Advertisement

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية 2

المجلد الثانى: الجماعات اليهودية.. إشكاليات



الجزء الأول: طبيعة اليهود في كل زمان ومكان


الباب الأول: إشكالية الجوهر اليهودي

الجوهـر اليهودي
Jewish Essence
«الجوهر» هو مجموعة الخصائص الثابتة في ظاهرة ما أو هو ما لا يتغيَّر بتَغيُّر المكان أو الزمان. وفكرة الجوهر اليهودي الخالص (الثابت) هي فكرة كامنة وراء عديد من المفاهيم والمصطلحات والنماذج التفسيرية المُستخدَمة في دراسة الجماعات والعقائد اليهودية، مثل: «التاريخ اليهودي»، و«الشخصية اليهودية»، و«العبقرية اليهودية»، و«الجريمة اليهودية»، و«الشعب اليهودي»، و«العرْق اليهودي»، و«الإثنية اليهودية». فكل هذه المصطلحات تفترض وجود هذا الجوهر اليهودي الخالص الثابت الذي يجعل من يهودية اليهودي النقطة المرجعية الأساسية لتفسير سلوكه. أما العناصر غير اليهودية، مثل السياق الحضاري الإنساني الذي يوجد فيه أعضاء الجماعات اليهودية، أو حركيات المجتمعات التي ينتمون إليها، أو تفاعلهم مع أعضاء الأغلبية، بل والعناصر الإنسانية المشتركة مع بقية البشر، فهي عناصر يُفترَض فيها أنها عَرَضية تنتمي إلى السطح ولا تفيدنا كثيراً في تفسير الظواهر اليهودية، حيث يتم تفسير هذه الظواهر من الداخل فقط.

ففي حالة دراسة تاريخ يهود بولندا، على سبيل المثال، يتم التركيز على ما جاء في التوراة والتلمود وعلى الحياة داخل الشتتل، ولا يظهر العالم الخارجي غير اليهودي إلا على هيئة هجمات ومذابح ضد اليهود أو تسامح معهم. ولكل هذا، تبدو حياة أعضاء الجماعات اليهودية وكأنها لا علاقة لها بحياة كل البشر، وتختلف تماماً عن حياة الأقليات الأخرى. ويَبرُز الجوهر اليهودي باعتباره محركاً أساسياً للأحداث. وغني عن الذكر أن المعادين لليهود يتبنون النموذج نفسه ويرددون، على سبيل المثال، أن عزلة اليهود هي تعبير عن جوهرهم الانعزالي، وأن اشتغالهم بالتجارة تعبير عن نزوعهم الطبيعي إلى الاشتغال بأمور المال، وأن اتجاههم نحو الصحافة الإباحية هو تعبير عن نزوعهم الأزلي نحو الشر.

وهذا النموذج التفسيري الذي يفترض وجود الجوهر اليهودي، هو نموذج صهيوني بشكل واع أو غير واع حيث إن كلاًّ من الصهاينة والمعادين لليهود يُسقطون عن اليهود إنسانيتهم ولا يرونهم بشراً يتسمون بالقدر نفسه من الخير والشر الذي تتسم به بقية البشر. لكن مفهوم الجوهر اليهودي هو تعبير عن نموذج اختزالي عنصري، مقدرته التفسيرية منخفضة للغاية، إذ أنه يستبعد كثيراً من تفاصيل الواقع ومستوياته وبنيته. فلا يمكن فهم وضع اليهود في بولندا إلا بالعودة إلى حركيات التاريخ البولندي ابتداءً من تَوسُّـع بولندا وضمها أوكرانيا، مروراً بظهور الإمبراطوريات الثلاث المجاورة لبولندا (روسيا وألمانيا والنمسا)، وانتهاءً بتقسيم بولندا. كما لا يمكن فهم الشتتل إلا في ضوء نظام الأرندا البولندي الذي كان يخدم مصالح طبقة النبلاء البولنديين (شلاختا). كما أن علاقة يهود بولندا بمجتمعهم لا تختلف كثيراً عن علاقة أية أقلية بالأغلبية التي تعيش بينها.

وقد يكون هناك بعض الأنماط المتكررة والسمات المشتركة التي تسم وجود كثير من الجماعات اليهودية. ولكن هـذه السمات ليست أساسية، وبالتالي فإن مقدرتها التفسيرية ضعيفة. وهذه السمات مرتبطة بعشرات التفاصيل والسمات الأخرى النابعة من البيئات المختلفة التي يوجد فيها أعضاء الجماعات اليهودية. وإذا كانت ثمة سمة أو سمات أسـاسـية متكررة في معظم الجماعات اليهودية، فهي اضطلاعهم بدور الجماعة الوظيفية وتَصاعُد الحلولية الكمونية داخل النسق الديني اليهودي. وهاتان السمتان ذاتهما تأخذان أشكالاً مختلفة. فهناك جماعة وظيفية قتالية استيطانية في جزيرة إلفنتاين في مصر الفرعونية، وهناك جماعة وظيفية استيطانية في قبرص العثمانية، وجماعة وظيفية وسيطة في أوربا حتى عصر النهضة. وهذه السمة بالذات ليست مقصورة على أعضاء الجماعات اليهودية وإنما هي سمة مشتركة تجمع بينها وبين أقليات أخرى (مثل الصينيين في جنوب شرق آسيا).

وفيما يتصل بتَصاعُد الحلولية الكمونية داخل النسق الديني اليهودي وهيمنتها عليه تماماً، حتى أصبحت اليهودية، في معظم أنحاء العالم، ديانة حلولية كمونية واحدية، فهذا بدوره ليس مقصوراً على اليهودية وإنما هو تعبير عن نمط أكثر عمقاً وكموناً، إذ يُلاحَظ أن العقيدة المسيحية أيضاً قد بدأت تهيمن عليها الحلولية الكمونية بعد حركة الإصلاح الديني. كما أن لاهوت موت الإله (وهو تعبير عن حلولية كمونية بدون إله) هو اتجاه ديني طالما ساد في المجتمعات العلمانية الغربية، وليس أمراً مقصوراً على اليهودية.

طبيعـــــة اليهــــــود
The Nature of the Jews
«طبيعة اليهود» عبارة تتواتر في كثير من الدراسات التي تُكتَب عن الجماعات والعقائد اليهودية، وتفترض أن ثمة جوهراً يهودياً كامناً في أي يهودي يُعبِّر عن نفسه من خلال «طبيعة يهودية» ويتجلى في العقائد اليهودية ويحدِّد رؤية اليهود للواقع وسلوكهم. ولذا، فإن أعضاء الجماعـات اليهودية ـ حسب هذا المفهوم ـ يعملون بالتجارة والربا والأمور المالية بسبب طبيعتهم، وهم يعيشون في عزلة ويرفضون الاندماج للسبب نفسه. لكن هذا المفهوم تعبير عن نموذج تفسيري اختزالي عنصري يتبناه الصهاينة والمعادون لليهود، ويُبْرز اليهود كتجمع بشري يتمتع بقدر عال من الوحدة والاستقلال وله حركيات مستقلة عن بقية البشر. وغني عن القول أن هذا المفهوم يُفسِّر الواقع كله بصيغة واحدة بسيطة جاهزة، ومن ثم فهو يتجاهل واقع أعضاء الجماعات اليهودية المُركَّب غير المتجانس، وهو واقع لا يخضع لقانون عام ولا ينضوي تحت نمط متكرر واحد.

الأخلاقيـــات اليهوديــــة
Jewish Ethics or Morality
«الأخلاقيات اليهودية» عبارة تفترض أن ثمة أنماطاً سلوكية يهودية متكررة تُعبِّر عن جوهر يهودي وطبيعة يهودية وشخصية يهودية تنعكس في رؤية أخلاقية محددة. وهي أنماط متكررة باعتبار أن هذه الأخلاقيات ثابتة لا تتغيَّر، وأينما وُجد يهود في أي زمان ومكان فإن المتوقع أن يسلكوا السلوك اللاأخلاقي نفسه الذي ينم عن الرغبة في تحطيم الآخرين والتآمر ضدهم. وبسبب هذه الأخلاقيات اليهودية المزعومة، يتسم سلوك اليهود بحب العزلة عن الآخرين وعدم الولاء للدولة والانحلال الجنسي، كما أنهم لهذا السبب ينخرطون بأعداد كبيرة في المحافل الماسونية وينضمون إلى صفوف دعاة العلمانية الشاملة، كما أنهم عادةً ما يعملون بالتجارة والربا والأعمال المالية. ومصدر هذه الأخلاقيات، حسب هذه الرؤية، هو كتب اليهود المقدَّسة كالعهد القديم والتلمود، ويُضاف إلىها الآن بروتوكولات حكماء صهيون، وهي كتب تعبِّر عن طبيعتهم وجوهرهم. لكن هذا النموذج التفسيري متهافت تماماً، فسلوك اليهود يختلف باختلاف الزمان والمكان. ومن هنا يجري حديثنا عنهم، لا باعتبارهم أعضاء شعب يهودي، وإنما باعتبارهم أعضاء جماعات يهوديـة.

ومن المعروف أن أعضاء الجماعــة اليهودية لم يعزلوا أنفسهم في بابل ولا في الجزيرة العربية قبل الإسلام، ولا في إسبانيا الإسلامية، بل اندمجوا إلى حدٍّ كبير في محيطهم الحضاري. أما في آشـور والصين، فقد انصهروا تماماً. وكان العبرانيون القدامي بدواً رُحلاً، وعملوا بالزراعة (وليـس بالتجارة أو الربا) حين اسـتقروا في كنعان. وكذلك، فإن ولاء يهود ألمانيا في القرن التاسع عشر لدولتهم كان كاملاً إلى درجة أن نسبة مئوية ضخمة منهم تَنصَّرت حتى أنهم أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من الشعب الألماني. كما أن ولاء الأمريكيين اليهود للولايات المتحدة من القوة بحيث إنهم يموتون من أجلها. أما عداء اليهود للأغيار فإنه ليس مطلقاً، فقد ساعدوا المسلمين في الفتح الإسلامي، سواء في فلسطين أو في إسبانيا. كما أن انحلالهم الجنسي غير مطلق أيضاً، فظاهرة الطفل اليهودي غير الشرعي أو البغيِّ اليهودية كانت غير معروفة تقريباً في أوربا حتى منتصف القرن التاسع عشر. وأما الماسونية والعلمانية، فإن اليهودية الأرثوذكسية تعاديهما بشراسة، وهكذا. ولا يصعب على أي دارس مُتحيِّز أن ينتقي مجموعة من التفاصيل والقرائن مُنتزعة من سياقها الزمني والمكاني للتدليل على أية مقولة عامة، كأن يأخذ قرينة من المدىنة أيام الرسول علىه الصلاة والسلام، وأخرى من إسبانيا أثناء الغزو المسيحي، وثالثة من روسيا في القرن التاسع عشر، ثم يستخدمها جميعاً لإثبات مقولة ما مثل « عدم ولاء اليهود » متجاهلاً كل القرائن الأخرى، كتلك التي ذكرناها.

والصورة العامة التي ترسخت في أذهان الكثيرين عن أعضاء الجماعات اليهودية تعود ولا شك إلى الرؤى الإنجيلية الخاصة بالشعب المختار الذي لا يسلك سلوكاً حراً وإنما يُعبِّر دائماً عن قصد إلهي. كما أن اضطلاع أعضاء الجماعات اليهودية بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة في الغرب، ساهم في ترسيخ هذه الصورة الإدراكية. فالجماعات الوسيطة لا تدين بالولاء للأغلبية، وتستخدم عادةً المعايير الأخلاقية المزدوجة باعتبار أن أعضاء الجماعة يتمتعون بالقداسة، أما أعضاء الأغلبية فهم مباحون لا قداسة ولا حرمة لهم. ولكن المصدر المباشر لهذه الصورة السلبية للأخلاقيات اليهودية هو يهود اليديشية في مرحلة ضعفهم وتَفسُّخهم في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر حتى ثلاثينيات القرن العشرين، إذ تركزت نسبة كبيرة منهم في تجارة البغاء حتى أصبحت شخصية القواد اليهودي والبغي اليهودية أمراً شائعاً. كما أن نســبة المهاجرين منهم كانت مرتفعة للغاية. والمهاجر في كثير من الأحيان، شخصية غير منتمية لا ولاء لها، كما أن معدلات العلمنة بين المهاجرين مرتفعة للغاية. وهكذا، فإن الصورة العنصرية النمطية السائدة عن الأخلاقيات اليهودية قد يكون لها أساس واقعي، ولكنها تنتمي إلى زمان ومكان محدَّدين، كما أنها فقدت كثيراً من فعاليتها إذ اختفى يهود اليديشية تقريباً وظهرت أنماط سلوكية جديدة بين أعضاء الجماعات.

وتنتشر فكرة الأخلاقيات اليهودية بين المعادين لليهود، ولكنها شائعة أيضاً بين الصهاينة الذين يعطونها مضموناً إيجابياً. فالأخلاقيات اليهودية تعبير عـن العبقرية اليهودية التي تجعل من اليهودي مبدعاً قادراً على التماسك الاجتماعي، محباً لقومه وقوميته اليهودية وأرضه... إلخ. وغني عن القول أن رؤية المعادين لليهود لا تختلف في بنيتها عن رؤية الصهاينة، فاليهود في نظرهم هم اليهود، يسلكون دائماً السلوك نفسه أينما وُجدوا.

الماديــــة اليهوديــة
Jewish Materialism
لمصطلح «المادية» معنيان:

1 ـ المعنى الفلسفي: الإيمان بأن العالم كله مادة تتحرك وأن كل ما يبدو وكأنه ليس مادة (العقل والروح والنفس والفكر والوعي) إنما هو في واقع الأمر مادة ويمكن تفسيره من خلال مقولات مادية، وأن كل الظواهر الإنسانية العقلية والروحية ما هي إلا جزء من بناء فوقي يمكن أن يُرَد في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير إلى المادة (البناء التحتي). وأن كل شيء في الكون يمكن تفسيره تفسيراً مادياً لأن كل التغيرات لها سبب مادي. ولذا، فإن التفسيرات المادية هي التفسيرات الوحيدة الممكنة، كما أن العقل الإنساني ليست له أية فعالية سببية ولا علاقة له بحركة الكون الذي يتحرك بذاته، والكون لا يوجد فيه غرض ولا سبب ولا هدف ولامعنى ولا يوجد إله ولا غيب (وراء الطبيعة)، فالمادة وحركتها أزليتان ولا يوجد سبب أو محرِّك أوَّل. وقد تتغير أشكال الظواهر المادية وقد تتبدل تجلياتها ولكن المادة لا تُخلَق ولا تُستحدَث من العدم، ولا توجد حياة أزلية سوى المادة.

2 ـ المعنى الدارج: وهو حب النقود (التي يشار إليها على أنها «مـادة»). فيُقال «فلان مادي» بمعنى أنه يحب المال حباً جماً.

والمدلولان قد يغطيان رقعة مشتركة، فالإنسان المادي (بالمعنى الفلسفي) قد يكون محباً للمال، والمحب للمال قد يكون مادياً بالمعنى الفلسفي، ولكنهما على أية حال مختلفان، فالمادية بالمعنى الفلسفي رؤية شاملة للكون تغطي علاقة الإنسان والطبيعة والإله، أما المادية بالمعنى الدارج فهي تنصرف إلى جانب واحد في الطبيعة البشرية وهو حب المال.

وإذا نظرنا إلى عبارة «المادية اليهودية» بالمعنى الفلسفي، فإننا سنواجه صعوبات بالغة، فاليهودية عقيدة دينية يؤمن كثير من أتباعها بالإله واليوم الآخر والملائكة والشياطين والثواب والعقاب، ومن ثم لا يمكن الحديث عن المادية اليهودية بهذا المعنى. ومع هذا، يمكن من قبيل التحفظ أن نقول إن الطبقة الحلولية الكمونية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي التراكمي تتبدَّى (في مرحلة وحدة الوجود) في شكل رؤية مادية، كما أنها تخلق لدى المؤمن تَقبُّلاً للفكر المادي بالمعنى الفلسفي. ولعل هذا يفسر ظهور النزعات المشيحانية التي عادةً ما تصبح حركات عدمية بالمعنى الفلسفي، كما يفسر ظهور كثير من الفلاسفة الماديين من أصل يهودي (من أهمهم إسبينوزا وماركس).

ويمكننا الآن تَناوُل عبارة «المادية اليهودية» بالمعنى الدارج. وهنا أيضاً لا يمكننا أن نتحدث عن أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة في كل زمان ومكان باعتبار أنهم محبون للمال حباً جماً. ومثل هذه المقولات التحليلية معادية لليهود وصهيونية في آن واحد لأنها تفترض وجود جوهر يهودي واحد لا يتغيَّر بتَغيُّر الزمان والمكان.

والدراس لتواريخ الجماعات اليهودية سيكتشف أن حب اليهود للمال لا يختلف في معدله كثيراً عن حب أعضاء الأغلبية له. فيهود الجزيرة العربية قبل الإسلام كانوا يتصفون بصفات الكرم والسخاء (إلى درجة التبذير)، شأنهم في هذا شأن العرب في عصرهم، بينما نجد أن يهود الولايات المتحدة يتصفون بأنهم أكثر حرصاً وتقتيراً، وهذا جزء من ميراثهم البروتستانتي التعاقدي الذي يؤكد على قيم التقشف الذي يؤدي إلى التراكم المالي (المادي). وكان كثير من يهود شرق أوربا من يهود اليديشية يتهمون اليهود الأمريكيين بالبرود والحرص الزائد، وهذا يعود إلى أن يهود شرق أوربا جاءوا من مجتمعات شبه زراعية ومن خلفية سلافية لا تعرف التقتير والتراكم أو لا تشجعه (على عكس اليهود الأمريكيين من أصل ألماني بروتستانتي)

ومع هذا، يمكن القول بأن أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب يميلون، أكثر من غيرهم، إلى جمع المال ومراكمته. ولكن هذا لا يُفسِّره يهوديتهم وإنما يُفسِّره أنهم أعضاء في جماعات وظيفية لابد أن تقوم بمراكمة الخبرات والأموال وأن تمارس قدراً عالياً من ضبط النفـس في عمـليات الاسـتهلاك (وشـيلوك مثل جيد على ذلك). والدارس للجماعات الوظيفية (خصوصاً الوسيطة)، سيجد أن أعضاءها (يهوداً كانوا أم باكستانيين أو صينيين) يتسمون بالصفات نفسها تقريباً. والصينيون في وطنهم غير معروفين بالبخل أو الحرص الشديدين، ولكنهم حينما تحولوا إلى جماعات وظيفية، أصبحوا «ماديين» يحبون المال حباً جماً. والباكستانيون مشهورون بكرمهم الزائد في بلدهم، بينما نجد أن البريطانيين (المعروفون بحرصهم البالغ) يتهمون الباكستانيين المقيمين في بلادهم بأنهم بخلاء.

تهـــــويد المجتمـــــع
Judaization of Society
«تهويد المجتمع» عبارة استخدمها ماركس في كتابه المسألة اليهودية، وهي تفترض وجود جـوهر يهودي ثابت، له ملامـح مـعينة، يتم تعميمه على المجتمع، الأمر الذي يتناقض مع فكر ماركس، ولذا فالأمر يتطلب قدراً من التعمق. وقد يكون من المفيد ألا نبدأ بالجوهر اليهودي وإنما بالإنسان الوظيفي، عضو الجماعة الوظيفية، الذي يدخل في علاقة تعاقدية نفعية باردة مع مجتمع الأغلبية، ولا يكترث بقيم المجتـمع ويعيـش على هامشـه أو في مسامه. هذا النمط الإنساني كان مُهمَّشاً، شأنه في هذا شأن الجماعة الوظيفية. ولكن مع تحوُّل المجتمعات الغربية (ثم بقية المجتمعات في العالم) من الزراعة إلى الصناعة تم إشاعة نموذج الإنسان الوظيفي. وقد وصف كارل ماركس هذه العملية بدقة بالغة في البيان الشيوعي في إطار حديثه عن دور البورجوازية الثوري في التاريخ، تلك البورجوازية التي سحقت تحت أقدامها جميع العلاقات الإقطاعية والبطريركية والعاطفية، ولم تُبق أية صلة بين الإنسان والإنسان إلا صلة المصلحة الجافة والدفع الجاف نقداً وعداً. وأغرقت الحمية الدينية وحماسة الفرسان ورقة البورجوازية الصغيرة في مياه الحساب الجليدية المشبعة بالأنانية، وجعلت الكرامة الشخصية مجرد قيمة تبادل لا أقل ولا أكثر، وقضت على الحريات الجمة، المُكتسَبة والممنوحة، وأحلَّت محلها حرية التجارة وحدها، هذه الحرية القاسية التي لا تُشفق ولا تعرف الشفقة أو الرحمة. فالمجتمع البورجوازي مجتمع تعاقدي تحل فيه قيمة التبادل محل القيم الإنسانية كافة، ويُعرِّف البشر في ضوء نفعهم وتسود فيه النظم المعرفية والاقتصادية والأنانية التعاقدية. وقد أشار ماركس إلى التجربة الرأسمـالية (البروتسـتانتية) الكـبرى في أمريكا الشـمالية بقوله: "إن مامون (إله المال) هو الوثن الذي يعبدونه هناك بجميع قوى أجسادهم وأرواحهم. فالأرض في نظرهم ليست سوى بورصة وهم موقنون بأنهم لا مصير لهم في الحياة الدنيا سوى أن يصبحوا أغنى من جيرانهم. لقد استولت المتاجرة على جميع أفكارهم وليس لديهم تسلية أخرى سوى تبديل أمتعتهم"، وهم "لا يتحدثون إلا عن المنفعة والربح" و"النبوءة الدينية أصبحت سلعة تجارية".

ورغم أن اليهود لم يكونوا وحدهم الضالعين في هذه العملية (كما يعرف ماركس تماماً) إلا أنه وصفها بأنها عملية «تهويد». وحتى نفهم هذا التعميم الماركسي الكاسح، يجب أن نشير إلى أن ماركس كان يرى أن روح الرأسمالية مُستمدة من اليهودية (لا البروتستانتية كما قال فيبر). ولعله كان يعني أن النموذج المعرفي الذري المتفتت الأناني الذي يُشكِّل جوهر الرأسمالية - في نظره - يوجد في اليهودية بشكل أكثر تبلوراً منه في المسيحية ("جوهر اليهودية هو المتاجرة وأساسها المنفعة العملية والأنانية" - "تحتوي اليهودية على عنصر عام ومناهض للمجتمع"). وسيادة النمط المعرفي الكامن في اليهودية يعني في واقع الأمر الانتصار الكامل للرأسمالية. واليهودي، بالنسبة إلى ماركس، هو سيِّد السوق المالية، وبواسطته أصبح المال (إله إسرائيل الطماع) قوة عالمية، وأصبحت الروح العملية اليهودية هي الروح العملية للشعوب المسيحية.

ويمكن القول بأن ماركس كان لا يفرِّق بين كلمة «يهودي» و«تاجر»، ومن ثم نجده يقرن بشكل ضمني بين "اليهودي" من جهة و"التاجر" و"البروتستانتي" من جهة أخرى وبين "اليهودية" من جهة و"المتاجرة" و"المنفعة العملية" و"الأنانية" من جهة أخرى. فهو يقول: "التبادل التجاري هو الإله الحقيقي لليهود وأمامه لا ينبغي أن يعيش أي إله آخر" - "المال هو إله إسرائيل الطماع ولا إله سواه" - "لقد أصبح المسيحيون يهوداً" أي بورجوازيين. وتاريخ التحوُّل التدريجي للمجتمـعات الغربية وهـيمنة العـلاقات البورجوازية التعاقدية هو في واقع الأمر تاريخ التهويد التدريجي لأوربا، وهو أيضاً تاريخ علمنة إله إسرائيل وتحويله إلى إله العالم، فالبنكنوت (الرب العملي لإسرائيل) أصبح رب العالم الغربي الرأسمالي. وهذا الترابط العضوي بين اليهودية والبورجوازية هو الذي أدَّى إلى ظهور قومية اليهود الوهمية وقومية التاجر وقومية رجل المال (وربما كانت هذه الملاحظات هي أساس مفهوم أبراهام ليون عن الطبقة/الأمة). ومن ثم "لن يُحرِّر المجتمع نفسه إلا بتحرُّره من المتاجرة والمال، وبالتالي من اليهودية الواقعية"، وحين "ينجح المجتمع في إلغاء الجوهر العملي لليهودية، [أي] المتاجرة وشروطها، عندئذ يصبح وجود اليهودي مستحيلاً".

لقد حوَّل ماركس الكينونة اليهودية إلى وظيفة، ومن ثم يمكننا الحديث عن "التاجر" و"اليهودي" باعتباره «الإنسان الوظيفي». والسمات الأساسية لهذا التاجر/اليهودي/الوظيفي هي أنه إنسان مجرد، يوجد خارج إطار العلاقات الأولية المُتعيِّنة، ويدخل في علاقة تعاقدية محايدة وباردة مع أعضاء المجتمع، وتم تعريفه في إطار وظيفته أو دوره الوظيفي لا في إطار إنسانيته المُتعيِّنة، أي أنه إنسان ذو بُعد واحد، مُتشيِّئ، مُتسلِّع، لا قداسة له، يدور في إطار المرجعية النهائية المادية وفي إطار نموذج الطبيعة/المادة (وهذه هي السمات الأساسية لعضو الجماعة الوظيفية). ومن ثم، فإن تهويد المجتمع يعني في واقع الأمر تحويل كل أعضاء المجتمع إلى مادة بشرية تُوظَّف وتحوسل، وتعني سيادة النظم المعرفية والاقتصادية البورجوازية إحلال المجتمع التعاقـدي الذري المُفتَّت المبني على الأنانية (جيسيلشـافت) محل المجتمع العضوي المترابط التقليدي (جماينشافت).

وقد قام ماركس بعملية التعميم الكاسحة هذه وهو واع لها تمام الوعي، ولذا فهو كان يتحدث عن «تهويد المجتمع» باعتباره مجازاً كاشفاً، وليس باعتباره حقيقة إمبريقية. فماركس لم يكن يُفكر في اليهودي وإنما في الإنسان الوظيفي، أي الإنسان الذي يتوحَّد تماماً مع وظيفته ويفقد إنسانيته وينظر للآخرين باعتبارهم وظيفة (مصدر ربح - مصدر متعة) فيفقدهم إنسانيتهم المركبة.

وماركس لا يختلف كثيراً عن كثير من المفكرين الاشتراكيين أو علماء الاجتماع الغربي. فألفونس توسينيل يُحذِّر قُراءه من أنه يستخدم كلمة «يهودي» لا بمعناها الشائع وإنما بمعنى «مصرفي» أو «مراب» أو «تاجر». ومن قبله تحدَّث شكسبير عن تاجر البندقية وهو يعني في واقع الأمر "يهودي البندقية". ويتحدثون في أدبيات علم الاجتماع الغربي عن الصينيين باعتبارهم "يهود جنوب شرق آسيا" واللبنانيين باعتبارهم "يهود أفريقيا"، وهكذا. كما يشيرون إلى "المهن والحرف اليهودية"، أي المهن والحرف التي عادةً ما يقوم بها أعضاء الجماعات اليهودية. وكل هذه الاستخدامات تبيِّن أن المعنيَّ هو «الإنسان الوظيفي» وليس «اليهودي»، ولكن يُطلَق عليه «اليهودي» من باب إطلاق الجزء على الكل.

ولتوضيح وجهة نظرنا يمكن أن نضرب مثلاً عكسياً، أي حين يُطلَق على اليهودي اسماً غير اسمه، فيُلاحَظ أن كثيراً من المهاجرين العرب واليهـود إلى أمريكـا اللاتينية يضطلعون بدور الجماعة الوظيفية، ولكن بدلاً من أن يُطلَق على العربي عضو الجماعة الوظيفية كلمة «يهودي» يحدث العكس إذ يُطلَق على كل من اليهود والعرب - كجماعة وظيفية - لفظة «لوس توركوس los turquos» الإسبانية، أي «الأتراك». ويُسمَّى تجار بعض دول شرق أوربا (بغض النظر عن انتمائهم الإثني الفعلي) «اليونانيون» أو «الأرمن». ونحن هنا أمام أربعة دوال أو أسماء مختلفة (يهودي - تركي - يوناني - أرمني) تشير إلى مدلول أو مُسمَّى واحد وهو عضو الجماعة الوظيفية المالية أو «الإنسان الوظيفي». ولذا، قد يكون من الواجب أن نضع في اعتبارنا أننا حينما نتحدث عن «الوظائف اليهودية» فإننا في واقع الأمر نتحدث عن وظيفة قد يقوم بها اليهودي في مكان وزمان ما، ولكن قد يقوم بها شخص آخر في مكان وزمان آخر. فالوظيفة (وسماتها) يجب أن تكون المقولة التحليلية لا الجوهر اليهودي أو الشخصية اليهودية. وفي هذه الحالة، فإننا سندرك الواقع بطريقة أكثر تركيبية وحركية، إذ أننا لن نبحث طوال الوقت عن اليهودي الجوهري أو اليهودي الخالص (ذي الأنف المعقوف والظهر المحدودب الذي يرتبط بوظائف طفيلية أو مشينة، حامل الأفكار العلمانية الشاملة الذي يفكك نسيج المجتمع لأنه لا ولاء له، يقضي سحابة ليله في قراءة البروتوكولات ويقضي نهاره في تنفيذ خططه الشيطانية التي تعلمها في الليل) فمن الأجدى لنا أن نبحث عن «اليهودي الوظيفي» أو بالأحرى «الإنسان الوظيفي» الذي يضطلع بالدور الوظيفي ويتسم بصفات عضو الجماعة الوظيفية فيدخل في علاقة تعاقدية باردة مع المجتمع ويُعرَّف في إطار دوره ووظيفته ويُعرِّف هو المجتمع في إطار المنفعة. وهذا الإنسان قد يكون يهودياً أو مسيحياً أو مسلماً أو بوذياً أو شخصاً لا ملة له ولا دين.

وفي تَصوُّرنا أن النظام العالمي الجديد سيقوم بتحويل قطاعات عديدة في المجتمعات الإنسانية (نخب ثقافية وسياسية محلية - قيادات ثورية سابقة - قطاعات اقتصادية) إلى جماعات وظيفية تعمل لصالحه، وذلك في محاولته تفكيك مجتمعاتنا بعد أن فشل في عملية المواجهة وبعد تزايد نفقات المواجهة العسكرية. وهذه النخب تقيم بيننا وتتحدث لغتنا وترتدي زينا وتقيم الصلاة معنا في مواقيتها، وبعضهم مستمر في استخدام الخطاب الثوري أو الخطاب الديني، حتى بعد أن تحولوا إلى جماعة وظيفية تعمل لصالح الاسـتعمار الغـربي، أي حتى بعـد أن تم تهـويدهم (بالمعــنى الماركسي). ومما يَجدُر ذكره أن بعض هذه العناصر التي تمت حوسلتها لصالح الاستعمار الغربي ستضطلع بالدور الوظيفي (اليهودي) المُوكَل لها، أحياناً عن وعي وأحياناً أخرى بدون وعي. ولذا، فإن البحث عن اليهودي الجوهري هو بحث عنصري لا طائل من ورائه،ولا يؤدي إلا إلى عدم إدراك عملية التفكيك التي يضطلع بها اليهود الوظيفيون أو بالأحرى البشر الوظيفيون من أبناء العرب والإســلام.ولهـذا، فإن الأجدى هو أن نبحث عن الإنسان الوظيفي.

وقد ساهم وضع الجماعات اليهودية كجماعات وظيفية في المجتمعات الغربية في توليد الصور الإدراكية النمطية التي تُشكِّل أساس معاداة اليهود في الغرب. فعداء كثير من الناس لليهود واليهودية هو في جوهره عداء للعلمانية الشاملة (المادية - الطبيعية - العدمية) ولوظيفيتها التي تحـوِّل العالم (الإنسـان والطبيعة) إلى مادة اسـتعمالية ولا تكـترث بقيم أو مطلقات، ولا تعرف سوى قانون مادي واحد، يدور حول ثنائية بسيطة: العرض والطلب، والربح والخسارة، والقوة والضعف، والذكاء والغباء، والبقاء والهلاك. ولا تعرف غايات سوى مراكمة الثروة وتحقيق المتعة واللذة، دون تساؤل عن أي مضمون أخلاقي أو أي معنى كلي أو نهائي، أي أنه عداء للإنسان الوظيفي الذي يدخل في علاقة نفعية تعاقدية مع المجتمع ولا يعرف التراحم ولا يعرف سوى وظيفته ولا يحترم حرمات أو محرمات، والذي يؤدي وجوده في أي مجتمع إلى تفتُّت النسيج المجتمعي وتآكُل القيم.

كان ماركس - كما أسلفنا - يُسمِّي الإنسان الوظيفي «اليهودي»، ويُسمِّي عملية الانتقال من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي الرأسمالي عملية «تهويد». ولكن ماركس كان يفعل ذلك مدركاً الطبيعة المجازية لاستخدامه، فهو كان يعرف الطبيعة الاجتماعية العامة لهذه العملية الانقلابية. ولكن الوجدان الشعبي غير قادر على إدراك ترابط الظواهر الاجتماعية، ولذا فهو يُركِّز على العناصر المباشرة الواضحة. وأكثر العناصر وظيفية ورواد الوظيفية هم أعضاء الجماعة اليهودية (فهو عنصر تعاقدي - نفعي - غريب معتزل.. إلخ). ولذا فهم الجوهر الثابت والعنصر الواضح والسبب المباشر لعملية التحوُّل المؤلمة. وكان كثيراً من أعضاء الجماعات اليهودية يضطلعون بدور الجماعة الوظيفية، ولكن لم يكونوا هم وحدهم الذين يضطلعون بهذا الدور. ومع هذا ارتبط الإنسان اليهودي بالإنسان الوظيفي في الوجدان الشعبي الغربي، بل وتم التوحيد بينهما بحيث أصبح الإنسان اليهودي هو الإنسان الوظيفي بامتياز. ومن خلال عملية التعميم والاختزال، تم استبعاد كل أعضاء الجماعات الوظيفية غير اليهودية وتم إدراك كل اليهود باعتبارهم جماعة وظيفية بحيث أصبح كل يهودي إنساناً وظيفياً وأصبح كل إنسان وظيفي يهودي، إلى أن أصبح الإنسان اليهودي وحده، دون غيره من البشر، الإنسان الوظيفي.

ولذا بدلاً من إدراك ظواهر مثل تآكُل القيم وتزايُد الاغتراب وسيادة العلاقات التعاقدية وانتشار الإباحية باعتبارها نتاج عملية اجتماعية انقلابية كبرى. وبدلاً من إدراك أن الإنسان الوظيفي هو ذاته الإنسان العلماني (الشامل) والإنسان الطبيعي/المادي الذي لا انتماء ديني أو إثني له وأن هذا الإنسان ليس ثمرة مؤامرة يهودية وإنما نتيجة عمليات اجتماعية لا يتحكم فيها اليهود، فهم جزء صغير من كل أكبر، بدلاً من كل هذا تم التركيز على اليهودي وحده دون بقية أعضاء المجتمع باعتباره مسئولاً عما يحدث من تفتُّت مجتمعي وإباحية وانتقال من التراحم إلى التعاقد. وأصبح اليهودي هو وحده المسئول عن كل الشرور من انحلال وتفسخ وتشيئ وتآكُل مؤسسات الأسرة وغيرها من المؤسسات الوسيطة التي تحمي الفرد، وزاد الحديث عن «الجوهر اليهودي» و«الخطر اليهودي» و«الثورة اليهودية» وغيرها.

والنموذج التفسـيري المركب الذي نطرحه يدور حول ما نسميه «الإنسـان الوظيفي» الذي يمكن أن يكون يهودياً أو مسيحياً أو مسلماً أو بوذياً، أو بدون ذمة ولا دين، مادام يدخل في علاقة تعاقدية نفعية باردة مع المجتمع ويُعرَّف في إطار دوره ووظيفته ويضطلع بالوظائف التي يُفترَض أن اليهودي يضطلع بها. ولذا قد يكون من الأدق والأشمل تحليلياً أن نتحدث عن وظيفة ما، قد يقوم بها اليهـودي (في مكان ما)، وقد يقـوم بها شـخص آخـر (في مكان آخر). فالوظيفة، لا الجوهر اليهودي، هي التي يجب أن تكون المقولة التحليلية.

وقد استخدمت سوزان هاندلمان تعبير «يهودي» بنفس طريقة ماركس ولكن في سياق جديد. فهي تذهب إلى أن المثقف اليهودي بسبب وضعه داخل الحضارة الغربية (طرد وتشتيت ونفي) أصبح عنصراً من عناصر الاستنارة المظلمة والتفكيك. فوجَّه كل طاقته، في بداية الأمر، نحو تفكيك وتقويض الشريعة اليهودية ثم توجَّه إلى ثوابت الحضارة الغربية نفسها يحاول تقويضها وتفكيكها.

ولكن المثقف اليهودي الذي يقوم بالتفكيك يدَّعي أنه يقوم بالتفسير وحسب، ولكنه في واقع الأمر يقوم بما سمته سوزان هاندلمان «الهرمنيوطيقا المهرطقة»، ذات الطابع التفكيكي العدمي.
وتضيف سوزان هاندلمان أن أي مثقف يقوم بعملية تفسير تهدف إلى تقويض وتفكيك كتب حضارته المقدَّسة، وفي نهاية الأمر كل مقدَّساتها وثوابتها، هو يهودي بالمعنى الوظيفي.

العرْق اليهودي
Jewish Race
«العرْق» هو جملة السمات البيولوجية (مثل حجم الجمجمة ولون الجلد أو العيون أو الشعر... إلخ) التي يُفترَض وجودها في جماعة بشرية وتَميُّزها بشكل حتمي (بيولوجي) عن غيرها من الجماعات. وكلمة «عرْق» ترادف أحياناً كلمة «سلالة» أو «جنس» أو «دم». وهناك تقسيمات عدّة للسلالات أو الأعراق أو الأجناس البشرية المختلفة أو الدماء التي تجري في عروقها.

وهناك اتجاه صهيوني يؤمن بأن ثمة عرْقاً يهودياً مستقلاً، وأن أساس الهوية اليهودية والشخصية اليهودية هو الانتماء العرْقي. ولعل المفكر الصهيوني موسى هس (1812 ـ 1875) مؤسِّس الفكرة الصهيونية (في ديباجتها الاشتراكية) هو أول من طرح تعريفاً لليهود على أساس بيولوجي أو عنصري حين ذكر أن العرْق اليهودي من الأعراق الرئيسة في الجنس البشري، وأن هذا العرْق حافظ على وحدته رغم التأثيرات المناخية فيه، فحافظت اليهودية على نقاوتها عبر العصور. وقد تنبأ هذا المفكر الصهيوني بأن الصراع بين الأجناس سيكون أهم الصراعات، وأسهم في المحاولة الرامية إلى التمييز بين العنصرين الآري والسامي، وهو التمييز الذي قُدِّر له أن يكون بعد عدة سنوات أحد المفاهيم الأساسية التي تبناها مُنظِّرو الفكر العنصري الأوربي. وقد داعبت هرتزل فكرة الهوية العرْقية، فترة من الزمن على الأقل فاستخدم عبارات مثل «الجنس اليهودي» أو «النهوض بالجنس اليهودي»، كما أنه كان يفكر في تمييز اليهود عن غيرهم على أساس بيولوجي. وعندما قام هرتزل بأول زيارة له إلى معبد يهودي في باريس، كان أكثر ما أثار دهشـته التشـابـه العرْقي الذي تصوَّر وجوده بين يهود فيينا ويهود باريس: « الأنوف المعقوفة المُشوَّهـة، والعيون الماكرة التي تسترق النظـر ». كما يقول ماكس نوردو الذي يُعَدُّ واحداً من أهم مفكري العنصرية الغربية (حتى قبل تَحوُّله إلى الصهيونية)، في لغة لا تقبل الشك وتخلو تماماً من الإبهام، « إن اليهودية ليست مسألة دين وإنما هي مسألة عرْق وحسب ».

ولا يخرج مارتن بوبر في تعريفه لليهودي عن هذا الإطار، رغم استخدامه مصطلحه الحلولي الكموني العضوي لنقل فكرته، فقد تحدَّث عن: « أزلية الأجيال كجماعة يربطها الدم. فالدم قوة مُتجذِّرة في الفرد تغذيه، والدم هو الذي يحدد المستويات العميقة لوجودنا، ويصبغ صميم وجودنا وإرادتنا بلونه. والعالم من حوله إن هو إلا آثار وانطباعات، بينما الدم هو عالم الجوهر ». ونظراً لأن الدم الذي يجري في عروق اليهود يربطهم بالتربة، فقد كان بوبر يشير إلى اليهود باعتبارهم آسيويين « لأنهم إذا كانوا قد طُردوا من فلسطين، فإن فلسطين لم تُطْرَد منهم ».

ويبدو أن مسألة الدم هذه لم تكن شائعة في صفوف الفلاسفة والصهاينة المتأثرين بالتراث الألماني وحسب، بل كانت شائعة في صفوف الصهاينة الأنجلو ساكسون أيضاً. فقد ادَّعى الزعيم الصهيوني نورمان بنتويتش، في حديث أدلى به في عام 1909، أن اليهودي لا يمكن أن يكـون مواطناً إنجليـزياً كاملاً مثل هـؤلاء الإنجليز الذين وُلـدوا « لأبوين إنجليزيين وانحدروا من أسلاف خلطوا دماءهم بالإنجليز لأجيال كثيرة ». وعرَّف الأمريكي لويس برانديز اليهودية، في خطاب ألقاه في عام 1915، بأنها « مسألة تتعلق بالدم ». وذكر أن هذه الحقيقة لقيت قبولاً من جانب غير اليهود الذين يضطهدون اليهود، ومن جانب اليهود الذين يُحسِّون بالفخر «عندما يُبدي إخوانهم من ذوي الدم اليهودي تفوقاً أخلاقياً أو ثقافياً أو عبقرية أو موهبة خاصة، حتى إذا كان هؤلاء النابهون قد تخلوا عن الإيمان بالدين، مثل إسبينوزا أو ماركس أو دزرائيلي أو هايني».

ويبدو أن الصهاينة حاولوا، على طريقة المفكرين العنصريين في الغرب، أن يُثبتوا أنهم عرْق مستقل بطريقة « علمية » وليس فقط على طريقة بوبر الفلسفية. ولذا، فإننا نجد في صفوفهم كثيراً من «العلماء » المهتمين بهذه القضية. وقد أشار عالم الاجتماع الصهيوني آرثر روبين إلى "الكتابات المتعلقة بقضية الجنس اليهودي" وأورد في كتابه اليهود في الوقت الحاضر أسماء كثير من «المراجع القيمة» في ذلك الموضوع. ومن بين الأسماء التي يذكرها اسم عالم صيهوني هو إغناتز زولتشان (1877 ـ 1948) الذي وصف اليهود بأنهم « أمة من الدم الخالص لا تشوبها أمراض التطرف أو الانحلال الخلقي ». وقدَّم روبين نفسه تعريفاً عرْقياً لليهود بيَّن فيه أنهم «استوعبوا عناصر عرْقية أجنبية بدرجة محدودة، ولكنهم في أغلبيتهم يمثلون جنساً متميِّزاً، على عكس ما هو سائد في دول وسط أوربا ».

وكان اللورد بلفور، الصهيوني غير اليهودي، يفكر في اليهود على أساس عرْقي، وربما كان من المهم هنا أن نتذكر أن إحدى المسودات الأولى لوعد بلفور كانت تدعو إلى إقامة « وطن قومي للجنس اليهودي »، وهي جملة تحمل في طياتها تعريفاً بيولوجياً واضحاً للهوية اليهودية.

ثمة، إذن، إجماع صهيوني على التعريف العرْقي لليهودي. وهو أمر متوقع ومفهوم، فقد كانت الصهيونية تبحث عن الشرعية من أوربا لا من اليهودية، ولذا كان علىها أن تصبح عرْقاً مستقلاً لأن العرْق المستقل وحده هو الذي من حقه أن تكون له دولة مستقلة (حسب الإطار المعرفي السائد في أوربا العلمانية). ولكن من الواضح أن تعريف اليهودي كعضو في عرْق مستقل أمر مغرق في الخيال والوهم، إذ يدحض واقع الأقليات اليهودية بسهولة مثل هذه الأساطير. وكان على الصهاينة بالذات أن يتعاملوا لسوء حظهم مع يهود بيض ويهود سود وبضعة يهود صفر إلى جانب الكثير من الظلال اللونية. وكما أشرنا من قبل، فقد كان هرتزل معجباً بالنظرية العرْقية، ولكنه كان صديقاً لإسرائيل زانجويل (1864 ـ 1926) الروائي الإنجليزي والزعيم الصهيوني اليهودي ذي الأنف الطويل والشبيه بأنوف الزنوج والشعر الكث الحالك السواد، وكانت نظرة واحدة إلىه تكفـي، على حدّ قول هرتزل نفسه، لدحض أي تصور عرْقي لليهــود.

وثمة سبب آخر لاختفاء التعريف العرْقي لليهود يرتبط بالمجال الدلالي لكلمة «عرْق»، إذ أنه بحلول الثلاثينيات كانت الحياة في الغرب قد تحولت عن العنصرية التي فقدت إلى حدٍّ كبير ما كانت تحظى به من قبول وتأييد في الأوساط العلمية. وكما يقول الزعيم الصهيوني ناحوم سوكولوف: بعد أن عشنا عصراً أصبحت فيه كلمة «عنصر» أو «عرْق» معادلة للقسوة والبربرية، فإن معظم الناس ينفرون من استخدام هذا المصطلح . ويُضاف إلى هذا أن علم الأجناس قد أظهر أن هذا المصطلح لا يمكن أن يُطبَّق حقاً على اليهود، وذلك رغم أنه كان من المعتاد تماماً الإشارة إلى اليهود في عصر ما قبل هتلر على أنهم «جنس»، وكان الكثيرون يعتقدون أن يهودية المرء مسألة تتعلق بمولده وسماته.

ولذا، كان لابد من العدول عن استخدام كلمة «عرْق». وبـدلاً من ذلك، بدأ تعريف اليهودي على أساس إثني، أي على أساس التراث والثقافة المشتركة، ومن ثم حلت الإثنية محل العرْقية كنقطة مرجعية وكأساس للهوية. لكن التعريف الإثني لا يختلف في جوهره عن التعريف العرْقي، فكلاهما يفرز نظرية في الحقوق (العرْقية أو الإثنية) تعطي صاحب الهوية العرْقية أو الإثنية مزايا معينة وقوة مطلقة تنكرها على غيره من البشر. (انظر الباب المعنون «ثقافات أعضاء الجماعات اليهودية [تعريف وإشكالية]»).



الباب الثانى: إشكالية الوحدة اليهودية والنفوذ اليهودي


الوحدة اليهودية
Jewish Unity
«الوحدة اليهودية» عبارة تفترض أن ثمة وحدة تربط بين أعضاء الجماعات اليهودية كافة في كل زمان ومكان، وأن هذه الوحدة تتمثل في وحدة الهوية والشـخصية والسـلوك، وفي أشـكال مختلفة من التضامن، وفي نهاية الأمر في القومية اليهودية وفي الشعب اليهودي الواحد ذي الهوية الواحدة المستمرة وكذلك في التاريخ اليهودي الواحد. ويذهب البعض إلى القول بوجود عرْق يهودي واحد. وينتهي هذا الافتراض إلى أن اليهود حافظوا على هذه الوحدة منذ خروجهم من مصر الفرعونية حتى يومنا هذا. وقد فُسِّر مصدر هذه الوحدة تفسيرات عدة، فالصهاينة الدينيون يرون أن مصدر الوحدة هو حلول الروح الإلهية أو الشخيناه وكمونها في الشعب اليهودي، فهي تَقطُن وسطهم، وهي التي تُحوِّلهم إلى شعب من الكهنة والقديسين، بينما يرى الصهاينة اللادينيون أن مصدر وحدة اليهود هو الجوهر اليهودي الكامن في كل اليهود، أو هو نزعة معاداة اليهود في مجتمعات الأغيار، أو تَميُّز اليهود وظيفياً واضطرارهم إلى الاضطلاع بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة وبالأعمال التجارية والربوية. ويميل الخطاب الصهيوني في الوقت الحاضر إلى تأكيد أن هذه الوحدة هي تعبير عن تَطلُّع قومي في حالة اللادينيين، وعن تَطلُّع قومي ديني في حالة الدينيين.

ولكن النموذج الصهيوني الاختزالي يختلف عن بنية الواقع التاريخي المُركَّب المتعيِّن لأعضاء الجماعات اليهودية، وهو واقع لا يتسم بالوحدة. فمن الناحية الدينية، تأخذ اليهودية شكل تكوين جيولوجي تراكمي غير متجانس تتعايش فيه العناصر المختلفة جنباً إلى جنب أحياناًً وتتفجر أحياناًً أخرى. وقد حدثت تَفجُّرات وانقسامات كثيرة من البداية، من أهمها ما كان يحدث داخل المملكتين العبرانيتين (المملكة الشمالية والمملكـة الجنوبية) من صراع بين عبادة يهوه وعبادة بعل، وصراع بين عبادة مملكة الشمال وعبادة مملكة الجنوب. وعند عودة بعض اليهود من بابل إلى فلسطين، حدث انقسام حاد بينهم وبين اليهود المقيمين الذين جاء منهم فريق السامريين. وقد انقسم اليهود دينياً بعد ذلك إلى صدوقيين وفريسـيين وأسـينيين، ثم ظهر الاحتجاج القرّائي على اليهودية الحاخامية، كما ظهرت الحركات المشيحانية المختلفة (وآخرها الحركة الحسيدية)، وهي حركات احتجاج ضد المؤسسة الحاخامية تنفي مفهوم الوحدة تماماًً. كما انفصلت بعض الجماعات اليهودية مثل الفلاشاه ويهود الهند عن اليهودية الحاخامية، وأصبح لها صيغ يهودية مختلفة جوهرياً عن الصيغة الحاخامية. وفي العصر الحديث، انقسمت اليهودية إلى فرق: اليهودية الإصلاحية، واليهودية المحافظة، واليهودية التجديدية، واليهودية الأرثوذكسية، واليهودية الأرثوذكسية الجديدة. وهناك، بطبيعة الحال، الانقسام بين الإشكناز والسفارد على المستوى الديني. وكثير من هذه الفرق قد تُكفِّر بعضها البعض وقد تجد أن الانقسام من الحدة بحيث تُقاطع الواحدة منها الأخرى، وهو ما يجعل الحـديث عن الوحـدة اليهودية أمراً صعباً. ومما زاد من تعميق هذا التفتت، غياب سلطة مركزية يهودية جماعية، دينية أو دنيوية، تُحدِّد المعايير لأعضاء الجماعات اليهودية.

والخاصية الجيولوجية التراكمية نفسها تسم أعضاء الجماعات اليهودية وهوياتهم المختلفة. فحتى قبل دخول العبرانيين إلى مصر، يُحدِّثنا العهد القديم عن الخلاف بين يوسف وأعضاء أسرته. كما أن القبائل العبرانية تشترك جميعها في الثورة ضد الفلستيين وأعداء العبرانيين الآخرين إبَّان حكم القضاة. وقد اندلعت الثورات الأهلية داخل مملكـة داود وسـليمان، ووصل التوتر إلى درجة عالية داخل المملكة المتحدة، فانحلت بعد موت سـليمان وانقسـمت إلى مملكتين تتصارعان معاً. واستعانت المملكة الجنوبية بآشور ضد المملكة الشمالية، الأمر الذي أدَّى إلى تَدخُّل هذه القوة العظمى، فقامت بتدمير المملكة الشمالية تماماًً وتهجير نخبتها الحاكمة.

وقد حقق اليهود قدراً من الوحدة والاستقرار حينما سيطرت الدولة الفارسية على الشرق الأدنى القديم، حيث كانت كل التجمعات اليهودية تحت هيمنتها. وقد انتهت هذه الوحدة المؤقتة بانحسار نفوذ هذه الإمبراطورية بعد غزو الإسكندر لكلٍّ من مصر وسوريا وفلسطين وغيرها من المناطق. وقد كانت الخصومات بين بعض قطاعات اليهود تتطور إلى حروب أهلية طاحنة يقتتل فيها اليهود ويتعرضون للإبادة الجسدية على أيدي بعضهم البعض كما حدث في العام الرابع الميلادي في عهد أرخيلاوس ابن هيرود الذي أباد ثلاثة آلاف يهودي، أو كما حدث في تَمرُّد عام 70م حين قتل المتطرفون من اليهود اثنى عشر ألف يهودي من الأثرياء. وقد كان هناك، إلى جانب تيتوس، جيش يهودي تحت قيادة أجريبا الثاني يحارب ضد المتمردين اليهود. وفي العصور الوسطى، كان لسكان أي جيتو في أوربا حق تحريم استيطان اليهود الآخرين فيه (حيرىم هايشوف)، وهو حق كانت تمارسه كل الجيتوات. وكان الصراع بين أعضاء الجماعات اليهودية واضحاً في أوربا في القرن السابع عشر. أما في الدولة العثمانية، فكان لكل مجموعة يهودية معبدها اليهودي وحاخامها الخاص، وكانت كل مجموعة يهودية تستعدي السلطة على المجموعة الأخرى. وعندما هاجر يهود اليديشية إلى الولايات المتحدة، ناصبهم اليهود ذوو الأصل الألماني العداء. وكان هؤلاء قد لاقوا رفضاً من جانب اليهود السفارد الذين سبقوهم. غير أن الولايات المتحدة قامت بصهرهم ضمن من صهرتهم من مهاجرين، فحققوا شيئاً من الوحدة والتماسك لا بوصفهم يهوداً بشكل عام وإنما بوصفهم يهوداً أمريكيين تحولوا بالتدريج إلى أمريكيين يهود.

وقد تكررت الظاهرة في أمريكا اللاتينية. ولكن نظراً لأن الحضارة الكاثوليكية هناك لم تقم بصهر أعضاء الجماعات اليهودية الذين هاجروا إلىها، فقد احتفظوا بخاصية عدم التجانس، وقامت كل جماعة يهودية تنتمي إلى هذا البلد أو ذاك بتنظيم نفسها بشكل مستقل. فنجد أن المكسيك تضم عشرات التنظيمات اليهودية، من بينها تنظيمان ليهود سوريا: واحد للدمشقيين والآخر للحلبيين. والمعركة الدائرة بين اليهود الأرثوذكس واليهود غير الأرثوذكس حول تعريف اليهودي، داخل وخارج إسرائيل، أصبحت معركة أساسية تفوق في أهميتها الصراع بين الإشكناز والسفارد.

ويمكننا أن نقول إن أعضاء الجماعات اليهودية لم يحققوا وحدة عامة شاملة إلا حينما كانوا جماعة عرْقية أو إثنية دينية متماسكة (عبرانيين). ولكنهم، حتى في تلك الآونة، كانت تُمزِّقهم الخلافات السياسية، وأحياناًً الثقافية والدينية. ومع انتشار الجماعات اليهودية، لم تَعُد الخلافات مجرد خلافات سياسية، وإنما أصبحت خلافات حضارية قومية عميقة. وقد حققت بعض الجماعات اليهودية وحدة «قومية» داخل التشكيلات الحضارية المختلفة، كما حدث ليهود شرق أوربا من يهود اليديشية، ويهود الولايات المتحدة. ولكن أية وحدة بين هؤلاء هي وحدة يتمتعون بها داخل التشكيل القومي الذي ينتمون إلىه، ومن خلاله وبسـببه، لا من خارجه ورغماً عنه. كما أنها، من ناحية أخـرى، لا ترقى ألبتة إلى مستوى الوحدة اليهودية العالمية الشاملة.

وقد تمتع أعضاء الجماعات اليهودية في الحضارة الغربية، منذ العصور الوسطى، بشكل من أشكال الوحدة، وذلك من خلال علاقاتهم كجماعات وظيفية وسيطة تشكل ما يشبه النظام الائتماني العالمي ومن مصلحتهم الحفاظ على هذه العلاقات. ورغم أنها بدت كما لو كانت وحدة قومية، فقد كانت علاقات مالية فحسب، إذ أن كل جماعة وظيفية يهودية كانت مرتبطة، في نهاية الأمر، بالمجتمع الذي تنتـمي إلىـه وتتفاعـل معـه وتستمد هويتها منه. ولكن الصهاينة يؤكدون، مع هذا، أن هناك وحدة أزلية لليهود، ويَخلُصون من هذا إلى أن الدولة الصهيونية في فلسطين أمر منطقي بل وحتمي.

الاســتقلال اليهــودي
Jewish Independence
«الاستقلال اليهودي» عبارة تفترض أن لليهود شخصيتهم اليهودية المستقلة وتاريخهم اليهودي المستقل عن تواريخ الأغيار. وتشير الأدبيات الصهيونية إلى مؤسسات الإدارة الذاتية، مثل القهال ومجلس البلاد الأربعة، باعتبارها مؤسسات الحكم الذاتي، كما تشير إلى اللهجات التي يتحدث بها أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارها لغات اليهود. وتستند كل من العقيدة الصهيونية ونزعة معاداة اليهود إلى المفهوم الواحد نفسه، فيتحدث أعداء اليهود عن حب اليهود للعزلة ورفضهم الاندماج وتفضيلهم الجيتو على الحياة مع الأغيار، بل ويتحدثون عن سمات جوهرية داخل الطبيعة البشرية اليهودية تجعلهم مستقلين عن باقي البشر ومختلفين عنهم. ومن المفارقات أن القبَّالاه اللوريانية تذهب إلى درجة من التطرف حيث تطرح تصوراً لليهود باعتبارهم قد خُلقوا من عجينة مغايرة لتلك التي خُلق منها الأغيار، وهذا يتناقض مع قصة الخلق في العهد القديم.

وغني عن القول أنه لا يوجد استقلال يهودي، إذ تدل القرائن التاريخية على أن أعضاء الجماعات اليهودية اندمجوا وانصهروا في مجتمعاتهم، وأن ما يتمتع به أعضاء الجماعات اليهودية من استقلال أو انفصال نسبي عن مجتمع الأغلبية لا يختلف بأية حال عما يتمتع به أعضاء أية أقلية دينية أو إثنية في أي مجتــمع، وخصــوصاً في المجتمعات التقليــدية. ويعود شيــوع مفهــوم مثل مفهــوم اســتقلال اليهــود إلى اضطــلاع أعضــاء الجماعات اليهودية في كثير من المجتمعات، خصوصاً في العالم الغربي، بوظيفة الجماعة الوظيفــية التـي يعيــش أعضـاؤها في عزلــة عن بقــية أعضاء المجتمع.

ونحن نرى أن استخدام مصطلح كمصطلح «اليهود» يؤكد مثل هذا الاستقلال، وقد يشي بدرجة من الوحدة والتجانس لم يتمتع بهما اليهود قط. ولذا، فإننا نؤثر استخدام مصطلح مثل «الجماعات اليهودية» لأنه يؤكد التنوع وعدم التجانس والانفصال ولا ينفي في الوقت نفسه ذلك القدر من الوحدة والتجانس.

الوعــــي اليهــــودي
Jewish Consciousness
«الوعي اليهودي» عبارة تفترض أن ثمة هوية يهودية محدَّدة وشخصية يهودية لها خصوصية يهودية وتاريخاً وتراثاً مستقلين عن تاريخ وتراث الشعوب، بل و تفترض أن ثمة جوهراً يهودياً وطبيعة يهودية. ويرى المعادون لأعضاء الجماعات اليهودية أن اليهود يتمتعون بوعي عميق لخصائصهم اليهودية هذه، وأن هذا الوعي يتبدى في دفاعهم عن مصالحهم اليهودية، وفي انعزالهم داخل الجيتو، وفي نهاية الأمر في المؤامرة اليهودية الكبرى (وهي المؤامرة التي يقول البعض إن اليهود يحيكونها ضد الأغيار في كل زمان ومكان). ومثل هذه النظرة تتجاهل عدم تجانس الجماعات اليهودية، وخاصيتها الأساسية كتركيبة جيولوجية، وانفصالها الواحدة عن الأخرى عبر التاريخ. كما تتجاهل الصراعات الحادة التي نشبت بين هذه الجماعات، لا بسبب اختلاف المصالح وحسب وإنما بسبب اختلاف الهوية والرؤية. وفي الحقيقة، فإن الصراع بين السفارد والإشكناز، ذلك الصراع الممتد منذ القرن السابع عشر حتى الوقت الحاضر، هو تعبير عن هذا الاختلاف الذي يجعل من مقولة الوعي اليهودي الواحد أمراً محالاً.

لكن الصهيونية تؤمن بأن اليهود شعب واحد، ومن ثم فلابد أن يُقوَّى الوعي اليهودي للمحافظة على وحدة هذا الشعب وعلى هويته. ومن المفارقات أنه، بعد إنشاء الدولة الصهيونية، اتضح تهافت ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» وانقسامها إلى عشرات الهويات، كما اتضح أن أبناء المستوطنين الصهاينة من جيل الصابرا لهم هوية جديدة مختلفة عن هوية أعضاء الجماعات الموجودين في العالم، بل ويُكِّن الكثير منهم الاحتقار ليهود المنفى، أي معظم يهود العالم. ومن ثم، فقد أُدخلت مادة الوعي اليهودي في مقررات الدراسة في المدارس الإسرائيلية.

ويؤكد المقرر الجوانب الإيجابية لوجود اليهود على هيئة جماعات منتشرة في العالم، ويمجِّد إنجازاتهم الحضارية، وهو ما يعطي صورة إيجابية لحياتهم في المنفى، أي في أنحاء العالم خارج فلسطين. ولكن هذا التمجيد يتنافى مع العقيدة الصهيونية التي تصدر عن الإيمان بأن حياة اليهود خارج فلسطين إن هي إلا انحراف عما يُسمَّى «التاريخ اليهودي». ومن ثم، فإن مثل هذه الرؤية لا تزيد ألبتة من الوعي اليهودي الأحادي. ولكن، إن تم التركيز على الجوانب السلبية وحدها، وُصوِّر تاريخ الجماعات على أنه تاريخ هجمات ومذابح، كما تفعل بعض كتب التاريخ الصهيونية (وهو ما سميناه «التأريخ من خلال الكوارث»)، فإن هذا سيقلل من احترام الأجيال الصاعدة ليهود العالم، وبالتالي سيقوض دعائم الوعي اليهودي. ولذا، فإن هناك اتجاهاً الآن للتأكيـد على عنصر المقاومة بين يهـود المنفى. واليهود، حسـب هذه الرؤية، كانوا دائماً معرضين للاندماج، ولكنهم تصدوا له فأبدعوا وأبقوا على جوهرهم اليهودي. وعندما تعرضوا للمذابح، ثاروا ضد من قاموا بذبحهم، ومن هنا التأكيد على أهمية التمرد الحشموني والأحداث المماثلة في التاريخ اليهودي مثل: التمرد اليهودي الأول، والتمرد اليهودي الثاني ضد الرومان، وتمرد جيتو وارسو. بل ويصبح تاريخ الصهيونية هو تاريخ هذا الوعي اليهودي وتاريخ تلك المقاومة المستمرة. ويشكو اليهود السفارد والشرقيون من أن مادة الوعي اليهودي تركز على إسهامات اليهود الإشكناز وحدهم ولا تؤكد على إسهاماتهم الحضارية.

عـدم الانتماء اليهـودي
Jewish Rootlessness
«عدم الانتماء اليهودي» عبارة تفترض وجود انتماء يهودي مستقل للجماعة اليهودية يتبدَّى في شكل ولاء كامل للشعب اليهودي وعدم انتماء للشعوب أو الأوطان الأخرى. ونحن نرى أنه إن كان ثمة انتماء يهودي فهو انتماء إلى العقيدة أو العقائد اليهودية، إذ لا يوجد تراث أو ماضٍ يهودي مشترك، فماضي أو تاريخ كل جماعة يهودية هو ماض أو تاريخ المجتمع الذي توجد فيه.

ومن الإشكاليات الأساسية التي تُثار في الأدبيات الغربية (اليهودية وغير اليهودية) إشكالية الانتماء اليهودي. وقد طُرح السؤال منذ البداية كما يلي: هل ينتمي اليهودي إلى الجنس البشري ككل أم إلى الشعب اليهودي المختار أو (المقدَّس)؟ وهل الخالق هو إله اليهود وحدهم (كما يتصور بعض اليهود) أم إله العالمين؟ والإجابة القاطعة عن هذا السؤال داخل النسق الديني اليهودي غير ممكنة؛ فهناك من القرائن ما يؤيد النزعة العالمية والانتماء إلى الجنس البشري، وهناك من القرائن ما يساند الرأي المناقض. ففي تراث القبَّالاه، أصبح التمييز بين الشعب اليهودي والأغيار حاداً إلى أقصى درجة، حتى أن القبَّاليين ذهبوا إلى أن اليهود قد خُلقوا من طينة مختلفة عن تلك التي خُلق منها بقية البشر وإلى أن الأغيار خُلقوا على شكل الإنسان حتى يمكنهم القيام بخدمة اليهود. وفي فكر الاستنارة، وفي اليهودية الإصلاحية، بل وفي التلمود ذاته، ما يناقض هذا الموقف، وذلك بالتأكيد على الانتماء الإنساني العالمي لليهود.

ولكن الانتماء اليهودي قضية ترتبط بالدور الذي لعبته الجماعات اليهودية في كثير من المجتمعات، خصوصاً المجتمعات الغربية، كجماعة وظيفية وسيطة. بيد أن أية جماعة وظيفية وسيطة داخل أي مجتمع لا تنتمي إليه، وإنما تنتمي عـاطفياً إلى الوطـن الأصلي (الوهمي أو الفعلـي)، كما تنتمي فعلياً إلى الطبقة الحاكمة فهي أداتها وسوط العذاب في يدها. وقد نَجَم عن ذلك الوضع ابتعاد الجماعة اليهودية عن الجماهير الشعبية وهامشيتها بالنسبة إلى الحركات الجماهيرية الكبرى. ويرى ماكس فيبر، على سبيل المثال، أن الرأسمالية اليهودية رأسمالية منبوذة لم تساهم في نمو الرأسمالية الرشيدة، كما أن الفكر الاشتراكي الغربي كان يرى أن انتماء اليهودي هو انتماء إلى رأسماله وحسب. وقد عبَّرنا عن هذه الإشكالية بمصطلح «الشعب العضوي المنبوذ».

والواقع أن قضية الانتماء طُرحت بحدة مع ظهور الدولة القومية المركزية التي حاولت توحيد السوق وتوحيد الأمة حسب نموذج ثقافي أحادي موحَّد يستبعد الجيوب القومية الإثنية الأخرى، ويتطلب انتماءً كاملاً من المواطن. وقد نجح كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في تحديد انتمائهم القومي بالاندماج في محيطهم الثقافي. ويرى الدارسون أن تَصاعُد معدلات العلمنة في العالم الغربي سيؤدي إلى ضعف الانتماء الديني للجماعات اليهودية، وهو أمر تساهم الصهيونية في خلقه طارحةً نفسها كعقيدة علمانية تحل محل العقيدة الدينية.
وقد أكد الصهاينة والنازيون عدم انتماء أعضاء الجماعات اليهودية إلى التشكيلات الحضارية أو القومية التي يتواجدون فيها مفترضين أن ثمة انتماءً يهودياً خالصاً. وأكد البرنامج السياسي الصهيوني وجود مثل هذا الانتماء. ولكن السلوك الفعلي ليهود أمريكـا، على سـبـيل المثال، يبين أنهـم ينتمون إلى وطـنهم الأمريكـي، ومن ثم لا يهـاجر منهم إلى إسـرائيل إلا نسـبة ضئيلة جداً. وكذلك، فإن انتماء يهود الاتحاد السوفيتي (سابقاً) كان انتماءً إلى مصالحهم الاقتصادية أو السياسية. ولذلك، فإنهم يحاولون الهجرة إلى الولايات المتحدة ولا يتوجهون إلى إسرائيل إلا عند الاضطرار. كما أن تَفجُّر قضية الهوية داخل إسرائيل يبين أن لليهود انتماءات مختلفة وليس انتماءً يهودياً واحداً. وترتبط قضية ازدواج الولاء بقضية الانتماء اليهودي، إذ أن من يؤمن بأن اليهود لا انتماء لهم لابد أن ينظر إلى اليهود بعين الشك ويرى أن ولاءهم لأوطانهم أمر مستحيل، أو يرى على الأقل حتمية ازدواج هذا الولاء، باعتبار أن ولاءهم اليهودي شيء راسخ متأصل.

ويحاول الصهاينة في الوقت الحاضر أن يُعرِّفوا انتماء اليهود تعريفاً جديداً يتفق مع واقعهم كجماعات تعيش خارج فلسطين وترفض الهجرة. ومن ثم، أصبح الانتماء السياسي والاقتصادي لليهودي إلى وطنه الفعلي، أما انتماؤه الديني والثقافي فلوطنه المثالي أو الوهمي، أي الدولة الصهيونية. وبهذا، لا تصبح الترجمة العملية للبرنامج الصهيوني الهجرة إلى فلسطين المحتلة وإنما تعميق الأبعاد اليهودية الإثنية للهوية، وهو ما يُسمَّى «صهيونية الدياسبورا» أو «الصهيونية الإثنية».

الـولاء اليهـودي المـزدوج
Jewish Double Loyality
«الولاء اليهودي المزدوج» مصطلح يستخدمه المعادون لليهود والصهاينة الذين ينطلقون من الإيمان بأن اليهود لا يدينون بالولاء إلا لوطنهم القومي ومصالحهم اليهودية، لأنهم لا جذور لهم في مجتمعاتهم ولا ينتمون إليها انتماءً حقيقياً، فاليهود شعب عضوي مرتبط بأرضه. لذلك فهم دائماً موزعو الولاء، يمارسون إحساساً عميقاً بازدواج الولاء.

وقد أكد الزعماء والمفكرون النازيون أثناء محاكمات نورمبرج، الواحد تلو الآخر، أنهم تَعرَّفوا إلى اليهود واليهودية والمسألة اليهودية من خلال الكتابات الصهيونية التي تتحدث عن عدم انتماء اليهود إلى أوطانهم الواقعية وعدم ولائهم لها. وتنطلق التشريعات النازية من هذا الفهم، ومن تَصوُّر أن اليهود لا ينتمون إلى الوطن القومي الألماني، إذ أن لكل شعب عضوي وطنه! وفي الوقت الحاضر، يشير أعداء اليهود إلى قرائن عدة تدل على عدم انتماء اليهود مثل كمية الأموال التي تُرسل إلى إسرائيل من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم وتحديد هذه الجماعات اليهودية لمواقفها السياسية بطريقة تتفق ومصالح إسرائيل، ووقوف كثير من المفكرين اليهود الليبراليين والثوريين ضد حرب فرنسا في الجزائر وحرب الولايات المتحدة في فيتنام في الوقت الذي يؤيدون فيه إسرائيل في حروبها العدوانية ضد العرب.

ولا يمكن الحديث عن ولاء يهودي محدد ومطلق، فولاء أعضاء الجماعات اليهودية يتحدد بحسـب مركب تاريخي طبقي إنسـاني أخلاقي، كما لا يمكن تحديد كيفية تصرف أعضاء الجماعات اليهودية مسبقاً، وكأنهم كائنات بسيطة تعيش بمعزل عن التاريخ الإنساني. وتدل تواريخ أعضاء الجماعات اليهودية على أن ازدواج الولاء ليس سمة أساسية أو لصيقة بهم،وعلى أنهم في كثير من الأحيان أخلصوا لأوطانهم (التي يعيشون في كنفها) وانتموا إليها انتماءً كاملاً واندمجوا فيها، وتمثلوا قيمها واستبطنوها تماماً. ومنذ أيام التهجير البابلي،حيث ظهرت أول جماعة يهودية خارج فلسطين، طوَّرت الشريعة اليهودية مفهوم «شريعة الدولة هي الشريعة»، الأمر الذي يحدد ولاء أعضاء الجماعة بشكل صارم باعتبارهم جماعة بشرية لا تدين بالولاء إلا لقوانين الدولة التي يعيشون في كنفها. وقد التزم معظم أعضاء الجماعات اليهودية بهذا المفهوم عبر التاريخ الإنساني، شأنهم في هذا شأن كثير من البشر من أعضاء الأقليات والأغلبية. وعلى كل حال، لم يكن هناك احتمال لازدواج الولاء لعدم وجود حكومة أو دولة يهودية يدين لها اليهودي بالولاء. وبتحول أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعة وظيفية وسيطة داخل التشكيل الحضاري الغربي، منذ العصور الوسطى وحتى الثورة الفرنسية، توجه ولاء اليهودي إلى جماعته أساساً، ثم إلى الطبقة الحاكمة التي تحمي هذه الجماعة وتضمن بقاءها. وهذه سمة أساسية تسم مثل هذه الجماعات وليست مقصورة على الجماعات الوظيفية اليهودية، فنجد أن الصينيين في الفلبين، والعرب في بعض البلاد الأفريقية وإندونيسيا، يندرجون تحت هذا النمط. وعلى كلٍّ، لم تكن مفاهيم الوطن (والولاء القومي له) واضحة أو متبلورة حتى نهايات القرن الثامن عشر وظهور الفكر القومي.

وقد طُرحت قضية الولاء في عصر التنوير في أوربا، حينما وُصف اليهود بأنهم « دولة داخل دولة » بسبب خصوصيتهم وانعزاليتهم الحقيقية أو الوهمية، وقد طُلب إلى أعضاء الجماعات اليهودية، وكذلك إلى الأقليات الإثنية والدينية كافة، أن يدينوا بالولاء للدولة القومية وحدها وأن يرفضوا أية ولاءات أخرى. وبالفعل، كان اليهود من أكثر العناصر ترحيباً بهذه الدعوة، فاندمجوا في مجتمعاتهم بنسبة عالية كلما سنحت لهم الفرصة. ولم يُعرْقل هذه العملية سوى تَعثُّر التحديث سواء في روسيا أو في ألمانيا، وهي المجتمعات التي طرحت تصوراً عضوياً لفكرة الولاء.

وفي العصر الحديث، يشعر يهود الولايات المتحدة بالولاء العميق لبلدهم أمريكا، فهم ينتمون إليه انتماءً كاملاً ويحاربون ويموتون دفاعاً عنه، ومصيرهم مرتبط بمصيره. وحينما يشكك الدعاة الصهاينة في هذا الولاء، فإن أعضاء الجماعات اليهودية يثورون. ويتضح ولاؤهم أيضاً في رفضهم الهجرة إلى إسرائيل وفي اندماجهم في مجتمعاتهم. أما يهود جنوب أفريقيا، فهم لا يشعرون بالولاء تجاه وطنهم لأن وضعهم في بلادهم مقلقل، وبالتالي فقد يكون ولاؤهم غير راسخ، ولذا فهم يفكرون في الهجرة منها. ولكن عدم ولائهم لا ينبع من مصالحهم اليهودية أو من جوهرهم أو طبيعتهم أو شخصيتهم، وإنما ينبع من أن المستوطن الأبيض في جنوب أفريقيا قد بدأ يتعرض لضغوط حقيقية من السكان الأصليين تهدد وجوده. وحينما يهاجر اليهود الروس من روسيا، فهم لا يفعلون ذلك من باب الولاء اليهودي، وإنما من باب الولاء الدنيوي للمستوى المعيشي المرتفع، ومن ثم يتجهون إلى الولايات المتحدة بدلاً من إسرائيل. وقد اتخذت الولايات المتحدة من التشريعات ما يكفل إغلاق باب الهجرة لتحويلهم عنوة إلى الدولة الصهيونية. وفي هذا، لا يختلف المهاجرون اليهود المرتزقة من روسيا أو أوكرانيا كثيراً عن معظم أعضاء المجتمعات العلمانية في الغرب. فماركس يتحدث عن ولاء الرأسمالي، وهو ولاء يتجاوز الولاء القومي، كما يتحدث بنتام (فيلسوف النفعية) عن المنفعة الشخصية، وهي منفعة تتجاوز الصالح القومي.

ويَصدُر الصهاينة عن فكرة ازدواج الولاء، شأنهم في هذا شأن النازيين والمعادين لليهود، وينطلق برنامجهم السياسي منها. فيتحدث المفكرون الصهاينة، كلاتزكين وجولدمان وبن جوريون، عما يسمُّونه «الولاء القومي اليهودي». وبالتالي، فإن اليهودي الذي يعيش في بلد غير الدولة اليهودية لن يشعر تجاهه بأي ولاء، أو سيكون ولاؤه له ضعيفاً إذ سيكون موزعاً بين وطنه الفعلي الذي يقيم فيه ووطنه القومي الصهيوني، وهو ما يُطلق عليه «ازدواج الولاء». وقد كان هرتزل يتفاوض مع السلطات الإمبريالية المختلفة في إطار تصور أنه قادر، حسب قوله، على تحويل كل يهود العالم إلى عملاء يدينون بالولاء لا لأوطانهم وإنما لأية دولة تساند الفكرة الصهيونية. والعميل إما شخص عديم الولاء أو شخص ذو ولاء مزدوج.

وتنطلق الدولة الصهيونية من الإيمان بازدواج الولاء لدى أعضاء الجماعات اليهودية في العالم. ولذلك، فهي تحاول دائماً تجنيدهم لخدمة مصالحها ومآربها، بل إن بن جوريون قد صرح بأن السفير الإسرائيلي في كل عاصمة هو الممثل الحقيقي للجماعة اليهودية فيها.

وثمة قوانين في الكيان الصهيوني لتكريس هذا الاتجاه، مثل قانون العودة وقانون الجنسية. وقد عُدِّل هذا القانون الأخير بحيث تستطيع الدولة الصهيونية أن تمنح أي مواطن يهودي جنسيتها وهو لا يزال بعد في وطنه الأصلي، دون أن يتنازل عن جنسيته الأصلية، ويكفي أن تكون لديه النية للهجرة. والصهيونية، بوصفها حركة سـياسـية ودولة اسـتيطانية، تحاول ترجمة فكرة الولاء اليهودي، أي ازدواج الولاء، إلى واقع عملي. ومما له دلالته أن بيان إعلان قيام الدولة الصهيونية عام 1948 قد تم عن طريق مجلس قومي يتحدث باسم كل «الشعب اليهودي»، سواء في فلسطين أو خارجها. وقد اكتشفت الدولة الصهيونية (بعد إعلانها) أنها لن تستطيع الوصول بسهولة ويُسر إلى جميع أعضاء الشعب اليهودي، نظراً لضآلة سلطتها خارج حدودها. ولذا، حوَّلت المنظمة الصهيونية نفسها إلى أداة موظفة في يد الدولة الصهيونية، تصل عن طريقها إلى أعضاء الجماعات اليهودية.

وقد كانت حادثة بولارد ترجمة عملية لنظرة الصهاينة لأعضاء الجماعات اليهودية. فقد قامت المخابرات الإسرائيلية بتجنيده باعتبار أنه مزدوج الولاء، ولكن أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة رفضوا هذا التعريف وأكدوا أن ولاءهم للولايات المتحدة أولاً وأخيراً، واحتجوا على سلوك إسرائيل. ولكن حادثة بولارد ليست سوى جزء من نمط عام، إذ قامت الحركة الصهيوينة من قبل بتجنيد بعض يهود البلاد العربية للتجسس ضمن قسم خاص أسِّس لهم في الوكالة اليهودية قبل عام 1948، كما أن حادثة لافون تُبيِّن أن المخابرات الإسرائيلية قامت بتجنيد بعض يهود مصر للتجسس لصالح الدولة الصهيونية.

ولا شـك في أن هذا الوضع يخلق كثيراً من المشكلات لليهود في العالم. وقد تنبَّه سير إدوين مونتاجو، العضو اليهودي الوحيد في الوزارة البريطانية التي أصدرت وعد بلفور، إلى هذا البعد حيث احتج على إصدار هذا الوعد لأن الاتهام بازدواج الولاء، بحسب رأيه، اكتسب لأول مرة أساساً موضوعياً. وتحاول الصهيونية التوطينية التغلب على هذا الوضع الذي يسبب الحرج لأعضاء الجماعات اليهودية، بأن تعود إلى الصيغة الصهيونية الإثنية التي ترى أن اليهـود ينتمـون سياسياً إلى الوطن الذي يعيشون فيه، مع أنهم، من ناحية القيم الدينية والثقافيـة والروحيـة، ينتمون إلى مركزهم الروحي (أو الإثني) في إسرائيل. ويحاول الصهاينة في الولايات المتحدة أن يُذيبوا ازدواج الولاء داخل النمط الأمريكي العام بحيث تصبح علاقة الأمريكي اليهودي بإسرائيل مثل علاقة الأمريكي الإيطـالي بإيطـاليا، وبالتالي يصـبح لليهودي وطنان قوميان: الأول هو مسقط الرأس الذي هاجر منه، والثاني هو البلد الذي هاجر إليه.

المصالـح اليهودية
Jewish Interests
«المصالح اليهودية» عبارة تفترض أن ثمة مصالح يهودية محددة متفقاً علىها بين «اليهود» (أعضاء الجماعات اليهودية)، وأنهم يدافعون عنها علناً أو سراً متى وأينما سنحت لهم الفرصة، وهو افتراض شائع في الكتابات الصهيونية والمعادية لليهود. وتذهب الكتابات التي تتبني مثل هذا النموذج التفسيري إلى أن اليهود لا يدينون بالولاء إلا لما يُسمَّى «المصالح اليهودية»، وبالتالي فهم لا يعملون إلا من أجلها.

ولكن من الثابت تاريخياً أنه لم تكن هناك مصالح يهودية واحدة، بل إن الصراعات بين الجماعات اليهودية المختلفة حقيقة تاريخية. وكثيراً ما كانت تستعدي جماعة ما السلطات على جماعة أخرى وتطالب بطردها. ويظهر الصراع في حق حظر الاستيطان (حيريم هايشوف)، أي حق أية جماعة يهودية في أن ترفض إيواء أي يهودي من جماعة أخرى، وهو حق كانت تسعى الجماعات اليهودية في أوربا في العصور الوسطى للحصول عليه. ولعل أهم الصراعات عبر التاريخ هو الصراع بين الإشكناز والسفارد في العالم الغـربي، والذي لا يزال له أصـداؤه في إسـرائيل حتى الآن. وكذلك، فإن مصالح الدولة الصهيونية تتعارض في كثير من الأحيان مع مصالح الجماعات اليهودية كما اتضح في حادثة بولارد على سبيل المثال، أو في تَورُّط الإسرائيليين في تجارة المخدرات في كولومبيا. وقد فجرت الانتفاضة قضية التعارض بين مصالح الجماعات اليهودية ومصالح إسرائيل، إذ أن منظر الجنود الإسرائيليين (ممثلي الدولة اليهودية) وهم يكسرون أذرع الشباب الفلسطيني، لم يُحِّسن الصورة الإعلامية ليهود العالم، ولم يخدم مصالحهم، مع أنه يخدم مصلحة الدولة التي يُقال إنها «يهودية»!

ونحن نرى أن أعضاء الجماعات اليهودية لهم مصالح مختلفة باختلاف الزمان والمكان، ولتفسير سلوكهم لابد من العودة إلى سياقهم الحضاري والتاريخي والإنساني العريض، لأن النموذج التفسيري الذي يُركِّز على المصالح اليهودية والمرجعية اليهودية سيعجز عن تفسير كثير من جوانب هذا السلوك.

وفي مجموعة المداخل التي تلي هذا المدخل سنتناول سيَر بعض مشاهير اليهود ممن شغلوا مواقع مهمة تجعلهم في موضع التأثير في صنع القرار (ابتداءً من بيرنيكي عشيقة الإمبراطور تيتوس وانتهاءً بكيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة). وسنحاول أن نُبيِّن أن سلوكهم السياسي وغير السياسي (في معظم الأحيان) لم تكن تحكمه المصالح اليهودية وإنما مجموعة من العناصر الأخرى المرتبطة عادةً بمصالح الدولة التي ينتمي لها عضو الجماعة اليهودية.


بيرنيكـي (32م-؟ )
Berenice
«بيرنيكي» اسم يوناني معناه «حاملة النصر»، وتُنطَق «بيرنيس» في اللغات الأوربية الحديثة. وهي حفيدة أخت هيرود الأعظم «ملك اليهود » وابنة أجريبا الأول. وُلدت عام 33 ميلادية، وكانت مشهورة بجمالها وبتعدد أزواجها وعشاقها. تزوَّجت وهى بعد في الثالثة عشرة من ماركوس، ابن ألكسندر ليسيماخوس كبير موظفي (ألبارخ) الإسكندرية. وبعد موته، تزوَّجت عمها شقيق أبيها هيرود حاكم كالخيس. وبعد موت هذا الأخير، عاشت مع أخيها أجريبا الثاني. وقد انتشرت الشائعات بين الرومان أنها كانت على علاقة آثمة بأخيها هذا. ويُلاحَظ أن الجماع بالمحارم في فترة انحلال الإمبراطورية الرومانية لم يكن أمراً غريباً بين أعضاء الأرستقراطية التي كانت تنتمـي إليها بيرنيكي وأخوها. وربما لإسكات الشائعات، ونظراً لغيرتها من أختها دروسيلا التي تزوجت من ملك، أقنعت بيرنيكي بوليمون الثاني ملك كليكيه بأن يتهود ويتختن ويتزوجها فتزوجها في عام 69م. ولكن بيرنيكي لم تكن على مستوى عال من الأخلاق أو الوفاء الزوجي الأمر الذي أثار اشمئزاز بوليمون منها ومن عقيدتها فطلَّقها. وعادت بيرنيكي لتعيش مع أخيها، ووقفت إلى جواره في محاولته تهدئة الجماهير اليهودية الحانقة مع بدايات التمرد اليهودي الأول (66 ـ 70م)، ولكن الجماهير أضرمت النار في قصرها.

ومع سقوط القدس في يد المتمردين، فرَّت بيرنيكي إلى الإسكندرية عند أقاربها (تايبريوس يوليوس ألكسندر ابن عم فيلون السكندري، وغيره). وهناك، قابلت الجنرال تيتوس ابن الإمبراطور فسبسيان الذي كان يُعدُّ حملته لقمع التمرد اليهودي الأول وأصبحت عشيقته، وأعلن هو عن حبه لها وكان عمرها (حينذاك) تسعة وثلاثين عاماً. وقد صاحبته هي وأخوها أجريبا الثاني (الذي كان يقود جيشاً يهودياً صغيراً) أثناء حملته التي انتهت بسقوط القدس وتحطيم الهيكل. وحين عاد تيتوس إلى روما، انضمت إليه هناك عام 75م، واستمرا في علاقتهما، بل وكان يشار إليها باعتبارها «زوجة تيتوس». ويبدو أنه كان على وشك الزواج منها بالفعل، ولكن الأرستقراطية الرومانية عارضت ذلك. وحينما عادت بيرنيكي إلى روما مرة أخرى عام 79م، بعد أن أصبح تيتوس إمبراطوراً، وبعد أن بلغت هي الخمسين، تجاهلها عشيقها السابق، فعادت أدراجها إلى فلسطين حيث لم يُسمع عنها شيء بعد ذلك التاريخ.

ووجود بيرنيكي اليهودية (وجيش أخيها) إلى جوار تيتوس أثناء حملته على القدس لهدم الهيكل لم يُغيِّر شيئاً في خطته العسكرية التي كانت تمليها الاعتبارات الإسـتراتيجية الكبرى للإمبراطورية الرومانيـة. ربما لو كان تيتوس قد عدل عن تحطيم الهيكل في آخر لحظة (لاعتبارات خاصة بمصالح الإمبراطورية الرومانية) لانقض على هذه الواقعة أصحاب النماذج الاختزالية وتحدثوا عن نفوذ المرأة اليهودية، وكيف أن اليهود يستخدمون الجنس في تنفيذ مخططاتهم. بل ولأضافوا أن بيرنيكي، صاحبة الاسم اليوناني والسلوك الوثني والرؤية المنحلة، ظلت مع هذا يهودية تخدم المصالح اليهودية، وهو ما يدل (حسب رأيهم) على أن وظيفة اليهود ثابتة عبر الزمان والمكان. ولا تتحدث المراجع الصهيونية عن عبقرية بيرنيكي اليهودية في اصطياد الرجال بخاصة من فئة الملوك وقواد الجيوش.

ولم تكن بيرنيكي المرأة اليهودية الوحيدة التي لعبت دوراً في دهاليز النخبة الحاكمة. فقد تزوجت اختها دروسيلا من ملك يُدعَى عزيز في إميسيا (حمص). ويبدو أن إيزاط ملك حدياب في بابل (36 ـ 60م) تَهوَّد بسبب علاقته بامرأة يهودية.

ديفيـد باسيفيكو (1784-1854 (
David Pacifico
تاجر ودبلوماسي بريطاني يهودي وُلد في جبل طارق وأخذته أعماله التجارية إلى البرتغال حيث استقر عام 1812. ورغم أنه ظل من رعايا بريطانيا، إلا أنه نشط في السياسة المحلية البرتغالية وعُيِّن قنصلاً عاماً للبرتغال لدى المغرب في الفترة بين عامي 1835 و1837 ثم لدى اليونان في الفترة بين عامي 1837 و1842، ولكنه أُقيل من منصبه نتيجة خلافات مع الحكومة البرتغالية. كل هذا يدل على أن المارانو، حتى منتـصف القرن التاسع عـشر، وحتى بعـد ذلك التاريخ، كانوا لا يزالون يضطلعون بدورهم كممثلين للبلد الذي طردهم والذي ينتمون إليه لغوياً وحضارياً.

وقد ظل باسيفيكو في اليونان أعوام 1843 ـ 1847 مشتغلاً بالتجارة، ولكنه دخل عام 1847 في مواجهة خطيرة مع الحكومة اليونانية أسفرت عن مجئ الأسطول البريطاني إلى شواطئ اليونان وهو ما أثار ضجة كبيرة في أنحاء أوربا وداخل بريطانيا. ففي هذا العام منعت الحكومة اليونانية الجماهير المسيحية من إجراء الطقوس التقليدية لعيد الفصح، وهو إحراق تمثال خشبي يرمز إلى يهوذا، وذلك احتراماً لوجود أحد أفراد عائلة روتشيلد المالية اليهودية في أثينا لإجراء مفاوضات مع الحكومة اليونانية بشأن قرض. وقد استثار ذلك غضب الجماهير التي تظاهرت وهاجمت منزل باسيفيكو ودمرته وأحرقت أوراقه. وقد طالب باسيفيكو الحكومة اليونانية بتعويض قدره أكثر من 800 ألف دراخمة وأيده في ذلك ممثل إنجلترا لدى اليونان باعتبار أن باسيفيكو من رعايا بريطانيا. وقد رفضت الحكومة اليونانية طلبه بل قامت بمصادرة أملاكه. وإزاء ذلك، أمر بالمرستون، وزير الخارجية البريطاني آنذاك، الأسطول البريطاني بفرض حصار على ميناء بيريوس اليوناني Piraeus كما استولى البريطانيون على 200 سفينة يونانية. واستمر هذا الحصار من يناير 1850 حتى أبريل من العام نفسه عندما رضخت الحكومة اليونانية ودفعت لباسيفيكو تعويضاً قدره 150 ألف دراخمة.

وقد أثارت هذه الحادثة، التي تضمنت تحريك الأسطول البريطاني لمعاقبة حكومة مسيحية لصالح يهودي، ضجة كبيرة في أنحاء أوربا وداخل بريطانيا، فأعربت كلٌّ من روسيا وفرنسا وبروسيا عن غضبها البالغ وتشكلت في إنجلترا جبهة معارضة لبالمرستون حاولت إقصاءه من منصبه. وكان من بين أفراد هذه الجبهة السياسي البريطاني دزرائيلي (اليهودي الأصل). وقد دافع بالمرستون عن نفسه قائلاً: « إن أي إنسان من رعايا بريطانيا يجب أن يتأكد أينما وُجد أن ذراع إنجلترا الطويلة ستحميه من أية إساءة أو ظلم. وهذا الموقف يجب أن يسري على جميع الرعايا وضمن ذلك من يعتنق اليهودية منهم ». ورغم حديثه الليبرالي المعسول كانت لبالمرستون دوافع أخرى جعلته يُحرِّك الأسطول البريطاني ضد اليونان، فقد كان يسعى لتأديب وإذلال الأسرة المالكة البافارية التي كان أفرادها يحكمون اليونان، على حين مثلت قضية باسيفيكو ذريعة مواتية لتبرير هذا الإجراء. والواقع أن يهودية باسيفيكو أو عدم يهوديته لم تمثل أي اعتبار حقيقي في هذه الحادثة التي خضعت أولاً وأخيراً، سواء بالنسبة إلى الحادثة نفسها أو بالنسبة إلى الاعتراضات التي أثيرت بشأنها، لاعتبارات سياسية دولية أو لاعتبارات السياسة الداخلية البريطانية وصراعاتها. وقد تحرك الأسطول البريطاني دفاعاً عن باسيفيكو، لا بسبب قوة اللوبي اليهودي (فلم يكن هناك مثل هذا اللوبي) وإنما دفاعاً عن المصالح البريطانية.

بنيامــين دزرائيــلي (1804-1881)
Benjamin Disraeli
سياسي ورجل دولة بريطاني شهير. لعب، بوصفه رئيساً لوزراء بريطانيا، دوراً مهماً في رسم سياستها الخارجية والاستعمارية وترسيخ مصالحها في الشرق الأوسط، وهو الدور الذي تحدَّد على أساسه فيما بعد مصير مصر وفلسطين، وقد حظيت مهارته بمكانة بارزة في تاريخ السياسة البريطانية الاستعمارية. ومما له دلالته أن هذا الإمبريالي القح الذي وسَّع نطاق الإمبريالية الإنجليزية في الخارج، قام في الوقت نفسه بتوسيع نطاق الديموقراطية والعدالة الاجتماعية في الداخل.

وُلد دزرائيلي لعائلة بريطانية يهودية ذات أصول إيطالية سفاردية (مارانية). وكان اليهود السفارد في أوربا مختلفين عن الإشكناز، فرغم أن كليهما كان جزءاً من جماعة وظيفية، إلا أن السفارد كانوا يشكلون جزءاً من أرستقراطية مالية متقدمة مندمجة إلى حد ما في المجتمع، على عكس الإشكناز الذين كانوا جماعة وظيفية تضطلع بالوظائف الاقتصادية الوضيعة (الربا والتجارة الصغيرة) وتقف على هامش المجتمع. لكن اندماج السفارد أضعف هويتهم تماماً. ورغم أن اندماجهم في المجتمع لم يكن كاملاً (فالمجتمعات الغربية كانت لا تزال تدور في إطار مسيحي)، إلا أن عملية الاندماج، التي أدَّت في نهاية الأمر إلى الانصهار في حالة السفارد، كانت قد قطعت أشواطاً كبيرة. ويظهر ضعف الهوية في حادثة خروج والد دزرائيلي على اليهودية. فقد اختلف مع مجلس الماهاماد، الذي كان يتولى قيادة الجماعة اليهودية السـفاردية في لندن، حول مقدار الضرائب المقررة عليـه، فاستقال منه واعتنق المسيحية. وكان بنيامين في الثالثة عشرة من عمره، فعُمِّد ونُشِّئ تنشئة مسيحية.

وقد دخل دزرائيلي مجال السياسة وانتُخب عضواً في البرلمان عن حزب المحافظين عام 1837، كما تزعَّم حركة إنجلترا الشابة، وهي حركة رومانسية تستند إلى الإيمان بضرورة بناء قاعدة شعبية لحزب المحافظين الأرستقراطي واستقطاب الطبقات العاملة من خلال الإصلاحات الاجتماعية والسياسية. ومن الجدير بالذكر أن وضع دزرائيلي الاجتماعي والاقتصادي تَدعَّم بعد زواجه من أرملة مسيحية ثرية تكبره بنحو اثنى عشر عاماً وأصبح من ملاك الأراضي الأثرياء.

وفي عام 1852، أصبح دزرائيلي رئيساً لمجلس العموم. وفي عام 1868، أصبح رئيساً للوزراء، وهو منصب تقلده مرة أخرى في الفترة ما بين عامي 1874 و1880. وقد صدرت قرارات تشريعية عديدة في عهده ذات طابع ليبرالي مثل تنظيف الأحياء الشعبية والاعتناء بمؤسسات الصحة العامة وتحسين أحوال العمل في المصانع. وقد حقق دزرائيلي أهم إنجازاته في مجال السياسة الخارجية، فقد كان وراء الصفقة التي اشترت بريطانيا بمقتضاها نصيب مصر من أسهم قناة السويس في عام 1875، وذلك بمساعدة مالية من عائلة روتشيلد (اليهودية). وتُعتبَر هذه الصفقة من أهم خدماته للإمبراطورية البريطانية حيث حققت لها السيطرة الإستراتيجية على أهم الممرات المؤدية إلى الشرق. كما أعطت هذه الصفقة أهمية خاصة لمصر بالنسبة لبريطانيا والتي احتلتها في آخر الأمر. وقد أعقب كل هذا موافقة البرلمان الإنجليزي على منح الملكة لقب «إمبراطورة الهند». كما مُنح دزرائيلي لقب «إيرل أوف بيكونزفيلد» تقديراً لخدماته.

وقد تَبنَّى دزرائيلي سياسة تهدف إلى الحفاظ على الدولة العثمانية وإلى تأييدها في صراعها مع روسيا. وجاءت سياسته هذه في الواقع تعبيراً عن صراع القوى الأوربية الكبرى في تلك الفترة، ومن بينها بريطانيا وروسيا، للحصول على أكبر نصيب ممكن من تركة الإمبراطورية العثمانية. وبالتالي، جاء دعم بريطانيا لتركيا بهدف صد التوسع الروسي باتجاه الجنوب والذي كان يشكل تهديداً للممرات الحيوية المؤدية إلى الهند. وقد نجح دزرائىلي في مؤتمر برلين (عام 1878) في عدم المساس بوضع الدولة العثمانية، كما حصل لبريطانيا على قبرص التي كانت تُعتبَر البوابة لآسيا الصغرى. كما حصل للجماعات اليهودية في دول البلقان على بعض الحقوق والامتيازات. وقد اعتبر دزرائيلي هذا المؤتمر تتويجاً لحياته السياسية. وقيل إنه قدَّم، في هذا المؤتمر، مذكرة غير موقعة حول المسألة اليهودية تدعو إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين. وتبيَّن، فيما بعد، أن من قدمها شخص آخر.

لم تكن مسألة توطين اليهود في فلسطين غائبة عن ذهن دزرائيلي كما لم تكن غائبة عن أذهان الساسة البريطانيين المعاصرين له، وقد كانت أهمية فلسطين لبريطانيا تزداد مع تزايد مصالحها الإمبريالية وأطماعها في ثروات الشرق، ففلسطين كانت تشكل حلقة وصل برية بين الشرق والغرب، وبين آسيا وأفريقيا. وقد زاد ذلك من الأطماع البريطانية فيها، ومن ثم التوجه الصهيوني للسياسة البريطانية الخارجية، حتى قبل ظهور الحركة الصهيونية بين أعضاء الجماعة اليهودية.

كتب دزرائيلي عدة روايات ومؤلفات ليست لها أهمية أدبية كبيرة، ولا يتعرض معظمها للموضوع اليهودي مثل رواية سيبيل أو الأمّتان (1845) التي تصف الهوة الساحقة التي تفصل بين الفقراء والأغنياء في عصره ويُبيِّن أوضاع العمل غير الإنسانية في المصانع في ذلك الوقت. ومن بين رواياته التي تتعرض للموضوع اليهودي قصة داود الرائي المدهشة (1833) وهي عن ذلك الماشيَّح الدجال، ورواية كونينجسبي أو الجيل الجديد (1844) ويشرح فيها دزرائيلي أفكاره السياسية ويصف وضع اليهود (بشكل هامشي). أما رواية تانكريد أو الحرب الصليبية الجديدة (1847) فهي تدور حول حياة أرستقراطي بريطاني يسافر إلى القدس ليبحث عن شفاء لروحه من المادية الغربية. وفي السيرة التي كتبها دزرائيلي عن لورد جورج بنتتيك (1852) شرح نظريته الخاصة بتفوق العنصر السامي وروحانية اليهود التي تتبدَّى كلها في الكنيسة المسيحية! ولدزرائيلي روايات أخرى مثل إندميون.

ويمكننا الآن أن نتناول قضية هوية دزرائيلي اليهودية. ومن المعروف أن بعض معاصريه وجهوا له بعض الانتقادات حول سياسته الخاصة بمصير الدولة العثمانية إذ اتهموه بأنه يحدد هذه السياسة (وسياسة بريطانيا الخارجية بشكل عام) في ضوء موقفها من الجماعات اليهودية. وقد ساعد دزرائيلي بنفسه على ترسيخ صورته اليهودية، فقد كان يتباهى بأصله اليهودي العرْقي، كما أن دفاعه عن قضية إعتاق اليهود أمام البرلمان البريطاني كان ينبع من اعتقاده بأن اليهود يمثلون جنساً أكثر سمواً بين سائر الأجناس الأخرى في كثير من الصفات. ومن جهة أخرى تتخلل كتابات دزرائيلي فكرة صهـيونية مبهمة تدور حـول «الارتباط الأزلي لليهـود بأرض فلسطين». وقد اتهمه الروائي الروسي دوستويفسكي بأنه يُدبر مؤامرة يهودية لهزيمة روسيا ونصرة الدولة العثمانية. ومع هذا، يمكن أن نشير إلى ما يلي:

1 ـ كان دزرائيلي مبتعداً تماماً عن العقيدة اليهودية وشعائرها ورموزها، كما هو الحال مع بقية أعضاء الجماعة اليهودية في إنجلترا، خصوصاً السفارد منهم. وقد خرج أبوه على الجماعة لسبب واه ـ كما تَقدَّم ـ وعَمَّد ابنه. ويُلاحَظ أن دزرائيلي يُعرِّف اليهود تعريفاً عرْقياً لا دينياً لا علاقة له بالدين اليهودي.

2 ـ وكان دزرائيلي يرى اليهود شعباً عضوياً متماسكاً، له شخصيته المستقلة وتفوقه (التجاري في العادة) وارتباطه الأزلي بفلسطين، وهذا الخطاب الصهيوني لم يكن خاصاً بدزرائيلي وإنما كان جزءاً لا يتجزأ من الخطاب الغربي بشأن اليهود.

3 ـ ولم تكن سياسة دزرائيلي تجاه الدولة العثمانية سوى تعبير عن المصالح الإمبريالية ودفاع ذكي عنها. وبالتالي، فإن هوية من قام بتنفيذ هذه السياسة ليس أمراً مهماً على الإطلاق.

لكل هذا، ورغم اتهام أعدائه له بتحيزه اليهودي (بل واتهامه بأنه «يهودي متخفي») ورغم إدعاءاته هو عن نفسه، إلا أن سلوك دزرائيلي لا يمكن تفسيره على أساس يهوديته وإنما على أساس انتمائه للتشكيل الاستعماري الغربي. ولعل أدق وصف لدزرائيلي هو وصفه لنفسه بأنه يشبه الصفحة البيضاء التي تفصل العهد القديم عن العهد الجديد، أي أنه فَقَد هويته اليهودية ولم يكتسب الهوية المسيحية رغم تَنصُّره. وهو في هذا لا يختلف عن كثير من يهود المارانو (السفارد) الذين فقدوا هويتهم الدينية وتحولوا إلى عنصر أساسي نافع في التشكيل الرأسمالي الغربي والتشكيل الاستعماري الغربي (بشقّيه العسكري والاستيطاني).

ومما له دلالته أن الموسوعة البريطانية (ماكروبيديا) أفردت مدخلاً كاملاً طويلاً لتناول حياة دزرائيلي الخاصة والعامة، ولم يُشر إلا بشكل عابر في بداية المدخل لأصوله اليهودية، ثم أهملتها تماماً بعد ذلك، لأنها ليست ذات قيمة تفسيرية تُذكَر.

إســحق كرمييـه (1796-1880(
Isaac Cremieux
رجل دولة فرنسي. تلقَّى تعليماً فرنسياً علمانياً في مدارس الليسيه الإمبراطورية حيث كان من أوائل الطلبة اليهود الدارسين بها، ثم درس القانون بعد ذلك، وأصبح خلال فترة دراسته من أشد المعجبين بنابليون. اشتغل عام 1817 بالمحاماة واكتسب سمعة طيبة في هذا المجال بفضل مهارته القانونية، وكان من أشد المؤيدين لقضايا الليبرالية حيث ترافع في عديد من المحاكمات السياسية أثناء فترة عودة الملكية. وبعد قيام ثورة عام 1830، انتقل إلى باريس حيث تعاون مع العناصر الليبرالية في نشاطها المعادي لحكم الملك لويس فيليب وطالب بحرية الصحافة. وفي الفترة بين عامي 1842 و1846 انتُخـب نائباً في البرلمان الفـرنسي حيث كان من قادة المعارضة. واشترك كريمييه في ثورة 1848، وتولى منصب وزير العدل في الحكومة الجديدة لعدة أشهر حيث عمل على إدخال عدة إصلاحات من أهمها إلغاء نظام الرق في المستعمرات الفرنسية وإلغاء عقوبة الإعدام في القضايا السياسية. ودخل البرلمان مرة أخرى خلال الجمهورية الثانية وظل نائباً حتى عام 1852، ثم ابتعد عن الحياة السياسية في فرنسا منذ ذلك العام نظراً لخلافه مع إدارة لويس نابليون، وبقي كذلك حتى عام 1869 حينما دخل البرلمان مرة أخرى. وقد تولى كريمييه منصب وزير العدل مرة أخرى عام 1870 في الحكومة الانتقالية التي حلت محل حكم لويس نابليون بعد هزيمته العسكرية في العام نفسه. كما انتُخب كريمييه عام 1871 نائباً ممـثلاً للجزائر، ثم انتُخب عام 1875 عضواً لمجلس الشيوخ مدى الحيـاة.

وظل كريمييه مهتماً بالقضايا الخاصة بالجماعات اليهودية سواء في فرنسا أو خارجها، فعمل منذ عام 1827 على إلغاء القَسَم اليهودي في فرنسا (الذي ألغي بالفعل عام 1846)، وتعاون مع موسى مونتيفيوري عام 1840 بشأن حادثة دمشق، واشترك عام 1866 في الدفـاع عن بعـض اليهـود المتهـمين في قضـية قتل في روسيا، كما اهتم بالقضايا الخاصة بحقوق يهود رومانيا، وعمل من خلال مؤتمر برلين عام 1878 على دعم قضية إعتاق يهود دول البلقان. وقد اختير كريمييه عام 1863 رئيساً للأليانس إسرائيليت يونيفرسل، وعمل بها حتى عام 1866، ثم مرة أخرى من عام 1868 وحتى وفاته. كما أصدر كريمييه عام 1870، عندما كان وزيراً للعدل، قانون كريمييه الذي منح الجنسية الفرنسية لأعضاء الجماعة اليهودية في الجزائر.

ورغم اهتمام كريمييه بالقضايا اليهودية، إلا أن هذا الاهتمام كان مرتبطاً في المقام الأول بمصالح الدولة الفرنسية. والواقع أن منحه الجنسية الفرنسية ليهود الجزائر، والذي اعتُبر من نجاحاته الكبرى في مجال القضايا اليهودية، كان إجراءً يهدف إلى تحويل يهود الجزائر إلى جماعة وظيفية استيطانية تزيد الكثافة السكانية الفرنسية، ومن ثم تخدم مصالح الاستعمار الفرنسي في الجزائر. كما أن نشاط الأليانس إسرائيليت، التي تولى رئاستها، كان يهدف أيضاً إلى صبغ أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي بصفة عامة، ودول المغرب العربي بصفة خاصة، بالثقافة الفرنسية وتحويلهم إلى جماعات وظيفية وسيطة تعمل في مؤسسات الاحتلال الفرنسي وتدين له بالولاء وتخدم مصالحه في المنطقة. ومن الجدير بالذكر أن كريمييه اضطر عام 1845 إلى التخلي عن منصبه كرئيس للمجلس الكَنْسي المركزي اليهودي في باريس بعد أن تبيَّن أنه سمح لزوجته بتنصير أبنائهما. وكان كريمييه نشطاً في الحركة الماسونية في فرنسا وكان من أبرز قياداتها.


ديفيــد يولــي (1810-1886(
David Yulee
سياسي أمريكي وأول عضو يهودي في مجلس الشيوخ الأمريكي. وُلد في جزيرة سانت توماس ببحر الكاريبي. وفي عام 1818، انتقل إلى الولايات المتحدة مع والده الذي كان من أوائل من استوطنوا ولاية فلوريدا الأمريكية. وقد أدار يولي إحدى مزارع والده ثم درس القانون وأصبح محامياً عام 1832، ثم انخرط في السياسة وانتُخب عام 1837 عضواً بالهيئة التشريعية الإقليمية. وفي عام 1838 اشترك يولي في المؤتمر الذي وضع دستور فلوريدا. وشارك بحماس في الحملة المطالبة بانضمام فلوريدا إلى اتحاد الولايات الأمريكية. وبعد انضمامها عام 1845، انتُخب يولي ليكون أول عضو في مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية فلوريدا، كما أصبح أول عضو يهودي به، وظل عضواً بالمجلس حتى عام 1851 وأعيد انتخابه مرة أخرى عام 1855 وحتى عام 1861. وقد أيد يولي نظام العبودية في الولايات المتحدة بشدة ورفض إلغاءه، كما رفض إلغاء عقوبة الجلد في البحرية الأمريكية، وكان من أشد من دافعوا عن حق البيض في الاستيطان (وخصوصاً خلال حروب السيمينول، وهي الحروب التي دارت بشكل متقطع بين عامي 1817 و1858 والتي شنها الجيش الأمريكي ضد قبائل السيمينول من الهنود الحمر لإرغامهم على التخلي عن أراضيهم وإفساح المجال أمام استيطان الرجل الأبيض). وقد أيَّد يولي انفصال فلوريدا عن الاتحاد عام 1861، واشترك في كونجرس اتحاد ولايات الجنوب أثناء الحرب الأهلية الأمريكية. وبعد هزيمة الجنوب، سُجن لمدة عام خرج بعدها ليعتزل السياسة ويتفرغ لأعمال إعادة بناء خطوط السكك الحديدية في فلوريدا، وهي عملية حقق من خلالها مكاسب كثيرة. وقد تزوج يولي عام 1846 من ابنة حاكم سابق لولاية كنتاكي، وبعد زواجه مباشرةً أضاف اسم يولي إلى اسمه الذي كان حتى ذلك الحين ديفيد ليفي فقط. وبرغم أنه لم يعتنق المسيحية بشكل رسمي، إلا أنه كان يذهب إلى الكنيسة كما قام بتنشئة أبنائه على العقيدة المسيحية.
ولا يمكن الحديث عن ديفيد يولي في إطار المصالح اليهودية الخاصة. فسيرته السياسية لا تختلف عن سيرة كثيرين غيره من رجال السياسة الأمريكيين الذين راهنوا على الجانب الخاطئ في الحرب الأهلية الأمريكية.
جوليوس فوجل (1835-1899)
Julius Vogel
رئيس وزراء نيوزيلندا. وُلد في إنجلترا لأسرة يهودية، واشتغل في تجارة جدِّه الثري، ثم انتقل إلى أستراليا عام 1852 بعد اكتشاف الذهب هناك. ولكنه لم ينجح في مجال التنقيب عن الذهب واتجهت اهتماماته بعد ذلك نحو السياسة والصحافة، فهاجر عام 1861 إلى نيوزيلندا حيث قام بتحرير أول جريدة يومية في المستعمرة. وفي عام 1863 انتُخب عضواً في مجلس مقاطعة أوتاجو، كما انتُخب في العام نفسه عضواً في مجلس النواب ليصبح أول عضو يهودي به. وقد عارض خلال عضويته في المجلس تعليم الدين في المدارس. كما ظهرت كفاءته في الشئون المالية، الأمر الذي أدَّى إلى تعيينه وزيراً للمالية بالمستعمرة عام 1869. وقد اكتسب مكانة واحتراماً كبيراً بفضل مفاوضاته الناجحة مع الحكومة البريطانية للحصول على القروض اللازمة لفتح البلاد للاستيطان وتمويل مشاريع بناء الطرق والسكك الحديدية. وفي عام 1873 أصبح رئيساً للوزراء حتى عام 1875. وفي الفترة ما بين عامي 1876 و1881 أصبح وكيلاً عاماً لنيوزيلندا في إنجلترا، ثم عاد إلى نيوزيلندا عام 1884 ليتولى وزارة المالية مرة أخرى، ولكن سياسته تعرضـت لانتقـادات حـادة الأمـر الذي دفعـه إلى الاستقالة عام 1887. وكان قد سبق أن تعرض للهجوم عام 1880 (أثناء وجوده في إنجلترا) بسبب تَورُّطه في فضيحة خاصة بشركة نيوزيلندا الزراعية التي كانت تقوم ببيع الأراضي للراغبين في الهجرة. وفي عام 1888 انتقل فوجل إلى إنجلترا حيث استقر بصفة دائمة حتى وفاته.

ويُعدُّ فوجل من أبرز رجال السياسة والدولة في نيوزيلندا، حيث نجح في تطويرها اقتصادياً وفي توسيع رقعة الاستيطان بها، وقد مُنح فوجل لقب «سير» عام 1875. وهو نموذج جيد لليهودي الغربي الذي يفقد ما يُميِّزه كيهودي أو يُهمِّشه ليصبح جزءاً لا يتجزأ من التشكيل الحضاري الاستعماري الغربي، خصوصاً الأنجلو ساكسوني.

أيزاك أيزاكس (1855-1948(
Isaac Isaacs
رجل دولة أسترالي يهودي، عمل حاكماً عاماً لأستراليا. وُلد في ملبورن لأبوين من أصل بولندي هاجرا إلى أستراليا بعد اكتشاف الذهب بها. ودرس القانون في جامعة ملبورن وتَخرَّج ليشتغل بالمحاماة واكتسب سمعة طيبة بفضل كفاءته القانونية. وفي عام 1892 انخرط في العمل السياسي حيث انتُخب عضواً في البرلمان وظل عضواً به حتى عام 1901. وفي عام 1894 عُيِّن نائباً عاماً. وقد اشترك أيزاكس في المداولات التي مهدت لتشكيل الحكومة الفدرالية في أستراليا، وكان عضواً في اللجنة التي وضعت الدستور. كما انتُخب عام 1901 عضواً في أول برلمان فيدرالي وساهم في تنظيم النظام القضائي الفيدرالي. وفي عام 1906 عُيِّن قاضياً في المحكمة الفيدرالية العليا حيث خدم حتى عام 1930 حينما عُيِّن في منصب كبير القضاة في أستراليا. وفي عام 1931 عُيِّن أيزاكس حاكماً عاماً لأستراليا ليصبح أول شخص أسترالي المولد يتولى هذا المنصب الذي احتفظ به حتى عام 1936. وحصل أيزاكس على لقب «سير» عام 1928.

وقد عارض أيزاكس الصهيونية بشدة واعتبر اليهودية عقيدة دينية رافضاً أي مضمون قومي أو سياسي لها، ونشر عام 1943 سلسلة من المقالات في جريدة يهودية أدان فيها الصهيونية السياسية وأكد أن اليهود مواطنون عاديون يتجه ولاؤهم إلى أستراليا أو إلى غيرها من الدول التي ينتمون إليها واعتبر كل من يخالف هذا الرأي خائناً. وقد أيَّد أيزاكس سياسة الحكومة البريطانية في فلسطين واعتبر الاعتراضات التي أثيرت عام 1941 حول سياسة الكتاب الأبيض البريطانية في فلسطين عملاً يتنافى مع الانتماء لأستراليا. والبُعد اليهودي في تفكير أيزاكس وسلوكه كان قد تقلص تماماً واختفى، إذ أن ما كان يحركه هو انتماؤه لكلٍّ من إنجلترا والتشكيل الاستعماري الاستيطاني الأنجلو ساكسوني في أستراليا.

عمانويــل قاراصــو (1862-1934(
Emmanuel Carasso
محام وسياسي تركي من يهود الدونمه، من أعضاء حركة تركيا الفتاة وأحد قادة الحركة الماسونية. وُلد في سالونيكا، وحاضر في جامعتها، وانضم في عهد السلطان عبد الحميد إلى حركة تركيا الفتاة حيث كان واحداً من أبرز أعضائها ، وبعد استيلاء الحركة على السلطة عام 1908 انتُخب نائباً في البرلمان التركي كما ترأس اللجنة الرباعية التي تولت مهمة إبلاغ السلطان عبد الحميد بقرار خلعه. وفي عام 1912 كان عضواً في اللجنة البرلمانية التي تولت إجراء مفاوضات السلام مع إيطاليا. وخلال الحرب العالمية الأولى، لعب قاراصو دوراً سياسياً مهماً في إستنبول، ومُنح مقابل خدماته حق تصدير السلع التركية إلى ألمانيا، الأمر الذي مكَّنه من جمع ثروة ضخمة. ومع وصول كمال أتاتورك إلى الحكم عام 1923، فقد قاراصو مكانته، ويُقال إنه لعب دوراً مهماً في مساعدة الاحتلال الإيطالي نظير مبلغ من المال دفعته إليه إيطاليا واضطُر نتيجة خيانته للدولة التركية إلى أن يهرب إلى إيطاليا ويحصل على حق المواطنة الإيطالية حيث عاش في فقـر وعزلة حتى وفاته.

ويمكن ملاحظة ما يلي:

1 ـ أن قاراصو لم يكن يهودياً حاخامياً، وإنما كان من يهود الدونمه وهم جماعة خارجة على اليهودية، ولا يعتبرها الحاخاميون يهوداً، كما أن معظم أعضاء الجماعة اليهودية الذين لعبوا دوراً نشطاً في حركة كمال أتاتورك كانوا من يهود الدونمه.

2 ـ أن قاراصو فقد حظوته لدى كمال أتاتورك، ثم مات فقيراً، وهذا ما يُهمَل ذكره في كثير من الدراسات، حتى يبدو أعضاء الجماعات اليهودية كما لو كانوا المحركين لكل شيء والمسئولين عن سـقوط الخلافة العثمانية، مع أن أسباب سقوطها كانت أسباباً تاريخية مركبة. ومما لا شك فيه أن ثورة الأقليات والجماعات العرْقية والدينية والإثنية على الدولة العثمانية كانت ضمن مركب الأسباب الذي أدَّى إلى سقوطها. ولكن الجماعة اليهودية لم تكن سوى أقلية واحدة ضمن أقليات أخرى أكثر عدداً وفعالية. كما أن موقف أعضـاء الجمـاعات اليهـودية من الدولة العثمانية لم يكن موحَّداً، وإنما انقسموا بين مؤيد ومعارض، تماماً مثل بقية أعضاء المجتمع العثماني وطبقاته.

هربـرت صمـويل (1870-1963(
Herbert Samuel
سياسي بريطاني يهـودي، وأول مندوب سام بريطاني في فلسطين. وُلد لعائلة يهودية أرثوذكسية تعمل بتجارة الذهب والأعمال المالية (كان أبوه شريكاً في شركة صمويل ومونتاجو). وقد تلقَّى تعليمه في جامعة أكسفورد، وانضم إلى الحزب الليبرالي ورشح نفسه للانتخابات ونجح (عام 1902). وتدرج صمويل في عدد من الوظائف إلى أن أصبح وزيراً في الوزارة البريطانية، وكان بذلك أول إنجليزي يهودي يشغل مثل هذا المنصب.
بدأ صمويل اهتمامه بالأمور اليهودية حين عيَّنته الحكومة البريطانية في بعثة خاصة لتقصي أحوال يهود اليديشية الذين كانوا يتوافدون على إنجلترا بأعداد متزايدة. كما دخل في نقاش على صفحات الجرائد مع السفير الروسي في إنجلترا بشأن تهمة الدم التي وُجِّهت لليهودي الروسي منديل بليس. وقد اهتم صمويل بالشئون الاجتماعية وكان مسئولاً عن إصدار قانون تعويض العمال، كما كان مسئولاً عن إصدار ميثاق للأطفال.

كان صمويل، باعتباره يهودياً مندمجاً، يرى أن الحل الصهيوني حل غير عملي وضد مصالح اليهود، ولذا كان مشـهوراً بعدائه للصهيونية. ولكن، مع ظهور تلك البوادر التي دلت على أن الدولة العثمانية ستُهزَم، اكتشف صمويل، شأنه شأن جميع الصهاينة اليهود غير اليهود، إمكانية حل المسألة اليهودية عن طريق توطين اليهود في إطار الدولة الوظيفية التابعة للغرب، وهو تَغيُّر في موقف صمويل لم يتوقعه أو يلحظه وايزمان. ولذا، حين اقترح لويد جورج على وايزمان (بعد عودته من سويسرا مع اندلاع الحرب العالمية الأولى) أن يجتمع بصمويل، رفض وايزمان ذلك ظناً منه أن صمويل لا يزال معادياً للصهيونية، ولكنه اضطر إلى أن يقبل على مضض ليفاجأ بأن صمويل يؤيد المشروع الصهيوني. بل والأدهى من ذلك أنه حينما تَقدَّم إليه وايزمان بالمطالب الصهيونية، أخبره صمويل بأنها مطالب متواضعة للغاية وأن عليه أن يفكر بشكل أكبر، وذُهل الزعيم الصهيوني (من شرق أوربا) وقال إنه لو كان مؤمناً بالعقيدة اليهودية لظن أن تَحوُّل صمويل هو إحدى علامات مَقْدم الماشيَّح.

وقد كتب صمويل مذكرة (عام 1915) مررها على أعضاء الوزارة البريطانية تنطلق من افتراض أن تركيا ستُهزَم، واقترح فيها إنشاء محمية إنجليزية في فلسطين بعد الحرب وتشجيع الاستيطان اليهودي فيها، وإعطاء الأولوية للهجرة اليهودية ولبناء مؤسسات استيطانية تساعد في نهاية الأمر على توطين جماعة يهودية يبلغ عددها ثلاثة ملايين تصبح مكتفية ذاتياً إلى أن تشكل دولة ذات سيادة تكون مركزاً لحضارة جديدة وتنظر في الوقت ذاته بعين الاعتبار للمصالح البريطانية في المنطقة. وقد جذبت المذكرة اهتمام لويد جورج، لكن رئيس الوزراء إسكويث لم يكن متحمساً بقدر كاف. وحين تولَّى لويد جورج رئاسة الوزارة (التي كانت تضم بلفور)، قرر تَبنِّي هذا المشروع الذي سُمِّي «وعد بلفور». وبسبب اهتماماته الاستعمارية، عُيِّن صمويل أول مندوب سام بريطاني في فلسطين عام 1920 (أي بعد وضعها تحت الانتداب). وفي أغسطس من العام نفسه، استصدر قانون الهجرة الذي سمح لـ 16.500 يهودي بدخول فلسطين. ولكن، بسبب رد الفعل العربي الرافض، عدلت بريطانيا عن سياستها قليلاً وبدأت تتحرك في إطار مفهوم القوة الاستيعابية للبلد. ولكن، ومع هذا، زاد عدد السكان اليهود في الفترة 1918 ـ 1925 من 105 آلاف إلى 118 ألفاً. وقد ساعد صمويل النشاط الاستيطاني الصهيوني على مستويات أخرى عديدة من بينها الاعتراف بالمؤسسات السياسية الصهيونية في فلسطين والاعتراف باللغة العبرية كإحدى اللغات المحلية في فلسطين. وقد زاد عدد المستوطنات الصهيونية في عهده من 44 إلى 100 مستوطنة.

وقد استمر اهتمامه بالمُستوطَن الصهيوني بعد تركه منصبه، فكان رئيساً لشركة فلسطين للكهرباء، ورئيساً للجامعة العبرية. وقد هاجم صمويل الكتاب الأبيض لعام 1939، كما هاجم سياسة بيفين المعادية للصهيونية.

وكان هربرت صمويل زعيماً للحزب الليبرالي في مجلس اللوردات بين عامي 1924 و1955، وله مؤلفات عديدة في الفلسفة الليبرالية.

وصمويل نموذج جيد للصهيوني اليهودي غير اليهودي الذي لا تختلف رؤيته لليهود عن رؤية أي منتم للحضارة الغربية، فهو لا يهتم بالإثنية اليهودية ولا بالمصالح اليهودية ولا بالتاريخ اليهودي ولا بالعقيدة اليهودية: إنه يهودي مندمج تماماً يود الحفاظ على وضعه. ولكنه، شأنه شأن أي سـياسي غربـي، كان ينظر إلى اليهــود من الخـارج ويراهم كمادة بشرية نافعة يمكن أن تُوظَّف لصالح الحضارة الغربية.

ويبـدو أن قطـاعات من أعضـاء الجماعات اليهودية في فلسطين وخارجها صنفت صمويل باعتباره أول حاكم يهودي لفلسطين منذ سقوط الهيكل. وهذا التصنيف لا يأخذ في اعتباره التكوين الثقافي أو السياسي لدى صمويل ولا الإطار الذي تم فيه تقليده منصبه. فقد كان صمويل، في واقع الأمر، مندوب الإمبراطورية البريطانية لدى اليهود، وليس مندوب اليهود لدى الإمبراطورية البريطانية.

ليــون بلـوم (1872-1950)
Leon Blum
رجل دولة وكاتب فرنسي، كان أول يهودي واشتراكي فرنسي يتولى رئاسـة وزراء فرنسـا. وُلد لعائلة يهـودية تجـارية ثـرية في باريس، ودرس القانون في جامعة السوربون ونجح في تحقيق مكانة مرموقة كرجل قانون حيث عُيِّن في مجلس الدولة عام 1895 ووصل إلى أعلى المناصب فيه. كما كان يُعَدُّ، وهو مازال في الثانية والعشرين من عمره، من الكتاب والأدباء الفرنسيين اللامعين في تلك الفترة. وقد كتب عدة مؤلفات من بينها كتابه في الزواج (1907) الذي أثار ضجة واسعة بسبب آرائه الجريئة حول الزواج وحقوق المرأة.

وقد تأثر بلوم بقضية دريفوس واشترك عام 1896 في الحملة من أجل إطلاق سراحه. وكانت هذه القضية من العوامل التي دفعته إلى العمل السياسي حيث انضم عام 1898 إلى الحزب الاشتراكي وساهم في جريدته لومانيتيه ككاتب وناقد أدبي. وقد أصبح بلوم بعد الحرب العالمية الأولى من الزعماء البارزين للحزب، وانتُخب في البرلمان الفرنسي عام 1919. وعمل بلوم على إعادة بناء الحزب بعد انشقاق العناصر الشيوعية عنه في عام 1920، ويُعتبَر بذلك أحد المؤسسين الرئيسيين للحزب الاشتراكي الفرنسي الحديث. وقد أعيد انتخابه في البرلمان عامي 1924 و1929. ونجح عام 1936 في أن يصبح رئيساً لوزراء فرنسا بعد أن نجحت جبهة واسعة من الأحزاب اليسارية في الانتخابات. وقد أدخلت حكومته بعض الإصلاحات الاجتماعية الواسعة واتخذت إجراءات تأميمية في قطاعي المال والتجارة. وقد اتُهم بلوم من جانب قوى اليسار الفرنسي بمهادنة دول المحور بسبب تَبنِّيه سياسة عدم التدخل في الحرب الأهلية الإسبانية، كما واجه معارضة شديدة من رجال الصناعة بسبب إصلاحاته الاجتماعية والعماليــة. وقــد اضطُــر بلوم عام 1937 إلى الاستــقالة من منصـبه وعمل نائباً لرئيس الوزراء في حكومة الجبهة الشعبية ثم رئيساً للوزراء مرة أخرى عام 1938.

وقد أُلقي القبض عليه بعد سقوط فرنسا في أيدي الألمان عام 1940، وظل في معسكر اعتقال ألماني حتى عام 1945. ولكنه عاد إلى فرنسا في العام نفسه، وشَكَّل عام 1946 حكومة انتقالية اشتراكية ظلت في الحكم شهراً واحداً فقط. وابتعد بلوم بعد ذلك عن الحياة العامة فيما عدا فترة قصيرة (عام 1948) عمل خلالها نائباً لرئيس الوزراء. ويُعتبَر بلوم من أبرز الشخصيات في الحركة العمالية الفرنسية ومن مؤسسي الدولية الاشتراكية خلال الفترة بين الحربين العالميتين.

وقد كان بلوم من مؤسِّسي اللجنة الاشتراكية من أجل فلسطين عام 1928، وقَبل دعوة وايزمان للانضمام إلى الوكالة اليهودية كممثل ليهود فرنسا، ولعب بلوم دوراً مهماً في التأثير على تصويت الحكومة الفرنسية في الأمم المتحدة والمؤيد لقرار تقسيم فلسطين. ولا يمكن تفسير سلوك بلوم في إطار المصالح اليهودية الخالصة أو النفوذ اليهودي، فباستثناء بعض التفاصيل اليهودية الهامشية في حياته، نجد أن حياته السياسية وتوجهاته الفكرية لا تختلف عن حياة وتوجهات أي سياسي اشتراكي فرنسي آخر.

بيـير منديــس فرانـــس (1907-1982(
Pierre Mendes-France
رجل دولة فرنسي وُلد في باريس لعائلة يهودية من المارانو، وتلقى تعليماً فرنسياً علمانياً. فدرس القانون في جامعة السوربون حيث كتب رسالته الجامعية عام 1928، ووجَّه فيها انتقادات حادة للسياسات المالية للحكومة آنذاك، وطالب باقتصاد أكثر عدلاً وبدور أكبر للدولة. وحظيت الدراسة باهتمام واسع بين رجال القانون والاقتصاد والسياسة في فرنسا كما نالت إعجاب الأحزاب اليسارية الفرنسية، وأصبح منديس فرانس من المستشارين الماليين للحزب الراديكالي. واتسم فكره بالعقلانية الشديدة وبابتعاده عن أية تصورات مثالية، كما تأثر بالفكر الاقتصادي لكينز. وقد انتُخب منديس فرانس عام 1932 ليكون أصغر نائب في البرلمان الفرنسي، وأُعيد انتخابه مرة أخرى في عام 1936. وعمل فرانس في حكومة الجبهة الوطنية تحت رئاسة ليون بلوم عام 1938 نائباً لوزير الخزانة حيث عمل على تطبيق سياساته الاقتصادية.

وبعد سقوط فرنسا في أيدي الألمان عام 1940، رحل منديس فرانس إلى المغرب حيث حاول تنظيم المعارضة ضد حكومة فيشي، ولكن تم إلقاء القبض عليه وترحيله إلى فرنسا حيث نجح في الفرار عام 1941 إلى إنجلترا، وانضم إلى حركة الفرنسيين الأحرار تحت قيادة ديجول الذي عينه فيما بعد في منصب المندوب المالي للجزائر. وقد تولى منديس فرانس منصب وزير الشئون الاقتصادية في الحكومة المؤقتة بين عامي 1944 و1945، إلا أنه استقال بسبب الخلافات حول السياسات الاقتصادية. وعُيِّن عام 1946 في منصب المدير الفرنسي للبنك الدولي للإنشاء والتعمير. وفي عام 1954، نجح منديس فرانس في الوصول إلى رئاسة الوزراء وعمل من خلال هذا المنصب على إنهاء الوجود الفرنسي في الهند الصينية بعد هزيمة قوات الاستعمار الفرنسي أمام قوى التحرر الوطني في المنطقة. ثم قدَّم استقالته عام 1955 إثر فشل سياسته الخاصة بمنح الاستقلال للمغرب وتونس. وعاد منديس فرانس مرة أخرى وزيراً بلا وزارة في حكومة الجبهة الجمهورية عام 1956، إلا أنه استقال بعد عدة أشهر بسبب خلافه مع رئيس الوزراء حول السياسة الفرنسية بشـأن الجـزائر إذ كان يرى ضرورة الاستمرار في ضم الجزائر إلى فرنسـا.

وقد ظل منديس فرانس شخصية مهمة في السياسة الفرنسية، كما كان من المؤيدين للصهيونية وإسرائيل. وقد أيَّد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ولكن موقفه هذا كان ينبع في المقام الأول من كونه سياسياً فرنسياً حريصاً على حماية المصالح الفرنسية والغربية في فترة اتسمت بانحسار الاستعمار ونمو قوى التحرر الوطني في بلاد آسيا وأفريقيا والعالم العربي. وقد كان منديس فرانس من المؤيدين لفتح الحوار بين العرب وإسرائيل في الفترة 1968 - 1973.

برونـو كرايسكي (1911-1990)
Bruno Kreisky
رجل دولة نمسـاوي وأول يهودي يتولى منصـب مسـتشار النمسـا. وُلد في فيينا وكان والده تاجر منسوجات ثرياً. انضم كرايسكي في سن مبكرة إلى الحزب الاشتراكي. وعندما مُنع الحزب من مزاولة نشاطه عام 1934، اشترك كرايسكي في نشاطه السري وتم إلقاء القبض عليه عام 1935 وحُكم عليه بالسجن ستة عشر شهراً. وفي عام 1938، تَخرَّج في جامعة فيينا. وبعد أن قامت ألمانيا النازية بضم النمسا إليها، طُرد كرايسكي واستقر في السويد حيث عمل كمراسل أجنبي. ومع نهاية الحرب، التحق بالسلك الدبلوماسي النمساوي واشتغل في سفارة بلاده في السويد. وفي عام 1951، عاد إلى النمسا حيث عُيِّن مساعداً للرئيس النمساوي الاشتراكي، ثم أصبح عام 1953 وكيل وزارة الخارجية ولعب دوراً أساسياً في المفاوضات التي جرت مع الاتحاد السوفيتي والتي أُبرمَت بمقتضاها معاهدة النمسا عام 1955 والتي أعطت النمسـا اسـتقلالها مقابل تعهدها بالحيـاد الدائم. ومنذ عام 1959، وحتى عام 1966، أصبح كرايسكي وزيراً للخارجية. وفي عام 1967، اختير رئيساً للحزب الاشتراكي وزعيماً للمعارضة، فقاد حزبه للحكم عام 1970 وتولى منصب مستشار النمسا. وقد حققت النمسا في ظل حكمه قدراً كبيراً من الرخاء الاقتصادي، كما لعب دوراً متميِّزاً في السياسة الدولية، خصوصاً في علاقة الشرق بالغرب والشمال بالجنوب.

كتب كرايسكي كتابه النمسا بين الشرق والغرب (1968)، الذي اتهم فيه إسرائيل باحتكار تعاطف الأحزاب الاشتراكية وتأييدها بسبب عقدة الذنب تجاه اليهود بعد الإبادة النازية، وبيَّن أن الوقت قد حان لتتخلص هذه الأحزاب من هذا الاحتكار الإسرائيلي وهذا الإحساس بالذنب. كما حثّ كرايسكي أوربا على ضرورة القيام باتصالات مع العالم العربي لتحقيق حل سلمي للشرق الأوسط. ورفض كرايسكي مفهوم الأمة اليهودية الواحدة، فاليهودية بالنسبة له عقيدة وليست انتماءً عرْقياً.

وقد لعب كرايسكي أيضاً دوراً بارزاً في قضايا الشرق الأوسط يتسم بقدر من التوازن، وهو ما جعله هدفاً لانتقادات حادة من جانب إسرائيل. ففي عام 1973 قَبل كرايسكي مطالب مجموعة من الفدائيين الفلسطينيين الذين استولوا على قطار نمساوي يحمل عدداً من اليهود السوفييت المهاجرين إلى إسرائيل وطالبوا بوقف الهجرة اليهودية المارة عبر فيينا إلى إسرائيل. وقد أثار ذلك غضب إسرائيل ووصفت جولدا مائير كرايسكي بأنه يهودي كاره لنفسه. وفي عام 1980، كان كرايسكي أول زعيم غربي يلتقي بياسر عرفات ويمنح منظمة التحرير الفلسطينية اعترافاً دبلوماسياً على أرض الواقع (دي فاكتو). كما عمل على تخفيف موقف الدولية الاشتراكية (المتحيِّز) لإسرائيل وعلى تبنيها موقفاً أكثر حياداً. وفي الوقت نفسه، حثّ منظمة التحرير الفلسطينية على الاعتراف بوجود إسرائيل نظير اعتراف إسرائيل بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة، أي أن الحل الذي اقترحه هو الاعتراف المُتبادَل بين الدولتين على أساس قرار 242. كما ساهم كرايسكي عدة مرات في بعض المفاوضات التي جرت من وراء الكواليس للإفراج عن الرهائن والأسرى الإسرائيليين لدى بعض المجموعات الفدائية الفلسطينية.

وقد استقال كرايسكي من منصب المستشارية ثم من رئاسة الحزب الاشتراكي عام 1983 بعد أن فشل حزبه في الحصول على أغلبية مطلقة في الانتخابات.

هــنري كيـسنجر (1923 (
Henry Kissinger
عالم سياسة أمريكي، وأول أمريكي يهودي يتولى منصب وزير الخارجية الأمريكية، وكذلك أول أمريكي غير أمريكي المولد يتولى هذا المنصب. وُلد في مقاطعة بافاريا في ألمانيا، وقضى صباه في ظل الحكم النازي حيث طُرد مع أخيه من المدارس الحكومية، كما طُرد والده من وظيفته كمعلم. وفي عام 1938، رحل كيسـنجر مع أسـرته إلى الولايــات المتحـدة حيث استقروا في نيويورك. وجُنِّد في الجيش الأمريكي عام 1943 ثم عمل في المخابرات حتى عام 1946، وخدم في ألمانيا كمترجم وكمدرس في المدرسة الأوربية لقيادة المخابرات.

وبعد الحرب، درس في هارفارد ثم انضم إلى هيئة التدريس وتدرَّج في السـلم الأكاديمي حتى حصل على درجة الأسـتاذية عام 1962. واكتسب كيسنجر مكانة مهمة كمفكر مختص في شئون الدفاع والأمن القومي وكتب عدة كتب مهمة في هذا المجال. وعمل كيسنجر مسـتشـاراً لعدة رؤساء أمريكيين (أيزنهاور، وكنيدي، وجونسون). وفي عام 1968، عمل بصفة دائمة في شئون الرئاسة الأمريكية. وحين عمل مستشاراً للرئيس نيكسون للأمن القومي، اتسمت علاقتهما بقدر كبير من التفاهم وأتاح نيكسون لكيسنجر مساحة كبيرة من حرية العمل. وقد اكتسب كيسنجر سمعة عالمية من خلال تمهيده للزيارتين التاريخيتين التي قام بهما الرئيس الأمريكي نيكسون إلى الصين والاتحاد السوفيتي عام 1972، وتدشينه سياسة الوفاق الدولي مع الاتحاد السوفيتي وتَوصُّله لمعاهدة الحد من الأسلحة الإستراتيجية الأولى (سولت) عام 1972.

ومع انتهاء حرب فيتنام، وجَّه كيسنجر اهتمامه نحو الشرق الأوسط حيث كانت الإدارة الأمريكية تسعى إلى الحد من النفوذ السوفيتي في المنطقة وتقليصه في نهاية الأمر من خلال خلق وجود أمريكي متزايد في العالم العربي وضمان استمرار تدفق النفط العربي إلى الغرب. وبالفعل، لعب كيسنجر دوراً بارزاً في ترتيب وقف إطلاق النار في أثناء حرب 1973، ثم في عقد مفاوضات بين الجانبين العربي والإسرائيلي، وأخيراً في إعادة العلاقات الدبلوماسية مع مصر، الأمر الذي مهَّد بالفعل لتزايد الوجود الأمريكي بالمنطقة وتزايد دور أمريكا في قضية الشرق الأوسط وما انتهى إليه من معاهدة صلح بين مصر وإسرائيل.

وقد مُنح كيسنجر عام 1973 جائزة نوبل للسلام، كما عُيِّن في العام نفسه وزيراً للخارجية الأمريكية. ومع مجئ الرئيس كارتر إلى الحكم، انتهى عمله بهذا المنصب. وقد تولى كيسنجر بعد ذلك، مواقع مرموقة في المؤسسات الأكاديمية والمالية والتجارية الأمريكية، فعمل أستاذاً في جامعة جورج تاون، وعُيِّن نائباً لرئيس اللجنة الاستشارية الدولية لبنك تشيز مانهاتن، كما عمل مسـتشاراً للشـئون العالمية لشـركة إن. بي. سي. NBC وفي مؤسسة جولدمان ساخس للمال والسمسرة لتقديم المشورة حول تأثير التطورات السياسية الدولية على الشئون الاقتصادية والمالية للشركة وعملائها.
وفي عام 1983 اختاره الرئيس الأمريكي ريجان لرئاسة اللجنة الخاصة بشئون أمريكا اللاتينية المنوط بها مهمة تقييم السياسة الخارجية الأمريكية في هذه المنطقة.
ويتمحور فكر كيسنجر الإستراتيجي حول مفهوم النظام الدولي الشرعي والمستقر. فالاستقرار يصنع السلام (وليس العكس) وهو لا يتحقق إلا بوجود شرعية دولية تقبلها الأطراف الأساسية في النظام الدولي. والشرعية والاستقرار لا يتحققان إلا من خلال أداتين لا انفصال بينهما هما الدبلوماسية والقوة المسلحة. وهذا النظام لا ينفي الصراع تماماً بل يخفضه إلى نوع من التنافس والتوتر المحكوم بإطار مقبول من الترتيبات والقواعد حول السلوك والأهداف والوسائل المسموح بها. والمعضلة الأساسية بالنسبة لكيسنجر هي كيفية الحفاظ على النظام الشرعي المستقر في ظل عصر الأسلحة النووية وفي مواجهة النظم الثورية التي ترفض الإطار القائم وتشكل مصدراً للصراعات التي تعيق (في نظره) التطور، ومن هنا كان اقتراحه القائل بتَبنِّي إستراتيجية تعتمد على التزاوج بين الدبلوماسية والمفاوضات من جهة، والحرب المحدودة من جهة أخرى.

وقد كانت القضية الأساسية التي شغلت كيسنجر وحدَّدت مواقفه من القضايا الدولية كافة هي قضية العلاقة بين القوتين الأعظم والتوازن الدقيق بينهما. فأية مشكلة تمس هذا الميزان، وتهدد المصالح الأمريكية والغربية، كانت تثير اهتمامه وتَحرُّكه السريع، مثل مشكلة الأمن الأوربي وحرب فيتنام وأزمة الشرق الأوسط بخاصة بعد حرب 1973، في حين نجد أن اهتمامه يتراجع بمشاكل أخرى لا تمس هذا التوازن مثل غزو تركيا لقبرص عسكرياً عام 1974 وتحـديها لليونان، رغم أن كلتـا الدولتين عضـو في حلـف ناتو، وكذلك إهماله التام لأفريقيا وعدم اهتمامه بقضاياها إلا بعد دخول الاتحاد السوفيتي طرفاً في حرب تحرير أنجولا، فعندئذ جاء تَحرُّكه السريع لغلق الباب الأفريقي أمام السوفييت. وإلى جانب تَحدِّي الكتلة الشرقية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي كان كيسنجر يرى أن حركات التحرر الوطني والنظم الثورية الوطنية في العالم الثالث تشكل تحدياً آخر للولايات المتحدة والمعسكر الغربي؛ فهي تنزع نحو فرض نظام عالمي جديد يتسم بقدر أكبر من المساواة، وترى القوة الأمريكية المالية نوعاً من الاستعمار الجديد ومن ثم كان اقترابها أكثر من الاتحاد السـوفيتي وتأثير ذلك على العـلاقات والتوازن بين القوتين الأعظم. وهو يرى إمكانية احتواء هذه النظم الثورية "بالغواية والتخويف وكذلك ضربها بالحروب المحدودة حتى بغير اشتراك الولايات المتحدة. وعلى الولايات المتحدة أن تتأكد أنه يوجد لها في كل منطقة من العالم الثالث سوط مستعد في كل لحظة لأن يهوي على أي ظهر يحاول أن يرفع رأسه بعد حد معيَّن".

ومحاولة اكتشاف البُعد اليهودي في تفكير كيسنجر أمر لا طائل من ورائه، فطريقة تفكيره وأولوياته وإدراكه لمصالح العالم الغربي وإدارته للأزمات الدولية (سواء في الشرق الأوسط أو غيرها من المناطق) هي جزء لا يتجزأ من التفكير الإستراتيجي العام في الغرب بمنطلقاته الصراعية الداروينية والتي تعود إلى عصر النهضة، وفلسفة الدولة. وهو تفكير يسعى إلى حماية أمن الغرب والدفاع عن مصالحه من خلال استخدام كل أشكال القوة (من ضغط سياسي إلى نشاط استخباري إلى انقلابات عسكرية مُدبَّرة إلى استخدام القوة العسكرية بشكل مباشر). وفي داخل هذا الإطار يرى كيسنجر أن الولايات المتحدة هي زعيمة العالم الغربي ويرى أن لمصالحها أسبقية على مصالح الدول الأخرى وضمن ذلك الدول الغربية واليابان. ومن هنا اهتمامه بالبترول العربي فهو أداة ضغط أساسية على الدول "الحليفة" التي تعتمد على البترول المستورد. وما يُحدِّد موقف كيسنجر من إسرائيل ليس يهوديته أو رغبته في الدفاع عن المصالح اليهودية أو زيادة النفوذ اليهودي أو حماية الدولة اليهودية، وإنما حرصه على أن تكون إسرائيل حليفاً إستراتيجياً للولايات المتحدة وسوطاً رادعاً في يدها. ومن ثم لا يمكن تفسير مواقف كيسنجر السياسية على أساس يهوديته، كما يفعل بعض المحللين العرب.

المـال اليهــودي
Jewish Money
«المال اليهودي» عبارة تتواتر في الأدبيات المُتداوَلة عن أعضاء الجماعات اليهودية، وهي عبارة تفترض وجود ثروة (ضخمة) يمتلكها اليهود ويوظفونها بالطريقة التي تروق لهم. ولعل أساس العبارة هو دور اليهود كجماعة وظيفية تجارية تمتلك رأسمال توظفه في التجارة البدائية والربا ويدر عليها ربحاً (كان النبيل الإقطاعي يستولي على معظمه). ونظراً لوجود هذا الرأسمال خارج العملية الإنتاجية الزراعية، فقد بدا كما لو كان مستقلاً. أما في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، فقد تَركَّز أعضاء الجماعات اليهودية في قطاعات اقتصادية بعينها، فكان يبدو كما لو كان اليهود عنصراً مستقلاً.

ويذهب البعض إلى أن هذا المال اليهودي هو سر قوة اليهود، فهم يوظفونه في شراء النفوذ وفي ممارسة السلطة وفي تخريب الضمائر وإفساد العباد. وهذه أيضاً تهمة لها جذورها، فأعضاء الجماعات اليهودية كانوا يشترون المواثيق والحماية والمزايا من الملك أو الأمير، كما أنهم تركزوا في كثير من القطاعات المشينة في المجتمعات الحديثة (البغاء - المجلات الإباحية).

وكما هو واضح، فإن ثمة أساساً موضوعياً أو مادياً لكل التهم، ومع ذلك يظل الواقع أكثر تركيباً من التهم الاختزالية البسيطة ومن الواقع المادي المباشر. فالمال اليهودي في المجتمع الإقطاعي كان بالفعل في قبضة أعضاء الجماعات اليهودية، ولكنهم هم أنفسهم كانوا في قبضة الأمير الإقطاعي، وكانت المواثيق الممنوحة لهم تتحدث عن تبعيتهم للأمير تبعية المملوك للمالك.وكانت بعض المواثيق تشير إلى هذا بشكل مجازي، بينما كان البعض الآخر يشير إليه بشكل حرفي.

والمال اليهودي في العصر الحديث لا يختلف كثيراً عن المال اليهودي في العصور الوسطى في الغرب. فرأس المال اليهودي يتحرك حسب حركة رأس المال المحلي الذي يتحرك بدوره حسب حركة رأس المال العالمي. ولعله بعد عمليات التدويل المختلفة التي خاضها العالم، وظهور النظام العالمي الجديد والشركات متعددة الجنسيات، زادت تبعية المال اليهودي وتناقصت مقدرة الرأسمالي من أعضاء الجماعات اليهودية على التحكم في رأس ماله.

وكل هذا لا ينفي ما يلي:

1 ـ أن هناك رقعة من الحرية للرأسمال اليهودي يتحرك فيها، خصوصاً إذا تماثلت الظروف.

2 ـ أن كثيراً من القرارات السياسية التي اتخذها غير اليهود كانت تَصدُر عن الإيمان بوجود هذا المال اليهودي، ومن ثم أخذه صانع القرار في الحسبان وهو يتخذ قراره، أي أن المال اليهودي (في هذه الحالة) عنصر مؤثر تأثيراً لا يتناسب بتاتاً مع قوته الفعلية.


العجز اليهودي (بسبب انعدام السيادة وعدم المشاركة في السلطة(
Jewish Powerlessness
«العجز بسبب انعدام السيادة وعدم المشاركة في السلطة» عبارة ظهرت مؤخراً في الأدبيات الصهيونية وغيرها، وهي عبارة تحاول أن تفسر المسألة اليهودية على أنها تتلخص في افتقار اليهود إلى السيادة القومية وعدم مشاركتهم في صنع القرار. وتعود هذه الحالة (حسب التصور الصهيوني) إلى عام 70م عندما قام تيتوس بهدم الهيكل رمز السيادة القومية وأصبح اليهود جماعات مشتتة ليست لها سيادة قومية مستقلة، يوجد أعضاؤها خارج نطاق مؤسسات صنع القرار بعيداً عن أية سلطة، وبالتالي أصبحوا غير متحكمين في مصيرهم. ويستند هذا النموذج التفسيري إلى عدة افتراضات اختزالية من بينها تَصوُّر أن العبرانيين القدامى والعبرانيين اليهود، أي اليهود حتى عام 70م، كانوا يمارسون سيادة قومية كاملة. وهذا أمر مشكوك فيه. فلقد كان العبرانيون ـ حسب ما وصلنا من معلومات - أقناناً أو عبيداً أو قبائل رحلاً. وبعد التسلل العبراني في كنعان، ظل العبرانيون جيوباً متفرقة لا تمتلك كثيراً من السيادة القومية. والاستثناء الوحيد من هذه الصورة العامة هو حكم كلٍّ من داود وسليمان (المملكة العبرانية المتحدة) الذي لم يدم أكثر من أربعين عاماً بسبب الغياب المؤقت للقوى العظمى في الشرق الأدنى القديم. ثم ظهرت الدويلتان العبرانيتان اللتان كانتا تتبعان في سياستهما إما آشور وبابل أو مصر أو آرام دمشق. وقد دام حكم الحشمونيين فترة قصيرة لا تزيد على مائة عام، بدأت بتوقيع معاهدة مع روما (القوة العظـمى الصـاعـدة) وانتهـت بتَدخُّل بومـبي في تعيين الملـك الحشموني.

ويفترض هذا النموذج التفسيري أيضاً وحدة المصير اليهودي ووحدة أعضاء الجماعات. وهذا أمر يتناقض تماماً مع الحقائق التاريخية، فقد كان مصير كل جماعة يهودية يتحدد بآليات وحركيات التشكيل الحضاري والسياسي الذي تواجدت داخله.

ويُنكر هذا النموذج التفسيري أن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا في كثير من الفترات، شأنهم شأن أعضاء الجماعات الدينية والإثنية الأخرى، يشاركون في السلطة من خلال المؤسسات التقليدية للحكم. فالمجتمعات التقليدية كان لها نظامها الخاص في تقسيم السلطة بحيث تسيطر السلطة الحاكمة على الجيش والسياسة الدولية. أما الشئون الأخرى، وضمنها الأمن الداخلي، فكان تسييرها يتم عن طريق مؤسسات الإدارة الذاتية.

ثم يفترض هذا النموذج التفسيري وجود إدارة وسيادة يهودية مستقلة، وهو افتراض خاطئ تماماً. ففي العصر الحديث، يشارك أعضاء الجماعات، منفردين أو مجتمعين، في السلطة وفي صنع القرار من خلال مؤسسات الدولة الحديثة (البرلمانات والأحزاب السياسية). فعلى سبيل المثال، يُعدُّ تعيين هنري كيسنجر وزيراً للخارجية الأمريكية، وهو من أهم المناصب السياسية في العصر الحديث، تعبيراً عن هذا الشكل من أشكال المشاركة في السلطة. وبالمثل فإن اللوبي الصهيوني شكل آخر لهذه المشاركة؛ حيث يشكل بعض أعضاء الجماعة اليهودية قوة ضغط داخل الكونجرس الأمريكي تقوم بممارسة الضغط لصالح الدولة الصهيونية. وهذه هي إحدى الآليات الأساسية للنظام السياسي الديموقراطي في الغرب.

وسيجد الدارس المدقق لهذا النموذج التفسيري أن المفكرين الصهاينة، ومعظمهم من أصول إشكنازية شرق أوربية، حين يتحدثون عن العجز بسبب انعدام السيادة وعدم المشاركة في السلطة، إنما يفكرون في تجربة أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا ابتداءً من العصور الوسطى حتى بداية القرن الحالي. ولذا، فإن المقولة تحمل شيئاً من الصحة إن تَحدَّد مجالها الدلالي على هذا النحو.

ومن المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية في العصور الوسطى في الغرب، كانوا تجاراً ومرابين وأقنان بلاط وأرندا ويهود بلاط، وكلها أشكال مختلفة من أنماط الجماعة الوظيفية، وكانوا كذلك قريبين دائماً من الحاكم ملتصقين به، كما كانوا يشكلون أدواته الطيعة في عملية الاستغلال وامتصاص فائض القيمة من الجماهير. ولكنهم، مع هذا، لم يشاركوا في صنع القرار، فقد كانوا منبتي الصلة بالجماهير وتعوزهم القوة العسكرية، وهذا ما جعلهم في حالة عجز واعتماد كامل على الحاكم الذي كانت ثقته بهم تتزايد لأنهم لا يشكلون أية خطورة عليه بسبب عجزهم عن الاستيلاء على السلطة أو لعدم وجود أساس من القوة يؤهلهم للمطالبة بنصيب فيها.

وقد طرحت الصهيونية نفسها على أنها الحركة التي ستحل هذه الإشكالية وتضع نهاية لعجز اليهود وعدم مشاركتهم في السلطة عن طريق تأسيس دولة يهودية مستقلة ذات سيادة. وذلك على اعتبار أنه، مهما تكن مشاركة أعضاء الجماعات في صنع القرار، فإن هذا القرار يظل في النهاية غير يهودي، ويظل اليهودي بالتالي مهدداً في أية لحظة بسحب البساط من تحت قدميه. وفي هذا المقام، يُشار دائماً إلى ألمانيا النازية حيث كان كثير من يهود ألمانيا يشغلون، حتى ظهور النازية (عام 1933)، مناصب حكومية وسياسية قيادية. وينسى الصهاينة أن النظام السياسي الألماني لم يَحرم أعضاء الجماعات اليهودية وحدهم من المشاركة في السلطة، فقد حَرَم قطاعات كبيرة من الشعب الألماني والشعوب الأخرى التي سيطرت عليها القوات الألمانية من أية سلطة أو إرادة مستقلة.

والأهم من ذلك كله أن الاستعمار الصهيوني كان استعماراً عميلاً منذ بداية الاستيطان، كما أن شرعيته لم تكن تستند إلى قوة اليهود أو إلى حركة جماهيرية وإنما استندت إلى وعد أصدرته القوة الإمبراطورية الصاعدة في الشرق وإلى الضمانات العسكرية التي قدَّمتها، أي أن النمط الذي ساد أوربا حتى القرن التاسع عشر، داخل التشكيل السياسي الغربي، عاد وأكد نفسه بحيث أصبح المستوطنون الصهاينة عنصراً قريباً من القوة الإمبريالية الحاكمة لصيقاً بها، ولكن القرار الخاص بالسياسة الاستعمارية الدولية ظل من اختصاص الحاكم الإمبريالي، أي أن الصهاينة أسسوا في نهاية الأمر دولة وظيفية ليست لها إرادة مسـتقلة؛ بل وعاجـزة عن البقـاء والحركة بدون الدعـم الإمبريالي.

لكن الدولة، بعد إنشائها، تمتعت بشيء من الاستقلال النسبي نتيجة تَصارُع القوى الإمبريالية فيما بينها على مناطق النفوذ في الشرق الأوسط. ومع صعود قوة الولايات المتحدة وتزايد اعتماد المستوطن الصهيوني على الدعم الأمريكي، تناقص الاستقلال اليهودي وتضاءل تحكم الإسرائيليين في مصيرهم، وأصبحت المؤسسة الحاكمة الإسرائيلية تتخذ قراراتها وعيونها على الممول الموجود في واشنطن. ومن المتوقع أن يزداد هذا الاتجاه مع تزايد الرفض العربي للمُستوطَن الصهيوني.

وقد وجدت إشكالية العجز طريقها إلى التفكير الديني اليهودي، فيذهب ريتشارد روبنشتاين إلى أن اليهودية الحاخامية قد ولَّدت لدى اليهود استعداداً كامناً للاستسلام والخنوع والخضوع والعجز. ولا يمكن تفسير تعاون المجالس اليهودية في أوربا مع القوات النازية واشتراكها في تسليم اليهود إلى النازي إلا بالتراث الحاخامي الذي يجعل من العجز والسلبية فضيلة. أما إرفنج جرينبرج، فقد ساهم في تطوير ما يُسمَّى «لاهوت البقاء» الذي يجعل الحصول على السيادة هدف التاريخ اليهودي الزمني والمقدَّس، ويجعل دستـور إسـرائيل كتاب إسرائيل المقدَّس، ويجعل دولة إسرائيل التجسد الحقيقي لهدف التاريخ اليهودي (تيلوس).

وتجدر ملاحظة أن مصطلح «عجز اليهود» يُستخدَم في الكتابات الدينية، وخصوصاً الأرثوذكسية، للإشارة إلى أن اليهود شعب مختار ذو صلة خاصة بالإله، وأن هذه العلاقة الخاصة تجعله يقف خارج التاريخ ليشهد على الأمم، ولذا فإنه لابد أن يظل خارج نطاق السلطة والسيادة. والمصطلح، في هذا السياق، لا يحمل أية تضمينات قدحية، بل العكس هو الصحيح إذ أن العجز هنا يصبح علامة من علامات الاختيار.

الباب الثالث: إشكالية العبقرية والجريمة اليهودية


العـــبقرية اليهوديـة
The Jewish Genius
كلمة «عبقرية» تعني مجموعة من السمات الخاصة لا تفترض بالضرورة تَميُّزاً أو علواً مثلما نقول «عبقرية المكان» حيث لكل مكان عبقريته الخاصة، أو «عبقرية اللغة الإنجليزية» حيث لكل لغة عبقريتها الخاصة. وحينما تُستخدَم العبارة بهذا المعنى في الكتابات الصهيونية (أو غيرها) كأن يُقال «العبقرية اليهودية»، فهي تشير عادةً إلى «الخصوصية اليهودية» (انظر: «الخصوصية اليهودية»). ولكن هذا الاستعمال نادر، والاستعمال الشائع هو أن تشير كلمة «عبقرية» إلى درجة من درجات التَميُّز إلى جانب الخصوصية. وعبارة «العبقرية اليهودية» تفترض وجود عبقرية يهودية مستقلة، وأن العباقرة اليهود يتمتعون باستقلال عما حولهم، وأن وجودهم مؤشر على تَميُّز اليهود ككل، ولذا نجد حديثاً مستفيضاً عن فضل العباقرة اليهود على الحضارة الإنسانية وعن زيادة عددهم بالنسبة للعباقرة من الشعوب والأقليات الأخرى.

لكن الحديث عن «العبقرية اليهودية» لا يختلف بنيوياً، في واقع الأمر، عن حديث المعادين لليهود عن «الجريمة اليهودية» أو عن «عبقرية اليهود المتأصلة في ارتكاب الموبقات والسرقة والفساد». فالحديث عن العبقرية اليهودية، تماماً مثل الحديث عن الجريمة اليهودية، يَصدُر عن تَصوُّر أن اليهودي «يهودي» وحسب أو يهودي بالدرجة الأولى ثم أمريكي أو روسي بالدرجة الثانية أو الثالثة، وأن ما يحدد سلوكه (عبقريته في الخير والشر) هو البُعد اليهودي في وجدانه ورؤيته. كما يتفق الصهاينة والمعادون لليهود على اختزال اليهودي وتجريده من أي سياق اجتماعي أو تاريخي أو إنساني وعلى وضعه على هامش التاريخ أو خارجه، حيث يقف ليساهم فيه بعبقرية فذة، أو يحاول تخريبه بكل ما أوتي من قوة ودهاء وحيلة وعبقرية إجرامية.

ولو نظرنا إلى العباقرة اليهود، بعد أن نضعهم في سياقهم التاريخي المتعيِّن، سنكتشف على الفور أن مقولة «العبقرية اليهودية» لا تملك مقدرة تفسيرية عالية. وسيظهر قصورها التفسيري حينما نسأل عن تلك السمات "اليهودية المشتركة" بين عباقرة مثل فيلون (الفيلسوف الذي عاش في العصر الهيليني)، وشعراء العرب اليهود (في الجاهليـة)، وموسى بن ميمون (المفكر الديني اليهودي الذي عاش في العالم الإسلامي في القرن الحادي عشر)، وفرويد (المفكر النمساوي اليهودي الذي عاش في أواخر القرن التاسع عشر)، وشاجال (الفنان التشكيلي الذي عاش معظم حياته في النصف الأول من القرن العشرين)، وبرنارد مالامود (الروائي الأمريكي الذي عاش في النصف الثاني من القرن العشـرين). والإجابة الوحيـدة هي أن مثل هذه السمـات المشتركة غير موجودة. وإن اكتشف أحد عناصر يهودية مشتركة بين كل هؤلاء العباقرة، فإن تصنيفهم على أنهم يهود بالدرجة الأولى لا يفيد كثيراً في فَهْم فكرهم أو طبيعة مساهمتهم في التراث الإنساني. فيهوديتهم المشتركة ليست ذات مقدرة تفسيرية أو تصنيفية عالية، ولابد لنا أن نعود إلى التقاليد الحضارية والظروف التاريخية التي شكلت فكر ووجدان كل واحد منهم حتى يتسنى لنا الإحاطة بها. فموسى بن ميمون كاتب عربي أندلسي كان يؤمن باليهودية وتفاعُل مع التراث العربي الإسلامي. ومن خلال هذا التفاعُل نضجت عبقريته العربية، ولم تكن اليهودية سوى أحد العناصر في تكوين هذه العبقرية (وحتى هذه اليهودية كانت قد اصطبغت بصبغة إسلامية). وقصص برنارد مالامود تنتمي إلى التراث الأدبي الأمريكي لأن كاتب هذه القصص تأثر بتقاليد هذا الأدب وأتقن اللغة الإنجليزية الأمريكية وكتب روايات أمريكية تعالج موضوعات أمريكية يهودية. وحين صرح شاجال ذات مرة لمجلة تايم بأنه غير مهتم باليهودية، قامت الدنيا ولم تَقعُد، وأرسل كثير من القراء برسائل احتجاج أوضحوا فيها تأثُّـر شاجال باليهودية الحسيدية. وقد يكون هذا أمراً صحيحاً، ولكن شاجال يظل نتاج الحركات الفنية في أوربا في القرن العشرين، وبخاصة في روسيا وفرنسا. وقد تكون لبعض لوحاته نكهة حسيدية، خصوصاً أنها تعالج موضوعات يهودية مثل التوراة والحاخام، ولكنها تظل مع هذا لوحات رسمها فنان روسي فرنسي متأثر وبعمق بالتراث المسيحي!

وإذا ما تركنا مجال الفنون والإنسانيات، يصبح الحديث عن العبقرية اليهودية عبثاً وهراء لا طائل من ورائه. فبأي معنى يمكننا أن نقول إن نظرية النسبية قد تَوصَّل إليها أينشتاين من خلال عبقريته اليهودية، وكأن أينشتاين كان من الممكن أن يصل إلى ما وصل إليه من اكتشـافات باهـرة دون جهود من سبقه من علماء مسيحيين وبوذيين؟ وهل كان من الممكن أن يصل إلى ما وصل إليه من اكتشافات دون وجوده داخل الحضارة الغربية الحديثة؟ وإلا فبماذا نفسر عدم ظهور علماء طبيعة متفوقين تَفوُّق أينشتاين بين يهود الفلاشاه الإثيوبيين؟

ويُلاحَظ أن نسبة المتعلمين والمخترعين بين أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي مرتفعة. ولكن هذا أمر طبيعي وينطبق على كل أعضاء الأقليات في أي مكان حينما تتاح أمامهم الفرصة. لكن أعضاء الأقلية يخضعون، مع ذلك، في معظم الأحيان إن لم يكن كلها، لدرجة تَقدُّم وتَخلُّف المجتمع الذي يعيشون بين ظهرانيه، فإن تَقدَّم تَقدَّموا وإن تخلف صاروا متخلفين. ولذا لم يكن هناك عباقرة يهود بين العرب إبَّان فترات الانحلال في الحضارة العربية حين أُغْلقَت فيها الحلقات الفقهية والمدارس التلمودية العليا في العراق بسبب انتكاس الحضارة العربية، بينما ازدهر الفكر العربي اليهودي في الأندلس بسبب ازدهارها.

وحتى لو رصـدنا العبقرية اليهودية بشكل مطلق، كما يفعل الصهاينة، فإننا سنكتشف أن العبرانيين وأعضاء الجماعات اليهودية، لم يلعبوا دوراً كبيراً في خلق الحضارة الإنسانية. فحينما ظهر العبرانيون على مسرح التاريخ منذ عام 1200 ق.م. رعاةً رُحَّلاً، كانت الإمبراطورية الفرعونية في مصر قد شيدت مئات المعابد والأهرامات والسدود، وكان الفن المعماري وعلوم الفلك المصريان قد وصلا إلى قمم شامخة. وحينما تأسست المملكة العبرانية المُوحَّدة على يدي داود وسليمان، لم تكن هذه المملكة سوى مملكة صغيرة ازدهرت في غياب القوى الإمبراطورية العظمى في الشرق الأدنى القديم، واعتمدت حضارياً على الدول والأقوام المجاورة اعتماداً كاملاً. أما في مجال الأدب والفن والفكر، فلا توجد أية مسـاهمة حقـيقية من جـانب العبرانيين في تراث العالم القـديم، ولا نسمع عن عباقرة يهود في فن الهندسة المعمارية (على سبيل المثال). ولا يأتي ذكر اليهود في الكتابات اليونانية أو الرومانية إلا بوصفهم شحاذين ومصدر ضيق لكُتَّاب مثل شيشرون. وإذا نظرنا إلى الحضارة العربية إبَّان فترة نهضتها، فإننا نجد أن دور اليهود كان مقصوراً بالدرجة الأولى على الترجمة والنقل من اللغات الأجنبية. وقد دفعهم اضطلاعهم بوظيفة الجماعة الوظيفية الوسيطة التي يعمل أعضاؤها بالتجارة الدولية في العالم القديم إلى معرفة العديد من اللغات، كما جعلهم ناقلين لحضارات الآخرين. ولم يكن يوجد شاعر كبير أو مفكر فلسفي عربي مشهور يعتنق اليهودية، فكنت ترى بينهم الأطباء والصيادلة والتجار حيث ظلوا مرتبطين بالإنتاج اليومي المادي، ولكن لم يُوجَد بينهم الفنانون أو المفكرون. وبعد أن انتقل مركز الحضارة إلى الغرب، ظل الأمر على ما كان عليه. ففي شرق أوربا، التي كانت تضم غالبية يهود العالم (يهود اليديشية)، ظلت الجماعات اليهودية غارقة حتى أذنيها في التأملات القبَّالية. وكانت الحـياة العقلية في الجيتو منفصـلة عن العـالم الخارجي، هذا في الوقت الذي كانت أوربا تعيش عصر نهضتها. ولذا لا نجد في أدب وحضارة العصور الوسطى أو عصر النهضة مفكراً أو رساماً أو أديباً يهودياً واحداً شهيراً. بل إن المفكرين اليهود الذين ظهروا خلال هذه الفترات الطويلة، مثل الحاخام عقيبا أو راشي أو موسى بن ميمون، كانوا مهتمين بأمور دينية يهودية ذات أهمية إنسانية محدودة. كما نعرف أنهم كانوا بلا ثقَل يُذكَر داخل مجتمعاتهم، فمـوسى بن ميمون لم يكـن معـروفاً باعتباره مفكراً دينياً، وإنما باعتباره طبيباً ومؤلف كتب في الطب وحسب. وما من شك في أن اقتصار نشاط اليهود على نشاطات إنسانية معيَّنة دون غيرها أمر طبيعي للغاية من أقلية تلعب دور الجماعة الوظيفية الوسيطة المنعزلة اقتصادياً ووجدانياً بسبب وظيفتها.

ونحن لا نسمع عن العباقرة اليهود إلا مع بدايات ظهور الرأسمالية والعلمانية. وربما لم يكن من قبيل المصادفة أن إسبينوزا، أول فيلسوف يهودي غربي في العصر الحديث، ظهر في هولندا مهد الرأسمالية الحديثة. ومما له دلالة بالمثل ظهور إسبينوزا من بين اليهود السفارد المتمتعين بمستوى حضاري مرتفع بسبب احتكاكهم بالحضارة الإسلامية، على عكس اليهود الإشكناز الذين تَدنَّى وضْعُهم الحضاري داخل الحضارة المسيحية. وقد كان إسبينوزا أيضاً من أوائل المفكرين العلمانيين الذين طرحوا انتماءهم اليهودي جانباً، فلم يكن إبداعه وبروزه نتيجة انتمائه اليهودي، وإنما تم هذا الإبداع وذلك البروز رغماً عن هذا الانتماء وبسبب رفضه (وذلك مع عدم إنكار أن التراث اليهودي القبَّالي لعب دوراً مهماً في تحديد معالم فكره أو في تأكيد الواحدية المادية الكونية والاتساق الهندسي عنده واللذين يشكلان جوهر نسقه الفلسفي).

العباقــرة مـن أعضاء الجماعـات اليهوديـة
Geniuses from the Jewish Communities
ظل العباقرة من أعضاء الجماعات اليهودية يساهمون في بناء الحضارة الأوربية باعتبارهم أوربيين علمانيين أولاً وأخيراً، أي أن يهودية العبقري لم تكن العنصر الأساسي في إسهامه. وقد زادت هذه المساهمة بازدياد انتشار القيم الليبرالية ثم الثورية في الغرب والشـرق، إذ أن هذه القيم فتحـت المجال أمام أعضاء الجماعات اليهودية.

ونحن لا نُنكر أثر البُعد اليهودي في تكوين العبقري اليهودي، فأثر القبَّالاه اللوريانية واضح تماماً على تفكير إسبينوزا وفرويد وجاك دريدا فيلسوف التفكيكية. كما نرى أن للمدرسة التفكيكية (في النقد والفلسفة) علاقة قوية بمدارس التفسير الدينية اليهودية، وأن اليهودية بوصفها تركيباً جيولوجياً تحوي داخلها عناصر كثيرة متناقضة (بعضها عبثي وبعضها عدمي أو غنوصي) تتيح للعبقري اليهودي استعداداً كامناً (أكثر من غيره) لاكتشاف مثل هذه التيارات في المجتمع والتعبير عنها بطريقة مباشرة. كما أن البُعد الحلولي الكموني القوي في اليهودية ولَّد استعداداً كامناً قوياً لدى أعضاء الجماعات اليهودية لتَقبُّل المنظومة العلمانية (وهي منظومة حلولية كمونية). ولكن يجب أن نشير أيضاً إلى أن البُعد اليهودي ذاته هو نتاج تفاعل اليهود مع ما حولهم من حضارات، فالغنوصية هي حركة سادت الشرق الأدنى القديم وتأثرت بها اليهودية. كما أن العبقري اليهودي قد يكون لديه استعداد كامن لاكتشاف شيء ما، لكن هذا الشيء سيظل جزءاً من تشكيل حضاري غير يهودي، بمعنى أن الحركيات النهائية هي حركيات الحضارة التي يعيش فيها اليهودي. فمهما كان علم فرويد مثلاً بتراث القبَّالاه، لا يمكن تَخيُّل أن بوسعه التوصل إلى نظرياته وهو في اليمن (التي يعرف حاخاماتها القبَّالاه اللوريانية بطريقة تفوق فرويد وحاخامات أوربا في عصره). ففرويد هو نتاج مجتمع فيينا في أواخر القرن التاسـع عشـر بكل ما كان يحويـه من إبـداع وانحـلال وتركيب وتَخثُّر.

ويُلاحَظ أن بعض المؤلفين والرسامين اليهود في الحضارة الغربية بدأوا، منذ نهاية القرن التاسع عشر، في تناول مضامين يهودية في أدبهم وفنهم. ولكن مثل هؤلاء لا يختلفون البتة عن المؤلفين غير اليهود الذين يتناولون مضامين يهودية، ذلك أن طريقة التناول ـ بكل مزاياها وعيوبها ـ تظل جزءاً من التشكيل الحضاري الغربي. إن سول بيلو وفيليب روث ـ وكلاهما كاتب أمريكي يهودي ـ يتناولان شخصيات أمريكية يهودية، إلا أن أدبهما لا يمكن أن يُصنَّف أدباً يهودياً، وعبقريتهما لا تُصنَّف كعبقرية يهودية إذ يظل هذا الأدب أدباً أمريكياً مكتوباً بالإنجليزية، ينتمي إلى التراث الأدبي الأمريكي ولا يمكن فهمه خارج هذا التراث، وتظل عبقريتهما نتاج تفاعلهما مع محيطهما الحضاري. وهما في هذا لا يختلفان عن جيمس جويس في رواية يوليسيس حينما جعل أحد أبطال روايته يهودياً، ومع هذا لم يصنفها أحد باعتبارها من عيون الأدب اليهودي، شأنها في هذا شأن رائعة شكسبير تاجر البندقية .

وفيما يتصل بالعبقريات التي تنتجها إسرائيل، فإن الأمر يتوقف على جنسية العبقري، فإن كان هذا العبقري إسرائيلياً فهو تعبير عن العبقرية الإسرائيلية، أما إذا كان من أصل روسي أو ألماني فهو عبقري روسي أو ألماني، أي أن العبقرية اليهودية تظل مقولة مجردة لا وجود لها إلا بين صفحات الكتب الصهيونية أو المعادية لليهود. وبدلاً من ذلك، يتعيَّن علىنا أن نتحدث عن «عباقرة يؤمنون بالدين اليهودي»، أو عن «عباقرة ذوي بعد إثني يهودي»، وينتمون إلى الحضارات الإنسانية المختلفة في مختلف الأماكن والأزمان.

ومن الأمور الجديرة بالدراسة نسبة العباقرة بين الإسرائيليين ومدى اختلافها عن مثيلتها بين الدول التي حققت معدلات التحديث والتصنيع والتقدم التكنولوجي والعلمي نفسها. وكل المؤشرات تدل على أنها غير مختلفة على الإطلاق، وإن كان الأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسة.

بـــــروز اليهـــــــود وتَمــيُّـزهـــم
Jewish Eminence and Distinctiveness
جاء في المعاجم العربية «تميَّز الشيء» بمعنى «بدا فضله وانفصل عن غيره»، و«برز بروزاً» بمعنى «فاق الآخرين في فضل أو علم»، و«برَّز الشيء» معناها «أظهره وبيَّنه». ومن الموضوعات الأساسية التي تتواتر في الكتابات الصهيونية والمعادية لليهود، موضوع «بروز أعضاء الجماعات اليهودية وتَميُّزهم» في كثير من مجالات النشاط والمعرفة الإنسانيتين بنسبة تفوق بمراحل نسبتهم إلى عدد السكان في المجتمعات التي يعيشون في كنفها. ودارس تواريخ أعضاء الجماعات اليهودية سيجد قرائن على كلٍّ من البروز الإيجابي والتميز في الخير والإبداع، والبروز المشين والتميز في الشر والهدم والإجرام. أما البروز الإيجابي، فعليه من الأدلة الكثير، مثل: كثرة عدد العباقرة والمهنيين بين أعضاء الجماعات اليهودية، ونسبة التعليم المرتفعة بينهم، وارتفاع دخولهم. أما البروز المشين، فهناك أيضاً مؤشرات كثيرة عليه، مثل: اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية بالربا عبر العصور الوسطى في الغرب بل واحتكار هذه المهنة في بعض المناطق، واشتغالهم بتجارة الرقيق في القرنين السابع عشر والثامن عشر. ثم اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية في القرن التاسع عشر، بتقطير الخمور والاتجار فيها، وتهريب البضائع والرقيق الأبيض، وبكثير من الأعمال الطفيلية غير المنتجة.

ويُلاحَظ أن أي مؤشر على بروزهم الإيجابي قد يُعدُّ مؤشراً على بروزهم المشين، فالثراء (وهو عادةً مؤشر على حركية الإنسان وذكائه) يُعتبَر من منظور آخر دليلاً على عدم الانتماء وعلى الرغبة في الثروة وفي مراكمتها دون أية تحفظات أخلاقية. كما أن التميُّز الوظيفي لليهود هو أيضاً من علامات البروز الإيجابي والمشين، بل إن الجيتو ذاته كان علامة من علامات البروز، إذ كان اليهود يسعون للحصول على إذن بإقامته والإقامة فيه ليتمتعوا داخله بالمزايا الممنوحة للجماعة اليهودية والمقصورة عليهم وليعزلهم عن بقية السكان الأمر الذي يُيسِّر لهم إدارة مؤسساتهم الدينية والقضائية والتربوية الخاصة. ولكن الجيتو أصبح بالتدريج هو المكان الذي يتعيَّن عليهم البقاء فيه، وهكذا تحوَّل من ميزة إلى قيد.

ويذهب كثير من الدارسين إلى أن بروز بعض أعضاء الجماعات اليهودية من أهم الأسباب التي تجلب عليهم عداء أعضاء الأغلبية من غير اليهود؛ وهو تعميم متعسف. فقد كان البروز يؤدي أحياناً إلى مثل هذه النتائج، كما حدث في ألمانيا النازية. ولكن، في إسبانيا الإسلامية أو أمريكا العلمانية، لم يؤد البروز والتميز إلى أي عنف أو تمييز ضد أعضاء الجماعة اليهودية. أما في بولندا، خصوصاً في أوكرانيا التي ضمت من منظور التطورات التاريخية اللاحقة أهم الجماعات اليهودية عبر التاريخ، فإن بروزهم قد أدَّى دون شك إلى استجلاب السخط عليهم لا بسبب البروز في حد ذاته وإنما بسبب طبيعته، إذ أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا قريبين من الطبقة الحاكمة عملاء لها، في إطار الإقطاع الاستيطاني البولندي في أوكرانيا، وبذا أصبحوا عنصراً استيطانياً تجارياً يمثل الأرستقراطية البولندية في وسط فلاحي، وعنصراً يهودياً ينوب عن عنصر كاثوليكي في وسط أرثوذكسي أوكراني، يتحدثون اليديشية أو البولندية في وسط يتحدث الأوكرانية، أثرياء في وسط من الفقراء والمعدمين. وقد تَحوَّل أعضاء الجماعة اليهودية إلى أداة يمسك بها النبلاء في وارسو يعتصرون بها الفلاحين. وحينما يكون البروز على المستويات الطبقية والدينية والثقافية، فإن الانفجار الشعبي يكون ساحقاً ماحقاً، وهذا ما حدث مع انتفاضة شميلنكي.

وقد يتشابك التَميُّز المشين مع التَميُّز الإيجابي، فمع نهاية القرن التاسع عشر كان يهود البلاد الغربية قد حققوا صعوداً طبقياً ومكانة اجتماعيـة عالية وهو ما يعني تَميُّزاً يهودياً إيجابياً. ثم وصل يهود اليديشـية، وكانوا متخلفين فقراء تتفشى بينهم الأمراض الاجتماعية المختلفة كما تَفشَّى التعصب الديني، وكان هذا يعني تَميُّزاً يهودياً مشيناً، وحدث تَشابُك بين الجماعتين أدَّى إلى إحساس المجموعة الأولى بالحرج ثم إلى فَزَعها. ومن هنا فقد كان من أهداف الصهيونية أن تُبقي ليهود الغرب تميزهم الإيجابي، وأن تُريحهم من يهود اليديشية بتَميُّزهم المشين عن طريق توطينهم في فلسطين.

ويحاول الصهاينة تفسير بروز وتميُّز بعض أعضاء الجماعات اليهودية على أساس طبيعة اليهود والخصوصية اليهودية والجوهر اليهودي والعبقرية اليهودية، وهو منطق خطر للغاية لأن البروز والتميُّز اليهودي الإيجابي إن فُسِّر على أساس الطبيعة اليهودية، فلابد من تفسير البروز والتميز المشين على الأساس نفسه أيضاً. وهذا ما لا يحجم عنه أعداء اليهود بل وبعض الصهاينة (خصوصاً العماليين).

ويُلاحَظ أن اليهودي الذي يحقق اندماجاً في مجتمعه ويسلك سلوك الآخرين، لا يرصد أحد سلوكه باعتباره سلوكاً عادياً. ولكن حينما ينخرط بعض أعضاء الجماعات اليهودية في أنشطة مشينة أو متطرفة كأن يصبحوا أعضاء في جماعات ثورية أو ماسونية أو يحققوا قدراً عالياً من الثراء، فإن أعداء اليهود يتجاهلون اليهود العاديين والفقراء ويتناسون العباقرة من أعضاء الجماعات اليهودية ويرصدون بعناية فائقة الأنشطة المشينة وحدها. وحينما يحقق البعض الآخر من أعضاء الجماعات اليهودية بروزاً إيجابياً، فإن الصهاينة يؤكدون ذلك ويستبعدون كلاً من اليهود العاديين وهؤلاء الذين حققوا بروزاً مشيناً. وربما إذا أُخضعت الظاهرة للدراسة الإحصائية المتأنية لاكتشفنا أن بروز اليهود في الخير والشر إنما هو خاضع لآليات اجتماعية ليسوا مسئولين عنها، وأن نسبة المتطرفين بينهم، في الخير والشر، قد لا تختلف كثيراً عن النسبة السائدة في المجتمع، أو عن النسبة السائدة بين أعضاء الأقليات على وجه العموم في أي مجتمع.

ومما يُظهر عدد اليهود المتميِّزين أكثر من حقيقته أن دارسي الجماعات اليهودية ينظرون إليهم كما لو كانوا يُشكِّـلون كلاًّ واحداً. ومن هذا المنظـور، فإن يهود اليمن والولايات المتحدة والصين وإثيوبيا وجنوب أفريقيا وجنوب أمريكا، كلهم يهود في نهاية الأمر. ومن هنا، فإن البحث عن البارزين فيهم داخل أية جماعة يتم دون أية دراسة إحصائية تبيِّن العلاقة بين نسبة هؤلاء البارزين إلى المعدل السائد في كل مجتمع. كما يتجاهل الدارسون أن تَركُّز اليهود في قطاعات وعلوم بعينها يؤدي إلى كثرة البارزين فيها (مهنة الطب والعلوم الطبيعة وعالم التجارة والموسيقى وعلم الاجتماع). ولكن هذا يعني أيضاً غيابهم عن قطاعات وعلـوم أخرى كثيرة أو ندرتهم فيها. كما أنهم يتجاهلون اللحظة التاريخية، فبروز اليهود في مجتمع ما في لحظة تاريخية معينة لا يعني بالضرورة بروزهم الدائم في كل زمان ومكان.

ويتبنَّى أعداء اليهود منهجاً مماثلاً، فهم يركزون على اليهود الذين حققوا بروزاً مشيناً في بعض المجتمعات، وكأن جميع اليهود يُكوِّنون كلاًّ واحداً ولا يقارنون نسبة اليهود الذين حققوا مثل هذا البروز قياساً إلى المعدل الإحصائي السائد في المجتمع، كما أنهم يهملون أخيراً اليهود الذين حققوا بروزاً إيجابياً. ونحن نذهب إلى أن أعضاء الجماعات اليهودية يحققون البروز والتميز داخل الحضارة التي يعيشون في كنفها وبسبب عناصر موجودة داخلها لا على الرغم منها. وتعود معدلات إبداعهم (وإجرامهم) لا إلى التراث اليهودي وإنما إلى العناصر الحضارية والاجتماعية التي تكوِّن محيطهم الحضاري والاجتماعي.
ويمكننا أن نحاول رصد أسباب بروز وتَميُّز أعضاء الجماعات اليهودية، مقسمين الأسباب إلى قسمين: أسباب عامة تسري على أعضاء معظم الأقليات في العالم، وأخرى مقصورة على اليهود في الحضارة الغربية الحديثة. ولنبدأ بالأسباب العامة:

1 ـ يتسم أعضاء الأقليات في جميع المجتمعات بشيء من البروز نظراً لاختلافهم في بعض النواحي أو في كثير منها عن أعضاء المجتمع.

2 ـ يتميَّز أعضاء الأقليات في المجتمعات التقليدية، بل وأحياناً في المجتمعات الحديثة، تَميُّزاً وظيفياً إذ يضطلعون بوظائف دون غيرها.

3 ـ يسكن أعضاء الأقليات في المجتمعات التقليدية في أماكن مقصورة عليهم وهو ما يساعد على هذا البروز، وقد قطن أعضاء الجماعات اليهودية في الجيتو.

4 ـ تتسم المجتمعات الغربية بأنها مجتمعات لا تضم أقليات كثيرة، وذلك على عكس المجتمعات الشرقية الفسيفسائية، ولذا فإن أقلية تكاد تكون وحيدة مثل الأقلية اليهودية تحقق بروزاً غير عادي.

5 ـ لا شك في أن من يوجد في المدينة يحقق بروزاً لا يحققه عادةً من يكون في الريف، وقد تركزت الغالبية الساحقة من يهود العالم الغربي في العصر الحديث في المدن.

6 ـ ولا شك أيضاً في أن ارتباط أعضاء إحدى الأقليات بالطبقات الحاكمة يساهم في زيادة بروزهم، وقد ارتبط أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الوسيط في الغرب بالطبقات الحاكمة.

7 ـ يكون أعضاء الأقليات دائماً واقعين تحت ضغط نفسي يدفعهم إلى إثبات تفوقهم أمام أنفسهم وأمام الآخرين، ومن ثم فهم يجتهدون في أن يُساهموا في الإبداع الحضاري بدرجة تزيد عن المعدل السائد في المجتمع. ولذا يُلاحَظ في معظم الأحيان أن نسبة المتعلمين والمخترعين (في قطاعات معيَّنة) من بين أعضاء الأقليات مرتفعة نوعاً (ويُلاحَظ الشيء نفسه بالنسبة للإجرام والانحراف).

8 ـ عضو الأقلية عادةً ما تكون لديه عقلية نقدية في رؤيته للمجتمع (بسبب عدم إحساسه الكامل بالأمن والاستقرار)، وهو ينظر لمنظومة المجتمع الدينية والقيمية نظرة شك. وهذه النظرة النقدية الحادة تخلق تربة خصبة للإبداع التفكيكي، وربما التركيبي أيضاً.

9 ـ عضو الأقلية يتسم بروح الريادة وبالحركية، الأمر الذي يجعله سبَّاقاً إلى الخير والشر.

أما بروز أعضاء الجماعات اليهودية وتَميُّزهم داخل الحضارة الغربية على وجه التحديد فيمكن تفسير كثير من جوانبه من خلال مُركَّب من الأسباب والنماذج التفسيرية المترابطة:

1 ـ يُلاحَظ ارتـباط تَميُّز أعضاء الجماعات اليهودية بتَصاعُد معدلات العلمنة في المجتمع. وليس من قبيل الصدفة أن أول عبقري يهودي حقق تَميُّزاً وبروزاً لا داخل سياقه اليهودي وإنما داخل سياق الحضارة الغربية ككل هو إسبينوزا، فيلسوف الحلولية والكمونية. ويمكن القول بأن العباقرة اليهود في الغرب الحديث يحققون التميز والبروز لا بمقدار تعبيرهم عن يهوديتهم وإنما بمقدار تخليهم عنها. ولعل أصدق شاهد على هذا هو إسبينوزا نفسه الذي حقق بروزه وتَميُّزه بمقدار ابتعاده عن اليهودية، ثم تبعه ماركس وفرويد وأينشتاين وكلهم يهود ملحدون، أي يهود غير يهود، تبرأوا من يهوديتهم.

ويمكن القول بأن الجماعات اليهودية في أوربا كانت تُعَدُّ، مع اندلاع الثـورة الفرنسـية، أكثر قطاعات المجتمع تَخلُّفاً وهامشـية. إلا أن معظم يهود العالم الغربي كانوا مع انتصاف القرن من أكثر القطاعات علمانية وحداثة. وقد تبعهم وبسرعة يهود اليديشية من شرق أوربا، سواء من بقي منهم داخل الاتحاد السوفيتي أو من هاجر منهم إلي الولايات المتحدة.

2 ـ يُلاحَظ أن علمنة النخب اليهودية (قيادات اليهود الثقافية) تمت بسرعة فائقة وبشكل كامل وجذري، كما تمت علمنة الجماهير اليهودية بشكل كامل وقاس وفجائي ومخطط من قبَل الدول المطلقة المختلفة (الدولة الفرنسية أو النمساوية أو الروسية). واستمرت هذه العملية حتى بعد أن حكمت هذه الدول نظم ليبرالية أو ثورية. وقد أدَّى هذا إلى انقطاع واضح بين انتمائهم الديني وتراثهم من ناحية، ووجودهم في العصر الحديث من الناحية الأخرى، ولذا فإنهم لم يحتفظوا بقيمهم الدينية التقليدية إلى جانب الرؤية العلمانية التي اكتسبوها. ويُلاحَظ كذلك أنهم لم يحتفظوا بأية رواسب دينية من خلال الرموز العلمانية ذات الأصول المسيحية، إذ أنهم لا يشتركون أصلاً في هذه الرموز باعتبارهم يهوداً. كما أن غالبية أعضاء الجماعات اليهودية في غرب أوربـا وجميع يهـود الولايـات المتحـدة وكندا وأمريكـا اللاتينيـة، عناصـر مهاجـرة، وبالـتالي فهـم عناصر حركية متحررة من القيم والمطلقات تبحث عن الحراك الاجتماعي.

وقد أدَّى كل هذا إلى علمنة اليهود بشكل حاد وبمعدل يفوق معدلات العلمنة بين معظم قطاعات المجتمع الأخرى. ولذا، أصبح أعضاء الجماعات اليهودية من أكثر العناصر تَحرُّراً من القيم التقليدية وغير التقليدية في المجتمعات الغربية، وأصبح الإنسان اليهودي في الغرب هو الإنسـان الحـديث بشـكل نماذجي متبـلور، لا انتماء له ولا جذور، لا يشعر بحرمة أي شيء وينزع القداسة عن الإنسان والعالم. ومن ثم أصبح أعضاء الجماعات اليهودية من أكثر العناصر مقدرة على التحرك في المجتمع العلماني الحديث وأصبح لديهم من الكفاءات اللازمة للتعامل مع المجتمع العلماني الجديد أكثر مما لدى بقية أعضاء هذا المجتمع من المسيحيين أو حتى العلمانيين ذوي الجذور المسيحية، فاستطاعوا أن يحققوا بروزاً وصعوداً بدرجة تفوق ما يحققه أقرانهم من القطاعات البشرية الأخرى في المجتمع، ولكنه صعود من يستطيع أن يسبح مع التيار بكل قوة، لا أن يسبح ضده فيعوقه ويصده.

وقد لاحَظ أحد وزراء داخلية روسيا القيصرية وجود اليهود بأعداد كبيرة في الحركات الثورية، فبيَّن له أحد الحاخامات أن الشباب اليهودي كان بعيداً كل البعد عن الحركات الثورية والفوضوية حينما كان يتلقى تعليماً دينياً تقليدياً، وأن هذه الظاهرة لم تَبرُز إلا بعد أن انخرطوا في المدارس العلمانية التي أسسها القياصرة.

3 ـ ويمكن أن نضيف إلى هذا أن اليهود كانوا يشكلون جماعة وظيفية وسيطة في المجتمع الغربي لعدة قرون، فأصبحت سمات الجماعة الوظيفية من سماتهم الأساسية. ويوجد أعضاء هذه الجماعات داخل المجتمع وخارجه في وقت واحد، فهم على هامشه لا يخضعون لقوانينه، ولكن عليهم التعامل معه، ولذا كان عليهم أن يفهموا هذه القوانين، حيث إن علاقاتهم بالمجتمع علاقات موضوعية غير حميمة، فهم ينظرون إلى المجتمع بطريقة تحليلية تفكيكية تعاقدية نقدية، وخصوصاً أنهم من القرب بحيث يمكنهم فهم آلياته، كما أنهم بعيدون بقدر يُمكِّنهم من الاحتفاظ بالمسافة النقدية. وأعضاء الجماعات الوظيفية هم من أولى القطاعات في المجتمع التي تتم علمنتها وتجريدها من القداسة، وصبغها بالصبغة الموضوعية. وبالتالي، فإن أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة هم أول من يحمل الفكر العلماني النفعي الدنيوي وينشره ويذيعه.

4 ـ يُقال إن النزعة المشيحانيّة عند اليهود، والتي أخذت شكلاً علمانياً عند المثقفين اليهود الغربيين، تساهم في إضعاف الأواصر التي تربط بين اليهودي وبين المعطيات التاريخية والاجتماعية، الأمر الذي يجعله أكثر رفضاً للمجتمعات التي يوجد فيها، وأشد عمقاً في نقده لها، وأكثر موضوعية. ويُلاحَظ أن المثقفين اليهود من أكثر العناصر تطـرفاً في الحـركات الثورية والفـوضوية والعدمية (تروتسكي ـ روزا لوكسمبورج... إلخ).

5 ـ ويمكننا هنا أن نحاول تقديم فرضية تلقي بعض الضوء على بروز المثقفين اليهود في الحضارة العلمانية، وهذه الفرضية تستخدم نموذج الحلولية الكمونية (وتَصاعُد معدلاتها داخل النسق الديني اليهودي وداخل الحضارة الغربية) لتفسير هذا التَميُّز. ويمكن القول أن ثمة تشابها بنيويا شبه كامله بين وحدة الوجود الروحية (لا موجود إلا هو، أي الإله) ووحدة الوجود المادية (لا موجود إلا هي، أي المادة). وهنا، فإننا نذهب إلى أن بروز المثقفين اليهود في الحضارة الغربية بدأ حينما بدأت هذه الحضارة في تَبنِّي أنساق فكرية حلولية كمونية (البروتستانتية - النزعة الإنسانية الهيومانية - النزعة العقلانية المادية). فهؤلاء المثقفون اليهود، بخلفيتهم الحلولية، وبإنكارهم إمكانية تجاوز المادة كانوا مهيئين بشكل كامل لامتلاك ناصية الخطـاب الحضـاري العلـماني، ومن ثم تحقـيق البروز من خـلاله. ولعل الأهمية المركزية لإسبينوزا تتضح من خلال هذا النموذج التحليلي. فهو أول مثقف يهودي حقق بروزاً واضحاً في العصر الحديث، ويعود هذا إلى أنه ربط بين النسقين الحلوليين، الروحي والمادي، وعادل بين الإلهي والطبيعي، ومن ثم فقد عَلْمَن الحلولية تماماً وجعلها تصب في الأنساق المادية والعلمية.

6 ـ يُلاحَظ أيضاً تَركُّز اليهود في حقل الإعلام، خصوصاً في الصحافة والإذاعة، وهو ما جعلهم في موقع يُمكِّنهم من تسليط الأضواء على الأنشطة التي يقومون بها وإعطائها من الأهمية ما تستحق وربما أكثر مما تستحق. كما أن اليهود الجدد متمركزون في المدن، وهي مراكز صنع القرار في كل أنحاء العالم. فضلاً عن أنهم بانتقالهم إلى الضواحي لم يبعدوا كثيراً عن هذه المراكز، إذ أن معظم أعضاء النخبة في الولايات المتحدة يوجدون في هذه الضواحي. ويمكن أن نضيف أيضاً أن ارتفاع دخل المواطن الأمريكي اليهودي بالنسبة إلى المعدل القومي قد زاد من بروزهم، وكذلك تمركزهم في بعض المهن البارزة، مثل الطب والجامعات والمراكز العلمية.

7 ـ ويجب التأكيد ـ كما أسلفنا ـ على أن بروز المثقفين اليهود في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لا يعود إلى أنهم يهود، بل إلى أنهم أمريكيون يوجدون داخل الحضارة الغربية، وهي الحضارة المهيمنة على معظم المصادر الطبيعية في العالم، والتي نجحت في تأسيس بنيتها التحتية، وبالتالي بإمكان أي شخص ينتمي إليها أن يُحقِّق كل إمكانياته الفكرية والإبداعية.

كما أن الحضارة الغربية، بسـبب هيمنتها على معظم أرجـاء العـالم، تنسب لنفسها صفة العالمية وتسلط عليها الأضواء. والمفكرون البارزون من أعضاء الجماعات اليهودية يتمتعون بهذه المزايا. ولعل ظاهرة العرب من أصل مصري أو لبناني أو فلسطيني وغيرهم (فاروق الباز ـ إدوارد سعيد) ممن يُحقِّقون بروزاً في الحضارة الغربية تُلقي بعض الضوء على الظاهرة نفسها بين أعضاء الجماعات اليهودية. فلو قُدِّر لهؤلاء البقاء في بلادهم فلربما أُجْهضَت إمكاناتهم بسبب الحدود المادية. وربما حتى لو تحققت إمكاناتهم لما وُصفت بالعالمية ولما سُلطت عليها الأضواء.

هذه هي بعض العناصر التي تَصلُح في مجملها لتفسير معظم جوانب هذه الظاهرة. ومع هذا يجب ألا نَسقُط في الاختزالية والواحدية بألا نعطي أية قدرة تفسيرية للبُعد اليهودي في تَميُّز العباقرة (والمنحرفين) من أعضاء الجماعات اليهودية. وكل ما نفعله هنا هو أننا ننكر على مثل هذا البُعد أية أولوية أو مركزية تفسيرية. فالبُعد اليهودي لا يُفسِّر تَميُّز اليهود وبروزهم ولكنه يُساهم ولا شك في تفسير حدَّته ودرجته ونسبته.

ويمكننا أن نقول إن آليات المجتمع العلماني التي أدَّت إلى بروز اليهود هي ذات الآليات التي قد تؤدي إلى اختفائهم وانصهارهم، فالمجتمع العلماني يزداد ترشيداً وتطبيعاً ويتطلب من أعضائه كافة أن يُعيدوا صياغة ذاتهم حتى تزداد كفاءتهم في الأداء العام، وهو ما يعني ضرورة التخلص من كل الخصوصيات والنتوءات. فإنسان عصر الاستنارة والعقل المادي إنسان عالمي لا يتمتع بأية خصوصية. كما أن عملية الدمج في المجتمع العلماني لا تتم من خلال الدمج بين هويات دينية وإثنية مختلفة وإنما تتم من خلال نزع جميع الهويات أو إخفائها أو تهميشها حتى يكتسب الجميع هوية علمانية عامة تُزيد كفاءتهم في الأداء في رقعة الحياة العامة. وبما أن أعضاء الجماعات اليهودية ليسوا استثناء من القاعدة، فنحن نتنبأ بأن يتزايد اندماجهم وانصهارهم في الغرب إلى أن يختفي بروزهم ويصبحوا جزءاً لا يتجزأ من الآلة ذات الكفاءة الكبرى.

الجريمة اليهودية
Jewish Crime
«الجريمة اليهودية» مصطلح يفترض وجود جرائم ذات خصوصية يهودية (أي جرائم مقصورة على أعضاء الجماعات اليهودية وتتبع نمطاً بعينه وتأخذ أشكالاً بعينها). ومن ثم، فإن يهودية اليهودي هي النموذج الذي يمكن من خلاله تفسير وتصنيف السلوك الإجرامي لبعض أعضاء الجماعات اليهودية. وحيث إننا لم نعثر على مثــل هذا النموذج، فإننا نؤثر استخدام مصطلح «المجرمون من أعضـاء الجماعات اليهودية» باعتبـار أن النمـوذج الكـامن وراءه ذو مقـدرة تفسيرية وتصنيفية أعلى، كما أنه ينطوي على دعوة إلى أن يدرس الباحث كل حالة إجرامية يرتكبها عضو من أعضاء الجماعات اليهودية على حدة، داخل ملابساتها الخاصة وإطارها الحضاري.

ولا يمكننا التحدث عن «الجريمة اليهودية» أو «خصوصية الإجرام اليهودي» تماماً كما لا يمكننا الحديث عن «الجوهر اليهودي» أو عن «التاريخ اليهودي» أو عن «العبقرية اليهودية»، إذ أن الجماعات اليهـودية في العالم لا تعيـش تحت ظروف خاصة بها مقصورة عليها. ولذا، فإننا نجد أن معدلات الجريمة بين أعضاء الجماعات اليهودية لا تختلف بشكل جوهري عن المعدل السائد في المجتمع أو بين الأقليات الأخرى في المجتمع. ولذا، فنحن نتحدث عن «المجرمين من أعضاء الجماعات اليهودية».

المجرمــون مــن أعضــاء الجماعــات اليهوديـة
Criminal Elements from Jewish Communities
من المعروف أن النسق الأخلاقي الذي تطرحه العقيدة اليهودية (حينما تكون تعبيراً عن الطبقة التوحيدية الكامنة فيها) يشبه، في كثير من الوجوه، الأنساق الأخلاقية التي تطرحها الديانات السماوية. فالقتل والزنى والسرقة والشذوذ الجنسي والجماع مع المحارم، كلها أمور مُحرَّمة يعاقب عليها القانون الديني. ولتفسير السلوك الإجرامي لأحد أعضاء الجماعات اليهودية، لابد من العودة لحركيات وقيم المجتمع الذي يعيش فيه هذا اليهودي، ولابد من دراسة القوانين الاجتماعية والجنائية والظروف الاقتصادية والعناصر الأخرى كافة.

ومع هذا، يمكن ملاحظة أن بعض الأنماط المتكررة يمكن تفسيرها على أساس أن الجماعات اليهودية تُشكِّل أقليات وجماعات وظيفية، علماً بأن أعضاء الأقلية يخضعون عادةً لحركيات المجتمع ولكنهم يشعرون بها بشكل أكثر حدة، كما توجد بينهم دوافع وضوابط مختلفة إلى حدٍّ ما عن تلك التي توجد في المجتمع ككل. ولكن، قبل الاسـتمرار في الدراسة، تجب الإشارة إلى أن بعض الأرقام الموجودة لدينا غير موثوق فيها بسبب عنصرية النموذج الإحصائي والتفسيري الذي تم بمقتضاه جمع المادة. كما أصبح العكس صحيحاً الآن؛ إذ ترفض كثير من الدول الغربية أن تكشف عن الانتماء الديني أو الإثني للمجرم خوفاً من إشاعة صورة عنصرية كريهة عن أعضاء الأقليات. وبعد هذا التحفظ، يمكن القول بأنه قد لُوحظ، على سبيل المثال، أن نسبة الجريمة بين أعضاء الجماعة اليهودية تكون أحياناً أقل من النسبة العامة في المجتمع، وقد تكون مساوية لها أو أعلى منها، ولكن لكل وضع تفسيره. ويمكن استخدام الأحكام الصادرة ضد أعضاء الجماعة كمؤشر. ولكننا لن نقدِّم هنا عرضاً لأنماط الجريمة بين العبرانيين وأعضاء الأقليات اليهودية عبر التاريخ وفي مختلف المجتمعات، ذلك لأن مثل هذا العرض سيشغل حيزاً ضخماً، إلى جانب أن ما نهدف إلىه في هذا المدخل هو أن نُبيِّن مدى الخصوصية أو العمومية في ظاهرة الجريمة بين أعضاء الجماعات اليهودية. ولهذا، فإننا سنركز على العصر الحديث وحسب.

ثمة تباين واضح بين معدل الجريمة بين أعضاء الجماعة اليهودية ومعدلها بين أعضاء مجتمع الأغلبية الذي يعيشون في كنفه، فمعدلات الجريمة بين أعضاء الجماعات اليهودية كانت منخفضة قبل منتصف القرن التاسع عشر ثم أخذت في التزايد بعده إلى أن وصلت إلى معدلات ضخمة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. ثم أصبحت معدلات الجريمة بينهم لا تختلف كثيراً عن المعدلات السائدة في المجتمع. ولتفسير هذا التباين، يمكن القول بأن أعضاء الأقلية يتمتعون عادةً بدرجة أعلى من التماسك العائلي والتضامن الاجتماعي، وأن هناك مؤسسات دينية واجتماعية (وهي عادةً مقصورة عليهم) تقوم بعملية الرقابة الداخلية والضبط الاجتماعي والأخلاقي. كما أن أعضاء الأقليات يخضعون دائماً لرقابة شديدة من أعضاء الأغلبية، خصوصاً في فترات التعصب والتمييز العنصري. وهذه الرقابة الخارجية الصارمة من شأنها أن تجعل عضو الأقلية حذراً يراقب سلوكه ولا يُقبل على ارتكاب الجريمة أو التفكير فيها إلا في أضيق الحدود وللضرورة القصوى. ولا شك في أن تَميُّز اليهود مهنياً ووظيفياً كان له دور في ذلك، وكان هذا يعني المزيد من البروز ومن ثم المزيد من الرقابة.

لكل ما تَقدَّم، نجد أن تَزايُد انعتاق أعضاء الجماعات اليهودية واندماجهم يؤدي إلى تَزايُد معدل الجريمة بينهم، وهذه مفارقة لاحظها أيضاً دارسو وضع المرأة. فكلما ازدادت مساواة المرأة بالرجل، في الحقوق والواجبات، زاد معدل الإجرام بين النساء، فكأن تحرير المرأة يعني أن تصبح مثل الرجل في الخير والشر، وأن تُتاح أمامها فرص متساوية للخير والشر على حدٍّ سواء. وقد لُوحظ أن معدل الجريمة بين يهود المجر في أوائل القرن العشرين مرتفع عنه بين يهود روسيا مثلاً. ولا يمكن تفسير هذا إلا على أساس أن يهود المجر كانوا أكثر الجماعات اليهودية انعتاقاً واندماجاً. وقد لوحظ أيضاً أن معدل الجريمة بين يهود ألمانيا (الذي كان منخفضاً) تَساوَى تقريباً مع النسبة العامة في المجتمع في الفترة ما بين عامي 1882 و1910، وذلك مع تَزايُد اندماج اليهود وازدياد معدل التعليم بينهم وتَحسُّن وضعهم الاقتصادي. وقد لاحَظ ليتشنسكي أن معدل الأحكام الصادرة ضد يهود النمسا من المتعلمين كان يزيد بواقع 50% مقارناً بمعدل الأحكام الصادرة ضد يهود جاليشيا الفقراء الجهلاء. أما في هولندا، فكان معدل الجريمة بين أعضاء الجماعة اليهودية أقل من المعدل على المستوى القومي في عام 1902. ومع تَزايُد انعتاقهم واندماجهم، أصبح المعدلان متساويين. أما في البلاد العربية، فيُلاحَظ أن معدل الجريمة بين أعضاء الجماعات اليهودية قَلَّ بعد إعلان دولة إسرائيل، ربما بسب زيادة الرقابة وتشديد القبضة عليهم.

ولابد أن هناك استثناءات كثيرة من هذا النمط، ففي الولايات المتحدة يُلاحَظ أن معدل الجريمة بين المهاجرين اليهود يصل أحياناً إلى نصف المعدل على المستوى القومي في الجيل الأول ثم يتزايد بالتدريج مع الجيل الثاني، ومع الجيل الثالث يقترب معدل الجريمة من المعدل العام. ومن المعروف أن أعضاء الجيل الثالث في الولايات المتحدة من أبناء المهاجرين هم الذين يصلون إلى معدلات عالية من الاندماج والأمركة بحيث يصبحون أمريكيين مائة في المائة. وهذا النمط ينطبق كذلك على معظم الدول الاستيطانية.

ومع هذا، توجد ظاهرة عكسية وهي أن معدل الجريمة بين العناصر المهاجرة في قطاعات حرفية أو طبقية معينة قد يكون أعلى من نظيره بين أعضاء المجتمع المضيف. كما أن الجماعات المهاجرة تتخصص في أنواع من الجريمة غير معروفة في المجتمع أو كانت موجودة فيه بشكل جنيني وحسب. ويعود هذا إلى أن العناصر المهاجرة هي دائماً عناصر رائدة، وأعضاء الأقلية المهاجرة الباحثون عن الحراك الاجتماعـي لا يلتزمون بقيم خلقية ولا يشعرون بالولاء نحو المجتمع الجديد، كما أنهم في العادة شخصيات حركية قادرة على إدراك الثغرات في المجتمع وعلى التسلل منها. وبالفعل، نجد أن جماعات من المهاجرين اليهود كوَّنوا في الثلاثينيات عصابات جريمة منظمة (مافيا) في نيويورك تمارس نشاطات المافيا المختلفة من ابتزاز وتهريب مخدرات واغتيال نظير أجر والبغاء، واستمرت في ذلك حتى الخمسينيات. (وقد كُشف النقاب مؤخراً عن أن عصابات الجريمة المنظمة اليهودية قد دعمت الحركة الصهيونية مالياً وسياسياً، واشتركت في جمع التبرعات لها، بل واستخدمت نفوذها مع بعض حكام أمريكا اللاتينية المتعاونين مع عصابات الجريمة المنظمة لتهريب السلاح للمستوطنين الصهاينة(
وقد ظهرت الجريمة المنظمة أيضاً بين المهاجرين اليهود السوفييت والإسـرائيليين في الولايات المتحدة، وتُعَدُّ لوس أنجلـوس من أهم مراكزها. ولعل تَفشِّي الجريمة بين المهاجرين السوفييت هو أحد الأسباب التي دعت أمريكا لإغلاق أبوابها أمام المزيد من المهاجرين السوفييت. ومن الطريف أن أعضاء هذه العصابات اليهودية قد تخصصوا في ابتزاز أعضاء الجماعة اليهودية إلى جانب ممارسة النشاطات الإجرامية العادية والعامة. ويبدو أن هذه العصابات بدأت تمارس نشاطها في إسرائيل وفي بعض دول الشرق الأوسط. ومن الظواهر التي يجب تسجيلها أيضاً أن أفراد عصابات المافيا في الولايات المتحدة (وهم من أصل إيطالي في العادة) يستعينون في الغالب بمحامين من بين أعضاء الجماعة اليهودية للدفاع عنهم في جرائمهم ولإدارة أعمالهم المشينة.

وقد فوجئ الصهاينة بأن المهاجرين اليهود قادرون على ارتكاب جميع الجرائم الخطيرة مثل القتل والاغتصاب والسرقة في بلدهم. ولكن هذا يعود دون شك إلى إحساس المستوطنين بأنهم مواطنون يتمتعون بكل الحقوق السياسية والضمانات القانونية، ومن ثم تخف عمليات الرقابة الخارجية التي كانوا يخضعون لها كأعضاء أقلية. ومما لا شك فيه أن العقيدة الصهيونية التي تشجع على العنف والاغتصاب تلعب دوراً في استثارة الاستعداد الكامن أو القابلية لدى المستوطنين الصهاينة لارتكاب الجرائم بمعدل يفوق نظيره في المجتمعات الأخرى التي تعيش تحت الظروف نفسها.

وداخل هذه الأنماط العامة، يمكننا أن نكتشف نمطاً آخر وهو أن وضع أعضاء الأقليات قد يزيد قابليتهم لارتكاب جرائم دون أخرى. فعلى سبيل المثال، نجد أن أعضاء الجماعات اليهودية يرتكبون الجرائم ضد الملْكية وكذلك جرائم القتل بمعدل أقل من المعدل القومي. وربما يعود هذا إلى مستواهم التعليمي المرتفع وقلة استهلاكهم للمواد الكحولية، وإلى عملية الضبط الاجتماعي التي تمارسها الجماعة مع أعضائها ويمارسها المجتمع مع الجماعة ككل. وعلى أية حال، فالملاحَظ أن معدل الجرائم التي يرتكبها أعضاء الجماعة يرتفع مع تزايد معدلات الاندماج والعلمنة.

ولكن يُلاحَظ أن ثمة جرائم يزيد معدل ارتكابها بين أعضاء الجماعة عن المعدل العام السائد في المجتمع، وهي الجرائم التي يتم فيها انتهاك الحرمات والتي تتطلب من صاحبها التخطيط وإعمال العقل وتحقِّق لمرتكبها عائداً سريعاً (أي تتطلب المهارات نفسها التي يتطلبها الاضطلاع بوظائف الجماعة الوظيفية). ومن هذه الجرائم ما يُسمَّى «جرائم الآداب». ففي تونس، كان أعضاء الجماعة اليهودية يمثلون 1.7% من مجموع السكان، ومع ذلك كانت نسبة النساء اليهوديات المسجلات في جرائم الآداب تفوق هذه النسبة كثيراً. وكانت نسبة الأحكام الصادرة ضد أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا لارتكاب أعمال غير أخلاقية تفوق كثيراً (مرتين ونصف) نسبة الأحكام الصادرة ضد أعضاء الأغلبية.

ومن الجرائم المماثلة، جرائم التزييف والغش التجاري. ومن المعروف أن هذه الجرائم انتشرت بين أعضاء الجماعات اليهودية في القرن التاسع عشر في الغرب إلى درجة اضطرت معها الحكومات إلى استصدار تشريعات خاصة. ويبدو أن تَركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في القطاع التجاري من المجتمع التقليدي ساعد على ذلك، فهو قطاع لم يكن يعرف نظام الضرائب ولم يكن يرتبط بشبكات الرأسمالية الرشيدة من مصارف ووسائل نقل أو غيرها. ولذا، كان التهرب من الضرائب، وكذلك تهريب البضائع، جزءاً عضوياً من مثل هذا النشاط التجاري، كما أن تَركُّز كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في المناطق الحدودية والمدن شجع على هذا الاتجاه. وقد استمر هذا النمط حتى الوقت الحاضر. ويبدو أن لأعضاء الجماعات اليهودية دوراً ملحوظاً في ترويج المخدرات في الولايات المتحدة، كما يوجد عدد لا بأس به من الجواسيس من بين أعضاء الجماعات اليهودية في الدول الغربية.

ويمكن هنا أن نسأل: ما الفعل الإنساني الذي يشكل جريمة؟ فعلى سبيل المثال، تُعَدُّ الثورة ضد نظام مُستغل عملاً بطولياً من منظور الثوار، ولكنها تُعَدُّ جريمة ضد أمن الدولة يعاقب عليها القانون من منظور القائمين على النظام. والعكس صحيح، فدعم نظام مُستغل ظالم جريمة من منظور المدافعين عن العدالة، ولكنه واجب وطني من منظور القائمين على النظام، أي أن مسألة المنظور في غاية الأهمية في دراسة الجريمة.

ويمكـننا الآن أن نتنـاول الجرائم المرتبطة بأمن الدولة والنظام العام. ويُلاحَظ أن معدل ارتكاب أعضاء الجماعات اليهودية لمثل هذه الجرائم يتناسب طردياً مع معدل التمييز العنصري ضدهم، ومن ثم فإن الأحكام الصادرة ضدهم تَصلُح مؤشراً على نوعية المعاملة التي يلقاها أعضاء الجماعات اليهودية وعلى معدل الإعتاق والاندماج. ففي منتصف القرن التاسع عشر، كان حوالي 30% من المسجونين السياسيين في روسيا القيصرية من الشباب اليهودي. وفي عام 1907 كان اليهود يشكلون 4% من عدد السكان، ومع هذا نجد أن ما يزيد على 17% من الجرائم التي ارتُكبت ضد أمن الدولة والنظام العام ارتكبها أعضاء في الجماعة اليهودية. وفي بولندا (1924 ـ 1937)، كان 43.6% من الجرائم التي ارتكبها اليهود جرائم ســياسية، وتنخفض النسبة إلى 25% في ألمانيا (1899 ـ 1902)، وإلى 6.25 في هولندا (1931 ـ 1933). وقد لوحظ إبَّان الستينيات أن عدد الشبان اليهود في الولايات المتحدة الذين يشتركون في المنظمات اليسارية والتظاهرات يبلغ 30%، بينما كانت نسبتهم إلى عدد السكان لا تزيد عن 2.5%. ولكن هذه النسبة أخذت تتناقص مع زيادة هيمنة الجو المحافظ على يهود الولايات المتحدة.

ويمكن أن ننظر إلى المسألة من جانب آخر، وهو مدى مساعدة أعضاء الجماعات اليهودية للنظم المستغِلة والظالمة، باعتبار أن ذلك أحد أشكال الجريمة. ففي جنوب أفريقيا، في عصر التفرقة اللونية، على سبيل المثال، كان يُلاحَظ وجود أعضاء الجماعة اليهودية بشكل واضح في المؤسسات الأمنية. ويمكن أن نطرح هنا الدعم اليهودي للدولة الصهيونية باعتباره شكلاً من أشكال الإجرام. بل إن زيارة إسرائيل للسياحة، وهي شكل من أشكال الدعم الاقتصادي والمعنوي لها، تشكل دعماً للاستعمار الاستيطاني الذي استولى على أرض فلسـطين، ومن ثم يمكن تصنيفـها على أنها عمل إجرامي.

ويمكن النظر إلى الإجهاض أيضاً باعتباره قضية أخلاقية، فهو قد يكون (كما يرى البعض) حقاً مشروعاً للمرأة (إذا نظرنا إليها كفرد وحسب لا كأم وكائن اجتماعي)، وقد يكون جريمة يعاقب عليها القانون (إن أُخذ البُعد الاجتماعي والأخلاقي في الاعتبار). ويُلاحَظ هنا وجود عدد كبير من الأطباء اليهود بين أولئك الذين يجرون عمليات الإجهاض في الولايات المتحدة وفي غيرها من البلاد.

ولابد أن ارتكاب أعضاء الجماعة اليهودية جرائم الغش التجاري والآداب، وهي جرائم بارزة تمس حياة الجماهير الشعبية مباشرة، كان له أكبر الأثر في تغذية الأنماط الإدراكية السلبية التي تستند إليها أدبيات معاداة اليهود. ومما يجدر ذكره أن الأدبيات الصهيونية، بتأكيدها خصوصية اليهود، تَقبَل (نظرياً على الأقل) إمكانية أن تعبِّر هذه الخصوصية عن نفسها من خلال الجريمة اليهودية. ولابد أن نضيف هنا أيضاً أن الصهاينة يرون أن الشخصية اليهودية تصبح شخصية إجرامية مدمرة في المنفى لأنها شخصية مُقتلَعة لا انتماء لها، ومن هنـا فإن المفكرين الصهاينة يحذرون دول العالم من وجود اليهود فيها.

ويبدو أن المؤسسة الصهيونية تقوم في الوقت الحاضر بتصدير الجريمة إلى أنحاء العالم. فالشرطة الإسرائيلية تشجع المجرمين على الهجرة إلى خارج إسرائيل كوسيلة للتخلص منهم، فيستقرون في كل أنحاء العالم، خصوصاً في هولندا وألمانيا الغربية حيث يسيطرون على كثير من النشاطات الإجرامية التي من أهمها البغاء. وقد دخلت كلمات عبرية كثيرة على لغة الجريمة في العالم، خصوصاً لغة القوادين السرية في أوربا. ويُقال إن لغة القوادين في أمستردام هي العـبرية، ولعـلها لغة سرية خليط من الهولندية والعبرية. كذلك تُصدِّر إسرائيل مرتزقة إلى الخارج لتدريب قوات تجار المخدرات في كولومبيا أو حرس بعض رؤساء دول أمريكا اللاتينية.

وتوجد الآن مافيا إسرائيلية قوية مركزها لوس أنجلوس، ولكنها منتشرة في كل أرجاء الولايات المتحدة. وقد بدأت هذه العصابات نشاطها بفرض إتاوات على فقراء اليهود (عادةً من بقايا يهود معسكرات الإبادة)، ثم دخلت عالم المخدرات وجرائم الغش التجاري. ويبلغ عدد أعضاء قيادة المافيا الإسرائيلية نحو 100 عضو. وتعقد سلطات الأمن الأمريكية مؤتمراً قومياً كل عام لمناقشة نشاط المافيا الإسرائيلية.

عتاة المجـرمين من أعضـاء الجماعـات اليهـودية في العــصر الحـديث
Famous Criminals from Jewish Communities in Modern Times
يوجد الكثير من المجرمين من أعضاء الجماعات اليهودية ولا يمكن تفسير تَميُّزهم في الإجرام بناء على يهوديتهم، ولنبدأ بإدوارد ديفيس (1816 ـ 1841) وهو لص أسترالي يهودي وُلد في إنجلترا، وأدين عام 1832 بتهمـة السـرقة وحُكم عليه بالترحيل إلى أسـتراليا لمدة سبع سنوات. وفي أستراليا، نجح في الفرار من سجنه عام 1839 وكوَّن عصابة من السجناء الهاربين قامت على مدى عامين بالإغارة على المدن الصغيرة والقرى بقطع الطريق على المسافرين، الأمر الذي أثار الرعب في نفوس الكثيرين. وقد اتخذت هذه العصابة لقب «عصابة الولد اليهودي». وكان ديفيس يعتبر نفسه «روبين هود أستراليا »، لأنه كان يسرق من الأغنياء ويعطي الفقراء، كما كان يرفض استخدام العنف إلا دفاعاً عن النفس. وجاءت نهايته بعد أن قتلت عصابته صاحب متجر في إحدى غاراتها، الأمر الذي دفع السلطات لتكثيف البحث عنه. وقد ألقي القبض عليه، وعلى عدد آخر من أفراد عصابته عام 1840، وأدين بتهمة القتل وحُكم عليه بالإعدام.

وديفيس ينتمي إلى نمط من اللصوص يمكن تفسيره من خلال دراسة درجة السخط الشعبي والاستقطاب الطبقي، فهو ليس مجرماً بالمعنى المألوف وإنما مجرم يسرق من الأغنياء ليعطي الفقراء. ولكن النمط الأكثر شيوعاً هو المجرم المتميِّز من أعضاء الجماعات اليهودية الذي يمكن تفسـير سـلوكه باســتخدام نموذج العلمانية الشاملة والنيتشـوية.

ولنبدأ باثنين من أهم المجرمين من أعضاء الجماعات اليهودية وهما ريتشارد لويب (1905 ـ 1936) وفروينتال ليوبولد (1904 ـ 1975). كان لويب وليوبولد من خريجي الجامعة، وكانا أيضاً من أبناء الأسر اليهودية الثرية في الولايات المتحدة. وفي عام 1924، قررا أن يرتكبا جريمة بلا دافع فقاما باختطاف صبيّ في الرابعة عشرة من عمره ثم قتلاه. وقد حُكم على أحدهما بالسـجن مدى الحياة، وحُكم على الآخر بالسـجن لمدة تسـعة وتسـعين عاماً. وقد قُتل لويب في السجن وأُعفي عن ليوبولد. والجريمة التي ارتكبها لويب وليوبولد ليس لها مضمون يهودي واضح أو كامن، فدوافع المجرمين ليست إنسانية تقليدية، فهما لم يكونا مدفوعين بدوافع اقتصادية (فهما من أعضاء الطبقة الثرية في الولايات المتحدة) أو دوافع جنسية (فهما لم يغتصبا الصبي المخطوف). ولفهم هذه الجريمة، لابد أن نصنفها على أنها جريمة حديثة تماماً، فمرتكباها افتقدا المعنى في حياتهما الرتيبة وقررا استرجاع شيء من المعنى عن طريق شكل من أشكال الإثارة الشديدة. وقد وجدا الإثارة في ارتكاب جريمة بلا دافع، أي أن الأداء الإجرامي الكفء أصبح غاية في ذاته، فهي جريمة محايدة تتم بلا حب أو كره أو غاية، وهي جريمة كاملة، يفترض فيها أنها من الدقة والإحكام بحيث يستحيل اكتشافها (أي أنها نسق مغلق تماماً)، وكل هذا تعبير عن رغبة الإنسان الحديث في التحكم الإمبريالي الكامل في كل شيء بحيث يصبح الإنسان إلهاً يُحيي ويُميت دون مكافأة أو عقاب. وفي هذا لذة أيما لذة، فهنا يصبح اللامعنى هو المعنى، ويصبح العبث هو الغاية، وتصبح الصورة المجازية الحاكمة الكبرى هي أن الحياة بأسرها إنما هي لعبة أو مباراة وأن ذَبْح الأطفال إنما هو جزء من هذه اللعبة المسلية.

ويمكن أن نشير أيضاً إلى أرنولد روثشتاين (1882 ـ 1928)، وهو من رواد الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة. وُلد في نيويورك لعائلة يهودية تجارية متوسطة الحال، واتجه في سن مبكرة إلى القمار ثم المراهنات، ونجح في إقامة أكبر إمبراطورية للقمار في الولايات المتحدة، وامتد نشاطه إلى تهريب الخمور وتجارة المخدرات والابتزاز، ونجح في حماية نفسه وأنشطته الإجرامية من خلال رشوة رجال الأمن والقانون والسياسة ومن خلال استثمار أمواله في بعض الأنشطة المشروعة. وقد تَمتَّع روثشتاين بنفوذ واسع، وأصبح يُلقَّب بـ «قيصر عالم الجريمة»، وقد تتلمـذ على يديه عدد من مشـاهير المجرمين الأمريكيين، أمثال مائير لانسكي، والذين تعلموا منه أهمية التعاون والتحالف في عالم الجريمة بغض النظر عن الانتماء الإثني أو الديني. فاللص هنا، مثل الإنسان الطبيعي أو الأممي، لا جذور له ولا حدود، ولا تعوقه أية مطلقات غيبية أو إنسانية. وهو، مثل عضو الجماعة الوظيفية والإنسان الاقتصادي، لا يدين بالولاء إلا لصالح جماعته وما يحققه لها ولنفسه من ربح، « وليس للدولار سوى قومية واحدة ودين واحد وهو الربح » على حد قول روثشتاين، الذي اغتيل في أحد فنادق نيويورك نتيجة خلاف حول سداد دين قمار.

أما لويس بوكالتر « ليبكي » (1897 ـ 1944) فهو أحد زعماء الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة. وُلد في نيويورك لعائلة من المهاجرين اليهود، وانخرط في حياة الإجرام في سن الثامنة عشرة، حيث انضم إلى عصابة من الأحداث تحترف النشل وسرقة الباعة المتجولين. وقد اشتهر بوكالتر باسم «ليبكي»، وهو الاسم الذي أطلقته عليه والدته ويعني باليديشية «لويس الصغير».

وقد أمضى بوكالتر ثلاثة أعوام في السجن بتهمة السرقة، خرج بعدها ليتزعم عصابة من مائتي مجرم تخصصت في الابتزاز. ولم يكن بوكالتر يؤمن بالتخصص فحسب وإنما بالتنظيم والترشيد أيضاً. وقد استخدمت عصابته جميع أساليب الإرهاب للسيطرة على النقابات العمالية في قطاع صناعة الملابس والمأكولات في نيويورك، ثم ابتزاز أصحاب الأعمال « لحمايتهم » من الإضرابات العمالية. وجمعت علاقة وثيقة بين بوكالتر ومائير لانسكي، وكان من زعماء الإجرام الذين أسسوا الاتحاد القومي للجريمة، والذي تأسس بغرض تنسيق وترشيد النشاط الإجرامي على مستوى الولايات المتحدة. وقد تولى بوكالتر رئاسة الجناح التنفيذي للاتحاد والذي أطلقت عليه الصحافة الأمريكية اسم « شركة القتل المساهمة » لأنه قام تحت إشرافه بتنفيذ مئات الاغتيالات وجرائم القتل.

وفي عام 1933، ألقي القبض على بوكالتر بتهمة مخالفة القانون المناهض للاتحادات الاحتكارية، وحُكم عليه بالسجن والغرامة، إلا أن الحكم تم نقضه وأفرج عنه بكفالة. ثم قُدِّم للمحاكمة مرة أخرى عام 1939 في جريمة مخدرات، وحُكم عليه بالسجن لمدة أربع عشرة سنة. وأثناء ذلك، قُدِّم (عام 1941) للمحاكمة بتهمة جريمة قتل ارتكبها عام 1936 وحُكم عليه بالإعدام. ونُفِّذ فيه الحكم عام 1944.

ويمكن أن نشير أيضاً إلى بنجامين سيجل (1906 - 1947) الذي كان أعداؤه يلقبونـه باسم «بجزي Bugsy»، نسبةً إلى البجز (bugs) أي «الحشرات». وقد كان سيجل أحد زعماء اتحاد الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة. وُلد في نيويورك، وبدأ منذ سن الرابعة عشرة في الانخراط في الأنشطة الإجرامية. وكوَّن عصابة مع مائير لانسكي عُرفت باسم «عصابة بجز ومائير» قامت بحماية الملاهي الليلية نظير إتاوة منتظمة، كما قامت بعمليات السطو المسلح والخطف والقتل بالأجر لحساب عصابات تهريب الخمور. وقد تَورَّط سيجل في عدد من قضايا التهريب والاغتصاب والسرقة والاغتيال، حيث اتُهم بقتل بعض شركائه القدامى. كما اشترك سيجل مع عدد من كبار المجرمين الأمريكيين في تأسيس الاتحاد القومي للجريمة. وفي الثلاثينيات، انتقل سيجل إلى كاليفورنيا للإشراف على عمليات الاتحاد بها كما أشرف على عمليات القمار وتجارة المخدرات، ومد نشاطه إلى مجال السينما حيث قام بعمليات ابتزاز عديدة.

وقد عـاش ســيجل حياة مُترَفة مع كثير من أصدقائه نجوم السينما، جين هارلو وكلارك جيبل وكاري جرانت وغيرهم. وأثناء الحرب العالمية الثانية، اكتشف سيجل إمكانات ضخمة في القمار المشروع في نيفادا، فاقترض بعض النقود من اتحاد الجريمة وبنى فندق الفلامنجو الضخم في لاس فيجاس، وقد حاول أن يُبقي كل الأرباح لنفسه دون أن يشرك الاتحاد فيها. وكانت فلسفته في الحياة عملية داروينية إذ كان يقول دائماً: « كل ما نفعله هو أن يقتل الواحد منا الآخر »، وهذا ما حدث له في يونيه 1947 إذ كَلَّف اتحاد الجريمة قاتلاً صوَّب مسدسه إلى رأس سيجل وأفرغ فيه عدداً من الرصاصات.

أما فلاتو شارون، فهو من كبار المجرمين الفرنسيين. تهرَّب من الضرائب في فرنسا باللجوء إلى إسرائيل مستفيداً من قانون العودة. ورشح نفسه لعضوية البرلمان (الكنيست) كي يحصل على الحماية البرلمانية، ونجح مرتين في الانتخابات بشـراء الأصـوات صراحةً وعلانية، حيث موَّل حملته الانتخابية أحد زعماء الجريمة المنظمة. وبعد أن فرّ يعقوب الله كوهين زعيم الجريمة المنظمة في إسرائيل (وهو يهودي من أصل إيراني) إلى البرازيل، تردد اسم فلاتو شارون خلفاً له في الزعامة. ويوجد الآن في إسرائيل عطر ومساحيق تجميل تحمل اسم «فلاتو»، وهو ما يدل على تغلغل المُثُل الإجرامية في المُستوطَن الصهيوني (ويُلاحَظ أن فلاتو شارون هذا كان شريكاً لعزرا وايزمان في تجارة السلاح مع جنوب أفريقيا).

واستخدام نموذج الخصوصية اليهودية والعبقرية اليهودية والجريمة اليهودية في تفسير سلوك هذه الشخصيات الإجرامية لا يفيد كثيراً، فقيمته التفسيرية ضئيلة. أما إذا وضعناهم في سياق المجتمع العلماني الحديث الذي يتسم بتَزايُد تهميش القيم الأخلاقية والإنسانية المطلقة وتَصاعُد معدلات النسبية والنيتشوية، فيمكن إلقاء مزيد من الضوء على دوافعهم وسلوكهم.

عباقـرة ومجـرمـون مــن أعضـاء الجماعـات اليهوديـة
Geniuses and Criminals from Jewish Communities
في محاولة تفسير عبقرية العباقرة وإجرام المجرمين من أعضاء الجماعات اليهودية، لابد أن يبتعد الدارس عن نموذج الخصوصية اليهودية العالمية. وبدلاً من ذلك يمكن أن نضبط مستوى التعميم والتخصيص للوصول إلى النموذج التفسيري الملائم. ومثل هذا النموذج لابد أن تتم صياغته من خلال دراسة السياق الحضاري والاقتصادي والاجتماعي والديني الذي يوجد فيه العبقري أو المجرم من أعضاء الجماعات اليهودية. وفي المداخل التالية سنحاول أن نطبق هذا المنهج على مجموعة من العباقرة والمجرمين من أعضاء الجماعات اليهودية عبر التاريخ مثل أينشتاين وتشومسكي ولانسكي، وعلى مجموعة من المجرمين من أعضاء الجماعات اليهودي في العصر الحديث.

بنيامــين التُـطيـلــي (القرن الثاني عشر(
Benjamin of Tudela
رحالة إسباني يهودي في القرن الثاني عشر الميلادي لا نعرف الكثير عن حياته الشخصية. ترك سرقسطة في عام 1160، وقام برحلة استغرقت ما بين خمسة وثلاثة عشر عاماً، زار خلالها نحو ثلاثمائة موضع من بينها: إيطاليا واليونان وكيليكية وفلسطين وبلاد الرافدين وإيران والهند، وعاد ماراً بعدن واليمن ومصر وصقلية. وقد دوَّن بنيامين التُطيلي ملاحظاته في كتابه رحلات الحاخام بنيامين وهي تتضمن عديداً من الروايات والتفاصيل الطريفة والمهمة. وقد انصب اهتمامه على حضارات البلدان التي زارها وعلى الجماعات اليهودية فيها من حيث أسلوب حياتهم ووظائفهم الأساسية وتنظيماتهم الاجتماعية وحياتهم الدينية. كما أورد إحصاءات عن عدد كل جماعة. ويُعَدُّ كتابه من المصادر الفريدة لعدد أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، وإن كانت بعض الأعداد التي يوردها تبدو غامضة أو مبالغاً فيها. وقد تُرجم كتابه إلى معظم اللغات الأوربية وضمنها اللاتينية.


داهيـــة الكاهنــة (أوائل القرن الثامن الميلادي(
Dahiya Al-Kahina
«داهية الكاهنة» (ويُقال إن اسمها هو «ضميا» أو «ضحيا») هي محاربـة من قبيلـة الجراورة في جبـال أوراس في الجنوب الشرقي للجزائر، وهي فرع من قبيلة زناتة البربرية الكبيرة تَهوَّد في القرن السابع بعد الميلاد، أي قبيل الفتوحات الإسلامية بقليل. قادت داهية القبائل البربرية وقامت بصد الزحف الإسلامي عام 688م حين دمرت جيش حسان بن النعمان الغساني واضطرته إلى الانسحاب إلى طرابلس. وكانت الكاهنة تظن أن القوات الإسلامية هي مجرد جماعات من البدو المغيرين الطامعين في الثروة، ولذلك قامت بحرق المدن والحقول حتى يرحلوا. ولكن أفعالها جعلت السكان يجأرون بالشكوى منها ويناصبونها العداء وانفض أتباعها من حولها وانضموا تدريجياً إلى جيش الإسلام. وفي الجولة الثانية مع القوات الإسلامية، يُقال إنها تنبأت بهزيمتها ومقتلها، وبالفعل نشبت المعركة في عام 695 وهُزمت داهية الكاهنة ولقيت حتفها خلالها.

ولا يمكن رؤية مقاومة داهية الكاهنة للزحف الإسلامي باعتباره جزءاً من العداء الأزلي بين المسلمين واليهود ولا يمكن فهمه من خلال نموذج تفسيري يهودي. ففي مناطق أخرى ومدن أخرى ساعد أعضاء الجماعات اليهودية المسلمين. ولذا، يجب أن تُوضَع هذه المقاومة في سياق أكثر عمومية وهو مقاومة القبائل الوثنية للزحف الإسلامي. ونحن لا نعرف كثيراً عن نوع اليهودية التي كانت تتبعها الكاهنة. بل إن بعض المؤرخين يشككون أصلاً في انتمائها اليهودي. لكل هذا يكون الحديث عنها باعتبارها عبقرية يهودية أمراً ليس ذا قيمة تفسيرية تُذكَر.

ابـن نغريلـة (993-1055(
Ibn Nagrila
هو صموئيل اللاوي بن يوسف بن نغريلة المشهور بين اليهود باسم «شموئيل هانجيد». وقد عرفه العرب باسم إسماعيل بن يوسف بن نغريلة. وهو رجل سياسة وشاعر وعالم وقائد عسكري عربي يهودي، ويُعَدُّ أهم شخصية يهودية في الأندلس.

وُلد في قرطبة من عائلة غنية، وأتقن العبرية والعربية واللاتينية ولغات البربر، كما درس القرآن الكريم والتوراة والتلمود على يدي حنـوخ بن موسى في قرطـبة. وكان يُشـيع عن نفسـه أنه من نسـل داود. فرَّ من قرطبة في القرن الحادي عشر الميلادي بعد غزو المرابطين لها وفتح دكان توابل في ملقا، ثم ألحقه الملك حبوس بخدمته حيث عَمل بجمع الضرائب، ثم كاتباً ومساعداً للوزير أبي العباس. وبعد أن أيَّد باديس، في معركته ضد أخيه على العرش، كافأه الملك الجديد وقرَّبه منه وعيَّنه وزيراً له بحيث أصبح ابن نغريله من أهم الشخصيات في المملكة. وحيث إن باديس كان مستغرقاً في لذاته ومسراته، فإن ابن نغريلة كان الحاكم الفعلي، فقاد جيوش غرناطة في معاركها الدائمة مع أشبيلية، وحقق انتصارات عسكرية عديدة فيها.

ألَّف ابن نغريلة عدة كتب في الشريعة اليهودية، من بينها مقدمة للتلمود، وحرَّر معجماً لعبرية التوراة. كما وضع كتاباً يطعن في الإسلام وكتابه الكريم، فرد عليه أبو محمد بن حزم في كتاب سماه الرد على ابن نغريلة اليهودي. ومع هذا، كان ابن نغريلة مندمجاً تماماً في الحضارة العربية الإسلامية، فقلَّد أمراء عصره باجتذاب الشعراء وكوَّن لنفسه حاشية منهم، وكان من بينهم عدد من الشعراء المسلمين. وكان هو نفسه يقرض الشعر باللغتين العربية والعبرية وله عدة دواوين. وتتناول قصائده العبرية موضوعات شتى. وقد طعم الشعر العبري بفنون جديدة اقتبسها من الأدب العربي، كالشعر القصصي والخمريات والغزل ووصف المعارك ووصف الطبيعة والرثاء. كما طرق فنون الشعر العبري التقليدية مثل قصائد البيوط والأدعية. ولم يكن الشعر الذي كتبه ابن نغريلة بالعربية أو بالعبرية متميِّزاً. ومهما كانت طبيعة إنجازاته فلا يمكن تفسيرها إلا من خلال نموذج تفسيري يضعه في سياق الحضارة العربية الإسلامية.

رودريجــو لوبيـز (1525-1594(Rodrigo Lopez
طبيب برتغالي من يهود المارانو انتقل إلى لندن نحو عام 1559، وتَخلَّى عن الكاثوليكية التي اعتنقتها أسرته منذ ستين عاماً لينضم إلى الكنيسة البروتستانتية الإنجليزية ولكنه ظل على يهوديته في حياته الخاصة. اكتسب سمعة طيبة في مجال الطب نظراً لعبقريته الفائقة في هذا المجال، وأصبح واحداً من أهم أطباء لندن، ودخل في خدمة أحد النبلاء البريطانيين المقربين للملكة إليزابيث، ثم أصبح رئيس أطباء الملكة عام 1586. ويُقال إن لوبيز حصل على احتكار استيراد العديد من السلع، كما منحته الملكة سفينة ملأى بصكوك الغفران أصدرها البابا وكانت في طريقها إلى العالم الجديد لتباع هناك، واستولى عليها الأسطول البريطاني وهي في طريقها. ولعل الملكة منحته حمولة هذه السفينة لأنه يهودي له اتصالات كاثوليكية ومن ثم ليست هناك مشكلة أخلاقية ولا عملية في بيعه هذه السلعة شبه المقدَّسة. ومع هذا، لم ينجح لوبيز في تسويق سلعته.

ولم يقتصر نشاط لوبيز في بلاط الملكة على الطب، إذ اتضحت عبقريته أيضاً في مقدرته على تدبير الخطط والمؤامرات بالاشترك مع وزراء الملكة، وساعدته على ذلك شبكة علاقاته بأقاربه من يهود المارانو في انتورب وليجهورن وإستنبول. فانضم إلى الدائرة البيوريتانية في بلاط الملكة التي كانت تسعى للحرب مع إسبانيا الكاثوليكية، ونجح من خلال شبكة علاقاته في توفير معلومات ساعدت في هزيمة الأسطول الإسباني عام 1588. وقد كان صهره سليمان أبنايس من مؤيدي السياسة البريطانية داخل البلاط التركي، حيث كان يعمل مستشاراً للسلطان. وعمل لوبيز على حث إنجلترا على تأييد دوم أنتونيو المطالب بعرش البرتغال، وساهم في كسب دعم الملكة إليزابيث لخطة تقضي بغزو دوم أنتونيو للبرتغال عام 1589، وهي خطة انتهت بالفشل.

ورغم كل ذلك، يبدو أن لوبيز كانت له علاقة مشبوهة بالحكومة الإسبانية. فرغم أن هذه العلاقة تمت بمعرفة الحكومة البريطانية ولصالحها، إلا أنه تبيَّن فيما بعد أنها كانت علاقة ذات أبعاد مريبة وغامضة، أثارت الشكوك حول لوبيز، ويبدو أن هذه العلاقة بدأت مع تَوسُّط لوبيز للإفراج عن أحد عملاء إسبانيا في إنجلترا، والذي كان قد ألقي القبض عليه بعد أن حاول استدراج دوم أنتونيو وإيقاعه في أيدي الإسبان. ومن خلال هذا العميل أبلغ لوبيز الحكومة الإسبانية استعداده للتوسط بينها وبين إنجلترا في التفاوض من أجل السلام. وقد تمت هذه الخطوة على ما يبدو بعلم وزير الخارجية البريطاني بغرض الكشف عن خطط إسبانيا واستدراجها للتخلي عن حذرها. ومع ذلك، اتُخذَت هذه الواقعة فيما بعد دليلاً على تورط لوبيز مع إسبانيا وعمالته لها. وقد فَقَد لوبيز صداقته مع دوم أنتونيو نتيجة توسطه للإفراج عن العميل الإسباني بسبب الخلاف الذي ثار بين دوم أنتونيو وسليمان أبنايس صهر لوبيز، حيـث اتهـمه دوم أنتونيو بخـداع الحكومة البرتغالية والإثراء من ورائها. وقد نجح دوم أنتونيو في الإيقاع بين لوبيز وأحد النبلاء البريطانيين وهو إيرل أوف إسيكس Earl of Essex، وهو ما دفع هذا الأخير للبحث عن دلائل تؤكد عمالة لوبيز لإسبانيا. وبالفعل، نجح إيرل أوف إسيكس في إلقاء القبض على ثلاثة من البرتغاليين من عملاء إسبانيا، وقد تبيَّن من أقوالهم والخطابات التي وُجدت في حوزتهم أن لوبيز كانت له علاقة سرية بإسبانيا بل وكان عميلاً لها يُسرِّب لها المعلومات ويخطط لاغتيال دوم أنتونيو بالسم وإرغام وريثه على الخضوع لملك إسبانيا، وأنه كان يعمل على دفع إنجلترا باتجاه السلام مع إسبانيا.

وعند تقديم هذه الأدلة للحكومة البريطانية، لم تتخذ هذه الحكومة أية إجراءات ضد لوبيز، حيث إنها كانت على علم باتصالاته بإسبانيا للأغراض التي سبقت الإشارة إليها. وقد رفضت الملكة إليزابيث هذه الاتهامات. ولكن، في أعقاب ذلك، ظهرت دلائل جديدة تشـير إلى أن لوبيز كان يخطط لوضع السـم للملكة إليزابيث نفسها، فتم إلقاء القبض عليه. وقد أكد لوبيز في البداية أن علاقته بإسبانيا كانت بغرض الحصول على معلومات لصالح إنجلترا، ولكنه اعترف فيما بعد بأنه وعد بالفعل بوضع السم للملكة، ولكنه في واقع الأمر لم يكن ينوي الإقدام على ذلك. وبرغم أنه سحب هذا الاعتراف فيما بعد، إلا أنه كان كافياً للحكم عليه بالإعدام. وقد لُقِّب لوبيز طوال فترة محاكمته بـ «اليهودي الخسيس». والتمس لوبيز العفو عدة مرات لـدى الملكة إليزابيث، كما تَدخَّل لصالحه سـليمان أبنايس ولكن دون جدوى، ونُفِّذ فيه حكم الإعدام عام 1594. وقـد نالت قضية لوبيز اهتمـاماً جماهيرياً واسـعاً في إنجلترا، واتخذها بعض الأدباء مادة لأعمالهم، واتخذوا لوبيز نموذجاً لشخصيات روائية مثل مسرحية يهودي من مالطة لمارلو ومسرحية تاجر البندقية، التي يُقال إن شكسبير كتبها نتيجة هذه المحاكمة وأن شخصية المرابي شايلوك اقتُبست عن نموذج لوبيز.

وقد بيَّنت الوثائق التاريخية فيما بعد صحة جوانب كثيرة من الاتهامات الموجهة للوبيز، لكنها بيَّنت أيضاً عدم وجود دلائل قاطعة تؤيد تَورُّطه في مؤامرة لاغتيال الملكة إليزابيث.

ولوبيز مثل جيد على العبقرية التي يتداخل فيها الشر مع الخير، والإبداع البناء مع القدرة على التدمير (الإبداع التفكيكي). وهو شخصية مكيافيللية كاملة كانت توجد بكثرة في بداية عصر النهضة في الغرب، وقد تناولها أدباء العالم الغربي في أعمالهم الأدبية. ولا يمكن تفسير عبقرية لوبيز في الخير والشر بناء على يهوديته، وإن كان انتماؤه ليهود المارانو يُفسِّر بعض الجوانب الخاصة، مثل اتساع نطاق حركته وزيادة مقدراته بسبب شبكة الاتصالات الدولية المارانية ومعرفته بعدد كبير من اللغات.

جوزيـــف أوبنهايمـــر (1635-1703(
Joseph Oppenheimer
يُسمَّى أيضاً «يود سوس» أي «اليهودي سوس». وهو يهودي بلاط ومموِّل، وُلد في هايدلبرج (ألمانيا)، لممثل يهودي متجول كان يقوم أيضاً بجمع الضرائب، ويُشاع أنه كان الابن غير الشرعي لفارس ألماني. تلقى في طفولته تعليماً دينياً حتى أصبح حاخاماً، ولكنه آثر العمل في الأمور المالية. ولم يكن مكترثاً كثيراً باليهودية، إلا أنه لم يَتنصَّر على عكس أخويه.

ويبيِّن أسلوب حياته مدى عمق التغير الذي طرأ على حياة الجماعات اليهودية في أوربا، أو على الأقل على قيادتها، وهي تغيرات لا تعدو أن تكون صدى للتغيرات التي لحقت بالمجتمعات الغربية. فأوبنهايمر لم يمارس أياً من شعائر اليهودية، إذ كان ربوبياً أي يؤمن بالرب الذي يحل في الطبيعة دون أن يؤمن بأي دين، شأنه شأن الكثير من مثقفي عصر الاستنارة. وكان يحيا حياة كبار نبلاء أوربا إبَّـان عصر الملكيات المطلقة ويرتدي زي النبلاء المسيحيين. وكانت مكتبته مُكوَّنة من أعمال ألمانية في السياسة والتاريخ والقانون. وكان له منزل في كلٍّ من فرانكفورت وشتوتجارت على الطراز الأوربي، عُلِّقت على حوائطهما لوحات لرمبرانت وغيره من الفنانين الغربيين. وكان أوبنهايمر إنساناً حديثاً بمعنى الكلمة، طموحاً، يبغي أن يحقق حراكاً اجتماعياً سريعاً. وقد تقدَّم للإمبراطور بطلب الحصول على لقب النبيل، ولكن لم يُستجَب لطلبه. ويبدو أنه كان إنساناً جسمانياً لا يكف عن ملاحقة النساء، سواء كن من طبقة النبلاء أم من الخادمات. ورغم كل هذا، كان أوبنهايمر يتباهى بيهوديته، وهو ما يدل على أنه عرَّفها تعريفاً إثنياً خالياً من أي مضمون أخلاقي، وهو التعريف الذي قُدِّر له الشيوع في العالم الغربي الحديث.

عمل أوبنهايمر مع قريبه يهودي البلاط صموئيل أوبنهايمر، وجمع ثروة كبيرة إلى أن أصبح هو نفسه يهودي بلاط (وهي وظيفة تشبه وظيفة وزير المالية أساساً، ولكن يدخل ضمنها أيضاً الشئون الخارجية والمخابرات) حينما أصبح الدوق كارل ألكسندر حاكماً لدوقية ورتمبرج، وكان الدوق كاثوليكياً في حين كانت جماهير دوقيته لوثرية. وكان يود تطوير دوقيته على أسس مركنتالية تجارية ومطلقة، ولكنه كان، في ذات الوقت، يحيا حياة شخصية فاسدة، ولذا نشأت عنده حاجة ماسة إلى المال. ومن هنا كان دور أوبنهايمر الذي كان إنساناً اقتصادياً بمعنى الكلمة يود تعظيم الربح بالنسبة للدولة ولنفسه، وكان يُعدُّ عبقرية في اكتشاف مصادر جديدة للريع. وبعد أن قام الدوق بعزل كل مستشاريه، أصبح أوبنهايمر مستشاره الوحيد تقريباً فبذل قصارى جهده لتقوية قبضة الدولة على كل المصادر المالية عن طريق فرض ضرائب جديدة. كما احتكر بيع الملـح والجلـد والخمـور والتبغ، وأسَّـس مصـنعاً للخزف وآخر للحـرير، وأنشـأ داراً لصـك النقـود، وأقـام أول بنك في جنوب ألمانيا. ولم يتوان أوبنهايمر عن توظيف كل من المسيحيين واليهود لتحقـيق الربـح، فضغط على الكنيسة لتودع أموالها في البنك المركزي، الأمر الذي أثار حقد وغيظ الكنيسة ضده. وقد قام بتوطين جماعة من اليهود في ورتمبرج، وأوكل إليهم حق توريد المعدات الحربية وحقق من خلال ذلك أرباحاً كثيرة.

وقد تَسبَّب فساد الدوق في إفقار جماهير دوقيته وتزايد السخط ضده. وحينما مات الدوق، ألقي القبض في اليوم نفسه على أوبنهايمر الذي دافع عن نفسه بقوله إنه لم يفعل شيئاً دون أمر الدوق، ولكن المحكمة حكمت بإعدامه شنقاً. وقد كُتبت عدة روايات عن حياته. ويشير النازيون في دعايتهم إلى أوبنهايمر باعتباره نموذج المموِّل اليهودي العبقري، ولكن عبقريته من النوع الإجرامي فهو يستغل المسيحيين وينهب أموال الدولة ويُفسد الإناث من جميع الطبقات.

وموقف النازيين من اليهود لا يختلف كثيراً عن موقف الصهاينة. فكلاهما ينزع العبقرية اليهودية من سياقها ويؤكد البُعد اليهودي على حساب كل الأبعاد الأخرى. فلا يمكن فهم أوبنهايمر باعتباره يهودياً خالصاً يُعبِّر عن جوهر يهودي، وإنما باعتباره نموذجاً لإنسان العصر الحديث الذي بدأت تتحدد ملامحه منذ عصر النهضة الغربية. فأوبنهايمر ربوبي، يضع نفسه خارج أية منظومة دينية، ولكننا نكتشف أنه ليس ربوبياً وحسب بل كان إنساناً طبيعياً يضع نفسه خارج أية منظومة أخلاقية. فقد كان أوبنهايمر إنساناً اقتصادياً حقيقياً يحاول تعظيم الربح، وإنساناً جسمانياً يحاول تعظيم اللذة، وهو في هذا ليس نموذجاً فريداً على الإطلاق، وإنما شخصية نماذجية: إنسان طبيعي لا تحده حدود أو قيود يعيش حسب قوانين الطبيعة/المادة.

أما يهوديته التي كان يتباهى بها فإنها لم تحدد سلوكه الإجرامي ولا عبقريته المالية، فهو ابن عصره، أداة في يد الدوق/الدولة، لا يختلف في هذا عن أيخمان وبريا وغيرهما من جزاري العصر الحديث البيروقراطيين، الذين يذبحون بمنهجية شديدة وحسبما يَصدُر لهم من تعليمات لا يتجاوزونها.

جيكوب برييـر (1715 – 1780)
Jacob Periere
أول معلم للصم البكم في فرنسا. وُلد في إسبانيا عام 1715 لأب من يهود المارانو، وبعد وفاة والده، هربت أمه به إلى مقاطعة بوردو في فرنسا، وهناك أعلن يهوديته. ويُقال إن حب بريير لفتاة بكماء كان وراء محاولاته إيجاد وسيلة للاتصال بالصم البكم.

أمضى عشر سنوات في دراسة التشريح والفسيولوجيا وتجريب طرق مختلفة للاتصال بالصم البكم (خلقياً) إلى أن تَمكَّن من اختراع طريقة للاتصال معهم. واعتمدت طريقته هذه في تدريب الصم البكم على إصدار أصوات محددة واضحة وعلى حركة الشفاه وليس على الإشارات كما كان مُتبَعاً من قبل، ومن ثم كان أول من أحرز بعض النجاح معهم. ألهمت طريقته هذه كثيراً من المربين المهتمين بتعليم الصم البكم، ومن أهمهم أدوار سجوين. ولم تقتصر جهود بريير على تعليم الصم البكم، بل عمل الكثير من أجل أن ينالوا معاملة تليق بإنسانيتهم.

وقد ذاعت شهرة بريير، وتلقى كثيراً من الدعوات للتعليم في أنحاء أوربا. وفي عام 1749، قدَّم إلى الأكاديمية الملكية في باريس بحثاً يشرح فيه طريقته في تعليم الصم والبكم. وفي العام الذي يليه نال منحة من الملك لويس الخامس عشر قدرها ثمانمائة جنيه لاختراعه آلة حسابية، كما أصبح عضواً في الجمعية الملكية في لندن عام 1760، ثم عُيِّن مترجماً ملكياً للغتين الإسبانية والبرتغالية عام 1765.

لعب بريير دوراً فعالاً تجاه اليهود السفارد في باريس، حيث تَطوَّع ليعمل كمستشار غير رسمي لهم منذ عام 1749، إلى أن عُيِّن رسمياً في هذا المنصب عام 1761.

وقد تُوفي بريير عام 1780 ودُفن في مدافن لافيليت، بعد أن حصل على قرار بذلك، ومن ثم فإنها تُعتبَر من المدافن القانونية الأولى لليهود في فرنسا. وفي عام 1929، أقيم له نصب تذكاري في البرتغال.

ولم يكتب بريير كثيراً، إلا أن فكره كما نقله سجوين نال اهتمام التربويين في القرن العشرين، وأهم مؤلفاته هو ملاحظات عن الصم البكم.

ولا يمكن تفسير اهتمام بريير بالصم والبكم والاتصال بهم على أساس يهوديته. ومع هذا، يمكن الإشارة إلى أن الجماعات الوظيفية لها دائماً لغتها الخاصة، بل وأحياناً لغتها السرية، وهو أمر ينطبق على المارانو ولا شك. واللغة السرية هي لغة خاصة، لا تُفهَم إلا من خلال شفرة خاصة، ولعل من نشأ يتحدث لغة سرية تتولَّد داخله مقدرة غير عادية في تطوير مثل هذه اللغات.

يعقوب صنوع (1839-1912(
Yaqub Sanu
كاتب عربي مصري يهودي وأحد رواد المسرح المصري والصحافة المصرية الساخرة. كان يعقوب الابن الوحيد لوالديه اللذين فقدا أربعة أولاد بعد ولادتهم، وحينما حملت به أمه نصحتها إحدى صديقاتها المسلمات (كما هو الحال في البيئة المصرية الصميمة في ذلك الوقت) أن تطلب بركة إمام مسجد الشعراني الذي كان يكتب التمائم والتعاويذ والأحجبة. ويَذكُر يعقوب صنوع أن الشيخ قال للأم: «إن ربنا سيبارك ثمرة أحشائك وستُرزَقين بولد» ثم أكمل نبوءته: « وإن نذرتيه للدفاع عن الإسلام فلسوف يعيش، اكسيه من حسنات المؤمنين ليكون متواضعاً، ولسوف يجد ما يريد بفضل بركة خالقه ». وأطاعت المرأة ما أمرها به الشيخ، وأقرها زوجها على أن يَهَب ابنه للإسلام والمسلمين، غير أنه اعترض في أول الأمر على فكرة كساء الطفل المرتقب من حسنات المحسنين، واعتبر في ذلك مهانة لا تليق به، وهو يتمتع بالحظوة لدى البلاط ويستشيره الأمراء في مسائلهم الخاصة (أي أن المكانة الاجتماعية داخل المجتمع المصري عنده كانت أكثر أهمية من الانتماء الديني). غير أن الزوجة أصرت على أن تلبي نصيحة شيخ الضريح بحذافيرها لتضمن سلامة وليدها حين يرى النور! (اعتمدنا في هذا المدخل بالدرجة الأولى على السيرة التي كتبها الدكتور إبراهيم عبده ليعقوب صنوع وعلى مقال للدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى(.

يذكر أبو نظارة أنه حين كبر حفظ القرآن وعاهد والدته على أن يُوفِّي نذرها وأن يُجنِّد نفسه لخدمة الإسلام والمسلمين وأنه جعل رسالته « مكافحة الأباطيل التي تُفرِّق بين المسلمين والمسيحيين، بإظهار سماحة القرآن وحكمة الإنجيل، وهكذا تتسنى لي الملاءمة بين قلوب الفريقين ». ويقول كاتب سيرة يعقوب صنوع الدكتور إبراهيم عبده « إنه لم يشر قط في تاريخه إلى أنه وُلد لأبوين يهوديين». فإذا أضفنا إلى هذا موقف والده من الانتماء الديني، فإن هذا يعني أن أسرة صنوع كانت مندمجة حضارياً تماماً في المجتمع المصري وأن البُعد اليهودي (حتى من الناحية الدينية الشكلية) كان قد شارف على الاختفاء. وحينما بلغ يعقوب صنوع الثانية عشرة من عمره كان يقرأ التوراة بالعبرية والإنجيل بالإنجليزية والقرآن بالعربية. كما كان قد أجاد عدداً من اللغات منها: العربية والعبرية والتركية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية. ثم أرسل في بعثة دراسية إلى إيطاليا في مدينة ليجهورن (على نفقة الحكومة المصرية). فمكث ثلاث سنوات درس أثناءها الاقتصاد السياسي والقانون الدولي والعلوم الطبيعية والفنون الجميلة.

ولكن الأهم من هذا أن الحركة القومية الإيطالية (الهادفة إلى التحرر من السيطرة النمساوية وتحقيق الوحدة الإيطالية) كانت آنذاك محتدمة وظهرت جمعيات سرية وطنية مثل الكاربوناري وجمعية إيطاليا الفتاة.

ويرى الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى أن يعقوب صنوع قد تَشرَّب كثيراً من هذه الأفكار القومية، إبان إقامته. وعند عودته اشتغل بالتدريس في مدرسة الهندسة، كما قام بتعليم أبناء رجال البلاط. ولكنه لم يقنع بهذه الوظيفة المريحة فشخصيته كانت مبدعة حركية، ففكر في إنشاء مسرح وطني يقدم تمثيليات عربية. وكانت أولى محاولاته المسرحية عام 1869 إذ مثَّل مسرحية فودفيل قصيرة تتخللها أشعار مُلحَّنة تلحيناً شعبياً في القصر أمام باشوات وبكوات البلاط الخديوي الذين ضحكوا للتمثيلية من أعماق قلوبهم. وشجعوه على عرض مسرحياته في حديقة الأزبكية. فألَّف فرقة مسرحية من تلاميذه وكان هو مدير المسرح ومؤلف التمثيليات، كما كان يقوم أحياناً بدور الملقن. وكان يُقدِّم تمثيليات مُترجَمة عن الفرنسية والإنجليزية والإيطالية. وقد أعجب به الخديوي في أول الأمر وخلع عليه لقب «موليير مصر» (ولكنه قام بتعنيفه حينما كتب مسرحية عن تَعدُّد الزوجات(.

ولكن يعقوب صنوع لم يكن يتحرك داخل دائرة البلاط الملكي والمسرح وحسب، إذ بدأ يحتك بالدائرة الفكرية التي تَحلَّقت حول جمال الدين الأفغاني، الذي شجعه هو والشيخ محمد عبده على الكتابة في الصحـف، بل وعلى إنشـاء صحـيفة عـربية تُكتَب بالعامية. وحكى لنا يعقوب صنوع كيف وقع اختياره على اسم أبو نظارة. فبعد أن قرر تأسيس مجلة خرج من بيت الأفغاني فأحاط به المكارية (أصحاب الحمير) وكان كل واحد منهم يريد أن يختار يعقوب حماره، ويقول: « ده يا أبو نظارة »، فأعجبه النداء واختاره اسـماً لصحيفته. وقد أعـجب بهذا الاسم كثيرون من أصدقاء يعقوب، حيث يوحي بأن صاحبه رجل يرى من بعيد، وفي ذلك ما يعني أنه رجل ملهم (ذو نظر) لا تفوته فائتة. وكانت الصحيفة ذات تَوجُّه اجتماعي ناقد؛ فنددت بزيادة الضرائب والتدخل الأجنبي وهاجمت الوزراء بأسلوب ساخر ملتو ونكات وفكاهات، وشجعت المصريين على الشكوى وبصَّرتهم بحقوقهم.

وهنا لابد أن نتوقف عند علاقة يعقوب صنوع بالماسونية، إذ يذكر الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى أن يعقوب صنوع وجمال الدين الأفغاني قد نشطا في التنظيمات الماسونية، وأن هذه التنظيمات لعبت دوراً « في دعم الحركة الوطنية المصرية الوليدة ». وقد بيَّنا في مدخل الماسونية في هذه الموسوعة أنه لا توجد ماسونية واحدة بل عدة ماسونيات. وكانت التنظيمات الماسونية في بلاد أفريقيا وآسيا تضم الأجانب بالدرجة الأولى، حيث كانوا يتمتعون بمزايا وحقوق خاصة وبمساندة القناصل الأوربيين. وقد استخدمت كل دولة أوربية المحفل الماسوني التابع لها كأداة في صراعها الاسـتعماري بين بعضـها البعض. وقد استفاد كثير من زعماء الحركات الوطنية من هذا الوضع، تماماً كما يحدث الآن حين يتمتع زعيم حركة وطنية بدعم فرنسا على سبيل المثال فيُعطَى حق اللجوء السياسي للإقامة في باريس، بل وممارسة نشاطه السياسي. ووجود مثل هذا الزعيم يمثل بالنسبة لدولة المأوى ورقة ضغط في صراعها مع القوى الغربية الأخرى. كما أن هناك دائماً احتمال أن يصل إلى الحكم، ولذا فمن الحكمة أن تَبقَى الجسور مفتوحة معه. وفي هذا الإطار يمكن فهم انضمام يعقوب صنوع والأفغاني لمثل هذه التنظيمات وترحيبها بهما وبغيرهما من المثقفين والسياسيين الثوريين.

وقد أدَّى تَوجُّه مجلة أبو نظارة إلى مصادرتها المستمرة ولذا كان يعقوب صنوع يضطر لتغيير اسمها، فهي مرة أبو نظارة ومرة أخرى أبو نظارة زرقاء وثالثة رحلة أبي نظارة زرقاء ورابعة النظارة المصرية. بل وكان يصدر ما يسميه إبراهيم عبده «مجلات الضرورة» (الضرورة التي فرضتها عليه القوانين المتعسفة) فكان يصدر المجلة تلو الأخرى فلا يُغيِّر سوى اسمها، فهي أبو صفارة وحينما أغلقت أبو صفارة ظهرت أبو زمارة التي جاء في افتتاحيتها التي تعبِّر عن روح الدعابة المصرية ما يلي: « بسـم الله الرحـمن الرحـيم، الحمـد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أنبيائه أجمعين. أما بعد فيقول العبد الحقير أبو زمارة. لما بلغني بأن صدر أمر من ناظر الخارجية. بقفش وكسر الصفارة. الساعية في استحصال التمدن والحرية. قلت ياربي نور عقلي وفهمي. وانصرني على الواد الأمرد مصطفى فهمي. إللي أمر بتعطيل صفارتي البهية. العزيزة عند الشبان المصرية ».

وحينما أغلقت أبو زمارة صدرت مجلة الحاوي التي وصفها صاحبها بأنها «الحاوي الكاوي إللي يطلَّع من البحر الداوي عجايب النكت للكسلان والغاوي ويرمي الغشاش في الجب الهاوي».


ويقول الدكتور عبد الرحيم مصطفى إن يعقوب صنوع قام بتأسيس جمعيتين علميتين أدبيتين أطلق على أولاهما اسم «محفل التقدم»، وعلى الثانية اسم «محفل محبي العلم» وترأسهما بنفسه. وفي هاتين الجمعيتين كانت تُلقَى المحاضرات عن تَقدُّم الآداب والعلوم في أوربا مع الاهتمام بالتاريخ والسياسة والأدب والممارسات التعليمية والإشارة بوجه خاص إلى ما حققته فرنسا وإيطاليا في هذا المضمار. وأشار يعقوب صنوع إلى أنه كان يَحضُر اجتماعات كل من الجمعيتين المسلمون والمسيحيون واليهود، وأن الجمعيتين لقيتا الإقبال من طلبة الأزهر وكبار ضباط الجيش، كما ذهب إلى أنهما هما اللتان وفرتا الإطار فيما بعد لظهور الحزب الوطني (القديم).

وقد أغلقت الجمعيتان ونُفي يعقوب صنوع إلى خارج البلاد عام 1878 فاستقر في باريس إلى آخر حياته. وهناك التقى بأديب إسحاق والأفغاني ومحمد عبده وإبراهيم المويلحي وخليل غانم ثم مصطفى كامل وغيرهم، وواصل دعايته للقضية الوطنية بعد الاحتلال البريطاني، فأصدر العديد من الصحف بالعربية والفرنسية. وأخذ يتنقل في أوربا للدفاع عن وطنه واشترك في الحملات التي شُنَّت على الخديوي إسماعيل والاحتلال البريطاني، وراسل عرابي في منفاه في سيلان، وعبَّر عن ابتهاجه بانتصار اليابانيين على قوة غربية بيضاء مثل روسيا القيصرية.

وقد ظل يعقوب صنوع شأنه شأن كثير من رواد الحركة الوطنية في مصر يتصور أن بعض القوى الغربية (فرنسا على وجه التحديد) يمكنها أن تساعد المصريين ضد الاحتلال الإنجليزي، ولكن خابت آماله عام 1904 بعد توقيع صفقة الاتفاق الودي بين فرنسا وإنجلترا التي تم بمقتضاها حسم التناقضات بين القوتين الاستعماريتين. وقد ظل يعقوب صنوع يُعبِّر عن إعجابه بالسلطان عبد الحميد طيلة عشرين عاماً نتيجة مقاومته الأطماع الأوربية (وكان السلطان يبادله الإعجاب). ومع هذا رحَّب يعقوب صنوع بدستور 1908 ظناً منه أنه بداية حقيقية للإصلاح وللتصدي للنهم الاستعماري الغربي.

وقد كتب يعقوب صنوع قصيدة بالعربية الفصحى بعنوان «القول الوجيز في دخول الإنجليز » وكيف سلمها الخونة للغزاة جاء فيها:

مصر الفتاة أبو سلطان أسلمها

وإنما أسلم الإسلام بالذهب

هم رأسوه على النواب يرشدهم

فكان نائبه من أكبر النوب

وقد أثارت لهيب النار ندوته

فصار أولى بأن يُدعَى أبا لهب

تبت يداه على ما جاء من عمل

لم يأته خائن في سالف الحقب

ولا يمكن القول بأن القصيدة من عيون الشعر العربي، فهي لا تختلف كثيراً عن مثل هذه القصائد التي تُكتَب في المناسبات وتتبع قوالب لفظية ومجازية جاهزة. ولكن ما يهمنا هنا هو المصطلح العربي الإسلامي الواضح.

وتتبدَّى عبقرية يعقوب صنوع بشكل أوضح وأكثر بلورة حين يترك الخطاب البلاغي التقليدي ويستخدم روح الفكاهة المصرية ويُعبِّر عن الشخصية المصرية، كما في مقاله الفكاهي عن الخديوي إسماعيل الذي يتحدث فيه عن « مناقبه » فقال: « وكفاك أنه لا يعـرف مـعـروفاً ولا ينكر مُنكَراً. ولا يُوجَـد في وقـت الصـلاة إلا جُنباً. وفي رمضان إلا مُفطراً. نعم يصوم ولكن عن الخيرات. ويستقبل الفجور متلطخاً بنجاسة الفحشاء. فاجر يقتات بالكبائر. ويتَفكَّه بالصغائر. ويروح من مولاه شاكياً ولشيطانه شاكراً، فكأنه عاهد إبليس فلم يَخُن له عهداً، ووعده أن يجد عنده كل معصية فلم يُخلف له وعداً ».

ورغم أن المقال مكتوب بالفصحى إلا أنه كُتب على طريقة كُتَّاب هذه المرحلة، كما أنه يتلاعب بالألفاظ وبترابطها بطريقة تُصعِّد حدة السخرية والفكاهة.

ولكن عبقرية يعقوب صنوع الحقيقية تظهر في استخدامه العامية المصـرية للتعبير عن روحه الفكاهية فالخديوي هو « شيخ الحارة»، والخديوي توفيق هو «توقيف»، والفلاح المصري هو «أبو الغُلب » وهكذا، وقد أشرنا من قبل إلى افتتاحيات أبو زمارة والحاوي . وتظهر روح الدعابة المصرية في القصيدة الساخرة التي كتبها يعقوب صنوع بعد نشوب الثورة المهدية في السودان والتي يُشيد فيها بشجاعة السودانيين ويُشهِّر بالإنجليز:

يا محلا لنجليزية

أم عين زرقا وشعر أصفر

ياخسارة دالصبية

في جوزها العسكري الأحمر

شفتها امبارح يااسيادي

ماكنش حولها انجليز

فقلت لها ياميليدي (My lady) (1)

جيـف مي إي كيــس إيف يو بليز(Give me a kiss if you please) (2)

أنا في عرضك وان كيس (One kiss)(3)

قالت جودام بلادي فول (Goddam bloody fool) (4)

بلا فول بلا شعير

ماتتبغدديش علي

أنا ابن المهدي الكبير

احلمي علي شوية

فشفنا المهدي منصور

والجردون في الشق مكتوم

تاني يوم جابوه أسير

في مصيدة سودانية

أمام المهدي الشهير

مع ضباطه لنجليزية

)ومعنى العبارات الإنجليزية على التوالي هو: 1) سيدتي ـ 2) أعطيني قبلة واحدة من فضلك ـ 3) قبلة واحدة ـ 4) لعنة الله عليك يا مجنون). والقصيدة كما نرى مصرية تماماً، تُعبِّر عن الروح الشعبية المصرية أحسن تعبير، في محاولتها استيعاب الآخر المعتدي داخل منظومتها وتحويله إلى مجرد هدف للسخرية.
وحينما هُزمت الثورة المهدية بكَّت يعقوب صنوع المصريين على تَخاذُلهم وسخر من الإنجليز الذين مَثَّلوا بجثة المهدي بعد استرجاع السودان.

والآن، هل يمكن ليهودي خالص، صاحب عبقرية يهودية خالصة أن يأخذ مثل هذه المواقف الفكرية والسياسية، وأن يستخدم الفصحى والعامية بهذه الطريقة، وأن يترجم مواقفه السياسية اللاذعة المعارضة إلى مجموعة من النكت اللاذعة؟ السؤال بطبيعة الحال خطابي غير حقيقي، فلا يمكن أن يفعل هذا إلا مصري عاش في صميم المجتمع المصري (لا في مسامه) وتَشرَّب خطابه الحضاري المصري العربي الإسلامي؛ مصري كتب له إمام المسجد الشعراني حجاباً ونذرته أمه لخدمة الإسلام والمسلمين فعاهد أمه على الوفاء بنذرها، فهو ثمرة رائعة للمجتمع المصري (العربي الإسلامي) بتركيبيته وعراقته وتَسامُحه! ومع هذا لابد أن نشير إلى أن البُعد اليهودي قد يُفسِّر حركية يعقوب صنوع الزائدة وقدرته الفائقة على التحرك داخل تشكيلات حضارية مختلفة واستيعابها وتَعلُّمه العديد من اللغات. ومع هذا يظل انتماؤه إلى مجتمعه المصري العربي المسلم هو العنصر الأكثر تفسيرية.

ويثير أبو نظارة قضية الهوية اليهودية والثقافة اليهودية، إذ تصنفه المراجع الصهيونية باعتباره « مثقفاً يهودياً » وهو تصنيف لا يُفسِّر أياً من الجوانب المهمة من حياته، أدبية كانت أم سياسية، وهي حياة لا تُفهَم في كليتها إلا بالعودة إلى حركيات المجتمع المصري وتقاليد الفكاهة المصرية وحركة التحرر الوطني في مصر في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

هـاري هوديني (1874-1926(
Harry Houdini
اسمه الأصلي إريك فايز. ساحر استعراضي أمريكي يهودي وُلد في الولايات المتحدة لعائلة يهودية من رجال الدين من أصل مجريّ. التحق في سن مبكرة بالسيرك لتقديم الاستعراضات البهلوانية، ثم انتقل مع عائلته إلى نيويورك حيث بدأ في تقديم الاستعراضات السحرية واتخذ اسم هاري هوديني. وتميَّزت استعراضاته بالإبهار وبالحيل السحرية الفذة وتَخصَّص في عملية الهرب من السلاسل أو الحبال والأماكن المُحكَمة الإغلاق. وقد أصبح هوديني من أكثر مقدمي الاستعراضات شهرة في عصره وأعلاهم أجراً، وقدَّم عروضه في العديد من الدول وأصبح يُشار إليه بلقب «أعظم ساحر في العالم»، كما ساهم في تأسيس نادي السحرة في لندن وفي تأسيس جمعية السحرة الأمريكيين.
وقد اعتمد هوديني في تقديم عروضه على درايته بعلم الميكانيكا وعلى المؤثرات البارعة وعلى اللياقة البدنية الفائقة. كما اهتم بفضح الدجالين والمشعوذين وتحذير الجمهور ممن يدَّعون امتلاك قدرات خارقة للطبيعة أو اتصالهم بالأرواح. وقد ألَّف كتابين في هذا الشأن: تجار المعجزات وأساليبهم (1920)، و ساحر بين الأرواح (1924).

ومن الصعب بمكان محاولة تفسير مقدرات هوديني بناءً على انتمائه اليهودي. والتفوق في مجال الرياضة التي تعتمد على القوة العضلية هو إحدى الطرق المفتوحة والسهلة التي يمكن لعضو الأقلية إثبات تَفوُّقه من خلالها، وهو أمر ليس مقصوراً على أعضاء الجماعات اليهودية وحدهم. فمجال الملاكمة في الولايات المتحدة شهد في بداية الأمر تفوق الملاكمين من أصل إيطالي ثم الملاكمين من أصل أفريقي (وأشهرهم محمد علي كلاي). وانتصار عضو الأقلية في حلبة المصارعة على ممثل الأغلبية يرفع معنويات أعضاء الأقلية بدرجة ملحوظة.

ألبـرت أينشـتاين (1879-1955)
Albert Einstein
عالم طبيعة، ومكتشف نظرية النسبية وحائز على جائزة نوبل. وُلد في ألمانيا ونشأ وتَعلَّم فيها، وعمل بعد تَخرُّجه في مكتب براءات الاختراع بمدينة برن في سويسرا وأصبح مواطناً سويسرياً. تَمكَّن أثناء هذه الفترة من إنجاز عدة أبحاث. وفي عام 1905، نشر دراسات عن: النظرية الخاصة بالنسبية وعلم البصريات، وعُيِّن أستاذاً على أثر ذلك في عدة جامعات بألمانيا. وفي عام 1920، نشر دراسته عن: النسبية العامة والنسبية الخاصة، حيث بيَّن أن مبدأ النسبية ينطبق على الحركة وشرح فكرة البُعد الرابع وانثناء الفـراغ.

ويُعَدُّ ألبرت أينشتاين أحد رواد الفيزياء الحديثة، فهو صاحب نظرية النسبية الخاصة التي نجحت في التوصل إلى أساس لعلاج التناقضات بين نظرية نيوتن للحركة ونظرية ماكسويل للحركة الكهرومغناطيسية. وكان من أهم نتائج النسبية الخاصة مفهوم تَداخُل الزمان والمكان وتَرادُف الطاقة والكتلة. وقد تبع ذلك بالنظرية النسبية العامة التي تُعتبَر تعميماً للنسبية الخاصة حيث تتضمن حركة الأجسام تحت تأثير الجاذبية. وبالإضافة إلى نظرية النسبية، ساهم أينشتاين في تطوير النظرية الكمِّية من خلال تفسير التأثير الكهروضوئي. وترتكز النظرية الكمية على مبدأ ازدواجية المادة، وهو أن الجسيم يأخذ أحياناً شكل الموجة وأن الموجة تأخذ أحياناً شكل الجسيم.

وبعد أن فرغ من صياغة النظرية النسبية العامة، انشغل أينشتاين في مسألتين: المسألة الأولى تفنيد مبدأ اللايقين الذي يفترض استحالة دقة قياس نقطة ما وسرعة جسيم في آن واحد من حيث المبدأ (لا من حيث قصور آلات القياس)، أو بصياغة أخرى: مبدأ استحالة فصل التجربة عن المجرب. والمسألة الثانية هي وضع نظرية عامة واحدة تفسِّر أنواع القوى (التفاعلات) الأولية كافة، ولكنه لم يكن موفقاً في محاولاته هذه.

وفي عام 1933، اضطر أينشتاين إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة بعد أن استولى هتلر على السلطة. وأصبح أينشتاين مواطناً أمريكياً، واستمر في بحوثه العلمية. ولكنه كان قد بدأ يدرك أن العلم أصبح مثل حدِّ موسي في يد طفل في الثالثة من عمره، إذ أدَّى امتلاك وسائل الإنتاج العجيبة في تَصوُّره، إلى تزايد القلق والجوع بدلاً من الحرية.

وقد لعب أينشتاين دوراً مهماً في تطوير القنبلة الذرية أثناء الحرب، ولكنه عارض استخدامها بل وطالب بتحريم القنابل الذرية والهيدروجينية. وأثناء الحقبة المكارثية (الإرهابية) طالب أينشتاين العلماء بألا يدلوا بشهادتهم أمام لجان التحقيق. وقد استمر أينشتاين في أبحاثه العلمية حتى وفاته.

وموقف أينشتاين من الإله والدين يستحق بعض التأمل، وهو موقف يشبه موقف كثير من المفكرين العلمانيين الذين فقدوا الإيمان الديني، ولنبدأ بموقفه من الإنسان. لقد أدرك أينشتاين أن الإنسان كيان غريب مليء بالأسرار، فقد صرح ذات مرة أن « قانون الجاذبية غير مسئول عن الحب »، أي أن القانون الطبيعي لا يُفسِّر الوجود الإنساني، ولكنه اتجه في بعض تصريحاته إلى ما يمكن تسميته «الديانة الإنسانية» فعبَّر عن إعجابه بمقدرة الإنسان على فهم ما حوله، ورأى أن هذه المقدرة شكل من أشكال التفوق اللانهائي على الطبيعة، ومن هنا فإن الإنسان يقع عليه عبء أخلاقي، ولكن مسئوليته الأخلاقية تكون تجاه نفسه وليس تجاه أي إله.

بيد أن هذه ليست نهاية القصة، إذ يستمر تأرجحه دون تَوقُّف فيصرح بأن الإله لا يلعب بالعالم، أي أن العالم يتبع نظاماً واضحاً يتجلى من خلال الإرادة الإلهية. ولكن هذا الإله يشبه من بعض النواحي إله إسبينوزا. فهو ليس إلهاً ذا إرادة يحب البشر ويعطف عليهم، يُثيب الناس ويعاقبهم، وإنما هو مبدأ آلي عام. ولكن العَالم الكبير، صاحب نظرية النسبية، يجد أن هذا الموقف لا يُعبِّر عن الحقيقة كلها، ويؤكد أن العلم الحديث ألقى بظلال من الشك على السببية الآلية التي تشكل إطار الرؤية الإسبينوزية الساذجة.

ولم يكن موقف أينشتاين، في بداية حياته على الأقل، رافضاً للصهيونية. فقد نشأ وتعلَّم في ألمانيا. ولذا، فإننا نجد أنه كان يؤمن بفكرة الشعب العضوي، وبأن السمات القومية سمات بيولوجية تُوَّرث وليست سمات ثقافية مكتسبة. وقد صرح أينشتاين بأن اليهودي يظل يهودياً حتى لو تخلى عن دينه، وهذه مقولة أساسية في معاداة اليهود على أساس عرْقي. وليوضح فكرته، شبَّه أينشتاين مثل ذلك اليهودي بالحلزون الذي يظل حلزوناً حتى بعد أن يُسقط محارته. وموقفه من معاداة اليهود، في هذه المرحلة، لا يختلف كثيراً عن موقف الصهيوني، فقد كان يرى أن معاداة اليهود مسألة ستظل موجودة مادام هناك احتكاك بين اليهود والأغيار، بل وأضاف أن اليهود مدينون لأعدائهم بأنهم استمروا عرْقاً مستقلاًّ.

وقد أدلى أينشتاين بتصريح ذي مضمون صهيوني عرْقي، إذ صرح (قبل ظهور النازيين) بأنه ليس مواطناً ألمانياً، ولا حتى مواطناً ألمانياً من أتباع العقيدة اليهودية، وإنما يهودي ويسعده أن يظل يهودياً. وقد عبَّر أينشتاين في عدة مناسبات عن حماسه للمشروع الصهيوني وتأييده له، بل واشترك في عدة نشاطات صهيونية.

ولكن موقف أينشتاين هذا لم يكن نهائياً، وربما كان تعبيراً عن عدم نضج سياسي، إذ عَدَل عن هذه المواقف فيما بعد، فقد صرح بأن القومية مرض طفولي، وبأن الطبيعة الأصلية لليهودية تتعارض مع فكرة إنشاء دولة يهودية ذات حدود وجيش وسلطة دنيوية. وأعرب عن مخاوفه من الضرر الداخلي الذي ستتكبده اليهودية، إذا تم تنفيذ البرنامج الصهيوني، فقال: « إن اليهود الحاليين ليسوا هم اليهود الذين عاشوا في فترة الحشمونيين »، وفي هذا رَفْض للفكر الصهيوني ولفكرة التاريخ اليهودي الواحد. ثم أشار إلى أن «العودة إلى فكرة الأمة، بالمعنى السياسي لهذه الكلمة، هي تَحوُّل عن الرسالة الحقيقية للرسل والأنبياء ». ولهذا السبب، وفي العام نفسه، فسَّر انتماءاته الصهيونية وفقاً لأسس ثقافية، فصرح بأن قيمة الصهيونية بالنسبة إليه تكمن أساساً في « تأثيرها التعليمي والتوحيدي على اليهود في مختلف الدول ». وهذا تصريح ينطوي على الإيمان بضرورة الحفاظ على الجماعات اليهودية المنتشرة في أرجاء العالم وعلى تراثها، كما يشير إلى إمكانية التعايش بين اليهود وغير اليهود في كل أرجاء العالم. وفي عام 1946، مَثل أمام اللجنة الأنجلو أمريكية وأعرب عن عدم رضاه عن فكرة الدولة اليهودية، وأضاف قائلاً: « كنت ضد هذه الفكرة دائماً ». وهذه مُبالَغة من جانبه حيث إنه، كما أشرنا من قبل، أدلى بتصريحات تحمل معنى التأييد الكامل لفكرة القومية اليهودية على أساس عرْقي.

والشيء الذي أزعج أينشتاين وأقلقه أكثر من غيره هو مشكلة العرب. ففي رسالة بعث بها إلى وايزمان عام 1920، حذر أينشتاين من تجاهل المشكلة العربية، ونصح الصهاينة بأن يتجنبوا «الاعتماد بدرجة كبيرة على الإنجليز »، وأن يسعوا إلى التعاون مع العرب وإلى عَقْد مواثيق شرف معهم. وقد نبه أينشتاين إلى الخطر الكامن في الهجرة الصهيونية. ولم تتضاءل جهود أينشتاين أو اهتمامه بالعرب على مر السنين. ففي خطاب بتاريخ أبريل سنة 1948، أيَّد هو والحاخام ليو بايك موقف الحاخام يهودا ماجنيس الذي كان يروج فكرة إقامة دولة مشتركة (عربية ـ يهودية)، مضيفاً أنه كان يتحدث باسم المبادئ التي هي أهم إسهام قدَّمه الشعب اليهودي إلى البشرية. ومن المعروف أن أينشتاين رَفَض قبول منصب رئيس الدولة الصهيونية حينما عُرض عليه.

وإسهامات أينشتاين في علم الطبيعة لا يمكن تفسيرها إلا باعتباره جزءاً من المنظومة العلمية الغربية. وقد يكون ليهوديته دور في تَوجُّهه نحو النسبية، ولكن المنظومة العلمية الغربية ككل تظل العنصر المحدد النهائي، إذ كان قد طُرح داخلها بضعة أسئلة تتطلب الإجابة، الأمر الذي جعل الجو مُهيَّئاً لتَغيُّر النموذج.

مائيـر لانسـكي (1902 – 1983(
Meyer Lansky
مجرم أمريكي يهودي اسمه الأصلي مايير سوشو لانسكي. وُلد في بولندا وهاجر مع أسرته إلى الولايات المتحدة عام 1911. وقد بدأ حياته الإجرامية بسرقة السيارات ثم قام بتهريب الخمور والقتل بالأجر. ثم انتقل إلى ممارسة نشاطه في عالم القمار، وأصبح من كبار زعماء الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة. وقد كوَّن عصابة مع المجرم الأمريكي اليهودي بنجامين سيجل « بجزي » لحماية الملاهي الليلية نظير إتاوة منتظمة. وفي عام 1934، ساهم لانسكي في تأسيس الاتحاد القومي للجريمة الذي جمع في إطاره جميع العصابات وزعماء الإجرام في البلاد، وترأس مجلس إدارة هذا الاتحاد الذي عمل تحت قيادته على تحويل الجريمة في الولايات المتحدة إلى نشاط يتسم بقدر كبير من التنظيم والتنسيق والإدارة العلمية والترشيد، وأصبح يشرف على جملة من الأنشطة الإجرامية مثل القمار والدعارة والمخدرات والابتزاز والرشوة والفساد السياسي. وحينما حاولت السلطات الأمريكية القبض عليه بتهمة التَهرُّب الضريبي في عام 1970، تَمحَّك في أصله اليهودي وفرَّ إلى إسرائيل. ثم حاول الحصول على الجنسية بمقتضى قانون العودة، لكن طلبه رُفض. ومما يذكر، أن لانسكي كان من كبار المساهمين في المنظمات اليهودية، خصوصاً النداء اليهودي الموحَّد. وقد عاد إلى الولايات المتحدة عام 1972 حيث حوكم، ولكن تمت تبرئته من جميع التهم التي وُجِّهت إليه.

ولا يمكن اكتشاف أية خصوصية يهودية في عبقرية لانسكي الإجرامية. فبروزه وتَميُّزه مرتبط بتَضخُّم قطاع اللذة في المجتمع مع تَصاعُد معدلات العلمنة فيه وانتشار الدعارة والقمار والمخدرات. وقد ظهرت مؤخراً دراسة تذهب إلى أن لانسكي لم يلعب هذا الدور المحوري والمركزي في الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة، وترى هذه الدراسة أنه في حين أن لانسكي كان بالفعل مجرماً وزعيم عصابة ذات صلة وثيقة بأهم رموز الإجرام في الولايات المتحدة وأخطرها، إلا أنه لم يَظْهر أبداً أي دليل يُثبت أو يؤكد بشكل قاطع أن لانسكي كان العقل المدبر والمحرك الرئيسي وراء الجريمة المنظمة، وأن هذه الادعاءات ليست سوى جزء من الأسطورة التي نُسجت من حوله.

ليوبولد تريبر (1904-1982(
Leopold Trepper
عميل مخابرات سوفيتي سابق، ورئيس شبكة الجاسوسية التي عملت ضد ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية والتي عُرفت باسم «الأوركسترا الحمراء». وُلد في بولندا، وكان نشطاً في حركة الشبيبة الشيوعية البولندية، وسُجن عدة أشهر ثم انضم فيما بعد إلى المنظمة الصهيونية هاشومير هاتزعير، وذهب عام 1926 إلى فلسطين. وهناك، ارتبط بالحزب الشيوعي، واحتُجزَ عدة مرات بسبب نشاطه السري. ثم أصبح عضواً في الهستدروت، وترأس داخله جناح إيحود، أي الوحدة، والذي كان ينادي بوحدة الشيوعيين من اليهود والعرب. وبعد المؤتمر الأول لإيحود عام 1927، طُرد تريبر من فلسطين، فذهب إلى فرنسا ونشط هناك في القسم اليهودي للحزب الشيوعي الفرنسي. كما عمل أيضاً مع المخابرات السوفيتية، ولكنه اضطر مرة أخرى إلى الرحيل بعد أن كُشف النقاب في فرنسا عن شبكة تَجسُّس سوفيتية.

وانتقل تريبر إلى الاتحاد السوفيتي حيث درس في الجامعة الشيوعية للعمال الغربيين في موسكو، ويبدو أنه تلقى إلى جانب ذلك تدريباً في الأعمال الاستخباراتية. وفي عام 1938 أُرسل إلى فرنسا وبلجيكا حيث لعب دوراً مهماً وحيوياً لصالح المخابرات العسكرية السوفيتية، ونجح في تأسيس وقيادة شبكة جاسوسية واسعة النطاق كان لها عملاء في مواقع مهمة داخل الجهاز العسكري الأمني في برلين. وقد أطلق جهاز مكافحة الجاسوسية الألماني على هذه الشبكة اسم «الأوركسترا الحمراء». ويبدو أن تريبر نجح إلى حدٍّ كبير في نشاطه، فقد حذر موسكو عام 1941 من الهجوم الألماني الوشيك وتنبأ بالتاريخ المحدد له، إلا أن ستالين تَجاهَل هذه التحذيرات حيث اعتبرها نوعاً من الإثارة البريطانية.

وقد كان لشبكة التجسس دور حيوي في الإستراتيجية والتكتيكات السوفيتية خلال الحرب مع ألمانيا. إلا أن الألمان نجحوا في إلقاء القبض على تريبر عام1942 في باريس وحاولوا تجنيده ليعمل لصالح ألمانيا كعميل مزدوج. ويبدو أن تريبر تَظاهَر بقبول هذا العرض بناءً على أوامر سابقة لقيادته تَحسُّباً لمثل هذا الاحتمال واستطاع خلال سجنه تهريب تقرير مفصل حول ظروف اعتقاله ومدى الاختراق الألماني لشبكة التجسس. وقد نجح تريبر في الهروب بعد أقل من عام، وعاود مرة أخرى نشاطه الاستخباراتي. ولكن يبدو أن بعض الشكوك والشبهات قد أحاطت به، فعند عودته إلى موسكو عام 1945 تم إلقاء القبض عليه وسُجن لمدة عشرة أعوام تَعرَّض خلالها لعديد من الاستجوابات، وتم الإفراج عنه عام 1955 ورُد له اعتباره. وقد كرس تريبر مجهوداته بعد ذلك للشئون اليهودية. فقدَّم للقيادة السوفيتية خطة لإحياء المؤسسات والحياة الثقافية اليهودية في الاتحاد السوفيتي، إلا أن هذه الخطة رُفضت، فانتقل بعد ذلك إلى وارسو حيث ترأس، تحت اسم ليبا دومب، الجمعية الثقافية الاجتماعية اليهودية تحت رعاية الحكومة البولندية، كما ترأس دار النشر اليديشية التابعة لها. وفي عام 1968، قدم تريبر طلباً للهجرة إلى إسرائيل حيث كان بعض أفراد أسرته قد استقروا فيها، إلا أن السلطات البولندية رفضت طلبه. وقد أثارت الدوائر الصهيونية مسألة هجرته على المستوى العالمي، كما تم استغلال قضيته لإثارة الرأي العام العالمي ضد حكومة بولندا الاشتراكية وضد الاتحاد السوفيتي الذي كان يسود اعتقاد بأنه وراء موقف الحكومة البولندية. وفي تلك الآونة، قام عميل سابق للمخابرات الفرنسية هو جان روشيه باتهام تريبر على صفحات جريدة لوموند بأنه تعاون مع النازيين خلال الحرب، وبأنه خان رفاقه في المقاومة. ولكن تريبر أقام دعوى قذف ضد روشيه واستطاع أن يكسبها.

وقد سمحت السلطات البولندية لتريبر في آخر الأمر، بالرحيل إلى إنجلترا لأسباب صحية، وفي عام 1974 استقر في إسرائيل. وفي عام 1975 نشر مذكراته بعنوان اللعبة الكبيرة والتي حاول فيها تأكيد دور شبكة «الأوركسترا الحمراء» في محاربة النازيين والدور البارز الذي لعبه اليهود في ذلك. وتُوفي تريبر عام 1982 ودُفن في القدس.

وحيــاة تريبر المثيرة لا تختلف كثيراً عن حياة أمثاله من الجواسيس. أما هجرته لإسرائيل فهي لا تختلف عن هجرة المجرم لانسكي في دوافعها ولا علاقة لها بانتمائه اليهودي.

آرثــر كوســـتلر (1905-1983(
Arthur Koestler
كاتب يهودي وُلد في المجر وتَعلَّم في النمسا وألمانيا. وغيَّر لغته من المجرية إلى الألمانية في سن السابعة عشرة، ثم من الألمانية إلى الإنجليزية في سن الخامسـة والثلاثين. وقد كان شيوعياً في الثلاثينيات، ولكنه رفض بعد ذلك المبادئ الشيوعية، ووصف تجربته (هو وآخرين) في كتاب الإله الذي هوى. وقد عبَّر كوستلر عن اشمئزازه من العصر الحديث في قصته الشهيرة الظلمة في وقت الظهيرة. وأظهر كوستلر أيضاً اهتماماً بالموضوعات اليهودية، خصوصاً أنه عمل مراسلاً في فلسطين لإحدى الجرائد الألمانية. وقصته اللصوص في الليل تصف الصراع بين العرب والمستوطنين الصهاينة. وقد لاحَظ كوستلر في هذه الرواية الخليط العجيب من التصوف والاشتراكية الذي يُميِّز العقل الصهيوني. ولكن الرواية، مع هذا، تبدي تعاطفاً مع المستوطنين. وقد كتب كوستلر أثناء حرب عام 1948 كتاب الوعد والإنجاز: فلسطين 1917-1949 يصف فيه فلسطين أثناء الانتداب وبعد إنشاء الدولة الصهيونية، ويُعلن أن يهود العالم أمامهم اختياران لا ثالث لهما: الهجرة إلى إسرائيل أو الانتماء الكامل إلى أوطانهم والولاء لها. وقد اختار هو نفسه البديل الثاني. وكوستلر له مؤلفات قصصية وفلسفية أخرى مثل: الشبح في الآلة، و نفاية الأرض، و اللوتس والقوميسار، و السائرون نياماً، و اللوتس والإنسان الآلي.

وفي آخر سني حياته، انضم كوستلر إلى جمعية تُطلق على نفسها اسم «جمعية من أجل موت كريم» تدعو إلى الانتحار. وقد انتحر هو وزوجته بالفعل في مارس 1983.

وقد نشر كوستلر عام 1955 كتاباً بعنوان قافلة الديناصور يضم دراسة بعنوان « يهودا في مفترق الطرق » والتي أشار فيها إلى عدم صحة القول بوجود تراث حضاري يهودي مشترك. وفي كتابه القبيلة الثالثـة عشرة: إمبراطورية الخزر وميراثها (1976) يناقش كوستلر ظهور إمبراطورية الخزر اليهودية وما يسميه «الشتات الخزري». وقد أثار الكتاب ضجة في الأوساط اليهودية والصهيونية عند صدوره. فالكتاب يذهب إلى أن يهود بولندا، الذين كانوا يشكلون أهم وأكبر تَجمُّع يهودي في العالم، هم من نسل الخزر وبالتالي فهم مختلفون عرْقياً وثقافياً عن بقية يهود العالم وعن العبرانيين القدامى.

ومن ثم فإن كوستلر يهدم الاعتذاريات العرْقية والإثنية لنظرية الحقوق الصهيونية التي ترى أن فلسطين من حق اليهود بسبب أصولهم السامية، أو بسبب تماسكهم الثقافي عبر التاريخ والتفافهم حول فلسطين كمركز للهوية الثقافية اليهودية.

ويرى بعض دارسي تاريخ الأفكار أن كوستلر من كبار الكُتَّاب والمفكرين وأنه نجح في أن يتناول في كتاباته بعض أهم القضايا الفكرية في القرن العشرين من خلال رؤيته الواسعة (البانورامية) والثاقبة، ويرى البعض الآخر أنه مجرد ناقل للأفكار ومروج لها. بل ويرى البعض أن كتابه الإله الذي هوى قد كُتب بإيعاز من المخابرات الأمريكية. ومهما كان تقييم المرء لعبقرية كوستلر، فمن الصعب القول بأن البُعد اليهودي هو أهم أبعادها أو أن له مقدرة تفسيرية عالية.

جيكـوب كرايزر (1905-1969(Jacob Kreiser
جنرال سوفيتي يُصنَّف أحياناً باعتباره يهودياً، وأحد أبطال الحرب العالمية الثانية في الاتحاد السوفيتي. كان والده جندياً يهودياً ممن جُنِّدوا في الخدمة العسكرية تجنيداً إجبارياً لفترة طويلة في سن مبكرة واعتنقوا المسيحية إبان فترة الخدمة. وقد انضم كرايزر في سن مبكرة إلى الجيش الأحمر وتدرَّج سريعاً في صفوفه ليصبح جنرالاً في سن الحادية والثلاثين. وخلال الحرب العالمية الثانية، تولى قيادة فرقة مشاة البروليتاريا التي تميَّزت في دفاعها عن موسكو، وهو ما أكسبه لقب «بطل الاتحاد السوفيتي». وقد خدم كرايزر بعد ذلك في عدد من المواقع المهمة خلال الحرب، وتولى قيادة الجيوش السوفيتية في عدد من الجبهات، وساهم في تدمير القوات الألمانية في غرب أوكرانيا، وفي تحرير شبه جزيرة القرم ودول البلطيق. وقد أدَّى قيام ضابط يهودي بتحرير القرم إلى تسليط الضوء على مسألة تأسيس جمهورية يهودية ذات حكم ذاتي في القرم والتي كانت تخطط لها الحكومة السوفيتية لتحل محل مشروع بيروبيجان الفاشل. وقد كانت اللجنة اليهودية المناهضة للفاشية، والتي كان كرايزر عضواً بها، من المؤيدين لهذا المشروع الذي لم يسفر عن أي شيء في نهاية الأمر.

ومع انتهاء الحرب، كان كرايزر قد حصل على أعلى الرتب في الجيش السوفيتي واكتسب مكانة وسمعة واسعتين، ولكنه جُرِّدَ من منصبه خلال فترة الإرهاب الستاليني بعد أن رفض التوقيع على خطاب نُشر في صحيفـة البرافدا ينفي وجود معـاداة لليهـود في الاتحـاد السوفيتي. وبعد وفاة ستالين، أعيدت له قيادته، وعُيِّن عام 1962 نائباً في مجلس السوفييت الأعلى. ثم تولى كرايزر القيادة في منطقة الشرق الأقصى، وهي منطقة حدودية ذات أهمية خاصة، وظل يشغل منصبه حتى وفاته.

ويمثل كرايزر نموذجاً متكرراً في أوساط العسكريين السوفييت اليهود، وإن لم ينتبه إليه الكثيرون، وهو نموذج يعود إلى أيام تروتسكي مؤسس الجيش الأحمر والذي فتح المجال أمام أعضاء الأقليات للانخراط في صفوف هذا الجيش الجديد، الذي كان يدعم نظاماً يدعو إلى تجريم أشكال التمييز العنصري والإثني (وضمن ذلك العداء لليهود). وقد انخرطت أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية بنسبة تزيد عن نسبتهم على المستوى القومي. وكانت هناك نسبة عالية من اليهود في القيادة العليا للجيش السوفيتي خلال الحرب العالمية الثانية. ولكن يُلاحَظ أنه جرى العمل على إحالة أعداد كبيرة منهم إلى التقاعد.

روبـرت ماكسـويل (1923 – 1991(
Robert Maxwell
ناشر بريطاني، وُلد في تشيكوسلوفاكيا، وكان اسمه الحقيقي يان لودفيج هوخ. وُلد لعائلة يهودية ريفية يُقال إنه قُضي على معظم أعضائها خلال الحرب العالمية الثانية، وانضم إلى الجيش التشيكي عام 1939، ثم فرّ إلى بريطانيا مع الاحتلال النازي، حيث انضم إلى صفوف الجيش البريطاني. وحاز في عام 1945 ميدالية الصليب العسكرية. وقد بدَّل اسمه عدة مرات، ثم استقر في عام 1945 على الاسم الإسكتلندي الحالي إيان روبرت ماكسويل. عمل ماكسويل لحساب الاستخبارات البريطانية، وترأس القسم الصحفي للقوات البريطانية المتمركزة في ألمانيا في الفترة بين عامي 1945 و1947. وخلال وجوده في ألمانيا، التقى بناشر ألماني كان تحت يده عدد ضخم من الوثائق والنشرات العلمية التي خَلَّفها الحكم النازي، وبالتالي لاحت أمام ماكسويل فرصة ذهبية للعمل في مجال النشر العلمي. وبالفعل، أسس في عام 1949 شركة برجامون برس التي جعلها من أكبر دور النشر المتخصصة في المطبوعات العلمية، والتي شملت أعمالها برنامجاً واسعاً لترجمة الكتب والمجلات العلمية السوفيتية. وقد كانت دار نشر برجامون اللبنة الأساسية في إمبراطوريته الصحفية والإعلامية التي احتلت المرتبة التاسعة أو العاشرة في العالم على حد تقدير ماكسويل نفسه. وكانت إمبراطورية ماكسويل تضم عدداً كبيراً من الشركات القابضة والمؤسسات العائلية والهيئات الخيرية التي توزعت مقارها الرئيسية في بريطانيا والولايات المتحدة وإسرائيل وأوربا الشرقية وجبل طارق وليختنشتاين.

وقد امتلك ماكسويل حصصاً متفاوتة في عدد كبير من الصحف في ثلاث عشرة دولة. فمجموعة ميرورنيوز (التي امتلكها ماكسويل عام 1984) تنشر عدداً من الصحف البريطانية المهمة مثل ديلي ميرور وصاندي ميرور. كما امتلك ماكسويل نسبة ستة في المائة من أسهم صحيفة ذي إندبندنت اليومية البريطانية. كما سيطر في عام 1991 على صحيفة ديلي نيوز الصادرة في نيويورك. وفي المجر، امتلك حصة كبيرة في صحيفة ماجيار هيرلاب اليومية. وفي عام 1986، أصدر صحيفة الصين اليومية تشاينا ديلي التي كانت تَصدُر بالإنجليزية في بكين ولندن، إلا أنه تَوقَّف عن نشرها بعد أحداث الصين عام 1989. كما أصدر عام 1988 الصحيفة الأوربية الأسبوعية ذي يوروبيان. واشترى ماكسويل في العام نفسه دارين للنشر في الولايات المتحدة هما: دار ماكميلان التي كانت ثاني أكبر دار نشر أمريكية، والدار التي تَنشُر الدليل الرسمي لشركات الطيران. وقد وضعت هذه الممتلكات الجديدة عبئاً كبيراً من الديون على كاهل ماكسويل تجاوزت عند وفاته ثلاثة مليارات جنيه إسترليني، الأمر الذي دفعه إلى بيع بعض ممتلكاته، ومن أهمها دار نشر برجامون لسداد ديونه. كما كان ماكسويل يمتلك، منذ عام 1981، شركة للاتصالات هي ماكسويل كوميونيكيشن كوربوريشن.

وقد كان لماكسويل اهتمام خاص بأوربا الشرقية، وكانت له علاقات مع عدد من رؤساء الكتلة الشرقية. وقد أسس عام 1990، بالتعاون مع مؤسسة مريل لينش، شركة للاستثمار في أوربا الشرقية رأسمالها 250 مليون دولار. وكان ماكسويل قد أسس قبل ذلك ببضع سنوات شركة للاستثمار في الصين بالمشاركة مع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، لكن أعمال الشركة توقفت بعد أحداث عام 1989 في الصين. كما دخل ماكسويل حلبة السياسة البريطانية حيث تولى منصب نائب في البرلمان عن حزب العمال البريطاني في الفترة بين عامي 1964 و1970.

ومن جهة أخرى كان لماكسويل اهتمام كبير وارتباط خاص بإسرائيل. ومما يُذكَر أنه لم يكن يعلن عن أصله اليهودي في البداية، كما كان يذهب إلى الكنيسة مع زوجته الفرنسية البروتستانتية (أي أنه كان يهودياً متخفياً مثل عشرات الألوف الآخرين). ولكنه حين عُرف أصله، لم يستمر في إنكاره. وفي السنوات الأخيرة، أصبح واحداً من أهم المستثمرين الكبار في إسرائيل وأحد كبار مؤيديها. ويُعتقَد أنه كان أكبر المستثمرين فيها على الإطلاق. فكان يمتلك ثلث حصص صحيفة معاريف الإسرائيلية التي تحتل المرتبة الثانية بين الصحف الإسرائيلية من ناحية التوزيع. واشترى عام 1990 خمسين في المائة من حصص دار كيتر للنشر بمبلغ خمسة ملايين دولار وهي الشركة التي تُصدر الموسوعة اليهودية (جودايكا). كما امتلك ماكسويل حصصاً في شركتين إسرائيليتين هما: شركة سايتكس وهي من الشركات الرائدة في مجال الرسوم البيانية بالكومبيوتر والطباعة بالألوان، وشركة تيفا فارماسوتيكال للمنتجات الطبية. وقد ترددت أنباء عن أن ماكسويل كان ينوي استثمار مائة مليون دولار في تأسيس شركة قابضة في إسرائيل تجمع استثماراته القائمة والمتوقعة هناك.

وفي نهاية عام 1988، أصبح ماكسويل رئيس شركة سندات إسرائيل في بريطانيا، إذ اشترى سندات بملايين الجنيهات الإسترلينية أصبح بعدها أكبر مشترٍ للسندات الإسرائيلية في بريطانيا. وكانت الشركة تأمل في أن يساهم تعيين رئيس للشركة ذي شهرة واسعة في جذب أعداد كبيرة من المستثمرين لشراء السندات الإسرائيلية.

وقد كان ماكسويل من مؤيدي سياسات حكومة الليكود الإسرائيلية، وصرح قبل وفاته ببضعة أسابيع بأن آراءه تتطابق تماماً مع آراء رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق شامير. وأيَّد ماكسويل مبدأ إبعاد الفلسطينيين عن أرضهم وتوطينهم في البلدان العربية، كما كان يصرح دائماً بأن الأردن هي الدولة الفلسطينية (كما يفعل الإسرائيليون والصهاينة). وفي عام 1989، وبَّخ ماكسويل رئيس تحرير جريدة معاريف لنشره مقالاً عرض فيه تقرير الاستخبارات الإسرائيلية ومؤداه أنه ليس هناك بديل عن الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية. كما بيَّن ماكسويل أن الدافع وراء محاولته الفاشلة شراء صحيفة جيروساليم بوست في عام 1989 كان وقف النقد الذي كانت توجهه الصحيفة للحكومة الإسرائيلية.

وقد تَورَّط ماكسويل قبل وفاته بقليل في قضية تَجسُّس وتجارة سلاح. فقد ذكر الصحفي الأمريكي سيمور هيرش في كتابه الخيار شمشون أن لماكسويل علاقات بالمخابرات الإسرائيلية (الموساد)، وأنه تَورَّط مع محرر الشئون الخارجية لجريدته الديلي ميرور في تسهيل عقد صفقات سلاح سرية لإسرائيل وفي تسهيل اختطاف موردخاي فانونو، وهو أحد العاملين في مفاعل ديمونة والذي كشف عن وجود مائتي قنبلة نووية لدى إسرائيل. كما ادعى ضابط في المخابرات الإسرائيلية، وهو آرييه منَسَّى، أن ماكسويل كان متورطاً في مبيعات الأسلحة إلى إيران (أثناء حربها مع العراق) وهي مبيعات تمت بموافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق شامير ونائب الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش، فكان ماكسويل يتلقى عمولات عن هذه الصفقات ثم يُجري عملية «غسل» للأموال المتحصَلة بهذه الطريقة غير النظيفة لتبدو كما لو كانت نظيفة وشرعية (وتتم عملية الغسل هذه بطرق عديدة مثل وضع النقود في المصارف من خلال منافذ عديدة أو استثمارها في مشاريع تجارية خاسرة ثم إعلان أنها حققت أرباحاً خيالية، وتُودَع الأموال في المصارف بعد ذلك(.

وقد نفى ماكسويل أية علاقة له بالموساد أو بصفقات السلاح، وأقام دعوى ضد هيرش يُوجِّه فيها إليه تهمة السب العلني. وبعد أقل من شهر من إثارته هذه الفضيحة، لقي ماكسويل حتفه، وقيل أنه سقط ميتاً وهو على ظهر يخته في البحر قرب جزر الكناري. وتراوحت الآراء حول ظروف موته بين التلميح إلى اتهام الموساد بقتله، أو ترجيح انتحاره بسبب متاعبه المالية الكبيرة أو اتهامه بالعمالة لإسرائيل، أو القول بأن موته كان مجرد حادث عادي. وقد دُفن ماكسويل في إسرائيل وفقاً لرغبته.

وقد تفجرت فضيحة مالية كبرى في أعقاب وفاة ماكسويل، حيث تبيَّن أنه حوَّل أكثر من 700 مليون جنيه إسترليني (1.27مليار دولار) من صناديق المعاش في مجموعة الشركات العامة ميرور جروب التي كان يديرها، وذلك لتغطية خسائر شركاته الخاصة ولمساعدة إمبراطوريته الإعلامية التي كانت تنوء تحت ثقل الديون. وتبيَّن أيضاً أنه احتال على مؤسسة مالية سويسرية للحصول على قرض قيمته 100 مليون دولار، وأنه استخدم الأصول نفسها لضمان أكثر من قرض. وكان ماكسويل قد تَعرَّض من قبل للمساءلة حول سلامة ممارساته، حيث أجرى مجلس التجارة البريطاني تحقيقاً عام 1969 حول أوضاع شركة برجامون برس وكشف بالفعل عن بعض المخالفات. وقد تَضمَّن التقرير الذي انتهى إليه المجلس أن ماكسويل « شخص لا يُعوَّل عليه في إدارة شركة مساهمة عامة ». وقد عمل ماكسويل منذ ذلك الحين على إسكات منتقديه وردعهم عن طريق مقاضاتهم وتوجيه تهمة التشهير به إليهم. وقد وُصف ماكسويل عقب تَفجُّر هذه الفضيحة بأنه «محتال القرن»، الأمر الذي زاد التكهنات القائلة بأنه مات منتحراً. كما قُبض على ابنيه، اللذين توليا أمور بعض شـركات والدهما بعد وفاته، بتهمة التورط في الغـش التجاري. ولكن لم يثبت ضدهما أي شيء، فحُكم ببراءتهما.

ومن الواضح أن ماكسويل عبقرية حقيقية بالمعنى المحايد (أو النيتشوي) للكلمة، أي أنه عبقرية لا تهتم كثيراً بالمعايير الأخلاقية أو الإنسـانية، فهو مثل الإنسـان الأعظم (السـوبرمان) يُسخِّر الآخرين لحسابه، ولذا كان عبقرياً في عمليات التنظيم الإداري وتحقيق الأرباح وتعظيمها وعقد الصفقات الرابحة، ولكنه كان عبقرياً أيضاً في نهب الآخرين والتجسس واستخدام النفوذ. وتحدثت كثير من الصحف عن ماكسويل باعتباره يهودياً مع أن هذه مسألة خلافية، فقد أخفى يهوديته بعض الوقت، وحين اكتُشفت اعترف بها بل ووظفها، ولكن توظيفه مسألة هويته اليهودية لا يجعل منه يهودياً، ولا يمكن تفسير عبقريته في إطار يهوديته، وإنما في إطار النيتشوية الداروينية، التي يشترك فيها مع مئات المموِّلين والمستثمرين الآخرين في القرن العشرين.



الباب الرابع: إشكالية العزلة والخـصوصية اليهودية


العزلـــة اليهوديــة
Jewish Isolationism
«الانعزالية اليهودية» عبارة تفترض أن اليهود يعيشون في حالة عزلة عن الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها. وتُفسَّر هذه الانعزالية في الأدبيات الصهيونية على أساس أنها فُرضت فرضاً على اليهود وأنهم غير مسئولين عنها. كما تُفسَّر أيضاً بأن اليهود لا يمكنهم الاندماج في مجتمعات الأغيار بسبب هويتهم أو شخصيتهم أو طبيعتهم أو تاريخهم أو جوهرهم اليهودي. ولا يختلف تفسير معاديي اليهود لهذه الظاهرة عن تفسير الصهاينة، فاليهود بحسب تصورهم يعزلون أنفسهم عن الأغيار لأن هذه هي طبيعتهم وشخـصيتهم وهوـيتهم، وتنعكـس هذه السمة في سلوكهم وتاريخهم. يتفق الصهاينة والمعادون لليهود، إذن، على أن الانعزالية سمة أساسية وأنها لا علاقة لها بالحركيات الاجتماعية التي يوجد فيها اليهود، وإنما يُسبِّبها شيء ما داخلهم.

ولا يمكن، بطبيعة الحال، إنكار أهمية بعض جـوانب النسـق الديني اليهودي مثل عقيدة الشــعب المختـار، وكذلك كثرة الشـعائر الدينية، في تشجيع اليهود على العزلة. وقد وصل هذا الاتجاه في النسق الديني اليهودي إلى ذروته في القبَّالاه اللوريانية الدينية، حيث تُطرح فكرة أن اليهود خُلقوا من طينة مغايرة للطينة التي خُلق منها البشر. ولكن علاقة الأفكار الدينية، وأية أفكار، بسلوك الإنسان ليست علاقة سببية بسيطة. فالأفكار لا تحدد سلوك الإنسان أبداً ولكنها تخلق لديه استعداداً كامناً أو قابلية ليسلك سلوكاً معيَّناً ويبتعد عن أنماط معينة من السلوك. كما أن من الصعب بمكان تحديد ما إذا كانت فكرة مثل فكرة الشعب المختار هي التي أدَّت إلى عزلة اليهود أو أن الفكـرة هي نتيجة هذه العزلة، أو أن العلاقة هي علاقة تأثير وتأثر، وما مدى التأثير وما عمق التأثر.

وعلى أية حال، لا يكمن الخلل الأساسي في النموذج التفسيري الصهيوني والمعادي لليهود في سببيته البسيطة وحسب وإنما في مستواه التعميمي المرتفع وفي تجريديته الزائدة، إذ أن كلا الفريقين يتحدث عن « اليهود ككل » وبشكلٍّ عام ويُفسِّر الظاهرة داخل هذا الإطار. ولو أننا تحركنا في إطار الجماعات اليهودية لأمكننا اكتشاف التنوع وعدم التجانس، وأن أعضاء الجماعات اليهودية انعزلوا عن بعض المجتمعات واندمجوا في البعض الآخر، وأنهم انصهروا في بعض المجتمعات وطُردوا من البعض الآخر، وأن هذه الظواهر يمكن تفسيرها من خلال مُركَّب من الأسباب الحضارية والاقتصادية الخارجيــة التي تختـص بمجتمع الأغلبية، والأسباب الداخلية التي تختص بأعضاء الجماعة. ومن أهم هذه الأسباب، في تَصوُّرنا، اضطلاع أعضاء الجماعات اليهودية بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة في كثير من المجتمعات، خصوصاً المجتمع الأوربي ابتداءً من العصور الوسطى. والجماعة الوظيفية الوسيطة لا يمكنها أن تقوم بدورها إلا في حالة عزلة، إذ أنها تضطلع بوظائف مشينة أو بوظائف تتطلب الحياد والموضوعية مثل البغاء أو التجارة.

ومن أشهر حالات عزلة اليهود، وجودهم داخل الجيتوات القسرية في أوربا ابتداءً من أواخر عصر النهضة. ولكن العزلة وصلت قمتها في أوكرانيا، حيث كان اليهود يشكلون جماعة وسيطة تمثل طبقة النبلاء (شلاختا) الحاكمة في بولندا. وكانت عزلة اليهود على عدة مستويات:

1 ـ طبقية: جماعة تجارية مالية تمثل النخبة الحاكمة في وسط زراعي فلاحي وتساندها القوة العسكرية البولندية.

2 ـ لغوية: جماعة تتحدث اليديشية في وسط يتحدث الأوكرانية.

3 ـ ثقافية: جماعة ترتدي أزياءً وتأكل طعاماً يختلفان عن أزياء وطعام الفلاحين.

4 ـ دينية:جماعة يهودية تمثل النبلاء الكاثوليك في وسط أرثوذكسي.

وحينما تصبح العزلة على كل هذه المستويات، فإنها عادةً ما تكون متطرفة، إذ إن العزلة على مستوى ما تدعم العزلة على مستوى آخر. ولكن، ورغم هذه العزلة، فإن من المعروف أن الجماعة اليهودية تأثرت بوسطها الفلاحي السلافي، وظهر هذا التأثر في انتشار الحسيدية التي نبعت من الفلكلور الديني المسيحي السلافي، أي أنه لا يمكن أن تُوجَد عزلة مطلقة إلا في كتابات العنصريين الاختزاليين من الصهاينة والمعادين لليهود.

اليـهــــودي الخالـــــــص
Quintessential or Pure Jew
«اليهودي الخالص» عبارة تفترض وجود هوية يهودية خالصة لا تشوبها أية شوائب حضارية، فهذه الهوية تتمتع بنقاء عرْقي وحضاري إثني. لكن هذا المصطلح لا يرد إلا نادراً في الكتابات الصهيونية، مثل إشارة المفكر الصهيوني كلاتزكين إلى « النمط القومي الخالص » وإشارة بن جوريون إلى « اليهودي الذي هو يهودي مائة في المائة ». ومع هذا، فإن هذا المفهوم كامن في كل الكتابات الصهيونية، بل يمكن القول بأن اليهودي الخالص هو اليهودي المثالي الذي يحاول المشروع الصهيوني تحقيقه، فباسم هذا «اليهودي الخالص» ترفض الصهيونية الموروث الثقافي لأعضاء الجماعات اليهودية بل وترفض وجودهم ذاته، وباسمه تحاول تأسـيس الدولة اليهـودية حتى يتحقق هذا الجوهر. واليهودي الخالص، بكل ما فيه من حيوية وإبداع وولاء يهودي مطلق، هو نقيض اليهودي المنفي بكل ما فيه من هامشية وتَمزُّق وازدواج في الولاء. ويحاول الصهاينة تطبيع يهود المنفى لإعادة صياغتهم في صورة «اليهودي الخالص».

نقـــاء اليهـــود عرْقيــــاً
Racial Purity of the Jews
«نقاء اليهود عرْقياً» عبارة تفترض أن أعضاء الجماعات اليهودية قد حافظوا، عبر التاريخ وفي كل زمان ومكان، على نقائهم العرْقي، فلم يختلطوا بالأجناس والشعوب الأخرى، وهذه فكرة يروِّج لها المعادون لليهود ويسوقونها دليلاً على رغبة اليهود في عزل أنفسهم وعلى خطورة العرْق اليهودي. فهوستون تشامبرلين يزعم أن ذلك النقاء العرْقي هـو سـر قـوة اليهـود، وأنه هو أيضاً ما يجعلهم «غرباء بين الأمم».

وكان الصهاينة كذلك يروجون هذه الفكرة ويؤسسون عليها ادعاءهم حتمية إنشاء دولة يهودية مستقلة تكون يهودية مثلما أن إنجلترا إنجليزية وفرنسا فرنسية؛ دولة يعيش فيها الشعب اليهودي المنفصل عرْقياً عن بقية شعوب الأرض من الأغيار. ولذا، بذل كثير من « العلماء » الصهاينة كثيراً من المحاولات التي ترمي إلى إثبات نقاء اليهود عرْقياً. ومن أهم المحاولات في هذا المضمار محاولات عالِم الاجتماع الصهيوني آرثر روبين في كتابه اليهود في الوقت الحاضر حيث أورد أسماء كثير من المراجع في الموضوع من بينها اسم إغناتز زولتشان (1877 ـ 1944) الذي وصف اليهود بأنهم « أمة من الدم الخالص لا تشوبها أمراض التطرف أو الانحلال الخلقي الناجمة عن عدم النقاء ». وقد أكد زولتشان أن « حظر الزواج المُختلَط في اليهودية قد أدَّى إلى عدم اختلاط اليهود بأجناس لم تحافظ على نقائها بالدرجة نفسها ». وقد قدَّم روبين نفسه تعريفاً عرْقياً لليهود فبيَّن أنهم « اسـتوعبوا عناصر عرْقية أجنبية بدرجـة محـدودة، ولكنهم في أغلبيتهم يمثلون جنساً متميِّزاً، على خلاف الحال في دول وسط أوربا ». وأضاف أن من الواجب الحفاظ بشكل واع على الاستمرار العرْقي اليهودي الذي تحقق بشكل تلقائي عبر التاريخ، وأكد أن أي جنس راق يتدهور بسرعة إذا ما تزاوج بجنس أقل رقياً، ذلك لأن التزاوج بالأجناس الأخرى يضرُّ بمحاولات المحافظة على الصفات الممتازة للجنس، ومن ثم فـ « لابد من محاولة منع التزاوج للمحافظة على انفصالية اليهود ».

ومن الواضح أن روبين وزولتشان حينما يتحدثان عن اليهود فهما يتحدثان عن اليهود الإشكناز وحسب أو يهـود العالم الغربي ويستبعدان أعضاء الجماعات اليهودية الأخرى ويُروِّج المعادون لليهود المقولة نفسها. وما يُسمَّى «الصفات العرْقية الشائعة عن اليهود» هو في واقع الأمر «الصفات العرْقية الشائعة عن اليهود الإشكناز أو يهود العالم الغربي». وفي كتاب المفكر المصري الدكتور جمال حمدان اليهود دراسة مستفيضة لبعض هذه الصفات مثل قصر القامة وضيق الصدر والسمنة والأنف المعقوف وشكل الرأس. ويشير الدكتور جمال حمدان إلى أن الدراسات المترية تُظهر اليهودي في أغلب الحالات أقصر من غيره بضع بوصات. ولكنه يبيِّن أن طول القامة لا يمكن اعتباره صفة جسمية أصيلة، فمن الثابت علمياً أنها صفة مطاطة تتكيف بالبيئة الطبيعية والاجتماعية، كما يُعَدُّ ضيق الصدر من هذه الصفات الشائعة، الأمر الذي تؤكده الأدلة العلمية، فمحيط صدر اليهودي (الإشكنازي) أقل كثيراً منه عند « الأغيار ». ولكن هذه الصفة ـ كما يبيِّن الدكتور جمال حمدان ـ نتيجة طبيعية للبيئة والحرفة، فالحرف التقليدية لليهود الإشكناز (خياطة ـ صباغة ـ صناعة أحذية) ترتبط بتلك الظاهرة. وتُعَدُّ صفـة « السحنة » اليهودية أكثر هذه الصفات شيوعاً، والمُحقَّق علمياً أنها لا تُوجَد عند كل اليهود ولا تكاد تُعرَف في أشـكناز أمريكا كما أنها معروفة بين غير اليهـود. وسحنة الوجه تعبير اجتماعي مُكتسَب من البيئة أكثر من كونها صفة جسمية، حتى سماها البعض «تعبير الجيتو»، فهي من فعل الانتخاب الصناعي لا الوراثة.

أما مسألة الأنف المعقوف،كصفة مميِّزة لليهودي في المخيلة الشعبية، فهي أسطورة أخرى. فلقد أثبتت الدراسات الأنثروبولوجية أن هذه الصفة غير موجودة إطلاقاً بين أنقى عنصر سامي وهم البدو،ولكنها صفة غالبة بين القبائل القوقازية المختلفة، وكذلك في آسيا الصغرى،وتشمل العناصر المحلية في المنطقة مثل الأرمن والجورجيين.ونجده بين شـعوب البحر المتوسـط أكثر مما نجده بين يهود أوربا الشـرقية،ويَكثُر انتشارها بين الهنود الحمر في أمريكا الشمالية!

ومن أهم المقاييس الأنثروبولوجية، لتحديد الانتماء العرْقي، شكل الرأس. وقد بيَّن الدكتور جمال حمدان في كتابه اليهود أنثروبولوجياً أن من بين المجموعات الرئيسية الثلاث (الإشكناز والسفارد والشرقيين) يقع الإشكناز بين عراض الرؤوس وأحياناً عراض الرؤوس جداً، هكذا هم في كل أوربا والعالم الجديد ابتداءً من الفولجا حتى كاليفورنيا. ولكن الأهم من هذا أنهم يشبهون السكان المحيطين محلياً ويقتربون جداً من شكل ونسبة رأسهم، فمثلاً ليس ثمة فارق في شكل الرأس بين اليهود والمسيحيين في كل من روسيا وبولندا، بينما في منطقة القوقاز تتحول رؤوسهم لشكل «قمع السكر » الشهير عند الأرمن والقفقاز بل ونجده حتى بين يهود التركستان.

وكان من الشائع أن السفارد على النقيض من ذلك تماماً، أي أنهم طوال الرؤوس جميعاً. ولكن هذه المقابلة تبسيطية أكثر مما ينبغي، فرغم أن طول الرأس يَغلُب بين السفارد فإن منهم جماعات استعرَضَت رؤوسهم كما في شمال إيطاليا وربما كانت بينهم جماعات أخرى من سفارد البلقان. ويُلاحَظ أن السفارد يعيشون جملة بين شعوب طويلة الرأس كالبربر والعرب بحيث لا يمكن أن يغيِّر التزاوج شكل رؤوسهم بل على العكس يؤكده.

ويأتي اليهود الشرقيون في حدود التصنيف، فجزء منهم طوال الرؤوس كالسفارد ويشمل يهود مصر والشام واليمن والعراق وجنوب إيران (والسكان المحيطون بهم طوال الرؤوس، إلا أن حجم الرأس عندهم أطول بدرجة أو أخرى من حجم الرأس عند اليهود). أما الجزء الآخر منهم، كالإشكناز، فقد استعرضت رؤوسهم كما في شمال العراق ومنطقة جبال القوقاز وشمال إيران ويهود التركستان الروسية بكل شظاياها، وأخيراً هناك اليهود القرّاءون في القرم وليتوانيا. ففي كل هذه الحالات يعيش اليهود في محيط واسع من العرض الشديد للرأس، وقد استعرضت رؤوسهم بشدة فأصبحوا لا يختلفون عنه أبداً.

ويحاول بعض العلماء أن يجعلوا من اليهود طوال الرأس من السفارد وبعض الشرقيين وحدة إثنولوجية قائمة بذاتها، قد تتباين فيما بينها من منطقـة إلى منطقـة ولكنهـا بعامة تتباين أكثر مع السـكان المحيطين. ولذا فهم يصورون اليهود الإشكناز ومعهم بقية الشرقيين وحدة إثنولوجية أخرى. ومع هذا يعترف هؤلاء العلماء بأن كل نوع أو سلالة جنسية معروفة في أوربا يمكن بسهولة أن تُلتَقط من بين يهود القارة، وأن أغلب اليهود يمثلون بطريقة أو بأخرى خليطاً من عديد من تلك السلالات والأنواع، ولذا من السهل جداً أن نلتقط من بين يهود الروسيا أفراداً يتميَّزون بالصدغ الواسع والأنف العريض القصير وعظام الوجنة البارزة بدرجة لا تفرق بينهم وبين جماعات الفن المغولية التي تَسكُن منطقة الفولجا، بينما يُوجَد بين اليهود الألمان أفراد هم بكل معنى الكلمة نورديون مثاليون.


ويمكن من ناحيتنا (والكلام لا يزال للدكتور جمال حمدان) أن نضيف على مستوى العالم متناقضات كالموزايك [الفسيفاء] تكاد تغطي كل ما نعرف بين البشر من اختلافات في الصفات الجنسية، فهناك اليهود السود في الحبشة وجنوب الصحراء الكبرى، وهناك اليهود المُلوَنون في الهند، بل والصفر أحياناً في التركستان، وأخيراً اليهود الشقر في أوربا. وكما لاحظ دالبي في أواخر القرن الماضي، هناك كل الأنواع والألوان بين اليهود البيض والسمر، فهناك اليهودي الربعة غليظ الملامح عريض الرأس من الإشكناز واليهودي النحيف دقيق الملامح طويل الرأس من السفارد، وهناك الأنف اليهودي المُحدَّب والأنف المُقعَّر بين كثير من يهود روسيا. وهناك العيون اللوزية في السفارد، والمكتنزة الضخمة في الأشـكناز، والعيون المغولية المسـحوبة في بعض يهود وسـط آسـيا. وبعامة، فإن السفارد أشبه بعنصر البحر المتوسط والإشكناز أشبه بالصقالبة الشماليين، وفضلاً عن هذا فإن الدراسات السيرولوجية أثبتت تماماً أن هناك بين اليهود معدل تَفاوُت كبير جداً في فئات الدم وهو ما ينفي تَجانُس الأصل. وأكثر من ذلك، لا تُبدي تلك الفئات أية علاقة بفئات الدم عند اليهود السامريين الأمر الذي يؤكد عمق انفصالهم جنسياً عن الأصل القديم (إن كان هذا الأصل واحداً).

فالحديث عن الوحدة العرْقية بين اليهود (كما بيَّن الدكتور جمال حمدان وغيره من العلماء) لا محل له من حقيقة أو علم على الإطلاق. واليهود لا يعرفون الوحدة العرْقية أكثر مما يعرفون الوحدة الجغرافية، وثمة اتفاق بين الدارسين في الوقت الحاضر على أن نقط التشابه بين أعضاء الجماعات اليهودية وبين أبناء المجتمعات التي يعيشون فيها يفوق كثيراً أي تَشابُه قد يُوجَد بين أية جماعة يهودية وأية جماعة يهودية أخرى في مجتمع آخر.

وهذا أمر مُتوقَّع تماماً، ورغم التشريعات اليهودية الخاصة بتحريم الزواج المختلط، فمن المعروف أن اليهود تزاوجوا بغيرهم من الشعوب. بل وكان من الصعب علىهم أن يفعلوا غير ذلك لأنهم كانوا شعباً من البدو الرحل الذين يتنقلون من مكان إلى آخر. لقد جاء الآباء، أسلاف العبرانيين، من بابل، فهم إذن من أصل سامي عربي. وحينما وصلوا إلى كنعان، تزاوجوا مع الحيثيين الذين هم من أصل أرمني. ولا شك في أن العبرانيين تأثروا حضارياً وعرْقياً بالمصريين أثناء إقامتهم في مصر بعد هجرة يوسف ويعقوب. وقد خرجوا من مصر ومعهم « اللفيف العرْقي » الذي يشير إلىه العهد القديم. وقد تزوج موسى أثناء الخروج أو الهجرة من مصر من امرأة مدينية (من مدين) ثم من كوشية. وتزاوج العبرانيون بالكنعانيين بعد تسللهم إلى أرض كنعان وبغيرهم من الأقوام السامية التي كانت تقيم هناك. ومن الطريف أن أم داود (الذي سيأتي من نسله الماشيَّح ملك اليهود) لم تكن، حسبما ورد، يهودية. أي أنه هو نفسه مشكوك في انتمائه إلى الشعب اليهودي. وفي العصر الهيليني، كانت نسبة التزاوج بالأجانب مرتفعة إلى حدٍّ كبير.

ورغم أن اليهودية ليست ديانة تبشيرية، فإن كثيراً من الشعوب قد تَهوَّدت. فقد فرض الحشمونيون اليهودية قسراً على بعض الشعوب المجاورة لهم، مثل الأدوميين والإيطوريين. كما تَهوَّدت قبائل الخزر (أو نخبتها القائدة) في ظروف لا تزال غامضة. ويُلاحَظ أن الكنيسة، في العصور الوسطى، كانت تكرِّر من آونة لأخرى تحريم الزواج بين اليهود والمسيحيين، وهو أمر يدل على استمرار الظاهرة. أما في العصر الحديث، فإن معدلات الزواج المُختلَط في ألمانيا في الثلاثينيات، في روسيا السوفيتية (سابقاً) وفي الولايات المتحدة وفي معظم البلاد التي تزايدت فيها معدلات العلمنة، تصل إلى نحو 50% في كثير من الأحيان. وكانت نتيجة الزواج المختلط هي عدم النقاء العرْقي.

وقد اتضحت الخلافات العرْقية بين اليهود في الدولة اليهودية بشكل مثير لا يمكن الجدل بشأنه: فاليهود الإشكناز الشقر ويهود الفلاشاه السود ويهود بني إسرائيل الداكنو اللون (الذين جاءوا من الهند) لا يمكن أن ينتموا إلى عرْق واحد مهما بلغت الادعاءات العنصرية (الصهيونية أو المعادية لليهود) من حنكة وموضوعية!

ولو كانت هناك سمات يهودية عرْقية واضحة لما ادعى بعض اليهود (أيام هيمنة النازية) أنهم ينتمون للجنس النوردي وأنهم لا علاقة لهم بالجنس السامي، ولما طلب النازيون من أعضاء الجماعات اليهـودية أن يُعلِّقـوا نجمـة داود، حتى يسـتطيع الآريـون التعرف عليهم. ولكن التفكير العنصري الاختزالي يمكنه التعايش ببساطة مع مثل هذه التناقضات، فهو لا يشعر بالأمن أو الاستقرار إلا في عالم واحدي مادي كل الأمور فيه بسيطة ويمكن ردها لعنصر مادي واحد يُدرَك بالحواس الخمس، مثل العرْق وشكل الأنف وحجم الرأس.

الأمـراض اليهودية (الخصوصية اليهودية الطبية)
(Jewish Diseases )Jewish Medical Specificity
«الأمراض اليهودية»، هي تلك الأمراض التي يُفترض أنها تصيب اليهود وحدهم. وتذخر الكتابات الطبية المعنية بالمسألة الوراثية بالحديث عن إشارات إلى مناعة اليهود ضد أمراض مُعْدية معينة كالسل أو الطاعون. وتصل هذه الدراسات إلى حد الشطط حين تتحدث عن التفوق المعرفي والعلمي والعقلي لليهود وعن ارتفاع معدلات الذكاء الوراثي بينهم. والواقع أن مثل هذه الأفكار تفترض أن ثمة خصوصية بيولوجية وراثية يهودية، أي خصوصية طبية ونفسية وعرْقية تسم اليهود كافة في كل زمان ومكان.

ولكن دراسة ظاهرة الأمراض اليهودية (أو الأمراض التي يُصاب بها أعضاء الجماعات اليهودية) بتعمق، ومن خلال استخدام نموذج تفسيري أكثر تركيباً وثراءً من ذلك النموذج التبسيطي الاختزالي السائد في بعض الكتابات الغربية، تبين لنا وبشكل قاطع عدم صحة هذا الافتراض. كما تبين لنا الدراسة المتأنية مدى التنوع والاختلاف في الأمراض التي تصيب الجماعات اليهودية المختلفة.

ويمكن تصنيف الأمراض التي تُصيب أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة إلى قسمين من منظور الخصوصية أو انعدامها:

1 ـ أمراض تصيب أعضاء الجماعات اليهودية دون غيرهم من سكان المجتمعات التي يعيشون بينها (ويندرج تحت هذا التصنيف زيادة مناعة أعضاء الجماعات اليهودية ضد بعض الأمراض بمعدل يفوق المعدل السائد بين أعضاء الأغلبية). وهذه الخصائص الطبية يمكن تفسيرها من خلال نموذج تفسيري يؤكد أهمية العناصر الثقافية (بالمعنى العام للكلمة) المقصورة على أعضاء الجماعات اليهودية. ومع هذا يبيِّن هذا النموذج أن الخصوصية الطبية التي تسم جماعة يهودية ما ليست خصوصية طبية يهودية عالمية عامة، أي أنها لا تشمل كل يهود العالم وإنما تقتصر على جماعة يهودية دون غيرها من الجماعات. ومن ثم لا يمكن الحديث عن خصوصية طبية أو بيولوجية عالمية عامة. ويُلاحَظ أن هذا التنوع وذلك الاختلاف نابعان أساساً من مُركَّب من العوامل البيئية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي نتج عنها ظهور بعض الأمراض الوراثية التي اختلفت من جماعة إلى أخرى ونتج عنها ارتفاع نسبة الإصابة ببعض الأمراض بين جماعة دون أخرى.

ثمة أمراض بعينها تكثر بين أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة من أصل يديشي أو إشكنازي، وثمة أمراض وراثية تنتشر بينهم دون غيرهم من السكان. ومن بين هذه الأمراض مرض «جاوشر»، وهو مرض وراثي يَنجُم عن صفة متنحية (والصفة المتنحية هي الصفة التي لا تظهر إلا عندما يكون الوالدان حاملين للصفة الوراثية نفسها). ومن أهم أعراض مرض جاوشر، انخفاض نسبة خميرة (إنزيم) تدخل في أيض نوع من أنواع الدهون في الدم، وهو ما يتسبب عنه تراكم هذه المادة في كلٍّ من الكبد والطحال والجهاز العصبي، مؤدياً إلى أعراض مرضية متلازمة في النمط المزمن الذي يظهر في البالغين، أو إلى الوفاة في غضون عامين أو ثلاثة أعوام في النمط الحاد الذي يظهر بين الأطفال. وتبلغ نسبة حاملي هذه الصفة الوراثية بين يهود الولايات المتحدة من أصل يديشي حوالي واحد بين كل ستين بينما تبلغ هذه النسبة بين غير اليهود حوالي واحد بين كل ستمائة.

وهناك أيضاً مرض «تاي ـ ساكس»، وهو مرض يَنجُم عن غياب خميرة تدخل في أيض الدهون أيضاً، ويؤدي هذا المرض إلى موت الأطفال المصابين به في غضون عامين أو ثلاثة أعوام. وتبلغ نسبة حاملي الصفة المتنحية المسببة لهذا المرض بين يهود الولايات المتحدة من أصل يديشي نحو واحد بين كل ثلاثين، بينما تصل هذه النسبة في غير اليهود إلى واحد بين كل ثلاثمائة، ونسبة احتمال ولادة طفل مصاب بهذا المرض تصل إلى واحد بين كل ثلاثة آلاف وستمائة من اليهود من أصل يديشي بينما تنخفض إلى واحد بين كل ثلاثة ملايين وستمائة ألف بين غير اليهود.

وهناك أيضاً مرض «نيمان بيك»، وهو مرض ينجم عن تطفُّر جيني له علاقة بغياب خميرة تدخل أيضاً في أيض الدهون، ونسبة حاملي هذه الصـفة عـالية بين يهـود الولايات المتحـدة من أصـل يديشي. وهناك بالمثل ما يُسمَّى «متلازمة بلوم» (و«المتلازمة»، هي مجموعة من الأعراض المرضية المتلازمة، والتي يُقال لها بالإنجليزية «سندروم syndrome». وتتمثل متلازمة بلوم في انخفاض وزن المولود وضعف نموه وحساسية جلده للشمس وتَراكُم اللمف وظهور شكل الفراشة على الوجه.

ويُلاحَظ أيضاً ارتفاع نسبة إصابة يهود الولايات المتحدة من أصل يديشـي بنقص غير عـادي في الخميرة 21 - هيدروكسـيليز غير التقليدي. ويؤدي هذا النقص إلى تَراكُم مواد دهنية في الأنسجة العصبية والكبد والطحال.

ومما يلفت النظر في هذه المجموعة من الأمراض الوراثية، والتي تزيد نسبة تواترها بين يهود الولايات المتحدة من أصل يديشي، أنها تتعلق أساساً بنقص خمائر أيض الدهون! والواقع أن ثمة ظاهرة مماثلة تتعلق بقبائل الهوي في أمريكا الشمالية حيث يزداد عدد الأفراد من «أعداء الشمس»، أو الألبينو، ونظراً لارتفاع قيمة هذا الشكل بين قبائل الهوي، يحدث ما يُسمَّى «الانتقاء الثقافي»، أي أن الثقافة تفرض على المجتمع أو الجماعة نوعاً من الانتقائية الوراثية نظراً لأهمية عنصـر معيَّن. وهذا العنصـر، في حالة اليهـود، هو الوصية التي تقول «لا تطبخ العجل بلبن أمه »، والتي تتضمن تحريماً ضمنياً على استخدام الدهون. ويمكننا بالمثل رؤية الأمراض الوراثية التي تزداد نسبتها بين يهود الولايات المتحدة، المهاجرين من مناطق اليديشية، كنوع من الانتقاء الثقافي وأيضاً الطبقي، ذلك أن معظم هؤلاء المهاجرين من أصول فقيرة، ويصبح الامتناع عن تناول الدهون نوعاً من الالتزام الديني والذي قد يكون أيضاً بسبب عجز القدرة المادية.

ومن الأمراض العصبية التي ترتفع نسبة الإصابة بها بين يهود اليديشية في العصر الحديث (بخاصة بين المهاجرين) مرض ذهان الهوس والاكتئاب أو المرض الدوري، وهو المرض الذي تنتاب المريض فيه حالات متعاقبة من الهوس ثم الاكتئاب، وأحياناً تكون الحالات اكتئابية فقط أو هوسية فقط. ويُذكَر أن هذا المرض يكون مقترناً (لدى بعض اليهود غير اليديشيين المصابين به) بعمى الألوان وبنقص في الخميرة المسؤولة عن انتزاع هيدروجين الجلوكوز 6 فوسفات من على الصبغية س، ومن ثم يُفترض أن يكون لهذا أصل وراثي.

ومرة أخرى، يُفسِّر نموذج الانتقاء الثقافي سبب تَفشِّي هذا المرض بين اليهود من أصل يديشي أو إشكنازي. وكما يقول رفائيل باتاي في كتابه العقل اليهودي، تزداد نسبة إصابة فقراء اليهود والطبقة العاملة اليهودية التي تمثل نسبة ضئيلة من إجمالي الطائفة بهذا المرض، فذهان الهوس والاكتئاب هو من أمراض عدم التَكيُّف ويزداد بشدة عندما تزداد الهوة الاجتماعية بين أفراد الطبقة الواحدة. واليهودي الفقير يزداد إحساسه بالغربة وعدم التكيف لإحساسه بأن اليهود الآخرين أكثر غنى منه، ومن ثم تبدأ نوبات السخرية من الذات التي تتلوها نوبات الاكتئاب والإحباط.

وكذلك يُفسِّر لنا هذا النموذج انخفاض معدلات الخصوبة بين اليهود من أصل يديشي في الولايات المتحدة حتى أصبحت تساوي النسبة العامة للمواطن الأمريكي من الطبقة الوسطى. فالحراك الطبقي الذي حققه يهود اليديشية في الولايات المتحدة غيَّر نمط حياتهم وجعلهم أقرب إلى التمسك بقيم الطبقة الوسطى أكثر من المواطن الأمريكي العادي. فاليهودي اليديشي المنتمي إلى الطبقة الوسطى الأمريكية لن يَقبَل أن يحرمه الإنجاب من كل المزايا الفردية التي يتمتع بها، وذلك على العكس من جده الفقير في بولندا الذي كان ينجب كثيراً لأن الأولاد يشكلون مصدراً للدخل (كقوة عمل)، ولأن الثقافة السائدة لا تأبه كثيراً بالانتماء الفردي بقدر ما تحرص على الانتماء الجماعي.

أما اليهود القرّاؤن، فيُلاحَظ أن من بين الأمراض الوراثية التي ترتفع نسبة ظهورها بينهم مرض فردبخ هوفمان، وهو مرض أيضي يؤدي إلى تَحلُّل خلايا الدماغ ويؤدي إلى موت الأطفال المصابين به. وتبلغ نسبة الأشخاص حاملي المرض بين القرّائين نحو واحد بين كل ثلاثين.

ويُفترَض أن ليهود الولايات المتحدة من أصل يديشي مناعة خاصة ضد الإصابة بالسل. وقد ذكرت بعض المراجع التاريخية أنه إبَّان تَفشِّي وباء الطاعون في أوربا في القرون الوسطى وما بعدها، كانت نسبة إصابة اليهود به أقل بكثير من نسبة إصابة الآخرين. والواضح أن المناعة النسبية ليهود الولايات المتحدة من أصل يديشي ضد السل يمكن فهمها في ضوء نموذج الانتقاء الثقافي، فمعظم هؤلاء من أصول فقيرة عاشت في مناطق فُرضت عليها العزلة، وبذلك تَفشَّى السل في أجدادهم، والناجون هم أولئك الذي استطاعوا اجتياز المرض واكتسبوا مناعة نسبية ورَّثوها للأجيال التالية التي هاجرت إلى الولايات المتحدة وارتقت في السلم الاجتماعي إلى مستوى الطبقة الوسطى. أما بالنسبة إلى وباء الطاعون، فقد استطاع كثير من يهود أوربا خلال العصور الوسطى تَجنُّب هذا المرض، مثلهم مثل سائر الأثرياء، لمقدرتهم على الابتعـاد عن المناطق الموبوءة، وكذلك لنظافتهم والطبيعة الخاصة لطعامهم.

وفيما يختص بيهود المشرق، نجد أن نسبة الإصابة بأمراض نزف الدم (الهيموفيليا) تقل قياساً بغيرهم. ويمكننا في ضوء نموذج الانتقاء الثقافي أيضاً أن نرى انخفاض نسبة أمراض الدم بين اليهود الشرقيين، حيث أن اتباع تعاليم التلمود يخلق هذا النوع من الانتقائية. فقد ورد في التلمود فقرة تدعو إلى عدم ختان الطفل المولود لامرأة مات لها طفل من النزيف بعد ختانه، وإلى عدم تحبيذ زواج تلك المرأة من رجل من العائلة نفسها.
ومن المعروف أن ختان الذكور تقليد مصري اعتاد عليه اليهود وأخذوا معه جميع التعاليم المرتبطة به. وبذا، يمكننا أن نقول إن هذا أدَّى إلى عملية انتقائية خاصة تؤدي إلى عزل جيني معيَّن يقلل من الإصابة بهذا المرض.
2 ـ أمراض تصيب أعضاء الجماعات اليهودية بنسبة لا تختلف عن أعضاء الأغلبية:

يُلاحَظ أن هناك تشابهاً في النمط الوراثي أو في مسألة الإصابة بالمرض بين أعضاء الجماعات اليهودية وبين الشعوب التي يتواجدون بينها. فهم ينتمون إلى ثقافة هذه الشعوب ويعيشون ظروفها. وفي دراسة أجريت في إسرائيل أعوام 1964 ـ 1966، يُلاحظ الباحث أن نسبة الإصابة بمرض ارتفاع ضغط الدم المصاحب للحمل ترتفع بين النساء اليهوديات من أصل إيراني. وكذا بين المسلمات العرب، عنها بين النساء اليهوديات من أصل يديشي أو سفاردي. وهو يحاول أن يربط بين المرض وبين ما دعاه بـ «الأصل العرْقي»، ولكنه يعود في فقرة أخرى ليتحدث عن العوامل الاقتصادية الاجتماعية، وليس عن الأصل العرْقي، دون أن يُلاحظ ما في قوله من تَناقُض، فيقول: إن المرض أكثر انتشاراً بين الأمهات الفقراء وغير المتعلمات!

في هذا الصدد، تَذكُر دراسة أجريت في إسرائيل بين عامي 1952 و1953 أن معظم حالات أمراض الجهاز الهضمي بين يهود اليديشية هي حالات قرحة المعدة والقولون العصبي، وهي حالات عصبية جسمية. وعلى العكس من ذلك، تزداد الأمراض المعدية بين اليهود الشرقيين. فيهود اليديشية القادمون من أوربا يعانون أساساً من أمراض الحضارة الغربية، أما اليهود الشرقيون فيعانون من أمراض المنطقة العربية.

ونحن نلاحظ أيضاً أن غالبية الأمراض الوراثية، التي تُعزَى إلى اليهود بشكل أو آخر، ما هي إلا أمراض تزيد نسبتها بين صفوف يهود الولايات المتحدة من أصل يديشي. ويرجع هذا أولاً وقبل كل شيء إلى ارتفاع مستواهم المادي مقارنةً بغيرهم من البشر في الولايات المتحدة حيث يحتلون مراكز قوية داخل صفوف الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة، الأمر الذي يتيح لهم قدراً عالياً من التعليم، وبالتالي يمكنهم الاستفادة من عملية فحص الأبوين وفحوص ما قبل الزواج التي تتطلب تكاليف باهظة لا يقدر عليها المواطنون من أصل أفريقي مثلاً.

وعلى أية حال، فإن هذه الدراسات لا تتطرق إلى الأمراض الوراثية العائلية التي تصيب العائلات اليهودية الثرية كعائلة روتشيلد على سبيل المثال. والملاحَظ أن النمط الوراثي هنا يختلف عن النمط العام لأمراض يهود اليديشية ويقترب من النمط الوراثي للعائلات الأرستقراطية الأوربية كآل رومانوف الروس مثلاً، حيث تنتشر بينهم أمراض الدم مثل الهيموفيليا، وهي أمراض تعني شدة انغلاق العائلة على نفسها، وهو ما يؤدي إلى العزل الجيني أو التثبيت الوراثي لصفة مُتنحية.

لكن الحديث عن الأمراض اليهودية، دون مقارنة هذه الظاهرة بالظواهر المماثلة في المجتمع، يؤدي إلى نزع الظاهرة من سياقها ويفتح الباب على مصراعيه للنظريات العنصرية، والمنطق نفسه الذي يحاول إثبات التفوق الوراثي لليهود يمكن أن يحاول أيضاً إثبات خطورتهم الوراثية وضرورة اتخاذ الإجراءات لوضع حد لهذا الخطر.

نقـــاء اليهـــود حضـــارياً (إثنـــياً)
Cultural (Ethnic) Purity of the Jews
«نقاء اليهود حضارياً (إثنياً)» هي عبارة تعني أن ثمة شعب يهودي ذو تقاليد حضارية يهودية خالصة، احتفظت باسـتقلالها ووحـدتها ونقائها.

والنقاء الحضاري هو المفهوم الأساسي الكامن في الكتابات الصهيونية عن اليهود. ومن ثم، فهم يتحدثون عن «الخصوصية اليهودية» أو «التراث اليهودي» أو «الثقافة اليهودية» وعن «التاريخ اليهودي» وكأن هناك بنية تاريخية مستقلة يدور اليهود في إطارها بمعزل عن الأغيار، وذلك برغم انتشارهم في كل أنحاء الأرض، بل ويتحدثون عن «النظام السياسي اليهودي» و«الاقتصاد اليهودي»، وهكذا، باعتبارها كلها ناتجة عن هذا النقاء الحضاري اليهودي، وباعتـبارها الأطــر التي احتفـظ اليهود من خلالها بنقائهم.

ويُلاحَظ أن النقاء الثقافي غير منفصل عن النقاء العرْقي، فاستناداً إلى فكرة الشعب العضوي (فولك)، ترتبط حضارة أي شعب بالدماء التي تجري في عروقه. ومن ثم، فإن هناك وحدة لا تنفصم عراها بين الحضارة والعرْق. وقد سادت هذه الفكرة أوربا في القرن التاسع عشر، وكانت من أكثر الأفكار شيوعاً، وأثَّرت في الفكر القومي الغربي وفي الفكر النازي والصهيوني وفي النظرية الإمبريالية الغربية.

ونحن نذهب إلى أن هناك ثقافات يهودية مختلفة باختلاف التشكيلات الحضارية التي يوجد داخلها اليهود - ومن هنا عدم نقاء الظواهر الحضارية اليهودية ابتداءًً باللغة العبرية ذاتها، وانتهاءً بالنشيد الوطني الإسرائيلي «الهاتيكفاه» (أي الأمل) - (انظر الباب المعنون «ثقافات أعضاء الجماعات اليهودية [تعريف وإشكالية]»).

والواقع أن الامتزاج مع الحضارات والشعوب الأخرى ليس أمراً معيباً أو مشيناً، فهو قانون الوجود الإنساني. ولكن الصهاينة، شأنهم شأن المعادين لليهود، يحاولون خلع صفة النقاء الحضاري وأحياناً العرْقي على اليهود، وفي هذا إنكار لإنسانيتهم لأنهم حين ينتزعون اليهود من سياقهم التاريخي المتعيِّن إنما ينتزعونهم من سياقهم الإنساني الوحيد.

الخصوصية اليهودية
Jewish Specifcity
«الخصوصية اليهودية» تعبير ينطلق من أن هناك سمات وخصائص ثابتة يُفتَرض أنها مقصورة على أعضاء الجماعات اليهودية ومن ثم تمنحهم خصوصيتهم. وهذه الفكرة كامنة في جميع الأدبيات الصهيونية والأدبيات المعادية لليهود، إذ أن كلاًّ منهما يرى أن ثمة طبيعة بشرية يهودية أو تاريخاً يهودياً خاصاً مقصوراً على اليهود. ولكن دارس الجماعات اليهودية في العالم سيرى أن مفهوم الخصوصية اليهودية ليس له ما يسنده في الواقع، إذ يتسم أعضاء الجماعات اليهودية، بل والنسق اليهودي الديني ذاته، بعدم التجانس. ولذا، فقد يكون من الأدق الحديث عن خصوصيات الجماعات اليهودية، وهي خصوصيات أدَّت العناصر التالية إلى ظهورها:

1 ـ اضطلعت أعداد كبيرة من الجماعات اليهودية بدور الجماعات الوظيفية الأمر الذي أدَّى إلى عزلها عن المجتمع، ومن ثم كان لهذه الجماعات لون خاص بها وشخصية شبه مستقلة. لكن هذه الخصوصية وظيفية أكثر منها حضارية، أي مرتبطة بالوظيفة لا بالتراث المشترك.

2 ـ ما يضفي على أعضاء الجماعات اليهودية، (في معظم الأحوال) طابع الاستقلال النسبي الإثني هو ميراثهم من تشكيل حضاري سابق كانوا يتواجدون فيه، وحملوا بعض عناصره وسماته معهم إلى التشكيل الحضاري الجديد الذي انتقلوا إليه، وتمسكوا بها وحافظوا عليها دون أن تكون هذه العناصر والسمات يهودية بالضرورة.

3 ـ الخصوصية اليهودية التي تتمتع بها الجماعات اليهودية الوظيفية هـي أقـرب إلى الحـالة الذهنية الافتراضية منها إلى الحالة الواقعية الفعلية، فرغم العزلة التي يفرضها المجتمع على الجماعة الوظيفية فإن أعضاء الجماعة اليهودية يكتسبون كثيراً من خصائص هذا المجتمع ويندمجون فيه.

لكل هذا، لا يمكن الحديث عن خصوصية يهودية واحدة عالمية مُستمَدة من معجم حضاري واحد، بل يمكننا أن نقول إن هناك خصوصيات يهودية شتى اكتسبها أعضاء الجماعات اليهودية لا من تراث يهودي عالمي أو من خلال حركيات حضارية يهودية عامة، وإنما من خلال التفاعل مع عدة تشكيلات حضارية، ومن خلال التكيف معها بطرق مختلفة، ومن خلال الاندماج فيها في نهاية الأمر. ومن ثم أصبح أعضاء الجماعة اليهودية في الصين يهوداً صينيين (أو صينيين يهوداً) تحددت خصوصيتهم داخل التشكيل الحضاري الصيني وبسببه، لا خارجه وبالرغم منه. ولذا، انضمت قيادة الجماعة اليهودية في الصين إلى طبقة كبار الموظفين العلماء (ماندرين)، وتطبَّع أعضاء الجماعة اليهودية بطبائع الصينيين في كثير من النواحي. ويُقال الشيء نفسه عن يهود الهند ويهود إثيوبيا ويهود العالم العربي. بل ونجد، داخل التشكيل الحضاري الواحد، كالتشكيل الحضاري العربي، أن يهود العراق يختلفون عن يهود اليمن بمقدار اختلاف العراق عن اليمن. وفي اليمن، يختلف يهود صنعاء عن يهود الجبال (صعدا وغيرها) بمقدار اختلاف أهل صنعاء عن أهل الجبال.

وتختلف الأزياء التي يرتديها أعضاء الجماعات اليهودية باختلاف التشكيل الحضاري الذي ينتمون إليه. فالبنطلون الجينز أو الميني جيب (زي الفتاة اليهودية الأمريكية الحديثة) يختلف عن زي الفتاة اليهودية الأمريكية في الجنوب الأمريكي قبل الحرب الأهلية حيث كانت تلبس أزياء الأرستقراطية الإنجليزية. وزي كلتيهما لا علاقة له بالزي الذي ترتديه الفتاة اليهودية من قبائل البربر في المغرب وتونس. وكل هذه الأزياء لا علاقة لها بما ترتديه الفتاة اليهودية المحجبة في بخارى أو نساء السفارد الأرستقراطيات في شبه جزيرة أيبريا اللائي كـن يرتدين ملابــس الأرسـتقراطية الإسـبانية (أو العربية). ويُقال الشيء نفسه عن فلكلور المجتمعات اليهودية الذي هو في واقع الأمر فلكلورات الجماعات المختلفة التي ينتمون إلىها، فطاسة الخضة التي يستخدمها يهود مصر أمر غير معروف ليهود بولندا الذين تأثروا بالتراث الشعبي السلافي، وكلاهما سيُصدَم حينما يعرف بعض العادات التي يمارسها يهود إثيوبيا مثل ختان الإناث وعزل المرأة في كوخ مستقل أثناء الحيض. والشيء نفسه ينطبق على الفنون الجميلة، فرسوم شاجال تختلف اختلافاً جوهرياً عن الزخارف الهندسية التي تظهر على النحاسيات المملوكية التي لا يزال الحرفيون اليهود يصنعونها في دمشق، وكلاهما يختلف عن الحلي الفضية التي يصنعها الصاغة اليهود في اليمن أو تونس.

وقد يُقال إن اللغة العبرية تشكل عنصراً مشتركاً بين أعضاء الجماعات اليهودية، لكن من المعروف أن العبرية ظلت في معظم الأحيان لغة الصلاة التي كُتبت بها بعض الكتابات الفقهية، ولم يكن يجيدها سوى أعضاء الأرستقراطية الدينية. وبعبارة أخرى، كانت اللغة العبرية، كعنصر مشترك مستمر، مقصورة على فئة صغيرة من الجماعات اليهودية، ولا تمتد إلى كل النشاطات الإنسانية. أما الغالبية الساحقة من أعضاء الجماعات اليهودية، فكانوا يتحدثون لغات ولهجات استقوها من الحضارات والمجتمعات التي وُجدوا فيها، وهذه اللغات تحدِّد ولا شك جانباً كبيراً من رؤيتهم للعالم.

ولعل الصورة اللغوية بين يهود العالم توضح ما نرمي إلى تأكيده. فالغالبية الساحقة ليهود العالم في نهاية القرن التاسع عشر كانت تتحدث اليديشية (لا العبرية). وفي الوقت الحالي نجد أن غالبية يهود العالم (الولايات المتحدة ـ إنجلترا ـ كندا ـ جنوب أفريقيا ـ أستراليا ـ نيوزيلنده) يشكلون جزءاً لا يتجزأ من التشكيل الاستعماري الاستيطاني الأنجلو ـ ساكسوني، ولذا فهم يتحدثون الإنجليزية لا العبرية (وفي تَصوُّرنا أن إسرائيل هي أيضاً جزء من هذا التشكيل، ولكن الغرب رأى أن يحتفظ هذا الجيب ببعض السمات اليهودية مثل العبرية حتى يمكنه استيعاب الفائض البشري اليهودي من شرق أوربا والذي كان يتدفق على غرب أوربا في نهاية القرن التاسع عشر). أما يهود الفلاشاه فهم يتحدثون الأمهرية ويتعبدون بالجعيزية التي لم يسمع بها كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، تماماً كما لم يسمع الفلاشاه من قبل بالعبرية أو اليديشية وربما الإنجليزية.

والواقع أن مصدر الاختلاف بين اللغات التي يتحدث بها أعضاء الجماعات اليهودية، والأزياء التي يرتدونها، والفنون التي يعجبون بها أو ينتجونها، هو دائماً اختلاف التشكيلات الحضارية التي انتمى إليها أعضاء الجماعات اليهودية في الماضي، أو التي ينتمون إليها في الوقت الحاضر، وهذا ما حمل أحدهم على الإشارة إلى أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة بأنهم «واسب يهود». وكلمة «واسب» هي اختصار لعبارة «وايت أنجلو ساكسون بروتستانت White Anglo Saxon Protestant» أي «بروتستانتي أبيض من أصل أنجلو ساكسوني». ويشير يهود فرنسا الأصليون إلى المهاجرين المغاربة بوصفهم «كوشر كُسْكُس»، أي أن يهودية يهود المغرب مرتبطة ولصيقة بهويتهم المغربية، فطعامهم لا تقرِّره العقيدة اليهودية وحدها، ولذا فهو ليس «كوشير» وحسب، وإنما يقرره أيضاً انتماؤهم الإثني، ولذا فهو أيضاً «كُسْكُس». والخصوصية اليهودية هنا ليست سمة عامة وإنما هي سمة مرتبطة بانتمائهم المغربي. ولذلك، يرى البعض أن هؤلاء لو فقدوا خصوصيتهم المغربية لفقدوا هويتهم اليهودية أيضاً.

وقد يُقال إن ثمة رابطة دينية قوية بين أعضاء الجماعات اليهودية، وإن الخصوصية اليهودية تكمن في هذه العقيدة الفذة. ولكننا لو دققنا النظر لوجدنا أن العقيدة اليهودية لا تختلف كثيراً عن الإثنية اليهودية، فالعقيدة اليهودية ذاتها تأخذ شكل تركيب جيولوجي غير متجانس تتراكم داخله أنساق دينية مختلفة، بعضها توحيدي وبعضها الآخر حلولي أو تشاوبي (انظر الباب المعنون «اليهودية باعتبارها تركيباً جيولوجياً تراكمياً»). والرؤية اليهوديـة في الصـين اكتسـبت مضموناً صينياً صريحاً، وانغمس اليهود تحت تأثير الكونفوشيوسية في عبادة الأسلاف وكانوا يطلقون على الإله اسم «تاين» أي السماء، أو «تاو»، أي الطريق، وكانوا يعبدونه في معبد يهودي يقف بجواره معبد آخر خُصِّص لعبادة الأسلاف. وكان بعضهم يأكل لحم الخنزير (مثل الصينيين) ولكنهم كانوا لا يضحون به لأسلافهم بل كانوا يقدمون لهم لحم الضأن وحسب. والأسلاف هنا، بالمناسبة، هم إبراهيم ويعقوب وإسحق. وفي الهند تأثرت اليهودية بنظام الطوائف المغلقة وبالعديد من الشعائر الخاصة بالنجاسة، تحت تأثير الهندوكية. أما في إثيوبيا، فقد تأثرت اليهودية هناك بكل من الإسلام والمسيحية، فيهود الفلاشاه يخلعون نعالهم ويصلون في مسجد، ولكنهم يتلون صلواتهم بالجعيزية، لغة الكنيسة القبطية، كما أن يهوديتهم دخلتها عناصر وثنية عديدة. وفي المحيط الإسلامي، قام موسى بن ميمون بتطوير عناصر التوحيد في اليهودية وأكـدها، بل وحـاول ابنه من بعـده إضفـاء الطابع الإسلامي على اليهودية. كما تأثرت اليهودية في المحيط السلافي الفلاحي بالمسيحيين الأرثوذكس، وبحركات المتصوفة التي ظهرت بينهم، وكانت هذه العناصر من بين الأسباب المهمة التي أدَّت إلى ظهور الحسيدية. أما في ألمانيا، والولايات المتحدة فيما بعد، فقد تأثرت اليهودية بالمحيط البروتستانتي وظهرت اليهودية الإصلاحية في بلد لوثر. أما في البلاد الكاثوليكية، خصوصاً في أمريكا اللاتينية، فقد تأثرت اليهودية بالعقيدة الكاثوليكية في كثير من جوانبها، ولذلك لا توجد يهودية إصلاحية في أمريكا اللاتينية. وقد حدا هذا ببعض الدارسين إلى الحديث عن «يهودية كاثوليكية»، و«يهودية بروتستانتية»، و«يهودية إسلامية»، ويمكن أن نضيف «يهودية كونفوشيوسية» وأخرى «هندوكية» وثالثة «أفريقية»، فهذه كلها يهوديات تستمد خصوصياتها من محيطها الديني.

وهذا الأمر طبيعي وإنساني إلى أقصى حد. فالبشر، شاءوا أم أبوا، يتأثرون بمحيطهم الحضاري ويؤثرون فيه. كما أن أعضاء الأقليات عادةً يتأثرون بمحيطهم الحضاري أكثر مما يؤثرون فيه، إلا إذا كانوا من الغزاة، ففي هذه الحالة يصبح الغزاة نخبة عسكرية حاكمة يتقرب منها أعضاء المجتمع ويتعلمون لغتها ويتشبهون بها إلى أن يفقدوا لغتهم وهويتهم الأصليتين. وعلى أية حال، لم يكن العبرانيون ولا أعضاء الجماعات اليهودية في مثل هذا الوضع في يوم من الأيام، باستثناء فترة احتلال فلسـطين على يد المسـتوطنين الصهاينة (وهم، على أية حال، جماعة غير متجانسة حضارياً، كما أن الفلسطينيين العرب جماعة واعية ومتماسكة حضارياً إلى أقصى حد).

هذا إذن أمرٌ طبيعي وإنساني، لكن المشكلة تنشأ حينما يصرُّ المؤرخون الصهاينة وغيرهم على استخدام كلمة «يهود» للإشارة إلى أعضاء الجماعات اليهودية كافة، كما لو كانوا كلاًّ واحداً متماسكاً متجانساً، ومن ثم فإنهم يتحدثون عن «فن يهودي» و«أزياء يهودية» بل و«لغات يهودية» تُجسِّد كلها خصوصية يهودية مطلقة لا علاقة لها بالتشكيلات الحضارية المختلفة. والواقع أن حديث الصهاينة عن «الخصوصية اليهودية» ناجم عن ملاحظة أن الجماعات اليهودية منفصلة عما حولها من ظواهر مماثلة. فمما لا شك فيه أن كثيراً من الجماعات اليهودية، خصوصاً في الغرب، كانت معزولة عن محيطها الحضاري إلى حدٍّ ما، وقد تركت هذه العزلة أثرها على أعضاء الجماعات اليهودية على شكل تَميُّز وخصوصية. ولكن معظم الجماعات الوظيفية، يهودية كانت أم غير يهودية، تُضرَب عليها العزلة أيضاً وتكتسب خصوصية ما مرتبطة بوضعها الاجتماعي الحضاري المحدَّد. وكما أشرنا من قبل، فإن هذه الخصوصية ليست خصوصية واحدة ولا عالمية، بل هي خصوصيات مختلفة مُستمَدة من تشكيلات حضارية غير يهودية مختلفة.

كما أن حديث الصهاينة متأثر بتجربة يهود شرق أوربا من يهود اليديشية، الذين كانوا كتلة بشرية ضخمة (تشكل 80% من يهود العالم) تتميَّز بشكلٍّ مباشر عن محيطها الحضاري. ولكن من الواضح أن هذا التميز ناجم عن عناصر حضارية حملها يهود اليديشية من الحضارات السابقة التي عاشوا في كنفها، وأدخلوا عليها عناصر تبنوها من الحضارة التي انتقلوا إليها. فاليديشية (أهم مظاهر خصوصيتهم) هي ألمانية العصور الوسطى التي كانوا يتحدثون بها قبل هجرتهم بعد أن دخلت عليها بضع كلمات سلافية وعبرية، ورداؤهم هو الكفتان (القفطان) رداء الأرستقراطية البولندية، وهو من أصل تتري تركي. كما أنهم تأثروا بمحيطهم السلافي في معتقداتهم الدينية، فالحسيدية هي نتاج الفكر الصوفي الفلاحي السلافي وعقائد المنشقين على الكنيسة الأرثوذكسية، وقبعتهم المعروفة بالستريميل المزينة بالفرو هي ذات أصل سلافي. ويمكن القول بأن خصوصية يهود اليديشية تكمن في عدة عناصر مستمدة من عدة حضارات، وأن وجودها مجتمعة فيهم هو ما قد يشكل خصوصيتهم. وقد كوَّن يهود اليديشية كتلة بشرية ضخمة مترابطة متميِّزة عن محيطها الحضاري مع تأثرها العميق به، ولذا فإنها تُعدُّ أقلية قومية مثل كثير من الأقليات القومية الأخرى التي كانت توجد داخل الإمبراطورية القيصرية، فهي لا تشكل شعباً يهودياً وإنما أقلية قومية شرق أوربية. وقد انطلق أعضاء حزب البوند من هذا المفهوم، وطلبوا حل مشكلة الجماعة اليهودية في شرق أوربا باعتبارها أقلية قومية يهودية شرق أوربية لا شعباً يهودياً عالمياً. وينطلق فكر دبنوف من المفهوم نفسه، فالحديث عن قومية الدياسبورا هو في واقع الأمر حديث عن الخصوصـيات اليهودية، وقومية الدياسـبورا هي حديث عن أقليات قومية، وعن أقلية قومية واحدة على وجه التحديد، وهي يهود اليديشية. ومن هنا كان رفض هؤلاء اللغة العبرية ودفاعهم عن اليديشية، لا باعتبارها لغة اليهود التي تُعبِّر عن خصوصية يهودية عالمية، وإنما باعتبارها لغة يهود شرق أوربا، التي تُعبِّر عن خصوصيتهم.

ولكن هذه الخصوصية اليهودية اليديشية وغيرها من الخصوصيات اليهودية، تم اكتساحها مع ظهور العلمانية الشاملة في الغرب وعصر العقل والاستنارة. فالفكر العلماني والعقلاني ينظر إلى الكون في إطار فكرة القانون العام والطبيعة البشرية العامة والإنسان الطبيعي. وقد ظهر هذا الفكر قبل تَطوُّر الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية التي أدَّت إلى تَراجُع فكرة الإنسان الطبيعي والإنسانية العامة، حيث حل محلها إدراك أعمق للطبيعة البشرية ولتَداخُل العناصر التاريخية والحضارية الخاصة مع بنية الطبيعة البشرية ذاتها. وقد طالب عصر العقل أعضاء الجماعة اليهودية وغيرهم بالتخلص من خصوصيتهم ليصبحوا بشراً بالمعنى العام للكلمة. وكان يُنظَر إلى اليهود الذين يُؤثرون الإبقاء على خصوصيتهم الدينية أو الإثنية على أنهم «دولة داخل دولة». وقد شن الفكر العقلاني هجوماً شرساً على جميع الأقليات العرْقية واللغوية والدينية في المجتمع الغربي وضمن ذلك الجماعة اليهودية، ودعاهم إلى التخلي عن انعزاليتهم وإلى إصلاح وتحديث هويتهم، أي تطبيعها وتخليصها من أية خصوصية تكون قد علقت بها.


وقد استجاب اليهود إلى هذه الدعوة وبسرعة غير عادية لأسباب عدة، من بينها عدم وجود خصوصية يهودية عالمية كما أسلفنا، وعدم وجود سلطة مركزية يهودية تحدد الخصوصية اليهودية وتحدد معاييرها. ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعات اليهودية، بسبب غياب هذه السلطة، كانوا قد تشربوا قدراً كبيراً من الثقافة المحيطة بهم، عن وعي أو عن غير وعي، ولذا فلم يكن من الصعب إنجاز عملية التخلص من أية علامات على الخصوصية. كما ظهرت بين اليهود حركات إصلاح ديني وتنوير أسهمت في تخليص اليهود من أية خصوصية دينية أو غير دينية. ومع هذا، يجب ملاحظة أن أشكال العلمنة ومعدلاتها ذاتها كانت تختلف من بلد إلى آخر حسب الخصوصية الدينية والحضارية لهذا البلد أو ذاك.

وأكبر دليل على الاختفاء السريع للخصوصية هو ما حدث للكتلة البشرية الشرق أوربية الضخمة من يهود اليديشية، والتي كانت تشكل 80% من يهود العالم. فقد اختفت اليديشية، أهم مظاهر هذه الخصوصية بسرعة غير عادية، ولم يعد هناك سوى بضعة جيوب وأفراد يتحدثونها. وتُعَدُّ تجربة المهاجرين اليهود مع الولايات المتحدة من أهم التجارب في التخلص من الخصوصية، فقد كان أعضاء الجماعة اليهودية هم أسرع أقلية تمت أمركتها رغم كثرة الحديث عن انعزالهم وتطلعاتهم القومية، وذلك لأن المجتمع الأمريكي هو المجتمع العلماني النموذجي. وفي الوقت الحاضر، تدل الصورة العامة للخصوصيات اليهودية في العالم على تآكلها، وعلى تزايد معدلات اندماج اليهود في مجتمعاتهم.

وبطبيعة الحال، لا يمكن الحديث في الوقت الحاضر عن أية خصوصية إسرائيلية. ولكن، حتى إن ظهرت مثل هذه الخصوصية، فإنها لن تكون خصوصية يهودية عالمية وإنما خصوصية التجمع البشري الاستيطاني في الشرق الأوسط، ذلك المجتمع الذي يتحدث سكانه اللغة العبرية مع أنهم جاءوا من تشكيلات حضارية شتى وأحضروا معهم خصوصياتهم الحضارية المختلفة. والنزاع القائم بين الأرثوذكس وغير الأرثوذكس، وبين الدينيين واللادينيين، وبين السفارد والإشكناز، هو أكبر دليل على عدم وجود الخصوصية اليهودية العالمية أو العامة.

الاندمـــــــاج
Assimilation
«الاندماج» هو تَبنِّي أعضاء الأقليات عادات الشعوب التي يعيشون في كنفها، وكذلك تراثها الحضاري من مأكل وملبس وطرق تفكير ولغة، بحيث لا يختلفون في كثير من الوجوه عن بقية أعضاء المجتمع. والاندماج عكس الانعزال، وهو مختلف عن الانصهار (أي الذوبان الكامل في المجتمع المضيف أو مجتمع الأغلبية واختفاء أي شكل من أشكال الخصوصية). وأعضاء الجماعات اليهودية، باندماجهم في محيطهم الحضاري وانصهارهم أحياناً أو بانعزالهم عنه أحياناً أخرى، لا يختلفـون عن بقـية أعضـاء الأقليات والجماعات الإثنية، أو عن بقية البشر.

ولا يوجد قانون واحد يحكم ظاهرة اندماج أعضاء الجماعات اليهودية وانصهارهم أو انعزالهم، وبالتالي لا يمكن القول بأن اليهود يميلون بطبيعتهم إلى الانعزال عمن حولهم. كما لا يمكن الأخذ بعكس ذلك، كأن نقول إن اليهود يميلون بطبيعتهم إلى الاندماج فيمن حولهم، وهكذا. ففي غياب حركيات تاريخية اجتماعية يهودية مستقلة، لابد من العودة إلى أُطر مرجعية مختلفة، ومن ثم فإن من الضروري دراسة كل حالة على حدة بالإشارة إلى مرجعيتها التاريخية والثقافية غير اليهودية. ومع هذا، سنحاول أن نصل في المداخل التالية إلى بعض التعميمات الفضفاضة بمقارنة الحالات المختلفة ومقارنة أوضاع الجماعات اليهودية بجماعات وأقليات أخرى.

الاندمـــــــاج البنيـــوي
Structural Assimilation
«الاندماج البنيوي» هو الاندماج النابع من حركيات المجتمع وبنيته وظروفه الموضوعية، هذا في مقابل «الدمج المدني» وهو إعطاء اليهود حقوقهم الدينية والسياسية والمدنية من خلال تشريعات وقوانين تصدرها الدولة وتشرف مؤسساتها على تنفيذها. وينطبق هذا الاندماج المدني على معظم يهود العالم الغربي، أي أغلبية يهود العالم.

وتتم عمـلية الدمـج المدني على مسـتوى البنية الشـكلية السطحية، ولذا فهي لا تضرب بجذورها في الواقع المتعين، ومن ثم فهي مهددة بالاختفاء في أية لحظة. وقد حدث شيء مماثل في ألمانيا في ثلاثينيات هذا القرن. فأعضاء الجماعة اليهودية كانوا قد حققوا درجات عالية من الاندماج المدني، بعد أن حصلوا على حقوقهم السياسية والدينية كافة، وبعد أن أُتيح لهم مختلف الوظائف وفتحت المؤسسات التعليمية أبوابها لهم. وقد تم ذلك بمقتضى القانون. ولكن حين وصل النظام النازي إلى الحكم، فقدوا كل هذه الحقوق بسبب بنية المجتمع الألماني وعلاقة أعضاء الجماعة اليهودية بها، والتي أدت في نهاية الأمر، إلى وصول النازيين إلى سدة الحكم.

ويمكن القول بأن آليات الدمج والعزل ليست مسألة ذاتية أو إرادية تماماً، وإنما مسألة لصيقة ببنية المجتمع، ومن ثم فهي قد تتجاوز رغبة المؤسسة الحاكمة في دمج الأقلية أو عزلها، بل وتتجاوز موقف أعضاء الأقلية من عمليتي الدمج والعزل. فمن المعروف أن الدولة الروسية القيصرية كانت راغبة تماماً في دمج اليهود، لأن هذا كان يخدم مصلحتها ويتفق مع رؤيتها. وبالفعل أصدرت الدولة الروسية العديد من القوانين لحث اليهود على الاندماج. ولكن كانت هناك عناصر عديدة ذات طابع بنيوي تعوق عملية الدمج المدني مثل تَخلُّف وفساد البيروقراطية الروسية التي كانت تشرف على عملية الدمج. كما أن تَخلُّف أعضاء الجماعات اليهودية لم يساعد كثيراً على عملية الدمج.

ولنضرب مثلاً آخر من كوبا. حينما استولت قوات كاسترو على الحكم، كانت الحكومة الثورية الجديدة متعاطفة تماماً مع أعضاء الجماعة اليهودية، وأصدرت التشريعات اللازمة لمنحهم حقوقهم السياسـية والمدنية ولتهيئة الجـو اللازم لممارسـة الشـعائر الدينية اليهودية. ولكن على المستوى البنيوي كان الاقتصاد الاشتراكي يضطر الحكومة لتأميم العديد من المصانع التي كان يمتلكها أعضاء الجماعة اليهودية والاستيلاء على رؤوس أموالهم وتصفية كثير من الوظائف التي كانوا يشغلونها (فهم كانوا مرتبطين بالاقتصاد القديم والمصالح الأمريكية). كل هذا يعني في واقع الأمر أن بنية المجتمع نفسها كانت تلفظهم، رغم كل المحاولات المخلصة من جانب الحكومة الثورية أن تحافظ عليهم وتستفيد من خبراتهم.

وقد يكون من المفيد أن نتناول بعض آليات الاندماج والانعزال البنيويين فيما يلي:

1 - يُلاحَظ حينما يتحـول أعضـاء الجـماعة الدينية إلى جماعة وظيفية، أي حينما يضطلعون بوظائف تتطلب نوعاً من الحياد والانفصال عن المجتمع، أنهم يحققون أقل درجات الاندماج، إذ أن عُزلَتهم تصبح أمراً وظيفياً مطلوباً. ومثال ذلك، الجماعة اليهودية في جزيرة إلفنتاين في مصر (قرب أسوان) والتي كانت تشكِّل جماعة وظيفية قتالية ابتداءً من عصر بسمتيك الثاني (594 - 588 ق.م)، وكذلك الجماعات اليهودية في الغرب والتي عمل بعض أعضائها أقنان بلاط في العصور الوسطى، وكذلك يهود الأرندا في بولندا ابتداءً من القرن الخامس عشر حتى القرن التاسع عشر. وحينما يترك اليهود هذه الوظيفة، فإن الأسباب الداعية إلى عزلتهم تنتفي ويبدأ أعضاء الجماعة في الاندماج في المجتمع بل والانصهار فيه، تماماً كما حدث في حالة يهود الصين في مدينة كايفنج. ويمكن النظر إلى انخراط بعض يهود اليديشية (من يهود شرق أوربا) في صفوف الطبقة العاملة والوسطى داخل منطقة الاستيطان في روسيا في أواخر القرن التاسع عشر، أو تَحوُّل المهاجرين منهم في الولايات المتحدة إلى عمال ومهنيين وتجار في القرن العشرين، بوصفه تعبيراً عن هذه العملية التي يتحوَّل من خلالها أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة المنعزلة والتي توجد في مسام المجتمع إلى طبقة وسطى أو عاملة توجد في صلبه.

2 - يبدو أن أعضاء الجماعات اليهودية حينما ينخرطون في صفوف المهن الحرة، فيعملون كأطباء ومحامين ومديرين وموظفين كبار، تصبح معدلات الاندماج بينهم عالية للغاية شريطة وجود ظروف معينة أهمها ألا تكون المهنة مقصورة عليهم، وألا يعمل بها أعداد كبيرة من أعضاء الجـماعة اليهـودية، وإلا تَحـوَّلوا إلى جـماعة وسيطة. فحينما تضم مهنة ما أعداداً كبيرة من أعضاء الأغلبية، فإن الانتماء إلى المهنة والاستفادة بشبكة الاتصال التي يتم تَبادُل أسرار المهنة من خلالها سيتطلب التخلي عن كل خصوصية قومية. وهذا ما حدث في الصين في كايفنج، حين انخرط اليهود في سلك طبقة الماندرين من كبار الموظفين من خلال الامتحان الإمبراطوري في منتصف القـرن السابع عشر، فاندمجــوا فيهم وأصبحـوا صينيين تماماً. ونحن نرى أن ما يحدث للجماعات اليهودية في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي (سابقاً) هو من هذا القبيل. فأبناء العمال اليهود وأعضاء الطبقة الوسطى يدخلون الجامعات بنسبة عالية ويتحولون إلى مهنيين وعلماء، وهنا فإن ولاءهم ينصرف إلى أعمالهم وبالتالي إلى جماعتهم الجديدة. كما أنهم جزءٌ لا يتجزأ من المجتمع في ثقافته ولغته، الأمر الذي يشجع اليهود على الاندماج الثقافي.

3 - يُلاحَظ أنه إذا ظهرت الخصوصية، وظهر التَميُّز والتمايز على المسـتويات الدينية والاقتصادية والثقافية، تصبح درجة العزلة عالية للغاية، إذ تدعم العزلة الاقتصادية العزلة الدينية التي تقوم بدورها بإضفاء القداسة على العزلة الاقتصادية. وربما كان وضع يهود الأرندا في أوكرانيا مثلاً متبلوراً يُجسِّد هذه الصورة، حيث كانوا يمثلون الإقطاع الاستيطاني البولندي في أوكرانيا، ويعملون بالأمور المالية والتجارية في وسط زراعي فلاحي، ويتحدثون اليديشية والبولندية في وسط يتحدث الأوكرانية. كما كانوا يهوداً يمثلون نخبة كاثوليكية في وسط أرثوذكسي، بل ويرتدون أزياء مختلفة عن تلك التي يرتديها الفلاحون، ويقصون شعورهم بطريقة متميِّزة في شكل لحية وسوالف، وبالتالي لم تكن تربطهم علاقات قوية بالمجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها. والصينيون، في جنوب آسيا، مَثَل آخر لهذا. وهذا يختلف عن تَميُّز الأقلية وتمايزهم على مستوى واحد فقط كما في حالة الأقلية القبطية في مصر، فالتميز ديني وحسب (وحتى على هذا المستوى توجد أرضية مشتركة عريضة)، أما على المستويات الثقافية والاقتصادية فهم جزء لا يتجزأ من التشكيل الحضاري العربي الإسلامي في مصر (يتحدثون العربية ولا يختلفون عن بقية أعضاء المجتمع في مأكلهم أو ملبسهم أو مشربهم).

4 - يزداد مستوى العزلة والخصوصية إن كان هناك وطن أصلي يتبعه أعضاء الأقلية ويشكل النقطة المرجعية النهائية لهم يستمدون منه هويتهم ورؤيتهم لأنفسهم. وربما كان الصينيون في جنوب شرق آسيا مثلاً جيداً لذلك، فالصين هي دائماً وطنهم الأصلي ونقطة جذب حضارية ضخمة لها ثقلها ووزنها بالنسبة إليهم. وتزداد معدلات الاندماج باختفاء مثل هذا المركز، إذ يستمد أعضاء الأقلية رؤيتهم لأنفسهم من المجتمع الذي يوجدون فيه أياً كانت درجة انعزالهم عنه. وغياب مثل هذا المركز يعني أيضاً غياب معايير مركزية دينية أو ثقافية، وهو ما يعني أن كل أقلية لابد أن تتطور بحسب المعايير المحلية. وهذا ما حدث للجماعات اليهودية في كل أنحاء العالم، فرغم انفصالهم النسبي عن الأغلبية، فقد استمدوا هويتهم المسـتقلة منها (بسـبب غـياب ثقافة يهـودية عـالمية ومركز يهودي واحد)، ومن ثم حققوا معدلات عالية من الاندماج (رغم استقلاليتهم الظاهرة)


5 - من الواضح أن ثمة علاقة بين معدلات الاندماج وحجم الجماعات اليهودية. فالجماعات الصغيرة تميل نحو الاندماج بسرعة على عكس الكتل البشرية الكبيرة، ومن هنا فإن تَركُّز أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية أو غيرها في منطقة سكنية واحدة يساعدها على العزلة ويؤكد خصوصيتها، إذ يُمكِّنها من ممارسة معظم الأنشطة الحياتية داخل نطاق الجماعة ومن خلال أعضائها، أما إذا خَفَّت الكثافة السكانية فإن معدلات الاندماج تتزايد. كما أن صغر حجم الجماعة يجعلها غير قادرة على المساهمة في صياغة الأفكار التي تسود المجتمع، ولهذا فإنها تَتبنَّى الأفكار السائدة وتستبطنها تماماً. وربما كانت منطقة الاستيطان في روسيا (ثم الاتحاد السوفيتي)، بكثافتها البشرية اليهودية، هي أكثر المناطق التي ساعدت على انتشار الخصوصية اليهودية الشرق أوربية اليديشية، حتى أن بعض مثقفي هذه الجماعة اليهودية كانوا يتحدثون عن قومية يهودية شرق أوربية يديشية. ولكن، بعد الثورة البلشفية في الاتحاد السوفيتي، فُتحت أمام اليهود أبواب الحراك الاجتماعي وسُمح لهم بترك منطقة الاستيطان. وقد ساهم هذا في نزوح اليهود وتَناثُرهم وزيادة معدلات الاندماج بينهم. والواقع أن انخراط أعضاء الجماعة في سلك المهنيين يساعد على هذه العملية إذ أن المهني يحاول أن يغتنم الفرص أينما وجدها، فيترك المنطقة ذات الكثافة السكانية اليهودية وينتقل إلى مناطق نائية تجعل حفاظه على خصوصيته كعضو في الجماعة اليهودية أمراً صعباً بالنسبة له.

6 - يُلاحَظ أن يهود العالم يوجدون الآن في مناطق حضرية كبيرة مثل نيويورك. ويُلاحَظ أن ذلك يشجع على الاندماج، ذلك لأن هذه المناطق غير مقصورة على أعضاء الجماعة اليهودية، وهنا فإنهم يجدون أنفسهم في محيط ثقافي غير يهودي يضطرهم إلى التعامل معه بشكل دائم ويومي والتكيف معه في نهاية الأمر، خصوصاً إذا كانوا لا يعيشون داخل جيتوات مقصورة عليهم، ومن الواضح أن نشوء مثل هذه الجيتوات في المدن الكبيرة الحديثة أمر صعب.

7 - تتزايد معدلات الاندماج في وجود نظم ديموقراطية تمنح اليهود حقوقهم السياسية والمدنية، وهو المناخ الذي يعيش فيه معظم يهود العالم الغربي، أي أغلبية يهود العالم.
يُلاحَظ تزايد معدلات الاندماج مع وجود دولة قومية قوية ذات مؤسسات مركزية تُيسِّر عملية دمج كل المواطنين، مثل: نظام تعليمي قوي، ونظام شرطة بوسعه أن يكبح جماح المتطرفين من أعضاء الأقلية والأغلبية، ونظام إعلامي يعمل على نشر الصورة القومية المطروحة. كما تَخْلق مثل هذه المؤسسات القومية المركزية فرصاً اقتصادية متزايدة يستطيع أعضاء الأقلية أن يحققوا من خلالها شيئاً من طموحاتهم. وبدون هذه المؤسسات، تظل الصورة القومية مجرد فكرة وطموح عام.

8 - يبدو أن العلاقات الاجتماعية كلما ازدادت قوة بين أعضاء الأغلبية قلَّت احتمالات الاندماج. بينما تتزايد فرص الاندماج بالنسبة لأعضاء الأقليات مع تَفكُّك النسيج المجتمعي واختفاء المعايير المركزية.

9 - يؤدي وجود أقليات دينية أو إثنية أخرى في المجتمع إلى تزايد معدلات الاندماج في بعض الحالات، إذ أن عضو الأقلية لا يصبح شيئاً فريداً مُحاصَراً وإنما يصبح عضواً في مجتمع ذي سلطة مركزية واحدة وأطراف متعددة. ولكن الوضع نفسه قد يؤدي إلى تزايُد الخصوصية. فمع وجود أقليات عديدة، تَضعُف سلطة المركز وتستمر الأطراف في تطوير خصوصياتها المختلفة وفي إضفاء نوع من الشرعية على فكرة الخصوصية.

هذه بعض التعميمات التي يجب التعامل معها بحذر شديد، ويجب ألا يركن الباحث لها وإنما أن ينظر لها باعتبارها مؤشرات عامة، قد تكون مضللة في ظروف معينة. ولذا ينبغي عليه أن يطرح أسئلة محددة، يحاول من خلال الإجابة عليها أن يصل إلى المنحنى الخاص للظاهرة. ولذا بدلاً من أن يتحدث عن " المهاجرين اليهود " بشكل عام، عليه أن يسأل عن نوعية المهاجرين اليهود الذين يصلون إلى المجتمع (مستواهم الاقتصادي - مستواهم التعليمي - مرحلتهم العمرية... إلخ). وبدلاً من أن يتحدث عن المجتمع المضيف بشكل مطلق عليه أن يتعامل مع هذا المجتمع في خصوصيته (درجة تقدُّمه - مدى احتياجه لخبرات معينة - نظام الحكم فيه... إلخ).

ويمكن أن نضرب مثلاً لذلك باليهود السفارد الذين هاجروا إلى فرنسا في القرن السابع عشر بعد طردهم من إسبانيا. وكانت عملية اندماجهم سريعة بسبب صغر حجم الجماعة اليهودية، ولأنهم كانوا ذوي خبرة بالشئون المالية المتقدمة التي كان المجتمع يحتاج إليها، كما أن لهجة اللادينو التي كانوا يتحدثونها كانت لهجة إسبانية غير بعيدة عن الفرنسية. ومن ناحية أخرى، لم يكن السفارد مختلفين كثيراً عن الفرنسيين في ردائهم وعاداتهم الثقافية. ويختلف هذا تماماً عن حالة اليهود الإشكناز الذين استوطنوا فرنسا وغيرها من بلاد أوربا في القرن التاسع عشر، فقد جاءوا من بولندا وكانوا يتحدثون اليديشية، كما أنهم كانوا يشتغلون بأعمال الربا والرهونات وتجارة التجزئة وكانوا مختلفين عن الفرنسيين في ردائهم وعاداتهم الثقافية، وكان مستواهم الحضاري بالنسبة للمجتمع الفرنسي مُتدنياً. وهو ما جعل عملية دمجهم طويلة وصعبة ومُعقَّدة.

وقد استخدمنا هنا معيارين: واحد اقتصادي (درجة الثراء) والآخر حضاري (التقدم والتخلف)، كما استخدمنا معياراً يتصل بالمجتمع المضيف (مدى حاجته للوافدين). إذا طبقنا هذه المعايير المركبة على ظاهرة مماثلة، فإنها قد تأتي بنتائج مختلفة تماماً. فقد تم توطين بعض أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا (مع التجار الألمان) لتشجيع التجارة. وكان يهود ألمانيا يتمتعون بمستوى حضاري أكثر تركيباً بالقياس للوسط الفلاحي البولندي ثم الأوكراني، وهنا نجد أن التقدم الحضاري قد أدى إلى الانعزال، فاحتفظ المهاجرون اليهود الألمان بلغتهم التي تطورت وأصبحت اليديشية. وقد جاء اليهود بناء على حاجة المجتمع لهم، وبدعوة منه، وهو أمر يُفتَرض فيه أن يؤدي إلى اندماجهم، ولكن العكس قد حدث، لأن الدعوة لم تأت من المجتمع ككل وإنما من النخبة الحاكمة التي أرادت أن تستخدم العنصر اليهودي في تطوير البلاد من الناحية التجارية، كما أنها استخدمته فيما بعد في استغلال الفلاحين وفي قمع البورجوازية، الأمر أدى إلى عزلة شبه كاملة لأعضاء الجماعة اليهودية.

ومن المتصوَّر عقلياً أن يؤدي الاندماج إلى تقليل حدة التوتر ضد أعضاء الجماعات اليهودية، وهو ما يحدث بالفعل في معظم الأحيان، كما هو الحال في الولايات المتحدة وإنجلترا. ولكن من الثابت أيضاً أن اندماج أعضاء الجماعة اليهودية وتحرُّكهم من مسام المجتمع إلى مركزه وتواجـدهم فيها بأعـداد كـبيرة قد يثير الحقد ضدهم. كما أن غياب الحدود والإشارات المميِّزة قد يؤدي إلى تصاعُد معدل التوتر بين أعضاء الجماعة اليهودية وأعضاء الأغلبية، إذ تظهر الرغبة في تأكيد الحدود (بين أعضاء الأقلية والأغلبية)، ثم تظهر النماذج التفسيرية العنصرية التي تتحدث عن المؤامرة اليهودية الخفية، وعن تغلغل اليهود في كل مناحي الحياة وتَخفِّيهم وتآمرهم ضد المجتمع. ومن هنا كان النازيون يناصبون اليهود الاندماجيين العداء بسبب عدم وضوحهم، بينما كانوا يتعاونون مع الصهاينة لأنهم يقبلون هوية يهودية متميِّزة وواضحة ومستقلة غير مندمجة في المجتمع. ولهذا، ساهم النازيون في إحياء الثقافة العبرية وشجعوا النشاط الصهيوني. وإذا كان نظام الحكم شمولياً، وأصيب الاقتصاد بكساد وزادت معدلات البطالة، فقد يتحول الهمس العنصري إلى مُخطَّط للطرد والإبادة (كما حَدَث في ألمانيا النازية).

ويتصور معظم الباحثين أن تصاعُد معدلات العلمنة في المجتمع يزيد روح التسـامح تجـاه أعضاء الأقليات، ومن ثم تتزايد معدلات دمجهم. وهو افتراض سليم في بعض الأحيان، ولكن هناك أمثلة تدل على أن العكس قد يحدث. فمع تصاعُد معدلات العلمنة في الغرب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ظهرت موجة من العنصرية، تستند إلى محاولة تعريف الإنسان من خلال عنصر مادي كامن فيه (حجم جمجمته - لون جلده - لون شعره) وهو ما أدى إلى ظهور النظريات العنصرية الغربية التي خلقت التربة الخصبة للحركات الشمولية والفاشية التي قامت بعزل اليهود والحرب ضد دمجهم.

العــــزلة اللفظيـــة والاندمــــاج البنيــــوي
Verbal Isolation and Structural Assimilation
«العزلة اللفظية» هي أن يدَّعي أعضاء الجماعة اليهودية أن لهم هوية متميِّزة، مختلفة بشـكل جـوهري عن الهوية السائدة في المجتمع، في الوقت الذي تتآكل فيه هويتهم وتنتهي عزلتهم من خلال عمليات الدمج البنيوي. ولعل الولايات المتحدة أفضل مثل لذلك في الوقـت الحاضر. فرغم أن النبرة الإثنية اليهودية عالية للغاية، إلا أن الهوية اليهودية آخذة في التآكل وأكبر دليل على هذا معدلات الزواج المُختلَط العالية التي تزيد في بعض الولايات عن 60% من مجموع الزيجات اليهودية. ولذا لا يكف الصهاينة عن التحذير من الاندماج، باعتباره أكثر خطورة على اليهود من الإبادة النازية (الهولوكوست).

ويركن معظم الدارسين العرب إلى اقتباس ادعاءات اليهود عن هويتهم باعتبارها حقائق، ثم يدرسون واقع الجماعات اليهودية في إطار هذا الادعاء، ويبدأون في مراكمة الشواهد على صدقه، متجاهلين كماً هائلاً من المعلومات يدل على العكس. ومن الثابت تاريخياً أن الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة حققت أسرع معدلات الاندماج بالمقارنة بمعدلات اندماج الأقليات المهاجرة الأخرى.

الاندماج السياسي والاقتصادي والاندماج الحضاري: أشكالهما المختلفة
Political and Economic, and Cultural Assimilation: Their Different Forms عملية الاندماج عملية مركبة يوجد فيها أساساً طرفان: أعضاء الأغلبية وأعضاء الأقلية. ولكن الطرفين ليسا متساويين، إذ أن مجتمع الأغلبية هـو العنصر الحاسـم في تقرير طبيعة العلاقة بين الأغلبية والأقلية، فهو الذي يسم الأقلية بميسمه، ومن هنا فالمسئولية (الاجتماعية والأخلاقية) تقع على عاتق الأغلبية بالدرجة الأولى.

ويمكن أن ننظر للعلاقة بين الأغلبية والأقلية من منظور سياسي واقتصادي مباشر، كما يمكن أن ننظر إليها من منظور أكثر تركيباً، وهو المنظور الحضاري:

1 - منظور سياسي اقتصادي:

أ) يمكن القول بأن أعضاء الجماعات اليهودية يندمجون في النخبة الحاكمة ويصبحون جزءاً منها وتصبح مصالحهم من مصالحها، حينما يصبحون جماعة وظيفية وسيطة. وفي العصور الوسطى في الغرب، اندمج أعضاء الجماعات اليهودية في الطبقة الحاكمة وأصبحوا أقنان بلاط، ويهود أرندا في بولندا، ويهود بلاط في وسط أوربا وفي نواح أخرى منها. وغني عن القول أن اندماج اليهود في الطبقة الحاكمة يعني انعزالهم عن بقية الشعب.

ب) واندماج أعضاء الجماعات اليهودية في الطبقة الوسطى يختلف عن ذلك تماماً، وهذا ما حدث في أوربا بعد الثورة الفرنسية وفي الولايات المتحدة عند بدايات الاستيطان حينما جاء أعضاء الجماعات اليهودية بخبرات تجارية مهمة ورؤوس أموال كبيرة، فانخرطوا في سلك الطبقة المتوسطة واندمجوا فيها وفقدوا كثيراً من ملامحهم الإثنية.

جـ) اختلف الأمر تماماً مع وصول يهود اليديشية في أواخر القرن التاسع عشر، إذ تحوَّلت أعداد كبيرة منهم إلى عمال يعملون بصناعة النسـيج على وجـه الخصوص نتيجة ميراثهم الاقـتصادي الأوربي. ولكنهم، مع هذا، لم يكوِّنوا طبقة عمالية مستقلة تماماً، إذ كانوا جزءاً من الطبقة العاملة الأمريكية التي كانت تشكل جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الأمريكي. ومع منتصف القرن الحالي، كان أبناء العمال من أعضاء الجماعة اليهودية قد دخلوا الجامعات وأصبحوا مهنيين وانخرطوا في صفوف الطبقة الوسطى بحيث أصبحت أغلبية يهود العالم أعضاءً في هذه الطبقة، وهو ما يعني تزايد معدلات الاندماج.

د) يمكن أن يندمج أعـضاء الجـماعات اليهـودية في المصـالح الإمبريالية، وهذا هو جوهر الحل الصهيوني، إذ تذهب الصهيونية إلى أن أعضاء الجمـاعة اليهـودية في أوربا قد فشلوا تماماً، كجماعات وظيفية أو كأفراد، في الاندماج في التشكيلات الحضارية القومية الغربية. ولكنهم كدولة وظيفية قتالية استيطانية، يمكنهم تحقيق ما فشلوا فيه كأفراد، إذ أن هذه الدولة ستندمج في التشكيل الإمبريالي الغربي من خلال تمثيل مصالحه في الشرق الأوسط والدفاع عن هذه المصالح، وذلك نظير أن يقوم هو بتمويلها والدفاع عنها. والواقع أن هذا الوضع لا يختلف كثيراً عن وضع اليهود في العصور الوسطى في الغرب حينما اندمجوا في الطبقة الحاكمة في أوربا وانعزلوا عن بقية الشعب. فالدولة اليهودية أصبحت جزءاً من التشكيل الإمبريالي الغربي (وهو المقابل الموضوعي للنخبة الحاكمة) وانعزلت تماماً عن الدول المحيطة بها، وبهذا حل محل عزلة الجماعة الوظيفية عزلة الدولة الوظيفية.

1 - منظور حضاري:

إن غياب التَجانُس بين الجماعات اليهودية في العالم هو أكبر دليل على معدلات الاندماج الحضاري العالية، ذلك أن عدم التجانس يقف دليلاً على أنه لا توجد خصوصية يهودية عالمية بقدر ما توجد خصوصيات يهودية نابعة من المجتمعات المختلفة وتتحدد من خلالها وبسببها لا من خارجها ورغماً عنها. ويمكن أن نضرب العديد من الأمثلة على ذلك:

أ) خضع يهود كايفنج في الصين تماماً لحركيات المجتمع الصيني الحضارية، وهو المجتمع الذي كان يتسم بالتعددية الدينية ورَفْض مفهوم القومية. فالإمبراطورية هي العالم، وبالتالي فهي تضم أقواماً مختلفة. ولم يتم حصر اليهود داخل دور اقتصادي أو اجتماعي محدَّد بل أتيحت أمامهم كل الوظائف، فبدأوا يتبنون لغة المجتمع الثقافية وفقدوا أية خصوصية جلبوها معهم، وبدأت العناصر غير اليهـودية تدخـل اليهـودية (وهـذا تقـليد صيني في حـد ذاته: أن تستوعب العبادة عناصر من خارجها)، فاختلطت العقيدة اليهودية بعبادة الأسلاف وأطلقت أسماء صينية على الإله، وانتهى الأمر بأن فقد اليهود هويتهم تماماً.

ب) اندمج أعضاء الجماعات اليهودية في الهند في مجتمعهم الهندي المبني على فكرة الطائفة المغلقة والفصل الحاد بين الجماعات، فتَبنَّى أعضاء الجماعات اليهودية هذه اللغة الثقافية وفصلوا بينهم وبين أعضاء المجتمع. بل وساد داخل الجماعات اليهودية نفسها هذا الفصل الحاد بين البيض والسود وبين اليهود البغدادية وغيرهم، بحيث تكونت طوائف مغلقة داخل الجماعات اليهودية. وثمة مفارقة طريفة تستحق الملاحظة وهي أن عزلة أعضاء الجماعة اليهودية هي في الواقع تعبير عن الاندماج وتعبير عن تَقبُّل لغة المجتمع الحضارية وعاداته وتقاليده.

جـ) اندمج يهود جمهورية جورجيا السوفيتية (سابقاً) تماماً في مجتمعهم، وتَبنَّوا مأكله وملبسه ولغته، وانخرطوا في شبكة العلاقات التقليدية التي ظلت قائمة بعد سنوات طويلة من الحكم البلشفي. وكانوا يشاركون الجورجيين في رفض الحكم السوفيتي المركزي. وحينما سنـحت ليهـود جـورجيا فرصة الهجـرة إلى إسرائيل، فعلوا ذلك. فهجرتهم الاستيطانية، هنا أيضاً، تعبير عن اندماجهم لا عن رفضهم مجتمعهم.


د ) تَحوَّل أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة إلى أمريكيين يهود، وهم الأمريكيون الذين يكتسبون الهوية الأمريكية ويحتفظون بأبعاد إثنية خاصة لا تتناقض مع انتمائهم الأمريكي. والواقع أن الاستقلال النسبي الذي يتمتع به الأمريكيون اليهود في مجتمعهم هو، بالمثل، علامة على اندماجهم الكامل، فهذه هي اللغة الحضارية السائدة والنمط المتكرر في المجتمع. فالعقد الاجتماعي الأمريكي لا يمانع بتاتاً في أن يحتفظ المواطنون الأمريكيون برابطة ما مع وطنهم، وأن يحتفظوا بقَدْر من إثنيتهم الحقيقية أو الوهمية، ما دامت هذه الإثنية لا تتعارض مع انتمائهم لوطنهم الأمريكي ولا مع مصالحه. ولذا، فإن المجتمع الأمريكي مُكوَّن من أمريكيين إيطاليين (أي من أصل إيطالي) وأمريكيين أيرلنديين (من أصل أيرلندي) وهكذا. ويظهر مدى اندماج يهود الولايات المتحدة في مجتمعهم في موقفهم من تجارة الرقيق والحرب الأهلية الأمريكية. فيهود الشمال عارضوا هذه التجارة، شأنهم شأن أهل الشمال، وتَبنَّوا موقفاً مناوئاً لهذه التجارة. أما يهود الجنوب، فقد تَبنَّوا موقف أهل الجنوب، فاقتنوا العبيد والمحظيات السود، وكان منهم تجار الرقيق بمعدل يفوق المعدل على المستوى القومي. ولم تظهر شخصية يهودية واحدة في الجنوب عبَّرت عن تَحفُّظها على تجارة الرقيق، كما لم يُثر أي صحفي أو كاتب أو داعية يهودي أيَّ تساؤل بشأن العدالة الاقتصادية والاجتماعية لمؤسسة الرقيق. ولم يساهم اليهود في حركة تهريب العبيد إلى الشمال بهدف إعتاقهم، فلا يوجد سوى سجل لحالة واحدة. فاليهود، إذن، كانوا بشراً يشكلون جزءاً لا يتجزأ من محيطهم الحضاري والإنساني بكل ما يتضمن من خير وشر.

ذ ) و قد لاحظ بعض المراقبين أن يهود الجنوب الأمريكي حققوا حراكاً اجتماعياً أكثر من يهود الشمال وتم تَقبُّلهم من جانب المجتمع ومن جانب النخبة، كما شغلوا تقريباً مختلف الوظائف المتاحة لأعضاء النخبة. وتُفسَّر هذه الظاهرة على أساس وجود العبيد في الجنوب. فالجنوب تَبنَّى اللون (أي العرْق) معياراً وحيداً لتعريف الآخر وأساساً للتضامن، ومن ثم أسقط المعيار الديني أو الإثني، وأصبح اليهـودي (الأبيـض) أيضـاً جـزءاً لا يتجزأ من المجتمع الجنوبي، وذلك على عكس الشمال حيث كانت النخبة بروتستانتية بيضاء وتَبنَّت المعيار الإثني العرْقي الديني الذي صُنفت على أساسه الجماعات. فكان البروتستانت البيض في أعلى الهرم، والزنوج في أسفله، أما الكاثوليك البيض فكانوا يأتون في مرتبة أقل من البروتستانت البيض ويليهم في المنزلة اليهود البيض، وهكذا حتى نصل إلى قاع السلم. ويُلاحَظ، مع تزايد معدلات العلمنة، أن اللون أصبح الأساس الوحيد للتصنيف، ومن ثم تزايد اندماج اليهود والتحامهم بالنخبة. ومن هذا المنظور، لعبت مؤسسة الرقيق دوراً حاسماً في صياغة شكل الحياة العامة في الجنوب وفي العلاقات الاجتماعية والإنسانية فيه، وضمن ذلك حياة أعضاء الجماعة اليهودية وعلاقاتهم ببقية طبقات المجتمع وقطاعاته. وقد حدث هذا رغم أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يلعبوا دوراً ملحوظاً أو مؤثراً أو فريداً في تأسيس أو تسيير هذه المؤسسة ولا في التصدي لها.

بل يمكننا القول بأن صهيونية الأمريكيين اليهود نفسها تعبِّر عن اندماجهم، فصهيونيتهم تعبير عن الأبعاد الإثنية في شخصيتهم الأمريكية، أي أنها نابعة عن حركية أمريكية خاصة لا حركية يهودية عامة. ولهذا، فهي تأخذ شكل صهيونية توطينية تدعم إسرائيل (مسقط الرأس!) مالياً وسياسياً ولا تأخذ شكل صهيونية استيطانية تتطلب الهجرة. كما أن سلوك اليهود لا يختلف كثيراً عن سلوك الأمريكيين الأيرلنديين الذين يشكلون لوبي ضغط لصالح بلدهم الأصلي، مع أنهم لا يفكرون أبداً في العودة إليه.

هـ) اندمج يهود جنوب أفريقيا في مجتمع يشجع الفصل بين الشعوب والأعراق. ولذا، شكَّل أعضاء الجماعات اليهودية هناك جماعة عرْقية مستقلة، وأصبحوا من أكثر الجماعات اليهودية صهيونيةً في العالم. وهنا يمكن القول بأن صهيونيتهم تعبير عن اندماجهم في مجتمعهم. لكن جنوب أفريقيا مجتمع استيطاني يعتبر الهجرة منه خيانة وطنية. ولذا، فإن صهيونية يهود جنوب أفريقيا هي الأخرى من النوع التوطيني لا الاستيطاني، وإن كانت توطينيتها تنبع من حركيات مختلفة تماماً.

و) يتجلَّى الاندماج في المؤسسات الاجتماعية والدينية للجماعات اليهودية المختلفة. فالقهال في بولندا، الذي يتم انتخاب أعضائه من بين أعضاء النخبة، لم يكن سوى صدى للسييم أو البرلمان البولندي الذي كان يضم النبلاء الذين كان من حقهم انتخاب الملك رئيساً لجمهورية بولندا الملكية. ويُلاحَظ أن إنجلترا التي يُوجَد فيها أسقف كانتربري باعتباره رئيساً للكنيسة الإنجليزية، يُوجَد فيها أيضاً منصب الحاخام الأكبر الذي يُعَدُّ صدى لأسقف كانتربري. كما تَقبَل المعابد اليهودية في بريطانيا التنظيم المركزي على نمط كنيسة إنجلترا. أما في الولايات المتحدة، حيث لا يوجد تنظيم مركزي ينتظم كل الكنائس الأمريكية، فإننا نجد أن المعابد اليهودية تَتبنَّى نوعاً من الوحدة الفيدرالية. ولا يوجد، بطبيعة الحال، منصب مثل الحاخام الأكبر.

ز) بل يمكن أن نرى الاندماج الحضاري متبدياً من خلال العقيدة اليهودية، فهي في العالم الإسلامي تميل نحو التوحيد والفلسفة. أما ألمانيا، بلد الإصلاح الديني، فقد ظهرت فيها اليهودية الإصلاحية. وفي روسيا وبولندا، حيث كانت توجد جماعات المنشقين والمتصوفة من الأرثوذكس، ظهرت الحسيدية. وهكذا، فإن العقيدة اليهودية تتبنى اللغة الحضارية السائدة. وفي الهند، كان اليهود يظنون أن اليهودية تُحرِّم أكل لحم البقر. وفي الصين، كانوا يؤمنون بحُرمة التضحية للأسلاف بلحم الخنزير، ولكنهم كانوا يأكلونه باعتباره لحماً مباحاً شرعياً، وهكذا. أما في إثيوبيا، فإن يهود الفلاشاه يصلون في مكان يُسمونه المسجد، ولهم كهنة يُسمون القساوسة، كما يوجد لديهم رهبان. ويتحدث يهود الفلاشاه الأمهرية ويتعبدون بالجعيزية، لغة الكنيسة القبطية في إثيوبيا، وهذا كله انعكاس للسياق الإسلامي المسيحي الذي يعيش الفلاشاه في كنفه.

اندمـــــــاج الجمــــاعات اليهـــــودية: تاريـــــخ
Assimilation of the Jewish Communities: History
ظواهر الاندماج والانصهار والانعزال بين اليهود قديمة قدم ظهور العبرانيين في التاريخ. فمن الواضح أن العبرانيين، أثناء وجودهم في مصر، تبنَّوا معظم مكونات الثقافة المصرية إن لم يكن كلها، وربما كانوا يتحدثون لغة المصريين القدماء، وفي فلسطين تبنوا لسان كنعان. أما العبادة اليسرائيلية، وهي عقيدة العبرانيين قبل تبلور اليهودية (كنسق ديني)، فقد تأثرت بالتراث الديني الكنعاني تأثراً عميقاً، واندمج العبرانيون في المحيط الكنعاني وفي عبادة بعل، ومن هنا سخط الأنبياء عليهم. وقد انصهر العبرانيون، الذين هجَّرهم الآشوريون من فلسطين، في محيطهم الثقافي إلى أن اختفوا تماماً، في حين اندمج هؤلاء الذين هجَّرهم البابليون. ولذا، حينما أصدر قورش الأخميني مرسومه الخاص بعودة اليهود، رفضت أغلبيتهم التمتع بهذا الامتياز. ويُعَدُّ انتشـار النزعـة الهيلينية بين اليهود، سـواء في فلسطين أو في مصر، تعبيراً آخر عن ظاهرة الاندماج. وبعد انحلال الدولة الرومانية، اندمج أعضاء الجماعات اليهودية في التشكيلين الحضاريين الإسلامي والمسيحي. وقد تَحدَّث يهود العالم العربي الإسلامي اللغة العربية، واشتغلوا بمعظم المهن والحرف، وتأثر تراثهم الديني بالفكر الديني الإسلامي. أما في العالم الغربي، فقد كان وضع اليهود متميِّزاً، إذ شكَّل اليهود فيه جماعة وظيفية وسيطة تضطلع بوظائف لا يقوم بها أعضاء الأغلبية وتحتفظ بعزلتها لضمان قيامها بهذه المهن. وانعكس هذا الوضع على التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية للجماعات اليهودية، مثل القهال والجيتو (في شرق أوربا أساساً)، وهي تنظيمات كانت تهدف إلى الحفاظ على عزلة اليهود. وقد ازدادت عزلة اليهود في بولندا التي احتفظوا فيها برطانتهم الألمانية اليديشية التي هاجرت معهم.

ولم تكن عزلة أعضاء الجماعات اليهودية مسألة مقصورة عليهم. فالمجتمعات التقليدية كانت قائمة على الفصل بين الطبقات والأقليات والجماعات لتسهيل عملية إدارة المجتمع في غياب مؤسسات الدولة المركزية القومية. ولكن، بَتفسُّخ النظام الإقطاعي في أواخر القرن الثامن عشر، ظهرت الدولة العلمانية القومية المركزية، وهي دولة تستمد شرعيتها من التاريخ المشترك ومن مقدرتها على إدارة المجتمع بكفاءة. كما أن هذه الشرعية تستند أيضاً إلى مدى تعبيرها عن روح الشعب وإرادته. وقد كانت الدولة القومية العلمانية دولة رأسمالية، في العادة، تحاول أن تخلق السوق القومية الموحـدة التي لم تَعُد بحـاجة إلى الجــماعات الوظيفية الوسيطة، إذ أنها تضطلع بمعظم مهامها. ولكل هذا، تساقط النظام القائم على الفصل بين طبقات الشعب وفئاته، وحل محله نظام يحاول دمج كل المواطنين الذين يدينون له وحده بالولاء، على عكس النظام الإقطاعي حيث تستند الدولة إلى شرعية دينية أو شرعية تقليدية، ولذا يدين الفرد بالولاء إما للكنيسة أو للنبيل أو للملك، وهكذا.

وتكتسب الدولة القومية العلمانية قدراً كبيراً من شرعيتها من التاريخ والتراث المشترك (الحقيقي أو الوهمي) لمجموعة البشر التي تعيش داخل حدودها، ولذا طالبت الثورة الليبرالية البورجوازية، والدولة القومية، أعضاء الجماعات اليهودية، وغيرهم من الجماعات، بأن يتخلوا عن خصوصيتهم الإقطاعية شبه القومية وأن يكتسبوا هوية عصرية متجانسة تعبِّر عن هذا التراث المشترك بين أعضاء المجتمع. وقد قال أحد خطباء الثورة الفرنسية في ديسمبر سنة 1789: " نحن نرفض أن نمنح اليهود كأمة أي شيء، أما اليهـود كأفراد فإننا نمنحهم كل شـيء ". وتم إعتاق أعضاء الجماعات اليهودية في معظم أنحاء أوربا، وبدأت عملية تحديثهم بحيث تم القضاء على تميزهم وتمايزهم الوظيفي والاقتصادي. وقد استجاب أعضاء الجماعات اليهودية لهذا النداء الذي شكَّل تياراً تاريخياً أفرز تحولاته الاجتماعية، خصوصاً وأن اليهودية الحاخامية (وهي الإطار الفكري ليهود أوربا) كانت في حالة أزمة حادة منذ دعوة شبتاي تسفي المشيحانية وظهور الحسيدية، فقامت بينهم حركة التنوير اليهودية الداعية إلى الاندماج. كما ظهرت اليهودية الإصلاحية التي حاولت تخليص اليهودية من الجوانب القومية فيها، وهي الجوانب التي تدعم ما يُسمَّى «الخصوصية اليهودية»، وتأكيد الجوانب الدينية الروحية حتى يتحقق للمواطن اليهودي الانتماء القومي الكامل والاندماج السوي. وقد حقق أعضاء الجماعات اليهودية بالفعل قسطاً كبيراً من الاندماج في فرنسا وإنجلترا.

وقد اتسمت محاولات الاندماج في بلدان شرق أوربا ووسطها بالبطء والتعثر بسبب ظهور القوميات العضوية فيها وبسبب سرعة معدل تَطوُّر الرأسمالية المحلية، الأمر الذي لم يتح لأعضاء الجماعات اليهودية الذين كانوا يلعبون دور الجماعة الوظيفية الوسيطة فرصة للتَأقلُم والتَكيُّف.

وإلى جانب هذا، كان يهود شرق أوربا من أكثر القطاعات الإنسانية تَخلُّفاً، كما أن قيادتهم لم تُدرك أبعاد التحدي القومي العلماني الجديد ومدى جاذبيته بالنسبة لجماهيرهم، الأمر الذي أعاق أعضاء الجماعة اليهودية عن الاستجابة الخلاقة للوضع الجديد في معظم الأحيان. ومن المفارقات أن هذا التخلف نفسه أدَّى إلى نتائج عكسية تماماً بالنسبة للشباب، إذ كانوا يهرعون إلى عالم الأغيار وينصهرون فيه، هرباً من الجو الخانق للجيتو.

ويركز الصهاينة على تَعثُّر محاولات التحديث والاندماج لتأكيد حتمية المشروع الصهيوني. ورغم كل الادعاءات عن فشل الاندماج، فإن الوضع الثقافي لليهود يثبت أن هذا الواقع هو الحقيقة الأساسية في حياة معظم الجماعات اليهودية إن لم يكن الحقيقة الأساسية في حياتها جميعاً. فنسبة الزواج المُختلَط في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي (سابقاً)، اللذين يضمان أغلبية اليهود في العالم، مرتفع للغاية (تبلغ في المتوسط 50% وتصل في بعض المناطق إلى حوالي 80%). والاندماج وحده هو الذي يفسر سلوك أعضاء الجماعات اليهودية المتعيِّن، فهم يرفضون الهجرة إلى إسرائيل رغم تلويح الحركة الصهيونية لهم بخطر معاداة اليهود بل وبالإبادة. وفضلاً عن ذلك، فإنهم يرفضون زيارة الدولة الصهيونية للسياحة حيث لم يزرها سوى 15% من يهـود أمريكا الذين يفضـلون قضـاء إجـازاتهم في جزر الكاريبي.

وفي نهاية الأمر، لا تزال الغالبية العظمى من يهود العالم (75%) منتشرة في أنحاء العالم فيما يُسمَّى «المَهْجَر» أو «المَنْفَى» أو «الشتات»، وهو في واقع الأمر ليس بمَهْجَر ولا مَنْفَى ولا شتات، فهم موجودون في أوطانهم بشكل دائم لا مؤقت، وهم يعيشون هناك بحُرِّ إرادتهم دون قسر أو إكراه. والغالبية الساحقة من أبنائهم (90%) لا تتلقى أي تعليم يهودي ولا علاقة لها بما يُسمَّى «الثقافة اليهودية». وهذا الوضع ينهض دليلاً على اندماجهم وتَقبُّلهم مجتمعاتهم بكل محاسنها ومثالبها وتَبنِّيهم قيمها الحضارية والأخلاقية بشكل كامل. ويذهب بعض الدارسين إلى أن الدولة العلمانية (القومية الرأسمالية أو الأممية الاشتراكية) هي دولة تُعبِّر عن قوانين العقل، ومن ثم فهي لا تتعامل إلا مع الإنسان العام (الطبيعي أو العقلاني أو الأممي). ولذا، لابد من القضاء على أية خصوصية. والواقع أن اندماج يهود العالم الغربي، هذا الاندماج الكامل في مجتمعاتهم المتقدمة، تعبير عن هذا الاتجاه.

بيريك يوسيليفيتش (1768-1809(
Berek Yoselewicz
ضابط بولندي يهودي. وُلد في ليتوانيا ثم عمل بالتجارة وأصبح يهودي بلاط أمير فلنا. وفي إطار مهامه التجارية، سافر إلى باريس عام 1789 عشية الثورة الفرنسية وتأثر بأجوائها وأفكارها، ثم عاد إلى بولندا لينضم إلى العناصر القومية البولندية التي كانت تناضل ضد تقسيم بولندا. وقد انضم يوسيليفيتش ضمن عدد كبير آخر من أعضاء الجماعة اليهودية إلى حركة العصيان المسلح التي اندلعت عام 1794 ضد كلٍّ من روسيا وبروسيا. وقد تم تأسيس الفيلق اليهودي بقيادة يوسيليفيتش، والذي ضم خمسمائة يهودي ناشدهم يوسيليفيتش القتال « مثل الأسود والفهود من أجل طرد العدو من أرضنا ». وقد شاركت قواته في الدفاع عن حيّ براجا في وارسو والذي كان يضم أغلبية من اليهود ضد القوات الروسية. وبعد فشل العصيان، فرَّ يوسيليفيتش إلى النمسا ثم إلى فرنسا حيث انضم إلى الفيلق البولندي في الجيش الفرنسي، ثم أصبح ضابطاً في سلاح الفرسان الفرنسي وشارك في حروب نابليون. وبعد تأسيس دوقية وارسو عام 1807، انضم يوسيليفيتش إلى الجيش البولندي النظامي وتولى قيادة سرية خيالة ومُنح وساماً بولندياً، كما سُمح له بالانضمام إلى محفل ماسوني أرستقراطي يحمل اسم «الإخوة البولنديون المتحدون». وقد شارك يوسيليفيتش أيضاً في الحملة ضد النمسا عام 1809 وتولى قيادة سريتي خيالة، ولكنه قُتل في العام نفسه أثناء المعارك ليصبح بطلاً قومياً بولندياً.

وقد أشار كثير من اليهود الداعين للاندماج في بولندا إلى يوسـيليفيتش باعتبـاره نموذجاً لليهودي المندمج المنتمي إلى وطنه البولندي. وهو في الواقع من النماذج النادرة، إذ أن غالبية يهود بولندا كانوا مرتبطين بنظام الأرندا الذي جعلهم حلفاء الطبقة البولندية الحاكمة وأعداء لكل الطبقات الأخرى. كما أن ثقافة يهود بولندا اليديشية ساعدت على عَزْلهم لغوياً وثقافياً عن بقية الشعب البولندي. ولم ينجح يهود بولندا في الاندماج في الحركة القومية البولندية، ولذا فقد ظل يوسيليفيتش الاستثناء الذي يُثبت صحة القاعدة. وقد وصلت هذه العزلة إلى ذروتها إبان الحرب العالمية الثانية، حيث لم ينجح أعضاء المقاومة اليهودية في بولندا في التعاون مع المقاومة البولندية في نضالها ضد المستعمر النازي.

الانصهار أو الذوبان
Dissolution
«الانصهار» أو «الذوبان» هو تَزايُد معدلات الاندماج إلى درجة أن أعضاء الجماعات اليهودية يفقدون هويتهم الدينية أو الإثنية الخاصة فيذوبون أو ينصهرون تماماً في الأغلبية بمرور الزمن. ويمكننا تخيل ذلك على شكل مُتَّصل يُشكل أحد طرفيه الانعزال الكامل، وهي حالة نادرة وتكاد تكون مستحيلة، وفي الطرف الآخر الانصهار، وهي حالة ليست متكررة وإن لم تكن محالة. فثمة أمثلة عديدة، عبر تواريخ الجماعات اليهودية، للانصهار الكامل. فلا يمكن تفسير اختفاء أسباط يسرائيل العشرة الذين هجَّرهم الآشوريون إلا على أساس أنهم انصهروا في الشعوب التي عاشوا بين ظهرانيها. والحالة الكلاسيكية للانصهار الكامل هي حالة يهود الصين (في مدينة كايفنج) حيث انخرطوا في السلك الوظيفي الإمبراطوري فتفرَّق أعضاء الجماعة، خصوصاً النخبة، واكتسبوا سمات وخصائص صينية بشكل متزايد وتزاوجوا مع الصينيين. ومع حلول القرن التاسع عشر، لم يكن قد بقي منهم سوى عدة أفراد لا يزيدون على أصابع اليدين.

ومن حالات الانصهار الأخرى، حالة اليهود السفارد في الولايات المتحدة الذين استوطنوا بعد المستوطنين البيوريتانيين ثم انصهروا تماماً في فترة وجيزة. ويُلاحَظ أن ثمة أعداداً كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية كانت تنصهر دون أن تنصهر الجماعة ذاتها، فتستمر الجماعة دون أن يتزايد عدد أعضائها، وهـذا يُفـسِّر قلة عدد اليهود في العالـم. وكان قد وصل عددهم في القرن الأول الميلادي (بحسب بعض التقديرات) ما بين خمسة وسبعة بل عشرة ملايين. ولعل هذا يُفسِّر مقولة «موت الشعب اليهودي»، فمن أهم أسباب موته (أي تَناقُص عدده بشكل ملحوظ) انصهار أعداد كبيرة منه.

ويمكن أن نشير إلى ذلك الاندماج الذي يقترب من الانصهار. فالنزعة الهيلينية بين أثرياء اليهود في القرنين السابقين على الميلاد واللاحقين له هي شكل من أشكال الاندماج يكاد يكون انصهاراً، كما يمكن القول أيضاً بأن الصيغة الفريسية لليهودية هي نتاج تفاعل الفكر اليهودي مع الحضارة الهيلينية، أي أنها مَثَل من أمثلة الاندماج. ويبدو أن قطاعات كبيرة من يهود ألمانيا، في القرن التاسع عشر، كانت تنصهر تماماً في المجتمع المسيحي وتتخلى عن أي شكل من أشكال الهوية الدينية اليهودية. ويمكن أن نُصنَّف أمركة يهود الولايات المتحدة باعتبار أنها من قبيل الأشكال الحادة من الاندماج الذي يقترب من الانصهار، ومن هنا يُشار إليهم بأنهم «الهيلينيون الجدد». وتشكل أمريكا اللاتينية مثلاً فذاً يتخطى تعميمنا الذي يفترض أن الاندماج يزداد تدريجياً إلى أن يصبح انصهاراً. ومع هذا نلاحظ عدم وجود معدلات عالية من الاندماج في كثير من بلاد أمريكا اللاتينية، وفي الوقت ذاته أظهرت هذه القارة مقـدرة فائقة على صهر اليهـود وهضمهم مباشرة دون عملية دمج تدريجية.

وعادةً ما تساوي الصهيونية بين الانصهار والاندماج برغم اختلافهما. فالجماعات الدينية العرْقية يمكنها أن تندمج في المجتمع دون أن تفقد قسماتها الخاصة. ويمكن ضرب أمثلة عديدة من تواريخ الجماعات اليهودية في العالم على الاندماج الذي لم يؤد بالضرورة إلى الانصهار كما حدث مع يهود الأندلس في الماضي، وكما يحدث مع يهود الولايات المتحدة في الوقت الحالي. وإن كانت هناك مؤشرات وقرائن عديدة تدل على أن أعضاء الجماعة اليهودية سيأخذون في الاختفاء من خلال الانصهار مع تَعاظُم معدلات العلمنة في المجتمع الأمريكي.

دمــــج اليــــــهود
Forcible Assimilation of the Jews
«دمج اليهود» هو جزء من عملية تحديث أعضاء الجماعات اليهودية وتحويلهم من جماعة وظيفية وسيطة إلى جزء لا يتجزأ من طبقات المجتمع الحديث، الذي ظهر بعد الانقلاب الصناعي الرأسمالي في الغرب. وهي عملية تَحوُّل اجتماعي ضخمة لم يكن أعضاء الجماعات اليهودية هم المسئولين عنها، ولم يكونوا الوحيدين الذين خاضوها، ويُشار إليها أحياناً بأنها «عملية تحويل اليهود إلى قطاع منتج».

وفي معظم الأحوال، كانت عملية الدمج تأخذ شكل القسر. والواقع أن عملية الدمج تتضمن نوعاً من الجهد الواعي والمُخطَّط، وهي بهذا المعنى مختلفة عن عملية الاندماج أو الانصهار التي تتم عادةً من خلال حركيات المجتمع وآلياته الكامنة التي ربما لا يدركها لا أعضاء الجماعة اليهودية ولا أعضاء مجتمع الأغلبية. ومع هذا، فإن عملية الدمج، بعد المراحل الأولى القسرية الواعية، تتحول عادةً إلى اندماج تلقائي غير واع. كما حدث في كثير من بلاد أوربا، ذلك لأن أعضاء الجماعة اليهودية عادةً ما يستبطنون المُثُل المفروضة عليهم، وتضبط سلوكهم من الداخل، وما كان قسرياً برانياً يصبح بعد قليل تلقائياً جوانياً.

الاندمـــاج : الموقـــف الصهيــــوني
Assimilation: The Zionist Position
يتفق الصهاينة والمعادون لليهود على رفض الاندماج قولاً وفعلاً. أما المعادون لليهود، فيرون اليهودي شخصية عضوية لا يمكن استيعابها في المجتمع، ولو تم استيعابها فإنها تصبح مثل البكتريا التي تسـبب تَآكُله وتَخـثُّره. واليهـود الذين يَّدعون أنهم اندمجوا في المجتمع هـم، بحسب هذه النظرة، أخطر العناصر اليهودية، لأنهم يصبحون اسمياً جزءاً من المجتمع يستقرون داخله، ولكنهم فعلياً (عن وعي أو عن غير وعي) يظلون جسماً غريباً عنه يشبه الخلية السرطانية التي تسبب انحلاله وتآكُله. ولذا، فإن الحل الوحيد للمسألة اليهودية، وفقاً لهذه الرؤية، هو الحل الصهيوني، أي استبعاد اليهود إلى رقعة خاصة بهم.

والموقف الصهيوني من الاندماج لا يختلف عن ذلك كثيراً، فالصهاينة يرون أن الاندماج أمر مستحيل لأن الهوية اليهودية العضوية لا يمكنها أن تحقق ذاتها إلا في تربة يهودية وفي وطن قومي يهودي. وبالتالي، فاليهودي الذي يدَّعي أنه اندمج هو شخصية كاذبة ومريضة نفسياً، منقسمة على نفسها كارهة لها مثله مثل المتسول الباحث عن انتماء قومي. واليهودي المندمج يعاني ازدواج الولاء، إذ ليس بإمكانه أن يَدين بالولاء إلا لوطنه اليهودي الذي تربطه به وشائج عضوية قوية. ويُشار إلى اليهود المندمجين في الأدبيات الصهيونية بوصفهم عبدة بعل إله الأغيار أو محبي بابل (أي المنفى).

ويسوي الصهاينة بين الاندماج والذوبان الكامل، أي الانصهار، إذ يرون أن كلاًّ منهما يؤدي بالضرورة إلى الآخر. رغم أن الاندماج هو أن يصبح الإنسان جزءاً من كل دون أن يفقد بالضرورة بعض صفاته الخاصة، أما الانصهار والذوبان فيفترضان فقدان الجزء لقسماته الخاصة. ولذا، يُشار إلى الاندماج في الأدبيات الصهيونية بأنه خطر يتهدد الحياة اليهودية، وجريمة وخطيئة وعار يحط من كرامة اليهود، ووصمة في جبينهم. ويتم الربط بين الاندماج والإبادة إذ يُشار إلى الانـدماج باعتــباره الإبادة الصامتة، مع أن الإبادة هنا روحية نفسية، وليست جسدية فعلية. ومع هذا، فإن الإبادة تؤدي في نهاية الأمر إلى اختفاء اليهودي المندمج فعلياً في مجتمع الأغيار، وهي الوظيفة نفسها التي تؤديها أفران الغاز. ومؤخراً صرح يوسي بيلين (نائب وزير خارجية إسرائيل) بأن الاندماج (والزواج المُختلَط) يهددان يهود أمريكا أكثر من تهديد العرب ليهود إسرائيل.

ومع هذا، تظهر فكرة الاندماج في الفكر الصهيوني ذاته بشكل آخر، إذ يُطالب الصهاينة بتطبيع الشخصية اليهودية، أي جعلها طبيعية مثل الشخصية غير اليهودية، وفي هذا تَقبُّل لمعايير مجتمعات الأغيار. كما أن الصهيونية تطمح إلى خلق دولة يهودية تندمج في المجتمـع الدولي حتى يصبح اليهود شعباً مثل كل الشعوب. لكن الاندماج، كما يظهر في الفكر الصهيوني، يُفترَض إمكانية تَحقُّقه على المستوى القومي وحسب، واستحالته في ذات الوقت على المستوى الفردي. وقد أثبت الواقع التاريخي أن كلا الافتراضين خاطئ. فأعضاء الأقليات آخذون في الاندماج، ولا تزال الدولة اليهودية مرفوضة من العرب.

ومن المفارقات التي يشير إليها دارسو الصهيونية أنها بدأت باعتبارها حركة تهدف إلى الحفاظ على الهوية اليهودية والخصوصية اليهودية، ولكنها في نهاية الأمر أدَّت إلى زيادة معدلات الاندماج. فقد ساهمت الصهيونية، ابتداءً، في زيادة معدلات العلمنة بين اليهود حين طرحـت تعريفـاً قومياً أو عرْقياً لليهودي ليحل محل التعريف الديني الإثني، وحين جعلت التزام اليهودي ينصبُّ على إثنيته أساساً، بينما جعلت الالتزام الديني مسـألة ثانوية مكملة للانتمـاء الإثني أو يُمثِّل تجلياً لـه. وقد أدَّى هذا بكثير من اليهود إلى التخلي عن عقيدتهم وعن كثير من شعائرها، وكانت هذه مصدراً أساسياً لخصوصيتهم. وقد تساءل الحاخام موريتز جوديمان، كبير حاخامات فيينا، في رده على تيودور هرتزل وعلى الدعوة القومية فقال: «من هو أكثر ذوباناً وانصهاراً: اليهودي القومي الذي يتجاهل الشعائر الخاصة بيوم السبت وبالطعام أم اليهودي المؤمن الذي يؤدي الشعائر الدينية ويكون في الوقت نفسه مواطناً كاملاً مخلصاً لبلاده؟». وتبلغ معدلات العلمنة ذروتها بين أعضاء الجماعات اليهودية الذين توجد أغلبيتهم الساحقة في مجتمعات علمانية، وهي تؤدي إلى مزيد من الاندماج والزواج المُختلَط، وفي نهاية الأمر إلى الانصهار.

وقد ذكر أحد المفكرين اليهود أن الصهيونية وإسرائيل تريان أن بإمكان يهود فرنسا أن يصبحوا أكثر فرنسية (أي أكثر اندماجاً في مجتمعهم). وهو يفسر عبارته هذه فيقول إن اليهودي بدأ بعد تحطيم الهيكل الثاني يحمل معه ما سماه فرويد «المبنى غير المنظور»، وهو عبء الشك والإحساس بالنقص وعدم الانتماء، فأينما ذهب اليهود وعملوا، مثلهم مثل بقية البشر، كانوا يشعرون بأن ثمة شيئاً ما ينقصـهم. فجميع الشـعوب الأخرى لها أرضها وقراها وشرطتها وجيشها، أما اليهود فكانوا يعيشون دائماً في شك. ولأن ثمة مبنى جديداً منظوراً يراه الجميع وهو إسرائيل، فقد اختفى الشك والإحساس بالنقص، ومن ثم يستطيع كل اليهود الآن أن يشعروا بالهدوء ويمكنهم الاندماج في مجتمعاتهم. وبرغم عدم اتفاقنا مع مقدمات الكاتب، فيُلاحَظ من الناحية الفعلية أن انتشار الصهيونية هو غطاء براق يخفي معدلات الاندماج العالية. بل إن الصهيونية أصبحت هي الوسيلة التي يريح بها اليهودي المندمج ضميره، إذ يمكنه أن يُجزل العطاء للدولة اليهودية ويحقق بذلك إحساساً زائفاً ومتضخماً بالهوية والانتماء ثم ينصرف بعد ذلك لحياته العلمانية الأمريكية اللذيذة بكل جوارحه. وقد لاحظ بن جوريون هذه الظاهرة وحَذَّر منها.

ويُعَدُّ الاندماج من أهم الأسباب التي تؤدي إلى ما يُسمَّى في علم الاجتماع في الغرب ظاهرة «موت الشعب اليهودي»، أي تَناقُص أعداد اليهود بشكل ملحوظ الأمر الذي يؤدي إلى اختفاء بعض الجماعات اليهودية. وقد شُكِّلت في إسرائيل لجنة صهيونية تهدف إلى مكافحة الاندماج بين أعضاء الجماعات اليهودية.

الــــزواج المختلـــــط
Mixed Marriage; Intermarriage
تُحرِّم اليهودية الزواج بين اليهود وغير اليهود، وهي في هذا لا تختلف عن كثير من الأديان. ولكن هذا الحظر في شكله المتطرف يُعبِّر عن الطبقة الحلولية الكمونية التي تفصل الشعب المقدَّس عن الآخرين الذين لا يتمتعون بالقداسة نفسها. فقد جاء في العهد القديم: « ولا تصاهرهم. بنتك لا تعط لابنه وبنته لا تأخذ لابنك » (تثنية 7/3). ولكن رغم هذا الحظر، فإن أنبياء اليهود وزعماءهم كانوا يتزوجون من غير اليهوديات. فقد تزوج إبراهيم من هاجر المصرية، وتزوج حفيده يعقوب من امرأتين من الأغيار، وتزوج رءوبين وسيمون ويهودا من كنعانيات، وتزوج دان من مؤابية، وتزوج زبلون (وقبله موسى) من مَدْيَنية، وتزوج يوسف من مصرية، وتزوج داود من امرأة حيثية أنجبت له سليمان الذي تزوج من إناث من جميع الأجناس المعروفة في زمنه. ومع هذا، منع يعقوب دينه من الزواج من شكيم، وحذَّرت راحيل أولادها من الزواج من بنات كنعان. ومن الواضح أن الهدف من الحظر في هذه المرحلة لم يكن دينياً بقدر ما كان عرْقياً. فراحيل، مثلاً، كانت حسب الرواية التوراتية وثنية تسرق الأصنام وتخبئها. ومع هذا، يرد في العهد القديم أن تحريم الزواج مردّه أن اليهودي قد يعبد آلهة آخرىن. وبعد العودة من بابل، طبق نحميا وعزرا قوانين تحريم الزواج المُختلَط تطبيقاً صارماً وحرفياً، وطالبا اليهود الذين تزوجوا من أجنبيات بأن يطلِّقوا زوجاتهم. ورغم أن التحريم كان يتجه أساساً، كما يبدو، نحو الأقوام الكنعانية السبعة (الوثنية)، فإن الفقهاء اليهود وسّعوا نطاقه بحيث أصبح ينطبق على كل الأغيار دون تمييز، بل امتد الأمر ليشمل القرّائين والسامريين.

وعلى هذا النحو، كان زواج اليهودي من غير اليهودية يُعتبَر فجوراً وزنى مستمرين، والأولاد الذين يُولَدون من هذه المعاشرة المرذولة يُعتبَرون أبناء زنى أو «مامزير». وقد كان يُعَدُّ يهودياً من يُولَد لأم يهودية وأب غير يهودي. أما من يُولَد لأب يهودي وأم غير يهودية فلا يُعتبَر يهودياً.

وقد حاول فقهاء اليهود تبرير هذا الحظر الديني. فحاول موسى بن ميمون تفسيره تفسيراً عقلياً. أما راشي، فقد اكتفى بتأكيد أنه بلا سبب. وتحريم الزواج المُختلَط، حسب تَصوُّره، أمر مَلَكي (باعتبار أن الإله هو الملك: ملك اليهود)، ولذا يجب عدم التساؤل عن سببه كما يجب عدم التساؤل بشأن فكرة الشعب المختار. ومع هذا، فقد استمر الزواج المُختلَط بين اليهود وغيرهم، واختفى يهود الصين، على سبيل المثال، بسبب زواجهم بالمسلمين وبغيرهم.

وقد تزايدت معدلات الزواج المُختلَط بشكل ملحوظ في العصر الحديث للأسباب التالية:

1 ـ كان الذكور اليهود، حتى عهد قريب، هم الذين يتزوجون من إناث غير يهوديات. ولكن الوضع تغيَّر مؤخراً (خصوصاً بعد حركة التمركز حول الأنثى)، إذ أن كثيراً من الإناث اليهوديات اخترقن الحاجز الديني والنفسي الخاص بحظر الزواج المُختلَط، فتصاعدت نسبته بينهن حتى كادت تقترب من مثيلتها بين الرجال.

2 ـ كان الزواج المُختلَط ظاهرة تكاد تكون مقصورة على المتعلمين، فهم أكثر انفتاحاً وتَقبُّلاً لبقية أعضاء المجتمع وأكثر معرفة بأسلوب حياته.ولكن لُوحظ مؤخراً أن معدلات الزواج المُختلَط بين غير المتعلمين بدأت تقترب من مثيلتها بين المتعلمين.ولا شك في أن الإعلام يلعب دوراً أساسياً في هذا،فهو يساعد على تحطيم كل الحواجز وعلى إزالة ما قد يحيط بعضو الأقلية (أو عضو الأغلبية) من أسرار،ويروِّج ثقافة شعبية عامة وأسلوب حياة عام يشارك فيه الجميع.

3 ـ لُوحظ أن أعضاء الجماعات اليهودية الذين يتزوجون وهم في سن متقدمة نوعاً ما أكثر استعداداً للزواج المُختلَط. يرجع ذلك إلى أن مثل هؤلاء قد حققوا لأنفسهم استقلالاً اقتصادياً، وهم عادةً جزء من شبكة علاقات وصداقات مركبة تضم يهوداً وغير يهود. وكل هذا يعني أنهم لا يخافون من عَزْلهم عن الشبكة اليهودية. كما أن إمكان العثور على قرين مناسب داخل الجماعة اليهودية، بالنسبة ليهودي متقدم في السن، ليس مسألة متيسرة.

4 ـ لُوحظ كذلك أن أعضاء الجماعات اليهودية الذين يتزوجون للمرة الثانية أكثر استعداداً للزواج المُختلَط، فهم يبحثون عن زوجة من «نوع مختلف»، وعن «أسلوب حياة مختلف»، ولذا فهم لا يمانعون في الانسلاخ عن الشبكة اليهودية، بل ربما يرحبون بذلك.

5 ـ لُوحظ أن اليهود العلمانيين أو الإثنيين يُقبلون على الزواج المُختلَط بمعدلات عالية تفوق كثيراً المعدلات السائدة بين اليهود الذين يعتبرون أنفسهم يهوداً بالمعنى الديني. ويعود هذا إلى أن اليهودي الإثني أو العلماني هو يهـودي لا يكترث كثيراً بيهوديتـه كبُعد أسـاسي من أبعاد رؤيته للكون، فهي شيء من قبيل الفلكلور (انظر: «الهوية اليهودية الجديدة في المجتمعات العلمانية الغربية الحديثة»).

6 ـ لُوحظ أن أعضاء الجماعات اليهودية الذين يُعرِّفون هويتهم دينياً، ومع هذا لا ينتمون إلى أية فرقة يهودية، هم أكثر إقبالاً على الزواج المُختلَط من اليهود الذين ينتمون إلى فرقة دينية محدَّدة، فرغم أنهم يسمون أنفسهم عادةً «يهوداً متدينين» إلا أنهم في غالب الأمر غير مكترثين كثيراً بهويتهم الدينية (رغم ادعاء الانتماء الديني) ولا يمارسون إلا قدراً صغيراً من الشعائر.

7 ـ فيما يخص اليهود المنتمين لإحدى الفرق الدينية، لُوحظ أن الزواج المُختلَط يكاد ينعدم بين اليهود الأرثوذكس ويصل إلى معدلات عالية بين اليهود الإصلاحيين ويليهم اليهود المحافظون. فاليهود الأرثوذكس يعيشون حسب الرؤية والقيم اليهودية ويقيمون الشعائر اليهودية، الأمر الذي يجعل مشاركة غير اليهودي أمراً صعباً بل من المستحيل في مثـل هذه الحياة. أمـا اليهود المحافظـون، والإصـلاحيون بدرجة أكبر، فهم يؤمنون بأشكال مُخفَّفة من اليهودية لا تحكم العقيدة والشعائر اليهودية كل جوانبها، ولذا يمكن لغير اليهودي المشاركة فيها بسهولة ويُسر.

8 ـ لُوحظ أن أعضاء الجماعات اليهودية حينما يتخلون عن دور الجماعات الوظيفية ويندمجون اقتصادياً في المجتمع، تأخذ معدلات الزواج المُختلَط في الزيادة. فعضو الجماعة الوظيفية هو جزء من شبكة يهوديـة قويـة تتحكم في جوانب حياته الدينية والزمنية وتضمن بقاءه، وفي ذات الوقت تقوم بضبط إيقاع حياته من الخارج ومن الداخـل.

9 ـ يؤدي وجود أعضاء الجماعات اليهودية في وظائف معيَّنة مثل المهن الحرة إلى تَزايُد معدلات الزواج المُختلَط، ويعود هذا إلى أن حياة من يشغل مثل هذه الوظائف تتسم بدرجة عالية من الحركية والتنقل والبُعد عن المراكز السكانية اليهودية. كما أن كثيراً من عملائه ليسوا بالضرورة من أعضاء الجماعة اليهودية.

10 ـ لُوحظ أن معدلات الزواج المُختلَط في العصر الحديث ترتبط ارتباطاً عكسياً بحجم الجماعة اليهودية، فيَقل الزواج المُختلَط إذا كان حجم الجماعة كبيراً، وهو ما يتيح فرصة العثور على القرين اليهودي المناسب، ويزيد إذا كان حجمها صغيراً إذ تتناقص هذه الفرصة. ومن هنا يؤدي تَوزُّع اليهود في العديد من المراكز السكانية إلى زيادة معدلات الزواج المُختلَط.

11 ـ قد يُقال ـ رغم تَعدُّد المراكز ـ إن أعداداً كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية مُركَّزة في المدن الغربية الكبرى ومن ثم لابد أن تتراجع نسبة الزواج المُختلَط حسبما ذكرنا في البند السابق. ولكن الأمر عكس ذلك، فسكان المدن الكبرى هم أعضاء في الجيسيلشافت (المجتمع التعاقدي) حيث الوحدة الأساسية هي الفرد الحركي الذي ينتقل من مكان لآخر ولا يرتبط بالجماينيشافت (المجتمع التراحمي)، ولذا، فرغم وجود تجمعات يهودية كبيرة في المدن الغربية الكبرى إلا أنها في واقع الأمر مجرد تجمعات وحسب وليست جماعات أو مجتمعات، ولهذا يَصعُب على اليهودي أن يصل إلى القرين اليهودي المناسب. كما أن سـكان المدن يكـونون عـادةً أكثر انفتاحاً وحركية من سكان الريف. ولهـذا، ورغم وجود أعضاء الجماعات اليهودية بأعداد كبيرة في المدن الغربية الكبرى، فإن معدلات الزواج المُختلَط آخذة في التزايد بينهم.

12 ـ يؤدي تَزايُد اندماج أعضاء الجماعات اليهودية في المجتمعات التي يعيشون فيها إلى ازدياد معدلات الزواج المُختلَط، إذ تتاح لهم الفرص الاقتصادية والحراك السياسي والاجتماعي، ويبدأ أسلوب حياتهم في الاقتراب من أسلوب حياة أعضاء الأغلبية ويتساقط كثير من المحظورات.

13 ـ وفي العصر الحديث، فإن السبب الأساسي والحاسم في تَصاعُد معدلات الزواج المُختلَط في المجتمعات الغربية، بدرجات ليس لها مثيل في تجارب أعضاء الجماعات اليهودية والتاريخية، هو تصاعد معدلات العلمنة في هذه المجتمعات. ومن المعروف أن المجتمعات العلمانية يسود فيها قدر كبير من التسامح. ولكن التسامح العلماني لا يعني (في تَصوُّرنا) التعايش بين الانتماءات الدينية المختلفة، وإنما يعني، في واقع الأمر، التعايش بين أعضاء المجتمع بعد أن يُهمِّش كل منهم انتماءه الديني أو الإثني ويتجاوزه بحيث يتعايش الجميع فيما يُسمَّى «رقعة الحياة العامة» التي تتحكم فيها القيم العلمانية مثل المنفعة وتعظيم الإنتاج واللذة. وعادةً ما تختفي في مثل هذه المجتمعات الرموز الدينية المقصورة على الجماعة الدينية ويحل محلها رموز المجتـمع ككل (نشيد وطني ـ تاريـخ مشترك ـ الانتماء لأرض الأجداد) أو رموز ذات مضمون اجتماعي طبقي (منازل من نوع خاص - رداء من نوع خاص - سيارات.. إلخ). وهذه الرموز تُسقط الخصوصيات الدينية والإثنية. كما تسود هذه المجتمعات قيم ثقافية مشتركة من حب للموسيقى الشعبية أو فنان بعينه وهكذا.

14 ـ وقد واكبت هذا عملية ضخمة لإعادة تعريف الهوية اليهودية لتتفق مع الأوضاع (والحقوق والواجبات) الجديدة في عصر ما بعد الانعتاق، بحيث يصبح بإمكان اليهودي أن يكون يهودياً ومواطناً عادياً في آن واحد. وكان التصور أن تعريف الهوية الجديد سيحفظ يهودية اليهودي (الدينية أو الإثنية) وسيحقق لها الاستمرار داخل مجتمعات ما بعد الانعتاق، بخاصة المجتمع الأمريكي، وهو مجتمع حقق الانعتاق تماماً لكل أعضاء الأقليات فيه، كما أنه وطن نصف يهود العالم.

ولكن يبدو أن هذا الحلم تَبخَّر تماماً، إذ ظهر أن تطوير الهوية اليهودية على هذا النحو أدى في واقع الأمر إلى ظهور ما يُسمَّى «اليهودي غير اليهودي»، أي اليهودي الذي تم تهميش يهوديته بحيث أصبحت عنصراً ثانوياً في هويته العامة، لا تُوجِّه سلوكه ولا تشكل إطاراً عقائدياً كلياً يضبط حياته من الداخل والخارج. فيهودية اليهودي غير اليهودي تظهر في تَمسُّكه ببعض الشعائر (إن كان متديناً) ولا تتجاوز قدراً من التمسك الرومانسي بما يُسمَّى «التراث اليهودي» (الذي لا يعرف عنه شـيئاً) أو تأييد إسـرائيل بشـكل أكثر حدة من أقرانه الأمريكـيين، وإن كان ذلك لا يخـتلف في مُجـمله عن الموقـف الأمريكي العام.

وهذا التعريف للهوية اليهودية يجعلها هامشية تماماً لا تتدخل في ترتيب الأولويات الجوهرية. ولذا، فإن دَخَل إنسان يهودي في علاقة رومانسية مع شخص غير يهودي وبدأ يفكر في الزواج منه فسيجد أن هوية الطرف الآخر (اليهودية) هوية هامشية لا تتدخل في تحديد الاختيارات الأساسية والقرارات المصيرية، ولن يكون لها دخل كبير في حياتهما وأن بالإمكان تحقيق هذه الهوية الهامشية داخل الزواج مع تحييدها. فهذه الاختيارات والقرارات سيتم تحديدها على أُسس علمانية لا دينية، لا علاقة لها بالمسيحية أو اليهودية. فاقتناء عمل فني يهودي ودفع تبرعات لأحد صناديق الغوث اليهودية وتأييد إسرائيل لن يسبب مشاكل كبيرة. هذا على خلاف أن تكون الهوية اليهودية هي أساس ترتيب الأولويات والمعايير الأخلاقية التي يحكم بها اليهودي على حياته وأن تكون هي الإطار الذي يحدد من خلاله الهدف من وجوده ووَضْعه في المجتمع والتاريخ.

15 ـ لاحَظ أحد الباحثين أن هوية اليهود الجدد الهشة يمكن أن تكون حافزاً على الزواج المُختلَط. ففي المجتمعات العلمانية ثمة بحث دؤوب عن اللذة والمتعة والمغامرة والإثارة. ويُعَدُّ الزواج بين يهودي وغير يهودي شكلاً من أشكال الإثارة الذي لا يُكلِّف كثيراً باعتبار أن يهودية الطرف اليهودي (ومسيحية الطرف المسيحي) مُهمَّشة، ومن ثم يمكن استدعاؤها للإثارة ويمكن تجميدها عند اتخاذ القرارات المصيرية.

16 ـ ومما يساعد على تَصاعُد معدلات الزواج المُختلَط أن معظم اليهود لا يعارضونه في الوقت الحاضر، كما يوجد عدد لا بأس به من الحاخامات الإصلاحيين ممن تَقبَّلوا عقد الزيجات المُختلَطة، ولذا فإن من يتزوج من غير يهـودي لن يجد نفســه خـارج الجماعة اليهوديـة.

ونسبة الزيجات المُختلَطة في العصر الحديث آخذة في التصاعد بشكل يثير قلق القيادات اليهودية (ويسمونه «الهولوكوست الصامت»). فقد وصلت نسبة الزيجات المُختلَطة في كوبنهاجن (بين عامي 1880 و1905) إلى 68% من جملة الزيجات. ووصلت في ألمانيا (عام 1932) إلى نحو ستين زيجة مُختلَطة بين كل مائة زيجة يهودية، وفي أمستردام 70% (عام 1930). وفي الولايات المتحدة تصل النسبة في الوقت الحاضر إلى أعلى من هذا في بعض المناطق، ولكن النسبة العامة بين عامي 1985 و1990 هي 25% من كل الزيجات اليهودية التي تمت في هذه الفترة. وتصل النسبة في بعض المناطق إلى 80%. وفي روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء لا يختلف الوضع عن هذا كثيراً.

ويحدث أحياناً أن يَتهوَّد الفرد الذي تزوج يهودياَ أو يهوديةً. ولفظ «يهودي»، بالنسبة لمثل هؤلاء الأفراد، ذو مضمون ديني يُسقط الجانب الإثني والقومي تماماً، ولكنه ديني من حيث الاسم فقط، لأن اعتناق اليهودية خطوة يتخذها المتهود حتى لا يسبب حرجاً لرفيق حياته الجديد أمام أسرته. فالدافع وراء التهود هنا في غالب الأمر علماني وليس دينياً. ويبلغ عدد الذين تهودوا بسبب الزواج المُختلَط في الولايات المتحدة حوالي 185 ألفاً يسمون الواضح منهم في الوقت الحاضر «يهودي باختياره» (بالإنجليزية: جو باي تشويس Jew by choice) بدلاً من «كونفرت convert» أي «متهود» أو «مهتد» بسبب الإيحاءات القدحية لهذه الكلمة. وهذا العدد صغير (بالنسبة لعدد من لم يتهودوا، والذي يُقال إنه بلغ 210 ألف) كما أنه آخذ في التناقص مع تَصاعُد معدلات العلمنة في المجتمع، لأن الضغوط الاجتماعية التي تدفع الطرف غير اليهودي نحو التهوُّد قد ضعفت. وقد ورد في تقرير لمركز كوهين للدراسات اليهودية الحديثة في جامعة برانديز أن العنصر غير اليهودي يتهود في زيجة واحدة من كل أربع زيجات مُختلَطة.

ويقول الحاخام آرثر هرتزبرج إن معدلات الزواج المُختلَط في المجتمعات المنفتحة، مثل الولايات المتحدة وبلاد غرب أوربا (حيث تم فيها إعتاق اليهود) تصل منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى حوالي الثلث في الجيل الثالث (أحفاد المهاجرين أو اليهود الذين تم إعتاقهم). ثم يأخذ هذا المعدل في الازدياد بعد ذلك (حدث ذلك في نيويورك وفيلادلفيا عام 1840، وحدث في برلــين وفيــينا عـام 1920، وحــدث مــرة أخرى في الولايات المتحـدة في الثمانينيات). وقد كانت موجات الهجرة في الماضي هي التي تُقلِّل معدل الزيجات المُختلَطة، ذلك لأن المهاجرين (وأغلبيتهم من شرق أوربا) كانوا من خلفيات يهودية تقليدية يُعَدُّ الزواج المُختلَط فيها جريمة أخلاقية. ومع التكيف التدريجي يزداد معدل الزواج المُختلَط.
وهذا يعني أن معدلات الزواج المُختلَط ستتزايد بشكل ملحوظ مع تَوقُّف الهجرة من خارج الولايات المتحدة (إذ أن مصدر المهاجرين الأساسي، الاتحاد السوفيتي سابقاً، قد بدأ يجف تماماً). وإذا وصل مهاجرون فهم عادةً يتسمون بمعدلات عالية من العلمنة، ويكون هناك عادةً طرف غير يهودي في الأسرة المهاجرة. أما أبناء الزيجات المُختلَطة فوضعهم لا يقل سلبية (من منظور يهودي). فقد لُوحظ أن 90% من أولاد الزيجات المُختلَطة في الاتحاد السوفيتي سابقاً يختارون ألا يُصنَّفوا «يهوداً». ولا يختلف الوضع كثيراً في الولايات المتحدة، فقد قيل إنه لو أن نصف كل أبناء الزيجات المُختلَطة نشأوا يهوداً، لما حدث أي نقصان في أعداد اليهود، ولكن الدراسات الأخيرة أثبتت أن هذا لا يحدث، فنسبة من يُنشأون باعتبارهم يهوداً يصل إلى الربع (أو حتى الخُمس حسب بعض الإحصاءات). ويوجد الآن في أمريكا الشمالية 415 ألف شخص فوق سن الثامنة عشرة من أصل يهودي ولكنهم نُشِّئوا على غير اليهودية. ويوجد 700 ألف دون سن الثامنة عشرة لم يتم تعريفهم بوصفهم يهود اً، رغم أن لهم أباً أو جداً يهودياً وهذا يؤدي إلى تَناقُص الأعداد. وحتى حينما يتقرَّر أن يُنشَّأ أبناء مثل هذه الزيجات على أنهم يهود، فعادةً ما يكونون يهوداً اسماً وأبعد ما يكونون عن اليهودية بالمعنى الديني أو الإثني. وقد لُوحظ أنهم يصبحون عادةً من أكثر العناصر إقبالاً على الزواج المُختلَط.

ولا تعترف اليهودية الأرثوذكسية بالزيجات المُختلَطة. أما اليهودية المحافظة، فتشترط على الطرف غير اليهودي أن يَتهوَّد. ومع هذا، فهي لا تَطرُد من الأبرشية من يتزوج من خارج وسط اليهود، بل وتسمح له بعض المعابد المحافظة بحضور الصلوات على شرط أن يوافق على أن يكون ثمرة الزواج يهوداً. أما اليهودية الإصلاحية، فإنها توافق على الزيجات المُختلَطة (وتترك الأمر لكل حاخام لكي يقرر ما يراه مناسباً)، وتشجع الطرف غير اليهودي على التهود ولكنها لا تشترطه، وتعتبر أن اليهودي وزوجته غير اليهودية أعضاء في الأبرشية، أي أنها تُقّر حق الطرف غير اليهودي في حضور الصلوات.

أما بالنسبة للموقف من أبناء هذه الزيجات، فإن اليهودية الأرثوذكسية لا تعترف إلا بمن وُلد منهم لأم يهودية، أما من وُلد لأب يهودي فليس يهودياً (على عكس موقف اليهودية الإصلاحية).

ومن المشاكل الأخرى التي يُثيرها أبناء الزواج المُختلَط انضمامهم للمدارس اليهودية، فبعض الأطفال غير يهود ومع هذا يسجلهم آباؤهم في مثل هذه المدارس ليُعرِّفوهم بالجذور الإثنية أو الدينية للطرف اليهودي في الأسرة أو ليطرحوا أمامهم البدائل الدينية المختلفة (ومن بينها البديل اليهودي) حتى يختار الطفل بنفسه فيما بعد. ويخلق هذا مشاكل لا حصر لها لهذه المدارس، التي تُعدّ المقررات التي تلائم الدارسين اليهود وحسب.

والصهيونية تعتبر الزواج المُختلَط أكبر خطر يتهدد اليهود واليهودية. ومن المستحيل عقد مثل هذا الزواج في إسرائيل حيث تسيطر المؤسسة الأرثوذكسية. ويواجه المامزير، أي أبناء الزيجات المُختلَطة، مشاكل وتعقيدات كثيرة لأنهم أطفال غير شرعيين. وقد ازدادت المشكلة تفاقماً بعد هجرة اليهود السوفييت، حيث إن معدلات الزواج المُختلَط بينهم مرتفعة بشكل ملحوظ.

الإبــادة الصامتــة
Silent Holocaust
«الإبادة الصامتة» مُصطلَح شائع في الولايات المتحدة (في الأوساط الصهيونية) يُستخدَم للإشارة إلى معدلات الاندماج والزواج المُختلَط المرتفعة باعتبارهما عناصر ستؤدي إلى إبادة اليهود وإلى «موت الشعب اليهودي».
الشعب العضوي (فولكVolk )
تعبير «الشعب العضوي» هو ترجمتنا للكلمة الألمانية «فولك Volk» التي تُستخدَم بمنطوقها الألماني في كثير من اللغات الأوربية. والشعب العضوي هو الشعب الذي يترابط أعضاؤه ترابط الأجزاء في الكائن العضوي الواحد والذي تربطه رابطة عضوية بأرضه وتراثه. ويُشار إلى الفكر القومي، الذي يَصدُر عن مفهوم الشعب باعتباره الفولك أو الكيان العضوي المتماسك، بعبارة «الفكر القومي العضوي» كما يُقال «القومية العضوية».

القوميــــــة العضويــــــة
Volk (Organic) Nationalism
«القومية العضوية» هي شكل القومية التي يُعبِّر الشعب من خلالها عن نفسه ككيان عضوي متماسك، يحوي داخله مركزه، فهو مرجعية ذاته، أي أنه يدور في إطار المرجعية الكامنة، والنموذج الكامن وراء هذه الفكرة هو نموذج عضوي مادي واحد. والشعب العضوي والقومية العضوية هما البديل والمقابل العلماني والحلولي الكموني الواحدي لفكرة الجماعة الدينية أو الأمة بالمفهوم الديني. ومفهوم القومية العضوية مفهوم رحمي تماماً يُلغي إرادة الإنسان الفرد وحريته. وقد ظهرت فكرة القومية العضوية في الغرب، خصوصاً في ألمانيا في القرن التاسع عشر، تحت تأثير الفكر المعادي للاستنارة. والقومية العضوية تدور في إطار الأفكار التالية:

1 ـ الشعب هو كلٌ عضوي متماسك يشبه علاقة أعضائه، الواحد بالآخر وبمجموع الشعب، علاقة أجزاء الكائن الحي بعضه بالبعض الآخر، ومن ثم فإن الشعب الحقيقي لا يقبل التفتيت ولا يمكن فصل أحد أعضائه عنه. وإذا غيَّر أحد أعضاء الفولك مكانه وانتقل من ألمانيا إلى روسيا مثلاً فهو يظل ألمانياً.

2 ـ الانتماء القومي لهذا الشعب ليس مسألة اختيار أو دعاية وإنما رابطة كلية عضوية حتمية تكاد تكون بيولوجية في حتميتها (إن لم تكن كذلك بالفعل) تربط بين الفرد والجماعة التي يتبعها، ولذا فإن الانتماء لشعب معيَّن مسألة تُورَّث ولا تُكتسَب.

3 ـ لا تقتصر الرابطة العضوية على العلاقة بين الفرد والشعب وإنما تمتد لتربط بين الشعب ككل والأرض التي يعيش عليها وبها. فالشعب العضوي يستمد الحياة من أرضه وتربته، وهي أيضاً تستمد منه الحياة، فهو وحده القادر على تعميرها.

4 ـ تمتد العلاقة العضوية لتشمل أيضاً الأشكال الثقافية والاجتماعية التي تسـود بين أعضاء هذا الشعب العضوي والتي أبدعها أعضاؤه على مـر التاريخ. فهـذه الأشكال تُعبِّر عن عبقرية هذا الشعب وروحه (بالألمانيـة: فولكس جايست Volksgeist)، ولهذا السبب فإن الآخر الغريب لا يمكنه أن يمتلك ناصية الخطاب الحضاري لهذا الشعب مهما بذل من جهد، فثقافة الشعب العضوي مسألة موروثة تجري في الدم تقريباً ولا يمكن اكتسابها مهما بلغ الآخر من ذكاء ومهارة.

5 ـ والشعب العضوي يحوي داخله (وداخل أرضه وتراثه) عناصر قوته وانحلاله وتَطوُّره ورُقيِّـه، كما أن قوانين حركته التي ينمو على أساسها كامنة فيه أيضاً، أي أنه يدور في إطار المرجعية المادية الكامنة. ويُلاحَظ اختفاء كل المسافات بين الشعب ومصادر قوته وأرضه وتراثه، فالجميع يُكوِّنون كُلاًًّ متماسكاً مستمراً عضوياً لا ثغرات فيه ولا انقطاع.

6 ـ ويمكننا أن نقول إن فكرة الشعب العضوي (والقومية العلمانية) ككل هي حلولية مرحلة وحدة الوجود المادية (من النوع الثنائي الصلب). فالمُطلَق حلَّ في المادة (الأرض والشعب والتراث أو الشعب المرتبط بأرضه وتراثه) وفقد تَجاوُزه وتنزهَّه وذاب في الشعب، بحيث أصبح الشعب هو ذاته القيمة المطلقة ومرجعية ذاته. ولعل النمط الكامن الأساسي وراء فكرة الشعب العضوي هو النمط الذي ورد في أسفار موسى الخمسة، فالعبرانيون أمة أو قبيلة اختارها الإله وحل فيها أو سكن في وسطها، وهو إله مقصور على أعضاء هذه القبيلة، ولذا كان ينتقل معهم في ترحالهم (أو كانوا يحملونه معهم في سفينة العهد) وكان يساعدهم (وحدهم دون سواهم) ضد أعدائهم ويغار عليهم، وكانوا لا يترددون في الضغط عليه كي يستجيب إلى طلباتهم. وقد تعدلت هذه الصورة قليلاً بعد ذلك في كتب الأنبياء. ولكن أسفار موسى الخمسة ظلت أكثر أسفار العهد القديم قداسة، وأصبح تاريخها المقدَّس، وما جاء فيها من صُوَر حلولية كمونية عضوية من أهم مفردات الوجدان الغربي. ومع تَصاعُد معدلات العلمنة، أعيد إنتاج هذه الصورة القَبَلية العضوية الحلولية على هيئة الفكر العلماني القومي. وقد أَحَلَّ هذا الفكر، محل الإله الواحد المتجاوز (المُنزَّه عن الطبيعة والتاريخ، مركز الكون، المفارق له)، كياناً عضوياً متماسكاً هو الشعب أو الأمة التي تحوي مركزها داخلها، فهي موضع الحلول والكمون وفوق الجميع. وأصبحت الأمة، ذلك الكيان العضوي المُنغلق على ذاته، مصدر السلطات وموضع التقديس، وأصبحت الهوية القومية والحفاظ عليها (بغض النظر عن أية قيم) قيمة مطلقة ومرجعية نهائية (تَوثُّن الذات كما سماها أحد المفكرين العرب). بل وأصبح تراب الوطن أو أرضه موضع التقديس، فهو الرقعة التي تتحقق عليها الذات القومية المقدَّسة. وقد تم التعبير عن هذا من خلال مفهوم الدم والتربة: الدم الذي يجري في عروق أبناء الشعب والتراب أو التربة التي يعيش عليها، وهما العنصران اللذان يجسدان فكرة الوطن. وأصبح الصالح العام لهذا الوطن، وهذه الدولة التي تمثله وتمثل الشعب، هو المُطلَق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو الخير الأعظم والمُطلَق الأوحد، ولهذا فإن العمل ضد صالح الدولة وإفشاء أسرارها (المقدَّسة المُطلَقة) خيانة عظمى عقوبته عادةً الإعدام. وباختصار شديد، أصبح الوطن المقدَّس (والشعب المقدَّس) مرجعية ذاته وأصبحت مصلحته قيمة نهائية، ومن ثم أصبح من المستحيل محاكمة أي شعب من منظور منظومة قيمية خارجة عنه.

7 ـ أفرزت فكرة الشعب العضوي والقومية العضوية مجموعة شعارات ومفردات ذات طابع عضوي حلولي كموني واحدي (شبه صوفي) عنصري،مثل:«أمتنا فوق الجميع»، و«الأمة ذات الرسالة الخالدة»،«المصير القومي الواحد المحتوم»، «المجال الحيوي للشعب».

8 ـ مفهوم الشعب العضوي مفهوم استبعادي، نسق مغلق لا يسمح بأي شكل من أشكال عدم التجانس ويفصل بحدة بين أعضاء الشعب العضوي والشعوب الأخرى. كما أن أعضاء الأقليات الذين يعيشون بين أعضاء هذا الشعب يصبحون بالمثل شعباً عضوياً، ولكنهم شعب عضوي منبوذ.

9 ـ فكرة الشعب العضوي والقومية العضوية تُترجم عادةً إلى فكر عرْقي يؤكد التفاوت بين الناس والأعراق، فينسب التَميُّز للأنا الجماعية العضوية والتدني للآخر. فالأنا هي تَجسُّد المركز الكامن في العالم، والآخر مجرد مادة وحسب، والأنا هو المرجعية النهائية والمقدَّس، والآخر هو التابع المباح. ويشكل الفكر العضوي الاستبعادي الأرضية الفلسفية للرؤية العنصرية داخل أوربا والرؤية الإمبريالية خارجها. وقد حقَّق المفهوم شيوعاً كبيراً في أوربا ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر. وكانت الكتب العنصرية أكثر الكتب شيوعاً في أوربا في تلك الفترة. ومن هنا، فإن الفكر الإمبريالي، والفكر النازي والصهيوني، وكذلك فكر أعداء اليهود، فكر عضوي.

10ـ يُعبِّر الشعب العضوي عن إرادته من خلال الدولة القومية المطلقة التي تكون مرجعية ذاتها، ويُعبِّر عن هذه الإرادة في حالة النُظُم الشمولية من خلال إرادة الزعيم.

ويُميِّز بعض المؤرخين بين القومية العضوية من جهة والقومية الليبرالية (التعاقدية) من جهة أخرى. فإذا كان أعضاء القومية العضوية لا يختارون مسألة انتمائهم القومي بل يرثونه بشكل يكاد يكون بيولوجياً، فإن أعضاء القومية الليبرالية ـ حسب رأي هؤلاء المؤرخين ـ يختارون هذا الانتماء ويدخلون في تعاقد يمكن فكّه على الأقل من الناحية النظرية. ويُصنَّف الفكر القومي الألماني والسلافي بوصفه فكراً عضوياً يُبشر بقومية عضوية، وذلك على عكس النظريات القومية في كلٍّ من فرنسا وإنجلترا. ونحن نرى أن التمييز قد يفسر بعض نقط الاختلاف التي لا أهمية لها، ولكنه يُخبئ نقط تشابه ذات أهمية محورية. كما نذهب إلى أن الحضارة الغربية العلمانية العلمية ككل تدور في إطار عضوي وفي إطار المرجعية المادية الكامنة، فالنموذج يحوي مركزه داخله، وقد تَقلُّ درجة تَماسُكه واستبعاديته وحلوليته في حالة التشكيلين الحضاريين الفرنسي والإنجليزي (والقومية الفرنسية والإنجليزية)، وقد تزيد هذه الدرجة في حالة التشكيلين الألماني والسلافي (الجامعة الألمانية والجامعة السلافية) وفي حالة الصهيونية. ولكن الإطار الذي يدور في إطاره الجميع هو المرجعية المادية الكامنة والحلولية العضوية، فتصبح الأمة مرجعية ذاتها، وتصبح هي ذاتها مصدر شرعيتها، وتصبح إرادتها مصدر وحدتها وتَماسُكها (تماماً كما أن إرادة القوة في المنظومة النيتشوية هي مصدر تَماسُك الفرد ووحدته وهويته).

الشعب العضوي المنبوذ
Pariah Volk
«الشعب العضوي المنبوذ» عبارة قمنا بصياغتها للتعبير عن نموذج تفسيري كامن في معظم الكتابات الصهيونية والمعادية لليهود. ويعود هذا النموذج إلى الفكر الألماني الرومانسي الذي طرح فكرة الشعب العضوي (بالألمانية: فولك Volk)، والتي ترى أن الانتماء القومي ليس مسألة اختيار أو إيمان، وإنما هو رابطة كلية عضوية حتمية تكاد تكون بيولوجية في حتميتها بين الفرد والجماعة التي يتبعها والتربة (الأرض) التي تتواجد عليها هذه الجماعة، ومن هنا الحديث عن التربة والدم. وحسب هذا النموذج، تتسم الأشكال الثقافية والاجتماعية المختلفة التي تسود بين أعضاء هذه الجماعة بأنها هي الأخرى مترابطة ترابطاً عضوياً لا تنفصم عراه، وبأنها فريدة تُعبِّر عن عبقرية الجماعة. ويؤكد نموذج الشعب العضوي الاختلافات بين الجماعات البشرية المختلفة على حساب المساواة بين أعضاء الجنس البشري. ولهذا نجد أنه أفرز مجموعة شعارات ذات طابع عضوي عنصري شبه صوفي، مثل: روح الشعب - أمة واحدة ذات رسالة خالدة ـ المصير القومي الواحد الحتمي والأمة فوق الجميع - المجال الحيوي للشعب. وقد استُخدم هذا النموذج لتبرير التوسع ولاستبعاد الآخرين بل وإبادتهم. كما تَحكَّم في إدراك الإنسان الغربي لكل المجموعات البشرية وضمنهم اليهود، بحيث أصبح هناك شـعب عضوي ألماني وشـعب عضوي إنجليزي وشعب عضوي يهودي، كل منها مترابط ترابطاً عضوياً ويضرب بجذوره في تربته. وقد تَبنَّى الفكر الصهيوني هذا النموذج التفسيري الذي عبَّر عنه مارتن بوبر في كتاباته حيث يجعل من الشعب العضوي ركيزة أساسية لرؤية العالم.

ومن مفارقات الأمور أن إحدى خصائص الشعوب العضوية أنها تَنبُذ العناصر الغريبة عنها والتي تُوجَد بين ظهرانيها مثل اليهود. ولهذا كان النموذج الذي أسبغ على اليهود هوية عضوية فريدة، وحوَّلهم من مجرد أقلية دينية أو جماعة دينية إلى كيان مستقل، يأخذ شكل شعب عضوي له صفات ثابتة محددة يضرب بجذوره في فلسطين، هو نفسه الذي جعل منهم مادة بشرية غريبة لم تُشكِّل قط جزءاً من التاريخ الحقيقي للغرب وإنما وقفت دائماً على هامشه. بل إن وجودهم داخل الحضارة الغربية لم يكن دائماً أمراً إيجابياً، ومن ثم فلا مكان لهم في هذه الحضارة، أي أن «الشعب العضوي» تَحوَّل إلى «شعب عضوي منبوذ». وقد أدَّى هذا النموذج إلى الهجوم على خصوصية الشعب العضوي اليهودي وإظهار مدى قبحها وضرورة القضاء عليها، فظهرت الدعاوى المعادية لليهود، كما ظهرت الدعوات إلى دمجهم في المجتمعات الغربية بعد إصلاحهم وتطبيعهم، أي بعد أن يتخلصوا من خصوصيتهم وسماتهم السلبية، بأن يتخلوا عن يهوديتهم، وهذا هو فكر عصر الاستنارة والتنوير.

ويمكن القول بأن نموذج الشعب العضوي المنبوذ هو الحلقة التي تربط بين العداء لليهودية والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. وتنطلق صهيونية غير اليهود من فكرة أن الفولك أو «الشعب العضوي اليهودي» لا مكان له حقاً في العالم الغربي (وهذه هي نفسها دعوى أعداء اليهود) ولكن يمكن الاستفادة منه كأداة يمكن توظيفها لصالح الغرب في مشروعاته المختلفة التي أصبح من أهمها، مع مرور الوقت، المشروع الاستيطاني في فلسطين. ويستند نموذج الشعب العضوي المنبوذ إلى عنصرين أساسيين في الحضارة الغربية:

1 ـ موقف الحضارة الغربية المسيحية من اليهود. ويمكن القول بأن نموذج الشعب العضوي يعود إلى فكرة الشعب الشاهد، أي اليهود بوصفهم أقلية دينية رفضت المسيح، وتقف في ذُلِّها وخضوعها وتَدنِّيها شاهداً على صدق العقيدة المسيحية وعلى عظمة الكنيسة. ولذا، دافعت الكنيسة الكاثوليكية عن بقاء اليهود كجماعة مستقلة وحمتهم ضد الهجمات الشعبية حتى يقوموا بدورهم في الشهادة. ثم تحوَّلت هذه الفكرة إلى العقيدة الاسترجاعية أو الألفية في الفكر البروتستانتي، وهي عقيدة تُحوِّل اليهود إلى أداة من أدوات الخلاص إذ أنه لا يمكن أن يتم الخلاص النهائي إلا بعودة اليهود.

2 ـ الأمر الآخر الذي يعود إليه نموذج الشعب العضوي المنبوذ هو الدور الذي لعبه اليهود في المجتمع الغربي كجماعة وظيفية وسيطة تشتغل بالتجارة والربا والنشاطات المالية. ويمكن القول بأن الشعب العضوي المنبوذ، في كثير من الأحوال، هو الجماعة الوظيفية التي فَقَدت وظيفتها.

ويُلاحَظ أن كلا الأمرين يضع اليهود على هامش التاريخ الغربي لا في صميمه، كما يجعلهم مجرد أداة إما للخلاص النهائي أو للربح.

ويمكن القول أيضاً بأن نموذج الشعب العضوي المنبوذ هو تعبير علماني عن فكرة الشعب المختار والشعب المقدَّس (الدينية)، فالشعب المختار شعب مقدَّس، والقداسة تعني الانفصال عن كل الشعوب، فهو شعب عضوي، ولكن إحدى علامات اختياره هي أن كل الشعوب ترفضه، فهو شعب عضوي مقدَّس منبوذ.

وقد تداخل العنصران الديني والدنيوي لبعض الوقت. ومع تَزايُد علمنة الحضارة الغربية، فَقدَ النموذج كثيراً من ديباجاته الدينية ليصبح نموذجاً دنيوياً محضاً. ومن هذا المنظور، تم الهجوم على اليهود لا باعتبارهم قتلة المسيح وإنما باعتبارهم شعباً عضوياً بالمعنى العرْقي. كما أن استخدام اليهود كوسيلة أخذ يفقد ديباجاته الدينية تدريجياً، حيث أصبح اليهودي غير مُثقَل بأية قيمة وتَحوَّل إلى أداة محضة.

ويمكننا أن نَعُدَّ مارتن لوثر من أوائل المفكرين الذين تعاملوا مع اليهود من منطلق هذا المفهوم في صيغته الدينية، فقد وصف اليهود انطلاقاً من عدائه العميق لهم بأنهم « عبء ثقيل علينا وبلاء وجودنا»، وأشـار إلى أكاذيبهم وطالب بمسـاعدتهم للعـودة إلى أرضهـم في يهـودا « فالتخلص من اليهود هو الهدف الأسمى ». ومن الواضح أن لوثر لم يكن قد أدرك بعد إمكانية الاستفادة منهم وإمكانية نفعهم. ويُعَدُّ الفيلسوف إسبينوزا من أوائل المفكرين الذين بَلْوروا هذا المفهوم في صيغته العلمانية، إذ شن هجوماً شرساً على اليهود وطالب بالقضاء على خصوصيتهم بدمجهم أو عودتهم إلى فلسطين.

وشهدت الفترة نفسها ظهور فكرة الاستفادة من «الشعب العضوي المنبوذ» كأداة. فقد دافع كرومويل عن عودة اليهود إلى إنجلترا بسبب نفعهم وإمكانية استخدامهم كجواسيس. وقد بدأت تظهر فائدة اليهود في تلك الفترة كعنصر استيطاني يمكن استخدامه في المشاريع الاستيطانية في سورينام وكايين وكوراساو.

ويُعَدُّ نموذج الشعب العضوي المنبوذ حجر الزاوية في فكر الاستنارة، فقد هاجم كلٌّ من فولتير وهولباخ اليهود على أنهم شعب عضوي له صفاته السلبية الخاصة به. وعرَّف الفيلسوف هردر اليهود بأنهم غرس طفيلي في أوربا يلتصق بكل الشعوب الأوربية ويمتص نخاعها. ويُلاحَظ وجود المفهوم نفسه في كتابات فخته الذي أكّد أيضاً الفساد الأخلاقي عند اليهود وأكد أنهم يُكوِّنون دولة داخل الدولة. ولذا، عارض منحهم الحقوق المدنية والسياسية، إذ أن ذلك لن يتحقق إلا بأن تُقطَع رؤوسهم ذات ليلة وتُوضَع مكانها رؤوس أخرى لا تحوي فكرة يهودية واحدة. وقد اقترح فخته، ومن قبله فولتير، حلاًّ صهيونياً لمشكلة الشعب العضوي المنبوذ، فقال: "لا يوجد بديل إلا بغزو أرض الميعاد وإرسالهم إليها، لأنهم لو حصلوا على حقوقهم المدنية في أوربا فإنهم سيدوسون على كل المواطنين الآخرين".

وقد بدأت تظهر في هذه الفترة فكرة نفع اليهود. وقد عبَّر الكاتب الإنجليزي أديسون، محرر مجلة الإسبكتاتور ، عن هذا الجانب من المفهوم بشكل دقيق للغاية في مقال بتاريخ 27 ديسمبر 1712 قال فيه: « إن اليهود منتشرون في جميع المناطق التجارية في العالم حتى أنهم أصبحوا الأداة التي تتحدث من خلالها الأمم التي تفصل بينها مسافات شاسعة، فهم مثل الأوتاد والمسامير في بناء شامخ. ورغم أنهم بلا قيمة في حد ذاتهم، فإن أهميتهم مطلقة لأنهم يحفظون للهيكل كله تماسكه ». وما يهمه من اليهود كشعب عضوي، إذن، هو كونهم أداة مهمة وحسب. ولذلك فهو لا يَشُنُّ عليهم هجوماً ولا يُشهِّر بهم، فما يهمه هو توظيف هذه الكتلة البشرية. وستتكفل عملية التوظيف هذه بتخليص أوربا منهم بالطرق السلمية، أي أن نموذج الشعب العضوي المنبوذ تَحوُّل تدريجياً ليصبح نموذج الشعب العضوي المنبوذ النافع (وهذا هو جوهر الصهيونية). وقد طُرحت في عصر الاستنارة إشكالية مدى نفع اليهود وإمكانية إصلاحهم حتى يتسنى الاستفادة منهم.

وهكذا أصبح نموذج الشعب العضوي المنبوذ نموذجاً تفسيرياً أساسياً في الوجدان العقلي والعاطفي في الغرب بما يؤدي إليه من حلول صهيونية واضحة أو كامنة. وقد أصبح هذا النموذج، مع بداية القرن التاسع عشر، بُعداً أساسياً في الفكر السياسي الغربي تجاه اليهود والشرق. كما تمت مزاوجة المسألة اليهودية (الشعب المنبوذ) بالمسألة الشرقية (الدولة العثمانية وتقسيمها) بحيث يمكن حل المسألة الأولى، أي التخلص من اليهود، عن طريق استخدامهم كمادة بشرية في المسألة الثانية. وكان نابليون من أوائل السياسيين الذين توصلوا إلى هذه الصيغة. فهو أول سياسي يدعو اليهود، من حيث هم يهود، إلى الاستيطان في فلسطين، محاولاً الاستفادة منهم كمادة استيطانية في مشروعه الاستعماري. أما على مستوى فرنسا ذاتها، فقد كان الأمر جدُّ مختلف. فقد أصدر نابليون من التشريعات ما قضى عليهم كشعب عضوي، ووضع الخطط التي أدَّت في نهاية الأمر إلى دمجهم في الأمة الفرنسية.

ونموذج الشعب العضوي المنبوذ هو ذاته النموذج الرئيسي وراء فكر بول باستيل زعيم حركة الديسمبريين في روسيا، فقد كان يرى أن اليهود « يحافظون دوماً على روابط وثيقة بدرجة لا تُصدَّق، بسبب الدين والسيطرة الحاخامية على أوجه الحياة جميعاً »، أي أنهم شعب عضوي. والحل هو « إما تخليص اليهود من خصوصيتهم، واستيعابهم استيعاباً تاماً، أو مساعدتهم على تأسيس دولتهم الخاصة المستقلة في منطقة ما من آسيا الصغرى. ولهذا يجب تعيين نقطة تَجمُّع الشعب اليهودي بمساعدة بعض الجنود. وإذا تَجمَّع في مكان واحد جميع اليهود الروس والبولنديين، فإن عددهم سيبلغ أكثر من مليونين، وبعد أن يجتازوا أوربا التركية فإنهم يستطيعون أن يعبروا إلى تركيا الآسيوية حيث يمكنهم بعد الاستيلاء على أرض كافية لتأسيس دولة يهودية مستقلة». وبهذا، فإن باستيل ينظر إلى اليهود باعتبارهم مادة استيطانية يمكنه استخدامها كوسيلة في الصراع الناشب بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية.

وقد أصبح النموذج أيضاً بُعداً أساسياً في الفكر الاستعماري الإنجليزي، فنجد أن لورد شافتسبري يتحدث عن اليهود باعتبارهم عنصراً مستقلاً له سماته القومية المستقلة، ولكنه عنصر طفيلي فاسد. وانطلاقاً من هذا، فقد عارض مَنْحَهم الحقوق الدينية، ولكنه بذل جهوداً كبيرة في سبيل اتخاذ الخطوات اللازمة لتوطينهم في فلسطين. وقد تبنَّت وزارة المستعمرات رأيه منذ عام 1840.

ويستمر هذا الخط ليصل إلى بلفور الذي كان يؤمن إيماناً جازماً بأن اليهود كيان تختلط فيه القومية بالدين. وأنهم كيان غريب على الحضارة الغربية التي لم تسـتطع اسـتيعابهم. وكان بلفور يرى أن اليهـود، بطفيليتهم وعدم انتمائهم، يشـكلون عبئاً على الحضـارة الغربية، فاستصدر عام 1905 من القوانين ما يُوقف مد الهجرة اليهودية إلى إنجلترا. ولكن وزارته وافقت في العام نفسه على مشروع شرق أفريقيا. ثم ساهم بلفور، بعد ذلك، في استصدار الوعد الذي سُمي باسمه. والواقع أن كلا المشروعين يهدف إلى تخليص أوربا من اليهود، وذلك عن طريق الاستفادة منهم في مكان آخر.

وفي الفكر الاشتراكي الغربي، ظهر نموذج الشعب العضوي المنبوذ في فكر فورييه وتلاميذه، خصوصاً توسينيل وأدولف إلايزا الذي شبَّه اليهود بالبكتريا القذرة التي تحمل العفن إلى أي مكان تحل فيه. ويُلاحَظ أن الصورة المجازية هنا عضوية، تماماً مثل الشعب العضوي، وهي صورة مجازية استخدمها الزعيم الصهيوني نوردو والزعيم النازي هتلر. وقد تَبنَّى هؤلاء حلاًّ صهيونياً للمسألة اليهودية وطلبوا من اليهود أن يرحلوا إلى "بلادهم"!

وحينما ظهرت الصهيونية بين اليهود، كان هناك تَلازُم أيضاً بين نموذج الشعب العضوي المنبوذ وبين الاستيطان الصهيوني. وقد تَقبَّل كثير من الصهاينة هذا النموذج التفسيري وأسسوا عليها نظريتهم الصهيونية، فرددوا أن اليهود طفيليون، كريهون لا أخلاقيون، ويجب تطبيعهم عن طريق تطويعهم من أجل خدمة المشروع الاستعماري الغربي وتوطينهم في فلسطين. وفي أوائل القرن الحالي، كانت الزعامة الصهيونية في ألمانيا تؤكد تَدنِّي اليهود ووضاعتهم وعدم انتمائهم لإسباغ الشرعية والمعقولية على المشروع الصهيوني. ولهذا فقد قَبلت المقولات الأساسية لمعاداة اليهود واستوعبتها في بناء النسق الفكري الصهيوني ذاته. وقد ظهر الفكر النازي في هذه التربة، وهو فكر ينطلق من فكرة أن الشعب العضوي الألماني والشعب العضوي اليهودي المنبوذ يجب ألا يختلطا حتى يحتفظ كلٌّ بهويته العضوية. وقد بيَّن ألفريد روزنبرج، أهم مُنظِّري العقيدة النازية، إبان محاكمته في نورمبرج، أنه تَبنَّى رؤية بوبر حيث أعلن أن اليهود يجب يعودوا إلى أرض آسيا حتى يمكنهم (هناك فقط) العثور على جذور الدم اليهودي.

وقد وردت في قوانين نورمبرج الفقرة التالية عن الصهيونية ومبرراتها: "لو كان لليهود [أي الشعب العضوي المنبوذ] دولة خاصة بهـم تضمهـم جميعـاً في وطــن واحـد، لأمكن اعتبار المشكـلة اليهوديــة محلولة حتى بالنسبة إلى اليهود أنفسهم". ومن ثم، فــإن النازيين لم يكونوا ضد المشاريع الاستيطانية الصهيونية التـي تهـدف إلى التخلـص من اليهــود. ولكن، لسوء حظ ألمانيا واليهـود، لم يكن لدى ألمانيا مستعمرات في آسيا وأفريقيا (بعد إجهاض مشروعها الاستعماري على أيدي الدول الاستعمارية الأخرى). وربما، لو وُجدت مثل هذه المستعمرات الألمانية، لقام هتلر بكفاءته المعهودة بنقل فائض أوربا المنبوذ وانتفع منه ومن إمكانياته، بدلاً من إبادته وحرقه. ولكن مجال ألمانيا الحيوي في أوربا كان آهلاً بالسكان، ولذا، لم يكن بوسع هتلر سوى إبادة اليهود بدلاً من نقلهم (حسب منطق أوربا العملي المادي).

وقد لاحَظ كثير من المثقفين الألمان اللوثريين أعداء النازية ذلك التَطابُق بين الفكرة الغربية الخاصة بالشعب العضوي ونموذج الشعب العضوي كما عبَّر عنها الصهاينة، وقال ريتشارد كودينهوف كاليرجي، وهو من أكبر مناهضي العنصرية، إن القوميتين اليهودية والنازية حركتان حولتا الدنيا والمادة إلى مقولات ميتافيزيقية، أي إلى دين، وكلتاهما تُضفي صفة نسبية على كل القيم باستثناء القيم العرْقية وعلاقات الدم والتربة، بحيث تختفي جميع المعايير إلا معيارالعرْق. ثم أشار كاليرجي إلى أن كلتا الحركتين قبلتا القول بأن ألمانيا لا يمكنها استيعاب اليهود.

وقد اختفى نموذج الشعب العضوي المنبوذ إلى حدٍّ كبير من كتابات الصهاينة والمفكرين الغربيين بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنه لا يزال النموذج الفعال الكامن في كل الكتابات والمشاريع الصهيونية. وقد ظهرت في الآونة الأخيرة فكرة الشعب المقدَّس بين أعضاء جماعة جوش إيمونيم. وعندهم، كذلك، أن هذا الشعب يعيش وحده ولا يُحسَب بين الأمم، فهو شعب مقدَّس عضوي منبوذ. وتَنبُع أهمية فكرة الشعب العضوي المنبوذ من أنها تُبيِّن العلاقة العضوية الكامنة بين الصهاينة وأعداء اليهود.



الباب الخامس: منفى وعودة أم هـجرات وانتشار؟


إحسـاس اليهودي الدائم بالنفي الأزلي ورغبته الثابتة في العـودة
The Jewish Sense of Eternal Exile and Permanent Desire for Return
»إحساس اليهودي الدائم بالنفي ورغبته في العودة» هي عبارة تُبلوِّر النموذج الكامن وراء كثير من الدراسات التي تتناول الجماعات اليهودية في العالم، إذ يتم رصد أعضاء الجماعات اليهودية وتحركاتهم وكأن عندهم إحساساً بالنفي الأزلي ورغبة دائمة في العودة، وكأن هذا الإحساس وهذه الرغبة هما جزء من جوهر يهودي ثابت ومن المكونات الأساسية لطبيعة اليهود البشرية.

واليهودي حسب هذا النموذج التفسيري هو غريب ينتقل من مكان لآخر (ومن هنا صورة اليهودي المتجول)، الذي يحس بأنه في المَنْفَى، ومن ثم فعنده رغبة عـارمة دائمة في إنهـاء حالة النفي هـذه والعــودة إلى « وطنه الأصلي » فلسطين. ولذا أصبحت عبارات مثل «المَنْفَى» و«الشتات» و«الدياسبورا» و«العودة» كلمات متواترة مألوفة في الأدبيات الخاصة باليهود واليهودية (الصهيونية والمعادية لليهود وغيرها)، وتم تطبيعها تماماً، وكأنها مجرد وصف موضوعي ومحايد لأعضاء الجماعات اليهودية ولسلوكهم.

وفي مداخل هذا الجزء والذي يليه سنقوم بتفكيك هذه المفاهيم وإعادة تركيبها في ضوء دراستنا للتواريخ المتعينة لأعضاء الجماعات اليهودية حتى نبيِّن ضعف المقدرة التفسيرية لمثل هذه المفاهيم. وسنقترح اصطلاح «الانتشار» بديلاً عن «النفي والعودة» باعتباره أكثر تفسيرية.

المنـفى وااـعــودة
Exile and Return
تشير كلمة «جالوت»، أو «جولا» إلى المَنْفَى، والمَنْفَى القهري بالذات خارج إرتس يسرائيل أي فلسطين (مقابل المَنْفَى الطوعي أي «تيفوتسـوت»)، ولذا فهي تُترجَم عادةً إلى العربية بكلمة «المَنْفَى». كما تُستخدَم كلمة «دياسبورا» أي «الشتات» للإشارة إلى الجماعـات اليهودية التي تعيش مشتتة بين الشعوب الأخرى. وأحياناً تُستخدَم كلمة «دياسبورا» بشكل محايد بحيث تعني «الانتشار» بوصفه ظاهرة إنسانية عادية طبيعية. ويستخدم اليهود الإصلاحيون والاندماجيون المصطلح بهذا المعنى. وفي اللغة العربية، تُستخدَم كلمتا «الشتات» و«المَهْجَر» للإشارة إلى المكان الذي هاجر إليه اليهود أو هُجِّروا إليه. وتعني الكلمات السابقة («المَنْفَى» و«الدياسبورا» و«الشتات» و«المَهْجَر») وجود أعضاء الجماعات اليهودية المؤقت خارج إرتس يسرائيل (أي فلسطين) حتى تتحقق لهم الحالة الأصلية العادية والطبيعية بعودتهم إليها.

أما العودة فيُشار إليها في المصطلح الديني بكلمة «تشوفاه» (بمعنى التوبة أيضاً، على عكس «حزره» وهي عودة بالمعنى الدنيوي)، كما تُوجَد عبارة «كيبوتس جاليوت» أي «تجميع المنفيين» (بالإنجليزية:إنجاذرينج أوف ذي إكزايلز (ingathering of the exiles

وتشكل عقيدة المَنْفَى والعودة إحدى النقاط المحورية في الرؤية اليهودية إلى التاريخ والكون، وهي ترتبط، مثل كل العقائد الدينية اليهودية، بعقائد أخرى مثل عقيدة الماشيَّح والشعب المختار. وحسب هذه العقيدة، فإن إله اليهود حَكَم على شعبه المختار بالنفي والتشتت في بقاع الأرض لسبب يختلف الحاخامات اليهود في تحديده. وستستمر حالة المَنْفَى هذه إلى أن يعود الماشيَّح المخلِّص. وكالمعتاد، أحاط بهذه العقيدة ضرب من القداسة والخصوصية، فنجد أن الشعور بالنفي ليس نتيجة حتمية للنفي ذاته وإنما هو إحساس مقصور على اليهود حينما يبتعدون عن أرض الميعاد، وذلك بسبب ارتباطهم الحلولي أو العضوي بها، أي أنهم يجعلون المَنْفَى سمة أساسية وخاصية مقصورة على ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي»، ويصبح الإحساس بالغربة أمراً ينفرد به اليهود وحدهم. أما الفلسطينيون، فليس من حقهم ممارسة هذه الأحساسيس السامية إن نُفوا من أرض فلسطين أو ابتعدوا عنها، وذلك لانتفاء الصلة الحلولية أو العضوية بالأرض المقدَّسة. ونجد أيضاً أن «الشخيناه» (التجسيد الأنثوي للإله) قد نُفيَت مع الشعب خارج الأرض المقدَّسة، ولم يبق منها إلا جزء في حائط المبكى يذرف الدموع كل عام في ذكرى خراب أو هدم الهيكل.

وقد قامت القبَّالاه اللوريانية، بمنحاها الحلولي المتطرف، بتحويل النفي إلى صورة مجازية كونية شاملة. فبعد تَهشُّم الأوعية (شيفرات هكليم) أصبحت كل المخلوقات في حالة تَبعثر وشتات دائم وسقطت من حالة التماسك العضوي الناجم عن الحلول الإلهي في الإنسان والطبيعة. ومن ثم، فإن النفي حالة تنسحب على الكون بأسره، وضمن ذلك الإله ذاته الذي تَبعثَّر وتَشتَّت بعد هذه الواقعة الكونية. ويمكن أن تتم عملية الخلاص ـ خلاص الإله والكون والإنسان ـ بالتدريج. وهي عملية يشارك فيها الإنسان، ولكنها تعتمد بالدرجة الأولى على اليهود. فهم باتباعهم الوصايا الإلهية، وتنفيذهم الأوامر والنواهي، يمكنهم أن يساعدوا الرب والكون وسـائر المخـلوقات على العـودة إلى حالة التكامل والتماسك الأصلية. وتحوُّل النفي إلى حادثة كونية (في القبَّالاه اللوريانية) هو صدى لحادثة الصلب في المسيحية.

وقد حار المفسرون اليهود في تفسير عقيدة وظاهرة النفي هذه والتي لا تتفق مع كونهم الشعب المختار. ولذلك فُسِّر النفي بأنه إحدى علامات التميُّز والاختيار. فاليهود الذين تقطن الشخيناه في وسطهم، والذين يقطنون بدورهم وسط الأغيار، لا يحملون أوزارهم وحدهم وإنما يحملون أيضاً أوزار الأمم كافة. ولذلك، فإنهم بمثابة المشحاء (جمع «ماشيَّح») المصلوبين من أجل البشر، وهم بمثابة الروح التي تُوجَد في المادة. وبالتالي، فإن نفيهم تمهيد لخلاص البشر. وهكذا يصبح النفي عقوبةً على الذنوب وعلامةً من علامات التميز في آن واحد. وحينما يَحلُّ اليوم الموعود، سيأتي الماشيَّح ويقود شعبه ويعود به إلى الأرض المقدَّسة. ولكن بعض الحاخامات ذهبوا إلى أن المَنْفَى والشتات عقاب حَلَّ على اليهود بسبب تَركْهم طُرُق الرب و بسبب تأغرقهم. ويذهب المسيحيون إلى أن الشتات عقاب لليهود على إنكارهم المسيح عيسى بن مريم.

وقد تركت عقيدة النفي أثرها العميق على الوجدان اليهودي، فقد أضعفت إحساس اليهود بالزمان والمكان، وأضفت طابعاً مؤقتاً على كل شيء. وربما ساعد اضطلاع اليهود بدور الجماعة الوظيفية واشتغالهم المستمر بالتجارة والأعمال المالية والربا، وانتقالهم من مكان إلى مكان دون الانتماء الكامل لأي مكان (فالجماعة الوظيفية تُوجَد في المجتمع لكنها لا تصبح منه) ربما ساعد كل هذا على استمرار عقيدة المَنْفَى والعودة، وعلى اكتسابها هذه المركزية.

ولكن الموقف الديني التقليدي من المَنْفَى والعودة ليس واضحاً ولا قاطعاً. فعلى سبيل المثال، أكد الحاخامات أن محاولة العودة الفردية والفعلية، دون انتظار مقدم الماشيَّح، هو من قبيل التجديف والهرطقة، ومن قبيل «دحيكات هاكتس» أي «التعجيل بالنهاية»، أو من قبيل تَحدِّي الإرادة الإلهية. وقد عارض بعض اليهود الأرثوذكس الحركة الصهيونية بالفعل لأنها عودة مشيحانية دون ماشيَّح. بل إن هناك أوامر قاطعة في التلمود بألا يترك اليهودي بلده أو منفاه ليعود إلى بابل، لأن من يعيش في بابل كأنه يعيش في أرض يسرائيل. وجاء في موضع آخر: « صلوا لسلامة الدولة، فلولا خوف الناس منها لابتلع بعضهم بعضاً ». وقد أكد أحد الحاخامات أن مبدأ أو عقيدة العودة إلى فلسطين لا تُوجَد أية إشارة إلىها في كافة المحاولات التي تمت في العصور الوسطى لصياغة عقيدة يهودية. وقد نادى دعاة حركة التنوير اليهودية بأن المَنْفَى واقع مؤلم ومؤقت يجب أن يزول عن طريق الاندماج. أما العودة إلى صهيون، فهي مجرد فكرة روحية وليست رغبة حرفية. وقد حذفت اليهودية الإصلاحية الصلوات التي تُذكِّر اليهود بصهيون.

ولكن تُوجَد في اليهودية الحاخامية، وفي التلمود، نصوص ومواقف يُفهم منها أن هناك ضرباً من التَقبُّل أو التأييد لفكرة إنهاء المَنْفَى والعودة. وقد ذكر بعض الحاخامات أن كل يهودي يتعيَّن علىه أن يوّد (في قلبه) العودة إلى الأرض، فإن لم يتمكن من العودة فعلىه أن يساعد على الأقل في إرسال يهودي آخر، أي أن كلاًّ من الصهيونية الاستيطانية والصهيونية التوطينية كامنتان في النسق الديني اليهودي ذي الطبيعة الجيولوجية التراكمية.

وعلى وجه العموم، يمكن القول بأن أعضاء الجماعات اليهودية قد قبلوا وجودهم في الأوطان التي كانوا يعيشون فيها، وأن الحديث عن المَنْفَى أصبح جزءاً من الخطاب الديني، وأصبحت العودة تَطلُّعاً دينياً وتعبيراً عن حب صهيون، أي تعبيراً عن التَعلُّق الديني بالأرض المقدَّسة وهو تَعلُّق ذو طبيعة مجازية، لا يترجم نفسه إلى عودة حرفية إلى فلسطين، حتى وإن خلق استعداداً كامناً لذلك. ولكن، مع بدايات العصر الحديث والحركة الإمبريالية، وظهور الفكر الوضعي والتجريبي والنماذج المادية العلمانية المعرفية وتفسيرات العهد القديم الحلولية والحرفية، بدأ يظهر في صفوف المسيحيين البروتستانت فكر استرجاعي قوي تَرَك أثراً عميقاً في الجماعات اليهودية في أوربا، وبدأت تظهر حركات مشيحانية تهدف إلى تحويل فكرة العودة من تَطلُّع ديني مجازي إلى عودة فعلية، أي إلى استيطان. وقد تدعمت الفكرة مع ظهور الفكر القومي الغربي والتعريفات العرْقية للإنسان. ومع تَصاعُد الحركة الإمبريالية، بدأت الأفكار الصهيونية تتغلغل بين اليهود، خصوصاً وأن هذا قد تَزامَن مع ضعف اليهودية الحاخامية الأرثوذكسية التي تَقبَّلت المَنْفَى كحالة نهائية. وأخيراً، ظهرت الصهيونية بين اليهود في أواخر القرن التاسع عشر وأخذت من التراث الديني اليهودي ما يتفق مع أهوائها السياسية، واستولت على الخطاب الديني، وحوَّلت كل المفاهيم الدينية المجازية إلى مفاهيم قومية حرفية.

وطرحت الصهيونية رؤية للتاريخ تَصدُر عن تَصوُّر أن اليهود في حالة نفي قسرية فعلية منذ هَدْم الهيكل، وأنهم لو تُركوا وشأنهم لعادوا إلى فلسطين بدون تَردُّد. بل إن التواريخ الصهيونية ترى أن ثمة نمطاً متكرراً فيما يُسمَّى «التاريخ اليهودي»: نفي من فلسطين ثم عودة إليها، ونفي إلى مصر ثم عودة إلى فلسطين، ونفي إلى بابل ثم عودة إلى فلسطين، وأخيراً نفي إلى أرجاء العالم بأسره ثم عودة نهائية إلى إسرائيل، أي فلسطين.

إن إحدى مقولات الصهيونية الأساسية هي أن وجود اليهود على هيئة جماعات في أنحاء العالم هو حالة مؤقتة، وأن هذا الوجود إن هو إلا جسر يَعبُر عليه الشعب اليهودي إلى فلسطين. ومن دعاة هذا الرأي بن جوريون وممثلو الصهيونية الاستيطانية. ولكن ليس كل الصهاينة على هذا الرأي. فالصهيونية الإثنية، على سبيل المثال، ترى أن وجود الجماعات اليهودية خارج فلسطين ليس أمراً مؤقتاً وإنما حقيقة ثابتة، وأن هذه الجماعات لا تحتاج إلى إسرائيل موطناً، وإنما تحتاج إليها كمركز روحي لا كبلد يهاجر إليه جميع اليهود، فالنفي هنا حالة ثقافية ومن ثم يتم علاجه بطرق ثقافية أيضاً!

وبعد إنشاء إسرائيل، لم يهرْع اليهود إلى أرض الميعاد، ولم يتم تجميع المَنْفَيين كما كان يتوقع الصهاينة، وهو ما اضطر بن جوريون إلى ابتداع مصطلح «منفيُّو الروح» ليصف اليهود الذين يحيون حياة جسدية مريحة في المَنْفَى، ولكنهم بلا شك معذبو الروح. وهو بهذا يتبنَّى الصيغة الصهيونية الثقافية. ولكن المُلاحَظ أن منفيِّي الروح هم الأغلبية العظمى بين يهود العالم، أي أن اليهودية حتى بعـد إنشـاء الدولة الصهـيونية لا تزال يهـودية الدياسبورا. ولذلك فالجالوت، أو «المَنْفَى القسري» أصبح يُسمَّى «تيفوتسوت»، أو «المَنْفَى الاختياري »، وهذا تَناقُض عميق في المصطلح. ويبدو أن الولايات المتحدة تشكل تحدياً عميقاً لفكرة المَنْفَى، إذ أنها تشكل نقطة جذب هائلة للغالبية الساحقة من يهود العالم. وقد اتجهت لها الكتلة البشرية اليهودية من شرق أوربا (يهود اليديشية) وغيرها من أنحاء العالم. ولم تتجه سوى أقلية صغيرة إلى فلسطين، لأن أبواب الولايات المتحدة كانت مُوصَدة دونها. وقد بدأ يهود الولايات المتحدة ينظرون إلى إسرائيل لا باعتبارها وطناً قومياً، وإنما باعتبارها «الوطن الأصلي» أو «مسقط الرأس»، تماماً كما ينظر الأمريكيون من أصل أيرلندي إلى أيرلندا. ولكن هذه النظرة تفترض أن الولايات المتحدة ليست بمَنْفَى وإنما البلد التي يهاجر إليها أعضاء الجماعات اليهودية بمحض إرادتهم، بحثاً عن فرص جديدة. وإن كانت الولايات المتحدة ليست هي أرض الميعاد التي تُحقِّق أحلامهم الدينية ـ وهي أحلام أصابها الضمور على أية حال ـ فهي على الأقل «جولدن مدينا » أي البلد الذهبي التي حققت لهم معظم أحلامهم الدنيوية. وهذه الرؤية تعني أن يهود الولايات المتحدة لا يعتبرون بلدهم الجديد مَنْفَى. وبالفعل، نجد أن كتاب هوارد ساخار الأخير الذي صدر بعنوان الدياسبورا لا يضم فصولاً عن الولايات المتحدة، وذلك باعتبار أنها وطن قومي جديد. كما تعني هذه الرؤية أن يهود الولايات المتحدة لا يفكرون أيضاً في العودة لأن العودة لا تكون إلا إلى الوطن الأصلي. بل إن من الطريف أن الحاخام مناحم شنيرسون وحاخامات جماعة الناطوري كارتا (المعادية للصهيونية) يعتبرون دولة إسرائيل جزءاً من المَنْفَى.

أما في إسرائيل، فقد ظهر جيل جديد من الصابرا لا يفهم سيكولوجيا يهود المَنْفَى، وإن فهمها فهو لا يُكِّن لها احتراماً كبيراً. وهذا الانقسام بين يهود العالم ويهود إسرائيل من الصابرا وغيرهم يمثل مشكلة ضخمة تواجه الفكر الصهيوني. بل يبدو أن الولايات المتحدة بجاذبيتها تُهدِّد المستوطن الصهيوني ذاته، إذ أن أعداداً كبيرة من المستوطنين، وضمن ذلك الصابرا يهاجرون إلى الولايات المتحدة فيتركون الوطن إلى المَنْفَى! ويُطلَق على المهاجرين الإسرائيليين إلى الولايات المتحدة الدياسبورا الإسرائيلية.

وينطلق الصهاينة من افتراض وحدة الشعب اليهودي وضرورة تجميع المنفيين وصَهْرهم ومَزْجهم في شخصية نمطية واحدة (برغم تَعدُّد خلفياتهم الثقافية والحضـارية) حتى يُشْـفَوا من كل أمراض المنفـى. ولكن، كلما تم مَزْج أو صَهْر مجموعة من المهاجرين، تأتي مجموعة جديدة من المَنْفَى فيستعيد من انصهر كثيراً من السمات الحضارية التي كان قد فقدها إما من خلال الالتحام بالمهاجرين الجدد، إن كانوا من بني جلدتهم، أو من خلال مجابهتهم إن كانوا من تَجمُّع قومي آخر، أي أن تجميع المنفيين يتعارض بشكل حادّ مع مَزْجهم وصَهْرهم. وتظهر هذه المشكلة في موقف جماعات السفارد واليهود الشرقيين من المهاجرين الأشكناز واليهود الغربيين وخصوصاً السوفييت.

ونحن لا نستخدم كلمات ذات طابع عاطفي عقائدي مُتحيِّز، مثل «المَنْفَى » أو «الشتات»، إلا إذا تَطلَّب السياق ذلك، ونستخدم بدلاً من ذلك مصطلحـات محايـدة فنقـول: الجماعـات اليهودية في العالم وانتشارها فيه.

العـودة
Return
تشير كلمة «العودة» في الأدبيات اليهودية والصهيونية إلى عودة اليهود إلى فلسطين، أي «إرتس يسرائيل» أو «صهيون» أو «أرض الميعاد» بعد نفيهم منها.
وقد تكون العودة تحت قيادة الماشيَّح، وقد يقوم بها اليهودي بإرادته، دون انتظار مشيئة الإله. انظر: «المَنْفَى والعودة».

الشـــــــــــــــتات
Dispersion; Diaspora; Exile
«الشتات» مصطلح يُستخدَم أحياناً للإشارة إلى «المَنْفَى» أو «الدياسبورا».

الدياسبورا
Diaspora
«دياسبورا» كلمة يونانية تعني «الشتات» أو «الانتشار». وقد كانت الدياسبورا نمطاً شائعاً في العالم الهيليني الروماني، فلم يكن مقصوراً على اليهود بل كانت هناك جماعات من التجار اليونانيين الذين يؤسسون جماعاتهم ومجتمعاتهم الصغيرة في المدن التي يستقرون فيها، فكانوا يبنون فيها معابدهم ويعبدون آلهتهم، ويمارسون جميع مؤسسات حياتهم الهيلينية الأخرى مثل الجيمنازيوم. كما أن المدن اليونانية المختلفة خارج بلاد اليونان، بسكانها من المستوطنين اليونانيين، كانت تشكل دياسبورا. وبرغم أن الكلمة محايدة إلى حدٍّ كبير، لأن الانتشار تم بإرادة المنتشرين، إلا أنها في نهاية الأمر تعني تَشتُّتاً من مركز ما، والمركز في العقل الإنساني أفضل من الأطراف. أما في الكتابات اليهودية والصهيونية، فهي تحمل معنى سلبياً أكيداً، باعتبار أن اليهودي الموجود خارج فلسطين أو «إرتس يسرائيل» أو «صهيون» (في المصطلح الديني) أو «الوطن القومي» (في المصطلح السياسي) موجود خارج وطنه رغم أنفه، وبالتالي فهو في المَنْفَى. وتُميِّز هذه الكتابات بين المَنْفَى الاختياري والمَنْفَى القسري. ويتجلى ذلك في العبرية على وجه الخصوص إذ توجد كلمة «جولا» بمعنى المَنْفَى القسري، كما حدث ليهود المملكة الجنوبية حينما هُجِّروا إلى بابل. وتوجد كلمة «تيفوتسوت» بمعنى «المَنْفَى الاختياري أو الطوعي»، وهي تشير إلى اليهودي الذي يترك فلسطين بمحض إرادته ليستوطن بلداً آخر، وإلى الجماعات اليهودية التي ترفض العودة إلى فلسطين رغم وجود سلطة سياسية يهودية مستقلة أو سلطة شبه مستقلة، كما حدث ليهود بابل أيضاً بعد عودة نحميا وعزرا، وكما هو حادث ليهود العالم الغربي بل ويهود العالم بأسره الآن.

وقد ظهر استخدام جديد لكلمة «دياسبورا». فكثير من يهود الولايات المتحدة يرفضون استخدام الكلمة بمعنى «المَنْفَى المؤقت»، فالولايات المتحدة أو كندا هي وطنهم النهائي وليس المؤقت. ولذا، ففي كتاب هوارد ساخار الأخير الدياسبورا (عام 1985) لا توجد أية إشارة إلى الجماعات اليهودية في إسرائيل أو أمريكا الشمالية (الولايات المتحدة أو كندا) باعتبار أنهما لا يشكلان «مَنْفَى»، وبالتالي لا يمكن الحديث عنهما باعتبارهما دياسبورا. فكأن كلمة «دياسبورا» تستبعد كلاًّ من فلسطين والولايات المتحدة وكندا!

ونحن نُفضِّل في هذه الموسوعة أن نشير إلى «الجماعات اليهـودية في العـالم وانتشارهــا فيه» باعتبار أن استخدام كلمة «مَنْفَى»، أو حتى كلمة «دياسبورا»، يفترض علاقة قومية ما بين أعضاء هذه الجماعات وفلسطين، وهو ما تدحضه قراءة سلوكهم وأحداث التاريخ قراءة متأنية.

والواقع أن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم قد يرتبطون عاطفياً أو دينياً بإسرائيل (فلسطين)، ولكن حياتهم ككل تكون في العادة أكثر تركيباً، ومحاولة تفسير جميع تجاربهم التاريخية (المتنوعة وغير المتجانسة) في ضوء عنصر واحد، هو أمر تعسفي يَسقُط في الأحادية ويتجاهل منحنى الظواهر الخاص ويختزلها كلها داخل نمط واحد.

وقد نحت آرثر كوستلر مصطلح «الدياسبورا الخزرية»، كما ظهر مؤخراً مصطلح «الدياسبورا الإسرائيلية». وقد استُخدم من قبل مصطلح «الدياسبورا السامرية».

انظر: «المَنْفَى والعودة» - «العودة» - «الشتات».

المنفى القسري (الجالوت أو الجولا)
Galut
«المَنْفَى القسري» ترجمة للكلمة العبرية «الجالوت» أو «الجولا»، وهي ممقابل كلمة «تيفوتسوت» أو «المَنْفَى الطوعي». وكلمة «جالوت» ترجمة عبرية غير دقيقة لكلمة «دياسبورا» ذات المعنى المحايد إلى حدٍّ ما، فهي تعني كلاًّ من التشتت والانتشار. والانتشار يمكن أن يكون تلقائياً ويمكن كذلك أن يكون إرادياً، أما «الجالوت» فليس كذلك بل حالة يخضع لها الإنسان وتُفرَض عليه فرضاً.

المنفى الطوعي (تيفوتسوت)
Tefuzot
«المَنْفَى الطوعي» ترجمة للكلمة العبرية «تيفوتسوت» المُشتَقة من فعل «هفّيتس»، بمعنى «نثر» أو «بَعثَر» أو «فرَّق»، وهي مقابل كلمة «جالوت»، أي «المَنْفَى القسري»، وهما المقابل العبري غير الدقيق لكلمة «دياسبورا» اليونانية. فكلمة «دياسبورا» محايدة نوعاً، وتصف واقعاً قائماً، أي انتشار بعض الجماعات اليونانية خارج اليونان في مدن حوض البحر الأبيض المتوسط، وهو انتشار لم يتم قسراً. أما «تيفوتسوت» و«الجالوت» فهما يُدخلان في الاعتبار عنصر الإرادة والحالة العقلية. وعلى أية حال، فإن كلمة «تيفوتسوت» أقرب في المعنى إلى كلمة «دياسبورا».

شريعة الدولة هي الشريعة
Dina de Malkuta dina
«شريعة الدولة هي الشريعة» هي الترجمة العربية للعبارة الأرامية الآتية: «دينا دي ملكوتا دينا». وهي من أهم المبادئ في تاريخ الشريعة اليهودية. وقد ظهر المفهوم، أول ما ظهر، خارج فلسطين في صفوف الجماعة اليهودية في بابل أثناء حكم الأسرة الساسانية الفارسية، إذ أن وضع الجماعة اليهودية تَطلَّب توضيح قضية نطاق الشريعة اليهودية مقابل نطاق قانون أو شريعة الدولة، والعبارة في نهاية الأمر هي محاولة لحل قضية الولاء وازدواجه. وقد قَلَّصت عبارة «شريعة الدولة هي الشريعة» نطاق تطبيق شريعة التوراة، إذ أنها تتضمن اعترافاً بالقانون المدني غير اليهودي، كما تعترف بأنه يَحلُّ محل الشريعة الدينية في الأمور الدنيوية، وهو ما يعني وجوب اتباع شريعة الدولة حتى لو تناقضت مع الشريعة اليهودية. ولم يكن هذا المبدأ ينطبق بطبيعة الحال على الطقوس والشعائر الدينية. وينم تَبنِّي هذا المبدأ عن مقدرة أعضاء الجماعات اليهودية على التكيف مع محيطهم الحضاري والاندماج فيه، وهو الأمر الذي هيأ البقاء لليهود والاستمرار لليهودية. وقد استُخدمت هذه المقولة أحياناً لتقويض دعائم الشريعة اليهودية، كما حدث مع دعاة التنوير الذين آمنوا بالنظرية السياسية الغربية التي حوَّلت الدولة إلى مُطلَق، فاستخدموا هذه المقولة لهدم سلطة الدين. ومعنى هذا أنهم ولَّدوا الفكر العلماني الإلحادي من داخل النسق الديني ذاته.

تجميــــــع المنفـــــيين
Ingathering of the Exiles
«تجميع المنفيين» ترجمة للعبارة العبرية «كيبوتس جاليوت». وهو مصطلح ديني تبنته الصهيونية يشير إلى فكرة عودة كل أعضاء الجماعات اليهودية المنفيين أو المنتشرين في أنحاء العالم إلى فلسطين وتجميعهم هناك. لكن تجميع المنفيين (حسب التصور اليهودي الأرثوذكسي التقليدي) هو مَثَل أعلى ديني لا يتحقق إلا بعد عودة الماشيَّح كما لا يتحقق إلا بإرادة الإله، وعلى المؤمن أن ينتظر بصبر وأناة إلى أن يأذن الإله بذلك. ولكن الصهيونية، كعادتها، فهمت الفكرة فهماً حرفياً وجعلتها أساس عقيدتها السياسية، وجعلت من واجب اليهودي ألا ينتظر الإرادة الإلهية بل يعمل من أجل هذا الهدف بنفسه، وهو ما يُسمَّى «التعجيل بالنهاية». وأصبحت العبارة تعني استيطان اليهود في فلسطين (إسرائيل). ورغم كل المحاولات الصهيوينة الدائبة، لم يتحقق هذا الهدف حتى الآن، إذ تظل غالبية من يُقال لهم المنفيين من أعضاء الشعب اليهودي لا تَشعُر بحالة النفي الافتراضية. ومن ثم، فإنهم يؤثرون البقاء في أوطانهم على العودة إلى أرض الميعاد.

التعجيـل بالنهايـة (دحيكات هاكتـس)
(Forcing the End )Dahikat ha-Ketz
«التعجيل بالنهاية» ترجمة للعبارة العبرية «دحيكات هاكتس»، ومعناها «الضغط على الإله لإجبار الماشيَّح على المجيء»، ويُشار إلى المُعجِّلين بالنهاية على أنهم «دوحاكي هاكتس». فاليهودية الحاخامية، في أحد جوانبها، تؤمن بأن العودة إلى أرض الميعاد ستتم في الوقت الذي يحدده الإله وبالطريقة التي يقررها، وأن العودة ليست فعلاً يحدث بمشيئة البشر. وقد جاء في التلمود (سفر الكتبوت): "لا تعودوا ولا تحاولوا أن تُرغموا الإله".

وقد اتهم الحاخامات الصهيونية بأنها تسعى إلى التعجيل بالنهاية وتَحدِّي مشيئة الإله. والصهيونية ذاتها واعية بأن موقفها من العودة مختلف عن الموقف الديني التقليدي الذي انتقده بن جوريون ووصفه بالسلبية والاتكالية.

بدايــة الخـــــلاص
Beginning of Redemption
«بداية الخلاص» ترجمة للعبارة العبرية «هتحالات جئولاه». وهي محاولة تستهدف تَجاوُز المفهوم التلمودي الذي يُحرِّم على اليهود العودة إلى أرض الميعاد، ويفرض عليهم انتظار وصول الماشيَّح بمشيئة الإله. وقد وُصف من يحاول أن يأخذ الأمور في يديه بأنه يستعجل النهاية (دوحاكي هاكتس). وقد كانت متتالية الخلاص كما يلي: نفي ـ انتظار ـ عودة الماشيَّح ـ عودة اليهود معه أو تحت قيادته.

ولكن، بعد صهينة اليهودية، بدأت قطاعات داخل اليهودية الأرثوذكسية ذاتها تحاول أن تصل إلى تَفاهُم مع الصهيونية، فَعدَّلت المتتالية إلى ما يلي: نفي ـ عودة بعض اليهود للإعداد للخلاص ـ عودة الماشيَّح ـ عودة اليهود. وبالتالي، فإن الاستيطان الصهيوني يصبح من قبيل العودة للإعداد لعودة الماشيَّح، وتصبح الدولة الصهيونية بداية الخلاص، أي أن عودة الماشيَّح تصبح نتيجة عودة اليهود لا سبباً لها. وهذا تكرار للنمط الحلولي الذي نلاحظه في اليهودية: تَوازي الإله والإنسان ثم تفوُّق الإنسان على الإله في الأهمية.

الشتات السامري أو انتشار السامريين
Samaritan Diaspora
يُشار إلى «الشتات السامري» أحياناً بمصطلح «الدياسبورا السامرية». ويتمثل الشتات السامري في واقعة هجرة بعض السامريين من فلسطين وانتشارهم في مدن وبلاد مختلفة واستيطانهم فيها بشكل نهائي ودائم، ثم تأسيس جماعات سامرية مختلفة، وقد تأسست جماعات سامرية في كلٍّ من: سالونيكا وروما وحلب ودمشق وغزة وعسقلان ومصر. وقد بدأ انتشار السامريين من فلسطين مع الفتح اليوناني للمنطقة في عام 323 ق.م.

الشتات الخزري أو انتشار يهود الخزر
Khazar Diaspora
«الشتات الخزري» عبارة تُستخدَم للإشارة إلى شتات أو هجرة سكان إمبراطورية الخزر اليهودية منها بعد سقوطها إلى أماكن متفرقة من أهمها المجر ثم بولندا. وثمة نظرية تذهب إلى أن تَزايُد عدد يهود بولندا ابتداءً من القرن الثاني عشر لا يعود إلى هجرة يهود أوربا إليها أثناء حروب الفرنجة، كما تقول معظم الدراسات التاريخية، وإنما يعود إلى الشتات الخزري واستيطان بقايا يهود الخزر فيها. ولو صَدَقت هذه المقولة، فإن أصل معظم يهود العالم خزري تركي وليس سامياً. وعلى كلٍّ، لم تَعُد هذه نقطة مهمة في الأدبيات الصهيونية، باعتبار أن الصهاينة يؤسسون نظريتهم في الحقوق لا على أساس عرْقي وإنما على أساس إثني وعلى أساس الأمر الواقع، الإرهاب والقوة.

البلد الذهبي (جولدن مدينا)
Golden Medina
«جولدن مدينا» عبارة يديشية تعني «البلد الذهبي»، وكان يستخدمها المهاجرون اليهود من شرق أوربا (يهود اليديشية) للإشارة إلى الولايات المتحدة.

وبمعنى من المعاني، لا تزال الولايات المتحدة هي « الجولدن مدينا» أو البلد الذهبي التي يتجه إليها يهود العالم، ومنهم الإسرائيليون، بدلاً من أرض الميعاد، وهذا ما حدا بالبعض للإشارة إلىها بأنها الـ «جولدن كاف golden calf»» أي «العجل الذهبي». والجولدن مدينا هي أرض الميعاد العلمانية، التي لا تَعد أحداً بالخلاص الروحي، ولكنها تَعد الجميع بخلاص الجسد من خلال السلع والترف والراحة. ولعل تَصاعُد معدلات العلمنة بين يهود العالم هو الذي يجعلهم يتجهون بهذه الصورة إلى الولايات المتحدة. وقد أثبت المهاجرون السوفييت أن ولاءهم الحقيقي يتجه نحو صهيون العلمانية هذه، وأن دولة إسرائيل إن هي إلا مبيت مؤقت ينتظرون فيه وصول الإشارة على هيئة تأشيرة هجرة إلى الولايات المتحدة.

الدياسـبورا الثانية
Second Diaspora
«الدياسبورا الثانية» مصطلح يتواتر في الخطاب الصهيوني للإشارة إلى هجرة اليهود السوفييت إلى الولايات المتحدة بدلاً من إسرائيل، باعتبار أنهم ينتقلون من دياسبورا أولى (الاتحاد السوفيتي) إلى دياسبورا ثانية (الولايات المتحدة). وقد قال أحد المتحدثين الصهاينة إن اليهود السوفييت حوَّلوا الوكالة اليهودية والدولة الصهيونية إلى ما يشبه شركة رحلات سياحية متخصصة في نقل المسافرين اليهود السوفييت من مَنْفَى إلى آخر.

الخـروج الثـــاني (أو خــروج صهيــون(
(Second Exodus )or Exodus of Zion
«الخروج الثاني» مصطلح يُستخدَم للإشارة إلى عدة مدلولات متناقضة. والخروج الأول هو، في العادة، الخروج من مصر إلى أرض كنعان، أي فلسطين. أما مصطلح «الخروج الثاني»، فيُستخدَم للإشارة إلى هجرة الصهاينة من بلادهم واستيطانهم فلسطين، فهو خروج للتحرر من العبودية عن طريق الاستيلاء على الأرض الفلسطينية، وهو يشبه خروج جماعة يسرائيل من مصر تحت قيادة موسى واستيلاءهم على أرض كنعان، بل إن هذا الخروج الثاني يعد أهم من الأول إذ أنه خروج نهائي وأخير.

ويُستخدَم المصطلح مؤخراً للإشارة إلى نزوح كثير من المستوطنين الصهاينة من إسرائيل، فكأن خروجهم الأول كان من أوطانهم الأصلية أما خروجهم الثاني فهو من المُستوطَن الصهيوني. كما تتحدث الصحف الإسرائيلية عن «خروج صهيون»، أي خروج اليهود من وطنهم القومي.

الدياسبورا الإسرائيلية
Israeli Diaspora
«الدياسبورا الإسرائيلية» عبارة تُستخدَم للإشارة إلى المستوطنين الصهاينة الذين ينزحون عن إسرائيل ويستوطنون خارجها، في الولايات المتحدة عادةً. وهذا المصطلح ينطوي على تَناقُض عميق. فكلمة «دياسبورا» تشير عادةً إلى اليهود الموجــودين خارج فلسطين برغـم إرادتهم، ولذا فهم «منفـيون». ولكـن أن تكــون الدياسبورا إسرائيلية، أي مجموعة بشرية يهودية كانت تقطن في أرض الميعاد ذاتها، في ظل الكومنولث اليهودي الثالث أي الدولة الصهيونية، وتقرر بكامل إرادتها أن تهاجر (بحثاً عن الرزق والحراك الاجتماعي غالباً)، فهذا أمر صعب، إذ كيف يمكن الحديث عن «دياسبورا» أو عن «مَنْفَى» إذا لم يكن هناك قسر؟ ويمكن أن نقول (لذلك) إن كلمة «دياسبورا» مُستخدَمة هنا بمعناها المحايد أي مجرد الانتشار.

والواقع أن الدياسبورا الإسرائيلية تتحدى نظامنا التصنيفي، فالمهاجرون الإسرائيليون ليسوا صهاينة استيطانيين بطبيعة الحال، إذ أنهـم تخلَّوا عن المشـروع الصهيوني. كما أنهم ليـسوا بصهاينة توطينيين، إذ ليس من المُحتَمل أن يقوموا بتشجيع الآخرين على الاستيطان. ومجرد وجودهم في البلد الذهبي (جولدن مدينا)، أي الولايات المتحدة، يقف دليلاً على عدم جاذبية الدولة الصهيونية. وهم يسببون كثيراً من الحرج ليهود الولايات المتحدة وللصهاينة التوطينيين حين يُطرَح هذا السؤال: هل من الواجب إغاثة هؤلاء اللاجئين باعتبارهم « يهوداً » أم يجب مقاطعتهم باعتبارهم مرتدين أو هابطين تركوا أرض الميعاد ونكصوا على أعقابهم؟

ويبلغ عدد أعضاء الدياسبورا الإسرائيلية في الولايات المتحدة حوالي 500 ألف حسب التقديرات الرسمية. وحسب التقديرات غير الرسمية، يبلغ العدد 750 ألفاً، ولكنه يبلغ مليوناً إن حسبنا أبناء المهاجرين. وقد أشارت إحدى الصحف الإسرائيلية إلى هذه الظاهرة باعتبارها «خروج صهيون». كما ذكرت صحيفة أخرى للإسرائيليين أن عدد سكان الدولة الصهيونية (عند إنشائها في عام 1948) كان لا يتجاوز 700 ألف، أي أقل من عدد المهاجرين منها، وهو ما يُفقدها كثيراً من الشرعية.

انتشـــــار الجماعــــات اليهوديــــة
Diffusion of the Jewish Communities
نحاول في هذه الموسوعة أن نستخدم الكلمة المحايدة «انتشار» (وأحياناً «هجرة» أو «تهجير») بدلاً من العبارات الشائعة مثل «المَنْفَى» و«الدياسبورا» و«الشتات» و«المَهْجَر»، فهي جميعاً مصطلحات وعبارات إما مُشتقَّة مباشرةً من المُعجم الديني اليهودي أو متأثرة به، فمقدرتها التفسيرية والتصنيفية والوصفية ضعيفة.



الباب السادس: هجرات وانتشار أعضاء الجماعات اليهودية


هـجرات أعضـــاء الجـماعــات اليهــودية: مقـــدمة
Migrations of Memebers of Jewish Communities: Introduction
يُلاحَظ أننا في هذه الموسوعة لا نستخدم مصطلح «الهجرة اليهودية» قدر استطاعتنا وإنما نستخدم بدلاً من ذلك مصطلح «هجرة أعضاء الجماعات اليهودية»، فالمصطلح الأول يعني أن ثمة حركيات مستقلة ذات طابع يهودي هي التي تحكم عملية الهجرة وتدفعها. ونحن نذهب إلى أن أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة خاضعون لحركيات جذب وطرد لا تختلف كثيراً عما يخضع له سائر أعضاء المجتمع الذي ينتمون إليه. كما أننا نستخدم مصطلح «انتشار» لنصف ظاهرة هجرة أعضاء الجماعات واستقرارهم في أرجاء المعمورة. ويُلاحَظ أننا نُميِّز بين الاستقرار والاستيطان، فالأول لا ينطوي على أي عنف أو اغتصاب أرض، أما الثاني فهو على عكس ذلك.

وتذهب التواريخ الصهيونية والمعادية لليهود إلى أن أعضاء الجماعات اليهودية لا يستقرون في وطن واحد، فهم دائمو التنقل والترحال والهجرة (وهذا تعبير عن إحساسهم الأزلي بالنفي ورغبتهم الثابتة في العودة إلى أرض الميعاد!). وتُجرِّد التواريخ الصهيونية هذه السمة وتعتبرها، مثلها مثل سمات أخرى كالهامشية والطفيلية، سمةً مُطلَقة تتصف بها «الهوية اليهودية» وما يُسمَّى «التاريخ اليهودي». ولكننا نرى أنه لا توجد «هوية يهودية» واحدة أو «تاريخ يهودي» وإنما هناك هويات يهودية وتواريخ يهودية (أو تجارب تاريخية) للجماعات اليهودية تختلف باختلاف الزمان والمكان. وإذا درسنا هذه التجارب في سياقها المتعيِّن، فسوف نكتشف أن الهجرة ليست سمة مُطلَقة ولا تنطبق على اليهود أينما وُجدوا. فالجماعة اليهودية في إثيوبيا والمسماة بالفلاشاه مكثت مئات السنين في موطنها لا تتحرك منه ولا تغادره، ولم تهاجر إلا في الثمانينيات حينما قامت الدولة الصهيونية بتهجير أعضائها في ظروف المجاعة في أفريقيا لتحرز انتصاراً مذهبياً أمام يهود العالم، ولتظهر مرة أخرى بمظهر الدولة التي "تنقذ" اليهـود. كما أن يهود بابل ظلوا في موطنهم منذ الألف الأول قبل الميـلاد حتى عام 1951، حينما قام العملاء الصهاينة المتخفون بإلقاء المتفجرات عليهم ليبثوا الرعـب في قلـوبهم ولإيـهامهم بأن حياتهم تحفها المخاطر. أما اليهود الذين هُجِّرو إلى آشور (أسباط يسرائيل العشرة المفـقودة)، فيبـدو أنهـم انصـهروا تمامـاً واختفوا. وفي الوقت الحاضر، فإن خروج يهود الاتحاد السوفيتي هو نتيجة حركيات داخلية خاصة بالمجتمع السوفيتي ولانهيار المنظومات الاشتراكية.

ومع هذا، توجد جماعات إنسانية تتنقل بشكل دائم وتنتقل من مكان لآخر، ويعود هذا التنقل إلى ظاهرة إنسانية لها آلياتها وحركياتها التاريخية والإنسانية المفهومة.

وقد قضت القبائل التركية مئات السنين في التجوال، وكان من بينها قبيلة الخزر التي تهوَّد أعضاؤها فيما بعد. ويمكن الإشارة كذلك إلى المغول وحروب الفرنجة، وإلى هجرة قبائل الهون الذين تُمثِّل غزواتهم جزءاً من عمليات التنقل التي تعود إلى أسباب اقتصادية وسكانية وحضارية مختلفة. وفي العصر الحديث، يمكن الإشارة إلى هجرة الأرمن والأيرلنديين ومجموعات بشرية أخرى هاجرت من أوربا إلى الولايات المتحدة وغيرها من البلدان لعدة أسباب مركبة.

ويُلاحَظ أن كثيراً من أعضاء الجماعات اليهودية يتنقلون ويهاجرون لأنهم أعضاء في جماعات وظيفية، قتالية أو استيطانية أو تجارية. ولهذا السـبب، انتقل بعض الجنود العبرانيين إلى مصـر ليعملوا كمرتزقة، كما وطَّن السلوقيون والرومان اليهود كعنصر استيطاني في بعض أرجاء إمبراطورياتهما. ومع حلول العصور الوسطى في الغرب، خضع أعضاء الجماعات اليهودية لعمليات من الطرد والتهجير والتوطين كجماعة وظيفية وسيطة مرتبطة بحرفتي التجارة والربا. فالجماعة الوسيطة لا جذور لها في المجتمع، تعيش في مسامه، وهي دائماً على استعداد للرحيل لأن المجتمع يبقيها بمقدار نفعها وبمقدار اضطلاعها بوظيفتها. ولذا، فإن أعضاء الجماعة الوسيطة دائمو التنقل، لا يشتغلون بالأعمال الزراعية ولا بالأعمال الإنتاجية التي تتطلب الاستقرار. ومع ظهور طبقات محلية، واضطلاع الدولة القومية الحديثة بدور اليهود، زادت عمليات الطرد وبالتالي التنقل. وصورة «اليهودي التائه»، برغم إيحاءاتها الدينية والعنصرية المختلفة، تضرب بجذورها في عملية التنقل هذه.

وإذا نظرنا إلى أهم فترتين تَنقَّل فيهما أعضاء الجماعات اليهودية (المرحلة العبرانية ثم المرحلة الحديثة في أوربا من منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين)، فسنكتشف أن العبرانيين وأعضاء الجماعات اليهودية كانوا يشكلون جزءاً من كلٍّ أكبر. لقد كان العبرانيون جزءاً من جماعات سامية ضخمة تتحرك في الشرق الأدنى القديم، ابتداءً من الألف الثاني قَبْل الميلاد، وتضم الخابيرو والأخلامو والآراميين والهكسوس وغيرهم. ونحن نسمِّي هذه المرحلة المرحلة السامية السديمية لأن معالم الأشياء لم تكن واضحة ولأن القبائل والأقوام المهاجرة المتنقلة كانت متداخلة. كما شهدت مرحلة الإمبراطوريات الكبرى، البابلية والآشورية ثم الفارسية واليونانية والرومانية، بدايات الهجرة التي تعاظمت بالتدريج حتى وصلت ذروتها مع نهاية الألف الأول قبل الميلاد وأصبح عدد اليهود خارج فلسطين أكثر من ضعف عددهم داخلها. ويُلاحَظ أن الهجرة اليهودية تتعاظم داخل إطار الإمبراطوريات التي تُيسِّر لهم حرية الحركة.

وهجرة يهود شرق أوربا (يهود اليديشية) إلى الولايات المتحدة وكندا وفلسطين وغيرها من الدول الاستيطانية بأعداد هائلة، حتى انتقلت الكتلة البشرية اليهودية إلى الولايات المتحدة وإســرائيل (فلسـطين)، هي بالمثل هجرة تمت داخل إطار إمبراطوري. فقد تمت داخل التشكيل الاستعماري الغربي وتجربته الاستيطانية في أنحاء العالم، تلك التجربة التي بدأت في القرن السابع عشر وزادت حدتها في أوائل القرن التاسع عشر ووصلت ذروتها في أواخره، واستمرت بعد ذلك ثم بدأت تخبو بعد الحرب العالمية الثانية مع تَوقُّف الانفجار السكاني في الغرب. لقد هاجر من سكان أوربا نحو 65 مليوناً خلال قرن ونصف القرن (1800 ـ 1950)، وكان من بينهم الإيطاليون والأيرلنديون والألمان وكثير من سكان شرق أوربا، وكان من بين هؤلاء أعضاء الجماعات اليهودية. وقد هاجر إبان هذه الفترة أربعة ملايين يهودي، أي 6% من جملة المهاجرين، كانوا لا يشكلون سوى 1.5ـ 2% من سكان أوربا، أي أن معدل الهجرة بين اليهود كان أربعة أضعاف معدلها العام. ولكن، في الفترة من عام 1801 إلى عام 1921، هاجر نحو ثمانية ملايين أيرلندي، ولاتزال عملية الهجرة مستمرة من بلد لا يزيد عدد سكانه على ثلاثة ملايين ونصف المليون. وكانت هجرة الأيرلنديين أكثر من هجرة اليهود كما أنها كانت محمومة. وبلغت نسبة اليهود الذين يرجعون إلى بلادهم الأصلية 8%، أما نسبة الأيرلنديين العائدين فكانت لا تزيد على 7%. ويُلاحَظ أن الهجرة اليهودية إلى الولايات المتحدة كانت تضم في الأساس عناصر إشكنازية.

وقد كانت الهجرة اليهودية تأخذ في الماضي شكل التقهقر من المناطق المتقدمة إلى المناطق الأقل تقدماً؛ من الشرق القديم إلى أوربا التي كانت من أكثر مناطق العالم تخلفاً. وفي أوربا نفسها، أخذت الهجرة في العصور الوسطى شكل التحرك من إنجلترا وفرنسا إلى ألمانيا ومنها إلى شرق أوربا أكثر المناطق تخلفاً. وابتداءً من القرن السابع عشر، أخذت الهجرة شكلاً مغايراً وهو الهجرة من الأماكن الأقل تقدماً إلى الأماكن الأكثر تقدماً؛ من شرق أوربا إلى وسطها وإلى إنجلترا والولايات المتحدة. وإذا كان هذا هو نمط الهجرة، فإن الولايات المتحدة تصبح منطقياً نقطة الجذب المُطلَقة، وهذا هو الوضع القائم حتى الوقت الحالي.

ويُلاحَظ أن العنصر المشترك في كلتا الهجرتين (من البلاد المتقدمة إلى المتخلفة والعكس) هو أن اليهود كانوا عنصراً استيطانياً ريادياً يبحث عن الفرص الجديدة للاستثمار والحراك. وحينما كانت الفرصة موجودة في المناطق المتخلفة، كانت الهجرة تتجه نحوها. ولكن، مع الثورة التجارية، تغيَّر الوضع تماماً وأصبح البحث عن الفرص الاقتصادية يدور في الدول الاستيطانية المتقدمة. ويُلاحَظ أن هجرة اليهود قلما كانت تتجه إلى فلسطين.

وهنا لابد من التفرقة بين الهجرة والاستعمار الاستيطاني. فالهجرة من بلد إلى آخر تعني قبول أهل البلد الجديد للقادمـين نظراً للحاجة إليهـم، وهي تنتهي باستقرار المهاجر في بلده الجديد. ولكن إذا فَرَض القادمون الجدد أنفسهم عن طريق العنف، فإن من الصعب أن نسمي ذلك «هجرة». والواقع أننا يمكن أن نتحدث عن هجرة الأيرلنديين إلى الولايات المتحدة واستقرارهم فيها بعد أن استوطنها الإنسان الأبيض وأباد سكانها الأصليين، حيث لم تَعُد هناك حاجة إلى العنف من جانب المهاجرين الجدد بعد أن تولى المستوطنون الأوئل هذه المهمة نيابة عنهم. أما في جنوب أفريقيا (حتى وقت قريب) وفي فلسطين، فإن الوضع جدُّ مختلف، ذلك أن السكان الأصليين لا يزالون مستمرين في المقاومة، وهو ما يجعل العنف ضدهم ضرورياً. وعلى هذا، فيمكن الحديث عن استيطان الهولنديين في جنوب أفريقيا والصهاينة في فلسطين، أو عن هجرتهم للاستيطان أو هجرتهم الاستيطانية.

ويُلاحَظ أن كثيراً من المهاجرين اليهود تم توطينهم في أمريكا اللاتينية، بل وفي روسيا السوفيتية، بمعرفة مؤسسات يهودية توطينية كوَّنها يهود العالم الغربي لتحويل تيار الهجرة عن بلادهم للحفاظ على وضعهم الطبقي ومكانتهم الاجتماعية. ولذا، فنحن نفرِّق بين «الاستيطان» و«التوطين». ويستطيع القارئ أن يعود إلى مداخل الباب المعنون «الصهيونية التوطينية» والباب المعنون «المؤسسات التوطينية».

الاســتقرار
Settlement
«الاستقرار» هو أن يهاجر شخص من بلده نتيجة ظروف موضوعية (عوامل طَرْد في الوطن الأصلي) أو ذاتية (رغبة في الحراك الاجتماعي) فيحمل متاعه ويذهب إلى بلد آخر يوافق على هجرته أو يرحب به. ويتم ذلك عادةً في إطار قانوني. ومن ثم، فإن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية من أوربا إلى الولايات المتحدة هي عملية استقرار في الوطن الجديد. و«الاستقرار»، بطبيعة الحال، غير «الاستيطان». وفي اللغة الإنجليزية لا يُوجَد سوى كلمة واحدة هي «ستلمنت settlement» للتعبير عن المعنيين المختلفين.

هجرات أعضاء الجماعات اليهودية حتى بداية العصر الحديث
Migrations of Memebers of Jewish Communities up to the Beginning of Modern Times
ينتقل بعض أعضاء الجماعات اليهودية من وطن إلى آخر بحثاً عن الرزق ولتحسين المستوى المعيشي بصفة عامة، أو لأسباب أخرى مثل التهجير والطرد أو الاضطهاد أحياناً. وإن قبلنا الرأي القائل بأن الخابيرو الذين ورد اسمهم في لوحات تل العمارنة هم العبرانيون، فإن أول إشارة إليهم كانت باعتبارهم شعباً متجولاً. وقد اتسمت حياة العبرانيين في عصر الآباء ( منذ عام 2000 ق.م) بالتنقل البدوي من بلد إلى آخر وبالبقاء على حواف المدن أو على طُرُق التجارة. وفي هذه المرحلة، استوطنت بعض العناصر العبرانية أرض كنعان وفي مصر دون أن تضرب جذوراً في أي منهما. وقد خرج العبرانيون من مصر أو هاجروا منها (عام 1645 ق.م) ليبدأوا فترة أخرى من التجوال في سيناء انتهت بالتغلغل العبراني في كنعان (عام 1189 ق.م) الذي أعقبته فترة من الاستقرار النسبي بعد قيام اتحاد القبائل العبرانية في شكل المملكة العبرانية المتحدة ثم المملكتين العبرانيتين: المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية. وقد انتهت هذه المرحلة بالتهجير الآشـوري ثم التهجير البابلـي.

وبعد هذه المرحلة، ينتهي التهجير ليبدأ اليهود في الانتشار في بقاع الأرض بوصفهم جماعات يهودية لا يربطها رابط سوى الانتماء إلى العقيدة الدينية الإثنية نفسها. وتبدأ هذه المرحلة حين فضلت أعداد كبيرة من اليهود الاستمرار في بابل مُكوِّنةً بذلك نواة أول جماعة يهودية تستقر خارج فلسطين بعد مرحلة التهجير البابلي. ومن الممكن أيضاً الإشارة إلي الجماعة الصغيرة في جزيرة إلفنتاين التي كانت تشكل حامية عسكرية تحمي حدود مصر الجنوبية.

ثم قامت الإمبراطورية اليونانية بفرض هيمنتها على أجزاء كبيرة من البحر الأبيض والشرق الأدنى القديم (332 ق.م)، وهو ما يسَّر عملية انتقال اليهود وانتشارهم، فاستقرت أعداد كبيرة منهم (كجماعات وظيفية استيطانية وقتالية ومالية) في مصر، وفي الإسكندرية على وجه الخصوص. كما استقروا في برقة وقبرص وآسيا الصغرى. وقد بدأ الانتشار في أوربا الغربية في تلك المرحلة أيضاً.

وحين قضى الرومان على فلسطين كإحدى نقاط تَجمُّع الجماعات اليهودية وأحد مراكزها، وحتى حين هدم تيتوس الهيكل (عام 70م)، لم يؤثر ذلك كثيراً في حركة تَدفُّق اليهود أو على شكلها، إذ أنها بدأت على أية حال قبل ذلك التاريخ، حيث استمر تَدفُّق اليهود خارج فلسطين وإلى مختلف البلدان، خصوصاً إلى أوربا وحوض البحر الأبيض المتوسط. ويُقال إن هجرة اليهود إلى الجزيرة العربية تعود إلى هذه الفترة أو بعدها، وقد تم طَرْد اليهود منها مع ظهور الإسلام، ولكن يبدو أن أعداداً كبيرة لم تغادرها. كما أن الجماعة اليهودية في اليمن لم تتأثر بقرار الطرد، فقد بقيت أعداد منها واستمر وجودها حتى العصر الحديث. وفي أوائل القرن العشرين، قام المستوطنون الصهاينة بتوطين عدد من يهود اليمن في فلسطين لسد حاجتهم إلى العمالة، ثم هاجرت أغلبيتهم في عام 1948 إلى فلسطين، ولا تزال توجد بقايا من هذه الأقلية في صعدا وغيرها من المناطق.

وقد شهدت بداية العصور الوسطى في الغرب (القرن الرابع الميلادي) شيئاً من الاستقرار النسبي بالنسبة إلى الجماعات اليهودية في الغرب المسيحي ثم في الشرق الإسلامي بسبب استقرار الأحوال السياسية والاقتصادية فيها. وبدأ نمط الهجرة في هذه الفترة يتضح، أي الهجرة من البلاد المتقدمة إلى البلاد المتخلفة؛ وقد كانت أوربا من أكثر المناطق تخلفاً في العالم آنذاك. وكانت توجد ثلاثة خطوط أساسية للهجرة إلى أوربا: من فلسطين إلى جنوب إيطاليا ومنها عَبْر جبال الألب إلى فرنسا وألمانيا، ومن الإمبراطورية الرومانية الشرقية (بيزنطة) عَبْر وادي الدانوب إلى وسط أوربا، ومن العراق ومصر عَبْر المغرب إلى إسبانيا. وهكذا انتقلت الكثافة السكانية اليهودية (بين عامي 500 ق.م 1000م) من الشرق الأوسط إلى أوربا.

ورغم أن نمط الهجرة إلى البلاد الأكثر تخلفاً هو النمط السائد، إلا أنه ليس النمط الوحيد، فمع تدهور الخلافة العباسية في القرن العاشر، هاجرت كذلك أعداد من اليهود المقيمين في العراق إلى الهند والصين. ولذا، قد يكون من الأفضل أن نقول إن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية تتجه حيث توجد فرص أكبر لممارسة نشاطهم الاقتصادي، وأحياناً ما تتيح البلاد المتخلفة هذه الفرصة لهم أكثر من البلاد المتقدمة، خصوصاً حين تبدأ هذه البلاد في التآكل والانهيار ويصبح عدم الاستقرار سمة أساسية فيها.

ومع إرهاصات التحول التجاري الرأسمالي في المجتمع الغربي في القرن الحادي عشر، ومع ظهور طبقات من التجار والمموِّلين المسيحيين، تم طَرْد اليهود من إنجلترا في عام 1290 (ويُقال إن عددهم كان لا يتجاوز أربعة آلاف)، كما طُردوا من فرنسا عامي 1306 و1394، فاستقروا في بادئ الأمر في ألمانيا وإيطاليا وشبه جزيرة أيبريا، ولكنهم طُردوا أيضـاً من إســبانيا في عام 1492 ثم من البرتغال، فهاجروا أساساً إلى شمال أفريقيا وإلى إيطاليا وصقلية. كما هاجرت أعداد كبيرة (نصفهم كما يُقال) إلى الإمبراطورية العثمانية التي كانت تشجع اليهود على الهجرة إليها لتنشيط التجارة. ولقد تدخلت الدول الغربية لمنع هجرة اليهود منها خشية أن يؤدي ذلك إلى انهيار النظام المصرفي والمالي والتجاري، الذي كان اليهود يلعبون فيه دوراً أساسياً. وقد شهدت هذه الفترة سقوط مملكة الخزر اليهودية في القرن العاشر حيث هاجر سكانها إلى المجر ثم إلى بولندا.

ومع أواخر العصور الوسطى، بدأت الإمارات الألمانية في طرد أعضاء الجماعات اليهودية. وقد ساهمت حملات الفرنجة، وهي تعبير عن إرهاصات التحول التجاري الرأسمالي، في اجتثاث جذور أعضاء الجماعات في وادي الراين وغيره من المناطق، فهاجرت أعداد كبيرة منهم إلى بولندا. ومعنى هذا، أن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية مع نهايات العصور الوسطى (ابتداءً من القرن الرابع عشر) تأخذ مرة أخرى شكل هجرة من البلاد المتقدمة إلى البلاد المتخلفة نسبياً؛ من إنجلترا وفرنسا وإيطاليا إلى ألمانيا ومنها إلى بولندا، أي أنها هجرة إلى الماضي. وكان شرق أوربا هو الجهة الأخيرة تقريباً بالنسبة إلى أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانوا يُطردون من البلاد المتقدمة نتيجة ظهور طبقات تجار محليين مسيحيين، إذ لم تَعُد هناك جيوب متخلفة أخرى يستطيع اليهود التقهقر إليها في الغرب.

وتجب الإشارة إلى أن الهجرة كانت تتم في هذه المرحلة بالتدريج وببطء شديد نتيجة عدم وجود وسائل مواصلات سريعة وطرق ميسرة كما هو الحال في العصر الحديث. وكثيراً ما كان اليهود المحليون يتصدون لليهود الوافدين لأنهم يشكلون خطورة اقتصادية عليهم، فكانوا يمارسون حق حظر الاستيطان، كما كان يهـود البـلاط يمنعون هجـرة أي يهـودي إلى المنطقـة التي يتولون قيادتها.


هجرات أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث
Migrations of Memebers of Jewish Communities in Modern Times

تغيَّر اتجاه هجرة أعضاء الجماعات اليهودية مع بداية عصر النهضة في أوربا لثلاثة أسباب أساسية:

1 ـ شهد عصر النهضة بدايات الانقلاب التجاري الرأسمالي الحقيقية بما تبعه من اكتشافات جغرافية ومشاريع استعمارية غربية: إسبانية وبرتغالية ثم هولندية وإنجليزية. وكانت إسبانيا والبرتغال قد طردتا اليهود من أراضيهما، أما هولندا وإنجلترا فقد فتحتا أبوابهما لهجرة اليهود نظراً لحاجتهما إلى أيد عاملة ورؤوس أموال وخبرات تجارية، ثم تبعتهما فرنسا. وأدَّى هذا الوضع إلى تَدفُّق المهاجرين اليهود إلى هذه البلاد وإلى مستعمراتها فيما بعد.

2 ـ كانت الدولة العثمانية قد بدأت تدخل مرحلة الجمود التي أدَّت إلى سـقوطها في نهاية الأمر، ولم تَعُـد قادرة على اســتيعاب المزيد من اليهـود.

3 ـ وفي تلك المرحلة، كان معظم يهود أوربا مُركَّزين في بولندا التي شهدت ثورة الزعيم الشعبي الأوكراني بوجدان شميلنكي عام 1648 والذي قـاد ثورة الفـلاحين الأوكرانيين ضد الاحتلال البولندي، وضد النبلاء البولنديين (شلاختا) المستفيدين من هذا الاحتلال، وضد عمال النبلاء وممثليهم من يهود الأرندا الذين كانوا يقومون بجمع الضرائب وتوقيع العقوبات على الفلاحين. وقد هزت هذه الثورة جذور الدولة البولندية على وجه الخصوص، ثم تبع ذلك غزو السويد وروسيا لها.

وقد أدَّى تَزامُن هذه الأحداث (طرد اليهود السفارد من شبه جزيرة أيبريا، ثم اهتزاز الأساس الاقتصادي والسياسي لليهود الإشكناز في بولندا مع فَتْح أبواب الهجرة إلى أوربا الغربية، ودخول الدولة العثمانية في طور الجمود)، إلى تغيير مسار هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا وظهور النمط الحديث، أي هجرة اليهود من البلاد المتخلفة في شرق أوربا إلى البلاد المتقدمة في وسطها وغربها وإلى العالم الجديد. والهجرة اليهودية في العصر الحديث هي أساساً جزء من حركة الاستعمار الاستيطاني التي بدأت في القرن السادس عشر، خصوصاً التشكيل الأنجلو ساكسوني (بعد بداية قصيرة مع الاستعمار الإسباني ثم الهولندي). وما الهجرة الصهيونية إلا تعبير عن هذا النمط العام. ومع هذا، ظلت الولايات المتحدة هي نقطة الجاذبية الأساسية للهجرة اليهودية من البداية حتى الوقت الراهن، للأسباب التالية:

1 ـ تشكل الولايات المتحدة أهم وأنجح تجربة استيطانية غربية. وقد اجتذبت ثم استوعبت أعداداً كبيرة من المهاجرين من أوربا بلغت أكثر من 80%

2 ـ الولايات المتحدة دولة علمانية لم تعرف أية تقاليد أو حتى أية رموز دينية إلا لفترة وجيزة للغاية من تاريخها، كما أنها نجحت في إقامة مؤسسات علمانية لاستيعاب وصَهْر المهاجرين و«أمركتهم» وأتاحت لهم فرصة الانتماء الثقافي الكامل لوطنهم الجديد الأمر الذي زاد من جاذبيتها، وذلك على عكس أمريكا اللاتينية التي احتفظت بكاثوليكيتها وبالتالي استبعدت البروتستانت واليهود.

3 ـ كان اليهود يشكلون جماعة وظيفية مالية تعمل بالتجارة والمال، وبالتالي لم تكن بينهم أعداد كبيرة من العمال أو الفلاحين. والمجتمع الأمريكي هو مجتمع الاقتصاد الحر الذي يشكل القطاع التجاري والمالي أكبر قطاعاته، والذي سادت فيه القيم التجارية الموضوعية. ومن ثم فهو مجتمع ذو جاذبية خاصة بالنسبة إلى المهاجر اليهودي.

وقد تنبأ المؤرخ الروسي اليهودي دبنوف بأن مسار الهجرة اليهودية سيكون إلى الولايات المتحدة، وطالب بأن يتم تقنين العملية وتنظيمها.

ويمكن القول بقدر من التبسيط غير المخل بأن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية تدور حول قطبين أساسيين هما: شرق أوربا (روسيا/بولندا) كقوة طاردة ومصدر للمادة البشرية، والولايات المتحدة كقوة جاذبة. وقد كان النمط الأساسي القديم للهجرة اليهودية هو تَحرُّك أعضاء الجماعات داخل أُطر الإمبراطوريات الكبرى (الفارسية أو الرومانية أو الإسلامية)، أما في القرن العشرين فقد كانت هناك إمبراطوريتان أو قوتان عظميان تحددان من خلال سياستهما حركة هجرة أعضاء الجماعة اليهودية، وقد تَطوَّر الأمر بعض الشيء بعد ذلك في منتصف القرن العشرين.

ولكن هناك مصادر أخرى ثانوية طاردة للمادة البشرية مثل أوربا الشرقية أو أمريكا اللاتينية أو جنوب أفريقيا أو بقايا يهود الشرق والعالم الإسلامي. كما أن هناك مناطق جذب ثانوية أخرى مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا وبعض بلاد أوربا. إلا أن النمط الأساسي الذي أشرنا إليه ظل سائداً. وتمثل إسرائيل نقطة مُبهَمة، فهي مصدر طَرْد حيث يبلغ عدد النازحين منها بين 700 ألف ومليون، كما أنها مصدر جذب ليهود البلاد العربية والشرق حيث إنها تحقق حراكاً اجتماعياً. كما تمثل محطة انتقال لهؤلاء اليهود الذين لا يمكنهم الوصول إلى الولايات المتحدة مباشرةً أو أولئك الذين لا توجد عندهم الكفاءات المطلوبة للعمل فيها.

ويمكن تقسيم هجرات أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث إلى المراحل التالية:

أ) المرحلة الأولى: ابتداءً من القرن السادس عشر حتى بداية القرن التاسع عشر.

وهي مرحلة البدايات الأولى للثورة التجارية الرأسمالية الصناعية في أوربا. وهي الفترة التي شهدت توطين السفارد من يهود المارانو في هولندا وفرنسا وإنجلترا، كما شهدت بدايات الهجرة الاستيطانية اليهودية إلى العالم الجديد. وكانت الهجرة تتبع النمط التالي: تهاجر مجموعة صغيرة من السفارد (عادةً من كبار المموِّلين وعائلاتهم) يلحق بهم أعداد ضخمة من الإشكناز، كما حدث في أمستردام بعد استقلالها عن إسبانيا، وكما حدث في إنجلترا وفرنسا وبعض مدن ألمانيا. وقد زاد عدد أعضاء الجماعة اليهودية في أمستردام من 200 سفاردي عام 1690 إلى 2400 سفاردي و21 ألف إشكنازي عام 1795. أما لندن، فقد كان يوجد فيها عام 1695 نحو 458 سفاردياً و203 من الإشكناز. ومع حلول عام 1720، زاد عدد الإشكناز عن عدد السفارد. وفي عام 1800، كان يوجد ألفا سفاردي وحسب بين العشرين ألف يهودي. ولم يستوطن فلسطين أي عدد يذكر من اليهود في تلك المرحلة.


ب) المرحلة الثانية: من القرن التاسع عشر حتى عام 1880.

وهي المرحلة التي وقعت فيها الحروب النابليونية والاضطرابات السياسية التي أعقبتها، الأمر الذي تَسبَّب في هجرة بعض الجماعات اليهودية من ألمانيا وبوهيميا والنمسا إلى فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة وأستراليا وغيرها. ولم يزد عدد المهاجرين اليهود إلى خارج القارة الأوربية على 200.000. ويمكن تفسير ذلك بعدة أسباب، من بينها أن الانفجار السكاني الذي حدث بين يهود اليديشية في شرق أوربا، والذي أدَّى إلى تَزايُد أعدادهم بين عامي 1800 و1933 بنحو ستة أضعاف، لم يكن قد ظهر أثره بعد، كما أنه وصل إلى ذروته بعد عام 1880. وفضلاً عن ذلك، كان معظم يهود العالم مُركَّزين في شرق أوربا وروسيا وبولندا التي كان قد تم ضمها إلى روسيا. ولم تكن معدلات العلمنة والتحديث قد ازدادت بينهم بعد، الأمر الذي كان يعني أنهم لا يزالون جماعة متماسكة تَصعُب الحركة على أعضائها، كما كان كثير من اليهود لا يزالون يلعبون دورهم الاقتصادي التقليدي كجماعة وظيفية. وحتى عندما تزايدت عمليات التحديث والعلمنة في روسيا، وتركت تلك العملية أثرها على الجماعة اليهودية التي بدأت تفقد شيئاً من تماسكها وبدأ يختفي كثير من مؤسساتها التقليدية التي تربط بين الفرد والجماعة مثل الأسرة والدين، فإن هذا لم يتسبب في أية هجرة خارج أوربا إذ لم تكن محاولات التحديث في الإمبراطورية الروسية قد كابدت من التعثر بعد، وكان الاقتصاد الروسي قادراً على استيعاب اليهود الذين كانوا يتزايدون ويتركون قراهم وأماكن إقامتهم الأصلية. ولذا، فقد كانت هجرة اليهود داخلية؛ من المناطق الكثيفة سكانياً في منطقة الاستيطان إلى روسيا الجديدة على شواطئ البحر الأسود. كما هاجرت أعداد صغيرة إلى بعض الدول الأوربية والولايات المتحدة.

وشهدت هذه المرحلة هجرة يهود المناطق البولندية التي ضمتها ألمانيا (1772 ـ 1815). وفي بروسيا بالذات، كان يوجد عام 1837 نحو 145.364 يهودياً 70% منهم (حوالي 101.152) كانوا في المناطق البولندية، أي أن أغلبية يهود بروسيا كانوا مُركَّزين هناك. ولكن، مع عام 1871، تَناقُص عددهم عن طريق الهجرة إلى ألمانيا ذاتها، وأصبحت نسبة اليهود في المناطق البولندية 31.8% ثم انخفضت عام 1890 إلى 24.8% وإلى 17.4% عام 1910. وقد اتجه هؤلاء اليهود إلى برلين التي ارتفع عدد اليهود فيها من 47.489عام 1871 إلى 181.141عام 1925. وقد ساهم هذا الارتفاع في تغذية الدعاية العنصرية النازية بشأن تَكاثُر اليهود والخطر اليهودي ومحاولة سيطرة اليهود على كل شيء.

جـ) المرحلة الثالثة: من عام 1881 حتى عام 1939.

وهي مرحلة الهجرة الكبرى اليهودية وغير اليهودية، والتي بدأت عام 1881 مع تَعثُّر التحديث في روسيا وتَزايُد العنصرية في كل أوربا، وانتهت عام 1939 بصدور قوانين عام 1924 التي حدَّت من هجرة يهود شرق أوربا، ثم بالكساد الاقتصادي وإغلاق أبواب الهجرة من روسيا تماماً.
ووفقاً لإحصاءات الموسوعة اليهودية ، بلغ عدد المهاجرين في هذه الفترة أربعة ملايين، في حين يذهب آرثر روبين إلى أن العدد أكبر من ذلك، فهو يرى أن الفترة من عام 1881 إلى عام 1930 هاجر خلالها نحو 3.975.000. فإذا أضفنا إلى ذلك، وفقاً لليستشنكي، الرقـم 507.845 وهـو عدد الذين هـاجروا من عام 1931 إلى عام 1939، فإن العدد الكلي يصبح 4.482.845. ويجب أن نضيف إلى هذه الهجرة حركة اليهود داخل الإمبراطوريات العظمى في أوربا، الأمر الذي قد يصل بالعدد إلى خمسة ملايين. وقد أخذت الحركة داخل الإمبراطورية النمساوية اتجاهها من الشرق (جاليشيا وبكوفينا وبوزنان) إلى الغرب، وحدث الشيء نفسه في ألمانيا. أما في روسيا، فقد اتجهت الهجرة نحو الجنوب، إلى أوديسا ومناطق البحر الأسود. وكان عدد اليهود الذين انتقلوا في هذه الفترة من بلد أوربي إلى آخر هو 350 ألفــاً، ويرى روبين أنهم 490 ألفاً.

كما شارك اليهود في حركة الهجرة من القرية إلى المدينة، فزاد عدد يهود فيينا (بلدة تيودور هرتزل مؤسِّس الحركة الصهيونية)، على سـبيل المثال، من سـتة آلاف في عـام 1857 إلى 99 ألفاً في عام 1890، وإلى 175 ألفاً عام 1910، وهي زيادة تمت أساساً عن طريق الهجرة حيث إن معدلات الزيادة الطبيعية كانت آخذة آنذاك في التناقص.

وربما يكون الدافع الأكبر وراء الهجرة في هذه الفترة هو تَعثُّر محاولات التحديث في روسيا ثم تَوقُّفها تقريباً، وهو ما انعكس في شكل الاضطهاد الروسـي القيصري ضــد جميع الأقليات في الإمبراطورية. ولذلك هاجرت أعداد كبيرة من يهود الإمبراطورية الروسية إلى خارجها بحثاً عن مجالات جديدة للحراك الاجتماعي، وللحصول على الحقوق المدنية والسياسية. وكانت الأغلبية العظمى من المهاجرين اليهود من بين يهود اليديشية، ويهود روسيا على وجه الخصوص، حيث كانوا يشكلون ما بين 70% و80% من جملة يهود العالم، وقد كان عددهم نحو عشرة ملايين، وهو ما يعني أن نصفهم تقريباً، أي واحد من كل اثنين، كان في حالة حركة وهجرة وانتقال في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين. وهذه نسبة عالية للغاية ولا شك في أنها أسهمت في تفتيت كثير من المؤسسات والروابط والأواصر. ومع أن نسبة الهجرة بين يهود اليديشية كانت أعلى من نسبتها بين الإيطاليين، فإنها كانت أقل من نسبتها بين الأيرلنديين. وقد كان عدد الأيرلنديين عام 1830 ثمانية ملايين يشكلون نصف سكان إنجلترا، وقد هاجر منهم أربعة ملايين بين عامي 1830 و1900.

وهاجر معظم اليهود في الفترة من عام 1881 إلى عام 1914، خصوصاً الأربعة عشر عاماً الأخيرة منها. وتذكر الموسوعة اليهودية أن عدد المهاجرين بلغ 2.750.000. فإذا أنقصنا من هذا العدد حوالي 250 ألفاً هاجروا داخل أوربا، وذلك على اعتبار أن عدد المهاجرين في الفترة من 1881 حتى 1935 هو حوالي 490 ألفاً، يكون عدد المهاجرين إلى خارج القارة هو 2.550.000 بمعدل هجرة سنوية تصل إلى 135 ألفاً. وتُعَدُّ سنة الذروة هي 1905ـ 1906 حيث هاجر ما بين 200 و250 ألفاً في ذلك العام وحده. لكن الهجرة توقفت أثناء الحرب. وعند استئنافها عام 1907، تَدفَّق السيل مرة أخرى إذ هاجر في ذلك العام وحده 141 ألفاً. ثم صدر أول قانون لتحديد الهجرة في العام التالي، الأمر الذي أدَّى إلى تغيير الصورة.
وإذا كانت روسيا نقطة الطرد الكبرى، فقد كانت الولايات المتحدة نقطة الجذب الكبرى في أواخر القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي أحرزت فيها الرأسمالية الأمريكية تَقدُّمها الضخم بعد أن هزمت الجنوب وفتحت أسواقه. وفي هذه الفترة، بدأت الرأسمالية الأمريكية تجربتها الإمبريالية في أمريكا اللاتينية والفلبين حيث كانت في حاجة ماسة إلى الأيدي العاملة التي لم يكن من الممكن تجنيدها من خلال الزيادة الطبيعية. وقد استوعبت الولايات المتحدة نحو 85% من المهاجرين اليهود بل واستوعبت النسبة نفسها تقريباً من جملة المهاجرين في العالم. ولا توجد سجلات بأعداد المهاجرين اليهود إلى الولايات المتحدة إلا ابتداءً من عام 1899.
وقد هاجر من روسيا في خلال ستة عشر عاماً (1899 - 1924) نحو مليون ونصف المليون يهودي. وفيما يلي جدول بأعداد اليهود الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة من روسيا وغيرها في الفترة من عام 1899 إلى عام 1914:
37415 -1899) مهاجر ) ( 1900 - 60764 مهاجر ) ( 1901 - 85098 مهاجر (
57688- 1902)مهاجر ) ( 1903 - 76203 مهاجر ) ( 1904 - 106236 مهاجر ( 1299001905)مهاجر ) ( 1906 - 153748 مهاجر ) ( 1907 - 149182 مهاجر(
103387-1908) مهاجر ) ( 1909 - 57551 مهاجر ) ( 1910 - 84260مهاجر (
91223-1911) مهاجر ) ( 1912 - 80595 مهاجر ) ( 1913 - 101330 مهاجر(
138051- 1914) مهاجر (

ليكون إجمالي عدد المهاجرين هو 1.512.631.

ويُعَدُّ عام 1906 عام الذروة بالنسبة إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة. ويبلغ متوسط عدد المهاجرين سنوياً 93 ألفاً، وقد استقر كل هؤلاء المهاجرين في الولايات المتحدة بشكل دائم، ولم يهاجر منهم سوى نسبة ضئيلة تبلغ 8% مقابل 30.76% من بقية الجماعات المهاجرة، وكانت نسبة الأيرلنديين العائدين أقل إذ كانت لا تزيد على 7%. وكان المهاجر اليهودي يصل إلى الولايات المتحدة ولديه النية في الاستقرار الدائم، وليس ادخار بعض الأموال ثم العودة إلى الوطن الأم، ومن ثم فقد كان يُحضر معه أسرته. وكانت نسبة النساء والأطفال بينهم عالية، فكان نحو 44% من جملة المهاجرين اليهود من الإناث مقابل 31.7% بالنسبة إلى الجماعات المهاجرة الأخرى. وكان 24% من المهاجرين اليهود أطفالاً تحت سن الثالثة عشرة، أما في الجماعات الأخرى فكانت النسبة 12.4%. وكان يوجد بين المهاجرين اليهود نسبة عالية من العمال الصناعيين تصل إلى 66% من الأجراء، على عكس الإيطاليين والأيرلنديين الذين كانوا من أصول فلاحية. وبحسب إحصاءات الهجرة الأمريكية (1899 - 1914)، كان المهاجرون اليهود يشكلون 31% من جملة العمال الصناعيين، وكانوا يشكلون أحياناً الأغلبية المطلقة في بعض الفروع مثل صناعة الملابس. وكان عدد العمال الزراعيين بين اليهود هو 2.6% مقابل 28.1% بالنسبة إلى جملة المهاجرين. وكان عدد العاملين في صناعة الملابس 39.6% وفي الصناعات الأخرى 26% (أي 65.6% من الأجراء) مقابل 17.8% بين غير اليهود. كما أن 9.2% من المهاجرين اليهود كانوا يعملون في التجارة والنقل مقابل 6.7% من جملة المهاجرين. وقد ساهم ذلك في سرعة اندماجهم في المجتمع وتحقيقهم حراكاً اجتماعياً أعلى مما حققته كثير من جماعات المهاجرين الأخرى. وهذا هو الذي ساهم في نهاية الأمر في «أمركتهم» الكاملـة وفي تَركُّزهم فـي صناعـات بعينها دون غيرهـا. وكان التركيب الإثني للمهاجرين اليهود خلال الفترة بين عامي 1899 و1914 كما يلي حسب بلد الأصل:
( روسيا - 71.7% ) (الامبراطورية النمساوية و المجرية - 16.2% ) ( رومانيا 4.2% ) ( بريطانيا العظمى 4% ) ( كندا 1.2% ) ( المانيا 0.7% ) ( بلاد اخرى 2.0(%

ولكن معظم اليهود الذين جاءوا من خارج روسيا هم من يهود اليديشية أيضاً. وقد توقفت الهجرة أثناء الحرب العالمية الأولى، ولكن أبوابها فُتحت مرة أخرى عام 1914. وكان عدد المهاجرين في البداية ضئيلاً ثم أخذ في الازدياد إلى أن وصل إلى الذروة في عام 1921 ثم انخفض في أعوام 1922 و1923 و1924 بسبب نظام النصاب. وفيما يلي بيان بأعداد المهاجرين:
1915 - 26.497) مهاجر ) ( 1916 - 15108 مهاجر ) ( 1917 - 17342مهاجر (
1918 – 3762) مهاجر ) ( 1919 - 3055 مهاجر ) ( 1920 - 14292 مهاجر (
1921 – 119036)مهاجر ) ( 1922 - 53524 مهاجر ) ( 1923 - 49719 مهاجر (
1924 – 49989) مهاجر (

ليكون إجمالي عدد المهاجرين هو 352.324.

ولنا أن نُلاحظ أن هذه الفترة الثانية هي فترة ظهور الصهيونية ونشاطها أيضاً. ولابد أن ندرك أن حركة أعضاء الجماعات اليهودية الضخمة كانت مصدر قلق الدول الغربية، لخوفها على أمنها الداخلي، وليهود الغرب المندمجين الذين كان وصول يهود الشرق يهدد مكانتهم الاجتماعية.

ويَنبُع تأييد الدول الغربية وأثرياء اليهود المندمجين للمشروع الصهيوني من مخاوفهم هذه. ومن هنا كان تَبنِّيهم لما نسميه «الصهيونية التوطنية». ويمكن أن نضرب مثلاً على ذلك بإنجلترا التي اتجه إليها نحو 210 آلاف من المهاجرين اليهود في الفترة من عام 1881 إلى عام 1935. وقد كان لوصولهم أثره في إثارة قلق السلطات البريطانية. وظهرت المحاولات الرامية إلى تحويل تيار الهجرة اليهودية بعيداً عن إنجلترا ابتداءً بمشروع شرق أفريقيا لإنشاء دولة صهيونية هناك، مروراً بقانون الأجانب عام 1906 للحد من دخول اليهود إلى إنجلترا (وهو المشروع الذي كان بلفور من أكبر المدافعين عنه)، وانتهاءً بوعد بلفور الذي حوَّل فلسطين إلى أرض يُلقَى فيها الفائض البشري اليهودي، كما كان يُطلَق على المهاجرين اليهود آنذاك.

ولم يتجه إلى ألمانيا في الفترة نفسها سوى مائة ألف يهودي، ولكن هذا لا يتضمن اليهود الذين هاجروا من المقاطعات البولندية وهم من يهود اليديشية غير المندمجين. وبالتالي، قام النازيون بالدعاية ضد اليهود وببث السموم عن خطر التكاثر اليهودي والهيمنة اليهودية في وقت كانت فيه أعداد اليهود آخذة في التناقص الفعلي. وإذا كان بلفور قد حل المسألة اليهودية في إنجلترا بالتخلص من اليهود عن طريق إرسالهم إلى فلسطين، فإن هذا الحل لم يكن متاحاً لهتلر لعدم وجود مستعمرات لدى ألمانيا، ولهذا تَخلَّص منهم بإبادتهم.

ونُلاحظ أن عدد المهاجرين إلى فلسطين كان في بداية الفترة 1.806، وبلغ 8.175 عام 1923، أي بعد فتح أبواب الهجرة وإنشاء المؤسسات الصهيونية الاستيطانية، ثم قفز العدد إلى 13.892عام 1924. وشهدت الفترة من عام 1925 إلى عام 1933 احتدام الأزمة الاقتصادية الرأسمالية العالمية، وهو ما أدَّى إلى خوف كثير من الدول من الأيـدي العاملة المهاجرة لأنها قـد تؤدي إلى تفاقم ظروف البطالة فيهـا، فأخذت الدول تغلق أبواب الهجرة وتسمح بدخول المهاجرين بالقدر الذي تسمح به مقدرتها الاستيعابية، ومن هذه البلاد كندا والأرجنتين والبرازيل وجنوب أفريقيا وأستراليا. وقد أدَّى تَصاعُد المقاومة العربية في فلسطين إلى الحد من الهجرة الاستيطانية، ولكن فلسطين ظلت مع هذا مفتوحة الأبواب أمام الهجرة. ولعل أكبر مَثَل على محاولة الدول الغربية الحد من الهجرة الأجنبية هو الولايات المتحدة التي أصدرت أولاً قانون النصاب في عام 1923 وأعقبته بقانون جونسون في عام 1924، حيث لم يكن يُسمَح ـ بحسب هذا القانون ـ إلا بهجرة ما يساوي نسبة 2% من عدد أعضاء كل جماعة قومية تعيش في الولايات المتحدة وفق إحصاء عام 1890. وقد عُرِّفت المجموعة القومية بنسبتها إلى البلد الأم وليس بنسبتها إلى الانتماء الديني أو الإثني. وكان العدد المسموح له بالهجرة من شرق أوربا وروسيا هو 10.341 مقابل نحو 50 ألفاً عام 1924 و153.748عام 1906. وكانت أعداد المهاجرين في تلك الفترة كما يلي:

1925 - 10.292)مهاجر ) ( 1926 - 10.267مهاجر ) ( 1927 -11.483 مهاجر )
1928 - 11.639)مهاجر ) ( 1929 - 12.479مهاجر ) ( 1930 -11.526 مهاجر )
1931 - 119.692)مهاجر ) ( 1932 - 2.755مهاجر ) ( 1933 -2.372 مهاجر)

أي أن الهجرة بلغت الحد الأقصى المسموح به حتى عام 1930. وهكذا، فبعد أن كانت الولايات المتحدة تستوعب 85% من جملة المهاجرين اليهود في الفترة من عام 1881 إلى عام 1914، انخفضت النسبة إلى 25% في الفترة من عام 1926 إلى عام 1930، وقد أغلق كثير من البلاد أبوابه. وكما يقول روبين، أصبحت معظم البلاد مُغلَقة أمام المهاجرين عام 1933، ولم يبق أمامهم سوى فلسطين (المُستعمَرة)، بمعنى أن الدول الغربية خلقت صهيونية بنيوية، أي بنية قانونية وظروفاً موضوعية تفرض على اليهود الهجرة إلى فلسطين شاءوا أم أبوا. وبالفعل، قفز عدد المهاجرين الاستيطانيين من 4000 عام 1931إلى 12.553 عام 1932 وإلى 37.337 عام 1933. ولذا، يمكننا القول إن عنصر الطرد من الولايات المتحدة وليس الجذب إلى أرض الميعاد هو الذي حدد مسار الهجرة. ومع هذا، يُلاحَظ أن الفترة من عام 1926 إلى عام 1930، حيث كانت أبواب أمريكا اللاتينية أكثر انفتاحاً، هاجر إليها 72.387 من مجموع المهاجرين اليهود البالغ عددهم 172.908 (أي 42%) ولم يهاجر في الفترة نفسها سوى 10.179 إلى فلسطين.

ورغم تَبَاكي الدول الغربية على مصير اليهود، فإن معظمها أوصدت أبوابها دونهم.كما أن المنظمات الصهيونية كانت تؤيد هذا الموقف انطلاقاً من العقيدة الصهيونية التي تدعو إلى توطين اليهود في فلسطين وفلسطين فقط.ومن هنا، كانت جهود الصهاينة المكثفة من أجل إفشال مؤتمر إفيان لحل مشكلة اللاجئين والمهاجرين ورَفْض أية عروض لتوطين اليهود خارج فلسطين لخَلْق ما سميناه «الصهيونية البنيوية». وفي الفترة من عام 1933 حتى عام 1948،والتي يمكن أن تُسمَّى المرحلة النازية،بلغ عدد المهاجرين من ألمانيا النازية والبلاد التي يهيمن عليها النازيون،والمهاجرون من كل أوربا 540 ألفاً، بخلاف عشرات الألوف من اليهود الذين هجَّرهم الاتحاد السوفيتي إبان الحرب لإنقاذهم، وعشرات الألوف الذين لجأوا إلى الاتحاد السوفيتي فراراً من النازي. وقد هاجر 250 ألفاً (أي 46%) منهم إلى فلسطين بسبب سياسة إغلاق الأبواب، وهاجر الباقون وهم 290 ألفاً إلى بلاد أخرى أهمها الولايات المتحدة التي هاجر إليها 110 آلاف (أي 20%). وهاجر في الفترة من عام 1940 إلى عام 1948 نحو 300 ألف يهودي، منهم 120 ألفاً (أي 40%) إلى فلسطين. والباقون، وهم 180 ألفاً (أي 60%)، هاجروا إلى بلاد أخرى أهمها الولايات المتحدة التي هاجر إليهــا 125 ألفاً (أي 42%). وهكذا أصبحت الولايات المتحدة، مرة أخرى، بلد الجذب الأكثر، حتى أثناء سنى الحرب والإبادة النازية. ويمكننا أن نقول إن المُستوطَن الصهيوني لم يشكل ملجأ ليهود أوربا، فمن مجموع 750 ألف مهاجر (ويمكن أن نضيف إليهم مئات الألوف من المهاجرين إلى الاتحاد السوفيتي) لم يهاجر إلى فلسطين سوى 370 ألفاً، أي أن مسار الهجرة لم يتجه إلى فلسطين رغم شراسة الصهيونية البنيوية ولا إنسانيتها.

وفيما يلي جدول بعدد المهاجرين ونسبهم المئوية - حسب الموسوعة اليهودية - بين عامي 1881 و1948.
الولايات المتحدة من 1881 - 1914 عدد المهاجرين 2.040.000 بنسبة 85% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين 650000بنسبة 41%
كندا من 1881 - 1914 عدد المهاجرين150000بنسبة 4% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين 60000بنسبة 4%
الارجنتين من 1881 - 1914 عدد المهاجرين 113000 بنسبة 5% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين115000بنسبة 7%
بقية امريكا الاتينية من 1881 - 1914 عدد المهاجرين 14000بنسبة 0.6% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين140000بنسبة 9%
جنوب افريقيا من 1881 - 1914 عدد المهاجرين 43000 بنسبة 2% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين25000بنسبة 1.6%
فلسطين من 1881 - 1914 عدد المهاجرين 70000 بنسبة 3% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين485000بنسبة 30%
بلاد اخرىمن 1881 - 1914 عدد المهاجرين 15000 بنسبة .6% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين125000 بنسبة 8%
مجموع المهاجرين من 1881 -1914 ( 2400000 مهاجر )
مجموع المهاجرين من 1915 - 1948 ( 1600000مهاجر )

والجدول هنا يبيِّن أن الولايات المتحدة هي بلد الهجرة بلا منازع أو منافس. وتشغل الأرجنتين وكندا المرتبتين الثانية والثالثة، ولا تأتي فلسطين إلا في المرتبة الرابعة - وهي مرتبة رابعة تَجاوُزاً لأن مجموع عدد المهاجرين إليها يظل أقل كثيراً من مجموع عدد المهاجرين إلى بلاد الاستيطان الأخرى. أما في الفترة من 1915 إلى 1948، فإن الولايات المتحدة كانت لا تزال تشغل المرتبة الأولى وكانت فلسطين تشغل مرتبة ثانية قريبة من المرتبة الأولى. ومن الطريف أن مجموع عدد المهاجرين إلى أمريكا اللاتينية وكندا خلال الفترتين يساوي تقريباً عدد المهاجرين إلى فلسطين. ولكن أحد المصادر الأخرى يذهب إلى أن عدد المهاجرين إلى أمريكا اللاتينية وحدها، من عام 1881 حتى عام 1948، يعادل مجموع عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين خلال الفترة نفسها. وإذا استبعدنا الولايات المتحدة، وعقدنا مقارنة بين عدد المهاجرين إلى فلسطين من جهة وبقية بلاد العالم من جهة أخرى، لوجدنا أن عدد المهاجرين إلى فلسطين هو 555 ألفاً مقابل 682 ألفاً هاجروا إلى بقية بلاد العالم، أي أن عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين أقل من عدد المهاجرين إلى بقية البلاد. وحتى في الفترة من عام 1915 إلى عام 1948، وهي الفترة التي شهدت قمة النشاط الصهيوني، حيث فتحت حكومة الانتداب أبواب فلسطين أمام الهجرة الاستيطانية، وحيث أغلقت بلاد العالم الحر أبوابها دون المهاجرين اليهود وغير اليهود، كان عدد المهاجرين إلى فلسطين 485 ألفاً مقابل 465 ألفاً للبلاد الأخرى فيما عدا الولايات المتحدة. وكل هذه الإحصاءات تبيِّن أن فلسطين ليست نقطة الجذب لليهود كما تدَّعي الأدبيات الصهيونية وأن الحركة الصهيونية لم تُحرز نجاحاً فيما كانت تهدف إليه. ويُلاحَظ أن جميع البلاد التي يهاجر إليها اليهود هي بلاد شهدت تجارب استعمارية استيطانية أسسها الرجل الأبيض. ومن ثم، فإن الهجرة اليهودية ليست ظاهرة يهودية بمقدار ما هي جزء من الظاهرة الاستعمارية الاستيطانية الغربية.

د) المرحلة الرابعة: منذ عام 1948 حتى الوقت الحاضر.

وبانتهاء الأربعينيات، أصبحت الكتلة اليهودية الكبرى موجودة في الولايات المتحدة، مع وجود كتلة أخرى في أوربا آخذة في التناقص، ومع وجود أقليات متناثرة في أنحاء العالم. وقد ظهرت الكتلة اليهودية الاستيطانية في فلسطين، فأصبح هناك قطبان أساسيان يتنازعان هجرة اليهود هما الولايات المتحدة وإسرائيل (فلسطين)، وكلاهما بلد استيطاني يستطيع المهاجر اليهودي أن يحقق فيه الحراك الاجتماعي الذي فشل في تحقيقه في بلده. ومع هذا، تشكل دول أخرى مثل أستراليا وفرنسا جاذبية خاصة بالنسبة إلى بعض المهاجرين اليهود.

ويمكن أن نضيف بُعداً آخر يساعد على اتجاه أعضاء الجماعات اليهودية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل (فلسطين)، ألا وهو ميراث الجماعات اليهودية الاقتصادي كجماعة وظيفية تَركَّز أعضاؤها في قطاعات المال والتجارة. والواقع أن هذا يعني تأثرهم السلبي بالثورات القومية أو الاشتراكية التي تستولي على هذه القطاعات فتؤممها، أو تحاول صبغها بصبغة قومية، أو تتدخل فيها بما يُقلل من فرص الحراك أمام أعضاء الجماعة اليهودية. ويمكننا في واقع الأمر أن نفسِّر حركة هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث بكل تناقضاتها من منظور هذين العنصرين (الحراك الاجتماعي وميراث الجماعة الوظيفية الوسيطة) باعتبارها هجرة إلى بلاد الوفرة والاقتصاد الحر والاستقرار السياسي من بلاد الاقتصاد الاشتراكي والفقر والثورات القومية الاشتراكية:

1 ـ فمثلاً يمكن تفسير الهجرة من الاتحاد السوفيتي على أنها تعبير عن ضيق يهود الاتحاد السوفيتي بالنظام الاشتراكي الذي يضيِّق الخناق على القطاع التجاري. وفي الإطار نفسه يمكن تفسير الظاهرة التي تُسمَّى في المصطلح الصهيوني «التَساقُط»، أي خروج اليهود من الاتحاد السوفيتي بزعم الهجرة إلى إسرائيل ثم تغيير الاتجاه والذهاب إلى بلد آخر هو الولايات المتحدة في العادة. فهم يفضلون الهجرة إلى الولايات المتحدة حيث يمكنهم تحقيق معــدلات عالية من الحراك الاجتماعي، في حين لا تشكل إسرائيل أية جاذبية بالنسبة لهم. وقد هاجر يهود جورجيا بأعداد كبيرة إلى إسرائيل فحققت مثل هذه الهجرة لهم قسطاً من الحراك الاجتماعي، خصوصاً أن مؤهلاتهم لم تكن عالية، بينما نجد أن نسبة التَساقُط بين يهود أوكرانيا تصل إلى 90% لأن مستواهم المعيشي مرتفع. وإذا نجح يلتسين في تحقيق الإصلاحات الاقتصادية والانفتاح التجاري الذي يطمح إليه، فإننا نتصور أن أعداد المهاجرين ستتناقص لأن فرص الحراك الاجتماعي ستتزايد أمامهم.

وبعد الانتفاضة الفلسطينية، التي خلقت جواً من عدم الاستقرار السياسي، وصلت نسبة التَساقُط بين اليهود السوفييت إلى 90% من جملة المهاجرين. ومع هذا، أدَّى انهيار الدولة الاشتراكية السوفيتية وإغلاق الولايات المتحدة أبوابها أمام المهاجرين السوفييت إلى زيادة خروجهم من الاتحاد السـوفيتي واستيطانهم في فلسـطين. ولكنهم، على أية حـال، يذهبون إلى إسرائيل بنيَّة التوجه إلى بلد آخر يحقق لهم طموحهم في الحراك الاجتماعي، وذلك عندما تسنح الفرصة.

2 ـ وقد ظل يهود إيران يمارسون نشاطهم تحت حكم الشاه، ثم خرجوا من إيران بأعداد هائلة بعد قيام الثورة الإيرانية لأنها حاولت أن تُوجِّه الاقتصاد وجهة لا تتفق مع معايير الاقتصاد الحر. وفي كوبا، كانت هناك جماعة يهودية، ولكن حينما حدثت الثورة الاشتراكية انخفض العدد إلى العُشْر، وذلك رغم أن الثورة الكوبية كانت تتبادل العلاقات الدبلوماسية مع إسرئيل ولم تقف في طريق النشاط الصهيوني ولم تُسئ معاملة اليهود على الإطلاق باعتراف المراجع الصهيونية. والشيء نفسه يُقال بالنسبة إلى يهود شيلي الذين تركوها حينما وصل أليندي بتَوجُّهه الاشتراكي إلى الحكم، وعادوا إليها مع بينوشيه ممثل الفاشية العسكرية. فارتباط أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من بلاد العالم بنمط إنتاجي معيَّن وعقلية تجارية محددة، وامتلاكهم خبرات إدارية ومهنية معيَّنة، جعل استمرارهم في المجتمع الجديد عسيراً، فهم «ضحايا التأميم» كما يقول أحد المراجع الإسرائيلية. ومع تزايد الثورات وعدم الاستقرار السياسي في أمريكا اللاتينية، يُلاحَظ زيادة هجرة أعضاء الجماعات. والوضع نفسه ينطبق على يهود جنوب أفريقيا، فمع تَزايُد ثورات السود يتجه أعضاء الجماعة إلى الولايات المتحدة.

3 ـ وربما تعود هجرة اليهود من البلاد العربية في الخمسينيات إلى مركب من الأسباب؛ منها قيام الدولة الصهيونية وما خلقته من مشاكل لليهود العرب، ومنها ارتباط عدد كبير من أعضاء الجماعات اليهودية بالدول الاستعمارية. ومما لا شك فيه أن التحول البنيوي الذي خاضته بعض المجتمعات العربية، مثل المجتمعين المصري والسوري، وقيام تجارب تنموية تحت إشراف الدولة، قد ساهما بشكل عميق في عملية خروج اليهود، التي لا يمكن رؤيتها كظاهرة منفصلة عن خروج جماعات تجارية وسيطة أخرى مثل الإيطاليين واليونانيين من مصر ممن لم يستطيعوا التلاؤم مع إجراءات التمصير والتعريب والتأميم. وإلى جانب هذا، حققت إسرائيل ليهود البلاد العربية المهاجرين قسطاً من الحراك الاجتماعي باعتبار أن المستوى المعيشي في البلاد العربية أقل منه في إسرائيل. كما أن يهود البلاد العربية لم يكن لديهم الخبرات الكافية المطلوبة في الولايات المتحدة. ويُلاحَظ أن عدداً كبيراً من أعضاء نخبتهم الاقتصادية والثقافية هاجرت إلى فرنسا وغيرها من البلاد ذات المستوى المعيشي المرتفع الذي يفوق نظيره في إسرائيل والتي تتميَّز باقتصاد متقدم ومن ثم تحتاج إلى خبراتهم ورأسمالهم. ومن ناحية أخرى، هاجرت جماهير يهودية إلى فرنسا حينما سنحت لها الفرصة، فقد هاجر إليها معظم يهود الجزائر وأعداد كبيرة من يهود المغرب.

4 ـ وفي هذا الإطار، يمكن تفسير ظاهرة هجرة يهود أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا إلى الولايات المتحدة، فالهجرة إلى إسرائيل لن تؤدي إلى أي تَحسُّن في مستوى معيشتهم. كما أن التجمع الصهيوني لن يمكنه استيعابهم بخبراتهم المهنية والإدارية المتقدمة.

5 ـ ويُلاحَظ أن يهود البلاد الغربية (أوربا والولايات المتحدة وكندا) لا يهاجرون إلى إسرائيل أو غيرها من البلاد الاستيطانية، فمثل هذه الهجرة ليس لها ما يبررها وفق نموذجنا التفسيري، وإن كان يُلاحَظ أن يهود إنجلترا يهاجرون بأعداد متزايدة إلى الولايات المتحدة، ربما لتفاقم الأزمة الاقتصادية في إنجلترا، فهي بلد ذات مستقبل اقتصادي مظلم على حد قول أحد المهاجرين البريطانيين اليهود إلى الولايات المتحدة.

6 ـ بل يُلاحَظ أن هنـاك هـجرة إسرائيلية متزايدة إلى الولايات المتحدة، شكلت ما يُسمَّى «الدياسبورا الإسرائيلية» يبلغ عددها في بعض الإحصاءات نصف مليون ومنهم عدد كبير من جيل الصابرا.

7 ـ وفي الإطار نفسه أيضاً، يمكن تفسير هجرة أو تهجير يهود الفلاشاه تحت ظروف المجاعة، فهي هجرة سيحققون من خلالها حراكاً اجتماعياً كبيراً.

ويمكن القول بأن مصادر المهاجرين إلى الدولة الصهيونية آخذة في النضوب، فأعضاء أكبر جماعة يهودية في العالم (في الولايات المتحدة) لا يهاجرون، ويهود العالم الغربي إن هاجروا يتجهون إلى الولايات المتحدة. ويتبع يهود أمريكا اللاتينية وغيرهم النمط نفسه. وقد تمت تصفية يهود العالم الشرقي والإسلامي، فلم يبق سوى أفراد قلائل. وتُساهم معدلات الاندماج والزواج المختلط، وكذلك عزوف اليهود عن الإنجاب، في تَناقُص عدد اليهود الكلي وبالتالي تَناقُص عدد المهاجرين المحتمل، وهو ما يعني أن الوقود البشري للكيان الصهيوني لم يَعُد متوافراً بالكثافة نفسها. ولم يبق سوى الاحتياطي البشري الوحيد للكيان الصهيوني في الاتحاد السوفيتي. إلا أن خروج اليهود السوفييت وتَوجُّههم إلى إسرائيل يخضع للنمط نفسه الذي اقترحناه: شرق أوربا مصدر المادة البشرية، والولايات المتحدة مستورد لها. ولكن، كما أسلفنا، أدَّى انهيار الدولة الاشتراكية السوفيتية، وإغلاق باب الهجرة إلى أمريكا، إلى تحويل هذه الأعداد إلى إسرائيل.

ولابد من التفرقة بين الهجرة والتهجير؛ فالهجرة طوعية أما التهجير فهو قسري. ويمكن رؤية الحركة الصهيونية باعتبارها حركة تقف في وجه الهجرة اليهودية إلى الولايات المتحدة وتحاول تهجير اليهود من كل أنحاء العالم إلى إسرائيل.


انتشـار أعضاء الجماعات اليهودية في العالم وعلاقتهم بفلسطين
Diffusion of Memebers of Jewish Communities in the World and Their Relation to Palestine
يدَّعي الصهاينة أن فلسطين التي يُطلقون علىها مصطلح «إرتس يسرائيل» أو «أرض الميعاد»، أو ما شابه ذلك من مصطلحات دينية أخرى، هي مركز الوجدان اليهودي، وأنها النقطة التي يتجه إليها اليهود معنوياً حينما يعجزون عن الاستيطان فيها، وهي الأرض التي «يعودون» إلىها فعلىاً وبمحض إرادتهم من «المَنْفَى» أو «الشَتات» حينما تُفتَح أبوابها لهم. ويحاول الصهاينة أن يجدوا تبريراً دينياً أو عرْقياً أو إثنياً لرؤيتهم هذه. كما يقدِّمون رؤية للتاريخ تساند هذه الرؤية، ولذلك فإنهم يجتزئون من الوقائع والحقائق ما يدعم رؤيتهم ويستبعدون ما عدا ذلك.

وإذا نظرنا إلى الرؤية الصهيونية من الناحية الدينية، لوجدنا أنها تتعارض مع واحد من أهم التيارات داخل اليهودية الحاخامية، التي تُحرِّم على اليهودي أن يعود إلى صهيون (فلسطين)، إذ أن عليه الانتظار حتى يأذن الرب له بذلك، وأية محاولة للعودة هي بمنزلة الهرطقة والتعجيل بالنهاية. ولذلك، فلا يوجد في يهودية العصور الوسطى، أي في معظم التاريخ الديني لليهودية، أي حديث عن العودة إلا باعتبارها حدثاً دينياً يتم بمشيئة الرب. ومع هذا، يجب أن نشير إلى أن اليهودية، بوصفها تركيباً جيولوجياً، تحوي تياراً حلولياً قوياً يشجع على العودة الفعلىة. وإذا كانت هناك نزعة صهيونية في النسق الديني اليهودي، فهي نزعة كامنة مع مئات النزعات الأخرى.

هذا من الناحية الدينية. أما من الناحية التاريخية، فالأمر أكثر تحدُّداً وتعيُّناً، إذ يدل تاريخ العبرانيين وتواريخ الجماعات اليهودية على أن المسـرح الذي دارت فيه أحـداث هذه التواريخ لم يكن فلسطين، باستثناء فترة قصيرة للغاية. وحتى حينما كان يوجد في فلسطين حكم يهودي مستقل، لم تكن فلسطين دائماً مركزهم وإطارهم المرجعي، إذ كان لكل جماعة حركياتها المستقلة وتوجهاتها التي يُحتِّمها عليها وضعها الاجتماعي والثقافي المرتبط بوضع البلد الذي توجد فيه. ولذا، يمكن أن نقول إن الحقيقة الأساسية في تواريخ الجماعات اليهودية هي انتشارها في كل أنحاء الأرض وليس تَمركُّزها في فلسطين. والقراءة الصهيونية لتواريخ الجماعات اليهودية، والتي ترى أن اليهود قد تم تشتيتهم قسراً من فلسطين، وأنهم لو تُركوا وشأنهم لعادوا تلقائياً وبشكل طوعي إليها، هي قراءة متحيزة ومغلوطة. فتاريخ العبرانيين في بداياته السديمية يبدأ بهجرة إبراهيم من أور إلى أرض كنعان ومنها إلى مصر. كما هاجر يعقوب ويوسف فيما بعد إلى مصر أيضاً. والهجرة من مكان إلى آخر نمط أساسي في حياة العبرانيين في فترة الآباء (2000 ق.م) التي تنتهي بالـ «خـروج»، أي هجـرة موســى وقومه من مصـر. وقد آثر بعضهم، بحسب الرواية التوراتية، الاستمرار في الحياة بمصر، فخرج مع موسى «اللفيف»، أي مجموعات عرْقية أخرى غير عبرية وغير متجانسة. وبعد التسلل العبراني إلى أرض كنعان، وبعد اتحاد القبائل العبرانية فيما يعرف باسم «المملكة العبرانية المتحدة» والتي انقسمت إلى المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية، تم تهجير أعداد كبيرة من العبرانيين إلى آشور (720 ق.م) ثم إلى بابل (580 ق.م). ولكن أغلبيتهم العظمى آثرت البقاء خارج فلسطين، حتى بعد أن أصـدر قورش الأخمـيني مرسومه الذي سمح بعودة اليهود إلى فلسطين، ولكن يبدو أن الفقراء فقـط هم الذين عادوا. كما كانت هناك فرقة المرتزقة اليهود في جزيرة إلفنتاين التي استمرت في وجودها على حدود مصر الجنوبية.

ورغم إعادة بناء الهيكل وقيام السلطة الكهنوتية في فلسطين، تحت رعاية الفرس أول الأمر ثم اليونانيين بعد ذلك، حدثت هجرة يهودية طوعية كبيرة من فلسطين في عهد البطالمة، وقد استعان هؤلاء بالجنود اليهود المرتزقة الذين استقروا في مصر مع أُسَرهم. كما هاجرت إلى مصر أعداد أخرى من اليهود لأسباب اقتصادية، فكان منهم الفقراء والأغنياء والفلاحون والرعاة والجنود المرتزقة والقادة العسكريون. وقد أسس البطالمة مستعمرات في برقة كان يوجد فيها يهود. كما ظهرت جماعات من اليهود في مدن آسيا الصغرى بعد أن استولى السلوقيون على فلسطين بعد عام 200 ق.م، فقام أنطيوخوس الثالث بنقل عدة آلاف جندي يهودي (هم وأُسَرهم) من بابل إلى آسيا الصغرى. وكانت توجد جماعات يهودية في اليونان ومقدونيا على شـواطئ البحر الأسود والبلقان وبلغاريا وأرمينيا وقبرص وقرطاجة وبرقة. ويُلاحَظ أن قيام الأسرة الحشمونية اليهودية في فلسطين، التي تمتعت بقدر من الاستقلال السياسي في بعض مراحلها، لم يُغيِّر هذه الصورة العامة لانتشار أعضاء الجماعات اليهودية خارج فلسطين.

وحينما ظهرت روما بوصفها قوة عظمى وفرضت إطاراً سياسياً مُوحَّداً على منطقة البحر الأبيض المتوسط،يسَّر ذلك انتشار اليهود فظهروا أولاً عبيداً في العاصمة،ثم هاجرت أعداد منهم وأصبحت مدن جنوب إيطاليا مراكز يهودية مهمة.وكانت توجد جماعات يهودية في الغال (فرنسا)،وفي المدن الرومانية العسكرية على نهر الراين.

وكانت الإسكندرية تضم جماعة يهودية كبيرة (في العصر الهيليني ثم الروماني) تتحدث أغلبية أعضائها اليونانية أو اللاتينية. كما كانت أسماؤهم والنقوش التي على قبورهم يونانية ولاتينية في الغالب، عبرية في النادر. أما وثائق الزواج والدفن الخاصة بهم، فلم تكن تختلف عن الوثائق الخاصة ببقية المواطنين. وكان ليهود مصر هيكلهم الخاص في لينتوبوليس، حيث كانت جماعتهم الدينية والفكرية مستقلة إلى حدٍّ كبير عن هيكل فلسطين، ولذا استمرت هذه الجماعات اليهودية في حياتها الدينية والثقافية المستقلة بعد هدم هذا الهيكل. وربما كان أكبر دليل على أن الإسكندرية كانت مركز جذب أقوى من فلسطين ذاتها أنه حينما وقعت فيها بعض الاشتباكات بين اليهود والمواطنين الهيلينيين، أصدر الإمبراطور الروماني قراراً يحذر فيه اليهود من تشجيع هجرة إخوانهم من فلسطين.

وقد قدَّر الفيلسوف السكندري اليهودي فيلون أن عدد يهود مصر في القرن الأول الميلادي كان مليوناً، بينما كان يُقدَّر عدد اليهود في الأماكن الأخرى (ومنها فلسطين) بمليونين ونصف المليون. ويرى آرثر روبين أن عدد اليهود كان، في واقع الأمر، أربعة ملايين ونصف المليون، يوجد منهم مليون في فلسطين والباقون خارجها. وقد لا تتسم هذه الأرقام بالدقة، فهي في معظمها تستند إلى التقديرات التخمينية. وثمة إحصاءات أخرى ترى أن عدد اليهود في سوريا ومصر وآسيا الصغرى كان ثلاثة ملايين، وأن مليوناً رابعاً كان يوجد في مناطق متفرقة أخرى داخل الإمبراطورية الرومانية ومليوناً خامساً في بابل. أما فلسطين، فيُقال إنها كانت تضم مليونين فقط، وأن نصف مليون من سـكان فلسـطين كانوا مواطنين يونانيين وعناصر بشرية أخرى غير يهودية. وتذكر الموسوعة اليهودية أن عدد يهود العالم في تلك الفترة كان ثمانيـة ملايين، لم يكن منه سـوى مليونين ونصـف المليون في فلسطين. ولكن، أياً كان الأمر، ثمة إجماع على أن عدد أعضاء الجماعات اليهودية خارج فلسطين كان يفوق عدد اليهود داخلها قبل أن يقوم تيتوس بهدم الهيكل، وأن عدد يهود الإسكندرية كان يفوق عدد يهود القدس وربما فلسطين كلها. ولهذا، فإن محاولة ربط انتشار أعضـاء الجماعات اليهودية في العالم بواقعـة هدم الهيكل وسـقوط القدس، واعتبار ذلك تشتيتاً قسرياً، هي من قبيل التفكير الأسطوري المتحيز لآراء مسبقة.

وقد استمر انتشار أعضاء الجماعات اليهودية في كل أنحاء العالم بعد ضمور واختفاء المركز الديني في فلسطين. وقد كان لهذا الانتشار أعمق الأثر في تمايز اليهود وظيفياً واقتصادياً وتَحوُّلهم إلى جماعة أو جماعات وظيفية تضطلع بوظائف التجارة والربا.ويمكننا أن نضيف أن علاقة الانتشار بعملية تَحوُّل اليهود إلى جماعات وظيفية هي علاقة سبب ونتيجة في آن واحد.فقد ساهم الانتشار ـ ولا شك ـ في تَحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعات تجارية ومالية وسيطة،ذلك أن الوظائف التجارية والمالية هي وظائف يضطلع بها الوافدون الجدد دائماً. وقد كوَّنت الجماعات اليهودية الوظيفية شبكة تجارية عالمية ضخمة في العالمين الإسلامي والمسيحي، وكانت لهم مراكز في الغرب (في إسبانيا وغيرها من الدول)،وفي معظم ربوع العالم الإسلامي. ولكن تَحوُّلهم إلى جماعة وظيفية وسيطة زاد بدوره من عملـية الانتشـار ودعمها وكرَّسها ووسع نطاقها.

ومثلما اتجهت الجماعات اليهودية إلى أنحاء العالم كافةً، اتجهت بعض جماعات من اليهود إلى الهند والصين واستقرت فيها. وظل هذا الوضع من الانتشار قائماً خلال العصور الوسطى في الغرب، فلا نسمع عن أية محاولات يهودية للعودة إلى فلسطين. ومع طَرْد اليهود من إسبانيا، وجد يهود المارانو ملجأً لهم في الإمبراطورية العثمانية، وفي بعض الدول الأوربية مثل هولندا. وكان اليهود من رعايا السلطان العثماني يتمتعون بحرية الهجرة إلى فلسطين أو منها، إلا أن اللاجئين الأوربيين والرعايا اليهود كانوا ينجذبون إلى إستنبول والقاهرة ودمشق وغير ذلك من حواضر الإمبراطورية التي كانت تتمتع بأوضاع أفضل اقتصادياً وسياسياً بالمقارنة مع فلسطين. أما بالنسبة ليهود الخزر، فقد اتجهوا نحو شرق أوربا (إلى المجر فبولندا)، وذلك بعد تحطيم إمبراطوريتهم الصغيرة على يد الروس أولاً ثم على يد المغول في القرن الثاني عشر، ولا نعرف أية جماعة منهم اتجهت إلى فلسطين.

ومع عصر النهضة والاكتشافات والاستعمار الغربي والإصلاح الديني، بدأت في أوربا المسيحية إرهاصات الفكر الاسترجاعي؛ أي إعادة توطين اليهود في فلسطين باعتبار أن عودتهم هي التمهيد لعودة المسيح. ولكن هذا الفكر لم يؤثر في الجماعات اليهودية في بادئ الأمر، سواء في الشرق أو في الغرب، بل ظل تفكيراً مسيحياً بروتستــانتياً بالدرجـة الأولى. ولا نسمع عن دعوات يهودية للعـودة إلى فلســطين والاستــيطان فيهــا إلا مع الانفجارات المشيحــانية مثل حركــة الماشيَّـح اليهودي الدجال شبتاي تسفي في القرن السـابع عشر، وهـي الانفجـارات التي وقف ضـدها حاخــامات اليهــود. ويظهر الفـكر الصهيوني اليهودي لأول مرة، في منتـصف القرن التــاسـع عشــر، مع انتشــار الفـكر القومــي والعنصــري والإمبــريالي. ولكــن، حتـى بعد أن ظهرت الحركة الصهيونية اليهودية في أواخر القرن التاسع عشر، فقد عارضـتها جميــع المنظمــات اليهــودية المعــروفة في ذلك الوقت، ولم تتمكن من عقد مؤتمرها في ميونيخ حيث وُجدت واحدة من أكبر الجماعات اليهودية وبسبب احتجاج حاخاماتها، اضطرت إلى نقله إلى بازل حيث كانت هناك جماعة صغيرة بلا أهمية تُذكَر.

لكل ما تَقدَّم، يصبح من العسير الحديث عن «نفي» اليهود أو عن تَطلُّعهم الدائم للهجرة إلى فلسطين، فحركة انتشارهم في العالم لا يمكن تفسيرها في إطار مركز جذب صهيوني في فلسطين، مقابل أطراف هامشية في كل أنحاء العالم. ولمحاولة فهمها بعيداً عن التحيزات الصهيونية العميقة المسبقة، سنحاول أن نرصد بعض الآليات التي تشجع على الانتشار وتساهم فيه وتُيسِّره. ويمكننا أن نقول أولاً إن انتشار أعضاء الجماعات اليهودية مرتبط أساساً بالإمبراطوريات العظمى التي توفر شبكة المواصلات والإطار القانوني الموحَّد، وهما تعبير عن رغبة الإمبراطورية في تشجيع التجارة. وقد تأسست الجماعة اليهودية في بابل في إطار الإمبراطوريتين الآشورية والبابلية، واتسعت دائرة الانتشار مع الإمبراطوريتين اليونانية والرومانية. وحدث الشيء نفسه مع الدولة الإسلامية ثم العثمانية. وقد كانت بلاد حوض البحر الأبيض المتوسط الساحة الأساسية لانتشار الجماعات اليهودية، وظلت مراكز اليهود الأساسية فيه هي: روما وإسبانيا والمغرب والدولة العثمانية وسالونيكا وإيطاليا وفرنسا. أما الجماعات التي وجدت في الصين والهند وإثيوبيا والجزيرة العربية، فهي جماعات صغيرة ليست ذات أهمية كبيرة.

وقد ظل هذا هو النمط الأساسي إلى أن استقر اليهود في شرق أوربا وحدث الانفجار السكاني بين يهود اليديشية في القرن التاسـع عشر، بحيث أصبحت أغلبية يهود العالم توجد داخل إطار الإمبراطورية الروسية التي كانت تعاني من تَعثُّر التحديث. ومن ثم فإنها لم تحقق لأعضاء الجماعات اليهودية وغيرها من الجماعات ما كانوا يطمحون إلىه من حراك اجتماعي، كما أنها لم تكن تشجع المواطنين على الحركة. وكان الاستثناء الوحيد هو تشجيع اليهود على الاستيطان في روسيا الجديدة على ساحل البحر الأسود. ومن هنا كانت أكبر حركات انتشار اليهود في التاريخ هي انتقال الكتلة البشرية اليهودية (بأكملها تقريباً) من شرق أوربا إلى الولايات المتحدة وغيرها من البلاد. وقد استفاد أعضاء الجماعات اليهودية من حركة المواصلات ومن وجود بنية قانونية دولية. كما استفادوا من الحركة الإمبريالية الغربية، خصوصاً الجانب الاستيطاني منها (والتشكيل الأنجلو ساكسوني على وجه الخصوص). ومما يجدر ذكره، أن الحضارة الغربية كانت تنظر إلى اليهود باعتبارهم مادة بشرية استيطانية، ولذا فإن الانتشار اليهودي الحديث يتبع حركة الاستيطان الغربي بمعنى أنهـا حـركة داخـل إطـار الإمبراطـورية الإمبريالية الجديدة، ولا تختلف كثيراً عن حركة الجماعات اليهودية داخل الإمبراطوريات القديمة. وقد بدأ الاستيطان اليهودي في دول أمريكا اللاتينية، ثم اتجه بعد ذلك إلى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وجنوب أفريقيا. ولكن الولايات المتحدة، أهم التجارب الاستيطانية الغربية على الإطلاق، كانت مركز الجاذبية الأكبر، وقد اتجهت الجماهير اليهودية إلىها أساساً حتى أصبحت تضم أكبر التجمعات اليهودية وأكثرها قوة. ويمكن القول بأن معظم الدول التي انتشر فيها اليهود هي دول ساد فيها الاقتصاد الحر والوفرة الاقتصادية وتُحقِّق نوعاً من الحراك الاجتماعي للوافدين إليها.

وتُعَدُّ فلسطين آخر بلد للاستيطان اليهودي في العصر الحديث وأقلها جاذبية، ربما لأنها لا تقع في وسط العالم الغربي الذي يتجه إليه معظم يهود العالم في العصر الحديث وإنما تقع على أطرافه، أي أن نمط الهجرة من منظور المركز الفلسطيني لا يختلف في القرن الأول من الألف الأول الميلادي عنه في القرن الأخير من الألف الثاني، فهي هجرة لا تتجه إليه وإنما هي هجرة تتجه بعيداً عنه.

حركة هجرة اليهود في العالم من 1840 - 1942





وجدول(1) يبيِّن حركة هجرة اليهود في العالم من 1840 إلى 1942، وهي أهم فترات الهجرة.

يُلاحَظ من جدول (1) أنه من مجموع 3.917.388 من المهاجرين، لم يتجه سوى 378.956 إلى فلسطين في فترة مائة عام تمتد من 1840 حتى عام 1942، وذلك رغم كل النشاط الاستعماري والصهيوني المكثف. ومن الطريف أن هذا العدد مساو تقريباً لعدد اليهود الذين اتجهوا إلى أمريكا اللاتينية في الفترة نفسها، (376.227) بفارق 2.629 يهودياً. ولو استبعدنا الهجرة فيما بعد عام 1931 حيث أغلقت أمريكا اللاتينية أبوابها، فسنكتشف أن عدد المهاجرين إلى أمريكا اللاتينية كان 270.601 مقابل 125,944إلى فلسطين. بل إن بلداً واحداً مثل الأرجنتين هاجر إليه 191.551، أي أكثر من كل الذين هاجروا إلى فلسطين في الفترة نفسها (وبحسب إحصاءات روبين، كان يوجد في الأرجنتين في عام 1930 نحو 220 ألفاً و291 ألفاً في أمريكا اللاتينية كلها). كما أن بلداً مثل كندا كان يضم 150 ألف يهودي في عام 1930، بينما كانت فلسطين لا تضم سوى 170 ألفاً. ولكن التحدي الأكبر لأرض الميعاد كان يأتي من البلد الذهبي أو «الجولدن مدينا»، أي الولايات المتحدة. ففي الفترة التـي نشير إلىهـا، هاجر إلى الولايـات المتحـدة 2.801.890 مقابـل 378.956 هاجـروا إلى فلسـطين.

عدد المهاجرين إلى كل من الولايات المتحدة وفلسطين فى الفترة 1915- مايو 1948 (جدول 2(

1915) الولايات المتحدة 26497 فلسطين 0 ) ( 1916 الولايات المتحدة 15108 فلسطين 0 ) ( 1917 الولايات المتحدة 17342 فلسطين 0 1918) ( الولايات المتحدة 3672 فلسطين 0 ) ( 1919 الولايات المتحدة 3055فلسطين1806 1920)الولايات المتحدة 14292فلسطين8223) ( 1921الولايات المتحدة119036فلسطين8294) (1922الولايات المتحدة53524فلسطين8685) ( 1923الولايات المتحدة49719فلسطين8175) ( 1924الولايات المتحدة 49989فلسطين13892) ( 1925 الولايات المتحدة 10292فلسطين34386) ( 1926 الولايات المتحدة 10267فلسطين13855) ( 1927الولايات المتحدة 11483فلسطين3034) (1928 الولايات المتحدة 11639 فلسطين5249 ) ( 1929 الولايات المتحدة 12479 فلسطين 5249 ) ( 1930 الولايات المتحدة 11526 فلسطين 4944 ) ( 1931 الولايات المتحدة 5692 فلسطين 4075 ) ( 1932 الولايات المتحدة 2755 فلسطين 12553 ) ( 1933 الولايات المتحدة 2372 فلسطين 37337 ) ( 1934 الولايات المتحدة 4134 فلسطين 45267 ) ( 1935الولايات المتحدة 4837 فلسطين 66472 ) ( 1936 الولايات المتحدة 6252 فلسطين 29595 ) ( 1937 الولايات المتحدة 11352 فلسطين10629 ) ( 1938 الولايات المتحدة 19736 فلسطين 14675 ) ( 1939 الولايات المتحدة 43450 فلسطين 31195 ) ( 1940 الولايات المتحدة 36945 فلسطين 10643 ) ( 1941 الولايات المتحدة 23737 فلسطين 4592 ) ( 1942 الولايات المتحدة 10608 فلسطين 4206 ) ( 1943 الولايات المتحدة 4705 فلسطين 10063 ) ( 1944 الولايات المتحدة 15552 ) ( 1945 الولايات المتحدة 15259 ) ( 1946 الولايات المتحدة 18760 ) ( 1947 الولايات المتحدة 22098 )
( 1948 الولايات المتحدة 17165 (

ويُلاحَظ من جدول (2) أن الولايات المتحدة استوعبت نحو 2.000.000 مهاجر يهودي من مجموع المهاجرين اليهود البالغ عددهم 2.650.000 والذين أتوا أساساً من أوربا الشرقية ثم الوسطى، أي أنها استوعبت حوالي 86% من مجموع المهاجرين اليهود. وقد استقر نحو 350 ألف مهاجر يهودي في أوربا الغربية، ونحو 300 ألف في باقي بلدان العالم، واستوعبت كندا نحو 4% والأرجنتين 5% وجنـوب أفريقيــا 2%. ولم يستوطن فلسطين سوى 50 ألفاً، أي حوالي 2% من مجموع المهاجرين. وقد استمر الوضع على ذلك في الفترة 1915 - 1931، أي قبل ظهور هتلر، إذ استوعبت الولايات المتحدة 55% من مجموع 760 ألف مهاجر يهودي واستوعبت كندا 6%، والأرجنتين 10%، واستوعبت بلدان أمريكا اللاتينية الأخرى 9%، وجنوب أفريقيا 2%، والبلاد الأخرى 3%. ولم يستوطن فلسطين سوى 15% على الرغم من أنه لم تكن توجد آنذاك قيود على الاستيطان فيها.
ولم يحدث أي تغيير إلا بعد إغلاق أبواب الهجرة إلى الولايات المتحدة ثم إلى بلاد الاستيطان الأخرى في أوربا وأمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا.

وقد بلغ الاستيطان اليهودي في فلسطين ذروته في الفترة بين عامي 1932 و1939، حيث استوطن فلسطين حوالي 46% من مجموع المهاجرين اليهود البالغ عددهم 540 ألفاً، ولم يستوطن الولايات المتحدة سوى 20%. وقد بلغ عدد المستوطنين الصهاينة في الفترة 1931 ـ 1935، أي خلال أربعة أعوام، حوالي 147.502(165.704 بحسب تقديرات الموسوعة اليهودية) وهو عدد يساوي عدد كل المستوطنين الموجودين بالفعل والذين كانوا قد استوطنوا فلسطين خلال الفترة من عام 1882 إلى عام 1930. وفي الفترة من عام 1936 إلى عام 1939، هاجر 75.510 تَذكُر الموسوعة اليهودية هذا الرقم على أنه 86.049). وشهدت الفترة بين عامي 1940 و 1948 تَحوُّلاً طفيفاً في نمط الهجرة إذ اتجه 125 ألف مهاجر يهودي من مجموع 300 ألف، أي 42% من مجموع المهاجرين، إلى الولايات المتحدة، واتجه إلى فلسطين 120 ألفاً أي 40% فقط. وقد أدَّى هذا إلى ظهور كثافة سكانية يهودية في فلسطين لم تكن موجودة قبل وصول هتلر إلى الحكم، فكأن الفوهرر نجح خلال ثمانية أعوام، عن طريق خَلْق الظروف الموضوعية لهجرة الىهود من أوربا، في إنجاز ما لم تنجح الحركة الصهيونية والاستعمار العالمي في إنجازه خلال نصف قرن (1882 ـ 1931)، أي أن الصهيونية الموضوعية البنيوية أكثر كفاءة وفعالية من الصهيونية العقائدية. فقد هاجر في تلك الفترة نحو ثلاثة ملايين يهودي من وطنهم الأصلي ولم تتجه سوى قلة منهم إلى فلسطين. ومع هذا، لا يمكن إنكار دور الصهيونية والاستعمار في خلق هذا الموقف الصهيوني البنيوي. والواقع أن الدول الغربية، ومنها الولايات المتحدة، أوصدت بابها دون اللاجئين اليهود وغير اليهود بسبب ظروف الكساد الاقتصادي. أما الصهاينة، فقد أبرموا مع النازيين معاهدة الهعفراه التي ساهمت في توجيه هجرة يهود ألمانيا إلى فلسطين بحيث يتحولون إلى مستوطنين. وقد سمحت لهم السلطات الألمانية بأخذ جزء كبير من ثرواتهم معهم.

ويمكننا أن نَخلُص من ذلك إلى أن فلسطين لا تمثل نقطة جذب بالنسبة إلى يهود العالم، وإلى أن اليهود هاجروا إلىها بسبب عوامل الطرد الحادة في أوربا وعدم وجود منافذ أخرى لا بسبب عوامل الجذب فيها.

ولعل الاستثناء الأساسي الآخر من النمط العام لهجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث هو الفترة الممتدة من 1948 حتى أواخر الخمسينيات، حيث قامت الحركة الصهيونية بحركة ضغط هائلة لنقل اللاجئين اليهود من ضحايا الحرب العالمية الثانية إلى فلسطين. وفي الفترة نفـسها، أدَّى إعلان الدولة اليهودية، ونشاط العملاء الصهاينة، وجَهْل بعض الحكومات العربية، إلى خَلْق وضع متوتر بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي الإسلامي، فهاجرت أعداد كبيرة منهم واستوطنت فلسطين. وعلى أية حال، يمكن رؤية حركة الهجرة اليهودية من البلاد العربية إلى فلسطين أيضاً بوصفها حركة هجرة إلى فلسطين باعتبارها البلدة الذهبية اليهودية وليس باعتبارها أرض الميعاد. والهدف ليس خلاص الروح، بطبيعة الحال، وإنما تحقيق الحراك الاجتماعي.فالعرب اليهود لم تُمكِّنهم ظروفهم الحضارية والاقتصادية،ولا خبراتهم، من الهجرة إلى أوربا والولايات المتحدة، فهاجروا إلى إسرائيل لتحقيق الحراك الاجتماعي الذي فشلوا في تحقيقه بالدرجة التي يطمحون إلىها داخل مجتمعاتهم العربية. ويُلاحَظ أن عدداً كبيراً من أعضاء النخبة الاقتصادية والثقافية هاجروا إلى فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية،كما هاجر يهود الجزائر إلى فرنسا لأن ظروفهم سمحت بذلك.

وبعد تصفية هذه الكتلة البشرية اليهودية، يعود نمط الهجرة بين أعضاء الجماعات اليهودية إلى سابق عهده، أي يتجه اليهود مرة أخرى إلى الولايات المتحدة التي أصبحت نقطة جذب كما كانت من قبل. ومن ثم، نجد أن الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفيتي تواجه مشاكل عميقة ـ من المنظور الصهيوني ـ لأن المهاجرين يغيرون اتجاههم في النمسا أو أية محطات انتقالية أخرى، وبدلاً من أن يتوجهوا إلى فلسطين المحتلة ليصبحوا مستوطنين صهاينة يتجهون إلى الولايات المتحدة ليصبحوا مهاجرين. وحينما هاجر يهود الجزائر عام 1965، ويهود أمريكا اللاتينية منذ الستينيات وحتى الآن، ثم يهود إيران، فإنهم لم يتجهوا إلى فلسطين وإنما إلى فرنسا والولايات المتحدة.ويُلاحَظ أن يهود جنوب أفريقيا يتجهون أيضاً إلى الولايات المتحدة،وربما إلى جيوب استيطانية أخرى مثل أستراليا،ولقد بدأ المستوطنون الصهاينة أنفسهم يتبعون هذا النمط. ويبلغ أعضاء الدياسبـورا الإسـرائيلية في الولايات المتحدة نحو 750 ألف،حيث يزيد عدد النازحين من إسرائيل إلى الولايات المتحدة على عدد اليهود الذين يذهبون إلى الدولة الصهيونية للاستيطان.

ويدل تَدفُّق الهجرة اليهودية على وطن الاقتصاد الحر والفرص الاقتصادية بعيداً عن «أرض الميعاد»، على أن حركيات التاريخ وتركيبية النفس البشرية تؤكد نفسها على الدوام وتكتسح في طريقها كثيراً من التحيزات العقائدية الاختزالية. ولتزويد الكيان الصهيوني بالمادة القتالية اللازمة لاستمرار اضطلاعه بدوره القتالي، أغلقت الولايات المتحدة أبوابها أمام المهاجرين السوفييت حتى يضطروا إلى التدفق صاغرين إلى الدولة الصهيونية. كما تمارس المنظمة الصهيونية شتى أنواع الضغط على ألمانيا لكي لا تفتح أبوابها أمام المهاجرين السوفييت الذين يقرعون أبوابها.كما أنها تعلن عن شتى المغريات المالية للمهاجرين الجدد. وعلى كلٍّ بعد تَدفُّق نصف مليون يهودي روسي على إسرائيل (وليس الملايين التي تَحدَّث عنها الإعلام العالمي،أي الغربي، والعربي) على مدار عشرة أعوام تقريباً، نضبت منابع المادة البشرية الاستيطانية اليهودية في شرق أوربا، خصوصاً العناصر الشابة الراغبة في الهجرة والقادرة عليها. وسيعود النمط القديم ليؤكد نفسه، أي تَدفُّق اليهود على أرض الميعاد الذهبية الأمريكية، أو أي أرض ميعاد أخرى تُحقِّق لهم الحراك الاجتماعي.

وبدلاً من تسمية الظواهر بأسمائها، تشير الأدبيات الصهيونية إلى الهجرة اليهودية إلى الولايات المتحدة أو العالم المتقدم أو الحر بما يسـمونـه «الشـتات الجديد» ونشير إلى ذلك بأنه «الدياسبورا الدائمة».

الدياســـبورا الدائمـة
Permanent Diaspora
«الدياسبورا الدائمة» مصطلح قمنا بصكه لنَصف وَضْع أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، فرغم كل الادعاءات الصهيونية، ورغم استخدام مصطلح «الدياسبورا» لوصف وضعهم، إلا أن غالبيتهم تؤثر البقاء خارج فلسطين في المَنْفَى. فالدياسبورا أو الشـتات اليهودي مسألة طوعية وليست مسألة مرتبطة بعملية قسر خارجية. وحالة الدياسبورا أو الانتشار هي حالة دائمة بغض النظر عما يحدث في فلسطين. بل إن اتجاه بعض أعضاء الجماعات اليهودية إلى فلسـطين للاسـتقرار فيهـا أحياناً، ينبع من حركيات لا علاقة لها بصهيـون.
وفيما يلي جدول بأعداد أعضاء الجماعات اليهودية في فلسطين المحتلة والعالم،يدل على أن الدياسبورا حالة دائمة ونهائية بالفعل.

أعداد اليهود في فلسطين المحتلة والعالم

(سنة 1882 عددهم قي فلسطين 24000 نسبتهم ليهود العالم 0.3% ) ( سنة1900 عددهم قي فلسطين 50000 نسبتهم ليهود العالم 0.5% ) ( سنة 1925 عددهم قي فلسطين 122000 نسبتهم ليهود العالم 0.8% ) ( سنة 1940 عددهم قي فلسطين 467000 نسبتهم ليهود العالم 2.8% ) ( سنة 1948 عددهم قي فلسطين 650000 نسبتهم ليهود العالم 5.7% ) ( سنة 1951 عددهم قي فلسطين 1404000 نسبتهم ليهود العالم 12.2% ) ( سنة 1965 عددهم قي فلسطين 2299000 نسبتهم ليهود العالم 17.1% ) ( سنة 1975 عددهم قي فلسطين 2959000 نسبتهم ليهود العالم 20.9% ) ( سنة 1980 عددهم قي فلسطين 3282700نسبتهم ليهود العالم 25% ) ( سنة 1985 عددهم قي فلسطين 3510000 نسبتهم ليهود العالم 27(%

أي أن رُبع الشعب اليهودي وحسـب قرر الاستيطان في فلسطين،الأمر الذي يعني أن أغلبيته الساحقة آثرت العيش في «المَنْفَى»،رغم أن الدولة الصهيونية فتحـت أبوابها على مصراعيها أمامهم.
كل هذا يعني في واقع الأمر أن المنفى ليس بمَنْفَى، وأن أرض الميعاد والعودة ليست أرض الميعاد أو العودة رغم كل الادعاءات الصهيونية.

الدياسبورا الإلكترونية
Electronic Diaspora
«الدياسبورا الإلكترونية» مُصطلَح صهيوني جديد ظهر مؤخراً يعبِّر عن أن المؤسسة الصهيونية قد قبلت الدياسبورا كحالة نهائية، ولذا بدلاً من مطالبة أعضاء الجماعات اليهودية في العالم بأن يهاجروا إلى إسرائيل ويستوطنوا فيها، وبدلاً من النظر إليهم باعتبارهم " خونة " لعدم " عودتهم " إلى إسرائيل، تقبل الحركة الصهيونية بقاء يهود العالم في أوطانهم وتحاول أن تربط الخبراء والفنيين منهم بمستقبل إسرائيل بحيث يسـاهمون في تقدُّم إسـرائيل العلمي بخاصة في مجال الإلكترونيات، وعلى أن تطوِّر إسرائيل شبكة للتعاون الإلكتروني يتحكم فيها يهود العالم تحت إشراف إسرائيل.
وهذا التصوُّر تعبير عن اليأس الصهيوني من "عودة" اليهود، ولعل هذا يُفسِّر نغـمته البروتوكـولية (يهـود العـالم - الدولة الصهيونية - شبكة إلكترونية يهودية.. إلخ).


الجزء الثاني: يهود أم جماعات يهودية؟


الباب الأول: الجماعات اليهودية الأساسية

الجماعات اليهودية الأساسية
Major Jewish Communities
«الجماعات اليهودية الأساسية» هي الجماعات اليهودية التي يؤمن أعضاؤها باليهودية الحاخامية. وتعيش هذه الجماعات أساساً في العالم الغربي والعالم الإسلامي. وقد انقسمت هذه الجماعات على أساس قومي (فرنسي ـ أمريكي ـ إنجليزي)، أو على أساس ديني (إصلاحي ـ محافظ ـ لاديني... إلخ)، أو على أساس إثني (يهودي إثني ـ يهودي غير يهودي.. إلخ). ونحن نضع الجماعات اليهودية الأساسية مقابل الجماعات المنقرضة (مثل الخَزَر) أو الهامشية (مثل يهود الهند).

«سفارد وإشكناز» كمرادفين لمصطلحي «يهود شرقيون ويهود غربيون»
Sephardim and Ashkenazim as Synonymous with Oriental and Western Jews
شاع في الدراسات العربية استخدام مصطلحي «إشكناز» و«سفارد» باعتبارهما مرادفين لمصطلحي «يهود غربيــون» و«يهـود شرقيــون». وفي الدولــة الصهيــونية، تُستــخدَم عبارة «عيدوت مزراحي» للإشــارة إلى الجمــاعات الشــرقية بأسرها بغض النظر عن انتمــائها الدينــي أو الإثنـي، وهو استخدام غير دقيق في تَصوُّرنا ويطمس كثيراً من معالم التجمع الصهيوني التي لابد من رصدها.

لقد تكونت الدولة الصهيونية عند إنشائها من أعضاء ينتمون إلى جماعات يهودية كثيرة. ولتبسيط الأمر قليلاً، يمكن تقسيمهم إلى قسمين أساسيين:

1 ـ اليهود الغربيون: وهؤلاء هم اليهود الذين ينتمون حضارياً إلى العالم الغربي بغض النظر عن أصولهم سواء أكانت إشكنازية أم سفاردية. ومن ثم يُشار إلى جميع المهاجرين من أمريكا أو من الاتحاد السوفيتي بأنهم «غربيون»، وقد يُضم إليهم يهود من جورجيا وسفارد من هولندا.

2 ـ يهود شرقيون: وهؤلاء يضمون يهود الشرق والعالم الإسلامي والعربي، والجماعات اليهودية المتفرقة.

ومضمون المصطلحين ثقافي، فيهود جنوب أفريقيا يُعتبَرون غربيين نظراً لانتمائهم إلى الجيب الاستيطاني الأبيض.

ولكن يبدو أن الأدبيات الصهيونية تُؤْثر استخدام مصطلحي «سفاردي» وإشكنازي» على «شرقي» و«غربي»، وذلك للأسباب التالية:

1 ـ كلمتا «شرقي» و«غربي» كلمتان عامتان، أما مصطلحا «سفاردي» و«إشكنازي» فهما خاصان ومقصوران على اليهود، كما أنهما مأخوذان من تراثهم اللغوي والديني. والحديث عن «سفارد» و«إشكناز» هو حديث عن « يهود في يهود » أما الحديث عن «شرقيين» و«غربيين» فيشير إلى اختلافات حضارية حقيقية وعميقة تتجاوز الإطار المرجعي اليهودي.

2 ـ كلمتا «سفارد» و«إشكناز» ليس لهما حدود دلالية واضحة، بل متداخلتان،الأمر الذي يجعل استخدامهما كأدوات تحليلية أمراً صعباً.

3 ـ وهذا التَرادُف التصنيفي الخاطئ، «شرقي» و«سفاردي» من جهة و«غربي» و«إشكنازي» من جهة أخرى، يعود إلى الرغبة المتزايدة في التصنيفات الثنائية (سالب وموجب ـ ذكر وأنثى ـ نعم ولا ـ أبيض وأسود) المرتبطة بتَغلغُل العقلية العلمية المادية. لكن الجنوح نحو التصنيف الثنائي يخدم الصهاينة بشكل خاص، فهو يستبعد عشرات الجماعات اليهودية التي لا ينتمي أعضاؤها إلى أيٍّ من الفريقين، مثل الفلاشاه وبني إسرائيل، ويُبسِّط الأمر تماماً، فيصبح اليهود جماعتين إثنيتين كلٌّ منهما تشبه الأخرى في نهاية الأمر. أما إذا أخذنا بتصنيف تَعدُّدي ثلاثي أو رباعي أو خماسي، أو بتصنيف يَتعدَّد بعدد الجماعات اليهودية في العالم فسيُمكننا إدراك التنوع، وهذا ما يحققه مصطلحا «شرقي» و«غربي». فرغم أن هذا التصنيف ثنائي أيضاً فإنه ليس مغلقاً وإنما هو تصنيف مفتوح، فكلمة «شرقي» تشير إلى عشرات التشكيلات الحضارية الفعلية والممكنة، وكذا كلمة «غربي».

4 ـ يُلاحَظ أن مصطلحي «سفارد» و«إشكناز» يصلحان إلى حدٍّ كبير لتصنيف يهود العالم الغربي، وبالتالي يمكن استخدامهما إذا كان اليهود داخل التشـكيل الحضـاري الغـربي هم موضـوع النـقاش. ولذا، فحينـما يتـناول الدارس تاريـخ الجماعة اليهودية في إنجلترا مثلاً، فبإمكانه أن يتحدث عن النخبة السفاردية والجماهير الإشكنازية (اليديشية) حتى أواخر القرن التاسع عشر. وينطبق الشيء نفسه على يهود هولندا وفرنسا وهكذا. والمصطلحان يستبعدان الجماعات اليهودية الأخرى في العالم كافةً، ولا غضاضة في هذا مادام مجال النقاش هو يهود الغرب. ولكن الصورة تتغيَّر إذا كان منظور التحليل هو العالم. وقد أصبح هذا هو الأمر الغالب بعد ظهور المنظمة الصهيونية التي تعطي نفسها صورة العالمية، وتَدَّعي الحديث باسم كل يهود العالم، وتجعل العالم كله ساحتها. عندئذ يصبح مصطلحا «سفارد» و«إشكناز» قاصرين عن تناول الظاهرة. وهنا، فلابد من استخدام مصطلحي «شرقي» و«غربي» للوصول إلى أعلى مستوى تعميمي، مع استخدام عدد آخر من المصطلحات إن أراد الباحث تناول الجماعات اليهودية على مستوى أكثر تخصـيصاً. فاليهـودية الغربية، أو الجماعات اليهودية في الغرب، لم تَعُد الإطار المرجعي الوحيد. وهذا التحول في مجال النقاش، من يهود الغرب إلى يهود العالم، هو ما أدَّى إلى تَداخُل المصطلحين وحدوث الخلل الذي نحاول تحاشيه.

5 ـ كان مصطلحا «سفارد» و«إشكناز» صالحين بصفتهما أداتين تحليليتين حتى القرن التاسع عشر. ولكن، مع ظهور الدولة القومية الحديثة، واتساع نطاق الثورة العلمانية، لم يَعُد الانتماء الديني الإثني هو محك الهوية، وبدأ يهود الغرب يُصنِّفون أنفسهم بناء على انتمائهم القومي؛ فهذا يهودي إنجليزي وذلك يهودي هولندي، وهلم جرا. أما على الأساس الديني فهم يهود إصلاحيون أو محافظون أو أرثوذكس أو إلحاديون وعلى مستوى الهوية يمكن تصنيفهم على أنهم يهود إثنيون أو إندماجيون أو يهود غير يهود... إلخ. وهكذا ضمر الانتماء السفاردي أو الإشكنازي، ولم يَعُد المصطلحان صالحين.

لكل هذا، فإننا نستخدم هنا مصطلحي «سفارد» و«إشكناز» حين يكون موضوع النقـاش هو يهود الغرب حتى منتصف القرن التاسـع عشر، أو حينما نود الإشارة إلى السفارد أو الإشكناز بالمعنى المحدد. وفيما عدا ذلك، فإننا نستخدم مصطلحي «شرقي» و«غربي»، فهما مصطلحان عامان يغطيان كل التنويعات والهويات اليهودية المختلفة. كما أننا نستخدم مصطلحات أكثر تحدُّداً، مثل: يهود البلاد العربية والإسلامية، أو يهود اليديشية، أو يهود بني إسرائيل، أو يهود الفلاشاه. كما نستخدم مصطلح «الجماعات اليهودية» في صيغة الجمع ثم نشير، على سبيل المثال، إلى الجماعة اليهودية في هولندا في القرن التاسع عشر (مثلاً) من باب التخصيص المكاني والزماني.

الســــفارد
Sephardim
«سفارد» مصطلح مأخوذ من الأصل العبري «سفارديم». ويُشار إلى السفارد أيضاً بكلمة «إسبانيولي»، وباليديشية بكلمة «فرانك» التي تشبه قولنا بالعربية «الفرنجة» (ومن هنا تسمية جيكوب فرانك، أي جيكوب السفاردي). و«سفارد» اسم مدينة في آسيا الصغرى تم ربطها بإسبانيا عن طريق الخطأ فتُرجمت الكلمة في الترجوم (الترجمة الآرامية لأسفار موسى الخمسة) إلى «إسباميا»، و«سباميا»، أما في البشيطا (الترجمة السريانية لأسفار موسى الخمسة) فهي «إسبانيا». وابتداءً من القرن الثامن الميلادي، أصبحت كلمة «سفارد» هي الكلمة العبرية المستخدمة للإشارة إلى إسبانيا. وتُستخدَم الكلمة في الوقت الحاضر للإشارة إلى اليهود الذين عاشوا أصلاً في إسبانيا والبرتغال، مقابل الإشكناز الذين كانوا يعيشون في ألمانيا وفرنسا ومعظم أوربا. وقد استقر أعضاء الجماعة اليهودية في شبه جزيرة أيبريا في أيام الإمبراطورية الرومانية. ولكن أهم فترة في تاريخهم هي الفترة التي حكم فيها المسلمون شبه جزيرة أيبريا والتي يُشار إليها باسم «العصر الذهبي». وكان أعضـاء الجماعة اليهودية يتحـدثون العربيـة في تلك الفترة، ويفكرون ويكتبون بها. ثم جاء الغزو المسيحي لشبه الجزيرة واستردادها، فاكتسب اليهود الصبغة الإسبانية وتحدثوا باللادينو، وهي لهجة إسبانية، ثم تم طردهم من إسبانيا عام 1492، ومن البرتغال عام 1497، فاتجهت أعداد منهم إلى الدولة العثمانية التي كانت تضم شبه جزيرة البلقان وشمال أفريقيا. ويُعَدُّ ميناء سالونيكا (في شبه الجزيرة اليونانية) عاصمة السفارد في العالم حتى الحرب العالمية الأولى، فقد كانت هذه المدينة تضم أغلبية سفاردية. ومن أهم المدن الأخرى التي استقر فيها السفارد في الدولة العثمانية: أدرنة والأستانة وصفد والقدس والقاهرة.

وبعد قرن من الزمان، لحقت بجماعة السفارد جماعات المارانو، وهم من يهود السفارد المُتخفِّين (البرتغاليين)، فاتجهت جماعات منهم إلى هولندا وفرنسا، كما اتجهت جماعات أخرى إلى أماكن أخرى في أوربا، مثل: إنجلترا وألمانيا وإيطاليا والدنمارك والنمسا والمجر، وإلى العالم الجديد (البرازيل والولايات المتحدة)، حيث أعلنت أعداد منهم عن هويتهم الدينية ومارسوا العقيدة اليهودية بشكل علني. وكان المُبعَدون من السفارد إسبانيين أو برتغاليين في تراثهم وثقافتهم ولباسهم وطَهْوهم وأسمائهم، ولذا كان يُطلَق عليهم اسم «الأسبان» أو «البرتغاليون». وقد احتفظ هؤلاء المُبعَدون بعلاقاتهم الثقافية بوطنهم الأصلي، حيث كانوا معتزين بهذا التراث وبالمكانة العالية التي حققوها في هذه البلاد.

وقد ظهر في صفوف السفارد عدد كبير من المفكرين مثل أورييل داكوستا. وليس من قبيل الصدفة أن أول مفكر يهودي يُعتَدُّ به في العصر الحديث كان سفاردي الأصل، وهو إسبينوزا. كما أن قبَّالاة الزوهار، وكذلك القبَّالاه اللوريانية التي اكتسحت أوربا الإشكنازية، كانت من أصل سفاردي، وكذا الشولحان عاروخ، أهم المصنفات الفقهية اليهودية، حيث وضعه يوسف كارو. وكان شبتاي تسفي (الماشيَّح الدجال) من أصل سفاردي أيضاً، أي أن كل التطورات التي حدثت بين الجماعـات اليهوديـة في هذه الفـترة كانت ذات أصـول سفاردية.

وقد كان السفارد يُصرّون على الاحتفاظ بمسافة بينهم وبين الإشكناز، الذين كانوا يتسمون بقدر كبير من العزلة والتخلف الحضاريين. وأخذت هذه المسـافة شـكل مؤسـسات دينية وتعليمية مستقلة، ورفض الزواج المُختلَط من الإشكناز، حتى أن السفاردي الذي يتزوج من إشكنازية كان يُطرَد من الجماعة السفاردية ولا يُدفَن في مدافنها. وحينما كانت الجماعة السفاردية تضطر إلى السماح لبعض الإشكناز بحضور الصلوات في معبدها، فإن أعضاءها كانوا يصلون وراء حاجز خشبي يُقام بهدف الفصل بين أعضاء الجماعتين. وحينما كانت أية جماعة سفاردية تهاجر إلى أية مدينة، فإنها كانت تحتفظ باستقلالها وبإحساسها بتَفوُّقها وتَفوُّق قيمها، حتى أنها كانت تصبغ بقية الجماعة بصبغة سفاردية. هذا ما حدث على سبيل المثال في الدولة العثمانية، حين امتزج اليهود الروم (الرومانيوت) واليهود المستعربة باليهود السفارد، فأصبحت اللادينو هي اللغة السائدة بينهم. وقد حدث الشيء نفسه في شمال أفريقيا.

وفي العصر الحديث، كانت الهجرة اليهودية في الغرب تأخذ الشكل التالي: يستقر أعضاء جماعة سفاردية تمتلك من الخبرات ورؤوس الأموال والاتصالات الدولية ما يجعل منها جماعة تجارية إدارية متقدمة، ثم تأتي الجماهير الإشكنازية وتلحق بهم، وكان السفارد يشغلون في معظم الأحيان قمة الهرم. ولذا، لعب السفارد دوراً مهماً في تَطوُّر الرأسمالية الغربية وبروز النظام الاقتصادي الجديد (في العالم) واتساع نطاق حركة الاكتشافات الجغرافية. وقد بدأ السفارد يستثمرون في كثير من المشروعات الاستعمارية الهولندية، فامتلكوا عدداً كبيراً من أسهم شركة الهند الغربية الهولندية. في حين ظل الإشكناز على هامش هذا التطور، فكان منهم صغار التجار وكان منهم المرابون المرتبطون بالنظام الاقتصادي القديم. ولعل هذا يُفسِّر بقاء المسألة اليهودية مسألة إشكنازية بالدرجة الأولى. ففي فرنسا مثلاً، اصطدم النظام الجديد بعد الثورة بيهود الألزاس واللورين، وهم من يهود اليديشية الإشكناز، بينما لم تَحدُث أية مواجهة بين هذا النظام وبين يهود بايون وبوردو من السفارد. وفي إنجلترا، لم تكن هناك مسألة يهودية إلا بعد هجرة يهود اليديشية بجحافلهم المتخلفة إليها.

وقد حقق السفارد بروزاً غير عادي في المجتمعات الغربية خصوصاً هولندا. وكان منهم أعداد كبيرة من يهود البلاط. كما اشتركوا في تمويل بعض الشركات الاستيطانية. وقد بلغ اليهود السفارد قمة نفوذهم المالي في نهاية القرن السابع عشر. ولكن وَضْعَهم أخذ في التدهور بعد ذلك التاريخ، وذلك مع ظهور القوة البريطانية وانكماش القوة الهولندية، ومع تَزايُد حجم التجارة الدولية التي لم يتمكن رأس المال السفاردي من استيعابها، ومع ظهور بورجوازيات محلية حلت محل يهود البلاط. وقد أدَّى وصول قوات الثورة الفرنسية إلى هولندا إلى قطع علاقة أعضاء الجماعات اليهودية فيها بالشبكة التجارية اليهودية في ألمانيا وبولندا والدولة العثمانية، ومن ثم فَقَد السفارد ما تَبقَّى لهم من قوة وثروة، وحدث التراجع الذي رجَّح كفة الإشكناز.

والجدير بالذكر أن عبرية السفارد مختلفة عن عبرية الإشكناز. وهذا يعود إلى أن يهود العالم العربي كانوا منذ أيام الأندلس لا يتحدثون إلا العربية، واقتصر استخدام العبرية على الكتابة الدينية المتخصصة. وقد كان لاحتكاك اليهود بالعرب أثر عميق في لغتهم، فقد ازدادت عبريتهم فصاحة بمجاورتها اللغة العربية التي تُعدُّ أرقى لغات المجموعة السامية كلها. وقد تَرتَّب على ذلك أن دولة إسرائيل، التي قامت على أكتاف الإشكناز، وجدت نفسها رغم كل شيء مُضطرَّة إلى اعتبار عبرية السفارد هي لغة المسرح الرسمية وكذلك لغة الإذاعة والتعليم في الجامعات والمدارس. وقد اضطر المؤلفون في الأدب العبري الحديث، أو العاملون في مجال الدراسات اللغوية، حتى وإن كانوا من الإشكناز، إلى الخضوع المُطلَق للسان السفارد. ولكن هذا لا ينفي أن هناك مزيجاً لغوياً في جبهة السفارد ذاتها، فبعضهم (مثل المارانو) يتحدث اللادينو أو البرتغاليـة، أما البعـض الآخر فيتـحدث اليونانيـة أو التركـية وهم أقلية. وقد انعكس هذا التباين اللغوي على طريقة نطقهم للعبرية. بل إن هذا التباين يمكن ملاحظته في نُطْق العبرية بين اليهود الذين يتحدثون اللغة نفسها، فثمة سمات محلية في النطق أصبحت تُميِّز اليهودي العراقي عن اليهودي اليمني أو المغربي، ليست نتيجة احتكاكه باللغة العربية الفصحى وحسب بل ونتيجة احتكاكه العميق باللهجة التي يتحدث بها مواطنو بلده. وفي الوقت الحاضر، بدأ السفارد يتحدثون (أساساً) لغة البلاد التي يتواجدون فيها.

ولا يوجد اختلاف جوهري بين السفارد والإشكناز في العقائد، فكلاهما يعتبر أن التلمود البابلي هو المرجع النهائي. ومع هذا، كان ليهود إسبانيا طريقتهم الخاصة في الصلاة وإقامة الشعائر الدينية التي تُعَدُّ استمراراً للتقاليد الدينية اليهودية التي نشأت وتطورت في بابل. أما الإشكناز، فتعود عبادتهم أساساً إلى أصول يهودية فلسطينية. وقد تعمَّقت الفروق بين الفريقين نتيجة تأثر السفارد في عبادتهم وتلاوتهم وترتيلهم وإنشادهم بالذوق العربي، كما انفردوا بنصوص شعرية ونثرية في أدعيتهم وصلواتهم قريبة الشبه بما يماثلها عند المسلمين.

ويُلاحَظ أن السفارد، بسبب مستواهم الثقافي العالي، كانوا أكثر تَسامُحاً وأوسع أفقاً. ومن هنا نجد أن الشولحان عاروخ (المُصنَّف التشريعي الذي وضعه كارو السفاردي) أكثر ليبرالية من تلك الرؤية التي سادت بين الإشكناز عند صدوره. وهناك اختلافات بين السفارد والإشكناز تعود إلى اختلاف البيئات الحضارية التي عاش في كنفها أعضاء الجماعات اليهودية السفاردية والإشكنازية. ففي عيد الفصح، يستخدم السفارد الخس باعتباره أحد الأعشاب المُرَّة التي تُؤكل في هذه المناسبة بدلاً من الفجل الحار. أما الصلـوات في المـعبد، فهي مخـتلفة في كثـير من النواحي السطحية، وعلى سبيل المثال، يرفع السفارد مخطوطة التوراة قبل قراءتها على خلاف الإشكناز الذين يفعلون ذلك بعدها. كما أن الخط المستخدم في كتابة المخطوطة مختلف. وكذلك، فإن معمار المعبد السفاردي يختلف، في بعض التفاصيل، عن معمار المعبد الإشكنازي.

وتختلف المصطلحات الدينية بين الإشكناز والسفارد على النحو التالي:

( المصطلح : صلاة العشاء- يقابلها عند السفاردي : عربت - ويقابلها عند الأشكنازي : معاريف )
( المصطلح : تابوت العهد - يقابلها عند السفاردي : هيكل - ويقابلها عند الأشكنازي : آرون )
( المصطلح : صلاة عيد الفصح - يقابلها عند السفاردي : هاجاداه - ويقابلها عند الأشكنازي : سيدر (
( المصطلح : يوم الغفران - يقابلها عند السفاردي : كيـبـور - ويقابلها عند الأشكنازي : يوم كيـبـور (
( المصطلح : حاخام - يقابلها عند السفاردي : ربـي / راف - ويقابلها عند الأشكنازي : راباي (
( المصطلح : كتاب صلاة - يقابلها عند السفاردي : تـيـفـيـلوت - ويقابلها عند الأشكنازي : سيدور (

وبسبب هذه الاختلافات وغيرها، اكتسب مصطلح «سفارد» دلالة دينية إلى جانب دلالته الإثنية الأصلية، وأصبح يُطلَق على كل اليهود الذين يتبعون التقاليد السفاردية في العبادة سواء أكان أصلهم يعود إلى شبه جزيرة أيبريا أم يعود إلى غير ذلك.

ويُطلَق المصطلح الآن على كل اليهود الذين لا ينتمون إلى أصل إشكنازي غربي في التجمع الإسرائيلي. ولكن مما يثير بعض المشاكل في التصنيف أن الحسيديين، وهم من الإشكناز، اقتبسوا كثيراً من التقاليد والطقوس السفاردية، كما أن بعض اليهود الهولنديين والإنجليز يتبعون التقاليد السفاردية في العبادة. ولذا، فحينما نتحدث عن سكان التجمع الصهيوني من اليهود نقول: «اليهود الإشكناز» و«اليهود السفارد»، و«يهود البلاد الإسلامية»، أو نقول: «يهود شرقيون» و«يهود غربيون» بدلاً من «سفارد» و«إشكناز» حتى لا نَسقُط في التصنيفات الثنائية البسيطة والسهلة التي تُشوِّه الواقع.

وقد تَدهَور وضع اليهود السفارد، كما أسلفنا، بعد أن كانوا الأكثر عدداً والأعلى مكانة والأكثر ثقافة. ففي العصور الوسطى، كانوا يشكلون نصف يهود العالم، وكانوا على احتكاك بمؤسسات صنع القـرار في بلادهمـ، كما كانوا يشـتغلون بالشـئون المـالية المتقدمة. ولكن، ابتداءً من القرن السابع عشر، بدأ صعود الإشكناز عددياً ثم ثقافياً. ورغم وجود أقليات سفاردية مهمة في لندن وأمستردام حتى القرن التاسع عشر، زاد المد الإشكنازي وغطى الانفجار السكاني في صفوفهم على السفارد تماماً. ومع الحرب العالمية الثانية، كان يهود العالم يبلغون 16.500.000، منهم 15 مليون إشكنازي، والباقي سفارد بالمعنىين الديني والعرْقي. وتُوجَد أغلبية السفارد في شمال أفريقيا (ما بين 250 ألفاً إلى 300 ألف) وأوربا (250 ألفاً). كما كان هناك عدد كبير في أمريكا اللاتينية (120 ألفاً)، وتركيا (73 ألفاً)، وفلسطين (47 ألفاً)، وتَوزَّع الباقي على ثلاث دول أخرى. لكن هذه الأرقام غير دقيقة، كما أنها تضم اليهود المستعربة ضمن السفارد، وكذلك أعضاء الجماعات اليهودية الأخرى (مثل الفلاشاه وبني إسرائيل والدونمه(.

وقد أدَّت تَقلُّبات القرن العشرين، من تحديث في اليونان والدولة العثمانية، وحروب بين اليونان وتركيا، إلى تشتيتهم من مراكز تَجمُّعهم الأساسية، لا سيما وأن عاصمتهم سالونيكا كانت مدينة تركية في شبه الجزيرة اليونانية. وقد تم إخلاء سكانها وتهجيرهم إلى تركيا، وضمن ذلك اليهود، باعتبارهم أتراكاً، خصوصاً وأن نسبة كبيرة من سفارد سالونيكا كانوا من الدونمه، أي من اليهود المتخفين الذين أظهروا الإسلام، ولذلك تم تصنيفهم باعتبارهم مسلمين. وهاجرت أعداد كـبيرة منهم إلى أوربا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية حيث كان الجو الحضاري اللاتيني مواتياً لهم.

وقد انعكس الانقسام بين السفارد والإشكناز على الجماعة اليهودية في فلسطين، إذ كانت هذه الجماعة تنقسم بدورها إلى إشكناز وسفارد، ولكل جماعة حاخام خاص بها. وقد ارتبط اليهود غير الغربيين (المغاربة والمستعربة) بالحاخامية السفاردية، ومن هنا كان اختلاط المجال الدلالي للكلمة بحيث أصبحت تشير إلى كل من ليس بإشكناز. وكانت السلطات الإنجليزية تُفضِّل السفارد واليهود المستعربة على الإشكناز، نظراً لأن الفريق الأول كان يعرف تقاليد فلسطين أكثر من الوافدين الجدد.

وإذا كانت المسألة اليهودية مسألة إشكنازية، فإن الصهيونية أيضاً ظاهرة إشكنازية. والواقع أن كل مفكري الصهيونية، بدون استثناء، إشكناز. وربما كان الاستثناء الوحيد هو الحاخام القلعي الذي تنبع صهيونيته من رؤاه القبَّالية، وكان يعيش في أطراف الدولة العثمانية (في شبه جزيرة البلقان). وقد كانت الصهيونية إشكنازية لدرجة أن كلمة «يهودي» في الأدبيات الصهيونية الأولى كانت مرادفة لكلمة «إشكنازي» بمعنى «يديشي». كما أن المشروع الصهيوني كان مشروعاً غربياً لحماية مصالح الغرب في الشرق. ولكن بعد تأسيس الدولة، هاجر الألوف من يهود الشرق إليها، الأمر الذي أدَّى إلى زيادة العنصر غير الإشكنازي في الدولة. وقد أعطاها هذا الطابع الذي يُقال له «سفاردي أو شرقي».

وتتسم العلاقات في المُستوطَن الصهيوني بين الشرقيين والسفارد من جهة، والإشكناز من جهة أخرى، بالتوتر الشديد، فيشير الإشكناز للشرقيين بوصفهم «شفارتز» (أي «سود» أو «شحوريم»، مع تحميل الكلمة إيحاءات قدحية)، وهناك مَثَل يديشـي يقول " فرانك كرانك "، أي «السفارد مرض»، والرد الشرقي السفاردي هو الإشارة إلى «الإشكي نازي» بكل تداعيات الكلمة في الذهن الإسرائيلي. ويبدو أن التمييز العنصري مستمر بالنسبة لأبناء اليهود الشرقييبن ممن وُلدوا ونشأوا في إسرائيل. وقد اتضح هذا في النظام الحزبي في إسرائيل، فقد ظهرت فيه الأحزاب الإثنية بعد إعلان الدولة الصهيونية، وقد أعلن الصهاينة حينذاك أن هذا أمر مؤقت وأن الصهيونية (أي القومية اليهودية) ستصهر الجميع في بوتقة واحدة. ولكن ظهر في التسعينيات أحزاب تعبِّر عن الانقسام الإثني فيضم حزب شاس (الديني) اليهود السفارد، أما حزب إسرائيل بعالياه (العلماني) فيضم المهاجرين السوفييت.

الإشـــــكناز
Ashkenazim
«الإشكناز» من «إشكنازيم» العبرية. و«الإشكناز» هم يهود فرنسا وألمانيا وبولندا. و«إشكناز»، حسب الرواية التوراتية، اسم أحد أحفاد نوح. ومن المحتمل أن تكون الكلمة قد استُخدمت للإشارة إلى قبيلة ظهرت في زمن أسرحدون تَحالَف أعضاؤها مع آشور. وهم الذين تشير إلىهم المدونات الآشورية في القرن السابع قبل الميلاد بلفظ «إشوكوزا»، وهم الذين أشار إليهم اليونانيون بكلمة «إسكيثيانز Scythians» وهم الإسكيثيون. ويبدو أن هذه الأقوام كانت تشغل المنطقة الموجودة على حدود أرمينيا في أعالي الفرات، وجزءاً من مملكة الميديين. ويقرن يوسيفوس كلمة «إشكناز» بمدينة في مركز ميديا. وفي بعض الكتابات الحاخامية، يُشار إلى آسيا بأسرها باعتبارها «إشكناز»، كما كان يُشار إلى الخَزَر باعتبـارهم «إشـكناز»، بل واسـتُخدمت الكلمة للإشـارة إلى حملات الفرنجـة.

أما الاشتقاق الحالي لكلمة «الإشكناز»، فهو من كلمة «إشكناز» بمعنى «ألمانيا». ومن الصعب معرفة متى حدث هذا التَرادُف. وثمة آراء احتمالية عدة، فهناك من يربط بين إشكناز وإسكندنافيا، وهناك من يربط بينها وبين الساكسون ومن ثم بينها وبين ألمانيا. ومع زمن راشي، أصبح هذا الترادف أمراً مقبولاً تماماً، فهو يشير إلى «لشون إشكناز»، أي «اللسان الألماني» أو «اللغة الألمانية». وكان يشير إلى «إرتس إشكناز» أي «أرض ألمانيا». ومن هنا، أصبح المصطلح يشير إلى يهود فرنسا وألمانيا ونسلهم من اليهود الذين هاجروا إلى إنجلترا وشرق أوربا (بولندا وليتوانيا) بعد حروب الفرنجة. ويطرح آرثر كوستلر نظرية أخرى عن أصل أكبر كتلة بشرية إشكنازية (أي يهود بولندا)، فيرى أن الجماعات اليهودية في فرنسا وألمانيا قد أبيدت تماماً أو اختفت، وأن يهود بولندا هم في الواقع بقايا يهود الخزر الذين نزحوا عن أراضيهم بعد سقوط دولتهم وأسسوا دولة المجر ثم هاجروا منها إلى بولندا. وبالتالي، فإن الإشكناز عنصر تركي غير سامي.

وقد انتشر الإشكناز من بولندا إلى أوربا، خصوصاً بعد هجمات شميلنكي في أوكرانيا (1648)، فاستقرت أعداد منهم في بولندا وألمانيا وإنجلترا والعالم الجديد. ثم هاجر الملايين منهم في نهاية القرن التاسع عشر إلى الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وأستراليا ونيوزيلندا، بعد الانفجار السكاني الذي حدث في صفوفهم. كما أنهم توجهوا إلى آسيا وأفريقيا مع حركة التوسع الإمبريالي. ولما كان يهود شرق أوربا هم أهم كتلة بشرية يهودية، فقد ارتبط المصطلح بهم، ولكننا نُفضِّل أن نشير إلى هؤلاء باعتبارهم «يهود اليديشية».

وتُذكَر كلمة «إشكناز» عادةً مقابل «سفارد»، وبالتالي أصبحت كلمة «إشكناز» مرادفة لمعنى «غربي» وأصبحت «سفاردي» بمعنى «شرقي»، وهو تَرادُف خاطئ لأن كثيراً من يهود الشرق (يهود الفلاشاه وبني إسرائيل) ليسوا من السفارد، ولا علاقة لهم بالتراث السفاردي الإثني أو الديني. ولكن هذا الترادف التصنيفي الخاطئ ربما يعود إلى الرغبة المتزايدة في التصنيفات الثنائية (مثل: سالب وموجب ـ ذكر وأنثى)، وإلى جَعْل مرجعية اليهود الوحيدة والأساسية هي تراثهم، ومحاولة رؤيتهم داخل إطار يهودي مُوحَّد، وهو أمر يصبح صعباً لو أخذنا بتصنيف تَعدُّدي ثلاثي يراعي وجود أقسام مختلفة من اليهود في العالم. ومما يزيد الأمور اختلاطاً، أن الحسيديين، وهم من أشد اليهود إشكنازيةً إن صح التعبير، تَبنَّوا بعض الممارسات الدينية السفاردية في محاولة لتأكيد استقلالهم عن المؤسسة الحاخامية الإشكنازية. ومع تَزايُد فقدان الجماعات اليهودية سماتها الخاصة، وتَزايُد اندماجها وتَحوُّل أعضائها إلى أمريكيين يهود أو فرنسيين يهود... إلخ، يصبح من الأدق استخدام مصطلح «يهود غربيون» للإشارة لما يُسمَّى الآن «اليهود الإشكناز».

وثمة اختلافات دينية غير جوهرية بين الإشكناز والسفارد تعود إلى اختلاف الأصول. فالإشكناز تَبنَّوا الصيغة الفلسطينية لليهودية، مقابل الصيغة البابلية التي تبناها السفارد. ومع أن كلا الفريقين تَبنَّى التلمود البابلي، في نهاية الأمر، مرجعاً وحيداً في الأمور الدينية والفقهية، فقد ظلـت بعض نقط الاختلاف. فالسـفارد، على سـبيل المثال، يتسمون باتساع الأفق، أما الإشكناز فلم ينفتحوا على الحضارات التي عاشوا بين ظهرانيها برغم تأثرهم بها، وانغلقوا على الكتاب المقدَّس والتلمود وعلى تفسير النصوص الجزئية. كذلك لم يحاول الإشـكناز جَمْع الشـريعة وتقنينها والتوصـل إلى مبـادئها العـامة.

والاختلافات بين السفارد والإشكناز في الأمور الدينية ليست عميقة، وقد حصرنا بعضها في مدخل السفارد. ولكن يُلاحَظ أن تأثير السفارد الفكري الديني في الإشكناز كان عميقاً. فرغم أن بدايات القبَّالاه إشكنازية، فإن تَحوُّلها إلى نسق متكامل في قبَّالاة الزوهار ثم القبَّالاه اللوريانية تم على يد السفارد، بل إن الفكر القبَّالي ذاته يكاد يكون فكراً سفاردياً، وهو الذي اكتسح الفكر الحاخامي الإشكنازي. كما أن أهم كتب الشريعة اليهودية (الشولحان عاروخ) كتاب سفاردي كتب عليه أحد الإشكناز شروحاً وتعليقات. وقد لاحَظ أحد المفكرين أثر الفكر المسيحي في الفكر الديني للإشكناز، فظاهرة الاستشهاد فيما يُعرَف بمصطلح «تقديس الاسم» (بالعبرية: «قيدوش هاشيم») هي ظاهرة إشكنازية لعلها جاءت نتيجة تأثير واقعة الصلب في المسيحية على اليهود. أما المارانية، وهي شكل من أشكال التَقية، فهي ظاهرة سفاردية. ويمكن ملاحظة تأثير الفكر المسيحي في الحسيدية أيضاً، على عكس الفكر السفاردي الذي تأثر في بعض جوانبه بالفكر الديني الإسلامي.

ومن الظواهر التي تستحق التسجيل أن المشيحانية (وهي المعبِّرة عن إحباط الجماهير) حركة إشكنازية بالدرجة الأولى رغم أن الفكر القبَّالي فكر سفاردي، ورغم أن شبتاي تسفي (أول ماشيَّح دجال في العصر الحديث) سفاردي. كما أن قيادة هذه الحركات انتقلت إلى الغرب بعد حركة شبتاي تسفي. فجيكوب فرانك إشكنازي (رغم تَبنِّيه بعض الأساليب السفاردية، ورغم أن أعداءه سموه «فرانك»، أي السفاردي باليديشية) والحركة الحسيدية أيضاً حركة إشكنازية. ويُلاحَظ أيضاً أن الوضع تغيَّر بعد سنوات من التبعية للفكر السفاردي وبدأ الإشكناز في الإبداع في مجال الفكر الديني والدنيوي، فظهرت حركة التنوير في صفوفهم، كما ظهر بينهم علم اليهودية، وكذلك جميع الحركات الدينية في اليهودية الإصلاحية والمحافظة والأرثوذكسية والتجديدية.

وكان معظم الإشكناز يتحدثون اليديشية التي اختفت بالتدريج مع عشرينيات هذا القرن، وبالتالي فهم يتحدثون في الوقت الحاضر لغة البلد الذي يوجدون فيه. ولغتهم الأساسية الآن هي الإنجليزية باعتبار أن أغلبيتهم تُوجَد ضمن التشكيل الاستعماري الاستيطاني الأنجلو ـ ساكسوني (الولايات المتحدة الأمريكية ـ كندا ـ أستراليا ـ جنوب أفريقيا). والعبرية السائدة بين الإشكناز مختلفة عن عبرية السفارد حيث ينطقونها بطريقة مختلفة.

وكان أكثر من نصف يهود العالم، في العصور الوسطى وحتى بدايات القرن الثامن عشر، من السفارد ويهود العالم الإسلامي. ولكن، بعد ذلك التاريخ، أخذ الإشكناز في التَزايُد إلى أن حدث الانفجار السكاني في صفوفهم في القرن التاسع عشر وأصبحوا يشكلون نحو 90% من يهود العالم. ولا تزال نسبتهم عالية. ومع أنها قد هبطت قليلاً في الآونة الأخيرة، بسبب تَناقُص معدلات الإنجاب بينهم، فإن الأغلبية الساحقة من يهود العالم تظل إشكنازية (بمعنى: غربية). كما أنهم نظراً لوجودهم في المجتمع الغربي، فإن لهم بروزاً عالمياً. ولذا، فإن معظم مشاهير اليهود الآن من الإشكناز، ابتداءً بأينشتاين ومروراً بكيسـنجر وانتهـاءً براكـيل ويلـش.


ويُلاحَظ أن البناء الوظيفي والمهني للإشكناز مختلف عن بناء السفارد. فالإشكناز كانوا يقفون دائماً على هامش المجتمع الغربي، كشعب شاهد، ثم كأقنان بلاط ويهود بلاط ومرابين وتجار ووسطاء في النظام الإقطاعي، على عكس السفارد الذين كان بعضهم يضطلع بالوظائف الهامشية نفسها، ولكنهم كانوا أكثر اندماجاً في النظام الاقتصادي الجديد في الغرب باعتبارهم من كبار المموِّلين الذين ساهموا، في أمستردام وغيرها، في تأسيس بعض الشركات الرأسمالية الجديدة، كما اسـتثمروا أموالهم في المشـاريع الاسـتعمارية والاستيطانية. أما من الناحية الثقافية، فقد كان السفارد أقل انغلاقاً على المجتمع الغربي وأكثر استيعاباً لثقافته وأسلوب حياته على عكس الإشكناز. ولذلك، فإن المسألة اليهودية مسألة إشكنازية، لم تُوجَد إلا في البلاد التي تُوجَد فيها أقلية إشكنازية. وحينما وُجدت أقلية سفاردية وأخرى إشكنازية في بلد واحد، كما كان الحال في فرنسا، فإن السفارد كانوا يندمجون في الاقتصاد الجديد دون أن يصادفوا عقبات كثيرة، ودون أن يواجهوا مشكلة ازدواج الولاء. ولهذا، فحينما تَوجَّه نابليون لحل مشكلة يهود فرنسا، انصبت جُلَّ جهوده على حل مشكلة يهود الألزاس واللورين من الإشكناز، ولم يضم لهم يهود بوردو وبايون من السفارد.

لكل ما تَقدَّم، نجد أن مصطلح «إشكناز» اكتسب دلالة حضارية وإثنية وعرْقية ودينية، وأصبح هذا المصطلح يشير إلى مركب إشكنازي من العناصر والعلاقات، وقد انعكس هذا على الوضع في فلسطين. وقدكان أعضاء اليشوف القديم (وهي مؤسسة دينية محضة) ينقسمون إلى إشكناز وسفارد، وهذا الانقسام لا يزال قائماً في إسرائيل، فهناك حاخامان يشرف كل منهما على الشئون الدينية لجماعته. وبشكل عام، كان السفارد يُبقون مسافة اجتماعية واسعة بينهم وبين الإشكناز، ويحاولون تأكيد نقط الاختلاف بين الفريقين. وقد كتب المفكر اليهودي السفاردي إسحق دي بنتو رسالة إلى فولتير يبين له فيها أن السفارد لا يتزاوجون مع الإشكناز، وأن لهم معابدهم المستقلة، وأن أزياء السفارد لا تختلف عن أزياء الأغيار على عكس الإشكناز، وأن أثرياء السفارد يتسمون بالتحضُّر ولا يختلفون عن الأغيار إلا في الدين. وختم دي بنتو خطابه بقوله: «لو تزوج سفاردي من إشكنازية، فإنه يفقد كل حقوقه ويُطرَد من المعبد اليهودي السفاردي ويُستبعَد تماماً من الجماعة السفاردية ولا يُدفَن في مدافنهم ». وفسَّر دي بنتو هذا الاختلاف على أساس عرْقي، فالإشـكناز لا تجـري في عروقهم دماء يهودية نقية، أما السفارد فهم من نسل كبار أسرة قبيلة يهودا الذين أرسلوا إلى إسبانيا أثناء التهجير البابلي.

وإذا كانت المسألة اليهودية مسألة إشكنازية، فإن الحركة الصهيونية هي الأخرى حركة إشكنازية. بل إن جميع الظواهر اليهودية الحديثة تبلورت في صفوف الإشكناز، فالحسيدية نشأت في بولندا وانتشرت منها، والإصلاح الديني بدأ في ألمانيا وتبعه تزايد معدلات الاندماج والانصهار. وقد كان المؤتمر الصهيوني الأول يضم وفوداً إشكنازية بالدرجة الأولى. بل إن السفارد الذين حضروا، كانوا من بلاد أوربية مثل بلغاريا أو فرنسا. وظل الاستيطان الصهيوني (أساساً) استيطاناً إشكنازياً. ومن ناحية أخرى، فإن مصطلح «يهودي» كان يعـني في الأدبيات الصهيونية الأولى «الإشكنازي». ولا تزال النخبة الحاكمة في إسرائيل إشكنازية، كما أن المؤسسات الأساسية (مثل الكيبوتس) كلها إشكنازية. والواقع أن هذه المؤسسات تحاول أن تحافظ على توجه الدولة الإشكنازي، لكن العنصر اليهودي الإشكنازي في الدولة الصهيونية قد أصبح، مع ذلك، أقل من 50% بسبب هجرة اليهود السفارد واليهود الشرقيين. ويَتجلى التوتر الحاد، بين اليهود الشرقيين والسفارد من جهة والإشكناز من جهة أخرى، في إشارة الأولين إلى الآخرين باعتبارهم « أشكي نازي ». ويُقال إن الاهتمام المحموم، من جانب المؤسسة الحاكمة في إسرائيل، بالهجرة السوفيتية لا يعود إلى حاجة المُستوطَن الصهيوني إلى مادة بشرية قتالية وحسب وإنما إلى حاجته إلى مادة إشكنازية على وجه التحديد تُوازن العنصر الشرقي السفاردي، بعد أن انخفض عدد اليهود الغربيين في الدولة الصهيونية إلى أقل من النصف.

اليهود الغربيون
Western Jews
«اليهود الغربيون» مصطلح يُستخدَم للإشارة إلى اليهود الذين هـاجروا من العالم الغربي إلى إســرائيل. ولما كانت أغلبيتهم من الإشكناز، أي من يهود بولندا ذوي الأصول الألمانية، فإن مصطلح «اليهود الغربيون» أصبح مرادفاً لمصطلح «الإشكناز». ولكن مصطلح «اليهود الغربيون» يظل (مقابل «اليهود الشرقيون») هو المصطلح الأدق والأشمل لأنه يشير إلى الانتماء العرْقي والحضاري والإثنـي لهؤلاء اليهود، في حين نجد أن مصطلح «الإشكناز» تداخله أبعاد دينية تطمس معالمه وتجعله أداة غير دقيقة. فيهود هولندا يُشار إليهم بلفظ «إشكناز»، مع أن بعضهم يتبع التقاليد السفاردية في العـبادة. وأغـلبية اليهود الغربيين من يهود اليديشية (يهود شرق أوربا)، إلا أنهم فقدوا هويتهم اليديشية هذه وأصبحت أغلبيتهم تتحدث الإنجليزية (في الولايات المتحـدة وإنجلترا وكندا وأسـتراليا ونيوزيلندا) وبقيتهم تتحـدث لغات بلادهم. كما أن هناك جماعات من يهود الغرب، مثل: يهود اليونان (الرومانيوت أو الجريجوس)، ويهود إيطاليا، ويهود جورجيا. لكن هؤلاء الغربيين لا ينتمون إلى التشكيل الإشكنازي (إن صح التعبير) من قريب أو بعيد. واليهود الغربيون في إسرائيل هم الأقلية العرْقية والحضارية المسيطرة على الحكومة والجيش والأحزاب والاقتصاد وعلى التوجه الحضاري العام، وهو ما يسبب حالة اغتراب شديدة لليهود الشرقيين، ويعمق الفوارق الاجتماعية. ويُلاحَظ أن مصطلح «اليهود الغربيون» مصطلح حضاري ثقافي، ومن ثم يُشار إلى يهود جنوب أفريقيا بوصفهم غربيين، مع أن أفريقيا جزء من الشرق.

اليهود الشرقيون
Oriental Jews
«اليهود الشرقيون» مصطلح كان يُطلَق على نسل أولئك اليهود الذين اتجهوا، عندما غادروا فلسطين قديماً، إلى العراق وإيران وأفغانستان وشبه الجزيرة العربية ومصر وبلدان شمال أفريقيا، وعلى يهود القوزاق (يهود جورجيا والجبال). ولكنه يشير الآن، في التجمع الاستيطاني الصهيوني، إلى اليهود الذين لا ينحدرون من أصل غربي، وقد أصبح لفظ «سفارد» مرادف للفظ «شرقيين» لأن معظم اليهود الشرقيين، في البلاد العربية على وجه الخصوص، يتبعون التقاليد السفاردية في العبادة. ولكن مصطلح «سفارد» غير دقيق، فبعض اليهود الغربيين في هولندا وإنجلترا وإيطاليا من السفارد. كما أن الحسيديين يتبعون بعض التقاليد السفاردية في العبادة. لذا، يجب أن نستخدم مصطلح اليهود الشرقيين باعتبار أنه الكـل الذي يضـم معظـم السـفارد كجـزء، وهـذا الكـل يضـم يهـود الفلاشــاه ويهـود الهنـد وغيرهم، وباعتبار أن مصطلح اليهـود الشرقيـين ذو مضمـون طبقي عرْقي ثقافي مُتعيِّن، على عكس مصطلح «سفارد» ذي المضمون الديني غير المُحدَّد. كما يُستـخدَم مُصـطلَح «اليهــود الغـربيون» للإشارة إلى كل يهود الغرب.

ويبدو أن مصطلح «الشعب اليهودي» يستبعد هؤلاء الشرقيين على مستوى فعلي، وذلك بعد أن كان يستبعدهم اسماً وفعلاً في الماضي. فاليهود الشرقيون، وغيرهم من أعضاء الجماعات، يهود بشكل عام وأعضاء في «الشعب اليهودي» ماداموا في الخارج. ولكنهم حينما يصلون إلى إسرائيل، يصبحون مغاربة أو مصريين، وتتحدد مكانتهم الاجتماعية بل ووضعهم الطبقي حسب هذا التصنيف. ويلجأ بعض يهود المغرب العربي إلى ادعاء أنهم من أصل فرنسي حتى يُحسِّنوا صورتهم أمام الآخرين. وهذا يعني أن النقطة المرجعية لإدراكهم لأنفسهم ولغيرهم ليس الهوية اليهودية المجردة وإنما هويات يهودية مختلفة. ويُلاحَظ أن مصطلح «يهود شرقيون» مصطلح ذو بُعد حضاري ثقافي. ومن ثم، يُشار إلى يهود جنوب أفريقيا بأنهم غربيون نظراً لانتمائهم إلى تشكيل حضاري غربي هو الجيب الاستيطاني الأبيض في جنوب أفريقيا. وتُصِّر النخبة الحاكمة في الدولة الصهيونية على الطبيعة الغربية (الإشكنازية) للدولة. وقد صرح شاعر الصهيونية الأكبر نحمان بياليك، وهو إشكنازي من يهود اليديشية، بأنه يكره العرب لأنهم يُذكِّرونه باليهود الشرقيين. ولعل خوف النخبة الإشكنازية من العزلة الحضارية هو ما يدفعها إلى إثارة الحروب من آونة إلى أخرى في المنطقة حتى لا يندمج الشرقيون في المحيط الحضاري العربي، فهم في حقيقة الأمر، ينتمون حضارياً وعرْقياً إلى هذه المنطقة. ولو تَحقَّق مثل هذا الاندماج، لوجدت النخبة الحاكمة الإشكنازية نفسها في موضع الأقلية مرة أخرى، وهـو الأمر الذي خططت هذه النخـبة وأنفقـت كل أيامـها من أجل الهرب منه. وعلى كلٍّ، فقد تحولت الأغلبية الإشكنازية إلى أقلية عددية، ولكنها لا تزال تملك ناصية الأمور وتحتكر صنع القرار.

وفي إطار هذا التصوُّر، يمكننا فهم الحملات الصهيونية التي وُجِّهت ضـد الاتحاد السـوفيتي (سـابقاً) للسماح لليهود السوفييت بالهجرة، فهي محاولة من جانب الإشكناز لاستعادة التوازن العرْقي والحضاري داخل إسرائيل لصالحهم، خصوصاً أن الهجرة من أوربا قد توقفت، كما أن نسبة التوالد بين الشرقيين أعلى منها لدى الإشكناز. ولكن الهجرة من روسيا وأوكرانيا تثير من المشاكل أكثر مما تحل. فالمهاجرون الروس والأوكرانيون يُعامَلون معاملة خاصة لتشجيعهم، إذ أن هجرتهم غير عقائدية وتأتي في سياق بحثهم عن مكاسب اقتصادية لم يجدوهـا في وطنهـم الأم. لكن هذه المعاملة الخاصـة تثير حفيظة الشرقيين، وتُصعِّد حدة التناقض بين «الأمتين» (وهو المصطلح المُستخدم في إسرائيل للإشارة إلى الإشكناز من جهة وغير الإشكناز [من السفارد والشرقيين] من جهة أخرى). ويُقال إن علم الاجتماع الإسرائيلي يُؤثر، في الوقت الحالي، استخدام هذا المصطلح باعتباره مصطلحاً تحليلياً وصفياً للوضع القائم في إسرائيل. وتوجد أحزاب سياسية وقوائم انتخابية في المُستوطَن الصهيوني تحاول جميعاً تمثيل مصالح اليهود الشرقيين، ومن بين هذه القوى حزب تامي وحزب شاس الديني.

ورغم أن اليهود الشرقيين يشكلون أقلية بين يهود العالم (كانت لا تتجاوز 10% عند بدء الحركة الصهيونية في نهاية القرن الماضي) إلا أن عددهم يزيد عن 55% بسبب تدفقهم على الدولة الصهيونية وازدياد معدل الزيادة الطبيعية.


اليهود المستعربة
Arabized Jews
«اليهود المستعربة» هم يهود البلاد العربية الذين اكتسبوا خصائص الحضارة العربية فأصبحوا عرباً، وهم أغلبية يهود العالم العربي، ولا سيما قبل دخول الاستعمار الغربي الذي فرنج عدداً منهم. وهم يُسمَّون خطأ «السفارد». والواقع أن كثيراً منهم يتبع المنهاج السفاردي في العبادة، ولكن هذا لا يجعلهم من السفارد بالمعنى الإثني، الذي لا ينطبق إلا على اليهود الذين خرجوا من إسبانيا والذين ينتمون إلى أولئك الذين كانوا يتحدثون اللادينو ومنهم المارانو (أو البرتغاليون). واليهود المستعربة جزء ممن نُطلق عليهم الآن مصطلح «يهود الشرق

الصابـرا: جيل ما قبل عام 1967
Sabra: Pre 1967 Generation
«صابرا» كلمة عبرية مُشتقَّة من الكلمة العربية «الصبار» أو «التين الشوكي»، وقد تَردَّد المصطلح بمعناه الاجتماعي، لأول مرة، في أعقاب الحرب العالمية الأولى مباشرة حيث أطلق في مدرسة هرتزليا الثانوية في تل أبيب على التلاميذ اليهود من مواليد فلسطين والذين كانوا يُحسّون نقصاً حيال أقرانهم الأوربيين الأكثر تَفوُّقاً في الدراسة مما كان يجعلهم يلجأون إلى تعويض هذا الشعور بتَحدِّي هؤلاء الأوربيين بنوع من النشاط الخشن يرد لهم اعتبارهم. وقد تمثل ذلك النشاط في الإمساك بثمرات التين الشوكي وتقشيرها بالأيدي العارية، وهي مهارة يدوية تأتي بالمران والممارسة وليس من خلال الدراسة الفكرية. وقد أصبحت كلمة «الصابرا» تُطلَق اسماً على كل يهودي يُولَد في فلسطين. ومن المصطلحات الأخرى المرتبطة بها كلمة «شوتسباه» اليديشية التي تشير إلى مجموعة من الصفات مثل الجرأة الزائدة، التي قد تصل إلى حد الوقاحة، والسذاجة المختلطة بالذكاء. وحسب الرؤية الإسرائيلية الشائعة، فإن جيل الصابرا يتسم بالشوتسباه، أي الجرأ الزائدة هذه. ومن صفات الصابرا أيضاً ما يُسمَّى «تسيفتسوف إيحاد جادول»، وهي عبارة عبرية تعني «تصفيرة واحدة كبيرة»، وتشير إلى مقدرة جيل الصابرا على أن يسخر من كل المشاكل ويقابلها بهذه التصفيرة. ويُشار إلى لغة الصابرا بأنها لغة «الدوغري»، وهي كلمة عامية مصرية شائعة معناها «مباشر ولا يحب اللف أو الدوران».

ومصطلح «الصابرا»، والمصطلحات المرتبطة به، تؤكد صفات مُحدَّدة في شـخصية صاحبها، أي أبناء المسـتوطنين الصهاينة الذين وُلدوا ونشـأوا في فلسطين، ومن أهمها معاداة الفكر والمقدرة على التعامل مع الواقع بشكل مباشر. وهذه الصورة موضوع أساسي كامن في الفكر الصهيوني الذي يَصدُر عن نقد ما يُسمَّى «شخصية يهود المنفى»، باعتبارهم شخصيات مريضة ضعيفة هزيلة حزينة شاحبة منغلقة هامشية قلقة يغمرها الإحساس بالذنب ولا تسيطر بأية حال على مستقبلها أو مصيرها مما يُسمَّى في الأدبيات الصهيونية «العجز وانعدام السيادة وممارسة السلطة». وكانت الصهيونية تطرح فكرة تطبيع الشخصية اليهودية، أي جعل اليهود شخصيات طبيعية عن طريق الاستيطان في فلسطين وأداء أعمال يدوية، وعدم الاعتماد على العمالة غير اليهودية، باعتبار أن هذه العملية ستؤدي في نهاية الأمر (حسب التصور الصهيوني) إلى نفي الدياسبورا، أي القضاء على الجماعات اليهودية في الخارج. وقد طرح الصهاينة ما سمّوه «اليهودي الخالص»، وهو اليهودي مائة بالمائة الذي يُجسِّد القيم الصهيونية الجديدة، بديلاً ليهودي المنفى. وكان من المُتوقَّع أن يكون المُستوطن الصهيوني هو آخر يهـود المنفـى وأول اليهـود الخُلَّص الذين لا تشـوبهم شـائبة من عالم الأغيار، وهذا هو ما عبَّروا عنه في قولهم: "فلتكن آخر اليهود وأول العبرانيين". وقد تنبأ الشاعر الصهيوني نحمان بياليك بتطبيع اليهود، وأنهم سيصلون إلى هذا المستوى حين تظهر أول بغيّ عبرية، وأول لص عبري في فلسطين!

وأخذ المستوطنون يحاولون وَضْع هذه الرؤية موضع التنفيذ بحيث يصبح الإنسان العبراني الجديد نقيض يهود المنفى. وكما قال الشاعر الإسرائيلي تسفي جرينبرج في قصيدة له: "الأمهات اليهود أحضرن أطفالهن إلى الشمس ليحترق الدم الذي يجري في عروقهم ويزداد حمرة، بعد أن بهت في الجيتو وعالم الأغيار!". والإنسان الجديد هو الصابرا؛ هذا الإنسان العبراني المعادي للفكر، القوي البسيط المباشر الذي يرفضه يهود المنفى ولا يفهم هو سلوكهم أو خضوعهم. والصابرا يدين بالولاء لدولته القومية ولا يعاني من أي ازدواج في الولاء، ويحب أن يسير مع الجماعة (وقد جاء في إحدى القصائد الإسرائيلية أن الصابرا، حينما يحلم، يحلم بضمير جمع المتكلمين) ولا ينفصل عنها (جاء في إحدى النكات الإسرائيلية أن عضواً في الكيبوتس قد تركه أصدقاؤه بمفرده، ففكر في الانتحار، وحاول ذلك بالفعل، ولكنه فشل لأنه كان بمفرده). والصابرا لا يؤمن بالدين، فقد تمت علمنته بشكل كامل على النمط الأوربي، كما أن هويته العبرانية هوية قومية مرتبطة بالأرض لا بالقيم الدينية. وهو، علاوة على كل هذا، شخصية منتجة - حسب التصوُّر الصهيوني - تتحكم في مصيرها. وينعكس كل هذا في الأبعاد العسكرية لشخصيته، ولذا نجد أن ذروة هذه الشخصية وأقصى تَحقُّق لها هو الكيبوتسنيك، أي عضو الكيبوتس الذي لا ينتمي إلى أسرة مُحدَّدة ويعيش في مجتمع شبه زراعي شبه عسكري في بيئة مختلفة تماماً عن الجيتو.
وقد وصف عالم الاجتماع الفرنسي جورج فريدمان أفراد هذا النموذج الجديد بأنهم "أغيار يتحدثون العبرية"، فهم يتسمون بكل سمات الأغيار، ومنها معاداة اليهود، ولا يختلفون عنهم إلا في اللغة. وقد أشار آرثر كوستلر إلى النموذج الجديد باعتباره "طرزاناً يهودياً"، أي إنساناً طبيعياً مجرداً من التاريخ والقيم يعيش بقيم الغابة الغربية الداروينية، ولم يبق له من اليهودية سوى الشكل، أي أنه علماني تماماً. ويُشار إليه أحياناً بوصفه «سوبرمان يهودي» قياساً على سوبرمان أو بطل نيتشه الأرقى الذي يُمجِّده الفكر النازي والصهيوني. وبالفعل، نجد أن الصابرا يُجسِّد مجموعة من القيم النيتشوية التي تُعلي من شأن القوة والفعل مقابل الضعف والفكر.

ولكن هذه الرؤية المختلة للذات، والتي لا تستند إلى التاريخ، تحوي داخلها عدة تناقضات نوجزها فيما يلي:

1 - صورة يهود المَنْفَى صورة كاريكاتورية ساذجة للغاية لا تُعبِّر عن ثراء حياتهم أو عن إنجازاتهم الحقة أو عن تواريخهم المتنوعة، وخصوصاً أن تواريخ اليهود التي يُشار إليها باعتبارها «التاريخ اليهودي» لم تأخذ مسارها في أرض فلسطين وإنما خارجها في المَنْفَى.

2 - حينما يلجأ أبناء جيل الصابرا إلى رَفْض يهود المَنْفَى، فإنهم يرفضون الماضي الوحيد الذي يمكن أن تستند هويتهم إليه، إذ لا يمكن إدراك الهوية دون ماض. ويُقال إن من صور الصابرا الأساسية المتواترة في الأدب الإسرائيلي أنه جيل يتيم لا أب له؛ طفل أزلي غير قادر على النضوج لأنه لا يتفاعل مع الماضي.

3 - ومع أن جيل الصابرا يرفض اليهود واليهودية، فإن مشروعه الصهيوني يهدف إلى إنشاء دولة يهودية لحماية اليهود ولتحقيق الهوية اليهودية والجوهر اليهودي. ومعنى ذلك أن شرعية وجوده في فلسطين، والأساس الأخلاقي لطَرْد سكانها، يستندان إلى أساس يهودي افتراضي: رؤى دينية (أو إثنية) يهودية مثل الميثاق أو أرض الميعاد.

وقد تبدَّت هذه التناقضات في شكل تناقص إحساس الصابرا بيهوديتهم. فحين تم استطلاع رأي جيل الصابرا (بعد إنشاء الدولة)، وُجد أن لديهم إحساساً شديداً بهويتهم المُخلَّقة الجديدة تأخذ شكل اعتزاز شديد بالنفس واحتقار عميق ليهود العالم، وخصوصاً أن الملايين التي كان من المفترض قدومها للاستيطان في الأرض المحتلة آثرت البقاء في أوطانها التي يُشار إليها بلفظ «المَنْفَى». كما أفاد الاستطلاع أن الرؤية المباشرة المعادية للفكر عند الصابرا تبدَّت في صورة رَفْض للفكرة الصهيونية ذاتها، وذلك باعتبار أن الصهيونية ليست تجربة وجودية حية وإنما مجرد نظرية تُعبِّر عن استجابة يهود المَنْفَى لعالم الأغيار وعن تطلعاتهم للخلاص منه وبرنامج لإصلاحهم وتطبيعهم، الأمر الذي لا ينطبق على الصابرا الذين يعيشون واقعهم الجديد. أما معاداة اليهود، إحدى ركائز الصهيونيـة، فهي بالنسـبة للصابرا محـض ذكريات الآباء والأجداد، لا يشاركون هم فيها. بل إن الفرد من جيل الصابرا، حينما ينظر إلى هذه الذكريات أو «الماضي اليهودي»، لا يُبدي سوى الازدراء له لاقترانه بالضعف والسلبية، فهو لا يقبل مثلاً سلوك الستة ملايين الذين يُزعَم أنهم أبيدوا بغير مقاومة على يد النازيين.

لكل هذا، أصبح الصابرا، من منظور القائمين على المجتمع الصهيوني، مرادفاً للتَحلُّل العقائدي ولازدياد الشك والنزعة العلمية على حساب الالتزام العقيدي. ومن هنا، بدأت عملية إعادة تثقيف، أخذت شكل التأكيد على الإبادة النازية لليهود، وبالذات عناصر المقاومة اليهودية، والتأكيد على ما يُسمَّى «المصير اليهودي المُشترَك» الذي يربط اليهود بعضهم ببعض أينما كانوا. كما تم تقرير مادة تُسمَّى «الوعي اليهودي» في المدارس حتى لا يبتعد جيل الصابرا تماماً عن الجذور اليهودية التي رفضتها الصهيونية. ولكن هذه المحاولة التخليقية، التي ترمي إلى الحفاظ على صهيونية العبراني الجديد، قابلت هي الأخرى عدة صعوبات من أهمها أن تطبيع المجتمع الإسرائيلي أدَّى إلى تَبنِّي جيل الصابرا قيماً علمانية أمريكية برجماتية ترفض الماضي وأية عقيدة أو نظرية، الأمر الذي عمَّق رفضهم الفكر النظري أو العقائدي، وإلى انتشار ما يُسمَّى بعقلية «روش قطان» وهي عبارة عبرية تعني «الرأس الصغير» وتشير إلى الإنسان العلماني الاستهلاكي الذي يهتم بمصالحه الخاصة ولا يهتم بالأهداف القومية (ولذا، فإن معدته كبيرة ورأسه صغير). كما أن أزمة الصهيونية، داخل وخارج المستوطَن الصهيوني، تجعل بعث هذه العقيدة، التي لم تَعُد تَصلُح دليلاً للعمل، مهمة صعبة. ولكل هذا، يزداد الانصراف عن الصهيونية كعقيدة. وقد انعكس هذا الاتجاه البرجماتي الاستهلاكي العملي في تزايد معدلات العلمنة الشاملة وتَقبُّل قيم المنفعة واللذة بين الإسرائيليين، وزيادة أمركة المجتمع الإسرائيلي، فأصبحت الدولة الاستهلاكية العظمى في الغرب (الولايات المتحدة) هي المثل الأعلى لا الدولة الصهيونية الصُغرَى في فلسطين المحتلة. ومن هنا، تَزايُد نزوح الأفراد من جيل الصابرا عن إسرائيل، بل تم تَقبُّل قرار النزوح اجتماعياً بعد أن كانت تلك مسألة مرفوضة تماماً تشبه الخيانة القومية. وقد أدَّى هذا إلى ظهور ما يُسمَّى «الدياسبورا الإسرائيلية» حيث هناك مئات الألوف من المرتدين أو النازحين الإسرائيليين من جيل الصابرا أو غيرهم (ويُقال إنهم يبلغون 700 ألف، أي أكثر من سكان التجمُّع الصهيوني عند إعلان الدولة، وحسب بعض الإحصاءات يبلغ عددهم مليونًا). وعلى المستوى العملي، يتضح هذا الاتجاه البرجماتي المعادي للصهيونية بكل جلاء في واقع أن كثيراً من الصابرا لا يعتبرون الولايات المتحدة جزءاً من المنفى بل وطناً قومياً ثانياً!

وإلى جانب هذا، تُوجَد في الوقت الحاضر عناصر أخرى في تجربة جيل الصابرا تدفعه أيضاً بعيداً عن الصهيونية، لا إلى الاستهلاكية والبرجماتية والتأمرك فقط وإنما إلى أحضان الماضي اليهودي الذي كان يهرب منهم وكانوا هم يرفضونه بحثاً عن الجذور (بالإنجليزية: روتس roots)، وهذا ليس بعودة إلى الماضي، وإنما عودة إثنية إلى الذات الإثنية القومية! ومن أهم هذه العناصر، تفاقم أزمة العلمانية الشاملة في التجمُّع الصهيوني وظهور أزمة هوية بصورة حادة. فالصابرا بدون تاريخ هو في نهاية الأمر بدون هوية. كما أن الصابرا، هذا العلماني الشامل البرجماتي، يجد نفسه في دولة كل ما فيها رموز دينية، مثل نجمة داود والمينوراه، وحتى الاسم «يسرائيل» معناه «المدافع عن الإله». كما يجد نفسه مضطراً لأن يخوض حروباً باسم هذه القيم الدينية التي يُفترض فيه أنه لا يؤمن بها إلا باعتبارها فلكلورًا شعبيًا!وقد آتت مادة «الوعي اليهودي» أكلها، إذ بدأ بعض أعضاء جيل الصابرا يدركون عناصر هذا الماضي ويفهمونها في سياقها. ومن ثم بدأوا ينظرون إلى عالم المَنْفَى بشيء من الإعجاب وبكثير من الشـك في شـخصية الصابرا المجردة التي لا جذور لها ولا تراث. وقد كان يهودي المَنْفَى - حسب هذه الرؤية - ذا هوية حدودها واضحة مُتعيِّنة على الأقل، وله لغته وثباته وتراثه. كما كانت الجماعة اليهودية تتسم بالتماسك الشديد والتضامن، على عكس المجتمع الصهيوني الذي يفتقد الهوية الواضحة وتُفتِّته النزعات الحزبية ويفتقد الاجماع القومي في الوقت الحاضر. (فكَّر سكان الكيبوتسات بالفعل في ذلك الوقت في الطرق المختلفة للانتحار).

كما بدأ موقف أبناء جيل الصابرا يتغيَّر من الإبادة النازية (قصة الفشل اليهودي الأكبر) إذ بدأوا يسألون: هل كان بوسع اليهود أن يفعلوا شيئاً أمام قوة النازي وسطوته؟ ويجرى الآن طرح السؤال التالي: لو وصل روميل إلى فلسطين، هل كان بمقدور المستوطنين أن يفعلوا شيئاً سوى الاستسلام أو الانتحار؟

ومما عقد الأمور أن أزمة الصهيونية رافقها نجاح يهود المَنْفَى (وبخاصة في الولايات المتحدة) من إنجازات اقتصادية وثقافية واندماج في مجتمعاتهم وحراك طبقي وثقة بالنفس، وهو نجاح أدَّى إلى أن الدولة الصهيونية وجدت نفسها معتمدة في بقائها على هؤلاء الذين ترفضهم من الناحية العقائدية أو تطلب تصفيتهم.

لكل ما تَقدَّم، تزايد ارتباط بعض أعضاء جيل الصابرا في الآونة الأخيرة بيهود المَنْفَى، فوجدوا أنفسهم يعودون إلى شبكة المصير اليهودي والتراث اليهودي. والعودة هنا ليست عودة إلى الصهيونية وإنما إلى شيء يتصورونه أكثر عمقاً، عودة إلى ما يتصورن أنه «التراث اليهودي»، فظهر ما يُسمَّى الاتجاه «اليهودي» الجديد، لا «الصهيوني» الجديد، ومن هنا كان النظر بإعجاب إلى عالم المنفى وتراثه الثقافي واللغوي، والواقع أن هذا الموقف يُناقض الموقف الصهيوني الذي ينطلق من رفض هذا العالم وهذا التراث. كما أنهم بدأوا يتحدثون اليديشـية، ويرفضـون عبرنة أسـمائهم، ويطلقون لحاهم وأحياناً سوالفهم. لكن العودة إلى التراث والجذور والسلف رد فعل لتعاظم العلمنة بكل ما تؤدي إليه من اغتراب وتَبعثُّر (وإن كان اغتراب المستوطن الصهيوني أعلى كثيراً من اغتراب الفلاح الهندي الذي ينتقل إلى المدينة مثلاً، ومن هنا حدة استجابة الصابرا). وحينما يتحدث الصابرا عن «التراث اليهودي»، فهم يتحدثون، عادةً، عن تجربة يهود اليديشية في شرق أوربا (في الشتتل وفي منطقة الاستيطان) لا عن تجربة اليهود السفارد أو يهود العالم الإسلامي. وقد أخذ هذا الاتجاه نحو التراث يتمثل في تَبنِّي القيم الدينية الأرثوذكسية كمصدر من مصادر الشرعية والهوية. ومن أهم شخصيات جيل الصابرا الممثل يوري زوهار الذي عبَّر عن كل سمات جيل الصابرا بشكل متبلور فكان يرتدي الصندل ويسير دون أن يأبه بالقيم أو التراث. وبالتدريج، أخذ زوهار في التحول، فلبس قبعة اليرملك ثم أطلق سوالفه ولحيته حتى أصبح في هيئة الحسيديين في الشتتل. ومن الصابرا من ينضم إلى الجماعات اليهودية الأرثوذكسية التي ترفض الدولة، وترى أن حالة المَنْفَى نهائية لا تصل إلى نهايتها إلا حين يأذن الإله وذلك حتى لا يرتكب جريمة «دحيكات هاكتس»، أي «التعجيل بالنهاية»، أي أن الصابرا الذي كان يرفض يهود المَنْفَى ويهرب منهم ينتهي به الأمر في الآونة الأخيرة إلى معانقتهم والهرب إليهم!

ومن المهم جداً أن نشير إلى أن الدراسات السكانية الإسرائيلية، في تصنيفاتها لسكان التجمُّع الإسرائيلي، تعترف بالفروق العرْقية والإثنية بين اليهود المولودين في فلسطين والمهاجرين إليها. إلا أنها، مع هذا، تحاول إنكار وجود مثل تلك الفروق بين الأبناء المولودين في فلسطين، وذلك بوضعهم جميعاً تحت اسم «الصابرا». ويتسق ذلك مع حديث علماء الاجتماع وعلم النفس الإسرائيلي عن الصابرا باعتبارها كتلة واحدة متسقة لها خصائصها النفسية والاجتماعية المُوحَّدة. ومثل ذلك الموقف يعني تجَاهُلاً تاماً لحقيقة أن أساليب التنشئة الاجتماعية (طرق التربية) التي يمارسها المهاجرون تتباين تبعاً لأصولهم الحضارية. وبالتالي، فإن تكوينات هؤلاء الأطفال النفسية لابد أن تتباين، ولفترة طويلة تبعاً لتباين أسـاليب التنشـئة الاجتماعية التي اتُبعت معهم. ومن هنـا، فإن تعبير «الصابرا» يخدم في نهاية الأمر هدفاً سياسياً صهيونياً هو الإيهام بأن الصهر الاجتماعي لمختلف أصول اليهود الحضارية قد تَحقَّق في إسرائيل وتَمثَّل في جيل جديد هو جيل الصابرا الذي تتلاشى فيه مثل هذه الفروق الحضارية. وعلى أية حال، فإن استقراء الكتابات الإسرائيلية في هذا الصدد بشكل دقيق يكشف عن أن الحديث عن الصابرا يَنصَبُّ عملياً على أولئك المنتمين إلى أصول إشكنازية فحسب. وكما قال الكاتب الإسرائيلي شيمون بلاس (من أصل عراقي)، فإن كلمة «صابرا» لا تشير من قريب أو بعيد إلى يهود الشرق. ويوافقه في هذا ميلفورد إسبيرو حيث يرى في دراساته أن أهم ما يميِّز الصابرا من أبناء الكيبوتسات هو كراهية الغرباء عامة، والمهاجرين من العالم الإسلامي على وجه الخصوص، إذ ينظرون إليهم كمواطنين من الدرجة الثانية، ويُطلقون عليهم لفظ «شحوريم» أي «السود». كما أن هناك عدداً من الدراسات الأخرى تؤكد على أن أخطر ما يزعج الصابرا هو ارتفاع معدل تكاثر اليهود الشرقيين، وهم يرون في ذلك أمراً يمكن أن يدفع بإسرائيل إلى أن تصبح شعباً متخلفاً أسود البشرة.

وتزداد أهمية الصابرا (بمعنى المولودين داخل إسرائيل) في استمرار تزايد نسبتهم إلى إجمالي السكان، فبينما لم تتجاوز نسبة الصابرا إلى إجمالي السكان 34% عام 1962، وصلت هذه النسبة عام 1964 إلى 39.4%. وقد استمرت هذه الزيادة في التصاعد بسبب انخفاض معدلات الهجرة الشرقية والغربية على السواء، وهو ما جعل التركيب السكاني عام 1989 مختلفاً تمام الاختلاف حتى أن نسبة المولودين داخل إسرائيل تصل إلى 64% من إجمالي سكان إسرائيل اليهود، أي أن الصابرا قد وصلت إلى حد التكافؤ مع العناصر المهاجرة الشرقية والغربية مجتمعة (وإن كانت هجرة اليهود من روسيا وأوكرانيا غيَّرت الصورة قليلاً فقد وصلت النسبة إلى 60%عام 1991)، مع العلم بأن مصطلح «المولودون داخل إسرائيل» أصبح يشير إلى المواليد من أصل غربي أو شرقي ولا يميِّز بينهما.

وقد نتج عن ازدياد إسهام الصابرا في التكوين السكاني، عاماً بعد عام، أمران في غاية الأهمية، أولهما: ظهور ما يُطلَق عليه «الوطنية الإسرائيلية» مقابل «القومية اليهودية»، بمعنى أن معظم سكان إسرائيل لا يعرفون الآن وطناً آخر لهم، ومن ثم، فهم لا يشعرون إطلاقاً بأي إحساس بالذنب إزاء ما وقع للفلسطينيين من اغتصاب أرضهم وطردهم منها. والأمر الثاني: ارتفاع نسبة من هم في سن الإنتاج والقتال بالنسبة إلى إجمالي السكان، وهو ما يترتب عليه استمرار بل تَصاعُد روح المخاطرة والتطلع إلى التوسع والسيطرة على المنطقة. وعلى أية حال، فإن ارتفاع نسبة العلمنة والاستهلاكية قد حيَّد هذا العنصر إلى حدٍّ ما. ومع هذا لابد أن نأخذ في الاعتبار التركيب النفسي لجيل الشباب (كما يُبيَّن مدخل «جيل ما بعد 1967 [أو أزمة الخدمة العسكرية»]).

حركـــة الكنعانيــــــــين
Canaanite Movement; Semitic Action
«حركة الكنعانيين» حركة سياسية ثقافية ذات نظرة خاصة لما يُسمَّى «التاريخ اليهودي». بدأت نشاطها في الأربعينيات في فلسطين. وينطلق دعاتها من أسطورة مفادها أن اليهود عندما عادوا من مصر إلى أرض كنعان لم يجدوا قبائل معادية لهم أو مختلفة عنهم من الناحية العرْقية، وإنما وجدوا شعباً يتكلم العبرية ويُشبههم في الملامح والخصائص البدنية، ولذلك فإن اليهود أو العبرانيين ليسوا إلا كنعانيين وما الإسرائيليون المحدثون سوى «الكنعانيين الجدد»، وبهذا تكون للأمة الإسرائيلية الجديدة جذور راسخة في الأرض الفلسطينية، وهي جذور تمتد إلى العبرانيين القدامى قبل أن تنتشر بينهم اليهودية، وهم بهذا يؤكدون وحدة الشعب الإسرائيلي وتربة فلسطين، أو كما يقول يتسوري (الذي اشترك في اغتيال اللورد موين في القاهرة عام 1934): « نحن لسنا صهاينة، نحن الأبناء الطبيعيون لتربة إسرائيل».

وعن طريق تأكيد هذه الوحدة، يُسقط الكنعانيون من حسابهم تراث يهود الدياسبورا (أعضاء الجماعات اليهودية في العالم) بل والتراث اليهودي كله، فيهود الدياسبورا ـ حسب تَصوُّرهم ـ ليست لهم أية سمات قومية متميِّزة، فلغتهم وأنماطهم الثقافية وجنسيتهم أو مواطنتهم، تنتمي جميعاً إلى البلدان التي يعيشون فيها، فهم من البولنديين أو الإنجليز أو الأمريكيين، ولهذا السبب فإن لهم أثراً ضاراً على الإسرائيليين لأنهم يعوقون تَطوُّر الأمة العبرانية الجديدة. وهذه الأمة الجديدة تتكون من كل المولودين في إسرائيل، حتى ولو كانوا مسلمين أو مسيحيين، شريطة أن يَتقبَّلوا الهوية الكنعانية الجديدة.

ويمكن القول بأن فكر حركة الكنعانيين هو تعبير عن وجهة نظر إسرائيلية تختلف عن وجهة النظر الصهيونية، فهو تعبير متطرف عن إحساس جيل الصابرا باختلافهم عن يهود العالم وانفصالهم النفسي والثقافي والعرْقي عنهم. ولعل أهم نقط الاختلاف بين وجهتي النظر تتلخص في محاولة الكنعانيين التملص من التصور الصهيوني لما يُسمَّى «الشعب اليهودي» و«القومية اليهودية» ذات الأبعاد الدينية القومية، فالكنعانيون يحاولون إضفاء شيء من السواء على الظاهرة الإسرائيلية عن طريق إلغاء الجانب الديني من المقدَّسات القومية الإسرائيلية والإبقاء على الجانب القومي وحده، آملين أن يتحوَّل النمط الإسرائيلي عن طريق ذلك إلى نمط قومي عادي يشبه بقية الأنماط القومية المعروفة، أي أن فكرة الشعب المختار صاحب الحقوق المطلقة وموضع الحلول الإلهي والذي يضم اليهود أينما كانوا تحل محلها فكرة الشعب الإسرائيلي الموجود في الشرق الأوسط في فلسطين والذي له حقوق قومية عادية. وإذا كان المفكر الصهيوني يتباهى عادةً بأن الشعب اليهودي لا يُصنَّف، فإن الكنعانيين يؤكدون أنهم أمة مثل كل الأمم. ويؤمن الكنعانيون بأن أمامهم بديلين لا ثالث لهما: إما أن يكونوا آخر اليهود أو أن يكونوا بداية لأمة جديدة (على حد قول بيرديشفسكي) وهم يفضلون البديل الثاني. ولذلك فالكنعاني يؤمن بأن الدولة الجديدة هي نهاية المنفى والجيتو بل ونهاية اليهودية ذاتها، وأن أية سمات «يهودية» للدولة الجديدة هي سمات متخلفة ورواسب من الماضي الميت، وأن على الإسرائيليين أن يخلقوا حضارة جديدة مستقلة تماماً عن التراث اليهودي ومرتبطة بحضارة الشرق الأدنى القديم (ولذلك كانوا يطالبون بعبادة عشتروت زوجة الإله بعل الكنعاني). وفكر الحركة الكنعانية متأثر ببيرديشفسكي وأفكاره الكونية وبالنزعات النيتشوية الفلسفية، وزعيم الحركة هو الكاتب يوناثان رطوش (اسمه الحقيقي: أويل هالبرين شيلا)، ومن بين أعضائها الكاتب آهارون أمير وبنيامين تموز. ورغم أن هذه الحركة لا تؤثر بأي شكل في الحياة السياسية في إسرائيل، فإن لها بعض الأثر في الحياة الثقافية. كما أنها تُعبِّر عن مدى الأزمة التي يعيشها الوجدان الإسرائيلي وعن محاولة الإسرائيلي أن يتعامل بشكل ما مع الواقع الغريب الذي يحيط به. وقد انحلت حركة الكنعانيين، وحلت محلها حركة العمل السامي (نسبة إلى الجنس السامي)، والتي اختفت بدورها وحلت محلها جماعة «هاعولام هازه/قوة حاداش» (هذا العالم/القوة الجديدة).

ويبدو أن الكنعانيين لم يختفوا تماماً، إذ أنهم عاودوا الظهور عام 1969 وطالبوا بتجنيد العرب في الجيش الإسرائيلي، وتعليمهم اللغة العبرية باعتبارهم عبرانيين، وتحقيق المساواة بينهم وبين العبرانيين، وإلغاء كل المزايا التي يتمتع بها المواطنون اليهود لكونهم يهوداً. كما نادوا بضرورة إنشاء جيش قوي والاحتفاظ بالأراضي المحتلة، وتصعيد الهجرة اليهودية، وزيادة نسبة المواليد، وإنشاء علاقات قوية مع الأقليات الأخرى في المنطقة مثل الأكراد والدروز. وطالبوا أيضاً بإنشاء فيدرالية تضم إسرائيل وجبل الدروز والموارنة في لبنان.

ورغم اختلاف الكنعانيين مع الصهاينة في محتوى تفكيرهم، فإن ثمة تشابهاً طريفاً بينهم من الناحية البنيوية. فكلا الفريقين يلغيان المنظور التاريخي ويُبسِّطان التاريخ ويختزلانه ويحولانه إلى أسطورة تخدم أهواء الحركة وبرنامجها السياسي وتُسهِّل لها التعامل مع الواقع دون مجابهته، كما أن كلاًّ من الفريقين يقابل الوجود الفلسطيني مسلحاً بأسطورته الاختزالية المُسبَقة.



الباب الثانى: الجماعات اليهودية المنقرضة والهامشية


الجماعــات اليهوديــة المنقرضــة والهامشــية
Extinct and Marginal Jewish Communities
«الجماعات اليهودية المنقرضة والهامشية» هي تلك الجماعات اليهودية التي لا تنتمي إلى أيٍّ من الجماعات الأساسية الثلاث:

1 ـ الإشكناز.

2 ـ السفارد.

3 ـ يهود العالم الإسلامي.

ويُلاحَظ أن الجماعات الثلاث الأساسية تُشكِّل، من ناحية الكم، ما يزيد على 98%، ويمتد وجودها إلى عدة قرون ويستمر حتى الوقت الحاضر. وتدور الجماعات الثلاث في إطار اليهودية الحاخامية. كما أنها تنتمي إما إلى العالم الغربي أو العالم الإسلامي. أما الجماعات المنقرضة والهامشية، فهي جماعات كبيرة أو صغيرة اندثرت تماماً أو على وشك الاندثار (الخَزَر ـ المارانو ـ السامريين ـ الكرمشاكي ـ يهود الصين)، أو جماعات صغيرة للغاية (العبرانيون السود ـ يهود كوشين). كما نُلاحظ أن معظم هذه الجماعات الهامشية قد انفصل عن تيار الجماعات اليهودية الأساسي وأحياناً عن اليهودية الحاخامية (الدونمه ـ يهود مانيبور ـ يهود الصين ـ الفلاشاه ـ القرَّائين). ويُلاحَظ أن الجماعات الهامشية هذه، نظراً لانفصالها عن المراكز الدينية والثقافية اليهودية الكبرى، قد استوعبت عناصر إثنية ودينية من محيطها الحضاري بشكل ملحوظ وانفصلت عن أية معيارية يهودية. وتَكمُن أهمية دراسة الجماعات اليهودية المنقرضة والهامشية في أنها تتحدى النظام التصنيفي الصهيوني والمعادي لليهود، الذي يُصنِّف كل أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم «يهود والسلام» بطريقة اختزالية تبسيطية. كما يمكن القول بأن هذه الجماعات اليهودية المنقرضة والهامشـية تشكل لحظة تَبلور النموذج (اليهود كجماعات غير متجانسة واليهودية كتركيب جيولوجي لا ككل عضوي أو شبه عضوي متماسك)، ومن ثم فهي تلقي عليه الضوء وتبين طبيعته رغم أنها تشـكل لحظة متطرفـة من عدم التجانـس والبُعد عن أية معيارية.

اليهود المتخفون
Crypto-Jews
«اليهود المُتخفّون» هم اليهود الذين يتظاهرون باعتناق دين آخر غير اليهودية، بسبب الظروف المختلفة، ويظلون على دينهم في الواقع. ومن أهم فرق اليهود المتخفين «المارانو»، ويُشار إليهم أيضاً باسم «المسـيحيين الجـدد» و«الكونفرسـوس» و«البرتغاليين» في شـبه جزيرة أيبريا، كما يُشار إليهم باسم «الدونمه» في تركيا، وباسم «جديد الإسلام» في إيران، وباسم «التشويتاس» في جزيرة مايوركا.

وقد لاحظ أحد المستشرقين أن ظاهرة اليهود المتخفين لم تظهر أساساً إلا داخل التشكيل الحضاري الإسلامي في إسبانيا التي كان سكانها من اليهود على علاقة وثيقة بهذا التشكيل، وحاول أن يُفسِّر ذلك في إطار مفهوم الاستشهاد في الإسلام حيث لا يكون ذلك إلا أثناء الجهاد والمعركة (أما فيما عدا ذلك، فإن المسلم يتعيَّن عليه أن يحمي نفسه بالتَقية)، ومن هنا ظهرت فكرة التخفي. ويقف هذا على الطرف النقيض من الحضارة المسيحية حيث تُعَدُّ واقعة الصلب في منظورها واقعة أساسية، وهي حضارة تشجع على الاستشهاد وتجعل منه قيمة في ذاته. ولذا، نجد أن اليهود الإشكناز كانوا يقومون بما يُسمَّى «تقديس الاسم» (بالعبرية: قيدوش هاشم) أي تأكيد وحدانية الإله، والاستشهاد بدلاً من الارتداد حتى ولو ظاهرياً.

ويُلاحظ المؤرِّخون أن المارانية هي شكل من أشكال الموسوية، أي الإيمان بالعهد القديم دون حاجة إلى حاخامات، كما أنها عبادة تُركِّز على الجوهر وحسب، وتتجاوز كل الشعائر والتحريمات، ومن هنا التقاؤها باليهودية الإصلاحية.

ويجب التمييز بين يهود المارانو ويهود الدونمه، من حيث أن المارانو اضطروا إلى أن يكـونوا يهوداً متخفين، أما الدونمه فقد اعتنقوا الإسلام باختيارهم للتمويه على المسلمين واليهود على حدٍّ سواء.

وتقرن الدراسات بين المسيحيين الجدد والمارانو وتوحد بينهما، وإذا كان المارانو هو الذي يُظهر غير ما يُبطن، أي اليهودي المتخفي، فإن كثيراً من المسيحيين الجدد كانوا مسيحيين بصدق. وقد تَهوَّد بعضهم أو اضطروا إلى التهوُّد فيما بعد، ومن ثم يكون من الخطأ أن نستخدم المصطلحين كما لو كانا مترادفين. ومع هذا نظراً لشيوع هذا الترادف، فإننا نستخدم كلمة «المارانو» للإشارة إلى كلٍّ من «المارانو» و«المسيحيين الجدد».

أنوسـيم
Anusim
«أنوسيم» كلمة عبرية تعني «المُكرَهون»، أو «المغلوبون على أمرهم»، وهو اسم آخر ليهود المارانو واليهود المتخفين.

البرتغاليـــــون
The Portuguese
«البرتغاليون» مصطلح يُستخدَم للإشارة إلى اليهود المتخفين من المارانو الذين خرجوا من شبه جزيرة أيبريا (إسبانيا والبرتغال). ومن المُرادفات الأخرى «كونفرسوس» أي «المهتدون»، و«المسيحيون الجدد»، وبالعبرية «أنوسيم» أي «المُكرَهون» بل و«السفارد». ولعل تسمية «البرتغاليون» تعود إلى أن أغلبية المارانو جاءت من البرتغال. كما أن مصطلح «برتغالي» كان أكثر تهذيباً من مصطلح «مارانو»، وكذلك أكثر إبهاماً من مصطلح «المسيحيون الجدد». وبالتالي، كانت الدول (مثل إنجلترا) تسمح لليهود بالاستقرار فيها باعتبارهم «برتغاليين» (اسماً) وهي تعلم جيداً أنهم «مارانو» (فعلاً). وكان هؤلاء يمارسون شعائرهم الدينية إما سراً وإما علناً. وكانت المؤسسة الحاكمة تغض النظر عن كل هذا. وقد لجأت بعض المؤسسات الحاكمة إلى هذا الحل لحاجتها الشديدة إلى اليهود بسبب نفعهم ولأنهم مادة استيطانية مهمة، حيث لم يكن بوسعها استصدار التشريعات اللازمة لذلك بسبب المعارضة الشعبية وبسبب الهيكل القانوني ذاته الذي كان يستند إلى شرعية دينية. ومع نهاية القرن السابع عشر، بدأت كثير من الدول تعترف بالبرتغاليين كيهود.

يهـــود المارانـــو: تاريــــخ وعقـــيدة
The Marranos History and Doctrine
كلمة «مارانو» أطلقت على أولئك اليهود المتخفين، في إسبانيا والبرتغال، الذين تراجعوا ظاهرياً عن اليهودية وادعوا اعتناق الكاثوليكية حتى يتمكنوا من البقاء في شبه جزيرة أيبريا مع تَراجُع الحكم الإسلامي وبعد طَرْد يهود البرتغال عام 1480 وطَرْد يهود إسبانيا عام 1492. وقد أطلق عليهم أيضاً تعبير «كونفرسوس»، أي «الذين اهتدوا إلى دين جديد»، و«كريستاوس نوفوس»، أو «المسيحيون الجدد». وكلمة «مارانو» التي أحرزت شيوعاً في القرن السادس عشر ليست معروفة الأصل على وجه التحديد. وفيما يلى بعض الكلمات والعبارات التي قد تكون أصلاً للكلمة:

1 ـ «مارانو» كلمة باللهجة الإسبانية القديمة معناها «خنزير».

2 ـ «ماترانثا» كلمة إسبانية معناها «الملعون».

3 ـ «المُرائي» كلمة عربية معناها «منافق».

4 ـ «مارئيت عيين» عبارة عبرية معناها «ظاهر للعين»، فهو يُظهر المسيحية ويبطن اليهودية.

5 ـ «محوّرام أتاه» كلمة عبرية معناها «أنت مطرود من حظيرة الدين».

6 ـ «مَارَن أث» عبارة آرامية معناها «أنت مولانا»، والخطاب فيها موجَّه إلى المسيح. وكان محتوماً على اليهودي أن ينطق بها كثيراً لإبعاد الشبهة عن نفسه.

والأصل الإسباني للكلمة هو الأكثر رجوحاً.

ولم يكن المصطلح ذائعاً في الأوساط الرسمية، ولم يرد في أي من الوثائق الرسمية الخاصة بمحاكم التفتيش. والمقابل العبري هو «أنوسيم»، أي «المُكرَهون» أو الذين «قُسروا» على التنصر. ويُشار أحياناً إلى المارانو بعد خروجهم من شبه جزيرة أيبريا واستيطانهم مختلف دول أوربا، خصوصاً هولندا، باسم «البرتغاليون»، باعتبار أن أغلبيتهم جاءت من هناك، كما يشار إليهم كذلك بكلمة «السفارد» باعتبار أنهم جميعاً من السفارد، أي من شبه جزيرة أيبريا. ورغم أن الدراسات تُوحِّد بين المسيحيين الجدد ويهود المارانو وتقرن بينهما، فإننا، كما سنبين فيما بعد، نرى أن هذا الترادف خاطئ. ولكننا، مع هذا، نضطر إلى استخدامه بسبب شيوعه وبسبب إبهام هوية المارانو كما سنبين لاحقاً.

وقد كانت هناك حالات متفرقة من التَنصُّر القسري في العالمين الإسلامي والمسيحي. وقد وقعت مثل هذه الحالات في إسبانيا قبل الفتح الإسلامي، وفي أوربا المسيحية مع حروب الفرنجة وغيرها. لكن مثل هذا التنصر ظل الاستثناء لا القاعدة، لأن الكنيسة كانت تقف ضده، نظراً لأن مثل هذه العملية تُفقد فكرة الشعب الشاهد مضمونها. فهذه الفكرة، التي كانت تَحكُم علاقة الكنيسة بأعضاء الجماعات اليهودية، تذهب إلى أن اليهود في ذُلِّهم وضعفهم يقفون شاهداً على عظمة الكنيسـة وانتصارها، وسيكون تَنصُّرهم في نهاية الأمر أكبر قرينة على هذه العظمة. ومن ثم، يكون التَنصُّر اليهودي طوعاً علامة على هذه العظمة. أما التنصُّر القسري فلا يضيف إلى أمجاد الكنيسة، ولذلك كانت الكنيسـة تسـمح لليهود الذين نُصِّروا عنوة بالعودة إلى دينهم الأصلي.

ولكن الأمر يختلف بالنسبة للمارانو الذين يبدأ تاريخهم عام 1391 حين نشبت اضطرابات ضد يهود إسبانيا وقامت مظاهرات عرضت عليهم إما « الموت أو الصلب ». وقد أدَّت هذه الاضطرابات إلى تَنصُّر أعداد كبيرة من اليهود بشكل قسري. ولكن تبع هذا موجة تَنصُّر طوعي، بسبب انكسار أعضاء الجماعات اليهودية وهبوط الروح المعنوية. فضلاً عن أن يهود إسبانيا كانوا مُستوعَبين في الثقافة العقلانية الرشدية (نسبة إلى ابن رشد) التي قوضت إيمانهم الديني. كما أن كثيراً من أعضاء النخب الثقافية والمالية اليهودية كانت لهم مصالح مالية متشابكة مع مجتمع الأغلبية (المسيحي). ثم قامت حركة تنصير أخرى عام 1411 - 1412. ويمكن القول بأن تَنصُّر الغالبية العظمى كان حقيقياً، ولكن ظلت هناك أعداد ممن مارسوا الطقوس اليهودية بشكل خفي. وقد عاش اليهود المتنصرون ومدَّعو التَنصُّر جنباً إلى جنب مع أعضاء الجماعة اليهودية، بينما حاولت الدولة الإسبانية قَدْر استطاعتها أن تفصل بين الفريقين. وقد احتفظ كثير من المتنصرين بمهاراتهم الحرَفيِّة والإدارية واتصالاتهم التجارية كأعضاء في الجماعة الوظيفية اليهودية، وقد حققوا بسبب ذلك حراكاً اجتماعياً غير عادي، ولَّد الأحقاد ضدهم من قبَل بعض عناصر الأرستقراطية القديمة.

وبعد سقوط غرناطة (واستعادة كل شبه جزيرة أيبريا) واجهت الدولة الجديدة مشكلة سكانية، وهي أن معظم سكان شبه الجزيرة كانوا إما مسلمين أو يهوداً أو من أصول مسلمة أو يهودية، ولم تكن توجد سـوى أقلية مسـيحية، ومن هنا لم يكن مفر من طرد العناصر غير المسيحية، لخَلْق التوازن السكاني لصالح المسيحيين، الأمر الذي يتطلبه أمن الدولة.

لهذا كان لابد من طرد المسلمين واليهود، فعُرض عليهم إما التنصر أو مغادرة البلاد. وقد تَنصَّرت أعداد كبيرة من اليهود انضمت إلى الأعداد التي تَنصَّرت قبل ذلك. لكن العناصر الدينية الصلبة قررت اللجوء إلى البرتغال التي قدَّمت لهم حق اللجوء المؤقت، نظير ضريبة يدفعونها. ولكن حينما اعتلى مانويل الأول العرش عام 1495 تغيَّرت السياسة تجاه اليهود. فمانويل كان يطمح إلى تحويل البرتغال إلى قوة تجارية عالمية، ووجد أن السبيل إلى ذلك هو أن يحكم ابنه مملكة موحَّدة في كل شبه جزيرة أيبريا، ولذا حاول أن يزوج ابنه من إبنة فرديناند وإيزابيلا، فوافق الملكان شريطة أن يقـوم بطرد اليهود من البرتغـال. وقد سبَّب هـذا حيـرة حقـيقية لمانويل، فهو من ناحية كان حريصاً على إتمام هذا الزواج، ولكنه في الوقت نفسه كان يهمه الحفاظ على أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية ليستفيد من خبراتهم التجارية في بناء إمبراطوريته التجارية. وقد حلّ مانويل هذه المشكلة بأن احتفظ باليهود وفرض عليهم التنصُّر القسري، ولكنه منحهم في الوقت ذاته حريتهم الدينية والحصانة ضد محاكم التفتيش لمدة عشرة أعوام. وقد اندمج المتنصِّرون في مجتمع الأغلبية، ولكن، كما هو الحال في إسبانيا من قبل، ظلت هناك عناصر تمارس الطقوس اليهودية سراً.

ويُلاحَظ أن اليهود المتنصرين في البرتغال كانوا يشكلون كتلة بشرية كبيرة (كانت تصل، حسب بعض التقديرات، إلى 10% من إجمالي عدد السكان).وكان اليهود الذين فُرضت عليهم اليهودية في البرتغال من العناصر الصلبة، كما أسلفنا، ولذا احتفظوا بتماسكهم حتى أنهم كانوا يُسمّون أحياناً «اليهود» بشكل علني أو «الأمة» أو «رجال الأعمال» (بالبرتغالية: أومينز دي نيجوسيوس homens de negocios)،كما كانت لهم اتصالاتهم التجارية والمالية المهمة. وقد أدَّى هذا إلى بروزهم في التجارة الدولية حتى أصبحت كلمة «برتغالي» مرادفة لكلمة «يهودي» في أنحاء أوربا.وقد كوَّنوا جماعة ضغط قوية داخل البرتغال نفسها وكان لهم سفير خاص في روما،نجح في تقديم الرشاوى التي أخّرت إنشاء محاكم التفتيش في البرتغال.

وتُشكل كل هذه العناصر مكونات مشكلة المارانو: عناصر يهودية تَنصَّرت قسراً وادعت المسيحية، وعناصر أخرى تَنصَّرت طوعاً وآمنت بالمسيحية فعلاً، وكلها عناصر ذات خطاب حضاري واحد (أيبيري كاثوليكي)، يوحِّد بينها، رغم اختلاف العقائد أو الادعاءات الدينية.

وقد تأخر إنشاء محاكم التفتيش في البرتغال بعض الوقت ولكنها بدأت نشاطها بشكل رسمي عام 1536، ثم مارست نشاطها بشكل فعال في منتصف القرن السادس عشر، وبدأت في تَعقُّب اليهود المتخفين الذي تخفوا ما يزيد عن قرن ونصف القرن (1391 ـ 1550) أي الذين كانوا قد دُمجوا حضارياً تماماً إن لم يكن دينياً أيضاً. ومما زاد الأمور تعقيداً صدور القرار الخاص بنقاء الدم (بالإسبانية: لامبيثا دي سانجري limpieza de sangre) عام 1566 الذي جعل من الأصول العرْقية (لا الإيمان الديني) معياراً للتمييز. وبعد أن كان التنقيب يتم عمن يمارسون الطقوس اليهودية خفية، أصبح التنقيب عن ذوي الأصول غير النقية، ومن ثم أصبح مصطلح «المارانو» لا يشير إلى اليهود المتخفين وحسب وإنما إلى ذوي الأصول اليهودية حتى ولو كانوا من المسيحيين الأتقياء (ولذا يميِّز البعض بين «المارانو المسيحيين» و«المارانو اليهود»).

وقد مارس المارانو (اليهود) جميع الشعائر التي تقتضيها الديانة المسيحية في العلن. ولكن بعضهم ظل، في الوقت ذاته، يمارس شعائر الديانة اليهودية سراً. فكان اليهودي المارانو يُعمِّد أطفاله ويذهب إلى الكنيسة يوم الأحد ويذهب للاعتراف دون أن يدلي بأية اعترافات حقيقية، ويتناول القربان في الكنيسة ثم يبصقه خارجها. وقد تأثرت عقيـدتهم اليهودية بطول التخفي، فاختفت شعائر يهودية، مثل: الختان، والذبح الشرعي، واستخدام شال الصلاة، وكثير من الأعياد. واكتسبت الشعائر ملامح جديدة ابتعدت بهم تماماً عن دينهم الأصلي. وكان أساس عقيدة المارانو هو الإيمان بأن الخلاص يتم من خلال شريعة موسى لا من خلال الكنيسة أو المسيح، وكانوا يؤمنون بأن تنصيرهم القسري هو جزء من العقاب الإلهي الذي حاق باليهود، تماماً مثل النفي (في حالة اليهودية الحاخامية). وقد تبوأت إستير مكانة خاصة في فكرهم الديني، فكان يُنظَر إليها باعتبارها صورة مُسبَقة لما يحدث لهم. فإستير، هي الأخرى، اضطرت إلى إخفاء هويتها الدينية مدة من الزمن حتى تحرز مكانة متميِّزة داخل البلاط الفارسي. وقد تمكنت خلال ذلك من إنقاذ شعبها من المذبحة التي كان يدبرها هامان لهم. وقد أنكر المارانو أن المسيح عيسى بن مريم هو الماشيَّح، وأصبح هذا الإنكار ركناً أساسياً في عقيدتهم، وهو ما زاد من أهمية العقيدة المشيحانية وانتظار مجىء الماشيَّح، ولعلها أصبحت المبدأ الوحيد. وكان المارانو يحتفلون بشعائر السبت يوم الأحد، وإن كان الاحتفال يأخذ شكلاً يسمح بالتخفي مثل: تنظيف المنزل، وتغيير الملاءات والملابس، والاسـتحمام، وإعداد وجبة تُسـمَّى «أدافينا» (وكانت تُعَدُّ قبل يوم السـبت). كما كانوا يحتفلون بأعياد اليهود المهمة الأخرى (مثل عيد الفصح وعيد الغفران) بعد العيد بعدة أيام حتى لا تتعقبهم محاكم التفتيـش. وكان الصـوم من أهم الشـعائر التي يمارسونها لسهولة إخفائه، كما أن صوم إستير كان أهم أعيادهم، حيث كانوا يتلون مزامير داود أو قصائد من نظمهم باللغة الشائعة بينهم. وكانت هذه الصلوات تؤكد وحدانية الخالق (مقابل التثليث المسيحي)، بل وكان لديهم طقس يهدف إلى محو أثر التعميد المسيحي.

وقد بهت انتماء يهود المارانو بالتدريج بعد أن ترك التخفي لمدة طويلة أثره العميق. فعلى سبيل المثال، أصبحت عبادة الخالق في الخفاء جزءاً عضوياً من عقيدتهم، وأصبح الإعلان عن عقيدة الإنسان أمراً لا يليق (ومن هنا، استمر عدد كبير من يهود المارانو في التخفي حتى بعد أن أصبح من حق اليهود ممارسة شعائر دينهم علناً في إسبانيا والبرتغال). وقد تأثر المارانو بالطقوس الكاثوليكية، فهم يشيرون إلى «سانت إستير»، كما تأثروا بتقاليد التصوف الكاثوليكية فكانوا يصومون من أجل الأحياء والموتى (وهو تقليد كاثوليكي). وأصبحت لهم عبادات وأدعية خاصة بهم تختلط فيها الطقوس والعبادات الكاثوليكية بالطقوس والعبادات اليهودية. وكان المارانو لا يتزوجون إلا فيما بينهم ولا يتزاوجون مع غيرهم من اليهود. وكانت القيادة الروحية للجماعة في يد النساء العجائز، وكان الأطفال لا يعرفون الهوية الدينية الحقيقية إلا بعد سن الخامسة عشرة. كما أن يهود المارانو كانوا يُشكلون شبكة متماسكة، فكان التاجر المارانو يرفض أن يشارك تاجراً آخر إلى أن يتأكد من هويته. وقد أدَّى ذلك إلى تسهيل عملية التجارة والائتمان، وساعد هذا التَماسُك على تسهيل الحراك الاجتماعي للمارانو.

ثم بدأت محاكم التفتيش نشاطها في كل شبه جزيرة أيبريا. ومما يجدر ذكره أن محاكم التفتيش لم تتعقب اليهود الذين أعلنوا عن هويتهم الدينية، فهؤلاء لم يكن يُسمَح لهم بالبقاء أساساً، وإنما تعقبت المسيحيين المشكوك في أمرهم والذين كان يُظَن أنهم مارانو، أي «مواطنون يُظهرون المسيحية ويُبطنون اليهودية»، فهؤلاء كانوا في رأي محاكم التفتيش يشكلون خطراً على العقيدة المسيحية وعلى أمن الدولة. ولكن هناك بعداً آخر بدأت الدراسات الحديثة تؤكده، وهو أن محاكم التفتيش في إسبانيا لم تكن تابعة للبابا. بل إن روما كانت تعترض في كثير من الأحيان على تَطرُّف قضاة هذه المحاكم، وعلى أن هذه المحاكم كانت تستخدم ديباجات دينية تستغل الشرعية الدينية لتَعقُّب من كانت تظنهم أعداء الدولة. وتبين هذه الدراسات أن رجال الدين الذين عُيِّنوا قضاة في هذه المحاكم نُصِّبوا من قبَل الدولة الإسبانية لا من قبل روما. وتذهب هذه الدراسات إلى أن الدولة الإسبانية كانت في الواقع أول دولة مطلقة تضع مصلحتها الدنيوية فوق أية مصلحة أخرى، وهي ظاهرة بدأت تتضح في بقية أوربا في تاريخ لاحق، وتذهب أيضاً إلى أن هذه الدولة طالبت رعاياها لهذا السبب بولاء مطلق. وتحل الدولة العلمانية الحديثة مشكلة الولاء عن طريق جعل الدين أمراً خاصاً، على أن يتم التضامن داخل المجتمع على أساس مصلحة الدولة. ولكن في حالة الدولة الإسبانية، لم يكن هذا ممكناً برغم تَوجُّهها الدنيوي لأن التحالفات في أوربا كانت تتم في إطار ديني، ولم تكن العقيدة العلمانية قد تطورت أو أحرزت شيوعاً بعد. ومن هنا كان تَمسُّك الدولة الإسبانية بالديباجات الدينية برغم تَوجُّهها الدنيوي.

ويذهب أصحاب هذه النظرية إلى أن عملية المطاردة أصبحت بعد قليل مثل مطاردة أجهزة المخابرات الحديثة لمن يُسمَّون « أعداء الدولة ». وهذه الأجهزة كثيراً ما تختلق الاتهامات ضدهم وتخترعها اختراعاً إن لم تجدها، حتى يُكتَب لوظيفتها الاستمرار وحتى تُحكم قبضتها على الحاكم ويتزايد نفوذها وهيبتها. ومن هنا مطاردتها لبعض المسيحيين الجدد الذين تَنصَّروا عن صدق، حتى يُكتَب لها الاستمرار وتحقيق الرسالة!
ويُضيف أصحاب هذه النظرية بُعداً اجتماعياً أخيراً، وهو أن محاكم التفتيش لم تكن تهدف في واقع الأمر إلى القضاء على الهرطقة اليهودية بين المارانو كما كانت تدَّعي، وإنما كانت تهدف إلى وقف الحراك الاجتماعي لكل المسيحيين الجدد. ولم تكن تميِّز بين من اعتنق المسيحية عن صدق وبإرادته من جهة وبين من ادعى الإيمان بها من جهة أخرى. فالمسيحيون الجدد كانوا يشكلون طبقة وسطى جديدة لها إمكانيات غير متوافرة لكثير من قطاعات النخبة الحاكمة. ومن المعروف أنه، مع نهاية القرن السابع عشر، لم يكن هناك فرق بين المسيحيين الجدد والمسيحيين القدامى. ولكن، مع هذا، تم تأكيد الفروق لتكون مسوِّغاً لمطاردة أعضاء الطبقة الجديدة. وقد استخدمت محاكم التفتيش معياراً دنيوياً غير ديني («درجة نقاء الدم») وبالتالي تكون محاكم التفتيش هي أولى علامات العنصرية العلمانية (مقابل التعصب الديني) والتي تعتمد العرْق (لا الدين) معياراً للتفرقة بين البشر. ولم تتوقف المطاردة إلا عام 1773 حين تَقرَّر إحراق الوثائق التي تُفرِّق بين المسيحيين الجدد والمسيحيين القدامى.

ومن القرائن التي تُذكَر كدليل على أن هؤلاء المسيحيين الجدد قد تَنصَّروا فعلاً بإرادتهم وأنهم كانوا مسيحيين عن صدق، موقف الشرع اليهودي منهم، فكثير من الحاخامات كانوا لا يعتبرونهم يهوداً. بل ورفضت المؤسسة اليهودية البعض ممن تهوَّدوا وعاملت من قبلتهم باعتبارهم متهودين أو غرباء (بالعبرية: جير) اعتنقوا اليهودية، أي أنها كانت تراهم مسيحيين تهودوا. ويُقال إن المؤسسة الحاخامية كانت سعيدة بملاحقة محاكم التفتيش للمسيحيين الجدد واضطهادها لهم، على أساس أنهم تركوا دينهم عن قصد. وعلى وجه العموم، كان اليهود يحتقرون المسيحيين الجدد (المارانو) الذين كانوا بدورهم لا يكنون أي احترام لليهود.

ومن القرائن الأخرى التي يجب ذكرها أن كثيراً من المسيحيين الجدد لم يعتنقوا اليهودية حتى بعد طردهم من شبه جزيرة أيبريا، لأنهم كانوا مسيحيين بالفعل. كما يُفسِّر هذا اتجاه أغلبيتهم إلى العالم المسيحي وعدم تَوجُّههم إلى الدولة العثمانية الإسلامية. وقد جاء في إحدى الدراسات قصة تبيِّن غباء البشر في بعض الأحيان وعُمْق تعصبهم، فقد قامت محاكم التفتيش بطرد فتاة بتهمة أنها مارانو تدَّعي المسيحية وتُبطن الإسلام. وعند وصولها إلى المغرب أكدت للناس هناك أنها مسيحية مؤمنة، فقاموا بتعذيبها باعتبارها مرتدة فأصرت على موقفها وقُتلت، فاحتُفل بها في شبه جزيرة أيبريا باعتبارها شهيدة مسيحية!

وقد لاحظ بعض الدارسين أن كثيراً من المارانو كانوا في واقع الأمر ملحدين أو بغير هوية دينية على الإطلاق. ولهذا طالب المفكر الهولندي الشهير جروتيوس بأن يؤكد كل يهودي (فوق سن الرابعة عشرة) إيمانه بالإله والأنبياء واليوم الآخر للتأكد من يهوديته.

تبقى بعد ذلك قضية المارانو أو «المسيحيون الجدد» الذين تهوَّدوا عـند خروجهم. ولتفسـير حالة هـؤلاء، نورد الأسـباب التالية:

1 ـ لم يكن كل المسيحيين الجدد، كما أسلفنا، مؤمنين بالعقيدة المسيحية، بل كان منهم بالفعل مارانو يتحينون الفرصة لإظهار ما يُبطنون.

2 ـ يُعتقَد أن بعض المسيحيين الجدد، الذين كانوا يؤمنون بالمسيحية عن حق، اعتنقوا اليهودية نتيجة مطاردة محاكم التفتيش وملاحقتها لهم، وهم في هذا يشبهون المتهم الذي يعترف بجريمة لم يرتكبها، تحت وطأة التعذيب، حتى يُريح نفسه. كما أن هناك أيضاً عنصر الانتقام من مؤسسة عنصرية غبية.

3 ـ يُعتقَد أن كثيراً من المسيحيين الجدد تهوَّدوا بعد أن وصلوا إلى أمستردام وغيرها من البلاد، حتى يحصلوا على عمل أو يمكنهم الالتحاق بإحدى النقابات الحرفية، أو المهنية. إذ أن المارانو كانوا قد وصلوا إلى بلد غريب ذي تنظيم ينتمي إلى العصر الوسيط ولا يسمح باستيعاب الغريب. وإذا أراد المرء أن يُكتَب له البقاء، خصوصاً إذا كان وافـداً جديداً، كان عليه أن ينتمي إلى إحدى النقابات أو المؤسـسات. ولكن لم يكن من المتوقع أن تقبله نقابات المهنيين أو إحدى التنظيمات الوسيطة الأخرى باعتباره مسيحياً. وهناك حالات رُفض فيها السماح لبعض المسيحيين الجدد بالتنصُّر الفعلي حتى لا يحصلوا على حقوق المسيحيين. وقد كان أمام هؤلاء فرصة الانضمام إلى إحدى النقابات اليهودية عن طريق التَهوُّد.

4 ـ ولقد أتى هؤلاء المسيحيون الجدد من شبه جزيرة أيبريا، ومن ثم فإن من كان منهم مسيحياً حقاً كان يؤمن بالكاثوليكية، ثم استقروا في هولندا، وكانت حينذاك بلداً بروتستانتياً معادياً لإسبانيا، يتسامح مع اليهودية ويقبلها ولا يتسامح مع الكاثوليكية. فالدول البروتستانتية الجديدة في أوربا كانت تنظر إلى الكاثوليكية والكاثوليك (لا اليهودية واليهود) باعتبارهم الخطر الأعظم. ومن ثم كان من المنطقي أن يَتبنَّى هؤلاء المطرودون من بلادهم البديل الوحيد المقبول وهو اليهودية.
وقد ظهرت نظرية مؤخراً تذهب إلى أن المارانية هي نتاج شكل من أشكال العبادة الشعبية التي كانت موجودة في شبه جزيرة أيبريا، وهي عبادة اختلطت فيها العناصر اليهودية بالعناصر المسيحية والإسلامية (كما هو الحال مع العقائد الشعبية).وقد شاعت هذه العبادة بين الجماهير اليهودية التي كانت تَشعُر بالاغتراب عن اليهودية الحاخامية الرسمية بنزعتها العقلية والعقلانية،خصوصاً بعد تأثرها بالفلسفة العقلانية الرشدية.والديانات الشعبية عادةً ما يتم تَوارُثها من خلال الأسرة،ولذا كان اليهودي المتنصِّر عن صدق يصبح من المارانو إن كان من ممارسي هذه الديانة الشعبية.ومهما كانت الأسباب والدوافع لتَعقُّب محاكم التفتيش للمارانو وتهوُّدهم بعد خروجهم من شبه جزيرة أيبريا، وبغض النظر عما إذا كانوا مسيحيين عن صدق أم يهوداً،فما يهمنا هنا هو تأكيد أن المضمون اليهودي لهوية المسيحيين الجدد،والمارانو بعد خروجهم من شبه جزيرة أيبريا، إما أنه لم يكن موجوداً أساساً أو أنه قد ضعف تماماً أو اختفى كليةً. وقد انضمت أعداد كبيرة منهم إلى الجماعات اليهودية في أوربا، الأمر الذي ترك أعمق الأثر في هـذه الجماعـات. فهوية المـارانو كانت هوية هامشــية بالنسبة إلى المجتمعات كافة. ذلك أنهم بعد انضمامهم إلى الجمـاعات اليهودية، لا يكونون مسيحيين في المجتمع المسـيحي، ولا يهوداً من منظور اليهودية الحاخامية. ولذا، قُدِّر لهم أن يلعبوا دوراً تحديثياً ضخماً بوصفهم «غرباء هامشيين» وكجماعات وظيفية داخل المجتمعات الغربية وبين الجماعات اليهودية.

وقد انتشر يهود المارانو في كل أنحاء العالم بعد طردهم، فذهبت أعداد كبيرة منهم إلى الدولة العثمانية واستوطنوا سالونيكا، فكان عدد يهود المارانو في هذه المدينة يفوق عدد اليهود بل وعدد غير اليهود فيها. ولذا، كانت هـذه المدينة تُعَدُّ عاصـمة المارانـو فـي العالم. كما اتجهوا إلى الأستانة والقاهرة وكونوا نخبة متفوقة، الأمر الذي أدَّى إلى اندماج مختلف الجماعات اليهودية الأخرى فيهم، وأصبحت اللادينو لغة يهود الدولة العثمانية.

وقد اتجه المارانو إلى الدول الغربية، خصوصاً البروتستانتية، حيث كانت محاكم التفتيش محط كراهية عميقة، وكان كثير من البروتستانت من ضحاياها. فاستوطن المارانو في إنجلترا وأمستردام وهامبورج، بل واتجه بعضهم إلى الدول الكاثوليكية فاستقروا في بايون وبوردو وليون في فرنسا، وفي بعض المستعمرات الاستيطانية التابعة لإسبانيا أو البرتغال في العالم الجديد. وكانت بعض الدول مثل هولندا تعترف بالمارانو كيهود عند وصولهم. أما بعض الدول الأخرى، فكانت تتسامح في وجودهم وحسب، وتلجأ في ذلك إلى حيل قانونية أو غير قانونية. فكانت بعض الدول، مثل إنجلترا، تغض النظر عن هويتهم الحقيقية، فيظلون مسيحيين اسماً ويمارسون عقيدتهم اليهودية سراً أو علناً، ولكن دون اعتراف رسمي، لأن الاعتراف الرسمي كانت تنجم عنه بكل تأكيد تعقيدات إدارية بالغة في مجتمع تستند كل مؤسساته إلى العقيدة المسيحية وإلى الإيمان بها. وكما أشرنا سالفاً، فإن كلمة «برتغالي» كانت في كثير من الدول تعني «مارانو» أو «يهودي».

وكان يهود المارانو عادةً يستوطنون في بلد ما ليُشكِّلوا نواة سفاردية متقدمة تلحق بها عناصر إشكنازية تزيد من عددها. وقد ظل السفارد النخبة التي كانت تلعب دوراً قيادياً. أما الإشكناز فكانوا هم الجماهير، أو الفائض غير المرغوب فيه. وقد زادت الهجرة الإشكنازية من شرق أوربا بعد هجمات شميلنكي في القرن السابع عشر، ومع تَفاقُم المسألة اليهودية في القرن التاسع عشر، حتى زاد عدد اليهود الإشكناز على عدد يهود السفارد من المارانو السابقين وأصبحوا هم الأغلبية العظمى.

وفي الأدبيات الصهيونية يتحدثون عن «المارانو الجدد»، وهم اليهود المندمجون الذين يحاولون الاندماج في محيطهم الثقافي ويخفون يهوديتهم بقدر الإمكان. ولكن كما قال حاخام فيينا بعد لقائه بهرتزل: "من هو اليهودي الحقيقي: هل هو الذي يمارس شعائر دينه ويندمج في مجتمعه، أم هو الصهيوني الذي يتحدث عن العودة إلى فلسطين ولا يمارس أياً من الأوامر والنواهي؟". ويمكننا من هذا التساؤل أن نقول إن الصهيوني هو مقلوب المارانو، فهو يتباهى بهويته اليهودية ولكنه في داخله إنسان غير منتم إلى الدين اليهودي. وقد لاحظ بن جوريون نفسه أن يهود أمريكا يستخدمون الصهيونية كغطاء يستترون به حتى يزيدوا من اندماجهم الفعلي في مجتمعاتهم، وتنحصر يهوديتهم الظاهرة في إرسال التبرعات إلى إسرائيل لإخفاء باطنهم المندمج، ومن هنا الإشارة ليهودية هؤلاء باعتبارها «يهودية دفتر الشيكات».
وقد اختفى أثر المارانو في إسبانيا، أما في البرتغال، حيث كانت توجد أعداد كبيرة منهم، فقد استمر وجودهم حتى القرن العشرين على هيئة جماعات متفرقة يبلغ عدد أعضائها نحو عشرة آلاف.ومن الطريف أن جيرانهم يعرفون أنهم مارانو وأنهم فقدوا الصلة تماماً بالجماعات اليهودية في العالم وإن كانوا يحتفظون بالصلة فيما بينهم.وقد أصبحت ممارستهم الخفية جزءاً أساسياً من عقيدتهم،كما أصبحت طقوسهم الباهتة التي توارثوها عبر الأجيال هي ممارستهم الدينية اليهودية الوحيدة.ورغم أن البرتغال أعلنت حرية العبادة عام 1910، فإن المارانو لم يغتنموا الفرصة وظلوا على ممارستهم.
ومن أهم جماعات المارانو جماعة مدينة بلمونت، فهم يتصورون أنهم من نسل اليهود البرتغاليين مباشرةً، وأنهم غير مُخلَّطين.كما أنهم لا يزالون يمارسون بعض الشعائر الدينية اليهودية،فهم يوقدون الشـموع يوم السبت،ويصومون يوم الغفران، ويقيمون بعض شعائر عيد الفصح، فلا يأكلون لحم الخنزير في يوم السبت أو في الأعياد ولكنهم يأكلونه في الأيام الأخرى، وهم يحتفلون بهذه الأعياد في أيام غير تلك التي حددها التقويم اليهودي حتى يحولوا الأنظار عنهم.ويتم عقد الزيجات باسم الإله أبراهام وإسحق ويعقوب.كما احتفظوا ببعض شعائر الدفن مثل الطهارة، أي تغسيل الميت.وقد اختفت اللغة العبرية في صلواتهم، فلم يبق سوى عبارات مُحرَّفة تكاد تكـون غير مفهومة. وقد أصبحت عقيدتهم بعيدة عن اليهودية وتتضمن خرافات كثيرة. ويبدو أن الممارسات الدينية مقصورة على النساء، ربما لصرف الأنظار.

وتحاول بعض الجماعات اليهودية، خصوصاً في إنجلترا حيث يوجد يهود كثيرون من أصل برتغالي، أن يُهوِّدوا المارانو ويُدخلوهم حظيرة اليهودية العلنية. وقد بذلت الأليانس جهوداً كبيرة في هذا المضمار، واتصلت بهم الوكالة اليهودية مؤخراً، ويبدو أنها أقنعتهم بالتهود والهجرة إلى إسرائيل. وهذا يعني بالنسبة إليهم حراكاً اجتماعياً لأن معظمهم فقراء يعملون بائعين متجولين.

والمارانو يشبهون من بعض الوجوه ظاهرة الموريسكيين، وهم العرب المسلمون الذين اضطروا إلى التنصُّر بعد استرداد المسيحيين لإسبانيا. وقد نسي الموريسكيون اللغة العربية وإن كانوا يتحدثون بلهجة يُقال لها «الألخميادو» (تحريف لكلمة "أعجمية")، وهي اللغة القشطالية بعد أن دخلت عليها كلمات عربية ولاتينية، وكانت تُكتَب بحروف عربية. وكان الموريسكيون صناعاً مهرة وفنيين في العديد من المهن، مثل: صناعة الحرير، والذهب والفضة، والنقش والبناء، والفلاحة وأساليب الري الفنية. كما كانوا وراء تعميم زراعة البرتقال والموالح وقصب السكر ومختلف الأشجار المثمرة كالتوت، ومن الواضح أنهم كانوا مُركَّزين في قطاعات الاقتصاد الإنتاجية، على خلاف يهود إسبانيا الذين كانوا مركزين في التجارة والمال والأعمال الوسيطة. وقد حاولت الدولة الإسبانية صبغهم بالصبغة الإسبانية بعد تَنصُّرهم، فكان يُحرَّم عليهم لبس الرداء العربي أو التحدث بالعربية أو اقتناء كتب عربية أو طبخ الكُسكُس (الطعام المغربي الشهير). وقد اندلعت الثورات بينهم من أهمها ثورة الموريسكيين الكبرى في البشرات (قرب غرناطة) سنة 1569 (وتُسمَّى ثورة البشرات الثانية). وحينما فشل النظام الإسباني في إسقاط هويتهم العربية، قام بطردهم سنة 1609 (كان مجموع المسـلمين الذين طُردوا يتـراوح مـا بين 900 ألف و 300 ألف، وفي بعض التقديرات يُقال إن مجموع من طُرد من المسلمين يصل إلى ثلاثة ملايين).

ومع هذا، بقي كثير من المسلمين يمارسون شعائر دينهم في الخفاء، ويتداولون الكتب الدينية المكتوبة بالألخميادو. وقد تعقبتهم محاكم التفتيش، وبالفعل وُجد في غرناطة (عام 1727) قساوسة من أصل موريسكي يمارسون شعائر الدين الإسلامي سراً. وكانت بعض الأسر الموريسكية تُشهر إسلامها بعد مغادرتها إسبانيا. وفي سنة 1757، حُوكم موريسكي بتهمة اتباع شعائر الدين الإسلامي سراً. وقد لاحَظ بعض الرحالة الإنجليز في أواخر القرن الثامن عشر أن بعض الأسبان مازالوا يمارسون شعائر الدين الإسلامي سراً. ويقول بعض الأسـاتذة الأسـبان إنه لا تزال توجـد في إسـبانيا قـرى بأسـرهـا موريسـكية. وقد بدأ بعض دعاة القومية الأندلسية في إسبانيا الحديثة يصر على أن تراث أهـل الأندلس هو التراث الإسلامي، بل إن بلاسي إنفانتي بيريز (1885 ـ 1936) أبا حركة البعث الأندلسي، وهو من نسل الموريسكيين القدامى، اعتنق الإسلام، وقد أعدمته قوات فرانكو رمياً بالرصاص في 10 سبتمبر 1936.

جديـد الإسـلام
Jedid al-Islam
«جديد الإسلام» مصطلح إيراني بمعنى «المسلمون الجدد»، ويشير هذا المصطلح إلى اليهود المتخفين الذين أُرغموا عنوة على اعتناق الإسلام في إيران في القرنين السابع والثامن عشر، فأظهروا الإسلام وأبطنوا اليهودية. ويشير المصطلح على وجه التحديد إلى أعضاء الجماعة اليهودية في مشهد، والذين اضطروا إلى اعتناق الإسلام إبان حكم أسرة الكاجار عام 1839.

ولا نعرف شيئاً عن مصير اليهود الذين اعتنقوا الإسلام عنوة في القرنين السابع عشر والثامن عشر. والظن الغالب، أنه تم استيعابهم في المجتمع الإسلامي. أما جماعة مشهد، فقد احتفظت بهويتها ولم يتزاوج أعضــاؤها إلا فيما بينهم، ثم هاجر بعضهم إلى القدس عـام 1890. أما بقيـة الجماعة، فقد ظلت في مشــهد حتى أواخر الأربعينيات من القرن العشرين، وكونت جماعة اقتصادية مستقلة.

تشويتاس
Chuetas
«تشويتاس» من كلمة «تشويا» وتعني «لحم خنزير» بلهجة جزيرة مايوركا، إحدى جزر البالياريك التابعة لإسبانيا. غير أن هناك نظرية أخرى تذهب إلى أن الكلمة مُشتقَّة من كلمة «تشوهينا» وتعني «يهودي» بلهجة الجزيرة. وهم من أهم جماعات المارانو التي استمر وجودها حتى الوقت الحالي في جزيرة مايوركا. وأعضاء هذه الجماعة يعملون أساساً بالتجارة وصناعة الحلي الفضية. وقد فَقدوا كل علاقة باليهودية، ومع هذا فهم لا يزالون يحتفظون بعزلتهم وهويتهم الخاصة الباهتة. ولا يُعرَف عددهم على وجه الدقة، وإن كان لا يتجاوز مائتين أو ثلاثمائة. وقد هاجرت أعداد منهم إلى إسرائيل وتم تهويدهم واستوطنوا فيها، ولكن التجربة فشلت فعادوا إلى مايوركا.

الرومانيوت
Romaniot
تُستخدَم كلمة «رومانيوت» للإشارة إلى الجماعة اليهودية داخل الإمبراطورية البيزنطية في آسيا الصغرى وشبه جزيرة البلقان. وكان الرومانيوت يُسمَّون أيضاً «الجريجوس»، كما تُستخدَم الكلمة للإشارة إلى نسلهم ومن ورثوا تراثهم اللغوي والثقافي. وكان الرومانيوت يتسمَّون بأسماء يونانية، كما كانت معابدهم تُعرَف بأسماء يونانية أيضاً. وقد تأثروا بعمق بالتراث اليوناني وباللغة اليونانية التي أصبحت لغة الصلاة في المعبد. وقد صدرت عام 1547 ترجمة العهد القديم باليونانية الحديثة واللادينو. ومع بداية القرن السادس عشر، بدأ يهود السفارد يصلون لاجئين إلى الدولة العثمانية، وكان مستواهم الثقافي الرفيع وخبراتهم الإدارية والمالية واتصالاتهم العالمية تؤهلهم لاستلام قيادة الجماعات اليهودية في الدولة العثمانية، الأمر الذي وضع يهود الرومانيوت في حالة دفاع عن النفس. وعلى أية حال، فقد بدأت معابدهم في التناقص وأصبحت لهجتهم اليونانية مقصورة على بضعة تجمعات يهودية متناثرة. وقد انتهى الأمر باندماج معظمهم في السفارد وتَبنِّيهم اللادينو التي أصبحت لغة معظم يهود الدولة العثمانية في الكتابة والحديث.

يهـود الهــند
Indian Jews
توجد عدة جماعات يهودية في الهند من بينها بني إسرائيل في بومباي، ويهود كوشين على ساحل مالابار، في ولاية كيرالا، واليهود البغدادية في بومباي أيضاً، ويهود مانيبور على الحدود مع بورما. وقد بلغ عددهم عام 1947 نحو 26.000. أما في عام 1961، فقد بلغ عددهم 14.608 في الهند ذاتها، إضافة إلى 23 ألفاً في إسرائيل، و2000 في إنجلترا حسب إحصاءات عام 1968، أي أن عددهم يبلغ نحو 39.500، وهو ما يعني أن نسبة التكاثر بين يهود الهند من أعلى النسب بين الجماعات اليهودية (إذا كانت الإحصاءات دقيقة). وقد تأثرت كل هذه الجماعات اليهودية بالبيئة الهندية وبنظام الطوائف المغلقة. وهي لا تنتمي إلى أيٍّ من الكتل اليهودية الثلاث الكبرى: الإشكناز، والسفارد، ويهود العالم الإسلامي. ولذا، فهم يُعَدُّون ضمن الجماعات الهامشية مثل الفلاشاه ويهود كايفنج.

ويُلاحَظ أن قبول اليهود في مجتمع ما، واندماجهم فيه، يؤدي إلى ذوبانهم وانصهارهم. ولكن يهود الهند يمثلون نمطاً مغايراً تماماً إذ أن اندماجهم أدَّى إلى الحفاظ على هويتهم. وهذه مفارقة واضحة تعود إلى حركيات المجتمع الهندي ذاتها، فهو مجتمع تُعَدُّ الوحدة الأساسية فيه القرية والطائفة المغلقة. وتستطيع أنواع مختلفة من البشر الاحتفاظ بهوياتهم فيه، ماداموا يقبلون الطائفة المغلقة إطاراً للتنظيم الاجتماعي، وربما ببعض المعتقدات الهندوكية الأساسية. وتقوم عملية التضامن داخل الجماعة المغلقة بتقوية الهوية مادامت لا تهدد النظام الاجتماعي. وبالتالي، فإن ثمة هويات هندية يهودية مختلفة، بل ومتصارعة، لكلٍّ سماتها الواضحة. وهذا، بطبيعة الحال، مختلف عن وجود هوية يهودية محددة داخل كل مجتمع، وعن الافتراض الصهيوني القائل بوجود هوية يهودية عامة أو عالمية. ويُلاحَظ أن الهويات اليهودية الهندية آخذة في الاختفاء بسبب الهجرة من الهند سواء إلى إسرائيل أو إلى غيرها من البلدان. كما أن الأجيال الجديدة من الهنود اليهود بدأت تتمرد على نظام الطوائف المغلقة، تماماً مثل جيل الشباب الهندي ككل.

ويعيش القسم الأكبر من يهود الهند الذين هاجروا إلى إسرائيل في مدن التنمية، خصوصاً تلك الموجودة في النقب والمنطقة الجنوبية مثـل: بئر سبع وعسقلان وعراد إضافة إلى بيسان في غور الأردن. ويعيش قسم آخر في المدن الكبرى الثلاث: القدس، وتل أبيب، وحيفا. ويعيش عدد قليل للغاية في بعض الكيبوتسات (وهي مؤسسات إشكنازية بالدرجة الأولى) والموشافات. ومن الظواهر التي تستحق التسجيل أن ثمة قائمة خاصة بمهاجري الهند ظهرت في انتخابات عام 1984.
بني إسرائيل
Bene Israel
«بني إسرائيل» اسم عَلَم يُطلَق على مجموعة من يهود الهند كانت تقطن أسـاسـاً في منطقة كونكان، ولكنهـا، ابتداءً من القرن الثـامن عشر، انتقلت إلى بومباي حيث أسست أول معبد يهودي عام 1796. ومع حلـول عام 1833، كان ثلثا يهـود بني إسـرائيل يعيشـون في بومباي. ولا نعرف الكثير عن أصل يهود بني إسرائيل، إلا أنهم، حسب روايتهم، يعودون إلى ما قبل الميلاد. وقد انقطعت صلتهم باليهودية الحاخامية، ولكنهم بعد احتكاكهم بيهود كوشين تَعلَّموا على أيديهم أصول عقيدتهم مرة أخرى، كما انضم إليهم اليهود البغدادية في القرن التاسع عشر. ولون يهود بني إسرائيل أميل إلى البياض مقارنةً بلون بشرة الهنود العاديين، وهم يرتدون الملابس الهندية ويتحدثون الماراثي (وهي اللغة الشائعة في المنطقة التي يعيشون فيها)، ويتسمَّون أسماءً هندية. ونظراً لانفصالهم عن اليهودية الحاخامية لعدة قرون، فإن شعائرهم الدينية تختلف عن شعائر باقي يهود العالم في كثير من النواحي، فهم لا يعرفون التلمود، بل كانوا قد نسوا التوراة بعض الوقت ولكنهم أعادوا اكتشافها من بعد. ولم يُترجَم العهد القديم إلى اللغة التي يتحدثونها إلا في بداية القرن التاسع عشر. ومع هذا، فهم يعرفون صلاة عبرية هي صلاة الشماع، وللنبي إلياهو مكانة خاصة في عبادتهم. ومن عاداتهم الدينية عادة تُسمَّى «ماليدا» وهي إعداد طعام خاص يقدم قرباناً. وتُتلَى بعض الصلوات اليهودية في مناسـبات مهـمة مثل الخـتان والــزواج. وأعيادهم وأيامهم المقدَّسة هي: رأس السنة (ويُحتفَل به لمدة يوم واحد)، ويوم الغفران، وعيد الفصح. ولكنهم كانوا لا يعرفون عيد التدشين. كما كانوا لا يعرفون شيئاً عن هَدْم الهيكل على يد تيتوس. وهم يقيمون شعائر السبت والختان وبعض قوانين الطعام، ويمارسـون صيام رمزان (وقد يكون هذا الاسم تصحيفاً لكلمة «رمضان»). وكان يترأس الجماعة اليهودية من الناحية الدينية والدنيوية الكاجي (القاضي؟). وقد أصبحت الوظــيفة وراثية حتى صـارت كـلمة «كاجي» هي اسم العائلة. وبعد احتكاك يهود بني إسرائيل باليهودية الحاخامية في بقية العالم وتأسيسهم معابد يهودية، ظهرت وظيفة المقدَّم الذي اضطلع بالوظيفة الدنيوية للكاجي، كما حل المرتلون (حزان) محل الكاجي في الجوانب الشعائرية. ولا يوجد عندهم حتى الآن حاخام مُعتَمد تَلقَّى التدريب الصحيح.

وكان يهود بني إسرائيل يعملون أساساً بالزراعة واستخراج الزيت وببعض الحرف اليدوية. وبعد احتلال الإنجليز للهند، خدم يهود بني إسرائيل في الفرق العسكرية الإنجليزية وعملوا في المهن المختلفة وفي وظائف ذوي الياقات البيضاء وفي المهن التجارية والمالية الأخرى، أي أنهم تحولوا إلى جماعة وظيفية في خدمة الاستعمار. وهناك 10% من يهود بني إسرائيل يعملون بالتجارة، ولكن أغلبيتهم العظمى تعمل كَتَبة في الحكومة والمكاتب الخاصة. ولذا، يُشار إليهم الآن بوصفهم «طائفة الكتبة المغلقة»، كما تضم الجماعة بعض الأساتذة الجامعيين.

ويمكننا أن نقول إن يهود بني إسرائيل قد استطاعوا الحفاظ على هويتهم من خلال نشاطهم داخـل المجتـمع الهندي لا ضده، أي من خلال اندماجهم فيه. ومن هنا، فإن بعض أنماط سلوكهم يختلف عن أنمــاط سلوك يهــود الغرب. ورغــم أن سمـعة الأطبــاء اليهـود جيدة في الهند، فإن أبناء الجماعة لا يترددون عليهم. ونادراً ما يستخدم أرباب العمل اليهود عمالاً يهوداً، على عكس ما كان عليه الأمر في أوربا قبل الثورة الصناعية. ونادراً ما يرسل أعضاء الجماعة أبناءهم إلى مدارس يهودية. كما لا تُوجَد نسبة كبيرة من التجار بينهم.

ولكن الاندماج يظهر، أكثر ما يظهر، في استيعاب نظام الطوائف المغلقة (الهندوكي) لأعضاء الجماعات اليهودية، وكذلك في تأثيره العميق عليهم وعلى رؤيتهم للذات وللآخر. فأعضـاء الجماعات اليهودية ينقسمون إلى قسمـين: اليهود البيض (جورا إسرائيل)، الذين يعتبرون أنفسهم اليهود الحقيقيين والأكثر رقياً (وهم حسب أسطورتهم أبناء العائلات السبع نقية الدم التي وصلت إلى الهند واستقرت في ساحل كونكان)، واليهود السود (كالا إسرائيل) وهم هنود مُتهوِّدون أو نتاج زواج مختلط. ويُعتبَر الجورا إسرائيل أنفسهم في مكانة اجتماعية أعلى من الكالا إسرائيل، ويحاولون الحفاظ على نقائهم ولا يتزاوجون معهم، بل ولا يلمسون أدوات الطبخ الخاصة بهم. وقد انعكست الثورة على النظام الطائفي في الهند على بني إسرائيل إذ أن أعضـاء الكالا إسرائيل يُظهرون الآن تَذمُّراً من عنصرية الجورا إسرائيل.

ويُطلق جيران اليهود عليهم مصطلح «شانو ارتيليس»، أي «زياتو السبت» باعتبار أن أعداداً كبيرة منهم تعمل في استخراج الزيت وبيعه، الأمر الذي يعني أنهم كانوا طائفة مُغلَقة متدنية في سلم الطوائف، ويسبب مجرد لمس أحد أشخاص هذه الطائفة الدناسة. ولم يتأثر يهود بني إسرائيل بالملابسات الاجتماعية وحسب، وإنما نجد أن بعض العقائد الهندوكية وجدت طريقها إلى يهوديتهم. فمثلاً كان يُحرَّم الزواج من الأرامل، وكانوا يتصورون أن أكل لحم البقر مُحرَّم عليهم وأن ذلك منصوص علىه في التوراة!
وينقسم يهود بني إسرائيل في الوقت الحاضر إلى ثلاثة اتحادات دينية: أولها اتحاد الأبرشيات الأرثوذكسية، وهو مرتبط بالاتحاد الذي يحمل الاسم نفسه في الولايات المتحدة. والثاني معبد الهند المتحد، ويرتبط بالمجلس العالمي للمعابد المحافظة. وليس هناك فارق واضح بين هاتين الطائفتين (وقد يكون من قبيل المفارقات أن كلا الاتحادين قد أخذ بالطقوس السفاردية). وهناك اتحاد ثالث هو الاتحاد اليهودي الديني، وهو مرتبط بحركة اليهودية الليبرالية الإصلاحية في إنجلترا ويضم أعضاء بني إسرائيل الذين حققوا مكانة اجتماعية عالية. ولا تختلف شعائر هذا الاتحاد الثالث عن الاتحادين الآخرين. ولذا، يظل الاختلاف هو الاختلاف في الانتماء الطبقي للأعضاء.

وعندما اتصلت الحركة الصهيونية بيهود بني إسرائيل ليرسلوا ممثلين لهم للمؤتمرات الصهيونية، رفضوا في بداية الأمر إذ أنهم كانوا في انتظـار «اليـد المقدَّسـة» لتقودهم إلى أرض الميعـاد. وبعد عدة سنوات، وتحت تأثير الوكالة اليهودية التي بدأت تُشرف على أمورهم الدينية والدنيوية، هاجر بضعة آلاف منهم إلى إسرائيل حيث عانوا من التفرقة العنصرية وفشلوا في العثور على وظائف، وهو ما اضطرهم إلى الإضراب والمطالبة بالعودة إلى الهند. وقد عاد بعضهم بالفعل. أما الفريق الذي استوطن إسرائيل نهائياً، فقد وُطِّن في موشاف جديد يقطنه أساساً يهود عراقيون وهنود. وفي عام 1961، أصدر حاخام السفارد (الحاخام نسيم) قراراً (بإيعاز من اليهود البغدادية) بالتحقق من أصل يهود بني إسرائيل الذين يودون التزاوج من خارج جماعتهم الدينية الإثنية، لأنه لم يكن متأكداً إن كان أسلافهم قد راعوا القوانين اليهودية في الزواج والطـلاق، وكـذلك التحريمات الخاصـة بالزواج المُختلَط، وذلك حتى يتسنى للحـاخامـية أن تقرر إن كان أولادهم شرعيين أم غير شرعيين (مامزير). وقد أدَّى هذا إلى إضراب عام من جانب بني إسرائيل عام 1964، الأمر الذي اضطر الحاخامية إلى تغيير موقفها بالنسبة لهم. ومن أشهر الإسرائيليين المنتمين إلى هذه الأقلية آبي نيثان، وهو من الموافقين على حل الصراع العربي الإسرائيلي سلمياً ومن معارضي سياسة التوسع الإسرائيلية. وقد قابل آبى نيثان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وزُجَّ به في السجن لذلك السبب. وكان عدد بني إسرائيل في الهند: 5255 عام 1837، و7000 عام 1881، و14.805عام 1941. أما في عام 1947، فقد بلغ عددهم 17.500، ثم هاجرت أعداد منهم إلى الدولة الصهيونية. وهبط عددهم إلى 15 ألفاً عام 1960 وإلى 13 ألفاً عام 1968. ثم هبط عددهم بعد ذلك إلى 12 ألفاً. ويبدو أن عدد يهود بني إسرائيل في الهند قد أخذ في التناقص بسبب الهجرة إلى إنجلترا وكندا وأستراليا إذ بلغ عام 1981 نحو أربعة آلاف.

يهـود كوشـين
Cochin Jews
«كوشين» مدينة هندية، وتُسمَّى بهذا الاسم أيضاً منطقة على ساحل مالابار تقع جنوب غربي الهند، وهي الآن جزء من ولاية كيرالا. وتضم كوشين جماعة يهودية متميِّزة تمثلت كثيراً من سمات الحضارة الهندية. وتعود أصول هذه الطائفة إلى عصور قديمة. ويَدَّعي يهود كوشين أنهم من قبيلة منَسَّى، وأنهم وصلوا إلى مالابار بعد هَدْم الهيكل. وفي حوزة يهود كوشين وثيقة مكتوبة على ألواح من النحاس تتضمن صك الانتماء إلى طائفة النبلاء، وقد منحها الراجا الهندي لليهودي يوسف رابان. وحسبما جاء فيها، فإن الصك يعطي يوسف هذا عدة مزايا، فقد أصبح من حقه أن يركب فيلاً، وأن يُحمَل في محفَّة، وأن يُحمَى من الشمس بمظلة من مظلات الدولة، ومن حقه أيضاً أن يفرض الضرائب، وأن تسبقه الطبول والمزامير كلما خرج إلى الشوارع، كما مُنح قرية انجوفانام على حدود كوشين يتوارثها أبناؤه من بعده. وقد كان يهود كوشين يساعدون الراجا في حروبه ضد الإمارات المجاورة، وانضمت إليهم عناصر يهودية جديدة في القرن السادس عشر (مع وصول الاستعمار الغربي)، فجاء يهود من هولندا وإسبانيا وألمانيا وحلب. وقد وقعت كوشين تحت حكم البرتغاليين (1502 ـ 1663). ولكن الراجا حمى اليهود من ممارسات البرتغاليين العنصرية، وعيَّن لهم رئيساً (مداليار). وقد أعقب ذلك مرحلة هولندية (1663 ـ 1795) كانت تتسم باستقرار اليهود النسبي حيث تَحوَّل بعض أعضاء الجماعة إلى وسطاء تجاريين، ونشأت علاقة بينهم وبين يهود هولندا. ثم جاء الاستعمار الإنجليزي بعد ذلك وعمَّق هذا الاتجاه.

ويُقسَّم يهود كوشين إلى:

1 ـ اليهود البيض أو «ميوحاسيم»، أي «المنتسب إلى»، ويُسمون أيضاً «بارناس» أي «شخص». فهم من نسل يهود أوربا الذين جاءوا مع الاستعمار وتزاوجوا مع أثرياء اليهود المحليين، وكونوا طائفة مغلقة متميِّزة عن اليهود السود.
2 ـ اليهود السود أو «ميشواريم».
3 ـ اليهود المعتَقين أو «ميشو حراريم».
ويشكل اليهود السود أغلبية أعضاء الجماعة اليهودية. أما اليهود البيض، فهم أقل عدداً، ولون جلدهم مختلف، وهم يدَّعون أنهم من نسل المهاجرين الأوربيين، وأن جلدهم قد اكتسب لونه الداكن نتيجة تَعرُّضهم للشمس الاستوائية. أما الفريق الثالث، فهو من سلالة عبيد الفريقين السابقين، أو ثمرة العلاقة بين اليهود البيض والسود من ناحية والمحظيات أو الجواري من ناحية أخرى. ولذا، يُقسَّم هذا الفريق أحياناً إلى مُعتَقين بيض ومُعتَقين سود.

ويهود كوشين مُستوعَبون تماماً في مجتمعهم الهندي، فهم يرتدون الأزياء الهندية ويتحدثون لغة المالايالام (وهي لغة سكان الهند الأصليين)، ويتحدث اليهود البيض منهم الإنجليزية إلى جانب هذه اللغة.

وقد ترك نظام الطوائف المغلقة فيهم أعمق الأثر. ولذا، فإن الفرق الثلاثة أو الأربعة لا تتزاوج فيما بينها إلا نادراً. ويعيش كلٌّ في حيٍّ مقصور عليه، ولا يسمح لأعضاء الفرق الأخرى بالسكنى فيه. ولم يكن من حق أعضاء الفريق الثالث، حتى عام 1932، أن يجلسوا في المعبد اليهودي أو يشاركوا في الصلوات. ويستخدم يهود كوشين العبرية في صلواتهم، وشعائرهم سفاردية مع بعض الأشكال الإشكنازية نتيجة الهجرة المُختلَطة في القرن السابع عشر. وكان عدد يهود كوشين عام 1781 نحو 422 أسرة، أي حوالي 2000 شخص. ونَقَص عددهم عام 1873 إلى 1039، وعام 1931 بلغ عددهم نحو 1774 حيث كانوا مُقسَّمين على النحو التالي: 1600 يهودي أسود، و144 أبيض، و30 ميشوحراريم أو مُعتَقين. وفي عام 1948، بلغ عددهم 2500، منهم مائة يهودي أبيض. وفي عام 1968، هاجر اليهود السود، ولم يهاجر من اليهود البيض أحد لأن الحكومة الهندية لم تسمح لهم بأخذ أموالهم.

ويبلغ عدد يهود كوشين الآن (في إسرائيل) ما يزيد على أربعة آلاف. وقد وُضعوا تحت الحجر الصحي بسبب انتشار مرض الفيل بينهم. ولا ندري هل اعترفت دار الحاخامية بهم يهوداً أم لا، فهم لا يعرفون إلا القليل من التلمود وتراث التوراة الشفوية بشكل عام. ويُقال إن عدد يهود كوشين المتبقين في الهند لا يزيد عن ثلاثين فرداً.

يهـود مانيبــور
Mainpur Jews
«مانيبور» منطقة في الهند، على حدودها مع بورما، تُوجَد فيها جماعة يهودية لا يزيد عددها عن مائة شخص. ويرى يهود مانيبور أن أصولهم تعود إلى يهود الصين، وأنهم هربوا من كايفنج منذ ثمانمائة عام أمام الغزو المغولي، ثم استوطنوا الكهوف في الهند الصينية ووصلوا مانيبور في القرن الثامن عشر. وقد نسي أعضاء الجماعة تراثهم اليهودي. وهم لا يمارسون معظم الشعائر، مثل الختان، ولا يعرفون التلمود، ونسوا حتى التوراة مثل يهود الصين. ولكن من المفارقات أنهم حينما احتكوا بالإرساليات المسيحية، اكتشفوا التوراة وبدأوا يمارسون بعض شعائرها، وإن كان بعضهم يمارس الشعائر المسيحية أو العبادات الوثنية السائدة في المنطقة مع الشعائر اليهودية جنباً إلى جنب. ويذهب يهود بني إسرائيل إلى أن يهود مانيبور ليسوا يهوداً، ولذا فإن عليهم التهود إن أرادوا الانضمام للجماعة اليهودية.

اليهـود البغداديـة
Baghdadi Jews
«يهود البغدادية» مجموعة من يهود بغداد السفارد هاجروا إلى الهند في القرن التاسع عشر، وكانوا على مستوى ثقافي راق كما كانوا من الأثرياء. وأسسوا كثيراً من الصناعات التي خلقت عدداً كبيراً من الوظائف. وقد رحب بهم يهود بني إسرائيل في البداية حيث لم يكن بينهم كاهن يقوم بالطقوس الكهنوتية، إلا أن اليهود البغدادية كونوا جماعة مستقلة عن يهود بني إسرائيل ويهود كوشين بسبب إحساسهم بالتفوق على أعضاء الجماعتين. ولذلك، أقام اليهود البغدادية سياجاً من العزلة حولهم وادعوا أن الدماء اليهودية الخالصة لا تسري إلا في عروقهم وحدهم. وأصبح لهم مؤسساتهم الدينية والخيرية المستقلة، وكانت لهم مدارسهم الخاصة التي يتم التدريس فيها بالإنجليزية. وقد بلغ إحساسهم بالتفوق أنهم كانوا لا يحسبون أعضاء بني إسرائيل ضمن النصاب اللازم لإقامة الصلاة في المعبد، كما لم يكن يُنادى على أيٍّ منهم لتلاوة التوراة. وحاولوا استبعادهم من استخدام الأسرَّة المخصصة لليهود في بعض المستشفيات، بل ومن العضوية في معبد رانجون. ولا يتزاوج اليهود البغدادية مع بني إسرائيل إلا في حالات نادرة. وقد بلغ تعداد اليهود البغدادية 6500 نسمة عام 1947، لكن هذا العدد تناقص بسبب الهجرة بحيث أصبح لا يزيد على الألف. ويبدو أنه لم يهاجر منهم سوى أعداد قليلة للغاية إلى إسرائيل، وربما يعود هذا إلى أن لديهم من رأس المال والخبرات ما يسمح لهم بالاستقرار في الغرب، تماماً كما استقرت النخبة الثرية والمثقفة من يهود المغرب العربي في فرنسا ولم تتجه إلى إسرائيل.
يهـــود القوقــــاز
The Jews of the Caucasus
تُعَدُّ القوقاز من أكثر المناطق تنوعاً من الناحية العرْقية. ويحيط بمنطقة القوقاز روسيا الأوربية شمالاً، والبحر الأسود غرباً، وتركيا وإيران جنوباً، وبحر قزوين شرقاً. وهي مقسَّمة إلى ثماني عشرة منطقة إدارية وهو ما يعكس ثراءها الحضاري. وقد احتفظت عناصر قومية كثيرة بهويتها المستقلة، وذلك بسبب عزلتها في الجبال والوديان. ويبلغ عدد سكان القوقاز اثنى عشر مليوناً تشمل ما لا يقل عن ثلاثين قومية أساسية. وقد انعكس هذا على الجماعات اليهودية، إذ توجد عدة جماعات يهودية في القوقاز منها يهود جورجيا الذين يختلفون عن يهود الجبال (أو يهود داغستان)، أو يهود بخارى، أو عن بقايا يهود الكرمشاكي.
ويبدو أن معظم يهود القوقاز جاءوا من إيران، إذ يظهر أثر ذلك في لهجاتهم الخاصة. والواقع أن أول إشارة وردت عنهم كانت في كتب الرحالة العرب. وبعد أن ضمت الحكومة الروسية القيصرية القوقاز، سمحت لهم بالاستمرار في حياتهم والتمتع بحقوقهم، باعتبار أنهم كانوا مزارعين مندمجين في مجتمعاتهم، لا جماعات هامشية غير منتجة مثل يهود اليديشية. وقد مُنع يهود اليديشية في بداية الأمر من الانتقال من منطقة الاستيطان إلى القوقاز. ولكن الحظر رُفع فيما بعد حتى بلغ عدد يهود القوقاز في عام 1897 نحو 56.773، منه 7.038 من يهود الجبال 6.034 من يهود جورجـيا والباقي من يهـود اليديشـية. وقد زاد عدد اليهود في القوقاز، فبلغ عددهم في عام 1959 نحو 125 ألفاً، منهم 35 ألفاً من يهود جورجيا و25 ألفاً من يهود الجبال. وقد انخفض عدد يهود القوقاز بسبب معدلات الاندماج المرتفعة وهجرة أعداد كبيرة من يهود جورجيا إلى إسرائيل. وقد بيَّن إحصاء عام 1989، وهو أول إحصاء قُسِّم يهود الاتحاد السوفيتي فيه إلى جماعات يهودية إثنية مختلفة، أن عددهم لا يتجاوز 72.691، منه 16.123 في جورجيا و20.000 من يهود الجبال و 36.568من يهود بخارى.

يهـود جورجيــا
Georgian Jews
«جورجيا» هي إحدى جمهوريات دول الكومنولث (الاتحاد السوفيتي سابقاً)، وتقع على الساحل الشرقي للبحر الأسود. ويعتقد يهود جورجيا أنهم من نسل قبائل يسرائيل العشر المفقودة التي هجَّرها شلمانصر. وهم يدعمون هذا بقولهم إنه لا يوجد بينهم كهنة. ومهما يكن الأمر، فإن جذورهم في جورجيا موغلة في القدم، وقد قامت علاقات ثقافية بينهم وبين يهود الخزر. وتوجد إشارات عديدة إليهم في الوثائق التاريخية، وقد تحوَّل بعضهم (بعد الغزو المغولي) إلى أقنان يعمل بعضهم بالزراعة والحرف (النسيج والصباغة) والتجارة. وكان الأقنان يعيشون في ضياع أسيادهم وقراهم بمعزل عن يهود العالم، الأمر الذي أدَّى إلى ضمور الهوية والانتماء الديني لديهم، وكان الأقنان يُقسَّمون إلى: أقنان الملك، وأقنان الإقطاعيين، وأقنان الكنيسة. ومع ضم جورجيا إلى روسيا عام 1801، تحوَّل أقنان الملك إلى أقنان الخزانة إذ كان عليهم دفع ضريبة للخزانة. وقد اعترفت الحكومة القيصرية بحقوق اليهود في جورجيا (على خلاف يهود اليديشية الذين كانوا خاضعين لبعض القيود). وألغيت القنانة في جورجيا في الفترة 1864 ـ 1871.

وبعد اندلاع الثورة البلشفية، قامت حركة قوية للاستقلال في جورجيا اشتركت فيها عناصر يهودية معادية للصهيونية (وتحالف معهم أعضاء جماعة حبد). وقد هاجم الجيش الأحمر جورجيا، وبدأت عملية دمج جورجيا في الدولة السوفيتية وهو ما تضمن دمج أعضاء الجماعة اليهودية. ولم تتدخل الحكومة في الشئون الدينية، ففُتحت المعابد اليهودية، بل وسمحت الحكومة بالنشاطات الصهيونية لبعض الوقت. ولكن، بعد أن تزايدت النشاطات المعادية للسوفييت، تغيَّر موقف السلطات السوفيتية. وفي منتصف العشرينيات، بذلت هذه السلطات جهداً مضاعفاً لعلمنة يهود جورجيا، ففتحت أبواب المصانع للعمال اليهود، كما فتحت لهم المزارع الجماعية اليهودية. ولكن، في منتصف الثلاثينيات، قررت السلطات السوفيتية أن تحطم ما تصورته الانغلاق الإثني لليهود في المزارع الجماعية، فأسست مزارع مختلطة (أممية) تضم يهوداً وأرمن. وقد فكرت السلطات السوفيتية في أن تُطوِّر ثقافة سوفيتية جورجية على نمط الثقافة السوفيتية اليديشية، لكن المحاولة توقفت بعد فترة قصيرة من البدء فيها. ويعمل يهود جورجيا أساساً بالتجارة كما يعمل كثيرون منهم بالمهن الحرة، فمنهم العلماء ومنهم المهندسون والمدرسون. ويوجد بينهم كذلك عمال مهرة.

والجو الحضاري في جورجيا تعددي متسامح. ولا يتَّسم تاريخ الجماعة اليهودية بظاهرة العزل أو الطرد أو المذابح، كما هو الحال مع يهود اليديشية في أواخر القرن التاسع عشر.
ولا تختلف أسماء يهود جورجيا عن أسماء جيرانهم المسيحيين، بل إن لهم العادات نفسها، ويرتدون الأزياء نفسها، ويتبعون أسلوب حياة واحد. وهم يشاركون جيرانهم المسيحيين أعيادهم فيحتفلون بالكريسماس معهم، في حين يشاركهم المسيحيون الاحتفال في عيد النصيب، ويرقصون معهم في عيد نزول التوراة.
ويبدو أن يهود جورجيا فقدوا، بمرور الزمن، علاقتهم باليهودية الحاخامية. ولذا، كان سكان المدن من المتمسكين بدينهم اليهودي يشيرون إليهم باسم «الكنعانيين». ولا يأكل يهود جورجيا لحم الخنزير، ولكنهم لا يحافظون على قوانين الطعام الأخرى. وهم يعرفون الذبح الشرعي ولا يمارسونه بصورة دائمة. وبشكل عام، يُلاحَظ أنهم لا يعرفون كثيراً من الشعائر اليهودية، وحينما يعرفونها فإنهم يتجاهلون معظمها. والفاصل الأساسي بينهم وبين جيرانهم من غير اليهود هو أنهم لا يتزاوجون معهم، ولكن يُلاحَظ أن نسبة الزواج المختلط بينهم آخذة في الزيادة منذ الستينيات.

ويتحدث معظم أعضاء الجماعة اليهودية في جورجيا اللغة الجورجية (91%) ويكتبونها بالحروف الجورجية (وهؤلاء هم اليهود الأصليون)، كما تتحدث أقلية من يهود جورجيا اليديشية والروسية. ولم تكن العلاقة جيدة دائماً بين يهود جورجيا ويهود اليديشية الذين هاجروا من منطقة الاستيطان في أواخر القرن التاسع عشر (باعتبارهم عنصراً روسياً) ليستوطنوا المناطق الآسيوية التي ضمتها الحكومة القيصرية (فهم جماعة وظيفية استيطانية). ورغم جو التسامح، وعدم وجود معاداة لليهود، ورغم معدل الاندماج العالي الذي حققه اليهود في جورجيا، فإنهم حين فُتحت أبواب الهجرة إلى إسرائيل هاجر منهم ما يساوي نصف عددهم الكلي. والسؤال الآن: إذا كان يهود جورجيا مندمجين ومتساوين في الحقوق مع غير اليهود، فلم هاجرت أعـداد كبيرة نسـبياً منهم إلى الدولة الصهيونية؟ وللإجابة عن هذا السؤال، لابد من العودة إلى حركيات المجتمع الجورجي حتى يتسنى لنا فهم العناصر التي أدَّت إلى الهجرة، عناصر الطرد من الاتحاد السوفيتي ثم عناصر الجذب إلى إسرائيل.

يستند المجتمع الجورجي إلى شبكة اتصالات واسعة. وهذه الشبكة هي مؤسسة وسيطة تشبه علاقاتها علاقات القرابة أو العلاقات القَبَلية، وهي تضم مجموعة من الأفراد يدخلون في عـلاقة متعيِّنة مبـاشـرة، فتزوِّد الشـبكة العـضو بالعون في لحظة حاجته، وبالطمأنينة في لحظات الأزمة، وتَشدُّ من أزره في كل الأحوال في مواجهة المجتمع ككل، وبالذات في مواجهة الدولة الحديثة (بكل تجريديتها) وفي مواجهة البيروقراطية السوفيتية التي تتَّسم أفعالها بمستوى عال من العقلانية وعدم الاكتراث بالعناصر الشخصية. وليس بإمكان عضو أن يوجد خارج هذه الشبكة التي يُعَدُّ اعتماده عليها مصدر عزته وكرامته، وعليه بالمقابل أن يقدم لها ما تريد. ويُلاحَظ أن اليهـود ينتظـمون في شبـكات اتصـال غير يهودية، كما أن هنـاك مـسيحيين ينتظمـون في شـبكات اتصـال يهودية. وفي هذا الإطار، يُعتبَر الولاء للدولة أمراً ثانوياً قياساً بالولاء إلى الجماعة/الشبكة المباشرة. ويُنظَر إلى كل من الدولة والشبكة باعتبارهما طرفين متعارضين. فالدولة السوفيتية هي الكيان المجرد البيروقراطي، والشبكة هي الجهاز المتعيّن المحلي الذي يستطيع الفرد التعامل معه بشكل إنساني ومباشر.

وهذه الشبكة الهائلة المتطورة، وهذا التمازج بين الفرد والأسرة، هما أساس القومية الجورجية، وهي قومية معادية للضغوط الخارجية التي تأتي عادةً من موسكو. ويتمثل رفض الحكومة المركزية فيما يُسمَّى «الاقتصاد الثاني»، وهو القطاع الحر غير الشرعي الذي تديره الشبكة بطبيعة الحال لصالح أعضائها، والذي يُعبِّر عن الهوية الجورجية القومية في وقوفها ضد تَدخُّل الدولة الحديثة ومحاولاتها في خلق اقتصاد موحَّد يُدار مركزياً. ويشارك يهود جورجيا هذا الإحساس القومي الجورجي الرافض للدولة الحديثة، والذي يتبدَّى في شكل الارتباط بالشبكة، أي أن هوية يهود جورجيا هي هوية جورجية قوية ذات أبعاد يهودية خاصة تلعب دوراً حاسماً في تشجيع الهجرة إلى إسرائيل. غير أن هذه الهجرة لم تتم لأسباب يهودية عامة وإنما بسبب حركيات المجتمع الجورجي. وتحتوي كل عملية هجرة على عنصر جذب إلى الوطن الجديد وعلى عنصر طرد من الوطن القديم.

ـ عنصر الجذب: عند نشوب حرب 1967، وقف السوفييت إلى جانب العرب ضد إسرائيل، الأمر الذي جعل الجورجيين (بعدائهم التقليدي للروس) يتعاطفون مع إسرائيل ضد العرب وحلفائهم الروس. وقد غذى هذا الشعور التراث الجورجي المحلي المعادي للإسلام. فتحوَّلت الدولة الصهيونية إلى ما يشبه المثل الأعلى: الدولة الصغيرة التي يمكنها الحفاظ على هويتها والوقوف ضد السوفييت. وكان هذا الإحساس الجورجي المحلي قوياً للغاية عند يهود جورجيا. ولعل هذا يمثل عنصر الجذب.

ـ عنصر الطرد: حكم مجافنادزة (السكرتير الأول للحزب الشيوعي الجورجي) جورجيا مدة تسعة عشر عاماً، وكان الفساد قد وصل في عهده إلى مستويات لم يسبق لها نظير، إذ يبدو أن الشبكة الجورجية نجحت في التسلل والاستيلاء على مؤسسات الحزب الشيوعي ذاتها هناك، وفي تسخيرها لصالح أعضاء الشبكة أو الشبكات، وبعد إقالته، عُيِّن مكانه شفارنادزة المشهور بنزاهته. ولذا، كان من المتوقع أن يقوم بمناهضة الاقتصاد الثاني الذي كان يرتبط به عدد كبير من اليهود بنسبة تفوق نسبة غير اليهود. وقد شكلت هذه التحولات الاقتصادية عنصر الطرد.
ويُلاحَظ أن كلاً من عنصري الجذب والطرد محليان تماماً، وأن اختلاف اليهود عن غير اليهود كان اختلافاً في الدرجة وحسب وليس في النوعية، إذ أن استجابتهم للأحداث كانت استجابة جورجية أساساً وذات بعد يهودي يزيد من حدة الاستجابة عندهم. وقد كانت درجة تعاطفهم مع الدولة الصهيونية بطبيعة الحال أعلى، كما أن درجة الضرر الذي لحق بهم نتيجة الإصلاحات الاقتصادية كانت أكبر كما بيَّنا. ويمكن أن نضيف هنا عناصر أخرى مساعدة، فعلى سبيل المثال رأى يهود جورجيا أن الدولة الصهيونية زاخرة بفرص العمل الحر (الاقتصاد الثاني) الأمر الذي كان يزيد ولا شك من عنصر الجذب. ومن هنا تأتي معاداة معظم المهاجرين من جورجيا للصهيونية العمالية التي تؤيد تَدخُّل الدولة في الاقتصاد. ومن العناصر المساعدة الأخرى، أن عناصر الشبكة التي انتقلت إلى إسـرائيل لعبـت دوراً أساسـياً في جـذب أعداد كبيرة من يهود جورجـيا. فالمهاجرون السـوفييت، كي يحــصلوا على تأشيرة هجــرة، كان علـيهم أن يحصلوا على دعوة من قريب لهم في الخارج. وقد حصل يهود جورجيا على أعلى نسبة من الدعوات وصلت إلى نحو 118%، حيث كان بعض اليهود يتلقون أكثر من دعوة. وحينما كان جزء من الشبكة اليهودية ينتقل إلى إسرائيل، كان بقية الأفراد الذين تخلفوا يجدون الحياة صعبة للغاية ولا معنى لها خارج نطاق الشبكة، فيهاجرون هم أيضاً ليلحقوا بإخوانهم.

وفيما يلي أعداد اليهود الذين هاجروا من جورجيا:

( السنة 1971 عدد المهاجرين 4300 ) ( السنة 1972 عدد المهاجرين 10900 ) ( السنة 1973 عدد المهاجرين 7750 ) ( السنة 1974 عدد المهاجرين 2700 )

ولم يزد عدد المهاجرين بعد ذلك التاريخ على ألف، مع أن السوفييت لم يتخذوا سياسة متشددة في منح تأشيرات الخروج إلا بعد عام 1979، أي أن الأعوام الخمسة التالية للفترة التي شهدت الهجرة اليهودية المكثفة من الاتحاد السوفيتي شهدت أيضاً تراجعاً بين يهود جورجيا. ويمكن تفسير ذلك مرة أخرى في ضوء حركيات الجذب والطرد الخاصة بالمجتمع الجورجي، فعنصر الجذب الأساسي، وهو حرب 1967، كان آخذاً في التضاؤل التدريجي، وفقد كثيراً من بريقه في حرب الاستنزاف، واختفى تقريباً بعد حرب 1973. أما عنصر الطرد، وهو التحولات الاقتصادية التي هَّزت الاقتصـاد الثاني، فيبـدو أنه بدأ يقل، إذ أن مخاوف الجورجيين، ومن بينهم اليهود، أخذت تهدأ قليلاً، وظهر أن الأمر لم يكـن مخيفاً كمـا توهموا في بداية الأمر، ومن هنا تناقصت الهجرة.

ويشكل يهود جورجيا في إسرائيل مشكلة كبيرة، فهم لا يشعرون بالسعادة هناك، كما أنهم يعانون من التفرقة العنصرية التي تُمارس ضدهم. وقد أصبحوا من أهم مصادر الجريمة المنظمة في الدولة الصهيونية وتخصصوا في تزييف النقود. وهاجرت أعداد منهم إلى الولايات المتحدة وشكَّلوا هناك بعض عصابات الجريمة المنظمة، والجريمة المنظمة هي أحد أشكال الاقتصاد الثاني.

وكان عدد يهود جورجيا 52 ألفاً عام 1959 (وجاء في إحصاء آخر أن عددهم كان 80 ألفاً من الناحية الفعلية)، وانخفض إلى 43 ألفاً عام 1970. أما إحصاء عام 1989، الذي يتميَّز بأنه يُقسِّم يهود الاتحاد السوفيتي إلى جماعات يهودية إثنية مختلفة، فيذكر أن عدد يهـود جورجيا 16.123يعيش أغلبهم في تفليس عاصمة الجمهورية. ولا يزال الجو العام في جورجيا تعددياً، وإن كانت الوظائف الإستراتيجية تُحْجَب عن اليهود لأنهم سيهاجرون إلى إسرائيل. وقد أخذت معدلات الاندماج والعلمنة في التزايد، وبدأ اليهود يصطبغون بالصبغة الروسية لا الجورجية. وإذا أضفنا إلى ذلك هجرة اليهود المتدينين، فليس من المستبعد أن يختفي يهود جورجيا في المستقبل. وقد أصبحت جورجيا جمهورية مستقلة، وهو ما يعني أن الإطار الذي يتحرك فيه أعضاء الجماعة اليهودية قد تغيَّر بشكل جوهري.

يهــود بخــارى
Bukhara Jews
«بخارى» إمارة إسلامية تركية ضمتها الإمبراطورية الروسية في القرن التاسع عشر. وتقع بخارى الآن ضمن جمهورية أزبكستان. وتعود جذور يهود بخارى إلى عصور قديمة، فتقول أساطيرهم إنهم منحدرون من أسباط يسرائيل العشرة المفقودة. وهم مندمجون في الوسط الحضاري الذي يعيشون فيه، ويتحدثون اللغة الطاجيكية، وهي لهجة فارسية. وقد كان يهود بخارى وأفغانستان ووسط آسيا يُشكِّلون وحدة ثقافية واحدة، ثم انقسمت هذه الجماعة في القرن السادس عشر، مع بداية الحكم الشيعي في إيران، إلى يهود إيران ويهود وسط آسيا ويهود أفغانستان الذين ظلوا تحت الحكم السني. ثم انقســمت الجمــاعة الأخيرة، في القرن الثامن عشر، وتفرَّع عنها يهـود بخــارى ويهود أفغانستــان. ويبلــغ عددهم، حسب إحصاء 1959، ثمـانية وعشـرين ألفاً يعيش ثلاثة وعشرون ألفــاً منهم في أزبكستان، في سمـرقنـد وبخــارى، والباقــون في طاجيـكستان. أما إحصاء 1989، فيحدد العدد بنحو 36.568 ألفاً. وإن صدقت هذه الأرقام، تكون الجماعة اليهودية في بخارى هي الجماعـة الوحيـدة في كومنولث الدول المستقلة التي زاد عدد أعضائها.

وكان يهود بخارى يعملون بالتجارة والصباغة عشية الثورة وازدهر حالهم بعد ضم الإمارات الإسلامية إلى الإمبراطورية نظراً لفتح الأسواق أمامهم. ولكن، مع قيام الثورة الاشتراكية، تدهور وضع التجارة عامة، وبدأت الحكومة السوفيتية في إنشاء مزارع جماعية لهم، لكن التجربة فشلت.

ويبدو أنهم فقدوا، في مرحلة من المراحل، علاقتهم باليهودية الحاخامية ونسوا شريعة موسى. ولذا، فإنهم كانوا لا يمارسون الذبح الشرعي بل ويأكلون اللحوم التي يذبحها المسلمون. وكانت زوجاتهم يلبسن الحجاب مثل نساء المسلمين. كما كانوا يمضغون الطباق ويدخنون النرجيلة.

ويظهر الأثر الإسلامي أيضاً على المعبد اليهودي الذي يشبه المسجد ويغطيه السجاد الفاخر. ويصلي فيه اليهود جالسين القرفصاء. وهـم يُنادون بعضـهم البعض بالاسـم الأخير مع إضـافة لفظـة «أخ» أو «عم»، كما يُنادَى العلماء بلفظ «ملاّه». أما رجال الدين، فيسمونهم «الحاخامات» وليس «الرابي» كما هو الحال في الغرب. وتشبه مدارسهم الدينية الكتاتيب.

يهـود الجبــال (يهـود التـات، يهـود داغسـتان)
(Mountain Jews )Tat Jews; Daghestan Jews
«يهود الجبال» جماعة يهودية لها خصوصياتها الإثنية واللغوية، يعيش أعضاؤها في مقاطعة داغستان السوفيتية وأذربيجان (ومن هنا يشار إليهم بلفظ «يهود داغستان») كما يُشار إليهم كذلك باسم «يهود التات». ويُسمِّي يهود الجبال أنفسهم «جوهور». ولكن مصطلح «يهود الجبال» ذاته هو مصطلح روسي صكته السلطات الروسية القيصرية في منتصف القرن التاسع عشر بعد ضم المنطقة إليها.

وتشير الدلائل اللغوية والتاريخية إلى الأصول الإيرانية ليهود الجبال، فلهجتهم من أصول إيرانية شمالية دخلت عليها كلمات تركية وعبرية. وقد تكوَّنت الجماعة نتيجة هجرة اليهود المستمرة من شمال إيران (وربما من الإمبراطورية البيزنطية) لأذربيجان حيث استوطنوا بين متحدثي لغة التات التي أصبحت لغتهم. وقد بدأت هذه العملية في منتصف القرن السابع الميلادي مع الفتح الإسلامي للمنطقة، واستمرت حتى غزاها المغول في القرن الثالث عشر. وفي هذه الفترة، اتصل يهود الجبال بيهود الخزر. وقد انقطعت الصلة بعد ذلك بين يهود الجبال وبقية يهود العالم حتى بداية القرن التاسع عشر تقريباً.

وليهود الجبال عادات وقيم قَبَلية، فهم يمجدون الشجاعة، ويدافعون عن شرفهم مستخدمين السيف، ويأخذون بالثأر، وتنتشر بينهم الخرافات، ويعيشون في بيوت طينية منخفضة تعلَّق على حوائطها أسلحتهم المصقولة، وهو ما يدل على اندماجهم في الحضارة القوقازية الإسلامية في هذه المنطقة. وهم يتَّسمون بأسماء توراتية بعد إضافة النهاية الروسية «أوف»، فيصبح «بنيامين» مثلاً «بنيامينوف». وتشبه معابدهم المساجد من الخارج، وكانت تُستخدَم كمدرسة دينية على طريقة المسلمين حيث يجلس الأطفال على الأرض ويحفظون التوراة على يد الحاخام. وهم يحتفلون بالأعياد اليهودية، وخصوصاً عيد النصيب وعيد الفصح، وإن كانت الطقوس الخاصة بعيد الفصح مختلفة عن تلك المعروفة بين اليهود. كما أن طقوس الزواج عندهم مختلفة عن تلك الطقوس المعروفة لدى يهود أوربا، إذ يدفع الزوج ما يُسمَّى «الكالين» أو «الفدية». وهم يقسمون بالنار ويشعلون النار بجوار المرضى، الأمر الذي يشير إلى أصولهم الإيرانية. والوحدة الاجتماعية الأساسية هي الأسرة الممتدة، والتي تضم ثلاثة أو أربعة أجيال ويبلغ عددها نحو سبعين عضواً. وكان يهود الجبال يمارسون تعدد الزوجات. ويشكل كل سبع أو ثماني أسر قرية يهودية.

وقد تدهورت أحوال الجماعة اليهودية بتدهور المنطقة ككل نتيجة تحولها إلى ساحة صراع بين كلٍّ من روسيا وتركيا وإيران إلى جانب الصراع بين عدد من الحكام المحليين. وقد نجحت روسيا في نهاية الأمر في ضمها عام 1813. وقد طلب يهود الجبال من السلطات القيصرية أن تضعهم تحت حمايتها. كما حدثت تحولات عميقة للجماعة اليهودية بعد ضم القوقاز لروسيا، فانتقلت أعداد كبيرة من اليهود من المناطق الجبلية إلى المدن حتى أنه كان هناك في منتصف القرن التاسع عشر نحو 41% من أعضاء الجماعة في المدن، ولكن، مع هذا، ظل حوالي 58% منهم في القطاع الزراعي، بل إن سكان المدن من اليهود كانوا يعملون في صناعات مرتبطة بالمحاصيل الزراعية مثل تقطير الكحول. وكان أثرياء يهود الجبال من أصحاب شركات تقطير الخمور وبيعها، كما أن إحدى العائلات كانت تمتلك أهم شركة صيد في داغستان، وكان الكثيرون من أعضاء الجماعة يقومون بزراعة نبات الروبيا Rubia وهو نبات كانت تُستخلص من جذوره صبغة حمراء، كما كانوا يشتغلون بدباغة الجلود وبصيد بعض الحيوانات لاستخدام جلودها. وقد أصبح كثير من أعضاء الجماعة اليهودية عمال صيد أو عمالاً أجراء وانتقلوا إلى باكو ودربنت بعد أن تصاعدت معدلات التصنيع والتحديث في روسيا القيصرية، وهو ما جعل الصناعات اليدوية غير قادرة على الاستمرار، كما عمل كثيرون منهم تجاراً صغاراً.

وبعد الثورة البلشفية،تغيَّر وضع يهود الجبال بشكل أعمق. وكما طلب يهود داغستان من السلطات القيصرية من قبل وضعهم تحت الحماية،فإنهم تحالفوا تماماً مع السلطات السوفيتية ضد غالبية السكان.ولذا،فحينما قامت حركة انفصالية ضد السوفييت،كان 70% من الحرس الأحمر في المنطقة من يهود داغستان.وكانت الأعمال الأدبية التي كتبها أدباء من يهود الجبال تتبنى خط الحزب بشكل كامل. وقد جلب كل هذا على أعضاء الجماعة اليهودية كره الجماهير.

وقد أدَّت حركة التصنيع في الاتحاد السوفيتي، والخطط الخمسية المتتالية، إلى فك التضامن القبلي بين يهود داغستان، فتركوا الجبال وبدأوا يعملون بالمصانع. ومع هذا، فإن أصولهم القبلية وترابطهم العائلي يساعدانهم على الاحتفاظ بقسط كبير من خصوصيتهم الجبلية.

وحسب إحصاءي 1959 و1970، كان عدد يهود الجبال يبلغ ما بين 50 ألفاً و70 ألفاً (وهو في تصورنا عدد مبالغ فيه). وقد هاجر حوالي 12 ألفاً في الفترة بين عام 1974 ومنتصف الثمانينيات إلى إسرائيل، وبحسب إحصاء عام 1989 (وهو أول إحصاء يُقسِّم يهود الاتحاد السوفيتي إلى جماعات إثنية مختلفة)، يبلغ عددهم حوالي 20 ألفاً، ولعل انخفاض العدد بهذا الشكل الملحوظ يرجع إلى استبعاد يهود اليديشية المقيمين في داغستان. وأهم مراكزهم السكانية باكو عاصمة أذربيجان. أما في داغستان، فإن معظمهم يعيشون في دربنت وفي عاصمة الجمهورية.

يهـود الخَـزَر
Khazar Jews
«الخَزَر» قبيلة من أصل تركي عاشت في منخفض الفولجا جنوب روسيا وكوَّنت مملكة كان حكامها وبعض سكانها يدينون بعبادات وثنية ولكنهم تحولوا إلى اليهودية. ويُنطق الاسم أحياناً «خازارا» كما هو الحال في العربية. ولكن ثمة دلائل على أن هناك طرائق أخرى للنطق، فهو بالعبرية «كوزاي» وبالصينية «كوزا». وربما يعود الاسم إلى الكلمة التركية «قزمق» بمعنى «يتجول أو ينتقل كالبدو» (المشتق منها كلمة «قوزاق») أو ربما يعود إلى كلمة «قوز» أو «جاز» بمعنى «جانب الجبل المتجه إلى الشمال»، وقد يُفسِّرهذا الاشتقاق الأخير النطق العبري (كوزاري).

وقد وصل الخَزَر إلى منطقة الفولجا والقوقاز من أقصى الشرق في تاريخ غير معروف، وإن كان آرثر كوستلر يذكر نقلاً عن برسكس، رسول الإمبراطور البيزنطي لقبائل اليهود في القرن السادس الميلادي، أن الخَزَر ظهروا على المسرح الأوربي حوالي منتصف القرن الخامس الميلادي باعتبارهم شعباً خاضعاً لسيادة قبائل الهون. ويمكن أن يُعتبروا هم والمجر وغيرهم من القبائل نسل قبيلة أتيلا زعيم البرابرة الشهير. وتُطلق التواريخ الروسية المعاصرة على الخَزَر مصطلح «الأوجاريين البيض»، مقابل «الأوجاريين السود»،وهم الهنغار أو المجريون. وقد أدى موت أتيلا إلى ظهور فراغ كبير وهو ما يسر عملية ظهور الخزر باعتبارهم قوة فى المنطقة التى شغلوها، فقاموا بصهر واستيعاب وقهر بعض القبائل التركية الأخرى، ثم هزموا البلغار فى نهاية الأمر واضطروهم إلى الهجرة.

ولكن، قبل استقلال الخزر الكامل فى المملكة، كان الخزر يشكلون جزءاً مما كان يسمى الإمبراطورية التركية الغربية أو المملكة التركية أو جزء من أتراك التركستان، وكانوا يشكلون اتحاد قبائل تخضع لحاكم واحد هو الخاقان، أو الكاجان. ويقال إن الخزر ساروا مع سنجيبو، أول خاقانات الأتراك الغربيين، ضد إحدى القلاع الساسانية الفارسية. وقد استمرت المملكة التركية مدة قرن (550 - 650)، وأصبحت كلمة "تركي" بعد ذلك تشير إلى الأتراك وحسب دون الشعوب التركية الأخرى.

كانت المملكة الخزرية تقع على المعبر الحيوي الواقع بين البحر الأسود وبحر قزوين، بين القوتين الشرقيتين العظميين فى ذلك الوقت: الدولتين الإسلامية والبيزنطية (دولة الروم). وقد أصبحت تمثل عازلة حدودية تحمى بيزنطة من الغارات الهمجية التى تشنها قبائل الإستبس الشمالية مثل البلغار والمجر، كما أنها أوقفت التقدم الإسلامى. فقد قامت بين الجزر والعرب عدة حروب كانت أولها بين عامى 642 و 652 حينما أصدر الخليفة عمر (رضى الله عنه) أمره للقوات الإسلامية بالهجوم على عاصمتهم بالانجار، ولكن المسلمين لم ينجحوا فى مهمتهم واستشهد قائدهم عام 653. وقامت الحرب الثانية بين عامى 722 و 737 وانتهت بهزيمة الخزر على يد مروان بن محمد (مروان الثانى) وأسلم بعدها خاقان الخزر، ولكنه عاد وتحول إلى ديانته الأصلية. ويقول المسعودى إن الخزر قد نقلوا عاصمتهم (تحت ضغط الهجمات العربية) إلى أتل، عند مصب نهر الفولجا، بعد عام 737. ويبدو أنهم خلال الفترة بين اتخاذهم كلاً من بالانجار وأتل عاصمة لهم، كانت لهم عاصمة ثالثة هى سمندر.

ومما يجدر ذكره أن كتب الرحالة والمؤرخين العرب القدامى (مثل: ابن فضلان، والأصطخرى، وابن حوقل، والمسعودى، وابن سعيد المغربى، والبلخى، واليعقوبى، وابن رسته، والمقدسى، وابن النديم، والطبرى، وابن مسكوبه، والبيرونى، وياقوت) لا تزال من أهم المصادر عن الخزر، سواء فيما يتعلق بتاريخهم أو عاداتهم. ومع أنه توجد مصادر أخرى بيزنطية وروسية، فإن كتب الرحالة العرب لا تزال المصدر الأساسى. ومن المفارقات التى يجب أن تسبب لنا، نحن عرب القرن العشرين، الإحساس بالحرج أننا لم نستفد بهذه الدراسات وإنما استفدنا بدراسات كتاب غربيين معظمهم من اليهود مثل آرثر كوستلر فى كتابه دولة الخزر وميراثها (القبيلة الثالثة عشرة) (والذى استفدنا منه كثيراً فى هذا المدخل). وكتاب العالم اليهودى دنلوب، والموسوعات اليهودية المختلفة، فى حين استمد هؤلاء الكتاب معلوماتهم من المصادر العربية بالدرجة الأولى.

ورغم انتصارهم، لم يتمكن العرب من القضاء على مملكة الخزر، بسبب المشاكل الداخلية للخلافة الأموية، ولعل هذا هو الذى أنقذ الخزر فى نهاية الأمر. وتشهد فترة الحرب الثانية قيام تحالفات مع الإمبراطورية البيزنطية ربما للرد على الهجوم الإسلامى. وقد زوج الإمبراطور البيزنطى ابنه من أميرة خزرية عام 732، وكانت ثمرة هذا الزواج الإمبراطور ليو الخزرى (775 – 780).

ولا يعرف أحد بالضبط مدى اتساع مملكة الخزر (خزارياً)، فيجعلها بعض المؤرخين مملكة صغيرة على الفولجا والدون، فى حين يرى البعض الآخر أنها كانت فى قمة اتساعها وتطورها، فى منتصف القرن الثامن حيث شكلت مملكة مترامية الأطراف تمتد حدودها بين سواحل البحر الأسود الشمالية، ونهر الدنيبر فى الغرب، وبحر قزوين ونهر الفولجا فى الشرق، حتى حدودها الجنوبية وجبال القوقاز فى الجنوب. كما اتجه الخزر شمالاً. ويقال إن حدود المملكة وصلت إلى كييف، لكن القرائن على ذلك ضعيفة. ويقول آرثر كوستلر إن الخزر، فى ذروة قوتهم، فرضوا الجزية على ما يزيد على ثلاثين عشيرة وقبيلة مختلفة تقطن المساحات الشاسعة فيما بين القوقاز وجبال الأورال ومدينة كييف والإستبس الأوكرانية. ومن بين الشعوب الواقعة تحت سلطان الخزر: البلغار (بلغار الفولجا)، والغز، والمجريون (الهنغار)، وسكان المستعمرات الجرمانية واليونانية فى القرم، وبعض القبائل السلافية. وكانت الجيوش الخزرية تشن غاراتها أيضاً جنوب المناطق الواقعة وراء مناطق سيادتها المترامية، جورجيا وأرمينيا، وتغلغلت فى الأراضى العربية حتى شارفت الموصل. ولم يكن للخزر، حتى القرن التاسع، أى منافس لسيادتهم فى المناطق الواقعة شمال البحر الأسود وما يلحقها من مناطق الإستبس والغابات على نهر الدنيبر. وقد ظلوا القوة العظمى فى النصف الجنوبى من أوروبا الشرقية مدة قرن ونصف قرن، وكانوا حاجز حماية منيع يسد ممر الأورال وقزوين فيما بين آسيا وأوروبا. وقد صدوا طوال هذه الفترة غارات القبائل البدوية الزاحفة من الشرق. وقد بدأ تدهور الخزر فى القرن العاشر بسبب تزايد قوة قبائل البيشنج فى الشمال والغرب والروس فى إمارة كييف.

وبرغم تدهورها وضعف نفوذها، احتفظت مملكة الخزر باستقلالها حتى القرن العاشر، حين قام حاكم كييف (الأمير سفياتوسلاف) بالهجوم على أتل عام 965 وتحطيم قوتها وتدمير عاصمتها وكذلك قلعة سمندر وساكريل على نهر الدون. ولكن هذا لا يعنى أن الخزر قد أبيدوا، وإنما يعنى تناقص قوتهم وانكماش نفوذهم، إذ أن ذكرهم يأتى فى المدونات المختلفة حتى القرن الثانى عشر. ويمكن القول بأن الإمبراطورية الخزرية تهاوت تماماً باعتناق الأمير الروسى فلاديمير الديانة المسيحية، فقد أدى هذا إلى ظهور تحالف مسيحى يضم بيزنطة فى الغرب وروسيا فى الشمال، وهذا ما جعل مملكة الخزر اليهودية دون قيمة إستراتيجية كدولة عازلة، وسقطت تماماً فى نهاية الأمر تحت هجمات الروس أواخر القرن العاشر وأوائل القرن الحادى عشر. ويقال إن خاقان الخزر اعتنق الإسلام فى تلك الفترة لعقد تحالف مع المسلمين. وقضى الغزو التترى على ما تبقى من الخزر فى وادى الفولجا عام 1247 حين اختفوا تماماً كجماعة مستقلة. ويلاحظ أن دولة الخزر تقع فى المنطقة التى تلتقى فيها عدة إمبراطوريات ولم تحقق الازدهار إلا بسبب الفراغ الموجود فى تلك المنطقة. وهى فى هذا، تشبه، فى كثير من الوجوه، الدولة العبرانية المتحدة (فى الماضى)، والدولة الصهيونية (فى العصر الحديث).

وحضارة الخزر آسيوية قبلية بدائية احتفظت بكثير من الطقوس البدائية حتى بعد أن أحرزت قدراً لا بأس به من التقدم. وقد عرف الخزر نظام الملكية المزدوجة المعروف بين القبائل التركية وبعض الشعوب الآسيوية إذ كان يحكمهم الخاقان أو الكاجان الأكبر الذى لم يكن يظهر إلا مرة واحدة كل أربعة أشهر ولا يتحدث إلا إلى نفر محدود من الناس. وكان الخاقان موضع تبجيل كبير، ويجرى تتويجه فى احتفال مهيب للغاية. وقد كان دائماً من سلالة ملكية، وكان المنصب يورث فى العائلة نفسها، حتى لو كان الوريث شخصاً عادياً فقيراً كما يلاحظ الرحالة العرب. وكانت سلطة الخاقان مطلقة حتى أنه لو طلب إلى أحد أن يقتل نفسه لفعل. ولكن الخاقان كان فى نهاية الأمر مبعداً معزولاً إذ كان نائبه، كاجان بك أو البك وحسب، هو الذى يصرف شئون الدولة شاملة إعداد الجيوش وقيادتها، وهو الذى يظهر للعامة ويقودهم فى الحروب، وهو الذى كان يمتلك كل القوى ذات التأثير. ورغم أن البك كان يدين بالطاعة لحضرة الخاقان الأكبر ويأتيه كل يوم فى إذعان وخضوع، فإنه هو الذى كان يعينه كما يذكر الأصطخري، أو ربما كان مؤثراً فى اختياره. وربما كان التقسيم للسلطة بين الخاقان والبك تقسيماً للسلطتين الدينية والدنيوية. فالخاقان الأكبر صاحب السلطة الروحية المطلقة، والبك صاحب السلطة الدنيوية الفعلية. وهذه العلاقة تشبه إلى حد كبير علاقة الإمبراطور (أو الميكادو) بالحاكم العسكرى (الشوجن) فى اليابان، فالأول هو صاحب السلطة المطلقة الذى يخضع له الشوجن، ولكن هذا الأخير هو الذى يقدر على الحل والربط. وقد عقدت مقارنة طريفة بين نظام الحكم لدى الخزر ولعبة الشطرنج، الملكية المزدوجة، تمثل على رقعة الشطرنج بالملك (الكاجان) والوزير (البك) حيث يظل الملك فى عزلة يحميه أتباعه ضعيف الحلول لا يجد حراكاً لأكثر من خطوة قصيرة واحدة فى كل مرة. أما الوزير فهو على النقيض من ذلك، له الوجود الأقوى على الرقعة التى يسيطر عليها. وبرغم ذلك، فإن من المحتمل أن "يموت" الوزير وتظل اللعبة قائمة فى حين يكون "موت" الملك الكارثة العظمى التى تنهى اللعبة. وإن أردنا استخدام المصطلح الذى نستخدمه فى هذه الموسوعة لقلنا إن الملك هو اللوجوس أو المطلق، وإنه ركيزة النسق النهاية أو المرجعية التى لا مرجعية بعدها.

وكانت التجارة المصدر المالى الأساسى لمملكة الخزر حيث كانت متحكمة فى الطرق التجارية الموصلة بين الشرق الأقصى والإمبراطورية البيزنطية، وكذلك فى الطرق الموصلة بين العرب والبلاد السلافية. وقد كانت تفرض الضرائب على البضائع التى تمر فيها. كما كان الحرج من الدول الخاضعة لها مصدراً للريع.

وكانت ديانة الخزر فى المراحل الأولى شامانية بدائية يهيمن عليها الشامان (الكاهن/الساحر/الطبيب) الذى يدعى المقدرة على شفاء المرضى والسيطرة على الأرواح الشريرة ويدعى معرفة الغيب. ويبدو أن الخزر أحرزوا قسطاً كبيراً من التحضر قبل تهودهم وبعده، فقد تركوا خيامهم وبنوا البيوت من الحجر المحروق. وكان للمسلمين مساجد متعددة فى مملكتهم، منها مسجد كانت مئذنته ترتفع إلى ما يفوق ارتفاع القلعة الملكية. كما أنهم مارسوا الزراعة، واتسع نطاق تجارتهم الدولية. وقد ازدهرت أيضاً الفنون والحرف، ومنها صناعة الأزياء النسائية وصناعة الفضة. أما نمط الفن الخزرى، فقد كان متأثراً بالفن الفارسى. وقد تطور نظامهم القضائى أيضاً بحيث كان فى عاصمة الخزر سبعة قضاة، اثنان منهم للمسلمين واثنان لليهود واثنان للمسيحيين وواحد للوثنيين.

وكما أسلفنا الذكر، بلغت مملكة الخزر أوج عظمتها وقوتها بين القرنين الثامن والعاشر. وأثناء هذه الفترة، اعتنق ملكها بولان (786 - 809)، ومعه أربعة آلاف من النبلاء، الديانة اليهودية وجعلها الديانة الرسمية، وهو ما يؤكده المسعودى حين يشير إلى أنهم تهودوا فى عهد هارون الرشيد. ويبدو أنهم عرفوا اليهودية من خلال عشرات من المهاجرين اليهود الذين فروا من اضطهاد الإمبراطورية البيزنطية بخاصة فى عهد هرقل (فى القرن السابع الميلادى). وقد كتب أحد يهود الأندلس (حسداى ابن شبروط)، حين عرف بقيام هذه المملكة، إلى يوسف ملك الخزر، فيما يعرف باسم "المراسلات الخزرية"، يسأله عن القبيلة العبرية التى ينتمى إليها وعن أمور أخرى. وقد أكد له الملك أن أصل الخزر تركى وليس سامياً، ولا علاقة له بأسباط إسرائيل العشرة المفقودة ولا بفلسطين. وفى رده على ابن شبروط، يذكر الملك يوسف كيف اعتنق بولان اليهودية، فيقول إنه بعث فى طلب زعماء الديانات السماوية وأقام بينهم حواراً ليشرح كل منهم دينه ويناقش الأديان الأخرى، وقد اقتنع الملك بعد هذه المناقشة بالدين اليهودى. وقد تخيل الشاعر الأندلسى اليهودى يهودا اللاوى هذا الحوار الفلسفى ورواه فى كتاب له عن هذا الموضوع. وقام أحد أحفاد بولان بإصلاح دينى، فترجم العهد القديم والتلمود (ربما بضعة أجزاء منه نظراً لضخامته). ويقول كوستلر إن يهودية بولان كانت قرائية تؤمن بالعهد القديم دون التلمود، ثم تطورت إلى يهودية حاخامية. وقد ظهر مذهب القرائين فى القرن الثامن فى العراق، وكان للقرائين حركة تبشيرية قوية. ومن المعروف أن القرائية ظلت فى بلاد الخزر قائمة بشكل واضح حتى النهاية، ولا تزال قرى اليهود القرائين الناطقين بالتركية قائمة حتى الآن فى روسيا. ولم تكن يهودية الخزر كاملة، بل احتفظوا بكثير من العادات الشامانية من تراثهم التركى البدائى. فكانوا، على سبيل المثال، يقتلون الملك عادة بعد أن يحكم أربعين عاماً، وهذا دليل على استمرار عبادات الخصب حتى بعد اعتناقهم اليهودية، كما أنهم كانوا يقتلون من يتولون حفر قبر الخاقان الأكبر (ولعل هذا يفسر عدم اكتراث يهود العراق بهم، فلم يكونوا من وجهة نظر المؤسسة الدينية يهوداً خلصاً). وقد رد يوسف ملك الخزر على سؤال ابن شبروط عن آخر الأيام رداً ميهماً للغاية. وليس من المعروف إن كان أعضاء قبائل الخزر كلهم قد تهودوا، أم أن الأمر ظل مقصوراً على الملك والنبلاء وأقلية من الشعب.

وقد حاول المؤرخون تفسير ظاهرة تهود الخزر، فيقال إنهم تهودوا لأسباب سياسية حيث كانوا واقعين بين الإمبراطوريتين البيزنطية والإسلامية، وكانت الإمبراطورية الروسية حينذاك فراغاً. ولكى يحتفظوا باستقلالهم، تبنوا عقيدة دينية مختلفة عن عقيدة القوتين العظميين. ويقال أيضاً إن التهود كان لأسباب اقتصادية إذ أن الخزر كانوا قد بدأوا فى احتراف التجارة وكان على من يوّد ممارسة هذه المهنة فى هذه المناطق وغيرها أن يتهود حتى يستفيد من شبكة الاتصالات اليهودية فى العصور الوسطى، والتى كانت تعتبر نظام ائتمان دولي. وقد أصبح بوسع الخزر، بتهودهم، أن يلعبوا دور الوسيط أو الدولة الوظيفية الوسيطة بين القوتين العظميين، إذ كان لكل منهما قوانينها وشرائعها، ولم تكن توجد بينهما قنوات اتصال ولا يمكن لتجار كل طرف أن يعبروا إلى أرض الطرف الآخر إلا بصعوبة. ولذا، كان من الضرورى ظهور طرف ثالث هامشى محايد، مثل الجماعة الوظيفية الوسيطة، ليقوم بالنشاط التجارى بينهما. ويقال إن النخبة الحاكمة الخزرية قد تبنت ديانة سماوية توحيدية مثل اليهودية، وذلك حتى تضفى على نفسها هيبة ووقاراً، وتوجد مسافة بينها وبين العبادات الشامانية البدائية السائدة، وتربط بينها وبين النخب الحاكمة فى العالمين الإسلامى والمسيحى.

ويرى بعض المؤرخين، ومن بينهم العالم الإسرائيلى إ. ن. بولياك أستاذ التاريخ اليهودى الوسيط فى جامعة تل أبيب، وكذلك علماء الأجناس، أن يهود شرق أوروبا الإشكناز ليسوا من نسل يهود فلسطين وإنما من نسل الخزر الذين استوطنوا هناك بعد تشرذمهم. وقد وصفهم الجغرافيون العرب بأنهم ذوو بشرة بيضاء وعيون زرقاء وشعر غزير ضارب للحمرة. ومن هنا، فإن مقولة أن يهود أوروبا الإشكناز من أصل خزرى تركي ليست مقولة فكرية محضة ذات مقدرة تفسيرية عالية تستند إلى العقل والمنطق وحسب، وإنما هى مقولة تستند أيضاً إلى المعطيات التاريخية المحسوسة. ومن أهم ما كتب فى هذا الموضوع كتاب المؤلف الإنجليزى المجرى الأصل، اليهودى العقيدة، آرثر كوستلر، والذى أسلفنا الإشارة إليه، حيث يبرهن فيه على المقولة الخاصة بهجرة يهود الخزر إلى شرق أوروبا،بالإشارة إلى العلاقة الوثيقة بين الخزر والمجر وكيف أسهم خاقان الخزر فى تأسيس دولة المجر بأن عين لقبائل المجر ملكاً يخضع لسلطانه. وقد ظلت العلاقات قوية بين الشعبين إلى أن طرد المجريون من بلادهم عام 896 وعبروا سلسلة جبال الكربات وانتزعوا المنطقة التى أصبحت موطنهم الحالى. ويبين كوستلر كيف انضمت إلى المجريين فى هجرتهم إلى هنغاريا قبائل خزرية معروفة باسم "الكابار"، وقادتهم إلى موطنهم الجديد. وقد استمرت العلاقة الوثيقة بين المجر والخزر حتى استقرار المجموعات الخزرية المجرية فى الوطن الجديد. وقد دعا دوق تاكسونى المجرى عدداً غير معلوم من الخزر ليستوطنوا بلاده، ولاشك فى أن نسبة كبيرة منهم كانت من اليهود. بل ويرى كوستلر أن تدفق اليهود لم يكن على المجر وحسب بسبب العلاقات المجرية الخزرية كما أنه لا يمثل حالة خاصة، فهذه الهجرة كانت جزءاً من هجرة أكبر وهى الهجرة الجماعية الشمالية من الإستبس الأوراسية تجاه الغرب، أى تجاه أوروبا الوسطى والشرقية. ولذلك، فهو يتحدث عن "الشتات الخزرى" أى انتشار اليهود من بلاد الخزر إلى أرجاء أوروبا، مقابل "الشتات" وحسب، أى انتشار اليهود من فلسطين.

ويلاحظ كوستلر أن اختفاء الشعب الخزرى من موطنه التاريخى قد صاحبه الظهور المعاصر لأكبر تجمع يهودى فى الشمال الغربى من أوروبا. ولهذا، اتفق المؤرخون على أن الهجرة من خزاريا قد أسهمت بالتأكيد فى نمو الجماعات اليهودية البولندية. ولكن يظل هناك سؤال يتصل بحجم هذا الإسهام؟ وما إذا كان اليهود الخزر قد كونوا مجرد نواة للجماعة اليهودية وحسب، أم أنهم لم يكونوا مجرد نواة؟

وهنا يستعرض كوستلر تاريخ يهود أوروبا فيبين ضآلة عددهم، ثم يستعرض تاريخ طرد اليهود من بلد أوروبى إلى آخر، ويشير إلى أن يهود حوض الراين (حتى القرن الحادى عشر) كانوا ضئيلى الأهمية قليلى العدد، وقد تعرضت هذه الجماعات للإبادة وتناقصت أعدادها أثناء حروب الفرنجة. أما أعضاء الجماعات اليهودية التى كان يتم تدميرها تماماً، فقد كانوا يتركون مكان إقامتهم بعض الوقت ثم يعودون إليه، أى أنهم لم يكونوا يهاجرون منها. وقد ظهر الطاعون أو الموت الأسود الذى تفشى فى الفترة 1347 - 1350 وقضى على ثلث سكان أوروبا. لكل هذا، يرى كوستلر أن فكرة هجرة يهود غرب أوروبا إلى شرقها يتعذر إثباتها تاريخياً، بل إنها مجرد خرافية، أو افتراض خلقه المؤرخون، وكان عليهم اختلافه لتفسير ظاهرة ازدياد عدد يهود أوروبا الشرقية فى القرن الخامس عشر، خصوصاً فى بولندا، زيادة مفاجئة وهائلة، حتى أن معظم يهود أوروبا كانوا فى القرن السادس عشر يقيمون فى بولندا. واستمر هذا الوضع قائماً، فنجد أن معظم يهود أوروبا كانوا فى القرن السادس عشر يقيمون فى بولندا. واستمر هذا الوضع قائماً، فنجد أن معظم يهود العالم (مع بداية القرن التاسع عشر) موجودون فى بولندا بحيث يمكن القول بأن يهود العالم الحديث من أصل بولندى.

وفى محاولة تفسير تزايد عدد يهود بولندا، اختلق المؤرخ الروسى اليهودى دبنوف وغيره فريضة هجرة يهود غرب أوربا إلى شرقها (بسبب المذابح التى ارتكبت ضد الجماعات اليهودية إيبان الحروب الصليبية)، وذلك على الرغم من أن الحوليات المعاصرة لا تتحدث عن مثل هذه الهجرة، بل ومن الصعب تخيلها. ومرد ذلك جهل المؤرخين بتاريخ يهود الخزر، وتاريخ هذه المرحلة السديمية التى كانت تنتقل فيها شعوب أوربا أو قبائلها من مكان إلى آخر. أما كوستلر، فيهتم بقضية يهود الخزر باعتباره يهودياً رافضاً لفكرة الاستمرار العرقى اليهودى فى فلسطين، باعتباره مدافعاً عن حقه فى أن يظل منتمياً (كيهودي إنجليزي) إلى وطنه إنجلترا. وهو يستخلص النتيجة التالية: "أن الدلائل المعروضة تدعم الحجة القوية التى قدمها أولئك المؤرخون المحدثون، سواء النمساويون أو الإسرائيليون أو البولنديون، أو أولئك الذين أثبتوا (مع استقلال كلًّ عن الآخر) أن الأغلبية العظمى من اليهود المعاصرين ليسوا من أصل فلسطينى وإنما من أصل قوقازى وأن تيار الهجرات اليهودية الرئيسى لم ينبثق من حوض البحر المتوسط عبر فرنسا وألمانيا متجهاً نحو الشرق ثم عائداً أدراجه ثانية ولكنه تحرك فى اتجاه ثابت دائماً (نحو الغرب) بادئاً من القوقاز عابراً أوكرانيا إلى بولندا ومنها إلى وسط أوربا. وعندما حدث فى بولندا هذا الاستيطان الضخم الذى لم يسبق له نظير، لم يكن إلى جانبه (فى الغرب) سوى عدد قليل ولا يعتد به من اليهود، فى حين أن شعبنا بأسره (فى الشرق) كان فى سبيله إلى التحرك نحو حدود جديدة".
وتحاول الصهيونية، فى أحد أشكالها، أن تؤسس نظرية الحقوق اليهودية فى فلسطين على أساس عرقى. إذ تدعى أن اليهود، بالمعنى العرقى، شعب ارتبط دائماً بفلسطين (أو أرض الميعاد)، وأن هذا النقاء العرقى وهذا الارتباط الأزلي بأرض الأجداد، يبرران الاستيلاء على فلسطين. ولكن تهود الخزر، مثل تهود الآدميين وغيرهم من الأقوام، يمثل تحدياً لهذه الفكرة الخاصة بالنقاء العرقى.فالأصل الخزرى لمعظم يهود الغرب، أى الأغلبية العظمى من يهود العالم، يفند فكرة الحقوق اليهودية التى تساند إلى أساس عرقى.ومع هذا، يجب التنبيه على أن الصهيونية تعرف الهوية اليهودية الآن تعريفاً أثنياً فضفاضاً ولا تركز إلا نادراً على النظرية العرقية ونظرية النقاء العرقى، كما أنها تؤسس نظرية الحق اليهودى على الارتباط الإثنى والدينى والحضارى وليس على الارتباط العرقى.

الكرمشاكى (تاريخ يهود شبه جزيرة القرم)
(Krimchaki )History of the Jews of the Crimean Peninsula
«يهود الكرمشاكى» جماعة يهودية صغيرة ذات سمات إثنية خاصة، تسكن شبه جزيرة القرم، ويتحدث أعضاؤها لهجة تترية دخلت عليها كلمات عبرية آرمية وكلمات قليلة من اللادينو واليديشية، وهى تكتب بحروف عبرية. وكان الكرمشاكى يطلقون على أنفسهم لفظ "يهودى" أو "سريلى بالالارى" (أبناء إسرائيل).ولكنهم، مع نهاية القرن التاسع عشر، بدأوا يستخدمون الكلمة الروسية "كرمشاك" أى "سكان شبه جزيرة القرم". وقد ظهر هذا الاسم لأول مرة فى السجلات الروسية عام 1859. ويبدو أن السلطات الروسية قد صاغت هذا الاسم للتمييز بينهم وبين القرائين والإشكناز.

ويعود تاريخ اليهود فى القرم القرن الثانى قبل الميلاد (مع الاستيطان اليونانى فيها). ويبدو أنهم كانوا يعملون بالتجارة وفى بعض الحرف، كما عملوا فى الدولة والجيش. وقد تغيرت هوية أعضاء الجماعة اليهودية عدة مرات، ويبدو أن تتريكهم بدأ فى حكم إمبراطورية الخزر، ولكنهم اكتسبوا هويتهم التترية التركية مع الغزو التترى عام 1239، فارتدوا الأزياء التركية الإسلامية وتبنوا اللغة التترية. وتأثر بناء الأسرة التترية، فظلوا يمارسون تعدد الزوجات حتى بدايات القرن التاسع عشر. وكانوا بمعزل عن الحركات الفكرية التى اكتسحت يهود أوروبا مثل الاستنارة والصهيونية والإصلاح الدينى. وكانت غالبيتهم من الحرفيين، واشتغلت أقلية منهم بالزراعة وعدد قليل جداً منهم فى التجارة. ورغم تبنيهم الأنماط الحضارية التركية والتترية، إلا أن أسماء عائلات الكرمشاكى تدل على تنوع أصولهم العرقية، فهناك أسماء تركية (لولباكش - ديمارجى - أزميرلى)، وأسماء قوقازية (أبابيف)، وإيطالية وإسبانية (كونفينو - مانتو)، كما توجد أسماء من أصل إشكنازى (سليزر - أورى) وهناك أسماء عبرية (كوهين - مزراحى). وبعد ضم روسيا القيصرية للقرم، تغير وضع الكرمشاكى تماماً إذ بدأت عملية تحديثهم وترويسهم، ولكنهم لم يستجيبوا لذلك فى بداية الأمر ورفضوا التزاوج مع يهود اليديشية الذين كانوا يعدون عنصراً روسياً ويوطنون فى القرم كعنصر استيطانى. وقد تصاعدت هذه العملية مع الثورة البلشفية، وزاد المستوى التعليمى بينهم، الأمر الذى نجم عنه تآكل أشكال الحياة التقليدية. وقد قام كثير من أعضاء الجماعة الذين عملوا مهنيين (مهندسين أو مدرسين أو أطباء) بقطع صلتهم بمجتمع الكرمشاكى.
وقد انخفض عدد الكرمشاكى عام 1989 إلى 1559. ويمكن القول بأن الكرمشاكى يذوبون بسرعة فى اليهود الروس والأوكرانيين ويتزاوجون منهم، ولا يوجد منهم الآن سوى مائة أسرة فى الولايات المتحدة. ويبدو أن أعضاءها خضعوا لحركيات المجتمع الأمريكى، كما بدأوا يتزاوجون بأعضاء الجماعات اليهودية الأخرى.

اليهود الأكراد
Kurdish Jews
«اليهود الأكراد» جماعة يهودية لها سماتها الإثنية الخاصة، يعيش معظم أعضائها فى العراق، رغم أن معظم الأكراد يعيشون فى تركيا، حيث توجد 146 قرية يهودية فى العراق و19 فى إيران و11 فى تركيا، كما توجد أيضاً مجموعة فى سوريا. وتوجد بين أكراد العراق أقليتان دينيتان: المسيحيون النسطوريون (الذين يسمون أيضاً الآشوربين)، واليهود. وقد تأثر أعضاء الجماعتين بالثقافة الكردية. ولكنهم، مع هذا، لم يتبنوا اللغة الكردية إذ أنهم يتحدثون الآرامية ويتحدث يهود الموصل العربية، وهم بذلك لا يصنفون باعتبارهم أكراداً. ويقال إن وجود اليهود فى هذه المنطقة يعود إلى أيام التهجير الآشورى ومملكة أديابنى.

وقد وضع أغوات الأكراد (أى كبار ملاك الأراضى) جماعة اليهود تحت حمايتهم، فكان اليهود يعدون ملكية خاصة لهم يجمعون منهم المحاصيل ويُخضعونهم للسخرة، بل وكان فى مقدور الأغا أن يبيع ما يملك من يهود (وهذا أمر نادر فى الحضارة الإسلامية وإن كان يشبه ما حدث فى أوروبا). وفى منتصف القرن العشرين، كان 80% من يهود كردستان يعيشون فى المدن ويعملون تجاراً صغاراً وبقالين، وكان الحرفيون يعملون صباغين وترزية ونجارين ودباغين ومراكبية ينقلون الأخشاب فى قوارب أنهار الموصل. وكان العشرون فى المائة الباقية يعيشون فى المناطق الريفية.

ولا تختلف عادات الأكراد اليهود عن عادات الأكراد بصفة عامة. وعلى سبيل المثال، فإن عادات الزواج بينهم لا تختلف كثيراً عن عادات الزواج السائدة فى المجتمع الكردى، حيث تتزوج الفتيات فى سن مبكرة، وعلى العريس أن يدفع مهراً لوالد العروسة تعويضاً له عن تربيتها وتنشئتها. ولا تختلف طقوس الزواج بينهم عن الطقوس السائدة بين الأكراد من تمسك بعذرية الفتاة عند الزواج إلى غير ذلك من القيم والشعائر. وفى ليلة الزفاف، يتم التحقق من ذلك وتعلن النتيجة على المدعون، وإن اكتشفوا أن الفتاة غير عذراء يقوم أبوها بقتلها. ويعتبر تعدد الزوجات أمراً مباحاً. كما أن علاقة الزوجة بزوجها وأمه لا تختلف عما هو سائد بين أهل هذه المنطقة. وهذه مجرد أمثلة عابرة تعبر عن مدى اندماج الجماعة اليهودية فى محيطها الحضارى ومدى اندماج الجماعة اليهودية فى محيطها الحضارى ومدى استيعابهم لها.

وكان تعداد الأكراد اليهود حوالى 14.835 عام 1920، زاد إلى 19.767 عام 1947، وهم يعيشون فى 146 قرية. وبعد إعلان دولة إسرائيل، هاجر الأكراد اليهود جميعاً إلى إسرائيل (19 ألفاً من العراق وثمانية آلاف من إيران وثلاثة آلاف من تركيا).

يهود الصين )يهود كايفنج(
Chinese Jews (K'aifeng Jews)
«يهود الصين» جماعة يهودية كبيرة كانت تعيش فى مدينة كايفنج عاصمة مقاطعة هونان الواقعة على ضفاف النهر الأصفر، ولذا يقال لهم أيضاً «يهود كايفنج». ويبدو أن تاريخهم يعود إلى القرنين التاسع والعاشر، حيث هاجرت مجموعة من يهود إيران وربما الهند. ويبدو أن الجماعة اليهودية كانت مهمة نوعاً، فقد عين أباطرة أسرة تانج أحد أعضاء طبقة الماندرين (وهى الأرستقراطية الثقافية من الموظفين/ العلماء) مسئولاً عنهم، فكان يزور معبدهم باسم الإمبراطور مرة كل عام، ويحرق البخور أمام المذبح. وكان المهاجرون اليهود (فى بداية الأمر) يتحدثون الفارسية، وكانوا متخصصين فى المنسوجات القطنية وصباغتها وطباعة الألوان عليها، وهى صباغة كانت متقدمة فى الهند. وكان سكان الصين يتزايدون فى تلك المرحلة، الأمر الذى أدى إلى نقص حاد فى المنسوجات الحريرية ونشوء حاجة إلى المنسوجات القطنية، وهو ما قد يفسر استقرار اليهود فى الصين فى ذلك الوقت. ومن الناحية الاجتماعية والطبقية، كان اليهود ينتمون إلى طبقة التجار والصناع التى تقع بين الفلاحين من جهة وطبقة الموظفين/العلماء من جهة أخرى. ومن ثم كان طموحها الاجتماعى، مثلها مثل الطبقات التى تقع فى الوسط، هو الاتصال بالطبقة العليا والابتعاد عن طبقة الفلاحين.

وقد تأسس أول معبد يهودى فى عام 1163، حيث كان يسمى معبد الطهر والحقيقة - وهو اسم ذو نكهة كونفوشيوسية. وكان يترأس الجماعة الحاخام وأحد الوجهاء الذين كانوا يحتفظون يكتب اليهود المقدسة المكتوبة بالعبرية ويقرؤون أسفار موسى الخمسة مرة كل عام.
وقد اندمج يهود كايفنج بالتدريج، وتزاوجوا مع الصينيين، خصوصاً المسلمين. وفى مرحلة من المراحل، كان اليهود يصنفون بوصفهم مسلمين، حتى اختفى أثرهم تقريباً.

ويفسر اندماجهم، ثم أنصارهم فى نهاية الأمر، على أساس انعزالهم عن يهود العالم وعدم وصول مهاجرين يهود إليهم، وكذلك على أساس الزواج المختلط وعدم وجود معاداة لليهود فى هذا المجتمع. ولكن هذه الأسباب الجاهزة لا يمكنها أن تفسر الظاهرة، إذ أن السؤال يظل يطرح نفسه: لماذا تزايد الزواج المختلط؟ فهناك مجتمعات لا يوجد فيها عداء لليهود، ومع ذلك لم ينصهر اليهود فيها مثل الهند. ولتفسير هذه الظاهرة، لابد أن نعود إلى حركيات المجتمع الصينى. فمن المعروف أن الكونفوشيوسية، وهى العقيدة الرسمية للدولة الصين قبل الثورة، كانت لا تعارض التعددية الدينية ما دامت هذه التعددية لا تهدد النظام السياسى، فكان المطلوب من أعضاء أية جماعة دينية أن تعترف بعبادة الأسلاف والمكانة الدينية للإمبراطور. كما لم تكن توجد أفكار دينية أو قومية تؤدى إلى عزل الأقليات الدينية، ذلك أن مفهوم الأمة لم يكن مفهوماً أساسياً فى الصين. فالإمبراطورية هى العالم، وهى تتكون من دوائر متداخلة وتزداد درجة الهمجية فيها كلما ابتعدنا عن المركز الصينى، وهكذا فإن اليهود (وكذلك المسلمين الذين كان اليهود يقرنون بهم) عاشوا فى هذا العالم دون تمييز قانونى أو اقتصادى أو اجتماعى. كما أن تركيب المجتمع الصينى (من الأسرة الممتدة، والعشيرة، والحكم من خلال السلطة المركزية) قد ساعد على هذا النمط، فهو يقلل الاحتكاك المباشر بين الأعضاء كما يقلل احتمالات الصراع، فيتم الاحتكاك بين الجماعات من خلال مؤسسات الدولة، وهو ما يساعد على تنظيم العلاقة وتقليل التوترات. وقد أدى كل هذا إلى اندماج اليهود تدريجياً وتمثلهم كثيراً من عناصر العبادة الكونفوشيوسية التى تشكل أساس التعامل بين الجماعات. وبدأ أعضاء الجماعة اليهودية يتبنون كثيراً من الطقوس البوذية والطاوية مع الطقوس اليهودية جنباً إلى جنب. والواقع أن قبول عناصر غير يهودية فى اليهودية أمر ليس بجديد على اليهودية، بسبب تركيبها الجيولوجى، كما أنه جزء من التقاليد الصينية الدينية التى لا تمانع فى استيراد عناصر من الديانات الأخرى.

وكان من الممكن أن يظل الاندماج على هذا المستوى ولا ينصهر اليهود تماماً لو أن الجماعة اليهودية ظلت تتعامل مع الجماعات الأخرى من خلال مؤسسات الدولة. فربما، لو حدث ذلك، كما حدث ليهود الهند، من خلال نظام الطائفة المغلفة. ولكن، ابتداء من القرن الرابع عشر، أعيد تنظيم طبقة العلماء/الموظفين (بشكل أكثر انفتاحاً) من خلال نظام الامتحانات الإمبراطورى، ذلك النظام الذى أتاح أمام يهود كايفنج فرصاً ضخمة للحراك الاجتماعى. فدخلت عناصر من قياداتهم الامتحانات ونجحت فيها وانضمت إلى البيروقراطية الحاكمة. وقد كان الانخراط فى هذه الوظائف يعد، فى نظر المجتمع الصينى، أكثر أهمية وقيمة من الأعمال التجارية، كما كان يعنى نقلة طبقية كبيرة وإعفاء من السخرة الجسدية، فالعمل كموظف بالحكومة كان يمنح الإنسان فى الصين السلطة والمكانة والثروة.

لكن هذا النجاح أفقد أعضاء الجماعة اليهودية البعد اليهودى فى هويتهم الصينية اليهودية، إذ أن العمل فى مثل هذه الوظائف كان يتطلب دراسة الكلاسيكيات الصينية والتفقه فيها، واستيعاب المثل الكونفوشيوسية واستبطانها تماماً. فالانخراط فى سلك المثقفين الكونفوشيوسيين لم يكن مجرد عمل أكاديمى، وإنما كان أمراً يؤثر فى شخصية الإنسان نفسه وفى منظوره الفلسفى والدينى. لهذا، كان يتوقع من اليهودى الذى ينخرط فى سلك العلماء/الموظفين، أن يتصرف باعتباره كونفوشيوسياً داخل إطار الفكر الكونفوشيوسى، أى أن الانتماء إلى الوظيفة كان يتطلب تحولاً جوهرياً داخلياً وخارجياً.

ورغم أن المؤسسة الدينية اليهودية فى الصين نظرت بعين الشك إلى طبقة العلماء/الموظفين من اليهود، فإن هؤلاء أصروا على أن الكونفوشيوسية واليهودية لا تعرض بينهما. وبالتدريج، تحولوا إلى النخبة القائدة فى الجماعة، وبدأت رؤيتهم الكونفوشيوسية تتسلل إليها ككل حتى امتزجت اليهودية بالكونفوشيوسية. والأمر الذى أسرع بهذا الاتجاه أن الانتماء إلى طبقة العلماء/الموظفين كان يعنى تناقص عدد أعضاء الجماعة، إذ أن هذا النظام يمنع تعيين الموظف فى محل ميلاده لمنع الوساطة والمحسوبية. ولذا كان على اليهودى الذى يعين عالماً/موظفاً أن يترك كايفنج، الأمر الذى كان يؤدى بالتالى إلى تناقص عدد الجماعة والعناصر القيادية.

وقد كانت طبقة العلماء/الموظفين طبقة متآزرة مع أن التعين فيها كان يتم عن طريق الامتحان الإمبراطورى. ولذلك، كان على اليهودى الذى ينضم إليها أن يصبح واعياً بمكانته الاجتماعية وبوضعه الطبقى وبانتمائه إلى الطبقة الجديدة، وهو ما جعل الزواج المختلط من داخل الطبقة مسألة شبه حتمية، خصوصاً وأن العلماء/ الموظفين كانوا يعيشون بعيداً عن أسرهم وعشائرهم.

والواقع أن تحول القيادة، وكذلك تشتتها، هو الذى ساعد على تحويل اليهودية من الداخل. فبدأ اليهود بالإشارة إلى الخالق بالمصطلح الكونفوشيوسي، فكانوا يشيرون إليه بأنه "تاين"، أى "السماء"، أو "طاو"، أى "الطريق". ثم تعمق الأمر وبدأ اليهود يتبعون عبادة الدولة التى تتضمن تبجيل بل وتقديس كونفوشيوسى.

وتأثر اليهود كذلك بأهم مظاهر العبادة الكونفوشيوسية وهى عبادة الأسلاف. ومن ثم، نشأت إلى جوار المعبد اليهودى صالات الأسلاف التى كانت تضم الآباء العبرانيين وأولاد يعقوب الاثنى عشر وموسى وهارون ويوشع وعزرا وآخرين من مشاهير اليهود وتبنى اليهود كذلك طقوساً كونفوشيوسية للاحتفال ببلوغ سن التكليف الشرعى والزواج والموت والدفن. كما أنهم حاولوا أن يجدوا أساساً لأعيادهم وشعائرهم الدينية فى الكلاسيكيات الكونفوشيوسية لا فى الكتاب المقدس. وراح اليهود ينصرفون عن كثير من أهم شعائرهم التى كانت تحفظ لهم عزلتهم وهويتهم مثل أكل لحم الخنزير الذى كان يمتنعون عن أكله فى الأعياد. وكانوا، عند تقديم القرابين إلى أسلافهم، يقدمون لهم لحم الضأن. كما أن اليهود لم يترجموا قط كتبهم المقدسة من العبرية إلى الصينية. ولهذا كان كيان الجماعة مهدداً دائما بالاختفاء فى حالة نسيانً القيادة للعبرية، ويبدوا أن هذا هو ما حدث بالفعل عام 1723 إذ أن العبرية كانت قد نسيت فى ذلك التاريخ.

لكل هذا، تقوضت هوية الجماعة اليهودية من الداخل تماماً.وحينما مات آخر حاخام فى القرن التاسع عشر، انتهى ما تبقى من اليهودية بحيث أصبح أعضاء الجماعة مع ستينيات القرن الماضى صينيين فى ملامحهم وردائهم وعاداتهم ودينهم. وفى عام 1900، قامت مجموعة من اليهود الإنجليز فى شانغهاى بتأسيس "جماعة إنقاذ يهود الصين" التى حاولت إحياء اليهودية فى كايفنج دون جدوى، حيث كانوا قد اندمجوا تماماً وكان كل ما يعرفونه عن اليهودية هو أنهم يهود. ولا يزال هناك نحو مائتين وخمسين صينياً من سلالة يهود كايفنج ولكنهم منصهرون تماماً. وشبه يهود كافينج، من بعض الوجوه، يهود الولايات المتحدة فى نجاحهم وانتمائهم إلى طبقة المهنيين، وفى استبطانهم القيم الأمريكية، وفى توزعهم الجغرافى، وتزايد معدلات الزواج المختلط بينهم وكذلك فى انتمائهم الكامل إلى مجتمعهم.

اليهود الزنوج
Negro Jews
»اليهود الزنوج» مصطلح يستخدم للإشارة إلى الزنوج السود الذين يؤمنون باليهودية جميعاً. وبالتالى، فإن المصطلح يضم الفلاشاه والعبرانيين السود، وكذلك جماعات بشرية أخرى ذات هويات يهودية سديمية. وقد وجد أحد الباحثين فى ساحل لوانجو فى غرب أفريقيا جماعة تصنف باعتبارها يهودية ويسمى أعضاؤها أنفسهم "مافانبو" ويقيمون شعائر السبت. ومن المعروف أن ساحل لوانجو لا يبعد كثيراً عن جزيرة ساوتومى البرتغالية التى أحضر إليها الأطفال اليهود الذي تم تنصيرهم عنوه عام 1493 - ولعل هذا هو مصدر تسميتهم باليهود. وتوجد بالقرب من ساحل مدغشقر فرقة يهودية تسمى "زافي إبراهيم"، يدعى أفرادها أنهم يهود، ولكن ليس هناك أى شىء يميزهم عن بقية السكان.

وفى عام 1750، أسست مستوطنة بالقرب من سورينام (غينيا الهولندية) تضم أبناء اليهود الذين تزوجوا من العبيد الأفريقيين السود، وكانوا يتحدثون لهجة "الدجو تونجو" أى "لغة اليهود"، وهى خليط من البرتغالية والعبرية وبعض الكلمات المحلية.

العبرانيون السود
Black Hebews
»العبرانيون السود» فريق من الأمريكيين السود الذين يؤمنون باليهودية ويلتزمون بتطبيق الشريعة اليهودية بتشدد يفوق تشدد اليهود البيض. ويدعى العبرانيون السود الانتساب إلى قبائل يسرائيل العشر المفقودة، وأنهم هم وحدهم (وليس يهود الأرض المحتلة أو يهود العالم) سلالة اليهود القدامى الحقيقية. ويؤكد العبرانيون السود أن أنبياء اليهود من السود، وأن إسرائيل القديمة كانت أيضاً دولة سوداء، وأن قناة السويس ما هى إلا ثغرة صنعها الإنسان الأبيض لفصل إسرائيل عن أفريقيا السوداء.
وانطلاقاً من هذا، كتب شاليح بن يهودا، مساعد رئيس الجماعة، إلى رؤساء الدول الأفريقية يحثهم على المطالبة بحقوقهم فى إسرائيل والتى سرقها اليهود. ويطمع رئيس الجماعة، بن عمى كارتر، إلى أن يترأس الدولة الصهيونية. بل أنهم يقولون إن إسرائيل بأسرها ملك خاص لهم سرقها الإشكناز، أى اليهود البيض. وقد بدأ العبرانيون السود فى التوافد إلى إسرائيل ابتداء من أغسطس عام 1969 من شيكاغو، احتجاجاً على أوضاع الزنوج هناك. ثم استمرت جماعات منهم فى الاستيطان حتى بلغ عددهم 1500 مهاجر (ويرتفع هذا العدد حسب التقديرات الأخرى إلى 3000).
ويتركز تجمع العبرانيون السود فى إسرائيل فى الأماكن التالية:

- ديمونة ويقيم فيها 1500.

- عراد حيث يقيم 400.

- متسبى رامون حيث يقيم 80.

وجميعها قرى فى النقب. كما تتوزع عشرات الأسر بين رعنانا وعدة مناطق أخرى فى النقب أيضاً. والمنطقة التى يقيمون بها فى ديمونة معزولة ومحاطة بالأشجار والنباتات التى تفصلهم عن بقية المدينة.وفى البداية، سمحت السلطات الإسرائيلية لهؤلاء العبرانيين السود بالإقامة المؤقتة، إلا أنها سرعان ما حاولت التخلص منهم بدعوى أنهم مصدر للمشاكل ويمثلون عبئاً اقتصادياً. وفى 8 ديسمبر 1971، وصلت إلى إسرائيل مجموعة مكونة من 48 شخصاً ومنعت من الدخول ووجهت إلى الولايات المتحدة.

ولا يحمل العبرانيون السود أى بطاقة رسمية أو وثيقة تبين هويتهم، الأمر الذى يعد فى حد ذاته مخالفة للقانون الإسرائيلى.ويحمل معظمهم تأشيرة سائح لمدة ثلاثة أشهر لا تجدد بعد انتهائها.ويعتبر وضعهم فى الزواج غير منظم من الناحية القانونية. فالزواج والطلاق بالمعنى المألوف للكلمة لا وجود له بين أعضاء الجماعة، كما أنهم يمارسون تعدد الزوجات. وتتسبب كثافة العبرانيين السود المخيفة، وانحطاط مستواهم المعيشى، فى تفاقم وتوتر العلاقات بينهم وبين جيرانهم اليهود. وللعبرانيين السود نظام تعليمي مستقل، وهم لا يقومون بتسجيل حالات الولادة أو الوفاة لديهم، ويوفرون لأنفسهم كل الخدمات اللازمة حيث أقاموا مدارس وفصولاً مستقلة وعيادات وورش خياطة.

وليس من المتوقع أن تجد مجموعة بشرية مثل العبرانيين السود كثيراً من الاستقرار فى مجتمع استيطانى عنصرى استبعادى، كما هو الحال فى إسرائيل. وبالفعل، ثار المستوطنون الصهاينة ضد توطين العبرانيين السود إلى جوارهم، وهدد أولياء الأمور بالإضراب احتجاجاً على تسجيل أبنائهم فى مدارس ديمونة، كما هددوا سكان عراد بالقتل إذا باع أحدهم شقته لأى منهم، بل وشكلوا لجنة قومية تسمى " اللجنة الإسرائيلية لطرد الزنوج العبرانيين".

وقد أثارت وسائل الإعلام الإسرائيلية الشك حول يهودية الزنوج، كما أن المؤسسة الدينية أنكرت تماماً انتمائهم إلى الدين اليهودى وهو ما دفعهم إلى التظاهر أمام مقر دار الحاخامية الرئيسية كى تعترف بصفتهم اليهودية. وتقدم قادتهم بشكوى إلى الأمم المتحدة اتهموا فبها حكام إسرائيل باستخدام أساليب الجستابو والقمع العنصرى.

وتسبب القضية الكثير من الحرج للكيان الصهيونى، بخاصة أمام الأمريكيين السود فى الولايات المتحدة. ولذا، تحاول المؤسسة الصهيونية تشويه صورتهم إعلامياً، فتشيع أن الجريمة تنتشر فى صفوفهم وأن ما لا يقل عن خمسة وعشرين من أعضاء هذه الجماعة مطلوب القبض عليهم من قبل البوليس الفيدرالى الأمريكى. كما تقول السلطات الصهيونية إن زعيم الجماعة هو الزعيم المطلق الذى يقوم بجمع الأموال والتصرف فيها.

ومن الطريف إن المستوطنين الصهاينة يخفقون فى التفرقة بين العبرانيين من جهة ويهود الفلاشاه من أثيوبيا من جهة أخرى. فهؤلاء جميعاً "سوداً" على العموم، وهو ما يدل على إن عملية التصنيف والإدراك داخل التجمع الصهيونى تتم على أساس عرقى بين اليهود أنفسهم، فالأبيض يوضع مقابل الأسود، والشرقى مقابل الغربى.

اليهود السود
Black Jews
»اليهود السود» هم العبرانيون السود، وإن كان الإسرائيليون يخلطون بينهم وبين الفلاشاه. انظر: »العبرانيون السود».

الفلاشاه: تاريخ وهوية
Falashas: History and Identity
«الفلاشاه» كلمة أمهرية تعنى «المنفيين»، كما أنها تعنى أيضاً «غريب الأطوار». وأصل الكلمة يعود إلى الجذر «فلاشا» فى اللغة الجعزية، ويعنى «يهاجرا» أو «يهيم على وجهه». ويستخدم أهل إثيوبيا الكلمة للإشارة إلى جماعة إثنية أفريقية تدين بشكل من أشكال اليهودية، وهى لا تنتمى إلى أى من الكتل اليهودية الكبرى الثلاث: الأشكناز والسفارد ويهود العالم الإسلامى. كما يستخدمون كلمة "إيهود"، أى "يهود" أما الفلاشاه فيشيرون إلى أنفسهم بوصفهم "بيت إسرائيل".

وأصول الفلاشاه ليست سامية خالصة هى حامية أيضاً، إن قبلنا هذا التمييز العرقى والحضارى، فهم ينتمون إلى مجموعة القبائل السامية من جنوب الجزيرة العربية. ويقال إن اليهودية انتشرت بينهم من خلال يهود الجزيرة العربية قبل الإسلام (ويقال إن عبد الله بن سبأ من أصل فلاشى).

وثمة رأى قائل بأن أصل الفلاشاه يعود إلى جنوب شبه الجزيرة العربية، وربما وصلتهم اليهودية عن طريق مصر وربما جاءوهم أنفسهم من صعيد مصر. قد كانت توجد جماعة من الجنود المرتزقة اليهود على حدود مصر الجنوبية (فى جزيرة إلفنتاين) بالقرب من الشلال الأول فى أسوان. وثمة رأى آخر يذهب إلى أن أصلهم يرجع إلى جماعة من اليهود استوطنوا بشكل دائم. ويقال إن عدد الفلاشاه كان كبيراً قبل إن تعتنق أسرة إكسوم الحاكمة الديانة المسيحية فى القرن الرابع. ولكن، بعد هذا التحول إلى المسيحية، نشبت صراعات حادة وحروب عديدة بينهم وبين جيرانهم المسيحيين.

واشترك الفلاشاه فى التمرد الذى قامت به قبائل الأجاو ضد إكسوم فى القرن العاشر، حيث أسقطوا النجاشى وفتكوا بالرعايا المسيحيين وهدموا كنائسهم وأديرتهم. ولكن أسرة زاج، التى حلت محل أسرة إكسوم، كانت هى الأخرى مسيحية وحاولت تأكيد السلطة المسيحية.

وفى عام 1270، وتحت تأثير الكنيسة، اعتلى أحد أعضاء أسرة إكسوم القديمة العرش. وقرر ملوك الأسرة المالكة، بعد استعادة الحكم، إن يضعوا حداً لاستقلال الفلاشاه، خصوصاً وأنهم كانوا يعتبرونهم عنصراً مشكوكاً فى ولائه فى حروبهم مع الممالك الإسلامية المجاورة. ولذلك، قام ملوك إكسوم بتجريد مجموعة من الحملات ضدهم.

وأثناء حكم النجاشى لينادنجل (1508-1540)، غزاً المسلمون إثيوبيا. وقد انضم الفلاشاه، فى بادئ الأمر، إلى المسلمين تحت زعامة ملكهم جدعون وملكتهم جوديث (يهوديت)، بل وتعقبوا النجاشى المهزوم الفار. ولكنهم انضموا بعد ذلك إلى الإثيوبيين، فألحق المسلمون الهزيمة بهم وبحلفائهم الإثيوبيين، ووقع ملك وملكة الفلاشاه فى الأسر. وقد ظل هذا الشد والجذب قائماً حتى حكم النجاشى سوسينيوس (1607-1632) الذى ألحق بالفلاشاه هزيمة نكراء، بفضل تجهيز جيشه بالأسلحة النارية، وهدم قراهم ومعابدهم وصادر أرضيهم، فتحولوا إلى عاملين أجراء. وقد ظلوا على هذا الوضع حتى القرن التاسع عشر حين وصلت الإرساليات المسيحية البروتستانتية التى حققت نجاحاً ملحوظاً بين صفوفهم. وقد يفسر هذا النجاح التناقص الكبير فى أعدادهم إن صدقت الإحصاءات.

ولا يعرف عدد الفلاشاه على وجه الدقة، وإن كان قد قدر عددهم فى بداية القرن الثامن عشر بمائة ألف، بل إن أحد أعضاء الإرساليات قدره بربع المليون. ولكن، مع بداية القرن العشرين، وصل عددهم إلى خمسين ألفاً على أحسن تقدير، وإلى سبعة آلاف حسب أسوئها. وحسب تقديرات عام 1976، وصل عددهم نحو 28 ألفاً موجودين فى 490 قرية مختلفة.

ويتركز الفلاشاه أساساً فى شمال إثيوبيا فى المنطقة الواقعة بين نهر نازى فى الشمال والشرق، وبحيرة تانا والنيل الأزرق فى الجنوب، والحدود السودانية فى الغرب. وهم يعيشون فى قرى صغيرة مقصورة عليهم تضم كل قرية نحو خمسين أو ستين عائلة وتوجد أهم القرى بجوار مدينة جوندار. كما يوجد داخل جوندار نفسها جماعة صغيرة من الفلاشاه تعيش فى حى مقصور عليها. وتوجد قرى الفلاشاه عادة على قمة أحد التلال القريبة من النهر. وتتكون كل قرية من مجموعة من الأكواخ المستديرة يغطيها القش، ويخصص أحد الأكواخ معبداً لهم، كما يخصص كوخان آخران بعيدان عن القرية لعزل النساء وقت الطمث وبعد الإنجاب.

ولا تختلف ملامح الفلاشاه كثيراً عن ملامح غيرهم من الإثيوبيين، كما لا يمكن الحديث عن نمط فلاشى متميز إذا اختلطت فيهم الدماء الحامية والسامية. ولذا، لا توجد اختلافات فى لون الجلد وملامح الوجه. ولا يختلف أسلوب حياتهم، من معظم الوجوه، عن أسلوب حياة جيرانهم، كما أنهم يرتدون نمط الثياب نفسه ويأتزرون بالعباءة المسماة "الشامة". وهم يعملون أساساً بالزراعة كعمال أجراء، كما يعملون فى بعض الحرف الأخرى مثل صناعة الفخار والعزل والنسيج وصنع السلاسل، كما يعملون حدادين وصاغه وحائكى ملابس، ويعمل كثير منهم الآن بحرفة البناء فى المدن.

ولم تكن طريقة توزيع الأراضى فى إثيوبيا تسمح للفلاشاه باقتناء الممتلكات، لأنهم لم يكونوا من موظفى الدولة. فالحال هناك كانت أشبه بأوربا الإقطاعية حيث كانت الخدمة العسكرية الإلزامية للدولة أو الكنيسة شرطاً للتملك. وإذا كان بعض الفلاشاه، وخصوصاً أولئك الذين سكنوا أقصى الغرب، يملكون الأرض، فإنهم فى المناطق الأخرى كانوا يعملون حرفيين. أما ممارستهم الزراعة، فقد اقتصرت على زراعة الأرض لأصحابها المسيحيين. ولم ينطبق حظر التملك على الفلاشاه هو حسب، وإنما على مجمل الحرفيين بصرف النظر عن طوائفهم.

ويتحدث معظم الفلاشاه الأمهرية. وثمة أقلية منهم تعيش فى تيجري وفى إريتريا وتتحدث اللغة التيجرينية. وهناك أقلية أخرى فى الجزء الشمالى تتحدث لهجات قبائل الأجاو. أما أدبهم، فكله مكتوب باللغة الجعزية أو الإثيوبية (لغة إثيوبيا الكلاسيكية) وهى أيضاً لغة الكنيسة القبطية الإثيوبية.

ولكن ثمة نصوصاً تدل على إن الفلاشاه كانوا يتحدثون ويتعاملون بلغة قبائل الأجاو، ولا تزال توجد بينهم بعض الصلوات بهذه اللغة. والفلاشاه يجهلون العبرية تماماً، فمعرفتهم بها مقصورة على بضع كلمات لا يدركون هم أنفسهم أنها من هذه اللغة.

ويضم أدب الفلاشاه المكتوب بالجعزية عدة كتب موجودة على هيئة مخطوطات. ومن الطريف إن بعض هذه الكتب متداول بين اليهود والمسيحيين فى آن واحد. بل إن بعض اليهودية تضم أشعاراً من العهد الجديد (أهم الكتب المقدسة لدى المسيحيين).

وفلكلور الفلاشاه، كما هو الحال فى أفريقيا، ثري للغاية، فلهم أغان ورقصات عديدة. كما إن لهم تاريخهم الأسطورى، فهم يعودون بأصولهم إلى منليك، ابن الملك سليمان، الذى عاد إلى أمة بلقيس ليعتلى عرش إثيوبيا. ولما كان الإثيوبيون المسيحيون يؤمنون بالأصول الأسطورية نفسها، فإننا نجد أن الفلاشاه قد أضافوا إلى القصة ما يفسر انفصالهم، إذ يقولون أن ملكة سبأ سافرت إلى القدس واعتنقت اليهودية بتأثير ملكها سليمان وأنجبت منه منليك الذى عاد يوماً لزيارة أبيه فأكرم وفادته وأمر بعض رجال حاشيته وبلاطه الملكى بمرافقة الأمير عند عودته. وقد سرق منليك سفينة العهد وعبر نهراً يوم السبت الذى يحرم فيه السفر والسير لمسافات طويلة. وقد تبعه بعض الخاطئين (مسيحيو إثيوبيا)، أما الأتقياء الذين امتنعوا عن عبور النهر فهم يهودها، أى الفلاشاه.

ويمارس الفلاشاه عادة الزرار لطرد الأرواح. ويقال إن هذه العادة بدأت فى إثيوبيا وانتشرت منها إلى بعض بلاد الشرق الأوسط. كما أنهم يقومون بصنع الاحجبة والتعاويذ اتقاء للعيون الشريرة. وبسبب اشتغالهم حدادين يعتبرهم أهل القرى من السحرة.

ويمكننا هنا إن نثير قضية ما إذا كان يهود الفلاشاه يشكلون جماعة وظيفية أم لا. الواقع إن أعضاء الجماعات اليهودية فى الغرب قد اضطلعوا بوظيفة الجماعة الوظيفية الوسيطة وعملوا بالتجارة والصيرفة فى أماكن متفرقة من أوربا، أما يهود إثيوبيا فكانوا يعملون بالزراعة، ولم يشتغلوا بالتجارة والصيرفة، كما أنهم كانوا أعضاء فى مجتمع قبلي مبنى على الاقتصاد الطبيعى، لا يوجد فيه نقد ولا قطاع تجارى أو مالى يذكر. فالفلاشاه لم يضطلعوا بدور الجماعة الوظيفية المالية والوسيطة ولكنهم مع هذا أصبحوا جماعة وظيفية تشتغل ببعض الحرف التى يعتبرها المجتمع إما وضيعة أو هامشية أو مشبوهة، أو فى غاية الأهمية، أو تتطلب خبرة معينة لابد من توارثها مثل الحدادة. ومن هنا كان اتهامهم بالسحر، وهى تهمة كانت توجه إلى المرابى اليهودى فى أوربا، وتوجه عادة إلى الشخصيات الهامشية فى المجتمع. لكن الهامشية لا تعنى بالضرورة عدم الأهمية، فالهامشية قد تنتج من التفرد والتميز.

وحتى الآن، لم نطلق على الفلاشاه صفة "يهود". وأرجأنا ذلك إلى إن نستغرق عقيدتهم الدينية. وتعرف الفلاشاه فى الموسوعة اليهودية يلقى كثيراً من ظلال الشك على انتمائهم الدينى، إذ جاء فيه ما يلى: "الفلاشاه جماعة إثنية فى إثيوبيا تزعم أنها من أصل يهودى، ومرتبطة بنوع من أنواع الديانة اليهودية يستند إلى العهد القديم والكتب الخارجية (أبو كريفا)، أى الكتب غير المعتمدة والكتب الدينية الأخرى التى ظهرت بعد الانتهاء من تدوين العهد القديم".

والواضح إن التعريف يرى أنهم من أصول اثنيه ليست بالضرورة يهودية، وأنهم ليسوا يهوداً وإن كانوا "يزعمون" أنهم من أصول يهودية. كما أن ما يعرفونه عن اليهودية يختلف عن اليهودية التى يتبعها معظم يهود العالم والسائدة فى الدولة الصهيونية. ففى أى شئ تختلف يهودية الفلاشاه عن اليهودية الحاخامية؟

تستند عبادة الفلاشاه إلى العهد القديم الذى لا يعرفونه إلا باللغة الجعزية لغة الكنيسة الإثيوبية. ويضم العهد القديم الذى يعرفونه كل الكتب المعتمدة وبعض كتب الأبوكريفا غير المعتمدة مثل: كتاب يهوديت، وحكمة سليمان، وحكمة بن صيرا، وكتاب المكابيين الأول والثانى، وكتاب باروخ. ولم يصل التلمود إلى الفلاشاه. وغنى عن الذكر أن التلمود هو عمود اليهودية الحاخامية الفقرى وعصبها، وعدم الاعتراف به ينطوى على عدم اعتراف بها.

والعناصر اللاهوتية والحضارية المشتركة بين المسيحيين واليهود فى إثيوبيا كبيرة. وقد أشرنا إلى إن بعض الكتب الدينية متداولة بين الفريقين معاً، وإلى إن الجعزية هى لغة العبادة بين اليهود والمسيحيين هناك، كما أن أسطورة الأصيل مشتركة مع تنويعات خفيفة. ويمكن أن نضيف هنا أن الفلاشاه ليس لديهم حاخامات وإنما قساوسة يطلق على واحدهم لفظة "قس". كما أنهم ينتسبون، مثل الكهنة القدامى فى يهودية ما قبل التهجير، إلى هارون. وينتخب الكهنة فى كل منطقة كاهناً أعظم لهم لكى يصبح زعيماً دينياً للجماعة، ويصبح من صلاحياته ترسيم الكهنة.

ويقدم الكهنة القرابين فى المناسبات الدينية المختلفة. ويعيش بعض هؤلاء الكهنة فى الأديرة رهباناً وراهبات على النمط المسيحى، ويطلق عليهم لقب "ناذير" وهى لفظة عبرية تعنى "الذى نذر نفسه للشعائر الدينية وانقطع لها". كما أن البعض الآخر يعيش على طريقة النساك فى الغابات والصحارى وعلى حواف القرى. ومن الطريف أن عادة الاعتراف المسيحية موجودة عند الفلاشاه فهم يدلون باعترافاتهم إلى الكاهن من آونة إلى أخرى وعند نهاية اليوم. وإلى جانب الرهبان والكهنة، يوجد علماء يستخدمون صحن المعبد لتعليم الدين.

ويقيم الفلاشاه شعائر يوم السبت بصرامة غير عادية، فيمتنعون عن الجماع الجنسى فى ذلك اليوم، ويقضى الرجال يومهم فى الصلاة. لكن التحريمات الخاصة به مختلفة من بعض الوجوه عن تحريمات اليهود الأرثوذكس. فهم مثلاً لا يعتبرون استخدام النور الكهربائى من المحرمات. كما أنهم يحتفلون بعدد من الأعياد أكبر من المنصوص عليه فى الشريعة اليهودية، فعندهم أعياد شهرية لتذكرهم بالأعياد السنوية. وفى العاشر من كل شهر قمرى، يوجد احتفال يذكرهم بعيد يوم الغفران. وفى اليوم الخامس عشر من كل شهر، يحتفلون بذكرى عيد الفصح وعيد المظال. ويعد ثالث سبت فى خامس شهر قمرى هو سبت الأسبات يتلون فيه الصلوات والأدعية. وفى الثامن عشر من الشهر السادس القمرى يحيون ذكرى وفاة إبراهيم وإسحق ويعقوب. وهم لا يحتفلون بعيد التدشين أو عيد النصيب فلم يرد لهما ذكر فى التوراة.

وإلى جانب هذه الأعياد والاحتفالات توجد أيام صيام أسبوعية وشهرية وسنوية، فيصومون يوم الخميس إحياء لذكرى طلب عزراً من المنفيين أن يصوموا. ويصومون كذلك فى الفترة 1- 17آب (أغسطس) إحياء لذكرى سقوط القدس (ولا يصوم اليهود الحاخاميون إلا فى يوم التاسع من الشهر نفسه لإحياء هذه الذكرى) ويصومون فى العاشر من أيلول (سبتمبر) تذكرة بيوم الغفران. وهم يحافظون على شعائر الزواج والختان اليهودية، ولكنهم يختنون البنات على عادة بعض الشعوب الأفريقية. ويحافظون كذلك على التحريمات الخاصة بالطعام، ولكنهم لا يستعملون أوانى منفصلة للمأكولات من الحليب واللحم على غرار الجماعات اليهودية الأخرى.

ويختن المسيحيون الإثيوبيون (هم الآخرون) أولادهم الذكور، ويمتنعون عن تناول المأكولات المحرمة عند اليهود. كما أنهم، ولفترة طويلة، كانوا يتخذون السبت يوم راحة لهم بدلاً من الأحد. ومن الجوانب اليهودية الأخرى فى المسيحية الإثيوبية، التشديد على أهمية العهد القديم فى الكتاب المقدس. وكذلك يلاحظ وجود الرموز المتعلقة بسفينة العهد فى الكثير من الكنائس المسيحية الإثيوبية.

واشتهر الفلاشاه أيضاً بمغالاتهم فى التطهر، ولذا فهم يمتنعون قدر الإمكان عن لمس الغرباء. وإذا حدث إن لمس أحدهم غريباً، فإن عليه أن يتطهر (ولذلك توجد قراهم على مقربة من الأنهار حتى يمكنهم التطهر دائماً). ومن هنا، فإن الفلاشاه الذين يعيشون فى جوندار، ويفرض عليهم أسلوب حياتهم الاحتكاك الدائم بالأجانب والغرباء، يعدون "غير طاهرين" فى نظر بقية الفلاشاه.

وتتبدى مغالاة الفلاشاه فى قوانين الطهارة فى تعاملهم مع النساء. فبعد إن تلد المرأة ولداً، فإنها تعد غير طاهرة مدة أربعين يوماً. وإن وضعت بنتاً، فإن المدة تتضاعف. وبعد نهاية المدة، تحلق المرأة شعر رأسها وتغطس فى الماء وتغسل ملابسها قبل أن تعود إلى منزلها. وأحياناً يحرق الكوخ الذى قضت فيه فترة العزل.

والمعبد هو مركز الحياة الدينية بين الفلاشاه، والذى تطلق عليه كلمة "مسجد" أو "بيت إجزا بهير" أو "بيت الإله". وهو يتكون من حجرتين، يطلق على الحجرة الداخلية أسم "قدستا قدوسان"، أى "قدس الأقداس"، تماماً كما فى هيكل سليمان القديم، ولا يدخله إلا الكاهن والشماس. ويحفظ فى هذه الحجرة التوراة وملابس الكاهن الشعائرية. ولا يسمح للنساء، إلا غير المتزوجات والعجائز، بدخول المسجد. وتقام سبع صلوات فى اليوم الواحد، وإن كان معظم الفلاشاه يكتفون بإقامة صلاتين: واحدة فى الصباح والأخرى فى الليل. ويستخدم الفلاشاه اللغة الجعزية فى الصلاة، ويقضون معظم يوم السبت وأيام الأعياد فى الصلاة داخل المسجد، ويقفون لتناول الطعام فى مأدبة جماعية. كما أنهم يغنون ويرقصون فى الأعياد.

ويؤمن الفلاشاه بإله واحد ويؤمنون بالبعث والعالم الآخر والثواب والعقاب، كما يؤمنون بعقائد اليهود الأخرى كإيمانهم بأنهم من الشعب المختار وأنه سيظهر بينهم ماشيح. وقد حدث عام 1862، أثناء حكم الإمبراطور تيودور الثانى، أن ظهر ماشيح دجال أقنع الفلاشاه بالعودة إلى أرض الميعاد سيراً على الأقدام، ولكن معظمهم مات فى الطريق.

ويبدو إن بعض الفلاشاه ممن تقع قراهم على مقربة من قرى المسلمين قد استوعبوا أيضاً عناصر إسلامية فى عقيدتهم، وربما كان بينهم مسلمون بالفعل. إذ ذكرت الصحف الإسرائيلية أن بعضهم قد اعتنق الإسلام فى إسرائيل. كما أوردت أن بعضهم، أثناء زيارة حائط المبكى، سمع صوت الأذان فاتجه إلى المسجد لإقامة الصلاة. كما ذكرت إحدى الصحف الإسرائيلية إن بعضهم أقام الصلاة على طريقة المسلمين فى المطار فور وصوله إلى إسرائيل وقد وصفتهم الصحيفة بأنهم "فلاشاه سنيون".

وقد احتفظ الفلاشاه بهويتهم المتميزة، وهى هوية إثنية أفريقية استمدوها من بيئتهم ومن طبيعة التشكيل الحضارى الأفريقى. ويرى بعض المتخصصين فى مجتمع الفلاشاه أنهم من قبيلة الأجاو، وأنهم عرق إثيوبي صاف. أما تقاليدهم وعاداتهم فتشمل خليطاً من المعتقدات والطقوس الوثنية واليهودية والمسيحية وربما الإسلامية. وقد نفى أحد المؤرخين صفة اليهودية عنهم ووصفهم بأنهم مسيحيون تمسكوا لسبب أو آخر بالعهد القديم بدلاً من العهد الجديد. وهو يرى إن علاقات الفلاشاه الحضارية والعرقية مع جيرانهم المسيحيين الإثيوبيين، تتخطى تلك التى يشاركون بها يهود العالم. وقد تكون هذه الطبيعة المختلطة لهوية الفلاشاه هى ما حدا بأحد المسئولين فى الوكالة اليهودية فى أوائل الخمسينيات إلى أن ينصح الذين فكروا منهم فى الهجرة إلى إسرائيل بالتنصر وحل مشكلتهم بهذه الطريقة بدلاً من الهجرة إلى إسرائيل.

ومع هذا، تم تهجيرهم باسم الهوية اليهودية العالمية. ومن الواضح أنهم سيفقدون فى إسرائيل هويتهم الأفريقية هذه ولن يكتسبوا هوية جديدة، لأن المجتمع ينظر إليهم بعين الشك بسبب لون جلدهم وتوجههم الثقافى بل ومعتقداتهم الدينية. وقد شككت دار الحاخامية فى يهوديتهم.

تهجير الفلاشاه
Transfer of the Falashas
ابتداء من عام 1973، حدث تحول فى الموقف الصهيونى تجاه الفلاشاه. فقد أعلن الحاخام شلومو غورن إن أعضاء هذه الجماعة اليهودية هم فى الواقع من أحفاد قبيلة دان، ومن ثم فهم يهود حقيقيون. وقد طبق عليهم قانون العودة (بعد إن كانت الوكالة اليهودية تنصحهم بالتنصر). وبدأت عملية التهجير حوالى 1977، فكانت تصل بضع مئات. وحينما قامت الثورة الإثيوبية، توقفت العملية ثم استمرت بشكل سرى. ثم وضع مخطط التهجير فى أواخر السبعينيات. وفى عام 1984، نفذ مخطط التهجير على نطاق واسع فيما عرف باسم "عملية موسى" إذ تم نقل حوالى12 ألف إثيوبى فى جسر جوى سرى عبر السودان (كان عدد المهجرين الإجمالى فى هذه الفترة 37,14). وقد تمت العملية فى سرية كاملة حيث فرض تعتيم إعلامى كامل، إلى أن نشرت إحدى نشرات المستوطنين الصهاينة فى الضفة الغربية (نكوداه) أن معظم يهود إثيوبيا موجودون فى إسرائيل. ويقال إن تسريب نبأ هجرة يهود الفلاشاه قام به موظف كبير من حزب المفدال الدينى بهدف وقف الهجرة، وهو ما يدل على وجود انقسام فى الأوساط الصهيونية حيال هذه العملية. وكانت حكومة الولايات المتحدة من أكثر الحكومات حماساً، بل وألمحت صحيفة واشنطن بوست إلى إن الحكومة الأمريكية هى التى ضغطت على الدولة الصهيونية لتقبل الفلاشاه، وقد خصص صندوق اللاجئين التا