Advertisement

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية 7

المجلد السابع: إسرائيل.. المستوطن الصهيوني



الجزء الأول: إشكالية التطبيع والدولة الوظيفية


الباب الأول: إشكالية التطبيع

التطبيـــــــع
Normalization
«التطبيع» هو تغيير ظاهرة ما بحيث تتفق في بنيتها وشكلها واتجاهها مع ما يعده البعض «طبيعياً». ولكن كلمة «طبيعة» كلمة لها عدة معان. وقد استخدمنا هذه الكلمة بمعنى «الطبيعة/المادة»، والتطبيع في هذه الحالة يعني إعادة صياغة الإنسان حسب معايير مستمدة من عالم الطبيعة/المادة بحيث تصبح الظاهرة الإنسانية في بساطة وواحدية الظاهرة الطبيعية/المادية.

ولكن كلمة «طبيعي» يمكن أن تعني «مألوف» و«عادي»، ومن ثم فإن التطبيع هو إزالة ما يعده المطبَّع شاذاً، ولا يتفق مع المألوف والعادي و«الطبيعي».

وقد ظهر المصطلح لأول مرة في المعجم الصهيوني للإشارة إلى يهود المنفى (العالم) الذين يعدهم الصهاينة شخصيات طفيلية شاذة منغمسة في الأعمال الفكرية وفي الغش التجاري، ويعملون في أعمال هامشية مثل الربا وأعمال مشينة مثل البغاء. وقد طرحت الصهيونية نفسها على أنها الحركة السياسية والاجتماعية التي ستقوم بتطبيع اليهود، أي إعادة صياغتهم بحيث يصبحون شعباً مثل كل الشعوب (انظر الباب المعنون «مسألة الحدودية والهامشية»، وانظر أيضاً المداخل التالية: «إصلاح اليهود واليهودية» ـ «نفع اليهود» ـ «تطبيع الشخصية اليهودية»). ومع إنشاء الدولة الصهيونية اختفى المصطلح تقريباً من المعجم الصهيوني بسبب حاجة الدولة الصهيونية الماسة لدعم يهود العالم لها.

ولكن المصطلح عاود الظهور مرة أخرى في أواخر السبعينيات بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد. ولكنه طُبِّق هذه المرة على العلاقات المصرية الإسرائيلية، إذ طالبت الدولة الصهيونية بتطبيع العلاقات بين البلدين، أي جعلها علاقات طبيعية عادية، مثل تلك التي تنشأ بين أي بلدين. وقد قاوم الشعب المصري هذا التطبيع.

الشـــــذوذ البنيـــــوي
Structural Abnormality
إذا كانت بنية الظاهرة هي مجموعة العلاقات المتشابكة التي تكوِّن هذه الظاهرة وتمنحها صفاتها الأساسية ومنحناها الخاص الذي يميزها عن غيرها من الظواهر، فإن الشذوذ البنيوي هو حالة لصيقة ببنية هذه الظاهرة، أي بتركيبها الجوهري. وإصلاح هذا الشذوذ يعني تغيير بنية هذا الشيء تماماً.

ونحن نذهب إلى أن السمة الأساسية للدولة الصهيونية أنها تجمُّع استيطاني إحلالي يوظِّف الديباجات اليهودية، وأن نقطة انطلاقه هي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المهوَّدة، التي تذهب، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، إلى أن اليهود شعباً عضوياً يعيش في الغرب ولا ينتمي إليه، ولذا يجب أن يوطَّن في أرض أجداده، أي فلسطين، التي يجب أن تفرغ ممن قد يتصادف وجوده فيها من البشر. وقد ترجمت هذه الصيغة إلى الشعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".

التطبيـــع السياســـــي والاقتصــــادي
Political and Economic Normalization
«التطبيع السياسي والاقتصادي» هو إعادة صياغة العلاقة بين بلدين بحيث تصبح علاقات طبيعية. وتصر إسرائيل على أن التطبيع السياسي والاقتصادي بينها وبين الدول العربية هو شرط أساسي لتحقيق السلام في الشرق الأوسط. ولكن يوجد خلل أساسي في المفهوم وفي المحاولة، فالتطبيع السياسي والاقتصادي يجب أن يتم بين بلدين طبيعيين، وهو الأمر الذي لا يتوافر في الجيب الاستيطاني الصهيوني بسبب شذوذه البنيوي. فالدولة الصهيونية لا تزال تجمُّعاً استيطانياً وليس دولة للمواطنين الذين يعيشون داخل حدودها. ويعطي قانون العودة الحق ليهود العالم في "العودة" إلى فلسطين المحتلة باعتبارها وطن أجدادهم بعد أن تركوها منذ ألفي عام، وينكر هذا الحق على الفلسطيني الذي اضطر لمغادرة فلسطين منذ بضعة أعوام. كما يتبدى الشذوذ البنيوي في علاقة الدولة الصهيونية بالمنظمة الصهيونية وبالوكالة اليهودية، فهي علاقة شاذة ليس لها نظير في الدول الأخرى. وإسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تتمتع بعضوية مشروطة بهيئة الأمم المتحدة، وشرط قبولها في المنظمة الدولية هو إعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين، وهو الأمر الذي لا توجد أية مؤشرات على احتمال تنفيذه في المستقبل القريب.

ويتبدى شذوذ إسرائيل البنيوي بشكل واضح في علاقتها بالفلسطينيين ومحاولتها الدائبة أن تحاصرهم مجازياً وفعلياً، وأن تفتت وجودهم القومي وأن تضرب عليهم بيد من حديد وأن تستغلهم باعتبارهم مادة بشرية وسوقاً للسلع. كما يتبدى في علاقتها بالعالم العربي الذي تراه باعتباره "المنطقة"، أي مجرد مكان لا تاريخ له ولا اتجاه، ولذا فهي تعتبره سوقاً للسلع ومصدراً للمواد الخام والعمالة الرخيصة وحسب، وتطرح السوق الشرق أوسطية بديلاً للسوق العربية المشتركة. لكل هذا تصبح محاولة التطبيع مع الفلسطينيين ومع الدول العربية محاولة يائسة ترتطم ببنية الكيان الصهيوني الشاذة غير الطبيعية التي تتبدى في سلوكه الشاذ غير الطبيعي.

التطبيـــــــــع المعرفــــــــي
Epistemological Normalization
«التطبيع المعرفي» هو محاول إضفاء صبغة طبيعية على ظاهرة لها خصوصيتها وتفردها وشذوذها بحيث تبدو هذه الظاهرة وكأنها تنتمي إلى نمط عام متكرر هي في واقع الأمر لا تنتمي له، ومن ثم يتم إدراكها وتخيُّلها ورصدها داخل هذا الإطار. ونحن نذهب إلى أن الخطاب السياسي العربي في تحليله للظاهرة الصهيونية قد سقط في محظورين:

1 ـ المغالاة في التخصيص إلى درجة الأيقنة وهي سمة يتسم بها الخطاب المعادي لليهود الذي يرى أن اليهود مصدر كل شرور العالم، وأن الدولة الصهيونية تعبير عن المؤامرة الصهيونية الأزلية. وهذا الخطاب يخرج بالظاهرة الصهيونية من عالم الظواهر الإنسانية ويدخل بها عالم الظواهر الشيطانية، ومن ثم فلا حل لها.

2 ـ المغالاة في التعميم وإسقاط كل سمات الخصوصية، وهي سمة يتسم بها الخطاب الذي يصف نفسه بأنه «علمي» و«موضوعي»، والذي يذهب إلى أن الدولة الصهيونية هي دولة مثل أي دولة أخرى، ومن ثم يصبح الحديث عن الدولة الصهيونية حديثاً عاماً عن "قوة العدو العسكرية والاقتصادية" دون أي اهتمام بالمنحنى الخاص للظاهرة الصهيونية.

وقد أدَّت المغالاة في التعميم، باسم العلمنة والموضوعية، إلى تطبيع النظام السياسي الإسرائيلي، أي محاولة دراسته باعتباره كياناً سياسياً طبيعياً عادياً بحيث تُستخدَم نفس المقولات التحليلية العامة التي تُستخدَم في دراسة النظم السياسية في العالم الغربي، وكأن الكيان السـياسي الإسـرائيلي لا يختلف في أسـاسـياته عن أي كيان سياسي آخر. فيتم الحديث عن نظام الحزبين في الديموقراطية الإسرائيلية، وعن أن كلاًّ من إنجلترا وإسرائيل لا يوجد فيهما دستور؛ أو أن النظام السياسي الإسرائيلي يتبع النمط الأنجلو أمريكي (الثنائي) لا النمط الأوربي الأكثر تعددية؛ وأن النقابات العمالية قوية في إسرائيل، كما هو الحال في أوربا وليس كما هو الحال في الولايات المتحدة.

وعلماء السياسـة العرب الذين يتبنون مثل هذه الرؤية يُخطئـون مرتين: من الناحيـة المعرفيـة ومن الناحيـة الأخلاقيـة. فمن الناحية المعرفية، يمكن القول بأن وصفهم للظاهرة الصهيونية ليس ذا مقدرة تفسيرية عالية، فهو غير قادر على تفسير ظاهرة مثل المنظمة الصهيونية أو دور الوكالة اليهودية التي تساعد سكان الدولة الصهيونية من اليهود، وتستبعد العرب، فهذه المؤسسة ليس لها نظير في أية «ديموقراطية» أخرى. كما أنه غير قادر على تفسير قانون العودة، ولا ضخامة الدعم المادي والمعنوي الذي يقدمه العالم الغربي للجيب الصهيوني. كما أنهم يُخطئون من الناحية النضالية والأخلاقية: إذ كيف يمكن الحديث عن ديموقراطية تستند إلى حادثة اغتصاب أرض وذبح بعض سكانها وطرد البعض الآخر واستبعاد لمن تبقى من العملية السياسية نفسها؟ والفشل الإدراكي المعرفي التفسيري هنا هو نفسه الفشل النضالي الأخلاقي، إذ أن التطبيع يخفي عن الأنظار (وعن الضمير) الظروف الخاصة بالكيان الصهيوني ككيان استيطاني إحلالي، كما يخفي حقيقة أن استيطانية الكيان الصهيوني وإحلاليته واعتماده الكامل على الدعم الغربي هو القانون الأساسي الذي يحكم ديناميته ومساره في الماضي والحاضر. فهذه الاستيطانية الإحلالية هي التي تُفسِّر عدم وجود دستور حتى الآن في إسرائيل، وتُفسِّر أهمية قانون العودة ومركزيته. وهذه الاستيطانية الإحلالية هي التي تجعلنا نكتشف أن الأحزاب الإسرائيلية ليست في أساسها أحزاباً وإنما مؤسسات استيطانية استيعابية تضطلع بوظائف لا تضطلع بها الأحزاب السياسية في الدول الأخرى ويتم تمويلها عن طريق المنظمة الصهيونية "العالمية". وهذه الاستيطانية الإحلالية هي التي تُفسِّر ضخامة الدعم الإمبريالي لإسرائيل ودور إسرائيل كدولة وظيفية.

وظاهرة مثل الكيبوتسات (المزارع الجماعية) وظواهر أخرى مثل عسكرة المجتمع الإسرائيلي، والطبيعة الاستيطانية الإحلالية للدولة الصهيونية، واعتماد وجودها واستمرارها على الولايات المتحدة بشكل تام، وإدراك الصهاينة لهذا الواقع بدرجات متفاوتة هو الذي يحدِّد سلوكهم وحربهم وسلمهم، وما ينكرونه علينا وما قد يُقررون منحنا إياه. وإسقاط هذه الأبعاد الخاصة يجعل عملية التطبيع المعرفية المنهجية عملية تسويغ وتبرير غير واعية للوجود الصهيوني وإضفاء درجة من الشرعية عليه.

وسنحاول في مداخل هذا المجلد أن نتناول خصوصية الظاهرة الصهيونية وأن نبيِّن البُعد الصهيوني أو «صهيونية» الظواهر الإسرائيلية المختلفة.

تطبيـــــــــع المصطلــــــــح
Normalization of Terminology
حاول الخطاب السياسي العربي أن يتعامل مع الظاهرة الصهيونية في تفردها وعموميتها، فهي كانت بالفعل ظاهرة جديدة كل الجدة على الشعب العربي سواء في فلسطين أن خارجها: أن تأتي كتلة بشرية، تحت رايات الاستعمار البريطاني وتدريجياً تبدأ في احتلال الأرض إما بالقوة العسكرية أو من خلال شراء الأراضي إما مباشرةً من بعض كبار الملاك أو بشكل غير مباشر من خلال وسطاء ثم تتحول الكتلة البشرية الغازية، بين يوم وليلة، إلى دولة تستولي على جزء كبير من فلسطين ثم تقوم بطرد السكان الأصليين، يساندها في ذلك العالم الغربي بأسره.

ورغم أن التجربة الصهيونية الاستيطانية تجربة فريدة في كثير من جوانبها إلا أن هناك جوانب منها مشتركة مع ظواهر أخرى، فهي جزء من الغزوة الاستعمارية التي أخذت شكل استعمار عسكري مباشر في بعض البلدان العربية. فهناك التجربة المصرية والسودانية والعراقية واليمنية مع الاستعمار البريطاني، والتجربة السورية واللبنانية والمغربية والتونسية مع الاستعمار الفرنسي، والتجربة الليبية والصومالية مع الاستعمار الإيطالي. كما أخذت الغزوة الاستعمارية شكل الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر. كما يُلاحَظ أن الاستعمار الإنجليزي أخذ شكل الاستعمار الاستيطاني الإحلالي في جنوب السودان، حيث قام بنقل (ترانسفير) السودانيين المسلمين حتى يجعل الجنوب خالياً من العرب (بالألمانية: أراب راين Arabrein)

وفي محاولة الخطاب العربي وصف الغزوة الصهيونية في خصوصيتها وعموميتها، كان أول مصطلح استُخدم هو «إسرائيل المزعومة»، وهو مصطلح ليس له أية مقدرة تفسيرية، وكان تعبيراً عن عدم التصديق العربي لما حدث. وظهرت مصطلحات مماثلة أخرى مثل «شذاذ الأفاق». وهو مصطلح استُخدم في فلسطين للإشارة إلى المستوطنين الصهاينة، يحاول التهوين بشكل مبالغ فيه من ظاهرة الغزو الصهيوني، وإن كان قد نجح في رصد ظاهرة عدم التجذر التي تسم المجتمعات الاستيطانية. ولكن مع منتصف الخمسينيات بدأ الحديث عن إسرائيل باعتبارها "مخلب القط" للاستعمار الغربي (وهو مصطلح استمر فيما بعد في عبارة "إسرائيل كحاملة طائرات")، وباعتبارها "قاعدة الاستعمار الغربي". وهي مصطلحات تقترب إلى حدٍّ ما من الطبيعة الوظيفية للظاهرة الصهيونية.

ولا يزال الخطاب العربي يتأرجح في محاولته تسمية دولة إسرائيل فهي أحياناً «الدولة الصهيونية» وأحياناً أخرى «الدولة اليهودية»، وهناك من يشير إليها أحياناً باعتبارها «الدولة العبرية». ونحن لا نستخدم اصطلاح «الدولة اليهودية» (إلا إذا اضطرنا السياق لذلك) لأن ليس له قيمة تصنيفية أو تفسيرية، إذ لا يمكن تفسير سلوك إسرائيل استناداً إلى التوراة والتلمود. كما لا نستخدم مصطلح «الدولة العبرية» لأنه لا دلالة له، ولأنه يحاول تطبيع الدولة الصهيونية إذ أنه يفترض وجود ثقافة عبرية وهوية عبرية ذات مصالح قومية محددة، وهو أمر خلافي إلى حدٍّ كبير. فالدولة الصهيونية لا تزال تدَّعي أنها دولة كل يهود العالم، وهي ولا شك مجتمع مهاجرين غير مستقر ولم تتحدد هويته بعد. وهي لا تزال تشغل الأرض الفلسطينية وترفض عودة الفلسطينيين. ومن ثم فنحن نشير لإسرائيل باعتبارها «الدولة الصهيونية»، و«الصهيونية» هنا تعني «الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني». كما نشير لها بأنها «الدولة الوظيفية» أو «الدولة الصهيونية الوظيفية»!

وهناك بعض المصطلحات مثل: «فلسطين المحتلة» ـ «التجمُّع الصهيوني» ـ «الكيان الصهيوني» ذات مقدرة تفسيرية عالية لأنها لا تعكس الإدراك العربي للظاهرة الصهيونية وحسب، وإنما تقترب إلى حدٍّ كبير من بنية الكيان الصهيوني.

فلســـطين المحتلــة
Occupied Palestine
«فلسطين المحتلة» مصطلح يتواتر في الخطاب السياسي العربي يؤكد أن وضع فلسطين لم يتقرر بعد وأنها لم تصبح بعد إسرائيل بشكل نهائي، وأن الأمور لم يتم تسويتها وتطبعها، وأن فلسطين في نهاية الأمر ليست "أرضاً بلا شعب" كما كان الزعم. لكل هذا فنحن نرى أن مصطلح «فلسطين المحتلة» مصطلح منفتح يترك الباب مفتوحاً أمام الجهاد والاجتهاد، ولا يقبل الأمر الواقع والوضع القائم (المبني على الظلم) باعتباره نهائياً. وبعد عام 1967 تشير كثير من الأدبيات العربية إلى «فلسـطين المحتلة عام 1948» مقابل «فلسـطين المحتلة بعد عام 1948».

وكثير من الصهاينة يدركون هذا البُعد في الخطاب العربي. وقد صرح مناحم بيجين وغيره أنه لو كانت «إسرائيل» هي «فلسطين»، لفقدت الصهيونية صفتها باعتبارها حركة تحرُّر وطني للشـعب اليهـودي وأصبحت عملية اسـتعمار واغتصاب. وعلى كلٍّ قررت الدولة الصهيونية ألا تغلق باب الاجتهاد تماماً ولذا فهي لم تحدد حدودها حتى الآن، وهي مستمرة بكل إصرار في إقامة المستوطنات للصهاينة والمعازل للفلسطينيين، أي أنها بمعنى من المعاني رفضت تطبيع ذاتها، مما يعني أن الحلبة لا تزال مفتوحة لكل أشكال الحوار الأخرى بما في ذلك الحوار المسلح، ومن ثم فإسقاط مثل هذا المصطلح هو سقوط في عملية التطبيع المعرفي والمصطلحي.

التجـمع الصـهيوني
Zionist Aggregate
«التجمُّع الصهيوني» مصطلح يُستخدَم في الخطاب التحليلي العربي للإشارة إلى الدولة الصهيونية التي تشير إلى نفسها أحياناً بأنها «الدولة اليهودية». والمصطلح يحاول أن يؤكد حقيقة أن إسرائيل لا تشكل مجتمعاً عادياً متماسكاً متجانساً يتسم بقدر معقول من الوحدة، وإنما هو مجرد تجمُّع من مجموعات بشرية، تتصارع فيما بينها إلا في مواجهة عدو خارجي (فهي أقرب إلى التركيب الجيولوجي التراكمي). والإشارة إلى الدولة الصهيونية باعتبارها "تجمعاً" لا يشكل سباً لها أو تقليلاً من شأنها وإنما هو محاولة جادة للتعرف على السمات الأساسية لهذا الكيان الغريب الذي له صفاته الخاصة (وأحياناً الفريدة).

الكيان الصهيوني
Zionist Entity
«الكيان الصهيوني» مصطلح يُستخدَم في الخطاب السياسي العربي للإشـارة إلى الدولة الصهيونية. وهو مصطـلح له مقدرة تفسيرية عالية لأنه منفتح، فهو لا يقبل القول بأن ما أُسِّس على أرض فلسطين هو مجتمع يهودي متجانس تحكمه دولة عادية، وإنما هو كيان كائن لم تتحدد صفاته بعد، أي أن المصطلح هنا يؤكد الشذوذ البنيوي لهذا الكيان الذي غُرس في فلسطين المحتلة غرساً وفُرض عليها فرضاً. ولأنه كيان مشتول لا جذور له فإنه يمكن أن "يُنفَض" كما يُنفَض الغبار (ومن هنا كان مصطلح «الانتفاضة»).

واستخدام كلمة «كيان»، شأنها شأن عبارة «فلسطين المحتلة» و«تجمُّع» لا تتضمن أيَّ شكل من أشكال السب أو القدح، وإنما هو محاولة جادة للابتعاد عن القوالب اللفظية الجاهزة التي تسقط في العموميات وتتجاهل المنحنى الخاص للظاهرة وتقوم بالتطبيع المعرفي للظاهرة الصهيونية. واستخدام هذه المصطلحات لا يعني أن «الكيان الصهيوني» أقل قوة أو بطشاً أو تواجداً من الناحية العسكرية من «الدولة الصهيونية»، فجماعات المغول التي اكتسحت العالم الإسلامي وأسقطت الخلافة وهدَّدت العالم المسيحي، لم يكن تشكل دولة ولا حتى قبائل رعوية في بقعة محددة، وإنما، كما يبدو، كانت فائضاً سكانياً ضخماً قذفت به سهوب منغوليا الشاسعة عبر موجات متكررة، فاكتسحت الصين والهند ثم العالم الإسلامي. وكان هذا الفائض يتسم ببراعة عسكرية فائقة ومقدرة على إدارة الحرب النفسية وكان يحمل رغبة صادقة في تحطيم الحضارة الإنسانية باعتبارها تعبيراً عن شكل من أشكال الانحلال.

والكيان الصهيوني هو أيضاً شيء فريد، فائض بشري أرسلته أوربا إلى فلسطين، بعد أن قامت بتسليحه ودعمه وتغطيته عسكرياً وسياسياً واقتصادياً. وأوربا تشكيل حضاري أحرز تقدماً تكنولوجياً ضخماً تملك ناصيته المستوطنون الصهاينة، كما تملَّكوا ناصية أساليب الإدارة المتقدمة التي طوروها. ولكن كل هذا لا يجعلهم مجتمعاً أو دولة "عادية"، ومن هنا استخدام مصطلح مثل «تجمُّع» أو «كيان».

المشروع الصهيوني
Zionist Project
«المشروع الصهيوني» عبارة تتردد في الخطاب السياسي العربي يُقصد منها أحياناً المخطط الصهيوني لاحتلال فلسطين وطرد أهلها أو الهيمنة عليهم (ويُقصد منها أحياناً أخرى المؤامرة اليهودية التي لا تنتهي).

ويمكن القول بأن المشروع الصهيوني هو النموذج المثالي الصهيوني (ما ينبغي أن يكون). وتتبدى من خلال هذا المشروع كل سـمات الشـذوذ البنيوي التي اتضحت فيما بعد من خلال الأداء الصهيوني. فالمشروع يتحقَّق في الزمان والمكان، الأمر الذي يعني أن التناقُض بين ما ينبغي أن يكون وما يتحقَّق بالفعل يأخذ في الظهور. ومع هذا يردد كثير من العرب أن المشروع الصهيوني خطة محكمة آخذة في التحقُّق بحذافيرها، وأن هرتزل على سبيل المثال تنبأ بأن الدولة الصهيونية ستُقام بعد خمسين عاماً وأن نبوءته قد تحققت بالفعل. وما يغفل عنه الكثيرون أن عدد النبؤات الصهيونية الذي لم يتحقق يفوق كثيراً عدد ما تحقَّق. فقد تنبأ هرتزل عام 1904 أن ألمانيا هي التي ستأخذ الدولة الصهيونية تحت جناحيها، أي قبل أن تأخذ الدولة النازية أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا تحت جناحيها (على طريقتها الجهنمية الخاصة) بثلاثين عاماً. وقد تنبأ بن جوريون بأنه بعد إنشاء الدولة بسنتين أو ثلاثة ستستسلم كل الدول العربية وستوقِّع معاهدات سلام مع الدولة الصهيونية وأن الفلسطينيين العرب سيتركون أراضيهم بحثاً عن الثروة في بقية العالم العربي.

ولكن الأهم من هذا كله هو التناقضات العميقة التي ظهرت والتي زادت من الشذوذ البنيوي للكيان الصهيوني. فقد خطط الصهاينة على سبيل المثال لتأسيس دولة يهودية خالصة كان من المفروض أن يهرع لها كل يهود العالم أو غالبيتهم، وكان المفروض أن تكون هذه الدولة دولة مستقلة تعتمد على نفسها وتشفي اليهود من طفيليتهم. وغني عن القول أن شيئاً من هذا لم يحدث وأن أعضاء الجماعات اليهودية لا يزالوا في أوطانهم الأصلية الحقيقية، فهم ليسوا شعباً بلا أرض، يتساءلون عن يهودية الدولة اليهودية، والأسوأ من هذا أن العرب لا يزالون يقاومون هذا الكيان الصهيوني ومشروعه فيفتحونه ويكشفون شذوذه البنيوي ويؤكدون أن فلسطين ليست أرضاً بلا شعب.

السمات الأساسية للمشروع الصهيوني
Main Traits of the Zionist Project
تتضح السمات الأساسية للمشروع الصهيوني في عدة حقائق سنبينها على النحو التالي:

1 ـ ظهرت الفكرة الصهيونية في أوربا في القرن التاسع عشر، وهو عصر الاستعمار الأوربي القومي للقوميات الأخرى، وقد استمد كثيراً من مبرراته من الأفكار القائمة على التمييز العنصري، وتلك الخاصة بتفوق الرجل الأبيض، وغيرها من الأفكار المثيلة الرائجة آنذاك.

2 ـ انطلقت فكرة قيام كيان يهودي، ثم تحوَّل إلى صهيوني، من قبَل الزعامات الأوربية قبل أن تتحول إلى تنظيم لليهود والصهاينة:

أ) فقد أعلن نابليون عام 1799 عن استعداده للسماح لليهود بإعادة بناء الهيكل في القدس إذا ساعدوه في حربه مع بريطانيا العظمى من أجل السيادة على الشرق الأدنى والطريق إلى الهند.

ب) وأعلن بسمارك عن رغبته في إنشاء كيان يهودي حول نهر الفرات لحماية مشروع خط الملاحة الألماني التجاري الذي فكرت ألمانيا آنذاك في إنشائه لتخرج من دائرة احتكار بريطانيا للطرق التجارية المؤدية إلى الشرق الأقصى.

جـ) في عام 1837 طلب بالمرستون رئيس وزراء بريطانيا من سفيره في استنبول الاتصال بيهود الشرق الأدنى ليطلبوا حماية بريطانيا لتتمكن من تحقيق وجود لها على غرار الوجود الذي حققته فرنسا في الشرق الأدنى تحت شعار حماية المسيحيين الكاثوليك وذاك الذي حققته روسيا القيصرية أيضاً تحت شعار حماية المسيحيين الأرثوذكس.

د) بعد قيام الحركة الصهيونية بتشجيع ألماني بريطاني جرى صراع حول الاستقطاب إلى أن نجحت بريطانيا في احتواء الحركة الصهيونية وإبعاد النفوذ الألماني، بوصول وايزمان وبن جوريون إلى موقع القيادة الأول.

هـ) صدر وعد بلفور من بريطانيا، إلا أن صياغته وصدوره كان جهداً بريطانياً أمريكياً مشتركاً.

و) تأخرت أمريكا في توقيع موافقتها على صك الانتداب الفرنسي والبريطاني على فلسطين والأردن وسوريا ولبنان مدة سنتين، ولم توقعه إلا بعد أن حصلت من بريطانيا وفرنسا على حقوق اقتصادية متساوية معهما في الشرق العربي.

ز) مع أن صك الانتداب على غير فلسطين نص على تمكين الشعوب ذات العلاقة من الوصول إلى مرحلة الاستقلال الوطني، إلا أن صك الانتداب على فلسطين تضمن (في المادة الثالثة منه) على تهيئة الأوضاع في فلسطين لإقامة كيان يهودي فيها.

ح) منذ قيام الكيان الصهيوني والمؤسسة المحورية فيه هي المؤسسة العسكرية، ودور القوة العسكرية الصهيونية فيه هو حماية مصالح الاستعمار في المنطقة (عدوان السويس 1956) ثم تحولت إلى قاعدة عسكرية أمريكية، فضلاً عن كونها أكبر القواعد العسكرية فاعلية بسبب موقعها الجغرافي وبسبب الدعم العسكري الأمريكي غير المحدود لبناء قوتها العسكرية، كما أنها من أقل القواعد العسكرية كلفة (450 ألف جندي في حالة التعبئة، تكـلف أمريكا حوالي خمـس مليارات دولار فقـط سنوياً).

ط) أصبح الكيان الصهيوني العسكري جزءاً أساسياً من إستراتيجية حلف الأطلسي في إستراتيجية المواجهة مع الاتحاد السوفيتي في منطقة الشرق الأدنى، وتحولت ذلك وبأهدافها الخاصة (إسرائيل الكبرى) إلى مركز مؤثر حاد، مضاد للسلام المجتمعي والإقليمي في المنطقـة. ومركز جذب للصراع بين الدول الـكبرى بما يهـدد السلام العالمي.

3 ـ الفـكرة الصهـيونية منذ أن قامت وكما عرفـها المفكرون الصهاينة هي:

أ) إقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات كهدف إستراتيجي يتم تنفيذه على مراحل.

ب) تنفيذ هذه الفكرة بالحرب العدوانية التوسعية الاستيطانية وضخ سـكان المنطقـة إلى الخارج بالإرهاب وضخ يهود العالم إلى الدولة بالإكراه.

جـ) عدم وضع دستور بالمعنى التقليدي لدولة الكيان الصهيوني والاكتفاء بمجموعة قوانين أساسية وذلك لتفادي وضع حدود للدولة، تقيد العمل من أجل تحقيق إسرائيل الكبرى.

4 ـ يقوم الكيان الصهيوني في إطار فلسفته المجتمعية على أكثر حالات التمييز العنصري والديني والطائفي والعرْقي، حدة عبر التاريخ:

أ) فهناك تمييز بين اليهود اللاساميين (الأوربيين والأمريكان والروس) القدامى والجدد.

ب) وهناك تمييز بين اليهود اللاساميين واليهود الساميين (العرب) لمصلحة اليهود اللاساميين.

جـ) وهناك تمييز أكثر حدة في الحقوق والواجبات بين اليهود وغير اليهود وبخاصة العرب (الساميون) المسلمون والمسيحيون من الفلسطينيين (السكان الأصليين للبلاد).

د) وتفسر الصهيونية خطر السماح للفلسطينيين المسلمين والمسيحيين بالعودة إلى وطنهم، بأن هذه العودة تؤدي إلى الإخلال بصفاء المجتمع اليهودي.

5 ـ قامت إسرائيل كدولة صهيونية من خلال ما يُسمَّى بالشرعية الدولية المتمثلة في قرار الجمعية العمومية المتحدة في نوفمبر عام 1947 بتقسيم فلسطين، مع أن هذا القرار يتناقض مع المبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، لأنه صادر إرادة شعب فلسطين وحقه في تقرير مصيره، فضلاً عن أن تهجير تجمعات بشرية إلى وطن يسكنه شعبه رغم إرادة هذا الشعب، ثم إعطاء هؤلاء المهاجرين حق سلب جزء من الوطن، عمل يتناقض مع الحقوق الطبيعية للشعوب التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة وإعلان حقوق الإنسان.

6 ـ دولة إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي قامت بفعل الغير ووفق شروط تفصيلية تناولت حتى مبادئ الدستور ونصت على عدم المساس بالحقوق السياسية والمدنية والثقافية والدينية والاقتصادية لغير اليهود في القسم المخصص لليهود في فلسطين.

7 ـ إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي وضع على قبول عضويتها في الأمم المتحدة شروط حددها بروتوكول لوزان الذي وقعته حكومة إسرائيل. وأهم هذه الشروط قيام إسرائيل بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين بما في ذلك شروط قرار التقسيم وقيام دولة إسرائيل وقرار حق الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم وبيوتهم وممتلكاتهم، والتعويض لمن لا يرغب في العودة منهم. ولكن إسرائيل ترفض حتى الآن تنفيذ أي قرار من قرارات الأمم المتحدة، بما في ذلك ما يتصل بحدودها وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم وبيوتهم وممتلكاتهم فيها، وهو ما يجعل عضويتها في الأمم المتحدة باطلة وغير شرعية.

8 ـ ترفض إسرائيل عملياً الالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان على غير اليهود، كما ترفض الالتزام بالمواثيق الدولية ومنها اتفاقيات جنيف في كيفية التعامل مع شعب الأراضي المحتلة. ولا توجد دولة في الأمم المتحدة، صدرت بحقها قرارات إدانة في هذا المجال ومجال رفضها الالتزام بميثاق الأمم المتحدة وقراراتها كما صدر بحق دولة إسرائيل، بما في ذلك ما يتصل بانتهاكاتها سيادة دول المنطقة وانتهاكاتها اتفاقيات الهدنة. (لبنان ـ السعودية ـ سوريا، مصر ـ العراق ـ الأردن(.

9 ـ لم يعلن القادة الصهاينة قبل قيام دولة إسرائيل موافقتهم على قرار التقسيم ورفضوه كما رفضه شعب فلسطين، ولكنهم في الاجتماع الذي عُقد في تل أبيب في ديسمبر عام 1947 قرروا عدم إعلان رفضهم له أو موافقتهم عليه، والعمل على تنفيذه كمرحلة أولى من مراحل العمل من أجل تحقيق الاستيلاء على كل فلسطين كقاعدة انطلاق باتجاه تحقيق إسرائيل الكبرى كهدف نهائي جغرافياً.

10 ـ إن التجمُّع البشري الذي يتألف منه الكيان الصهيوني لم يصل إلى مستوى المجتمع المتكامل للأسباب التالية:
· الإجــماع الصـهيونى
· الاعتــــدال والتطـــرف:المنظــــورالصهيـــونى.

الإجــماع الصـهيوني
Zionist Consensus
«الإجماع» في عالم السياسة هو الاتفاق بين النخبة والغالبية الساحقة من الشـعب بشأن عدد من المسـلمات الفلسـفية والأخلاقية والسياسية. و«الإجماع الصهيوني» هو اتفاق داخل الدولة الصهيونية بين التيارات والاتجاهات والأحزاب الصهيونية التي تضم الغالبية الساحقة من المستوطنين الصهاينة بشأن الأمن وحدود الدولة والعلاقة مع الفلسطينيين ومع يهود العالم ودول العالم، وبخاصة دول العالم الغربي وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي ترعى الكيان الصهيوني. وقد تظهر اختلافات بشأن الوسائل والنهج، ولكنها لا تنصرف قط إلى المسلمات النهائية. (والعقد الاجتماعي الذي يستند إليه التجمُّع الصهيوني هو نفسه هذا الإجماع، وهو الذي يشكل المرجعية النهائية لكل الأحزاب والتيارات الصهيونية).

وقد اهتزت معظم هذه المسلمات، نقول "اهتزت" ولا نقول "زالت". إذ أنه رغم الاهتزاز هذا، الذي فرضه الواقع المقاوم على المستوطنين الصهاينة فرضاً، تظل غالبيتهم الساحقة تدور في إطار الإجماع الصهيوني، الذي يمكن تلخيصه فيما يلي:

1 - اليهود شعب واحد، طليعته هم المستوطنون الصهاينة، وفلسطين هي أرض الميعاد أو إرتس يسرائيل (وطن اليهود القومي) وليست فلسطين، وطن أهلها. وحدود إرتس يسرائيل مراوغة مطاطة لا يمكن تحديدها في الوقت الحاضر، إذ لابد أن تتوسع إسرائيل لتصل لحدودها "التاريخية" (التي ورد ذكرها في التوراة!). وعلى يهود العالم أن يهاجرو إلى إرتس يسرائيل وأن يلتفوا حول دولتهم الصهيونية القومية ويقوموا بدعمها مالياً وسياسياً فهي المركز وهم الهامش. هذه الدولة يجب أن تكون دولة يهودية خالصة (دولة اليهود ودولة يهودية في آن واحد) تجسِّد الرؤى اليهودية، وبإمكان اليهودي أن يحقِّق فيها ذاته وهويته.

ولكن الدولة الصهيونية بدأت تدرك أن اليهود ليسوا شعباً واحداً (كما كان يدَّعي الصهاينة قبل عام 1948). وسؤال من هو اليهودي لا يزال سؤالاً ملحاً، يطرح نفسه على الدولة الصهيونية وعلى قاطنيها من المستوطنين الصهاينة. كما أدرك الصهاينة أن فلسطين، من خلال مقاومة أهلها، لم تعد لقمة مستساغة أو مطية سهلة أو مجالاً مفتوحاً للتوسع الصهيوني. ولم تَعُد الدولة الصهيونية تطلب من يهود العالم الغربي الهجرة إليها ولم تَعُد تتبع الأسلوب العقائدي العدواني الذي كانت تتبعه في الماضي. ومن هنا كف الحديث عن الشعارات القديمة مثل «جمع المنفيين» و«غزو الجاليات» و«تصفية الدياسبورا» و«إسرائيل الكبرى حدودياً»، وبدأ، بدلاً من ذلك، الحديث عن «الصهيونية التكنولوجية» أو «الإلكترونية» (أي التي تساهم في بناء "الوطن القومي اليهودي" من خلال التكنولوجيا والإلكترونيات)، كما يتحدث الصهاينة الآن عن «صهيونية الدياسبورا» و«إسرائيل العظمى اقتصادياً» المهيمنة على المنطقة الممتدة من المحيط إلى الخليج، أي أن الحركة الصهيونية قد قبلت بأمر واقع مفاده أن اليهود ليسوا شعباً واحداً وأن إسرائيل ليست وطنهم الوحيد وأن يهود المنفى لهم حق البقاء فيه، ومن هنا قبول الصهيونية التوطينية، والتنازل عن الأهداف القصوى للصهيونية الاستيطانية المطالبة بـ «تصفية الدياسبورا»، ومن هنا أيضاً محاولة توظيف يهود «المنفى» في منفاهم، أي أوطانهم.

2 - وجود الفلسطينيين في وطنهم فلسـطين - حسـب التصوُّر الصهيوني - أمر عرضي زائل، ومن ثم لابد من التخلص منهم بشكل ما (لتأسيس الدولة اليهودية المقصورة على اليهود). وانطلاقاً من كل هذا يصبح من "حق" الدولة الصهيونية أن "تدافع" عن نفسها وعن حقوقها المطلقة بكل ضراوة من خلال "جيش الدفاع الإسرائيلي" ضد "إرهاب" السكان الأصليين، أي الفلسطينيين ممن يرفضون الإذعان للرؤية الصهيونية. وقد تتفاوت مفاهيم السلام بين حزب صهيوني يميني وآخر صهيوني يساري ولكن في التحليل الأخير نجد أن مفهوم الأمن لدى الأحزاب الصهيونية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار يشير إلى مضمون واحد.

وينظر الصهاينة إلى القضية الفلسطينية باعتبارها «قضية أخلاقية» وحسب، ومن ثم يجب عدم الحديث عن "عودة" الفلسطينيين إلى ديارهم ("إعادة توطينهم" في المصطلح العربي)، وإنما يجب الحديث عن "منح تعويضات" مالية للمتضررين منهم. أما المتبقون فيُستوعَبون في أماكن وجودهم (أي في البلدان العربية المختلفة، وبخاصة سوريا ولبنان).

ومع هذا أدرك الصهاينة صعوبة التخلص من الفلسطينيين ومن وجودهم "العرضي الزائل". ولذا يحاول الصهاينة الآن قبول الأمر السكاني الواقع مع الاتجاه نحو تقليل الاحتكاك بالفلسطينيين ومحاصرتهم عبر إقامة كيان خاص بهم، لأنهم يهددون شرعية الوجود الصهيوني ذاته. ولكن الحديث عن "محاصرة السكان" هو نفسه دليل على الفشل الصهيوني في إنشاء الدولة الصهيونية الخالصة، وفي حماية المزاعم الصهيونية التي تحدتها الانتفاضة المباركة. وقد تحوَّل النظام الاستيطاني الصهيوني عن الإحلال وأصبح نظاماً مبنياً على التفرقة العنصرية (الأبارتهايد).

3 - سياسة الأمر الواقع هي السياسة الوحيدة التي يمكن اتباعها مع العرب، فالأمر الواقع هو الذي يغيِّر الواقع [العربي] ويفرض واقعاً ) صهيونياً] جديداً عليه ويمكن تحقيق السلام وبالشروط الصهيونية من خلاله.

وقد أثبتت الانتفاضة و"الحزام الأمني" في لبنان عدم جدوى الأمر الواقع وعبثيته واستحالة فرض السلام بالشروط الصهيونية. ولذا نجد أن الإجماع الصهيوني قد اهتز بشأن غزوات إسرائيل العسكرية "دفاعاً" عن نفسها (والتي تفرض الأمر الواقع والسلام بالشروط الصهيونية من خلالها)، فلا يوجد إجماع بشأن حرب لبنان، ولا يكف بعض أعضاء النخبة عن الحديث عن ضرورة الانسحاب من طرف واحد (وإن ظل الإجماع الصهيوني بشأن قمع الانتفاضة، لأنها تتحدى شرعية الوجود الصهيوني ذاتها). كل هذا يعني في واقع الأمر أن الإجماع الصهيوني يهتز في حالة قيام العرب بالمقاومة.

4 - لا يمكن تفكيك المستوطنات القائمة بالفعل، فتفكيك المستوطنات يضرب في صميم الشرعية الصهيونية، ولابد من الحفاظ عليها بشكل أو بآخر، والدولة الصهيونية تضم الضفة الغربية، وحدودها هي نهر الأردن. ولكن، هل يجب أن تكون هذه المستوطنات متصلة بطرق برية أم أنفاق تحت الأرض، أم تظل منفصلة؟ وهل هي مستوطنات أمنية مؤقتة أم دائمة؟ كل هذه أمور ثانوية يمكن الاختلاف بشأنها بين أعضاء حزب العمل وحزب الليكود. إذ يرى أعضاء الليكود أن حدود إسرائيل هي نهر الأردن بالفعل وأن الوجود الإسرائيلي هناك وجود دائم، أما العماليون فمستعدون "للخروج" من هذه الأرض (من الناحية النظرية على الأقل) للحفاظ على يهودية الدولة الصهيونية فيما يُسمَّى «الصهيونية السكانية». فضم الضفة الغربية بمن عليها سيجهز على الطابع اليهودي للدولة الصهيونية. وكل هذه الاختلافات السابقة إن هي إلا امتداد للاختلافات التي نشأت من البداية، بين التيارات الصهيونية المختلفة.

ولكن مع هذا نجد أن أمراً جوهرياً مثل الاستيطان، حجر الزاوية في الإجماع الصهيوني، قد يصبح هو الآخر موضع خلاف. فمع تزايد مشاعر العداء بين مستوطني عام 1948 (وراء الخط الأخضر) ومستوطني الضفة والقطاع، بسبب حجم الإنفاق الاقتصادي والعسكري العالي الذي ليس له عائد واضح، ظهرت أصوات كثيرة تصف هذا الاستيطان بأنه "مكلف"، أو "مترف"، أو كصنبور الماء المفتوح، وطالب البعض، من منظور صهيوني، بوقفه أو فكه أو تجميده، وبخاصة بعد أن أصبح الاستيطان «مكيف الهواء» وأصبح على الجيش حماية المستوطنين (بعد أن كانوا يشكلون طليعته العسكرية(.

5 - القدس هي العاصمة الموحدة والأزلية للدولة الصهيونية (وليست موضوعاً للمساومة) وبإمكان الفلسطينيين أن يأخذوا مكاناً خارج القدس وليسمونه ما يشاءون الـ Quds على سبيل المثال، وهذه (مع الأسف) ليست مجرد نكتة سياسية وإنما حقيقة صهيونية.

6 - الكيان الفلسطيني الذي سينشأ (في الضفة والقطاع) كيان سياسي منقوص السيادة، منزوع السلاح وبدون جيش. ويشبَّه الكيان الفلسطيني ببورتوريكو وأندورا (والأولى دولة حرة، تابعة للولايات المتحدة، لسكانها حق التصويت، دون أن يحملوا الجنسية الأمريكية، أما الثانية، فتخضع لنظام حكم تحت سيادة فرنسا وأسقف من إسبانيا [فهي تقع بين البلدين]). أما ماذا تُسمَّى هذه الدولة (هل هي «حكم ذاتي» أم «دولة فلسطينية مستقلة»؟) فهذه مسألة ثانوية يمكن الاختلاف بشأنها.

7 - يذهب الإجماع الصهيوني - رغم كل ديباجات الاستقلال الصهيوني والاعتماد على الذات ورفض الجوييم - إلى أنه دون الدعم الغربي، وبخاصة الأمريكي، للمستوطن الصهيوني لن يُقدر له البقاء والاستمرار، وأن هذا المستوطن الصهيوني هو أساساً دولة وظيفية أُسست للاضطلاع بوظيفة أساسية، هي الدفاع عن المصالح الغربية، وأن الغرب قد تبنى المشروع الصهيوني وضمن له البقاء والاستمرار كي يدافع عن مصالح الغرب في المنطقة، ودون أداء الدولة الصهيونية لوظيفتها، لن يكون هناك دعماً.

ولعل العنصر الوحيد الذي لم يهتز هو إدراك الصهاينة أن الدعم الأمريكي أمر حيوي وأساسي للبقاء والاستمرار الصهيونيين، أي أن كل الثوابت قد اهتزت وظهرت عليها التشققات والتغيرات إلا هذا العنصر، ومن هنا تسميتنا له "بالثابت الثابت". أما عناصر الإجماع الأخرى فقد ظهر أنها متغيرات خاضعة للتفاوض.

الاعتــــدال والتطـــرف: المنظــــور الصهيـــوني
Moderation and Extremism: Zionist Perspective
«الاعتدال» من «عدل» أي «سوى بين الشيئين». و«الاعتدال السياسي» هو أن يأخذ المرء موقفاً ينزع نحو المهادنة وتقديم التنازلات في سبيل تحقيق قدر من العدل والسلام. و«التطرف»، على خلاف «الاعتدال»، هـو «تجـاوز حد الاعتدال». وهـو على زنة «تفعُّل» من «طرف». و«الطرف» هو «حافة الشيء». و«التطرف»، في المصطلح السياسي، هو أن يتمسك المرء بموقفه وبالحد الأقصى لا يحيد عنه ولا يقبل تقديم أية تنازلات ولا يتهاون بغض النظر عن الأوضاع والملابسات المحيطة بالموقف. ومصطلحا «الاعتدال» و«التطرف» شائعان في الخطاب السياسي، فيوصف إنسان بأنه «متطرف» وآخر بأنه «معتدل» حسب ما يتخذانه من مواقف. ولكن ما يغيب عن الكثيرين أن التطرف والاعتدال يُقاسان بالنسبة إلى مرجعية ما كامنة، فما هو متطرف من وجهة نظر ما قد يكون اعتدالاً من وجهة نظر أخرى، وكل شيء يعتمد على المرجعية. وما يفوت من يستخدمون مثل هذه المصطلحات أن أسباب الصراع (في المجال السياسي والاقتصادي) ليس لها علاقة كبيرة بما يُسمَّى «العُقد النفسية والتاريخية»، وإنما هي في العادة أسباب بنيوية، لصيقة بالعلاقـات التي توجد في الواقع. وطالما ظلت البنية الشاذة ظل الصراع، أي أن القضية ليس لها علاقة كبيرة، في كثير من الأحوال، مع الحالة النفسية أو مع مدى استعداد أحد أطراف الصراع لإظهار الاعتدال والتسامح. ولذا فنحن نذهب إلى أن مصطلحي «الاعتدال» و«التطرف» ليـس لهما مقدرة تفسيرية عالية في مجال السياسة والاقتصاد.

والأمر لا يختلف كثيراً في الصراع العربي/الصهيوني، فسبب الصراع هو الشذوذ البنيوي للكيان الصهيوني الاستيطاني الإحلالي، الذي تأسس على الظلم، وتم تحقيقه من خلال الإرهاب والقمع، وطالما ظلت البنية الصهيونية الشاذة، ظل الصراع العربي الصهيوني. ومع هذا تم استخدام المصطلحين بطريقة فيها قدر كبير من السـيولة وعدم التحدد. وهذا يعود إلى أن المرجعية الصهيونية والحد الأقصى الصهيوني والمسلمات النهائية (تأسيس الدولة اليهوديةالخالصة، الخالية من العرب) أخفيت تماماً عن الأنظار، وأن شعارات مثل "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" و"إرتس يسرائيل التي تمتد من النيل إلى الفرات" أو "على ضفتي الأردن" و"تجميع المنفيين في إرتس يسرائيل" و"نفي (أي تصفية) الدياسبورا" قد تم إخفائها عن طريق استخدام الخطاب الصهيوني المراوغ، الآلية الصهيونية لإخفاء المرجعية. ولهذا نجد أن ما يوصف بالتطرف يوماً يوصف بالاعتدال يوماً آخر وهكذا، إلى أن اقترب "الاعتدال الصهيوني" من المسلمات الصهيوني النهائية والحد الأقصى الصهيوني. فبعد إعلان وعد بلفور عام 1917 كان الصهاينة الذين يطالبون بإنشاء دولة صهيونية يعدون "متطرفين" لأن الحد الأقصى المعلن آنذاك هو "وطن قومي" وحسب. ولكن هؤلاء المتطرفون أصبحوا معتدلين في الأربعينيات حينما أصبح الشعار الرسمي للحركة الصهيونية هو إنشاء دولة صهيونية وقبول قرار التقسيم والعيش مع العرب في سلام! ومن ثم كان الحديث عن كامل أرض إسرائيل وطرد العرب هو عين التطرف الصهيوني. ولكن بعد أن قضمت إسرائيل أراض تتجاوز حدود الأرض المعطاة لها بمقتضى قرار التقسيم وبعد أن تم طرد العرب، أصبح الاعتدال الصهيوني هو تجاوز قرار التقسيم والقبول بالأمر الواقع والتمسك بحدود 1948 وببقاء الفلسطينيين خارج ديارهم. وبعد حرب 1967 كان التطرف الصهيـوني هو التمسك بكل أو بعض الأراضي المحتلة بعد عام 1967 وبإقامة المستوطنات فيها. وبالتدريج، تغيَّر مثل هذا الموقف الأخير، وأصبح الاعتدال هو قبول الأمر الواقع وتجميد المستوطنات مع الاستمرار في تسمينها (أي توسيعها).

وينطبق الموقف نفسه على العرب بطبيعة الحال، فالمعتدل، من وجهـة النـظر الصهيونية، هو الذي يقبل الموقـف الصهيـوني المعتدل ويتغيَّر بتغيُّره. فالعربي الذي كان يقبل استيطان الصهاينة دون إنشاء دولة كان يُعدُّ (منذ عام 1917 وحتى الأربعينيات) معتدلاً، ولكنه أصبح متطرفاً بعد ذلك التاريخ. ومن كان يقبل إنشاء الدولة اليهودية وقرار التقسيم عام 1948 كان يُعدُّ عربياً معتدلاً، ولكن بعد إنشاء الدولة، أصبح مثل هذا الشخص متطرفاً. وظل الأمر كذلك حتى عام 1967 حين أصبح الاعتدال العربي هو الرضوخ لحدود إسرائيل بعد عام 1967 وأصبح تطبيق قرار 242 أو حتى إنقاص المستوطنات في الضفة الغربية هو عين التطرف العربي. ومما يجدر ملاحظته أن الحفاظ على أمن إسـرائيل هو دائماً الحـجة التي تُسـاق لتحديد مفهومي الاعتدال والتطرف، وأن مواصفات هذا الأمن تحدده الدولة الصهيونية دائماً. ويُلاحَظ، في جميع الأحوال، غياب مفهوم العدل والتآكل التدريجي لمفهوم المقاومة إلى أن أصبح أي شكل من أشكال «المقاومة» شكلاً من أشكال التطرف والإرهاب. وقد تَسلَّل المصطلحان بمرجعيتهما الصهيونية إلى الخطاب السياسي العربي وأصبح يُشار إلى «العمليات الفدائية» بأنها «عمليات انتحارية».

ويمكننا أن نقول إن المرجعية النهائية للعقل الصهيوني هي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة (دولة وظيفية يقيمها الغرب ويدعمها ويضمن لها البقاء وتقوم هي على خدمة مصالحه وتجنيد يهود العالم وراءها). وهي صيغة استعمارية استيطانية تنفي العرب وتُسقط فكرة العدل تماماً وتستند إلى القوة الذاتية للصهاينة وإلى الدعم الإمبريالي الغربي. هذا هو الأساس وما عدا ذلك تفاصيل وآليات وديباجات. فحدود الدولة وحجم الاستيطان وكثافته كلها آليات وتفاصيل خاضعة للاعتبارات الإستراتيجية الغربية وللملابسات الخاصة المحيطة بالدولة الاستيطانية والعملية الاستيطانية.

ولكن، ورغم وجـود هـذه المرجعية الثابتة للعقــل الصهيوني، فإن موقف الصهاينة على مستوى الممارسة اليومية يتباين بين «الاعتدال» و«التطرف» فهو ليـس موقـفاً واحداً ثابتاً لا يتغيَّر. ولتفسـير هذه الظاهرة، وحتى يمكننا أن نتوصل إلى نموذج تفسيري معقول. فلابد أن نشير ابتداءً إلى أن ثمة انفصالاً بين إدراك الإنسان لواقعه وبين استجابته لهذا الواقع وسلوكه فيه. فاستجابة الفرد لواقعه لا تحددها فقط مكوِّنات هذا الواقع المادية (مثل موازين القوى على سبيل المثال) وإنما يحددها أيضاً مركب هائل من العوامل النفسية والعصبية والتاريخية والثقافية وإدراك الآخر. ولهذا السبب، قد يكون من المفيد أن نرسم مخططاً متكاملاً لطيف الإدراك الصهيوني (الذاتي) في علاقته بموازين القوى (الموضوعية). وقد بيَّنا في مدخل آخر (انظر: «الإدراك الصهيوني للعرب») أن الصهاينة يدركون العرب من خلال أربعة أنماط أساسية: العربي الحقيقي ـ العربي ممثلاً للأغيار ـ العربي الهامشي ـ العربي الغائب. ويمكن أن نرى كيف تساهم القوة في تقويض نمط إدراكي ما أو تدعيمه.

1 ـ في حالة اتجاه موازين القـوى لصـالح العرب وضـد صـالح الصهاينة، فإن هذه الموازين تدعم الإدراك الواقعي عند الصهاينة، إذ يكتشف المستوطنون أن البنية الاستيطانية/الإحلالية لن تحقق لهم الأمن الذي يريدونه ولا الرفاهية التي يبغونها، ومن ثم تظهر على شاشة وجدانهم صورة العربي الحقيقي. وتساهم عملية إعادة صياغة الإدراك في تبديد الأوهام الأيديولوجية. وقد يؤدي هذا، في ظروف معينة، إلى ظهور برنامج سياسي يعكس الواقع، أي أن ميل موازين القوى لصالح العرب يؤدي إلى ترشيد العقل الصهيوني.

2 ـ في حالة اتجـاه موازين القوى لصـالح الصهاينة وضـد صـالح العرب، فإن هذه الموازين ستدعم الإدراك الصهيوني المتحيز. وسيرى المستوطنون أن البنية الاستيطانية/الإحلالية قد حققت لهم الأمن الذي يبغونه ومستوى معيشياً مرتفعاً. وسيساهم ذلك في تحويل الواقع التاريخي إلى شيء هامشي باهت، ويظهر على شاشة وجدانهم صورة العربي الهامشي ثم الغائب، ويتدعـم البرنامج السياسـي الصهيـوني بوصفه مرشـداً للتعامل مع الواقع.

ويمكن أن نفسِّر التطرف والاعتدال الصهيونيين في ضوء الاحتمالين السابقين. فإن ظل العربي الحقيقي ساكناً دون أن يتحدى الرؤية أو موازين القوى، أصبح من الممكن قبوله كشخصية متخلفة هامشية غائبة، ويصبح من الممكن إظهار التسامح تجاهه، بل منحه بعض الحقوق مثل "الحكم الذاتي" (وهنا تكمن المفارقة). أما إذ بدأ العربي الحقيقي في التحرك لتأكيد حقوقه ورفض الهامشية المفروضة عليه وتحدي الرؤية الصهيونية وحاول تغيير موازين القوة لصالحه، فإنه يصبح مصدر خطر حقيقي ويصبح من الضروري ضربه لتهشيمه وتهميشه ويصبح التسامح مرفوضاً.

نحن نعيش في عالم يؤمن بالحواس الخمس وبكل ما يُقاس، ولا يعترف بالحق أو الخير أو العدل. ولتوصيل مثل هذه القيم غير المحسوسة للعدو، لابد من الضغط على حواسه الخمس حتى يعرف أن العربي الحقيقي ليس مجرد صورة باهتة في وجدانه يمكنه تغييبها وإنما هو قوة واقعية يمكن أن تسبب له خسارة فادحة إن هو تجاهلها أو حاول تهميشها وتهشيمها.

ولعل هذا هو القصور الأساسي في محاولات التوصل للسلام حسب الشروط الصهيونية. فقد ظن مهندسو هذه الاتفاقيات أنهم عن طريق رفع رايات السلام والاعتدال والحديث الهادئ على مائدة المفاوضات سيُغيِّرون صورة العربي في وعي العالم ويهدئون روع الصهاينة ويقنعونهم بأنهم معتدلون وراغبون في السلام، وأن هذا سيخلق دينامية تفرض على الحكومة الإسرائيلية أن تصل إلى اتفاق عادل أو شبه عادل. ولكن الذي حدث هو عكس ذلك تماماً. فكلما ازداد الاعتدال العربي زاد التطرف الصهيوني وزاد التمسك بالمستوطنات وبكل شبر من الأرض المحتلة. والعكس بالعكس، فكلما زاد التطرف العربى، أي المقاومة والحوار المسلح، ازداد الصهـاينة رشداً واستعداداً لتَقبُّل فكرة السلام الذي يستند إلى العدل، بدلاً من السلام حسـب الشروط الصهيونية، أي الاستسلام الكامل.

الحــــوار والحـــوار النقـــدي والحـــوار المســـلح
Dialogue, Critical Dialogue and Armed Dialogue
«الحوار» مصطلح يعني حرفياً حديث يجري بين شخصين. وهو ترجمة لكلمة «ديالوج»dialogue»» المكونة من مقطعين «ديا»«dia»وتعني «اثنين»، أما «لوج»logue» » فهي من الفعل اللاتيني «لوكور» loquor» » والتي تعني «يتحدث». فهو حديث بين اثنين (على عكس المونولوج فهو حديث شخص واحد [مونو] مع نفسه). وكلمة «حوار» تفترض شكلاً من أشكال الندية والمساواة. ويلجأ الصهاينة إلى الدعوة إلى "الحوار" و"التفاوض وجهاً لوجه" و"الابتعاد عن عقد التاريخ وحساسيات الهوية". ومثل هذه الدعوة للحوار دون تحديد المنطلقات والأطر هي في واقع الأمر دعوة لمحو الذاكرة والتخلي عن القيم والتعري الكامل. وفي غياب الندية فإن ما يحسم الحوار هو السلاح، أي أنها دعوة للتطبيع من الجانب العربي دون أن يقوم الجانب الصهيوني بإزالة استيطانيته الإحلالية، التي تسبب شذوذه البنيوي.

ولكي يكون الحوار مثمراً لابد أن يبدأ من التاريخ والقيم ومن الواقع المركب الذي نعيشه، فالبشر ليسوا مثل الفئران عقولهم صفحة بيضاء، فنحن كلنا نحمل عبء الذاكرة والتاريخ والأخلاق وهذا ما يجعلنا بشراً، ونحن جميعاً نعيش في الواقع وندركه من خلال تجربتنا المتعينة. ولذا في أي حوار مع الآخر الصهيوني لابد أن نبـدأ بتعريف المشـكلة لا أن ننسـاها أو نتناساها، ولابد أن نتذكر أن هناك كياناً استيطانياً إحلالياً وكتلة بشرية غازية وأن ثمة «مسألة فلسطينية» متمثلة في شعب فَقَد أرضه ولم يفقد ذاكرته، ولذا فهو متمسك بها، يناضل من أجلها، أي أن الحوار لابد أن يبدأ بالاعتراف بشذوذ إسرائيل البنيوي وشرعية المقاومة وفحوى التاريخ وبالوجود الفلسطيني.

ولابد أن يبدأ الحوار من تقرير الإطار القيمي وأن العدل هو الذي يجب أن يسود وأن العنصرية شيء بغيض، ومن ثم لابد أن يتوجه الحوار لقضية الظلم الذي حاق بالفلسطينيين والتمييز العنصري الذي يلاحقهم في فلسطين المحتلة قبل وبعد عام 1967.

ويجب أن ندرك أن الحوار أنواع، فهناك الحوار بين طرفين يتفقان في المنطلقات والأطر المرجعية والمبادئ، والهدف من الحوار في هذه الحالة هو تحويل هذا التفاهم العام إلى إجراءات محددة، وهذا هو أسهل أنواع الحوار، ويمكن أن يتم بشكل سلمي.

لكن إن كان الطرفين غير متفقين في المنطلقات ولا الأطر ولا المبادئ، فيمكن في هذه الحالة إجراء ما يُسمَّى «حواراً نقدياً»، وهو حوار يمكن أن يتم على مائدة المفاوضات وعبر وسائل الإعلام حيث يحاول كل طرف أن يبيِّن للطرف الآخر وجهة نظره وعدالتها ويبيِّن عنصرية الآخر ولاعقلانيته.

ولكن إن كان هناك حوار بين طرفين غير متفقين في المنطلقات والآراء والأطر المرجعية وكان أحد الطرفين نسبياً يرفض أي مطلقات أخلاقية ومرجعية ويجعل من نفسه مرجعية ذاته، مكتفياً بذاته، فإن قيام أي حوار أمراً مستحيلاً. وتسوء الأمور إن كان الطرف الذي نصَّب من نفسه المرجعية النهائية المطلقة مسلح برؤية نيتشوية داروينية، تنطلق من المبدأ القائل بأن البقاء للأصلح بمعنى الأقوى، وأن ما يحسم الأمور هو القوة العسكرية وسياسات الأمر الواقع التي تستند إلى الغزو العسكري.

ومع هذا يمكن أن ينشأ نوع من الحوار نسميه «الحوار المسلح»، حين يقوم الطرف الذي وقع عليه الظلم بالمقاومة، فهو من خلال مقاومته وإلحاق الأذى بالآخر الظالم، يبدأ هذا الآخر في إدراك أن رؤيته للواقع ليست بالضرورة مطلقة ولا نهائية، فتنفتح كوة من الرشد الإنساني في سُحب الظلم الكثيفة ويبدأ الآخر الظالم في إدراك الظلم الذي وقع على ضحيته ومن ثم قد يُعدِّل موقفه. وهذا يتطلب رصداً ذكياً ومستمراً من جانب الضحية المقاوم، حتى يدرك أن اللحظة قد حانت للدخول في التفاوض مع الآخر الظالم. هذا لا يعني التوقف عن المقاومة، لأنه لو جرى الحوار دون المقاومة المسلحة فإن هذا الآخر، حبيس حواسه الخمسة ورؤيته الداروينية، قد يرى الرغبة في التفاوض باعتبارها مؤشراً على استعداد الضحية للاستسلام للذبح مرة أخرى. وقد أدرك الفيتناميون هذا الوضع، فدخلوا في حوار مسلح مع الأمريكيين انتهى بالطرفين إلي مائدة المفاوضات، ولكن لم يتوقف الفيتناميون عن القتال إلا بعد انتهاء المفاوضات.

وقد كان هناك حوار مسلح حقيقي بين المستوطنين الصهاينة والفلسطينيين أثناء الانتفاضة توقف مع اتفاقية أوسلو وإن كان استؤنف بشكل أقل حدة بعدها. أما في جنوب لبنان فالحوار المسلح لا يزال قائماً، حتى أن بعض القادة العسكريين الإسرائيليين يطالبون بالانسحاب من طرف واحد.

الصهيونية كغزو عسكري واقتصادي وسياسـي للعــالم العـربى
Zionism as a Military, Economic, and Political Invasion of the Arab World
المشروع الصهيوني والإجماع الصهيوني ينطلقان من الصيغة الصهيونية الشاملة المهوَّدة التي تفترض أن الجماعات اليهودية شعباً له علاقة عضوية بأرض فلسطين، وأن علاقة شعب فلسطين بأرض أجداده هي علاقة عرضية واهية هامشية تبرر عملية إبادتهم وطردهم (شعب يهودي بلا أرض لأرض بلا شعب فلسطيني). ومثل هذا المشروع لا يمكن تنفيذه إلا بحد السلاح وعن طريق الإرهاب. وقد تناولنا هذا الجانب بشيء من التفصيل في الأبواب المعنونة «الإرهاب الصهيوني قبل عام 1948» و«الإرهاب الصهيوني بعد عام 1948»، وفي كثير من المداخل الأخرى.

ولكن الصهيونية ليست غزواً عسكرياً تقليدياً للمنطقة، وإنما هي استعمار استيطاني إحلالي يأخذ شكل دولة وظيفية (انظر الأبواب المعنونة: «إشكالية الدولة الصهيونية الوظيفية» ـ «إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني» ـ «الاستعمار الاستيطاني الصهيوني»).

وقد بدأ كثير من المحللين العرب يتحدثون عن «التحدي الحضاري الإسرائيلي» كما لو كانت إسرائيل كياناً عادياً طبيعياً، يشكل تحدياً حضارياً، شأنها في هذا شأن إنجلترا أو فرنسا أو الولايات المتحدة. وهو الأمر الذي ينافي الحقيقة إلى حدٍّ كبير.


التحدي الحضاري الإسرائيلي
Israeli Cultural Challenge
«التحدي الحضاري الإسرائيلي» عبارة دخلت الخطاب السياسي العربي، ومفادها أن التجمُّع الصهيوني يُمثِّل كياناً حضارياً مستقلاً متفوقاً على الكيان الحضاري العربي، وأن هزيمة العرب العسكرية هي نتيجة تخلُّفهم الحضاري، وأن العرب لو حذوا حذو الصهاينة لحققوا الانتصار عليهم.

والتحدي الحضاري هو عملية تغطي كل جوانب الحياة حيث يطرح الآخر رؤية للحياة وأسلوباً لتنظيمها يحققان نجاحاً على جميع المستويات ويحققان كل إمكانيات الإنسان كإنسان، فالتحدي الحضاري ليس مجري إنجاز تكنولوجي أو تفوُّق عسكري وإلا اضطررنا للقول بتفوق التتار على العرب لأنهم عبروا نهر دجلة على كوبري من المخطوطات العربية، ولقلنا بتفوق البرابرة على الرومان لأنهم نجحوا في غزو روما وتحطيم منجزاتها الحضارية. ولكن من الصعب قبول مثل هذا المعيار لأنه معيار أحادي يتجاهل الوجود الإنساني المُركَّب، ولأن التفوق العسكري في نهاية الأمر ليس هو التفوق الحضاري. وقد تحوَّل هذا العنصر الوحيد إلى المعيار الأوحد بتأثير الحضارة الغربية ذات الرؤية الداروينية الصريحة، التي منحته مركزية لا يستحقها.

وإذا نظرنا إلى التجمُّع الاستيطاني الصهيوني الذي يمثل التحدي الحضاري ـ حسب رؤية البعض ـ لوجدنا بالفعل تجمعاً قد حقق تفوقاً عسكرياً لا يمكن إنكاره. ولكنه تفوُّق لم يحرزه بإمكانياته الذاتية وإنما بسبب الدعم العسكري الغربي. بل إن التجمُّع الصهيوني ككل لا يعتمد على موارده الطبيعية أو الإنسانية وإنما يعتمد على الدعم المستمر من الولايات المتحدة والدول الغربية ويهود الغرب. ومن ثم فمحاولة محاكاة هذا المجتمع محاولة فاشلة، مصيرها الإخفاق.

وهذا التجمُّع الصهيوني هو مجتمع ذو توجُّه عسكري واضح، تهيمن عليه المؤسسة العسكرية التي ليس لها أي وجود ملحوظ لا بسبب غيابها وإنما بسبب حضورها الكامل العضوي في كل مؤسسات التجمُّع الصهيوني.

وهذا التجمُّع الاستيطاني الإحلالي، شأنه شأن كل الجيوب الاستيطانية الإحلالية، مبني على الحد الأقصى من العنف الموجَّه ضد الآخرين وضد الذات. فهو مبني على أكذوبة (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)، وهي أكذوبة لم يَعُد يصدقها حتى الصهاينة أنفسهم. وهو يحاول أن يكتسب شرعية وجوده إما من خلال قصص ومفاهيم توراتية (لا يؤمن بها معظم المستوطنين الصهاينة ذوي التوجُّه العلماني الشامل) أو مفاهيم جيتوية حلولية عضوية لا تختلف كثيراً عن الأساطير النازية العرْقية ولكنه يكتسب شرعية وجوده، في واقع الأمر، بالطريقة الغربية المألوفة، أي بقوة السلاح.

وهذا التجمُّع لا توجد فيه حضارة متجانسة، فكل مستوطن أحضر معه من وطنه الأصلي خطاباً حضارياً مختلفاً، وادَّعت الدولة الصهيونية أنها ستمزج الجميع في بوتقة يهودية عبرانية جديدة ليخرج منها مواطن جديد. وما حدث هو أن الخطاب الحضاري الجديد المزعوم لم يتشكل، وظهر بدلاً منه واقع حضاري غير متجانس، وأصبح الخطاب الحـضاري المهـيمن هو خـطاب الراعي الإمبريالي، أي الخـطاب الأمريكي.

باختصار شديد التجمُّع الصهيوني ليس مجتمعاً، وإنما هو "تجمع" يتسم بالشذوذ البنيوي، غُرس في المنطقة بمساعدة القوة العسكرية الغربية ومن خلال دعمها الاقتصادي والسياسي والعسكري ليقوم بدور عسكري لصالح الحضارة الغربية. ومن ثم فهو يشكل تحدياً عسكرياً وحسب، لا تحدياً حضارياً، بل إنه تحدٍّ عسكري جعلنا ننحرف عن الاستجابة للتحدي الحضاري الأصلي الذي طرحته علينا الحضارة الغربية الحديثة، وهو كيف نؤسس مجتمعاً حديثاً في إطار منظوماتنا القيمية والحضارية؟

ولعلنا لا ندَّعي حين نقول إن التحدي الحضاري للأمة التي أنتجت ابن خلدون والمتبني والغزالي وابن رشد ينبغي أن يأتي من شعب أو حضارة أنتجت أرسطو وماركس وألا يهبط إلى مستوى بناء حضاري متخلف تسيطر عليه الأفكار الجيتوية ويتزعمه بن جوريون الذي يتصور أنه يحدد سياسة بلاده الخارجية وتحركات جيوشه حسب رؤى العهد القديم وأقوال التلمود وأساطير الأولين، بشرط أن يكونوا من اليهود.

الصهيونيــة كغــــزو ثقـــــافي للعــالم العــربى
Zionsim as a Cultural Invasion of the Arab World
يجب أن يُفهَم خطر الغزو الثقافي الصهيوني للمنطقة العربية بمعنى أوسع لا يقتصر على خطره على الفكر العربي، أي الثقافة بالمعنى الضيق، بل يشمل أيضاً الخطر الذي يواجهه نمط الحياة والسلوك والقيم والعقائد وطبيعة الولاء... إلخ.

والخطر الثقافي، بهذا المعنى الواسع، لا يعني الخطر الذي يمثله غزو حضارة أو ثقافة متنوعة لحضارة ضعيفة أو دنيا، وإنما يعني تهديد ثقافة لثقافة أخرى بالاضمحلال أو الزوال لمجرد أن الأولى يحملها شعب متفوق عسكرياً أو تكنولوجياً دون أن تكون ثقافته بالضرورة أكثر استحقاقاً للبقاء أو أشد جدارة. والتاريخ يعرف هذين النوعين من الغزو الثقافي.

إن هذا الخطر يشترط لتَحقُّقه ابتداءً، وقبل كل شيء، هزيمة نفسية من جانب العرب، وسيادة الاعتقاد لديهم بأن سبب التفوق العسكري الذي أحرزته إسرائيل عليهم هو تفوُّق قيمي وأخلاقي وحضاري وثقافي، ومن ثم يظهر بين العرب من المفكرين والكُتَّاب من يصدقه عدد متزايد من العرب يدعون إلى احتذاء إسرائيل ليس فقط في تطبيق التكنولوجيا الحديثة بل وفيما يتعدى ذلك كالإشارة إلى أسلوبهم في التنظيم والإدارة وإلى نظامهم السياسي وعلاقاتهم وقيمهم الاجتماعية ونمط سلوكهم. وقد بدأت مثل هذه الدعوة تعبِّر عن نفسها بأساليب مختلفة، على استحياء أولاً في أعقاب هزيمة العرب عام 1967 ثم زادت جرأة في أعـقاب زيــارة رئيــس مصر الســابق للقدس عام 1977 وتوقيــع اتفاقيـة كامب ديفيد عام 1979.

ومن الكُتَّاب العرب من يعبِّر عن نفس الموقف بطريقة غير مباشرة عن طريق التأكيد على أن تكرار هزائم العرب في مواجهة إسرائيل إنما يرجع إلى تَخلُّفهم عن السير في ركاب الحضارة الغربية بينما لحقت إسرائيل بها، دون أن يميِّز التمييز الكافي بين الجوانب الإنسانية البحتة في التقدم الغربي والجوانب الثقافية التي تمثل إفرازاً خاصاً لثقافة بعينها.

وبصرف النظر عن توالي هزائم العرب العسكرية على يد إسرائيل منذ عام 1948، فإن الخطر الثقافي الصهيوني قد أتيحت له الآن قناة جديدة تتمثل في قبول مصر الانفتاح الاقتصادي والثقافي على إسرائيل منذ اتفاقية كامب ديفيد عام 1979. فالسلع الإسرائيلية سوف تحمل في طياتها نمطاً للاستغلال وأسلوباً للحياة لم يختره المصري أو العربي بمحض إرادته أو بمقتضى تطوُّره الاقتصادي والاجتماعي الطبيعي. وسوف يتكرر، عن طريق إسرائيل، غزو أنماط الاستهلاك الغربية للمنطقة العربية، كما سوف يؤدي التعاون بين مصر وإسرائيل في مجالات الإعلام (إذا قُدِّر له أن يصل إلى المدى الذي تأمله إسرائيل) إلى طبع وسائل الإعلام المصرية، ثم العربية، بالطابع التجاري الاستهلاكي الذي يكرس تغريب الحياة الاجتماعية.

ومن أشد الأخطار التي يمثلها هذا الغزو، تهديده للمشروع الحضاري العربي الذي شرعت مصر في قيادته في الستينيات ولم تتمه، والذي يقوم على اعتبار الوطن العربي وحدة سياسية وثقافية، وكان يمكن أن يؤدي في النهاية إلى تبلور موقف حضاري مستقل للعرب. ذلك أن من المستحيل أن نتصور أن يتم تكامل بين بلد عربي أو مجموعة من الدول العربية وإسرائيل مع وجود تكامل اقتصادي وسياسي بين الدول العربية إلا إن كان هذا التكامل الأخير في خدمة المصالح الاقتصادية والسياسية للدول الصناعية أو لإسرائيل نفسها. إن ما ترتب على استعمار بريطانيا أو فرنسا في القرن الماضي، لدول صغيرة مجزأة في غربي أفريقيا مثلاً، من تكامل دولة كغانا أو نيجيريا مع الاقتصاد البريطاني، ودولة كساحل العاج أو غينيا مع الاقتصاد الفرنسي، كان ذلك وحده كافياً لعزل كل من هذه الدول عن الأخرى ولمنع قيام أي تكامل اقتصادي بين هذه الدول حتى الخاضع منها لنفس الدولة الغربية.

كذلك، فإن الانفتاح الثقافي لإحدى الدول العربية، كمصر، على إسرائيل، من شأنه أن يخلق عقبات تتراكم في وجه التكامل الثقافي العربي، كالانحسار التدريجي للتوجه العربي للتعليم، أو كالإهمال المتعمد لتعليم اللغة العربية والتاريخ العربي، بل لقواعد الدين تحت شعار الانفتاح على العالم المتحضر ومجاراة متطلبات العصر. وليس مثال دول المغرب العربي الثلاث بعيداً عنا بما ترتَّب على إخضاعها لتكامل اقتصادي وثقافي مع فرنسا من صعوبات أمام العودة بهذه البلاد إلى التكامل مع بقية الدول العربية أو حتى فيما بينها.

وإذا قُدِّر لمثل هذا الاتجاه أن ينجح، فإن أقل الاحتمالات سوءً أن يطرح العرب في النهاية أية محاولة لتقديم أية مساهمة فريدة في الحضارة الإنسانية، وأن يتحولوا إلى مقلدين ولو تعدَّى التقليد ميدان الاستهلاك إلى ميدان الانفتاح، وكذلك أن يفقد العرب إلى الأبد الفرصة التي مازالت متاحة لهم لاستلهام تراثهم الحي في بناء نمط جديد للحياة يقوم على فلسفة ونظرة متميزة إلى الإله والكون والطبيعة والعلاقات الاجتماعية وعلاقة الفرد بالدولة والمدينة بالريف وإلى ابتداع مدارس خاصة بهم في العلوم الاجتماعية والتنظيم الاقتصادي ونمط الإنتاج والتقدم المادي.

أما القول بأن إسرائيل ليست إلا بلداً صغيراً لا يمكن أن تشكِّل خطراً ثقافياً أو اقتصادياً على المنطقة العربية بالعدد الكبير لسكانها، فإنه قول يـكفي لإهماله أن نتذكر كيـف حكمت إنجـلترا في القرن الماضي، وهـي الجـزيرة الصغيرة، إمـبراطورية لا تغـرب عنها الشمس، وأثرت تأثيراً بالغـاً في التـوجه الثقافي للدول الخاضـعة لها.




الباب الثانى: الدولة الصهيونية الوظيفية



المضمـون الطبقي للصهيونية
Class Content of Zionism
قضية المضمون الطبقي للصهيونية قضية مركبة ومتشابكة إلى أقصى حد، ومعظم التعاريف المطروحة تفتقر إلى إدراك الكل وتهمل كثيراً من المعطيات وتركز على الأجزاء. وقد بيَّنا في مداخل أخرى (انظر: «الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة» ـ «الصهيونية ذات الديباجة المسيحية» ـ «صهيونية غير اليهود العلمانية») أن ثمة صيغة صهيونية أساسية تبنتها بعض الأوساط التجارية البروتستانتية في أوربا (وخصوصاً في إنجلترا) وأضفت عليها ديباجات مسيحية ثم تبنتها الأوساط الاستعمارية الغربية (وخصوصاً أيضاً في إنجلترا)، واستخدمت ديباجات علمانية نفعية، وأضافت بعض عناصر جديدة لها، فتحوَّلت إلى الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. ويبدو أن مثقفي يهود شرق أوربا من البورجوازيين الصغار الذين لم تُتَح أمامهم فرصة للحراك الاجتماعي اكتشفوها من خلال كتابات الصهاينة غير اليهود. وقد هيأتهم تجربتهم التاريخية الخاصة مع التحديث المتعثر في بلادهم لتبنِّي هذه الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة كفلسفة سياسية وتطويرها وتهويدها. ولعلهم قد توصَّـلوا هم أنفسهم إلى بعض جوانب هذه الصيغة دون أي تأثير خارجي، وذلك انطلاقاً من تجربتهم في شرق أوربا، ومما لا شك فيه أن صهيونية غير اليهود كان لها أعمق الأثر فيهم وفي تفكيرهم وتَوجُّههم. ومن الصعب القول بأن هذه الفئة أو تلك، وهذه الطبقة أو تلك، هي المسئولة عن تكوين الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة أو نشرها، فكلهم اشتركوا في ذلك، وبالتالي فإن من الصعب تحديد مضمونها الطبقي بالشكل المباشر المألوف.

وإذا كانت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة نفسها تتسم بعدم التحـدُّد، فإن الممارسـة الصهيونية لا تختلف عنها كثيراً في هذا المضمار. فقد لجأ مثقفو شرق أوربا إلى الاستعمار الغربي ليساعدهم على تحويل الفكرة إلى مشروع. وتم نوع من أنواع الاتفاق بين الطرفين (العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم) تعهدت الحركة الصهيونية بمقتضاه بنقل الفائض اليهودي إلى فلسطين، وهي عملية نقل أو ترانسفير تُفقد أعضاء هذا الفائض مضمونهم الطبقي القديم وتكسبهم مضموناً جديداً. فالعامل الثوري من روسيا، والبقال المحافظ من بولندا، والرأسمالي الليبرالي من ألمانيا حينما يتم نقلهم إلى فلسطين تحت رعاية الإمبريالية، يصبحون جميعاً أداة في يد الاستعمار رغم حديث الأول عن الثورة الحمراء والثاني عن الإصلاح الاجتماعي والثالث عن الحرية والإخاء والمساواة.

وحينما طُرحت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة على أعضاء الجماعات اليهودية، لم يتم تعديلها بأي شكل جوهري وإنما أضيفت لها عدة ديباجات يهودية متنوعة هدفها مساعدة المادة البشرية على استبطان الصيغة، الأمر الذي جعلها صيغة مراوغة ازداد مضمونها الطبقي والسياسي غموضاً وهلامية. وقد أشرنا إلى وجود صهيونيتين مختلفتين متناقضـتين: إحداهما توطينية والأخرى استيطانية، تقومان بتجنيد أعضاء الجماعات اليهودية للمشاركة في التوطين أو الاستيطان، ولكلٍّ ديباجاتها. فقامت الصهيونية التوطينية بتجنيد يهود الغرب المندمجين، وضمنهم الأثرياء وأعضاء الطبقة الوسطى والفقراء، وقامت أيضاً بتجنيد أي فائض بشري في شرق أوربا سواء كانوا عمالاً أو فلاحين أو بورجوازيين صغاراً. ثم فرضت الصهيونية بعد إنشاء الدولة مضمونها الصهيوني العام على يهود البلاد العربية الذين يضمون عناصر قبلية وعمالاً وفلاحين ومثقفين ومموِّلين كباراً. وهي تقوم الآن بتجنيد يهود الولايات المتحدة بكل طبقاتهم، كلٌّ حسب هواه، لأغراض صهيونية مختلفة. والهجرات الصهيونية المختلفة تبيِّن غياب البُعد الطبقي المحدَّد، فأعضاء الهجرة الثانية يختلفون عن أعضاء الهجرة الثالثة ويختلف أعضاء كل الهجرات الإشكنازية عن أعضاء الهجرات من البلاد العربية. وبوصول يهود الاتحاد السوفيتي (من دولة اشتراكية غربية أصبحت بغير تَوجُّه عقائدي واضح) ويهود الفلاشاه (من دولة إثيوبيا ذات الطابع القَبَلي)، يصبح تحـديد المضمون الطبقي بالطريقة المألوفة أمراً مسـتحيلاً.

وغني عن القول أن المضمون الطبقي للصهيونية قد ازداد ترهلاً وهلامية عبر السنين واكتسب لوناً يهودياً فاقعاً، وخصوصاً بعد ظهور الصهيونية الحلولية العضوية وصهيونية عصر ما بعد الحداثة، وازداد ضبابية بعد ظهور الصراعات الإثنية بين الإشكناز من جهة والسفارد واليهود العرب من جهة أخرى، وبعد انقسام النظام الحزبي الإسرائيلي على أساس إثني وديني، وانضمام اليهود الشرقيين الفقراء الساخطين إلى حزب الليكود الإشكنازي الذي يمثل، فيما يمثل، أصحاب رؤوس الأموال! ويمكن القول بأن حركيات التجمُّع الصهيوني تجعل تبلوُر تشكيل طبقي محدد داخله أمراً عسيراً لأنه تجمُّع مهاجرين (ونازحين)، ولأنه في نهاية الأمر تجمُّع مغروس في المنطقة يعتمد على التمويل الخارجي الذي يُضعف بنيته الطبقية.

ولكن انعدام المضمون الطبقي أو ترهله أو تنوعه أو فشله في التبلور والتشكل (الأمر الذي يجعل التصنيف بالطريقة المألوفة صعباً بل ومستحيلاً) لا يعني استحالة تصنيف دولة إسرائيل وطبيعة بنائها الاجتماعي وتَوجُّهها السياسي أو الإستراتيجي، كما أنه لا يعني أن إسرائيل ثمرة الميثاق الذي تم عقده بين الرب وشعبه، كما يتوهم الصهاينة العضويون أو كما يدَّعون، ولا يعني أن الدولة الصهيونية قد تم تأسيسها لتبيع وتشتري في السوق الشرق أوسطية كما يدَّعي صهاينة عصر ما بعد الحداثة. ولعل الأساس التصنيفي للدولة الصهيونية لا يوجد في مضمونها الطبقي وإنما في كونها امتداداً لوضع أعضاء الجماعات اليهودية داخل الحضارة الغربية كجماعة وظيفية، وفي كونها دولة وظيفية مملوكية عميلة.

الدولـة الصهيونيـة الوظيفيـة
The Functional Zionist State
ترجع المسألة اليهودية في أوربا إلى عدة أسباب من أهمها ـ في تصوُّرنا ـ وضع الجماعات اليهودية في الحضارة الغربية باعتبارها جماعات وظيفية لم يَعُد لها دور تلعبه، وهو الأمر الذي يُفسِّر ظهور كل من المسألة اليهودية والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي طُرحت باعتبارها حلاًّ لها. وهو حل يفترض أن الجماعات اليهودية عنصر حركي عضوي مستقل بذاته غير متجذر في الحضارة الغربية، يستحق البقاء داخلها إن كان نافعاً يلعب الوظيفة الموكلة إليه، فإن انتهى هذا النفع وجب التخلص منه (عن طريق نقله خارجها). والواقع أن عملية النقل تحل المشكلة لأنها تتضمن خلق وظيفة جديدة له. وهذا هو الإطار الذي يدور في نطاقه وعد (أو عقد أو ميثاق) بلفور، أهم حدث في تاريخ الصهيونية، فهو يطرح حلاًّ لمسألة الجماعة الوظيفية اليهودية التي لم يَعُد لها نفع داخل الحضارة الغربية وأصبح أعضاؤها فائضاً بشرياً يهودياً لا وظيفة له.

وقد أدرك الفكر الصهيوني بين اليهود (بشكل جنيني) وضع الجماعات اليهودية كجماعة وظيفية، فأشار هرتزل وبنسكر إلى اليهود كأشباح وطفيليين، ووصفهم نوردو (وهتلر من بعده) بأنهم مثل البكتريا. وكل هذه الصور المجازية هي محاولة لوصف هذا الكيان الذي يوجد في المجتمع دون أن يكون منه، يتحرك فيه دون أن يضرب فيه جذوراً، وهو كيان أساسي لإتمام كثير من العمليات دون أن يكون جزءاً من الجسم الاجتماعي نفسه. وحديث هرتزل عن اليهود باعتبارهم "أقلية أزلية"، وكذلك حديث بوروخوف عن "الهرم الإنتاجي المقلوب"، هو في صميمه حديث عن الجماعات الوظيفية دون استخدام المصطلح بطبيعة الحال. وقد قام الصهاينة من اليهود (وخصوصاً الصهاينة العماليون) بتهويد الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة وتقديم قراءة "يهودية" للحقيقة التاريخية التي تستند إليها (أي اضطلاع أعضاء الجماعات اليهودية بدور الجماعات الوظيفية). فوصفوا وضع اليهود الوظيفي بأنه مرض لابد من علاجه، فاليهود حسب هذا التصور شعب عضوي متكامل (شعب مثل كل الشعوب في الصيغة العلمانية، وشعب مقدَّس في الصيغة الدينية) وقد تَبعثَّر هذا الشعب فيما بعد وتَشتَّت وتَحوَّل إلى شعب في المنفى: جماعات متناثرة ذات وظيفة محدَّدة. هذه الوظيفة هي الاقتراض والربا في المنظومة الصهيونية العمالية، وهي وظيفة الشعب الشاهد في المنظومة الصهيونية الدينية (المسيحية أو اليهودية). وقد نجم عن ذلك تَشوُّه هذا الشعب. ويأخذ هذا التشوه شكل الهرم الإنتاجي اليهودي المُشوَّه أو المقلوب في المنظومة العمالية حيث يُفترَض أن اليهود، حينما كانوا شعباً، كان لهم هرمهم الإنتاجي السوي، بحيث يشغلون كل درجات الهرم الإنتاجي. ولكنهم، بتشتُّتهم، أصبحوا يتركزون في قمة الهرم وحسب (أما الإثنيون فيرون أن مصدر التشوه فشل الشعب في الحفاظ على هويته الإثنية الدينية أو الإثنية العلمانية). وانطلاقاً من هذا الافتراض، يطرح الصهاينة أمنية أن تتحول هذه الجماعات الوظيفية إلى شعب مرة أخرى. وهذا ما عبَّر عنه هرتزل بحديثه عن تحويل اليهود من طبقة إلى أمة، وما عبَّر عنه بوروخوف بقوله إن اليهود سيصبحون شعباً تشغل طبقاته قمة الهرم ووسطه وقاعدته، فيقف الهرم على قاعدته لا على رأسه، وما عبَّر عنه كوك بقوله إن الوحي الإلهي (والدائرة الحلولية) لا تكتمل إلا بعودة الشعب اليهودي إلى أرضه. ولكن كل هذا لا يتم إلا بحصول اليهود على أرض مستقلة يؤسسون فيها دولة قومية. وتأسيس دولة إسرائيل، من ثم، هو تحقيق لهذه الرؤية.

هذا هو التصوُّر الصهيوني أو الديباجة الصهيونية. ولكن ما حدث بالفعل هو أن التشكيل الاستعماري الغربي قد جَمَع بعض «المنفيين» الذين هم في واقع الأمر أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية التي فَقَدت وظائفها وتحوَّلت إلى فائض بشري، وهي جماعات كانت تضطلع بمهام عديدة من أهمها الأعمال المالية (التجارية والربوية) في مجتمعات مختلفة. وقد قام هذا التشكيل الاستعماري بنقل أعضاء هذا الفائض إلى فلسطين وتحويله إلى جـماعة وظيفية واحـدة تأخذ شـكل دولة تضطلع بدور أساسي: الاستيطان والقتال. وهو دور نَصفه بـ «الدور المملوكي»، فالمماليك جماعة وظيفية تم استيرداها إلى الشرق العربي للاضطلاع بدور القتال.

ويمكن هنا أن نطرح سؤلاً: لمَ لجأ الغرب إلى آلية الدولة الوظيفية لتحقيق أهدافه، وذلك بدلاً من الآلية الأكثر شيوعاً، أي آلية الجماعة الوظيفية؟ ولمَ لمْ يُوطِّن الاستعمار الغربي اليهود في فلسطين ليقوموا بدور الجماعة الوظيفية القتالية التي تعمل تحت إشرافه ولصالحه بشكل مباشر كما فعل الفرس والهيلينيون من قبل حيث وظفوا الجماعات اليهودية بهذا الشكل؟ هناك مركب من الأسباب لتفسير هذه الظاهرة، ولعل أهمها هو طبيعة المجتمعات في العصر الحديث حيث تغلغلت فيها مُثُل الديموقراطية والعدالة الاجتماعية وهي مجتمعات تربطها وسائل الاتصال الحديثة (من صحافة وتليفزيون ووسائل مواصلات واتصال) تجعل الاحتفاظ بطبقة منعزلة حضارياً، ومتميِّزة وظيفياً وطبقياً، أمراً عسيراً، بل مستحيلاً. ولكن إذا شكلت هذه الطبقة دولة قومية مستقلة، فيمكنها حينذاك أن تحتفظ بعزلتها وتَميُّزها بسهولة ويُسر، كما يمكن تسويغ وجودها وحقها في البقاء باللجوء إلى ديباجة حديثة، ويصبح الاستعمار الاستيطاني «حركة تَحرُّر وطني»، ويتخذ اغتصاب فلسطين اسم «إعلان استقلال إسرائيل»، ويصبح الدور القتالي «دفاعاً مشروعاً عن النفس»، وتتخذ قوات الجماعة الوظيفية الاستيطانية القتالية اسم «جيش الدفاع الإسرائيلي»، وتصبح العزلة هي «الهوية»، وتصبح لغة المحاربين لا التركية أو الشركسية (كما هو الحال مع المماليك) وإنما العبرية، وهي لغة أهم كتب العالم الغربي المقدَّسة. ويعيش أعضاء الجماعة الوظيفية القتالية لا في جيتو خاص بهم أو ثكنات عسكرية مقصورة عليهم وإنما داخل الدولة/ الشتتل/القلعة، ويستمرون في تعميق هويتهم (أي عزلتهم) وفي القتل والقتال نظير المال والمكافآت الاقتصادية وغير الاقتصادية السخية، متخفين خلف أكثر الديباجات رقياً وحداثة.

لكل هذا، لجأ العالم الغربي لصيغة الدولة الوظيفية الاستيطانية القتالية (المملوكية) وذلك بدلاً من الجماعة الوظيفية الاستيطانية القتالية. وهذا هو الترجمة الدقيقة للشعار الصهيوني: تحويل اليهود من طبقة (أي جماعة وظيفية) إلى أمة (أي دولة وظيفية).

ويذهب المفكرون الصهاينة إلى أن حل المسألة اليهودية داخل التشكيل الحضاري الغربي مسألة مستحيلة، ولذا طُرحت الصهيونية باعتبارها العقيدة التي حاولت أن تُحقِّق لليهود من خلال التشكيل الإمبريالي الغربي ما فشلوا في تحقيقه من خلال التشكيل الحضاري الغربي. ولكن الدارس المدقق سيكتشف أن ما حدث هو في الواقع إعادة إنتاج للنمط نفسه: المجتمع الغربي المضيف الذي يحوسل الجماعة اليهودية ويُوظِّفها لصالحه ويدعمها بمقدار نفعها. فالدولة الصهيونية، رغم حداثة شكلها، إن هي إلا إعادة إنتاج لواحد من أكثر أشكال التنظيم الاجتماعي تخلفاً وكموناً وتواتراً في الحضارة الغربية.

ويمكننا أن نطرح السؤال التالي: لماذا تم تجنيد أعضاء الجماعات اليهودية لتأسيس الدولة الصهيونية الوظيفية، دون غيرهم من الأقليات؟ لا يمكن القول بأن المجتمع يفرض على الجماعة الوظيفية وضعها الوظيفي، كما لا يمكن القول بأن هذا الوضع الوظيفي من اختيار الجماعة الوظيفية. فظهور الجماعة الوظيفية واضطلاعها بدورها يعود لظروف عديدة مركبة، إذ تنشأ حاجة لجماعة غريبة تضطلع بوظيفة يرى مجتمع ما أنه غير قادر على أدائها، إما لأنها مشينة أو لأنها متميِّزة جداً أو لأنه لا يملك لا المادة البشرية ولا الخبرة لأدائها. وعادةً ما تُوجَد مـادة بشـرية مناسـبة (إما خارج المجتمع أو داخله) لأداء مـثل هذه الوظيفة.

وما حدث في حالة الدولة الصهيونية الوظيفية في فلسطين هو عملية مماثلة:

1 ـ نشأت حاجة داخل التشكيل الحضاري والسياسي الغربي لتأسيس جيب استيطاني قتالي مملوكي يُشكِّل قاعدة للاستعمار الغربي في فلسطين، وبخاصة مع تَوقُّع سقوط الدولة العثمانية، التي كانت فلسطين تقع في وسطها في مكان يبلغ الغاية في الأهمية من الناحية الإستراتيجية.

2 ـ كان أعضاء الجماعات اليهودية مرشحين لأن يلعبوا دور المادة البشرية التي تفي بهذه الحاجة للأسباب التالية:

أ) النزوع "الصهيوني" نحو نقل اليهود إلى فلسطين، نزوع متأصل في الحضارة الغربية، إذ أن هذه الحضارة كانت تنظر لليهود باعتبارهم وسيلة لا غاية، وباعتبارهم شعباً عضوياً لا ينتمي للحضارة الغربية.

ب) في أواخر القرن التاسع عشر، كانت الغالبية الساحقة من يهود أوربا من نسل يهود بولندا الذين كانوا يعملون داخل نظام الأرندا الذي سميناه «الاقطاع الاستيطاني»، فكانوا يُشكِّلون عنصراً استيطانياً يقوم بجمع الضرائب واستغلال الفلاحين الأوكرانيين لصالح طبقة النبلاء البولنديين (شلاختا) وفي حماية القوة العسكرية البولندية (ولذا فقد سميناهم «المماليك المالية»، فهم مماليك لا يحملون سيفاً وإنما يحملون رأس المال الربوي). ومع بدايات القرن التاسع عشر، ومع تَزايُد هيمنة الدولة القومية المركزية، فَقَد أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية دورهم وتحولوا إلى فائض بشري يهودي بدأ يهدد الأمن الاجتماعي في كثير من دول أوربا الشـرقية، وبدأ يتـدفَّق على دول أوربا الغربية والولايـات المتحدة فيهدِّد الأمن الاجتماعي فيها أيضاً (أو هكذا تصوَّر كثير من أعضاء النخبة الحاكمة وأعضاء الجـماعات اليهودية المندمـجون في الغرب).

جـ) كان اليهود، باعتبارهم شعباً عضوياً، حسب التصوُّر الغربي، مرتبطين بشكل عضوي بفلسطين. وكانت كل دولة تُصدر وعُودَها البلفورية، كما كان لكل دولة مشروعها الصهيوني الخاص الذي يرى اليهود باعتبارهم المادة البشرية المناسبة. ففكَّر بسمارك في توطين اليهود في منطقة حدودية محاذية لخط بغداد ـ برلين ليصبحوا جماعة وظيفية تصطدم بالسكان وتعتمد على ألمانيا لحمايتها. بل نجد الفاشيين تحت حكم موسـوليني والنازيين تحـت حكـم هتلر كان لهم أكثر من مشروع. وبطبيعة الحال، كان هناك المشاريع الإنجليزية والفرنسية المختلفة.
وقد رفضت المادة البشرية اليهودية في بداية الأمر فكرة الدولة الوظيفية. ومع تَعثُّر التحديث، طرحت مسألة يهود شرق أوربا نفسها على أوربا، وبدأت أعداد من اليهود تفكر في الانتقال. وبدأ تهويد الصيغة الشاملة، وهو ما جعل بإمكان أعضاء الجماعات اليهودية استبطانها. ثم ظهر هرتزل الذي طوَّر الخطاب الصهيوني المراوغ والعقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية. وقد أفرز هذا في نهاية الأمر المنظمة الصهيونية التي وقَّعت العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم والذي تم بمقتضاه تأسيس الدولة الصهيونية الوظيفية التي هي إعادة إنتاج لنمط الجمـاعة الوظيفية التي تحركت في إطـاره الجـماعات اليهـودية في الغرب.

ومفهوم الدولة الصهيونية الوظيفية له قيمة تفسيرية عالية، ونحن نرى أن كثيراً من الدارسين قد أخفقوا نسبياً في فهم آليات الدولة الصهيونية وحركياتها لأنهم تصوَّروا أنها دولة مثل كل الدول الأخرى خاضعة للقوانين نفسها، بينما هي في واقع الأمر خاضعة لقوانين الجماعات الوظيفية. ويظهر هذا الخلل في حديث الماركسيين مثلاً عن تصعيد التناقض الطبقي داخل إسرائيل لتصبح أكثر ثورية، وفي حديث الليبراليين عن الضغط على إسرائيل (من خلال المساعدات وغيرها) لتصبح أكثر ديموقراطية، وذلك بهدف إرغامها على إعطاء الفلسطينيين حقوقهم. وهذا أمر يتنافى مع بنية الدولة الصهيونية نفسها ومع قانون وجودها، فسياسات إسرائيل الأمنية، ونمط إنفاقها، وطريقة تمويلها، وبنيتها الطبقية، وأساليبها الإدارية، لا يمكن فهمها إلا في إطار الدعم الأمريكي الذي يُقدَّم لإسرائيل بمقدار اضطلاعها بوظيفتها القتالية التي أُسِّست الدولة من أجلها في بادئ الأمر، وقد نُقل اليهود من الغرب واقتلع العرب من بلادهم للسبب نفسه. والواقع أن أية اتجاهات نحو الديموقراطية والإخاء الثوري قد تؤدي إلى الاعتراف بالفلسطينيين وبحقوقهم، لابد أن تُهدِّد الدولة الوظيفية الصهيونية من جذورها إذ أنها ستفقدها وظيفتها القتالية، أي ما يُسمَّى بقيمتها الإستراتيجية، وهي السلعة الأساسية التي تنتجها وتبيعها للغرب، وهي مصدر نَفْعها الذي يبرر وجودها واستمرار دعمها. ومن هنا، فإن فكرة السلام مع العرب تَصـدُر عن المقدمات نفسها التي أدَّت إلى الصـراع والقتال والعزلة مثل الزعم بأن هناك شعباً يهودياً له تراث يهـودي وهويـة يهودية وحقوق يهودية، وأن الدولة اليهودية ليست ثمرة التشكيل الاستعماري الغربي وإنما هي تعبير عن ذلك التراث وتلك الهوية، وأن استيطان الصهاينة في فلسطين ليـس اسـتعماراً استيطانياً إحلالياً وإنما عودة لاستعادة الحقوق اليهودية. فالسلام المقترح لا يخل بالبنية الصراعية الأساسية الشاملة بأية حال.

ولكن، مع تطوُّر الأوضاع في العالم العربي، ومع تزايد استعداد النخب الحاكمة للانخراط في سلك النظام العالمي الجديد والخضوع للهيمنة الغربية الأمريكية، ليس من المستبعد تحقيق السلام بعض الوقت مع الدولة الوظيفية الصهيونية، إذ أن النظم العربية من خلال نخبها الحاكمة، ستصبح هي نفسها دولاً أو أنظمة وظيفية، تقوم بدور الوسيط الوظيفي بين النظام العالمي الجديد وشعوبها المستضعفة. كما أنه مع تصاعد خوف هذه النظم من الصحوة الشعبية الإسلامية، ومع تحوُّل دور إسرائيل من دولة وظيفية تضرب القومية العربية إلى دولة وظيفية تضرب الصحوة الإسلامية، ستزداد الرقعة المشتركة بين هذه النظم الوظيفية والدولة الوظيفية، ومن ثم سيمكن تحقيق السلام المبني على تَماثُل الوظيفة.

ويُلاحَظ أن الدولة الصهيونية الوظيفية نفسها قد تضم جماعات وظيفية، ومن أهم هذه الجماعات الآن عرب الأراضي المحتلة الذين بدأوا يستولون على قطاعات بأسرها كقطاع المباني كما يعملون في المطاعم إما كجرسونات أو عمال نظافة. كما أنهم بدأوا يتغلغلون في القطاع الزراعي ذاته. ويبدو أن كثيراً من اليهود الشرقيين يقومون بدور الجماعة الوظيفية (الوسيطة) بين العرب والدولة الصهيونية، فكثير من مقاولي العمال يأتون من صفوفهم، ويمكن القول أن الدولة الصهيونية الوظيفية تحاول أن تجعل من السلطة الفلسطينية دولة وظيفية تعمل لصالح إسرائيل.

الدولة الصهيونية الوظيفية: التعاقدية والنفع والحياد
The Functional Zionist State: Contractualization, Utilitiy, and Neutrality
تتسم الدولة الصهيونية الوظيفية بكل سمات الجماعة الوظيفية، وأول هذه الصفات هي التعاقدية والنفع والحياد.

1 ـ الوظيفة القتالية والعائد الإستراتيجي:

من أهم وظائف الدولة الصهيونية الوظيفية أنها تقوم بالأعمال المشينة التي لا تستطيع الدول الغربية الاضطلاع بها نظراً لكونها دولاً "ليبرالية" و"ديموقراطية" تود الحفاظ على صورتها المشرقة أمام الرأي العام العالمي وأمام جماهيرها بقدر المستطاع فتكل إلى الدولة الصهيونية مثل هذه الأعمال. ومن هذه الوظائف تزويد دول أمريكا اللاتينية العسكرية بالسلاح، والتعاون مع جنوب أفريقيا في كثير من المجالات، ومنها السلاح النووي، والقيام ببعض أعمال المخابرات والتجسس، والسماح للولايات المتحدة بإنشاء إذاعة فيها موجَّهة للاتحاد السوفيتي (سابقاً). كما تقوم الدولة الصهيونية بتوفير الجو الملائم والتسهيلات اللازمة للترفيه عن الجنود الأمريكيين. ويبدو أن الدولة الصهيونية الآن أصبحت مصدراً لكثير من المرتزقة في العالم، كما يبدو أنها بدأت في تصدير البغـايا لبـلدان غربية مثل هولندا (أمستردام) وألمانيا (فرانكفورت(

وكانت أهم وظائف الدولة الصهيونية على الإطلاق، حتى عهد قريب، هو الوظيفة القتالية (لا التجارية أو المالية) فعائد الدولة الوظيفية الأساسي عائد إسـتراتيجي، والسـلعة أو الخدمة الأسـاسية الشـاملة التي تنتجها هي القتـال: القتال مقابل المـال، أي أنهـا وظيفة مملوكية بالدرجـة الأولى. وفيما عدا ذلك، فإنها ديباجات اعتذارية وتفاصيل فرعية.

وقد تنبَّه أصدقاء الصهيونية وأعداؤها على السواء إلى طبيعة هذه العلاقة وطبيعة هذه الوظيفة منذ البداية، فتم الدفاع عن المشروع الصهيوني والترويج له من هذا المنظور، كما تم الهجوم عليه وشجبه من هذا المنطلق. فعلى سبيل المثال، صرح ماكس نوردو، في خطاب له في لندن (في 16 يونيه 1920) بأنه يرى أن الدولة الصهيونية ستكون بلداً تحت وصاية بريطانيا العظمى وأن اليهود سيقفون حراساً على طول الطريق الذي تحفّ به المخاطر ويمتد عبر الشرقين الأدنى والأوسط حتى حدود الهند. وكان حاييم وايزمان كثير الإلحاح في تأكيد أهمية الجيب الاستيطاني الصهيوني الإستراتيجية (لا الاقتصادية)، فهذا الجيب سيشكل، حسب رأيه، «بلجيكا آسيوية»، أي خط دفاع أول لإنجلترا ولا سيما فيما يتعلق بقناة السويس. وفي خطاب كتبه إسرائيل زانجويل (في 3 أكتوبر 1914) بيَّن أن من البدهي أن إنجلترا في حاجة إلى فلسطين لحماية مصالحها.

وأما حنه أرنت، فقد أكدت أن الصهيونية بطرحها نفسها «حركة قومية» باعت نفسها منذ البداية للقيام بالوظيفة القتالية الاستيطانية، فشعار الدولة اليهودية كان يعني في واقع الأمر أن اليهود ينوون التستر وراء القومية وأنهم سيقدمون أنفسهم باعتبار أنهم «مجال نفوذ» إستراتيجي لأية قوة كبرى تدفع الثمن.

وقد عرض ناحوم جولدمان القضية بشكل دقيق جداً عام 1947 في خطاب له ألقاه في مونتريال بكندا قال فيه: "إن الدولة الصهيونية سوف تُؤسَّس في فلسطين، لا لاعتبارات دينية أو اقتصادية بل لأن فلسطين هي ملتقى الطرق بين أوربا وآسيا وأفريقيا، ولأنها مركز القوة السياسية العالمية الحقيقي والمركز العسكري الإستراتيجي للسيطرة على العالم". ومعنى هذا أن الدولة الصهيونية لن تنتج سلعاً بعينها ولن تُقدِّم فرصاً للاستثمار أو سوقاً لتصريف السلع ولن تكون مصدراً للمواد الخام والمحاصيل الزراعية، وإنما سيتم تأسيسها لأنها ستقدم شيئاً مختلفاً ومغايراً وثميناً: دوراً إسـتراتيجياً يؤمِّن سـيطرة الغـرب على العالم، وهو دور سيكون له دون شك مردود اقـتصادي، ولكنه غير مباشر.

ولا تختلف المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية ماتزبن، أي البوصلة، في وصفها وضع إسرائيل عن وصف جولدمان أو حنه أرنت، حيث ترى المنظمة، في تحليل لها صدر في الستينيات، أن الدور الذي تضطلع به الدولة الصهيونية لم يطرأ عليه أي تغيير، فهي لا تزال تشكل قاعدة لقوة عسكرية يمكن الاعتماد عليها، قوة موجهة ضد العرب لخدمة المصالح الإمبريالية الإستراتيجية. وقد بيَّن ب. سبير (في علْ همشمار بتاريخ 29 أبريل 1986) أن إسرائيل قد جعلت جيشها "الذراع المستقبلية المحتملة للولايات المتحدة"، فهي خدمة حربية كامنة جاهزة على أهبة الاستعداد لتأدية الخدمات في أي وقت.

2 ـ الجدوى الاقتصادية للدولة الوظيفية:

من المعروف أن على أعضاء الجماعة الوظيفية القيام بوظيفة ما هي في جوهرها استغلال الجماهير لصالح النخبة الحاكمة. فتقوم الجماعة بتحصيل الضرائب من الجماهير أو امتصاص فائض القيمة منها من خلال الإقراض بالربا أو التخصص في بيع سلع معينة (مثل الملح والخمور) يحتكرها الحاكم لحسابه. وكان أعضاء الجماعة الوظيفية يحققون بذلك أرباحاً عالية، ولكنهم بعد ذلك كان عليهم دفع ضرائب باهظة للحاكم. ولذا، فقد كانت معظم الأرباح تصب مرة أخرى في خزائنه، أي أن أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية كانوا في واقع الأمر من أهم مصادر الربح للنخب الحاكمة في الغرب في العصور الوسطى.

والدولة الوظيفية الصهيونية لا تقوم، مثل الجماعة الوظيفية اليهودية، بتحصيل الضرائب مباشرةً، ولكنها مع هذا تُحقِّق ريعاً عالياً للدولة الراعية لأنها تقوم بضرب تلك النظم القومية العربية التي تحاول رفع سعر المواد الخام أو حتى التحكم في بيعها وفي أسعارها أو التي تختط طريقاً تنموياً أو تتبنى سياسة داخلية وخارجية تهدد المصالح الغربية بالخطر. أما الضريبة التي يدفعها أعضاء الدولة الوظيفية الصهيونية، فهي حالة الحرب الدائمة التي يعيشونها بسبب الدور الذي يضطلعون به.

ومهما يكن الأمر، فقد أدرك الصهاينة هذه الوظيفة، كما أدركوا أنهم كلما زاد ما يحققونه من ربح لراعيهم من خلال أدائهم مهام وظيفتهم زادت فرص استمرار الدعم وفرص البقاء. ومن هنا كان تأكيدهم المستمر وإلحاحهم الدائم على الجدوى الاقتصادية للوظيفة التي يؤديها التجمُّع الصهيوني وعلى مقدار النفع الذي سيعود على الراعي والمموِّل (الإمبريالي)، تماماً مثلما يفعل أي شخص رشيد مع أية سلعة تُباع وتُشتَرى. وبالفعل، نجد أنه، في وقت كان فيه المشروع الصهيوني لا يزال في إطار النظرية والأُمنية، كان الزعماء الصهاينة يؤكدون، الواحد تلو الآخر، أن تمويل مثل هذا المشروع الاستيطاني الصهيوني مسألة مربحة للدولة التي ستستثمر فيه. وقد أدرك هرتزل ـ بمكره ودهائه ـ أن ثورة الفلاحين المصريين ستجعل مصر مكلفة جداً كقاعدة عسكرية بالنسبة لإنجلترا، ولذا فقد أشار إلى أن المشروع الصهيوني، بتكاليفه الزهيدة، شيء مغر. واستخدم وايزمان الصورة المجازية التجارية التعاقدية نفسها حين كتب لتشرشل قائلاً: "إن السياسة الصهيونية في فلسطين ليست على الإطلاق تبديداً للموارد، وإنما هي التأمين الضروري الذي نعطيه لك بسعر أرخص من أن يحلم به أي فرد آخر". وأفاض وايزمان في شرح وجهة نظره، مبيناً أن الاستعمار البريطاني، بتأييده المنظمة الصهيونية، قد وضع ثقته في مجموعة مستعدة لتَحمُّل قدر كبير من المسئولية المادية عن الاستعمار. وإذا تبيَّن أن تكاليف الحامية البريطانية ستكون مرتفعة، عندئذ يمكن تنظيم وتسليح المستعمرين اليهود. ثم يتساءل وايزمان بشيء من الخطابية وبكثير من التوتر: "هل تمت أية عملية استعمارية أخرى تحت ظروف مواتية أكثر من هذه: أن تجد الحكومة البريطانية أمامها منظمة لها دخل كبير ولديها استعداد لأن تضطلع بجزء من مسئولياتها التي تكلفها الكثير؟". إن الصوت هنا صوت بائع متجول يجيد الإعلان عن السلعة، حتى لو كانت كيانه ووجوده.

ولا يختلف صوت يعقوب ميريدور وزير التخطيط والتنسيق الاقتصادي (1982 ـ 1984) كثيراً، ففي حديث له لإذاعة الجيش الأمريكي ركَّز على مدى رخص وانخفاض ثمن إسرائيل كقاعدة للمصالح الأمريكية. وقد بيَّن الوزير الإسرائيلي أن إسرائيل تحل محل عشرة من حاملات الطائرات، وقدَّم الوزير الإسرائيلي كشف حساب بسيط جاء فيه أن تكلفة بناء الحاملات العشر هذه تبلغ 50 بليون دولار. ثم أضاف الوزير، وهو الخبير بالأمور الاقتصادية، أنه لو دفعت الولايات المتحدة فائدة قدرها 10% على تكاليف تشييد هذه الحاملات (وقد كان الوزير متسامحاً مع الولايات المتحدة فلم يذكر تكلفة الجنود الذين ستحملهم حاملات الطائرات أو الحرج السياسي الذي سيسببه وجود مثل هذه القوات)، لو دفعت الولايات المتحدة مثل هذه الفائدة لبلغت خمسة بلايين دولار. وحيث إن المعـونة الأمريكية لا تصل بأيـة حال إلى هذا القدر، فقد اختتم ميريدور حديثه بملحوظة فكاهية ولكنها في الوقت نفسه بالغة الدلالة، إذ قال: "أين إذن بقية المبلغ؟". ويبدو أن هذا هو الخط الإعلامي الإسرائيلي في مواجهة الأمريكيين، ففي العام نفسه بيَّن أريل شارون أن الخدمات التي تقدمها إسرائيل للولايات المتحدة تفوق في قيمتها ما تقدمه الولايات المتحدة من معونات لإسرائيل. ثم قال بشكل شبه جديّ ما قاله ميريدور بشكل فكاهي: "إن الولايات المتحدة لا تزال مدينة لنا بسبعين مليـاراً من الدولارات".

وتَرد الفكرة نفسها، كما يرد كشف حساب مماثل، في مقال لشلومو ماعوز المحرر الاقتصادي للجيروساليم بوست بعنوان «صفقة إستراتيجية» حين أشار إلى أن الإسرائيليين يعرفون جيداً أن مساعدة الولايات المتحدة للدولة الصهيونية هي في جوهرها مساعدة لخدمة مصالح الولايات المتحدة الإستراتيجية. فالولايات المتحدة تدفع سنوياً 130 بليون دولار لقواتها في حلف شمال الأطلنطي و40 بليوناً للوفاء بالتزاماتها في المحيط الهادي. وبالتالي، فإن مساعداتها العسكرية والمدنية لإسرائيل صغيرة بشكل مضحك، إذا ما قُورنت بالمبالغ الآنفة الذكر، وخصوصاً إذا ما تم النظر إلى مثل هذه المساعدات باعتبارها استثماراً لحماية مصالح أمريكا في المنطقة.

هذا هو المفهوم الغربي لإسرائيل. فالمدافعون عنها في الولايات المتحدة لا يلجأون أبداً إلى الحديث عن المغانم الاقتصادية الثانوية أو المغارم الاقتصادية التافهة وإنما يشيرون دائماً إلى الحليف الذي يمكن التعويل عليه والمغانم الإستراتيجية الأساسية الشاملة الهائلة. وقد عبَّرت مجلة الإيكونومست (في 20 يوليه 1985) عن موقف هؤلاء بقولها: إذا كان بإمكان أمريكا أن تدفع 30 بليون دولار كل عام ضمن تكاليف حلف الأطلنطي (لتحقيق أهداف إستراتيجية)، فإن من المؤكد أن إسرائيل، وهي المخفر الأمامي والقاعدة المحتملة، تستحق مبلغاً تافهاً (نحو 4 بلايين دولار آنذاك).

وقد لخص سبير كل الموضوعات والصور المجازية السابقة فقال إن الزعماء الإسرائيليين مضطرون دائماً لأن يذكِّروا القيادة الأمريكية في واشنطن بمقدار تكلفة وجود الجيش الأمريكي في غرب أوربا بالمقارنة بتلك الهبات الممنوحة لإسرائيل. وقد بيَّن سبير أن الجيش الإسرائيلي ليس خدمة حربية كامنة وحسب، وإنما هو أيضاً خدمة رخيصة، بل إنها أرخص من أي خيار عسكري آخر محتمل لأمريكا في المنطقة. وحسبما جاء في مقاله، يوافق البنتاجون على هذا الرأي، ولذا لا يبدي خبراؤه أي تأفف إزاء الحساب الذي يقدمه الإسرائيليون، حتى أن هناك من يرى أنه رخيص نسبياً، الأمر الذي يدل على أن نبوءات الزعماء الصهاينة وحساباتهم، بشأن الجيب الصهيوني الوظيفي، كانت تتسم بالدقة، وأن السلعة الصهيونية مربحة ولا شك، وأن العقد النفعي الذي وُقِّع بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية بشأن يهود العالم لا يزال نافذاً حتى الآن وأن عائده لا يزال مرتفعاً.

3 ـ التعاقدية بين رؤية الذات ورؤية الآخر:

إن ارتباط الإنسان بوطنه ارتباط قد تُفسَّر بعض جوانبه على أُسس اقتصادية، ولكن لا يمكن ردُّه برمته إلى الدوافع الاقتصادية وحسب، فهو ارتباط لا يمكن تفسيره إلا على أُسس أكثر تركيباً. ولكن عضو الجماعة الوظيفية إنسان اقتصادي بالدرجة الأولى حبيس تجربته التي حولته إلى أداة اقتصادية، ولذا فهو يدرك الجنس البشري من خلال تجربته، ويُسقط دوافعه على دوافع الآخرين، ولذا فهو يفشل تماماً في إدراك عمق الرابطة بين الإنسان ووطنه. ولذا، نجد أن الفكر الصهيوني يدور في نطاق رؤية تعاقدية وظيفية نفعية ضيقة سواء في رؤيته لليهود أو في رؤيته للآخر، إذ أن الصهاينة يرون أن العالم بأسره إن هو إلا سوق تُباع فيها الأشياء وتُشتَرى، وضمن ذلك ما يُسمَّى «الوطن القومي». ويبدو أنه في المراحل الأولى للحركة الصهيونية ساد تصوُّر بين المفكرين الصهاينة مفاده أن الحصول على هذا الوطن يمكن أن يتم من خلال عملية تجارية رشيدة من خلال المقايضة والمساومة والسعر المغري. وكان هرتزل يتصور أن الحركة الصهيونية، مُمثّلة الشعب اليهودي، ستقوم بشراء العريش أو أوغندا، أو حائط المبكى وفلسطين من أصحابها. فالأرض هنا ليست وطناً وإنما عقار، وعلاقة الإنسان بها ليست علاقة انتماء وكيان وإنما هي علاقة نفعية تعاقدية تشبه علاقة الجماعة الوظيفية بالمجتمع المضيف. وحينما نشر هرتزل كتابه دولة اليهود، اتهمه بعض اليهود بأنه تقاضى مبلغاً ضخماً من شركة أراض بريطانية كانت تود القيام بأعمال تجارية في فلسطين فتم تفسير الحلم القومي على أنه مشـروع تجـاري. وعلـَّق هو على هذا الاتهـام بقوله: "إن اليهـود لا يصـدقون أن أي شـخص يمكن أن يتصرف مدفوعـاً باقتنـاع أخلاقي". وكان هرتزل يتصوَّر، في واقع الأمر، أن العالم حانوت أو سوق كبيرة، فحينما ذهب لمقابلة جوزيف تشامبرلين (وزير المستعمرات البريطاني) ليطلب منه قطعة أرض ليقيم عليها وطناً، كان يتخيل أن الإمبراطورية الإنجليزية مثل دكان كبير للعاديات التي لا يعرف مالكها عدد السلع فيها على وجه الدقة، وتخيل هرتزل نفسه زبوناً يطلب سلعة اسمها «مكان تجمُّع الشعب اليهودي» ويحاول مع صاحب الدكان أن يبحث له عن مثل هذا المكان/السلعة في بضاعته.

ولكن هرتزل كان ينوي المتاجرة في عدة بلاد حتى يكسب إحداها في نهاية الأمر ومجاناً (فالطفيلية إحدى سمات الجماعة الوظيفية في آخر مراحل تطورها). وعلى سبيل المثال، حاول هرتزل أن يحصل على امتياز شركة أراض في موزمبيق من الحكومة البرتغالية دون أن يدفع فلساً واحداً، وذلك بأن يَعد بسداد الديون ويدفع ضريبة فيما بعد. ثم يوضح هرتزل للقارئ نواياه: "على أني أريد موزمبيق هذه للمتاجرة عليها فقط وآخذ بدلاً منها جزيرة سيناء مع مياه النيل صيفاً وشتاءً، وربما قبرص أيضاً دون ثمن"، فالمسألة كلها تَبادُل وتَعاقُد وعلاقات موضوعية رشيدة.

ويؤمن هرتزل بأن الدولة اليهودية نفسها سلعة مربحة ناجحة، فهو يوضح أن الجمعية اليهودية ستعمل مع السلطات الموجودة في الأرض، وتحت إشراف القوى الأوربية: "وإذا وافقوا على الخطة فإن هذه السلطات ستستفيد بالمقابل، وسندفع قسطاً من دَينها العام ونتبنى إقامة مشاريع نحن أيضاً في حاجة إليها، كما سنقوم بأشياء أخرى كثيرة. ستكون فكرة خَلْق دولة يهودية مفيدة للأراضي المجاورة، لأن استثمار قطعة أرض ضيقة يرفع قيمة المناطق التي تجاورها".

والرؤية الصهيونية التعاقدية التي تضع لكل شيء سعراً مهما سمت مرتبته، تفترض أن فلسطين (هي الأخرى) سلعة، بل سلعة غير رائجة لا يود أحد شراءها سوى المعتوهين من اليهود. ويُقِّدر هرتزل أن ثمن فلسطين الحقيقي، هو مليونان من الجنيهات فقط (حيث إن العائد السنوي منها عام 1896 كان ـ حسب تصوُّره وحساباته الحقيقية أو الوهمية ـ حوالي 80 ألف جنيه). ولعله أخذ في الاعتبار سعر الفائدة والتمويل. وقد وافق كثير من الصهاينة على هذا الثمن الواقعي أو التجاري. إلا أن السمسار السياسي يعرف أن الثمن التجاري يختلف عما يجب أن يُدفَع حين يحين وقت البيع والشراء، وهو لهذا السبب يرفع السعر إلى عشرين مليون جنيه تركي دفعة واحدة، يُدفَع منها مليونان لتركيا والباقي لدائنيها.

بل إن هرتزل على ما يبدو كان يحاول الحصول على فلسطين بالمجان مثل أي سمسار غشاش من أعضاء الجماعات الوظيفية المالية الذين تفوقوا في الغـش التجـاري. فقد ذهب إلى السـلطان عبد الحمـيد خاوي الوفاض، ودوَّن في مذكراته أنه لو عُرضت عليه فلسطين الغالية نظير سعر مخفض لشعر بالحرج، لأنه لا يحمل معه كل المبلغ. إن كل ما يريده من السلطان هو وعد ببيع فلسطين له، وهذا الوعد سيكون له بمنزلة السلة التي يستخدمها المتسولون لجمع التبرعات. وإن لم ينجح التسول، فإن هرتزل لن تُعجزه الحيلة، فهو يقرر أن يقبل الصفقة على أن يطلب بعض الامتيازات من تركيا (مثل احتكار الكهرباء) حتى يتسنى له الدفع بيسر.

إن هذا التصوُّر التجاري التعاقدي للوطن القومي اليهودي ليس مقصوراً بأية حال على هرتزل، فموسى هس يؤكد أنه لا توجد أية قوة أوربية تفكر في مَنْع اليهود من شراء أرض أجدادهم ثانيةً. وهو يتصوَّر أن تركيا سترد لهم وطنهم نظير حفنة من الذهب. وتصوُّر ليلينبلوم لفكرة شراء الوطن ليس مغايراً لفكرة هس: "على رجالنا الأغنياء أن يبدأوا بشراء العقارات في تلك الأرض، ولو ببعض ما يملكون من ثروة، وما دام هؤلاء لا يرغبون في تَرْك أراضيهم التي يسكنونها الآن، فليشتر كل منهم قطعة أرض في أرض إسرائيل ببعض من مالهم حيث تُعطَى هذه الأراضي لمن يستغلها على أساس اتفاقية بشأن العائد (أو الربح) مع الشاري". ويرى بنسكر هو الآخر أن حل المسألة اليهودية يتلخص في تأسيس شركة مساهمة لشراء قطعة أرض تتسع لعدة ملايين من اليهود يسكنون فيها مع مرور الزمن. وهذا التصور التجاري لكل أراضي آسيا وأفريقيا لم يكن أمراً غريباً على العقل الغربي الاستعماري في القرن التاسع عشر الذي كان يرى العالم بأسره حيزاً للاستغلال وأرضاً تُوظَّف بطريقة مربحة (من خلال شركات ذات براءة في معظم الأحيان).

ولا يزال التصوُّر الوظيفي التجاري التعاقدي قائماً حتى الآن، فحينما يتحدث وايزمان عن فائدة الدولة الصهيونية للإمبريالية، ويقدم حساب التكاليف، وحينما تقدِّم الحركة الصهيونية الحوافز المادية والرشاوى ليهود المنفى ليهاجروا إلى أرض فلسطين (وكأن الوطن ملكية عقارية)، وحينما يحاولون شراء حائط المبكى، وحينما يعرضون تعويض الفلسطينيين عن وطنهم وتقديم المساعدة المالية لهم شريطة أن يتنازلوا عن حق العودة، فإنهم يؤكدون أن هذه الرؤية التجارية التعاقدية السطحية لا تزال لها قوتها في بعض الأوساط الصهيونية. ويمكن القول بأن الصهيونية النفعية تعبير آخر عن هذا الاتجاه.

الدولــــة الصهيونيـــة الوظيفيــــة: الحوسلــــة
The Functional Zionist State: Instrumentalization
الدولة الوظيفية هي دولة تتم حوسلتها لصالح الدول الراعية الإمبريالية، ولكن يبدو أن الحوسلة في حالة الحركة الصهيونية لن تتوقف عند الدولة الوظيفية، بل ستمتد لتشمل كل المادة البشرية اليهودية أينما كانت. وفي اجتماع بين هرتزل وفيكتور عمانوئيل الثالث، ملك إيطاليا، أشار الزعيم الصهيوني إلى أن نابليون دعا إلى عودة اليهود إلى فلسطين ليؤسـسوا وطناً قومياً، ولكن ملك إيطاليا بيَّن له أن ما كان يريده في الواقـع هو أن يجعل اليهود المشـتتين في جميـع أنحاء العـالم عمـلاء له. وقد اضطر هرتزل إلى الموافقة على ما يقول، وقد اعترف بأن تشامبرلين، وزير الخارجية البريطاني، كانت لديه أيضاً أفكار مماثلة. وكان هرتزل يرى أنه إذا وافقت إنجلترا على مشروعه الصهيوني، فإنها ستحصل، «في ضربة واحدة»، على عشرة ملايين تابع (عميل) سري في جميع أنحاء العالم يتسمون بالإخلاص والنشاط، وبإشارة واحدة سيضع كل واحد منهم نفسه في خدمة الدولة التي تقدم لهم العون. "إن إنجلترا ستحصل على عشرة ملايين عميل يضعون أنفسهم في خدمة جلالتها ونفوذها". ثم أضاف هرتزل، مستخدماً الصورة المجازية التجارية التعاقدية الشائعة في الأدبيات الصهيونية، "ثمة أشياء ذات قيمة عالية تكون من نصيب الشخص الذي يحصل عليها في وقت لم تكن قد عُرفت قيمتها الحقيقية العالية بعد". وأعرب الزعيم الصهيوني عن أمله في أن تدرك إنجلترا مدى القيمة والفائدة التي ستعود عليها من وراء كسبها الشعب اليهودي، أي أن هرتزل مدرك تماماً لوظيفة الدولة اليهودية والشعب اليهودي ومدى نفعه وإمكانية حوسلته.

والخطة الصهيونية الخاصة بتسخير الشعب اليهودي جزء أساسي من العقيدة الصهيونية. ففي عام 1920، عبَّر ماكس نوردو عن تفهُّمه العميق للدوافع التي حركت رجال السياسة البريطانيين الذين كانت تواجههم مشـكلة التـوازنات الدولية. وبعد القـيام بحسـاباتهم تَوصَّل هؤلاء الساسـة إلى أن اليهود يُعتبَرون في الحقيقـة "مصدر قوة" وربما "مصدر نفع" أيضاً لبريطانيا وحلفائها، ومن ثم عرضت عليهم فلسطين.

ويُلاحَظ أن كل الكُتَّاب السابقين ينظرون إلى إسرائيل باعتبارها «رقعة» أو «مساحة» أو «مكاناً تابعاً» أو «بلداً» تحت الوصاية (فهي مكان تم نزع القداسة عنه وتمت حوسلته تماماً حتى أصبح موضوعاً محضاً). وهم يعتبرون المستوطنين الصهاينة حراساً و"خدمة عسكرية جاهزة": جماعة من المماليـك أو المرتزقة على أهـبة الاسـتعداد دائماً. والمملوك أداة ووسـيلة، وليس إرادة وقيمة.

وسواء كانت الإشارات للمكان أو كانت للإنسان، فإن جوهر الصور المجازية جميعاً هو التبعية الكاملة للغرب، والتحوسل الكامل لحسابه، وتحويل المكان والإنسان إلى أداة منعزلة عن المحيط الحضاري الشرقي («ذراع مستقبلية»). وقد مزج هرتزل، مؤسس الصهيونية، كل العناصر في تعبيره المجازي الشهير حين قال: "سنقيم هناك [في آسيا] جزءاً من حائط لحماية أوربا يكون حصناً منيعاً للحضارة [الغربية] في وجه الهمجية"، فقد مزج الإنسان والمكان بحيث أصبحا حائطاً غربياً في مواجهة الشرق. (يُلاحَظ أن كلمة «إسرائيل» في العبرية كلمة متعددة المعاني متنوعة الدلالات وتشير للأرض والشعب تماماً كما فعل هرتزل(.

ولا يزال إدراك الإسرائيليين لدورهم (وإدراك العالم الغربي له) يدور في هذا الإطار. وكثير من الصور المجازية التي يستخدمها المستوطنون الصهاينة في وصف الدور الموكل إليهم يبين إدراكهم لعملية الحوسلة الوظيفية هذه. فقد استخدمت جريدة هآرتس صورة مجازية درامية لوصف الدور الذي تم إسناده إلى الدولة اليهودية (في مقال في سبتمبر 1951) بعنوان "نحن وعاهرة المواني" جاء فيه أن "إسرائيل تم تعيينها لتقوم بدور الحارس الذي يمكن الاعتماد عليه في معاقبة دولة واحدة أو أكثر من جيرانها العرب الذين قد يتجاوز سلوكهم تجاه الغرب الحدود المسموح بها".

والصورة المجازية السابقة (إسرائيل كحارس أجير يشبه العاهرة) تلمس ـ على ما يبدو ـ وتراً حساساً في الذات الصهيونية الإسرائيلية، إذ تَكشَّف أخيراً من خلال وثائق وزارة الخارجية البريطانية لعام 1956 الخاصة بحرب السويس أنه، أثناء المباحثات السرية التي جرت بين إنجلترا والدولة الصهيونية ومهدت للعدوان الثلاثي على مصر، تم الاتفاق على أن تقـوم إسرائيل بمهاجـمة مصر. وبعـد وصولهـا إلى قناة السويس، تقوم إنجلترا وفرنسا بالتدخل ثم تصدران أمراً إلى الطرفين المصري والإسرائيلي بالانسحاب عدة كيلو مترات من حدود القناة، وبذا يتم تبرير الغزو الفرنسي والإنجليزي أمام الرأي العام العالمي باعتباره عملية محايدة تهدف إلى حماية الملاحة في القناة. وقد ضمنت الدولتان أمن إسرائيل وزودتاها بالغطاء الجوي المطلوب (وهذه أمور معروفة لا تحتاج إلى توثيق). ولكن يبدو أن المندوب الإنجليزي في هذه المفاوضات السرية بالغ قليلاً في الأمر وطلب أن تقوم القوات الإنجليزية بإلحاق بعض الإصابات الطفيفة، ولكن الفعلية، بالقوات الإسرائيلية لرفضها الانسحاب أو لتباطؤها فيه حتى يتم حبك المسرحية. وهنا ثارت ثائرة بن جوريون واستخدم صورة مجازية شبيهة بالصورة المجازية التي اسـتخدمتها هآرتس لوصـف العـلاقة بين إسرائيل والدول الغربية إذ قال: إنجلترا تشبه النبيل الإقطاعي الذي يرغب في معاشرة إحدى الخادمات جنسياً على أن يتم ذلك في الخفاء وحسب، أي في المطبخ مثلاً لا في حجرة النوم. ومن الواضح أن بن جوريون لم يرفض الدور الإستراتيجي الموكل إليه (الخادمة الحسناء)، ولكنه كان يطمع في أن يتـم الـلقاء بين الخـادمة والسـيد في مكان لائق (الحديقة أو غرفة النوم على سبيل المثال)، يتفق مع مكانة الشعب اليهودي وكرامة دولته اليهودية الوظيفية.

ومن الصور المجازية المتواترة الأخرى، صورة إسرائيل باعتبارها كلب حراسة. فقد وصف البروفسير يشعياهو ليبوفيتس في حديث له في صحيفة لوموند بتاريخ 8 مارس 1974 إسرائيل بأنها "عميل للولايات المتحدة" ووصف الإسرائيليين بأنهم "كلاب حراسة للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، ويتعلق بقاؤنا بقدرتنا على القيام بهذه المهمة ". وقد طوَّر الصحفي الإسرائيلي عاموس كينان هذه الصورة المجازية المثيرة من عالم الحيوان وجعلها أكثر حدة وإثارة إذ وصف إسرائيل بأنها "كلب حراسـة رأسـه في واشـنطن وذيلـه في القدس"، وهي كلب حراسة قوي لكنه يحتاج إلى حماية. ويفضل العرب استخدام «مخلب القط» كصورة مجازية لوصف الدولة الوظيفية. وهي صـورة مجـازية مألوفـة وشـائعة فَقَدت كثيراً من قوتها بسـبب تكرارهـا بشكل ممل، وإن كانت معبِّرة تماماً. والصورة المجازية السـابقة (الحارس، والعاهرة، والخادمة الحسـناء الطيعة، وكلب الحراسـة، ومخلب القط) سواء أقبلناها لجدتها أم رفضناها لحدتها، تؤكد أن أهمية إسرائيل من وجهتي النظر الغربية والصهيونية لا تكمن في عائدها الاقتصادي وإنما في دورها الإستراتيجي إذ أن كل الصور المجازية تفترض وجود دور يُؤدَّى وثمن يُدفَع، لا عائد اقتصادي يُحصَّل.

ولكن كل الصور المجازية السابقة،، اللائق منها وغير اللائق، هي في الواقع مستمدة من القرن التاسع عشر قبل تفجُّر الثورة التكنولوجية وتزايد معدلات نمو الصناعات الحربية وتنوعها. ولذا، كان تطَوُّر الصورة المجازية بشكل يتفق مع روح العصر في أواخر القرن العشرين حتمياً (والواقع أن إحدى السمات الأساسية الشاملة للدولة الوظيفية الصهيونية مقدرتها على تغيير وظيفتها بما يتفق مع متطلبات الدولة الراعية). وهذا ما أنجزه يعقوب ميريدور في حديثه للإذاعة التابعة للجيش الأمريكي، فقد بيَّن أنه لولا وجود إسرائيل كقاعدة ومنطقة نفوذ وحليف للولايات المتحدة لاضطرت الأخيرة إلى بناء عشر من حاملات الطائرات. وهو بذلك يكون قد أحلّ صورة إسرائيل المجازية كحاملة طائرات أمريكية محل الصور المجازية الغامضة أو الفاضحة السابقة. وترد الصورة المجازية نفسها، وبشكل أكثر تبلوراً، في مقال الصحفي الإسرائيلي سبير والمعنون «مجتمع يتغذى على الهبات الخارجية» إذ قال الكاتب: "إن الأمريكيين يدفعون لنا لأنهم يريدون أن تكون لهم دولة تابعة مجهزة بأفضل الأسلحة والجنود". وقد وصف سبير هذه الدولة بأنها حاملة طائرات عليها أربعة ملايين نسمة في موقع إستراتيجي فريد من نوعه قريب من الاتحاد السوفيتي وقريب من أوربا الشرقية وقريب من حقول النفط.

إسرائيل إذن «حاملة طائرات»، أي أنها وظيفة تُؤدَّى أو دور يُلعَب وأداة تُستخدَم أو ثروة إستراتيجية تضم أربعة ملايين مقاتل. ولا شك في أن صورة «الحاملة» المجازية أكثر دقة ودلالة من سابقاتها لأنها لا تتحدث عن دور الدولة الصهيونية أو وظيفتها بشكل عام، وإنما تعرِّف ـ وبدقة بالغة ـ طبيعته الإستراتيجية كدولة عميلة توجد في منطقة حدودية قريبة من الاتحاد السوفيتي (سابقاً) وأوربا الشرقية وحقول النفط، وليس لها عائد اقتصادي مباشر. وتؤكد الصورة المجازية حركية هذه الدولة النافعة الثمينة وإمكانية نَقْل جنودها من مكان حدودي إلى مكان حدودي آخر. ولكن الصورة المجازية تُظهر في الوقت نفسه أنه يمكن الاستغناء عنها، فالأجزاء الآلية الحركية ليست عضوية ولا ثابتة. وتنفي الصورة المجازية عن إسرائيل أيَّ دور اقتصادي مباشر. ولعل الاتفاق الإستراتيجي الذي تم توقيعه بين الولايات المتحدة وإسرائيل عام 1984 هو تَحقُّق آخر لهذا الإدراك لطبيعة دور الدولة إسرائيل وعلاقتها بالعالم الغربي.

التحالف الإستراتيجي الأمريكي/ الإسرائيلي
Israeli-American Strategic Alliance
لا شك في أن القوى الاستعمارية هي التي تبنَّت المشروع الصهيوني وتكفَّلت برعايته ووفرت له كل أسباب النجاح. وحتى الحرب العالمية الثانية كانت أوربا القاعدة المركزية للنشاط الصهيوني، وكانت بريطانيا الدولة العظمى التي تقود عملية إنشاء الدولة الصهيونية في فلسطين. أما بعد التحـولات التي أخـذت تتبلور مع الحرب العـالمية الثانية، فإن النشاط الصهيوني سارع في الانتقال إلى الولايات المتحدة الأمريكية مركز القوة الجديد في الغرب، فكانت الولايات المتحدة أول دولة تعترف بإسرائيل بعد دقائق من إعلان قيامها في 15 مايو 1948. وقد أيَّدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة موقف إسرائيل من الصراع العربي الإسرائيلي، باستثناء فترة العدوان الثلاثي سنة 1956.

ولكن الدعم العسكري والاقتصادي ظل متواضعاً حتى منتصف الستينيات، حيث كانت إسرائيل تعتمد على التعويضات الألمانية من الناحية الاقتصادية، وعلى السلاح الفرنسي من الناحية العسكرية. وبدأ التبدُّل النوعي في العلاقة بين الطرفين مع تولي لندون جونسون رئاسة الولايات المتحدة في وقت أصبح من الواضح فيه أنها وريثة الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة وزعيمة العالم الغربي في عالم ما بعد الاستعمار. وبذلك انطوت حقبة كاملة من السياسة التي تميَّزت بالتوازن النسبي أحياناً أو الانحياز المحدود المقتصر على مؤسسة الرئاسة كما في ولاية ترومان، وبدأت حقبة مختلفة مع جونسون اتسمت بالانحياز الجارف إلى إسرائيل على جميع المستويات الرئاسية والحكومية وبخاصة بعد حرب 1967، حيث أصبحت الولايات المتحدة المورِّد الأساسي للسلاح لإسرائيل.

وفي عهد الرئيس رونالد ريجان قطعت هذه العلاقة مسافة أخرى على طريق التنسيق الإستراتيجي المتكامل، حيث تم توقيع اتفاقية التعاون الإستراتيجي لسنة 1981. وبعد أسابيع من توقيعها أعلنت إسرائيل ضم مرتفعات الجولان السورية. وبعد عام، على وجه التحديد، في يونيه 1982، قامت إسرائيل باجتياح جنوب لبنان ثم انضمت عام 1983 إلى مبادرة الدفاع الإستراتيجي الأمريكية (SAI) بتوقـيع اتـفـاقية إسـتراتيجية أخرى بين الولايات المتحدة وإسرائيل، حصلت إسرائيل بموجبها على مكاسب جديدة وفُتحت أمامها آفاق جديدة من التعاون والمسـاعدات الأمريكية. فلقـد تكفَّلت الولايات المتحـدة، في هـذه الاتفاقية، بأن تقوم وزارة الدفاع الأمريكية بشراء ما قيمته 200 مليون دولار سنوياً من إسرائيل، كما سمحت للشركات الإسرائيلية بدخول المناقصات التي تجريها وزارة الدفاع الأمريكية من أجل الحصول على عقود صنع السلاح. كذلك حصلت إسرائيل على تعهُّد أمريكي بمدها بالمعلومات التي تحصل الولايات المتحدة عليها في الشرق الأوسط عن طريق الأقمار الصناعية.

وفي عام 1985 وقَّعت الحكومتان اتفاقية تم بمقتضاها إلغاء التعريفة الجمركية بينهما، أي قبل سبع سنوات من إبرامها اتفاقية مماثلة مع جارتيها كندا والمكسيك. واستمرت إدارة الرئيسين بوش وكلينتون في دعم إسرائيل (باستثناء موقف بوش بتجميد ضمانات القروض لإسرائيل).

وفي مطلع عام 1986 تم التوصل إلى عدد من الاتفاقات الأمنية والعسكرية بين إسرائيل والولايات المتحدة، ويستند التحالف الإستراتيجي الأمريكي /الإسرائيلي إلى مجموعة متنوعة من الخدمات المميزة التي يمكـن أن توفرها إسـرائيل للولايات المتحدة باعتبارها رصيداً إستراتيجياً، وهي تتمثل في:

* الموقع الجغرافي: إسرائيل قاعدة انطلاق مثالية للقوات الأمريكية إذا هُدِّدت مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهو منطقة مهمة من الناحية الجيوبوليتيكية بسبب ما يحويه من نفط ورؤوس أموال وأسواق. ومن المعروف أن نقل قوة لها شأنها إلى هذه المنطقة يستغرق عدة أشهر، أما مع وجود إسـرائيل كحليف فإنه لا يحتاج إلا إلى بضعة أيام.

* البنَى التحتية والمواصلات والاتصالات: تستطيع القوات الأمريكية استخدام القواعد الجوية والبحرية والبرية الإسرائيلية إما لهدف عسكري مباشر أو عمليات الإسناد أو كقواعد وسيطة.

* البحث والتطوير والاستخبارات: يمكن أن تستفيد القوات الأمريكية من الخبرات الحية للتجربة العسكرية الإسرائيلية ومن المعلومات التي تجمعها إسرائيل عن المنطقة.

* القدرة الدفاعية: يمكن استخدام القدرات العسكرية الإسرائيلية لحماية قوة تدخُّل أمريكية في الشرق الأوسط، وخصوصاً أن سلاح الجو الإسرائيلي يسيطر على المجال الجوي.

وأنشطة البحث والتطوير الإسرائيلية نفسها مفيدة للولايات المتحدة الأمريكية بسبب التكامل الوثيق بين المخترعين الإسرائيليين والشركات الأمريكية (وكما قال جورج كيجان، رئيس استخبارات سلاح الجو الأمريكي سابقاً، إن مساهمة إسرائيل تساوي ألف دولار لكل دولار معونة قدمناها لها).

وإمكانيات إسرائيل في الاستخبار السياسي ضخمة جداً، فكثير من الإسرائيليين جاءوا من مختلف دول المنطقة وذلك يعطيهم معرفة أفضل باللغات، وغير ذلك من العوامل التي لا غنى عنها لأي تحليل أفضل، وتأويل أمثل للمعلومات التي يتم جمعها من المنطقة.

وإذا أردنا استخدام مصطلحنا يمكننا القول بأن الدولة الصهيونية هي إعادة إنتاج لنمط الجماعة الوظيفية القتالية والاستيطانية والتجارية والجاسوسية. وإذا أضفنا عمليات الترفيه عن الجنود الأمريكيين في الموانئ الإسرائيلية، فإننا بذلك نضم قطاع اللذة إلى قائمة الوظائف، فهي عملية توظيف شاملة يستفيد منها الفريقان.

يترتب على هذه العناصر تحقيق وحدة المصالح الإسرائيلية الأمريكية، وخصوصية علاقتهما وتفرُّدها، باعتبار إسرائيل موقعاً أمريكياً متقدماً في منطقة الشرق الأوسط.

وفكرة أن إسرائيل رصيد إستراتيجي للولايات المتحدة لا تنفصل عن الصراع العربي الإسرائيلي، فالخبرات والقدرات السابقة لم تكتسبها إسرائيل إلا بانغماسها في ذلك الصراع، كما أن تصاعد الصراع واحتدامه أدى إلى زيادة الروابط العسكرية والإستراتيجية بين البلدين.

المعونات الخارجية للدولة الصهيونية الوظيفية
Foreign Aid to the Functional Zionist State
«المعونات الخارجية» مصطلح شامل لا يضم فقط المساعدات الإنمائية وإنما يضم أيضاً المعونة العسكرية والمعونة الإنسانية التي تدفعها دولة (أو منظمة دولية) لدولة أخرى. والمعونات الخارجية هي إحدى أدوات تحقيق أهداف السياسة الخارجية للدولة المانحة.

والمشروع الصهيوني الاستيطاني الذي يهدف إلى تأسيس دولة وظيفية تجمع بعض يهود العالم وتقوم على خدمة المصالح الغربية في المنطقة مشروع تم تنفيذه برعاية الدول الغربية ودعمها السياسي والاقتصادي. فقد حصلت الحركة الصهيونية على العون السياسي والمادي منذ نشأتها في أواخر القرن التاسع عشر. وحتى قبل أن تتحوَّل إلى منظمة لها شبكتها الضخمة الممتدة التي تمارس الضغط السياسي وتجمع التبرعات من الحكومات والأفراد، كانت المعونات قد بدأت تصب بالفعل في فلسطين لتمويل جماعات المستوطنين اليهود التابعين لمنظمات شبه صهيونية كانت بمنزلة الإرهاصات الأولى للحركة الصهيونية.

والتمويل الخارجي جزء أساسي من تكوين الحركة الصهيونية، ويمكن القول بأن الأثرياء اليهود، ومن بعدهم الدول الغربية (التي احتضنت المشروع الصهيوني بعد أن تحوَّل من مجرد جمعيات وإرهاصات إلى منظمة عالمية)، لا ينظرون إلى المُستوطَن الصهيوني باعتباره استثماراً اقتصادياً، وإنما باعتباره استثماراً سياسياً له أهمية إستراتيجية قصوى. ولذا اتسمت تدفقات المعونات على الحركة الصهيونية وعلى الدولة الصهيونية بدرجة عالية من التسييس والارتباط بطبيعة المشروع الصهيوني.

والواقع أن أيَّ باحث في الاقتصاد الإسرائيلي لابد أن يلاحظ محورية الدور الذي تلعبه المعونات الخارجية وتدفقات البشر ورؤوس الأموال على إسرائيل بشكل لا مثيل له في أية دولة من دول العالم، سواء من حيث حجمها ودرجة اعتماد الاقتصاد الإسرائيلي عليها، أو من حيث درجة تسييسها وارتباطها بطبيعة المشروع الصهيوني.

والدولة الصهيونية في حالة حرب دائمة تلتهم جزءاً كبيراً من ميزانية الدفاع والأمن وهو ما يُشكِّل استنزافاً اقتصادياً دائماً. كما أن عملية بناء المستوطنات تتطلب ميزانيات ضخمة. وبناء المستوطنات، شأنه شأن نشاطات "اقتصادية" أخرى، لا يخضع بالضرورة لمقاييس الجدوى الاقتصادية الصارمة، إنما يخضع لمتطلبات الاستيطان وهو ما يسبب إرهاقاً مالياً.

والاقتصاد الإسرائيلي صغير الحجم - بمعيار عدد السكان - لا يشكل قاعدة كافية لاستيعاب ناتج الكثير من المشروعات الإنتاجية عند حجمها الأمثل، وهو ما يعني أن الإنتاج في مثل هذا الاقتصاد ليس اقتصادياً (بالمعنى الفني للمصطلح)، الأمر الذي يقتضي تخصيص مبالغ كبيرة لدعم المشروعات وإعانتها، وقد بلغت نسبة الإعانات للمشـروعات الصـناعية في بعض السـنوات 40% من قيمة الناتج الصناعي. ويمكن القول بأن النموذج الاقتصادي الإسرائيلي يرجع أساساً إلى نجاح صيغة الصهيونية العمالية (الاستيطانية)، التي تبنتها إسرائيل منذ نشأتها، في ضمان تَدفُّق البشر ورؤوس الأموال إليها.

وقد ارتبطت فترات النمو في الاقتصاد الإسرائيلي أساساً بتدفقات البشر - عبر حركات هجرة البحر والأموال (أو العمل ورأس المال بالتعبير الاقتصادي) - على إسرائيل، حيث يرى أحد الباحثين الإسرائيليين أن 75% من النمو الذي حققه الاقتصاد الإسرائيلي في الفترة من 1954 - 1972 تم بفضل المعدلات المرتفعة التي نمت بها عوامل الإنتاج (رأس المال والعمل) و25% منه فقط بسبب التحسن في الكفاءة الإنتاجية، الأمر الذي يفسر نجاح إسرائيل في تنفيذ استثمارات ضخمة رغم أن معدل الإدخار المحلي كان بالسالب في أغلب الفترات (حتى في الفترات التي كان الاقتصاد الإسرائيلي فيها ينمو بشكل سريع إذ كان الإدخار القومي سالباً، ومع هذا كان معدل الإدخار الخاص مرتفعاً، لكنه لم يكن كافياً لتغطية العجز في ميزانية الحكومة)، وقد كانت المساعدات الخارجية الوسيلة الأساسية لسد الفجوة بين الإدخار والاستثمار، وهي التي مكَّنت إسرائيل من تحقيق مستوى معيشي مرتفع رغم معدلات زيادة السكان المرتفعة.

وقد ساهمت المعونات ولا شك في حل مشاكل التجمُّع الصهيوني الاقتصادية وحمته طيلة هذه الفترة من جميع الهزات. والأكثر من هذا أن هذه المعونات غطت تكاليف الحروب الإسرائيلية الكثيرة والغارات التي لا تنتهي. وبالتالي قُدِّر للعقيدة الصهيونية أن تستمر لأن الإسرائيليين لا يدفعون بتاتاً ثمن العدوانية أو التوسعية الصهيونية. كما موَّلت هذه المعونات عملية الاستيطان باهظة التكاليف، وحقَّقت للإسرائيليين مستوىً معيشياً مرتفعاً كان له أكبر الأثر في تشجيع الهجرة من الخارج وبخاصة من الاتحاد السوفيتي.

وحينما يتحدث الدارسون عن «المعونات الخارجية» فهم يتحدثون عن معونات من مختلف الدول الغربية ومن يهود العالم الغربي. ولكن قبل الخوض في هذا الموضوع لابد من الاعتراف أنه سيكون هناك قدر من الاختلافات الواضحة بين التقديرات المختلفة لحجم المعونة الغربية (وبخاصة الأمريكية) للدولة الصهيونية. ولعل هذا يعود إلى طريقة تقديرها وإلى أن قدراً كبيراً من السرية والتعمية المتعمدة يحيط بحجم المعونات. وقد اعتمدت إسرائيل في البداية على التعويضات الضخمة التي تلقتها من ألمانيا اعتباراً من عام 1953 (بواقع 750 - 900 مليون دولار سنوياً) وحتى نهاية الستينيات، والتي بلغت مليار دولار كتعويضات مباشرة للحكومة الإسرائيلية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد لكل يهود العالم، ومنهم ضحايا النظام النازي في الحرب العالمية الثانية (التي بدأت وانتهت قبل قيام دولة إسرائيل!)، كما اعتمدت على المعونات العسكرية الألمانية خلال الخمسينيات والستينيات، وهي المساعدات التي قامت ألمانيا بموجبها بتمويل شراء إسرائيل لأسلحة أمريكية (مثال: في عام 1963 قامت ألمانيا بتقديم 60 مليون دولار لتمويل شراء صفقة دبابات أمريكية الصنع لإسرائيل). وقد بلغت التعويضات الألمانية للأفراد ما بين 700 - 900 مليون دولار سنوياً. وتصل بعض التقديرات إلى أن حجم المعونة الألمانية تتراوح بين 60 - 80 بليون دولار. فقد صرح وزير الخارجية أمام المؤتمر اليهودي (8/5/1997) أن ألمانيا دفعت لإسرائيل تعويضات تصل إلى 97 مليون مارك (6 بليون دولار) وأنها ستستمر في دفع التعويضات لمدة 34 سنة أخرى حتى تصل عام 2030 مبلغ 940 بليون مارك (80 بليون دولار)، مع العلم بأن مجموع ما تلقته ألمانيا من مشروع مارشال هو 15 بليون دولار!

ولكن الدعم الحقيقي جاء من الولايات المتحدة، وهو ما يجعلها صاحبة لقب «الراعي الإمبريالي» بامتياز. وكانت الولايات المتحدة أول دولة تعترف بإسرائيل؛ وذلك بعد مضي دقائق على إعلان قيامها في 15 مايو 1948. وبعد أسـابيع منحـتها قرضاً قيمته 100 مليون دولار. وكان الدعم العسكري والدعم الاقتصادي منذ الخمسينيات حتى منتصف الستينيات متواضعين، ذلك أن إسرائيل كانت من الناحية الاقتصادية تعتمد على التعويضات الألمانية كما أسلفنا؛ وبدأ التبدل النوعي في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بعد حرب 1967 مباشرةً في عهد الرئيس ليندون جونسون.

وفي الأيام الأولى لحرب 1973، أقامت الولايات المتحدة جسراً جوياً بينها وبين إسرائيل، إذ نقلت إلى إسرائيل في أيام قليلة 22 ألف طن من العتاد العسكري لتعويضها عن خسائرها التي مُنيت بها.

وقد تطوَّرت المساعدات الأمريكية لإسرائيل وتصاعدت خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، وحدثت القفزة الكبيرة بعد حرب 1973 حتى وصلت إلى 3 مليار دولار تقريباً سنوياً طبقاً للإحصاءات الأمريكية الرسمية منها 1.8 مساعدات عسكرية، 1.2 مساعدات اقتصادية. وقد أخذ طابع المساعدات منذ الثمانينات يتحوَّل إلى المنح بدلاً من القروض.

تطور المساعدات الأمريكية لإسرائيل (مليون دولار):

السنة / المجموع / القروض / المنح

1949 - 1950 / 852.9 / 339.3 / 313.6

1960 - 1969 / 834.8 / 801.9 / 32.9

1970 / 93.6 / 80.7 / 12.9

1972 / 480.9 / 424.9 / 56.0

1974 / 2.646.3 / 1.055.0 / 1.591.3

1978 / 1.822.6 / 772.2 / 1.050.4

1982 / 2.245.5 / 874.0 / 1.371.5

1984 / 2.628.5 / 851.9 / 1.776.6

1986 / 3.800.0 / --- / 3.800.0

1988 / 3.050.0 / --- / 3.050.0

1990 / 3.452.0 / --- / 3.452.0

1991 / 2.935.0 / --- / 2.935.0

المصدر : حتى سنة 1988 : Rabie (1988) .p.59.

أما سنتا 1990 و 1991 ، فمن :

Government Finance Statistics Yearbook (1992).p.306.

غير أن الأرقام السابقة - على ضخامتها - لا تكشف سوى جزء من الواقع، إذ أن المبالغ الفعلية التي تحصل عليها إسرائيل أكبر من الرقم الرسمي المعلن بكثير، لتصل إلى ما يتراوح بين 5.5 مليار دولار و6.5 مليار دولار كما يتبين من خلال استعراض التقديرين الآتيين:

ففي تقدير ذا واشنطن ربورت أُنْ ميدل إيست أفيرز The Washington Report on Middle East Affairs تم تقدير حجم المعونة عام 1993 بـ 6.321 مليار دولار أو 17 مليون دولار يومياً، منها 2 مليار دولار سنوياً منذ عام 1993 ولمدة خمس سنوات هي ضمانات قروض بقيمة 10 مليار دولار، وذلك لكون إسرائيل غير مُلزمة بسداد القروض للولايات المتحدة سواء من خلال إمكانية تنازُل الكونجرس، أو بسبب تعديل كرانستون الذي يشترط عدم خفض مستحقات الدفع السنوية لإسرائيل، ويُلزم الحكومة الأمريكية بأن لا يقل حجم المكون الاقتصادي من المعونة التي تقدمها لإسرائيل عن إجمالي أقساط وفوائد الديون المستحقة على إسرائيل للولايات المتحدة سنوياً، أي أن الولايات المتحدة قد ألزمت نفسها بسداد ما سبق أن اقترضته الحكومة الإسرائيلية أو ما يمكن أن تقترضه في المستقبل من الولايات المتحدة.

ويبيِّن الجدول الآتي المعونة الأمريكية لإسرائيل عام 1993 بالمليار دولار:

3.000 من ميزانية المساعدات الأجنبية.

1.271 مساعدات أخرى من الميزانية ومن خارجها.

0.050 فوائد قروض إسرائيلية.

2.000 ضمانات قروض.

6.321 المجموع

وحسب بعض التقديرات، يصل إجمالي ما تحصل عليه إسرائيل في ميزانية 1996 من معونة مبلغ خمسة مليار وخمسمائة وخمسة ملايين وثلاثمائة ألف دولار (5.505.300)، أي أن ما تحصل عليه إسرائيل يعادل تقريباً ضعف ما تظهره الأرقام الخاصة ببرنامج المعونة الأمريكية الخارجية لإسرائيل وهي 3 مليارات دولار منها 1.2 مليار دولار تحت بند المعونة الاقتصادية أو بعبارة أدق تحت بند "صندوق الدعم الاقتصادي Ecormic Support Fund" و1.8 مليار دولار تحت بند المعونة العسكرية أو بعبارة أدق تحت بند "مبيعات السلاح الخارجية Foreign Military Sales". أما عن مصادر تلك الفجوة بين حجم المعونة الرسمية المعلن وبين ما تحصل عليه إسرائيل فعلاً فهو ما يلي:

1 - المعونات المدرجة ضمن ميزانيات عدد من الوزارات أو الوكالات الفيدرالية مثل وزارات الخارجية والدفاع والتجارة، ومصلحة الهجرة والجنسية... إلخ، فميزانية الدفاع خصَّصت مبلغ 242.3 مليون دولار عام 1996 لتطوير عدد من نظم التسليح لم تظهر في برنامج المعونة.

2 - التيسيرات الهائلة التي تحصل إسرائيل بموجبها على حصتها من برنامج المعونة، كونها الدولة الوحيدة في العالم التي تحصل على المعونة الاقتصادية نقداً ومرة واحدة وهو ما يرفع عن كاهلها أعباء مصاريف بنكية تصل إلى 60 مليون دولار، ولأنها مستثناه من قانون استخدام أموال المعونة العسكرية لشراء معدات عسكرية أمريكية، بل إن لها الحق في استخدامها في شراء معدات مُصنَّعة في إسرائيل.

3 - التسهيلات الائتمانية والقروض وهي من حيث المضمون أقرب إلى المنحة منها إلى القرض.

وقد حصلت إسرائيل على استثناءات كثيرة من شروط المعونة، من أهمها الاستثناءات الخاصة باستخدام إسرائيل أموال المعونة في شراء منتجات غير أمريكية وبخاصة في مجال التصنيع العسكري. كما تعمد إسرائيل إلى خرق العديد من القوانين الأمريكية إذا تصادمت مع مصالحها مثل خَرْق القانون الذي يحظُر نَقْل التكنولوجيا الأمريكية بدون إذن الإدارة الأمريكية إلى طرف ثالث. بل إن عملية الخرق هذه قد تجد تشجيعاً من الإدارة الأمريكية. ففي عام 1993، قرر الكونجرس خصم واحد دولار من المعونة مقابل كل دولار تستخدمه إسرائيل في بناء المستوطنات في غزة والضفة، واعترفت إسرائيل بأنها أنفقت بالفعل 437 مليون دولار على المستوطنات وهو ما كان يعني خصم القيمة نفسها من المعونة، فقررت إدارة الرئيس كلينتون تزويد إسرائيل بـ 500 مليون دولار إضافية مقابل ذلك الخصم، وهو ما يعني زيادة 63 مليون دولار على المعونة لم تكن لتستلمها لو أطاعت رغبة الكونجرس.

ويشير أحد التقديرات إلى أن إجمالي ما حصلت عليه إسرائيل من معونة أمريكية حتى عام 1996 يبلغ 78 مليار دولار، منها ما يزيد على 55 مليار دولار منحة لا تُرد. بينما ترفع بعض التقديرات الأخرى مبلغ المعونة الفعلية إلى أعلى من هذا بكثير.

ولا تكشف هذه الأرقام بطبيعة الحال عن حجم المساعدات غير الحكومية التي تتلقاها إسرائيل من أفراد ومؤسسات داخل الولايات المتحدة الأمريكية، والتي أصبحت منذ منتصف السبعينيات ثاني أكبر مصدر لتدفُّق رؤوس الأموال الخارجية على إسرائيل بعد الحكومة الأمريكية. ففي الولايات المتحدة توجد حوالي 200 مؤسسة تعمل في مجال جمع التبرعات لإسرائيل، من أشهرها مؤسسة النداء اليهودي المتحد، ومنظمة سندات دولة إسرائيل. وتشير بعض التقديرات إلى أن المساعدات التي حصلت عليها إسرائيل من مصادر غير حكومية في الفترة من 1948 إلى 1986 قد بلغت 24.5 مليار دولار موزعة على النحو التالي: 6.5 مليار مساعدات أفراد و11 مليار مساعدات مؤسسات و7 مليارات قيمة سندات دولة إسرائيل. وقد صبت هذه المعونات في تجمُّع بشري يبلغ عدد سكانه أقل من خمسة ملايين. وقد قدَّر أحد الدارسين أن الولايات المتحدة منحت إسرائيل ما يقرب من عشرة بلايين دولار سنوياً في الفترة الأخيرة، وأنها أعطت كل مواطن إسرائيلي مبلغ ألف دولار كل عام منذ إنشاء دولة إسرائيل، وهذا المبلغ يفوق كثيراً معدل دخل كثير من مواطني العالم الثالث.

وحالياً تبلغ حصة الفرد الإسرائيلي من المساعدات حوالي 1600 - 2000 دولار سنوياً دون حساب عوائد الدعم الاقتصادي والتكنولوجي والعلمي والعسكري والسياسي. وطبقاً للتقديرات السابقة فإن مجمل المعونات الأمريكية الرسمية يصل إلى 78 مليار دولار، ومجمل المعونات الأمريكية غير الرسمية يصل إلى 24.5 مليار دولار، أي أن المعونات الأمريكية الرسمية وغير الرسمية تزيد عن مائة مليار دولار.

ويمكن القول بناءً على تقديرات أخرى لا تختلف كثيراً عن التقدير السابق مباشرةً أن مجموع المساعدات الأمريكية لإسرائيل إضافة إلى التعويضات الألمانية والجباية اليهودية منذ عام 1949 وحتى عام 1996 ما يزيد عن 179.4 مليار دولار، موزعة بين 79.6 مليار دولار مساعدات حكومية أمريكية متنوعة، 60 مليار دولار تعويضات ألمانية، 19.4 مليار دولار جباية يهودية، 23.4 مليار دولار أصول أجنبية في إسرائيل. وحتى إذا استبعدنا الأصول الأجنبية الموجودة في إسرائيل على اعتبار أنها قد توطنت فيها لاعتبارات اقتصادية (وهو أمر غير صحيح لأنها كانت دائماً دولة في حالة حرب أو توتر ولا تغري أي مستثمر بتوطين الاستثمارات فيها) فإن المساعدات الخارجية المعروفة التي تلقتها إسرائيل منذ إنشائها عام 1948 وحتى عام 1996 قد بلغت نحو 156 مليار دولار بالأسعار الجارية على مدى سنوات تلقي إسرائيل لها، وهي توازي ما يزيد عن 450 مليار دولار من دولارات الوقت الراهن.

وهناك مساعدات تحصل عليها إسرائيل في ظروف معينة مثل ما حصلت عليه عند التوقيع على معاهدة كامب ديفيد 1979 لتعويض ما فقدته، فحصلت على: بناء مطارين في النقب يعمل في كل منهما سربان أثناء العمليات بواسطة سلاح المهندسين الأمريكي، وتعزيز البنية الأساسية لقواعد بحرية وإنشاءات عسكرية ومراكز تدريب وثكنات، والحصول على معدات وأسلحة لتحديث قواتها، وبناء مدارس عسكرية، وبناء مخزنين في كل قاعدة جوية في النقب بهما قطع الغيار اللازمة، وهي تعمل بطريقة أوتوماتيكية بحيث يكفي 3 أشخاص لتشغيل وإدارة كل مخزن، وقد تكلفت هذه الإنشاءات والمعدات ما يقرب من3.2 مليار دولار، والغريب أن كل معدات سلاح المهندسين التي قامت ببناء هذه الأبنية أعطيت منحة لإسرائيل.

علاوة على ذلك فإنه لا يمكن حصر المساعدات غير المنظورة التي تُعطَى للكيان الصهيوني، مثل هجرة العلماء إليها، فمثلاً يُقال إن معظم أعضاء قسم رسم الخرائط في الجيش البولندي هاجروا إلى إسرائيل بعد عام 1967، كما أن كثيراً من العلماء اليهود يجرون تجاربهم في معامل جامعاتهم في الولايات المتحدة، ثم يعطون نتائجها لإسرائيل. وهذا شكل من أشكال المعونات يصعب - إن لم يستحيل - حسابه.

ويمكن رصد أنواع أخرى من المساعدات غير المباشرة. ففي مجال الصناعات الحربية تسهم الولايات المتحدة في مشروع إنتاج الصاروخ "حيتس أو السهم" الإسرائيلي المضاد للصواريخ رغم تكرار فشله (وكذلك الحال مع الطائرة لافي من قبل). وفي مجال نقل التكنولوجيا نجد أنه رغم أن الولايات المتحدة تفرض قيوداً صارمة على عملية النقل هذه إلا أنها لا تُطبَّق على إسرائيل، التي تستخدم في صناعاتها الحربية معدات تكنولوجية أمريكية.

وتشير بعض الإحصاءات إلى أن 36% من الصادرات الإسرائيلية تحتوي على نظم أمريكية، ولذلك فإنه لو طُبِّقت القيود الصارمة على تصدير التكنولوجيا التي في حوزة إسرائيل لدولة ثالثة لأصيبت صادراتها بضربة قاسية.

وهناك نوع آخر من المساعدات غير المباشرة وهو فتح الأسواق الأمريكية للصادرات الإسرائيلية، وكذلك ما يُعرف بـ «الأسواق المتروكة»، وهي أسواق لا تستطيع الولايات المتحدة التورط فيها بطريقة مباشرة مراعاةً لمصالحها العليا، الأمر الذي يجعلها تلجأ إلى إسرائيل لملئها مؤقتاً مثل أسواق ديكتاتوريات أمريكا اللاتينية أو أسواق بعض النظم العنصرية مثل نظام جنوب أفريقيا السابق.

ولهذه المعونات آثار سلبية عديدة، فالتضخم المفرط ناجم في جزء كبير منه عن التدفق المسيَّس لرؤوس الأموال الذي بلغ في منتصف الثمانينيات معدلات فلكية (536% عام 1984)، والخفض المستمر في قيمة الشيكل (اضطرت الحكومة في النهاية لإلغائه واستبدال الشيكل الجديد به حيث أصبح كل شيكل جديد يساوي 100 شيكل إسرائيلي) ساهم في تدهور قدرته الشرائية ودفع العديد من الاقتصاديين الإسرائيليين إلى المطالبة بدولرة الاقتصاد الإسرائيلي. وأوشك النظام المالي الإسرائيلي على الانهيار لولا تدخُّل الولايات المتحدة وقيامها بمد إسرائيل بمساعدة طارئة بلغت 1.5 مليار دولار مكَّنت الحكومة الإسرائيلية من تثبيت سعر الشيكل ووفرت عليها عبء الاستدانة من أسواق المال العالمية. وقد أصبحت إسرائيل نتيجة هذا الدعم المستمر بلداً كل ما فيه مموَّل أو مُدعَم من الخارج: حمام السباحة في النادي، معمل قسم الطفيليات في الجامعة، مشروعات إعانة الفقراء، المتحف الذي يذهب المواطن لزيارته، بل حتى البرامج الإذاعية التي يسمعها. وبطبيعة الحال الجيش الذي يدافع عنه، والوجبة التي يتناولها. إن مثل هذا الوضع يقوض دعائم الأخلاقيات الاجتماعية وأي إحساس بالعزة القومية. والصهيونية تستمد شرعيتها أمام اليهود من ادعائها أنها حولتهم إلى شعب له كرامته القومية مثل كل الشعوب.

وقد بدأت الحكومة الأمريكية تتدخل في السياسات الداخلية للمستوطن الصهيوني وبخاصة الشئون الاقتصادية والعسكرية، وأصبحت هذه السياسات يتم تقريرها على أمل أن تحوز إعجاب واشنطن. وهذه قضية تثير قلقاً عميقاً داخل المُستوطَن الصهيوني. وكما قال ييجال يادين: "إن المعونة الأمريكية تشكل الخطر الأساسي على مستقبلنا الروحي". ولكن لا يوجد حل ولو نظري لهذه المشكلة في الوقت الحاضر على الأقل.

والمعونات الخارجية أدت إلى ظهور بعض الظواهر الفريدة في المجتمع الإسرائيلي. فالمعونات الألمانية - على سبيل المثال - خلقت بشكل فجائي فوري طبقة من الإسرائيليين الأثرياء (من أصل أوربي) تمكنوا من الانتقال من الأحياء الفقيرة إلى أحياء أكثر ثراء، وغيَّروا أسلوب حياتهم بشكل كامل. هذه النقود السهلة (كما يسمونها)، أي النقود التي لم يكدَّ أحد من أجلها، تُعرِّض المجتمع لهزات اجتماعية وتُولِّد فيه التوترات. ونتيجة المعونات ازداد عدد كليات الطب في إسرائيل بشكل غير طبيعي في بلد يوجد فيه فائض كبير من الأطباء الأمر الذي يتسبب في هجرة العديد منهم. وقد لخص أحد الرأسماليين الإسرائيليين أثر المعونات السلبي في المجتمع الإسرائيلي بقوله: "إنه قد يضطر لإغلاق مصنعه لو زادت المنح الخارجية لإسرائيل، إذ أنها ستوزَّع على العمال الذين يمكنهم بذلك تحقيق دخل لا بأس به دون الحاجة للعمل"، أي أن المعونة تحوِّل اليهود إلى شعب طفيلي غير منتج مرة أخرى.

ونتيجة انسحاب اليهود من الأعمال الإنتاجية دخلت العمالة العربية كل مجالات الحياة وضمنها الكيبوتس الذي يستفيد منها بسبب انخفاض تكلفتها. وبدأت الأعمال الضرورية في الزراعة والبناء والمصانع تنتقل تدريجياً إلى أيدي العرب، وهناك فروع كاملة أو جزء كبير منها لم يَعُد موجوداً بين أيدي عمال يهود.

وفي أعقاب احتدام أزمة نموذج الصهيونية العمالية منذ منتصف الثمانينيات وظهور الدعوة لتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي، تعالت الأصوات منادية بضرورة إعادة النظر في اعتماد إسرائيل على المساعدات الخارجية، وداعية إلى ضرورة تَوجُّه إسرائيل نحو جذب رؤوس أموال غير مسيَّسة عن طريق توفير مناخ استثماري أفضل لضمان تدفُّق رؤوس الأموال على إسرائيل سواء في شكل استثمارات أجنبية مباشرة أو استثمارات في حوافظ الأوراق المالية، عن طريق ما يُعرف بالوعاء الاستثماري للدولة أو صندوق الدولة (بالإنجليزية: كانتري فاند country fund) الذي يتم تسجيله كشركة قابضة في إحدى البورصات ثم يقوم بإصدار أوراق مالية يتم تداولها في البورصات العالمية، على أن يقوم هذا الصندوق باستثمار حصيلة بيع الأوراق المالية في مجموعة من الشركات الإسرائيلية سواء عن طريق شراء أسهم وسندات هذه الشركات أو عن طريق الاستثمار المباشر (وهو ما تم بالفعل منذ عام 1992 إذ تم إنشاء ما يُعرف بصندوق إسرائيل الأول).

وتبلورت هذه الاتجاهات بشكل احتفالي خلال الزيارة الأولى التي قام بها بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة عقب توليه الحكم. فقد شهدت هذه الزيارة - ولأول مرة منذ قيام دولة إسرائيل - إعلان رئيس وزراء إسرائيلي عن استعداده لبحث خفض المعونة الأمريكية لإسرائيل بدعوى أن الاقتصاد الإسرائيلي وصل لمرحلة من التطور تغنيه عن المساعدات الخارجية! ونجاح إسرائيل في الاستغناء عن المساعدات الخارجية (التي مثَّلت - إلى جانب موجات الهجرة لإسرائيل - إحدى دعامتين قام عليهما نموذج الصهيونية العمالية) يمكن أن يُعَد مؤشراً بالغ الدلالة على قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تجـاوز أزماته، وإمكانية نجـاح التطبيـع، على الأقل على المستوى الدولي.

وفي أعقاب احتدام أزمة نموذج الصهيونية العمالية منذ منتصف الثمانينيات وظهور الدعوة لتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي، تعالت الأصوات منادية بضرورة إعادة النظر في اعتماد إسرائيل على المساعدات الخارجية، وداعية إلى ضرورة تَوجُّه إسرائيل نحو جذب رؤوس أموال غير مسيَّسة عن طريق توفير مناخ استثماري أفضل لضمان تدفُّق رؤوس الأموال على إسرائيل سواء في شكل استثمارات أجنبية مباشرة أو استثمارات في حوافظ الأوراق المالية، عن طريق ما يُعرف بالوعاء الاستثماري للدولة أو صندوق الدولة (بالإنجليزية: كانتري فاند country fund) الذي يتم تسجيله كشركة قابضة في إحدى البورصات ثم يقوم بإصدار أوراق مالية يتم تداولها في البورصات العالمية، على أن يقوم هذا الصندوق باستثمار حصيلة بيع الأوراق المالية في مجموعة من الشركات الإسرائيلية سواء عن طريق شراء أسهم وسندات هذه الشركات أو عن طريق الاستثمار المباشر (وهو ما تم بالفعل منذ عام 1992 إذ تم إنشاء ما يُعرف بصندوق إسرائيل الأول).

وتبلورت هذه الاتجاهات بشكل احتفالي خلال الزيارة الأولى التي قام بها بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة عقب توليه الحكم. فقد شهدت هذه الزيارة ـ ولأول مرة منذ قيام دولة إسرائيل ـ إعلان رئيس وزراء إسرائيلي عن استعداده لبحث خفض المعونة الأمريكية لإسرائيل بدعوى أن الاقتصاد الإسرائيلي وصل لمرحلة من التطور تغنيه عن المساعدات الخارجية! ونجاح إسرائيل في الاستغناء عن المساعدات الخارجية (التي مثَّلت ـ إلى جانب موجات الهجرة لإسرائيل ـ إحدى دعامتين قام عليهما نموذج الصهيونية العمالية) يمكن أن يُعَد مؤشراً بالغ الدلالة على قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تجـاوز أزماته، وإمكانية نجـاح التطبيـع، على الأقل على المستوى الدولي.

غير أن تأمل واقع الاقتصاد الإسرائيلي، والبرنامج الاقتصادي للحكومة الحالية بشكل دقيق، يثير العديد من الشكوك حول مصداقية المبادرة التي تقدَّم بها نتنياهو. فبرنامج الحكومة الانكماشي لا يحتمل أيَّ خفض في إيرادات الدولة، إذ أن تراجع المعونات الخارجية سيضعف الأثر المرجو لخفض النفقات على عجز الموازنة. بالإضافة إلى أن عدداً من توجهات الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحاكم (كالتوجه نحو التوسع في الاستيطان مثلاً) يحتاج إلى مصادر تمويلية إضافية.

وتؤكد هذه الشكوك أن نتنياهو نفسه عاد وأوضح ـ بعد 3 أيام فقط من خطابه أمام الكونجرس ـ أنه لا يرغب في خفض المعونة الأمريكية خلال العامين الماليين القادمين، موضحاً الفرق بين المساعدات العسكرية التي تعطيها إسرائيل أولوية كبرى، وبين المعونة الاقتصادية التي يمكن خفضها تدريجياً. فالمعونة الاقتصادية تُستخدَم لسداد ديون إسرائيل لدى الولايات المتحدة، كما أن تعديل كرانستون يُلزم الولايات المتحدة بأن تقدِّم الولايات المتحدة معونة اقتصادية سنوية لإسرائيل قيمتها أكبر من إجمالي الديون المستحقة عليها للولايات المتحدة، بالإضافة إلى قدرة إسرائيل على الحصول على مستوى المعونة نفسه بوسائل وأساليب أخرى.

وحقيقة السياسة الإسرائيلية تكمن في رفع شعار الاستغناء عن المعونة الأمريكية مع استمرار الحصول عليها سراً، بهدف تخفيف الحرج عن اللوبي الصهيوني عندما يجري نقاش علني حول خفض برنامج المعونة الخارجية الأمريكي، وللإيحاء بأن إسرائيل قوة اقتصادية تعتمد على نفسها اعتماداً تاماً.

وعلى أية حال فإن التشكيك في مصداقية مبادرة نتنياهو لخفـض المعونة لا ينـفي اتجـاهاً أمريكياً لخفـض المعونات لجميع دول العالم. فالميزانية الأمريكية تعاني من ضغوط متزايدة يرجع جزء أساسي منها إلى أن المعونات الأمريكية لكل من إسرائيل ومصر لم يصبها التخفيض كما أصاب غيرها، الأمر الذي يعني أن اقتراح نتنياهو ـ بغض النظر عن مصداقيته بالنسبة لأوضاع الاقتصاد الإسرائيلي ـ يمثل ضرورة حيوية للميزانية الأمريكية، وهو ما يدعم الآراء القائلة بأن خفض المساعدات الخارجية آت لا محالة بعد انتهاء العامين الماليين القادمين.

وهنا تبرُز أهمية القنوات الأخرى ـ بخلاف المعونة الرسمية ـ لتدفُّق رؤوس الأموال على إسرائيل، والتي توفر في الوقت الحالي أكثر قليلاً من نصف المبالغ التي تحصل عليها إسرائيل من الحكومة الأمريكية (ناهيك عما تحصل عليه من تبرعات من جهات غير حكومية)، والتي يمكن أن تُستخدَم لتعويض أيِّ خفض في المعونة الرسمية.

والدلالة التي يمكن استخلاصها هنا بالغة الخطورة، إذ أن الاعتماد الإسرائيلي سيتحول من موارد مؤقتة بطبيعتها ـ نظراً لخضوعها ولو شكلياً للمراجعة الدورية من قبَل المؤسسة المانحة ـ إلى موارد غير ظاهرة وغير خاضعة للمراجعة الدورية، ومن ثم تُعَد من الناحية العملية أكثر ثباتاً، الأمر الذي قد يشير إلى أن الاعتماد الإسرائيلي على المعونة الأمريكية يزداد تجذراً ـ بدلاً من أن ينخفض كما ينادي أنصار التطبيع ـ بحيث ينتقل إلى الاعتماد على موارد دائمة لا مؤقتة، وهو ما يطرح أزمة الاقتصاد الإسرائيلي بشكل أعمق، إذ أن المعونة أصبحت جزءاً من هيكل هذا الاقتصاد.

كما أن زيادة الاعتماد على المساعدات الخارجية يشير إلى فشل الجهود الرامية لتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي على المستوى الدولي. فإذا أضفنا إلى ذلك الصعوبات التي تواجه التطبيع محلياً وإقليمياً، فيمكننا أن ندرك عُمْق الأزمة التي يمر بها هذا الاقتصاد، وأن هذه الوظيفية والتبعية ستظل من صفاته البنيوية.

الدولة الصهيونية الوظيفية: العجز والعزلة والغربة
The Functional Zionist State: Powerlessness, Isolation, and Alienation
يتسم أعضاء الجماعات الوظيفية، خصوصاً تلك التي تضطلع بوظيفة قتالية، بالعزلة عن غالبية أعضاء المجتمعات المضيفة والالتصاق الشديد بالنخبة والعجز الشديد فليست لها قاعدة شعبية، ومن ثم فهي لا تملك إرادة مستقلة. والدولة الصهيونية إعادة إنتاج لهذا النمط ولنبدأ بإشكالية العجز.

1 ـ العجز:

أ) الحاجة للدولة الراعية:

لابد أن تتبع الجماعة الوظيفية راعياً يحميها ويكفل لها أمنها ومستواها المعيشي المتميِّز نظير أن تقوم هي على خدمته ورعاية مصالحه ضد أعدائه. وقد بدأ هرتزل نشاطه الدبلوماسي المحموم بحثاً عن دولة راعية لمشروعه الصهيوني الخاص بتحويل الفائض البشري اليهودي إلى دولة وظيفية، فتوجَّه إلى سيسل رودس والرئيس تيودور روزفلت وملك إنجلترا وقيصر روسيا وقيصر ألمانيا (بل إلى السلطان العثماني، ظناً منه أن السلطان سيحتاج إلى العنصر اليهودي الاستيطاني القتالي في فلسطين لدعم الإمبراطورية). وكان هرتزل يتخيل أحياناً أن الدولة الوظيفية ستكون عميلاً لكل دول أوربا، أي للمشروع الاستعماري الغربي ككل، كما تذبذب بعض الوقت بين ألمانيا وإنجلترا، ولكنه أدرك في نهاية الأمر أن الاستعمار الإنجليزي أكثر ثباتاً واستقراراً وأن الإنجليز هم أول من اعترف بضرورة التوسع الاستعماري في العالم الحديث وأن حاجتهم للدولة الوظيفية واضحة. وتم توقيع عقد بلفور بين الحضارة الغربية والمنطقة الصهيونية بشأن يهود الغرب في إطار هذا التفاهم، إذ تقوم إنجلترا بمقتضاه بنقل المادة البشرية اليهودية وتأسيس دولة يتم توظيفهم من خلالها ليقوموا هم من ناحيتهم بالدفاع عن مصالح الدولة الراعية، فالعلاقة إذن بين الطرفين واضحة نفعية تعاقدية موضوعية واضحة.

ورغم توقيع العقد مع إنجلترا، فإن الأمر لم يخل من صراعات وتوترات. وقد ذكرنا من قبل أن هرتزل ظل يتذبذب بين ألمانيا وإنجلترا، وأنه حسم الأمر في النهاية وقرَّر أن يبذل معظم جهوده الدبلوماسية مع إنجلترا (دون أن يحطم جسوره مع أي من الدول الأخرى). وقد كان مشـروع شـرق أفـريقيا أول ثمار التـعاون بين الحركة الصهيونية وإنجلترا. وقد عـارض دعاة الاسـتعمار الألماني، ومعظمهـم بطبيعة الحال من الألمان، مشروع شرق أفريقيا، لا لإصرارهم على فلسطين وإنما خشية أن يؤدي نجاح مثل هذا المشروع إلى تحطيم علاقاتهم بالإمبريالية الألمانية. وكان الصهاينة الألمان يحاولون أن يبينوا مدى نفع المادة البشرية اليهودية للمشروع الاستعماري الألماني، فأخبر بودنهايمر وكيل وزارة الخارجية الألمانية: "أن وضع يهود الشرق [شرق أوربا] في موقف العارف بالجميل تجاه الإمبراطورية الألمانية لهو أمر ذو مغزى سياسي أكيد. إن فتح الشرق [أي فلسطين] لليهود قد يصبح وسيلة يمكن عن طريقها تحويل عنصر قادر على التحدث بالألمانية من روسيا وبولندا إلى هذا الاتجاه، بحيث يمكن توظيفه لصالح ألمانيا".

وقد بذل الصهاينة الألمان قصارى جهدهم في تجنيد يهود شرق أوربا وراء القوات الألمانية الغازية في الحرب العالمية الأولى. ولكن مجرى الأحداث تغيَّر، وانتصرت الإمبراطورية البريطانية، وتجاهل وايزمان والصهاينة في إنجلترا صهاينة ألمانيا، وحصلوا على وعد بلفور.

وظلت إنجلترا، الراعية الأساسية الشاملة للجيب الصهيوني، تُوظِّف الدولة الوظيفية لحسابها ولحساب الحضارة الغربية. وحينما بدأت الولايات المتحدة قيادة التشكيل الاستعماري الغربي، تراجع الدور الإنجليزي وأصبحت الولايات المتحدة راعية الجيب الوظيفي الإسرائيلي ومظلته الواقية.

ب) دعم الدولة الراعية للدولة الوظيفية:

تقوم الدولة الراعية بدعم الدولة الوظيفية حتى يمكنها الاستمرار في أداء وظيفتها بكفاءة، تماماً كما كان ملوك وأباطرة أوربا يرعون أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية. وقد تزايد الدعم الأمريكي لإسرائيل إلى أن أصبحت الدولة الوظيفية معتمدة تماماً عليها بطريقة لم يسبق لها مثيل. والواقع أن تاريخ تَزايُد هذا الدعم هو أيضاً تاريخ دولة إسرائيل الوظيفية. وقد لاحَظ الصحفي الإسرائيلي ب. سبير اعتماد إسرائيل التام على الهبات الخارجية، فأشار إلى أنه "لا توجد دولة في العالم يتم دفع كل ما ينقصها من عملة صعبة من قبَل مواطني الدول الأخرى"، وأن الإسرائيليين هم "أكبر زبائن المساعدات المجانية في العالم".

وقد أدَّت هذه المساعدات إلى اعتماد الدولة الوظيفية على الولايات المتحدة لضمان استمرارها وبقائها إذ أصبح التمويل الخارجي المصدر الأساسي للدخل بالنسبة لأعضاء الدولة الوظيفية، وأصبح دخلهم غير مرتبط بإنتاجيتهم أو عرَق جبينهم أو عملهم وإنما بالدور الإستراتيجي الذي يضطلع به التجمع ككل، وبالدولار الذي يُدفَع له أجراً عن هذا الدور.

لكل هذا، يرى خبراء الاقتصاد في بنك إسرائيل، في محاولتهم تقييم الأداء الاقتصادي الإسرائيلي والتنبؤ بمساره الاقتصادي، أن أهم حدث في هذا المجال في السنوات الأخيرة ليس التحولات الاجتماعية وظهور طبقة من المستهلكين تتمتع بالتبرعات المجانية وترتدي جلداً سميكاً من عدم الاكتراث الاجتماعي، وليس انخفاض إنتاجية الإسرائيليين أو ارتفاعها أو حجم الاستيراد أو التصدير، أو الميزان التجاري أو غيرها من المعايير المستخدمة في تقييم الأداء الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات الأخرى، فأهم حدث هو "زيادة المساعدات الأمريكية إلى إسرائيل [أهم مصادر الدخل الثابت] من حوالي 10% إلى حوالي 20% من الناتج". وعلى كلٍّ، بيَّن سبير أن مصطلحات مثل «العجز التجاري» وخلافه غير ذات موضوع، لأن الإسرائيليين يحصلون من الخارج على تحويلات من جانب واحد "أي على هبات لا حاجة إلى سـدادها، كقيمـة العجز المتراكم خلال ثلاث سنوات في ميزان مدفوعاتنا".

جـ( افتقاد السيادة:

هذه المساعدات السخية تضمن للمستوطنين الصهاينة الاستمرار، ولكنها في الوقت نفسه تقوِّض استقلالهم وسيادتهم (تماماً كما كان يحدث مع أعضاء الجماعات الوظيفية الذين كانوا يتمتعون بالدخل المرتفع والمكانة المتميِّزة ولكنهم كانوا يعتمدون اعتماداً كاملاً على الراعي أو الحاكم). ويساهم التطور السريع الذي تشهده صناعة السلاح وزيادة نفقات التسليح في تَزايُد اعتمـاد المسـتوطنين الصهاينـة على دولـة إمبرياليـة متقدمـة. ولذا، فإن إشكالية العجز وعدم المشاركة في السلطة أو صنع القرار تزداد عمقاً (مع أن أحد الأسباب الرئيسية لتأسيس الدولة الصهيونية ـ من منظور الفكر الصهيوني ـ هو حل هذه الإشكالية بين الجماعات اليهودية باعتبارها جماعات وظيفية تخدم الطبقة الحاكمة دون أن تشاركها في صنع القرار).

ويظهر افتقاد السلطة وعدم المشاركة في القرار في الدور غير العادي الذي يلعبه في الوقت الحاضر وزير الخارجية الأمريكي في توجيه السياسة الاقتصادية الإسرائيلية. فهو ـ على حد قول الصحفي الإسرائيلي شموئيل شنيتسر في مقال له بعنوان «كم بقى لنا من الاستقلال» ـ يقوم بتحديد الأهداف وسبل العمل، ويلعب دور المشرف الدائم على تنفيذ التعليمات المكتوبة التي يقوم بنقلها إلى وزراء المالية الإسرائيليين. وقد بيَّن سبير أن تغيير وزراء المالية الإسرائيليين وكَبْح التضخم النقدي، كلها أمور ثانوية بالقياس إلى القرار الأمريكي الخاص بحجم المعونة الأمريكية، فقد اشترت أمريكا بأموالها الحق الأخلاقي في عملية الإشراف التي تقوم بها إذ أن من يقدم الأموال هو صاحب صلاحية الحسم.

ويقرر شنيتسر أن السياسات الاجتماعية للمجتمع الصهيوني وعلاقاته الدولية، وكذلك إنفاقه الأمني، كلها أمور أصبحت تقريباً تقع خارج نطاق القرار الإسرائيلي المستقل. فوزير الخارجية الأمريكي يعمل منطلقاً من صالح بلاده لا من واقع الأهداف الصهيونية، وحينما تدفع بلاده الهبات فإنه يريدها أن تُنفَق لأغراض الطيران أي لأغراض القتال، فهو غير معنِّي بالأهداف الصهيونية التي من بينها أن إسرائيل دولة مهاجرين يجب أن تقوم بزيادة خدمات الرفاه لمواطنيها، وهو لا يدرك أن سياسات إسرائيل الاقتصادية لها خصوصيتها الصهيونية الاستيطانية. فالبطالة التي تؤخذ كظاهرة طبيعية في أمريكا ستشجع ظاهرة النزوح من إسرائيل، الأمر الذي يهدد أمنها. ولكن هذه كلها أمور صهيونية لا تعني وزير الخارجية الأمريكية كثيراً. إن الأمر قد وصل في إسرائيل إلى حد أن العقد الاجتماعي هناك قد أصبح مؤسَّساً على حقيقة الهبات الأمريكية الضخمة، فالإسرائيليون لم يَعُد بوسعهم العمل بموجب حاجاتهم وتطلعاتهم الصهيونية. وحينما يتفاوض العمال مع أرباب الصناعات، فإن كل ما يمكن إحرازه من خلال إجراء مفاوضات مع ممثلي العاملين ومع أرباب العمل هو إيجاد أساس من الاتفاق القومي لتنفيذ السياسة التي يمليها وزير الخارجية الأمريكي. ولكن ما نسيه شنيتسر أن وزير الخارجية الأمريكي هو المعادل الأمريكي الحديث لبلفور، وأن العقد الاجتماعي الإسرائيلي الجديد هو امتداد لعقد بلفور القديم وترجمة متعينة له في ظروف الثمانينيات.

وأصبح افتـقاد إسرائيل لحرية القـرار يظهر، وبشـكل أكثر وضوحاً، في علاقات إسرائيل الدولية التي لا يمكن تفسيرها أو فهمها إلا من منظور التبعية الإسرائيلية للولايات المتحدة. فقد كانت علاقة الدولة الصهيونية مع جنوب أفريقيا تُسقط شرعيتها أمام الدول الأفريقية التي تشكل مجالاً للانتشار الإسرائيلي في مواجهة الرفض العربي. كما أن علاقاتها مع الدول الفاشية المختلفة التي تضطهد الجماعات اليهودية وغيرها من الأقليات والطبقات (مثل النظام العسكري السابق في الأرجنتين) تُسقط شرعيتها كدولة يهودية تشكل ملجأ ليهود العالم. وكذلك فإن قيامها بتزويد السلفادور بالسلاح يُسقط شرعيتها كدولة ديموقراطية صغيرة تدافع عن مُثُل المساواة والعدالة. وتتدعم الصورة السلبية التي تقوض كل أساطير الشرعية الإسرائيلية الصهيونية حينما تقف إسرائيل إلى جانب كل إجراء سياسي أمريكي في العالم مهما كان متطرفاً ويستحق الانتقاد. لا يمكن تفسير كل ذلك أو فهمه من منظور مصلحة إسرائيل أو رغبتها في البقاء، وإنما يمكن تفسيره وفهمه في إطار دورها الإستراتيجي كدولة وظيفية تخدم مصالح الولايات المتحدة.

كما أن ميزانيات إسرائيل العسكرية لا يمكن تفسيرها هي الأخرى إلا في الإطار نفسه. وقد قام سبير بتحليل ما سماه «استهلاك إسرائيل الأمني» مقابل الاستهلاك الفردي، فأشار إلى أن احتياطي رأس مال إسرائيل العسكري (أي إجمالي شبكات الأسلحة والذخيرة والعتاد والأرضية وما شابه) ازداد من 21.5 مليار دولار إلى 54.5 مليار دولار. هذه الزيادة لا يمكن تفسيرها في إطار احتياجات إسرائيل الأمنية وحدها وإنما يمكن شرحها بالعودة إلى حلقة أوسع؛ فالإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية ـ كما يقول الكاتب الإسرائيلي ـ لا تحددها متطلبات إسرائيل الأمنية الذاتية الحقيقية وإنما تحددها الاحتياجات الأمنية والعسكرية الدولية للمموِّل الموجود في واشنطن ومانهاتن.

ولكن الصهاينة باعوا أنفسهم منذ البداية، كما قالت حنه أرنت، واشترت الولايات المتحدة بأموالها الحق الأخلاقي في التحكم في إسرائيل، وهكذا فإن بوسعها أن تتدخل وتُسدي لإسرائيل النصح بشأن أشياء تتعلق بالسيادة القومية. فعلى سبيل المثال، حينما قرَّرت المؤسسة الصناعية العسكرية في الولايات المتحدة أنها لا يمكن أن تسمح لأحد (حتى إسرائيل) بأن يتقاسم معها سوق الطائرات، صدرت الأوامر للدولة الصهيونية بأن تُوقف إنتاج طائرة اللافي، رغم حاجة الاقتصـاد الصهيوني لها (للإبقـاء على المسـتوطنين ذوي المؤهـلات العالية). وكان على الدولة أن تخضع. وعلى كلٍّ، لم يكن بمقدور إسرائيل أن تنتج هذه الطائرة بدون دعم المموِّل. كما أن المموِّل الأمريكي كان بإمكانه أن يتدخل ليمنع ترقية ضابط كبير (العقيد أفيعام سيلع) في سلاح الجو الإسرائيلي بسبب دوره في حادثة بولارد. وكان يمكنه أيضاً أن يطلب من عميلته (إسرائيل) أثناء حرب الخليج أن تلزم قواتها ثكناتها (حتى لا تسبِّب له حرجاً أمام حلفائه العـرب) وسُمِّي هذا "ضبط النفس".

ولا يملك الحارس الذي ارتضى هذا الدور إلا الخضوع والتكيف، فأقصى ما يطمح إليه هو أن ينعم برضى وليّ نعمته وأن يحصل على قسط وافر من أمواله. وقد وصف شلومو ماعوز الطبيعة المذلة للدور الوظيفي المملوكي الذي تلعبه إسرائيل (دون أن يستخدم المصطلح بطبيعة الحال) وضرورة أن يتلوَّن المملوك بطريقة تُرضي المالك، فقال إن واشنطن كانت تفضل بيريز على بيجن (كقائد للمماليك) لأن الأخير لا يزال عنده بقية من التبجح القومي. أما بيريز فمَرن متفاهم يرى أن ذاته القومية ليست على درجة كبيرة من الأهمية، وهو لهذا السبب نفسه لا يشعر بأي حرج في طلب المساعدات. وقد يرفض الأمريكان إعطاءه كل ما يريده في الوقت الحاضر، ولكنهم مع هذا يفهمون جيداً مضمون رسائله. ولعل هذا هو السرّ في عودة رابين وبيريز إلى الحكم حين حان وقت المفاوضات.

والعلاقة بين المالك والمملوك ليست دائماً علاقة منسجمة فقد يشوبها أحياناً شيء من التوتر. فالمملوك قد يزمجر أحياناً من ثقل المهام الموكلة إليه. وكثيراً ما يضنّ المالك على المملوك، ولكنه مع هذا يريد مزيداً من القتال، وأحياناً تمارس الولايات المتحدة الضغط على إسرائيل لتخفض مستوى معيشتها. فتحتج إسرائيل كما جاء على لسان ماعوز الذي قال إن مثل هذا الخفض سيضعف أداء الدولة الصهيونية. فعبء ميزانية الدفاع الذي يثقل كاهل الإسرائيليين ـ حتى مع المساعدة الأمريكية ـ هو أكبر عبء في العالم. وفي هذا ظلم وأيُّ ظلم، إذ أن المملوك لا يمكنه أن يستمر في أداء دوره القتالي بكفاءة إلا بعد أن ينال مالاً كافياً.

ولكن المستوطنين الصهاينة، الذين تركوا بلادهم وأممهم ليحققوا الهوية المستقلة، كما عرَّفها الصهاينة، والذين يطمحون إلى أن يصبح اليهود متحكمين في مصيرهم لأول مرة منذ سقوط الهيكل الثاني، ويرون أنهم قادرين على وضع نهاية لعجز اليهود وعدم مشاركتهم في السلطة أو صنع القرار، هؤلاء المستوطنون الصهاينة تكمن مشكلتهم في أنهم حبيسو دورهم المملوكي الوظيفي الاستيطاني ولا يملكون منه فكاكاً. فعجزهم الاقتصادي يتزايد على مر الأيام، وبالتالي، يزداد اعتمادهم على الهبات الحكومية الأمريكية. وقد أصبح حجم هذه المساعدات من الضخامة بحيث تتضاءل بجواره المساعدات التي يرسلها يهود العالم. وبالتالي، يتناقص استقلالهم "اليهودي" المزعوم ويتآكل تَحكُّمهم في مصيرهم ويزداد تورُّطهم ويتعمق مأزقهم إلى أن وصل بهم الأمر إلى حد أنهم لم يبق لهم من السيادة القومية سوى رموزها اليهودية الصارخة، دون أيِّ مضمون حقيقي، حتى أصبحوا مرة أخرى مثل الجماعات اليهودية الوظيفية (مثل يهود الأرندا ومثل أقنان البلاط بل مثل كبار المرابين وصغارهم) أداة استغلال تابعة لصانع القرار (غير اليهودي) لا تشارك البتة في صنع القرار نفسه، الأمر الذي يطرح مشكلة عدم المشاركة في السلطة مرة أخرى وبحدة.

بل إن الأمور قد ازدادت سوءاً عن ذي قبل، إذ أن المجتمع الإسرائيلي لم يصبح فقط مجتمعاً تابعاً لا يشارك في صنع القرار وإنما أصبح متسولاً. وقد استخدم سبير صورة الشحاذ المجازية عدة مرات في مقاله ليصف المجتمع الإسـرائيلي على أنه "مجتمـع يمدُّ يده لاســتجداء الكرماء"؛ مجتمعاً "يأكل وجبات مجانية" وتعتمد قائمة طعامه على الزيت الذي يقطر من الخارج. وقد استخدم شنيتسر الصورة المجازية نفسها عندما تحدَّث عن المجتمع الإسرائيلي باعتباره مجتمعاً يعتمد على مائدة الولايات المتحدة، كما قال عنه زيفا ياريف إنه "مجتمع يُنفِّذ بكل خضوع رغبة من يقدِّم له الخبز". لقد أصبـح المماليك الاستيطانية، إذن، شنورير (متسولين) يعيشون على الحالوقة (أي الصدقة(

ولكن إذا كان المتسول التقليدي يمدُّ يده في إطار ديني، يعد المتصدقين بالثواب وجنات النعيم، فإن الشحاذ الإسرائيلي سميك الجلد كل همه أن يستهلك المساعدات ويأخذ دون خجل ودون أن تعلو خدوده أية حمرة. وهو لن يحرم نفسه من المأكل والملذات ما دام هناك شخص آخر يقوم بتسديد الحساب، إنه يأخذ بكلتا يديه من صحن المساعدات، وبدلاً من أن يطلب للمحسن جنات النعيم، فإنه يَعد بإطلاق ألسنة الجحيم على المجتمعات المستهدفة.

والمجتمع الإسرائيلي ليس شحاذاً وحسب، وإنما هو مجتمع يشبه الطفل الذي يرضع المليارات من الدولارات، وهو يشبه المدمن أيضاً فهو يستسلم للمعونات كمن يستسلم للمخدر. وكل هذه الصور المجازية (التي وردت في كتابات إسرائيلية) تنطوي على عنصر فقدان الإرادة وانعدام القوة والتحوسل.

وقيام الولايات المتحدة بتمويل الدولة الوظيفية بشكل مكثف هو الذي يجعل هذه الجماهير تخضع في نهاية الأمر لدورها المملوكي الاستيطاني القتالي، فحينما تتدفق الأموال تبهت كل الصراعات الاجتماعية والطبقية والإثنية (وقد تتفكك وتختفي)، خصوصاً أن الدولة الوظيفية الصهيونية لا تقودها طبقة مستغلة أجنبية أو محلية وإنما نخبة حاكمة ليس لها مصالح طبقية مستقلة. وهي تدير المجتمع من خلال جهاز الدولة الذي يتكون من مجموعة من المؤسسات الجماعية مثل الهستدروت والكيبوتس والوكالة اليهودية، وبالتالي فإنها تقوم بتوزيع العائد المالي للوظيفة القتالية (الدعم الإمبريالي) على كل المستوطنين بكل طبقاتهم بشكل قد لا يتسم بالمساواة الكاملة، ولكنه، مع هذا، يكفل الحفاظ على الأمن الاجتماعي الداخلي وعلى استمرار جماهير الدولة الوظيفية في قبول الاستمرار في وظيفتهم، القتال في سبيل المال.

وقد لخص شنيتسر الموقف بقوله إن العلاقة مع الولايات المتحدة تشبه "المصيدة التي لا يمكن التخلص منها"، أي لا مفر ولا اختيار (إين بريرا). ولكن العلاقة بين الغرب (ممثلاً في الولايات المتحدة) والدولة الوظيفية (إسرائيل) علاقة تعاقدية "فلا يوجد عطاء دون أخذ" على حد قول سبير. والدولة الوظيفية الصهيونية، كما يعرف الاستعمار وكما يعرف المماليك الاستيطانية، لا أهمية لها في حد ذاتها ولا قيمة، فهي تكتسب قيمتها (أو نفعها) من خلال الدور الذي تلعبه أو الوظيفة التي تؤديها. والمستوطنون، أي العنصر البشري الذي تم توظيفه، يعرفون تماماً أن الهبات ستستمر في التدفق إن اضطلعت دولتهم الوظيفية بالدور الذي أُسِّست من أجله.

د) الاستقلال النسبي للدولة الوظيفية:

ورغم هذا الاعتماد الكلي على الدولة الراعية، تتمتع الدولة الوظيفية الصهيونية بقدر من الاستقلال النسبي، وقد يبدو هذا لأول وهلة وكأنه تناقض. ولكن التناقض سيختفي تماماً إن تَذكَّرنا أن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لا يشكل جزءاً عضوياً لا يتجزأ من الاسـتعمار الغربي وإنما هو مجرد آلة في يد الغرب. ومن المُلاحَظ أن كل الدول والجيوب الاستيطانية تعتمد على إحدى الدول الغربية، في المراحل الأولية من تطوُّرها. ويُحـدِّد مـدى هـذا الاعتماد ومدته والشكل الذي يأخذه، مجموعة من الظروف التاريخية والسياسية. فبعض الجيوب الاستيطانية مثل أنجولا والجزائر تظل منفتحة تماماً على الوطن الأم، وتحتفظ بروابط قوية بل وعضوية معه، وتستمد إحساسها بهويتها منه، ولذا فإن كل ما يقرره الوطـن الأم يكون بمنزلة القانـون الذي يجـب أن يُنفَّذ. ذلك لأن الجيب الاستيطاني، في هذه الحالة، مهما بلغ من قوة واستقلالية، لا يعدو أن يكون جزءاً عضوياً من الوطن المستعمر. وإذا تعارضت المصالح بين الوطن والجيب الاستيطاني، لسبب أو آخر، وثبت أن الأخير مُكلِّف ومُعوِّق، فإنه يتم تصفيته ويتم إعادة المستوطنين إلى أرضهـم الأصليـة التي نزحوا عنها، ويتم حسـم الصـراع لصـالح الدولة الأم. ومن ناحية أخرى، توجد بعض الجيوب الاستيطانية التي تحصل على درجة من الحكم الذاتي والاستقلال النسبي عن الدولة الغربية التي ترعاها. ويستولي المستوطنون، إن عاجلاً أو آجلاً، على السلطة، ويقيمون دولة خاصة بهم، مقصورة عليهم، كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة ودولة جنوب أفريقيا العنصرية.

وكان المخطط الصهيوني يهدف إلى أن تكون الدولة الصهيونية الوظيفية من النمط المستقل. وحين سأل الاستعماري البريطاني سير سيسل روديس الزعيم الصهيوني وايزمان عن سبب اعتراضه على وجود سيطرة فرنسية محضة على الدولة الصهيونية، رد الأخير قائلاً: إن الفرنسيين ليسوا كالإنجليز، إذ أنهم يتدخلون دائماً في شئون السكان (أي المستوطنين) ويحاولون أن يفرضوا عليهم الروح الفرنسية.

وقد قام الصهاينة بطرد الفلسطينيين فعلاً، وأنشأوا دولتهم الصهيونية المستقلة. ولكن التطورات التاريخية أظهرت أن الجيب الصهيوني لا يندرج تحت أي نوع من أنواع الاستيطان المألوفة، فهو يعتمد على قوة غربية عظمى اعتماداً كاملاً، ولكنه في الوقت نفسه يتمتع بدرجة كبيرة من الاستقلال، ومثل هذا الوضع الشاذ يمكن إرجاعه إلى عدة عوامل خاصة بالصهيونية وحدها. فالمستوطنون الصهاينة لم ينشأوا في دولة أوربية واحدة يدينون لها وحدها بالولاء، وتقدم هي لهم بدورها الحماية أو المأوى في حالة تصفية الجيب الاستيطاني. فالصهاينة، على عكس سكان المستوطنات الآخرين، ليس لهم وطن أم، وإنما لهم زوجة أب فحسب (إن أردنا استخدام الصورة المجازية نفسها) مستعدة للتعاون معهم ولكن في حدود. فالعلاقة بين المستوطنين الصهاينة والدولة الغربية التي ترعاهم تستند إلى المصلحة المشتركة، فهي علاقة تعاقدية نفعية وليست نتاج روابط حضارية عميقة أو عضوية. ولذا، فإن الجيب الصهيوني لا يتمتع بالحماية الدائمة من جانب دولة واحدة وإنما يتمتع بالحماية المؤقتة من جانب عدد من الدول (الواحدة تلو الأخرى). ولعل هـذا يُفسِّر سـبب انتقال القـيادة الصهيـونية من مركز جذب إلى آخر. ولكن، وبسبب هذا الوضع نفسه، حقق الجيب الاستيطاني قدراً كبيراً من الاستقلال يفوق كثيراً درجة الاستقلال التي تتمتع بها الجيوب الأخرى.

هذا الإيقاع المركب من الجذب والتنافر، من الحكم الذاتي والاعتماد المذل، ومن التحالف مع الدولة الحامية والصراع معها، هو الذي ميَّز العلاقات الصهيونية الغربية منذ البداية. وقد حاول كل جانب أن يستغل الآخر، وأن يحدِّد منطقة المصالح المشتركة بطريقة تخدم مصالحه هو أساساً. فالصهاينة لم يتمكنوا من اكتساب موطئ قدم في الأرض الفلسطينية إلا من خلال وعد بلفور والانتداب البريطاني وبصفة خاصة مؤسساته السياسية والعسكرية الذي فتح بوابات فلسطين على مصراعيها أمام الهجرة اليهودية. ولم يشدد المستوطنون الصهاينة قبضتهم على الأرض، ولم يتزايد عددهم، إلا بعد تعاونهم الكامل مع حكومة الانتداب. وعندما زادت المقاومة العربية في فلسطين، عام 1930 وبعده، قامت بريطانيا بحماية الصهاينة بشكل علني وسري. وقد وصف بن جوريون موقف حكومة الانتداب والحكومة البريطانية أثناء هذه الفترة العصيبة بأنه أكبر نجاح سياسي منذ صدور وعد بلفور. وقد بيَّن أحد مراسـلي هآرتس، في مقـال لـه عن التوازن العسـكري في فلسطين، أن قوة الصهاينة بعد ثورة عام 1936 كانت تستند إلى التأييد القوي الذي تلقوه من جانب الحكومة والجيش البريطاني في فلسطين، وهـو الأمر الذي أدَّى في نهاية الأمر إلى الانتصـار الصهيـوني عام 1948، أي أن الراعي الإمبريالي لعب دوره كاملاً تجاه الجماعة الوظيفية الاستيطانية حتى تحولت إلى دولة وظيفية استيطانية.

ولكن العلاقة بين الاستعمار البريطاني والجيش الوظيفي الاستيطاني ساءت تحت ضغط عوامل جديدة في الموقف من بينها الضغوط التي مارستها الحكومات العربية الصديقة على الحكومة البريطانية، وتَصاعُد المقاومة الفلسطينية، إلى جانب زيادة المخاوف البريطانية من احتمال تَغلغُل عملاء الجستابو بين صفوف المهاجرين اليهود. وقد ساد الاعتقاد في ذلك الحين (وتأكد فيما بعد) بأن النازين مدوا يد العون للهجرة الصهيونية (الهجرة غير الشرعية)، وأنهم قرَّروا استغلالها كوسيلة لخلق مشاكل للبريطانيين في الشرق الأوسط (ومن الشائع أن تغيِّر الجماعة الوظيفية من ولائها من راع إلى آخر، فالحامية اليهودية في جزيرة إلفنتاين مثلاً كانت جماعة وظيفية قتالية زرعها فراعنة مصر هناك، ولكنها غيَّرت ولاءها مع الغزو الفارسي وأصبحت موالية للغزاة الفرس ضد المصريين). وهذه العوامل الجديدة أدَّت إلى خلق التناقض بين الجماعة الصهيونية الاستيطانية الوظيفية وحكومة الانتداب، ومن ثم أصدرت الحكومة البريطانية عدداً من القوانين والكتب البيضاء التي تُظهر تَفهُّماً لمطالب العرب، وتم إحياء بعض المفاهيم الأساسية الشاملة ـ التي طالما تجاهلها البريطانيون ـ مثل الطاقة الاستيعابية لفلسطين. وقد كان التناقض بين الحكومة البريطانية والجيب الصهيوني يأخذ أشكالاً حادة ومتطرفة أحياناً كما ظهر في حالة نسف فندق الملك داود.

بيد أن الصراع بين الطرفين تم احتواؤه، وقد حاول جابوتنسكي أن يبرر مناهضته المزعومة لبريطانيا (في خطاب أرسله إلى ليوبولد إمري عام 1935) فأكد أنه، على الرغم من النقد الذي يوجِّهه إلى بريطانيا، لا يزال يُكّن لهـا الولاء والامتنان، وطـالما ظـل وعد بلفـور قائماً، فهو يؤيد إنجلترا سواء أكانت على صواب أم كانت على خطأ. وكان بن جوريون مستعداً لأن يُقسم، حتى أثناء الفترة التي توترت فيها العلاقات بين إنجلترا والجيب الصهيوني، أن دولة اليهود الوظيفية في فلسطين ستقوم بحماية المصالح البريطانية. وبعد إنشاء الدولة الصهيونية، عادت العلاقات مع بريطانيا إلى سابق عهدها، وأصدرت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية الإعلان الثلاثي لضمان إسرائيل. وقد وصل التعاون مع الإمبريالية الغربية، وخصوصاً بريطانيا، إلى ذروة جديدة مع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. ولكن هـذه العلاقـات الطيبــة لم تَدْم طـويلاً؛ ففرنسـا، في عهد ديجول على نحو الخصوص، اتخذت موقفاً أقل ممالأة لإسرائيل عن ذي قبل، وتبعتها إنجلترا وإن كان ذلك بدرجة أقل.

ويُعقِّد الموقف تَمتُّع يهود العالم بدرجة من الاستقلال النسبي وإن كانوا يشكلون في الوقت نفسه جزءاً من كيان أكبر يخضعون لقوانينه وتوجيهاته. فالأمريكيون اليهود يمدون إسرائيل بالمساعدات المالية والسياسية بحماس شديد، ولكن مثل هذه المساندة ستستمر ما دامت هناك مصالح مشتركة أساسية بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ويلعب الصهاينة التوطينيون دوراً مزدوجاً، فهم يقومون بالضغط على الولايات المتحدة لتحصل إسرائيل على درجة من الحرية والاستقلال أكثر من أية دولة أخرى تابعة، ولكن هؤلاء التوطينيين كثيراً ما يجدون أنفسهم مضطرين في مرحلة ما (وهنا تكمن سخرية الموقف) إلى أن يمارسوا الضغط على إسرائيل عندما تقرر الولايات المتحدة أنه ينبغي على إسـرائيل أن تغيِّر سياسـتها بطريقة تتمـشى مع المصالح الدولية الأمريكية. إن تاريخ الصهيونية مليء بالتوترات، ليس بين الصهيونية ويهود العالم فحسب ولكن بين الصهيونية الاستيطانية والصهيونية التوطينية كذلك.

ومهما يكن الأمر، فإن علاقة الشد والجذب تُبيِّن مدى تعاقدية العلاقة ونفعيتها وموضوعيتها ومدى تَحوسُل الدولة الوظيفية التي يُنظَر لها بشكل محايد نفعي كدور يُلعَب ووظيفة تُؤدَّى.

2 ـ العزلة والغربة:

العزلة هي سبب ونتيجة في آن واحد لوضع أعضاء الجماعات اليهودية، إذ أن المُرتزق المقاتل الذي يُنكِّل بالجماهير ويُستخدَم أداةً لقمعها لابد أن يكون معزولاً عنها. ويجب هنا تأكيد أن عزلته ليست أمراً عرضياً يمكن للعنـصر القتـالي تَجاوُزه بعد مرحلـة زمنيـة معيَّنة، وإنما هي جزء جوهري وعضوي لا يتجزأ من وظيفته، فالمرتزق لا يمكنه أداء وظيفته على أكمل وجه إن لم يكن معزولاً عن الجماهير التي يقوم بالتنكيل بها، إذ أن الدخول في علاقة إنسانية مع أعضاء المجتمع تجعل قيام عضـو الجماعة الوظيفية القتالية بذبحهم عسـيراً، فالإنسان لا يذبح في غالب الأحيان إلا الغريب المباح، أما القريب (الذي يقع داخل دائرة القداسة) فمن الصعب قتله. ولذا، فقد حرصت الطبقات الحاكمة دائماً على أن تكون العناصر القتالية (وخصوصاً التي تُستخدَم في المواقع الأمنية) عناصر مستوردة من خارج المجتمع، ضعيفة الانتماء له، هويتها مرتبطة بالوطن الأصلي الذي جاءوا منه وأرض الميعاد التي سيعودون إليها أو الجماعة الوظيفية الغريبة التي ينتمون إليها، فهي الوطن الوحيد الذي يعرفونه والكيان الذي يدينون له (ولراعيه) بالولاء. والتميز الإثني لأعضاء الجماعة الوظيفية يفرض عليها عزلة لا يمكنهـا الفكاك منها، إذ تصبح هذه الإثنية التي هي مصدر عزلتها، هي نفسها مصدر هويتها وكينونتها وأساس وظيفتها وسرّ كفاءتها وضمان استمرارها وبقائها. ولذا، كانت الطبقات الحاكمة تصر على أن يحتفظ العنصر القتالي الوافد بهويته الإثنية الخالصة، حتى تظل آليات العزلة والغربة ومقومات الكفاءة القتالية كامنة في أعضاء الجماعة الوظيفية، ومن هنا كان استيراد المماليك ضرورياً، ومن هنا أيضاً كان أبناؤهم، ممن وُلدوا في مصر ونشأوا فيها، لا يُجندون في صفوف النخبة العسكرية التي ينتمي إليها آباؤهم. هذا هو سبب العزلة. ولكن عضو الجماعة الوظيفية يصبح محط كراهية الجماهير فتزداد عزلته عنها ويزداد التصاقاً بالطبقة الحاكمة، واعتماداً عليها (لدعمه وحمايته وبقائه واستمراره) ومن ثم تتصاعد شراسته تجاه الجماهير.

ولهذا، كان نقل العنصر البشري اليهودي من الغرب إلى فلسطين محتماً ليتم توظيفه داخل الدولة الوظيفية الصهيونية، ومن هنا إصرار الدولة الراعية التي قامت بحوسلة اليهود، وكذلك الزعماء الصهاينة، على الهوية اليهودية المزعومة للدولة الصهيونية، فهذه الخاصية هي ضمان عزلتها، كما أن عزلتها هي ضمان ولائها للغرب وشراستها تجاه العرب.

وقد تم إنجاز ذلك أساساً من خلال الفكرة المحورية في الحضارة الغربية (وفي التراث الحلولي اليهودي)، فكرة اليهود كشعب عضوي منبوذ، فهو شعب عضوي يرتبط عضوياً بأرض فلسطين، ولذا فهو يخرج من أوربا. ولكن، كيف يمكن توظيف هذا الشعب في خدمة الحضارة الغربية؟ سنجد أن هذا الشعب الذي طردته أوربا سيتحول بعد وصوله إلى فلسطين إلى شعب غربي يدور في إطار الحضارة الغربية ويرفع لواءها ويدافع عن مصالحها. ولا يجد الصهاينة والمستعمرون أية غضاضة في استخدام كل من الديباجة اليهودية (الحلولية العضوية) الخالصة والديباجة الغربية. فالأولى مناسبة للصهاينة الإثنيين (العلمانيين والدينيين) والثانية مناسبة للعواصم الغربية والصهاينة التوطينيين والعلمانيين الذين لا تهمهم الإثنية. فالمستوطنون الصهاينة هم يهود خُلَّص، يُوطَّنون في فلسطين حيث سيؤسسون دولة هي حصن للهوية اليهودية ضد الاندماج في الأغيار. ولكنهم هم أيضاً، في الوقت نفسه، حصن للحضارة الغربية ضد الهمجية الشرقية. ويحّل المؤرخ الإسرائيلي تالمون المشكلة بأن يقرِّر أن ما يُسمَّى «الحضارة اليهودية» جزء من التشكيل الحضاري الغربي. وهذا الإحساس بالانتماء للغرب أو للحضارة اليهودية أو للحضارة اليهودية الغربية، يجعل وجود إسرائيل في الشرق الأوسط مسألة عرضية غير مرتبطة بجذورها الحضارية وإنما بوظيفتها القتالية. فجذور المستوطنين الصهاينة تضرب في الغرب (وطنهم الأصلي) وفي الحضارة اليهودية، أما وظيفتهم فهي الدفاع عن الغرب في الشرق. فالمُستوطَن الصهيوني يوجد في الشرق العربي ولكنه ليس منه، شأنه في هذا شأن أية جماعة قتالية استيطانية. وهذا الإحساس يُذكِّر اليهودي بأنه منقـول من مكان لآخر، وأنه ينتمي إلى حضارة أخرى، وأن دولته هي دولة الشتتل المشتولة.

وقد تحوَّلت الدولة الصهيونية بالفعل إلى دولة جيتو أو شتتل تحاول الحفاظ على هويتها اليهودية أي عزلتها الكاملة؛ سكانها من اليهود الملحدين ذوي الديباجات الليبرالية أو الإثنية العلمانية أو من اليهود الملتحين المؤمنين ذوي الديباجات الإثنية الدينية. ويتحدث الجميع العبرية ويصرون على انتمائهم الغربي أو اليهودي في الصحراء العربية، فهم حصن (جيتو) للحضارة الغربية ضد الهمجية الشرقية (أي الجماهير المستغَلة). ولا يهم في هذا المضمار إن كانت الدولة الوظيفية دولة تحافظ على قداسة حائط المبكى أم أنها هي نفسها تقف حائطاً منيعاً أمام زحف الهمجية الشرقية، فما يهم أن تظل هذه الدولة معزولة منبوذة.

ومن هذا المنظور، يمكننا أن نرى العلاقة العضوية بين إحلالية الاستعمار الصهيوني وعزلته السكانية من جهة، ووظيفته القتالية الإستراتيجية من جهة أخرى. فالدولة الوظيفية الصهيونية لم يكن أمامها مفر من أن تطرد العنصر العربي وتُحلّ محله العنصر اليهودي، ذلك أن وجود العنصر العربي (المحلى) داخل القاعدة الغربية كان من الممكن أن يُولِّد حركيات وتناقضات اجتماعية تُضعف مقـدرته القتالية وقد تعدِّل مساره، بل قد تحوِّله إلى مجرد دولة أخرى قد تدخــل التحالف الغربي وقد تخــرج منه. أما الدولـة اليهودية (الغربية) الخالصة، فهي بمعزل عن مثل هذه التوترات والديناميات، الأمر الذي يضمن استمرارها في أداء وظيفتها.

وقبل أن ننتقل إلى النقطة التالية قد يكون من المـفيد ذكر العناصر التاليـة المرتبطـة تماماً بالعزلـة الوظيفية:

1 ـ لم تكن الجماعات اليهودية الوظيفية المالية جزءاً من البناء الاجتماعي، ولذا فإنها لم تساهم في بناء الرأسمالية الرشيدة إذ ظلت رأسماليتها رأسمالية منبوذة تماماً مثل الجماعة الوظيفية. وهذا أيضاً هو البناء الاقتصادي للدولة الصهيونية، فهي غير مرتبطة بالاقتصاد القومي الجديد الذي يظهر في الشرق العربي لارتباطها بالاقتصاد الغربي الذي تدور في إطاره. كما أنها تعتمد اعتماداً اقتصادياً كامـلاً على المعونات التي تتلقـاها من العالم الغربي. ومن هنا محاولة إنشاء السوق الشرق أوسطية بديلاً عن السوق العربية المشتركة.

2 ـ وقد كان المرابي اليهودي لا يستغل الفلاحين فحسب، وإنما كان يهدد الأساس المادي لوجودهم أيضاً، إذ كان ينزع ملكية الفلاحين بعد دورة الإقراض الطويلة. والاستعمار الصهيـوني في علاقته بالفلسطينيين، بدأ أولاً بنزع ملكيتهم وتحطيم مجتمعهم والأشكال الإنتاجية التي يستندون إليها، ثم أخذ في استغلالهم بعد عام 1967 باعتبارهم عمالة رخيصة متنقلة، أي أنه يستغلهم دون استيعابهم ودون الدخول معهم في علاقة اقتصادية متكاملة. كما أن الدولة الصهيونية دولة حديثة، ومع هذا فإنها لا تساهم في عملية التحديث، وهي دولة صناعية تُوقف التصنيع (في الضفة الغربية)، ودولة متقدمة تقف ضد التقدم، ودولة منتجة لا ترى نفسها داخل إطار من التكامل الاقتصادي بل تحاول وقفه. وعلى أية حال، فإن هذا هو الهدف من غرسها في المنطقة، تماماً كما كانت النخب الحاكمة في الغرب تستخدم أعضاء الجماعة اليهودية الوظيفية المالية في ضرب البورجوازيات المحلية.

3 ـ إحساس أعضاء التجمع الصهيوني بعدم الأمن (الذي يشبه إحساس أعضاء الجماعات الوظيفية المالية) هو ما يزيد تماسكهم الداخلي وتَقبُّلهم لقيادتهم التي تقوم بدور الوسيط بينهم وبين الممول الإمبريالي والتي تقوم بتوزيع الغنائم.

الدولة الصهيونية الوظيفية: بعض السـمات الأخرى
The Functional Zionist State: Some Other Traits
توجد أربعة سمات أخرى تتسم بها كل من الجماعة الوظيفية والدولة الوظيفية نوجزها فيما يلي:

1 ـ الانفصال عن المكان والزمان والإحساس بالهوية الوهمية:
تتسم الجماعة الوظيفية (نظراً لرؤيتها الحلولية الكمونية) بانفصالهـا عن الزمـان والمكـان. وهذا ما حـدث للدولة الوظيفية الصهيونية، فهي ترى نفسها في الشرق الأوسط ولكنها ليست منه، وفلسطين، هذا المكان الذي يقطنه الفلسطينيون، يتجرد من مكانيته المتعيِّنة ليصبح مفهوماً تلمودياً أي إرتس يسرائيل، أي أنها تنفصل عن حركيات تاريخ المسلمين والعرب والمنطقة، وتصبح تعبيراً عن تاريخ يهودي عالمي. ولذا فالدولة الصهيونية الوظيفية تُنكر التاريخ العربي بل تنكر تواريخ الجماعات اليهودية، فكما أن فلسطين تتحول إلى أرض ويتحول الفلسطينيون إلى لا شعب (فهي أرض بلا شعب)، يتحول اليهود أيضاً إلى شعب، يعيش في اللامكان فهو شعب بلا أرض!

هذه الدولة الصهيونية تُصر على يهوديتها، وعلى عزلتها كدولة يهودية، فهذه اليهودية هي أساس وظيفيتها، وحلوليتها هي أساس إحلاليتها. ولكن من المعروف أن الدولة الصهيونية ليس لها هوية يهودية، وإنما لها عدة هويات متداخلة مُستمدة من المجتمعات التي كان يعيش فيها أعضاء الجماعات اليهودية قبل استقرارهم في فلسطين. كما أن هذه الدولة خاضعة لعملية أمركة واسعة وعلى جميع المستويات، باعتبارها دولة تابعة تعيش في الشرق؛ واحة للديموقراطية الغربية! ونظراً لارتباط الهوية بالوظيفة، فهي تُغيِّر الهوية مع تَغيُّر الوظيفة. ولذا فنحن نتوقع أن تخفض الدولة الصهيونية لونها اليهودي قليلاً، حتى تستطيع أن تلعب دوراً أكثر نشاطاً في إطار السلم الذي فرضه النظام العالمي الجديد على المنطقة.
كما أن الحركة الصهيونية التي تصر على الهوية اليهودية هي نفسها التي تدعو إلى تطبيع اليهود ليصبحوا شعباً مثل كل الشعوب، وإلى دَمْج الدولة الصهيونية في المجتمع الدولي لتصبح مثل كل الدول.

2 ـ ازدواج المعـايير والحـكم بمقياسـين (الأنا المقدَّس ضـد الآخر المبـاح: (
تتبنى الجماعة الوظيفية معايير مزدوجة في الحكم على الذات وعلى الآخر. وتتضح هذه السمة بشكل جلي في الفكر الصهيوني في الفصل الحاد بين اليهود وغير اليهود، وفي بنية قوانين الدولة الصهيونية وفي نظرية الحقوق الصهيونية. فالفكر الصهيوني يُعطي اليهود الحقوق كافة مثل حق العودة إلى وطن يزعمون أنهم تركوه من آلاف السنين. وفي الوقت نفسه، فإنه ينكر الحق نفسه على الفلسطينيين الذين تركوا الوطن نفسه منذ بضـع سـنوات ويقفـون على بواباته يريدون دخوله، ويقاتلون من أجله. وتعرض الدولة الصهيونية دفع تعويضات "للاجئين" الفلسطينيين لتوطينهم خارج فلسطين، في الوقت الذي تدفع فيه رشاوي للمهاجرين اليهود حتى يستوطنوا في فلسطين. كما يتضح ازدواج المعايير في موقف الإعلام الصهيوني، فحينما تقوم الطائرات الإسرائيلية بتدمير مخيمات الفلسطينيين وتقتل المئات، فإن هذا الإعلام قد لا يذكر هذه الواقعة، وإن ذكرها فإن ذلك يتم بطريقة إحصائية محايدة (عدد القتلى ومكان الحادث ونسبة التخريب)، أما إن قُتل جندي أو مُستوطَن إسرائيلي، فإن هذا الإعلام نفسه يولول ويذكر اسم القتيل ومكان قتله والأثر الذي أحدثه قتله في أهله... إلخ، وذلك باعتبار أن الفلسطيني مباح أما الإسرائيلي فمقدَّس وقتله حرام.

3 ـ الحركية:
يتسم أعضاء الجماعات الوظيفية بالحركية والمقدرة على الانتقال من مكان إلى آخر ومن راع لآخر. ولعله لا يمكن القول بأن دولة ما تتمتع بحركية عالية. ومع هذا، فيمكننا الإشارة إلى أن التجمع الصهيوني هو تجمُّع مهاجرين ونازحين وجماعة بشرية تم نقلها، وأن بنيته السكانية لم تستقر بعد بين الهجرة والنزوح. كما أن كثيراً من العمليات التي تقوم بها هذه الدولة مثل توريد السلاح للنظم الدكتاتورية العسكرية في أمريكا اللاتينية أو عمليات التجسس والإرهاب تتسم بهذه الحركية.وهى دولة لا يهمها القانون الدولى ولا النظام الدولى.

ومقدرة الدولة الصهيونية على تغيير وظيفتها أو لونها ينم عن هذه الحركية. فالحركة الصهيونية اتجهت إلى كل القوى الاستعمارية للبحث عن راع: إنجلترا ـ فرنسا ـ ألمانيا ـ روسيا ـ إيطاليا. واقترحت عدة مواقع لإنشاء الدولة الصهيونية: شبه جزيرة سيناء ـ منطقة العريش ـ جزء من قبرص ـ ليبيا ـ شرق أفريقيا ـ فلسطين. ولعل تشبيه إسرائيل بأنها حاملة طائرات هو تشبيه دقيق يبلور هذه الصفة الحركية في الدولة الوظيفية.
وتظهر هذه الحركية نفسها في استعداد الدول الصهيونية لتغيير دورها كي تلبي احتياجات الدولة الراعية. وفي الآونة الأخيرة، بدأت الدولة الوظيفية اليهودية تدرك أن دورها الإستراتيجي القتالي قد أصبح تقريباً غير ذي موضوع بعد سقوط المنظومة الاشتراكية وظهور النظام العالمي الجديد وبعد أن اهتز دورها القتالي التقليدي في حرب الخليج حيث طُلب منها ألا تحارب وأن تمارس ما يُسمَّى «ضبط النفس» حتى لا تسبب مشكلة لقوى التحالف. ولذا، بدأت الدولة الوظيفية الصهيونية في تغيير نفسها حتى يمكنها الاضطلاع بوظيفتها الجديدة وهي التصدي للإسلام والمسلمين، ولذا فإننا نجد أنها تخفف من ديباجاتها اليهودية ليظهر وجهها العلماني المستنير، وبذلك يمكنها التحالف مع البورجوازيات العربية العلمانية التي تم تغريبها ضد القوى الشعبية الإسلامية.

4 ـ التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع (الحلولية( :
تؤمن الجماعات الوظيفية برؤية حلولية عضوية ثنائية صلبة تُقسِّم العالم إلى الأنا المقدَّس (عضو الجماعة الوظيفية) ضد الآخر المباح (عضو مجتمع الأغلبية). ويرتبط بهذا إحساس مزدوج بالحرية الكاملة والحتمية الكاملة. والدولة الصهيونية الوظيفية تسيطر عليها رؤية حلولية عضوية مماثلة لرؤية الجماعة الوظيفية للكون فقد حَوَّلت الدولة الصهيونية الوظيفية نفسها إلى المطلق اليهودي الأكبر (موضع الحلول الإلهي) الذي ينبغي على اليهود أن يلتفوا حوله، بل يضحوا بأنفسهم من أجله. وقد بدأ كثير من اليهود يظنون أن الدولة اليهودية هي المعبد الأكبر وأن رئيس وزرائها هو الحاخام الأكبر وأنها العجل الذهبي الذي يعبدونه من دون الإله (تمركز حول الذات).
ويظهر مركب الشـعب المختـار في الخطــاب الصهيوني الإثني الديني، خصوصاً في الصهيونية العضوية الحلولية، ولكنه يظهر أيضاً في الخطاب العمالي بدرجات أقل وضوحاً. والدولة الصهيونية الوظيفية وصفها بن جوريون بأنها نور الأمم، مشعل القيم الأخلاقية والحضارية، لأنها تعبير عن إرادة الشعب اليهودي، هذا الشعب الذي يتسم بالتماسك العضوي نتيجة كونه موضع الحلول الإلهي.

ويظهر الاسـتقطاب في الإحسـاس بالحرية المفرطة والحتمية المطلقة، فسكان المُستوطَن الصهيوني يشعرون بحريتهم المفرطة فجيشهم يعربد داخل وخارج لبنان، وسلاحهم الجوي يطير من المحيط إلى الخليج، وهم يستولون على الأرض التي يشعرون أنها لهم. ولكنهم في الوقت نفسه يسيطر عليهم إحساس عميق بالجبرية إذ يشعرون بأنه قد حكم عليهم بالدخول في الحرب المرة تلو الأخرى.
ويصل هذا الإيمان بالقضاء والقدر والمصير المحتوم إلى ذروته في أسطورة شمشون وماساده الانتحارية حيث يموت اليهود على مذبح الدولة الوظيفية المقدَّسة ويدرك الجميع أن لا اختيار: إين بريرا.

الدولــة المملوكيـــة
The Mamluke State
في محاولتنا تصنيف الدولة الصهيونية الوظيفية وتعريف هويتها، استخدمنا مصطلح «الدولة المملوكية»، وهو في تصوُّرنا مصطلح له قيمة تفسيرية تصنيفية عالية على المستويين التاريخي والبنيوي. أما من الناحية التاريخية، فقد أشرنا من قبل إلى أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية من يهود الأرندا في أوكرانيا (وغيرهم من أعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية) باعتبارهم «مماليك مالية»، وقد بيَّنا نقط التشابه التي دعتنا إلى استخدام المصطلح. ونحن نذهب إلى أن كل ما أنجزه المشروع الصهيوني هو تجنيد المماليك المالية ثم نقلهم بمعونة الدول الغربية إلى الشرق العربي حيث تحولوا إلى مماليك قتالية داخل إطار الدولة الوظيفية. وأصبحت الوظيفة المالية إما ثانوية أو غير مباشرة، فهي دولة وظيفية قتالية يمكن أن نسميها «دولة مملوكية».

ويمكننا أن نجد جوانب مملوكية عديدة للدولة الصهيونية، فعسكرة المجتمع الصهيوني ليست إلا تعبير عن هذه الظاهرة. كما أن الأموال الطائلة التي تصب فيه تعبير آخر عن الظاهرة نفسها، والإسرائيليون يعرفون جيداً أن هذه الأموال تُدفَع لهم لا حباً في التراث اليهودي أو لاهتمام العالم الغربي بهم (وهو العالم الذي نبذهم على أية حال) وإنما نظراً لاضطلاعهم بوظيفة محددة. وعزلة التجمُّع الصهيوني عن المنطقة العربية، وعلاقة العداء بينه وبين كل المجتمعات المحيطة به، وإحساسه بالغربة وإصراره عليها في الوقت نفسه، ومركب الشعب المختار، وتَميُّع البناء الاجتماعي والطبقي في المُستوطَن الصهيوني، كل هذه السمات تجمع بين الدولة الصهيونية والجماعات الوظيفية ومنها المماليك. بل إن طريقة التنشئة في الكيبوتس، هذه المؤسسة الزراعية العسكرية، هي الطريقة الحديثة لتنشئة المماليك الاستيطانية، وهي الطريقة المبتكرة لتحويل الفائض البشري اليهودي إلى مادة قتالية مملوكية نافعة. فالتنشئة في الكيبوتس تستبعد الملكية الفردية والحياة الخاصة وتتسم في بعض جوانبها بالتقشف، كما أن لها أبعاداً وأهدافاً عسكرية واضحة. ولكن أعضاء الكيبوتسات، مع هذا، يتمتعون بمستوى معيشي مرتفع بل ومترف، يفوق كثيراً مستوى بقية السكان، وهم كذلك على مستوى ثقافي رفيع. كما أن الكيبوتسات تُعَد من أهم مؤسسات الضغط التي تشارك في صنع القرار السياسي، بل تتحكم في بعض جوانبه. وهذا المزج بين الجماعـية والعسـكرية من جهـة، والترف والثقافـة من جهة أخرى، يُذكِّرنا ولا شك بالساموراي، فالكلمة تعني «الخادم» وتعني أيضاً «البوشي» أو «المحارب الأرستقراطي». وقد كان المماليك أيضاً خدماً ولكنهم كانوا كذلك حكاماً وصناع قرار. وكان المملوك يتمتع بثروته أثناء حياته ولكنها كانت تُصادَر بعد موته. ولكن طبيعة الكيبوتس المملوكية تخبئها ديباجات حديثة بحيث تُفسَّر الجماعية الكيبوتسية على أنها اشتراكية، وإدارة الأرض الفلسطينية المسروقة على أنها شكل من أشكال الديموقراطية المتطرفة.

وقد تحدث أحد أعضاء الكنيست عما سماه عام «الخصب اليهودي» وطالب النساء الإسرائيليات بزيادة الإنجاب في هذا العام. وقد وصفت بعض النساء الإسرائيليات هذا التصريح بأنه محاولة لتحويلهن إلى «آلة الإنجاب اليهودي»، فهي محاولة لحوسلتهم ليصبحن آلة حديثة لولادة المزيد من المقاتلين للمحافظة على الدور المملوكي (السلعة الأساسية الشاملة وأهم مصادر الدخل بعد أن نضب معين الفائض البشري).

ويمكن القول بأن هناك شيئاً من التجاوز فيما قمنا به حين قارنا علاقة التجمع الصهيوني بالمجتمعات العربية المجاورة له بعلاقة المماليك بالمجتمعات نفسها ووحدنا بينهما. وقد يكون تشبيه يهود الكيان الصهيوني في الشرق الأوسط بيهود الأرندا في أوكرانيا فيه شيء من عدم الدقة. ولكن التطابق الكامل تكرار لا يوجد إلا في عالم الرياضة والهندسة والسحر. أما في عالم الإنسان، فأبعاد أية ظاهرة اجتماعية تاريخية متعددة ومركبة، وبعضها غير معروف إلا بصفة تقريبية وحسب، وتختلف الظواهر نفسها باختلاف الزمان والمكان. ولذا فإننا نقنع، في تصنيفنا للظواهر الإنسانية، بالبحث عن بعض مواطن التماثل الجوهرية ولا نطمح فيها إلى التطابق الكامل إلا إذا كنا ماديين، نرى الواقع البشري كذرات وأرقام. والمصطلح الذي صغناه، رغم كل هذه التحفظات، يصف في كثير من الدقة طبيعة علاقة التجمُّع الصهيوني بكل من الإمبريالية (مصدر المال) والدول العربية المجاورة (موضع القتال)، بل يُفسِّر لنا طبيعة علاقته مع نفسه وسر إصراره على هويته المزعومة وانتمائه الغربي وعزلته الدائمة.

ومن الحقائق التاريخية التي تدعو إلى شيء من التأمل، لطرافتها إن لم يكن أيضاً لدلالتها، أنه مثلما حاول الفرنجة أن ينشئوا تحالفاً مع المغول لسحق العالم العربي الإسلامي، كانت هناك محاولة لعقد اتفاق بين الجماعة الوظيفية القتالية التي حكمت مصر والشام (أي المماليك) والجماعـة اليهـودية الوظيفية الماليـة في أوربا. فبين عـامي 1771 و1773، حينما كانت روسيا متحالفة مع المملوك علي بك الكبير، والي مصر الذي تمرَّد على الدولة العثمانية، حاول بعض ضباط الأسطول الروسي، الذي كان راسياً في ليجورن، أن يدعموا حكمه عن طريق تأسيس دولة يهودية في القدس تابعة له متحالفة معه، أي دولة صهيونية مملوكية من الناحية البنيوية والفعلية. وهكذا كان من الممكن أن يقوم الحليفان، المماليك العسكرية في مصر والمماليك اليهودية المالية الغربية، بالقضاء على النفوذ العثماني في المنطقة تحت رعاية روسيا القيصرية، التي كانت تغازل آنذاك فكرة أن يكون لها مشروع استعماري في الشرق الأوسط! إن هذه واقعة تاريخية طريفة ودالة، ومع هذا فإننا لا نؤسس وجهة نظرنا مستخدمين هذه الواقعة كأحد الدلائل أو الشواهد، إذ أن أطروحتنا تَصدُر عن نموذج تفسيري أساسي هو الجماعة الوظيفية المالية أو القتالية والاستيطانية ولَّدنا منه أو استنبطنا منه العـلاقة بين دور الجمـاعات اليهـودية في الحضارة الغربية من جهة ودور المماليك في الشرق العربي من جهة أخرى، ومن ثم تحدثنا عن الدور المملوكي لكل من الجماعات اليهودية والدولة الصهيونية.




الجزء الثاني: الدولة الاستيطانية الإحلالية



الباب الأول: الاستعمار الاستيطاني الصهيوني


أسطورة الاسـتعمارالاسـتيطاني الغربي
Myth of Western Settler Colonialism
الاستعمار الاستيطاني (الإحلالي أو المبني على الأبارتهايد) هو انتقال كتلة بشرية من مكانها وزمانها إلى مكان وزمان آخر، حيث تقوم الكتلة الواحدة بإبادة السكان الأصليين أو طردهم أو استعبادهم، أو خليط من كل هذه الأمور (كم حدث في أمريكا الشمالية وفي فلسطين). ومهما بلغ الإنسان من وحشية وحياد، فهو لا يستطيع القيام بمثل هذه الأفعال إلا إذا كان هناك مبرر، وهذه هي وظيفة الأسطورة (التي نُعرِّفها بأنها نموذج معرفي، أي رؤية كاملة للكون [الإله ـ الإنسان ـ الطبيعة]، ولكن علاقتها بالواقع واهية إلى أقصى درجة).

1 ـ إذا كان جوهر الأسطورة، أية أسطورة، هو إلغاء الزمان أو تجميده والانفصال عن المكان، فإن هذا الاتجاه يأخذ شكلاً متطرفاً في حالة أسطورة الاستعمار الاستيطاني بشكل عام، الذي ينطلق من الإنكار الكامل للتاريخ بشكل متطرف، وإعلان نهايته. ويزداد الإنكار حدة وعنفاً في حالة المجتمعات الاستيطانية الإحلالية، التي لابد أن تُغيِّب السكان الأصليين تماماً. ونقطة البداية عند المستوطنين البيض المهاجرين من العالم الغربي هي عادةً رفض تاريخ بلادهم الأصلية، باعتباره تاريخ اضطهاد وكفر. ويحاول المهاجرون أن يضعوا "حلاً نهائياً" لمشاكلهم وأن يبدأوا من نقطة الصفر الفردوسية في الأرض الجديدة. ومع هذا يتباهى هؤلاء المستوطنون بانتمائهم للعالم الغربي الذي لفظهم. ويتضح هذا الجانب في أسطورة الاستيطان الصهيونية التي تبدأ برفض تاريخ اليهود في المنفى (وضمن ذلك العالم الغربي). والصهيونية هي الحل النهائي الذي يطرحه الصهاينة والاستيطان في صهيون هو نقطة البداية والصفر، ومع هذا لا يكف الصهاينة عن الحديث عن دولتهم باعتبارها واحة الديموقراطية الغربية في الشرق وقاعدة الحضارة الغربية فيه.

2 ـ ينكر المستوطنون البيض تاريخ السكان الأصليين في الأرض التي سيهاجرون إليها ويستوطنون فيها. فهي عادةً أرض عذراء بلا تاريخ، غير مأهولة بالبشر (أرض بلا شعب)، على عكس الأرض التي يأتي منها المستوطنون، فهي مكتظة بالسكان.

ومرة أخرى نجد أن أسطورة الاستيطان الصهيونية تعبِّر عن هذا بشكل متبلور، إذ يزعم الصهاينة أن فلسطين هي إسرائيل أو صهيون، وأن تاريخها قد توقَّف تماماً برحيل اليهود عنها. بل إن تاريخ اليهود أنفسهم قد توقَّف هو الآخر برحيلهم عنها، ولن يُستأنف هذا التاريخ إلا بعودتهم إليها، ولكنه تاريخ جديد خال من الاضطهاد والصراع، فهو أقرب إلى التاريخ المقدَّس.

3 ـ لا تؤكد أسطورة الاستيطان الغربية نهاية التاريخ وحسب وإنما نهاية الجغرافيا كذلك، فالأرض التي يستوطن فيها الإنسان الأبيض هي أرض وحسب، ليس لها حدود واضحة، ولذا فهي تتسع حسب قوة الإنسان الأبيض الذاتية، كلما زاد عدد المستوطنين وازدادوا قوة اتسعت الحدود. ومن هنا فكرة الرائد والجبهة المتسعة دائماً. والرائد هو الذي يرتاد أرضاً جديدة دائماً، لا يعرف حدوداً ولا قيوداً ولا سدود. وارتباط نهاية التاريخ بنهاية الجغرافيا أمر متوقَّع، ففكرة الحدود فكرة إنسانية حضارية غير طبيعية، أما عالم الطبيعة فلا يعرف الإنسان، ومن ثم فهو لا يعرف الحدود.

وأسطورة الاستيطان الصهيونية هي أسطورة التوسع بالدرجة الأولى، فإرتس يسرائيل ليس لها حدود واضحة، فالعهد القديم يحتوي أكثر من خريطة. والمستوطنون الصهاينة أطلقوا على أنفسهم مصطلح «حالوتسيم»، أي »رواد. «

4 ـ إذا حدث أن كانت الأرض العذراء مأهولة بالسكان فإن أسطورة الاستيطان الغربية تحاول تهميشهم، فهم قليلو العدد متخلفون يفتقرون إلى الفنون والعلوم والمهارات المختلفة، يهملون الثروات الطبيعية الكامنة في الأرض. وهم عادةً مجرد رحالة لا يستقرون في أرض ما، وهم شعب لا تاريخ له، فأعضاؤه جزء لا يتجزأ من الطبيعة (كالثعالب والذئاب) ومن ثم لا حقوق لهم. لكل هذا فإن وجود مثل هؤلاء الناس هو وجود عرضي ومن الضروري وضع حل جذري ونهائي للمشكلة الديموجرافية، أي مشكلة وجود السكان الأصليين في الأرض العذراء، وضرورة اجتثاث شأفتهم تماماً.

وأسطورة الاستيطان الصهيونية تنظر للوجود الفلسطيني في فلسطين باعتباره أمراً عرضياً هامشياً، والاعتذاريات الصهيونية مليئة بالحديث عن فلسطين باعتبارها أرض مهجورة مهملة، وكثيراً ما يتحدث الصهاينة عن الفلسطينيين كما لو كانوا جزءاً من الطبيعة بلا تاريخ. وكل هذا ينتهي بطبيعة الحال بتأكيد حق اليهود المطلق في فلسطين (ومن هنا قانون العودة) وينكرون هذا الحق على الفلسطينيين (ومن هنا مخيمات اللاجئين). وتحاول الحركة الصهيونية وضع حل نهائي للمشكلة الديموجرافية فقامت أحياناً بالإبادة (دير ياسين ـ كفر قاسم) ولكن الطرد كان الشكل الأساسي. وبعد اتفاقيات أوسلو أخذ الحل النهائي شكل عزل السكان الأصليين داخل مجموعة من القرى والمدن ومحاصرتهم بالقوات العسكرية الإسرائيلية والطرق الالتفافية.

5 ـ تم تبرير الرؤى الاستيطانية الإحلالية عن طريق القصص الإنجيلية، وهنا يحدث تلاق كامل بين أسطورة الاستيطان الغربية العامة وأسطورة الاستيطان الصهيونية. فالمستوطنون البيض (وضمنهم الصهاينة) ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم من الآباء (البطارقة) الذين تركوا بلادهم ليستقروا في بلاد أكثر اتساعاً، أو في أرض عذراء لم يستوطن فيها أحد من قبل. وهم مثل العبرانيين يخرجون من مصر (أو بابل) أرض المنفى البغيضة، وينسلخون من تاريخها ليعودوا إلى صهيون (الجديدة) بأن "يصعدوا" لها. فإن وجدوها مأهولة فأهلها إذن من الكنعانيين الذين لا حق لهم في الأرض ومصيرهم هو الحل النهائي: الطرد أو الإبادة.

وغني عن القول أننا حينما نتحدث عن «أسطورة» فنحن لا نتحدث عن واقع تشكَّل ولا حتى عن برنامج عمل، وإنما عن قصة أو قصص يوجد فيها بشكل كامن نموذج معرفي، وهذه القصة مستبطنة تماماً، تعبِّر عن نفسها بشكل جزئي وتتحقق بعض جوانبها في أماكن وأزمنة متفرقة، ولا تتحقق مجتمعة إلا في لحظة نماذجية نادرة.

الاستعمار الاستيطاني الصهيوني: أهدافه وآلياته وسماته الأساسية
Zionist Settler Colonialism: Objectives, Methods, and Main Traits
تنطلق الحركة الصهيونية من أن اليهود شعب واحد بلا أرض، وأن فلسطين أرض بلا شعب. ومن ثم يرى الصهاينة أن فلسطين هي المسرح الذي يتحقق فيه الشروع الصهيوني، وأنها في واقع الأمر ملك للشعب اليهودي، سواء كان يشغلها الفلسطينيون أم لا.

ووضع هذه الرؤية الأسطورية موضع التنفيذ لم يكن أمراً سهلاً، إذ أن المستوطنين الصهاينة حلّوا في أرض لا يعرفونها وهي أرض مأهولة بالسكان، ومن هنا كان من الضروري أن يُنظِّموا أنفسهم بطريقة صارمة، وأن تكون لهم مؤسساتهم الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ. فتم تأسيس الوكالة اليهودية ومهمتها القيام بمعظم عمليات التخطيط والتطبيق الفعلي لهجرة وتدريب المستوطنين وتأمين كل ما يحتاجونه من وسائل وأدوات إنتاج وخدمات للمهاجرين. وكانت مهمة الصندوق القومي اليهودي شراء الأرض لصالح الفلسطيني. وتُعتبَر المؤسسة العسكرية والتنظيمات شبه العسكرية من أبرز القواعد التي تضطلع بتطبيق المخطط الاستيطاني الصهيوني والمحافظة على استمرار العملية الاستيطانية وحمايتها. فتقوم المؤسسة العسكرية بتعبئة الجماهير وتجنيدهم حول فكرة الاستيطان باعتبارها المثل الأعلى للمواطن الإسرائيلي. أما التنظيمات العسكرية وشبه العسكرية مثل الهاجاناه والناحال والجدناع فتقوم بأدوار الحراسة والأدوار الأمنية ورفع الروح المعنوية.

ويمكن القول بأن الأهداف والسمات الأساسية للاستيطان الصهيوني هي ما يلي:

1 ـ يهدف الاستيطان الصهيوني إلى أن تحل الكتلة البشرية (الصهيونية) الواحدة محل السكان الأصليين فهو استعمار إحلالي، وإحلاليته هي سمته الأولى والأساسية (حتى عام 1967). (انظر الباب المعنون «إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني»).

2 ـ حدَّدت منظمة الهاجاناه جوهر الإستراتيجية الاستيطانية عندما أكدت (عام 1943) أن الاستيطان ليس هدفاً في حد ذاته، وإنما هو وسيلة الاستيلاء السياسي على البلد، أي فلسطين. وقد استمرت هذه السياسة قبل وبعد عام 1948، أي أنها العنصر الأساسي الثابت في الإستراتيجية الصهيونية. ومن ثم عرَّف بن جوريون الصهيونية بأنها الاستيطان، وهو مُحق في ذلك تماماً. ولذا يمكن القول بأن الاستيطان هو نفسه التوسع الصهيوني، لا يوجد أيّ فاصل بينهما. وهـذه هـي السمـة البنيـوية الثـانية من سمـات الاسـتيطان الصهيـوني.

3 ـ ثمة سمة بنيوية ثالثة يتسم بها الاستيطان الصهيوني هي أنه ليس مشروعاً اقتصادياً وإنما مشروع عسكري إستراتيجي، ولذا فهو لا يخضع لمعايير الجدوى الاقتصادية، ولابد أن يموَّل من الخارج (الخارج يمكن أن يكون الدياسبورا اليهودية الثرية [أي الجماعات اليهودية في العالم] أو الراعي الإمبريالي).

4 ـ يتسم الاستيطان الصهيوني بأنه استيطان جماعي عسكري بسبب الهاجس الأمني (استجابة لمقاومة السكان) ولأن جماعة المستوطنين ترفض الاندماج في المحيط الحضاري الجديد الذي انتقلت إليه (انظر: «الاقتصاد الاستيطاني في فلسطين قبل عام 1948: أسباب ظهوره») وتساهم عمليات التمويل من الخارج في تعميق هذه السمة.

5 ـ ارتبط انتشار المستوطنات بحركة الهجرة اليهودية، وهو ما جعل إستراتيجية الاستيطان تتخذ خطاً متوازياً مع الخطوات التي قطعها المشروع الصهيوني لجذب المهاجرين اليهود واقتلاعهم من البلاد التي أقاموا فيها.

6 ـ من المُلاحَظ أن المؤسسات الاستيطانية الصهيونية تقف على رأسها بدلاً من أن تقف على قدميها (ويمكن أن نسميها الهرم الاستيطاني الصهيوني المقلوب)، فقد كان هناك مزارع الكيبوتس وهي تنظيمات زراعية هدفها الاستيلاء على الأرض التي ستُزرع وتكوين طبقة مزارعين يهود. كما كان هناك الهستدروت، وهو نقابة عمال تهدف إلى خَلْق الطبقة العمالية (وذلك على خلاف النقابات العمالية التي لا تظهر إلا كتعبير عن وضع قائم بالفعل). ثم كانت هناك جماعات الحراس المختلفة مثل الحارس والهاجاناه والبالماخ وهي تنظيمات عسكرية تهدف إلى خَلْق الشعب اليهودي (أي أن الجيش يسبق الشعب، أو كما قال شاعر إسرائيلي: كل الشعوب تملك سلاح طيران إلا في إسرائيل حيث يوجد سلاح طيران يملك شعباً). بل إن الجامعة العبرية نفسها أُسِّـست بادئ الأمر كمبان وهيئة تدريس في انتظار الطلبة. ويمكن سحب هذا المنطق على كل الحركة الصهيونية، فهي قد بدأت بتأليف الحكومة التي كان هدفها الأساسي إقامة الدولة التي كانت ترمي أساساً إلى تجميع السكان (حكومة فدولة فشعب). وما من شك في أن هذا يعود إلى أن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة هي صيغة غير يهودية تم تهـويدها لتجنيد المـادة البشرية التي رفضت هـذه الصيغة أو تملَّـصت منها. كما أن الأصول الطبقية لبعض العناصر البشرية المستوطنة صعَّبت عليهم الاضطلاع بوظائف معينة، ولذا كان حتمياً أن يسبق عملية الاستيطان مؤسسات استيطانية مختلفة، مهمتها جذب المستوطنين وتدريبهم. كما أن من أهم سمات الاستيطان الصهيوني أن الكيان الاجتماعي الصهيوني في فلسطين لم يكن متكاملاً، بل كان في مرحلة بداية التكوُّن والتشكُّل، ولم يكن هدف المستوطنين الاندماج في المجتمع القائم بل إقامة كيان اجتماعي وسياسي مستقل.

ويُعَد عام 1967 لحظة فارقة في تاريخ الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، إذ ضمت الدولة الصهيونية مساحات شاسعة من الأراضي، وقرَّرت الاحتفاظ بها وتأسيس المستوطنات فيها، رغم وجود كثافة سكانية فلسطينية فيها. ومن ثم تحوَّل الاستعمار الاستيطاني الصهيوني من استعمار استيطاني إحلالي إلى استعمار اسـتيطاني مبني على الأبارتهايد وفكـرة المعازل البشرية للسكان الأصليين. ولكن، مع هذا، لم تتغيَّر الثوابت الإستراتيجية الصهيونية، وإن اختلفت الأهداف والآليات بسبب تغيُّر الظروف.

ويمكن تحديد أهداف الاستيطان الصهيوني في الأراضي المحتلة بعد عام 1967 بما يلي:

1 ـ تهيئة الفرصة لوجود عسكري إسرائيلي، سواء من خلال قوات الجيش الرئيسية أو عن طريق الاستعانة بمستوطنين مسلحين يتبعون هذه القوات أو باستخدام وحدات من جيش الاحتلال يتم نشرها.

2 ـ أن تكون المستوطنات رأس جسر لكسب مزيد من الأرض من خلال نزع الملكية أو سُبل أخرى أكثر دهاءً مثل إزالة المزروعات واقتلاع الأشجار ورفض التصريح بإقامة مبـان جديـدة أو إصلاح المبـاني القديمة.

3 ـ خَلْق الحقائق الاستيطانية الجديدة في الأراضي المحتلة بحيث تصبح العـودة إلى حـدود عام 1967 مستحيلة. ومما يجـدر ذكره أن الاسـتيطان قام، دائماً، بدور أساسي في رسم حدود الكيان الصهيوني، وخصوصاً منذ بداية عرض خطط تقسيم فلسطين في النصف الثاني من الثلاثينيات، وصولاً إلى صدور قرار تقسيمها سنة 1947. ولا شك في أن الإسرائيليين يطمعون في أن يقوم الاستيطان الجديد بدور مماثل في توسيع حدود كيانهم.

واستهدفت السياسة الاستيطانية بناء خط من المستوطنات من الجولان حتى شرم الشيخ مروراً بغور الأردن. وأهم مشروع استيطاني كان مشروع إيجال آلون الذي استهدف بناء حاجز بين الضفتين الغربية والشرقية وتصحيح الحدود وتعديل مسار الخط الأخضر، وتجزئة الضفة الغربية إلى منطقتين.

4 ـ إيجاد القاعدة البشرية من المهاجرين اليهود من مختلف أنحاء العالم.

5 ـ بعد فشل الصهاينة في "إقناع" الفلسطينيين (عن طريق شراء الأراضي والإرهاب) بترك الأرض بحيث تصبح أرضاً بلا شعب، قرَّر الصهاينة اللجوء إلى أسلوب الأبارتهايد التقليدي وهو تأسيس المعازل، ومن ثم أصبح من أهم أهداف المستوطنات قطع التواصل بين مناطق سكنى الفلسطينيين، بحيث ينقطع الاستمرار بين المراكز السكانية الفلسطينية الأساسية، أي أن وظيفة المستوطنات أصبحت تحويل الضفة الغربية إلى كانتونات ممزقة مفصولة بعضها عن بعض ولا تربطها سوى ممرات محدودة تحيط بها من كل جانب المستوطنات والثكنات العسكرية للجيش الإسرائيلي بحيث لا يستطيع الفلسطينيون التحرك بحرية داخل الأراضي المحتلة. وبالفعل قامت المستوطنات الموزَّعة في كتل أو أطواق بخدمة إستراتيجية "الفصل" و"الوصل" الاستيطانية. فالأطواق الاستيطانية المحيطة بالقدس تؤمن التواصل فيما بينها وبين القدس الغربية، وتفصل القدس الشرقية عن سائر الضفة، كما تفصل شمال الضفة عن جنوبها، في آن واحد. كما أن الشريط الاستيطاني المحاذي للخـط الأخضر يُشـكِّل اسـتمراراً إقليمياً لفلسـطين المحتلة سـنة 1948، وعازلاً بين الفلسطينيين على جانبي الخط، على غرار الهدف الذي حدده دروبلس لخطة "الكواكب السبعة". وينطبق الأمر نفسه على كتلتي الاستيطان في جنوب مرتفعات الجولان وشمالها، وعلى كتلة مستوطنات إيرز الناشئة في شمال قطاع غزة. أما كتلة قطيف الاستيطانية في جنوب القطاع فتُشكِّل تطويقاً لمدن القطاع، وعازلاً صهيونياً على الحدود الفلسطينية ـ المصرية.
وشهد الاستيطان الإسرائيلي، خلال هذه الفترة، تقلبات في الوتيرة وتغيرات في التركيز الجغرافي، تعود أساساً إلى اختلاف الحزب/الائتلاف الحزبي الحاكم، وبالتالي، اختلاف تكتيكه الاستيطاني باختلاف نظرته السياسية الأمنية إلى الأراضي المحتلة ومتسقبلها. ومع ذلك، فإن الخريطة الاستيطانية الراهنة جاءت نتاجاً للتفاعل والتجاذب بين هذا التباين التكتيكي والإجماع القومي الإستراتيجي الذي يلف مختلف الأحزاب الصهيونية (عدم العودة إلى حدود 1967، وخصوصاً تهويد القدس وضمها إلى إسرائيل).

ففي بداية الاستيطان بعد حرب يونيه 1967، كان هناك منطق سياسي وراء إنشاء المستوطنات، إذ تم تحضيرها استناداً إلى الخطة التي وضعها ييجال آلون، وعلى أساس الاحتياجات "الأمنية" الحيوية لدولة إسرائيل، وأصبحت هذه الخطة منذ أن وُضعت الموجِّه الأساسي لسياسة حزب العمل تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما كانت الموجِّه الأساسي لنمط الحلول السياسية التي تقترحها أو تقبلها إسرائيل.

ولكن حتى حكومات حزب العمـل، خرجـت عن معـايير مشـروع آلون، إما خضوعاً للمتزمتين حين أنشأوا مستعمرة كريات أربع في الخليل، أو نزوة وزير الدفاع موشي ديان، الذي أنشأ مستعمرة يميت في سيناء، أو نتيجة صراعات داخلية بين إسحق رابين وشمعون بيريز في عهد حكومة رابين الأولى، حيث حدث توسُّع في مناطق معينة في الضفة الغربية لا تشملها خطة آلون. ولكن سلوكها كان محكوماً بالمنطق الداخلي لبنية الاستيطان الصهيوني، التي تتجه نحو المزيد من ضم الأراضي والتوسع.

والخروج على قواعد خطة آلون في عهد حزب العمل كان بمنزلة قطرات خفيفة نسبياً، ولكن هذه القطرات تحوَّلت في عهد حكومات الليكود إلى طوفان، وبعد إخلاء مستعمرة يميت إثر توقيع الصلح المصري ـ الإسرائيلي، وبعد الفشل في حرب لبنان عام 1982، أرادت حكومات حزب الليكود إرضاء ناخبيها فضاعفت زخم الاستيطان، ولم يعارض حزب العمل ذلك، وغطى موافقته آنذاك، بموقف سياسي يقول "ضمن العلاقات السلمية من الممكن أن تظل مستوطنات يهودية تحت السيادة العربية، كما توجد مدن وقرى عربية تحت السيادة الإسرائيلية".

لقد جاءت المحصلة الاستيطانية منسجمة مع جوهر الإستراتيجية الاستيطانية الصهيونية سواء من جهة انتشار المستوطنات أو تركيزها. فمن جهة الانتشار غطت المستوطنات مختلف أنحاء الأراضي العربية المحتلة بهدف إحكام السيطرة عليها، فأُقيمت مستوطنات لا مبرر أمنياً لها ولا جدوى اقتصادية لها، مثل مستوطنة نتساريم في غزة، وهذه حال المسـتوطنات التي أقامها المعراخ في وسـط الجولان إثر حرب 1973، والمستوطنات التي نثرها الليكود في سائر أنحاء الضفة خارج مناطق الأمن.

الطبيعة العسـكرية للاستعمار الاستيطانى الصهيـوني
Military Nature of Zionist Settler Colonialism
اختيرت فلسطين كبقعة لتوطين اليهود فيها وإقامة الدولة الوظيفية القتالية بسبب موقعها الإستراتيجي. ففلسطين ليست معروفة بثرواتها الطبيعية، وهي صغيرة الرقعة، وأرضها ليست خصبة (فهي ليست في ثراء ولا خصوبة أوغنده التي وقع عليها الاختيار في بادئ الأمر لتكون الوطن اليهودي الجديد ثم عُدل عنها). وموقع فلسطين هو الذي جعلها ضحية مباشرة للاغتصاب الاستعماري الغربي ثم الصهيوني. وقد قال نابليون: "إن من يسيطر في المعركة على تقاطع الطرق يصبح سيد الأرض". وفلسطين التي تطل على البحر المتوسط والأحمر وقناة السويس، والتي تُقسِّم العالم العربي إلى قسمين وتقع على نقطة الالتقاء بين آسيا وأفريقيا، هي ولا شك موقع ممتاز لإقامة قاعدة لخدمة مصالح الاستعمار الغربي ليفرض إرادته وهيمنته. وبالفعل، لا يمكن أن نرى الدولة الصهيونية إلا باعتبارها معسكراً كبيراً يخضع أساساً للاعتبارات الإستراتيجية العسكرية وليس للاعتبارات الاقتصادية.

وينطبق الشيء نفسه على الاستيطان الصهيوني ككل فهو مشروع عسكري بالدرجة الأولى، وهو كذلك الهدف الكامن وراء كل مستوطنة على حدة، فهي كيان صهيوني مُصغَّر في طبيعة بنائها ونوعية أعمال مستوطنيها أنفسهم وموقعها (وبخاصة قبل عام 1948). فهندسة بناء المستوطنات وطبيعة تنظيمها الداخلي آنذاك تكشف عن أغراض هي أقرب ما تكون إلى الطبيعة العسكرية البحتة. إذ كان يُخطِّط لبناء المستوطنات في أماكن يَسهُل الدفاع عنها كرؤوس التلال والهضاب وعلى مشارف الوديان والممرات. وليس من الصدفة أن تكون أول مستوطنة صهيونية في فلسطين (عام 1868) قد أقيمت على جبل الكرمل المشرف على حيفا. وأن تكون معظم المستوطنات التي أنشئت بعد ذلك، خلال فترة الاستعمار البريطاني، قد أنشأت على مفارق الطرق، وعلى المرتفعات المشرفة على أماكن التجمُّعات العربية في المدن والقرى، وعلى الطريق بين يافا والقدس. وليس غريباً أن نجد أن العسكريين البريطانيين هم الذين اختاروا في بداية الأمر كل المستوطنات الأولى. وليس غريباً أن نجد كذلك أن مواقع بعض المستوطنات الزراعية في ذلك الوقت لا تؤهلها للزراعة. وبيَّن آلون كيف أن الموقع الدقيق للمباني والمنشآت وجميع المرافق في كل مستوطنة جديدة كانت تقرر اختياره هيئة أركان الهاجاناه، بغية تأمين الترتيب الأفضل للهجوم والدفاع (حبيب قهوجي).

وقد كان الفلاحون العرب يسمون هذه المستوطنات «القلاع»، وكانوا محقين تماماً في تسميتهم هذه. فكل مستعمرة صُمِّمت لتكون بمنزلة قلعة حصينة قادرة على الدفاع عن نفسها وعن المستعمرات المجاورة أيضاً (وهي تُذكِّر الدارس بالمعبد/القلعة في أوكرانيا إبان حكم الإقطاع الاستيطاني البولندي فيها). ويُعتبَر هذا التصميم تطبيقاً للتشكيل العسكري الروماني المعروف باسم «الدفاع على شكل أضلاع مغلقة» حيث كانت كل مستعمرة تقوم بتوفير الاحتياجات الأساسية لأعضائها ذاتياً.

ورغم أن المستوطنات كانت مستوطنات زراعية إلا أن الزراعة الاستيطانية لا علاقة لها بالاستثمار الزراعي. فالموقع وليس التربة هو العنصر الذي يتم على أساسه الاختيار. ولذا فنحن نسميها «الزراعة المسلحة».

وكان المستوطنون يقيمون مستوطناتهم الزراعية على طريقة السور والبرج. فكانوا يأتون بألواح جاهزة وبرج مراقبة وسياج وخيام على أن تنقل كلها خلسة في ليلة واحدة بمساعدة مئات المستوطنين ويحيطون الأرض العربية المغتصبة بسور من الأسلاك الشائكة ثم يبنون برج مراقبة مزوداً بالأسلحة. وفي الصباح تكون المستوطنة الجديدة جاهزة، وقادرة على صد "الإرهابيين" العرب الذين اغتُصبت أرضهم أثناء الليل. ثم تبدأ عملية الزراعة والقتال.

وكانت كل مستعمرة (شأنها شأن المُستوطَن الصهيوني ككل) تتخذ موقعها ضمن إقليم عربي لتخترق تماسكه وتجانسه وأمنه وفي دفاعها عن "أمنها" تدخل حالة صراع مع المجتمع المحيط بها وتستولى على مزيد من الأرض.

والطبيعة العسكرية للاستيطان هي رد فعل للرفض العربي. ولكنها، في الوقت نفسه، جزء لا يتجزأ من المخطَّط الصهيوني الإستراتيجي الذي يهدف إلى تأسيس تجمُّع استيطاني له هويته وحدوده الحضارية والاقتصادية والاجتماعية التي تفصله عما حوله والاستيلاء على الأرض العربية، ويهدف كذلك إلى تقسيم العالم العربي عن طريق عملية الاستيلاء هذه. ويمكن تلخيص تكامل البُعْد الاستيطاني والبُعْد العسكري في المستوطنات بأن الواحد منهما يخدم الآخر، فالاستعمار الاستيطاني يخدم العمل العسكري فيما يلي:

1 ـ تشارك المستوطنات في عملية البناء العسكري الدفاعي، وخصوصاً فيما يتعـلق بتأمـين الحـدود الخارجية والمناطق الداخلية الحيوية.

2 ـ تشكل المستوطنات قواعد للقوات المسلحة ومراكز لوثوبها خارج أراضي إسرائيل لتحقيق المزيد من التوسع الإقليمي.

3 ـ المستوطنات في واقع الأمر مستودع للقوى البشرية المدربة عسكرياً واللازمة للقوات المسلحة.

4 ـ بعد ضم المناطق الجديدة تقوم المستوطنات بملء الفراغ وخلق الوجود المادي السكاني لها.

وإذا كانت المستوطنات تخدم الإستراتيجية العسكرية الصهيونية فالعكس أيضاً صحيح فالمؤسسة العسكرية تخدم المستوطنات.

1 ـ تقوم القوة العسكرية الصهيونية بتوفير الأراضي والمشاركة في الدفاع عنها، وبالتالي تهيئة الظروف المناسبة لازدهار الاستعمار الاستيطاني.

2 ـ تقوم المؤسسة العسكرية بتخليق الزارع الجندي اللازم لإقامة المستعمرات الدفاعية الحصينة وتأمين الحدود.

إن الاستيطان الصهيوني هو جوهر المشروع الاستيطاني الصهيوني الذي يهدف إلى اغتصاب الأرض الفلسطينية العربية من أهلها وإحلال عنصر بشري وافد محلهم، ولذا فهو مشروع لا يمكن تنفيذه إلا بالعنف، ومن هنا طبيعته العسكرية. ويمكن دراسة طريقة توزيع المستوطنات الصهيونية وإعادة انتشار القوات المسلحة الإسرائيلية في الإطار نفسه.

الاستعمار الاستيطاني الصهيوني قبل عام 1948: تاريخ
Zionist Settler Colonialism before 1948: History
قبل ظهور الحركة الصهيونية، لم يكن ثمة استيطان يهودي في فلسطين. فأعضاء الجماعات اليهودية (الذين لم يتجاوز عددهم 25 ألفاً) كانوا يقطـنون في التجمـعات المدنية، وبخاصة مدن القدس وطبريه وصفد، وقد استقروا في فلسطين لأسباب دينية لا علاقة لها بالمشروع الصهيوني، ولم يكن هناك وجود للاستيطان الزراعي الذي لم يبدأ إلا عام 1878 عندما توجهت مجموعة من يهود القدس ـ بعد حصولها على دعم خارجي ـ إلى السهل الساحلي حيث تمكَّنت من تأسيس مستوطنة بتاح تكفا. ومع ظهور حركة أحبّاء صهيون وبداية موجات الهجرة الاستيطانية عام 1880، أمكن تأسيس عدد من المستوطنات الزراعية. فتم عام 1882 تأسيس مستوطنات ريشون لتسيون، وزخرون يعقوب، وروش بينا. وفي سنة 1883، أُسِّست مستوطنتا يسود همعلية وإكرون، وأُقيمت مستوطنة جديرا عام 1884.

غير أن هذه المستوطنات لم تلبث أن تعرضت لخسائر فادحة ولجأت إلى الاعتماد على الدعم الخارجي، وبخاصة البارون روتشيلد. وقد مكَّن هذا الدعم المستوطنات القديمة من الاستمرار، كما مكَّن من إقامة ثلاث مستوطنات أخرى عام 1890 (رحوبوت، ومشمارهياردن، والخضيرة). ولكن مع إقامة تنظيمات صهيونية توطينية ابتداءً من عام 1891، انتهى دور البارون روتشيلد وانتقلت مسئولية رعاية المستوطنات إلى الجمعية الاستعمارية اليهودية (بيكا) التي عملت في البداية على تزويد المستوطنات القائمة بالقروض المالية، وإقامة المزارع التدريبية للعمال الزراعيين، وذلك بعد أن نقلت هذه المسئوليات من رجال البارون روتشيلد. وحتى سنة 1898، كان قد تم تأسيس 22 مستوطنة يهودية (بلغت مجموع مساحاتها نحو 200 ألف دونم) وبلغ مجموع سكانها (آنذاك) 4900 نسمة تقريباً.

ومع انعقاد المؤتمر الصهيوني الثاني 1898 وإقرار قانون المنظمة الصهيونية العالمية، أخذت هذه المنظمة على عاتقها كل الشئون المتعلقة باستيطان فلسطين ـ وبذلك انتهى ما يُسمَّى «الصهيونية العملية» أو «التسللية». وبدأت هذه المنظمة نشاطها الفعلي عام 1901 مع تأسيس الصندوق القومي اليهودي. وأسهم تأسيس مكتب فلسطين برئاسة آرثر روبين عام 1907 ـ 1908 في زيادة نشاط هذه المؤسسة حيث باشرت أعمالها الفعلية عام 1908 بتأسيس مشروعها الأول وهو مزرعة أم جوني في الجانب الغربي لنهر الأردن جنوب بحيرة طبرية، وفيما بعد شرقي النهر في المستوطنات التي أصبحت تحمل اسم «كينرت دجانيا». ومع بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914، كان هناك 47 مستوطنة يهودية في فلسطين أُقيمت 14 منها بدعم من المنظمة الصهيونية بإشراف مكتب فلسطين.

وتُعتبَر مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين (أي وضع فلسطين في قبضة الراعي الإمبريالي) المرحلة الذهبية للصهيونية. فبعد صدور وعد بلفور عام 1917 ومنح القوة الإمبريالية الغربية دعمها القوي للمشروع الصهيوني وبداية موجة الهجرة الصهيونية الثالثة 1919 وإعلان شرعية الهجرة 1921، وتأسيس قسم الاستيطان في المنظمة الصهيونية الذي حل محل مكتب فلسطين، وتنامي الوجود السياسي للحركة الصهيونية، توسعت النشاطات الاستيطانية واكتسبت أبعاداً أيديولوجية مع تبلور الأنماط الأساسية الثلاث للمستوطنات: الكيبوتس والموشاف والقرى التعاونية أو تعاونيات الطبقة المتوسطة.

وقد أخذت النوايا السياسية لعمليات الاستيطان في الاتضاح للفلسطينيين، الأمر الذي فجّر عمليات المقاومة، حيث هوجم عدد من المستوطنات التي أُقيمت في الجليل الأعلى (تل حاي وكفار جلعادي)، وبدأت عام 1929 أول دراسة علمية لخدمة أغراض التخطيط الاستيطاني على المستوى القطري.

ومع صدور الكتاب الأبيض عام 1930، قرَّرت المنظمة الصهيونية الإسراع في عمليات الاستيطان وفي إقامة نقاط قوية في المناطق التي لم يسكن بها المستوطنون الصهاينة في السابق، وذلك بهدف خلق خريطة سكانية يهودية تشمل أوسع مساحة جغرافية ممكنة للاستعداد لاحتمال طرح تقسيم فلسطين، حيث جرى تركيز عمليات الاستيطان باتباع مبدأ الزراعة المختلطة للمساعدة في عمليات الاكتفاء الذاتي الغذائي للمستوطنة في أعقاب تأزم الأوضاع داخل فلسطين. ويُطلَق على المستوطنات التي أُقيمت خلال تلك الفترة اسم «السور والبرج» (بالعبرية: خوما ومجدال) وصفاً للطابع العسكري لتلك المستوطنات التي ترافقت مع بداية الثورة الفلسطينية عام1936.

وفي غضون الحرب العالمية الثانية وبعدها، أُقيم نحو 94 مستوطنة. وبعد انتهاء الحرب، اتجهت الجهود الاستيطانية للتوسع الجغرافي لاستيطان منطقة النقب في عامي 1946 و1947، ومرت أنابيب المياه إلى هذه المستوطنات من المناطق الوسطى في فلسطين. ونشطت الوكالة اليهودية في فترة الانتداب في تنظيم عمليات الاستيطان وأقامت لذلك عدداً من المشاريع الاستيطانية الخاصة ابتداءً من سنة 1930 وحتى الحرب العالمية الثانية. ومن هذه المشاريع مشروع الألف عائلة الذي تم بمقتضاه إقامة عدة مستوطنات في السهل الساحلي، وكذلك مشـاريع توطين اليهود المشـردين في أعقـاب عام 1933.

واستمرت محاولات الاستيلاء على الأراضي في أية بقعة يمكن الوصول إليها، إلا أن التركيز كان على المناطق السهلية بشكل عام حيث تتميَّز الأراضي بالجودة ووفرة المياه. وحتى عام 1948، كان حوالي 25% من المستوطنات اليهودية موجودة في منطقة سهول الخضيرة، ونسبة 12% منها في سهول يافا، و17% في سهول طبريا والحولة وبيسان، و11% في سهل الجليل الأسفل ومرج ابن عامر، و4% في كل من منطقتي الجليل الأعلى ومرتفعات القدس. أما منطقة النقب، فقد بلغت نسبة المستوطنات اليهودية فيها 9% تقريباً من إجمالي المستوطنات اليهودية. وبلغت مساحة الجزر التي أُقيمت عليها إسرائيل في فلسطين حسب خطوط الهدنة عام 1947 حوالي 20.700.000 دونم منها 425 ألف دونم مسطحات مائية.

وقد تزايد عدد المستوطنات في الفترة من 1822 ـ 1899 ليصبح 22 مستوطنة استوطنها 5210 مستوطنين، وزاد في الفترة 1900 ـ 1907 ليصبح 27 مستوطنة اتسعت لـ 7000 مستوطن، وزاد ليصبح 47 مستوطنة في الفترة 1908 ـ 1914 حيث وسعت 12 ألف مستوطن. وارتفع عام 1922 فأصبح 71 مستوطنة وسعت 14.920 مستوطناً. وفي عام 1944، وصل عدد المستوطنات إلى 259 مستوطنة ضمت 143.000 مستوطناً. وعند قيام الدولة الصهيونية كانت تضم 277 مستوطنة.

ثم أُعلن قيام الدولة الاستيطانية الصهيونية التي تُمثل المستوطنة الصهيونية الكبرى التي تضم كل المستوطنات الزراعية والصناعية والمدنية والكيبوتسات والموشافات في منتصف آيار ـ مايو 1948.

الاستعمار الاستيطان الصهيوني حتى عام 1967: تاريخ
Zionist Settler Colonialism till 1967: History
في خلال الفترة من عام 1948 حتى عام 1967 تم التوسع الاستيطاني عبر سلسلة من القوانين والإجراءات المتعسفة ضد الفلسطينيين. وأهم تلك القوانين: قانون أملاك الغائبين المتروكة (1950) والذي يتيح للحكومة الإسرائيلية أن تستولي على الأرض التي هجرها ساكنوها (اللاجئون ثم النازحون الذين تم إرهابهم وإجلاؤهم عن أراضيهم)، وقانون استملاك الأراضي (1952)، وقانون التصرف (1953) الذي يتيح للحكومة الإسرائيلية الحصول على الأراضي التي لم يمكِّنها القانون الأول من الاستيلاء عليها تحت دعوى طلبها لأغراض الدفاع والتوطين إذا لم يتصرف صاحب الأرض المطلوبة فعلياً في الأرض، وقانون تقادم العهد أو مرور الزمن (1957). وينص دستور الصندوق القومي اليهودي على أن الأراضي الفلسطينية التي يستولي عليها الصندوق تعتبر ملكاً للشعب اليهودي لا يجوز التصرف فيها.

وقد عبَّرت القوانين المذكورة عن نزوع المشروع الصهيوني إلى إضفاء الشرعية على الاحتلال الذي تم بفعل القوة، وقد تمكَّنت السلطات الإسرائيلية من استخدام أملاك العرب الفلسطينيين الذين غادروا بيوتهم وتركوا أملاكهم وعيَّنت قيماً أو حارساً على أملاكهم لتتمكن من خلال سـتار الأمن والمصلحـة العامـة من منع الغائبين من العودة إلى قراهم وأحيائهم. وقد اعتبرت أصحاب الأملاك الذين أُجبروا على الابتعاد عنها من الغائبين، وقامت السلطات الإسرائيلية باستخدام تلك الأملاك لإسكان المهاجرين اليهود، وضمت بعض الأراضي في المناطق الريفية إلى المستعمرات من موشافات وكيبوتسات مجاورة لتلك القرى، واعتبر المواطنون العرب الفلسطينيون في حكم الغائبين حتى لو كانوا يقيمون على بُعد بضعة كيلو مترات من قراهم الأصلية.

وفوق ذلك امتد تطبيق قانون أملاك الغائبين ليشمل أملاك الوقف الإسلامي، حيث أصبح الحارس على أملاك الغائبين مسئولاً عن تأجير واستخدام أملاك الوقف الإسلامي، وتبلغ نسبتها في حوانيت بعض المدن أكثر من 70% من مجموع عدد تلك الحوانيت.

وتنفيذاً لمبدأ مصادرة الأراضي صادرت سلطات التجمُّع الصهيوني بعد عام 1948 40% من الأراضي التي يملكها السكان العرب تحت ذريعة أنها أملاك غائبين، وموضوع الأملاك المتروكة هو الذي جعل إسرائيل دولة ذات مقومات، فمن بين مجموع 370مستعمرة أُقيمت 350 مستعمرة منها على أراضي الغائبين بين عامي 1948 ـ 1953. وفي عام 1954 كان ثُلث عدد سكان إسرائيل وثُلث المهاجرين يقيمون على أراضي الغائبين. وقد استولت سلطات الكيان الصهيوني على ما يقارب 20.5 مليون دونم من مجموع مساحة أراضي فلسطين بأكملها. ومن الذرائع التي اتخذتها السلطات الصهيونية مصادرة الأراضي لأغراض التدريبات العسكرية والذريعة الأمنية، إما لقربها من معسكرات الجيش أو لقربها من إحدى المستعمرات أو لوقوعها في مكان إستراتيجي. بالإضافة إلى مصادرة الأراضي الأميرية بحجة أن ملكيتها تعود للدولة وليس للعرب.

ويُلاحَظ أن المستوطنات الزراعية المتباعدة كانت تُمثِّل أساس الاستيطان الصهيوني ووسيلته. إلا أن ظاهرة التجمع في المدن أصبحت لا تُمثِّل، فيما بعد، نسبة ليست عالية فحسب بل نسبة في ارتفاع مستمر حيث يبدو أن المستوطنات لم تَعُد مطمح الصهاينة الاستيطانيين. (حتى نهاية 1978، كان حوالي 90% من اليهود في إسرائيل من سكان المدن(

الاستعمار الاستيطاني الصهيوني منذ عام 1967 حتى الوقت الحاضر: تاريخ
Zionist Settler Colonialism from 1967 till the Present: History
استمرت السلطات الإسرائيلية في عمليات الاستيلاء "القانوني" على الأرض. فعلى سبيل المثال يحظر الحاكم العسكري على الفلسطينيين تسجيل الأراضي منذ 1967، وهو يمنع الفلسطينيين الذين لا يقيمون في الضفة وغزة حالياً من وراثة الأرض. ويجب أن يصادق الحاكم العسكري على جميع صفقات الأراضي، كما أن سجلات الأرض تحت سيطرته ويمكن أن يكون التبليغ بشأن مصادرة الأراضي شفوياً. ومن المحظور تقديم التماس إلى المحاكم المحلية، والسبيل الوحيد للاعتراض هو تقديم التماس إلى المحكمة الإسرائيلية العليا أو إلى لجنة اعتراضات استشارية عسكرية.

ونتيجة تطبيق تلك الإجراءات بلغت نسبة الأراضي التي استولت عليها السلطات الصهيونية 70% من مساحة أراضي الضفة الغربية، في حين بلغت النسبة 42% في قطاع غزة، بالإضافة إلى مساحة كبيرة من الجولان حيث أقيم عليها 30 مستعمرة. وإذا علمنا بأن ما استولت عليه سلطات ومنظمات الكيان الصهيوني عام 1948 بلغ حوالي 80% من مجموع مساحة فلسطين، فإن هذا يعني أن 20% فقط من مساحة فلسطين هي مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة. وما استولت عليه سلطات الاحتلال فيهما وصل إلى أكثر من 70% من مساحتها.

فبعد عام 1967 صُودرت 350 ألف دونم من القدس والضفة الغربية علاوة على 400 ألف دونم هي أراضي الغائبين، فضلاً عن إغلاق أكثر من مليون دونم بأوامر عسكرية. وفي قطاع غزة، صُودرت نسبة 33% من مجموع مساحته البالغة 400 ألف دونم منها 40 ألف دونم من الأراضي العامة، و93 ألف دونم تعتبرها السلطات ذات ملكية غير واضحة، بالإضافة إلى أملاك الغائبين التي تقدر بحوالي ثمانية آلاف دونم.

وقد وصـل عـدد المسـتوطنات في الضفة الغربية خلال عقد من الزمن، هي فترة حكم المعراخ 1967 ـ 1977، إلى 22 مستوطنة أنشأتها ألوية تابعة للحركات الاستيطانية العمالية، وتركزت في منطقة الأمن (14 مستوطنة في غور الأردن، و6 مستوطنات في غوش عتسيون)، هذا باستثناء منطقة القدس التي صادرت فيها حكومة المعراخ 17 ألف دونم وأقامت الضواحي الاستيطانية الأساسية عليها (راموت ـ نفي يعقوب ـ رامات إشكول ـ سنهدريا الموسعة ـ غفعات همفاتير ـ التلة الفرنسية ـ قصر المندوب). وانتهى عهد المعراخ في قطاع غزة عام 1977 مع إقامة 6 مستوطنات. أما مرتفعات الجولان في هذه الفترة فقد أقيم فيها 11 مستوطنة (9 في الجنوب، و2 في القنيطرة) بعد عام واحد من الاحتلال. وبنهاية عام 1972 كان قد أقيم 15 مستوطنة منها 6 كيبوبتسات يستوطنها جميعاً 1727 مستوطناً. وبعد حرب 1973 تمكَّن المعراخ حتى عام 1977 من إنشـاء 26 مسـتوطنة.

وفي عهد الليكود استندت عملية الاستيطان إلى خطة إيريل شارون وهي خطة "العمود الفقري المزدوج" والتي تتضمن خطين متوازيين ساحلي وداخلي تربط بينهما شبكة من المواصلات الطولية والعرضية، حيث يمتد الخط الشرقي من الجولان شمالاً حتى شرم الشيخ جنوباً، أما الخط الساحلي فيحوي أكثر من 75% من سكان إسرائيل.

وحينما تولى إيريل شارون وزارة الدفاع عام 1981، انطلق من ضرورة تثبيت «العمق الإستراتيجي» من أجل وضع نظام دفاعي إقليمي مكوَّن من المستوطنات المحيطة بحدود إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان والجليل والنقب، باعتبارها مختلفة عن المستوطنات التي أُقيمت لأسباب دينية أو اقتصادية.

أما الخطة الأكثر خطورة فهي خطة متتياهو دوربلس الرئيس الثاني لقسم الاستيطان في الوكالة اليهودية، وترمي خطته إلى بناء 10 ـ 15 مستوطنة سنوياً لاستيعاب 100 ـ 150 ألف مستوطن خلال 5 سنوات. واستهدفت هذه الخطة إقامة المستوطنات بين المدن والتجمُّعات العربية وأن تكون المستوطنات كتلاً متراصة عن طريق الاستيطان المُختلَط بما يسمح بتعدد أنماط الإنتاج بين صناعي وزراعي وخدمات، وذلك بهدف جعل قيـام دولة غير يهودية في الدولة مهمـة مسـتحيلة واقعياً. وقد ركَّزت خطة الليكود على الضفة وغزة بعد توقيع اتفاقية كامـب ديفـيد لتلافي احتمـال إخلاء مستوطنات منهما كما حدث في سيناء. وتم تكثيف الاستيطان في القدس الشرقية، وبخاصة بين الأحياء العربية لتحويلها إلى جزر صغيرة في بحر المستوطنات الصهيونية.

وفي عهد الليكود 1977 ـ 1984 تم في الأربعة أعوام الأولى فقط إقامة 51 مستوطنة أخرى، ووصل عدد المستوطنين فيها في تلك الفترة إلى 45 ألف مستوطن بحلول عام 1984وكان ذلك في الضفة، باستثناء القدس. كما أُقيمت بقطاع غزة خمس مستوطنات في تلك الفترة تركزت في فترة الثمانينيات. وفي عام 1981 قرَّر الكنيست ضم الجولان. وفي فترة حكم الليكود تأسَّست 9 مستوطنات وبلغ عدد المستوطنين في الجولان 8000 مستوطن. وفي هذه الفترة بدأت الأصوات تتعالى داخل إسرائيل لاستيطان وتهويد أراضي الجليل التي أصبحت ذات أغلبية عربية. وابتداءً من عام 1977، شرع الكيان الصهيوني في عملية تهويد واسـعة للجليل الغربي تضمنها مشـروعا كل من فايتـس (1977 ـ 1992)، ومشروع دروبلس (1979 ـ 1984) وهما مشروعان للتوطين، كان يهدف أولهما إلى تعزيز الاستيطان في مناطق الجليل والنقب وغزة، أما الثاني فكان يهدف إلى تعزيز الاستيطان بإقامة 30 نقطة مراقبة استيطانية في الجليل.

ويبدو أن الضفة أصبحت فيما بعد الساحة الأساسية المستهدفة. فباستثناء بضعة مستوطنات في سيناء والجولان وغزة، أُسِّست معظم المستوطنات في الضفة الغربية وضمن ذلك القدس الشرقية. ففي عهد حكومة الائتلاف بين المعراخ والليكود (1984 ـ 1990) كان ثمة قرار بتجميد الاستيطان إلا أنه كان وهماً حيث حرصت الحكومة على تعزيز المستوطنات القائمة، وتضمن البرنامج الحكومي إقامة 5 ـ 6 مستوطنات خلال عام واحد، وبلغ عدد المستوطنات التي أُسِّست في هذه الفترة 25 مستوطنة تركَّز أغلبها في الجليل. ومع نهاية عام 1990 كان في الضفة الغربية (باستثناء القدس) نحو 150 مستوطنة يقطنها 90 ألف مستوطن يهودي تقريباً. وفي الفترة نفسها تم تأسيس مستوطنتين في قطاع غزة هما: رفيح يام عـام 1984، ودوجـيت عام 1990 يقطنهما 200 مستوطن. ولم تحدث زيادة في عدد مستوطنات الجولان حتى أوائل التسعينيات.

ومع تدفُّق المهاجرين السوفييت في أوائل التسعينيات، تبنَّى الليكود خطة استيطانية جديدة في الأراضي المحتلة مثل الخطة الاستيطانية الخمسية الشاملة وخطة الكواكب السبعة التي كانت تهدف إلى محو الخط الأخضر وإدخال عازل بين الفلسطينيين بإقامة مستوطنات على جانبيه.

ومن جهة أخرى، لم يَحل عقد مؤتمر مدريد سنة 1991 والمفاوضات التي تلته دون استمرار النشاط الاستيطاني، بل إن المؤتمر نفسه كان مناسبة للقيام بمثل هذا النشاط.

وغداة عودة حزب العمل إلى سدة الحكم، في صيف سنة 1992، اتخذت الحكومة الجديدة قراراً بتجميد البناء في المناطق، شمل 6681 وحدة سكنية. لكن القرار تضمن استثناءين مهمين: أجزاء معينة من الضفة (وغيرها)، يعتبرها حزب العمل، تقليدياً، مناطق "أمنية" (وضمنها القدس الكبرى)؛ ونحو 10آلاف وحدة سكنية في مناطق مختلفة، بدعوى أنها في مراحل متقدمة من البناء. وقد تم "التجميد" على خلفية التمييز الذي يتصف تصوُّر الحزب به، بين مستوطنات "أمنية" وأخرى "سياسية"، وهو تصوُّر ينسجم، إلى حدٍّ بعيد، مع مشروع آلون، ويشمل أساساً القدس الكبرى وغور الأردن وغوش عتسيون. ومما يُقلِّل أهمية "التجميد" أن جزءاً كبيراً من أعمال البناء في المستوطنات أصبح يتم، منذ أعوام طويلة، على أيدي شركات البناء الخاصة والمقاولين والمستوطنين أنفسهم.

لقد ارتفع عدد المستوطنين اليهود في عهد الحكومة العمالية بين عامي 1992 و1996 من حوالي مائة ألف في يونيه 1992 إلى حوالي 152 ألف مستوطن في يونيه 1996 ثموصل إلى حوالي 180 ألف مستوطن في نهاية عام 1997. وفي يوليه 1993 كان عدد المستوطنين اليهود في القدس الشرقية قد بلغ 160 ألف شخص يتوزعون على ثمانية أحياء استيطانية مقابل 155 ألف فلسطيني يعيشون بالمدينة، يُضاف إلى هذه الأحياء تلك النقاط الاستيطانية داخل أسوار المدينة القديمة، والمستوطنات الواقعة ضمن نطاق القدس الكبرى. وقد وُضعت خطة في نهاية عام 1994 ترمي إلى زيادة عدد سكان القدس من اليهود بنحو 130 ألف نسمة أخرى في المدينة فقط. وبلغ عدد المستوطنات عام 1992 مع نهاية حكم الليكود 16 مستوطنة بالإضافة إلى كفار يام التي لا تُعتبَر مستوطنة بحسب بعض التعريفات، علاوة على مجمع إيرز الصناعي. وذكر مجلس المستعمرات أن عدد المستوطنين وصل في أواخر عام 1993 إلى 5900 مستوطن في غزة، في حين بلغ عدد المستعمرات في الجولان في نفس التاريخ 38 مستوطنة يقطنها 13 ألف مستوطن. ويوجد في الأراضي العربية الفلسطينية والسورية المحتلة (حتى عام 1995) نحو 210 مستوطنة تضم حوالي 300 ألف مستوطن.

ويشير الدكتور خليل التفكجي مدير إدارة الخرائط في جمعية الدراسات العربية إلى أن مستوطنات الضفة الغربية تتركز في أربع مناطق أساسية هي:

1 ـ منطقة غور الأردن المعروفة بطريق آلون مروراً بمناطق نابلس وقلقيلية وطولكرم شمال الضفة الغربية.

2 ـ منطقة اللطرون المحصورة بين شمال غرب مدينة القدس وغرب مدينة رام الله.

3 ـ منطقة مستوطنات شمرون وآرييل المحصورة بين جنوب نابلس وشمال رام الله.

4 ـ منطقة مستوطنات غوش عتصيون المنتشرة بين مدن بيت لحم والخليل جنوب الضفة.

ويمكن النظر إلى هذه المستوطنات كمستوطنات ذات أهمية إستراتيجية وعسكرية، بينما تتوزع نحو 70 مستوطنة أخرى صغيرة مبعثرة بين التجمُّعات الفلسطينية في الضفة الغربية.

ويمكن ملاحظة أن الكتلة الاستيطانية الضخمة في جنوب غرب نابلس، أصبحت أغلبية يهودية في قلب هذه المنطقة، وتضم مستعمرات هذه الكتل، مستعمرات أورونيت. فسكان هذه المجموعة من المنطقة أصبحوا أكبر من المجموع العام للسـكان العرب ومن ضمنها مدينة قلقيلية.

هذا الخط من المستعمرات الذي يمتد من كفار سابا من الناحية الغربية باتجاه منطقة زعترة (جنوب نابلس) باتجاه الشرق يقسم الضفة الغربية إلى جزأين شمالي وجنوبي. وأي إنسان يخرج من منطقة كفار سابا باتجاه الغور يشعر بأنه داخل إسرائيل وليس داخل الضفة الغربية نتيجة وجود أغلبية يهودية على جانبي الخط ومستعمرات على جانبي الطريق، بالإضافة إلى الشوارع العريضة.

أما من منطقة غوش عتصيون التي تقع جنوب القدس بين مدن بيت لحم والخليل وجنوب الضفة، فهي تفصل بيت لحم عن الخليل، وتؤدي في النهاية إلى إنشاء القدس الكبرى (المتروبوليتان).

والكتلة الاستيطانية التي يُطلَق عليها نجوم شارون السبعة تمتد من منطقة اللطرون ـ عمواس ـ يالو وتتجه شمالاً بمحاذاة الخط الأخضر بحيث أن جزءاً من هذه المستوطنات تم بناؤه داخل إسرائيل وجزءاً آخر في المنطقة الحرام التي كانت تفصل الحدود الأردنية عن الحدود الإسرائيلية وحدود الضفة الغربية. ففي منطقة اللطرون فإن أكبر مستوطنة تنشأ الآن يُطلَق عليها «مودعين»، والتي ستصبح ثاني أكبر مدينة ما بين تل أبيب والقدس.

واختيار هذه المنطقة جاء ليخدم توسع تل أبيب التي إذا توسعت فإنها لابد أن تتوسع باتجاه الشرق أو الغرب، أما جهة الغرب فالتوسع مستحيل أو مكلف جداً، بسبب البحر، أو باتجاه الشرق، وهي مناطق زراعية، وهو ما ترفضه إسرائيل وبالتالي فقد تم بناء جسر أي بناء منطقة القفز نحو أقدام جبال الضفة الغربية لبناء مستعمرات ضخمة تأكل من الضفة الغربية التي تمتد من منطقة اللطرون جنوباً حتى منطقة أم الفحم أو منطقة جنين في المنطقة الشمالية، ومن هنا جاء مشروع يوسي الفرت يضم 11% من مساحة الضفة الغربية باتجاه إسرائيل، لأن هذه الكتل الاستيطانية التي تم تشكيلها على طول الخط الأخضر من الجنوب باتجاه الشمال، شكلت حدوداً جديدة بحيث أن يوئيل زنغر، المستشار القانوني لوزارة الخارجية أثناء حكومة العمل السابقة، اعترف، لأول مرة، بأن السلطات الإسرائيلية تبني فوق الخط الأخضر جنوب مدينة قلقيلية.

ويبلغ حجم الدعم السنوي الحكومي للمستوطنات حوالي 300 مليون دولار في شكل تخفيضات في الضرائب على الرواتب والخدمات السكنية، فمن يشتري بيتاً في إسرائيل عليه أن يدفع ضريبة بمقدار 5% من قيمة البيت، بينما تصل النسبة إلى 0.5% في الأراضي المحتلة. وكل إسرائيلي يريد الاستثمار في الضفة وغزة يمكنه أن يحصل على 38% من قيمة الاستثمار أو على إعفاء من الضرائب لمدة عشر سنوات أو على ضمان من الدولة لثُلثي قيمة المبلغ المستثمر، وهذه التسهيلات تثير حفيظة بعض القطاعات داخل إسرائيل مثل رجال الصناعة.

ورغم هذه الجهود المبذولة من أجل دعم ونشر الاستيطان والمستوطنات في الأراضي المحتلة عبر الخطط والمشاريع الاستعمارية المختلفة، فقد واجهت الحركة الاستيطانية المعضلة الأساسية والمتمثلة في غياب المستوطنين وإحجام اليهود عن الهجرة إلى إسرائيل رغم الدعم الكبير الذي تلقته الحركة الصهيونية من خلال هجرة اليهود السوفييت، مما يشير إلى عدم الرغبة اليهودية في الإقامة في المستوطنات رغم الحوافز المادية والدعم السخي الذي تقدمه الحكومة الإسرائيلية للمستوطنين. فالمستوطن اليهودي السوفيتي أو غيره في الأراضي العربية لم يأت إلى فلسطين كي يحارب أو يناضل من أجل غاية معيَّنة، ولكنه جاء ليستمتع بحياة اقتصادية مرفهة.

وقد ذكر التقرير الذي أعدته القنصلية الأمريكية في القدس (في مايو 1997) أن 25% من المنازل في المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية خالية و56% في قطاع غزة و28% في الجولان، ويكشف هذا التقرير عن مشاكل نقص المعلومات بل تناقُضها بشأن الاستيطان، فآخر إحصاء رسمي إسرائيلي وارد في كتاب الإحصاء السنوي لعام 1996، والذي يورد أرقام 1995 أشار إلى أن المستوطنات تضم 33610 منزلاً منها 4066 منزلاً خالياً، أي بنسبة 12%. ففي الضفة الغربية هناك 31763 منزلاً منها 3312 منزلاً خالياً بنسبة 10.4%، وفي قطاع غزة 1847 منزل منها 754 منزلاً خالياً، وفي الجولان 8800 منزل منها 880 منزلاً فارغاً.

وذكرت حركة السلام الآن أن طواقمها الميدانية وجدت أحياء بكاملها فارغة وغير مسكونة، هذا عدا البيوت المتفرقة. بينما صرَّح رئيس شعبة الاستيطان في الوكالة اليهودية سالي مريدور أن "غالبية المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية لا يوجد فيها بيت واحد خال، وتلك التي توجد فيها منازل فارغة لا تصل نسبتها إلى 5%، معظمها خالية لأسباب فنية، وليس بسبب نقص في السكان"!

ورغم هذا التناقُض فيمكن القول بأن المعلومات الأمريكية ـ بصرف النظر عن سبب النشر ـ قريبة جداً من الواقع، لأنه من المعروف أن آلاف اليهود المقيمين داخل الخط الأخضر، يستغلون التسهيلات الكبيرة التي تُعطَى للمستوطنات من أجل شراء المنازل بها، حيث يصل سعرها إلى نسبة 25% من أسعار مثيلاتها من المنازل داخل إسرائيل، ويُدفَع ثمنها بأقساط مريحة وبفوائد قليلة جداً، ومعظم هؤلاء المشترين لا يسكنون فيها بل يستخدمونها في الإجازات. ولكن وفقاً للأوضاع الأمنية، وكذلك في حالة الاضطرار إلى إخلاء مستوطنات عند توقيع اتفاقات سلام نهائية، يستطيع هؤلاء طلب أسعار مضاعفة للبيوت مثلما حدث للمستوطنين في مستعمرة ياميت في سيناء، حيث حصلوا على تعويضات ضخمة.

مســتوطنة جبـل أبـو غنيــم (هارهوما(
Abu Ghoneim (Har Homa) Settlement
خلافاً لما تصوَّره البعض فإن توقيع اتفاق أوسلو فَتَح الشهية الاسـتيطانية في الأراضي المحتلـة، وبخاصـة في القدس والخط الأخضر، وذلك استمراراً لسياسة الأمر الواقع الإسرائيلية التي قلَّصت ـ منذ عام 1967 ـ الوجود الفلسطيني في القدس الشرقية إلى جزر بشرية متباعدة ومبعثرة ومحاطة بمستوطنات يهودية، واعتماد سياسة تهويد المدينة محلياً إما بإرغام الفلسطينيين على الرحيل، وإما بتقليص وجودهم إلى جيتوات صغيرة منفصلة، وقد طُبِّقت مثل هذه الإجراءات بطرق ثلاثة:

1 ـ توسيع المساحة المضمومة إلى أقصى حد.

2 ـ تقليص السكان العرب وزيادة السكان اليهود إلى أقصى حد.

3 ـ إحاطة المساكن العربية بمستوطنات سكنية يهودية ضخمة.

وتسعى الحكومة الإسرائيلية بقرار الاستيطان في جبل أبو غنيم الصادر في فبراير 1997 إلى إكمال فصل كل الأحياء العربية في المدينة المحتلة منذ عام 1967 عن بقية أنحاء الضفة الغربية (كلمة «هار» تعني «تل» و«هوما» تعني «السياج»). وستنضم مستوطنة جبل أبو غنيم المقرر إقامتها في جنوب القدس إلى تسعة أحياء يهودية أخرى تمت إقامتها في القدس الشرقية منذ عام 1967 وتربط بينها شبكة طرق سريعة وخدمات من حي جيلو اليهودي في أقصى الجنوب الغربي إلى راموت في الشمال الغربي. وستكتمل الحلقة اليهودية حول القدس تماماً مع مشروع البوابة الشرقية (إيسترن جيت) الذي وصل إلى مراحل متقدمة في التخطـيط في وزارة البنيـة التحتية التي يرأسـها إيريل شـارون.

وجبل أبو غنيم يقع على مسافة كيلو مترين شمال مدينة بيت لحم. وبعد حرب 1967 قررت سلطات الاحتلال فصل جبل أبو غنيم عن بيت لحم واعتبرته امتداداً لبلدية القدس، وهو أرض مشجَّرة في قسم منها، وتبلغ مساحته 1850 دونماً، وهو الاحتياطي شبه الوحيد من الأراضي بيد المواطنين العرب لبناء مساكن جديدة، ويقع في الجبل دير مسيحي بيزنطي، كان يستضيف الحجاج القادمين من كنيسة القيامة.

وفي عام 1991 جدت مصادرة الأراضي المحيطة بجبل أبو غنيم، وتتضمن الخطة الاستيطانية في جبل أبو غنيم إقامة 6500 وحدة سكنية بهدف استيعاب 40 ألف مستوطن وهو ما يرفع عدد اليهود في القدس الشرقية إلى أكثر من مائتي ألف مستوطن، حيث يتم في المرحلة الأولى بناء 1250 وحدة سـكنية. ولكن يبـدو أن المشـروع أكـبر من ذلك المعلن عنه، فقد كشف نائب رئيس بلدية القدس الذي يقود لجنة التنظيم والبناء فيها، أوري لوفليانسكي (من حزب ديجل هتوراه الأصولي الإشكنازي) "أن المشروع يقضي ببناء 18 ألف وحدة سكنية تتسع لـ 150 ألف يهودي". وعندما سئل عن تفسيره لهذه الأرقام الضخمة، وما إذا كان مبالغاً فيها قال: "احسبوا معدل أفراد كل عائلة يهودية متدينة، تعرفون الجواب". والمعروف أن معدل عدد أفراد العائلة اليهودية المتدينة 8 ـ 9 أنفس.

وفي محاولة لتبرير مشروع الاستيطان في جبل أبو غنيم أكدت السلطات الإسرائيلية وجود قرار ببناء وحدات سكنية للعرب في القدس قد تصل إلى 3016 وحدة، ولكن المعروف أن اتخاذ القرار لا يعني البناء الفعلي، ومقابل الدعم المادي والقروض الكبيرة بفوائد رمزية وأمد طويل التي تقدمها الحكومة للمستوطنين فإن العرب محرومون من تلك المميزات، والحكومة الإسرائيلية ترفض منح تراخيص بناء للعرب.

إن خطورة الاستيطان في جبل أبو غنيم، فضلاً عن كل كونها واقعاً احتلالياً استيطانياً توسعياً، تتضمن النقاط التالية:

* خنق مدن بيت لحم حيث يبقيها دون أراض لاحتواء الزيادة السكانية الطبيعية. وبيت لحم وأراضيها سوف تكون في حصار إذ تحيط بها من الشمال مستعمرة جبل أبو غنيم، ومن الجنوب مستعمرة كفار عتسـيون، ومن الغرب مسـتعمرة بيتار العليـا، ومن الشرق مستعمرة تفوح.

* ربط مستوطنة جيلو بالمستوطنة التي يراد إقامتها في جبل أبو غنيم بواسطة الطرق الالتفافية حيث ستفصل هذه الشوارع بيت لحم عن شرق القدس وغربها، مع كل ما يترتب على ذلك من فصل اقتصادي وحياتي للمواطنين العرب الفلسطينيين.

* انتهاك قدسية الأماكن المسيحية الأثرية، حيث يوجد في أبو غنيم بئر القديس تيودور والدير البيزنطي وكنيسة بئر قاديسمو وهو المكان الذي رحلت منه السيدة العذراء قبل توجهها لبيت لحم وإنجاب المسيح.

* حرمان المنطقة من دخلها السياحي حيث تُبنَى المستوطنات الجديدة.

* والمسألة الخطيرة جداً في استيطان وتهويد جبل أبو غنيم، تتمثل في تمزيق وحدة الأراضي الفلسطينية والتواصل الإقليمي فيها وتغيير ملامحها الجغرافية والديموجرافية، حيث تصبح الضفة الغربية مُقسَّمة ومشطورة فعلياً إلى منطقة شمالية تمتد من شمال القدس ورام الله حتى شمال الضفة عند جنين وطولكرم، ومنطقة جنوبية إلى جنوب دائرة استيطان القدس الكبرى وحتى الخليل وبذا تصبح الأراضي الفلسطينية محشـورة في ثلاثة كانتونات هي غزة، شـمال القدس حتى جنين وطولكرم، وجنوب القدس حتى الخليل، ويمكن أن يُفتَح بذلك طريق آخر لتشطير جديد في إطار مفاوضات الحل الدائم مع تمسك إسـرائيل بوجود الكتل الاستيطانية الموزَّعة في أنحاء الأرض المحتلة.

الجيبان الاستيطانيان في إسـرائيل وجنوب أفريقيا: منظـور مـقارن
Two Settler Enclaves in Israel and South Africa: Comparative Perspective
يأخذ الاستعمار الاستيطاني شكل هجرة جماعية منظمة لكتلة سكانية من العالم الغربي لأرض خارج أوربا. وتتم هذه الهجرة تحت الإشراف الكامل لدولة غربية لها مشروع استعماري (تُسمَّى «الدولة الأم») أو بدعم مالي وعسكري منها. ويوجد نوعان من الاستعمار الاستيطاني:

1 ـ الاستعمار الاستيطاني الذي يهدف لاستغلال كل من الأرض ومَنْ عليها من البشر، وهذا هو الاستعمار الاستيطاني المبني على التفرقة اللونية (التي يُقال لها الأبارتهايد). وجنوب أفريقيا من أفضل الأمثلة على ذلك النوع من الاستعمار. كما يمكن القول بأن الولايات المتحدة ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر تنتمي هي الأخرى لهذا النمط.

2 ـ الاستعمار الاستيطاني الذي يهدف إلى استغلال الأرض بدون سكانها، وهذا هو النوع الإحلالي حيث يحل العنصر السكاني الوافد محل العنصر السكاني الأصلي الذي يكون مصيره الطرد أو الإبادة. والولايات المتحدة في سنوات الاستيطان الأولى هي أكثر الأمثلة تبلوراً على هذا النوع من الاستعمار. والدولة الصهيونية مثل آخر (وإن كانت الإبادة هي الآلية الأساسية في حالة الولايات المتحدة، بينما نجد أن الطرد هو الآلية الأساسية في حالة الدولة الصهيونية). وكما تحوَّلت الولايات المتحدة من النظام الاستيطاني الإحلالي إلى النظام المبني على الأبارتهايد، تحوَّلت الدولة الصهيونية هي الأخرى بعد عام 1967 من النظام الإحلالي إلى النظام المبني على الأبارتهايد.

وهكذا يمكن القول بأنه رغم الاختلاف العميق بين إسرائيل وجنوب أفريقيا من منظور مرحلة التكوين الأولى، إلا أن التطورات التاريخية اللاحقة جعلت نُقَط التماثل بين الجيبين الاستيطانيين أكثر أهمية من نُقَط الاختلاف بينهما، ولها مقدرة تفسيرية أعلى.

ولنحاول الآن أن نتناول بعض نقط الالتقاء هذه:

1 ـ كلتا الدولتين بدأ كجيب استيطاني يخدم المصالح الغربية على عدة مستويات (قاعدة إستراتيجية وعسكرية ـ استيعاب الفائض البشري ـ عمالة رخيصة ـ مصدر للمواد الخام) نظير الدعم والحماية الغربيين. وليس من قبيل الصدفة أن الشخصيات الأساسية وراء إصدار وعد بلفور هي نفسها الشخصيات التي كانت وراء إصدار إعلان اتحاد جنوب أفريقيا وهم: آرثر بلفور ولويد جورج واللورد ملنر وإيان سمطس.

2 ـ كانت الدولة الإمبريالية الأم عادةً ما تعطي إحدى الشركات حق استغلال رقعة من الأرض ثم تتحول هذه الشركة نفسها إلى حكومة المُستوطَن. وقد قامت المنظمة الصهيونية/الوكالة اليهودية بهذا الدور في حالة المشروع الصهيوني.

3 ـ تستمر العلاقة بين الدولة الأم والجيب الاستيطاني حتى بعد إعلان "استقلال" الدولة، إذ أن الدولة الاستيطانية ترى نفسها جزءاً لا يتجزأ من التشكيل الحضاري الغربي.

ومع هذا لا تتسم العلاقة بين الوطن الأم والدولة الاستيطانية بالمودة دائماً، فرغم ادعاء الرابطة الحضارية إلا أن العلاقة مع الوطن الأم هي علاقة نفعية. فالدولة الاستيطانية دولة وظيفية يستند وجودها إلى وظيفتها، فإن فَقَدت وظيفتها أو أصبحت تكاليف دعمها أعلى من عائدها فَقَدت وجودها (كما حدث مع كل الجيوب الاستيطانية ومنها جنوب أفريقيا). وعادةً ما يحدث الصدام بين الوطن الأم والجيب الاستيطاني بسبب اختلاف رقعة المصالح. فالوطن الأم له مصالح عالمية إمبريالية عريضة، أما الجيب الاسـتيطاني فمصـالحه محليـة ضيقة. وأحياناً يأخذ التوتر شكل مواجهة مسلحة (حرب بريطانيا مع البوير ـ المواجهة العسكرية بين حكومة الانتداب البريطاني وبعض المنظمات العسكرية الصهيونية ـ المواجهة العسكرية بين الحكومة الفرنسية والمستوطنين الفرنسيين في الجزائر)، أو مواجهة سياسية (موقف الدول الغربية من نظام الأبارتهايد ـ التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل إبان حرب 1956).

4 ـ يُلاحَظ أن الخطاب الاستعماري الاستيطاني خطاب توراتي. فالمستوطنون سواء في جنوب أفريقيا أو إسرائيل هم «عبرانيون» أو «شعب مختار» أو «جماعة يسرائيل»، واعتذاريات المستوطنين عادةً اعتذاريات توراتية، فالأرض التي يستولون عليها هي صهيون، أرض وعد الإله بها أعضاء هذا الشعب دون غيرهم. والسكان الأصليون إن هم إلا «كنعانيين» أو «عماليق»، وجودهم عرضي في هذه الأرض (أو غير موجودين أساساً). ولذا فمصيرهم الإبادة أو الطرد أو أن يتحولوا إلى عمالة رخيصة.

5 ـ عادةً ما ترى الجيوب الاستيطانية نفسها باعتبارها موجودة عرضاً في المكان الذي توجد فيه (أفريقيا أو العالم العربي) ولكنها، في واقع الأمر، ليست منه. وذلك لأنها جزء من التاريخ الأوربي (وإن كان الصهاينة أيضاً يرون أنفسهم جزءاً من التاريخ اليهودي). ومع هذا يمكن القول بأن الكتل الاستيطانية عادةً كتل معادية للتاريخ، فقد جاء المستوطنون من أوربا التي لفظتهم إلى أرض عذراء (صهيون الجديدة) لا تاريخ لها ـ حسب تصوُّرهم ـ يمكنهم أن يبدأوا فيها من نقطة الصفر. (وإنكار تاريخ البلد الجديد مسألة أساسية من الناحية المعرفية والنفسية، لأن المستوطنين لو اعترف بوجود تاريخ لسكانه الأصليين لفقدوا شرعية وجودهم).

6 ـ عادةً ما يتبنَّى الجيب الاستيطاني رؤية قومية عضوية، إذ يرى المستوطنون أن ثمة وحدة عضوية تضمهم كلهم وتربطهم بأرضهم. هذا على مستوى الإدراك والرؤية، أما على مستوى البنية الفعلية فالأمر جدُّ مختلف. ففي جنوب أفريقيا ـ على سبيل المثال ـ نجد أن المستوطنين هناك قد انقسموا إلى شيع وجماعات، ولكن الانقسام بين العنصر الهولندي والعنصر البريطاني يظل أهم الانقسامات. وفي إسرائيل نجد أيضاً انقسامات حادة بين أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة التي هاجرت إلى إسرائيل، ولكن مع هذا يظل الانقسام الأساسي هو الانقسام بين السفارد والإشكناز.

7 ـ يتفرع من هذا كله خطاب عنصري يؤكد التفاوت بين الكتلة الوافدة (التي يُنسَب لها التفوق العرْقي والحضاري)، والسكان الأصليين (الذين يُنسَب لهم التخلف العرْقي والحضاري).

8 ـ ويترجم هذا نفسه إلى نظرية في الحقوق. فحقوق الكتلة الاستيطانية حقوق مطلقة، أما السكان الأصليون فلا حقوق لهم، وإن كان ثمة حقوق فهي عرضية (كنعانية) تجُّبُها حقوق المستوطنين (العبرانيين!).

9 ـ انطلاقاً من كل هذا يتحدد مفهوم المواطنة في البلدين، فالمواطن ليـس من يعيـش في الجيب الاسـتيطاني وإنما هـو صاحب الحقوق المطلقـة، أي اليهـودي في الدولة الصهيونية، والأبيـض في جنوب أفريقيا. ويتضح هذا في قانون العودة الإسرائيلي الذي يمنح حق العودة لليهود وحسب، كما يتضح في قوانين الهجرة في جنوب أفريقيا التي تمنع هجرة غير البيض. هذا يعني أن التمييز العنصري في الجيوب الاستيطانية لا يُشكِّل انحرافاً عن القانون أو خرقاً له (كما هو الحال الآن في الولايات المتحدة) وإنما هو من صميم القانون نفسه. فمقولة «يهودي» و«أبيض» هي مقولات قانونية تمنح صاحبها حقوقاً قانونية وسياسية ومزايا اقتصادية تنكرها على من هو غير يهودي في إسرائيل، ومن هو غير أبيض في جنوب أفريقيا.

10 ـ تترجم نظرية الحقوق (والتفاوت) نفسها إلى بنية سياسية واجتماعية وثقافية. فعلى المستوى السياسي ينشأ نظامان سياسيان واحد ديموقراطي حديث مقصور على المستوطنين، والآخر شمولي يحكم علاقة الجماعة الاستيطانية بأصحاب الأرض الأصليين. وبينما يُسمَح لأعضاء الكتلة الوافدة بالتنظيم السياسي والمهني، يُحرَّم هذا على السكان الأصليين. ويُلاحَظ أنه رغم أن النظام الاستيطاني نظام غربي حديث إلا أنه يُشكل عنصراً أساسياً في محاولات إعاقة تحديث السكان الأصليين.

11 ـ أما في المجال الاقتصادي فنجد أن المستوطنين يحاولون الاستيلاء على الأرض إما عن طريق الاستيلاء المباشر أو عن طريق شرائها أو عن طريق إصدار قوانين تُسهِّل عملية الاستيلاء هذه ونقل الأرض من السكان الأصليين للمستوطنين. وهذه عملية مستمرة لا تتوقف إذ أن الجيب الاستيطاني بسبب إحساسه بالعزلة وبسبب خوفه من المشكلة الديموجرافية يسمح لمزيد من المهاجرين بالاستيطان، الأمر الذي يتطلب المزيد من الأرض، فيزداد الصراع. وقد قام المستوطنون البيض في جنوب أفريقيا بالتوسع على حساب السكان الأصليين البوشمان والهوتنتوت والبانتو، تماماً مثلما قام المستوطنون الصهاينة بالتوسع على حساب الفلسطينيين.
ويتقاضى العمال من السكان الأصليين أجوراً أقل كثيراً من التي يتقاضاها العمال الاستيطانيون. كما أن معظم العمال من السكان الأصليين عليهم الانتقال من أماكن انتقالهم إلى أماكن عملهم، وهو ما يعني جهداً إضافياً شاقاً يتجشمه العامل دون مقابل. كما يقوم النظام الاستيطاني بإعاقة تطوُّر اقتصاد محلي للسكان الأصليين أو أي شكل من أشكال التراكم الرأسمالي.

12 ـ ويُلاحَظ على المستوى الثقافي ظهور نظامين قوميين: القومية الأولى قومية أصحاب الأرض الأصليين سواء الفلسطينيين أو الأفارقة في كلتا الدولتين، أما القومية الثانية فهي قومية مصطنعة، وهي قومية المستوطنين الذين لا تتوافر لهم في مجموعهم من البداية غالبية خصائص القومية الواحدة. ومع هذا يُحتفَل "بالقومية" الاصطناعية الواحدة وتصبح رموزها هي الرموز السائدة في الدول الاستيطانية. وفي مجال التعليم، لا تُتاح لأبناء السكان الأصليين فرص تعليمية متميِّزة، خشية أن يحققوا حراكاً اجتماعياً وثقافياً وتظهر بينهم نخبة متعلمة تقود كفاحهم الوطني.

13 ـ تواجه الجيوب الاستيطانية مشكلة ديموجرافية دائمة إذ أن السكان الأصليين يأخذون في التكاثر. ولذا لابد أن يضمن الجيب الاستيطاني تدفُّق الهجرة من الغرب. وتُستصدَر التشريعات المختلفة لهذا الهدف (كما أسلفنا) وتُعدُّ الهجرة قضية أمنية عسكرية.

14 ـ لابد أن تساند نظرية الحقوق هذه ومحاولة ترجمتها إلى بنية اجتماعية وسياسية قدراً كبيراً من العنف الفكري والإرهاب الفعلي والقمع المستمر بهدف إبادة السكان أو طردهم أو استرقاقهم. وآليات الإرهاب تبدأ من عمليات المذابح المباشرة (دير ياسين وشاربفيل) والطرد الجماعي والعقاب الجماعي ووضع السكان في معازل جماعية (البانتوستان في جنوب أفريقيا ـ المناطق العسكرية من الضفة في فلسطين المحتلة)، وفرض شبكة أمنية ضخمة وشبكة مواصلات ومجموعة من القوانين (مثل ضرورة استصدار تصريح من السلطات) بهدف تقييد حرية انتقال السكان الأصليين من مكان لآخر وتقليل الاحتكاك بين السكان الأصليين والمستوطنين.

15 ـ رغم كل عمليات القمع هذه يظهر ما يمكن تسميته «شرعية الوجود»، أي إحساس المستوطنين الوافدين أن السكان الأصليين لا يزالون هناك يطالبون بحقوقهم ويحاربون من أجلها، وتأكيد هذا الوجود يعني في واقع الأمر غياب/اختفاء المستوطنين. ولذا يصر المستوطنون على أن وجودهم مهدد دائماً. ولذا فهدف الأمن القومي في النظم الاستيطانية هو البقاء (وأهم مقومات البقاء القوة العسكرية وتدفُّق المادة البشرية بشكل دائم).

وهذا التوافق والإدراك المتبادل لوحدة المصير أدَّى إلى خلق درجة كبيرة من الاعتماد المتبادل بين الدولتين في عدة مجالات. ففي المجال التجاري كانت العلاقات بين الجيبين الاستيطانيين من القوة بحيث نجد أن جنوب أفريقيا ـ قبل زوال النظام العنصري ـ كانت شريكة إسرائيل الأولى في التجارة. ولم يكن التعاون العسكري بين الدولتين أقل قوة، فقد أرسلت الدولة الصهيونية متطوعين إسرائيليين ليحاربوا جنباً إلى جنب مع قوات جنوب أفريقيا في حربها ضد قوى التحرر الوطني. وشاركت جنوب أفريقيا بدورها في إمداد إسرائيل بالسلاح في حرب إسرائيل ضد العرب. ويُعدُّ التعاون في مجال صناعة الأسلحة من أهم أشكال التعاون، وكانت الدولتان تحاولان تنسيق جهودهما لتحقيق الاستقلال في مجـال إنتاج المعـدات العسـكرية وفي مجـال السلاح النووي.

ومع بداية التسعينيات تمت تصفية كل الجيوب الاستيطانية في أنحاء العالم. ولم يتبق غير إسرائيل وجنوب أفريقيا: الأولى تقبع على بوابة أفريقيا (تفصل بينها وبين آسيا)، والثانية تقبع في أطرافها. فكأنهما كانا يُشكلان ما يشبه الكماشة التي تطبق على أفريقيا. وبزوال الجيب الاستيطاني في جنوب أفريقيا، لم يبق سوى إسرائيل، الحفرية الأخيرة في نظام قضي وانتهى.


الباب الثانى: إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني



إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني
Depopulation as a Structural Trait of Zionist Settler Colonialism
كلمة «إحلال» من فعل «أحلَّ»، والاستعمار الاستيطاني الإحلالي يُطلَق على هذا النوع من الاستعمار حين يقوم العنصر السكاني الوافد (عادةً الأبيض) بالتخلص من السكان الأصليين إما عن طريق الطرد أو عن طريق الإبادة حتى يُفرغ الأرض منهم ويحل هو محلهم. وفي أمريكا اللاتينية، كان هدف الاستعمار الاستيطاني هو استغلال كلٍّ من الأرض وسكانها عن طريق إنشاء المزارع الكبيرة التي يقوم السكان الأصليون بزراعتها لتحقيق فائض القيمة من خلالهم، ولذا لم يُطرَد السكان الأصليون. أما في الولايات المتحدة، فقد كان المستوطنون البيوريتان يبغون الحصول على الأرض فقط لإنشاء مجتمع جديد، فكان طرد أو إبادة السكان الأصليين وإحلال عنصر جديد محل العنصر القديم أمراً لا مفر منه. وكانت جنوب أفريقيا، حتى عهد قريب، من هذا النوع الإحلالي، فنجد أن المستوطنين البيض استولوا على خير أراضيها وطردوا السكان الأصليين منها. ولكن، بمرور الزمن، طرأت تغيرات بنيوية على الدولة الاستيطانية في جنوب أفريقيا، وأصبح تحقيق فائض القيمة واستغلال السكان الأصليين أحد الأهداف السياسية. ولذا، كان يوجد في جنوب أفريقيا استعمار استيطاني يقوم بتجميع السود في أماكن عمل ومدن مستقلة (بانتوستان) تقع خارج حدود المناطق والمدن البيضاء، ولكنها تقع بالقرب منها حتى يتسنى للعمال السود الهجرة اليومية داخل المناطق البيضاء للعمل فيها.

والأمر بالنسبة لإسرائيل لا يختلف كثيراً عنه في جنوب أفريقيا إذ أن الهدف من الصهيونية هو إنشاء دولة وظيفية قتالية تستوعب الفائض البشري اليهودي وتقوم بحماية المصالح الغربية. وحتى تحتفظ هذه الدولة بكفاءتها القتالية، لابد أن تظل هذه الدولة بمعزل عن الجماهير (العربية) التي ستحارب ضدها، ولذا كان طرد العرب من نطاق الدولة الصهيونية ضرورياً حتى تظل يهودية خالصة، فكأن يهودية الدولة مرتبطة بوظيفتها القتالية ووظيفتها مرتبطة بإحلاليتها.

وقد كان جابوتنسكي مدركاً لشيء من هذا القبيل حين بيَّن أن الدولة الصهيونية المحاطة بالعرب من كل جانب، ستسعى دائماً إلى الاعتماد على "إمبراطورية قوية غير عربية غير إسلامية". وقد اعتبر جابوتنسكي هذه الانعزالية "أساساً إلهياً لإقامة تحالف دائم بين إنجلترا وفلسطين اليهودية (واليهودية فقط)". (يرى أعضاء الجماعات الوظيفية أن عزلتهم علامة من علامات الاختيار الإلهي ومن علامات تميُّزهم على العالمين)، وإصرار جابوتنسكي على صفة اليهودية هو إصرار على العزلة، فالعزلة هي أساس الكفاءة الوظيفية. ففلسطين عربية ستدور في الفلك العربي (على حد قوله)، بل وستهدد المصالح الغربية (على حد قول نوردو)، ذلك لأن العرب عنصر مشكوك في ولائه. أما فلسطين اليهودية (الوظيفية) ذات التوجه الحضاري الغربي فستكون حليفاً موثوقاً به وسيشكل سكانها عنصراً موالياً للغرب بشكل دائم، فهو بسبب عزلته لا ينتمي للمنطقة (على حد قول جابوتنسكي ونوردو ووايزمان).

وقد قام الصهاينة بتهويد دوافع طرد العرب بطرق مختلفة. وتذهب العقيدة الصهيونية إلى أنها تهدف إلى توطين اليهود في دولة يهودية خالصة (ومن ثم طرد العرب) لأيِّ سبب من الأسباب الآتية:
1 - أن تصبح الدولة مركزاً ثقافياً ليهود العالم.
2 - أن يحقق اليهود حلمهم الأزلي بالعودة لوطنهم الأصلي.
3 - أن يتم تطبيع الشخصية اليهودية حتى يصبح اليهود أمة مثل كل الأمم (ومن هنا المفاهيم العمالية المختلفة عن اقتحام العمل والحراسة والزراعة والإنتاج).
4 - أن يؤسس اليهود دولة يمارسون من خلالها سيادتهم ومشاركتهم في صنع القرار والتاريخ.

وعلى كل صهيوني أن يختار الديباجات التي تلائمه. ولكن، مهما كانت الدوافع، فإن الأمر المهم هو أن تكون الدولة المُزمَع إنشاؤها دولة يهودية خالصة ليس فيها عنصر غير يهودي بحيث أصبح حضور الدولة يعني غياب العرب (ومن ثم أصبح حضور العرب يؤدي إلى غياب الدولة)، ومن هنا طرح كل من الاستعماريين غير اليهود والصهاينة اليهود شعار «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض». ولكن مثل هذه الأرض لا توجد إلا على سطح القمر (على حد قول حنه أرنت). ولذا، كان يتحتم على الاستعمار الصهيوني أن يستولي على قطعة أرض ثم يفرغها من سكانها عن طريق العنف. ولذا فطرد الفلسطينيين من أراضيهم جزء عضوي من الرؤية الاستيطانية الصهيونية، ولا تزال هذه هي السمة الأساسية للاستعمار الصهيوني في فلسطين، فهو استعمار استيطاني إحلالي، وإحلاليته إحدى مصادر خصوصيته بل تفرُّده، وهي في الواقع مصدر صهيونيته ويهوديته المزعومة.

وإخلاء فلسطين من كل سكانها أو معظمهم (على أقل تقدير) هو أحد ثوابت الفكر الصهيوني، وهو أمر منطقي ومفهوم إذ لو تم الاستيلاء على الأرض مع بقاء سكانها عليها لأصبح من المستحيل تأسيس الدولة اليهودية، ولتم تأسيس دولة تمثل سكانها بغض النظر عن انتمائهم الديني أو الإثني وتكتسب هويتها الإثنية الأساسية من الانتماء الإثني لأغلبية سكانها. ومثل هذه الدولة الأخيرة لا تُعَدُّ تحقيقاً للحلم الصهيوني الذي يطمح إلى تأسيس الدولة/الجيتو. ومن هنا، كان اختفاء العرب ضرورياً. والعنصرية الصهيونية ليست مسألة عَرَضية، ولا قضية انحلال خلقي أو طغيان فرد أو مجموعة من الأفراد. وإنما هي خاصية بنيوية لأنه (لكي يتحقق الحلم الصهيوني) لابد أن يختفي السكان الأصليون، ولو لم يختـفوا لما تحقق الحلم. ولهـذا، نجد أن الصهـاينة (كل الصهاينة، بغض النظر عن انتمائهم الديني أو السياسي، وبغض النظر عن القيم الأخلاقية التي يؤمنون بها) يسهمون في البنية العنصرية وينمونها. فالمستوطن اليهودي الذي يصل إلى فلسطين سوف يسهم - حتى لو كان حاملاً مشعل الحرية والإخاء والمساواة وملوِّحاً بأكثر الألوية الثورية حُمرة - في اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وفي تشويه علاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والحضارية، ويعمل (شاء أم أبى) على تقوية مجتمع استيطاني مبني على الاغتصاب. وهذه مشكلة أخلاقية حقيقية تواجه الإسرائيليين الذين يرفضون الصهيونية، والمولودون على أرض فلسطين المحتلة. ويؤكد كل هذا التوجه إسرائيل زانجويل إذ يقول: "إن أردنا أن نعطي بلداً لشعب بلا أرض، فمن الحماقة أن نسمح بأن يصبح في هذا الوطن شعب".

وقد كان بن جوريون مدركاً تماماً للفرق بين الاستعمار الاستيطاني والاستعمار الإحلالي. وفي إطار إدراكه هذا، اقترح على ديجول أن يتبنَّى الشـكل الإحلالي من الاسـتعمار الاسـتيطاني حلاًّ للمشكلة الجزائرية، فتقوم فرنسا بإخلاء المنطقة الساحلية من الجزائر من سكانها العرب، ليُوطَّن فيها الأوربيون وحدهم أو يقيموا فيها المستوطنات، ثم تُعلَن دولة مستقلة لسكانها حق تقرير المصير (وكان رد ديجـول يتسـم بالذكاء التاريخي إذ قال: "أتريدني أن أخلق إسرائيل أخرى؟"). وقد أشار كارل كاوتسكي إشارة عابرة لتلك السمة المميِّزة والأساسية للاستعمار الاستيطاني الصهيوني في كلاسيكيته هل يُشكِّل اليهود جنساً؟ كما تَكهَّن بأن يعاني المستوطنون اليهود الكثير خلال النضال العربي من أجل الاستقلال، "ذلك لأن الاستعمار اليهودي لفلسطين يدل على أنهم ينوون البقاء فيها، وعلى أنهم لا ينوون عدم استغلال السكان الأصليين فحسب بل طردهم نهائياً".

وثمة عناصر خاصة بالاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني تضمن استمرار آليات الاحتكاك والتوتر بينه وبين السكان الأصليين وسكان المنطقة ككل. فمعظم التجارب الإحلالية الأخرى حلت مشكلتها السكانية (أي وجود سكان أصليين) بعدة طرق: التهجير أو الإبادة أو التزاوج مع عناصر السكان الأصليين، أو بمركب من هذه العناصر. ولكن التجربة الاستيطانية الصهيونية تختلف عن معظم التجارب الإحلالية الأخرى فيما يلي:

1 - أنها بدأت في أواخر القرن التاسع عشر، أي في تاريخ متأخر نوعاً عن التجارب الأخرى.

2 - أنها لم تتم في المناطق النائية عن العالم القديم (الأمريكتين وأستراليا ونيوزيلندا) وإنما تمت في وسط المشرق العربي، في منطقة تضم كثافة بشرية لها امتداد تاريخي طويل وتقاليد حضارية راسخة وامتداد بشري وحضاري يقع خارج حدود فلسطين.

ولكل هذا، فإن حل التهجير صعب إلى حدٍّ ما، كما أن حل الإبادة يكاد يكون مستحيلاً. والتزاوج أمر غير مطروح أصلاً، وهو ما يجعل المسألة الفلسطينية (السكانية والتاريخية) مستعصية على الحل الاستعماري التقليدي الذي مورس في مناطق أخرى في مراحل تاريخية سابقة، ولذا فإن من المتوقع استمرار التوتر والعزلة والشراسة.

والتعرف على الجذور الحضارية للاستعمار الاستيطاني الإحلالي له أهميته، إذ يبدو أن النوع الاستيطاني (غير الإحلالي) في الجزائر وأنجولا قد نشأ في الدول الكاثوليكية بينما تعود جذور النوع الإحلالي في جنوب أفريقيا والولايات المتحدة إلى الدول البروتستانتية ذات النزوع الحلولي. فالحلولية الكمونية تؤدي إلى حلول المطلق في النسبي وكمونه فيه بل توحُّده به، ولذا يتوحد الدال والمدلول وتُسد كل الثغرات، وهو ما يؤدي إلى انتشار التفسيرات الحرفية للعهد القديم والتي تخلق حالة عقلية تُسهِّل عملية نقل السكان وتجعلها أمراً طبيعياً، فالأوامر المقدَّسة الحرفية بتدمير الكنعانيين قد جاءت من عل ولا يمكن تفسيرها إلا بشكل حرفيّ. كما أن معظم اعتذاريات الاستعمار الاستيطاني والاستعمار الاستيطاني الإحلالي مُستمَدة من العهد القديم. والكنيسة القومية هي عادةً كنيسة حلولية، إذ أنها موضع الحلول وكل عضو فيها وكل مؤمن بعقيدتها هو عضو في جماعة مقدَّسة - جماعة من الأنبياء أو أشباه الأنبياء. وهي، لهذا السبب، كنيسة مقتصرة على مجموعة بشرية يجمعها انتماء إثني أو عرْقي واحد (كما هو الحال مع الكنيسة الهولندية الإصلاحية في جنوب أفريقيا التي لا تسمح للسود بالانضمام إليها). مثل هذه الكنيسة تضفي قدراً من القداسة على الأفعال التي يأتيها أعضاؤها، وتقدم التبريرات الدينية التي تكون عادةً ذات طابع إنجيلي مقدَّس. فتسوغ عمليات الطرد باعتبار أن الآخر يقع خارج نطاق القداسة. أما الكنيسة الكاثوليكية، فقد حاصرت الحلول الإلهي، وهي تؤمن بالتفسيرات الرمزية والروحية بحيث تفسر أوامر الطرد والإبادة تفسيراً رمزياً، الأمر الذي يخلق مجالاً للحوار مع النص المقدَّس. وهي أيضاً كنيسة عالمية، أي كنيسة تفتح أبوابها لأي إنسان، فهي تمنح المؤمن (سواء كان من المستوطنين أو كان من السكان الأصليين) حقوقاً معينة بغض النظر عن انتمائه القومي أو العنصري، وهو ما يجعل تبنِّي المستوطنين الذين يتبعون الكنيسة العالمية الرؤية الحلولية للكون والنمط الإحلالي من الاستعمار أمراً صعباً.

وكان هرتزل يدرك تماماً الاعتراض الكاثوليكي على مشروعه، ولكنه كان يعتقد أن هذا الموقف قد نَجَم عن المنافسة المستعرة بين كنيستين أو ديانتين عالميتين (اليهودية والكاثوليكية) تتنازعان القدس (باعتبارها قاعدة أرشميدس)، وهو تفسير ينم عن عدم الفهم وعن عدم إدراك لطبيعة اليهودية. ومهما يكن الأمر، فيبدو أن هناك نوعاً من العلاقة الأساسية التي تستحق المزيد من الدراسة بين الشكل المحدد الذي تتخذه مختلف الجيوب الاستيطانية، وبين جذورها الحضارية. ولعل أطروحة فيبر، بشأن علاقة الرأسمالية بالبروتستانتية، قد تساعد بعض الشيء في هذا المضمار، شريطة أن يضع الدارس في الاعتبار الأطروحات الخاصة بالحلولية والإحلالية والعلاقة بينهما.

ومهما كان الأمر، فإن إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني صفة بنيوية لصيقة به، ويشهد الواقع التاريخي بذلك. ففي عام 1948 (أي قبل إعلان الدولة)، بلغ عدد اليهود في الأراضي المحتلة 649.633 يهودياً. ولو جمعنا هذا العدد في عائلات تتألف الواحدة منها من خمسة أشخاص لحصلنا على رقم 129.927 عائلة على حين كانت أملاك اليهود المشتراه حتى 1948 لا تتسع إلا إلى 35.521 عائلة يهودية - أي أن هناك 97.406 عائلة فائضة عن القدرة الاستيعابية التي يفترض وجودها في الأملاك. ولهذا، فإن استقلال إسرائيل كان يعني طرد العرب.

وترى وثيقة أصدرها مكتب الإحصاء المركزي في إسرائيل أن عدد اللاجئين بعد حرب 1948 هو 577.000 لاجئ، وتخالفها وثيقة وزارة الخارجية البريطانية التي صدرت بهذا الصدد وقد حسبتهم بما يقارب 711.000 لاجئ عربي. ويشير تقرير المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (أوثروا) في شهر يوليه 1993 إلى مليون و199 ألف لاجئ (1960) زاد عددهم إلى مليون و425 ألف لاجئ عام 1970 ثم إلى مليون 844 ألف عام 1980 وإلى مليونين و423 ألف لاجئ عام 1990، ليصل العدد عام 1994 إلى مليونين و908 ألف لاجئين.
وقد واصلت إسرائيل الإبعاد في الفترة من 1967 وحتى عملية إبعاد "مرج الزهور" وقد بلغ عدد المُبعدين 1.120.889 لاجئاً عام 1994.

هؤلاء المبعدون حل محلهم مستوطنون بطبيعة الحال بلغ عددهم في الفترة من 1948 - 1966 (1.199.739) مهاجراً، وفي الفترة 1967 - 1970 (109.425) مهاجراً، وفي الفترة 1971 - 1985 (403.706). وقد استمرت الهجرة الصهيونية الاستيطانية الإحلالية مع ضغط الرئيس الأمريكي ريجان على نظيره السوفيتي جورباتشوف لتهجير يهود سوفييت. وقد تصاعدت معدلات الهجرة الاستيطانية الإحلالية بعد عام 1948 واستمرت عمليات طرد السكان الأصليين. وفيما يلي جدول يبيِّن الميزان السكاني في فلسطين المحتلة قبل وبعد إعلان الدولة الاستيطانية الإحلالية:

تطور عدد سكان إسرائيل ، اليهود والعرب ، ونسبة العرب من مجموع السكان
بين 8/11/1948 ونهاية 1993
)الأعداد بالآلاف(

السنة / العدد الإجمالي / يهود / عرب / نسبة العرب من مجموع السكان

8-11-1948 / 872.7 / 716.7 / 156.0 / 17.9

نهاية 1948 /---- / 758.7 / ---- / -----

نهاية 1949 / 1.173.9 / 1.013.9 / 160.0 / 13.6

نهاية 1950 /1.370.1 / 1.203.0 / 167.1 /12.2

نهاية 1951 /1.577.8 / 1.404.4 / 173.4 / 11.0

نهاية 1952 / 1.629.5 / 1.450.2 / 179.3 / 11.0

نهاية 1953 / 1.669.4 / 1.483.6 / 185.8 / 11.2

نهاية 1954 / 1.717.8 / 1.526.0 / 191.8 / 11.2

نهاية 1955 / 1.789.1 / 1.590.5 / 198.6 / 11.1

نهاية 1956 / 1.872.4 / 1.667.5 / 204.9 / 10.9

نهاية 1957 / 1.976.0 / 1.762.8 / 213.1 / 10.8

نهاية 1958 / 2.031.7 / 1.810.2 / 221.5 / 10.9

نهاية 1959 / 2.088.7 / 1.858.8 / 229.8 / 10.9

نهاية 1960 / 2.150.4 / 1.911.3 / 239.2 / 11.1

نهاية 1961 / 2.234.2 / 1.981.7 / 252.5 / 11.3

نهاية 1962 / 2.331.8 / 2.068.9 / 262.9 / 11.3

نهاية 1963 / 2.430.1 / 2.155.6 / 274.6 / 11.3

نهاية 1964 / 2.525.6 / 2.239.2 / 286.4 / 11.3

نهاية 1965 / 2.598.4 / 2.299.1 / 299.3 / 11.5

نهاية 1966 / 2.657.4 / 2.344.9 / 312.5 /11.8

نهاية 1967 / 2.776.3 / 2.383.6 / 392.7 / 14.1

نهاية 1968 / 2.841.1 /2.432.8 / 406.3 / 14.3

نهاية 1969 / 2.929.5 / 422.6 / 422.6 / 14.4

نهاية 1970 / 3.022.1 / 2.582.0 / 440.0 / 14.6

نهاية 1971 / 3.120.7 / 2.662.0 / 485.6 / 14.7

نهاية 1972 / 3.225.0 / 2.752.7 / 472.3 / 14.6

نهاية 1973 / 3.338.2 /2.845.0 / 493.2 / 14.8

نهاية 1974 / 3.421.6 / 2.906.9 / 514.7 / 15.0

نهاية 1975 / 3.493.2 / 2.959.4 / 533.8 / 15.3

نهاية 1976 / 3.575.4 / 3.020.4 / 555.0 / 15.5

نهاية 1977 / 3.653.2 / 3.077.3 / 575.9 / 15.8

نهاية 1978 / 3.737.6 / 3.141.2 / 596.4 / 16.0

نهاية 1979 / 3.836.2 / 3.218.4 / 617.8 / 16.1

نهاية 1980 / 3.921.7 / 3.282.7 / 639.0 / 16.3

نهاية 1981 / 3.977.7 / 3.320.3 / 657.4 / 16.5

نهاية 1982 / 4.063.6 / 3.373.2 / 690.4 / 17.0

نهاية 1983 / 4.118.6 / 3.412.5 / 706.1 / 17.1

نهاية 1984 / 4.199.7 / 3.471.7 / 727.9 / 17.3

نهاية 1985 / 4.226.2 / 3.517.2 / 749.0 / 17.6

نهاية 1986 / 4.331.3 / 3.561.4 / 769.9 / 17.8

نهاية 1987 / 4.406.5 / 3.612.9 / 793.6 / 18.0

نهاية 1988 / 4.876.8 / 3.659.0 / 817.7 / 18.3

نهاية 1989 / 4.559.6 / 3.717.1 / 842.5 / 18.5

نهاية 1990 / 4.821.7 / 3.946.7 / 875.0 / 18.1

نهاية 1991 / 5.058.8 / 4.144.6 / 914.3 / 18.1

نهاية 1992 / 5.195.9 / 4.242.5 / 953.4 / 18.3

نهاية 1993 / 5.327.6 / 4.335.2 / 992.5 / 18.6


ويُعدُّ قانون العودة التعبير القانوني الواضح عن طبيعة الاستعمار الاستيطاني الإحلالي. ويبدو أن الاستعمار الصهيوني بدأ يفقد شيئاً من طبيعته الإحلالية بعد عام 1967، ويكتسب بدلاً من ذلك شكلاً مماثلاً للاستعمار الاستيطاني في جنوب أفريقيا القائم على التفرقة اللونية والذي يقوم على استغلال الأرض والسكان معاً. ولكن، تجـب الإشـارة إلى أن ثمة رفضـاً عمـيقاً لهذا التحول بين بعض الصهاينة، لأنه يعني أن الدولة اليهودية ستفقد هويتها الخالصة. ولم تحل اتفاقية أوسلو أياً من الإشكاليات الأساسية للاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني.

حتميـــة طـــرد الفلســـطينيين ونقلـــهم (ترانســـفير(
Inevitability of the Zionist Tranfer of the Palestinians
يهدف المخطَّط الصهيوني (شأنه شأن أي مشروع استيطاني إحلالي) إلى طَرْد وترحيل السكان الأصليين الذين يشغلون الأرض التي سيُقام فيها التجمُّع الصهيوني. وهذا أمر حتمي حتى يتسنى إقامة دولة يهودية خالصة لا تشوبها أية شوائب عرْقية أو حضارية أخرى. ولذا طُرح شعار "أرض بلا شعب". وهو ما يجعل طرد الفلسطينيين أمراً حتمياً نابعاً من منطلق الصهيونية الداخلي.

وقد كتب هرتزل في يومياته عن الطرق والوسائل المختلفة لنزع ملكية الفقراء، ونقلهم، واستخدام السكان الأصليين في نقل الثعابين وما شابه ذلك، ثم إعطائهم وظائف في دول أخرى يقيمون فيها بصفة مؤقتة. وحينما كتب هرتزل لتشامبرلين عن قبرص، بوصفها موقعاً ممكناً آخر للاستيطان الصهيوني، لم يتردد في أن يرسم له الخطوط العريضة لطريقة إخلائها من السكان "سيُرحَّل المسلمون، أما اليونانيون فسيبيعون أرضهم بكل سرور نظير ثمن مرتفع ثم يهاجرون إما إلى اليونان أو إلى كريت".

كما نجد أن إسرائيل زانجويل، المفكر الصهيوني البريطاني، يؤكد في كتاباته الأولى ضرورة طرد العرب وترحيلهم، فيقول: "يجب ألا يُسمَح للعرب أن يحولوا دون تحقيق المشروع الصهيوني ولذا لابد من إقناعهم بالهجرة الجماعية... أليست لهم بلاد العرب كلها... ليس ثمة من سبب خاص يحمل العرب على التشبث بهذه الكيلو مترات القليلة... فهم بـدو رُحل يطوون خيامهم ويَنْسَـلون في صمت وينتقلون من مكان لآخر".

وذكر جوزيف وايتز، مسئول الاستيطان في الوكالة اليهودية، في عدد 29 سبتمبر 1967 من جريدة دافار، أنه، هو وغيره من الزعماء الصهاينة، قد توصلوا إلى نتيجة مفادها أنه "لا يوجد مكان لكلا الشعبين (العربي واليهودي) في هذا البلد" وأن تحقيق الأهداف الصهيونية يتطلب تفريغ فلسطين، أو جزء منها، من سكانها، وأنه ينبغي لذلك نَقْل العرب، كل العرب، إلى الدول المجاورة. وبعد إتمام عملية نَقْل السكان هذه سـتتمكن فلسـطين من استيعاب الملايين من اليـهود.

وكان جابوتنسكي بطبيعة الحال من مؤيدي هذا المخطَّط، فأعد حيلة جديرة بعقله الصهيوني الصغير، إذ اقترح أن تعلن المنظمة الصهيونية العالمية معارضتها نزوح العرب عن فلسطين، وبذا تهدئ مخاوف العرب بشأن مخطَّط نَقْل السكان الأصليين، بل سيظن هؤلاء السكان، السذج، أن الصهاينة يريدون منهم البقاء حتى يتسنى لهم استغلالهم، ولذا فإنهم سيحملون متاعهم ويرحلون. وهذه الخطة، أو الحيلة تتسم بالغباء أكثر مما تتسم بالخبث، فقد أثبت الفلاحون العرب أنهم أقل جهـلاً مما كان يتصـور الزعيم الصهيوني، وأكثر ارتياباً مما تَعشَّم.
ويمكن القول بأن جابوتنسكي "متطرف"، ولكن سنجد أن وايزمان كان من المطالبين بهذا، وقد نشرت مجلة الجويش كرونيكل، في 13 أغسطس 1937، وثيقة، وقعها وايزمان بالحروف الأولى من اسمه، تدل على أن الزعيم الصهيوني كان يرى أن نجاح مشروع التقسيم يتوقف على مدى إخلاص الحكومة البريطانية للتوصية الخاصة بنقل السكان. ولا يختلف آرثر روبين مدير دائرة الاستيطان الصهيوني كثيراً عن ذلك. فقد اقترح منذ مايو 1911 "ترحيلاً محدوداً" للفلاحين العرب الذين سيُجرَّدون من أمـلاكهم إلى منطقتي حلب وحمص في شـمال سوريا. كان تجريد المزارعين العرب وإجلاؤهم عن أراضيهم، كما كتب روبين بعد تسعة عشر عاماً، أمراً لا مفر منه، لأن "الأرض هي الشرط الحيوي لاستيطاننا فلسطين. لكن لما لم يكن ثمة أرض قابلة للزراعة إلا وهي مزروعة من قبل، فقد نجد أننا حيثما نشتري أرضاً ونسكنها لابد لزرَّاعها الحاليين من أن يُطرَدوا منها...".

ولم تكن خطة نقل المواطنين اليهود مقصورة على أولئك الذين استوطنوا الأرض من أجل أغراض رأسمالية دنيئة، أو لأسباب قومية عادية، بل كانت أيضاً خطة تبناها أولئك الذين استوطنوا فلسطين لكي يقيموا فيها مجتمعاً مثالياً قوامه المساواة. وقد أبدى بوروخوف، أبو اليسار الصهيوني، وعياً ملحوظاً بحقيقة أن الحل الصهيوني، الذي يتلخص في نقل اليهود وتوطينهم في أرض خاصة بهم، لا يمكن أن يتم "بدون نضال مرير وبدون قسوة وظلم وبدون معاناة البريء والمذنب على السواء". وفي تحديد إطار تَصوُّره لمستقبل المواطنين، قال إن المهاجرين اليهود سيقومون ببناء فلسطين، وأن السكان الأصليين سيتم استيعابهم، في الوقت المناسب، من جانب اليهود من الناحيتين الاقتصادية والثقافية على السواء. "إن تاريخ الاستيطان الصهيوني سيُكتَب بالعرَق والدموع والدم".

وقد وصف الكاتب الإسرائيلي موشي سميلانسكي ما تصوَّره اجتماعاً للرواد الصهاينة الاشتراكيين، في عام 1891، حيث تم توجيه بعض الأسئلة الخاصة بالعرب:

ـ "إن الأرض في يهودا والخليل يحتلها العرب".

ـ "حسناً سنأخذها منهم".

ـ "كيف؟" (صمت).

ـ "إن الثوري لا يوجه أسئلة ساذجة ".

ـ "حسناً، إذن، أيها الثوري، قل لنا كيف؟".

وجاءت الإجابة في شكل عبـارات واضحة لا لبـس فيها ولا إبهام: "إن الأمر بسيط جداً. سنزعجهم بغارات متكررة حتى يرحلوا.. دعهم يذهبوا إلى ما وراء الأردن". وعندما حاول صوت قَلق أن يعرف ما إذا كانت هذه ستكون النهاية أم لا، جاءت الإجابة، مرة أخرى، محددة وقاطعة: "حالما يصبح لنا مُستوطَنة كبيرة هنا، سنستولي على الأرض وسنصبح أقوياء وعندئذ سنولي الضفة الشرقية اهتمامنا وسنطردهم من هناك أيضاً، دعهم يعودوا إلى الدول العربية".

ثمة رؤية إحلالية صهيونية واضحة لها منطقها الواضح الحتمي، تحوَّلت إلى خطة لحل مشكلة الصهاينة الديموجرافية (التي تشبه مشكلة الإنسان الأبيض الديموجرافية في جميع الجيوب الاستيطانية) وهذه المشكلة عادةً ما يُطرَح حل نهائي جذري لحلها، وقد تتأرجح بين حد أقصى (الترانسفير الكامل أو الإبادة الجسدية الكاملة) أو حد أدنى، خلق أغلبية من العنصر السكاني الجديد. المتحرك هو الحدان الأعلى والأدنى، أما الثابت فهي رؤية الترحيل والإحلال. وبين سنتي 1937 و1948، صيغت وقُدِّمت عدة خطط ترحيل صهيونية، منها: خطة سوسكين للترحيل القسري (سنة 1937)، وخطة فايتس للترحيل (ديسمبر 1937)، وخطة بونيه (يوليه 1938)، وخطة روبين (يونيه 1938)، وخطة الجزيرة (1938ـ 1942)، وخطة إدوارد نورمان للترحيل إلى العراق (1934 ـ 1948)، وخطة بن جوريون (1943 ـ 1948)، وخطة يوسف شختمان للترحيل القسري (1948)، وأثناء الفترة نفسها أُلِّفت ثلاث لجان ترحيل، نيطت بها مهمة مناقشة وتصميم الطرق العملية لترويج خطط الترحيل: اللجنتان الأوليان ألفتهما الوكالة اليهودية (1937 ـ 1942)، أما اللجنة الثالثة فقد ألفتها الحكومة الإسرائيلية سنة 1948.

والثوابت واضحة والخطة ليست أقل وضوحاً، والآلية في مثل هذه التجارب الاستيطانية الإحلالية معروفة، فالبشر لا يتركون أرضهم هكذا، ولا يطوون خيامهم ويَنْسَـلون من الأرض ويختفـون، كما كان يتمـنى زانجويل، ولابد من استخدام القوة والعنف. ومع هذا لا تفتأ الدعاية الصهيونية تنفي عن نفسها تهمة العنف العسكري الموجه ضد العرب. بل إن بن جوريون بلغت به الجرأة أن يزعم أن كل مفكري الصهيونية العظماء لم يطرأ لهم على بال قط أن الحلم الصهيوني لا يمكن تحقُّقه إلا من خلال الانتصار العسكري على العرب. ولكن بن جوريون، بلا شك، قرأ رسالة هرتزل إلى البارون دي هرش، التي يحدثه فيها عن خطته لخلق البروليتاريا اليهودية المثقفة من قيادات وكوادر الجيش الصهيوني التي ستبحث وتكتشف ثم تستولي على الأرض، أي الوطن القومي. ولا شك في أنه سمع بخطاب زانجويل (في مانشستر في أبريل 1905) الذي قال للصهاينة فيه: "لابد أن نُعد أنفسنا لإخراج القبائل [العربية] بقوة السـيف كما فعل آباؤنا، أو أن نكابد مشـقة وجود سـكان أجانب كُثر، معظمهم من المحمديين" (أي المسلمين). ولابد أنه قرأ ما كتبه أهرون أهرونسون عن ضرورة "إخراج المزارعين العرب بالقوة". وبعد وفاة هرتزل، واصل صديقه نوردو الدفاع عن العنف العسكري، فاقترح تعبئة جيش ضخم، قوامه 600.000 يهودي للذهاب إلى فلسطين حتى يفرض نفسه، بوصفه أغلبية سكانية على الفلسطينيين. وقد كان الزعيم الصهيوني العمالي جوزيف ترومبلدور أكثر تواضعاً، إذ اقترح تكوين جيش قوامه 100.000 فحسب.

أما جابوتنسكي، الوريث الحقيقي لفكر هرتزل، فقد رسم خطة لخلق أغلبية يهودية فورية في فلسطين، وسماها «مشروع نوردو». وعندما حذر أحد الصهاينة الألمان من نشوب حرب شاملة مع العرب، سخر جابوتنسكي منه، ثم ضرب أمثلة استقاها من تاريخ الاستعمار الغربي في أفريقيا وآسيا: "إن التاريخ يعلمنا أن كل المستعمرين قوبلوا بقليل من التشجيع من جانب السكان الأصليين.. وقد يكون ذلك مدعاة للحزن. ونحن اليهود لن نشذ عن القاعدة". وفي خطابه أمام اللجنة الملكية لفلسطين، عام 1937، قال جابوتنسكي "إن أمة كأمتكم، عريقة في تجربتها الاستعمارية العملاقة، تعرف بكل تأكيد أن المشروع الاستعماري لم ينجح دون نزاعات مع السكان.. (ولذا يجب) السماح لليهود بإقامة حرس خـاص بهـم، مثل الأوربيين في كينيا". وبعـد عـام من ذلك التاريخ، وخلال اجتماع فرعة منظمة بيتار في بولندا ـ وهي منظمة عسكرية صهيونية ـ لعب مناحم بيجين، تلميذ جابوتنسكي المخلص، دوراً مؤثراً وفعالاً في تغيير يمين الولاء ليتضمن قسماً بالاستيلاء على الوطـن اليهودي بقوة السـلاح. وقد تولَّى بيجين زعامة المنظمة عام 1939.

ومن المعروف أنه مع بداية هذا القرن كان الشباب، من عمال صهيون الذين استوطنوا فلسطين يسيرون مسلحين بعصي كبيرة وبعضهم يسير حاملاً مدى ومسدسات. وفي عام 1907 تأسست منظمة عسكرية صهيونية سرية شعارها "لقد سقطت يهودا بالدم والنار وستنهض بالطريقة نفسها". وقد تحوَّل اسم هذه المنظمة عام 1909 إلى منظمة الهاجاناه. وقد أسقطت الهاجاناه وهي الذراع العسكري للوكالة اليهودية، وللمنظمة الصهيونية العالمية، الشعار الإرهابي آنف الذكر. ولكن الأرجون (أو هاجاناه بيت)، التي كان يترأسها مناحم بيجين، احتفظت به. وقد اتخذت الأرجون ـ رمزاً لها ـ يداً تمسك بندقية فوق خريطة فلسطين وشرق الأردن، أيضاً، نقشت تحته هذه الكلمات: "هكذا فقط"، وفي سنة 1948 اندمجت كل من الهاجاناه، والأرجون لتكوِّنا جيش الدفاع الإسرائيلي. ومن المستحيل أن يكون كل هذا قد فات على بن جوريون، وقد كان واحداً من أهم المخططين الأساسيين في مُخطَّط الاستيطان والتوسع الصهيوني.

وخلال السنوات الأولى للاستيطان الصهيوني تم تحصين المستوطنات التعاونية الزراعية بمعدات بدائية، تحوَّلت فيما بعد إلى التاكتيك المسمى «البرج والسور». وبعد عام 1948 أصبحت إسرائيل كلها "الدولة القلعة" أو "الجيتو المسلح". وقد تنبأ جابوتنسكي بهذا الوضع حينما قال إن "سوراً حديدياً من القوات المسلحة اليهودية سيقوم بالدفـاع عن عملية الاسـتيطان الصهيوني". وبعد إنشـاء الدولة الصهيونية، أصبح الحديث عن نقل (ترانسفير) العرب خافتاً ولكنه لم ينته قط، إذ لا تزال مشكلة إسرائيل السكانية قائمة، وخصوصاً أن المصادر البشرية للهجرة الاستيطانية آخذة في الجفاف.

طرد ونقل (ترانسفير) الفلسطينيين
Transfer of the Palestinians
إن إفراغ فلسطين من سكانها هو هدف صهيوني، وضرورة يحتمها منطق الأسطورة والعنف الإدراكي الصهيوني. ولكي يحقق الصهاينة مخططهم تبنوا تكتيكات مختلفة، فلم يكن العنف المسلح الوسيلة الوحيدة، وإنما استخدموا وسائل أخرى أيضاً. وقد اتهم عالم الاجتماع البولندي اليهودي، لودفيج جومبلوفيتش، هرتزل بالسذاجة السياسية، ثم طرح عليه سؤلاً بلاغياً: "هل تريد أن تؤسس دولة بدون عنف مسلح أو مكر؟ هكذا... بالتقسيط المريح؟". ومن المؤكد أن العنف المسلح والمكر هما الأداتان اللتان استخدمهما الصهاينة. ويتمثل المكر في نشر الذعر والإرهاب بين العرب، أما العنف فيتمثل في تعريضهم للإرهاب الفعلي. ويمكن القول بأن الإرهاب الصريح ضد الفلسطينيين قد استُخدم قبل 1948، ثم خلال فترة الحرب كلها، أما نشر الرعب بين السـكان، أي الحرب النفسـية، فقد تصـاعدت حدتها في المرحلة الأخـيرة. وليس لهذا التمييز بين العنف المسلح والمكر أية أهمية، إلا من الناحية التحليلية البحتة، حيث إن الأسلوبين متداخلان، بل إنهما، في الواقع، مجرد عنصرين في مخطط واحد متكامل. ففي حالة مذبحة دير ياسين، على سبيل المثال، حرص الصهاينة حرصاً شديداً على إطلاع جميع الفلسطينيين على الحادث، ليقوموا من خلاله بغرس الخوف والهلع في القلوب.

وكان أكثر أساليب الحرب النفسية شيوعاً هو أسلوب استخدام مكبرات الصوت والإذاعات لخلق جو من الذعر بين سكان قُضي على قياداتهم أثناء الثورات المتكررة السابقة، ولا سيما بعد قمع ثورة عام 1936 ضد الاحتلال البريطاني. وعلى سبيل المثال، فقد حذر راديو الهاجاناه العرب، يوم 19 فبراير عام 1948، من أن الزعماء العرب سيتجاهلون أمرهم. وفي الساعة السادسة من مساء يوم 10 مارس أذاع الراديو أن "الدول العربية تتآمر مع بريطانيا ضد الفلسطينيين". وفي الساعة السادسة من مساء يوم 14 مارس عام 1948 أذاع الراديو "إن سـكان يافا في حـالة ذعر كبيرة؛ إلى درجة أنهم ظلوا داخل منازلهـم". وأشار الكاتب اليهودي هاري ليفين في مذكراته إلى البيان، الذي كان قد سمعه يوم 15 مايو أثناء إذاعته من عربات مكبرات الصوت الصهيونية باللغة العربية، والذي كان يحث العرب على "مغادرة الحي قبل الساعة الخامسة والربع صباحاً"، ثم نصحهم بقوله: "ارحموا زوجاتكم وأطفالكم، واخرجوا من حمام الدم هذا... اخرجوا من طريق أريحا، الذي ما زال مفتوحاً. وإن مكثتم هنا، فإنكم بذلك ستجلبون على أنفسكم الكارثة"، وقد تجولت أيضاً مكبرات الصوت التابعة للهاجاناه في جميع أنحاء حيفا، تهدد الناس، وتحثهم على الفرار مع أسرهم (وذلك وفقاً لما جاء في كتاب المؤلف الصهيوني جون كيمشي الأعمدة السبعة المنهارة).

إن الإشارات المتكررة إلى الكوارث المُتوقَّعة والانهيار الوشيك هي من الموضوعات الأساسية التي ركزت عليها إذاعة الهاجاناه، ومكبرات الصوت التابعة لها، في المناطق الآهلة بالسكان العرب. وثمة موضوع آخر تكرر في الحرب النفسية التي شنها المستعمرون الاستيطانيون، هو خطر انتشار الأوبئة الوشيك. ففي الساعة السابعة والنصف مساء يوم 20 مارس 1948 بدأت الإذاعة الصهيونية في إذاعة بيان باللغة العربية جاء فيه: "هل تعلمون أنه يُعتبَر واجباً مقدَّساً عليكم أن تُطعِّموا أنفسكم على وجه السرعة ضد الكوليرا والتيفوس وما شابه ذلك من الأمراض، حيث إن من المتوقع انتشار مثل هذه الأمراض في شهري أبريل ومايو بين العرب في التجمعات الحضرية". وقد تم استخدام الموضوع نفسه يوم 18 فبراير عام 1948، عندما أكدت السـلطات الصهيونية، عن طريق الراديو، أن المتطوعين العرب "يحملون وباء الجدري"، وأضافت تقول، يوم 27 فبراير، إن "الأطباء الفلسطينيين قد أخذوا يفرون".

ويُقدِّم إيجال آلون، وزير الخارجية الإسرائيلية السابق، تقريراً في كتاب البالماخ عن مساهمته في تكتيكات الإرهاب: "جمعت جميع العمد اليهود، الذين لهم صلة بالعرب في مختلف القرى، وطلبت منهم أن يهمسوا في أُذن بعض العرب بأن قوة عسكرية يهودية كبيرة وصلت إلى منطقة الجليل، وأنها ستحرق سائر قرى منطقة الحولة. وينبغي عليهم أن يقترحوا على هؤلاء العرب، بصفتهم أصدقاء لهم، الهرب، حيث ما زال هناك وقت لتنفيذ ذلك". وشرح آلون كلامه بقوله: "وانتشرت الشائعة في جميع مناطق الحولة بأن الوقت قد حان للفرار، وبلغ عدد الهاربين آلافاً لا تُحصَى. وبذلك حقق التكتيك هدفه تماماً... وتم تنظيف المناطق الواسعة ". وكلمة «تنظيف» مناسبة جداً للتعبير عما يدور في ذهن الاستعماري الاستيطاني الإحلالي الذي لم يُردْ الأرض فحسب، وإنما أراد تفريغها من سكانها. (وهي الكلمة نفسها التي استخدمها الصرب في حديثهم عن إبادة أهل البوسنة من المسلمين).

هذا عن أساليب الحرب النفسية، أو أساليب المكر التي اتبعها الصهاينة، وهي، بلا شك أساليب كانت مبتكرة. ولكن الملاحظ الموضوعي لا يملك إلا أن يشهد بأن العقل الصهيوني بمقدرته اللامتناهية على الإبداع في مجال العنف المسلح أو الإرهاب، قد طوَّر وجدَّد في مجال العنف المباشر، أكثر من تجديده في مجال المكر والحرب النفسية.

ولعل من أهم الشخصيات في مجال العنف المسلح الصهيوني غير اليهودي أورد وينجيت. ويمكننا أن نذكر هنا مساهماته في تدعيم تقاليد الإرهاب الصهيوني وتطويرها بما يتفق مع خصوصية الموقف في فلسطين. وقد نجح وينجيت في الحصول على موافقة القيادة البريطانية على تشكيل الفرقة الليلية، التي كان الهدف منها هجومياً وليس دفاعياً. فبدلاً من انتظار الهجوم العربي، طالب وينجيت بأن يقوم المستوطنون بتشكيل وحدات متحركة ليقوموا بالبحث عن العدو في أرضه خلال ظلمة الليل. والافتراضات هنا غريبة بعض الشيء، إذ تفترض أن الفلاحين الفلسطينيين، داخل فلسطين نفسها، يمكن أن يكونوا في حالة "هجوم" في أي وقت من الأوقات. ففي تصوري أنهم طالما ظلوا في فلسطين، فهم في حالة دفاع مشروع عن النفس، ولكن إذا ما عدنا للتصورات الصهيونية والاسترجاعية فإننا سنجد أن الأغيار الذين يقطنون فلسطين هم معتدون، بالضرورة. وقد اعترض بعض أعضاء الهاجاناه على خطط وينجيت خشية أن يؤدي الموقف الهجومي المقترح إلى زيادة حدة توتر العلاقات بين المستوطنين الصهاينة وجيرانهم العرب. بيد أن وينجيت أصر على موقفه، وتم تشكيل الفرقة الليلية.

وكانت العمليات العسكرية تبدأ عادةً بأن يطلق وينجيت بعض العيارات النارية على إحدى القرى العربية، فيستفز العرب بذلك ويردون بوابل من الطلقات النارية. وحينما يتجمع العرب بحثاً عن المهاجمين، يتم حصارهم بسرعة. وفي إحدى الغارات قتل الصهاينة، تحت قيادة وينجيت، خمســة من تسـعة من العرب الذين ذهبـوا يبحثون عن المهاجمين، وأُسر الأربعة الآخرون. وقام وينجيت بتهنئة أعضاء فرقته في "هدوء وسكون"، ثم بدأ التحقيق مع العرب بشأن أسلحتهم المخبأة. وعندما رفض العرب الإدلاء بأية معلومات عنها، انحنى وينجيت وتناول حفنة من الرمال والزلط من الأرض وأرغم أول عربي على مضغها ودفع بها في حنجرته حتى كادت أن تخنقه "وتزهق روحه". ولكن العرب مع هذا لم يستسـلموا.

وهـنا انتهـج الصهيوني غير اليهودي أسـلوباً آخر، إذ التفت إلى أحد اليهود وأشار إلى العربي قائلاً: "أطلق الرصاص على هذا الرجل". فتردد اليهودي، في بادئ الأمر، ولكن وينجيت قال: في صوت يشوبه التوتر "ألم تسمع؟ أطلق الرصاص عليه". فقام المستوطن الصهيوني ـ ممتثلاً ـ بإطلاق الرصاص على العربي، واضطر المسجونون العرب الآخرون إلى أن يتكلموا في النهاية. وقد أشار الجنرال دايان في مذكراته إلى أن الكثير من الرجال الذين كانوا يعملون مع وينجيت "قد أصبحوا ضباطاً في الجيش الإسرائيلي، الذي حارب العرب وهزمهم". وأوضح دايان أن الذين استفادوا من معرفة وينجيت وتكتيكاته لم يكونوا مساعديه المباشرين فقط بل إن كل قائد في الجيش الإسرائيلي حتى اليوم هو تلميذ من تلاميذ وينجيت: "لقد أعطانا التكتيك الذي نسير عليه اليوم، وكان هو الإلهام الذي نستوحي منـه تكتيكـاتنا، لقد كان ـ بالنسبة لنا ـ الديناميكية التي تعطينا القوة".

استفادت قوات الغزو الصهيونية من فكر وينجيت الإرهابي العسكري قبل 1948وبعدها (فكرة الضربة المجهضة على سبيل المثال)، ولكن ما يهمنا هنا هو الغارات الليلية التي كانت تشنها الهاجاناه والبالماخ عام 1948. فقد أشار دايان إلى أن الهاجاناه والبالماخ كانتا تشنان هذا النوع من الغارات خلال عام 1948. وكما أشار المؤرخ اليهودي أرييه يتشاكي فإن التكتيكات كانت شديدة البساطة: "هجوم على قرية العدو، ثم تدمير أكبر عدد ممكن من المنازل". وكانت النتائج بسيطة بالمثل: "مصرع عدد كبير من المسنين والنساء والأطفال في أيِّ مكان تواجه فيه القوة التي تشن الهجوم أية مقاومة".

ولكن الهاجاناه أدخلت، على ما يبدو، بعض التحسينات المهمة على تكتيكاتها، ولا سيما في نهاية عهد الانتداب. ففي الهجوم على القرى العربية كان رجال الهاجاناه يضعون، أولاً، وبهدوء، شحنات متفجرة حول المنازل المبنية من الحجارة، ويبللون إطارات النوافذ والأبواب بالبنيزين. وبمجـرد أن يتم تنفيـذ هذه الخطوة، يفتحون نيرانهم، في الوقت الذي يبدأ انفجار الديناميت، فيحترق السكان النائمون حتى الموت.

وقد علق حاييم وايزمان على نتائج الإرهاب والمكر الصهيونيين قائلاً: إن خروج العرب بشكل جماعي كان تبسيطاً لمهمة إسرائيل ونجـاحاً مزدوجاً: انتصـار إقليمي، وحل ديموجرافي نهائي. إن الأرض، بعد تفريغها من سكانها، أصبحت بلا شعب حتى يأتي الشعب الذي لا أرض له.

قانـون العـودة: قانون صهيوني أساسي
Law of Return: A Zionist Basic Law
«قانون العودة» قانون صدر في إسرائيل عام 1950 يمنح أي يهودي في العالم حق الهجرة إلى فلسطين وأن يصبح مواطناً فور وصوله. ومن المعروف أن جميع أجنحة الصهيونية تعاونت في مرحلة ما قبل 1948 على إنجاز أهم عنصر مُتضمَّن في الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، أي التخلص من السكان الأصليين وتغييبهم. وثمة أدبيات ثرية في هذا الموضوع توثق النية الصهيونية المبيتة لطرد العرب، وتبيِّن الطرق المختلفة التي لجأت إليها قوات المستوطنين لطرد الفلسطينيين وتفريغ فلسطين من سكانها. ولكن المشروع الصهيوني لم يُحقِّق النجاح الكامل إذ بقيت أقلية من العرب (وهي آخذة في التزايد). وقد لجأت دولة المستوطنين إلى اتخاذ إجراءات قانونية للضرب على يد هذه الأقلية العربية وتكبيلها. ولم يكن ذلك أمراً عسيراً، إذ ورثت هذه الدولة، فيما ورثت، خاصية اليهودية باعتبارها خاصية رئيسية ومحورية تسم اليهود الذين تقوم على خدمتهم مجموعة من المؤسسات الاستيطانية المقصورة عليهم. وبصدور قـانون العـودة في يولــيه 1950، تحوَّلـت خاصية اليهودية هذه إلى مقولة قانونية تمنح صاحبها حقاً تنكره على غير اليهود.

وقد صدر هذا القانون عن الكنيست الأول عام 1950، وخضع لتعديل لاحق في أغسطس عام 1954، وهو ينطلق من الافتراض الصهيوني القائل بأن اليهود "شعب بلا أرض"، شعب عضوي نُفي قسراً من وطنه فلسطين منذ ألفي عام. ولكن هذا النفي لم يؤثر في أعضاء هذا الشـعب، فغالبيتهم ـ حسب التصوُّر الصهيوني ـ مرتبطون عضوياً ارتباطاً تاماً بوطنهم ويريدون "العودة" إليه لينهوا حالة الشتات وليحققوا وحدة الشعب اليهودي بأرضه اليهودية. ومن هنا تسمية القانون بـ «قانون العودة».

ويعني هذا الافتراض أيضاً أن فلسطين "أرض بلا شعب"، وأنه إن وُجد شعب فيها في عشرات القرون الماضية فهو وجود عرضي ومؤقت ولا يُضفي على أعضاء هذا الشعب أية حقوق ثابتة، إذ أن اليهود وحدهم لهم حقـوق عضوية مطلقـة في أرض فلسـطين، أو إرتـس يسرائيل، كما يُقال في الأدبيات الصهيونية والإسرائيلية واليهودية.

لكل هذا نص قانون العودة صراحةً على حق كل يهودي في الهجرة أو العودة إلى إسرائيل (بعد آلاف السنين "من الغياب المؤقت")، وأنكر بشكل ضمني هذا الحق على الفلسطينيين الذين هاجروا من أرضهم عام 1948 حتى يبـقى المجـال الحيوي لليهود وللدولة اليهودية. خالياً من العرب. ونص القانون على حق كل يهودي في الهجرة إلى إسرائيل ما لم يكن وزير الداخلية مقتنعاً بأن طالب الهجرة يمارس نشاطاً موجَّهاً ضد اليهود، أو يمكن أن يعرض الأمن والصحة العامة للخطر، أو أن له ماضياً إجرامياً. وتضمَّن مواد هذا القانون الفريد حق اليهودي، في حالة رفض هجرته لغير الأسباب السابقة، في اللجوء إلى المحكمة العليا الإسرائيلية لإجبار السلطات على السماح له بذلك حتى لو ظل مواطناً أجنبياً على أرض دولة أخرى. كما يمنح القانون الأشخاص الذين يدخلون إسرائيل بموجبه الجنسية وحقوق المواطنة على الفور.

وبموجب المادة الرابعة من قانون العودة، يُعتبَر كل يهودي هاجر إلى فلسطين (قبل سريان القانون) وكل يهودي مولود فيها (قبل سريانه أو بعده) شخصاً جاء إلى فلسطين بصفة "مهاجر عائد". ورغم أن هذا القانون قانون هجرة وليس قانون جنسية، فإن اعتماد جوهره في قانون الجنسية الإسرائيلية جعل منهما كلاًّ متكاملاً.

وقد أشار بن جوريون إلى طبيعة قانون العودة إبان عرضه على الكنيست، حيث ذكر أن هذا القانون لا يمنح اليهودي "الحق" في الهجرة إليها، فهذا الحق كامن في كل يهودي باعتباره يهودياً، وإنما يهدف القانون إلى تحديد طابع الدولة الصهيونية وهدفها الفريد، فهذه الدولة تختلف عن بقية دول العالم من حيث عناصر قيامها وأهدافها، وسلطتها محصورة في سكانها ولكن أبوابها مفتوحة لكل يهودي حيث وُجد. وأكد بن جوريون أن قانون العودة هو التعبير القانوني عن الرؤية الصهيونية (من هنا وصفنا لقانون العودة بـ «الصهيوني»).

وفي مارس عام 1970، أدخل الكنيست تعديلاً جديداً على القانون، عقب نشوب أزمة وزارية متكررة الحدوث حول تعريف اليهودي. وتَضمَّن التعديل أن اليهودي هو «المولود لأم يهودية أو المهتدي إلى الدين اليهودي والذي لا يدين بدين آخر». كما نص على أن تُمنَح الجنسية الإسرائيلية بصورة آلية لجميع أفراد الأسرة المهاجرة من غير اليهود.

وعُدِّل قانون العودة فيما بعد، ووفقاً لهذا التعديل لا تُشتَرط الإقامة في إسرائيل أو إتقان اللغة العبرية أو حتى التنازل عن الجنسية الأخرى، ويُكتفى للاستفادة بقانون العودة أن يعرب المهاجر على نيته في الاستقرار في إسرائيل.

وقد قارن كثير من الكُتَّاب اليهود والإسرائيليين بين قانون العودة والقوانين النازية. فعلى سبيل المثال، أعـرب الأستاذ الإسرائيلي د. كونفيتس ـ خلال النقاش الذي دار قبل الموافقة على قانون العودة ـ عن مخاوفه من احتمال مقارنة هذا القانون بالقوانين النازية، ما دام يُجسِّد مبدأ التمييز بين الأفراد على أساس ديني أو عرْقي.

وبعد صدور هذا القانون، حذَّرت جريدة جويش نيوزلتر، في عددها الصادر في 12 مايو 1952، من أن هذا القانون يعيد إلى الذاكرة النظرية العنصرية الخطيرة القائلة بأن الفرد الألماني يتمتع بمزايا جنسيته، بغض النظر عن المكان الذي يوجد فيه.

وفي مقارنة عقدها روفن جراس بين قانون العودة والقوانين النازية، بيَّن أن قانون العودة يمنح امتيازات الهجرة لأيِّ يهودي بموجب تعريف قـوانين نورمبرج: أي أن يكون جـده يهـودياً. ويؤكد حاييم كوهين، الذي كان قاضياً بالمحكمة العلـيا في إسـرائيل أن "من سخرية الأقدار المريرة أن تُستخدَم نفس الأطروحات البيولوجية والعنصرية التي روَّج لها النازيون والتي أوحت لهم بقوانين نورمبرج الشائنة، كأساس لتعريف الوضع اليهودي داخل دولة إسرائيل".

وهناك، على الأقل، حالة واحدة معروفة، قامت فيها السلطات الدينية في إسرائيل بالرجوع إلى السجلات النازية، للتأكد من الهوية العنصرية الدينية الإثنية لأحد المواطنين الإسرائيليين. ورغم أن قانون العودة هو الإطار القانوني للإحلالية والتوسعية والعنصرية الصهيونية، وهو مصدر الهوية اليهودية المزعومة للدولة الصهيونية (ومن ثم فهو أساس عزلتها وعدائها لجيرانها)، ورغم أن أعداد اليهود التي ترغب في "العودة" إلى إسرائيل آخذة في التناقص (ومن هنا الضغط على اليهود السوفييت للهجرة إلى إسرائيل)، فإن جميع اتفاقيات ومعاهدات السلام لم تتعرض له من قريب أو بعيد. بل طُلب من منظمة التحرير الفلسطينية أن تلغي بنوداً أساسية في ميثاقها، بينما لم يطلب أحد من إسرائيل أن تلغي قانون العودة.

ونحن نرى أن قانون العودة هو أهم تجسد للاستيطانية الإحلالية الصهيونية، أي أهم تجسد لجوهر الصهيونية. ولا يوجد حل إلا بمحو هذا الجوهر، أي نزع الصبغة الصهيونية عن الكيان الصهيوني. ويمكن أن يأخذ هذا المطلب المجرد شكلاً إجرائياً متعيناً من خلال إما إلغاء قانون العودة أو أنسنته بمعنى أن يطبق على كل من الفلسطينيين واليهود دون تمييز، وأن يكون المقياس الوحيد هو حاجة فلسطين المحتلة إلى كثافة بشرية ومقدرتها الاستيطانية.

الطرق الالتفافية
By-Pass Roads
هي طرق تبنيها الدولة الاستيطانية الإحلالية الصهيونية يقتصر استخدامها على المستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية بحيث تتحوَّل التجمُّعات الفلسطينية إلى كانتونات مُحاصَرة بالمستوطنات والطرق الالتفافية والمنشآت العسكرية. والطرق الالتفافية بذلك تكون بمنزلة سياج أمني حول المستوطنات، كما أنها تجعل المستوطنين الذين يعيشون وسط القرى والمدن العربية قادرين على التحرك دون أن يضطروا إلى عبور الأراضي الفلسطينية أو مواجهة الفلسطينيين.

وتستند خطة الاستيطان أمناه (وهي برنامج واسع للاستيطان والبناء في أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة) على نظام متكامل من الطرق الالتفافية أعلنها الجيش الإسرائيلي رسمياً في أواخر سنة 1994 أثناء حكم حزب العمل واكتسبت شرعيتها من خلال اتفاق توسيع الحكم الذاتي عام 1995 (أوسلو ـ2) وموافقة السلطة الفلسطينية عليها لارتباطها بخطة إعادة الانتشار من المناطق الفلسطينية الآهلة.

وقد كثَّفت إسرائيل بناء هذه الطرق التي تخترق معظم مناطق الضفة الغربية المأهولة بالسكان منذ عام 1995، يتم من خلالها تجديد طرق ترابية قائمة وشق أخرى، إضافة إلى فتح طرق سريعة من الشمال إلى الجنوب عبر وادي الأردن، وشق مداخل ومخارج جديدة في شمال الضفة الغربية، وشق مجموعة طرق عسكرية. وأهم هذه الطرق الطريق رقم 60، والطريق رقم 20.

وقد بلغ عدد هذه الطرق عام1996 حوالي عشرين طريقاً تغطي 400 كم تتفرع من الطريق الرئيسي المعروف باسم «الطريق 60» الذي يمتد من الشمال إلى الجنوب لجزئي الضفة الغربية. وبعض هذه الطرق ما زال قيد الإنشاء، وتعتزم سلطات الاحتلال بناء خمس طرق أخرى. ويلتف الطريق 60 حول المدن الفلسطينية في الضفة ويربط عشرات المستوطنات المنتشرة في كل أنحاء الضفة.

ويتم الاستيلاء على معظم الأراضي اللازمة لبناء هذه الطرق من خلال أوامر وضع اليد، وهي غطاء قانوني يحجب المصادرة، وهي أولى الخطوات نحو المصادرة النهائية، والتبرير المعطى في أكثرية أوامر وضع اليد هو الأمن والضرورة العسكرية، وهو تبرير لا يمكِّن المُلاك الفلسطينيين من الاحتجاج ضده.

وتؤدي هذه الطرق إلى إتلاف آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية وتدمير مئات المنازل، وإلحاق خسائر فادحة لأن هذه الأراضي مزروعة بكثافة بأشجار الزيتون، الأمر الذي يؤدي إلى تدمير مصدر رزق العائلات الفلسطينية الوحيد. كما يؤدي شق هذه الطرق إلى إعاقة نمو القرى الفلسطينية والحد من قدرة البلديات الفلسطينية على توسيع الخدمات البلدية.

كل هذا يجعلنا نرى الطرق الالتفافية لا باعتبارها مجرد ظاهرة سياسية اقتصادية وإنما صورة مجازية تعبِّر بشكل متبلور عما آل إليه الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني في فلسطين المحتلة. فهو استيطان يستند إلى أكذوبة (أرض بلا شعب) لم يَعُد بمقدور صاحبها الاستمرار فيها فدب فيها الموت. ولكن الأكذوبة أساسية لبقائه واستمراره ولذا فهو يحاول أن يتشبث بها ويبث فيها الحياة بقدر الإمكان بالطرق الالتفافية، فهي محاولة أخيرة يائسة بعد أن فشل الاستيطان الصهيوني في جانبه الإحلالي، ولم يتمكن من إبادة الشعب أو طرده أو حتى تقليل كثافته وأثبتت فلسطين أنها ليست أرضاً بلا شعب بل أرض مأهولة يزرعها ويحرثها نسلها. ولذا فالحل أن تصبح فلسطين "أرضاً يسكنها شعب لا تقع عيوننا عليه، فكأنها بالفعل أرض بلا شـعب، وإن ظـهر الشـعب على طرقنـا الالتـفافـية حصدته رصاصات جيش الدفاع الإسرائيلي، فتستمر الأكذوبة".

ومن الواضح أن فلسـطين ثابتة، فمدنها وقراها لا تتحول، وسكانها لا يكفون عن المقاومة. فالطرق الالتفافية من ثم تعبير عن قدرة الصهاينة على خداع الذات. ولكنه خداع للذات يكلف صاحبه الكثير من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية. فالطرق الالتفافية تتناقض مع أبسط معايير الجدوى الاقتصادية (أن يكون هناك طريق للمستعمر وآخر للسكان الأصليين) وهدفها تحقيق قدر كبير من الراحة النفسية لصاحبه. ولكن لا شك في أن وجود الجنود الإسرائيليين لحراسة هذه الطرق يؤدي إلى القلق ويُذكِّر المستوطنين "بالشعب الذي لا تقع عيوننا عليه".

والطرق الالتفافية تُذكِّر المرء بتجربة أعضاء الجماعات اليهودية في أوكرانيا حين أسس النبلاء البولنديين (شلاختا) للمتلزمين اليهود (أرانداتور) مدناً صغيرة شُتلت شتلاً في أوكرانيا (الشتتل) وهي جيتوات متكاملة كان أعضاء الجماعة اليهودية الوظيفية يمارسون فيها حياتهم كاملة، لا يتعاملون مع البيئة الجغرافية والتاريخية والاجتماعية المحيطة (بل والمحدقة) بهم، فهم فيها وليسوا منها، لا يتعاملون مع الأغيار إلا في السوق، في عمليات التبادل المجردة، التي لا تتخللها أية حميمية ولا تعبِّر عن أيِّ تراحم. والطرق الالتفافية تحقق هذا للمستوطنات الصهيونية المشتولة في الضفة الغربية، فهم في الضفة الغربية وليسوا منها، ولا يقابلون السكان الأصليين إلا في السوق.

ورغم أن إقامة الشتتلات كان يهدف إلى حماية أعضاء الجماعة اليهودية، حتى يمكنهم الاستمرار في استغلال الفلاحين الأوكرانيين لصالح النبلاء البولنديين، فإن الشتتلات تحوَّلت إلى معازل محصنة مسلحة، وحتى المعبد اليهودي نفسه تمت إعادة صياغته معمارياً بحيث أصبح معبداً وقلعة في آن واحد، يتعبد فيه اليهود ومنه يقاتلون، معبداً له أبراج بها كوات تخرج منها المدافع والبنادق، وهو ما يُذكِّرنا بالدولة الصهيونية الوظيفية، التي تزعم أنها في الشرق الأوسط وليست منه، والتي تحاول ألا تتعامل مع العرب إلا في السوق الشرق أوسطية. فهي الدولة/الشتتل، أو الدولة/الجيتو وهي في الوقت نفسه المعبد/القلعة.

وقد كان الجنود البولنديون يقومون على حراسة الشتتلات حتى لا يهاجمها الفلاحون الأوكرانيون، وهذا ما يفعله الدعم العسكري والاقتصادي الأمريكي الذي يصب في الكيان الصهيوني فيقوي عضده ويجعله قادراً على بناء طرق التفافية ليس لها أية جدوى اقتصادية. وحينما هبت انتفاضة شميلنكي لم تكتسح في طريقها القوات البولندية وحسب وإنما اكتسحت الشتتلات المحصنة والمعابد/القلاع أيضاً.

ومن هنا خطورة الطرق الالتفافية، فبدلاً من أن يواجه الإسرائيليون طبيعة وضعهم ويتعاملوا معه خارج الإطار الصهيوني (الذي يؤدي إلى عَزْل الآخر وتحصين الذات وإطاحتها بسياج عسكرية) فإنهم يحاولون إطالة عمر الأكذوبة، وهو ما يعني أن الفلسطينيين لن ينالوا حقوقهم إلا من خلال الانتفاضات المتتالية، التي ستقضي على الطرق الالتفافية وغيرها من الطرق.

المعــــــــــــــــــازل
Ghettos; Palestinustans
«المعازل» كلمة عربية تُستخدَم لوصف القرى والمدن العربية في الضفة الغربية، وربما يقابلها في اللغة الإنجليزية كلمة «جيتو». فبعد أن تحقَّق الصهاينة من أن فلسطين أرضاً بلا شعب، وبعد إدراكهم أن الشعب لا يود أن يخضع لآليات الترانسفير المختلفة، بل إنه يتوالد ويتكاثر تقرَّر تأسيس مستعمرات استيطانية صهيونية في مناطق إستراتيجية وطرق التفافية مختلفة تربط هذه المستعمرات بحيث تتحوَّل القرى والمدن الفلسطينية إلى "مناطق" مأهولة بالسكان معزولة خاضعة للرقابة العسكرية الصارمة، وتمارس حق تقرير المصير في حدود المفهوم الصهيوني للإدارة الذاتية بحيث تتحول فلسطين من وطن إلى أرض، ومجموعة من القرى والمدن الممتازة "يُعزَل" الفلسطينيون فيها ويتم حصارهم.

وهذا المفهـوم ليـس جديـداً. فالنازيون أسَّسوا جيتوات خاصة باليهود (في وارسو ولودز) كانت تتمتع بصلاحيات إدارية واسعة لا تختلف كثيراً عن الصلاحيات التي تتمتع بها السلطة الفلسطينية. كما أن مفهوم البانتوستان أي المعازل التي تم تأسيسها في جنـوب أفريقيـا للسـكان السـود لا تخـتلف كثيراً عن المعازل التي أسَّسها المستوطنون الصهاينة ومن هنا تسميتنا لها «الفلسطينوستان».

البلــدوزر الإسـرائيلي
The Israeli Bulldozer
يرتبط الاستيطان الصهيوني في الأذهان بالمدفع الرشاش والنابالم والقنابل. ولكن هناك رموزاً أخرى أصبحت ذات أهمية خاصة. فمع بدايات الاستيطان كان هناك أسلوب السور والبرج في اغتصاب الأرض وطرد سكانها حيث كان يُحضر مئات من المستوطنين الصهاينة أبراج مراقبة والأكواخ الجاهزة في ظلام الليل، ثم يحيطون قطعة أرض بالأسلاك الشائكة يقيمون فيها أبراج الحراسة بحيث يستيقظ أصحاب الأرض في الصباح فيجابهون أمراً واقعاً مسلحاً لا يملكون إلا الخضوع له أو الحرب ضده.

ومع ظهور الدولة الصهيونية تطوَّر هذا الأسلوب، فلم يعد هناك حاجة لبرج الحراسة، إذ تأتي القوات الإسرائيلية ومعها البلدوزر الإسرائيلي.

والبلدوزر الإسرائيلي له طبيعة مزدوجة فهو يُستخدَم لهدم بيوت الفلسطينيين من جانب وبناء المستوطنات من جانب آخر، ومن ثم فهو رمز حقيقي للاستعمار الاستيطاني الإحلالي. وعملية هدم بيت فلسطيني تشبه عملية حربية يشارك فيها مئات الجنود الإسرائيليون في سواد الليل أو عند الفجر ويصحبها حظر التجول في عموم القرية أو البلدة. وهذا الاستخدام المُبالَغ فيه بل الاستعراضي لرموز العنف يجعل هدم بيت واحد بمنزلة رسالة نفسية لبلدة بأسرها. وعملية الهدم نفسها تجرى بشكل بالغ التكثيف والكثافة (دقائق معدودة بين الإنذار بمغادرة البيت وبين تفجيره بالديناميت وإزالته بالبلدوزر).

ولا يخفى ما يحمله هذا التكثيف من دلالة، فالبيت الذي بناه الأجداد والآباء وتحوَّل إلى مخزن للحياة المشتركة والتراث والذكريات والأحلام على مدى عشرات السنين ينهار أمام أصحابه في دقائق وربما دون أن يتمكنوا من إنقاذ ما يمكن إنقـاذه من مقتنيـات تحتـضن معنى الحياة المشتركة عميقة الجذور.

ثم يبدأ البلدوزر بعد ذلك في عمليات تمهيد الأرض اللازمة لبناء المستوطنات الصهيونية.

الباب الثالث: التهجير (الترانسفير) والهجرة الاستيطانية



الترانسفير (التهجـير) الغربي لبعض أعضـاء الجماعات اليهوديـة
Western Transfer of Some Members of Jewish Communities
إن انتقال (هجرة) إنسان من وطن إلى أي مكان آخر عملية بالغة القسوة، فعلى هذا الإنسان أن يقتلع نفسه من جذورها ويستقر في مكان آخر، ويغيِّر نمط حياته بل ومنظومته القيمية أحياناً. وعملية نَقْل الإنسان قسراً (تهجير أو ترانسفير) مسألة وحشية. ومع هذا، يمكن القول بأن الحضارة الغربية الحديثة حضارة توجد داخلها إمكانية كامنة للهجرة والتهجير، فهي حضارة الترانسفير المستمر: أن ينتقل الإنسان بنفسه دائماً، ويقوم بنقل الآخرين.

والحضارة الغربية الحديثة تنظر لأعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم مادة بشرية تُنقل وتُوظَّف، لا يختلفون عن أية مادة بشرية أخرى. ومع هذا، فإن ثمة عناصر خاصة بالجماعات اليهودية جعلتهم عُرضة للنقل (الترانسفير) أكثر من غيرهم من العناصر البشرية:

1 ـ حلت أوربا مشكلة أعضاء الجماعات اليهودية منذ العصور الوسطى عن طريق طرد اليهود من إنجلترا ثم فرنسا فإيطاليا فألمانيا إلى أن استقر بهم المقام في بولندا وروسيا. وقد كانت عملية الطرد تتم في إطار أنهم جماعة وظيفية حركية يمكن توظيفها في أي مكان، فالجماعة الوظيفية لا ترتبط بوطن وإنما بوظيفة. وحينما بدأت الحركة الاستعمارية الاستيطانية الغربية أصبح يهود أوربا جزءاً لا يتجزأ منها، وتوجهت حركة الهجرة اليهودية حيثما توجَّه الاستعمار الاستيطاني الغربي. وهذا يعود بطبيعة الحال إلى أن اليهود أعضاء في جماعة وظيفية تتسم بالحركية وينظر لها المجتمع نظرة محايدة، فهي جزء يُوظَّف وموضوع يُستخدَم. ولذا، حينما تعثَّر التحديث في روسيا وشرق أوربا، طُرحت فكرة تهجير اليهود ونقلهم كحل للمسألة اليهودية.

2 ـ ومما ساعد على جعل فكرة نَقْل اليهود مطروحة دائماً تصوُّر الغرب لهم وتصوُّرهم هم لأنفسهم أحياناً كجزء من تاريخ يهودي مستقل عن التاريخ الأوربي، وبالتالي فهم ليسوا جزءاً من أوربا، وإن تواجدوا فيها فهم متواجدون على الهامش وحسب وبشكل عرضي مؤقت، وهي فكرة دعمها وضعهم الهامشي في العصور الوسطى.

3 ـ ارتبط اليهود دائماً بفكرة الخروج من المنفى (مصر ـ بابل) والتغلغل في كنعان (فلسطين)، وهو ما يوحي بأنهم دائماً في حالة خروج من المنفى (أوربا) وفي حالة ارتباط عضوي دائمة بفلسطين.

4 ـ ولا شك في أن الرؤية الدينية المسيحية البروتستانتية الحلولية رؤية حرفية ترى اليهود كياناً مستقلاً له تاريخ مستقل هو في جوهره امتداد للتاريخ التوراتي، وهي رؤية ترى أن روايات العهد القديم وأساطيره لا تزال لها دلالتها الحرفية ومصداقيتها «الآن وهنا». ومن أهم هذه الأساطير أسطورة الخروج من مصر. بل إن التاريخ اليهودي يبدأ، حسب هذه الرؤية، بهذا الخروج ويصل ذروته بعد الاستقرار في فلسطين، ثم يأتي بعد ذلك التهجير إلى بابل والعودة منها، ثم الخروج من القدس بعد سقوط الهيكل والأمل في العودة. وداخل هذا الإطار الأسطوري أصبحت مسألة نَقْل اليهود مطروحة على مستوى الوجدان الديني (المسيحي واليهودي).

5 ـ خلقت صهيونية غير اليهود (بديباجاتها المختلفة) المناخ الملائم لعملية النقل هذه، وقد تسربت هذه الرؤية إلى اليهود بكل حرفيتها بحيث بدأت قطاعات من اليهود تنظر لأعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم شيئاً يمكن نَقْله.

6 ـ أدَّى تدهور الدولة العثمانية وبروز أهمية فلسطين الإستراتيجية إلى زيادة الاهتمام بنَقْل اليهود نظراً لارتباطهم بفلسطين في الوجدان الغربي.

7 ـ يبدو أنه كان ثمة وهم أن فلسطين يمكن شراؤها، وهو موضوع يتكرر في الكتابات الصهيونية. وقد ذكر أحد المؤرخين الصهاينة أنه، في تلك الفترة، قامت أمريكا بشراء فلوريدا من إسبانيا وألاسكا من روسيا ولويزيانا من فرنسا. وهذا تعبـير عن علمنة الحيز والمكان بشكل عام.

لكل هذا، يمكن القول بأن عملية نَقْل اليهود كانت مطروحة على الوجدان الغربي ولم تكن مسألة بعيدة عن الأذهان، وهو ما أدَّى إلى ظهور الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. هذا لا يعني أن العوامل التي أسلفنا الإشارة إليها هي التي أدَّت إلى نَقْل اليهود وتهجيرهم، فمثل هذا القول بسيط ساذج ومخل يسقط في السببية البسيطة. وكل ما نقوله هو أن هذه العوامل خلقت المناخ العاطفي الذي يسمح بتقبُّل مثل هذه الفكرة الوحشية الهمجية. وقد طُرح مشروع نَقْل اليهود بشكل جماعي من رومانيا، وقد استحسنه القنصل الأمريكي في بوخارست وعارضه زعماء الجماعة اليهودية هناك.

ولكن الصهيونية بين اليهود قامت بتهويد الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة حتى أصبح من اليسير على أعضاء الجماعات اليهودية استبطانها وأصبح الترانسفير مسألة مطروحة داخل وجدانهم.

الترانسفير (التهجير) الصهيوني لبعض أعضاء الجماعات اليهودية
Zionist Transfer of Some Members of Jewish Communities
يعبِّر التهجير في العادة عن نَقْل جماعة سكانية من مكان إلى أخر بدون سعي منها أو بدون موافقتها، وذلك لأسباب تختلف باختلاف الزمان والمكان، وهو يختلف عن الهجرة التي تتم بإرادة المهاجر. ومن أهم الأمثلة على التهجير: تهجير اليهود إلى بابل والذي يُسمَّى «السبي البابلي» ونطلق عليه هنا «التهجير البابلي»، وتهجير الهنود الحمر (سكان أمريكا الأصليون) من المناطق التي كانوا يستقرون فيها إلى مناطق أخرى (وهو تهجير كان يؤدي في كثير من الأحيان إلى إبادة أعداد كبيرة منهم).

ويُشار إلى التهجير أحياناً بأنه «ترانسفير» أي «نَقْل». ويمكن القول بأن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة هي في جوهرها عملية نقل (ترانسفير) لمجموعة من المصطلحات والمفاهيم الدينية من مستواها الديني والمجازي إلى المستوى الزمني المادي الحرفي (وهذه سمة أساسية في الخطاب الحلولي التجسيدي حيث تتحول الكلمة إلى مادة ويتحول الدال إلى مدلول ويتداخل المطلق والنسبي). فالشعب المختار، حسب المفهوم الديني اليهودي، جماعة دينية تلتزم بمجموعة من العقائد، فينقل هذا المفهوم من السياق الديني ليصبح شعباً بالمعنى العرْقي أو يصبح مادة بشرية فائضة. أما صهيون، وهي المكان الذي سيعود إليه الماشيَّح في آخر الأيام، فتصبح بقعة جغرافية في الشرق الأوسط ذات قيمة إستراتيجية واقتصادية يُصدَّر لها الفائض البشري ويُوطَّن ويُوظَّف فيها. والواقع أن عملية نَقْل المصطلحات هذه من مستواها الديني والمجازي إلى المستوى الزمني والحرفي ينجم عنها ظهور صيغة تنطوي على عمليتي نَقْل سكاني:
1 ـ نَقْل اليهود من المنفى إلى فلسطين.
2 ـ نَقْل الفلسطينيين من فلسطين إلى المنفى.

وقد بدأت عملية النقل السكاني الثانية، بشكل متقطع وغير منظم، في أواخر القرن التاسع عشر على يد الصهاينة التسلليين، ثم استمرت بطريقة منهجية بعد وعد بلفور تحت رعاية حكومة الانتداب في النصف الأول من القرن العشرين، ثم وصلت إلى ذروتها عام 1948. واستمرت العملية بشكل منظم من قبل الدولة الصهيونية لتصل إلى ذروة أخرى عام 1967 وهكذا. ولا يزال التهجير القسري للعرب مستمراً حتى الوقت الحاضر إما عن طريق "تشجيع" العرب على تَرْك فلسطين أو إرهابهم أو طردهم بموجب قرار من الحكومة الإسرائيلية.
ولكن ما لا يدركه الكثيرون هو أن الصهيونية كانت وما زالت حركة مبنية أيضاً على تهجير اليهود، فهي حركة توطينية استيطانية، كما أن تدفُّق المادة البشرية القتالية على المُستوطَن الصهيوني مسألة أساسية وحيوية بالنسبة له حتى يستمر في الاضطلاع بوظيفته القتالية. ولذا، نجد أن الحركة الصهيونية كثيراً ما تلجأ إلى عملية تهجير قسرية لبعض يهود العالم.

وتبدأ عملية التهجير القسري بمحاولة خَلْق ما يمكن تسميته «الصهيونية البنيوية» أي الصهيونية التي تتجاوز المشروع المعلن والشعارات المطروحة لتخلق وضعاً (بنيوياً) يجعل استمرار أعضاء الجماعات اليهودية في الحياة في أوطانهم صعباً ويجعل رفضهم الصهيونية شبه مستحيل. وأولى هذه المحاولات كانت وعد بلفور حيث سعى الصهاينة إلى استخدام عبارة «العرْق اليهودي» بدلاً من «الشعب اليهودي» حتى يجعلـوا كل يهودي، شـاء أم أبى، عضـواً في هذا الشـعب، إذ أن الانتماء العرْقي لا يترك مجالاً لاختيار، ومن ثم تسقُط صفة المواطنة عن يهود العالم فيضطرون إلى الهجرة.

وقد أخذ التهجير شكل التعاون مع القوى المعادية لليهود (فون بليفيه، وزير داخلية روسيا القيصرية، وبتليورا، الزعيم الأوكراني، وأخيراً النظام النازي نفسه) وتوقيع معاهدة الهعفراه (أي التهجير أو الترانسفير). وتأخذ محاولة التهجير أيضاً شكل إغلاق باب الهجرة في العالم أمام أعضاء الجماعات اليهودية بحيث يتجهون، شاءوا أم أبوا، إلى أرض الميعاد. وينطبق هذا على يهود روسيا السوفيتية حيث تحاول المنظمة الصهيونية تحويل الهجرة التلقائية إلى الولايات المتحدة إلى تهجير قسري إلى إسرائيل عن طريق إغلاق باب الولايات المتحدة أمامهم وفتح أبواب إسرائيل، ومنع المنظمات اليهودية من مساعدة اليهود السوفييت المهاجرين إلى الولايات المتحدة.

ويمكن أن نرى هجرة يهود العالم العربي، وخصوصاً يهود العراق، على أنها عملية تهجير قام بها الصهاينة بخلقهم الظروف الموضوعية والبنيوية التي أضطرت أعضاء الجماعة اليهودية إلى الهجرة، مثل وضع القنابل في المعبد اليهودي في العراق أو تجنيد بعض يهود مصر لوضع قنابل في السفارات الأجنبية، وهو ما أدَّى إلى تدهور وضع الجماعات اليهودية في مصر. وغني عن القول أن الخطاب الصهيوني، حينما يتحدث عن التهجير (الترانفسير)، يتحدث عن العرب وحسب. ولكن مع الهجرة السوفيتية الأخيرة ومع جفاف مصادر الهجرة البشرية للدولة الصهيونية ومع رفع شعارات مثل السوق الشرق أوسطية وعملية السلام فإن الدولة الصهيونية تلجأ إلى الإغواء أكثر من القسر.

الخــــلاص الجـــبري
Forcible Redemption
«الخلاص الجبري» مصطلح قمنا بسكه لوصف المحاولات الصهيونية التي تهدف إلى غزو الدياسبورا، أي الجماعات اليهودية في العالم، لإرغام أعضائها على ترك أوطانهم والهجرة إلى إسرائيل، ذلك لأن هجرتهم هذه (تهجيرهم ـ ترانسفير) فيها خلاص لهم من النفي في أرض الأغيار. فالصهيونية تفترض أنها تعرف ما فيه صالح أعضاء الجماعات اليهودية وأن يهود المنفى غافلون عما يحيق بهم من أخطار مادية ومعنوية، ونظراً لغفلتهم هذه فإنهم لا يُبدون حماساً كبيراً للهجرة إلى إسرائيل. وقد وصف أحد المسـئولين الإسـرائيليين هـذا الوضع بقوله: "إننا نجد أنفسنا مضطرين إلى سحب كل مهاجر جديد إلى إسرائيل وكأنه بغل حرون". وطالب بضرورة التدخل الجراحي، أي ضرورة تخليص اليهود بالإكراه.

والخلاص الجبري يأخذ أشكالاً كثيرة من بينها إصدار تصريحات وممارسة نشاطات صهيونية من شأنها تعريض أعضاء الجماعات اليهودية لتهمة ازدواج الولاء. ومن الأمثلة على هذا ما قامت به جولدا مائير حين كانت تشغل منصب وزير خارجية إسرائيل (عام 1960) إذ بعثت رسالة رسمية إلى بعض الحكومات الغربية تحتج فيها على أحداث وقعت في تلك الدول تنطوي على عداء لليهود، وكأن إسرائيل هي المسئولة عن يهود العالم، وكأنها بالفعل قادرة على التدخل لحمايتهم، وكأن يهود العالم قد فوضوها أن تتحدث باسمهم وتدافع عنهم.
ويأخذ الخلاص الجبري أحياناً شكل قَطْع المعونات عن المهاجرين اليهود الذين يرفضون الاتجاه لإسرائيل كما حدث مع بعض نزلاء معسكرات المرحَّلين بعد الحرب العالمية الثانية الذين كانوا يرغبون في الهجرة إلى الولايات المتحدة. فقد مارس الصهاينة شتى أنواع الضغط عليهم من حرمان من حصص الطعام وطرد من العمل وحرمان من الحماية القانونية وضمن ذلك حق الحصول على تأشيرة السفر. وكانوا في بعض الأحيان يُطردون من المعسكر كليةً. وتجري ممارسة نفس الضغط في الوقت الحاضر على المهاجرين السوفييت الذين يودون الاتجاه إلى الولايات المتحدة. ومن أشكال الخلاص الجبري الأخرى، توريط المستوطنين الجدد في إسرائيل من خلال إعطائهم معونات كبيرة يقومون بإنفاقها ويصبح من المستحيل عليهم سدادها. وقد مورست هذه الحيلة على نطاق واسع جداً مع المهاجرين السوفييت في السنين الأخيرة. وقد صرح كاتب في جريدة دافار بأنه لو كان الأمر بيده لبعث مجموعة من الشبان الإسرائيليين الصهاينة المتحمسين ليتولوا مهمة الخلاص الجبري ليهود الشتات المتفرقين عن طريق التخفي وإثارة ذعر اليهود بإطلاق شعارات معادية لليهود مثل "اليهود الملاعين" و"أيها اليهود اذهبوا إلى فلسطين" (والشعار الأخير، على كلٍّ، هو شعار صهيوني ومعاد لليهود في آن واحد). ولعل أهم حوادث الخلاص الجبري التي قامت بها الحركة الصهيونية هي عملية العراق حين بعثت الدولة الصهيونية عملائها إلى العـراق حيـث زرعـوا المتفجرات في أماكن تجمُّع أعضاء الجماعة اليهودية، وفي المعابد اليهودية، لإرهابهم "وتشجيعهم" على الفرار أو الخلاص الجبري.

إرهاب (ترانسفير) يهود العراق
Transfer of Iraqi Jews
من أهم العمليات الإرهابية التي قام بها الصهاينة ضد إحدى الجماعات اليهودية لإرغام أعضائها على الهجرة (الترانسفير)، وذلك لتحقيق الخلاص الجبري أو غزو الدياسبورا، وهي العملية التي دُبِّرت ضد يهود العراق بعد إعلان الدولة الصهيونية.

كان المجتمع العراقي يمر بمرحلة انتقالية في الأربعينيات، وكانت هناك صعوبات تكتنف حياة جميع الأقليات الدينية والعرْقية هناك، وضمنها الأقلية اليهودية. وفي سنة 1941، قامت مظاهرات معادية للجماعة اليهودية، ولكنها "الأولى من نوعها" كما تقول موسوعة الصهيونية وإسرائيل. وفي النهاية، كان لليهود العراقيين نصيبهم العادي من السعادة والشقاء، ففي ديسمبر 1934 أرسل السير ف. همفري، السفير البريطاني في بغداد، برقية سرية إلى وزارة الخارجية البريطانية، قال فيها أن الجماعة اليهودية في العراق "تتمتع" بوضع موات أكثر من أية أقلية أخـرى في البـلاد، وأوضـح أنــه "ليـس هنـاك عداء طبيــعي بـين اليهــود والعـرب في العــراق"، ويبدو أن تقرير السفير البريطاني كان دقيقاً بصفة عامة، فيهود العراق كانوا مؤمنين بأنهم عراقيون (أساساً) يرجع نَسبَهم إلى أيام النفي البابلي، وكان عدد كبير منهم يتمتع برخاء نسبي.

وكانت نسبة قيد يهود العراق في المدارس والكليات أعلى كثيراً من النسبة على المستوى القومي، فقد أوضح رافي نيسان (اليهودي العراقي الذي هاجر إلى إسرائيل واستوطن فيها) أنه، على الرغم من أن اليهود العراقيين تركوا ممتلكاتهم خلفهم في العراق، فإنهم أتوا معهم بشيء أكثر أهـمية "من المـال" وهو "خبرتنا وعلمنا"، على حد تعبيره. فثلث المهاجرين من يهود العراق تلقوا تعليماً لمدة أحد عشر عاماً على الأقل وهي نسبة تعلو حتى على النسبة المقابلة بين أولئك القادمين الجدد (إلى الدولة الصهيونية) من أوربا وأمريكا. وأضاف رافي أن "أكثر من 80 في المائة من أرباب الأسر المهاجرة كانوا من الحرفيين المهرة وأصحاب المحال التجارية والمديرين والمحامين والموظفين والمعلمين". وفيما يتعلق بمقدار المشاركة في الحكومة والسلطة، فقد أعلنت الحكومة العراقية "حرية الدين والتعليم والتوظف ليهود بغداد الذين لعبوا دوراً مهماً جداً في تحقيق رخاء المدينة وتطوُّرها". وكان هناك ستة أعضاء يهود في البرلمان العراقي.

ورغم هذا السلام والاستقرار اللذين كانت تتمتع بهما الجماعة اليهودية، قرر الصهاينة جعل العراق هدفاً لنشاطهم. والعراق ـ مثلها في هذا مثل ليبيا ومصر وفلسطين ـ كانت هي الأخرى مطروحة في وقت من الأوقات هدفاً محتملاً لخطة الاستيطان الصهيوني، الأمر الذي كان كافياً في حد ذاته لإثارة التوتر بين أغلبية السكان والجماعة اليهودية. وعندما اقتصرت المخططات الصهيونية على فلسطين (وتخومها)، تحوَّلت الأنشطة الصهيونية عن أرض العراق، وتركزت على يهود العراق، فأسَّس أهارون ساسون (سنة 1919) جمعية في بغداد تُدعى «اللجنة الصهيونية». وأنشأت هذه المنظمة فروعاً لها في عدة مدن عراقية (نحو 16 فرعاً)، بل أرسلت وفداً عنها إلى المؤتمر الصهيوني الثالث عشر (1923)، كما قامت بتنظيم جماعات شبابية لإعداد الشباب المهجرين وطبع عدة نشرات شهرية بالعبرية والعربية، وأسَّست مكتبة صهيونية. وكان الصهاينة يقومون أحياناً ـ بغرض تسميم العلاقات بين يهود العراق وباقي الشعب العراقي ـ بتوزيع منشورات في المعابد تحتوي على شعارات مهيجة، مثل "لا تشتروا من المسلمين" متعمدين أن تصل هذه المنشورات إلى أيدي المسلمين. ونجحت الدعاية الصهيونية، إلى حدٍّ ما، في بذر الشقاق و"المرارة" كما ألمح السفير البريطاني في برقيته سنة 1934 لبيان أن منع النشرات الصهيونية من الصدور قد يكون في "صالح اليهود أنفسهم".

ويبدو أنه، برغم الجهود الصهيونية، وبرغم تشاؤم السفير البريطاني، فإن يهود العراق لم يكونوا منعزلين تماماً عن وطنهم. فبعد النشاط الصهيوني الطويل في العراق، وبعد مظاهرات 1941 المؤسفة، اسـتأنف اليهود العراقيـون (بجذورهم الثابتـة في البلاد) حياتهـم الطبيعية، فأقاموا حياً يهودياً. واستثمروا مبالغ ضخمة في مجال البناء في مدينة بغداد، فقد جاء في كتاب لمؤلفة إسرائيلية أن المبعوثين الصهاينة في العراق "أدركوا أن الأيديولوجية الصهيونية لن تلقى قبولاً في معظم الدوائر اليهودية". وقد حاول أحد هؤلاء المبعوثين تجنيد عناصر من بين المثقفين "إلا أنه فشل". ثم جاء قيام الدولة الصهيونية والهزيمة العربية، الأمر الذي أدَّى كما هو متوقع إلى تعقيد الأمور بالنسبة للجميع. فقد أُعفي اليهود العراقيون، الذين كانوا يتولون مناصب تتطلب الاتصال بدول أجنبية، من مناصبهم. وباستثناء مثل هذه الحالات، فإن رد الفعل العراقي كان يتسم بضبط النفس إذا ما أخذنا في الحسبان أبعاد الموقف.

ورغم النشاط الصهيوني المكثف داخل العراق، ورغم تورُّط بعض يهود العراق البارزين في هذا النشاط، لم تنشأ حالة هستيريا شعبية من ذلك النوع الذي يجتاح الرأي العام عادةً في زمن الحرب، وبصفة خاصة في أعقاب الهزيمة. وقد قال كبير حاخامات العراق للحاخام بيرجر سنة 1955: "إننا نسمع أنكم، في الولايات المتحدة، لم تعاملوا مواطنيكم اليابانيين معاملة طيبة أثناء موجة الانفعال العاطفي التي أعقبت بيرل هاربر"، وكان يشير بذلك إلى اعتقال آلاف من الأمريكيين اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية.

لقد كان من الممكن أن تنتهي المتاعب وقتها (سنة 1948)، وكان من الممكن أن يستأنف يهود العراق حياتهم، بدرجات مختلفة من التوتر والتوافق، وكان الزمن كفيلاً بجعل الجروح تلتئم. غير أن الصهاينة كان لديهم مخطط مختلف عن هذا، فقد كانت هناك خطوات أساسية لابد من اتخاذها بهدف تحقيق الخلاص "لمائة وثلاثين ألف يهودي ولتحسين موقف إسرائيل، في الوقت نفسه، من حيث عدد السكان". ونحن نعرف من مصادر صهيونية أن حركة صهيونية سرية ـ مثل تلك التي كانت تعمل في مصر ـ قد تأسست في العراق سنة 1941. وأعطيت المنظمة الجديدة (التي بدأت في تعليم الشبان اليهود كيفية استخدام الأسلحة النارية وتصنيع المتفجرات) اسم «حركة الرواد البابليين». وكونت الحركة السـرية جيشـاً شـبه مسـتقل داخل العراق كانت له أسلحته ومجندوه. وفي سنة 1947، كتب إيجال آلون، قائد البالماخ، رسالة إلى دان رام وصفه فيها بأنه "قائد جيتو العراق". وقامت الهاجاناه بتهريب الأسلحة ـ من بنادق وذخائر وقنابل ـ إلى العراق. وقال آلون في رسالته إلى دان رام "إن الهدف من إرسال هذه الأسلحة هو تشجيع كل أشكال الهجرة".

ولكن ما الذي كان يراد من كل هذه الأسلحة (التي عُثر عليها فيما بعد)؟ "هل كنا سنحارب العراق كله بها، هذا على افتراض أن ولاءنا كان متجهاً لإسرائيل، وهو ما لم يكن كذلك في الواقع". إن هذا التساؤل الذي طرحه حاخام عراقي عام 1955 كان له ما يسوغه، وكان من الممكن أن يظل دون إجابة لو لم تتكشف بعض القرائن.

شهدت بغداد عدداً من الحوادث سنة 1950، فقد أُلقيت شحنة ناسفة داخل مقهى اعتاد المثقفون اليهود الاجتماع فيه، ثم انفجرت قنبلة في المركز الإعلامي للولايات المتحدة. ومرة أخرى، نجد أن هذا المركز كان مكاناً اعتاد الشباب ـ وبخاصة اليهود منهم ـ أن يجلسوا فيه ويقرأوا، وعندما انفجرت قنبلة ثالثة في معبد ماسودا شيمتوف، أودى الحادث بحياة صبي يهودي، كما فَقَد رجل يهودي إحدى عينيه. ولا شك في أن المؤرخين الصهاينة كانوا سيصوِّرون هذه الفترة على أنها مذبحـة جماعية أخرى ضد اليهـود، لولا أن النقاب أزيح، بطريق الصدفة، عن مخطط صهيوني منظم للأعمال الاستفزازية.

ومن اليهود الذين ظنوا أن الانفجارات كانت من صنع العرب، يهودي عراقي يُدعَى كوخافي، أصبح فيما بعد مواطناً إسرائيلياً وعضواً بجماعة الفهود السود. لكنه قال إنه سمع إشاعة تتردد في إسـرائيل (بعد أن كان أفـراد الجمـاعة اليهودية العراقية، جميعهم تقريباً، قد هاجروا إلى الدولة الصهيونية) مفادها أن الحادث كان من فعل عميل صهيوني "وقد نُشر هذا الموضوع في الصحف أيضاً، ولم ينفه أحد". وربما كان كوخافي يشير بهذا إلى المقال الذي نشرته صحيفة هاعولام هازيه يوم 29 مايو سنة 1966، والتقرير الذي نشرته مجلة الفهود السود يوم 9 نوفمبر سنة 1972 وهما العملان اللذان أعادا ترتيب الحوادث التي وقعت أثناء المذابح الصهيونية المنظمة وأزاحا النقاب عن الحقيقة البشعة بأكملها.

ففي سنة 1951، أي بعد الانفجار الغامض مباشرةً، شاهد لاجئ فلسطيني من عكا (كان يعمل في أحد المحال الكبيرة في بغداد) أحد رواد المتجر، وعرف أنه يهودا تاجر (الضابط بالحكومة العسكرية الإسرائيلية في عكا). فأبلغ اللاجئ الشرطة العراقية عن وجود الضابط الإسرائيلي الذي قُبض عليه ومعه شالومك تزلاه وخمسة عشر آخرين من أعضاء المنظمة السرية الصهيونية. وكشف تزلاه أثناء التحقيق عن حقيقة المخطط الصهيوني، وأرشد الشرطة العراقية إلى مخابئ الأسلحة في المعابد. وقد حوكم العملاء من أعضاء المنظمة الصهيونية السرية بتهمة محـاولـة "إثـارة ذعـر اليهـود العراقيين لدفعـهم للهجرة إلى إسرائيل"، وصدر الحكم بالإعدام على اثنين من هؤلاء العملاء، وبالسجن لمدد طويلة على الباقين. وقال محام عراقي (من سكان تل أبيب الآن): "لقد كانت الأدلة من القوة بحيث لم يكن شيء ليمنع صدور الأحكام". والآن، يحاول قدوري سليم ـ المواطن الإسرائيلي اليهودي العراقي الذي فقد عينيه في حادث معبد شيمتوف ـ الحصول على تعويض من الحكومة الإسرائيلية.

الهجـرة الصهيونية الاستيطانية قبل عام 1948: تاريخ
Zionist Settler Immigration before 1948: History
يطلق الصهاينة على هجرتهم إلى فلسطين كلمة «عالياه» وهي كلمة عبرية مشتقة من «يعلو»، والمهاجرون هم «عوليم». ولكلمة «عالياه» العبرية معان عدة أولها «الصعود إلى السماء»، وثانيها «الصعود لقراءة التوراة في المعبد أثناء الصلاة»، وثالثها «الصعود إلى إرتس يسرائيل بغرض الاستيطان الديني». وفي العهد القديم، نجد أن الذهاب إلى فلسطين يعبَّر عنه بعبارة «الصعود إلى الأرض»، ومن هنا كانت التسمية «عالياه» من «العلا»، أما الذهاب إلى مصر فيعبَّر عنه «بالنزول إليها»، أي أن المصطلح العبري مرتبط بطقوس دينية عديدة وله إيحاءات عاطفية. وقد كانت للعالياه أغراض عديدة في التقاليد اليهودية، فمثلاً كانت تتم بغرض الشفاء من الأمراض وللتخلص من الفقر، كما كان الكهول يهاجرون لاعتقادهم أن الدفن في أرض الميعاد يجلب ثواباً كبيراً. وكان البعض «يعلو» إلى إرتس يسرائيل بغرض دراسة التوراة.

وقد استخدمت الحركة الصهيونية هذا المصطلح الديني وجردته من بُعده الإيماني المجازي وأطلقته على حركة الهجرة الصهيونية من شرق أوربا إلى فلسطين في العصر الحديث، وفي هذا تعمية أيديولوجية. فالعالياه مصطلح ديني يصف أفعالاً فردية وأوامر يُفترض فيها أنها ربانية ذات قداسة معينة من وجهة نظر من يقوم بها، ولا يمكن إطلاقه على ظاهرة اقتصادية اجتماعية سياسية يقوم بها فريق من الصهاينة لا يؤمن معظمه بالعقيدة اليهودية. ومن هنا فإننا في دراستنا لظاهرة هجرة اليهود إلى فلسطين سنسقط تماماً كلمة «عالياه» الدينية ونستخدم مصطلح «الهجرة الاستيطانية الصهيونية». ومما له دلالته أن كلمة «هجيراه» العبرية كلمة محايدة تؤدي نفس المعنى، ولكن الحركة الصهيونية تؤثر استخدام المصطلحات التقييمية على المصطلحات الوصفية حتى يمكِّنها فَرْض غمامات أيديولوجية (ومن هنا استخدام مصطلح «يريدا» أي «الارتداد» للإشارة إلى اليهودي الذي يهاجر من إسرائيل).

والاستيطان هو الدعامة الأساسية للمشروع الصهيوني، ولذلك تحاول الحركة الصهيونية أن تدفع اليهود إلى تلك الهجرة وتيسرها لهم.

1 ـ تُقسَّم موجات الهجرة الصهيونية إلى خمس موجات فيما بين عامي 1882 و1944:

الموجة الأولى:
استغرقت الموجة الأولى السنوات من 1882 إلى 1903 تقريباً، وضمت عدداً يصل من 20 ـ 30 ألف مهاجر (بمعدل 1000 مهاجر كل عام). وقد جاءت الأكثرية الساحقة من المهاجرين من روسيا ورومانيا وبولندا (أي من يهود اليديشية)، وقد ارتبطت تلك الموجة بتعثُّر التحديث في تلك البلاد وصدور قوانين مايو، وقد تمت هذه الهجرة تحت رعاية جماعة أحباء صهيون والبيلو بتمويل المليونير روتشيلد. وكان الطابع الاجتماعي العام للمستوطنات التي أقاموها طابعاً رأسمالياً تقليدياً حيث كان اليهود يمثلون «أرستقراطية زراعية مصغرة» يستغلون العمال من اليهود والعرب الذين يعملون بالأجر على السواء. ويبدو أن الأحوال قد ساءت جداً بهذه الجماعات، ولذا كانوا من مؤيدي مشروع شرق أفريقيا الاستيطاني. كما أن اليهود المتدينين الذين كانوا يقيمون في فلسطين من قبل (فيما يُطلَق عليه «اليشوف القديم») لم يرحبوا بهم بسبب سلوكهم العدواني تجاه اليهود العرب، ولإثارتهم المشاكل بين الأقلية اليهودية والأغلبية العربية. وكان من أسباب سخط اليهود المتدينين استخدام المهاجرين اللغة العبرية في حديثهم اليومي الدنيوي (فقد كانت العبرية حسب التصور الديني لغة دينية وحسب). كما أثارت مشكلة دينية في سنة شميطاه المفروض فيها إراحة الأرض المقدَّسة وعدم زرعها. ومما هو جدير بالذكر أن عدد اليهود الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة في تلك الفترة كان أكثر من نصف مليون، أي أن عدد المهاجرين إلى فلسطين كان حوالي 2% من مجموع المهاجرين اليهود عامة.

الموجة الثانية:
استغرقت الموجة الثانية السنوات من 1904 إلى 1914 تقريباً وضمت عدداً يتراوح بين 35 و40 ألفاً من اليهود (بمعدل 3000 مهاجر سنوياً) معظمهم من العمال الروس. وقد ارتبطت تلك الموجة تاريخياً بالاضطرابات السياسية التي سادت روسيا بعد هزيمتها على يد اليابان. وينحدر معظم أعضاء هذه الموجة من أصول يديشية، وقد كانوا يعيشون في مدن صغيرة (شتتل) الأمر الذي ترك أثره في تفكيرهم وتصوراتهم. ومما يُذكر أن أفراد الصفوة الحاكمة في إسرائيل (بن جوريون وإشكول) كانوا أعضاء فى الموجة الثانية. ويتميَّز أعضاء هذه الموجة بأنهم حَمَلة أفكار الصهيونية العمالية (كما عبَّر عنها سيركين وبوروخوف): المطالبة بالاعتماد على الذات، ممارسة العمل اليدوي، وإبراز الهوية اليهودية. وقد ترجمت هذه الأفكار نفسها في شكل مؤسسات عسكرية زراعية استيطانية مثل الكيبوتس، وفي شكل الإصرار على التحدث بالعبرية (التي كانوا لا يعرفونها لأنهم كانوا يتحدثون اليديشية) وعلى فلكلور يهود اليديشية الذين كانوا يعتبرونه التراث اليهودي. وبينما اعتمد أعضاء الموجة الأولى على الفلاحين العرب ولم يقووا على الاستمرار دون معاونة المليونير اليهودي روتشيلد، نجد أن أعضاء الموجة الثانية (أصحاب فكرة اقتحام الأرض والعمل) كانوا يعتبرون فلسطين لا بمنزلة ملجأ وحسب وإنما بمنزلة قاعدة إستراتيجية لتنفيذ المشروع الصهيوني.

وجدير بالملاحظة أن عدد اليهود الذين تركوا روسيا القيصرية وبولندا والنمسا ورومانيا في الفترة من عام 1882 ـ 1914 (التي تغطي الموجتين الأولى والثانية) بلغوا أربعة ملايين، على حين كان عدد اليهود في فلسطين عشية الحرب العالمية الأولى 90.000 وضمنهم أعضاء اليشوف القديم. وأثناء الحرب، هاجر أكثر من نصفهم إلى الولايات المتحدة (وكان من بينهم مؤلف نشيد هاتيكفاه، نشيد الحركة الصهيونية والدولة الصهيونية فيما بعد).

الموجة الثالثة:
تُعَدُّ الموجة الثالثة استمراراً لسابقتها (وكانت تضم بين أعضائها جولدا مائير) وقد استغرقت السنوات من 1919 إلى 1923 تقريباً (لم تكن هناك هجرة أثناء الحرب)، وضمت حوالي 35 ألف يهودي غالبيتهم من روسيا وبولندا من أبناء الطبقة العاملة ممن كانوا متأثرين بالفكر الاشتراكي والتعاوني فأسسوا الكيبوتسات والهستدروت. وجدير بالذكر أن الزيادة النسبية في هذه الموجة تعود إلى أن الولايات المتحدة كانت قد أخذت في تطبيق نظام النصاب (بالإنجليزية: كوتا quota) أو العدد المصرح به لأعضاء فئة اجتماعية أو قومية ما بالهجرة، وهذا ما جعل أبواب الولايات المتحدة مغلقة نسبياً. وقد أسَّس أعضاء هذه الموجة جماعة الحارس الفتي. وبانتهاء الموجــة الثــالثـة نجـد أن عـدد اليهــود الذين قرروا الهجرة إلى فلسـطين لم يــزد عن 80 ألفــاً من مجمـوع يهــود العـالم البـالغ عددهم آنئذ 15 مليوناً، وهذا مع الأخذ في الاعتبار أن الفترة من 1920 إلى 1924 شهدت نزوح 12% من المستوطنين عن فلسطين.

الموجة الرابعة:
وتُسمَّى أيضاً هجرة جرابسكي (نسبة إلى رئيس وزراء بولندا المعروف بمعاداته لليهود واليهودية) وقد استغرقت هذه الموجة السنوات من 1924 إلى 1931 تقريباً، وضمت حوالي 82 ألف يهودي غالبيتهم من روسيا وبولندا. وكان الطابع الغالب على تلك الموجة أن أفرادها كانوا من البورجوازية الصغيرة أو كانوا رأسماليين أُمِّمت أموالهم («رأسماليون دون رأسمال») فكانوا مجموعة من صغار التجار أو «بروليتاريا الطبقات الدنيا»، كما كان يحلو لأرلوزوروف تسميتهم. ولعل أصولهم البورجوازية الصغيرة وعزوفهم عن العمل في الزراعة يفسر سبب امتلاء تل أبيب فجأة بالحوانيت بحيث أصبح يخص كل خمس عائلات حانوت. وكان وضعهم الاقتصادي السيئ يجعل منهم أداة ضغط على الحركة الصهيونية، وهو ما شكَّل أساساً لانتقاد جابوتنسكي للأسلوب المتدرج للحركة الصهيونية ومطالبته بإقامة الدولة اليهودية فوراً على كل أراضي فلسطين تحت الانتداب بالإضافة إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن. وقد هاجر معظم أعضاء الموجة الرابعة إلى فلسطين بغرض الربح الاقتصادي وبسـبب التشدد في تطبيق نظام النصاب في الولايات المتحدة. وقد نزح عن فلسطين كثير منهم (أكثر من 33% من عدد المهاجرين حسب بعض التقديرات) بسبب سوء الأحوال الاقتصادية. وقد لاقى أعضاء هذه الموجة الكثير من الصعوبات من جانب أعضاء الموجات السـابقة بسبـب اختــلاف الانتماء الاجتماعي.

وتجدر الإشــارة هنــا إلى أنه بانتهــاء الموجــة الرابعة، بلغ عـدد اليهــود الموجــودين في فلسطين 174.000 وحسب (منهم 30 ألفــاً من اليشـوف القديم يمثلون 16% من عدد السكان). وهذا هو كـل العـدد الذي هاجــر خـلال مـدة 50 عاماً، أي بمعدل 2500 يهودي كل عام من مجموع يهود العالم الذي بلغ آنذاك 16 مليوناً.

الموجة الخامسة:
واستغرقت الموجة الخامسة السنوات من 1932 إلى 1944 تقريباً وضمت حوالي 265 ألف يهود، وهو أعلى رقم بلغته أفواج المهاجرين إبان الانتداب. وترتبط تلك الموجة باستيلاء النازيين على السلطة، ولذا كانت غالبية أعضائها من بولندا وألمانيا والنمسا وتشيكوسلوفاكيا، أي وسط أوربا، بينما كان المهاجرون حتى الموجة الرابعة من شرقها.

وقد كان أعضاء هذه الموجة من الرأسماليين وأرباب المهن الحرة ذوي ثقافة عالية وكان بينهم 25.130 مهاجراً يحمل كل واحد منهم أكثر من ألف جنيه. وقد دخل فلسطين في عام 1935 وحده 6309 من هؤلاء الأثرياء. وقد أثر هذا في الحركة الصهيونية، فالتكوين الطبقي الجديد شد من أزر الصهاينة التصحيحيين باتجاههم الرأسمالي الفاشي. وقد وظَّف المهاجرون رؤوس أموالهم في فلسطين، وأسفر ذلك عن نمو كبير في الصناعة الصهيونية، وخصوصاً صناعات النسيج والصناعات الكيميائية والمعادن. كما نمت عملية إنتاج وتصدير الحمضيات نمواً كبيراً وتضاعف عدد المؤسسات الصناعية. ومع الحرب العالمية الثانية وإغلاق أبواب المنافسة ضد البضائع الأجنبية أخذت الصناعة الصهيونية فرصتها التاريخية للتوسع والازدهار (كانت حصة الصناعة من الناتج الكلي للاقتصاد الصهيوني عام 1936 نحو 26%، ارتفعت هذه النسبة بتأثير الحرب حتى بلغت 41.3% عام 1945. ويُقال إن هذه الفترة هي التي شهدت تشييد البنية التحتية للكيان الصهيوني).

وقد استمرت الهجرة بعد ذلك، ووصل إلى فلسطين 192 ألف مهاجر، وجاء بعد الحرب العالمية مجموعة من 161 ألفاً معظمهم «مهاجرون غير شرعيين». ولعل من المفيد في هذا المضمار أن نذكر أن معظم من نجوا من معسكرات الاعتقال والإبادة لم يستوطن فلسطين وإنما شق طريقه إلى الولايات المتحدة أو إلى إحدى دول العالم الأخرى.

والملاحَظ أن هذه الموجات المتكررة تسببت في إفساد البناء الاقتصادي الفلسطيني وفي تحويل أعداد كبيرة من الفلاحين الفلسطينيين إلى عمال غير مؤهلين وإلى تفشِّي البطالة بينهم لأن أبواب الصناعات الجديدة الصهيونية كانت موصدة دونهم. على عكس العمال في جنوب أفريقيا الذين كانوا يُقتَلعون من قراهم وقبائلهم ويُقذَف بهم في المدن أو على مقربة منها. ولكن الاقتصاد الجديد كان يستوعبهم، لأن الهجرة الأوربية إلى جنوب أفريقيا كانت استيطانية ولم تكن إحلالية. وقد كانت انتفاضات الفلسطينيين المختلفة (وخصوصاً انتفاضة 1936) تعبيراً عن السخط العربي على الهجرة اليهودية.

ولابد من الإشارة إلى أن الإحصاءات السابقة ليست على جانب كبير من الدقة لأن الحركة الصهيونية (وإسرائيل من بعدها) تجعل أعداد المهاجرين إلى فلسطين أسراراً عسكرية تتلاعب بها حسبما يتفق مع أهوائها الإعلامية. فمثلاً نجدها أحياناً تضم أعداد السائحين والحجاج إلى إحصاءات المهاجرين، كما تتعمد إغفال ذكر عدد المهاجرين إلى خارج فلسطين أحياناً أخرى.

ومع هذا، يمكن القول بأن عدد اليهود في فلسطين عام 1948 قد بلغ 649.623 يهودياً. ولو جمعنا هذا العدد في عائلات تتألف الواحدة منها من خمسة أشخاص لكان العدد 129.927 عائلة، بينما كانت الأملاك القومية اليهودية المشتراه حتى عام 1948 لا تتسع إلا لنحو 32.521 عائلة يهودية، أي أن هناك 97.406 من العائلات الفائضة عن القدرة الاستيعابية التي يُفتَرض وجودها في الأملاك الصهيونية وفقاً للحسابات التي أجراها الصهاينة أنفسهم. ومن هذا نستنتج أن الغرض الأساسـي أو النتيجـة الحتمية للهجرة اليهوديـة هي طرد الشـعب الفلسطيني، أي أنها هجرة «إحلالية» بالضرورة، بل إن هذه الهجرة لا يمكن رؤيتها إلا بوصفها الترجمة السكانية للعنف الصهيوني (وقد احتل المهاجرون المنازل العربية التي تركها سكانها، بل كانوا يتسابقون عليها للحصول على المساكن الجيدة في الأحياء الجديدة. أما الذين وصلوا فيـ مرحلة متأخرة، مثل اليهود الشرقيين، فقد حصلوا على منازل عربية عتيقة آيلة للسقوط).

الهجرة الصهيونية الاستيطانية بعد عام 1948: تاريخ
Zionist Settler Immigration after 1948: History
بلغ عدد اليهود الذين هاجروا بعد إنشاء الدولة حتى عام 1951 حوالي 687 ألف. من بينهم 106.163 ألف يهودي من بولندا و17.912ألف يهودي من رومانيا و24.731من تشيكوسلوفاكيا. وهاجر أيضاً ما يُعرَف بيهود المعسكرات (وهم بقايا الهجرة غير الشرعية) كما هاجرت أعداد من يهود البلقان ويوغوسلافيا.

ويبدو أن الحركة الصهيونية حينما كانت تتحدث عن اليهود كانت تعني حينئذ يهود أوربا وحسب، ومن ثم لم توجه نشاطها نحو تهجير يهود البلاد العربية رغم قربهم من فلسطين مكانياً. غير أن إنشاء الدولة الصهيونية كان من نتيجته خَلْق كثير من المشاكل لليهود العرب، وخصوصاً أن الدولة الصهيونية حاولت التدخل في شئون اليهود العرب الداخلية، كما ظهر في فضيحة لافون. ويُلاحَظ أن المجتمع العربي كان يتجه نحو الاشتراكية ونحو تأميم القطاع الخاص، وكان أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي مرتبطين بالاقتصاد الحر والمصالح المالية الأجنبية (وقد كانت هناك أعداد كبيرة من اليهود العرب يحملون جوازات سفر أجنبية). وفي نهاية الأمر كانت الهجرة إلى الدولة الصهيونية تحقق قدراً لا بأس به من الحراك الاجتماعي لبعض قطاعات اليهود العرب. لكل هذا، هاجرت أعداد كبيرة من يهود البلاد العربية، منهم 45.731 ألف يهودي يمني و123.625 ألف يهودي عراقي و30.242 ألف يهودي ليبي و16.607 يهودي من مصر و21.784 يهودي من إيران.

ومنذ عام 1969 بدأ تدفُّق جديد للمهاجرين اليهود حيث وصل عددهم ذلك العام 38.111 والعام الذي يليه 36.750. وأخذ العدد في التزايد التدريجي 41.930 (1971) و55.888 (1972) و54.886 (1973). والغالبية الساحقة من المهاجرين تأتي من أوربا (روسيا أساساً) وأمريكا الشمالية واللاتينية (أي من العالم الغربي)، ومن المعروف أن هجرة يهود جورجيا تمت خلال هذه الفترة حيث هاجرت أعداد ضخمة منهم. وبعد حرب عام 1973 هبط العدد إلى 31.981، وابتداءً من عام 1975 عاد إلى معدله العادي 20.028 (1975) ـ 19.754 (1976) ـ 21.429 (1977) ـ 26.394 (1978) ـ وزاد العدد إلى 37.222 (عام 1979 الذي شهد توقيع اتفاقية كامب ديفيد). ولكنه تراجع مرة أخرى إلى 20.428 (1980) ـ 12.599 (1981) ـ 13.723 (1982) ـ 16.906(1983) ـ 19.981 (1984) ـ 10.642 (1985). وعلى هذا، فإن الغالبية الساحقة لا تزال من العالم الغربي. ولا يمكن تفسير هذا التراجع إلا في إطار أزمة المجتمع الإسرائيلي الاقتصادية والمعنوية (انظر: «أزمة الصهيونية») وتآكل الهويات اليهودية في الخارج (انظر: «هجرة اليهود السوفييت») بحيث أصبح الدافع للهجرة دافعاً اقتصادياً محضاً، واكتسب العنصر الاقتصادي وحده مركزية تفسيرية.

ومع بدايات عام 1989، تبدأ هجرة اليهود السوفييت وهجرة يهود الفلاشاه، وقد وصل إلى إسرائيل عام 1990 نحو 20.038 يهودي.

وقد علقت إحدى الجرائد الصهيونية (دافار عدد 13 يوليه 1984) على الإحصاءات المختلفة للهجرة بما يلي: "لم يهاجر إلى إسرائيل بين عامي 1978 و1983 سوى 127 ألف مهاجر فقط مقابل 224 ألف مهاجر خلال السنوات 1971 ـ 1976 (أي خلال سنوات حكم المعراخ) بينما بلغ عدد المهاجرين من الشرق والغرب في الفترة من 1948 إلى 1953 حوالي 717 ألف مهاجر تم استيعابهم بواسطة كيان صغير لم يزد عدد سكانه وقتها عن 80.000 فقط".

وتهدف هذه الجريدة إلى تفسير تناقص الهجرة إلى الكيان الصهيوني على أساس أن إسرائيل في حكم بيجين لا تمثل مركز جاذبية بالنسبة ليهود العالم، وذلك على عكس الحكومة العمالية. ومن الواضح أن انخفاضاً حاداً قد حدث بالفعل لحجم الهجرة اليهودية عام 1980 (20.428) ثم ازداد ذلك تدنياً عام 1981 (12.599)، وهو أدنى رقم يُسجَّل منذ 29 عاماً (إذ سجَّل عام 1953 أدنى رقم في تاريخ الهجرة حيث بلغ 11.575 مهاجر). ومع هذا، يُعَدُّ رقم عام 1981 أكثر تدنياً بالنسبة لعدد السكان اليهود في فلسطين المحتلة حيث كان لا يتجاوز المليون عام 1953، ثم اقترب من الأربعة ملايين عام 1981.

وتبيِّن أرقام عامي 1982 و1983 أن النمط نفسه مستمر. وقد سجل عام 1984 ارتفاعاً نسبياً بسبب هجرة يهود الفلاشاه، ثم عادت الأرقام للهبوط عام 1985.

إن عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين المحتلة (حتى بداية هجرة اليهود السوفييت عام 1989) كان آخذاً في التناقص ولا شك. ولكن هذا التناقص في الهجرة لا يمكن تفسيره على أساس وجود الليكود في الحكم وجود المعراخ العمالي في المعارضة، فثمة فترات عديدة امتدت لعدة سنوات تدنت فيها الهجرة وكانت الأحزاب العمالية أثناءها هي الأحزاب الحاكمة، مثل الفترة من عام 1952 إلى 1954، والفترة من عام 1965إلي 1968 (وهي الفترة التي سبقت العدوان الصهيوني عام 1967 والتي تلته). ويُقال إن تدنِّي الهجرة في ذلك الوقت كان حاداً إلى درجة أن صافي الهجرة كان سلبياً. ويرى بعض المحللين السياسيين أن ذلك كان أحد الأسباب التي دفعت العدو الصهيوني لشن العدوان على مصر والأردن وسوريا.

لكن تغيَّر الحزب الحاكم في فلسطين المحتلة لا يفسر بتاتاً زيادة أو قلة الأعداد المهاجرة، ذلك لأن نقاط الاختلاف بين حزب صهيوني وآخر لا تعني المهاجر الصهيوني كثيراً، وإنما تفسرها حركيات تقع خارج نطاق الإرادة الصهيونية أو اليهودية. فهي تفسر على أساسين رئيسيين لا ثالث لهما، عناصر الطرد من البلد الأصلي وعناصر الجذب في إسرائيل. وعناصر الطرد هي حجم المشاكل التي يجابهها اليهود في البلاد التي يعيشون فيها أو في تلك التي يفكرون في الهجرة إليها، فإن زادت المشاكل وتضخمت زادت الرغبة في الهجرة (هتلر في ألمانيا ـ الضغوط الاقتصادية في الاتحاد السوفييتي ـ إغلاق باب الهجرة إلى الولايات المتحدة). وتتمثل عناصر الجذب في أن يكون الكيان الصهيوني متمتعاً بقدر من الاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي، وهو ما حدث بعد المساعدات الاقتصادية الألمانية، وبعد حرب 1967، حيث انهالت المساعدات المالية من يهود العالم ومن الولايات المتحدة على الكيان الصهيوني، وحيث تم ضم أراض شاسعة تُعَدُّ مجالاً حيوياً يتحرك فيه المستوطنون ويجنون ثمراته.

وعناصر الطرد في الوطن الأصلي يمكن أن تكون من القوة بحيث يصبح أي مكان آخر عنصر جذب. ولكن، مهما كان الأمر، فإن الدافع وراء الهجرة الصهيونية أبعد ما يكون عن الصهيونية. فالحركة الصهيونية قد جعلت الهجرة إلى أرض الميعاد لتأسيس دولة صهيونية فكرة محورية. وقد ادعى الصهاينة أن الهدف الحقيقي من إنشاء الدولة الصهيونية هو إيواء المهاجرين، ولكن الواقع يبين أن الهدف الحقيقي هو إنشاء دولة وظيفية لحماية المصالح الغربية، ولذا فإن المهاجر اليهودي إن هو إلا أداة، جزء من الحائط المقام للدفاع عن الدولة الإسرائيلية، وهو حائط بشري من لحم ودم وليس حائطاً من حجارة، على حد قول بن جوريون.

وقد ظهر هذا في مؤتمر إفيان عام 1938 الذي عُقد لبحث مشكلة المهاجرين اليهود والذي حضرته وفود 31 دولة. وقد سمحت الحكومة النازية لوفد يهودي من ألمانيا بحضور المؤتمر. ولم يتحمس ممثلو الدول الغربية لفتح أبواب بلادهم أمام اللاجئين، وإن كانت الولايات المتحدة قد أعلنت عن استعدادها لقبول 30 ألف مهاجر سنوياً، كما وافقت جمهورية الدومينيكان على دخول 100 ألف مهاجر من أولئك اللاجئين دفعة واحدة، وكان أعضاء المؤتمر من اليهود فاترين في موقفهم من الهجرة اليهودية لبلادهم أما أعضاء المنظمة الصهيونية العالمية فقد قابلوا فكرة المؤتمر باللامبالاة والعداء إذ أن هذا يعني في واقع الأمر تحويل تيار الهجرة الاستيطانية عن فلسطين. وهذا الموقف الصهيوني من الهجرة اليهودية، والذي يحوِّل اليهودي إلى أداة ووسيلة، هو نفسه الذي يفسر سَعْي الحركة الصهيونية لدى الولايات المتحدة لإغلاق أبوابها أمام المهاجرين السوفييت.

ملاحظة مني انا : هنا يوجد جدول بأعداد المهاجرين الاستيطانيين إلى فلسطين منذ 1882 حتى عام 1997. ولكن فيه اخطاء بالترتيب في السيدي لذلك فضلت عدم نقله خوفا من ان انقل لكم اي اخطاء

الهجرة الصهيونية الاسـتيطانية غير الشرعية
Illegal Settler Immigration
«الهجرة الصهيونية الاستيطانية غير الشرعية» (في المصطلح الصهيوني تُسقط كلمة «استيطانية») اصطلاح يُطلَق على المهاجرين اليهود الذين استوطنوا في فلسطين عن طريق التسلل إليها، مخالفين بذلك القوانين التي أصدرها العثمانيون، ثم سلطات الانتداب، بهدف تنظيم الهجرة بما يتناسب مع قدرة البلاد على الاستيعاب. وقد ساهمت الهاجاناه في عمليات الهجرة غير الشرعية، كما ساهم أيضاً الجستابو النازي وفرق الـ إس. إس. في التخلص من الجماعة اليهودية وفي تسريب بعض الجواسيس النازيين إلى المنطقة.

ومن وجهة نظر عربية، تُعَدُّ الهجرة الاستيطانية الإحلالية الصهيونية ـ بغض النظر عن شكلها القانوني ـ هجرة «غير شرعية». ولهذا، لا تُعالَج الهجرة غير الشرعية (حتى في المصادر الصهيونية) كظاهرة منفصلة عن الهجرة الاستيطانية الصهيونية. فهما عنصران متداخلان وينتميان إلى بناء واحد.

المجتمع الاسـتيطاني الصهيوني كمجتمع مهاجرين
Zionist Settler Society as an Immigrant Society
المجتمع الصهيوني هو أساساً تجمُّع مستوطنين، وقد ترك هذا الوضع أثراً عميقاً في بنية هذا المجتمع وسماته الأساسية، نورد بعضها فيما يلي:

1 ـ يعتمد التجمُّع الصهيوني حتى الآن على الهجرة لزيادة عدد سكانه ولنموه الاقتصادي، فالزيادة الطبيعية للسكان كانت تشكل، حتى عهد قريب، أقل من نصف حجم الزيادة الكلية.

2 ـ يتسم سكان هذا التجمُّع بعدم التجانس، فقد تكوَّنت النخبة السياسية التي تسلمت زمام السلطة عام 1948 من مهاجري شرق أوربا من يهود اليديشية (وخصوصاً من الهجرة الثانية والهجرة الثالثة) ومعظمهم كان علمانياً يؤمن بأيديولوجية جماعية يُقال لها «عمالية». وكانت سلطتها مطلقة في تحديد قواعد اللعبة، وكذلك في أسلوب ومعايير توزيع الموارد وتحديد الأهداف السياسية والاقتصادية، وكان المفهوم ضمناً أن قيم هذه النخبة قيم صهيونية عامة يجب على جميع الفئات أن تتبناها وأن تتكيف معها. ولكن الهجرة جاءت بأنواع مختلفة من المهاجرين فانقسم المجتمع بحدة إلى غربيين وشرقيين، وكل فريق ينقسم إلى فئات وأقليات متعدِّدة. بل إن المجتمع ينقسم على نفسه من الناحية الدينية، فهناك الأرثوذكس والمحافظون والإصلاحيون، وهناك كذلك الحاخاميون والقراءون وغيرهم من الفئات الدينية. ويؤدي عدم التجانس الإثني والديني إلى إخفاق التجمُّع الصهيوني في التوصل إلى هوية قومية.

3 ـ يؤدي عدم التجانس هذا إلى تخفيف حدة الصراعات الطبقية داخل الكيان الصهيوني لأن الصراعات الإثنية والجيلية تطغى على الصراعات بين أعضاء الطبقات المختلفة. فالمهاجر إنسان متطلع باحث عن الحراك وانتماؤه هو انتماء عرْقي وإثني بالدرجة الأولى، وهو يحاول تحقيق ذاته ومصالحه من خلال الانتماء لجماعته الإثنية.

4 ـ تسببت الهجرة السوفيتية الإشكنازية في تعميق حدة الصراع الطائفي، لأن المهاجرين السوفييت يُعاملون معاملة خاصة، ويتم إسكانهم في منازل فاخرة، وهو ما يثير حفيظة الصهاينة الآخرين المقيمون خلف الخط الأخضر، حدود 1948، وفي إثارة سخط الشرقيين الذين هاجروا في الخمسينيات.

5 ـ يُلاحَظ أن النظام الحزبي في إسرائيل لا يزال يعكس الطابع الاستيطاني للدولة؛ فهو يساهم في عملية استيعاب المهاجرين، كما أن كثيراً من المؤسسات السياسية والعسكرية في فلسطين المحتلة تأخذ طابعاً خاصاً بل فريداً لأنها تحاول أن تتكيف مع متطلبات مجتمع المهاجرين الصهيوني.

6 ـ تتأثر الانتخابات الإسرائيلية، بل التوجه العام للمجتمع الإسرائيلي، بنوعية المهاجرين التي تتدفَّق عليه، ولعل هذا يُفسِّر سرّ تحمُّس المؤسسة الصهيونية الإشكنازية للهجرة من الاتحاد السوفيتي، فهذه الهجرة ستحقق لها ثلاثة أهداف:

أ ) خَلْق كثافة سكانية يهودية تعادل الكثافة السكانية العربية.

ب ) خَلْق كثافة سكانية إشكنازية تعادل الكثافة الشرقية.

جـ) خَلْق كثافة سكانية علمانية تعادل الكثافة الدينية.

وفي الانتخابات الأخيرة ظهرت أحزاب "المهاجرين" مرة أخرى ولعبت دوراً أساسياً في التحالف الوزاري.

7 ـ ونظراً لأن مجتمع المهاجرين مهدد بالتآكل والتفسخ في أية لحظة بسبب عدم تجانسه، وبسبب ضعف انتماء أعضائه، فإن النخبة الصهيونية الحاكمة تحاول دائماً أن تضخِّم الخطر "العربي"، أو الخطر الأصولي (الخارجي) حتى تدفع العناصر المتصارعة المختلفة إلى التماسك في مواجهته. وهكذا تصبح حالة شبه الحرب الدائمة حالة مثالية بالنسبة لهذا المجتمع الذي يحتاج إلى عقلية الحصار.

8 ـ يمكن تفسير تفشِّي الجريمة والمؤسسات الإجرامية المختلفة في الكيان الصهيوني على أساس أنه تجمُّع مهاجرين لا يتسم بالتماسك ولا بتوحُّد القيم.

9 ـ تعتمد التوسعية الصهيونية على تدفُّق المهاجرين من الخارج فهم يشكلون المادة البشرية التي تجعل مثل هذا التوسع ممكناً. وقد رفض بن جوريون تعريف حدود الكيان الصهيوني بفلسطين عام 1948 باعتبار أن ما سيحدد ذلك هو حجم المهاجرين المستوطنين، فكلما ازدادت أعداد المهاجرين اتسعت الحدود!

10 ـ مجتمعات المهاجرين عادةً مجتمعات دينامية، فالهجرة تعني التضخم السكاني السريع والحاجة إلى إعادة تأهيل المهاجرين واستيعابهم، وهي تعني أيضاً استيراد فكر جديد ومعارف جديدة وتجارب وخبرات وأموال وموارد بشرية وثقافات متعددة. والمجتمع الإسـرائيلي من أكثر المجتمـعات ديناميـة ومقدرة على تغيير توجهه وأدواره. ومما يساعد على ذلك صغر حجم المجتمع. كما أن أسطورة الاستيطان الصهيونية تدعو إلى أن يبدأ المستوطنون من نقطة الصفر، ومن ثم فالمجتمع لا ينوء بعبء التقاليد والماضي.

هجـــرة اليهـــود الشـــرقيين
Immigration of Oriental Jews
رغم الخلافات الأيديولوجية بين التيارات الكثيرة التي انضمت إلى مؤسسات الاستيطان المنظم، فقد كانت جميعها متفقة على المبادئ الأساسية للحركة الصهيونية، وكانت منسجمة اجتماعياً وإثنياً، على اعتبار أنها تنتمي إلى الأصول الاجتماعية الإشكنازية نفسها. وأدَّت هجرة اليهود الشرقيين بعد إقامة الدولة إلى تحولات جوهرية في المجتمع الجديد، وهي:

1 ـ تحوُّل جذري في البناء الطبقي، فقد أدَّت الهجرة إلى حراك سريع نحو الأعلى لعدد كبير من السكان القدامى؛ إذ تضخَّم الجهاز الإداري بسرعة، واستوعب جزءاً كبيراً منهم، ومُنحوا الوظائف في جهاز التعليم والمهن الحرة والجيش والحكم العسكري. وكان منهم رجال العلم والبحث والأدب والفن وغير ذلك. وضمنت هذه الأعمال دخلاً عالياً نسبياً ومكانة اجتماعية وقوة سياسية. كما توجَّه جزء منهم إلى المبادرة الاقتصادية بدعم ومساعدة من الدولة، فنشأت بذلك طبقة وسطى جديدة من صنع الدولة وتابعة لها.

أما بالنسبة لليهود الشرقيين، فقد سبَّبت الهجرة لجزء كبير منهم الحراك نحو الأسفل، لا سيما أنهم كانوا في عداد الطبقة الوسطى في مجتمعاتهم الأصلية، فتحوَّلوا في الغالب من موظفين وتجار إلى عمال بسطاء في الزراعة.

2 ـ أضافت الهجرة الجديدة إلى الدولة قوة بسبب ضخامة عدد المهاجرين، لكنها سبَّبت عبئاً اقتصادياً ثقيلاً على ميزانية الدولة. وقد تم استيعابهم على نحو سريع نسبياً، وبثمن منخفض، إذ استُوعبوا في مستوطنات أُقيمت على أنقاض القرى الفلسطينية المهجورة، وخصوصاً في المناطق الحدودية، وأُقيمت مستوطنات جديدة خاصة بهم تُسمَّى «مدن التطوير». كذلك بقي عدد كبير منهم في معسكرات انتقالية أعواماً عدة. وتم توطين جزء صغير منهم في الضواحي العربية في المدن، ولا سيما في اللد والرملة وعكا وحيفا ويافا والقدس.

وتميَّز استيعاب المهاجرين الشرقيين بتوطينهم في المناطق البعيدة عن مركز البلد، ولا سيما في شماله وجنوبه. وهكذا تحوَّلوا إلى فئة محيطية هامشية جغرافياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

3 ـ لم يُعتبَر الشرقيون استمراراً للهجرات الإشكنازية السابقة، ولذلك سُمِّيت هجرتهم «الهجرة الجماهيرية» بدلاً من «الهجرة السادسة». كما أن طبيعة أعمالهم لم تُحسب ضمن الأعمال الطليعية والبطولات التي يمكن أن تُترجَم إلى مكانة وقوة سياسية.

4 ـ تحوَّل الشرقيون بعد فترة وجيزة من وصولهم إلى شريحة اجتماعية تابعة للدولة، وشكَّلوا دعماً لها. وكانت تعبئتهم سهلة، فساهموا في تقوية الدولة في وجه الجماهير العربية الفلسطينية.

5 ـ شكَّل الشرقيون بعد أعوام قليلة من توطينهم مشكلة اجتماعية/ اقتصادية كبيرة وعبئاً ثقيلاً. إذ بدأوا يطالبون بتوزيع أكثر عدالة للموارد وبالمساواة في الفرص. لكن الدولة كانت دائماً ترد مطالبهم بحجة المشكلة الأمنية وعدم إمكان معالجة المشكلات كلها في وقت واحد، وهو ما عبَّر عنه موشي ديان بمشكلة رفع العَلمين: عَلم الأمن وعَلم الرفاه الاجتماعي. وقد سـاعد هذا الادعـاء في احـتواء ظاهرة الفقر واستيعابها.

هكذا يمكن القول بأن هجرة الشرقيين أدَّت إلى تغيير التركيب الاجتماعي في إسرائيل على نحو جوهري.

النـــــــــــــــزوح
Emigration; Yeridah
حاولت الصهيونية منذ البداية أن تصوِّر العلاقة بين اليهود وأرض فلسطين العربية بوصفها علاقة مطلقة تستمد مغزاها من "وعد الإله لشعبه المختار"، وهي لذلك لا تخضع لأية متغيرات تاريخية أو اجتماعية، ولكن هذا ما يصطدم مع ما يرونا من حقائق عن تزايد معدلات الهجرة والنزوح، وهي حقائق تؤكد أن العلاقة بين اليهودي و"أرض الميعاد" هي علاقة نسبية تؤثر فيها المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

والمقصود بالنزوح هو حركة الهجرة المضادة إلى خارج إسرائيل وتُسمَّى بالعبرية «يريداه» أو «النزول»، ويُطلَق على المهاجرين إلى الخارج اسم «يورديم» أي «نازحين أو هابطين» أو «مرتدين» مقابل «عوليم» أي «صاعدين». ولعل هذه التسمية في حد ذاتها تعكس رؤية الصهاينة لحركة النزوح باعتبارها جريمة أخلاقية وخيانة للمبادئ الصهيونية، بل إن هؤلاء النازحين يُطلَق عليهم اصطلاح «الدياسبورا الإسرائيلية» بما يسببه من حرج للحركة الصهيونية باعتبار أن الدياسبورا مصطلح يشير إلى اليهود الذين يقطنون خارج فلسطين ولا يمكنهم الهجرة إليها لسبب أو آخر، أما أن تنشأ "دياسبورا" كانت تسكن فلسطين فهذا ما لا يقبله منطق الصهاينة. فالدياسبورا تفترض حالة غربة من الصعب في هذه الحالة تعريف مضمونها. بل إن من التطورات المهمة أن قرار النزوح أصبح مقبولاً اجتماعياً حيث يظهر بعض النازحين على التليفـزيون الإسـرائيلي ليتحدثوا عن قصص نجاحهم في الولايات المتحدة، كما تظهر في الصحف إعلانات عن إسرائيليين يودون بيع شققهم استعداداً للهجرة، وهذه أمور كانت في الماضي تتم سراً لأن نزوح أعداد كبيرة من الإسرائيليين، تماماً، مثل تساقط أعداد كبيرة من المهاجرين السوفييت، فيقوِّض دعائم الشرعية الصهيونية.

ولذلك تحاول المؤسسة الصهيونية تقليل حجم المشكلة، فالأرقام المعلنة عن النزوح، وإن كانت تعطي مؤشرات ودلالات مهمة، لا تمثل الحقيقة تماماً، إذ أن معظمها مأخوذ عن الإحصاءات الرسمية للهيئات الصهيونية داخل وخارج إسرائيل، وهي مثار شكوك عديدة من جانب القادة الصهاينة أنفسهم، فكثيراً ما عبَّر أناس لا يشك المرء في صهيونيتهم مثل إيريل شارون عن أن الأرقام المعلنة تقل كثيراً عن الحقيقة، ومن ناحية أخرى فلا يوجد تعريف "قانوني واضح وملزم" لكلمة «نازح»، من حيث مدة بقائه خارج إسرائيل، وخصوصاً أن جزءاً كبيراً من المهاجرين لا يغادر إسرائيل بتأشيرة مهاجر، علاوة على أن الإحصاءات لا تضم الذين يعيشون في الخارج ويحملون جنسيات مزدوجة، حيث يسجلون أنفسهم "إسرائيليين" تهرباً من الضرائب ومن أداء الخدمة العسكرية. كما أن أعداداً كبيرة من الطلاب الذين يمضون عدة سنوات للدراسة في الخارج يقررون عدم العودة لإسرائيل، وتكشف الأرقام والجداول الآتية عن حجم الظاهرة وتناقُض المعلومات بشأنها وإن كانت تعبِّر في النهاية عن ظاهرة خطيرة بالنسبة للمشروع الصهيوني .

هنا ايضا يوجد جدولين لم انقلهم لنفس السبب

الاول : السكان الذين مر على بقائهم خارج البلد عاماً متواصلاً فأكثر (أعداد مطلقة ونسب مئوية) .المصدر: دليل إسرائيل (خليفة وجريس).

والثاني :هجرة ونزوح المستوطنين الصهاينة : معدلات سنوية المصدر : نقلاً عن مقال تسيون رافي ، هآرتس 5 و 6 يناير 1986.

ويكشف الجدولان السابقان (1، 2) عن اختلاف المعلومات بشأن أعداد النازحين، ولكن نستنتج منها أن نسبة النازحين بلغت في مجمل عهد الانتداب البريطاني نحو 17% من مجموع المهاجرين إلى فلسطين، ويمكن تقدير عدد النازحين من إسرائيل منذ قيامها وحتى نهاية عام 1993 طبقاً للإحصاءات الإسرائيلية بنحو 471.800 شخص، أي بمعدل 10500 نازح في العام الواحد، وإذا تذكرنا أن عدد الذين هاجروا إلى إسرائيل في الفترة نفسها هو 2.363.477 شخصاً، أي بمعدل 52.500 تقريباً في العام الواحد، فإن نسبة النازحين حتى نهاية عام 1993 تبلغ 20% تقريباً من مجموع المهاجرين إلى إسرائيل، ويُلاحَظ أن هذه النسبة (نسـبة الهابطين إلى الصـاعدين) كانـت نحو 14% حتى أواسط السبعيـنيات، وبدأت هذه النسبة ترتفع بعد ذلك حتى وصلت ذروتها في أوائل التسعينيات، إذ بلغت 40.8 عام 1993، وهو مؤشر لارتفاع أعداد النازحين مقابل انخفاض أعداد المهاجرين إلى إسرائيل.

وهناك الكثير من الدلائل تشير إلى تقدير عدد النازحين بحوالي نصف مليون فقط هو محاولة من جانب المؤسسة الصهيونية التقليل من حجم الظاهرة. فبعض المصادر ترى أن عدد النازحين يصل إلى حوالي 750 ألف، وهو نفس عدد سكان المُستوطَن الصهيوني عام 1948، وهو ما حدا ببعض الصحف الإسرائيلية إلى الإشارة لهذه المفارقة وأشارت إلى ما سمته "الخروج من صهيون". وكلمة "خروج" مرتبطة في المعجم الديني اليهودي بالخروج من مصر والصعود إلى صهيون، أما أن يكون الخروج من صهيون فهو أمر يقف على طرف النقيض من الأسطورة الصهيونية.

والجدير بالذكر أن معظم النازحين من ذوي المهارات المهنية والأكاديمية، بل إن من النازحـين أعـداداً كبيرة من الضـباط والدبلوماسيين، فقد ذكرت صحيفة هآرتس 24 أغسطس 1987 أنه نزح عن إسرائيل 171 ضابطاً كبيراً في الاحتياط برتبة عقيد فما فوقها، وهو ما يعادل نسبة 10% من مجمل الضباط برتبة عقيد فما فوقها من الذين خدموا في الجيش الإسرائيلي. كما أن 400 من الدبلوماسيين الذين أُرسلوا في بعثات حكومية إلى الولايات المتحدة من 1966 ـ 1985 غيَّروا وضعهم واستقروا في الولايات المتحدة، وقد كانت نسبة النازحين في البداية من بين المهاجرين، ولكن مع أواخر السبعينيات كان ثُلث النازحين من جيل الصابرا، أي الجيل الذي وُلد ونشأ على "أرض الميعاد". بل وصلت النسبة إلى 70 ـ 80% في منتصف الثمانينيات، بالإضافة إلى نسبة كبيرة من النازحين من بين أبناء الكيبوتسات.

ويمكن القول بأن حركة النزوح ترتبط إلى حدٍّ كبير بأوضاع إسرائيل الأمنية حيث ارتفعت نسبة النازحين منذ منتصف السبعينيات، وبالتحديد بعد حرب عام 1973، وارتفعت بصورة أكثر حدة مع اندلاع الانتفاضة وذلك مقابل انخفاض الهجرة إلى إسرائيل في الفترة نفسها. بل إن عدد النازحين (14.600) أصبح أكبر من عدد المهاجرين إلى إسرائيل بحوالي 12% وذلك في عام 1988. ورغم الانخفاض النسبي في بداية التسعينيات مقابل تزايُد هجرة اليهود السوفييت، فإن حركة النزوح ارتفعت إلى 24 ألف نازح عام 1992، و31 ألف نازح عام 1993.

ورغم قدرة إسرائيل على تدبير الموارد الاقتصادية من خلال المعونات فإن العامل الاقتصادي يُعَد أحد أهم أسباب النزوح، وهذا ليس غريباً، باعتبار أن الدافع وراء الاستيطان في المقام الأول كان اقتصادياً، كما يرتبط النزوح بالتركيب المهني فهو يزداد بازدياد حدة الاختلاف بين مهن المهاجرين في الأقطار التي جاءوا منها وبين مجالات استيعابهم في إسرائيل، ويُتوقَّع أن يزداد نزوح المهاجرين السوفييت الذين تدفَّقوا على إسرائيل في أوائل التسعينيات وذلك بسبب فائض المهن العلمية والأكاديمية والفنية لديهم، وعدم قدرة سوق العمل الإسرائيلية على استيعابهم.

وتُشكِّل صعوبات الاندماج الاجتماعي بين المستوطنين في إسرائيل عاملاً مهماً من عوامل الهجرة للخارج حيث يحمل المستوطنون ثقافات وعادات وسمات قومية وحضارية متباينة إلى أقصى حد، بجانب انعدام المساواة وشيوع التفرقة بين الطوائف اليهودية، ومشاكل الجهل بالدين اليهودي التي تواجه المهاجرين إلى إسرائيل، فالكثير منهم يأكل لحم الخنزير ويتزوج من نساء غير يهوديات ولا يعرف أبسط قواعد الشريعة اليهودية، ثم يُفاجأ في إسرائيل بهيمنة المؤسسة الأرثوذكسية ورفضها الاعتراف بزواجه من غير يهودية.

إن ظاهرة النزوح المتفاقمة من إسرائيل تُشكِّل ـ على مستوى الممارسة ـ ضربة في الصميم لمقدرات المشروع الصهيوني العسكرية، فإذا كان اليهودي المهاجر من بلده إلى فلسطين المحتلة يتحول إلى مستوطن صهيوني مقاتل، فإن الحركة العكسية (النزوح والتساقط) تؤدي إلى تحوُّل المستوطن الصهيوني المقاتل إلى مواطن يهودي في بلد آخر، وبخاصة مع وجود نسبة كبيرة من النازحين من بين أعضاء الكيبوتسات وكبار الضباط والطيارين والمهندسين في صناعة السلاح، وفي ظل كون المشروع الصهيوني مشروعاً مسلَّحاً بالدرجة الأولى، يكتسب قدراً كبيراً من شرعيته الحقيقية أمام نفسه وأمام الغرب (بل وأمام العرب) من مقدراته القتالية.

ويمكن القول بأن تفاقم ظاهرة النزوح تثير قضية العلاقة بين الحركة الصهيونية من جهة ويهود العالم من جهة أخرى، وهو ما يؤكد عزلة الحركة الصهيونية عن يهود العالم وعجزها عن التأثير في أوساطهم بشكل فعال وحثهم على الهجرة والاستقرار في فلسطين المحتلة، بل يكشف عن زيف الدعايات الصهيونية والتناقُض الكامن في بنية الأيديولوجية الصهيونية نفسها القائمة على تهجير اليهود وعودتهم من المنفى إلى أرض الميعاد. ولكن الوقائع تثبت أن المنفى البابلي في الولايات المتحدة قوة لا تُقاوم حتى من جانب طليعة الشعب اليهودي، أي المستوطنين الصهاينة.



الباب الرابع: هجرة اليهود السوفييت


موقف الدولـة السوفيتية من هجرة أعضاء الجماعات اليهودية
Attitude of the Soviet State to the Immigration of Members of Jewish Communities
يمكننا بشيء من التبسيط القول بأن سياسة السوفييت تجاه الهجرة كانت تحكمها ثلاثة اعتبارات أساسية:

1 - الاعتبارات العقائدية والتي يشكل صالح الدولة السوفيتية جزءاً أساسياً منها، وغني عن القول أن رأي البلاشفة في المسألة اليهودية بُعد أساسي في الاعتبارات العقائدية.

2 - اعتبارات السياسة الداخلية خارج الإطار العقائدي.

أ ) فعلى سبيل المثال، يُقال إن بعض العناصر الروسية القومية داخل الحزب كانت تهدف (في السبعينيات) إلى "تنظيف" المجتمع من اليهود باعتبارهم عناصر أممية، وكان هذا يعني في الوقت نفسه إخلاء عدد لا بأس به من الشقق.

ب) كما كانت توجد عناصر في المخابرات السوفيتية ترى أن اليهود عنصر مسبب للقلق وأنه لو سُمح بهجرة بعض العناصر من اليهود الرافضين الذين كانوا قد بدأوا يتصلون بعناصر الرفض في ليتوانيا ولاتفيا وأوكرانيا لقُضي على عنصر أساسي من عناصر الرفض.

جـ) يذهب البعض إلى أن أعضاء القوميات الأخرى غير الروسية يعتبرون اليهود من دعاة الترويس (أي صبغ الأقليات بالصبغة الروسية) ورحيلهم يعني إخلاء بعض الوظائف التي يشغلها الروس لأبناء جلدتهم.

3 - اعتبارات السياسة الخارجية مثل العلاقة مع العرب والرغبة في التقارب مع الغرب، أو التصدي له.

وفي الغالب كانت العناصر الثلاث تلتقي حتى بداية السبعينيات حين بدأت العقيدة الماركسية في التآكل وبدأت الاتجاهات الذرائعية في الظهور. وقد صاحبت ذلك رغبة في الوفاق مع الغرب والتقرب منه والتخلي عن المبادئ الماركسية.

هذه هي بعض المحدِّدات العامة للسياسة السوفيتية تجاه هجرة اليهود السـوفييت. ويمكنــنا الآن أن نتـناول التطـور التــاريخي نفسه.

حينما قامت الثورة البلشفية تناقص عدد المهاجرين إلى فلسطين بحيث بلغ عددهم في الفترة من عام 1919 إلى تاريخ إعلان الدولة الصهيونية 52.350 ، أي أقل من ألفي مهاجر كل عام (من مجموع اليهود السوفييت الذين كان يصل عددهم إلى حوالي 2.5 مليون). وظل موقف السوفييت من الهجرة لا يتغيَّر في أساسياته بعد إعلان الدولة إذ يبدو أن عدد اليهود الذين هاجروا في الفترة من 15 مايو 1948 حتى نهاية 1969 حوالي عشرة آلاف - أي أقـل من خمسـمائة مهاجر كل عام. وفي الفترة من 1954 حتى 1964، بلغ عدد المهاجرين 1452 (بمعدل 140 كل عام). وفي الفترة من 1957 إلى 1960، بلغ عدد المهاجرين 224 (أي حوالي 80 مهاجراً كل عام). ومع هذا، لابد أن نشير إلى أن 20 ألف يهودي روسي تمت إعادة توطينهم في بولندا في الفترة 1956 - 1959 مع علم الاتحاد السوفيتي بأنهم كانوا سيهاجرون في نهاية الأمر إلى إسرائيل. ولعل المحرك الأساسي للسياسة السوفيتية تجاه الهجرة بعد إعلان الدولة وحتى السبعينيات هو مركب من الاعتبارات العقائدية واعتبارات المواجهة مع الإمبريالية والرغبة في الوقوف ضد إسرائيل، قاعدة الاستعمار الغربي في الشرق الأوسط. كما أن الاعتبارات الداخلية لعبت دوراً ولا شك، إذ أن الاتحاد السوفيتي كان يحتاج إلى المادة البشرية اليهودية في فترة بنائه بعد الحرب. كما أنه كان يرفض التعاون مع أية اتجاهات قومية تهدد وحدته.

وقد تغيَّر موقف السوفييت، ومن ثم زاد عدد المهاجرين، ابتداءً من عام 1971، ولا يمكن تفسير هذا التغير على أساس الضغوط الصهيونية أو تصاعُد الروح القومية اليهودية، وإنما هو أمر مرتبط تماماً بحركيات المجتمع السوفيتي (والمجتمع الأمريكي) إذ يبدو أن الاتحاد السوفيتي بدأ يصبح أكثر انفتاحاً واستجابة للضغوط الدولية وضغوط الأحزاب الشيوعية الأوربية التي كانت قد بدأت في تحسين صورتها أمام الغرب (وهي العملية التي انتهت في نهاية الأمر بأن فَقَد الجميع توجهاتهم الماركسية ثم سقط الاتحاد السوفيتي). كما أن الاتحاد السوفييتي كان يفكر في تحسين علاقاته الاقتصادية مع الغرب، بل يُقال إنه كان يود أيضاً التخلص من العناصر المقلقة والمشاغبة داخله. ولذا، هاجر عام 1970 نحو 1.027 يهودياً وحسب من الاتحاد السوفيتي، على حين أن عـام 1971 شـهد هجرة 13.022 زادت إلى 3.681 في العام التالي، ووصلت إلى 34.733 عام 1973 (وقد شهدت هذه الفترة أيضاً فتح أبواب الهجرة أمام أعضاء الأقليات الأخرى فهاجر 9.064 ألمانياً و4.000 أرمنياً). وقد تراجع عدد المهاجرين اليهود إلى 20.628 عام 1974 ثم إلى 13.222 عام 1975. ويبدو أن التراجع يعود إلى حرب 1973، وتوتُّر العلاقة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، وفشل المحادثات الأمريكية السوفيتية الخاصة بإعطاء الاتحاد السوفيتي معاملة الدولة الأكثر تفضيلاً. ويُقال إن الاتحاد السوفيتي بدأ يفكر في الخسارة الناجمة عن هجرة العقول منه. وكان بين المهاجرين عدد ضخم من اليهود الذين تلقوا تعليماً عالياً. كما كان هناك بعض الاعتبارات الأمنية إذ كان بين المهاجرين عدد كبير من المطلعين على الأسرار العسكرية وأسرار الدولة.

وقد زاد عدد المهاجرين في الفترة من 1976إلى 1979، فكان عدد المهاجرين اليهود 111.195 والألمان 36.659. ويبدو أن هذا يعود إلى مؤتمر هلسنكي لحقوق الإنسان ومحاولة الاتحاد السوفيتي تحسين علاقاته الاقتصادية. ولكن السياسة السوفيتية تغيَّرت عام 1980 (وخصوصاً في عام 1981) بالنسبة لليهود وغير اليهود. ويبدو أن السبب هو تدهور العلاقات مع الغرب. وقد ازداد التدهور مع انتخاب ريجان. ويُقال إن الاتحاد السوفيتي ترك أعداداً اسمية من المهاجرين تستمر في الخروج ليؤكد للعالم أن عنده سلعة ثمينة يمكنه التفاوض بشأنها ليحصل على الثمن.

ويبدو أن عام 1989 كان عاماً حاسماً إذ قفز عدد المهاجرين إلى 31.297، ولكن هذا الأمر لم يحدث بشكل تلقائي إذ يبدو أنه حدثت اتصالات بين الجانبين الإسرائيلي والسوفييتي، وتوصل البلدان إلى توقيع أول اتفاق تجاري علمي منذ سنة 1967. إلا أن كلاًّ منهما كان يلتمس من وراء ذلك صيداً ثميناً مختلفاً. فقد كان الإسرائيليون يودون رفع القيود عن خروج اليهود السوفييت الراغبين في الذهاب إلى إسرائيل. أما السوفييت، الذين كانوا مقتنعين بأن «اللوبي اليهودي» يتحكم في صنع قرارات الولايات المتحدة، فكانوا يريدون سياسة أمريكية أكثر ليناً في مجالي التسليف والتجارة معهم، بحيث يتمكَّنون من تحقيق الإصلاحات التي جاء جورباتشوف بها. ثم نُشرت أخبار في جيروساليم بوست (إبريل 1989) عن أن "موجة مهاجرين تتكون من مئات الألوف من اليهود الروس قد باتت وشيكة، وأنها تفوق قدرة الولايات المتحدة على الاسـتيعاب". والعبارة الأخـيرة لها دلالتها. أما بالنسـبة للولايـات المتحدة، التي ضغطت على الاتحاد السوفيتي لإخراج اليهود وهيجت من أجل حقوق الإنسان، فقد اكتشفت أنها كانت قد منحت اليهود السوفييت وضع لاجئ سياسي وهو ما أعطاهم الحق في الهجرة إليها دون التقيد بأيِّ نصاب، وقد أدَّى ذلك إلى هجرة الغالبية الساحقة من اليهود السوفييت إلى الولايات المتحدة، ولذا كان على الولايات المتحدة أن تغيِّر سياستها حتى يمكن توجيه المادة البشرية اليهودية السوفيتية إلى إسرائيل. وبدأت وزارة الخارجية الأمريكية تناقش علانية فرض القيود على الهجرة إلى الولايات المتحدة، وسرعان ما اكتشفت بسرور بالغ أن المنظمات اليهودية الأمريكية التي سعت فيما مضى بقوة لفتح المجال أمام هجرة اليهود القادمين، كانت الآن (نزولاً عند طلب إسرائيل) مستعدة لقبول هذه القيود. وعندما بدأ اليهود السوفييت فعلاً يغادرون بأعداد كبيرة، شعرت إدارة بوش بأنها حرة التصرف. وقد أنهت الولايات المتحدة حق اليهود السوفييت شبه التلقائي في الدخول كلاجـئين في سـبتمبر 1989، وأعـادت تصـنيفهم كلاجئين عاديين، ووضعت سقفاً لا يتجاوز 50.000 لطلبات تأشيرة الدخول من الاتحاد السوفيتي تتوزع بين اليهود وبين غيرهم من الجماعات الأخرى.

وأكد الجهاز المركزي للإحصاء في إسرائيل في يونيه 1997 أن 40 ألف مهاجر يهودي من بين 656 ألف يهودي من أصل روسي ممن هاجروا من الاتحاد السوفيتي السابق في الفترة بين 1990 و1996 إلى إسرائيل قد غادروا البلاد في إطار الهجرة المعاكسة من إسرائيل.

ويُلاحَظ أنه ابتداءً من عام 1990 ترتفع نسبة المهاجرين اليهود السوفييت الذين يتوجهون إلى إسرائيل بشكل ملحوظ، فهي تقفز من 15.5% عام 1989 إلى 90.5% عام 1990. ويعود هذا بطبيعة الحال إلى السياسة الأمريكية التي أوصدت دونهم أبواب الهجرة إلى الولايات المتحدة. ولكن النسبة تعود للهبوط. وفيما يلي جدول بأعداد المهاجرين السوفييت في الفترة من 1993 - 1997:

الســـــــنـة / عدد المهاجرين

1993 / 64.652
1994 / 67.956
1995 / 64.771
1996 / 59.049
1997 / 51.745

هجـرة اليـهـود السـوفييت في التسعينيات
Soviet Jewish Immigration in the Nineties
ذهب كثير من الدوائر العربية للتعامل مع ظاهرة هجرة اليهود السوفييت بموضوعية متلقية مباشرة وتوثيقية لا أثر فيها للاجتهاد، الأمر الذي دفعها إلى الوصول إلى استنتاجات تتسم بقدر كبير من التهويل. فالهجرة - حسب هذه الرؤية - هي «جريمة العصر» لأنها ستكون بمنزلة الحل السحري لجميع مشاكل إسرائيل الاقتصادية والسكانية والاستيطانية. وهي ستعزز قوى اليمين الإسرائيلي وستضرب كل القوى التي تطالب بالسلام مقابل الأرض. كما ستعمل على تقوية تلك القوى المطالبة بالتهجير الجماعي للفلسطينيين (الترانسفير). وقد ظهرت التقديرات المختلفة حول حجم الهجرة اليهودية المتوقعة إلى إسرائيل حيث تراوحت ما بين 400 ألف و70 ألفاً ثم صعدت إلى مليون وسبعة ملايين واثنى عشر مليوناً. وتناقلت الصحف العربية هذه الأرقام بموضوعية متلقية وحياد شديد.

ولا شك في أنه لا يصح التهوين من خطورة هذه الظاهرة، فهجرة اليهود السوفييت تشكل لحظة بالغة الأهمية - قد تصبح نهائية وحاسمة - في الصراع العربي الصهيوني. فهذه المجموعة البشرية كانت ولا تزال آخر مستودع من مستودعات المادة البشرية لدعم طاقة الكيان الصهيوني الاستيطانية والقتالية في ظل نضوب المصادر الأخرى للمهاجرين (فيهود الولايات المتحدة لا يهاجرون، ويهود العالم الغربي وأمريكا اللاتينية يتجهون إلى الولايات المتحدة).

وقد بلغ عدد المهاجرين من اليهود السوفييت إلى إسرائيل 185.227 مهاجر عام 1990 من مجموع المهاجرين في ذلك العام والبالغ عددهم 204.700 ، أي بنسبة 90.5% من إجمالي المهاجرين، وزاد إلى 147.839 مهاجر عام 1991 من مجموع عدد المهاجرين البالغ عددهم 189.800، وفي عام 1992 هاجر من الاتحاد السوفيتي 118.600 مهاجر لم يذهب منهم إلى إسرائيل سوى 65.093، ويمثلون نسبة 83% من جملة الهجرة إلى إسرائيل في ذلك العام والبالغ قدرها 77.057 مهاجر. وذهبت النسبة الباقية إلى دول غير إسرائيل حيث هاجر 41.3% إلى الولايات المتحدة والبقية الباقية هاجرت إلى دول أخرى (ألمانيا بالأساس). وقد هبطت نسبة المهاجرين حتى وصلت إلى51.745 عام 1997.

ولكن بدلاً من رصد الحقيقة بشكل مباشر وبدلاً من تناقل الأخبار التي تذيعها وكالات الأنباء كما لو كانت حقائق، قمنا في كتاب هجرة اليهود السوفييت برصد الظاهرة من خلال صياغة نموذج تفسيري مركب ومتتاليات افتراضية احتمالية ومن خلال استخدامهما، بدلاً من الرصد الموضوعي المتلقي المباشر، أصبحنا - في تصوُّرنا - أكثر إلماماً بالواقع مهما بلغ من تركيبية، فوضعنا نصب أعيننا كل الاحتمالات القريبة والبعيدة التي قد تتحقق في إطار معطيات معيَّنة وقد لا تتحقق في إطار معطيات أخرى. ومن خلال هذا المنهج بيَّنا أن هجرة اليهود السوفييت ظاهرة تخضع لمركب من العوامل والاعتبارات المختلفة مثل عدد يهود الجمهوريات السوفيتية السابقة وفقاً للإحصاءات الرسمية وغير الرسمية، وعوامل الطرد والجذب في هذه الجمهوريات وفي مراكز التجمع اليهودي في العالم، وهوياتهم الإثنية والعقائدية والدينية، وتركيبتهم الوظيفية والمهنية، ودوافعهم ومطامعهم في الهجرة. ومن خلال التوصل إلى هذه الحقائق، أمكننا أن نقرر الحجم الحقيقي لهذه الهجرة المتوقعة (وكان مغايراً للتوقعات السائدة) واحتمالات استمرار تدفقها أو انعدام ذلك، ومدى أثرها في التجمع الصهيوني ثم كيفية التصدي لها. وقد استند توقُّعنا إلى رصد عناصر الطرد والجذب في كلٍ من المجتمعين السوفيتي والصهيوني، وإلى دراسة أعداد يهود الاتحاد السوفيتي عند صدور الكتاب (عام 1990):

1 - عناصر الطرد والجذب.

أ) عناصر الطرد والجذب في المجتمع السوفيتي:

وبدايةً، وجدت الدراسة أن اليهود السوفييت حققوا نجاحاً وحراكاً اجتمـاعياً كبيراً في ظل الدولة السـوفيتية، وتمتعـوا بأعلى مستوى تعليمي، وتركزوا في المهن العلمية والأدبية والصحافة والمهن الحرة (مثل الطب والهندسة والعلوم)، وتميَّزوا في مجالاتهم بحيث وُصفوا بأنهم نخبة علمية ومتخصصة وصلت إلى قمة الهرم المهني والوظيفي. وقد ساعد ذلك على تزايد الاندماج، خصوصاً مع تزايد معدلات العلمنة والزواج المُختلَط. وهذا الوضع عادةً ما يُعَدُّ من عناصر الجذب فقد حقَّق لليهود السوفيت الاستقرار الذي ينشده معظم البشر والانتماء الذي يحتاجونه. ولكنه، مع هذا، شكَّل، في حـالة اليهود السـوفييت، عنـصر طرد أيضاً، وذلك لأن من يصل إلى قمة الهرم لا يمكنه الصعود أو الحراك أكثر من هذا. ولذا تحوَّل النجاح الاجتماعي من عنصر جذب إلى عنصر طرد، وبدأ الكثيرون يفكرون في الهجرة بحثاً عن مزيد من الحراك الاجتماعي الذي تقلصت فرصه داخل المجتمع السوفيتي، وخصوصاً بعد وصول كثير من أعضاء الجماعات اليهودية إلى أقصى ما يمكن تحقيقه داخل المجتمع السوفيتي، وهو ما لا يتفق بالضرورة مع أقصى طموحاتهم. ولكن، من ناحية أخرى، ومع تفكُّك الاتحاد السوفيتي، وتحوُّل أغلب جمهورياته السابقة عن الاشتراكية وانفتاحها أمام الشركات متعددة الجنسيات، قد انفتح مجالات عديدة لا بأس بها أمام المهنيين اليهود للحراك. وبالإضافة إلى ذلك، كان أحد أهم عوامل الطرد ارتباط عدد كبير من اليهود بالسوق السوداء واشتغالهم بالأعمال التجارية والمالية المشبوهة والممنوعة، الأمر الذي جعلهم يضيقون بالنظام الاشتراكي. ومع عملية التحول آنفة الذكر، أصبح كثير من الأنشطة التي كانت تُعَدُّ مشبوهة أنشطة شرعية، وزاد نشاط ودور القطاع التجاري الحر. وقد أدَّى هذا إلى فتح مجال العمل والحراك أمام هذه العناصر اليهودية، وخصوصاً أنها تمتلك الخبرات التجارية التي اكتسبتها في الخفاء وهو ما يؤهلها أكثر من غيرها للحركة داخل المجتمع الجديد.

ومن عناصر الطرد الأخرى، ظهور معاداة اليهود بين صفوف العناصر القومية الروسية في كلٍّ من روسيا وأوكرانيا، وعودة الاتهامات العنصرية القديمة التي تجعل اليهود مسئولين عن كل الشرور وتجعل الوضع المتردي في الاتحاد السوفيتي نتيجة مباشرة للتآمر اليهودي الذي أخذ شكل النظام الشيوعي. ولكن الدلائل وأقوال المختصين في شئون يهود روسيا وأوكرانيا كانت تشير إلى أن الأشكال الفظة والعنيفة القديمة لمعاداة اليهود لم يَعُد لها وجود، وإلى أن كثيراً من اليهود الذين لديهم وعي ضئيل بيهوديتهم كان بوسعهم التكيف مع هذه الأشكال الطفيفة من معاداة اليهود، وذلك بالإضافة إلى وجود منظمات وصحف روسية تهاجم معاداة اليهود وتناهض الجماعات التي تروج له.

وتختلف عوامل الطرد والجذب والقابلية للهجرة باختلاف الهويات الإثنية والعقائدية والدينية لليهود السوفييت. ومن المعروف أن يهود الاتحاد السوفيتي (سابقاً) لم يشكلوا أبداً مجموعة حضارية أو دينية أو اجتماعية واحدة، بل شكلوا جماعات غير متجانسة تتحدث عدة لغات وتعيش في مناطق مختلفة. وبالتالي، فإن القابلية للهجرة تختلف من جماعة إلى أخرى.

فهناك اليهود الإشكناز (يهود اليدشية) البالغ عددهم 1.376.910 والموزعون على النحو التالي في أواخر الثمانينيات: روسيا 551 ألفاً حسب إحصاء 1989 - أوكرانيا 488 ألفاً - روسيا البيضاء 112 ألفاً. وهم من أكثر العناصر اليهودية اندماجاً وعلمنة، حيث بدأت عملية دمجهم منذ عهد القياصرة ثم تصاعدت مع الثورة البلشفية. ولم يبق عند هذه العناصر ما يمكن تسميته "حس أو وعي يهودي"، وخصوصاً أن العناصر اليهودية ذات الحس القومي بينهم هاجرت في فترة الهجرة اليهودية في السبعينيات ثم الثمانينيات، وبالتالي فهم لا يفكرون إطلاقاً في إطار صهيوني ولا يرغبون في الذهاب إلى إسرائيل، فهم يتمتعون بمستوى عال من التأهيل العلمي والمهني، وبالتالي لا يمكنهم تحقيق أيَّ حراك داخل المجتمع الصهيوني. ولذلك، فإن نسبة التساقط بينهم (حيث يزعم اليهودي أنه ذاهب إلى إسرائيل ثم يتجه إلى الولايات المتحدة حيث يمكنه تحقيق معدلات عالية من الحراك الاجتماعي) تصـل أحياناً إلى ما يزيد على 90%.

أما يهود البلطيق، وهم أيضاً من الإشكناز، فعددهم هو 39.500 موزعين كالتالي: أستونيا 4500 - لاتفيا 23 ألفاً - ليتوانيا 12 ألفاً - مولدافيا 66 ألفاً. وهؤلاء من أكثر العناصر التي يمكن اعتبارها عناصر صهيونية ومن أكثرها رغبة في الهجرة إلى إسرائيل، فلم تُضَم هذه المناطق إلى الاتحاد السوفيتي إلا خلال الحرب العالمية الثانية. ولذلك، فلا يزال عندهم بقايا حس أو وعي يهودي ولا يزالون محتفظين بهويتهم اليهودية، كما أن بعضهم لا يزال يتحدث اليديشية. وقد كانت ليتوانيا، على سبيل المثال، من أهم المراكز التقليدية للدراسات التلمودية في العالم. ولكن من ناحية أخرى، فإن من الأرجح أن أكثر العناصر الصهيونية الراغبة والقادرة على الهجرة كانت قد أقدمت على ذلك بالفعـل كما أن نسـبة المسـنين بينهم مرتفعة جداً. أما يهود مولدافيا، فهم من أهم الجماعات من منظور القابلية للهجرة حيث يعيشون في منطقة حدودية مع رومانيا تطالب بالانضمام إلى رومانيا. وقد اندلعت في هذه المنطقة، بالفعل، مواجهات شديدة بين المولدافيين وأعضاء الجماعة اليهودية (الذين يُصنَّفون أيضاً على أنهم روس)، وبالتالي فهي منطقة طرد، وقد قدَّم 70% من أعضاء الجماعة بها طلبات هجرة إلى إسرائيل وإن كان من غير المؤكد إن كانوا سيتجهون جميعاً إلى إسرائيل. وتشير الإحصاءات السابقة إلى أن نسب التساقط بينهم ضئيلة.

وبالنسبة ليهود جورجيا ويهود الجمهوريات الإسلامية، فإن عددهم 667.37، وهم موزعون على النحو التالي: يهود الجبال 19.516 - يهود جورجيا 16.23 - يهود بخارى 36.568 - الكرمشاكي 1.559 ، وقد احتفظ أعضاء هذه الجماعات أيضاً بوعي وحس يهودي نظراً لأنهم ينتمون إلى مجتمعـات تقليدية مبنيـة على الفصـل بين الجمـاعات والطبقات. ومن ثم، فهم من العناصر المرشحة للهجرة إلى إسرائيل، وخصوصاً أن هذه الجمهوريات تشبه الدول النامية اجتماعياً واقتصادياً إلى حدٍّ كبير وتضم جماعات عرْقية وإثنية مختلفة تزيد احتمالات الاحتكاك والصراع فيما بينها. كما تمثل إسرائيل بالنسبة لهم فرصة أكبر للحراك الاجتماعي عن الولايات المتحدة نظراً لأن مستواهم التعليمي منخفض نوعاً. ولكن، من جهة أخرى، نجد أن 25% من الجماعات اليهودية في جورجيا والجمهوريات الإسلامية من اليهود الإشكناز قد يجدون فرصاً جديدة تتفتح أمامهم في ظل التحولات الجديدة وتبنِّي سياسات السوق. كما أن كثيراً من العناصر الشرقية بدأت تفقد هويتها التقليدية وتقبلت عملية الترويس أو الروسنة وقد تفضل الهجرة إلى المدن الروسية الكبرى لتحقيق ما تطمح إليه من حراك. كما تجب الإشارة إلى أن كثيراً من العناصر القادرة، أو الراغبة، على الهجرة قد هاجرت في الفترة ما بين عام 1970 و1990 ، الأمر الذي يعني أن نسبة القادرين أو الراغبين بين العناصر المتبقية صغيرة.

أما على الصعيد الديني، فإننا نجد أن 3% فقط من يهود اتحاد دول الكومنولث المستقلة متدينون، وقد اتجهت حركة الإحياء اليهودي اتجاهاً دينياً روحياً وهو صدى لحركة الإحياء الديني في الاتحاد السوفيتي والعالم بأسره. وهم في الأغلب من العناصر غير الصهيونية وأحياناً المعادية للصهيونية، وبالتالي فهذا التيار يشكل حركة جذب للاتحاد السوفيتي، وخصوصاً أن أغلب سكان إسرائيل علمانيون.

ولنا أن نلاحظ أن أغلب اليهود في اتحاد دول الكومنولث المستقلة علمانيون تماماً أو تآكلت هويتهم الدينية بل والإثنية تماماً. لكن ذلك لا يعني اختفاء هذه الهوية إذ أنهم يعرِّفون هويتهم اليهودية على أساس عرْقي/إثني إلحادي. وأحياناً تكون هذه الهوية العرْقية الإلحادية بالغة الضئالة، فهم من "يهود الصدفة"؛ يهود بالمولد دون أن يكون لديهم أي انتماء يهودي ديني أو إثني حقيقي. ويمكن الإشارة إليهم بوصفهم "يهود غير يهود" بمعنى أنهم يهود فقدوا كل مكونات يهوديتهم، ومع هذا يصنفهم المجتمع ويصنفون أنفسهم على أنهم كذلك. ومع ذلك، هناك حركة بَعْث ثقافي يهودي هي جزء من حركة بَعْث إثنية عامة في روسيا وأوكرانيا. وهذا البَعْث يتخذ شكلين: أولهما حركة بَعْث ثقافي يديشي ينظر أنصارها إلى يهود شرق أوربا أو يهود اليديشية باعتبارهم قومية أو أقلية قومية شرق أوربية لها تجربتها التاريخية المحددة وتراثها الثقافي ولغتها اليديشية. ولذا، فقد اصطدم هؤلاء منذ البداية مع التيار الصهيوني، وهم يضمون في صفوفهم عناصر معادية للصهيونية والعبرية. وإلى جانب هذه الحركة اليديشية، يوجد بعث ثقافي روسي يهودي وهو بَعْث مرتبط بالثقافة واللغة الروسيتين، مع اهتمامه بحياة وقضايا الروس اليهود. وفي كلتا الحالتين، فإن المضمون اليهودي للهوية مرتبط تماماً بالمضمون الروسي أو اليديشي وهو ما يعني أن الحركة الناتجة من هذا التعريف ليست طاردة وإنما جاذبة.

ب) عناصر الطرد والجذب في المُستوطَن الصهيوني:

لعل أهم عناصر الجذب في المُستوطَن الصهيوني هو أنه يتيح فرصة الحراك الاقتصادي للمهاجرين المرتزقة. ولكن هذا العنصر تم تحييده إلى حدٍّ ما بسبب مشاكل الاستيعاب الحادة داخل إسرائيل. ومن أهم هذه المشاكل، مشكلة الإسكان حيث خلقت الهجرة أزمة إسكان حادة وهي مشكلة آخذة في التفاقم بسبب الأزمة الاقتصادية. ونظراً لأن هؤلاء المرتزقة يتحركون في إطار ما نسميه «الصهيونية النفعية» ويسعون إلى الحياة المترفة، فقد تمركزوا في الأحياء السكنية المترفة واشتد ضيقهم عندما وضعتهم السلطات الإسرائيلية في مراكز سكنية فقيرة أو في أحياء لا تتوفر فيها البنية التحتية الجيدة، وقد رفضت غالبيتهم الساحقة الاستيطان في الضفة الغربية. ولكن لأزمة الإسكان جانبها السلبي - من منظور عربي - وهو أنها قد تدفع المهاجرين للاستيطان في الضفة الغربية حيث يوجد سكن مدعوم. كما يبدو أن بعض المهاجرين اختاروا السكن في الكيبوتسات برغم طابعها التنظيمي الجماعي بعد أن تبيَّن لهم أنها ليست مؤسسات اشتراكية وأنها تحوَّلت إلى مؤسسات إشكنازية أرستقراطية تتمتع بأعلى مستوى معيشي في إسرائيل. وقد نجحت الكيبوتسات التي تعاني منذ عدة سنوات من أزمة مالية وبشرية حادة في تبديد شكوك ومخاوف المهاجرين الذين بدأوا في التدفق عليها حتى أن طلبات السكن بها فاقت حجم المساكن المتوفرة.

ولكن المشكلة الحقيقية كانت متمثلة في البطالة. إذ كانت إسرائيل تعاني من معدلات بطالة مرتفعة تصل إلى 10%، لكن هذه النسبة كانت ترتفع بين العلماء وذوي المؤهلات العالية ممن تكتظ بهم إسرائيل. ويتمتع كثير من المهاجرين اليهود السوفييت بمؤهلات تفوق المستوى المطلوب في سوق العمل الإسرائيلي الذي يحتاج إلى العمال الفنيين والعمال المهرة. وقد اضطر كثير من العلماء والأطباء والمهندسين اليهود إلى العمل كعمال نظافة وعمال بناء وفي غير ذلك من المهن المماثلة، الأمر الذي يعني هبوطاً في السلم الاجتماعي لجماعة بشرية جاءت لتحقيق حراك اجتماعي.

كما تمثل المؤسسة الدينية لهؤلاء المهاجرين اللادينيين مصدر أرق وضيق، فكثير من اليهود السوفييت لا يكترثون بالمسائل الدينية والشرعية في الزواج والطلاق، وبالتالي يجدون عند قدومهم إلى إسرائيل أن أبناءهم غير شرعيين، وتجد كثير من المهاجرات المطلقات أن طلاقهن غير شرعي وبالتالي لا يحق لهن الزواج من رجل آخر. كما تتمسك الحاخامية بالتحقق من الأصول اليهودية قبل إبرام عقد الزواج، وعلى كل من يريد أن يحصل على زواج أو طلاق شرعي (حتى لا يوسم أولاده بأنهم غير شرعيين) أن يخضع لمراسم التهود وهي طويلة ومعقدة.

2 - تعداد اليهود بين الزيادة والنقصان:

أما بالنسبة لتعداد الجماعات في الجمهوريات السوفيتية السابقة، فإن التقديرات تذهب إلى أن عددهم حوالي مليون ونصف. وإذا أجرينا مقارنة بالهجرات السابقة، فإننا سنجد أن نسبة المهاجرين خلال الهجرة اليهودية الكبرى (1882 - 1914) لم تزد عن 25%، وهي فترة كانت الولايات المتحدة مستعدة فيها لتوطين كل من يشاء. كما يجب أن تتوافر في المهاجر مواصفات جسدية ونفسية ووظيفية معيَّنة تمكِّنه من بداية حياته من جديد. وعادةً ما يكون سن المهاجر بين العشرين والأربعين، ولكننا نجد أن نسبة المسنين بين اليهود السوفييت مرتفعة حيث إن 50% منهم فوق الخمسين، وإذا استبعدنا المعوقين والمرضى فإن نسبة القادرين على الهجرة ستكون أقل من النصف. وفي ضوء المعطيات السابق ذكرها، فإن حجم الهجرة اليهودية التي قدَّرنا أنها ستخرج من الاتحاد السوفيتي كان حوالي 25% من تعداد الجماعات أي حوالي 400 ألف. وإذا قدَّرنا أن الولايات المتحدة ستستوعب حوالي 50 ألفاً والدول الأخرى 15 ألفاً كل عام، فإن 65 ألف مهاجر لن يدخلوا إسرائيل سنوياً. وإذا امتدت الهجرة إلى حوالي خمسة أعوام، فإن هذا يعني أن جزءاً كبيراً منها سيتسرب إلى خارج إسرائيل. ولكن هناك احتمالات مهمة يجب أخذها في الاعتبار (وهذه من المتتاليات الافتراضية الاحتمالية) مثل حدوث تدهور اجتماعي واقتصادي كامل في الجمهوريات السوفيتية السابقة الأمر الذي قد يدفع الملايين من اليهود وغير اليهود إلى النزوح إلى خارج البلاد. وبالفعل صاحب عملية تفكُّك الاتحاد السوفيتي عام 1991، ثم انتقال جمهورياته إلى اقتصاد السوق، أزمة اقتصادية طاحنة وارتفاع في معدلات البطالة وتزايد النزاعات العرْقية والمواجهات المسلحة، ولا يزال الوضع غير مستقر ويحمل كثيراً من الاحتمالات المفتوحة.

وهناك أيضاً ظاهرة بالغة الأهمية وهي ظاهرة اليهود المتخفين، وهم اليهود الذين ينكرون هويتهم لأسباب عملية مختلفة ويذوبون وينصهرون في مجتمعاتهم عدة أجيال ثم يُظهرون هويتهم اليهودية تحت ظروف معيَّنة. ويقدِّر البعض عددهم بحوالي 1.3 - 1.5 مليون. كما أن هناك قضية العناصر شبه اليهودية أو غير اليهودية التي قد تنضم إلى الهجرة للاستفادة من الفرص المتاحة أمام اليهود في إسرائيل والولايات المتحدة. وقد أعلنت الحاخامية في إسرائيل بالفعل أن ما بين 30% و40% من المهاجرين السوفييت ليسوا يهوداً وفقاً للشريعة اليهودية للأسباب التالية: الزوجة ليست يهودية - الزوج لم يُختن - الأبناء ليسوا يهوداً لأن الأم ليست يهودية - أحد الزوجين لا تربطه أية صلة بالديانة اليهودية. ونظراً لأن قانون العودة الإسرائيلي يسمح لأي شخص له جد يهودي، سواء من ناحية الأم أو من ناحية الأب، بالهجرة إلى إسرائيل، فقد بدأ الكثيرون في اكتشاف أن لهم جدوداً يهوداً برغم عدم ارتباطهم بالديانة اليهودية. بل إن هناك عناصر من مدَّعي اليهودية تحاول أيضاً الانضمام إلى الهجرة. وتشير الإحصاءات بالفعل إلى أن أكثر من 30% من المهاجرين السوفييت سجلوا أنفسهم على أنهم غير يهود. وقد تكون هذه النسبة أكبر، فمن المعروف أن كثيراً ممن سجلوا أنفسهم يهوداً، رغم أنهم ليسوا يهوداً، فعلوا ذلك خوفاً من الحرمان من المزايا الممنوحة للمهاجرين اليهود.

ويقودنا ذلك إلى نقطة مهمة وهي مدى استعداد الكيان الصهيوني لأن يضم إلى الدولة اليهودية عناصر شبه يهودية أو غير يهودية. ونحن نذهب إلى أنه قد يقدم على ذلك بالفعل حتى تتوفر له المادة البشرية الاستيطانية والقتالية اللازمة لتحل المشكلة السكانية الحادة في إسرائيل وتخلق تعادلاً مع العرب بغض النظر عن مدى يهوديتها (وهو الأمر الذي حدث بالفعل). ونحن نستند في ذلك إلى تجربة إسرائيل مع يهود الفلاشاه حيث تم تهجيرهم إلى إسرائيل رغم عدم نقاء عقيدتهم وهويتهم الدينية ورغم اعتراضات المؤسسة الحاخامية الدينية ثم أخيراً ترحيبه بيهود الموراه فلاشاه.

وهذه العوامل السابقة الذكر تفسر لنا حجم الهجرة الفعلي الذي وصل إلى إسرائيل وهو 400 ألف مهاجر. وقد توقَّف سيل الهجرة عند هذا الرقم حتى أواخر عام 1992 انضم لهم حوالي 280 ألف بعد ذلك. وأعداد المهاجرين التي تصل إلى إسرائيل في الوقت الحاضر لا تزيد عن معدلات الهجرة العادية، وهذا الرقم أقل كثيراً من الأرقام المتضخمة التي أُذيعت عند بدء الهجرة ويتطابق مع الرقم الذي قدرناه للهجرة التي ستخرج من الجمهوريات السوفيتية السابقة.

وهذا يقودنا إلى نقطة مهمة وهي ما ستنتج عنه هذه الهجرة من احتكاكات عديدة على المستويات الاقتصادية والطبقية والاجتماعية بين المهاجرين الجدد والأعضاء القدامى في التجمُّع الصهيوني، وخصوصاً مع اليهود الشرقيين الذين يشعرون بتهديد هذه الهجرة لأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية وطموحاتهم السياسية، ذلك أن هؤلاء المرتزقة سينقضون على الكثير من الفرص والامتيازات التي كان يمكن توجيهها إلى اليهود الشرقيين، كما أنهم سيساعدون على عودة التحيز الإشكنازي ضد الشرقيين، هذا بالإضافة إلى أن قدوم المهاجرين الجدد سيكثف استهلاك البنية التحتية والموارد المائية والرقعة الزراعية. كما أن تزايد معدلات الجريمة (بسبب الهجرة السوفيتية) وعدم قبول الكتلة الروسية (من قبل المستوطنين الصهاينة) لابد وأنه سيزيد حجم التوتر الاجتماعى.

ومن المتوقع أن تزيد المشكلات الناجمة عن وصول اليهود السوفييت (ازدحام المساكن - زيادة التوتر الاجتماعي - نقصان الفرص) من عدد النازحين من إسرائيل، بل سينضم إلى هؤلاء بعض المهاجرين المرتزقة. ومن الطبيعي أن تكون أرقام النازحين من المهاجرين الجدد أمراً خاضعاً للرقابة، ولذلك فإن من الصعب معرفة حجمهم على وجه الدقة. ولكن من المعروف أن 18 ألف قادم جديد طلبوا العودة إلى موطنهم عام 1990. وهؤلاء النازحون أو المطالبون بالنزوح يُشكِّلون نزيفاً من التجمُّع الصهيوني، كما يُشكِّلون عنصر خلخلة وقلق.

ومن ناحية أخرى، بدأت إسرائيل في وضع خطة كبرى وشاملة بعيدة المدى تهدف إلى استغلال القدرات العلمية للمهاجرين الجدد بغرض تحويل إسرائيل في القرن الحادي والعشرين إلى قوة تكنولوجية عظمى تحـل من خـلال صـادراتها من السـلع التكنولوجية مشـكلة ميزان المدفوعات، بالإضافة إلى توفير فرص العمل للمهاجرين. وتهدف الخطة إلى إقامة عدد من الشبكات بتمويل خاص تقوم بتطوير إنتاج وتصدير السلع التكنولوجية باستخدام التكنولوجيات التي تم تطويرها في الاتحاد السوفيتي. وتضم الخطة أيضاً بعض الإجراءات التي يجب اتخاذها لتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية الخاصة في هذا القطاع. وهذه خطة طموحة ستواجه كثيراً من الصعوبات في التنفيذ، إلا أن احتمال تحققها يُشكِّل خطورة حقيقية بالفعل.

الصهيونية النفعية (أو صهيونية المرتزقة): المهاجرون السوفييت في إسرائيل
Utilitarian (or Mercenary) Zionism: Soviet Immignats in Israel
«الصهيونية النفعية (أو صهيونية المرتزقة)» مصطلح قمنا بسكه لوصف اتجاه عام وشائع بين يهود العالم الذين يدَّعون أنهم صهاينة. والصهيونية عقيدة علمانية مادية، ولذا فهي تحتوي على توجُّه نفعي قوي، شأنها في هذا شأن العقائد العلمانية كافة، ولكن معدل النفعية في الصهيونية أعلى كثيراً من العقائد العلمانية الشاملة الأخرى لأن الصهيونية برنامج إصلاحي واع يطرح نفسه باعتباره الإطار الذي يستطيع يهود العالم أن يحققوا من خلاله لأنفسهم مستوى معيشياً أعلى وأمناً أقوى مما حققوه لأنفسهم في أوطانهم.

ولكن الدافع المادي وحده ليس كافياً لأن تقتلع الإنسان نفسه اقتلاعاً من مجتمعه وماضيه وهويته، ولذا طورت الصهيونية الصيغة الصهيونية الشاملة المهوَّدة التي أسقطت على المشروع الصهيوني بُعداً مثالياً. ولكن المثاليات الصهيونية كانت ديباجات سطحية ولذا اتضح التوجه النفعي من البداية، فكان المستوطنون التسلليون (قبل ظهور هرتزل) يبذلون جهدهم في ابتزاز أموال روتشيلد وغيره من أثرياء الغرب، واستمر هذا الوضع قبل إعلان الدولة إذ كان المُستوطَن الصهيوني يحاول الحصول على أقصى قدر من الأموال من يهود العالم عن طريق الدعاية أو الابتزاز بتوليد إحساس عميق بالذنب لديهم باعتبار أنهم لم يهاجروا إلى إسرائيل. وبعد إعلان الدولة، تحوَّلت الدولة بالتدريج إلى دولة تعيش على المعونات الأجنبية، وهي معونات تحصل عليها باعتبارها دولة وظيفية تؤدي دوراً فهي دولة مرتزقة.

لكل هذا، نجد أن كثيراً من اليهود الذين يستوطنون إسرائيل (فلسطين) يفعلون ذلك لأسباب نفعية لا علاقة لها بمثاليات دينية أو أيديولوجية. ويمكن رؤية هجرة يهود البلاد العربية بعد عام 1948 في هذا الإطار، فهم لم يكونوا قط جزءاً من الحركة الصهيونية، سواء في شكلها الاستيطاني أم في شكلها التوطيني. وقد استوطنوا فلسطين لتحقيق الحراك الاجتماعي.

وقد تصاعدت معدلات هذا الاتجاه بعد عام 1967 داخل وخارج المستوطن الصهيوني مع انتقال المستوطن الصهيوني من المرحلة التقشفية التراكمية إلى المرحلة الفردوسية الاستهلاكية، ففي الداخل ظهر ما يُسمَّى عقلية «روش قطان»، أي «الرأس الصغير» التي تُتوج جسماً كبيراً لا يكف عن الالتهام والاستهلاك. كما تصاعدت خارجه، وخصوصاً بين أعضاء المستودع البشري اليهودي الوحيد القابل للهجرة، يهود الاتحاد السوفيتي.

والجزء الأكبر من اليهود السوفييت علمانيون شاملون ولا يؤمنون بالصهيونية أو بأية عقيدة أخرى، كما لا توجد عندهم هوية يهودية واضحة فهم جماعة بشرية لا تكترث كثيراً بأية قيم دينية أو ثقافية أو خصوصية حضارية وهدفها الأساسي هو البحث عن المنفعة واللذة. ولكنهم مع هذا يتسمون بسمة جوهرية واضحة مركزية وهي أنهم ينتمون إلى ما يُسمَّى في علم الاجتماع الغربي «عصر ما بعد الأيديولوجيا»، أي أن يعيش المرء في الحياة الدنيا بشكل إجرائي كفء، لا يفكر إلا في يومه، وإن فكَّر في مستقبله فهو يفعل ذلك بنفس المعايير الكمية الإجرائية، وهو عادةً لا يفكر في الماضي. وعملية التفكير لديه عادةً ما تكون بريئة من أية أثقال أيديولوجية أو أعباء نظرية أو أخلاقية، فالمعايير المستخدمة علمية مادية دقيقة تهدف إلى تعظيم المنفعة واللذة. فهم يؤمنون بقيم المنفعة (عادةً الكمية) واللذة (عادةً المباشرة)، وتطلعاتهم الاستهلاكية شرهة لا تخفف حدتها أية قيم، وهي تطلعات لا تقبل أي إرجاء، وذلك بسـبب غيـاب أية مُثُل عليا أو نظـريات دينية أو عقائدية (ولهذا السبب، نجد أن الوعي السياسي لليهود السوفييت ضعيف جداً وإن كانوا يتسمون بعداء حقيقي للاشتراكية. ولكن عداءهم هنا لا يعني موقفاً نظرياً وإنما هو عداء ذرائعي لكل النظريات والمطلقات، فالاشتراكية في نهاية الأمر تحوي داخلها قدراً من المثاليات ينبع من إيمانها بالإنسان كمطلق).

مثل هؤلاء البشر يتسمون بحركية غير عادية ورغبة عارمة في تحقيق الحراك الاجتماعي وتحسين المستوى المعيشي دون اكتراث بأية قيم ثقافية أو دينية أو خصوصية حضارية أو أيٍّ من هذه المطلقات التي تسبب الصداع للرؤوس الاستهلاكية، أي أن قابليتهم للهجرة بحثاً عن الفرص الاقتصادية والحراك الاجتماعي مرتفعة إلى أقصى حد. فإن من المنطقى أن يتجهوا إلى الولايات المتحدة، ولذا يُلاحَظ أن أعداداً كبيرة منهم تجيد الإنجليزية إذ كانوا يُعدِّون أنفسهم للهجرة إليها.

ومع سقوط الاتحاد السوفيتي حاول الكثير من اليهود (وغير اليهود) السوفييت الهجرة إلى الولايات المتحزة، ولكن إسرائيل أوصدت الأبواب دونهم. ومن ثم أصبحت إسرائيل بالنسبة لهم هي السبيل الوحيد للخروج من الاتحاد السوفيتي. ولذا، فإن كثيراً من المهاجرين يأتون صاغرين لا يحملون في قلوبهم أيَّ تطلُّع لصهيون أو أيَّ حب لها "فهم لا يريدون سماع أي شيء عنها" (على حد قول يوري جوردون رئيس قسم الاستيعاب في الوكالة اليهودية المسئول عن توطين اليهود السوفييت)، كما أنهم لم يُبدوا موافقة أو ترحيباً باستئناف العلاقات بين الاتحاد السوفيتي وإسرائيل لأن هذا الأمر سيؤدي إلى نَقْل المهاجرين مباشرةً إلى إسرائيل، وهو ما يفوِّت فرصة الهجرة إلى الولايات المتحدة. بل إن بعضهم يدَّعي اليهودية، بل لم يمانعوا في أن يُختنوا في سبيل الحصول على الدعم المالي على أمل أن تُتاح له فرصة الفرار من أرض الميعاد الصهيونية في فلسطين المحتلة إلى أرض الميعاد الحقيقية في الولايات المتحدة. وتحاول الدولة الصهيونية من جانبها أن تكبلهم بالمساعدات المالية التي يصعب عليهم سدادها حينما تحين لحظة الفرار.

وقد لخص أحد المهاجرين المرتزقة الموقف بقوله: "لم يكن أمامي خيار سـوى أن أذهـب إلى إسـرائيل بعد أن قضينا سـبعة شـهور في روما". ولكنه أعلن عن تصميمه على عدم البقاء. وقد بدأت الصحف الصادرة بالروسية في إسرائيل بتخصيص مساحة كبيرة يحتلها معلنون يعرضون تزويد القراء بالسلعة التي تطمح لها غالبية المهاجرون الجدد: تأشيرات دخول إلى كندا (أرض ميعاد أخرى مجاورة للولايات المتحدة). وقد وصف أرييه ديري، وزير الداخلية، المهاجرين المرتزقة وصفاً دقيقاً حين قال: إنهم بعد وصولهم ستجدهم جالسين على حقائب السفر. وقال أوبليون: "بعض ممن لا يمكنهم الذهاب إلى الولايات المتحدة سيأتون إلى إسرائيل بهدف استخدامها كمحطة على الطريق، وسيقومون باستغلالنا أيضاً، وسيأخذون أية خبرات قد نقدمها لهم، وقد ينتهي بنا الأمر إلى أن يتجمع عندنا عدد كبير من الناس الذين يشعرون بالبؤس والذين ينتظرون أول فرصة لينزحوا عن إسرائيل"، فهم يعرفون تماماً "أن إسرائيل بلد صعب وأن الولايات المتحدة بلد سهل بالمقارنة". والسهولة قيمة أساسية بالنسـبة لهؤلاء البـاحثين عن "الراحة والترف" (كما وصفهم يوري جوردون).

وقد وصفت إحدى المؤسسات اليهودية المهاجر اليهودي السوفيتي النماذجي (في السبعينيات) بأنه شخص لم يهرب من الاضطهاد وإنما هاجر بإرادته ولدوافع غير عقائدية أصلاً. وقد أيَّد نتائج هذا التقرير تقرير آخر نشره مجلس المعابد اليهودية في نوفمبر 1974 جاء فيه: بينما ينظر الأمريكيون إلى الحملة من أجل الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفيتي على أنها محاولة لإنقاذ بقايا الشعب اليهودي هناك، فإن المهاجرين السوفييت لا يشاركون في مثل هذه الأوهام الرومانتيكية أو الديباجات الصهيونية.

وفي جيروساليم بوست 30 أبريل 1987، صرح إسرائيل فاينبلـوم (المهاجر السـوفيتي المقـيم في إسرائيل)، وهو صهيوني حقيقي، أن من بين الـ 163 ألف مهاجر سوفيتي الذين استقروا بالفعل في إسرائيل حضر 20% منهم فقط بسبب الدوافع الدينية أو النفسية (أي العقائدية)، أما الآخرون فقد وجدوا أنفسهم في إسرائيل (على حد قوله).

وقد وصف بعض المهاجرين الأسباب التي دعتهم إلى ترك الاتحاد السوفيتي، فقال أحدهم: إن الحياة هناك أصبحت مملة. فالهجرة إلى إسرائيل هي مجرد بحث عن الإثارة. وقال أحد أساتذة علم الجبر إنه ترك الاتحاد السوفيتي لأنه أدرك أن الوقت قد حان لأن يفعل ذلك، وأشار مهاجر ثالث إلى أنه ترك الاتحاد السوفيتي لأنه يريد أن يعيش حياة أفضل. وحتى يؤكد مدى عمق التزامه بهذه الفلسفة، ذكر أنه جاء لا ليشتري سيارة ولكن ليكون لديه سيارة بمحرك أكبر. ومن المستحيل أن نعرف كم مهاجراً (سوفيتياً) يشبه إيفان الذي ترك إسرائيل بعد أن عمل سنة في الكيبوتس، لأنه يكره التعصب الديني والطقس الحار، وكأنه كان يتوقع أن تكون أرض الميعاد في القطب الشمالي أو على مسافة صغيرة من روسيا، أو أن الحركة الصهيونية قد وعدته بأرض ميعاد مكيفة الهواء.

والوكالة اليهودية تسبح مع التيار ولذا فهي تقوم بمحاولة جذب أعضاء الجماعات اليهودية للاستيطان في إسرائيل على أسس نفعية محضة فلا تهيب الإعلانات بحسهم الديني أو بارتباطهم بالأسلاف، وإنما تتحدث بشكل صريح عن البيت المريح، أو الإمكانيات الاستثمارية للمستثمرين وإمكانيات البحث العلمي للعلماء، وكأن فندق صهيون تحوَّل هنا إما إلى شركة صهيون الاستثمارية أو إلى معمل صهيون للبحوث العلمية. وقد وصل هذا الاتجاه إلى الذروة مع هجرة اليهود السوفييت الأخيرة التي بدأت بعد عام 1990.

ويبلغ عدد الإسرائيليين من منشأ روسي (من الصهاينة المرتزقة) حوالي 800 ألف (أي حوالي خُمس سكان إسرائيل) يشكلون كتلة "قومية" مستقلة، لها تميزها وحضورها الخاص، فهم كيان مستقل داخل الكيان الإسرائيلي، فلهم محطة، إذاعة وتليفزيون خاصة بهم، وصحافة باللغة الروسية وأندية ومدارس. فهم - كما قال أحدهم - "يفكرون بالروسية ويتواصلون فيما بينهم". وتنبع قوة الثقافة الروسية المحلية (المنقطعة الصلة بالثقافة الإسرائيلية والمرتبطة بثقافة الوطن القديم) من حجمها الكبير ومن المؤهلات البشرية التي في حيازتها. ولذا فهي تحافظ بشراسة على استقلالها، بل إن أحدهم أشار إلى تكوين حزب إسرائيل بعالياه على أنه بداية حرب الاستقلال الخاصة بالروس. ولذا لا يُصنِّف سوى 16% من المهاجرين السوفييت نفسه على أنه "إسرائيلي" مقابل 26% اعتبر نفسه "من رابطة الدول المستقلة" و32% اعتبر نفسه "يهودياً" بشكل عام، واكتفى 12% بأن يسمي نفسه تسمية محايدة «مهاجر جديد».

ولم يتم قبول هذه الكتلة الروسية من قبل المجتمع الإسرائيلي، ولذا يشعر 59% من المهاجرين السوفييت أن المجتمع الإسرائيلي يستوعب الهجرة إما بلا مبالاة أو بعدائية. وفي المقابل حين سُئل الإسرائيليون عن وصفهم للمهاجرين السوفييت قال حوالي 36% إنهم بروفسير كناس وسمسار وعاهرات (واتهام المهاجرين السوفييت باحتراف البغاء والجريمة المنظمة، اتهامات لها أساس في الواقع).

ولم يستخدم أحد لفظ «مرتزقة» ومع هذا يمكن القول بأنه مصطلح كامن في خطاب كثير من الكُتَّاب الذين تَعرَّضوا للمهاجرين السوفييت بالوصف. فقد وصفهم أحد الكُتَّاب بأنهم «مهاجرون اقتصاديون»، كما وصفهم آخر بأنهم «هاربون من الاتحاد السوفيتي وليسوا مهاجرين إلى إسرائيل». أما جوليا ميرسكي (عالمة نفس في الجامعة العبرية)، فقد وصفتهم بأنهم «لاجئون وليسوا مهاجرين». ووصفهم كارل شراج (في جيروساليم بوست) بأنهم «مستوطنون بالإكراه أو رغم أنفهم». ولكنني أفضل وصفهم بلفظ «المرتزقة»، والاصطلاح الذي أقترحه أكثر دقة فالمرتزق هو الذي لا يقوم بعمل إلا نظير مقابل، والتزامه بالعمل هو التزام خارجي تعاقدي أي أنه لا يشعر نحوه بأي ولاء حقيقي. ويتميَّز مصطلحنا بأنه مصطلح مُتداوَل في علم الاجتماع، وهو ما يعني أنه يحوي قدراً من العمومية ولا يَسقُط في التخصيص الكامل.

وهناك نوع آخر من الصهاينة النفعيين، وهم اليهود المسنون الذين يتقاعدون في إسرائيل حيث يمكنهم أن يعيشوا حياة مترفة على معاشاتهم الصغيرة (فكأن إسرائيل هي بيت المسنين أو فلوريدا الصهيونية).

وهنـاك، أخيراً، اليهود الذين يرسلون جسمانهم ليُدفَن في إسـرائيل: فهم يرفضون العيش في إسرائيل، ولكنهم لا يرفضون الموت فيها. وعلى حد قول أحد الكُتَّاب الإسرائيليين، فإنهم يعهدون بالجانب التاريخي في حياتهم إلى أوطانهم، أما الجانب الكوني الذي يتعلق بالموت فهم يعهدون به لإسرائيل!

صهيونيــة المرتزقــة
Mercenary Zionism
انظر: «الصهيونية النفعية (أو صهيونية المرتزقة): المهاجرون السوفييت في إسرائيل».

إسرائيل بعالياه
Israel Bealaya
«إسرائيل بعالياه» عبارة عبرية تعني «إسرائيل مع الهجرة» وهو حزب سياسي جديد يتزعمه ناتان شارانسكي، وهو تعبير عما يُسمَّى «اليمين الرخو» المؤيد لنتنياهو، وهو يمين لا يهتم كثيراً بالأيديولوجيا وإنما بمصلحته المباشرة (فهو يمين عصر ما بعد الحداثة)، كما أنه تعبير عن عودة ما يمكن تسميته «السياسة الإثنية»، أي أن تكون دوافع الأحزاب والجماعات السياسية ليست الأيديولوجية الصهيونية وإنما انتماءهم الإثني، بحيث يكوِّنون جماعة مصالح لا تكترث بالمسلمات الصهيونية. والسياسة الإثنية عرفها النظام السياسي الإسرائيلي في بداياته، ثم اختفت مما أعطى الانطباع العام بأن المستوطن الصهيوني قام بتجميع عدد كبير من المنفيين ونجح في مزجهم من خلال أتون الصهر الإسرائيلي/الصهيوني. وعودة السياسة الإثنية (متمثلة في جزب جيشر وشاس وإسرائيل بعالياه) يدل على سقوط الادعاء بأن اليهود شعب واحد ويشير إلى إخفاق الصهاينة في عملية "مزج المنفيين".

ولفهم الخلفية الأساسية التي أدَّت إلى ظهور إسرائيل بعالياه لابد أن ندرك أن المهاجرين اليهود السوفييت قد حضروا لإسرائيل لتحقيق الحراك الاجتماعي، فهم صهاينة مرتزقة، غير ملتزمين بأية أيديولوجية. وقد شكَّلوا أكبر كتلة انتخابية في إسرائيل، ومع هذا يصعب التنبؤ بسلوكها الانتخابي، فكل ما يبغونه هو الحصول على جزء من الدخل القومي أو "الفطيرة القومية". ولذا صوَّت هؤلاء لحزب العمل، حينما وجدوا أن هذا في صالحهم، في الوقت الذي تنبأ فيه كثير من المحللين أنهم سيعززون قوى اليمين ومن يصوتوا لحزب ذي طابع اشتراكي.

وقد حَمَّل هؤلاء المهاجرون حزب الليكود مسئولية التقصير في عملية استيعابهم ومسئولية وَقْف ضمانات القروض الأمريكية البالغ حجمها 10 مليارات دولار بسبب إصراره العقائدي (الذي لا ضرورة له من وجهة نظرهم) على مواصلة عمليات الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن ثم تبديد الموارد التي يمكن أن تُوجَّه لخلق فرص عمل جديدة لهم. كما أكدت الاستطلاعات التي جرت بين الناخبين من اليهود السوفييت أن لديهم ارتياباً ورفضاً عميقين للأحزاب الدينية، ولذلك فقد رفضوا التصويت لها. كما وجدوا في جماهير حزب العمل فئة اجتماعية مماثلة لهم، فهم من الفئات المثقفة ذات الأصول الأوربية، على عكس جماهير حزب الليكود التي تضم أغلبية سفاردية وشرقية.

ولكن حينما عرض عليهم الليكود الاشتراك في عملية إدارة المستوطن الصهيوني وإعطائهم جزء أكبر من الفطيرة القومية مقابل الاشتراك في حكومة ائتلافية تضم عناصر دينية كثيرة لم يترددوا في تغيير مواقفهم ونمط تصويتهم.

ولعل من الأمثلة الطريفة على مدى "واقعية" و"عملية" الكتلة الانتخابية الروسية هو استطلاع في الرأي كانت نتيجته أن شارانسكي لم يحصل على أصوات كافية (بسبب أنه ملوث بالأيديولوجيا إلى حدٍّ ما) فلم يأتهم، على سبيل المثال، بالوظائف التي وعدهم بها، بينما حصل لابيرمان (مستشار نتنياهو المشهور بلقب «راسبوتين») بعدد كبير من الأصوات، كما حصل تسفي بن آرى (مليونير روسي مهاجر كان يُسمَّى جريجوري ليرنر) على عدد كبير آخر من الأصوات رغم أنه على علاقة بالجريمة المنظمة، كما اتُهم بتقديم الرشاوي وتُجرى معه التحقيقات بهذا الشأن ، ولكن هذا شأن سياسي لا يهم الصهاينة المرتزقة كثيراً.

ومما يُلاحَظ أن 1% فقط من هؤلاء المرتزقة يعيش في الأرض المحتلة بعد عام 1967، ومع هذا فهم لهم ماضي إمبريالي ولذا فهم لا يمانعون في ضم الأراضي ولا يرون ضرورة للتنازل عنها (كما يقول إدوارد كوزينتسوف محرر جريدة يومية تصدر بالروسية في إسرائيل تُسمَّى فستي). كما أنهم يكرهون العرب بشكل غريزي، ربما بسبب عنصرية المجتمع الصهيوني المتأصلة، وما حملوه من "عداء للعرب"، الأمر الذي كان متفشياً بين العناصر الرجعية في المجتمع السوفيتي.

وحتى مطلع عام 1996 لم يكن للمهاجرين الروسو حزب سياسي، ولكن المنبر الصهيوني كان ممثلهم الرئيسي. وكان رئيسه شارانسكي يعارض بشدة تأليف حزب للمهاجرين خشية الانعكاسات السلبية التي قد تعني تحويل المهاجرين إلى مجموعة عرْقية. ولكن الانقسامات الحزبية داخل النظام السياسي الإسرائيلي، علاوة على القوة الانتخابية الضخمة التي يشكلها المهاجرون الروس، دفعت شارانسكي إلى تحويل حركته السياسية إسرائيل بعالياه إلى حزب يحمل الاسم نفسه في 11 فبراير 1996. ويزعم شارانسكي أن حزب إسرائيل بعالياه حزب إسرائيلي بمعنى الكلمة، إذ يطالب بحل المشاكل التي تعاني منها غالبية الإسرائيليين ويطرح نفسه على أنه حزب وسط بين طرفي القوس السياسي (العمل والليكود) يبرز المسـائل غــير المختلفة بشــأنها، والتـي يمكنها توحيد الشعب، ومن ضمن هذه المسائل تحويل إسرائيل إلى مجمع للشتــات (بما في ذلك قيام اقتصاد ليبرالي قائم على التنافس يقوم باجتــذاب أعضــاء الجماعــات اليهــودية إلى الدولة الصهيونية).

ويطالب الحزب بتعزيز شئون الهجرة والاستيعاب، ولذا يطالب بإصدار قانون يحدد حقوق المهاجر وواجباته ووضع الخطط اللازمة لذلك. ويرى الحزب أن استمرار الهجرة يشكل عاملاً سكانياً حاسماً في التخطيط الإستراتيجي الطويل الأمد. لكل هذا يؤكد الحزب كثيراً من المسلمات الصهيونية (إلغاء قانون العودة - حق الشعب اليهودي في كامل أرض إسرائيل - القدس الموحدة غير قابلة للتفاوض فهي عاصمة الدولة اليهودية - رفض قيام دولة فلسطينية). علاوة على هذا يرى الحزب ضرورة توسيع صلاحيات المجالس المحلية فيما يتعلق بإنفاق الأموال المخصصة للاستيعاب واستعمال ضمانات القروض التي قدمتها الولايات المتحدة في خدمة غرضها الأصلي المتمثلة في استيعاب المهاجرين. ويرى الحزب ضرورة إيجاد حل للمشكلات الصعبة المتعلقة بزيجات غير اليهود ودفنهم.

ورغم كل الادعاءات الصهيونية الأولية فإن صهيونية المرتزقة تطل برأسها بكل صراحة وعنف في الجزء الثاني من برنامج الحزب، فحزب إسرائيل بعالياه حزب إثني في نهاية الأمر له مصالحه الروسية الخاصة. وكما قال شارانسكي نفسه: "قررنا إقامة حزب عندما اتضح أن الفصل بين المهاجرين والمجتمع يشتد. فحتى الناجحون بين المهاجرين يشعرون بأنهم ينتمون إلى أقلية مشبوهة وغير موالية، والنظرة إليهم سلبية. إن المهاجرين من روسيا تركوا دولة كانوا يشعرون فيها دائماً بأنهم ليسوا جزءاً من المجتمع. جاؤوا إلى هنا معتقدين أن هذا هو البيت. وفجأة أخذوا يشعرون بأنهم عبء. يُقال إنهم يجلبون الجريمة والدعارة، وعندما يديرون أعمالاً يكونون مرتبطين بالمافيا... المعادون للسامية في روسيا كانوا على الأقل يحترمون اليهود؛ إذ كانوا يقولون إن اليهود أذكياء. هنا تحوَّل مهاجرو روسيا إلى طفيليات».

وبسبب اثنيـة الحـزب وروســيته نجد أن قائمــة مرشحــيه كادت تقتصر على ممثلي المهاجرين الروس، وكانت الدعاية الانتخابية في معظمها باللغة الروسية. وحصلت قائمة إسرائيل بعالياه على 174.928 صوت أتت لها بسبعة مقاعد في الكنيست. ولذا تُعَد سادس أكبر كتلة في الكنيست (بعد العمل والليكود وشاس والمفدال وميرتس، على الترتيب). ولابد أن يؤخذ في الاعتبارأن المهاجرين الروس لم يستنفذوا كامل طاقتهم في الانتخابات الأخيرة.

فاعـد
Vaad
«فاعد» كلمة عبرية تعني «لجنة» وهي المنظمة المظلة التي تضم كل التنظيمات اليهودية في كومنولث الدول المستقلة (الاتحاد السوفيتي سابقاً) وقد تأسَّست عام 1989. وتضم المنظمة ما يزيد عن مائتي جماعة ثقافية. وفاعد عضو في المؤتمر اليهودي العالمي. وقد استمرت في الوجود بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. ومن أهم الشخصيات فيها وأحد مؤسسيها ميخائيل تشيلينوف. وتتعرض منظمة فاعد الآن للهجوم من فروعها في الجمهوريات السوفيتية السابقة إذ يطالبون بأن تكون فاعد أقل مركزية وأن تصبح تنظيماً كونفدرالياً. وهذا الانقسام داخل فاعد إن هو إلا صدى للانقسام الأكبر بين أعضاء كومنولث الدول المستقلة التي تتنازعها الرغبة في التحالف مع روسيا والاستقلال عنها.

ميخائــيل تشــيلنوف (1938 ( –
Mikhail Tschelenov
عالم لغة سوفيتي يهودي، ومؤسِّس الحركة الثقافية اليهودية في موسكو في السبعينيات، والرئيس المناوب لمنظمة فاعد (المنظمة المظلة للمنظمات اليهودية في اتحاد دول الكومنولث المستقلة). ويمكن القول بأن تشيلينوف نموذج متبلور للمواطن الروسي اليهودي إذ يتبدَّى من خلاله كثير من خصائص هذا المواطن.

يعمل تشيلينوف عالم لغة متخصص في الإثنوغرافيا، ولعله عَالم فيما يُسمَّى «اللغويات الإثنية»، وهو متخصص أساساً في قبائل الإسكيمو وشعوب المحيط الهادي في جزر إندونيسيا، كما أنه يجيد العبرية بل يُعَدُّ من أهم معلمي العبرية في روسيا. وهو حفيد واحد من أهم القادة الصهاينة الذين هاجروا إلى فلسطين واستوطنوا فيها، وهو يحيل تشيلينوف. وأم تشيلينوف ليست يهودية، وكذلك زوجته وابنه، والمؤسسة الدينية الأرثوذكسية داخل وخارج إسرائيل لا تعتبره يهودياً. ويبدو أن اهتمامه بالعبرية ليس له أي مضمون صهيوني وإنما هو اهتمام بالجذور الإثنية لشخصيته الروسية الثقافية (وهذه سمة مشتركة بين يهود الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فيهود أمريكا مولعون بشكلٍّ يكاد يكون مرضياً بالبحث عن جذورهم).

ويعمل تشيلينوف رئيساً للجماعة اليهودية الثقافية في موسكو، أي أنه يسعى إلى بَعْث ثقافي لهويته الروسية اليهودية. وجماعته أول جماعة يهودية منظَّمة منذ الثورة وتضم آلاف الأتباع. ومجموعة اهتماماته هذه تضعه في مجابهة الصهيونية التي تهدف إلى تصفية الجماعات اليهودية في العالم وإلى تحويلها إلى وقود لآلة الاستيطان والحرب الصهيونية. ولذا، فليس من الغريب أن يصرح تشيلينوف أنه لا ينوي الهجرة إلى إسرائيل لأنه يعلم جيداً الجو السيئ في إسرائيل بشأن الزوجات غير اليهوديات، وأنه غير مستعد لإخضاع زوجته لهذه المعاملة. ثم أضاف أنه يرى أن الهجرة ليست سوى عنصر واحد للتعبير عن الهوية اليهودية (الروسية). ويمكن أن نضيف أن تخصُّص تشيلينوف في قبائل الإسكيمو يجعل هجرته مستحيلة، إذ أنه سيجد نفسه في إسرائيل بعيداً عن المادة التي يعمل عليها (وكم عدد علمـاء اللغـويات والإثنوغرافيـا الذين يستطيع المجتمع الإسرائيلي استيعابهم؟). ويمكن القول بأن تشيلينوف نموذج جيد لكثير من اليهود السوفييت. ومما يجدر ذكره أنه رغم أنه قد قرَّر عدم الهجرة إلا أنه يؤيد هجرة اليهود السوفييت بل ويشجعها، أي أنه صهيوني توطيني. وقد تعرَّض تشيلينوف لهجوم في الفترة الأخيرة إذ وُجِّه إليه الاتهام بأنه حوَّل فاعد إلى منظمة مركزية تتركز قيادتها في يده.

نـاتـان شـارانسكي (1948 ( -
Natan Sharansky
رئيس حزب إسرائيل بعالياه ووزير الصناعة والتجارة في وزارة نتنياهو. اسمه الأصلي أناتولي ثم قام بعبرنته. وُلد في أوكرانيا ودرس الرياضيات وعلوم الكمبيوتر في معهد الفيزياء التكنولوجية في موسكو. تقدَّم بطلب للحصول على تأشيرة هجرة إلى إسرائيل عام 1973. وقد قام شارانسكي بحملة إعلامية ضخمة للمطالبة بحق اليهود السوفييت في الهجرة إلى إسرائيل وكان يُشكِّل حلقة اتصال بين يهود الاتحاد السوفيتي الممنوعين من الهجرة والصحافة الغربية. وفي عام 1976 اتهمته جريدة أزفستيا بالتعاون مع المخابرات الأمريكية ثم قُبض عليه بتهمة الخيانة والجاسوسية وحُكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة عشر عاماً. وأُفرج عنه في 11 فبراير عام 1986 وترك بلده في اليوم نفسه وهاجر إلى إسرائيل حيث أعلن أنه سيستمر في الكفاح من أجل حق يهود الاتحاد السوفيتي في الهجرة.

ويذهب شارانسكي إلى أن يهود الاتحاد السوفيتي مندمجون تماماً في مجتمعهم وأنهم في طريقهم للاختفاء، ومن ثم فدعوته لمنح اليهود حق الهجرة ليس من أجل إنقاذهم وإنما من أجل خدمة مصلحة الدولة الصهيونية. ومع هذا، فمع الهجرة السوفيتية الجديدة في التسعينيات بدأ شارانسكي يوظف اندماجية هؤلاء المهاجرين وأنهم كتلة بشرية مستقلة لها مصالح مستقلة، ولذا انتهى به الأمر أن كوَّن حزباً سياسياً من المهاجرين الروس (وهو الأمر الذي تزامن مع تكوين حزب مغربي وآخر من الفلاشاه) يتجاوز المُثُل الصهيونية تماماً ليعبِّر عن مصالح المهاجرين الروس الذين لا يدينون بالولاء إلا لمصالحهم الخاصة.




الجزء الثالث: العنصرية والإرهاب الصهيونيان




الباب الأول: العنصرية الصهيونية




الأسـاس الفكري للعنصرية الصهيونية ضد اليهود والعرب
Intellectual Origins of Zionist Racism Against Jews and Arabs
تنطلق الصهيونية من توليفة من الأفكار العلمانية الشاملة التى شاعت في الحضارة الغربية في القرن التاسع عشر. ولعل أهم هذه الأفكار هو الفكر العنصري أو العرْقي الذي يرى البشر جميعاً مادة ولذا فالاختلافات بينهم مادية، كامنة في خصائصهم العرْقية والتشريحية، وأن البشر مادة بشرية يمكن أن تُوظَّف فتكون نافعة ويمكن أن لا يكون لها نفع. ومن هنا تَبرُز أهمية الاختلافات العرْقية (لون الجلد ـ حجم الرأس... إلخ) كمعيار للتفرقة بين البشر. والخصائص الحضارية ورقي شعب ما وتَخلُّفه هو نتيجة صفاته العرْقية والتشريحية، ومن ثم فتقدُّم أو تَخلُّف شعب مسألة عرْقية متوارثة.

وتنبع الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة من هذا التشكيل العلماني الإمبريالي العرْقي فهي تفترض أن ثمة شعباً عضوياً يحوي داخله خصائصه العرْقية والإثنية. وهذا الشعب غير نافع يمكن نقله إلى أرض خارج أوربا لتوظيفه لصالحها ليتحول إلى عنصر نافع. وقد استخدمت الصهيونية النظريات العرْقية الغربية لتبرير نقل الشعب العضوي اليهودي المنبوذ من أوربا ولتبرير إبادة السكان الأصليين ليحل أعضاء هذا الشعب محلهم.

وقد عبَّرت النظرية العرْقية الغربية عن نفسها على مستويين:

أ) داخل أوربا: طبَّق منظروا العرْقية النظريات نفسها على شعوب أوربا وأقلياتها، فاتجه الألمان إلى وضع الآريين، وخصوصاً التيوتون، على رأس الهرم، كما نجد الإنجليز يضعون العنصر الأنجلو ساكسوني (الإنجليزي الأمريكي) عند هذه القمة. وقد كان هناك أيضاً من السلاف من فعل ذلك. وعلى أية حال، فإن الشعوب البيضاء (الشقراء) في الشمال تجيء على القمة، أما الشعوب الداكنة في الجنوب (الإيطاليون واليونانيون) فكانت توضع في منتصف الهرم، وفي قاعدة الهرم كان يوضع الغجر واليهود. وقد ظهرت أدبيات عرْقية معادية لليهود تحاول إثبات عدم انتمائهم لأوربا وانفصالهم عنها حضارياً أو عرْقياً كما تحاول إثبات تدنيهم.

ب) خارج أوربا: الشعوب الملونة خارج أوربا هي شعوب متخلفة حضارياً وعرْقياً، على حين أن الرجل الأبيض متقدم متحضر، الأمر الذي يضع على الإنسان الأبيض عبئاً ثقيلاً ويفرض عليه أن يغزو بقية العالم ويهزم شـعوبها ويبيد أعـداداً منهم حتى يتم إدخال الحضارة عليهـم.

وقد تبنَّت الصهيونية كلا جانبي النظرية العرْقية الغربية، فاستخدمت النظرية العرْقية في مجالها الأوربي لتفسير ظاهرة نبذ الشعب العضوي اليهودي وضرورة نقله، واستخدمت النظرية العرْقية في مجالها العالمي لتبرير عملية طرد العرب من بلادهم.

وقد ترجمت العنصرية الصهيونية نفسها إلى شعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، ولفهم هذا الشعار قد يكون من الأفضل قلبه. فنقول: "شعب [يهودي منبوذ طفيلي لا نفع له في أوربا لا ينتمي لها لا وطن له فهو] بلا أرض، [ولذا يجب نقله إلى] أرض [لا تاريخ فيها ولا تراث ولا بشر فهي] بلا شعب [وإن وُجد الشعب يمكن إبادته أو طرده من وطنه]". فكأن الصهيونية تعني عمليتي نَقْل أو ترانسفير: لليهود من أوطانهم أو المنفى إلى فلسطين، وللفلسطينيين العرب من وطنهم فلسطين إلى المنفى. ولذا، فالعنصرية الصهيونية ليست موجَّهة ضد العرب وحسب وإنما ضد أعضاء الجماعات اليهودية أيضاً.

العنصرية الصهيونية ضد اليهود
Zionist Racism Against Jews
انظر: «العداء الصهيوني لليهود» ـ «الرفض الصهيوني لليهودية» ـ «غزو الدياسبورا» ـ «الخلاص الجبري» ـ «التهجير (الترانسفير) الصهيوني لأعضاء الجماعات اليهودية» ـ «إرهاب (ترانسفير) يهود العراق».

الإدراك الصهيـــــوني للعـــــرب
Zionist Conception of the Arabs
تهدف نظرية الحقوق الصهيونية إلى تبرير استيلاء اليهود على الأرض الفلسطينية، الأمر الذي يتطلب التوصل إلى رؤية للذات الغازية (اليهود)، ورؤية تكميلية للآخر موضوع الغزو (العرب). وقد تناولنا رؤية الصهاينة لليهود باعتبارهم شعباً أبيض أو شعباً مقدَّساً يهودياً خالصاً أو شعباً اشتراكياً تقدمياً (انظر: «الاعتذاريات الصهيونية العنصرية ونظرية الحقوق اليهودية المطلقة»). وسنتناول في هذا المدخل رؤية الصهاينة للعرب.

يُلاحَظ أن طريقة صياغة الرؤية الصهيونية للعرب تتسم بكثير من سمات الخطاب الصهيوني، ابتداءً بالإبهام المتعمد وانتهاءً بالتزام الصمت، كما يُلاحَظ تصاعد معدلات التجريد إلى أن نصل إلى النقطة التي يتحقق فيها النموذج الصهيوني الإدراكي وهي التغييب الكامل للعرب:

1 ـ العربي كعضو في الشعوب الشرقية الملونة (تخفيض العربي):

وهذا التصور هو تصور تكميلي لرؤية اليهود كأعضاء في الحضارة الغربية البيضاء، فالجنس الأبيض هو موضع القداسة أما الأجنـاس الأخرى فتقع خارجها، والعربي هو من هذه الأجنـاس المتخلفـة.

وفي إطار هذا التصوُّر، يُقدِّم الصهاينة وصفاً للشخصية العربية على أنها شخصية متخلفة، ومثل هذا الوصف أمر شائع في الاعتذاريات العنصرية وفي أدبيات الاستعمار الأوربي، فالوصف هنا ليس وصفاً للعربي بقدر ما هو وصف لأي آسيوي أو أفريقي (أو حتى أي أمريكي أسود). والاستعمار الصهيوني، في أحد تصوُّراته لنفسه، كان يرى أنه جزء (تابع) لا يتجزأ من الحركة الإمبريالية الغربية، ومن الهجمة العسكرية الحضارية على الشرق العربي لإدخال الحضارة والسكك الحديدية والبلاستيك والقنابل.

وقد بلوَّر وايزمان قضية الصراع العربي الصهيوني بالأسلوب نفسه الذي بررت به الحضارة الغربية مشروعها الاستعماري في الأمريكتين وآسـيا وأفريقيا. و"إننا ما زلنا نسـمع حتى الآن أناساً يقولون: حسناً، ربما كان ما أنجزتموه عظيماً تماماً، ولكن العرب في فلسطين قد ألفوا حياة الدعة والسكينة، وكانوا يركبون الجمال، وكان منظرهم رائعاً، وكانت صورتهم منسجمة مع منظر الطبيعة. فلماذا لا تظـل هـذه الصورة كما لو كانت متحـفاً أو حديقة عامـة؟ لقد وفدتم إلى البلاد من الغرب حاملين معرفتكم وإصراركم اليهودي، ولذا فصورتكم لا تنسجم مع مناظر الطبيعة. إنكم تجففون المستنقعات، وتقضون على الملاريا بطريقة تؤدي إلى انتقال البعوض إلى القرى العربية. إنكم ما زلتم تتحدثون العبرية بلكنة سقيمة ولم تتعلَّموا حتى الآن كيف تستخدمون المحراث بطريقة سليمة، وتستخدمون بدلاً من الجمل سيارة. ومن جهة أخرى فإن هذا يُذكِّر المرء بالصراع الأبدي بين الجمود من جهة والتقدم والكفاءة والصحة والتعليم من جهة أخرى. إنها الصحراء ضد المدنية".

ولم يكن من الضروري في هذا الإطار الاستعماري العرْقي القيام بأية دراسة دقيقة للضحية، وإنما كان يُكتفَى بالحديث عن مدى تَقدُّم الحضارة الغربية، ومدى تَقدُّم الإنسان الأبيض، كما كان يُكتفَى بالإشارة إلى تخلُّف الإنسان غير الأبيض (سواء كان أسود أو أصفر أو أسمر). فالأمور كانت واضحة للعيان، ومن هنا كانت هذه الأوصاف أوصافاً عمومية لا تُركِّز على السمات المتعيِّنة للضحية. وعلى أية حال، فإن أي تفكير عنصري لابد أن يتسم بهذا التعميم والتجريد والانتقاء، وإلا وجد نفسه أمام وجود متعين محسوس له قداسته وله قيمته الإنسانية والحضارية المحددة، وله كيانه الخاص، الأمر الذي يجعل من العسير تَقبُّل الاعتذاريات التي تُسوِّغ استغلاله أو إبادته.

وصورة العربي المتخلف صورة مهمة في الأدبيات الصهيونية. فقد لاحظ المفكر الصهيوني آحاد هعام سنة 1891 أن المستوطنين الصهاينة يعاملون العرب باحتقار وقسوة، وينظرون إليهم باعتبارهم متوحشين صحراويين، وعلى أنهم شعب يشبه الحمير، لا يرون ولا يفهمون شيئاً مما يدور حولهم. كما لاحظ أحد الرواد الصهاينة في أوائل القرن أن الصهاينة يعاملون العرب كما يعامل الأوربيون السود. وأما أهارون أرونسون (1876 ـ 1919) أحد زعماء المستوطنين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فقد حذر الرواد الصهاينة من أن يقطنوا بجوار الفلاح العربي القذر الجاهل الذي تتحكم فيه الخرافات، وأكد لهم أن كل العرب مرتشون.

ويتصف العربي، حسب تصور وايزمان، بصفات قريبة من التي ذكرناها من قبل، فهو عنصر منحط يحاول الجري قبل أن يستطيع السير، وهو شعب غير مستعد للديموقراطية ومن السهل أن يقع تحت تأثير البلاشفة والكاثوليك [كذا] كما ورد في رسالة وايزمان إلى أينشتاين بتاريخ 30 نوفمبر 1929. أما الفيلسوف الأمريكي هوراس كالن، فإنه لم يرى العربي إلا في صورة شيخ قبيلة من صحراء النقب، يلبس هو وأولاده ساعات مستوردة لا تبيِّن الوقت، ويحملون أقلاماً لا يستعملونها في جاكتات غربية يرتدونها فوق جلابيبهم، ووظيفتهم الأساسية هي تهريب الحشيش بطبيعة الحال. وفي أحد استطلاعات الرأي (نُشرت نتائجه عام 1971)، جاء أن 76% من الإسرائيليين يؤمنون بأن العرب لن يصلوا إلى مستوى التقدم الذي وصل إليه اليهود. ونعتقد أنه لا يفيد كثيراً أن نأتي بمزيد من الأدلة والقرائن والبراهين من أعمال بن جوريون أو جابوتنسكي أو غيرهما من الكُتَّاب الصهاينة، إذ أن مثل هذا سيكون مجرد توثيق كميّ وتمدُّد أفقي لا يغيِّر ملامح الصورة كثيراً.

وفي هذا الإطار، نلاحظ أن العربي الجديد، وهو المقابل البنيوي لليهودي الأبيض، لا يأتي ذكره إلا في النادر. ومن هذه اللحظات النادرة ما دوَّنه هرتزل في يومياته حينما كان في القاهرة يتفاوض في شأن أحد مشروعاته الاستيطانية، فقد استمع الزعيم الصهيوني إلى محـاضرة عـن الري، ويبدو أنه رأى بعـض المصريين واستمع إلى أسئلتهم، فكتب يقول: "[المصريون] هم سادة المستقبل هنا، ومن العجيب أن الإنجليز لا يرون ذلك، فهم يعتقدون أنهم سيتعاملون مع الفلاحين إلى الأبد". ثم أخذ هرتزل بعد ذلك يصف كيف أن الاستعمار نفسه يخلق الجرثومة التي تقضي عليه، وذلك لأنه يعلِّم الفلاحين الثورة. ثم أبدى هرتزل دهشته لفشل البريطانيين في إدراك هذه الحقيقة البسيطة. ويحق للمرء أن يتعجب لفشله هو نفسه في إدراكها، إذ أنه ذهب ليتفاوض في اليوم التالي بشأن منطقة العريش لتكون موطناً للاستيطان الصهيوني. ويبدو أن ما حدث هو لحظة إدراك تاريخية نادرة من جانب الزعيم الصهيوني فَهم فيها الاستعمار البريطاني باعتباره ظاهرة تاريخية إنسانية لا تتسم بالثبات. ولكنه غاص، مرة أخرى، في الأسطورة الصهيونية الحلولية العضوية، فاستثنى الاستعمار الصهيوني المقدَّس والمطلق من هذا القانون التاريخي الإنساني، ولم تُترجَم لحظة الإدراك نفسها إلى حكمة إنسانية أو سلوك عقلاني.

وقد رسم هوراس كالن صورة الفلسطيني في المستقبل، كما يحب أن يراها، فقال: "لو حصل اللاجئون على جوازات سفر وغيرها من الوثائق التي تُمكِّنهم من التحرك بحرية، ولو حصلوا على مبلغ كاف من المال ليشـقوا به طريقهم إلى مكـان من المُتوقَّع أن يجدو فيه سـبل العيـش المعقولة. وقيل لهم إن هذا هو كل ما سيحصلون عليه ولا شيء آخر أبداً، لو حدث هذا لبدأوا عندئذ في الاعتماد على النفس"، أي أن تحديث الشخصية العربية سينتج عنه أن يفهم العرب الحقوق اليهودية في إطارها الحلولي العضوي باعتبارها حقوقاً مقدَّسة أزلية لا تقبل النقاش ولا تخضع للتغير.

كما أن التصوُّر الصهيوني يقوم على أن تحديث الشخصية العربية قد يؤدي بالفعل إلى تلاشي الشخصية العربية نفسها، أو أنها ستكتشف أنه لا توجد هوية عربية، وإنما هوية سنية أو شيعية أو مصرية (فرعونية). وهكذا تتبخر القومية العربية وتظهر الدويلات الإثنية الدينية على النمط الإسرائيلي. ولكن الحديث عن الإنسان العربي في المستقبل هو في نهاية الأمر حديث نادر في الكتابات الصهيونية.

2 ـ العربي ممثلاً للأغيار (تجريد العربي: (

وينطلق هذا التصوُّر من التصوُّر الصهيوني لليهودي باعتباره يهودياً خالصاً (وأنه وحده موضع الحلول ويوجد داخل الدائرة المقدَّسـة). ويصبح العـربي ممثلاً لكل الأغيار (الذين يقعـون خـارج نطـاق دائرة الحلول والقداسة)، أي أنه تصوُّر ينبع من الثنائية الحلولية الصلبة.

وقد وُصف الأغيار في الأدبيات الصهيونية بأنهم: ذئاب، قتلة، متربصون باليهود، معادون أزليون لليهود. و«الأغيار» مقولة مجردة، بل إنها أكثر تجريداً من مقولة «اليهودي» في الأدبيات النازية، أو مقولة «الزنجي» في الأدبيات العنصرية البيضاء. وهي أكثر تجريداً لأنها لا تضم أقلية واحدة، أو عدة أقليات، أو حتى عنصراً بشرياً بأكمله، وإنما تضم كل الآخرين في كل زمان ومكان. وقد وضع الصهاينة الإنسان العربي على وجه العموم، والفلسطيني على وجه الخصوص، داخل مقولة «الأغيار» حتى يصبح بغير ملامح أو قسمات.

وتظهر مقولة «الأغيار» هذه في وعد بلفور (أهم الوثائق الصهيونية) حيث أشار إلى العرب (الذين كانوا يشكلون أكثر من حوالي 93% من مجموع السكان) على أنهم الجماعات غير اليهودية، دون تحديد هذه الجماعات أو ذكر اسمها، حتى تظل هذه الجماعات عند مستوى عال من التجريد. إن هذه الجماعات غير اليهودية هي أية جماعة إنسانية تشغل الأرض التي سيستوطن فيها الشعب اليهودي. وبينما كان هرتزل يتفاوض بشأن كريت موقعاً للاستيطان الصهيوني كتب عن الجماعات غير اليهودية التي تقطنها بطريقة تنم عن عدم الاكتراث والتجريد، فقد وصفهم بأنهم "عرب، يونانيون، هذا الحشد المُختلَط من الشرق".

أما تشرنحوفسكي، في قصيدته «وقت الحراسة» التي كتبها في تل أبيب عام 1936، فلم يُكلِّف خاطره الإشارة إلى العرب، بل يتحدث عن الأغيار فحسب، بوصفهم رجال الصحراء المتوحشين، وهم بهذا، يصبحون شيئاً عاماً مجرداً خالياً من القداسة، وجزء من الطبيعة يَسهُل التعامل معه واصطياده وإبادته.

وفي إسرائيل، لا يتحدثون عن «اليهود والعرب»، وإنما يتحدثون عن «اليهود وغير اليهود». وكما يقول إسرائيل شاهاك، فإن كل شيء في إسرائيل ينقسم إلى يهودي وغير يهودي. وينطبق هذا التقسيم على كل مظاهر الحياة فيها، حتى على ما يزرع من خضراوات من طماطم وبطاطس وغيرها. وفي هذا الصدد، قد يكون من المفيد أن نتذكر أن الحاخام أبراهام أفيدان حين أوصى الجنود الإسرائيليين بقتل المدنييين الأغيار أو غير اليهود كان يعني في الواقع العرب فحسب، ولا شك في أن جنود جيـش الدفاع الإسـرائيلي يعرفون تماماً ما كان يرمي إليه الحاخـام.

هذا هو التصوُّر الصهيوني للعربي (الممثل للأغيار) في الماضي والحاضر، فماذا عن الإنسان العربي ممثل الأغيار في المستقبل؟ هنا نجد أن الزمان قد تجمَّد وأُلغي، كما هو شأن الكتابات الصهيونية دائماً، فالأغيار ذئاب في الماضي والحاضر والمستقبل. والإنسان العربي الخانع الخاضع للعنف الصهيوني، هو نفسه الإنسان العربي المقاتل الأزلي ضد اليهود: كلاهما جزء من مخطط ميلودرامي أزلي. وقد وصف رئيس جمهورية إسرائيل السابق إسحق بن تسفي المقاومة العربية في أوائل القرن الحالي بأنها مجرد مذبحة يرتكبها أعداء اليهودة في فلسطين، حرَّض عليها قنصل روسيا القيصري، أي أن معاداة اليهود هي هي لا تتغيَّر، فهي تأخذ شكل مذابح في روسيا أو مقاومة عربية في فلسطين! وفي المؤتمر الصهيوني السابع (1905)، طرح أحد الصهاينة تصوراً مماثلاً للتصور الذي طرحه هرتزل عن الإنسان العربي في المستقبل، وحذَّر من أن الفلاحين الفلسطينيين سيثورون ضد الاستعمار الصهيوني، كما طالب المستوطنين الصهاينة بأن يسلكوا سلوكاً مختلفاً حتى لا يشتد الصراع مع العرب. وقد ردَّ أحد المستوطنين الصهاينة بأن الفلاحين العرب سيتحولون ضد اليهود مهما كان تصرف وسلوك اليهود حيالهم، فثورة الفلسطينيين ليست محاولة لرد العدوان والظلم الواقع عليهم، وإنما هي تعبير عن العداء الأبدي الذي يبديه الأغيار نحو اليهود "هذا الشعب الذي طُرد من بلاده". وهذا التفسير السهل الذي يشرح كل شيء لا يزال شائعاً في إسرائيل حتى بين المثقفين. ويُفسِّر الكاتب الإسرائيلي يهوشاوا المقاومة العربية بأنها شيء غير مفهوم، ودوافعها غير عقلانية إلى حدٍّ كبير، فثمة شيء ما في اليهود يؤدي إلى إثارة جنون الأغيار. والعرب، بوصفـهم أغياراً، لا يشذون عن هذه القاعدة. والواقع أن مقولة «الأغيار» (العرب) تُعفي الصهاينة من مسئولية التوجُّه المحدَّد للمسألة الفلسطينية وللإنسان العربي.

3 ـ تهميش العربي:

إن عملية التجريد السابقة تستهدف تهميش العربي حتى لا يشغل مركز الأحداث بالنسبة لفلسطين. والعربي الهامشي نمط أساسي في الإدراك الصهيوني للعرب. إن الصهاينة ينكرون وجود أية هوية سياسية للعرب عامة، وللفسطينيين على وجه الخصوص، أو أية مشاعر قومية من جانبهم. فالصهاينة في إدراكهم للثورات العربية ضدهم، ينكرون طبيعتها القومية والسياسية ويؤكدون لأنفسهم ولرفاقهم أن الدافع إليها ليس حب الأرض أو الوطن أو التمسك بالتراث، فالدافع إليها هو التعصب الديني. وقد كان الصهاينة يلومون المسيحيين العرب، أحياناً، باعتبارهم الأعداء الحقيقيين لمشروعهم الاستيطاني، ويصورون المسلمين في صورة الفريق الطيب الذي يمكن التفاهم معه. وكانوا أحياناً أخرى يفترضون العكس، فيؤكدون أن المسلمين هم العدو الحقيقي، وأن المسيحيين هم الفريق الذي يبدي استعداداً كبيراً للتعاون. وكانت الجماهير الفلسطينية بالنسبة إليهم مجرد غوغاء يتلاعب بها المهيجون الإقطاعيون والأفندية ولا تحركها الدوافع القومية. ويرى سمحا فلابان أن وايزمان كان يؤمن إيماناً راسخاً بأن تمرُّد هذه الجماهير ليس تعبيراً صادقاً عن حركة قومية خلاقة وإنما كانت تمليه الاعتبارات الإقطاعية والقَبَلية الضيقة.

وإلى جانب هذا، كان الصهاينة يرون الفلسطيني أو العربي حيواناً أو مخلوقـاً اقتصـادياً محضاً تحركه الدوافع الاقتصادية المباشـرة. ولذا، فيمكن حل المشكلة العربية (حسب هذا التصور) في إطار اقتصادي لا يكون سياسياً بالضرورة. ولعل من الأمثلة الأولى على هذه الإستراتيجية الإدراكية رشيد بك، هذا العربي الذي تم تخليقه حسب المواصفات الصهيونية في رواية هرتزل الأرض الجديدة القديمة، فهو يؤكد أن الوجود الصهيوني قد عاد على العرب بالنفع الكبير: لقد زادت صادرات البرتقال عشر مرات، كما أن الهجرة اليهودية كانت خيراً وبركة، خصوصاً بالنسبة لملاك الأراضي لأنهم باعوا أرضهم بأرباح كبيرة. وظل لفيف من الصهاينة يؤمنون إيماناً راسخاً بإمكان التغلب على معارضة الفلسطينيين عن طريق توضيح المزايا الاقتصادية الجمة التي سيجلبها الاستيطان الصهيوني، وعن طريق حثهم على الرحيل إلى البلاد العربية بعد إعطائهم التعويض الاقتصادي المناسب عن وطنهم. وكانت إحدى القناعات الإدراكية عند وايزمان أن تطوُّر فلسطين سيؤدي إلى أن يفقد العرب الاهتمام بالمعارضة السياسية.

ويؤكد وولتر لاكير وغيره من المؤرخين أن السياسة الرسمية للصهيونية في العشرينيات (ويمكن أن نضيف: وبعدها) هي عدم الدخول في مناقشات سياسية مع العرب، بأية حال، وحصر أيَّ تفاوض في التعاون الاقتصادي وحده، وعدم التعرض لطبيعة النظام السياسي. ويُلاحَظ أن الإستراتيجية الإدراكية هنا تهدف إلى إسقاط الطبيعة القومية لردة الفعل العربية، فلو تم تصنيفها كحركة قومية فإن منطق التصنيف نفسه يؤدي إلى ضرورة الاعتراف بالعرب كجماعة قومية لها أرض قومية وتراث قومي ومجال قومي ومجموعة من الحقوق القومية تنسف الادعاءات الصهيونية القومية بشأن الأولوية القومية الأزلية لليهودي في أرض فلسطين.

ومع هذا، فقد كانت القومية العربية أحياناً تفرض نفسها على الإدراك الصهيوني فرضاً كدافع محرك للجماهير العربية. وهنا، كان الصهاينة يتبنون إستراتيجيتين أخريين هما في جوهرهما تعبير أكثر حذقاً وصقلاً عن محاولة تهميش العربي ونزع الصبغة السياسية عنه. أما الأولى، فهي الاعتراف الجزئي بالطبيعة القومية للثورات الفلسطينية مع تفسيرها تفسيراً يجردها من مضمونها الإنساني ويفصلها عن الحركات القومية المماثلة فتصبح بالتالي قومية ناقصة لا تستحق أن تحصل على أية حقوق. والقومية العربية، حسب هذا الإدراك، إن هي إلا قومية مصطنعة تابعة للإنجليز وللقوى الخارجية وعميلة لهم. كما أن الصهاينة كانوا أحياناً يرون القومية العربية مجرد رد فعل للاستيطان الصهيوني ليست لها وجودها الحقيقي، ومحاولة لسلب الصهيونية ليست لها دينامية ذاتية مستقلة. وكان الصهاينة العماليون يصفون القومية العربية بأنها قومية رجعية، أو كما قال حاييم أرلوسوروف فإنهم قومية تهيمن عليها قوى الرجعية الاجتماعية والطغيان السياسي ولم تبرز داخلها قيادات سياسية مثل صن يات صن أوغاندي.

وأما الإستراتيجية الإدراكية الثانية، فهي مواجهة القومية العربية كأمر واقع يفرض نفسه فيتم الاعتراف بها كقومية كاملة مع تقليص مجال فعاليتها بحيث لا تضم الفلسطينيين. ويقول أحد مؤرخي الحركة الصهيونية إن الإسهام الأساسي لوايزمان في النظرة الصهيونية إلى العرب تتلخص في تمييزه بين العرب والفلسطينيين، إذ كان يرى إمكانية التوصل إلى اتفاق مع القومية العربية، بل مساومتها، مقابل أن يتخلى العرب عن مطالبهم في فلسطين. وكان أيضاً، حسبما ورد في كتاب فلابان، صاحب النظرية القائلة بأن فلسطين جزء غير مهم من الوطن العربي الكبير. وكان أرلوسوروف موافقاً على التعاون مع العرب، ولكنه كان متشائماً بشأن التعاون مع الفلسطينيين. ويمكن أن نرى مفاوضات وايزمان/فيصل ومعظم اتصالات الصهاينة مع العرب في هذا الإطار. بل إن الصهاينة قدَّموا عام 1930 مشروعاً طرحه موشيه بينكوس نائب رئيس تحرير دافار ونال تأييد بن جوريون الحذر، وهو في جوهره تعبير عن هذه الإستراتيجية. كان المشروع يدعو إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين تصبح جزءً من اتحاد فيدرالي يضم الشرق العربي بأسره. وكان المفروض أن يشكل الفلسطينيون أقلية داخل الدولة المفتوحـة، ولكنهـا هي نفسها كانت تشكل أقلية داخل اتحاد الدول العربيـة.

ولعل هذه الإستراتيجيات الإدراكية هي أذكى الإستراتيجيات على الإطلاق وأكثرها تَفرُّد ودهاءً وتعبيراً عن خصوصية الصهيونية كحركة استيطانية إحلالية لا تهدف إلى غزو العالم واستبعاده (على طريقة النازية) وإنما إلى الاسـتيلاء على الأرض الفلسـطينية وحدها دون سـكانها. فعملية التهميش هنا تصبح مقصورة على الضحية المباشرة، أي الفلسطيني، دون حاجة إلى استجلاب عداء الآخرين، سواء في الشرق أو في الغرب. ولا تزال محاولة تهميش العرب نمطاً أساسياً في الإدراك الإسرائيلي للعربي.

4 ـ العربي الغائب:

إن ذكر العرب، ولو في مجال التشهير بهم، هو اعتراف ضمني بهم، ولكن الصهاينة يحاولون إخفاء العرب بإدخالهم في مفهوم مقولة «الأغيار» المجردة. هذا الاتجاه يصل إلى قمته فيما يمكن أن نسميه مقولة «العربي الغائب»، فبدلاً من الإخفاء الجزئي خلف مقولة مجردة، تصل محاولة الإخفاء إلى حد الإغفال الكامل، فالصهاينة أحياناً لا يذكرون العربي بخير أو شر، ويلزمون الصمت حيال الضحية، ويُظهرون عدم الاكتراث الكامل بها (وهذه إحدى سمات الخطاب الصهيوني(.

والواقع أن مقولة «العربي الغائب» كامنة في مقولة «اليهودي الخالص». وكلما تزايدت معدلات الحلولية العضوية وتركزت القداسة في اليهود، اتسعت الدائرة وزاد استبعاد الآخر تدريجياً إلى أن يختفي تماماً ويغيب حين يصبح اليهودي الخالص هو اليهودي المطلق ذي الحقوق المطلقة الخالدة التي لا تتأثر بوجود الآخرين أو غيابهم. وهكذا، فإن نظرية الحقوق المطلقة تعني غياب أية حقوق أخرى غياباً تاماً.

ويُفسِّر بعض المفكرين ظاهرة العربي الغائب بأنها محاولة للتهرب من حقيقة صلبة تتحطم عندها كل الآمال الصهيونية. فيقول عالم السياسة الإسرائيلي شلومو أفنيري: "إن الرواد الصهاينة الأولون لم يكن في مقدورهم مواجهة حقيقة أن ثمن الصهيونية هو نقل العرب، ولذا أخذت آليات الدفاع عن النفس شكل تَجاهُل تَعيُّن المشكلة العربية. فالتمسك بالرؤية الصهيونية لم يكن ممكناً دون اللجوء بشكل غير واع لخداع النفس. ويقول ليبوفيتس: إن الصهاينة الأوائل لم يريدوا (لأسباب نفسية واضحة) رؤية الحقيقة، ولم يدركوا أنهم كانوا يضللون أنفسهم ورفاقهم. ومهما كانت الدوافع، فإن من الواضح أن الصهاينة أرادوا أرض فلسطين دون فلسطينيين (أرضاً بلا شعب)، ولذا كان يجب أن يختفي العرب ويزولوا.

وإفراغ فلسطين من كل سكانها أو معظمهم (أي تغييبهم) هو أحد ثوابت الفكر الصهيوني، وهو عنصر مُتضمَّن بشكل صامت في الصيغة الصهيونية الأساسية. وهذا أمر منطقي ومفهوم، إذ لو تم الاستيلاء على الأرض وبقي سكانها عليها لأصبح تأسيس الدولة الوظيفية مستحيلاً، ولتم تأسيس دولة عادية تمثِّل مصالح سكانها بدرجات متفاوتة من العدل والظلم. فيهودية الدولة (مع افتراض تغييب السكان الأصليين) هو ضمان وظيفيتها وعمالتها.

ومن هنا، كان اختفاء العرب حتمياً، ومن هنا كانت الصفة الأسـاسية للاسـتعمار والاستيطان الصهيوني وهي كونه استعماراً إحلالياً، فصهيونيته تكمن في إحلاليته، كما أن إحلاليته هي التعبير الحتمي عن صهيونيته (ويهوديته المزعومة(.

ورغم أن رَصْد مقولة «العربي الغائب» وتوثيقها أمر بالغ الصعوبة لأن ما هو غائب لا يمكن رصده وتوثيقه بالطريقة التقليدية التي تعتمد على الاقتباسات والنصوص وتحليلها. ومع هذا، فإن هناك عدداً كبيراً من التصريحات والمفاهيم الصهيونية لا يمكن فهمها إلا في إطار مقولة «العربي الغائب». ويمكن أن يندرج تحت هذا كل ذلك الحديث المسـتفيض عن الأرض المقدَّسـة وإرتـس يسـرائيل وصهيون وأرض الميعاد، فهو حديث يستند في نهاية الأمر إلى افتراض غياب فلسطين العربية. والحديث عن استيطان المهاجرين من روسيا القيصرية باعتبارها «عاليا»، أي «صعود»، والحديث عنهم باعتبارهم «معبيليم»، أي يهود يدخلون فلسطين كما دخلها العبرانيون القدامى رغم كل الصعـاب والعـوائق، هو أيضاً حديث يفترض غياب العرب وغياب تاريخهم. بل إنه يمكن القول بأن المصطلح الصهيوني ككل (نفي، عـودة، تجميع المنفيين... إلخ) يفترض هذا اليهودي الخالص الذي يفترض بدوره العربي الغائب. وقراءة أي نص صهيوني وفهم أي برنامج صهيوني أمر صعب جداً، إن لم يكن مستحيلاً، من دون افتراض مقولة العربي الغائب كمثل أعلى ونقطة تحقُّق.

ويعبِّر الإدراك الصهيوني للعرب عن نفسه من خلال الهيكل الاقتصادي والقانوني للمستوطن الصهيوني ابتداءً من قانون العودة (عودة يهود المنفى إلى أرض الميعاد)، مروراً بقوانين الصندوق القومي اليهودي (القوانين التي تمكِّن الشعب المقدَّس من الاستيلاء على الأرض المقدَّسة)، وانتهاءً بالقوانين التي تمنع العرب من العودة إلى فلسطين (العربي الغائب أو الذي يجب أن يغيب(.

العـــربي كيهـــودي واليهـــودي كعــــربي
The Arab as a Jew and the Jew as an Arab
ثمة موضوعان أساسيان يتواتران في الكتابات الصهيونية: اليهودي كعربي والعربي كيهودي. ورغم أنهما نقيضان، إلا أنهما ينبعـان من إحدى الأفكار الأسـاسية المتـواترة في الفكر الصهيوني، وهي فكـرة تصفية الدياسـبورا (أي أعضـاء الجماعات اليهودية في العالم). والصهيونية تنطلق من الإيمان بأن الدياسبورا غير جديرة بالبقاء، فيهود المنفى شخصيات عليلة مريضة طفيلية. ومما يجدر ذكره أن أدبيات معاداة اليهود تحتوي على نقد متكامل متماسك لما يُسمَّى «الشخصية اليهودية». وقد أصبح هذا الانتقاد جزءاً من الترسانة الإدراكية للصهيونية التي طرحت نفسها بوصفها الحركة التي ستُطبِّع اليهود، أي تجعلهم قوماً طبيعيين، وتُخلِّصهم من الصفات السلبية المفترضة اللصيقة بشخصيتهم.

وقد تواتر الموضوع الأساسي الأول، أي اليهودي كعربي، في الكتابات الصهيونية التي صدرت قبل أن تتحدد معالم المشروع الاستيطاني الصهيوني تماماً، وقبل أن تتبلور خريطته الإدراكية، وقبل أن يتحول العربي إلى الآخر (ولعل هذا قد حدث بعد وعد بلفور). وفي هذه المرحلة، كان من الممكن النظر إلى العربي على أنه الشرقي وممثل الأغيار الأصحاء الذين يمكن التشبه بهم والتوحد معهم للشفاء من أمراض المنفى، وحسب هذا الإدراك يتحوَّل العربي إلى بطل رومانسي تحيطه هالات أسطورية كثيفة. ويبدو أن بعض المستوطنين الصهاينة الأوائل من أعضاء جماعة البيلو، انطلاقاً من الرؤى الرومانسية التي كانت سائدة في أوربا آنذاك، كانوا ينظرون إلى استيطانهم في فلسطين باعتباره نوعاً من "العودة إلى الشرق" الطاهر (مقابل الغرب المدنَّس المليء بالشرور). وأن «العربي» هو الحكيم الذي سيعلمهم كل الأسرار ويأخذ بيدهم ويهديهم سواء السبيل. وقد تبنَّى هذه الرؤية أحد زعماء موجة الهجرة الثانية، مائير ويلكانسكي، وتبعه في ذلك جوزيف لويدور (صديق الزعيم الصهيوني حاييم برنر وقد لقيا مصرعهما في إحدى المعارك مع العرب). ويُلاحَظ أن أول جماعة عسكرية صهيونية، والتي كانت تُدعَى الحارس (هاشومير)، كانت ترتدي زياً عربياً، وأن بعض أعضائها كانوا يعيشون مع البدو ليتعلموا طرقهم.

وكان الأدب الصهيوني في هذه المرحلة الأولى مفعماً بهذه الرؤية الرومانسية، فكتب موشيه سميلانسكي الكاتب الصهيوني سلسلة من الكتب، تحت اسم مستعار هو الخواجة موسى، يصوِّر فيها بإعجاب شديد حياة الفلسطينيين الذين تحولوا في هذه الكتب إلى بدو ورعاة جائلين يُذكِّرون القارئ بشخصيات العهد القديم. وفي قصة قصيرة كتبها زئيف يافيتس عام 1892، يرد وصف لطفل يهودي في مستوطنة بتاح تكفا يتعلم من العرب كيف يدرب جسده على "الحرارة والصقيع وعلى الفيضانات والقحط".

ومن أكثر الأمثلة تطرفاً وطرافة، مسرحية كتبها آرييه أورلوف أريلي نشرت عام 1912 في مجلة هاشيلواح (التي كان يحررها ويصدرها آحاد هعام في أوديسا). تصور المسرحية جماعة من المستعمرين الرواد من موجة الهجرة الثانية كانوا يعيشون في مزرعة جماعية. وبطلة المسرحية هي المستوطنة الصهيونية ناعومي التي ترفض حب اثنين من زملائها وتؤثر عليهما بائعاً جوالاً عربياً يُدعَى علي! وحينما يقتل أحد الرواد شاباً عربياً، ينتقم علي لصديقه المذبوح بأن يقتل الصهيوني! ولكن حتى هذا الفعل لا يغيِّر من حب ناعومي له. وتنتهي المسـرحية بمونولـوج عاصف تقول فيه ناعومي مخاطبة إخوانها الصهاينة: "إن روحي تحتقركم أيتها الديدان المتحضرة. لقد تعلمت من العربي الضاري شيئاً، لقد تعلمت منه هذه الكلمات: الله كريم" (وهذا هو عنوان المسرحية).

ويبدو أن هذا التيار كان شائعاً لدرجة كبيرة حتى أن مجلة هاشيلواح نشرت مقالاً للناقد الصحفي الصهيوني جوزيف كلاوزنر وجه فيه اللوم للكُتَّاب الصهاينة المستوطنين في فلسطين الذين يصورون كل اليهود في فلسطين كمتحدثين بالعربية يشبهون العرب في كل شيء. وقد استمر هذا التيار وأخذ شكلاً مغايراً وهو الدعوة إلى الوحدة السامية والإيمان بالأصول السامية المشتركة لكلٍّ من العرب واليهود والتي عبَّر عنها فكر الحركة الكنعانية التي انتشرت بعض الوقت بين المثقفين الصهاينة. ويجب ملاحظة أن هذا الموقف من العربي، كبدوي وبطل رومانسي، يتسم بقدر كبير من التجريدية، فالعربي هنا ليس إنساناً حقيقياً تاريخياً وإنما هو مقولة رومانسية مجردة ليست ذات حقوق متعيِّنة. كما أن العربي هنا بدوي أي إنسان متنقل غير مرتبط بالأرض، الأمر الذي يخدم المصالح الصهيونية ولا شك. وتمجيد العربي هو في واقع الأمر فصله عن أرضه وعزله عن إنسانيته المتعيِّنة ليصبح شيئاً يشبه الآثار الساكنة (التي نسميها «الأنتيكة» في مصر). والصهيونية في هـذا، مرة أخرى، لا تختلف كثيراً عن العنصرية الغربية، التي كانت لا تمانع بتاتاً في الإعجاب بـ "الماضي التليد" و"الأمجاد الغابرة" ما دامت مقطوعة الصلة بالواقع وما دامت لا تُستخدَم كمؤشر على ما يمكن أن ينجزه صاحب هذا التراث في المستقبل. وقد اختفت هذه المقولة الإدراكية تماماً في الخطاب الصهيوني، ولم يبق لها سوى أصداء خافتة باهتة.

أما مقولة «العربي كيهودي» فهي أكثر وضوحاً ومركزية وتواتراً، فنحن إذا نظرنا لكثير من المقولات الإدراكية الصهيونية (والإسرائيلية) ـ العربي كمتخلف، وتهميش العربي، والعربي كحيوان اقتصادي، والعربي كشخص له انتماء قومي محدد، والعربي كطفيلي، والعربي كشـخص يحركه التعـصب الديني، والقومية العربية كقومية عميلة للإنجليز، للاحظنا أن هذه هي نفسها صفات اليهودي في أدبيات معاداة اليهود في الغرب، والتي كانت تهدف إلى إسقاط حقوق اليهودي وطرده باعتباره شخصية طفيلية هامشية غير منتمية، وإلى إبادته في نهاية الأمر. وكما قلنا، كانت هذه المقولات جزءاً من الترسانة الإدراكية للصهيونية تشــبعت بها وتبنتها وطبقتها على الآخَر (أي على يهـود المنفى)، ثم أسقطتها على الآخَر (أي العربي)، كمحاولة لتغييبه وتهميشـه وتجريده وطرده وإبادته واجتثـاث علاقته بالأرض، تماماً كما فعل المعادون لليهود باليهود داخل التشكيل الحضاري الغربي (والطريف أن اليهودي هنا يصبح ممثل الأغيار الذي يذبح العربي كيهودي بعد أن ينسب إليه كل الشرور وينعته بكل الرذائل، تماماً كما كان الأغيار يُسقطون حقوق اليهود ثم يقومون بذبحهم).

المضمون الصهيوني للممارسات الإسرائيلية العنصرية
Zionist Content of Israeli Discriminatory Practice
تعاونت أجنحة الصهيونية كافة في مرحلة ما قبل 1948 على إنجاز العنصر المُتضمَّن في الصيغة الصهيونية الأساسية، أي التخلص من السكان الأصليين وتغييبهم. وثمة أدبيات ثرية في هذا الموضوع توثق النية الصهيونية المبيتة لطرد العرب، وتبين الطرق المختلفة التي لجأت إليها قوات المستوطنين لطرد الفلسطينيين (ولسحق مقاومتهم سواء قبل 1948 أو بعدها أو قبل الانتفاضة أو بعدها). وقد علَّق حاييم وايزمان بأن خروج العـرب بشكـل جماعي كان تبسيطاً لمهمة إســرائيل ونجاحـاً مزدوجــاً: انتصــاراً إقليمياً وحـلاًّ ديموجرافياً نهائيــاً، بمعنى أن الأرض تم الاسـتيلاء علىـها وتم تفريغها من سكانها حتى يتسـنى للشعـب الذي لا أرض له أن يهاجر إليها ويستوطنها.

ولكن وايزمان كان مخطئاً في نبوءاته متعجلاً فيها، فالأرض لم يتم تفريغها تماماً من سكانها، فقد بقيت أقلية من العرب آخذة في التزايد. وقد لجأت دولة المستوطنين الصهاينة إلى اتخاذ إجراءات قانونية للضرب على يد هذه الأقلية العربية وتكبيلها. ولم يكن ذلك أمراً عسيراً إذ أنها ورثت فيما ورثت خاصية اليهودية باعتبارها خاصية رئيسية ومحورية تسم اليهود الذين تقوم على خدمتهم مجموعة من المؤسسات الاستيطانية المقصورة عليهم. وبصدور قانون العودة في يوليه 1950، تحوَّلت خاصية اليهودية هذه إلى مقولة قانونية تمنح صاحبها حقاً تنكره على غير اليهود. ويمنح هذا القانون بشكل آلي جميع اليهود في العالم حق الهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها. وقد جاء في القانون أن من حق كل يهودي أن يأتي إلى إسرائيل كمهاجر، وأن تُمنَح تأشيرة لكل يهودي يعرب عن رغبته في الاستقرار في إسرائيل. وهكذا أصبح من حق أي يهودي، حتى وإن لم تطأ قدماه أرض فلسطين من قبل، أن يستقر في إسرائيل، بينما الفلسطيني الذي وُلد ونشأ في فلسطين ويريد العودة إلى وطنه لا يتمتع بهذا الحق وتُحرِّم عليه العودة.

ويستند القانون إلى المفهوم الصهيوني الفريد الخاص باليهودي الخالص أو المطلق صاحب الحقوق المطلقة في أرض فلسطين، وإلى مفهوم الشعب اليهودي الواحد. وقد أكد بن جوريون المضمون الأيديولوجي للقانون بقوله: إن الدولة لا تنوي من وراء هذا المشروع أن تمنح اليهود حق المجيء إلى إسرائيل حيث إن هذا الحق مُتوارَث، وإنما يهدف القانون إلى تحديد طابع الدولة الصهيونية الفريد وهدفها الذي لا يقل تفرُّداً. فهذه الدولة تختلف عن بقية دول العالم من حيث عناصر قيامها وأهدافها. فسلطتها قد تكون محصورة في سكانها ولكن أبوابها مفتوحة لكل يهودي أينما كان، أي أنها دولة الشعب اليهودي بأسره. وقد قارن كثير من الكُتَّاب اليهود قانون العودة بالقوانين النازية، فهو يميِّز بين الأفراد على أساس ديني أو عرْقي.

ثم قُدِّم إلى الكنيست قانون الجنسية (باعتباره قانوناً مكملاً لقانون العودة)، وتمت الموافقة عليه هو الآخر عام 1952. وهذا القانون تجسيد للنزعة الاستيطانية الإحلالية الصهيونية التي تعبِّر عن نفسها من خلال قبولها ازدواج جنسية اليهود وجعلها مسألة صعبة بالنسبة إلى السكان الأصليين إذ عليهم أن يتقدموا بطلب للحصول عليها. وهذا القانون ينطلق، مثل سابقه، من مفهوم وحدة الشعب اليهودي، وهو شعب مُوزَّع في جميع أقطار العالم. ولذا، فقد نص القانون على أن الحصول على الجنسية الإسرائيلية لا يتوقف على التنازل عن جنسية سابقة.

هذا هو الجانب الذي يخص المستوطنين. أما بالنسبة إلى العرب، فقد نص القانون على منح الجنسية الإسرائيلية للمقيمين من غير اليهود وكانوا مواطنين فلسطينيين ومسجلين بموجب مرسوم تسجيل السكان الصادر عام 1949. ولكن، وبينما يعطي هذا القانون الجنسية بشكل آلي للمهاجر الصهيوني، فإنه يُلزم الفلسطيني وحده باتباع إجراءات التجنيس الشائكة.

ولابد، لكي نفهم وضع العرب في فلسطين، من النظر إلى قانوني العودة والجنسية في علاقتهما بالقوانين المتعسفة الأخرى التي تحكم حياة العرب اليومية. فهذه القوانين تُطبَّق اسماً على جميع مواطني إسرائيل، ولكنها فعلاً تُطبَّق على غير اليهود وحسب. وأهم هذه القوانين ما يُعرَف باسم «قانون وأنظمة الطوارئ» التي أصدرتها سلطات الاحتلال الإنجليزية في عام 1936 ثم أُضيفت إليها نصوص جديدة عام 1945. وقد صادق الكنيست على تمديدها بعد إجراء بعض التعديلات، فأصبحت سارية المفعول في الدولة الصهيونية، وعُمِّم تطبيقها على المناطق المحتلة بعد يونيه 1967.

وقد تم تكبيل العنصر البشري الفلسطيني عن طريق هذه القوانين التي بدأت بقانون العودة وتحوُّل خاصية اليهودية إلى مقولة قانونية. بقي بعد ذلك الاستيلاء على الأرض، وهنا نجد أن نقطة البدء هي دستور الصندوق القومي اليهودي الذي يستند أيضاً إلى خاصية اليهودية كمقولة قانونية. والصندوق القومي اليهودي مؤسسة ضمن عدة مؤسسات صهيونية أخرى مقصورة على اليهود تحوَّلت إلى مؤسسات حكومية رسمية بعد إعلان الدولة، ولعله أهمها على الإطلاق. وقد كان الصندوق مؤسسة خاصة للمساعدات الذاتية ينص دستوره على أنه شركة تحت سيطرة اليهود تهدف إلى توطين اليهود على الأراضي التي يتم الحصول عليها، والتي يحق لليهود وحدهم استخدامها. ولا تُنقَل ملكية هذه الأراضي بالبيع أو بأية طريقة أخرى، فهي مملوكة ملكية خالصة للشعب اليهودي. ويقوم الصندوق بمنح التبرعات التي من شأنها أن تخدم مصلحة اليهود. ولا يمكن، علاوة على هذا كله، استئجار غير اليهود للعمل في هذه الأراضي. فالصندوق يشجع الاستعمار الزراعي القائم على العمل العبري. وقد تم تعريف اليهودي بأنه اليهودي بالمفهوم الديني أو العرْقي أو بأنه يرجع إلى أصل يهودي. وتُجمع المصادر على أن حوالي 90% من أراضي فلسطين المحتلة عام 1948 تقع تحت سيطرة الصندوق. ويُعاقَب كل إسرائيلي يقوم باستئجار العمال العرب بدفع غرامة لانتهاكه دستور الصندوق الذي ينص على أن من حق الصندوق أن يحرم المالك اليهودي من أرضه، دون دفع أيِّ تعويض له إذا قام بانتهاك هذه المادة ثلاث مرات.

وكما صدر قانون العودة كقانون يجسد الفكرة الصهيونية وتبعته بعض القوانين التي تترجم المقولة إلى إجراءات، فإن «دستور» الصندوق القومي اليهودي قد تبعته عدة قوانين خاصة بالأراضي تهدف إلى الاستيلاء عليها. يمنح "قانون" الهستدروت والوكالة اليهودية مزايا خاصة فقط للمواطنين اليهود. وهناك سلسلة من القوانين الأخرى تحصر الاستفادة من عدة مزايا اجتماعية فيمن أدوا الخدمة العسكرية وعائلاتهم (ومما هو معروف أن الخدمة العسكرية مقصورة على المستوطنين الصهاينة). ويمكن القول بأن قانون المناسبات الرسمية وأيام العطل ذات مضمون إثني/ديني تميز ضد العرب، ولعل أهم هذه الأعياد هو إعلان استقلال إسرائيل الذي يسميه الفلسطينيون «النكبة».

ويلاحظ أن المحاكم في الخمسينيات والستينيات كانت وسيلة من الوسائل المستخدمة لسلب المواطنين العرب أراضيهم، ولم تقدم أية مساعدة للمتضررين من الحكم العسكري في تلك الفترة. ولا يزال نظام المحاكم الجنائية في غير مصلحة العرب، فلا وجود لمحامين عرب على أي من مستوياته، وهذا يعبِّر عن قلة عدد المحامين العرب، ولكنه أكثر ارتباطاً بالعقبات الأمنية (كالحصول على تأشيرة أو تصديق أمني) التي تعترض تعيين العرب في أي منصب من مناصب النظام القضائي. وغالباً ما تكون الأحكام جائزة ضد العرب.

والأمر الذي يجدر تأكيده هو أن التمييز العنصري في إسرائيل ليس أمراً ناجماً عن تعصب شخصي أو انحراف فردي وإنما هو أمر نابع من القوانين الإسرائيلية نفسها ومن صهيونية الدولة، فمقولة «يهودي» هي مقولة قانونية أساسية. فقوانين التمييز والتفرقة العنصرية تُشكِّل جزءاً عضوياً من الإطار القانوني للدولة الصهيونية. وهذه الخاصية بالذات هي ما يفصل بين التمييز العنصري الذي تمارسه الجيوب الاستيطانية، والتمييز العنصري في بقية أنحاء العالم. فالتمييز العنصري في الحالة الأولى يستند إلى قوانين الدولة نفسها، بينما يُمارَس التمييز العنصري في كل البلاد الأخرى ضد إرادة القانون. وقد انعكست هذه القوانين على أحوال العرب في المناطق المحتلة قبل 1967 وبعدها في كثير من مجالات حياتهم.

وبطبيعة الحال تعبِّر العنصرية الصهيونية عن نفسها لا على المستوى الدستوري والقانوني وحسب وإنما على مستوى الممارسة في المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية. وكما قال موشيه أرنس، قطب الليكود، ووزير الدفاع السابق: "هناك في دولة إسرائيل شيء يهودي خاص، فهل يتمكن العرب من الشعور بالانتماء الكامل له...؟" فهناك بالفعل مجموعة من الثوابت التي تحكم الحياة السياسية، وهي قواعد عرفية وغير مقننة، ولا تنسجم بأية صورة مع أسس الديموقراطية. فعلى سبيل المثال لا يُعتبر أمراً شرعياً إقامة ائتلاف حكومي تدخل فيه أحزاب عربية، سن قوانين اعتماداً على أصوات غير يهودية في الكنيست.

ويقر سامي سموحا، وهو أكاديمي إسرائيلي يبحث في شئون الفلسطينيين في إسرائيل، بأن إسرائيل ليست ديموقراطية ليبرالية، ولكنها ديموقراطية من الدرجة الثالثة، ويفضل أن يطلق عليها عبارة "ديموقراطية عرْقية".

ونورد هنا بعض النقاط التي تظهر تردي أحوال السكان العرب قياساً بالسكان اليهود:

1 - إن المخصصات المالية الحكومية للمجالس المحلية اليهودية تتخطى خمسة أضعاف مساهمة الحكومة لميزانية المجالس المحلية العربية.

2 - إن المخصصات المالية لإعالة الأطفال وقروض السكان ونفقات الدراسة الجامعية للطلاب ترتبط جميعها بالخدمة العسكرية التي تمنح اليهود، بصورة آلية، مزية على العرب.

3 - إن دعم الحكومة لتكلفة المياه التي يستهلكها المزارعون اليهود يناهز ما تمنحه للمزارعين العرب بمائة ضعف.

4 - يبلغ عدد الأكاديميين في الجامعات الإسرائيلية نحو خمسة آلاف أكاديمي، لا يوجد بينهم سوى عشرة من العرب، في وقت تبلغ فيه نسبة العرب من 15 - 20% من السكان.

5 - تتاح للمهاجرين اليهود القادمين حديثاً دروساً جامعية بلغاتهم الأصلية، بينما يُجبر الطلاب العرب على الدراسة باللغة العبرية.

6 - ثمة عربي واحد من مجموع 2400 يحتلون مراكز إدارية في الشركات التي تملكها الحكومة.

وبصورة عامة يمكن القول بأن الوضع الاقتصادي للأقلية العربية في إسرائيل يختلف اختلافاً جذرياً عن الوضع الاقتصادي للمستوطنين الصهاينة، فالوجود الفعال للعرب في قطاعي الزراعة والصناعة محظور، فمن غير المسموح لهم التواجد في المؤسسات التعاونية الزراعية؛ كما أنهم لا يستطيعون العمل في أية شركة صناعية إسرائيلية لها علاقة بصناعة السلاح؛ كذلك لا يحق لهم الوجود في المنشآت الحكومية المهمة.
أما من ناحية الدخل، فهنك فارق كبير بين معدل دخل الأسرة اليهودية ومعدل دخل الأسرة العربية. حتى أن التقديرات لسنة 1983 تبيِّن أن معدل دخل الفرد العربي هو 46% فقط قياساً بمعدل دخل الفرد اليهودي.

والتمييز ضد العرب قائم في مرافق الحياة الإسرائيلية كافة. ويكفي المقارنة بين الوضع التعليمي للعرب بالوضع التعليمي لليهود في إسرائيل. ففي سنة 1985، كانت نسبة من لا يذهب إلى المدارس من السكان اليهود فوق سن 14 عاماً لا تتجاوز 5%، بينما بلغت هذه النسبة بين العرب أكثر من الضعف (13.6%). أما نسبة اليهود (فوق 14 عاماً) الذين دخلوا الجامعات فكانت 22.2%، في حين كانت لدى العرب ثلث ذلك تقريباً (7.8%).

وأثار بعض العلماء من الصهاينة والمتعاطفين معهم كثيراً من الاعتراضات على وصف الصهيونية بالعنصرية، من أهم هذه الاعتراضات: كيف يمكن أن تكون الصهيونية حركة عنصرية إذا كان اليهود لا يعترفون بأنفسهم كعرْق؟. وبالفعل، تجنح الاعتذاريات الصهيونية الآن نحو الابتعاد عن استخدام لفظة «عرْق» ويشار بدلاً من ذلك إلى "الإثنية اليهودية". والاعتراض المثار اعتراض لفظي محض، ولكن حتى لو أخذنا به فإن من السهل دحضه. وقد أشرنا من قبل، أثناء حديثنا عن التعريف الصهيوني لليهودي، إلى تطوره التاريخي من تعريف عرْقي إلى تعريف إثني وإلى الأسباب التي أدَّت إلى ذلك (انظر: «الهويات اليهودية: التعاريف الصهيونية»). ويمكننا أن نضيف هنا أن ذلك لم ىكن تطوراً حقيقياً إذ أن كلمتي «عرْق» و «إثنية» تكادان تكونان مترادفتين. وقد عرَّف معجم وبستر العالمي الجديد (بالإنجليزية) كلمة «جنــس» بالمعنى العرْقي المحدد، ولكنه أورد كذلك معنى أكثر اتسـاعاً: "حالة كون الإنسان عضواً في شعب أو جماعة إثنية". وقد خصَّص كاتب مدخل «العلاقات العرْقية» في الموسوعة البريطانية قسماً كاملاً من مقاله لمشكلة التعريف بدأه بقوله: "إن كلمة «عرْق» نفسها من الصعب تعريفها"، واقترح أن نستغني تماماً عنها وأن تحل محلها كلمة «جماعة إثنية» التي يمكن وصفها بأنها ذات "نمط جسدي موروث (أي عرْقي) أو حضارة أو قومية موروثة (أي إثنية) أو خليط من كل هذه الصفات". وقد حـاول اغناتز زولتشـان، باعتباره أحد المفكرين الصهاينة، إثبات أن اليهود عرْق، ولكنه كان مع هذا يتحدث عن اليهود كأمة من الدم الخالص احتفظت بأعظم الصفات الإثنية، أي أن الكلمتين حتى وإن لم تكونا مترادفتين تمـاماً فإنهما وثيقتـا الصلة الواحدة بالأخرى.

وعلى كل حال، مهما كان ما أصاب المجال الدلالي من اضطراب، ومهما اختلطت معاني الكلمات، فإن كلمة «عنصرية» تظل مصطلحاً يشير إلى نسق من القوانين والممارسات مبني على التفاوت، ويعمقه، ويمنح أفراد مجموعة بشرية بعينها عدداً من المزايا ينكرونها على سائر أعضاء المجتمع بسبب خاصية مقصورة على هؤلاء ولا يمتلكها الآخرون. وفي إسرائيل، فإن هذه الخاصية هي «اليهودية» سواء عُرِّفت تعريفاً عرْقياً أو عُرِّفت إثنياً علمانياً أو إثنياً دينياً. وانطلاقاً من هذا أصدرت هيئة الأمم المتحدة (عام 1975) قرارها الذي يقضي بأن الصهيونية حركة عنصرية، وهو القرار الذي ألغته عام 1991 مع تغيُّر موازين القوى في العالم.




الباب الثانى: الإرهاب الصهيوني/الإسرائيلي حتى عام 1948



العنــــف والرؤيــــة الصهيونيـــة للواقـــع والتاريـــخ
Violence and the Zionist View of Reality and History
»العنف« هو «الشدة والقسوة» وهو ضد الرفق واللين، وهي من «عَنَّف» بمعنى «عامله بشدة وقسا عليه». وأحد الأشكال الأساسية «للعنف الصهيوني» هو رفض الصهاينة قبول الواقع والتاريخ العربي في فلسطين باعتبار أن الذات الصهيونية واليهودية هي مركز هذا الواقع ومرجعيته الوحيدة. ولذا يستبعد الصهاينة العناصر الأساسية (غير اليهودية) المكونة لواقع فلسطين وتاريخها من وجدانهم ورؤيتهم وخريطتهم الإدراكية. والإرهاب الصهيوني إن هو إلا محاولة تستهدف فرض الرؤية الصهيونية الاختزالية على الواقع المركب، ولذا يمكن القول بأن الإرهاب هو العنف المسلح (مقابل العنف الإدراكي(.

والعنف النظري والإدراكي سمة عامة في الفكر العلماني الشامل الإمبريالي. والصهيونية لا تمثل أي استثناء من القاعدة، فقد نشأت في تربة أوربا الإمبريالية التي سادت فيها الفلسفات النيتشوية والداروينية والرؤية المعرفية الإمبريالية التي تتخطى الخير والشر والتي تحوسل العالم والناس بحيث يصبح الآخر مجرد أداة أو شيئاً يُستخدَم. ومع هذا يظل العنف الصهيوني ذا جذور خاصة تمنحه بعض السمات المميزة:

1 ـ لم تكن الصهيونية حركة استعمارية وحسب وإنما هي حركة استيطانية إحلالية (أرض بلا شعب) وهو ما يعني ضرورة أن تُخلي الأرض التي سيُنفَّذ فيها المشروع الصهيوني من السكان الأصليين، ولا يمكن أن يتم هذا إلا من خلال أقصى درجات العنف النظري والإرهاب الفعلي.

2 ـ من السمات الأساسية للأيديولوجيات العلمانية الحلولية العضوية أنها تحوي مركزها أو مرجعيتها (أو مطلقها) داخلها، ومن ثم فهي تشكل نسقاً مغلقاً ملتفاً حول نفسه يخلع القداسة على الذات ويجعلها موضع الحلول والكمون ويحجبها عن الآخرين (الذين يقعون خارج دائرة القداسة) فيهدر حقوقهم ويبيدهم، فهم ليسوا موضع الحلول.

والصهيونية وريثة الطبقة الحلولية اليهودية (داخل التركيب الجيولوجي اليهودي) هي عقيدة علمانية حلولية كمونية تجعل اليهود شعباً عضوياً ذا علاقة عضوية خاصة بالأرض (إرتس يسرائيل) أي فلسطين، وهي علاقة تمنحهم حقوقاً مطلقة فيها، الأمر الذي يعني طَرْد السكان الأصـليين الذين لا تربطهم بأرضـهم رابطة عضـوية حلولية مماثلة.

وقد حوَّلت الصهيونية العهد القديم إلى فلكلور للشعب اليهودي، وهو كتاب تفيض صفحاته بوصف حروب كثيرة خاضتها جماعة يسرائيل أو العبرانيون مع الكنعانيين وغيرهم من الشعوب، فقاموا بطرد بعضهم وإبادة البعض الآخر. وجماعة يسرائيل يحل فيها الإله الذي يوحي لها بما تريد أن تفعل، ويبارك يدها التي تقوم بالقتل والنهب، فكل أفعال الشعب مباركة مقدَّسة لأن الإله يحل فيه.

3 ـ ورثت الصهيونية ميراث الجماعة الوظيفية اليهودية بفصلها الحاد بين الشعب المقدَّس والأغيار وبما يتسم به ذلك من ازدواجية في المعايير تجعل الآخر مباحاً تماماً وتجعل استخدام العنف تجاهه أمراً مقبولاً.

لكل هذا، أصبح العنف إحدى المقولات الأساسية للإدراك الصهيوني للواقع والتاريخ. وقد أعاد الصهاينة كتابة ما يسمونه «التاريخ اليهودي» فبعثوا العناصر الحلولية الوثنية مؤكدين جوانب العنف فيه. فصوروا الأمة اليهودية في نشأتها جماعةً محاربة من الرعاة الوثنيين الغزاة. فبيردشفسكي، على سبيل المثال، ينظر إلى الوراء إلى الأيام التي كانت فيهـا "رايات اليهـود مرتفعـة"، وينظر إلى الأبطال المحاربين "اليهود الأوائل". كما أنه يكتشف أن ثمة تياراً عسكرياً في التراث اليهودي، فالحاخام إليعازر قد بيَّن أن السيف والقوس هما زينة الإنسان، ومن المسموح به أن يظهر اليهودي بهما يوم السبت. هذه الرؤية للتاريخ تتضح في دعوة جابوتنسكي لليهودي أن يتعلم الذبح من الأغيار. وفي خطاب له إلى بعض الطلاب اليهود في فيينا، أوصاهم بالاحتفاظ بالسيف لأن الاقتتال بالسيف ليس ابتكاراً ألمانياً، بل إنه ملك "لأجدادنا الأوائل... إن التوراة والسيف أنزلا علينا من السماء"، أي أن السيف يكاد يكون المطلق، أصل الكون وكل الظواهر. ولهذا لا يتردد جابوتنسكي في رفض التاريخ اليهودي الذي يسيطر عليه الحاخامات والمفكرون اليهود.

ويبدو أن هذا السيف المقدَّس (رمز الذكورة والقوة والعنف) كان محط إعجاب كل الصهاينة الذين كثيراً ما عبَّروا عن إعجابهم وانبهارهم بالعسكرية البروسية الرائعة (هذا بالطبع قبل أن يهوى هذا السيف البروسي على الرقاب اليهودية في أوشفتس). وتمتلئ كتابات هرتزل بعبارات الإعجاب بهذا السيف، إذ كتب في مذكراته يشيد ببسمارك الذي أجبر الألمان على شن عدة حروب، الواحدة تلو الأخرى، وبذلك فرض عليهم الوحدة وبدأ تاريخهم الحديث كدولة موحدة. فالعنف العسكري هو وحده محرك التاريخ الحقيقي، "إن شعباً كان نائماً زمن السلم، رحب بالوحدة في ابتهاج في زمن الحرب". وبينما كان هرتزل ينظر من نافذة أحد المسئولين الألمان شاهد مجموعات من الضباط الألمان يسيرون بخطى عسكرية، فعبَّر عن انبهاره بهم في يومياته وذهب إلى أن هؤلاء هم صناع تاريخ ألمانيا: "ضباط المستقبل لألمانيا التي لا تُقهَر". بل إنهم قد يكونون أيضاً صناع التاريخ الصهيوني نفسه، إذ يشير هرتزل إلى تلك "الدولة التي تريد وضعنا تحت حمايتها".

وتَغنَّى ناحوم جولدمان أيضاً بهذه الروح العسكرية البروسية في شبابه: "ألمانيا تجسد مبدأ التقدم ونجدها واثقة من النصر. ألمانيا ستنتصر وستحكم الروح العسكرية العالم. ومن يريد أن يندم على هذه الحقيقة ويعبِّر عن حزنه فله أن يفعل، ولكن محاولة إعاقة هذه الحقيقة هي شيء من قبيل العناد وجريمة ضد عبقرية التاريخ الذي تحركه السيوف وقعقة السلاح".

وقد تبع مناحم بيجين أسـتاذه جابوتنسـكي، وكل الصهاينة من قبله، في تأكيد أهمية السيف باعتباره محركاً للتاريخ إذ يقول: "إن قوة التقدم في تاريخ العالم ليست السلام بل السيف".

وغني عن القول أن العنف الصهيوني الإدراكي يصل إلى ذروته في إدراك العرب والتاريخ العربي، إذ يحاول الصهاينة، بسبب مشروعهم الإبادي الإحلالي، أن يلتزموا الصمت تماماً تجاهه، فلا يذكرونه من قريب أو بعيد. أو أن يغمغموا بأصوات ليبرالية تخبئ الحد الأقصى من العنف. فحينما اكتشف أحد الزعماء الصهاينة في المؤتمر الصهيوني الأول (1897) أن فلسطين ليست أرضاً بلا شعب كما كان الادعاء، جرى إلى هرتزل وأخبره باكتشافه، فهدَّأ الأخير من روعه وقال له إن الأمر ستتم تسويته فيما بعد. وكان هرتزل يعرف تماماً كيف كانت تتم تسوية مثل هذه الأمور على الطريقة الإمبريالية، ونحن نعرف كيف تمت تسويتها في فلسطين. وعلى كل فإن الحديث الصهيوني المستمر عن السيف كمحرك للتاريخ ليس تعبيراً عن رغبة الصهاينة في ممارسة رياضة محببة لبعض النفوس وإنما هو تعبير عن برنامج محدد لتغيير الواقع.

ويُعَد هذا العنف الإدراكي لبنة أساسية في التصور الصهيوني للذات والواقع والتاريخ والآخر، وهو قد يعبِّر عن نفسه بطريقة مباشرة، كما بيَّنا في الاقتباسات السابقة، ولكنه قد يعبِّر عن نفسه بطريقة غير مباشرة عن طريق عشرات القوانين والمؤسسات. وما قانون العودة الإسرائيلي إلا ترجمة لهذا العنف حين يُعطي أيُّ يهودي في العالم حق "العودة" إلى إسرائيل في أي وقت شاء ويُنكر هذا الحق على ملايين الفلسطينيين الذين طُردوا من فلسطين على دفعات منذ عام 1948، رغم أن يهود العالم لا يودون الهجرة إلى إسرائيل بينما يقرع الفلسطينيون أبوابها. ولكنها الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية التي تحوسل كل البشر (العرب واليهود) والزمان (تواريخ الجماعات اليهودية وتاريخ فلسطين) والمكان (فلسطين). وما الإرهاب الصهيوني الذي لم يهـدأ إلا تعبيراً عن رؤية الصهاينة التي تحاول أن تصل إلى نهاية التاريخ: نهاية تاريخ الجماعات اليهودية في العالم، ونهاية التاريخ العربي في فلسطين.

العنف الصهيوني وتحديث الشخصية اليهودية
Zionist Violence and the Modernization of the Jewish Personality
ثمة عنف أساسي في الإدراك الصهيوني للواقع والتاريخ. ولم يكن هناك مفر من أن يُترجم هذا الإدراك نفسه لإجراءات وعنف مسلح لتغيير الواقع ولرفض الرؤية اليهودية الحاخامية. ولتحقيق هذا الهدف كان حتمياً أن تُنتَج المادة البشرية القتالية القادرة على تحريك التاريخ لا من خلال التوراة وإنما من خلال السيف، وهذا ما سماه الصهاينة «تحديث الشخصية اليهودية»، أي علمنتها وجعلها قادرة على تغيير قيمها حسبما تقتضيه الظروف والملابسات، وتبنِّي قيم نيتشوية وداروينية لا علاقة لها بمكارم الأخلاق أو بالمطلقات الإنسانية والأخلاقية والدينية.

وقد بيَّن الصهاينة أن اليهودية الحاخامية طلبت من اليهود الانتظار في صبر وأناه لعودة الماشيَّح، وألا يتدخلوا في مشيئة الإله، لأن في هذا كفراً وتجديفاً. ولكن الصهاينة، الرافضين للعقيدة اليهودية، تمردوا على هذا الموقف أو وصفوه بالسلبية ونادوا بأن يتمرد اليهودي على وضعه وألا ينتظر وصول الماشيَّح، إذ ينبغي أن يعمل اليهودي بكل ما لديه من وسائل على العودة إلى أرض الميعاد. فالمنفى بالنسبة إلى بن جوريون يعني الاتكال، الاتكال السياسي والمادي والروحي والثقافي والفكري، "وذلك لأننا غرباء وأقلية محرومة من الوطن ومُقتلَعة ومشرَّدة عن الأرض، وعن العمل وعن الصناعة الأساسية. واجبنا هو أن ننفصل كلياً عن هذا الاتكال، وأن نصبح أسياد قدرنا". ويلخص بن جوريون برنامجه الثوري في أنه لا يرفض الاستسلام للمنفى فحسب، بل يحاول أيضاً إنهاءه في التو، وهو يعتقد أن هذا هو حجر الزاوية:"القضية الحقيقية الآن، كما كانت في الماضي، تتركز فيما لو كان علينا أن نعتمد على قوة الآخرين أم على قوتنا. على اليهودي من الآن فصاعداً ألا ينتظر التدخل الإلهي لتحديد مصيره، بل إن عليه أن يلجأ إلى الوسائل الطبيعية العادية" (مثل الفانتوم والنابالم مثلا). وهذا ما يُسمَّى أيضاً في الأدبيات الصهيونية «إشكالية العجز وعدم المشاركة في السلطة» (انظر المدخل بهذا العنوان).

لكل هذا تنطلق الصهيونية من نقد نيتشوي للشخصية اليهودية في المنفى فيقول ماكس نوردو إن اليهودي، خلال ثمانية عشر قرناً من النفي، أصبح مترهل العضلات (وهذه هي إحدى الأوصاف السائدة لليهـود بين أعداء اليهـود). ولذلك "أقترح أن يُقلع اليهـودي عن قهر جسده، وأن يعمل على تنمية قواه الجسدية وعضلاته، أسوة بذلك البطل بركوخبا، آخر تجسيد لتلك اليهودية في صلابة عودها المقاتل وحبها لقعقعة السلاح". والفكرة نفسها تَرد في كتابات جابوتنسكي الذي رفض أخلاقيات العبيد ونادى بتفضيل العقل على الفكر وأخلاق السادة على أخلاق العبيد والسيف على الكتاب حتى يظهر اليهودي الجديد المتحرر من أغلال الدين والقيم.

إن العنف هنا يصبح الأداة التي يتوسل بها الصهاينة لإعادة صياغة الشخصية اليهودية. فاليهودي، في هذا التصور، يحتاج إلى ممارسة العنف لتحرير نفسه من نفسه ومن ذاته الطفيلية الهامشية. وكان الكاتب الصهيوني بن هكت يشعر بسعادة في قرارة نفسه في كل مرة يقتل فيها جندياً بريطانياً لأنه، على حد قوله، كان يتحرر من مخاوفه ويُولَد من جديد، تماماً مثل شارلوت كورداي في قصيدة لجابوتنسكي بعنوان "شارلوت المسكينة". فشارلوت تتخلص من رتابة حياتها وسخافتها وتروي تَعطُّشها للعمل البطولي بأن تقوم بتسديد الضربة إلى جان مارا فترديه قتيلاً في الحمام. العنف هنا يصبح مثل الطقوس الدينية التي تستخدمها بعض القبائل البدائية حينما يصل أحد أفرادها إلى سن الرجولة. فاليهودي حينما يقوم بهذا الفعل الذي كان يخاف منه أجداده (ذبح أحد الأغيار) يتخلص من مخاوفه، ويصبح جديراً بحمل رمز الذكورة. وهذا الجانب من الفكر الصهيوني يتضح بجلاء في كتاب الثورة الذي ألفه مناحم بيجين، والذي يقلب فيه عبارة ديكارت المعروفة "أنا أفكر، إذن أنا موجود" لتصبح "أنا أحارب، إذن أنا موجود". ثم يضيف: "من الدم والنار والدموع والرماد سيخرج نموذج جديد من الرجال، نموذج غير معـروف البتـة للعالم في الألف وثماني السنين الماضية: اليهودي المحـارب".

وحتى الليبرالي الأمريكي الهادئ برانديز، يُشير (باستحسان شديد) إلى وظيفة العنف الصهيوني في إعادة صياغة الشخصية اليهودية: "غرست الصهيونية في الشباب اليهودي الشجاعة، فألفوا الجمعيات، وتدربوا على الأعمال الرياضية وعلى اللعب بالسيف، وصارت الإهانة تُرَدُّ بإهانة مثلها. وفي الوقت الحاضر، يجد أفضل لاعبي السـيف الألمـان أن الطلبة الصهيونيين يسـتطيعون أن يُدمـوا الخدود، كما يفعل التيوتون، ويرون أيضاً أن اليهود سوف يكونون أفضل لاعبي السيف في الجامعة" (وفي الشرق الأوسط فيما بعد). لقد كان برانديز يفكر في الطالب الآري "وحش نيتشه الأشقر" حينما كان يتحدث عن بطله اليهودي.

والعنف عند بن جوريون يقوم بالوظيفة نفسها في إعادة صياغة الشخصية اليهودية، إذ يصف الرواد الصهاينة بأنهم لم يكن لهم حديث إلا الأسلحة "وعندما جاءتنا الأسلحة لم تسعنا الدنيا لفرط فرحتنا، كنا نلعب بالأسلحة كالأطفال ولم نعد نتركها أبداً. كنا نقرأ ونتكلم والبنادق في أيدينا أو على أكتافنا". إن موقف بن جوريون مبني على تصـوُّر جديد للشـخصية اليهودية باعتبارها شـخصية محـاربة منـذ الأزل "إن موسى، أعظم أنبيائنا، هو أول قائد عسكري في تاريخ أمتنا". ومن هنا يكون الربط بين موسى النبي وموشى ديان مسألة منطقية بل حتمية، كما لا يكون من الهرطقة الدينية في شيء أن يؤكد بن جوريون أن خير مفسر للتوراة هو الجيش، فهو الذي يساعد الشعب على الاستيطان على ضفاف نهر الأردن، فيفسر بذلك كلمات أنبياء العهد ويحققها. ولنلاحظ النمط الحلولي الكموني الذي يبدأ بوضع السيف في خدمة التوراة، ثم يصبح السيف موازياً لها، ثم تصبح هي تابعة له، فالسيف هو الذي يفسر التوراة ويفرض عليها المعنى، وكأنه أحد نقاد ما بعد الحداثة أو هارولد بلوم الناقد الأمريكي القبَّالي الذي يرى أن الناقد هو الذي يفرض المعنى على النص، أو كأنه "الشعب المختار" اختاره الإله ثم حل فيه ثم أصبح تابعاً له، أو كأنه الشريعة الشفوية (تفاسير البشر) التي جاءت للوجود لتفسر الشريعة المكتوبة ولكنها حلت محلها بالتدريج.

الإرهـاب الصهــيوني: تعــريف
Zionist Terrorism: Definition
«الإرهاب» بالمعنى الضيق للكلمة هو القيام بأعمال عنف كالقتل وإلقاء المتفجرات أو التخريب لتحقيق غرض ما مثل بث الرعب في قلب سكان منطقة ما ليرحلوا عنها أو لتتم الهيمنة عليهم وتوظيفهم وإجبارهم على قبول وضع قائم مبني على الظلم (من منظور الضحية). ويمكن أن يتسع مفهوم الإرهاب ليشمل مختلف الممارسات الاقتصادية السياسية والعسكرية، المادية والمعنوية. وفي حالة الإرهاب الصهيوني فإن هذا يتضمن سرقة الأراضي بالاحتيال والتزوير والقانون إلى طَرْد أصحابها بقوة السلاح، ومن فرض أنظمة تعليمية تُشوه الوعي الفلسطيني إلى تحقيق شروط اقتصادية غير مواتية لنمو المنتجين العرب. وإذا كان الإدراك الصهيوني للواقع والتاريخ (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) هو عنف إدراكي، فإن الإرهاب الصهيوني هو الممارسات التي تُحوِّل النظرية والإدراك إلى واقع قائم "وتخلق حقائق جديدة" على حد قول موشيه ديان، وسنتناول في مداخل هذا الباب الإرهاب بالمعنى الضيق والمباشر.

والإرهاب الصهيوني ليس حدثاً عابراً عرضياً وإنما هو أمر كامن في المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي وفي الصيغة الصهيونية الأساسـية الشـاملة. كما أن حـلقات وآليات هذا الإرهاب مترابطة متلاحقة، فالهجمات الإرهابية التي شُنَّت ضد بعـض القرى العربية أدَّت إلى اسـتسلام بقية سكان الأراضي المحتلة، أي أن المذابح والاعتقالات والإبعادات إن هي إلا آلية من آليات الاستيطان الصهيوني الإحلالي، ولا يمكن تَخيُّل إمكانية تَحقُّق المشـروع الصهيـوني بدونها.

والإرهاب الصهيوني هو الآلية التي تم بها تفريغ جزء من فلسطين من سكانها وفرض المستوطنين الصهاينة ودولتهم الصهيونية على شعب فلسطين وأرضها. وقد تم هذا من خلال الإرهاب المباشر، غير المنظم وغير المؤسسي، الذي تقوم به المنظمات الإرهابية غير الرسمية (المذابح ـ ميليشيات المستوطنين ـ التخريب ـ التمييز العنصري) والإرهاب المباشر، المنظم والمؤسسي، الذي تقوم به الدولة الصهيونية (التهجير ـ الهيكل القانوني للدولة الصهيونية ـ التفرقة العنصرية من خـلال القانون ـ الجـيش الإسـرائيلي ـ الشرطة الإسرائيلية ـ هدم القرى).

ورغم أننا نفرِّق بين الإرهاب المؤسسي وغير المؤسسي إلا أنهما مرتبطان تمام الارتباط ويتم التنسيق بينهما ويجمع بينهما الهدف النهائي، وهو إفراغ فلسطين من سكانها أو إخضاعهم وحصارهم. ولعل واقعة دير ياسين (قبل عام 1948) وفرق الموت المعروفة باسم «المستعرفيم» هي أمثلة أخرى واضحة على هذا التعاون والتنسيق.

والإرهاب الصهيوني مرتبط تمام الارتباط بالدعم الإمبريالي الغربي حين قامت حكومة الانتداب بحماية المستوطنين وتأمين موطئ قدم لهم وسمحت بتأسيس البنية التحتية العسكرية المكونة من المستوطنات التعاونية (وبخاصة الكيبوتس) فيما نسميه «الزراعة المسلحة» ،كما ساعدت المنظمات الصهيونية المسلحة المختلفة ودعمتها، فكانت بمنزلة قوة مسلحة كامنة قامت بالانقضاض على أرض فلسطين وأهلها عام 1948. وبعد إنشاء الدولة، استمرت الدول الغربية "الديموقراطية" في دَعْم الكيان الاستيطاني الإحلالي الصهيوني، رغم ممارساته الإرهابية التي تتسم بكل الجدة والاستمرار، ورغم الحروب العديدة التي شنها على العرب ورغم توسعيته التي لا تعرف أية حدود.

ويحاول الصهاينة قدر استطاعتهم أن يصنفوا المقاومة الفلسطينية المشروعة (من منظور القانون الدولي والأعراف الإنسانية) على أنها شكل من أشكال «الإرهاب»، ومن هنا الإشارة للفدائيين الفلسطينيين بأنهم «إرهابيين»، والإشارة للعمليات الاستشهادية بأنها «عمليات انتحارية إرهابية».

الإرهاب الصهيوني حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية: تاريخ
Zionist Terrorism till the Outbreak of the Second World War: History
يبدأ تاريخ الإرهاب الصهيوني مع الاستعداد للهجرة الاستيطانية، فموجات الهجرة الأولى جاءت بنموذج اليهودي الذي رفض ما يسميه الصهاينة «السلبية اليهودية الحاخامية» والذي كان يرى أن عليه أن يصوغ مستقبله بنفسه عن طريق اغتصاب أرض فلسطين وطرد أصحابها ليخلق لنفسه مجالاً حيوياً يمارس فيها سيادته القومية. وكان تنظيم "الهاشومير" من طلائع التنظيمات في هذه الفترة وهي المنظمة التي تُعَد الهاجاناه امتداداً لها. وكانت الاشتباكات آنذاك تقتصر على استخدام السكاكين والعصي.

ومع قرب انتهاء الحرب العالمية الأولى، بدأت بشائر المرحلة الثانية حيث أخذ الصهاينة يجمعون السلاح لتبدأ بعد ذلك مرحلة قتالية جديدة وطور جديد من أطوار ممارسة الإرهاب المسلح وإن لم يصل إلى حد المواجهة المباشرة بل اكتفى بأسلوب الكر والفر. وبعد الحرب العالمية الأولى، وبعد وضع فلسطين تحت حكم الانتداب البريطاني، يبدأ التاريخ الحقيقي للإرهاب الصهيوني.

فمنذ بدء الانتداب البريطاني على فلسطين أخذ البناء التنظيمي للإرهاب الصهيوني في النمو والرسوخ في فلسطين مستفيداً من دعم الاستعمار البريطاني للحركة الصهيونية وتأمينه هجرة آلاف الصهاينة من الشباب الذين سرعان ما انخرطوا في تنظيمات الإرهاب. وقد استقر البناء التنظيمي للإرهاب الصهيوني منذ مطلع عشرينيات القرن العشرين حين تأسَّست الهاجاناه ممثلة الذراع العسكري والباطش للوكالة اليهودية عام 1920، والتي نظمت داخل تنظيمها فرقاً خُصِّصت للهجمات الإرهابية ومنها كتائب بوش التي تقرَّر تشكيلها عام 1937 وكذا فرق البالماخ. وفي السنة التالية أيضاً لاندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 انشق أنصار الصهيونية التصحيحية عن الهاجاناه وكوَّنوا تنظيماً اتخذ لنفسه مظهراً أشد تطرفاً ودموية هو عصابة الأرجون تسفاي ليومي (الإتسل). وفيما بعد انشق عن "إتسل" جماعة أبراهام شتيرن وكوَّنت عام 1940 جماعة ليحي. وتُعَد هذه المنظمات الثلاث (الهاجاناه ـ إتسل ـ ليحي) العمود الفقري للإرهاب الصهيوني حتى عام 1948، حتى أنه يندر أن نجد عملاً إرهابياً وقع في فلسطين منسوباً إلى جماعة غيرها، فضلاً عن أن بعض الحلقات الإرهابية الصهيونية كانت خاضعة لإشرافها.

وهكذا كما ترسخت بنية الإرهاب الصهيوني في العشرينيات والثلاثينيات، شهد النصف الثاني من الثلاثينيات قفزة واضحة بالنسبة لحجم النشاط الإرهابي الصهيوني في فلسطين. وهي القفزة التي تجدر مناقشتها على ضوء المد العالمي للفاشية، وتدفُّق جيل من الشباب الصهاينة الذين تمرسوا على العمل السري والإرهابي في بلدان أوربا الشرقية خاصة. وتشير مذكرة رسمية بريطانية صادرة عن وزارة الدولة للمستعمرات إلى أن الإرهابيين الصهاينة يأتون من روسيا وبولندا والبلقان ولا يعرفون التسامح ولا يعترفون بحقوق الآخرين وتقرِّر أنهم نتاج أنظمة تعليمية تغذي التعصب والشوفينية. كما ترتبط القفزة الواضحة في حجم النشاط الإرهابي الصهيوني آنذاك بتصاعُد الحركة الوطنية الفلسطينية في مواجهة المشروع الصهيوني الذي كان قد حقَّق تراكماً كافياً في أدواته وإمكاناته تؤهله للصدام مع الفلسطينيين والشروع في التحرك على عجل لتحقـيق غايته وتأسـيس الدولـة الصهيونية.

ومن بين السجل الحافل للنشاط الصهيوني في فلسطين خلال المرحلة الثانية (حتى الحرب العالمية الثانية) يمكن الإشارة لبعض العمليات المهمة من بينها قيام إرهابيي الهاجاناه بقتل مواطنين عربيين فلسطينيين بجوار مستعمرة بتاح تكفا رمياً بالرصاص حيث كان كوخهما، وذلك في 16 أبريل عام 1936. وهو نفس العام الذي أصدرت فيه الهاجاناه سبعة قرارات بإطلاق النار على العرب أينما كانوا. كما شهد عام 1937 سلسلة من عمليات إلقاء القنابل اليدوية على تجمعات المواطنين الفلسطينيين العزل في المقاهي ووسائل النقل والأسواق، وكان من أشهرها إلقاء إتسل قنبلة على سوق الخضار المجاور لبوابة نابلس في القدس فسقط عشرات من العرب بين قتيل وجريح. كما أطلق أعضاء نفس المنظمة النار على قافلة عربية فقتلوا ثلاثة ركاب بينهم امرأتان في 14 نوفمبر 1937 وهو اليوم الذي أُطلق عليه لقب «الأحد الأسود» في القدس، حين نفَّذ الإرهابيون الصهاينة أكثر من عملية في المدينة كمظهر لاستعراض القوة.

وفي 6 مارس عام 1937 لقي 18 عربياً مصرعهم وأصيب 38 آخرون من جراء إلقاء قنبلة يدوية في سوق حيفا. كما تعرض نفس السوق في شهر يوليه من العام نفسه إلى تفجير سيارة ملغومة أودت بحياة 350 عربياً فلسطينياً وجرحت 70 آخرين، بينما يفتخر المؤرخون الصهاينة بأن عدد الضحايا كان أكثر بكثير مما أعلنت عنه سلطات الانتداب. وفي اليوم التالي سقط 27 عربياً فلسطينياً وأصيب 46 آخرون بجراح من جراء قنبلة يدوية ألقتها العصابات الصهيونية على السوق المزدحم. كما تعرَّض سوق القدس في 26 أغسطس عام 1938 إلى انفجار سيارة ملغومة أسفر عن مقتل 34 عربياً وجرح 35 آخرين وفق أقل التقديرات. وفجَّرت إتسل قنبلة يدوية أمام أحد المساجد في مدينة القدس في 15 يوليـه 1938 أثنـاء خروج المصـلين فقتلت عشـرة أشخاص وأصابت ثلاثين. وعن أحداث العام نفسه يفتخر الصهاينة بهجوم الإرهابي شلومو بن يوسف واثنان من رفاقه من جماعة إتسل على سيارات عربية فلسطينية يستقلها مواطنون عُزَّل. وقد نفَّذت السلطات البريطانية حكم الإعدام في شولمو فحوَّله المستوطنون الصهاينة إلى بطل قومي مثالي ويحمل طابع بريد إسرائيلي صورته، واختارت إحدى منظمات الإرهاب الصهيوني السرية في الثمانينات اسمه لتطلقه على عملية مماثلة جرت في الضفة الغربية.

ومن بين العمليات الإرهابية الصهيونية خلال عام 1939 شهد يوم 27 فبراير وحده سقوط 27 قتيلاً عربياً وجرح 39 آخرين في حيفا إثر تفجير منظمة إتسل قنبلتين. كما سقط ثلاثة من العرب وجُرح رابع في تل أبيب. بينما قُتل ثلاثة آخرون وجُرح ستة في القدس. إلا أن من أبرز العمليات الإرهابية التي شهدها العام الهجوم الذي دبرته إتسل على سينما ركس في القدس حيث جرى تخطيط متعدد المراحل لتحقيق أكبر عدد ممكن من الخسائر البشرية بواسطة المتفجرات التي تم تسريبها إلى المبنى إضافة إلى إلقاء القنابل داخله ثم فتح نيران الرشاشات على رواد السينما الذين خرجوا في حالة من الذعر والهلع، وقد تم تنفيذ هذه العملية الإرهابية في 29 مايو 1939.

ولم تكن الهاجاناه بعيدة عن التنافس مع إتسل، فقد هاجمت عناصرها قرية بلدة الشيخ بجوار حيفا في 12 يوليه 1939 واختطفت خمسة من سكانها ثم قتلتهم. كما جرى في 29 يوليه الهجوم على ست سيارات عربية فلسطينية في تل أبيب ورحبوت وبتاح تكفا كانت حصيلتها قتل 11 عربياً. وأسفر إلقاء القنابل في مدينة يافا في 26 أغسطس عن مصرع 24 عربياً فلسطينياً وجرح 35 آخرين.

وقد وجدت المنظمات الصهيونية سنوات الحرب العالمية فرصة لتطوير نفوذها وتقوية هياكلها وتسليحها تمهيداً للانطلاق عند انتهاء الحرب. فزادت عدداً وعدة وأضفت على وجودها قدراً من الشرعية بالتعاون مع بريطانيا والحلفاء. وهكذا أعدت المنظمات نفسها للانطلاق لاحقاً نحو هدفين: الأول إجبار الفلسطينيين أصحاب البلاد الأصليين على مغادرة أراضيهم بما فيها تلك التي يشكلون فيها أغلبية ساحقة وهي الأرض التي خصهم بها مشروع التقسيم لاحقاً. والثاني الضغط على البريطانيين لإلغاء القيود المفروضة وبخاصة على الهجرة والعمل من أجل إقامة دولة صهيونية بأسرع الوسائل.

الإرهاب الصهيوني منذ عام 1945 وحتى إعلان الدولة الصهيونية: تاريخ
Zionist Terrorism from 1945 till the Declaration of the Zionist State: History
تكتسب طبيعة العلاقة بين المنظمات الإرهابية الثلاث الأساسية (الهاجاناه ـ إتسل ـ ليحي)، قبل أن يتقرر حلها ودمجها في جيش الدفاع الإسرائيلي مع قيام الدولة، أهمية خاصة. فرغم أن المنظمات الثلاث احتفظت باستقلالها التنظيمي فقد تبلور التعاون فيما بينها خلال هذه الفترة واتخذ شكلاً مؤسسياً حين وقَّع قادتها، مع نهاية الحرب العالمية وباشتراك الوكالة اليهودية، اتفاقاً ثلاثياً تضمنت بنوده:

1 ـ تدخـل منظمة الهاجاناه المعـركة العسـكرية ضـد السلطات البريطانية. وهكذا قامت حركة العصيان العبري .

2 ـ يجب على منظمتي ليحي وإتسل عدم تنفيذ خططها القتالية إلا بموافقة قيادة حركة العصيان.

3 ـ تنفذ ليحي وإتسل الخطط القتالية التي تكلفان بها من قبَل قيادة الحركة.

4 ـ يجب ألا يكون النقاش حول العمليات المقترحة شكلياً فيجتمع مندوبو المنظمات الثلاث في جلسات ثابتة أو حسب الحاجة، على أن يتم خلال هذه الجلسات مناقشة الخطط من الناحيتين السياسية والعملية.

5 ـ بعد أخذ الموافقة المبدئية على العمليات المقترحة يناقش خبراء المنظمات الثلاث تفاصيل تنفيذ هذه العمليات.

6 ـ ضرورة الحصول على موافقة قيادة حركة العصيان لتنطبق على العمليات التي يجري تنفيذها ضد الممتلكات مثل الاستيلاء على الأسلحة من أيدي البريطانيين أو الحصول على الأموال.

7 ـ الاتفاق بين المنظمات الثلاث يرتكز على "أمر افعل".

8 ـ إذا أمرت منظمة الهاجاناه في يوم من الأيام بالتخلي عن الحرب ضد البريطانيين تواصل المنظمات إتسل وليحي حربهما.

وهكذا تشكَّل ما سُمِّي "حركة العصيان العبري" وتمثلها قيادة حركة المقاومة المتحدة للإشراف على الأمور التنفيذية. وضمت هذه القيادة ممثلين عن الهاجاناه مثل إسرائيل جاليلي وموشي سنيه ومن إتسل مناحم بيجين ومن ليحي أبراهام شيترن وياليني مور. وتوضح نصوص الاتفاقية المسئولية المشتركة للمنظمات الإرهابية الصهيونية وهو الأمر الذي سعت الهاجاناه إلى التنصل منه تاريخياً.

وكانت باكورة أعمال حركة العصيان نسف محطة سكك حديد رام الله في أول نوفمبر عام 1945. إلا أن العلاقة بين المنظمات الثلاث لم تكن بسيطة بأي حال. فقد عادت العلاقة بين أطراف حركة العصيان للتوتر وبخاصة بين إتسل والهاجاناه، وعادةً ما كان الخلاف بينهما يتخذ طابع المنافسة على السيطرة على المُستوطَن الصهيوني. ولم يكن اللجوء إلى العنف بعيداً عن خلافات العصابات الصهيونية نفسها إلى الحد الذي أثار مخاوف الصهاينة من نشوب حرب أهلية بين منظمات الإرهاب. ولأكثر من مرة تبادلت إتسل والهاجاناه أعمال خطف لعناصرهما. كما كوَّنا فرقاً للاعتداء والضرب لتأديب بعضهما البعض شمل ضررها عائلات يهودية بكاملها. ووصلت موجة الاختطاف إلى ألمانيا حين تولت عناصر الهاجاناه أمر أربعة من أعضاء إتسل ولقي أحدهم مصرعه تحت التعذيب. وحتى عقب التوصل إلى اتفاق جديد بين إتسل والهاجاناه في 7 مارس 1948 تعرَّض الاتفاق وفي وقت حرج إلى اختبار صعب حين جرت معركة مسلحة بين إتسل ورجال البالماخ كادت تعرِّض وحدة جيش الدولة المنتظرة للخطر بسبب النزاع على شحنة سلاح كانت قادمة على ظهر السفينة التالينا. وكادت الاشتباكات أن تودي بحياة مناحم بيجين زعيم إتسل، كما سقط عدد من الجرحى والقتلى من الجانبين قبل احتواء الموقف. وبصفة عامة تبادل زعماء هذه المنظمات اتهامات الخيانة والتعاون مع البريطانيين واغتصاب أموال بعضهم البعض.

وعلى أية حال فإن العنف المتبادل بين المنظمات الإرهابية الصهيونية قد تجاوز مراراً حدود التراشق بالاتهامات مثل اتهام الهاجاناه لإتسل وليحي "بالفاشية اليهودية" أو إطلاق هاتين المنظمتين صفة "قتلة الأطفال" على الهاجاناه التي قامت بعملية قتلت خلالها أمًّا عربية وستة من أطفالها، أو التهديدات المتبادلة.

وإذا كان التنافس على النفوذ والسيطرة على قيادة الحركة الصهيونية فضلاً عن الاختلاف حول السياسة التي يتعين اتباعها إزاء بريطانيا قد يكونان عاملين أساسيين في تصعيد الخلافات بين منظمات الإرهاب الصهيونية، فقد كان الاتفاق على الغايات الصهيونية وتنفيذ المخطط الاستيطاني على حساب العرب هو عامل الوحدة والتعاون الحاسم فيما بينها.

وقد حرصت الكتابات التاريخية الصهيونية على تصوير الإرهاب الصهيوني في هذه المرحلة باعتبارها نضالاً يهودياً للتحرر القومي في مواجهة الاستعمار البريطاني لجأ خلاله الصهاينة إلى السلاح. وهو الأمر الذي يخالف حقيقة الحركة الصهيونية فضلاً عن مجافاته لوقائع التاريخ التي تؤكد أن العرب الفلسطينيين ظلوا دائماً هم الهدف الأول للإرهاب الصهيوني.

فقد نال الفلسطينيون والعرب الحظ الأوفر من العمليات الإرهابية الصهيونية وبخاصة خلال عامي 1947 و1948 الحاسمين، حيث كثَّف الإرهابيون الصهاينة جهودهم لاقتلاع الفلسطينيين، الأمر الذي أدَّى إلى تشريد حوالي 900 ألف فلسطيني إلى خارج أراضيهم ووطنهم. ففي هذه السنوات غلب أسلوب مهاجمة القرى والمدن العربية وارتكاب المذابح الجماعية دون تمييز بين رجل وامرأة وطفل وكهل، أو بين أولئك العُزل وبين من يحملون السلاح دفاعاً عن حقوقهم.

وإذا كانت دير ياسين أشهر المذابح التي خلَّفها تاريخ تلك المرحلة، فإن مذابح لا تقل أهمية عنها لا يمكن حصرها قد وقعت خلال العامين 1947 و1948 خاصة. وبينها على سبيل المثال مذابح قرى حساس ويازور وسعسع والدوايمة والرملة وبلدة الشيخ. وهي مذابح راح ضحيتها الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني. وتذهب بعض التقديرات إلى أن تلك المذابح قد تسببت في هجر السكان الفلسطينيين خلال حرب 1948 لحوالي 350 قرية ومدينة بشكل كلي أو جزئي من بين 450 سيطرت عليها العصابات الصهيونية. وإلى جانب الإبادة كان المقصود هو ارتكاب أبشع أنواع الفظاعات ونشر أنبائها لخلق حالة من الذعر بين المواطنين الفلسطينيين تدفعهم إلى الرحيل.

إلا أن الأمر الأكثر حاجة إلى إعادة التأكيد أن التنظيمات العسكرية الصهيونية (وضمن ذلك الهاجاناه) قد اشتركت دون استثناء في تخطيط وتدبير وتنفيذ هذه المجازر التي جرى معظمها في إطار خطط عسكرية سياسية عامة وصفتها القيادة الصهيونية، وكان أشهرها الخطة (د) التي ارتُكبت في إطارها مأساة دير ياسين.

الإرهاب الصهيوني ضد حكومة الانتداب البريطاني وأعضاء الجماعات اليهودية
Zionist Terrorism against the British Mandate Government and the Jewish Communities
كان الفلسطينيون والعرب بطبيعة الحال الهدف الأساسي للنشاط الإرهابي الصهيوني، ومع هذا توجد بعض الاستثناءات. فمصالح الدولة الاستعمارية الراعية لا تتفق تمام الاتفاق مع مصالح الجيب الاستيطاني، فمصالح الأولى عالمية، أما الثانية فمصالحها محلية. ومن هنا الصراع الذي نشب بين المستوطنين والدول الاستعمارية، التي رعتهم في بادئ الأمر. فعلى سبيل المثال أصدرت الحكومة البريطانية الكتاب الأبيض في مايو عام 1939 (الذي صدر لتهدئة العرب وللظهور بمظهر من يتصف بالعدالة والإنصاف) فشرعت الحركة الصهيونية في الضغط على سلطات الانتداب البريطاني للتراجع عما جاء بالكتاب، ومن ثم بدأت في تنفيذ عمليات ضد أهداف بريطانية. ففي 21 أغسطس 1939 قتلت إتسل ضابطين بريطانيين بلغم استهدف الضابط المسئول عن الدائرة اليهودية في أجهزة الأمن التابعة لسلطة الانتداب.

إلا أن طبيعة النشاط الإرهابي المحدود الذي وجهته المنظمات الصهيونية ضد البريطانيين كان مختلفاً تماماً عن الاعتداءات التي استهدفت الفلسطينيين لكونهم مجرد فلسطينيين. فقد جرى انتقاء الضحايا البريطانيين في البداية بصورة محددة (شخص محدد وراءه مبررات محددة واضحة). أما الأهداف العربية فقد تم انتقاؤها وتنفيذ عملياتها بشكل يهدف إلى قتل وإصابة أكبر عدد ممكن من الضحايا الذين لا يعلم عنهم الإرهابي الصهيوني المنفِّذ والمخطِّط شيئاً محدداً سوى أنهم فقط من الفلسطينيين والعرب. ويتضح ذلك في اختيار الأماكن المزدحمة بروادها العرب (مقاهي - أسواق - قافلات). كما افتخر منفِّذو هذه الجرائم باتباع أكثر الأساليب ضماناً لسقوط عدد أكبر من الضحايا ومن بينها استخدام غاز البروم مع المتفجرات.

ويلفت النظر أيضاً أن الإرهاب الصهيوني خلال الفترة بين إعلان الانتداب ومطلع الحرب العالمية يدخل في إطار ما يُسمَّى أسلوب "اضرب واجر" إذ تحاشى الإرهابيون الصهاينة في الأغلب الأعم الدخول في مواجهات مسلحة (كأن يقوموا بحصار قرية مثلاً).

وما كانت آلة الإرهاب الصهيوني التي نمت تحت سمع وبصر السلطات البريطانية خلال هذه المرحلة أن تبلغ هذا الشأن إلا بمساعدة بريطانيا نفسها. وعبارة الإرهابي الصهيوني إسحق بن تسفي ذات دلالة، إذ قال: "نعم.. هناك جبهة بريطانية يهودية.. إن لم تكن في السياسة فهي في الخنادق"، بمعنى أنه رغم الاختلافات السياسية إلا أن السلطات البريطانية هي التي أمدت المنظمات العسكرية الصهيونية بالسلاح ومنحت المستوطنين الصهاينة تراخيص حملة (جرى منح 120 رخصة لليهود في مدينة القدس وحدها) وحجبت هذه التراخيص عن المواطنين العرب، وهي أيضاً التي اعترفت بهذه المنظمات، ومن المعروف أن 800 عضو في الهاجاناه التحقوا بصفوف الشرطة البريطانية في فلسطين وتدربوا على البندقية البريطانية عام 1936 في وضح النهار.

ولقد اشتركت المؤسسات الصهيونية على اختلافها في الإعداد للعمل الإرهابي حيث كانت التدريبات تجرى أسبوعياً في المدارس العبرية والدينية والمصانع الصغيرة والحمامات ودور العبادة اليهودية. وهكذا لم يكن النشاط الإرهابي عملاً على هامش الحركة الصهيونية. بل كان عملاً يرتبط بالوجود الصهيوني وبطبيعة الاستيطان الإحلالية.

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية دخلت المنظمات العسكرية الصهيونية في جدل حول السياسة التي يتعين اتباعها إزاء السلطات البريطانية. فهل تواصل الطريق الذي شرعت فيه بعد صدور الكتاب الأبيض عام 1939 فتوجِّه قسطاً من أعمال العنف تجاه أهداف بريطانية، أم تلتزم بمهادنة بريطانيا ودعمها في الحرب ضد النازية؟ وإذا كانت أعمال الإرهاب الصهيوني في فلسطين لم تتوقف تماماً خلال فترة الحرب العالمية، فإن نشاطها الذي خفَّت حدته كثيراً بين عامي 1940 و1944 يمكن وصفه بالكمون مقارنة بسنوات قبل الحرب وبعدها. وقد لا يعود ذلك إلى محض اختيار المنظمات العسكرية الصهيونية، فالسلطات البريطانية من جانبها شدَّدت قبضتها على البلاد مع نشوب الحرب فاعتقلت على الفور نشطاء وقيادات الحركة الصهيونية إلى جانب الثوار العرب. وتوصلت إلى تسويات مع الهاجاناه وإتسل قبل أن تعيد إطلاق سراح المعتقلين. وهكذا أعلنت قيادة الحركة الصهيونية أثناء فترة الحرب نبذ أعمال الإرهاب وهو الأمر الذي أعلنت كل من الهاجاناه وإتسل قبوله (ورفضته منظمة ليحي).

وقد وجدت المنظمات الصهيونية سنوات الحرب العالمية فرصة لتطوير نفوذها وتقوية هياكلها وتسليحها تمهيداً للانطلاق عند انتهاء الحرب. فزادت عدداً وعدة وأضفت على وجودها قدراً من الشرعية بالتعاون مع بريطانيا والحلفاء. وهكذا أعدت المنظمات نفسها للانطلاق لاحقاً نحو هدفين: الأول إجبار الفلسطينيين أصحاب البلاد الأصليين على مغادرة أراضيهم بما فيها تلك التي يشكلون فيها أغلبية ساحقة وهي الأرض التي خصهم بها مشروع التقسيم لاحقاً. والثاني الضغط على البريطانيين لإلغاء القيود المفروضة وبخاصة على الهجرة والعمل من أجل إقامة دولة صهيونية بأسرع الوسائل.

هذا لا ينفي امتداد دائرة العنف الصهيوني لتشمل البريطانيين والأوربيين بل أحياناً اليهود. ففي عام 1944 أعلنت إتسل وقف هدنتها مع البريطانيين بنسف منزل في يافا بحجة أنه مقر للشرطة البريطانية، وكررت نفس الأعمال في حيفا والقدس. وقد بلغ النشاط الإرهابي الصهيوني ضد البريطانيين ذروته بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتحديداً خلال عام 1946، حيث اتفقت المنظمات على توجيه ضربات للبريطانيين كان أشهرها نسف فندق الملك داود في 22 يوليه عام 1946 والذي كان يضم مكاتب إدارة الانتداب البريطاني، والتي افتخر بيجين بتنفيذها باتفاق مسبق مع الهاجاناه وليحي. وقد أسفر الانفجار عن مقتل 91 شخصاً بينهم 41 عربياً و28 بريطانياً و17 يهودياً وخمسة من جنسيات أخرى بينهم أمريكيون.

إلا أن الطابع الذي غلب على العمليات التي استهدفت سلطات الانتداب البريطاني كان السعي لتدمير البنية الأساسية للبلاد مثل السكك الحديدية والجسور والمطارات والموارد الاقتصادية مثل خط البترول الواصل إلى حيفا. ويبدو أن الهدف من ذلك كان إظهار عجز السلطات البريطانية عن إدارة البلاد وحفظ الأمن. ولقد أصدرت السلطات البريطانية في يوليه عام 1946 كتاباً أبيض يكشف وقائع الإرهاب الصهيوني والتنسيق بين المنظـمات الثلاث، وهو الكـتاب الذي اعترف بيـجين بمصـداقية ما جاء فيه.

ويلفت النظر أن فترة ما بعد إعلان الحرب العالمية الثانية قد شهدت ما يمكن تسميته إعادة تصدير بؤر النشاط الإرهابي الصهيوني إلى المنطقة العربية وأوربا. ولا يقف الأمر عند حدود قيام إلياهو حكيم وإلياهو بيت زوري من عصابة ليحي بقتل الوزير البريطاني اللورد موين في القاهرة في 6 نوفمبر عام 1944. (اعترف بن جوريون لاحقاً أنه ساهم في التستر على القتلة رغم تظاهره بإدانة الحادث). فقد نفَّذت العصابات الصهيونية العديد من الأعمال الإرهابية التي راح ضحيتها أبرياء في أوربا، فدبرت ليحي انفجاراً في فندق بفيينا ينزل به ضباط بريطانيون أسفر عن مصرع سيدة نمساوية. وقد بلغ إجرام العصابات الصهيونية حد التخطيط في مطلع عام 1948 لتسميم مصادر المياه في العاصمة البريطانية بجراثيم الكوليرا. وقد تولَّى إلياب، أحد قادة ليحي بنفسه، تدبير زجاجات الجراثيم عبر بعض الأطباء اليهود في معهد باستير في باريس. إلا أن صدور قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين والإعلان عن إنهاء الانتداب البريطاني عليها جعل المنظمة تصرف النـظر عن تنفيذ العمـلية التي كانت قد بـلغت نهاية مرحـلة الإعداد. وذلك كما ورد في مذكرات يعقوب إلياب نفسه. (من المعروف أن وباء الكوليرا انتشر في مصر بعد عام 1948، وقد انتشرت شائعات في ذلك الحين عن أن الأمر قد يكون له علاقة بالدولة الصهيونية).

ويُلاحَظ أن مثل هذا النشاط الذي جرى خارج فلسطين لم يقف وراءه فقـط مبعوثو منـظمات الإرهاب الصهيوني المتجولون في أنحاء العالم، بل إن العديد من الخلايا الإرهابية تم زرعها لتستقر في مدن وعواصم العالم والشرق الأوسط وبخاصة بغداد. والجدير بالذكر أن عزرا وايزمان كان عضواً في خلية إرهابية زرعتها إتسل في بريطانيا. ولقد أدخل الإرهاب الصهيوني إلي المنظمات أساليب الطرود الملغومة والاختطاف واغتيال الشخصيات البارزة (مثل الوزير) البريطاني اللورد موين في معاهدة 1946) على نطاق واسع منذ الأربعينيات.

كما تواصل قبل قيام الدولة عام 1948 قيام منـظمات الإرهاب الصهيونية بالأعمال التي تضم عصابات السرقة والإجرام العادية. إلا أن الأكثر مدعاة للتأمل هو تفاخر قادة المنظمات الصهيونية العسكرية (وقادة الدولة الإسرائيلية فيما بعد) بقيامهم بتخطيط وتنفيذ السطو على البنوك والممتلكات. ومن بين هذه الأعمال سرقة البنك العثماني في 13 سبتمبر 1946 وبنك باركليز في أغسطس عام 1947 لحساب ليحي. وقد أُلقي القبض على بعض أعضاء الجماعات الإرهابية الصهيونية وحُكم على بعضهم بالسجن بسبب تلك الأعمال المشينة ومن بين هؤلاء يهوشاع زلتر الذي حُكم عليه بـ 15 عاماً بسبب سطوه على أحد البنوك في تل أبيب. والملاحظ أن العديد من تلك الأعمال مثل سرقة 27 ألف ليرة من بنك ديسكونت في 24 مارس 1947 لحساب ليحي قد حظيت باهتمام مذكرات قيادات الإرهاب الصهيوني والتي أبرزت وقائعها المشينة في وصف ملئ بالفروسية والإثارة والتفاخر.

إلا أن التعبير الأساسي والمتبلور عن الإرهاب الصهيوني في هذه الفترة هو سلسلة المذابح التي ارتكبت ضد العرب بهدف إبادة الأقلية وإرهاب الأٌلبية حتى يترك الفلسطينيون أرضهم لتصبح أرضاً بلا شعب.

ولم ترحم آلة الإرهاب الصهيونية المهاجرين اليهود أنفسهم، حيث تصدت المنظمات العسكرية الصهيونية في الثلاثينيات لجماعات البوند وحزب بوعليه صهيون (عمال صهيون) الذين جاءوا من بولندا مطالبين بإلغاء سيطرة اللغة العبرية على المُستوطَن الصهيوني والاعتراف الرسمي باليديشية. فأشبعوهم ضرباً وتهديداً ورجماً بالحجارة وتهشيماً لواجهات حوانيتهم التي تحمل لافتات كتبت باليديشية. كما قام عضوان من الحركة التصحيحية في عام 1933 بقتل حاييم أرلوزوروف رئيس القسم السياسي في الوكالة اليهودية وأحد قادة الماباي. كما قامت إحدى المنظمات الصهيونية باغتيال يعقوب دهان المفكر الديني اليهودي الذي كان معروفاً بعدائه للصهيونية. وقد اعترف قتلته بارتكاب الحادث في الثمانينيات بعد ما يزيد عن نصف قرن من الإنكار، وبعد التلميح لعدة سنوات بأن يعقوب دهان كانت تربطه علاقة شاذة مع أحد الشبان العرب، وأن هذا هو الذي تسبب في مصرعه.

ولعل أشهر الحوادث التي تعرَّض لها اليهود في المنطقة خلال عام 1940 كان على أيدي العصابات الصهيونية نفسها حين فجَّر إرهابيو الهاجاناه السفينة باتريا في ميناء حيفا وسقط ضحية العمل 250 يهودياً ثمناً للضغط على السلطات البريطانية كي تستجيب لطوفان الهجرة غير الشرعية بعد تحميلها وزر هؤلاء الضحايا. أما الأطفال اليهود في اليمن والعراق فقد اختطفهم الإرهاب الصهيوني عنوة بالعشرات من أُسرهم إلى فلسطين.

إلا أن خط الحركة الصهيونية وتنظيماتها العسكرية لم يكن مستقيماً بأية حال إزاء الأطراف المتحاربة. فرغم الضجة العنصرية التي أحاطـت بها الصـهيونية ما تعـرَّض له يهود أوربيين على أيدي النازية، فإن المذكرات والكتابات التاريخية للصهاينة أنفسهم قد كشفت في وقت لاحق الروابط التي تم نسجها بين الحركتين الصهيونية والنازية وتحديداً في مجال النشاط الإرهابي. وبين ذلك التعاون السياسي والاستخباري بين الهاجاناه وجهاز الأمن الألماني منذ وصول النازيين إلى السلطة. وقد قام أيخمان نفسه بالفعل بزيارة يافا عام 1973 وأسفرت الزيارة عن إنشاء مكتب لتنظيم الهجرة تابع لجهاز الهاجاناه. أما أيخمان نفسه (الذي اختطفته السلطات الإسرائيلية فيما بعد وقامت بإعدامه) فكان مسئولاً عن الهجرة اليهودية لدى السلطات الألمانية النازية. كما كان للجانبين الصهيوني والألماني النازي عميل مشترك يُدعَى "بوليكي" وهو صهيوني كان يمد النازيين بمعلومات استخبارية عن الحلفاء والحركتين القومية العربية والشيوعية. وكان يتم إعداد وتدريب وتسليح الإرهابيين الصهاينة في بولندا حتى عام 1940 بالاتفاق مع من أسمتهم المصادر الصهيونية بالمعادين لليهود. وذلك في إطار خطة جابوتنسكي وإتسل الرامية إلى إعداد جيش من 40 ألف صهيوني يقوم بغزو فلسطين. وقد اعترف الإرهابي الصهيوني إلياب أن العديد من كوادر إتسل وليحي قد طورت قدراتها الإرهابية تدريباً وتسليحاً في إطار هذه الخطة. كما فضح استمرار التعاون مع النازية والفاشية حين ذكر أن ليحي حصلت على أسلحة أثناء الحرب العالمية من الأراضي اللبنانية التي كانت تحت سيطرة حكومة فيشي وعن طريق الألمان والإيطاليين ولأغراض سياسية مشتركة.

المذابـح الصهيونيــة بين عامـي 1947 و1948
Zionist Massacres between 1947 and 1948
تعتبر مذبحة دير ياسين من أهم المذابح الصهيونية وأكثرها منهجية ومع هذا لم تكن دير ياسين سوى جزء من نمط أعم: القيام بمذابح ذات طابع إبادي محدود، يتم الإعلان عنها بطريقة درامية لتبث الذعر في نفوس العرب الفلسطينيين فيهربون. وبذا تتم عملية التطهير العرْقي وتصبح فلسطين أرضاً بلا شعب. كما كانت فرق الإرهاب الصهيونية تنفِّذ بعض المذابح للانتقام ولتلقين العرب الفلسطينيين درساً في عدم جدوى المقاومة. ومن أهم المذابح الصهيونية قبل عام 1948 ما يلي:

مذبحة قريتي الشيخ وحواسة (31 ديسمبر عام 1947): انفجرت قنبلة خارج بناء شركة مصفاة بترول حيفا وقتلت وجرحت عدداً من العمال العرب القادمين إلى المصفاة. وإثر ذلك ثار العمال العرب بالشركة وهاجموا الصهاينة العاملين بالمصفاة بالمعاول والفؤوس وقضبان الحديد وقتلوا وجرحوا منهم نحو ستين صهيونياً. وكان قسم كبير من العمال العرب في هذه المصفاة يقطنون قريتي الشيخ وحواسة الواقعتين جنوب شرق حيفا، ولذا خطط الصهاينة للانتقام بمهاجمة البلدتين.

وفي ليلة رأس السنة الميلادية 1948 بدأ الصهاينة هجومهم بُعيد منتصف الليل وكان عدد المهاجمين بين 150، 200 صهيوني ركزوا هجومهم على أطراف البلدتين، ولم يكن لدى العرب سلاح كاف، ولم يتعد الأمر وجود حراسات محلية بسيطة في الشوارع.

هاجم الصهاينة البيوت النائية في أطراف هاتين القريتين وقذفوها بالقنابل اليدوية ودخلوا على السكان النائمين وهم يطلقون نيران رشاشاتهم. وقد استمر الهجوم ساعة انسحب إثرها الصهاينة في الساعة الثانية صباحاً بعد أن هاجموا حوالي عشرة بيوت وراح ضحية ذلك الهجوم نحو 30 فرداً بين قتيل وجريح معظمهم من النساء والأطفال وتركوا شواهد من الدماء والأسلحة تدل على عنف المقاومة التي لقوها.

مذبحة قرية سعسع (14 ـ 15 فبراير 1948): شنت كتيبة البالماخ الثالثة هجوماً على قرية سعسع، فدمرت 20 منزلاً فوق رؤوس سكانها، وأسفر ذلك عن مقتل 60 عربياً معظمهم من النساء والأطفال. وقد وُصفت هذه العملية بأنها "مثالية".

مذبحة رحوفوت (27 فبراير 1948): حدثت في مدينة حيفا قرب رحوفوت حيث تم نسف قطار القنطرة الأمر الذي أسـفر عن اسـتشهاد سـبعة وعشرين عربياً وجرح ستة وثلاثين آخرين.

مذبحة كفر حسينية (13 مارس 1948): قامت الهاجاناه بالهجوم على القرية وقامت بتدميرها وأسـفرت المذبحـة عن اسـتشهاد ثلاثين عربياً.

مذبحة بنياميناه (27 مارس 1948): حدثت مذبحتان في هذا الموضع حيث تم نسف قطارين، أولهما نُسف في 27 مارس وأسفر عن استشهاد 24 فلسطينياً عربياً وجرح أكثر من 61 آخرين، وتمت عملية النسف الثانية في 31 من نفس الشهر حيث استُشهد أكثر من 40 عربياً وجُرح 60 آخرون.

مذبحة دير ياسـين (9 أبريل 1948): (انظر: «مذبحـة دير ياسين»).

مذبحة ناصر الدين (14 أبريل 1948): اشتدت حدة القتال في مدينة طبربة بين العرب والصهاينة، وكان التفوق في الرجال والمعدات في جانب الصهاينة منذ البداية. وجرت محاولات لنجدة مجاهدي طبرية من مدينة الناصرة وما جاورها. وجاءت أنباء إلى أبناء البلدة عن هذه النجدة وطُلب منهم التنبه وعدم فتح النيران عليها. ولكن هذه الأنباء تسربت إلى العدو الصهيوني الذي سيطر على مداخل مدينة طبرية فأرسلت منظمتا ليحي والإرجون في الليلة المذكورة قوة إلى قرية ناصر الدين يرتدي أفرادها الملابس العربية، فاعتقد الأهالي أنهم أفراد النجدة القادمة إلى طبرية فاستقبلوهم بالترحاب، وعندما دخل الصهاينة القرية فتحوا نيران أسلحتهم على مستقبليهم، ولم ينج من المذبحة سوى أربعين عربياً استطاعوا الفرار إلى قرية مجاورة. وقد دمر الصهاينة بعد هذه المذبحة جميع منازل ناصر الدين.

مذبحة تل لتفنسكي (16 أبريل 1948): قامت عصابة يهودية بمهاجمة معسكر سابق للجيش البريطاني يعيش فيه العرب وأسفر الهجوم عن استشهاد 90 عربياً.

مذبحة حيفا (22 أبريل 1948): هاجم المسـتوطنون الصـهاينة مدينة حيفـا في منتصف الليل واحتلوها وقتلوا عدداً كبيراً من أهلها، فهرع العرب الفلسطينيون العُزل الباقون للهرب عن طريق مرفأ المدينة فتبعهم اليهود وأطلقوا عليهم النيران، وكانت حصيلة هذه المذبحة أكثر من 150 قتيلاً و40 جريحاً.

مذبحة بيت داراس (21 مايو 1948): حاصر الإرهابيون الصهاينة قرية بيت داراس التي تقع شمال شرق مدينة غزة، ودعوا المواطنين الفلسطينيين إلى مغادرة القرية بسلام من الجانب الجنوبي، وسرعان ما حصدت نيران الإرهابيين سكان القرية العُزل وبينهم نساء وأطفال وشيوخ بينما كانوا يغادرون القرية وفق تعليمات قوة الحصار. وكانت نفس القرية قد تعرضت لأكثر من هجوم صهيوني خلال شهري مارس وأبريل عام 1948. وبعد أن نسف الإرهابيون الصهاينة منازل القرية وأحرقوا حقولها أقاموا مكانها مستعمرتين.

مذبحة اللد (أوائل يوليه 1948): أي بعد إعلان الدولة الصهيونية (انظر: «مذبحة اللد»(.

مذبحة دير ياسـين (9 أبريل 1948(
Deir Yassin Massacre
مذبحة ارتكبتها منظمتان عسكريتان صهيونيتان هما الإرجون (التي كان يتزعمها مناحم بيجين، رئيس وزراء إسرائيل فيما بعد) وشتيرن ليحي (التي كان يترأسها إسحق شامير الذي خلف بيجين في رئاسة الوزارة). وتم الهجوم باتفاق مسبق مع الهاجاناه، وراح ضحيتها زهاء 260 فلسطينياً من أهالي القرية العزل. وكانت هذه المذبحة، وغيرها من أعمال الإرهاب والتنكيل، إحدى الوسائل التي انتهجتها المنظمات الصهيونية المسلحة من أجل السيطرة على الأوضاع في فلسطين تمهيداً لإقامة الدولة الصهيونية.

تقع قرية دير ياسين على بُعد بضعة كيلو مترات من القدس على تل يربط بينها وبين تل أبيب. وكانت القدس آنذاك تتعرض لضربات متلاحقة، وكان العرب، بزعامة البطل الفلسطيني عبد القادر الحسيني، يحرزون الانتصارات في مواقعهم. لذلك كان اليهود في حاجة إلى انتصار حسب قول أحد ضباطها "من أجل كسر الروح المعنوية لدى العرب، ورفع الروح المعنوية لدى اليهود"، فكانت دير ياسين فريسة سهلة لقوات الإرجون. كما أن المنظمات العسكرية الصهيونية كانت في حاجة إلى مطار يخدم سكان القدس. كما أن الهجوم وعمليات الذبح والإعلان عن المذبحة هي جزء من نمط صهيوني عام يهدف إلى تفريغ فلسطين من سكانها عن طريق الإبادة والطرد.

كان يقطن القرية العربية الصغيرة 400 شخص، يتعاملون تجارياً مع المستوطنات المجاورة، ولا يملكون إلا أسلحة قديمة يرجع تاريخها إلى الحرب العالمية الأولى.

في فجر 9 أبريل عام 1948 دخلت قوات الإرجون من شرق القرية وجنوبها، ودخلت قوات شتيرن من الشمال ليحاصروا القرية من كل جانب ما عدا الطريق الغربي، حتى يفاجئوا السكان وهم نائمين. وقد قوبل الهجوم بالمقاومة في بادئ الأمر، وهو ما أدَّى إلى مصرع 4 وجرح 40 من المهاجمين الصهاينة. وكما يقول الكاتب الفرنسي باتريك ميرسييون: "إن المهاجمين لم يخوضوا مثل تلك المعارك من قبل، فقد كان من الأيسر لهم إلقاء القنابل في وسط الأسواق المزدحمة عن مهاجمة قرية تدافع عن نفسها.. لذلك لم يستطيعوا التقدم أمام هذا القتال العنيف".

ولمواجهة صمود أهل القرية، استعان المهاجمون بدعم من قوات البالماخ في أحد المعسكرات بالقرب من القدس حيث قامت من جانبها بقصف القرية بمدافع الهاون لتسهيل مهمة المهاجمين. ومع حلول الظهيرة أصبحت القرية خالية تماماً من أية مقاومة، فقررت قوات الإرجون وشتيرن (والحديث لميرسييون) "استخدام الأسلوب الوحيد الذي يعرفونه جيداً، وهو الديناميت. وهكذا استولوا على القرية عن طريق تفجيرها بيتاً بيتاً. وبعد أن انتهت المتفجرات لديهم قاموا "بتنظيف" المكان من آخر عناصر المقاومة عن طريق القنابل والمدافع الرشاشة، حيث كانوا يطلقون النيران على كل ما يتحرك داخل المنزل من رجال، ونساء، وأطفال، وشيوخ". وأوقفوا العشرات من أهل القرية إلى الحوائط وأطلقوا النار عليهم. واستمرت أعمال القتل على مدى يومين. وقامت القوات الصهيونية بعمليات تشويه سادية (تعذيب ـ اعتداء ـ بتر أعضاء ـ ذبح الحوامل والمراهنة على نوع الأجنة)، وأُلقي بـ 53 من الأطفال الأحياء وراء سور المدينة القديمة، واقتيد 25 من الرجال الأحياء في حافلات ليطوفوا بهم داخل القدس طواف النصر على غرار الجيوش الرومانية القديمة، ثم تم إعدامهم رمياً بالرصاص. وألقيت الجثث في بئر القرية وأُغلق بابه بإحكام لإخفاء معالم الجريمة. وكما يقول ميرسييون: "وخلال دقائق، وفي مواجهة مقاومة غير مسبوقة، تحوَّل رجال وفتيات الإرجون وشتيرن، الذين كانوا شباباً ذوي مُثُل عليا، إلى "جزارين"، يقتلون بقسوة وبرودة ونظام مثلما كان جنود قوات النازية يفعلون". ومنعت المنظمات العسكرية الصهيونية مبعوث الصليب الأحمر جاك دي رينييه من دخول القرية لأكثر من يوم. بينما قام أفراد الهاجاناه الذين احتلوا القرية بجمع جثث أخرى في عناية وفجروها لتضليل مندوبي الهيئات الدولية وللإيحاء بأن الضحايا لقوا حتفهم خلال صدامات مسلحة (عثر مبعوث الصليب الأحمر على الجثث التي أُلقيت في البئر فيما بعد).

وقد تباينت ردود أفعال المنظمات الصهيونية المختلفة بعد المذبحة، فقد أرسل مناحم بيجين برقية تهنئة إلى رعنان قائد الإرجون المحلي قال فيها: "تهنئتي لكم لهذا الانتصار العظيم، وقل لجنودك إنهم صنعوا التاريخ في إسرائيل". وفي كتابه المعنون الثورة كتب بيجين يقول: "إن مذبحة دير ياسين أسهمت مع غيرها من المجازر الأخرى في تفريغ البلاد من 650 ألف عربي". وأضاف قائلاً: "لولا دير ياسين لما قامت إسرائيل". وقد حاولت بعض القيادات الصهيونية التنصل من مسئوليتها عن وقوع المذبحة. فوصفها ديفيد شالتيل، قائد قوات الهاجاناه في القدس آنذاك، بأنها "إهانة للسلام العبري". وهاجمها حاييم وايزمان ووصفها بأنها عمل إرهابي لا يليق بالصهاينة. كما ندَّدت الوكالة اليهودية بالمذبحة. وقد قامت الدعاية الصهيونية على أساس أن مذبحة دير ياسين مجرد استثناء، وليست القاعدة، وأن هذه المذبحة تمت دون أي تدخُّل من جانب القيادات الصهيونية بل ضد رغبتها. إلا أن السنوات التالية كشفت النقاب عن أدلة دامغة تثبت أن جميع التنظيمات الصهيونية كانت ضالعة في ارتكاب تلك المذبحة وغيرها، سواء بالاشتراك الفعلي في التنفيذ أو بالتواطؤ أو بتقديم الدعم السياسي والمعنوي.

1 ـ ذكر مناحم بيجين في كتابه الثورة أن الاستيلاء على دير ياسين كان جزءاً من خطة أكبر وأن العملية تمت بكامل علْم الهاجاناه "وبموافقة قائدها"، وأن الاستيلاء على دير ياسين والتمسك بها يُعَد إحدى مراحل المخطط العام رغم الغضب العلني الذي عبَّر عنه المسئولون في الوكالة اليهودية والمتحدثون الصهاينة.

2 ـ ذكرت موسوعة الصهيونية وإسرائيل (التي حررها العالم الإسرائيلي روفائيل باتاي) أن لجنة العمل الصهيونية (اللجنة التنفيذية الصهيونية) وافقت في مارس من عام 1948 على "ترتيبات مؤقتة، يتأكد بمقتضاها الوجود المستقل للإرجون، ولكنها جعلت كل خطط الإرجون خاضعة للموافقة المسبقة من جانب قيادة الهاجاناه".

3 ـ كانت الهاجاناه وقائدها في القدس ديفيد شالتيل يعمل على فرض سيطرته على كل من الإرجون وشتيرن، فلما أدركتا خطة شالتيل قررتا التعاون معاً في الهجوم على دير ياسين. فأرسل شالتيل رسالة إليهما تؤكد لهما الدعم السياسي والمعنوي في 7 أبريل، أي قبل وقوع المذبحة بيومين، جاء فيها: "بلغني أنكم تخططون لهجوم على دير ياسين. أود أن ألفت انتباهكم إلى أن دير ياسين ليست إلا خطوة في خططنا الشاملة. ليس لدي أي اعتراض على قيامكم بهذه المهمة، بشرط أن تجهِّزوا قوة كافية للبقاء في القرية بعد احتلالها، لئلا تحتلها قوى معادية وتهدِّد خططنا".

4 ـ جاء في إحدى النشرات الإعلامية التي أصدرتها وزارة الخارجية الإسرائيلية أن ما وصف بأنه "المعركة من أجل دير ياسين" كان جزءاً لا يتجزأ من "المعركة من أجل القدس".

5 ـ أقر الصهيوني العمالي مائير بعيل في السبعينيات بأن مذبحة دير ياسين كانت جزءاً من مخطط عام، اتفقت عليه جميع التنظيمات الصهيونية في مارس 1948، وعُرف باسم «خطة د»، وكان يهدف إلى طَرْد الفلسطينيين من المدن والقرى العربية قبيل انسحاب القوات البريطانية، عن طريق التدمير والقتل وإشاعة جو من الرعب والهلع بين السكان الفلسطينين وهو ما يدفعهم إلى الفرار من ديارهم.

6 ـ بعد ثلاثة أيام من المذبحة، تم تسليم قرية دير ياسين للهاجاناه لاستخدامها مطاراً.

7 ـ أرسل عدد من الأساتذة اليهود برسائل إلى بن جوريون يدعونه فيها إلى ترك منطقة دير ياسين خالية من المستوطنات، ولكن بن جوريون لم يرد على رسائلهم وخلال شهور استقبلت دير ياسين المهاجرين من يهود شرق أوربا.

8 ـ خلال عام من المذبحة صدحت الموسيقى على أرض القرية العربية وأقيمت الاحتفالات التي حضرها مئات الضيوف من صحفيين وأعضاء الحكومة الإسرائيلية وعمدة القدس وحاخامات اليهود. وبعث الرئيس الإسرائيلي حاييم وايزمان برقية تهنئة لافتتاح مستوطنة جيفات شاؤول في قرية دير ياسين (مع مرور الزمن توسعت القدس إلى أن ضمت أرض دير ياسين إليها لتصبح ضاحية من ضواحي القدس).

وأياً ما كان الأمر، فالثابت أن مذبحة دير ياسين والمذابح الأخرى المماثلة لم تكن مجرد حوادث فردية أو استثنائية طائشة، بل كانت جزءاً أصيلاً من نمط ثابت ومتواتر ومتصل، يعكس الرؤية الصهيونية للواقع والتاريخ والآخر، حيث يصبح العنف بأشكاله المختلفة وسيلة لإعادة صياغة الشخصية اليهودية وتنقيتها من السمات الطفيلية والهامشية التي ترسخت لديها نتيجة القيام بدور الجماعة الوظيفية. كما أنه أداة تفريغ فلسطين من سكانها وإحلال المستوطنين الصهاينة محلهم وتثبيت دعائم الدولة الصهيونية وفَرْض واقع جديد في فلسطين يستبعد العناصر الأخرى غير اليهودية المكوِّنة لهويتها وتاريخها.

وقد عبَّرت الدولة الصهيونية عن فخرها بمذبحة دير ياسين، بعد 32 عاماً من وقوعها، حيث قررت إطلاق أسماء المنظمات الصهيونية: الإرجون، وإتسل، والبالماخ، والهاجاناه على شوارع المستوطنة التي أُقيمت على أطلال القرية الفلسطينية.

مذبحة اللد (أوائل يوليه 1948(
Lod Massacre
تُعَد عملية اللد أشهر مذبحة قامت بها قوات البالماخ. وقد تمت العملية، المعروفة بحملة داني، لإخماد ثورة عربية قامت في يوليه عام 1948 ضد الاحتلال الإسرائيلي. فقد صدرت تعليمات بإطلاق الرصاص على أي شخص يُشاهَد في الشارع، وفتح جنود البالماخ نيران مدافعهم الثقيلة على جميع المشاة، وأخمدوا بوحشية هذا العصيان خلال ساعات قليلة، وأخذوا يتنقلون من منزل إلى آخر، يطلقون النار على أي هدف متحرك. ولقي 250 عربياً مصرعهم نتيجة ذلك (وفقاً لتقرير قائد اللواء). وذكر كينيث بيلبي، مراسل جريدة الهيرالد تريبيون، الذي دخل اللد يوم 12 يوليه، أن موشي دايان قاد طابوراً من سيارات الجيب في المدينة كان يُقل عدداً من الجنود المسلحين بالبنادق والرشاشات من طراز ستين والمدافع الرشاشة التي تتوهج نيرانها. وسار طابور العربات الجيب في الشوارع الرئيسـية، يطلق النيران على كل شيء يتـحرك، ولقد تناثرت جثث العرب، رجالاً ونساء، بل جثث الأطفال في الشوارع في أعقاب هذا الهجوم. وعندما تم الاستيلاء على رام الله أُلقى القبض، في اليوم التالي، على جميع من بلغوا سن التجنيد من العرب، وأُودعوا في معتقـلات خاصـة. ومرة أخرى تجوَّلت العربات في المدينتين، وأخذت تعلن، من خلال مكبرات الصوت، التحذيرات المعتادة. وفي يوم 13 يوليه أصدرت مكبرات الصوت أوامر نهائية، حدَّدت فيها أسماء جسور معيَّنة طريقاً للخروج".

التنظيـمات الصهيونية العسـكرية قـبل مايـو 1948
Zionist Military Organizations before May 1948
يمكن تقسيم التنظيمات الصهيونية العسكرية قبل عام 1948 من منظور الوظيفة التي تضطلع بها إلى قسمين أساسيين. فكانت بعض التنظيمات توجه عملياتها العسكرية ضد السكان العرب الفلسطينيين أصحاب البلاد، وكان البعض الآخر يُوظِّف نفسه في خدمة الدولة الإمبريالية الراعية وصراعاتها الممتدة إلى خارج المنطقة. وهذا الازدواج في الوظائف نتيجة طبيعية لوضع المستوطنين الصهاينة كجماعة وظيفية (ثم دولة وظيفية) في وسط معاد، وهي في حربها ضده تحتاج إلى دعم إمبريالي من الخارج، وعليها أن تدفع الثمن، وهو أن تضع نفسها تحت تصرف الراعي الإمبريالي.

ومن المنظمات التي أسِّست لخدمة الأغراض الداخلية (أي الهجوم على العرب) نجد منظمة بارجيورا، ثم منظمة الحارس (الهاشومير) التي أسِّست عام 1909، ثم النوطريم التي أسستها سلطات الانتداب البريطاني بالتعاون مع الهاجاناه للمساعدة في قمع الانتفاضات الفلسطينية العربية التي قامت في فلسطين في الفترة من 1936 وحتى 1939. ومنها أيضاً منظمة إتسل التي قامت في فلسطين عام 1931 انطلاقاً من أفكار فلاديمير جابوتنسكي.

وأما المنظمات التي تم تأسيسها للمشاركة في تدفُّق المجهود الحربي الاستعماري فنجد منها منظمة الحارس نفسها، ثم فرقة البغالة الصهيونية والكتائب 38 و39 و40 التي شكلت الفيلق اليهودي في الحرب العالمية الأولى، إضافة إلى الهاجاناه والبالماخ واللواء اليهودي الذي تم تشكيله بقرار من الحكومة البريطانية عام 1944. هذا بالإضافة إلى منظمة ليحي (شتيرن) التي طرحت فكرة الوقوف إلى جانب ألمانيا النازية للتخلص من الاحتلال البريطاني لفلسطين، ومن ثم إقامة الدولة اليهودية.

وفي عام 1948 كان التجمُّع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين يضم ثلاثة تنظيمات عسكرية هي: الهاجاناه وهي كبرى التنظيمات الثلاثة وكانت خاضعة للوكالة اليهودية، ومنظمة إتسل المنبثقة عن أفكار جابوتنسكي التنقيحية وكانت آنذاك بزعامة مناحم بيجين، ومنظمة ليحي وهي أصغر المنظمات وكانت قد اشتهرت باسم قائدها أبراهام شتيرن. وقد تم بناء الجيش الإسرائيلي على هذه المنظمات الثلاث. ففي السادس والعشرين من مايو عام 1948، وفي غمرة معارك الحرب العربية ـ الإسرائيلية الأولى، تم إعلان قيام جيش الدفاع الإسـرائيلي، وذلك بتحـويل منظمة الهاجاناه إلى نواة لهذا الجيـش، ودخـول التنظيمين الأخيرين، إتسل وليحي، في دائرة هذه النواة.

بارجيورا (منظمة(
Bar Giora
منظمة عسكرية صهيونية سرية أسسها في فلسطين عام 1907 كل من: يتسحاق بن تسفي، وإسرائيل شوحط، وغيرهما من المسـتوطنين الصـهاينة الأوائل، وكان شـعارها "بالدم والنار سقطت يهودا، وبالدم والنار ستقوم يهودا"، وقد استلهمت اسمها من اسم شيمون بارجيورا ـ قائد التمرد اليهودي الأول ضد الرومان في فلسطين ما بين عام 66 وعام 70.

تولت المنظمة أعمال حراسة المستوطنات الصهيونية في الجليل، كما عملت على خلق قوة مسلحة يهودية في فلسطين. واستمرت تعمل حتى 1909 حيث أتاح تطورها فرصة تأسيس منظمة أكثر اتساعاً واستقراراً وهي منظمة الحارس.

الحارس (منظمة(
Ha-Shomer
منظمة عسكرية صهيونية، تُسمَّى بالعبرية «هاشومير»، أسسها عام 1909 في فلسطين يتسحاق تسفي وإسرائيل جلعادي وألكسندر زيد وإسرائيل شوحط الذي كان بمنزلة العقل السياسي المحرك والقيادة الفعلية للمنظمة. أما الأعضاء فجاء معظمهم من صفوف حزب عمال صهيون، ومن بين مهاجري روسيا الأوائل. ورغم ذلك رفضت المنظمة أن تكون تابعة لسلطة الحزب بشكل مباشر. كما رفضت الخضوع لإشراف المكتب الفلسطيني للمنظمة الصهيونية العالمية.

وتُعَدُّ منظمة الحارس استمراراً متطوراً لمنظمة بار جيورا السرية، وهي بذلك من المحاولات الأولى لتأسيس قوة مسلحة يهودية في فلسطين تعمل على فرض الاستيطان الصهيوني وتدعيمه. وقد بدأت الحارس كمنظمة سرية ولم يزد عدد أعضائها عند التأسيس عن ثلاثين عضواً، وتولت حراسة المستوطنات الصهيونية في الجليل نظير مقابل مالي. ثم توسعت فيما بعد لتعمل في مناطق أخرى، رغم اعتراض قيادات اليشوف القديم على هذه الأنشطة لما تثيره من استفزاز للسكان الفلسطينيين. وكان نموذج الحارس هو اليهودي حامل السلاح الذي يجيد اللغة العربية ويرتدي الزي العربي أو الشركسي. وكان العضو ينضم إلى المنظمة بعد المرور بسنة اختبار، وبعد الحصول على موافقة ثلثي الحاضرين في المؤتمر السنوي العام للمنظمة.

ولم يقتصر نشاط المنظمة على الحراسة، بل قامت بدور أساسي في إقامة المستعمرات الصهيونية في فلسطين، حيث أسست أول مستعمرة لها في تل عداشيم (1913) ثم ألحقتها بمستعمرة أخرى في كفر جلعادي (1916) ثم مستعمرة تل هاي (1918). كما كانت المنظمة أحد الأطر الرئيسية لتدريب العناصر العسكرية التي شكلت فيما بعد قوام منظمة الهاجاناه.

وأثناء الحرب العالمية الأولى، والحملة البريطانية على فلسطين، انضم قسم من أعضاء منظمة الحارس إلى الفيلق اليهودي وقاتل في صفوف الجيش البريطاني، بينما انضم قسم آخر إلى جانب الأتراك. وكانت تلك بداية الصراعات الداخلية التي تطورت لتصل إلى ذروتها خلال المؤتمر العام للمنظمة في مايو 1920، حيث تباينت الآراء بين الحفاظ على استقلال المنظمة، وبين تحويلها إلى منظمة موسعة للدفاع تخضع لإشـراف المؤسـسات السـياسية العامة لليشوف الاستيطاني. وقد تقرَّر في النهاية حل المنظمة والانضمام للهاجاناه، إلا أن عدداً محدوداً من الأعضاء ظل متمسكاً بفكرة استمرار المنظمة، وحقها في تولِّي الأعمال العسكرية بلا منافس. وقد احتفظ هؤلاء بمخزن خاص للسلاح، ولم يسلموه إلى الهاجاناه إلا عام 1929 مع اندلاع انتفاضة العرب الفلسطينيين.

البيتار (منظمة(
Betar
»البيتار« اختصار للعبارة العبرية «بريت يوسف ترومبلدور»، أي «عهد ترومبلدور» أو «حلف ترومبلدور». وهو تنظيم شبابي صهيوني تصحيحي أسسه في بولندا عام 1923 يوسف ترومبلدور، وكان هدفه إعداد أعضائه للحياة في فلسطين بتدريبهم على العمل الزراعي وتعليمهم مع التركيز على العبرية بالإضافة إلى التدريب العسكري. وكان أعضاؤها يتلقون أيديولوجيا واضحة التأثر بالأيديولوجيات الفاشية التي سـادت أوربا آنذاك، فكانوا يتعلمون مثلاً أن أمام الإنسـان اختيارين لا ثالث لهما: "الغزو، أو الموت"، وأن كل الدول التي لها رسالة قامت على السيف وعليه وحده. وبشكل عام، يمثل التنظيم أفكار جابوتنسكي زعيم الصهيونية التنقيحية.

ولم يقتصر نشاط بيتار على بولندا بل امتد إلى العديد من الدول، فأسست عام 1934 قاعدة للتدريب البحري في إيطاليا وأخرى للتدريب على الطيران في باريس، كما أسست فروعاً في اللد (1938) وجنوب أفريقيا (1939) ونيويورك (1941). وقد ظلت القاعدة الأساسية للتنظيم وهيئته العليا حتى الحرب العالمية الثانية خارج فلسطين، ثم انتقلت بعد ذلك إليها، حيث كان بعض أتباع بيتار قد أسسوا عدة مستوطنات زراعية.

وقد انشق تنظيم بيتار عن المنظمة الصهيونية إثر النزاعات بين جابوتنسكي وزعمائها، وهي النزاعات التي انتهت بانفصاله، وتشكيل المنظمة الصهيونية الجديدة في 1934 نتيجة معارضة سياسة الهستدروت. وداخل بيتار، تشكلت الكوادر الأساسية لمنظمة الإرجون الإرهابية ولحركة حيروت. وكان مائير كاهانا مؤسس جماعة كاخ عضواً في تنظيم بيتار.

الفيلق اليهودي
Jewish Legion
«الفيلق اليهودي» هو تشكيلات عسكرية من المتطوعين اليهود الذين حاربوا في صفوف القوات البريطانية والحلفاء أثناء الحرب العالمية الأولى مثل الكتيبة اليهودية رقم 38 التي جُنِّدت في إنجلترا عام 1915 ـ 1917، والكتيبة 39 التي نظمها بن جوريون وبن تسفي في الولايات المتحدة بين عامي 1917 ـ 1918، والكتيبة 40 التي تم تشكيلها في فلسطين، وكذلك كتائب حملة البنادق الملكية وفرقة البغالة الصهيونية التي نظمها جابوتنسكي وترومبلدور في مصر عام 1915. وقد بلغ عدد أفراد كل هذه المنظمات 6400 رجل وكان يُشار إليها جميعاً باسم «الفيلق اليهودي». وترجع فكرة هذه التشكيلات إلى تصوُّر الصهاينة أنه يتعيَّن عليهم مساعدة بريطانيا، القوة الاستعمارية الصاعدة، حتى تساعدهم هي على تأسيس وطن قومي لليهود. وقد واجه الصهاينة صعوبات جمة في بادئ الأمر حيث تجاهلتهم وزارة الدفاع البريطانية وهاجمهم اليهود الاندماجيون، وكذلك اليساريون في أوساط الشباب اليهودي، إلا أن الجو في بريطانيا آنذاك كان ملبداً بمعاداة اليهود «الأجانب» الذين يفدون من روسيا ويستقرون ويكسبون رزقهم في بريطانيا دون أن يتحملوا مشقة الدفــاع عنهـا. ولذلك، سـارعت الحكومـة البريطانية بتجنيــد هــؤلاء "الأجانب" لتهدئة مشاعر الغضب من جراء وضعهم الفريد، وكان هذا الإجراء هو العنصر الرئيسي الذي أدَّى إلى إضعاف المعارضة اليهودية لفكرة الفرقة العسكرية الصهيونية.

وقد أعلنت الحكومة البريطانية في أغسطس 1916 موافقتها على اقتراح جابوتنسكي بتشكيل كتيبة يهودية، وذلك بينما كانت الجهود الرامية لإصدار وعد بلفور تجري على قدم وساق. وكانت النية تتجه إلى جعل الفرقة يهودية خالصة، ولكن الجناح المعادي للصهيونية نجح في منع هذه الخطوة، ولذلك أُطلق على الكتيبة اسم «الكتيبة 38، حملة البنادق الملكية» وتولَّى قيادتها الضابط البريطاني جون باترسون. وقد تلقـت هذه الكتيبة تدريباتها في بريطانيا ومصـر، ثم توجـهت إلى فلسطين. ورغم اشتراك هذه الكتيبة في الهجوم على شرق الأردن واحتلال مدينة السلط في سبتمبر 1918، فإن أداءها لم يكن مرضياً حيث انتشرت الملاريا في صفوف الجنود الأمر الذي أدَّى إلى فرار الكثيرين (ومنهم بن جوريون) وتَشتُّت الكتيبة.

ولدى دخول الولايات المتحدة الأمريكية طرفاً في الحرب، وافقت الحكومة الأمريكية في يناير 1918 على تشكيل كتيبة أخرى من اليهود الأمريكيين والمتطوعين من كندا والأرجنتين، وأُطلق عليها اسم «الكتيبة 39». وقد نُقل قسم منها إلى مصر وشرق الأردن في منتصف عام 1918، بينما وصل القسم الأعظم إلى فلسطين بعد أن وضعت الحرب أوزارها.

وفي يونيه 1918، تم تشكيل كتيبة أخرى هي «الكتيبة 40» بناءً على اقتراح قائد الفرقة الأسكتلندية في فلسطين الذي دعا إلى تجنيد اليهود في المناطق التي احتلتها القوات البريطانية. وقد تلقت هذه الكتيبة تدريباتها في التل الكبير ولم تشارك في الهجوم على شمال فلسطين عام 1918، ولكنها نُقلت إلى فلسطين في نهاية ذلك العام.

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت تتمركز على أرض فلسطين ثلاث كتائب يهودية تضم حوالي خمسة آلاف فرد يمثلون سدس جيش الانتداب البريطاني، وقد أصبح اسمهم هو «الكتيبة العبرية» وشعارها المينوراه (وهو شعار القبَّالاه ثم الدولة الصهيونية فيما بعد). وبعد أن ترسخت دعائم الاحتلال البريطاني في فلسطين، بدأت الحكومة البريطانية في تسريح تلك الكتائب ولم تعبأ بنداءات المنظمة الصهيونية العالمية من أجل زيادة عدد أفراد الكتائب والإبقاء عليها ضمن القوات البريطانية. وفي عام 1921، تم حل هذه الكتائب نهائياً وانضم كثير من أعضائها إلى الهاجاناه.

فرقة البغالة الصهيونية
Zion Mule Corps
وحدة عسكرية صهيونية مساعدة للجيش البريطاني شُكِّلت عام 1915 إثر اندلاع الحرب العالمية الأولى. وكان جابوتنسكي أول من فكر في تكوين هذه الوحدة لاقتناعه بأهمية التحالف مع بريطانيا للتخلص من الإدارة العثمانية لفلسطين وضرورة القوة المسلحة اليهودية لبناء الدولة الصهيونية. وقد اتصل جابوتنسكي بترومبلدور ليقوما بتجنيد المتطوعين من بين المستوطنين اليهود الذين أبعدتهم السلطات العثمانية عن فلسطين إلى مصر لأنهم لم يكونوا رعايا عثمانيين. وكان الهدف من ذلك وضعهم تحت تصرف القوات البريطانية أثناء غزوها فلسطين. ولكن الجنرال ماكسويل، قائد القوات البريطانية في مصر آنذاك، رفض الفكرة لأنه كان ضد تجنيد الأجانب، واقترح أن يقتصر دور المتطوعين على مساعدة الجيش في حمل المؤن والذخائر للقوات المحاربة في أي مكان غير فلسطين. ورغم اعتراض جابوتنسكي، وافق ترومبلدور وشُكِّلت الفرقة من بعض اليهود المصريين وبعض اليهود الذين رُحِّلوا إلى الإسكندرية. وقد ضمت الفرقة 650 ضابطاً وجندياً و20 حصاناً للضباط والمساعدين و750 بغلاً (ومن هنا جاءت التسمية)، وقد اتخذت الفرقة نجمة داود شعاراً لها وكانت معظم تدريباتها تجري بالعبرية.

وفي أبريل 1915، أبحرت الفرقة إلى جاليبولي بقيادة الضابط البريطاني جون باترسون، وقامت بخدمات حيوية في مجال نقل المؤن، وكانت الفرقة تشارك في القتال أحياناً. وفي نوفمبر 1915، تخلَّى باترسون عن قيادة الفرقة لمرضه وخلفه ترومبلدور الذي اصطدم بمشاكل تنظيمية عديدة لعدم انضباط أفرادها ولوجود صراعات عرْقية بينه (وهو إشكنازي) وبين بعض الأفراد من السفارد. وبعد انسحاب قوات الحلفاء من جاليبولي في نهاية العام، سُرحت الفرقة وأُعيدت إلى مصر بعد أن قُتل ثمانية من أفرادها وجُرح خمسة وخمسون. وقد حاول ترومبلدور والقادة الصهاينة الحيلولة دون حل الفرقة لكي يحارب أفرادها في فلسطين، ولكنها حُلَّت رسمياً عام 1916. وفيما بعد، قُبل 150 متطوعاً من أفرادهـا السـابقين في الجيـش البريطاني وكوَّنوا نواة الفيلق اليهودي. ورغم عمرها القصير، مثلت هذه الفرقة علامة بارزة ورائدة ضمن محاولات الحركة الصهيونية تشكيل قوة عسكرية ووضع مشروعهم في السياق الاستعماري والقيام بدور الأداة لإحدى القوى الاستعمارية.

النوطريم
Notrim
«النوطريم» كلمة عبرية تعني «الحرس أو الخفراء»، وهي الشرطة اليهودية الإضافية التي شكلتها سلطات الانتداب البريطاني بالتعاون مع الهاجاناه للمساعدة في قمع الانتفاضات العربية في فلسطين في الفترة 1936 ـ 1939. وتم، في هذا الإطار، تجنيد مئات الخفراء من مختلف المدن والمستوطنات، وأُرسلوا لحماية المستوطنات الواقعة على الحدود وفي غور الأردن. وشملت قوات الخفراء في البداية 750 خفيراً على نفقة سلطات الانتداب و1800 خفير على نفقة قيادة المستوطنين الصهاينة. وفي يونيه 1936، ونظراً لتصاعد المظاهرات العربية، تم تجنيد 1240 خفيراً آخر أُطلق عليهم اسم «خفراء إضافيون».

وفي يوليه 1938 أعادت قيادة المستوطنين تنظيم قوات الخفراء لتصبح وحدة شرطة منظمة، أُطلق عليها اسم «شرطة المستوطنات العبرية»، وتم تقسيمها إلى عشرات الكتائب لتتناسب إلى حدٍّ ما مع توزيع قوات الهاجاناه، وقامت هذه القوات بحماية القطارات والسكك الحديدية والمرافق العامة، كما شاركت في نقل المهاجرين اليهود غير الشرعيين.

الهاجاناه
Haganah
«الهاجاناه» كلمة عبرية تعني «الدفاع»، وهي منظمة عسكرية صهيونية استيطانية، أُسِّست في القدس عام 1920 لتحل محل منظمة الحارس. وجاء تشكيلها ثمرة نقاشات طويلة بين قيادة التجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، فكان جابوتنسكي صاحب فكرة تأسيس مجموعات عسكرية يهودية علنية تتعاون مع سلطات الانتداب البريطاني، بينما كان قادة اتحاد العمل والماباي يفضلون خلق قوة مسلحة غير رسمية مستقلة تماماً عن السلطات البريطانية وسرية بطبيعة الحال. وقد قُبل في النهاية اقتراح إلياهو جولمب بإنشاء منظمة عسكرية سرية تحت اسم «هاجاناه وعفودا» أي «الدفاع والعمل» ثم حُذفت كلمة العمل فيما بعد. وقد ارتبطت الهاجاناه في البداية باتحاد العمل ثم بحزب الماباي والهستدروت، رغم أن ميثاقها كان يصفها بأنها فوق الحزبية، وأنها عصبة للتجمع الاستيطاني الصهيوني. وعَكَس نشاط الهاجاناه الارتباط الوثيق والعضوي بين المؤسسات الصهيونية الاستيطانية والمؤسسات العسكرية والزراعية التي تهدف إلى اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج، وإن كان اهتمامها الأساسي قد انصب على العمل العسكري. وفي عام 1929، شاركت الهاجاناه في قمع انتفاضة العرب الفلسطينيين، وقامت بالهجوم على المساكن والممتلكات العربية ونظَّمت المسيرات لاستفزاز المواطنين العرب وإرهابهم. كما ساهمت في عمليات الاستيطان، وخصوصاً بابتداع أسلوب «السور والبرج» لبنـاء المســتوطنات الصهيونية في يوم واحد. وبالإضـافة إلى ذلك، قامت الهاجاناه منذ تأسيسها بحماية المستعمرات الصهيونية وحراستها.

وقد تعرَّضت الهاجاناه لعدة انشقاقات كان أبرزها عام 1931 عندما انشق جناح من غير أعضاء الهستدروت بقيادة أبراهام تيهومي وكوَّن تنظيماً مستقلاً سُمِّي «هاجاناه ب.»، وهو الذي اندمج مع منظمة بيتار في العام نفسه لتشكيل منظمة إتسل. ولم تتوقف عمليات الصراع والمصالحة بين الهاجاناه والجماعات المنشقة عنها، واستمر الخلاف بشكل مستتر حتى بعد قيام الدولة.

وقد شَهدت سنوات الانتفاضة العربية في فلسطين (1936 ـ 1939) تعاوناً كبيراً بين الهاجاناه وقوات الاحتلال البريطاني، وبرز التعاون بخاصة مع تعيين تشارلز وينجيت ضابطاً للمخابرات البريطانية في فلسطين عام 1936، حيث أشرف على تكوين الفرق الليلية الخاصة والسرايا المتحركة التابعة وتنسيق الأنشطة بين المخابرات البريطانية وقسـم المخابرات بالهاجاناه والمعروف باســم «الشـاي». وفي الوقت نفسه، تعاونت القوات البريطانية والهاجاناه في تشكيل شرطة حراسة المستوطنات اليهودية والنوطريم، وكان معظم أفرادها من أعضاء الهاجاناه. وقد مرت العلاقة بين الطرفين بفترة توتر قصيرة في أعقاب صدور الكتاب الأبيض عام 1939 حيث واجهته الهاجاناه بتشجيع الهجرة غير الشرعية لليهود، إلا أن نشوب الحرب العالمية الثانية أدَّى إلى استعادة علاقات التحالف القديمة، إذ اعتبرها الصهاينة بمنزلة فرصة لاستغلال التناقضات بين الأطراف المتصارعة وتحقيق مشروعهم المتمثل في إقامة الدولة الصهيونية. وهكذا وقفت الهاجاناه إلى جانب بريطانيا والحلفاء وانضم كثير من أعضائها إلى اللواء اليهودي للقتال في صفوف القوات البريطانية، وتصدت بشدة للجماعات الصهيونية الأخرى التي طالبت آنذاك بالانضمام إلى النازي وفي مقدمتها منظمة ليحي، بل أمدت السلطات البريطانية بما تحتاجه من معلومات لتَعقُّب عناصر تلك المنظمة واعتقالها. وفي المقابل، ساعدت بريطانيا في إنشاء وتدريب القوة الضاربة للهاجاناه المسماة «البالماخ»، كما نظمت فرقة مظليين من بين أعضاء الهاجاناه للعمل في المناطق الأوربية التي احتلتها قوات النازي. ومع انتهاء الحرب، تَفجَّر الصراع من جديد فشاركت الهاجاناه مع ليحي وإتسل في عمليات تخريب المنشآت البريطانية ونسف الكباري وخطوط السكك الحديدية وهو ما أُطلق عليه «حركة المقاومة العبرية» كما نشطت من جديد جهود الهاجاناه في مجال الهجرة غير الشرعية.

وقبيل إعلان قيام دولة إسرائيل، كان عدد أعضاء الهاجاناه يبلغ نحو 36.000 بالإضافة إلى 3000 من البالماخ، كما اكتمل بناؤها التنظيمي، الأمر الذي سهَّل عملية تحويلها إلى جيش موحد ومحترف للدولة الصهيونية، حيث أصدر بن جوريون في 31 مايو 1948 قراراً بحل الإطار التنظيمي القـديم للهاجاناه وتحويلها إلى جيـش الدفاع الإسرائيلي. ولا شك في أن حجم الهاجاناه واتساع دورهـا بهـذا الشكـل يبين أهمية المؤسسة العسكرية لا في بناء إسرائيل فحسب بل في اتخاذ القرارات المتعلقة بمختلف المجالات فيها أيضاً.

البالمـــاخ
Palmach
»البالماخ« اختصار للعبارة العبرية «بلوجوت ماحاتس»، أي «سرايا الصاعقة»، وهي القوات الضاربة للهاجاناه التي شُكِّلت عام 1941 لتعمل كوحدات متقدمة وقادرة على القيام بالمهام الخاصة أثناء الحرب العالمية الثانية، وذلك بالإضافة إلى إمداد الهاجاناه باحتياطي دائم من المقاتلين المدربين جيداً. ويُعَدُّ يتسحاق ساريه مؤسسها الفعلي وأول من تولى قيادتها.

وقد ارتبطت البالماخ منذ البداية بحركة الكيبوتس وحزب المابام. وقد تميَّز أفراد هذه القوات بدرجة عالية من التثقيف السياسي الذي يركز على مبادئ الصهيونية العمالية. كما تلقوا تدريباً مناسباً في مجالات الطيران والبحرية واستخدام الرادار وأعمال المخابرات. وقد شكَّلت البالماخ عدة وحدات لتقسيم العمل داخلها، ومن أبرز تلك الوحدات: «دائرة الجوالين» التي تولت بالتعاون مع مصلحة المعلومات إعداد ملفات تتضمن معلومات تفصيلية عن القرى الفلسطينية، و«الدائرة العربية» التي شاركت في الحملة البريطانية ضمن قوات حكومة فيشي في سوريا ولبنان، و«الدائرة البلقانية» التي تكونت من بعض اليهود المهاجرين من دول البلقان والدانوب، للقيام بأعمال التجسس داخل هذه البلدان، و«الدائرة الألمانية» التي ضمت عدداً من اليهود الذين تم تدريبهم ليكتسبوا النمط الألماني في السلوك بالإضافة إلى إجادة اللغة الألمانية وذلك للتسـلل إلى معسـكرات الأسـرى الألمان والحصول منهم على معلومات. ومن أهم وحدات البالماخ، «وحدة المستعربين» (بالعبرية: المستعرفيم) التي ضمت عناصر تجيد اللغة العربية ولديها إلمام بالعادات والتقاليد العربية، وذلك للتغلغل في أوساط الفلسطينيين والحصول على معلومات تتصل بأوضاعهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقيام بعمليات اغتيال للعرب. وقد عملت البالماخ خلال عامي 1941 و1942 بتنسيق تام مع القوات البريطانية في فلسطين، وتلقى أفرادها تدريباً مكثفاً على أيدي خبراء الجيش البريطاني للقيام بعمليات خلف الخطوط الألمانية في حالة نجاح قوات النازي في احتلال فلسطين.

وعند نهاية الحرب، كانت البالماخ تضم نحو 2000 فرد موزعين على 11 سرية، وكان ثلث القوات تقريباً من الفتيات. ومنذ خريف 1945 وحتى صيف 1946، شاركت البالماخ ـ بالتعاون مع إتسل وليحي ـ في أعمال عسكرية ضد القوات البريطانية في فلسطين شملت نسف خطوط السكك الحديدية والكباري ومحطات الرادار، وإغراق السفن البريطانية وغير ذلك من أعمال التخريب فيما عُرف باسم حركة المقاومة العبرية. ومع تصاعُد الصدام بين الطرفين، واكتشاف القوات البريطانية عدداً من مخازن السلاح الرئيسية للهاجاناه، صدرت الأوامر للبالماخ بتوجيه جهودها نحو تشجيع الهجرة الشرعية إلى فلسطين وتأمينها.

وفي عام 1948، كانت البالماخ القوة الرئيسية التي تصدت للجيوش العربية في الجليل الأعلى والنقب وسيناء والقدس، وخسرت في تلك المعارك أكثر من سدس أفرادها البالغ عددهم آنذاك نحو 5000.

وعقب قيام إسرائيل مباشرةً، وكانعكاس للصراع السياسي بين الماباي والمابام، ظهر إصرار بن جوريون على حل البالماخ التي كانت في نظره تمثل اتجاهاً يسارياً، وذلك من أجل تأسيس الجيش المحترف المستقل عن الأحزاب. وقد أدَّى ذلك إلى خلافات شديدة، إلا أن قيادة البالماخ قَبلت في النهاية، وعلى مضض، مسألة الحل هذه. شكّلت البالماخ القوام الأساسي لقوات الصاعقة في جيش الدفاع الإسرائيلي، ومن بين صفوفها ظهر أبرز قادة إسرائيل العسكريين من أمثال آلون ورابين وبارليف وإليعازر وهور.

إتسل
Etzel
«إتسل» اختصار للعبارة العبرية «إرجون تسفاي ليومي بإرتس إسرائيل» أي «المنظمة العسكرية القومية في أرض إسرائيل» وتُعرف أيضاً باسم «الإرجون». وهي منظمة عسكرية صهيونية تأسَّست في فلسطين عام 1931 من اتحاد أعضاء الهاجاناه الذين انشقوا على المنظمة الأم وجماعة مسلحة من بيتار، وكان من أبرز مؤسسيها: روبرت بيتكر ـ الذي كان أول رئيس للمنظمة ـ وأبراهام يتهومي (سيلبر) وموشي روزنبرج ودافيد رازئيل ويعقوب ميردور. وقد بُنيت المنظمة على أفكار فلاديمير جابوتنسكي عن ضرورة القوة اليهودية المسلحة لإقامة الدولة، وعن حق كل يهودي في دخول فلسطين. وكان شعار المنظمة عبارة عن يد تمسك بندقية وقد كُتب تحتها "هكذا فقط".
وفي عام 1973، توصَّل رئيس إتسل آنذاك أبراهام يتهومي إلى اتفاق مع الهاجاناه لتوحيد المنظمتين، وأدَّى ذلك إلى انشقاق في إتسل حيث لم يوافق على اقتراح يتهومي سوى أقل من نصف الأعضاء البالغ عددهم 3000، بينما رأت الأغلبية ضرورة الحفاظ على استقلال المنظمة. وفي عام 1940، حدث الانشقاق الثاني بخروج جماعة أبراهام شتيرن التي شكلت فيما بعد منظمة ليحي نظراً لاختلافهم بشأن الموقف الواجب اتخاذه من القوى المتصارعة في الحرب العالمية الثانية، حيث رأى أعضاء شتيرن ضرورة تدعيم ألمانيا النازية لتُلحق الهزيمة ببريطانيا ومن ثم يتم التخلص من الانتداب البريطاني على فلسطين ويصبح بالإمكان تأسيس دولة صهيونية، في حين اتجهت المنظمة الأم إلى التعاون مع القوات البريطانية وبخاصة في مجال المخابرات.

وحتى عام 1939، كانت أنشطة إتسل موجهة بالأساس ضد الفلسطينيين. وبعد صدور الكتاب الأبيض، أصبحت قوات بريطانيا في فلسطين هدفاً لعمليات تخريبية من جانب المنظمة فضلاً عن قيامها بتشجيع الهجرة غير الشرعية إلى فلسطين. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية توقفت أنشطة إتسل ضد القوات البريطانية، وبدأ التعاون بينهما للتصدي للنازي. إلا أن الصدام سرعان ما تكرر من جديد عقب انتهاء الحرب، حيث تزايد التنسيق بين إتسل وليحي والهاجاناه لضرب المنشآت البريطانية في فلسطين ضمن ما أُطلق عليه «حركة المقاومة العبرية». وخلال تلك الفترة، أخذ دور مناحم بيجين ـ زعيم إتسل الجديد ـ في البروز بشكل واضح.
وكان للعمليات الإرهابية التي قامت بها إتسل ضد المزارعين الفلسطينيين دور كبير في إرغام بعض هؤلاء المزارعين على مغادرة البلاد. كما لجأت المنظمة إلى الهجوم على السيارات العربية المدنية، ونفذت بالتعاون مع ليحي وبمباركة الهاجاناه مذبحة دير ياسين الشهيرة في 9 أبريل 1948.
وبعد قيـام إسرائيل، أُدمـجت المنظمة في جيش الدفاع الإسـرائيلي، بعد مقاومة من جانبها لهذا الدمج، ويُعَد حزب حيروت امتداداً لأيديولوجيا المنظمة الإرهابية. وقد كرَّم الرئيس الإسرائيلي قيادات إتسل في نوفمبر 1968 تقديراً لدورهم القيادي في تأسيس دولة إسرائيل.

الإرجون
Irgun
انظر: «إتسل».

ليحي
Lehi
«ليحي» اختصار العبارة العبرية «لوحمي حيروت يسرائيل» أي «المحاربون من أجل حرية إسرائيل»، وهي منظمة عسكرية صهيونية سرية أسسها أبراهام شتيرن عام 1940 بعد انشقاقه هو وعدد من أنصاره عن إتسل. وقد أطلق المنشقون على أنفسهم في البداية اسم «إرجون تسفاي ليومي بإسرائيل» أي « المنظمة العسكرية القومية في إسرائيل»، تمييزاً عن اسم المنظمة الأم، ثم تغيَّر فيما بعد إلى «ليحي». ومنذ عام 1942، أصبحت المنظمة تُعرَف أيضاً باسم مؤسسها شتيرن بعد مقتله على أيدي سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين. وقد تركزت الخلافات التي أدَّت إلى الانشقاق حول الموقف الواجب اتخاذه من القوى المتصارعة في الحرب العالمية الثانية، حيث اتجهت إتسل إلى التعاون مع بريطانيا، بينما طرحت جماعة شتيرن الوقوف إلى جانب ألمانيا النازية للتخلص من الاحتلال البريطاني لفلسطين ومن ثم إقامة الدولة الصهيونية.

ورغم أن ليحي لم تر هتلر إلا بوصفه قاتل اليهود، إلا أنها بررت لنفسها ـ حسب قول شتيرن ـ "الاستعانة بالجزار الذي شاءت الظروف أن يكون عدواً لعدونا"! واعتبرت ليحي أن الانضمام لجيش «العدو» البريطاني يُعَدُّ جريمة، وسعت في المقابل للاتفاق مع ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وإن كان سعيها قد باء بالفشل. ونفذت المنظمة بعض العمليات التخريبية ضد المنشآت البريطانية بالإضافة إلى عمليات السلب كما حدث في السـطو على البنك البريطاني الفلسـطيني في سبتمبر 1940. ووصل هذا النشاط إلى ذروته باغتيال اللورد موين ـ المفوض البريطاني بالقاهرة ـ في نوفمبر 1944. وقد أدَّى كل هذا إلى صدامات بين ليحي وإتسل من ناحية، وبينها وبين الهاجاناه من ناحية أخرى، حيث تعاونت الهاجاناه مع السلطات البريطانية في مطاردة أعضاء ليحي واعتقالهم.

ولإبراز أهدافها وترويج مبادئها، أصدرت المنظمة دوريتين هما: «هافريت» أي «الجبهة»، و«هاماس» أي «العقل»، درجت على توزيعهما في أوساط التجمع الاستيطاني الصهيوني وأعضاء إتسل والبالماخ. كما أصدرت مجلة داخلية سُمِّيت «بمحتريت» أي «في العمل السري»، واعتمدت أيضاً على الدعاية الإذاعية، وكانت قد استولت عند انشقاقها على جهاز البث التابع لإتسل. والواقع أن مبادئ ليحي كانت أقرب إلى الشعارات الإنشائية منها إلى البرنامج السياسي، "فشعب إسرائيل" ـ كما تُعرِّفه ـ هو "شعب مختار، خالق دين الوحدانية، ومُشرِّع أخلاقيات الأنبياء، وحامل حضارات العالم، عظيم في التقاليد والبذل، وفي إرادة الحياة"، أما "الوطن" فهو "أرض يسرائيل في حدودها المفصلة في التوراة (من نهر مصر وحتى النهر الكبير ـ نهر الفرات) هي أرض الحياة يسكنها بأمان الشعب العبري كله". وتمثلت أهداف المنظمة في "إنقـاذ البـلاد، وقيـام الملكوت (مملـكة إسرائيل الثالثة)، وبعث الأمة"، وذلك عن طريق جَمْع شتات اليهود بأسرهم وذلك بعد أن يتم حل مشكلة السكان الأجانب (أي العرب) بواسطة تَبادُل السكان.

وقد تعرضت ليحي لعدة صراعات وهزات داخلية بدأت بعد أشهر من تشكيلها بانسحاب اثنين من أبرز المؤسسين هما هانوخ قلعي وبنيامين زرعوني، وقد انضما إلى إتسل ثم انسحبا فيما بعد وسلّما نفسيهما للسلطات البريطانية. وجاءت الأزمة الثانية بعد مقتل شتيرن، إذ ألقت السلطات البريطانية القبض على عشرات من أعضاء المنظمة وحصلت منهم على اعترافات مهمة تتضمن أسماء زملائهم ومخابئ السلاح. وكادت هذه الأزمات أن تؤدي إلى تصفية المنظمة تماماً، إلا أنها استعادت قوتها بانضمام مجموعة من بيتار بزعامة يسرائيل شيف عقب هجرتهم من بولندا إلى فلسطين عام 1942، وكذلك بعد نجاح اثنين من قادتها هما يتسحاق شامير وإلياهو جلعادي في الهرب من السجن عام 1942، ثم نجاح نيثان فرديمان ـ يلين (مور) ومعه 19 من قادة ليحي في الهرب من السجن أيضاً عام 1943. إلا أن صراعاً نشب من جديد بين شامير وجلعادي بسبب اختلاف الآراء حول توجهات المنظمة، وقد حُسم الصراع لصالح شامير إذ تمكَّن من تدبير مؤامرة لاغتيال منافسه في رمال حولون.

ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، شاركت ليحي مع كلٍّ من الهاجاناه وإتسل في العمليات المضادة للسلطات البريطانية ضمن ما سُمِّي «حركة المقاومة العبرية». واستمر نشاط ليحي حتى بعد تَوقُّف الحركة عام 1946. كما شاركت في الهجوم على القرى والممتلكات العربية ونفذت مع إتسل ـ وبمباركة الهاجاناه ـ مذبحة دير ياسين الشهيرة في 9 أبريل 1948. وبعد إعلان قيام إسرائيل، حُلَّت ليحي مع غيرها من المنظمات العسكرية وأُدمجت في جيش الدفاع الإسرائيلي. ومع هذا، ثارت شكوك قوية حول مسئوليتها عن اغتيال برنادوت. ومع حل المنظمة، فشلت مساعي تحويلها إلى حزب سياسي. وتقديراً للدور الإرهابي للمنظمة، قررت الحكومة الإسرائيلية احتساب سنوات الخدمة فيها عند تقدير مكافآت الخدمة والمعاشات للموظفين، كما حصلت أرملة شتيرن على وشاح التكريم الذي أهداه رئيس إسرائيل زلمان شازار إلى كل المنظمات والمجموعات التي شاركت في جهود تأسيس الدولة.

ورغم تباين الآراء حول دور ليحي، وما تخلعه بعض الكتابات الصهيونية عليها من أوصاف «الخيانة» نظراً لموقفها من النازي، فإن الوقائع التاريخية تؤكد أن المنظمة لم تَحد عن الطريق الصهيوني المعتاد في القيام بدور الأداة لهذه القوة الإمبريالية أو تلك. ولم يكن الأسلوب الانتهازي في التحالف مع الجزار وقفاً على ليحي وحدها، والحقيقة أن موقفها في ذلك لا يزيد عن تعاون هرتزل مع الوزير القيصري بليفيه (المسئول عن المجازر ضد اليهود في روسيا القيصرية)، أو اتفاق جابوتنسكي مع بتليورا الأوكراني المعروف بعدائه لليهود إبان الثورة البلشفية، أو عرض حاييم وايزمان التعاون مع إيطاليا الفاشية في مجال الصناعات الكيماوية مقابل تسهيل مرور اللاجئين اليهود عبر الموانئ الإيطاليـة، أو اتفاق الهعفـراه بين الوكالة اليهوديـة وألمانيا النازية.

شتيرن (منظمة(
Stern
منظمة عسكرية صهيونية أسسها أبراهام شتيرن، وكانت تُسمَّى «ليحي» ثم سُمِّيت باسم مؤسسها بعد مقتله.

المستعربون (المستعرفيم(
Mustarivim
«المستعرفيم» كلمة عبرية تعني «المستعربون» وهي وحدات عسكرية سرية صهيونية كانت تعمل في فلسطين والبلاد العربية المجاورة منذ عام 1942، وكان هدف هذه الوحدات، التي كانت آنئذ جزءاً من البالماخ، الحصول على معلومات وأخبار، والقيام بعمليات اغتيال للعرب من خلال تَسلُّل أفرادها إلى المدن والقرى العربية متخفين كعرب محليين. وكانت وحدات «المستعرفيم» تجنِّد في المقام الأول، من أجل عملياتها السرية، اليهود الذين كانوا في الأصل من البلاد العربية. واعترف شيمون سوميخ، الذي كان قائداً في المستعرفيم خلال السنوات 1942 ـ 1949، بأن الاغتيال كان جزءاً من عمل الوحدات السرية المبكرة.

وقد تم بعث فرق المستعرفيم عام 1988 لمواجهة الانتفاضة وكانت تنقسم إلى قسمين: «الدُّفْدُفان» (الكراز) وقد أسسها إيهود باراك (رئيس حزب العمل ورئيس الأركان السابق)، والأخرى تعمل في غزة واسمها السري «شمشون». وهدف فرق المستعرفيم هو التسلل إلى الأوساط الفلسطينية النشيطة في الضفة والقطاع، والعمل على إبطال نشاطها أو تصفيتها. وعادةً ما يستقل أعضاء هذه الفرق سيارات غير عسكرية تحمل اللوحات الخاصة بالضفة الغربية أو قطاع غزة ويرتدون ملابس مدنية صنعت محلياً أو ألبسة عربية تقليدية. وقد يرتدي الجنود الشعر الاصطناعي والعكازات المزيفة والثياب الفضفاضة لإخفاء الأسلحة (كانت الأزياء التنكرية في بداية الأمر تشمل التنكر كصحافيين أجـانب إلى أن قدَّمت جمعية الصحافة الأجنبـية احتجاجاً رسمياً). وعــادةً ما يجــيد أحـد أعضاء الوحدة الخاصة اللغة العربية. وتقوم وحدات المستعرفيم بالتنسيق والتخطيط مع وحدات أخرى من الجيش ومع جهاز الشين بيت الذي يوفر المعلومات والخلفيات في شأن الضحية المقصودة. ويتم دعم هذه الوحدة من أعلى درجات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

اللـواء اليهـودي
Jewish Brigade
«اللواء اليهودي» وحدة عسكرية يهودية تُسمَّى بالعبرية «هاهايل». شُكِّلت بقرار من الحكومة البريطانية عام 1944 لتقاتل أثناء الحرب العالمية الثانية في صفوف قوات الحلفاء، إلا أن جذورها تعود إلى عام 1939 حينما رأى قادة التجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين أن هناك إمكانية لتحقيق الحلم الصهيوني المتمثل في إقامة الدولة عن طريق مساعدة الحلفاء أثناء الحرب. وقد تطوع في العام نفسه نحو 130.000من المستوطنين اليهود في فلسطين للقتال ضد دول المحور.

وكان لجهود حاييم وايزمان في لندن، وموشى شرتوك (شاريت) في القـدس، دور مهم في إقناع بريطانيا بفكرة تكوين قوة مســلحة يهودية، فسمحت الحكومة البريطانية ليهود فلسطين عام 1940 بالانضمام إلى كتيبة كنت الشرقية، ومن ثم ظهرت 15 سرية يهودية خاصة نُظِّمت بين عامي 1942 و1943 في شكل ثلاث كتائب مشاة ليشـكلوا «الوحدة الفلسـطينية» التي تولت أعمال الحراســة في برقة ومصر. وقد استمرت عملية الضغط على الحكومة البريطــانية لتكوين القوة اليهــودية المســلحة. وفي الولايات المتحدة، تبنت المنظمة الحاخامية قرارات تدعو الرئيس روزفلت لإقناع بريطانيا بتحقيق هذا المطلب. ورداً على الحجة البريطانية بعدم كفاية الأسلحة، اقترح مجلس الطوارئ الصهيوني الأمريكي تسليح القوة اليهودية بأسلحة أمريكية طبقاً لقواعد الإعارة والتأجير.
وبعد تأسيسه، أمضى اللواء اليهودي فترة تدريب في برج العرب القريبة من الإسكندرية في أكتوبر 1944، ثم انضم بعدها إلى الجيش الثامن البريطاني في إيطاليا حيث قاتل ضد قوات المحور. وقد أسهم اللواء اليهودي في تنظيم هجرة يهود أوربا إلى فلسطين. ومع انتهاء الحرب وتصاعُد الصدام بين بريطانيا من ناحية والمنظمات العسكرية الصهيونية من ناحية أخرى، وتشكيل هذه المنظمات لما عُرف باسم «حركة المقاومة العبرية»، بدأ اللواء اليهودي في إصدار نشرة نصف أسبوعية ثم أصدر نشرة أخرى يومية. وقد انتقدت هذه النشرات سياسة الانتداب البريطاني في فلسطين، وهو ما حدا ببريطانيا إلى اتخاذ قرار بحل اللواء اليهودي في صيف عام 1946 وإعادة رجاله إلى فلسطين حيث انضموا إلى التنظيمات العسكرية الصهيونية القائمة آنذاك. وقد ظهر من بين صفوف اللواء اليهودي عدد من القادة العسكريين في إسرائيل مثل مردخاي ماكليف وحاييم لاسكوف.




الباب الثالث: الإرهاب الصهيوني/الإسرائيلي منذ عام 1948


الإرهاب الصهيوني/الإسـرائيلي حتى عام 1967: تاريخ
Israeli-Zionist Terrorism till 1967: History
بعد الإعلان عن قيام إسرائيل في مايو 1948، أسرعت القيادة الصهيونية إلى إطلاق تسمية «جيش الدفاع الإسرائيلي» على جماعة الهاجاناه في 26 مايو وإلى إدماج الجماعات العسكرية الأخرى في الجيش ، مثلما جرى مع منظمة إتسل في أول يونيه من العام نفسه. وإذا كانت جماعات الإرهاب قبل عام 1948 ظلت تحتفظ باستقلالية تنظيمية عن الجيش لحوالي عام في مدينة القدس فقط فإن سياسة النخبة الإسرائيلية الحاكمة كانت تهدف بالأساس إلى ما يمكن تسميته بمركزية الإشراف والتخطيط للعمل العسكري الإرهابي الصهيوني، وذلك بصرف النظر عما حاولت أن تروجه بأن عصراً جديداً قد بدأ وأن سلطة الدولة قد وضعت حداً للممارسات السابقة. ولذا فإن القانون الذي يُسمَّى «قانون منع الإرهاب» الصادر في 20 سبتمبر 1948 لا يعني وضع حد فاصل في تاريخ الإرهاب الصهيوني وإنما وضع حد لحرية الحركة التي يتمتع بها تنظيم شتيرن.

ولقد انقطعت عن الذكر أسماء إتسل وشتيرن وربما باستثناء الهاجاناه التي احتفظ الجيش الإسرائيلي نفسه بتسميتها، وسواء أكان ذلك بهدف ضبط وسيطرة هيكل سياسي عسكري موحد أطلق عليه الصهاينة اسم "الدولة" على النشاط الإرهابي باتفاق وتراضي أجنحة الحركة الصهيونية، أم كان ذلك حلقة في صراع السيطرة بين أجنحة الحركة الصهيونية ومنظماتها العسكرية الإرهابية جاءت نتائجه لصالح العماليين وزعامة بن جوريون (حيث قام أيضاً بحل البالماخ التابعة للمابام في نوفمبر 1948) الذي لم يتورَّع عن اللجوء إلى العنف للضغط على إتسل وشتيرن لتصفية استقلالهما، أم كان الأمر مزيجاً من الاعتبارين السابقين. إلا أن هذا لا يعني، بأية حال، أن الإرهاب الصهيوني قد اختفى. فما حدث هو تحوُّله من إرهاب ميليشيات غير منظمة إلى إرهاب مؤسسي منظم من خلال الجيش الإسرائيلي، إذ أن الحقيقة البنيوية التي تسببت في الإرهاب ظلت قائمة، وهي أن الأرض التي تصور الصهاينة أنها بلا شعب، أثبتت أنها ذات شعب يعي تاريخه وحضارته، ولذا استمر الإرهاب واستمر تصاعد عنفوانه حتى بعد 1948 لإفراغ الأرض التي لا شعب فيها من الشعب الذي "تصادف" وجوده فيها (حسب التصور الصهيوني للقضية).

وقد احتل أبطال العمليات العسكرية الإرهابية الصهيونية قبل عام 1948 أعلى مراكز الجهاز السياسي والعسكري في البلاد، الذي استمر في ممارسة نشاطه الإرهابي والعنصري متكامل الأبعاد (عسكرياً ـ اقتصادياً ـ سياسياً ـ أيديولوجياً ـ دعائياً... إلخ) على جبهتين أساسيتين: الأولى ضد الشعب الفلسطيني بالداخل بهدف طرده خارج أرضه ودفعه بعيداً عن الوطن استمراراً لمهام الاستعمار الاستيطاني الإحلالي. والثانية العمل على بناء هيبة القوة ضد البلدان العربية بل إلى ما يتجاوز المنطقة العربية بالتعاون مع الإمبريالية الأمريكية.

وفي سياق استمرار الإرهاب الصهيوني وتطـوُّره في أعقاب 1948، عملت، وتعمل، المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في الداخل والخارج. وإن لم يمنع ذلك من استحداث فروع خاصة لأغراض إرهابية محددة. مثل إنشاء الوحدة 101 عام 1953 التي عُيِّن أرييل شارون قائداً لها. وقد ظل أمر إنشائها إلى فترة ما من الأمور السرية (فهي تتبع الجيش الإسرائيلي)، وقد أوكل إليها العديد من المذابح ضد اللاجئين الفلسطينيين في مناطق الهدنة مثل مذبحة قبية. وهكذا قد يجري من آن لآخر إنشاء وحدات إرهابية خاصة من رحم الأجهزة الرئيسية التي يدخل ضمن وظائفها ونشاطها العمل الإرهابي مثل الجيش والموساد التي تختص بأعمال الإرهاب خارج إسرائيل والتي من بين أشهر فضائحها قضية لافون عام 1954، حيث قامت شبكة تخريب وتجسس إسرائيلية بتفجير بعض المرافق الأمريكية والبريطانية والمصرية في القاهرة والإسكندرية. وهناك كذلك جهاز الشين بيت الذي يُعَدُّ المخابرات الداخلية في فلسطين المحتلة والمعروف بجرائمه العديدة ضد الشعب الفلسطيني تحت الإحتلال. كما تم إعادة تشكيل فرقة المستعربين الخاصة بالاغتيالات.

وإذا تتبعنا تاريخ النشاط الإرهابي الصهيوني بعد عام 1948 فلن نجد صعوبة في استنتاج أن وقائع هذا النشاط كانت تقع في نطاق المسئولية المباشرة للأجهزة الرسمية الإسرائيلية وما زالت. علاوة على ظاهرة المنظمات الإرهـابية التي بدأ ظهـورها خـلال السبعينيات والثمانينيات. وإن كان ذلك لا ينفي الصلة غير المباشرة والمستترة بين هذه المنظمات والأجهزة الرسمية.

ولمحاولة تتبع أبرز وقائع وسمات الإرهاب الصهيوني بعد عام 1948، يمكننا أن نقسِّم المرحلة إلى ثلاث فترات: الأولى حتى حرب 1967، والثانية حتى منتصف السبعينيات، أما الثالثة فقد شهدت إلى جانب استمرار إرهاب الدولة بروز تنظيمات المستوطنين اليهود.

وتُعَدُّ مذبحة قبية وكفر قاسم نموذجاً جيداً للإرهاب الصهيوني شبه المؤسسي في الفترة التي تلت عام 1948 وحتى 1967. وإذا كان هذا العنوان المكون من مجزرتين فقط ضمن عشرات لا تقل وحشية لا يمكنه أن يفي بالإشارة إلى مجالات الأنشطة الإرهابية الصهيونية الأكثر اتساعاً وتنوعاً، فإنه يضع أيدينا على المجالين الأساسيين والأكثر شـيوعاً في تاريخ الإرهـاب الصهـيوني بعد عام 1948.

وحصر الجرائم الإرهابية الذي نُفِّذت بأيدي القوات الرسمية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة تبدو عملاً جديراً بالجهد رغم صعوبته. وما يستحق التأكيد أن معركة التغيير الديموجرافي لفلسطين المحتلة لجعلها أرضاً بلا شعب لم تتوقف حسب ما يُعتقد بانتهاء حرب 1948 وما نتج عنها من تشريد مليون لاجئ. فقد استمرت إسرائيل في سياسة الاقتلاع الاستعمارية الاستيطانية بوتيرة لم تقل مطلقاً عن عامي 1947 و1948 وعلى الأقل حتى نهاية الستينيات، وإن لم تتوقف هذه السياسة مطلقاً فيما بعد. وفي إطار ذلك جنَّدت إسرائيل إمكاناتها وسلطة قمعها ضد الشعب الفلسطيني بالداخل، وضمن سياسات قانونية واقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية إرهابية عنصرية. وإذا كانت الصورة التاريخية السائدة لضحية الإرهاب الصهيوني في تلك الفترة هي "اللاجئ المشرد"، فإن القتلى والجرحى كانوا كذلك من بين ضحايا هذه السياسة الإرهابية فضلاً عن المعتقلين والمنفيين قسراً. كما يلفت النظر أن منطقة الجليل كانت هدفاً أساسياً للنشاط الإرهابي الصهيوني خلال الخمسينيات والستينيات نظراً لشعور الصهاينة بخطورة استمرار التركز البشري الفلسطيني فيها.

وقد قامت القوات الإسرائيلية بانتهاك الهدنة مع البلدان العربية المجاورة ونفَّذت العديد من الجرائم الإرهابية ضد المدنيين وبينهم لاجئون فلسطينيون آثرت تعقُّبهم لتمارس مرحلة ثانية من الطرد. وإذا كانت الأمم المتحدة قد أحصت اعتداءات إسرائيل المتكررة والتي أسمتها «حوادث الحدود» بين عامي 1948 و1967 بـ 21 ألف اعتداء، فإن القائمة الدموية تشمل العديد من المذابح (انظر: «المذابح الصهيونية بعد عام 1948») التي اشترك في تنفيذها القوات الأساسية في جيش إسرائيل إلى جانب الوحدات العسكرية التي أنشئت خصيصاً لهذه الأغراض (مثل الوحدة 101 وفرق المظليين)، التي نفَّذت عملياتها بناء على قرارات اتخذت على أعلى مستوىات القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية.

وقد يكون من الضروري إعادة التذكير بأن إسرائيل كانت صاحبة السبق في ممارسة ما سُمِّي فيما بعد «أعمال الإرهاب الدولي»، حيث بادرت في ديسمبر عام 1954 إلى اختطاف طائرة مدنية سورية، وأجبرتها على الهبوط في الأراضي المحتلة، وحاولت أن تتخذ من ركابها المدنيين رهينة للمساومة على جنود إسرائيليين وقعوا قيد الأسر لدى سوريا حين تسللوا إلى الأراضي السورية. وقد اعترف موشي شاريت بنفسه أن وزارة الخارجية الإسرائيلية قد أكدت بنفسها أن هذا العمل غير مسبوق في مجال السلوك والأعراف الدولية. وهو نمط من السلوك لم تتورع إسرائيل عن تكراره فيما بعد متضمناً انتهاكاً لسيادة دول قد لا تكون في حالة حرب معها (مثل أوغندا وحادث عنتبي). وليس اللافت للنظر هو إدخال إسرائيل مثل هذه الأساليب والسلوكيات في المنطقة وفي التاريخ العالمي فحسب، بل الاعتراف الإسرائيلي الرسمي بهذه الجرائم الإرهابية الدولية.

وكما قلنا من قبل فإن عنوان كفر قاسم وقبية لا يستوعب جميع مجالات أنشطة الإرهاب الصهيوني بعد عام 1948 وحتى عام 1967. ففي المقابل كان يلزم لتنفيذ الشق الثاني من إستراتيجية الاستعمار الاستيطاني الإحلالي تنشيط حركة الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة وإلى الدولة الجديدة ولو بالإرهاب. ومن الطبيعي أن يسجل لنا التاريخ وقائع عدة وباعترافات القادة الإسرائيليين كان اليهود خلالها هدفاً للإرهاب الصهيوني ولإرهاب الدولة التي تزعم تمثيلهم أو بالأصح تغتصب هذا التمثيل. حيث خطط جهاز الموساد لعديد من عمليات إلقاء القنابل على أماكن التجمع اليهودي والمقدَّسات اليهودية في العراق عامي 1950 و1951، بل كوَّن شبكة إرهابية لهذا الغرض أشرف عليها موردخاي بن بورات بهدف دفع يهود العراق إلى الهجرة إلى فلسطين المحتلة بعد أن أقلقت استجابتهم الضعيفة وغير المرضية القادة الصهاينة إزاء نداءاتها بالهجرة إلى إسرائيل وحتى بعد أن فتحت السلطات العراقية باب الهجرة واسعاً أمام من يشاء منهم.

وجريمة قتل الكونت برنادوت، الوسيط الدولي للأمم المتحدة، في فلسطين بتاريخ 17 أغسطس 1948 تقف مثالاً لنشاط الإرهاب الصهيوني ضد "الأغيار" من غير الفلسطينيين والعرب. فقد تم اغتياله رغم جهوده المعروفة في إنقاذ آلاف اليهود من معسكرات الاعتقال النازية عندما كان رئيساً لمنظمة الصليب الأحمر الدولي خلال الحرب العالمية الثانية. كما تشهد بالمسئولية الجماعية للقادة الإسرائيليين على اختلاف انتماءاتهم الحزبية. وفي هذا الصدد اعترف بن جوريون نفسه فيما بعد بأنه كان على علم تام بهوية الجناة وأنه آثر تسهيل فرارهم دون أي عقاب.

إلا أن تاريخ الاستيطان الصهيوني حافل بصفحات طواها النسيان لممارسة الإرهاب ضد الأغيار من غير العرب والفلسطينيين من بينها ممارسة الإرهاب المتكرر ضد سفارات ومصالح الدول الاشتراكية.

وفي الوقت نفسه تقريباً نُظِّمت سلسلة من الأعمال الإرهابية لم يجر حتى الآن الكشف عن الجهة الصهيونية المسئولة مباشرةً عن تدبيرها. وجرت هذه الأعمال تحت حملة دعائية صهيونية تروج لفكرة الانتقام من المواطنين الألمان الأبرياء. وفي وقت لاحق نظَّمت جماعة صهيونية معارضة لمفاوضات التعويض مع ألمانيا الغربية بعض العمليات الإرهابية من بينها إرسال طرود ناسفة إلى المستشار الألماني أديناور وإلى أعضاء بعثة التعويضات الألمانية في هولندا، وتفجير سيارة مفخخة بجوار مجلس النواب الألماني (البوند ستاج).

وإذا كان من الضروري إعادة تأكيد طابع الإرهاب الرسمي الغالب في أعقاب 1948، والموجه تحديداً نحو الفلسطينيين والعرب، فإن من الواجب أيضاً رصد مجموعة من الوقائع التي تبدو هامشية إلا أنها تكتسب دلالة بالنسبة لطبيعة التجمُّع الصهيوني في فلسطين. فقد شهدت بدايات العقد الخامس عدة جماعات محدودة العضوية مارست العنف واعتمدته كلغة بين جماعات هذا التجمُّع الصهيوني. وتعود هذه الجماعات، التي لم تحظ باستمرارية أو نفوذ واضحين، إلى مصدرين رئيسيين: الأول بعض أعضاء جماعتي إتسل وشتيرن الذين لم يتقبلوا قسمة السلطة التي أسفر عنها عام 1948 فوجهوا نشاطهم ضد قادتهم حين أقدم بعض أعضاء شتيرن على تعقب قادتهم الذين انصاعوا لأوامر سلطة بن جوريون فقاموا بحرق منازلهم. والثاني بعض الجماعات اليهودية الأرثوذكسية التي رفضت مظاهر العلمنة في التجمُّع الصهيوني. وكان أبرزها عصابة "الغيورين" أو "المعسكر" التي تأسَّست عام 1950 في القدس. وفي إطار سعيها لفرض ما تراه التعاليم الصحيحة لليهودية أحرقت سيارات من أقدموا على انتهاك حُرمة يوم السبت ومحلات اللحوم التي لا تلتزم الشريعة اليهودية في إجراءات الذبح. إلا أن أشهر أعمالها كان التخطيط لإلقاء قنبلة على الكنيست أثناء مناقشة قرار تجنيد الفتيات المتدينات في الجيش. ومقابل ذلك وقعت عملية ضد المتدينين حين دمرت عبوة ناسفة منزل ديفيد تسفي بنكيس وزير المواصلات احتجاجاً على عزمه تقييد الحركة يوم السبت وذلك في يونيه 1952.

وعلى أية حال فإن السلطات الإسرائيلية كان يسهل عليها تدارك الموقف، ففضلاً عن تصعيد التوتر بين المستوطن الصهيوني من جهة والشعب الفلسطيني والشعوب العربية عامة من جهة أخرى وحشد متناقضات تجمُّعها الصهيوني في مواجهة ذلك، كان من السهل عليها بث عملائها داخل هذه الحركات وتفريغها وضربها في الوقت المناسب.

وإذا كان هناك ثمة مفارقة في أن دوف شيلانسكي، الذي دبَّر عام 1952 محاولة نسف وزارة الخارجية الإسرائيلية وحُكم عليه بالسجن 21 شهراً لمحاولته، قد شغل مقعداً عن الليكود في الكنيست فيما بعد، فإن تلك المفارقة مشحونة بدلائل مهمة تكشف أن التناقضات بين مكونات التجمُّع الصهيوني، مهما بلغت ضراوتها وعنفها، لا تحول مطلقاً دون عملية الاندماج المستمر في إطار نظام لا تشكل لديه مثل هذه السوابق أو السلوكيات أمراً يستلزم استبعاد مرتكبها من بين صفوف نخبته.

المذابح الصهيونية/الإسرائيلية حتى عام 1967
Israeli-Zionist Massacres till 1967
من أهم المذابح التي ارتكبها المستوطنون الصهاينة بين عامي 1948 و1967 ما يلي:

مذبحة الدوايمة (29 أكتوبر 1948): هاجمت الكتيبة 89 التابعة لمنظمة ليحي وبقيادة موشيه ديان قرية الدوايمة الواقعة غرب مدينة الخليل. ففي منتصف الليل حاصرت المصفحات الصهيونية القرية من الجهات كافة عدا الجانب الشرقي لدفع سكانها إلى مغادرة القرية إذ تشبثوا بالبقاء فيها رغم خطورة الأوضاع في أعقاب تداعي الموقف الدفاعي للعرب في المنطقة.

وقام المستوطنون الصهاينة بتفتيش المنازل واحداً واحداً وقتلوا كل من وجدوه بها رجلاً أو امرأة أو طفلاً، كما نسفوا منزل مختار القرية. إلا أن أكثر الوقائع فظاعة كان قتل 75 شيخاً مسناً لجأوا إلى مسجد القرية في صباح اليوم التالي وإبادة 35 عائلة فلسطينية كانت في إحدى المغارات تم حصدهم بنيران المدافع الرشاشة. وبينما تسلل بعض الأهـالي لمنازلهـم ثانية للنزول بالطعـام والملابس جرى اصطيادهم وإبادتهم ونسف عدد من البيوت بمن فيها.

وقد حرص الصهاينة على جمع الجثث وإلقائها في بئر القرية لإخفاء بشاعة المجزرة التي لم يتم الكشف عن تفاصيل وقائعها إلا عندما نشرت صحيفة حداشوت الإسرائيلية تحقيقاً عنها. ويُلاحَظ أن الصهاينة أقاموا على أرض القرية المنكوبة مستعمرة أماتزياه.

مذبحة يازور (ديسمبر 1948): كثَّف الصهاينة اعتداءاتهم المتكررة على قرية يازور الواقعة بمدخل مدينة يافا. إذ تكرر إطلاق حراس القوافل الإسرائيلية على طريق القدس/تل أبيب للنيران وإلقائهم القنابل على القرية وسكانها. وعندما اصطدمت سيارة حراسة تقل سبعة من الصهاينة بلغم قرب يازور لقي ركابها مصرعهم وجَّه ضابط عمليات منظمة الهاجاناه ييجال يادين أمراً لقائد البالماخ ييجال آلون بالقيام بعملية عسكرية ضد القرية وبأسرع وقت وفي صورة إزعاج مستمر للقرية تتضمن نسف وإحراق المنازل واغتيال سكانها. وبناءً عليه نظمت وحدات البالماخ ولواء جبعاتي مجموعة عمليات إرهابية ضد منازل وحافلات يستقلها فلسطينيون عُزَّل. وتوجت العصابات الصهيونية نشاطها الإرهابي في 22 يناير 1949، أي بعد 30 يوماً من انفجار اللغم في الدورية الإسرائيلية، فتولى إسحق رابين (وكان آنذاك ضابط عمليات البالماخ) قيادة هجوم مفاجئ وشامل على القرية عند الفجر، ونسفت القوات المهاجمة العديد من المنازل والمباني في القرية وبينها مصنع للثلج. وأسفر هذا الاعتداء عن مقتل 15 فلسطينياً من سكان القرية لقي معظمهم حتفه وهم في فراش النوم.

وتكمن أهمية ذكر مذبحة يازور في أن العديد من الشخصيات "المعتدلة" بين أعضاء النخبة الحاكمة في إسرائيل اشتركوا في هذه الجريمة. كما أن توقيت تنفيذ المذبحة يأتي عقب قيام الدولة. ولم يُكشف عن تفاصيل هذه المذبحة إلا عام 1981.

مذبحة شرفات (7 فبراير 1951): في الثالثة من صبيحة يوم 7 فبراير عام 1951 وصلت ثلاث سيارات من القدس المحتلة إلى نقطة تبعد ثلاثة كيلو مترات ونصف عن خط السكة الحديدية جنوب غرب المدينة وتوقفت حيث ترجل منها نحو ثلاثين جندياً واجتازوا خط الهدنة وتسلقوا المرتفع باتجاه قرية شرفات الواقعة في الضفة الغربية والمطلة على القدس بمسافة تبعد نحو خمسة كيلو مترات.

وقطع هؤلاء الجنود الأسلاك الشائكة المحيطة بالمدينة وأحاطوا ببيت مختار القرية، ووضعوا عبوات ناسفة في جدرانه وجدران البيت المحاذي له، ونسفوهما على من فيهما، وانسحبوا تحت حماية نيران زملائهم التي انصبت بغزارة على القرية وأهلها. وأسفرت هذه المذبحة عن سقوط عشرة من القتلى: شـيخين وثلاث نسـاء وخمسة أطفال، كما أسفرت عن وقوع ثمانية جرحى جميعهم من النساء والأطفال.

مذبحة بيت لحم (26 يناير 1952): في ليلة ذكرى ميلاد السيد المسيح عليه السلام لدى الطوائف المسيحية الشرقية، 26 يناير 1952، قامت دورية إسرائيلية بنسف منزل قريب من قرية بيت جالا على بُعد كيلو مترين من مدينة بيت لحم وأدى ذلك إلى استشهاد رب المنزل وزوجته.

وفي الوقت نفسه اقتربت دورية أخرى من منزل آخر، على بُعد كيلو متر واحد شمالي بيت لحم قريباً من دير الروم الأرثوذكسي في مار إلياس، وأطلقت هذه الدورية النار على المنزل وقذفته بالقنابل اليدوية فقُتل صاحبه وزوجته وطفلان من أطفالهما وجُرح طفلان آخران.

ودخلت دورية ثالثة في الليلة نفسها الأرض المنزوعة من السلاح في قطاع اللطرون، واجتازت ثلاثة كيلو مترات إلى أن أصبحت على بُعد خمسمائة متر من قرية عمواس فأمطرتها بنيران غريرة.

مذبحة قرية فلمة (29 يناير 1953): هاجمت سرية معززة قوتها بين 120 إلى 130 جندياً قرية فلمة العربية الواقعة في الضفة الغربية، ودكت القرية بمدافع الهاون حيث هدمت بعض بيوتها وخلفت تسعة شهداء بين العرب فضلاً عن أكثر من عشرين جريحاً.

مذبحة مخيم البريج (28 أغسطس 1953): هاجمت قوات الجيش الإسرائيلي مخيم البريج الفلسطيني في قطاع غزة حيث قتلت 20 شهيداً وجُرح 62 آخرون.

مذبحة قلقيلية (10 أكتوبر1953 (انظر: «مذبحة قلقيلية«

مذبحة قبية (15 أكتوبر 1953) انظر»: مذبحة قبية«

مذبحة مخالين (29 مارس 1954): قامت قوة من الجيش الإسرائيلي مؤلفة من 300 جندي باجتياز خط الهدنة وتوغلت في أراضي الضفة الغربية مسافة أربعة كيلو مترات حتى وصلت إلى قرية مخالين بالقرب من بيت لحم، حيث ألقت كمية من القنابل على تجمعات السكان وبثت الألغام في بيوت القرية وفي المسجد الجامع. وأسفرت هذه المذبحة عن استشهاد أحد عشر عربياً وجُرح أربعة عشر آخرون.

مذبحة دير أيوب (2 نوفمبر 1954): في الساعة العاشرة من صباح ذلك اليوم خرج ثلاثة أطفال من قرية يالو الغربية لجمع الحطب، تراوحت أعمارهم بين الثامنة والثانية عشرة، وعند وصولهم إلى نقطة قريبة من دير أيوب على بُعد نحو أربعمائة متر من خط الهدنة فاجأهم بعض الجنود الإسرائيليين فولت طفلة منهم هاربة فأطلق الجنود النار عليها وأصابوها في فخذها، لكنها ظلت تجري إلى أن وصلت إلى قريتها وأخبرت أهلها.

أسرع أهل الطفلين المتبقين إلى المكان المذكور فشاهدوا نحو اثنى عشر جندياً إسرائيلياً يسوقون أمامهم الطفلين باتجاه بطن الوادي في الجنوب حيث أوقفوهما وأطلقوا عليهما النار ثم اختفوا وراء خط الهدنة. وقد توفي أحد الطفلين لتوه، بينما ماتت الطفلة الأخرى صبيحة اليوم التالي في المستشفى الذي نُقلت إليه.

مذبحة غزة الأولى (2 فبراير1955) انظر: «مذبحة غزة«.

مذبحة غزة الثانية (4 و5 أبريل1956) قصفت مدافع الجيش الإسرائيلي مدينة غزة، حيث استشهد 56 عربياً وجُرح 103 آخرون.

مذبحة خان يونس الأولى (30 مايو 1955) والثانية (1 سبتمبر 1955): وقعت بهذه المدينة مذبحتان في عام واحد، حيث شن الصهاينة عليها غارتين وقعت أولاهما في فجر يوم 30 من شهر مايو، وثانيتهما في الثانية من بعد منتصف ليلة الفاتح من سبتمبر في عام 1955. وراح ضحية العدوان الأول عشرون شهيداً وجرح عشرون آخرون. أما العدوان الثاني فشاركت فيه توليفة من الأسلحة شملت سلاح المدفعية والدبابات والمجنزرات المصفحة ووحدات مشاة وهندسة. وكانت حصيلة هذه المذبحة الثانية استشهاد ستة وأربعين عربياً وجرح خمسين آخرين.

مذبحة الرهوة (11ـ12 سبتمبر 1956): قامت قوات الاحتلال الصهيوني في اليومين بمهاجمة مركز شرطة ومدرسة في قرية الرهوة حيث تم قتل خمسة عشر شهيداً عربياً ونُسفت المدرسة.

مذبحة كفر قاسم (29 أكتوبر 1956) انظر: «مذبحة كفر قاسم«

مذبحة خان يونس الثالثة (3 نوفمبر1956) وقعت المذبحة أثناء احتلال الجيش الصهيوني بلدة خان يونس حيث تم فتح النار على سكان البلد، ومخيم اللاجئين المجاور لها حيث كان عدد الشهداء المدنيين من القرية والمخيم معاً 275 شهيداً.

مذبحة السموع (13 نوفمبر 1966): شنت قوات المظليين الإسرائيلية هجوماً على قرية السموع في منطقة جبال الخليل. وقد خطط للعملية روفائيل إيتان واشترك في تنفيذها لواء دبابات ولواء مشاة تعززهما المدفعية وسلاح الجو الإسرائيلي.

بعد قصف القرية التي كانت خاضعة للإدارة الأردنية تسللت القوات الإسرائيلية إليها ونسفت 125 منزلاً وبناية بينها المدرسة والعيادة الطبية والمسجد، وذلك رغم المقاومة الباسلة التي أبداها سكان القرية والحامية الأردنية صغيرة العدد.

وقد أدان مجلس الأمن الدولي بقرار رقم 288 في ديسمبر من نفس العام المذبحة الإسرائيلية، ورفض تذرُّع إسرائيل الواهي بانفجار لغمين في أكتوبر 1966 جنوبي الخليل كمبرر للعدوان.

أدَّت المذبحة إلى قتل 18 وجرح 130 جميعهم من المدنيين بينهم نساء وأطفال وشيوخ. وتُعَد المذبحة نموذجاً للإرهاب المؤسسي المنظم الذي تمارسه الدولة الصيهونية.

مذبحة قلقيلية (10 أكتوبر 1953(
Qalqilya Massacre
حرص أهل قلقيلية على جمع المال وشراء أسلحة وذخيرة للجهاد ضد الصهاينة، ولم تنقطع الاشتباكات بينهم وبين عدوهم. ولم يكتم الإسرائيليون غضبهم من فشلهم في كسر شوكة سكان القرية، حتى أن موشيه ديان قال في اجتماع له على الحـدود إثر اشـتباك في يونيه 1953: "سأحرث قلقيلية حرثاً".

وفي الساعة التاسعة من مساء العاشر من أكتوبر عام 1953 تسللت إلى قلقيلية مفرزة من الجيش الإسرائيلي تقدَّر بكتيبة مشاه وكتيبة مدرعات تساندهما كتيبتا مدفعية ميدان ونحو عشر طائرات مقاتلة، فقطعت أسلاك الهاتف ولغمت بعض الطرق في الوقت الذي احتشدت فيه قوة كبيرة في المستعمرات القريبة تحركت في الساعة العاشرة من مساء اليوم نفسه وهاجمت قلقيلية من ثلاثة اتجاهات مع تركيز الجهد الأساسي بقوة كتيبة المدرعات على مركز الشرطة فيها. لكن الحرس الوطني تصدى بالتعاون مع سكان القرية لهذا الهجوم وصمدوا بقوة وهو ما أدَّى إلى إحباطه وتراجُع المدرعات. وبعد ساعة عاود المعتدون الهجوم بكتيبة المشاه تحت حماية المدرعات بعد أن مهدوا للهجوم بنيران المدفعية الميدانية، وفشل هذا الهجوم أيضاً وتراجع العدو بعد أن تكبد بعض الخسائر.

شعر سكان القرية أن هدف العدوان هو مركز الشرطة فزادوا قوتهم فيه وحشدوا عدداً كبيراً من الأهالي المدافعين هناك. ولكنهم تكبدوا خسائر كبيرة عندما عاودت المدفعية القصف واشتركت الطائرات في قصف القرية ومركز الشرطة بالقنابل. وفي الوقت نفسه هاجم العدو الإسرائيلي مرة ثالثة بقوة وتمكَّن من احتلال مركز الشرطة ثم تابع تقدُّمه عبر الشوارع مطلقاً النار على المنازل وعلى كل من يصادفه. وقد استُشهد قرابة سبعين من السكان ومن أهل القرى المجاورة الذين هبوا للنجدة، هذا فضلاً عن الخسائر المادية الكبيرة.

وكانت وحدة من الجيش الأردني متمركزة في منطقة قريبة من قلقيلية فتحركت للمساعدة في التصدي للعدوان غير أنها اصطدمت بالألغام التي زرعها الصهاينة فتكبدت بعض الخسائر، وقد قصفت المدفعية الأردنية العدو وكبدته بعض الخسائر، ثم انسحب الإسرائيليون بعد أن عاثوا بالقرية فساداً وتدميراً.

مذبحة قبية (15 أكتوبر 1953(
Kibya Massacre
في منتصف شهر أكتوبر عام 1953 أغار جنود الفرقة 101 التابعة للجيش الإسرائيلي بقيادة أرييل شارون على القرية التي تقع شمال مدينة القدس في المنطقة الحدودية تحت إدارة الأردن. وطوَّق 600 جندي إسرائيلي القرية تماماً وقصفوها بصورة مركَّزة ودون تمييز، ثم دخلت قوة منهم إليها وهي تطلق النار عشوائياً بعد أن تمكنت من التخلص من المقاومة التي أبدتها قوة الحرس الوطني المحدودة في القرية. وبينما كان يجري حصد المدنيين العُزَّل بالرصاص قامت عناصر أخرى بتلغيم العديد من منازل الفلسطينيين وتدميرها على من فيها.

وقد تذرعت إسرائيل في البداية بأن الهجوم يأتي انتقاماً لمقتل امرأة يهودية وطفلها. كما مارست الخداع بادعائها أن مرتكبي المذبحة هم من المستوطنين الصهاينة وليسوا قوات نظامية. إلا أن مجلس الأمن الذي أدان الجرم الصهيوني قد اعتبره عملاً تم تدبيره منذ زمن طويل، وهو الأمر الذي أيدته اعترافات بعض القيادات الصهيونية/الإسرائيلية فيما بعد.

وأسفرت المذبحة عن سقوط 69 قتيلاً بينهم نساء وأطفال وشيوخ ، ونسف 41 منزلاً ومسجد وخزان مياه القرية في حين أُبيدت أُسر بكاملها مثل عائلة عبد المنعم قادوس المكونة من 12 فرداً.

وتُعَد مذبحة قبية علامة شهيرة في انتهاك إسرائيل للقانون والأعراف الدولية فضلاً عن حقوق الإنسان، ونموذجاً سافراً لسياستها الهادفة إلى مطاردة الشعب الفلسطيني واقتلاعه بتفريغ مناطق الهدنة عام 1948. وقد قام فدائيان عربيان يوم 25 نوفمبر 1987 (في الذكرى الحادية والثلاثين لمذبحة قبية) بعملية فدائية سمياها «عملية قبية». وقد استُشهد الفدائيان بعد أن قتل أحدهما ستة إسرائيلين.

مذبحة غزة الأولى (28 فبراير 1955)
First Gaza Massacre
بسبب طبيعة إسرائيل كدولة وظيفية حرص الاستعمار على استغلال وجودها لتصفية العداء المصري لسلسلة الأحلاف الاستعمارية ومنها حلف بغداد الذي كان يتزعم الدعوة إليه وتنفيذه نوري السعيد رئيس الوزراء العراقي آنذاك. ومع وضوح الموقف المصري صعَّدت إسرائيل موقفها العدواني تجاه مصر وعمدت إلى تنفيذ مذبحة في قطاع غزة الذي كانت الإدارة المصرية تشرف عليه.

وبدايةً حاولت إدارة الصهاينة توجيه تهديد صريح لمصر بإمكان استعمالها سياسة القوة لتأديب الثورة المصرية وردعها. ومن ثم، ففي الوقت الذي كان فيه صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة المصري يجتمع مع نوري السعيد رئيس وزراء العراق في 14 من أغسطس 1954 لإقناعه بالعدول عن ربط العراق بالأحلاف الاستعمارية ودعوته إلى توقيع معاهدة دفاع مشترك مع مصر، كانت قوة من الجيش الإسرائيلي تتسلل عبر خط الهدنة وتتوغل نحو ثلاثة كيلو مترات داخل حدود قطاع غزة حتى وصلت إلى محطة المياه التي تزود سكان غزة بالماء، فقتلت الفني المشرف على المحطة وبثت الألغام في مبنى المحطة وآلات الضخ.

ومع رفض الإدارة المصرية هذه التهديدات ومع استمرارها في الاتجاه الذي اختارته لنفسها، قامت قوات الصهاينة بتنفيذ مذبحة حقيقية في القطاع.

ففي الساعة الثامنة والنصف من مساء 28 فبراير عام 1955 اجتازت عدة فصائل من القوات الإسرائيلية خط الهدنة، وتقدمت داخل قطاع غزة إلى مسافة تزيد عن ثلاثة كيلو مترات، ثم بدأ كل فصيل من هذه القوات يُنفذ المهمة الموكولة إليه. فاتجه فصيل لمداهمة محطة المياه ونسفها، ثم توجَّه إلى بيت مدير محطة سكة حديد غزة، واستعد فصيل آخر لمهاجـمة المواقع المصرية بالرشاشـات ومـدافع الهاون والقنابل اليدوية، ورابط فصيل ثالث في الطريق لبث الألغام فيه ومنع وصول النجدة. ونجح المخطط إلى حدٍّ كبير.

وانفجرت محطة المياه، ورافق ذلك الانفجار انهمار الرصاص الإسرائيلي على معسكر الجيش المصري القريب من المحطة. وطلب قائد المعسكر النجدة من أقرب موقع عسكري فأسرعت السيارات الناقلة للجنود لتلبية النداء لكنها وقعت في الكمين الذي أعده الإسرائيليون في الطريق وارتفع إجمالي عدد ضحايا هذه المذبحة 39 قتيلاً و33 جريحاً.

مذبحة كفر قاسم (29 أكتوبر 1956(
Kafr Kassem Massacre
في 29 أكتوبر 1956 وعشية العدوان الثلاثي على مصر تولت قوة حرس حدود تابعة للجيش الإسرائيلي تنفيذ حظر التجول على المنطقة التي تقع بها قرية كفر قاسم في المثلث على الحدود مع الأردن. وقد تلقَّى قائد القوة، ويُدعى الرائد شموئيل ملنيكي، الأوامر بتقديم موعد حظر التجول في المنطقة إلى الساعة الخامسة مساءً وهو الأمر الذي كان يستحيل أن يعلم به مواطنو القرية، وبخاصة أولئك الذين يعملون خارجها، وهو ما نبه إليه مختار القرية قائد القوة الإسرائيلية. كما تلقَّى ملنيكي توجيهات واضحة من العقيد شدمي بقتل العائدين إلى القرية دون علم بتقديم ساعة حظر التجول. "من الأفضل أن يكون هناك قتلى.. لا نريد اعتقالات.. دعنا من العواطف..".

وكان أول الضحايا أربعة عمال حيوا الجنود الإسرائيليين بكلمة "شالوم" فردوا إليهم التحية بحصد ثلاثة منهم بينما نجا الفلسطيني الرابع حين توهموا أنه لقى مصرعه هو الآخر. كما قتلوا 12 امرأة كن عائدات من جمع الزيتون وذلك بعد أن استشار الملازم جبرائيل دهان القيادة باللاسلكي. وعلى مدى ساعة ونصف سقط 49 قتيلاً و13 جريحاً هم ضحايا مذبحة كفر قاسم. ويُلاحَظ أن الجنود الإسرائيليين سلبوا الضحايا نقودهم وساعات اليد.

وقد التزمت السلطات الإسرائيلية الصمت إزاء المذبحة لمدة أسبوعين كاملين إلى أن اضطرت إلى إصدار بيان من مكتب رئيس الوزراء عقب تسرُّب أنبائها إلى الصحف ووسائل الإعلام. وللتغطية على الجريمة أجرت محاكمة لثلاثة عشر متهماً على رأسهم العقيد شدمي. وأسفرت المحاكمة عن تبرئة شدمي حيث شهد لصالحه موشي ديان وحاييم هيرتزوج، بينما عوقب ملنيكي بالسجن 17 عاماً وعوقب دهان وشالوم عوفر بالسجن 15 عاماً في حين حُكم على خمسة آخرين بأحكام تصل إلى سبع سنوات. وحظي الباقون بالبراءة.

وإذا كانت محاكمة المتهمين الصهاينة قد بدأت بعد عامين كاملين من المذبحة، فإنه قبل عام 1960 كانوا جميعاً خارج السجن يتمتعون بالحرية، حيث أصدر إسحق بن تسفي رئيس الدولة عفواً عنهم. والطريف أن الملازم دهان قد سارع بالرحيل إلى فرنسا معلناً سخطه على التمييز بين اليهود السفارد والإشكناز في الأحكام القضائية التي صدرت على مرتكبي مذبحة كفر قاسم.

وتُعَد مذبحة كفر قاسم مثالاً على إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل تجاه الفلسطينيين وبتدبير وتواطؤ مختلف سلطاتها. كما يُعَد كل من بن جوريون رئيس الوزراء ووزير الدفاع وموشيه ديان رئيس أركان الجيش وشيمون بيريس نائب وزير الدفاع المسئولين الأساسيين عن المذبحة ورغم ذلك لم يحاكمهم القضاء الصهيوني.

الإرهاب الصهيوني/الإسـرائيلي منذ عام 1967حتى الثمانينيات: تاريخ
Israeli-Zionist Terrorism from 1967 till the Eighties: History
كان من الطبيعي أن تنشط آلة الإرهاب الصهيوني مع عدوان 1967 وبعده، الذي أسفر عن ضم المزيد من الأراضي المحتلة (الضفة الغربية وغزة والقطاع الشرقي من القدس) وهي ذات تركيب سكاني عربي خالص.

ولتمهيد الطريق أمام الاستيطان الإحلالي في الضفة الغربية وقطاع غزة اختار المخطط الإسرائيلي بعناية نمط القتل الجماعي/ المذبحة بوصفه أكثر أنواع الإرهاب دموية وأوضحها فجاجة. ولذا فإن الأيام والأسابيع القليلة التي تلت دخول القوات الإسرائيلية إلى الضفة وغزة في 5 يونيه 1967 شهدت سلسلة من عمليات القتل الجماعي للمدنيين دون تمييز. كما لابد وأن يذكر مئات الأسرى والجرحى المصريين الذين تم قتلهم ودفنهم فى مقابر جماعية. وسجل مراقبو الأمم المتحدة وهيئة غوث اللاجئين التابعة لها في تقارير عديدة جانباً من هذا السلوك الإرهابي الفج الذي لم يَسلْم منه حتى اللاجئون الفلسطينيون الذين أخذوا في الفرار عَبْر معبر اللنبي/الملك حسين على نهر الأردن. وفيما بعد جرى اكتشـاف العـديد من القـبور الجماعية في قطاع غزة والضفة الغربية.

واقترنت ممارسات القتل الجماعي/المذابح بإزالة قرى وأحياء بكاملها وطَرْد سكانها الفلسطينيين وتشريدهم بدعوى شق الطرق الأمنية للقوات الغازية. وعلى ذلك فإن المذبحة والطَرْد الجماعي وهَدْم الديار هو أول ما واجه به جيش الاحتلال الصهيوني الفلسطينيين في الضفة وغزة في إطار السعي لتحطيم معنويات شعب بأسره ودفعه لتقبُّل الهزيمة والإعداد لاقتلاعه من الوطن.

وخلال السنوات العشرين الفاصلة بين يونيه 1967 والانتفاضة في 1987 طوَّرت سلطات الاحتلال آليات ممارسة إرهاب الدولة المنظم منتهكة كل بنود الاتفاقات الدولية الخارجية بمعاملة السكان المدنيين تحت الاحتلال. ولذا فإن المقارنة ظلت حاضرة وبقوة بين ممارسات الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي والممارسات المنسوبة للاحتلال النازي الألماني.

ويبرز بين هذه الآليات الإرهابية الاستخدام الواسع والمكثَّف لأساليب العقاب الجماعي من حظر للتجوال وفرض الحصار الأمني (الإغلاق) وهدم البيوت وغيرها. وعلى سبيل المثال فإن الفترة بين يونيه 1967 ويونيه 1980 شهدت قيام قوات الاحتلال بهدم 1259 بيتاً فلسطينياً. ولقد خص مدينة القدس العربية اهتمام خاص في سياسة هدم المنازل (525 بيتاً فلسطينياً خلال الفترة المشار إليها)، وهو الأمر الذي يمكن تفسيره بمركزية القدس في المشروع الاستيطاني الإحلالي الصهيوني.

وتاريخ الأراضي المحتلة عقب 1967 هو سجل يومي لشتى ممارسات الإرهاب التي تعتبر ثمرة تراث سلطة احتلال استيطاني، بدءاً من إطلاق النار على المتظاهرين وسقوط القتلى والجرحى وضمنهم الأطفال والنساء، والاعتداء على السياسيين والمثقفين وترحيلهم خارج البـلاد. وفرض أوامر الإقامـة الجبرية والاعتقال والتعذيب بمختلف أنواعه.

ولقد لجأت سلطة الاحتلال الإسرائيلي إلى قوانين الطوارئ البريطانية الصادرة عام 1945 وكذلك إلى قانون الأحكام العرفية المشدد (العسكرية) الذي فرضه الاستعمار البريطاني لقمع الثورة الفلسطينية (عام 1936). ويجيز هذا القانون العسكري سيء السمعة الاعتقال التعسفي بكل أشكاله. وبعد نحو ثلاث سنوات من احتلال الضفة وغزة لجأت إسرائيل إلى إصدار الأمر العسكري رقم (378) الذي يمنح سلطات الاحتلال صلاحيات أوسع في ممارسة الاعتقالات، وأصبح أي مواطن فلسطيني معرَّضاً للاعتقال في أي مكان وأي وقت بدون أسباب وبدون إذن قضائي. كما بات مسكن أي فلسطيني بالضفة وغزة عرضة للتفتيش دون سبب ودون إذن مسبق. ومما يلفت النظر أن سلطات الاحتلال عادت وأدخلت 46 تعديلاً على هذا الأمر لسد الثغرة تلو الأخرى التي تتيح حماية ضحايا الاعتقال. وتذهب بعض التقديرات إلى أن واحداً من بين خمسة فلسطينيين قد تعرَّض للاعتقال أو السجن في الفترة الواقعة بين عامي 1967 ـ 1987. وهو الأمر الذي يعكس ضراوة الصراع بين سـلطة الاحتـلال الاستيطاني ومقاومة الفلسطينيين له.

ويقترن الاعتقال بممارسة التعذيب على نطاق واسع في المعتقلات والسجون الإسرائيلية. ولما كانت منظمات حقوق الإنسان الدولية قد بدأت مع الثمانينيات تنتبه إلى أن تعذيب الفلسطينيين يشكل ركناً لا يتجزأ من سياسات الاحتلال الإسرائيلي، وضمنه نظامه القانوني العنصري التمييزي، فقد كلفت الحكومة الإسرائيلية في عام 1987 مائير شامجر رئيس المحكمة العليا بتعيين لجنة قضائية للتحقيق في ممارسات التعذيب التي يقوم بها جهاز الأمن الداخلي المسمى «شين بيت». وكان من الواضح أن قرار الحكومة الإسرائيلية يحصر نطاق التحقيق في جهاز واحد (الشين بيت) ، متجاهلاً عن عمد الممارسات اليومية الواسعة لجنود جيش الاحتلال بصفة عامة. وجاءت أبلغ المفارقات دلالة في أن شامجر نفسه كان أحد الإرهابيين الذين طردتهم سلطات الانتداب البريطاني خارج فلسطين عام 1944 لتورطه في أنشطة إرهابية كما عمل فيما بعد مستشاراً قانونياً لوزارة الدفاع الإسرائيلية في غضون حوادث 1967. ومن جانبه فإن شامجر قام بتعيين الماجور جنرال إسحق هوفي بين أعضاء اللجنة الثلاثية المكلفة بالتحقيق. وهوفي هو الآخر كان من بين إرهابيي البالماخ وكان قائد وحدة بالجيش الإسرائيلي جرى تكليفها بأعمال انتقامية إرهابية في سيناء خلال حرب 1956 وفيما بعد تولَّى رئاسة جهاز الموساد بين عامي 1974 و1982.

وبالطبع فإن اللجنة الإسرائيلية انتهت إلى محاولة إضفاء الشرعية على انتزاع الاعترافات من المعتقلين الفلسطينيين تحت وطأة التعذيب بدعوى "اعتبارات أمن إسرائيل". ونتائج لجنة التحقيق الإسرائيلي وتُدعَى «لجنة لاندو» تعترف ضمناً بأن التعذيب ركن أساسي في النظام القانوني العنصري الإسرائيلي، لكن فلسفة ممارسة التعذيب استناداً إلى آلاف الوقائع الواردة في تقارير المنظمات الدولية تتجاوز هدف انتزاع الاعترافات بالإكراه إلى غلبة إشاعة "أجواء الرعب" بين أبناء الشعب الفلسطيني بأسره. واستخدام التعذيب كأداة انتقامية ضد كل أشكال المقاومة وإثبات رموز الوجود الوطني.

وعلى مستوى نشاط آلة الإرهاب الصهيوني ضد العرب في البلدان المجاورة، شهدت مرحلة ما بعد 1967 طفرة جديدة تتناسب مع ما استشـعرته النخبـة الصهيونيـة من تفوُّق عسـكري وبخاصة في مجال الجو. فاتسع حيز ممارستها جغرافياً، وانتقل تركيز نشاطها الإرهابي من الأردن إلى لبنان. فقد صعَّدت حجم اعتداءاتها على المحيط العربي المجاور لفلسطين، حتى لو بدا في حالة استسلام تام لواقع وجودها وسيطرتها. ولقد سقط مئات الضحايا من المدنيين العُزَّل نتيجة الاعتداءات الإرهابية الصهيونية. ويكفي التذكير بضحايا مدرسة بحر البقر للأطفال في دلتا النيل بمصر، وعمال مصانع أبي زعبل بجوار القاهرة وذلك خلال عام 1970، وضرب 15 قرية ومخيماً للاجئين على امتداد نهر الأردن بقنابل النابالم في فبراير 1968. أما لبنان فيصعب على المرء انتقاء حادث دون آخر من سلسلة حافلة من الأعمال الإرهابية بلغت ذروتها بغزو البلاد عام 1982، واستخدام الأسلحة المحرَّمة دولياً ضد مواطنيه ومواطني الشعب الفلسطيني، ومن بينها القنابل الانشطارية والأسلحة الكيماوية.

وقبلها كان عام 1972 ذروة لنشاط الموساد في الاغتيال على الساحة اللبنانية حيث اغتيل الأديب الفلسطيني غسان كنفاني وابنة شقيقه في 8 يوليه 1972، وأصيب د. أنيس صايغ فضلاً عن د. باسل القبيسي الأستاذ في الجامعة الأمريكية في بيروت. كما اغتيل ثلاثة من كبار القيادات الفلسطينية في بيروت: محمد يوسف النجار وكمال عدوان وكمال نصر. وهو نفس العام الذي شهد تركيزاً في أعمال الاغتيال الإسرائيلي خارج المنطقة حيث اغتيل وليد زعيتر ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في روما ومحمود الهمشري ممثلها في باريس.

ولقد شهدت مرحلة ما بعد 1967 كذلك مزيداً من جرائم إسرائيل ضد الطائرات المدنية وكان أشهرها نسف طائرة الركاب الليبية المدنية في الجو عام 1973 وقتل 106 شخص على متنها، وهو نفس العام الذي أُجبرت فيه طائرة لبنانية على الهبوط في إسرائيل.

والأمر الذي يحتاج إلى الالتفات هو ذلك الطابع التفاخري الإعلاني والفوري الذي يقترن بهذا النشاط، حيث تسعى إسرائيل لتأكيد بطشها وقدرتها على مجافاة المنطق وانتهاك الأخلاقيات والأعراف الدولية. ومن اللافت أيضاً ذلك الميل الاستعراضي الفج لهذه الأعمال الإرهابية الدولية وما تلقاه من اهتمام وإعجاب داخل التجمُّع الصهيوني بصفة عامة.

ولا تزال العمليات الإرهابية الإسرائيلية يجرى الإعلان عنها رسمياً حتى الآن، وقد أصبحت نشاطاً ذا صفة كونية إذ وسَّع دائرة حركته إقليمياً (بغداد ـ تونس ـ عنتيبي.. إلخ). كما يوجد تعاون عسكري إسرائيلي أمريكي على مستوى النشاط الإرهابي المُعلن والنشاط الاستخباري بين الموساد والـ سي. آي. آيه. وقد أُعلن في الثمانينيات عن دور إسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة في تدريب خبراء الإرهاب والقمع وتوفير معداته للأنظمة الدكتاتورية والعدوانية في أمريكا اللاتينية على وجه الخصوص.

المنظمات الإرهابية الصهيونية/الإسرائيلية في الثمانينيات
Israeli-Zionist Terrorist Organizations in the Eighties
من السمات الأساسية للإرهاب الصهيوني في الثمانينيات، عودة المنظمات الإرهابية الصهيونية التي تتخذ طابعاً تنظيمياً مستقلاً عن جهاز الدولة وبخاصة التي تعمل في المناطق المحتلة بالضفة وغزة والجليل كذلك. وحوادث الإرهاب التي تُنسب إلى هذه الجماعات تتسم بالوفرة والتتابع: الإضرار بممتلكات المواطنين العرب ـ محاولات الاعتداء على المقدَّسات الدينية الإسلامية والمسيحية ـ قتل الأشخاص بصورة منتقاه أو بأساليب عشوائية مثل الهجوم على الحافلات الفلسطينية إلى تسميم الطالبات الفلسطينيات وتدبير مخططات لإفقادهن القدرة على الإنجاب مستقبلاً ـ أعمال الاختطاف.

وإذا كان الهدف الأساسي المُعلن لهذه الجماعات هو طرد السكان الفلسطينيين بالقوة، فإن جماعة السلام الآن الإسرائيلية لم تَسلْم في إحدى المرات من إرهاب هذه المنظمات حين أُلقيت قنبلة على مظاهرة لها في فبراير 1984 فأودت بحياة أحد أعضائها. إلا أن سلسلة الانفجارات التي استهدفت حياة مجموعة من رؤساء بلديات الضفة الفلسطينيين في عام 1980 هي التي ركَّزت الانتباه على أهمية تلك الظاهرة.

وإذا نظرنا إلى قائمة أسماء هذه المنظمات التي تقف وراء عمليات الإرهاب في الضفة الغربية بوجه خاص، وجدنا أن من بينها من أعلن مسئوليته عن حوادث بعينها، في حين آثر بعضها أن يلتزم سرية شملت حتى الحرص على إخفاء اسمه أو أهدافه ولو إلى حين. وتضم القائمة أسماء باتت شهيرة مثل: لفتا ورابطة سيوري تسيون والحشمونيون وأمانا ، فضلاً عن مجموعة مسميات أخرى تتضمن هدف بناء الهيكل الثالث على حساب الحرم الأقصى مثل: منظمة التاج الكهنوتي والمخلصون لجبل البيت. إلا أن أشهر الجماعات الإرهابية منهما جماعات الإرهاب ضد الإرهاب (ت. ن. ت) ومنظمة كاخ التي كان يتزعمها الحاخام مائير كاهانا.

وقد تكون هناك بعض الاختلافات حول تحديد توقيت بداية بروز هذه الجماعات الإرهابية الصهيونية الجديدة، من مطلع السبعينيات حتى نهايتها. إلا أن العديد من المصادر تقدِّم عدة أحداث باعتبارها نقاط انطلاق لتكوين هذه الجماعات مثل حرب أكتوبر 1973 وما صاحبها من إحباط وعدم ثقة في قدرة آلة الإرهاب الرسمية على الوفاء بمتطلبات المشروع الصهيوني بمفردها أو بالانسحاب الإسرائيلي من سيناء وبخاصة مستعمرة ياميت في مطلع الثمانينيات. وإذا كان من العبث تحديد حالة واحدة أو يوم أو شهر أو سنة للقول بأنها نقطة بدء موجة جديدة من نشاط الإرهاب الصهيوني المتواصل. فإن حَصْر الجهود بين هذين التاريخيين ليس بمنأى عن الدوافع والتبريرات الصهيونية التي تحاول أن تدَّعي وجود "قطيعة" فاصلة بين ممارسات الدولة الصهيونية من جانب وهذه الجماعات من جانب آخر.

وإذا أخذنا في اعتبارنا كل المعطيات التي تصب لصالح القول بأن تبلور المنظمات الصهيونية الإرهابية بين منتصف السبعينيات ومطلع الثمانينيات جاء ليلبي حاجات في جوهر المشروع الاستيطاني اليهودي فإن "الدولة" بدت ـ في نظر قطاع من الإسرائيليين ـ عاجزة عن الوفاء بها على النحو الأمثل والكافي. فإن الأساس الذي تستند إليه هذه المنظمات يظل هو "المستوطن اليهودي" القادم بقوة ودَعْم الدولة العبرية إلى الضفة وغزة ليحل محل سكانها "الفلسطينيين".

ولقد قامت هذه المنظمات على "المستوطن المسلح" بالأسلحة النارية الذي تلقَّى قدراً من التدريب في جيش إسرائيل النظامي. ومثلما منحته الدولة العبرية امتياز حمل السلاح في مواجهة الفلسطيني الأعزل فإنها في الوقت نفسه منحته حصانة قانونية لممارساته الإرهابية بينما يتعقب القانون العنصري التمييزي كل أنشطة الفلسطينيين وضمنها الأنشطة السلمية.

ولذا فإن تقرير لجنة التحقيق الإسرائيلية برئاسة السيدة يهوديت كارب قد انتهى في مايو 1982 إلى اتهام السلطات الإسرائيلية (جيشاً وشرطة) بالتواطؤ وتجاهُل جرائم المستوطنين. كما أشار التقرير نفسه إلى ازدواج نظام الضبط والمحاكمة في مواجهة الفلسطينيين من جانب والمستوطنين اليهود من جانب آخر. ولما كان ما ورد بهذا التقرير من تشخيص وتوصيات لم يلق استجابة الحكومة الإسرائيلية ـ وكل الحكومات اللاحقة وإلى حينه ـ فإن السيدة كارب اضطرت للاستقالة من منصبها (نائب المدعي العام الإسرائيلي).

وبصرف النظر عن تشكيل جماعات إرهابية صهيونية أو غياب هذه الجماعات فإن سلطات الاحتلال تحافظ على ما يمكن وصفه "الاتفاق الضمني المقدَّس" الذي يتحمل المستوطنون المسلحون بمقتضاه جانباً من مسئولية الأمن في الضفة وغزة. ولذا فإن تقارير الأمم المتحدة نفسها تذهب إلى الإقرار بأن "المستوطنين يشكلون الجناح العسكري الخفي لسلطات الاحتلال الإسرائيلي".

وقد تكون مصادر تمويل هذه الجماعات من الأمور التي لم يتم الكشف عنها نهائياً، إلا أن العديد من الدلائل والاعترافات تذهب إلى أن السلطات الإسرائيلية نفسها تسهم في عملية التمويل هذه بصورة مباشرة أو غير مباشرة حين تغدق الأموال على منظمات الاستيطان التي تُعَد المظلة الأساسـية التي تنمـو أسفلها العديد من هذه الجماعات الإرهابية، وحين تغدق الرواتب الحكومية على المستوطنين في الضفة. ويُعَد التمويل الخارجي عنصراً لا يجب تغافله في سياق طبيعة الكيان الصهيوني العامة. فكاهانا يقول بنفسه إن حركة كاخ تعتمد على تبرعات تصل من مؤيديه بالولايات المتحدة. بينما يذهب الاعتقاد بأن المخابرات المركزية الأمريكية تقوم بدور في تمويل هذه الجماعة امتداداً لتبنيها لرابطة الدفاع اليهودي من قبل. كما أن لبعض المنظمات ارتباطات واضحة مع كبار الرأسماليين الصهاينة في الولايات المتحدة.

ولم يُلحَظ حتى الآن طابع تنافسي أو عدائي في علاقة هذه المنظمات بعضها ببعض مثلما كان عليه الأمر في تاريخ إتسل وليحي والهاجاناه قبل 1948. ويمكن تصوُّر علاقة تعاون بين هذه المنظمات، مع الأخذ في الاعتبار أن العديد من تسميات هذه المنظمات وطبيعتها لا زالت محل غموض. فمن دلائل علاقات التعاون بين هذه المنظمات أن أكثر من تسمية قد تندرج تحت جماعة أم مثل حركة الاستيلاء على الحرم الإبراهيمي التي يندرج تحت مظلتها كل من رابطة «سيوري تسيون» و«حركة إعادة التاج لما كان عليه» و«جمعية صندوق جبل البيت». كما أن العديد من المنظمات قد تمارس الدعاية وتعلن استحسانها أفعال منظمات أخرى. كما يمكننا أن نلحظ شخصاً واحداً يندرج في عضوية أكثر من منظمة. هذا فضلاً عن المنابع والتأثيرات الأيديولوجية المشتركة.

أما عضوية هذه الجماعات فقد شهدت قدراً من التحول الذي تجب مراقبته مستقبلاً. فمن قبل جاء الاعتقاد بأن السفارد أكثر فئات التجمُّع الصهيوني استعداداً لممارسة الأعمال الإرهابية ضد العرب والفلسطينيين حيث يجري حثهم على ذلك لتفريغ ما يتولد لديهم من سخط ضد ظلم النظام الاجتماعي المتحيز ضدهم لصالح الإشكناز. إلا أن استقراء تركيب جماعات الإرهاب الجديدة يدعو إلى إعادة النظر إلى ما يبدو أنه حلف جديد بدأ يتشكل من المهاجر الأمريكي الذي جاء مؤخراً إلى الضفة الغربية والقدس يحمل معه أوهام "الوستيرن" و"الكاوبوي" وأخلاقياته وبين السفارد المضطهدين أو المغبونين. فضلاً عن أن جيل ما بعد 1967 من الصابرا يبرز استعداداً أكبر لممارسة التطرف العنصري والسلوك الإرهابي الدموي إزاء العرب والفلسطينيين.

والواقع أن هذه المنظمات قد أثارت العديد من التساؤلات المهمة داخل التجمُّع الصهيوني وخارجه. فمما يلفت النظر أن الكتابات الإسرائيلية تتهم هذه المنظمات بالخروج على شرعية الدولة. والشرعية هنا ذات معنى زائف، لأن ممارسات هذه الجماعات تصب في مجرى الشرعية العام للكيان الصهيوني الذي يقوم على الإرهاب.

ومحاولة فهم جماعات الإرهاب الصهيوني الجديدة بصورة صحيحة لا يمكن أن تتم دون وضع هذه الجماعات في سياق تراث الإرهاب الصهيوني السابق، وهو تراث تمتلك هذه الجماعات حساً عالياً تجاهه. وقد حملت أكثر من عملية إرهابية تسميات ذات دلالة تاريخية بالنسبة لتراث الإرهاب الصهيوني قبل عام 1948، مثل تسمية إحدى عمليات منظمة ت. ن. ت. بلقب شلومو بن يوسف (الإرهابي الصهيوني عضو إتسل الذي أعدمه البريطانيون لارتكاب حادث مماثل في الثلاثينيات). وقد قام كثير من إرهابيي الجماعات الجديدة، ممن جرى التحقيق معهم، بالتأكيد على أن ما يقومون به متصل تمام الاتصال مع تراث الإرهاب الصهيوني السابق. حيث كانت الإجابات تأتي على النحو التالي: "لقد عملنا كما عمل سابقاً في إتسل والهاجاناه وليحي كل من بن جوريون وبيجين وشامير".

ولقد تسـاءل الإرهابي الصهيوني أندي جرين، عضـو منظمة ت. ن. ت.، في مقابلة منشورة بالصحف الإسرائيلية قائلاً: "لا أستطيع أن أحصي عدد الشوارع التي تحمل اسم «ديفيد رازل» الذي زرع قنبلة في سوق عربي عام 1939 فقتل 20 شخصاً. وإذا كان ما فعله هو الصواب، فكيف يصبح ما أفعله أنا من قبيل الخطأ؟!".
ولا يمكن القول بأن هذه الجماعات "ظاهرة هامشية" أو "دخيلة" على الكيان الصهيوني، ولا جدوى من ادعاء الانزعاج أو الاندهاش أو حتى الجهل، أو عن التفتيش عن تبريرات نفسية خاصة أو أسباب اجتماعية شاذة لهؤلاء الإرهابيين. فهذه الجماعات مرتبطة تماماً بالاستيطان، ولذا تصاعَد نشاطها مع تصاعُد النشاط الاستيطاني. ولذا فليس غريباً أن نجد أن المستوطنات هي الأرضية الديموجرافية لمنظمات الإرهاب الجديدة ولعضويتها. ومما يجدر ذكره أن حركات الاستيطان النشيطة مثل جوش أيمونيم والأحزاب الأعلى صوتاً في الدعوة السياسية للاستيطان مثل هتحيا وتسوميت توفر الإطار السياسي لهذه المنظمات.

وتفسر طبيعة الوحدة الجدلية في علاقة إرهاب الدول بالجماعات الإرهابية الصهيونية في السبعينيات والثمانينيات ذلك الاختفاء الهادئ لغالبية هذه الجماعات. وهو اختفاء أقرب إلى "الذوبان" في إطار استمرار السمات العامة للإرهاب الصهيوني الإسرائيلي.

ويمكن أن نعزو هذا الاختفاء الهادئ أو "الذوبان" الذي يحدث لهذه الجماعات إلى أنها تلعب دور الحلقات الوسيطة المشتعلة بين إرهاب الدولة وبين إرهاب المستوطنين المسلحين.

ولا شك في أن "التعين العضوي" لقدرات الإرهاب الصهيوني في مواجهة الانتفاضة قد أسهم في "ذوبان" الحلقات الوسيطة والجماعات الإرهابية في السبعينيات والثمانينيات إذ باتت العلاقة بين دولة الإرهاب والمستوطنين المسلحين لا تحتمل وجود واستمرار منظمات وسيطة مستقرة تبدو في شبهة تنازع مع الحكومات الإسرائيلية.

جــوش إيمونيم
Gush Emunim
«جوش إيمونيم» عبارة عبرية تعني «كتلة المؤمنين». وهي حركة صهيونية استيطانية ذات ديباجات دينية (حلولية عضوية) تطالب بصهيونية الحد الأقصى. والحركة ليست حزباً وإنما حركة شعبية غير ملتزمة إلا بالحفاظ على أرض إسرائيل. ولكن رغم توجهها الديني الواضح، فإنه توجُّه ديني في إطار حلولي، ومن ثم يتداخل الديني والقومي. وقد تأسست الحركة رسمياً في نهاية شتاء 1947 بعد أن تمردت مجموعة من أعضاء حزب المفدال على قيادة الحزب بعد أن وافقت على الانضمام إلى حكومة رابين الائتلافية. ولكن تأسيس الحركة الفعلي كان بعد يونيه 1967. ومن وجهة نظر جوش إيمونيم، يُعَدُّ احتفاظ إسرائيل بالأراضي المحتلة بعد عام 1967 أمراً ربانياً لا يمكن للاعتبارات الإنسانية أو العملية أن تجُبه. ورغم أن هذه المنظمة تتحدث عن بعث الحياة اليهودية في كل المجالات فإنها ركزت جل نشاطها على عملية الاستيطان وتصعيده حتى لا يمكن عودة الضفة الغربية للعرب، أي أنها تحاول أن تترجم سياسة الوضع القائم الصهيونية إلى وجود مادي صلب من خلال إقامة المستوطنات.

وبعد أن وصل حزب الليكود إلى الحكم عام 1977 قدَّمت الجماعة مشروعاً للحكومة لإنشاء 12 مستوطنة في الضفة الغربية (كانت حكومة العمال السابقة قد رفضت إنشاءها)، فوافقت الحكومة الجديدة وتم إنشاء المستوطنات خلال عام ونصف. ثم قدَّمت الجماعة مشروعاً آخر عام 1978عبارة عن خطة شاملة للاستيطان من خلال إقامة شبكة من المستوطنات الحضرية والريفية لتأكيد السيادة الإسرائيلية على المنطقة. ورغم أن الحكومة لم توافق على الخطة رسمياً فإنه تم تدبير الاعتمادات اللازمة لتنفيذها تدريجياً. ويشرف الجناح الاستيطاني للجماعة (أمانا) على تنفيذ هذه المخططات ويتبعها في الوقت الحاضر حوالي 50 مستوطنة. ولكن معظم هذه المستوطنات من النوع الذي يُسمَّى «مستوطنات الجماعة» (بالعبرية: يشوف قهيلاتي) وهي «المستوطنات المنامة» التي يعيش فيها مستوطنون يعملون في المدن الكبرى مثل تل أبيب والقدس ويقضون سحابة ليلتهم في المستوطنة. ويتراوح حجم سكان المستوطنة من 15 عائلة إلى 500 عائلة. وكانت منظمة جوش إيمونيم تتمتع بتأييد قطاعات كبيرة من الرأي العام الإسرائيلي والأحزاب الإسرائيلية التي تطالب بصهيونية الحد الأقصى. وقد أصبح كثير من أعضاء الجماعة هم مديرو مجالس المناطق التي تقدم الخدمات البلدية للمستوطنين، وتحصل هذه المجالس على ميزانيتها من وزارة الداخلية.

وكان موشيه ليفنجر هو الرئيس الروحي للجماعة (وقد دخل مصحة نفسية في شبابه) وقد هُمِّش قليلاً بعد تعيين دانييلا فايس سكرتيرة عمومية للجمعية. وتعبِّر الجمعية عن أفكارها في مجلة نيكوداه (العبرية) ومجلة كاونتر بوينت (الإنجليزية). وقد انتهت الجماعة تقريباً عام 1992 حينما رشح ليفنجر وفايس أنفسهما في الانتخابات ولم يحصلا على الأصوات الكافية ليصبحا أعضاء في الكنيست، كما أدَّى ترشيحهما لأنفسهما إلى فشل حزب هتحيا ـ الذي كان يدعم الجماعـة ـ هو الآخر في الحصول على أية أصوات. وقد ظهرت جماعات أخرى صغيرة تضم المستوطنين الذين يطالبون بصهيونية الحد الأقصى.

منظمــة كـاخ الصهيونيــة/الإســرائيلية
(Kach (An Israeli-Zionist Organization
»كاخ« كلمة عبرية تعني «هكذا» وهو اسم جماعة صهيونية سياسية إرهابية صاغت شعارها على النحو التالي: يد تمسك بالتوراة وأخرى بالسيف وكتب تحتها كلمة «كاخ» العبرية، بمعنى أن السبيل الوحيد لتحقيق الآمال الصهيونية هي التوراة والسيف (أي العنف المسلح والديباجات التوراتية) وهذه أصداء لبعض أقوال جابوتنسكي. وتضم حركة كاخ مجموعة من الإرهابيين ذوي التاريخ الحافل من بينهم إيلي هزئيف، وهو صهيوني غير يهودي كان يعمل جندياً في فيتنام ثم تهود واستقر في إسرائيل. ويبدو أنه ارتكب جريمة قتل وقُدِّم للمحاكمة بتهمة قتل جاره، وحيازة سلاح بشكل غير قانوني، وكان يُسمَّى «الذئب» أو «القاتل». وقد قُتل أثناء إحدى الهجمات الفدائية. ومن بين مؤسسي رابطة الدفاع، يوئيل ليرنر الذي قبض عليه عام 1975 بتهمة محاولة اغتيال كيسنجر، ثم قبض عليه مرة أخرى عام 1982 بتهمة تنظيم فريق من الفتيان والفتيات للاعتداء على المسجد الأقصى. وهناك أيضاً يوسي ديان الذي اعتقل عام 1980 بتهمة محاولة اغتيال سائق تاكسي عربي. وكان قد انسحب من كاخ بسبب صراعه مع كاهانا على السلطة. وتضم الجماعة أيضاً يهودا ريختر الذي حققت معه الشرطة للاشتباه بضلوعه في مقتل أحد أعضاء حركة السلام الآن. ومع هذا يظل مائير كاهانا أهم شخصيات الحركة، التي كانت تدور حول شخصيته، وهو "مفكرها" الأساسي (إن كان من الممكن إطلاق كلمة «فكر» أو حتى «أفكار» على تصريحاته المختلفة(.

ورغم أن البعض يشيرون إلى كاهانا باعتباره حاخاماً فإنه لم يتلق أي تعليم ديني، بل ادعى اللقب لنفسه. عمل كاهانا بعض الوقت عميلاً للمخابرات المركزية الأمريكية ولمكتب المخابرات الفيدرالية الأمريكية وأسس رابطة الدفاع اليهودي في الولايات المتحدة عام 1968 التي قُسِّمت إلى مجموعات من فئتين أُطلق على الأولى لقب «حيا» وهي كلمة عبرية تعني «وحش» أو «حيوان» وعلى الثانية لقب «أهل العلم والفكر». ثم نقل نشاطها إلى إسرائيل عام 1971 وتخلى عن التقسيم الثنائي، وتحولت إلى منظمة سياسية باسم كاخ قبيل انتخابات 1973.

وقد رشَّحَ كاهانا نفسه لانتخابات الكنيست في سنوات 1972 و1977 و1981 وفشل في الحصول على عدد كاف من الأصوات لانتخابه. ولكن مع تغيُّر المناخ السياسي ونمو الديباجات الدينية اليهودية المتطرفة واليمين العلماني المتطرف وازدياد مشاعر العداء ضد العرب بدأت كاخ تتحرك من الهامش إلى المركز. ولذا عندما رشَّحَ كاهانا نفسه في انتخابات عام 1984 حصل على نحو 26 ألف صوت وفاز بمقعد في الكنيست. وقد تصاعدت شعبيته حتى أن استطلاعات الرأي تنبأت بفوز حزبه بخمسة مقاعد برلمانية. ولكن المؤسسة الحاكمة أدركت خطورته على صورة الدولة الصهيونية فقامت بتعديل قانون الانتخابات بحيث تم حظر الأحزاب الداعية إلى التمييز العنصري وإثارة مشاعر الكراهية والعداء ضد العرب.

ويمكن القول بأن صهيونية كاخ هي الصيغة الشعبوية للصهيونية العضوية الحلولية. فالشعب اليهودي في تصوُّره هو شعب مختار فريد ومتميِّز، بل شعب مقدَّس، حقوقه مقدَّسة، ولذا فهو مكتف بذاته ومرجعية ذاته يستمد معاييره من ذاته، ولا يكترث بمعايير الشعوب الأخرى.

وكما هو الحال دائماً في المنظومات الحلولية العضوية لا تقل الأرض قداسة عن قداسة الشعب، فالإله يحل في كل من الشعب والأرض بنفس الدرجة ويربط بينهما برباط عضوي لا تنفصم عراه. ومن ثم فليس بإمكان الشعب اليهودي المقدَّس أن يُفرط في حقوقه المقدَّسة في الأرض المقدَّسة ويتنازل عن أجزاء منها للشعوب الأخرى (غير المقدَّسة(.

والتوجُّه السياسي لجماعة كاخ هو توجُّه مشيحاني قوي، فخلاص الشعب اليهودي المقدَّس بات قريباً ولكنه لن يتحقق إلا بعد ضم المناطق المحتلة وإزالة كل عبادة غريبة من جبل الهيكل (الحرم القدسي الشريف والمسجد الأقصى) وإجلاء جميع أعداء اليهود من أرض فلسطين.

في هذا الإطار يتناول كاهانا قضية علاقة اليهودية بالصهيونية (وبالحضارة الغربية). يتحرك كاهانا في إطار حلولي عضوي أحادي مصمت فيرفض الديباجات الصهيونية المتأثرة بالحضارة الغربية أو بقيم الديموقراطية أو الاشتراكية، ويؤكد أن اليهودية دين بطش وقوة. ولذا، فقد صرح بأنه لا يعرف يهودياً متديناً ليس على استعداد للقول بأن ما فعله العبرانيون بالكنعانيين أيام يشوع بن نون (أي أيام إبادتهم حسب الادعاء التوراتي) لم يكن عادلاً. وقد فقدت الصهيونية حسب تصوُّره قوتها وطاقتها حينما انفصلت عن هذه اليهودية الباطشة، ولا سبيل لبعثها إلا عن طريق ربطها بها مرة أخرى (أي بتخطِّي الازدواجية أو الانشطارية التي أشار إليها كوك وفيش). ولذا، يطالب كاهانا بتغيير التعليم في إسرائيل تغييراً شاملاً ودمجه باليهودية دمجاً كاملاً. وأما بالنسبة إلى أعضاء الجماعات اليهودية، فإن عليهم الهجرة إلى إسرائيل إذ لا مستقبل لهم إلا هناك. وهو يرى أن يهود العالم (الشعب العضوي المنبوذ) يتعرضون لعملية إبادة جديدة، وأن المؤسسة اليهودية في العالم بأسره متعفنة وخائنة لأنها لا تنبه اليهود إلى الخطر المحدق بهم. ويقف الشعب اليهودي الآن على عتبات الخلاص النهائي، وسيأتي الماشيَّح لا محالة، وسيسود الشعب المختار كل الشعوب الأخرى.

وتترجم هذه الأفكار نفسها بشأن اليهود واليهودية إلى فكر محدد بشأن الدولة الصهيونية. فإسرائيل، حسب رؤية كاهانا، هي وطن الأمة اليهودية، ومن ثم فإن اعتناق اليهودية يكون هو الأساس الوحيد لاكتساب الجنسية الإسرائيلية. فالدولة الصهيونية تخضع لشريعة التوراة وحسب، ولذا فهي إما أن تكون دولة يهودية تستند إلى التوراة أو دولة ديموقراطية.

والدولة الصهيونية التي سيعبِّر اليهودي من خلالها عن هويته الفريدة المتميِّزة دولة عضوية تقوم على وحدة السلالة ونقاء الدم، كما تقوم على أساس إعلان السيادة اليهودية المطلقة على فلسطين من خلال حياة مستقلة في إطار من الثقافة اليهودية المهيمنة على جميع مناحي الحياة في إسرائيل.

لكل هذا يظل من لا يعتنق اليهودية غريباً لا يتمتع بأية حقوق سياسية أو ثقافية. ولن تسمح الدولة اليهودية العضوية بتكاثر هؤلاء الغرباء "كالبراغيث" (على حد قول كاهانا) حتى لا يهددوا أمنها، ولن يُمنحوا سوى إقامة مؤقتة لمدة سنة واحدة قابلة للتجديد، وذلك بعد خضوعهم لتحقيق دقيق في نهاية كل عام. وعلى العرب الذين يبقون داخل الدولة اليهودية أن يقبلوا العبودية، ويبقوا كعبيد ودافعي ضرائب. وسيُمنَع غير اليهود (أي العرب) من الإقامة في القدس ومن شغل الوظائف المهمة، ومن التصويت في انتخابات الكنيست. كما سيمنع اختلاطهم باليهود في كثير من الأماكن العامة كحمامات السباحة والمدارس، وسيُحظَر بطبيعة الحال الزواج المختلط. وكما هو ملاحَظ، فإن ثمة تشابهاً كبيراً بين قوانين كاهانا (الصهيونية العضوية) وقوانين نورمبرج (النازية العضوية) كما بيَّن مايكل إيتان عضو الكنيست الإسرائيلي. وتطالب كاخ بإزالة الآثار الإسلامية كافة.

ويوزع كاهانا خريطة لإسرائيل تمتد من النيل إلى الفرات، إذ لا مجال للشك، حسب رأيه، فيما ورد في التوراة من أن "أرضنا تمتد من النيل إلى الفرات". والعنصر الجغرافي مهم جداً في فكره، كما هو الحال في الفكر الصهيوني بشكل عام. فالأرض ـ كما يقول ـ هي الوعاء الذي يضم جماعة من البشر عليهم أن يحيوا فيها حياة متميِّزة عن حياة غيرهم من الجماعات الإنسانية وأن يحققوا رسالتهم القومية والتراثية. والدولة هي الأداة لتحقيق ذلك الغرض ولتمكين الشعب من بلوغ غاياته، فالأمة هي صاحبة الأرض وسيدتها، والناس هم الذي يحددون هوية الأرض وليس العكس، والشخص لا يصبح إسرائيلياً لأنه يعيش في أرض إسرائيل ولكنه يصبح إسرائيلياً عندما ينتمي إلى شعب إسرائيل ويغدو جزءاً من الأمة الإسرائيلية.

ولا يمكن تفسير تَطرُّف كاهانا إلا بالعودة إلى النسق الصهيوني. فهو نسق يحتوي على بذور معظم هذه الأفكار والممارسات. وإذا كان هرتزل قد تحدَّث عن طرد السكان الأصليين بشكل ليبرالي عام، فذلك لأنه لم يكن (في أوربا) مضطراً إلى الدخول في التفاصيل المحددة في تلك المرحلة. لقد كان مشغولاً بالبحث عن إحدى القوى العظمى لتقف وراءه وتشد أزره وتعضده وتقبله عميلاً لها، ولذا كانت الصياغات العامة بالنسبة إلى السكان الأصليين مناسبة تماماً في تلك المرحلة. وإذا كانت الدولة الصهيونية قد احتفظت بعد عام 1948 بالديباجة الاشتراكية، فذلك لأنها كانت قد "نظفت" الأرض من معظم العرب، وكان بوسعها أن تكبل الأقلية المتبقية بمجموعة من القوانين وأن تتحدث عن الاشتراكية وعن الإخاء الإنساني. وأما الآن، فلقد زادت التفاصيل واحتدمت الأزمة وتصاعدت المقاومة. وهكذا، فإن الديباجات تسقط، وما كان جنينياً كامناً أسفر عن وجهه وبات صريحاً كاملاً.

وعلى مستوى الممارسة قامت كاخ بتنظيم مسيرات في النصف الأول من الثمانينيات للتحرش بالسكان العرب في فلسطين التي احتلت عام 1948 "وإقناعهم" بأنهم ليس أمامهم مفر من الرحيل عن "أرض إسرائيل". كما قامت بأنشطة إرهابية سرية شملت الاعتداء على الأشخاص والإضرار بالممتلكات وتخريب الأشجار والمزروعات وأحياناً القتل. ولا يوجد بين أعضاء كاخ البارزين من لم يُعتقَل أكثر من مرة أو منْ ليس له ملف إجرامي في سجلات الشرطة.

وقد نقلت كاخ نشاطها منذ أواخر الثمانينيات إلى الضفة الغربية حيث قاعدتها البشرية الأساسية ومقر قيادتها الموجودة في مستوطنة كريات أربع (بالقرب من الخليل).

وقد أسس كاهانا معهدين لتدريس تعاليم اليهودية وتعاليمه: "معهد جبل الهيكل" (يشيفات هارهبيت)، و"معهد الفكرة اليهودية" (يشيفات هرعيون هيهودي). كما أسس تنظيمين سريين مسلحين الأول هو "لجنة الأمن على الطرق" الذي يُقدَّر عدد أعضائه بالمئات. وقد قام هذا التنظيم بتوفير مواكبة مسلحة للمواصلات العامة الإسرائيلية وسيارات المستوطنين المسافرين على طرق الضفة الغربية. ثم انتقل التنظيم إلى العمل السري حيث كان ينظم حملات انتقامية ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم في المدن والقرى وعلى الطرق، قُتل وجُرح بسببها عدد كبير من الأشخاص. وفي جميع الحالات، كان الجيش يصل إلى أماكن الحوادث بعد أن يكون أعضاء التنظيم قد غادروا المكان.

أما المنظمة الثانية فهي "دولة يهودا المستقلة" التي أعلنت أنها موالية لدولة إسرائيل طالما أنها متمسكة بكامل أرض إسرائيل. وهذا يعني أن المنظمة لا تدين بالولاء للدولة الصهيونية إن تخلت عن أي جزء من أرض إسرائيل، ويصبح من حق المنظمة أن تقوم بالاستيلاء بالقوة عليها وتعلن قيام دولة يهودا التي ستقوم بالدفاع عن هذه الأراضي! وقد اقترن اسم كاخ أيضاً بتنظيمين سريين هما: ت. ن. ت (الإرهاب ضد الإرهاب) والسيكارييم (حملة الخناجر).

وقد انشقت الحركة بعد مقتل كاهانا (في نيويورك عام 1990 على يد مواطن أمريكي من أصل مصري) إلى قسمين: احتفظ الأول باسم كاخ وهو التنظيم الأكبر والأخطر، يبلغ عدد أعضائه المسجلين عدة مئات أما أنصاره فهم عدة آلاف تنتمي لشرائح اجتماعية فقيرة، قليلة التعلم، متذمرة وناقمة على المؤسسة الحاكمة، وتتسم بعداء وكراهية شديدين للعرب. وتشكل العناصر المهاجرة من الولايات المتحدة (ذات التوجُّه الحلولي العضوي الواضح) النواة الصلبة لهذا التنظيم وقيادته.

أما القسم الثاني فهو تنظيم كاهاناحي الذي يرأسه ابن مائير كاهانا، وهذا أقل شأناً من تنظيم كاخ وإن كان يقوم بنفس النشاطات الإرهابية العلنية والسرية.

وفي إثر مذبحة الخليل حظرت الحكومة الإسرائيلية نشاط كل من كاخ وكاهانا حي. ولكن هذا لا يعني نهاية العنف في الكيان الصهيوني. فالعنف جزء من بنيته، كما أن كثيراً من أفكار كاخ (وكاهاناحي) ترسخت في الوجدان الاستيطاني الصهيوني وتسللت للخطاب الصهيوني نفسه، رغم كل محاولات الصقل والمراوغة.

الإرهاب الصهـيوني/الإسـرائيلي والانتفاضة
Israeli-Zionist Terrorism and the Intifada
مع اندلاع انتفاضة الشعب الفلسطيني في ديسمبر 1987 أصبحت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في مواجهة يومية مع حركة عصيان مدني تمتد جغرافياً بمسافة الضفة الغربية وقطاع غزة وتتخذ من الحجارة والعَلَم الفلسطيني رموزاً لمقاومة الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الذي استهدف محو الوجود العربي الفلسطيني. وبحكم طبيعته الاستيطانية الإحلالية لجأ الاستعمار الصهيوني إلى المزيد من الإرهاب، فدخل حلقة مفرغة إذ جاء الرد على المزيد من الإرهاب بالمزيد من الانتفاضة.

وبعد اندلاع الانتفاضة بأيام معدودة (في 22 ديسمبر 1987) أصدر القضاء العسكري حكماً على حسين أبو خاطر (29 عاماً ) من مخيم النعيرات بالسجن لمدة عام بتمهة الاشتراك في مظاهرة (وكانت أقصى عقوبة من قبل شهرين فقط). ولكن المظاهرات تحولت إلى سلوك يومي لمئات الآلاف من الفلسطينيين.

ولقد لجأت سلطات الاحتلال إلى تكثيف آليات العقاب الجماعي من حظر تجوُّل وحصار أمني للبيوت فضلاً عن التوسع في الاعتقالات وأحكام السجن والتعذيب والطَرْد والإبعاد. لكن الجهود الإسرائيلية لتطوير آلة الإرهاب اتجهت أساساً إلى كيفية قمع حركة الاحتجاج اليومي الجماهيري في شوارع المدن والقرى ومخيمات اللاجئين. ومن هنا يمكن أن نلحظ مأزق فشل معالجة الإرهاب بالمزيد من الإرهاب عندما تلجأ سلطات الاحتلال للرصاص الحي والرصاص البلاستيكي والرصاص المطاطي. وقد بدأت في أغسطس عام 1988 في استخدام ذخيرة جديدة تمزج بين المطاط (الغلاف الخارجي للطلقة) والمعدن وهو ما أسفر عن استشهاد 47 فلسطينياً في الخمسة شهور الأولى من استخدام هذه الذخيرة. وفي العام نفسه (1988) لجأت السلطات الإسرائيلية إلى طائرات الهليكوبتر بتوسُّع لمطاردة المتظاهرين وإطلاق النار علىهم.

ثم توسع جيش الاحتلال في استخدام قنابل الغاز المسيل للدموع على نحو غير مسبوق وهو ما أسفر عن حالات اختناق بين النساء والصبية والأطفال على نحو خاص. ثم استخدمت سلطات الاحتلال قنابل غازية تدخل في نطاق أدوات الحرب الكيماوية تحتوي على مكونات كيماوية تفضي إلى الاختناق والموت. وخلال عام 1988 بدأت في استخدام هذه القنابل (الأمريكية الصنع) في بلدة حلحول واستشهد خمسة فلسطينيين من جرائها في قباطية خلال العام نفسه.

ولكن تكنولوجيا الإرهاب المدعومة أمريكياً أخفقت في قمع الانتفاضة وصبية الحجارة، فحاول إسحق رابين وزير الدفاع أن يعيد استخدام بربرية القمع البدائي فأصدر أوامره لقواته "بتكسير عظام الفلسطينيين" وكأنه كان يبحث عن لغة يفهمها من لا يعبأون بآخر منجزات تكنولوجيا قمع المتظاهرين. ولمعاونة الجنود الإسرائيليين في مهمة القمع البدائي البربري تم إنتاج هراوة من ألياف زجاجية ومعدنية لتحل محل الهراوات الخشبية.

وقد حاول الإسرائيليون اكتشاف سر الحجارة فقامت ورش الجيش بتطوير مقلاع لقذف الأحجار لاستخدامه ضد المظاهرات الفلسطينية، وبدأ أولى تجاربه في مخيم بلاطة قرب نابلس.

وقد تعمقت أزمة الإرهاب الصهيوني/الإسرائيلي، فالمواجهات اليومية مكشوفة أمام أعين العالم. فوجهت آلة الإرهاب جانباً من نشاطها ضد رجال الإعلام وضمن ذلك وسائل الإعلام الأمريكية والغربية الحليفة للمشروع الاستيطاني. وتلقى العديد من الصحفيين والمصورين الضرب على أيدي جنود جيش يزعم قادته أنهم يمثلون الدولة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة. وقد بيَّن أن الجيش الإسرائيلي قد استورد تكتيكات عصابات الموت في أمريكا اللاتينية، إذ قام جنوده (من فرقة المستعربين) والمتخفون في ملابس عربية بقتل الفلسطينيين.

وقد قامت الدولة الصهيونية برفع عدد جنود جيشها في الضفة وغزة بما يزيد عن خمس مرات مقارنةً بالفترة السابقة على الانتفاضة. وبالمقابل فإن ظاهرة محاكمة الجنود والضباط الذين يرفضون أو يتهربون من الخدمة هناك قد طرحت نفسها بقوة على التجمُّع الصهيوني.

وقد أصدرت وزارة الدفاع الإسرائيلية أوامر ترخص للمستوطنين إطلاق النار فوراً على من يُشتبه في شروعه في إلقاء الزجاجات الحارقة، وشاع أن إطلاق النار يجرب حتى إزاء من يحمل زجاجات مياه غازية. ويمكن القول بأن المستوطنين المسلحين تحولوا إلى احتياطي لجيش الاحتلال يعاونه في تنفيذ سياسته الإرهابية ويقوم بأعمال البلطجة الفجة التي لا تلائم الزي العسكري الرسمي الذي تطارده عدسات الإعلام العالمي. ولذا فإن الشكل التنظيمي لإرهاب المستوطنين الصهاينة انتقل من الجماعة شبه السرية التي تخطط لعمليات مدروسة من اغتيالات ونسف لأهداف مختارة بعناية إلى عصابات يَغلب على حركتها المظهر التلقائي. وتندفع هذه العصابات في موجات عنف عشوائي المظهر لتحرق السيارات والمتاجر الفلسطينية في الشوارع وتختطف الأطفال الفلسطينيين وتعتدي عليهم بالضرب المفضي إلى الموت أحياناً.

وتقدر حصيلة الإرهاب الصهيوني الإسرائيلي أثناء الانتفاضة (من 1987 ـ 1991) بحوالي ألف شهيد ونحو 90 ألف جريح ومصاب و15 ألف معتقل فضلاً عن تدمير ونسف 1228 منزلاً واقتلاع 140 ألف شجرة من الحقول والمزارع الفلسطينية.

ولقد ظلت السياسة الأمريكية تمارس دور الراعي والحامي للإرهاب الصهيوني الإسرائيلي رغم ذلك. ويعكس اتجاه تصويت الولايات المتحدة في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة الإصرار على الوقوف إلى جانب إسرائيل. وإن كان صمود الانتفاضة في وجه الإرهاب قد عمَّق انقساماً بين الإدارة الأمريكية وبين قطاعات من الرأي العام الأمريكي.

ولكن يتعين تأكيد أن أبرز نتائج سنوات الانتفاضة هي تعميق أزمة الإرهاب الصهيوني الإسرائيلي بسبب فشله في تحقيق أهدافه الإستراتيجية، إذ جاء الرد بليغاً من أبناء الشعب الفلسطيني الذين وُلدوا بعد الاحتلال (1967) وكأنهم ـ رغم كثافة الإرهاب الذي ظل يطاردهم في مدارسهم وبيوتهم ـ استجابوا لنبوءة القاص الفلسطيني (يحيى يخلف) عن "تفاح الجنون" الذي أكله "الحمار الوديع" في غزة فعلَّم أطفالها فضيلة التمرد والثورة خروجاً عن حسابات العقل البليد وموازين القوى بين المستوطن المحتل المدجج بالسلاح وصاحب الأرض والوطن الأعزل.

المذابح الصهيونية/الإسرائيلية بعد عام 1967
Israeli-Zionist Massacres after 1967
من أهم المذابح التي ارتكبتها الدولة الصهيونية بعد عام 1967 ما يلي:

مذبحة مصنع أبي زعبل (12 فبراير 1970): بينما كانت حرب الاستنزاف بين مصر وإسـرائيل محصـورة في حدود المواقع العسـكرية في جبهة القتال وحسب، أغارت الطائرات الإسرائيلية القاذفة على مصنع أبي زعبل، وهو مصنع تملكه الشركة الأهلية للصناعات المعدنية وذلك صبيحة يوم 12 من فبراير عام 1970، حيث كان المصنع يعمل بطاقة 1300 عامل صباحاً. وقد أسفرت هذه الغارة عن استشهاد سبعين عاملاً وإصابة 69 آخرين، إضافة إلى حرق المصنع.

مذبحة بحر البقر (8 أبريل 1970): وقعت هذه المذبحة أيضاً بتأثير وجع حرب الاستنزاف من قلب إسرائيل حيث قامت الطائرات الإسرائيلية القاذفة في الثامن من أبريل عام 1970 بالهجوم على مدرسة صغيرة لأطفال الفلاحين في قرية بحر البقر، إحدى القرى التي تقع على أطراف محافظة الشرقية، ودكتها بالقذائف لمدة زادت عن عشر دقائق متواصلة وراح ضحيتها من الأطفال الأبرياء تسعة عشر طفلاً وجُرح أكثر من ستين آخرين. وجدير بالذكر أن القرية كانت خاوية من أية أهداف عسكرية.

مذبحة صيدا (16 يونيه 1982): وقعت إبان العدوان الإسرائيلي على لبنان حين أجرت قوات الاحتلال الإسرائيلي في لبنان عملية قتل جماعي لما لا يقل عن 80 مدنياً ممن كانوا مختبئين في بعض ملاجئ المدينة.

مذبحة صبرا وشاتيلا (16 ـ 18 سبتمبر 1982) انظر: «مذبحة صبرا وشاتيلا »

مذبحة عين الحلوة (16 مايو 1984): عشية الانسحاب الإسرائيلي المنتظر من مدينة صيدا في جنوب لبنان، أوعزت إسرائيل إلى أحد عملائها ويُدعى حسين عكر بالتسلل إلى داخل مخيم عين الحلوة الفلسطيني المجاور لصيدا، واندفعت قوات الجيش الإسرائيلي وراءه بقوة 1500 جندي و150 آلية. وراح المهاجمون ينشرون الخراب والقتل في المخيم دون تمييز تحت الأضواء التي وفرتها القنابل المضيئة في سماء المخيم. واستمر القتل والتدمير من منتصف الليل حتى اليوم التالي حيث تصدت القوات الإسرائيلية لمظاهرة احتجاج نظمها أهالي المخيم في الصباح. كما فرضوا حصاراً على المخيم ومنعوا الدخول إليه أو الخروج منه حتى بالنسبة لسيارات الإسعاف وذلك إلى ساعة متأخرة من نهار ذلك اليوم.

وأسفرت المذبحة عن سقوط 15 فلسطينياً بين قتيل وجريح بينهم شباب وكهول وأطفال ونساء فضلاً عن تدمير 140 منزلاً واعتقال 150 بينهم نساء وأطفال وشيوخ.

مذبحة سحمر (20 سبتمبر 1984): داهمت قوات الجيش الإسرائيلي وعميلها أنطون لحد (جيش لبنان الجنوبي) قرية سحمر الواقعة بجنوب لبنان. وقامت القوات بتجميع سكان القرية في الساحة الرئيسية لاستجوابهم بشأن مصرع أربعة من عناصر العميل لحد على أيدي المقاومة الوطنية اللبنانية بالقرب من القرية. وأطلق الجنود الإسرائيليون وأتباع "لحد" النار من رشاشاتهم على سكان القرية العزل وفق أوامر الضابط الإسرائيلي ولحد شخصياً. فسقط من ساحة القرية على الفور 13 قتيلاً وأربعون جريحاً.

وقد حاولت إسرائيل التهرب من تبعة جرمها بالادعاء أن قوات لحد هي وحدها المسئولة عن المذبحة، وذلك على غرار محاولتها في صابرا وشاتيلا. إلا أن العديد من الناجين من المذبحة أكدوا أن عدداً كبيراً ممن نفذوها كانوا يتحدثون العبرية فيما بينهم، بينما يتحدثون العربية بصعوبة. كما أن ما حدث في سحمر يمثل نموذجاً لوقائع يومية شهدها لبنان وجنوبه أثناء غزو القوات الإسرائيلية في يونيه 1982 واحتلاله.

مذبحة حمامات الشط (11 أكتوبر 1985): بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت بنحو ثلاثة سنوات تعقبت الطائرات الإسرائيلية مكاتبها وقيادتها التي انتقلت إلى تونس. وشنت هذه الطائرات في 11 أكتوبر 1985 غارة على ضاحية حمامات الشط جنوبي العاصمة التونسية، وأسفرت عن سقوط 50 شهيداً ومائة جريح حيث انهمرت القنابل والصواريخ على هذه الضاحية المكتظة بالسكان المدنيين التي اختلطت فيها العائلات الفلسطينية بالعائلات التونسية.

واستمراراً في نهج الإرهاب الصهيوني الإسرائيلي لم تتورَّع تل أبيب عن إعلان مسئوليتها عن هذه الغارة رسمياً متفاخرة بقدرة سلاحها الجوي على ضرب أهداف في المغرب العربي.

مذبحة الحرم الإبراهيمي (25 فبراير 1994 ـ الجمعة الأخيرة في رمضان) انظر: «مذبحة الحرم الإبراهيمي»

مذبحة قانا (18 أبريل 1996 (انظر: «مذبحة قانا»

مذبحة صابرا وشاتيلا (16-18 سبتمبر 1982(
Sabra and Shatila Massacre
وقعت هذه المذبحة بمخيم صابرا وشاتيلا الفلسطيني بعد دخول القوات الإسرائيلية الغازية إلى العاصمة اللبنانية بيروت وإحكام سيطرتها على القطاع الغربي منها. وكان دخول القوات الإسرائيلية إلى بيروت في حد ذاته بمنزلة انتهاك للاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة الأمريكية والذي خرجت بمقتضاه المقاومة الفلسطينية من المدينة.

وقد هيأت القوات الإسرائيلية الأجواء بعناية لارتكاب مذبحة مروعة نفَّذها مقاتلو الكتائب اللبنانية اليمينية انتقاماً من الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين. وقامت المدفعية والطائرات الإسرائيلية بقصف صابرا وشاتيلا ـ رغم خلو المخيم من السلاح والمسلحين ـ وأحكمت حصار مداخل المخيم الذي كان خالياً من الأسلحة تماماً ولا يشغله سوى اللاجئين الفلسطينيين والمدنيين اللبنانيين العزل. وأدخلت هذه القوات مقاتلي الكتائب المتعطشين لسفك الدماء بعد اغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل. واستمر تنفيذ المذبحة على مدى أكثر من يوم كامل تحت سمع وبصر القادة والجنود الإسرائيليين وكانت القوات الإسرائيلية التي تحيط بالمخيم تعمل على توفير إمدادات الذخيرة والغذاء لمقاتلي الكتائب الذين نفَّذوا المذبحة.

وبينما استمرت المذبحة طوال يوم الجمعة وصباح يوم السبت أيقظ المحرر العسكري الإسرائيلي رون بن يشاي إرييل شارون وزير الدفاع في حكومة مناحم بيجين ليبلغه بوقوع المذبحة في صابرا وشاتيلا فأجابه شارون ببرود "عام سعيد". وفيما بعد وقف بيجين أمام الكنيست ليعلن باستهانة "جوييم قتلوا جوييم... فماذا نفعل؟" أي "غرباء قتلوا غرباء... فماذا نفعل؟".

ولقد اعترف تقرير لجنة كاهان الإسرائيلية بمسئولية بيجين وأعضاء حكومته وقادة جيشه عن هذه المذبحة استناداً إلى اتخاذهم قرار دخول قوات الكتائب إلى صابرا وشاتيلا ومساعدتهم هذه القوات على دخول المخيم. إلا أن اللجنة اكتفت بتحميل النخبة الصهيونية الإسرائيلية المسئولية غير المباشرة. واكتفت بطلب إقالة شارون وعدم التمديد لروفائيل إيتان رئيس الأركان بعد انتهاء مدة خدمته في أبريل 1983.

ولكن مسئولاً بالأسطول الأمريكي الذي كان راسياً قبالة بيروت أكد (في تقرير مرفق إلى البنتاجون تسرب إلى خارجها) المسئولية المباشرة للنخبة السياسية والعسكرية الإسرائيلية وتساءل: "إذا لم تكن هذه هي جرائم الحرب، فما الذي يكون؟". وللأسف فإن هذا التقرير لم يحظ باهتمام مماثل لتقرير لجنة كاهان، رغم أن الضابط الأمريكي ويُدعَى وستون بيرنيت قد سجل بدقة وساعة بساعة ملابسات وتفاصيل المذبحة والاجتماعات المكثفة التي دارت بين قادة الكتائب المنفذين المباشرين لها (إيلي حبيقة على نحو خاص) وكبار القادة والسياسيين الإسرائيليين للإعداد لها.

ولقد راح ضحية مذبحة صابرا وشاتيلا 1500 شهيداً من الفلسطينيين واللبنانيين العزل بينهم الأطفال والنساء. كما تركت قوات الكتائب وراءها مئات من أشباه الأحياء. كما تعرَّضت بعض النساء للاغتصاب المتكرر. وتمت المذبحة في غيبة السلاح والمقاتلين عن المخيم وفي ظل الالتزامات الأمريكية المشددة بحماية الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين من المدنيين العزل بعد خروج المقاومة من لبنان.

وكانت مذبحة صابرا وشاتيلا تهدف إلى تحقيق هدفين: الأول الإجهاز على معنويات الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين، والثاني المساهمة في تأجيج نيران العداوات الطائفية بين اللبنانيين أنفسهم.

مذبحة الحرم الإبراهيمي (25 فبراير 1994-الجمعة الأخيرة في رمضان)
Ibrahimi Mosque Massacre
بعد اتفاقات أوسلو أصبحت مدينة الخليل بالضفة الغربية موضع اهتمام خاص على ضوء أجواء التوتر التي أحاطت بالمستوطنين الإسرائيليين بعد طرح السؤال: هل يجري إخلاء المستوطنات وترحيل المستوطنين فيها في إطار مفاوضات الحل النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ وتكمن هذه الأهمية الخاصة في أن مدينة الخليل تُعَد مركزاً لبعض المتطرفين من المستوطنين نظراً لأهميتها الدينية. وإن جاز القول فالخليل ثاني مدينة مقدَّسة في أرض فلسطين بعد القدس الشريف.

وفجر يوم الجمعة الأخيرة من شهر رمضان الموافق 25 فبراير عام 1994 سمحت القوات الإسرائيلية التي تقوم على حراسة الحرم الإبراهيمي بدخول المستوطن اليهودي المعروف بتطرفه باروخ جولدشتاين إلى الحرم الشريف وهو يحمل بندقيته الآلية وعدداً من خزائن الذخيرة المجهزة. وعلى الفور شرع جولدشتاين في حصد المصلين داخل المسجد. وأسفرت المذبحة عن استشهاد 60 فلسطينياً فضلاً عن إصابة عشرات آخرين بجراح، وذلك قبل أن يتمكن من تبقَّى على قيد الحياة من السيطرة عليه وقتله.

ولقد تردد أن أكثر من مسلح إسرائيلي شارك في المذبحة إلا أن الرواية التي سادت تذهب إلى انفراد جولدشتاين بإطلاق النار داخل الحرم الإبراهيمي. ومع ذلك فإن تعامل الجنود الإسرائيليين والمستوطنين المسلحين مع ردود الفعل التلقائية الفورية إزاء المذبحة التي تمثلت في المظاهرات الفلسطينية اتسمت باستخدام الرصاص الحي بشكل مكثَّف، وفي غضون أقل من 24 ساعة على المذبحة سقط 53 شهيداً فلسطينياً أيضاً في مناطق متفرقة ومنها الخليل نفسها.

وسارعت الحكومة الإسرائيلية إلى إدانة المذبحة معلنةً تمسكها بعملية السلام مع الفلسطينيين. كما سعت إلى حصر مسئوليتها في شخص واحد هو جولد شتاين واكتفت باعتقال عدد محدود من رموز جماعتي كاخ وكاهانا ممن أعلنوا استحسانهم جريمة جولد شتاين، وأصدرت قراراً بحظر نشاط المنظمتين الفج. ولكن من الواضح أن كل هذه الإجراءات إجراءات شكلية ليس لها مضمون حقيقي. فالنخبة الإسرائيلية، وضمنها حكومة ائتلاف العمل، تجاهلت عن عمد المساس بأوضاع المستوطنين ومن ذلك نزع سلاحهم.

ولا شك في أن مستوطنة كريات أربع في قلب الخليل (وهي المستوطنة التي جاء منها جولد شتاين) تمثل حالة نماذجية سافرة لخطورة إرهاب المستوطنين الذين ظلوا يحتفظون بأسلحتهم، بل حرصت حكومة العمل، ومن بعدها حكومة الليكود على الاستمرار في تغذية أحلامهم الاستيطانية بالبقاء في الخليل ودغدغة هواجسهم الأمنية بالاستمرار في تسليحهم في مواجهة الفلسطينيين العزل. بل تعمدت حكومتا العمل والليكود كلتاهما تأجيل إعادة الانتشار المقرر بمقتضى الاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية كي تضمن لحوالي أربعة آلاف مستوطن يهودي بالخليل أسباب البقاء على أسس عنصرية متميِّزة (أمنية ومعيشية) في مواجهة مائة ألف فلسطيني لا زالوا معرَّضين لخطر مذابح أخرى على طراز جولد شتاين.

وتكمن أهمية جولد شتاين في أنه يمثل نموذجاً للإرهابي الصهيوني الذي لا يزال من الوارد أن تفرز أمثاله مرحلة ما بعد أوسلو. ورغم أن مهنة جولد شتاين هي الطب فقد دفعه النظام الاجتماعي التعليمي الذي نشأ فيه كمستوطن إلى ممارسات عنصرية اشتهر بها ومنها الامتناع عن علاج الفلسطينيين، وجولد شتاين يطنطن بعبارات عن استباحة دم غير اليهود ويحتفظ بذكريات جيدة من جيش إسرائيل الذي تعلَّم أثناء خدمته به ممارسة الاستعلاء المسلح على الفلسطينيين. وهو في كل الأحوال كمستوطن لا يفارقه سلاحه أينما ذهب.

ومما يبرهن على قابلية تكرار نموذج جولد شتاين مستقبلاً قيام مستوطن آخر بإطلاق النار في سوق الخليل على الفلسطينيين العزل بعد ثلاثة أعوام من مذبحة الحرم الإبراهيمـي. وقد تحوَّل قـبر جــولد شتاين إلى مزار مقــدَّس للمسـتوطنين الصهـاينــة في الضـفة الغربية!

مذبحة قانا (18 أبريل 1996(
Qana Massacre
وقعت مذبحة قانا في يوم 18 أبريل 1996، وهي جزء من عملية كبيرة سُميَّت «عملية عناقيد الغضب» بدأت في يوم 11 من الشهر نفسه واستمرت حتى 27 منه حين تم وقف إطلاق النار. وتُعَد هذه العملية الرابعة من نوعها للجيش الإسرائيلي تجاه لبنان بعد اجتياح 1978 وغزو 1982، واجتياح 1993، واستهدفت 159 بلدة وقرية في الجنوب والبقاع الغربي.

كانت هذه العملية تستهدف ثلاثة أهداف أساسية غير تلك التي أعلنها القادة والزعماء الرسميون والإعلاميون في إسرائيل: الحد من عملية تآكل هيبة الجيش الإسرائيلي، ومحاولة نزع سلاح حزب الله أو على الأقل تحجيمه وتقييد نشاطه من خلال الضغط إلى الدرجة القصوى على القيادتين اللبنانية والسورية لتحقيق هذا الهدف، ورفع معنويات عملاء إسرائيل في جيش لبنان الجنوبي الموالي للكيان الصهيوني الذي يعيش جنده وقادته حالة رعب وقلق وارتباك وخوف على المصير المتوقع بعد الوصول لتسوية نهائية للوضع في لبنان. وكانت الزعامات الصهيونية في إسرائيل قد أعلنت أن الهدف من وراء هذه العملية هو أمن مستعمرات الشمال وأمن الجنود الإسرائيليين في الحزام المحتل في جنوب لبنان، إلا أن المراقبين رصدوا تصريحات لوزراء الدفاع والخارجية، بل شيمون بيريز نفسه (رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت) تشير للأهداف الثلاثة التي ذكرناها سلفاً.

ولا يمكن تجاهل اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية ورغبة رئيس الوزراء (شيمون بيريز) آنذاك في استعراض سطوته وجبروته أمام الناخب الإسرائيلي حتى يواجه الانتقادات التي وجهها له المتشددون داخل إسرائيل بعد الخطوات التي قطعها في سبيل تحقيق هذا قدر يسير من التفاهم مع العرب.

فمنذ تفاهم يوليه 1993 الذي تم التوصل إليه في أعقاب اجتياح 1993 المعروف بعملية «تصفية الحسابات»، التزم الطرفان اللبناني والصهيوني بعدم التعرض للمدنيين. والتزم الجانب اللبناني بهذا التفاهم وانصرف عن مهاجمة شمال إسرائيل إلى محاولة تطهير جنوب لبنان من القوات التي احتلته في غزو 1982 المعروف بعملية «تأمين الجليل». ومع تزايد قوة وجرأة حزب الله في مقاومة القوات المحتلة لجنوب لبنان فزعت إسرائيل وشرعت في خرق التفاهم ومهاجمة المدنيين قبل العسكريين في عمليات محدودة إلى أن فَقَدت أعصابها، الأمر الذي ترجمه شيمون بيريز إلى عملية عسكرية يحاول بها أن يسترد بها هيبة جيش إسرائيل الذي تحطَّم على صخرة المقاومتين اللبنانية والفلسطينية ويستعيد بها الوجه العسكري لحزب العمل بعد أن فَقَد الجنرال السابق رابين باغتياله.

ومما يُعَد ذا دلالة في وصف سلوك الإسرائيليين بالهلع هو حجم الذخيرة المُستخدَمة مقارنةً بضآلة القطاع المُستهدَف. فرغم صغر حجم القطاع المُستهدَف عسكرياً وهو جنوب لبنان والبقاع الغربي إلا أن طائرات الجيش الإسرائيلي قامت بحوالي 1500 طلعة جوية وتم إطلاق أكثر من 32 ألف قذيفة، أي أن المعدل اليومي لاستخدام القوات الإسرائيلية كان 89 طلعة جوية، و1882 قذيفة مدفعية.

وقد تدفَّق المهاجرون اللبنانيون على مقار قوات الأمم المتحدة المتواجدة بالجنوب ومنها مقر الكتيبة الفيجية في بلدة قانا. فقامت القوات الإسرائيلية بقذف الموقع الذي كان يضم 800 لبنانياً (إلى جانب قيامها بمجارز أخرى في الوقت نفسه في بلدة النبطية ومجدل زون وسحمر وجبل لبنان وعاث في اللبنانيين المدنيين العزل تقتيلاً).

وأسفرت هذه العملية عن مقتل 250 لبنانياً منهم 110 لبنانيين في قانا وحدها، بالإضافة للعسكريين اللبنانيين والسوريين وعدد من شهداء حزب الله. كما بلغ عدد الجرحى الإجمالي 368 جريحاً، بينهم 359 مدنياً، وتيتَّم في هذه المجزرة أكثر من 60 طفلاً قاصراً.

وبعد قصف قانا سرعان ما تحوَّل هذا إلى فضيحة كبرى لإسرائيل أمام العالم فسارعت بالإعلان أن قصف الموقع تم عن طريق الخطأ. ولكن الأدلة على كذب القوات الإسرائيلية بدأت تظهر وتمثَّل الدليل الأول في فيلم فيديو تم تصويره للموقع والمنطقة المحيطة به أثناء القصف وظهرت فيه لقطة توضح طائرة استطلاع إسرائيلية بدون طيار تُستخدَم في توجيه المدفعية وهي تُحلق فوق الموقع أثناء القصف المدفعي. بالإضافة لما أعلنه شهود العيان من العاملين في الأمم المتحدة من أنهم شاهدوا طائرتين مروحيتين بالقرب من الموقع المنكوب. ومن جانبه علَّق رئيس الوزراء الإسرائيلي (شيمون بيريز) بقوله: "إنها فضيحة أن يكون هناك 800 مدني يقبعون أسفل سقف من الصاج ولا تبلغنا الأمم المتحدة بذلك". وجاء الرد سريعاً واضحاً، إذ أعلن مسئولو الأمم المتحدة أنهم أخبروا إسرائيل مراراً بوجود تسعة آلاف لاجئ مدني يحتمون بمواقع تابعة للأمم المتحدة. كما أعلنوا للعالم أجمع أن إسرائيل وجهت نيرانها للقوات الدولية ولمنشآت الأمم المتحدة 242 مرة في تلك الفترة، وأنهم نبَّهوا القوات الإسـرائيلية إلى اعتدائها على موقـع القوات الدولية في قانا أثناء القصف.

ولقد أكد تقرير الأمم المتحدة مسئولية حكومة شيمون بيريز وجيشه عن هذه المذبحة المتعمدة. ورغم الضغوط الأمريكية والإسرائيلية التي مورست على الدكتور بطرس غالي أمين عام الأمم المتحدة آنذاك لإجباره على التستر على مضمون هذا التقرير فإن دكتور غالي كشف عن جوانب فيه، وهو الأمر الذي قيل إنه كان من بين أسباب إصرار واشنطن على حرمانه من الاستمرار في موقعه الدولي لفترة ثانية.

وفي عام 1997 اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يدعو إسرائيل لدفع تعويضات لضحايا المذبحة، وهو الأمر الذي رفضته تل أبيب.

وتكتسب هذه المذبحة أهمية خاصة على ضوء أن حكومة ائتلاف العمل الإسرائيلي تتحمل المسئولية عنها رغم ما روجته عن سعيها الصادق من أجل السلام مع العرب ودعوة شيمون بيريز لفكرة السوق الشرق أوسطية. ومن المفارقات التي تستحق التسجيل أنه رغم قيامه بعملية عناقيد الغضب (ومذبحة قانا) إلا أنها لم تحقق أياً من أغراضها المباشرة أو غير المباشرة، فالمقاومة لا تزال مستمرة في جنوب لبنان وبيريز لم يُنتخَب رئيساً للوزراء.

الإرهاب الإسرائيلي/الصهيوني بعد أوسلو
Israeli-Zionest Terrorism after Oslo
لم يتضمن إعلان المبادئ بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية (واشنطن 13 سبتمبر 1993) والمعروف باتفاقات أوسلو نصوصاً محددة تنطوي على تعهد إسرائيلي أساسي وصريح وشامل بالتخلي عن ممارسة الإرهاب. ومع هذا كان من المتصور أن توقيع اتفاقية أوسلو سيخلق واقعاً جديداً في العلاقة بين الشعب الفلسطيني وحكومة المستوطنين الصهاينة لاعتبارات عدة يمكن أن نوجزها فيما يلي:

1 ـ تراجُع الاحتكاك بين الفلسطينيين والقوة العسكرية الصهيونية بسبب تقلص سلطات الاحتلال فوق مناطق تركز الكثافة السكانية للشعب الفلسطيني في الضفة وغزة.

2 ـ كان المفروض أن السوق الشرق أوسطية والمؤتمرات الاقتصادية المختلفة ستؤدي إلى ظهور علاقات اقتصادية قوية بين الدول العربية (وضمن ذلك السلطة الفلسطينية) وهي علاقات تتجاوز الخلافات العقائدية والحضارية السابقة.

3 ـ كان المفروض أن تقوم السلطة الفلسطينية بمكافحة "الإرهاب" والقضاء على أية مقاومة للاحتلال الصهيوني، الأمر الذي يعفي سلطات الاحتلال الصهيوني من هذه المهام.

وكل هذه العناصر إن هي إلا تعبير عن صهيونية عصر ما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد ونهاية التاريخ، فهي تفضل اللجوء إلى التفكيك من خلال آليات غير مباشرة بدلاً من المواجهة القتالية المباشرة (على أن يقوم بهذا الدور أفراد "متطرفون" يمكن التحلل من جرائمهم). وقد لوحظ أنه مع مذبحة الخليل تم استنفار الجماهير العربية واستعادة الروح الجهادية والذاكرة التاريخية وهو ما يتنافى ومرامي النظام الاستعماري الجديد.

ولكن رغم كل هذا يبدو أن البنية الاستيطانية الإحلالية العنصرية للكيان الصهيوني، بما تحتويه من إرهاب حتمي، تجعل توقُّع تلاشي الإرهاب الصهيوني أو حتى احتواؤه دون فك هذه البنية أو التخلص منها أمراً شبه مستحيل.

وعلى أية حال صيغت الاتفاقات المتلاحقة بين إسرائيل والقيادة الفلسطينية على نحو يجعل لهواجس الأمن الإسرائيلي أولوية شبه مطلقة. فنصوص أوسلو وما تلاها قد انطوت على تزييف واضح للأدوار التي لعبها الفلسطينيون والإسرائيليون إذ أصبح الفلسطينيون هم الطرف الذي تطارده لعنة الاتهام بممارسة الإرهاب وباتت أعمال المقاومة الوطنيــة لسـلطات الاحتـلال تشـكل "إرهاباً" وموضع إدانة ومطعـوناً في مشروعيتها بمقتضى النصوص التعاقدية بن الجانبين.

والجدير بالذكر أن تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية بما في ذلك منظمة العفو كانت قد التفتت مبكراً وفور اتفاقات أوسلو إلى خلو النصوص من الضمانات الأساسية اللازمة لحقوق الفلسطينيين. وجاءت ممارسات إسرائيل على الأرض خلال الفترة الانتقالية (الحكم الذاتي) لتعزيز الاعتقاد بأن الدولة التي لم تعلن تخليها عن عقيدتها الصهيونية العنصرية لم تتجه إلى التفريط في آليات العنف الإرهابي الذي طالما ظلت ولا تزال تعتمده مكوناً أساسياً في تعاملها مع الآخر (الفلسطيني والعربي).

ولقد شهدت الشهور القليلة التي تلت اتفاق أوسلو استمرار السلطات الإسرائيلية في أعمال قتل وإصابة الفلسطينيين فوق أراضيهم المحتلة فضلاً عن اعتماد الاعتقال والسجن والتعذيب سياسة مستقرة في التعامل مع الشعب الفلسطيني.

وإذا كانت عمليات الإفراج عن أعداد من المعتقلين الفلسطينيين قد اجتذبت جهود المفاوضين واهتمام وسائل الإعلام، فإن تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية اللاحقة على أوسلو تسجل مواصلة حملات الاعتقال الجماعي (ويقول تقرير لمنظمة العفو الدولية ـ استناداً إلى إحصاءات رسمية ـ إن ما يزيد عن 6 آلاف فلسطيني اعتقلتهم إسرائيل بعد سبتمبر 1993 وحتى نهاية عام 1994).

وأبقت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بقيادة العمل أو الليكود على نفس القوانين العسكرية العنصرية (التمييزية) ضد الفلسطينيين لتلاحقهم بها أينما ظلت سلطاتها فاعلة في الضفة وغزة والقدس. بل استمر اتجاه السياسات الإرهابية الإسرائيلية نحو المزيد من التشدد حيث اتخذت قرارها في 5 فبراير 1995 بتمديد فترة الاعتقال الإداري في حدها الأقصى من 6 شهور إلى عام كامل قابل للتجديد.

ولا يخلو تقرير لمنظمات حقوق الإنسان الدولية بعد أوسلو من رصد إدانة لاتخاذ إسرائيل التعذيب سياسة معتمدة رسمية ضد الفلسطينيين. وفي عام 1997 دعا بيان لجنة الأمم المتحدة إسرائيل مجدداً إلى التوقف الفوري عن ممارسة التعذيب. ويلفت النظر أن حكومة رابين التي كانت تلبس ثياب الإيمان بالسلام حاولت إصدار تشريعات خلال عام 1995 لإضفاء المشروعية على ممارسة التعذيب ولكنها اضطرت للتراجع تحت ضغط دولي. إلا أن تجذر الإرهاب العنصري داخل المؤسسات الإسرائيلية دفع المحكمة العليا في نوفمبر 1996 للإقرار للمحققين الإسرائيليين باستخدام ما وصفه بدرجة محددة من الإجبار والضغط البدنيين للحصول على معلومات من الفلسطينيين وذلك تحت دعوى "أمن إسرائيل" والحق في مكافحة ما وصفته "بالإرهاب الفلسطيني الأصولي ".

وكما أسلفنا، كان من المتصور أن تنحسر ممارسات إطلاق النار والاعتقال والسجن والتعذيب وهدم المنازل مع تقلُّص سلطات الاحتلال فوق الضفة والقطاع ومع تقدُّم عملية الحكم الذاتي الفلسطيني، إلا أن آليات العقاب الجماعي شهدت تطوراً في اتجاه ترسيخ أسلوب الحصار والتجويع عن طريق ما يُسمَّى "بالإغلاق الأمني" سواء لكل أنحاء الضفة والقطاع أو لمناطق محددة منهما.

وتؤكد خبرة السنوات الماضية منذ توقيع اتفاق أوسلو وبدء إعادة الانتشار الإسرائيلي أن الحكومات بقيادة حزبي العمل أو الليكود تنتهج فرض الحصار والتجويع عقب أية عملية تستهدف الإسرائيليين أو لأغراض الضغط على المفاوض الفلسطيني. ولا يمكن فهم ما يُسمَّى "بالإغلاق الأمني" بمعزل عن الطبيعة الاستعمارية الصهيونية التي تسعى لتحويل مناطق الحكم الذاتي إلى "معازل" على غرار تجربة جنوب أفريقيا العنصرية في السابق.

كما تقترن سياسة الحصار والتجويع هذه عادةً بتهديدات إرهابية من كبار المسئولين الإسرائيليين بإعادة اقتحام مناطق الحكم الذاتي لشن "عمليات تأديب" داخلها. وبحجة الأمن الإسرائيلي أيضاً يمتد نشاط إرهاب الدولة إلى الدول العربية وذلك في ظل الترويج لمشروع التعاون الشرق أوسطي. وتظل الاعتبارات المتحكمة في المشروع الصهيوني هي السائدة في مواجهة مقاومة الاحتلال. وتجسد حالة لبنان سطوة هذه الاعتبارات الصهيونية إذ لم يتورع شيمون بيريز "مهندس" الشرق أوسطية عن شن عدوان وحشي على لبنان في مارس وأبريل 1996وارتكاب مذبحة "قانا".

ولعل أكثر الإشكاليات المطروحة بشأن الإرهاب الإسرائيلي بعد أوسلو هي: العلاقة بين الدولة والمستوطنين. ويوحي اغتيال إسحق رابين رئيس الوزراء السابق على يد مستوطن يهودي ـ في سابقة تُعَد الأولى في تاريخ التجمُّع الصهيوني ـ بأن إرهاب المستوطنين يأخذ طابعاً مستقلاً عن الدولة إن لم نقل متحدياً لهيبتها وسياساتها. وربما يعزز ذلك الإيحاء عودة المستوطنين إلى اتخاذ المبادرة في أعمال إرهابية مدوية من قبيل مذبحة الحرم الإبراهيمي بالخليل وإطلاق النار على سوق المدينة نفسها قبيل أيام من التوصل إلى اتفاق إعادة الانتشار بها.

وتتجه أنشطة المستوطنين الإرهابية إلى التبلور مرة أخرى في أشكال تنظيمية بعد فترة سابقة من الكمون ورغم قرار الحكومة الإسرائيلية حظر جماعتي كاخ وكاهاناحي، فإن اسمي هاتين الجماعتين وقيادتيهما يعود إلى الظهور في أعمال إرهابية متفرقة ضد الفلسطينيين.

ولعل أوضح الأشكال التنظيمية حضوراً بعد اتفاق أوسلو هو ما يُسمَّى "بلجنة الأمن على الطرق" والتي تعود أصلاً إلى عام 1988. ولكنها لم تظهر بقوة سوى بعد سبتمبر 1993. ويبدو دور هذا التنظيم الاستيطاني ـ الذي يتكون من مجموعات شبه مستقلة عن بعضها ـ متمماً لصيغة الطرق الالتفافية وآلية "الحصار الجماعي".

ومن الواضح أن مجموعات الأمن على الطرق تحاول بث أقصى درجات الفزع بين الفلسطينيين لإجبارهم على التزام حالة من الوجود الهامشي حيث يتعين عليهم تحت تأثير الفزع التحرك في هامش بالغ الضيق داخل مناطق الحكم الذاتي وحولها. وتعتبر هذه المجموعات أن غايتها هي تكثيف شعور الفلسطينيين بانعدام الأمن والسلامة خارج مناطق أو معازل الحكم الذاتي وتأكيد انفصال هذه (المناطق/المعازل) عن بعضها البعض.

وتتغاضى الحكومات الإسرائيلية بقيادة حزبي العمل والليكود عن النشاط الإرهابي لمجموعات الأمن على الطرق. ويدلي قادة هذه المجموعات بتصريحات متكررة عن أنشطتهم الإرهابية لوسائل الإعلام الإسرائيلية دون أن يتلقوا إشارة ردع من السلطات. بل إن هذه التصريحات تحمل الطابع التفاخري الذي بات شهيراً في تاريخ الإرهاب الصهيوني.

وإذ كان هناك تصور يقضي بأن المستوطنين يمارسون ضغوطاً على الحكومة الإسرائيلية لقطع الطريق على احتمال إخلاء المستوطنات وأن هذه الضغوط وصلت إلى حد التهديد بالعصيان ضد الحكومة نفسها، فإن علاقة إرهاب المستوطنين بالدولة تظل تميل إلى كونها أقرب إلى علاقات التعاون والتكامل في إطار ثوابت المشروع الصيهوني.

وبعد مرور سنوات على اتفاق أوسلو فإن الدولة الصهيونية تُبقي على قوانينها التمييزية العنصرية لصالح مشروعية إرهاب المستوطنين الموجه إلى الفلسطينيين. كما أن الحكومات بقيادة حزبي الليكود أو العمل لم تقترب مطلقاً من محاولة التفكير في المساس بصورة المستوطن اليهودي المسلح. ورغم مذبحة الخليل فإن السلطات الإسرائيلية لم تسع مطلقاً لنزع سلاح المستوطنين، بل يحق التساؤل عن وجود تخطيط مسبق في قرار اتخذته الحكومة الإسرائيلية قبل أسابيع معدودة من اتفاق أوسلو يقضي بتحديث تسليح المستوطنين والسماح بحرية حركة مطلقة في تجولهم بأسلحتهم بالضفة وغزة (القرار صدر في مارس 1993).

ويؤكد المفكر الباحث الإسرائيلي إسرائيل شاهالو أن ثمة علاقة وثيقة بين الدولة والجيش والمستوطنين في القضايا الأمنية بعد اتفاق أوسلو. كما يرصد التحول في خصائص المستوطن اليهودي من أجل الكيبوتس بوصفه "مزارعاً أو عاملاً مسلحاً" إلى رجل المستوطنات الأمنية والدينية بوصفه "موظفاً ومجنداً لدى جهاز الدولة". فأعتى المستوطنين اليهود تطرفاً هم بالأساس يعملون كموظفين مدنيين أو عســكريين يعيـشون على أمـوال ودعـم الحكومة الإسرائيلية. وتقدَّر مع حلول النصف الثاني من التسعينيات نسبــة الموظفين التابعين لأنشطة الدولة بين المستوطنين بأكثر من الثلثين.

والحكومة الإسرائيلية تبدو بعد أوسلو رهينة لميول المستوطنين المتطرفة والإرهابية ولذا فإنها لم تبد بعد أي استعداد للتخفف بجدية من بعض مهامها القمعية والإرهابية الرسمية ضد الفلسطينيين في ظل التفاوض مع قيادتهم.

ومن الواضح أن عمليات الإرهاب المؤسسية، أي التي تقوم بها أجهزة الدولة الصهيونية، لا تزال نشيطة لأقصى درجة، الأمر الذى يتضح في اغتيال الشهيد "المهندس" يحيى عياش، وفي محاولة اغتيال خالد مشعل، من خلال استخدام سلاح لا تزال هويته غير معروفة،وإن كان يبدو أنه من الأسلحة الميكروبية التي تحظر هيئة الأمم استخدامها.

ويظل مستقبل الإرهاب الإسرائيلي (دولة ومستوطنين) رهناً بانتزاع الطبيعة الصهيونية، أي الاستيطانية الإحلالية العنصرية، وبتخلي الحكومات الإسرائيلية عن شعار "الأمن اليهودي أولاً" وهو أمر لم تتضح بعد شواهد جدية عليه رغم الاقتراب من انتهاء المرحلة الانتقالية للحكم الذاتي (والمقرر لها خمس سنوات).

وفي ضوء خبرة ما بعد أوسلو يمكن القول بأن حدود وأشكال الإرهاب الصهيوني الإسرائيلي قد انحسرت جزئياً على رقعة الجغرافيا وذلك بحكم تسلُّم الحكم الذاتي لسلطاته في أكثر من بقعة بالضفة والقطاع، ولكن يبقى صحيحاً أن الدوافع التاريخية المزمنة لهذا الإرهاب لم تنتف بعد.


الجزء الرابع: النظام الاستيطاني الصهيوني



الباب الأول: الاستيطان والاقتصاد


الاقتصاد الاستيطاني الصهيوني في فلسطين قبل عام 1948: أسباب ظهوره
Zionist Settler Economy in Palestine before 1948: Reasons Leading to Its Emergence
لا يُحكَم على اقتصاد أية دولة بالنجاح أو الفشل من خلال معايير اقتصادية عامة وإنما من خلال مشروعها القومي ككل. ففي النظم الرأسمالية يكون المعيار الأساسي عادةً هو الربح ومراكمة الثروة وربما توسيع نطاق الحرية الفردية، وخصوصاً حرية رأس المال. أما في في النمط الاشتراكي فيكون المعيار هو التقدم العلمي والتكنولوجي الذي لا يتناقض مع مفاهيم العدالة الاجتماعية وسيطرة الطبقة العاملة على وسائل الإنتاج حتى لا تنشأ طبقة رأسمالية تفرض أيديولوجيتها. وإسرائيل قد يكون لها كثير من الملامح "الاشتراكية" وبعض الملامح الرأسمالية (الاقتصاد الحر)، ولكنها لا تنتمي إلى أيٍّ من النمطين، بل تنتمي إلى ما يمكن تسميته «الاقتصاد الاستيطاني» الذي يأخذ أشكالاً متباينة تختلف من مجتمع لآخر، ومع هذا يتسم ببعض السمات الثابتة التي لا تتغيَّر.

ومن أهم هذه السمات أن الاقتصاد الاستيطاني يعطي الأولوية للاعتبارات الاستيطانية على أية اعتبارات أخرى، بمعنى أنه في حالة تعارُض مقتضيات الرشد الاقتصادي (القائمة على حساب التكلفة الاقتصادية والمردود الاقتصادي) مع النشاط الاستيطاني فإن الأولوية لا تكون للاعتبارات الاقتصادية وإنما لضرورات الاستيطان. وأهم هذه الضرورات الأمن والبقاء المادي، وهذا أمر مفهوم تماماً، فالاعتبارات الاقتصادية تعبير عن الرغبة في النجاح الاقتصادي، بينما يرتبط الأمن بوجود الجيب الاستيطاني نفسه، والنجاح الاقتصادي يأتي في المرتبة الثانية بعد البقاء المادي. ويرتبط بالبقاء المادي البقاء الإثني أو الحضاري والاجتماعي وهو يعنى أن جماعة المستوطنين تود الحفاظ على نفسها كجماعة بشرية مستقلة ذات خصائص مستقلة.

وهذا الاستقلال الإثني والاجتماعي مرتبط تمام الارتباط باستمرار جماعة المستوطنين باعتبارها جماعة غازية متفوقة عسكرياً تقوم باستغلال السكان الأصليين وإبادتهم إن لزم الأمر. فهذا الاستغلال يصبح الأساس المعنوي والخلقي الذي يُولِّد الديباجات العنصرية ويبرر عمليات القتل والغزو، وهو يحل مشكلة المعنى بالنسبة للمستوطنين. ولذا تقوم جماعة المستوطنين بعزل نفسها عن السكان الأصليين وتلجأ لشعائر اجتماعية مركبة وقوانين مباشرة لتحقيق هذا الهدف.

والبُعدان (الأمني والثقافي) ليسا منفصلين بأية حال فهما وجهان لعملة واحدة. فالاستقلال الثقافي والحضاري وما يؤدى له من عزلة وما يصاحبه من عمليات استغلال وقهر للآخر تستجلب العداء الذي يؤدي إلى تفاقم المشكلة الأمنية. وتؤدي المشكلة الأمنية بدورها إلى تعميق العزلة الثقافية فالاجتماعية.

يؤدي هذا الوضع إلى إفراز أهم سمات الاقتصاد الاستيطاني، أي جماعيته وعسكريته (التي يسمونها في الخطاب الصهيوني «التعاونية الاشتراكية»). ففي داخل هذا الإطار من العزلة ومع سيطرة الهاجس الأمني يصبح وضع المستوطن بمفرده في مواجهة البيئة الطبيعية والإنسانية المعادية أمراً مستحيلاً، إذ لابد من حشد الجهود البشرية والمادية، ولابد من التنظيم الاقتصادي والعسكري. وهذا ما فعله المستوطنون الصهاينة، فقد حوَّلوا أنفسهم إلى جماعة استيطانية متماسكة منظمة عسكرياً تستبعد العرب، وقاموا بتطوير مؤسسات "اقتصادية" وزراعية لا تخضع لمقاييس الرشد الاقتصادي ولا تنبع من مفهوم الجدوى الاقتصادية وتهدف إلى تكثيف جهود الأفراد وتجميع مصادرهم البشرية (المزارع الجماعية ـ الهستدروت)، وطوَّروا مجموعة من المفاهيم ذات الطابع الجماعي التي لا تكترث بالعائد الاقتصادي (العمل العبري ـ اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج(.

وكما صرح أحد الزعماء الصهاينة، فإن المشروعات الناجحة هي أقل المشروعات نفعاً من الناحية الاستيطانية (لاعتمادها على العمل العربي والمستهلك العربي ولصعوبة الدفاع عنها... إلخ). أما المشروعات الصهيونية الخاسرة مالياً، فهي أكثرها نفعاً لانفصالها الكامل ولاعتمادها على العمل العبري والسوق العبرية، أي أنها النواة الحقيقية للدولة الصهيونية المنفصلة.

وجماعية هذا الاقتصاد أو "تعاونيته" تعبير عن ضرورات الاستيطان العسكرية الأمنية وليست تعبيراً عن رؤية إنسانية ترى أسبقية المجتمع على الفرد والعدالة الاجتماعية على الربح. ولذا نجد أن كل المجتمعات الاستيطانية، وخصوصاً الإحلالية، تأخذ هذا الشكل الجماعي في التنظيم في مراحل الاستيطان الأولى. فالبيوريتان (المتطهرون) المستوطنون الأوائل في الولايات المتحدة كانوا أصحاب واحدة من أكثر الأيديولوجيات الرأسمالية البروتستانتية تطرفاً في فرديتها، ومع هذا نظموا أنفسهم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً بشكل جماعي، ففي مواجهة السكان الأصليين كان عليهم أن يفعلوا هذا.

بعد أن تناولنا السمة الأساسية للاقتصاد الاستيطاني (الجماعية) والسبب الأساسي لظهورها (الهاجس الأمني) قد يكون من المفيد الإشارة إلى بعض العناصر المقصورة على المشروع الصهيوني التي دعمت من هذه الجماعية وغلَّبت الاعتبارات الاستيطانية على اعتبارات الجدوى الاقتصادية:

1 ـ ينظر التشكيل الإمبريالي الغربي إلى الدولة الصهيونية باعتبارها قـاعدة عسـكرية متقدمة بالدرجة الأولى، ومركزاً استثمارياً بالدرجة الثانية. ولذا فالاعتبار العسكري بالنسبة للقوة الراعية كان أكثر أهمية من الاعتبارات الاقتصادية.

2 ـ تقوم الدولة الصهيونية والمنظمة الصهيونية "العالمية" بجمع التبرعات من يهود العالم، وهذه التبرعات، شأنها شأن الدعم الغربي، تصب في المُستوطَن الصهيوني من خلال مؤسسات الدولة المختلفة.

3 ـ الدولة الصهيونية دولة وظيفية تتمتع بالدعم السخي الذي يقدمه التشكيل الإمبريالي الغربي، الذي كان يصب في المُستوطَن الصهيوني من خلال مؤسسات الدولة الصهيونية مما يعني تقوية قبضتها وتقوية جماعية الاقتصاد.

4 ـ مما ساعد على تقوية الجانب الجماعي الاقتصادي الصهيوني ظهور النازية في ألمانيا إذ تم عقد معاهدة الهعفراه بين الصهاينة والنازيين التي أدت إلى تدفُّق كثير من المهاجرين اليهود الألمان ورؤوس الأموال على هيئة بضائع ومعدات قدمتها ألمانيا النازية إلى المستوطنين في فلسطين. وبعد قيام الدولة الصهيونية دفعت ألمانيا مبالغ طائلة كتعويضات للدولة الصهيونية عما لحق باليهود من أذى. وكل هذه المعونات تقوي شوكة الدولة والاقتصاد الجماعي.

5 ـ طرحت الدولة الصهيونية نفسها على مستوى الديباجة بوصفها دولة يهود العالم، أما على مستوى البنية فهي دولة استيطانية تحتاج دائماً لمادة بشرية للقتال والاستيطان، ومن ثم فلابد أن تفتح أبوابها للمهاجرين حتى لو تناقض ذلك مع مصالحها الاقتصادية المباشرة.

وتوجد أسباب خاصة بطبيعة المادة البشرية اليهودية التي تم نقلها (أي المستوطنين الصهاينة) دعمت النزعة الجماعية:

1 ـ كانت المادة البشرية التي سيتم نقلها من أوربا تحتاج إلى عملية تحديث وتطبيع (من المنظور الصهيوني)، أي شفاؤها من أمراض المنفى مثل الطفيلية والاشتغال بأعمال السمسرة والمضاربات، أي أنه كان المطلوب تحويل يهود الجيتو إلى شعب منتج يسيطر على كل المراحل الإنتاجية ويحقق لنفسه السيادة الاقتصادية والسياسية. كما أن عملية التحديث هذه كانت تعني في واقع الأمر تحويل يهودي الجيتو (السمسار المرابي) صاحب رأس المال الربوي الذي يستخدمه في عملية استغلال الشعوب (لصالح الأمير أو الحاكم) إلى المستوطن المقاتل الذي يحمل السلاح ضد السكان الأصليين ويقمعهم لصالح القوة الإمبريالية الراعية. وعمليات التحديث هذه كانت تتجاوز معايير الجدوى الاقتصادية، وتتطلب توليد روح جماعية في يهود الجيتو.

2 ـ كان معظم المستوطنين الصهاينة من طبقة البورجوازية الصغيرة أو البروليتاريا الرثة التي صعَّدت حركة الإعتاق أحلامها الطبقية على حين ضيَّقت الرأسماليات المحلية عليها الخناق، الأمر الذي جعلها مهددة دائماً بالهبوط إلى مستوى البروليتاريا. فكانت الصيغة التعاونية وسيلة تحقق قدراً من أحلامهم الطبقية بتحويلهم إلى ملاك زراعيين. ورغم أن الملكية لم تكن كاملة ولا فردية، إلا أنها مع هذا كانت نوعاً من الملكية يُشبع طموحهم الطبقي. فهم لم يصبحوا مجرد أجراء، والمالك لم يكن شخصاً معيناً وإنما شخصية معنوية تُسمَّى «الشعب اليهودي». وقد كان لهذه الملكية الصورية أثرها الكبير في تثبيت كثير من المستوطنين في أملاكهم "التعاونيـة" الجديدة رغم الظروف المعادية.

3 ـ كان من العسير إصدار الأوامر للمستوطنين وكان من الصعب عليهم تقبلها والانصياع لها، بحكم خلفيتهم الطبقية، ولذا كانت الصيغة التعاونية مناسبة لأقصى حد.

4 ـ كان كثير من المستوطنين الصهاينة يحملون أفكاراً وديباجات اشتراكية متطرفة كان لابد من تفريغها وتسريبها. وقد تم ذلك من خلال الاقتصاد الجماعي العسكري، الذي سُمِّي «تعاونياً اشتراكياً» واستُخدمت الديباجات الاشتراكية المتطرفة في تبريره.

5 ـ كان المهاجرون اليهود الجدد يأتون من وسط هامشي ولم تكن لهم خبرة بالزراعة، وبالتالي كانوا دائماً في حاجة إلى مساعدة وإشراف فنيين، ولهذا أمكن تدريب المزارعين الجدد على أيدي المزارعين ذوي الخبرة داخل إطار الاقتصاد الجماعي.

6 ـ كان مجتمع المستوطنين الصهاينة (ولا يزال إلى حدٍّ كبير) مجتمع مهاجرين. ومجتمع المهاجرين يتسم بسيولة كبيرة، فبعد استقرار فريق من المهاجرين كان كثير منهم يترك الأرض بعد قليل ليذهب إلى الولايات المتحدة حيث توجد فرص أفضل للعمل ومستوى معيشي أعلى. وقد تمكَّن الصهاينة من التغلب على هذه الصعوبة عن طريق الصيغة الجماعية لأن انسحاب بعض المزارعين لم يكن يعني التوقف الكامل للعملية الإنتاجية (الأمر الذي كان يمكن أن يحدث في حالة الملكية الفردية) وكانت الحركة الصهيونية تقوم باستبدال مهاجر آخر بمن ترك الأرض.

7 ـ أثبتت الصيغة الجماعية أنها أفضل الصيغ لاستيعاب المهاجرين الجدد، فهي قادرة على إيجاد أعمال ووظائف لهم، لأن المزارع التعاونية والتنظيمات الجماعية الأخرى كانت تشمل كل جوانب الحياة. كما ساهم التنظيم الجماعي في تخفيف حدة الصراعات العرقية داخل جماعات المستوطنين. فكل مهاجر كان ينضم للتنظيم التعاوني الذي تسود فيه قيمه الحضارية ويسيطر عليه بنو جلدته من رومانيين أو روس أو بولنديين وهكذا.

وقد أدرك القائمون على المنظمة الصهيونية والوكالة اليهودية هذه الحقيقة وأن الطريقة الوحيدة المتاحة أمام المشروع الصهيوني ليس مجرد الاستيلاء على الأرض وإنما إدارته على أساس جماعي عسكري. ولذا فرغم أن اتجاهاتهم الأيديولوجية كانت رأسمالية ليبرالية تؤمن بالاقتصاد الحر إلا أنها قبلت عملية التنظيم الجماعي هذه (التعاونية الاشتراكية) وقامت بدعمها وتمويلها بلا تردد ودون التقيد بأية اعتبارات اقتصادية أو أيديولوجية خارجية. فكانت الوكالة اليهودية تقوم بشراء الأرض (من سلطات الانتداب أو بعض الإقطاعيين العرب المقيمين خارج فلسطين أو من خلال وسطاء) باسم «الشعب اليهودي» وتؤجرها لتعاونية عمالية تدفع أجور العمال فيها حسب ما تنتجه كل مجموعة، وعيَّنت مديراً لكل تعاونية من قبَل المنظمة الصهيونية. وقد حل هذا الشكل من الزراعة كثيراً من مشاكل الاستيطان الصهيوني، فعلى سبيل المثال، يستطيع تجمُّع المستوطنين أن يُقسِّم نفسه إلى مجموعتين، تقوم واحدة بالزراعة والأخرى بالحراسة ومطاردة العرب وإرهابهم (والزراعة الصهيونية التي نسميها «الزراعة المسلحة» مرتبطة تمام الارتباط بالعسكرية الصهيونية، بحيث لا يمكن الفصل بينهما، فهما وجه واحد لعملية الاستيطان والاستيعاب). كما أن الحركة الصهيونية تستطيع أن تموِّل هذه التجمعات بحيث لا تؤدي عدم إنتاجيتها، بسبب جهل المستوطنين بشئون الزراعة، إلى سقوط الأرض مرة أخرى في يد العرب. أما المستوطنات التي تمنى بالخسائر الفادحة، فكانت المنظمة الصهيونية تقوم بدفع خسائرها، كما أن المستوطنة الجماعية التي يتلقى أعضاؤها أجرهم من المنظمة الصهيونية العالمية لن تحتاج للعمالة العربية الرخيصة.

وقد انتصر الاقتصاد الاستيطاني مع صعود الأحزاب العمالية إلى مواقع القيادة الصهيونية بانتصار جناح وايزمان في مؤتمر الحركة الصهيونية الذي عُقد في لندن سنة 1921، وتمكنت الأحزاب العمالية من السيطرة على رأس المال اليهودي العام الموجود في تصرُّف الحركة الصهيونية، على أساس أن ذلك يتيح لها فرصة تأسيس اقتصاد عمالي، أي استيطاني، قادر على إخضاع رأس المال الخاص ليعمل وفق أهداف بناء الدولة الصهيونية "الجماعية". واستطاعت الأحزاب العمالية إيجاد خطة لجذب المهاجرين الشبان.

وقد سيطر الهستدروت على الأنشطة الاقتصادية كافة وحدَّد مهامها بأنها توحيد العمال المستخدمين، وإنشاء كتائب العمل وجماعات الزراعة والحرث واستقبال المهاجرين. وكان تأسيس الهستدروت استمراراً لنفس الاستجابة لمعضلة الاقتصاد والأيديولوجيا الاستيطانية. فالهستدروت لم ينشأ للتعبير عن مصالح طبقة عاملة يهودية تبلورت في فلسطين وإنما أداة لخلق هذه الطبقة، ونواة للاقتصاد العمالي. كما أنه بامتلاكه العديد من المشروعات كان يسعى لتكوين علاقة خاصة جداً مع رأس المال الخاص، وهو ما عبَّر عنه بن جوريون بقوله: "إننا لا نسعى لمشاركة العمال في أعمال يديرها رأس المال الخاص ويشترك العمال في أرباحها، وإنما على العكس نسعى لمشاركة رأس المال الخاص في أعمال يديرها العمال ويشرف الهستدروت عليها، ويأخذ رأس المال الخاص نسبة ثابتة من أرباحها".

وتبدَّى عنصرا الجماعية والأمن باعتبارهما أهم أسس الاقتصاد العمالي في تنظيم الكيبوتس على أسس شبه عسكرية لتفريخ المُستوطن المقاتل، وقد تم تأسيس الهاجاناه بعد تأسيس الهستدروت بعام واحد، وتم تدريب عشرات الآلاف من أعضائها. ثم تأسست بعد ذلك قوتها الضاربة البالماخ عام 1941 لتأدية المهام الصعبة. وكان معظم أعضائها مرتبطين بالكيبوتس، وخصوصاً تلك الكيبوتسات التابعة للحزب الصهيوني ذي الديباجة اليسارية: المابام. وكانت الهاجاناه ضمن مسئولية الهستدروت، وضباطها في معظمهم مسئولون فيه، واعتبرت بمنزلة الجناح العسكري للمجتمع الجديد لتقوم بمهام الحماية وتوفير الأمن للاقتصاد الاستيطاني العمالي.

الاقتصاد الاستيطاني الصهيوني في فلسطين المحتلة بعد عام 1948
Zionist Settler Economy in Occupied Palestine after 1948
لم يختف الهاجس الأمني (الاستيطاني) بطبيعة الحال بعد عام 1948، بل ربما ازداد حدة. وقد تطلَّب هذا استمرار الصيغة الجماعية (التعاونية العمالية) وتهميش الاعتبارات الاقتصادية وتخصيص موارد اقتصادية هائلة لحراسة الحدود لضمان استمرار السيطرة الصهيونية على الأرض والسكان الأصليين واستيعاب المهاجرين الجدد وإعادة تأهيلهم وإتمام المشروع الصهيوني بما يتطلبه من تَوسُّع جغرافي ومحاولة التوصل إلى الحدود الآمنة بشكل نهائي وتحديث الجيش الإسرائيلي وتزويده بكل الأسلحة التي يحتاجها وبناء صناعة سلاح ذات تكنولوجيا عالية متطورة.

وقد تمكنت الأحزاب العمالية من تأسيس نظام اقتصادي تقوم فيه الدولة بالإشراف والتخطيط المركزي الذي يشمل مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية كافة، كما أنها تشرف على كل مجالات النشاط الاقتصادي عَبْر سياساتها الضريبية والنقدية والمالية، وعَبْر سياسة التشجيع والدعم حتى أنه يمكن القول بأن دور الدولة في الاقتصاد الإسرائيلي أكبر من دور أية دولة أخرى في اقتصادها، عدا الدول الشيوعية.

وقد ظل نموذج الصهيونية العمالية، وقوامها الهستدروت، المَعْلم الأساسي للاقتصاد العمالي في فلسطين قبل عام 1948، ثم للاقتصاد الإسرائيلي بعد قيام الدولة، إلى أن بدأ اهتزاز هذا النموذج مع الأزمة الاقتصادية التي بدأت في أعقاب عام 1973، وبلغت ذروتها في منتصف الثمانينيات معلنة عن انتهاء قدرة هذا النمط من الإدارة الاقتصادية على الاستمرار وتجاوز أزماته.

الاقتصـاد العـمـالي
Labour Economy
«الاقتصاد العمالي« مصطلح يكاد يكون مترادفاً مع مصطلح «الاقتصاد الاستيطاني الصهيوني». ونحن نذهب إلى أن ثمة نمطاً عاماً من الاقتصاد الاستيطاني يوجد في كل الجيوب الاستيطانية سمته الأساسية هي الجماعية والعسكرية. هذا النمط يترجم نفسه إلى أشكال مختلفة ولكن الجوهر يظل واحداً. وفي حالة المشروع الاستيطاني الصهيوني أخذ الاقتصاد الاستيطاني شكل الاقتصاد العمالي أو التعاوني الاشتراكي ذي الديباجات الاشتراكية للأسباب التي بيناها في مدخل «الاقتصاد الاستيطاني الصهيوني في فلسطين قبل عام 1948: أسباب ظهوره».
الـرواد الصهاينة (حالوتسيم ـ المسكوب(
Zionist Pioneers (Halutzim; Maskoub)
«الرواد» ترجمة للكلمة العبرية «حالوتسم» ومفردها «حالوتس» أي «رائد». ويُطلَق المصطلح في الكتابات الصهيونية على الصهيوني الذي يهاجر إلى فلسطين ويستوطن فيها ثم يكرس نفسه لبناء المُستوطَن الصهيوني. أما الفلسطينيون العرب فقد أطلقوا عليهم اسم «المسكوب» أي الوافدون من «مسكوبا» أي «موسكو».

والرواد جماعة من المستعمرين الاستيطانيين الذين يدورون في إطار الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة بعد مزجها بالديباجات الشعبوية الروسية الخاصة بالعودة للشعب العضوي (الفولك) والأرض ورفض الطموحات المادية والمصلحة الذاتية وإيثار العمل اليدوي، الذي قد يأتي بعائد مادي منخفض، عن الأعمال غير اليدوية التي قد تأتي بالنجاح المادي البورجوازي، ولذا فهم يحلمون بمجتمع جماعي اشتراكي مفعم بروح التعاون.

كان الرواد يرفضون حياة اليهود في العالم (الدياسبورا) كما خبروها في شرق أوربا، كما كانوا يرفضون الاندماج في مجتمعاتهم الأصلية. وقد ذهبوا إلى أنه لا يمكن حل المسألة اليهودية في شرق أوربا إلا على أساس عودة اليهود إلى فلسطين كي يطهروا أنفسهم عن طريق اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج وتَعلُّم اللغة العبرية والتمسك بالتراث اليهودي. وقد ارتبطت حركة الريادة بالتنظيمات العسكرية الصهيونية ومزارع الكيبوتس (التي يُعَدُّ الانضمام لها ذروة تَحقُّق المثل الأعلى الريادي)، فالريادة هي في نهاية الأمر الزراعة المسلحة التي تهدف إلى تحقيق الاستيطان الإحلالي في فلسطين على حساب الفلسطينيين. وبالتالي، فإن الزراعة المسلحة التي يعمل بها الرواد هي في واقع الأمر الطريقة الصهيونية لتجنيد بعض الشباب اليهودي الثوري من شرق أوربا وتحويلهم إلى مستوطنين يحلون محل الفلسطينيين.

وصورة الرائد هي الصورة التي شكَّلت الوجدان الصهيوني العمالي الاستيطاني. والمجتمع الإسرائيلي كان مجتمع مستوطنين يظنون أنفسهم رواداً حتى عام 1967. وبعد ذلك التاريخ، تغيَّرت الصورة كثيراً. فمع تَزايُد معدلات العلمنة وتَصاعُد أزمة الصهيونية، تراجعت صورة الرائد التقليدية وحلت محلها صورتان:

1 ـ صورة المُستوطن الباحث عن اللذة الذي لا يكترث بأية ديباجات دينية أو إنسانية، فهو شخص لا ينعت نفسه بصفة الرائد ولا يدعي أنه يُحوِّل الصحراء إلى أرض خضراء أو يحمل المحراث بيد والبندقية بالأخرى (كما كان الزعم والادعاء). وهو يرفض التقشف والتضحية بالذات، فهو شخص يبحث عن رفع مستواه المعيشي وعن المزيد من الاستهلاك ويحلم بالحياة في مجتمع تتحكم فيه آليات المشروع الحر وتتدفق عليه المعونات الأمريكية. وقد تَحوَّل الكيبوتس نفسه من مجتمع صغير يبلور قيمة التقشف إلى مكان يتمتع فيه أعضاء النخبة الإشكنازية بالترف والرفاهية. وقد أصبحت المستوطنات الجديدة مزودة بكل أشكال الترف الحديث، كما أن الجيش الإسرائيلي أصبح يزودها بالحماية.

2 ـ صورة المُستوطن الملتحي الذي يستوطن الأرض الفلسطينية باسم الحقوق اليهودية المقدَّسة المطلقة والصهيونية الحلولية العضوية.

والواقع أن الهجرة اليهودية السوفيتية الأخيرة جاءت بالآلاف من الحالمين بالصورة الأولى ومن اتباع ما نسميه «الصهيونية النفعية».

منظمـــات الـــرواد
Halutzim Organizations
ظهر عديد من المنظمات الصهيونية التي كانت تهدف إلى وضع رؤية الرواد الخاصة بالزراعة المسلحة واقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج موضع التنفيذ. وكان مناحم أوسيشكين من أوائل المنادين بتكوين مثل هذه التنظيمات التي يلتزم أعضاؤها بالذهاب إلى فلسطين للعـمل لمدة ثلاث سـنوات كنوع من أنواع الخدمة العسكرية للشعب اليهودي، على أن يكون سلاحه المجراف والمحراث وليس السيف أو البندقية (وهو ما يدل على جهله التام بحقائق الاستيطان الإحلالي الذي يتَطلَّب السيف قبل المجراف والبندقية قبل المحراث). وقد نشأت جمعيات في الولايات المتحدة وجنوب روسيا وبولندا ورومانيا تحت أسماء مختلفة. وأولى هذه المنظمات كانت منظمة البيلو للاستيطان في فلسطين ومنظمة عم عولام للاستيطان والهجرة إلى الولايات المتحدة. وظهرت المنظمات في كل مكان، فأسَّس بن جوريون واحدة في الولايات المتحدة عام 1915 حينما كان هناك، وأسَّس ترومبلدور منظمة في روسيا عام 1919.

وقد اكتسبت منظمات الرائد قوة غير عادية مع صدور وعد بلفور الذي حوَّل الفكرة الصهيونية إلى مشروع محدد قابل للتنفيذ من خلال آلية الإمبريالية، فتزايد عدد المنظمات. ولكن نشوب الثورة البلشفية أدَّى إلى تأثير معاكس، وخصوصاً أن كثيراً من أعضاء جماعات الرواد هم من الشباب الثوري الذي أصبح بوسعه التعبير عن تَوجُّهه الثوري من خلال التجربة السوفيتية.

وقد عُقد مؤتمر لمنظمات الرواد في الاتحاد السوفيتي عام 1918، ويُعَد ترومبلدور الأب الفعلي والروحي لهذه المنظمات، وقد أصبح المثل الأعلى بعد مقتله على يد المقاومة العربية عام 1920. ثم عُقدت عدة مؤتمرات بعد ذلك. وقد أصدر المؤتمر المنعقد عام 1923 قراراً بأن جماعات الرواد جزء عضوي من كل من الطبقة العاملة اليهودية وطبقة البروليتاريا العالمية وأكد حتمية الصراع وأن المنظمة ستحارب ضد الرأسمالية في كل أشكالها وأن كل عضو يرفض فكرة الكيبوتس وينضم إلى موشاف عوفديم لن يسمح له بالانضمام لبرامج التدريب. وقد تم تبنِّي هذه القرارات في أغسطس 1923، وانقسمت منظمات الرواد إلى شرعيين وغير شرعيين، إذ طالب الشرعيون بالصراع الطبقي الأممي والحياة الجماعية، بينما ذهب غير الشرعيين إلى أن هناك حركة عمالية يهودية مستقلة.

وقد شهد عام 1926 نجاح التجربة السوفيتية في توطين اليهود وتحويلهم إلى عنصر منتج في الوقت الذي كان فيه الاستيطان في فلسطين يعاني أزمة، وانتهى الأمر بأن سحبت السلطات السوفيتية اعترافها بجمعية الرواد عام 1928 وألقت أعضاءها في السجن.

وقد أُسِّست منظمات للرواد في وسط أوربا والولايات المتحدة وغيرها من البلدان. ويُلاحَظ أن صعود النازي للسلطة لم يَعُق نشاطها، فالنازيون لا يمانعون في أية نشاطات تؤدي إلى إفراغ أوربا من اليهود والنشاط الصهيوني الاستيطاني يؤدي إلى ذلك. ومما يلفت النظر أن منظمات الرواد لم يكن لها فروع في اليمن أو البلاد العربية التي كانت تضم أقليات يهودية ذات طابع عربي، بل انصب نشاطها على اليهود الإشكناز أو اليهود العرب ذوي الطابع الأوربي مثل بعض قطاعات اليهود في مصر وسوريا.

وقـد ارتبطـت منظمات الرواد من البداية بفكرة الغزو المسـلح لفلسطين. فقد حارب كثير من الرواد مع الفيلق اليهودي عام 1917، وكان هذا ترجمة عملية لتفكير بن جوريون في تكوين جيش من العمال يسير إلى فلسطين ليحررها للشعب اليهودي. وفي عام 1919، حضر ترومبلدور مؤتمراً لجمعيات الرائد، وكان قد فَقَد الأمل في تكوين جيش قوامه مائة ألف يهودي في روسيا ليهاجم فلسطين ويستوطنها، وطالب بإنشاء جيش قوامه عشرة آلاف جندي من الرواد ليحل محل الحامية الإنجليزية.

وعند ان