب.

الجزء الثالث: الحلول الكمونية الوحدانية
1 ـ الحلول ووحدة الوجود والكمونية.

2 ـ الحلول الكمونية الواحدية والعلمانية الشاملة.

الجزء الرابع: العلمانية الشاملة
1 ـ إشكالية تعريف العلمانية.

2 ـ اختلاط الحقل الدلالي لمصطلح ومفهوم (علمانية).

3 ـ نموذج تفسيري مركب وشامل للعلمانية.

4 ـ مصطلحات الواحدية والاستيعاب فيها.

5 ـ مصطلحات تشير إلى تفكيك الإنسان وتقويضه.

6 ـ مصطلحات جديدة لبلورة النموذج الكامن.

7 ـ الثنائية الصلبة والسيولة الشاملة وما بعد الحداثة.

8 ـ العلمانية الشاملة والإمبريالية.

9 ـ العلمانية الشاملة : تاريخ موجز وتعريف.

الجزء الخامس: الجماعات الوظيفية
1 ـ السمات الأساسية للجماعات الوظيفية.

2 ـ الجماعات الوظيفية والحلولية والعلمانية الشاملة.


المجلد الثاني :الجماعات اليهودية: إشكاليات

الجزء الأول: طبيعة اليهود في كل زمان ومكان
1 ـ إشكالية الجوهر اليهودي.

2 ـ إشكالية الوحدة والنفوذ اليهودي.

3 ـ إشكالية العبقرية والجريمة اليهودية.

4 ـ إشكالية العزلة والخصوصية اليهودية.

5 ـ منفي وعودة أم هجرات وانتشار؟

6 ـ هجرات وانتشار أعضاء الجماعات اليهودية.

الجزء الثاني: يهود أم جماعات يهودية؟
1 ـ الجماعات اليهودية الأساسية.

2 ـ الجماعات اليهودية المنقرضة والهامشية.

3 ـ إشكالية الهوية اليهودية.

4 ـ اليهود والجماعات اليهودية.

5 ـ إشكالية التعداد.

الجزء الثالث: يهود جماعات يهودية؟
1 ـ الجماعات الوظيفية اليهودية.

2 ـ الجماعات الوظيفية اليهودية القتالية والاستيطانية والمالية.

3 ـ أقنان ويهود البلاط.

4 ـ جماعات وظيفية أخرى (البغاء ـ الطب ـ الترجمة ـ الجاسوسية).

5 ـ مسألة الحدودية والهاشمية.

الجزء الرابع: عداء الأغيار الأزلي لليهود واليهودية
1 ـ إشكالية معاداة اليهود.

2 ـ بعض التجليات المتعينة لمعاداة اليهود.

3 ـ معاداة اليهود والتحيز لهم.

4 ـ الإبادة النازية والحضارة الغربية الحديثة.

5 ـ بعض إشكاليات الإبادة النازية ليهود أوربا.

6 ـ إشكالية التعاون بين بعض أعضاء الجماعات اليهودية والنازيين.


المجلد الثالث :الجماعات اليهودية: التحديث والثقافة

الجزء الأول: التحديث
1 ـ من التحديث إلى ما بعد الحداثة.

2 ـ العلمانية (والإمبريالية) واليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية.

3 ـ التحديث وأعضاء الجماعات اليهودية.

4 ـ الإعتاق.

5 ـ الاستنارة اليهودية.

6 ـ الرأسمالية والجماعات اليهودية.

7 ـ رأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم (ما عدا الولايات المتحدة الأمريكية).

8 ـ رأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة.

9ـ الاشتراكية والجماعات اليهودية.

الجزء الثاني: ثقافات أعضاء الجماعات اليهودية
1 ـ ثقافات الجماعات اليهودية (تعريف وإشكالية).

2 ـ فلكلور (طعام وأزياء) الجماعات اليهودية.

3 ـ الفنون التشكيلية والجماعات اليهودية.

4 ـ إشكالية المتحف اليهودي.

5 ـ الموسيقى والرقص والجماعات اليهودية.

6 ـ الكوميديا والسينما والجماعات اليهودية.

7 ـ الأدب اليهودي والصهيوني.

8 ـ الآداب المكتوبة بالعبرية.

9 ـ الأدب اليديشي.

10 ـ لهجات أعضاء الجماعات اليهودية ولغاتهم.

11 ـ المفكرون من أعضاء الجماعات اليهودية.

12 ـ الفلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية.

13 ـ علماء الاجتماع من أعضاء الجماعات اليهودية.

14 ـ علماء النفس من أعضاء الجماعات اليهودية.

15 ـ التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية حتى العصر الحديث.

16 ـ التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية في العصر الحديث.


المجلد الرابع :الجماعات اليهودية: تواريخ

الجزء الأول: تواريخ الجماعات اليهودية فى العالم القديم
1 ـ إشكالية التاريخ اليهودي.

2 ـ أشكال الإدارة الذاتية.

3 ـ مصر والإمبراطورية الحيثية.

4 ـ الشعوب السامية: الآشوريين والبابليون.

5 ـ الشعوب والأقوام السامية الأخرى.

6 ـ الحوريون والفلستيون.

7 ـ العبرانيون.

8 ـ عصر الآباء.

9 ـ التسلل أو الغزو العبرانى لكنعان.

10 ـ عصر القضاة.

11 ـ عبادة يسرائيل.

12 ـ الهيكل.

13 ـ المملكة العبرانية المتحدة.

14 ـ المملكة الجنوبية والمملكة الشمالية.

15 ـ التهجير الآشورى والبابلى.

16 ـ الفرس.

17 ـ اليونانيون.

18 ـ الرومان.

19 ـ التمردات اليهودية.

الجزء الثانى: تواريخ الجماعات اليهودية فى العالم الإسلامي
1 ـ الشرق الأدنى القديم قبل وبعد انتشار الإسلام.

2 ـ إسبانيا الإسلامية (الأندلس).

3 ـ الدولة العثمانية وفارس بعد انتشار الإسلام.

4 ـ العالم العربى منذ القرن التاسع عشر.

الجزء الثالث: تواريخ الجماعات اليهودية فى بلدان العالم الغربى
1 ـ الإقطاع الغربى وجذور المسألة اليهودية.

2 ـ الجيتو.
3 ـ الإمبراطورية البيزنطية المسيحية وإسبانيا المسيحية.

4 ـ فرنسا.

5 ـ إنجلترا.

6 ـ ألمانيا.

7 ـ النمسا وهولندا وإيطاليا.

8 ـ بولندا قبل التقسيم (ظهور يهود اليديشية).

9 ـ بولندا من التقسيم حتى الوقت الحاضر.

10 ـ روسيا القيصرية حتى عام 1885.

11 ـ روسيا القيصرية حتى اندلاع الثورة.

12 ـ الاتحاد السوفيتي.

13 ـ يهود اليديشية في أوكرانيا وجا ليشيا ورومانيا والمجر.

14 ـ أمريكا اللاتينية.

15 ـ جنوب أفريقيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا.

16 ـ الولايات المتحدة حتى منتصف القرن التاسع عشر.

17 ـ الولايات المتحدة منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى عام 1971.

18 ـ اليهود الجدد أو الأمريكيون اليهود في الوقت الحاضر.



المجلد الخامس :اليهودية: المفاهيم والفرق

الجزء الأول: بعض الإشكاليات
1 ـ إشكالية التركيب الجيولوجي التراكمي والشريعة الشفوية.

2 ـ إشكالية الحلولية اليهودية.

3 ـ إشكالية علاقة الغنوصية باليهودية.

4 ـ إشكالية علاقة اليهودية بالصهيونية.

الجزء الثاني: المفاهيم والعقائد الأساسية
1 ـ الإله.

2 ـ الشعب المختار.

3 ـ الأرض.

4 ـ الكتب المقدسة والدينية.

5 ـ الأنبياء والنبوة.

6 ـ اليهودية الحاخامية (التلمودية).

7 ـ الفقهاء (الحاخامية).

8 ـ القبالاه.

9 ـ قبالاه الزوهار والقبالاه اللوريانية.

10 ـ السحر والقبالاه المسيحية.

11 ـ الشعائر.

12 ـ المعبد اليهودي.

13 ـ الحاخام (بمعنى "القائد الديني للجماعة اليهودية").

14 ـ الصلوات والأدعية.

15 ـ الأغيار والطهارة.

16 ـ الأسرة.

17 ـ التقويم اليهودي.

18 ـ الأعياد اليهودية.

19 ـ الفكر الأخروي.

20 ـ الماشيح والمشيحانية.

الجزء الثالث: الفرق الدينية اليهودية
1 ـ الفرق الدينية اليهودية (حتى القرن الأول الميلادي).

2 ـ اليهودية والإسلام.

3 ـ اليهودية والمسيحية.

4 ـ الحسيدية.

5 ـ اليهودية الإصلاحية.

6 ـ اليهودية الأرثوذكسية.

7 ـ اليهودية المحافظة.

8 ـ تجديد اليهودية وعلمنتها.

9 ـ اليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية وما بعد الحداثة.

10 ـ اليهودية بين لاهوت موت الإله ولاهوت التحرير.

11 ـ العبادات الجديدة.

المجلد السادس :الصهيونية

الجزء الأول: إشكاليات وموضوعات أساسية
1 ـ التعريف بالصهيونية.

2 ـ التيارات الصهيونية.

3 ـ العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية.

4 ـ وضع العقد موضع التنفيذ.

5 ـ الصهيونية والعلمانية الشاملة.

6 ـ الخطاب الصهيوني المراوغ.

الجزء الثاني: تاريخ الصهيونية
1 ـ تاريخ الصهيونية.

2 ـ الإرهاصات اليهودية الأولى: حملات الفرنجة (الصليبيين).

3 ـ صهيونية غير اليهود المسيحية.

4 ـ صهيونية غير اليهود العلمانية.

5 ـ الصهيونية التوطينية.

6 ـ المؤسسات التوطينية.

7 ـ الصهيونية الاستيطانية (العملية).

8 ـ تيودور هرتزل.

9 ـ الصهيونية السياسية.

10 ـ الصهيونية العامة (أو الصهيونية العمومية).

11 ـ الصهيونية العمالية.

12 ـ الصهيونية الإثنية الدينية.

13 ـ الصهيونية الإثنية العلمانية.

14 ـ الصهيونية الإقليمية.

15 ـ الدولة مزدوجة القومية.

الجزء الثالث: المنظمة الصهيونية
1 ـ المنظمة الصهيونية العالمية.

2 ـ اللوبي اليهودي والصهيوني.

3 ـ الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة.

4 ـ الجباية الصهيونية.
الجزء الرابع: الصهيونية والجماعات اليهودية
1 ـ موقف الصهيونية وإسرائيل من الجماعات اليهودية في العالم.

2 ـ موقف الجماعات اليهودية من الصهيونية.

3 ـ الرفض اليهودي للصهيونية.

4 ـ شخصيات ومنظمات يهودية معادية للصهيونية.


المجلد السابع :إسرائيل: المستوطن الصهيوني

الجزء الأول: إشكالية التطبيع والدولة الوظيفية
1 ـ إشكالية التطبيع.

2 ـ الدولة الصهيونية الوظيفية.

الجزء الثاني: الدولة الاستيطانية الإحلالية
1 ـ الاستعمار الاستيطاني الصهيوني.

2 ـ إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني.

3 ـ التهجير (الترانسفير) والهجرة الاستيطانية.

4 ـ هجرة اليهود السوفيت.

الجزء الثالث: العنصرية والإرهاب الصهيونيان
1 ـ العنصرية الصهيونية.

2 ـ الإرهاب الصهيوني / الإسرائيلي حتى عام 1948.

3 ـ الإرهاب الصهيوني / الإسرائيلي منذ عام 1948.

الجزء الرابع: النظام الاستيطاني الصهيوني
1 ـ الاستيطان والاقتصاد.

2 ـ التوسع الجغرافي أم الهيمنة الاقتصادية ؟

3 ـ النظام السياسي الإسرائيلي.

4 ـ نظرية الأمن.

الجزء الخامس: أزمة الصهيونية والمسألة الإسرائيلية
1 ـ أزمة الصهيونية.

2 ـ الاستجابة الصهيونية / الإسرائيلية للأزمة.

3 ـ المسألة الإسرائيلية والحلول الصهيونية.

4 ـ المسألة الفلسطينية.
السيرة الذاتية لمؤلف الموسوعة (الدكتور/ عبد الوهاب المسيرى)

* ليسانس آداب ـ أدب إنجليزي ـ جامعة الإسكندرية (1959)

* ماجستير في الأدب الإنجليزي والمقارن ـ جامعة كولومبيا Columbia University ـ الولايات المتحدة الأمريكية (1964)

* دكتوراه في الأدب الإنجليزي والأمريكي والمقارن ـ جامعة رتجرز Rutgers University ـ الولايات المتحدة الأمريكية (1969)

* خبير الصهيونية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام (حتى عام 1975).

* عضو الوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم (حتى عام 1979).

* أستاذ بجامعة عين شمس وجامعة الملك سعود وجامعة الكويت (حتى عام 1989)

* أستاذ غير متفرغ بجامعة عين شمس (1989 ـ حتى الآن)

* المستشار الأكاديمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي (1992 ـ حتى الآن).

* عضو مجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية ـ واشنطن ـ الولايات المتحدة (1997 ـ حتى الآن)
* أستاذ زائر بجامعة ماليزيا الإسلامية فى كوالالامبور، وبعديد من الجامعات العربية وبأكاديمية ناصر العسكرية.

* صدر له العديد من الكتب من أهمها: نهاية التاريخ:مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيونى (1972) كتبه حينما كان يعمل رئيساً لوحدة الفكر الصهيونى وعضو مجلس الخبراء بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، كما صدر له كتاب من جزأين بعنوان: الأيديولوجية الصهيونية، دراسة حالة فى علم اجتماع المعرفة (صدرت منه طبعة ثانية من جزء واحد عام (1988)، وقد وضع المؤلف عدة مؤلفات بالإنجليزية حينما كان يشغل منصب المستشار الثقافى للوفد الدائم للجامعة العربية لدى هيئة الأمم المتحدة (1975-1979)، من أهمها كتاب عن الصهيونية بعنوان أرض الوعد: نقد الصهيونية السياسية.

)قرر تدريسه فى عدد من الجامعات الأمريكية)، وكتاب أخر عن تطور العلاقة بين إسرائيل وجنوب أفريقيا )نشرت منه عدة طبعات بعدة لغات) كما صدر له كتاب ثالث (بالعربية) عنوانه: الفردوس الأرضى: دراسات وانطباعات عن الحضارة الأمريكية.

وفى السنوات الأخيرة صدرت للدكتور المسيرى عدة كتب من أهمها: الانتفاضة الفلسطينية والأزمة الصهيونية وهجرة اليهود السوفييت ، وقد نشرت له دار الشروق عام 1997 الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ، ومن هو اليهودى؟ كما نشرت له عام 1998 اليد الخفية، ونشر له مركز الدراسات المعرفية والمعهد العالمى للفكر الإسلامى بواشنطن والقاهرة كتاب إشكالية التحيز (سبعة مجلدات) من تأليفه وتحريره، وللدكتور المسيرى العديد من المقالات فى الجرائد والمجلات والحوليات، العربية والأجنبية، وقد قام الدكتور المسيرى بكتابة المداخل الخاصة بالصهيونية والانتفاضة فى عدد من الموسوعات والكتب والمراجع المتخصصة، وقد ترجمت بعض أعماله إلى الفارسية والتركية والبرتغالية والفرنسية، وللدكتور المسيرى اهتمام خاص بالنقد الأدبى وتاريخ الفكر والحضارة (بحكم تخصصه الأكاديمى)، فألقى العديد من المحاضرات عن هذه الموضوعات فى الجامعات والمؤتمرات العربية والغربية، كما نشر العديد من المقالات فى الجرائد والمجلات والحوليات العربية والأجنبية، وله عدة كتب فى الشعر الرومانتيكى الإنجليزى وشعر المقاومة الفلسطينى، ويكتب الدكتور المسيرى فى الوقت الحاضر سلسلة من القصص للأطفال تنشرها دار الشروق تحت عنوان حكايات هذا الزمان.


المراجع والمرجعية

جرت العادة أن تضم قائمة المراجع الكتب التي استعان بها المؤلف في وضع بحثه أو مؤلفه، وخصوصاً تلك التي اقتبس منها بشكل مباشر. وهذا يدل على هيمنة النماذج التراكمية والمادية. فالمصادر التي لم نقتبس منها قد تكون أكثر أهمية من تلك التي نقتبس منها، وذلك إن أثَّرت في صياغة النموذج الإدراكي والتفسيري نفسه الذي يستخدمه الكاتب في طريقة رؤيته للظواهر، بينما نجد أن كثيراً من الكتب التي نقتبس منها هي مجرد مصدر للحقائق؛ مادة أرشيفية وحسب.

ويمكننا هنا أن نميِّز بين المراجع والمرجعية. فالمراجع تتناول الاقتباسات المباشرة أما المرجعية فتتناول جذور الفكر نفسه وتشكل النموذج التفسيري والتحليلي. وأعتقد أنه لابد أن يوجد ثبت بالمرجعية إلى جانب ثبت المراجع، تُدرج فيه أسماء الأساتذة والمؤلفين والشخصيات التي أثَّرت في الكاتب حتى لو لم يقتبس مباشرةً من كتاباتهم.

أ ) المرجعية:

من أهم مرجعياتي الأستاذ سعيد البسيوني (بالبنك الأهلي ) صديقي منذ الصبا، الذى ساهم في تدريبي على التفكير وعلى التعمق في الأمور وتجاوز السطح؛ والدكتور إميل جورج، مدرس الفلسفة بدمنهور الثانوية، والدكتورة نور شريف، رئيس قسم اللغة الإنجليزية وآدابها بالإسكندرية؛ والدكتور محمد مصطفى بدوي، أستاذ بجامعة أوكسفورد، والأستاذ ديفيد وايمر، أستاذ الأدب الأمريكي بجامعة رتجرز؛ وليونيل تريلنج، الناقد الأمريكي المعروف والأستاذ بجامعة كولومبيا، والأستاذ كافين رايلى، المؤرخ الأمريكى وزميلى فى جامعة رتجرز.

ومن أهم الكتابات التي ساعدت على تشكيل مرجعيتي والمنهج التحليلي الذي أتبناه كتابات كارل ماركس الإنسانية وجورج لوكاتش وروجيه جارودي وماكس فيبر وبازل ويلي وإرفنج بابيت. وقد ساهمت كتابات أبراهام ماير، مؤلف كتاب المرآة والمصباح، وزيجمونت باومان، عالم الاجتماع، في تشكيل كثير من أفكاري ومقولاتي التحليلية. وفي الآونة الأخيرة قرأت أعمال رئيس البوسنة علي عزت بيجوفيتش ووجدت فيها فكراً عميقاً ومنهجاً واضحاً ساعدني كثيراً على تعميق فكري ومنهجي.

أما فيما يتصل بالشأن الصهيوني فلعل كتابات الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي عن اليهودية والصهيونية (وهو أستاذ ديانات مقارنة) هي التي بيَّنت لي الطريق لتجاوز السياسي وصولاً إلى المعرفي. وكان أسلوب معالجته للموضوعات مختلفاً تماماً عما كنت أقرؤه، فقد وضَّح لي كثيراً من الأبعاد الغامضة التي أخفقت كتب السرد التاريخي في توضيحها. وقد استفدت إلى حدٍّ كبير بكتابات حبيب قهوجي وبديعة أمين وأسعد رزوق، كما قرأت أعمال جمال حمدان وتأثرت بها بشكل عميق (كما بيَّنت في كتابى المعنون اليهود فى عقل هؤلاء والصادر عن دار المعارف عام 1998 ).

وغني عن القول أن المرجعية النهائية لهذه الموسوعة (وللمشرف علىها) هو ما أسميه «المرجعية المتجاوزة»، والإيمان بوحدانية الله وثنائية الوجود الإنساني (كما هو مبيَّن في المجلد الأول المعنون الإطار النظري).

ب) المراجع:

جرت العادة على ألا تورد الموسوعات بشكل عام، والموسوعات المتخصصة على وجه التحديد، قائمة بالمراجع التي استخدمها كاتب مدخل ما. ولعل هذا يعود إلى أن مراجع المداخل التي تدور حول موضوع ما ستكون في الغالب واحدة وهو ما يؤدي إلى التكرار. كما أن مراجع مدخل واحد قد تكون من الضخامة بحيث أن حجم الموسوعة يمكن أن يتضاعف نتيجة هذا.

ولأضرب مثلاً بالمداخل التي تغطي حروب الفرنجة (المجلد السادس المعنون «الصهيونية») وسأورد فيما يلي ثبت المراجع الخاص بهذه المداخل.

1 ـ المراجع العربية:

كتب:

الأسطل، كمال محمد، مستقبل إسرائيل بين الاستئصال والتذويب: دراسة حول المشابهة التاريخية بين الغزوة الصليبية والغزوة الصهيونية. القاهرة، دار الموقف العربي، 1980.

أمين، بديعة، المشكلة اليهودية والحركة الصهيونية. بيروت، دار الطليعة 1974.

الخالدي، وليد وآخرون، القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني. الموصل، العراق. دار الكتب والنشر لجامعة الموصل واتحاد الجامعات العربية 1983، الفصول التالية:

دكتور شاكر مصطفى، "العرب والإسلام وفلسطين عبر التاريخ".

دكتور مروان بحيري، "اليهود في أوربا الغربية والشرقية ما بين 750 و1850"، "الحركة الصهيونية منذ نشأتها حتى نشوب الحرب العالمية الأولى".

قاسـم، قاسـم عبده، الخلفية الأيديولوجية للحروب الصليبية، دراسة في الحملة الأولى، 1095 ـ 1099 ـ الكويت، ذات السلاسل للطباعة والنشر، 1988.

دوريات:

المستقبل العربي، أغسطس 1987:

عاشور، سعيد عبد الفتاح، "ملامح المجتمع الصليبي في بلاد الشام".

قاسم، قاسم عبده، "الحروب الصليبية في الأدبيات العربية والأوربية واليهودية".

2 ـ المراجع الأجنبية:

كتب:

Bradford, Ernle, The Sword and the Samitar: The Saga of the Crusades. London, Victer Gallancz, 1974.

Cutler, Allan H and H. E. Cutler, The Jew as Ally of the Muslim: Medieval Roolts of Anlti-Semitism. Indiana, Uninversity of Notre Dame, 1986.

Erdman, Carl, The Origin of the Idea of the Crusade, translated from the German by Marshall W. Baldwrin and Walter Goffart. Princeton, Princeton Universsity Press, 1977.

Mayer, Hans Eberhard, The Csusades, translated by John Gillingham. Oxford Univessity Press, 1972.

Mc Gasry, Daniel D., Medieval History and Civiliztion. New York, Macmillan, 1976.

موسوعات ومعاجم:

Concise Dictionary of World History by Bruce Wettereau. New York, Macmillan, 1983.

Encyclopedia Britannica. Chicago, Encyclopedia Britannica, 1968.

Encyclopedia Judaica. Israel, Jesusalem, Keter Publishing, 1972.

Encyclopedia of Religion and Ethics. Edinblurgh, T and T Clark, 1938.

Encyclopedia of Jewish History: Events and Eras of the Jewish People, ed. Illana Shamir and Shlomo Shairt, Israel, Massada, 1986.

فإذا أضفنا إلى كل هذا التواريخ الأساسية للجماعات اليهودية مثل جرايتز وبارون وفنكلشتاين وبن ساسون وغيرهم، ثم المراجع الخاصة بالخلفية الأوربية والعربية الإسلامية لحروب الفرنجة لزاد ثبت المراجع صفحتين أو ثلاثة ولاقترب حجمه من حجم المداخل!

لكل هذا نجد أن كل الموسوعات لا تدرج المراجع التي استخدمها مؤلف المدخل، ويكتفي بعضها بإدراج قائمة ببعض المراجع المهمة تحت عنوان "لمزيد من الاطلاع" (بالإنجليزية: فور فيرذر ريدنج For Further Reading). وقد وجدنا أن ما يحتاجه القارئ العربي ليس مجرد ثبت عادي بالمراجع وإنما ثبت نقدي يلخص أطروحات الكتب والمقالات التي ترد عناوينها فيه ويبيِّن مواطن قوتها أو ضعفها والتحيزات الكامنة فيها. وهو جهد ضخم يقع خارج نطاق هذه الموسوعة.

وأحب أن أشير إلى أننا استفدنا في المجلد السابع الخاص بإسرائيل بكتاب دليل إسرائيل العام تحرير صبري جريس وأحمد خليفة (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية 1996)، وبكتابات الدكتور فضل النقيب.

المجلد الأول: الإطـار النظــرى

الجزء الأول: إشكاليات نظرية

الباب الأول: مقـدمة

بعض مواطن القصور فى الخطاب التحليلى العربى
قد يكون من المفيد أن نبيِّن بعض مواطن القصور الأساسية في الخطاب التحليلي العربي والغربي في حقل الدراسات اليهودية والصهيونية.

ولنبدأ أولاً باستبعاد بعض أشكال الخطاب من دائرة الخطاب التحليلي والتفسيري مثل الخطاب العملي (بشقيه التعبوي ـ الدعائي والقانوني) والخطاب الأخلاقي:

1 ـ الخطاب العملي: هو خطاب له أهداف عملية مثل تعبئة الجماهير أو الرأي العام، وهو لا يُعنَى كثيراً بقضية التفسير. ونحن نُقسِّم الخطاب العملي إلى قسمين: الخطاب العملي التعبوي والخطاب العملي القانوني.

أ) الخطاب العملي التعبوي: هو الخطاب الدعائي المحض الذي يتوجه، على سبيل المثال، إلى الرأي العام العالمي فيُوضِّح له أن "إسرائيل دولة معتدية" وأن "اللاجئين الفلسطينيين سُبة في جبين البشرية"، وأن "المستوطنين الصهاينة يستولون على الأراضي الفلسطينية دون وجه حق" وأنهم "عنصريون يعذبون النساء والأطفال"، وهكذا. ويمكن أن يتوجه الخطاب الدعائي نحو الداخل ليصبح خطاباً تعبوياً يهدف إلى تعبئة الجماهير ضد العدو الصهيوني وضد المؤامرة المستمرة (أو العكس الآن، إذ يمكن أن يقوم الخطاب التعبوي بالتبشير بالسلام). وغني عن القول أن مثل هذا الخطاب لا يفيد كثيراً في فَهْم ما يجري حولنا، فهو لا يكترث به أساساً. ونحن لا نقف ضد الدعاية أو التعبئة ولكن الهام أن نعرف أنهما أمران مختلفان عن التفسير.

ب) الخطاب العملي القانوني: ويمكن للخطاب العملي أن يكون قانونياً وتصبح القضية هي المرافعة لتوضيح الحق العربي والأساس القانوني له. والشكل الأساسي الذي يأخذه هذا الخطاب هو مراكمة قرارات هيئة الأمم المتحدة الواحد تلو الآخر في مجلدات ضخمة تُطبَع بعناية فائقة وتُوزَع على الهيئات والدول والمنظمات الدولية المعنية. ومثل هذا الخطاب لا يُعنَى كثيراً بتفسير أسباب الصراع أو بنيته أو طرق حله أو تصعيده أو إدارته. ولا شك في أن معرفة الإطار القانوني للصراع أمر مهم للغاية ولكنه يختلف تماماً عن عملية التفسير التي تنطوي على جهد أكثر تركيباً من مراكمة القوانين.

ومن الأشكال الأخرى للخطاب القانوني ما يُنشر من دراسات تحت شعار "من فمك ندينك يا إسرائيل". وهذه الدراسات تتكون عادةً من اقتباسات من كتابات بعض المؤلفين الإسرائيليين ومن أعضاء الجماعات اليهودية ينتقدون فيها اليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية وإسرائيل. وتوضع الاقتباسات التي لا يربطها رابط، جنباً إلى جنب ثم تُقدَّم باعتبارها أدلة دامغة في المرافعة التي لا تنتهي ضد الصهيونية وإسرائيل وكل اليهود!

2 ـ الخطاب الأخلاقي: وهو الخطاب الذي يَصدُر عن قيم أخلاقية إنسانية ويحاول أن يحض على وضعها موضع التطبيق. ويمكن القول بأن ثمة نقط تشابه أساسية بين الخطابين الدعائي التعبوي والعملي القانوني من جهة والخطاب الأخلاقي من جهة أخرى، فجميعها ذات تَوجُه عملي غير تفسيري. فمقولات أخلاقية مثل الاعتدال والتسامح والإنصاف والخير ليست مقولات تحليلية أو تفسيرية، فهي تعبير عن حالات عقلية أو عاطفية وعن مواقف أخلاقية ولا علاقة لها ببنية الواقع المُركَّبة أو العملية التفسيرية. وهذه المقولات تجعل الباحث يُركِّز على الحالة العاطفية والعقلية للفاعل ويستبعد العناصر الأخرى، أو تجعله يُركِّز هو نفسه على إصدار الحكم الأخلاقي الصحيح على الأحداث بدلاً من دراسة بنية الواقع وآلياته وحركياته بهدف تفسيره. ولنأخذ قضية الاعتدال. يمكن القـول بأن الكــيان الصهيوني هو بنية عدوانية بغض النظر عن نية الفاعل الصهيوني ومواقفه الأخلاقية الفردية. فالمشروع الصهيوني هو مشروع يهدف إلى نقل كتلة بشرية من العالم الغربي إلى فلسطين بحيث تحل الكتلة البشـرية المُهجَّرة محــل سكان البلد الأصليين، بكل ما يَنتُج عن ذلك وبشكل حتمي من إحلال وطرد وإبادة. وهي نتائج تتجاوز نوايا العناصر البشرية الفردية المُشتركة في عملية النقل. ولكن هناك بعض الصهاينة المعتدلين، حسني النية والطوية، ممن تخلوا عن القيم الداروينية الشائعة. ولكنهم، رغم إنسانيتهم الحقة وأخلاقيتهم الواضحة، لم يستطيعوا أن يحققوا شيئاً بسبب طبيعة الصهيونية الاستيطانية الإحلالية. فتمسُّك هؤلاء بالقيم الأخلاقية النبيلة لا يَصلُح كثيراً لتفسير الظاهرة المركبة، لكن هذا لا يعني إسقاط نوايا الفاعل أو توجهه الأخلاقي، وخصوصاً إذا كانت هذه النوايا حقيقية، والمهم ألا نخلط بينها وبين بنية الصراع.

ولنضرب مثلاً آخر على عدم جدوى استخدام مقولة «الاعتدال» لتفسير الظواهر. فمن المعروف أن الاعتدال الصهيوني اختلف من جـيل إلى جيـل، حتى أن المعتدلين الآن (بعد تآكل العرب) هم في واقع الأمر متطرفو الأمس. ولذا، فإن طالب العرب (على سبيل المثال) بقبول قرار تقسيم فلسطين الصادر عام 1948 كأساس لحل القضية الفلسطينية عام 1996، أو حتى بالانسحاب لحدود عام 1967، فإن مثل هذه المطالب يُعتبَر تطرفاً وتشدداً وإرهاباً. ويُطلَب من العرب بعد ذلك أن يُظهروا شيئاً من التسامح وأن يتنازلوا عن أوطانهم حتى يمكن وصفهم بالاعتدال!

أما الإنصاف، فيمكن أن أضرب مثلاً على انعدام قيمته التفسيرية من كتاب صدر عن اليهود والماسون في مصر وحاول مؤلفه أن يكون "منصفاً"، فبيَّن أنه ليس كل اليهود ماسوناً وليس كل الماسون يهوداً، وأن هناك قيادات وطنية مصرية لا شبهة في وطنيتها انضمت للحركة الماسونية وهناك قيادات أخرى لم تنضم. وقد وثَّق المؤلفُ كل هذا بمادة أرشيفية ممتازة دون أن يُفسِّر لنا شيئاً عن الماسونية أو عن الظواهر التي أشار لها.

وقد ظهرت مؤخراً مصطلحات أخلاقية مثل «ثقافة السلام وثقافة الحرب» ليست لها قيمة تحليلية كبيرة، وهي مصطلحات تخلق الوهم بوجود شيء أخلاقي مطلق اسمه «السلام» مقابل شيء آخر لا أخلاقي مطلق يُسمَّى «الحرب» ولا يوجد أي منهما داخل أي سياق إنساني وتاريخي أو اجتماعي. وقد تمت تعبئة مصطلح «ثقافة السلام» بكل الإيحاءات الإيجابية الممكنة وأصبح الحديث عن "الحرب" مهما كانت أسبابها ومهما كانت الدوافع وراءهـا (مثل الحرب من أجل تحرير الأرض والذات على سبيل المثال) أمراً سلبياً وشكلاً من أشكال العنف. ونحن نطرح جنباً إلى جنب مع «ثقافة السلام والحرب» مصطلح «ثقافة العدل والظلم». ولذا يمكننا أن نتحدث عن «ثقافة السلام والعدل» مقابل «ثقافة الحرب والظلم». كما يمكن أن نتحدث عن «ثقافة السلام والظلم» وثقافة «الحرب والعدل». والهدف من كل هذا هو أن نبيِّن البُعد الأخلاقي لمثل هذه المصطلحات وأنها ليست، في واقع الأمر، مصطلحات وصفية وإنما هي مصطلحات وعظية وتعبوية، وأن نزيد من تركيبيتها ومقدرتها على التعامل مع واقع الإنسان المُركَّب.

ونحن لا نرفض القيم الأخلاقية وضرورتها للإنسان كإنسان، بل نرى أن التفسير لابد أن يُترجم نفسه في نهاية الأمر إلى فعل إنساني فاضل، بحيث يقف الإنسان وراء ما يُتصوَّر أنه إنساني وأخلاقي (المعروف)، ويقف ضد ما يُتصوَّر أنه غير إنساني وغير أخلاقي (المنكر). إلا أن مثل هذا الموقف الأخلاقي الإنساني، هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لابد أن يسبقه إدراك كامل لطبيعة الموقف الأخلاقي وتحليل للواقع المتعيِّن بكل مكوناته وتركيبيته حتى يمكن فهمه قبل الحكم عليه.

ويمكننا الآن أن ننصرف إلى عيوب الخطاب التحليلي الذي يهدف إلى تفسير الواقع:

1 ـ ولنبدأ بأهم الأشياء، أعني المسلمات أو المقولات التحليلية الأساسية. فمن الواضح أن كثيراً من الدراسات العربية تبنت (عن وعي أو عن غير وعي) معظم أو كل المسلمات أو المقولات التحليلية الغربية التي تتعامل الحضارة الغربية من خلالها مع العقيدة اليهودية ومع أعضاء الجماعات اليهودية، وهي مقولات أو مسلمات في معظمها ذات أصل إنجيلي مثل «التاريخ اليهودي» و«الشعب اليهودي». وهذه المقولات الإنجيلية احتفظت ببنيتها الأساسية دون تغيير، حتى بعد أن تم علمنتها وتفريغها من القداسة والأبعاد الدينية، فاليهود لا يزالون (في الوجدان الغربي الحديث) كياناً مستقلاً يتحركون داخل تاريخهم المستقل. وبعد أن كانوا يهيمون في البرية ويصعدون إلى كنعان ويهبطون إلى مصر، أصبحوا الآن يهيمون في أنحاء العالم، وبخاصة العالم الغربي، متطلعين طيلة الوقت إلى الصعود إلى فلسطين. ومن ثم، يخلع الوجدان الغربي على اليهود التفرُّد باعتبارهم الشعب المختار، وينزع عنهم القداسة باعتبارهم قتلة الرب والشعب المنبوذ الذليل، ثم يُحيِّدهم تماماً باعتبارهم مادة استعمالية ليس لها أهمية خاصة.

وهذه البنية تشكل نموذجاً محدَّداً (صهيونياً معادياً لليهود في ذات الوقت)، فهي ترى اليهود باعتبارهم إما ملائكة رحيمة أو شياطين رجيمة، إما باعتبارهم مركز الكون فلا يمكن للتاريخ البشري التحرك بدونهم أو باعتبارهم مجرد أداة أو شيء هامشي لا أهمية له في ذاته على الإطلاق. ومن خلال هذا النموذج، تم استبعاد كم كبير من المعلومات أو تم تهميشه، كشيء ليست له أهمية كبيرة. فعداء بلفور لليهود هو حقيقة تُذكر ثم يطويها النسيان باعتبارها انحرافاً وشذوذاً. وصهيونية غير اليهود التي تمتد من عصر النهضة في الغرب حتى الوقت الحاضر والتي تسبق صهيونية اليهود، والتي اكتملت فيها ملامح الفكر الصهيوني، تُذْكَر هي الأخرى بشكل وثائقي وكأنها طُرفة دون أن تُعطَى المركزية التفسيرية التي تستحقها. ذلك لأن النموذج التفسيري الغربي يرى أن الصهـيونية هي حـركة يهودية، وأنها تنبع من صفحـات العهـد القــديم أو تطلعات اليهود الأزلية للعودة إلى صهيون.

2 ـ أدَّى هذا الخضوع لإمبريالية المقولات الغربية، وغيره من العناصر، إلى أن أصبح العقل العربي يميل هو الآخر إلى أن ينزَع اليهود من سياقهم الحضاري والتاريخي والإنساني المختلف والمتنوع ويُشيِّئهُم ويجردهم تماماً من إنسانيتهم المتعيِّنة، ومن هنا تم اختزال واقع الجماعات اليهودية المتنوع والثري وغير المتجانس إلى بُعد واحد أو اثنين أو إلى أطروحة واحدة بسيطة أو أطروحتين. ولذا، يسقط الخطاب التحليلي العربي أحياناً في النظر إلى الظواهر اليهودية كمعطى حسي مادي، كشيء لا تاريخ له ولا أبعاد مركبة معروفة أو مجهولة، ومن ثم يتم إهمال التاريخ كمصدر أساسي للمعرفة الإنسـانية وللأنماط المتكررة وللنماذج التفسـيرية التي تزودنا بمتتاليات نماذجية تفسيرية لفوضى الواقع وتفاصيله. وحينما يُستدعَى التاريخ، فإنه يُستدعَى بطريقة معلوماتية وثائقية، فيتم قتله أولاً ويتحول من بنَى مركبة حية إلى مادة أرشيفية (أو إلى شكل من أشكال الأنتيكة) ينقض عليها الباحث لينزع منها المعلومة الملائمة.

3 ـ ولكن الأهم من ذلك، حينما يُسقَط البُعد التاريخي والإنساني المركب للظواهر اليهودية، أن اليهود يتحولون إلى كل متماسك ويبدأ الباحث في التعامل مع اليهود ككل، اليهود في كل زمان ومكان، اليهود على وجه العموم. ومثل هذه المقولات غير التاريخية تؤدي إلى تأرجح شديد بين قطبين متنافرين:

أ ) النظر لليهود في كل زمان ومكان باعتبارهم كياناً فريداً ليس له نظير وله قانونه الخاص.

ب) النظر لهم باعتبارهم شيئاً عاماً لا يختلف عن الوحدات الأخرى المماثلة يسري عليها ما يسري على كل الظواهر الأخرى.

نتج عن هذا التأرجح اختلال في تحديد مستوى التعميم والتخصيص الملائم لدراسة الظاهرة. فهناك، من ناحية، الميل نحو التركيز على التفرُّد والخصوصية اليهودية والتفاصيل المتناثرة. ومن ناحية أخرى، هناك الميل نحو التركيز على ما هو عام جداً وتجاهل نتوء الظاهرة وخصوصيتها ومنحناها الخاص، ومحاولة تفسيرها في إطار القانون العـام الواحد الشـامل وكأنها سـطح أملس ليست له شخصية أو هوية. وهذا التأرجح يسم معظم النماذج التحليلية السائدة.

4 ـ من النتائج الأخرى لنزع الظواهر اليهودية من سياقها التاريخي الإنساني المركب أنها لم يَعُد يُنظَر لها باعتبارها ظواهر كلية مركبة لها تجلياتها على المستويات السياسية والاقتصادية والدينية والمعرفية، ولذا تم تسييس الخطاب التحليلي العربي بشكل متطرف، بحيث يُناقَش كل موضوع في إطار أبعاده السياسية والاقتصادية المباشرة وحسب، وتم استبعاد الأبعاد المعرفية (رؤية الصهاينة للكون ـ رؤية العالم الغربي لذاته ولليهود) التي لا يمكن فهم الأبعاد السياسية والاقتصادية حق الفهم بدونها. وبذلك، تم عزل هذه الظواهر عن كثير من السياقات الفكرية والدينية والحضارية، وتم اختزالها إلى بُعد واحد واضح وسهل ومباشر.

5 ـ ويرتبط بهذا عيب آخر هو أن "الفكر الصهيوني" ينحل في عقل كثير من الباحثين إلى "أفكار صهيونية"، أي مجموعة من الأفكار لا يربطها رابط وليست جزءاً من منظومة مترابطة متكاملة. وعملية التفتيت هذه تؤدي إلى مزيد من التسطح وتعوق عملية التفسير النقدية المتعمقة.

6 ـ ويرتبط كل هذا ببُعد آخر نطلق عليه «التطبيع المعرفي والتحليلي للظواهر الصهيونية» إذ يهمل كثير من الدارسـين خصـوصية الظاهرة الصهـيونية الإسرائيلية من حـيث هي ظـاهرة استيطانية إحلالية ذات ديباجات يهودية. ويتعامل هؤلاء الدارسون مع النظام الحزبي الإسرائيلي (على سبيل المثال) مثلما يتعاملون مع النظام الحزبي في إنجلترا أو فرنسا متجاهلين أن الأحزاب الإسرائيلية مُمثَلة في المنظمة الصهيونية العالمية وأن لها فروعاً في الخارج وأنها مُموَّلة من الخارج وأن لها نشاطات لا تقوم الأحزاب السياسية عادةً بمثلها. فالتطبيع هنا يعني تجاهل خصوصية الكيان الاستيطاني الصهيوني وإدراكه باعتباره كياناً سياسياً عادياً طبيعياً مثل الكيانات السياسية الأخرى.

7 ـ ويمكن أن أشير أيضاً إلى إهمال الخطاب التحليلي العربي لما أسميه «قضية المنظور» (الوعي ـ الدوافع ـ التوقعات) والمعنى، وهو الدلالة الداخلية التي يراها الإنسان فيما يقع له من أحداث وفيما يحيط به من ظواهر وفيما يقوم به من أفعال. فالإنسان ليس، مثل الحيوان، مجموعة من الخلايا والأعصاب والرغبات المادية، وسلوكه ليس مجرد أفعال وردود أفعال مشروطة بالبيئة المادية أو العضوية، فهو أكثر تركيباً من ذلك. فالمعنى الذي يُسقطه على الظواهر يحدد وعيه ودوافعه وتوقعاته. ولكل هذا، لا يمكن رصد الإنسان من الخارج كما يُرصد الدجاج أو النحل. وأعتقد أن كثيراً من الدراسات العربية تُسقط هذا البٌعد المهم للظاهرة الصهيونية، أي باعتبارها ظاهرة اجتماعية تاريخية إنسانية مركبة، وأن الصهاينة والإسرائيليين بشر لا يمكن رد سلوكهم‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ إلى مجموعة من العناصر والملابسات المادية، فدوافعهم وتوقعاتهم مرتبطة برؤيتهم. ولذا، نجد كثيراً مما كُتب عن إسرائيل يدور في إطار وهم الموضوعية المادية المتلقية، بحيث تتحول عملية رصد المجتمع الإسرائيلي إلى مجرد رصد براني للظواهر والتفاصيل المتفرقة لا يكترث بالوعي أو بالدوافع ويُسقط فكرة المعنى تماماً (أي المعنى الذي يخلعه الصهاينة على أفعالهم وأفعال الآخرين) ويتجاهل قضية التوقعات، فيأتي الحكم على مدى نجاح الظاهرة الصهيونية أو فشلها بمقاييس كمية خارجية عامة مثل «القوة العسكرية للمجتمع» و«مستوى التقدم الاقتصادي للمجتمع» و«معدلات الدخل المرتفعة للمواطن الإسرائيلي» و«مدى اتساع حدود الدولة الصهيونية أو ضيقها»، دون أن يؤخذ في الاعتبار إدراك المستوطنين الصهاينة أنفسهم لهذه الظواهر وكيفية استجابتهم وتفسيرهم لها، ودون تحديد لطبيعة توقعاتهم من مجتمعهم الصهيوني سواء من الناحية المادية أو من الناحية المعنوية.

8 ـ ويرتبط بقضية المنظور والدوافع والتوقعات والمعنى قضية حدود الآخر. فنحن، حينما ندرس الآخر، عادةً ما نسقط في عملية اختزالية:

أ ) نسقط فيما أسميه «النصوصية»، أي أن يفترض الباحث أن ما ورد في الكتب المقدَّسة لليهود يكفي أن يكون نموذجاً تفسيرياً لسلوك اليهود.

ب) عادةً ما نأخذ تصـريحات الإسـرائيليين باعتبـارها تعـبيراً عن دوافعهم وخططهم الحقيقية وليست مجرد مزاعم وآمال. ثم تتشيأ النصوص المقدَّسة والتصريحات وتتحول من الدوافع الكامنة، والمُخطَط المُبيَّت، لتصبح القوة الذاتية وأخيراً الواقع الموضوعي. وبذا، تتم المساواة بين الزعم والآمال وبين التوقعات والواقع. كل هذا يؤدي إلى إهمال حقيقة بديهية وهي أن الآخر قد يفشل في إدراك دوافعه الحقيقية (بسبب التزامه الأيديولوجي)، وأنه قد يعني ما يقول ويصدقه ولكنه مع هذا لا يعبِّر عن دوافعه الكامنة الحقيقية التي تحركه لأنه لا يستطيع أن يواجه نفسه. وهناك، إلى جانب ذلك، الادعاء الواعي إذ قد يكون من صالح الشخص أن يعلن مزاعمه ويخبئ دوافعه حتى يخدم مصلحته. فقد يزعم المهاجر اليهودي أنه هاجر بسبب رغبته اليهودية العارمة النبيلة في العودة إلى أرض الميعاد ليخبئ دوافعه الخسيسة في الهرب من البطالة والبحث عن الحراك الاجتماعي والحصول على الدعم الصهيوني السخي لمن يستوطن في صهيون. وقل نفـس الشـيء عن القـوة الذاتية. فمزاعم الآخر عن قوته قد تكون خاطئة تماماً وقد تكون تزييفاً واعياً. وحينما صرح الصهاينة أن عدد المهاجرين اليهود من الاتحاد السوفيتي في موجة الهجرة الأخيرة سيصل إلى الملايين، فلعلهم كانوا مخلصين فيما يقولون ولكنهم فشلوا في تقييم موقف اليهود السوفييت وعوامل الطرد والجذب العامة والخاصة التي تتجاذبهم، ولعل آمالهم الأيديولوجية قد ضللتهم. وهناك احتمال أن يكون الصهاينة قد قاموا بتضليل الجميع عن عمد حتى يتم تخويف العرب (فيسرعوا إلى مائدة المفاوضات) وحتى تزيد الولايات المتحـدة (ومن ورائها يهود العـالم) من دعمها المادي والسـياسي. ومن المعروف أن الملايين المزعومة من المهاجرين لم تصل.

وقل نفس الشيء عن مخططات الاستيطان في الضفة الغربية التي كانت تطمح إلى توطين مئات الألوف (على أمل أن يصل عدد المسـتوطنين إلى ثلاثة أرباع المليون). وقد حرص الصهاينة على إعلان هذه المخططات على المـلأ. ولكن من المعروف أن هذه المخططات لم تتحقق. فلعل من أدلوا بهذه التصريحات لم يدركوا أن مصادر الهجرة اليهودية في العالم قد بدأت تجف، وأن يهود العالم مستقرون في بلادهم مندمجون فيها، وخصوصاً في العالم الغربي، وأن الولايات المتحدة تمثل نقطة الجذب الكبرى لمن يريد أن يهاجر منهم، وأن كل هذا يضع قيوداً بنيوية على تحقيق المخططات ويؤدي إلى إفشالها. ومن المحتمل أنهم كانوا مدركين تماماً لأبعاد الموقف وأصدروا التصريحات بهدف التخويف وجمع الأموال أيضاً.

ولذا، فإن من المهم بمكان أن نقرر ما إذا كان الزعم الصهيوني يُعبِّر عن آمال الصهاينة بإخلاص أم أنه ادعاء صهيوني كاذب وواع، فلو كان أملاً فسيؤثر في خطة عمل صهيونية، أما إذا كان ادعاءً واعياً أو أكذوبة فلابد أن يسقط من الاعتبار لأن الهدف منه هو تضليلنا. وعلينا بعد ذلك أن نقرر إن كانت الآمال تتطابق مع الواقع أم لا، ومدى إمكان تحقيقها، وذلك بدلاً من السقوط في قبضة تشيؤ المزاعم والتصريحات والنصوص المقدَّسة.

9 ـ لكل ما تَقدَّم، هيمن على الخطاب التحليلي العربي نموذج معلوماتي موضوعي متلقٍ وثائقي. فتُراكَم المعلومات والحقائق والأفكار والتصريحات والنصوص المقدَّسة وتُرص رصاً بغض النظر عن مدى أهميتها ومدى مركزيتها ومقدرتها التفسيرية. وهي عادةً حقائق لا يربطها رابط ولا تخضع لأي شكل من أشكال التحليل المتعمق إذ يأخذ التحليل شكل تحليل مضمون بدائي جداً يلجأ للتصنيف السطحي بناء على عدد الكلمات وتكرار الجُمل والموضوعات وذلك في إطار الأطروحات العامة المســيطرة. وبالتالي، تُجمَّد الظواهر والحقائق وتُعزَل عـن بعضـهـا البـعض وتُجرَد من تاريخـها وسياقها. ويكون الرصد رصداً لحقائق متفرقة، لا لأنماط متكررة، ومن ثم يمكن للباحث أن يفرض عليها أي معنى عام أو خاص يشاء، وإن قام بفرض نمط ما عليها فهو أطروحة اختزالية بسيطة. ويأخذ البحث العلمي شكل اختيار الحقائق التي يبرهن بها الباحث على البدهية الاختزالية الأولى التي بدأ بها (اليهود مصدر الشر ـ الصهيونية شكل من أشكال الإمبريالية) بدلاً من أن يكون عملية اكتشاف واختبار للأطروحات القائمة. وقد أصبح التصور العام الآن في العقل العربي أن التأليف هو التوثيق بغض النظر عن المقدرة التفسيرية للمسلمة التي تم توثيقها، وأصبح معيار الجودة والتميُّز هو كم المعلومات أو الحقائق التي أتى بها المؤلف، وكم المراجع التي أدرجها في ثبت المراجع، وتاريخ صدورها، فإن كانت حديثة كان هذا دليلاً قاطعاً على مدى جدية الباحث وإبداعه!

10 ـ ساد نموذج الهزيمة وتغلغل في الذات العربية، وأصبحت الهزيمة مترادفة مع الموضوعية المتلقية (التي تعني التجرد من الذات والذاكرة التاريخية والقيم الأخلاقية الخاصة والمثاليات والبطولة). وأصبح من البديهيات الموضوعية والمسلمات تَقَبُّل أطروحة أن العدو "متقدم" وأن قوته لا تُقهَر وأننا متخلفون وضعفنا واضح ونهائي. وفي هذا الإطار، أصبح من دلائل الموضوعية التنقيب بكل نشاط وشراهة عن القرائن والاستشهادات التي تُثبت هذا عملياً، فيبحث الدارسون عن مواطن القوة والتفوق في المجتمع الإسرائيلي دون أن يكلفوا خاطرهم مشقة التعمق وراء هذه الشواهد والقرائن ودون أن يبحثوا عن قرائن أخرى تدل على مواطن القوة في الذات وعن لحظات الانتصار.

وإن حدث العكس وقام باحث بإيضاح مواطن الضعف في العدو وبيَّن أن اليهود بشر يخضعون لما يخضع له كل البشر من أفراح وأتراح، ومن انتصار وانكسار، وأنهم ينضوون في إطار النماذج التفسيرية المتاحة في العلوم الإنسانية والاجتماعية ومن ثم يمكن تفسيرهم ومعرفة مواطن القوة وأسبابها ومواطن الضعف وأسبابها. إن حدث ذلك، فإن الجميع يتذمرون ويحتجون ويُلقون بالاتهام بعدم الموضوعية. بل يخلط البعض بين هذا التفسير المركب للموقف وبين الوهم الشائع عند البعض أن إسرائيل قد تنهار من الداخل من تلقاء نفسها.

ويمكننا إرجاع قصور الخطاب التحليلي العربي إلى عدة أسباب تنضوي كلها أو معظمها تحت سبب واحد وهو غياب النموذج التفسيري الاجتهادي المُركَّب الذي لا يتبنى المسلمات القائمة ولا يستبعد أياً من عناصر الواقع بقدر الإمكان ويسترجع الفاعل الإنساني ككيان مركب لا يمكن رده إلى عنصر مادي (أو روحي) واحد أو اثنين.

ولعل من الهام بمكان في هذه المرحلة أن ندرس الشأن اليهودي والصهيوني دون أن نسقط ضحية لإمبريالية المقولات ودون أن نجرد أعضاء الجماعات اليهودية من سياقاتهم التاريخية والاجتماعية ودون أن نتبنى تحيزات الآخرين سواء مع "اليهود" أو ضدهم، لقد حان الوقت أن ندرسهم من وجهة نظرنا وأن نخضع تحيزاتنا (ونماذجنا التحليلية) للاختبار المستمر لنرى مقدرتها التفسيرية بالمقارنة للنماذج التحليلية الأخرى. ولعل الموسوعة (دائرة المعارف) هي العمل الذي يعرض بشكل شامل رؤية مجتمع ما لظاهرة ما أو لمجموعة من الظواهر.

موسوعة (دائرة معارف)

«الموسوعة» يُطلَق عليها في الإنجليزية «أنسيكلوبيديا encyclopedia»، وهي كلمة مشتقة من اليونانية وتعني حرفياً «التعليم في دائرة»، أي «المنهج التعليمي الكامل». وعلى هذا فإنها تعني تقديم المعرفة بشكل منهجي من خلال دراسات يكتبها متخصصون، كلٌ في حقل تخصُّصه، تكون في العادة حسب تصنيف ألفبائي. وحينما استخدم فرانسوا رابليه (1490 ـ 1553) الكلمة لأول مرة في الفصل العشرين من بانتاجرويل Pantagruel، استخدمها بمعنى «تعليم». وكان أول من استخدمها بالمعنى الاصطلاحي للكلمة الكاتب الألماني بول سكاليش Paul Scalich حيث استخدمها كعنوان لموسوعته عام 1559. والموسوعات التي صدرت قبل ذلك التاريخ إما أنها كانت لا تصف نفسها بأنها «موسوعة» أو كانت تستخدم كلمة «معجم dictionary». وظلت الكلمة غير شائعة إلى أن استخدمها ديدرو في موسوعته. وحتى الآن، لا تزال بعض الموسوعات يُشار إليها بأنها «معجم» (وإن كان المعجم لا يُشار له بلفظ «موسوعة»). ويمكن أن تكون الموسوعة من جزء واحد، كما تُوجَد موسوعات من عشرات الأجزاء.

وتُعرَّف الموسوعة بأنها سجل للمعرفة الإنسانية في المستوى الذي وصلت إليه وقت ظهورها. ومهمة الموسوعة هي تلخيص ما تَوصَّل إليه المتخصصون إما في كل حقول المعرفة (إن كانت موسوعة عامة) أو في حقل من حقول المعرفة (إن كانت الموسوعة متخصصة)، أي أنها بهذا المعنى تتعامل مع علم مستقر ومصطلحات مستقرة ورؤى تم الإجماع عليها تقريباً من قبَل المتخصصين.

وفي اللغة العربية تُستخدَم كلمة «موسوعة» بهذا المعنى أحياناً، ولكن في أحيان أخرى تُستخدَم الكلمة للإشارة إلى أي كتاب كبير. كما يميل البعض للتمييز بين كلمتي «موسوعة» و«دائرة معارف»، ولكن ورد في المعجم الوسيط أن «دائرة المعارف» و«الموسوعة» تترادفان ويُقصد بهما: عمل يضم معلومات عن مختلف ميادين المعرفة أو عن ميدان خاص منها ويكون عادةً مرتباً ترتيباً هجائياً.

موسوعة اليهودية
يعود تاريخ أول موسوعة متخصصة في تراث أعضاء الجماعات اليهودية والعقيدة اليهودية إلى منتصف القرن الثامن عشر حين ظهر في مدينة فيرارا بإيطاليا عام 1750 أول جزء من موسوعة يهودية، جمعها وألفها طبيب يُدعَى إسحق بن صمويل لامبرونتي (وانتهى نشرها عام 1888) وتقع في ثلاثة عشر جزءاً. والموسوعة تعالج تراث اليهود وتاريخهم، ولكنها كانت تخلط بين التاريخ والتلمود ولا تفصل بين الواقع التاريخي والنصوص الدينية. ثم ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر موسوعة ألمانية متخصصة أخرى، جمعها وكتب مادتها جيكوب هامبرجر، كبير حاخامات إحدى الإمارات الألمانية. وكانت هذه الموسوعة، مثل سابقتها، ذات طابع ديني محض. ثم تتالت الموسوعات، فظهرت أول موسوعة عن اليهودية باللغة الإنجليزية في أوائل القرن الحالي (1901 ـ 1906)، وهي الموسوعة اليهودية ( ذا جويش أنسيكلوبيديا The Jewish Encyclopedia) التي تتألف من 12 جزءاً حررها أ. سنجر. أما الموسوعة اليهودية العالمية ( ذا يونيفرسال جويش أنسيكلوبيديا The Universal Jewish Encyclopedia )، فقد حررها إسحق لاندمان ونُشرت في نيويورك بين عامي 1939 و1943 وظهرت في عشرة أجزاء. ونُشرت موسوعة سيسل روث وجفري ويجودر في جزء واحد عام 1958، كما نُشرت منها عدة طبعات كان آخرها طبعة 1970.

وظهرت أول موسوعة متخصصة في الصهيونية وإسرائيل (دون تراث أعضاء الجماعات اليهودية) عام 1971 بعنوان موسوعة الصهيونية وإسرائيل ( ذا أنسيكلوبيديا أوف زايونيزم آند إسرائيل The Encyclopedia of Zionism and Israel )، وكُتبت تحت رعاية زلمان شـازار، أحد رؤساء الدولة الصهيونية السابقين. وظهرت منها طبعة جديدة مزيَّدة ومنقَّحة عام 1994 وحرَّرها ويجدور. وأخيراً، في عام 1972، ظهرت الموسوعة اليهودية ( أنسيكلوبيديا جودايكا Encyclopeia Judaica )، وهي أكبر عمل موسوعي حتى الآن يختص بتراث أعضاء الجماعات اليهودية بكل جوانبه، وضمن ذلك الصهيونية وإسرائيل، وتقع في 16 جزءاً. وهي تُعتبَر تلخيصاً لكل الدراسات السابقة وتصنيفاً لكل جوانب تراث أعضاء الجماعات اليهودية عقيدةً وتاريخاً، وتُصدر هذه الموسوعة كتاباً سنوياً يعمل على تزويد قارئ الموسوعة بالمعلومات الحديثة.

وابتداءً من عام 1935، ظهرت موسوعة عبرية تحت إشراف كلاوزنر في ستة أجزاء، وظهرت موسوعة عبرية أخرى بين عامي 1950 و1961 في ستة عشر جزءاً. ولكن أهم الموسوعات العبرية هي الموسـوعة العبرية التي صدرت في 31 جزءاً بين عامي 1941 و1971. وقد ظهرت موسوعات إنجيلية مختلفة ولكنها لا تهمنا كثيراً، لأننا في مجال دراستنا للصراع العربي الإسرائيلي لا نهتم باليهودية إلا كأحد عناصر هذا الصراع، والموسوعات الإنجيلية لا تهتم باليهودية إلا كدين وحسب. كما ظهرت موسوعة لشخص يُدعَى سيجيلا فيري تصفها المصادر اليهودية بأنها كُتبت تحت رعاية «المعادين للسامية». وإن صدق هذا القول، فإن مثل هذه الموسوعة لن تنفعنا كثيراً لأنها مليئة ولا شك بادعاءات عنصرية ولا تفيدنا من قريب أو بعيد في إدارة أي صراع أو في فهم أية ظاهرة، وهي في نهاية الأمر لم تُنشَر كاملة. والملاحَظ أن كل الموسوعات آنفة الذكر (باستثناء الموسوعات الإنجيلية وموسوعة فيري) قام بتأليفها باحثون يدينون باليهودية، بل الأهم من هذا أن معظمهم لهم ولاءات صهيونية (باستثناء محرري الموسوعة اليهودية الروسية التي نُشرت بين عامي 1906 و1913 في 16 جزءاً وحررها يهودا كاتزنلسون وسيمون دبنوف من منظور مؤيد لما يُسمَّى «قومية الدياسبورا»، كما يمكن القول بأن محرري موسوعة لاندمان لا يدينون بالولاء للصهيونية).

ومعظم ـ إن لم يكن كل ـ الموسوعات اليهودية التي صدرت بعد احتدام الصراع العربي الإسرائيلي قام بكتابتها يهود متحمسون للمشروع الصهيوني الاستيطاني. وقد كان لهذا الوضع أعمق الأثر في وجهات النظر التي تُبرزها هذه الموسوعات. ولتوضيح هذه النقطة سنضرب مثلاً بالموسوعة اليهودية الأخيرة باعتبار أنهـا أهم عمل موسوعي يختص بتراث الجماعات اليهودية والصهيونية وإسرائيل.

تذكر مقدمة هذه الموسوعة أن محررها هو سيسل روث المؤرخ اليهودي المعروف "بورعه وتقواه وتدينه العميق". وأنه استقر في إسرائيل بعد أن تقاعد من عمله الجامعي في وطنه الأصلي إنجلترا. وأنه قام بالتدريس في إسرائيل في جامعة بارإيلان الدينية حيث اتُهم، رغم ورعه وتقواه، بالانحراف عن الشريعة اليهودية، وأُصيب بنوبة قلبية فاستقال. وفي مجال تقديم روث للقارئ في الموسوعة اليهودية (جودايكا)، تذكر مقدمتها أن هذا العالم سافر ليلة الخامس من يونيه من نيويورك إلى القدس ليكون مع شعبه في إسرائيل، وأنه حينما وصل إلى القدس جلس في المخبأ طيلة هذه الليـلة. ثم تقول المقدمـة إن روث نظر من شـرفته ورأى المعارك التي أعادت القـدس لليهود بعد ألفـي عام.. وبعد أن سكتت المدافع ورأى الحجاج بالألـوف يحجون لحائط المبكى، أصر على أن يُلقي صلاة خاصة في هذه المناسبة، ثم ألقى خطاباً على العاملين معه في الموسوعة. وقد تكون هذه كلها أحداثاً شخصية لا علاقة لها بالعمل الموسوعي الضخم الذي يُعَدُّ الآن أكبر مصدر مُعتَمد للمعلومات في العالم عن اليهودية واليهود والصهيونية. وقد يُقال إن ولاءات روث الدينية وحتى السياسية لا علاقة لها بالعمل الذي قام به، ولكن كاتب مقدمة الموسوعة اليهودية لا يترك لنا أية فرصة للتخمين أو المناورة من أجله، فهو يؤكد بما لا يقبل الشك أن رؤية روث لحرب 1967 جعلته يضيف بُعداً آخر للأحداث العظيمة التي كانت تتكشف أمامه. وقد كتب روث نفسه في مذكراته قائلاً: "إن الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط ـ والتي تُوجت بالنصر الإسرائيلي المدهش ـ قد جعلت كل المراجع السابقة غير متطابقة مع الواقع ولهذا السبب أصبح نشر الموسوعة اليهودية أمراً ملحاً أكثر من ذي قبل"، أي أن انتصارات إسرائيل العسكرية قد عدلت رؤيته التاريخية (ولروث كتاب عنوانه تاريخ اليهود منذ ميلاد يسرائيل حتى حرب الأيام الستة).

وقد يُقال إن هذا التحيز أمر يختص بسيسل روث وحده دون بقية الكُتَّاب المشتركين في الموسوعة. ولكن، مرة أخرى، حينما يفتح القارئ أول صفحة في أول مجلد من الموسوعة يفاجأ بالجملة التالية: "لقد حشد روث جيشاً جراراً من المحررين والمؤلفين من بين أحسن العلماء اليهود في العالم"، كما نكتشف أن الموسوعة اليهودية (جودايكا) تُوصَف بأنها أعظم "عمل أدبي يهودي" في هذا القرن! ولكن بأي معنى من المعاني يمكن أن تُوصَف موسوعة بأنها "عمل يهودي"؟ ولم كان من الضروري أن يكتبها «يهود» وليس أي علماء متخصصين؟ هل اليهودية منهج في البحث ورؤية للتاريخ أم عقيـدة دينية وانتماء أخلاقي؟ وحتى إذ افترضنا أنها منهج في البحث وعقيـدة دينية تشكل رؤية صاحبها، ألم يكن من الضروري أن يُبيِّن لنا الكاتب كيف توصَّل المحرر للإطار النظري لموسوعته من خلال عقيدته؟ وهل يَفضُل هذا المنهج المناهج الأخرى؟ ولكن بدلاً من ذلك، تظهر العبارة التالية في المقدمة: "هذه المفاهيم ـ حب يسرائيل، ومركزية القدس، وفهم رسالة الشعب اليهودي ـ هي مفاهيم كلها أساسية بالنسبة لروث وتتضح كلها في صفحات الموسوعة"، أي أننا أمام عمل دعائي يستخدم لغة البحث العلمي وأساليبه ومناهجه نشره ناشر إسرائيلي في القدس المحتلة. ولذا، لابد أن نكون واعين تمام الوعي بأثر هذا الحب وهذه المركزية على ما يكتبون وعلى ما يقدمون للقارئ.

ومن الأمـور المثيرة للدهشـة حقاً، أنه بعد مرور ما يقرب من خمسين عاماً من الصراع العربي الإسرائيلي الرسمي، وما يزيد على مائة عام من الصراع التاريخي، لم يَصدُر حتى الآن معجم عربي واحد يُعرِّف مصطلحات هذا الصراع ويُفسِّر مفاهيمه، وبالذات المصطلحات والمفاهيم الخاصة بالعدو، سواء من ناحية وضعه التاريخي أو من ناحية رؤيته لنفسـه. (ظهرت الموسوعة الفلسطينية من 4 أجزاء، ثم ظهرت سـتة أجزاء أخرى ولكنها «موسـوعة فلسطينية»، أي أن الجانب الصهيوني هامشي، أما فيما يختص بالعقيدة وبالجماعات اليهودية فلا توجد سوى إشارات هنا وهناك). وقد نجم عن هذا الوضع أن كل باحث عربي لا يزال يتعيَّن عليه أن يبدأ دائماً من نقطة الصفر، ولا يزال يتعيَّن عليه أن يُعرِّف كل المصطلحات التي يستخدمها. ولذا، فإن الدراسات العربية للصراع تمتلئ بتعريفات مبدئية عن «اليشوف»، و«التلمود»، فماذا تعني عبارة مثل «الشعب المختار» مثلاً؟ وقد أدَّى هذا إلى تكرار الجهد وإضاعته، وانخفاض مستوى البحث، لأن الباحث، شاء أم أبى، يجد نفسه مضطراً إلى افتراض أن قارئه لا يزال عند نقطة الصفر.

ولكن الأخطر من هذا أن غياب «معجم عربي» اضطر الباحث العربي إلى أن يعود باستمرار إلى المصادر الصهيـونية التي قد تعطيه كمية هائلة من المعلومات هـي، في نهاية الأمر، متحيِّزة ومُوجَّهة وموظَّفة في خدمة هدف معيَّن. ولذا، يظل الباحث العربي دائماً تحت رحمة المصادر الصهيونية ومقولاتها التحليلية التي لا تكشف له من الظاهرة إلا تلك الجوانب التي يهمها كشفها، حاجبةً عنه كل الجوانب الأخرى.

وحتى عندما تكشف المراجع الصهيونية عن كل جوانب الظاهرة أو الواقعة، فهي تفعل ذلك بعد تفتيتها إلى عناصر متفرقة متناثرة، وهو ما يُحوِّل الظاهرة إلى كم غير متحدد، ليس له مضمون معيَّن، يَصعُب الكشف عن مدلوله الحقيقي. وقد نجم عن كل هذا أن كماً هائلاً من المفاهيم والمصطلحات الصهيونية تسرب إلى عقولنا ولغتنا دون أن ندري.


موسوعة تفكيكية (نقدية)
حينما بدأت أولى دراسـاتي المنشـورة بالعربية عن الصهيونيـة (نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني [القاهرة 1972])، وجدت أن معظم المؤلفين العرب يُضطرون إلى التوقف عند كل صفحة لتعريف بعض المصطلحات والشخصيات التي يشيرون إليها («الكيبوتس» ـ «بن جوريون» ـ «الماباي»). ولهذا، قررت أن أستمر في كتابـة دراسـتي دون توقُّف لتعريف كل مصطلح، ذلك التوقف الذي يؤدي حتماً إلى تشتُّت القارئ، على أن أُلحق بالدراسة مسرداً أُوضِّح فيه ما غَمُض من مصطلحات وأُعرِّف فيه بالأعلام. وتحوَّل مشروع المسرد تدريجياً إلى مشروع كتيب معجمي مستقل ترد فيه معاني المصطلحات وتُعرَّف فيه الشخصيات بطريقة معجمية. ثم تحوَّل مشروع الكتيب إلى معجم صغير، والمعجم الصغير إلى معجم كبير، والمعجم الكبير إلى مشروع موسوعة صغيرة (من جزء واحد) تهدف إلى توفير المعلومات (العربية والغربية) المتاحة حتى لا يُضيِّع الباحث العربي وقته في البحث عن المعلومات وحتى يتفرغ للعملية البحثية الحقيقية، أي عملية التفسير والتقييم. ولكنني حين بدأت في تنفيذ مشروع الموسوعة اكتشفت بعد قليل من البحث والتعمق أن مرجعية حقل الدراسات المعني باليهود واليهودية ومصطلحاته مُشبَّعة بالمفاهيم الأولية (القَبْلية) لليهودية والصهيونية، وأن عدداً هائلاً من المفردات (مثل «الشعب» و«الأرض») يكتسب دلالات خاصة تُخرجها عن معناها المعجمي المألوف، وأننا نترجم، ليس فقط حين نترجم، ولكننا نترجم حتى حين نؤلف وذلك بسبب غياب الرؤية النقدية. كما اكتشفت أن المعلومات، مهما بلغت من كثافة وذكاء وحذق، هي عملية لا نهاية لها، ولا جدوى من ورائها، فهي تشبه الرمال المتحركة، وهي لا تأتي بالمعرفة ولا بالحكمة لأنها محكومة بمقولات قَبْلية محدَّدة تتم مراكمة المعلومات في إطارها.

حينما أدركت ذلك تحولت الموسوعة من مجرد موسوعة معلوماتية صغيرة عادية تُعرِّف بالمصطلحات والأعلام إلى موسوعة كبيرة تحاول تفكيك المصطلحات والمفاهيم القائمة وتوضيح المفاهيم الكامنة وراءها بدلاً من تلخيصها والعرض لها. ولذا، فقد صدرت الموسوعة عام 1975 بعنوان فرعي رؤية نقدية حتى أنبه القارئ إلى أنه يتعامل مع موسوعة من نوع جديد، وهى تعد أول موسوعة متكاملة عن اليهود واليهودية والصهيونية، كتبها مؤرخ غير يهودي.

موسوعة تأسيسية
وفي عام 1975، قررت تحديث موسوعة المصطلحات اليهودية والصهيونية: رؤية نقدية (القاهرة 1975) وتعميق الجانب التفكيكي النقدي، بعد أن أصبحتُ أكثر وعياً به. ولذا قررت أن أكتب ما سميته حينذاك «موسوعة مضادة» (بالإنجليزية: آنتي أنسيكلوبيديا anti-encyclopedia)، فدعوت حشداً كبيراً من الباحثين الشبان والمتخصصين وطلبت من كل واحد منهم أن يكتب مدخلاً في حقل تخصصه، على أمل أن أنتهي من تحديث الموسوعة في غضون عام أو عامين. واستغرقت العملية التفكيكية ما يقرب من عشر سنوات أي حتى عام 1985 حين اكتشفت أنني انتقلت من مرحلة إلى مرحلة أخرى دون أن أشعر، إذ وجدت أنني في واقع الأمر، شأني شأن الباحثين الذين تعاونوا معي، أقوم بعملية تمديد أفقي للمعلومات في الإطار التفكيكي العام. ولا شك في أن التفكيك له فائدة، بل هو أمر حتمي وضروري، فهو يكشف المفاهيم الكامنة ويزيل الغشاوات، ولكنه يترك كثيراً من جوانب الظاهرة دون تفسير. فالتفكيك عملية هدم جذرية تطهيرية ولكنه ليس عملية تفسيرية. والتفسير غير التفكيك، فهو عملية إبداعية تركيبية تتطلب نحت نماذج مختلفة والربط بينها والغوص في كل الأبعاد السياسية والاقتصادية والدينية والمعرفية للظاهرة، وإعادة ترتيب الوقائع وتصنيفها في ضوء النماذج الجديدة، واكتشاف حقائق جديدة مُهمَّشة ومنحها المركزية التفسيرية التي تستحقها، وتوليد مصطلحات جديدة وإعادة تعريف بعض المصطلحات القائمة.

وقد حدث شيء مهم جداً في حياتي الفكرية عام 1985 وهو أن همومي الفكرية الأساسية (الصهيونية كاستعمار استيطاني وكأيديولوجية لأعضاء الجماعات اليهودية ـ الهيجلية والحلولية ونهاية التاريخ ـ الاستهلاكية ومصير الإنسان ـ التحيزات المعرفية والحاجة لمشروع حضاري مستقل ـ الحاجة إلى استخدام النماذج كأدوات تحليلية)، التي كانت مترابطة بشكل ما، تلاحمت تماماً وأدركت العلاقات فيما بينها، الأمر الذي كان يعني ضرورة البدء من جديد. ومما ساعد على تعميق هذا الاتجاه، اكتشافي معلومات مهمة، أي إدراكي أهميتها التفسيرية (فهي معلومات معروفة ولكنها مُهمَّشة تماماً)، فقد وجدت أن الغالبية الساحقة من يهود العالم الغربي في نهاية القرن الثامن عشر كانوا يوجدون في بولندا، وأننا حينما نتحدث عن يهود العالم الغربي (أي معظم يهود العالم) فإنما نتحدث في واقع الأمر عن يهود بولندا الذين اقتسمتهم روسيا والنمسا وألمانيا باقتسام بولندا نفسها، ومن صفوفهم خرجت الألوف والملايين التي هاجرت إلى إنجلترا وأستراليا وكندا والولايات المتحدة وجنوب أفريقيا ثم فلسطين. ولذا، لابد للمتخصص في اليهود واليهودية والصهيونية أن يُلم إلماماً كبيراً بتاريخ بولندا وتشكيلها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الفريد. وهنا اكتشفت جهلي التام. هل سمع أحد منا بجمهورية يحكمها ملك منتخب؟ وما علاقة بولندا بلتوانيا وما علاقتهما بأوكرانيا؟ هل سمع أحد منا بطبقة الشلاختا (طبقة النبلاء البولنديين) أو بنظام الأرندا (نظام استئجار الأراضي من النبلاء)؟ وما دور اليهود في الإقطاع الاستيطاني البولندي في أوكرانيا؟ إن هذه العناصر والمفردات هي التي تكوِّن تاريخ بولندا ومن ثم تاريخ الجماعة اليهودية فيها، ولا يمكن فهم المسألة اليهودية إلا بعد الإحاطة بهذه العناصر وغيرها إحاطة كاملة.

هذا بالنسبة لليهود. أما بالنسبة لليهودية، فقد اكتشفت الدور المتزايد الذي لعبته القبَّالاه اللوريانية (أي الصوفية اليهودية على طريقة إسحق لوريا) في تقويض دعائم التلمود حتى حلّت كتب القبَّالاه محله. وبناءً على هذا، فقد أحضرت عدداً كبيراً من الدراسات في تاريخ بولندا والقبَّالاه وفي غير ذلك لأملأ الفراغات في تكويني الثقافي.

عند هذه اللحظة، أدركت أنني تركت مرحلة التفكيك بصورة تلقائية وانتقلت إلى مرحلة التركيب، وأنني لم أعد أفكك وحسب وإنما بدأت أطرح أسئلة وإشكاليات ومصطلحات ونماذج ومقولات تحليلية جديدة كان من شأنها تركيب تصوُّر جديد لتاريخ اليهودية ولأعضاء الجماعات اليهودية. وعلى هذا، فإن الموسوعة لم تعد موسوعة معلوماتية تحاول توفـير المعـلومات للقارئ، ولا حتى موسوعة تفكيكية تحاول أن تهدم النماذج القائمة، وإنما هي موسوعة تأسيسية. ولو كانت هذه الموسوعة موسوعة معلوماتية، لأصبح هذا العمل ضعف حجمه الحالي ولتم إنجازه في بضع سنوات، ولو كانت موسوعة تفكيكية وحسـب لنُشرت عام 1983 مع انتهاء السادة الباحثين الذين قدَّموا إسهاماتهم في موعدها، ولكنها موسوعة تأسيسية كما أسلفت.

دراسـة حـالة
«دراسة حالة» هي ترجمة لعبارة «كيس ستدي case study» الإنجليزية التي تعني دراسة الظواهر الإنسانية من خلال التحليل المتعمق لحالة فردية (قد يكون شخصاً أوجماعة أو حقبة تاريخية). ويفترض هذا المنهج أن الباحث يرى أن الحالة الفردية موضع الدراسة هي حالة ممثلة لحالات أخرى كثيرة (حالة نماذجية في مصطلحنا)، أي أنها جميعاً تنتمي لنفس النموذج. وهدف الدراسة هو الوصول لهذا النموذج متمثلاً بشكل متبلور في الحـالة عن طريق التحـليل المتعمق. وبعد الوصول إلى هذا النموذج يمكن تطبيقه على حالات أخرى تندرج تحته.

وهذه الموسوعة قامت بتطوير نماذج ثلاثة أساسية: الحلولية الكمونية الواحدية ـ العلمانية الشاملة ـ الجماعات الوظيفية، ثم حاولت تحديد معالم هذه النماذج، ثم قامت باختبارها عن طريق تطبيقها على حالة محددة هي الجماعات اليهودية في العالم منذ ظهورها على مسرح التاريخ حتى الوقت الحاضر.

ثلاثة نماذج أساسية: الحلولية - العلمانية الشاملة - الجماعة الوظيفية
يمكن القول بأن الأداة التحليلية الأساسية في هذه الموسوعة هي النموذج المعرفي التحليلي المركب الذي يبتعد عن الاختزالية والتفسيرات أحادية البُعد. فقد قمنا بصياغة نموذج مركب فضفاض يحاول أن يتناول الظواهر اليهودية والصهيونية في أبعادها السياسية والاقتصادية والحضارية والمعرفية، بل يشير إلى بعض العناصر التي قد يعجز هو ذاته عن تفسيرها. والنموذج التحليلي المركب الذي طورناه يتسم (في تصورنا) بأنه لا يتأرجح بحدة بين العمومية الشاملة والخصوصية المتطرفة (المتأيقنة) فهو نموذج على مستوى معقول من العمومية والخصوصية يرمي إلى وضع اليهود واليهودية والصهيونية، باعتبارهم حالة محددة، في سياق إنساني عالمي مقارن يضم كل البشر ويدرك إنسانيتنا المشتركة، حتى ندرك أن الحالة المحددة ليست شيئاً مطلقاً وإنما تنتمي إلى نمط إنساني عام ومجرد، ومع هذا يحاول النموذج التحليلي في الوقت نفسه ألا يهمل الملامح الفريدة والمنحنى الخاص للظواهر اليهودية والصهيونية. ولذا لم نقذف باليهود واليهودية والصهيونية في صحراء العمومية المُسطَّحة التي وضعهم فيها أصحاب النماذج التحليلية الموضوعية الملساء (ومن بينهم صهاينة يريدون تطبيع اليهود) الذين يرون اليهود باعتبارهم وحدات مادية، اقتصادية أو سياسية عامة، ليست لها ملامح متميِّزة ولا تتمتع بأية خصوصية. كما أننا لم نتركهم في جيتو الخصوصية اليهودية، المفاهيمي والمصطلحي، جيتو التفرُّد المطلق، والقداسة والدناسة، والطهارة والنجاسة، والاختيار والنبذ. ذلك الجيتو الذي وضعهم فيه أصحاب النماذج التحليلية من الصهاينة وأعداء اليهود الذين يرون اليهود باعتبارهم ظاهرة مستقلة، مكتفية بذاتها، تحوي داخلها كل أو معظم ما يكفي لتفسيرها. وانطلاقاً من هذا التصور تم تأسيس مخصصاً "علمياً" يُسمَّى «الدراسات اليهودية».

بدلاً من كل هذا، حاولنا أن ندخل الظواهر اليهودية والصهيونية المجال الرحب للعلوم الإنسانية وعلم الاجتماع وعلم الأنثروبولوجيا والتاريخ الإنساني، حيث يمكن من خلال نماذج مركبة رؤية علاقة الكل (العام) بالجزء (الخاص) دون أن يفقد أيٌّ منهما استقلاله وحدوده.

ولإنجاز كل هذا، قمنا بتفكيك مقولات مثل «اليهودي العالمي» و«اليهودي المطلق» و«اليهودي الخالص» و«المؤامرة اليهودية» و«التاريخ اليهودي» (... إلخ) لنبيِّن المفاهيم الكامنة فيها، فهي تفترض أن اليهود لا يتغيرون بتغير الزمان أو المكان، وحتى إن تغيَّروا فإن مثل هذا التغيُّر يحدث داخل إطار يهودي مقصور على اليهود داخل حركيات وآليات التاريخ اليهودي. وبيَّنا عجز مثل هذه المقولات عن تفسير الواقع بأن أشرنا إلى عدد كبير من العناصر التاريخية والاجتماعية والنفسية والثقافية والدينية التي لم تتعرض لها هذه المقولات لأنها تقع خارج نطاق مقدرتها التفسيرية. وبيَّنا أن هذه المقولات تتسم بالعمومية المفرطة (اليهود في كل زمان ومكان) والخصوصية المفرطة (اليهود وحدهم دون غيرهم). وأوضحنا كذلك أن من المستحيل أن نفهم سلوك اليهود، وآلامهم وأشواقهم وخيرهم وشرهم، من الداخل، أي بالعودة إلى كتبهم المقدَّسة (التوراة والتلمود) أو شبه المقدَّسة (القبَّالاه) أو غير المقدَّسة (البروتوكولات كما يزعم المعادون لليهودية) أو بالعودة إلى تصريحات الصهاينة وغيرهم.

ولذا، فإننا في سياق محاولة نحت نموذج تحليلي جديد مركب، لم نذهب إلى التوراة والتلمود والبروتوكولات وحارات الجيتو ولا إلى بقعـة جغــرافية معيَّنة أو لحظــة تاريخيــة بعينــها. وحــاولنا ألا نســتنيم لأية أطروحــات أو مســلمات عامــة (الصــراع العــربي الإسـرائيلي إن هو إلا صراع طبقي أو اقتصادي ـ العنصر الاقتصادي هو الذي يحرك كلاً من العرب واليهود ـ اليهود إن هم إلا بورجوازيون صغار ـ إسرائيل إن هي إلا قاعدة للاستعمار الغربي)، فدرسنا كل جماعة يهودية في سياقها السياسي والاقتصادي والتاريخي والحضاري والديني والإنساني المتعيِّن حتى نفهم العناصر التي تنفرد بها عن غيرها والعناصر التي توجد في كل الجماعات.

وقد وجدنا أن من الأجدى من الناحية التفسيرية، ألا نشير إلى اليهود في كل زمان ومكان باعتبارهم «اليهود» وحسب، وبشكل مجرد وكلي ومغلق، بل رأينا أن نشير إليهم باعتبارهم «أعضاء الجماعات اليهودية» في هذا المكان أو ذاك الزمان، وذلك حتى ينفتح الجيتو وحتى نستخدم مصطلحاً قادراً على التعامل مع كل الجوانب المتعددة والثرية للظواهر اليهودية. ونفس الشيء بالنسبة لمسألة «التاريخ اليهودي» الذي يصبح «تواريخ الجماعات اليهودية» و«الهوية اليهودية» التي تصبح «الهويات اليهودية» و«الجريمة اليهودية» التي تصبح «الجريمة بين أعضاء الجماعات اليهودية». فهذه الجماعات اليهودية يمكن أن نجدها في الصـين في القرن الرابع عشر أو في بولندا في القرن التاسـع عشـر أو في جنوب أفريقيا في القرن العشرين. وبينما تميل الدراسات الصهيونية (والمعادية لليهود) والمتأثرة بها إلى أن تؤكد عناصر التشابه بين هؤلاء، وجدنا أن من الأجدى أن نرصد كلاًّ من عناصر التشابه والتجانس والاختلاف وعدم التجانس ثم نرتب العناصر حسـب مقدرتها التفسيرية. ولقد وجدنا أن عنـاصر التشـابه والتجانـس، رغم أهميتها أحياناً، أقل أهمية من عناصر الاختلاف وعدم التجانس (ومن هنا صيغة الجمع).

ثم طورنا عدة نماذج لكل مستواه التعميمي وسياقاته ومستويات فعاليته، ولكنها مع هذا ينتظمها نموذج تحليلي مركب أكبر تلتقي من خلاله كل أو معظم النقط الأساسية:

1 ـ أول هذه النماذج هو نموذج الجماعات الوظيفية الذي طورناه لدراسة وضع الجماعات اليهودية في العالم الغربي ووضع الأقليات المماثلة في الحضارات الأخرى (الصينيون في جنوب شرق آسيا والهنود في أفريقيا... إلخ). أي أن دراسة الحالة هنا أخذت شكل دراسة أعضاء الجماعات اليهودية في إطار عِلم اجتماع الأقليات والجماعات التجارية الهامشية والجماعات الإثنية. وما يحدث لليهودي يحدث لكل أعضاء الأقليات (والجماعات الوظيفية) الأخرى، أي أن اليهودي يظهر باعتباره الإنسان عضو الأقلية الدينية أو الإثنية أو الوظيفية.

2 ـ اكتشفنا الحقيقة البديهية (والتي غابت عن الكثيرين): أن الظاهرة اليهودية ابتداءً من عصر النهضة في الغرب تحوَّلت تدريجياً إلى ظاهرة غربية بالدرجة الأولى، أي أن السياق الأساسي للجماعات اليهودية في العالم أصبح هو الحضارة الغربية الحديثة. وفي داخل هذا الإطار، اكتشفنا أن تجربة يهود بولندا هي أهم التجارب التاريخية للجماعات اليهودية سواء من ناحية الكم (الغالبية الساحقة من يهود العالم الغربي، مع نهاية القرن التاسع عشر، إما من بولندا أو من أصل بولندي) أو من ناحية الكيف والتطورات التاريخية اللاحقة. فالصهيونية هي حركة نشأت أساساً في صفوف يهود اليديشية، والتجربة الاستيطانية الصهيونية اللاحقة أكدت أهمية تجربة يهود الأرندا في أوكرانيا كممثلين لطبقة الشلاختا (النبلاء البولنديين) في إطار الإقطاع الاستيطاني في أوكرانيا وثورة شميلنكي ضد هذا الإقطاع.

لكن تاريخ الحضارة الغربية الحديثة منذ عصر النهضة، سواء في شرق أوربا أم خارجها، هو تاريخ التحديث والتغريب والعلمنة الجزئية والشاملة والمشاكل المرتبطة بظهور الدولة العلمانية القومية المركزية. وهذا التاريخ ليس تاريخ العلمنة وحسب وإنما هو أيضاً تاريخ الإمبريالية، فتاريخ التشكيل الحضاري الغربي الحديث هو أيضاً تاريخ التشكيل الإمبريالي الغربي الحديث. وقد ارتبطت الجماعات اليهودية في الغرب، منذ البداية، بالتشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي، وتحدَّد مسار هجرة أعضاء الجماعات اليهودية بحركة الاستيطان الغربي. كما أن رؤية الإنسان الغربي للعالم ولذاته وللجماعات اليهودية أصبحت رؤية علمانية إمبريالية. ومن هنا، كان لابد من توسيع نطاق النموذج ليشمل هذه الرؤية. وكان هذا يعني ضرورة تطوير نموذج آخر هو نموذج الرؤية العلمانية الإمبريالية الشاملة، وهو نموذج أكثر اتساعاً من نموذج الجماعات الوظيفية وأكثر عمومية إذ لا يضع اليهود في سياق الأقليات وحسب وإنما في سياق التشكيل الحضاري الإمبريالي الغربي، وهو التشكيل الذي هيمـن على العـالم بأسره وضمنه أعضـاء الجماعات اليهودية. وقد طبقنا هذا النموذج على اليهود باعتبارهم حالة محددة: أقلية إثنية دينية تعيش في عصر العلمانية الشاملة. وهنا يظهر اليهودي باعتباره الإنسان الغربي الحديث، وما يحدث له (من اندماج ودمج وتدجين وتوظيف وتنميط وعلمنة وإبادة) هو ما يحدث للملايين من البشر في العصر الحديث. وهو إنسان يعيش في عصر أزمة الحداثة (ما بعد الحداثة).

3 ـ استخدمنا في دراستنا لتطور اليهودية نموذج الحلولية الكمـونية الواحدية مقابل نموذج التوحيد والتجاوز (الذي يفـترض وجـود ثنائية فضفاضة)، وبيَّنا أن الصراع بين النموذجين يشكل التوتر الأساسي في اليهودية (وفي كل الأديان). فهو تعبير عن تناقض إنساني أساسي يسم إنسانيتنا المشتركة، يأخذ شكل النزعة الجنينية (وهي الرغبة في فقدان الهوية والالتحام بالكل والتخلي عن الوعي وعن المسئولية الخلقية) في مقابل النزعة الإنسانية والربانية (وهي أن يؤكد الإنسان هويته الإنسانية المستقلة عن الطبيعة ويتحمل المسئولية الخلقية عن هذا الوضع).

ومن خلال نموذج الحلولية الكمونية هذا أرّخنا للعقيدة اليهودية ولتصاعد معدلات الحلولية الكمونية فيها إلى أن سيطرت القبَّالاه عليها تماماً. وهنا يظهر اليهودي باعتباره الإنسان ممثل الإنسانية المشتركة في واقعها المأساوي والملهاوي، وفي مقدرتها الهائلة على تجاوز عالم المادة وعلى الغوص فيه، وعلى الصعود إلى أعلى درجات النبل، وعلى الهبوط إلى أدنى درجات الخساسة.


النماذج الثلاثة الأساسية: استقلالها الواضح ووحدتها الكامنة
كل نموذج من النماذج الثلاثة الفرعية (الحلولية الكمونية ـ العلمانية الشاملة ـ الجماعة الوظيفية) له استقلاله عن النموذجين الأخرين، وكل سياق له آلياته وحركياته وسماته، ويتفاوت البُعد الزماني في النماذج الثلاثة، فهو أكثر وضوحاً في نموذج الجماعة الوظيفية، ويكاد يتلاشى في نموذج الحلولية، ولكن النماذج كلها مع هذا تتلاقى وتتقاطع. فسنجد أن أعضاء الجماعات الوظيفية من حملة الرؤية الحلولية الكمونية الواحدية (الروحية/المادية). ولكن ثمة تقابلاً اختيارياً بين الحلولية والعلمانية الشاملة، كما أن عضو الجماعة الوظيفية إنسان وظيفي متحوسل ذو بُعد واحد، لذا سنجد أن أعضاء الجماعات الوظيفية هم عادةً من حملة الفكر العلماني الشامل (الحلولي الكموني الواحدي المادي) الذي يُترجم نفسه عادةً إلى رؤية إمبريالية.

والنقطة المشتركة بين كل هذه النماذج أنها واحدية تنكر التجاوز وتُلغي الثنائيات الفضفاضة والحيز الإنساني، فالحلولية الكمونية هي رؤية للواقع ترى أن الإله قد حل في العالم حتى أصبح الإله غير متجاوز للعالم متوحداً معه، ومن ثم أصبح الإله والطبيعة والإنسان شيئاً واحداً، أي أن ثنائيات: الخالق والمخلوق، والإنسان والطبيعة، والكل والجزء، والعام والخاص تم إلغاؤها لتظهر الواحدية الكونية المادية. والعلمانية (الشاملة) ترى أن العالم يحوي داخله ما يكفي لتفسيره وأنه لا حاجة لتجاوز هذا العالم الذي تسوده قوانين واحدة تسري على الطبيعة والإنسان، وهو ما يقضي على ثنائية الإنسان والطبيعة لتظهر الواحدية المادية (والإمبريالية بطبيعة الحال تنظر للعالم باعتباره مادة محضة يمكن للأقوى حوسلتها لصالحه، أي أنها هي الأخرى تدور في إطار شكل من أشكال الواحدية المادية التي نطلق عليها «الواحدية الذاتية الإمبريالية»). ويُعرَّف أعضاء الجماعات الوظيفية في ضوء وظيفتهم وحسب لا في ضوء إنسانيتهم المتعينة، ومن ثم فإن أبعادهم الإنسانية الأخرى يتم إنكارها لتظهر الواحدية الوظيفية. فثمة محور مشترك وسمة أساسية، وهي الواحدية الكاملة، والتي تتبدَّى على مستويات مختلفة. فالحلولية الكمونية تتبدَّى بالدرجة الأولى على المستوى الديني والمعرفي (الكلي والنهائي)، بينما تتبدَّى الجماعات الوظيفية أساساً على المستوى الاقتصادي والوظيفي، أما العلمانية والإمبريالية الشاملة فإنها تتبدَّى بشكل مكثف على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ولقد قلنا "بالدرجة الأولى" و"أساساً" و"بشكل مكثف" عن عمد، لأن كل نموذج يتبدَّى في واقع الأمر على كل المـستويات، وكل ما في الأمر أنه قد يتبدَّى بشـكل أكثر كثافة على مـستوى معيَّن دون المـستويات الأخرى. ولهذا، فقد احتفظنا بتعدد المستويات واستقلالها ومقدرتها التفسيرية ولكن مع تأكيد وحدتها على مستوى أعمق وهو المستوى المعرفي (الكلي والنهائي).

وكل النماذج الفرعية ـ كما أسلفنا ـ تنضوي تحت نموذج أكبر ووحدة أساسية كامنة فيها، إلا أننا أكدنا أن هذا النموذج الأكبر لا يتبدَّى بنفس الطريقة في كل زمان ومكان وفي جميع الحالات، فالنموذج مثل الإمكانية التي قد تتحقق، وقد لا تتحقق، وإن تحققت فإن ما يتحقق هو أجزاء وجوانب منها وحسب، ومن هنا فإن النموذج العام لا يُغني عن دراسة كل حالة على حدة. ولذا فإننا رغم حديثنا عن نموذج الجماعات الوظيفية اليهودية داخل الحضارة الغربية، أكدنا أن هذا النموذج لا يتطور بنفس الطريقة ولا يَطَّرد بنفس الأسلوب وعلى نفس المستوى من مرحلة زمانية لأخرى. ونحن ننبه دائماً إلى أن النموذج الذي طرحناه نموذج عام جداً، يصلح إطاراً تصورياً ذا قيمة تحليلية وتفسيرية كلية وحسب، ويظل التطور التاريخي نفسه مختلفاً ومليئاً بالتعرجات والنتوءات والمنحنيات الخاصة التي يتطلب رصدها وفهمها وتفسيرها جهداً إبداعياً خاصاً وإدراكاً للطبيعة الاحتمالية للنموذج التحليلي التفسيري.

ويمكن أن نُعرِّف دراسـتنا بأنها دراسـة لحالة محدَّدة هي اليهود واليهودية في الحضارة الغربية أساساً والصهيونية وإسرائيل، وهي دراسة تاريخية اجتماعية مقارنة تركز على العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بين أعضاء الجماعات اليهودية (بما في ذلك المستوطن الصهيوني) من جهة، وأعضاء المجتمعات المختلفة من جهة أخرى، كما تركز على الأبعاد المعرفية لهذه العلاقات. لكن هذه الدراسة، رغم أنها دراسة حالة، إلا أنها دراسة لنماذج تحليلية مركبة ذات مقدرة تطبيقية تتجاوز الحالة موضع الدراسة، فهذه النماذج تتوجه لقضايا عامة مثل: علاقة الأقلية (خاصةً أعضاء الجماعات الوظيفية) بالأغلبية، وعلاقة الأقليات بالدولة القومية المركزية، وطبيعة الحضارة الغربية الحديثة، وعلاقة الإنسان بالطبيعة، وعلاقة الحلولية بالتوحيد، وعلاقة الفكر بالمادة، وعلاقة الذات بالموضوع والصراع بين الواجدية (المادية) والثنائية الفضفاضة (استبعدنا أربعة مجلدات كانت تشكل الإطار النظري، وقمنا بتلخيصها في هذا المجلد، وسوف تَصدُر هذه المجلدات كموسوعة مستقلة بعنوان موسوعة العلمانية الشاملة بعد صدور هذه الموسوعة).

والجماعات اليهودية تشكل جماعات وظيفية مثل كل الجماعات الوظيفية الأخرى، لكن وجودها داخل الحضارة الغربية أعطاها تفرُّداً معيَّناً. وهي تتفاعل مع المجتمعات العلمانية ومع التشكيل الإمبريالي تفاعل الجماعات البشرية الأخرى، ولكنها نظراً لوضعها الخاص فإن تفاعلها مع العلمانية يأخذ شكلاً أكثر حدة. وهي جماعات تتنازعها النزعات الجنينية والربانية شـأنها شأن كل البشـر في كل زمان ومكان، لكن اليهودي هو الإنسـان في حالة ضيق متبلورة. وبسبب حالة الضيق هذه، تظهر كثير من أبعاد الظاهرة الإنسانية بشكل نماذجي متبلور من خلاله. وخصوصية الجماعات اليهودية، أو خصوصياتها التي تتنوع في كل زمان ومكان، هي خصوصيات لا تختلف عن خصوصيات الجماعات الأخرى، وإن كان هناك شيء فريد بالفعل فربما يكون متمثلاً في نوعية العناصر الإنسانية العامة التي تدخل في تشكيل الموضوع اليهودي وطريقة ترابطها. وهي عناصر تدخل في تشكيل كثير من الظواهر الإنسانية الأخرى وتترابط بطرق فريدة مختلفة!


هيكل الموسوعة
«هيكل الشيء» هو دعامته الأساسية الملموسة، فهيكل المنزل هو دعامته الخرسانية والهيكل العظمي هو دعامة الجسد. وتُطلق كلمة «هيكل» على الشكل الخارجي الذي يمكن معاينته. ويمكن القول بأن مصطلح «هيكل» يتداخل مع مصطلح «بنية»، فكلاهما يعبِّر عن طريقة أو منطق ترتيب الأشياء. ولكن بينما يتسم الهيكل بالوضوح فإن البنية تتسم بالكمون. وهيكل هذه الموسوعة هو تعبير عن نموذجها التفسيري. وقد قلنا عن هذه الموسوعة إنها «موسوعة تأسيسية» بمعنى أنها ليست موسوعة معلوماتية ولا موسوعة نقدية تفكيكية، فهي تطمح إلى أن تطرح نموذجاً تفسيرياً وتصنيفياً جديداً. ولهذا السبب، نجد أن الجزء النظري طويل نسبياً فلم يكن هنـاك مفر من إعادة تعريف كل المصطلحات. ولنفـس السـبب نجد أن تبويب الموسـوعة تم على أسـاس موضوعات. فقد رتبناها ترتيباً مختلفاً عن ترتيب الموسوعات العادية، لأن الترتيب الألفبائي يعني أن القارئ عارف بالمصطلحات والشخصيات، أو أنه يقابل مصطلحاً جديداً أو شخصية جديدة ويريد المزيد من المعلومات عنها. أما الترتيب حسب موضوعات، فإنه يعني أن القارئ لابد أن يتدرج مع الموسوعة من الإشكاليات إلى محاولة الإجابة إلى العرض التاريخي وهكذا (على أننا زودنا الموسوعة بفهرس ألفبائي حتى يُيسِّر عملية الوصول إلى المداخل المختلفة، وحتى يستطيع القارئ أن يصل إلى أي مصطلح أو شخصية يقابلها).

ويعكس هيكل الموسوعة محاولة الوصول إلى قدر من التعميم دون إلغاء لخصوصية الأجزاء واستقلالها، فنحن نؤمن بأن القصص الصغرى (كما يقول دعاة ما بعد الحداثة) مهمة وممتعة ومباشرة ولها شرعيتها المحدودة، ولذا لابد أن تُروَى هذه القصص. لكن هناك داخل كل قصة صغرى إشارات للقصة العظمى التي تربط القصص الصغرى وتعطيها مغزاها، وبدون هذه الإشارات، تصبح القصص الصغرى لا معنى لها؛ محض تسلية ولغو حديث.

ويتضح الالتزام بكل من التعميم والتخصيص من خلال تقسيم الموسوعة إلى ثمانية مجلدات. أما المجلد الأول فهـو يضم الإطار النظري العام (الذي يتجاوز الظاهرة اليهودية)، فهو بمنزلة المستوى الأكثر تجريداً وكلية، نشرح فيه النموذج الأكبر وما يتفرع عنه من نماذج صغرى، بل نشرح فيه فكرة النموذج ذاتها كأداة تحليلية كما نشرح المصطلحات التي نستخدمها. وتناولنا في المجلدين الثاني والثالث الإشـكاليات العامة المتعلقة بدراسة الشأن اليهودي. وفي المجلد الرابع خفضنا مستوانا التعميمي، فتناولنا تواريخ الجماعات اليهودية كلاًّ على حدة في مختلف بلدان العالم والتشكيلات الحضارية. ولذا، كان التقسيم هنا جغرافياً، فهناك باب عن فرنسا وآخر عن إنجلترا وعدة أبواب عن كلٍّ من روسيا وبولندا والولايات المتحدة. وحاولنا أن نبيِّن التجليات المتعيِّنة للإشكاليات النظرية العامة في كل بلد على حدة، كما حاولنا أن نبيِّن بعض الجوانب التي لا تندرج بالضرورة تحت إطار النموذج المطروح. كما بيَّنا التطور التاريخي داخل كل بلد في جانبيه العام والخاص. ففي بولندا، مثلاً، أفردنا عدة مداخل لتاريخ بولندا ومداخل مسـتقلة لطبقـة الشـلاختا والإقطاع الاسـتيطاني وجماعات الهايدماك، وهكذا. وتناول المجلد الخامس اليهودية، والسادس الصهيونية ، والسابع إسرائيل. أما المجلد الثامن فيضم آليات الموسوعة وملحق خاص بالمفاهيم والمصطلحات الأساسية وثبت تاريخي والفهارس الألفبائية.

وقُسِّم كل مجلد في الموسوعة إلى أجزاء أقل عمومية من عنوان المجلد. فالمجلد الثاني يُسمَّى «إشكاليات» حيث يتناول كل باب إشـكالية بعينها (طبيعة اليهود في كل زمان ومكان ـ إشـكالية الجوهر اليهودي ـ يهود أم جماعات يهودية؟ ـ يهود أم جماعات وظيفية يهودية؟ ـ إشكالية العداء الأزلي لليهود). وقُسِّم كل جزء إلى أبواب مختلفة، وكل باب يضم مداخل مختلفة تبدأ عادةً بما يمكن تسميته «المدخل المظلة» (المدخل العام بالنسبة لهذا الباب) وهو المدخل الذي تُطرَح فيه إشكالية الباب ككل، وفيه تتم محاولة الإجابة عنها من خلال النموذج التفسيري الجديد. ويعقب ذلك المدخل الرئيسي مداخل تفصيلية تمثل التطبيق والتوضيح لما جاء في المدخل الرئيسي، وهي أيضاً بمنزلة الوصف التفصيلي المُكثَّف الذي يوضح النموذج بشكل متعيِّن ويُبيِّن تجلياته المختلفة وتحوراته. كما أنه يقوم بتعديل النموذج ويتجاوزه دون إلغائه. فنحن ننكر، على سبيل المثال، أن البُعد اليهودي في إسهامات المبدعين من أعضاء الجماعات اليهودية له قيمة تفسيرية عالية، ولكننا مع هذا أدرجنا مداخل عن ظواهر وشخصيات لا يمكن تفسيرها إلا في ضوء البُعد اليهودي، فكأننا ننبه القارئ بذلك إلى فعالية نموذجنا التفسيري وعدم شموليته في الوقت نفسه.

والعلاقة بين مداخل الموسوعة ليست عضوية أو صلبة، فهي تَجَل لنفس النموذج، ولذا لابد أن تكون ثمة علاقة تَماثُل قوية بينها. ولكن التماثل ليس ترادفاً، ولذا فإن هناك فراغات بين المداخل هي تعبير عن قدر من عدم التجانس والانقطاع وعدم الترابط الذي لا يؤدي بالضرورة إلى نفي فكرة الحقيقة. وعلى القارئ أن يتخيل وجود عبارة "والله أعلم" مع نهاية كل مدخل (وتظهر بالفعل في نهاية المدخل الأخير من كل مجلد) تعبيراً عن هذا البحث عن الحقيقة الذي يعرف من يخوضه مسبقاً أن الوصول إلى الحقيقة المطلقة والكاملة مستحيل، ففوق كل ذي علم عليم. وقد يحاول القارئ أن يقوم بعملية الربط، وقد يكتشف أن الظاهرة موضع الدراسة تتَّسم بالاستمرار والانقطاع، وأن الأجزاء لا تلتحم عضوياً مع الكل، وأن القصة الكبرى لا تبتلع القصص الصغرى. وقد رُتبت المداخل حسب منطق محدد، وكان الترتيب في معظم الأحيان هرمياً، بحيث نبدأ بالأكثر عمومية وأهمية ونتدرج منه لنصل إلى الخاص وربما الهامشي. والمداخل التفصيلية المختلفة (الشخصيات ـ الجمعيات) ليست شاملة وإنما مُمثِّلة وحسب لما نتصور أنه حالات مختلفة لنفس النموذج، حالات لها دلالة من ناحية المنهج أو من ناحية الممارسة التاريخية المتعيِّنة.

وقد حاولت الموسوعة أن تجمع بين التعاقب الذي يكشف البُعد التاريخي للظاهرة (المتغيِّر عبر الزمان) والتزامن الذي يكشف البُعد البنيوي (المستقر نسبياً عبر الزمان). ففي المجلدات الثلاثة الخاصة بالجماعات اليهودية (من المجلد الثاني إلى المجلد الرابع)، تناول المجلدان الثاني والثالث موضوعاتهما من منظور التزامن (إشكاليات عامة ـ إشكاليات التحديث والثقافات) وكان البُعد التاريخي ثانوياً بالنسبة للبُعد الإشكالي والبنيوي. أما في المجلد الرابع، فالعكس هو الصحيح إذ تناولنا تواريخ الجماعات اليهودية وأصبح البُعد البنيوي ثانوياً. وطبقنا المبدأ نفسه داخل المجلدات الخاصة باليهودية والصهيونية وإسرائيل. وبنية المداخل نفسها تتضمن التعاقب والتزامن، فمعظم المداخل الرئيسـية تبدأ بمحـاولة تفكيكية حيث يرفض كل مدخـل التعـريف القـائم إن كانت مقدرته التفسيرية ضعيفة، ثم يطرح مصطلحاً جديداً من خلال عملية تركيب جديدة تركز على السمات البنيوية الأساسية التي تجاهـلها أو هَمَّشها النمـوذج القديم، ثم يتم عرض لتاريخ الظـاهرة. وفي آخر المدخـل، نطرح بعـض الإشكاليات. ومع هذا، يتنوع شكل المداخل فلم يتم تنميطها تماماً حتى يمكن أن تتناول هذه المداخل المنحنيات الخاصة للظواهر المختلفـة. ورغم أن هذا التناول للظواهـر موضـع الدراسـة تناول نماذجي، إلا أننا حاولنا قدر استطاعتنا أن نزود القارئ بالمعلومات التي نبرهن بها على المقدرة التفسيرية لنموذجنا وبما نراه ضرورياً حتى ولو كان الأمر لا يخدم إطارنا التفسيري. ويُلاحَظ أن كل مدخل هو وحدة مستقلة، قائمة بذاتها، ولكنها تنتمي إلى كل. وبسبب هذا، فإن هناك بعض التكرار إذ أن استقلالية المدخل كانت تتطلب ذكر بعض العناصر التي وردت في مداخل أخرى.

الـمصـطـلح
كلمة «مصطلح»، وهي على زنة «مُفتَعَل»، من الفعل «اصْطَلَح»، أو قولهم «اصطلح القوم» أي «زال ما بينهم من خلاف» و«اصطلحوا على الأمر» أي «تعارفوا عليه واتفقوا» و«تصالحوا» بمعنى «اصطلحوا». و«مصطلح» هو «الاصطلاح». و«الاصطلاح» اسم منقول من مصدر الفعل «اصطلح» ومعناه اتفاق طائفة ما على شيء مخصوص، ولذا سُمِّي علم الاصطلاح «علم التواطؤ». ولكل علم اصطلاحاته. و«الاصطلاح» في العلم هو اتفاق جماعة من الناس المتخصصين في مجال واحد على مدلول كلمة أو رقم أو إشارة أو مفهوم، وذلك يتم عادةً نتيجة تراكم معرفي وحضاري وممارسـات فكرية لمدة من الزمن، ويتبع ذلك محـاولة تقنين هذه المعرفة.

وتحديد المفاهيم والمصطلحات مسألة ضرورية لضبط وتنظيم العملية الفكرية وتأطير ممارسات الفكر الاجتماعي في سياق منهجي بعيداً عن الفوضى والشتات الذهني، من أجل صياغة منطق مشترك بين تفاعلات الأفراد.

ومشكلة المصطلح لها شقان:

أ ) محاولة توليد مصطلحات جديدة نتيجة تعريف المفاهيم ووصف الظواهر الأسـاسية ثم تسميتها.

ب) ترجمة المصطلح، فالترجمة شكل من أشكال التفسير، ومترجم المصطلح يجد نفسه، شاء أم أبى، متوجهاً للقضايا الفلسفية والمعرفية الكامنة وراء المصطلح.

والقضيتان رغم انفصالهما متداخلتان وتثيران الإشكاليات نفسها.

ولكن، إذا كان المصطلح أو الاصطلاح تصالحاً، فما العمل إن كان من يسك المصطلح لم يتصالح معنا؟ أو كان يسك المصطلح لتغييبنا نتيجة لخصومته معنا ولأن وجودنا يعني غيابه؟ أو يسك مصطلحاً يخبئ مفاهيم وقيماً تتنافى مع مفاهيمنا وقيمنا، ويتبنى نموذجاً تحليلياً معرفياً متحيزاً ضدنا؟ وهذه هي الإشكالية التي تواجهنا بخصوص المصطلحات المستخدمة في وصف الظواهر اليهودية والصهيونية. فقد تم سكها في العالم الغربي بعناية بالغة، وهي مصطلحات تنبع من تجارب تاريخية ونماذج تحليلية ورؤى معرفية ووجهات نظر غربية وصهيونية، متمركزة حول الذات الغربية واليهودية، وتحتوي على تحيزات إنجيلية وإمبريالية وعرْقية لا نشارك فيها بل نرفضها، وهي تحيزات جعلت الدارسين الغربيين والصهاينة يضخِّمون كثيراً من جوانب بعض الظواهر ويهملون الجوانب الأخرى، وجعلتهم يفترضون وجود وحدة حيث لا وحدة، ولا يدركون في الوقت نفسه العلاقة بين ظواهر نرى نحن أنها وثيقة الصلة. وهي مصطلحات تعبر عن خلل واضح (من وجهة نظرنا) في المستوى التعميمي والتخصيصي، فيتحدثون بصيغة العام عن ظواهر خاصة وفريدة، وبصيغة الخاص عن ظواهر عامة، ويُهمِّشون ما هو مركزي وأساسي ويضفون صفة المركزية على ما هو هامشي من وجهة نظرنا. ويمكن أن ندرج بعض سمات المصطلحات الغربية/الصهيونية فيما يلي: ـ

1 ـ تنبع المصطلحات الغربية من المركزية الغربية، فالإنسان الغربي يتحدث، على سبيل المثال، عن «عصر الاكتشافات» وهي عبارة تعني أن العالم كله كان في حالة غياب ينتظر الإنسان الأبيض لاكتشافه. والصهاينة يشيرون أيضاً إلى أنفسهم على أنهم «رواد»، والرائد هو الشخص الذي يرتاد مناطق مجهولة فيستكتشفها بنفسه ويفتحها لينشر الحضارة والاستنارة فيها بين شعوبها البدائية.

وحروب العالم الغربي تُسمَّى «الحروب العالمية» ونظامه الاستعماري يُسمَّى «النظام العالمي الجديد». ويتبع الصهاينة نفس النمط، فقد كان هرتزل يحاول تأسيس دولة يضمنها «القانون الدولي العام» وكان يعني في واقع الأمر «القانون الغربي» أو بمعنى أصح «القوى الإمبريالية الغربية». والمنظمة الصهيونية تُوجَد أساساً في العالم الغربي حيث تتركز الغالبية الساحقة ليهود العالم إذ لا يوجد يهود في الصين أو الهند أو اليابان أو في معظم بلاد آسيا (باستثناء بضعة أفراد في الصين وبضع عشرات في اليابان وبضع مئات في الهند). ولا يوجد يهود في أفريقيا إلا في جنوب أفريقيا (في الجيب الاستيطاني الغربي) وبضعة آلاف في المغرب. ورغم هذه الحقيقة، إلا أن المنظمة الصهيونية تشير إلى نفسها باعتبارها «المنظمة الصهيونية العالمية» لا «المنظمة الصهيونية الغربية». وحينما صدر وعد بلفور، وردت فيه إشارة إلى «الجماعات غير اليهودية»، أي سكان فلسطين من العرب البالغ عددهم آنذاك ما يزيد عن 95% من عدد السكان، أي أن الغالبية الساحقة من سكان فلسطين تم تهميشها لصالح المستوطنين الصهاينة. ولا يمكن فهم عملية التهميـش هذه إلا في إطار أن الصهاينة هنا هم ممثلو الحضارة الغربية التي تظن أنها تحتل مركز الكون والتاريخ، ولذا فإن حقوقهم في فلسطين حقوق مركزية مطلقة. أما حقوق غيرهم من البشر ممن أقاموا في هذه الأرض وزرعوها وحصدوا ثمارها وبنوا منازلهم فيها عبر آلاف السنين، فهي هامشية، وهم مجرد جماعات غير يهودية.

ومن أهم المصطلحات التي أحرزت شيوعاً في لغات العالم مصطلح «معاداة السامية»، وهو مصطلح يعكس التحيزات العرْقية والمركزية الغربية التي ترجمت نفسها إلى نظام تصنيفي (آري/سامي)، والسامي بالنسبة للغرب هو اليهودي، وهو ما لا يمكن أن يقبله أي دارس للتشكيل الحضاري السامي. ومع هذا، شاع المصطلح وسبب الخلل. وقد أصبح المجال الدلالي لمصطلح «معاداة السامية» يشير إلى أي شيء ابتداءً من محاولة إبادة اليهود، وانتهاءً بالوقوف ضد إسرائيل بسبب سياساتها القمعية ضد العرب، مروراً بإنكار الإبادة.

2 ـ يَصدُر الغرب عن رؤية إنجيلية لأعضاء الجماعات اليهودية. وحتى بعد أن تمت علمنة رؤية العالم الغربي لليهود، ظلت بنية كثير من المصطلحات ذات طابع إنجيلي، فاليهود هم «شعب مقدَّس» أو «شعب شاهد» أو «شعب مدنَّس» أو «شعب ملعون». وبغض النظر عن الصفات التي تلتصق باليهود، فإن صفة الاستقلال والوحدة هي الصفة الأساسية، فسواء كان اليهود شعباً مقدَّساً أم مدنَّساً فهم شعب واحد. وقد ترجم هذا المفهوم نفسه إلى فكرة «الشعب اليهودي»، تماماً كما أصبح «التاريخ المقدَّس» الذي ورد في التوراة هو «التاريخ اليهودي». وتُشكِّل مفاهيم الوحدة والاستقلال هذه الإطار النظري لكل من الصهيونية ومعاداة اليهود.


ومشكلة هذه المصطلحات أنها تفترض وجود وحدة تاريخية بل عضوية بين يهود الصين في القرن الرابع عشر ويهود الولايات المتحدة في القرن العشرين. وهي تؤكد وجود استمرارية حيث هناك انقطاع. والعكس أيضاً صحيح، فهي تفترض وجود انقطاع كامل بين اليهود والأغيار حيث يوجد في واقع الأمر استمرار. ونجم عن ذلك فشل في رصد كثير من العناصر التي تفاعل معها أعضاء الجماعات اليهودية وتأثروا بها وأثروا فيها.

3 ـ انطلق الصهاينة من المركزية الغربية هذه وعمَّقوها بإضافة المركزية الصهيونية، وجوهر هذه المركزية هو أن اليهود كيان مستقل لا يمكن دراسته إلا من الداخل في إطار مرجعية يهودية خالصة، أو شبه خالصة، وهو ما أدَّى إلى ظهور ما أسميه «جيتوية المصطلح». فكثير من الدراسات التي كُتبت عن الموضوع اليهودي والصهيوني تستخدم مصطلحات من التراث الديني اليهودي (بعضها بالعبرية أو الآرامية) أو من تراث إحدى الجماعات اليهودية (عادةً يهود اليديشية) أو من الأدبيات الصهيونية لوصف الظواهر اليهودية والصهيونية، وكأن هذه الظواهر من الاستقلالية والتفرد بحيث لا يمكن أن تصفها مفردات في أية لغة أخرى.

وتتضح جيتوية المصطلح الصهيوني الكاملة في أوجه عدة أهمها ظهور مصطلحات مثل «التاريخ اليهودي» و«العبقرية اليهودية» و«الجوهر اليهودي» وهي مصطلحات تفترض وجود تاريخ يهودي مستقل له حركياته المستقلة عن تاريخ البشر، ومن ثم لا يُفسَّر سلوك أعضاء الجماعات اليهودية في ضوء تاريخ المجتمع الذي يعيشون فيه وإنما في إطار حركيات تاريخ مقصور عليهم (ومما يجدر ذكره أن المعادين لليهود يتبنون جيتوية المصطلح هذه فيتحدثون عن «الجريمة اليهودية» وعن «المؤامرة اليهودية» ).

وتتضح هذه الجيتوية بشكل متطرف في رفض المراجع الصهيونية ترجمة الكلمات العبرية وفي الإصرار على إبرازها بمنطوقها العبري. وعدم ترجمة المصطلح نابع من الإيمان "بتَفرُّد" التراث اليهودي و"تميُّز" الذات اليهودية وقدسيتها.. إلخ. ولذا تتحدث هذه المراجع عن «الليكود» و «المعراخ» و «أحدوت هاعفوداه» و«المتسفاه». أما حرب أكتوبر فهي حرب «يوم كيبور».

والمراجع العربية مع الأسف تتبع المصادر الصهيونية في معظم الأحيان، فنترجم عبارة Conservative Party إلى العربية فنقول «حزب المحافظين» (ولا نقول «كونسيرافتيف بارتي» مثلاً) بينما يظل «الليكود» أو «أحدوت هاعفوداه» على شكلهما العبري الغريب والشاذ، وأقول غريباً وشاذاً، لا لأن اللغة العبرية غريبة وشاذة، فهي لغة مثل أية لغة في العالم، لها قواعدها وقوانينها، ولكن الغرابة والشذوذ يكمنان في السياق العربي نفسه. فإذا كانت عبقرية اللغة العربية تتجه نحو الترجمة، إذن فلنترجم ولا نستثني من القاعدة إلا ما يُستثنى عادةً، مثل بعض الكلمات التي يتصور المترجمون عجز اللغة عن ترجمتها، مثل «الجمهورية الفيدرالية»، أو الاختصارات مثل «اليونسكو» وصاروخ «سام»، فهذه الاختصارات أصبحت مثل أسماء الأعلام (وإن كان يجرى أحياناً ترجمة الاختصارات فحلف «الناتو» أصبح حلف شمال الأطلنطي). ولكننا لا نُطبِّق هذه القواعد على المصطلح الصهيوني، ونتركه عبرياً دون تغيير أو تعديل وكأنه قدس الأقداس الذي يجب ألا يطأه إلا كبير الكهنة وحده، أو كأنه الشيم هامفوراش الذي ينطق به كوهين جادول مرة واحدة كل عام. وبقاء المصطلح على شكله العبري يجعلنا مُستوعَبين نفسياً فيه وفي حالة انهزام كامل أمامه، فالتركيبة الصوتية التي تخلط بين الهاء والعين (هاعفوداه)، والتركيبة الصوتية الأخرى «تسي» (الكيبوتس) لا تتواتران في اللغة العربية وبالتالي فهي تسبب جهداً لدى القارئ ولدى السامع العربيين على حدٍ سواء، هذا على عكس التركيبات الصوتية المألوفة للأذن العربية. كما أن معنى «أحدوت» أو معنى «هاعفوداه» يظل شيئاً غريباً على العقل، يضرب الإنسان أخماساً في أسداس ليصـل إليه، ولا يملك المرء أمام هذا إلا أن يكرر الأصوات التي يسمعها دون أن يحيط بها إحاطة كاملة.

كما تظهر جيتوية المصطلح أيضاً في ترجمة أسماء الأعلام (وللأسماء دلالة خاصة في الدين اليهودي)، فالمصطلح الصهيوني نابع من الإيمان بأن اليهودية هي انتماء قومي، ولذا يجب عبرنة كل الأسماء، فيصبح «موسى هس» هو «موشيه» بغض النظر عن انتمائه القومي الحقيقي ويصبح «سعيد» هو «سعديا»، ويصبح «إسحق» هو «يتسحاق» كما لو كان الأمر المنطقي هو أن تُنْطَق هذه الأسماء بالعبرية، مع أن بعض حملة هذه الأسماء لا يعرفوا العبرية ولم يُنادَوا بهذه الأسماء مرة واحدة طيلة حياتهم.

ويظهر الانغلاق الجيتوي التام في اصطلاحات مثل «الهولوكوست» و «العالياه» وهي اصطلاحات وجدت طريقها أيضاً إلى اللغة العربية. والعالياه اصطلاح ديني يعني العلو والصعود إلى أرض الميعاد ولا علاقة له بأية ظاهرة اجتماعية، ومع هذا يستخدم الصهاينة الكلمة للإشارة للهجرة الاستيطانية، أي أن الظاهرة التي لها سبب ونتيجة أصبحت شيئاً فريداً، وظاهرة ذاتية لا تخضع للتقنين والمناقشة. و«الهولوكوست» هو تقديم قربان للرب في الهيكل يُحرَق كله ولا يبقى منه شيء للكهنة، ومع هذا يستخدم الصهاينة هذه الكلمة للإشارة إلى الإبادة النازية لليهود. والغرض من استخدام كل هذه المصطلحات الدينية العبرية هو إزالة الحدود والفوارق بين الظواهر المختلفة، بحيث تصبح «عالياه» هي «الهجرة الصهيونية الاستيطانية»، وتصبح الهجرة الصهيونية هي العلو والصعود إلى أرض الميعاد، أما الهجرة منها فهي «يريداه» هبوط ونكوص وردة. ولعل مما له دلالته أن العبرية توجد فيها كلمة محايدة تصف الهجرة وحسب، ولكن الصهاينة استبعدوها، وهو ما يؤكد المضمون الأيديولوجي لهذا المصطلح.

ويُقسَّم علماء اليهود إلى «جاؤونيم» و«صابورائيم» و«تنائيم» وهكذا، وتشير لهم كثير من المراجع بهذه الكلمات. وهذا يعني أن القارئ الذي لا يعرف العبرية يقف مدهوشاً أمام هذه الأسماء والظواهر وكأنه أمام شيء عجائبي غير إنساني (فالشيء الفريد الذي يتأيقن يضع نفسه خارج حدود ما هو إنساني). وقد اختار الصهاينة عدة مصطلحات دينية مختلفة ليطلقوها على كيانهم الاستيطاني فسموه «كنيست يسرائيل» ثم «يشوف» ثم سُمِّي أخيراً «إسرائيل» وكلها مصطلحات تحمل دلالات دينية لا علاقة لها بأية ظواهر سياسية أو اجتماعية. ولكن الغرض من استخدام المصطلح الديني للإشارة لظاهرة سياسية هو الخلط بين الحدود، ونقع نحن في المأزق ونجد أنفسنا نناقش ما إذا كانت حدود إرتس يسرائيل كما وردت في العهد القديم مطابقة لحدود إسرائيل كما فرضت نفسها على الوطن الفلسطيني، وننسى أن ما حدد هذه الحدود هو العنف الذاتي الصهيوني والدعم الغربي من الخارج.

وتصل الجيتوية إلى قمتها في رفض المراجع الصهيونية وبعض المراجع الغربية استخدام كلمة «فلسطين» للإشارة إلى هذه الرقعة الغالية من الأرض العربية، حتى قبل عام 1948. ولذا نجد مرجعاً صهيونياً "علمياً" يتحدث عن المسرح العربي في فلسطين في الثلاثينيات فيشير إلى المسرح العربي في "إرتس يسرائيل"، ولا يملك الإنسان إزاء هذا إلا أن يضحك في مرارة من سخف وتفاهة الجيتوية وتحيزاتها.

4 ـ وهناك بُعد آخر في المصطلح الصهيوني يقف على طرف النقيض من «الجيتوية» وهو ما نسميه «التطبيع». وهو محـاولة إسـباغ صفة العمـومية والطبيعية على الظواهر الصهيونية رغم ما تتسم به، في بعض جوانبها من تفرد، بسبب طبيعتها الاستيطانية الإحلالية. فالحركة الصهيونية في إحدى ديباجاتها تحاول تقديم الحركة الصهيونية، ومن بعدها الكيان الصهيوني، باعتبارهما ظواهر سياسية عادية وكأن الكيان السياسي الإسرائيلي لا يختلف في أساسـياته عن أي كـيان سـياسي آخر، فيتـم الحـديث عن "نظـام الحزبين في الديموقراطية الإسـرائيلية"، وعن الصهيونية باعتبارها "القومية اليهودية" بل "حركة التحرر الوطني للشعب اليهودي"، وكأن الأقليات اليهودية في العالم إن هي إلا شعب صغير مثل شعوب العالم الثالث وأن الصهيونية ليست شكلاً من أشكال الاستعمار الاستيطاني الإحلالي وإنما حركة تطرد المغتصبين وتستعيد لهم أرض الأجداد المُســتعمَرة. وقد سُـمِّيت بعض جوانب التجربة الاستيطانية الصهيونية بـ "الحركة التعاونية" و"الصهيونية الاشتراكية" ولهذا نجحت الصهيونية في تطبيع ذاتها على مستوى المصطلح واكتسبت مضموناً عاماً وعادياً وطبيعياً غير مضمونها الحقيقي.

ورغم رفضنا لتفرُّد الظواهر اليهودية والصهيونية ورفض جيتوية المصطلح وإيماننا بأن الظاهرة التي يشير إليها دال ما تخضع في كثير من جوانبها للقوانين العامة التي تحكم هذه الظاهرة، إلا أن كل ظاهرة تظل لها خصوصيتها (المنحنى الخاص للظاهرة) وما يميزها عن غيرها من الظواهر، وعملية التطبيع تتجاهل هذا كله. فكلمة «ديموقراطية» حينما تُطبَّق على إسرائيل فهي تُطبَّق على كيان سياسي يستند إلى عملية سرقة تاريخية لا تزال آثارها واضحة، ولذا يجب على هذا الكيان "الديموقراطي" قمع أصحاب الأرض بشكل مستمر حتى يضمن بقاءه، كما أن هذا الكيان يستند إلى عملية تمويل ودعم مستمرة من الغرب تضمن أمنه وانتماءه للغرب وعمالته له، وهو ما يعني أن هذه الديموقراطية في واقع الأمر ليست لها إرادة أو سيادة مستقلة.

ومصطلح مثل «التفسير» في العقائد الدينية (التوحيدية) يعني بذل جهد من جانب المؤمن لتفسير الكتاب المقدس الذي يؤمن به، ومع هذا يظل التفسير تفسيراً (إنسانياً) ويظل الكتاب المقدَّس هو كلام الإله. أما كلمة «تفسير» في اليهودية فهي تدور في إطار «الشريعة الشفوية» التي تضعها اليهودية الحاخامية في منزلة تفوق منزلة الكتاب المقدَّس. ونفس الشيء ينطبق على مفردات مثل «الإله» و «النبي» فهي تكتسب مضموناً جديداً يختلف عن مضمونها في العقائد الأخرى. ولعل ما حدث للدال «يهودي» مَثَل مثير على ما نقول، فمن المفروض أن يكون أبسط الدوال ولكنه أصبح من أكثر المدلولات خلافية، حتى نصل إلى المصطلح المختلط تماماً، الدال الذي لا مدلول له «اليهودي الملحد» (و«اليهودية الإلحادية») وهو مصطلح ليس له نظير في أيٍّ من العقائد التي نعرفها. وعملية التطبيع المصطلحية تُسقط كل هذا وتُسطِّحه.

وفي محاولة منا لتجاوز هذه الصعوبات وللوصول إلى مصطلحات أكثر تركيباً وتفسيرية وشمولاً ودقة نحتنا مصطلحات تَنبُع من نموذج تحليلي جديد مركب لا يتبنى المرجعية الغربية أو الصهيونية ويستند إلى إدراك عربي إسلامي للظواهر وإلى مرجعية عربية إسلامية. وكان ديدننا في ذلك هو محاولة تشجيع العقل العربي على أن يتجاوز التلقي وينطلق إلى الإبداع من خلال تجربته الحضارية المتعيِّنة ومعجمه الحضاري الخاص كما فعل الفلاحون الفلسطينيون في نهاية القرن الماضي حينما قابلوا المستوطنين الصهاينة فلم يسموهم «الرواد» أو «الحالوتسيم» كما نفعل نحن الموضوعـيين المتجردين من الذات وإنما سموهم «المسـكوب» أي "أولئـك الذيـن جـاءوا من موسكو"، أي "الغرباء الغربيين" الذين جاءوا لاغتصاب الأرض، شأنهم في هذا شأن كل النفايات البشرية التي كانت تسبق جيوش الاحتلال الغربي وتمشي في ذيلها. فالفلاحون هنا نظروا بعيونهم العربية وشعروا بما شعروا به ثم سموا الأشياء بأسمائها خارج نطاق الديباجات والاعتذاريات والادعاءات عن الذات وعن الآخر. كما أننا نتصور أن المصطلحات التي تستـند إلى تجربتنا التاريخية الحية سـتتضمن جوانب من الواقع آثر الغربيون والصهاينة تجاهلها، عن وعي أو غير وعي، ولذا ستكون مصطلحاتنا أكثر تفسيرية. وكون مصطلحاتنا تعبِّر عن ذاتيتنا العربية الإسلامية لا يعني بالضرورة أنها محصورة في هذه الذاتية لا تتجاوزها. ومن هنا إصرارنا على مقدرة هذه المصطلحات التفسيرية، رغم أنها تنطلق من ذاتيتنا. وقد عبَّر كل هذا عن نفسه من خلال المصطلحات التي استُخدمت في هذه الموسوعة في أشكال عديدة:

1 ـ يَصدُر النموذج المركب الذي نستخدمه عن الإيمان باستقلال الإنسان عن الطبيعة، وهو ما يعني ضرورة فصل مصطلحات العلوم الإنسانية عن العلوم الطبيعية والتزام الحذر تجاه المصطلحات التي تُستعار من عالم الطبيعة، وخصوصاً الصور المجازية العضوية التي تفترض مركزية الطبيعة/المادة. ويظهر هذا في استخدامنا لمصطلح «الإنسان الطبيعي» في مقابل مصطلح «الإنسان الرباني» (أو «الإنسان الإنسان»). وحينما استخدمنا مصطلح «عضوي»، كما في «القومية العضوية» أو «الشعب العضوي»، بيَّنا دلالة ذلك، كما بيَّنا دلالة الصور المجازية العضوية على وجه العموم. وقد استخدمنا مصطلحي «أكثر تفسيرية وأقل تفسيرية» بدلاً من «موضوعي وذاتي لنفس السبب وهو ما نوضحه بإسهاب في المدخل المخصص للموضوع.

2 ـ يَصدُر النمـوذج المركَّب عن الإيمان بوجود ثنائية أساسية في الكون (الإنسان والطبيعة) تتبدَّى في حالة اللغة من خـلال ثنائية الدال والمـدلول، أي ثنائية المصطـلح والمفهوم الكـامن وراءه والاستقلال النسبي للواحد عن الآخر. وهذا يجعل من الممكن مراجعة المصطلحات عن طريق تفكيكها والوصول إلى مرجعيتها الكامنة (كمونية أم متجاوزة ـ واحدية أم ثنائية؟). وقد قمنا بمناقشة معظم المصطلحات المتداولة في حقل الدراسات اليهودية والصهيونية وبيَّنا عدم كفاية الكثير منها وتحيزها ثم طرحنا مصطلحاتنا الجديدة.

ومن المصطلحات المستخدَمة في هذه الموسوعة كلمة «ديباجة»، وهي كلمة يمكنها في تصوُّرنا التعبير عن المسـافة التي تفصل الدال عن المدلول. فالديباجـة " تُضاف " إلى النص فيمكن أن توضحه، ويمكن أن تُخفي معانيه، ويمكن أن تبرره عن حق أو عن باطل. وقد استخدمنا هذا المصطلح لنشير إلى الصهيونيات كافة، فنقول «الصهيونية ذات الديباجة المسيحية» بمعنى أنها صهيونية تدَّعي أن لها أسساً مسيحية وهي في واقع الأمر ليست كذلك، كما نقول «الصهيونية ذات الديباجة الديموقراطية» فهي صهيونية تدَّعي الديموقراطية، ولكنها تظل صهيونية تلتزم بالصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة.

3 ـ تفرز النماذج الاختزالية تفسيرات شاملة نهائية مغلقة، ومن ثم فالمصطلحات النابعة من هذه النماذج تتسم بالانغلاق والطموح إلى الشمول الكامل واليقين التام. أما النماذج التحليلية المركبة فهي تؤدي إلى ظهور مصطلحات منفتحة ذات مقدرة تفسيرية معقولة ولا تتسم بالتماسك العضوي الصلب، ولذا فهي قادرة على رصد الأجزاء في علاقتها بالكل، دون أن يذوب الجزء في الكل، وترصد العام والخاص دون أن تتجاهل أياً منهما. وهي مصطلحات منفتحة قابلة للتعديل ولا تطمح للوصول إلي مستوى من الدقة واليقينية يقترب من المستوى الذي يتوهم البعض أن بإمكانه الوصول إليه في العلوم الطبيعية. والبناء المصطلحي ككل لا يتسم بالدقة والالتزام بالمعايير المجردة الثابتة وإنما بالتركيب. والتركيب لا يعني عدم الدقة وإنما يعني محاولة زيادة المقدرة التفسيرية عن طريق محاولة الإحاطة بأكبر عدد ممكن من المكونات المادية الواضحة للظاهرة مع إدراك وجود جوانب مجهولة لا يعرف عنها الإنسان الكثير وبعضها لا يمكن رده لقوانين المادة، ومع هذا يمكن الإشارة إليها والتعبير عنها بطرق مختلفة.

وفي إطار النموذج المركب يتم تحديد المستوى التعميمي والتخصيصي للمصطلح ليتناسب مع الظاهرة بدلاً من محاولة الوصول إلى أعلى مستويات التعميم دائماً، فمثل هذه محاولة تنتهي بنا دائماً في عالم الجبر والهندسة والرياضة والأشياء، وهو عالم يقتل الإنسان ولا يعرف الضحك أو البكاء. ولعل مصطلح «جماعات يهودية» المركب مقابل مصطلح «اليهود» البسيط (الذي يتأرجح بشدة بين العمومية والتفرُّد) هو مَثَل على هذا، فهو مصطلح يحاول أن يشير، في ذات الوقت، إلى قدر من الوحدة وإلى قدر أكبر من عدم التجانس ويتعامل مع الخاص («جماعات») والعام («يهودية»)، ولذا فهو مصطلح دقيق لا بسبب بساطته وإنما بسبب تركيبيته. ونفس الشيء ينطبق على مصطلح «تواريخ أعضاء الجماعات اليهودية». ونحن نتحدث كذلك عن «المسألة اليهودية» بشكل عام، ثم نخصص فنقول «المسألة اليهودية في شرق أوربا» ثم نزيد في التخصيص فنقول «المسألة اليهودية في روسيا»، وبذلك نربط بين العام («المسألة اليهودية») والخاص («في شرق أوربا») والخاص الذي يقترب من التفرُّد («في روسيا»)، نربط بينها دون أن نُغلِّب مستوى على الآخر، فالمستوى التحليلي هو الذي يحدد المصطلح المناسب لدرجة التعميم أو التخصيص.

ونحن نشير على سبيل المثال إلى «حركة الاستنارة الغربية» و «حركة التنوير اليهودية» لنميز بين الأصل والفـرع والكل والجزء والفاعل والمفـعول به، فحركة الاسـتنارة حركة غربية قامت بتنوير أعضاء الجماعات اليهودية، ولذا فحركة الاستنارة حين تنتقل إلى صفوفهم تُصبح «حركة تنوير». والنمط نفسه يُوجَد في مصطلح «آداب مكتوبة بالعبرية» بدلاً من مصطلح «أدب عبري». ففي أواخر القرن التاسع عشر كان يُوجَد أدباء يكتبون بالعبرية، ولكن العبرية نفسها كانت لغة فجة جامدة، ليس لها تراث أدبي ثري، ولذا كانت المرجعية الأدبية والعاطفية والحياتية للأدباء هي التراث الأدبي للبلاد التي يعيشون فيها، ومن ثم فأدبهم هو «أدب مكتوب بالعبرية»، ومن ثم فهناك «آداب مكتوبة بالعبرية». أما الأدب العبري نفسه فنحن نرى أن المصطلح يمكن استخدامه ابتداءً من الستينيات بعد أن استقرت التقاليد الأدبية العبرية في إسرائيل وأصبحت من الثراء بما يكفي لإلهام الأدباء الإسرائيليين وغيرهم ممن يكتبون بالعبرية.

ويُلاحَظ أن مدلولات المصطلحات قد تتغير من مرحلة تاريخية لأخرى ومن منطقة جغرافية لأخرى، ومع هذا يظل هناك دالٌّ واحد. وهذا ما لاحظناه في مصطلح «الماسونية» إذ اكتشفنا وجود ماسونيات عديدة يُشار لها كلها باعتبارها «الماسونية». ولذا قسمناها إلى «ماسونية ربوبية» و «ماسونية إلحادية» و «ماسونية العالم الثالث»... إلخ.

4 ـ وفي محاولة زيادة تركيب الهيكل المصطلحي قمنا بإدخال مصطلحات جديدة تعبِّر عن مفاهيم تحليلية جديدة مثل «حوسلة» (كلمة منحوتة من صياغتنا بمعنى «يُحوِّل إلى وسيلة») ـ «العربي الغائب» و «اليهودي الخالص» (مفاهيم تحليلية كامنة في الخطاب الصهيوني ولم يفصح عنها لأنها تفضحه وتسبب له الحرج) ـ «الجماعة الوظيفية» (مفهوم تحليلي جديد) ـ «الإقطاع الاستيطاني» (مفهوم تحليلي جديد يستند إلى مفاهيم قديمة).

وقد حاولنا تفتيت بعض المصطلحات الصهيونية التي تشير إلى أكثر من ظاهرة، فاصطلاح «إسرائيل» فتتناه إلى «إسرائيل» (الدولة الصهيونية)، و«يسرائيل» (العبرانيون بالمعنى الديني)، و«يسرائيل (إفرايم)» (مملكة يسرائيل العبرانية)، وحاولنا توضيح الحدود بين مصطلحات متداخلة مثل «عبراني» و«يهودي» و«إسرائيلي» و«يسرائيلي» و«صهيوني»، واصطلاح «الصهيونيتان» هو محاولة لتفتيت مصطلح يشير إلى ظاهرتي «الصهيونية الاستيطانية» و«الصهيونية التوطينية» كما لو كانتا ظاهرة واحدة، ومن خلال التفتيت بيَّنا حدود وتاريخ تطور كل منهما (والشيء نفسه ينطبق على مفهوم «العلمانيتان»). ونحن نشير إلى «المسيح المخلِّص اليهودي» باعتباره «الماشيَّح» حتى نحتفظ بمسافة بين التراث الديني اليهودي والتراث الديني المسيحي.

5 ـ طورنا طريقة جديدة في التعريف نطلق عليها «التعريف من خلال دراسة الحقل الدلالي لمجموعة من المصطلحات المتداخلة المتشابكة» وتوصلنا إلى تعريف للنموذج والعلمانية والحلولية الكمونية من خلال هذه الطريقة. وهي طريقة تتسم بالتركيب، نقوم فيها باستعراض كل التعريفات المتاحة بدلاً من الإتيان بتعريف جديد ثم نحاول اكتشاف الرقعة المشتركة (النموذج الكامن) فيما بينها ونجردها، ويصبح هذا هو التعريف الجديد. كما أن تَعدُّد المصطلحات وتَنوُّعها يفرض علينا ألا نكتفي بدراسة التعريفات المعجمية الهزيلة بل نخرج من نطاق الكلمات والتعريفات لنتواصل مع الظواهر الاجتماعية والتاريخية نفسها ومن ثم يتسع نطاق عملية التعريف. وإذا كان التعريف هو النموذج النظري، فتوسيع نطاق عملية التعريف يعني دراسة الطريقة التي تمت من خلالها ترجمة هذا النموذج في الواقع، والمشاكل الناجمة عن هذا التطبيق، وهو الأمر الذي تتجاهله طريقة التعريف السائدة.

وفي تعريفنا للصهيوني قمنا برفض كل التعريفات القائمة، ومن خلال عملية تفكيك وتحليل وصلنا إلى ما نتصور أنه الثوابت البنيوية أو المسلمات الأساسية الكامنة، ثم قمنا بعملية إعادة تركيب تهدف إلى التركيز على هذه الثوابت والمسلمات ووصلنا إلى ما سميناه «الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة».

6 ـ نجد أن النماذج الاختزالية المغلقة تدفع بنا عن غير وعي إلى الثنائيات المتعارضة، إذ تنقسم كل الأشياء إلى سالب وموجب، قابل ورافض، ناجح وساقط، صقور وحمائم... إلخ (كما تقول إحدى قوانين الديالكتيك). ولعل الثنائيات المتعارضة في المصطلحات قد تسللت لنا من نماذج العلوم الطبيعية والرياضية، فنحـن نميل للتحـدث عن الطبيعـة باعتـبارها إما سـالب أو موجب، وهو أمر مريح جداً، حتى إن كان غير دقيق، ولكن حينما يُنقَل هذا إلى عالم الإنسان، فإن النتيجة تكون سلبية إلى أقصى حد. ولعل هذا أحد العيوب الأساسية للخطاب السياسي العربي ولطريقته في التصنيف، وأعني سقوطه في الثنائيات المتعارضة التي استوردها من العلوم الطبيعية من خلال المراجع الأجنبية. ولكن الواقع الإنساني (بما يتضمن من ثغرات وتركيب واستمرار وانقطاع) أكثر تركيبية ورحابة وأقرب إلى قوس قزح، تتداخل فيه الألوان برغم استقلالها، لا توجد له بداية حادة ولا نهاية حادة ولا حتى وسط مطلق (رغم إمكان افتراض وجود هذه الأشياء من الناحية التحليلية). ومع هذا، توجد نقطة تَركُّز للظاهرة يمكن أن يجتهد الإنسان في اكتشافها، ولذا فإن النموذج التركيبي يشجع على رصد الواقع من خلال متصل مستمر من المقولات المتداخلة ليست بالضرورة سالبة أو موجبة وإنما بين بين. والمقولات الوسطية عادةً ما تكون أكثر تركيباً ودلالة من المقولات المتطرفة. كما أن هذه المقولات الوسطية تُعبِّر عن نفسها من خلال مصطلحات جديدة استبعدها الصهاينة (والمعادون لليهود) تماماً، فهم يدورون في إطار ثنائيات صلبة متعارضة ساذجة. وتتضح المقولة الوسط المُستبعَدة في مجموعة من المصطلحات الجديدة. فبين ثنائية «الرفض اليهودي للصهيونية» و«الإذعان اليهودي لها» يوجد «التملص اليهودي» منها، وبين «العداء لليهود» و«التحيز لهم» يوجد «التحامل عليهم» و«عـدم الاكتراث بهم»، وبين ثنائية «نجاح التحديث» و«فشلـه» يوجد «تعثر التحديث».

7 ـ في إطار النموذج المركب يمكن استخدام المجاز كوسيلة تعبيرية تحليلية مشروعة، فالمجاز هو اعتراف ضمني بتركيبية العالم واستحالة رده إلى عالم الطبيعة/المادة الأحادي. والمجاز ليس مجرد زخرفة وإنما هو أداة لغوية مركبة طورها الإنسان لتساعده على إدراك حالات إنسانية بعينها لا تستطيع اللغة النثرية العادية أن تحيط بها. واستخدام المجاز ليس أمراً جديداً أو غير مألوف، فنحن حين نتحدث عن «الإنسان الاقتصادي» أو «رجل أوربا المريض» نستخدم صوراً مجازية تتسم بقدر من التركيب من وجهة نظر صاحبها كما تتسم بمقدرتها التفسيرية للواقع. وقد استخدمنا المجاز أيضاً في صياغة المصطلحات، فبجوار «رجل أوربا المريض» وضعنا «رجل أوربا النهم»، كما أن اصطلاح «التركيب الجيولوجي التراكمي» هو صورة مجازية تقف بين ثنائية العضوي والآلي، واصطلاح «العربي الغائب» هو اصطلاح يستند إلى قدر من المجاز.

8 ـ حاولنا بقدر الإمكان الإتيان بمصطلحات تتسم بقدر من الحياد وتتجاوز التحيزات الغربية والصهيونية. فبدلاً من كلمة «يهود» أو «الشعب اليهودي» استخدمنا مصطلح «جماعات يهودية»، وأسقطنا مصطلحات متحيزة مثل «العبقرية اليهودية» و «المؤامرة اليهودية» و «عداء الأغيار الأزلي لليهود» وهي مصطلحات تمتلئ بها كتب الصهاينة وأعداء اليهود، فكنا نتحدث عن «العباقرة من أعضاء الجماعات اليهودية» أو «المجرمين من أعضاء الجماعات اليهودية». وبالطبع واجهنا قضية محاولة نقل وجهة نظر العدو للقارئ. وفي هذه الحالة كان علينا أن نورد المصطلح كما هو، ترجمة مباشرة ودقيقة من العبرية أو الإنجليزية أو الألمانية فـ «الفولك Volk» هو «الشعب العضوي»، و«الجويش بيبول Jewish People» هو «الشعب اليهودي». وقد عرَّفنا هذه المصطلحات لنبيِّن للقارئ مضمونها الأيديولوجي الصهيوني. وكلما وردت في إحدى نصوصنا فإننا ننسبها للعدو ولمرجعيته ونخلق مسافة بيننا وبينها.

9 ـ تبنينا نفـس المنطق في ترجمة المصطلحات:

أ ) فكلمة «إكزايل exile» الإنجليزية و «جالوت» العبرية لم نترجمها "حرفياً " إلى «منفى» أو «شتات» إذ أن هذا يعني تبني المرجعية والتحيزات الصهيونية. وكلمة «أنتي سيمتيزم anti-semitism» لم نترجمها إلى «معاداة السامية» وكلمة «هولوكوست» لم ننقلها بمنطوقها العـبري. بل أشرنا للظاهرة الأولى بعبارة «انتشار الجماعات اليهودية في العالم»، وللظاهرة الثانية بعبارة «معاداة اليهود»، والثالثة بعبارة «الإبادة النازية لليهود». وما فعلناه هو ما فعله الفلاحون الفلسطينيون في نهاية القرن الماضي إذ نظرنا للظاهرة ودرسناها ودرسنا المفاهيم الكامنة وراءها ثم سميناها بمصطلحات تقع خارج نطاق التحيزات الغربية والصهيونية. ولم تَرد كلمات مثل «منفى» و«جالوت» إلا في محاولة نقل وجهة نظر الآخر للقارئ العربي.

ب) وفي بعض الأحيان كنا نترجم المصطلح إلى العربية ثم نضع المصطلح البولندي أو الألماني أو العبري بين قوسين لأن المصطلحات تُعبِّر عن ظواهر تتسم بقدرٍ عالٍ من الخصوصية: «التعجيل بالنهاية (دحيكات هاكتيس)» ـ «شال الصلاة (طاليت)» ـ «الشعب العضوي (فولك)» ـ «طبقة النبلاء البولنديين (شلاختا) ».

جـ) ومع هذا هناك كلمات لم نتمكن من تطبيق هذا المنطق عليها:

* فالاختصارات على سبيل المثال (الهستدروت ـ ويزو) تم نقلها كما هي.

* بعض الاصطلاحات الأعجمية التي شاعت مثل «الكيبوتس» و «المشناه» و «الجيتو».

* حاولنا قدر استطاعتنا استبعاد صيغة الجمع العبرية «الكيبوتسيم»، وبدلاً من ذلك نقول «الكيبوتسات».

د) فيما يتصل بأسماء الأعلام:

* اليهود الذي نشأوا خارج فلسطين ترجمنا أسماءهم من لغاتهم الأصلية مباشرةً «فموسى هس» هو «موسى هس» وليس «موشيه هس» و «إسحق لامدان» ليس «يتسحاق لامدان» وإنما «إسحق» وحسب.

* اليهود المولودون في فلسطين عبرنَّا أسماءهم لأن هذه هي لغتهم «فموسى ديان» هو «موشيه ديان» و «إسحق رابين» هو «يتسحاق رابين»، ورغم أن اسم «موسى» عادةً ما يُعرَّب ( «موزيس» الإنجليزية تصبح «موسى») إلا أننا عبرنَّا أسماء الأعلام الإسرائيلية حتى نكون متسقين مع أنفسنا ولأن أسماءهم العبرية قد شاعت.

هـ) أدخلنا أداة التعريف العربية على المصطلحات التي لم يمكن ترجمتها مثل «الهاجاناه»، ولكن حينما يرد المصطلح الأعجمي بين قوسين بعد الترجمة فهو يرد دون أداة التعريف.

و ) حاولنا قدر الإمكان اسـتخدام كلمات عربية وتفعيل إمكانيات المعجم العربي (استخدام المثنى ـ النحت... إلخ). وحينما كانت ترد كلمة أعجمية كُتبت بالحروف اللاتينية أوردنا قبلها نطقها بالحروف العربية حتى يستطيع القارئ العربي أن يتعامل مع الكلمة بشيء من الألفة ولا تُولَد في نفسه الرهبة. ومع أنه لا توجد قواعد محددة لطريقة كتابة نطق الكلمات الأعجمية بالعربية، فقد أخذنا بهذه الطريقة من باب الدعوة إلى أن يُفتح باب الاجتهاد في هذه الناحية.

ز ) لكن مذهبنا في تناول الكلمات الأجنبية لم يكن يعني بالضرورة الانغلاق، فحينما وجدنا مثلاً صعوبة في توليد كلمة لتقابل كلمة «إثنيك ethnic» الإنجليزية عرَّبنا الكلمة واستخدمنا كلمة «إثني» جنباً إلى جنب.

ح) لكن كل هذا لا يعني بطبيعة الحال أننا رفضنا كل الاصطلاحات والتعريفات القائمة، فقد أخذنا بكثير منها ولكن بعد أن وضحنا بُعدها المعرفي والنهائي.


حدود الموسوعة
الحديث عن إنجازات الموسوعة أمر سنتركه للمفكرين والنقاد والقراء. ومع هذا، قد يكون من المفيد أن نشير إلى ما تحاول الموسوعة إنجازه وما لم تحاوله، حتى يستطيع القارئ تحديد مستوى توقعاته منها وحتى تمكن محاكمتها من هذا المنظور وداخل الحدود التي وضعتها لنفسها.

1 ـ الموسوعة ليست موسوعة معلوماتية، ومن ثم فهي لا تهدف إلى حشد أكبر قدر ممكن من المعلومات. ورغم أنها تقدِّم قدراً كبيراً من المعلومات يفوق أحياناً ما يُقدَّم في الموسوعات المعلوماتية، إلا أن كم المعلومات ليس همها الأساسي، كما أنها لا تزعم أنها ستقدِّم للقارئ " آخر ما تم التوصل إليه " في حقل الدراسات التي تُعنَى باليهودية والصهيونية والجماعات اليهودية مع أن مؤلفها قد استفاد بكل ما أتيح له من دراسات، ومن ذلك أحدثها.

كما أنها لا تحاول أن تقدِّم عرضاً تاريخياً للظواهر التي تناولتها، رغم تأكيدها البُعد التاريخي، ورغم رفضها أن تُنزَع الظواهر من سياقها التاريخي. وهي لا تزعم لنفسها الشمول. فعلى سبيل المثال لم تضم الموسوعة كل الأعلام اليهود، وإنما حاولت تقديم أهمهم مع التركيز على الجوانب النماذجية من حياتهم. كما أن بعض الشخصيات الهامشية (من منظور النماذج السائدة) تم التركيز عليها بسبب أهميتها النماذجية. وحينما تعاملنا مع النظام السياسي الإسرائيلي، لم نقم بتغطيته تغطية شاملة بكل عناصرة، بل ركزنا وحسب على بعض الموضوعات الأساسية.

2 ـ الموسوعة، قبل كل شيء، دعوة إلى إعادة التفكير في طرق التفكير حتى نُحسِّن من أدائنا التنظيري والتفسيري الذي يجعلنا ندرك الواقع بشكل أكثر تركيباً دون الاستنامة للمقولات الاختزالية العامة الجاهزة. وتطرح الموسوعة فكرة النماذج التحليلية باعتبارها طريقة أكثر كفاءة من الطرق الأخرى في عملية رصد الواقع ودراسته وفي تنظيم المعلومات وتصنيفها وفي كيفية استخلاص النتائج والتعميمات منها، أي أن الموسوعة لا ترفض المعلومات ولا تبدأ من العدم (فهذا مستحيل) وإنما ترى ضرورة البحث عن المعلومات والتعامل معها شريطة عدم الاستسلام لها وتَوهُّم أن المعلومات هي المعرفة. ولو لم تكن المعلومات أساسية لاكتفى المؤلف منطقياً بالمجلد الأول الذي يوضح فيه نماذجه التحليلية.

3 ـ حين تناولت الموسوعة الدولة الصهيونية تعاملت مع الأنماط المتكرة والثوابت الإستراتيجية وحسب وركزت على البُعد الصهيوني للظواهر الإسرائيلية وعلى تلك الظواهر الإسرائيلية التي استقرت نوعاً ما وأصبـحت ذات طابع بنيوي مثل «عنـصرية المجتمع الإسرائيلي» باعتباره مجتمعاً استيطانياً إحلالياً، ووظيفية الدولة الصهيونية.

4 ـ لا تكتفي الموسوعة بتقديم شرح منهج محدَّد (دراسة الواقع من خلال نماذج تفسيرية) وإنما تحاول أن تُقدِّم دراسة حالة: اليهود واليهودية والصهيونية وبعض جوانب التجمُّع الصهيوني. في هذا الإطار حاولت الموسوعة أن تقدم تاريخاً عاماً للعقيدة اليهودية والحركة الصهيونية ودراسـة متكاملة على مسـتوى عالمي (زماني ومكاني) يضم الصين والهند وغرب أوربا وشـرقها، قبل عصر النهضة وبعدها؛ وهي دراسة تبرز التنوع وعدم التجانس بين الجماعات اليهودية.

5 ـ تحـاول الموسـوعة أن تقدم الظواهر اليهـودية من خلال مجموعة من النماذج والسياقات (التاريخية ـ الاجتماعية ـ الاقتصادية ـ الدينية) المختلفة التي تساهم في تعريف المفاهيم والمصطلحات السائدة تعريفاً أكثر تفسيرية وتبرز جوانبها الإشكالية وتبتعد بذلك عن الواحدية السببية التي تُفسِّر كل الظواهر في إطار سبب واحد (مادي عادةً). واعتراضنا على المادية ليس بسبب ماديتها، فهناك من الظواهر ما لا يمكن تفسيره إلا من خلال نماذج مادية، وإنما بسبب زعمها الشمولية التفسيرية التي تؤدي إلى الاختزالية والواحدية. فعلى سبيل المثال، حينما تتعرض الموسوعة لظاهرة مثل يهود الاتحاد السوفيتي فإنها تفعل ذلك من خلال عدة مداخل عن تاريخ اليهود وتَوزُّعهم الوظيفي وأعدادهم وأسباب هجرتهم وانتماءاتهم السياسية والفكرية والدينية في كلٍّ من روسيا القيصرية وروسيا السوفيتية والمشاكل المادية والمعنوية التي قابلوها. كما توجد عدة مداخل أخرى عن أنواع يهود الاتحاد السوفيتي (القراءون ـ الكرمشاك ـ الجورجيون ـ يهود اليديشية ـ يهود الجبال ـ يهود بخارى.. إلخ). وتضم الموسوعة أيضاً مداخل عن موقف ماركس وإنجلز والبلاشفة من المسألة اليهودية، وعلاقة اليهود بالفكر الاشتراكي، وتطور الرأسمالية الغربية، وتطور العلمانية.

6 ـ تقوم الموسوعة باستخدام النماذج التحليلية. والنماذج هي ثمرة عملية تجريد بحيث يمكن النظر للظاهرة في علاقتها بظواهر أخرى مماثلة. وهذه قضية في غاية الأهمية في حالة دراسة اليهود، إذ يمكن من خلال النماذج التحليلية الخروج بالظواهر اليهودية من جيتو التفرُّد (الصهيوني المعادي لليهود واليهودية) بحيث يتم ربطها بظواهر مماثلة. فاشتغال اليهود بالتجارة في الحضارة الغربية يتم ربطه باشتغال الصينيين بالتجارة في جنوب شرق آسيا، وظاهرة اليهود المتخفين (المارانو) في شبه جزيرة أيبريا يتم ربطها بظاهرة المسلمين المتخفين (الموريسكيين). ونحن بذلك لا نَسقُط في أية عنصرية تفسيرية أو فعلية، كما أننا نبيِّن بذلك أن اليهود بشر وأن مفهوم الإنسانية المشتركة مفهوم له مقدرة تفسيرية.

7 ـ طوَّرت الموسوعة مفهوم الجماعات الوظيفية باعتبارها مفهوماً تحليلياً مركباً، كما بيَّنت أهمية الدور الوظيفي للجماعات اليهودية وإدراك الجماعات اليهودية باعتبارها وظيفة تُؤدَّى ودوراً يُلعَب داخل مجتمع الأغلبية. ومن خلال هذا المفهوم، أمكن لنا أن ندرك الاستمرارية بين المفهوم الغربي لليهود باعتبارهم جماعات وظيفية وبين الرؤية الغربية للدولة الصهيونية باعتبارها دولة وظيفية (قاعدة للاستعمار الغربي وحليفاً إستراتيجياً له). وأبرز لنا هذا المفهـوم التحـليلي الأهـمية التاريخـية لتجربة أعضـاء الجـماعات اليهودية في بولندا في إطار الإقطاع الاستيطاني.

8 ـ طوَّرت الموسوعة نموذج الرؤية العلمانية الإمبريالية الشاملة كنموذج تفسيري شامل، وبيَّنت العلاقة بين العلمنة الشاملة والإمبريالية وأثر كل هذا على الجماعات الوظيفية في الغرب والعالم.

9 ـ طوَّرت الموسوعة نموذج الحلولية الكمونية الواحديةكنموذج تفسيري. وفي ضوء هذا، أعدنا كتابة تاريخ اليهودية وتاريخ أعضاء الجماعات اليهودية وبيَّنا الأهمية المحورية لظهور القبَّالاه (باعتبارها نسقاً غنوصياً حلولياً كمونياً متطرفاً).


10 ـ أبرزت الموسوعة التمييز البديهي بين اليهود واليهودية، أي التمييز بين المثالي والمعياري من جهة، والفعلي والمتحقق من جهة أخرى؛ بين أحلام البشر وأشواقهم من جهة، وأدائهم وواقعهم من جهة أخرى.

11 ـ تميِّز الموسوعة بين التاريخ المقدَّس الذي ورد في العهد القديم والتاريخ الزمني الذي يعيش في إطاره أعضاء الجماعات اليهودية. وانطلاقاً من هذا، بيَّنا أنه لا يوجد تاريخ يهودي عام وعالمي مستقل عن تواريخ البشر. ومن ثم، حاولت الموسوعة أن تُعيد كتابة تواريخ أعضاء الجماعات اليهودية بطريقة أكثر تركيبية وتفسيرية، ومن ثم أكثر إنسانية عما كُتب من تواريخ اختزالية. وحاولنا أن نُبيِّن أنه لا يوجد تاريخ ليهود مصر بمعزل عن تاريخ مصر، ولا تاريخ ليهود بابل بمعزل عن تاريخ بابل، ولا تاريخ ليهود الولايات المتحدة بمعزل عن تاريخ بلدهم.

12 ـ تُبيِّن الموسوعة أنه لا يوجد تاريخ للصهيونية مستقل عن تاريخ الحضارة الغربية الحديثة، ولا تاريخ للصهيونية غير اليهودية منفصل عن تاريخ الصهيونية بين اليهود، ولا تاريخ للصهيونية منفصل عن تاريخ العداء لليهود، ولا تاريخ للفكر اليهودي الغربي بمعزل عن تاريخ الفكر الغربي. ورغم إدراكنا للوحدة النهائية، إلا أننا طوَّرنا مفهوماً للوحدة الفضفاضة لا يَجُبُّ استقلالية كل ظاهرة عن الأخرى.

13 ـ حاولت الموسوعة ضبط المستوى التعميمي والتخصيصي، فقامت بتأكيد البُعد الإنساني العام في الظواهر اليهودية، ذلك البُعد الذي تحرص الدراسات الصهيونية والمعادية لليهودية على إخفائه، وحاولت أن تبتعد عن الأيقنة وتأكيد الخصوصية والتفرُّد (الذي تحرص الدراسات الصهيونية والمعادية لليهودية على إبرازه). ولكنها، في الوقت نفسه، لم تسقط في التعميم الذي يُفقد الظاهرة ملامحها وقسماتها ومنحناها الخاص. وقد بيَّنا أن هذا الخطاب التحليلي السائد في تلك الدراسات التي تُعنَى باليهود واليهودية والصهيونية يتأرجح بين التعميم الشديد والتخصيص الشديد. فالإبادة النازية لليهود إن هي إلا تعبير عن نمط متكرر عام هو العداء الأزلي لليهود من قبَل الأغيار. ويمكن أيضاً المغالاة في التخصيص، فيُقال إن الإبادة النازية لليهود إن هي إلا جريمة ألمانية خالصة ضد اليهود وحدهم. وذهبنا في هذا إلى أن الإبادة النازية لحظة نماذجية فريدة ولكنها تعبير عن نمط عام هو استخدام الإبادة (بصورة عامة) من قبَل التشكيل الإمبريالي الغربي كآلية إمبريالية لإعادة صياغة العالم ونقل الفائض السكاني الغربي خارج القارة الأوربية وإحلاله محل العناصر البشرية التي تتم إبادتها. ولذا فإن إبادة اليهود على يد النازيين تشبه إبادة سكان أمريكا الأصليين على يد المستوطنين البيض ولا تختلف كثيراً عن المشروع الصهيوني الذي كان يهدف إلى نقل الفائض السـكاني اليهودي خارج القارة الأوربية وتوطينه في فلسـطين ليحل محل الفلسـطينيين الذين يتم طردهم وإبادتهم أحياناً. ومع هذا، فالإبادة النازية لها خصوصيتها إذ أنها عملية الإبادة الوحيدة التي تمت داخل أوربا وليس خارجها، على عكس عمليات الإبادة الأخرى. كما أنها تمت بمنهجية صارمة لم تتسم بها عمليات الإبادة الأخرى.

14 ـ من خلال نموذج الحلولية، تحاول الموسوعة أن تطرح أساساً جديداً لعلم مقارنة الأديان يبتعد عن الرصد البراني للشعائر والعقائد ويحاول أن يصل للنماذج الكامنة التي تبين الاختلاف حين يُظَن الاتفاق، والاتفاق حين يُظَن الاختلاف. ففي ضوء نموذج الحلولية الكمونية أمكن إعادة تحديد علاقة اليهودية بالمسيحية، كما أمكن إعادة تعريف العلاقة بين المسيحية واليهودية والإسلام بحيث يتضح التقارب بين المسيحية والإسلام (والتباعد بين الإسلام واليهودية) على عكس ما هو مُتصوَر في كثير من الدراسات. وتحاول الموسوعة تفسير ظاهرة الإصلاح الديني (وما صاحبها من حركات صوفية متطرفة) باعتبارها تعبيراً عن تزايد معدلات الحلولية الكمونية ومن ثم تصاعد معدلات العلمنة. وبهذه الطريقة، أمكن الربط بين البروتستانتية والإنسانية الهيومانية رغم تعارضهما الظاهر.

15 ـ ارتبط بهذا تطوير مصطلحات جديدة تعبِّر عن مفاهيم جديدة. فبدلاً من «الصهيونية العالمية» نتحدث عن «الصهيونيتين (التوطينية والاستيطانية)» و«العلمانيتين (الجزئية والشاملة)». ويُلاحَظ أن المصطلحات المُستخدَمة في حقل الدراسات التي تُعنَى باليهود واليهودية والصهيونية تُجسِّد التحيزات الصهيونية والغربية، ولذا فقد تم إحلال مصطلحات أكثر حياداً محلها؛ فتم مثلاً استبعاد مصطلح مثل «الشعب اليهودي» الذي يفترض أن اليهود يشكلون وحدة عرقية ودينية وحضارية متكاملة (الأمر الذي يتنافى مع الواقع) ليحلّ محله مصطلح «الجماعات اليهودية»، وبدلاً من كلمة «الشتات» استُخدمت العبارة المحايدة «أنحاء العالم»، وبدلاً من «التاريخ اليهودي» تشير الموسوعة إلى «تواريخ الجماعات اليهودية». والمصطلحات البديلة ليست أكثر حياداً وحسب وإنما أكثر دقة وتفسيرية.

16 ـ حاولت الموسوعة أن توضح أن المؤشرات لا تشير بالضرورة إلى ما هو مُتَعارَف عليه في الأوساط العلمية. فهجرة يهودي إلى إسرائيل ليست بالضرورة تعبيراً عن انتمائه الصهيوني، وبناء معبد يهودي لا يعني بالضرورة تزايد معدلات التمسك بالعقيدة اليهودية.

17 ـ والعناصر السابقة، رغم أنها مرتبطة أساساً بحقل الدراسات الخاصة باليهود واليهودية، إلا أن تعميمها على حقول معرفية أخرى أمر ممكن، فقضية النماذج الاختزالية في مقابل النماذج المركبة يواجهها كل الدارسين في حقل الدراسات الإنسانية.

18ـ من خلال نموذج الحلولية، حاولت الموسوعة أن تُلقي أضواء جديدة على تاريخ العلمنة والعلمانية الشاملة وعلى تَطوُّر الحضارة الغربية الحديثة (من التحديث والحداثة إلى ما بعد الحداثة) ودور الترشيد (في الإطار المادي). وطرحت الموسوعة فكرة التراكم الإمبريالي بدلاً من التراكم الرأسمالي.

19ـ تحاول الموسوعة أن تبيِّن علاقة مفهوم الحلولية بمقولة التجاوز والإنسانية المشتركة (باعتبار الإنسان مقولة متجاوزة للطبيعـة/المــادة رغـم أنهـا تتبــدى من خــلالها، وباعـتبار ثنـائية الإنسان والطبيعة صـدى لثنائية الخـالق والمخـلوق وتعبير عن نموذج التوحيد). كما تحاول أن تبيِّن الدلالات المعرفية والإمكانات البحثية لهذه العلاقة.

20ـ تحاول الموسوعة أن تشـرح مفهـوم المسـافة (الحـيز الإنســاني) التـي تفصل الخالق عن المخلوق (والدال عن المدلول، والكل عن الجزء، والمطلق عن النسبي، والنموذجي عن الواقع). وأن تطرح حلاًّ لمشكلة القيمة في العلوم الاجتماعية؛ فالقيمة الأخلاقية معيارية ومثالية يحتكم إليها الفاعل الإنساني ولكنها لا تتجسد بالضرورة في الواقع، ومن ثم فهي لا تخضع للبحث الإمبريقي رغم تبدِّيها في سلوك الناس وطموحاتهم وأشواقهم.

21 ـ حاولت الموسوعة أن تطرح طرقاً جديدة للتعريف وإعادة التعريف: «التعريف من خلال دراسة الحقل الدلالي لمجموعة من المصطلحات المتداخلة المتشابكة» و«التعريف من خلال التفكيك وإعادة التركيب في ضوء الثوابت البنيوية والمسلمات الكامنة».

22 ـ بل تحاول الموسـوعة توسيع نطاق علم الاجتماع من خلال ربطه بمسـتويات جديدة من الوعي والنشـاط الإنساني، بحيث لا يُستبعَد المجهول ويبقى المعلوم، ولا يُستبعَد المعرفي (الكلي والنهائي) ويبقى السياسي والاقتصادي والملموس، ولا يُستبعَد الإنساني المركب ويبقى المادي الواحدي.

23 ـ تحاول الموسوعة أن تستعيد الفاعل الإنساني وتركيبيته، وأحد العناصر الأساسية هنا هو الإنسانية المشتركة (كبديل لمفهوم الطبيعة البشرية الجامد والإنسانية الواحدة). وتقترح الموسوعة إمكانية توليد معيارية من هذه الإنسانية المشتركة وتذهب إلى أن رفض العلوم الإنسانية الغربية لمفهوم الإنسانية المشتركة والثوابت الإنسانية العالمية أدَّى بها إلى السقوط في النسبية والسيولة والعمومية وأخيراً العدمية.

24 ـ تطرح هذه الموسوعة نفسها كمحاولة أولية لإعادة تأسيس أحد حقول الدراسة (دراسة اليهود واليهودية والصهيونية) انطلاقاً من رؤية عربية إسلامية. ونحن نذهب إلى أنه يمكن محاكاتها أو الاستفادة منها في محاولة تأسيس علوم إنسانية عربية بشكل منهجي. والموسوعة، كشكل من أشكال التأليف، تحاول تغطية المصطلحات والمفاهيم والأعلام في تخصص ما. وتحاول الموسوعة (في جانبها التفكيكي) أن تقوم بتفكيك المفاهيم السائدة، وهي في أغلب الأحيان مفاهيم غربية، ثم تحاول بعد ذلك (في جانبها التأسيسي) تأسيس نماذج تحليلية تتفرع عنها مفاهيم ومصطلحات نابعة من التجربة العربية والإسلامية، ومن زاوية رؤيتنا.

25 ـ يمكن القول بأن الموسوعة ككل هي موسوعة كتبها مؤلف يشعر أن الحداثة الغربية( التي تدور في إطار العقلانية واللاعقلانية المادية والعلمانية الشاملة) قد أدخلت الجنس البشري بأسره في طريق مسدود. وتطرح الموسوعة أسئلة معرفية (كلية ونهائية): ماذا يحدث للإنسان في عالم بدون إله؟ وماذا يحدث للإنسان في عالم نسبي لا توجد فيه ثوابت ولا مطلقات ولا قيم عالمية؟ وماذا يحدث للإنسان في عالم توجد فيه حقائق بلا حقيقة ولا حق؟ وما هو مصير الإنسان في عالم انفصل فيه العلم عن القيمة وعن الغائية الإنسانية؟. واليهودي الذي تم تهجيره إلى إسرائيل تحت مظلة الإمبريالية الغربية وتم تحويله إلى شخصية داروينية شرسة حتى يتسنى توظيفه في خدمتها، والذي تتم إبادته في ألمانيا النازية بطريقة منهجية، وتم دمجه في الحضارة الاستهلاكية حتى لم يبق من ماضيه وهويته سوى القشور وتم قمعه وترشيده من الداخل والخارج: أليس هذا اليهودي مثلاً صارخاً لما يحدث للإنسان في عصر الحداثة والعقلانية واللاعقلانية المادية؟ ومن هنا، فإن الموسوعة تطالب بالبحث عن حداثة جديدة لا تنتهي إلى موت الإنسان والطبيعة بعد أن أعلنت بصلف وخيلاء موت الإله.

26ـ ومع أن الموسـوعة حاولت إنجاز الكثير، إلا أن ما تقدمه هو أساساً برنامج بحثي وطرح لأسـئلة وإثارة لإشكاليات، أي أنها ورقة عمل بشأن الموضوعات التي تناولتها أكثر من كونها إجابات محدَّدة. وقد حاولنا أن نُحدِّد بعض معالم الإجابات وأن نوضح المنهج الذي استخدمناه في الوصول إلى هذه الإجابات. ومع هذا، تظل الموسوعة في نهاية الأمر جدول عمل، أي اجتهاداً أولياً.

وبقية مداخل هذا المجلد هو محاولة توضيح الإطار النظري الذي تنطلق منه الموسوعة فيتناول الجزء الأول الأساس الفلسفي، فنتناول المفردات الأساسية التي نستخدمها انطلاقاً من نموذجنا التحليلي، وما نسميه «إشكالية الإنساني والطبيعي والموضوعي والذاتي». أما الجزء الثاني فيتناول النموذج كأداة تحليلية. وتتناول بقية الأجزاء (الثاني والثالث والرابع) النماذج الأساسية الثلاثة المستخدمة في الموسوعة: الحلولية ـ العلمانية الشاملة ـ الجماعات الوظيفية. وبقية مجلدات الموسوعة هي محاولة لتطبيق هذا الإطار النظري على حالة محددة هي حالة اليهود واليهودية والصهيونية وإسرائيل.


الباب الثانى: مفـردات


المرجعية النهائية، المتجاوزة والكامنة

كلمة «مرجع» من «رجع» بمعنى «عاد». يُقال «رجع فلان من سفره» أي «عاد منه»، و«المرجع» هو «محل الرجوع» وهو «الأصل». وفي التنزيل العزيز "إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون" (المائدة 105 ) . ومن هنا كلمة «مرجعية» التي تعني الفكرة الجوهرية التي تشكل أساس كل الأفكار في نموذج معين والركيزة النهائية الثابتة له التي لا يمكن أن تقوم رؤية العالم دونها (فهي ميتافيزيقا النموذج). والمبدأ الواحد الذي تُردّ إليه كل الأشياء وتُنسَب إليه ولا يُردّ هو أو يُنسَب إليها. ومن هنا، يمكن القول بأن المرجعية هي المطلق المكتفي بذاته الذي يتجاوز كل الأفراد والأشياء والظواهر وهو الذي يمنح العالم تماسكه ونظامه ومعناه ويحدد حلاله وحرامه. وعادةً ما نتحدث عن المرجعية النهائية باعتبار أنها أعلى مستويات التجريد، تتجاوز كل شيء ولا يتجاوزها شيء. ويمكننا الحديث عن مرجعيتين: مرجعية نهائية متجاوزة ومرجعية نهائية كامنة.

1 ـ المرجعية النهائية المتجاوزة:

المرجعية النهائية يمكن أن تكون نقطة خارج عالم الطبيعة متجاوزة لها وهي ما نسميها «المرجعية المتجاوزة» (للطبيعة والتاريخ والإنسان). هذه النقطة المرجعية المتجاوزة، في النظم التوحيدية، هي الإله الواحد المنزَّه عن الطبيعية والتاريخ، الذي يحركهما ولا يحل فيهما ولا يمكن أن يُردَّ إليهما. ووجوده هو ضمان أن المسافة التي تفصل الإنسان عن الطبيعة لن تُختَزل ولن تُلغى. فالإنسان قد خلقه الله ونفخ فيه من روحه وكرَّمه واستأمنه على العالم واستخلفه فيه، أي أن الإنسان أصبح في مركز الكون بعد أن حمل عبء الأمانة والاستخلاف. كل هذا يعني أن الإنسان يحوي داخله بشكل مطلق الرغبة في التجاوز ورفض الذوبان في الطبيعة، ولذا فهو يظل مقولة مستقلة داخل النظام الطبيعي. كما أنه يعني أن إنسانية الإنسان وجوهره الإنساني مرتبط تمام الارتباط بالعنصر الرباني فيه. ومع هذا فبإمكان النظم الإنسانية الهيومانية (التي لا تعترف بالضرورة بوجود الإله) أن تجعل الإنسان مركز الكون المستقل القادر على تجاوزه ومن ثم تصبح له أسبقية على الطبيعة/المادة.

2 ـ المرجعية النهائية الكامنة:

يمكن أن تكون المرجعية النهائية كامنة في العالم (الطبيعة أو الإنسان)، ومن هنا تسميتنا لها بالمرجعية الكامنة. وفي إطار المرجعية الكامنة، يُنْظر للعالم باعتبار أنه يحوي داخله ما يكفي لتفسيره دون حاجة إلى اللجوء إلى أي شيء خارج النظام الطبيعي. ولذا، لابد أن تسيطر الواحدية (المادية)، وإن ظهرت ثنائيات فهي مؤقتة يتم محوها في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، ففي إطار المرجعية الكامنة لا يوجد سوى جوهر واحد في الكون، مادة واحدة يتكون منها كل شيء، وضمن ذلك المركز الكامن نفسه (ومن هنا إشارتنا أحياناً إلى «المرجعية النهائية الكامنة» باعتبارها «المرجعية الكامنة المادية» أو «المرجعية الواحدية المادية»). ونحن نذهب إلى أن كل النظم المادية تدور في إطار المرجعية الكامنة، ومن هنا إشـارتنا إلى المادية باعتبارها وحدة الوجود المادية.

وفي إطار المرجعية المادية الكامنة، فإن الإنسان كائن طبيعي وليس مقولة مستقلة داخل النظام الطبيعي، وإنما هو مُستوعَب تماماً فيه، ويسقط تماماً في قبضة الصيرورة، فتسقط المرجعية الإنسانية وتصبح الطبيعة/المادة هي المرجعية الوحيدة النهائية.

ويذهب دعاة المرجعية المادية الكامنة إلى أن رغبة الإنسان في التجاوز رغبة غير طبيعية، ومن ثم غير إنسانية (باعتبار أن الطبيعي والإنساني مترادفان)، وإلى أن الأجدر بالإنسان أن يذوب في الكل الطبيعي بحيث يظهر الإنسان الطبيعي. وبهذا المعنى، فإن المرجعية الكمونية المادية تشكل هجوماً على الإنسان ككيان حر مستقل عن الطبيعة/المادة وعلى مركزيته في الكون.

وقد وُصفت الوثنية بأنها محاولة إنزال الآلهة من السماء إلى الأرض (وإدخالها في نطاق المرجعية المادية الكامنة) بحيث تخضع لقوانين الأرض الطبيعية/المادية، ومن ثم يخضع الإنسان هو الآخر لهذه القوانين، إذ كيف يمكنه تجاوزها إذا كانت الآلهة نفسها خاضعة لها؛ مستوعَبة تماماً في الواحدية المادية الكونية؟ (والنزعة الوثنية لا تختلف في هذا عن النزعات العلمانية المادية الطبيعية التي ترجع كل شيء إلى الطبيعة/المادة وتنكر أي إمكانية للتجاوز الإنساني). أما الديانات التوحيدية، فهي نوع من محاولة الصعود بالإنسان إلى الإله في السماء (وإدخاله في نطاق المرجعية المتجاوزة). فالإنسان، بما فيه من رغبة في التجاوز، له قانون خاص ووجود مستقل عن المادة وعن الطبيعة. ومن ثم تُطرح أمام الإنسان إمكانية أن يعبِّر عما بداخله من طاقات غير مادية (ربانية إن شئت)، وأن يتجاوز قوانين الطبيعة والمادة ويحقق القانون الإلهي (أو الجوهر الإنساني) المختلف عن القانون المادي الطبيعي.

الرد (رد إلى)
«ردَّ الشيء» أي «حوَّله من صفة إلى صفة»، و«ردَّ الشيء إلى الشيء» «أرجعه إليه». والرد في اصطلاح الفلاسفة إرجاع الشيء إلى ما نتصور أنه عناصر أساسية وتخليته من العناصر الغريبة عنه. كأن نقول "رد المذهب إلى نقاطه الأساسية". وفي إطار المرجعية المادية الكامنة يتم رد كل الظواهر إلى المركز الكامن في الكون وهو الطبيعة/المادة وهو ما يؤدي إلى هيمنة الواحدية المادية، على عكس المرجعية المتجاوزة إذ لا يمكن رد الإنسان في كليته إلى شيء كامن في الكون، فهو يحوي داخله النزعة الربانية. وأية عملية تفسيرية تحليلية تتضمن عملية رد، إذ تُردَّ التفاصيل الكثيرة الظاهرة إلى الوحدة الكامنة غير الظاهرة.

المسافة والحدود والحيز الإنسانى
«المسافة» هي «البُعْد» وهي أيضاً «المساحة»، وقد تُستخدَم في الزمان فيُقال «مسافة يوم أو شهر». والمسافة مرتبطة تمام الارتباط بفكرة الحدود. والحد في اللغة يعني «المنع والفصل بين الشيئين»، و«منتهى كل شيء» هو «حده» (المعنى الأنطولوجي). والحد هو أيضاً تأديب المذنب كقولنا: «طُبِّقَ عليه الحد»، و«حدود الله تعالى» هي الأشياء التي بيَّن حرامها وحلالها (المعنى الأخلاقي). و«الحد» هو «التعريف الكامل» أو «تحليل تام لمفهوم اللفظ المراد تعريفه»، و«حد الشيء» هو «الوصف المحيط بمعناه المميَّز له عن غيره» (المعنى الدلالي). وأخيراً «حدّ الشيء» هو مصدر تميُّزه وهويته (المعنى النفسي). فكأن الحدود مرتبطة كل الارتباط بوجود الشيء وبمضمونه الأخلاقي وبإمكانية معرفته ودلالته وهويته.

ونحن نذهب في هذه الموسوعة إلى أن المنظومات المعرفية التي تدور في إطار المرجعية المتجاوزة (مثل العقائد التوحيدية) نظم تحتفظ بالحدود الفاصلة بين الخالق العلي المتجاوز ومخلوقاته، فهو مركز النموذج المفارق والمتجاوز له. ولذا، تظل المسافة والحدود قائمة بين الخالق والمخلوق لا يمكن اختزالها مهما كانت درجة اقتراب المؤمن من الإله. ومن هـنا، لا يمكن في الإطار التوحيدي أن "يصل" المتصـوف إلى الالتصاق بالإله أو الاتحاد به، فثمة مسافة جوهرية ثابتة. ولذا، فإن رسول الله نفسه (صلى الله عليه وسلم) لم "يصل"، بل ظل قاب قوسين أو أدنى في أقصى حالات الاقتراب. وهذا ما سماه أحد الفقهاء «البينية»، أي وجود حيز "بين" الخالق والمخلوق.

ووجود الحدود بين الخالق والمخلوق يعني أن المخلوق له حدوده لا يتجاوزها، ولكنها تعني أيضاً أنه له حيزه الإنساني المستقل، ولذا يظل الإنسان صاحب هوية محددة وجوهر مستقل، ومن ثم فهو كائن حر مسئول.

والمسافة بين الخالق والمخلوق يمكن أن تصبح ثغرة أو هوة إن ابتعد المخلوق عن خالقه وانعزل عنه ونسي خصائصه الإنسانية (المرتبطة بأصله الرباني) التي تميزه عن بقية الكائنات. ولكن إن حاول الإنسان التفاعل مع الإله وتذكَّر أصوله وأبعاده الربانية التي تميزه عن الكائنات الطبيعية، فإن المسافة تتحول إلى مجال للتفاعل ويصبح الإنسان نفسه كائناً مُستخلَفاً في الأرض يشغل المركز، وذلك بسبب القبس الإلهي داخله وبسبب تفاعله مع الخالق.

أما في المنظومات التي تدور في إطار المرجعية الكامنة (مثل النظم الحلولية)، يحاول المخلوق، أي الإنسان، أن يضيِّق المسافة بينه وبين الخالق تدريجياً إلى أن يصل إلى الإله ويلتصق به ثم يتوحد معه، وبذا يصل إلى مرحلة وحدة الوجود حين يصبح المركز كامناً في الإنسان وفي كل المخلوقات وفي العالم المادي، إذ تُلغى المسافة بين الخالق ومخلوقاته ويختفي الحيز الإنساني ويصبح الخالق ومخلوقاته واحداً، ويُردُّ الكون بأسره إلى مبدأ واحد فتُلغى المسافات وتُسد الثغرات، ويصبح الكون كياناً عضوياً صلباً (أو ذرياً مفتتاً) تسوده الواحدية المادية. وهنا يصبح الإنسان جزءاً لا يتجزأ من الطبيعة/المادة ليس له ما يميِّزه عن بقية الكائنات، وتضيع الحدود بين الخير والشر وبين الدال والمدلول.

المركز
كلمة «المركز» من فعل «ركز»، ويقال " ركز السهم في الأرض " بمعنى «غرزه» و«ركز الله المعادن في الأرض أو الجبال» بمعنى «أوجدها في باطنها». و«المركز» هو «المقر الثابت الذي تتشعب منه الفروع»، و«مركز الدائرة» هو نقطة داخل الدائرة، تتساوى الشعاعات الخارجة منها إلى المحيط. ونحن نستخدم كلمة «مركز» في هذه الموسوعة بمعنى: مطلق مكتف بذاته، لا يُنسَب لغيره، واجب الوجود، لا يمكن أن تقوم رؤية للعالم بدونه. وفي إطار المرجعية المتجاوزة، فإن مركز الكون متجاوز للكون منزَّه عنه، أما في إطار المرجعية المادية الكامنة فمركز الكون كامن فيه. والمركز عادةً موضع الكمون والحلول أو النقطة التي تتحقق فيها أعلى درجاته، ومن ثم فإن العنصر (المادي) الذي يشغل المركز في المنظومات الكمونية تكون له أسبقية على بقية العناصر.

المبدأ الواحد
«المبدأ الواحد» عبارة تتواتر في هذه الموسوعة وتشير في المنظومات الحلولية الكمونية الواحدية (الروحية والمادية) إلى مصدر وحدة الكون وتماسكه وهو القوة الدافعة التي تضبط وجوده، قوة سارية في الأجسام، كامنة فيها، وتتخلل ثناياها وتضبط وجودها، قوة لا تتجزأ ولا يتجاوزها شيء ولا يعلو عليها أحد. وهي النظام الضروري الكلي للأشياء؛ نظام ليس فوق الطبيعة وحسب، ولكنه فوق الإنسان أيضاً، لا يمنحه أو أي كائن آخر أية أهمية خاصة. هذه القوة قد يجسدها الموجود ويصل إلى كماله الطبيعي من خلالها، ولكنها هي أيضاً قوة غير متعينة لا تكترث بالتمايز الفردي. وهذه القوة يسميها دعاة وحدة الوجود الروحية «الإله»، بينما يطلق عليها دعاة وحدة الوجود المادية «قوانين الحركة»، أو أية عبارات أخرى. وحيث إن المبدأ الواحد كامن في الظواهر الطبيعية فنحن نشير إليه أحياناً باعتباره «المبدأ المادي الواحد». والمبدأ الواحد هو عادةً مركز النسق، وهو يأخذ أشكالاً مختلفة أهمها «الطبيعة/المادة»، وتنويعات أخرى عليها نسميها «المطلقات العلمانية».

المعنى والهدف والغاية
«المعنى» هو «ما يُقصَد بشيء»، و«معنى الكلام» فحواه ومضمونه وما يدل عليه القول أو اللفظ أو الرمز أو الإشـارة. ومن هنا تُستخدَم عبارة «معنى الوجود» أو «معنى الحياة»، أي أن الوجود له هدف وغاية (باليونانية: تيلوس)، و«الغائية» هي الإيمان بأن العالم له معنى وغاية (وعكسها هو «العدمية»)، وهذا ما تفترضه الديانات التوحيدية ("ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك" آل عمران 191) فإن كان للوجود معنى، فحياة كل إنسان لها معنى، ولا يمكن تصوُّر معنى لعالم تسود فيه الصدفة، وتتم عملية خلقه بالصدفة المحضة، أو تكون حركته حركة مادية آلية مثل حركات الذرة. فإذا كانت حركة الإنسان هي نفسها حركة المادة، وكانت حركة المادة حتمية وتتم خارج وعي الإنسان وخارج أية غائية إنسانية، فإن كل ما يحدث سيحدث، ولا يمكن أن تنطبق عليه معايير خارجة عنه، أي أن كل الأمور تصبح نسبية بل حتمية وتتم تسوية الإنسان بالأشياء. والعلم الطبيعي الذي يتعامل مع الأشياء أو مع الإنسان بمنطق الأشياء ينتج معرفة منفصلة عن القيم الأخلاقية، بل إن تَقدُّم العلم مرتبط تمام الارتباط بانفصاله عن القيمة والغائية (إلى أن تنفصل النزعة التجريبية عن النزعة العقلانية تماماً). ومن هنا التمييز بين «المعنوي» و«المادي»، فالمعنوي مرتبط بالهدف والغاية وهما يتجاوزان المادة، أما المادي فلا هدف له ولا غاية. ونلاحِظ أنه في الحضارات المادية (سواء الوثنية القديمة أو العلمانية الحديثة) التي تعلي شأن المادة وترى أسبقيتها على الإنسان، أي ترى أسبقية المادي على المعنوي، يظهر ما يُسمَّى «أزمة المعنى» التي يعبَّر عنها بتعبيرات مثل «الاغتراب» أو «اللامعيارية (الأنومي)» و«التشيؤ» و«التسلع» وغيرها. ويعبِّر الأدب الحداثي عن أزمة المعنى التي يواجهها الإنسان الغربي.

ويُلاحَظ أن النسبية الحديثة تأخذ شكلاً جديداً تماماً، فهي لا تنكر إمكانية الوصول إلى المعنى، وإنما تطرح إمكانية الوصول إلى معان كثيرة كلها متساوية في الشرعية. وهي تنكر من ثم فكرة الحقيقة الكلية، فالكل بطبيعته، مادياً كان أم روحياً متجاوز للأجزاء، ومن ثم يشير إلى ما وراء الأجزاء وما وراء المادة. فوجود الكل المتجاوز للأجزاء يعني أن الأجزاء خاضعة للكل، وهي خاضعة له حسب فكرة ما ومعنى ما، لوجوس ثابت متجاوز، مطلق، وفي نهاية الأمر ميتافيزيقا، أي الإله، وهنا لا يمكن الاستمرار في إنكار القصد والغاية والمعنى وهرمية الواقع. وفكر ما بعد الحداثة هو تعبير عن هذا الاتجاه الذي يشكل في واقع الأمر إذعاناً كاملاً لأزمة المعنى وعملية تطبيع اللامعيارية التي يواجهها الإنسان الحديث.

التجاوز والتعالى (مقابل الحلول والكمون)
«التجاوز والتعالي» تُترجَم بالإنجليزية بكلمة «الترانسندانس transcendence»، وهي من اللاتينية: «ترانس كنديري transcendere» من مقطعي «ترانس» بمعنى «وراء»، و«كنديري» بمعنى «يتسلق»، أي «يذهب وراء». وكلمة «تجاوز» عادةً ما توضع مقابل «كمون»، و«حلول» (وقد ترجمت الكلمة الإنجليزية إلى الكلمات العربية التالية: «صوري» - «مفارق» - «متسام» - «ترانسندنتالي» - وأحياناً «جواني»). والتعالي هو أن يعلو الشيء ويرقى حتى يصير فوق غيره؛ ولذا فهو شيء مفارق ليس فوقه شيء، وهو يجاوز كل حدٍّ معلوم أو مقام معروف. والشيء المتعالي لهذا السبب يتحدى التجربة المادية والتفسير العلمي المادي. وعكس التعالي والتجاوز الحلول والكمون. بالإنجليزية «مانثيزم pantheism»، و«إمننانس immanence» (انظر الباب المعنون «الحلولية ووحدة الوجود الكمونية»).

وفلسفة التعالي تذهب إلى القول بأن وراء الظواهر الحسية المتغيرة جواهر ثابتة أو حقائق مطلقة قائمة بذاتها مجردة من شروط الزمان والمكان، وأن هناك علاقات ثابتة محيطة بالحوادث ومستقلة، أي أن النظام الطبيعي، بكل ما يتسم به من تغيُّر وتعدُّد ونسبية وسيولة وراءه نظام يتسم بالوحدة والثبات والمطلقية، وثمة مركز ثابت للظواهر العارضة متجاوز لها (وهذا ما نسميه «المرجعية المتجاوزة»). ولذا، توصف أية فلسفة تذهب إلى القول بأن في العالم ترتيباً تصاعدياً تخضع فيه الحوادث للتصورات والتصورات للمبادئ بأنها فلسفة متعالية (على عكس فلسفات الحلول والكمون الواحدية التي تأخذ شكل مسطح أفقي تحوي مركزها داخلها أو تكون بغير مركز، ولا يكون فيها أعلى أو أسفل وتتسم بالواحدية).

وفي الأنساق التوحيدية، التعالي الحق هو ارتقاء يستمر إلى غير نهاية إلى أن يصل إلى اللانهاية. والتعالي النهائي، بهذا المعنى، لا يمكن أن يُرد إلى ما هو دونه لأنه لو رُد إلى ما هو دونه لفقد تجاوزه وتعاليه وتَنزُّهه، أي أن فلسفة التعالي الحقة تصل دائماً إلي أن وجود الإله يسبق كل الموجودات الأخرى، ومن ثم فهو سببها النهائي ولكنه منزه عنها وله وجود مستقل، وهو مركزها وهو الغاية التي تسعى نحوها. فالله تعالى هو المتعالي والعالي والعلي وهو «الكبير المتعال» البائن عن خلقه، أي أنه مركز الكون والمدلول النهائي المتجاوز للطبيعة والتاريخ المنزه عنهما. ورغم وجود مسافة تفصل بين الكائن المتجاوز العلي وعالم المادة، فإن له تجلياته في العالم المادي، فالمتجاوز والمتعالي هو اللامحدود اللامتناهي الذي يعبِّر عن وجوده داخل المحدود والمتناهي دون أن يُرد إليهما. وهذه التجليات تشكل انقطاعاً في النظام الطبيعي ولكنها تزوِّده كذلك بقَدْر من التماسك وباتجاه متصاعد لا يمكن فهمهما أو تفسيرهما في إطار مادي محض.

والعلمنة هي إنكار إمكانية التجاوز، فالعالم الطبيعي/المادي مكتف بذاته، يحوي داخله كل ما يلزم لفهمه (مرجعية كامنة). والإنسان جزء من هذا العالم، فهو إنسان طبيعي/مادي لا يمكنه تجاوز الطبيعة/المادة ولا تجاوز ذاته (الطبيعية) أو التحكم ضد التجاوز. فالإنسان القادر على التجاوز لا يمكن التحكم فيه تماماً، ولا يمكن تسويته بالكائنات الطبيعية إذ يظل داخله ما يتحدى القوانين الطبيعية المادية، ومن ثم فهو غير خاضع لقوانين المادة ولا يمكن حوسلته.

ويُلاحَظ أن تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة هو تاريخ تصاعُد معدلات الحلول (الكمون) والإنكار المتصاعد لأي تجاوز، ومن ثم فهو تصاعد للواحدية المادية وتصفية لثنائية المتجاوز/الكامن إلى أن نصل إلى الفكر التفكيكي وفكر ما بعد الحداثة الذي ينكر أي تجاوز وأية مركزية لأي شيء بل ينكر فكرة الكل نفسها باعتبار أن الكل متجاوز للأجزاء.

المطلق والنسبى
«المُطلَق» في المعجم الفلسفي (هو عكس النسبي) ويعني «التام» أو «الكامل» المتعرى عن كل قيد أو حصر أو استثناء أو شرط، والخالص من كل تعيُّن أو تحديد، الموجود في ذاته وبذاته، واجب الوجود المتجاوز للزمان والمكان حتى إن تجلى فيهما. والمطلق عادةً يتسم بالثبات والعالمية، فهو لا يرتبط بأرض معيَّنة ولا بشعب معيَّن ولا بظروف أو ملابسات معيَّنة. والمُطلَق مرادف للقَبْليّ، والحقائق المطلقة هي الحقائق القَبْلية التي لا يستمدها العقل من الإحساس والتجربة بل يستمدها من المبدأ الأول وهو أساسها النهائي. ويمكن وصف الإله الواحد المتجاوز بأنه «المُطلَق»، ويشـار إليه أحياناً بأنه «المدلول المتجـاوز»، أي أنه المدلول الذي لا يمكن أن يُنسَـب لغيره فهو يتجاوز كل شـيء. وقد عرَّف هيجل المُطلَق بأنه «الروح» (بالألمانية: جايست Geist) ويُقال «روح العصر» (أي جوهر العصر ومطلقه) و«روح الأمة» (جوهرها ومطلقها). وتَحقُّق المطلق في التاريخ هو اتحاد الأضداد والانسجام بينها، والحقيقة المطلقة هي النقطة التي تتلاقى عندها كل الأضداد وفروع المعرفة جميعاً من علم ودين، وهي النقطة التي يتداخل فيها المقدَّس والزمني (فهي وحدة وجود كاملة).

وفي مجال المعرفة، تعبِّر المطلقية (مصدر صناعي من «المطلق») عن اللا نسبية وهي القول بإمكان التوصل إلى الحقيقة واليقين المعرفي بسبب وجود حقائق مطلقة وراء مظاهر الطبيعة الزمنية المتغيِّرة المتجاوزة لها. والمطلقية في الأخـلاق هي الذهاب إلى أن معايير القيم - أخلاقيةً كانـت أم جماليةً - مطلقةٌ موضوعيةٌ خالدةٌ متجاوزةٌ للزمان والمكان، ومن ثم يمكن إصدار أحكام أخلاقية. أما في السياسة، فهي تعني سيادة الحاكم أو الدولة بغير قيد ولا شرط. والدولة المطلقة هي الدولة التي لا تُنسب أحكامها إلى غيرها فمصلحتها مطلقة وإرادتها مطلقة وسيادتها مطلقة.

أما «النسبي»، فهو ينُسَب إلى غيره ويتوقف وجوده عليه ولا يتعيَّن إلا مقروناً به، وهو عكس المطلق، وهو مقيد وناقص ومحدود مرتبط بالزمان والمكان يتلون بهما ويتغيَّر بتغيرهما، ولذا فالنسبي ليس بعالمي.

ونحن نذهب في هذه الموسوعة إلى أنه داخل المنظومات التي تدور في إطار المرجعية المتجاوزة (مثل الرؤية التوحيدية) لا ينقسم العالم بشكل حاد إلى مطلق ونسبي، فالمطلق النهائي الوحيد (المطلق المطلق) هو الإله المتجاوز وهو مركز النموذج والنسق والدنيا الذي يوجد خارجها، أما ما عداه فيتداخل فيه المطلق والنسبي، فالإنسان يعيش في الطبيعة النسبية ولكنه يحوي داخله النزعة الربانية التي لا يمكن ردها إلى العالم المادي النسبي، ولذا فهو يشعر بوجود القيم المطلقة ويهتدي بهديها (إن أراد). والكائنات نسبية فهي تُنسَب لغيرها، ومع هذا لها قيمة مطلقة، ولذا لا يمكن قتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق لأنها مطلقة، ومن قَتَل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً. وأقل المخلوقات في الكون هي من صنع الله، ولذا فلها قيمتها المطلقة. وتداخل النسبي مع المطلق لا يلغي المسافة بينهما، ولذا فهما لا يمتزجان ولا يذوب الواحد في الآخر.

ويمكننا الحديث عن النسبية الإسلامية باعتبارها نسبية تنصرف إلى خطاب الخالق، فنحن نؤمن بأن ثمة مطلقات نهائية لا يمكن الجدال بشأنها، نؤمن بها بكل ما تحوي من عقل وغيب؛ منها ننطلق وإليها نعود، أما ما عدا ذلك فخاضع للاجتهاد والحوار.

أما في المنظومات التي تدور في إطار المرجعية الكامنة، كالنظم الحلولية الواحدية والمادية، فإن مركز العالم كامن فيه. ولذا، قد يتجسـد المطلق في أحد عناصر الدنيا (يتجسد فيه ولا يتبدى من خلاله) فيصبح هذا العنصر المادي أو الملموس هو المطلق والمقدَّس وأما ما عداه فمدنَّس.

وأي نموذج مهما بلغ من مادية ونسبية يحتوي على ركيزة أساسية تدَّعي لنفسها المطلقية والقَبْلية، ولذا فإن النماذج المعرفية العلمانية التي تدور في إطار المرجعية المادية الكامنة تحتوي على مطلق علماني يفترض فيه أنه الركيزة الأساسية والمرجعية النهائية لكل الأشياء، يمنحها الوحدة والتماسك. وأهم مطلق علماني هو الطبيعة/المادة والتنويعات المختلفـة عليه مثل الدولة وحتمية التاريخ... إلخ. وكلمة «مُطلَق» هنا تكاد تكون مرادفة لكلمة «ركيزة أساسية» وكلمة «مـركز» أو «المبدأ الواحد» أو «اللوجوس»، فحينما نقول: "لقد حلَّ المُطلَق في المادة"، فنحن نعني "لقد حل المركز في المادة" وأصبح كامناً فيها غير متجاوز لها.

المركب والبسيط
«المركب» هو الذي يشتمل على عناصر كثيرة متشابكة، ويقابله «البسيط»، وهو الذي يشتمل على عناصر قليلة، وإن كانت كثيرة فهي غير متشابكة. وفي إطار المرجعية الكامنة في الطبيعة والإنسان، يظهر الإنسان الطبيعي/المادي (الذي يُردّ إلى الطبيعة/المادة) وهو كائن يتسم بالبساطة (العضوية أو الآلية) البالغة. أما في إطار المرجعية المتجاوزة، يظهر الإنسان الرباني حاوياً داخله القبس الإلهي (الذي يأتيه من خارج النسق الطبيعي ولا يمكن أن يُردَّ إليه)، ولذا فهو يحوي الأسرار واللامحدود والمجهول والغيب، جنباً إلى جنب مع العناصر الطبيعية الأخرى، ويتشابك داخله المحدود مع اللامحدود، والمعلوم مع المجهول، والجسد مع الروح، والبراني مع الجواني، والعقل مع القلب، وعالم الشهادة مع عالم الغيب. ولذا، لا يمكن أن يُرد مثل هذا الإنسان إلى عالم الطبيعة/المادة ولا يمكن أن يُختَزل إلى صيغ مادية بسيطة، فهو قادر على تجاوزه، إذ ثمة مسافة تفصل بينه وبينها.

المجرد والعينى (أو المتعين(
التجريد، في اللغة، هو «التعرية من الثياب» وهو «التشذيب»، و«جرَّد الشيء» يعني «قشَّره وأزال ما عليه»، و«جرَّد الكتاب» يعني «عراه من الضبط والزيادات»، و«جرَّده من ثوبه» يعني «عرَّاه»، و«جرَّد الجرادُ الأرضَ» يعني «أكل ما عليها من النبات، وأتى عليه فلم يبق منه شيء»، ويقال أيضاً «جرَّد القحطُ الأرضَ» أي «أذهب نباتها».

التجريد، إذن، عزل صفة أو علاقة عزلاً ذهنياً، وقَصْر الاعتبار عليها، مثلما يُجرَّد امتداد الجســم من كتلته، مع أن هاتين الصفتين لا تنفكان عن الجسم في الوجود الخارجي، فهو عملية تفكيك لظاهرة ما ثم إعادة تركيب لها بهدف عزل الصفة موضع الاهتمام.

والهدف من التجريد توفير إمكانية النظر إلى ما يتصوَّر المرء أنه أهم سمات ظاهرة ما وحدودها في صورتها النقية البحتة (جوهرها) بدون مراعاة مختلف التأثيرات الثانوية والجانبية والعرضية. وهي عملية تحديد وفصل، أي تعيين حدود تتم من خلالها استبعاد جزئيات وتفاصيل وصولاً إلى الظاهرة التي يحاول العقل فهمها، فالتجريد من ثم إستراتيجية تحليلية أساسية. والتجريد مسألة أساسية في عملية صياغة النماذج وفي عملية استخدامها واكتشافها، فالتفكيك والتركيب هما في جوهرهما عمليتان تجريديتان.

ويرتبط التجريد بفكرة الكل، إذ لا يمكن الوصول إلى الكل المتجاوز للأجزاء، والثبات الكامن وراء الصيرورة، والجوهر الكامن وراء الظواهر المتنوعة إلا من خلال عملية تجريدية. ولذا نجد أن فلسفة ما بعد الحداثة المعادية تعادي التجريد لأنها ترى أن فكرة الكل ملوثة بالميتافيزيقا (باعتبارها شكلاً من أشكال الثبات) ولأنها تريد أن تدفع بكل شيء إلى قبضة الصيرورة حتى يختفي الكل والجوهر، بما في ذلك الكل والجوهر الإنساني، وتؤدي إلى موت الإنسان بعد موت الإله، بل وتزيل ظلال الإله تماماً من الكون، وتأخذ الفلسفة البنيوية موقفاً مغايراً تماماً، فهي تزيد من معدلات التجريد إلى أن تصل إلى مستويات تجريدية عالية جداً، تصل إلى عالم الذرات والأرقام مما يؤدي إلى اختفاء الكل والجوهر الإنساني، فتؤدي هي الأخرى إلى موت الإنسان.

و«العيني» هو «الشخصي»، وهو ما يُدرَك بالحواس، ولذلك نُسب إلى العين، وهو أهم ما يميِّز أيَّ شيء نوعي أو فردي. ويُستخدم المصطلح ليشير إلى حادثة مفردة أو موضوع خاص، فيمكن أن نتحدث عن تفاحة حمراء، وهذا شيء عيني، أما الفاكهة فهي شيء مجرد، أي أن المعيَّن أو المتعين أو العيني يقابل المجرد أو المحسوس:

أ ) يشير المجرد إلى كيفية من كيفيات الموجود، وإلى صفة من صفاته، أما العيني فيشير إلى الموجود بالفعل.

ب) يشير المجرد إلى الوجود الذهني، أما العيني فيشير إلى الوجود الخارجي الحسي المتجسم.

جـ) يشير المجرد إلى ما هو عام ومتكرر في الظاهرة، أما العيني فيشير إلى صفاتها النوعية والفردية والفريدة.
د ) لكل ما تقدَّم، يتسم المجرد بالبساطة والوضوح ويتسم العيني بالتركيب والإبهام.

ومع هذا، يمكن القول بأن المجرد لا يمكن فصله عن العيني تماماً، فلا توجد فكرة مجردة كل التجريد، ولا شيء متعيِّن كل التعيُّن. فهذه حالات افتراضية نماذجية، إذ أن وجدان الإنسان وعقله يوجدان في المنطقة التي يلتقي فيها المجرد بالمتعين. ولذا إن تحدَّث الإنسان عن تفاحة حمراء بعينها فهو لا يستطيع أن يستبعد فكرة الفاكهة المجردة، وإن تحدَّث عن الفاكهة على وجه العموم فإنها تستدعي الثمرات المتعيِّنة المختلفة. ومع هذا، تتطلب عملية الإدراك ونحت النماذج وتشغيلها عملية تجريد (تفكيك وتركيب).

السببية الصلبة واللاسببية السائلة
«السببية» نسبة إلى «السبب»، والسبب هو كل ما كان ذا تأثير وما يترتب عليه مسبب، وهو ما يتوقف عليه وجود شيء، وما يحتاج إليه الشيء في ماهيته أو وجوده، والسبب هو المبدأ الذي يفسر الشيء تفسيراً نظرياً. فالمقدمات الصادقة سبب صدق النتيجة، وبعض الظواهر الطبيعية سبب ظواهر أخرى.

والسبب عند علماء الأخلاق ما يفضي إليه العقل ويبرره، وهو مرادف للحق، نقول: "فلان يبغضني بغير سبب"، أي "بغير وجه حق". والسبب تام وغير تام، فالتام هو الذي يُوجَد المسبب بوجوده، وغير التام هو الذي يتوقف وجود المسبب عليه، ولكن المسبب لا يوجد بوجود السبب وحده، والسبب هو المبدأ الذي يفسر الشيء تفسيراً نظرياً. و«السببي» هو المنسوب إلى «السبب»، و«السببية» هي العلاقة بين السبب والمسبب.

والإشكاليات التي تثار حول العقل هي نفسها التي تثار حول السببية، فهل السببية شيء كامن في الأشياء نفسها، بمعنى أن السبب (شيء ما كامن في الظاهرة) هو الذي يؤدي بالفعل إلى النتيجة المادية، أم أن السببية علاقة اقتران مطرد وحسب، بمعنى أنه كلما حدث (أ) حدث (ب) دون أن تكون (أ) هي المؤدية إلى (ب) وبدون أن تكون (ب) ناتجة عن (أ) بالضرورة؟ وإن لم تكن السببية كامنة في الأشياء نفسها - فهل هي، إذن، أمر مفطور في عقولنا من قبل قوة حاكمة للعالم، أم أننا نفرضها على الواقع فرضاً (لأنها تخدم مصالحنا).

والنظريات المادية التي تحاول أن ترد الكون بأسره إلى مبدأ مادي واحد (أو مقولات مادية) تتأرجح في معظم الأحيان بين افتراض السببية الصلبة وبين إنكار السببية تماماً. أما السببية الصلبة، فهي الإيمان بأن لكل ظاهرة (طبيعية أم إنسانية - بسيطة أم مركبة) سبباً واضحاً ومجرداً وبأن علاقة السبب بالنتيجة علاقة حتمية بمعنى أن (أ) تؤدي دائماً وبنفس الطريقة وحتماً إلى (ب). كما أنها سببية مطلقة بمعنى أنها تغطي كل المعطيات والظواهر بشكل مطلق في كل تشابكها وتداخلها وتفاعلها. ولحظة نهاية التاريح هي لحظة إدخال كل شيء في شبكة السببية الصلبة المطلقة، وهي أيضاً لحظة الاستنارة الكاملة، حين تتم إنارة كل شيء وضمن ذلك الإنسان فيُستوعَب في شبكة السبب ويدخل القفص الحديدي.

والسببية الصلبة المطلقة تؤدي إلى التفسيرية الصلبة المطلقة، بمعنى أن يحاول الإنسان التوصل إلى الصيغة/ القانون العام الذي يفسر الكليات والجزئيات وعلاقاتها. والسببية الصلبة المطلقة تترجم نفسها إلى صورة مجازية آلية أو صورة مجازية عضوية مصمتة لا تحتوي على أي فراغات أو مسافات، ولا تتحمل أي عدم استمرار، وتلغي أي حيز بما في ذلك الحيز الإنساني. وتسود السببية الصلبة المطلقة في عصر المادية البطولي (عصر التحديث) والثنائية الصلبة والعقلانية المادية.

ولكن النماذج المادية تفشل، بطبيعة الحال، في إدخال العالم (الطبيعة والإنسان) في شبكة السببية الصلبة. كما أنه، مع تصاعد معدلات الحلولية الكمونية الواحدية، يتراجع المركز إلى أن يختفي ويسقط كل شيء في قبضة الصيرورة ويصبح الواقع في حالة سيولة غير مفهومة، والعقل نفسه جزء من الصيرورة غير قادر على تجاوزها، ومن ثم غير قادر على إدراك الواقع كسبب ونتيجة. وهنا، بدلاً من السببية الصلبة المطلقة، تظهر اللاسببية السائلة واللاعقلانية المادية والمادية الجديدة (عصر ما بعد الحداثة).

وهناك بطبيعة الحال من يحاول الحفاظ على موقف وسط بين السببية الصلبة المطلقة واللاسببية العدمية (مثل كانط على سبيل المثال) ولكنه موقف يستند إلى أرضية واهية، ولذا فعادةً ما تتفتَّت هذه الوسطية وتتحول إلى حتمية واحدية صارمة (كما هو الحال في المنظومات الهيجلية) أو إلى لاسببية سائلة (كما هو الحال في النظم المعادية للهيجلية [نيتشه وغيره]).

السببية الفضفاضة
تفترض النظم التوحيدية وجود المركز خارج العالم ولذا فالعالم مترابط ومن ثم بإمكان الإنسان أن يتوصل إلى قدر معقول من المعرفة، ولكن ترابط العالم ليس صلباً ولا مطلقاً ولا عضوياً مصمتاً إذ يتخلله الحيز الإنساني وهو ما يسمح بوجود الأسرار والتركيب والثنائيات والانقطاع، فهو نظام يعترف بوجود قدر من الاستمرار ومن ثم بالسببية ولكنها سببية فضفاضة تؤدي فيها المقدمات إلى النتائج ولكن ليس بشكل حتمي معروف مسبقاً. ولذا لا يستطيع الإنسان أن يصل إلى القانون العام والنهائي الذي يجعله قادراً على معرفة الكون معرفة كاملة ومن ثم يمكنه إدخال كل شيء شبكة السببية الصلبة، وعلى الإنسان أن يقنع بقدر من التحكم في الكون والتوازن معه.

الواحدية الكونية: المادية أو المثالية / الروحية
«الواحدية» مصدر صناعي من كلمة «واحد»، وتُعبِّر عن واقع تآصل ظواهر مختلفة وعن كونها تُرَدُّ إلى أصل أو جوهـر واحد. وقد عرَّف المجمع اللغوي بالقاهرة كلمة «الواحدية» (في الفلسفة) بأنها مذهب يَرُدّ الكون كله إلى مبدأ واحد، كالروح المحض أو كالطبيعة المحضة. أما «أُحادية»، فهي من كلمة «أُحاد». وهي، في مثل «جاء الأضياف أُحادَ»، بمعنى «واحداً بعد واحد»، أي «جاء الأضياف واحداً واحـداً». فهي إذن تدل على الانفراد. ومن هنـا، فقد اسـتُخدم المصدر الصناعي «أُحادية» حديثاً للتعبير عن حالة الانفراد. وهي تعني، في التعبير الفلسفي، رد الظاهرة (وهي بطبيعتها متعددة الجوانب)، أو أية عملية، إلى أحد أوجهها دون أوجهها الأخرى. فيقال مثلاً «النظرة الأحادية»، أي النظرة التي تضع في اعتبارها عنصراً واحداً دون عناصر أخرى في الظاهرة كان لابد من وضعها في الاعتبار. والاختلاف كبير بين المفهومين: الواحدية والأحادية. ويمكن القول بأن الواحدية الكونية مفهوم أُنطولوجي (وجودي) ينسب الواحدية إلى الكون، بينما الأحادية مفهوم إبستمولوجي (معرفي) يرى أن الأحادية خاصية تسم بعض طرق التعريف والتحليل والإدراك.

وفي هذه الموسوعة، نستخدم عبارة «واحدية كونية» للإشارة إلى الرؤية الحلولية الكونية القائلة بأن الكون بأسره يمكن أن يُردّ إلى مبدأ واحد هو القوة الدافعة للمادة الكامنة فيها التي تتخلل ثناياها وتضبط وجودها، وهي قوة لا تتجزأ ولا يتجاوزها شيء ولا يعلو عليها أحد، وهي تشكل نظاماً ضرورياً كلياً للأشياء لا يمنح الإنسان أو أي كائن آخر أهمية خاصة أو مركزية. وهذا المبدأ الواحد هو الإله في وحدة الوجود الروحية وهو الطبيعة/المادة في وحدة الوجود المادية (وهذا النمط الأخير هو الأكثر شيوعاً، ولذا فنحن نخصص أحياناً ونشير إليه بأنه «الواحدية الكونية المادية» أو «الواحدية المادية» أو «الواحدية الموضوعية المادية»).

ويمكن القول بأن ثمة أنواعاً مختلفة من الواحدية هي تعبير عن مستويات مختلفة من الحلول. فالواحدية الكونية هي حلول الإله في الكون بأسره (وهو عادةً ما يحتفظ باسمه «وحدة الوجود الروحية»). ولكن يمكن أن ينحصر الحلول في الإنسان ومن ثم تظهر «الواحدية الذاتية» التي تترجم نفسها إلى النزعة الإنسانية الهيومانية المتطرفة («الواحدية الإنسانية») وإلى الذاتية الفلسفية. ولكن حينما يتركز الحـلول في جـنس بعينه (الجنس الأبيض ـ شعوب أوربا) تتحول الواحدية الذاتية إلى «واحدية إمبريالية وعنصرية». وحينما ينتقل الحلول من الإنسان إلى الطبيعة تظهر «الواحدية الطبيعية المادية» (أو «الواحدية الموضوعية المادية») ويهتز مفهوم الطبيعة البشرية إذ يظهر الإنسان الطبيعي الذي يذعن للطبيعة/المادة. وتتصاعد معدلات الحلول فتبدأ الكليات في الغياب والتفكك ويغيب مفهوم الإنسانية المشتركة تماماً إلى أن نصل إلى ما يمكن تسميته «الواحدية الذرية» حين ينتشر الحلول في كل أرجاء الكون وذراته فلا يوجد فارق بين إنسان وحيوان، وذكر وأنثى، ومقدَّس ومدنَّس. والواحدية الذرية هي بطبيعة الحال واحدية سائلة (على عكس أشكال الواحدية الأخرى التي تتسم بالصلابة). ويُلاحَظ أن تصاعد معدلات الحلولية يعني تراجع الحيز الإنساني وضموره ثم اختفاؤه الكامل حين يتوحَّد الإله تماماً بالنظام الطبيعي ويصبح الإله هو القانون الطبيعي.

ويمكن القول بأن الواحدية الكونية هي تَوحُّد الإله بالإنسان بالطبيعة (وهذه هي الوثنية القديمة)؛ أما الواحدية المادية فهي تَوحُّد الإنسان بالطبيعة (بعد موت الإله)؛ وهذه هي العلمانية الشاملة الحديثة واللحظة الجنينية الكاملة. ورغم هذه التفرقة المبدئية، فإننا أحياناً نتحدث عن «الواحدية الكونية المادية» إذا استدعى السياق ذلك لنبيِّن الوحدة الكامنة بين وحدة الوجود الروحية ووحدة الوجود المادية.

ونموذج الواحدية الكونية المادية هو نموذج يدور في إطار المرجعية الكامنة، فهو يفـترض أن مركز العالم كامن فيه. ومن ثم، فإن الكون المادي لا يشير إلى أي شيء خارجه. فهو عالم لا ثغرات فيه ولا مساحات ولا انقطاع ولا غائيات، تم إلغاء كل الثنائيات الفضفاضة داخله (وضمنها ثنائية الخالق والمخلوق، والإنسان والطبيعة، والخير والشر، والأعلى والأدنى)، وتم تطهيره تماماً من المطلقات والقيم، وتم اختزاله كله إلى مستوى واحد يتسـاوى فيه الإنسـان بالطبيعة هو مستوى القانون الطبيعي/المادي أو الطبيعة/المادة (المطلق العلماني النهائي). وفي مثل هذا العالم الواحدي الأملس لا يوجد مجال للوهم القائل بأن الإنسان يحوي من الأسرار ما لا يمكن الوصول إليه وأن ثمة جوانب فيه غير خاضعة لقوانين الحركة المادية. بل يمكن تطبيق الصيغ الكمية والإجراءات العقلانية الأداتية على الإنسان، كما يمكن إدارة العالم بأسره حسب هذه الصيغ. ويتحول العالم إلى واقع حسي مادي نسبي خاضع للقوانين العامة للحركة (ومن ثم قابل للقياس والتحكم الهندسي والتنميط) وإلى مادة استعمالية يمكن توظيفها وحوسلتها.

في هذا الإطار تصبح المعرفة مسألة تستند إلى الحواس وحسب، ويصبح العالم الطبيعي المصدر الوحيد أو الأساسي للمنظومات المعرفية والأخلاقية، وتُردُّ الأخلاق إلى الاعتبارات المادية (الاقتصادية والاجتماعية والسياسية)، وتنفصل الحقائق المادية تماماً عن القيمة، ويظهر العلم المنفصل عن الأخلاق و الغائيات الإنسانية والدينية والعاطفية والأخلاقية، وتصبح الحقائق المادية (الصلبة أو السائلة) المتغيرة هي وحدها المرجعية المعرفية والأخلاقية المقبولة، وتصبح سائر الأمور (المعرفية والأخلاقية) نسبية صالحة للتوظيف والاستخدام. بل إن هذه الرؤية الواحدية المادية، في مراحلها المتقدمة، بإنكارهـا أي ثبات، ينتهي بها الأمر إلى إنكـار وجـود الماهيات والجوهر، بل الإنسانية المشتركة نفسها، باعتبارها جميعاً أشكالاً من الثبات والميتافيزيقا. عالم العلمانية الشاملة والترشيد في الإطار المادي وهو أيضاً عالم الجماعة الوظيفية والواحدية الوظيفية والإنسان الوظيفي.

ورغم أن «الواحديـة الكونيـة الماديـة» هي الأكثر شـيوعاً، إلا أننا يمكننا أيضاً الحديث عن «الواحدية المثالية» أو «الواحدية الروحيـة»، أي الإيمان بأن ثمة مبدأً واحداً في الكون تُرَدُّ إليه كل الظواهر الإنسانية والطبيعية. وهذا المبدأ قد يكون مثالياً خالصاً: الإله ـ نفس العالم (باللاتينية: أنيموس موندي animus mundi) ـ الروح (بالألمانية: جايست Geist) ـ الروح الدافعة (بالفرنسية: إيلان فيتال élan vital)؛ أو قد يكون شيئاً روحياً اسماً مادياً فعلاً: روح الشعب ـ روح التاريخ ـ جدلية التاريخ ـ البقاء للأصلح ـ حب السيطرة والبقاء ـ اللبيدو. وسواء أكان المبدأ الواحد مادياً خالصاً أو كان مثالياً أو مثالياً اسماً مادياً فعلاً، ففي إطار الواحدية يُرَدّ كل شيء إلى هذا المبدأ وتذوب الأجزاء في الكل وتنتفي هويتها ويختفي التعدد ويختفي الإنسان ككيان مستقل.

و«الواحدية» غير «التوحيد» أو «الوحدانية»، فالوحدانية والتوحيد يدوران في إطار المرجعية المتجاوزة التي تفترض أن مركز الكون متجاوز له وأن الإله ليس كامناً في الكون وإنما متجاوز له، فهو الواحد الأحد العلي، ولكن وحدانية الإله لا تُلغي التعدد والتنوع والهوية المتعينة للأشياء. بل هي على العكس ضمان لها، فهو المركز المتجاوز الذي لا يمكن أن يتوحد معه شيء. والإنسان ليس ذاتاً مطلقة لا حدود لها ولا موضوعاً مطلقاً خاضعاً تماماً للحدود، إذ يتمتع بهوية مُتعيِّنة يتضح تَعيُّنها من خلال الحدود. والإنسان ليس حراً تماماً في أفعاله، فالمركز المتجاوز يضع حدوداً على هذه الحرية، ولكنه ليس مُسيَّراً تماماً فالمركز المتجاوز هو ضمان حريته.

الثنائية الفضفاضة (التكاملية – التفاعلية)
«الثنائية» مصطلح يقابل «الواحدية» وهي الإيمان بوجود أكثر من مبدأ وأكثر من جوهر في العالم. وفي إطار المرجعية الكامنة والحلولية الكمونية، فإن مركز الكون يكون كامناً فيه ويتوحد الخالق بمخلوقاته وتختفي الثنائية المبدئية، ثنائية المتجاوز المتعالي والحالّ الكامن، وتختفي معها كل الثنائيات الأخرى لنصل إلى عالم الواحدية المادية والكمون الكامل.

والثنائية الفضفاضة الحقيقية لا يمكن أن توجد إلا في إطار المرجعية المتجاوزة حيث يوجد هذا العالم وما يتجاوزه، فتظهر الثنائية الأساسية: الخالق والمخلوق (أو ثنائية المتجاوز والحال الكامن) والتي تفترض أسبقية الخالق على كل ما هو مخلوق وأن الخالق لا يمكن أن يُرد إلى مخلوقاته أو يلتحم بها أو يذوب فيها. وهي ثنائية فضفاضة تفاعلية (لا تعادلية)، إذ أن الإله مفارق للعالم ولكنه لم يهجره ولم يتركه وشأنه (أي أنه ليس مفارقاً حتى التعطيل). والثنائية التفاعلية الفضفاضة مختلفة عن الاستقطاب (أو الثنائية الصلبة أو الاثنينية) حيث يقف كل طرف في الثنائية مقابل الطرف الآخر. وتَنتُج عن هذه الثنائية الفضفاضة ثنائية تكاملية أخرى هي ثنائية الإنسان والطبيعة (وثنائية النزعة الجنينية والنزعة الربانية) وتفترض انفصال الإنسان عن الطبيعة وأسبقيته وأفضليته عليها بسبب وجود المرجعية المتجاوزة، أي الإله الذي يسـتخلفه في الأرض، ولكنها تفترض أيضاً وجوده فيـها واعتماده عليها واحترامه لها، فهو ليـس بمركز الكون.

الثنائية الصلبة (الثنوية – الأثينية)
«الثنائية الصلبة» (ويُقال لها «الثنوية» و«الاثنينية») هي غير الثنائية الفضفاضة، فالثنائية الصلبة تفترض تساوي عنصرين تساوياً كاملاً (رغم وجود صراع بينهما) وهذا أمر غير ممكن إلا في إطار المرجعية الكامنة والحلولية الكمونية (إذ أن المرجعية المتجاوزة تجعل مثل هذا التساوي أمراً مستحيلاً لأن وجود الإله ـ المدلول المتجاوز ـ يعطي للعالم شكلاً هرمياً بحيث يصبح أحد عناصر الثنائية أفضل من الآخر، وإن تساويا يكون ثمة تكامل بدلاً من الصراع). وأهم أشكال الثنائية الصلبة في النظم الحلولية الكمونية الروحية ثنائية الخير والشر، حيث يتصارع إلهان: واحد هو إله الخير والنور، والآخر هو إله الشر والظلام. وهي محاولة حلولية لتفسير وجود الشر. وعادةً ما تُحسَم قضية الشر بأن يلتحم إله الشر بإله الخير ويصبحان واحداً، كما أن الشر يُفسَّر بأنه مجرد وجه آخر للخير، أي أن الشر في جميع الحالات ليس له وجود حقيقي. أما في إطار النظم الحلولية الكمونية المادية فأهم أشكال الثنائية الصلبة هي ثنائية الإنسان والطبيعة. إذ يحل الإله في الكون ثم يختفي ويصبح مركز الكون داخله يتأله الإنسان وتتأله الطبيعة، وهذا أمر مستحيل فتأله الإنسـان يعني أنه يسـبق الطبيعة ويريد أن يهزمها ويسـخرها، وتأله الطبيعة يعني أنها تسبق الإنسان ومن ثم فإنها تستوعبه. وتُعبِّر هذه الثنائية الصلبة عن نفسها في التأرجح بين الذات وبين الموضوع، وبين الواحدية الذاتية والواحدية الموضوعية (كما هو الحال في الحالة الجنينية). والثنائية الصلبة هي في واقع الأمر شكل من أشكال الواحدية باعتبار أن العنصرين المتصارعين لا يوجد بينهما اختلاف جوهري. وعادةً ما تُحسَم الثنائية الصلبة باندماج العنصرين (وهو أمر متيسِّر لأنهما متساويان وتعارضهما عادةً ناجم عن أن الواحد مقلوب الآخر ولا يختلف عنه في البنية)، أو بانتصار العنصر الأقوى. وفي حالة الصراع بين الإنسان والطبيعة، فإن الطبيعة هي التي تنتصر لأنها أكثر شمولاً ومادية، وينتهي الأمر بعد مرحلة أولية من الواحدية الإنسانية والتمركز حول الذات الإنسانية إلى الواحدية الموضوعية المادية والتمركز حول الموضوع المادي.

الطبيعة البشرية
يشير مصطلح «الطبيعة البشرية» إلى «طبيعة الإنسان»، أي جوهره وإلى السمات الأساسية التي تُميِّز الإنسان وتفصله عن غيره من الظواهر الكونية، ويرتبط بهذا المصطلح مفهوم «الإنسانية الواحدة»، ونحن نفضل استخدام مصطلح «الإنسانية المشتركة» بدلاً من ذلك.

الإنسانية المشتركة
يتسم الوجود الإنساني ـ في تصوُّرنا ـ بثنائية أساسية لا يمكن إلغاؤها هي صدى للثنائية الحاكمة الكبرى، ثنائية الخالق والمخلوق. وهي ثنائية الجوانب الطبيعية/المادية في الإنسان مقابل الجوانب غير المادية، أي الروحية أو الثقافية أو المعنوية. فالإله، في تصوُّرنا، خلق العالم (الإنسان والطبيعة) ولم يحل فيه. ونتج عن هذا وجود مسافة بين الخالق ومخلوقاته، هذه المسافة هي في واقع الأمر الحيز الإنساني الذي يتحرك فيه الإنسان حراً مسئولاً ولكن داخل حدود، وهو الحيز الذي يُحقِّق (أو يُجهض) فيه جوهره الإنساني. والمسافة هي أيضاً الحيز الطبيعي، الذي يتحرك فيه الإنسان باحترام وحذر (فهو ليس مركز الطبيعة، لأن الإله هو مركز الكون الذي وضعه في المركز واستخلفه في الأرض، وهو ليس سيد الطبيعة، لأن الله هو مالكها الذي استأمنه عليها). ولذا فإن ثمة احتياجات طبيعية/مادية، مثل حاجة البشر إلى الطعام والهواء والنوم والتناسل وتلبية كل ما يتعلق بتركيبهم العضوي (بغض النظر عن أماكن إقامتهم أو نمط الحضارة الذي ينتمون إليه). فالإنسان هنا هو موجود طبيعي مادي يشارك بقية الكائنات في بعض الصفات. فمن حيث هو جسم، يخضع الإنسان للقوانين الطبيعية وضرورات الحياة العضوية، إذ تسري عليه، وعلى بقية الكائنات، مجموعة من الآليات والحتميات ويدور في إطار المثيرات والاستجابات العصبية المباشرة. فهو في هذا الجانب من وجوده، جزء عضوي لا يتجزأ من عالم الطبيعة/المادة، ليس له حدود مستقلة عن حدود الكائنات الأخرى، يتحرك في الحيز الطبيعي في عالم واحدي لا يمكن تجاوزه. ولذا يمكن رصد هذا الجانب من وجوده من خلال النماذج المُستمَدة من العلوم الطبيعية. (والفلسفات المادية، منطلقةً من مرجعيتها المادية وإيمانها بأسـبقية الطبيعة/المادة على الإنسان، تركز على هذا الجانـب من الوجود الإنسـاني وترد كل جوانبه الأخرى إليه).

ولكن هناك جانباً آخر للوجود الإنساني متجاوز للطبيعة/المادة غير خاضع لقوانينها ومقصور على عالم الإنسان ومرتبط بإنسانيته، وهو يُعبِّر عن نفسه من خلال مظاهر عديدة من بينها النشاط الحضاري للإنسان (الاجتماع الإنساني ـ الحس الخلقي ـ الحس الجمالي ـ الحس الديني).

فالإنسان كائن صاحب إرادة حرة رغم الحدود الطبيعيـة والتاريخية التي تَحدُّه. وهو كائن واع بذاته وبالكون، قادر على تجاوز ذاته الطبيعية/المادية وعالم الطبيعة/المادة. وهو عاقل قادر على استخدام عقله، ولذا فهو قادر على إعادة صياغة نفسه وبيئته حسب رؤيته. والحرية قائمة في نسيج الوجود البشري نفسه، فالإنسان له تاريخ يروي تجاوزه لذاته (وتعثُّره وفشله في محاولاته)، وهو تعبير عن إثباته لحريته وفعله في الزمان والمكان. والإنسان كائن قادر على تطوير منظومات أخلاقية غير نابعة من البرنامج الطبيعي/المادي الذي يحكم جسده واحتياجاته المادية وغرائزه، وهو قادر على الالتزام بها وقادر أيضاً على خرقها، وهو الكائن الوحيد الذي طوَّر نسقاً من المعاني الداخلية والرموز التي يدرك من خلالها الواقع. وهو النوع الذي يملك ذاكرة قوية ونظاماً رمزياً أصبح جزءاً أساسياً من كيانه حتى أنه يمكن القول بأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يستجيب مباشرةً للمثيرات وإنما يستجيب لإدراكه لهذه المثيرات وما يُسقطه عليها من رموز وذكريات.

والإنسان هو النوع الوحيد الذي يتميَّز كل فرد فيه بخصوصيات لا يمكن محوها أو تجاهلها. فالأفراد ليسوا نسخاً متطابقة يمكن صبها في قوالب جاهزة وإخضاعها جميعاً لنفس القوالب التفسيرية، فكل فرد وجود غير مكتمل، مشروع يتحقق في المستقبل واستمرار للماضي، ولذا فإن زمن الإنسان هو زمن العقل والإبداع والتغيير والمأساة والملهاة والسقوط، وهو المجال الذي يرتكب فيه الإنسان الخطيئة والذنوب، وهو أيضاً المجال الذي يمكنه فيه التوبة والعودة، وهو المجال الذي يُعبِّر فيه عن نبله وخساسته وطهره وبهيميته. فالزمان الإنساني ليس مثل الزمان الحيواني أو الطبيعي/المادي الخاضع لدورات الطبيعة الرتيبة، زمان التكرار والدوائر التي لا تنتهي و"العود الأبدي". ولكل هذا، فإن ممارسات الإنسان ليست انعكاساً بسيطاً أو مركباً لقوانين الطبيعة/المادة، فهو مختلف كيفياً وجوهرياً عنها، فهو ظاهرة متعددة الأبعاد وتبلغ الغاية في التركيب ولا يمكن اختزاله إلى بُعد واحد من أبعاده أو وظيفة واحدة من وظائفه البيولوجية أو حتى إلى كل هذه الوظائف.

ومن المظاهر الأخرى لهذا الجانب أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يطرح تساؤلات عما يُسمَّى «العلل الأولى» (من أين جئنا؟ وأين سينتهي بنا المطاف؟ وما الهدف من وجـودنا؟). وهو لا يكتـفي أبداً بما هـو كائن وما هو مُعطَى ولا يرضى بسطح الأشياء؛ فهو دائب النظر والتدبر والبحث، يغوص وراء الظواهر ليصل للمعاني الكلية الكامنة وراءها والتي ينسبها إليها، وهو الكائن الوحيد الذي يبحث عن الغرض من وجوده في الكون. وهذه جميعاً تساؤلات تجد أصلها في البنية النفسية والعقلية للكائن البشري (النزعة الربانية)، ولذا سُمِّي الإنسان «الحيوان الميتافيزيقي».

ولا تُوجَد أعضاء تشريحية أو غدد أو أحماض أمينية تشكل الأساس المادي لهذا الجانب الروحي أو الرباني في وجود الإنسان وسلوكه. ولهذا، فهو يشكل ثغرة معرفية كبرى في النسق الطبيعي/المادي، وهو ليس جزءاً لا يتجزأ من الطبيعة وإنما هو جزء يتجزأ منها، يوجد فيها ويعيش عليها ويتصل بها وينفصل عنها. قد يقترب منها ويشاركها بعض السمات، ولكنه لا يُردُّ في كليته إليها بأية حال، فهو دائماً قادر على تجاوزها، وهو لهذا مركز الكـون وسيد المخـلوقات. وهو، لهذا كله، غير قابل للرصـد من خـلال النمــاذج المُستمَدة من العلوم الطبيعية.

ونحن نرى أن ثنائية الإنسان (الطبيعة المادية للإنسان مقابل سماته الإنسانية) تعبِّر عن نفسها في الصراع أو التكامل بين ما نسميه «النزعة الجنينية» و«النزعة الربانية». فالنزعة الجنينية هي نزعة للعودة إلى الطبيعة/المادة والبساطة الأولى. أما النزعة الربانية فهي إحساس الإنسان بذاته ككائن مستقل عن الطبيعة، له حدوده الخاصة وهويته ووعيه المستقل، وإحساسه بالمسئولية الخلقية.

ومما تجدر ملاحظته أن الرؤية الواحدية المادية تنظر للإنسان باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الطبيعة، خاضع لحتمياتها، ومن ثم يذهب أصحاب هذه الرؤية إلى أن هناك إنسانية واحدة (تتطور حسب قانون طبيعي واحد ثابت) تُرصَد كما تُرصَد الظواهر الطبيعية، وأن الناس كيان واحد وإنسانية واحدة خاضعة لبرنامج بيولوجي ووراثي واحد عام، يَصدُق على كل البشر في كل زمان ومكان، وأن هذا البرنامج قد لا يكون معروفاً في كليته ولكنه سيُعرف حتماً في المستقبل (وكأنه لا يوجد فارق بين عالم النمل والنحل والطير وبين عالم الإنسان).

وهذا الادعاء يتنافى مع العقل ومع التجربة الإنسانية ومع إحساسنا ووعينا بتركيبيتنا وتنوعنا الحضاري. وهذا ما يعيه أصحاب النماذج غير المادية الذين يدركون الثنائية الأساسية التي يتحرك داخلها الإنسان، فهم ينطلقون من الإيمان بأن عقل الإنسان محدود ولكنه خلاَّق يتمتع بقدر من الاستقلال عن الطبيعة ولا يخضع لحتمياتها في بعض جوانب وجوده. و لهذا السبب لا يؤمن أصحاب مثل هذه النماذج بطبيعة بشرية جامدة أو بإنسانية واحدة وإنما يؤمنون بإنسـانية مشـتركة. وهذه الإنسانية ليست مثالاً أفلاطونياً جامداً يتجاوز الواقع تماماً بحيث يصبح الواقع مجرد ظلال له وإنما هي إمكانية (بشرية). فالإنسان يتمتع بطاقة إبداعية كامنة (ولذا لا يمكن رصدها أو ردها إلى قوانين مادية عامة). هذه الإمكانية تختلف عن الأداء الإنساني، فهي لا تتحقق في فرد بعينه أو شعب بعينه أو جنس بعينه وإنما تتحقق بدرجات متفاوتة حسب اختلاف الزمان والمكان والظروف ومن خلال جهد إنساني (وقد لا تتحقق على الإطلاق، فالإنسان هو الكائن الوحيد القادر على الانحراف عن طبيعته بسبب حريته)، ولذا فإن ما يتحقق لن يكون أشكالاً حضارية عامة وإنما أشكال حضارية متنوعة بتنوع الظروف والجهد الإنساني. فتَحقُّق جزء يعني عدم تحقُّق الأجزاء الأخرى التي تحققت من خلال شعوب أخرى وتحت ظروف وملابسات مختلفة ومن خلال درجات من الجهد الإنساني الذي يزيد وينقص من شعب لآخر ومن جماعة لأخرى). ومما يزيد التنوع أن الإنسان قادر على إعادة صياغة ذاته وبيئته حسب وعيه الحر وحسب ما يتوصل إليه من معرفة من خلال تجاربه. هذه الأشكال الحضارية تفصل الإنسان عن الطبيعة/المادة وتؤكد إنسانيتنا المشتركة (فهي تعبير عن الإمكانية الإنسـانية) دون أن تلغى الخصـوصيات الحضـارية المختلفة. لكن التفرُّد لا يعني عدم وجود أنماط تجعل المعرفة ممكنة، والحرية لا تعني أن كل الأمور متساوية ونسبية. فالإنسانية المشتركة، تلك الإمكانية الكامنة فينا، هذا العنصر الرباني الذي فطره الله فينا (ودعمه بما أرسله لنا من رسل ورسالات) تشكل معياراً وبُعداً نهائياً وكلياً.

والإيمان بالإنسانية المشتركة يجعل استخدام النماذج المركبة مسألة أساسية بل حتمية في دراسة البشرية، ويجعل الرصد الموضوعي البراني أو استخدام النماذج الاختزالية أمراً غير كاف بالمرة، فالرصد الموضوعي المباشر لا يتم إلا في إطار البحث عن القانون العام الذي يسري على عالم الأشياء. أما محاولة فهم الإنسان ككائن مستقل عن الطبيعة/المادة فيتطلب تَجاوُز الواحدية المادية وقبول ثنائية الإنسان والطبيعة الفضفاضة، وهو ما يحتم استخدام نماذج مركبة.

ونحن نرى أن كل خطاب (مهما كانت سطحيته وماديته) يحوي بُعداً معرفياً، هو، في واقع الأمر، إجابة على بعض الأسئلة الكلية والنهائية (وهي أسئلة تدور حول ماهية الإنسـان: أهو مادة ومتجاوز للمادة أم مادة وحسـب؟ هـل لحياته معنى أم لا؟ ومن أين يستمد معياريته؟). والإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد طبيعة النظام السياسي والاقتصادي والمعرفي والأخلاقي والدلالي والجمالي. فإن كان الإنسان مادة وحسب خاضعاً لقوانين الحركة يستمد معياريته من الطبيعة/المادة، فإن هذا يؤدي إلى تَوجُّه مختلف تماماً عما لو كان الافتراض الأساسي هو أن الإنسان مكوَّن من مادة وما يتجاوز المادة، وأن حياته لها معنى، وأنه يستمد معياريته مما هو متجاوز للطبيعة/ المادة. والمرجعية الكامنة (في المادة) ترى أن الإنسان مادة وحسب، حدود المادة هي حدوده، ولذا فهي تجعل له إنساناً ذا بُعد واحد تقضي عليه وترده إلى المادة وينتهي الأمر بالفلسفات المادية إلى إنكار مفهوم الإنسانية المشتركة، باعتبار أنه يشكل نقطة ثبات متجاوزة لحركة المادة، أي أنه يفلت من قبضة الصيرورة. أما المرجعية المتجاوزة، فترى أن الإنسان مادة وشيء غير المادة (يُسمَّى «الروح» في المنظومات التوحيدية، وله أسماء أخرى في المنظومات الإنسانية الهيومانية) وأن حدود هذا الإنسان بالتالي ليست حدود المادة، ولذا فهو إنسان متعدد الأبعاد قادر على تجاوز الطبيعة/المادة وذاته الطبيعية/المادية.



الباب الثالث: النزعة الجينية

«النزعة الجنينية» مصـطلح قمنا بصياغته لنصف نزعة نتصور أنها أصلية كامنة في النفس البشرية، وهي نزعة لرفض كل الحدود وإزالة المسافة التي تفصل بين الإنسان وما حوله حتى يصبح كائناً لا حدود له. ولكن حينما تتحقق هذه الرغبة، يجد الإنسان نفسه جزءاً من كل أكبر منه يحتويه ويشمله. وهذه الرغبة في إزالة الحدود هي، في واقع الأمر، رغبة في التخلص من تركيبية الذات الإنسانية وتعيُّنها ومن عبء الخصوصية والوعي الإنساني، وهي محاولة للهرب من الواقع الإنساني بكل ما فيه من ثنائيات وتدافع، وخير وشر، وإمكانيات نجاح وفشل، ونهوض وسقوط، وحرية وحتمية، ومحاولة التجاوز والتكيف، أي أنها نزعة للهروب من الحيز الإنساني المُركّب إلى عالم واحدي أملس بلا حدود.

هذا العالم الذي يهرب إليه الإنسان يشـبه الرحم حيث كان يعيـش الجـنين بلا حدود ولا قيود خارج أي حيز إنساني، لا يفصله فاصل مادي أو معنوي عن رحم أمه ولا توجد مسافة أو حيز تفصل بينهما، أو يشبه حياة الطفل الرضيع في الأشهر الأولى من حياته، حين كان يتصور أنه لا يزال جنيناً في الرحم لا يفصله فاصل مادي أو معنوي عن أمه وأنه جزء لا يتجزأ منها، وحينما يمسك بثديها يتصور أنه قد تحكَّم في العالم بأسره وأنه قد تواصل مع العالم كله، وأن الدائرة قد انغلقت تماماً فيشعر بالطمأنينة الكاملة.

هذه الحالة الجنينية الرحمية حالة دائرة عضوية مطلقة مصمتة لا تتخللها أية مسافات (واحدية عضوية) لا تختلف كثيراً عن حالة وحدة الوجود حين يحل المبدأ الواحد في الإنسان والطبيعة ويمتزج بهما تماماً، فتختفي الثنائيات والخصوصيات ولا يوجد سوى جوهر واحد في العالم أو مركز واحد. ولهذا تعبِّر الحالة الجنينية عن نفسها من خلال مفردات الحلولية الكمونية (الجنس ـ الرحم ـ ثدي الأم ـ الأرض) ومن خلال الصور المجازية العضوية حيث يصبح الجزء جزءاً عضوياً لا يتجزأ من الكل. وهي حالة من التأيقن الكامل حيث يتحد الدال والمدلول، والشكل والمضمون، والصورة والفكرة، والمقدَّس والمدنَّس، وتذوب الجواهر الفردية في جوهر كوني واحد، والجزئيات في كل واحد. فالحالة الجنينية هي الواحدية بامتياز.

الواحدية الذاتية والموضوعية والثنائية الصلبة: نمط جينى عام
تعبِّر النزعة الجنينية عن نفسها من خلال نمط أساسي هو نمط التأرجح بين الواحدية الذاتية والموضوعية والثنائية الصلبة، وبين الصلابة والسيولة الشاملة:

1 ـ الواحدية الذاتية: يدور الإنسان في الحالة الجنينية في إطار المرجعية الكامنة، فهو داخل الدائرة العضوية المغلقة يظن أنه مكتف بذاته، ومرجعية ذاته، مركز الحلول والقداسة، اللوجوس، الذي لا يُرد إلى شيء خارج محيط دائرته، ولا يمكن أن تُفرَض عليه حدود أو سدود أو قيود. وهو يرفض التجريد، فالتجريد يعني وجود المسافة التي تفصل الجزء عن الكل، وهو الآلية التي يدرك الجزء من خلالها أنه الكل، ويعرف أنه جزء وليس الكل، وأن العالم مختلف عن الذات، ومن ثم فالإنسان في الحالة الجنينية يعيش في عالم الحواس بشكل مباشر. وهو يرفض الرؤية الثنائية الفضفاضة التي تعني وجود الذات ووجود الآخر. وهو يتصور أنه قادراً على أن يتحكم في كل شيء وأن يبتلع كل شيء حتى يصبح كل شيء جزءاً لا يتجزأ منه، أي أن يصبح سوبرمان إذ أنه هو البداية والنهاية، فهو متمركز حول ذاته، تسـود في عالمـه الواحدية الذاتية (والإنسانية الهيومانية والإمبريالية).

في هذا الإطار تظهر الواحدية الإمبريالية ثم يظهر ما يمكن أن نسميه «الإباحية المعرفية». فمع إسقاط الحدود، تسقط الحدود الوجودية (نسبة إلى الوجود) والمعرفية والأخلاقية فلا حرام ولا حلال، ولا محرمات ولا حُرمات. فكل إنسان يوجد داخل قصته الصغيرة لا يبرحها، لا يكترث بالمنظومات التي توجد خارجه، والهدف من وجوده هو تعظيم اللذة (لذته هو) والمصلحة (مصلحته هو) ليحوسل العالم لمصلحته، تماماً كما كان يفعل مع ثدي أمه أو في رحمها. وهو انطلاقاً من هذا يعامل الآخر خارج أي إطار اجتماعي، فإن كان من الجنس الآخر فهو يستهلكه لتحقيق اللذة (دون أي التزام تجاه الأطفال، ثمرة اللذة العابرة)، وإن كان من الأعراق الأخرى فهو يبيدهم أو يستعبدهم (دون اكتراث بحقوقهم وإنسانيتهم)، فهو شخصية إمبريالية توسعية كاملة، لا حدود لها.

2 ـ الثنائية الصلبة: ولكن رغم هذا الإحساس بالواحدية الذاتية، يظل العالم الموضوعي قائماً صلباً. وقد ترفض الذات المتمركزة حول نفسها أن تتفاعل مع الموضوع، ولكن الموضوع هناك، لا يختفي ولا يتلاشى، فتظهر حالة أولية من الاستقطاب والثنائية الصلبة (الواحدية الذاتية مقابل الواحدية الموضوعية المادية). ولكنها ثنائية وهمية، إذ تتفكك الذات تدريجياً وتدرك مركزية الموضوع فتذوب فيه وتختفي الواحدية الذاتية لتهيمن الواحدية الموضوعية أو الواحدية الطبيعية/المادية أو الواحدية الصلبة.

3 ـ الواحدية الموضوعية المادية: مع اختفاء الحدود والمسافة التي تفصل الكل عن الجزء، يختفي الحيز الإنساني الذي يفصل الذات عن الموضوع، فيذوب الجوهر الإنساني ويمتزج بالكل الموضوعي، ومن ثم تتحول الذات الإمبريالية المكتفية بذاتها إلى جزء من كل وتُرد في كليتها إلى ما هو خارجها تماماً، أي إلى هذا الكل. وهكذا تختفي الواحدية الذاتية التي نجمت عنها ازدواجية الذات والموضوع، واختفى الجزء وذاب ليظهر الكل (الرحم ـ الطبيعة ـ الإله)، أو أية تنويعات عليه (مثل: الفولك ـ الدولة ـ اللبيدو ـ الحتمية التاريخية ـ البقاء المادي) حيث تتمركز الذات حول الموضوع، الذي يصبح مركز الكون وموضع الحلول، اللوجوس الذي يرتكز إليه الكون، وتظهر الواحدية الموضوعية الصلبة (وهذا ما نسميه «التمركز حول الذات» الذي يؤدي إلى «التمركز حول الموضوع»).

ورغم الاختلاف الظاهر بين التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع فإنهما يؤديان إلى النتيجة نفسها: إنكار الثنائية والتركيب وإمكانية التجاوز واختفاء الذات الإنسانية، الاجتماعية والمركبة، التي ترضى بالحدود التي تفصلها عن الطبيعة والمجتمع، فهذه الحدود هي التي تخلق لها حيزاً إنسانياً اجتماعياً تاريخياً يمكنها أن تتحرك فيه بقدر من الحرية، وتمارس إرادتها داخل حدوده، فتكتسب منه تعينها وهويتها. ووعيها الإنساني ككيان مستقل حر، يتفاعل مع العالم ويتجاوزه دون أن ينكره، يدرك حدوده دون أن يُرد إليها ودون أن تُطبَّق عليه هذه الحدود.

4 ـ الواحدية السائلة: الحالة الجنينية سواء في تمركزها حول الذات أو تمركزها حول الموضوع هي حالة صلبة، تدور حول مركز (لوجوسنتريك logo-centric). ولكن ثمة مرحلة جنينية ثالثة هي حالة من السيولة الشاملة والنسبية المطلقة. وإذا كانت الحالة الجنينية في المراحل الأولى تعني إنكار الحدود تماماً والمسافة والحيز الإنساني، فإنها في المرحلة الأخيرة تعني تقبُّل المسافة باعتبارها أمراً قائماً ونهائياً. ولكن المسافة هنا هوة (أبوريا) لا يمكن اجتيازها إذ يختفي مفهوم الإنسانية المشتركة. فرغم اختفاء الرحم الكوني الأكبر ورغم انشطار الجنين الكوني إلى عدة أجنة واختفاء التجسُّد الكوني الأعظم، إلا أن كل جنين يعيش داخل رحمه، يظن أنه لا حدود له ولا قيود عليه، فيذوب بطبيعة الحال فيما حوله. ولذا بدلاً من القصة العضوية الكبرى والنظرية الشاملة التي تنتظم كل شيء، يدور كل إنسان في قصته الجنينية الصغرى دون وجود قصة كبرى. وفي حالة المراحل الأولى (الصلبة) تعبِّر الحالة الجنينية عن نفسها على هيئة التأيقن والتحام الدال بالمدلول. ولكن في المرحلة السائلة ينفصل الدال عن المدلول ويبدأ رقص الدوال. وعلى مستوى النصوص بدلاً من الإيمان بحرفية النص ونهائيته تظهر حالة التناص، وهي أن تتسـاوى كل النصوص وتتـداخل ويحـيل كل نص إلى نص آخر وتحيل كل كلمة إلى كلمة أخرى.

وتعبِّر الحالة الجنينية عن نفسها في كثير من النماذج المعرفية عبر العصور مثل الغنوصية، والنماذج الاختزالية التي ترد العالم إلى عنصر واحد أو اثنين، ولعل من أهمها نموذج العلمانية الشاملة الذي يمثل انتصاراً للحالة الجنينية (فالإنسان الطبيعي/المادي هو تجسُّد للحالة الجنينية). ويمكن القول بأن كثيراً من النزعات المرتبطة بالعلمانية الشاملة مثل النزعة التعاقدية والرغبة في التحكم التكنولوجي والحلم باليوتوبيا التكنولوجية ونهاية التاريخ والإيمان بوحدة (أي واحدية) العلوم بحيث يسري قانون واحد طبيعي/مادي على كل من الإنسان والحيوان والجماد، هي جميعاً تعبير عن النزعة الجنينية.

وإذا كانت الفلسفة الهيجيلية بواحديتها وعضويتها هي تعبير عن الحالة الجنينية في حالة الصلابة الأولى فإن فلسفة نيتشه هي تعبير عن حالة السيولة. وما بعد الحداثة هو انتصار حالة الجنينية الواحدية السائلة. فحديث دريدا عن عالم بلا إشارات، عالم برئ من الصيرورة الكاملة، عالم لا مركز له non logo-centric، هو وصف لعالم الحالة الجنينية في حالة السيولة الشاملة. وإذا كان النظام الاستعماري القديم تعبيراً عن النزعة الجنينية الغربية في مرحلة الصلابة، فإن النظام العالمي الجديد تعبير عنها في مرحلة السيولة. ونحن نذهب إلى أن الإنسان تتنازعه نزعتان كامنتان فيه: النزعة الجنينية والنزعة الربانية.

الطبيعة / المادة
«الطبيعة/المادة» مصطلح نستخدمه كثيراً في هذه الموسوعة بدلاً من مصطلح «الطبيعة». ومفهوم الطبيعة مفهوم أساسي في الفلسفات المادية التي تدور في إطار المرجعية الكامنة، وخصوصاً في الغرب، فكلمة «طبيعة» داخل السياق الفلسفي الغربي لا تشير إلى الأحجار والأشجار والسحب والقمر والتلقائية والحرية، وإنما هي كيان يتسم ببعض الصفات الأساسية التي يمكن تلخيصها فيما يلي:

1 ـ تتسم الطبيعة بالوحدة، فهي شاملة لا انقطاع فيها ولا فراغات، وهي الكل المتصل وما عداها مجرد جزء ناقص منها، فهي لا تتحمل وجود أية مسافات أو ثغرات أو ثنائيات. وجماع الأشياء والإجراءات التي توجد في الزمان والمكان هو الطبيعة، وهي مستوى الواقع الوحيد ولا يوجد شيء متجاوز لها أو دونها أو وراءها، فالطبيعة نظام واحد صارم.

2 ـ تتسم الطبيعة بالقانونية (لكل ظاهرة سبب وكل سبب يؤدي إلى نفس النتيجة في كل زمان ومكان)، أي أن الطبيعة بأسرها متسقة مع نفسها، فهي تتحرك تلقائياً بقوة دفع نابعة منها، وهي خاضعة لقوانين واحدة ثابتة منتظمة صارمة مطردة وآلية، قوانين رياضية عامة واضحة، حتمية لا يمكن تعديلها أو التدخل فيها، وهي قوانين كامنة فيها.

3 ـ الحركة أمر مادي، ومن ثم، لا توجد غائية في العالم المادي (حتى لو كانت غائية إنسانية تسحب خصوصيات النشاط البشري على الطبيعة المادية).

4 ـ لا تكترث الطبيعة بالخصوصية ولا التفرد ولا الظاهرة الإنسانية ولا الإنسان الفرد واتجاهاته ورغباته، ولا تمنح الإنسان أية مكانة خاصة في الكون، فهو لا يختلف في تركيبه عن بقية الكائنات ويمكن تفسيره في كليته بالعودة إلى قوانين الطبيعة. والإنسان الفرد (أو الجزء) يذوب في الكل (الطبيعي/المادي) ذوبان الذرات فيها، أي أن الطبيعة تلغي تماماً الحيز الإنساني.

5 ـ الإيمان بأنه لا توجد غيبيات ولا يوجد تَجاوُز للنظام الطبيعي من أي نوع، فالطبيعة تحوي داخلها كل القوانين التي تتحكم فيها وكل ما نحتاج إليه لتفسيرها؛ فهي علة ذاتها، تُوجَد في ذاتها، مكتفية بذاتها وتُدرَك بذاتها، وهي واجبة الوجود.

يُلاحَظ أن الطبيعة، حسب هذا التعريف الفلسفي، هي نظام واحدي مغلق مكتف بذاته، تُوجَد مقومات حركته داخله، لا يشير إلى أي هدف أو غرض خارجه، يحوي داخله كل ما يلزم لفهمه. وهو نظام ضروري كلي شامل تنضوي كل الأشياء تحته، وضمن ذلك الإنسان الذي يُستوعَب في عالم الطبيعة ويُختزَل إلى قوانينها بحيث يصبح جزءاً لا يتجزأ منها ويختفي ككيان مركب منفصل نسبياً عما حوله وله قوانينه الإنسانية الخاصة (ولذا فالرغبة في العودة إلى الطبيعة هي تعبير عن النزعة الجنينية في الإنسان). وهذه هي الصفات الأساسية للمذهب المادي. ولذا، فنحن نرى أن كلمة «المادة» يجب أن تحل محل كلمة «الطبيعة» أو أن تُضاف الواحدة للأخرى، وذلك لفك شفرة الخطاب الفلسفي الذي يستند إلى فكرة الطبيعة، ولكي نفهمه حق الفهم وندرك أبعاده المعرفية المادية.

ولعل كثيراً من اللغط الفلسفي ينكشف إذا استخدمنا كلمة «مادي» بدلاً من كلمة «طبيعي»، فبدلاً من «المذهب الطبيعي» نقول «المذهب المادي»، وبدلاً من «القانون الطبيعي» نقول «القانون المادي»، وبدلاً من «الإنسان الطبيعي» يمكننا أن نقـول «الإنسـان المادي»، وبدلاً مـن «الطبيعيـة (بالإنجليزية: ناتشوراليزم naturalism)» نقول «مادية». وحينئذ، فإننا نؤكد أن الإنسان الطبيعي، في واقع الأمر، شخص يُعرَّف في إطار وظائفه الطبيعية البيولوجية ويعيش حسب قوانين الحركة المادية ويُرَدُّ إليها، ولذا فهو يجمع براءة الذئاب وتلقائية الأفعى وحياد العاصفة وتَسطُّح الأشياء وبساطتها. وحينما نقول «العودة للطبيعة»، فنحن نقصد أن العودة ستكون لقوانين الطبيعة، أي قوانين المادة. وقد فك هتلر شفرة الخطاب الفلسفي الغربي بكفاءة غير عادية حينما قال يجب أن نكون مثل الطبيعة، والطبيعة لا تعرف الرحمة أو الشفقة، وقد تبع في ذلك كلاً من داروين ونيتشه.

المادية
«المادية» هي المصدر الصناعي من كلمة «المادة»، وهي لا علاقة لها بجمع المال أو بالإقبال على الدنيا كما قد يتوهم البعض. ويمكن للإنسان المادي المغالى في ماديته أن يكون زاهداً تماماً في النقود والدنيا (كما هو الحال مع إنجلز وإسبينوزا). ويمكن القول بأن كل الفلسفات إما مادية أو غير مادية، ولا يمكن تجزيء هاتين المقولتين إلى ما هو أصغر منهما. والفلسفة المادية هي المذهب الفلسفي الذي لا يقبل سوى المادة باعتبارها الشرط الوحيد للحياة (الطبيعية والبشرية)، ومن ثم فهي ترفض الإله كشرط من شروط الحياة، كما أنها ترفض الإنسان نفسه، وأي منظومات فكرية أو قيمية متجاوزة للمادة. ولذا، فإن الفلسفة المادية تَرُدُّ كل شيء في العالم (الإنسان والطبيعة) إلى مبدأ مادي واحد هو القوة الدافعة للمادة والسارية في الأجسام والكامنة فيها والتي تتخلل ثناياها وتضبط وجودها. قوة لا تتجزأ ولا يتجاوزها شيء ولا يعلو عليها أحد، وهي النظام الضروري والكلي للأشياء؛ نظام ليس فوق الطبيعة وحسب ولكنه فوق الإنسان أيضاً. وإن دخل عنصر غير مادي على هذا المبدأ الواحد، فإن الفلسفة تصبح غير مادية.

وكلمة «مادة» قد تبدو لأول وهلة وكأنها كلمة واضحة، ولكن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك. ومع هذا، يمكن تعريف الشيء المادي تعريفاً إجرائياً بأنه ذلك الشيء الذي تكون سائر صفاته مادية: حجمه ـ كثافته ـ كتلته ـ لونه ـ سرعته ـ صلابته ـ كمية الشحنة الكهربائية التي يحملها ـ سرعة دورانه ـ درجة حرارته ـ مكان الجسم في الزمان والمكان... إلخ. والصفات المادية هي الصفات التي يتعامل معها علم الطبيعة (الفيزياء)، فالمادة ليست لها أية سمة من سمات العقل: الغاية ـ الوعي ـ القصد ـ الرغبة ـ الأغراض والأهداف ـ الاتجاه ـ الذكاء ـ الإرادة ـ المحاولة ـ الإدراك... إلخ، أي أن المادي ليس له أية سمة من السمات التي تُميِّز الإنسان كإنسان.

ويمكن القول بأن الأطروحات الأساسية للفلسفة المادية هي ما يلي:

1 ـ لا يوجـد إلا المادة، ولا توجد أية صفات سـوى الصفات المادية. فالمادة أزلية، فهي لا تفنى ولا تُستحدَث من العدم. وهي الأصل الراسخ لكل الموجودات، وهي الجوهر الواحد والمبدأ الوحيد الأول والأخير الذي تُردُّ إليه جميع ظواهر الحياة المادية والإنسانية والحوادث التاريخية.

2 ـ لا توجد أية صفات سوى الصفات المادية، وطبيعة كل شيء وخصائصه إنما هي نتيجة تركيب لبعض ذرات هذه المادة تم بشكل آلي ومن تلقاء نفسه من خلال الحركة الأزلية للمادة. أما أحوال الشعور والفكر والعقل، فهي ظواهر تابعة (بالإنجليزية: إبي فينومنون epiphenomenon) ناتجة عن ذلك الجوهر. ولا يوجد سوى الكم في العالم، وكافة الكمَّات يمكن المقارنة بينها (أما الكيف فهو مجرد شكل من أشكال الكم)، أي أنه لا يوجد سوى الكمي، أما الكيفي فهو ظاهري.

3 ـ عادةً ما تُقرن المـادة بالحـركة، فالمادة والحركة لهما وحدهما وجود وحقيقة نهائية. ولكن الحركة كامنة في المادة، ومن ثم فإن المادة ليس لها سبب أو محرك أول.

4 ـ حركة المادة حركة آلية محايدة ليس لها قصد أو غاية أو معنى، وهي خاضعة لقوانين طبيعية لا تختلف ولا تتغيَّر أو خاضعة لقانون الصدفة.

5 ـ كل تَغيُّر، مهما اختلف مجاله، له أساس مادي. وكل الظواهر تتغيَّر وتختفي وتذوب في مادة كونية أزلية. والتطور، بما في ذلك التطور في المجتمعات الإنسانية، هو نتيجة تطور متصل في القوى المادية، ولا علاقة له بالقيم أو الغائية الإنسانية.

والمادية ترى أسبقية المادة على الإنسان بكل نشاطاته، وهي تمنح العقل مكانة تالية على المادة. ولذا، ليس للعقل أية فعالية سببية، ووجوده ليس ضرورياً لاستمرار حركة المادة في العالم. وتُقر نظرية المعرفة المادية (في مراحلها الأولى) بإمكانية قيام المعرفة، فالعالم قابل لأن يُعرَف لأنه مُعطَى لإحساسنا ووعينا، بل إن مادية العالم هي شرط لمعرفته. ولمعرفة هذا العالم، لا يحتاج الإنسان إلى استعارة وسائل من خارج عالم الطبيعة/المادة؛ فهناك أولاً حواسه الخمس التي ترصد المحسوسات، وهناك عقله الذي يرتب ويُركِّب المحسوسات ولكنه غير منفصل عن الوجود المادي الحسي ـ فالمعرفة هي انعكاس الواقع الخارجي في دماغنا عبر إحساساتنا وتراكم المعطيات الحسية على صفحة العقل البيضاء. ويمكن للإنسان أن يكتسب المزيد من المعرفة من خلال التجريب ومراكمة المعلومات في ذاكرته. وفي بعض أشكال المادية، لا توجد حدود للمعرفة، فكل ما هو موجود قابل لأن يُعرَف، أما التساؤلات الميتافيزيقية فهي ليست موجودة أو ليست موضوعاً للمعرفة.

والمادة لا تسبق العقل وحسب وإنما تسبق كل ما هو إنساني، فهي مثلاً تسبق الأخلاق (ولذا فإن الأخلاق تُفسَّر تفسيراً مادياً ووفقاً لقانون طبيعي)، فمنطق الحاجة الطبيعية المباشرة هو الذي يتحكم في الأخلاق الإنسانية تماماً مثلما تتحكم الجاذبية في سقوط التفاحة. ولذا، تنادي المذاهب الأخلاقية المادية بأن الشيء الوحيد الذي يجدر بالإنسان أن يسعى إليه هو الخيرات المادية التي تجود بها الحياة. وثمة قيم أخرى في النظام المادي، ولكنها قيم مادية مثل البقاء والنمو والحركة. وإذا كانت القوة هي الآلية التي يتم بها حسم الصراع في عالم الطبيعة، فهي تصبح بالتالي الآلية الأخلاقية المادية الكبرى.

والشيء نفسه ينطبق على المعايير الجمالية، فالشعور والإحساس بالجمال وكل الأحاسيس الإنسانية يمكن فهمها بردها إلى المبدأ الطبيعي/المادي الواحد، فهي مجرد تعبير عن شيء مادي يُوجَد في الواقع المادي. والمادة تسبق التاريخ، ولذلك فإن كل تَطوُّر (اجتماعي وتاريخي) يتوقف على الظروف المادية والاقتصادية (على سبيل المثال: تَطوُّر أدوات الإنتاج وعلاقات الإنتاج والمصلحة الاقتصادية). وأسلوب الإنتاج في الحياة المادية هو شرط تَطوُّر الحياة الاجتماعية والسياسية والعقلية على العموم. بل إن المشاعر الإنسانية الكونية الأولية مثل مشاعر الأبوة والأمومة والرغبة في الاطمئنان والائتناس بالآخر، ومظاهر النبل والخساسة، كلها أمور مادية. وكما يقول الماديون، فإن البناء الفوقي (الفكري والعقلي والنفسي) يُردُّ، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، إلى المادة، وما لا يُردُّ إلى المادة لا وجود له، وقبول وجوده هو سقوط في الميتافيزيقا والغيبية والجهالة.

وهذه هي نقطة انطلاق الحداثة المادية الغربية والفلسفات العلمانية الشاملة، وهي فلسفات حلولية كمونية واحدية مادية تَردُّ كل شيء إلى الطبيعة/المادة وتنكر وجود قانونين أحدهما يسري على الطبيعة/المادة ويسري الآخر على الطبيعة البشرية. وبدلاً من ذلك، تؤكد هذه الفلسفات وجود قانون طبيعي واحد يسري على كل الظواهر ليتساوى، في ذلك، الإنسان والأشياء (وهذا هو أساس فكرة وحدة أو واحدية العلوم). ولذا، فالنتيجة المنطقية للفلسفات العلمانية المادية الشاملة حينما تُطبَّق على الإنسان بصرامة هي تفكيكه ورده إلى القوانين الطبيعية/المادية والإحاطة به ككائن لا استقلال له عن النظام الطبيعي/المادي.

الإنسان الطبيعى )المادى(
«الإنسان الطبيعي» هو «الإنسان الطبيعي/المادي»، أي الإنسان الذي يدور في إطار المرجعية الكامنة في المادة، يعيش بالطبيعة/المادة وعلى الطبيعة/المادة. والإنسان الطبيعي/المادي تعبير متبلور عن النزعة الجنينية وعن اختفاء النزعة الربانية، ولذا نجد نفس النمط الذي تتسم به النزعة الجنينية يعبِّر عن نفسه من خلاله: التأرجح بين الواحدية والثنائية وبين الصلابة والسيولة:

1 ـ الإنسان الطبيعي/المادي إنسان بلا حدود، يتمتع بكل السمات الأساسية للطبيعة/المادة، فهو مكتف بذاته، مرجعية ذاته، ومعيارية ذاته، لا توجد أية حدود أو سدود أو قيود عليه: اجتماعية أو تاريخية أو أخلاقية أو جمالية، فهو سوبرمان حقيقي. إنسان يعيش في الزمان الطبيعي الحر وليس في الزمان التاريخي الإنساني الذي تتحكم فيه القيم والأعراف، فهو تعبير واضح عن الواحدية الذاتية.

2 ـ هذا يعني في واقع الأمر أنه لا توجد مسافة تفصله عن الطبيعة أو عن قوانينها الكامنة في المادة، فما هو إلا جزء عضوي لا يتجزأ منها، لا يمكنه تجاوزها، حدودها حدوده، فضاؤها فضاؤه، أي أن الحيز الإنساني يختفي تماماً.

3 ـ هذا يعني أن الإنسان خاضع تماماً لقوانين الطبيعة الكامنة في المادة تحركه أينما شاءت لا يمكنه الفكاك من حتمياتها، يُرد في كليته إلى النظام الطبيعي/المادي، يمكن تفسيره في إطار مقولات طبيعية/مادية مستمدة من عالم الطبيعة/المادة: وظائفه البيولوجية (الهضم ـ التناسل ـ اللذة الحسية)، ودوافعه الغريزية المادية (الرغبة في البقاء المادي ـ القوة والضعف ـ الرغبة في الثروة)، والمثيرات العصبية المباشرة (بيئته المادية ـ غدده ـ جهازه العصبي)، فهو سبمان حقيقي، تعبير واضح عن الواحدية الموضوعية المادية.

ويمكننا الآن أن نتعامل مع سمات الإنسان الطبيعي/المادي:

1 ـ جوهر الإنسان الطبيعي ليس جوهراً إنسانياً، مستقلاً وفريداً، وإنما هو جوهر طبيعي/مادي، فالإنسان لا يختلف، بشكل جوهري، عن الكائنات الطبيعية الأخرى. قد يكون سلوك الإنسان أكثر تركيباً من سلوك الكائنات الطبـيعية الأخـرى، ولكـن الاخـتلاف بينه وبينها هو اختلاف في الدرجة وليس في النوع. ولذا فالإنسان، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، هو وأفكاره وتاريخه وأشواقه وأحزانه مجرد جزء من بناء فوقي وهمي يُرد، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، إلى البناء المادي التحتي الحقيقي، الطبيعة/المادة وقوانينها.

2 ـ الإنسان الطبيعي، شأنه شأن الكائنات الطبيعية، جزء من النظام الطبيعي، وهو نظام واحدي صارم لا يعرف الثنائيات أو التركيب وليس بإمكان كائن تجاوزه، ولذا فالإنسان الطبيعي إنسان أحادي البُعد (إنسان وظيفي) سلوكه يتبع نسقاً منطقياً واضحاً يمكن التنبؤ به. ولذا يمكن اختزاله إلى تلك الصيغ الكمية والرياضية البسيطة المستخدمة في العلوم الطبيعية، ويمكن تفسيره من خلال مقولات مادية محضة، ويمكن توظيفه وحوسلته وجعله مادة استعمالية نافعة.

3 ـ لأن الطبيعـة يمكن أن توجـد دون الإنسـان فيمكن القول بأنه لا يشكل المركز في الكون، فما هو إلا جزء عرضي فيه، وينبغي عليه أن يزعن لقوانينها وألا يحاول تجاوزها.

4 ـ معرفة الإنسان الطبيعي، محدودة بحدود الطبيعة والعلاقات بينها، فالإنسان، شأنه شأن الكائنات الطبيعية جزء من برنامج طبيعي مادي، ذاتي الحركة والتنظيم. بل يُلاحَظ أن الحيوانات العليا تشترك مع الإنسان (الطبيعي) في درجات من الذكاء ووسيلة من وسائل الاتصال والتنظيم الاجتماعي وأشكال من الاقتصاد، ولكنها جميعاً تتسم بالبساطة والمنطقية البالغة. ويشير علي عزت بيجوفيتش، المفكر الإسلامي رئيس جمهورية البوسنة، إلى أن صناعة الأدوات واستخدامها (وهي ظاهرة تدل على التقدُّم الشديد في حلقة التَطوُّر) تُمثِّل استمراراً للتَطوُّر البيولوجي، وهو تَطوُّر خارجي كمي يمكن تتبُّعه من الأشكال البدائية للحياة حتى ظهور الحيوان الكامل. فالوقفة المنتصبة، واكتمال اليــد، واللغة والذكاء، كلها حالات ولحظات من التطور تبقى بطبيعتها في إطارهـا الحيواني. والإنسان، عندما استخدم لأول مرة حجراً لكسر ثمرة صلبة أو لضرب حيوان، فلابد أنه فعل شيئاً مهماً جداً ولكنه ليس جديداً كل الجدة، ذلك لأن آباءه الأوائل من فصيلته الحيوانية حاولوا فعل الشيء نفسه.

من هذا المنظور يمكن القول بأن عقل الإنسان ليس له أية فعالية، فوجوده ليس ضرورياً لحركة الكون. بل إن العقل والخيال ومقدرة الإنسان على التجاوز والترميز والتجريد تشكل عوائق تقف في طريق محاولة الإنسان الإذعان للطبيعة والتحرك معها والخضوع لحتمياتها.

5 ـ الإنسان الطبيعي/المادي، شأنه شأن كل الكائنات الطبيعية لا يعرف القلق أو التفكير في المجهول ولا يفكر في مصيره ولا في مصير الكون، ولا تعكر صفوه أية أسئلة معرفية، نهائية وكلية كبرى، فأسئلته كلها أسئلة عملية مادية محصورة بالبيئة والاحتياجات المادية المباشـرة. وعقل كل من الإنسـان (الطبيعي) والحيوان صفحة بيضاء تُسـجَّل عليها الأحاسيس المادية، ولذا فإن كليهما يدرك السطح بكفاءة عالية ولا يحاول الغوص إلى باطن غير مادي مُتوهَّم. وكلاهما لا ينسب إلى الأشياء دلالات رمزية غير موجودة في جبلة الأشـياء المادية.

6 ـ يمكن تفسير قيم هذا الإنسان الطبيعي/المادي ودوافعه ونشاطاته على أُسس طبيعية/مادية. فما يحركه هو أخلاقيات طبيعية/مادية برانية تستند إلى المنفعة والمصلحة والرغبة في البقاء الكامنة في المادة. قد يتوهم الناس أن القيم من لدن الإله أو من إبداع الإنسان، وهذا وهم. فمصدر القيم هو الطبيعة، ومن ثم يمكن من خلال دراسة الطبيعة وقوانينها المختلفة دراسة إمبريقية أن نصل إلى منظومات قيمية ومعرفية وجمالية (طبيعية/مادية) يستطيع الإنسان أن يعيش بها وأن يحقق مصلحته وبقاءه المادي ولذته.

7 ـ الطبيعة البشرية، شأنها شأن الطبيعة المادية، في حالة حركة دائمة وتغيُّر دائم، ولذا لا توجد إنسانية مشتركة، ولا يمكن أن توجد أية معايير دينية أو أخلاقية أو حتى إنسانية، فمثل هذه المعايير خاضعة لقوانين الحركة.

8 ـ على المستوى الرمزي يتم إدراك الإنسان الطبيعي من خلال رموز طبيعية مستمدة من عالم الطبيعة/المادة وهي عادةً صور مجازية مستمدة من عالم الحيوان والنبات (عضوية) أو من عالم الأشياء (آلية) أو خليط منهما.

وتَصدُر الفلسفات المادية عن الإيمان بأسبقية الطبيعة/المادة على الإنسان ولذا فهي تركز على الإنسان الطبيعي والجوانب الطبيعية/المادية من الوجود الإنساني، وتَرُد كل جوانب الوجود الإنساني الأخرى له، ولذا فهي تُلغي ثنائية الإنسان/الطبيعة (والرباني الجنيني) حتى تسود الواحدية المادية. ولذا، فنحن نربط بين الإنسان الطبيعي والنزعة الجنينية التي تعفي الإنســان من عـبء الهوية والمسـئولية والاخـتيار وتدور في إطـار الواحدية المادية.

والعـلوم الإنسـانية في الغرب، وكذلك النماذج التحليلية السـائدة فيها، تدور معظمـها حول مفهوم الإنسان الطبيعي، ولذا فهي تنظر إلى الإنسان باعتباره مجموعة من الوظائف البيولوجية والحقائق المادية، فالإنسان مجرد نظام طبيعي كغيره من النظم الطبيعية ويخضع بدوره للقواعد الحتمية الصلبة للطبيعة، ويمكن تفكيكه إلى أجزائه المادية الأساسية إلى أن يتلاشى تماماً في النهاية. وحتى في تطوُّره، نجد أن الإنسان الطبيعي لا يختلف عن الحيوان الطبيعي، فهما نتيجة عملية تَطوُّر طويلة تبدأ من أدنى أشكال المادة حيث لا يوجد أي تميُّز واضح بينهما؛ فكلاهما مجرد وظائف بيولوجية، وكلاهما نتاج لبيئته وعمله ولمحاولة البقاء من خلال الصراع والتكيف.

وتَطوُّر الإنسان الطبيعي، مثل تَطوُّر الحيوان الطبيعي، داخل نسق بسيط مستمر منطقي، ومهما بلغ من تركيب فهو يظل داخل إطار الطبيعة/المادة. وكما يقول علي عزت بيجوفيتش: "لقد أوضح إنجلز أن الإنسان نتاج علاقات اجتماعية (أو بدقة أكثر) نتاج أدوات الإنتاج الموجودة، إنه مجرد نتاج حقائق [مادية] معينة". ولقد أخذ داروين هذا الإنسان اللاشخصي بين يديه ووصف تَقلُّبه خلال عملية الاختيار الطبيعي حتى أصبح إنسـاناً قادراً على الكلام وصناعة الأدوات وعلى أن يمشي منتصباً. ثم يأتي علم البيولوجيا ليستكمل الصورة، فيرينا أن كل شيء يرجع إلى أشكال الحياة البدائية التي هي بدورها عملية طبيعية كيميائية: لعب بالجزيئيات (أما الحياة والضمير والروح فلا وجود لها، وبالتالي فليس هناك جوهر إنساني). وإنسان نيتشه، نتاج عملية التطور هذه، هو إنسان كامل اسماً، فهو في جوهره حيوان كامل خاضع تماماً لقوانين التطور الطبيعية. وكل المدن الفاضلة المادية (اليوتوبيات التكنولوجية التكنوقراطية)، التي تُدار على أسس علمية/مادية، يظهر فيها إنسان مثالي تماماً، إنسان في مثالية النحل والنمل والحيوانات التي تبلغ الغاية في التنظيم، وهي كائنات تعيش في مجتمعها بشكل آلي منطقي؛ كالإنسـان الآلي المغسـول في الرشـد المادي من قمة رأسه إلى أخمص قدمه؛ إنسان لا يختار ولا يقرر، فكل شيء قد تم اختياره وتقريره له؛ وهو لا يحمل أية أعباء أخلاقية، فهو يتصرف بشكل آلي حسب طبيعته؛ وطبيعته لا خير فيها ولا شر ولا قلق ولا أسئلة كبرى. إن هذا الإنسان الآلي هو تَطوُّر طبيعي للإنسان الطبيعي/المادي لا يختلف عنه في الجوهر.

إن عالم الإنسان الطبيعي عالم واحدي براني أملس. وكما يقول علي عزت بيجوفيتش: "لقد دأب الماديون على توجيه نظرنا إلى الجانب الخارجي للأشياء. فيقول إنجلز: إن اليد ليست عضو العمل فقط وإنما هي أيضاً نتاج العمل.. فمن خلال العمل اكتسـبت اليد البشـرية هذه الدرجة الرفيعة من الإتقان الذي استطاعت من خلاله أن تنتج لوحات روفائيل، وتماثيل ثورفالدسن، وموسيقى باجانيني".

"إن ما يتحدث عنه إنجلز هو استمرار النمو البيولوجي وليس النمو الروحي. ولكن الإنسان ليس مجرد وظائف بيولوجية. والنمو البيولوجي وحده، حتى لو امتد إلى أبد الآبدين، ما كان بوسعه أن يمنحنا لوحات روفائيل، ولا حتى صور الكهوف البدائية التي ظهرت في عصور ما قبل التاريخ".

ونحن نضع في مقابل الإنسان الطبيعي الإنسان الإنسان، وهو إنسان غير طبيعي/مادي يحوي داخله عناصر (ربانية) متجاوزة لقوانين الحركة (التي تسري على الإنسان والحيوانات) ومتجاوزة للنظام الطبيعي/ المادي. وهذه العناصر هي التي تشكل جوهر الإنسان والسمة الإنسانية لإنسانيته وتفصله عن بقية الكائنات وتُميِّزه كإنسان. فالإنسان الإنسان (غير الطبيعي)، هو الإنسان الحق، أما الإنسان الطبيعي فهو الإنسان الذي لا يحوي جوهراً إنسانياً (ولذا فهو يمتزج بسهولة مع الكائنات الطبيعية ويتصف بصفاتها). فهو تعبير عن النزعة الجنينية والرغبة في فقدان الذات والحدود.

وهنا يطرح بيجوفيتش مفهوم ازدواجية الطبيعة الإنسانية التي "جاء أحد جانبيها من الأرض (الطبيعة/المادة) وجاء الآخر من السماء". والوظائف البيولوجية والنشاطات الطبيعية (مثل الصيد وصنع الأدوات) هي التي جاءت من الأرض، أما النشاطات الأخرى (مثل الدين والفن) فهي ليست من سمات الإنسان الطبيعي وإنما من سمات الإنسان الإنسان، وهو كائن مركب متعدد الأبعاد، قَلق يسأل أسئلة كلية، يحمل عبء الهوية والمسئولية الخلقية، لا يمكن اختزاله في صيغ رياضية كمية كما لا يمكن رده في كليته إلى عالم الطبيعة/المادة وواحديته المادية، ولذا فهو يعيش ثنائية فضفاضة لا يمكن إلغاؤها.

الإنسان الاقتصادى والإنسان الجسمانى (الجنسى(
هناك ـ في تصوُّرنا ـ تنويعان أساسيان على فكرة الإنسان الطبيعي: الإنسان الاقتصادي والإنسان الجسماني أو الجنسي.

1 ـ الإنسان الاقتصادي: إنسان آدم سميث الذي تحركه الدوافع الاقتصادية والرغبة في تحقيق الربح والثروة، وإنسان ماركس المحكوم بعلاقات الإنتاج. وهو يعبِّر عن مبدأ المنفعة بحيث لا يعرف الإنسان سوى صالحه الاقتصادي، ولذا فهو إنسان يتسم بالتقشف والإنتاج وحب التراكم. وهو إنسان متحرر تماماً من القيمة (شأنه شأن الطبيعة) دوافعه الأساسية اقتصادية بسيطة، وتحركه القوانين الاقتصادية، وتحكمه حتمياتها (تماماً مثل الإنسان الطبيعي الذي يخضع لقوانين الطبيعة وحتميات القانون الطبيعي لا يملك تجاوزاً لها)، إنسان لا ينتمي إلى حضارة بعينها وإنما ينتمي إلى عالم الاقتصاد العام، وهو لا يعرف الخصوصية ولا الكرامة ولا الأهداف السامية التي تتجاوز الحركة الاقتصادية، وهو يجيد نشاطاً واحداً هو البيع والشراء، وهذا هو إنسان ماركس وآدم سميث. ويُشار إلى هذا الإنسان في النظم الرأسمالية بأنه «دافع ضرائب»، أما في النظم الاشتراكية فيمكن أن يكون «بطل الإنتاج».

2 ـ الإنسان الجسماني أو الجنسي: إنسان فرويد وبافلوف الذي تحركه دوافعه الجنسية وغدده وجهازه العصبي. وهو يعبِّر عن مبدأ اللذة ولا يعرف سوى متعته ولذته؛ إنسان الاستهلاك والترف والتبذير؛ إنسان فرويد والسـلوكيين، وهو إنسان أحـادي البُعد خاضع للحتميات الغريزية متجرد من القيمة لا يتجاوز قوانين الحركة.

إن الإنسان الطبيعي هو نفسه الإنسان الاقتصادي، وهو نفسه الإنسان الجسماني، وقد تختلف المضامين ولكن البنية واحدة. ولو أننا وضعنا كلمة «اقتصاد» أو كلمة «جنس» بدلاً من كلمة «طبيعة» لظل كل شيء على ما هو عليه ولما غيَّرنا شيئاً من خطابنا.

وثنائية الإنسان الاقتصادي والإنسان الجسماني تُعبِّر عن نفسها من خلال مرحلتين في تاريخ الاقتصاد العلماني: المرحلة التقشفية التراكمية وتليها المرحلة الفردوسية التي بدأت في العالم الرأسمالي في بداية القرن العشرين، وبدأت في شرق أوربا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وبدأت في العالم الثالث بين أعضاء النخب الحاكمة المتغربة. وما يسود الآن في المجتمعات الحديثة هو خليط بين الاثنين.

العقلانية المادية واللاعقلانية المادية
«العقلانية» هي الإيمان بأن العقل قادر على إدراك الحقيقة من خلال قنوات إدراكية مختلفة من بينها الحسابات المادية الصارمة دون استبعاد العاطفة والإلهام والحدس والوحي. والحقيقة حسب هذه الرؤية يمكن أن تكون حقيقة مادية بسيطة، أو حقيقة إنسانية مركبــة، أو حقــائق تشـكل انقطاعــاً في النظــام الطبيـعي. ومن ثم يستـطيع هذا العقل أن يدرك المعلوم وألا يرفض وجود المجهول. وهذا العقل يدرك تماماً أنه لا "يؤسِّس" نظماً أخلاقــية أو معـرفية، فهو يتلقَّى بعض الأفكار الأولية ويصوغها استناداً إلى منظومة أخلاقية ومعرفية مسبقة.

ولكن هناك من يذهب إلى أن العقلانية هي الإيمان بأن العقل قادر على إدراك الحقيقة بمفرده دون مساعدة من عـاطفة أو إلهـام أو وحي، وبأن الحقـيقة هي الحقيقة المادية المحضة التي يتلقاها العقل من خلال الحواس وحدها، وبأن العقل إن هو إلا جزء من هذه الحقيقة المادية فهو يُوجَد داخل حيز التجربة المادية محدوداً بحدودها (لا يمكنه تجاوزها)، وأنه بسبب ماديته هذه قادر على التفاعل مع الطبيعة/المادة يمكنه انطلاقاً منها (ومنها وحدها) أن "يؤسس" منظومات معرفية وأخلاقية ودلالية وجمالية تهديه في حياته ويمكنه على أساسها أن يفهم الماضي والحاضر ويفسرهما ويُرشِّد حاضره وواقعه ويخطط لمستقبله.

هذا يعني، في واقع الأمر، أن العقل عقل مادي يقوم بإعادة إنتاج العالم المادي من خلال مقولات الطبيعة/المادة وحسب (لا من خلال أية مقولات إنسانية). فيرصد الواقع باعتباره كماً وأرقاماً وسطحاً بسيطاً خالياً من الأسرار والتفاصيل المتناثرة. وهو عقل قادر على وصف ما هو عام ولكنه لا يستطيع أن يرصد ما هو خاص وفريد، وهو قادر على رصد ما هو كائن ولكنه غير قادر على إدراك ما ينبغي أن يكون، فـ «ما ينبغي» مقولة أخلاقية مثالية متجاوزة لعالم الطبيعة/المادة. ولذا، فإن العقل المادي يتعرف على الحقائق المادية فقط (يعرف ثمنها أو حجمها أو كثافتها، أي صفاتها المادية وحسب) ولكنه لا يعرف قيمتها، فالقيمة شيء متجاوز لعالم المادة. ومن ثم، لا يُوجَد بالنسـبة للعقـل المادي خير وشر أو عدل وظلم. وحتى إن أدرك العقل المادي قيمة شيء، فسرعان ما يرده إلى عالم المادة، فهو عقل تفكيكي عدمي قادر على تفكيك الأشياء ونزع القداسة عنها ولكنه غير قادر على تركيبها. وهو، لكل هذا، عقل لا يملك إلا أن يساوي بين الطبيعة/المادة والإنسان وأن يسوي بينهما، فيمحو ثنائية الإنسان والطبيعة لتسود الواحدية المادية، أي أن العقل المادي يصبح أداة الطبيعة/المادة في الهجوم على الإنسان بدلاً من أن يكون رمزاً لانفصاله عنها.

وقد يبدو هذا الحديث الفلسفي وكأنه غير ذي صلة بالتاريخ المتعيِّن. ولكن الأمر ليس كذلك، فهناك من يرى أن قيام النازية بإبادة الملايين (من الغجر والسلاف واليهود والأطفال المعوقين ومن المسنين) ممن صُـنِّفوا باعتبارهم "أفواهاً مستهلكة غير منتجة" (بالإنجليزية: يوسلس إيترز useless eaters) إنما هو أحد إنجازات العقلانية المادية التي "حرَّرت" النازية من أية أعباء أخلاقية مثالية (غير مادية) وتعاملت مع البشر بكفاءة بالغة وبمادية صارمة كما لو أنهم مادة استعمالية نسبية تخضع لقوانين الطبيعة/المادة، فمن يحيد عنها (مثل الأطفال المعوقين والرجال المسنين) لابد من التخلص منه في أسرع وقت وبأكثر الطرق كفاءة. أي أن العقل المادي هنا قام بتفكيك البـشر بصـرامة بالغة وكفاءة مدهـشة، ونظر للجـميع بعيون زجـاجية وكأنه كمبيوتر متألِّه، يبلغ الغاية في الذكاء، لا قلب له ولا روح، يُحيي ويُميت.

ويمكننا القول بأن هناك نمطاً من الحكام الإرهابيين الثوريين لا يختلفون كثيراً عن هتلر ويدورون في إطار العقلانية المادية؛ مثل روبسبيير الذي قام بتفكيك البشر في إطار «مصلحة الشعب» التي يقررها هو، فأباد الملايين من غير النافعين، ومثل ستالين الذي قام بتفكيكهم في إطار علاقات الإنتاج ومعدلات النمو فأباد ملايين الفلاحين (الكولاك) الذين كانوا يعوقون عملية الإنتاج المادية الحتمية. ويرى بعض مؤرخي الثورات التي تدور في إطار النماذج العقلانية المادية أن ظهور مثل هذا الكمبيوتر المتأله مسألة حتمية، وأنه قد يأخذ (بعد استقرار الثورة وتحوُّلها إلى مؤسسات) شكل لجان خبراء ومستشارين. بل يرون أن هذه ظاهرة حتمية لصيقة بالمجتمعات الحديثة التي تُعرِّف النمو والتقدم والإنسان من منظور عقلاني مادي، وأن التكنوقراطية ونظريات التلاقي ووحدة العلوم والاتجاه نحو التنميط والكوكلة والعولمة إنما هي تعبير عن هذا الاتجاه.

ويمكننا الآن أن نثير نقطتين أساسيتين تتصلان بالعقلانية المادية:

1 ـ نحن نذهب إلى أنه لا توجد علاقة ضرورية بين العقلانية والمادية، فهناك نظم سياسية مادية عقلانية وأخرى مادية لاعقلانية. فالنظام السياسي الأمريكي مبني على الفصل بين الدين والدولة فصلاً كاملاً، وقد نجح الأمريكيون، في بعض مراحل تاريخهم على الأقل، في تطوير نظام عقلاني يُعبِّر عن مطامح الشعب الأمريكي بشـكل معـقول. والنظام النازي، هو الآخر، كان نظـاماً مادياً شرساً في ماديته، ولكنه كان لاعقلانياً بصورة تامة، وكان يتحرك في إطار نظريته العرْقية الشمولية التي شكلت مرجعيته المادية الكامنة. والنظام الستاليني، كان هو الآخر نظاماً مادياً بشكل نماذجي، ولكن لا يمكن أن يزعم أحد أنه كان نظاماً عقلانياً. وهناك نظم عقلانية تستند إلى عقائد دينية يزخر بها تاريخ الإنسان.

2 ـ بل إننا نذهب إلى أن العقلانية المادية تؤدي في مراحلها المتقدمة إلى اللاعقلانية المادية وهذا ما سنتناوله في بقية هذا المدخل.

وقد أشرنا إلى أن العقل المادي عقل تفكيكي عدمي غير قادر على التركيب أو التجاوز. ويتضح هذا في أنه عقل قادر على إفراز قصص (نظريات) صغرى مرتبطة بفضائها الزماني والمكاني المباشر على أحسن تقدير (كما يقول دعاة ما بعد الحداثة)، أي أنه قادر على إفراز مجموعة من الأقوال التي لا شرعية لها خارج نطاقها المادي المباشر الضيق المحسوس (فالعقل المادي يُدرك الواقع بطريقة حسِّية مباشرة). ومن ثم فهو عقل عاجز عن إنتاج القصص الكبرى أو النظريات الشاملة عاجز عن التوصل للحقيقة الكلية المجردة التي تقع خارج نطاق التجريب. ولذا فالعقل المادي لا يُنكر الميتافيزيقا وحسب وإنما يُنكر الكليات تماماً وينتهي به الأمر بالهجوم على العقل الإنساني والعقل النقدي لأنهما يتوهمان أنهما يتمتعان بقدر من الاستقلال عن حركة الطبيعة/المادة. وبذلك يختفي الإنسان كمرجعية نهائية بل يختفي مفهوم الطبيعة البشرية نفسه، ثم تختفي سائر المرجعيات وتصبح الإجراءات الشيء الوحيد المتفق عليه. وهكذا لا يتحرر العقل المادي من الأخلاق وحسب وإنما يتحرر من الكليات والهدف والغاية والعقل، ومن ثم تتحوَّل العقلانية المادية إلى لاعقلانية مادية.

وإذا كانت العقـلانية المـادية قد أفرزت فكر حـركة الاسـتنارة والوضعية المنطقية والكل المادي المتجاوز للإنسان، فقد أفرزت اللاعقلانية المادية: النيتشوية والوجودية والفينومينولوجية وهايدجر وما بعد الحداثة. والانتقال من التحديث إلى الحداثة وما بعد الحداثة هو الانتقال من العقلانية المادية التي تربط بين التجريب والعقلانية (في مرحلة المادية القديمة ومرحلة الثنائية الصلبة والواحدية الموضوعية المادية) إلى اللاعقلانية المادية التي تفصل بينهما، فيتم التجريب دون ضابط ودون إطار (في مرحلة المادية الجديدة والسيولة الشاملة). وتسود الآن في مجال العلوم نزعة تجريبية محـضة ترفض الكـليات العقـلية )إنسـانية كانت أم مـادية) وتلتصق تماماً بالمادة وحركتها وعالم الحواس.

ومع هذا يمكن القول بأن العقلانية المادية كثيراً ما تتعايش مع اللاعقلانية المادية وترتبط بها. فالوضعية العلمية المنطقية تعبير عن العقلانية المادية حيث لا يؤمن الإنسان إلا بالتجريب والأرقام، ولكنها في الوقت نفسـه تعبير عـن اللاعقلانية المادية، فهي لا تشغل بالها بالكليات أو المنطلقـات الفلسـفية. وقد أشرنا إلى أن النازية، كما يراها بعض المؤرخين، هي قمة العقلانية المادية، ونحن نتفق معهم في هذا، ونضيف أن هذا لا يمنع أن تكون قمة اللاعقلانية المادية أيضاً، فهي تعبير عن تَبلور نزعة تجريبية محضة ترفـض الكليات الإنسانية والعقلية وأي شكل من أشكال الميتافيزيقا وتلتصق تماماً بحركة المادة وعالم الحواس، وتُمجِّد الإرادة الفردية على حساب أية مفاهيم إنسانية كلية. ولعل الفلسفة العلمانية الشاملة الأساسية، أي الداروينية الاجتماعية، هي تعبير عن هذا التعايش والترابط بين العقلانية واللاعقلانية المادية.

فشل النموذج المادى فى تفسير ظاهرة الإنسان
تؤكد العقلانية المادية عناصر التجانس والتكرار والكم والسببية والآلية، ولذا فهي تتسم بمقدرة عالية، نوعاً ما، على رصد حـركة الأشـياء ودراستها. فالعـقلانية المادية تتحـرك في إطـار الواحدية المادية التي تخضع لها الأشياء، أما الإنسـان فهو ظاهرة تتجاوز حدود الواحدية المادية. ولذا، فإن سلوكه، سواء في نُبله أو ضعته، في بطولته أو خساسـته، ليس ظاهرة مادية محضة وإنما ظاهرة مركبة لأقصى حد:

1 ـ فعقل الإنسان له مقدرات تتحدى النموذج التفسيري المادي، حتى أننا نجد عالماً مثل تشومسكي ينكر تماماً أن عقل الإنسـان مجرد صفحة بيضاء سـلبية (وهو الافتراض الوحيد المتاح أمام الماديين) وإنما هو عقل نشيط يحوي أفكاراً كامنة فطرية. ولذا، نجد أن تشومسكي يتحدث عن «معجزة اللغة» باعتبارها ظاهرة لا يمكن تفسيرها في إطار مادي وإنما لابد من تفسيرها في إطار نموذج توليدي يفترض كمون المقدرة اللغوية في عقل الطفل بما يعني أن العقل ليس مجرد المخ، مجموعة من الخلايا والأنزيمات. ويقدم جان بياجيه رؤية توليدية لتطور الإنسان وتطوُّر إحساسه بالزمان والمكان. وتزايد الاعتماد على النماذج التوليدية، مقابل النماذج التراكمية، هو دليل على تراجُع النموذج المادي.

2 ـ ثم نأتي إلى مشكلة الفكر. يدَّعي الماديون أن الفكر صورة من صور المادة أو أثر من آثارها (فالعقل صفحة بيضاء تتراكم عليها المعطيات الحسية وتتحول إلى أفكار كلية بطريقة آلية). وهي مقولة قد تبدو معقولة ولكنها تخلق من المشاكل أكثر مما تحل. والسؤال هو: لماذا يأخذ الفكر هذه الصورة بالذات؟ ولماذا تختلف أفكار شخص عن أفكار شخص آخر يعيش في نفس الظروف؟ وهل الأفكار عصارات وأنزيمات تتحرك أم أنها شيء آخر؟ وما علاقة المؤثر المادي بالاستجابة الفكرية أو العاطفية؟ ولنأخذ فكرة مثل «السببية». المعطيات الحسية المادية غير مترابطة ولا علاقة لها بأية كليات، ومع هذا يُدرك العقل الواقع لا كوقائع متناثرة وإنما كجزئيات تنضوي تحت كلٍّ متكامل، ولا يمكن أن يتم الإدراك إلا بهذه الطريقة، ولذا نجد أن الماديين (في عصر ما بعد الحداثة) ينكرون تماماً فكرة الكل، ويعلن نيتشه موت الإله الذي يعني في الواقع نهاية الكل. وهجوم الماديين والطبيعيين على الكل أمر مُتوقَّع، ففكرة الكل تُذكِّرنا بمعجزة الإنسان الذي يتجاوز النظام الطبيعي وحركة الأنزيمات والذرات والأرقام، ومن ثم فإنها تخلق ثنائية فضفاضة تستدعي مرجعية متجاوزة للنظام الطبيعي هي الإله. فالكل يؤكد تجاوز الإنسان، وتجاوز الإنسان يؤكد وجود الإله كمقولة تفسيرية معقولة. ولذا، لابد أن تهاجم هذه الفلسفة فكرة الكل حتى يعود الإنسان إلى الطبيعة ويُستوعَب فيها. وهكذا بدأت المادية بمحاولة تحطيم خرافة الميتافيزيقا، وانتهت بالهجوم على فكرة الحقيقة نفسها.

3 ـ وهناك حس الإنسان الخُلقي والديني، والجمالي، وقلقه، وتساؤله عن الأسئلة النهائية الكبرى. وهي أحاسيس لا يمكن تفسيرها على أساس مادي، فالأمر أكثر صعوبة من مجرد تفسير وجود الأفكار. وكما ينتهي الفكر المادي بإنكار الفكر، وإنكار الكل، فهو ينكر أيضاً الحس الخُلقي والجمالي ويُسقط الأسئلة النهائية. وعلى هذا، فإن عبارات مثل «القتل شر» و«هذه اللوحة جميلة» و«قلق الإنسان على مصيره في الكون» هي عبارات لا معنى لها من منظور مادي، تماماً مثل عبارة «الله رحيم» أو «الله موجود»، فكلها عبارات لا يمكن إثباتها أو دحضها من خلال المنهج العلمي المادي.

4 ـ المادية تفشل في تفسير إصرار الإنسان على أن يجد معنى للكون ومركزاً له. والحقيقة أنه حينما لا يجد هذا المعنى، فإنه لا يستمر في الإنتاج المادي مثل الحيوان الأعجم وإنما يتفسخ ويصبح عدمياً ويتعاطى المخدرات وينتحر ويرتكب الجرائم دون سبب مادي واضح. وتزداد قضية المعنى حدة مع ازدياد إشباع الجانب المادي في الإنسان، فكأن إنسانية الإنسان لصيقة بشيء آخر غير مادي. والبحث عن المعنى عبَّر عن نفسه على هيئة فنون وعـقائد. وكما يقـول علي عـزت بيجوفيتش، فإن "الدين والفن مرتبطان بالإنسان منذ أن وُجد على وجه الأرض، أما العلم (المادي) فهو حديث، وفشل العلم المادي (الذي يدور في إطار نماذج مادية) في تفسير الإنسان وفي التحكم فيه هو دليل فشله في إدراك الظـاهرة الإنـسانية وإدراك أن الحلول التي يأتي بها حلول ناقصة".

5 ـ والفلسفات المادية تدور في إطار المرجعية المادية، ولذا فإنها ترسم صورة واحدية للإنسان إما باعتباره شخصية صراعية دموية قادرة على خرق كل الحدود وعلى إعلاء إرادتها وتوظيف قوانين الحركة لحسابها، أو باعتباره شخصية قادرة على التكيف مع الواقع و الخضوع لقوانين الحركة. وهذه صورة ساذجة غير حقيقية:

أ) الصورة الأولى تفشل في رصد تلك الجوانب النبيلة في الإنسان مثل مقدرته على التضحية بنفسه من أجل وطنه أو من أجل أبيه أو أمه، ومقدرته على ضبط نفسه من أجل مُثُل عليا.

ب) الصورة الثانية تؤكد أن الإنسان غير قادر على الثورة والتجاوز. وبالفعل، يُلاحَظ في العصر الحديث هيمنة نظم سياسية تسيطر عليها رؤى تكنوقراطية محافظة. ومع هذا، لم تنجح المادية تماماً في قمع الإنسان وتسويته بالأمر الواقع. فالإنسان لا يزال قلقاً وغير راض، وهو إن لم يُعبِّر عن قلقه من خلال الثورة الناضجة فهو يُعبِّر عن هذا القلق بأشكال مرضية.

وفي محاولة لتفسير هذه الجوانب الإنسانية غير المادية من الوجود الإنساني، يذهب الماديون إلى أن كل هذا حدث بالصدفة من خلال عملية كيميائية بسيطة ثم وصلت الكائنات بعد ذلك إلى درجة من التركيب من خلال قانون التطور. وهو ما يعني أن قانون الصدفة وقانون التطور هما القانونان الأساسيان؛ فالصدفة هي سفر التكوين أو قصة الرؤية المادية بشأن الخلق، والتطور هو تاريخها غير المقدَّس، الزمني المكاني. والتطور نفسه خاضع للصدفة وصراع القوة، فكأن الصدفة أو القوة (أو كلتيهما) محرك للكون وضمنه الإنسان. هذا التفسير المادي للأمور هو تفسير ميتافيزيقي رغم إنكاره للميتافيزيقا؛ وهو يهدف إلى سـد الثغرة في النظام الطبيعي وإلى تصفية ظاهرة الإنسان وإلغاء الحيز الإنساني، ذلك لأن التفسيرات المادية غير قادرة على استيعاب أية ثنائية أو أي تركيب يتحدى النظام الواحدي المادي البسيط (فهي تفسيرات تُؤثر البساطة والواحدية على التركيب والتعددية(.

ولكن ليست هناك أية ضرورة لرفض مقولة الإنسان المركب الذي لا يُرَدُّ إلى المادة أو الاستغناء عنها، وخصوصاً أنها جزء من تجربتنا الوجودية وإدراكنا لذاتنا وواقعنا الإنساني. ولذا، وبدلاً من التأرجح بين العقلانية المادية التي تحاول تفسير كل شيء من خلال السببية الصلبة المطلقة من جهة واللاعقلانية المادية التي تعجز عن تفسـير أي شـيء من جهة أخرى، وبـدلاً من الإصرار عـلى إلغاء الثنائية نشعر (نحن البشر) بوجودها في عالمنا المادي، وذلك باسم البساطة والواحدية والتناسـق الهندسي القاتل، قد يكون من الأمانة أن نُسمِّي هذا الجانب في الوجود الإنسـاني «الجانب الرباني»، وعلينا من ثم أن نستدعي ثنائية أخرى ذات مقدرة تفسيرية عالية لا يمكن إلغاؤها. وبدلاً من مجرد استخدام مقولات مادية تفسيرية تفرض الواحدية على الواقع، وتُسوي الإنسان بالطبيعة والكيف بالكم وغير المادي بالمادي، يمكن استخدام مقولات تفسيرية مركبة تحوي عناصر مادية وغير مادية، كما يمكن استدعاء مدلول متجاوز للنظام الطبيعي ولقوانين المادة نصنف تحته كل الظواهر التي لا تخضع للقياس ونفسر من خلاله كل ما لا يدخل شبكة السببية الصلبـة المطلقـة وندرك من خلاله كل التجليـات التي تظهر في عالمنا الطبيـعي دون أن نتمكن من تفسير جميع جوانبها، أي مقولة غير مادية تكمِّل (ولا تَجبُّ) المقولات المادية، مقـولة تتجاوز العقـل المادي دون أن تحطمـه، وهـذه المقولة هي ما يُطلَق عليه «الإلـه»؛ مركز الكون الموجود خارج المادة، والذي هو أقرب إلينا من حبل الوريد، يُعنَى بدنيانا وبمسار التاريخ ولكنه ليس كمثله شيء، ووجوده تعبير عن وجود كل من الطبيعة وما وراء الطبيعة، وما يُقاس وما لا يُقاس، ووجود الإنسان كإنسان يستند إلى وجوده.

النزعة الربانية
نذهب إلى أن الإنسان تتنازعه نزعتان كامنتان فيه: النزعة الجنينية نحو إزالة الحدود والحيز الإنساني والهوية الإنسانية والذات المتعينة ومحو الذاكرة التاريخية والذوبان في الطبيعة/المادة والهرب من المسئولية الأخلاقية والمقدرة على التجاوز من ناحية، ومن ناحية أخرى، النزعة الربانية نحو تجاوز الطبيعة/المادة وتقبُّل الحدود والمسئولية وعبء الوعي وتأكيد الهوية الإنسانية وتركيبيتها. والنزعة الربانية تعبير عن وجود عنصر غير مادي غير طبيعي داخل الإنسان، وهو عنصر لا يمكن رده إلى الطبيعة/المادة نسميه «القبس الإلهي»، وهو ذلك النور الذي يبثه الإله الواحد المتجاوز في صدور الناس (بل في الكون بأسره)، فيمنحه تركيبيته اللامتناهية،ويولِّد في الإنسـان العـقل الذي يدرك من خـلاله أنه ليـس بإله، وأنه ليـس بالكل، وأنه مكلف بحمل الأمانة، وأن عليه أعباء أخلاقية وإنسانية تشكل حدوداً وإطاراً له. ولكن هذه الحدود هي نفسـها مصدر تميزه، فهي تفصله عن كل من الإله والكائنات الطبيعية، وتميِّزه عن هذه الكائنات بعقله ووعيه والمسئولية المناطة به. فكأن الحدود هي حيزه الإنساني الذي يمكن للإنسان أن يحقق فيه إمكانياته أو يجهضها. وهو الحيز الذي يتحول فيه الإنسان إلى كائن اجتماعي قادر على أن يرجئ رغباته ويُعلي غرائزه ولا يطلق لشهواته العنان حتى يمكنه أن يعيش مع الآخرين ويتواصل معهم، وأن ينتج أشـكالاً حضارية إنسـانية تتجاوز عالم الطبيعة/المادة وعـالم المثيرات والاستجابات العصبية والجسدية المباشرة.

والإنسان الإنسان، ثمرة النزعة الربانية، يقف على طرف النقيض من الإنسان الطبيعي/المادي ثمرة النزعة الجنينية، فهو ذو هوية محدَّدة يكتسبها من خلال الحدود المفروضة عليه ولكنه لا يتمركز حول ذاته، وفي إطار المرجعية المتجاوزة يمكنه تأكيد إنسانيته لا بالعودة إلى ذاته الضيقة (الطبيعية) والرغبة في التحكم في الكون، وإنما بالإشارة إلى النقطة المرجعية المتجاوزة. وهو أيضاً لا يفقد ذاته ولا يتمركز حول الموضوع (الطبيعة/المادة)، أي أنه لا يتأرجح بين الواحدية والثنائية الصلبة ولا بين الصلابة والسيولة. فوجود المركز المتجاوز ضمان لأن يحتفظ بهويته وذاته ولا يغوص في حمأة المادة ولا يذعن لقوانينها وحتمياتها.

والإنسان الإنسان، على عكس الإنسان في الحالة الجنينية، قادر على تفسير العالم والنصوص، فاللغة ليست أيقونات تُشير إلى ذاتها، وإنما مفردات وجُمل لها قواعدها، وهو للسبب نفسـه قادر على التواصل مع الآخرين، ومن ثم قادر على تجاوز ذاته والتحرك مع الآخرين داخل الحدود التاريخية والاجتماعية والحضارية، التي تشكل حيزنا الإنساني الذي نحقق فيه جوهرنا الإنساني. فهو إنسان فرد له قصته الصغيرة، ولكنها صدى للإنسانية المشتركة وللقصة الإنسانية الكبرى.

الثنائية الفضفاضة: نمط إنسانى (ربانى)عام
«النزعة الربانية» تعني خروج الإنسان من نطاق المرجعية الكامنة المادية ودخوله في نطاق المرجعية المتجاوزة مما يعني ظهور ثنائية أساسية لا يمكن محوها، هي ثنائية الخالق والمخلوق الفضفاضة. هذه الثنائية تعني زوال أية واحدية ذاتية كانت أم موضوعية. لأن في إطار المرجعية المتجاوزة لا يمكن للإنسان أن يسقط في الجنينية التي تحطم الحدود بين الكل والجزء، ولا يمكن أن يتمركز حول ذاته. كما لا يمكن للموضوع (المادي) أن يتمركز حول نفسه، إذ يظل مركز الكون خارجه. وثنائية الخالق والمخلوق الفضفاضة ينتج عنها ثنائية أخرى هي ثنائية الإنسان والطبيعة، فالإله يزود الإنسان بالعقل الذي يميِّزه عن سائر الكائنات، وهذا ما يجعله إنساناً إنسان (أو إنساناً ربانياً)، أي إنساناً غير طبيعي/ مادي، له جوهره الإنساني المتميز عن الطبيعة/المادة، يعيـش في الحـيز الطبيعي/المادي نفسـه ولكنه قادر على تجاوزه وتجاوز ذاته الطبيعية. وهذا الكائن الذي يحوي داخله الأسرار، يستعصي على التفسيرات الطبيعية/المادية ولا يمكن اختزاله أو رده إلى مبدأ واحد ولا يمكن التحكم فيه تحكماً كاملاً، إنه إنسان يبحث عن المعنى في الكون ولا يستسلم للعبث أو العدمية أو الواحدية المادية، إنسان حر قادر على اتخاذ قرارات أخلاقية وعلى تحمُّل المسئولية، ومن ثم يشكِّل ثغرة في النظام الطبيعي وتحدياً للمنظومات المعرفية والأخلاقية الواحدية المادية.

كل هذا يعني انفصال الإنسان عن الطبيعة وأسبقيته وأفضليته عليها. ولكنها تفترض أيضاً وجوده فيها واعتماده عليها واحترامه لها، فهو ليس بمركز الكون، وهو ليس سيد الطبيعة، فمالكها هو الله. ولذا فهو مستخلف فيها يتفاعل معها.

إن الثنائية الفضفاضة (ثنائية الخالق والمخلوق والإنسان/الطبيعة) ليست اثنينية أو ثنائية صلبة لأن الإنسان، من خلال النزعة الربانية داخله، ينفصل عن الإله وعن الطبيعة ولكنه يتفاعل ويتجاوب معهما، ومن خلال تفاعله يكتسب المقدرة على التجاوز وتزداد حريته. والوجود الإنساني الأمثل ليس محو النزعة الجنينية والتعبير الخالص عن النزعة الربانية، ولا هو محو النزعة الربانية والتعبير الخالص عن النزعة الجنينية، وإنما التكامل والتقابل بينهما. وهذه الثنائية الوجودية الأنطولوجية الأساسية الفضفاضة تتجلى في المنظومات المعرفية (مجهول/معروف ـ غيب/علم ـ مطلق/نسبي ـ روح/جسد) والمنظومات الأخلاقية (خير/شر) والدلالية (دال/مدلول) والجمالية (جميل/قبيح)، وعلى كل المستويات (ذكر/أنثى ـ أعلى/أسفل ـ سماء/أرض). وهناك ثنائية غير متعادلة تُفترَض فيها أسبقية العنصر الأول على العنصر الثاني (جميل/قبيح) ولكن هناك أيضاً ثنائيات لا تُفترَض فيها أسبقية عنصر على الآخر (ذكر/أنثى) وإن كانت تفترض الاختلاف.


الباب الرابع : الفرق بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الإنسانية

في كل المداخل السابقة حاولنا أن نبيِّن أن ثمة ثنائية فضفاضة تسم الوجود الإنساني (الخالق/المخلوق ـ النزعة الربانية/النزعة الجنينية ـ الإنسان/الطبيعة). وثنائية الإنسان/الطبيعة هي أهم هذه الثنائيات. وقد عبَّرت عن نفسها في الجدل المثار في العلوم الإنسانية منذ بداية ظهورها في القرن التاسع عشر وهل هناك «علم طبيعي» مختلف عن «العلوم الإنسانية» أم أن هناك وحدة (أي واحدية) للعلوم.

ويُطلَق مصطلح »العلم الطبيعي» على كل دراسة تتناول معطيات الواقع المادي بكلياته وجزئياته. ووسيلة هذه الدراسة هي منهج الملاحظة المباشرة والتجربة المتكررة والمتنوعة. والدراسة وكذلك عمليات التجريب تتم بهدف التفسير من خلال التوصل إلى تعميمات وقوانين تحقق الانتقال من الخاص إلى العام وتكشف عن العلاقات المطّردة الثابتة بين الظواهر. وهذه القوانين يتم التعبير عنها عن طريق تحويل صفات الكيف (التي لا تُقاس) إلى صفات كم بحيث يتم التعبير عنها برموز رياضية. وتتميَّز قوانين العلوم الطبيعية بأنها دقيقة وعامة تتخطى الزمان والمكان، وهي حتميـة (ولكنها، بعد اهتزاز الحتمية، أصبحت احتمالية ترجيحية: ترجيحية تقارب اليقين وتظل صالحة للاستعمال حتى يثبت بطلانها(.

ويذهب البعض إلى أن نموذج العلوم الطبيعية (بما ينطوي عليه من واحدية موضوعية مادية) لابد أن يُطبَّق في كل العلوم الأخرى (وضمن ذلك العلوم الاجتماعية والإنسانية). وقد لاحظ كثير من العلماء في الشرق والغرب خلل مثل هذه المحاولة نذكر منهم د. حامد عمار، د. توفيق الطويل، د. حسن الساعاتي (الذين يعتمد هذا المدخل على كتاباتهم) وبينوا الاخـتلافات بين الظاهرة الإنسانية والظاهرة الطبيعية، ونوجزها فيما يلي:

1ـ أ) الظاهرة الطبيعية مُكوَّنة من عدد محدود نسبياً من العناصر المادية التي تتميَّز ببعض الخصائص البسيطة، وهذا يعني أنه يمكن تفتيتها إلى الأجزاء المكوِّنة لها. كما أن الظاهرة الطبيعية توجد داخل شبكة من العلاقات الواضحة والبسيطة نوعاً والتي يمكن رصدها.

ب) الظاهرة الإنسانية مُكوَّنة من عدد غير محدود تقريباً من العناصر التي تتميَّز بقدر عال من التركيب ويستحيل تفتيتها لأن العناصر مترابطة بشكل غير مفهوم لنا. وحينما يُفصَل الجزء عن الكل، فإن الكل يتغيَّر تماماً ويفقد الجزء معناه. والظاهرة الإنسانية توجد داخل شبكة من علاقات متشابكة متداخلة بعضها غير ظاهر ولا يمكن ملاحظته.

2ـ أ) تنشأ الظواهر الطبيعية عن علة أو علل يسهل تحديدها وحصرها، ويسهل بالتالي تحديد أثر كل علة في حدوثها وتحديد هذا الأثر تحديداً رياضياً.

ب) الظاهرة الإنسانية يصعب تحديد وحصر كل أسبابها، وقد تُعرَف بعض الأسباب لا كلها، ولكن الأسباب تكون في العادة متداخلة متشابكة، ولذا يتعذر في كثير من الحالات حصرها وتحديد نصيب كل منها في توجيه الظاهرة التي ندرسها.

3ـ أ) الظـاهرة الطبيعـية وحـدة متكـررة تَطَّرد على غرار واحد وبغير اسـتثناء: إن وُجدت الأسـباب ظهرت النتيجة. ومن ثم، نجد أن التجربة تُجرَى في حالة الظاهرة الطبيعية على عينة منها ثم يُعمَم الحكم على أفرادها في الحاضر والماضي والمستقبل.

ب) الظاهرة الإنسانية لا يمكن أن تَطَّرد بنفس درجة الظاهرة الطبيعية لأن كل إنسان حالة متفردة، ولذا نجد أن التعميمات، حتى بعد الوصول إلىها، تظل تعميمات قاصرة ومحدودة ومنفتحة تتطلب التعديل أثناء عملية التطبيق من حالة إلى أخرى.

4ـ أ) الظاهرة الطبيعية ليس لها إرادة حرة ولا وعي ولا ذاكرة ولا ضمير ولا شعور ولا أنساق رمزية تُسقطها على الواقع وتدركه من خلالها، فهي خاضعة لقوانين موضوعية (برانية) تحركها.

ب) الظاهرة الإنسانية على خلاف هذا، ذلك لأن الإنسان يتسم بحرية الإرادة التي تتدخل في سير الظواهر الإنسانية، كما أن الإنسان له وعي يسقطه على ما حوله وعلى ذاته فيؤثر هذا في سلوكه. والإنسان له ذاكرة تجعله يُسقط تجارب الماضي على الحاضر والمستقبل، كما أن نمو هذه الذاكرة يُغيِّر وعيه بواقعه. وضمير الإنسان يجعله يتصرف أحياناً بشكل غير منطقي (من منظور البقاء والمنفعة المادية)، كما أن الأنساق الرمزية للإنسان تجعله يُلوِّن الواقع البراني بألوان جوانية.

5ـ أ) الظواهر الطبيعية ينم مظهرها عن مخبرها ويدل عليه دلالة تامة بسبب ما بين الظاهر والباطن من ارتباط عضوي شامل يُوحِّد بينهما فيجعل الظاهرة الطبيعية كلاًّ مصمتاً تحكمه من الداخل والخارج قوانين بالغة الدقة لا يمكنها الفكاك منها، ولهذا تنجح الملاحظة الحسية والملاحظة العقلية في استيعابها كلها.

ب) الظواهر الإنسانية ظاهرها غير باطنها (بسبب فعاليات الضمير والأحلام والرموز) ولذا فإن ما يَصدُق على الظاهر لا يَصدُق على الباطن. وحتى الآن، لم يتمكن العلم من أن يُلاحظ بشكل مباشر التجربة الداخلية للإنسان بعواطفه المكبوتة وأحلامه الممكنة أو المستحيلة.

6ـ أ) لا يوجد مكوِّن شخصي أو ثقافي أو تراثي في الظاهرة الطبيعية؛ فهي لا شخصية لها، مجردة من الزمان والمكان تَجرُّدها من الوعي والذاكرة والإرادة.

ب) المكوِّن الشخصي والثقافي والذاتي مكوِّن أساسي في بنية الظاهرة الإنسانية. والثقافة ليست شيئاً واحداً وإنما هي ثقافات مختلفة، وكذا الشخصيات الإنسانية.

7ـ أ) معدل تحوُّل الظاهرة الطبيعية يكاد يكون منعدماً (من وجهة نظر إنسانية)، فهو يتم على مقياس كوني، كما أن ما يلحق بها من تغير يتبع نمط برنامج محدد، ولذا فإن الظواهر الطبيعية في الماضي لا تختلف في أساسياتها عنها في الحاضر، ويمكن دراسة الماضي من خلال دراسة الحاضر.

ب) معدل التغيُّر في الظواهر الإنسانية أسرع بكثير ويتم على مقياس تاريخي، وما يطرأ عليها من تغير قد يتبع أنماطاً مسبقة ولكنه قد ينسلخ عنها. وعالم الدراسات الاجتماعية لا يستطيع أن يرى أو يسمع أو يلمس الظواهر الإنسانية التي وقعت في الماضي، ولذا فهو يدرسها عن طريق تقارير الآخرين الذين يلونون تقاريرهم برؤيتهم، فكأن الواقعة الإنسانية في ذاتها تُفقَد إلى الأبد فور وقوعها.


8ـ أ) بعد دراسة الظواهر الطبيعية والوصول إلى قوانين عامة، يمكن التثبت من وجودها بالرجوع إلى الواقع. ولأن الواقع الطبيعي لا يتغيَّر كثيراً، فإن القانون العام له شرعية كاملة عبر الزمان والمكان.

ب) بعد دراسة الظواهر الإنسانية، يصل الإنسان إلى تعميمات. فإن هو حاول تطبيقها على مواقف إنسانية جديدة فإنه سيكتشف أن المواقف الجديدة تحتوي على عناصر جديدة ومكونات خاصة إذ من غير الممكن أن يحدث في الميادين الاجتماعية ظرفان متعادلان تماماً، ومتكافئان من جميع النواحي.

9ـ أ) لا تتأثر الظواهر الطبيعية بالتجارب التي تُجرَى عليها سلباً أو إيجاباً، كما أن القوانين العامة التي يُجرِّدها الباحث والنبوءات التي يطلقها لن تؤثر في اتجاهات مثل هذه الظواهر، فهي خاضعة تماماً للبرنامج الطبيعي.

ب) تتأثر العناصر الإنسانية بالتجربة التي قد تُجرَى عليها، فالأفراد موضوع البحث يحوِّلون من سلوكهم (عن وعي أو عن غير وعي) لوجودهم تحت الملاحظة، ففي إمكانهم أن يحاولوا إرضاء صاحب التجربة أو يقوضوا نتائجه. كما أن النبوءات التي يطلقها الباحث قد تزيد من وعي الفاعل الإنساني وتغيِّر من سلوكه.

10ـ أ) بإمكان الباحث الذي يدرس الظاهرة الطبيعية أن يتجرد إلى حدٍّ كبير من أهوائه ومصالحه لأن استجابته للظاهرة الطبيعية وللقوانين الطبيعية يَصعُب أن تكون استجابة شخصية أو أيديولوجية أو إنسانية، ولذا يمكن للباحث أن يصل إلى حدٍّ كبير من الموضوعية.

ب) أما الباحث الذي يدرس الظاهرة الإنسانية فلا يمكنه إلا أن يستجيب بعواطفه وكيانه وتحيزاته، ومن خلال قيمه الأخلاقية ومنظوماته الجمالية والرمزية، ولذا يَصعُب عليه التجرد من أهوائه ومصالحه وقيمه التي تعوقه في كثير من الأحيان عن الوصول إلى الموضوعية الصارمة.

ولكل ما تقدَّم، فإن من الممكن إجراء التجارب المباشرة المنضبطة المتكررة على العناصر الطبيعية ويمكن قياسها بمقاييس كمية رياضية فهي تخلو من الاستثناءات والتركيب والخصوصيات، ويمكن التَوصُّل إلى قوانين عامة تتسم بالدقة تنطبق على الظاهرة في كليتها وفي جوانيتها وبرانيتها. أما الظاهرة الإنسانية، فلا يمكن إجراء التجارب المباشرة المنضبطة عليها ويستحيل تصويرها بالمعادلات الرياضية الدقيقة إذ لا تخلو من الاستثناءات والتركيب والخصوصيات، ولذا لا يمكن التَوصُّل إلى قوانين عامة (وإن تم التوصل إلى قوانين فلابد أنه تعوزها الدقة والضبط). وهناك عدد كبير من الكُتَّاب الغربيين من أوائلهم فيكو ومن أهمهم كانط وديلتاي وريكرت ينطلقون من محاولة التمييز بين الإنسان والطبيعة. ولكن غالبية المفكرين الغربيين يدورون في إطار الواحدية المادية (أو الواحدية المثالية) ويحاولون القضاء على هذه الثنائية تماماً وإلغاء الحيز الإنساني وبالتالي يدافعون عن وحدة (أو واحدية) العلوم.


إشكالية الإنسانى والطبيعى في العالم العربى
ثمة وعي عميق بإشكالية التمييز بين الإنساني والطبيعي في الأدبيات العربية، فالمفكر الماركسي د. فؤاد مرسي يدعو بوضوح في كتاب إشكالية العلوم الاجتماعية (في دراسة له بعنوان "المنهج بين الوحدة والتعدد") إلى عدم التمييز بين الإنسان والطبيعة فيُعرِّف الإنسان بأنه "قوة من قوى الطبيعة"؛ إنسان طبيعي/مادي يتكيف معها ولكنه في الوقت نفسه يُعيد صياغتها. وهذه هي الإشكالية الكبرى التي تواجه الماديين ودعاة العلمانية الشاملة: هل الإنسان الطبيعي/المادي يزعن للطبيعة أم يهيمن عليها؟ وتتضح الإشكالية في كتابات د. فؤاد مرسي نفسه، فهو يؤكد أن الإنسان سـيزداد وعياً ومن ثم سـيزداد بُعداً عن الحيوان. ولكنه يعـود ويُعرِّف الإنسـان في إطار طبيعي مادي ويجد أن "الاقتصاد هو مجال رئيسي للعلاقة المتبادلة بين الطبيعة والمجتمع"، فبعد أن "ابتعد" الإنسان عن الحيوان، وهو ما يعني ابتعاده عن الطبيعة وتفوقه عليها فإنه يعود فيدخل في علاقة "تبادلية" تفترض المساواة الكاملة. وتظهر هذه التبادلية بشكل أوضح حين يُوحِّد د. فؤاد مرسي بين الطبيعة والمادة فيقول "لهذا أصبح العلم كله، طبيعياً واجتماعياً، علماً ذا طابع اجتماعي". و"أصبح تَقدُّم البشرية حالياً رهناً إلى حدٍّ كبير بالتداخل الأكبر والتفاعل بين العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية". والتداخل والتفاعل قد يعني ثنائية (وهو ما يرفضه الفكر المادي)، وقد يعني مساواةً وتَوحُّداً، وهو الأرجح، ولذا نجده في السطر التالي يقول: "إن كل محاولة للفصل بين المجتمع والطبيعة تصبح محاولة وهمية. فوجود المجتمع هو جانب من وجود الطبيعة". ولكنه يعود للثنائية فيقول: "وتاريخ المجتمع هو تاريخ امتلاك الإنسان للطبيعة"، ثم يعود للواحدية فيقول: "إن وحدة الثورتين التكنولوجيـة والاجتماعية كفيلة في المسـتقبل أن تجعل من البشـر لأول مرة في التاريخ، السادة الحقيقيين للطبيعة". ثم يتحدث عن احتدام الصراع بين الطبيعة والإنسان وعن "الإنسان الشامل الذي يختزن في نفسه قدراً لا مثيل له من المعرفة بالكون كله". ولكن ما هي النتيجة النهائية لهذا التأرجح الكوميدي بين الاندماج العضوي في الطبيعة والإذعان لها من جهة، والانفصال عنها وتملكها والهيمنة عليها من جهة أخرى. يختتم الدكتور مرسي مقـاله بقوله "هناك يتوحَّد الإنسان تماماً مع المجتمع والطبيعة"، أي أن الحالة الجنينية والواحدية المادية تنتصر تماماً. وعلى كلٍّ، فإن عنوان هذا الجزء من المقال هو "نحو وحدة الكون" وليس "نحو مركزية الإنسان في الكون أو هيمنته عليه".

ولكن العدد الأكبر من علمائنا الأجلاء كانوا من المدافعين عن الإنسان ضد المادية والطبيعية. فعلى سبيل المثال، يقول الدكتور حامد عمار في كتابه من همومنا التربوية والثقافية:

"إن منهج التفكير العلمي الذي أرسته العلوم الطبيعية قد شاع باعتباره المنهج الصحيح الوحيد في الوصول إلى المعرفة الصحيحة. واصطنعت العلوم الاجتماعية الإنسانية هذا المنهج في دراستها وبحوثها. بيد أن معظمها قد توقف عند المرحلة النيوتونية من مناهج البحث العلمي الطبيعي، واختزال المنهج إلى تجزئة الظواهر وتفكيك أجزائها، ومحاولة فرض الفروض المرتبطة بذلك الجزء أو ذاك، وإخضاع الفروض حوله للقياس والاختبار. وجرى العُرْف عند الكثيرين على اعتبار النتائج علمية ثابتة غير قابلة للتعديل.

"وأُطلق على هذه التجزئة للظواهر وإخضاعها للدراسة الميدانية العينية ما عُرف باسم المنهج الإمبيريقي أو الوصفي، محللاً للظاهرة كما تُوجَد في موقعها الزماني والمكاني... ودون تَصوُّر لأنواع العلاقات ودينامياتها في الظاهرة المدروسة مع سياقها الثقافي الاجتماعي. ومن ثم فقدت الدراسة منظوماتها العضوية الدينامية في إطار الزمان والمكان والبُعد التاريخي لنشأتها وتطورها وتوظيفها الاجتماعي.

واستقر في أذهان كثير من الباحثين الاجتماعيين أن نتائجهم علمية لا يرقى إليها التصحيح... وأصبح من المسلمات في الرسائل الجامعية في العلوم الاجتماعية الإنسانية ألا تُعاد دراسة الموضوع؛ لأن ما سبق من بحوث قد استقر [باعتباره] حقائق علمية. ثم إن هذه البحوث تدَّعي الموضوعية العلمية المطلقة، وأن لا شأن لذات الباحث أو أيديولوجيته أو تحيزاته أي تدخُّل في مختلف مراحل البحث وتفسيراته، فالنتائج جاءت «علمية» من خلال معطيات الواقع العيني.

"ومع هذا الاختزال الإمبريقي الوضعي الوظيفي للمنهج العلمي الطبيعي في آفاقه الرحبة والمتجددة، فإن ثمة مناهج أخرى للمعرفة العلمية تبدأ من الملاحظة والمشاركة الملاحظة (بكسر الحاء) امتداداً إلى الحس التاريخي والوعي الذاتي. والبصيرة والحدس، والفهم الكيفي في السياق الثقافي الاجتماعي التاريخي والخبرة الإنسانية. وليس بالضرورة أن تلجأ تلك المناهج إلى البيانات الرقمية والقياس؛ إذ أن تلك الأدوات كثيراً ما تُشوِّه المعرفة بعالم الوعي والخبرة والفهم النوعي للواقع وإمكانات المستقبل، فضلاً عن قصورها عن فهم القيم وديناميات الدوافع والأخلاق.

"إن هذه الأساليب والأدوات المعرفية تصبح علمية طالما قامت على ملاحظة منتظمة أو خبرة مطردة، وطالما كانت بياناتها وشواهدها منطقية ومتسقة في نموذج مفاهيمي. وتتدعم علميتها مع اختبارها وتقييمها على أرض الواقع ومن خلال الممارسة، وقد تتدعم فيما بعد بجوانب كمية للتوضيح والتعزيز. ومن هنا فإن على العلوم الاجتماعية الإنسانية أن تُعنَى بمعالجة القضايا النوعية والقيمية المستمدة من الخبرة الإنسانية ومجالاتها فيما يستقر بها من الشعور والوعي ومن اللاشعور والحدس دون أن تُنقص عوامل الذاتية من جدوى المعارف المُتوَلدة من مثل هذه المناهج. وفي قضايا التربية والاجتماع وعلم النفس مساحات عريضة لجدوى توظيف تلك المناهج بما فيها من ضبط وتنظيم وقابلية للمراجعة والتفنيد والتطوير".

وفي كتاب إشكالية العلوم الاجتماعية، يُبيِّن الدكتور حسن الساعاتي في مقال بعنوان "إشكالية المنهج في العلوم الاجتماعية" أن علماء الاجتماع الذين تأثَّروا بمناهج الدراسـة والعلـوم الطبيعية يذهـبون إلى "أن العلوم الاجتماعية، وعلى رأسها علم الاجتماع، لا تكوِّن علوماً بمعنى الكلمة، أي دقيقة ومضبوطة النتائج، إلا إذا تَرسَّم علماؤها خطى الباحثين في العلوم الطبيعية التي يرتكز محور التفكير في ظواهرها على التجريب، أي ما يجرونه عليها من تغيير مقصود وبطريقة مرسومة من قبل، مستهدفين أهدافاً معيَّنة يستنتجون منها الحقائق، إذا تكرر استقراؤها من تجارب مماثلة صارت نظريات علمية أو قوانين ثابتة.

"وقد فات هؤلاء العلماء...، وغيرهم ممن قلدوهم في مسارهم الفكري بدون رويّة واستبصار، أن الظواهر الاجتماعيـة تختلف تماماً عن الظواهر الطبيعية التي لا عقل ولا إرادة لعناصرهـا، والتي ينمُّ مظهرها عن مخبرها، لأنها، في رأينا، أحادية النسق، تحكمها كلاًّ أو جزءاً قوانين ونظريات واحدة لا تتبدل. ولذلك نجد أن كلاًّ من الملاحظة الحسية، أي المشاهدة، والملاحظة العقليـة، أي التأمل والاسـتبصار، وجميع خطوات التجريب التي تُجرَى عليها، بوصفها ظواهر طبيعية أحادية النسـق، تستوعبها كلها في جميع مظاهرها، لأن ظاهرها لا يختلف عن باطنها في شيء، حتى إنه ليدل عليه دلالة تامة، لما بين الظاهر والباطن من ارتباط عضوي شامل متكامل.

"أما الظواهر الاجتماعية فتختلف عن الظواهر الطبيعية في أنها، بوصفها ظواهر عنصرها الأساسي الإنسان الاجتماعي العاقل ذو الإرادة، الذي يعيش مُعاشراً لغيره من البشر ومرتبطاً بهم بشتى العلاقات الاجتماعية، نقول تختلف في أنها ثنائية النسق. فكما أن للإنسان جوانية وبرانية، فهي بالمثل ذات نسقين، أحدهما جواني أي باطن، والآخر براني أي ظاهر. ومادامت كذلك، فإن البحث فيها ينقسم إلى قسمين: أحدهما يُعنَى بالنسق البراني، أي بما يتبدَّى من الظاهرة الاجتماعية للحواس فتدركه وتتعقله، والآخر يُركِّز على النسق الجواني الخفي منها، الذي يُعدُّ غرفة عمليات للنسق البراني، ليستجلبه ويدركه ويتعقله".

إشكالية الموضوعية والذاتية: مقدمة
تترجم الإشكاليات السابقة نفسها إلى إشكالية الموضوعي والذاتي، فإذا كان الإنسان كياناً طبيعياً مادياً فبالإمكان رصده بشكل مادي براني وكأنه شيء بين الأشياء،وهو شيء لا تفرُّد فيه ومن ثم يمكن رده باعتباره جزءاً إلى الكل الطبيعي/المادي يسري عليه ما يسري على الكائنات المادية الأخرى، ومن ثم لا يوجد فارق بين الجزء الإنساني والكل الطبيعي/المادي، فتمحي كل الثنائيات وتُرد كل الظواهر إلى مبدأ (مادي) واحد وننتهي في الواحدية الموضوعية المادية. أما إذا كان الإنسان كياناً مركباً يحوي عناصر مادية تُرد إلى عالم الطبيعة/المادة وعناصر غير مادية، فالرصد البراني، الموضوعي المادي، يصبح غير كاف، ويصبح كل إنسان فرد كيانه مستقل عن الكل، ولا يسقط الإنسان في قبضة الواحدية الموضوعية المادية.

وليام ديلتاى (1833 – 1911(
عالم اجتماع ألماني، كان قليل الكتابة، ويعود إسهامه الأساسي في محاولته التنبيه إلى أن ثمة فارقاً جوهرياً بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الإنسانية. وقد أكد ديلتاي أن معرفة الإنسان من خلال الملاحظة البرانية وتبادل المعلومات الموضوعية المادية عنه أمر غير ممكن، فهو كائن ذو قصد، أي أن سلوكه تحدده دوافع إنسانية جوانية (معنى ـ ضمير ـ إحساس بالذنب ـ رموز ـ ذكريات الطفولة ـ تأمل في العقل) يصعب شرحها وشرح أسبابها. والإنسان لا يعيش منعزلاً وإنما يتفاعل مع الآخرين وتتحدد تجربته الشخصية من خلال هذا التفاعل. ولكل هذا، لا يمكننا أن نشرح الإنسان وسلوكه بشكل براني أو نخضعه للتجريب.

ولكن ديلتاي يشير إلى حقيقة أساسية وهي أننا قد لا نعرف العقل البشري بنفس الدرجة أو الطريقة التي تُعرَف بها الأشياء ولكن هناك مناهج أخرى غير مناهج العلوم الطبيعية. فالعلوم الطبيعية لا تنفذ إلى كينونة الأشياء والعمليات الفيزيائية، أما الجوهر الإنساني فيمكننا الوصول إليه مباشرةً من خلال تَفهُّم ومعايشة تجربة الآخر والتعاطف معها وتخيلها وفهم المعنى الذي يسقطه الفاعل الإنساني على فعله.

كما أن ثمة ثنائية جوهرية تبين الفرق بين الإنساني والطبيعي وبين مناهج العلوم الاجتماعية ومناهج العلوم الطبيعية، وهي ثنائية تتبدَّى في قول دلتاي ليس بإمكاننا أن نشرح الإنسان وإنما نحن نشرح الطبيعة بطريقة برانية ونفهم أو نتفهم (فرشتيهن) الإنسان، أي نُفسِّره بطريقة اجتهادية جوانية.

الهرمنيوطيقا
«هرمنيوطيقا» من الكلمة اليونانية «هرمنويين hermeneuin» بمعنى «يُفسِّر» أو «يُوضح». والفعل مشتق من كلمة «هرمنيوس» وهي كلمة مجهولة الأصل وإن كان يُقال إنها تعود إلى الإله هرميس رسول الإله زيوس. وفي اللاهوت المسيحي، تشير الكلمة إلى ذلك الجزء من الدراسات اللاهوتية المَعْنيِّ بتأويل النصوص الدينية بطريقة خيالية ورمزية تبعد عن المعنى الحرفي والسطحي المباشر وتحاول اكتشاف المعاني الحقيقية والخفية للنصوص المقدَّسة (وخاصةً الإنجيل) والقواعد التي تحكم التفرُّد المشروع للنص المقدَّس. وقد استخدم هايدجر هذا المصطلح ليشير إلى أن دراسته في طبيعة الوجود الإنساني هي دراسة ميتافيزيقية (أي هرمنيوطيقية(.

والكلمة، في الوقت الحاضر، تعني محاولة فهم العالم لا باعتباره نظاماً ميتافيزيقياً وإنما باعتباره موضوع الفكر والعقل الإنساني وباعتباره تجربة معاشة (بالألمانية: ليبنزفلت Lebenswelt، أي عالم الحياة) كما أصبحت مرتبطة بالمعنى العميق (والروحي) للنصوص وتَميُّز الظاهرة الإنسانية عن الظواهر الطبيعية.

وقد قام ديلتاي بنقل المصطلح من اللاهوت إلى الفلسفة ثم إلى العلوم الإنسانية. واستخدمه للإشارة إلى المناهج الخاصة بالبحث في المؤسسات الإنسانية والسلوك الإنساني باعتباره سلوكاً تحدده دوافع إنسانية جوانية يَصعُب شرحها عن طريق مناهج العلوم الطبيعية. ومن ثم، فإن الهرمنيوطيقا لا تتناول فقط المعطيات الخام للحواس وإنما تحاول فهم معناها الداخلي. وأصبحت الهرمنيوطيقا بالنسبة لبعض العلماء هي الطريقة الوحيدة الممكنة لقراءة النصوص الدينية والشعرية والتاريخية والفلسفية وأي نص يتحدث عن الإنسان.

والأطروحات الأساسية للهرمنيوطيقا هي (كما لخصها ديلتاي(:

1 ـ التفسير العلمي ليس هو الشكل الوحيد للتفسير. فالتفسير العلمي ينظر للإنسان باعتباره كياناً عضوياً تحركه الدوافع الفيزيقية، بينما يُفترَض أن ننظر إليه باعتبار أن له دوافع داخلية وقيماً.

2 ـ إننا نفهم العالم الإنساني من خلال طرح أسئلة عليه. ويتحدد كل سؤال، من ناحية الشكل والمضمون، بمقدار الاهتمام الكامن وراءه.

3 ـ السؤال ذاته يمثل تفسيراً جزئياً للظاهرة موضع السؤال.

ومن هذه الأطروحات، يظهر ما يُسمَّى «الدائرة الهرمنيوطيقية»:

1 ـ لا يمكن أن نفهم أجزاء أية وحدة أو أن نتعامل معها إلا وعندنا إدراك مسبق بالمعنى الكلي، لكننا في الوقت نفسه لا نستطيع معرفة المعنى الكلي إلا من خلال معرفة معاني أجزائه.

2 ـ ويمكن طرح القضية بطريقة أخرى فنقول: إن التفسير لا يمكن أن يكون إلا بعد أن يبدأ التفسير، فالعالم لا يوجد كموضوع لوعينا إلا من خلال اللغة.

ودائرة الهرمنيوطيقا ليست حلقة مفرغة، إذ أن فهمنا يتعمق من خلال عملية حلزونية تبدأ بالإحساس بالمعنى الكلي، ثم ندرس المكونات الجزئية في ضوء المعنى الكلي فيتعمق المعنى الكلي من خلال معرفة معنى الأجزاء، ثم نعود للأجزاء مرة أخرى... وهكذا.

الشرح والتفسير (فرشتيهن(
أصبحت كلمة «يشرح» تعني «يشرح تماماً» أو «يُزيل اللبس تماماً». بل أصبحت لها أبعاد تفكيكية، فهي تعني «تعريف أسباب الظاهرة وردها إلى مبدأ عام واحد أو عدة مبادئ». كما أنها قد تعني «يفضح» أو «ينزع السـر عن». وهـذه الأبعاد ليست واضحة في اللغة العربية بالقدر الكافي، إلا أنها أكثر وضوحاً في اللغة الإنجليزية. فكلمة «يشرح» باللغة الإنجليزية هي «إكسبلين explain» من الفعل اللاتيني «إكسبلاناري explanare» بمعنى «يُسطِّح الشيء» أو «يسويّه» أو «يجعله مستوياً» (كلمة «بلين plane» الإنجليزية تعني «السطح المستوي»). هذا على عكس فعل «إنتربريت interpret» (من الفعل اللاتيني «إنتربريتاري interpretari» وهو يعني «يُفاوض»). ففعل «إنتربريت» يعني «يُبرز المعنى الكامن ويوضحه» و«يؤول النص» و«يعطي تفسيراً للموضوع» و«يترجم» أو «يقوم بدور المترجم»، ومن الواضح أن كلمة «يشرح» تدور في إطار المرجعية الموضوعية: يُسطِّح وىُسوِّي حتى يستوي مع معيارية برانية، أما كلمة «يُفسِّر»، فهي لا تنفي الأبعاد الذاتية الاجتهادية لعملية الإدراك.

وهذا التداخل بين التفسير (بمعنى الاجتهاد في فهم الظاهرة وجعلها مفهومة إلى حدٍّ ما من خلال التعاطف معها وفهمها أو تفهمها من الداخل) والشرح (بمعنى إدخال الظاهرة في شبكة السببية الصلبة المطلقة والقوانين الطبيعية وكشف العلاقة الموضوعية بين السبب والنتيجة) يعود إلى أن العلوم الطبيعية والرياضة بنماذجها الواحدية الموضوعية المادية تلقي بظـلالها الكثيفة على العلوم الإنسانية. فالاستنباط (العقلاني) هو منهج العلوم الرياضية، والاستقراء (التجريبي) هو منهج العلوم الطبيعية، وكلاهمـا يحاول أن يصل إلى درجة عاليـة من الدقة والعموميـة في نتائجه. ومن ثم، يحاول بعض علماء الدراسات الإنسـانية تبني المناهج السـائدة في العلوم الطبيعية والرياضية (العلوم الدقيقة!) ويحاولون تفسير الظواهر الاجتماعية والإنسانية تماماً مثلما تُفسَّر الظواهر الطبيعية بطريقة كمية، فيتبنون نماذج رصد موضوعية واحدية مادية تُسقط الأبعاد الجوانية والخاصة والكيفية للظاهرة الإنسانية وتُهمل الدوافع والوعي والقيمة تماماً، ثم تُرَدُّ الظاهرة في كل تفاصيلها إلى قانون أو مبدأ عام واحد، وتُزال كل المسافات والثغرات والثنائيات والخصوصيات حتى نصل إلى ما يُتصوَّر أنه التفسير الموضوعي الكامل أو شبه الكامل للظاهرة، أي أن دراسة سلوك الإنسان لا يختلف عن دراسة سلوك اليرقات فكلاهما يُدرَس من خلال سلوكه البراني وحركته الخاصة (ومع هذا، ينبغي الإشارة إلى أن العلوم الطبيعية نفسها قد انسلخت عن هذه الرؤية وأصبحت أكثر احتمالية في رؤيتها، كما أنها أخذت بالتدريج تكوِّن لنفسـها عالماً خاصاً بها مؤلفاً من كيانات عقلية ورياضية لا تسـتطيع أن تجد لها وجوداً في عالم الظواهر. ويبدو أن الفرض العلمي، الذي كان يمثل الخطوة الثانية التي تلي خطوة الملاحظة والتجربة والذي كان يشير إلى مُدرَكات حسية، أصبح في المنهج العلمي المعاصر فرضاً صورياً لا يشير إلى مدركات حسية ويأتي سابقاً على الملاحظة والتجربة. لكن الفرض العلمي لم يعد تعميقاً لوقائع تجريبية ـ كما كان شائعاً في الماضي ـ وإنما هو نتاج العبقرية العلمية الخلاقة التي تأتي به بأية طريقة أو بأي منهج. وما يهم في الفرض العلمي مدى مقدرته على أن تجعل هذا العالم مفهوماً ومعقولاً، أي أن الحاجة إلى حقائق صلبة أو سببية صلبة لم تَعُد موجودة).

وفي العالم الغربي، اكتشف كثير من العلماء سذاجة بل تفاهة الرؤية التجريبية والوضعية (الواحدية الموضوعية المادية) التي تصر على الحقائق الصلبة وعلى السببية الصلبة والمطلقة والتي ذهبت إلى أن قوانين التاريخ والمجتمع الإنسانيين تشبه قوانين الطبيعة (بالمعنى الساذج لفكرة القانون العلمي) وحاولت اكتشاف هذه القوانين وصياغتها بطريقة "علمية" دقيقة كمية، وأصر هؤلاء العلماء الذين رفضوا مثل هذه الرؤية الساذجة على ضرورة التمييز بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية وعلى ضرورة رفض فكرة وحدة (أي واحدية) العلوم. ومن مظاهر هذه الثورة محاولة التمييز بين الشرح من جهة والفهم (بمعنى «التفهم» و«التفسير الاجتهادي») من جهة أخرى.

وقد بدأ استخدام الفعل الألماني «فرشتيهن verstehen» بمعنى «يفهم» أو «يتفهم» مقابل «إركليرين erklaren» بمعنى «يشرح من خلال ملاحظة الحوادث وربطها بالحوادث الأخرى حسب القوانين الطبيعية»، وذلك لوصف عملية فهم السلوك الإنساني المركب من خلال التعاطف وإدراك الدوافع الإنسانية الجوانية (مقابل شرح الأسـباب البرانية). وقد اسـتخدم هذا المصطلح كلٌّ من فلـهلم ديلتاي وجـورج زيميل وكارل ياسبرز وماكس فيبر وآخرون. وقال ياسبرز: "إن الحياة النفسية [الإنسانية] لا يمكن دراستها من الخارج، كما أن الحقائق الطبيعية لا يمكن دراستها من الداخل. الأولى يمكن فهمها من خلال النفاذ النفسي، أما الثانية فيمكن شرحها من خلال دراسة العلاقة الموضوعية المادية". وقارن ياسبرز بين دراسة حَجَر يَسقُط من عل (من جهة) ودراسة علاقة تجارب الإنسان في طفولته ببعض الأمراض النفسية في شبابه وشيخوخته (من جهة أخرى)، فالأول لا يمكن أن نراه إلا بشكل براني (في إطار قانون الجاذبية)، أما الثاني فيتطلب عمليات فكرية وعقلية أكثر تركيباً.

ولكن المصطلح ارتبط أساساً باسم ماكس فيبر. فقد بيَّن فيبر الفرق بين الرصد الموضوعي المتلقي المادي وعمليات التفسير الاجتهادية حين قال إن دراسة حظيرة الدجاج أمر جدُّ مختلف عن دراسة المجتمع الإنساني، فعلم اجتماع الدجاج لن يدرس سوى أنماط سلوكية متكررة من الخارج يمكن فهمها في إطار المثير المادي والاستجابة السلوكية. ونحن لا نعرف شيئاً عن العالم الجواني للدجاج وعواطفه وأفكاره وتأملاته إن كان هناك مثل هذا العالم. أما في حالة المجتمع الإنساني، فنحن مزودون بقدر كبير من المعرفة عن العالم الجواني للإنسان (نتوصل إليه من خلال معرفتنا لذواتنا ومن خلال ألفتنا للطبيعة البشرية) وعن الدوافع الداخلية المركبة وعالم المعنى الذي ينبع منه السلوك الإنساني. ولذا، إذا كان من الممكن شرح سلوك الدجاج في إطار شبكة السببية الصلبة المطلقة ومن خلال الملاحظة البرانية المباشرة، فلن يكون هذا كافياً بالنسبة للبشر. والمحاولة الوضعية السلوكية لوصف عالم الإنسان من خلال سلوكه البراني محكوم عليها بالفشل ومحكوم عليها بأن تظل سطحية تافهة، فهي بإصرارها على ضرورة الشرح البراني الموضوعي ستستبعد قضايا إنسانية أساسية مثل انشغال الإنسان بمصيره وتجربته في الكون وإحساسه بالاغتراب. ولكن هذا لا يعني أن السلوك الإنساني لا يخضع لأية سببية وإنما يعني أن الرصد البراني لا يكفي، والمطلوب هو عملية تفسير لا تدور في إطار الواحدية الموضوعية المادية وتسعى إلى الفهم العميق من خلال التعاطف المستمر والإدراك المبدع لتركيبية الدوافع الإنسانية وغموضها.

التحول عن التنظير المركب إلى الممارسة الاختزالية
هناك وعي محدد بقضية الفرق بين الطبيعي والإنساني واستقلال الحيز الإنساني عن الحيز الطبيعي في العالم العربي (كما أسلفنا)، ولكننا مع هذا نجد أن النموذج الاختزالي المعلوماتي التراكمي (الواحدي الموضوعي المادي) الذي لا يُفرِّق بين الظاهرة الطبيعية البسيطة والظاهرة الإنسانية المركبة يهيمن على الدراسات والبحوث في جامعاتنا ومراكزنا البحثية بل يكتسحها تماماً. وأعتقد أن ما يحدث هو أنه رغم وجود الوعي النظري بالاختلاف الجوهري بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية إلا أنه لا يتم تفعيله ولا ينتقل إلى مستوى الممارسة البحثية نفسها. وأعتقد أن كثيراً من الباحثين يتخلون عن وعيهم هذا ويَسقُطون في الممارسة الاختزالية التي لا تُفرِّق بين الطبيعي البسيط والإنساني المركب.

وعادةً ما يحدث هذا في مرحلة صياغة الفروض. وقد عُرِّف الفَرْض العلمي بأنه منطوق أو مقولة أو تقرير مبدئي لما نعتقد أنه علاقة بين متغيرين أو أكثر، ويعكس الفرض تكهنات الباحث بالنسبة لنتائج البحث المرتقبة. ويَتبنَّى الباحث الفرض بشكل مؤقت حتى يتحقق صدقُه أو كَذبه عن طريق الملاحظة والتجريب. ويقوم الفرض بتوجيه الباحث إلى المعلومات والبيانات التي يتعين جمعها وهو ما يوفر كثيراً من الوقت والجهـد كان يمكن أن ينفقه في الحصـول على بيانات محـدودة أو عديمة القيمة تتصل بالمشكلة قيد الدراسـة. فمن الواضح أن مرحلة صياغة الفروض هي من أهم مراحل البحث إن لم تكن أهمها. ولكنها، بدلاً من أن تكون المرحلة التي يبدأ الباحث فيها عملية التفكيك والتركيب بشكل مُتعمِّق وبلورة الإشكالية التي سيتناولها، أصبحت (في كثير من الأحيان) المرحلة التي يَتبنَّى فيها الباحث النماذج الاختزالية الواحدية المادية التي تقتل الواقع الإنساني وتميته وتقضي على أبعاده المركبة وتقذف بالباحث في براثن النماذج المعلوماتية التراكمية والموضوعية المتلقية.

وقد صدرت بعض الدراسات التي تُميِّز بين الظواهر الطبيعية والإنسانية بحماس شديد وبراديكالية صارمة على المسـتوى النظري. ومع هـذا، حينما وصلت هذه الدراسـات إلى قضـية الفـروض، وصفتها في عبارات مثل:

ـ كلما كانت الفروض واضحة، ساعد ذلك الباحث على دقة تحديد أهداف البحث وحسن اختيار عينة البحث وأسلوبه وأدواته.

ـ يجب أن تُصاغ الفروض في كلمات بسيطة كلما أمكن.

ـ يجب أن تكون الفروض محدَّدة في منظورها لا واسعة عريضة.

ـ يجب أن تكون الفروض متمشية مع معظم الحقائق المعروفة السابقة التي ثبت صدقها أو صحتها.

ولابد أن نقرر أن الأمثلة السابقة حالة متطرفة من الاختزالية ولكنها حالة متطرفة ممثِّلة. وما يهمنا تقريره هنا أن النموذج المهيمن في مرحلة صياغة الفروض هو عادةً نموذج اختزالي يستبعد الإنسان كإنسان ويحدد ويُشيِّئ الظاهرة الإنسانية ليجعلها تشبه الظاهرة الطبيعية في بساطتها وبرانيتها، وهو ما يخلق لدى الباحث وهماً مفاده أن الظاهرة الإنسانية يمكن رصدها بشكل براني، عن طريق مراكمة المعلومات التي تتوافر عنها.

بل يمكننا القول بأن العلوم الإنسانية في بلادنا أصبحت تعيش في ظلال النماذج المستمدة من العلوم الطبيعية باعتبارها نماذج بسيطة وواضحة ودقيقة، وأصبح الطموح الخفي للعلوم الإنسانية أن تصبح في بساطة ووضوح ودقة وموضوعية العلوم الطبيعية مما يعني افتراض أن الإنسان ظاهرة طبيعية وأنه جزء لا يتجزأ منها، مما يعني ضمور بل اختفاء الحيز الإنساني (وعلى العكس من هذا نجد أن افتراض انفصال الإنسان عن الطبيعة هو تأكيد للتركيب على حساب البساطة،وللكيف على حساب الكم، وللعمق على حساب الوضوح والدقة).

ومما ساعد على هذا الاتجاه نحو «تطبيع» الظاهرة الإنسانية (أي النظر إليها كما لو كانت ظاهرة طبيعية) اتساع قاعدة المعلومات وما يُسمَّى «ثورة المعلومات» أو "انفجارها". فإذا كان على الأستاذ الجامعي (أو المؤلف) أن يقرأ عشرات الكتب والحوليات ويحضر عشرات المؤتمرات ويشرف على عشرات المشاريع البحثية والرسائل الجامعية، فلابد أن يفضل التعامل مع المسلمات البسيطة الواضحة والدقيقة فمعالجتها أمر سهل، وتقبُّلها أمر حتمي، أما مناقشتها واختبارها فأمر يحتاج جهداً مركباً ووقتاً طويلاً. والخطاب التحليلي لنفس الأستاذ لابد أن يتسم بنفس البساطة والوضوح والدقة، والرسائل التي يناقشها لابد أن تتسم بالخصائص نفسها حتى يتمكن خط التجميع الأكاديمي من أن يستمر في السير وأن تستمر آلة المؤتمرات في الدوران. ولذا فكثيراً ما تُعزَل الفرضية عما حولها حتى يمكن "معالجتها" في رسالة أو كتاب. ويتحول الفكر إلى مجموعة أفكار متراصة، وكأن كل فكرة ليست سوى شيء لا يربطه رابط بالأفكار الأخرى، وكأنها ليست جزءاً من رؤية للكون.

إن النموذج الفعال، الذي يُستخدَم أثناء صياغة الفروض في الرسائل الجامعية وفي عملية التأليف، يعيش في ظلال النماذج المستقاه من العلوم الطبيعية، ولذا نجده لا يُفرِّق في كثير من الأحيان بين مناهج البحث في العلوم الطبيعية وفي العلوم الإنسانية، ولا بين الظواهر الطبيعة والظواهر الإنسانية. وحيث إن النموذج الفعال مستبطن بشكل غير واع فإنه لا يُعلن عن نفسه بصراحة إلا في حالات نادرة (وعلى كل، من يجرؤ أن يصرح بالقول بأن الإنسان والشيء لا فرق بينهما؟) إلا أنه مع هذا يتبدَّى من خلال مجموعة من الافتراضات والآراء والاختيارات. فيُلاحَظ على سبيل المثال أن ثمة إيماناً في حقل العلوم الإنسانية بأن هناك معنى واحداً نهائياً صائباً ننجح في الاقتراب منه إن تحلينا بالموضوعية والحياد. ويسود الاعتقاد بأن المعرفة سلسلة مترابطة الحلقات كل حلقة تؤدي إلى التي تليها، ولا يمكن تَخطِّي الحلقات المتجاورة لأن سلسلة المعرفة ـ حسب هذا التصوُّر ـ سلسلة تراكمية صلبة (تماماً كما هو الحال في حقل العلوم الطبيعية)، ومفهوم السببية الذي يسود فيها هو بنفس الصلابة. وتأخذ عملية التأليف من ثم شكل إضافة معلومات الواحدة للأخرى ومراكمتها، ويصبح التأليف هو إجراء تجارب في إطار النظرية العامة السائدة حتى نزداد اقتراباً من الحقيقة الواحدة (التي تعادل القانون الطبيعي أو الرياضي في العلوم الطبيعية).

ويتبدَّى هذا النموذج الفعال في اقتراحات الرسائل الجامعية في حقل العلوم الإنسانية. أذكر في الماضي (أي حتى أواخر الستينيات) حينما كان طالب الماجستير أو الدكتوراه يسجل موضوع بحثه كان يكتفي باختيار عنوان الموضوع (أي الإشكالية التي سيتناولها الباحث) في سطر أو سطرين، ويُترَك بعد ذلك هو وأستاذه، فالمسألة "بحث" والبحث لابد أن يكون منفتحاً، ولابد أن يؤدي إلى تحولات فكرية. أما الآن مع افتراض إجراء التجربة في إطار النظرية العامة السائدة، ومع افتراض فكرة التراكم المعلوماتي، فإن مشروع الرسالة يصل أحياناً إلى ستين صفحة حيث يذكر الباحث كل ما سيقوله مسـبقاً، وكل المراجـع بل فصول البحث. ولكن إذا كان "الباحث" يعرف ما سيقول، فلماذا يكتب الرسالة إذن؟

وانطلاقاً من نفس التصور التراكمي والطموح نحو البساطة والوضوح والدقة والموضوعية والإيمان بوجود معنى واحد نهائي صائب (يشبه القانون العام في العلوم الطبيعية)، أصبح من الأمور الشائعة الآن في حقل الدراسات العليا في العلوم الإنسانية أن يتقدم الطالب باقتراح لكتابة دراسة عن "الفكر التربوي للشيخ محمد عبده"، على سبيل المثال، فيُقال له "إن هذا الموضوع قد دُرس من قبل" وأنه "تمت تغطيته". والافتراض هنا أن الدراسة تغطي موضوعاً (الفكر التربوي للشيخ محمد عبده بشكل عام)، لا إشكالية أو إشكاليات محددة (علاقة فكر الشيخ محمد عبده التربوي بفكره الديني ـ التناقضات بينهما، إن كان ثمة تناقضات ـ علاقة فكر الشيخ محمد عبده التربوي بفكر من سبقه من المفكرين ومن أتوا بعده ـ علاقة فكره السياسي بفكره التربوي). وإذا كان موضوع الرسالة هو موضوع بشكل عام (وليس إشكاليات محددة) يرصد بشكل موضوعي براني، فمن المنطقي أن يتحول كاتب الرسالة إلى عامل أرشيف ومن ثم يمكن أن يُقال له: "إن هذا الموضوع قد دُرس من قبل وتمت تغطيته"، بمعنى أن المعلومات الخاصة بهذا الموضوع تم جمعها، تماماً مثلما تُجمَع المعلومات البرانية عن إحدى الكائنات (وهي ـ في واقع الأمر ـ مرحلة دنيا من مراحل الدراسة في العلوم الطبيعية، لابد أن تعقبها مرحلة ربط المعلومات بعضها ببعض ثم التعميم منها، وهي عمليات عقلية تتطلب قدراً عالياً من الخيال والمقدرة على التجريد).


هذا الموقف يستبعد بطبيعة الحال الذات المركبة المُدركة المتفاعلة مع الموضوع التي تصوغ الإشكالية المحددة ويستبعد فكرة أن التساؤلات التي يطرحها باحث ما في العلوم الإنسانية، يحمل أعباءه النفسية والفلسفية الخاصة، لابد أن تكون مختلفة عن تلك التي يثيرها باحث آخر يحمل أعباء نفسية وفلسفية أخرى، وأن اختلاف التساؤلات لابد أن يؤدي إلى اختلاف النتائج. كما يعني هذا الموقف تجاه البحث والتأليف إنكار إمكانية التحولات الفكرية أثناء عملية البحث بسبب تركيبية الإنسان وتركيبية الظاهرة. ولذا انتهى الأمر بأن أصبحت عملية البحث والتأليف في العلوم الإنسانية هي مجرد إجراء تجارب في إطار النظرية والفروض العامة السائدة، وظهر ولع غير طبيعي بالأرقام والإحصاءات والجداول والرسوم البيانية، وأصبح الاستبيان سبيل الوصول إلى الدقة المزعومة والتوصل إلى الحقيقة الواحدة. وفي نهاية الأمر أصبح التأليف، عند الكثيرين، هو التوثيق: توثيق شيء معروف مسبقاً أو تطبيق لنظرية (ثبت صدقها تماماً) على جزئية ما دون أن تثمر عملية التطبيق الجديدة أي تعديل للنظرية أو اكتشاف للمنحى الخاص للظواهر موضع الدراسة، وهو ما أسميه التوثيق الأفقي: أن يأخذ الباحث مقولة معروفة مسـتقرة ويوثقها من كتب أخرى دون إبـداع أو تسـاؤل، كأن يثبت الباحث بما لا يقبل الشك أن الصهيونية حركة عنصرية، وأن الرومانتيكية عودة للطبيعة والعواطف، وأن مصر هبة النيل، وأن حافظ إبراهيم شاعر الوطنية!

وقد أصبح كثير من البحوث الأكاديمية التي يُقال لها «علمية»، والتي يتقدم أصحابها من أساتذة الجامعة للترقية، ويحصلون عليها في معظم الأحيان، ليست إلا إعادة ترتيب لبعض الحقائق التي وردت في دراسات سابقة أو ربما اكتشاف حقيقة جديدة لا علاقة لها بنموذج أو نمط (وكأن الباحث مُخبر أو شرلوك هولمز)، بحيث أصبح البحث العلمي مثل الكائن الطفيلي الذي يعيش على البحوث المنشورة أو مثل الطائر الجارح الذي ينقض على فريسته إن غفل الآخرون عنها. وأصبحت معايير الترقية مسألة كمية مثل: عدد المراجع ـ تاريخ نشرها ـ عدد اللغات التي كُتب بها ـ هل هي من آخر المراجع... إلخ، وهي كلها تنم عن أن كثيراً من أساتذة الجامعة (من المتقدمين للترقيات وممن يقومون بمنحها) يدورون في هذا الإطار العقيم. وأصبحت الرسائل الجامعية دراسات في موضوعات عامة مثل "تاريخ ليبيا في النصف الأول من القرن العشرين" أو "المدرسة الطبيعية في الأدبين الإنجليزي والفرنسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر". وتصبح القضية لبحث الطالب عن موضوع "لم يكتب عنه أحد من قبل". وحينما يختار "الموضوع" يقف الطالب مدهوشاً في حيرة من أمره لا يدري ماذا يفعل وأين يبدأ وأين ينتهي. ولكن عادةً ما يتم التغلب على هذه الحيرة عن طريق صيغة نمطية محددة: تحديد عدد الصفحات ـ كتابة فصل عن حياة الكاتب ـ فصل آخر عن خلفيته ـ فصل ثالث عن أفكاره ـ فصل رابع عن أعماله الأولى ـ فصل خامس عن أعماله في شبابه، وهكذا. وتبدأ الآلة في الدوران وفي مراكمة المعلومات ولا تتوقف إلا حينما يشعر الأستاذ أن الدارس قد أُنهك بما فيه الكفاية وجمع من المعلومات الكثير. ولابد أن تأتي الإشارة من الأستاذ لأن مثل هذه الدراسة لا يمكن أن تكون لها نهاية، فهي ليست لها بداية بسبب افتقار الإشكالية وعدم وجود أسئلة محددة. ثم تأتي بعد ذلك مرحلة مناقشة الرسالة والتي لا تختلف عادةً في منهجها عن المنهج المتبع في كتابتها (وذاك الشبل من ذاك الأسد)،فالمناقشات تدور في الغالب حول حصر آخر المراجع وآخر المعلومات وكم المعلومات. و"النقد الموضوعي" يأخذ شكل نقد معلوماتي كميّ، إذ يُحصي الأستاذ المناقش الأخـطاء المطـبعية والمعلوماتية التي وقع فيها الكاتب والمَرَاجع التي لم يَطلِّع عليها، أما وجود أو غياب الإشكالية، أما العملية الإبداعية الأساسية، عملية التفكيك والتركيب، فهذه أمور تُترَك وشأنها وكأنها أمر ثانوي لا أهمية له.

وغني عن القول أن مناهجنا التعليمية تَصدُر عن فلسفة تراكمية ذرية مماثلة فكتبنا الدراسية تركز على المعلومات وكمها، لا على طريقة تصنيفها والربط بينها والتعميم منها وتفسيرها ونقدها، والهدف من العملية التربوية هو تلقين الطالب حشداً هائلاً من المعلومات (معلومة بجوار معلومة، درساً بعد درس) فيبرز متوسطو الذكاء الذين لا يتمتعون إلا بموهبة الحفظ والتكرار والاجترار، وتفقد الأجيال مقدرتها على التفسير والإبداع والنقد.

ويصل النظام التربوي إلى قمته أو هوته في ظاهرة الدروس الخصوصية، حيث تصبح الكفاءة الأساسية هي الكفاءة في تلقِّي الحقائق البسيطة الواضحة الدقيقة. وعلى مستوى الجامعة يقوم الأستاذ بإملاء محاضراته فيدوِّنها الطلبة بكفاءة عالية، ثم تتطور الأمور فيطبع الأساتذة محاضراتهم فيما يُسمَّى «المذكرات الجامعية» فيقوم الطلبة بحفظها ويقوم الأساتذة بجَمْع "فائض القيمة". وتدور العملية التربوية بأسرها حول الامتحانات: أي كفاءة تلقِّي الحقائق البسيطة الواضحة الدقيقة وكفاءة كتابتها في بساطة ووضوح ودقة في ورقة الامتحانات في أسرع وقت! وتدريجياً تصبح القضية التربوية الأساسية هي الأرباح التي يتقاضاها المدرسون عن دروسهم الخصوصية والأساتذة عن مذكراتهم الجامعية. ويطالب بعض "المصلحين" بضرب هذه العملية الاستغلالية عن طريق تنظيم مجموعات في المدارس وعن طريق دعم الكتاب الجامعي، ويسقط الجميع في الموضوعية المتلقية حيث يصبح المعلم شيئاً مسيطراً ويصبح الطالب شيئاً مذعناً، ويتحرك الجميع داخل إطار جامد لا يؤدي إلى أية تحولات فكرية أو إثراء فكري أو معرفة جديدة، فما يُعرَف هو عادةً مجموعة من الحقائق المتناثرة (البسيطة الواضحة الدقيقة) التي ينساها الطالب بعد الامتحان ويصبح عقله مرة أخرى صفحة بيضاء من غير سوء، ويضمر الإبداع وتضيع الحقيقة. ولحسن الحظ فإن كثيراً من الباحثين الأذكياء يفلتون من قبضة هذه النماذج، ولكن هناك العديد أيضاً ممن يسقطون صرعى لها، فيسقطون الإبداع والخيال والمقدرة على التفكيك والتركيب ويراكمون المعلومات بشكل موضوعي متلق، محايد بارد. وترتبط هذه القضية ارتباطاً وثيقاً بمشكلة الموضوعية والذاتية في العلوم الإنسانية.


المـوضـوع
«الموضوع» بالإنجليزية «أوبجيكت object» من الفعل اللاتيني «أوبجيكتاري objcetare»، ومعناه «يُعارض» أو «يُلقي أمام»، المشتق من فعل «جاكري jacere» بمعنى «يلقي بـ»، و«أوب ob» بمعنى «ضد». و«الموضوع» هو الشيء الموجود في العالم الخارجي وكل ما يُدرَك بالحس ويخضع للتجربة وله خارجيته وشيئيته، وكل ما هو مستقل عن الإرادة ويوجد خارج الوعي الإنساني مستقلاً عن رغائبنا وآرائنا. والموضوع ينطوي على طبيعته وحقيقته، ووجوده ليس رهناً بمعرفته ولا بتسميته. وعادةً ما يجري تصوُّر الموضوع على أنه ثابت مستقر. ويمكن القول بأن «الموضوع» في الفلسفات التي يمكن تصنيفها على أنها «موضوعية» هو الركيزة الأساسية للعالم، وهو المطلق الموجود بذاته، وهو الكل المركب المتجاوز للأجزاء، فليس له سبب متقدم عليه ولا فاعل ولا صورة ولا مادة ولا غاية فهو بمقام المحرك الأول.

ويرى البعض أن الذات هي التي تضفي الحقيقة على الموضوع. وعند بعض المفكرين المحدثين، الموضوع هو الفعل وعند الآخرين هو نتائج وآثار الفعل.

وتُستخدَم كلمة «موضوع» للإشارة إلى أي شيء نتحدث عنه وإلى المادة التي يَبني عليها المتكلم أو الكاتب كلامه وإلى مادة البحث، فنقول مثلاً: "موضوع هذا البحث هو كذا". وموضوع العلم هو معطياته ومادته وظواهره وحقائقه. وموضوع القضية (بالإنجليزية: سابجيكت subject) يقابل المحمول (بالإنجليزية: بردكيت predicate)، فهو الذي يُتحدَث عنه ويُحكَم عليه في أي قضية إما إثباتاً أو نفياً.

ونحن نذهب إلى أن الفلسفات العلمانية الشاملة تفترض الطبيعة/المادة كنقطة مرجعية نهائية وكركيزة أساسية، فهو الموضوع النهائي الذي يستوعب كل شيء بما في ذلك الذات الإنسانية. وتشير كلمة «موضوع» في هذه الموسوعة إلى هذا المطلق باعتباره الموضوع النهائي المتجاوز، كما تشير أيضاً إلى أية مجردات ومطلقات مادية لا إنسانية هي في جوهرها تنويع على الطبيعة/المادة ومرجعيتها النهائية واحدية مادية. وهذه المطلقات المادية تتجاوز الإنسان ولا يتجاوزها وتستوعب الإنسان ولا يستوعبها. ونشير إليها أحياناً بتعبير «المطلق العلماني»، فهي مرجعية ذاتها (الدولة القومية ـ السوق/المصنع ـ الدافع الاقتصادي ـ المنفعة ـ اللذة ـ حتمية التاريخ(.

كما نذهب إلى أن المنظومات الحلولية الكمونية، حيث يكون المركز كامناً حالاً في المادة، تنطوي على صراع حاد بين الذات والموضوع، فتتمركز الذات حول نفسها باعتبار أنها هي المركز ولكنها تفقد حدودها وتجد نفسها متمركزة حول الموضوع مذعنة له.

الـــــذات
«الذات» بالإنجليزية «سابجيكت subject» عن نفس أصل كلمة «أوبجيكت object»، وهما من فعل «جاكري jacere» بمعنى «يُلقي». ولكن، بدلاً من «أوب ob» والتي تعني «فوق» التي تضاف لكلمة «أوبجيكت object»، يضاف مقطع «سب sub» بمعنى «تحت» أو «مع». والأصل الإنجليزي يشير إلى حالة الاستقطاب بين الموضوعي والذاتي. والذاتي هو ما يُنسَب إلى الذات، أي ما يتصل بها أو يخضع لها:

1 ـ ذات الشيء هي جوهره وهويته وشخصيته. والذات هي حقيقة الموجود ومقوماته. ويقابله «العَرَض»، أي التبدلات الظاهرة على سطح الأشياء. والذات ثابتة أما الأعراض فمتبدلة.

2 ـ ما به الشعور والتفكير، فتقف الذات على الواقع وتتقبل الرغبات والمطالب وتُوجِد الصور الذهنية وتُقابِل العالم الخارجي (غير موضوعي) الذي يقع خارج نطاق الوعي.

3 ـ العقل أو الأنا أو الفاعل الإنساني المفكر وصاحب الإرادة الحرة أو الكيان الذي يتصف بصفات محدَّدة (الموضوع هو المفعول به(.

4 ـ العقل الديكارتي أو الكانطي الذي يُدرَك العالم الخارجي من خلال مقولاته.

5 ـ صانع التاريخ كفرد أو طبقة (باعتبار أن التاريخ هو الموضوع(.

ونحن نشير في هذه الموسوعة إلى الذات باعتبارها الذات الإنسانية الحرة الفاعلة المسئولة. وفي إطار المنظومة العلمانية العقلانية المادية، يمكن القول بأن الذات الإنسانية ذات طبيعية مادية ليس لها أصول ربانية. ومع أنها لا توجد إلا في الزمان والمكان، فإنها تصر على أنها مركز الكون وأنها ستحقق تجاوزاً لقوانين الطبيعة. ولكنها، لأنها ذات طبيعية، تفقد حدودها وتتفكك ويهيمن الموضوع النهائي على الطبيعة/المادة، وبذا يؤدي التمركز حول الذات (الإنسانية) داخل المنظومة المادية إلى التمركز حول الموضوع (الطبيعة/المادة) وتحل الموضوعية المادية محل الواحدية الذاتية الإنسانية.


إشكالية الموضوعية والذاتية

«الموضوعية» مصدر صناعي من كلمة «موضوع». والموضوعية هي إدراك الأشياء على ما هي عليه دون أن يشوهها نظرة ضيقة أو أهواء أو ميول أو مصالح أو تحيزات أو حب أو كره. ولذا، فإن وُصف شخص بأن "تفكيره موضوعي"، فإن هذا يعني أنه اعتاد أن يجعل أحكامه تستند إلى النظر إلى الحقائق على أساس العقل وبعد معرفة كل الملابسات والظروف والمكونات.

والموضوعية هي الإيمان بأن لموضوعات المعرفة وجوداً مادياً خارجياً في الواقع، وبأن الحقائق يجب أن تظل مستقلة عن قائليها ومدركيها، وبأن ثمة حقائق عامة يمكن التأكد من صدقها أو كذبها، وأن الذهن يستطيع أن يصل إلى إدراك الحقيقة الواقعية القائمة بذاتها (مستقلة عن النفس المُدركة) إدراكاً كاملاً، وأن بوسعه أن يحيط بها بشكل شامل، هذا إن واجه الواقع بدون فرضيات فلسفية أو أهواء مسبقة، فهو بهذه الطريقة يستطيع أن يصل إلى تَصوُّر موضوعي دقيق للواقع يكاد يكون فوتوغرافياً.

وكلمة «الذاتي» تعني «الفردي»، أي ما يخص شخصاً واحداً، فإن وُصف شخص بأن "تفكيره ذاتي" فهذا يعني أنه اعتاد أن يجعل أحكامه مبنية على شعوره وذوقه. ويُطلَق لفظ «ذاتي» توسعاً على ما كان مصدره الفكر لا الواقع، ومنه الأحكام الذاتية (مقابل الأحكام الموضوعية) وهي الأحكام التي تعبِّر عن وجهة نظر صاحبها وشعـوره وذوقه. فمعرفتنا بالواقـع محـدودة تماماً عن طريق خـبرتنا الذاتية الخاصة وتجربتنا الفريدة ووعينا وإدراكنا.

و«الذاتي» في الميتافيزيقا هو رد كل وجود إلى الذات، والاعتداد بالفكر وحده. أما «الموضوعي»، فهو رد كل الوجود إلى الموضوع، المبدأ الواحد المتجاوز للذات. أما في نظرية المعرفة، فإن «الذاتية» تعني أن التفرقة بين الحقيقة والوهم لا تقوم على أساس موضوعي، فهي مجرد اعتبارات ذاتية، وليس ثمة حقيقة مطلقة، أما «الموضوعية» فترى إمكانية التفرقة. وفي عالم الأخلاق، تذهب الذاتية إلى أن مقياس الخير والشر إنما يقوم على اعتبارات شخصية إذ لا تُوجَد معيارية متجاوزة، أما الموضوعية فترى إمكانية التوصل إلى معيارية. وفي عالم الجمال، تذهب الذاتية إلى أن الأحكام الجمالية مسألة ذوق، أما الموضوعية فتحاول أن تصل إلى قواعد عامة يمكن عن طريقها التمييز بين الجميل والقبيح.

ورغم أن هذه التعريفات تبدو سلسة وبسـيطة، ورغم أن التعارض بين الذاتي والموضوعي سلس وواضح، فإن ثمة مفاهيم معرفية كلية نهائية متضمَنة غير واضحة تجيب على الأسئلة الكلية النهائية (ما الإنسان؟ ما العناصـر المكونة له؟ ما علاقة عقلـه بالواقـع؟ ما الهدف من وجـوده؟ أيهما يسـبق وجوده وجـود الآخر ـ الإنسـان أم الطبيعة؟). وسنلاحظ ابتداءً أن هناك أشكالاً كثيرة من الموضوعية (تماماً كما أن هناك أشكالاً كثيرة من العقلانية)، ولكن المرجـعيات عـادةً غير واضحة. فإذا قلنا "فلنكن موضوعيين" أو "فلنُحكِّم العقل" ولم نزد، فنحن نقول في واقع الأمر "فلنكن موضوعيين ولنُحكِّم العقل في إطار المنظومة المعرفية السائدة التي تسبق كلاًّ من الموضوع والعقل". وفي العصر الحديث، نجد أن المنظومة المهيمنة هي المنظومة المادية ونموذج الطبيعة/ المادة حيث لا فرق بين الطبيعة والإنسان. ولذا، فإن عبارة بريئة مثل «فلنكن موضوعيين» تعني في واقع الأمر «فلنتجرد من عواطفنا وذكرياتنا ومنظوماتنا الأخلاقية وتراثنا ولنرصد الواقع الإنساني والطبيعي كما هو»، أي أن كلمة «موضوعية» بشكل مجرد تعني عادةً «الموضوعية المادية» أو «المتلقية» (تماماً كما أن كلمة «عقل» بشكل مجرد تعني «العقل المادي»). وبهذا المعنى، فإن الموضوعية هي، في واقع الأمر، العقلانية المادية في مرحلة التمركز حول الموضوع (لا التمركز حول الذات). وأنها نتاج الرؤية المتمركزة حول الطبيعة/المادة، وعادةً ما تدور في إطار المرجعية المادية الكامنة في الطبيعة/المادة (على عكس الذاتية، فهي نتاج الرؤية المتمركزة حول الذات والإنسان، وعادةً ما تدور في إطار المرجعية المادية الكامنة في الذات).

ويمكن تلخيص الأبعاد الكلية والنهائية (المعرفية) للموضوعية (المادية) بأنها الإيمان بأن العالم (الإنسان والطبيعة) كل متجانس مكتف بذاته. وتبدأ المتتالية النماذجية للموضوعية المادية (شأنها شأن أية منظومة حلولية كمونية مادية) بمرحلة إنسانية ذاتية (واحدية ذاتية ـ تَمركُز حول الذات). ومع تحقُّق المتتالية وبعد مرحلة قصيرة من الثنائية الصلبة تصبح الطبيعة/المادة هي المركز وتهيمن الواحدية الموضوعية المادية (التمركز حول الموضوع) وهذا يعني في واقع الأمر استبعاد الإنسان كعنصر فاعل وتحويله إلى عنصر سلبي متلق، والطبيعة نفسها تتحول إلى كيان بسيط منبسط مُسطَّح يستوعب هذا الإنسان، أي أن ثنائية الإنسان والطبيعة الفضفاضة يتم القضاء عليها لصالح الطبيعة وتسود الواحدية المادية.

وتتبدَّى هذه الأبعاد التفكيكية للموضوعية (المادية) في موقفها من القضايا التالية:

1 ـ عقل الإنسان:

أ) العقل السليم من منظور الرؤية الموضوعية (المادية) إن هو إلا صفحة بيضاء أو سطح شمعي (باللاتينية: تابيولا رازا tabula rasa)، وهو ما يعني أنه مادة محضة، فهو دماغ أو مخ أكثر منه عقلاً (فالعقل مفهوم فلسفي وليس مجرد وجود فسيولوجي).

ب) العقل سلبي بسيط محايد، فهو كالآلة تنطبع عليه المعطيات والمدركات الحسية وتتراكم.

جـ) عقل الإنسان لا متناه في قدرته الاستيعابية والامتصاصية والتسجيلية.

د) العقل السليم يسجل ويمتص ويرصد بحياد شديد دون أن يُشوِّه أو يغيِّر أو يُعدِّل ما يصله من معطيات حسية وحقائق صلبة.

هـ) هذا العقل جزء لا يتجزأ من الطبيعة/المادة، أي أن الحيز الإنساني ليس له وجود مستقل، ولهذا السبب تسري على عقل الإنسان القوانين المادية العامة التي تسري على الأشياء، فهو لا يتمتع بأي استقلال عنها ومن ثم فلا هوية له ولا شخصية ولا حدود (حدوده تتطابق تماماً مع حدود الطبيعة/المادة)، وهو مثل الطبيعة يتحرك في إطار القانون المادي العام ويرى العالم في إطار التشابه والتجانس. وهذا هو المعنى الحقيقي للقول بأن ثمة تقابلاً بين قوانين العقل وقوانين الواقع، وبين الذات والموضوع.

و ) ولهذا السبب نفسه، فإن العقل قادر على التعامل مع العالم الموضوعي الخارجي، أي العالم المحسوس، بكفاءة بالغة، أما حينما يتعامل مع عالم الإنسان الداخلي، فهو أقل كفاءة.

2 ـ الواقع:

أ ) الواقع الموضوعي (الطبيعة) واقع خام بسيط (يأخذ في أغلب الأحوال شكل ذرات متحركة)، وهو مجموعة من الحقائق الصلبة والوقائع المحددة (التي تنطبع على العقل).

ب) ثمة قانون طبيعي واحد يسري على الظواهر الطبيعية وعلى الظواهر الإنسانية، وعلى جسد الإنسان وعقله، وعلى الأمور المادية والمعنوية. وهذا يعني أيضاً أن تُعامَل الظاهرة الإنسانية تماماً مثلما تُعامَل الظواهر الطبيعية، وتُزال الفروق بين الإنسان والطبيعة بحيث يتحول الإنساني إلى طبيعي، أي أن الموضوعية تَصدُر عن الإيمان بوحدة (أي واحدية) العلوم بحيث يصبح الإنسان موضوعاً لا يختلف عن الموضوع الطبيعي، يُوصَف ويُرصَد من الخارج وتُستخدَم مناهج العلوم الطبيعية لدراسته.

جـ) الحقائق، لهذا السبب، عقلية وحسية (فالعقل جزء من الطبيعة) وقابلة لأن تُعرَف من جميع جوانبها، والموجود هو ما نحسه ونعقله وما وراء ذلك فأوهام. المعرفة، إذن، عقلية وحسية فقط (ولكن العقلي والحسي متقابلان فهما شيء واحد).

د ) أجزاء الواقع الموضوعي تترابط من تلقاء نفسها حسب قوانين الترابط الطبيعية/المادية العامة، وحسب حلقات السببية الواضحة المطلقة، وبشكل صلب لا تتخلله ثغرات أو فجوات، فكل شيء يدخل شبكة السببية الصلبة ومن ثم يمكن رد كل الأجزاء المتعينة المتفردة إلى الكل العام المجرد.

هـ) هذه السببية كامنة في الأشياء أو لصيقة بها تماماً.

3 ـ الإدراك:

أ ) عملية الإدراك تدور في إطار المرجعية المادية الكامنة، ولذا فهي عملية اتصال بسيطة مباشرة (جسدية مادية؟) بين صفحة العقل البيضاء والواقع البسيط الخام (منبه فاستجابة)، وهي عملية محكومة مسبقاً بقوانين الطبيعة/المادة، تلك القوانين التي تسري على الإنسان سريانها على الأشياء.

ب) وهي عملية تلقٍ موضوعية مادية تراكمية (ذرية) إذ يقوم العقل بتلقي الحقائق الصلبة والوقائع المحددة المتناثرة التي تأتي من الواقع الموضوع الطبيعي/المادي الذي يتراكم فوق عقل الإنسان.

جـ) وبإمكان هذا العقل أن يقوم بعمليات تجريبية، أي أن يختار عناصر من الواقع ويستبعد عناصر أخرى ثم يربطها ببعضها البعض. ولكنه، حتى في نشاطه هذا، لا يمكنه أن يكون مستقلاً عن قوانين الطبيعة/المادة. ولذا، سيختار العقل (بشكل تلقائي أو آلي) الجوانب العامة والمشتركة والمتشابهة في الظواهر (فهي وحدها المحسوسة والقابلة للقياس والنظر العقلي) وهي التي تساعد على التوصل إلى القانون العام.

د ) ونحن حين نقول «العقل يربط» فهـذا من قبيـل التـجاوز. فالأشياء ـ كمــا أسلفنا ـ مرتبطـة في الواقــع برباط السببية الواضح. والواقع والمعطيات الحسية ترتبط في عقل الإنسان من تلقاء نفسها، بشكل آلي، حسب قـوانين الترابط الماديــة الأليـة العـامة. إذ تترابط الأحاسيس الجزئية وتتحوَّل إلى أفكار بسيطة، ثم تترابط الأفكار البسيطة لتتحوَّل إلى أفكار مركبة تترابط بدورها لتصبح أفكاراً أكثر تركيباً، وهكذا حتى نصل إلى الأفكار الكلية.

هـ) عملية الإدراك عملية عامة لا تتأثر بالزمان والمكان أو بموقع المدرك من الظاهرة.

و) العقل قادر على زيادة التجريد إلى أن يصل إلى القوانين العامة للحركة ويصوغ هذه القوانين في لغة بسيطة عامة يُستحسن أن تكون لغة الجبر، حتى لا تختلف لغة الإفصاح من مدرك لآخر.

4 ـ بعض نتائج الموضوعية )المادية:(

تُلغي الموضوعية (المادية) كل الثنائيات، وخصوصاً ثنائية الإنسان والطبيعة، وتُرجِّح المرجعية الكامنة الموضوعية على المرجعية الكامنة الذاتية:

أ ) تدور الموضوعية (المادية) في إطار الواحدية السببية (المرتبطة تمام الارتباط بوحدة [أي واحدية] العلوم)، فثمة سبب واحد أو عدة أسباب لتفسير كل الظواهر.

ب) ثمة إيمان بضرورة الوصول إلى درجة عالية من اليقينية وشمولية التفسير تتفق مع الواحدية السببية.

جـ) تنقل الموضوعية (المادية) مركز الإدارك من العقل الإنساني إلى الشيء نفسه، ولذا فإن هناك اتجاهاً دائماً نحو تأكيد الحتميات الموضوعية المادية المختلفة.

د) تستبعد النماذج الموضوعية (المادية) الإنسان كعامل قادر على تَجاوُز المعطيات المادية حوله، بل ترده في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير لهذه المعطيات.

هـ) الموضوعية (المادية) لا تعترف بالخصوصية، ومنها الخصوصية الإنسانية، فهي تُركِّز على العام والمشترك بين الإنسان والطبيعة، ولذا فإن الفكر الموضوعي يُعبِّر عن نفور عميق من الهوية والخصوصية.

و ) لا تعترف الموضوعية (المادية) بالغائيات الإنسانية ولا بالقصد، فالغائيات لا يمكن دراستها أو قياسها، كما أنها مقصورة على الإنسان دون عالم الطبيعة، ولذا تستبعد الموضوعية فكرة المعنى.

ز ) لا تعترف الموضوعية (الماديـة) بالإبهـام، فهـي تُفضِّل الدقـة الكميـة التي يمكــن استخدامها في دراسة كلٍّ من الإنسـان والطبيعـة، ولذا فهـي تستــبعد،بقـدر الإمكان، عناصر الإبهام وعدم التحدد في الطبيعة والإنسان.

ح) تفضل الموضوعية (المادية) البراني (فهذا هو المشترك بين الإنسان والحيوان) وتهمل الجواني.

ط) دوافع الإنسان بسيطة واضحة برانية مستمدة إما من البيئة الاجتماعية أو من العناصر الوراثية، وهي دوافع يمكن رصدها ببساطة.

ي) المعرفة نتاج تراكم براني للمعلومات.

ك) يمكن تفسير سلوك الإنسان وأفكاره في إطار التأثير والتأثر (البراني) لا التوليد أو الإبداع (الجواني).

ل) تفضل الموضوعية الاستمرار (استمرار عالم الطبيعة والإنسان كعنصر أساسي في وحدة العلوم) وترفض الانقطاع (أي تَميُّز الإنسان عن الطبيعة)، أو تنظر له بكثير من الشك.

م ) الالتزام بالموضوعية (المادية) يعني أن يتجرد الباحث من ذاتيته وخصوصيته الحضارية بل الإنسانية، ومن عواطفه وحواسـه وحسه الخلقي وكليته الإنسـانية، بحيث يمكنه أن يُسجِّل ويصـف بحياد شديد لدرجة تموت معها الأشياء، ويتشـيأ الإنسـان ويُرصَد من الخارج كما تُرصَد الأشياء. فالالتزام يُعبِّر عن موقف مسـبق قد يؤثر في الرؤية الموضوعية، كما أنه يفترض غائية إنسانية لا أساس لها في الطبيعة/المادة.

5 ـ الموضوعية (المادية) والنموذج التراكمي:

النموذج الكامن في الرؤية الموضوعية (المادية) نموذج تراكمي:

أ ) فثمة إيمان بأن كل المشتركين في العلوم (إن توافرت لهم الظروف الموضوعية) يفكرون بنفس الطريقة ويسألون نفس الأسئلة، وهذا يعني أن ثمة حقيقة موضوعية ثابتة واحدة نحاول الوصول إليها جميعاً وبنفس الطريقة، وهو ما يؤدي إلى تراكم الإجابات وتشابكها على مستوى الجنس البشري بأسره، وهذا التراكم والتشابك سيؤدي إلى تزايد رقعة المعلوم تدريجياً ويؤدي بالتالي إلى تَقلُّص رقعة المجهول.

ب) عملية التراكم ستوصلنا إلى نموذج النماذج، القانون العام، الإجابة الكلية (النهائية)، فما هو مجهول في الطبيعة (المادية والبشـرية) هو أمر مؤقت، إذ سـيصبح من خـلال تراكم المعلومات معلوماً، وتتراجع رقعة المجهول، وسيؤدي تزايد رقعة المعلوم والتراكم المعرفي المستمر إلى سد كل الثغرات والتحكم الكامل أو شبه الكامل وإلى معرفة الطبيعة البشرية المادية معرفة كاملة أو شبه كاملة بحيث تصبح كل الأمور (إنسانية كانت أم طبيعية) أموراً نسبية مادية معروفة ومحسوبة ومبرمجة، ويصبح العالم مادة استعمالية لا قداسة لها.

جـ) يُحكَم على المعرفة من منظور مدى قُربها أو بُعدها من النقطة النهائية الواحدية التي يتحقق فيها القانون العام وتتطابق الكليات مع الجزئيات.

د ) هدف الإنسان من الكون هو عملية التراكم والتحكم هذه، وهدف العلم هو السيطرة على الأرض وهزيمة الطبيعة وتسخير مواردها وتحقيق الهيمنة الكاملة للإنسان على الطبيعة. ولتحقيق هذا، لابد من إدخال كل الأشياء (الإنسان والطبيعة) في شبكة السببية الصلبة والمطلقة حتى يتم شرحها وإخضاعها للقوانين الطبيعية. ويعني تزايد الدراسة الموضوعية تزايُّد التحكم وصولاً إلى الفردوس الأرضي ونهاية التاريخ أو على الأقل إلى النظام العالمي الجديد.

هـ) العقل قادر على إعادة صياغة الإنسان وبيئته المادية والاجتماعية في ضوء ما تراكم عنده من معرفة وبما يتفق مع القوانين الطبيعية العامة التي أدركها الإنسان من خلال دراسته الموضوعية لعالم الطبيعة والأشياء (وهذا ما يسمى عملية الترشـيد، أي تنمـيط الواقع من خـلال فرض الواحدية المادية عليه حتى يمكن التحكم الكامل فيه ثم حوسلته، أي تحويله إلى وسيلة ومادة استعمالية يمكن توظيفها بكفاءة عالية كما يمكن تعظيم فائدتها(.

ويُلاحَظ أن ثمة استقطاباً حاداً في كل المنظومات الحلولية الكمونية المادية. يتضح هذا في الاستقطاب بين الموضوعية (في تأليهها للكون وإنكارها للذات) والذاتية (في إنكارها للكون وتأليهها للذات). فالموضوعية تَفترض أن الواقع معقول وأنه مكمن الحقيقة وأنه يمكن معرفته وتفسيره في ضوء القوانين العامة التي يستخلصها الإنسان من خلال إذعان الذات للموضوع. أما الذاتية فترى أن الواقع غير موجود أو لا يمكن الوصول إليه ولا يمكن إدراكه أو تفسيره ولا يمكن التوصل إلى أية قوانين أو حقائق عامة، ومن ثم تصبح علاقة الذات بالموضوع واهية، وقد تختفي تماماً.

وقد واجه الفلاسـفة مشكـلة الاسـتقطاب الحـاد بين الذات والموضوع (الواحدية الذاتية والواحدية الموضوعية)، وطُرحت القضية التالية: هل الذات قادرة على معرفة الموضوعات، أم أن الموضوعات برانية بحيث لا يمكن الوصول إليها؟ وهل الذات هي مقياس حقيقة الأشياء (أي معقوليتها) أم أن الموضوع يحتوي نظامه (ومعقوليته) دون ارتباطه بالذات الإنسانية؟ وقد حاول كثير من فلاسفة القرن العشرين حل إشكالية ثنائية الذات والموضوع عن طريق إلغائها تماماً، فقالوا بعدم انفصال الذات عن الموضوع، فالموضوع ليس شيئاً مستقلاً عن الإرادة البشرية وإنما هو الفعل الناجم عن ممارسة القوة (فلسفات القوة). وقال البعض الآخر إن الفعل ليس هو في ذاته ولكنه نتائج وآثار الفعل (الفلسفة البرجماتية). والأمر عند فريق ثالث لا هذا ولا ذاك وإنما هو ما يتجه نحوه الوعي (الفلسفة الفينومينولوجية). ومن ثم، فإن الذات لا وجود لها خارج الموضـوع، وهي تستمد وجودها من تقابلها معه.

ولكن، ورغم الاستقطاب الشديد، فإن ثمة نقط تشابه بين الذاتية والموضوعية، فكلاهما يدور في إطار الحلولية الكمونية التي تفترض وجود مركز الكون داخله (الذات أو الموضوع)، ومن ثم فإن كليهما واحدي يُلغي المسافة وإمكانية التجاوز. وتؤكد الموضوعية (المادية) أن الأشياء المحسوسة مادية ولها وجود موضوعي. ولكن هل العلاقة بين هذه الأشياء المحسوسة علاقة مادية وموضوعية تماماً أم أن رصدها يتطلب إجراء عمليات عقلية (ذاتية) تختلف من شخص لآخر؟ وجوهر الموضوعية هو الاستقراء، أي التعميم من عدد من الحالات الموضوعية، ولكن يمكننا أن نسأل: كيف يَحق للإنسان أن ينتقل من عدد من الظواهر الفردية إلى كل الظواهر التي تندرج تحت هذا النوع في الماضي (الذي لم يرصده الإنسان) والحاضر (الذي رصد بعض حالاته) والمستقبل (المجهول تماماً)؟ ألا يشكل هذا الانتقال شكلاً من أشكال الإيمان بالثبات؟ وإذا كانت الحواس الفردية للإنسان مصدر المعرفة، فهل هي مصدر يمكن الاعتماد عليه؟ كل هذا يُبيِّن أن الحديث عن معارف كلية يقينية (نتوصل إليها من خلال عمليات الربط والتعميم) أمر يتنافى مع الموضوعية، وأن أي حديث عن معرفة نتوصل إليها من خلال الحواس يفتقد إلى المصداقية، ولذا تنحل الموضوعية في اتساقها مع نفسها وتسقط في ذاتية كاملة إذ أن كل واحد فينا (حسب الرؤية الموضوعية المادية نفسها) حبيس حواسه وحبيس التفاصيل التي يرصدها.

ويمكن أن تحل الموضوعية (المادية) هذه الإشكالية بأن تُضيِّق نطاقها بقدر المستطاع فتقتصر وظيفتها على تعريف الظواهر ووصفها واكتشاف قوانينها (المادية) وترتيب القوانين من الخاص إلى العام، وتحل الملاحظة محل الخيال والتأمل والاستدلال النظري، وتقوم التجربة المادية مقام التصورات والافتراضات. ثم تضيق الحلقة وتصبح الموضوعية (المادية) هي تسجيل التفاصيل والحقائق المتناثرة. وفي هذه الحالة، تصبح الموضوعية موضوعية متلقية سلبية لا تستطيع التمييز بين مختلف المعطيات الحسية والمعطيات العقلية. ويصبح الرصد الموضوعي رصداً لأمور غير مهمة وربما تافهة ولكنها، مع هذا، "موجودة" موضوعياً ومادياً في الواقع. ويمكن أن يكون الرصد أفقياً بمعنى أن تُوضَـع كل التفاصيل جنباً إلى جنب دون ربط أو ترتيب هرمـي. كما يمكن أن تصبح الموضوعية (المادية) احتمالية تماماً، تضع الحقائق والتعليمات دون أن تَنسب لها أي ثبات. ولهذا يجب ألا يُطرَح السؤال على هذا النحو: هل الحقائق موجودة بالفعل أم لا؟ وإنما يجب أن يُطرَح بهذه الطريقة: ما دلالة الحقائق ومعناها وأهميتها؟ وهل تستحق التسجيل أم لا؟ فإن قلنا مثلاً إن الأساتذة الجامعيين يلبسون بذلاً زرقاء أما غيرهم فيلبسون بذلاً خضراء، فهل يصلح هذا أساساً لتصنيف أساتذة الجامعة؟

إن أساس اختيار الحقائق أكثر أهمية ودلالة من الحقائق في ذاتها. وكم المعلومات (مهما تضخَّم) لا علاقة له بالصدق أو الدلالة، فالصدق والكذب ليسا كامنين في الحقائق الموضوعية (أي من حيث هي كذلك) وإنما في طريقة تناولها وفي القرار الخاص باختيارها أو استبعادها. ومن هنا قولي بأن الحقائق شيء والحقيقة شيء آخر والحق شيء ثالث. فالحقائق أشياء مادية صرفة تُوجَد في الواقع على هيئة تفاصيل متناثرة منعزلة عن ماضيها التاريخي وسياقها الحاضر وعن الحقائق الأخرى، أما الحقيقة فهي لا توجد في الواقع وإنما يقوم العقل المبدع بتجريدها واستخلاصها من خلال عمليات عقلية تُجرَى على كم المعلومات والوقائع والحقائق المتناثرة فيقوم العقل بربط الوقائع والحقائق والتفاصيل ببعضها البعض الآخر ويراها في علاقتها بالحقائق المشابهة ومعارضتها للحقائق الأخرى كما يربطها بماضيها التاريخي وواقعها الاجتماعي ثم يربطها بحقائق وأنماط مماثلة حتى يصل إلى النموذج التفسيري الذي يُفسِّر أكبر قدر ممكن من الحقائق المتناثرة (أما الحق، فهو ينتمي إلى عالم المُثُل والإيمان وهو يشكِّل المنظور الأخلاقي [المطلق] الذي لا يجده الإنسان جاهزاً في الواقع المادي وإنما يُحاكم على أساسه كلاًّ من الحقائق المادية والحقيقة الفكرية العقلية).

ولنضرب مثلاً مثيراً من واقع أعضاء الجماعات اليهودية يبرهن على انعدام جدوى عملية الرصد الموضوعي (المتلقي) مهما بلغ من دقة وأمانة ونزاهة. ولنتخيل باحثاً (سنشير إليه بعبارة «الباحث الافتراضي») قرر أن يتخذ موقفاً موضوعياً تماماً من هجرة أعضاء الجماعات اليهودية وأن يرصدها بأمانة. سيبدأ هذا الباحث الافتراضي بعمل جدول يدرج فيه أسماء الجماعات اليهودية في العالم، وبجانب كل جماعة سيدرج الأرقام الخاصة بعدد اليهود الذين هاجروا منها ثم قد يضيف جدولاً آخر بأسماء البلاد التي هاجروا إليها. وقد يقرر أن يعمل جدولاً تاريخياً يضم أسماء الجماعات اليهودية وأسماء البلاد التي هاجروا إليها وتواريخ الهجرة والنسب المئوية المختلفة. وستكون النهاية أو الثمرة جدولاً ضخماً أو عدة جداول ضخمة أو متوسطة الحجم. ولا شك في أن مثل هذه الجداول، باختلاف أحجامها وأشكالها مرحلة أساسية في عملية الرصد. ولكن أن نكتفي بهذه الخطوة، فهذا هو التلقي السلبي بعينه، فالجدول قد يحتوي على كل شيء ولكنه لا يقول شيئاً، إذ يجب أن يُنظَر له باعتباره مادة خام، مجرد حقائق، يتعامل معها العقل لا كنهاية في حد ذاتها وإنما كي يفسرها ويجردها ويستخرج الأنماط منها حتى نصل إلى الحقيقة، ولكن لا يمكن أن نتصور أن المادة الخام هي النمط وأن الحقائق هي الحقيقة. ولكن صاحبنا، الباحث الموضوعي الافتراضي الذي أشرنا إليه، يكتفي بالرصد ولا يُعمل عقله ولا يجتهد ولا يسأل ولا يطرح الإشكاليات ولا يربط ولا يجرد ولا يبقي ولا يستبعد، ولعله لو فعل لاكتشف أن هجرة اليهود في العالم القديم لم تكن مجرد أرقام متراكمة بلا شكل أو اتجاه وإنما جزءاً من نمط، فقد كانت في معظم الأحيان هجرة من المناطق المتقدمة إلى المناطق المتخلفة، ولاكتشف أن هذا النمط انعكس مع بداية القرن السادس عشر. ولاكتشف أيضاً أن أعضاء الجماعات اليهودية لا يهاجرون والسلام وإنما يتحركون عادةً داخل حدود إمبراطورية ما، تُيسِّر لهم الحركة وتؤمِّنهم، وأن هذا ما حـدث لهم في العصر الحديث مع التشـكيل الاسـتعماري الإمبريالي (الإمبراطوري) الغربي، وأن ما يحدد حركتهم (هجرتهم) هو حركيات التشكيل الاستيطاني الغربي. ولذا هاجر 80% من المهاجرين اليهود في العالم الغربي إلى الولايات المتحدة (تماماً كما هاجر 85% من مهاجري العالم الغربي إليها). ولعل باحثنا الافتراضي هذا لو أعمل عقله قليلاً لاكتشف أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يتحركوا داخل هذا التشكيل الاستعماري الغربي على وجه العموم وإنما داخل التشكيل الأنجلو ساكسوني على وجه التحديد، ومن هنا تواجدهم المكثف في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وجنوب أفريقيا، ومن هنا أيضاً إسرائيل، فهي ليست جزءاً من الحركة العامة لليهود وإنما هي جزء من التشكيل الاستعماري الأنجلو ساكسوني. الرصد الموضوعي سيُعطي كل البيانات ويُرهقنا تماماً (حقائق بلا حقيقة)، أما الاجتهاد فسيُعطينا الحقائق داخل أنماط قد لا تضم كل الحقائق وقد لا تنطق بكل الحقيقة ولكنها بلا شك ستُفسِّر لنا كثيراً من جوانب الواقع.

والافتراضات التي يستند إليها الفكر الموضوعي تنبع من العقلانية المادية لعصر الاستنارة، وقد ثبت أنها افتراضات إما خاطئة تماماً أو بسـيطة إلى درجـة كبيرة، ولذا فمقـدرتها التفسـيرية ضعيفة. وهذا يعود لعـدة أسباب:

1 ـ تركيبية الواقع وخصوصية الظواهر:

الواقع المادي ليس بسيطاً ولا منبسطاً ولا صلباً ولا صلداً وإنما مركب ومليء بالثغرات والنتوءات، ولا ترتبط معطياته الحسية برباط السببية الصلبة الواضحة إذ ثمة عناصر مبهمة فيه وثمة احتمالات وإمكانيات كثيرة يمكن أن يتحقق بعضها وحسب ولا يتحقق البعض الآخر.

وكما بيَّن الدكتور حامد عمار فإن صورة عالم نيوتن المادي الآلي الثابت لم تَعُد الصورة المهيمنة في العلوم الطبيعيـة، فقد جاءت نظرية النسبية والحركة والطاقة لتكمل مفهومنا عن عالم المادة التي تبدو في السطح مستقرة ثابتة، لكن استقرارها إنما هو نتيجة لدينامية في انتظام الحركة داخل مكوناتها. والجُزَيْءُ النووي يتمثل في مادة كما يتمثل في موجات، ويتوقف التعامل معه على نوع السؤال الموجه له في أي من البُعدين. كذلك أدَّت نظرية أينشتاين في النسبية إلى القضاء على المفهوم المطلق لكل من الزمان والمكان، وإلى اعتبارهما بُعداً واحداً رابعاً يعمل في سياق بيئة معيَّنة. وامتدت أبحاث الفيزياء الحديثة من خلال نظرية الكم (كوانتوم) إلى أن الحقائق الكونية تتحدد أكثر ما تتحدد بعلاقتها بغيرها. وأن تعريفها يعتمد أكثر ما يعتمد على نوع علاقتها المتبادلة مع غيرها. أضف إلى ذلك أن تحديد المادة وفهمها إنما يتأثر إلى حدٍّ ما بالمشاهد نفسه، فهو مشارك في تحديد طبيعة ما يراه، وليس مجرد ملاحظ سلبي لما يراه. وهذا يعني أننا لا يمكن أن نفصل العقل عن إدراك عالم الإلكترون كما يقول علماء الفيزياء، باعتبار أن له خصائص مستقلة عن الشخص المُدرك، وأننا لا يمكن أن نتحدث عن عالم الطبيعة والمادة دون أن نتحدث عن أنفسنا وطبيعة ذواتنا، ووعينا ومقاصدنا.

ومن خلال هذه الجهود والنظريات العلمية في عالم الفيزياء الحديثة أصبح التوجه العام في النظر إلى الكون نظرة يمكن وصفها بأنها عضوية وكلية بيئية، أي من خلال نظرية المنظومة العامة. وهذا المنطلق العلمي يناقض النظرة الميكانيكية التي تنظر إلى الكون باعتباره (آلة ـ ماكينة) تتألف من أجزاء منفصلة بعضها عن بعض، لكنها أجزاء مترابطة في علاقات متبادلة في هذا الكل الكوني الموحد. فالأشياء إنما هي علاقات بين أشياء، وأن هذه الأشياء إنما هي علاقات بين أشياء أخرى، وهكذا.

وينبع قدر كبير من الخلل في تَصوُّر الكائنات الحية عموماً باعتبارها آلات، مع أن هناك خلافاً جوهرياً بينهما، فالآلات تُصنَع وتُركَّب، بينما الكائنات الحية تنمو وتتطور. كذلك فبينما تتحدد أنشطة الآلة من خلال بنية أجزائها، فإن نشـاط الكائنـات الحية، وبخاصة الإنسـان، إنما يتحدد بالعكـس، أي أن بنيتها تتحـدد من خلال العمليات التي تقوم بها. ثم إن عمل الآلة محكوم بسلسلة خطية من السبب والنتيجة، وحين يحدث خلل يمكن التعرف على السبب في ذلك الخلل، أما في الكائن الحي فإن جسمه يعمل من خلال علاقات دائرية يؤثر بعضها في البعض، ثم يعود ليؤثر مرة أخرى في المؤثر الأول من خلال التغذية الراجعة. ومن ثم يصبح الخلل ناجماً عن مجموعة مركبة من العوامل يعزز بعضها بعضاً، وبالتالي يصبح التعرف على السـبب الأول غير ذي موضوع، وإنما الأهـم هو محصلة العلاقات المتداخلة".

ولذا، لا يمكن فهم الواقع من خلال القوانين البسيطة الصلبة المطلقة وإنما من خلال الافتراضات والقوانين الاحتمالية والسببية الترابطية، ولذا أصبحنا ندرك خطورة التجريب العلمي وأنه ليس من الممكن القيام بكل التجارب الممكنة التي تغطي كل الاحتمالات. ولعل ظهور مفهوم الـ «إيكو سيستم eco-system»، أي «النظام البيئي»، تأكيد لتركيبية هذا العالم الذي نعيش فيه وأنه لن يقع في قبضة السببية الصلبة المطلقة التي توهمها العلم الغربي في القرن التاسع عشر، قبل أن يصل إلى قدر من النضوج فيما يتصل بقدراته وحدوده.

ومما يزيد من تركيبية الكون وجود أهم الثغرات طُراً فيه، أي الإنسان، فهو أكثر الكائنات تركيباً، لا يقف في الكون كشيء ضمن الأشياء الأخرى، ظاهرة مثل الظواهر، وإنما يقف شامخاً في مركز الكون تأتي عنده القوانين الطبيعية فتُعدِّل من مسارها وتتغير وتتحور، بل قد تتوقف أحياناً تماماً.

2 ـ خصوصية وتركيبية الإدراك:

ما ينطبق على الإنسان ينطبق، بطبيعة الحال، على عقله الذي يرصد الكون، فقد اكتشفنا أن العقل قاصر وله حدوده الخاصة ولا يمكنه تسجيل كل المعطيات المادية المحيطة به ولا الإحاطة بكل جوانب الفعل. نعم ينطبع الواقع على خلايا المخ، ولكن عدد الانطباعات الحسية في أية لحظة يكون هائلاً لدرجة يستحيل معها تسجيله. والعقل، رغم هذا، بل بسبب هذا، أبعد ما يكون عن السلبية والبساطة، فهو ليس بصفحة بيضاء تتراكم عليها المعلومات وتصبح معرفة من تلقاء نفسها، فالعقل في أبسط العمليات الإدراكية فاعل فعال، مبدع حر، يتمتع بقدر من الاستقلال عن المعطيات المادية المحيطة به وعن قوانين الطبيعة/المادة، فاللحظة الحسية في عملية الإدراك ليست سوى لحظة.

وعملية الإدراك ليست بسيطة تأخذ شكل منبه أو مثير فاستجابة فهي مسألة تبلغ الغاية في التركيب، فبين المنبه المادي والاستجابة الحسية والعقلية والإدراكية يُوجَد عقل نشيط مبدع ينظم وهو يتلقى. والمعرفة تتضمن فهماً وتركيباً وتنظيماً، والحواس عاجزة بذاتها عن فهم المحسوسات وتنظيمها إذ أن التنظيم يستدعي قدرة أخرى وفاعلية أخرى تصل وتفصل وتقارن وترتب وتنظم، ولن تكون هذه القوة ناشئة عن المحسوسات لأن الحواس لا تمدنا إلا ببعض الصفات الظاهرة للمُعطَى الحسي كاللون والرائحة والطعم والحجم. وهي معطيات جزئية فردية منعزلة لا تؤلف وحدة متكاملة ومترابطة. وما يحدث أن الكم الهائل والحصيلة الضخمة للمعطيات الحسية التي تُسجَّل على عقل الإنسان، والتي تصل إليه على هيئة جزئيات غير مترابطة، هذا الكم يفرض عليه جهازه الحسي والعصبي ترشيحها وفرزها وترتيبها (فهو لا يستوعب إلا الكليات المترابطة)، ثم يجري العقل عملية تجريدية تفكيكية تركيبية تتضمن استبعاد بعض العناصر وإبقاء البعض الآخر، ثم يقوم بترتيب ما تم إبقاؤه من معطيات فيُبرز بعضها باعتباره مركزياً ويُهمِّش البعض الآخر باعتباره ثانوياً بحيث تصبح الجزئيات المتناثرة كلاً مفهوماً وتصبح العلاقات بين المعطيات المادية التي أدركها العقل تتشاكل، ولا تتطابق بالضرورة، مع ما يتصور الإنسان أنه العلاقات الجوهرية في الواقع.

وعملية الإبقاء والاستبعاد هذه لا تتم بشكل عشوائي (ذاتي) محض، ولا تتم بشكل آلي (موضوعي) محض، وإنما على أساس مجموعة من المسلمات الكلية النهائية التي استبطنها المُدرك (وهي مفطورة في عقل الإنسان). وهذه العملية ليست عملية محايدة، مفرغة تماماً من القيم (بالإنجليزية: فاليو فري value-free) وإنما تدور في إطار المنظومة القيمية للمدرك. ومما يزيد عملية الإدراك تركيباً أن عقل الإنسان لا ينظم المعطيات الحسية ويفككها ويركبها وحسـب، بل يختزن ذكـريات عن الواقع هي في حقيقة الأمر صـورة مـثالية وذاتية لهذا الواقع، وهو يُولِّد من المعطيات الحسية رموزاً وأساطير، وتصبح الذكريات والمثل والرموز والأساطير جزءاً من آليات إدراكه. كما أن وضع المُدرك في الزمان والمكان يؤثر ولا شك في علاقته بالظاهرة التي يدرسها.

وعملية رصد الإنسان عملية تبلغ الغاية في التركيب. فالحقائق الإنسانية لا يمكن فهمها إلا من خلال دراسة دوافع الفاعل وعالمه الداخلي والمعنى الذي يُسقطه عليه، فالإنسان ليس مجرد سلوك براني مادي وحسب يُرصَد من خارجه وإنما هو سلوك براني تُحركه دوافع جوانية يَصعُب الوصول إليها مباشرةً من خلال الوصف الموضوعي وغيره، ولذا يحاول العقل البشري أن يصل إليها من خلال عملية حدس وتخمين وتعاطف وتخيُّل وتركيب عقلي ومقاربات ذهنية يَصعُب أن نسميها «موضوعية». وقد قيل إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يستجيب للمنبهات وإنما لفهمه لها ولدلالتها وللمعنى الذي يُسقطه هو عليها. والبُعد الجواني في الظاهرة الإنسانية يفوق في أهمـيته السـلوك البراني الخاضـع للرصد المــادي، فكأن الموضوعية عاجزة عن رصد الإنسان باعتباره كائناً مركباً، وتنجـح فقـط في تحويله إلى كائن طـبيعي، وهـو ما يُبيِّن أنها تدور في إطار المرجعية الواحدية المادية الكامنة.

3 ـ خصوصية القول وتركيبية الإفصاح:

ويمكن أن نضيف لكل هذا أن اللغة التي يستخدمها المُدرك للإفصاح عن إدراكه للواقع يمكن أن تكون لغة جبرية دقيقة في المواقف التافهة البسيطة أو في وصف بعض الظواهر الطبيعية. أما إن انتقلنا إلى الظواهر الأكثر تركيباً، فنحن عادةً ما نستخدم لغة مركبة قد تكون مجازية أو رمزية أو غير لفظية، وهي لغة تختلف من شخص لآخر.


الواقع مركب لا يمكن رصده ببساطة، والإنسان تبلغ الغاية في التركيب ويستحيل أحياناً رصد عالمه الجواني. وهو نفسه، كراصد للواقع، لا يتلقى المعطيات وإنما يفككها ويركبها ويعيد صياغتها، وحينما يفصح عنها، فإن لغة الإفصاح تكون مرتبطة به وبتجربته. ولذا، فقد اتضح تدريجياً أن فكرة الموضوعية الكاملة والانفصال الكامل للذات المدركة عن الموضوع المدرَك مجرد أوهام. وفي السنوات العشرين الأخيرة، اتضح لنا كل هذا على صعيد حياتنا اليومية، فرقعة المعلوم آخذة في التزايد بشكل مذهل ولكن رقعة المجهول تزايدت معها بشكل أكبر. وقد حقق الإنسان معدلات تقدم مادية مذهلة ولكن آدابه تتحدث عن نكبة الإنسان الحديث، وتحكي مدنه (بتلوثها وجرائمها) قصة مختلفة عما تقوله الإحصاءات. لكل هذا، أدركنا أن المعرفة الموضوعية النهائية هي حلم المستحيل وكابوسه، وأن التحكم الإمبريالي الموعود الذي يفترض انفصال الذات المتحكمة عن الموضوع المُتحكَّم فيه هي أضغاث أحلام.

ونحن نرى أن استخدام النماذج كأداة تحليلية قد يزيد مقدرتنا على الاحتفاظ بالحدود بين الإنسان والطبيعة، وبين الذات والموضوع، وبين الحيز الإنساني والحيز الطبيعي دون أن ينكر بالضرورة إمكانية التفاعل بينهم. كما ستساعدنا النماذج على صياغة الفروض بطريقة تجعلنا قادرين على رصد الواقع وتحليله بطريقة أكثر تركيبية وتفسيرية. ونحن بطبيعة الحال لا نزعم أن الباحث الذي سيستخدم النماذج التحليلية سيفلت من قبضة الاختزالية والتراكمية والكمية والواحدية الموضوعية وأن استخدام النماذج يؤدي حتماً وبالضرورة إلى رؤية تركيبية، فالنموذج نفسه يمكن أن يُصاغ بطريقة اختزالية تلغي الحيز الإنساني والفوارق بين الإنسان والطبيعة (كما سنبين فيما بعد). فكل ما نذهب إليه أن استخدام النماذج يخلق التربة الخصبة لبحث يتسم بقدر معقول من التركيب ويبتعد عن الاختزال.



الجزء الثاني: النماذج كأداة تحليلية

الباب الأول: النماذج: سماتها وطريقة صياغتها



النموذج: التعريف من خلال دراسة مجموعة من المصطلحات المتقاربة ذات الحقل الدلالى المشترك أو المتداخل
كلمة «نموذج» كلمة معرَّبة، كما جاء في معاجم اللغة، من كلمة «نموذه» الفارسية، وجمعها «نموذجات» و«نماذج». ونموذج البناء نسخة مُبسَّطة مجردة من بناء، ومن ثم فهو يحتوي العناصر الأساسية للبناء ولكنه يختلف عن الأصل. وقد استُعيرت هذه الكلمة في اللغة العربية وتُستخدَم للإشارة إلى «النموذج» بوصفه أداة تحليلية ونسقاً كامناً يدرك الناس من خلاله واقعهم ويتعاملون معه ويصوغونه.

والنموذج بنية فكرية تصورية يُجرِّدها العقل الإنساني من كم هائل من العلاقات والتفاصيل فيختار بعضها ثم يُرتبها ترتيباً خاصاً، أو يُنسقها تنسيقاً خاصاً، بحيث تصبح مترابطة بعضها ببعض ترابطاً يتميَّز بالاعتماد المتبادل وتشكل وحدة متماسكة يُقال لها أحياناً «عضوية». وطريقة التنسيق والترتيب هي التي تعطي النموذج هويته المحددة، وفرديته وتفرُّده. ويتصور صاحب النموذج أن العلاقة بين عناصره تُماثل العلاقة الموجودة بين عناصر الواقع. ولذا، فهو يرى أنه يشكل الإطار الكلي الذي يُفسِّر تفاصيل الواقع وعلاقاته. وقد يتصوَّر البعض أن النموذج يُشاكل الواقع ولكنه في حقيقة الأمر لا يتطابق معه، فهناك فرق بين النموذج من ناحية والمعلومات والحقائق من ناحية أخرى (وكلمتا «نموذج» و«نسق» مترادفتان تقريباً في هذه الموسوعة، وإن كانت كلمة «نموذج» تنطوي على قدر أعلى من الوعي(.

وهناك عدة كلمات ومصطلحات في اللغات الغربية واللغة العربية متقاربة في معناها العام، قد تختلف في مدلولاتها الضيقة ولكنها تغطي رقعة مشتركة في حقل دلالي واسع متداخل:

1ـ اللغات الغربية:

باترن pattern ـ ستركتشر structure ـ تايب type ـ موديل model ـ سيستم system ـ كونستراكتيف تايب constructive type ـ أيديال تايب ideal type ـ باراديم paradigm ـ كونفيجوريشن configuration ـ ثيوري theory ـ هايبوثيسيس hypothesis ـ ثيسيس thesis ـ سينثيسيس synthesis ـ جنرال لو general law ـ فريم وورك framework ـ بيرسبكتيف perspective.

2 ـ اللغة العربية:

نموذج ـ نمط ـ نسق ـ هيكل ـ نظرية ـ فرض أو فرضية ـ منطق ـ منظور ـ رؤية ـ جوهر ـ أصول ـ منطلقات ـ مرجعية ـ إطار مرجعي.

ولا شك في أن هناك مصطلحات أخرى في اللغات الغربية وفي اللغة العربية تتعامل مع نفس هذه الرقعة المشتركة. والسمة الأساسية المشتركة في كل هذه المصطلحات والكلمات ما يلي:

1 ـ أنها ذاتية وموضوعية في آن واحد:

أ ) الذاتية:

* ثمرة عملية تجريدية عقلية، وليس لها وجود مادي.

* غير متوحدة بظاهرة بعينها فهي تصورية.

* ليست شيئاً بعينه وإنما مجموعة علاقات أو عناصر مجردة.

* تشير إلى كلٍّ مجرد متماسك يتجاوز الأجزاء الفردية المحسوسة المتناثرة.

* تفترض قدراً من الانفصال عن الواقع الخام أو التجريبي.

ب) الموضوعية:

* تزعم كل المصطلحات أن لها علاقة بالواقع، وأنها نابعة منه (يُلاحَظ أن كلمة «واقع» هنا لا تعني بالضرورة الواقع المادي الطبيعي وحسب، فهي تشير أيضاً إلى الواقع الإنساني والاجتماعي والأخلاقي، أي «الواقع» الذي يتضمن كلاًّ من عالم المادة وعالم الرؤى).

* تفترض هذه المصطلحات أن الواقع ليس عشوائياً وأنه يتسم بقدر من الاتساق الكامن.

* يمكن القول بأن كل المصطلحات تتعامل مع النقطة التي تلتقي فيها الذات بالموضوع وتتفاعل معه.

2 ـ عنصر الزمان إما مختف من المصطلحات تماماً أو ضعيف بدرجات متفاوتة.

3 ـ لا يمكن أن يقوم الإنسان بإدراك واقعه وتنظيم ما يحيط به من ظواهر وتفاصيل إلا من خلالها، فاستخدامها حتمي.

4 ـ يُفرِّق الإنسان من خلال هذه المصطلحات بين ما هو ثابت وما هو عرضي، وبين ما هو جوهري وما هو هامشي، وبين ما هو أساسي وما هو ثانوي، وبين ما هو كلي وما هو جزئي، كما تُبيِّن العلاقات بينهما.

وسنستخدم كلمة «نموذج» للإشارة إلى هذه الرقعة المشتركة نظراً لشيوع الكلمة في الأوساط العلمية ونظراً لعدم ارتباطها بأي تعريف دقيق، أي أن صلتها بالرقعة المشتركة قوية وتَصلُح أن تكون دالاً عليها، وذلك دون أن ننسى المصطلحات الأخرى حتى نظل واعين بأن نقطتنا المرجعية هي الحقل الدلالي المشترك وليس هذا الدال أو ذاك. وعلينا أن نتبنى الكلمة وأن ننسى قدر طاقتنا المعجم الغربي حتى لا نستورد ما فيه من اضطراب وخلل وإبهام، ويكفينا ما لدينا من اضطراب وخلل وإبهام (ولا بأس من استخدام الكلمات الأخرى للإشارة إلى مدلولات أخرى).

وسنحاول تعريف النموذج كأداة تحليلية من خلال الإشارة إلى بعض سماته الأساسية:

1 ـ النموذج والتجريد:

النموذج ليس هو الحقيقة أو الواقع، وهو لا يوجد جاهزاً في الواقع، وهو ليس وجوداً عيانياً ولكنه ثمرة الملكات الفكرية (المنطقية والتخيلية) للعقل. وهو ثمرة عملية اجتهادية تجريدية مُتعمِّقة، فهو صورة عقلية ونسق فكري ونمط تَصوُّري وبنية عقلية مجردة وتمثيل رمزي للحقيقة حتى يتسنى للعقل الإنساني الوصول إلى جوانب منها (باعتبار أن المسافة لا يمكن تجاوزها تماماً، كما لا يمكن ملء كل الفراغات ولا الوصول إلى الواقع في ذاته). فالنموذج يتسم عادةً بقدر من البساطة والتجريد والوحدة والاتساق الداخلي، وهو ما يعني اختلافه عن الواقع. والهدف من التجريد هو تحرير النموذج بشكل معقول من تفرُّد الظاهرة (تأيقنها) ومن عنصري الزمان والمكان، ولذا فالنموذج له زمانه الخاص وفضاؤه الخاص ويتسم بقدر من الانغلاق والتَحدُّد وبقدر من الثبات. وكون النموذج نتاج عملية تجريدية عقلية لا يُنقص من قدره، فكل الفكر الإنساني يحوي قسطاً من التجريد، وبدون التجريد يصبح النموذج صورة فوتوغرافية غير قادرة على التفسير أو التنبؤ، ويصبح الفكر الإنساني انعكاساً أبله لكل تفاصيل الواقع المتناثرة المتعاقبة.

وبسبب تجريديته، يفتقر النموذج إلى البعد الزماني، وهو ما قد يُنقص من قيمته كأداة تحليلية، ولذا فإننا نحاول تطوير النموذج كأداة تحليلية ونتحدث لا عن «النموذج» وحسب وإنما عن «المتتالية النماذجية» أيضاً.

2 ـ النموذج والمعلومات:

النموذج كما قلنا بنية تصورية، منفصل إلى حدٍّ ما عن الزمان والمكان، واستخدامه حتمي وأساسي في مواجهة الواقع والمعلومات، فلو واجهنا الواقع والمعلومات بدونه لما فهمنا شيئاً. ولكن، هل هذا يعني إهمال المعلومات والواقع تماماً؟ الرد على هذا سيكون بطبيعة الحال بالنفي، فالمطلوب هو ألا يتحوَّل الإنسان إلى صفحة بيضاء تسجل كل شيء ببلاهة موضوعية متلقية، ولكن هذا لا يعني أن يصبح الإنسان مثل بعض الآلهة الآسيوية التي تحلم بالعالم، بحيث يصبح العالم مجرد حلم ووهم. فصياغة النموذج تبدأ في الواقع ومن خلال الاحتكاك به، ومن خلال هذا الاحتكاك والتفاعل الخلاَّق يبدأ الدارس في صياغة نموذجه. وكلما اتسعت رقعة التفاصيل المطروحة ازداد النموذج تركيبية وتفسيرية. ويمكن القول بأن الصياغة الأولية للنموذج ليست هي نهاية المطاف بل هي بداية البحث، إذ يبدأ الباحث من خلال النموذج في تنظيم المعلومات وتحديد أهميتها بحيث تتحول من مجرد معلومات متناثرة إلى أنماط متماسكة ذات معنى. فالمعلومات، إذن، أساسية في المراحل الأولية للدراسة.

بل إنها أساسـية أيضاً خلال كل مراحلها. إذ لا يستطيع الباحث أن يختبر نموذجه دون العودة للمعلومات والواقـع. كما أن المعلومات ستساعد الباحث على اكتشاف علاقة الكل بالأجزاء ومدى ترابطهما وابتعادهما. فنحن يمكننا الحديث عن «الرأسمالية» بشكل عام «نماذجي»، ولكن هذا ليست له فائدة كبيرة فمن خلال الدراسة التفصيلية سندرك الفرق بين الرأسمالية الإنجليزية والرأسمالية في الهند وبين الرأسمالية الإنجليزية في عصر المركنتالية والرأسمالية الإنجليزية في النظام العالمي الجديد. ويمكن القول بأن النموذج المركب لا يستند إلى المعلومات وحسب، بل إنه قد يولِّدها لا بمعنى أنه يخترعها (فهذا أمر مستحيل بطبيعة الحال) وإنما بمعنى أنه يبرز أهمية تفاصيل كان يُظَن أنها لا أهمية لها.



3 ـ النموذج والواقع:

ينفصل النموذج عن الواقع المباشر ويتجاوزه. ولكنه، مع هذا، يتضمن مجموعة من العناصر تُشاكل العلاقة بينها (في تصوُّر صاحب النموذج) العلاقة الموجودة بين عناصر الواقع. وبذا، يصبح النموذج قادراً على تفسير العلاقة بين الظواهر، وعلى شرح علاقاتها الداخلية، وتفسير أثرها المتبادل، وعلى الفصل والربط بين الظواهر على أساس قد يكون جديداً تماماً بحيث يبين أوجه التشابه بين بعضها رغم الاختلاف الظاهري ويبين أن ما هو مشترك بينها أكثر أهمية مما هو مختلف. والعكس صحيح أيضاً، إذ يبين الاختلاف بين بعض الظواهر الأخرى رغم التشابه الظاهري الواضح بينها.

والنموذج، كما هو واضح، لا يسقط في الانفصال الكامل عن الواقع (حيث تصبح المسافة هوّة) أو في التطابق الكامل معه والتأيقن (حيث تُلغَى المسافة تماماً) أو في الحرفية (بمعنى أنه يمكن اجتياز المسافة تماماً). فلو تشابهت جميع الظواهر التي تنضوي تحت النموذج تشابهاً كاملاً لفقد النموذج فائدته وجدواه لأنه يُفتَرض فيه أنه يحاول أن يصنف ظواهر مختلفة تتضح وحدتها من خلال تنوعها. ولو اختلفت كل الظواهر التي تنضوي تحت نموذج ما بشكل كامل لفقد النموذج فائدته وجدواه أيضاً لأنه سيقوم بربط ظواهر لا يصح الربط بينها وباكتشاف الوحدة حيث لا وحدة. فالنموذج يتناول الظواهر التي يوجد حد أدنى مشترك أو معقول بينها، وهو ما يبرر وضعها داخل إطار تصنيفي واحد رغم اختلافها.

والنموذج عادةً لا يتحقق إلا في لحظات نماذجية نادرة، إذ أن الواقع عادةً أكثر تركيباً وتشابكاً وأقل تبلوراً من التركيبة الذهنية التي يتكون منها النموذج، كما أن الإنسان الفرد، مهما بلغ من تسطح عادةً ما يكون ـ والحمد لله ـ أكثر تركيباً وعمقاً من النموذج المعرفي الذي يؤمن به. ولذا، فإن من النادر أن يُردَّ إنسان أو مجتمعٌ إنسانيًّ في كليته إلى النموذج المعرفي والحضاري الذي يدفعه ويحركه. فلا شك في أن الإنسان يتحرك داخل حدود مادية وإدراكية، ولكنه يظل، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، عنصراً حراً مستقلاً مسئولاً أخلاقياً عما يفعله. ونحن في رؤيتنا هذه نختلف عن الباحثين الذين يستخدمون النموذج في إطار الرؤية المادية الحتمية، فهم يردُّون الفاعل الإنساني في كليته إلى النموذج المادي (السياسي والاقتصادي والاجتماعي) الذي يحركه. كما أننا نختلف عن الباحثين المثاليين الهيجليين الذين يردّون الفاعل الإنساني في كليته إلى النموذج المثالي الذي يحركه. وكلا الفريقين يُنكر على الإنسان حريته ومسئوليته الأخلاقية، ولا يرى سوى حتميات، مادية أو مثالية، اختزالية معادية للإنسان.

ونحن نستخدم النماذج المختلفة (الإنسان العادي ـ الثورة الصناعية) ونحن نعرف أنها مجرد بنَى ذهنية تصورية ولا نتوقع قط أن نقابل هذا الإنسان العادي في الواقع، فنحن ندرك أن فلاناً من الناس إنسان عادي بمعنى أنه تَحقُّق جزئي لنموذج الإنسان العادي ولكنه لا يتطابق معه تمام التطابق (إلا في بعض الحالات النادرة التي عادةً ما تثير الدهشة بسبب ندرتها). ونحن نتحدث عن «الثورة الصناعية» ونعرف تمام المعرفة أنها ليست «ثورة» على الإطلاق، وأنها لم تقع في يوم من الأيام أو في مكان من الأمكنة. إذ أننا بفطرتنا الإنسانية ندرك أن النموذج المجرد ليس هو الواقع المادي أو الإنساني المُركَّب.

ولنأخذ عصابات المافيا على سبيل المثال. جعل عضو المافيا هدفه في الحياة (النموذج الحاكم الذي يحركه) سلب الآخرين حياتهم وممتلكاتهم وأعراضهم، فهو ذئب بشري كامل، ترجمة حقيقية لإنسان هوبز وداروين ونيتشه. ومع هذا، نجد أن عضو المافيا هذا يُبقي على علاقات التراحم مع أعضاء أسرته وعصابته وقد يُضحي بحياته من أجلهم. فالنموذج الأصغر الهامشي التراحمي الذي يتعامل المجرم من خلاله مع حياته الخاصة يتعايش مع النموذج الأكبر الرئيسي الحاكم المادي الإجرامي. وسواء أكان المجرم يدرك هذا التناقض أم لا، فهذا أمر ثانوي لا يهمنا، إذ أن ما يهمنا هو هذا التعايش في حياته اليومية. وأعضاء الجماعات الوظيفية يعيشون في مثل هذه الثنائية الصلبة التي تقترب من الثنوية، فهم متراحمون فيما بينهم، محايدون تعاقديون مع أعضاء مجتمع الأغلبية.

والمجتمعات الاشـتراكية كانت أكثر تنوعاً وحيوية وإنسانية من الرؤية الاشتراكية المادية. فالإنسان السوفيتي الفرد، رغم إخضاعه بشكل شرس لعمليات الترشيد المادية الاشتراكية، لم يكن قط ذلك الإنسان الاشتراكي الأممي الذي كانت تتحدث عنه كتب الدعاية السوفيتية. والإنسان الأمريكي الفرد، رغم خضوعه للعمليات القمعية التدجينية التي تقوم بها الإعلانات التي تهاجم أولاده ومنزله ليل نهار ولعمليات غسيل المخ التي يقوم بها الإعلام الأمريكي بطريقة مصقولة ذكية لا يعرف التاريخ لها مثيلاً، احتفظ بقدر من الإنسانية والتركيب يجعله مختلفاً عن إنسان الحلم الأمريكي والإعلانات المتكررة والأكاذيب السياسية اليومية.

وهذا التناقض يوجد أحياناً داخل الأنساق الفلسفية نفسها. والإنسان الفرد ـ كما أسلفنا ـ أكثر تركيباً من الأنساق ومن النماذج التي يؤمن بها ويروج لها. ولهذا السبب، فكثيراً ما يفزع مفكر ما من وحشية نموذجه فيضيف من الأقـوال ما يخفف من حدتها ويسـتعيد بعـض التركيبية ويضفي عليه غلالة إنسانية لا تغير عادةً من البنية الوحشية للنسق. والفكر الرومانسي، على سبيل المثال، كان محاولة لتهذيب النموذج العلماني الآلي (الميت) لإدخال بعض العناصر العضوية (الحية) التي تستعيد للإنسان استقلاليته عن الطبيعة. ومع هذا، سقط الفكر الرومانسي العضوي في الواحدية المادية. ولكل هذا، نجد أن النماذج الفلسفية لا تُفصح عن نفسها بشكل خالص أو متبلور في الواقع الاجتماعي والتاريخي الإنساني، وتظل هناك مسافة تفصل النموذج (المجرد) عن الواقع (المركب).

وهذا لا يعني أن نقرر أن النماذج (لهذا السبب) لا فائدة تُرجى منها. فهي أدوات تحليلية مفيدة طالما أدركنا بُعدها الاجتهادي، وأنها أداة تفسيرية ليس إلا، وليس لها وجود مادي موضوعي، أي إذا نحن لم نشيئها ولم نتصور أن النموذج هو الواقع. فنحن لو رفضنا النموذج كأداة تحليلية، نكون بذلك قد رفضنا محاولة الوصول إلى قدر معقول من المعرفة عن الحقيقة الكلية وسقطنا في التشظي وفي التعامل مع الجزئيات المنفصلة عن الكليات وتصوَّرنا أننا نفهمها، مع أن كل ما يحدث هو أننا نقوم بعملية وصف يُقال لها «موضوعية»، وهي في واقع الأمر عملية تسجيل عشوائية ليس لها عقل أو حتى قَدَم.

4 ـ محدودية النموذج وتحيزه:

النموذج بنية تصورية عقلية مجردة، ولذا فهو لا يمكن أن يغطي كل أجزاء الواقع مهما بلغت شموليته. وإنْ تطابق النموذج مع الواقع، أصبح هو نفسه واقعاً وفقد نماذجيته ونمطيته، وهذا يعني حتمية المسافة أو وجود مسافة بين الدال والمدلول، والسبب والنتيجة، والمدرك والمدرَك، والذات والموضوع، والفكرة والمادة. هذه المسافة تعني حتمية محدودية النموذج وقصوره، أي أنه سيظل أقل ثراءً وتركيباً من الواقع ولكنه سيظل أيضاً أكثر تركيزاً وبلورة منه. وهذا يعني أن التعامل مع الواقع من خلال نماذج يعني حتمية الانتقاء والاختيار، والإبقاء والإبعاد، أي حتمية تَحيُّز صاحب النموذج أو من يستخدمه. ولذا، فإن الموضوعية المطلقة (الخالية من أي تحيزات أو كليات أو مطلقات) أمر مستحيل من الناحية المعرفية.

ولكن تَحيُّز النموذج لا يعني العبثية والعدمية والذاتية، فالنموذج التفسيري الذي يعلن عن نفسه صراحةً يحمي المتلقي من وهم الموضوعية المطلقة إذ أن المتلقي سيدرك أن النموذج ليس هو الواقع المادي، وأن عقلاً إنسانياً قام بصياغته وبالتالي فهو يحوي حتماً عنصراً ذاتياً، وأن ثمة مسافة تفصل بين النموذج والواقع، ولذا سيأخذ المتلقي حذره وسيعرف أن ما يتلقاه ليس علماً محايداً وإنما هو علم يحمل تحيزات صاحبه، فهو نتاج رؤية بشر.

ولكن، رغم تحيزات النموذج، فإن هذا لا ينفي أن المتلقي قد يتلقى قدراً من العلم ومن المعرفة والخبرة يؤهله للتعامل مع الواقع وفهمه وتفسيره والتنبؤ به دون أن يتحكم فيه بالضرورة. وحتى إن تَحكَّم في بعض جوانبه، فإن هذا لا يعني بالضرورة السيطرة الإمبريالية الكاملة عليه، أي أن المتلقي سيُحقق قدراً من الحرية ولكنه سيقبل أيضاً بقدر من الضرورة. كما أن بوسع المتلقي أن يختبر المقدرة التفسيرية للنموذج ضمن عملية تتم خارج ذاتية صاحب النموذج.

5 ـ حتمية استخدام النماذج:

الإدراك ـ كما أسلفنا ـ ليس مجرد عملية تسجيل لكل المعطيات الحسية التي ترد للعقل ومراكمة لها، والعقل نفسه ليـس أداة كفئاً لتحقيق ذلك، لأنه أداة محدودة مبدعة فعالة ولأن الواقع مركب فإن عملية الإدراك تصبح عملية انتقاء وصياغة، وهو ما يعني استحالة الوصول إلى المعرفة الموضوعية المطلقة أو معرفة الأسباب في علاقتها بالنتائج بشكل صارم. وهذا يعني، في واقع الأمر، حتمية استخدام النماذج إن أراد الإنسان تجاوز الرصد التوثيقي المباشر الأبله المستحيل، وإن أراد تجاوز وجوده المادي المباشر حيث يتماس الجهاز العصبي بالواقع المادي بشكل مباشر (وكأن كل المعرفة هـي مثل معـرفة الطفـل الذي لا يُدرك النار إلا باحتراق أصابعـه، وكأننا كلنا مثل كـلب بافلوف الشـهير).

ونحن نذهب إلى أننا لا نستطيع كتابة أي شيء (إلا قائمة المشتريات من البقال) بدون نموذج. فنحن لا يمكننا إدراك الواقع الخـام مبـاشرةً إذ لابد أن نتعامل معه من خلال خريطة إدراكية تُبقي وتَستبعد. فالنموذج، بهذا المعنى، مرتبط تمام الارتباط بأبسـط العمليـات الإدراكية بل بالحالة الإنسـانية نفسها وبطبيعة الإنسان؛ لا ككائن مادي طبيعي، شيء بين الأشياء، وإنما ككائن بشري أو رباني لا يخضع لمنطق الذرات والأرقام. إنه مرتبط بخروج الإنسان من حالة الطبيعة البسيطة الجنينية (حيث لا تُوجَد مسافة بين المدرك والمدرَك وبين المثير والاستجابة) إلى حالة الحضارة المركبة. إن استخدام النماذج أمر حتمي للإدراك الإنساني ولإجراء أي بحث. فلو جابه الإنسان الواقع، ولو جابه الباحث موضوع بحثه بصفحة عقله المادية البيضاء، لأصابه الشلل، ولوجد نفسه مذعناً إما لنماذج الآخرين دون وعي، أو لبعض جوانب الظاهرة موضوع الإدراك والبحث، بحيث يرصدها بشكل ذري مفتت غير متماسك. وإذا كان الأمر كذلك فمن المستحسن أن ننطلق من إدراك هذه الحتمية وأن نواجه الواقع بتساؤلاتنا وإشكالياتنا ونماذجنا التحليلية، مدركين ذلك تمام الإدراك، الأمر الذي سيُحسِّن أداءنا النظري والتطبيقي.

وهذه الموسوعة هي بمعنى من المعاني دراسة لحالة معيَّنة (اليهود واليهودية والصهيونية) من خلال استخدام مجموعة من النماذج المستقلة المتشابكة.

المنحنى الخاص للظاهرة
تتأرجح كثير من المناهج بين الموضوعية والذاتية، أي افتراض موضوع خالص يوجد بذاته في العالم الخارجي يمكن إدراكه بطريقة فوتوغرافية دون تشويه، أو افتراض ذات خالصة تقف مستقلة تماماً عن الموضوع، تشوه كل ما يصلها من معطيات مادية لأنها تسقط نفسها عليه.

ونحن نطرح فكرة المنحنى الخاص للظاهرة كمحاولة لتجاوز هذه الثنائية الصلبة. وتفترض هذه الفكرة وجود موضوع، ولكنه له جوانب عدة منسقة بشكل معين تمنحه تفرُّد وتجعله مستقلاً عن الكل (مستقلاً وليس منفصلاً تماماً). والعقل البشري لا يمكنه رصد الموضوع بشكل كامل فوتوغرافي، لا بسبب محدوديته وحسب وإنما بسبب مقدرته التوليدية وبسبب تركيبية الظاهرة نفسها، وأخيراً بسبب وجود كل من الظاهرة والعقل البشري داخل الزمان والمكان.

ولكن العقل البشري مع هذا قادر على إدراك الظواهر والتوصل إلى قدر معقول من المعرفة بالواقع يمكِّنه من التعامل معه، وإن كان لا يكفي للهيمنة عليه. فالعقل البشري مسلحاً بحواسه وعواطفه وذكرياته ينظر للظاهرة فيدرك بعض جوانبها بطريقة تتفق مع طريقة الآخرين في بعض جوانبها وتختلف عنهم في بعض الجوانب الأخرى. فكأن المنحنى الخاص للظاهرة ليس أمراً موضوعياً كامناً في الظاهرة تماماً ولا هو نتيجة إبداع الذات المدركة أو قصورها، وإنما هو نتيجة تفاعل بين الذات المحدودة المبدعة والموضوع المركب.

ضبط المستوى التحليلى للنموذج حسب نوعية الظاهرة موضع الدراسة
يمكن دراسة أية ظاهرة من منظـور تَفرُّدها الكامل أو من منظور عموميتها وخصائصها المشتركة مع ظواهر مماثلة. ولهذا، فإن بعض المدارس الفكرية يذهب إلى أن كل ظاهرة إنسانية ظاهرة فريدة تتحدى التصنيف والتعميم بحيث تقف الظاهرة كياناً عضوياً فريداً يشبه الأيقونة المكتفية بذاتها والتي لا تشير إلى شيء خارجها. ومن ثم، فإن فهم هذه الظاهرة أمر مستحيل إلا لمن يلتحمون بها عضوياً. ولكن حتى هؤلاء، نظراً لالتحامهم بها، هم أيضاً غير قادرين على الإفصاح عنها. ولذا فإن المعرفة في هذه الحالة لا تكون إلا معرفة إشراقية من خلال الحدس والإلهام والتخيل وحسب. كما يرى هؤلاء أن الواقع الذي يعيش فيه الإنسان واقع مستمر مترابط يشبه ألوان الطيف المتداخلة. ولذا، فإن كل ما يمكن أن يفعله الإنسان أمام هذا التكامل العضوي هو أن يتقبله كما هو دون تفسير أو تجزئة.

ولكن هناك من يذهب إلى عكس ذلك فيرى الواقع من خلال مجموعة من القوانين العلمية العامة التي ترى أن الجوانب الفريدة في ظاهرة ما (ما نسميه المنحنى الخاص للظاهرة) أمر لا يستحق التسجيل أو الرصد، وإن سُجِّلت فهي لا تُعدِّل القـانون العلمي الأسـاسي القـادر على تفسير كل الظواهر عن طريق رد الأجزاء إلى الكل، والخاص إلى العام، ورد كل شيء إلى عنصر واحد أو بُعد واحد أو سبب واحد، فيصبح الواقع كله كماً واحداً لا قسمات له ولا ملامح، ولا يتسم بأي تَعيُّن أو تركيب أو خصوصية، فهو يشبه الصور النيجاتيف التي تنتجها أشعة إكس والتي لا تتسم بالجمال أو القبح، وهي صور "صادقة" و"حقيقية" ولكنها تثير الفزع.

والنموذج، كأداة تحليلية، يتسم بمقدرته على ربط الخاص بالعام، والجزء بالكل، والنتيجة بالسبب، والذات بالموضوع، دون أن يفقد أي عنصر منها شخصيته وهويته واستقلاليته، وذلك على عكس الاتجاه نحو التأيقن الذي يُسقط العام والكل، وعلى عكس فكرة القانون العام التي لا تتعامل إلا مع العام والكل، فكلاهما يُسقط المسافة الموجودة بين الكل والجزء والعام والخاص.

يحاول النموذج حل المشكلة بافتراض وجود مسافة تفصل الكل عن الأجزاء (والسبب عن النتيجة والذات عن الموضوع) بحـيث لا يمكن رد الكل إلى الجزء (فـهو كيان مجرد متجـاوز للأجزاء) ولا يمكن ردُّ الجزءفي كليته إلى الكل، إذ أن لكل ظاهرة منحناها الخاص الذي يعطيها هويتها الخاصة. فرغم أنها جزء من كل، إلا أنها ليست جزءاً عضوياً لا يتجزأ، وإنما هي جزء يتجزأ. ولذا، يحاول النموذج أن يرى ظاهرة ما في علاقتها بالظواهر الأخرى (وهذا ما يكسبها دلالتها العامة) دون إهمال استقلالها النسبي وشخصيتها المستقلة (المنحنى الخاص)، ولذا فهي لا تفقد تَعيُّنها وخصوصيتها. وينجح النموذج في إنجاز هذا عن طريق ما نسميه «تعدُّد المستويات»، وعن طريق ضبط المستوى التحليلي من ناحية التعميم (التجريد) والتخصيص (التعيُّن) بحيث يتناسـب المسـتوى التحليلي مع الظاهرة موضع الدراسة.

والنموذج حينما يتعامل مع الظواهر الإنسانية يشبه كلاًّ من الاسكتش المجرد العام والصورة الزيتية وحينما يتعامل مع الظواهر الطبيعية فهو يشبه كلاًّ من الصورة الفوتوغرافية وأشعة إكس، فالنماذج ليست جميعها على نفس مستوى التعميم أو القدرة على التفسير، فنموذج "الحضارة الغربية الحديثة" على سبيل المثال (مقابل الحضارة الغربية التقليدية أو الحضارة اليابانية الحديثة) يتمتع بمستوى عال من التعميم والتجريد فهو يغطي رقعة كبيرة من الأزمنة والأمكنة. لكن هذه الرقعة تتقلص حينما نتعامل مع نموذج "الحضارة الإنجليزية الحديثة" وتزداد تقلصاً حينما نتحدث عن "الحضارة الإنجليزية في القرن التاسع عشر" إلى أن نصل إلى "حضارة أو ثقافة سكان مدينة مانشستر في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر" وحينما نتحدث عن نموذج حياة النحل فنحن نسقط الزمان والمكان بشكل شبه كامل تقريباً. وزيادة الرقعة الزمانية أو المكانية لا يُنقص المقدرة التفسيرية للنموذج ولا يزيدها وإنما يُغيِّر مجاله وحسب. وكلما ازدادت درجة عمومية النموذج والمستوى الحضاري ازدادت مقدرته التفسيرية في المجالات الحضارية التي لا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتفاصيل التجريبية أو بحقبة زمانية محدَّدة (مثل مفهوم الشكل عند الإنسان الغربي). ولكن هذه المقدرة نفسها تتناقص في الوقت نفسه في مجال التفاصيل التجريبية المرتبطة بمكان محدَّد وحقبة زمنية محدَّدة (زيادة معدلات الجريمة في مانشستر في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر) إلى أن تنعدم تقريباً حينما نأتي للظواهر الطبيعية. والعكس صحيح أيضاً، فكلما ازدادت درجة خصوصية النموذج يضيق نطاقه، وتزداد مقدرته التفسيرية في مجال التفاصيل التجريبية وتَضعُف في مجال الظواهر الحضارية. فمستوى التعميم والتخصيص لنموذج ما يحدِّدان نوعية التفاصيل أو الظواهر التي يمكن التعامل معها من خـلاله. ولا يمـكن مثلاً تفسـير تزايد الجـريمة في مانشستر بالحــديث عن أزمة الحضارة الغربية، كما لا يمكن استخدام تزايد الجريمة في مانشستر (وهو دليل واحد فحسب) برهاناً على أزمة الحضارة الغربية الحديثة!

ويمكن أن يتحرك النموذج في إطار السببية الصلبة التي تسود عالم الأشياء وفي إطار السببية الفضفاضة الاحتمالية التي تقبل بوجود مسافة بين السبب والنتيجة بسبب وجود عناصر كثيرة لا يمكن إدخالها شبكة السببية. ولهذا السبب فإن السببية الفضفاضة (التي لا يمكن دراسة ظاهرة الإنسان بدونها) تخلق حيزاً للحركة وللفعل الذي يُلغي الحتمية ويجعل التنبؤ العلمي الصارم أمراً مستحيلاً وتوقعاً طفولياً. فعالم الإنسانيات الذي يستخدم النماذج مثله مثل عالم الطبيعة الذي يجري تجارب على الضوء ولكنه لا يعرف ماهية هذا الضوء: هل هي موجـات أم ذرات؟ وإذا كان الضـوء (وهو في نهاية الأمر ظـاهرة طبيعية) بهذا التركيب وبهـذه الدرجـة من المراوغة، فما بالك بالإنسان، ذلك المجهول الذي يحمل داخله أحلاماً وذكريات وحضارة وتاريخاً وخيراً وشـراً لا يعلم كنهها إلا الله!

ومفهوم السببية مرتبط تمام الارتباط بدرجة اليقين التي يحاول الباحث أن يصل إليها، فإن كان الباحث يتعامل مع حقائق رياضية فهو سيصوغ نماذج رياضية (تستبعد الفاعل الإنساني تماماً وتلغي الحيز الإنساني) لتتعامل مع الكم وحسب ولذا يمكن الوصول إلى درجات عالية من اليقين، والشيء نفسه ينطبق على الحقائق الطبيعية/المادية. ولكن حين يتعامل الباحث مع حقائق إنسانية فهو سيصوغ نماذج مركبة ولذا فالنتائج التي سيتوصل إليها لن تتمتع بقدر عال من اليقينية وستكون أكثر احتمالية وتقريبية.

ويمكن أن يتجاوز النموذج الزمان ولكن يمكنه أيضاً أن يُقدِّم تصوراً للزمان لا باعتباره أحداثاً متتالية متراصة صلبة، وإنما باعتباره أحداثاً واقعة وإمكانات كامنة، وباعتبارها ماضياً وحاضراً ومستقبلاً تفصلها ثغرات وانقطاعات تشكل مجال الحرية الإنسانية. ولذا، يسمح النموذج لمن يستخدمه برصد الماضي والحاضر والمستقبل ما هو ظاهر وما هو باطن وما هو قائم وما هو ممكن.

ويمكن القول بأن النماذج التفسيرية يمكن أن تكون قانوناً عاماً أو نظرية كلية صارمة تُفسِّر الظواهر الطبيعية، ولكن بوسعها أن تبتعد عن فكرة القانون العام أو النظرية الكلية التي تحاول أن تشرح كل شيء، ومن ثم تصبح أقرب إلى الفرض العلمي، ولكنه فرض لن تتم البرهنة عليه أو تفنيده، بل هو فرض دائم ـ إن صح التعبير ـ يُستخدَم لدراسة بعض جوانب الواقع والأنماط المتكررة فيه. والنماذج التفسيرية التي تُستخدَم لتفسير ظاهر الإنسان تُشبه الصور المجازية من بعض الوجوه في وظيفتها الإدراكية والتفسيرية. فالصورة المجازية، مثل النموذج التفسيري، جزء من العملية الإدراكية ومن نسيج لغة البشر (وليست مجرد زخرفة تضاف هنا وهناك). ويلجأ الإنسان للتعبير المجازي ليكتشف علاقة غامضة مركبة في الواقع أو عناصر لا محدودة لا يمكنه الإمساك بها، ومع هذا فهو يشعر بوجودها من خلال تجلياتها المادية المُتقطِّعة التي لا تتبع نمطاً واضحاً (علاقات: الجزء الملموس بالكل المُتصوَّر ـ الإنسان بالإله ـ المعلوم بالمجهول ـ المحدود بغير المحدود ـ النسبي بالمطلق ـ الماضي بالمستقبل)، أو يلجأ للتعبير عن أحاسيس عميقة يشعر المرء أن اللغة النثرية المعتادة لا تكفي للإفصاح عنها (تماماً مثل الرصد المتلقي المباشر في حالة الظواهر المركبة) فيصوغ صـورة مجــازية هي في جوهـرها ربط للمعـروف بغير المعروف واكتشاف للعناصر الرئيسية في الواقع وإبرازها، وهذه هي أيضاً طريقة النموذج في الرصد والتفسير.

وباختصار شـديد، يمكن أن نقـول إن النموذج أداة تفسيرية تَصلُح لتفسير كل من الظواهر الطبيعية والإنسانية، تَصدُر عن تَفهُّم لمحدودية الإدراك البشري في رصد الواقع الطبيعي والإنساني. ولكن النموذج مع هذا لا يسقط في العبثية أو العدمية بسبب هذه المحدودية فهو أداة تستند إلى الإيمان بالمقدرة الإبداعية للعقل البشري على صياغة نماذج مركبة فضفاضة يمكنها تفسير الواقع المركب الحركي خارج إطار الحتميات المطلقة والسـببيات الصـلبة والمطلقة والوحدة الصـارمة. وغنيٌّ عن القـول أن فكر ما بعد الحـداثة يرفض فكـرة النماذج تماماً.

ويجب الانتباه إلى أن النموذج، كأداة تحليلية، لا يؤدي حتماً إلى الإدراك المركب وتشغيل الخيال، فهناك دائماً من يصوغ نماذج تحليلية بسيطة واختزالية. وهناك كذلك خطورة تشيؤ النموذج. فبعض الباحثين قد يغفل عن حقيقة أن النموذج أداة إدراكية، تماماً مثل الصور المجازية، ويتصور أن النموذج هو الواقع فينقض على الواقع مسلحاً بنموذجه ويقوم بجمع المعطيات المادية التي تؤيد رؤيته المسبقة. كل ما نؤكده هنا هو أن النموذج يخلق تربة خصبة (ارتباطاً اختيارياً) لمن يريد تجاوز الواحدية السببية والاختزالية، ولمن يريد أن يرصد الظواهر الإنسانية دون اختزال الحيز الإنساني أو الحيز الطبيعي. (وهو ما نحاول إنجازه في هذه الموسوعة).


وظيفة النموذج
من أهم وظائف النموذج وظيفته الإدراكية الإنسانية الفطرية، فهو يحتوي على رؤية الإنسان للكون (مسلماته الكلية) التي يرتب الحقائق وينظم المعلومات على أساسها، وذلك أثناء أبسط عمليات الإدراك. فكأن وظيفة النموذج هنا وظيفة فطرية، ومن ثم يمكن تسمية النموذج من حيث هو أمر فطري «النموذج الإدراكي». فنحن حين نقول إن فلاناً «دمنهوري» أو «بريطاني» فنحن في واقع الأمر نستدعي صورة ذهنية تؤكد بعض الصفات وتستبعد صفات أخرى. ويمكن القول بأن كل المناهج البحثية تستخدم فكرة النموذج بشكل شبه واع أو غير واعٍ، فكل نص إنساني، مهما بلغت سطحيته أو عمقه، يحتوي على نموذج ما (بمعنى رؤية للكون). فدراسة ماركس للمجتمع الغربي تدور حول نموذج «الرأسمالية الرشيدة» (رغم أنه لم يستخدم المصطلح)، وأي كتاب تاريخ يستخدم نماذج تحليلية مثل «الثورة الصناعية» أو «عصر النهضة»، فهذه ليست وقائـع إمبريقية، وإنما هي مفهـوم أو صورة مجازية تضم ما يتصوره الباحثون السـمات العامة لهذه الثورة أو ذلك العصر.

ولكننا نضع مقابل هذا النموذج الإدراكي (غير الواعي أو شبه الواعي) ما نسميه «النموذج التفسيري التحليلي» وهو النموذج الذي يصوغه باحث ما بشكل واع ليقوم من خلاله بتحليل الظواهر، أي أنه يحوِّل النشاط غير الواعي إلى عملية واعية بذاتها وبالإجراءات اللازم اتباعها. وبهذا المعنى تكون الدراسة من خلال النموذج (أداة) لا تُشكِّل قطيعة معرفية مع المناهج القائمة بقدر ما تُشكِّل محاولة للتنبيه على أهمية شيء قائم بالفعل، ربما على مستوى الكمون (أو شبكة العلاقات التي تشكل ماهية الشيء)، ثم نضع مقابل كل هذا البنية، وهي النموذج كما يتبدَّى في نص أو ظاهرة ما، خارج عملية الإدراك.

إن النماذج (كأداة واعية) تندرج في إطار ما يُسمَّى «المنهج العلمي»، أي النسق المفاهيمي والنظري الذي يُنظم الحقائق والظواهر المتناثرة، ويربط بعضها ببعض. وثمة إجماع على أن العلم عملية فكرية لا تتوقف عند وصف الظواهر، وإنما تحاول أن تصل إلى النمط الكامن وراءها لتكشف العلاقات الضرورية القائمة بين الظواهر وبين الأحداث التي تلازمها أو تسبقها. وبعد عملية الكشف يقوم الباحث بصياغة تعميمات قابلة للتحقيق ترتبط بمجموعة أخرى من التعميمات التي تمت مراكمتها من قبل. هذه التعميمات تساعدنا على التنبؤ بالطريقة التي ستعمل بها الظاهرة في المستقبل، ويُقال أيضاً إن الهدف النهائي من العلم هو التحكم. ومسلمات العلم ثلاث: الحتمية (أن هناك نظاماً معيَّناً في الكون)، والاطَّراد (أن نظام الكون مطَّرد)، والوصفية أو الحسية في المعرفة (أن معرفتنا لهذا النظام لا تتأتى عن طريق آخر غير الملاحظة والخبرة الحسية). والدراسة من خلال النماذج تدور في هذا الإطار وتقبل بهذه الأهداف والمسلمات، ولكنها تتيح فرصة توسيع نطاق الأهداف وتفسير المسلمات بطريقة تسمح بأن نفرِّق بين النماذج التي تُستخدَم لدراسة الظواهر الإنسانية، وتلك التي تُستخدَم لدراسة الظواهر الطبيعية. فنحن نؤمن بوحدة العلوم (لا بواحديتها) بمعنى أن ثمة إجراءات عامة تُستخدَم في عملية تحصيل المعرفة، ولكن ثمة اختلافات جوهرية بين معرفتنا بسلوك النحل والبقر ومعرفتنا بسلوك البشر. ومن ثم رغم الوحدة العامة المبدئية، ثمة فروق منهجية أساسية. ولكننا سنؤكد الاختلافات ونتعامل معها بالتفصيل على حساب الوحدة، لأن العلوم الإنسانية تعيش في ظلال النماذج المستمدة من العلوم الطبيعية، ومن ثم يسيطر عليها الواحدية. وكل هذا هو جزء من دفاعنا عن الإنسان.

النســـق
كلمة «نسق» مصطلح يكاد يكون مرادفاً لكلمة «نموذج» وإن كانت الكلمة الأخيرة تحمل قدراً أعلى من الوعي والتركيب والانفصال عن الذات.

المنظومــة
كلمة «منظومة» تكاد تكون مترادفة مع كلمة «نسق».

الإشكاليــة
«إشكالية» ترجمة لكلمة «بروبليماتيك problematic» الإنجليزية. وهي من «شَكَل الأمر شكولاً» بمعنى «التبس». و«المشكلة» أو «المُشكل» هي «الأمر الصعب الملتبس». وفي علم الاجتماع «المشكلة» هي "ظاهرة تتكون من عدة أحداث أو وقائع متشابكة وممتزجة بعضها بالبعض لفترة من الوقت ويكتنفها الغموض واللبس، تواجه الفرد أو الجماعة ويصعب حلها قبل معرفة أسبابها والظروف المحيطة بها وتحليلها للوصول إلى اتخاذ قرار بشأنها". و«الإشكال»، في قانون المرافعات، هو «الأمر الذي يوجب التباساً في الفهم». ويبدو أنه تم اختيار كلمة «إشكالية»، مؤنث «إشكال»، قياساً على كلمتي «مشكلة» و«مُشكل».

ومجموعة الكلمات هذه تؤكد عنصري الالتباس والتشابك بين العناصر، أي أنها تؤكد تركيبية الظواهر وتشابك عناصرها. وهي علاوة على هذا تؤكد ذاتية الإدراك، فالالتباس شيء يحدث للإنسان المدرك وليس للشيء المدرَك. كل هذا يبتعد بهذه الكلمات عن عملية الرصد الموضوعي ويقترب بها من عمليات الرصد من خلال نماذج حيث لا يوجد انفصال بين الذات والموضوع.

وكلمة «إشكالية» (بروبليماتيك) كلمة ثرية تعني «سمة حكم أو قضية قد تكون صحيحة لكن الذي يتحدث لا يؤكدها صراحةً» ويضرب مثلٌ على ذلك موقف العقل من القضايا الأولية التي تشكل قضية شرطية أو قطعية: "إما أن يكون العالم نتاج مصادفة، وإما أن يكون نتاج ضرورة داخلية". كما أن كلمة «إشكالية» تؤكد العنصر الذاتي، فإذا كانت المشكلة موجودة في الواقع، فالإشكالية يصوغها عقل الإنسان. وأخيراً تؤكد كلمة «إشكالية» أن القضية موضع الدراسة ذات طابع فكري وأن حلها ليس سهلاً ولا يمكن أن يكون نهائياً أو قاطعاً.

ويمكن القول بأنه حينما يواجه المرء ظاهرة أو موضوع ما يتسم بقدر من التركيب فإنه يجد نفسه مضطراً لصياغة الإشكالية ومجموعة الأسئلة التي يتصور أنه سيمكنه عن طريقها تفكيك الظاهرة وإعادة تركيبها حسب نموذجه التصنيفي والتفسيري. وهو إن لم يضع الإشكاليات ولم يطرح الأسئلة فإنه إما أن يبتلعه الموضوع تماماً أو يظل قابعاً داخل ذاتيته لا يبرحها.

وهذه الموسوعة هي دراسة لظاهرة اليهود واليهودية والصهيونية من خلال نماذج، ولذا تبدأ بصياغة الإشكاليات ثم تأتي بالنماذج التفسيرية الملائمة، وهذا تعبير عن محاولة الفكاك من أسر كل من الواحدية الذاتية والواحدية الموضوعية المادية وصولاً إلى مستوى تحليلي قد يكون أقل يقينية ولكنه يطمح أن يكون أكثر تفسيرية. والمجلد الأول (الإطار النظري) يطرح إشكالية الطبيعي والإنساني، والموضوعي والذاتي، والكلي والجزئي ثم يقدم فكرة النموذج حلاً لها. والمجلد الثاني يتعامل مع الإشكاليات الأساسية الخاصة بالجماعات اليهودية. ولا يختلف الأمر كثيراً بخصوص المجلدات الخاصة باليهودية والصهيونية وإسرائيل، إذ يبدأ كل مجلد بمجموعة من الأبواب تطرح فيها الإشكاليات الأساسية التي تدور حول موضوع المجلد ثم يرد في بقية الأبواب النماذج التفسيرية الملائمة التي نتصور أنها ذات مقدرة تفسيرة عالية.

فـكر وأفكــار
نميز في هذه الموسوعة بين «الفكر» و«الأفكار»، فكلمة «فكر» ـ في تصوُّرنا ـ تشير إلى منظومة من الأفكار مترابطة من خلال نموذج معرفي كامن فيها، أما «الأفكار» فهي مجموعة من الأفكار لا يربطها سوى رباط سطحي براني.

وحينما يتعامل الإنسان مع الأفكار (وليس مع الفكر) يهمل النموذج المعرفي الكامن وراء الأفكار فيقوم بنقلها أو تناولها دون إدراك لأبعادها المعرفية (الكلية والنهائية)، ومن ثم يختفي المنظور النقدي وتتعايش الأفكار المتناقضة جنباً إلى جنب بسهولة ويسر ولا يمكن التمييز بين الجوهري منها والهامشي.

النماذجـــى
«النماذجي» كلمة تم توليدها من كلمة «نموذج». والنماذجي هو ما يُعبِّر عن جوهر النموذج ومنطقه الأساسي ويتحقق فيه النموذج. وقد فضلنا استخدام كلمة «نماذجي» بالنسب إلى صيغة الجمع على استخدام كلمة «نموذجي» بالنسب إلى الصيغة المفردة للكلمة، وذلك لأننا حينما نقول «اللحظة النموذجية» قد نتوهم أن كلمة «نموذجية» تعني «مثالية» (كما في قولنا «المدرسة النموذجية»). وتأكيداً على هذا البُعد التحليلي لمفهوم النموذج، فإننا نُفضِّل في سياقنا استخدام كلمة «نماذجية» على كلمة «نموذجية» الأكثر شيوعاً واستقراراً.

المتتالية النماذجية
يتسم النموذج، كأداة تحليلية، بأنه يكاد يكون خالياً من الزمان، كما يتسم بشيء من السكون. ولكن عنصر الزمان يمكن أن يدخل عليه، ومن ثم فإنه يأخذ شكل متتالية متعددة الحلقات تتحقق تدريجياً عبر الزمان.

والمتتالية، مثل النموذج، رؤية تَصوُّرية نماذجية جردها عقل الإنسان من ملاحظته للظواهر في نموها وتطورها عَبْر حلقات مختلفة أو تَطوُّرها من خلال عملية عقلية تصورية. وقد استخدمنا مفهوم المتتالية النماذجية في دراستنا لتطور الصهيونية (من صهيونية غير يهودية إلى صهيونية توطينية إلى صهيونية استيطانية)، وفي دراستنا للانتقال من التحديث إلى الحداثة وما بعد الحداثة، ومن مرحلة الصلابة إلى مرحلة السيولة.

اللحظة النماذجية
يأخذ النموذج عادةً شكل متتالية متعددة الحلقات تتحقق تدريجياً عبر الزمان. ويصل النموذج إلى أقصى درجات تحققه في آخر السلسلة. والنموذج في العادة لا يتحقق أبداً إذ أن الواقع يكون عادةً أكثر تركيباً وتشابكاً وعمقاً وأقل تبلوراً من المتتالية النماذجـية التي تُوجِّه فرداً أو مجـتمعاً ومن التركـيبة الذهنية التي يتكون منها النموذج.

ومع هذا، فإن هناك لحظات نادرة قد يفصح فيها النموذج عن مرجعيته النهائية إفصاحاً كاملاً في كتابات الفيلسوف صاحب النموذج أو في ممارسات من يحاولون وضع هذا النموذج موضع التنفيذ أو بعد اكتمال حلقات المتتالية التي تُعبِّر عن تَجلِّي النموذج في التاريخ. هذه اللحظة النماذجية النادرة (والنهائية) هي ما نسميه "لحظة تَعيُّن النموذج وتبلوره". وهذه اللحظة ـ رغم ندرتها ـ تُعبِّر عن جوهر النموذج أكثر من اللحظات الأخرى. وقد تحدث هذه اللحظة فجأة قبل اكتمال المتتالية. وقد لا تحدث هذه اللحظة أبداً. ولكن افتراضها، مع هذا، أمر مهم من الناحية التحليلية، إذ أنه سيمكِّن الباحث من تَخيُّل ما هو قائم وما يمكن أن يكون إن تحققت الظروف المثالية (التي قد لا تتحقق أبداً)، وهي عملية تخيلية توضح للباحث جوهر النموذج ومنطقه وتساعده على رصد الواقع بطريقة ذكية، كما تساعده على ترتيب تفاصيله في إطار ما هو مهم وما هو أقل أهمية، وفي تَجاوُز الموضوعية المتلقية.

وعادةً ما يحاول حملة نموذج ما أن يُهِّمشوا اللحظة النماذجية الكاشفة الدالة باعتبارها مجرد انحراف عن الجوهر (كما تفعل الحضارة الغربية مع اللحظة النازية). ويمكن للدارس من خلال عملية التفكيك وإعادة التركيب المتأنية أن يكشف طبيعة النموذج، ومن ثم علاقته الوثيقة (بل العضوية) باللحظة النماذجية. ودراسة اللحظة النماذجية ـ من هذا المنظور ـ لا تختلف كثيراً عن دراسة الحالة، ولكنها حالة نماذجية. وإذا كانت دراسة الحالة العادية، هي دراسة لحالة ممثِّلة متكررة، فإن دراسة الحالة أو اللحظة النماذجية هي أيضاً دراسة لحالة ممثِّلة، وإن كانت فريدة، وهي ممثِّلة لا بالرغم من تفرُّدها، وإنما بسببها. وهذا لا يختلف كثيراً عن دراستنا لشخصيات نماذجية، ترمز لعصر أو لفكرة. ففاوستوس رمز عصر النهضة والحلم الإنساني الهيوماني بابتلاع العالم وكل المعرفة (ورمز الخوف من هذا الطموح في آن واحد)، وفرانكنشتاين رمز الخوف الإنساني من العقل المادي والتكنولوجيا. أما الكاوبوي فهو رمز الإنسان الذي يخرج إلى الواقع الإنساني فلا يُفرِّق بين الإنساني والطبيعي ويحسم كل مشاكله بفوهة البندقية، فيصيد البقر ويصرع الهنود بنفس البساطة والحس العملي الذي يتجاوز سائر المنظومات الأخلاقية! وهتلر نفسه أصبح رمزاً للعقل الإمبريالي المادي، والسوبرمان (superman) النيتشوي الذي يتألَّه ويمنح الحياة ويقرر الموت ويقرر ما هو الخير وما هو الشر. أما أيخمان فقد أصبح رمزاً للجلاد البيروقراطي، السبمان (subman) ما دون الإنسان، الذي ينفذ ما يَصدُر له من أوامر دون أي تساؤل. وقد استخدمنا مفهوم اللحظة النماذجية في هذه الموسوعة، وبخاصة في دراستنا للنازية.


البنيـــة
«البنية» شبكة العلاقات القائمة في الواقع التي قد يعقلها الإنسان ويجردها بعد ملاحظته للواقع في كل علاقاته المتشابكة، ويرى أنها تربط بين عناصر الكـل الواقعـي أو تجْمع أجزاءه، وأنها القانون الذي يضبط هذه العلاقات ولكنه قد لا يدركها على الإطلاق. ومن ثم فالبنية، كما تتبدَّى في عقل الإنسان، ليست ذاتية ولا موضوعية تماماً. هذا لا يعني أن البنية مجرد "إدراك" لشبكة العلاقات ونموذج عقلي يجرده الإنسان، وإنما هي كل من "الإدراك" (الذاتي) و"الشبكة" (الموضوعية)، أي أن البنية، إلى جانب وجودها الذاتي في العقل، لها وجود موضوعي في الواقع، قد يدرك الإنسان معظم أو بعض جوانبه، وقد لا يدرك أياً منها.

وقد يكون من المفيد التمييز بين «البنية السطحية» و«البنية العميقة»، فالبنية السطحية هي هيكل الشيء ووحدته المادية الظاهرة، أما البنية العميقة فهي كامنة في صميم الشيء وهي التي تمنح الظاهرة هويتها وتُضفي عليها خصوصيتها. وعادةً ما يعي كثير من الدارسين البنية السطحية المادية المباشرة، فإدراكها أمر متيّسر ويتم بالحواس الخمسة، أما إدراك البنية الكامنة فهو أمر أكثر صعوبة، يتطلب استخدام الحواس وإعمال العقل والخيال والحدس. وكثيراً ما يعيش البشر داخل بنى اجتماعية وتاريخية واقتصادية يستبطنونها فتؤثر في سلوكهم وتشكِّل رؤيتهم للكون وتُحدِّد خطابهم الحضاري دون وعي منهم. ومن ثم، فإن ثمة فارقاً بين «البنية» من جهة، و«النية» و«النموذج» الذي يحرك المرء ويحدد سلوكه من جهة، فقد تَخلُص النية ولكنـها تتعارض مع قوانين البنـية، ولذا قد يجد المرء نفسـه يسلك سلوكاً يختلف تماماً عما نواه.

وحينما نقول في هذه الموسوعة "إن هذا الشيء لصيق ببنية المجتمع" فإننا نعني أنه جزء جوهري وليس عرضياً منه، حتى لو لم يدرك أعضاء المجتمع هذه الحقيقة. وترد عبارات مثل «معاداة اليهود البنيوية»، بمعنى أن بنية العلاقات في المجتمع، كما تشكلت، تؤدي إلى العداء لليهود، بغض النظر عن نوايا أعضاء المجتمع والقائمين عليه والنماذج المعرفية التي يحملونها. كما أن عبارة «اليهودية كتركيب جيولوجي تراكمي» تعني أن «بنية اليهودية» ليست كلاً عضوياً متكاملاً متجانساً، وإنما مجموعة من الطبقات الجيولوجية المتراكمة المتجاورة غير المتفاعلة، وأن هذا التركيب لا علاقة له بإرادة اليهود أو نيتهم أو ادعاءاتهم أو الديباجات التي يستخدمونها. وعبارة «إحلالية المجتمع الصهيوني» تعني أنه تجمُّع إحلالي بحكم تكوينه وبنيته، وأنه كي تكون إسرائيل فلابد أن يُنفى كل الفلسطينيين أو على الأقل عدد كبير منهم. وثمة فارق بين بنية الشيء وتاريخه ووظيفته. فتاريخ الشيء هو سببه (أصوله ـ عوامل تكوينه ـ مضمونه) أما وظيفته فهي النتيجة (دوره في المجتمع ـ احتكاكه بعناصر الواقع)، أما البنية فهي تركيب الشـيء في لحظـة محدَّدة. والفـارق بين «النمـوذج» و«البنية» قد يكون طفيفاً أحياناً، وقد يتطابق الاثنان تمام التطابق، ولكنهما قد يفترقان تماماً بل يتصارعان.

ويمكن أن نضرب مثلاً على الانفصال الكامل بين النموذج والبنية. إن سألنا ربة البيت: ماذا تعملين يا سيدتي؟ سيكون ردها "لا شيء"، فهذا هو النموذج الذي تؤمن به ويحركها. ولكنها مع نهاية اليوم ستكون منهكة تماماً من أثر ما قامت به من "أعمال". وإن دققنا قليلاً لاكتشفنا أن النموذج الذي تدرك هذه المرأة الواقع من خلاله قد عرَّف العمل بأنه ما يتم أداؤه في رقعة الحياة العامة شريطة أن يتقاضى عنه الإنسان أجراً، أما ما يتم في رقعة الحياة الخاصة وما لا يتقاضى عنه أجراً فهو ليس عملاً، رغم أن ربة البيت هذه قضت سحابة يومها تعمل (تنشئة الأطفال ـ الطبخ ـ تنظيف المنزل... إلخ)، أي أن بنية واقعها متناقضة تماماً مع نموذجها المعرفي والإدراكي.

وحينما توصلت الحضارة الغربية إلى الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة فهي قد توصلت إلى نموذج معرفي لا علاقة له ببنية الواقع في فلسطين (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض). ويتبدَّى هذا في وعد بلفور الذي أشار إلى شعب فلسطين باعتباره «الجماعات غير اليهودية»، وما حدث في فلسطين منذ ذلك التاريخ هو إعادة صياغة العلاقات القائمة في الواقع (بنيته) حتى يتفق النموذج المعرفي مع البنية. وهو ما حدث إلى حدٍّ ما مع ظهور كتلة بشرية استيطانية احتلت فلسطين وطردت كثيراً من سكانها، ولكن التطابق ليس كاملاً، ومن يقاوم الاستعمار الاستيطاني الصهيوني يقول في واقع الأمر إن بنية العنف والظلم التي تشكلت في الواقع ليست نهائية، فنحن نحمل نموذجاً معرفياً أكثر إنسانية وأكثر عدلاً من النموذج السائد في الوقت الحاضر. ونحن نهدف إلى تغيير بنية العلاقات في الواقع، فنقيم العدل في الأرض ونحقق السلام الشامل الدائم المبني على العدل.

ونحن نستخدم أحياناً كلمة «نسق» و«منظومة» لنؤكد انفصال «النمـوذج» عن الذات تماماً كما نفعل مع «البنـية» ولعل الفارق بين هذه المفردات أن كلمتي «نسق» و«منظومة» تتعاملان بالدرجة الأولى مع عالم الفكر المترابط متمثلاً في العلاقات السائدة في المجتمع. أما البنية فتتعامل بالدرجة الأولى مع العلاقات السائدة في المجتمع إما باعـتبارها تعبيراً عـن نموذج معـرفي أو باعتبارها كياناً موضوعياً يعبِّر عن نموذج ما لم ندرك طبيعته بعد. فالبنية تؤكد عنصر انفـصال «النمـوذج» تماماً عن الذات، دون التركيبية.

كما أننا نتحدث أحياناً عن «بنية الفكر» أو «بنية النموذج»، ونحن في هذه الحالة لا نتحدث عن علاقات في الواقع وإنما عن طريقة ترابط الأفكار داخل نموذج ما، وما هو جوهري منها وما هو عرضي (بغض النظر عن رؤية حامل النموذج). فبعض المؤمنين بالأيديولوجية النازية كانوا يؤمنون بأن جوهر النازية هو رسالتها الحضارية لتوحيد العالم وسيادة الجنس الآري باعتباره أمراً يخدم صالح البشرية جمعاء، أما ما تم من عنصرية وإبادية فهي أمور عرضية، أو أمور استبعدها النموذج تماماً. والصهاينة كانوا يتحدثون عن عودة اليهود إلى وطنهم القومي، وهذا هو جوهر الفكر الصهيوني والنموذج المعرفي الصهيوني. أما طَرْد الفلسطينيين والمذابح التي ارتكبت ضدهم فقد تم التزامه الصمت تجاهها باعتبارها غير موجودة أساساً أو أمراً تافهاً عرضياً مع أن طرد العرب هو جزء جوهري من النموذج، لا يمكن أن يتحقق دونه.

النموذج والأقوال (والنوايا)
النموذج أداة تحليلية يتمكن الدارس من خلالها من الاقتراب من جوهر الظاهرة بحيث يمكنه أن يعرف ما هو جوهري فيها وما هو فرعي، وما هو نماذجي وما هو عرضي. ونحن نطلق على ما هو عرضي اصطلاح «قول» أو «أقوال» بمعنى أنها مجرد كلمات زخرفية لا تُعبِّر عن حقيقة النموذج. ولكن ثمة مشكلة عميقة تواجهنا أثناء التحليل النماذجي لظاهرة ما أو لنص ما، وهو وجود عناصر نرى أنها لا تتفق مع جوهر هذا النص أو الظاهرة مع أنها "موجودة" بالفعل. ولنضرب مثلاً بالإمبريالية والصهيونية: الصهيونية والإمبريالية حركتان سياسيتان تهدفان إلى اغتصاب أرض الآخر وإلى إبادته أو طرده أو تسخيره. ومع هذا كان الإنسان الغربي يتحدث عن العبء الحضاري الواقع على كاهله (بالإنجليزية: وايت مانز بردين white man's burden) أو رسالته الحضارية (بالفرنسية: مسيون سيفيلاتريس mission civilatrice)، وعن رغبته العارمة في أن يُحضر النور إلى الشرق ليبدد الظلمات. وكان الصهاينة كثيراً ما يثرثرون عن: التعاون مع إخوتهم العرب وضرورة مساعدة الشرق على النهوض، وتحقيق الحلم الصهيوني دون إلحاق أي أذى بالعرب. بل كانوا يزعمون أن بالإمكان إقناع العرب بالطرق الديموقراطية بمشروعية الحلم الصهيوني. ولا تزال الدعاية الصهيونية مستمرة في هذه الثرثرة وفي تلك المزاعم. ومع خطاب ألقاه رئيس للولايات المتحدة أثناء حرب الخليج، تَحوَّل الاستعمار العالمي (القديم) الذي ينهب العالم بطريقة منهجية منظمة إلى نظام عالمي جديد يحاول إقامة العدل.

فعلى أي أساس يمكننا أن نقرر أن العنف والاستغلال والبطش هي السـمات النماذجية الإمبريالية والصهيونية، وأن ما قد تدعيانه من تسامح، بل ما قد تقومان به من أفعال خيِّرة لا يشكل الجوهر، فهو مجرد "قول" أو "أقوال"؟

أعتقد أن بالإمكان إزالة اللبس عن طريق خطوتين:

1 ـ من الداخل: بالعودة إلى طبيعة النموذج ومرجعيته النهائية (الكامنة الحاكمة) ومنطقه الداخلي الحاكم. فنُصنِّف ما لا يتفق مع النموذج ولا يتفق مع مرجعيته النهائية الحاكمة باعتباره مجرد أقوال زخرفية وديباجات ليس لها أية دلالة أو مقدرة تفسيرية، أو باعتبار أن دلالتها ضعيفة ومقدرتها التفسيرية جزئية، بمعنى أنها قد تفسر عدداً من العناصر ولكنها ستترك العدد الأكبر دون تفسير. أما ما يتفق مع المرجعية الحاكمة والمنطق الداخلي فهو صاحب الدلالة والمقدرة التفسيرية والمركزية.

2 ـ من الخارج: بالعودة إلى تجليات النموذج وتَحقُّقه الفعلي في بنية العلاقات وعلاقات القوة، إذ أن هذا سيساعدنا على التمييز بين ما هو أصلي وجوهري وما هو فرعي وعرضي وزخرفي.

إن طبقنا هذا على الإمبريالية العالمية، وجدنا أن منطق داروين يُعلي من شأن القوة ويتقبلها معيارية نهائية، ولذا ليس من السهل تصوُّر أن النظام الاستعماري القديم سيغير طبيعته بتغيير اسمه إلى «النظام العالمي الجديد». كما أن تاريخ النظام الاستعماري القديم وممارسات النظام العالمي الجديد وبنيته تبيِّن حقيقة الاستمرارية بين هذين النظامين.

ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن الصهيونية بالنظر للمنطق الداخلي للأيديولوجية الصهيونية، فالصهيونية التي تدَّعي أنها حركة تحرير الشعب اليهودي تعني في واقع الأمر نقل عدد من يهود العالم إلى فلسطين ليستأنفوا تاريخهم الذي توقف مع هدم الهيكل منذ ألفي عام (حسب الإذعان الصهيوني). لكن هذه المجموعة ستشغل ولا شك حيزاً مكانياً لتستأنف فيه تاريخها الذي توقف، وهو حيز يشغله آخرون. وهذا ما يعني أن المنطق الداخلي هو ضرورة طرد هؤلاء الآخرين. كما أن الممارسة الصهيونية منذ عام 1882 حتى الوقت الحاضر تدل على أن مسألة النهوض بالعرب ومساعدتهم هي مجرد أقوال وزخارف، فالجميع يعرف ملامح البنية التي تشكلت في الواقع: بنية القمع الصهيوني والمقاومة العربية، وحلقة العنف التي لم تنته.

وفي جميع الأحوال، يمكن أن ننظر إلى كثير من النصوص الإمبريالية أو الصهيونية التي كتبها أصحابها وأعلنوا فيها عن المنطق الداخلي والأساسي لمنظومتهم بصراحة كاملة ودون مواربة، وذلك لأسباب كثيرة من بينها أن النـص ربما يكـون موجـهاً للعالم الغربي أو أن صاحب النص وجد أن من الأسلم الإعلان عن جوهر النسق. بل أحياناً يكون الهدف من النص المخاتلة والمخادعة، ولكن الحقيقة تُعبِّر عن نفسها. ولا شك في أن آليات دراسة النصوص وتحليلها، وهي آليات تطورت مؤخراً بشكل مذهل، تساعد في هذا المضمار.

والسؤال هو: لماذا تلجأ نظرية مثل الصهيونية (تدعو للعنف والصراع الدموي والاستيلاء على أراضي الآخرين) من أجل البقاء إلى زخارف وأقوال وديعة وإنسانية؟ لتفسير هذا يمكن أن نسوق بعض الأسباب:

1 ـ هناك السبب الواضح وهو التعمية، فلا يدرك أحد المقاصد الحقيقية للنموذج.

2 ـ ولكن الأمر يمكن أن يكون أعمق من ذلك. فبعد أن يصوغ الفيلسوف الإرهابي نموذجه المعرفي، يشعر بتوحشه الكامل ولا إنسانيته وسيولته. ولذا فهو، من خلال الديباجات الزخرفية، يُدخل قدراً من الإنسانية عليها، ولكن هذه اللحظة تظل إنسانية على مستوى البنية الظاهرة والأقوال والديباجات، أما البنية الكامنة والمرجعيات النهائية فتظل على وحشيتها ولا إنسانيتها. وهذه الزخارف تزيد القيمة التعبوية للنموذج، فالبشر (بسبب تركيبيتهم وإنسانيتهم) لا يمكنهم أن يقبلوا نموذجاً وحشياً لا إنسانياً ولا يمكنهم تبنِّيه، ولهذا فإن الأقوال والديباجات الزخرفية تيسر لهم هذا الأمر.

ويمكن هنا أن نثير قضية النوايا المعلنة الحقيقية، وطبيعة علاقة النموذج بالنوايا. فإن كان هناك فيلسوف يدافع عن فلسفة وحشية، فهو لابد يظن (عن نية صادقة) أن مثل هذه الفلسفة ليست وحشية، بل يرى أنها ستأتي بالخير للبشر. ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن الأيديولوجيات السياسية. ففي حالة الصهيونية، على سبيل المثال، هناك كثير من الصهاينة كانوا "صادقي النية" بالفعل في رغبتهم ألا يلحقوا الأذى بالعرب. وفي التحليل النماذجي يمكن لنا أن نقول إن النوايا (ودوافع الفاعل بشكل عام) هي مجرد عنصر من بين عناصر كثيرة تشكل الواقع أو النموذج ويمكن إخضاعها لنفس العملية التحليلية، أي التحليل من الداخل (منطق النموذج) ومن الخارج (تجلياته في البنية). وفي حالة الصهيونية، على سبيل المثال، أخبر هرتزل صديقه عالم الاجتماع الدارويني جومبلوفيتش أنه ينوي إقامة الدولة الصهيونية بالطرق الليبرالية، أي أنه عبَّر عن نيته الالتزام بالنموذج الليبرالي. فكتب له هذا الأخير قائلاً: "أتظن أن بإمكانك أن تقيم مثل هذه الدولة بدون خديعة وإرهاب؟". وما فعله جومبلوفيتش هو أنه درس المنطق الصهيوني الداخلي ودرس التجارب المماثلة وتَوصَّل إلى أن هرتزل ساذج وأن نواياه الطيبة ودوافعه الليبرالية لا علاقة لها بالنموذج أو الظاهرة التي ستتحقق والتي تحققت في نهاية الأمر بكل ما صاحبها من طرد وبطش وتهجير وإبادة. وقد علق أحد المؤرخين الإسرائيليين على نوايا هرتزل الطيبة بقوله: "إنه يود أن يطبخ أومليت دون أن يكسر البيض"، فنموذج الأومليت وتَحقُّقه يتطلب ويحتم بنية كسر البيض! وفي هذه الموسوعة، حاولنا تَجاوُز الادعاءات والأقوال الصهيونية لنصل إلى البنية الكامنة التي تشكَّلت في الواقع. ونحن نميل إلى التفرقة بين النوايا والديباجات من جهة، والبنية من جهة أخرى.
الديباجـة
تعني كلمة «ديباجة» حسب معجم الرائد: "1ـ القطعة من الديباج (ثوب لحمته وسداه من الحرير)؛ 2 ـ من الوجه (حُسْنُ بَشرَته)؛ 3 ـ من الكتاب (فاتحته)؛ 4 ـ ديباجة الكاتب (أسلوبه)". وبالتالي تفترض الكلمة وجود مسافة بين الشكل والمضمون وبين الظاهر والباطن وبين الواقع والاعتذاريات، ولكنها لا تستبعد في الوقت نفسه إمكانية التوافق التام والامتزاج (فحُسن بشرة الوجه قد يكون رمزاً جيداً ينم عن شخصية صاحبه، وقد يكون قناعاً يخبئ ما وراءه، وكذا الثوب والأسلوب). ومن ثم، فهي كلمة يمكن أن نصفها بأنها مركبة. ونحن نرى أنها مصطلح مهم يمكن أن تستفيد منه العلوم العربية الإنسانية في محاولة دراسة ظاهرة ما، إذ يمكن تفتيتها مع الاحتفاظ بوحدتها. وفي الظواهر ذات الطابع الأيديولوجي الحاد، مثل النازية، التي تصاحبها اعتذاريات مصقولة تحاول فرض تفسير ما على حَدَث أو فعل، فإنها تصبح مصطلحاً حيوياً ومهماً. وفي ظاهرة مثل الصهيونية تشارك فيها قوى مختلفة (متحالفة ومتصارعة، يحاول كل منها أن يفرض تفسيره عليها بما يتفق مع مصلحته وبما يمليه عليه موقعه)، يصبح مصطلح «الديباجة» ضرورياً، وربما حتمياً. وتحل كلمة «ديباجة» إشكالية الفرق بين النموذج من جهة والأقوال والنوايا من جهة أخرى.


الكلى والنهائى
يُوصَف «المعرفي» بأنه ما يتعامل مع الظاهرة من منظور «كلي ونهائي». و«الكلي» مقابل «الجزئي» هو ما يُنسَب إلى الكل. و«الكل» في اللغة اسم لمجموع أجزاء الشيء. وكلمة «كلي» في هذه الموسوعة تفيد الشمول والعموم، وهي لا تعني الكليات بالمعنى الفلسفي، أي الحقائق التي لا تقع تحت حكم الحواس بل تُدرَك بالعقل والمنطق وحسب. وعلى هذا، فإن كلمة «كلي» في هذه الموسوعة تشمل كل شيء في جوانبه كافة؛ ما يقع منها تحت حكم الحواس وما لا يقع.

أما كلمة «نهائي» فهي كلمة منسوبة إلى «نهاية»، ونهاية الشيء غايته وآخره وأقصى ما يمكن أن يبلغه الشيء. قال ابن سينا "النهاية ما به يصير الشيء ذو الكمية إلى حيث لا يوجد وراءه مزاد شيء فيه".


المسلمات الكلية والنهائية للنموذج (الركيزة النهائية)
عملية الإدراك، في أبسط أشكالها، تتم من خلال نماذج. والنماذج هي نتاج عملية تجريد وانتقاء، تُبقي وتستبعد، تُضخَّم وتُهمَّش. وعملية التضخيم والاستبعاد لابد أن تتم في إطار رؤية معيَّنة (نموذج إدراكي) هي مصدر اليقين الخاص بالنموذج ومعياره الداخلي الذي يتكون من معتقدات وفروض ومسلمات وإجابات عن أسئلة كلية ونهائية تشكل جذره وأساسه العميق وتزوده ببعده الغائي النهائي، وهي جوهر النموذج والقيمة الحاكمة التي تحدد حدود النموذج وضوابط السلوك (حلال النموذج وحرامه، وما هو مطلق وما هو نسبي) وتُوجِّه الفكر والسلوك (النشاط الذهني والاجتماعي)، فهي باختصار ميتافيزيقا والنموذج مرجعيته أو بُعده المعرفي (الكلي والنهائي) أو مسلماته الكلية والنهائية التي تجيب عن الأسئلة الكلية والنهائية.

ويمكن لهذه المسلمات الكلية والنهائية أن تأخذ أشكالاً متنوعة كثيرة نصنفها نحن في نوعين أساسيين: أن تكون الركيزة الأساسية والنهائية (المركز) كامنة في النموذج أو الظاهرة نفسها، وهذه هي المرجعية الكامنة، أو أن تكون الركيزة النهائية مفارقة للنموذج أو الظاهرة متجاوزة لهما، وهذه هي المرجعية المتجاوزة (وهذا هو الفرق بين النموذج المادي والنموذج الحلولي الكموني من جهة والنموذج المادي الروحي والنموذج التوحيدي من جهة أخرى). ويمكن للمُسلَّمة الكلية والنهائية أن تُعبِّر عن نفسها في شكل صورة مجازية نهائية أو مجموعة صور مجازية أو أساطير.



البعد المعرفى (الكلى والنهائى)
كلمة «معرفي» في الخطاب الفلسفي العربي هي عادةً ترجمة لكلمة «إبستمولوجيا»، وهي كلمة مشتقة من كلمتين يونانيتين «إبستيم» بمعنى «معرفة» أو «علم» و«لوجوس» بمعنى «دراسة» أو «نظرية». والإبستمولوجيا هي علم دراسة ما نزعم أنه معرفة، إما عن العالم الخارجي (المادي) أو عن العالم الداخلي (الإنساني)، وهو علم يدرس (بشكل نقدي) المبـادئ والفرضـيات والنتائج العلمـية بهـدف بيان أصلها وحدودها ومدى شموليتها وقيمتها الموضوعية ومناهجها وصحتها. والإبستمولوجيا، في اللغة الإنجليزية، هي بشكل عام نظرية المعرفة (التي تتناول العلاقة بين الذات العارفة والموضوع المعروف). أما في اللغة الفرنسية، فهي تعني أساساً نظرية العلوم أو فلسفة العلوم وتاريخها. وقد سبب اختلاف المعنى بين المعجمين الإنجليزي والفرنسي اختلاطاً كبيراً في اللغة العربية، إذ يتخذ كل مؤلف على حدة من معجم غربي معيَّن دون غيره مرجعيته، فتظهر الكلمة في اللغة العربية بمدلولين مختلفين. وسوف نحاول أن نصل إلى تعريف يتجاوز إلى حدٍّ ما الاختلاط الدلالي.

وفي تصوُّرنا، فإن الكلمة تعني «كلي ونهائي». ومن هنا، فإننا عادةً ما نضع المستوى المعرفي في مقابل المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي بل الحضاري (وهذا المعنى، رغم جدته، مُتضمَّن في كثير من تعريفات كلمة «إبستمولوجيا»). والإبستمولوجيا، بالمعنى الضيق للكلمة، تتناول موضوعات مثل طبيعة المعرفة ومصادرها وإمكانية تحققها ومصداقيتها وكيفية التعبير عنها، ولكنها تعني أيضاً المسلمات الكامنة وراء المعرفة. وهذا المجال الأخير ينقلنا من المعنى الضيق إلى المعنى الواسع. فالإبستمولوجيا تعني أيضاً توضيح المقـولات القَبْلية في الفكر الإنسـاني، ولذا يذهب البعض إلى أن الميتافيزيقا تنقسم إلى: أنطولوجيا وإبستمولوجيا، وأن كل رؤية للعالم تحوي داخلها ميتافيزيقا (أي أنطولوجيا وإبستمولوجيا). كما يرى البعض أن الإبستمولوجيا تعني «رؤى العالم». ولتوضيح مفهوم الإبستمولوجيا بالمعنى العريض للكلمة، سنضرب بعض الأمثلة بإشكاليات وقضايا وُصفت بأنها «معرفية» و«إبستمولوجية»:

1 ـ تورد بعض المعاجم المسألة التالية باعتبارها مسألة معرفية: ما الفرق بين هذه المفاهيم: العقيدة ـ الإيمان ـ الرأي ـ الخيال ـ التفكير ـ الفكرة ـ المعرفة ـ الحقيقة ـ الواقع ـ الخطأ ـ الإمكانية ـ اليقين؟

2 ـ تحاول الإبستمولوجيا (حسب أحد التعريفات) أن تُوضِّح الفرق بين الثنائيات المتعارضة التالية: المعرفة الذهنية مقابل المعرفة غير الذهنية ـ التبرير مقابل الوصف ـ القَبْلية مقابل البَعْدية ـ الضروري مقابل العرضي ـ التحليلي مقابل التركيبي ـ العارف مقابل المعروف ـ المدرك مقابل المدرَك ـ المعرفة المادية مقابل المعرفة الحدسية ـ الحقيقي مقابل الوهمي ـ الكلي مقابل الجزئي ـ اليقين مقابل الشك.

3 ـ من القضايا الأساسية التي وُصفت بأنها «معرفية» قضية التناقض الأساسي في الحضارة الغربية الحديثة بين النزعة العقلية والنزعة التجريبية.

4 ـ من القضايا الأخرى الأساسية في الحضارة الغربية التي وُصفت بأنها «معرفية» فكرة الجوهر وفكرة الكل. وهما في رأي البعض فكرتان مرتبطتان تمام الارتباط. فالجوهر هو الدعامة الأساسية والثابتة لكل الظواهر، وهو الناحية الأولية والكلية في الشيء. وتعتمد الظواهر على الجوهر لوجودها ولا يعتمد هو على أي شيء آخر لوجوده. ومن ثم، فإن الجوهر هو الحقيقي، وما عداه فهو وهم. والجوهر هو الباطن والوهم هو الظاهر. ولا يمكن لشيء أن يُوجَد دون جوهر، وبدونه لا يمكن أن يكون على ما هو عليه. والإيمان بفكرة الجوهر يعني الإيمان بأن ثمة ثباتاً في الواقع. وأن هناك كليات ثابتة وراء الجزئيات المتغيرة.

5 ـ قضية الحقيقة هي الأخرى من القضايا التي تُوصَف بأنها «معرفية»: ما معيار الحقيقة؟ وقد كان الفكر الغربي حتى عصر النهضة يؤمن بنظرية التقابل بأن الحقيقي هو الشيء الذي له ما يناظره في الواقع. ثم بدأت هذه النظرية في الانحسار تدريجياً لتحل محلها نظرية التماسك، فالحقيقي هو الشيء المتماسك (بشكل عضوي) المتسق مع ذاته. وأخيراً هناك النظرية البرجماتية، وهي ترفض كلاًّ من نظريتي التقابل التماسك وترى أن الحقيقي هو ما ينجح، أي أن المنظور الوحيد هو دائماً منظور إجرائي. وهذه القضية، مثل السابقة، هي قضية ليست مقصورة على الحقل المعرفي وإنما تُناقَش أيضاً على مستوى علم الأخلاق وعلم الجمال وعلى المستوى الأنطولوجي، بل على مستوى تاريخ الأفكار وتاريخ الحضارة وفلسفة التاريخ.

وتبيِّن الأمثلة السابقة أن كلمة «معرفي» قد يكون لها معنى ضيق مع أنها ذات معنى واسع وعريض، وليس هناك ما يُلزمنا بأن نأخذ بالتعريف الضيق دون التعريف العريض. وهنا، تنشأ مشكلة وهي أن التعريف العريض يتداخل مع الميتافيزيقا، فالأسئلة الكلية والنهائية هي ذاتها الأسئلة التي تطرحها الميتافيزيقا، ولذا كان من الأجدى أن نتحدث عن الميتافيزيقا (وهذا ما يفعله أنصار ما بعد الحداثة). ولكن هذه الكلمة فقدت مكانتها تماماً في اللغة العربية وفي اللغات الأوربية، سواء بين المتخصصين أو بين العامة، وأصبحت مرتبطة في العقول بالخزعبلات والخرافات، ولذا سنحتفظ بكلمة «معرفية» ونُسقط مرجعيتها المعجمية الإنجليزية (نظرية المعرفة) أو الفرنسية (فلسفة العلوم) ونرجع بالكلمة إلى المعجم العربي حيث تُعرَّف المعرفة بأنها «إدراك الشيء على حقيقته» (عَرف الشيء: أدركه بعلمه). وحيث إننا نرى أن إدراك الشيء على حقيقته يعني ضرورة التجريد للوصول إلى المعنى الكلي أو إلى النموذج الكامن، فإن عبارة مثل «المستوى المعرفي» تعني "المستوى الذي يتم فيه إدراك الحقيقة الكلية والنهائية الكامنة وراء ظاهرة أو نص ما، ويتم ذلك من خلال عملية تجريدية تزيح جانباً التفاصيل التي يراها الباحث غير مهمة وتُبقي السمات الأصلية الجوهرية للشيء التي تشكل في واقع الأمر إجابة النص أو الظاهرة على الأسئلة الكلية والنهائية".

والأسئلة الكبرى أو الكلية أو النهائية هي أسئلة عما يُسمَّى في النقد الأدبي الغربي الموضوعات الكبرى (بالإنجليزية: ميجور ثيمس major themes) في حياة الإنسان، وهي أسئلة تدور حول الإنسان والإله والطبيعة. ولكن هذه المحاور الثلاثة مترابطة إلى درجة أنه يمكن من خلال التعمق في دراسة عنصر واحد الوصول إلى رؤية النموذج للعنصرين الآخرين. وفي هذه الموسوعة سنُركِّز على الإنسان: طبيعة وجوده وكيفية إدراكه للواقع وعلاقته بالطبيعة وما وراء الطبيعة والهدف من وجوده في الكون وخواص الطبيعة وسماتها الأساسية.

ويمكن تلخيص كل هذه الموضوعات الأساسية في ثلاثة محاور أساسية:

1 ـ علاقة الإنسان بالطبيعة/المادة، وأيهما يسبق الآخر: هل الإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة/المادة أم هو جزء يتجزأ منها وله استقلاله النسبي عنها؟ هل الإنسان وجود طبيعي/مادي محض أم أنه يتميَّز بأبعاد أخرى لا تخضع لعالم الطبيعة/المادة؟ هل يتسم الكون بالثنائية أم تسود فيه الواحدية؟ هل الإنسان سابق للطبيعة/المادة متجاوز لها أم أنها سابقة عليه، متجاوزة له؟

2 ـ الهدف من الوجود: هل هناك هدف من وجود الإنسان في الكون؟ هل هناك غرض في الطبيعة أم أنها مجرد حركة دائمة متكررة، حركة متطورة نحو درجات أعلى من النمو والتقدم أم حركة خاضعة تماماً للصدفة؟ ما هو المبدأ الواحد في الكون، القوة المحركة له التي تمنحه هدفه وتماسكه وتضفي عليه المعنى؟ هل هو كامن فيه أم متجاوز له؟

3 ـ مشكلة المعيارية: هل هناك معيارية أساساً؟ ومن أين يستمد الإنسان معياريته: من عقله المادي أم من أسلافه أم من جسده أم من الطبيعة/المادة أم من قوى متجاوزة لحركة المادة؟

وهذه أسئلة مجردة عميقة ولكن حياة الإنسان هي محاولة للإجابة عنها. وحتى محاولة التهرب منها ورفضها يُشكِّل إجابة. ولذا، فهي تتجلى في فكره الواعي وغير الواعي وفي أعماله ذات الدلالة العميقة وفي أفعاله التي تبدو تافهة وغير ذات دلالة على الإطلاق.

والمستوى السياسي في التحليل يتوجه لأسئلة سياسية، كما أن المستوى الاقتصادي يتوجه لأسئلة اقتصادية ويحاول أن يجيب عنها بطريقة سياسية واقتصادية "محايدة" لا تصل إلى الأسئلة الكلية النهائية. فمثلاً يمكن لأحد علماء السياسة أن يقول "الأزمة السياسية لهذا المجتمع هي في جوهرها أزمة اقتصادية ويمكن حلها عن طريق رفع مستوى المعيشة والتنمية السريعة"، فهو يرى أن الأزمة السياسية تضرب بجذورها في الوجود الاقتصادي للإنسان ويتأتى حلها عن طريق آليات اقتصادية. وقد يتصور هذا العالِم السياسي أنه لم يتوجه لأية أسئلة كلية أو نهائية مثل تكوين الإنسان والهدف من وجوده ومعياريته. ولكن التحليل المعرفي المتعمق يمكنه أن يكشف أن اجابته تفترض إجابة اقتصادية (مادية) عن هذه الأسئلة الكلية والنهائية، فالإنسان هو جسد ومادة وحسب، احتياجاته ودوافعه ومعياريته اقتصادية، ومن ثم فإنه حين لا يحقق ذاته اقتصادياً تنشأ الأزمة في المجتمع ويمكن حلها عن طريق إشباع الرغبات والدوافع الاقتصادية. وإن كانت هناك دوافع غير اقتصادية فلا شك في أنها ثانوية وهامشية، ولذا فإن حل أزمة المجتمع لا يتوجه لها، كما أن عملية رصد المجتمع تستبعدها. ومن ثم فإن هناك بُعداً معرفياً كلياً ونهائياً في أي خطاب تحليلي مهما بلغ من الحيادية والتجريدية والسطحية والمباشرة.

ونحن نرى أن لكل كاتب تحيزاته الخفية الكامنة أو الواضحة الظاهرة، وأن السبيل الوحيد للوصول إلى نوع من الموضوعية هو أن يحاول كل كاتب أن يوضح هذه التحيزات، فالتحيز حتمي ولكنه ليس نهائياً. والتحيزات الحقيقية كامنة في المسلمات الكلية والنهائية للنموذج التفسيري الذي يستخدمه الكاتب. وقد حاولت قدر استطاعتي أن أوضح هذه التحيزات حتى يدركها القارئ ويختبرها ويقبلها أو يرفضها كلياً أو جزئياً. ونحن، كما هو واضح، في كثير من صفحات هذه الموسوعة نَصدُر عن نموذج توحيدي متجاوز يستند إلى ثنائية أساسية هي ثنائية الخالق والمخلوق، وهي ثنائية لا يمكن إلغاؤها (في تصوُّرنا). وهي تتبدَّى في ثنائية أساسية أخرى هي ثنائية الإنسان والطبيعة. ونحن نرى أن إلغاء الثنائية يؤدي إلى القضاء على إمكانية التجاوز وإلى السقوط في الواحدية وظهور النماذج الاختزالية البسيطة. ومع هذا، فنحن لا نرى علاقة سببية بسيطة بين التوحيد والنماذج المركبة، وإنما نرى أن ثمة علاقة تفضيل اختياري بمعنى أن التوحيد يخلق تربة خصبة لظهور النماذج التفسيرية التركيبية.

كما نرى أن من الممكن أن تُولَد ثنائية داخل النظم العلمانية فيما يعُرف بـ «الفلسفة الإنسانية الهيومانية»، فهي فلسفة مادية ولكنها مع هذا ترى أن ثمة ثنائية أساسية هي ثنائية الإنسان والطبيعة تعصم هذه الفلسفات من السقوط في الواحدية المادية الفظة. ورغم أن هذه الثنائية تستند (في تصوُّرنا) إلى أساس واهٍ (الاختيار الوجودي للمفكر الإنسـاني وإيمانه العـميق بالإنسان كمطلق)، إلا أنه يُبقي داخل النظم الإنسانية مطلقاً ما، متجاوزاً للطبيعة، يمكن استناداً إليه تأسيس نظم معرفية وأخلاقية وكذا الإفلات من قبضة الصيرورة المادية وشبح ما بعد الحداثة. ومن ثم، توجد رقعة مشتركة بين النظم الإنسانية والنظم التوحيدية، فكلاهما يستند إلى ثنائية الإنسان والطبيعة، وكلاهما لا يذعن لحركة المادة والضرورة والصيرورة، وكلاهما يؤمن بالتجاوز. ورغم اختلاف الأساس الفلسفي، إلا أن الرقعة المشتركة، على مستوى المسلمات الكلية والنهائية، تشكل أساساً راسخاً لحوار مثمر قد يخرج بنا من المأزق الذي أوصلتنا إليه العقلانية المادية وقد يؤدي إلى التوصل إلى رؤية جديدة لحداثة جديدة أكثر إنسانية وأكثر مقدرة على الاستمرار وتحقيق قسط معقول من السعادة للبشر.


الصورة المجازية
قد تكون لغة المجـاز أحـياناً مجرد زخـرفة لفظية ومن قبيل المحـسنات البديعية. ولكنها، في كثير من الأحيان، تكون جزءاً أساسياً من عملية التفسير والإدراك ونسيج الخطاب، ولا يمكن الوصول إلى المعنى دون إدراك علاقاتها الكامنة وتضميناتها الخفية. ونحن نذهب إلى أن معظم النصوص (المكتوبة والشفوية)، وكل رؤية للكون، تحوي داخلها صورة مجازية أساسية. ونحن نطلق على مثل هذه الصورة اصطلاح «صورة أساسية إدراكية» لأنها صور استخدمها صاحب النموذج (بوعي أو بغير وعي) للتعبير عن نموذجه المعرفي، ولذا فإن النموذج المعرفي الكامن في النص يَتَجَّلى من خلالها بشكل متعيِّن مباشر وتظهر مرجعيته النهائية. وقد لا يمكن إدراك طبيعة النموذج وبنيته بدونها. وإن لم يصل الإنسان إلى فهم الصورة المجازية الإدراكية الأساسية، فإن كثيراً من التفاصيل ستبدو كما لو كانت تفاصيل غير مترابطة. والصورة المجازية الأساسية كامنة عادةً، لكن درجة كمونها تتفاوت من نسق فكري إلى آخر. وما يحدث هو أن عقل المُفسِّر يتوصل إلى الصورة المجازية الأساسية الكامنة ويستخدمها لتحويل الأجزاء المتبعثرة إلى كلٍّ متماسك. وكما أن النماذج بنية عقلية سكونية تترجم نفسها عبر الزمان إلى متتالية، فإن الصور المجازية الأساسية يمكن أن تتطور هي الأخرى بتطور المتتالية، ولذا يمكن دراسة تاريخ الأفكار والنماذج الإدراكية من خلال دراسة تتابع الصور المجازية وتتاليها وتحولاتها.

وقد قمنا في هذه الموسوعة بتحليل الصور المجازية الأساسية في النصوص الصهيونية. كما درسنا الصهيونية باعتبارها تعبيراً عن الاتجاه القومي العضوي، وعلى أساس أن الصور المجازية العضوية مركزية في النموذج الصهيوني (شأنه في هذا شأن معظم النماذج الشمولية مثل النازية والفاشية). وقد استخدمنا صورة النموذج الجيولوجي التراكمي لدراسة العقائد والجماعات اليهودية. وحلَّلنا الصور المجازية القبَّاليـة مثل الآدم قدمون وتهشم الأوعية (شفيرات هكليم)، وبيَّنا علاقة صورة الجسد والجنس والرحم بالنظم الحلولية.

الوصف المكثف ولغة المجاز
«الوصف المكثَّف» ترجمة لعبارة «ثيك ديسكربشان thick description» وهي عبارة من كتابات الأنثروبولوجي كليفورد جيرتز. وآلية الوصف المكثف مأخوذة من عالم الأدب. فالقصيدة الشعرية، على سبيل المثال، هي نص ذو معنى مُركَّب كُتب بلغة ثرية يحتوي على العديد من التفاصيل المتعينة التي تتجاوز أحياناً المعنى الظاهر والمباشر.

والباحث الواعي يعرف أن آلاته التحليلية (ونماذجه التفسيرية) هي في واقع الأمر، ومهما بلغت من دقة، نماذج لا يمكنها الإحـاطة بشـكل كامـل بالواقـع الحي، ويعرف أن بعض أبعاد هذا الواقع تظل خارج حدود النموذج. ولذا، فهو يلجأ إلى الوصف المكثف، أي يصف الظاهرة أو بعض جوانبها بشكل أدبي متعيِّن لعل القارئ قد يصل إلى بعض الدلالات الخفية التي فشل النموذج التحليلي إلى توصيلها. والوصف المكثف بهذا المعنى يتجاوز النموذج دون أن يلغيه، ويتحداه دون أن يرفضه، ويُعدِّله دون أن يقوضه.

ويمكننا أن نقول الشيء نفسه عن استخدام لغة المجاز، فهي محاولة للوصول إلى بعض المعاني المُتضمَّنة والمركبة التي تعجز اللغة التحليلية المباشرة عن توصيلها. وقد لجأ كاتب الموسوعة إلى الوصف المكثف في كثير من مداخلها.


صياغة النموذج وتشغيله
صياغة النموذج التفسيري التحليلي عملية مركبة وإبداعية تتضمن عمليات عقلية عديدة متنوعة ومتناقضة. فالنموذج لا يوجد من العدم أو من أعماق الذات وثناياها وحدها (كما قد يتراءى للبعض)، وإنما هو ثمرة فترة طويلة من ملاحظة الواقع والاستجابة له ومعايشته والتفاعل معه ودراسته والتأمل فيه وتجريده وبعد التوصل إلى نموذج يتم اختباره وإثراؤه وإعادة اختباره (إلى ما لا نهاية). إن النموذج كأداة تحليلية يربط بين الذاتي والموضوعي ولذا يمكن القول بأن عملية صياغة النموذج تجمع بين الملاحظة الإمبريقية واللحظة الحدسية، وبين التراكم المعرفي والقفزة المعرفية، وبين الملاحظة الصارمة والتخيل الرحب، وبين الحياد والتعاطف، والانفصال والاتصال. وهو يفتح مجال البحث العلمي من خلال الخيال الإنساني ومقدرته على التركيب وعلى اكتشاف العناصر والعلاقات الكامنة، ولكنه في الوقت نفسه يكبح جماح هذا الخيال بأن يجعل النتائج خاضعة للاختبار، وهي مسألة تقع خارج ذاتية من صاغ النموذج. وبدون كل هـذه العـمليات المركبة، يحل محل النموذج التحليلي المركب فرضية اختزالية شائعة (أي نموذج اختزالي شائع)، وتصبح الملاحظة عملية اختزال للواقع ويصبح البحث عملية توثيق أفقية مملة، هي تأييد للأطروحات السائدة في حقل ما.

- تبدأ عملية صياغة النموذج بإدراك أن المعطيات الحسية في ذاتها لا تقول شيئاً، وأن المعلومة ليست النهاية وإنما البداية، وأنها ليست حلاًّ للإشكالية وإنما هي الإشكالية ذاتها. فإن قُلت إن زيداً ضرب عمراً فهذا مجرد خبر يحتمل الصدق أو الكذب في ذاته كما يقول البلاغيون العرب. ولا يمكن إقرار مدى صدقه أو أهميته أو دلالته، كما لا يمكن فهمه في ذاته، فهو حدث مادي محض. كما لا يمكن التعميم منه، فهو يكاد يكون دالاً دون مدلول (كلاماً دون معنى). أو ذا معنى خاص جداً أو معنى عام جداً، تماماً كما لو قُلت "فستان أحمر" و"قطة زرقاء" ولن يُضير كثيراً إن أضفت و"كلب أخضر".

- ينطبق نفس الشيء على أي نص (قصيدة ـ إعلان ـ خبر صحفي)، فرسالته ليست أمراً بسيطاً يوجد في السطح وفي المعنى المباشر للكلمات، فهي ليست مجرد كلمات مرصوصة جنباً إلى جنب.

- يجب أن يُدرك الباحث أنه لا يأتي للنص أو للظاهرة بعقل يشبه الصفحة البيضاء، وإنما بعقل مُثقل بالإشكاليات والأنماط والتساؤلات، عقل له مسلماته الكلية والنهائية، وهذا ما سماه بروفسير ديفيد كارولDavid Carroll «ما قبل الفهم» (بالإنجليزية: بري أندرستاندنج pre-understanding)، وهذا لا يعني بالضرورة السقوط في الذاتية، بل بالعكس فإدراك الباحث أنه يأتي للظاهرة وللنص مسلحاً (أو مثقلاً) ببعض الأفكار والتساؤلات والتحيزات والمسلمات، يجعله قادراً على الاحتفاظ بمسافة بينه وبينها وإخضاعها للتساؤل وتجاوزها إن ظهر عجزها التفسيري. كما أن إدراكه لوجود مقولات قَبْلية كامنة فيما قبل الفهم أو الفهم المسبق تمنعه من أن يسقط صريع المقولات العامة المهيمنة التي نقبلها باعتبارها حقائق كلية نهائية (مثل التقدم ـ الصراع ـ البقاء) ولا نُخضعها للتمحيص. ومعظم هذه المقولات في حالتنا مستوردة من العالم الغربي، ولذا وصف أحد الباحثين هذه الحالة بأنها «إمبريالية المقولات«.

- صياغة النموذج في جوهرها هي عملية تفكيك للظاهرة (أو النص) وإعادة تركيب لها. وإن كان ينبغي ملاحظة أن النص عادةً ما يكون أكثر تماسُكاً ووحدة من الظاهرة التي تتسم بقدر من التناثر. ولذا، فإن صياغة النموذج لدراسة الظواهر تختلف عن صياغة النموذج لدراسة النصوص، ومع هذا، فثمة وحدة أساسية بين الأمرين.

- تبدأ عملية التفكيك بأن يُقسِّم الباحث الظاهرة أو النص إلى وحدات منفصلة بعضها عن البعض.

- يقوم الباحث بعد ذلك بتجريد هذه الوحدات، أي عزلها إلى حدٍّ ما عن زمانها ومكانها المباشر وعن ماديتها المباشرة (فهو بهذه الطريقة وحدها يمكن أن يربط الواحدة منها بالأخرى وبغيرها من التفاصيل(.

- يربط الباحث هذه الوحدات الصغيرة ويجعل منها مجموعات أكبر.

- يُجرِّد الباحث هذه المجموعات الأكبر ثم عليه بعد ذلك أن يربط بينها وأن يضع كل مجموعة من المجموعات المجردة المتشابهة داخل نمط مستقل، إلى أن يضع كل المجموعات (بكل ما تحوي من وحدات وتفاصيل) داخل أنماط مختلفة.

- يقوم الباحث بعد ذلك بتجريد هذه الأنماط نفسها، ويحاول من خلال عمليات عقلية استنباطية أن يُدخلها في أنماط من التشابه والاختلاف أكثر تجريداً. عندئذ، ستبدأ العبارات المحايدة والتفاصيل المتناثرة تكتسب معنى محدداً أو أبعاداً أكثر عمقاً. وتبدأ ملامح النموذج في الظهور.

- حتى هذه اللحظة يتحرك الباحث داخل حدود الظاهرة أو النص لا يفارقهما، فهو يقوم بعمليات تجريد من الداخل، ولكن لابد أن يترك تلك الحدود ويتحرك خارجها، إذ لابد أن يحاول المقارنة بين ما توصَّل إليه من أنماط (وتفاصيل وإشكاليات) وأنماط مماثلة خارج الظاهرة نفسها، فهذا من أفضل السبل للتوصل إلى أنماط ذات مقدرة تصنيفية وتفسيرية عالية.

- لابد أن يُركِّب الدارس مجموعة من الأنماط الافتراضية ويجرب مقدرتها التفسيرية فيستبعد الأنماط ذات المقدرة التفسيرية الضعيفة ويُبقي الأنماط ذات المقدرة العالية إلى أن يكتشف الأنماط الأكثر تفسيرية فيُعدِّلها ويُكثِّفها.

- لابد أن يرصد الباحث الأنماط من خلال عدة متتاليات: متتالية مستقرة لها مقدرة تفسيرية عالية وتتعامل مع ما هو كائن، وأخرى احتمالية تتعامل مع ما هو كائن وما يمكن أن يكون، وثالثة مستحيلة بمعنى أن يكون جاهزاً لإدراك لحظات الانقطاع الكامل.

- يُلاحَظ، في عملية البحث عن أنماط، أن الدارس لابد أن يبدأ بملاحظة ما يمكن تسميته «التفاصيل القلقة»، فهي غير مستقرة ولا تتبع نمطاً واضحاً، وبالتالي قد تقوده إلى أنماط جديدة.
- الصور المجازية منبع خصب للوصول إلى النماذج التحليلية أو الكامنة، فالصورة المجازية ترجمة مباشرة غير واعية أحياناً لطريقة تنظيم النص. ولذا، لابد وأن يحاول الباحث رصد التعبيرات المجازية وتحليلها لأنه سيصل من خلالها إلى الأنماط الكامنة في النص.

- من المهم بمكان أن يدرك الباحث أن عملية صياغة الإشكاليات الأساسية والتوصل للنمط الأساسي الكامن وتصنيفه وإعطائه مضموناً متعيناً لا يمكن أن تتم من خلال تحليل داخلي بنائي محض وحسب، ولا يمكن أن تتم إلا من خلال معرفة الباحث بالأنماط (والإشكاليات) التاريخية والثقافية المحيطة بالظاهرة أو النص والتي تشكل مرجعيتها. ولذا، لابد أن يقوم الباحث بتثقيف نفسه فيما يتصل بالموضوع موضع الدراسة حتى يصبح أفقه أكثر اتساعاً من أفق اللحظة المباشر والإدراك المباشر للظاهرة.

- أثناء عملية التجريد، يجب أن تظل عيون الباحث على التفاصيل حتى لا يتوه في الكل ويهمل الجزئيات، وحتى لا يطفو على سطح العموميات مهملاً المنحنى الخاص للظاهرة (لابد من التحليق والتحديق، على حد قول جمال حمدان).

- أثناء محاولة الوصول إلى الأنماط الكامنة، لابد أن تتضمن الأنماط والمتتاليات الافتراضية عناصر من الواقع كما هو في الحقيقة، وعناصر من الواقع كما يتخيله الآخر، ومن الرموز التي يدرك الواقع من خلالها، ومن المعاني التي يُسقطها عليه، كما لابد أن تتضمن الحدود الواقعية المادية والإمكانيات الكامنة والطموحات المثالية، فبدون تضمين هذه العناصر في النمط الافتراضي ستُستبعَد العناصر غير المادية ولن يتم رصدها.

- ستؤدي هذه العملية (بإذن الله) إلى الوصول إلى إدراك النمط الأساسي الكامن وراء كل هذه الأنماط المتشابهة أو المتنوعة والمتناقضة.

- بعد هذه العملية، لابد أن يحاول الباحث اكتشاف البُعد المعرفي الكامن وراء كل هذه الأنماط، فهو وحده الذي سيحدد جوهر الرؤية الكامنة للكون وراء الأنماط (رؤية الإنسان والطبيعة والإله).

- عند هذه النقطة، يمكن للباحث أن يعيد ترتيب الأنماط وتركيبها حسب أهميتها، وأن يربط بعضها ببعض داخل منظومـة متكاملــة بطـريقـة تجـعل العــلاقات بينهـا تشاكل ما يُتصوَّر أنه العلاقات الجوهرية بين عناصر الواقع.
ويمكننا الآن أن نضرب مثلاً بإحدى الظواهر ولتكن واقعة ضرب زيد لعمرو، حيث يمكن أن نرصد عدد المرات التي ضرب فيها زيد عمراً، ويمكن أن نسأل هل يضرب زيد عمراً أم أنه يضرب آخرين أيضاً؟ وما السمة الأساسية في هؤلاء الذين يضربهم زيد؟ ونبدأ في تجربة هذه العناصر ونسأل: هل من يضربهم زيد من الفقراء أم هم من الأغنياء؟ من السود أم من البيض؟ من الذكور أم من الإناث؟ وهل الضرب يتم كل يوم أم في فصول معيَّنة؟ ثم بعد قراءة كُتب التاريخ، نسأل: لم استولى جد زيد على أرض عمرو؟ هل هناك علاقة بين الضرب والاستيلاء على الأرض؟ وما مصلحة زيد من الناس في عملية البطش المستمرة هذه؟ هل يدرك كل من زيد وعمرو طبيعة علاقتهما؟ هل يقبلانها، أم أن عمراً يرفضها ويتمرد عليها؟ ما الرؤية الكامنة للكون في هذه العلاقة؟ هل يريد زيد أن يجعل من عمرو مادة استعمالية يوظفها لحسابه؟ وهل يرى عمرو نفسه باعتباره مادة أم يرى نفسه باعتباره بشراً كاملاً؟

ولنضرب مثلاً بنصين مكتوبين، وهما حديثان شريفان: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "عُذِّبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت فدخلت فيها النار، فلا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض". أما الحديث الثاني فهو قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "بينما رجل يمشي، فاشتد عليه العطش فنزل بئراً فشرب منها ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فمـلأ خفه ثم أمسـكه بفـيه، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له. قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجراً؟ فقال: في كل ذات كبد رطبة أجر" (أي في كل حي من الحيوان والطير ونحوهما).

وبإمكان الباحث أن يقوم بتقسيم الحديثين إلى وحدات مختلفة تشكل عناصرهما الأولية. ويمكن القول بأن العناصر الأولية في الحديث الأول هي: امرأة ـ قط ـ جوع ـ زيادة الجوع ـ موت ـ جهنم. أما العناصر الأولية في الحديث الثاني فهي: رجل ـ كلب ـ عطش ـ سُقيا ـ حياة ـ جنة.

عند هذه اللحظة، سيقف الحديثان كما لو كانا متناقضين، ففي الحديث الأول امرأة وفي الثاني رجل، وفي الأول هرة وفي الثاني كلـب، وفي الأول جـوع وفي الثاني عطـش، وفي الأول بطـش بالحيــوان وزيادة الجوع، وفي الثاني رفق بالحيوان وري للعطش، وينتهي الحديث الأول بالموت وجهنم وينتهي الثاني بالحياة والجنة. وتحليل المضمون السطحي دائماً يقف عند هذا المستوى لا يتجاوزه وينهمك الباحث في إحصاء عدد الكلمات!

ولابد أن نزيد مستوى تجريدنا قليلاً بحيث تتجاوز عناصر كل حديث الفضاء الزماني والمكاني المباشر لكل منهما، حتى يمكن رؤيتهما في علاقة كل منهما بالآخر. وستأخذ عملية التجريد الشكل التالي: المرأة والرجل يجردان إلى إنسان ـ القطة والكلب: حيوان ـ الجوع والعطش: حالة طبيعية (حياة ـ موت) ـ البطش بالحيوان وزيادة الجوع والرفق بالحيوان وري العطش: فعل إنساني ـ موت القطة وحياة الكلب: نتيجة مادية ـ الجنة والنار: نتيجة روحية.

ثم نزيد من التجريد على النحو التالي: فاعل ـ مفعول ـ فعل ـ عاقبة. والإنسان هو الفاعل، والحيوان هو المفعول به، وثمة فعل يؤدي إلى نتيجة.

ويمكن، عند هذه النقطة، أن نرتفع بالعملية التجريدية إلى المستوى المعرفي ورؤية الكون. ولابد من معرفة بعض المفاهيم الأساسية الحاكمة في الإسلام (الاستخلاف ـ الأمانة ـ وضع الإنسان في الكون) فهذا سيساعدنا على الوصول إلى البُعد المعرفي وإلى تحديد العلاقة بين الإنسان (الفاعل) والحيوان (المفعول به). ومن كل هذا سنستنتج أن الحديثين يتحدثان عن علاقة الإنسان بالطبيعة وهي علاقة استخلاف واستئمان، فالإنسان يُوجَد في مركز الكون لأن الله كرمه وحباه عقلاً وحكمة. وقد أعطاه الله الطبيعة ولكنه ليس صاحبها فقد استخلفه الله فيها وحسب، وقد قَبل هو أن يحمل الأمانة، ولذا فلا يجوز أن يبددها وكأنه وحده في الكون: كائن لا متناه متأله. (لابد أن نشير هنا إلى الفلسفة البنيوية التي ترصد الواقع من خلال نماذج رياضية ولغوية عامة وتظل تُصعِّد مستوى التجريد لتصل إلى ثنائيات متعارضة عامة أو قيمة لغوية لا تقل عمومية. وهذا المستوى من التجريد وهذا المفهوم للنموذج يختلف تماماً عما نطرحه هنا).

- بعد تصاعدُ معدلات التجريد وظهور الأنماط الأساسية وربطها داخل منظومة متماسكة وبعد أن يتوصل الباحث إلى معالم النموذج التحليلي الذي يمكن من خلاله فهم الظاهرة أو معالم النموذج المعرفي الكامن في النص، ينبغي أن يدرك أن هذه ليست النهاية، بل هي بداية عملية جديدة إذ يتعيَّن عليه العودة إلى النص أو الظاهرة لاختبار المقدرة التفسيرية للنموذج (الذي صاغه أو اكتشفه). فقد يكتشف الباحث بعض العناصر أو الجوانب التي لم يتوجه إليها النموذج، فيحاول أن يوسع نطاقه حتى يستوعب هذه العناصر ويفسرها. ثم يعود الباحث بعد ذلك ليختبر النموذج مرة أخرى، فعملية الصياغة عملية حلزونية، لا نهائية، مستمرة مادامت التطبيقات ممكنة على حالات مختلفة، ولا شك في أن النموذج يزداد ثراء بتعدد تطبيقاته. بل قد تتغيَّر هويته تماماً بعد أن يحاول تفسير بعض الحالات التي تشكل انقطاعاً جذرياً.

- يستطيع الباحث أن يزيد من ثراء النموذج (وتماسكه وترابطه) بأن يُجري بعض العمليات العقلية الاستنباطية ويتخيل مواقف مختلفة لم تتحقق في الواقع.

- إذا تمت عملية التفكيك والتركيب في إطار اختزالي، فإن ثمرة العملية ستكون نموذجاً اختزالياً. أما إذا تمت في إطار مركب، فإن الثمرة ستكون نموذجاً مركباً.

- إن تمت عملية التفكيك والتركيب في إطار نموذج مستقر مهيمن فهي عملية تطبيقية. ولكن بإمكان الباحث أن يقوم بعملية تفكيك وتركيب في إطار نماذج ومسلمات جديدة، وهو ما يؤدي إلى إعادة تفسير المعلومات تفسيراً جديداً ومن ثم يُعاد تصنيفها على أسس جديدة، وحينذاك يكون النموذج نموذجاً تأسيسياً.

- من الضروري أن يدرك الباحث أن عملية التجريد (بما تنطوي عليه من تفكيك وتركيب) هي تاكتيك منهجي، فعناصر أية ظاهرة هي في نهاية الأمر غير منفصلة عن بعضها البعض ولا عن الظاهرة التي تنتمي إليها، فالظاهرة توجد ككل مُتعيِّن غير قابل للتجزيء. ولذا، لابد أن يذكِّر الباحث نفسه أن النموذج أشبه بالصورة المجازية التي لا تعكس الواقع وإنما تفسره، ولا تحيط بكل تفاصيله وإنما تحاول الوصول إلى جوهره.

- يمكن القول بأن عملية التفكيك والتركيب ونحت النماذج هي عملية «استنطاق» (أي «دفعه إلى النطق»). فما يحدث هو أن الباحث حين يتوصل للنموذج الكامن في نص ما ويحدد مفرداته ومفاهيمه الأساسية الكلية فإنه يصبح في مقدوره إضافة مفردات ومفاهيم أخرى غير منظورة ولكنها مُتضمَّنة في النص (ما بين السطور)، وتُستخدَم هذه الكلمات والمفاهيم في ملء بعض الفراغات التي قد توجد في النص أو الظاهرة. وبهذه الطريقة، نحدد المعنى الدقيق لمفردات نص أو ظاهرة عن طريق ربط الجزئي بالكلي والظاهر بالكامن. والنموذج، بهذا، يوضح المسلمات (أو الكليات القَبْلية) الكامنة في الخطاب الإنساني، كما يوضح المعنى المقصود من المفردات.

- يتم تشغيل النموذج من خلال عمليتي تفكيك وتركيب تشبه تماماً عملية صياغة النموذج.

وغني عن القول أن الجهد الفكري الأساسي في هذه الموسوعة ينصب على محاولة صياغة مجموعة من النماذج التحليلية المركبة وتوضيح العلاقة بينها وربطها وتطبيقها على مجموعة من النصوص والظواهر اليهودية والصهيونية. وقد تمت عملية التفكيك والتركيب في إطار مسلمات جديدة، ومن هنا فهي موسوعة تأسيسية.


المقدرة التنبؤية للنموذج
يمكن القول بأن النموذج كلما ازداد إحاطة بجوانب الظواهر وأبعادها المختلفة، أي كلما ازداد تركيبية، زادت مقدرته التفسيرية والتنبؤية. ونحن نرى أن استرداد العامل الإنساني (بدوافعه ورؤاه وذكرياته وأحزانه وأفراحه ومصالحه ومصلحته الحقيقية والمتخيلة) هي أهم عناصر التركيب، ومن ثم أهم العناصر في زيادة المقدرة التنبؤية للنموذج. وقد يكون من المفيد أن أضرب مثلاً بمحاولة سابقة قمت بها في محاولة رصد الواقع من خلال نموذج مركب وكيف أن زيادة التركيب تؤدي إلى زيادة المقدرة التفسيرية والتنبؤية. فقد نشرت في جريدة الرياض (المملكة العربية السعودية) مقالاً بعنوان "إلقاء الحجارة في الضفة الغربية" وذلك في 24 فبراير 1984. وتنبأت في هذا المقال بأن استخدام الحجارة سيكون أحد أشكال النضال الأساسية. والواقع أنني توصَّلت إلى هذه النتيجة من خلال عملية مركبة للغاية بدأت بإدراكي للمنحنى الخاص للوضع في الضفة الغربية. كنت أتحدث في القاهرة مع إحدى طالباتي الفلسطينيات من غزة، ولاحظت مدى ازدرائها للإسرائيليين وعدم خوفها منهم. وبدأت ألاحظ أن فلسطينيي الداخل غير منكسرين على عكسنا نحن عرب الخارج، فالفاعل الإنساني العربي هنا قوي متماسك. ثم قرأت إعلاناً عن إحدى المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية، فلم أجد فيه إشارة واحدة لأرض الميعاد أو صهيون أو المُثُل "العليا" الصهيونية، أي أن الفاعل الإنساني الصهيوني محايد غير مكترث، متمركز حول ذاته.

وبعد أن استرجعت كلاً من الفاعل الإنساني العربي والصهيوني، بدأت أرصدهما في تفاعلهما ومواجهاتهما اليومية، فأدركت أن الفاعل الصهيوني يدرك العالم من خلال حرصه الشديد على المعدلات الاستهلاكية مادية العالية التي يتمتع بها، ولذا فهو لا يملك إلا أن يسقط هذه الرؤية على العرب فيدركهم من خلال رؤيته هو للعالم. إنطلاقاً من هذا أشرت ـ في مقالي ـ إلى الوهم الإسرائيلي الذي يستند إلى الرؤية المادية بأن «المقاومة قد اجتُثَّت تماماً من جذورها» وأن هناك علامات وقرائن على ما سماه الجنرال بنيامين بن أليعازر (منظم الأنشطة في الضفة الغربية وحاكمها العسكري) " الاتجاه المتردد أو الحذر نحو البرجماتية " والذي يعني في نهاية الأمر «التكيف مع الأمر الواقع وتَقبُّله» (الجيروساليم بوست 14 نوفمبر 1983). وقد رأى الجنرال إمكانية تقوية هذا الاتجاه عن طريق إنشاء عدد أكبر من البنوك والشركات الاستثمارية، أي عن طريق إشباع حاجات العرب الاقتصادية وإغراق هويتهم، الأمر الذي يؤدي إلى استغراقهم فكرياً في أمور الدنيا والمال بدلاً من قضايا الوطن والأرض والهوية!

ولم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن هذا الاتجاه التطبيعي البرجماتي، فقامت الولايات المتحدة (كما أذكر في المقال) بمد يد المساعدة إلى الجنرال الإسرائيل المذكور، فدُعي إلى الولايات المتحدة ليجتمع مع وزير الخارجية الأمريكية وكبار موظفي الوزارة ليبحث معهم كيفية تحسين مستوى معيشة العرب في الأرض المحتلة (أي مزيد من البنوك) وكيف يمكن أن تساهم الولايات المتحدة في تخفيف حدة بعض جوانب الاحتلال الإسرائيلي عن طريق المساعدات الفنية والتنموية.

وبعد أن عرضت للرؤية الصهيونية المادية الاختزالية للعرب، حاولت أن أحدد الحالة العقلية والنفسية للصهاينة والأهداف المحددة التي يرمون إلى إنجازها، فوصفت الاستعمار الصهيوني بأنه استعمار استيطاني إحلالي لا يود استغلالنا أو استغلال مواردنا الطبيعية وحسب (كما كان الحال مع الاستعمار الإنجليزي في مصر) وإنما يرمي إلى ما يلي:

1 ـ استلاب الأرض.

2 ـ العيش فيها ناعماً براحة البال والهدوء.

3 ـ أن يسلبنا أسباب الحياة والاستمرار حتى نرحل من الأرض ليحل محلنا فيها.

والمستوطنون الصهاينة، في تصوُّرنا، هم أساساً مرتزقة، ولكن بينما كان القدامى منهم على استعداد لتَحمُّل شظف العيش وإرجاء الإشباع وانتظار المكافأة المادية المؤجلة، نجد أن المستوطنين الجدد، مع تَزايُد معدلات العلمنة، يُصرون على تحقيق مستويات معيشية وأمنية عالية عاجلة دون تأجيل. ولذا، فإن المنظمة الصهيونية تدفع لهم الرشاوي الباهظة على هيئة منازل مريحة وطرق مُعدَّة خصيصاً لهم ومدارس لأطفالهم وحراسة مشددة حتى ينعموا بالعيش في هواء «أرض الميعاد المكيَّف». إن النموذج الإدراكي للصهاينة نموذج آلي اختزالي مادي، وبالتالي كانت رؤيتهم للعرب ولأنفسهم آلية اختزالية مادية.

في مقابل ذلك، رصدت موقف العرب فلاحظت أنهم يرفضون الانصياع للنموذج الاختزالي المادي الذي يُطبَّق عليهم. وقد لاحَظ الجنرال بن أليعازر نفسه أن العرب يُلقون بالحجارة على الإسرائيليين، وصرَّح لجريدة معاريف (14 نوفمبر 1983) بأنه قرر وضع حد لظاهرة إلقاء الحجارة. ثم بعد يومين اثنين، اصطحب الجنرال الإسرائيلي البرجماتي أحد مؤسسي روابط القرى لافتتاح مبنى بلدية جديد في إحدى مدن الضفة. ولكن الجماهير الفلسطينية العنيدة لم تُبد أية برجماتية أو اعتدال أو تَقبُّل للقانون الطبيعي المادي، ولم تُقابل أبطال البنوك والاستثمارات بالزهور وإنما بالحجارة (الجيروساليم بوست 16 نوفمبر 1983. وقد أشرت في المقال إلى وقائع عديدة أخرى عن إلقاء الحجارة أدَّت إلى غضب المستوطنين الصهاينة وإلى مطالبتهم الجيش الإسرائيلي بالتدخل لوضع حد لهذه الظاهرة. بل إن رئيس وزراء الكيان الصهيوني (كما ورد في الجيروساليم بوست 24 يناير 1984) اجتمع مع عضوي الكنيست من كتلة هتحيا وأخبرهما بأن إلقاء الحجارة من أسباب قلقه العميق ووعد بأن يدرس القضية شخصياً.

بعد أن رصدت ما تصوَّرته النموذج الإدراكي للفلسطينيين العرب وتَصوُّرهم لأنفسهم، حاولت أن أرصد إدراكهم لحالة الإسرائيليين النفسية والعقلية ولنموذجهم الإدراكي، فقلت بالحرف الواحد: "إن مواطني الضفة الغربية أدركوا أن كل ما يُنغِّص على المستوطنين (مكيفي الهواء) حياتهم هو في نهاية الأمر إحباط للمخطط الصهيوني"، ومن هنا أصبح إلقاء الحجارة سلاحاً أساسياً في الضفة الغربية. وتنبأت في المقـال نفسه بأن هذا السـلاح، رغم ضعفه وبدائيته، قد أصبح سلاحاً فعّالاً ستزداد أهميته.

والواقع أنني وصلت إلى ما توصلَّت إليه من نتائج لا من خلال عملية رصد خارجية لأحداث لا معنى لها تتم على مساحة، وإنما من خلال مراقبتي لبشر لهم رؤية محدَّدة تحدِّد استجابتهم وتوقعاتهم وبالتالي سلوكهم. فالصهيوني الذي يحاول أن يرفع مستوى معيشة العرب، حتى ينسوا الوطن والهوية، هو نفسه الذي يودُّ أن يتمتع بحمام السباحة في المستوطنة والذي يصر على مستويات عالية من الراحة والمتعة. والعربي الذي يرفض الانصياع للرؤية البرجماتية التي تودُّ تطبيعه وتدجينه هو نفسه القادر على أن يدرك التآكل الداخلي للمستوطنين وتحولهم إلى شخصيات شرهة مستهلكة غير منتجة. من هنا الحجر الذي قد لا يَقتُل ولكنه يُعكر صفو المستوطنين ويُسقط معنى حياتهم. ومن هنا كانت الانتفاضة.

وتهدف هذه الموسوعة إلى تحسين المقدرة التنبؤية عند العرب عن طريق صياغة نماذج تفسيرية مركبة تتسم بقدر معقول من العمومية والخصوصية.


الباب الثانى: أنواع النماذج

أنواع النماذج: مقدمة

ليست كل النماذج نوعاً واحداً. ويمكننا تصنيف النماذج على عدة أسس:

1 ـ يمكن تصنيف النماذج على أساس مدى الكمون أو الظهور (الوعي أو عدم الوعي):

- أهم أنواع النماذج الواعية هو ما نسميه «النموذج التحليلي». ويتسم هذا النموذج بأن من يستخدمه واع به تمام الوعي إذ يقوم الباحث بصياغة النموذج بشكل واع لرصد وتحليل الظواهر. ومثل هذا النموذج عادةً ما يتسم بقدر عال من التكامل والاتساق المنطقي الداخلي. وعادةً ما يحاول الباحث صاحب النموذج أن يوضح للمتلقي مسـلماته الكلية الكامنة. لكن وعي صاحـب النموذج التحليلي بنموذجه لا يعني أنه قد نفض تحيزاته عن نفسه تماماً، فهو ولا شك يخضع لنفوذ النموذج الإدراكي الذي ورثه عن مجتمعه وبيئته. ويمكن أحياناً أن يكون النموذج التحليلي هو نفسه النموذج الإدراكي.

- مقابل النموذج التحليلي الواعي (والمتتاليات المثالية المُفترَضة)، نضع «النموذج الإدراكي الكامن» غير الواعي، أي النموذج الذي يُوجِّه سلوك الناس دون أن يعوا وجوده فهو يُشكِّل رؤيتهم للكون، ويُشبه قواعد اللغة الأم بالنسبة للمتحدث بها. فنحن حين نتحدث العربية لا نفكر في المبتدأ والخبر ولا في أي من القواعد التي نستخدمها إذ أننا استبطناها تماماً. والنماذج الإدراكية (غير الواعية) عادةً ما تكون غير متجانسة ولا تتسم بالنقاء أو الاتساق، بل كثيراً ما تحوي أفكاراً متناقضة مع المنطق الأساسي للنموذج (ولذا نُفضِّل تسمية هذه النماذج بـ «المنظومة»(.

2 ـ ويمكن تصنيف النماذج على أساس مدى يقينيتها واستقرارها واحتماليتها:

- والنماذج المستقرة هي تلك التي تم تجريبها واكتسبت قدراً معقولاً من اليقينية، فهي «نماذج تفسيرية مستقرة».
- أما النماذج الاحتمالية، فهي لا تزال فرضية منفتحة تحاول أن ترصد ما هو كامن لترى هل سينتقل من عالم الإمكان إلى عالم التحقق أم لا، كما أنها محاولة لرصد ما هو مجهول لنرى هل هو موجود بالفعل أم هو مجرد وهم، فهي «نماذج تفسيرية احتمالية».

3 ـ ويمكن تصنيف النموذج من واقع عملية التفكيك والتركيب ونوعيتها:

- فالتجريد يمكن أن يكون تفكيكاً بدون تركيب وثمرة هذه العملية هي «النموذج التفكيكي».

- ويمكن أن يكون تفكيكاً ثم تركيباً على أسس جديدة. في هذه الحالة، يمكن القول بأن النموذج «نموذج تأسيسي» لأنه لم يكتف بتحليل الواقع أو النص من خلال المسلمات القائمة وإنما أعاد التفسير من خلال مسلمات ورؤية جديدة.
4 ـ يمكن تصنيف النماذج على أساس انفتاحها وانغلاقها:

- فإن كان النموذج يحتوي على عناصر معروفة مضبوطة بحيث تكون النتائج كامنة تماماً في المقدمات، فهو «نموذج مغلق» أو «نموذج تكامل عضوي».

- أما إذا كان النموذج يعترف بالمجهول ويحتوي على عناصر من المعروف والمستقر وعناصر احتمالية وعنده مقدرة على اكتشـاف الجـديد وغير المـادي فهو «نمـوذج مفتوح» أو «نموذج فضفاض» أو «نموذج تكامل غير عضوي».

5 ـ ويمكن تصنيف النماذج من منظور تركيبيتها واختزاليتها:

- فإن كان النموذج بسيطاً، ينطوي على عنصر واحد أو عنصرين، فإنه سيختزل الواقع بأسره إلى هذا العنصر أو هذين العنصرين، والنموذج هو «نموذج اختزالي».

- أما إذا كان النموذج مركباً ينطوي على عدة عناصر ومنفتحاً على العناصر التي قد تجدُّ وعلى ما هو مادي وغير مادي فهو إذن «نموذج مركب».

6 ـ ويمكن تصنيف النموذج على أساس درجة ارتباطه بالزمان والمكان أو تَجرُّده منها:

- فإن كان عنصر الزمان والمكان واضحاً فيه، فهو «نموذج تعاقبي». ويرتبط بالنموذج التعاقبي مفهوم المتتالية النماذجية، وهي حلقات تَحقُّق النموذج في الزمان والمكان.

- أما إذا بهت عنصر الزمان واختفى فهو «نموذج تزامني» أو «نموذج بنيوي» يركز على البنية وحدها دون التعاقب التاريخي.

- ويمكن أن تستمر درجة التجريد إلى أن نصل إلى «النموذج الأوَّلي» (بالإنجليزية:آرك تايب archetype)، وهو نموذج يتكرر عَبْر كل الأزمنة والأمكنة في اللاوعي الجمعي عند البشر، مثل اليهودي التائه أو فاوستوس أو السندباد البحري أو النبي الذي لا كرامة له في وطنه أو الشاطر حسن، وهو نموذج ساكن يتعامل مع الثوابت متحرراً تماماً من الأزمنة والأمكنة.

- ويمكن أن يصل التجريد درجة عالية تصل بنا إلى النماذج الرياضية أو اللغوية التي تحاول دراسة الواقع الإنساني من منظور العلاقات الرياضية أو القواعد اللغوية وهذه هي «النماذج البنيوية».

7 ـ ويمكن تصنيف النماذج على أساس الهدف الذي يرمي صاحب النموذج إلى تحقيقه:

- فإذا كان صاحب النموذج يتعامل مع الواقع (وخصوصاً الطبيعي/المادي) باعتباره مجموعة علاقات بسيطة يمكن رصدها بدقة، كما هي، فهو «نموذج موضوعي» (وعادةً «مادي»).

- أما إذا كان صاحب النموذج يتعامل مع الواقع (وخصوصاً الإنساني) باعتباره مجموعة علاقات بين عناصر بعضها معروف وبعضها مجهول وأن هذه العلاقات مركبة إلى أقصى درجة، ومن ثم فشرحها شرحاً كاملاً وردها إلى قوانين عامة مجردة أمر مستحيل ومن ثم لا مناص من أن يقنع الإنسان بعملية التفسير، فهو «نموذج تفسيري».

8 ـ يمكن تقسيم النماذج على أساس مفهوم العقل وعلاقته بالواقع وطبيعة الإدراك:

- فإن كان النموذج ينطوي على تَصوُّر للعقل باعتباره سلبياً متلقياً، فهو «نموذج متلقي».

- وإذا كان النموذج ينطوي على مفهوم للعقل باعتباره مبدعاً في أية عملية إدراكية، فهو «نمـوذج اجتهادي».

9 ـ ويمكن تصنيف النماذج على أساس فكرة التراكم والتوليد:

- فإن كان النموذج موضوعياً، كان اكتسـاب المعرفة عملـية تراكم (على صفحة العقل) وكان النموذج «نموذجاً تراكمياً».

- وإن كان النموذج تفسيرياً، فإن اكتساب المعرفة لا يكون عملية تراكم وإنما هي أيضاً عملية إبداع وتوليد (من داخل العقل)، وكان النموذج «نموذجاً توليدياً».

10 ـ ويمكن تصنيف النماذج على أساس مدى واقعيتها ومثاليتها:

- فإن أخذنا مفهوم «مثالي» بمعنى «مُتخيَّل» أو «غير متحقق بعد» أو «ما ينبغي أن يكون»، فإننا نضع «النموذج المتحقق الفعلي» مقابل «النموذج المثالي» أي الذي لم يتحقق بعد، ويكون النموذج حينذاك منتمياً إلى عالم الآمال والتوقعات والبرامج الثورية. فالاشتراكية في الاتحاد السوفيتي كانت حلماً وصورة مُتخيَّلة إذ تصوَّر الناس أنهم لو فعلوا كذا وكذا لحققوا العدالة في المجتمع والسعادة للأفراد. ونحن نذهب إلى أن النموذج يتحقق من خلال متتالية متعددة الحلقات، وما حدث في المجتمع الاشتراكي أنه حينما تتابعت حلقاته ظهر أن النتيجة النهائية (المتتالية التي تحققت بالفعل) عكس ما كان مُتوقَّعاً (المتتالية المفترضة أو المثالية)، وأن الأحلام لم تكن سوى كوابيس.

- ولكن كلمة «مثالي» تعني أيضاً أنه يدور في إطار المرجعية المتجاوزة للمادة. و«النموذج المثالي» بهذا المعنى هو النموذج الذي يحوي عناصر لا تنتمي للواقع المادي وتتجاوزه. ويمكن أن نضعه مقابل «النموذج الواقعي أو المادي» الذي يدور في إطار الطبيعة/المادة.

11 ـ ويمكن تصنيف النماذج على أساس الصورة المجازية الأساسية الكامنة فيها فنقسمها (على سبيل المثال) إلى «نماذج عضوية» وأخرى «آلية» أو «جيولوجية تراكمية».

12ـ ويمكن تصنيف النماذج على أساس مضمونها المباشر:

- فيمكن أن يكون المضمون هو السياسة فنقول «نموذج سياسي» أو «نموذج اقتصادي» وهكذا.

- من أهم أنواع النماذج «النموذج الحضاري» وهو النموذج الذي نتصور أنه النموذج الحاكم في حضارة ما. ودراسة هذا النوع من النماذج محفوف بالمخاطر لأن الأبعاد والاتجاهات الحضارية التي يتم التعميم بناءً عليها، عناصر غير محسوسة أو ملموسة، توجد كامنة في الواقع، داخل آلاف التفاصيل التي لا يمكن فصلها الواحدة عن الأخرى، وهي ليست تفاصيل عادية وإنما مرتبطة بالمعنى الرمزي الذي يُسقطه الفاعل الإنساني عليها. ولذا فالتعميم، بناءً على مثل هذه الأبعاد والاتجاهات، أكثر خلافية وأقل يقينية من التعميم بناءً على العناصر الاقتصادية والسياسية. ولذا فحينما نتحدث عن النموذج الحضاري الغربي الحديث، فنحن نفعل ذلك بكثير من الحيطة والحذر.

- نحن نذهب إلى أن نموذج التأرجح بين الواحدية الذاتية (التمركز حول الذات) والواحدية الموضوعية (التمركز حول الموضوع) وبين الصلابة والسيولة هو نموذج عام له مقدرة تفسيرية عالية.

- ومن أهم النماذج التي ظهرت مؤخراً نموذج الما بعد (كما في مصطلح «ما بعد الحداثة»(.

ورغم أننا قمنا بفصل هذه النماذج بعضها عن بعض، فإن هذا ضرورة تحليلية وحسب، فكل النماذج رغم اختلاف مضامينها وبنيتها مترابطة. فالنموذج، مهما بلغ من سطحية ومباشرة، يحوي بُعداً معرفياً نهائياً. وأي نموذج تفسيري، تحليلي أو إدراكي، يتسم بصفات مختلفة حيث إن نموذجاً ما يمكن أن يكون نموذجاً تفسيرياً اجتهادياً توليدياً مركباًً ويكون الآخر نموذجاً موضوعياً متلقياً تراكمياً اختزالياً، وهكذا. وعادةً ما تتسم النماذج المادية الموضوعية بالتراكمية والاختزالية والانغلاق، فهي تطمح إلى أن تَردَّ الواقع بأسره إلى مستوى واحد تدركه الحواس، أما ما لا تُدركه الحواس فلا وجود له. كما أنها تحاول أن تفسر الواقع تفسيراً شاملاً يحيط بكل جوانبه وأن تصل إلى مستوى عال من اليقينية. هذا على عكس النماذج التي تصدر عن رؤية مادية وغير مادية في آن واحد، فهي نماذج تفسيرية اجتهادية تتسم بالتوليدية والتركيبية والانفتاح، تطمح للوصول إلى مستوى معقول من التفسيرية ولا تطمح إلى الوصول إلى تفسيرات جامعة مانعة، ولذا فهي تقنع بقدر معقول من اليقينية دون محاولة للوصول إلى اليقينية التامة.

وقد استخدمنا كلمة «نموذج» في هذه الموسوعة للإشارة لكل هذه المدلولات. وحاولنا توضيح المعنى المقصود إما صراحةً أو من خلال السياق.

النموذج التصنيفى
«صَنَّف الأشـياء» عبارة معناها: جعل الأشـياء أصنافاً وميَّز بعضها عن بعض. ومن ذلك تصنيف الكتب وتصنيف العلوم. التصنيف، إذن، هو أن تجعل الأشياء أصنافاً وأضرباً على أساس يَسهُل معه تمييز بعضها عن بعـض، أو أن تُرتَب المعاني بحـسب العلاقات التي تربط بعضها بالبعض الآخر كعلاقة الجنس بالنوع أو الكل بالجزء. والنظام التصنيفي نظام هرمي بالضرورة يفترض وجود مركز وهامش، وقمة وقاع، ومهم وغير مهم. وهناك أسس تصنيفية عديدة، كل تصنيف له منطقه الخاص. فيمكن أن يتم التصنيف على أساس الانتماء الديني أو على أساس الانتماء العرْقي، كما يمكن التصنيف على أساس تاريخي أو على أساس بنيوي، المهم أن يتم التصنيف من خلال نموذج تفسيري يمكنه أن يبيِّن ما هو مهم ومركزي في ظاهرة ما. فالرصد الموضوعي الأفقي التراكمي يأتي بالمعلومات والمعطيات المختلفة ولكنه لا يمكنه ترتيبها أو تصنيفها إلا بشكل سطحي أو عشوائي، كأن يصنفها على أساس ألفبائي أو على أساس أي عنصر ثانوي يرد فيها. فيُقال إن قصة " ذات الرداء الأحمر " هي قصة عن الذئاب أو عن الغابة أو عن النبات أو عن اللون الأحمر وليس عن الانتقال من البراءة إلى الخبرة أو المواجهة بين الإنسان والطبيعة... إلخ. كما أن الرصد الموضوعي قد يكون عاماً جداً فيُقال " تعاملت هذه الدراسة مع اليهود " دون تخصيص أو تحديد.

وهذه الموسوعة تطرح نموذجاً تفسيرياً جديداً، ومن ثم فإن منطقها التصنيفي مختلف عن الدراسات الأخرى. على سبيل المثال، نحن نرى أن الصهيونية حركة ليست ذات جذور يهودية وإنما حركة ذات جذور غربية استعمارية تهدف إلى تخليص أوربا من اليهود عن طريق توطينهم في فلسطين، ومن ثم فنحن نرى أنها لا تُوضَع (أو تُصنَّف) كمقابل ظاهرة العداء لليهود وإنما هي امتداد لها. وقد طُرحت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة بعد صياغتها على أيدي بعض المفكرين غير اليهود على الجماهير اليهودية، وفي بعض الأحيان فُرضت على هذه الجماهير فرضاً. ومن هنا، يصبح عداء بلفور لليهود أمراً بالغ الأهمية، وتصبح شخصية مثل ألفريد نوسيج، الذي شارك في تأسيس الحركة الصهيونية مع هرتزل (لتخليص أوربا من اليهود) ثم امتد به العمر ليُقدِّم للجستابو مخططاً لإبادة يهود أوربا، ليس مجرد شخصية هامشية تشكل انحرافاً عن مسار الصهيونية وإنما يجب تصنيفه باعتباره شخصية نماذجية دالة، ومن هنا أهمية معاهدة الهعفراه بين النازيين والصهاينة. وقد طرحنا أيضاً نموذج الجماعة الوظيفية كنموذج تفسيري أساسي، وبناءً عليه أصبحت تجربة يهود بولندا في ظل الإقطاع الاستيطاني ونظام الأرندا في أوكرانيا وعلاقتهم بطبقة النبلاء البولنديين (شلاختا) ذات أهمية محورية. فمن خلال نموذجنا التفسيري أصبحت هذه الوقائع التي تُهمَّش في كتب التاريخ الصهيونية ذات دلالة نماذجية عميقة، وتم تصنيفها على هذا الأساس.


التعاقب والتزامن (نموذج تاريخى وبنيوى أو يدور حول موضوعات)
«تعاقَب الشيئان» عبارة معناها «خَلَف أحدهما الآخر»، و«تعاقَب القوم في الشيء أو الأمر» معناها «تناوبوه»، ومن ذلك كلمة «تعاقُب». أما «التزامن»، في علم الطبيعة، فهو ما يتفق مع غيره في الزمن. ومن ثم، يجيء «التعاقُب» في مقابل «التزامن». والوجود الإنساني يكون داخل كل من التعاقُب والتزامن، فالأيام تجري الواحدة تلو الأخرى، ومراحل حياة الإنسان تتعاقب وكذا الفصول. والتجربة الأساسية في حياة الإنسان (التاريخ والزمن) هي أيضاً تجربة تعاقُب، فتدول الدول وتحل محلها أخرى.

ولكن، إلى جانب التعاقُب، توجد تجربة التزامن. فإذا كان الزمان متغيِّراً، فإن المكان يتسم بقدر أكبر من الثبات، بل إن الزمان المُتعاقب نفسه يأخذ شكل أنماط متكررة تتسم بنفس السمات ومن ثم بقدر من الثبات. وهكذا يعيش الإنسان في تَعاقُب وتَزامُن يتغير ويتطور دون أن يعني تغيُّره وتطوُّره تحوُّله الكامل.

والتضاد بين التعاقب والتزامُن مقولة أساسية في الفلسفة البنائية التي تُعرِّف البنية بأنها مجموعة العلاقات بين العناصر المختلفة للظاهرة والتي تعطي لهذه الظاهرة هويتها وتضفي عليها خصوصيتها. ومن يؤمن بالتَعاقُب وحسب يرى أن العالم لا ثبات فيه وأن كل الأمور زمنية نسبية (وهذا هو جوهر التفكير التاريخاني [بالإنجليزية: هيستوريسيست historicist])، أما من يؤمن بالتزامُن فهو يؤمن بالثبات والجمود وكأن الشيء الوحيد الحقيقي هو المُثُل الأفلاطونية وأن الواقع إن هو إلا انعكاس خافت لها، ومن ثم يكون البحث عن الثابت دون المتحول. والفكر الكـموني الواحـدي المـادي يتأرجح بين التعاقُب والتزامُن (تماماً مثلما يتأرجح بين الذات والموضوع من جهة، واليقين الكامل والنسبية الكاملة من جهة أخرى). وهو انعكاس للإشكالية الأساسية في النظم الكمونية بين النزعة نحو تأليه الكون وإنكاره. فالنزعة نحو تأليه الكون تأخذ شكل تَبنِّي نماذج تفسيرية لا تعرف سوى التَعاقُب (نماذج تاريخية)، أما النزعة نحو إنكاره فتتبني نماذج تفسيرية لا تعرف سوى التزامُن والثبات (نماذج بنيوية). ويُلاحَظ الانتقال من النماذج التفسيرية التاريخية إلى النماذج التفسيرية البنيوية في الحضارة الغربية، فقد كانت النماذج التفسيرية التاريخية تسود فيها في عصر المادية البطولي والتحديث مع الإيمان بفكرة التقدم وبمقدرة الإنسان على أن يسيطر على الزمان والمكان من خلال مسار التاريخ. ومع أن النزعة الإمبريالية الغربية تنزع نحو إنكار تواريخ الآخرين (كما يفعل الصهاينة مع الفلسطينيين)، إلا أنها نزعة تستند أيضاً إلى رؤية تاريخية محددة للذات باعتبارها ثمرة تطور تاريخي حتمي وضعها في قمة سلم التقدم والتطور وأسبغ عليها حقوقاً مطلقة لهذا السبب. ولكن، مع فقدان الإنسان الغربي ثقته في نفسه ومع تراجُع الإمبريالية، بدأ الإنسان الغربي يفقد ثقته في التاريخ كمجال لتَحقُّق ذاته التاريخية، وبدأ الانتقال إلى نماذج بنيوية (الانتقال من هيجل وماركس إلى كيركجارد ونيتشه وأخيراً دريدا)، وبدأ الاهتمام بالأسطورة التي عرَّفها ليفي شتراوس بأنها آلات لخنق الزمان إلى أن نصل إلى أسطورة نهاية التاريخ.

والنموذج الذي نتبناه في هذه الموسوعة لا هو بالمتعاقب ولا هو بالمتزامن وإنما يحاول الجمع بينهما. فنحن نؤمن بوجود إنسانية مشتركة توجد داخل النظام الطبيعي، جانب منها خاضع لقوانين المادة والحركة والتعاقب (النزعة الجنينية)، وهي في الوقت نفسـه متميِّزة عن النظـام الطبيعي المادي إذ يوجـد فيها أيضاً القبـس الإلهي (النزعة الربانية). ولذا، فهي جزء من الطبيعة/المادة خاضعة لقوانين الحركة والتغير (التعاقب) التي لا تتم بشكل عشوائي وإنما حسب سنن وتأخذ شكل أنماط ثابتة (التعاقب). وهذه الإنسانية تدور داخل أنماط إنسانية عامة مشتركة (التزامن) ولكنها لا تتحقق دائماً (كلها وبنفس الصورة)، كما أنها تتحقق داخل الزمان (التعاقب) ويمكنها أن تحقق قدراً من الاستقلال والثبات (التزامن)، (الثبات الكامل لله وحده وهو يوجد خارج النظام الطبيعي تماماً).

وبهذا المعنى، فإننا نرى أن ثمة تداخلاً بين المتعاقب والمتزامن، ولذا فإن البنَى التاريخية بنَى متغيرة متعاقبة ولكنها تتبع نمـطاً معيَّناً (ليس مطـلقاً ثابتاً ومقرراً بصورة مسـبقة)، وهذا يعني أن ثمة مجالاً دائماً للحرية والفوضى، والانتصار والانكسار؛ أن ثمة إمكانية دائمة للمأساة والملهاة. ونحن في هذه الموسوعة نستخدم نماذج تحليلية تاريخية (مبنية على التعاقب) ونماذج تحليلية بنيوية (مبنية على التزامن).


النموذج الآلى والنموذج العضوى
نحن نذهب إلى أن ثمة نموذجين أساسيين في الحضارة الغربية، نموذج آلي ونموذج عضوي، وقد سُميا كذلك لأن كل واحد منهما يحوي صورة مجازية مختلفة: الصورة المجازية الآلية (العالم آلة) أو الصورة المجازية العضوية (العالم كائن حي) يُعبِّران عن الطبيعة/المادة. الصورة المجازية الأولى تُصوِّر العالم على هيئة آلة حركتها آلية والمبدأ الواحد فيها براني، ولذا فهي تتحرك مدفوعة من الخارج. أما الثانية فتُصوِّر العالم على هيئة كائن حي حركته حركة عضوية والمبدأ الواحد فيها جواني، ولذا فهي تتحرك مدفوعة من خلال نموها الداخلي وكلا النموذجين يستبعد الحيز الإنساني ويستوعبه. ويُلاحَظ أنه في عصر ما بعد الحداثة بدأت كل من الصور المجازية العضوية والآلية في الاختفاء أو التحرك نحو الهامش ليحل محلها صور تُعبِّر عن التفتت أو عن سطح مصقول بلا أعماق. ونحن نستخدم في هذه الموسوعة نموذج التكامل غير العضوي أو النموذج الفضفاض.


نموذج التركيب الجيولوجى التراكمى
«التركيب الجيولوجي التراكمي» عبارة نستخدمها لنشير إلى أحد النماذج التفسيرية الذي يحاول أن يصف عمق عدم التجانس الذي تتسم به العقيدة/العقائد اليهودية، والهوية/الهويات اليهودية، وإلى أن نقط الاختلاف بين هذه العقائد والهويات أهم من نقط التشابه بينها. ويمكن لنسق ما أن يتسم بعدم التجانس وعدم الترابط (كما هو الحال في نموذج التكامل غير العضوي). ولكن التنوع يظل داخل إطار من الوحدة، فالنموذج لابد أن يكون له مركز وركيزة نهائية وحدود وسمات بنيوية تفصله عن غيره من الأنساق، وقد يتشابك النموذج مع غيره من النماذج ويتداخل. ولكن مهما بلغت درجة التنوع في النموذج ودرجة تشابكه مع النماذج الأخرى، فلابد أن يتصف بعدة سمات أساسية وجوهرية (ركيزة أساسية) تشكل هويته وتَصلُح أساساً لتفسيره وتصنيفه وعزله عن غيره من النماذج.

ولكن التركيب الجيولوجي التراكمي يتسم بأنه يتكون من طبقات جامدة مستقلة تراكمت الواحدة فوق الأخرى ولم تُلغ أية طبقة جديدة ما قبلها. وقد تتشابه هذه الطبقات وقد تختلف وقد تتفق أو تتناقض، غير أن السمة الأساسية لها هي أنها تتجاور وتتزامن وتتواجد مع بعضها ولكنها لا تتمازج ولا تتفاعل ولا تُلغي الواحدة الأخرى. ويمكن تشبيه التركيب الجيولوجي التراكمي بالجبل الذي قد تكون داخله طبقة جيولوجية من الحجر الجيري وأخرى من الحجر الرملي وثالثة من الفوسفات ورابعة من الذهب، لكل طبقة طبيعتها المستقلة وبنيتها المادية وتاريخها الذي يزداد طولاً وقصراً حسب الطبقة، ولا ينتظم كل الطبقات سوى وحدة شكلية خارجية، أي وجودها كجزء من هذا الجبل. وبالطبع، يمكن الاستمرار في التشبيه لنقول إن بعض هذه الطبقات توجد في الجبل عن طريق الصدفة، وأنها ممتدة في باطن الأرض قبل الجبل مستمرة بعده في الوادي المجاور، وأن وجودها في الجبل حدث مصادفة.

وإذا كانت الصورتان المجازيتان الآلية والعضوية صورتين مجازيتين واحديتين تؤكدان أشكالاً مختلفة من الوحدة والتماسك، فإن استعارة التركيب الجيولوجي التراكمي تشير إلى عدم التماسك وعدم وجود وحدة من أي نوع، فكل طبقة جيولوجية هي بنية مسـتقلة. والنمـوذج الجـيولوجي لا يتسم بالتعددية كما قد يبدو لأول وهلة، فالتعددية تفترض قدراً من الوحدة المبدئية، حيث لا تنوع دون قدر من الوحدة ولا بنية إن غابت المعايير المركزية والسمات الأساسية، والتركيب الجيولوجي يفتقر إلى مثل هذه الوحدة.

وتوجد داخل العقيدة اليهودية طبقات مختلفة متصارعة أهمها الطبقة التوحيدية والطبقة الحلولية الكمونية. وتاريخ اليهودية هو تاريخ الصراع بين هاتين الطبقتين والذي انتهى بانتصار الحلولية الكمونية وهيمنتها. أما داخل الهويات اليهودية، كتركيب جيولوجي، فإن تَحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية هو أهم الطبقات أو مكونات الهويات اليهودية المختلفة. ومن المعروف أن أعضاء الجماعات الوظيفية يؤمنون برؤية حلولية كمونية للكون، ومن ثم تلتقي الطبقات الحلولية والوظيفية (وكلاهما يؤدي إلى العلمانية الشاملة).


النموذج الموضوعى المادى (المتلقى)
«النموذج الموضوعي المادي (المتلقي)» هو النموذج الذي ينطلق من الرؤية الموضوعية المادية المتلقية (انظر: «مشكلة الموضوعية الذاتية»). ونحن نذهب إلى أن النماذج الموضوعية المادية لها فعاليتها في مجالها (عالم الظواهر الطبيعية) ولكنها تفقد فاعليتها وتصبح أداة اختزال حين تُطبَّق على الظواهر الإنسانية، فهي حينذاك تختزل الإنساني إلى الطبيعي. ولذا لابد من استخدام نماذج تفسيرية اجتهادية. والنماذج الموضوعية المادية يمكن أن تكون اجتهادية مبدعة ولكن يمكن أن تكون متلقية، وهذا ما يحدث عادةً حين تُستخدَم في رصد الإنساني.

ونحن نضع «النموذج التفسيري (الاجتهادي)» مقابل «النموذج الموضوعي المادي (المتلقي)»، ومنطلقاتهما المعرفية مختلفة تماماً، بحيث يمكن تقسيم كل النماذج إلى موضوعية متلقية (تتسم بالتراكم والانغلاق والاختزال) وتفسيرية اجتهادية (تتسم بالتوليدية والانفتاح والتركيب(.


النموذج التفسيرى (الاجتهادى(
يمكن القول بأن منطلقات النموذج التفسيري (الاجتهادي) هي عكس منطلقات النموذج الموضوعي المادي (المتلقي). ولذا قد يصلح النموذج الموضوعي المادي في تفسير بعض جوانب الواقع الطبيعي، ولكنه يخفق تماماً حينما يحاول تطبيقه على ظاهرة الإنسان. إذ يقوم النموذج الموضوعي المادي باستبعاد الإنسان كعنصر فاعل مركب كما يقوم أحياناً بتبسيط الطبيعة نفسها ثم إعطائها الهيمنة على الإنسان، أما النموذج التفسيري فهو ينظر إلى الطبيعة باعتبارها كياناً مركباً تنبض بالحياة وتمور بالأسرار وتتسم باللاتحدد، ولكنها، مع هذا، تتبع سنناً ولها هدف وغاية. وكل شيء في الطبيعة له مكانته ووظيفته وقيمته في ذاته، فالعالم كل متكامل (ومن المنظور التوحيدي، كل شيء في الكون قد ناله نصيب من التكريم لأنه من خلق الله وبديع صنعه). وهـذا يعني أن الإنسان ليـس موجوداً في الكون بمفـرده، فالكائنات الأخرى لها مكانها، والإنسان لم يُمنَح هذه الأرض ليهزمها ويوظفها ويسخرها لنفعه وحده دون حـدود، فلابد له من الحفاظ عليها (لأنه ـ حسب الرؤية التوحيدية ـ قد استخلفه فيها من هو أعظم منه، فكرَّمه ووضع حدوداً عليه).

إن العالَم المبارك المدهش الذي نعيش فيه عالَم مركب ثري، مليء بالمسافات والثغرات والثنائيات الفضفاضة والأسرار (التي لا يُسبَر لها غور). هذا العالَم يحوي داخله ما هو معروف ومحسوس وما هو مجهول وغير محسوس، وما هو حلم وما هو غيب (والغيب هنا هو غير المادي الذي لا يُقاس ولا يمكن إدخاله بقضه وقضيضه في شبكة السببية الصلبة) وهو ليس بسطح أملس يمكن رده إلى مبدأ واحد كامن فيه (كما يرى دعاة الكمونية الواحدية المادية من العقلانيين الموضوعيين الماديين).

ولكن أهم منطلقات النموذج التفسيري (الاجتهادي) هو إدراك أن ثمة حيزاً إنسانياً يتحرك فيه الإنسان ويمارس فيه إنسانيته، ومن ثم يصبح مختلفاً عن الكائنات الطبيعية، فهو كائن مركب وعنصر حر مسئول، يتجاوز حتميات النظام الطبيعي/المادي ولا يمكن أن يُردُّ في كليته إليه ولا يمكنه أن يمتزج بالظواهر الطبيعية ويذوب فيها، فهو جزء يتجزأ من الواقع المحيط به لا يُستوعَب قط فيما حوله. هذا يعني أن ثمة ثنائية أساسية تُترجم نفسها إلى انفصال بين الإنسان المركب والواقع الطبيعي المادي، فالإنسان لا يتصل مباشرةً (من خلال جهازه العصبي) بالطبيعة لأن عقله متناه لا يمكنه أن يعكس الواقع كله، ولكنه لهذا السبب مبدع حتى في أبسط عمليات الإدراك فهو يدرك الواقع من خلال رموزه وذكرياته ونماذجه، وهو إنسان مركب لا يمكن معرفة دوافعه فهي مركبة إذ تحركه دوافعه المادية الأرضية كما تحركه أفكاره وأحلامه وذكرياته، والمعنى الذي يتسع للأشياء والرموز التي يستخدمها للتعامل معه، كما تحركه منظومته القيمية والجمالية التي قد تهديه سواء السبيل وقد تضلله، ولذا فهو قادر على النبل الخساسة، وعلى الخير والشر.

كل هذا يعني ما يلي:

1 ـ لا يمكن دراسة الواقع الإنساني المركب من خلال النماذج السلوكية الواحدية البسيطة التي ترى الإنسان كائناً يتحرك في بيئة مادية يُرْصد بشكل آلي.

2 ـ لا يمكن دراسة الإنسان من خلال نموذج الرصد الموضوعي المادي الذي لا يكترث بالمعنى والرموز والدوافع والحرية.

3 ـ لا يمكن دراسة هذا الإنسان من خلال نموذج واحدي يدور في إطار السببية الواحدية والعمومية، إذ يتطلب الأمر دراسته من خلال عدة مستويات ودرجات مختلفة من السببية والتعميم والتخصص.

4 ـ لا يمكن تَصوُّر إمكان الإحاطة بكل جوانب هذا الإنسان أو إمكان الوصول إلى درجات عالية من اليقين، إذ تظل هناك أجزاء مستقلة عن الكل، ومنحنيات خاصة مستقلة عن الاتجاه العام وزوايا لا تستطيع العقلانية المادية المستنيرة أن تصل إليها.

5 ـ والمعرفة ليست مجرد تراكم وإنما هي أيضاً محاولات اجتهادية مستمرة، فإلى جانب التراكم يوجد الاكتشاف المستمر. فالعملية المعرفية عملية لا نهاية لها، ولذا لا نهاية للتاريخ.

6 ـ الهدف الكلي والنهائي من وجود الإنسان في الأرض ليس التحكم في العالم وحوسلته وإنما هو التمتع بالأرض والاستفادة منها داخل حدود دون تبديدها.

إن الإنسان كائن مركب يعيش في عالم براني مركب وعالم جواني مليء بالأسرار، ولذا فإن محاولة "شرح الإنسان" شرحاً كاملاً وتفسيره تفسيراً كاملاً وإدخاله شبكة السببية الصلبة والمطلقة هو ضرب من ضروب الخيلاء، ومحاولة التوصل إلى قوانين صارمة أو تفسيرات كلية نهائية وصيغ جبرية بسيطة تفسر كل شيء محاولة ساذجة بلهاء، كما أن محاولة الوصول إلى المعرفة الكاملة محاولة فاوستية شيطانية محكوم عليها بالفشل، ولهذا فنحن نطرح مفهوم الاجتهاد كإطار معرفي كلي ونهائي. والاجتهاد يعني أن يحاول الدارس المجتهد الوصول إلى قدر من المعرفة عن الظاهرة موضع الدراسة يجعلها معقولة إلى حدٍّ ما وربما إلى حدٍّ كبير، وليس بالضرورة معقولة ومفهومة تماماً، أي أنه من الممكن شرح بعض جوانب الظاهرة (لا الظاهرة كلها)، ورد بعض جوانبها (لا الظاهرة بأسرها) إلى القوانين العامة، كما يمكن رصد جزء من الواقع لا الواقع كله. والاجتهاد يعني رفض الموقف الإمبريالي من الواقع الذي يود الإمساك به كله ويحاول أن يدفع به في شبكة السببية الصلبة والمطلقة والقانون العام. وهذا لا يعني بالضرورة سقوطاً في العدمية الكاملة أو النسبية المطلقة، فالاجتهاد يمكن أن يدور في إطار الإيمان بوجود مطلقات وثوابت ويمكن للباحث أن يتعامل مع الأمور الكلية والنهائية والمطلقة دون أن يكون خطابه نهائياً ومطلقاً. ويمكن أن يصل البـاحث إلى قدر من اليقين ولكنه يقين ليـس بكامل. وثمة تَواصُل ولكنه ليس باتصال والتحام عضويين، ومن ثم فإن المعرفة التي يتوصل إليها معرفة نسبية ولكنها ليست نسبية بشكل مطلق وإنما تظل نسبية بصورة نسبية (فالكمال لله وحده، وفوق كل ذي علم عليم، وهو وحده الذي يعلم ما في الصدور، مركز العالم، المفارق له، وغير الكامن في إنسان أو شيء). وهذا ما يمكن أن نسميه «العقلانية أو الموضوعية الاجتهادية» (في مقابل «العقلانية المادية والموضوعية المتلقية المادية»). والنموذج التفسيري (الاجتهادي) هو الأداة التحليلية المُثلى التي يمكن من خلالها تجاوز إشكالية الذات والموضوع، فالنموذج أداة تحليلية يصوغها العقل من خلال عملية تجريد (استبقاء واستبعاد) لعناصر الواقع، فهو ثمرة لتفاعل الذات مع الموضوع، وهو صياغة ذهنية (ذاتية) لمجموعة من المعطيات والعلاقات المادية (الموضوعية). وكما قال الإمام أبو حنيفة "خذ رأيي واطلب دليلي".

والنموذج التفسيري (الاجتهادي) يختلف عن نموذج الرصد الموضوعي المادي (المتلقي)، فهو ليس أداة رصد سلبية موضوعية تتلقى المعلومات جاهزة صلبة نهائية من الواقع وتؤرشفها وتحاول إدخال كل الظواهر في إطار شبكة السببية الصلبة أو في إطار قوانين عامة تنطبق على كل الحالات في كل الأزمنة والأمكنة، وإنما هو عملية تركيب واكتشاف للمعطيات المتاحة وترتيبها ومحاولة اكتشاف أنماط متكررة ومحاولة الربط بينها مع إدراك كامل للفرق بين الإنسان والطبيعة/المادة والفرق بين المناهج التي يمكن استخدامها لدراسة الظاهرتين الإنسانية والطبيعية. كما أن النموذج التفسيري (الاجتهادي) يحاول تفسير بعض جوانب الظاهرة ويقَنَع بها دون محاولة تفسير الظاهرة ككل، فهو يستطيع أن يتعايش مع المجهول. وفي إطار النموذج التفسيري (الاجتهادي)، يصبح أساس اختيار الحقائق، لا الحقائق نفسها، هو ما يشكل مدى صدقها من زيفها. فالصدق والكذب ليسا كامنين في الحقائق الموضوعية نفسها وإنما في كيفية تناولها وفي القرار الخاص بما يُضَم وما يُستبعَد منها. ولذا، لا يصبح السؤال: ما الحقائق؟ ولكن: ما أهم الحقائق أو ما الحقائق الدالة؟ ويصبح ترتيب الحقائق هرمياً حسب أهميتها أكثر أهمية من مجرد تسجيلها أفقياً بشكل متجاور، ويصبح تعريف ما هو مركزي وهامشي أهم من مجرد مراكمة المعلومات. وتصبح العلاقات بين المعطيات أكثر أهمية من المعطيات نفسها. وعلى كلٍّ، هذا هو جوهر الإبداع: اكتشاف علاقات جديدة في الواقع وتحديد ما هو مركزي وهامشي وتفكيك الواقع وإعادة تركيبه في ضوء هذا الاكتشاف

وبعد أن يُصاغ النموذج التفسيري (الاجتهادي)، لا يمكن أن نقول إن هذا نموذج خاطئ أو مصيب بطريقة أحادية فجة، وإنما نطلب إخضاعه لعملية اختبار (فهو مجرد اجتهاد). وحينما يُخضَع للاختبار، فلابد أنه سيفسر بعض المعطيات في الواقع ولكنه سيعجز عن تفسير البعض الآخر. وفي هذه الحالة، لا يُوصَف النموذج بعدم الموضوعية، فالنموذج لا يُحكَم عليه بمقدار موضوعيته وذاتيته (فهو ابتداءً مزيج من الموضوعية والذاتية لأنه تركيب) وإنما يُحكَم عليه في إطار مقدرته التفسيرية والتنبؤية، وفي إطار تركيبيته. فالنموذج الذي يفسر أكبر قدر ممكن من التفاصيل والعلاقات ويربط بينها ويتنبأ بعدد كبير من الظواهر هو النموذج الأكثر تفسيرية (الذي يُقال له موضوعي)، وهو نموذج المجتهد الذي أصاب (فله أجران)، أما النموذج الذي يفسر عدداً أقل من التفاصيل والعلاقات والذي يتسم بأن مقدرته التنبؤية ضعيفة فهو النموذج الأقل تفسيرية (والذي يُقال له ذاتي) نموذج من اجتهد ولم يفلح تماماً (فله أجر واحد). وبالتالي، لا يصبح المعيار هنا كم المعلومات الذي تمت مراكمته وإنما جدواها في التفسير: وبذا يحل النموذج التفسيري مشكلة استقطاب الذات والموضوع. فالنموذج الذي تبنته حركات التمركز حول الأنثى قادر على تفسير بعض جوانب وجود المرأة وبعض مشاكلها، ولكنه عاجز عن تفسير المرأة في كليتها كأم وزوجة وأخت. وهذه الجوانب الكلية المركبة تحتاج إلى نموذج أكثر تركيبية.

وبعد اختبار النموذج، يمكن إعادة صياغته حتى يمكنه استيعاب المعطيات الجديدة التي فشل في تفسيرها، أي أن النموذج التفسيري (الاجتهادي) ليس صيغة نهائية تنجح أو تفشل (ولذا فنحن ندعو إلى إعادة صياغة النماذج التفسيرية الغربية بعد سقوط المنظومة الاشتراكية وبعد أزمة الرأسمالية). ويُلاحَظ أن النموذج التفسيري (الاجتهادي) ليس نموذجاً استبعادياً، فالعناصر التي يظهر أنها أقل تفسيرية لا تُرفَض ولا تُستبعَد وإنما تفقد مركزيتها وتُنقل إلى الهامش، وهي قد تنتقل إلى المركز مرة أخرى فيما بعد، وقد توضَع في المركز داخل متتالية احتمالية يتم من خلالها رصد عناصر المستقبل الكامن في الحاضر.

والنموذج التفسيري (الاجتهادي) لا يدَّعي أن الراصد آلة فوتوغرافية تسجل موضوعياً ما حولها بدون اختيار وبدون قيم مسبقة وإنما هو يُسمِّي الأمور بأسمائها ويحدِّد للقارئ التحيزات والمكونات الذاتية الكامنة في المعرفة الموضوعية حتى يتحرز القارئ ولا يتصور أن ما يُقدِّم له هو الموضوع والواقع بل مجرد محاولة اجتهادية للوصول لهما (والله، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، أعلم). إن الذات الراصدة تعلن عن حدودها وتعلن أنها ستتوصل إلى جانب وحسب من الموضوع، لا الموضوع كله، ومن خلال اعترافها هذا فإنها تُحقق قدراً أكبر من الموضوعية.

وقد استخدمنا في هذه الموسوعة نماذج تفسيرية لا تدَّعي لنفسها الموضوعية الكاملة ولا المقدرة التفسيرية الشاملة الكاسحة، وهي ليست سوى محاولة اجتهادية لتفسير أكبر قدر من جوانب الظواهر اليهودية والصهيونية موضع الدراسة حسب ما هو متوافر من المعطيات والمعلومات حتى هذه اللحظة. وقد طرحنا ثلاثة نماذج تفسيرية مختلفة ومتداخلة: الحلولية الكمونية ـ العلمانية ـ الجماعة الوظيفية ونموذج التركيب الجيولوجي التراكمي. فإن تناولنا قضية مثل قضية الرأسماليين من أعضاء الجماعات اليهودية الذين تسميهم الأدبيات الشائعة «رأسماليون يهود»، فنحن لا نرفض ما هو متوافر من معلومات وإنما نقبله (إن لم يكن مُختَلقاً) ثم نوسع سياق الظاهرة لتسمح بإضافة معلومات أخرى استبعدتها هذه الأدبيات وبذلك يمكننا اختبار نموذجنا التفسيري والبرهنة على مقدرته التفسيرية التي تفوق المقدرة التفسيرية للنماذج السائدة التي نراها أكثر ضيقاً واختزالاً، أي أقل تفسيرية.


أكثر تفسيرية وأقل تفسيرية
نحن نذهب إلى أن مصطلح «موضوعي» يفترض وجوداً موضوعياً مطلقاً مغلقاً مستقلاًّ يمكن للعقل (الذي يشبه الصفحة البيضاء) رصده بشكل موضوعي محايد تماماً، وهو عقل قادر على الإحاطة بكل شيء ولكنه في الوقت نفسه قادر على الإذعان، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، للواقع المادي الصلب، فهو يدور في إطار مرجعية موضوعية مادية تستبعد الإنسان بهويته وذاتيته وأشواقه وغائيته. أما مصطلح «ذاتي» فهو يفترض وجود ذات فريدة مطلقة مغلقة (متأيقنة) تدور في إطار مرجعية ذاتية خالصة تستبعد الواقع والزمان. وهذه حالة استقطاب مستحيلة، فالواقع المُعاش يختلف عن هذا تماماً.

ونحن نطرح مصطلحي «أكثر تفسيرية» و«أقل تفسيرية» بدلاً من مصطلحي «موضوعي» و «ذاتي» لأنهما يستعيدان الواقع المعاش مرة أخرى، كما يستعيدان الطبيعة البشرية كمرجعية نهائية، وهي طبيعة بشرية مستقلة عن المـادة إلى حدٍّ ما فهي تتحرك داخـل الحيز الإنساني، ولذا فهي تتمتع بقدر من الثبات وحرية الاختيار، ولكنها، في الوقت نفسه، ليست مستقلة تماماً عن العالم الموضوعي أو عن الحيز الطبيعي، فهي تتعامل معه وتدركه. والتفسير يقوم به إنسان مجتهد يجتهد وقد يصيب (فله أجران) أو يجتهد وقد يخطئ (فله أجر واحد)، أي أنه يُدرك أن تفسيره ليس التفسير النهائي، وأنه لا يَجبُّ التفسيرات السابقة وإنما يحاول استيعابها. وداخل هذا الإطار يمكن تحقيق قدر عال من «الموضوعية» عن طريق إدراك الباحث أنه ليس خلواً من الأفكار كالصفحة البيضاء، ولذا فهو يستطيع الاحتفاظ بمسافة بينه وبين أفكاره بحيث يمكنه أن يخضعها للتساؤل والاختبار. كما يمكن أن يخلق الباحث مسافة بين المتلقي وأفكاره عن طريق تنبيهه إلى ذاتيته وأفكاره المسبقة. وعملية التفسير لا تتم في فراغ وإنما هي تفسير لواقع موضوعي يوجد خارج الإنسان، ولذا يمكن اختبار التفسير «الذاتي» بالعودة للواقع «الموضوعي». وقد عرَّفنا ما هو «أكثر تفسيرية» بأنه النموذج القادر على تفسير أكبر عدد من المعطيات والربط بينها، كما أن اختيار النموذج هو اختيار مقدرته التنبؤية، فكلمـا زادت مقدرته أصـبح أكثر تفسـيرية. ولذا فالمناداة برفض مصطلحي «ذاتي» و«موضوعي» لا يعني رفض الرؤية العلمية (بالمعنى المركب الذي نطرحه) ولا رفض التجريب واختبار الأطروحات. فالتمييز بين ما هو «أقل تفسيرية» و«أكثر تفسيرية» لا يتم في فراغ وإنما يتم من خلال عمليات مركبة من التفكير العقلي والتجريب العملي والمعملي في الظروف التي تقتضي ذلك.


النموذج التوليدى والنموذج التراكمى
يتبدَّى الصراع بين النموذج الموضوعي (المتلقي) المادي مع النموذج التفسيري (الاجتهادي) في النقاش الدائر حول الإدراك كعملية توليدية تراكمية، أو كعملية تراكمية وحسب. فالعقل (حسب الرؤية الموضوعية المادية) جزء لا يتجزأ من الطبيعة/المادة خاضع لقوانينها لا يتجاوزها، فهو صفحة سلبية بيضاء تسجل الواقع بشكل شبه فوتوغرافي. وعملية الإدراك حسب الرؤية الموضوعية هي عملية تلق تتراكم من خلالها المعطيات الحسية على عقل الإنسان (ذرة على ذرة ـ معلومة على معلومة ـ حقيقة بجوار حقيقة). وهي عملية ترابطية إذ تترابط هذه المعطيات بشكل تلقائي آلي. والإنسان، حسب هذه الرؤية، هو إنسان طبيعي/مادي، ولذا فإن ثمة تصوراً بأن ثمة قانوناً طبيعياً/مادياً عاماً واحداً يسري على كل الظواهر المادية والإنسانية، ومن هنا الإيمان بوحدة العلوم وبإمكانية تطبيق النماذج المستمدة من العلوم الطبيعية والنماذج الكمية على الإنسان. وثمة تَصوُّر بأن كل الناس (والعلماء) يسألون الأسئلة نفسها ويصلون إلى الإجابات نفسها (إن توافرت الظروف الموضوعية)، ومن ثم فإن عملية تراكم المعرفة عملية مستمرة تتبع خطاً مستقيماً واضحاً وتتم على مستوى الجنس البشري بأسره، ومن هنا ظهور النماذج واحدية الخط (بالإنجليزية: يوني لينيار unilinear) التي ترى أن ثمة نقطة واحدة تتقدم نحوها المعرفة ويتم الحكم على المعرفة من منظور مدى اقترابها من هذه النقطة أو ابتعادها عنها. والمفروض أن عملية التراكم هذه ستؤدي إلى التزايد التدريجي لرقعة المعلوم وإلى تَحكُّم الإنسان في الطبيعة وفي نفسه، وهذا ما سميناه «النموذج التراكمي». وهذا المفهوم هو المفهوم الأساسي الكامن في فكر هوبز وماكيافيللي وإسبينوزا ولوك وفكر حركة الاستنارة وعلم النفس الترابطي والسلوكي والفلسفة الوضعية وغيرها من الفلسفات المعادية للإنسان والتي تحاول إزاحته عن مركز الكون.

ولكن هناك من يرى أن العقل ليس صفحة بيضاء، وإنما هو أداة نشيطة مبدعة في أثناء أبسط عمليات الإدراك والتلقي، ولذا فهو قادر على تجاوز الطبيعة/المادة. وهذا النقد يضرب بجذوره في الرؤية المتمركزة حول الذات والإنسان التي تجعل عقل الإنسان هو موضع الكمون ومن ثم تؤكد فعاليته واستقلاليته عن الطبيعة/المادة (وبالتالي حريته ومقدرته على الاختيار). وأصحاب هذه الرؤية يذهبون إلى أن الحقيقة ليست نتيجة تراكم معطيات حسية على صفحة العقل المادية وعمليات التجريب، فليست كل المعرفة مكتسبة، إذ أن ثمة جزءاً هاماً من المعرفة الإنسانية يُولَد من داخل عقل الإنسان نفسه (ومن هنا تسمية هذا النموذج «النموذج التوليدي»)، وهذا الجزء هو الذي يجعل المعرفة الإنسانية إنسانية ومركبة وجوانية ومستعصية للرصد السلوكي البراني من خلال نماذج العلوم الطبيعية والكمية. والأفكار المركبة ليست نتيجة ترابط آلية تتم بشكل تلقائي بين المعطيات المادية وإنما هو نتيجة لجهد إبداعي من جانب البشر. كل هذا يعني، في واقع الأمر، أن القانون الطبيعي/المادي العام يسري على بعض جوانب من الإنسان ولكنه لا يسري عليه في كليته، ولا يمكن تطبيق النماذج المسـتمدة من العلـوم الطبيعـية والنمـاذج الكمية على الإنسان. ولعدم وجود قانون عام، فالمعرفة لا يمكن أن تتبع خطاً مستقيماً واضحاً وإنما يعني أن كل إنسان يسأل أسئلة مختلفة نابعة من موقفه ولحظته، وهذا يعني أن الخاص لا يذوب تماماً في العام ولا يفقد أهميته أو قيمته، وأن المعرفة لا تؤدي بالضرورة إلى تزايد تحكُّم الإنسان في الطبيعة والإنسان.

وقد تَجلَّى هذا النموذج من خلال كتابات كثير من الفلاسفة الغربيين لعل أولهم ديكارت (رغم تأرجحه بين النموذج المتمركز حول الطبيعة/المادة والنموذج المتمركز حول الإنسان) والذي أكد وجود أفكار كامنة في عقل الإنسان. وقد كان الفيلسوف الإيطالي جان باتيستا فيكو (1668 ـ 1744) من أهم المدافعين عن المقدرة التوليدية للعقل البشري. وتدور فلسفة كانط حول الأفكار المفطورة في عقل الإنسان (مقولات الزمان والمكان والحس الخلقي والحس الجمالي). كما تَجلَّى النموذج في فكر حركة العداء للاستنارة (الفكر الرومانسي) وكل الفلسفات التي ترفض الرؤية التجريبية والفلسفة الوضعية التي تركز على محاولة اكتشاف بنَى العقل والوعي العميق مثل الفلسفة الفينومينولوجية والوجودية والبنيوية وعلم نفس الجشطالت وعلم النفس عند يونج وبياجيه وعلم اللغة عند تشومسكي. ويشترك كل هؤلاء في أنهم يؤمنون بوجود جوانب في الفكر الإنساني لا يمكن تفسيرها على أساس النموذج التراكمي (الموضوعي المادي)، وهو ما يدل على أنها ليست نتاج التجربة أو تراكم المعطيات الحسية، وأنها تضرب بجذورها في المقدرات الكامنة في عقل الإنسان ومقدرته على إعادة صياغة ما يتلقاه من معطيات مادية من الواقع. وقد أعطى كل مفكر اسماً مختلفاً لهذه المقدرة: الوعي الجمعي بما يحويه من رموز عند يونج ـ النمو حسب بنية كامنة عند بياجيه ـ المقدرة اللغوية عند تشومسكي ـ البنية عند البنيويين. فتشومسكي، على سبيل المثال، وجد أن الطفل الإنساني لو تعلَّم اللغة عن طريق اكتسابها من العالم المادي لاحتاج لسنوات طويلة من حياته. كما لاحظ أن الطفل يستخدم بعض قواعد القياس ويقوم بعمليات تجريد لم يعلِّمها له أحد، ولا يمكنه اكتسابها بشكل تدريجي عن طريق التعلم، ولذا طرح رؤيته عن العقل التوليدي.

ويُلاحَظ أن العنصر الذي يشير إليه دعاة النموذج التوليدي هو عادةً عنصر يتجاوز العالم المادي الحسي المباشر ولكنهم مع هذا يرون أنه ليس له وجود خارج العالم الطبيعي، فهو عنصر كامن في عقل الإنسان مفطور فيه (عقل الإنسان وليس دماغه) إذ لا يمكن العثور على خلايا مادية داخل هذا الدماغ يمكن أن نشير إليها بشكل تجريبي ونقول: "هذا هو العضو التشريحي الذي تُولَد منه اللغة والأبنية" (أي أن الغدة الصنوبرية التي كان ديكارت يحاول التوصل إليها ليس لها وجود). ويمكن القول بأن مدرسة فرانكفورت التي تؤسس نظريتها النقدية على أساس وجود إمكانية إنسانية كامنة دائمة لا يمكن استيعابها في الوضع القائم هي التي تجعل الإنسان قادراً على التجاوز والنقد، هذه المدرسة تتبنى رؤية توليدية للعقل الإنساني. وغني عن القول أن من يتبنى رؤية مركبة (مادية وروحية) للإنسان، لابد أن يَتبنَّى النماذج التوليدية ويتخلى عن النماذج التراكمية.

ونحن نستخدم في هذه الموسوعة نموذجاً توليدياً. فنحن نؤمن بوجود ما نسميه «الإنسانية المشتركة» (لا الإنسانية الواحدة أو الطبيعة البشرية الثابتة)، وهي مقدرة كامنة في كل البشر تتحقق بدرجات متفاوتة تتحدَّد باختلاف البشر وظروفهم ومقدرتهم على التجاوز. ولكن مهما بلغت درجة تحقُّقها فإن هذه المقدرة الكامنة لا يمكن أن تُردَّ في كليتها إلى العالم المادي. ومن ثم، فنحن نفترض أن ثمة تماثلاً بين البشر وأن من الممكن أن تسلك مجموعة من الأشخاص نفس السلوك بطريقة متشابهة دون أن يكونوا قد أثروا أو تأثروا ببعضهم البعض (بشكل مادي مباشر). فالذي يوجه سلوكهم ويولد أفكارهم هو هذه المقدرة الإنسانية المشتركة. ولكن، ورغم هذا التماثل، إلا أن الواحدية لا يمكن أن تسود، إذ أن كل إنسان وكل مجموعة بشرية تنتج حضارتها التي تحقق إنسانيتها الكامنة من خلال عناصر محدَّدة في الزمان والمكان تعطي هذه الحضارة خصوصية وتفرداً لا تعزلها عن بقية البشر وإنما تبيِّن انتماءهم الإنساني الذي لا يقبل إلا التنوع والتعدد. وإن طبقنا هذا على أعضاء الجماعات اليهودية فيمكننا القول بأن كل جماعة يهودية لها خصوصيتها وتفرُّدها (الذي تستمده من المجتمع الذي يعيش أعضاء الجماعة اليهودية بين ظهرانيه)، ولكنهم مع هذا بشر، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، يشعرون بما نشعر به، ويحبون ويكرهون، وينتصرون وينكسرون، ويتفاعلون مع البيئة التي حولهم فيشكلونها ويتشكلون بها وتتنازعهم النزعات الجنينية والربانية، شأنهم في هذا شأن البشر كافة. وسـلوكهم من ثم ليـس نتيجـة مجموعة أفكار يقرأونها هنا أو هناك وإنما هو نتيجة هذه المقدرة الكامنة فيهم (للخير والشر). ولذا، إذا انخرط أعضاء الجماعات اليهودية في المحافل الماسونية بأعداد ملحوظة (على سبيل المثال)، فهذا ليس بسبب اكتشافهم الأفكار الماسونية وإنما هو تعبير عن النزوع الجنيني الكامن في الإنسان نحو الحلولية، هذا النزوع قد تَشكَّل من خلال البيئة الفكرية والاجتماعية في أوربا في القرن الثامن عشر وتَصاعُد معدلات العلمنة التي عبَّرت عن نفسها في المراحل الأولى من خلال الفكر الماسوني.

ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن الاهتمام القومي العلماني بالأرض، فقد يقول البعض إن هذا يعود إلى أسفار موسى الخمسة حيث يرتبط الإله بشعبه وبأرضه ارتباطاً عضوياً حلولياً، وإن الفكرة وجدت طريقها إلى العلمانية الحديثة من خلال العهد القديم وأعضاء الجماعات اليهودية، وكأن الفكرة كيان مادي ينتقل كالبضاعة من مكان إلى آخر مع أن الأرض هي إحدى المفردات الأساسية في الخطاب الحلولي الذي يشكل العهد القديم أحد تجلياته وحسب إذ أن فكرة الأرض المقدَّسة (ككيان يحتوي داخله على القداسة) تُوجَد في معظم الوثنيات القديمة وفي كثير من المعتقدات الشعبية. وقد يكون من الأفضل أن نرى أن الحلولية نموذج كامن في الخطاب الإنساني يُعبِّر عن رغبة الإنسان الدفينة في العودة إلى الأرض واختزال الواقع تماماً، وهو نموذج تتولَّد منه مفردات أساسية مختلفة ويُعبِّر عن نفسه من خلال تجليات مختلفة (القبَّالاه اليهودية ـ القبَّالاه المسيحية)، وأن هذا النموذج تحوَّل تدريجياً من الصياغات الدينية داخل وحدة الوجود الروحية إلى الصياغات المادية داخل وحدة الوجود المادية، وأن تَحوُّله هذا هو نفسه ظهور العلمانية الحديثة.

ونحن، إن تخلينا عن النموذج التوليدي في التفسير، سنلاحظ أن هناك مجموعة من الأفكار المتشابهة يتداولها أعضاء الجماعات اليهودية، فنجد أنفسنا نتجه نحو التفسير التآمري إذ نرى أن اليهود أينما كانوا يقومون بدس نفس الأفكار ونشرها والترويج لها فنظن أنها مؤامرة عالمية كبرى دون أن ندرك أن الصينيين ـ على سبيل المثال ـ حينما يوضعون في نفس الوضع كثيراً ما يؤكدون نفس الأفكار ويسلكون نفس السلوك.

نموذج التأرجح بين الواحدية الذاتية (التمركز حول الذات) والواحدية الموضوعية المادية (التمركز حول الموضوع)وبين الصلابة والسيولة
نموذج الثنائية الصلبة الناجم عن الصراع بين الواحدية الذاتية (التمركز حول الذات) والواحدية الموضوعية المادية(التمركز حول الموضوع) هو نموذج كامن في تلك النزعة الجنينية التي تشكل جانباً مهماً من إنسانيتنا المشتركة. ويتبدى هذا النموذج عبر تاريخنا البشري في منظومات فكرية وظواهر اجتماعية مثل: الحلولية الكمونية (الروحية والمادية) والعلمانية الشاملة والجماعات الوظيفية (أ ـ ترمز إلى الواحدية الذاتية [التمركز حول الذات]، ب ـ ترمز إلى الواحدية الموضوعية المادية [التمركز حول الموضوع]. ويُلاحَظ أن كل الظواهر التي رصدناها تتبع نمط أ ـ ب إلا وحدة الوجود الروحية فهي مقلوب هذا النمط ب ـ أ).

1 ـ وحدة الوجود الروحية:

ب) يود المتصوف الحلولي، الزاهد في الدنيا وعالم الجسد، أن يترك الدنيا تماماً ليعود إلى الإله ويتحد به ويفنى فيه، كي يتحقق جوهره الرباني تماماً.

أ) إن تم الاتحاد الكامل وفناء الإنسان في الإله، فإن الفاصل بين الإله والإنسان يُمحى، وبدلاً من فناء الإنسان في الإله يفنى الإله في الإنسان، وبدلاً من إخضاع الذات للإله تتغول الذات وتتوحش.

2 ـ وحدة الوجود المادية (العلمانية الشاملة):

أ) يبدأ الإنسان العلماني في عالم الطبيعة/المادة، عالم الحواس الخمسة، فيبحث عن الإشباع الفوري والمباشر لحواسه وغرائزه، وعن تحقيق الحد الأقصى من الحرية الفردية والمتعة الشخصية، فلا إرجاء ولا تأجيل لإشباع الغرائز والحاجات، إذ يجب أن تختفي كل الحدود وأن تُزال كل القيود والسدود. وهكذا يركز العقل العلماني على عالم الذات وعالم الحواس والمعطيات المادية، مستبعداً أي شيء يتجاوز ذلك، فالإله والقيم المطلقة أفكار مجردة تجاوز حدوده. ويتزايد التركيز على الشخصي والمباشر والمتعين حتى يصبح جسد الإنسان الحقيقة النهائية والمطلقة الوحيدة وتصبح الأعضاء التناسلية (في الخطاب ما بعد الحداثي) الصورة المجازية النهائية.

ب) مع اختفاء المسافة بين الإنسان والطبيعة/المادة يذوب الإنسان فيا ويفقد ما يميِّزه كإنسان ويجد نفسه خاضعاً للحتميات الطبيعية، الموضوعية المادية. والطبيعة/المادة مجموعة من القوانين المجردة التي لا تكترث بالإنسان ولا بخصوصيته، ومن ثم تختفي تدريجياً كل الأشكال الخاصة والمتعينة وتحل محلها القوانين الطبيعية المجردة، والمعادلات والأرقام.

يتميَّز التمركز حول الذات وحول الموضوع بالصلابة. ولكن في إطار العلمانية الشاملة لا يتوقف الأمر عند هذا الحد إذ تنتقل المنظومة ككل من مرحلة الصلابة إلى مرحلة السيولة (التي سنرمز لها بـ جـ).

جـ) يحـل المبـدأ الواحــد في كـل الأشــياء فتتعدد المراكز ويصبح العالم لا مركز له، وبدلاً من الواحدية الموضوعية تظهر الواحدية الذرية السـائلــة، حيـث تصبح كل ذرة مستقلة بذاتها، ومن ثم ننتقل إلى حالة السيولة.

3 ـ الجماعات الوظيفية:

أ) الجماعات الوظيفية جماعات تؤمن برؤية حلولية للكون فترى نفسها مركز الكمون فهي مرجعية ذاتها، مكتفية بذاتها، تنظر للآخر باعتباره شيئاً للانتفاع.

ب) في تمركزها حول ذاتها، يتمركز عضو الجماعة الوظيفية حول وظيفته ويفقد ذاته فيها.

ويُلاحَظ أن مرحلة التمركز حول الذات (الواحدية الذاتية) لا تختلف في جوهرها عن التمركز حول الموضوع (الواحدية الموضوعية) ومن ثم تنشأ الثنائية الصلبة التي عادةً ما تُحسم لصالح الواحدية الموضوعية.


نموذج الما بعد
من أهم النماذج التي ظهرت نموذج «الما بعد» (ما بعد هي ترجمة لكلمة «بوست post» الإنجليزية وتنويعاتها الغربية المختلفة). وهو نموذج يشير إلى ما بعد ظاهرة ما دون أن يحدد شكل هذا الما بعد ولا اتجاهه. فهناك على سبيل المثال حديث عن «ما بعد الأيديولوجيا»، و«المجتمع ما بعد الصناعي»، و«ما بعد الرأسمالي»، و«ما بعد الميتافيزيقا» ، و«ما بعد الصهيونية»، وبطبيعة الحال «ما بعد الحداثة». ونموذج الما بعد يؤكد أن النموذج السائد (الرأسمالية ـ الحداثة.. إلخ) لم تَعُد له فعالية ولم يعد قادراً على تفسير الواقع الذي يشار إليه بأنه «رأسمالي» أو «حداثي». ولكن رغم أن القديم قد أخذ يموت إلا أن الجديد لم تتضح معالمه تماماً. ونظراً لعجز الإنسان الغربي عن تسميته الظاهرة الجديدة فإنه يكتفي بالإشارة إليها من خلال كلمة «ما بعد». وفي تصوُّرنا أن كلمة «ما بعد» تعني «نهاية» (وهي تظهر في اصطلاح «نهاية التاريخ» التي تعني «نهاية التاريخ الإنساني كما نعرفه»). ولكن لعل الإنسان الغربي قد وجد كلمة «نهاية» راديكالية وجذرية وتبلور الأمور أكثر مما ينبغي، ولذا اكتفى بكلمة «ما بعد».


الباب الثالث: النموذج الاختزالي والنموذج المركـب


النموذج الاختزالى

تشكل أطروحات نموذج الرصد الموضوعي المادي (المتلقي) التربة الخصبة (وليس السبب الوحيد) لظهور النماذج الاختزالية التي تتسم بما يلي: التماسك الشديد ـ البساطـة ـ التجانس ـ الواحدية ـ السببية الصلبة ـ الطموح نحو شمـولية التفسـير ـ الطـموح نحـو درجة عالية من اليقينية ـ الطموح نحو الدقة المتناهية في المصطلحات.

والنموذج الاختزالي (الذي يمكن أن يُشار إليه أيضاً بـ «النموذج البسيط» و«النموذج المُغلَق» و«النموذج الواحدي» و«النموذج المُصمَت» و«النموذج الموضوعي المادي (المتلقي)») يتجه نحو اختزال العالم إلى عدة عناصر (عادةً مادية) بسيطة. فالظواهر، حسب هذا النموذج، ليست نتيجة تفاعُل بين مركَّب من الظروف والمصالح والتطلعات والعناصر المعروفة، والمجهولة من جهة، وإرادة إنسانية حرة وعقل مبدع من جهة أخرى، وإنما هي نتاج سبب واحد بسيط عام أو سببين أو ثلاثة (قد يكون قانوناً طبيعياً واحداً، أو دافعاً مادياً واحداً، أو قوة مدبرة خارقة)، تنطبع على عقل متلق لهذا القانون أو الدافع أو القوة. والعنصر المشـترك هنا هو استبعاد الفاعل الإنساني ورده إلى ما هو دونه (الطبيعة/المادة أو هذا العنصر الواحد أو ذاك) فالنموذج الاختزالي لا يُفرِّق بين الطبيعة/المادة والإنسان. ومهما تنوَّعت الأسباب وتعدَّدت فإن التنوع والتعدد، من منظور النموذج الاختزالي، مسألة ظاهرية، إذ أن كل الأسباب عادةً ما تنحل كلها وتمتزج، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، لتصبح مبدأً واحداً ثابتاً لا يتغيَّر، تخضع له كل الظواهر بشكل مباشر يُلغي كل الخصوصيات والثنائيات وأشكال التنوع.

ولهذا السبب فإن النماذج الاختزالـية نماذج مطلقة مغلقة ترى التاريخ كياناً يتحرك بطريقة واحدة ونحو نقطة واحدة. وأحداث التاريخ والواقع الإنساني ككل هي نتاج بطولة بطل أو بطلين، أو نتاج عقل واحد متآمر وضع مخطَّطاً جباراً وصاغ الواقع حسب هواه، أو نتاج نظرية ثورية فورية أو فكرة انقلابية جذرية أو عودة مشيحانية أو حتمية تاريخية أو بيئية أو وراثية أو العنصر الاقتصادي أو الدافع الجنسي.

هذا المبدأ الواحد يمكن أن يكون روحياً (الإله ـ البطل ـ العقل الثوري ـ المؤامرة الكبرى) أو مادياً (قانون الحركة ـ العنصر الاقتصادي ـ العنصر الجنسي) أو روحياً اسماً، مادياً فعلاً (نَفَس العالم ـ روح الشعب). وفي الحالة الأولى، يُفسَّر كل شيء تفسيراً روحياً أو مثالياً أو تآمرياً (فلا موجود إلا هو). وهذا هو التفكير الديني المتطرف الذي يؤدي إلى الإرهاب والذي يعلن نهاية التاريخ المشيحانية والعودة إلى العصر الذهبي أو صهيون. أما في الحالة الثانية، فإن كل شيء يُفسَّر تفسيراً مادياً (ولا موجود إلا هي: الطبيعة/المادة، أو قانون الحركة). وهذا هو التفكير العلماني الشامل المادي المتطرف الذي يؤدي إلى النسبية والعدمية وإلى أشكال مختلفة من الإرهاب الفكري والفعلي مثل الستالينية وإعلان الحل النهائي النازي أو نهاية التاريخ الليبرالية أو اليوتوبيا التكنولوجية (التي أوشكت على التحقق في الحضارة الغربية كما هو الزعم هذه الأيام).

ويمكن أن نصف هذا التصور الواحدي للتاريخ بطريقة مغايرة فنقول إن المبدأ الواحد في النماذج المغلقة لا يتجاوز العالم ولا يظل منزَّهاً عنه، وإنما يتجسَّد فيه. وحينما يتجسَّد فيه، ينغلق النسق وتُلغَى الثنائيات الفضفاضة والخصوصيات. ويدور هذا النموذج في إطار السببية الصلبة المطلقة المغلقة حيث تُوجَد وحدات بسيطة تتفاعل بشكل بسيط لتؤدي إلى نتائج بسيطة يمكن رصدها ببساطة وبحيث تؤدي (أ) حتماً إلى (ب) دائماً في كل زمان ومكان. وكل شيء لابد أن يدخل شبكة السببية الصلبة حتى نستطيع أن نصل إلى التفسير الكامل الشامل. وكل هذا يعني سيادة الواحدية السببية وسيادة الحتمية. وحينما يتعامل هذا النموذج مع العام والخاص والكل والجزء فإنه يذيب الجزء والخاص في الكل والعام تماماً بحيث لا يتعامل إلا مع الكل والعام.

ومهما كان أساس التفسير أو طبيعة التوجه السياسي أو الفلسفي للنموذج الاختزالي، فإن الرؤية المعرفية الكامنة واحدة؛ وهي رؤية تذهب عادةً إلى أن عقل الإنسان كيان سلبي متلق يُسجِّل كل ما ينطبع عليه من معطيات مادية بشكل آلي، أو أن الواقع بسيط مكوَّن من عنصر واحد أو اثنين، ومن ثم فالعلاقة بين العقل والواقع بسيطة يمكن رصدها ببساطة، فالعقل إما أن يتحكم في الواقع تماماً أو يذعن له تماماً. هذا يعني في واقع الأمر أن السمة الأساسية للنماذج الاختزالية هي استبعادها التركيبية تماماً واستبعادها الفاعل (المدرك) الإنساني.

هذا هو وصف النموذج الاختزالي في عصر العقلانية المادية الشمولية. وقد حدثت ثورة عارمة ضد هذه الرؤية الاستنارية وضد هذا النسق المغلق الواحدي الصلب وظهر الفكر المعادي للاستنارة الذي يصل إلى قمته عند نيتشه. ولكن الثورة تمت في نفس الإطار المعرفي (الكلي والنهائي) المادي. ولذا رُفض الإطار التفسيري الاختزالي الشامل وحل محله إطار يرفض فكرة التفسير نفسها ولكنه لا يقل عنه اختزالية، فبدلاً من فكرة الكل المادي ظهرت فكرة الغياب المادي للكل، وبدلاً من المطلقات الشاملة ظهرت النسبيات المطلقة، وبدلاً من التحدُّد الكامل ظهر اللاتحدُّد الكامل، وبدلاً من السببية الصلبة ظهرت اللاسببية والصدفة، وبدلاً من التماسك المُصمَت ظهرت الذرية والتشتت، وبدلاً من اليقين الكامل ظهر الشك الكامل، وبدلاً من التركيز على العام وإنكار الخاص تم التركيز على الخاص وإنكار العام، وبدلاً من التجانس المتطرف ظهر اللاتجانس المفرط، وبدلاً من البسـاطة السطـحية ظهر التأيقن المنغلق عـلى ذاته، وبدلاً من الرغـبة في التحـكم الإمبريالي ظهرت السيولة الكاملة، أي بدلاً من العقلانية المادية (والاستنارة المنيرة) ظهرت اللاعقلانية المادية (والاستنارة المظلمة). وظهور التفكيكـية (التقويضية) هو تعبير عـن هذا الوضع، فكل شـيء نسبي لا يمكن الوصول إليه، فهو غير محدَّد ومُرجأ. فكأن اللوجوس، بدل أن يتجسَّد في كل شيء (على طريقة الحلولية الكمونية الواحدية)، انسحب منه تماماً وغاب واختفى (مات الإله، على حد قول نيتشه). ولكن ما يجمع الاثنين هو الصورة المجازية الأساسية للتجسد: فإما حلولية عضوية كاملة نتيجة التجسد الكامل أو تشظ آلي كامل نتيجة لغياب التجسد. ولذا، فإذا كانت العقلانية المادية أنتجت نماذج واحدية مادية، فإن اللاعقلانية المادية تعادي فكرة النماذج، أو تكتفي بإنتاج نماذج لاعقلانية مادية، نماذج مايكرو صغيرة لا تتعدى فعاليتها نطاق ظاهرة أو اثنين. وهكذا يتم التأرجح بين الواحدية التفسيرية والواحدية اللاتفسيرية.

والنماذج الاختزالية ذات جاذبية خاصة للأسباب التالية:

1 ـ عملية نحت النماذج المركبة (بما تتضمنه من عملية التجريد والتفكيك والتركيب) عملية صعبة للغاية تتطلب جهداً إبداعياً واجتهاداً خاصاً، ولذا فإن ما يحدث في كثير من الأحيان أن يقوم الناس أثناء عملية التفسير بعملية تجريد تفكيكية اختزالية أبعد ما تكون عن التركيب وتتسم بالتبسيط والوضوح والتحرك في إطار السببية البسيطة (الروحية أو المادية) واليقينية المطلقة أو شبه المطلقة. فيستبعدون بعض العناصر ذات القيمة الأساسية في عملية الفهم والتفسير والتغيُّر التي لم يُدرك صاحب النموذج الاختزالي أهميتها، بحيث يصبح التعامل مع الواقع مسألة سهلة وتصبح النتائج التي يتوصل لها الباحث يقينية (تقترب من اليقينية التي يتوصل لها الباحث في الظواهر الطبيعية) الأمر الذي يُولِّد لدى الإنسان وهم التحكم الكامل في واقعه والتفاؤل الشديد البسيط. والعقل الإنساني، منذ أن وُجد الإنسان، دائم البحث عن صيغة بسيطة يمكنه عن طريقها تفسير كل شيء والتحكم في كل شيء وحل كل مشاكله: خاتم سليمان أو مصباح علاء الدين أو جملة سحرية أو معادلة رياضية أو قانون علمي واحد يفك به كل الشفرات ويحل به كل الألغاز ويفتح به كل الكنوز، فثمة رغبة طفولية جنينية كامنة في النفس البشرية تدفع الإنسان إلى محاولة الوصول إلى عالم فردوسـي لا صراع فيه ولا تَدافُع ولا اختيارات أخلاقية، عالم كل الأمور فيه واضحة لا لبس فيها ولا إبـهام، ومن ثم يمكن التحكم فيه تماماً.

2 ـ أدَّى شيوع وهم الموضوعية الكاملة المتلقية والواقع الخام إلى شيوع النماذج الاختزالية، فنحن كثيراً ما نتصور أن الحقائق هي الحقيقة وأن الواقع الخام هو مُستَقَرها، ولذا فنحن نحاول أن نكون موضوعيين تماماً في رصد الحقائق فلا نُعْمل عقولنا. ومعظم الحقائق التي يأتي بها الاختزاليون حقائق موضوعية ووقائع ثابتة حدثت تحت سمع الناس وبصرهم، فهم لا يختلقون الحقائق (في أغلب الأحيان) وإنما يجتزئونها، ولكن كثيراً ما تكون الحقائق التي يذكرونها تافهة هامشية جزئية لا علاقة لها بالحقيقة الكلية (ولذا فهي تُسمَّى بالإنجليزية: ترو لايز true lies أكاذيب حقيقية، أي كلمة حق جزئي يُراد بها باطل كلي).

3 ـ النموذج الاختزالي هو النموذج السائد في الصحافة والإعلام على وجه العموم، بسبب أن المشتغل بالإعلام عادةً ليس عنده فسحة من الوقت للنظر العميق في الوقائع التي يكتب عنها (فرئيـس التحرير يود أن يجد الخبر فوراً على مكتبه) ولذا ارتبط الإعلام تماماً بالآن وهنا وبما يسمونه الأحداث الساخنة، التي يضطر الإعلامي لعزلها عن أي سياق أو خلفية تاريخية أو اجتماعية وأية دوافع إنسانية مُركَّبة وأية إشكاليات سابقة. وإن حدث وأدرك الإعلامي بعض الأبعاد المركبة للحادثة التي يكتب عنها فهناك مشكلة أن السيد رئيس التحرير الافتراضي يريدها في حيز صغير جداً (200 كلمة ـ 3 دقائق). وقد أدَّى كل هذا إلى سيادة النماذج الاختزالية على الإعلام والإعلاميين، وبسبب سيطرة الإعلام على عقول الناس بدأت النماذج الاختزالية تهيمن على السواد الأعظم من البشر.

4 ـ وقد عمَّق هذا الاتجاه ظهور الصورة كمصدر أساسي للمعرفة، فالصورة منغلقة على نفسها توصِّل رسالتها بشكل مباشر إلى وجدان الإنسان العادي، الأمر الذي لا يتيح له أية فرصة للتأمل أو التفكر.

5 ـ لا شك في أن إيقاع الحياة الحديثة ذاته الآخذ في التسارع لا يسمح بأي تأمل أو تفكُّر، ولذا فمن الأفضل للإنسان أن يدور في إطار الصيغ اللفظية الجاهزة (الكلشيهات) والصور النمطية.

والأسباب السابقة تجعل البشر وبخاصة في العـصر الحديث، يميلون إلى تبنِّي النماذج الإدراكية والتحليليـة الاختزالية. غير أن هناك عناصر تكمُن في واقع أعضاء الجماعات اليهودية ساعدت على انتشار النماذج الإدراكية الاختزالية التبسيطية بين دارسي الظواهر اليهودية.
1 ـ لعل من أهم هذه الأسباب أن ظاهرة الجماعات اليهودية ظاهرة شديدة التركيب وعدم التجانس. فهم ينتمون لعدة مجتمعات في مراحل تاريخية مختلفة وغالبيتهم تعيش في الوقت الحاضر في الولايات المتحدة. ولكن هناك كتلة بشرية يهودية في الشرق الأوسط تدَّعي أنها أقامت دولة يهودية. وهم يوجدون في كل الطبقات القائمة، فمنهم كبار الرأسماليين في الولايات المتحدة ومنهم الحرفيون البدائيون في إثيوبيـا. لكن العقل البشري (ربما تأثُّراً بالرؤية التوراتية والإنجيلية لليهود) نظر إليهم باعتبارهم شعباً واحداً (مقدَّساً أو شاهداً أو شهيداً أو مختاراً أو وضيعاً أو منبوذاً) ثم هيمنت مقولة وحدة اليهود هذه وتم رصد أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم ظاهرة واحدة ينتظمها إطار واحد، وتمت عملية التراكم المعرفي في هذا الإطار الذي يفترض وجود مثل هذه الوحدة الوهمية. وقد استنام معظم الباحثين لهذه الأطروحة السهلة، ولم يَعُد أحد يختبرها مع أنها قابلة للاختبار بالعودة إلى الواقع المتنوع الثري وغير المتجانس للجماعات اليهودية في التاريخ. ولو فعلنا ذلك لاكتشفنا أن اليهود ليسوا يهوداً والسلام، بل هم جماعات يهودية لا ينتظمها تاريخ يهودي واحد وإنما تواريخ إنسانية متعددة، ولاكتشفنا أيضاً أن عناصر عدم التجانس بين هذه الجماعات أكثر أهمية من الناحية التفسيرية من العناصر المشتركة بينها، وأن الجماعات اليهودية «جماعات» أكثر أهمية من كونها «يهودية». ولكن التوصل إلى هذا المستوى من التعميم يتطلب جهداً بحثياً وإبداعياً شاقاً، عادةً ما يستغرق وقتاً طويلاً، إذ يجب أن يقوم الباحث بمقارنة يهود الصين مثلاً بيهود إثيوبيا بيهود الولايات المتحدة ويهود العالم الإسلامي، في الماضي والحاضر، وعلى المستويات الدينية والأخلاقية والاجتماعية والفكرية والسكانية... إلخ، وذلك حتى يكون بوسعه أن يحدِّد العناصر المشتركة بينهم، والثوابت والمتغيرات، وعلاقة الواحد بالآخر، وهكذا.

2 ـ يمكن القول بأن الشعائر اليهودية المركبة التي لا يستطيع الكثيرون من غير اليهود فهمها تُعَدُّ من أهم العناصر التي ساهمت في إشاعة النماذج الاختزالية في دراسة الظواهر اليهودية. فحينما لا يفهم الإنسان شيئاً فإنه كثيراً ما يلجأ إلى تفسيرات اختزالية (تآمرية أو صهيونية) تريحه من عناء التفكير.

3 ـ ساهمت النزعة الانعزالية في الدين اليهودي، والتصورات الدينية اليهودية الخاصة بالشعب المختار والمركزية الكونية والتاريخية التي يضفيها اليهود على أنفسهم في تعميق شكوك غير اليهود فيهم. ومع هذا، يجب التنبه إلى أن ثمة نزعة توحيدية قوية في العقيدة اليهودية رغم هيمنة النزعة الحلولية الواحدية (ابتداءً من القرن السادس عشر على وجه الخصوص).

4 ـ يُلاحَظ أن اليهود يلعبون دوراً مركزياً في الدراما التاريخية المسيحية (نزول المسيح ـ صلبه على يد اليهود ـ هداية اليهود تمهيداً للعصر المشيحاني... إلخ). وقد ارتبطت فكرة الخروج في الوجدان الغربي باليهود، فهم دائماً في حالة خروج (ودخول) من فلسطين (أرض كنعان) إلى مصر، ثم من مصر إلي فلسطين، ثم من فلسطين إلى بابل، ومن بابل إلى فلسطين، ومن فلسطين إلى أرض الشتات، وهكذا. وساهم كل هذا في تحويل اليهود إلى مقولة غير زمانية وفي اختزالهم إلى بُعد واحد.

ومع أن اليهود لم يلعبوا دوراً متميِّزاً مماثلاً في الإسلام، فقد كانوا أهل كتاب وذوته، إلا أنه من خلال تفسير حرفي يطابق بشكل هندسي بين ما جاء في القرآن ووقائع التاريخ المتناثرة، تم الربط بين ما جاء في القرآن والسنة عن اليهود وبين يهود العالم في العصر الحديث. ومن ثم، تَحوَّل اليهود إلى مقولة ثابتة غير زمانية، وتم اختزالهم مرة أخرى إلى بُعـد واحد رغم المفاهيم الإسلامية الحاكمة الخاصة بالفطرة والتدافع وقبول الآخر.


5 ـ مما لا شك فيه أن وجود اليهود داخل عديد من المجتمعات الغربية، كجماعات وظيفية متفرقة تنتظمها شبكة من العلاقات التجارية الوثيقة، والتي تَحقَّق من خلالها قدر كبير من النجاح التجاري والمالي، عمَّق الرؤية الاختزالية التآمرية في النظر لليهود. وقد بلغت هذه الشبكة قمة تماسُكها وقوتها في القرن السابع عشر حين كانت تصل بين يهود الأرندا في شرق أوربا (في بولندا وأوكرانيا)، ويهود البلاط في وسطها وغربها، ويهود السفارد في البحر الأبيض والدولة العثمانية وشبه جزيرة أيبريا والعالم الجديد. وخلق هذا الوجود إحساساً عميقاً لدى كثير من الدارسين بأن ثمة تنسيقاً تآمرياً بين اليهود في كل أنحاء العالم (وقد انحلت هذه الشبكة تماماً بقيام النظام المصرفي الحديث وظهور الدول القومية العلمانية الحديثة).

6 ـ أدَّى تعثُّر التحديث في الإمبراطورية الروسية في أواخر القرن التاسع عشر وتَزايُد عدد اليهود نتيجة انفجار سكاني صغير (ولمُركَّب آخر من الأسباب) إلى خلق مشكلة عدم تأقلُم لدى الكثيرين من أعضاء الجماعات اليهودية إزاء النظام الاقتصادي الجديد، الأمر الذي اضطر أعداداً كبيرة منهم للهجرة، وقد وُصف هذا بأنه دليل على رغبة اليهود الأزلية في الخروج من أوطانهم ودليل على تطلُّعهم الدائم لصهيون.

7 ـ ومع ضعف المجتمعات الغربية وبنائها القيمي، بسبب انتشار قيم النفعية واللذة، ومع تَركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من الحركات الفوضوية وفي قطاع اللذة (الكباريهات ـ السينما ـ السياحة)، تَعمَّق الإحساس بأن ثمة مؤامرة يهودية لا تهدف إلى السيطرة على العالم وحسب، بل تهدف أيضاً إلى إفساده (مع العلم بأن الجماعات اليهودية في أوربا كانت من أكثر القطاعات البشرية محافظة من الناحيتين الأخلاقية والسياسية حتى منتصف القرن التاسع عشر، ولم تكن ظاهرة الأطفال غير الشرعيين معروفة بينهم).

وطريقة صياغة النموذج الاختزالي لا تختلف عن طريقة صياغة أية نماذج تحليلية أخرى، فهي عملية تفكيك وتركيب:

1 ـ يحدِّد صاحب النموذج الاختزالي الواحدي (الروحي أو المادي) أطروحته الأولية (الفرض العلمي)، وهي عادةً أطروحة بالغة البساطة، وفائقة العمومية بسبب استبعادها لتركيبية الواقع وتركيبية الفاعل الإنساني (اليهود إن هم إلا عناصر بورجوازية ـ اليهود إن هم إلا شياطين... إلخ).

2 ـ تُمنَح الأطروحة البسيطة مركزية تفسيرية.

3 ـ تتم مراكمة المعلومات في ضوء هذه الأطروحة البسيطة، ومهما بلغت سذاجة وبساطة الأطروحات والفروض الأولية، فهناك دائماً في الواقع بعض المعطيات والحقائق التي يمكنها أن تضفي قدراً من المصداقية على هذه الأطروحات والافتراضات، وهي عادةً حقائق صلبة وصادقة تماماً من الناحية الإخبارية المباشرة، أي أنها موجودة بالفعل في الواقع.

4 ـ ولكن ما يحدث لهذه الحقائق الصلبة هو ما يلي:

أ ) تُنزَع الوقائع والتفاصيل من سياقها التاريخي والإنساني، بحيث تصبح لا تاريخ لها ولا أصول اجتماعية ولا أبعاد إنسانية.

ب) تُعزَل الوقائع والتفاصيل عن كل أو معظم الحقائق الأخرى، وعن أية نماذج أو أنماط تاريخية أو اجتماعية أو إنسانية أخرى، أي أن المنظور المقارن يُسقَط تماماً.

جـ) بعد إتمام هاتين العمليتين يمكن فرض أي اتجاه على هذه الحقائق فتتحوَّل إلى مؤشر إمبريقي دقيق ودليل مادي قاطع على صدق الأطروحة أو الفرضية الأولية، فهناك عدد لا بأس به من البورجوازيين من أعضاء الجماعات اليهودية، ولا شك في أن هناك من اليهود من يسلك سلوكاً شيطانياً (شأنهم في هذا شأن بعض البشر).

وبعد أن تتم صياغة النموذج البسيط وتوثيقه، لابد أن يتسم من يتلقَّى "الأطروحة الموثقة" بمقدرة فائقة على تَقبُّل الحقائق المادية الصلبة دون مساءلة وعلى استبعاد الفاعل الإنساني، فهو مُتلقٍّ موضوعي محايد، إن رأى أرقاماً آمن بها على التو، وإن سمع عن واقعة حدثت فعلاً عليه أن يصدقها بكل ما أوتي من عنف وموضوعية دون تفكيك أو تركيب، ودون استدعاء حقائق وأنماط أخرى، ودون إدراك السياق الاجتماعي والتاريخي الإنساني للتفاصيل والوقائع التي تُعرَض عليه، ودون تساؤل عن مدى أهميتها ومركزيتها.

وتتسم النماذج الاختزالية، روحية كانت أم مادية، بالواحدية، وتُعبِّر هذه الواحدية عن نفسها إما في مستوى متدن جداً من الخصوصية في حالة النماذج الروحية أو مستوى عال جداً من التعميم في حالة النماذج المادية (كما يمكن أن يتأرجح النموذج الاختزالي بشدة بين المستويين)، فالنماذج الاختزالية التآمرية ترى اليهود ظاهرة واحدة متماسكة (شعب واحد ـ طبقة واحدة ـ تشكيل حضاري واحد)، وهو شكل من أشكال التعميم المفرط. وتبدأ هذه الدراسات في الحديث عن تاريخ واحد مع أن مثل هذا التاريخ غير موجود. والأبحاث التي تقبل مثل هذه المقولات تجد نفسها تدور داخل حدود ضيقة متحيزة تؤكد بعض العناصر الهامشية وتهمِّش (أو تُسقط تماماً) بعض العناصر الأساسية، ثم يجد الباحث نفسه يراكم الحقائق داخل هذه الحدود ويبحث عن أنماط مستمرة حيث لا أنماط ولا استمرار، فتفرض عليه المقدمات المتحيزة الكامنة نتائج مضلِّلة. ثم يجد نفسه في نهاية المطاف يكتشف خصوصية يهودية تعزل الظواهر اليهودية عن الظواهر الإنسانية الأخرى، أي أن النموذج الاختزالي التآمري انتقل من التعميم المفرط إلى التخصيص المفرط.
وقد يكون من المفيد أن نضرب بعض الأمثلة على ذلك: حين يفترض الباحث ذو النزعة الاختزالية (التآمرية) أن اليهود (وليس، على سبيل المثال، أعضاء الجماعات اليهودية في القرن التاسع عشر في روسيا) يتحركون داخل التاريخ اليهودي (وليس داخل التاريخ الروسي بشكل مُحدَّد)، فإنه يبحث عن أسباب ظهور الصهيونية داخل هذا النطاق اليهودي الضيق، وذلك بدلاً من أن ينظر إلى الديناميات الحضارية والإنسانية الأشمل والأكثر فعالية مثل تَعثُّر التحديث في روسيا القيصرية وظهور التشكيل الاستعماري الغربي وتآكُل المنظومات الأخلاقية للمجتمع القيصري ككل. بدلاً من ذلك يشير صاحب النزعة التآمرية إلى إحدى خصائص اليهود الفريدة: اتجاههم نحو التعالي على غير اليهود، الأمر الذي يستفز الشعوب التي يعيش اليهود بين ظهرانيها.

وحينما تُكتَشف عصابة مخدرات ودعارة في كاليفورنيا يديرها مهاجرون سوفييت أو يُعلَن عن وجود مافيا من اليهود السوفييت والإسرائيليين، فإن هذه الواقعة تتحوَّل في ذهن التآمريين من أعداء اليهود إلى مؤشر على انحلال الشخصية اليهودية. وفي الوقت نفسه وافق بعض الصهاينة على هذا ولكنهم يحوِّلون هذا الانحلال إلى مؤشر صلب وأكيد يدل على أن اليهود إن عاشوا خارج أرض الميعاد فإنهم يصابون بالانحلال الخلقي والتفسخ الاجتماعي بسبب اغترابهم ولا صلاح لهم إلا بالعودة لوطنهم القومي. ولا يرد في سياق هذا التحليل أي شيء عن معدلات الجريمة في كاليفورنيا، ولا نسبة اشتراك الجماعات المهاجرة الأخرى فيها، ولا نسبة اشتراك المهاجرين السوفييت، ولا نسبة اشتراك اليهود الأمريكيين (الذين استقروا في الولايات المتحدة منذ أمد طويل).

وحينما يظهر مجرم يهودي، فهذا تعبير عن الإجرام المتأصل في الطبيعة اليهودية (بالنسبة للمعادين لليهودية) ولا تتم الإشارة إلى عتاة المجرمين الآخرين من غير اليهود. وإن حصل يهودي على جائزة نوبل، فإن الصهاينة يشيرون إلى أن اليهود عباقرة بطبيعتهم، وإلى أن اليهود يشكلون 3% من الشعب الأمريكي بينما بلغ عدد اليهود من الحاصلين على جائزة نوبل 30% (مثلاً) وذلك دون الإشارة إلى أن العلماء اليهود الذين يكسبون جائزة نوبل يُوجَدون دائماً داخل التشكيل الحضاري الغربي ولم يظهر عباقرة بين يهود الهند أو إثيوبيا (وهو ما يدل على أن العنصر الثابت ليس يهودية العبقري وإنما وجوده في الحضارة الغربية بما تتيحه من إمكانيات وإعلام). وما يحدث هنا أن نقطة البدء هي حقيقة صلبة جزئية يتم تعميمها على اليهود ككل (وهذا هو جوهر التفكير العنصري).

أما النموذج الاختزالي العلمي فاختزاليته تتضح عادةً في رفضه أية خصوصية. فاليهود ظاهرة عامة ليس لها ما يُميِّزها. والصهيونية إن هي إلا نتاج تفاعل عوامل اقتصادية سياسية (عادةً واضحة ومحددة) داخل المجتمعات الأوربية في نهاية القرن التاسع عشر. وهي لا علاقة لها بالدين اليهودي أو ميراث الجماعات اليهودية أو بوضعها المتميِّز داخل الحضارة الغربية. ومن ثم فإن الأشكال الحضارية المختلفة هي عبارة عن قشور (بناء فوقي)، والدين إن هو إلا الأفيون يستخدمه المستغلون لخداع الجماهير. ويتم إسقاط عشرات العناصر التاريخية والإنسانية والسقوط في التعميمات الكاسحة المخلة مثل القول بأن "الصهيونية هي جزء عضوي لا يتجزأ من الإمبريالية الغربية" أو أن "الصهيونية تعبير عن مصالح البورجوازية اليهودية". ومن هنا طُرح في وقت من الأوقات شعار "وحدة الطبقة العاملة العربية واليهودية ضد البورجوازيات العربية واليهودية والاستعمار العالمي المتحالف مع الصهيونية"... إلخ، وهي شعارات وأقوال تنم عن عدم إدراك أصحابها لخصوصية العمال من أعضاء الجماعات اليهودية وخصوصية وضع هذه الجماعات في الحضارة الغربية وخصوصية الحضارة العربية. وتتضح هذه السذاجة الاختزالية حينما انطلق أحد كبار علماء السياسة العرب من إيمانه بأن النظام السياسي الإسرائيلي يشبه أي نظـام "ديموقراطي آخر" ولـذا قرَّر أن هـذا النظام ينتمي إلى نظام الحزبين على النمط البريطاني، وفي ذهنه بالطبع حزبا العمال والمحافظين مقابل المعراخ والليكود. والمقارنة صادقة تماماً لكنها سطحية جداً، فالحزب داخل النظام الاستيطاني الصهيوني يضطلع بوظائف تختلف تماماً عن وظائف الحزب في النظام الرأسمالي الديموقراطي الغربي، كما أن بنية الحزب وطريقة تمويله في إنجلترا مختلفتان عن مثيلتيهما في إسرائيل إذ لا يُوجَد نظير للمنظمة الصهيونية العالمية في النظام السياسي البريطاني. وعلى هذا النحو، يتم تناول النظام السياسي أو البنية الاقتصادية أو البناء الطبقي في إسرائيل وكأنها لا تختلف عن نظائرها في المجتمعات الأخرى. وهذا بطبيعة الحال مناف تماماً للواقع، فالظواهر الصهيونية الإسرائيلية لها أبعادها الخاصة وقوانين حركتها المتميِّزة. ومما يجدر ذكره في هذا المضمار أن بعض الصهاينة يحاولون قدر استطاعتهم أن يطرحوا تصوُّراً للصهيونية باعتبارها تشكيلاً قومياً مثل أي تشكيل قومي آخر وتصوُّراً لإسرائيل باعتبارها دولة صغيرة مثل أية دولة صغيرة.

وما يحدث هنا أن نقطة الانطلاق هي قانون عام أو بدهية واضحة يتقبلها الباحث باعتبارها مسلَّمة لا تخضع للبحث ويظل الباحث حبيساً فيها ثم يُعمم منها على الواقع، متجاهلاً كل السمات الخاصة التي قد تُشكِّل جوهر الظاهرة.
ومن الممكن أن يلتقي النموذجان الاختزاليان، التآمري والعلمي. فإذا كان الباحث التآمري الاختزالي يتخذ اضطهاد اليهود دليلاً على شيطانيتهم المتأصلة، فبإمكان أصحاب النموذج الاختزالي العلمي أن يأخذوا الظاهرة نفسها باعتبارها تعبيراً عن بؤس اليهود وضرورة تعويضهم عما لحق بهم من أضرار وأذى، وما لا يدركه الفريقان أنهما لم يتحركا خارج حدود الظاهرة اليهودية ليدرساها في إطارها الإنساني الأوسع.

وأطروحة اللوبي الصهيوني القوي، التي تُدرَس بعلمية وموضوعية شديدتين، هي نتاج هذه العقلية الاختزالية التي تبدأ من أطروحة بدهية: الولايات المتحدة دولة ذات مصالح ـ من بين هذه المصالح البترول والنفوذ في الشـرق الأوسـط ـ يمكن أن تخدم الولايات المتحدة مصالحها عن طريق التعاون مع العرب، ولكنها مع هذا تعاديهم. وهنا، فإن العقلية الاختزالية تركن إلى تفسير مثل هذا السلوك اللا عقلاني من قبَل دولة يُفترض فيها أنها عقلانية بالعودة لعنصر خارجي هو اللوبي الصهيوني الذي يحرِّك كل شيء، وتصبح هذه المقولة المنطقية الإطار الذي تُراكَم داخله المعلومات ولا يختبرها أحد. ولا يسأل أحد: هل يوجد لوبي شيلي قوي في الولايات المتحدة يجعلها تطيح بالرئيس ألليندي وتؤيد حكم بينوشيه العسكري؟ هل يوجد لوبي صربي قوي يضغط على الولايات المتحدة (وهيئة الأمم) بحيث يَضطرهم لتَرْك الصرب يذبحون البوسنيين ويكتفي العالم الحر بإصدار البيانات الصارمة؟ أليس من المحتمل أن تكون الولايات المتحدة قد حدَّدت "صالحها" بطريقة تختلف عن تصوُّرنا العقلاني، وأنها ترى الأمور بطريقة مختلفة ومع هذا تتصوَّر أنها طريقة عقلانية تماماً؟

ومن أطرف الأمثلة على سذاجة النموذج الاختزالي (التآمري والعلمي) وبساطته وطريقة عمله ما ورد في إحدى الدراسات التي قام كاتبها بحشد عدد هائل من الحقائق الصلبة المتناثرة. كان بين هذه الحقائق الصلبة: وجود صديقة يهودية لليدي بيرد (زوجة الرئيس الأمريكي جونسون) في البيت الأبيض أثناء حرب 1967 وقد قُدِّمت هذه الحقيقة الصلبة باعتبارها دليلاً مادياً علمياً وقاطعاً على قوة النفوذ الصهيوني واليهودي وكيف يحرك اليهود الولايات المتحدة، وكيف يضغطون عليها حتى تسمح لقاعدتها العسكرية في الشرق الأوسط بالهجوم على مصر عام1967 (لضرب القومية العربية)، وكأن مثل هذه الأمور الإستراتيجية الكبرى لم يتم إقرارها إلا لوجود الصديقة اليهودية داخل البيت الأبيض.

ولعل ما حدث أثناء هجرة اليهود السوفييت وذلك الحديث الهستيري عن "جريمة العصر" يبيِّن مدى قصور وكسل وسطحية النموذج الاختزالي العلمي الموضوعي والتآمري، فما حدث هو أن بعض المحللين السياسيين ا لاختزاليين الواحديين (من الموضوعيين الماديين والروحيين التآمريين) قرأوا في جريدة "عالمية" (أي غربية) أن هناك ملايين اليهود السوفييت سيهاجرون إلى إسرائيل فصَدَّق الجميع الخبر على الفور استناداً إلى فرضيات وأطروحات عامة بسيطة، استقرت في العقول تماماً إلى أن أصبحت "بدهيات" أو قوانين علمية عامة. ومن المعروف بشكل عام لدى الموضوعيين الماديين والتآمريين الذين يتقبلون الفرضيات البدهية السائدة ما يلي:

1 ـ إن فُتحت أبواب الهجرة ليهود الاتحاد السوفيتي، فإنهم سيهاجرون إلى إسرائيل لأن اليهود (كما هو معروف) لا يرتبطون بأوطانهم أو أماكن إقامتهم فهم مرتبطون بأرض الميعاد يتوجهون إليها حينما تسنح لهم الفرصة.

2 ـ من المعروف كذلك أن إسرائيل دولة استيطانية تحتاج للمستوطنين.

3 ـ هؤلاء المهاجرون (باعتبارهم جزءاً عضوياً من هذه الكتلة اليهودية الواحدية) سيتحولون إلى رواد صهاينة يحملون السيف بيد والبندقية بالأخرى فور وصولهم إلى فلسطين المحتلة.

إن أضفنا الأطروحـة البدهـية الأولى للفـرضية البدهية الثانية والثالثة فإننا سنصل إلى النتيجة الواضحة الحتمية، وهي أن هجرة الملايين من اليهود السوفييت وشيكة، وأن كارثة العصر على وشك الوقوع. ثم تَسابَق المحللون الاختزاليون إلى اقتباس الإحصاءات الموضوعية الصلبة (وهي في واقع الأمر تصريحات كبار المسئولين في الاتحاد السوفيتي أو في إسرائيل) التي تؤكد أن ملايين اليهود سيهاجرون من الاتحاد السوفيتي إلى فلسطين. وظهرت جريدة عربية كبرى تحمل عنواناً رئيساً في صفحتها الأولى تؤكد هذا المعنى استناداً إلى تصريح وكيل وزارة الخارجية في الاتحاد السوفيتي. وبدأت عملية التوثيق الاختزالية الهستيرية. فتم عزل حقيقة هجرة اليهود السوفييت عن الحقائق والظواهر الأخرى وتم البحث الدائب عن شواهد مادية لتوثيقها دون كد أو عناء ودون بحث عن أنماط عامة متكررة.

ووسط هذا الصخب شبه المعرفي لم يُكلِّف أحد نفسه مشقة النظر في أبعاد الواقع الأخرى المُركَّبة التي تتجاوز الاستنتاجات العقلية والمنطقية النظرية أو عناء التساؤل بشأن الأطروحات والفرضيات التي استندوا إليها. ولم يُشر أحد إلى أن يهود الاتحاد السوفيتي تعرضوا للدعاية الإلحادية لمدة سبعين عاماً وفقدوا علاقتهم بأية عقيدة أو مُثُل، فهم لا يحنون إلى أي أرض إلا أرض السمن والعسل، تلك التي تحقِّق لهم دخلاً عالياً يفوق ما يحققونه في أماكن إقامتهم (إذ يَصعُب أن نطلق عليها أوطانهم). ولم يُبيِّن أحد أن هؤلاء المهاجرين السوفييت هم في واقع الأمر مرتزقة يأكلون الأخضر واليابس ولا علاقة لهم بأية مثاليات صهيونية أو غير صهيونية ولذا تُقدِّم لهم الدولة الصهيونية الرشاوى السخية، وهم قد يضطرون إلى الذهاب إلى إسرائيل (بسبب إغلاق أبواب الولايات المتحدة) فيصبحون عنصر تدمير فيها، وربما لا يجد كثير من المؤهلين منهم عملاً مناسباً وهو ما قد يضطرهم إلى العمل في السوق السوداء والحرَف الطفيلية. وحينما يحمل هؤلاء المرتزقة السلاح فإنهم لن يحملوه إلا بأجر، وهم سيجلسون على حقائبهم حتى تتاح لهم فرصة الهروب إلى أرض الميعاد الأمريكية. ولم يُكلِّف أحد نفسه عناء النظر في استجابة العناصر الدينية والشرقية لدى هؤلاء المهاجرين اللادينيين الأوربيين. بل لم يُكلِّف أحد نفسه مشقة النظر في آخر إحصاءات يهود الاتحاد السوفيتي التي تقول إن عددهم قبل ازدياد عمليات الهجرة لا يمكن أن يزيد على مليون وربع (أي أن الموضوعية الاختزالية المتلقية في هذه الحالة أسقطت أبسط قواعد الموضوعية، فقد بلغت بها مقدرتها على التلقي أن تُصدِّق كل ما يُقال لها دون اختبار!). ولم يثر أحد قضية أن الهدف من التصريحات الصهيونية المليونية وهذا التضخيم للأعداد الوافدة يخدم مصالح معينة، وهو تعبير عن الرغبة في زيادة حجم الدعم الأمريكي وتدفُّق الأموال اليهودية. كما أن من المحتمل أن هذه التصريحات مجرد تعبير عن أمنيات وأحلام أصحابها. وقد أثبتت الأحداث أن عدد المهاجرين لم يقترب من نصف مليون، وأن نسبة النزوح بينهم كانت عالية، وأنهم أدّوا إلى تصدعات داخل النظام السياسي الإسرائيلي أو على الأقل لم يُدخلوا العافية عليه كما كان مُتوقَّعاً. ولم يستوطن هؤلاء المستوطنون في الضفة الغربية، فقد آثروا المدن القريبة من الساحل، حيث تتوافر لهم أسباب الراحة واللذة.

لم يجتهد أحد وتقبَّل الاختزاليون العلميون والتآمريون البدهيات وسقطوا صرعى لها، وقاموا بالتوثيق العلمي الذي لم يُعمِّق الرؤية وإنما حجبها تماماً.

ويمكن تلخيص نقط قصور النماذج الاختزالية في دراسة الجماعات اليهودية فيما يلي:

1 ـ النماذج الاختزالية ـ كما أسلفنا ـ نماذج مغلقة، رؤيتها للتاريخ واحدية مُصمَتة وواضحة، فتطوُّر «التاريخ اليهودي» معروف مسبقاً ويتبع نمطاً محدَّداً: عبودية في مصر ـ خروج منها ـ تَغلغُل في كنعان ـ نفي إلى بابل ـ سقوط الهيكل ـ عودة إلى فلسطين في نهاية الأيام. فالعودة النهائية إلى صهيون أمر حتمي ومُتوقَّع في الرؤية المشيحانية، إذ سيأتي الماشيَّح ويقود شعبه إلى صهيون ويُنهي الآلام ويؤسس الفردوس الأرضي فيها ويصل بالتاريخ اليهودي إلى نهايته الفردوسية. والصهيونية هي الوريثة العلمانية لهذه الرؤية الدينية وتتبنَّى النمط نفسه، فبعد السقوط الشتات وآلام المنفى ثم العودة إلى صهيون والجنة. والإبادة النازية هي قمة المآسي تعقُبها العودة والدولة الصهيونية ونهاية التاريخ الفردوسية المُتوقَّعة حين يعود كل اليهود ليهنأوا في أرض أجدادهم وليؤسسوا دولة يهودية تكون منارة لكل الأمم.

2 ـ تسقط النماذج الاختزالية في نوع من السببية الاختزالية البسيطة السهلة، فتصبح كل النتائج لها سبب واحد وهذا ما يجعلها عاجزة عن تقديم تفسير معقول لتنوُّع الواقع. وعلى هذا، تكون المقدرة التفسيرية للنماذج الاختزالية (العلمية والتآمرية) ضعيفة للغاية.

أ ) ولنبدأ بالنماذج التآمرية التي ترى أن خصوصية اليهود تكمن في شرهم الأزلي وطبيعتهم الشيطانية التي لا تتغيَّر. ولكن إذا كان اليهود أشراراً متآمرين بطبيعتهم، وإذا كان اليهود والشر صنوين، فكيف نُفسِّر ظهور بعض اليهود الخيرين المعادين للصهيونية (أمثال الحاخام إلمر برجر وأعضاء الناطوري كارتا) المؤمنين بالإله الواحد والمعادين للصهيونية أكثر من عداء معظم العرب لها؟ وكيف نُفسِّر نجاح الجماعة اليهودية في الأندلس (إسبانيا الإسلامية) في الانتماء الكامل للحضارة العربية الإسلامية والتفاعل معها والإسهام فيها؟ بل تذهب كثير من المراجع إلى أنهم قاموا بمسـاعدة الفاتحين الإسـلاميين لشـبه جزيرة أيبريا، تماماً كما فعل اليهود السامريون أثناء الفتح الإسلامي لبيت المقدس. كما يُقال إن يهود العالم العربي ساعدوا العرب أثناء حروب الفرنجة بتسريب الأخبار لهم عن الاستعدادات العسكرية في أوربا وعن الحملات التي كانت تجردها أوربا (وكانت هذه هي أحد الأسباب التي حدت بالوجدان الغربي في العصور الوسطى إلى الربط بين اليهودي والمسلم). وإذا كان انتشار الشر في العالم مرده تأثير اليهود السيء على الشعوب (وهو ما يعني استبعاد احتمال وجود الشر في النفس البشرية، وتلك حقيقة تؤيدها كل الأديان السماوية ولا ينكرها سوى غلاة الحتميين الماديين) فكيف نُفسِّر ظهور الشر في بلاد لا يوجد فيها يهود، فتايلاند عاصمة الإباحية والبغاء في العالم لا يوجد فيها يهود، كما لا يوجد يهود بين الصرب الذي بعثوا أمجاد هتلر وإن كان الضحايا هذه المرة مسلمين؟

ب) تسقط النماذج الاختزالية العلمية المادية في التعميم المُخل فلا ترى المنحنى الخاص للظاهرة وهو ما يضعف مقدرتها التفسـيرية، فهي لا يمكـنها أن تُفسِّر لنا سـبب ظهور الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر وعدم ظهورها، مثلاً، في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي بعد حروب الفرنجة (التي يُقال لها «صليبية»)، وهي الحروب التي ارتُكبت المذابح أثناءها ضد تجمعات الجماعات اليهودية في غرب ووسط أوربا واجتثتها من جذورها في بعض الأحيان؟ كما أن النموذج الاختزالي يفشل في أن يفسِّر لنا سبب ظهور الصهيونية في شرق أوربا وليس في غربها، أو حتى في الولايات المتحدة، مع أن عدد يهود الولايات المتحدة مع بداية القرن كان آخذاً في التزايد حتى بلغ عدة ملايين قبيل الحرب العالمية الأولى؟ ولماذا ظلت فاشلة في إحراز أية انتصارات على مستوى الاستيطان في فلسطين أو على مستوى التحرك الدبلوماسي في العالم حتى عام 1917 (عام صدور وعد بلفور)؟

جـ) وتفشل النظريات الاختزالية (العلمية المادية) في تفسير لماذا اتخذت مشاكل اليهود الاجتماعية الاقتصادية شكل بنية تاريخية مُحدَّدة تُعرَف باسم «المسألة اليهودية»، وهي بنية قد تشترك في بعض قسماتها وملامحها العامة مع البنَى المماثلة ولكنها تختلف عنها في الملامح الخاصة وفي الحلول المطروحة؟ وتفشل النظريات العلمية في تفسير سبب توطين الإمبرياليين في فلسطين يهوداً وعدم توطينهم أوربيين مسيحيين كما فعلوا في الجزائر أو روديسيا؟ أليست كلها مصالح إمبريالية تخدم المخطط الإمبريالي؟ أوليس المستوطنون هم مجرد «الفائض البشري» الذي كان على أوربا الرأسمالية أن تُصدِّره إلى الشرق (وحينما نتحدث عن «فائض بشري» يجب ألا نفرِّق بين يهودي ومسيحي)؟ كما أن هذه النظريات لا يمكنها أن تفسر تَعيُّن البرنامج الصهيوني وخصوصيته، فالاستعمار الصهيوني ليس استعماراً بالمعنى العام بل هو استعمار استيطاني، كما أنه استعمار استيطاني يختلف عن الأنماط الاستيطانية التقليدية في أنه لا يهدف إلى الاستيطان وحسب بل يهدف إلى الإحلال أيضاً.

3 ـ تُبسِّط النماذج الاختزالية دوافع الآخر. فاليهود ـ حسب الرؤية الاختزالية (العلمية أو التآمرية) ـ دائمو التطلع لصهيون يهاجرون إليها إن سنحت الفرصة. ولكن هذه الأطروحة البسيطة لا تفسِّر أن عدد اليهود خارج فلسطين كانوا أكثر من عددهم داخلها قبل سقوط الهيكل، ولا تفسِّر لمَ لم يهاجر الملايين من اليهود إلى فلسطين بعد أن وقعت في يد الصهاينة وبعد أن فتحت أبوابها للهجرة الاستيطانية، بل وبعد تقديم الرشاوي المالية والعينية لمن يوافق منهم على الاستيطان؟ ولماذا كان من الضروري أن تُوصَد أبواب الولايات المتحدة أمام المهاجرين اليهود السوفييت حتى يضطروا للهجرة إلى إسرائيل؟

4 ـ من خصائص النماذج الاختزالية (العلمية أو التآمرية) أنها قابلة للتوظيف ببساطة في أي اتجاه. فعملية الاختزال، كما بيَّنا، هي عملية فصل الحقائق والوقائع عن سياقها الاجتماعي والتاريخي، ومن ثم يمكن فرض أي معنى عليها واستخلاص أية نتائج منها. ومن ثم يمكن استخدامها للتبشير بالحرب أو السلام، وباستمرار الصراع أو ضرورة وقفه، ويمكن المناداة بضرورة الحرب المستمرة ضد الإمبريالية الغربية متمثلة في قاعدتها إسرائيل، ويمكن أيضاً الحديث عن ضرورة التحالف مع الطبقة العاملة اليهودية.

5 ـ تُوظَّف النماذج الاختزالية في بث الهزيمة والرعب في قلب العرب، كما حدث في حكاية جريمة العصر، وكما يحدث في بعض الدراسات العربية التي تجعل همها توثيق قوة العدو دون أن تشير إلى جوانب أخرى، وكما حدث في النظريات التآمرية التي ترى أن اليهود قادرون على كل شيء فهم قوة عجائبية وظاهرة خرافية من المستحيل ضربها وإلحاق الهزيمة بها. ولذا، فإن الصهاينة يروجون النموذج الاختزالي العلمي التآمري إذ أن من صالحهم تضخيم دور اليهود عبر التاريخ والمبالغة في قدرات الدولة الصهيونية في كل المجالات، فهذا يُكسبهم شرعية غير عادية في عالم يؤمن بالنجاح والحلول العملية. ولعل كثيراً من الكتب التي تُنشَر تحت شعار «اعرف عدوك» تهدف إلى بث الرعب في نفوسنا عن طريق توفير بعض المعلومات الصلبة التي تؤكد أن العدو لا يُقهَر (وحجب غيرها من المعلومات). وعندي إحساس عميق بأن المخابرات الإسرائيلية قد ساهمت في نشرها تماماً كما تساهم في نشر البروتوكولات. ويجب أن نتذكر أن كثيراً من الدول الكبرى تبني أسلحة ولا تستخدمها لمجرد أن تبث الرعب في قلب أعدائها. بل إنها أحياناً تلوح بمقدرتها على إنتاج سلاح ما دون أن تفعل لتدعم موقفها التفاوضي. واصطلاح «توازن الرعب» يعني أن توليد الرعب في قلب العدو هو أحد الأهداف الأساسية في الحروب وهي مسألة يُحسَب حسابها. والاختزالية العلمية المادية والتآمرية تنجز هذا بالنسبة للصهاينة دون جهد من جانبهم. وبعد قليل سيكون بوسع المتلقي الموضوعي أن يستخلص بنفسه النتائج، ويرى أن الواقعية تدعو لقبول العدو وأن الرؤية العلمية تؤيد الاستسلام والإذعان له، فهو عدو لا يُقهَر، ومن هو هذا الأحمق (المثالي وغير العلمي) الذي يريد أن يضرب برأسه في الحجر الصلب؟


6 ـ لا تفيد النماذج الاختزالية كثيراً في عملية الممارسة إذ أن الممارسة تتطلب نموذجاً تحليلياً أكثر تفصيلاً ودقة وتركيبية يزوِّد الدارس بخريطة يعرف من خلالها كل نتوءات الواقع، وما هو مركزي منها وما هو هامشي، وما الوضع القائم وما الإمكانات الكامنة، ومن العدو ومن الصديق، خريطة يفهم بواسطتها العناصر والانقسامات المختلفة في معسكر العدو ومدى كفاءته ودوافعه ومواطن ضعفه وآلاف التفاصيل الأخرى التي تظل بمنأى عن النموذج الاختزالي.

7 ـ يُبرئ النموذج الاختزالي التآمري الإمبريالية الغربية والدول الغربية من الجرائم التي ارتكبتها وترتكبها ضد الشعب العربي، فهذه الدول (حسب النموذج التآمري) إن هي إلا ضحية التآمر اليهودي الأزلي وهي ليست مسئولة عن غرس الجيب الاستيطاني الصهيوني في المنطقة وتمويله ودعمه وفرضه بقوة السلاح علينا، فالمشروع الصهيوني (حسب النموذج الاختزالي الصهيوني) هو أمر قام به اليهود تعبيراً عن إرادتهم الحرة القومية المستقلة وبجهودهم الذاتية. وعادةً ما تنسب النماذج الاختزالية مقدرات فائقة لليهود ومخططاتهم. وبمعنى آخر، فإن هذه النماذج تقوم بالتهويل من الجزء (الصهيونية) والتهوين من شأن الكل (الإمبريالية).

8 ـ تؤدي النماذج الاختزالية إلى السقوط في رؤية اليهود من منظور عنصري، فجوهر العنصرية هو عملية الاختزال هذه، التي تحوِّل الكل الإنساني المركب إلى عنصر واحد، وهذا ما فعله الصهاينة والمعادون لليهود في إدراكهم اليهود واليهودية.

9 ـ تبنِّي النماذج الاختزالية هو تعبير عن كسل عقلي، ولكن هذا التبني يزيد في الوقت نفسه هذا الكسل إذ يصيب العقل بالشلل حتى نصبح موضوعيين نتلقى تماماً كل ما يأتينا من حقائق صلبة دون تساؤل أو إبداع.

10 ـ أشرنا من قبل إلى أن النموذج الاختزالي يُولِّد تفاؤلاً لا أساس له، ويمكن أن نشير هنا إلى أنه، يمكن أن يولِّد أيضاً في نفس صاحبه اليأس والقنوط إذ أنه قد يُصعِّد التوقعات التي لا تتحقق وقد يُخفي الإمكانات التي يمكن أن تتحقق في المستقبل.

لكل هذا يصبح من الضروري (من الناحية المعرفية والأخلاقية بل والعملية) تبنِّي نماذج أكثر تركيباً من النماذج الاختزالية المادية العلمية أو الغيبية التآمرية.

ونحن نضع «النموذج الاختزالي» مقابل «النموذج المركب»، ونذهب إلى أن الصراع بين النماذج الموضوعية المادية (المتلقية) والنماذج التفسيرية (الاجتهادية) يتبدَّى في نهاية الأمر في الصراع بين النموذج الاختزالي والنموذج المركب. فالبُعد المعرفي(الكلي والنهائي) للنموذج الاختزالي هو الموضوعية المادية، أما البُعد المعرفي للنموذج المركب فهو التفسيرية الاجتهادية.


النموذج المركب

«النموذج المركب» (ويمكن أن نطلق عليه أيضاً «النموذج المنفتح» أو «النموذج التعددي» أو «النموذج الفضفاض» أو «نموذج التكامل غير العضوي»). وهو النموذج الذي يحوي عناصر متداخلة مركبة (أهمها الفاعل الإنساني ودوافعه) بحيث يعطي الإنسان صورة مركبة عن الواقع ولا يختزل أياً من عناصره أو مستوياته المتعددة أو تناقضاته أو العوامل المادية والروحية، المحدودة واللامحدودة والمعلومة والمجهولة، التي تعتمل فيه. وهو النموذج الذي لا يمكنه أن يطرح نهاية للأشياء بسبب تركيبيته، فهو نموذج تفسيري اجتهادي منفتح وليس نموذجاً موضوعياً متلقياً مادياً.

والنموذج المركب يدور في إطار المرجعية المتجاوزة. وهو يتسم بالتماسك والوحدة ولكن تماسكه ليس عضوياً أو صلباً، وثمة وحدة في الوجود ولكنها وحدة غير عضوية وغير مصمتة لأن مصدر الوحدة ومركز الكون غير المنظور ليس كامناً أو حالاًّ في العالم (فهو الإله الواحد المفارق المنزَّه في النظم التوحيدية وهو الإنسان المتميِّز عـن الطبيعة في النظم الهيومانية الإنسـانية). والمركز مفارق للعالم لا يتجسد فيه رغم تجليه وتبديه من خلاله، ولذا فإن النموذج المركب لا يسقط في الكمونية الواحدية ويظل محتفظاً دائماً بمسافة بين الخالق والمخلوق وبين الإنسان والطبيعة لا يمكن اختزالها ولا إلغاؤها إذ لا يمكن توحيد قطبي الثنائية. ولكن هذه الثنائية الأولية ليست ثنائيةصلبة (ثنائية غير تكاملية) وإنما ثنائية فضفاضة، فثمة تفاعل بين عنصري الثنائية، فالإله خلق العالم ونفخ فيه من روحه ولم يهجره بل دخل في علاقة معه فهو يرعاه. وقد منح الله الإنسان بعض الصفات الربانية التي تميزه عن الطبيعة ثم استخلفه في الأرض. وهو لم يضعه في الأرض ليكون في علاقة صراع مع الطبيعة أو ليوظفها وإنما استخلفه فيها واستأمنه عليها ليستخدمها ويعمرها، وهو يكتسب مركزيته من عملية الاستخلاف هذه. ولذا، فإن العلاقة بين الإنسان والطبيعة أو بين الإنسان والإله ليست علاقة وحدة وإنما علاقة تكامل.

والإنسان الذي يحوي داخله القبس الإلهي (في المنظومة التوحيدية) أو المتميِّز عن الطبيعة (في المنظومة الإنسانية) قد يشارك في بعض سمات النظام الطبيعي وقد تسري القوانين الطبيعية وقوانين الأشياء على بعض جوانب وجوده (فهو يولد ويأكل ويمشي ويضاجع النساء ويمرض ويموت) ولكنه لا يُردّ في كليته إليها. وقد نعرف هذا الجانب أو ذاك من وجوده، ولكن تظل هناك جوانب (ربانية) مجهولة لا يمكن معرفتها أو إخضاعها للقانون المادي العام الواحد. ولذا، يظل هناك قانونان: واحد للإنسان والآخر للأشياء. وتنبع بعض جوانب فكر الإنسان من واقعه (المادي الطبيعي أو الإنساني)، ولكنه لا يمكن أن يُردَّ في كليته إليه لأن بعض هذا الفكر نابع من ذاته (الربانية الإنسانية غير الطبيعية) المتجاوزة لذاته المادية والطبيعية، أي أن الإنسان جزء يتجزأ من الطبيعة متجاوز لها. ولكل هذا، يشكل الإنسان ثغرة في النظام الطبيعي/المادي، فهو كائن قادر على تجاوز الجوانب الطبيعية/المادية في ذاته وقادر على تجاوز الطبيعة/ المادة ذاتها. وهي مسافة لا يمكن أن تُسد تماماً (مثل المسافة التي تفصل الخالق عن المخلوق)، فالجانب الرباني في الإنسان لصيق تماماً بإنسانيته.

ووجود الإنسان كثغرة في النظام الطبيعي هو الذي يؤدي إلى ظهور كل الثنائيات الفضفاضة الأخرى (كل/جزء ـ عام/خـاص ـ ذات/موضـوع ـ سـبب/نتيجة ـ محدود/لا محدود ـ معروف/مجهول ـ ذكر/أنثى ـ سماء/أرض). وكلها ثنائيات لا يمكن القضاء عليها، فهي صدى للثنائية الكبرى الكلية والنهائية (خالق/ مخلوق). ولذا، فإن وجود مسافات داخل النموذج المركب هي من صميم بنيته، ومن ثم فهو غير قابل للانغلاق ولا يمكن إخضاعه للقوانين الواحدية. وكما يتفاعل الإله مع الإنسان تتفاعل وتتكامل الثنائيات كافة لذا فالنماذج المركبة تتسم بالتكامل غير العضوى.

والنماذج المادية تتأرجح بين التماسك العضوي الكامل (الصلابة) والتجانس المطلق (الذي يُفقد الأجزاء شخصيتها واستقلالها وهويتها) والاستمرارية الكاملة من جهة ومن جهـة أخرى عدم التماسك (السيولة) وعدم التجانس (الذي يجعل لها هوية لا يمكن القضاء عليهـا) والانقطاع الكامل. أما نموذج التكامل غير العضـوي، فهو يفترض أن العالم كل متماسك، مُكوَّن من كليات متماسكة، مُكوَّنة بدورها من أجزاء غير مترابطة بشكل صلب وغير متجانسة بشكل كامل، ومع هذا فهي أجزاء متماسكة لكلٍّ شخصيتها ولكنها لا تُفهَم إلا بالعودة إلى الكليات. ولكن الكليات ليست صلبة، ومركزها ومصدر تماسكها يوجد خارجها، ولذا فهي تظل كليات فضفافة تحوي داخلها ثغرات. وهذا يعني أن الأجزاء هامة في أهمية الكل، وأنها لا تُردُّ إلى الكل، فنموذج التكامل غير العضوي يحاول إدراك الخاص دون السقوط في التأيقن، ويدرك العام دون الذوبان في القانـون العام إذ أن لكل ظاهرة منحـناها الخـاص رغم أنها تنضوي تحت نمط عام.

وعدم الالتحام العضوي يسمح بقبول الشخصية المستقلة لكل جزء رغم انتمائه للكل، فالجزء ليس جزءاً عضوياً لا يتجزأ وإنما هو جزء يتجزأ، أي أن انفصال الأجزاء عن الكل ليس انفصالاً كاملاً وإنما هو درجة من الاستقلال النسبي للأجزاء عن الكل وللأجزاء (الواحد عن الآخر). ومع هذا، ثمة افتراض لأسبقية نهائية للكل على الأجزاء (وإلا انتفت فكرة الحقيقة الكلية وفكرة النموذج نفسها). ولذا، لا يذوب الجزء في الكل ولا الكل في الجزء، ولا يذوب العام في الخاص ولا الخاص في العام، والاستمرار والانقطاع لا يُجُبُّ أيٌّ منهما الآخر. ولذا، فبإمكان النموذج أن يتناول الظواهر والعلاقات بكل أشكالها ومستوياتها ويحترم منحناها الخاص ويتناول الكل والجزء والخاص والعام والاستمرارية والانقطاع دون أن يَرُدَّ الواحد إلى الآخر، بل يحاول الوصول إلى النقطة المفصلية حيث يتصل الواحد بالآخر.

والنموذج المركب ينكر وجود قوانين تاريخية عامة وحتمية ويرى أن مقدرتها التفسيرية ضعيفة، ويطرح بدلاً من ذلك فكرة الأنماط التاريخية المتشابهة، وليست بالضرورة المتكررة والمتجانسة تماماً، فالتاريخ لا يتطور بنفس المستوى ولا بنفس المعدل ولا بنفس الطريقة من مجتمع لآخر. بل إنه، داخل المجتمع الواحد يوجد من العناصر الخاصة ما يجعل التأني والدراسة المدققة ضروريين لتَفهُّم مسارات التاريخ المختلفة.

والنماذج المركبة لا تدور في إطار الواحدية السببية التي تدور إما في إطار عنصر روحي واحد أو عنصر مادي واحد والتي تستوعب كل شيء في شبكة السببية الصلبة. وبدلاً من ذلك، يظهر مبدأ التعددية السببية، ويحل مبدأ تعددية المؤثرات محل مبدأ أحادية المؤثرات في فهم الطبيعة والإنسان وتفسيرهما والتنظير لهما. ومن ثم يجري النظر إلى الظاهرة في أبعادها المتكاملة دون الاقتصار على بُعد واحد مادي أو روحي، ثم يتم بعد ذلك تحديد أكثر الأبعاد فعالية وتأثيراً دون التقيد بأية مسلمات مسبقة تقول إن أحد الأبعاد (العنصر الاقتصادي أو العنصر الجنسي أو العنصر الروحي على سبيل المثال) أكثر فعالية وتأثيراً من الأبعاد الأخرى. فكل ظاهرة لها منحـناها الخـاص ولا توجد حتميات سـببية مطلقة ولا يوجد شـيء في نهاية الأمر وفي التحـليل الأخير إلا وجه الله، ضمان حرية الإنسـان ووعيه بحريته. ولذا، لابد أن تُدرَس كل ظاهرة حسب المقاييس المناسبة لها، ويُنحَت نموذج خاص لدراستها، فلا تُطبَّق قوانين الأشياء على الإنسان ولا تُطبَّق قوانين الإنسان على الأشياء. هذا لا يعني بطبيعة الحال إسقاط النماذج التفسيرية المادية الخالصة أو الروحية الخالصة، فالأولى لها دورها في تفسير الوجود الطبيعي وتفسير بعض جوانب الوجود الإنساني، تماماً كما أن الثانية لها دورها في تفسير جوانب أخرى لهذا الوجود الإنساني.

والنموذج المركب يُنكر الواحدية السببية ولكنه لا يسقط في العبثية، حيث لا سببية على الإطلاق، وإنما يدور في إطار السببية المركبة التعددية حيث لا تؤدي (أ) حتماً وبشكل آلي إلى (ب) (ولكنها في معظم الأحوال تؤدي إليها)، فهي بسبب عدم تحكمنا في كل الواقع وبسبب عدم معرفتنا بكل عناصره قد تؤدي إلى (ج) (ولكنها بإذن الله تؤدي إلى ب).

وتحل النماذج المركبة قضية القيمة، فهي تستطيع التعامل مع المثالي والواقعي، ومع الروحي والمادي، فهي ليست نماذج واحدية بسيطة مادية لا تجيد التعامل إلا مع العالم الواقعي المادي، وليست نماذج روحية بسيطة لا تجيد إلا التعامل مع عالم الروح.
وتأخذ عملية التفسير (أو الاجتهاد) داخل هذا النموذج شكلاً حلزونياً، فالمُفسِّر المجتهد لن يواجه الواقع بقانون عام أو افتراض عام يُفسِّر به الواقع بأسره، وهو لن يقوم بمراكمة المعلومات عن الواقع بلا تمييز، بل سيصوغ نموذجاً تفسيرياً تصورياً من خلال قراءة التاريح ومعرفة الدوافع الإنسانية وقوانين البنية الموضوعية والمتتاليات التفسيرية السابقة، ثم يُختبَر هذا النموذج بالعودة إلى التفاصيل التاريخية والاجتماعية. ولكن عملية الاختبار هذه ستقوم بتعديل النموذج، ومن ثم فإن عملية التفسير عملية حلزونية لا متناهية.

ومثل هذا النموذج لا يطمح إلى الوصول إلى اليقين الكامل والتفسير النهائي والحلول الشاملة والتحكم الإمبريالي الكامل في الطبيعة، وبالتالي فهو لا يسقط في أسفل درجات العبثية والإذعان التام للطبيعة/المادة (تَمركُز حول الذات يؤدي إلى انتصار الموضوع) كما أنه لا يحلق في أقصى درجات الروحية والتجاوز التام لعالم الطبيعة/المادة، وإنما هو نموذج يطرح إمكانية أن المعرفة ممكنة وأن الحقيقة يمكن الوصول إليها، ولكنها معرفة إنسانية وحقيقة غير مطلقة (لأن المعرفة المطلقة تقع خارج نسق التاريخ الإنساني ـ وعند الإله وحده وهو مفارق للمادة وإن كان يُسبِغ عليها المعنى والاتجاه)، فهو نمـوذج يَقنَع بتناول ما يمكن أن يُعرَف وحسـب دون أن يصـاب باليأس بسبب المجهول وما لا يمكنه معرفته، فالمسافات سمة بنيوية فيه. إن النموذج المركب أقرب إلى الصورة المجازية منه إلى القانون، وهي صورة مجازية لا تتشيأ ولا تُشيئ لأن مركز الكون لا يتجسد فتظل هناك مسافة بين الدال والمدلول.

ومن هذه النقطة يمكن أن نطرح فكرة النظرية الكبرى الحاكمة (بالإنجليزية: جراند ثيري grand theory). ونحن نذهب إلى أن التخلي عن محاولة الوصول إلى نظرية حاكمة كبرى (رؤية للكون وللأمور المعرفية الكلية والنهائية) أمر غير ممكن. فالواقع قد ينقسم إلى مجموعة من القصص الصغرى (على حد قول أنصار ما بعد الحداثة) ولكن هناك داخل كل قصة ـ مهما بلغت من صغر ـ قصة كبرى، وهذا ما نعبِّر عنه بقولنا "إن ثمة نموذجاً ما كامناً وراء كل الظواهر". وهذا أيضاً ما يُقال له «حتمية الميتافيزيقا». وإن لم يطور الإنسان نظرية كبرى، فإنه سيقع فريسة النظرية الكبرى للآخر وضحية لما يُسمَّى «إمبريالية المقولات»، أي أن يستورد الإنسان المقولات التفسيرية الكبرى من الآخر، ويقصر جهده البحثي والمعرفي على مراكمة المعلومات من خلال المقولات الجاهزة التي اسـتوردها. وداخـل إطار النموذج الفضفاض وفكرة الاجتهاد، سنحاول الوصول إلى نظرية شاملة كاملة، ولكننا نعرف أننا لن نصل إلى اليقين المطلق أو التفسير النهائي، فنظريتنا لن تكون نظرية شاملة كاملة (جراند ثيري) وإنما «ريلاتيفلي جراند ثيري relatively grand theory»، أي "نظرية كبرى وشاملة إلى حدٍّ ما" أو داخل حدود ما هو ممكن إنسانياً. ومثل هذه المحاولة لا يمكن أن تتم في إطار كموني مادي واحدي يرى أن كل القوانين كامنة في المادة؛ إطار يُلغي ثنائية الإنسان والطبيعة ويتأرجح بين الموضوعية الكاملة والذاتية الكاملة.
وكما تُصاغ النماذج عادةً، يمكن أيضاً صياغة النماذج المركبة من خلال عملية تفكيك وتركيب:

1 ـ تُفصَل الوقائع والتفاصيل التي تستخدمها النماذج الاختزالية (العلمية أو التآمرية) عن هذه النماذج أو أي نماذج مسبقة بقدر الإمكان.

2 ـ تُوضَع الوقائع والتفاصيل في سياق إنساني (تاريخي واجتماعي) عريض، أي تتم استعادة البُعد التاريخي والمنظور المقارن (وهو الأمر الذي تحرص على استبعاده الكتابات الصهيونية والمعادية لليهود والكتابات العلمية الاختزالية).

3 ـ تُربَط الأجزاء والتفاصيل والحقائق بالكليات التاريخية والاجتماعية داخل أنماط.

4 ـ تُضَم وقائع ومعلومات كان قد تم استبعادها من منظور النماذج الاختزالية القائمة، ويتم توسيع وتعميق الأنماط.

وبذلك يمكن إظهار عجز النموذج الاختزالي عن تفسير كثير من المتغيرات وعناصر الواقع، كما يمكن البرهنة على مقدرة النموذج المركب على إنجاز ما عجز عنه النموذج الاختزالي، إذ تكتسب الوقائع معنى جديداً ويصبح بالإمكان تفسيرها بطريقة أكثر تركيباً وإنسانية.

واستخدام النماذج المركبة له نتائجه العملية والمعرفية والأخلاقية الكثيرة. وقد بيَّنا مواطن القصور الناجمة عن استخدام النماذج الاختزالية في دراسة الجماعات اليهودية، ويمكننا أن نبيِّن في هذا المدخل النتائج الإيجابية (العلمية والمعرفية والأخلاقية) لاستخدام النماذج المركبة في نفس المجال.

1 ـ النماذج المركبة لا تختزل العدو في صهيونيته أو ماسونيته بل تراه في تركيبيته الإنسانية والعميقة وبمقدرته على الانتصار والانكسار وفي سياقاته المتعددة، ولذا فهي تُسقط عن اليهودي عجائبيته وإعجازه وتفرده (الذي يصر عليه الصهاينة والمعادون لليهود) وتستعيد له إنسانيته وتركيبيته ومن ثم تُعرِّفه في قوته وفي ضعفه الحقيقيين.

2 ـ أسلفنا القول أن النموذج المركب سيساعدنا على التخلص من الربط بين اليهودي وكل الظواهر السلبية في المجتمع، الأمر الذي سيوسع من أفقنا ويجعلنا أكثر قدرة على دراسة هذه السلبيات والبحث عن سببها الحقيقي بدلاً من البحث الاختزالي عن اليهود. وكثير من الوظائف التي ارتبطت في أذهاننا باليهود، وباليهود وحدهم (وبسبب الأدبيات العنصرية الغربية)، يقوم بها غير اليهود في أماكن وفترات مختلفة. كما أن ربط اليهود بالشر يُولِّد في أنفسنا الهلع، ويجعلنا غير قادرين على التمييز بين العناصر المعادية وتلك التي يمكننا التحالف معها.

3 ـ سيساعدنا النموذج المركب على أن ندرك أعضاء الجماعات اليهودية في سياقاتهم المتعددة (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية)، فهم ليسوا يهوداً والسلام، أي يهوداً بشكل عام، وإنما جماعات يهودية مختلفة؛ لكل منها وضعها ودوافعها وأبعادها، وهو ما يُحسِّن قدرتنا على تفسير كثير من الظواهر اليهودية ومن مقدرتنا التنبؤية ويفيد كثيراً في الممارسة.

4 ـ سيساعدنا النموذج المركب على إدراك الطبيعة العميقة والبنيوية للعلاقة بين الدولة الصهيونية والحضارة الغربية والتشكيل الاستعماري الغربي، ومدى عمق الصراع بيننا وبين العدو الصهيوني ومدى اتساعه.

5 ـ إذا استخدمنا النماذج التفسيرية المركبة، فإننا نكون قد طبَّقنا واحداً من أهم تعاليم الإسلام وهو ضرورة الحفاظ على حقوق الأقليات التي تعيش بيننا (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) إذ ليس من حق أحد إسقاط الحقوق التي أعطاها الله إياهم استناداً إلى رؤية حرفية واختزالية حتمية تهدر حقوقهم حتى قبل أن يُولَدوا وتعتبرهم أشراراً بالوراثة، أي من خلال طبيعتهم المادية لا اختيارهم الأخلاقي. ونظرية الحقوق الدينية مختلفة في هذا المضمار عن نظرية الحقوق المدنية التي ترى أن هذه الحقوق ليست مطلقة، فالأمة مصدر السلطات وهي التي تمنح وتمنع. وفي حالة الدولة النازية، قررت الدولة الألمانية (باعتبارها تجسيداً لإرادة الشعب) أن تدمر كل من يقف في طريق التقدم والتنمية (مثل مُشوَّهي الحرب والعجائز) وكثيراً من أعضاء الأقليات (مثل الغجر واليهود).


6 ـ إذا أدركنا، من خلال النموذج المركب، المغزى الإنساني الكامن في واقعة عنصرية، فإن الحزن من أجل الضحية سيكون حزناً إنسانياً لا يمكن توظيفه في خدمة عقيدة عنصرية استيطانية كما يحدث في الوقت الحاضر. فإذا سقط اليهودي ضحية العنف والعنصرية في مجتمعه الغربي، فإن هذا لا يعني أن اليهودي هو الضحية الأزلية للعنف وإنما ضحية مجتمعه الغربي العنصري، والحل الإنساني الوحيد لهذه المشكلة ليس هو تصدير المشكلة لنا وإنما أن ينضم اليهودي للجماعات التي تدافع عن حقوق الإنسان (من أعضاء الأقليات الأخرى وأعضاء الأغلبية) وأن يناضل من أجل حقوقه داخل مجتمعه. وتصبح القضية هي كيفية الدفاع عن الحقوق السياسية والمدنية والدينية لليهود (وغيرهم من الأقليات) داخل وطنهم، مثل الولايات المتحدة واتحاد دول الكومنولث المستقلة (الاتحاد السوفيتي سابقاً) لا أن نطالب بتهجيرهم (أو خروجهم) كما يفعل العنصريون من الصهاينة والمتآمرون من بلهاء صهيون.

ويجب أن نتذكر أن اليهودي الذي يفر من بغض أعداء اليهود وحربهم ضده هو نفسه اليهودي الذي يصبح مستوطناً صهيونياً يغتصب الأرض العربية ويتحوَّل، بعد قليل، إلى الجندي الصهيوني الذي نراه على شاشات التليفزيون يقتل الأطفال العرب أو يكسر عظامهم. وقد أدرك الصهاينة ذلك تماماً، ولذا فتاريخهم هو تاريخ التحالف مع أعداء اليهود، بل إن الصهيونية وُصفت بأنها تعيش على الكوارث اليهودية. ومن المعروف لدى الدارسين أن الحركة الصهيونية نظمت هجمات، أحياناً مسلحة، على الأفراد والجماعات اليهودية، لترغمهم على الخروج من بلادهم، ليتحوَّلوا إلى مادة استيطانية وقتالية في المستوطَن الصهيوني. وإشاعات الهجمات على اليهود السوفييت وظاهرة نبش قبور اليهود في أوربا هي، في أغلب الظن، من تدبير الحركة الصهيونية. وقد جاء في أحد تواريخ الصهيونية أنه إذا كان تيودور هرتزل هو ماركس الصهيونية، أي مُنظِّرها، فهتلر هو لينين الصهيونية، أي من وضعها موضع التنفيذ، وذلك عن طريق تصعيد اضطهاد اليهود في أوربا، فهاجرت الآلاف إلى فلسطين، الأمر الذي كانت الحركة الصهيونية قد فشلت تماماً في تحقيقه حتى ذلك التاريخ.

ونحن إذا أدركنا كل هذا، يصبح من الواجب علينا أن نبتعد عن الدهاليز الضيقة المظلمة، وأن نتوقف عن البحث الطفولي الساذج عن اليهودي ذي الأنف المُقوَّس والظهر المحدودب (الذي لا يُوجَد إلا في كتب الكاريكاتير وفي النماذج الاختزالية) ظناً منا أننا لو عثرنا عليه وقضينا عليه فإننا سنريح ونستريح. فالصراع مع العدو مركب وطويل، والدولة الصهيونية ليست مؤامرة عالمية بدأت مع بداية الزمان، وإنما هي قاعدة عسكرية واقتصادية وثقافية وسكانية للاستعمار الغربي، والصراع معها إنما هو جزء من المواجهة العامة مع الحضارة الغربية الغازية.

نموذج التكامل الفضفاض غير العضوى (نموذج الانتفاضة)
«نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي» هو نموذج يسمح بوجود ثغرات بين الأسباب والنتائج، وبين الكل والجزء ، وبين الجزء والآخر. فأجزاؤه ليست متلاحمة مع بعضها البعض. وهو نموذج يعرف الثنائيات الفضفاضة والانقطاع ويدور في إطار السببية الفضفاضة، ولذا لا يسقط في الواحدية أو التلاحم العضوي. ورغم استقلال الأجزاء عن الكل وعن بعضها البعض إلا أنها ليست مفتتة ذرياً فهي في علاقة تكاملية بحيث يمكنها أن تنسق فيما بينها وأن تتفاعل. ولذا فهو نموذج يعرف الاتساق والاستمرار والتكامل، ومع هذا يبقى لكل جزء من أجزائه استقلاله وكينونته وشخصيته وهويته. فالأجزاء مترابطة دون أن تكون متلاحمة عضوياً، والكل ينتظم الأجزاء دون أن يبتلعها، ودون أن تذوب هي فيه، ودون أن تُردَّ في كليتها إليه، والسبب له علاقة بالنتيجة ولكنها ليست علاقة مباشرة صلبة.

ونحن نضع نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي مقابل كلٍّ من نموذج التلاحم العضوي ونموذج التفتت الآلي والذري. وتتسم عناصر نموذج التلاحم العضوي بأنها جميعاً متماسكة متلاحمة بحيث لا يستطيع عنصر أن يستقل عن الكل ولا يتمتع بمساحة يتحرك فيها بشيء من الاستقلال (وهذا هو النموذج السائد في الأوساط الثورية في العالم العربي، بل في العالم الحديث بأسره، وهو النموذج المهيمن على الدول المركزية القومية وعلى منظومة الحداثة الغربية). أما نموذج التفتت الآلي أو الذري فتتسم عناصره بأنها مستقلة تماماً بعضها عن البعض، فيعمل كل عنصر بمفرده (وهذا بطبيعة الحال لا يصلح أن يكون نموذجاً ثورياً، ولا حتى نموذجاً لإدارة دفة الحكم. ومع هذا يسيطر على فكر كثير من الأفراد وطريقة إدراكهم مع تفشِّي البرجماتية والوضعية وما بعد الحداثة).

والتراث الإسـلامي العربي تراث قد تَرد فيه النمـاذج العضـوية والآلية (وهي لابد أن ترد داخل أي تشكيل حضاري)، إلا أنها لا تتمتع بأية مركزية فيه إذ يشغل المركز نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي. فلننظر (على سبيل المثال) إلى الحديث الشريف: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى" (متفق عليه). فرغم أن الصورة المجازية الأساسية هنا هي الجسد، إلا أن بنيتها غير عضوية نظراً لاستخدام أداة التشبيه التي تحتفظ بمسافة (أو ثغرة) بين طرفي التشبيه وتقلِّل عضوية المجاز وتمنع تأيقنه. فالمؤمنون في تعاطفهم ليسوا «جسداً» وإنما هم «مثل الجسد» وحسب. فأداة التشبيه تخفف حدة الترابط وتُدخل قدراً من الترابط الفضفاض غير الصلب. ولعل الحديث الشريف الآخر عن نفس الموضوع تظهر فيه فكرة الترابط غير العضوي الفضفاض بشكل واضح: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" [متفق عليه] ثم شبَّك الرسول صلى الله عليه وسلم أصابعه. فالصورة المجازية هنا في مضمونها غير عضوية وتُعبِّر عن تكامل وترابط، ولكنه ترابط البناء غير العضوي الذي تتخلله الثغرات (تماماً مثل أصابع اليد المتشابكة).

ويمكن أن نضرب عشرات الأمثلة الأخرى من القرآن والسنة (والتراث الديني وغير الديني) على فكرة الترابط الفضفاض غير العضوي. فمثلاً مفهوم النفس المطمئنة هو مفهوم فضفاض تماماً، فهي ليست النفس الذرية الآلية ذات البُعد الواحد المغتربة التي تحتفظ بحدودها وانغلاقها، ولا هي النفس الرومانسية ذات البُعد الواحد التي تلتحم عضوياً بالآخر، وإنما هي نفس مركبة الأبعاد تكتسب المقدرة على الإبداع والبقاء (الطمأنينة) من خلال التوكل على الله دون الاتحاد به، ومن خلال التعاون مع الآخرين دون الالتحام الكامل بهم أو الانفصال الكامل عنهم؛ فهي تظل في حالة اتصال وانفصال، تَواصُل واستقلال. وأعتقد أن النموذج الأكبر (نموذج النماذج إن صح التعبير) هو المفهوم الإسلامي لله وعلاقة الإنسان به؛ فالله ليس كمثله شيء ولكنه قريب يجيب دعوة الداعي (دون أن يحل فيه)، وهـو مفارق تماماً للكون (للطبيعة والتاريخ) متسـام عليهما ولكنه لا يتركهـما دون عدل أو رحمة، فهو أقرب إلينا من حبل الوريد (دون أن يجري في عروقنا) وبإمكان الإنسان أن يقترب منه ولكنه لا يمكنه أن يتحد به. ولذا يظل أشرف المخلوقات في أكثر اللحظات قرباً منه عز وجل "قاب قوسين أو أدنى". فثمة مسافة تفصل بين الإله والإنسان والطبيعة، تماماً مثل تلك التي تفصل بين الإنسان والطبيعة. وهذه المسافة حيز إنساني يتحرك الإنسان فيه بقدر كبير من الحرية، فهي ضمان استقلال الإنسان عن الإرادة الإلهية بحيث يصبح الإنسان حراً مسئولاً من الناحية الأخلاقية، ويصبح له من ثم هوية مركبة محددة، ويصبح التاريخ الإنساني مجال حريته واختباره (ومن هنا مركزية مفهوم «خاتم المرسلين» باعتباره إعلانا من الله عز وجل بأن التاريخ، بعد اكتمال الوحي، هو رقعة الحرية). ولكن المسافة ليست هوة تعني أن الإله قد هجر الإنسان وتركه في عالم الفوضى والصدفة، فالله قد أرسل له وحياً في نص مقدَّس مكتوب، وهو قد كرَّم الإنسان واستخلفه، ولذا فإن الإنسان يحمل رسالة الإله في الأرض ويحمل الشرارة الإلهية داخله.

هذه هي بعض السمات الأساسية لنموذج التكامل الفضفاض غير العضوي. ويمكننا أن نتناول موضوع الانتفاضة ولنبدأ بالأسباب التي أدت إلى اندلاعها.

إن القمع الصهيوني للمواطنين العرب قد تفاوت في حدته من عام لآخر، فحالة القهر حالة بنيوية تسم العلاقة بين المستعمرين والمستعمَرين. كما أن عملية تشويه المجتمع الفلسطيني وتحطيم بنيته التحتية، وربطه بالاقتصاد الإسرائيلي كانت تتسارع، حتى أن الباحث الإسرائيلي ميرون بنفنتسي كان قد أصدر دراسة بيَّن فيها أنه قد تم، على مستوى من المستويات، دمج الضفة الغربية في الاقتصاد الإسرائيلي، وأنه لا يمكن العودة عن هذا الأمر. وكان الاحتلال الصهيوني يحاول رفع المستوى الاقتصادي لسكان فلسطين المحتلة عام 1967 عن طريق تحويل قطاعات منهم إلى عمالة رخيصة تعمل داخل إسرائيل وتخدم الاقتصاد الإسرائيلي وتستفيد منه، حتى يصبح من صالحها الإبقاء على الوضع القائم.

ولكن إلى جانب القهر كانت توجد عملية إغواء، فقد بلغ عدد العرب الذين يعملون وراء الخط الأخضر (وهو الخط الافتراضي الذي يفصل فلسطين المحتلة عام 1948 تلك التي احتلت عام 1967) 120 ألفاً، وقد ارتفع دخل الفلسطينيين العرب بالفعل من 300 دولار عام 1968 إلى 1400 دولار في الضفة وألف دولار في القطاع. ولا يعود ارتفاع مستوى الدخل إلى العمل وراء الخط الأخضر وحسب، وإنما بسبب تحويلات العاملين في البلاد العربية إلى ذويهم. ويُلاحَظ أن ارتفاع الدخل قد تم إنجازه لا من خلال الارتباط بالأرض والعمل فيها، وإنما من خلال النزوح عنها (العمل في إسرائيل أو في البلاد العربية) أي أن ارتفاع الدخل كان يشكل من الناحية البنيوية حركة طاردة من الأرض تهدف إلى دفع السكان لترك وطنهم والهجرة منه والتخلي عن الكفاح المسلح. وكانت الولايات المتحدة تفكر في إقامة بعض المشروعات الاقتصادية في الضفة الغربية تهدف إلى تعميق روح التكيف والمرونة بين العرب وإقبالهم على التمتع بالحياة الدنيا دون التفكير في أية قيم أخلاقية أو قومية ودون التعلق بأية مطلقات أو ثوابت.

لكن لا القهر قادر على أن يؤدي إلى اندلاع الانتفاضة ولا الإغواء قادر على إطفائها. فهذه جميعاً عناصر مساعدة، إذ لابد أن تكون هناك عناصر إيجابية تحرك الفاعل الإنساني العربي، وفي تصوُّرنا أن العنصر الحاسم في هذا المجال هو تماسُك هوية الفلسطينيين وتجذُّرهم في تراثهم الحضاري والديني، فقد كان هذا هو المدد الذي لا ينفد، والذي جعل الفلسطينيين يدركون إمكاناتهم وعوامل الحياة والانطلاق داخلهم، وفي الوقت نفسه يدركون مدى تَخثُّر العدو وعوامل التآكل والموت داخله. لقد أدركوا الأزمة العقائدية التي كان يخوضها التجمُّع الصهيوني نتيجة تصاعد معدلات العلمنة فيه وتوجهه نحو قيم المنفعة واللذة. ولابد أنهم لاحظوا أن المستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية غير قادرين على حمل السلاح، ولذا فهم يتحركون دائماً في حماية قوات "الدفاع" الإسرائيلية. ولابد أن أهل الضفة الغربية رأوا المنازل الفارهة التي تُشيَّد لهؤلاء "الرواد" الصهاينة الذين يتمسكون بجهاز التكييف وحمام السباحة أكثر من تَمسُّكهم بأرض الميعاد (أطلق على هذا النوع من الاستيطان "الاستيطان مكيف الهواء"، أما زئيف شيف المعلق العسكري الإسرائيلي فيسميه "الاستيطان دي لوكس").

ولا يوجد أية ضرورة لإطلاق الرصاص على مثل هذا المستوطن المرفه، فالحجارة كفيلة بأن تُعكر صفو حياته الدنيوية وفردوسه الأرضي الحديث الصغير. وبينما كان العدو يَتخثَّر لم تتوقف العمليات الفدائية، التي قد تتفاوت في حدتها، ومدى نجاحها وفشلها إلا أنها نجحت في الإبقاء على روح الجهاد لدى الشعب الفلسطيني، وعلى تماسكه وتمسُّكه بعقيدته، وهذا التماسك هو وحده الذي هيأ الأجيال الفلسطينية الجديدة لإدراك ما حدث داخل المجتمع الصهيوني فازدادت امتلاءً وإبداعاً. وجاءت هزيمة القوات الإسرائيلية في لبنان فحركت إمكانية إلحاق الهزيمة بالعدو من مجال الحلم إلى مجال الواقع. ثم كانت عملية قبية التي قام بها مواطـن عربي من تونـس فكانت بمنزلة الشرارة .

في هذا الإطار بدأ النموذج الانتفاضي، نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي، يظهر بتدريجياً، وبدأ المناضلون في الضفة والقطاع يتبنونه إلى أن أصبح النموذج الأساسي والمهيمن، وأصبحت الانتفاضةحالة ممثِّلة لهذا النموذج. ولتوضيح وجهة نظرنا سنقوم بمقارنة نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي بنموذج التلاحم العضوي من منظور إمكانية التشغيل والتطبيق.

1 ـ يمكن القول بأن نموذج التلاحم العضوي ثمرة حقيقية لمنظومة الحداثة الغربية المبنية على القطيعة المعرفية والفعلية مع الماضي، والبدء من الواقع المادي المباشر ومحاولة السيطرة على عناصره. والتغيير يعني رفض الماضي والبدء من نقطة الصفر الافتراضية. أما نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي فهو نموذج يحاول أن ينسلخ عن الحداثة الغربية ليستلهم التراث ويولِّد منه حداثة جديدة ونظماً في الإدارة وتحريك الكتلة البشرية بأسرها.

وهذا أمر متوقع تماماً فالنموذج الانتفاضي نموذج استرجاعي: أن تصبح إسرائيل فلسطين مرة أخرى وأن تُزال آثار العدوان الاستعماري الغربي الصهوني الذي نجح في مواجهتنا بآلاته الحديثة وقصم ظهرنا فلابد إذن من استدراجه إلى أرضنا حيث يمكننا أن نحاوره حسب قواعدنا ونستلهم تراثنا. ولذا فالانتفاضة كانت شكلاً من أشكال «العودة عن الحداثة» demodernization، وبعث أشكال تقليدية من التكامل الاجتماعي والإنتاج (الأسرة كوحدة أساسية ـ الزراعة التقليدية ـ المخبز الريفي ـ العودة لشجرة الزيتون كمصدر للحياة وللرموز) ليزداد التكامل الفضفاض والتراحم في المجتمع. ويُلاحَظ أن القرى التي لم تحقق مستوى عالياً من التحديث هي أكثر القرى صلابة في النضال إذ أن بنيتها التحتية التقليدية تضمن لها مقدرة أعلى على الاستمرار بسبب عدم تبعيتها.

وكلمة «انتفاضة» تبلور النموذج الانتفاضي بشكل يبعث على الدهشة، فهو دال يكاد ينطبق انطباقاً كاملاً على مدلوله ويعبِّر عنه بكل خصوصيته ونتوءاته ومنحنياته، وهو مصطلح يعود للمعجمين اللفظي والحضاري العربي الإسلامي. والكلمة مشتقة من فعل «نفض» مثل «نفض الثوب» يعني «حرَّكه ليزول عنه الغبار أو نحوه». والكلمة على المستوى الدلالي المباشر تشير إلى حركة خلاّقة تولِّد الجديد من القديم (النظافة)، وهي توحي في الوقت نفسه بعدم تجذُّر هذا الذي سيزول ـ الغبار الذي علا الثوب ـ أو الاستعمار الصهيوني الذي حط على أرض فلسطين. ويُقال أيضاً «نفض المكان» أي «نظر جميع ما فيه حتى يعرفه» (وهذه حيلة معروفة لدى شباب الانتفاضة). ويقولون أيضاً «نفض الطريق» أي «طهره من اللصوص». و«النفضة» هي «جماعة يُبعثون في الأرض متجسسين لينظروا هل فيها عدو أو خوف». وتحمل الكلمة أيضـاً معاني الخصـوبة فيُقـال «نفض الكرم» أي «تفتحت عناقيده». ويُقال «نفضت المرأة» أي «كثُر أولادها». والمرأة النفوض هي «المرأة كثيرة الأولاد» (مثل المرأة الفلسطينية)، وهناك تعبيرات مثل «نفض عنه الكسل» و«نفض عنه الهم» وكذلك «انتفض واقفاً». والكلمة، بدلالتها وإيحاءاتها تفترض وجود قوة ما كامنة، كانت ساكنة ثم تحركت، وأن مصادر الحركة ليست من خارج النسق، وإنما من داخله. وهذا البُعد يجعل كلمة «انتفاضة» (لا ثورة) مصطلحاً أكثر دقة في وصف ما يحدث، فالثورة تفيد الانقطاع (الثورة الفرنسية والثورة البلشفية) أما الانتفاضة فتفيد أن الكامن قد أصبح ظاهراً، وأنه وصل ما انقطع ولم يقطع ما اتصل.

ونحن نذهب إلى أن الحجر في حالة الانتفاضة ليس مجرد سلاح استخدمه المنتفضون بكفاءة عالية وإنما هو بلورة كاملة لنموذج التكامل الفضفاض غير العضوي. فاستخدام الحجر كفاءة توصَّل لها الإنسان منذ أن بدأ التاريخ البشري. والحجر موجود بكثرة داخل معجمنا الحضاري، فهو أحد المفردات الأساسية في التراث العربي الإسلامي. فالحصان، على سبيل المثال، يُشبَّه في معلقة امرئ القيس بأنه "جلمود صخر حطه السيل من عل". ونحن نعرف كذلك آية الطير الأبابيل التي رمت الغزاة «بحجارة من سجيل»، وعقوبة الزنى هي "الرجم". ويستعيذ المسلمون بالله من الشيطان" الرجيم"، ويقضون حياتهم يحلمون بإقامة شعائر الحج، ومن أهمها "رجم" إبليس وتحية "الحجر" الأسود (وربما تقبيله). وتقف الكعبة نفسها "حجراً" ضخماً، مكعب الشكل يشير إلى ما لا نهاية، إلى الإمكانيات والوعود والجنة. ويزخر شعر المقاومة الفلسطينية قبل الانتفاضة وبعدها بإشارات لا تُعَد ولا تحصى للأرض والجبال والحجارة.

وثمة سمات مشتركة أخرى بين نموذج الانتفاضة، نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي، والنماذج الإدراكية السائدة في المجتمعات التقليدية. فعلى سبيل المثال لجأت الانتفاضة، التي تحاول أن تحرك الكتلة البشرية بأسرها، إلى البحث عن رقعة الإجماع الشعبي بين الفلسطينيين (الثوابت الإنسانية) مثل التمسك بالأرض والدفاع عن حق تقرير المصير، ولم تشغل بالها بالأطروحات الثورية النقية الدقيقة. وهذا التوجه للثوابت قد لا يكون رشيداً من منظور علمي مادي ولكنه رشيد تماماً من الناحية الإنسانية والتعبوية. والانتفاضة في هذا لا تختلف كثيراً عن المجتمعات التقليدية التي تتسم بقدر عال من التماسك بسبب الإيمان بالثوابت ومن محاولةإدارة الأمور من خلال الإجماع لا الصراع (والإدارة من خلال الإجماع لا من خلال تصعيد المنافسة أسلوب في الإدارة تبنوه في اليابان بنجاح كبير، وبدأوا يكتشفون أهميته وجدواه في الغرب).

ويمكن أن نرى النزعة الانتفاضية نحو الاسـتفادة من خبـرات المجتمع التـقليدي من موقـفها مما يُسمَّى «الموضة». والموضة ـ كما نعلم نحن عرب الخارج ـ اختراع غربي شيطاني، الهدف منه أن نغيِّر ملابسنا وأذواقنا (وهويتنا) مرتين كل عام، وأن نبدد طاقتنا الجسدية والروحية والمالية دائماً، ولكن في زمان الانتفاضة، وفي مكانها، تتغيَّر الأمور وتصبح الموضة ليس السـعي للحصـول على آخر ما اقترحـه القرد الأعظم في باريـس، وإنما أن تلبــس ثياباً من صنع المصانع الفلسطينية، وبالتالي تضرب العدو وتساند الصناعة المحلية، فيزداد المنتفضون عزة واعتداداً بالنفس. كما أن اتباع الموضة الانتفاضية يعني أن الجميع سيرتدي الزي نفسه تقريباً فيصعب على العدو أن يميز بين الفلسطينيين، ومن ثم تصبح عملية المطاردة شبه مستحيلة (وهذا يشبه من بعض الوجوه الثورة الجزائرية حين أصبح كل الذكور يسمون محمداً وكل الإناث فاطمة، بحيث يغرق العدو في البحر الإنساني). بل إن كل متجر ملابس أصبح مكاناً لتغيير الزي، ولذا إذا دلف أحد المنتفضين إلى مثل هذا المتجر فإن صاحبه يتصرف بتلقائية متعمدة، ويساعد المطارد على تغيير ملابسه، ليخرج وينضم للبحر الإنساني، والعدو الأبله يقف ممسكاً برشاشه الرهيب لا يعرف ماذا يفعل.

2 ـ نموذج التلاحم العضوي (وهو نموذج أساسي في الحضارة الغربية) يدور في إطار القانون العام المجرد العالمي. وقد توصلت النظرية الثورية الماركسية في عالمنا العربي إلى أنه لابد من ظهور وعي بروليتاري متبلور. لكن حيث إن الوعي البروليتاري ناجم عن ظروف موضوعية (تركُّز العمال في المدن ـ تفاقم الصراع مع البورجوازية... إلخ) فلابد من الانتظار لحين ظهور هذه الظروف الموضوعية. وهكذا دخلنا دائرة مفرغة، وتضخَّم الحديث عن الثورة وطرق إشعالها، وظل الواقع من حولنا مجدباً عقيماً يشهد بتعاستنا الفكرية وبؤسنا العملي والنظري!

وحينما وظف ثوار فيتنام (الفلاحون) الغابات والجبل في حربهم ضد الغزو الأمريكي الشرس، قال بعض الظرفاء إن على الثوار العرب أن يزرعوا بعض الغابات والجبال حتى يمكنهم أن يبدأو الكفاح الثوريّ، أي أننا فقدنا أنفسنا تماماً في القوانين والنماذج المجردة. ونموذج التكامل الفضفاض غير العضوي لا يفقد نفسه في القانون العام فهو يشبه المجتمعات التقليدية ذات الهوية الواضحة التي لا تفقد ذاتها في حضارة عالمية وهمية وتتعامل مع المتعين بكفاءة، ولذا نظر المنتفضون من حولهم وأدركوا أبعاد واقعهم واهتدوا إلى الحجر: سلاح غير مستورد متوافر في كل مكان لا يمكن نزعه أو مصادرته ويستطيع كل إنسان استخدامه فهو تعبير عن الإجماع الشعبي.

3 ـ نموذج التكـامل الفضفاض غير العضـوي مبني على الـتدوير وإعادة استخدام المواد (بالإنجليزية: ري سايلكلينج recycling)، وهو في هذا يشبه المجتمعات التقليدية، على عكس الحضارة الحديثة المبنية على فكرة التخلص من الفوارغ disposable (وهذا يعود إلى ولاء الحضارة الحديثة لفكرة السرعة وتنظيم الحركة واستهلاك الطاقة). ويتميَّز الحجر بإمكانية استخدامة عدة مرات وربما إلى ما لا نهاية.


وهناك أمثلة عديدة على عمليات التدوير الأخرى، فعلى سبيل المثال، حينما كان بعض الشباب العادي يدخل السجن يتم تحويلهم إلى كوادر انتفاضية واعية وهو ما حوَّل السجون إلى أكاديميات لتخريج الثوار. ويقوم المنتفضون بتنظيم إضرابات داخل السجن تزيد التراحم. وحينما يخرج المسجون فإنه يعود بطلاً في الحي، نموذجاً انتفاضياً جديداً، ينظر له الأطفال والشباب والكهول. وهكذا يتحوَّل غيابه السابق في السجن إلى حضور ثري ينير العقول والقلوب (يُقال إن معظم العناصر القيادية من خريجي هذه الأكاديميات). والمساجين لا يختلفون هنا عن الشـهداء، إذ حـينما يسقط أحد المنتفضين شهيداً فهو يتحول إلى رصيد مضاف، ويؤخذ الجثمان لتقام الصلاة عليه، ويتحوَّل استشهاده بذلك إلى وسيلة من وسائل زيادة التماسك. فالشهيد هنا ليس طاقة مبددة وإنما طاقة جديدة تظل تسري في جسد الجماعة. كما أن الكفاح بالحجر يعني أن بوسع المنتفض أن يستخدم الحجر ويفر في الطرق الضيقة فيضمن لنفسه الاستمرار والبقاء في دورة الكفاح اليومي.

4 ـ نموذج التلاحم العضوي (شأنه شأن نموذج الحداثة المادية الغربية) مبني على النمو المستمر والمتصاعد وتعظيم مراكمة الطاقة واستهلاكها وتبديدها بل أحياناً تبديد المادة نفسها حتى يصل النموذج إلى الذروة، وهي نقطة الاشتعال (نهاية التاريخ). فهذا النموذج يذهب إلى أن تراكم الظروف الموضوعية وتصاعد التناقضات واحتدامها، سيولد حتماً وعياً ثورياً، وهذا سيؤدي بدوره إلى اندلاع الثورة. وعملية التراكم والنمو التي تتم، هي عملية عالمية تحدث في كل المجتمعات حسب النمط نفسه. فنمط التراكم والتناقض واحد، ومن هنا الاهتمام المفرط بالظروف الموضوعية العامة لا بالظروف الفريدة المحلية. والنماذج التراكمية ترى أن التصعيد الثوري لابد أن يأخذ شكل تصعيد رأسي لا أفقي، بمعنى حتمية أن يكون هناك تزايد دائم في احتدام التناقضات، وفي تصاعُد درجة الحرارة حتى تصل إلى درجة الاحتراق. ولذا أصبح الفكر الثوري مشغولاً بـ «تهيئة الظروف الموضوعية لنشوب الثورة» التي لم ينجح أحد في تهيئتها حتى الوقت الحاضر.

أما نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي فيحتاج إلى قَدْر من الطاقة ولكنه لا يتجه نحو تعظيم مراكمتها واستهلاكها، وإنما يركز على استخدامها مع الحفاظ عليها وعلى مصادرها (كما هو الحال في المجتمعات التقليدية). وهو نموذج يفضل التوازن على الصراع. ولذا فهو يجمع بين الطاقة الإنسانية (التقاط الحجر وإلقاؤه) والطاقة الطبيعية (الحجر نفسه).

ولأن النموذج الانتفاضي لا يتجه نحو النمو المستمر فهو لا يحاول أن يصل إلى الذروة، ولذا فهو يتوهج أحياناً ويخبو أحياناً أخرى. ولكنه لا ينطفئ أبداً ولا يشتعل أبداً. ويتضح هذا فيما نسميه التصعيد الأفقي، أي ابتداع أشكال جديدة من النضال هي استمرار للأشكال القائمة وربما تحسين لها ولكنها ليست تصعيداً كمياً لها. والتصعيد الأفقي يأخذ شكل زيادة الخبرة عند الجماعة البشرية الفلسطينية المنتفضة التي تعادل تزايد بطش العدو ومقدرته على محاربة الانتفاضة دون أن يشكل ذلك تزايداً في الحرارة ودون الإخلال بالإستراتيجية العامة للانتفاضة ـ أن تستمر في رفض العدو بشكل نشيط وفي إرسال الرسائل له: إننا كنا وما زلنا وسنكون.

وقد درَّب أهل الضفة والقطاع أنفسهم تماماً حتى أصبح بوسعهم أن ينجزوا في ساعتين أو ثلاث ما لا يستطيع غيرهم إنجازه إلا في يومين أو ثلاثة، وهذا يتطلب تدريب كل أفراد الجماعة على الحركة المنسقة وعلى توزيع الأدوار والوظائف توزيعاً دقيقاً. وقد أدى هذا إلى زيادة مقدرة الفلسطينيين على القيام بهذا العدد الهائل من الإضرابات والاحتجاجات دون أن يحترقوا. وقيادة الانتفاضة بقبولها فكرة السماح بفتح المحلات وغيرها من الخدمات لعدة ساعات تبيَّن أنها مدركة تماماً لضرورة تحريك كل أجزاء الجماعة الإنسانية وبشكل مستمر، ومن ثم لابد أن تلبي حاجاتهم الإنسانية كبشر، لابد أن يأكلوا ويشربوا ويفرحوا ويحزنوا. ولكنهم كبشر أيضاً يحققون إنسانيتهم من خلال انتفاضتهم فلا يسقطون في رتابة الزمان اليومية، ولا في آليته المبتذلة، إذ أنهم بعد عودتهـم من عند البقـال يضعون ما اشتروا من بضائع في زاوية الدار ثم يعانقون النجوم ويرشقون عدوهم بالحجارة. لقد ابتدع الفلسطينيون زماناً فلسطينياً للمكان الفلسطيني ـ هذا إذن هو الإنسان في زمن الانتفاضة، هذا هو الإنسان الذي أفلت من قبضة الزمن الرديء، وقد أنجز ذلك لا بتحطيم الزمان ونفسه (كبروميثيوس أو العنـقاء ـ كما يقول شـعراء الحداثة)، وإنما بتقبُّله كمعطى والعـمل من خلاله، وبزيادة الخبرة اليومية، ومن خلال التكاتف والتعاطف والتراحم. وماذا يستطيع العدو مهما بلغت كفاءته أن يفعل في مجابهة هذا؟
ومن الأمثلة الأخرى على التصعيد الأفقي أن المنتفضين لاحظوا أن جنود العدو كانوا يتعرفون على راشقي الحجارة عن طريق التراب العالق بأيديهم. فقام المنتفضون بتجنيد الأطفال الصغار ليحملوا فوطة مبللة يغسل راشق الحجارة بها يده بعد فراغه من فعله البطولي.

واستخدام الوزنة الحديدية بدلاً من الحجر، هو مثل ثالث على التصعيد الأفقي. والوزنة بالنسبة للحجر كالمدفعية الثقيلة بالنسبة للبندقية، فاستخدامها شكل من أشكال التصعيد ولا شك، ولكن مع هذا تظل الوزنة تنويعاً على الحجر. ويبدو أن إخفاء الوزنة أمر أسهل بكثير من إخفاء كمية من الحجارة، كما أنها لا تترك أثراً في يد صاحبها بعد أن يلقيها. إن زيادة الإبداع هنا لا يخل بالبنية العامة ولا يُشكِّل زيادة في الحرارة، كما أنه يفترض إمكانية تجنيد كل عناصر الجماعة. ولنتخيل شعور الطفل الذي يحمل الفوطة المبللة ومدى إحساسه بالكرامة حينما يعود إلى منزله ليحكي لأمه ولأبيه ما فعل فتزداد درجة التماسك والتراحم في الجماعة الفلسطينية.

ثمة مؤشرات أخرى على زيادة كفاءة الجماعة الفلسطينية في الانتفاضة، فعلى سبيل المثال عندما بدأت الانتفاضة كان بعض راشقي الحجارة يلجأون إلى مدارس البنات للهرب من المطاردين الإسرائيليين، فكانت البنات يصرخن بسبب فجائية الموقف، ولكن الجميع تعلَّم كيف يعزف لحن الانتفاضة المستمر. ولذا فحينما كان أحد المنتفضين يدخل مدرسة بنات فإن الجميع كن يتحركن بتلقائية متعمدة ويختفي المنتفض. وقد يظهر المنتفض فجـأة أمام مكـتب إحدى الموظفات وبالتلقائية المتعمدة نفسها تعطيه شهادة حسن سلوك لأخته التي حضر من أجلها، وليغوص العدو في هذا البحر الإنساني، إذ لا توجد آلة واحدة قادرة على مساعدته في اجتيازه.

5 ـ يتطلب نموذج التلاحم العضوي حداً أقصى من التنظيم والترشيد الكامل في إطار القانون العام والتطبيق الصارم له. فيتم التنسيق الكامل بين الأجزاء المختلفة. ولذا لابد أن تكون كل العناصر متجانسة، ولابد أن تذعن للقانون العام والسلطة المركزية وتتسم بالخضوع للأطروحات الثورية العلمية الدقيقة.


أما في حالة نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي، فإن الترشيد الكامل لا يكون ضرورياً، بل قد يكون على العكس ضاراً، إذ أن الترشيد يعني تطبيق قانون واحد على الجميع، أو مجموعة من القواعد المختلفة ينتظمها قانون واحد، وهذا يتعارض مع تنوُّع الأجزاء وتفاوت السرعات. ونموذج التكامل غير العضوي قد لا يعمل بنفس المستوى من الكفاءة ولا على نفس القدر من السرعة التي يعمل بها نموذج التكامل العضوي، ولكنه قادر على أن يعمل بسرعات متفاوتة في الوقت نفسه بسبب عدم وجود تنسيق صارم بين الأجزاء المختلفة (إذ يحتفظ كلٌّ بشخصيته إلى حدٍّ ما). وهو بسبب مساميته وليونته يتمتع بإمكانية الحركة إلى الأمام أو إلى الخلف أو إلى اليمين أو إلى اليسار. بل يمكن أن تتحرك بعض أجزائه إلى الأمام وتتحرك بعض أجزائه الأخرى إلى الخلف، حسب الظروف. ويمكن أن تتحرك بعض أجزائه بينما تتوقـف الأجزاء الأخرى، ولذا فمـقدرته على تعبئة الجماهير، رغم عدم تجانسها، عالية.

وهذا ما فعلته الانتفاضة من خلال تجنيدها الكتلة البشرية (من كل الأعمار والطبقات والانتماءات الإثنية والدينية) في الأراضي المحتلة وتحريكها جميعاً في وقت واحد، في فترات مختلفة، وحسب مقدرة كل قطاع داخل هذه الكتلة على الحركة. ولم تكن الحركة دائمة متجانسة، وإنما كانت متقطعة غير متجانسة.

وقد تركت الانتفاضة بسبب عدم التزامها بقانون مجرد واحد مجالاً واسعاً للإبداع الشخصي وحوَّلت الارتجال إلى شكل مهم من أشكال النضال الإبداعي الذي يمكن استيعابه داخل التخطيط المركزي الفضفاض. والنضال بالحجر لا يتطلب درجة عالية من الترشيد ومن ثم لا توجد ضرورة لدورات توعية أو حلقات تدريب ولا درجات عالية من التثوير والتسييس.

6 ـ نموذج التلاحم العضوي بسبب تماسكه العضوي وصلابته وافتقاده إلى المسامية والفضفاضية قادر على الحركة في ظروف مثالية وحسب، وفي اتجاه واحد وحسب ـ دائماً إلى الأمام. ولكنه بسبب هذا نجده غير قادر على التوقف، وفي الوقت نفسه مهدَّد بالتوقف الكامل إن لم تتوافر له الظروف المثالية، أي ظروف التحكم الكامل والتجانس الكامل والترشيد الكامل.

قد لا يتسم نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي بمقدرته على الحركة السريعة والدائبة والمستمرة ولكنه يعوِّض هذا بمقدرته على التحكم في الإيقاع العام وفي توظيفه بما يتفق مع المنحنى الخاص لواقعه. وقد أدرك المنتفضون طبيعة واقعهم، وهو أنهم يعيشون تحت وطأة نظام عسكري شرس ذي ادعاءات ديموقراطية تتمتع بتأييد الحكومات والصحافة الغربية. ولذا كان المنتفضون يقومون بمضايقة العدو وإلحاق الألم والأذى به. ولكن الحجر ليس قاتلاً، وقد فوَّت هذا على عدوهم فرصة استخدام آلته العسكرية إلا بحذر شديد (وبخاصة في وجود وسائل الإعلام). ولذا يمكن القول بأن النموذج الانتفاضي يقف بين النموذج الفيتنامي (القتال المسلح) والنموذج الغاندي (العصيان المدني السلمي)، ومع هذا بوسع النموذج الانتفاضي أن يتحرك في نطاقهما إن لزم الأمر.

كما يتسم نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي بمقدرته الفائقة على التحرك والاستمرار تحت معظم الظروف، وعلى الاستمرار بعد الانقطاع، وهذا ما حققته الانتفاضة، فهي أطول حركة عصيان مدني نشيط في التاريخ. لقد استمرت الانتفاضة وأنهكت العدو تماماً، حتى أن التفكير الإستراتيجي الإسـرائيلي توصَّل إلى اقتناع مفاده أنه لن يمكن القـضاء على الانتفاضة إلا عـن طريق الالتفاف حولها، ومن هنا مدريد ثم أوسلو.

وقد صرَّح اللواء حسن البدري مؤرخ الجيش المصري، وأحد أهم مفكريه الإستراتيجيين، أن الجيش النظامي الذي يستمر في قمع العصيان المدني لمدة أكثر من عام يفقد مقدرته على القتال وينعدم فيه «الضبط والربط» وأن هذا ما حدث في فلسطين المحتلة. كما أضاف قائلاً إن حركة العصيان المدني التي تستمر لمدة أكثر من ست سنوات يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، لأنها تكون قد شيدت كل المؤسسات البديلة لإدارة المجتمع، أي أن الانتفاضة بهذا المعنى كانت انتصاراً لفكرة المجتمع الأهلي مقابل الدولة المركزية. واندلاع الانتفاضة الثانية دليل آخر على مقدرة النموذج الانتفاضي على الاستمرار بعد التوقف وعلى التأجج بعد الراحة.

7 ـ يتسم نموذج التكامل العضوي بالثنائية الصلبة، فالمركز قوي أما الأطراف فضعيفة، ولذا فالتنظيم يتسم بالهرمية الصلبة؛ نخبـة طليعية مسلحة بالنظرية الثورية تتمتع بوعي ثوري عال، وجماهير تابعـة ينظمها الحزب الثوري (طليعة الطبقة العاملة!) ويقودها إلى أرض الميعاد. ولذا لا يمكن تخيُّل الثورة بدون النظرية الثورية أو الحزب الثوري: ثمة حاجة إلى مركز قوي وفعال، لا يستطيع النموذج التحرك بدونه. ولكن، إن أصاب المركز خلل، تبعثرت الأطراف تماماً وانتقل من الثنائية الصلبة إلى السيولة الشاملة وتحوَّل الهرم المدبب إلى شيء مسطح لا مركز له ولا قـوام. أما في حـالة نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي، فإن المركز لا يكون بالضرورة أقوى من الأطراف، ولذا يكون التنظيم شبه هرمي، قمته ليست مدببة ولا حادة، والقيادة لا تمسك كل الأمور بيدها ولا تسبق الجماهير وإنما تسير في وسطها جنباً إلى جنب، كما هو الحال في المجتمعات التقليدية التي لا تعطي أهمية مطلقة للنخبة أو الدولة إذ تتم الإدارة من خلال عدد هائل من المؤسسات الأهلية والوسيطة (الأسرة، ـ علاقات القرابة ـ الأوقاف... إلخ)، ومن خلال النصح والإرشاد وقدر من الإجماع. وإن حدث شيء للمركز فلن يؤثر كثيراً في الأطـراف إذ لا يخـتلف المركز عن الأطـراف كثيراً. والأطراف، شأنها شأن كل الأجزاء، لها شخصيتها المستقلة، أما وتيرة حركتها فينظمها المركز ولكنها مستقلة عنه ولها تموجاتها المختلفة ومنحنياتها الخاصة.

هذا التماسك بين أفراد الجماعة يمكِّنها من الاستمرار في الأداء دون توجيه يومي من القيادة ودون رقابة حزبية صارمة (دون انضباط حزبي كما يُقـال في الخطاب الثوري) وهذه هي طريقة التنظـيم في الانتفاضة، فالنضـال بالحجر لا يتطلـب عملية تنظيم مركزية أو قيادة قوية، فرغم وجود القيادة المركزية إلا أن الأطراف ظلت قوية. فحينما يتم القبض على أحد القادة فإن الجماعة تبذل قصارى جهدها لإثبات أنه ليس القائد الفعلي وذلك عن طريق الاستمرار في النضال وتصعيده. ومن هنا يصبح القبض على القائد عنصراً يزيد التلاحم والتماسك والتراحم بدلاً من أن يكون عنصر تآكُل وتراجُع. بل إنه في كثير من الأحيان، ونتيجة تحسُّن الأداء، كان العدو يستنتج أنه لم يتم إلقاء القبض على القائد الحقيقي ويعود للبحث عنه.

ومن المفارقات، أن تماسك الجماعة وفعالية كل أفرادها جعلها أكثر قدرة على اختيار العناصر القيادية الأكثر كفاءة، لأنه إذا كان الجميع يعرف الجميع وإذا كان الطفل والشاب والعجوز يتكاتفون، فمن خلال الممارسة اليومية تسهُل معرفة العناصر الأكثر حركية وانتفاضاً فتصعد لمرتبة القيادة. فالتماسك هنا لم يجعل القيادة مهمة، ولكنه ضمن في الوقت نفسه وصول العناصر البشرية الأكثر إبداعاً وانتفاضاً إلى مركز القيادة!

وقد اهتم المنتفضون، انطلاقاً من نزعتهم التراثية، أيما اهتمام بالأغاني الشعبية والتراث الشعبي في نضالهم واحتجاجهم، ولكن إبداعهم التراثي وصل إلى ذروته وعبَّر النموذج الانتفاضي، نموذج التكامل الفضفاض، عن نفسه خير تعبير فيما سميته «حيلة البطيخة». فمن المعروف أن قوات الاحتلال الصهيوني كانت تُحرِّم على الفلسطينيين أن يرفعوا العلم الفلسطيني وتُجرِّم هذا الفعل. ولذا بدلاً من المواجهة المباشرة كان الفلسطينيون، عند مرور القوات الصهيونية، يقومون بقطع بطيخة إلى نصفين ثم يرفعون أحد النصفين، وكل لبيب بالإشارة يفهم. فألوان البطيخـة المقطـوعة حـمراء وقشرتها خضـراء وبيضاء وبذورها سوداء، وهي ألوان العلم الفلسطيني. ولعل عملية قطع البطيخة نفسها تذكر الجندي الصهيوني بأشياء أخرى يخافها. إن قطع البطيخة المتعـينة أكثر عـمقاً في مدلوله من مجرد رفع العلم المجرد. وهو سلاح مبتكر تماماً يوجد عند الفكهاني في أي وقت، وليس بإمكان العدو مصادرته وإن فعل يصبح أضحوكة أمام العالم. وهو سلاح اقتصادي تماماً يمكن تدويره (بالإنجليزية: ريسياكلنج recycling)! يستطيع المجاهد أن يأكله بعد أن يناضل به. ويستطيع الجميع استخدام سلاح البطيخة من سن السابعة إلى سن السابعة والسبعين. وهو أيضاً سلاح يستفز العدو دون أن يعطيه فرصة للبطـش. وهو في نهاية الأمـر تعبير عن الهوية: حلبة الصراع الحقيقية. والبطيخ سلاح شعبي مائة في المائة، ولا أعتقد أن من يأكل الهامبورجر كثيراً ويسمع الديسكو طويلاً قادر على أن يستخدم البطيخة كعلم فلسطين، والأغنية كنظرية ثورية، والحجر كسلاح.

هذا هو «نحو» الانتفاضة، وهذه هي «قواعدها»، وما أشكال الإبداع الانتفاضية الأخرى إلا تنويعات أو جُمَل تم توليدها على هذا النحو. فسلاح إشعال النار في الغابات يتسم (تماماً كالحجر) بأن لا يحتاج لسلاح مستورد، ولا لمستوى تنظيمي عال ويحقق درجة عالية من إمكانية البقاء. ويمكن تحسين هذا السلاح من داخل النسق التقليدي إذ يقوم المنتفضون بسرقة حمام من مزارع الإسرائيليين ثم يزودونه بفيلينة تشعل الحرائق ويطلقونه ليعود ـ كما تملي عليه غريزته ـ إلى منطقة سكناه، وفي الطريق يشعل الحرائق! ولعل حادثة الحافلة التي بثت الرعب في نفوس المستوطنين شكل آخر من النضال الانتفاضي الذي يعبر عن نموذج التكامل الفضفاض، إذ قام أحد المنتفضين وبيديه العاريتين بدفع سـائق الحافلة فسـقط الجميع في الوادي وتناثرت أشـلاء العدو، فهي فعل تم بمبادرة شخصية وجهد إبداعي فردي، ولذا لم تتمكن الاستخبارات من ضربه، وهو مع هذا جزء ينسجم تماماً مع الكل (الانتفاضة) ويخدم أهدافه!

وقد تركت الانتفاضة أعمق الأثر في أطراف الصراع، أما بالنسبة للفلسطينيين والعرب فقد نزعت الانتفاضة عنصر الخوف من القلوب وأثبتت أن بالإمكان إلحاق الهزيمة بالعدو الذي كان يظن أنه لا يُقهَر، هذا لو نفضنا عن أنفسنا التبعية الإدراكية وتعاملنا مع واقعنا من خلال النماذج الخاصة بنا، بل إن بوسعنا ـ لو شئنا ـ أن نولِّد من الانتفاضة ـ باعتبارها نموذجاً معرفياً ـ نماذج تنموية جديدة مختلفة عن النماذج (العضوية التراكمية) السائدة، فالانتفاضة اكتشفت شيئاً ما داخل الإنسان العربي وحرَّكته، وهو الأمر الذي لم تنجزه أية حركة فكرية أو سياسية أخرى من قبل.

أما على الصعيد الدولي فقد أسقطت الانتفاضة قناع إسرائيل الديموقراطي وأصبح من العسير الحديث عن التراث اليهودي ـ المسيحي والتقاليد الليبرالية وما شابه من ديباجات طريفة أحرزت شيوعاً في العالم الغربي بين البسطاء ورجال الصحافة والإعلام.

أما بالنسبة للصهاينة فعُمْق أثر الانتفاضة في التجمع الصهيوني يفوق الوصف. فالانتفاضة عمَّقت جوانب أزمة المجتمع الصهيوني سواء في المجالين الاقتصادي أو السياسي. وتعميق الأزمة الاقتصادية والسياسية يترجم نفسه إلى مزيد من الاعتماد على الولايات المتحدة وتآكل السيادة الاقتصادية والسياسية، ومن ثم ازدادت طفيلية التجمُّع الصهيوني وازداد التفسخ الاجتماعي فيه.

ولكن الأهم من هذا، أن الانتفاضة زعزعت دور إسرائيل كوسيط، فالدولة الصهيونية كانت تطرح نفسها على أنها استثمار ليس ذا عائد اقتصادي كبير ولكنه ذو عائد إستراتيجي مرتفع (فهي حاملة طائرات أمريكية زهيدة التكاليف)، ولكن الانتفاضة بيَّنت بما لا يقبل الشك أن الدولة الصهيونية مكلفة من النواحي الإعلامية والاقتصادية والسياسية، وأنها قد يمكنها القيام بعمليات إجهاضية سريعة (دور الفتوة) أو أن تضرب في العمق العربي، ولكنها غير قادرة على الاحتفاظ بالأمن والسلام الأمريكي فهي إن كانت غير قادرة على الاحتفاظ بالأمن والسلام الأمريكي ضد الشباب من حملة الحجارة، فكيف يمكنها أن تحافظ على السلام الأمريكي من باكستان إلى المغرب، كما كانت تزعم. ومع استمرار الانتفاضة وعجز المؤسسة الصهيونية عن إطفاء نورها ونيرانها، ومع تزايد تماسك المجاهدين الفلسطينيين اكتشف الصهاينة أن دورهم التقليدي كشرطي للمنطقة لم يعد ممكناً، وأن محاولة ضرب الانتفاضة من خارجها لن تفلح، ومن هنا بدأت إسرائيل تطرح نفسها على أنها عدو الأصولية الإسلامية ليمكنها دخول تحالف مع الحكومات العربية ضد الروح الجهادية، ومن هنا توقيع اتفاقيات السلام والإلحاح على ضرورة رفع المقاطعة العربية حتى تلعب إسرائيل دوراً اقتصادياً يحل محل دورها العسكري القديم أو يكمله، بهذه الطريقة تحل الدولة الصهيونية أزمتها تجاه الدول الغربية الراعية لها وتكون قد توصَّلت إلى طريقة لضرب الانتفاضة من الداخل.

ولكن أهم آثار الانتفاضة بغض النظر عن نتائجها العملية والمباشرة أنها أصابت الحلم الصهيوني في مقتل، فالمستوطن الصهيوني الذي كان يستند وجوده وإحساسه بالأمن الداخلي إلى وهم الإيمان بأن العرب ـ في نهاية المطاف ـ سيخضعون ويقبلون الأمر الواقع، قد رأى المقهورين، وهم يهبون ـ فجأة من وجهة نظره ـ ويلقون الأحجار عليه في انتفاضة اشترك فيها الجميع حرفياً. ولذا بدلاً من الأحلام الوردية المتمركزة حول البيت الفاخر الذي توجد على أطرافه العمالة العربية الرخيصة، توجد كوابيس مظلمة يقف في وسطها طفل ممسك بحجر، ومن ثم بدأ المُستوطن الصهيوني يتساءل ـ ولأول مرة ـ لا عن الخلل الذي يمكن إصلاحه، وإنما عن شرعية وجوده نفسها، وبهذا تكون الانتفاضة قد استعادت للصراع العربي الإسرائيلي أبعاده الحقيقية، ورغم كل المحاولات الحالية الرامية لتحويل قضية الصراع العربي الإسرائيلي إلى قضية إجرائية متصلة بالممرات وفرق المطافئ وبضعة كيلو مترات، فإن اندلاع الانتفاضة يؤكد أن القضية أكثر شمولاً وعمقاً، وأن جهادنا ليس من أجل هذا الشيء أو ذلك، وإنما من أجل هوية هذه المنطقة ومن أجل قيمها ومستقبلها.

إن الانتفاضة ليست حركة عصيان مدني لتحرير فلسطين أو الشعب العربي وإنما هي نموذج متكامل ورؤية للكون يمكن استخدامها في إدارة المجتمع العربي بطريقة تفجِّر الإمكانات الثورية والإبداعية لدى الجماهير. وهذا ما فشلت فيه كل من الحركات الثورية العربية وأعضاء النخب الحاكمة. فإنجاز الانتفاضة إنجاز لنا جميعاً نحن أبناء الشعب العربي والشعوب الإسلامية، وهو طريقة للجهاد ذات فعالية عالية. ولعل عودة الانتفاضة ونشاطها بعد سكوتها، يعني أن نموذج الجهاد لا يموت، فهي قد تهدأ قليلاً لتراقب ما يحدث، لتعود حية شامخة، كالنجم الساطع في سمائنا التي لا يتلألأ فيها كثير من النجوم.


المؤشر بين النماذج الاختزالية والمركبة
كلمة «المؤشِّر» من فعل «أشَّر»، وهو من الألفاظ العربية المحدثة، وتقابلها في اللغة الإنجليزية كلمة «إنديكيتور indicator». والمؤشِّر هو عادةً جسم متحرك (إبرة أو عقرب) يتحرك على سطح به مقياس. وتدل حركة المؤشِّر على التحولات التي تطرأ على شيء آخر، فالإبرة التي تُوجَد في عداد السرعة في السيارة تدل على السرعة، أما الإبرة التي تُوجَد في جهاز قياس الضغط، فتدل على الضغط، وتدل عقارب الساعة على الزمن. ويُلاحَظ أنه تُوجَد هنا علاقة بين شيئين: جسم مادي يشاهده المرء بشكل مباشر، وشيء آخر غير منظور يجرى قياسه مثل السرعة والزمن وضغط الدم في الإنسان أو الضغط الجوي.

وتُستخدَم كلمة «مؤشِّر» في العلوم الإنسانية لنفس الهدف. فالمؤشِّر عنصر ما في الواقع تمكن ملاحظته بسهولة، والتحولات التي تطرأ عليه تدل على التحولات التي تطرأ على مفهوم مجرد. وبسبب هذه العلاقة يمكن جمع المعلومات والبيانات عن المفاهيم المجردة (الطبقة ـ المكانة ـ الأسرة) من خلال المؤشِّر بحيث يتعمق إدراكنا لكل هذه المناهج وبنيتها، كما يمكن رصد التحولات التي تطرأ عليها.

ويتراءى للبعض أن علاقة المؤشِّر بالواقع مباشرة تماماً تشبه علاقة العقل بالواقع أو علاقته بالمعلومات، وذلك في الرؤى الموضوعية المتلقية المادية (صفحة بيضاء تنطبع عليها معطيات الواقع الحسية دون تَدخُّل الرؤى والرموز والذكريات والإرادة والمقدرة والمصالح على خداع الذات وتجاوزها)، كما تشبه علاقة المثير بالاستجابة في النماذج السلوكية إذ لا توجد مسافة تفصل بين الواحد والآخر. ولكن المؤشِّر لا يتحرك في فراغ أو على صفحة بيضاء، فهو مرتبط دائماً بالنموذج الإدراكي أو التفسيري الذي يحكم رؤية من يستخدم المؤشِّر، وقد يكون المؤشِّر تعبيراً عن نموذج مركب (ولنسمه «المؤشِّر المركب»)، ولذا فإن علاقته بالواقع ستكون مركبة لأنه يشـير إلى الواقع في مسـتوياته المختلفة الظـاهره والباطنة والبرانية والجـوانية وأبعاده المتنوعة دون اختصار أو اختزال. وهو سيدور في إطار رؤية تفسيرية اجتهادية تدرك تماماً أن معرفة بعض جوانب الواقع ممكنة، أما معرفة كل جوانب الواقع فأمر إمبريالي مستحيل. وقد يدور المؤشِّر في إطار نموذج اختزالي (ولنسمه «المؤشِّر الاختزالي») فتصبح مهمته اختزال الواقع. فالمؤشِّر الاختزالي ـ شأنه شأن النماذج الاختزالية ـ يتعامل مع الواقع (متضمناً الإنسان) باعتباره ظاهرة بسيطة واضحة، خاضعة للسببية الصلبة المباشرة الكاملة؛ الظاهر هو الباطن، والسطح لا يختلف عن الأعماق، والظاهر يكشف ما في الباطن بسهولة ويُسر، والسطح يشف عما تحته بدون عناء. والدوافع الإنسانية بسيطة واضحة يمكن رصدها، ولذا فإن الإنسان يسلك حسب نمط متكرر مسبق، ولذا يَسهُل التنبؤ بما سيفعل كما يتصور السلوكيون (وهم حالة متطرفة من أصحاب المؤشِّرات الاختزالية الكمية [المادية]). ويظن صاحب المؤشِّر الاختزالي أن مؤشِّره أو مؤشِّراته يقينية نهائية صلبة وما عليه إلا أن يتسلح بها وينظر للواقع بشكل موضوعي محايد (متجاهلاً السياقات المركبة المتداخلة والأبعاد التاريخية والتركيبات النفسية والرموز متعددة الأوجه). وهو عادةً ما يحوِّل الكيف إلى كمّ، بل إنه يدرك الكيف باعتباره كماً (فعلم اجتماع عشة الدجاج لا يختلف بالنسبة له عن علم اجتماع المنزل الإنساني) ثم يعبئ جداوله التي لا تنتهي بالبيانات وهو فطن دائماً إلى أنه أحاط بكل جوانب الواقع وشرحه تماماً بشكل موضوعي باهر.

وصاحب المؤشِّرات الاختزالية جاهز دائماً بآلياته الرصدية وجداوله البحثية واستبياناته، ولكنه جاهز بالدرجة الأولى بأطروحته الاختزالية التي تُفسِّر كل شيء ويُردُّ إليها كل شيء. فالأمور إن هي إلا: عناصر اقتصادية ـ صراع من أجل البقاء ـ دوافع جنسية ـ شهوة للسلطة ـ مؤامرة بلشفية ـ مؤامرة يهودية ـ مؤامرة إسلامية متطرفة. ويتم الرصد في إطار هذه الأطروحة وتُستخدَم المؤشِّرات للتوثيق الذي لا ينتهي. وبذلك يصبح المؤشِّر ليس طريقة لاكتشاف الواقع وإنما لتسطيحه وتبسيطه وتسويته.

ينظر صاحب المؤشِّرات الاختزالية حوله جاهزاً بأطروحاته البسيطة، ويتحول كل ما حوله إلى مؤشِّرات تثبت ما يؤمن به دون أي قلق أو اجتهاد أو إشكاليات. وبدلاً من اكتشاف الواقع وإعادة اكتشافه، يقوم هو بعملية رصد موضوعي متلقٍ وتوثيق سطحي. فإن اشترك يهودي أمريكي في مظاهرة من أجل إسرائيل، فإن الأمور منتهية والدلالة واضحة، فالظاهر والباطن واحد، والمثير والاستجابة متصلان. فاشتراك هذا اليهودي في مثل هذه المظاهرة دليل صلب لا يُدحَض على أنه صهيوني متعاطف مع إسرائيل. وإن ضُبطت مجموعة من المجرمين من أعضاء الجماعات اليهودية، فإن المسألة أيضاً منتهية، فهذا مؤشِّر صلب على أن اليهود أشرار ينشرون الفساد في الأرض. وإن قررت الولايات المتحدة نقل سفارتها إلى القدس، فإن المسألة واضحة وسهلة وتنهض دليلاً على سطوة اللوبي الصهيوني. وإن صرح أحدهم أن أبواب الهجرة من الاتحاد السوفيتي ستُفتَح أمام اليهود فهذه ولا شك جريمة العصر إذ من المتوقع أن تهاجر الملايين، لأن الأطروحة السائدة أن اليهود يهاجرون إلى إسرائيل كلما سنحت لهم الفرصة!.

وما يغيب في هذه الاستجابات هو الإحساس بتركيبية الواقع وأن الظاهر ليس هو الباطن. ومن ثم، فإن الأطروحات البسيطة لا تكفي، والمؤشِّرات الواضحة البسيطة لابد أن تثير في أنفسنا الشك. فالإنسان ظاهرة مركبة إلى أقصى حد، ظاهرة تحوي داخلها عناصر لا يمكن بأية حال ردها إلى النظام الطبيعي (الوعي ـ الحس الخلقي ـ الحس الجمالي ـ المقدرة على مراقبة الذات وتغييرها ـ المقدرة على فعل الخير وعلى فعل الشر بشكل واع ونتيجة اختيار حر ـ المقدرة على استخدام الرموز في العمليات الإدراكية). وهذه العناصر تتجلى في أشكال ملموسة مختلفة، ولكن إدخالها في شبكة السببية الصلبة والتوصل إلى مؤشِّرات مادية عليها أمر عسير في معظم الأحيان ومستحيل في بعضها، ولعل هذا هو سبب صعوبة التنبؤ بسلوك الإنسان. ولكن يظل من الضروري، مع هذا، استخدام المؤشِّرات والتعميم منها، فبدونها لا يمكن رصد الواقع ولا يمكن رؤية الأنماط الكامنة وراء سيل المعطيات والمعلومات ولا يمكن أن يقوم علم. ولكن لابد أن تحاول المؤشِّرات أن تفلت من قبضة النماذج الاختزالية التي تُجمِّد الواقع وتُسطِّحه، وأن ندرك عدة قضايا أساسية عند استخدام المؤشِّرات.

1 ـ لعل من الواجب أن ندرك قصور المنطلقات المعرفية للنماذج الموضوعية المتلقية المادية التي تظن أن الإنسان إن هو إلا ظاهرة طبيعية، ويجب تَبنِّي منطلقات الرؤية التفسيرية الاجتهادية التي تنطلق من ثنائية الإنسان والطبيعة والتي تؤكد أن الإنسان ليس إنساناً طبيعياً وإنما إنسان غير طبيعي، رباني، إنساني. هذا الاختلاف بين الإنسان والطبيعة (المادة) يُعبِّر عن نفسه في الاختلاف بين المؤشِّر في العلوم الطبيعية والمؤشِّر في العلوم الإنسانية. ولنأخذ على سبيل المثال مستوى التعميم الذي يمكن أن يطمح إليه الباحث. إن أي علم لابد أن يستند إلى قدر من التعميم، وإلا لما أصبح علماً. ولكن التعميم في العلوم الطبيعية يصل إلى مستويات أعلى بكثير من المستويات التي تصل إليها العلوم الإنسانية، إذ أن عنصري الزمان والمكان بالنسبة للعلوم الطبيعية ليسا في أهميتهما بالنسبة للعلوم الإنسانية. ولذا، فإننا نجد أن التعميم في العلوم الإنسانية يكون بمثابة إطار عام يتم من خلاله تصنيف مجموعة من الظواهر، وتظل كل ظاهرة محتفظة بخصوصيتها واستقلاليتها عن الإطار الكلي. ومن هنا، فإننا نجد أن التعميم في العلوم الإنسانية يظل لصيقاً إلى حدٍّ ما بالمادة المستخدمة في الوصول إلى التعميم. ولذا، فإنه يُقبَل في العلوم الإنسانية بقدر من التناقض بين النظرية والظواهر المختلفة لا يُسمَح به في العلوم الطبيعية. كما يُلاحَظ أن التعميمات في العلوم الإنسانية كثيراً ما يتم تعديلها من خلال عملية التطبيق، ذلك لأن العلاقة بين المؤشِّر (العام) والظاهرة (الخاص) في العلوم الإنسانية علاقة حلزونية تبادلية. فنحن يمكن أن نصل إلى تعميم مفاده أن الجماعات الوظيفية اليهودية، بعد ظهور الدولة القومية، تتحول عادةً إلى طبقات متوسطة. ويمكن تعريف الطبقة المتوسطة من خلال الدخل والمكانة وأسلوب الحياة، ويمكن استخدام هذا كمؤشِّر عام. ولكن، عند التطبيق، لابد أن نَلزَم الحذر، فأعضاء الجماعات اليهودية من أعضاء الطبقة المتوسطة في الولايات المتحدة ليس لهم أية خصوصية، وإن كان ثمة خصوصية فليس لها أهمية تفسيرية كبيرة. أما في جنوب أفريقيا، في إطار المجتمع الاستيطاني، فإنها تصبح طبقة متوسطة استيطانية، الأمر الذي يمنحها خصوصية لها قيمة محورية في عملية التفسير، فعلاقة الطبقة المتوسطة في جنوب أفريقيا بالطبقة العاملة السوداء تختلف تماماً عن علاقة الطبقة الوسطى في بلد مثل فرنسا مع الطبقة العاملة فيها. أما في أمريكا اللاتينية، فإن قولنا إن أعضاء الجماعات اليهودية انخرطوا في صفوف الطبقة المتوسطة هو من قبيل التجاوز. فهم طبقة متوسطة من ناحية الدخل والمقاييس الخارجية والمهنية، ولكنهم مع هذا احتفظوا ببعض ملامح الجماعة الوظيفية المالية. ومن بين هذه الملامح العلاقة مع النخبة الحاكمة، إذ أن أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية كانوا غير مُمثَّلين (حتى عهد قريب) في النخبة الحاكمة بسـبب التكـوين الحضاري الخاص للمجتـمعات اللاتينيـة. فرغم أنها مجتمعات استيطانية، إلا أنها لم تصل إلى درجة عالية من العلمنة والانفتاح كما حدث على سبيل المثال في الولايات المتحدة.

2 ـ يجب أن ندرك أن مضمون المؤشِّر في العلوم الإنسانية ليس مباشراً، فظاهر الإنسان يختلف عن باطنه، إذ لابد أن يَكد الباحث لتحديد المعنى الحقيقي للمؤشِّر، ولذا يمكن أن تكون بعض المؤشِّرات متشابهة بشكل سطحي، ولكننا بعد شيء من التعمق فيها سنكتشف أنها تشير إلى مدلولات مختلفة بل متناقضة. والعكس صحيح، إذ يمكن لمؤشِّرات أن تبدو متناقضة ولكن بعد شيء من التعمق يتضح أنها تشير إلى مدلول واحد.

ولنضرب بعض الأمثلة على ما نقول: إن هجرة اليهود من بلادهم إلى إسرائيل هو مؤشِّر على أن ثمة عناصر طرد في بلادهم الأصلية وعناصر جذب في إسرائيل وتدل على فشلهم في الاندماج في مجتمعاتهم. وبناءً على هذا التعميم المعقول، بل البديهي، يمكن القول بأن هجرة يهود جورجيا هي تعبير عن نفس الاتجاه. ولكننا لو تعمقنا قليلاً لوجدنا أن هجرة يهود جورجيا تعبير عن اندماجهم في مجتمعهم، فجماهير جورجيا السوفيتية (قبل سقوط الاتحاد السوفيتي) كانت تناصب الدولة السوفيتية العداء، وأعضاء الجماعات اليهودية كانوا جزءاً لا يتجزأ من هذه الجماهير ومن مجتمعهم الجورجي. وبالتالي، فإن الخروج من جورجيا والذهاب إلى إسرائيل (عدو الاتحاد السوفيتي اللدود) ليس خروجاً يهودياً بل هو خروج جورجي وتعبير عن حركيات المجتمع الجورجي وعن رفض الهيمنة السوفيتية. وإذا نظرنا إلى يهود بني إسرائيل في الهند فسنجد أنهم يعيشون في عزلة (وهذا يؤخذ كمؤشِّر على عدم اندماجهم). ولكننا سنكتشف أن المجتمع الهندي مبني على نظام الطائفة المغلقة، وأن من ينتمي إلى هذا المجتمع عليه أن يُنظِّم نفسه على هيئة طائفة مغلقة، وهذا ما فعلته الجماعات اليهودية في الهند، فعزلتها هي تعبير عن اندماجها.

3 ـ يجب أن ندرك أن مضمون المؤشِّر في العلوم الإنسانية مرتبط إلى حدٍّ كبير بالمعنى الداخلي الذي ينسبه الفاعل إليه ومرتبط بالدلالة الرمزية للمُعطَى المادي (وهو أمر غير متوافر وغير وارد في العلوم الطبيعية). ولنأخذ هجرة اليهود السوفييت من الاتحاد السوفيتي كمثل. إذا لم نعرف دوافع المهاجرين للهجرة وظروف هجرتهم، فلن نتمكن من فهم اتجاه حركتهم. فإذا افترضنا ـ كما يفعل الصهاينة ـ أن الدافع للهجرة هو العودة إلى أرض الميعاد، فإن اتجاه اليهود السـوفييت إلى الولايات المتحـدة يبدو كما لو كان غباءً منهم. ولكننا إذا عرفـنا أن دوافعهم هي الحراك الاجتماعي، لأصبحت الهجرة إلى الولايات المتحدة أمراً منطقياً جداً. ويؤدي تنوع المعنى الداخلي إلى تنوع الدلالات لنفس المؤشِّر المادي، ولذا فإن ثمة مؤشِّراً مادياً واحداً قد يشير إلى أكثر من مدلول أو إلى المدلول وعكسه. وقد درس الزعيم الصهيوني بن جوريون دوافع يهود الولايات المتحدة وتركيبتهم الأيديولوجية والنفسية، وخلص من هذا إلى أن صهيونية كثير من يهود أمريكا التي تتبدَّى في دفع التبرعات لإسرائيل والتظاهر من أجلها ليست تعبيراً عن رغبتهم في العودة إلى أرض الميعاد أو تمسُّكهم بهويتهم وإنما هي محاولة لتغطية اندماجهم في المجتمع الأمريكي وإرضاءً لضمائرهم اليهودية المتعبة. فكأن المؤشِّر هنا (ادعاء الصهيونية) يشير إلى عكس مضمونه الصهيوني التقليدي (تماسك الهوية اليهودية). ولذا، رغم أن كثيراً من يهود أمريكا متعصبون ويعلنون صهيونيتهم بشراسة غير عادية، إلا أن المُلاحَظ أنهم لا يذهبون إلى انتخابات المؤتمر الصهيوني ويكتفون بدفع اشتراكات العضوية. ويُلاحَظ أن صهيونية يهود أمريكا تعني أنهم يهود/أمريكيون (على غرار إيطاليون/أمريكيون) أي أن إسرائيل مسقط رأسهم. ولكن مسقط الرأس هو المكان الذي يهاجر منه الإنسان لا إليه. ومرة أخرى نلاحظ أن المضمون الحقيقي لصهيونية يهود أمريكا ليس صهيونياً.

وهناك، كذلك، متحف الهولوكوست في الولايات المتحدة الذي افترض بعضهم أنه مؤشِّر على النفوذ الصهيوني. ولكن، بعد دراسة الأمر، ظهر أن يهود أمريكا قد أسسوا هذا المتحف دفاعاً عن هويتهم اليهودية الأمريكية وتأكيداً على أن أمريكا (وليس إسرائيل) هي وطنهم، وأنها ليست المنفى الذي يتحدث عنه الصهاينة. ولذا، لم يسعد صهاينة إسرائيل كثيراً بهذا المتحف إذ جعل مركز يهود أمريكا في أمريكا نفسها.

ولنأخذ ظاهرة حب اليهود وكرههم. فإذا عرفنا مثلاً أن حب بلفور لليهود كان يُعبِّر عن رغبته في التخلص منهم، فإننا سنكتشف أن حب بلفور لهم لا يختلف كثيراً عن كره هتلر لهم. إن المعنى الداخلي للمؤشِّر مرتبط تماماً برؤية الفاعل إلى الكون، فكأن المضمون المحدَّد والمتعيِّن للمؤشِّر يتحدَّد إلى حدٍّ كبير في إطار رؤية الفاعل. وثمة نقطة هامة أخرى مرتبطة تماماً بقضية المعنى الداخلي وهي أن رؤية الفاعل، ظاهرة كانت أم كامنة، مختلفة عن أمنياته وعن أقواله. فقد تتطابق الأمنيات والأقوال مع الرؤية إلى الكون، وقد تتناقض جزئياً أو كلياً معها. والمتتالية المحتملة والمشروع والبرنامج كثيراً ما تختلف عن المتتالية المتحققة وعن النتائج الفعلية، ويجب ألا يخلط الباحث الواحد بالآخر، فيأخذ البرنامج السياسي باعتباره مؤشِّراً صلباً على ما سيحدث.

4 ـ يرتبط بالعنصر السابق قضية استطلاعات الرأي التي يُنظر إليها باعتبار أنها مؤشِّرات صلبة على الاتجاهات السياسية في مجتمع ما. فتُوجَّه أسئلة واضحة يمكن الإجابة عنها بنعم أو لا، ثم تُصب المعلومات في جداول ويُقسَّم أصحاب الإجابات إلى صقور وحمائم مثلاً. والتقسيمات الثنائية تكون عادةً مغرية ولكن اختزالية، إذ لا يُعقل أن يكون الواقع بمثل هذه البساطة. فإن سُئِّل إسرائيلي هل أنت مع السلام؟ ستكون إجابته ولا شك "نعم أنا مع السلام"، إذ من النادر أن يوجد إنسان قادر على أن يقول أنا ضد السلام ومع سفك الدماء. فالسؤال الساذج يؤدي إلى إجابة ساذجة. ولكن الثنائيات المتعارضة لا يمكنها أن تصل إلى تركيبية الواقع وتموجاته. وثمة أسئلة يمكن الإجابة عنها بـ «نعم» على مستوى و«لا» على مستوى آخر، و«نعم ولا» في آن واحد على مستوى ثالث. وهناك أيضاً الدوافع المركبة (بعضها خفي وبعضها على مستوى اللاوعي). فقد بيَّنت إحدى إحصاءات الرأي في الاتحاد السوفيتي أن 17% من يهود الاتحاد السوفيتي يتحدثون اليديشية. ولكنهم، بعد مراجعة الأرقام، وجدوا أن جزءاً كبيراً منهم قد صرح بأن اليديشية لغته كجزء من تأكيد هويته وكجزء من الاحتجاج على الدولة السوفيتية، وأن هؤلاء في واقع الأمر لا يتحدثون اليديشية، والأهم من هذا أنهم لا يرسلون أولادهم لتعلُّم اليديشية، وبالتالي فاستطلاع رأي هؤلاء لا يجدي كثيراً إذ أن ولاءهم العقائدي وأحلامهم المثالية هي التي تحدد إجابتهم وليس واقعهم الفعلي. وفي أحد استطلاعات الرأي في إسرائيل، قالت أغلبية المشتركين إنهم من مؤيدي مؤتمر السلام، فقام أحد الصحفيين باستطلاع رأي آخر ليتأكد أن المشاركين يعنون ما يقولون ليكتشف أن 80% لا يعرفون مؤتمر السلام هذا ولا أهدافه. وكمحاولة للتوصل إلى إطار أكثر تركيباً، اقترحت في إحدى دراساتي، بدلاً من الصقور والحمائم، أن يكون هناك صقور وحمائم ودجاج (يفر) ونعام (يتجاهل الواقع)، واقترحت المزيد من " الطيور الإدراكية".

5 ـ يجب أن ندرك أن المؤشِّر في العلوم الإنسانية يشير إلى عالم الإنسان المركب الذي يوجد فيه ما هو جوهري وما هو هامشي، وأن المؤشِّر على الجوانب الجوهرية للظاهرة أكثر أهمية من المؤشِّر على الجوانب الهامشية. فيمكن أن يورد الإنسان مؤشِّرات صلبة ولكن ليست لها مقدرة تفسيرية عالية أو مركزية. ولذا، إن بيَّن أحد أن كل نساء ولاية إلينوي ممن تجـاوزن سن الأربعين يؤيدن الدولة الصهيونية، فلابد أن يكون ذلك الأمر مهماً ولكنه أقل أهمية عن معـرفة أن مستشاري الأمن القـومي في الولايات المتحـدة (من يهـود وغـير يهود) مؤيدون لإسرائيل.

6 ـ كما ينبغي، بقدر الإمكان، الاحتفاظ بالبُعد المعرفي النهائي للمؤشِّر إذ سيساعدنا هذا على التمييز بين المهم والأقل أهمية، وبين الهامشي والجوهري والنماذجي، وبين الجزء والكل، وبين الأمنية والحقيقة، وبين المضمون المتعيِّن للمؤشِّر وأي مضمـون عشـوائي. فالمؤشِّر بدون بُعد معرفي (وفي إطار محـايد) قد يصـلح لأن يكون مؤشِّراً على أي شيء.

ويجب أن ندرك أن المؤشِّر، مهما بلغ من شفافية أو سطحية أو وضوح، له بُعده المعرفي. وحين يأخذ دارس ما اشتراك أمريكي يهودي في مظاهرة تأييد لإسرائيل دليلاً واضحاً على صهيونية هذا اليهودي، فلابد أنه يؤمن، في واقع الأمر بشكل ما، أن كل يهوديٍّ صهيونيٌّ بشكل فعلي أو محتمل، أي أنه يؤمن ببساطة الدوافع الإنسانية وأحاديتها وجمود الطبيعة البشرية. أو كما يقولون بالإنجليزية " وانس أي جو ألويز أي جو Once a Jew, always a Jew من وُلد يهودياً يظل كذلك مدى حياته ". وكلمة «يهودي» هنا تشير إلى مجموعة من الصفات التي يُفترَض فيها أنها يهودية. وهذه رؤية سطحية يائسة.

7 ـ وفي تحليل المضمون تؤخذ الكلمات والجمل كمؤشِّرات على أفكار أو مواقف من استخدمها أو نطق بها. ويمكن أن تدور الكلمات والجمل في إطار النماذج الاختزالية فيتم تصنيفها بشكل سطحي مباشر، وكأنها انعكاس بسيط لواقع المتحدث، وكأن الكلمات أدوات شفافة تُوصِّل ما يريد الإنسان التعبير عنه بشكل مباشر. وتبدأ عملية الإحصاء والرسوم البيانية التي لا تلامس إلا السطح. ولتجاوز هذا لابد أن يُدرك الباحث أن علاقة الدال بالمدلول ليست بسيطة أو سهلة أو مباشرة وإنما بالغة التركيب. فالمدلول يتغيَّر حسب تغيُّر السياق. ولذا نجد أن الدال الواحد مثل «قومية» له مدلول داخل التشكيل الحضاري العربي مختلف عن مدلوله داخل التشكيل الحضاري الياباني. كما أن اللغة المجازية لها أبعاد مختلفة عن اللغة المباشرة. وعلاقة الكلمات بعضها ببعض قد تكون أكثر أهمية من معنى الكلمة في نفسها وما بين السطور قد يُحدِّد معنى الكلمات التي فوقها.

8 ـ وقد يكون من المفيد أن نتوقف هنا لنشير إلى ظاهرة لاحظناها في العالم العربي وهي أن كثيراً من الباحثين ممن هُزموا من الداخل بدأوا يوظفون المؤشِّرات في دعم الهزيمة. وهذه ظاهرة بدأت مع العصر الحديث في العالم العربي. فبعد وصول القوات الغازية الغربية في أوائل القرن التاسع عشر، اهتزت ثقة الإنسان العربي في نفسه، وخصوصاً أنه لم يكن يعرف شيئاً عن الحضارة الغازية (فكرها ـ آلياتها ـ قوانينها ـ نقاط تصورها)، لم يكن يعرف مثلاً أي شيء عن تاريخ النهب الإمبريالي والتراكم الإمبريالي، فتصور واهماً أن الإنسان الغربي قد توصَّل إلى ما توصَّل إليه من نظام ورخاء من خلال إعمال عقله وبذل جهده وعمله لا من خلال استخدام عضلاته وتكنولوجيا الفتك المتقدمة وعمليات النهب المنظمة. وحينما ذهب الطهطاوي إلى باريس لم ير سوى الحرية والثقافة، ولم ير الجوانب المظلمة لهذه الحضارة رغم أنه ذهب إلى هناك عام 1830، وهو نفس العام الذي كانت فيه المدافع الفرنسية تَدُك الجزائر الآمنة. وقد يكون من المهم مقارنة استجابة الطهطاوي باستجابة ذلك الشيخ الجزائري الذي قيل له إن عساكر الفرنسيين قد جاءوا لينشروا الحضارة والمحبة في ربوع الجزائر، فأجاب إجابة مقتضبة جداً: لم أحضروا كل هذه المدافع وكل هذه البارود إذن؟ وهـذا هو السـؤال الذي لم يسأله الطهطاوي ولم يسـأله كثير من الباحـثين ممن وقـعــوا تحت وطأة الهزيمة واسـتبطنوها تماماً. وبدلاً من اكتشاف الواقع الغربي بجوانبه المنيرة والمظلمة، جعلوا شغلهم الشاغل النقل عن الغرب كجزء من محاولة اللحاق به. وبالتدريج، وتحت شعار الموضوعية والواقعية، بدأوا يتجردون من مثالياتهم وتراثهم وإبداعهم وأصبح همهم تَقبُّل الوضع القائم وموازين القوى وأصبح الآخر هو المثل الأعلى. وقد أنتج هذا مجموعة من المؤشِّرات الموضوعية هي في الواقع تعبير عن الهزيمة.

وقد حدث شيء مماثل بالنسبة لإسرائيل، فنحن في رصدنا لها لا نركز إلا على مواطن قوتها وتَقدُّمها وتَفوُّقها، وهذه هي الموضوعية والواقعية، أما إذا اكتشفنا نقط ضعف العدو وقصوره وتآكله، فإن هذا يُصنَّف باعتباره خداعاً للذات. إن الذات المهزومة تخضع تماماً للآخر ولا يمكنها أن تتصور أن من الممكن أن تتفاعل داخله عوامل الحياة والانتصار والموت والانكسار. وتدريجياً، يدمن الإنسان الهزيمة إدماناً كاملاً حتى تصبح رؤية للكون لا يستطيع المرء أن يحتفظ بتوازنه بدونها. ومع أطروحة الهزيمة الاختزالية، تحوَّل كثير من الباحثين إلى جند مجندة تخدم العدو بنزاهة موضوعية دون أن تدري، فهي ترصد مواطن قوته، وتُصدِّق كل ما يقوله وتتصرف في إطاره بأمانة مضحكة دون تمحيص، وكيف يتأتى لهم غير ذلك وهم المهزومون من الداخل؟

ويمكن تجاوز النموذج الاختزالي، كما يمكن تحسين أداء المؤشِّر كأداة لمعرفة الواقع بدلاً من أن تُحوِّله إلى أداة تُخفيه تماماً عن عيوننا، وذلك عن طريق إدراك تركيبية الواقع. ويترجم هذا الموقف نفسه إلى تنويع السياقات التي يتم إدراك المؤشِّر في إطارها بحيث يتحول المؤشِّر الصلب من مجرد آلة صلبة لتسطيح الواقع إلى أداة مرنة تكتشف نتوءه ومنحناه الخاص. وهذا لا يتأتى للباحث إلا إذا قام بعملية تثقيف ذاتية فيما يتصل بالسياقات المختلفة المحتملة للمؤشِّر، فإدراكه لهذه السياقات سيُمكِّنه من وضع المؤشِّر داخل نمط عام، كما أنه سيدرك معناه الداخلي والإشكاليات المختلفة المرتبطة به. ولنضرب مثلاً باللوبي الصهيوني الذي تُجمع معظم الكتابات العربية أنه القوة الحقيقية وراء تحركات الولايات المتحدة والعالم الغربي ضدنا. وقد كُتبت كثير من الدراسات انطلاقاً من هذه الأطروحـة البسـيطة وقامت بتوثيقها بعناية بالغـة دون اختبارها أو وضعها هي نفسها موضع الاختبار. وبإمكان الباحث أن يفعل ما يلي حتى يمكنه وضع هذه الأطروحة الصلبة البسيطة موضع التساؤل:

1 ـ دراسة جماعات الضغط الأخرى (الشواذ جنسياً ـ المدافعين عن حق المواطن الأمريكي في امتلاك السلاح) لنقارن قوتها بقوة اللوبي الصهيوني، ولنرى هل قوة اللوبي الصهيوني أمر فريد، أم أنها إحدى سمات الديموقراطية الأمريكية (ديموقراطية جماعات الضغط)؟

2 ـ يمكن دراسة الموقف الأمريكي (والغربي بشكل عام) من الصهيونية وإسرائيل قبل ظهور اللوبي الصهيوني وبعد ظهوره ومقارنتها.

3 ـ دراسة تزايد الدعم الأمريكي للصهيونية وإسرائيل وعلاقته باللوبي الصهيوني. وهل هناك علاقة طردية بين هذا التزايد وتزايد قوة اللوبي الصهيوني والحركة الصهيونية أم أن الدعم يتزايد بغض النظر عن قوة أو ضعف اللوبي؟

4 ـ دراسة الدعم الأمريكي لبلد مثل تركيا أو شيلي ليس لهما لوبي وهل الدعم الأمريكي لإسرائيل مختلف عن دعمها لهاتين البلدين؟

5 ـ دراسة الدعم البريطاني لإسرائيل وهل يوجد لوبي صهيوني قوي في إنجلترا أم أن الدعم البريطاني مرتبط بالمصالح الإستراتيجية لبريطانيا؟

6 ـ هل صدرت قرارات أمريكية لدعم إسرائيل بدون ضغط من اللوبي الصهيوني أم أن القرارات لا تصدر إلا من خلال الضغط الذي يمارسه؟

7 ـ دراسـة طريقة صـنع القرار في الولايات المتحـدة ومدى تأثرها بجماعات الضـغط في الأمـور الإستراتيجية الجوهرية.

8 ـ دراسة التوجه الإستراتيجي العام للسياسة الأمريكية وهل تم تحديد هذا التوجه من خلال الضغط الصهيوني أم أن هذه سياسة عليا لم يساهم الصهاينة في صياغتها؟

9 ـ دراسة لحظات التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل (عدوان 1956 وحادثة بولارد) وهل نجح اللوبي الصهيوني في تغيير السياسة؟

10 ـ مقارنة لحظات التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولحظات التوتر بين السلطات البريطانية في فلسطين والمستوطنين الصهاينة (ولحظات التوتر بين فرنسا والمستوطنين الفرنسيين في الجزائر).

11 ـ دراسة تاريخية للعناصر التي أدَّت إلى صدور وعد بلفور (أهم إنجاز صهيوني على الإطلاق) وهل لعب اللوبي الصهيوني أي دور في ذلك وماذا كان حجم الدور؟

12 ـ إجراء عمليات عقلية تصورية عن مسار السياسة الأمريكية لو غاب اللوبي الصهيوني وغابت إسرائيل. هل سياسة الولايات المتحدة تجاه القومية العربية (على سبيل المثال) كانت ستتغيَّر لو أن يهود العالم وإسرائيل اختفوا من على وجه الأرض أم أن ملامحها الأساسية ستظل كما هي؟


الجزء الثالث


الباب الأول: الحلولية ووحدة الوجـود والكمونية
الحلولية ووحدة الوجود والكمونية: التعريف من خلال دراسة مجموعة من المصطلحات المتقاربة ذات الحقل الدلالى المشترك أو المتداخل
هناك عدد من المصطلحات تُستخدَم للإشارة إلى مفهوم الحلول، وهي تُستخدَم أحياناً كمترادفات وأحياناً أخرى كمصطلحات تُشير إلى مفاهيم متقاربة. ويُلاحَظ أن المعاجم الفلسفية واللغوية المختلفة لا تتفق على معنى محدَّد أو دقيق لهذه المصطلحات، ولذا فإن حقلها الدلالي يتداخل بشكل كبير. ومن أهم المصطلحات ما يلي:

1 ـ «الحلولية»: وقد ترجمها أحد المراجع بالكلمة الإنجليزية «إنفيوشن infusion».

2 ـ «وحدة الوجود»: وقد ترجمها أحد المراجع بالكلمة الإنجليزية كلمة «بانثيزم pantheism».

3 ـ «الكمون»: وتقابلها في الإنجليزية كلمة «إمنانس immanence».

4 ـ «الباطن والباطنية»: ولها ترجمات عديدة باللغة الإنجليزية مثل: «إسوتريك esotiric»، كما تترجم إلى «أَكَّلت occult» بمعنى «الخفي»، وإلى «إنترنزيك intrinsic» بمعنى «جزء لا يتجزأ»، و«إيمنينت immanent» أي «كامن».

5 ـ «المحايثة»: وهي ترجمة أخرى لكلمة «إمنانس immanence» الإنجليزية.

6 ـ «الاتحاد»: وتقابلها في الإنجليزية كلمة «يونيان union».

7 ـ «الفناء»: وتقابلها في الإنجليزية كلمة «أنيهيليشن annihilation».

8 ـ «الفيضية»: وتقابلها في الإنجليزية كلمة «إمانتيزم emanatism».

9 ـ «التجسد»: وتقابلها في الإنجليزية كلمة «إنكارنيشن incarnation».

10 ـ «النفسانية الشاملة»: وتقابلها في الإنجليزية كلمة: «بان سايكيزم pansychism».

11 ـ «المبدأ الحيوي»: وتقابلها في الإنجليزية كلمة «أنيميزم animism».

12 ـ «إسقاط الصفات الإنسانية على كل الكائنات»: وتقابلها في الإنجليزية كلمة «أنثروبومورفيزم anthropomorphism».

13 ـ «الماكروكوزم (الكون الأكبر) والميكروكوزم (الكون الأصغر، أي الإنسان)»: وتقابلها في الإنجليزية عبارة «ماكروكوزم آند ميكروكوزم macrocosm and microcosm».

وما يهمنا في المداخل المختلفة عن بعض هذه المصطلحات ليس تحديد معنى أو تعريف كل مصطلح على حدة، وإنما تحديد الحقل الدلالي العريض والإشارة إلى العناصر المشتركة والمتداخلة بين المصطلحات.

ويُلاحَظ أن الحقل الدلالي لكل هذه المصطلحات يفترض أن التنوع والثنائيات (خالق/مخلوق ـ مطلق/نسبي ـ كلي/جزئي ـ جوهري/عرضي ـ روحي/مادي ـ ظاهر/باطن ـ داخل/خارج) هي أمور تنتمي إلى عالم الظاهر وما يحدث أن طرفي الثنائية يتصلان ثم يمتزجان، ويفنى أحدهما في الآخر ويذوب، حتى يكونا كلاًّ واحداً عضوياً لدرجة يستحيل معها التمييز بينهما فيختفي الحيز الإنساني ثم الحيز الطبيعي (الناجمان عن انفصال الخالق عن المخلوق) ويظهر في العالم جوهر واحد فيصبح عالماً واحدياً (أي أن الحلولية هي تعبير عن النزعة الجنينيـة في الإنســان، مقـابل النزعـة الربانية نحو قبول الحدود والتركيب والثنائية والمقدرة على التجاوز).

والمصطلحان الأول والثاني (الحلولية ووحدة الوجود) هما الأكثر شيوعاً، وسنقوم باستخدامهما للإشارة للحـقل الدلالي الذي تصفه كل هـذه المصطلحات، وذلك لعـدة أسـباب من بينها سـهولة الاشتقاق من كلمة «حل»، ومن ذلك أيضاً أن كلمة «حلول» تفيد درجات مختلفة من الحلول تشكل «وحدة الوجود» آخر درجاتها وأكثرها غلواً وتطرفاً. وذلك على عكس مصطلح «وحدة الوجود»، فهو يشير إلى حالة نهائية مثالية غير قابلة للتدرج. وعلى هذا، فإن مصطلح «الحلولية» كلمة تشير إلى كلٍّ من عملية الحلول التدريجي التي تتم من خلال مراحل متدرجة وإلى ثمرة هذه العملية، أما مصطلح «وحدة الوجود» فيشير إلى مرحلة نهائية واحدة سكونية (تأتي بعد مراحل سابقة)، أي إلى الثمرة وحسب، الأمر الذي يعني قصور القيمة الدلالية لهذا المصطلح وضعف قيمته التفسيرية والتصنيفية. ولزيادة القيمة التفسيرية والدلالية للمصطلح قد نضيف كلمة «واحدية» لنفرق بين الحلولية وبين درجات وحدة الوجود الأخرى، فالحلولية الواحدية هي وحدة الوجود، كما سنضيف كلمة «روحية» و«مادية» للتفرقة بين شكلي وحدة الوجود الأساسيين.

وقد وجدنا أيضاً أن من الضروري إضافة كلمة «كموني» لكلمة «حلولي» بل واستخدامها أحياناً بمفردها لنصف النظم الحلولية. فنقول «نظام حلولي كموني» أو «المرجعية الكمونية» أو «اتجاه رحمي كموني» أو «الكمونية». فكلمتا «حلولية» و«وحدة الوجود» تستدعيان عالماً جميلاً وربما لا عقلانياً من التصوف والزهد والدروشة، وهو ما يُقلِل من قيمتهما التحليلية والتفسيرية ويطمس الأبعاد الكلية والنهائية التي نريد أن نشير إليها: أن العالم مكون من جوهر واحد ويتسم بالواحدية الصارمة.

الحلوليــــة
«حل المكان وبه»، بمعنى «نزل به»، و«حلّ البيت»، بمعنى «سكنه» فهو «حالّ». والحلول قد يكون بجزء وقد يكون بكل، ولكنه في أكثر درجاته تطرفاً وفي منتهاه هو " اتحاد الجسمين اتحاداً تاماً يذوب به كل منهما في الآخر بحيث تكون الإشارة الى أحدهما إشارة إلى الآخر ". ويعني مصطلح «الحلولية» أن الإله والعالم ممتزجان وأن الإله والقوة الداخلية الفاعلة في العالم (الدافعة للمادة الكامنة فيها) هما شيء واحد، وأن هناك جوهراً واحداً في الكون، ولذا تتسم المذاهب الحلولية بالواحدية الصارمة وإنكار الثنائيات الفضفاضة التكاملية، والسقوط في الثنائيات الصلبة أو الاثنينية وإنكار الحيز الإنساني. وقد ترجمها أحد المراجع بالكلمة الإنجليزية «إنفيوشن infusion». أما معجم اللغة العربية المعاصرة لهانز فير (عربي ـ إنجليزي)، فقد أدرج كلمة «إنكارنيشن incarnation» أي «التجسد» مقابلاً للكلمة.

وحدة الوجود
«وحدة الوجود» تقابلها في الإنجليزية كلمة «بانثيزم pantheism»، وهي مشتقة من الأصل اليوناني «بان» بمعنى «كل» و«ثيوس» بمعنى «إله». وكان جون تولاند الإنجليزي (وهو من رواد الفكر الصهيوني ـ غير اليهودي ـ والغنوصي) أول من نحت المصطلح عام 1705 ، ثم انتشر منه إلى اللغات الأوربية الأخرى. والمصطلح يعني أن كل الموجودات هي الإله وأن الإله هو كل الموجودات، وأن الإله هو العالم وأن العالم هو الإله، والإله والعالم حقيقة واحدة، ولهذا يقول أصحاب وحدة الوجود أنه ليس في العالم وجودان أو جوهران بل هناك جوهر واحد، وهو جوهر متجاوز للإنسان.

الكمــون
«الكمون» تقابلها في الإنجليزية كلمة «إمنانس immanence» والصفة «إمنانت immanent» بمعنى «حالٍّ في»، من الفعل اللاتيني «إيمانيري immanere» بمعنى «يبقى في». وفي اللغة العربية، «كمن» بمعنى «توارى» و«كمن له» أي «استخفى في مكمن لا يفطن له»، و«اكتمن» بمعنى «اختفى». و«الكمون» هو «صفة ما هو كامن»، و«الكامن» هو ما ينطوي عليه الشيء بصفة دائمة وإن كانت غير واضحة، وهو وصف ينطبق على جوهر الأشياء (ولذا، يذكر معجم أكسفورد [إنجليزي ـ عربي] لدونياش كلمة «جوهر» كإحدى ترجمات الكلمة).

وحينما يُقال إن " الله كامن في الكون " فهذا يعني أن الإله والكون كيان (جوهر) واحد، وحينما يُقال إن "قوانين الكون كامنة فيه" فهذا يعني أن من يريد أن يفهم هذا الكون عليه أن يدرس القوانين الكامنة فيه لا يتجاوزها. ومبدأ الكمون هو القول بأن " الكل داخل الكل " والقول بأن عناصر الوجود تتضمن بعضها بعضاً ولا تؤلف إلا حقيقة واحدة، وهو عكس التجاوز والتعالي (انظر: «التجاوز والتعالي»). ولذا، يُعَدُّ تطبيق مبدأ الكمون على هذه الصورة مقدمة من مقدمات مذهب وحدة الوجود أو نتيجة من نتائجه. ففي مذهب وحدة الوجود، تكون ماهية الإله كامنة/باطنة في العالم، أي أن الإله والعالم واحد. وقد قال إسبينوزا في تعريفه للإله باللاتينية «ديوس إست أومنيوم ريروم كاوزا إمانينز، نان فيرو ترانسينس deus est omnium rerum causa immanens, non vero transiens»، «الإله هو السبب الكامن لكل الأشياء، لا العلة المؤثرة عليها من الخارج». وارتباط اسم إسبينوزا بهذا المصطلح له دلالته، فإسبينوزا هو الذي نادى بتعادل وترادف الإله والطبيعة، أي كمون الإله في الطبيعة، أي أن الإله والطبيعة (وكل الأشياء) جوهر واحد.

والكمون الكامل بهذا المعنى هو الإنكار الكامل للحيز الإنساني والسقوط التام في قبضة الصيرورة وإنكار أي وجود للكل المتجاوز. وقد وصف جان بياجيه المثل الأعلى البنيوي بأنه " السعي إلى تحقيق معقولية كامنة عن طريق تكوين بناءات مكتفية بنفسها، لا تحتاج من أجل بلوغها إلى الرجوع إلى أية عناصر خارجية ". وما تقوله هذه العـبارة هـو ما يقوله إسـبينوزا مع تغيير في المصطلـح، فاللغة واحدة، أما الكلام فمتغير (كما يقول البنيويون). وقد ترجم عبد المنعم الحفني في موسوعته الفلسفية كلمة «إمنانتزم immanentism» بكلمة «مذهب الحلول». وتَحدَّث في هذا المدخل عن حلولية طاليس (العالم حافل بالآلهة ـ الإله منبث في العالم)، وأنكسماندر (اللامتناهي)، وهرقليطس (المبدأ الواحد وأصل كل المخلوقات)، وأكسانوفان (العالم هو الإله)، والرواقيين (المبدأ الأول ـ الإله ينفذ في كل العالم)، وإسبينوزا (الإله والوجود واحد)، والحلاج (الناسوت صورة اللاهوت)، وبعض نظريات التصوف الإسلامي الحلولي (نظرية النور المحمدي التي تزعم أن الرسول اجتمعت فيه روحان: روح إلهية قديمة لا تجرى عليها أحكام الفناء والتغير [اللاهوت]، وروح بشرية حادثة تجرى عليها أحكام الكون والفساد [الناسوت]). كما يستخدم كانط «إيمنينت immanent» في مقابل «متجاوز»، وهي تعني في واقع الأمر «الشيء في ذاته». ويستخدم بعض الفلاسفة الماديين كلمة «كامن» بمعنى «مثالي»، أي «منفصل عن عالم المادة»، ففلسفة كانط في مصطلحهم فلسفة كمونية «إيمنينت immanent» أي «مثالية». فعبارة «إيمنينت هستوري immanent history» (التي يمكن ترجمتها بعبارة «تاريخ كموني» أو حتى «تاريخ باطني») تُستخدَم للإشارة إلى رؤية تاريخ العالم باعتباره عملية تتم من تلقاء نفسها، مدفوعة بقوانين كامنة في التاريخ نفسه، دون الخضوع لأية مؤثرات خارجية مادية مثل الصراع الطبقي أو الوعي الاجتماعي. وتشير عبارة «فلسفة الكمون» («إيمانينس فيلوسوفي immanence philosophy») إلى مدرسة فلسفية ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وُصفت بأنها فلسفة ذاتية مثالية وجَّهت النقد لمفهوم كانط «الشيء في ذاته» واعتقدت في عدم وجود أي شيء سوى موضوع الفكر، فالوجود كامن في الوعي، والذات مرتبطة تماماً بالموضوع. ودعاة هذا المذهب الفلسفي يرفضون القول بأن الفكر انعكاس للعالم في الوعي، فالإدراك هو دخـول الأشـياء في الوعي. وقد حاولوا التملص من التمركز الكامل حول الذات بافتراض وجـود " وعي بشكل عام " أو " وعي نوعي " (بالإنجليزية: جنيريك generic) يُوجَد مستقلاً عن الدماغ الفردي. وقد ورثت المدرسة الفينومنولوجية كثيراً من هذه الأطروحات وطورتها، وقد ُوصفت هي الأخرى بأنها مدرسة «إيمنينت immanent» بمعنى «مثالية».

والخطاب التحليلي (الفلسفي وغير الفلسفي) الشائع في معظم أنحاء العالم خطاب هيجلي، أي حلولي كموني، وقد شاعت كلمة «إمنانس immanence» في الفلسفة الغربية الحديثة بمعنى «كامن» أو «باطن في الشيء». فيقول هايدجر "لقد استبعدنا كل ما هو ليس بكامن في الوعي الإنساني"، وعُرِّفت الشكلانية (بالإنجليزية: فورماليزم formalism) بأنها "قراءة كمونية كاملة غير متأثرة بأي شيء خارجها"، وعرَّف أحد مؤرخي الفلسفة الرؤية العلمانية بأنها فلسفة الكمون الكامل، أي فلسفة الجوهر الواحد والواحدية الصارمة والحلولية الكمونية الواحدية.

ومن منظور هذه الموسوعة، من المهم الإشارة إلى أن التجلي الأنثوي للإله في المنظومة القبَّالية هي الشخيناه وهي من فعل «شخن» بمعنى «سكن» و«حل» و«استقر» (وهو قريب من معنى «كمن» ومترادف مع فعل «إيمانيري immanere» اللاتيني). والشخيناه، ليست التجلي الأنثوي للإله وحسب وإنما هي أيضاً شعب إسرائيل، فكأن ثمة وحدة كاملة بين الإله والشعب اليهودي (فهو حلول وكمون كامل).

وفي المنظومات الغنوصية، وهي منظومات حلولية كمونية كاملة، يُعد أصحاب الغنوص جزءاً من الإله. ولذا، فحينما يُرسل الإله بالمخلص لتخليصهم، فهو في واقع الأمر يُخلِّص نفسه، فهو المخلِّص المخلَّص (باللاتينية: سلفادور سلفانديس salvador salvandis)، ومن ثم فصاحب الغنوص هو العبد والمعبود والمعبد الكامن فيه كل شيء.

ونحن نذهب إلى أن العلمنة هي عملية «تكمين» أي جعل المركز كامناً في العالم فيصبح الكون مكتفياً بذاته (مرجعية ذاته)، وهذه هي المرجعية الكامنة. وقد عُرّفت الوضعية بأنها تعني أن يكون معيار الحكم على الشيء هو ذات الشيء، لا من مصدر خارجه أو مستقل عنه، أي أن معياره كامن (حال) فيه. والمرجعية الكامنة لابد أن تكون واحدية وتنكر التجاوز. ولنضرب مثلاً: تؤمن اليهودية الحاخامية بأن الماشيَّح سيأتي في آخر الأيام عندما يشاء الإله ليعود بشعبه إلى صهيون، فالعودة منوطة بإرادة الإلـه ولذا كان اليهود لا يزورون فلسـطين إلا للحج أو للتعبير عن «حب صهيون»، أما الاسـتيطان فيها فكان محرماً، أي أن العودة كانت تدور في نطاق مرجعية متجاوزة (لإرادة اليهود). فجاءت الحركة الصهيونية وقامت بعملية تكمين، إذ قررت أن مسألة العودة مسألة تتوقف على مشيئة البشر (الطليعة الصهيونية محل الكمون) الذين يمكنهم أن يقرروا متى يمكن تحقيق هذا المشروع في داخل الزمان (فلا تجاوز لإرادة البشر والزمان). وستتم عملية العودة (بعد دراسة الملابسات المحلية وتوازن القوى الدولية) بهدف الاستيطان في فلسطين، وهي منطقة جغرافية تقع بين آسيا وأفريقيا مجاورة لمصر وتطل على قناة السويس، وهي منطقة مهمة لا لأن الإله باركها أو اختارها وإنما لأن بإمكان المستوطنين الصهاينة القيام على خدمة المصالح الغربية فيها. والفلسفة المثالية الألمانية (رغم مثاليتها وحديثها عن التجاوز والتعالي) هي في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير فلسفة حلولية كمونية، فالتجاوز والتعالي فيها يظل يدور في إطار المرجعية الكامنة.

وثمة اتجاه عام في الغرب لاستخدام كلمة «بانثيزم pantheism» للإشارة إلى وحدة الوجود الروحية (التقليدية والوثنية)، واستخدام كلمة «إمنانس immanence» (وترد أحياناً في شكل «إمننتزم immanentism») للإشارة إلى وحدة الوجود المادية، أي الرؤية العلمانية المادية الحديثة التي ترى أن العالم يحوي داخله ما يكفي لتفسيره، ومن ثم يمكن تأسيس النظم المعرفية والأخلاقية على أساس المعرفة العقلية والحسية وحسب دون الاهتمام بأي شيء خارج النظام الطبيعي.

الفيضيـــة
«الفيضـية» تقابلها في الإنجليزية كلمـة «إمانتيزم emanatism»، وهي من الكلمة الإنجليزية «إمانيشن emanation»، ولذا تأتي الكلمة على النحـو التالي: «إمانيشانزم emanationism»، وهي شـكل من أشـكال القول بوحدة الوجود. ويُعتبر هرقليطس الفيلسوف المادي اليوناني أول من عبَّر عن نظرية الفيض بقوله: "كل الأشياء تفيض". وقد قال الأفلاطونيون المحدثون إن علاقة المُثُل (الأفلاطونية) بعالم الموجودات الحسية ليست علاقة خلق وإنما علاقة فيض، إذ يفيض الإلـه عن ذاته فيظهر العالم أو ينبثق عنه العالم، فالفيض يحدث كما تسـيل المياه أو كما يصدر النور عن الشمـس. ومهما كانت الصورة المُستخدَمة، فإن الفيضان أو الانبثاق لا يَنتُج عنهما تَغيُّر في المصدر، وعملية الفيضان والانبثاق تفترض وجود طرف أعلى وطرف أسفل وقمة وحضيض (ثنائية صلبة) ولكنهما ليسا منفصلين، فالإله هو النفس الكلية التي فاضت عنها نفوس الكواكب ونفوس البشر وسائر الموجودات الحسية، وبذلك تتحقق الصلة العضوية الحلولية الكمونية بين العالم الأعلى والعالم الأسفل. ولكن الصلة رغم عضويتها تتم من خلال حلقات، فالشعاع يتضاءل (وسخاء الفيض يتناقص) كلما ابتعد عن الأصل، ولذا نجد أن كل مرتبة أدنى من التي سبقتها وأعلى من التي تليها في الحقيقة والكمال والخيرية، حتى يخبو الشعاع أو يكاد وحتى ينضب الفيض أو يكاد. وبهذا يتحول الوجود إلى عدم ويصدر العدم عن الوجود، ويتلاشى النور في الظلام ويصدر الظلام عن النور، ويتبدد الخير في الشر ويصدر الشر عن الخير، وتتأكد الصلة الواحدية وتُسد الثغرات وتُملأ الفجوات. وبهذا، يمكن القول بأن نظرية الفيض محاولة لتأكيد الوحدة والواحدية الصارمة دون التخلي عن محاولة تفسير التنوع. وقد ذهب بعض الفلاسفة العرب إلى القول بالفيض، فقد وجدوا فيه رؤية تُضمر رفضاً للعقيدة الإسلامية التي تفصل بين الإله والعالم وتحصر الصلة بينهما في خلق الله لمخلوقاته وفي الوحي المُنزَل على الرسل والأنبياء وأخيراً على الرسول عليه الصلاة والسلام (خاتم المرسلين)، أي أن الرؤية الفيضية بتأكيدها الصلة العضوية والمباشرة بين الخالق والمخلوق تُنكر فكرة الخلق من العدم وتفتح الباب على مصراعيه لتقاليد النبوة المنفتحة التي لا تنتهي، وتناسخ الأرواح. وما يهمنا هو أن نظرية الفيض تفترض وجود جوهر واحد في الكون، كما تفترض أنه يتسم بالواحدية.

وكثير من الأيديولوجيات العلمانية هي أيديولوجيات فيضية، وإذا كانت النظريات الفيضية التقليدية (الروحية) ترى أن الحركة من أعلى إلى أسفل، فإن النظرية الداروينية وكل النظريات المادية الحديثة ترى الحركة من أسفل إلى أعلى. ونظرية هيجل نظرية فيضية، فكل شيء ليس سوى حالة وسط من الوجود والعدم، فالفيض هو وحدة الوجود والعدم والعملية التاريخية هي عملية الفيض التدريجية، فالفكرة المطلقة تتحقق تدريجياً من خلال المادة والتاريخ، والنفس الكلية قد انبثق عنها النور الذي يتخلل ثنايا الوجود إلى أن يصل إلى نهاية التاريخ فيصبح العالم كله نوراً وتصبح الذات موضوعاً.

التجســـد
«التَجسُّد» تقابلها في الإنجليزية كلمة «إنكارنيشن incarnation». وتستخدم الكلمة للإشارة إلى الإله حين يتجسد في العالم، أي حين يظهر على هيئة شيء محسوس يمكن إدراكه بالحواس الخمس وبالذات على صورة شخص، ويصبح اللاهوت ناسوتاً، فكأن الإله قد حل في أحد مخلوقاته فحدث اتحاد بينهما ولم يَعُد هناك فارق بين خالق ومخلوق فهما جوهر واحد. وتُستخدَم الكلمة في اللاهوت المسيحي للإشارة إلى تجسد الإله (الأب) في صورة المسيح (الابن)، ولكنها تُستخدَم في الكتابات الفلسفية والمعرفية بشكل مجازي.

التأيقـــن
«الأيقونة» باليونانية «آيكون» بمعنى «صورة» أو «تمثيل»، ومنها «التأيقن» بالنحت. وفي السياق المسيحي، تشير كلمة «أيقونة» إلى «لوحة» أو «رسم بارز» (بالفرنسية: با رليف bas-relief) أو "لوحة فسيفسائية للمسيح أو العذراء (وأحياناً أحد القديسين). وكانت الأيقونات تُعتبَر أداة مساعدة أو وسيطاً للعابدين حتى يمكن للشخص المقدَّس" المصوَّر في الأيقونة والمتجسِّد فيها، أن يستمع لدعواتهم.

وهناك حركة تُسمَّى «أيكونوكلازم iconoclasm»، أي «تحطيم الأيقونات» أو «تحطيم الأوثان»، ظهرت حول القسطنطينية في القرنين الثامن والتاسع (تحت تأثير الإسلام)، رأت أن الأيقونات تشكل سقوطاً في الوثنية باعتبار أن كثيراً من المصلين أصبحوا يظنون أن الأيقونة هي نفسها الشخص المقدَّس المرسوم عليها. وقد نجحت الحركة بشكل مؤقت إذ ظهر أباطرة معادون للأيقونات. وحتى بعد قمع الحركة، كان الفنانون البيزنطيون يحاولون الابتعاد عن التصوير الواقعي والميل نحو التجريد، وذلك حتى يبتعدوا عن التجسيم والتوثين.

وفي الفلسفة الحديثة يرى بيرس أن هناك علامات ثلاثاً: الشاهد «إندكس index» (وهو الإشارة العادية مثل إشارات المرور، على سبيل المثال، فثمة مسافة تفصل بين الشاهد والمشار إليه)، والرمز (وهو إشارة تُختار لتقوم مقام شيء محدد فالعَلم هو رمز الوطن، فالثغرة بين الشاهد والمشار إليه تضيق)، وأخيراً الأيقونة (وهي علامة تدل على موضوعها من حيث أنها ترسمه أو تحاكيه وبالتالي يُشترَط فيها أن تشاركه بعض الخصائص).

وفي هذه الموسوعة، نستخدم عبارة «لغة أيقونية» بمعنى أنها لغة تحاول أن تُلغي المسافة بين الدال والمدلول إلى أن يصبح الدال مدلولاً، ملتفاً حول نفسه لا يشير إلى شيء خارج ذاته (تَمركُز كامل حول الذات)، وحالة التأيقن الكاملة هي حالة الالتفات الكامل حول الذات.

ولنضرب بعض الأمثلة على اللغة الواحدية المتأيقنة أو تلك التي تحاول أن تصل إلى الواحدية:

1 ـ الصور والرسوم والنماذج والأشكال البيانية.

2 ـ اللغة التصويرية الصينية (الإيديوجراف) والكتابة الهيروغليفية حين تكون الكلمة هي نفسها الصورة المرئية للشيء، فيشار إلى " الشمس " بالشكل *، أو تكون الكتابة قائمة على رسوم ترمز إلى أشياء أو حالات (خلاف الكتابة الأبجدية المُكوَّنة من اجتماع حروف تستحيل أصواتاً وتستحيل الأخيرة مدلولات).

3 ـ الكلمات التي يُحاكي صوتها معناها مثل «أزيز الطائرات»، و«نهيق الحمير» و«وشوشة» و«غرغرة» و«سقسقة» و«فرقعة» و«طرقعة».

4 ـ صيحات الألم مثل «آه» فهي كلمة تعبِّر عن الألم ولكنها ملتصقة به تماماً (وكذلك صيحات اللذة الجنسية).

5 ـ يُقال إن لفظة «أم» (وهي لفظة تتكرر في كل اللغات) تشبه، حينما ينطقها الطفل، الصوت الذي يحدثه أثناء عملية الرضاعة. ويُلاحَظ أن الدال «أم» هنا قد التصق تماماً بالمدلول نفسه (حركة فم الطفل أثناء الرضاعة)، فهي، إذن، لفظة جنينية بمعنى الكلمة.

6 ـ الأيقونة حينما يظن العابد أنها تصبح موضع الحلول الإلهي بالفعل لا مجرد رمز له، والتمثال حينما يظن العابد أن الإله حل فيه فأصبح التمثال هو الإله، أي تَصنَّم.

7 ـ اللغة العلمية الدقيقة، وخصوصاً في حالتها الجبرية، إذ تصبح اللغة مجموعة من الدوال المكتفية بذاتها.

8 ـ اللغة الخاصة جداً التي لا يفهمها إلا صاحبها.

9 ـ التعويذات السحرية التي لا تعني شيئاً في حد ذاتها ولكنها من المفترض أن تؤدي إلى إحداث أثر ما.

10 ـ اسم الإله الأعظم حينما تُنسَب له مقدرات سحرية.

11 ـ كان الناقد المسرحي أنطوان أرتو (مُنظِّر ما يُسمَّى «مسرح القسوة») يطمح إلى مسرح أيقوني ليس مبنياً على الكلمات وإنما على حركة الجسد مباشرةً وعلى مشاركة المتفرجين، دون وجود نص يُقيِّدهم. وكان مثله الأعلى هو المسرح في الحضارات البسيطة حين تكون التجربة المسرحية هي نفسها تجربة دينية شعائرية لا تحتاج إلى نص أو مُخرج ولا يوجد ممثلون أو جمهور ولا يفصل فاصل بين الواحد والآخر.

12 ـ حاول أرتو نفسه أن يكتب ما سماه «الشعر اللفظي» وهو شعر مبني على تجاور أصوات لا دلالة لها، إلا أن تركيباتها النبرية تصنع حالات شعرية، أو هكذا كان الظن.

وعكس التأيقن واللغة الأيقونية هو الحرفية واللغة الحرفية. وهي تتحقق حينما لا يكون للدال أي قيمة في حد ذاته، لأنه يضاهي المدلول تماماً. ورغم اختلاف الأيقونية عن الحرفية، فإنهما يتشابهان تماماً في الواحدية الكمونية، فالأيقونة دال دون مدلول، والحرفية مدلول دون دال (أو دال لا قيمة له). ففي الحالة الأولى يكون المعنى كامناً في الدال وحسب، وفي الثانية يصبح المعنى كامناً في المدلول وحسب. واللغة المحايدة شكل من أشكال اللغة الحرفية، فاللغة المحايدة تحاول أن تكون شفافة تماماً بحيث تعكس الواقع كما هو.

والنظم الحلولية الكمونية تُعبِّر عن نفسها من خلال الأيقونية إذا كان مركز الكمون هو عقل الإنسان، وهي في هذه الحالة تستخدم صوراً مجازية عضوية، فالكائن العضوي المكتفي بذاته، الذي لا يشير إلى ما هو خارجه، هو قمة المرجعية الكامنة. كما تعبِّر الحلولية الكمونية عن نفسها من خلال الحرفية (إذا كان مركز الكمون هو الطبيعة والتاريخ). أما النظم التي تدور في إطار المرجعية المتجاوزة فتُعبِّر عن نفسها من خلال اللغة المجازية التي تؤكد المسافة بين الدال والمدلول وعلاقة الاتصال والانفصال بينهما.

وفي هذه الموسوعة نضع التأيقن الكامل مقابل العمومية الكاملة التي تصل إلى حالة السيولة. ففي حالة التأيقن يصبح الجزء مستقلاً تماماً عن أية مرجعية ويصبح هو الكل، مرجعية ذاته، ومركز الكمون. وتذهب بعض المدارس الفكرية (اللاعقلانية المادية) إلى أن كل ظاهرة كيان فريد لا يمكن أن تنتظمها أية أنماط، ومن ثم لا يمكن دراستها أو حتى فهمها، فالظاهرة هي تجسد اللوجوس ومركز الكمون. والشعب العضوي (فولك) هو تعبير عن حالة التأيقن هذه حين يحوي هذا الشعب معياريته داخله ولا يستطيع أحد أن يحكم عليه حسب معيارية خارجة عنه. والإنسان الطبيعي والتنويعات المختلفة عليه (الإنسان الدارويني والإنسان النيتشوي) يحمل معياريته داخله، فهو البدء والنهاية، هو الإنسان المتأله، بل هو الإله نفسه. على العكس من هذا تقف حالة العمومية الكاملة حيث يندمج الجزء في الكل تماماً فلا يكون له وجود خارجه ولا تكون له أية حدود مستقلة. وتذهب بعض المدارس (العقلانية المادية) إلى أن الظواهر كافة خاضعة لقانون واحد عام يمكن الوصول إليه ودراسته، ومن ثم يمكن التنبؤ بحركة الجزء في إطار معرفتنا بالكل. وثنائية التأيقن والعمومية هي صدى لثنائية صلبة أخرى: التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع.

المبدأ الحيوى (أنيميزم): الأساس العميق للحلولية الكمونية
«المبدأ الحيوي» بالإنجليزية «أنيميزم animism» ويُقال له أحياناً بالعربية «مذهب حيوية المادة» أو «الحيوية». وهو مذهب يرد الحياة والحركة إلى قوة باطنة في المادة هي «النفس» (باللاتينية: أنيما anima). ويشير المصطلح إلى المذهب الذي يرى أن الكون يشتمل على عدد كبير من الأرواح الكامنة في الأشياء والظواهر الطبيعية (من بينها أرواح الموتى وبخاصة الأسلاف، وقوى كونية مختلفة) ومن ثم نشأ الإيمان بضرورة معاملة هذه الظواهر (مثل الأشجار والجبال والأحجار) كما لو كانت شخصيات حية لها مقدرة في التأثير على الإنسان ومسار حياته والتَدخُّل في مجرى الحوادث. ولذا كان الإنسان يعاملها معاملته لبني الإنسان من استرضاء (من خلال القرابين) وأحياناً المراوغة. وتُعَدُّ عبادة الأرواح والأسلاف تنويعات على المبدأ الحيوي.

ونحن نرى أن كل الفلسفات والديانات الوثنية هي أيضاً تنويعات على هذا المبدأ، فالعبادة الرومانية هي عبادة تؤمن بمجمع الآلهة وبعدد هائل من آلهة كامنة في القوى الطبيعية والأماكن وهكذا. ولذا كان للمنزل إلهه وللمدفأة إلهتها، ولكل أسرة إلهها. وكان الإنسان يقدم القرابين لإله المكان لا إله العالمين. ولذا حينما كان ينتقل من بلدته إلى بلدة أخرى كان ينسى آلهته ويحاول التقرب لإله المكان الذي ارتحل إليه. وكلما ازدادت الوثنية رقياً قل عدد الآلهة، إلى أن نصل إلى فكرة الإله القومي الواحد الذي يحل في الأمة والشعب، ولكنه ليس إله العالمين وهو مقصور عليهما. ويمكن أن يصل المبدأ الحيوي إلى درجة من العالمية ويؤمن الإنسان بالنفس الكلية للعالم (باللاتينية: أنيما موندي anima mundi) وهو إله حال في الكون، فهو إله للعالمين ولكنه ليس مفارقاً للمادة أو التاريخ (وحدة وجود عالمية).

وكل العقـائد الحلولية الكمونية هي في جوهرها تنويعـات على المبدأ الحيـوي مع تزايد وتناقص في درجات التجريد. والأنيميزم البدائية هي أدناها في الدرجة، والحلولية الكمونية هي أكثرها تجرُّداً. ويمكن القول بأن الهيجلية هي قمة التجريد في المبدأ الحيوي (أعلى درجات وحدة الوجود المادية العالمية). وفكرة الإله/الصيرورة المحورية في المنظومة الهيجلية مرتبطة تمام الارتباط بالمبدأ الحيوي. والعلمانية هي الأخرى شكل من أشكال المبدأ الحيوي بعد أن استقرت الأنيما تماماً في المادة، بحيث أصبحت المادة مكتفية بذاتها، تحوي داخلها كل ما يكفي لتفسيرها. وبدلاً من أن يُقدِّم الإنسان القرابين للآلهة العديدة ويراوغها، أصبح يذعن لقوانين الحركة ولا يحاول التخلص من قبضتها (ويظهر التأرجح بين التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع، وبين تأليه الكون وإنكار الإنسان، وتأليه الإنسان وإنكار الكون). وتحوَّلت عبادة الأسلاف إلى الإيمان بالأرض والوطن والشعب، ولعل هذا يُفسِّر المفردات والصور المجازية الأساسية المشتركة بين المنظومات الحلولية الكمونية البدائية والمنظومات الحلولية الكمونية المتقدمة.

الماكروكوزم (الكون الأكبر) والميكروكوزم (الكون الأصغر ، أى الإنسان(
«الماكروكوزم (الكون الأكبر) والميكروكوزم (الكون الأصغر، أي الإنسان)» ترجمة للعبارة الإنجليزية «ماكروكوزم آند ميكروكوزم macrocosm and microcosm». وكلمة «كوزموس cosmos» تعني «كون» ولكنها تعني في الأصل «نظام» مقابل «كيوس chaos» أي «فوضى»، أما «ماكرو macro» و«ميكروmicro » فتعنيان «أكبر» و«أصغر» على التوالي. ومفهوم الماكروكوزم والميكروكوزم يؤكد أن ثمة تقابلاً كاملاً (أو شبه كامل) بين الكون والإنسان، سواء في الخصائص النفسية أو الروحية أو حتى في الخصائص الجسدية والتشريحية.

وهذا المفهوم أو النموذج المعرفي (أو الصورة المجازية الإدراكية) هو امتداد للمبدأ الحيوي (أنيميزم) والنفسانية الشاملة والاتجاه نحو إسقاط الخصائص الإنسانية على الكون (بالإنجليزية: أنثروبوموفيزم anthropomorphism)، بحيث يكون في العالم جوهر واحد (إنساني أو شبه إنساني) لا تتجاوزه كل الموجودات (ومنها الإله إن وجد(.

والمصدر الأساسي للفكرة هو حوارات أفلاطون (فيليبوس Philebus) التي طورها أفلوطين فيما بعد. ويرد هذا المفهوم (أو النموذج) في كتابات أرسطو والرواقيين (الذين سموا العالم «الحيوان الأكبر» [باليونانية: ميجا زون mega zoon]). ويَرد المفهوم كذلك في كتابات فيلو السكندري، وهي فكرة أساسية أيضاً في النصوص الهرمسية وفي القبَّالاه اليهودية والقبَّاله المسيحية من بعدها. وفي إطار هذه المفهوم تَطوَّر علم التنجيم (ويتضح في "الخرائط" التنجيمية حيث يُمثَّل الكون بأبراجه على هيئة جسد إنسان). وقد بُعث مفهوم الماكروكوزم والميكروكوزم في عصر النهضة، مع تصاعد معدلات الحلولية الكمونية وترجمة الكتابات الهرمسية و"اكتشاف" القبَّالاه اليهودية واستخدامها في تفسير الكتاب المقدَّس. وتستند فلسفة جيوردانو برونو إلى مفهوم الماكروكوزم والميكروكوزم، وهي أساس اهتمامه بالسحر وبفن الذاكرة، فالإنسان من خلال معرفته بذاته يمكنه أن يعرف كل أسرار الكون. وبعد تراجع الكتابات الهرمسية استمر النموذج في كتابات لايبنتس في فكرة الموناد.

وحتى بعد ظهور الرؤية العلمية الحديثة برؤيتها الآلية استمر نموذج الماكروكوزم والميكروكوزم في أشكال مختلفة مثل إيمان الفلاسفة بتماثل عقل الإنسان والطبيعة وتماثل قوانين العقل وقوانين الطبيعة. كما تظهر الفكرة مرة أخرى في فلسفة شوبنهاور وإيمانه بالعالم كإرادة وفي النظرية الداروينية. والنظريات العضوية ككل هي تنويع على المبدأ الحيوي وتجل لمفهوم الماكروكوزم والميكروكوزم. واصطلاحات «علمية» مثل «المادة ذاتية التنظيم» هي امتداد خافت لهذا المفهوم.

اللوجــوس
«لوجوس» كلمة يونانية تعني «قول» أو «كلام» أو «فكر» أو «عقل» أو «معنى» أو «دراسة» أو «علم» (وهذا المعنى الأخير هو المقطع «أولوجي ology» الذي يظهر في كلمات مثل «جيولوجي» أو «سيكولوجي»... إلخ بمعنى «علم الأرض» أو «علم النفـس»... إلخ. وقد تطوَّر معنى الكلمة ليصبح «الأسـاس» و«المطـلق» و«الحضور» (في مصطلح ما بعد الحداثـة). وسنلاحظ أن ثمة نمطاً أساسياً هو التأرجح بين اللوجوس كفكرة مجرد متجاوزة واللوجوس كتجسد وحلول وكمون.

1 ـ في العبادة اليونانية:

يبدو أن الكلمة تعود إلى العبادة اليونانية القديمة، فكلمة «لوجوس» فيها تشير إلى كلمة الإله أو الآلهة إذ هي تبليغ يأتي للنبي بالوحي الإلهي والحكمة والإرشاد، والنبي هو إنسان يوحى إليه بالكلمة المقدَّسة (لوجوس) ويوصلها للنـاس. لكن فكرة التبليغ بدأت في التراجع وبدأ التجـسد في التزايد فأصبح كلام النبي نفسـه لوجوس (وهذا الصراع، بين التبليغ والتجسد، هو صراع بين التوحيد والتجاوز من جهة، والحلولية الواحدية ووحدة الوجود من جهة أخرى).

2 ـ في الفلسفة اليونانية القديمة:

استخدم بعض الفلاسفة اليوانيين (هرقليطس مثلاً) هذه الكلمة، فأصبح اللوجوس المبدأ الذي يسير الكون من خلاله، وهو الذي يفسر الثبات وراء التغير والنظام وراء الفوضى. فالأشياء رغم تنوعها تحدث حسب اللوجوس. ويبدو أن هرقليطس كان يرى أن اللوجوس له وجود أو تجلٍّ مادي مثل النار، فكأن اللوجوس لم يعد كلمة أو مبدأ وإنما تجسُّد في الكون على هيئة عنصر. ويعتبر اللوجوس فكرة أساسية عند الرواقيين بنزعتهم الحلولية التي تقرن بين الإله والطبيعة. وهم، مثل هرقليطس، يرون أن اللوجوس قوة مادية في العالم (النار الأزلية) تسري في كل الكائنات باعتبارها مصدر الحياة أو العلة السببية والمشتركة، الخالقة والحافظة والمقومة لجميع الأشياء، والتي تُنظم الكون وتحقق التوازن بين العناصر كافة، فهي العناية الإلهية أو القصد الإلهي وهي أيضاً روح الإنسان. واللوجوس أزلية كما أنها روح الكون.

3 ـ اللوجوس أورثوس واللوجوس سبرماتيكوس:

من الاستخدامات الأخرى لكلمة «لوجوس»، اصطلاح «لوجوس أورثوس» أي «العقل السليم»، أو «الحجة السليمة» (وكلمة «أورثو» هي تلك الموجودة في كلمة «أورثوذكس» أي «العقيدة السليمة»). وقد استخدم السفسطائيون اصطلاح «لوجوس أورثوس» للإشارة إلى المبادئ والقواعد المنطقية التي ينبغي اتباعها للوصول إلى الاستنتاجات السليمة التي يمكن استخدامها لتقديم وجهة نظر ما بطريقة سليمة. وقد استخدم الرواقيون (من اليونانيين والرومان) العبارة اللاتينية «ريكتا راتيو recta ratio» للإشارة إلى النظام أو القانون السليم أو الضرورة التي يجب أن تمتثل لها أفعال الإنسان والعنصر العاقل الكامن في كل الأشياء. فكأن اللوجوس هنا هو الراتيو (التي اشتُّقت منها كلمة «راشيوناليزم rationalism» أي «العقلانية»).

وقد استخدمت الكلمة أيضاً في الفلسفة الرواقية في عبارة «لوجوس سبرماتيكوس logos spermaticus» بمعنى «الكلمة التي تعطي الحياة»، وهي عبارة تعني أن الكلمة بمنزلة البذرة أو المنيّ أو سائل الحياة الذي يُنثَر في العالم بأسره فيسبب الولادة والنمو والتغيُّر في كل الأشياء (وهنا تظهر واحدة من أهم مفردات الحلولية). وإذا كان العالم من منظور اللوجوس أورثوس يشبه الآلة التي تُدار من الخارج، فهو هنا يشبه الكائن الحي. وتحوي اللوجوس سبرماتيكوس سائل الحياة الذي يحوي بدوره عدداً غير متناه من الحيوانات المنوية تقوم كل واحدة منها بخلق أو توليد كيانات، لكلٍّ منها هدف مستقل، ومع هذا فهي جميعاً متناغمة متساوية.

4 ـ فيلون:

استخدم فيلون مفهوم اللوجوس باعتباره القانون قبل أن يُخلق ويُرسل إلى الأرض، والمثال والنموذج الذي خلق الإله العالم وفقاً له (كما يقول أفلاطون)، وهو أيضاً العقل الكوني قبل خلقه، والوسيط الذي خلق الإله العالم به (كما يصنع الفنان بالآلة) والذي نعرف الإله به وهو الشفيع لنا عنده. وهو كذلك ملاك الإله المذكور في التوراة الذي ظهر للآباء وأعلن لهم أوامره. ولكن اللوجوس مع تصاعُد معدلات الحلول يصبح كامناً في جميع المخلوقات، ولذا فهو العقل والعاقل والمعقول (وهو العبد والمعبود والمعبد).

ويمكن القول بأن اللوجوس هو الركيزة والمرجعية النهائية التي قد تكون إما كامنة في الطبيعة أو متجاوزة لها، أو كامنة فيها متجاوزة لها في آن واحد. وإن جاز لنا استخدام اللوجوس كمقولة تحليلية، ذات دلالة عامة في مجال مقارنة الأديان فيمكننا القول بأن اللوجوس هو النقطة التي يلتقي فيها الإله (المطلق) مع الإنسان (النسبي) داخل التاريخ والزمان ليتواصل معه وأن هذه هي الإشكالية الأساسية التي تواجهها كل الأديان ويحلها كل دين بطريقة مختلفة، نابعة من رؤيته. وقد أخذ اللقاء بين الإنسان (النسبي) والإله (اللوجوس و المطلق) في حالة اليهودية شكل حلول الإله في الماشيَّح وفي التوراة ثم في التلمود وأخيراً في الشعب اليهودي الذي يصبح بذلك مركز خلاص البشرية جمعاء. ثم تعمَّق المفهوم مع انتقال اليهودية إلى تربة مسيحية (فقد عاش معظم أعضاء الجماعات اليهودية ابتداءً من القرن الرابع عشر في أوربا). فازداد مفهوم اللوجوس مركزية وشيوعاً، ونجد أن التراث الحاخامي يجعل المشناه هي اللوجوس. أما التراث القبَّالي فيخلع هذه الصفة على الشعب اليهودي الذي لم يعد مجرد تجسد للإله بل أصبح جزءاً لا يتجزأ منه (والشخيناه هي الشعب اليهودي وهي أيضاً اللوجوس). ويرى القبَّاليون أن اسم الإله الأعظم (اللوجوس) هو أكبر تَركُز للحضور الإلهي ("في البدء كانت الكلمة"، أي أن الكلمة هي الأصل). ومن يفك شفرة هذا الاسم، ستتدفق فيه القداسة والحضور الإلهي ويمكنه الإتيان بالمعجــزات والســيطرة على العالم، مثل التسـاديك الـذي يُســمَّى «بعل شيم طوف»، وهي عبارة عبرية يمكن ترجمتها بعبارة «صاحب اللوجوس». ويرتبط السحر بين أعضاء الجماعات اليهودية بهذا المفهوم.

وفي اللاهوت المسيحي، أصبحت كلمة «لوجوس» تعني «المسيح وابن الإله قبل أن ينزل إلى الأرض»، وهو الأقنوم الثاني، وهو ليس منفصلاً عن الأب وإن كان متميِّزاً عنه. واللوجوس مخلوق من المادة الإلهية نفسها قبل بدء الخليقة. وهو موجود في عقل الإله ثم خرج إلى الكون. فالمسيح هو تجسد الإله (المطلق) في الزمان (النسبي) ينزل ويُصلَب ويقوم. وبعد قيامه، يعود المسيح إلى الأب، وتصبح الكنيسة (جسد المسيح) اللوجوس المتجسد، فهي معصومة والبابا (رئيسها) معصوم.

ويرى البعض أن اللوجوس في الإسلام هو القرآن (نقطة لقاء المطلق بالنسبي) على اعتبار أن القرآن هو كلمة الإله المطلقة وعلى اعتبار أنه كان قائماً بذات الإله باعتباره صفة من صفاته تعالى، ثم تشخَّص تلاوة وسماعاً وكتابة في الوجود الكوني. ويؤكد المسلمون أن هذه ليست حالة تجسد وإنما مجرد تبليغ وتذكير (لفظي)، فالعلاقة القائمة في حالة التجسد هي علاقة توالد (وهو ما عبَّر عنه القرآن بقوله: "وقالت النصارى المسيح ابن الله"، وجاء على لسان بني إسرائيل "نحن أبناء الله"). أما العلاقة بين كلام الله القائم بذاته والقرآن المتلو أو المكتوب في المصاحف فهي علاقة الدال والمدلول اللذين لا يلتحمان أبداً إذ تظل هناك مسافة بينهما، هي صدى للمسافة بين الخالق وكل مخلوقاته (الإنسان والطبيعة). والرسول (صلى الله عليه وسلم) ليس تجسداً، فهو ليس إلا حاملاً للرسالة المكتوبة ولا يكتسب أية عصمة وإن كان يكتسب مكانة خاصة لا تماثلها مكانة.

وتستند كل المنظومات المعرفية العلمانية إلى ركيزة نهائية (لوجوس) كامنة في المادة تكون بمنزلة العنصر الأساسي الذي يمكن من خلاله تفسير الكون. وهي ما يمكن تسميته «المطلق العلماني» وكلها تنويعات على المطلق العلماني النهائي: الطبيعة/المادة. والدولة في النسق الصهيوني هي اللوجوس الجديد (والعجل الذهبي) الذي يحل محل الإله في النسق الحلولي التقليدي. وتتهم فلسفة ما بعد الحداثة كل الفلسفات الغربية بأنها "متمركزة حول اللوجوس"، أي ملوثة بالميتافيزيقا، ويحاول أنصار ما بعد الحداثة تأسيس نسق فلسفي بدون لوجوس ومن ثم بدون مركز وبدون ميتافيزيقا بل بدون حقيقة.


القداسة بين وحدة الوجود الروحية ووحدة الوجود المادية
«القداسة» لغةً هي الطهر والبركة. ويتغيَّر المعنى بتغيُّر مجال تطبيقه:

1 ـ حينما تشير الكلمة إلى الإله، فإنها تعني الكمال الإلهي والتنزه عن الموجودات، ولذا يُقال: «تَقدَّس الإله» بمعنى «تنزَّه»، و«قدَّس فلان الإله» بمعنى «عظَّمه وكبَّره ونزَّهه عما لا يليق بالألوهية». وجاء في التنزيل "ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك". ولذا، فالقداسة تعني الانفصال عن عالم الطبيعة والمادة، وهو معنى أساسي للكلمة داخل المنظومة التوحيدية.

2 ـ حينما تطبق الكلمة على البشر، يكون معناها الطهارة وحلول النعمة أو البركة. كما يمكن أن يكون معناها الطهر الذي يصل إليه الإنسان باتباع تعاليم الإله وبفعل الخير وتحاشي الشر. والمعنى الكامن هنا أن الإنسان يتطهر من أدران المادة مثلما يتنزه عن الطبيعة. وعلى هذا يُقال: «قدس الإله فلاناً» بمعنى «طهَّره وبارك عليه»، و«قدَّس الإله تقديساً» بمعنى «طهَّر نفسه له».

من الواضح، إذن، أن تعريفات القداسة التي وردت في معاجم اللغة العربية تدور أساساً في إطار المنظومة التوحيدية. وقد وردت السمات التالية في معاجم علم الاجتماع باعتبارها السمات الأساسية للمقدَّس:

1 ـ غير خاضع للتقييم النقدي الذي يقتصر على ما هو زمني.

2 ـ المقدَّس يكون دائماً موضع احترام ممزوج بالخشية.

3 ـ لا يمكن انتهاكه أو الخروج عليه.

4 ـ عادةً ما تستلزم الموجودات المقدَّسة أن يقوم الإنسان حيالها بطقوس (دينية) وخصوصاً عند التجائه إليها أو معاملته لها أو اقترابه منها أو اتصاله معها مادياً أو معنوياً بأية صورة من الصور.

5 ـ يُستخدَم مصطلح «المقدَّس» مقابل «المدنَّس» (الحرام مقابل المباح)، وهي ثنائية تعرفها جميع المجتمعات الإنسانية تقريباً.

6 ـ والشيء المقدَّس ليس مقدَّساً في ذاته وإنما نظراً لارتباطه بمصدر القداسة وإشارتها له، ولذا فإن ما قد يكون مقدَّساً في مجتمع قد يكون مدنَّساً في مجتمع آخر.

7 ـ والأشياء المقدَّسة يمكن أن تكون الآلهة والأرواح والملائكة، كما يمكن أن تكون الكائنات الخارقة للطبيعة أو حتى ينبوع ماء أو شجرة أو حجر أو قطعة نسيج أو فصيلة حيوانية، بل قد تكون الألفاظ والعبارات والصيغ الكلامية والأنغام الترتيلية أشياء مقدَّسة. ويمكن أيضاً أن تكون مفاهيم مجردة مثل: الأمة ـ القبيلة ـ أرض الوطن.

8 ـ جميع المجتمعات الإنسانية تستند إلى عقائد تعرف ما هو مقدَّس (مطلق) وغير خاضع للتقييم (من وجهة نظرها) وما هو مدنَّس ومباح (ونسبي).

والشيء المقدَّس تتحدد قداسته بسبب صلته بمصدر القداسة وتتحدد درجة قداسته بمدى قُربه أو بُعده عن هذا المصدر.

لكل ما تقدَّم، لابد أن نشير إلى مفهومين مختلفين للقداسة، أحدهما داخل إطار المرجعية المتجاوزة (المنظومة التوحيدية) والآخر داخل إطار المرجعية الكامنة (المنظومة الحلولية). فالمصدر الأوحد للقداسة في الإطار التوحيدي هو الإله العلي القدير، والقداسة التي تفيض منه ليست أمراً مادياً متجسداً يفيض على الأشياء فيتخلل ثناياها، وإنما هو أمر غير منظور وغير مفهوم، تماماً مثل سمات الإله. فحينما نقول «عمت بركة الإله» فإننا نعني: «فاضت رحمته». وإذا كان الإله مصدر القداسة الأوحد، فإن جوهر قداسته يعني انفصاله عن الموجودات وتنزُّهه عنها. ولذا، حينما توجد أشياء مقدَّسة في المنظومات التوحيدية، فإنها تكون مقدَّسة بمعنى مجازي غير حرفي أو أيقوني، وتظل قداستها مرتبطة تماماً بكونها تشير إلى الإله العلي ولا تجسده. ويلخص عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) علاقته بالحجر الأسود (وعلاقة المسلم بالمقدَّسات) حينما قبَّل الحجر الأسود قائلاً: "إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقبِّلك ما قبَّلتك". فالحجر لا يعي، ولذا فإن عمر (رضي الله عنه) لم يقبِّله لأنه مقدَّس في حد ذاته أو بسبب خاصية كامنة فيه، ولكنه قبَّله لأنه رأى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يفعل ذلك ففعل مثله، أي أنه قبَّله من قبيل الطاعة والاقتداء بالرسول (صلى الله عليه وسلم(.

ولذا، فإن الشيء المقدَّس في إطار المرجعية المتجاوزة (المنظومة التوحيدية) هو دال يشير إلى المدلول المتجاوز، مع الاحتفاظ بمسافة بين الدال والمدلول، وهي مسافة لا يمكن تجاوزها بأية حال. ولكن الإنسان قد تفيض فيه القداسة بشكل جزئي وتنقص المسافة بينه وبين الخالق إن هو حوَّل المسافة التي تفصل بينه وبين الخالق إلى مجال للتفاعل معه. ويمكن إنجاز هذا إن حاول الإنسان الوصول إلى الصفاء والكمال الأخلاقيين باتباع تعاليم الإله التي أرسل بها في رسالته، ومن خلال الاستقامة والخلاص من الأدران والشوائب اللاخلقية والنزعات والميول البهيمية الغريزية (التي تدفعه نحو عالم الطبيعة/المادة، والواحدية المادية الكونية، بعيداً عن الإله(.

وفي هذا الإطار، يمكن فهم التصوف التوحيدي، فعن طريق المجاهدات النفسية والتجارب الصوفية والزهدية، وما إليها من الممارسات، تتطهر النفس البشرية من أدرانها وترقى في معارج قدسية بالمعنى المجازي، فهو تقرُّب من الخالق لا يسد المسافات وإنما يحوِّلها إلى مجال للتفاعل، ومن ثم لا يمكن أن يلتصق المتصوف بالإله أو يفنى فيه أو يتوحد معه، فالإنسان هنا ليس دالاً بلا مدلول وليس دالاً يبحث عن مدلول، وإنما هو دال محدد له مدلول إنساني محدد لا يستطيع الإنسان اختزاله أو التخلي عنه أو تجاوزه وإنما يمكنه تحقيق إمكاناته الربانية الكامنة فيه عن طريق التواصل مع الإله والتقرب منه دون إلغاء المسافة (الحيز الإنساني) التي تفصل بين الخالق والمخلوق. والشعائر علامة على الطريق الذي لا نهاية له، وليست صيغة سحرية على المؤمن تملُّك ناصيتها. وإذا حاول الإنسان أن يؤدي الشعائر، بحذر شديد ودقة بالغة، فهذا من قبيل الطاعة والرغبة في الانتماء للجماعة والتقرب من الله، تماماً كما فعل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حينما قبَّل الحجر الأسود.

وعادةً ما يحاط الشيء المقدَّس بمجموعة من المحرمات الطقسية بحيث لا يقترب الموجود العادي من النظام المقدَّس إلا إذا قام بطقوس تمهيدية وتطهرية تؤهله للاتصال به. وداخل الإطار التوحيدي، يُعَد هذا تعبيراً عن الخشوع للمدلول المتجاوز والمصدر الأوحد للقداسة، وعن احترام الإنسان للخالق وإدراكه لقداسته، بمعنى تجاوزه وتنزُّهه، وعن إدراكه لوجود الحدود الفاصلة بين الخالق والمخلوق. ولذا، فإن على الإنسان أن يقوم بشعائر الطهارة هذه (لا يمسه إلا المطهرون). ومع هذا، لا يصبح الشيء المقدَّس مصدر القداسة أو مكمنها أو تجسيداً لها؛ إذ يظل جزءاً من النظام الدلالي التوحيدي ويظل مصدر القداسة الأوحد هو الإله.

ومصدر القداسة في إطار المرجعية الكامنة (المنظومة الحلولية الواحدية) هو الإله أيضاً ولكنه إله حال في مخلوقاته كامن فيها، لا يتواصل مع مخلوقاته إلا من خلال تجسُّد، وتنتقل القداسة من خلال حلول الإله في مخلوقاته؛ الفرد أو الجماعة أو الكون بأسره. ولذا، تأخذ القداسة شكل مادة سائلة أو شحنة كهربية متنقلة أو موجات ضوئية تتنقل من الإله إلى الموجودات (التراب أو الطعام أو الشراب أو النبات أو الإنسان). والموجودات التي تنتقل إليها القداسة تصبح قداستها كامنة فيها. ومن ثم، فإن الحجر الأسود يصبح (هو نفسه) بالنسبة لأصحاب الاتجاهات الحلولية مقدَّساً (تماماً مثل قبور الأولياء ومثل الأرض في المنظومة القومية العلمانية). ولذا، فإن ملامسته تعني انتقال القداسة منه إلى من يلامسه، أي أن العملية هنا هي عملية التصاق مادية وملامسة جسدية وليست عملية طاعة وتهذيب للنفس وتجاوز لعالم المادة. فالشيء المقدَّس في النظام الحلولي الكموني هو دال يلتصق بالمدلول الأوحد (الإله). والإنسان أيضاً دال يزداد في الاقتراب من مصدر القداسة حتى يلتصق بالإله تماماً ويتوحد به. ويتم هذا من خلال إشراق مباشر، أو من خلال اتباع صيغ طقوسية تُنفَّذ بشكل صارم، أو من خلال تعاويذ ولعنات وبركات معينة تُقرأ بدقة بالغة وكأنها معادلة رياضية، إن وضعنا الأرقام في موضعها وصلنا للنتيجة الصحيحة. ويمكن أن تنتقل القداسة من خلال الوراثة (لا من خلال القيام بأفعال خيِّرة)، فهي مسألة تكاد تكون بيولوجية عضوية، بل تصبح كذلك حرفياً في كثير من الأحيان (الشعب المختار موضع الحلول)، ومن ثم لا علاقة لها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفعل الخير وتحاشي الشر.
والإنسان في المنظومة الحلولية الواحدية ليس دالاً يشير إلى مدلوله الإنساني، وإنما هو دال بلا مدلول يحاول أن يتجسد من خلال مدلول متجاوز عن طريق الالتصاق بمصدر القداسة وعن طريق التوحد به. وإذا كانت الشعائر في المنظومة التوحيدية تعبيراً عن طاعة الإله، فهي في المنظومة الحلولية وسيلة التوحد معه والالتصاق به، وهي في آخر الأمر تعبير عن رغبة الإنسان في أن تكون إرادته من إرادة الخالق حتى يمكنه التحكم في الكون - ومن هنا ارتباط القداسة في المنظومة الحلولية الواحدية بالسحر. وترتبط القداسة في هذه الحالة بالقوة التأثيرية الشاذة التي تتجاوز المقدرات الإنسانية العادية، ويحاول الإنسان أن يظفر بأكبر قسط من المنفعة من خلال قوته السحرية، وخصوصاً في الأمور التي يرى نفسه عاجزاً عن بلوغها بجهده الخاص: الانتصار في الحرب - التنبؤ والاستخارة - القوة الشافية - الخصوبة الإنجابية - الخصوبة الإنتاجية... إلخ.

وكما أسلفنا،يحاط الشيء المقدَّس بمجموعة من المحرمات الطقسية. ولذا، لابد من القيام بطقوس تطهرية. ولأن القداسة تأخذ شكل مادة في المنظومة الحلولية الواحدية، فإن الشيء المقدَّس الذي يحوي القداسة داخله لابد أن يُعزَل تماماً عن العالم غير المقدَّس حوله (وإلا، فإن شحنة القداسة الموجبة قد تضيع وتحيَّد بسبب شحنة الدناسة السالبة). ويبالغ الشعب المقدَّس في شعائر الطهارة وفي عزل نفسه عن الآخر لنفس السبب. فالشيء المقدَّس والشعب المقدَّس يصبحان بذلك تجسداً لمصدر القداسة وتجلياً له وليس إشارة إليه. ولعل الفرق بين القرآن الذي يقرؤه المؤمن والحجاب الذي يصنعه الكاهن هو فرق بين الخشوع لله والإيمان بقدرته من جهة والرغبة في الالتصاق به والتحكم فيه من جهة أخرى.

وقد ترتبط القداسة بصفات وسمات ليست مقدَّسة بالمعنى المحدود للكلمة ولكنها تحتوي على بعض السمات التي يتسم بها المقدَّس. ولذا، فإن الشيء أو الشخص الذي يتسم بهذه الصفات قد يُعدُّ مقدَّساً. ولهذا، يكتسب الطبيب شـيئاً من القداسـة بسـبب أن مهمته لها بعض الخصائص التي لا توجد إلا في الأشـياء المقدَّسـة (في تصوُّر بعض الناس)، فالطبيب يأخذ أعشاباً ويخلطها فتتحول الأعشاب من مجرد مادة طبيعية إلى دواء (سحري) قادر على الشفاء، والحداد يأخذ الحديد (هذه المادة الصلبة) ويضعها على النار (هذه المادة المهيبة غير الصلبة) فيلين الحديد. وفي كلتا الحالتين، فإن عملية التحويل غير مفهومة لدى الإنسان في بعض المجتمعات. وحتى بعد فهمها، تظل عملية التحويل عملية مذهلة ذات أبعاد رمزية تتجاوز العملية المادية المباشرة (وعلى سبيل المثال، فإننا نعلم سر قوس قزح، إلا أننا لا نملك إلا الإحساس بمهابته حينما يظهر). بل إن الصانع نفسه، الذي كان يقوم بالعملية، يشعر بمهابتها، ولذا يقوم بتلاوة تعويذات معيَّنة ويقوم ببعض الشعائر وكأنه يقترب من شيء مقدَّس. وقد أخبرني أحد المهندسين المعمـاريين أن البنائين الذين يسـتخدمون الحجر لا يبدأون عملهم إلا عند الفجر بعد أداء الصلاة، وذلك حتى تحل البركـة.

وفي المجتمعات التقليدية، ظهرت أحاسيس الخوف من التاجر والمرابي لهذا السبب، فهما يحركان البضائع ورأس المال فيحدث التحول (الربح الوافر) دون إضافة أي شيء. ومن ثم، ارتبطت هذه المهن بالقداسة (بالمعنى الحلولي الواحدي) ثم بالسحر (ومن هنا إحساس أعضاء الجماعة الوظيفية بقداستهم وبمقدراتهم السحرية وبأهميتهم في المجتمعات التي وُظِّفوا فيها). والبغاء المقدَّس في المجتمعات الوثنية البدائية مثل جيد على القداسة الحلولية المادية. فالبغي المقدَّسة، من خلال ممارسة الجنس مع العابدين، كانت توصِّلهم للآلهة، ويصبح مهبل البغي المكان الذي يلتقي فيه المقدَّس بالمدنَّس فيكتسب الإنسان القداسة.

ويختلف نطاق الحلول والكمون ومن ثم نطاق القداسة، فيمكن أن يزداد تركز القداسة بتزايد درجة الحلول وكمون المركز. وقد تتركز القداسة في أحد عناصر الكمون دون غيره وتظهر الثنائية الصلبة. ويمكن أن يتركز المركز في الإنسان وهذا بدوره يأخذ شكلين: حلول في فرد، وحلول في جماعة. وفي حالة الحلولية الفردية، فإن الولي أو الزعيم يصبح هو وحده موضع القداسة أو الوسيط الأوحد بين مصدر القداسة في الكون والعالم المادي، وهو صاحب العرفان (والغنوص)، كلامه من كلام الإله، وسلوكه إلهي، فهو تجسُّد كامل للإله في الأرض. وفي نطاق وحدة الوجود الروحية، نجد أن الماشيَّح هو موضع الحلول، أما في نطاق وحدة الوجود المادية فهو الزعيم المُلهم

صاحب العرفان، كلامه من كلام الإله وسلوكه إلهي، فهو تجسُّد للإله في الأرض. ويتسع نطاق الحلول، ويتركز الحلول الإلهي في شعب فيصبح هو المركز وموضع القداسة، فهو الأنا المقدَّسة (الإمبريالية التي تحُوسل بقية البشر والطبيعة) ويصبح هذا الشعب تجسُّد الإله في الأرض، ولذا فهو شعب مقدَّس وأرضه مقدَّسة وتاريخه مقدَّس (أما بقية العالم فتنسحب منه القداسة تماماً). وفي إطار وحدة الوجود الروحية، تأخذ الحلوليات الوثنية هذا الشكل، واليهودية قبل عصر الأنبياء تتبع نفس النمط. أما في إطار وحدة الوجود المادية، فالقوميات العلمانية (التي تقدس الشعب) هي تعبير عن هذا النمط . ويمكن أن تتركز القداسة في الطبيعة/المادة فتصبح هي المركز المقدَّس الذي على الإنسان أن يذعن له ويظهر هذا في وحدة الوجود الروحية على هيئة العبادة الحلولية للطبيعة وتأليهها وتقديس الأرض، ولا يختلف الأمر كثيراً في وحدة الوجود المادية فالقوميات العلمانية التي تقدس الأرض وحدود الدولة والدولة نفسها هي تعبير عن هذا الشكل من أشكال الحلول. كما أن الحركات البيئية الجديدة التي تقدس "أمنا الطبيعة" هي تعبير عن نفس النمط.

ثم يتسع نطاق القداسة ليشمل الكون بأسره فيحل الإله في الكون (الطبيعة، الإنسان) ويكمن فيه، أي في كل الظواهر الطبيعية والإنسانية وبنفس الدرجة، أي أن كل المخلوقات (الإنسانية والطبيعية) تصبح ممتلئة بالقداسة وبنفس الدرجة ويتجسد المركز من خلالها وبنفس الدرجة. ولذا، يصبح كل شيء مقدَّساً ويتساوى في الدرجة مع الأشياء الأخرى (بمعنى التسوية لا المساواة). وبذا، تصبح كل الأمور متساوية أفقية لا تراتب فيها ولا هرمية، يتساوى المطلق والنسبي، والمقدَّس والمدنَّس، والروحي والمادي، والمركزي والهامشي، والإنساني والطبيعي، أي أن كل الأمور تصبح نسبية مباحة لا قداسة لها، وهذه هي حالة السيولة الشاملة وحالة ما بعد الحداثة والحلولية بدون إله.

ونحن نرى أن البحث عن المقدَّس شيء أساسي بالنسبة للإنسان، إذ يبدو أن الإنسان لا يمكنه أن يواجه عالماً من الصيرورة الكاملة، والحياد الكامل، لا مركز له ولا معنى ولا أسرار فيه، ولذا فهو دائم البحث عن مركز ومعنى، يحاول دائماً أن يستعيد القداسة لعالمه. وهذا يعود إلى أن الإنسان ليس مجرد إنسان طبيعي، مجموعة من العناصر البيولوجية، وإنما يوجد داخله ما يميِّزه عن الطبيعة/المادة. والعلمانية في تصوُّرنا هي محاولة نزع القداسة عن العالم. وما بعد الحداثة تحاول أن تلغي كل الثنائيات ومنها ثنائية المقدَّس والمدنَّس، حتى يصبح العالم عالماً من الصيرورة الكاملة لا هو مقدَّس ولا مدنَّس، ولا هو ثابت ولا متغير، ولا هو أزلي ولا زمني.

الباب الثانى: الحلولية الكمونية الواحـدية والعلمانية الشاملة

الحلولية الكمونية: تعريف
تدور معظم رؤى العالم حول ثلاثة عناصر هي في الواقع عنصران اثنان: الإله من جهة والإنسان والطبيعة (أي العالم) من جهة أخرى. ومذهب الحلول أو الكمون (أو الحلولية الكمونية الواحدية أو وحدة الوجود) هو المذهب القائل بأن الإله والعالم (الإنسان والطبيعة) مُكوَّن من جوهر واحد، ومن ثم فهو عالم متماسك بشكل عضوي مصمت لا تتخلله أية ثغرات ولا يعرف الانقطاع ويتسم بالواحدية الصارمة، ويمكن رد كل الظواهر فيه، مهما بلغ تَنوُّعها وانعدام تجانسها، إلى مبدأ واحد كامن في العالم هو مصدر وحدة الكون وتماسكه ومصدر حياته وحيويته وهو القوة الدافعة له الكامنة فيه، ويمكن تفسير كل شيء من خلاله.

ووحدة الوجود الروحية ووحدة الوجود المادية قد يختلفان في بعض الأوجه الفرعية إلا أنهما يتفقان في الأساسيات والبنية. فكلاهما يرى أن العالم يتكون من جوهر واحد.

1 ـ وهذا الجوهر الواحد أو المبدأ الواحد يُسمَّى «الإله» أو «الجوهر الإلهي» في منظومات وحدة الوجود الروحية (الحلولية الكمونية الروحية)، ويجري التعبير عن هذا بالقول: "حل الإله في العالم، أي في الطبيعة والإنسان". ويمكن تسمية الجوهر الواحد تسميات شبه روحية شبه مادية، كأن يُقال إن المبدأ الواحد هو «روح الشعب» أو «روح التاريخ» أو «العقل المطلق» وما شابه ذلك من مصطلحات هيجلية روحية اسماً مادية فعلاً. وتذهب وحدة الوجود الروحية إلى أن الإله هو الأصل،والعالم إن هو إلا وهم. وإن كان ثمة عالم فهو جزء من الإله وليس له وجود مستقل (إنكار الكونية).

2 ـ أما في منظومات وحدة الوجود المادية (الحلولية الكمونية المادية)، فهذا المبدأ (أو الجوهر) الواحد يُسمَّى «قانون الحركة» أو «قوانين الطبيعة» أو «الطبيعة/المادة» أو «قوانين الأشياء» أو «القانون الطبيعي» أو «قوانين الضرورة الطبيعية» أو «القوانين العلمية». هذا القانون قانون شامل يمكن تفسير كل الظواهر، ومن بينها الظاهرة الإنسانية، من خلاله. وفي هذه الحالة، يجري التعبير عن وحدة الوجود بالقول "تسري قوانين الحركة المادية على كل الأشياء في الكون"، ويُقال: "استناداً إلى القوانين العلمية، نحن نذهب إلى كذا وكذا". وإذا كان ثمة إله فليس له جوهر مستقل وإنما هو كامن في العالم؛ باطن فيه، محايث له، وليس له وجود مستقل عنه، ولذا فإن العالم مكتف بذاته، يحوي داخله ما يكفي لتفسيره ولا وجود للإله خارجه (تأليه الكون).

ولا تصل المنظومة الحلولية الكمونية الواحدية دائماً إلى مرحلة وحدة الوجود دفعة واحدة، فثمة درجات من تَركُز الحلول والكمون في الكون. ويمكن أن تحدث درجة من الحلول أو الكمون لا تؤدي بالضرورة إلى وحدة الوجود، كما يمكن أن يتم الحلول (أو الكمون) جزئياً في الإنسان لا في الطبيعة، ولكن النموذج الحلولي يصل إلى تحقُّقه الكامل ولحظته النماذجية بالتجسد الكامل للإله في العالم وكمونه فيه، وفقدان الإله تجاوزه وتنزُّهه في مرحلة وحدة الوجود الروحية، ثم بفقدانه اسمه في مرحلة وحدة الوجود المادية، حيث يصبح الإله والعالم (الإنسان والطبيعة) شيئاً واحداً،ويصبح الإنسان جزءاً لا يتجزأ من العالم، ليست له إرادة مستقلة أو وعي مستقل، غير قادر على تجاوز محيطه.

لا يوجد، إذن، أي فارق بين وحدة الوجود الروحية ووحدة الوجود المادية إلا في التسمية. وكما يقول نوفاليس ليس هناك فرق بين أن تقول "أنا جزء لا يتجزأ من العالم" وأن تقول "العالم جزء لا يتجزأ مني"، ونفس القول ينطبق على وحدة الوجود، فلا يوجد فرق بين أن تقول "إن العالم إن هو إلا جزء لا يتجزأ من الإله" وأن تقول "إن الإله إن هو إلا جزء لا يتجزأ من العالم"، ولا فرق بين أن يقول المرء "لا موجود إلا هو" (أي الإله، بالمعنى الحرفي) أو "لا موجود إلا هي" (أي الطبيعة/المادة).

أشرنا إلى أن ثمة تَماثُلاً بل تَرادُفاً بين وحدة الوجود الروحية ووحدة الوجود المادية، ولذا فإن أية منظومة حلولية كمونية يمكن أن تصبح روحية ثم مادية في فترتين متتاليتين، أو تصبح روحية اسماً مادية فعلاً في الوقت نفسه، كما هو الحال في المنظومة الهيجيلية حيث يتم التعبير عن الظواهر الروحية بمصطلحات مادية ويتم التعبير عن الظواهر المادية بمصطلحات روحية، أي أنها واحدية روحية/مادية أو مثالية/مادية في آن واحد. وهذا هو المعنى الحقيقي لاتحاد المقدَّس والزمني وعبارات هيجل الأخرى. وعلى المستوى التاريخي يُلاحَظ أن عمليات العلمنة عادةً ما تسبقها مرحلة يسود فيها الفكر الحلولي الكموني الروحي، ثم يصبح فكراً حلولياً كمونياً مادياً، أي علمانياً، في نهاية الأمر.

ولعل أهم أشكال الحلولية الواحدية هي الغنوصية التي نذهب إلى أنها خطاب فلسفي (معرفي أخلاقي) واحدي كموني استمر عبر مئات السنين وتَبدَّى من خلال عدة فلسفات وأنساق معرفية ودينية من أهمها: القبَّالاة اللوريانية، وأفكار غلاة المتصوفة والباطنية، وفلسفة إسبينوزا وهيجل ونيتشه، وأخيراً العلمانية الشاملة المادية الحديثة التي هي فلسفة غنوصية وشكل من أشكال الحلول. وهكذا، فإن الغنوصية كانت وحدة وجود (واحدية) روحية وأصبحت عبر مسار التاريخ وحدة وجود واحدية مادية، إلى أن انتهى بها الأمر إلى السيطرة على العالم بأسره بعد تدويل المنظومة العلمانية من خلال التشكيل الإمبريالي الغربي. ويمكن القول بأن وحدة الوجود الروحية كانت الشكل الأكثر شيوعاً حتى القرن الثامن عشر، وأن الشكل الآخر (وحدة الوجود المادية، أي العلمانية الشاملة) هو الشكل الغالب الآن.

الحلولية الكمونية بين الثنائية الصلبة والسيولة الشاملة
توجد أشكال مختلفة من الحلولية الكمونية حسب مدى اتساع نطاقها وكيفية تسميتها للمبدأ الواحد ونقطة الحلول والكمون وتأرجُحها بين إنكار الكون وتأليهه ونوعية الاستجابة لوحدة الوجود. ومع هذا يمكن الحديث عن شكلين أساسيين هما: الحلولية الكمونية الصلبة والحلولية الكمونية السائلة الشاملة. وفي إطار الحلولية الكمونية الثنائية الصلبة، يمكن أن يتركز الحلول أو الكمون في الإنسان (الواحدية الذاتية ـ تأليه الإنسان وإنكار الطبيعة)، فيمكن أن يكون فرد بعينه (البطل الذي لا يُقهَر) الذي يصبح بذلك مركز الكـون. ويمكن أن يكون الجنس البشري بأسره (الواحدية الإنسانية). ويمكن أن يتركز الحلول أو الكمـون في جماعة بعينها (الشـعب المقدَّس المختار) تصبح مركز الكون، فتتم التفرقة وبشكل حاد بين من يقع داخل دائرة القداسة وموضع الحلول والكمون ومن يقع خارجها (الواحدية الإمبريالية والعرْقية). ويمكن أن يتركز الحلول والكمون في الطبيعة فيمكن أن يكون موضع الحلول الأرض المقدَّسة أو جبلاً بعينه أو شجرة أو الطبيعة بأسرها (الواحدية الموضوعية المادية ـ تأليه الطبيعة وإنكار الإنسان). وهناك بطبيعة الحال تناقض عميق بين تأليه الإنسان وتأليه الطبيعة، ففي الحالة الأولى يشغل الإنسان مركز الكون أما في الحالة الثانية فهو كائن ليست له أية أهمية خاصة. فالحلولية الكمونية بهذا المعنى تؤدي إلى تأرجح حاد بين إنسانية متطرفة تنكر الكون وطبيعية متطرفة معادية للإنسان وتنكر وجوده. وهذه هي مرحلة الثنائية الصلبة التي تتسم بالهرمية الصارمة.

ولكن الثنائية الصلبة عادةً ما تُمحى لصالح الموضوع والكون فيهيمن الموضوع وتظهر الواحدية الموضوعية المادية التي تنكر الثنائية والتجاوز. ثم يتسع نطاق دائرة الحلول والكمون ليشمل الكون بأسره وتصبح كل الأشياء موضع الحلول ومن ثم تتعدد المراكز ويصبح العالم لا مركز له. وهذه هي الحلولية الكمونية الشاملة السائلة، إذ يتجلَّى المركز من خلال كل الكائنات فيذوب فيها ويختفي وتفقد كل الكائنات حدودها وحيزها، إذ تختفي المساحات بينها ومن ثم هويتها وتَعيُّنها وقيمتها وتذوب في القوة الواحدة التي تسري في الكون وتتخلل ثناياه (القوة الدافعة للمادة، الكامنة فيها) وتعود الأشياء إلى حالة جنينية رحميّة محيطية (تشبه الفطيرة) تُسقط أية ثنائية أو تعددية ولا تعرف تمييزاً بين ما هو أعلى (في قمة الهرم) وما هو أدنى (في قاعدته)، وما هو هامشي وما هو مركزي، وما هو خير وما هو شر؛ نظام دائري مصمت لا تتخلله ثغرات أو مسافات، تشبه نهايته بدايته، وتشبه قمته قاعدته، وتشبه أسبابه نتائجه، وتشبه هوامشه مركزه، ومن ثم تنشأ إشكاليات في النظام المعرفي والأخلاقي، إذ تفقد الأشياء حدودها وهويتها ويَصعُب التمييز بينهما، كما تَصعُب التفرقة بين الخير والشر، وتختفي الإرادة والمقدرة على التجاوز وتسود الواحدية والحتمية.

التوحيد والحلولية الكمونية الواحدية
نرى أن ثمة تضـاداً بين التوحيد والحلولية الكمونية، فالتوحيد هو الإيمان بإله واحد، قادر فاعل عادل، قائم بذاته، واجب الوجود، مُنزَّه عن الطبيعة والتاريخ والإنسان، بائن عن خلقه، مغاير للحوادث، فهو مركز الكون المفارق له الذي يمنحه التماسك. وهو لأنه مفارق للكون يخلق حيزاً إنسانياً وحيزاً طبيعياً الأمر الذي يمنح الإنسـان الاسـتقلال عن سـائر الموجـودات والمقـدرة على الاختيار وعلى تجاوز عالمه المادي وذاته الطبيعية المادية. أما الحلولية الكمونية، كما أسلفنا، فهي الإيمان بإله حال كامن في الطبيعة والإنسان والتاريخ، أي أن مركز الكون كامن فيه، وهو بحلوله هذا يلغي أي حيز، إنسانياً كان أم طبيعياً، ومن ثم فإن التوحيد هو عكس الحلولية الكمونية. كما أن تصاعد معدلات الحلولية الكمونية يعني تزايد محاولة تفسير الكون في إطار القوانين الكامنة فيه دون الإهابة بأية قوانين خارجة عنه متجاوزة له، ويُحسَم الصراع لصالح التمركز حول الموضوع وتأليه الكون.

مفردات الحلولية الكمونية الواحدية
تحل المنظومة الحلولية الكمونية مشكلة التواصل بين الخالق والمخلوق (وعلاقة الكل بالجزء) عن طريق التجسد والكمون، إذ أن الإله (حسب هذه المنظومة) كي يتواصل مع المخلوق، يفقد تجاوزه ويتجسد ويكمن (ويحل) في أحد مخلوقاته أو في بعضها أو فيها كلها، فيتحد بالكون، وبذا يستطيع الإنسان إدراكه بشكل مباشر، إما من خلال حواسه الخمس أو من خلال عملية عرفان إشراقية تتم من خلال الصلة المباشرة بين الإنسان ومصدر العرفان، ولذا فإن الكل يصبح هو الجزء ويصبح الجزء هو الكل ويصبح مركز الكون كامناً فيه. ويقف هذا على طرف النقيض من المنظومة التوحيدية حيث يتواصل الخالق مع المخلوق من خلال العقل والوحي، ويظل مركز الكون هو الإله العلي المتجاوز للكـون. ومن هـنا، يمكن القول بأن المنظومة الحلولية الكمونية منظومة مغلقة دائرية، ملتفة حول نفسها، نصفها بأنها منظومة عضوية. ودائرية المنظومة الحلولية الكمونية وانغلاقها والتفافها حول نفسها تعبير عن النزعة الجنينية في الإنسان، أي رغبته في الانسحاب من عالم الهوية والخصوصية والتركيب والحدود والإرادة الحرة إلى الكل الكوني الطبيعي المادي والذوبان فيه باعتباره القوة الدافعة للمادة، الكامنة فيها، والذي يقضي على كل الثنائيات بحيث يتوحد الخالق والمخلوق وتلتصق الذات بالموضوع والإنسان بالطبيعة، وبحيث يُختزَل كل شيء إلى مستوى بسيط أملس، أي أن الإنسان يعود إلى الرحم الدافئ الرخو (حالة كمونية محيطية سائلة) حيث لا حدود ولا وعي ولا هوية ولا اختيارات، أو يعود إلى اللحظات الأولى بعد الولادة، حين كان الطفل الإنساني يظن أنه جزء من أمه لا ينفصل عنها، وحين كان يمسك بثديها ويظن أنه قد تواصل مع العالم بأسره وتَحكَّم فيه!

والنزعة الكمونية الجنينية تعبِّر عن نفسها من خلال مفردات الحلولية الكمونية الواحدية الإدراكية الأساسية وأهمها الجسد (وبخاصة الجنس والرحم وثدي الأم والأرض). فالجسد أكثر الأشياء مباشرةً لدى الإنسان؛ إدراكه عملية سهلة لا تتطلب إعمال الفكر، والعلاقة بين أجزائه واضحة، والمسافة بين المدرك والمدرَك في حالة الجسد غير موجودة، والعلاقة بين السبب والنتيجة والدافع والمؤثر واضحة تمام الوضوح للإنسان. وعلاوة على هذا، فإن الجسد أول شيء يشعر به الإنسان، فالطفل يدرك في البداية جسده ثم جسد أمه، ويعرف تضاريس جسده ثم تضاريس جسد أمه الذي يتركز في الثدي مصدر حياته واستمراره ولذته.

ويبدو أن الإنسان، في بداية بزوغ وعيه، أدرك عمليات أخرى مرتبطة بجسده، رسَّخت عنده إدراك العالم من خلال الجسد المادي:

1 ـ عملية الولادة وخروج الطفل من الرحم، إذ رأى الإنسان الجسد وهو يتولد من جسد آخر، فظن أن الجسد مصدر الحياة.

2 ـ في اللحظات والأيام والشهور الأولى من حياته، يستمد الإنسان حياته من خلال التواصل الجسدي المباشر بثدي أمه ويتصور أنه جزء منها.

3 ـ في تواصله مع الآخر (الأنثى)، كان أول أشكال الاتصال (وأسهلها وأكثرها بساطة) الجماع الجنسي: دخول الذكر في فرج الأنثى، بكل ما يحمله ذلك من تواصل جسدي مباشر. كما أن الجنس كان يمنحه لحظات فردوسية يفقد فيها إحساسه بالحدود والهوية والإرادة ويمارس إحساساً بالخلود ويلتحم بالكون.

4 ـ وحينما ربط الإنسان بين العملية الجنسية والولادة (الحياة) وبين الرضاعة (استمرار الحياة)، اكتملت عنده مفردات الحلولية الكمونية الواحدية التي تؤكد الجسد باعتباره مصدراً للمعرفة والعلم والتكامل والتماسك. فالجسد هو الذي يحل محل فكرة الكل، ولذا فإن من الأفكار الأساسية في المنظومات الحلولية الكمونية فكرة تفاعل الماكروكوزم والميكروكوزم، أي تقابل العالم الكبير (الكون) بالعالم الصغير (جسد الإنسان) وتعادلهما (فالأول صورة مكبرة من الآخر). كما تؤكد مفردات الحلولية الجنس باعتباره مصدراً للحياة وطريقة للتواصل بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان والقوى الكونية (مانحة الحياة). ولذا، فإنه ربط بين كل هذا وبين مفهوم الأرض، هذا الشيء الموضوعي الموجود خارجه. ولكنه، مع هذا، يحيطه من كل جانب (مثل الرحم) ويمنحه الحياة (مثل الثدي).

إن كل المفردات التي أشرنا إليها كامنة في تجارب الإنسان المباشرة الأولية للإنسان. كما أن استخدام الإنسان للجسد (والجنس والرحم وثدي الأم والأرض) كصورة مجازية إدراكية (تفيد معنى محو المسافة بين الذات وما هو أكبر منها وذوبانها فيه) هو أمر متوقع، بمعنى أن الإنسان في بدايته الجنينية وفي طفولته الأولى كان جزءاً من الطبيعـة. ومن هنا، فإن جـوانبه الطبيعية/المـادية تظل معه عبر حياته مهما بلغ من ربانية وتَجاوُز. ولهذا، فإن إدراك الإنسان للعالم من خلال المقولات المادية الجسدية اللصيقة بتجاربه المادية المباشرة الأولى، دون تجريد أو تجاوز ودون اجتهاد أو إجهاد، أمر طبيعي. فمن منا لا يدرك جسده ولا يعرفه؟ ومن منا لا يعرف الجوع والعطش والفرح والحزن الجسدي؟ ومن منا لا يعرف الأرض والجنس والرحم والرضاعة واللحظات الفردوسية الأولى؟ لكن أن نستخدم المقولات الأولية في تفسير الجوانب المادية البسيطة من حياتنا الإنسانية المركبة شيء، وأن نستخدمها في تفسير كل جوانب حياتنا الإنسانية شيء آخر. والمحاولة التفسيرية الحلولية الكمونية (بمفرداتها الجنينية الجسدية) تتسم ببدائيتها وسذاجتها وبالارتباط المتطرف بين النموذج والظاهرة إذ لا تكاد توجد أية مسافة بين النموذج والظاهرة وبين السبب والنتيجة وبين الدال والمدلول. وهي محاولة تستخدم المادة البسيطة لفهم ما ليس بمادة، فكل مفردات الحلولية الكمونية هي أشياء مادية لها صفات المادة، فهي مقولات إدراكية مادية، وهي تمثل محاولة المتناهي (المادي) القفز على التناهي وصولاً إلى حالة اللامتناهي، ولكنه يصر على العثور على اللامتناهي في المحسـوس والمتنـاهي، أي أنهـا تفترض كمون مركز العالم في المادة. ومن ثم، فهي محاولة تفسيرية مستحيلة تؤدي إلى اختزال الإنسان المركب (الرباني) القادر على التجاوز الذي يعيش في الثنائيات ويحوي داخله درجة من التركيب لا يمكن ردها إلى النظام الطبيعي (أي القبس الإلهي) بحيث يصير إنساناً طبيعياً مادياً ذا بُعد واحد لا يمكنه تجاوز ذاته أو تجاوز الطبيعة أو المرجعية الكمونية فيسقط في حمأة المادة ويعود إلى السيولة الرحمية والطبيعة/المادة.

وقد عبَّرت الحلولية الكمونية عن نفسها بشكل مباشر وواضح في الرؤى الوثنية للكون وقصة الخلق، فهذه الرؤى عادةً ما تستبعد فكرة خلق العالم من عدم (والتي تفترض وجود مسافة بين الخالق والمخلوق)، كما تستبعد فكرة الخلق المحدد في زمان ومكان بمشيئة إلهية ولغرض إلهي، وتستبدل بها نظريات تذهب إلى أن العالم نتيجة التقاء جنسي بين الآلهة (التي تمثل عناصر الطبيعة المادية) فتتزوج آلهة الأرض من آلهة السماء أو آلهة الشمـس من عنصـر في الأرض، أي أن الخـلق ليـس نتيجـة عملية تتم خارج المادة والطبيعة أو لغرض إلهي أخلاقي. وتكتسب الآلهة خصائص البشر (إذ لا توجد مسافة بينها وبينهم) فتحابي شعبها وتغار عليه، وقد تدخل معه علاقة جنسية أو شبه جنسية أو علاقة حب جنسي يعقبها زواج مقدَّس، أو تقيم علاقة تعاقدية خاصة جداً تُميِّز هذا الشعب عن بقية الشعوب وتمنحه مركزية في الكون (بل يُلاحَظ أن عبادة القضيب أو الرحم أو إلهة الخصب التي ترمز للرحم تنتشر في الحلوليات الكمونية الأكثر بدائية، فالقضيب يصبح هنا الدال والمدلول وأيقونة الحلولية الكبرى. كما أن الاحتفالات والشعائر الدينية الحلولية تأخذ عادةً طابعاً جنسياً، وفي عبادات المايا كان الطقس الأساسي هو أن يقوم الملك باستقطار بعض نقط الدم من قضيبه، وأثناء هذه العملية كان يرى الآلهة ويعرف إرادتها). هذا على عكس العبادات التوحيدية حيث يحتل الجنس مكانته كنشاط إنساني ضمن نشاطات إنسانية أخرى، مختلطاً بها وليس منفصلاً أو مستقلاً عنها، ومن ثم يكتسب الجنس مضموناً اجتماعياً مركباً، وبالتالي فهو لا يحتل أية مركزية ولا يصبح صورة مجازية إدراكية كبرى. وإذا كانت المنظومات الحلولية الكمونية ترى أن الإنسان يحقق ذاته من خلال إلغاء حدود كل شيء، فإن كثيراً من الحركات المشيحانية والباطنية تُلغي حدود الملكية الخاصة والجنس. ومن ثم، تظهر شيوعية الأرض والنساء (الرحم الطبيعي والرحم الإنساني)، الأمر الذي يُلغي أي تمايز أو هرمية وأية هويات إنسانية محددة. أما المنظومات التوحيدية فتؤكد فكرة الحدود، ومن ثم تؤكد فكرة العدل في توزيع الملكية وإدارتها دون إلغائها، وتؤكد فكرة الزواج والأسرة كمؤسسات مبنية على الاستقرار والطمأنينة والحب.

وحتى حينما ابتعد الإنسان البدائي الطبيعي عن الجسد (والجنس والثدي والرحم)، فإن هذا لم تَنتُج عنه أية مقدرة على التجاوز أو التجريد إذ أصبحت الأرض (بدلاً من الجسد) موضع تقديس الإنسان. فالمكان مباشر ومادي (على عكس الزمان، فهو غير مباشر وغير ملموس). ولذا، نجد أن العقل البدائي يتسم بإدراك عميق للمكان، أي الأرض، وإغفال شبه تام للزمان، وهي سمة يتصف بها أيضاً إدراك الطفل الذي يبدأ بالإحاطة بمفهوم المكان متدرجاً تدرجاً بالغ البطء إلى أن ينضج ويحيط بفكرة الزمان والتاريخ. ومن هنا، نجد أن العقل البدائي (الحسي المادي الوثني العاجز عن التجريد) قد ربط بين مفردات الحلولية الكمونية الجسد (الجنس ـ ثدي الأم ـ الرحم) من جهة وبين الأرض من جهة أخرى. فالأرض، مثل الجسد، هي أقرب الأسباب للنتائج وأكثرها التصاقاً بها، ولا توجد مسافة بينها وبين الإنسان. وهي كيان مادي يستطيع الإنسان أن يدركه بحواسه الخمس دون إعمال عقل أو جهد. وقد رأي هذا الإنسان البدائي المادي الوثني الديدان وهي تخرج من باطن الأرض والنباتات وهي تشقها وتُخرج براعم ثم زهوراً. والأرض، بهذا، في نظره المصدر المباشر للرزق، فمنها تأتي المحاصيل بل مواد البناء. وهو يرى الأرض وهي تُخْصب ثم تُقحل ثم تُخْصب عبر الفصول؛ مصدر حياتها وحيويتها من داخلها. والإنسان، أخيراً، يعود للأرض فيُدفَن فيها، فالأرض إذن هي البداية ومصدر الرزق والمأوى والنهاية أي أنها موضع الكمون، ولذا فإن الأرض هي الرحم النهائي والجسد الأعظم مصدر الحياة والخلق وهي الإله، فهي المصدر وإليها المآل.

وعادةً ما تدور العبادات الوثنية الحلولية حول تقديس الأرض المقدَّسة والدورة الكونية للطبيعة، وعادةً ما تُقرَن الأرض بفرج المرأة مصدر الحياة والخلق (ومن هنا تركيز الغنوصية على الجنس والمرأة). وتظهر فكرة الإله الحي أو المصلوب أو المذبوح الذي يُبعَث من جديد كل عام، وهي عملية ذبح وبعث تُفسِّر دورات الطبيعة، فكأن الإله جزء من الطبيعـة/المادة ودورتها لا يتجاوزها، يحـيا بحياتها ويمـوت بموتها، يُخْصب حينما تُخْصب الطبيعة ويُجدب تماماً بجدبها. والصورة المجازية: الجسد/الأرض/الجنس/الثدي/الرحم، تحاول أن تفرض قدراً من الوحدة على تعددية العالم وتنوُّعه وكثرته وأن تبين العلاقة بين الإنسان والطبيعة، ولكن هذه الوحدة هي وحدة لا تتجاوز العالم المــادي (حتـى ولا جسـد الإنسـان) إذ أن مبـدأ الوحدة كامن فيه لا يتجاوزه ولا يعلو عليه.

والفلسفات المادية (التي تُعبِّر عن وحدة الوجود المادية)، وضمن ذلك العلمانية الشاملة (الحلولية الكمونية المادية)، تستخدم مفردات الحلولية الكمونية، وخصوصاً فيما يتعلق بتقديس الجنس والأرض. ولعل فكر ما بعد الحداثة، باسـتخدامه الأعضاء التناسـلية كصورة مجازية إدراكية أساسـية، يُشـكِّل عودة للحلوليات الوثنية وعبادة القضيب والرحم.

صيغ مختلفة للتعبير عن العلمانية الشاملة (وحدة الوجود المادية والحلولية الكمونية المادية)
تلخص التعبيرات القرآنية: "إن هي إلا حياتنا الدنيا" (الأنعام 292 ـ المؤمنون 37)، و"ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت وتحيا" (الجاثية 24) الموقف الحلولي الكموني الواحدي المادي أو العلمانية الشاملة ببساطة وبلاغة. فالمرجعية الوحيدة هي الدنيا وعالم الحواس الخمسة والعقل المادي الذي يتواصل مع العالم المادي من خلال الحواس الخمس.

ولكن الخطاب العلماني لا يعبِّر عن العلمانية الشاملة والحلولية الكمونية بهذه البساطة. ولعل الصيغة الهيجلية في الحديث عن اتحاد المقدَّس بالزمني والفكرة بالطبيعة والإله بالتاريخ... إلخ من أكثر الصيغ تركيباً وأكثرها شيوعاً للتعبير عن الحلولية الكمونية والواحدية المادية/الروحية. وهناك صياغات أخرى أقل تركيباً من الصيغة الهيجلية وأكثر بساطة وأصبحت جزءاً من خطابنا التحليلي دون أن ندرك النموذج (الواحدي المادي) الكامن وراءها. وقد قمنا بتحليل مصطلحات مثل: «وحدة (أي واحدية) العلوم» و«الإنسان الطبيعي» و«نهاية التاريخ» في مداخل أخرى لنبين أنها تعبِّر عن نموذج العلمانية الشاملة، ويمكن أن نورد فيما يلي بعض المصطلحات الأخرى الشائعة ذات البُعد الواحدي المادي:

- يتحدث البعض عن أن "ما يحكم العالم هو قوانين الحركة أو قوانين التغير أو قوانين الضرورة الطبيعية"، ومثل هذا القول يصدر عن الإيمان بوجود جوهر واحد يتبعه كل شيء وتذعن له كل الظواهر وأن القوانين كامنة في المادة غير مفارقة لها.

- إن قلنا "لا يستطيع الإنسان تَجاوُز حدود المادة" أو "حدود الطبيعة" أو "حدود جسده"، فنحن نتحدث في إطار حلولي كموني واحدي مادي، ينكر وجود أية آفاق مفارقة للمعطيات المادية، وهي وحدها تحوي كل ما يلزم لفهم العالم.

- إن قلنا "لابد من القضاء على الثنائيات" فنحن نقول "لابد من سيادة الواحدية المادية والقانون الواحد الكامن في الأشياء، فنحن لا نعرف قانونين؛ واحد للأشياء وواحد للإنسان"، أي أننا نرى أن ثمة جوهراً واحداً وقانوناً واحداً كامناً.

- إن استخدم أحد مثل هذه العبارة: "إن النموذج الذي استخدمه هو نموذج اقتصادي محض" فقد َعبَّر بشكل مصقول عن الحلولية الكمونية المادية والواحدية المادية، فهو يقول في واقع الأمر إن النموذج الذي يستخدمه قد استبعد من الظاهرة التي يدرسها كل العناصر الإنسانية غير الاقتصادية، وأبقى على عنصر واحد هو العنصر الاقتصادي (المادي) وفسَّر الإنسـان في إطـاره ونظر إليه باعتباره ظاهرة بسـيطة، إنساناً ذا بُعد واحد يسري عليه ما يسري على الظواهر الطبيعية، فهو شيء بين الأشياء يمكن دراسته في إطار دوافعه الاقتصادية، ومن ثم يمكن رصده من خلال نماذج اقتصادية رياضية محضة، دون الإهابة بأي شيء متجاوز للمادة (الاقتصادية) المحضة. وقل نفس الشيء عمن يستخدم نموذجاً فرويدياً محضاً (يؤكد الواحدية المادية الجنسية بدلاً من الواحدية المادية الاقتصادية).

- وقد تزداد الأمور صقلاً، فيضطر الحلول الكموني المادي إلى أن يتحدث عن قدر من التجاوز لسطح المادة وعن استقلالية الوعي الإنساني وعن البناء الفوقي المستقل عن البناء التحتي وهكذا. ولكن الحلولية الكمونية الواحدية تفرض نفسها لتؤكد أن مُستقَر الحقيقة هو القانون الكامن في المادة فيضطرون إلى القول بأن الوعي الإنساني، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، يمكن رده إلى حركة المادة، وأن البناء الفوقي ليس ظاهرة مستقلة (بالإنجليزية: فينومينون phenomenon) وإنما هو ظاهر تابعة وحسب (بالإنجليزية: إبي فينومينون epiphenomenon)، ولذا فإن البناء التحتي (المادي) هو ما يحدد حركة وشكل وبنية