Advertisement

الأغاني 002



[ الأغاني - الأصفهاني ]
الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبي الفرج الأصفهاني
الناشر : دار الفكر - بيروت
الطبعة الثانية
تحقيق : سمير جابر
عدد الأجزاء : 24 حاجة قال نعم ابن عمك أرسلني إليك بالسلام فأطرقت ثم قالت ما كنت أهلا للتحية لو علمت أنك رسوله قل له عني أرأيت قولك
( أبَتْ ليلةُ بالغَيلِ يا أمّ مالكٍ ... لكم غيرَ حب صادقٍ ليس يكذبُ )
( ألا إنما أبقيتِ يا أُمَّ مالكٍ ... صَدىً أينما تذهبْ به الريحُ يذهبِ )
أخبرني عن ليلة الغيل أي ليلة هي وهل خلوت معك في الغيل أو غيره ليلا أو نهارا فقال لها قيس يا ابنة عم إن الناس تأولوا كلامه على غير ما أراد فلا تكوني مثلهم إنما أخبر أنه رآك ليلة الغيل فذهبت بقلبه لا أنه عناك بسوء قال فأطرقت طويلا ودموعها تجري وهي تكفكفها ثم انتحبت حتى قلت تقطعت حيازيمها ثم قالت اقرأ على ابن عمي السلام وقل له بنفسي أنت والله إن وجدي بك لفوق ما تجد ولكن لا حيلة لي فيك فانصرف قيس إليه ليخبره فلم يجده
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني عمي عن ابن الصباح عن ابن الكلبي عن أبيه قال مر المجنون بعد اختلاطه بليلى وهي تمشي في ظاهر البيوت بعد فقد لها طويل فلما رآها بكى حتى سقط على وجهه مغشيا عليه فانصرفت خوفا من أهلها أن يلقوها عنده فمكث كذلك مليا ثم أفاق وأنشأ يقول
( بكى فرحاً بليلى إذ رآها ... محبُّ لا يرى حَسَنَاً سواها )
(2/86)

( لقد ظفِرَتْ يداه ونال مُلكاً ... لئن كانتْ تراه كما يراها )
الغناء لابن المكي رمل بالبنصر
وفيه لعريب ثقيل أول عن الهشامي
وفيه خفيف رمل ليزيد حوراء وقد نسب لحنه إلى ابن المكي ولحن ابن المكي إليه
صوت
من المائة المختارة من رواية علي بن يحيى
( رُبَّ ركبٍ قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمرَ بالماء الزّلالِ )
( عَصَفَ الدّهرُ بهم فانقرضوا ... وكذاكَ الدهرُ حالاً بعد حالِ )
الشعر لعدي بن زيد العبادي والغناء لابن محرز ولحنه المختار خفيف رمل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق
وفيه خفيف رمل آخر بالبنصر ابتداؤه نشيد ذكر عمرو بن بانة أنه لابن طنبورة وذكر أحمد بن المكي أنه لأبيه
وهذه الأبيات قالها عدي بن زيد العبادي على سبيل الموعظة للنعمان بن المنذر فيقال إنها كانت سبب دخوله في النصرانية
حدثني بذلك أحمد بن عمران المؤدب قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن عمرو قال حدثني علي بن الصباح عن ابن الكلبي قال خرج النعمان بن المنذر إلى الصيد ومعه عدي بن زيد فمروا بشجرة فقال له عدي بن زيد أيها الملك أتدري ما تقول هذه الشجرة قال
(2/87)

لا قال تقول
( رُبَّ ركبٍ قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمرَ بالماء الزُّلالِ )
( عَصَفَ الدهْرُ بهم فانقرضوا ... وكذاك الدهرُ حالاً بعد حالِ ) قال ثم جاوز الشجرة فمر بمقبرة فقال له عدي أيها الملك أتدري ما تقول هذه المقبرة قال لا قال تقول
( أيها الركبُ المُخبُونَ ... على الأرض المُجِدّون )
( فكما أنتم كُنّا ... وكما نحن تكونونَ ) فقال له النعمان إن الشجرة والمقبرة لا يتكلمان وقد علمت أنك إنما أردت عظتي فما السبيل التي تدرك بها النجاة قال تدع عبادة الأوثان وتعبد الله وتدين بدين المسيح عيسى بن مريم قال أوفي هذا النجاة قال نعم فتنصر يومئذ وقد قيل إن هذه القصة كانت لعدي مع النعمان الأكبر بن المنذر وإن النعمان الذي قتله هو ابن المنذر بن النعمان الأكبر الذي تنصر
وخبر هذا يأتي مع أحاديث عدي
(2/88)

ذكر عدى بن زيد ونسبه وقصته ومقتله
هو عدي بن زيد بن حماد بن زيد بن أيوب بن محروف بن عامر بن عصية بن امرىء القيس بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار
وكان أيوب هذا فيما زعم ابن الأعرابي أول من سمي من العرب أيوب شاعر فصيح من شعراء الجاهلية وكان نصرانيا وكذلك كان أبوه وأمه وأهله وليس ممن يعد في الفحول وهو قروي
وكانوا قد أخذوا عليه أشياء عيب فيها
وكان الأصمعي وأبو عبيدة يقولان عدي بن زيد في الشعراء بمنزلة سهيل في النجوم يعارضها ولا يجري معها مجراها
وكذلك عندهم أمية بن أبي الصلت ومثلهما كان عندهم من الإسلاميين الكميت والطرماح قال العجاج كانا يسألاني عن الغريب فأخبرهما به ثم أراه في شعرهما وقد وضعاه
(2/89)

في غير مواضعه فقيل له ولم ذاك قال لأنهما قرويان يصفان ما لم يريا فيضعانه في غير موضعه وأنا بدوي أصف ما رأيت فأضعه في مواضعه
وكذلك عندهم عدي وأمية
آل عدي في الحيرة
قال ابن الأعرابي فيما أخبرني به علي بن سليمان الأخفش عن السكري عن محمد بن حبيب عنه وعن هشام بن الكلبي عن أبيه قال سبب نزول آل عدي بن زيد الحيرة أن جده أيوب بن محروف كان منزله اليمامة في بني امرىء القيس بن زيد مناة فأصاب دما في قومه فهرب فلحق بلبن قلام أحد بني الحارث بن كعب بالحيرة
وكان بين أيوب بن محروف وبين أوس بن قلام هذا نسب من قبل النساء فلما قدم عليه أيوب بن محروف أكرمه وأنزله في داره فمكث معه ما شاء الله أن يمكث ثم أن أوسا قال له يا بن خال أتريد المقام عندي وفي داري فقال له أيوب نعم فقد علمت أني أن أتيت قومي وقد أصبت فيهم دما لم أسلم وما لي دار إلا دارك آخر الدهر قال أوس إني إن قد كبرت وأنا خائف أن أموت فلا يعرف ولدي لك من الحق مثل ما أعرف وأخشى أن يقع بينك وبينهم أمر يقطعون فيه الرحم فانظر أحب مكان في الحيرة إليك فأعلمني به لأقطعكه أو أبتاعه لك قال وكان لأيوب صديق في الجانب الشرقي من الحيرة وكان منزل أوس في الجانب الغربي فقال له قد أحببت أن يكون
(2/90)

المنزل الذي تسكننيه عند منزل عصام بن عبدة أحد بني الحارث بن كعب فابتاع له موضع داره بثلثمائة أوقية من الذهب وأنفق عليها مائتي أوقية ذهب وأعطاه مائتين من الإبل برعائها وفرسا وقينة فمكث في منزل أوس حتى هلك ثم تحول إلى داره التي في شرقي الحيرة فهلك بها
وقد كان أيوب اتصل قبل مهلكه بالملوك الذين كانوا بالحيرة وعرفوا حقه وحق ابنه زيد بن أيوب وثبت أيوب فلم يكن منهم ملك يملك إلا ولولد أيوب منه جوائز وحملان
مقتل زيد بن أيوب
ثم إن زيد بن أيوب نكح امرأة من آل قلام فولدت له حمادا فخرج زيد بن أيوب يوما من الأيام يريد الصيد في ناس من أهل الحيرة وهم منتدون بحفير المكان الذي يذكره عدي بن زيد في شعره فانفرد في الصيد وتباعد من أصحابه فلقيه رجل من بني امرىء القيس الذين كان لهم الثأر قبل أبيه فقال له وقد عرف فيه شبه أيوب ممن الرجل قال من بني تميم قال من أيهم قال مرئي قال له الأعرابي وأين منزلك قال الحيرة قال أمن بني أيوب أنت قال نعم ومن أين تعرف بني أيوب واستوحش من الأعرابي وذكر الثأر الذي هرب أبوه منه فقال له سمعت بهم ولم يعلمه أنه قد عرفه فقال له زيد بن أيوب فمن أي العرب أنت قال أنا امرؤ من طيىء فأمنه زيد وسكت عنه ثم إن الأعرابي اغتفل زيد بن أيوب فرماه بسهم فوضعه بين كتفيه ففلق قلبه فلم يرم حافر دابته حتى مات فلبث أصحاب زيد حتى إذا كان الليل طلبوه وقد افتقدوه وظنوا أنه قد أمعن في طلب الصيد فباتوا يطلبونه حتى يئسوا منه ثم غدوا في طلبه فاقتفوا أثره حتى وقفوا عليه ورأوا معه أثر راكب يسايره فاتبعوا الأثر حتى وجدوه قتيلا فعرفوا أن صاحب الراحلة قتله فاتبعوه وأغدوا السير فأدركوه مساء الليلة الثانية فصاحوا
(2/91)

به وكان من أرمى الناس فامتنع منهم بالنبل حتى حال الليل بينهم وبينه وقد أصاب رجلا منهم في مرجع كتفيه بسهم فلما أجنه الليل مات وأفلت الرامي فرجعوا وقد قتل زيد بن أيوب ورجلا آخر معه من بني الحارث بن كعب فمكث حماد في أخواله حتى أيفع ولحق بالوصفاء فخرج يوما من الأيام يلعب مع غلمان بني لحيان فلطم اللحياني عين حماد فشجه حماد فخرج أبو اللحياني فضرب حمادا فأتى حماد أمه يبكي فقالت له ما شأنك فقال ضربني فلان لأن ابنه لطمني فشججته فجزعت من ذلك وحولته إلى دار زيد بن أيوب وعلمته الكتابة في دار أبيه فكان حماد أول من كتب من بنى أيوب فخرج من أكتب الناس وطلب حتى صار كاتب الملك النعمان الأكبر فلبث كاتبا له حتى ولد له ابن من امرأة تزوجها من طيىء فسماه زيدا باسم أبيه وكان لحماد صديق من الدهاقين العظماء يقال له فروخ ماهان وكان محسنا إلى حماد فلما حضرت حمادا الوفاة أوصى بابنه زيد إلى الدهقان وكان من المرازبة فأخذه الدهقان إليه فكان عنده مع ولده وكان زيد قد حذق الكتابة والعربية قبل أن يأخذه الدهقان فعلمه لما أخذه الفارسية فلقنها وكان لبيبا فأشار الدهقان على كسرى أن يجعله على البريد في حوائجه ولم يكن كسرى يفعل ذلك إلا بأولاد المرازبة فمكث يتولى ذلك لكسرى زمانا ثم إن النعمان النصري اللخمي هلك فاختلف أهل الحيرة فيمن يملكونه إلى أن يعقد كسرى الأمر لرجل ينصبه فأشار عليهم المرزبان
(2/92)

بزيد بن حماد فكان على الحيرة إلى أن ملك كسرى المنذر بن ماء السماء ونكح زيد بن حماد نعمة بنت ثعلبة العدوية فولدت له عديا وملك المنذر وكان لا يعصيه في شيء وولد للمرزبان ابن فسماه شاهان مرد
فلما تحرك عدي بن زيد وأيفع طرحه أبوه في الكتاب حتى إذا حذق أرسله المرزبان مع ابنه شاهان مرد إلى كتاب الفارسية فكان يختلف مع ابنه ويتعلم الكتابة والكلام بالفارسية حتى خرج من أفهم الناس بها وأفصحهم بالعربية وقال الشعر وتعلم الرمي بالنشاب فخرج من الأساورة الرماة وتعلم لعب العجم على الخيل بالصوالجة وغيرها
ثم إن المرزبان وفد على كسرى ومعه ابنه شاهان مرد فبينما هما واقفان بين يديه إذ سقط طائران على السور فتطاعما كما يتطاعم الذكر والأنثى فجعل كل واحد منقاره في منقار الآخر فغضب كسرى من ذلك ولحقته غيرة فقال للمرزبان وابنه ليرم كل واحد منكما واحدا من هذين الطائرين فإن قتلتماهما أدخلتكما بيت المال وملأت أفواهكما بالجوهر ومن أخطأ منكما عاقبته فاعتمد كل واحد منهما طائرا منهما ورميا فقتلاهما جميعا فبعثهما إلى بيت المال فملئت أفواهما جوهرا وأثبت شاهان مرد وسائر أولاد المرزبان في صحابته فقال فروخ ماهان عند ذلك للملك
(2/93)

عدي كاتب كسرى وموفده إلى ملك الروم
إن عندي غلاما من العرب مات أبوه وخلفه في حجري فربيته فهو أفصح الناس وأكتبهم بالعربية والفارسية والملك محتاج إلى مثله فإن رأى أن يثبته في ولدي فعل فقال ادعه فأرسل إلى عدي بن زيد وكان جميل الوجه فائق الحسن وكانت الفرس تتبرك بالجميل الوجه فلما كلمه وجده أظرف الناس وأحضرهم جوابا فرغب فيه وأثبته مع ولد المرزبان فكان عدي أول من كتب بالعربية في ديوان كسرى فرغب أهل الحيرة إلى عدي ورهبوه فلم يزل بالمدائن في ديوان كسرى يؤذن له عليه في الخاصة وهو معجب به قريب منه وأبوه زيد بن حماد يومئذ حي إلا أن ذكر عدي قد ارتفع وخمل ذكر أبيه فكان عدي إذا دخل على المنذر قام جميع من عنده حتى يعقد عدي فعلا له بذاك صيت عظيم فكان إذا أراد المقام بالحيرة في منزله ومع أبيه وأهله استأذن كسرى فأقام فيهم الشهر والشهرين وأكثر وأقل ثم إن كسرى أرسل عدي بن زيد إلى ملك الروم بهدية من طرف ما عنده فلما أتاه عدي بها أكرمه وحمله إلى عماله على البريد ليريه سعة أرضه وعظيم ملكه وكذلك كانوا يصنعون فمن ثم وقع عدي بدمشق وقال فيها الشعر
فكان مما قاله بالشأم وهي أول شعر قاله فيما ذكر
( رُبَّ دارٍ بأسفلِ الجِزْع مِنْ دُومَةَ ... أشْهَى إليّ مِنْ جَيرُون )
(2/94)

( ونَدَامَى لا يَفرحونَ بما نالُوا ... ولا يرهَبُونَ صَرْفَ المَنُونِ )
( قد سُقِيتُ الشَّمُولَ في دارِ بِشْرٍ ... قَهْوَةً مُرَّةً بماء سَخِينِ ) ثم كان أول ما قاله بعدها قوله
( لمِن الدارُ تعفَّتْ بخِيَمْ ... أصبحَتْ غيَّرها طولُ القِدَمْ )
( ما تَبِينُ العينُ من آياتها ... غيرَ نُؤْيٍ مثل خطٍّ بالقَلَمْ )
( صالحا قد لفَّها فاستَوسقَتْ ... لفَّ بازيِّ حَمَاماً في سَلَمْ )
قال وفسد أمر الحيرة وعدي بدمشق حتى أصلح أبوه بينهم لأن أهل الحيرة حين كان عليهم المنذر أرادوا قتله لأنه كان لا يعدل فيهم وكان يأخذ من
(2/95)

أموالهم ما يعجبه فلما تيقن أن أهل الحيرة قد أجمعوا على قتله بعث إلى زيد بن حماد بن زيد بن أيوب وكان قبله على الحيرة فقال له يا زيد أنت خليفة أبي وقد بلغني ما أجمع عليه أهل الحيرة فلا حاجة لي في ملككم دونكموه ملكوه من شئتم فقال له زيد إن الأمر ليس إلي ولكني أسبر لك هذا الأمر ولا آلوك نصحا فلما أصبح غدا إليه الناس فحيوه تحية الملك وقالوا له ألا تبعث إلى عبدك الظالم يعنون المنذر فتريح منه رعيتك فقال لهم أولا خير من ذلك قالوا أشر علينا قال تدعونه على حاله فإنه من أهل بيت ملك وأنا آتيه فأخبره أن أهل الحيرة قد اختاروا رجلا يكون أمر الحيرة إليه إلا أن يكون غزوٌ أو قتال فلك اسم الملك وليس إليك سوى ذلك من الأمور قالوا رأيك أفضل
فأتى المنذر فأخبره بما قالوا فقبل ذلك وفرح وقال إن لك يا زيد علي نعمة لا أكفرها ما عرفت حق سبد وسبد صنم كان لأهل الحيرة فولى أهل الحيرة زيدا على كل شيء سوى اسم الملك فإنهم أقروه للمنذر وفي ذلك يقول عدي
( نحن كنّا قد علِمْتُمْ قبلَكُمْ ... عَمَدَ البيتِ وأوتادَ الإِصَارِ )
قال ثم هلك زيد وابنه عدي يومئذ بالشأم وكانت لزيد ألف ناقة الحمالات كان أهل الحيرة أعطوه إياها حين ولوه ما ولوه فلما هلك أرادوا أخذها فبلغ ذلك المنذر فقال لا واللات والعزى لا يؤخذ مما كان في يد زيد ثفروق وأنا أسمع الصوت
ففي ذلك يقول عدي بن زيد لابنه النعمان بن المنذر
(2/96)

( وأبوكَ المرءُ لم يُشْنأُ به ... يومَ سِيمَ الخَسْفَ منّا ذو الخَسَارِ )
قال ثم إن عديا قدم المدائن على كسرى بهدية قيصر فصادف أباه والمرزبان الذي رباه قد هلكا جميعا فاستأذن كسرى في الإلمام بالحيرة فأذن له فتوجه إليها وبلغ المنذر خبره فخرج فتلقاه في الناس ورجع معه
وعدي أنبل أهل الحيرة في أنفسهم ولو أراد أن يملكوه لملكوه ولكنه كان يؤثر الصيد واللهو واللعب على الملك فمكث سنين يبدو في فصلي السنة فيقيم في جفير ويشتو بالحيرة ويأتي المدائن في خلال ذلك فيخدم كسرى فمكث كذلك سنين وكان لا يؤثر على بلاد بني يربوع مبدى من مبادي العرب ولا ينزل في حي من أحياء بني تميم غيرهم وكان أخلاؤه من العرب كلهم بني جعفر وكانت إبله في بلاد بني ضبة وبلاد بني سعد و كذلك كان أبوه يفعل لا يجاوز هذين الحيين بإبله ولم يزل على حاله تلك حتى تزوج هند بنت النعمان بن المنذر وهي يومئذ جارية حين بلغت أو كادت
وخبره يذكر في تزويجها بعد هذا
قال ابن حبيب وذكر هشام بن الكلبي عن إسحاق بن الجصاص وحماد
(2/97)

الراوية وأبي محمد بن السائب قال كان لعدي بن زيد أخوان أحدهما اسمه عمار ولقبه أبي والآخر اسمه عمرو ولقبه سمي وكان لهم أخ من أمهم يقال له عدي بن حنظلة من طيىء وكان أبي يكون عند كسرى وكانوا أهل بيت نصارى يكونون مع الأكاسرة ولهم معهم أكل وناحية يقطعونهم القطائع ويجزلون صلاتهم
وكان المنذر لما ملك جعل ابنه النعمان بن المنذر في حجر عدي بن زيد فهم الذين أرضعوه وربوه وكان للمنذر ابن آخر يقال له الأسود أمه مارية بنت الحارث بن جلهم من تيم الرباب فأرضعه ورباه قوم من أهل الحيرة يقال لهم بنو مر ينا ينتسبون إلى لخم وكانوا أشرافا
وكان للمنذر سوى هذين من الولد عشرة وكان ولده يقال لهم الأشاهب من جمالهم فذلك قول أعشى بن قيس بن ثعلبة
( وبنو المنذرِ الأشاهب في الحِيْرَة ... ِيمشونَ غُدْوَةً كالسيوفِ )
دهاء عدي وسعيه في ولاية النعمان
وكان النعمان من بينهم أحمر أبرش قصيرا وأمه سلمى بنت وائل بن عطية الصائغ من أهل فدك فلما احتضر المنذر وخلف أولاده العشرة وقيل بل كانوا ثلاثة عشر أوصى بهم إلى إياس بن قبيصة الطائي وملكه على الحيرة إلى
(2/98)

أن يرى كسرى رأيه فمكث مملكا عليها أشهرا وكسرى في طلب رجل يملكه عليهم وهو كسرى بن هرمز فلم يجد أحدا يرضاه فضجر فقال لأبعثن إلى الحيرة اثني عشر الفا من الأساورة ولأملكن عليهم رجلا من الفرس ولآمرنهم أن ينزلوا على العرب في دورهم ويملكوا عليهم أموالهم ونساءهم وكان عدي بن زيد واقفا بين يديه فأقبل عليه وقال ويحك يا عدي من بقي من آل المنذر وهل فيهم أحد فيه خير فقال نعم أيها الملك السعيد إن في ولد المنذر لبقية وفيهم كلهم خير فقال ابعث إليهم فأحضرهم فبعث عدي إليهم فأحضرهم وأنزلهم جميعا عنده ويقال بل شخص عدي بن زيد إلى الحيرة حتى خاطبهم بما أراد وأوصاهم ثم قدم بهم على كسرى قال فلما نزلوا على عدي بن زيد أرسل إلى النعمان لست أملك غيرك فلا يوحشنك ما أفضل به إخوتك عليك من الكرامة فإني إنما أغترهم بذلك ثم كان يفضل إخوته جميعا عليه في النزل والإكرام والملازمة ويريهم تنقصا للنعمان وأنه غير طامع في تمام أمر على يده وجعل يخلو بهم رجلا رجلا فيقول أذا أدخلتكم على الملك فالبسوا أفخر ثيابكم وأجملها وإذا دعا لكم بالطعام لتأكلوا فتباطؤوا في الأكل وصغروا اللقم ونزروا ما تأكلون فأذا قال لكم أتكفونني العرب فقولوا نعم فإذا قال لكم فإن شذ أحدكم عن الطاعة وأفسد أتكفوننيه فقولوا لا إن بعضنا لا يقدر على بعض ليهابكم ولا يطمع في تفرقكم ويعلم أن للعرب منعة وبأسا فقبلوا منه وخلا بالنعمان فقال له البس ثياب السفر وادخل متقلدا بسيفك وإذا جلست للأكل فعظم اللقم وأسرع المضغ والبلع وزد في الأكل وتجوع قبل ذلك فإن كسرى يعجبه كثرة الأكل من العرب خاصة ويرى أنه لا خير في العربي إذا لم يكن أكولا شرها ولا سيما إذا رأى غير طعامه وما لا عهد له بمثله وإذا سألك هل تكفيني العرب فقل نعم فإذا قال لك فمن لي بإخوتك فقل له إن عجزت عنهم فإني عن غيرهم لأعجز قال وخلا ابن مرينا بالأسود فسأله عما أوصاه به
(2/99)

عدي فأخبره فقال غشك والصليب والمعمودية وما نصحك ولئن أطعتني لتخالفن كل ما أمرك به ولتملكن ولئن عصيتني ليملكن النعمان ولا يغرنك ما أراكه من الإكرام والتفضيل على النعمان فإن ذلك دهاء فيه ومكر وإن هذه المَعَدِّيّة لا تخلو من مكرٍ وحيلةٍ فقال له إن عدياً لم يألُني نصحاً وهو أعلم بِكسْرى منك وإن خالفُته أوحشُته وأفسد عليّ وهو جاء بنا ووصَفَنا وإلى قوله يرجع كسْرى فلمَّا أيِسَ ابن مَرِينَا من قبوله منه قال ستَعلمُ ودعا بهم كسْرى فلما دخلوا عليه أعجبه جمالُهم وكمالُهم ورأى رجالاً قَلَّما رأى مثلَهم فدعا لهم بالطعام ففعلوا ما أمرهم به عديّ فجعل ينظر إلى النعمان مِنْ بينهم ويتأمّلُ أكله فقال لعديّ بالفارسية إن يكن في أحد منهم خيرٌ ففي هذا فلما غسلوا أيديَهم جعل يدعو بهم رجلا رجلا فيقول له أتكفيني العرب فيقول نعم أكفيكها كلها إلا إخوتي حتى انتهى إلى النعمان آخرهم فقال له أتكفيني العرب قال نعم قال كلها قال نعم قال فكيف لي بإخوتك قال إن عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز فملكه وخلع عليه وألبسه تاجا قيمته ستون ألف درهم فيه اللؤلؤ والذهب
توعد ابن مرينا لعدي وتدبير المكيدة له
فلما خرج وقد ملك قال ابن مرينا للأسود دونك عقبى خلافك لي ثم إن عديا صنع طعاما في بيعة وأرسل إلى ابن مرينا أن ائتني بمن أحببت فإن لي حاجة فأتى في ناس فتغدوا في البيعة فقال عدي بن زيد لابن مرينا ياعدي إن أحق من عرف الحق ثم لم يلم عليه من كان مثلك وإني قد عرفت أن صاحبك الأسود بن المنذر كان أحب إليك أن يملك من صاحبي النعمان فلا تلمني على شيء كنت على مثله وأنا أحب ألا تحقد علي شيئا لو قدرت عليه ركبته وأنا أحب أن تعطيني من نفسك ما أعطيك من نفسي فإن نصيبي في هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك وقام إلى البيعة فحلف ألا يهجوه أبدا ولا يبغيه غائلة ولا يزوي عنه خيرا
(2/100)

أبدا
فلما فرغ عدي بن زيد قام عدى بن مرينا فحلف مثل يمينه ألا يزال يهجوه أبدا ويبغيه الغوائل ما بقي
وخرج النعمان حتى نزل منزل أبيه بالحيرة فقال عدي بن مرينا لعدي بن زيد
( ألا أبلغ عديّاً عن عديٍّ ... فلا تجزَعْ وإِن رَثَّتْ قُوَاكا )
( هياكلَنا تَبَرَّ لغير فَقْرٍ ... لِتُحمَدَ أو يَتِمَّ به غِنَاكَا )
( فإِن تظفَرْ فلم تظفر حميداً ... وإن تَعطَبْ فلا يَبْعُدْ سِوَاكا )
( نَدِمتَ نَدامةً الكُسعيّ لمَّا ... رأتْ عيناكَ ما صنعتْ يداكا )
قال ثم قال عدي بن مرينا للأسود أما إذا لم تظفر فلا تعجزن أن تطلب بثأرك من هذا المعدي الذي فعل بك ما فعل فقد كنت أخبرك أن معدا لا ينام كيدها ومكرها وأمرتك أن تعصيه فخالفتني قال فما تريد قال أريد ألا تأتيك فائدة من مالك وأرضك إلا عرضتها علي ففعل
وكان ابن مرينا كثير المال والضيعة فلم يكن في الدهر يوم يأتي إلا على باب النعمان هدية من ابن مرينا فصار من أكرم الناس عليه حتى كان لا يقضي في ملكه شيئا إلا بأمر ابن مرينا وكان إذا ذكر عدي بن زيد عند النعمان أحسن الثناء عليه وشيع ذلك بأن يقول إن عدي بن زيد فيه مكر وخديعة والمعدي لا يصلح إلا هكذا
فلما رأى من يطيف بالنعمان منزلة ابن مرينا عنده لزموه وتابعوه فجعل يقول لمن يثق به من أصحابه إذا رأيتموني أذكر عديا عند الملك بخير فقولوا إنه لكذلك ولكنه لا يسلم عليه أحد وإنه ليقول إن الملك يعني النعمان عامله وإنه هو ولاه ما ولاه فلم يزالوا بذلك حتى أضغنوه عليه فكتبوا كتابا على لسانه إلى قهرمان له
(2/101)

ثم دسوا إليه حتى أخذوا الكتاب منه وأتوا به النعمان فقرأه فاشتد غضبه فأرسل إلى عدي بن زيد
عدي في حبس النعمان يقول شعرا
عزمت عليك إلا زرتني فإني قد اشتقت إلى رؤيتك وعدي يومئذ عند كسرى فاستأذن كسرى فأذن له
فلما أتاه لم ينظر إليه حتى حبسه في محبس لا يدخل عليه فيه أحد فجعل عدي يقول الشعر وهو في الحبس فكان أول ما قاله وهو محبوس من الشعر
( ليتَ شِعْرِي عن الهمام ويأتيكَ ... بخُبْرِ الأنباء عطفُ السُّؤالِ )
( أين عنَّا إخطارُنا المالَ والأنفُسَ ... إذ ناهَدُوا لِيومِ المِحال )
( ونِضَالي في جنبكَ الناسَ يرمُون ... وأَرْمِي وكُلُّنا غَيرُ آلي )
( فأُصيبُ الذي تُريد بلا غِشٍّ ... وأُرْبي عليهِمُ وأُوالِي )
(2/102)

( ليتَ أَنِّي أخذتُ حَتْفِي بكَفَّيّ ... ولم ألْقَ مِيتَةَ الأَقْتَالِ )
( مَحَلوا مَحْلَهُمْ لصَرْعَتِنَا العامَ ... فقد أوقَعُوا الرحَا بالثِّفَال )
وهي قصيدة طويلة
قالوا وقال أيضا وهو محبوس
( أرِقْتُ لمكفَهِرٍّ بات فيه ... بَوَارِقُ يَرْتَقِينَ رُؤُوسَ شِيبِ )
( تَلُوح المشرَفيَّةُ في ذُرَاه ... ويجلو صفحَ دَخدار قَشيبِ ) ويروى تخال المشرفية الدخدار فارسية معربة وهو الثوب المصون
يقول فيها
( سعى الأعداءُ لا يألون شرّاً ... عليّ وربِّ مكة والصليبِ )
( أرادوا كي تُمهِّلَ عن عدِيٍّ ... ليُسجنَ أو يُدهْدَه في القليبِ )
( وكنتُ لِزازَ خَصمِكَ لم أُعَرِّدْ ... وقد سَلكوكَ في يومٍ عصِيب )
(2/103)

( أُعَالِنُهمْ وأُبطِنُ كلّ سرٍّ ... كما بينَ اللِّحاء إلى العَسِيبِ )
( فَفُزْتُ عليهمُ لمّا التَقينَا ... بتاجِكَ فوزَة القِدْح الأرِيبِ )
( وما دَهْرِي بأن كُدِّرتُ فضلاً ... ولكن ما لقيتُ من العَجِيبِ )
( ألا مَنْ مُبلِغُ النعمانِ عنّي ... وقد تُهْدَى النَّصيحةُ بالمغيبِ )
( أحظّي كان سِلْسِلةً وقَيْداً ... وغُلاًّ والبيانُ لَدى الطبيبِ )
( أتاكَ بأنّني قد طالَ حبسِي ... ولم تَسْأَم بمسجونٍ حَرِيبِ )
( وبَيْتي مُقْفِرٌ إلا نساءً ... أراملَ قد هَلَكْنَ من النّحيبِ )
( يُبَادِرْنَ الدموعَ على عَديٍّ ... كَشَنٍّ خانَه خَرْزُ الرَّبيبِ )
( يُحاذِرْنَ الوُشاةَ على عَدِيّ ... وما اقترفُوا عليه من الذُّنُوبِ )
( فإن أخطأتُ أو أوهمْتُ أمراً ... فقد يهِمُ المصافي بالحبيبِ )
( وإن أظْلِمْ فقد عاقَبْتُموني ... وإِن أُظْلَمْ فذلِكَ من نصيبي )
( وإن أهلِكْ تجدْ فقدي وتُخذَلْ ... إذا التَقتِ العَوالي في الحروبِ )
( فهل لكَ أن تَداركَ ما لدينا ... ولا تُغْلَبْ على الرأي المصيبِ )
( فإِني قد وَكَلْتُ اليومَ امري ... إلى ربٍّ قريبٍ مستجيبِ ) قالوا وقال فيه أيضا طال ذا الليلُ علينا واعتكَرْ ... وكأني ناذرُ الصبح سَمَرْ )
(2/104)

( مِنْ نجّي الهمّ عندي ثاوياً ... فوقَ ما أُعْلِنُ منه وأُسِرُّ )
( وكأن الّليل فيه مثلُه ... ولَقدْماً ظُنَّ بالليلِ القِصَرْ )
( لم أُغَمِّضْ طولَه حتى انقضى ... أتمنّى لو أَرَى الصُّبحَ جَشَرْ )
( غير مَا عِشْقٍ ولكن طارَقٌ ... خَلَسَ النومَ وأجداني السَّهَرْ )
وفيها يقول
( أبِلغِ النُّعمانَ عَنِّي مَأْلُكاً ... قولَ مَنْ قد خافَ ظَنّاً فاعتذَرْ )
( أنّنِي والله فاقبلْ حَلِفِي ... لأَبِيلٌ كُلَّمَا صَلَّى جَأَرْ )
( مُرْعَدٌ أحشاؤُه في هَيكَلٍ ... حَسَن لِمتُه وافي الشَّعَرْ )
( ما حَمَلْتُ الغِلَّ مِنْ أعدائِكم ... ولَدَى اللهِ مِنَ العِلْمِ المُسَرّْ )
( لا تكونَنَّ كَآسِي عَظْمِه ... بِأَساً حتى إِذا العَظْمُ جَبَرْ )
( عَادَ بعدَ الجَبْرِ يَبْغي وَهْنَهُ ... يَنْحُوَنَّ المَشيَ مِنه فانكَسَرْ )
( واذْكُرِ النُّعمَى التي لم أنَسَها ... لكَ في السَّعي إِذا العبدُ كَفَرْ ) وقا ل له أيضا وهي قصيدة طويلة
( أَبلِغِ النُّعمانَ عنّي مَأْلُكاً ... أنه قد طال حَبسِي وانتِظَارِي )
(2/105)

( لو بغير الماءِ حَلْقِي شَرِقٌ ... كنتُ كالغَصَّان بالماءِ اعِتِصَارِي )
( ليتَ شِعري عن دخيلٍ يفترِي ... حيثما أدركَ لَيلي ونَهاري )
( قاعِداً يكرُبُ نفسي بَثُّها ... وحراماً كان سِجْني واحتِصَارِي )
( أَجْلَ نُعْمَى ربَّها أوَّلُكُمْ ... ودُنُوّي كان مِنكم واصْطِهَاري ) في قصائد كثيرة كان يقولها فيه ويكتب بها إليه فلا تغني عنده شيئا
هذه رواية الكلبي
لماذا حبس النعمان عديا
وأما المفضل الضبي فإنه ذكر أن عدي بن زيد لما قدم على النعمان صادفه لا مال عنده ولا أثاث ولا ما يصلح لملك وكان آدم إخوته منظرا وكلهم أكثر مالا منه فقال له عدي كيف أصنع بك ولا مال عندك فقال له النعمان ما أعرف لك حيلة إلا ما تعرفه أنت فقال له قم بنا نمض إلى ابن قردس رجل من أهل الحيرة من دومة فأتياه ليقترضا منه مالا فأبى أن يقرضهما وقال ما عندي شيء فأتيا جابر بن شمعون وهو الأسقف أحد بني الأوس بن قلام بن بطين بن جمهير ابن لحيان من بني الحارث بن كعب فاستقرضا منه مالا فأنزلهما عنده ثلاثة أيام يذبح لهم ويسقيهم الخمر فلما كان في اليوم الرابع قال لهما ما تريدان فقال له عدي تقرضنا أربعين ألف درهم يستعين بها النعمان على أمره عند كسرى فقال لكما عندي ثمانون ألفا ثم أعطاهما إياها فقال النعمان لجابر لا جرم لا
(2/106)

جرى لي درهم إلا على يديك إن أنا ملكت
قال وجابر هو صاحب القصر الأبيض بالحيرة ثم ذكر من قصة النعمان وإخوته وعدي وابن مرينا مثل ما ذكره ابن الكلبي
وقال المفضل خاصة إن سبب حبس النعمان عدي بن زيد أن عديا صنع ذات يوم طعاما للنعمان وسأله أن يركب إليه ويتغدى عنده هو وأصحابه فركب النعمان إليه فاعترضه عدي بن مرينا فاحتبسه حتى تغدى عنده هو وأصحابه وشربوا حتى ثملوا ثم ركب إلى عدي ولا فضل فيه فأحفظه ذلك ورأى في وجه عدي الكراهة فقام فركب ورجع إلى منزله فقال عدي بن زيد في ذلك من فعل النعمان
( أحَسِبْتَ مجلِسَنا وحُسْنَ حديثِنا يُودِي بمالِكْ ... )
( فالمالُ والأهلون مَصْرَعَةُ لأمرِكَ أو نَكَالِك ... ْ )
( ما تأمُرَنْ فينا فأمرُكَ في يمينكَ أو شِمالِكْ ... )
قال وأرسل النعمان ذات يوم إلى عدي بن زيد فأبى أن يأتيه ثم أعاد رسوله فأبى أن يأتيه وقد كان النعمان شرب فغضب وأمر به فسحب من منزله حتى انتهي به إليه فحبسه في الصنين ولج في حبسه وعدي يرسل إليه بالشعر فما قاله له
( لَيس شيءٌ على المنونِ ببَاقِ ... غيرُ وجه المسبَّح الخَلاَّقِ )
( إن نَكُنْ آمِنِينَ فاجأنا شَرٌّ ... مُصيبٌ ذَا الوُدِّ والإِشفَاقِ )
( فَبريءٌ صدرِي من الظلم للرَّبّ ... وحِنْثٍ بِمُعْقَدِ الميثاقِ )
( ولقد ساءني زيارةُ ذي قُرْبى ... حبيبٍ لودّنا مُشتاقِ )
(2/107)

( ساءه ما بنا تَبَيَّنَ في الأيدي ... وإشناقُها إلى الأعناق )
( فاذهبِي يا أُمَيمَ غيرَ بعيدٍ ... لايُؤَاتِي العِنَاقُ مَنْ في الوَثاقِ )
( واذهَبِي يا أمَيمَ إن يشأ اللّهُ ... يُنْفِّسْ مِنْ أَزْمِ هذا الخِناق )
( أو تَكنْ وِجهَةٌ فتلكَ سبيلُ الناس ... لا تَمَنعُ الحتوفَ الرَّواقِي ) ويقول فيها
( وتقول العُداةُ أَودَى عديٌّ ... وبنوه قد أيقنوا بغَلاَقِ )
( يا أبا مُسْهِرٍ فَأبلِغْ رسولاً ... إخوتي إن أتيتَ صَحْنَ العِرَاق )
( أبلِغاً عامراً وأَبلِغْ أخاه ... أننّي مُوثقٌ شديدُ وَثاَقِي )
( في حديد القِسْطَاس يرقُبني الحارسُ ... والمرءُ كلَّ شيءٍ يُلاَقي )
( في حديدٍ مُضَاعَف وغُلُولٍ ... وثيابٍ مُنَضَّحَاتٍ خِلاَقِ )
( فَاركبُوا في الحرام فُكُّوا أخاكم ... إنَّ عِيراً قد جُهِّزَتْ لانِطَلاَقِ ) يعني الشهر الحرام
قالوا جميعا وخرج النعمان إلى البحرين فأقبل رجل من غسان فأصاب في الحيرة ما أحب ويقال إنه جفنة بن النعمان الجفني فقال عدي بن زيد في ذلك
( سما صَقْرٌ فَأَشْعَلَ جانِبَيْها ... وألهاك المروَّحُ والعَزِيبُ ) المروح الإبل المروحة إلى أعطانها
والعزيب ما ترك في مراعيه
( وثَبْنَ لدي الثَّوِيّة مُلْجَمَاتٍ ... وصبَّحْنَ العِبَادَ وهُنَّ شِيبُ )
(2/108)

( ألا تلكَ الغَنِيمةُ لا إفالٌ ... تُرَجِّيها مُسَوَّمَةٌ ونِيبُ )
( تُرَجِّيها وقد صابَتْ بِقُرِّ ... كما ترجُو أصاغرَها عَتِيبُ )
عدي يخاطب أخاه شعرا وأخوه يرد
وقالوا جميعا فلما طال سجن عدي بن زيد كتب إلى أخيه أبي وهو مع كسرى بهذا الشعر
(2/109)

( أَبلِغْ أٌبَيّاً على نَأْيهِ ... وهل ينفعُ المرءَ ما قد عَلِمْ )
( بأنّ أخاكَ شقيقَ الفُؤَاد ... ِ كنتَ به واثقاً ما سَلِمْ )
( لَدَى مَلِكٍ مُوثَقٌ في الحديدِ ... إمّا بحقّ وإمّا ظُلِمْ )
( فلا أَعْرِفَكْ َ كذات الغُلام ... ما لم تجِدْ عارِماً تَعْتَرِمْ )
( فأَرضَكَ أرضَكَ إن تأتِنَا ... تَنَمْ نومةً ليَس فيها حُلُمْ ) قال فكتب إليه أخوه أبي
( إن يكن خانك الزمانُ فلا عاجزُ ... باعٍ ولا أَلَفُّ ضعيفُ )
( ويمينِ الإِله لو أنّ جَأْوَاء ... طَحُونا تُضيءُ فيها السيوفُ )
( ذاتَ رِزٍّمجتابةً غمرةَ الموتِ ... صَحيحٌ سِرْبالُها مكفُوفُ )
( كنتَ في حَمْيها لجئتُكَ أسعى ... فاعلمن لو سمعتُ إذ تَستَضِيف )
( أو بمالٍ سألتَ دونكَ لم يُمنَعْ ... تِلادٌ لحاجةٍ أو طَرِيفُ )
( أو بأرضٍ أستطِيعُ آتِيكَ فيها ... لم يَهُلْنِي بُعْدٌ بها أو مَخُوف )
( إن تَفُتْنِي واللهِ إِلْفَاً فَجُوعاً ... لا يُعَقِّبْك ما يَصوبُ الخريفُ )
( في الأعادي وأنتَ منّي بعيدٌ ... عزَّ هذا الزمانُ والتعّنِيفُ )
(2/110)

( ولعَمْري لئن جزِعتُ عليه ... لجزوعٌ على الصديق أَسُوفُ )
( ولعَمْري لئن ملكتُ عَزائي ... لقليلٌ شَرْوَاكَ فيما أطُوفُ )
كسرى يأمر باطلاق عدي والنعمان يقتله
قالوا جميعا فلما قرأ أبي كتاب عدي قام إلى كسرى فكلمه في أمره وعرفه خبره فكتب إلى النعمان يأمره بإطلاقه وبعث معه رجلا وكتب خليفة النعمان إليه إنه قد كتب إليك في أمره فأتى النعمان أعداء عدي من بني بقيلة وهم من غسان فقالوا له اقتله الساعة فأبى عليهم وجاء الرسول وقد كان أخو عدي تقدم إليه ورشاه وأمره أن يبدأ بعدي فيدخل إليه وهو محبوس بالصنين فقال له ادخل عليه فانظر ما يأمرك به فامتثله فدخل الرسول على عدي فقال له إني قد جئت بإرسالك فما عندك قال عندي الذي تحب ووعده بعدة سنية وقال له لا تخرجن من عندي وأعطني الكتاب حتى أرسله إليه فإنك والله إن خرجت من عندي لأقتلن فقال لا أستطيع إلا أن آتي الملك بالكتاب فأوصله إليه فانطلق بعض من كان هناك من أعدائه فأخبر النعمان أن رسول كسرى دخل على عدي وهو ذاهب به وإن فعل والله لم يستبق منا أحدا أنت ولا غيرك فبعث إليه النعمان أعداءه فغموه حتى مات ثم دفنوه
ودخل الرسول إلى النعمان فأوصل الكتاب إليه فقال نعم وكرامة وأمر له بأربعة آلاف مثقال ذهبا وجارية حسناء وقال له إذا أصبحت فادخل أنت بنفسك فأخرجه فلما أصبح ركب فدخل السجن فأعلمه الحرس أنه قد مات منذ أيام ولم نجترىء على إخبار الملك خوفا منه وقد عرفنا كراهته لموته
فرجع إلى النعمان وقال له إني كنت أمس
(2/111)

دخلت على عدي
وهو حي وجئت اليوم فجحدني السجان وبهتني وذكر أنه قد مات منذ أيام
فقال له النعمان أيبعث بك الملك إلي فتدخل إليه قبلي كذبت ولكنك أردت الرشوة والخبث فتهدده ثم زاده جائزة وأكرمه وتوثق منه ألا يخبر كسرى إلا أنه قد مات قبل أن يقدم عليه
فرجع الرسول إلى كسرى وقال إني وجدت عديا قد مات قبل أن أدخل عليه
وندم النعمان على قتل عدي وعرف أنه احتيل عليه في أمره واجترأ أعداؤه عليه وهابهم هيبة شديدة
ثم إنه خرج إلى صيده ذات يوم فلقي ابنا لعدي يقال له زيد فلما رآه عرف شبهه فقال له من أنت فقال أنا زيد بن عدي بن زيد فكلمه فإذا غلام ظريف ففرح به فرحا شديدا وقربه وأعطاه ووصله واعتذر إليه من أمر أبيه وجهزه ثم كتب إلى كسرى إن عديا كان ممن أعين به الملك في نصحه ولبه فأصابه ما لابد منه وانقطعت مدته وانقضى أجله ولم يصب به أحد أشد من مصيبتي وأما الملك فلم يكن ليفقد رجلا إلا جعل الله له منه خلفا لما عظم الله من ملكه وشأنه وقد بلغ ابن له ليس بدونه رأيته يصلح لخدمة الملك فسرحته إليه فإن رأى الملك أن يجعله مكان أبيه فليفعل وليصرف عمه عن ذلك إلى عمل آخر
وكان هو الذي يلي المكاتبة عن الملك إلى ملوك العرب في أمورها وفي خواص أمور الملك
وكانت له من العرب وظيفة موظفة في كل سنة مهران أشقران يجعلان له هلاما والكمأة الرطبة في حينها واليابسة والأقط والإدم وسائر تجارات
(2/112)

العرب فكان زيد بن عدي يلي ذلك له وكان هذا عمل عدي
فلما وقع زيد بن عدي عند الملك هذا الموقع سأله كسرى عن النعمان فأحسن الثناء عليه
ومكث على ذلك سنوات على الأمر الذي كان أبوه عليه
وأعجب به كسرى فكان يكثر الدخول عليه والخدمة له
صفات نساء ملوك العجم
وكانت لملوك العجم صفة من النساء مكتوبة عندهم فكانوا يبعثون في تلك الأرضين بتلك الصفة فإذا وجدت حملت إلى الملك غير أنهم لم يكونوا يطلبونها في أرض العرب ولا يظنونها عندهم
ثم إنه بدا للملك في طلب الصفة وأمر فكتب بها إلى النواحي ودخل إليه زيد بن عدي وهو في ذلك القول فخاطبه فيما دخل إليه فيه ثم قال إني رأيت الملك قد كتب في نسوة يطلبن له وقرأت الصفة وقد كنت بآل المنذر عارفا وعند عبدك النعمان من بناته وأخواته وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة قال فاكتب فيهن قال أيها الملك إن شر شيء في العرب وفي النعمان خاصة أنهم يتكرمون زعموا في أنفسهم عن العجم فأنا أكره أن يغيبهن عمن تبعث إليه أو يعرض عليه غيرهن وإن قدمت أنا عليه لم يقدر على ذلك فابعثني وابعث معي رجلا من ثقاتك يفهم العربية حتى أبلغ ما تحبه فبعث معه رجلا جلدا فهما فخرج به زيد فجعل يكرم الرجل ويلطفه حتى بلغ الحيرة فلما دخل عليه أعظم الملك وقال إنه قد احتاج إلى نساء لنفسه وولده وأهل بيته وأراد كرامتك بصهره فبعث إليك فقال ما هؤلاء النسوة فقال هذه صفتهن قد جئنا بها وكانت الصفة أن المنذر الأكبر أهدى إلى أنوشروان جارية كان أصابها إذ أغار على الحارث
(2/113)

الأكبر بن أبي شمر الغساني فكتب إلى أنوشروان بصفتها وقال إني قد وجهت إلى الملك جارية معتدلة الخلق نقية اللون والثغر بيضاء قمراء وطفاء كحلاء دعجاء حوراء عيناء قنواء شماء برجاء زجاء أسيلة الخد شهية المقبل جثلة الشعر عظيمة الهامة بعيدة مهوى القرط عيطاء
(2/114)

عريضة الصدر كاعب الثدي ضخمة مشاش المنكب والعضد حسنة المعصم لطيفة الكف سبطة البنان ضامرة البطن خميصة الخصر غرثى الوشاح رداح الأقبال رابية الكفل لفاء الفخذين ريا الروادف ضخمة المأكمتين مفعمة الساق مشبعة الخلخال لطيفة الكعب والقدم قطوف المشي مكسال الضحى بضة المتجرد سموعا للسيد ليست بخنساء ولا سفعاء رقيقة الأنف عزيزة النفس لم تغذ في
(2/115)

بؤس حيية رزينة حليمة ركينة كريمة الخال تقتصر على نسب أبيها دون فصيلتها وتستغني بفصيلتها دون جماع قبيلتها قد أحكمتها الأمور في الأدب فرأيها أهل الشرف وعملها عمل أهل الحاجة صناع الكفين قطيعة اللسان رهوة الصوت ساكنته تزين الولي وتشين العدو إن أردتها اشتهت وإن تركتها انتهت تحملق عيناها وتحمر وجنتاها وتذبذب شفتاها وتبادرك الوثبة إذا قمت ولا تجلس إلا بأمرك إذا جلست
قال فقبلها أنوشروان وأمر بإثبات هذه الصفة في دواوينه فلم يزالوا يتوارثونها حتى أفضى ذلك إلى كسرى ابن هرمز
فقرأ زيد هذه الصفة على النعمان فشقت عليه وقال لزيد والرسول يسمع أما في مها السواد وعين فارس ما يبلغ به كسرى حاجته فقال الرسول لزيد بالفارسية ما المها والعين فقال له بالفارسية كاوان أي البقر فأمسك الرسول وقال زيد للنعمان إنما أراد الملك كرامتك ولو علم أن هذا يشق عليك لم يكتب إليك به
فأنزلهما يومين عنده ثم كتب إلى كسرى إن الذي طلب الملك ليس عندي وقال لزيد اعذرني عند الملك
فلما رجعا إلى كسرى قال زيد للرسول الذي قدم معه أصدق الملك عما سمعت فإني سأحدثه بمثل حديثك ولا أخالفك فيه
فلما دخلا على كسرى قال زيد هذا
(2/116)

كتابه إليك فقرأه عليه
فقال له كسرى وأين الذي كنت خبرتني به قال قد كنت خبرتك بضنتهم بنسائهم على غيرهم وإن ذلك من شقائهم واختيارهم الجوع والعري على الشبع والرياش وإيثارهم السموم والرياح على طيب أرضك هذه حتى إنهم ليسمونها السجن فسل هذا الرسول الذي كان معي عما قال فإني أكرم الملك عن مشافهته بما قال وأجاب به
قال للرسول وما قال فقال له الرسول أيها الملك إنه قال أما كان في بقر السواد وفارس ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا فعرف الغضب في وجهه ووقع في قلبه منه ما وقع لكنه لم يزد على أن قال رب عبد قد أراد ما هو أشد من هذا ثم صار أمره إلى التباب
وشاع هذا الكلام حتى بلغ النعمان وسكت كسرى أشهرا على ذلك
النعمان يستجير بقبائل العرب
وجعل النعمان يستعد ويتوقع حتى أتاه كتابه أن أقبل فإن للملك حاجة إليك فانطلق حين أتاه كتابه فحمل سلاحه وما قوي عليه ثم لحق بجبلي طيىء وكانت فرعة بنت سعد بن حارثة بن لأم عنده وقد ولدت له رجلا وامرأة وكانت أيضا عنده زينب بنت أوس بن حارثة فأراد النعمان طيئا على أن يدخلوه الجبلين ويمنعوه فأبوا ذلك عليه وقالوا له لولا صهرك لقتلناك فإنه لا حاجة بنا إلى معاداة كسرى ولا طاقة لنا به وأقبل يطوف على قبائل العرب ليس أحد منهم يقبله غير أن بني رواحة بن قطيعة بن عبس قالوا إن شئت قاتلنا معك لمنة
(2/117)

كانت له عندهم في أمر مروان القرظ قال ما أحب أن أهلككم فإنه لا طاقة لكم بكسرى فأقبل حتى نزل بذي قار في بني شيبان سرا فلقي هانىء بن قبيصة وقيل بل هانىء بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وكان سيدا منيعا والبيت يومئذ من ربيعة في آل ذي الجدين لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ذي الجدين وكان كسرى قد أطعم قيس بن مسعود الأبلة فكره النعمان أن يدفع إليه أهله لذلك وعلم أن هانئا يمنعه مما يمنع منه نفسه
وقال حماد الراوية في خبره إنه إنما استجار بهانىء كما استجار بغيره فأجاره وقال له قد لزمني ذمامك مما أمنع نفسي وأهلي وولدي منه ما بقي من عشيرتي الأدنين رجل وإن ذلك غير نافعك لأنه مهلكي ومهلكك وعندي رأي لك لست أشير به عليك لأدفعك عما تريده من مجاورتي ولكنه الصواب فقال هاته فقال إن كل أمر يجمل بالرجل أن يكون عليه إلا أن يكون بعد الملك سوقة والموت نازل بكل واحد ولأن تموت كريما خير من أن تتجرع الذل أو تبقى سوقة بعد الملك هذا إن بقيت فامض إلى صاحبك وأرسل إليه هدايا
(2/118)

ومالا وألق نفسك بين يديه فإما أن صفح عنك فعدت ملكا عزيزا وإما أن أصابك فالموت خير من أن يتلعب بك صعاليك العرب ويتخطفك ذئابها وتأكل مالك وتعيش فقيرا مجاورا أو تقتل مقهورا فقال كيف بحرمي قال هن في ذمتي لا يخلص إليهن حتى يخلص إلى بناتي فقال هذا وأبيك الرأي الصحيح ولن أجاوزه
ثم أختار خيلا وحللا من عصب اليمن وجوهرا وطرفا كانت عنده ووجه بها إلى كسرى وكتب إليه يعتذر ويعلمه أنه صائر إليه ووجه بها مع رسوله فقلبها كسرى وأمره بالقدوم فعاد إليه الرسول فأخبره بذلك وأنه لم ير له عند كسرى سوءا
فمضى إليه حتى إذا وصل إلى المدائن لقيه زيد بن عدي على قنطرة ساباط فقال له انج نعيم إن استطعت النجاء فقال له أفعلتها يا زيد أما والله لئن عشت لك لأقتلنك قتلة لم يقتلها عربي قط ولألحقنك بأبيك فقال له زيد امض لشانك نعيم فقد والله أخيت لك أخية لا يقطعها المهر الأرن
(2/119)

نهاية النعمان في سجن كسرى
فلما بلغ كسرى أنه بالباب بعث إليه فقيده وبعث به إلى سجن كان له بخانقين فلم يزل فيه حتى وقع الطاعون هناك فمات فيه
وقال حماد الراوية والكوفيون بل مات بساباط في حبسه
وقال ابن الكلبي ألقاه تحت أرجل الفيلة فوطئته حتى مات واحتجوا بقول الأعشى
( فذاك وما أنجى من الموت ربَّه ... بساباطَ حتى ماتَ وهو مُحَزْرَقُ )
قال المحزرق المضيق عليه
وأنكر هذا من زعم أنه مات بخانقين وقالوا لم يزل محبوسا مدة طويلة وإنه إنما مات بعد ذلك لحين قبيل الإسلام وغضبت له العرب حينئذ وكان قتله سبب وقعة ذي قار
(2/120)

عدي يتزوج هند بنت النعمان
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح وأخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن ممهرويه قال قال علي بن الصباح حدثني هشام بن الكلبي عن أبيه قال
كان عدي بن زيد بن حماد بن زيد بن أيوب الشاعر العبادي يهوى هند بنت النعمان بن المنذر بن المنذر بن امرىء القيس بن النعمان بن امرىء القيس ابن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن مسعود بن مالك بن غنم بن نمارة بن لخم وهو مالك بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ولها يقول
( عَلِقَ الأحشاءَ من هِندٍ عَلَقْ ... مُستسِرٌّ فيه نَصْبٌ وأَرَقْ ) وهي قصيدة طويلة
وفيها أيضا يقول
( مَنْ لِقَلب دَنِفٍ أو مُعتَمَدْ ... قد عَصَى كُلَّ نَصُوحٍ ومُفَدّْ ) وهي طويلة
وفيها أيضا يقول
( يا خليليّ يَسِّرَا التعسِيرَا ... ثم رُوحَا فهجِّرا تهجِيرَا )
( عرِّجا بي على ديارٍ لهندٍ ... ليس أن عُجْتُما المَطِيَّ كبيرَا )
قال ابن الكلبي وقد تزوجها عدي
وقال ابن أبي سعد وذكر ذلك خالد
(2/121)

ابن كلثوم أيضا قالا كان سبب عشقه إياها أن هندا كانت من أجمل نساء أهلها وزمانها وأمها مارية الكندية فخرجت في خميس الفصح وهو بعد السعانين بثلاثة أيام تتقرب في البيعة ولها حينئذ أحدى عشرة سنة وذلك في ملك المنذر وقد عدي حينئذ بهدية من كسرى إلى المنذر والنعمان يومئذ فتى شاب فاتفق دخولها البيعة وقد دخلها عدي ليتقرب وكانت مديدة القامة عبلة الجسم فرآها عدي وهي غافلة فلم تنتبه له حتى تأملها وقد كان جواريها رأين عديا وهو مقبل فلم يقلن لها ذلك كي يراها عدي وإنما فعلن هذا من أجل أمة لهند يقال لها مارية وقد كانت أحبت عديا فلم تدر كيف تأتي له
فلما رأت هند عديا ينظر إليها شق ذلك عليها وسبت جواريها ونالت بعضهن بضرب فوقعت هند في نفس عدي فلبث حولا لا يخبر بذلك أحدا فلما كان بعد حول وظنت مارية أن هندا قد أضربت عما جرى وصفت لها بيعة دومة وقال خالد بن كلثوم بيعة توما وهو الصحيح ووصفت لها من فيها من الرواهب ومن يأتيها من جواري الحيرة وحسن بنائها وسرجها وقالت لها سلي أمك الإذن لك في إتيانها فسألتها ذلك فأذنت لها وبادرت مارية إلى عدي فأخبرته الخبر فبادر فلبس يلمقا كان فرخانشاه مرد قد كساه إياه وكان مذهبا لم ير مثله حسنا
(2/122)

وكان عدي حسن الوجه مديد القامة حلو العينين حسن المبسم نقي الثغر
وأخذ معه جماعة من فتيان الحيرة فدخل البيعة فلما رأته مارية قالت لهند انظري إلى هذا الفتى فهو والله أحسن من كل ما ترين من السرج وغيرها قالت ومن هو قالت عدي بن زيد قالت أتخافين أن يعرفني إن دنوت منه لأراه من قريب قالت ومن أين يعرفك وما رآك قط من حيث يعرفك فدنت منه وهو يمازح الفتيان الذين معه وقد برع عليهم بجماله وحسن كلامه وفصاحته وما عليه من الثياب فذهلت لما رأته وبهتت تنظر إليه
وعرفت مارية ما بها وتبينته في وجهها فقالت لها كلميه فكلمته وانصرفت وقد تبعته نفسها وهويته وانصرف بمثل حالها
فلما كان الغد تعرضت له مارية فلما رآها هش لها وكان قبل ذلك لا يكلمها وقال لها ما غدا بك قالت حاجة إليك قال اذكريها فوالله لا تسأليني شيئا إلا أعطيتك إياه فعرفته أنها تهواه وأن حاجتها الخلوة به على أن تحتال له في هند وعاهدته على ذلك فأدخلها حانوت خمار في الحيرة ووقع عليها ثم خرجت فأتت هندا فقالت أما تشتهين أن تري عديا قالت وكيف لي به قالت أعده مكان كذا وكذا في ظهر القصر وتشرفين عليه قالت افعلي فواعدته إلى ذلك المكان فأتاه وأشرفت هند عليه فكادت تموت وقالت إن لم تدخليه إلي هلكت
فبادرت الأمة إلى النعمان فأخبرته خبرها وصدقته وذكرت أنها قد شغفت به وأن سبب ذلك رؤيتها إياه في يوم الفصح وأنه إن لم يزوجها به افتضحت في أمره أو ماتت فقال لها ويلك وكيف أبدؤه بذلك فقالت هو أرغب في ذلك من أن تبدأه أنت وأنا أحتال في ذلك من حيث لا يعلم أنك عرفت أمره
وأتت عديا فأخبرته الخبر وقالت ادعه فإذا أخذ الشراب منه فاخطب إليه فإنه غير رادك قال أخشى أن يغضبه ذلك فيكون سبب العداوة بيننا قالت ما قلت لك هذا حتى فرغت منه معه فصنع عدي طعاما واحتفل فيه ثم أتى النعمان بعد الفصح بثلاثة أيام وذلك في يوم الإثنين فسأله أن يتغدى عنده هو وأصحابه ففعل فلما أخذ منه الشراب خطبها إلى النعمان فأجابه وزوجه وضمها إليه بعد ثلاثة أيام
(2/123)

هند حبيسة الدير
قال خالد بن كلثوم فكانت معه حتى قتله النعمان فترهبت وحبست نفسها في الدير المعروف بدير هند في ظاهر الحيرة
وقال ابن الكلبي بل ترهبت بعد ثلاث سنين ومنعته نفسها واحتبست في الدير حتى ماتت وكانت وفاتها بعد الإسلام بزمان طويل في ولاية المغيرة بن شعبة الكوفة وخطبها المغيرة فردته
أخبرني عمي قال حدثني ابن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن هشام ابن محمد بن الكلبي عن أبيه والشرفي بن القطامي قالا
مر المغيرة بن شعبة لما ولاه معاوية الكوفة بدير هند فنزله ودخل على هند بنت النعمان بعد أن استأذن عليها فأذنت له وبسطت له مسحا فجلس عليه ثم قالت له ما جاء بك قال جئتك خاطبا قالت والصليب لو علمت أن في خصلة من جمال أو شباب رغبتك في لأجبتك ولكنك أردت أن تقول في المواسم ملكت مملكة النعمان بن المنذر ونكحت ابنته فبحق معبودك أهذا أردت قال أي والله قالت فلا سبيل إليه فقام المغيرة وانصرف وقال فيها
(2/124)

( أدركتِ ما منَّيتُ نفسِيَ خالياً ... للهِ درُّكِ يا بنة النعمانِ )
( فلقد رَدَدْتِ على المغيرة ذِهْنَهُ ... إنّ الملوكَ نَقِيَّةُ الأَذهانِ ) وفي رواية أخرى
( إنَّ الملوكَ بَطِيَّةُ الإِذعانِ ... )
( يا هندُ حسبُكِ قد صَدَقتِ فأمسِكِي ... فالصِّدقُ خيرُ مَقَالَةِ الإِنسانِ )
وقد روى عن ابن الكلبي غير علي بن الصباح في هند أنها كانت تهوى زرقاء اليمامة وأنها أول امرأة أحبت امرأة في العرب فإن الزرقاء كانت ترى الجيش من مسيرة ثلاثين ميلا فغزا قوم من العرب اليمامة فلما قربوا من مسافة نظرها قالوا كيف لكم بالوصول مع الزرقاء فاجتمع رأيهم على أن يقتلعوا شجرا تستر كل شجرة منها الفارس إذا حملها فقطع كل واحد منهم بمقدار طاقته وساروا بها فأشرفت كما كانت تفعل فقال لها قومها ما ترين يا زرقاء وذلك في آخر النهار قالت أرى شجرا يسير فقالوا كذبت أو كذبتك عينك واستهانوا بقولها فلما أصبحوا صبحهم القوم فاكتسحوا أموالهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأخذوا الزرقاء فقلعوا عينها فوجدوا فيها عروقا سوداء فسئلت عنها فقالت إني كنت أديم الإكتحال بالإثمد فلعل هذا منه وماتت بعد ذلك بأيام وبلغ هندا خبرها فترهبت ولبست المسوح وبنت ديرا يعرف بدير هند إلى الآن فأقامت فيه حتى ماتت
وروى ابن حبيب عن ابن الأعرابي أن النعمان لما حبس عديا أكرهه في أمرها على طلاقها ولم يزل به حتى طلقها
قال ابن حبيب وذكر عدي بن زيد صهره هذا للنعمان في قصائده وكان زوج أخته هكذا العلماء من أهل الحيرة
وقالت رواة العرب إنه كان زوج ابنته هند فمن ذلك قوله في قصيدته التي أوله
( أبصَرَتْ عينِي عِشَاءً ضَوءَ نَارِ ... ) فقال فيها
( أَجْلَ نُعمَى رَبَّهَا أَولُكُمْ ... ودُنُوِّي كان منكم واصْطِهَارِي )
( نحن كنَّا قد علِمتُم قبلها ... عَمَدَ البيتِ وأوتادَ الإِصَارِ )
سبب تنصر النعمان
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا إبراهيم بن فهد قال حدثنا خليفة ابن خياط شباب العصفري قال حدثنا هشام بن محمد قال حدثني يحيى بن أيوب البجلي قال حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي قال سمعت جدي جرير بن عبد الله يقول وأخبرني به عمي قال حدثنا أحمد بن عبيد الله قال أخبرنا محمد بن يزيد بن زياد الكلبي أبو عبد الله قال حدثني معروف بن خربوذ عن يحيى بن أيوب عن أبي زرعة بن عمرو قال سمعت جدي جرير بن عبد الله ولفظ هذا الخبر لأحمد بن عبيد الله وروايته أتم قال
كان سبب تنصر النعمان وكان يعبد الأوثان قبل ذلك وقال أحمد بن عبيد الله في خبره النعمان بن المنذر الأكبر أنه كان قد خرج يتنزه بظهر الحيرة ومعه عدي بن زيد فمر على المقابر من ظهر الحيرة ونهرها فقال له عدي بن زيد أبيت اللعن أتدري ما تقول هذه المقابر قال لا وقال أحمد بن عبيد الله في خبره فقال له تقول
(2/125)

صهره هذا للنعمان في قصائده وكان زوج أخته هكذا العلماء من أهل الحيرة
وقالت رواة العرب إنه كان زوج ابنته هند فمن ذلك قوله في قصيدته التي أولها
( أبصَرَتْ عينِي عِشَاءً ضَوءَ نَارِ ... ) فقال فيها
( أَجْلَ نُعمَى رَبَّهَا أَولُكُمْ ... ودُنُوِّي كان منكم واصْطِهَارِي )
( نحن كنَّا قد علِمتُم قبلها ... عَمَدَ البيتِ وأوتادَ الإِصَارِ )
سبب تنصر النعمان
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا إبراهيم بن فهد قال حدثنا
(2/126)

( أيُّها الركبُ المخِبُّونَ ... على الأرض المجدُّونْ )
( كما أنتُمُ كُنَّا ... كما نحن تكونُونْ ) وقال الصولي في خبره فقال له تقول
( كُنَّا كما كنتُمُ حيناً فَغيَّرنَا ... دهرٌ فسوفَ كما صِرنَا تصيرونَا )
قال فانصرف وقد دخلته رقة فمكث بعد ذلك يسيرا ثم خرج خرجة أخرى فمر على تلك المقابر ومعه عدي فقال له أبيت اللعن أتدري ما تقول هذه المقابر قال لا قال فإنها تقول
( مَنْ رآنا فَلْيُحَدِّثْ نفْسَه ... أنه مُوفٍ على قَرْنِ زَوَالِ )
( وصُروفُ الدَّهرِ لا يَبقَى لها ... ولِمَا تأتِي به صُمُّ الجبالِ )
( رُبَّ ركبٍ قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمرَ بالماء الزُّلالِ )
( والأبارِيقُ عليها فُدُمٌ ... وجيادُ الخيلِ تَرْدِي في الحِلاَلِ )
( عَمِرُوا دهراً بِعيشٍ حَسَنٍ ... آمِنِي دَهْرِهِمُ غير عِجَالِ )
( ثم أضْحَوْا عصفَ الدَّهر بهم ... وكذاكَ الدهرُ يُودِي بالرِّجالِ )
( وكذاكَ الدهرُ يرمِي بالفتى ... في طِلاَبِ العيشِ حالاً بعدَ حال )
(2/127)

قال الصولي في خبره وهو الصحيح فرجع النعمان فتنصر وقال أحمد بن عبيد الله في خبره عن الزيادي الكلبي فرجع النعمان من وجهه وقال لعدي ائتني الليلة إذا هدأت الرجل لتعلم حالي فأتاه فوجده قد لبس المسوح وتنصر وترهب وخرج سائحا على وجهه فلا يدرى ما كانت حاله فتنصر ولده بعده وبنوا البيع والصوامع وبنت هند بنت النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر الدير الذي بظهر الكوفة ويقال له دير هند فلما حبس كسرى النعمان الأصغر أباها ومات في حبسه ترهبت هند ولبست المسوح وأقامت في ديرها مترهبة حتى ماتت فدفنت فيه
رأي المؤلف في تنصر النعمان
قال مؤلف هذا الكتاب إنما ذكرت الخبر الذي رواه الزيادي على ما فيه من التخليط لأني إذا أتيت بالقصة ذكرت كل ما يروى في معناها
وهو خبر مختلط لأن عدي بن زيد إنما كان صاحب النعمان بن المنذر وهو المحبوس والنعمان الأكبر لا يعرفه عدي ولا رآه ولا هو جد النعمان الذي صحبه عدي كما ذكر ابن زياد وقد ذكرت نسب النعمان آنفا ولعل هذا النعمان الذي ذكره عم النعمان بن المنذر الأصغر بن المنذر الأكبر والمتنصر السائح على وجهه ليس عدي بن زيد أدخله في النصرانية وكيف يكون هو المدخل له في النصرانية وقد ضربه مثلا للنعمان في شعره
لما حبسه مع من ضربه مثلا له من الملوك السالفة
حدثنا بخبر ذلك الملك جعفر بن محمد الفريابي وأحمد بن عبد العزيز ابن الجعد الوشاء قالا حدثنا إسحاق بن البهلول الأنباري قال حدثنا أبي البهلول
(2/128)

ابن حسان التنوخي قال حدثني إسحاق بن زياد من بني سامة بن لؤي عن شبيب بن شيبة عن خالد بن صفوان بن الأهتم قال
أوفدني يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك في وفد أهل العراق قال فقدمت عليه وقد خرج بقرابته وحشمه وغاشيته وجلسائه فنزل في أرض قاع صحصح منيف أفيح في عام قد بكر وسميه وتتابع وليه وأخذت الأرض فيه زينتها على اختلاف ألوان نبتها من نور ربيع مونق فهو في أحسن منظر وأحسن مختبر وأحسن مستمطر بصعيد كأن ترابه قطع الكافور قال وقد ضرب له سرادق من حبرة كان يوسف بن عمر صنعه له باليمن فيه فسطاط فيه أربعة أفرشة من خز أحمر مثلها مرافقها وعليه دراعة من خز أحمر مثلها عمامتها وقد أخذ الناس مجالسهم قال فأخرجت رأسي من ناحية السماط فنظر إلي شبه المستنطق لي فقلت أتم الله عليك يا أمير المؤمنين نعمه وجعل ما قلدك من هذا الأمر رشدا وعاقبة ما يؤول إليه حمدا وأخلصه لك بالتقى وكثره لك بالنماء ولا كدر عليك منه ما صفا ولا خالط سروره بالردى فلقد أصبحت للمؤمنين ثقة ومستراحا إليك يقصدون في مظالمهم ويفزعون في أمورهم وما
(2/129)

أجد شيئا يا أمير المؤمنين هو أبلغ في قضاء حقك وتوقير مجلسك وما من الله جل وعز علي به من مجالستك من أن أذكرك نعم الله عليك وأنبهك لشكرها وما أجد في ذلك شيئا هو أبلغ من حديث من سلف قبلك من الملوك فإن أذن أمير المؤمنين أخبرته به قال فاستوى جالسا وكان متكئا ثم قال هات يابن الأهتم قال قلت يا أمير المؤمنين إن ملكا من الملوك قبلك خرج في عام مثل عامك هذا إلى الخورنق والسدير في عام قد بكر وسميه وتتابع وليه وأخذت الأرض فيه زينتها على اختلاف ألوان نبتها في ربيع مونق فهو في أحسن منظر وأحسن مختبر بصعيد كأن ترابه قطع الكافور وقد كان أعطي فتاء السن مع الكثرة والغلبة والقهر فنظر فأبعد النظر ثم قال لجلسائه لمن مثل هذا هل رأيتم مثل ما أنا فيه وهل أعطي أحد مثل ما أعطيت قال وعنده رجل من بقايا حملة الحجة والمضي على أدب الحق ومنهاجه قال ولم تخل الأرض من قائم لله بحجة في عباده فقال أيها الملك إنك سألت عن أمر أفتأذن في الجواب عنه قال نعم قال أرأيت هذا الذي أنت فيه أشيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك ميراثا وهو زائل عنك وصائر إلى غيرك كما صار إليك قال كذلك هو قال فلا أراك إلا عجبت بشيء يسير تكون فيه قليلا وتغيب عنه طويلا وتكون غدا بحسابه مرتهنا قال ويحك فأين المهرب وأين المطلب قال إما أن تقيم في ملكك فتعمل فيه بطاعة الله ربك على ما ساءك
(2/130)

وسرك وأومضك وأرمضك وإما أن تضع تاجك وتخلع أطمارك وتلبس أمساحك وتعبد ربك حتى يأتيك أجلك قال فإذا كان السحر فاقرع علي بابي فإني مختار أحد الرأيين وربما قال إحدى المنزلتين فإن اخترت ما أنا فيه كنت وزيرا لا يعصى و إن اخترت فلوات الأرض وقفر البلاد كنت رفيقا لا يخالف قال فقرع عليه عند السحر بابه فإذا هو قد وضع تاجه وخلع أطماره ولبس أمساحه و تهيأ للسياحه فلزما و الله الجبل حتى أتاهما أجلهما وهو حيث يقول عدي بن زيد أخو بني تميم
( أيُّها الشَّامِتُ المَعَيِّرُ بالدَّهرِ ... أأنتَ المبرَّأُ الموفُورُ )
( أم لديكَ العهدُ الوثيقُ من الأيام ... بل أنتَ جاهلٌ مغرورُ )
( مَنْ رأيتَ المَنُونَ خَلَّدْنَ أم مَنْ ذا ... عليه مِنْ أن يُضَامَ خفيرُ )
( أين كسرى كسرى الملوك أنُو شِيرْوانُ ... أم أينَ قبله سَابورُ )
( وبنو الأَصفر الكرامُ ملوكُ الروم ... لم يبق منهمُ مَذْكورُ )
( وأخو الحَضرِ إذ بناه و إذ دْجْلَةُ ... تُجْبَى إليه والخَابُورُ )
(2/131)

( شَادَهُ مَرْمراً وجَلَّلَه كِلْساً فَلِلطيرِ في ذُراه وكُورُ ... )
( لم يَهَبْه رَيُب المنونِ فبادَ الْمُلكُ عنه فبابُه مَهجُورُ ... )
( وتَذَكَّرْ رَبَّ الخَوَرْنَقِ إذ ا أشْرَفَ يوماً وللهُدَى تَفكيرُ ... )
( سرَّه مالُهُ وكثرةُ ما يملِكُ والبحرُ مُعرِضاً والسديرُ ... )
( فَارعوَى قلبُه فقال و ما غِبْطَهُ حيٍّ إلى المماتِ يصيرُ ... )
( ثم بعد الفلاح و الملكِ و الإِمةِ ارَتهمُ هُناكَ القُبُورُ ... )
( ثم صاروا كأنهم ورقٌ جَفّ فألوَت به الصَّبا و الدَّبُورُ ... ) قال فبكى و الله هشام حتى أخضل لحيته وبل عمامته وأمر بنزع أبنيته و بنقلان قرابته وأهله وحشمه وغاشيته من جلسائه و لزم قصره فأقبلت الموالي والحشم على خالد بن صفوان فقالوا ما أردت إلى أمير المؤمنين أفسدت عليه لذته و نغصت عليه مأدبته فقال إليكم عني فإني عاهدت الله عز و جل ألا أخلو بملك إلا ذكرته الله عز و جل
(2/132)

أخبار الحضر والخورنق
فأما خبر الحضر وصاحبه والخورنق وصاحبه فإني أذكر خبرهما هاهنا لأنه مما يحسن ذكره بعقب هذه الأخبار ولايستغنى عنه والشيء يتبع الشىء أخبري بخبره إبراهيم بن السري عن أبيه عن شعيب عن سيف و أخبرني به الحسن بن علي قال حدثنا الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي و أخبرني به علي بن سليمان الأخفش في كتاب المغتالين عن السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل بن سلمه الضبي و هشام بن الكلبي عن أبيه و إسحاق بن الجصاص عن الكوفيين
أن الحضر كان قصرا بحيال تكريت بين دجله والفرات وأن أخا الحضر الذي ذكره عدي بن زيد هو الضيزن بن معاوية بن العبيد بن الأجرام بن عمرو بن النخع بن سليح من بني تزيد بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعه و أمه جبهلة امرأة من بني تزيد بن حلوان أخي سليح بن حلوان وكان لا يعرف إلا بأمه هذه وكان ملك تلك الناحية وسائر أرض الجزيرة وكان معه من بني الأجرام ثم من بني العبيد بن الأجرام وسائر قبائل قضاعة ما لا يحصى وكان ملكه قد
(2/133)

بلغ الشأم
فأغار الضيزن فأصاب أختا لسابور ذي الأكتاف وفتح مدينة نهر شير و فتك فيهم فقال في ذلك عمرو بن السليح بن حدي بن الدها بن غنم بن حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة
( لَقِينَاهم بجَمْع من عِلاَفٍ ... وبالخيل الصَّلادِمه الذكور )
( فلاقتْ فارسٌ منّا نَكالاً ... وقَتَّلنا هَرَابِذَ شَهْرَزُورِ )
( دَلَفْنَا للاعاجم من بعيدٍ ... بجمع مِ الجزيرة كالسَّعِيرِ )
قالوا ثم إن سابور ذا الأكتاف جمع لهم وسار إليهم فأقام على الحضر أربع سنين لا يستغل منهم شيئا ثم إن النضيرة بنت الضيزن عركت أي حاضت فأخرجت إلى الربض وكانت من أجمل أهل دهرها وكذلك كانوا يفعلون
(2/134)

بنسائهم إذا حضن وكان سابور من أجمل أهل زمانه فراها وراته وعشقها وعشقته فأرسلت إليه ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به هذه المدينة وتقتل أبي قال أحكمك وأرفعك على نسائي وأخصك بنفسي دونهن قالت عليك بحمامة مطوقة ورقاء فاكتب في رجليها بحيض جارية بكر تكون زرقاء ثم أرسلها فإنها تقع على حائط المدينة فتتداعى المدينة وكان ذلك طلسمها لايهدمها إلا هو ففعل و تأهب لهم و قالت له أنا أسقي الحرس الخمر فإذا صرعوا فاقتلهم وادخل المدينة ففعل فتداعت المدينة وفتحها سابور عنوة فقتل الضيزن يومئذ وأباد بني العبيد وأفنى قضاعة الذين كانوا مع الضيزن فلم يبق منهم باق يعرف إلى اليوم وأصيب قبائل حلوان و انقرضوا و درجوا فقال في ذلك عمرو بن آلة وكان مع الضيزن
( ألَمْ يحْزُنْك و الأنباءُ تنْمِي ... بما لاقتْ سَرَاةُ بَنِي العَبيِدِ )
( ومصْرعُ ضيْزَنٍ وبنِي أبيه ... وأحْلاسِ الكتائبِ مِنْ تَزِيدِ )
( أتاهُم بالفُيُولِ مجلَّلاتٍ ... و بالأبطال سابورُ الجنود )
( فهدَّمَ من أواسِي الحضْر صخْرا ... كأنّ ثِقَالَه زُبَرُ الحديدِ )
(2/135)

قال فأخرب سابور المدينة واحتمل النضيرة بنت الضيزن فأعرس بها بعين التمر فلم تزل ليلتها تتضور من خشانة في فرشها وهي من حرير محشو بالقز فالتمس ما كان يؤذيها فإذا هي ورقة آس ملتصقة بعكنة من عكنها قد أثرت فيها
قال وكان ينظر إلى مخها من لين بشرتها فقال لها سابور ويحك بأي شيء كان أبوك يغذيك قالت بالزبد والمخ وشهد الأبكار من النحل وصفوة الخمر
فقال وأبيك لأنا أحدث عهدا بمعرفتك وآثر لك من أبيك الذي غذاك بما تذكرين ثم أمر رجلا فركب فرسا جموحا وضفر غدائرها بذنبه ثم استركضه فقطعها قطعا فذلك قول الشاعر
( أقفرَ الحَضْرُ من نضيرةَ فالمِرْبَاعُ ... مِنهَا فجانبُ الثَّرْثَارِ )
قالوا وكان الضيزن صاحب الحضر يلقب الساطرون وقال غيرهم بل الساطرون صاحب الحضر كان رجلا من أهل باجرمى والله أعلم أي ذلك كان
(2/136)

هذا خبر صاحب الحضر الذي ذكره عدي
وأما صاحب الخورنق فهو النعمان بن الشقيقة وهو الذي ساح على وجهه فلم يعرف له خبر والشقيقة أمه بنت أبي ربيعة بن زهر بن شيبان
وهو النعمان ابن امرىء القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن الضخم اللخمي وهو صاحب الخورنق فذكر ابن الكلبي في خبره الذي قدمنا ذكره ورواية علي بن الصباح إياه عنه أنه كان سبب بنائه الخورنق أن يزدجرد بن سابور كان لا يبقى له ولد فسأل عن منزل مريء صحيح من الأدواء والأسقام فدل على ظهر الحيرة فدفع ابنه بهرام جور بن يزدجرد إلى النعمان بن الشقيقة وكان عامله على أرض العرب وأمره بأن يبني الخورنق مسكنا له ولابنه وينزله إياه معه وأمره بإخراجه إلى بوادي العرب وكان الذي بنى الخورنق رجلا يقال له سنمار فلما فرغ من بنائه عجبوا من حسنه وإتقان عمله فقال لو علمت أنكم توفوني أجرتي وتصنعون بي ما أستحقه لبنيته بناء يدور مع الشمس حيثما دارت فقالوا وإنك لتبني ما هو أفضل منه ولم تبنه ثم أمر به فطرح من أعلى الجوسق
وقال في بعض الروايات أنه قال له إني لأعرف في هذا القصر موضع عيب إذا هدم تداعى القصر أجمع فقال له أما والله لا تدل عليه أحدا أبدا ثم رمي به من أعلى القصر فقالت الشعراء في ذلك أشعارا كثيرة منها قول أبي الطمحان القيني
( جَزَاءَ سِنِمَّارٍ جَزَوْها ورَبِّها ... وبالَّللاتِ والعُزَّى جزاءَ المكفَّرِ )
(2/137)

ومنها قول سليط بن سعد
( جزى بنوه أبا الغِيلان عن كِبَرٍ ... وحُسْنِ فعلٍ كما يُجَزى سِنِمَارُ )
وقال عبد العذى بن امرىء القيس الكلبي وكان أهدى إلى الحارث بن مارية الغساني أفراسا ووفد إليه فأعجب به واختصه وكان للملك ابن مسترضع في بني عبد ود من كلب فنهشته حية فظن الملك أنهم اغتالوه فقال لعبد العزى جئني بهؤلاء القوم فقال هم قوم أحرار ليس لي عليهم فضل في نسب ولا فعل فقال لتأتيني بهم أو لأفعلن وأفعلن فقال له رجونا من حبائك أمرا حال دونه عقابك ودعا ابنيه شراحيل وعبد الحارث فكتب معهما إلى قومه
( جزاني جزاه اللهُ شَرَّ جزائه ... جزاءَ سِنِمَّارٍ وما كان ذَا ذنبِ )
( سوى رَصِّه البنيانَ عِشرينَ حِجةً ... يُعَلِّي عليه بالقَرَامِيدِ والسَّكْبِ ) وهي أبيات قال فقتله النعمان وكان أمره قد عظم وحعل معه كسرى كتيبتين إحداهما يقال لها دوسر وهي لتنوخ والأخرى الشهباء وهي للفرس وكانتا أيضا تسميان القبيلتين وكان يغزو بهما بلاد الشأم وكل من لم يدن له من العرب
فجلس يوما يشرف من الخورنق فأعجبه ما رأى من ملكه ثم
(2/138)

ذكر باقي خبره مثل ما ذكره خالد بن صفوان لهشام من مخاطبة الواعظ وجوابه وما كان من اختياره السياحة وتركه ملكه
رثاء النابغة للنعمان
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني عبد الله بن عمرو قال ذكر ابن حمزة عن مشايخه
أن النعمان بن المنذر لما نعي إلى النابغة الذبياني وحدث بما صنع به كسرى قال طلبه من الدهر طالب الملوك ثم تمثل
( مَنْ يَطْلُبِ الدهرُ تدكه مَخالِبُه ... والدَّهرُ بالوِتْر ناجٍ غيرُ مطلوبِ )
( ما منْ أُناسٍ ذَوِي مجدٍ ومَكرُمةٍ ... إلا يَشُدُّ عليهم شَدَّةَ الذِّيبِ )
( حتى يبُيِدَ على عَمْدٍ سَرَاتَهُمُ ... بالنافذاتِ من النَّبْل المَصَايِيبِ )
( إني وجدتُ سهَامَ الموت مُعرِضَةً ... بكلّ حَتْفٍ من الآجال مكتوبِ )
وفي سائر قصائد عدي بن زيد التي كتب بها إلى النعمان يستعطفه ويعتذر إليه أغان منها
صوت
( لم أر مثلَ الفِتيانِ في غَبَنِ الْأيام ... يَنْسَوْنَ ما عواقِبُها )
( ينسَوْنَ إخوانَهُم ومصرعَهُم ... وكيف تَعْتَاقُهُمْ مَخَالِبُها )
(2/139)

( ماذا تُرجِّي النفوسُ مِن طلبِ الخير ... وحبُّ الحياةِ كارِبُها )
( تظنّ أن لن يصيبها عَنَتُ الدهرِ ... ورَيبُ المنونِ صَائِبُها )
ويروى عقب الدهر يقول الأيام تغبن الناس فتخدعهم وتختلهم مثل الغبن في البيع
وتعتاقهم تحبسهم يقال اعتاقه واعتقاه
وكاربها هاهنا غامها وهو في موضع آخر القريب منها يقال كربه الأمر وكرثه وبهضه وغنظه إذا غمه الغناء في هذه الأبيات لابن محرز خفيف رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة
وفيها رمل بالبنصر نسبه حبش ودنانير إلى حنين ونسبه الهشامي وابن المكي إلى الهذلي ومنها
صوت
( يا لُبينَي أوقِدِي النَّارَا ... إنّ مَنْ تَهْوَيْنَ قد حَارَا )
( رُبَّ نارٍ بِتُّ أَرْمُقُهَا ... تَقْضِمُ الهِندِيَّ والغَارَا )
( عندها ظبيٌ يؤرّثها ... عاقِدٌ في الجيدِ تِقْصَارَا )
عروضه من المديد حار يحير هنا ضل وحار في موضع آخر رجع
والغار شجر طيب الريح والغار أيضا شجر السوس والغار الغيرة
ويؤرثها يوقدها ويكثر حطبها
والتقصار المخنقة الغناء لحنين خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق
وفيه خفيف رمل يقال إنه لعريب
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق وأخبرنا
(2/140)

به يحيى بن علي عن داود بن محمد عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن ابن عائشة عن يونس النحوي قال
مات رجل من جند أهل الشأم عظيم القدر له فيهم عز وعدد فحضر الحجاج جنازته وصلى عليه وجلس على قبره وقال لينزل إليه بعض إخوانه فنزل نفر منهم فقال أحدهم وهو يسوي عليه رحمك الله أبا قنان إن كنت ما علمت لتجيد الغناء وتسرع رد الكأس ولقد وقعت في موضع سوء لا تخرج منه والله إلى يوم القيامة
قال فما تمالك الحجاج أن ضحك وكان لا يكثر الضحك في جد ولا هزل
فقال له أهذا موضع هذا لا أم لك فقال أصلح الله الأمير فرسه حبيس في سبيل الله لو سمعه الأمير وهو يغني
( يا لُبَيْنَى أوقِدي النارا ... إن مَنْ تَهَوَين قد حارَا ) لانتشر الأمير على سعنة وكان الميت يلقب بسعنة فقال إنا لله أخرجوه من القبر ما أبين حجة أهل العراق في جهلكم يا أهل الشأم قال وكان سعنة هذا الميت من أوحش خلق الله كلهم صورة وأذمهم قامة فلم يبق أحد حضر القبر إلا استفرغ ضحكا
ومنها من قصيدة التي أولها
( لِمَنْ الدارُ تَعفَّتْ بِخِيَمْ ... )
صوت
( وثلاثٍ كالحماماتِ بها ... بين مجْثَاهُنَّ توشيمُ االحُممْ )
( أسأل الدارَ وقد أنكرتُها ... عن حبيبي فإِذا فيها صممْ )
(2/141)

ويروى توشيم العجم
والتوشيم أراد به آثار الوقود قد صار فيها كالوشم
والثلاث يعني الأثافي التي تنصب عليها القدر الغناء لإبراهيم خفيف ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر عن عمرو وابن المكي
وفيه لحكم لحن من كتاب إبراهيم غير مجنس
وهذه القصيدة التي أولها
( لمن الدارُ تعفَّتْ بخِيَمْ ... أصبحت غيَّرها طولُ القِدَمْ )
( ما تبِينُ العينُ من آياتها ... غيرَ نُؤْي مثل خطٍّ بالقلمْ ) وبعده
( وثلاثٍ كالحمامات بها ... بين مَجثاهنَّ توشيمُ الحُمَمْ )
وعلى هذا خفض قوله وثلاث كالحمامات
ومنها قوله
( كفى غِيَرُ الأيام للمرءِ وازعا ... )
صوت
( بناتٍ كِرَامٍ لم يُرَبْنَ بضُرَّةٍ ... دُمًى شَرِقاتٍ بالعَبِيرِ رَوادِعَا )
( يُسارِقْنَ مِ الأستارِ طَرْفاً مُفَتَّراً ... ويُبرِزْنَ من فَتْقِ الخدُورِ الأصابعَا ) بنات كرام موضعه نصب وهو يتبع ما قبله وينصب به وهو قوله
( وأُصْبِي ظِباءً في الدِّمَقْسِ خواضِعَا ... ) بنات كرام هكذا في القصيدة على تواليها وقد يجوز رفعه على الابتداء
ويروى بضرة وبضرة جمعا بالضم والفتح
والدمى الصور واحدتها دمية الغناء في
(2/142)

هذين البيتين لابن قندح ثقيل أول بالبنصر عن عمرو وذكر الهشامي أنه لمحمد ابن إسحاق بن عمرو بن بزيع وذكر حبش أنه لإبراهيم
ومنها
صوت
( أَرِقْتُ لمكفهِرٍّ بات فيه ... بَوَارِقُ يَرتَقِينَ رُؤوس شِيبِ )
( تروحُ المشرَفِيَّةُ في ذُراهُ ... وَيَخْلُو صفحةَ الذَّيلِ القَشِيبِ ) والمكفهر والمكرهف السحاب المتوالي المتراكب والشيب السحائب التي فيها سواد وبياض شبهها بالرؤوس الشيب وقال قوم بل شيب جبل معروف
شبه البرق في السحاب بلمعان السيوف
ورواه ابن الأعرابي
( ويجلو صفحَ دَخْدَارٍ قَشِيبِ ... ) وقال الدخدار الثوب المصون وهو أعجمي معرب أصله تخت دار
والقشيب الجديد
الغناء لعريب ثقيل أول بالبنصر
ومنها من قصيدة التي أولها
( الأيا طالَ ليلِي والنِهارُ ... )
صوت
( ألا مَنْ مُبلغُ النعمانِ عنِّي ... علانيةً فقد ذهب السِّرارُ )
( بأنّ المَرءَ لم يُخلَقْ حَديداً ... ولا هَضْباً تَوَقَّاه الوِبارُ )
( ولكنْ كالشِّهاب فثمَّ يَخْبُو ... وحادِي الموتِ عنه مايحارُ )
( فهل مِن خالدٍ إما هلكنا ... وهل بالموتِ ياللنَّاسِ عارُ ) الهضب الجبل
الوبارجمع وبر
والشهاب السراج
ويخبو يطفأ
الغناء لبابويه ثقيل أول بالبنصر عن حبش والهشامي
صوت
( ألا مَن مُبلِغُ النعمانِ عنِّي ... فبينَا المرءُ أَغْرَبَ إذ أَرَاحَا )
( أَطَعْتَ بني بُقَيْلَةَ في وَثَاقي ... وكنا في حُلوقِهِمُ ذُبَاحاً )
( مَنَحتَهُم الفُرَاتَ وجانبيْه ... وتَسقِينَا الأواجِنَ والمِلاَحَا ) الغناء لحنين خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق ومنها
صوت
( مَنْ لقلبٍ دَنِفٍ أو مُعْتَمَدْ ... قَد عَصَى كلَّ نَصِيحٍ ومُفَدّْ )
( لستُ إن سَلْمَى نأتني دارُها ... سامعاً فيها إلى قول أحدْ ) المعتمد الذي عمده الوجع يعمده عمدا
غناه ابن محرز ولحنه خفيف ثقيل
(2/143)

الوبارجمع وبر
والشهاب السراج
ويخبو يطفأ
الغناء لبابويه ثقيل أول بالبنصر عن حبش والهشامي
ومنها
صوت
( ألا مَن مُبلِغُ النعمانِ عنِّي ... فبينَا المرءُ أَغْرَبَ إذ أَرَاحَا )
( أَطَعْتَ بني بُقَيْلَةَ في وَثَاقي ... وكنا في حُلوقِهِمُ ذُبَاحاً )
( مَنَحتَهُم الفُرَاتَ وجانبيْه ... وتَسقِينَا الأواجِنَ والمِلاَحَا ) الغناء لحنين خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق ومنها
صوت
( مَنْ لقلبٍ دَنِفٍ أو مُعْتَمَدْ ... قَد عَصَى كلَّ نَصِيحٍ ومُفَدّْ )
( لستُ إن سَلْمَى نأتني دارُها ... سامعاً فيها إلى قول أحدْ ) المعتمد الذي عمده الوجع يعمده عمدا
غناه ابن محرز ولحنه خفيف ثقيل
(2/144)

بالسبابة في مجرى النصر عن إسحاق
وفيه لمالك خفيف ثقيل أخر بالوسطى عن عمرو
وذكر يونس أن فيه لمالك لحنا ولسنان الكاتب لحنا وهو ثقيل أول بالوسطى عن حبش
ومنها
صوت
( أرَوَحٌ أرَوَاحٌ مُوَدَّعٌ أم بُكورُ ... لك فاعمِدْ لأيّ حالٍ تصِيرُ )
( ويقولُ العُداةَ أوْدى عديٍّ ... وعديٍّ بسُخْطِ ربٍّ أسِيرُ )
( أيّها الشامتُ المعيِّرُ بالدهر ... أأنت المبرَأُ الموفورُ )
( أم لديك العهدُ الوثيق من ألأيام ... بل أنت جاهلٌ مغرُورُ ) يريد أرواح نودعك فيه أم بكور أيهما تريد فاعمد للذي تصير إليه من أمر آخرتك
والموفور الذي لم تصبه نوائب الدهر
الغناء لحنين من كتاب يونس ولم يذكر طريقته وذكر حماد بن إسحاق عن أبيه أن حنينا غناه خالدا القسري أيام حرم الغناء فرق له وقال غني ولا تعاشر سفيها ولا معربدا
والخبر في ذلك يذكر في أخبار حنين
ومما يغنى فيه أيضا من شعر عدي
صوت
( ألا يَّا ربما عزَّ خليلي فتهاونْتُ ... )
(2/145)

( ولو شئتُ على مَقْدرةٍ مِنِّي لعاقبتُ ... )
( ولكن سَرَّني أن يعلَمُوا ... قَدْرِي فأَقْلعتُ )
( أَلاَ لا فاسألوا الفتية ... ما قالوا وقد قمتُ )
الغناء لسياط رمل عن الهشامي
وفيه ليحيى المكي خفيف ثقيل نسبه إلى مالك وليس له
ولعريب في البيتين الأولين ثقيل أول
وبعدهما بيت ليس من الشعر وهو
( ولكنَّ حبيبى جلّ عندي فتغَافلتُ ... )
ومما يغنى فيه شعره
صوت
( تَعرِفُ أمْسِ منْ لَمِيسَ الطَّلَلْ ... مثلَ الكتاب المدارِس الأحْوَلْ ) الذي قد درس فلا يقرأ
( أنعِمْ صَباحاً عَلْقمَ بنَ عَدِيّ ... أثَوَيْتَ اليومَ أم تَرْحَلْ )
( قد رحَّلَ الفِتيانُ عِيَرهُمُ ... واللحمُ بالغِيطانِ لم يُنْشَلْ )
( إذ هي تَسْبِي الناظرِين وتجلوا ... واضحاً كالأُقْحُوانِ رَتِلْ ) الرتل المستوي البنية
( عذباً كما ذقتُ الجَنِيَّ من التفاح ... مَسْقِيًّا ببردِ الطَّلْ ) هكذا يغنى
والذي قاله عدي يسقيه برد الطل
الغناء لحنين رمل بالوسطى عن عمرو
(2/146)

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن ابن الكلبي أن عمرو بن امرىء القيس المكنى بأبي سريح وعلقمة بن عدي وقيل علقم بن عدي بن كعب وعمرو بن هند خرجوا إلى الصيد فأتوا قصر ابن مقاتل فمكثوا فيه يتصيدون فزعموا أن علقمة بن عدي تبع حمارا فصرعه والشمس لم تطلع ثم لحق آخر فطعنه فانقصف الرمح فيه ومر به فرسه يركض فجال به العير فضربه فأصاب صدره فقتله وقيل إن الرمح المنقصف دخل في صدره فقتله وذلك في أيام الربيع وكان عدي بن زيد معهم وإليه قصدوا وكان نازلا في قصر ابن مقاتل فقال عدي هذه القصيدة يرثيه بها
صوت
من المائة المختارة
( عَفَا مِنْ سُلَيمَى مُسحُلاَنُ فحامِرُهْ ... تَمَشَّى به ظُلْمَانُه وجاذِرُهْ )
( بمستأسِدِ القُرْيَانِ عاف نَبَاتُه ... فَنُوَّارُه مِيلٌ إلى الشمس زاهِرُهْ )
( رأتْ عارضاً جَوْناً فقامَتْ غرِيرةً ... بمِسْحَاتها قبل الظلامِ تبادِرهُْ )
( فما بَرِحَتْ حتى أتى الماءُ دونها ... وسُدّت نواحِيه ورُفِّعَ دابِرُهْ )
(2/147)

عروضه من الطويل
عفا درس
مسحلان موضع
وحامره موضع أضافه إلى مسحلان
والظلمان ذكور النعام واحدها ظليم
والجآذر أولاد البقر وأحدها جؤذر وجؤذر بضم الذال وفتحها
وتمشى تكثر المشي
والقريان مجاري الماء إلى الرياض واحدها قري
والمستأسد ما ألتف منها وطال
والنوار يقال إنه يكون أبدا حيال الشمس يستقبلها بوجهه فيقول إن نوار هذه الروضة يميل زاهره حيال الشمس
والعارض السحاب
والجون الأسود
والغريرة الناعمة التي لم تجرب الأمور يقول لما رأت هذه المرأة السحابة السوداء قامت بمسحاتها تصلح النؤي حوالي بيتها وهو الحاجز بينه وبين الأرض المستوية
وقوله رفع دابره أي مؤخره الذي يلي الماء من النؤي
الشعر للحطيئة يهجو الزبرقان بن بدر
والغناء لابن عائشة ولحنه المختار خفيف رمل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق وذكر حبش أن له فيه لحنا آخر من الثقيل الثاني
(2/148)

خبر الحطيئة ونسبه
والسبب الذي من أجله هجا الزبرقان بن بدر
الحطيئة لقب لقب به وامه جرول بن أوسمه بن مالك بن جؤية بن مخزوم ابن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن الريث بن غطفان بن سعد ابن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار
وهو من فحول الشعراء ومتقدميهم وفصحائهم متصرف في جميع فنون الشعر من المديح والهجاء والفخر والنسيب مجيد في ذلك أجمع وكان ذا شر وسفه ونسبه متدافع بين قبائل العرب وكان ينتمي إلى كل واحدة منها إذا غضب على الآخرين
وهو مخضرم أدرك الجاهلية والأسلام فأسلم ثم ارتد وقال في ذلك
( أطعنا رسول الله إذ كان بيننا ... فيا لَعِبادِ الله ما لأبي بكْرِ )
( أيُورِثُها بكراً إذا مات بعده ... وتلك لعمرُ الله قاصِمةُ الظهرِ )
ويكنى الحطيئة أبا مليكة وقيل إن الحطيئة غلب عليه ولقب به لقصره وقربه من الأرض
وقال حماد الراوية قال أبو نصر الأعرابي سمي الحطيئة لأنه ضرط ضرطة بين قوم فقيل له ما هذا فقال إنما هي حطيئة فسمي الحطيئة
وقال المدائني قال أبو اليقظان كان الحطيئة يدعي أنه ابن عمرو بن
(2/149)

علقمة أحد بني الحارث بن سدوس قال وسمي الحطيئة لقربه من الأرض
أخبرني الفضل بن الحباب الجمحي أبو خليفة في كتابه إلي بإجازته لي يذكر عن محمد بن سلام أن الحطيئة كان ينتمي إلى بني ذهل بن ثعلبة فقال
( إنّ اليمامةَ خيرُ ساكنِها ... أهلُ القُرَيَّةِ من بني ذُهْل )
قال والقرية منازلهم ولم ينبت الحطيئة في هؤلاء
وأخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني عمي عن ابن الكلبي قال سمعت خراش بن إسماعيل وخالد بن سعيد يقولان كان الحطيئة إذا غضب على بني عبس يقول أنا من بني ذهل وإذا غضب على بني ذهل قال أنا من بني عبس
أخبرني الحسين بن يحيى الرداسي قال قال حماد بن إسحاق قال أبي قال ابن الكلبي كان الحطيئة مغموز النسب وكان من أولاد الزنا الذين شرفوا
قال إسحاق وقال الأصمعي كان الحطيئة يضرب بنسبه إلى بكر بن وائل فقال في ذلك
( قومي بنُو عَوْفِ بن عمرٍو إِن أراد العلمَ عالِمْ ... )
( قومٌ إذاذَهَبَتْ خَضَرِمُ ... منهمُ خَلَفَتْ خَضَارِمْ ... )
( لا يفشَلُون ولا تَبيتُ على أُنوفِهِمُ المَخَاطِمْ ... )
قال الأصمعي وقدم الحطيئة الكوفة فنزل في بني عوف بن عامر بن ذهل يسألهم وكان يزعم أنه منهم وقال في ذلك
(2/150)

( سِيرِي أُمامَ فإنَّ المالَ يجمعُه ... سَيْبُ الإِله وإِقْبَالي وإدبَارِي )
( إلى معاشرَ منهم يا أُمَامَ أبي ... من آ ' ل عَوْف بُدُوءٍ غيرِ أَشْرارِ )
( نمشي على ضوء أحسابٍ أضَأْنَ لنا ... ما ضَوّأْتْ ليلةُ القَمْرَاءِ لِلسَّارِي )
الحطيئة وقصته مع اخوته وأمه
وقال ابن دريد في خبره عن عمه عن ابن الكلبي عن أبيه وحماد بن إسحاق عن أبيه عن ابن الكلبي عن أبيه قال كان أوس بن مالك بن جؤية بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس تزوج بنت رياح بن عمرو بن عوف ابن الحارث بن سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة وكان له أمة يقال لها الضراء فأعلقها بالحطيئة ورحل عنها
وكان لبنت رياح أخ يقال له الأفقم وكان طويلا أفقم صغير العينين مضغوط اللحيين فولدت الضراء الحطيئة فجاءت به شبيها بالأفقم فقالت لها مولاتها من أين هذا الصبي فقالت لها من أخيك وهوابت أن تقول لها من زوجك فشبهته بأخيها فقالت لها صدقت
ثم مات أوس وترك ابنين من الحرة وتزوج الضراء رجل من بني عبس فولدت له رجلين فكانا أخوي الحطيئة من أمه
فأعتقت بنت رياح الحطيئة وربته فكان كأنه أحدهما
وترك الأفقم نخلا باليمامة
فأتى الحطيئة أخويه من أوس بن مالك وقد كانت أمه لما أعتقتها بنت رياح اعترفت أنها اعتلقت من أوس بن مالك فقال لهم
(2/151)

أفردوا إلي من مالكم قطعة فقالا لا ولكن أقم معنا فنحن نواسيك فقال
( أأمَرْتُماني أن أُقِيمَ عليكما ... كلاَّ لَعَمْرُ أبيكما الحَبَّاقِ )
( عبدَانِ خيرُهما يُشَلُّ بضَبْعِه ... شَلَّ الأجير قلائصَ الوَرَّاقِ ) قال وسأل الحطيئة أمه من أبوه فخلطت عليه فقال
( تقول ليَ الضَّرَّاءُ لستَ لواحِدٍ ... ولا اثنين فانظر كيفَ شِرْكُ أُولئكَا )
( وأنتَ امرؤ تَبغِي أباً قد ضَلَلْتَه ... هَبِلْتَ ألمَّا تَستَفِقْ مِن ضَلاَلِكَا )
قال وغضب عليها فلحق بإخوته بني الأفقم فقال
( سِيري أُمَامَ فإن المال يجمعُه ... سَيبُ الإِله وإقبالي وإدباري )
قال فلم يدفعوه ولم يقبلوه فقال
( إنّ اليمامةَ خيرُ ساكِنها ... أهلُ القُرَيَّةِ من بني ذُهلِ ) وسألهم ميراثه من الأفقم فأعطوه نخلات من نخل أبيهم تدعى نخلات أم مليكة وأم مليكة امرأة الحطيئة فقال
( لِيَهْنِى تُراثِي لامرىءٍ غيرَ ذِلَّةٍ ... صَنَابيرُ أُحْدَانٌ لهنّ حَفيفُ )
قال ثم لم تقنعه النخيلات وقد أقام فيهم زمانا فسألهم ميراثه كاملا من الأفقم فلم يعطوه شيئا وضربوه فغضب عليهم وقال
(2/152)

( تمنَّيتُ بكراً أن يكونوا عِمارتي ... وقومِي وبكرٌ شرُّ تلك القبائلِ )
( إذا قلتُ بَكْرِيُّ نَبوْتُمْ بحاجتي ... فياليتني مِن غيِر بكرِ بنِ وائِل ) فعاد إلى بني عبس وانتسب إلى أوس بن مالك
وقال الأصمعي في خبره لما أتى أهل القرية وهم بنو ذهل يطلب ميراثه من الأفقم مدحهم فقال
( إنّ اليمامة خيرُ ساكنِها ... أهلُ القُرَيَّة من بني ذُهْلِ )
( الضامنون لمالِ جارهِمُ ... حتى يتمّ نواهضُ البقلِ )
( قوم إذا انتسبوا ففرعُهُم ... فَرعِي وأثبتُ أصْلِهم أَصْلِي ) قال فلم يعطوه شيئا فقال يهجوهم
( إنّ اليمامة شَرُّ ساكنها ... أهلُ القُريَّة من بني ذُهْلِ )
وقال أبو اليقظان في خبره كان الرجل الذي تزوج أم الحطيئة أيضا ولد زنا اسمه الكلب بن كنيس بن جابر بن قطن بن نهشل وكان كنيس زنى بأمة لزرارة يقال لها رشية فولدت له الكلب ويربوعا فطلبهم من زرارة فمنعه منهم فلما مات طلبهم من أبيه لقيط فمنعه وقال لقيط في ذلك
( أفي نصفْ شهر ما صَبَرتم لحقِّنا ... ونحن صبرنا قبل ذاك سِنِينَا ) وهي ابيات
فتزوج الكلب الضراء أم الحطيئة فهجاه الحطيئة وهجا أمه فقال
(2/153)

( ولقد رأيتُكِ في النساء فسُؤتِني ... وأَبا بنيكِ فساءني في المجلِس )
( أنّ الذليل لمن تَزُور ركابُه ... رهطَ ابن جَحْشٍ في الخطوب الحُوّس )
( قَبح الإِلهُ قبيلةً لم يمنَعُوا ... يومَ المُجَيْمِر جارَهم مِن فَقْعَسِ )
( أبلغ بني جَحْش بأنّ نِجَارَهُم ... لؤم وأنّ أباهمُ كالهِجْرِسِ ) وقال الحطيئة يهجو أمه
( جزاكِ اللهُ شرًّا من عجوزٍ ... ولقَّاكِ العُقُوقَ من البنينِ )
( فقد مُلِّكتِ أمرَ بنيك حتى ... تركتِهِمُ أدقَّ من الطَّحينِ )
( فإن تُخْلَيْ وأمرَك لا تَصُولي ... بمشْتدٍّ قُواهُ ولا مَتينِ )
( لسانُكِ مبْردٌ لا خيرَ فيه ... ودَرُّكِ دَرُّ جاذبةٍ دَهِينِ ) وقال يهجو أمه أيضا
( تَنَحَّيْ فاجلِسي مِنّي بعيداً ... أراحَ اللهُ منك العالَمينا )
(2/154)

( أغِرْبالاً إذا استُودِعْتِ سِرًّا ... وكانوناً على المتحدّثينا )
( حياتُكِ ما علمتُ حياةُ سُوءٍ ... وموتُكِ قد يسرُّ الصالحِينا )
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال
كان الحطيئة جشعا سؤولا ملحفا دنيء النفس كثير الشر قليل الخير بخيلا قبيح المنظر رث الهيئة مغموز النسب فاسد الدين وما تشاء أن تقول في شعر شاعر من عيب إلا وجدته وقلما تجد ذلك في شعره
أخبرني ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال بخلاء العرب أربعة الحطيئة وحميد الأرقط وأبو الأسود الدؤلي وخالد بن صفوان
أخبرنا ابن دريد قال حدثنا أبو حاتم قال قال أبوعبيدة كان الحطيئة بذيا هجاء فالتمس ذات يوم إنسانا يهجوه فلم يجده وضاق عليه ذلك فأنشأ يقول
( أبَتْ شَفَتَايَ اليومَ إلا تكلُّماً ... بشرٍّ فما أَدْرِي لِمن أنا قَائِلُهْ ) وجعل يدهور هذا البيت في أشداقه ولا يرى إنسانا إذ اطلع في ركي أو
(2/155)

حوض فرأى وجهه فقال
( أَرَى لِيَ وجهاً شَوّهَ اللهُ خَلْقَه ... فقُبِّحَ من وجهٍ وقُبِّحَ حَامِلُهْ )
هجاء الحطيئة يخيف قريش وسادات العرب
نسخت من كتاب الحرمي بن أبي العلاء حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال
قدم الحطيئة المدينة فأرصدت قريش له العطايا خوفا من شره فقام في المسجد فصاح من يحملني على بغلين
أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام وأخبرني الحسين بن يحيى المرداسي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال قال أبو عبيدة والمدائني ومصعب
كان الحطيئة سؤولا جشعا فقدم المدينة وقد أرصدت له قريش العطايا والناس في سنة مجدبة وسخطة من خليفة فمشى أشراف أهل المدينة بعضهم إلى بعض فقالوا قد قدم علينا هذا الرجل وهو شاعر والشاعر يظن فيحقق وهو يأتي الرجل من أشرافكم يسأله فإن أعطاه جهد نفسه بهرها وإن حرمه هجاه فأجمع رأيهم على أن يجعلوا له شيئا معدا يجمعونه بينهم له فكان أهل البيت من قريش والأنصار يجمعون له العشرة والعشرين والثلاثين دينارا حتى جمعوا له اربعمائة دينار وظنوا أنهم قد أغنوه فأتوه فقالوا له هذه صلة آل فلان
(2/156)

وهذه صلة آل فلان وهذه صلة فلان فأخذها فظنوا أنهم قد كفوه عن المسألة فإذا هو يوم الجمعة وقد استقبل الإمام مائلا ينادي من يحملني على بغلين وقاه الله كبة جهنم
ووصف أبو عبيدة ومحمد بن سلام شعر الحطيئة فجمعت متفرق ما وصفاه به في هذا الخبر أخبرنا به أبو خليفة عن محمد بن سلام وابن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة قالا
كان الحطيئة متين الشعر شرود القافية وكان دنيء النفس وما تشاء أن تطعن في شعر شاعر إلا وجدت فيه مطعنا وما أقل ما تجد ذلك في شعره
قالا فبلغ من دناءة نفسه أنه أتى كعب بن زهير وكان الحطيئة راوية زهير وآل زهير فقال له قد علمت روايتي لكم أهل البيت وانقطاعي إليكم وقد ذهب الفحول غيري وغيرك فلو قلت شعرا تذكر فيه نفسك وتضعني موضعا بعدك وقال أبو عبيدة تبدأ بنفسك فيه ثم تثني بي فإن الناس لأشعاركم أروى وإليها أسرع فقال كعب
( فمن للقوافي شَانَها مَنْ يَحوكُها ... إذا ما ثَوَى كعبٌ وفَوّزَ جَرْوَلُ )
( كَفَيتُكَ لا تلقَى من الناس واحداً ... تَنَخَّلَ منها مثل ما نَتَنخَّلُ )
( نقولُ فلا نعيا بشيْءٍ نقولُه ... ومِن قائليها مَنْ يُسيء ويُجْمِلُ )
(2/157)

( نُثَقِّفها حتى تَلِينَ مُتُونُها ... فيقصُرُ عنها كلّ ما يُتمثَّلُ )
قال فاعترضه مزرد بن ضرار واسمه يزيد وهو أخو الشماخ وكان عريضا أي شديد العارضة كثيرها فقال
( باستك إذ خلّفتَني خلفَ شاعرٍ ... من الناس لم أُكْفِىء ولم أتنحّلِ )
( فإن تَخْشِبا أَخْشِب وإن تتنخَّلا ... وإن كنتُ أَفْتَى منكما أتنخَّلِ )
( فلستَ كحَسّانَ الحُسَامِ ابنِ ثابتٍ ... ولست كَشمّاخٍ ولا كالمُخَبَّلِ )
نسخت من كتاب الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن الضحاك قال
أنشد الحطيئة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قصيدة نال فيها من قومه ومدح إبله فقال
( مَهارِيُس يُرْوِي رِسْلُها ضيفَ أهلها ... إذا الريحُ أبدتْ أوجُهَ الخَفِرَات )
( يُزِيلُ القَتادَ جذبُها بأصوله ... إذا أصبحتْ مُقْوَرَّةً خَرِصَاتِ )
(2/158)

الحطيئة مكرم أينما حل
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني عن التوزي عن أبي عبيدة قال بينا سعيد ابن العاص يعشي الناس بالمدينة والناس يخرجون أولا أولا إذ نظر على بساطه إلى رجل قبيح المنظر رث الهيئة جالس مع أصحاب سمره فذهب الشرط يقيمونه فأبى أن يقوم وحانت من سعيد التفاتة فقال دعوا الرجل فتركوه وخاضوا في أحاديث العرب وأشعارها مليا فقال لهم الحطيئة والله ما أصبتم جيد الشعر ولا شاعر العرب فقال له سعيد أتعرف من ذلك شيئا قال نعم قال فمن أشعر العرب قال الذي يقول
( لا أَعُدُّ الإِقتارَ عُدماً ولكن ... فَقْدُ مَنْ قد رُزِئتُه الإِعدَامُ ) وأنشدها حتى أتى عليها فقال له من يقولها قال أبو داود الإيادي قال ثم من قال الذي يقول
( أَفْلِحْ بما شئتَ فقد يُدرَكُ بالجهل ... وقد يُخدَّعُ الأريبُ ) ثم أنشدها حتى فرغ منها قال ومن يقولها قال عبيد بن الأبرص قال ثم من قال والله لحسبك بي عند رغبة أو رهبة إذا رفعت إحدى رجلي علي
(2/159)

الأخرى
ثم عويت في أثر القوافي عواء الفصيل الصادي قال ومن أنت قال الحطيئة قال فرحب به سعيد ثم قال أسأت بكتماننا نفسك منذ الليلة ووصله وكساه
ومضى لوجهه إلى عتيبة بن النهاس العجلي فسأله فقال له ما أنا على عمل فأعطيك من عدده ولا في مالي فضل عن قومي قال له فلا عليك وانصرف فقال له بعض قومه لقد عرضتنا ونفسك للشر قال وكيف قالوا هذا الحطيئة وهو هاجينا أخبث هجاء فقال ردوه فردوه إليه فقال له لم كتمتنا نفسك كأنك كنت تطلب العلل علينا اجلس فلك عندنا ما يسرك فجلس فقال له من أشعر الناس قال الذي يقول
( ومَنْ يَجعَلِ المعروفَ من دون عِرْضِه ... يَفِرْهُ ومَنْ لا يَتَّقِ الشَّتمَ يُشتَمِ ) فقال له عتيبة إن هذا من مقدمات أفاعيك ثم قال لوكيله اذهب معه إلى السوق فلا يطلب شيئا إلا اشتريته له فجعل يعرض عليه الخز ورقيق الثياب فلا يريدها ويومىء إلى الكرابيس والأكسية الغلاظ فيشتريها له حتى قضى أربه ثم مضى فلما جلس عتيبة في نادي قومه أقبل الحطيئة فلما رآه عتيبة قال هذا مقام العائذ بك يا أبا مليكة من خيرك وشرك قال قد كنت قلت بيتين فاستمعهما ثم أنشأ يقول
( سُئِلتَ فلم تبخَل ولم تُعْطِ طائلاً ... فَسِيّانِ لا ذمٌّ عليكَ ولا حمدُ )
( وأنتَ امرؤ لا الجودُ منكَ سَجيّةٌ ... فتُعطِي ولا يُعدِي على النائل الوُجْدُ )
(2/160)

ثم ركض فرسه فذهب
أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد البوشنجي قالا حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني محمد بن عمرو الجرجرائي عن أبي صفوان الأحوزي قال
ما من أحد إلا لو أشاء أن أجد في شعره مطعنا لوجدته إلا الحطيئة
قال حماد وسمعت أبي يقول وقد أنشد قول الحطيئة
( وفتيانِ صدقٍ من عَدِيٍّ عليهمُ ... صفائحُ بُصْرَى عُلِّقتْ بالعَواتِقِ )
( إذا ما دُعُوا لم يَسأَلوا مَنْ دعاهمُ ... ولم يُمْسِكوا فَوقَ القلوبِ الخَوافِق )
( وطارُوا إلى الجُرْدِ العِتَاقِ فأَلْجموا ... وشَدُّوا على أوساطهم بالمَنَاطق )
( أولئك آباءُ الغَريب وغَاثَةُ الصَّرِيخِ ... ومأوَى المُرْمِلين الدَّرَادِق )
( أَحَلُّوا حِياضَ الموت فوق جِباههم ... مكانَ النَّواصي من وجوه السَّوابِق )
ويروى
( إذا استلحموا . . . . ... . وإذا ركبوا لم ينظروا عن شِمالهم )
ويروى أولئك أبناء العزيف ثم قال أما إني ما أزعم أن أحدا بعد زهير أشعر من الحطيئة
(2/161)

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال بلغني أنه لما قال ابن ميادة
( تَمشَّى به ظُلْمَانه وجآذِرُهْ ... ) قيل له لقد سبقك الحطيئة إلى هذا فقال والله ما علمت أن الحطيئة قال هذا قط والآن علمت والله أني شاعر حين واطأت الحطيئة
قال حماد قال أبي وقال لي الأصمعي وقد أنشدني شيئا من شعر الحطيئة أفسد مثل هذا الشعر الحسن بهجاء الناس وكثرة الطمع
قال حماد قال أبي وبلغني عن عبد الرحمن بن أبي بكرة أنه قال لقيت الحطيئة بذات عرق فقلت له يا أبا مليكة من أشعر الناس فأخرج لسانه كأنه لسان الحية ثم قال هذا إذا طمع
ونسخت من كتاب أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثنا الزبير قال حدثني يحيى بن محمد بن طلحة وكان قد قارب ثمانين سنة قال
أخبرني بعض أشياخنا أن أعرابيا وقف على حسان بن ثابت وهو ينشد فقال
(2/162)

له حسان كيف تسمع يا أعرابي قال ما أسمع بأسا قال حسان أما تسمعون إلى الأعرابي ما كنيتك أيها الرجل قال أبو مليكة قال ما كنت قط أهون علي منك حين اكتنيت بامرأة فما اسمك قال الحطيئة فأطرق حسان ثم قال له أمض بسلام
بعض صفات الحطيئة
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المدائني قال
مر ابن الحمامة بالحطيئة وهو جالس بفناء بيته فقال السلام عليكم فقال قلت ما لا ينكر قال إني خرجت من عند أهلي بغير زاد فقال ما ضمنت لأهلك قراك قال أفتأذن لي أن آتي ظل بيتك فأتفيأ به قال دونك الجبل يفيء عليك قال أنا ابن الحمامة قال انصرف وكن ابن أي طائر شئت
وأخبرنا بهذا الخبر اليزيدي عن الخزاز عن المدائني فحكى ما ذكرناه من قول الحطيئة عن أبي الأسود الدؤلي
وأخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن أبي عبيدة والمدائني قالا
(2/163)

أتى رجل الحطيئة وهو في غنم له فقال له يا صاحب الغنم فرفع الحطيئة العصا وقال إنها عجراء من سلم فقال الرجل إني ضيف فقال للضيفان أعددتها فانصرف عنه قال إسحاق وقال غيرهما إن الرجل قال له السلام عليكم فقال له عجراء من سلم فقال السلام عليكم فقال أعددتها للطراق فأعاد السلام فقال له إن شئت قمت بها إليك فانصرف الرجل عنه
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال زعم الجاحظ أن الحطيئة كان يقول إنما أنا حسب موضوع فسمع عمرو بن عبيد رجلا يحكي ذلك عنه يقال له عبد الرحمن بن صديقة فقال عمرو كذب ترحه الله إنما ذلك التقوى
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال قال الأصمعي لم ينزل ضيف قط بالحطيئة إلا هجاه فنزل به رجل من بني أسد لم يسمه الأصمعي وذكر أبو عبيدة أنه صخر بن أعيى ألأسدي أحد بني أعيى بن طريف بن عمرو بن قعين فسقاه شربة من لبن فلما شربها قال
( لما رأيتُ أنّ مَنْ يبتغِي القِرَى ... وأنَ ابن أعْيَى لا محالةَ فاضِحِي )
( شَدَدْتُ حَيَازِيمَ ابنِ أعيى بشربةٍ ... على ظَمَإ سَدَّتْ أصولَ الجوانحِ )
(2/164)

وروى الأصمعي شدت بالشين المعجمة
( ولم أَكُ مثلَ الكاهِليِّ وعِرْسِه ... بَغَى الوُدَّ من مطْروفَةِ العينِ طَامِحِ )
( غدا باغيا يَبْغِي رضاهاوودَّها ... وغابت له غيبَ امرىء غيِر ناصِحِ )
( دعَتْ ربَّها ألاّ يزالَ بفاقةٍ ... ولا يغتدِي إلا على حدِّ بارِحِ ) قال فأجابه صخر بن أعيى فقال
( ألا قَبّحَ اللهُ الحطيئةَ إنه ... على كلّ ضيف ضافه هو سَالحُ )
( دُفِعْتُ إليه وهو يخنُقُ كلبَه ... ألا كلّ كلبٍ لا أبَا لَكَ نابحُ )
( بَكَيتَ على مَذْقٍ خبيثٍ قَرَيْتَه ... ألا كلُّ عَبْسِيٍّ على الزاد شَائِحُ ) قال أبو عبيدة وهجا الحطيئه أيضا رجلا من أضيافه فقال
( وسَلَّمَ مرّتيِن فقلتُ مهلاً ... كفتكَ المرّةُ الأولى السَّلامَا )
( ونقْنَقَ بطنُه ودعا رُؤَاساً ... لِمَا قد نالَ من شِبَع ونامَا )
وأخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام عن يونس أن الحظيئة خرج في سفر له ومعه امراته أمامة وابنته مليكة فنزل منزلا وسرح ذودا له ثلاثا فلما قام للرواح فقد إحداها فقال
(2/165)

( أذئبُ القفرِ أم ذئبٌ أَنيسٌ ... أصاب البَكْرَ أم حَدَثُ الليالي )
( ونحن ثلاثةٌ وثَلاثُ ذَوْدٍ ... لقد جارَ الزمانُ على عِيالِي )
لا يذهب العرف بين الله والناس
أخبرني محمد بن خلف وكيع والحسين بن يحيى قالا حدثنا حماد عن أبيه قال قال أبو عمرو بن العلاء لم تقل العرب بيتا قط أصدق من بيت الحطيئة
( مَنْ يَفعِل الخيرَ لاَ يعدَمْ جَوَازِيَه ... لا يَذْهَبُ العُرفُ بينَ اللهِ والنّاسِ ) فقيل له فقول طرفة
( سَتُبدي لَك الأيامُ ما كنتَ جاهلاً ... ويأتيكَ بالأخبار مَنْ لم تُزوِّدِ ) فقال من يأتيك بها ممن زودت أكثر وليس بيت مما قالته الشعراء إلا وفيه مطعن إلا قول الحطيئة
( لا يذهبُ العرفُ بين الله والناسِ ... ) قال إسحاق قال المدائني قال سلم بن قتيبة ما أعلم قافية تستغني عن صدرها وتدل عليه وإن لم ينشد مثل قول الحطيئة
( لا يذهبُ العرفُ بين الله والناسِ )
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا الرياشي قال سمعت
(2/166)

الأصمعي يقول كتبت للحطيئة في ليلة أربعين قصيدة
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي عبيدة قال
بلغني أن هذا البيت في التوراة ذكره غير واحد عن أبي بن كعب يعني قول الحطيئة
( لا يذهب العرف بين الله والناسِ ... )
قال إسحاق وذكر عبد الله بن مروان عن أيوب بن عثمان الدمشقي عن عثمان ابن أبي عائشة قال سمع كعب الحبر رجلا ينشد بيت الحطيئة
( من يفعلِ الخيرَ لا يَعدَمْ جوازيَه ... لا يذهبُ العُرفُ بين اللهِ والناسِ ... ) فقال والذي نفسي بيده إن هذا البيت لمكتوب في التوراة
قال إسحاق قال العمري والذي صح عندنا في التوراة لا يذهب العرف بين الله والعباد
أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه قال قال أبو عدنان لما حضرت عبيد الله ابن شداد الوفاة دعا ابنه محمد فأوصاه وقال له يا بني أرى داعِي الموت لا يقلع وبحق أن من مضى لا يرجع ومن بقي فإليه ينزع
يا بني ليكن أولى الأمور بك تقوى الله في السر والعلانية والشكر لله وصدق الحديث والنية فإن للشكر مزيدا والتقوى خير زاد كما قال الحطيئة
(2/167)

( ولست أرى السعادة َجمعَ مال ... ولكنّ التقيّ هو السعيدُ )
( وتقوَى الله خيرُ الزاد ذخرا ... وعند الله للأتقَى مَزِيدُ )
( وما لا بدّ أن يأتي قريبٌ ... ولكنّ الذي يمضي بعيدُ )
أخبرني ابو خليفة عن محمد بن سلام قال أخبرني أبو عبيدة عن يونس قال
قدم حماد الراوية البصرة على بلال بن أبي بردة وهو عليها فقال له ما أطرفتني شيئا يا حماد قال بلى ثم عاد إليه فأنشده للحطيئة في أبي موسى الأشعري يمدحه
( جمعتَ من عامرٍ فيه ومن جُشَمٍ ... ومن تَميم ومن حاءٍ ومن حَامِ )
( مُسْتَحقباتٍ رَوَاياها جَحافِلَها ... يَسْمُو بها أَشْعَريٌّ طَرْفُه سَامِي ) فقال له بلال ويحك أيمدح الحطيئة أبا موسى الأشعري وأنا أروي شعر
(2/168)

الحطيئة كله فلا أعرفها ولكن أشعها تذهب في الناس
وذكر المدائني أن الحطيئة قال هذه القصيدة في أبي موسى وأنها صحيحة
قالها فيه وقد جمع جيشا للغزو فأنشده
( جمعتَ من عامرٍ فيه ومن أَسَدٍ ... )
وذكر البيتين وبينهما هذا البيت وهو
( فما رضيتَهمُ حتى رَفدْتَهُم ... بوائلٍ رهطِ ذي الجَدَّين بِسْطامِ ) فوصله أبو موسى فكتب إليه عمر رضي الله عنه يلومه على ذلك فكتب إليه إني اشتريت عرضي منه بها فكتب إليه عمر إن كان هذا هكذا وإنما فديت عرضك من لسانه ولم تعطه للمدح والفخر فقد أحسنت
ولما ولى بلال بن أبي بردة أنشده إياها حماد الراوية فوصله أيضا
ونسخت من كتاب لحماد بن إسحاق حدثني به أبي وأخبرني به عمي عن الكراني عن الرياشي قال حدثني محمد بن الطفيل عن أبي بكر بن عياش عن الحارث بن عبد الرحمن عن مكحول قال
سبق رسول اللهعلى فرس له فجثا على ركبتيه وقال إنه لبحر قال عمر كذب الحطيئة حيث يقول
( وإنّ جيادَ الخيل لا تستفِزُّنا ... ولا جاعلاتُ الرَّيْطِ فوقَ المَعَاصمِ ) لو ترك هذا أحد لتركه الرسول
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي عبيدة أن الحطيئة أراد سفرا فأتته امرأته وقد قدمت راحلته ليركب فقالت
(2/169)

( أذكرْ تحنُّنَنَا إليك وشوقَنا ... واذكرْ بناتِك إنهنّ صِغَارُ ) فقال حطوا لا رحلتُ لسفر ابدا
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي ومحمد بن الحسن بن دريد قالا حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه عن أبيه قال
قال رجل ضفت قوما في سفر وقد ضللت الطريق فجاؤوني بطعام أجد طعمه في فمي وثقله في بطني ثم قال شيخ منهم لشاب أنشد عمك فأنشدني
( عفا من سُلَيمى مُسْحُلاَنُ فَحامِرُهْ ... تَمَشَّى به ظُلْمانُه وجَآذِرُهْ ) فقلت له أليس هذا للحطيئة فقال بلى وأنا صاحبه من الجن
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال
قال ابن عيينة سمعت ابن شبرمة يقول أنا والله أعلم بجيذ الشعر لقد أحسن الحطيئة حيث يقول
( أولئك قوم إن بَنَوْا أحسنوا البُنَى ... وإن عاهدوا أوفَوْا وإن عقَدوا وشَدُّوا )
( وإن كانتِ النَّعْماءُ فيهم جَزَوْا بها ... وإن أَنْعموا لا كدَّرُوها ولا كَدُّوا )
( وإن قال مَوْلاهم على جُلٍّ حادثٍ ... من الدهر رُدُّوا فضلَ أحلامكم رَدُّوا )
قال وقال الأصمعي وقد سأله أبو عدنان عن هذا البيت ما واحد البنى قال بنية فقال له أتجمع فعلة على فعل قال نعم مثل رشوة ورشى وحبوة وحبى
حدثنا أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني محمد بن أحمد بن صدقة الأنباري قال حدثنا ابن الأعرابي عن المفضل
(2/170)

إن الحطيئة أقحمته السنة فنزل ببني مقلد بن يربوع فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا إنِ هذا الرجل لا يسلم أحد من لسانه فتعالوا حتى نسأله عما يحب فنفعله وعما يكره فنجتنبه فأتوه فقالوا له يا أبا مليكة إنك اخترتنا على سائر العرب ووجب حقك علينا فمرنا بما تحب أن نفعله وبما تحب أن ننتهي عنه فقال لا تكثروا زيارتي فتملوني ولا تقطعوها فتوحشوني ولا تجعلوا فناء بيتي مجلسا لكم ولا تسمعوا بناتي غناء شبانكم فإن الغناء رقية الزنا
قال فأقام عندهم وجمع كل رجل منهم ولده وقال أمكم الطلاق لئن تغنى أحد منكم والحطيئة مقيم بين أظهرنا لأضربنه ضربة بسيفي أخذت منه ما أخذت
فلم يزل مقيما فيما يرضى حتى انجلت عنه السنة فارتحل وهو يقول
( جاورتُ آلَ مُقَلِّدٍ فَحمِدتُهم ... إذ ليس كلُّ أخي جِوارٍ يُحْمَدُ )
( أيامَ مَنْ يُرِدِ الصنيعةَ يَصْطنعْ ... فينا ومن يُرِدِ الزَّهادةَ يَزْهَدُ )
الحطيئة والزبرقان
فأما خبره مع الزبرقان بن بدر والسبب في هجائه إياه فأخبرني به أبو خليفة عن محمد بن سلام ولم يتجاوزه به وأخبرني الحسين ين يحيى عن حماد عن أبيه عن محمد بن سلام عن يونس وأخبرني محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة وأخبرني اليزيدي عن عمه عبيد الله عن أبي حبيب عن ابن
(2/171)

الأعرابي وقد جمعت رواياتهم وضممت بعضها إلى بعض أن النبيكان ولى الزبرقان بن بدر بن امرىء القيس بن خلف بن بهدلة بن عوف ببن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم عملا وذكر مثل ذلك الأصمعي وقال الزبرقان القمر والزبرقان الرجل الخفيف اللحية
قال وأقره أبو بكر رضي الله عنه بعد النبيعلى عمله ثم قدم على عمر في سنة مجدبة ليؤدي صدقات قومه فلقيه الحطيئة بقرقرى ومعه ابناه أوس وسوادة وبناته وامرأته فقال له الزبرقان وقد عرفه ولم يعرفه الحطيئة أين تريد قال العراق فقد حطمتنا هذه السنة قال وتصنع ماذا قال وددت أن أصادف بها رجلا يكفيني مؤونة عيالي وأصفيه مدحي أبدا فقال له الزبرقان قد أصبته فهل لك فيه يوسعك لبنا وتمرا ويجاورك أحسن جوار وأكرمه فقال له الحطيئة هذا وأبيك العيش وما كنت أرجو هذا كله قال فقد أصبته قال عند من قال عندي قال ومن أنت قال الزبرقان بن بدر قال وأين محلك قال اركب هذا الإبل واستقبل مطلع الشمس وسل عن القمر حتى تأتي منزلي
قال يونس وكان اسم الزبرقان الحصين بن بدر وإنما سمي الزبرقان لحسنه شبه بالقمر
وقيل بل لبس عمامة مزبرقة بالزعفران فسمي الزبرقان لذلك
وقال أبو عبيدة في خبره فقال له سر إلى أم شذرة وهي أم الزبرقان وهي أيضا عمة الفرزدق وكتب إليها أن أحسني إليه وأكثري له من التمر واللبن
وقال آخرون بل وكله إلى زوجته
فلحق الحطيئة بزوجته على رواية ابن سلام وهي بنت صعصعة بن ناجية المجاشعية واسمها هنيدة وعلى رواية أبي عبيدة أنها
(2/172)

أمه وذلك في عام صعب مجدب فأكرمته المرأة وأحسنت إليه فبلغ ذلك بغيض بن عامر بن شماس بن لأي بن جعفر وهو أنف الناقه بن قريع بن عوف ابن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم وبلغ إخوته وبني عمه فاغتنموها
وفي خبر اليزيدي عن عمه قال ابن حبيب عن ابن الأعرابي وكانوا يغضبون من أنف الناقة وإنما سمي جعفر أنف الناقة لأن أباه قريعا نحر ناقة فقسمها بين نسائه فبعثت جعفرا هذا أمه وهي الشموس من وائل ثم من سعد هذيم فأتى أباه ولم يبق من الناقة إلا رأسها وعنقها فقال شأنك بهذا فأدخل يده في أنفها وجر ما أعطاه فسمي أنف الناقة
وكان ذلك كاللقب لهم حتى مدحهم الحطيئة فقال
( قوم هم الأنفُ والأذنابُ غيرُهُمُ ... ومن يسوِّي بأنفِ الناقة الذنَبا )
فصار بعد ذلك فخرا لهم ومدحا وكانوا ينازعون الزبرقان الشرف يعني بغيضا وإخوته وأهله وكانوا أشرف من الزبرقان إلا أنه قد كان استعلاهم بنفسه
وقال أبو عبيدة في خبره كان الحطيئة دميما سيء الخلق لا تأخذه العين ومعه عيال كذلك فلما رأت أم شذرة حاله هان عليها وقصرت به ونظر بغيض وبنو أنف الناقة إلى ما تصنع به أم شذرة فأرسلوا إليه إن ائتنا فأبى عليهم وقال إن من شأن النساء التقصير والغفلة ولست بالذي أحمل على صاحبها ذنبها
فلما ألح عليه بنو أنف الناقة وكان رسولهم إليه شماس بن لأي وعلقمة بن هوذة وبغيض ابن شماس والمخبل الشاعر قال لهم لست بحامل على الرجل ذنب غيره فإن
(2/173)

تركت وجفيت تحولت إليكم فأطمعوه ووعدوه وعد عظيما
وقال ابن سلام في خبره فلما لم يجبهم دسوا إلى هنيدة زوجة الزبرقان إنما يريد أن يتزوج ابنته مليكة وكانت جميلة كاملة فظهرت من المرأة للحطيئة جفوة وهي في ذاك تداريه
ثم أرادوا النجعة قال أبو عبيدة فقالت له أم شذرة وقال ابن سلام فقالت له هنيدة قد حضرت النجعة فاركب أنت وأهلك هذا الظهر إلى مكان كذا وكذا ثم اردده إلينا حتى نلحقك فإنه لا يسعنا جميعا فأرسل إليها بل تقدمي أنت فأنت أحق بذلك ففعلت وتثاقلت عن ردها إليه وتركته يومين أو ثلاثة وألح بنو أنف الناقة عليه وقالوا له قد تركت بمضيعة
وكان أشدهم في ذلك قولا بغيض بن شماس وعلقمة بن هوذة وكان الزبرقان قد قال في علقمة
( لي ابنُ عمِّ لا يزال ... يَعِيبُني ويُعينُ عائبْ )
( وأعينُه في النائبات ... ولا يُعين على النوائبْ )
( تَسْري عَقَاربُه إليَّ ... ولا تَدِبُّ له عقاربُ )
( لاَهِ ابنُ عَمِّكَ لا يَخَاف ... المُحْزناتِ من العواقبْ )
قال فكان علقمة ممتلئا غيظا عليه
فلما ألحوا على الحطيئة أجابهم وقال أما الآن فنعم أنا صائر معكم
فتحمل معهم فضربوا له قبة وربطوا بكل طنب من أطنابها جلة هجرية وأراحوا عليه إبلهم وأكثروا له من التمر
(2/174)

واللبن وأعطوه لقاحا وكسوة
قال فلما قدم الزبرقان سأل عنه فأخبر بقصته فنادى في بني بهدلة بن عوف وهم لأم دون قريع أمهم السفعاء بنت غنم بن قتيبة من باهلة فركب الزبرقان فرسه وأخذ رمحه وسار حتى وقف على نادي بني شماس القريعيين فقال ردوا علي جاري فقالوا ما هو لك بجار وقد اطرحته وضيعته فألم أن يكون بين الحيين حرب فحضرهم أهل الحجا من قومهم فلاموا بغيضا وقالوا اردد على الرجل جاره فقال لست مخرجه وقد آويته وهو رجل حر مالك لأمره فخيروه فإن اختارني لم أخرجه وإن اختاره لم أكرهه فخيروا الحطيئة فاختار بغيضا ورهطه فجاء الزبرقان ووقف عليه وقال له أبا مليكة أفارقت جواري عن سخط وذم قال لا فانصرف وتركه
هذه رواية ابن سلام وأما أبو عبيدة فإنه ذكر أنه كان بين الزبرقان ومن معه من القريعيين تلاح وتشاح
وزعم غيرهما أن الزبرقان استعدى عمر بن الخطاب على بغيض فحكم عمر بأن يخرج الحطيئة حتى يقام في موضع خال بين الحيين وحده ويخلى سبيله ويكون جار أيهما اختار ففعل ذلك به فاختار القريعيين قال وجعل الحطيئة يمدحهم من غير أن يهجو الزبرقان وهم يحضونه على ذلك ويحرضونه فيأبى ويقول لا ذنب للرجل عندي حتى أرسل الزبرقان إلى رجل من النمر بن قاسط يقال له دثار بن شيبان فهجا بغيضا فقال
( أرَى إبِلي بجَوْف الماء حَلَّتْ ... وأَعْوزها به الماءُ الرَّواءُ )
(2/175)

( وقد وَرَدَتْ مِيَاهَ بني قُرَيع ... فما وصلُوا القرابةَ مذ أساؤوا )
( تُحَلأّ يومَ وِرْد الناس إبْلِي ... وتَصْدُرُ وهي مُحْنِقةُ ظِمَاءُ )
( ألم أكُ جارَ شمّاس بن لأْي ... فأسلمني وقد نزل البَلاءُ )
( فقلتُ تحوَّّلي يا أمّ بَكْرٍ ... إلى حيثُ المكارمُ والعَلاَءُ )
( وجدنا بيتَ بَهْدَلةَ بنِِ عَوْفٍ ... تعالى سَمْكُه ودَحَا الفَنَاءُ )
( وما أَضْحى لشَمَّاسِ بن لأْي ... قَدِيمٌ في الفَعال ولا رَبَاءُ )
( سِوَى أن الحطيئَة قال قولاً ... فهذا من مقالتِه جزاءُ )
فحينئذ قال الحطيئة يهجو الزبرقان ويناضل عن بغيض قصيدته التي يقول فيها
( والله ما مَعْشرٌ لامُوا امْرأَ جُنُباً ... في آل لأْي بن شَمَّاس بأَكْياسِ )
( ما كان ذنبُ بَغِيضٍ لا أبالكُم ... في بائسٍ جاء يَحْدُو آخرَ الناسِ )
( لقد مَرَيْتُكُم لو أن دِرَّتَكم ... يوماً يَجيء بها مَسْحِي وإِبْسَاسِي )
( وقد مدحتُكُم عمداً لأُرْشِدكم ... كيما يكون لكم مَتْحِي وإِمراسي )
( لما بدا لي منكم غيبُ أنفِسكم ... ولم يكن لجِراحي فيكمُ آسي )
( أزمعتُ يأساً مُبِيناً من نَوَالِكُمُ ... ولن يُرَى طارداً للحُرِّ كالياسِ )
(2/176)

( جارٌ لقومٍ أَطَالُوا هُونَ منزِلِه ... وغادرُوه مقيماً بينَ أَرْماسِ )
( مَلُّوا قِرَاه وهَرَّتْه كلابُهُم ... وجَرَّحُوه بأنيابٍ وأَضْراسِ )
( دَعِ المكارمَ لا ترحلْ لبُغْيتها ... واقعُدْ فإِنكَ أنت الطاعمُ الكاسِي )
( مَن يَفْعَلِ الخَيرَ لا يَعْدَمْ جَوَازِيَه ... لا يذهبُ العُرْف بين الله والناسِ )
( ما كان ذنبي أن فَلَّتْ مَعَاوِلَكم ... من آلِ لأْي صَفَاةٌ أصلُها رَاسِي )
( قد ناضَلُوكَ فسَلُّوا من كنَائِنهم ... مجداً تَلِيداً ونَبْلاً غير أَنْكاسِ )
الجنب الغريب
الإبساس أن يسكنها عند الحلب
والماتح المستقي الذي يجذب الدلو من فوق والإمراس أن يقع الحبل في جانب البكرة فيخرجه فاستعدى عليه الزبرقان عمر بن الخطاب فرفعه عمر إليه واستنشده فأنشده فقال عمر لحسان أتراه هجاه قال نعم وسلح عليه فحبسه عمر
الحطيئة وعمر
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أحمد بن معاوية عن أبي عبد الرحمن الطائي عن عبد الله بن عياش عن الشعبي قال
شهدت زيادا وأتاه عامر بن مسعود بأبي علاثة التيمي فقال إنه هجاني قال وما قال لك قال قال
( وكيف أرجِّي ثَرْوها ونماءها ... وقد سار فيها خُصْيةُ الكلبِ عامرُ )
(2/177)

فقال أبو علاثة ليس هكذا قلت قال فكيف قلت قال قلت
( وإِِني لأرجو ثَرْوها ونماءها ... وقد سار فيها ناجذ الحقِّ عامرُ )
قال زياد قاتل الله الشاعر ينقل لسانه كيف شاء والله لولا أن تكون سنة لقطعت لسانك فقام قيس بن فهد الأنصاري فقال أصلح الله الأمير ما أدري من الرجل فإن شئت حدثتك عن عمر بما سمعت منه قال وكان زياد يعجبه الحديث عن عمر رضي الله عنه قال هاته قال شهدته وأتاه الزبرقان بن بدر بالحطيئة فقال إنه هجاني قال وما قال لك قال قال لي
( دَعِ المكارمَ لا ترحلْْ لبُغيتها ... واقعدْْ فإِنك أنت الطاعم الكاسِي )
فقال عمر ما أسمع هجاء ولكنهامعاتبة فقال الزبرقان أو ما تبلغ مروءتي إلا أن آكل وألبس فقال عمر علي بحسان فجيء به فسأله فقال لم يهجه ولكن سلح عليه قال ويقال إنه سأل لبيدا عن ذلك فقال ما يسرني أنه لحقني من هذا الشعر ما لحقه وأن لي حمر النعم فأمر به عمر فجعل في نقير في بئر ثم ألقي عليه شيء فقال
( ماذا تقولُ لأفراخٍ بذي مَرَخٍ ... زُغْبِ الحَواصِل لا ماءٌ ولا شَجَرُ )
( ألقيتَ كاسِبَهم في قعرِ مُظْلِمَةٍ ... فاغفرْ عليكَ سلامُ الله يا عمرُ )
( أنت الإِمامِ الذي من بعدِ صاحبهِ ... ألقَى إليك مقاليدَ النُّهَى البَشَرُ )
( لم يُؤْثِروكَ بها إذ قدَّموك لها ... لكن لأنفسِهم كانتْ بكَ الأُثَرُ )
(2/178)

فأخرجه وقال له إياك وهجاء الناس قال إذا يموت عيالي جوعا هذا مكسبي ومنه معاشي قال فإياك والمقذع من القول قال وما المقذع قال أن تخاير بين الناس فتقول فلان خير من فلان وآل فلان خير من آل فلان قال فأنت والله أهجى مني ثم قال والله لولا أن تكون سنة لقطعت لسانك ولكن اذهب فأنت له خذه يا زبرقان فألقى الزبرقان في عنقه عمامة فاقتاده بها وعارضته غطفان فقالوا له يا أبا شذرة إخوتك وبنو عمك هبه لنا فوهبه لهم
فقال زياد لعامر بن مسعود قد سمعت ما روي عن عمر وإنما هي السنن فاذهب به فهو لك فألقى في عنقه حبلا أو عمامة وعارضته بكر بن وائل فقالوا له أخوالك وجيرانك فوهبه لهم
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة أن الحطيئة لما حبسه عمر قال وهو أول ما قاله
( أَعُوُذ بجَدّك إنّي امرؤٌ ... سَقتْني الأعادي إليكَ السِّجَالاَ )
( فإِنك خيرٌ من الزبرقان ... أشدُّ نَكَالاً وأَرْجَى نَوَالاَ )
( تحنَّنْ عليَّ هَدَاك المليكُ ... فإِنّ لكلِّ مقامٍ مَقَالاَ )
( ولا تأخُذَنِّي بقول الوُشَاةِ ... فإِنّ لكلِّ زمانٍ رِجَالاَ )
( فإِن كان ما زَعَمُوا صادقاً ... فسِيقَتْ إليكَ نسائي رِجَالاَ )
( حَوَاسِرَ لا يشتكينَ الوَجَا ... يُخفِّضْنَ ألاّ ويرفَعْنَ آلاَ ) فلم يلتفت عمر إليه حتى قال أبياته التي أولها
( ماذا تقول لأفراخ بذي مَرَخٍ ... )
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء ومحمد بن العباس اليزيدي وعمر بن عبد
(2/179)

العزيز بن أحمد وطاهر بن عبد الله الهشامي قالوا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن الضحاك بن عثمان الحزامي قال حدثني عبد الله بن مصعب عن ربيعة بن عثمان عن زيد بن أسلم عن أبيه قال
أرسل عمر إلى الحطيئة وأنا جالس عنده وقد كلمه فيه عمرو بن العاص وغيره فأخرجه من السجن فانشده قوله
( ماذا تقول لأفراخ بذي مَرَخٍ ... زغبِ الحواصِل لا ماء ولا شجرُ )
( ألقيت كاسبَهم في قعر مظلمةٍ ... فاغفرْ عليك سلامُ الله يا عمرُ )
( أنت الإِمامُ الذي من بعد صاحبِهِ ... ألقى إليك مقاليدَ النُّهَى البشرُ )
( لم يؤثروك بها إذ قدَّموك لها ... لكن لأنفسِهم كانت بك الأُثَرُ )
( فامنُنْ على صِبيةٍ بارزمل مسكنُهم ... بين الأباطح تَغْشاهم بها القِرَرُ )
( أهلي فدَاؤُكَ كم بيني وبينهُم ... من عَرْض داوِيةً تَعْمَى بها الخُبُرُ )
قال فبكى حين قال
( ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... )
فقال عمرو بن العاص ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أعدل من رجل يبكي على تركه الحطئية فقال عمر علي بالكرسي فأتي به فجلس عليه ثم قال أشيروا علي في الشاعر فإنه يقول الهجر وينسب الحرم ويمدح الناس ويذمهم بغير ما فيهم ما أراني إلا قاطعا لسانه ثم قال علي بالطست فأتي بها
(2/180)

ثم قال علي بالمخصف علي بالسكين لا بل علي بالموسى فهو أوجى فقالوا لا يعود يا أمير المؤمنين فأشاروا إليه أن قل لا أعود فقال لا أعود يا أمير المؤمنين فقال له النجاء
قال فلما ولى قال له عمر يا حطيئة كأني بك عند فتى من قريش قد بسط لك نمرقة وكسر لك أخرى وقال غننا يا حطيئة فطفقت تغنيه بأعراض الناس قال ابن أسلم فما انقضت الدنيا حتى رأيت الحطيئة عند عبيد الله بن عمر قد بسط له نمرقة وكسر له أخرى وقال غننا يا حطيئة فجعل يغنيه فقلت له يا حطيئة أتذكر قول عمر ففزع وقال يرحم الله ذلك المرء أما إنه لو كان حيا ما فعلت قال وقلت لعبيد الله سمعت أباك يقول كذا وكذا فكنت أنت ذلك الرجل
وروي عن عبد الله بن المبارك أن عمر رضي الله عنه لما أطلق الحطيئة أراد أن يؤكد عليه الحجة فاشترى منه أعراض المسلمين جميعا بثلاثة آلاف درهم فقال الحطيئة في ذلك
( وأخذتَ أطرافَ الكلام فلم تَدَعْ ... شَتْما يضُرّ ولا مَدِيحاً ينفعُ )
( وحَميْتِني عِرْضَ اللئيم فلم يخَفْ ... دَمِّي وأصبح آمناً لا يَفْزَعُ )
(2/181)

خبر الحطيئة مع ابن عوف وبني قريع
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه عن نافع بن أبي نعيم
أن عبد الرحمن بن عوف هو الذي استرضى عمر بن الخطاب وكلمه في أمر الحطيئة حتى أخرجه من السجن قال حماد وأخبرني أبي عن أبي عبيدة أن عمر رضي الله عنه لما أطلقه قال الشاعر النمري الذي كان الزبرقان حمله على هجاء بغيض
( دَعَانِي الأثْبَجانِ ابنا بَغِيضٍ ... وأَهْلي بالعَلاَةِ فَمنَّيانِي )
( وقالوا سِرْ بأهلك فأْتِيَنَّا ... ألى حَبٍّ وأنَعْامٍ سِمَانِ )
( فسرتُ إليهمُ عشرين شهراً ... وأربعةً فذلك حِجَّتَانِ )
( فلما أن أتيتُ ابنَيْ بغيضٍ ... وأسلمني بدائي الداعيانِ )
( يبِيتُ الذئبُ والعَثْواءُ ضيفاً ... لنا بالليل بئس الضائفانِ )
( أُمارِسُ منهما ليلاً طويلاً ... أُهَجْهِجُ عن بنيّ ويَعْرُوانِ )
( تقولُ حليلتي لما اشتكينا ... سيدرِكُنا بنو القَرِمْ الهِجَانِ )
(2/182)

( سيُدْرِكُنا بنو القمر بن بَدْرٍ ... سراج الليلِ للشمس الحَصَانِ )
( فقلتُ ادْعي وأَدْعُو إن أَندى ... لصوتٍ أن ينادِيَ داعيانِ )
( فمن يَكُ سائلاً عنِّي فإِنِّي ... أنا النَّمرِيُّ جارُ الزِّبْرِقانِ )
( طَريدُ عَشِيرةُ وطريدُ حربٍ ... بما اجترمتْ يدي وجنَى لساني )
( كأَنِّي إذ نزلتُ به طرِيداً ... نزلتُ على الممنَّع من أَبَانِ )
( أتيتُ الزِّبْرِقانَ فلم يُضِعْني ... وضيَّعَني بِتريم مَنْ دَعَانِي )
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عبيدة قال
لم يزل الحطيئة في بني قريع يمدحهم حتى إذا أحيوا قالوا لبغيض ف لي بما كنت تضمنت فأتى بغيض علقمة بن هوذة فقال له قد جاء الله بالحيا فف لي بما قلت وكان قد ضمن له مائة بعير وأبرئني مما تضمنته عهدتي فقال نعم سل في بني قريع فمهما فضل بعد عطائهم أن يتم مائة أتممته ففعل فجمعوا له أربعين أو خمسين بعيرا كان الرجل يعطيه على قدر ماله البعير والبعيرين قال فأتمها علقمة له مائة وراعيين فدفعت إليه فلم يزل يمدحهم وهو مقيم بينهم حتى قال كلمته السينية واستعدى الزبرقان عليه عمر رضي الله عنه فلما رحل عنهم قال
( لا يُبْعِدِ اللهُ إذ ودّعتُ أرضَهُم ... أخي بَغِيضاً ولكن غيرُه بعدا )
( لا يُبْعِدِ الله من يُعْطي الجزيلَ ومن ... يَحْبو الجليلَ وما أَكْدى ولا نَكِدَا )
(2/183)

( ومن تُلاَقِيه بالمعروف مبتهِجاً ... إذا اجْرَهَّد صَفَا المذمومِ أو صلَدا )
( لاقيتُه ثَلِجاً تَنْدَى أناملُه ... إن يُعْطِك اليومَ لا يمنعَك ذاك غَدا )
( إنّي لرافدُه وُدّي ومَنْصَرَتي ... وحافظٌ غيبَه إن غاب أو شهِدا )
الحطيئة لابن عباس أعلي جناح في هجاء الناس
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن موسى قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني عن ابن دأب عن عبد الله بن عياش المنتوف قال
بينا ابن عباس جالس في مجلس رسول الله كف بصره وحوله ناس من قريش إذ أقبل أعرابي يخطر وعليه مطرف وجبة وعمامة خز حتى سلم على القوم فردوا عليه السلام فقال يا بن عم رسول الله أفتني قال فيماذا قال أتخاف علي جناحا إن ظلمني رجل فظلمته وشتمني فشتمته وقصر بي فقصرت به فقال العفو خير ومن انتصر فلا جناح عليه فقال يا بن عم رسول الله أرأيت امرأ أتاني فوعدني وغرني ومناني ثم أخلفني و استخف بحرمتي أيسعني أن أهجوه قال لا يصلح الهجاء لأنه لا بد لك من أن تهجو غيره من عشيرته فتظلم من لم يظلمك وتشتم من لم يشتمك وتبغي على من لم يبغ عليك والبغي مرتع وخيم وفي العفو ما قد علمت من الفضل قال صدقت وبررت فلم ينشب أن أقبل عبد الرحمن بن سيحان المحاربي حليف قريش فلما رأى الأعرابي أجله وأعظمه وألطف في مسألته وقال قرب الله دارك يا أبا مليكة فقال ابن عباس أجرول قال جرول فإذا هو الحطيئة فقال ابن
(2/184)

عباس لله أنت أي مردي قذاف وذائد عن عشيرة ومثن بعارفه تؤتاها أنت يا أبا مليكة والله لو كنت عركت بجنبك بعض ما كرهت من أمر الزبرقان كان خيرا لك ولقد ظلمت من قومه من لم يظلمك وشتمت من لم يشتمك قال إني والله بهم يا أبا العباس لعالم قال ما أنت بأعلم بهم من غيرك قال بلى والله يرحمك الله ثم أنشأ يقول
( أنا ابنُ بَجْدتِهم علماً وتجربةً ... فسَلْ بسعدٍ تَجدْنِي أعلمَ الناسِ )
( سعدُ بن زيد كثيرٌ إن عددْتَهُم ... ورأسُ سعدِ بن زيد آلُ شَمَّاسِ )
( والزبرقان ذُنَاباهم وشرّهُم ... ليس الذُّنابَى أبا العباس كالراسِ )
فقال ابن عباس أقسمت عليك ألا تقول إلا خيرا قال أفعل ثم قال ابن عباس يا أبا مليكة من أشعر الناس قال أمن الماضين أم من الباقين قال من الماضين قال الذي يقول
( ومن يجعل المعروفَ من دون عرضه ... يَفِرْهُ ومن لا يَتَّقِ الشتم يُشْتَمِ ) وما بدونه الذي يقول
( ولستَ بمستبقٍ أخّا لا تَلُمُّه ... على شَعَثٍ أيُّ الرجال المهذَّبُ )
(2/185)

ولكن الضراعة أفسدته كما أفسدت جرولا يعنى نفسه والله يا بن عم رسول الله لولا الطمع والجشع لكنت أشعر الماضين فأما الباقون فلا تشك أني أشعرهم وأصردهم سهما إذا رميت
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال روي لنا عن أبي عبيدة والهيثم بن عدي وغيرهما
أن عبد الله بن أبي ربيعة لما قدم من البحرين نزل على الزبرقان بن بدر بمائه فحلأه وهو الماء الذي يقال له بنيان فنزل على بني أنف الناقة بمائهم وهو الذي يقال له وشيع فأكرموه وذبحوا له شاة وقالوا لو كانت إبلنا منا قريبة لنحرنا لك فراح من عندهم يتغنى فيهم بقوله
( وما الزّبرقانُ يومَ يمنَع ماءه ... بمُحْتَسِبِ التَّقْوى ولا متوكِّلِ )
( مقيمٌ على بُنْيانَ يمنع ماءه ... وماءُ وَشِيعٍ ماءُ ظمآنَ مُرْمِلِ )
(2/186)

قال فركب الزبرقان إلى عمر رضي الله عنه فاستعداه على عبد الله وقال إنه هجاني يا أمير المؤمنين فسأل عمر عن ذلك عبد الله فقال له ياأمير المؤمنين إني نزلت على مائه فحلأني عنه فقال عمر رضوان الله عليه يا زبرقان أتمنع ماءك من ابن السبيل قال يا أمير المؤمنين ألا أمنع ماء حفر آبائي مجاريه ومستقره وحفرته أنا بيدي فقال عمر والذي نفسي بيده لئن بلغني أنك منعت ماءك من أبناء السبيل لا ساكنتني بنجد أبدا فقال بعض بني أنف الناقة يعير الزبرقان ما فعله
( أتدري مِنْ منعت ورودَ حوضٍ ... سَليل خَضارمٍ مَنعوا البِطَاحَا )
( أَزادَ الركبِ تمنَع أم هِشَاماً ... وذا الرُّمْحين أمنعَهم سلاحَا )
( هُم مَنعوا الأباطحَ دون فِهْرٍ ... ومَنْ بالخَيْف والبُدْنَ اللِّقَاحَا )
( بضربٍ دونَ بَيْضَتِهم طِلَخْفٍ ... إذ الملهوفُ لاذ بهم وَصَاحَا )
( وما تَدْرِي بأيِّهِمُ تُلاَقي ... صدورَ المَشْرَفِيّة والرِّمَاحَا )
وصية الحطيئة الظريفة
وللحطيئة وصية ظريفة يأتي كل فريق من الرواة ببعضها وقد جمعت ما وقع إلي منها في موضع واحد وصدرت بأسانيدها
أخبرني بها محمد بن العباس اليزدي قال حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال
(2/187)

حدثنا عيينة بن المنهال عن الأصمعي وأخبرني بها أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة وأخبرني إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة ونسختها من كتاب محمد بن الليث عن محمد بن عبد الله العبدي عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبيه وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عبيدة وأخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قالوا
لما حضرت الحطيئة الوفاة اجتمع إليه قومه فقالوا يا أبا مليكة أوص فقال ويل للشعر من راوية السوء قالوا أوص رحمك الله يا حطيء قال من الذي يقول
( إذا أَنْبَض الرامون عنها تَرَنَّمَتْ ... ترنُّمَ ثَكْلَى أَوجعتَها الجنائزُ ) قالوا الشماخ قال أبلغوا غطفان أنه أشعر العرب قالوا ويحك أهذه وصية أوص بما ينفعك قال أبلغوا أهل ضابىء أنه شاعر حيث يقول
( لِكلِّ جَديدٍ لذَّةٌ غيرَ أنّني ... رأيتُ جديدَ الموتِ غيرَ لذيذ ) قالوا أوص ويحك بما ينفعك قال أبلغوا أهل امرىء القيس أنه أشعر العرب
(2/188)

حيث يقول
( فَيَا لَكَ من لَيْلٍ كأنَّ نجومَهُ ... بكلِّ مُغَارِ الفَتْل شُدَّتْ بِيَذْبُلِ ) قالوا اتق الله ودع عنك هذا فقال أبلغوا الأنصار أن صاحبهم أشعر العرب حيث يقول
( يُغْشَوْنَ حتىّ ما تَهِرُّ كلابُهم ... لا يَسْْألون عن السَّوَاد المُقْبِل ) قالوا هذا لا يغني عنك شيئا فقل غير ما أنت فيه فقال
( الشِّعْرُ صَعْبٌ وطويلٌ سُلَّمُهْْ ... إذا ارتقَى فيه الذي لا يَعْلَمُهْ )
( زَلَّت به إلى الحَضِيض قَدَمُه ... يريدُ أن يعربه فَيُعْجِمُهْ ) قالوا هذا مثل الذي كنت فيه قال
( قد كنتُ أحياناً شديدَ المعتَمَدْ ... وكنتُ ذا غربٍ على الخَصْمِ أَلَدّ )
( فَوَرَدَتْ نفسي وما كادتْ تَرِدِْ ... ) قالوا يا أبا مليكة ألك حاجة قال لا والله و لكن أجزع على المديح الجيد يمدح به من ليس له أهلا
قالوا فمن أشعر الناس فأومأ بيده إلى فيه وقال هذا الحجير إذا طمع في خير يعني فمه واستعبر باكيا فقالوا له قل لا إله إلا الله فقال
(2/189)

( قالتْ وفيها حَيْدَةٌ وذُعْرُ ... عَوْذٌ بِرَبِّي مِنْكُمُ وحُجْرُ ) فقالوا له ما تقول في عبيدك وإمائك فقال هم عبيد قن ما عاقب الليل النهار قالوا فأوص للفقراء بشيء قال أوصيهم بالإلحاح في المسألة فإنها تجارة لا تبور وآست المسؤول أضيق
قالوا فما تقول في مالك قال للأنثى من ولدي مثل حظ الذكر قالوا ليس هكذا قضى الله جل وعز لهن قال لكني هكذا قضيت
قالوا فما توصي لليتامى قال كلوا أموالهم ونيكوا أمهاتهم قالوا فهل شيء تعهد فيه غير هذا قال نعم تحملونني على أتان وتتركونني راكبها حتى أموت فإن الكريم لا يموت على فراشه والأتان مركب لم يمت عليه كريم قط فحملوه على أتان وجعلوا يذهبون به ويجيئون عليها حتى مات وهو يقول
( لا أحدٌ ألأمُ من حُطَيَّهْْ ... هجا بَنِيهِ وهجا المُرَيَّهْْ )
( من لُؤمِه ماتَ على فُرَيَّهْْ ... ) والفرية الأتان
شعر الحطيئة المغنى
ذكر ما غني فيه من القصائد التي مدح بها الحطيئة بغيضا وقومه وهجا الزبرقان وقومه
منها
صوت
( أَلاَ طَرَقَتْنَا بعدَ ما هَجَعُوا هِنْدُ ... وقد جُزْنَ غَوْراً واستَبانَ لنا نَجْدُ )
(2/190)

( وإِنّ التي نَكَّبْتُها عن مَعَاشِرٍ ... عَلَيَّ غِضَابٍ أَنْ صَدَدْتُ كما صَدُّوا ) الغناء لعلويه ثقيل أول بالوسطى عن عمرو وهذه القصيدة التي يقول فيها
( أتتْ آلَ شَمَّاس بنِ لأْيَ وإِنما ... أتاهم بها الأحلامُ والحَسَبُ العِدُّ )
( فإِنّ الشقيَّ من تُعادِي صدورُهم ... وذو الجَدِّ مَن لاَنُوا إليه ومَن وَدُّوا )
( يُسوسون أحلاماً بعيداً أناتُها ... فإِن غَضِبُوا جاءَ الحَفِيظَةُ والجِدُّ )
( أَقِلُّوا عليهم لا أبا لأبِيكُمُ ... مِن اللوم أو سُدُّوا المكانَ الذي سَدُّوا )
( أولئك قومٌ إن بَنْوا أحسنوا البُنَي ... وإِن عاهدُوا أَوْفَوْا وإِن عَقَدُوا شَدُّوا )
( وإِن كانت النُّعْمى عليهم جَزَوْا بها ... وإِن أنعمُوا لا كدَّروها ولا كَدُّوا )
( وإِن قال مَوْلاَهُمْ على جُلِّ حادثٍ ... من الدهر رُدُّوا فَضْلَ أحلاِمُكم ردُّوا )
( مَطَاعيِنُ في الهَيْجا مَكَاشِيفُ للدُّجَى ... بَنىَ لهُم آباؤْهم وبَنَى الجَدُّ )
ومنها
صوت
( وأدَماءَ حَرْجُوجٍ تَعَالَلْتُ مَوْهِناً ... بسَوْطِيَ فارمَدَّتْ نَجَاءَ الخَفيْدَدِ )
(2/191)

( إذا آنَسَتْ وقْعاً من السَّوْط عارضَتْ ... به الجَوْرَ حتى يستقيم ضُحَى الغَدِ )
( وتشربُ بالقَعْب الصغير وإِن تُقَدْ ... بمِشْفَرِها يوماً إلى الحَوْض تَنْقَدِ )
الموهن وقت من الليل بعد مضى صدر منه
وارمدت نجت والارمداد النجاء والخفيدد الظليم
الغناء لابن محرزخفيف رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق
وذكر الهشامي أن فيه لإبراهيم خفيف رمل آخر وهو في جامع إبراهيم غير مجنس
وفيه خفيف ثقيل مجهول وذكر حبش أنه لمعبد ويشبه أن يكون ليحيى المكي
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني إبراهيم بن المنذر عن ابن عباية عن محمد بن مسلم الجوسق عن رجل من كعب قال
جئت سوق الظهر فإذا بكثير وإذا الناس متقصفون عليه فتخلصت حتى دنوت منه فقلت أبا صخر قال ما تشاء قلت من أشعر الناس قال الذي يقول
(2/192)

( وآثرتُ إِدلاَجِي على لَيْلِ حُرَّة ... هَضِيم الحشا حُسَّانَة المتَجَرَّدِ )
( تُفَرِّق بالمِدْرَى أثِيثاً نباتُه ... على واضح الذِّفْرَى أسيل المُقَلَّدِ ) قال قلت هذا الحطيئة قال هو ذاك
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن موسى قال حدثنا أحمد بن الحارث الخزاز عن المدائني عن علي بن مجاهد عن هشام بن عروة
أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنشد قول الحطيئة
( مَتَى تأتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْء نارِهِ ... تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عندها خَيْرُ مُوقِدِ ) فقال عمر كذب بل تلك نار موسى نبي الله
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الهيثم بن عدي عن حماد الراوية
أن رجلا دخل على الحطيئة وهو مضطجع على فراشه وإلى جانبه سوداء قد أخرجت رجلها من تحت الكساء فقال له ويحك أفي رجلك خف قال لا والله ولكنها رجل سوداء أتدري من هي قال لا قال وهي والله التي أقول فيها
( وآثرتُ إدلاجِي علي ليلِ حُرَّةٍ ... )
وذكر البيتين والله لو رأيتها يابن أخي لما شربت الماء من يدها قال
(2/193)

فجعلت تسبه أقبح سب وهو يضحك
ومنها
صوت
( ما كان ذنبُ بغيضٍ لا أبَا لَكُمُ ... في بائسٍ جاء يحدو أَيْنُقاً شُزُبَا )
( طافتْ أُمامةُ بالرُّكبان آونةً ... يا حُسْنها من خَيَالٍ زارَ مُنْتَقِبَا )
( إذ تَسْتَبِيكَ بمصقولٍ عَوَارِضُهُ ... حَمْشِ اللَّتات تَرَى في مائِهِ شَنَبَا )
( قد أخلقتْ عهدَها من بعد جِدّته ... وكذَّبَتْ حُبَّ مَلْهوفٍ وما كَذَبَا ) الغناء لابن سريج رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة
ومنها
صوت
( جَزَى اللهُ خيرا والجزاءُ بكفّه ... بأحسنِ ما يَجْزِي الرجالَ بغيضا )
( فلو شاءَ إذ جئناه صَدَّ فلم يُلَمْ ... وصَادف مَنْأَى في البلاد عريضا )
الغناء للهذلي ثقيل أول بالبنصر عن الهشامي
(2/194)

أخبار ابن عائشة ونسبه
محمد بن عائشة ويكنى أبا جعفر ولم يكن يعرف له أب فكان ينسب إلى أمه ويلقبه من عاداه أو أراد سبه ابن عاهة الدار
وكان هو يزعم أن اسم أبيه جعفر وليس يعرف ذلك
وعائشة أمه مولاة لكثير بن الصلت الكندي حليف قريش
وقيل إنها مولاة لآل المطلب بن أبي وداعة السهمي ذكر ذلك إسحاق عن محمد بن سلام
وحكى ابن الكلبي القول الأول وقال إسحاق هو الصحيح يعني قول ابن الكلبي
وقال إسحاق فيما رواه لنا الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه إن محمد بن معن الغفاري ذكر له عن أبي السائب المخزومي أن ابن عائشة مولى المطلب بن أبي وداعة السهمي وإنه كان لغير رشدة فأدركت المشيخة وهم إذا سمعوا له صوتا حسنا قالوا أحسن ابن المرأة
قال إسحاق وقال عمران بن هند الأرقمي بل كان مولى لكثير بن الصلت
قال إسحاق قال عبيد الله بن محمد بن عائشة قال الوليد بن يزيد لابن عائشة يا محمد ألغية أنت قال كانت أمي يا أمير المؤمنين ماشطة وكنت
(2/195)

غلاما فكانت إذا دخلت إلى موضع قالوا ارفعوا هذا لابن عائشة فغلبت على نسبي
المغني الذي يصلح لمنادمة الخلفاء والملوك
قال إسحاق وكان ابن عائشة يفتن كل من سمعه وكان فتيان من المدينة قد فسدوا في زمانه بمحادثته ومجالسته
وقد أخذ عن معبد ومالك ولم يموتا حتى ساواهما على تقديمه لهما واعترافه بفضلهما
وقد قيل إنه كان ضاربا ولم يكن بالجيد الضرب وقيل بل كان مرتجلا لم يضرب قط
و ابتداؤه بالغناء كان يضرب به المثل فيقال للإبتداء الحسن كائنا ما كان من قراءة قرآن أو إنشاد شعر أو غناء يبدأ به فيستحسن كأنه ابتداء ابن عائشة
قال إسحاق وسمعت علماءنا قديما وحديثا يقولون ابن عائشة أحسن الناس ابتداء وأنا أقول إنه أحسن الناس ابتداء وتوسطا وقطعا بعد أبي عباد معبد وقد سمعت من يقول إن ابن عائشة مثله وأما أنا فلا أجسر على أن أقول ذلك
وكان ابن عائشة غير جيد اليدين فكان أكثر ما يغني مرتجلا
وكان أطيب الناس صوتا
قال إسحاق وحدثني محمد بن سلام قال قال لي جرير لا تخدعن عن أبي جعفر محمد بن عائشة فلولا صلف كان فيه لما كان بعد أبي عباد مثله
أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني محمد بن أحمد بن يحيى المكي عن أبيه عن جده قال ثلاثة من المغنين كانوا أحسن الناس حلوقا ابن عائشة وابن تيزن وابن أبي الكنات
حدثني عمي قال حدثنا محمد بن داود بن الجراح قال حدثنا أحمد بن زهير
(2/196)

قال حدثني مصعب الزبيري عن أبيه قال
رأى ابن أبي عتيق حلق ابن عائشة مخدشا فقال من فعل هذا بك قال فلان فمضى فنزع ثيابه وجلس للرجل على بابه فلما خرج أخذ بتلبيبه وجعل يضربه ضربا شديدا والرجل يقول له مالك تضربني أي شيء صنعت وهو لا يجيبه حتى بلغ منه ثم خلاه وأقبل على من حضر فقال هذا أراد أن يكسر مزامير داود شد على ابن عائشة فخنقه وخدش حلقه
قال إسحاق في خبره وحدثني أبي عن سياط عن يونس الكاتب قال ما عرفنا بالمدينة أحسن ابتداء من ابن عائشة إذا غنى ولو كان آخر غنائه مثل أوله لقدمته على ابن سريج
قال إبراهيم هو كذاك عندي وقال إسحاق مثل قولهما
قال وقال يونس كان ابن عائشة يضرب بالعود ولم يكن مجيدا وكان غناؤه أحسن من ضربه فكان لا يكاد يمس العود إلا أن تجتمع جماعة من الضراب فيضربون عليه ويضرب هو ويغني فناهيك به حسنا
أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن الهيثم بن عدي عن صالح بن حسان أنه ذكر يوما المغنين بالمدينة فقال لم يكن بها أحد بعد طويس أعلم من ابن
(2/197)

عائشة ولا أظرف مجلسا ولا أكثر طيبا وكان يصلح أن يكون نديم خليفة أو سمير ملك
قال إسحاق فأذكرني هذا القول قول جميلة له وأنت يا أبا جعفر فمع الخلفاء تصلح أن تكون
قال إسحاق وحدثني المدائني قال حدثني جرير قال كان ابن عائشة تائها سيىء الخلق فإن قال له إنسان تغن قال ألمثلي يقال هذا وإن قال له إنسان وقد ابتدأ هو بغناء احسنت قال ألمثلي يقال أحسنت ثم يسكت فكان قليلا ما ينتفع به فسال العقيق مرة فدخل عرصة سعيد بن العاصي الماء حتى ملأها فخرج الناس إليها وخرج ابن عائشة فيمن خرج فجلس على قرن البئر فبينا هم كذلك إذ طلع الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام على بغلة و خلفه غلامان أسودان كأنهما من الشياطين فقال لهما امضيا رويدا حتى تقفا بأصل القرن الذي عليه ابن عائشة فخرجا حتى فعلا ذلك ثم ناداه الحسن كيف أصبحت يا بن عائشة قال بخير فداك أبي وأمي قال انظر من إلى جنبك فنظر فإذا العبدان فقال له أتعرفهما قال نعم قال فهما حران لئن لم تغنني مائة صوت لآمرنهما بطرحك في البئر وهما حران لئن لم يفعلا لأقطعن أيديهما فاندفع ابن عائشة فكان أول ما ابتدأ به صوتا له وهو
(2/198)

( ألا لله درُّكَ من ... فَتى قومٍ إذا رَهِبُوا ) ثم لم يسكت حتى غنى مائة صوت فيقال إن الناس لم يسمعوا من ابن عائشة أكثر مما سمعوا في ذلك اليوم وكان آخر ما غنى
صوت
( قل للمنازل بالظَّهْرَانِ قد حانا ... أن تنطقي فتُبِينِي القول تِبْيَانَا ) قال جرير فما رئي يوم أحسن منه ولقد سمع الناس شيئا لم يسمعوا مثله وما بلغني أن أحدا تشاغل عن استماع غنائه بشيء ولا انصرف أحد لقضاء حاجة ولا لغير ذلك حتى فرغ ولقد تبادر الناس من المدينة وما حولها حيث بلغهم الخبر لاستماع غنائه فيقال إنه ما رئي جمع في ذلك الموضع مثل ذلك الجمع ولقد رفع الناس أصواتهم يقولون له أحسنت والله أحسنت والله ثم انصرفوا حوله يزفونه إلى المدينة زفا
نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني
منها
صوت
( ألا لله درُّكَ مِنْ ... فتى قومٍ إذا رَهِبُوا )
( وقالوا مَنْ فتىً للحرب ... يَرْقُبُنا ويَرْتَقبُ )
( فكنتَ فتاهمُ فيها ... إذا تُدْعَى لها تَثِبُ )
( ذكرتُ أخي فعاوَدَنِي ... رُدَاعُ السُّقْمِ والوَصَبُ )
(2/199)

( كما يعتاد ذات البَوّه ... ِبعد سُلُوّها الطَّربُ )
( على عَبْد بن زُهْرةَ بتّ ... طولَ الليل أنتتحبُ ) الشعر لأبي العيال الهذلي
والغناء لمعبد وله فيه لحنان أحدهما ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق يبدأ فيه بقوله
( ذكرتُ أخي فعاودَني ... رداعُ السقم والوصبُ ) والآخر خفيف رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة وفيه لابن عائشة خفيف رمل آخر وقيل بل هو لحن معبد
وذكر حماد بن إسحاق أن خفيف الرمل لمالك
البو جلد يحشى تبنا ويجفف ليكلا تخبث رائحته ويدنى إلى الناقة التي قد نحر فصيلها أو مات لتشمه فتدر عليه
ومنها
صوت
( قل للمنازل بالظَّهْرانِ قد حانا ... أن تنطقي فتُبِيني القول تِبْيانَا )
( قالت ومن أنت قل لي قلتُ ذو شَغفٍ ... هِجْتِ له من دَوَاعِي الحبِّ أحْزانَا ) الشعر لعمر بن أبي ربيعة
والغناء لابن عائشة خفيف ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي وحبش
وقال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات حدثني عبد الرحمن بن
(2/200)

سليمان عن علي بن الجهم الشاعر قال حدثني رجل
أن ابن عائشة كان واقفا بالموسم متحيرا فمر به بعض أصحابه فقال له ما يقيمك هاهنا فقال إني أعرف رجلا لو تكلم لحبس الناس هاهنا فلم يذهب أحد ولم يجىء فقال له الرجل ومن ذاك قال أنا ثم اندفع يغني
( جرتْ سُنُحاً فقلتُ لها أَجِيزِي ... نَوىً مشمولةً فمتى اللقاءُ ) قال فحبس الناس واضطربت المحامل ومدت الإبل أعناقها وكادت الفتنة أن تقع
فأتي به هشام بن عبد الملك فقال له يا عدو الله أردت أن تفتن الناس قال فأمسك عنه وكان تياها فقال له هشام ارفق بتيهك فقال حق لمن كانت هذه مقدرته على القلوب أن يكون تياها فضحك منه وخلى سبيله
نسبة هذا الصوت الذي غناه ابن عائشة
صوت
( جرتْ سُنُحاً فقلتُ لها أَجِيزِي ... نَوىً مشمولةً فمتى اللقاءُ )
( بنَفْسِي مَنْ تذكُّره سَقَامٌ ... أُعانيه ومَطْلَبُه عَنَاءُ ) السانح ما أقبل من شمالك يريد يمينك والبارح ضده
وقال أبو عبيدة سمعت
(2/201)

يونس بن حبيب يسأل رؤبة عن السانح والبارح فقال السانح ما ولاك ميامنه والبارح ما ولاك مشائمه
وقوله أجيزي أي انفدي
قال الأصمعي يقال أجزت الوادي إذا قطعته وخلفته وجزته أي سرت فيه فتجاوزته وجاوزته مثله
قال أوس بن مغراء
( ولا يَرِيمُون في التعريف موقفهم ... حتى يقالَ أَجِيزُوا آلَ صوفانا ) ومشمولة سريعة الانكشاف
أخذه من السحابة المشمولة وهي التي تصيبها الشمال فتكشفها ومن شأن الشمال أن تقطع السحاب واستعارها هاهنا في النوى لسرعة انكشافهم فيها عن بلدهم وأجرى ذلك مجرى الذم للسانح لأنه يتشاءم به
البيت الأول من الشعر لزهير بن أبي سلمى والثاني محدث ألحقه المغنون به لا أعرف قائله
والغناء لابن عائشة ولحنه خفيف ثقيل أول بالبنصر
الوليد يشرب وابن عائشة يغني ومعبد بمزجر الكلب
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إسحاق
(2/202)

وأخبرني به محمد بن مزيد والحسين بن يحيى قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عدي عن حماد الراوية قال
كتب الوليد بن يزيد إلى يوسف بن عمر أما بعد فإذا قرأت كتابي هذا فسرح إلي حمادا الراوية على ما أحب من دواب البريد وأعطه عشرة آلاف درهم يتهيأ بها
قال فأتاه الكتاب وأنا عنده فنبذه إلى فقلت السمع والطاعة فقال يادكين مر شجرة يعطيه عشرة آلاف درهم فأخذتها
فلما كان اليوم الذي أردت الخروج فيه أتيت يوسف بن عمر فقال يا حماد أنا بالموضع الذي قد عرفته من أمير المؤمنين ولست مستغنيا عن ثنائك فقلت أصلح الله الأمير إن العوان لا تعلم الخمرة وسيبلغك قولي وثنائي
فخرجت حتى انتهيت إلى الوليد وهو بالبخراء فاستأذنت عليه فأذن لي فإذا هو على سرير ممهد وعليه ثوبان أصفران إزار ورداء يقيئان الزعفران قيئا وإذا عنده معبد ومالك بن أبي السمح وأبو كامل مولاه فتركني حتى سكن جأشي ثم قال أنشدني
( أمِنَ المنونَ ورَيْبِها تتوجّع ... )
(2/203)

فأنشدته حتى أتيت على آخرها فقال لساقيه يا سبرة اسقه فسقاني ثلاثة أكؤس خثرن ما بين الذؤابة والنعل
ثم قال يا مالك غنني
( أَلاَ هل هاجَكَ الأظعانُ ... إذ جاوزْنَ مُطَّلَحا ) ففعل
ثم قال له غنني
( جَلاَ أُمَيَّةُ عنِّي كلَّ مظْلَمَةٍ ... سَهْل الحجابِ وأوفى بالذي وَعَدا )
ففعل
ثم قال له غنني
( أتَنسى إذ تُوِّدعنا سُلَيْمَى ... بفَرْعِ بَشَامةٍ سُقِيَ البَشَامُ ) ففعل ثم قال ياسبرة أو يا أبا سبرة اسقني بزب فرعون فأتاه بقدح معوج فسقاه به عشرين ثم أتاه الحاجب فقال أصلح الله أمير المؤمنين الرجل الذي طلبت بالباب قال ادخله فدخل شاب لم أر شابا أحسن وجها منه في رجله بعض الفدع فقال يا سبرة اسقه فسقاه كأسا ثم قال له غنني
( وهْي إذ ذاكَ عليها مِئْزَرٌ ... ولها بيتٌ جَوَارٍ من لُعَبْ ) فغناه فنبذ إليه الثوبين
ثم قال له غنني
( طاف الخيالُ فَمرْحَبا ... ألفاً برؤية زينَبا )
(2/204)

فغضب معبد وقال يا أمير المومنين إنا مقبلون عليك بأقدارنا وأسناننا وإنك تركتنا بمزجر الكلب وأقبلت على هذا الصبي فقال والله يا أبا عباد ما جهلت قدرك ولا سنك ولكن هذا الغلام طرحني في مثل الطناجير من حرارة غنائه
قال حماد الراوية فسألت عن الغلام فقيل لي هو ابن عائشة
نسبه ما في هذا الخبر من الأغاني
صوت
( جَلاَ أميَّةُ عنِّي كل مظْلِمَةٍ ... سَهْلُ الحجابِ وأَوْفَى بالذي وَعَدَا )
( إِذا حَلَلْتُ بأرضٍ لا أراكَ بها ... ضاقتْ عليّ ولم أعرفْ بها أحدا )
الغناء لابن عباد الكاتب خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق
وذكر عمرو بن بانة أنه لعمر الوادي
وذكر حبش أن فيه لمالك لحنا من خفيف الثقيل الأول بالوسطى
ومنها
صوت
( أتَنْسَى إذ تودِّعُنا سُلَيْمَى ... بفَرْعِ بَشامةٍ سُقيَ البَشَامُ )
( متى كان الخِيَامُ بذي طُلُوحٍ ... سُقِيتِ الغيثَ أيتُها الخِيَامُ )
(2/205)

( أتَمْضُون الخيامَ ولم نُسلِّم ... كلامُكُم عليّ إِذاً حرامُ )
( بنفسي مَنْ تجنُّبُه عزيزٌ ... عليّ ومَنْ زيارتُه لِمَامُ )
( ومن أُمسِي وأُصبِح لا أَراه ... ويَطْرُقُني إذا رَقَدَ النِّيَامُ )
الشعر لجرير
والغناء لابن سريج وله في هذه الأبيات ثلاثة الحان أحدهما في الأول والرابع ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق والآخر في الثاني ثم الأول ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو والآخر في الثالث وما بعده رمل بالبنصر عن الهشامي وحبش وللدلال في الثاني والثالث ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق والمكي
وللغريض في الأول والثاني والثالث خفيف رمل بالبنصر عن عمرو
وفيها لمالك ثقيل أول بالبنصر عن الهشامي
ولابن جامع في الأول والثاني والرابع والخامس هزج عن الهشامي
وفيها لابن جندب خفيف ثقيل بالبنصر
ومنها الصوت الذي أوله في الخبر
( وهي إذ ذاك عليها مِئْزَرٌ ... ) وأوله
صوت
( عَهِدَتْنِي ناشئاً ذا غِرَّة ... رَجِلَ الجُمَّةِ ذا بَطْنٍ أقبّ )
( أتَبعُ الوِلدانَ أُرخِي مِئزَرِي ... ابنَ عَشْرذَا قُرَيْطٍ من ذهبْ )
( وهي إذ ذاك عليها مئزرٌ ... ولها بيتُ جَوَارٍ من لُعَبْ )
الشعر لامرىء القيس ويقال إنه أول شعر شبب فيه بالنساء
والغناء لابن عائشة ثاني ثقيل بالبنصر عن الهشامي ودنانير وحماد بن إسحاق
وفيه خفيف ثقيل بالبنصر ذكر حماد في أخبار جميلة أنه لها وذكر حبش والهشامي أنه لابن سريج وقيل إنه لغيرهما
ومنها
صوت
( أَلاَ هل هاجكَ الأظعا ... نُ إذ جاوزْن مُطَّلَحَا )
( نعمْ ولِوَشك بَيْنِهمُ ... جَرى لكَ طائرٌ سُنُحَا )
( أَخَذْن الماءَ من رَكَك ... وضوءُ الفجر قد وضَحا )
( يَقُلْنَ مَقِيلُنا قَرْنٌ ... نُباكِرُ ماءَه صُبُحَا )
( تبعتُهمُ بِطَرْف العي ... ن حتى قيل لي افتضَحا )
(2/206)

( وهي إذ ذاك عليها مئزرٌ ... ولها بيتُ جَوَارٍ من لُعَبْ )
الشعر لامرىء القيس ويقال إنه أول شعر شبب فيه بالنساء
والغناء لابن عائشة ثاني ثقيل بالبنصر عن الهشامي ودنانير وحماد بن إسحاق
وفيه خفيف ثقيل بالبنصر ذكر حماد في أخبار جميلة أنه لها وذكر حبش والهشامي أنه لابن سريج وقيل إنه لغيرهما
ومنها
صوت
( أَلاَ هل هاجكَ الأظعانُ ... إذ جاوزْن مُطَّلَحَا )
( نعمْ ولِوَشك بَيْنِهمُ ... جَرى لكَ طائرٌ سُنُحَا )
( أَخَذْن الماءَ من رَكَك ... وضوءُ الفجر قد وضَحا )
( يَقُلْنَ مَقِيلُنا قَرْنٌ ... نُباكِرُ ماءه صُبُحَا )
( تبعتُهمُ بِطَرْف العين ... حتى قيل لي افتضَحا )
(2/207)

( يودِّع بعضُنا بعضاً ... وكلٌّ بالهوى جُرِحا )
( فمن يفرَحْ ببينِهمُ ... فغيري إذ غَدَوْا فَرِحَا )
الشعر ترويه الرواة جميعا لعمر بن أبي ربيعة سوى الزبير بن بكار فإنه رواه عن عمه وأهله لجعفر بن الزبير بن العوام وقد ذكر خبره في هذا مع أخباره المذكورة في آخر الكتاب
ورواه الزبير إذ جاوزن من طلحا وقال ليس على وجه الأرض موضع يقال له مطلح
والغناء لمالك وله فيه لحنان ثقيل أول بالبنصر عن إسحاق وخفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو
وفيه لمعبد ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق
وفيه لابن سريج في الخامس وهو تبعتهم بطرف العين إلى آخر الأبيات ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق
وفيها للغريض ثان ثقيل بالوسطى عن الهشامي قال وهو الذي فيه استهلال
وذكر ابن المكي أن الثقيل الثاني لمالك وخفيف الثقيل للغريض
ومنها
صوت
( طرَق الخيالُ فَمرْحبَا ... ألفاً برؤية زينبَا )
( أَنَّي اهتديتَ لِفتْيةٍ ... سَلَكُوا السَّلِيل فعلْيَبَا )
عندما يغني ابن عائشة ينسى الناسك زهده
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة عن محمد بن سلام قال حدثني جرير قال
(2/208)

أخذ بعض ولاة المدينة المغنين والمخنثين والسفهاء بلزوم مسجد رسول اللهوكان في المسجد رجل ناسك يكنى أبا جعفر مولى لابن عياش بن أبي ربيعة المخزومي يقرىء الناس القرآن وكان ابن عائشة يلازمه فخلا لابن عائشة يوما الموضع مع أبي جعفر فقرأ له فطرب ورجع فسمع الشيخ صوتا لم يسمع مثله قط فقال له يابن أخي أفسدت نفسك وضيعتها فلو أنك لزمت المسجد وتعلمت القرآن لأقمت للناس في مسجد رسول اللهفي شهر رمضان ولأصبت بذلك من الولاة خير فوالله ما دخل أذني قط صوت أحسن من صوتك فقال ابن عائشة فكيف لو سمعت يا أبا جعفر صوتي في الأمر الذي صنع له قال وما هو قال انطلق معي حتى أسمعكه فخرج معه إلى ميضأة ببقيع الغرقد عند دار المغيرة بن شعبة وكان أبو جعفر يتوضأ عندها كل يوم فاندفع ابن عائشة يغني
( ألآنَ أبصرت الهدى ... وعلا المَشِيبُ مَفَارِقِي ) فبلغ ذلك من الشيخ كل مبلغ وقال يابن أخي هذا حسن وأنا أشتهي أن أسمعه ولكن لا أطلبه ولا أمشي إليه قال ابن عائشة فعلي أن أسمعكه فكان يرصده فإذا خرج أبو جعفر يتوضأ خرج ابن عائشة في أثره حتى يقف خلف جدار الميضأة بحيث يسمع غناءه فيغنيه أصواتا حتى يفرغ أبو جعفر من وضوئه
فلم يزل يفعل ذلك حتى أطلقوا من لزوم المسجد
(2/209)

نسبه هذا الصوت
صوت
( طَرق الخيالُ المُعْترِي ... وَهْنَاً فؤادَ العاشقِ )
( طَيْفٌ ألمّ فهاجَنِي ... للبَيْنِ أُمَّ مُسَاحِقِ )
( ألآنَ أبصرتُ الهدى ... وعلا المَشِيبُ مفارقِي )
( وتركتُ أمر غَوَايتي ... وسلكتُ قصدَ طرائقي )
( ولقد رضيتُ بعيشنا ... إذ نحن بين حدائِق )
( وركائبٌ تَهْوِي بنا ... بين الدُّروبِ فدَابقِ )
الشعر للوليد بن يزيد ويقال إنه لابن رهيمة
والغناء لابن عائشة رمل بالبنصر عن عمرو وذكره يونس أيضا له في كتابه
وفيه لأبي زكار الأعمى خفيف رمل بالوسطى عن عمرو والهشامي
وذكر ابن خرداذبه أنه لأبي زكار الأعمى وهو قديم وأنه وجد ذلك في كتاب يونس
وفيه لحكم الوادي في كتاب يونس غير مجنس ولا أدري أيها هو
وفي هذه الأبيات خفيف ثقيل متنازع فيه نسب إلى معبد وإلى مالك ولم أجده لهما عن ثقة وأظنه لحن حكم
الحسن بن الحسن مع ابن عائشة في البغيبغة
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر البوشنجي والحسين بن يحيى الأعور المرداسي قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن سلام عن أبيه قال
كان الحسن بن الحسن مكرما لابن عائشة محبا له وكان ابن عائشة منقطعا
(2/210)

إليه وكان من أتيه خلق الله وأشده ذهابا بنفسه فسأله الحسن أن يخرج معه إلى البغيبغة فامتنع ابن عائشة من ذلك فأقسم عليه فأبى فدعا بغلمان له حبشان وقال نفيت من أبي لئن لم تسر معي طائعا لتسيرن كارها ونفيت من أبي لئن لم ينفذوا أمري فيك لأقطعن أيديهم
فلما رأى ابن عائشة ما ظهر من الحسن علم أنه لابد من الذهاب فقال له بأبي أنت وأمي أنا أمضي معك طائعا لا كارها
فأمر الحسن بإصلاح ما يحتاج إليه وركب وأمر لابن عائشة ببغلة فركبها ومضيا حتى صارا إلى البغيبغة فنزلا الشعب وجاءهم ما أعدوا فأكلوا ثم أمر الحسن بأمره وقال يا محمد فقال له لبيك يا سيدي قال غنني فاندفع فغناه
صوت
( يدعو النبَّي بعمِّه فيُجِيبُه ... يا خيرَ من يدعو النبيَّ جَلاَلاَ )
( ذهب الرجالُ فلا أُحِسّ رجالا ... وأرى الإِقامةَ بالعراق ضلالاَ )
( وأرى المرجِّيَ للعراق وأهله ... ظَمْآنَ هاجِرةٍ يؤمِّل آلاَ )
( وطَرِبتُ إذ ذكر المدينةَ ذاكرٌ ... يوم الخميس فهاج لي بَلبْالاَ )
( فَظَلِلْتُ أنظر في السماء كأنني ... أبغي بناحية السماء هلالاَ )
الشعر لابن المولى من قصيدة طويلة قالها وقد قدم إلى العراق
(2/211)

لبعض أمره فطال مقامه بها واشتاق إلى بلده
وقد ذكر خبره في موضعه من هذا الكتاب
والغناء لابن عائشة ثقيل أول بالبنصر عن حماد والهشامي وحبش
وقال الهشامي خاصة فيه لحن لقراريط فقال له الحسن أحسنت والله يابن عائشة فقال ابن عائشة والله لا غنيتك في يومي هذا شيئا فقال الحسن فوالله لا برحت البغيبغة ثلاثة أيام فاغتم ابن عائشة ليمينه وندم وعلم أنه لا حيلة له إلا المقام فأقاموا فلما كان اليوم الثاني قال له الحسن هات ما عندك فقد برت يمينك وكانوا جلوسا على شيء مرتفع فنظروا إلى ناقة تقدم جماعة إبل فاندفع ابن عائشة فغنى
( تَمُرّ كجَنْدلة المَنْجنيقِ ... يُرْمى بها السورُ يوم القتالِ )
( فماذا تُخَطرِف من قَلّة ... ومن حَدَبٍ وإكامٍ توالي )
( ومن سيرها العَنَقُ المُسْبِطرُّ ... والعَجْرِفيّة بعد الكَلاَلِ )
فقال له الحسن ويلك يا محمد لقد أحسنت الصنعة فسكت ابن عائشة ثم قال له غنني فغناه
( إذا ما انتشيتُ طَرَحْتُ اللِّجامَ ... في شَدْقِ مُنْجَرِدٍ سَلْهَبِ )
( يبُذّ الجِياد بتَقْريبِهِ ... ويَأْوِي إلى حُضُرٍ مُلْهِبِ )
(2/212)

( كُمَيْتٌ كَأَنّ على مَتْنِهِ ... سبائكَ من قِطَع المُذْهَبِ )
( كأنّ القَرَنْفُل والزنجبيل ... يُعَلَّ على رِيقها الأَطيبِ ) فقال له الحسن أحسنت يا محمد فقال له ابن عائشة لكنك بأبي أنت وأمي قد ألجمتني بحجر فما أطيق الكلام
فأقاموا باقي يومهم يتحدثون فلما كان اليوم الثالث قال الحسن هذا آخر أيامك يا محمد فقال ابن عائشة عليه وعليه إن غناك إلا صوتا واحدا حتى تنصرف وعليه عليه إن حلفت ألا أبر قسمك ولو في ذهاب روحه فقال له الحسن فلك الأمان على محبتك فاندفع فغناه
صوت
( أنعم الله لي بذا الوجهِ عيناً ... وبه مرحباً وأهلاً وسهلاً )
( حين قالت لا تذكرنّ حديثي ... يابن عمّي أقسمتُ قلتُ أجلْ لا )
( لا أخون الصديقَ في السرّ حتّى ... يُنقلَ البحرُ بالغرابيل نقلا ) قال ثم انصرف القوم فما رأى الحسن بن الحسن ابن عائشة بعدها
نسبة ما لم تمض نسبته في الخبر من هذه الأصوات
منها
صوت
( تَمُرّ كجَنْدلة المَنْجنيقِ ... يُرْمى بها السورُ يوم القتالِ )
( فماذا تُخَطرِف من قَلّة ... ومن حَدَبٍ وإكامٍ توالي )
( ومن سيرها العَنَقُ المُسْبِطرُّ ... والعَجْرِفيّة بعد الكَلاَلِ )
( ألا يا لَقومِ لِطَيْف الخيالِ ... أرَّق من نازح ذي دَلالِ )
(2/213)

( يُثَنِّي التحيّة بعد السلا ... م ثمَّ يُفَدِّي بعمَّ وخالِ )
( خيالٌ لسَلْمَى فقد عاد لِي ... بنُكْسٍ من الحبّ بعد اندمال )
أما الذي قاله الشاعر في هذا الشعر فإنه قال يمر بالياء لأنه وصف به حمارا وحشيا ولكن المغنين جميعا يغنونه بالتاء على لفظ المؤنث وقد وصف في هذه القصيدة الناقة ولم يذكر من صفتها إلا قوله
( ومن سيرها العَنَقُ المُسْبطرّ ... ) ولكن المغنين أخذوا من صفة العير شيئا ومن صفة الناقة شيئا فخلطوهما وغنوا فيهما
وقوله
( فماذا تَخَطْرَف من قُلّة ... ) يعني أنه يمر بالموضع المرتفع فيطفره
وروي الأصمعي
( فماذا تَخَطْرَف من حالقٍ ... ومن قُلّة وحجابٍ وجال ) فالحالق ما أشرف
والحجاب ما حجب عنك ما بين يديك من ألارض
والجال حرف الشيء يقال له جال وجول
والعنق المسبطر المسترسل السهل
والعجرفية التعسف والإسراع
يقول إذا كلت وتعبت تعجرفت في السير من بقية نفسها وشدتها
وروى الأصمعي فيها
( خَيالٌ لجَعْدةَ قد هاج لِي ... نُكاساً من الحبّ بعد اندمالِ ) يقال نكس ونكاس بمعنى واحد وهو عود المرض بعد الصحة
والأندمال الإفاقة من العلة واندمال الجرح برؤه
فأما الأبيات التي يصف فيها الناقة فقوله
( فسَلّ الهمومَ بعَيْرانةٍ ... مُواشِكةِ الرَّجْع بعد انتقالِ )
(2/214)

( ذَمُولٍ تَزِفّ زفيفَ الظَّليم ... شمرّ بالنَّعْفِ وَسْط الرِّئالِ )
( وتَرْمَدّ هَمْلَجةً زَعْزعاً ... كما انخرط الحبلُ فوق المَحالِ )
( ومن سيرها العَنَق المُسْبَطِرّ ... والعَجْرفيّةُ بعد الكَلالِ )
( كأني ورحلي إذا رعتها ... على جمزى جازىٍء بالرمال ) وأما صفة الحمار في هذه القصيدة فقوله فيه وفي الأتن
( فظَلّ يُسوّف أبوالَها ... ويُوفي زيازِيَ حُدْبَ التِّلالِ )
( فطاف بتعشيره وانتحى ... جَوائَلها وهو كالمُسْتَجالِ )
(2/215)

( تَهَادى حوافرُها جَنْدَلاً ... زواهقَ ضربَ قُلاتٍ بِقالِ )
( رمَى بالجَرَامِيزِ عُرْضَ الوَجِينِ ... وارمدّ في الجري بعد انفتال )
( بشأوٍ له كضَريم الحريقِ ... أو شِقّة البرق في عُرْض خالِ )
( يمُر كجَنْدلة المَنْجَنيقِ ... يُرْمَى بها السورُ يوم القتالِ )
( فماذا تَخَطْرف من حالقٍ ... ومن حَدَبٍ وحجابٍ وَجالِ )
الشعر لأمية بن أبي عائذ الهذلي
والغناء لابن عائشة
ولحن ابن عائشة مشكوك فيه أي الألحان المصنوعة في هذا الشعر هو فيقال إنه خفيف الرمل ويقال إنه هو الثقيل الأول ويقال إنه الرمل
فأما خفيف الرمل فهو بالخنصر في مجرى الوسطى وذكره إسحاق في موضع فتوقف عنه ولم ينسبه ونسبه في موضع آخر إلى ابن أبي يزن المكي
ونسبه عمرو بن بانة إلى معبد وقال فيه خفيف رمل آخر لمالك
وذكره يونس في أغاني ابن أبي يزن المكي ونسبه ولم يجنسه
وذكر ابن خرداذبه والهشامي أن فيه لهشام بن المرية لحنا من الثقيل الأول ورأيت ذلك أيضا في بعض الكتب بخط علي بن يحيى المنجم كما ذكرا
وذكر إسحاق أن الرمل مطلق في مجرى الوسطى وأنه لابن عائشة
وذكر أحمد بن المكي أنه لأبيه وذكر غيره أنه غلط وأن لحن أبيه هو الثقيل الأول والرمل لابن عائشة
وقال حبش فيه لابن سريج هزج خفيف بالوسطى
ومنها وقد مضى تفسيره في الخبر واقتصر على البيت الأول منه
(2/216)

صوت
( إذا ما انتشيتُ طَرحتُ اللِّجامَ ... في شَدْق مُنْجَرِدٍ سَلْهَبِ ) الشعر للنابغة الجعدي والغناء لابن عائشة خفيف ثقيل بالوسطى عن الهشامي وحماد
ومنها الصوت الذي أوله
( أنعَم الله بذا الوجهِ عيناً ... )
وقد جمع مع سائر ما يغنى فيه من القصيدة وهو
( أثْلَ جُودِي على المتيَّم أثْلالا ... تَزِيدي فؤادَه أثْلَ خَبْلاَ )
( أثْلَ إنّي والراقصات بجَمْع ... يتبارَيْن في الأزِمّة فُتْلا )
( سابحاتٍ يَقْطعْن من عرفاتٍ ... بين أيدي المَطِيّ حَزْنا وسهلا )
( والأكفَّ المُطهّراتِ على الرُّكنِ ... لِشُعْثٍ سعَوْا إلى البيت رَجْلا )
( لا أخون الصديق في السرّ حتّى ... يُنْقلَ البحر بالغرابيل نَقْلا )
( أو تمورَ الجبالُ مَوْرَ سَحابٍ ... مُرْتَقٍ قد وَعَى من الماء ثِقْلا )
( أنعم الله لي بذا الوجهَ عيناً ... وبه مرحباً وأهلاً وسهلاً )
( حين قالت لا تُفْشِيَنّ حديثي ... يابن عمّي أقسمتُ قلتُ أجَلْ لا )
(2/217)

( فاتقي الله واقبلي العذر منيّ ... وتجافيَ عن بعض ما كان زَلاّ )
( إن أكن سؤتُكم به فلكِ العُتْبَى ... لَدَنيا وحَقَّ ذاك وقلاّ )
( لم أُرحِّب بأن سَخِطتِ ولكنْ ... مرحباً أن رضيتِ عنّا وأهلا )
( إنّ شخصاً رأيتُه ليلة البدر ... عليه ابتنَى الجمالُ وَحَلاّ )
( جعل الله كلّ أنثى فِداءً ... لكِ بل خدَّها لرجليْكِ نعلا )
( وجهُكِ الوجهُ لو سألتِ به المزنَ ... من الحسن والجمال استهلاّ )
الشعر للحارث بن خالد املخزومي والغناء لمعبد في الأربعة الأبيات الأول خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو بن بانة
لابن هوبر في الأول والثاني ثقيل أول عن إسحاق
ولاابن سريج في الأول والثاني والخامس ثقيل أول وآخر بالبنصر أوله استهلال وللغريض في الخامس وما بعده إلى التاسع خفيف ثقيل بالوسطى
ولدحمان في التاسع والثالث عشر والرابع عشر خفيف ثقيل أول بالبنصر
ولمالك في التاسع إلى آخر الثاني عشر لحن من كتاب يونس ولم يقع إلي من يجنسه
ولابن سريج فيها بعينها رمل بالوسطى عن الهشامي وفيها أيضا للغريض خفيف رمل بالبنصر
ولابن عائشة في السابع والثامن لحن ذكره حماد عن أبيه ولم يجنسه
الوليد بن يزيد يطرب لغنائه
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وإسماعيل بن يونس الشيعي وحبيب بن نصر المهلبي قالوا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن سلام وأخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر والحسين بن يحيى قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن سلام عن أبيه عن شيخ من تنوخ ولم يقل عمر بن شبة في خبره محمد بن سلام عن أبيه ورواه عن محمد عن شيخ من تنوخ قال
كنت صاحب ستر الوليد بن يزيد فرأيت ابن عائشة عنده وقد غناه
(2/218)

صوت
( إِنِّي رأيتُ صَبِيحةَ النَّفْرِ ... حُوراً نَفَيْنَ عزيمةَ الصبرِ )
( مثلَ الكواكب في مطالعها ... بعد العشاء أطفْنَ بالبدرِ )
( وخرجتُ أبغِي الأجْرَ مُحتسباً ... فرجَعتُ مَوْفوراً من الوِزْرِ )
قال إسحاق في خبره والشعر لرجل من قريش والغناء لمالك
هكذا في خبر إسحاق
وما وجدته ذكره لمالك في جامع أغانيه
ووجدته في غناء ابن سريج خفيف رمل بالوسطى عن الهشامي قال فطرب الوليد حتى كفر وألحد وقال يا غلام اسقنا بالسماء الرابعة وكان الغناء يعمل فيه عملا ضل عنه من بعده ثم قال أحسنت والله يا أميري أعد بحق عبد شمس فأعاد ثم قال أحسنت والله يا أميري أعد بحق أمية فأعاد ثم قال أعد بحق فلان أعد بحق فلان حتى بلغ من الملوك نفسه فقال أعد بحياتي فأعاده قال فقام إليه فأكب عليه فلم يبق عضو من أعضائه إلا قبله وأهوى إلى هنه فجعل ابن عائشة يضم فخذية عليه فقال والله العظيم لا تريم حتى أقبله فأبداه له فقبل رأسه ثم نزع ثيابه فألقاها عليه وبقي مجردا إلى أن أتوه بمثلها ووهب له ألف دينار وحمله على بغلة وقال اركبها بأبي أنت وانصرف فقد تركتني على مثل المقلى من حرارة غنائك فركبها على بساطه وانصرف
الوليد يكرم المحتاجين من متذوقي الغناء
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن الحسن النخعي قال حدثني محمد بن الحارث بن كليب بن زيد الربعي قال
خرج ابن عائشة المدني من عند الوليد بن يزيد وقد غناه
( أبعَدَك مَعْقِلاً أرجو وحِصْناً ... قَد اعْيتِني المَعاقلُ والحُصونُ )
(2/219)

وهي أربعة أبيات هكذا في الخبر ولم يذكر غير هذا البيت منها قال فأطربه فأمر له بثلاثين ألف درهم وبمثل كارة القصار كسوة فبينا ابن عائشة يسير إذ نظر إليه رجل من أهل وادي القرى كان يشتهي الغناء ويشرب النبيذ فدنا من غلامه وقال من هذا الراكب قال ابن عائشة المغني فدنا منه وقال جعلت فداءك أنت ابن عائشة أم المؤمنين قال لا أنا مولى لقريش وعائشة أمي وحسبك هذا فلا عليك أن تكثر قال وما هذا الذي أراه بين يديك من المال والكسوة قال غنيت أمير المؤمنين صوتا فأطربته فكفر وترك الصلاة وأمر لي بهذا المال وهذه الكسوة قال جعلت فداءك فهل تمن علي بأن تسمعني ما أسمعته إياه فقال له ويلك أمثلي يكلم بمثل هذا في الطريق قال فما أصنع قال الحقني بالباب ُ
وحرك ابن عائشة بغلة شقراء كانت تحته لينقطع عنه فعدا معه حتى وافيا الباب كفرسي رهان ودخل ابن عائشة فمكث طويلا طمعا في أن يضجر فينصرف فلم يفعل فلما أعياه قال لغلامه أدخله فلما دخل قال له هل ويلك من أين صبك الله علي قال أنا رجل من أهل وادي وادي القرى أشتهي هذا الغناء فقال له هل لك فيما هو أنفع لك منه قال وما ذاك قال مائتا دينار وعشرة أثواب تنصرف بها إلى أهلك فقال له جعلت فداءك والله إن لي لبنية ما في أذنها علم الله حلقة من الورق فضلا عن الذهب وإن لي لزوجة ما عليها يشهد الله قميص ولو أعطيتني جميع ما أمر لك به أمير المؤمنين على هذه الخلة والفقر اللذين عرفتكهما وأضعفت لي ذلك لكان الصوت أعجب إلي
(2/220)

وكان ابن عائشة تائها لا يغني إلا لخليفة أو لذي قدر جليل من إخوانه فتعجب ابن عائشة منه ورحمه ودعا بالدواة وكان يغني مرتجلا فغناه الصوت فطرب له طربا شديدا وجعل يحرك رأسه حتى ظن أن عنقه سينقصف ثم خرج من عنده ولم يرزأه شيئا وبلغ الخبر الوليد بن يزيد فسأل ابن عائشة عنه فجعل يغيب عن الحديث
ثم جد الوليد به فصدقه عنه وأمر بطلب الرجل فطلب حتى أحضر ووصله صلة سنية وجعله في ندمائه ووكله بالسقي فلم يزل معه حتى مات
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني عمر بن أبي خليفة قال
كان الشعبي مع أبي في أعلى الدار فسمعنا تحتنا غناء حسنا فقال له أبي هل ترى شيئا قال لا فنظرنا فإذا غلام حسن الوجه حديث السن يتغنى
( قالتْ عُبَيْد تَجَرُّماً ... في القول فعلَ المازِح )
فما سمعت غناء كان أحسن منه فإذا هو ابن عائشة فجعل الشعبي يتعجب من غنائه ويقول يؤتي الحكمة من يشاء
نسبة هذا الصوت
صوت
( قالتْ عُبَيْد تَجَرُّماً ... في القول فعلَ المازِح )
( أنجِزْ بعَمْرك وعدَنا ... فأظنّ حبَّك فاضحِي )
( فأجبتُها لو تعلمينَ ... بما تُجِنّ جوانحي )
(2/221)

( فما أرى لَرَحْمتِنِي ... من حَمْل حُبٍّ فادحِ )
( ما في البرية لي هوىً ... فاسمعْ مقالة ناصحِ )
( أشكو إليه جَفاءكم ... إلاّ سلام مُصافِحي ) زعم حبش أن الغناء لابن عائشة خفيف ثقيل بالبنصر
ابن عائشة يتصدر المجلس ويغني
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني بعض أهل المدينة قال حدثني من رأى ابن عائشة حاجا وقد دعاه فتية من بني هاشم فأجابهم قال وكنت فيهم فلما دخلنا جعلوا صدر المجلس لابن عائشة فجلس فتحدثوا حتى حضر الطعام فلما طعموا دعا بشراب فشربوا وكان ابن عائشة إذا سئل أن يغني أبى ذلك وغضب فإذا تحدث القوم بحديث ومضى فيه شعر قد غني فيه ابتدأ هو فغناه فكان من فطن له يفعل ذلك به فقال رجل منهم حدثني اليوم رجل من الأعراب ممن كان يصاحب جميلا بحديث عجيب فقال القوم و ما هو فقال حدثني أن جميلا بينما هو يحدثه كما كان يحدثه إذ أنكره ورأى منه غير ما كان يرى فثار نافرا مقشعر الشعر متغير اللون الى ناقلة له مجتمعة قريبة من الارض موثقة الخلق فشد عليها رحله ثم أتاها بمحلب فيه لبن فشربته ثم ثنى فشربت حتى رويت ثم قال اشدد أداة رحلك واشرب واسق جملك فإني ذاهب بك إلى بعض مذاهبي ففعلت فجال في ظهر ناقته وركبت ناقتي فسرنا بياض يومنا وسواد ليلتنا ثم أصبحنا فسرنا يومنا لا والله ما نزلنا إلا للصلاة فلما
(2/222)

كان اليوم الثالث دفعنا إلى نسوة فمال إليهن فوجدنا الرجال خلوفا وإذا قدر لبأ وقد جهدت جوعا وعطشا فلما رأيت القدر اقتحمت عن بعيري وتركتهم جانبا ثم أدخلت رأسي في القدر ما يثنيني حرها حتى رويت فذهبت أخرج رأسي من القدر فضاقت علي وإذا هي على رأسي قلنسوة فضحكن مني وغسلن ما أصابني وأتي جميل بقرى فوالله ما التفت إليه فبينا هو يحدثهن إذا رواعي الابل وقد كان السلطان أحل لهم دمه إن وجدوه في بلادهم وجاء الناس فقلن ويحك انج وتقدم فو الله ما أكبرهم ذلك الاكبار فإذا بهم يرمونه ويطردونه فإذا غشوه قاتلهم ورمى فيهم وقام بي جملي فقال لي يسر لنفسك مركبا خلفي فأردفني خلفه لا والله ما انكسر ولا انحل عن فرصته حتى رجع إلى أهله وقد سار ست ليال وستة أيام وما التفت إلى طعام وقال في ذلك
( إنّ المنازلَ هَيجَتْ أطرابي ... واسْتَعْجمتَ آياتُها بجوابي ) وهي قصيدة طويلة
وقال أيضا
( وأحسنُ أيامي وأبهجُ عيشَتي ... إذا هِيجَ بي يَوْماً وهُنَّ قُعُودُ ) قال فقال ابن عائشة أفر أغني لكم ذلك فقلنا بلى والله فاندفع فغناه فما سمع السامعون شيئا أحسن من ذلك وبقي أصحابنا يتعجبون من الحديث وحسنه والغناء وطيبه فقال له أصحابنا يا أبا جعفر إنا مستأذنوك فإن أذنت لنا سألناك وإن كرهت تركناك فقال سلوا فقالوا نحب أن تغنينا في مجلسنا هذا ما نشطت هذا الصوت فقط فقال لهم نعم ونعمة عين وكرامة فما زلنا في غاية السرور حتى انقضى المجلس
(2/223)

نسبة هذا الغناء
صوت
( إنّ المنازلَ هَيجَتْ أطرابي ... واسْتَعْجمتَ آياتُها بجوابي )
( قَفْرٌ تَلُوحُ بذي اللُّجين كأنها ... أَنْضاءُ وَشْمٍ أو سُطُور كتابِ )
( لَمّا وقفتُ بها القَلُوصَ تبادرتْ ... منيّ الدموعُ لفُرقةِ الأحبابِ )
( وذكرتُ عصراً يا بُثَيْنَةُ شاقَنِي ... إذ فاتَنِي وذكرتُ شَرْخَ شبابِي )
الشعر لجميل
والغناء للهذلي ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق
أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أحمد بن يحيى المكي عن أبيه حدثني عمرو بن أبي الكنات الحكمي قال حدثني يونس الكاتب قال
كنا يوما متنزهين بالعقيق أنا وجماعة من قريش فبينا نحن على حالنا إذ أقبل ابن عائشة يمشي ومعه غلام من بني ليث وهو متوكىء على يده فلما رأى
(2/224)

جماعتنا وسمعني أغني جاءنا فسلم وجلس إلينا وتحدث معنا وكانت الجماعة تعرف سوء خلقه وغضبه إذا سئل أن يغني فأقبل بعضهم على بعض يتحدثون بأحاديث كثير وجميل وغيرهما من الشعراء يستجرون بذلك أن يطرب فيغني فلم يجدوا عنده ما ارادوا فقلت لهم أنا لقد حدثني اليوم بعض الأعراب حديثا يأكل الأحاديث فإن شئتم حدثتكم إياه قالوا هات قلت حدثني هذا الرجل أنه مر بناحية الربذة فإذا صبيان يتغاطسون في غدير وإذا شاب جميل منهوك الجسم عليه أثر العلة والنحول في جسمه بين وهو جالس ينظر إليهم فسلمت عليه فرد علي السلام وقال من أين وضح الراكب قلت من الحمى قال ومتى عهدك به قلت رائحا قال وأين كان مبيتك قلت ببني فلان فقال أوه وألقى بنفسه على ظهره وتنفس الصعداء تنفسا قلت إنه خرق حجاب قلبه ثم أنشأ يقول
صوت
( سَقَى بلداً أمستْ سُلَيْمَى تحَلُهُّ ... ُمِنَ المُزْنِ ما يَرْوى به ويُسيِمُ )
( وإِن لم أُكن من قاطِنِيه فإِنْه ... يَحُلّ به شخصٌ عليّ كَرِيمُ )
( ألا حَبّذا مَنْ لَيْسَ يَعْدِلُ قُرْبَهُ ... لَدَيَّ وإِن شَطَّ المزارُ نَعِيمُ )
( ومَنْ لامَنِي فيهِ حَمِيمُ وصاحبٌ ... فَرُدَّ بغَيظٍ صاحِبٌ وحَمِيمُ )
ثم سكن كالمغشي عليه فصحت بالصبية فأتوا بماء فصببته على وجهه فأفاق وأنشأ يقول
(2/225)

( إذا الصَّبُّ الغريبُ رأى خُشُوعِي ... وأنفاسِي تَزَيَّنَ بالخُشُوعِ )
( ولي عَيْنٌ أَضَرّ بها التفاتِي ... إلى الأجزاع مُطلقةُ الدموعِ )
( إلى الخَلَوات يأنسُ فِيك قلبي ... كما أنِسَ الغريبُ إلى الجميعِ ) فقلت له ألا أنزل فأساعدك أو أكر عودي على بدئي إلى الحمى في حاجة إن كانت لك حاجة أو رسالة فقال جزيت خيرا وصحبتك السلامة امض لطيتك فلو أني علمت أنك تغني عني شيئا لكنت موضعا للرغبة وحقيقا بإسعاف المسألة ولكنك أدركتني في صبابة من حياتي يسيرة فانصرفت وأنا لا أراه يمسي ليلته إلا ميتا فقال القوم ما أعجب هذا الحديث واندفع ابن عائشة فتغنى في الشعرين جميعا وطرب وشرب بقية يومه ولم يزل يغنينا إلى أن انصرفنا
فأما نسبة هذين الصوتين فإن في الأول منهما لحنا من خفيف الرمل الثقيل المطلق في مجرى الوسطى نسبه يحيى المكي إلى معبد وذكر الهشامي أنه منحول
وفي هذا الخبر أن ابن عائشة غناه وهو يغني في البيت الأول والثاني من الأبيات وفيه للضيزني الملقب بنبيكة لحن جيد من الثقيل الأول
وكان نبيكة هذا من حذاق المغنين وكبارهم وقد خدم المعتمد ثم شخص إلى مصر فخدم خمارويه بن أحمد ثم قدم بغداد في أيام المقتدر ورأيناه وشاهدناه وكانت في يده صبابة قوية من إفضال ابن طولون واستغنى بها حتى مات وله صنعة جيدة قد ذكرت ما وقع إلي منها في المجرد
وذكرت مما وقع إلي له في هذا الكتاب لحنا
(2/226)

جيدا في شعر سعد ذلفاء وهو
( ولمَاَّ وَقَفْنَا دُونَ سَرْحَةِ مَالِكٍ ... ) في موضعه من أخباره
وأما الشعر الثاني الذي ذكرت في هذا الخبر الماضي أن ابن عائشة غناه فما رأيت له نسبة في كتاب ولا سمعت فيه صنعة من أحد ولعله مما انطوى عني أو لم يشتهر فسقط عن الناس
تعددت الأسباب والموت واحد
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه وأخبرني به الحسن بن علي عن هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات عن حماد عن أبيه عن يعقوب بن طلحة الليثي عن بعض مشايخه من أهل المدينة قال
أقبل ابن عائشة من الشأم حتى نزل قصر ذي خشب ومعه مال وطيب وكسا فشرب فيه ثم تطرقوا إلى ظهر القصر فصعدوا ثم نظر فإذا بنسوة يتمشين في ناحية الوادي فقال لأصحابه هل لكم فيهن قالوا وكيف لنا بهن فنهض فلبس ملاءة مدلوكة ثم قام على شرفة من شرفات القصر فتغنى
(2/227)

( وقد قالتْ لأترابٍ ... لها زُهْرٍ تَلاَقَيْنَا )
( تَعَالَيْنَ فقد طَابَ ... لنا العَيْشُ تَعَالَيْنَا )
فأقبلن إليه فطرب واستدار حتى سقط من السطح وهذا الخبر يذكر على شرحه في خبر وفاته
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد قرأت على أبي عن محمد بن سلام عن جرير أبي الحصين قال
كان ابن عائشة إذا غنى في صوت له من شعر الحطيئة وهو
( عَفَا من سُلَيْمَى مُسْحُلاَنُ فحامِرُهْ ... ) نظر إلى أعطافه في كل رنة فسئل يوما وقد دب فيه الشراب عن ذلك فقال أنا عاشق لهذا الصوت وعاشق لحديثه وعاشق لغريبه وعاشق لقول الحطيئة إن الغناء رقية من رقى النيك ويعجبني فهم الحطيئة بالغناء وليس هو من أهله ولا بصاحب غناء وكيف لا أعجب به ومحله مني هذا المحل وكان لا يسأله أحد إياه إلا غناه فمن فطن له أكثر سؤاله إياه
وكان جرير يقول إنه أحسن صوت له وأرقه وأجوده
وفاة ابن عائشة
وتوفي ابن عائشة فيما قيل في أيام هشام بن عبد الملك وقيل في أيام الوليد
وما أظن الصحيح إلا أنه توفي في أيام الوليد لأنه أقدمه إليه
وذكر من زعم أنه توفي في خلافة هشام أنه إنما وفد على الوليد وهو ولي عهد
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال
(2/228)

ذكر عمران بن هند أن الغمر بن يزيد خرج إلى الشأم فلما نزل قصر ذي خشب شرب على سطحه فغنى ابن عائشة صوتا طرب له الغمر فقال اردده فأبى وكان لا يرد صوتا لسوء خلقه فأمر به فطرح من أعلى السطح فمات ويقال بل قام من الليل وهو سكران ليبول فسقط من السطح فمات
قال إسحاق فحدثني المدائني قال حدثني بعض أهل المدينة قال أقبل ابن عائشة من عند الوليد بن يزيد وقد أجازه وأحسن إليه فجاء بما لم يأت به أحد من عنده فلما قرب من المدينة نزل بذي خشب على أربعة فراسخ من المدينة وكان واليها إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي ولاه هشام وهو خاله وكان في قصر هناك فقيل له أصلح الله الأمير هذا ابن عائشة قد أقبل من عند الوليد بن يزيد فلو سألته أن يقيم عندنا اليوم فيطربنا وينصرف من غد فدعا به فسأله المقام عنده فأجابه إلى ذلك فلما أخذوا في شربهم أخرج المخزومي جواريه فنظر إلى ابن عائشة وهو يغمز جارية منهن فقال لخادمه إذا خرج ابن عائشة يريد حاجته فارم به وكانوا يشربون فوق سطح ليس له إفريز ولا شرفات وهو يشرف على بستان فلما قام ليبول رمى به الخادم من فوق السطح فمات فقبره معروف هناك
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه وأخبرني به الحسن بن علي عن هارون بن محمد بن عبد الملك بن حماد بن إسحاق عن أبيه عن يعقوب بن طلحة الليثي عن بعض مشايخه من أهل المدينة قال
(2/229)

أقبل ابن عائشة من الشأم حتى نزل بقصر ذي خشب ومعه مال وطيب وكسا فشرب فيه ثم تطوقوا إلى ظهر القصر فصعدوا ثم نظر فإذا بنسوة يتمشين في ناحية الوادي فقال لأصحابه هل لكم فيهن قالوا وكيف لنا بهن فنهض فلبس ملاءة مدلوكة ثم قام على شرفة من شرف القصر فتغنى في شعر ابن أذينة
( وقد قالت لأَتْرابٍ ... لها زُهْرٍ تلاقَيْنَا )
( تعاليْنَ فقد طاب ... لنا العيشُ تعالَيْنَا )
فأقبلن إليه وطرب فاستدار فسقط فمات
قال وقال قوم بل قدم المدينة فمات بها
قال ولما مات قال أشعب قد قلت لكم ولكنه لا يغني حذر من قدر زوجوا ابن عائشة ربيحة الشماسية تخرج لكم بينهما مزامير داود فلم تفعلوا وجعل يبكي والناس يضحكون منه
نسبة هذا الصوت الذي غناه ابن عائشة
صوت
( سُلَيْمَى أزْمعتْ بَيْنَا ... فأين تقولُها أَيْنَا )
( وقد قالتْ لأترابٍ ... لها زُهْرٍ تلاقيْنَا )
( تعالَيْنَ فقد طاب ... لنا العيشُ تعالَيْنَا )
( وغاب البَرَم الليلة ... والعيُن فلا عَيْنَا )
( فأقبَلْنَ إليها مسرِعاتٍ ... يَتَهادَيَنَا )
( إلى مثلِ مَهَاةِ الرملِ ... تَكْسُو المجلسَ الزَّيْنَا )
( إلى خَوْدٍ منعَّمةٍ ... حَفَفْنَ بها وفدَّينَا )
( تمنَّيْنَ مُنَاهن ... فكُنَّا ما تمنَّيْنَا )
(2/230)

الشعر لعروة بن اذينة والغناء لابن عائشة لحنان أحدهما رمل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق والآخر ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش
أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال
سمعت إبراهيم بن سعد يحلف للرشيد وقد سأله عمن بالمدينة يكره الغناء فقال من قنعه الله بخزيه مالك بن أنس ثم حلف له إنه سمع مالكا يغني
( سُلَيمى أزمعتْ بينَا ... فأين تقولها أينا )
في عرس رجل من أهل المدينة يكنى أبا حنظلة
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز وإسماعيل بن يونس قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان محمد بن يحيى عن بعض أصحابه قال
(2/231)

مر ابن عائشة بابن أذينة فقال له قل أبياتا هزجا أعن فيها فقال له اجلس فجلس فقال
( سليمى أزمعت بيننا ... ) الأبيات
قال أبو غسان فحدثت أن ابن عائشة رواها ثم ضحك لما سمع قوله
( تمنَّيْنَ مُنَاهنّ ... فكنَّا ما تمنَّيْنا ) ثم قال له يا أبا عامر تمنينك لما أقبل بخرك وأدبر ذفرك وذبل ذكرك فجعل يشتمه
هذا لفظ إسماعيل بن يونس
أخبرني الجوهري وإسماعيل بن يونس قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان قال فحدثني حماد الخشبي قال
ذكر ابن أذينة عند عمر بن عبد العزيز فقال نعم الرجل أبو عامر على أنه الذي يقول
( وقد قالت لتراب ... لها زُهْرٍ تلاقَيْنَا )
ولي عهد المسلمين إذ ا طرب
أخبرني محمد بن مزيد والحسين بن يحيى قالا حدثنا حماد عن أبيه عن المدائني عن إسحاق بن أيوب القرشي قال
كان هشام بن عبد الملك مكرما للوليد بن يزيد وكان عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدبا للوليد وكان فيما يقال زنديقا فحمل الوليد على الشراب والاستخفاف بدينه فاتخذ ندماء وشرب وتهتك فأراد هشام قطعهم عنه فولاه
(2/232)

الموسم في سنة عشر ومائة فرأى الناس منه تهاونا واستخفافا بدينه وأمر مولاه عيسى فصلى بالناس وبعث إلى المغنين فغنوه وفيهم ابن عائشة فغناه
( سُلَيمى أجمعتْ بَيْنَا ... ) فنعر الوليد نعرة أذن لها أهل مكة
وأمر لابن عائشة بألف دينار وخلع عليه عدة خلع وحمله
فخرج ابن عائشة من عنده بأمر أنكره الناس وأمر للمغنين بدون ذلك فتكلم أهل الحجاز وقالوا أهذا ولي عهد المسلمين وبلغ ذلك هشاما فطمع في خلعه وأراده على ذلك فأبى وتنكر هشام للوليد وتمادى الوليد في الشرب واللذات فأفرط وتعبث هشام بالوليد وخاصته ومواليه فنزل بالأزرق بين أرض بلقين وفزارة على ماء يقال له الأغدق حتى مات هشام انقضت أخباره
ومما في المائة الصوت المختارة من أغاني ابن عائشة
صوت
من رواية علي بن يحيى
( حَنَّتْ إلى بَرْقٍ فقلتُ لها قِرِي ... بعضَ الحَنِين فإن شَجْوَكِ شائِقي )
(2/233)

( بأبي الوليدُ وأمِّ نفسي كلّما ... بدت النجومُ وذَرّ قَرْنُ الشارِقِ )
( أثْوَى فأكرَمَ في الثَّوَاء وقُضِّيَتْ ... حاجاتُنا من عند أَرْوعَ باسقِ )
( لا تَبْعَدنّ إداوةٌ مطروحةٌ ... كانت حَدِيثاً للشَّراب العاتقِ )
ويروى بالشراب العاتق
عروضه من الكامل
حنت يعني ناقته
وهذا البيت يبتع بيتا قبله وهو
( فإلى الوليد اليومَ حنّتْ ناقتي ... تَهْوِي بمُغْبرِّ المُتُون سَمَالِقِ ) وبعده حنت إلى برق وقوله قري من الوقار كأنها لما حنت أسرعت ونازعت إلى الوطن أو المقصد فقال يخاطبها قري
وذر قرن الشارق طلع قرن الشمس يريد بأبي الوليد وأمي في كل ليل ونهار أبدا
وأثوى أنزل
والثواء الإقامة قال الأعشى
( لقد كان في حول ثَوَاء ثويته ... تُقَضَّى لُباناتٌ ويَسأم سائمُ ) والباسق الطويل قال الله عز و جل ( والنخل باسقات ) أي طوالا
ويروى
( لا تَبْعَدنّ إداوةٌ مطروحةٌ ... ) الشعر لعبد الرحمن بن أرطأة المحاربي
والغناء لابن عائشة
ولحنه المختار ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق
وفيه للهذلي لحن آخر من
(2/234)

الثقيل الأول عن الهشامي وابن المكي
فأول لحن الهذلي استهلال في
( حنت إلى برق فقلت لها قِرِي ... ) وأول لحن ابن عائشة
( بأبي الوليدُ وأمِّ نفسي كلّما ... بدت النجومُ وذَرّ قرنُ الشارِق )
(2/235)

أخبار ابن أرطأة ونسبه
هو عبد الرحمن بن أرطأة وقيل عبد الرحمن بن سيحان بن أرطأة بن سيحان بن عمرو بن نجيد بن سعد بن لاحب بن ربيعة بن شكم بن عبد الله ابن عوف بن زيد بن بكر بن عمير بن علي بن جسر بن محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار
وأم جسر بن محارب كأس بنت لكيز بن أفصى بن عبد القيس وأم علي بن جسر ماوية بنت علي بن بكر بن وائل هذه رواية أبي عمرو الشيباني أخبرني بها عمي والصولي عن الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو عن أبيه قال وشكم بن عبد الله أول محاربي ساد قومه وأبذهم رأسا بنفسه وكانوا جيرانا في هوازن وآل سيحان حلفاء حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وبمنزلة بعضهم عندهم خاصة وعند سائر بني أمية عامة
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن يحيى عن عبد العزيز بن عمران قال
بنو سيحان من بنى جسر بن محارب وبنو عبد مناف تقوي حلفهم وهم عندي أعزاؤهم وليسوا بأحلافهم
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا
(2/236)

حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان قال
لما قتل هشام بن الوليد أبا أزيهر بعثت قريش أرطأة بن سيحان حليف حرب بن أمية إلى الشراة يحذر من بها من تجار قريش وخرج حاجز الأزدي ليخبر قومه فسبقه أرطأة وقال في ذلك وقد حذرهم فنجوا
( مثلُ الحِليف يشدُّ عُرْوتَه ... يَثْني العِنَاجَ لها مع الكَرَبِ )
( زَلَمٌ إذا يَسَرُوا به يُسُرٌ ... ومناضلٌ يَحْمِي عن الحَسَبِ )
( هل تَشْكُرَنْ فِهْرٌ وتاجِرُها ... دَأْبَ السُّرَى بالليلِ والخَبَبِ )
( حتى جَلَوْتُ لهم يَقِينَهُمُ ... ببيان لا أَلْسٍ ولا كَذِبِ )
(2/237)

فحل الخمرة وليس فحل الشعر
وكان عبد الرحمن شاعرا مقلا إسلاميا ليس من الفحول المشهورين ولكنه كان يقول في الشراب والغزل والفخر ومدح أحلافه من بني أمية وهو أحد المعاقرين للشراب والمحدودين فيه وكان مع بني أمية كواحد منهم إلا أن اختصاصه بآل أبي سفيان وآل عثمان خاصة كان أكثر وخصوصه بالوليد بن عثمان ومؤانسته إياه أزيد من خصوصه بسائرهم لأنهما كانا يتنادمان على الشراب
وهذه الأبيات التي فيها الغناء يقولها في الوليد بن عثمان وقيل بل في الوليد بن عتبة
وخبره في ذلك يذكر بعد هذا
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال قال عتبة بن المنهال المهلبي حدثني غير واحد من أهل الحجاز قالوا
كان ابن سيحان حليفا لقريش ينزل بالمدينة وكان نديما للوليد بن عثمان فأصابه ذات يوم خمار فذهب لسانه وسكنت أطرافه وصرخ أهله عليه فأقبل الوليد إليه فزعا فلما رآه قال أخي مخمور ورب الكعبة ثم أمر غلاما له فأتاه بشراب من منزله في إداوة فأمر به فأسخن ثم سقاه إياه وقيأه وصنع له حساء وجعل على رأسه دهنا وجعل رجليه في ماء سخن فما لبث أن انطلق وذهب ما كان به
ومات الوليد بعد ذلك
فبينا ابن سيحان يوما جالس وبعض متاعه ينقل من بيت إلى بيت إذ مرت الخادم بإداوة الوليد التي كان داواه بما فيها من الشراب وقد يبست وتقبضت فانتحب وقال
( لا تَبْعَدَنَّ إداوةٌ مطروحةٌ ... كانتْ حديثاً للشرابِ العاتِقِ ) وذكر باقي الأبيات
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أحمد بن معاوية عن الواقدي قال حدثنا عبد الله بن أبي عبيدة عن أبيه قال
كان الوليد بن عثمان بن عفان يشرب مع الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وابن سيحان وكان يخمر فأصابه من ذلك شيء شديد خيف عليه وشق النساء عليه الجيوب فدعي له ابن سيحان فلما رآه قال اخرجن عني وعن أخي فخرجن فقال له الصبوح أبا عبد الله فجلس مفيقا فذلك حيث يقول ابن سيحان
( بأبي الوليدُ وأُمِّ نفسي كلّما ... بَدَتِ النجومُ وذَرّ قَرْنُ الشارِق )
( أَثْْْوَى فأكرَمَ في الثَّوَاء وقُضِّيَتْ ... حاجاتُنا من عند أَرْوَعَ باسِقِ )
( كم عنده من نائلٍ وسماحةٍ ... وفضائلٍ معدودةٍ وخلائقِ )
( وسَمَاحةٍ للمُعْتَفِين إذا اعتَفَوْْا ... في ماله حَقَّا وقَوْلٍ صادقٍ )
( لا تَبْعَدَنَّ إداوةٌ مطروحةٌ ... كانتْ حَديثاً للشرابِ العاتِقِ )
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال
كان الوليد بن عثمان يكنى أبا الجهم وكان لابن سيحان صديقا ونديما وكان صاحب شراب فمرض فعاده الوليد وقال ما تشتهي قال شرابا فبعث فجائه بشراب في إداوة
ثم ذكر باقي الخبر نحو الذي قبله
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن
(2/238)

( لا تَبْعَدَنَّ إداوةٌ مطروحةٌ ... كانتْ حديثاً للشرابِ العاتِقِ ) وذكر باقي الأبيات
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أحمد بن معاوية عن الواقدي قال حدثنا عبد الله بن أبي عبيدة عن أبيه قال
كان الوليد بن عثمان بن عفان يشرب مع الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وابن سيحان وكان يخمر فأصابه من ذلك شيء شديد خيف عليه وشق النساء عليه الجيوب فدعي له ابن سيحان فلما رآه قال اخرجن عني وعن أخي فخرجن فقال له الصبوح أبا عبد الله فجلس مفيقا فذلك حيث يقول ابن سيحان
( بأبي الوليدُ وأُمِّ نفسي كلّما ... بَدَتِ النجومُ وذَرّ قَرْنُ الشارِق )
( أَثْْْوَى فأكرَمَ في الثَّوَاء وقُضِّيَتْ ... حاجاتُنا من عند أَرْوَعَ باسِقِ )
( كم عنده من نائلٍ وسماحةٍ ... وفضائلٍ معدودةٍ وخلائقِ )
( وسَمَاحةٍ للمُعْتَفِين إذا اعتَفَوْْا ... في ماله حَقَّا وقَوْلٍ صادقٍ )
( لا تَبْعَدَنَّ إداوةٌ مطروحةٌ ... كانتْ حَديثاً للشرابِ العاتِقِ )
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال
كان الوليد بن عثمان يكنى أبا الجهم وكان لابن سيحان صديقا ونديما وكان صاحب شراب فمرض فعاده الوليد وقال ما تشتهي قال شرابا فبعث فجائه بشراب في إداوة
ثم ذكر باقي الخبر نحو الذي قبله
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن
(2/239)

حذف 240
(2/240)

أيوب بن عباية قال
كان الوليد بن عثمان ذا غلة في الحجاز يخرج إليها في زمان التمر بنفر من قومه يجنون له ويعاونونه فكان إذا حضر خروجهم دفع إليهم نفقات لأهليهم إلىرجعتهم فخرج بهم مرة كما كان يخرج وفيهم ابن سيحان فأتى ابن سيحان كتاب من أهله يسألونه القدوم لحاجة لا بد منها فاستأذنه فأذن له فقال له ابن سيحان زودوني من شرابكم هذا فزودوه إداوة ملأها له من شرابهم فكان يشربها في طريقه حتى قدم على أهله فألقاها في جانب بيته فارغة فمكث زمانا لا يذكرها ثم كنسوا البيت فرآها ملقاة في الكناسة فقال
( لا تَبْعَدَنَّ إداوةٌ مطروحةٌ ... كانت حَدِيثاً للشراب العاتِقِ )
( إن تُصْبِحي لا شيءَ فيكِ فرُبَّما ... أُتْرِعْتِ من كأسٍ تَلَذُّ لِذائِقِ )
( بأبي الوليدُ وأُمِّ نفسي كُلَّما ... بَدَتِ النجومُ وذَرّ قَرْنُ الشارِقِ )
( كم عندَه من نائلٍ وسَمَاحةٍ ... وشمائلٍ مَيْمُونةٍ وخلائِقِ )
( وكرامةٍ للمُعْتَفِين إذا اعْتَفَوْا ... في ماله حَقَّا وقَوْلٍ صادِقِ )
( أَثْوَى فأَكرَمَ في الثَّوَاءِ وقُضِّيَتْ ... حاجاتُنَا من عندِ أَرْوَعَ باسِقِ )
( لَمَّا أتيناهُ أَتَيناُ ماجد الأخلاق ... سَبَّاقاً لِقَرْمٍ سابِقِ )
( قال الوليدُ يَدِي لكم رَهْنٌ بما ... حَاوَلْتُمُ من صامتٍ أو ناطِقِ )
( فإِلى الوليدِ اليومَ حَنَّتْ ناقتي ... تَهْوِي بِمُغْبَرِّ المُتُونِ سَمَالِقِ )
( حَنَّتْ إلى بَرْقٍ فقلتُ لها قِري ... بَعْضَ الحَنِينِ فإِنَّ شَجْوَكِ شائقي )
مروان والوليد بن عثمان يضر بانه الحد )
أخبرني عمي قال حدثني محمد بن عبد الله التميمي الأصبهاني المعروف بالحزنبل قال حدثني عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه وأخبرني الحسين بن يحيى المرداسي قال قال حماد بن إسحاق قرأت على أبي قالا جميعا
(2/240)

كان عبد الرحمن بن سيحان قد غاظ مروان بن الحكم أيام كان معاوية يعاقب بينه وبين سعيد بن العاص في ولاية الحرمين وأنكر عليه أشياء بلغته فغاظته من مدحه سعيدا وانقطاعه إليه وسروره بولايته فرصده حتى وجده خارجا من دار الوليد بن عثمان وهو سكران فضربه الحد ثمانين سوطا
وقدم البريد من المدينة على معاوية فسأله عن أخبار الناس فجعل يخبره بها حتى انتهى به الحديث إلى ابن سيحان فأخبره أن مروان ضربه الحد ثمانين فغضب معاوية وقال والله لو كان حليف أبي العاص لما ضربه ولكنه ضربه لأنه حليف حرب أليس هو الذي يقول
( وإني امرؤٌ حِلْفٌ إلى أفضل الوَرَى ... عَدِيداً إذا ارْفَضّتْ عَصا المْتَحلّفِ )
كذب والله مروان لا يضربه في نبيذ أهل المدينة وشكهم وحمقهم ثم قال لكاتبه أكتب إلى مروان فليبطل الحد عن ابن سيحان وليخطب بذلك على المنبر وليقل إنه كان ضربه على شبهة ثم بان له أنه لم يشرب مسكرا وليعطه ألفي درهم
فلما ورد الكتاب على مروان عظم ذلك عليه ودعا بابنه عبد الملك فقرأه عليه وشاوره فيه فقال له عبد الملك راجعه ولا تكذب نفسك ولا تبطل حكمك فقال مروان أنا أعلم بمعاوية إذا عزم على شيء أو أراده لا والله لا اراجعه
فلما كان يوم الجمعة وفرغ من الخطبة قال وابن سيحان فإنا كشفنا أمره فإذا هو لم يشرب مسكر وإذا نحن قد عجلنا عليه وقد أبطلت عنه الحد
ثم نزل فأرسل إليه بألفي درهم
(2/241)

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أحمد بن معاوية عن الواقدي قال حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال
كان عبد الرحمن بن سيحان المحاربي شاعرا وكان حلو الأحاديث عنده أحاديث حسنة غريبة من أخبار العرب وأيامها وأشعارها وكان على ذلك يصيب من الشراب فكان كل من قدم من ولاة بني أمية وأحداثهم ممن يصيب الشراب يدعوه وينادمه فلما ولي الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وعزل مروان وجد مروان في نفسه وكان قد سبعه فحقد ذلك عليه مروان واضطغنه وكان الوليد يصيب من الشراب ويبعث إلى ابن سيحان فيشرب معه وابن سيحان لايظن أن مروان يفعل به الذي فعله وقد كان مدحه بان سيحان ووصله مروان ولكن مروان أراد فضيحة الوليد فرصده ليلة في المسجد وكان ابن سيحان يخرج في السحر من عند الوليد ثملا فيمر في المقصورة من المسجد حتى يخرج في زقاق عاصم وكان محمد بن عمرو يبيت في المسجد يصلي وكذلك عبد الله بن حنظلة وغيرهما من القراء يبيتون في المسجد يتهجدون فلما خرج ابن سيحان ثملا من دار الوليد أخذه مروان وأعوانه ثم دعا له محمد بن عمرو وعبد الله بن حنظلة فأشهدهما على سكره وقد سأله أن يقرأ أم القرآن فلم يقرأها فدفعه إلى صاحب شرطته فحبسه فلما أصبح الوليد بلغه الخبر وشاع في المدينة وعلم أن مروان إنما أراد أن يفضحه وأنه لو لقي ابن سيحان ثملا خارجا من عند غيره لم يعرض له فقال الوليد لا يبرئني من هذا عند أهل المدينة إلا ضرب ابن سيحان فأمر صاحب شرطته فضربه الحد ثم أرسله فجلس ابن سيحان في بيته
(2/242)

لا يخرج حياء من الناس فجاءه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام في ولده وكان له جليسا فقال له ما يجلسك في بيتك قال الإستحياء من الناس قال اخرج أيها الرجل وكان عبد الرحمن قد حمل له معه كسوة فقال له البسها ورح معنا إلى المسجد فهذا أحرى أن يكذب به مكذب ثم ترحل إلى أمير المؤمنين فتخبره بما صنع بك الوليد فإنه يصلك ويبطل هذا الحد عنك فراح مع عبد الرحمن في جماعة ولده متوسطا لهم حتى دخل المسجد فصلى ركعتين ثم تساند مع عبد الرحمن إلى الأسطوانة فقائل يقول لم يضرب وقائل يقول أنا رأيته يضرب وقائل يقول عزر أسواطا
معاوية يبطل الحد عن ابن أرطأة
فمكث أياما ثم رحل إلى معاوية فدخل إلى يزيد فشرب معه وكلم يزيد أباه معاوية في أمره فدعا به فأخبره بقصته وما صنعه به مروان فقال قبح الله الوليد ما أضعف عقله أما استحيا من ضربك فيما شرب وأما مروان فإني كنت لا أحسبه يبلغ هذا منك مع رأيك فيه ومودتك له ولكنه أراد أن يضع الوليد عندي ولم يصب وقد صير نفسه في حد كنا ننزهه عنه صار شرطيا ثم قال لكاتبه اكتب بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة أما بعد فالعجب لضربك ابن سيحان فيما تشرب منه ما زدت على أن عرفت أهل المدينة ما كنت تشربه مما حرم عليك فإذا جاءك كتابي هذا فأبطل الحد عن ابن سيحان وطف به في حلق المسجد وأخبرهم أن صاحب شرطك تعدى عليه وظلمه وأن أمير المؤمنين قد أبطل ذلك عنه أليس ابن سيحان الذي يقول
( وإنِّي امرؤٌ أُنْمَى إلى أَفضل الورَى ... عديداً إِذا ارفَضّتْ عصا اُلمتحلِّفِ )
(2/243)

( إلى نَضَدٍ من عبد شمس كأنّهم ... هِضَابُ أجَا أركانُها لم تَقَصَّفِ )
( ميامينُ يَرْضَوْن الكِفَايَة إنْ كُفُوا ... وَيكْفُون ما وُلّوا بغير تكلّفِ )
( غَطَارِفةٌ ساسوا البلاد فأحْسَنوا ... سياستها حتّى أقرّت لمُْرِدِف )
( فمن يك منهم مُوسِراً يُفْشِ فضلَه ... ومن يكُ منهم مُعسِراً يتَعفَّف )
( وإنْ تُبْسَطِ النُّعْمَى لهم يَبْسُطوا بها ... أَكُفَّا سِبَاطاً نفعُها غيرُ مُقْرفِ )
( وإن تُزْوَ عنهم لا يَضِجُّوا وتُلْفِهِمْ ... قليلي التشكِّي عندها والتكلُّفِ )
( إذا انصرفوا للحقّ يوماً تصرَّفوا ... إذا الجاهل الحيران لم يتصرَّفِ )
( سَمَوْا فعلَوْا فوق البرية كلّها ... ببُنْيان عالٍ من مُنيفٍ ومُشْرِفِ )
قال وكتب له بأن يعطى أربعمائة شاة وثلاثين لقحة مما يوطن السيالة وأعطاه هو خمسمائة دينار وأعطاه يزيد مائتي دينار
ثم قدم بكتاب معاوية إلى الوليد فطاف به في المسجد وأبطل ذلك الحد عنه وأعطاه ما كتب به له معاوية
وكتب معاوية إلى مروان يلومه فيما فعله بابن سيحان وما أراده بذلك
ودعا الوليد عبد
(2/244)

الرحمن بن سيحان إلى أن يعود للشرب معه فقال والله لا ذقت معك شرابا أبدا
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو مسلم الغفاري قال حدثني موسى بن عبد العزيز قال
أخذ ابن سيحان الجسري هكذا قال وهو غلط في شراب في إمارة مروان وكان حليفا لأبي سفيان بن حرب فضربه مروان ثمانين سوطاعلى رؤوس الناس فكتب إلى معاوية يشكوه فكتب إ ليه معاوية أما بعد فإنك أخذت حليف حرب فضربته ثمانين علي رؤوس الناس والله لتبطلنها عنه أو لأقيدنه منك فقال مروان لابنه عبد الملك ما ترى قال أرى والله ألا تفعل قال ويحك أنا أعلم بعزمات معاوية منك فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنا كنا ضربنا ابن سيحان بشهادة رجل من الحرس ووجدناه غير عدل ولا رضا فاشهدوا أني قد أبطلت ذلك الحد عنه
أخبرني أحمد قال حدثنا عمر قال حدثني محمد بن يحيى قال حدثني عبد العزيز بن عمران قال
ضرب مروان عبد الرحمن بن سيحان في الخمر ثمانين سوطا فكتب إليه معاوية أما بعد فإنك ضربت عبد الرحمن في نبيذ أهل الشأم الذي يستعملونه وليس بحرام وإنما ضربته حيث كان حلفه إلى أبي سفيان بن حرب وايم الله لو كان حليفا للحكم ما ضربته فأبطل عنه الحد قبل أن أضرب من أخذ معه أخاك عبد الرحمن بن الحكم فأبطل مروان عنه الحد فقال ابن سيحان في ذلك يذكر حلفه
(2/245)

( إنّي امرؤ عَقْدي إلى أفضل الورَى ... عَديداً إذا ارفَضَّتْ عصا المُتَحلَّفِ )
وقال الطوسي كان عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان يشرب مع ابن سيحان فلما ضربه مروان الحد كتب إليه معاوية والله لتبطلنه عنه أو لأبعثن إلى أخيك من يضرب ظهره بالسوط في السوق أليس ابن سيحان الذي يقول
( سَموْتُ بِحِلْفي للطِّوال مِن الرُّبَى ... ولم تَلْقَني قِنَّاً لدَى مَبْرَك الجُرْبِ )
( إذا ما حَلِيف الذُّل أَقْمأ شخصَه ... ودبّ كما دبّ الحَسير على نَقْبِ )
( وهَصْتُ الحَصَى لا أُخْنِسُ الأَنفَ قابعاً ... إذا أنا رَاخَى لي خِنَاقِي بَنو حَرْبِ )
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء وأحمد بن سليمان الطوسي قالا حدثنا الزبير ابن بكار قال حدثنا عمي مصعب وغيره قالوا
ابن أرطأة يرثي سعيد بن عثمان
قدم سعيد بن عثمان المدينة فقتله غلمان جاء بهم من الصغد وكان معه عبد الرحمن بن أرطأة بن سيحان حليف بني حرب بن أمية فهرب عنه لما
(2/246)

قتلوه فقال خالد بن عقبة بن أبي معيط يرثي سعيد بن عثمان وعثمان أخوه لأمه
( يا عينُ جُودِي بدمع منكِ تَهْتانَا ... وابكِي سعيدَ بنَ عثمانَ بنِ عَفَّانَا )
( إنّ ابنَ زِينَةَ لم تصدُق مودَّتهُ ... وفرّ عنه ابنُ أرطأةَ بنِ سَيْحانَا ) فقال ابن سيحان يعتذر من ذلك
( يقول رجالٌ قد دعاك فلم تُجِبْ ... وذلك من تِلْقاءِ مثلِك رائعُ )
( فإن كان نادَى دعوةً فسمعتُها ... فَشَلَّتْ يدي واستَكَّ منِّي المسامعُ )
( وإلا فكانتْ بالذي قال باطلاً ... ودارتْ عليه الدائراتُ القوارعُ )
( يلومونني أن كنتُ في الدار حاسراً ... وقد فرّ عنه خالدٌ وهو دَارعُ ) فقال بعض الشعراء يجيبه
( فإنك لم تسمَعْ ولكن رأيتَه ... بعينك إذ مَجْراك في الدار واسعُ )
( وأسلمتَه للصُّغْد تَدْمَى كُلُومُه ... وفارقتَه والصوتُ في الدار شائعُ )
( وما كان فيها خالدٌ بمعذَّرٍ ... سواء عليكم صَمّ أو هو سامعُ )
( فلا زلتُما في غُلِّ سَوْءٍ بِعِبْرةٍ ... ودارتْ عليكم بالشَّمَاتِ القَوَارعُ )
أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثنا العمري عن العتبي قال
لما قتل سعيد بن عثمان بن عفان قالت أمه أشتهي أن يرثيه شاعر كما في نفسي حتى أعطيه ما يحتكم فقال ابن سيحان
(2/247)

( إن كنتِ باكيةً فتىً ... فأبكِي هَبِلْتِ على سعيدِ )
( فارقتَ أهلَكَ بغتةً ... وجَلبتَ حَتْفَك من بعيدِ )
( أذْرِي دموعَكِ والدِّماءَ ... على الشَّهيدِ ابن الشهيدِ ) فقالت هكذا كنت أشتهي أن يقال فيه ووصلت ابن سيحان
وكانت تندبه بهذا الشعر
قال أبو عمرو في روايته التي ذكرتها عن عمي عن الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو عن أبيه قال
جلس ابن سيحان وخالد بن عقبة بعد مقتل سعيد بن عثمان يتحدثان فجرى ذكره فبكيا جميعا عليه فقال ابن سيحان يرثيه
( ألاَ إنّ خيرَ الناس إن كُنت سائلاً ... سعيدُ بنُ عثمانَ القَتِيلُ بلا ذَحْلِ )
( تداعت عليه عُصْبةٌ فارسيّةٌ ... فأَضْحَى سعيدٌ لا يُمِرُّ ولا يُحْلي ) وقال خالد بن عقبة
( ألا إنّ خيرَ الناس نفساً ووالداً ... سعيدُ بن عثمانٍ قتيلُ الأعاجِمِ )
( بكتْ عينُ من لم يَبْكِه وَسْطَ يَثْرِبٍ ... مَدَى الدهرِ منه بالدموع السَّوَاجِمِ )
( فإن تكن الأيامُ أَرْدت صروفُها ... سعيداً فمَنْ هذا عليها بسالِم ) قال الحزنبل أنشدني عمرو بن أبي عمرو عن أبيه لابن سيحان قال عمي وأنشدني السكري عن ابن حبيب والطوسي له
(2/248)

صوت
( رحِم اللهُ صاحِبَيَّ ابنَيِ الحارِث ... إذ يَنْهَيَانِنِي أن أَبُوحَا )
( بالتي تيَّمتْ فؤادي وأن أُذْرِي ... دموعي على ردائي سُفُوحَا )
( في مَغَانِي منازلٍ من حبيبٍ ... باشرتْ بعدَه قِطَاراً ورِيحَا )
( ولقد قلتُ للفؤاد ولكنْ ... كان قِدْماً إلى هواه جَمُوحَا )
( قلتُ أقْصِرْ عن بعضِ حُبِّك أرْوَى ... إن بعض الحِبَابِ كان فُضُوحَا )
( فعصاني فليس يسمَعُ قولاً ... من حَمامٍ على الأراكِ جُنُوحَا )
( أُمَّ يحيَى تقبَّل اللهُ يحيى ... بقَبُول كما تَقَبَّلَ نُوحَا )
( أُمَّ يحيَى لولا طِلاَبُكِ قد سِحْتُ ... مع الوحشِ أو لَبِسْتُ المُسُوحَا )
( ولقد قلت لا أُحدِّثَ سِرّاً ... سرَّ أخرَى ما دمتُ أمشِي صحيحَا )
والغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق ويونس
وفيه للغريض ثقيل أول عن الهشامي
وفيه لزريق رمل
قال أبو عمرو وابن سيحان الذي يقول
( ألا هل هاجَك الأظعانُ ... إذ جاوزْنَ مُطَّلحَا )
هجاء ابن أرطأة لبني مطيع
والناس يروونه لعمر بن أبي ربيعة لغلبته على أهل الحجاز جميعا
وقال أبو عمرو في خبره كان ابن سيحان يحدث قال كنت آلف من قريش أهل بيتين سوى من كنت منقطعا إليه من بني أمية بني عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وبني
(2/249)

مطيع فلما ضربني مروان الحد جئت فجلست إلى بني مطيع كما كنت أجلس فلما رأوني عرفت الكراهة في وجوههم والله ما أقبلوا علي بحديثهم ولا وسعوا لي فانصرفت ورحت إلى بني عبد الرحمن فلما رأوني أقبلوا بوجوههم علي وحيوا ورحبوا وسهلوا ووسعوا ورفعوني إلى حيث لم أكن أجلس وأقبلوا علي بوجوههم يحدثونني وقالوا لعلك خشعت للذي لحقك أما والله لقد علم الناس أنك مظلوم وظلموا مروان في فعله ورأوا أنه قد أساء وأخطأ في شأنك وقالوا ما ضرك ذلك ولا نقصك ولا زادك إلا خيرا ولم يزالوا حتى بسطوني فقلت أمدحهم وأذم بني مطيع
( لقد حرَّمتُ وُدَّ بني مُطِيع ... حَرَامَ الدُّهْنِ للرجل الحَرَامِ )
( وإن جنَف الزمانُ مددتُ حبلاً ... مَتِيناً من حبال بني هِشَامِ )
( رَطيبٌ عودُهم أبداً وَرِيقٌ ... إذا ما اغبرَّ عِيدانُ اللئامِ )
وقال أبو عمرو في خبره كان عبد الرحمن بن سيحان ينادم الوليد بن عثمان على الشراب فيبيت عنده خوفا من أن يظهر وهو سكران فيحد فقالت له امرأته قد صرت لا تبيت في منزلك وأظنك قد تزوجت وإلا فما مبيتك عن أهلك فقال لها
( لا تَعْدَمِيني نَديماً ماجِداً أَنِفاً ... لا قائلاً قاذِفاً خَلْقَاً ببُهْتَانِ )
( أغرَّ روَواقُه مَلآنُ صافيةً ... تَنْفِي القَذَى عن جَبِينٍ غيرِ خَزْيانِ )
(2/250)

( سَبيئة من قُرَى بَيْروتَ صافية ... عَذْراء أو سُبِئتْ من أرض بَيْسَان )
( إنَّا لنَشربهُا حتى تميلَ بنا ... كما تَمَايلَ وَسْنانٌ بوَسْنانِ )
يشرب الخمرة ويحث على شربها
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن عاصم بن الحدثان قال
كان بن سيحان صاحب شراب فدخل على ابن عم له يقال له الحارث بن سريع فوجده يشرب نبيذ زبيب فجعل يعظه ويأمره بشرب الخمر وقال له يابن سريع إن كنت تشربه على أن نبيذ الزبيب حلال فإنك أحمق وإن كنت تشربه على أنه حرام تستغفر الله منه وتنوي التوبة فاشرب أجوده فإن الوزر واحد ثم قال
( دَعِ ابنَ سَرِيع شُرْبَ ما مات مرةً ... وخُذْها سُلاَفاً حيةً مُزّةَ الطَّعْمِ )
( تَدَعْك على مُلْكِ ابن ساسَان قادراً ... إذا حرّمت قُرَّاؤنا حَلَبَ الكَرْمِ )
( فَشتَّان بين الحيّ والمَيْتِ فاعتزْم ... على مُزَّةٍ صَفْراء راووقُها يَهْمِي )
( فإِنْ سَرِيعاً كان أوصَى بحبّها ... بَنِيه وعمِّي جاوز الله عن عَمِّي )
( ويا رُبَّ يومٍ قد شهدتُ بني أبي ... عليها إلى أن غاب تاليةُ النَّجْمِ )
( حَسَوْها صلاةَ العصرِ والشمسُ حيّةٌ ... تُدَار عليهم بالصغير وبالضَّخْم )
( فماتوا وعاشوا والمُدَامَة بينهم ... مُشَعْشَعة كالنجم تُوصَف بالوَهْمِ )
(2/251)

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه عن عاصم بن الحدثان قال
كان ابن سيحان حليف حرب بن أمية ينادم الوليد بن عقبة بن أبي معيط ويشرب معه الخمر وهو القائل
( إصبَحْ ندِيمَكَ من صَهْباء صافيةٍٍ ... حتىّ يروح كريماً ناعمَ البالِ )
( واشربْ هُدِيتَ أبا وَهْبٍ مُجَاهَرةً ... واخْتَلْ فإنك من قوم أُولي خالِ )
( أنت الجوادُ أبا وَهْبٍ إذا جَمَدتْ ... أيدي الرجال بما تَحْويه من مالِ )
( لولا رجاؤك قد شمَّرْتُ مُرتجِلاً ... عَنْساً تُعَاقِبُ تَخْويداً بإِرْقَالِ )
( لما تَوَاصَوْا بقتلي قمتُ معتزماً ... حتى حَميْتُ من الأعداء أوْصالي )
( عمّ الوليدُ بمعروفٍ عشيرتَه ... والأبعدون حَظُوا منه بإِفضالِ )
قال وكان ابن سيحان قد ضرب رجلا من أخواله بالسيف فقطع يده ولم تقم عليه بينة فتآمر به القوم ومنع منه ابن خال له منهم وخاف الوليد بن عقبة أن يرجع إلى المدينة هاربا منهم وخوفا من جنايته عليهم فيفارقه وينقطع عنه فدعاهم وأرضاهم وأعطاهم دية صاحبهم فلم يزل عند الوليد حتى عزل وهو نديمه
(2/252)

وصفيه
وهو القائل في الوليد وفيه غناء
صوت
( بات الوَليدُ يُعاطِينى مُشَعشَعةً ... حتى هَوَيْتُ صَرِيعاً بين أصحابِي ) في الغناء بات الكريم يعاطيني
( لا أستطيع نهوضاً إن همَمْتُ به ... وما أُنَهْنَهُ من حَسْوٍ وتَشْرابِ )
( حتى إذا الصبحُ لاحتْ لي جوانبُه ... وليَّتْ أسحَبُ نحوَ القومِ أثوابِي )
( كأنّني من حُمَيَّا كأسِه جَمَلٌ ... صَحَّتْ قوائمُهُ من بعد أَوْصاب ) ويروى
( كأنني من حُمَيَّا كأسِه ظَلِعٌ ... )
الغناء ليحيى المكي وروي ضلع خفيف ثقيل بالبنصر عن الهشامي وبذل
قالت بذل وفيه لحن آخر ليحيى ولم تذكر طريقته
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني أبو فهيرة قال
دخل عبد الرحمن بن أرطأة على سعيد بن العاص وهو أمير المدينة فقال له ألست القائل
( إنّا لنشربُها حتى تميل بنا ... كما تَمايل وَسْنانٌ بوَسْنانِ ) فقال له عبد الرحمن معاذ الله أن أشربها وأنعتها ولكني الذي أقول
( سَموْتُ بحِلْفي للطِّوالِ من الذُّرَى ... ولم تَلْقَنِي كالنَّسْرِ في ملتقىً جَدْبِ )
(2/253)

( إذا ما حَلِيفُ القوم أَقْعَى مكانَه ... ودَبَّ كما يمشي الحَسِير من النَّقْبِ )
( وهَصْتُ الحَصى لا أرهبُ الضيمَ قائماً ... إذا أنا راخى لي خِنَاقي بنو حَرْبِ )
وقام يجر مطرفه بين الصفين حتى خرج
فأقبل عمرو بن سعيد على أبيه فقال لو أمرت بهذا الكلب فضرب مائتي سوط كان خيرا له فقال يا بني أضربه وهو حليف حرب بن أمية ومعاوية خليفة بالشام إذا لا يرضى فلما حج معاوية لقيه بمنى فقال إيه يا سعيد أمرك أحمقك بأن تضرب حليفي مائتي سوط أما والله لو جلدته سوطا لجلدتك سوطين فقال له سعيد ولم ذاك أولم تجلد أنت حليفك عمر بن جبلة فقال له معاوية هو لحمي آكله ولا أوكله
قال وكان ابن سيحان قد قال
( لا يَعْدَمنِّي نديمي ماجِداً أنِفاً ... لا قائلاً خالطاً زوراً ببُهْتانِ )
( أُمْسِي أُعاطيهِ كأساً لذَّ مَشْرَبُها ... كالمسكِ خُفَّتْ بِنِسْرينٍ وريْحَانِ )
( سبيئةً من قُرَى بَيْرُوت صافيةً ... أو التي سُبِئَتْ من أرض بَيْسانِ )
( إنّا لنشربُها حتى تميل بنا ... كما تَمايل وَسْنانٌ بوَسْنانِ ) انقضت أخباره
صوت
من المائةالمختارة من رواية علي بن يحيى
( يا خليليّ هَجِّرَا كيْ تَرُوحا ... هِجْتما للرَّواح قَلْبا قريحا )
( إنْ تُرِيغا لِتَعْلَما سِرَّ سُعْدى ... تَجِداني بِسرّ سُعْدى شَحِيحا )
( إنّ سُعْدى لمُنْيَةُ المُتَمنِّي ... جَمَعتْ عِفّة ووَجْها صَبيحاً )
(2/254)

( كلّمتني وذاك ما نِلْتُ منها ... إنّ سُعْدى ترى الكلامَ ربيحا )
الشعر لابن ميادة والغناء لحنين ولحنه المختار من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق وذكر عمرو بن بانة أن فيه لدحمان لحنا من الثقيل الأول بالبنصر وأظنه هذا وأن عمرا غلط في نسبته إلى دحمان
(2/255)

أخبار ابن ميادة ونسبه
اسمه الرماح بن أبرد بن ثوبان بن سراقة بن حرملة هكذا قال الزبير بن بكار في نسبه وقال ابن الكلبي ثوبان بن سراقة بن سلمى بن ظالم ويقال سراقة بن قيس بن سلمى بن ظالم بن جذيمة بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف ابن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن زيد بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر
وأمه ميادة أم ولد بربرية وروي أنها كانت صقلبية
ويكنى أبا شرحبيل وقيل بل يكنى أبا شراحيل
( وكان ابن ميادة يزعم أن أمه فارسية وذكر ذلك في شعره فقال
( أنا ابْنُ سَلْمى وَجَدِّي ظالمُ ... وأُمِّي حَصَانٌ أخلصتْها الأعاجمُ )
( أليس غلامٌ بين كسرى وظالمٍ ... بأكرمِ مَن نِيطتْ عليه التمائمُ )
أخبرني بذلك الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني أبو مسلمة مرهوب بن سيد وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني موسى بن زهير الفزاري قال أخبرني موسى بن سيار بن نجيح المزني قال أنشدني ابن ميادة أبياته التي يقول فيها
( أليس غلامٌ بين كِسرى وظالم ... بأكرم من نِيطَتْ عليه التمائمُ )
فقلت له لقد أشحطت بدا العجوز وأبعدت بها النجعة فهلا غربت يريد
(2/256)

أنها صقلبية ومحلها بناحية المغرب فقال إي بأبي أنت إنه من جاع انتجع فدعها تسر في الناس فإنه من يسمع يخل قال الزبير قال ابن مسلمة ولما قال ابن ميادة هذه الأبيات قال الحكم الخضري يرد عليه
( وما لكَ فيهم من أبٍ ذي دسِيعةٍ ... ولا وَلَدَتْكَ المُحْصَنَاتُ الكرائم )
( وما أنتَ إلاّ عبدُهم إن تُرِبْهُمُ ... مِنَ الدهر يوماً تَسْتَرِبْكَ المقاسِمُ )
( رَمَى نَهْبَلٌ في فَرْجِ أُمِّك رَمْيَةً ... بِحَوْقَاءَ تَسْقِيهَا العُرُوق الثَّواجمُ )
قال أبو مسلمة ونهبل عبد لبني مرة كانت ميادة تزوجته بعد سيدها وكانت صقلبية
وابن ميادة شاعر فصيح مقدم مخضرم من شعراء الدولتين وجعله ابن سلام في الطبقة السابعة وقرن به عمر بن لجأ والعجيف العقيلي والعجير السلولي
(2/257)

ابن ميادة يتعرض للمهاجاة
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا الحسن بن الحسين السكري قال حدثنا محمد بن حبيب عن ابن الأعربي قال كان ابن ميادة عريضا للشر طالبا مهاجاة الشعراء ومسابة الناس
وكان يضرب بيده على جنب أمه ويقول
( اعْرَنْزِمِي مَيّاد للقوافي ... ) أي إني سأهجو الناس فيهجونك
وأخبرنا يحيى بن علي عن أبي هفان بهذه الحكاية مثله وزاد فيها
( لإعْرَنْزِمِيّ ميَّادَ للقوافي ... واسْتَسْمِعيهنّ ولا تَخَافِي )
( سَتجدِينَ ابنَكِ ذا قِذَافِ ... )
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا داود بن علفة الأسدي قال جاورت امرأة من الخضر رهط الحكم الخضري أبيات ابن ميادة فجاءت ذات يوم تطلب رحى وثفالا لتطحن فأعاروها إياهما فقال لها ابن ميادة يا أخت الخضر أتروين شيئا مما قاله الحكم الخضري لنا يريد بذلك أن تسمع أمه فجعلت تأبى فلم يزل حتى أنشدته
( أمَيَّادَ قد أفسدتِ سيفَ ابن ظالم ... بِبَظْرِك حتى عاد أثْلَمَ باليَا )
(2/258)

قال وميادة جالسة تسمع
فضحك الرماح وثارت ميادة إليها بالعمود تضربها به وتقول أي زانية هيا زانية أإياي تعنين وقام ابن ميادة يخلصها فبعد لأي ما أنقذها وقد انتزعت منها الرحى والثفال
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني أبو حرملة منظور بن أبي عدي الفزاري قال حدثني شماطيط وهو الذي يقول
( أنا شَماطيطُ الذي حُدِّثتَ به ... متى أُنبَّهْ للغداء أَنْتَبِهْ )
( حتى يُقالُ شَرِهٌ ولستُ بِه ... )
قال كنت جالسا مع ابن ميادة فوردت عليه أبيات للحكم الخضري يقول فيها
( أأنت ابن أشبانِيّةٍ أَدْلجَتْ به ... إلى اللؤم مِقْلاتٍ لئيمٍ جَنينُها )
أشبانية صقلبية قال وأمه ميادة تسمع فضرب جنبها وقال
( إعْرَنْزِمي مَيَّادَ للقوافِي )
فقالت هذه جنايتك يابن من خبت وشر وأهوت إلى عصا تريد ضربه بها ففر منها وهو يقول
( يا صِدْقَها ولم تكن صَدُوقَا ... )
(2/259)

فصحت به أيهما المعني فقال أضرعهما خدين وألأمهما جدين فضربت جنبها الآخر وقلت فهي إذا ميادة وخرجت أعدو في أثر الرماح وتبعتنا ترمينا بالحجارة وتفتري علينا حتى فتناها
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني أبو داود الفزاري أن ميادة كانت أمة لرجل من كلب زوجة لعبد له يقال له نهبل فاشتراها بنو ثوبان بن سراقة فأقبلوا بها من الشام فلما قدموا وصبحوا بها المليحة وهي ماءة لبني سلمى ورحل بن ظالم بن جذيمة نظر رجل من بني سلمى إليها وهي ناعسة تمايل على بعيرها فقال ما هذه قالوا اشتراها بنو ثوبان فقال وأبيكم إنها لميادة تميد وتميل على بعيرها فغلب عليها ميادة وكان أبرد ضلة من الضلل ورثة من الرثث جلفا لا تخلص إحدى يديه من الاخرى يرعى على إخوته وأهله وكانت إخوته كلهم ظرفاء غيره فأرسلوا ميادة ترعى الأبل معه فوقع عليها فلم يشعروا بها إلا حبلى قد أقعسها بطنها فقالوا لها لمن ما في بطنك قالت لأبرد وسألوه فجعل يسكت ولا يجيبهم حتى رمت بالرماح فرأوا غلاما فدغما نجيبا فأقر به أبرد
وقالت بنو سلمى ويلكم يابني ثوبان ابتطنوه فلعله ينجب فقالوا والله ما له غير ميادة فبنوا لها
(2/260)

بيتا وأقعدوها فيه فجاءت بعد الرماح بثوبان وخليل وبشير بني أبرد وكانت أول نسائه و آخرهن و كانت امرأة صدق ما رميت بشيء ولا سبت إلا بنهبل قال عبد الرحمن بن جهيم الأسدي في هجائه ابن مياده
( لَعمْري لئن شابتْ حَليلةُ نَهْبلٍ ... لبئس شبابُ المرءِ كان شبابُها )
( و لم تدرِ حمراءُ العِجان انْهَبلٌ ... أبوه أمِ المُرِّيّ تَبّ تَبابُها )
قال أبو داود وكان ابن ميادة هجا بني مازن وفزارة بن ذبيان وذلك أنهم ظلموا بني الصارد والصارد من مرة فأخذوا مالهم و غلبوهم عليه حتى الساعة فقال ابن ميادة
( فلأُوردنّ على جماعة مازِنٍ ... خَيْلا مُقلِّصةَ الخُصَى ورجالا )
( ظلّوا بذي أُرُكٍ كأنّ رؤسهم ... شجَرٌ تخطّاه الربيع فحالا ) فقال رجل من بني مازن يرد عليه
( يا بن الخبيثه يا بن طَلّة نَهْبَلٍ ... هلاّ جَمعت كما زَعمت رجالا )
( أببَظْرِ مَيْدَة أم بخُصيَيْ نَهْبلٍ ... أم بالفُساةُ تُنازل الأبطالا )
( و لئن وردتَ على جماعة مازنٍ ... تبغي القتال لَتَلْقَينّ قِتالا ) قال وبنو مرة يسمون الفساه لكثرة امتيارهم التمر وكانت منازلهم بين
(2/261)

فدك وخيبر فلقبوا بذلك لأكلهم التمر وقال يحيى بن علي في خبره ولم يذكره عن أحد وقال ابن ميادة يفتخر بأمه
( أَنا ابن مَيَّادَة تَهْوِي نُجُبِي ... سَلْطُ الجبينِ حَسَنٌ مُرَكَّبي )
( تَرفعني أمي و ينميني أبي ... فوق السحاب ودُوَيْنَ الكوكبِ ) قال يحيى بن علي في خبره عن حماد أبيه عن أبي داود الفزاري إن ابن ميادة قال يفخر بنسب أبيه في العرب ونسب أمه في العجم
( أليس غلامٌ بين كِسرَى وظالم ... بأكرمِ مَن نِيطت عليه التَّمائمُ )
( لَوَ انَّ جميع الناس كانوا بتَلْعةٍ ... وجئتُ بجَدِّي ظالمٍ وابنِ ظالِم )
( لظلّت رقابُ الناس خاضِعةً لنا ... سُجوداً على أقدامنا بالجماجِم ) فأخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أ بي عبيدة قال كان ابن ميادة واقفا في الموسم ينشد
( لو انّ جميع الناس كانوا بتَلْعةٍ ... )
وذكر تمام البيت والذي بعده
قال والفرزدق واقف عليه في جماعة وهو متلثم فلما سمع هذين البيتين أقبل عليه ثم قال أنت يابن أبرد صاحب هذه الصفة كذبت والله وكذب من سمع ذلك منك فلم يكذبك فأقبل عليه فقال فمه يا أبا فراس فقال أنا والله أولى بهما منك ثم أقبل على راويته فقال اضممهما إليك
(2/262)

( لَوَ انَّ جميع الناس كانوا بتَلْعةٍ ... وجئتُ بجَدِّي دارِمٍ وابنِ دارِمِ )
( لظلّت رقابُ الناس خاضِعةً لنا ... سُجوداً على أقدامنا بالجماجِم )
قال فأطرق ابن ميادة فما أجابه بحرف ومضى الفرزدق فانتحلهما
أخبرنا يحيى قال حدثنا حماد عن أبيه عن أبي داود قال
أم بني ثوبان وهم أبرد أبو ابن ميادة والعوثبان وقريض وناعضة وكان العوثبان وقريض شاعرين أمهم جميعا سلمى بنت كعب بن زهير بن أبي سلمى
ويقال إن الشعر أتى ابن ميادة عن أعمامه من قبل جدهم زهير
قال اسحاق في خبره هذا وحدثني حميد بن الحارث أن عقبة بن كعب بن زهير نزل المليحة على بني سلمى بن ظالم فأكلوا له بعيرا وبلغ ابن ميادة أن عقبة قال في ذلك شعرا فقال ابن ميادة يرد عليه
( ولقد حلفتُ بربِّ مكةَ صادقاً ... لولا قرابةُ نِسْوةٍ بالحاجرِ )
( لكسوتُ عُقْبَةَ كُسْوةً مشهورةً ... تُرِدُ المَنَاهلَ من كلامٍ عائرِ )
وهي قصيدة فقال له عقبة
( ألَوْما أنني أصبحتُ خالاً ... وذكرُ الخال ينقُص أو يزيد )
( لقد قلَّدتُ من سَلْمَى رجالا ... عليهم مَسْحَةٌ وهُمُ العبِيدُ )
فقال ابن ميادة
( إن تَكُ خالنا فقُبِحْتَ خالاً ... فأنت الخال تنقُص لاتزيدُ )
( فيوماً في مُزَينة أنت حُرٌّ ... ويوماً أنت مَحْتِدُك العبيدُ )
(2/263)

( أحقُّ الناسِ أن يَلْقَى هَواَناً ... ويؤكلَ مالُه العبدُ الطَّرِيدُ )
قال إسحاق فحدثني عجرمة قال كان ابن ميادة أحمر سبطا عظيم الخلق طويل اللحية وكان لباسا عطرا ما دنوت من رجل كان أطيب عرفا منه
قال إسحاق وحدثني أبو داود قال سمعت شيخا عالما من غطفان يقول كان الرماح أشعر غطفان في الجاهلية والاسلام وكان خيرا لقومه من النابغة لم يمدح غير قريش وقيس وكان النابغة إنما يهذي باليمن مضللا حتى مات
قال إسحاق وحدثني أبو داود أن بني ذبيان تزعم أن الرماح بن ميادة كان آخر الشعراء
قال إسحاق وحدثني أبو صالح الفزاري أن القاسم بن جندب الفزاري وكان عالما قال لابن ميادة والله لو أصلحت شعرك لذكرت به فإني لأراه كثير السقط فقال له ابن ميادة يابن جندب إنما الشعر كنبل في جفيرك ترمي به الغرض فطالع وواقع وعاصد وقاصد
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال كان ابن ميادة حديث العهد لم يدرك زمان قتيبة بن مسلم ولا دخل فيمن عناه حين قال
أشعر قيس الملقبون من بني عامر والمنسوبون إلى أمهاتهم من غطفان
(2/264)

ولكنه شاعر مجيد كان في أيام هشام بن عبد الملك وبقي إلى زمن المنصور
أخبرنا يحيى بن علي قال كان ابن ميادة فصيحا يحتج بشعره وقد مدح بني أميه وبني هاشم مدح من بني أمية الوليد بن يزيد وعبد الواحد بن سليمان ومدح من بني هاشم المنصور وجعفر بن سليمان
وأخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي عن الأصمعي قال أخبرني طماح ابن أخي الرماح بن ميادة قال
قال لي عمي الرماح ما علمت أني شاعر حتى وأطأت الحطيئة فإنه قال
( عفا مُسْحُلاَنُ من سُلَيْمى فَحامِرُهْ ... تَمَشَّي به ظِلْمَانُه وجآذِرُهْ )
فو الله ما سمعته ولا رويته فواطآته بطبعي فقلت
( فذو العُشّ والممدورُ أصبح قاوياً ... تَمَشَّي به ظِلْمَانُهُ وجآذِرُهْ )
(2/265)

فلما أنشدتها قيل لي قد قال الحطيئة
( تَمَشَّى به ظلمانه وجآذرهْ ... )
فعلمت أني شاعر حينئذ
ابن ميادة وأم جحدر
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني موسى ابن زهير بن مضرس قال كان الرماح بن أبرد المعروف بابن ميادة ينسب بأم جحدر بنت حسان المرية إحدى نساء بني جذيمة فحلف أبوها ليخرجنها إلى رجل من غير عشيرته ولا يزوجها بنجد فقدم عليه رجل من الشأم فزوجه إياها فلقي عليها ابن ميادة شدة فرأيته وما لقي عليها فأتاها نساؤها ينظرن إليها عند خروج الشامي بها قال فوالله ماذكرن منها جمالا بارعا ولا حسنا مشهورا ولكنها كانت أكسب الناس لعجب فلما خرج بها زوجها إلى بلاده اندفع ابن ميادة يقول
( ألاَ ليتَ شِعْرِي هل إلى أمّ جَحْدَرٍ ... سبيلٌ فأما الصبرُ عنها فلا صَبْرَا )
( إذا نزلتْ بُصْرَى تراخَىمَزارُها ... وأغلقَ بَوَّابَانِ مِن دُونها قَصْرَا )
( فهل تأتينِّي الريحُ تَدْرُجُ مَوْهِناً ... بريّاكِ تَعْرَوْرِي بها جَرَعاً عُفْرَا ) قال الزبير وزادني عمي مصعب فيها
(2/266)

( فلو كان نَذْرٌ مُدْيِناً أمَّ جَحْدَرٍ ... إليّ لقد أَوْجَبتُ في عُنُقِي نَذْرَا )
( ألا لا تَلُطِّي السِّتْرَ يا أمّ جَحْدَرٍ ... كَفَى بذُرَا الأعلام مِنْ دُوننا سِتْرا )
( لَعمرِي لئن أَمْسَيتِ يا أمّ جَحْدَرٍ ... نأيتِ لقد أبليتُ في طلبٍ عُذرا )
( فَبَهْراً لقومي إذ يبيعون مُهْجتي ... بغانيةٍ بَهْراً لهم بعدَها بَهْرَا )
قال الزبير بهرا هاهنا يدعو عليهم أن ينزل بهم من الأمور ما يبهرهم كما تقول جدعا وعقرا
وفي أول هذه القصيدة على ما رواه يحيى بن علي عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن حميد بن الحارث يقول
( ألا لا تَعُدْ لِي لَوْعَةٌ مثلُ لَوْعَتِي ... عليكِ بأَدْمَى والهوى يَرْجِعُ الذِّكْرَا )
( عَشِيَّةَ أَلْوِي بالرِّدَاء على الحَشَا ... كأنّ رِدَائي مُشْعَلٌ دونَه جَمْرَا )
قال حميد بن الحارث وأم جحدر امراة من بني رحل بن ظالم بن جذيمة ابن يربوع بن غيظ بن مرة
أخبرني يحيى بن علي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه وأخبرني الحرمي ابن أبي العلاء عن الزبير عن موهوب بن رشيد عن جبر بن رباط النعامي أن أم جحدر كانت امرأة من بني مرة ثم من بني رحل وأن أباها بلغه مصير ابن ميادة إليها فحلف ليزوجنها رجلا من غير ذلك البلد فزوجها رجلا من أهل الشأم فاهتداها وخرج بها إلى الشأم فتبعها ابن ميادة حتى أدركه أهل بيته فردوه مصمتا لا يتكلم من الوجد بها فقال قصيدة أولها
( خَلِيليّ من أَبْناء عُذْرَة بَلِّغَا ... رسائلَ منّا لا تَزِيدكما وِقْرَا )
( أَلِمّا على تَيْماءَ نَسْأَلْ يَهُودَها ... فإنّ لدى تيماءَ من رَكْبها خُبْرَا )
( وبالغَمْر قد جازتْ وجازَ مطِيُّها ... عليه فسَلْ عن ذاك نَيَّانَ فالغَمْرَا )
( ويا ليتَ شِعْرِي هل يَحُلّنّ أَهلُها ... وأهلُكَ رَوْضاتٍ ببَطن اللِّوَى خُضْرَا )
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني أبو سعيد يعني عبد الله بن شبيب قال حدثني أبو العالية الحسن بن مالك وأخبرني به الأخفش عن ثعلب عن عبد الله بن شبيب عن أبي العالية الحسن بن مالك الرياحي العذري قال حدثني عمر ابن وهب العبسي قال حدثني زياد بن عثمان الغطفاني من بني عبد الله بن غطفان قال كنا بباب بعض ولاة المدينة فغرضنا من طول الثواء فإذا أعرابي يقول يا معشر العرب أما منكم رجل يأتيني أعلله إذ غرضنا من هذا المكان فأخبره عن أم جحدر وعني فجئت إليه فقلت من أنت فقال أنا الرماح بن أبرد قلت فأخبرني ببدء أمركما قال كانت أم جحدر من عشيرتبي فأعجبتني وكانت بيني وبينها خلة هم إني عتبت عليها في شيء بلغني عنها فأتيتها فقلت يا أم جحدر إن الوصل عليك مردود فقالت ما قضى الله فهو خير
فلبثت على تلك
(2/267)

( خَلِيليّ من أَبْناء عُذْرَة بَلِّغَا ... رسائلَ منّا لا تَزِيدكما وِقْرَا )
( أَلِمّا على تَيْماءَ نَسْأَلْ يَهُودَها ... فإنّ لدى تيماءَ من رَكْبها خُبْرَا )
( وبالغَمْر قد جازتْ وجازَ مطِيُّها ... عليه فسَلْ عن ذاك نَيَّانَ فالغَمْرَا )
( ويا ليتَ شِعْرِي هل يَحُلّنّ أَهلُها ... وأهلُكَ رَوْضاتٍ ببَطن اللِّوَى خُضْرَا )
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني أبو سعيد يعني عبد الله بن شبيب قال حدثني أبو العالية الحسن بن مالك وأخبرني به الأخفش عن ثعلب عن عبد الله بن شبيب عن أبي العالية الحسن بن مالك الرياحي العذري قال حدثني عمر ابن وهب العبسي قال حدثني زياد بن عثمان الغطفاني من بني عبد الله بن غطفان قال كنا بباب بعض ولاة المدينة فغرضنا من طول الثواء فإذا أعرابي يقول يا معشر العرب أما منكم رجل يأتيني أعلله إذ غرضنا من هذا المكان فأخبره عن أم جحدر وعني فجئت إليه فقلت من أنت فقال أنا الرماح بن أبرد قلت فأخبرني ببدء أمركما قال كانت أم جحدر من عشيرتي فأعجبتني وكانت بيني وبينها خلة ثم إني عتبت عليها في شيء بلغني عنها فأتيتها فقلت يا أم جحدر إن الوصل عليك مردود فقالت ما قضى الله فهو خير
فلبثت على تلك
(2/268)

الحال سنة وذهبت بهم نجعة فتباعدوا واشتقت إليها شوقا شديدا فقلت لامرأة أخ لي والله لئن دنت دارنا من أم جحدر لآتينها ولأطلبن إليها أن ترد الوصل بيني وبينها ولئن ردته لا نقضته أبدا ولم يكن يومان حتى رجعوا فلما أصبحت غدوت عليهم فإذا أنا ببيتين نازلين إلى سند أبرق طويل وإذا امرأتان جالستان في كساء واحد بين البيتين فجئت فسلمت فردت إحداهما ولم ترد الأخرى فقالت ما جاء بك يا رماح إلينا ما كنا حسبنا إلا أنه قد انقطع ما بيننا وبينك فقلت إني جعلت علي نذرا لئن دنت بأم جحدر دار لآتينها ولأطلبن منها أن ترد الوصل بيني وبينها ولئن هي فعلت لا نقضته أبدا وإذا التي تكلمني امرأة أخيها وإذا الساكتة أم جحدر فقالت امرأة أخيها فادخل مقدم البيت فدخلت وجاءت فدخلت من مؤخره فدنت قليلا ثم إذا هي قد برزت فساعة برزت جاء غراب فنعب على رأس الأبرق فنظرت إليه وشهقت وتغير وجهها فقلت ما شأنك قالت لا شيء قلت بالله إلا أخبرتني قالت أرى هذا الغراب يخبرني أنا لا نجتمع بعد هذا اليوم إلا ببلد غير هذا البلد فتقبضت نفسي ثم قلت جارية والله ما هي في بيت عيافة ولا قيافة فأقمت عندها
(2/269)

ثم تروحت إلى أهلي فمكثت عندهم يومين ثم أصبحت غاديا إليها فقالت لي امرأة أخيها ويحك يا رماح أين تذهب فقلت إليكم فقالت وما تريد قد والله زوجت أم جحدر البارحة فقلت بمن ويحك قالت برجل من أهل الشأم من أهل بيتها جاءهم من الشأم فخطبها فزوجها وقد حملت إليه فمضيت إليهم فإذا هو قد ضرب سرادقات فجلست إليه فأنشدته وحدثته وعدت إليه أياما ثم إنه احتملها فذهب بها فقلت
( أجارتَنَا إنَّ الخطوبَ تَنُوبُ ... علينا وبعضَ الآمنين تُصِيبُ )
( أجارَتَنا لَسْتُ الغَدَاةَ ببارحٍ ... ولكنْ مُقِيمٌ ما أقامَ عَسِيبُ )
( فإن تسألِينِي هل صَبَرْتَ فإنني ... صَبُورٌ على رَيْب الزمانِ صَلِيبُ )
قال علي بن الحسين هذه الأبيات الثلاثة أغار عليها ابن ميادة فأخذها بأعيانها أما البيتان الأولان فهما لامرىء القيس قالهما لما احتضر بأنقرة في بيت واحد هو
( أجارتَنَا إنَّ الخطوبَ تَنُوبُ ... وإنّي مُقِيمٌ ما أقام عَسِيبُ ) والبيت الثالث لشاعر من شعراء الجاهلية وتمثل به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في رسالة كتب بها إلى أخيه عقيل بن أبي طالب فنقله ابن ميادة نقلا
ونرجع إلى باقي شعر ابن ميادة
( جَرَى بانْبِتَاتِ الحَبْلِ من أمّ جَحْدَرٍ ... ظباءٌ وطيٌر بالفِرَاق نَعُوبُ )
(2/270)

( نظرتُ فلم أَعْتَفْ وعافتْ فبيَّنَتْ ... لها الطيرُ قبلي واللبيبُ لبيبُ )
( فقالت حرامٌ أن نُرَى بعد هذه ... جميعَيْنِ إلا أن يُلِمَّ غريبُ )
( أجارتَنا صبراً فيا رُبَّ هالكٍ ... تَقَطَّعُ من وَجْدٍ عليه قلوبُ )
قال ثم انحدرت في طلبها وطمعتَ في كلمتها إلا أن نجتمع في بلد غير هذا البلد قال فجئت فدرت الشأم زمانا فتلقاني زوجها فقال م لك لا تغسل ثيابك هذه أرسل بها إلى الدار تغسل فأرسلت بها ثم إني وقفت أنتظر خروج الجارية بالثياب فقالت أم جحدر لجاريتها إذا جاء فأعلميني فلما جئت إذا أم جحدر وراء الباب فقالت ويحك يا رماح قد كنت أحسب أن لك عقلا أما ترى أمرا قد حيل دونه وطابت أنفسنا عنه انصرف إلى عشيرتك فإني أستحيي لك من هذا المقام فانصرفت وأنا أقول
صوت
( عسى إن حَجَجْنا أن نرى أمَّ جَحْدَرٍ ... ويجمَعَنا من نَخْلَتيْن طَرِيقُ )
( وتَصْطَكَّ أعضادُ المَطِيِّ وبينَنا ... حديثٌ مُسَرٌّ دونَ كلّ رَفِيقِ )
شعر ابن ميادة في أم جحدر
في هذين البيتين لحن من الثقيل الثاني ذكر الهشامي أنه للحجبي
وقال حين خرج إلى الشأم هذه رواية ابن شبيب
(2/271)

( ألا حيِّيا رَسْمَاً بذي العُشِّ مُقْفِرا ... وربعاً بذي المَمْدورِ مستعجِماً قَفْرَاً )
( فأعجبُ دارٍ دارُها غيرَ أنني ... إذا مما ما أتيتُ الدار تَرْجِعُني صِفْرا )
( عشيةَ أَثْنِي بالرِّداء على الحَشَى ... كأنّ الحَشَى من دُونِه أُسْعِرَتْ جَمْرَا )
( يَمِيلُ بنا شَحْطُ النَّوَى ثم نلتقِي ... عِدَادَ الثُّرَيَّا صادفتْ ليلَةً بَدْرَا )
( وبالغَمْرِ قد جازتْ وجاز مطيُّها ... فأسْقَى الغَوَادِي بَطْنَ نَيَّانَ فالغَمْرَا )
( خَلِيليّ من غَيْظِ بن مُرَّةَ بلِّغا ... رسائلَ منِّي لا تَزِيدكُما وِقْرَا )
( ألا ليت شعري هل إلى أمِّ جَحْدَرٍ ... سَبِيلٌ فأما الصبُر عنها فلا صَبْرَا )
( فإن يَكُ نَذْرٌ راجعاً أمَّ جَحْدَرٍ ... علي لقد أَوْذَمتُ في عُنُقي نَذْرَا )
( وإني لاستنشي الحديثَ من اجْلِها ... لأسمعَ منها وهي نازِحةٌ ذِكْرَا )
( وأني لأستحيي من الله أن أُرَى ... إذا غدَر الخُلاَّنُ أنوِي لها غَدْرَا )
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه قال أنشدني أبو داود لابن ميادة وهو يضحك منذ أنشدني إلى أن سكت
( ألم تَرَ أنْ الصارِدِيَّةَ جاورتْ ... لياليَ بالمَمْدور غيرَ كَثِيرِ )
(2/272)

( ثلاثاً فلمّا أن أصابتْ فؤادَه ... بسَهْمَيْن من كَحْلٍ دعتْ بهَجِيرِ )
( بأَصهَبَ يَرْمِي للزِّمام برأسِه ... كأنّ على ذِفْراه نَضْخَ عَبِيرِ )
( جلتْ إذ جلت عن أهل نجدٍ حَميدةً ... جَلاَء غنيٍّ لا جلاءَ فقيرِ )
( وقالت وما زادتْ على أن تبسّمتْ ... عَذِيرَكَ من ذي شَيْبةٍ وعَذِيري )
( عَدِمتُ الهوى ما يَبْرَح الدهرَ مُقْصِداً ... لقلبي بسَهْمٍ في اليدين طَرِيرِ )
( وقد كان قلبي مات للوَجْد مَوْتةً ... فقد هَمَّ قلبي بعدَها بِنَشَورِ ) قال فقلت ما أضحكك فقال كذب ابن ميادة والله ما جلت إلا على حمار وهو يذكر بعيرا ويصفه وأنها جلت جلاء غني لا جلاء فقير فأنطقه الشيطان بهذا كله كما سمعت
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني موسى بن زهير قال مكثت أم جحدر عند زوجها زمانا ثم مات زوجها عنها ومات ولدها منه فقدمت نجدا على إخوتها وقد مات أبوها
(2/273)

أخبرني سيار بن نجيح المزني قال لقيت ابن ميادة وهو يبكي فقلت له ويحك مالك قال أخرجتني أم جحدر وآلت يمينا ألا تكلمني فانطلق فاشفع لي عندها فخرجت حتى غشيت رواق بيتها فوجدتها وهي تدمك جريرا لها بين الصلاية والمدق تريد أن تخطم به بعيرا تحج عليه فقالت إن كنت جئت شفيعا لابن ميادة فبيتي حرام عليك أن تلقي فيه قدمك قال فحجت ولا والله ما كلمته ولا رآها ولا رأته
قال موسى قال سيار فقلت له اذكر لي يوما رأيته منها فقال لي أما والله لأخبرنك يا سيار بذلك بعثت إليها عجوزا منهم فقلت هل ترين من رجال فقالت لا والله ما رأيت من رجل فألقيت رحلي على ناقتي ثم أرسلتها حتى أنختها بين أطناب بيتهم ثم جعلت أقيد الناقة فما كان إلا ذاك حتى دخلت وقد ألقت لي فراشا مرقوما مطموما وطرحت لي وسادتين على عجز الفراش وأخريين على مقدمه قال ثم تحدثنا ساعة وكأنما تلعقني بحديثها الرب من حلاوته ثم إذا هي تصب في عس مخضوب بالحناء والزعفران من ألبان اللقاح فأخذت منها ذلك العس وكأنه قناة فراوحته بين يدي ما ألقمته فمي ولا دريت أنه معي حتى قالت لي عجوز ألا تصلي يابن مياد لا صلى الله عليك فقد أظلك صدر النهار ولا أحسب إلا أنني في أول البكرة قال فكان ذلك اليوم آخر يوم كلمتها فيه حتى زوجها أبوها وهو أظرف ما كان بيني وبينها
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني حكم بن
(2/274)

طلحة الفزاري ثم المنظوري قال
قال ابن ميادة أني لأعلم أقصر يوم مر بي من الدهر قيل له وأي يوم هو يا أبا الشرحبيل قال يوم جئت فيه أم جحدر باكرا فجلست بفناء بيتها فدعت لي بعس من لبن فأتيت به وهي تحدثني فوضعته علي يدي وكرهت أن أقطع حديثها أن شربت فما زال القدح على راحتي وأنا أنظر إليها حتى فاتتني صلاة الظهر وما شربت
قال الزبير وحدثني أبو مسلمة موهوب بن رشيد بمثل هذا وزاد في خبره وقال ابن ميادة فيها أيضا
( ألم تَرَ أنْ الصارِدِيَّةَ جاورتْ ... لياليَ بالمَمْدور غيرَ كَثِيرِ )
( ثلاثاً فلمّا أن أصابتْ فؤادَه ... بسَهْمَيْن من كَحْلٍ دعتْ بهَجِيرِ )
( بأَحْمرَ ذَيَّالِ العَسِيبِ مُفَرَّجٍ ... كأنّ على ذِفْراه نَضْخَ عَبِيرِ )
( حلفْتُ بِربِّ الراقصاتِ إلى مِنىً ... زَفِيفَ القَطَا يقطعْن بَطْنَ هَبِيرِ )
( لقد كاد حبُّ الصارِدِيَّةِ بعدما ... علا في سَوَاد الرأسِ نَبْذُ قَتِير )
( يكون سَفَاهاً أو يكونُ ضمانة ... على ما مضى من نعمةٍ وعَصَورِ )
(2/275)

( عدِمتُ الهوى لا يَبْرَحُ الدهرَ مُقْصِداً ... لقلبي بسهمٍ في الفؤاد طَرِيرِ )
( وقد كان قلبي مات للحبِّ موتةً ... فقد هَمَّ قلبي بعدها بنُشَورِ )
( جَلَتْ إذ جلت عن أهلِ َنْجد حميدةً ... جلاءَ غنيِّ لا جلاء فقيرِ ) ومما يغنى فيه من أشعار ابن ميادة في النسيب بأم جحدر قوله
صوت
( ألاَ يا لَقَوْمِي للهوى والتذكُّرِ ... وعينٍ قَذَى أنسانِها أمُّ َجْحَدِر )
( فلم تَرَ عينِي مثلَ قلبيَ لم يَطِرْ ... ولا كضلوعٍ فَوقَه لم تُكَسَرِ ) الغناء لإسحاق ثقيل أول بالوسطى
أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا حكيم ابن طلحة الفزاري عن رجل من كلب قال
جنيت جناية فغرمت فيها فنهضت إلى أخوالي بني مرة فاستعنتهم فأعانوني فأتيت سيار بن نجيح أحد بني سلمى بن ظالم فأعانني ثم قال انهض بنا إلى الرماح بن أبرد يعني ابن ميادة حتى يعينك فدفعنا إلى بيتين له فسألنا عنه فقيل ذهب أمس فقال سيار ذهب إلى أمة لبني سهيل فخرجنا في طلبه فوقعنا عليه في قرارة بيضاء بين حرتين وفي القرارة غنم من الضأن سود وبيض وإذا حمار مقيد مع الغنم وإذا به معها فجلسنا فإذا شابة حلوة صفراء في دراعة مورسة فسلمنا وجلسنا فقال أنشديهم مما قلت فيك شيئا فأنشدتنا
(2/276)

( يُمَنُّونَنِي منكِ اللقاءَ وإنني ... لأَعلمَ لا ألقاكِ من دونِ قَابِل ) ِ
( إلى ذاك ما حارتْ أمورُك وانجلتْ ... غَيَايةُ حُبِّيكِ انجلاء المَخَايل )
( إذا حَلَّ أهلِي بالجِنابِ وأهلُها ... بحيثُ التقَى الغُلاَّنِ من ذي أرائلِ )
( أقلْ خُلَّهٌ بانَتْ وأَدْبَر وصلُها ... تقطَّع منها باقياتُ الحَبَائِل )
( وحالتْ شهورُ الصيفِ بيني وبينها ... ورفعُ الأعادِي كلَّ حقٍّ وباطلِ )
( أقول لعَذَّالَيَّ لما تَقَابَلا ... عليّ بلَوْمٍ مثلِ طعنِ المَعَابِلِ )
( لا تُكْثِرا عنها السؤالَ فإنها ... مُصَلْصَلَةٍ من بعض تلك الصَّلاَصلِ )
( من الصُّفْرِ لا وَرْهاءُ سَمْجٌ دَلاَلُها ... وليستْ من الشُّودِ القِصَارِ الحَوائِلِ )
( ولكنها ريحانةٌ طال نَشْرُها ... وردتُ عليها بالضُّحَى والأَصَائِلِ ) ثم قال لها قومي فاطرحي عنك دراعتك فقالت لا حتى يقول لي سيار بن نجيح ذلك فأبى سيار فقال له ابن ميادة لئن لم تفعل لا قضيت حاجتكما فقال لها فقامت فطرحتها فما رأيت أحلى منها فقال له سيار فمالك يا أبا
(2/277)

الشرحبيل لا تشتريها فقال إذا يفسد حبها
ابن ميادة و ابن الجعد الخضري
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثتني مغيرة بنت أبي عدي بن عبد الجبار بن منظور بن زبان بن سيار الفزارية قالت أخبرني أبي قال
جمعني وابن ميادة و صخر بن الجعد الخضري مجلس فأنشدنا ابن ميادة قوله
( يُمَنُّونَنِي منكِ اللقاءَ وإنني ... لأَعلمَ لا ألقاكِ من دونِ قَابِل ) ِ فأقبل عليه صخر فقال له المحب المكب يرجو الفائت و يغم الطير و أراك حسن العزاء يا أبا الشرحبيل فأعرض عنه ابن ميادة قال أبو عدي فقلت
( صادَف دَرْءُ السَّيْلِ سيلاً يَرْدَعُهْ ... بهَضْبةٍ ترُدُّه و تَدْفَعُهْ ) و يروي درء السيل سيل فقال لي يا أبا عدي والله لا أتلطخ بالخضر مرتين و قد قال أخو عذرة
( هو العبدُ أَقصَى همِّه أن تسُبَّه ... وكان سِبَابُ الحرِّ أقصَى مدى العَبْدِ ) قال الزبير قوله يغم الطير يقول إذا رأى طيرا لم يزجرها مخافة أن يقع ما يكره
قال فلم يحر إليه صخر بن الجعد جوابا
يعني بقوله لا أتلطخ بالخضر مرتين مهاجاته الحكم الخضري وكانا تهاجيا زمانا ثم كف ابن ميادة وسأله الصلح فصالحه الحكم
(2/278)

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني أبو مسلمة موهوب بن رشيد عن عبد الرحمن بن الأحول التغلبي ثم الخولاني قال كان أول ما بدأ الهجاء بين ابن ميادة وحكم بن معمر الخضري أن ابن ميادة مر بالحكم بن معمر وهو ينشد في مصلى النبي في جماعة من الناس قوله
( لمن الديارُ كأنهّا لم تُعْمَرِ ... بين الكِنَاسِ وبين بُرْقِ مُحَجِّرِ ) حتى انتهى إلى قوله
( يا صاحبَيَّ ألم تَشِيمَا بارِقاً ... نُضِحَ الصُّرَادُ به فهَضْبُ المَنْحَرِ )
( قد بتُّ أَرْقُبُه وبات مصعِّداً ... نَهْضَ المقيَّد في الدَّهَاسِ المُوقَرِ ) فقال له ابن ميادة ارفع إلي رأسك أيها المنشد فرفع حكم إليه رأسه فقال له من أنت قال أنا حكم بن معمر الخضري قال فوالله ما أنت في بيت حسب ولا في أرومة شعر فقال له حكم و ماذا عبت من شعري عبت أنك أدهست وأوقرت قال له حكم ومن أنت أنا ابن ميادة قال ويحك ! فلم رغبت عن أبيك و انتسبت إلى أمك قبح الله والدين خيرهما ميادة أما و الله
(2/279)

لو وجدت في أبيك خيرا ما انتسبت إلى أمك راعية الضأن
وأما إدهاسي وإيقاري فإني لم آت خيبر إلا ممتارا لا متحاملا وما عدوت أن حكيت حالك وحال قومك فلو كنت سكت عن هذا لكان خيرا لك وأبقى عليك
فلم يفترقا إلا عن هجاء
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا عبد الله بن إبراهيم الجمحي قال حدثني عمر بن ضمرة الخضري قال
أول ما هاج الهجاء بين ابن ميادة وبين حكم بن معمر بن قنبر بن جحاش بن سلمة بن ثعلبة بن مالك بن طريف بن محارب قال والخضر ولد مالك بن طريف سموا بذلك لأن مالكا كان شديد الأدمة وكذلك خرج ولده فسموا والخضر أن حكما نزل بسمير بن سلمة بن عوسجة بن أنس بن يزيد بن معاوية بن ساعدة بن عمرو وهو خصيلة بن مرة
فأقبل ابن ميادة إلى حكم ليعرض عليه شعره وليسمع من شعره وكان حكم أسنهما فأنشدا جميعا جماعة القوم ثم قال ابن ميادة والله لقد أعجبني بيتان قلتهما يا حكم قال أو ما أعجبك من شعري إلا بيتان فقال والله لقد أعجباني يردد ذلك مرارا لا يزيده عليه فقال له حكم فأي بيتين هما قال حين تساهم بين ثوبيها وتقول
( فوالله ما أدرِي أَزِيدتْ مَلاحَةَ ... وحُسناً على النِّسوَان أم ليس لي عقْلُ )
( تساهَم ثوباها ففي الدِّرعِ غادَةٌ ... وفي المِرْط لفَّاوانِ رِدْفهُما عَبْلُ )
(2/280)

فقال له حكم أو ما أعجبك غير هذين البيتين فقال له ابن ميادة قد أعجباني فقال أو ما في شعري ما أعجبك غيرهما فقال لقد أعجباني فقال له حكم فإني سوف أعيب عليك قولك
( ولا برِح المَمْدور رَيّان مُخْصِباً ... وجِيدَ أَعالي شِعْبه وأسافلُهْ )
فاستسقيت لأعلاه وأسفله وتركت وسطه وهو خير موضع فيه فقال وأي شئ تريد تركته لا يزال ريان مخصبا
وتهاترا فغضب حكم فارتحل ناقته وهدر ثم قال
( فإِنّه يومُ قَرِيضٍ ورَجَزْ ... )
فقال رجل من بني مرة لابن ميادة اهدركما هدر يا رماح فقال إنما يغط البكر ثم قال الرماح
( فإِنّه يومُ قَرِيضٍ ورَجَزْ ... مَن كان منكم ناكِزاً فقد نَكْز )
( وبيَّن الطِّرْفُ النَّجِيب فَبَرَزْ ... )
قال يريد بقوله ناكزا غائضا قد نزف
ل الزبير وسمعت رجلا من أهل البادية ينزع على إبل له كثيرة من قليب ويرتجز
( قد نَكَزَتْ أنْ لم تكنْ خَسِيفَا ... أو يكنِ البحرُ لها حَلِيفَا )
أم جحدر تفضل ابن ميادة على الحكم وعملس
قال الزبير قال الجمحي قال عمير بن ضمرة فهذه أول ما هاج التهاجي
(2/281)

بينهما
قال الزبير قال الجمحي وحدثني عبد الرحمن بن ضبعان المحاربي قال كان ابن ميادة وحكم الخضري وعملس بن عقيل بن علفة متجاورين متحالين وكانوا جميعا يتحدثون إلى أم جحدر بنت حسان المرية وكانت أمها مولاة ففضلت ابن ميادة على الحكم وعملس فغضبا
وكان ابن ميادة قال في أم جحدر
( ألاَ ليت شِعْرِي هل إلى أمّ جَحْدَر ... سَّبيلٌ فإمّا الصَّبْرُ عنها فلا صَبرا )
( وياليت شِعْري هل يَحُلَّنّ أهلُها ... وأهلُكَ رَوْضاتٍ ببطن اللِّوَى خُضْرا ) وقال فيها أيضا
( إذا ركَدتْ شمسُ النهار ووضَّعَتْ ... طَنافِسَها ولَّينها الأعْيُنَ الخُزْرَا ) الأبيات فقال عملس بن عقيل وحكم الخضري يهجوانها وهي تنسب إلى حكم
( لاَ عُوفِيتْ في قبرها أمّ جَحْدَرٍ ... ولا لَقِيَتْ إلاّ الكَلالِيب والجَمْرَا )
( كما حادثتْ عبداً لئيماً وخِلْتُه ... مِن الزاد إلاّ حَشْوَ رَيْطاتهُ صِفْرا )
( فياليتَ شِعرِي هل رأت أمٌّ جَحْدَرٍ ... أكُشَّكَ أو ذاقت مَغابِنَك القُشْرَا )
( وهل أبصرتْ أَرْساغَ أَبْرَدَ أورأت ... قفا أمّ رَمَّاح إذا ما استقت دَفْرا )
(2/282)

( وبالغَمْر قد صَرّت لِقاحاً وحادثتْ ... عبيداً فَسلْ عن ذاك نَيّان بالغَمْرا ) وقال عملس بن عقيل بن علفة ويقال بل قالها علفة بن عقيل
( فلا تَضعا عنها الطنافَس إنّما ... يُقَصِّر بالمِرْماة مَن لم يكن صَقْرَا )
وزاد يحيى بن علي مع هذا البيت عن حماد عن أبيه عن جرير بن رباط وأبي داود قال يعرض بقوله من لم يكن صقرا بابن ميادة أي إنه هجين ليس من أبوين متشابهين كما الصقر
وبعده بيت آخر من رواية يحيى ولم يروه الزبير معه
( مُنَعَّمةُ لم تَلَقَ بؤساً وشِقْوةً ... بنجدٍ ولم يَكْشِف هجَينٌ لها سِتْرَا ) قالوا جميعا فقال ابن ميادة يهجو علفة
( أعُلَّفَ إنّ الصقر ليس بمُدْلِجٍ ... ولكنّه بالليل مُتَّخِذٌ وَكْرَا )
( ومُفْتَرِشٌ بين الجَنَاحين سَلْحَهْ ... إذا الليل ألقَى فوق خُرطومهِ كسْرَا )
( فإِنْ يكُ صقراً بعد ليلة أمّه ... وليلة جَحّافٍ فأُفٍّ له صقرا )
( تَشُدّ بكفَّيْها على جِذْل أَيْرِه ... إذا هي خافت من مَطيِتَّها نَفْرا ) يريد أن أم علفة من بني أنمار وكان أبوه عقيل بن علفة ضربها فأرسلت إلى رجل من بني أنمار يقال له جحاف فأتاها ليلا فاحتملها على جمل فذهب بها
وقال يحيى بن علي خاصة في خبره عن حماد عن أبيه عن أبي داود إن جحاف بن إياد كان رجلا من بني قتال بن يربوع بن غيظ بن مرة وكان يتحدث إلى امرأة عقيل ابن علفة وهي أم ابنه علفة بن عقيل ويتهم بها وهي امرأة من بني أنمار بن بغيض بن ريث بن غطفان يقال لها سلافة وكانت أحسن الناس وجها وكان
(2/283)

عقيل من أغير الناس فربطها بين أربعة أوتاد ودهنها بإهالة وجعلها في قرية نمل فمر بها جحاف بن إياد ليلا فسمع أنينها فأتاها فاحتملها حتى طرحها بفدك فاستعدت واليها على عقيل وقام عقيل من جوف الليل فأوقد عشوة ونظرها فلم يجدها ووجد أثرجحاف فعرفه وتبعه حتى صبح القرية وخنس جحاف عنها فأتى الوالي فقال إن هذه رأتني قد كبرت سني وذهب بصري فاجترأت علي وكان عقيل رجلا مهيبا فلم يعاقبه الوالي بما صنعه لموضعه من صهر بني مروان قال فعير ابن ميادة علفة بن عقيل بأمر جحاف هذا في قوله
( فإِنْ يكُ صقراً بعد ليلة أمّه ... وليلة جَحّافٍ فأُفٍّ له صقرا ) قال ولج الهجاء بينهما وقال فيه ابن ميادة وفي حكم الخضري وقد عاون علفة
( لقد رِكب الخُضْرِيُّ مِنّي وترْبُه ... على مَرْكَب من نابِيات المَراكِبِ ) وقال لعلفة
( يابنَ عَقِيل لا تكن كَذُوبَا ... أأن شَرِبتَ الحَزْرَ والحَلِيبا )
( من شَوْل زيد وشَمَمْتَ الطِّيبَا ... جَهْلاً تَجنّيتَ لِيَ الذنوبا ) قال ثم لم يلبثه ابن ميادة أن غلبه وهاج التهاجي بينه وبين حكم الخضري وانقطع عنه علفة مفضوحا قال وماتت أم جحدر التي كان ينسب بها ابن ميادة
(2/284)

على تفيئة ما كان بينه وبين علفة من المهاجاة ونعيت له فلم يصدق حتى أتاه رجل من بني رحل يقال له عمار فنعاها له فقال
( ما كنتُ أحسَب أن القوم قد صدقوا ... حتّى نعاها لِيّ الرَّحْليُّ عَمّارُ ) وقال يرثيها
( خَلتْ شُعَبُ المَمْدُور لستَ بواجدٍ ... به غيرَ بالٍ من عِضاهٍ وحَرْمَلِ )
( تمنّيتَ أنْ تَلْقَى به أمَّ جَحْدَرٍ ... وماذا تَمَنَّى من صَدىً تحتَ جَنْدَلِ )
( فَللْموتُ خيٌر من حياةٍ ذَميمةٍ ... ولَلْبُخلُ خيرٌ من عَناء مُطوّل )
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الله بن إبراهيم عن ساعدة ابن مرمىء وذكره إسحاق أيضا عن أصحابه
أن ابن ميادة وحكما الخضري تواعدا المدينة ليتواقفا بها فتواقفا بها وجاء نفر من قريش أمهاتهم من مرة إلى ابن ميادة فمنعوه من مواقفة حكم وقالوا أتتعرض له ولست بكفئه فيشتم أمهاتنا وأخوالنا وخالاتنا وهو رجل خبيث اللسان قال وكان حكم يسجع سجعا كثيرا فقال والله لئن واقفته لأسجعن به قبل المقارضة سجعا أفضحه به فلم يلقه
وذكر الزبير له سجعا طويلا غثا لا فائدة فيه لأنه ليس برجز منظوم ولا كلام فصيح ولا مسجع سجعا مؤتلفا كائتلاف القوافي إلا أن من أسلمه قوله والله لئن ساجعتني سجاعا لتجدني شجاعا للجار مناعا ولأجدنك هياعا للحسب مضياعا ولئن باطشتك بطاشا لأدهشنك إدهاشا ولأذقن منك مشاشا حتى يجيء بولك رشاشا وهذا من غث السجع ورذله وإنما ذكرته ليستدل به على ما هو دونه مما ألغيت ذكره قال
(2/285)

ورجز به فقال
( يا معدِنَ اللؤم وأنت جَبَلُه ... وآخرَ اللؤم وأنت أوّلُهْ )
( جاريتَ سَبَّاقاً بعيداً مَهَلُه ... كان إذا جارَى أباك يُفْشِلُهْ )
( فكيف ترجوه وكيف تأمُلُهْ ... وأنت شرُّ رجلٍ وأَنْذَلُهْ )
( ألأ مُه في مأزِقٍ وأجهلُهْ ... أدخله بيتَ المخازي مُدْخِلُهْ )
( فاللؤم سِرْبالٌ له يُسَرْبَلُهْ ... ثوباً إذا أَنْهَجه يُبَدَّلُهْ ) فأجابه حكم
( يا بنَ التي جيرانَها كانت تَضُرّ ... وتَتْبَعُ الشَّوْلَ وكانت تَمْتَصِرْ )
( كيف إذا مارسْتَ حُرّاً تنتصِرْ ... ) ولهما أراجيز كثيرة طويلة جدا أسقطتها لكثرتها وقلة فائدتها
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير عن عبد الله بن إبراهيم قال
أخبرني بعض من لقيت من الخضر أن حكما الخضري خرج يريد لقاء ابن ميادة بالرقم من غير موعد فلم يلقه إما لأنه تغيب عنه وإما لأنه لم يصادفه فقال حكم
( فَرّ ابنُ مَيَّادةَ الرَّقْطاءِ من حَكَم ... بالصُّغْرِ مثلَ فِرار الأَعْقد الدَّهِم )
(2/286)

( أصبحتَ في أْقُرٍ تَعْلُو أطاوِلَه ... تَفِرُّ منيّ وقد أصبحتُ بالرَّقَمِ )
وقال إسحاق في روايته عن أصحابه قال ابن ميادة يهجو حكما وينسب بأم جحدر
( يُمَنُّونَنِي منكِ اللقاءَ وإنني ... لأعلمُ لا ألقاكِ من دون قابِل )
وقد مضى أكثر هذه الأبيات متقدما فذكرت هاهنا منها ما لم يمض وهو قوله
( فياليتَ رَثَّ الوصلِ من أمّ جَحْدَرِ ... لنا بجديدٍ من أُولاكَ البَدَائلِ )
( ولم يَبْقَ مما كان بيني وبينها ... من الوُدِّ إلا مخْفَيَات الرسائلِ )
( وإني إذا استَنْبهتُ من حُلْوِ رَقْدةٍ ... رُمِيتُ بُحِّبيها كَرْميِ المُنَاضِلِ )
صوت
فما انْسَ مِ الأشياءِ لا أنسَ قولَها ... وأدمُعها يُذْرِينَ حَشْوَ المَكَاحِل )
( تمتّعْ بذا اليوم القصيرِ فإِنه ... رَهينٌ بأيام الدهور الأطاوِلِ ) الغناء في هذين البيتين لعلي بن يحيى المنجم ولحنه من الثقيل الثاني
( وكنتُ امرَأَ أَرْمِي الزوائلَ مرّةً ... فأصبحتُ قد ودّعتُ رميَ الزوائِل )
(2/287)

( وعطَّلتُ قوسَ اللهو من سَرَعانها ... وعْادتْ سِهَامِي بين رَثِّ وناصِلِ ) السرعان وتر يعمل من عقب المتن وهو أطول العقب
( إذا حَلَّ بَيْتِي بينْ بَدْرٍ ومازِنٍ ... ومُرَّة نِلْتُ الشمسَ واشتدّ كاهِلِي )
( يعني بدر بن عمرو بن جؤية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان ومرة ابن عوف بن سعد بن ذبيان ومرة بن فزارة ومازن بن فزارة
وهي طويلة
قال أبو الفرج الأصبهاني أخذ إسحاق الموصلي معنى بيت ابن ميادة في قوله
( نلتُ الشمسَ واشتدّ كاهلي ... ) فقال
( عطَسْتُ بأنفٍ شامخ وتناولتْ ... يَدَايَ الثريّا قاعداً غيرَ قائمِ )
ولعمري لئن كان استعار معناه لقد اضطلع به وزاد فاحسن وأجاد
وفي هذه القصيدة يقول
( فَضَلْنا قريشاً غيرَ رَهْطِ محمدٍ ... وغيرَ بني مروان أهلِ الفضائلِ )
قال يحيى بن علي وأخبرني علي بن سليمان بن أيوب عن مصعب وأخبرني به الحسن بن علي عن أحمد بن زهير عن مصعب قال
قال إبراهيم بن هشام بن إسماعيل لابن ميادة أنت فضلت قريشا وجرده فضربه أسواطا
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال
لما قال ابن ميادة
( فَضَلْنا قريشاً غيرَ رَهْطِ محمدٍ ... وغيرَ بني مروان أهلِ الفضائلِ )
(2/288)

قال له الوليد بن يزيد قدمت آل محمد قبلنا فقال ما كنت يا أمير المؤمنين أظنه يمكن غير ذلك قال فلما أفضت الخلافة إلى بني هاشم وفد ابن ميادة إلى المنصور ومدحه فقال له أبو جعفر لما دخل إليه كيف قال لك الوليد فأخبره بما قال فجعل المنصور يتعجب
ابن ميادة والحكم الخضري بعريجاء
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الله بن إبراهيم الجمحي قال حدثني العباس بن سمرة بن عباد بن شماخ بن سمرة عن ريحان بن سويد الخضري وكان راوية حكم بن معمر الخضري قال
تواعد حكم وابن ميادة عريجاء وهي ماءة يتواقفان عليها فخرج كل واحد منهما في نفر من قومه وأقبل صخر بن الجعد الخضري يؤم حكما وهو يومئذ عدو لحكم لما كان فرط بينهما من الهجاء في أركوب من بني مازن بن مالك بن طريف بن خلف بن محارب فلما لقيه قال له يا حكم أهؤلاء الذين عرضت للموت وهم وجوه قومك فوالله ما دماؤهم على بني مرة إلا كدماء جدايه فعرف حكم أن قول صخر هو الحق فرد قومه وقال لصخر قد وعدني ابن ميادة أن يواقفني غدا بعريجاء لأن أناشده فقال له صخر أنا كثير الإبل وكان حكم مقلا فإذا وردت إبلي فارتجز فإن القوم لا يشجعون عليك وأنت وحدك فإن لقيت الرجل نحر وأطعم فانحر وأطعم وإن أتيت على مالي كله
قال ريحان راويته فورد يومئذ عريجاء وأنا معه فظل على عريجاء ولم يلق رماحا ولم
(2/289)

يواف لموعده وظل ينشد يومئذ حتى أمسى ثم صرف وجوه إبل صخر وردها
وبلغ الخبر ابن ميادة وموافاة حكم لموعده فأصبح على الماء وهو يرتجز يقول
( أنا ابنُ مَيَّادة عَقّارُ الجُرُزْ ... كلِّ صَفِيَ ذاتِ نابٍ مُنْفَطِرْ ) وظل على الماء فنحر وأطعم
فلما بلغ حكا ما صنع ابن ميادة من نحره وإطعامه شق عليه مشقة شديدة
ثم إنهما بعد توافيا بحمى ضرية قال ريحان بن سويد وكان ذلك العام عام جدب وسنة إلا بقية كلأ بضرية
قال فسبقنا ابن ميادة يومئذ فنزلنا عى مولاة لعكاشة بن مصعب بن الزبير ذات مال ومنزلة من السلطان
قال وكان حكم كريما على الولاة هناك يتقى لسانه
قال ريحان فبينا نحن عند المولاة وقد حططنا براذع دوابنا إذا ركبان قد أقبلا وإذا نحن برماح وأخيه ثوبان ولم يكن لثوبان ضريب في الشجاعة والجمال فأقبلا يتسايران فلما رآهما حكم عرفهما فقال يا ريحان هذان ابنا أبرد فما رأيك أتكفيني ثوبان أم لا قال فأقبلا نحونا ورماح يتضاحك حتى قبض على يد حكم وقال مرحبا برجل سكت عنه ولم يسكت عني وأصبحت الغداة أطلب سلمه يسوقني الذئب والسنة وأرجو أن أرعى الحمى بجاهه وبركته ثم جلس إلى جنب حكم وجاء ثوبان فقعد إلى جنبي فقال له حكم أما ورب المرسلين يا رماح لولا أبيات جعلت
(2/290)

تعتصم بهن وترجع إليهن يعني أبيات ابن ظالم لاستوسقت كما استوسق من كان قبلك
قال ريحان وأخذا في حديث أسمع بعضه ويخفى علي بعضه فظللنا عند المرأة وذبح لنا وهما في ذلك يتحادثان مقبل كل واحد منهما على صاحبه لا ينظران شدنا حتى كان العشاء فشددنا للرواح نؤم أهلنا فقال رماح لحكم يا أبا منيع وكانت كنية حكم قد قضيت حاجتك وحاجة من طلبت له من هذا العامل وإن لنا إليه حاجة في أن يرعينا فقال له حكم قد والله قضيت حاجتي منه وإني لأكره الرجوع إليه وما من حاجتك بد ثم رجع معه إلى العامل فقال له بعد الحديث معه إن هذا الرجل من قد عرفت ما بيني وبينه وقد سأل الصلح وأناب إليه فأحببت أن يكون ذلك على يدك وبمحضرك
قال فدعا به عامل ضرية ول هل لك حاجة غير ذلك قال لا والله ونسي حاجة رماح فأذكرته إياها فرجع فطلبها واعتذر بالنسيان
ف العامل لابن ميادة ما حاجتك فقال ترعيني عريجاء لا يعرض لي فيها أحد فأرعاه إياها
فأقبل رماح على حكم فقال جزاك الله خيرا يا أبا منيع فوالله لقد كان ورائي من قومي من يتمنى أن يرعى عريجاء بنصف ماله
قال فلما عزما على الانصراف ودع كل واحد منهما صاحبه وانصرفا راضيين
وانصرف ابن ميادة إلى قومه فوجد بعضهم قد ركب إلى ابن هشام فاستغضبه على حكم في قوله
( وما ولدتْ مُرِّيَّةٌ ذاتَ ليلةٍ ... من الدهرِ إلا زاد لؤماً جَنِينهُا ) فأطرده وأقسم لئن ظفر به ليسرجنه وليحملن عليه أحدهم
فقال رماح وساءه ما صنعوا عمدتم إلى رجل قد صلح ما بيني وبينه وأرعيت بوجهه فاستعديتم عليه وجئتم بإطراده وبلغ الحكم الخبر فطار إلى الشأم فلم يبرحها حتى مات
(2/291)

قال العباس بن سمرة مات بالشأم غرقا وكان لا يحسن العوم فمات في بعض أنهارها
قال وهو وجهه الذي مدح فيه أسود بن بلال المحاربي ثم السوائي في قصيدته التي يقول فيها
( واستيقنتْ أن لا بَرَاحَ من السُّرَى ... حتى تُنَاخَ بأَسْوَدَ بنِ بِلاَلِ )
( قَرْمٌ إذا نَزل الوُفودُ ببابه ... سَمَتْ العيونُ إلى أَشَمَّ طُوَالِ )
مناقضات حكم وابن ميادة
ولحكم الخضري وابن ميادة مناقضات كثيرة وأراجيز طوال طويت ذكر أكثرها وألغيته وذكرت منها لمعا من جيد ما قالاه لئلا يخلو هذا الكتاب من ذكر بعض ما دار بينهما ولا يستوعب سائره فيطول
فمما قاله حكم في ابن ميادة قوله
( خَلِيليّ عُوَجَا حَيِّيَا الدارَ بالجَفْرِ ... وقُولاَ لها سَقْياً لعَصْرِكِ من عَصْرِ )
( وماذا تُحَيِّي من رُسُومٍ تلاعبتْ ... بها حَرْجَفٌ تَذْرِي بأذيالِها الكُدْرِ ) ومن جيد قوله فيها يفتخر
( إذا يِبِسَت عِيْدانُ قومٍ وجدتَنا ... وعِيدَانُنَا تُغْشَى على الوَرَق الخُضْرِ )
( إذا الناسُ جاؤوا بالقُرُوم أتيتُهم ... بَقْرم يُساوي رأسُه غُرَّةَ البدرِ )
( لنا الغَوْرُ والأَنْجاد والخَيْلُ والقَنَا ... عليكم وأيامُ المَكَارِمِ والفخرِ ) ومن جيد هجائه قوله
( فيا مُرّ قد أخزاكِ في كلِّ موطنٍ ... من اللؤم خَلاَّتٌ يزِدْنَ على العَشْر )
(2/292)

( فمنهنّ أنّ العبدَ حامي ذِمَارِكم ... وبئس المحامي العبدُُ عن حَوْزة الثَّغْرِ )
( ومنهنّ أن لم تمسَحُوا وجهَ سابقٍ ... جَوَادٍ ولم تأتوا حَصَاناً على طُهْرِ )
( ومنهنَّ أن الميْتَ يُدْفَن منكمُ ... فَيَفْسُو على دُفَّانه وهو في القبرِ )
( ومنهنّ أن الجارَ يسكُن وَسْطَكم ... بريئاً فيُلْقَى بالخيانةِ والغَدْر )
( ومنهنّ أن عُذْتُم بأَرْقَطَ كَوْدَنٍ ... وبئس المحامي أنت يا ضَرْطةَ الجَفْرَ )
( ومنهنّ أن الشيخ يوجَدُ منكُم ... يَدِبُّ إلى الحاراتِ مُحْدَوْدِب الظهرِ )
( تَبيت ضِبَابُ الضِّغْنِ تَخْشَى احتراشَها ... وإن هي أمستْ دونها ساحلُ البحرِ )
فأجابه ابن ميادة بقصيدة طويلة منها قوله مجيبا له عن هذه الخصال التي سبهم بها
( لقد سَبقتْ بالمُخْزِيات مُحَارِبٌ ... وفازَت بَخلاَّتٍ على قومِها عَشْرِ )
( فمنهنّّ أن لم تَعْقِروا ذاتَ ذِرْوةٍ ... لحقٍّ إذا ما احْتِيج يوماً إلى العَقْرِ )
( ومنهنّ أن لم تمسَحُوا عربيّةً ... من الخَيْل يوماً تحت جُلَّ على مُهْرِ )
(2/293)

( ومنهنّ أن لم تضرِبوا بسيوفكم ... جَمَاجِمَ إلا فَيْشَلَ القُرّحِ الحُمْر )
( ومنهنّ أن كانت شيوخُ محارِب ... كما قد علمتم لا تِريشُ ولا تَبْرِي )
( ومنهنّ أخزى سَوءةٍ لو ذكرتُها ... لكنتم عبيداً تخدُمون بني وَبْرِ )
( ومنهنّ أن الضأن كانت نساءَكم ... إذا اخضرَّ أطرافُ الثْمَام من القَطْرِ )
( ومنهنّ أن كانت عجوزُ مُحَارِبٍ ... تُرِيغ الصِّبَا تحت الصَّفِيح من القَبْرِ )
( ومنهنّ أَنْ لو كان في البحر بعضُكُمْ ... لخبَّثَ ضَاحِي جِلْدِهِ حَوْمةَ البحرِ ) ومما قاله ابن ميادة في حكم قوله من قصيدة أولها
( ألا حَيِّيَا الأطلالَ طالتْ سِنِينُها ... بحيثُ التقتْ رُبْدُ الجِنَاب وعِينُها ) ويقول فيها
( فلمّا أتاني ما تقولُ مُحارِبٌ ... تغنَّتْ شياطيني وجُنَّ جُنُونُها )
( ألم تَرَ أنَّ اللهَ غَشَّى مُحارِباً ... إذا اجتمعَ الأقوامُ لوناً يَشِينُها )
( ترى بوجوه الخُضْر خُضْرِ مُحارِبٍ ... طوابعَ لؤم ليسَ يْنَفَتُّ طِينُها )
( لقد سَاهَمَتْناكُمْ سُليمٌ وعامرٌ ... فَضمِنْاهُمُ إنّا كذاك نَدِينُها )
( فصارتْ لنا أهلُ الضَّئين مُحَارِبٌ ... وصارتْ لهم جَسْرٌ وذاكَ ثَمينُها )
(2/294)

( إذا أخذتْ خُضْريَّةٌ قائمَ الرحَى ... تَحَرَّكُ قُنباها فطارَ طَحِينُها )
( وما حَمَلْت خُضْريَّةٌ ذاتِ ليلةٍ ... من الدهر إلاّ ازدادَ لؤما جَنِينُها )
فقال حكم يجيبه عن هذه بقصيدته
( لأنتَ ابنُ أَشبانيّةٍ أدلجتْ به ... إلى اللّؤمِ مِقْلاتٍ لئيمٍ جَنِينُها )
( فجاءتْ بَروَّاثٍ كأنّ جَبِينَه ... إذا ما صَغَا في خِرْقَتَيها جَبِينُها )
( فما حَمَلتْ مُرِّيّة قطُّ ليلةً ... من الدهر إلاّ ازداد لؤماً جَنِينُها )
( وما حَمَلتْ إلا لألأمِ مَنْ مَشَى ... ولا ذُكرتْ إلاّ بأمرٍ يَشِينها )
( تزوّجُ عثوانُ الضَّئينَ وتَبْتَغِي ... بها الدَّرَّ لا دَرَّتْ بخيرٍ لبَوُنها )
( أظنَّتْ بنو عثوان أن لستُ شاتماً ... بشَتْمِي وبعضُ القوم حَمْقَى ظُنُونُها )
( مَدَانِيسُ أبرامٌ كأنّ لِحَاهُمُ ... لِحَى مُسْتَهِباتٍ طِوَالٍ قُرُونُها )
قال الزبير فحدثني موهوب بن رشيد قال فسمع هذه القصيدة أحد بني قتال بن مرة فقال ماله أخزاه الله يهجو صبيتنا قال وهم أجفى قوم غضبا لصبيتهم وقد هجاهم بما هجاهم به
قال وبلغ إبراهيم بن هشام قوله في نساء بني مرة إذ يقول
( وما حَمَلتْ إلا لألأم مَنْ مَشَى ... )
فغضب ثم نذر دمه فهرب من الحجاز إلى الشأم فمات بها
(2/295)

أخبرني الحرمي بن ابي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن ضبعان الخضري قال
لقي ابن ميادة صخر بن الجعد الخضري فقال له يا صخر أعنت علي ابن عمك الحكم بن معمر فقال له صخر لا والله يا أبا الشرحبيل ما أعنته عليك ولكن خيل إليك ما كان يخيل إلي ولقد هاجيته فكنت أظن أن شجر الوادي يعينه علي
ومن جيد قول ابن ميادة في حكم قصيدته التي أولها
صوت
( لقد سبَقَتْك اليومَ عَيْناك سَبْقَةً ... وأبكاكَ من عهد الشباب ملاعُبْه )
( فوالله ما أَدرِي أيَغلِبُني الهَوَى ... إذا جَدَّ جِدُّ البَيْن أم أنا غالبُهْ )
( فإن أستطِعْ أغلِبْ وإن يَغلِب الهَوَى ... فمثلُ الذي لاقيتُ يُغْلَبُ صاحبُهْ )
في هذه الأبيات غناء ينسب يقول فيها في هجاء حكم
( لقد طالَ حَبْسُ الوَفْدِ وَفْدِ مُحَارِبٍ ... عن المجدلم يَأْذَنْ لهم بَعْدُ حاجِبُهْ )
( وقال لهم كُرُّوا فلستُ بآذنٍ ... لكم أبداً أو يُحْصِيَ التُّرْبَ حاسِبُهْ )
وهي قصيدة طويلة
منزلة ابن ميادة عند الوليد
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني جلال بن عبد العزيز المري ثم الصاردي عن أبيه
قال جلال وقد رأيت ابن ميادة في بيت أبي قال قال لي ابن ميادة وصلت أنا والشعراء إلى الوليد بن يزيد وهو خليفة
وكان مولى من موالي خرشة
(2/296)

يقال له شقران يعيب ابن ميادة ويحسده على مكانه من الوليد فلما اجتمعت الشعراء قال الوليد بن يزيد لشقران يا شقران ما علمك في ابن ميادة قال علمي فيه يا أمير المؤمنين أنه
( لئيمٌ يُبَارِي فيه أَبْردُ نَهْبلا ... لئيمٌ أتاه اللؤمُ من كلّ جانبِ )
فقال الوليد يا ابن ميادة ما علمك في شقران قال علمي يا أمير المؤمنين أنه عبد لعجوز من خرشة كاتبته على أربعين درهما ووعدها أو قال وعدته أن تجيزه بعشرين درهما فقبضته إياها فأغنه عني يا أمير المؤمنين فليس له أصل فأحتفره ولا فرع فاهتصره فقال له الوليد اجتنبه يا شقران فقد أبلغ إليك في الشتيمة فقصر صقران صاغرا ثم أنشدته فأقيمت الشعراء جميعا غيري وأمر لي بمائة لقحة وفحلها وراعيها وجارية بكر وفرس عتيق فاختلت ذلك اليوم وقلت
( أعطيْتَنِي مائةً صُفْرا مَدَامِعُها ... كالنخل زَيَّنَ أعلَى نَبْتِهِ الشَّرَبُ )
ويروى
( كأنها النخلُ رَوَّى نَبْتَها الشَّرَبُ ... )
( يَسُوقُها يافع جَعْدٌ مفارقُهُ ... مثْلُ الغُرَاب غَذَاه الصَّرُّ والحَلَبُ )
(2/297)

( وذا سَبِيبٍ صُهَيْبِيّاً له عُرُفٌ ... وهَامَةٌ ذاتُ فَرْقٍ نَابُها صَخِبُ )
لم يذكر الزبير في خبره غير هذه الأبيات الثلاثة وهي من قصيدة للرماح طويلة يمدح فيها الوليد بن يزيد وقد أجاد فيها وأحسن وذكرت من مختارها هاهنا طرفا وأولها
( هل تَعرفُ الدارَ بالعَلْياء غَيَّرَها ... سَافِي الرِّياحِ ومُسْتَنٌّ له طُنُبُ )
( دارٌ لبيضاءَ مُسْوَدٌّ مسائحُها ... كأنّها ظَبْيَةٌ تَرْعَى وتَنْتَصبُ )
المسائح ما بين الأذن إلى الحاجب من الشعر وتنتصب تقف إذا ارتاعت منتصبة تتوجس
( تحنُو لأكْحَلَ ألْقَتْهُ بمَضيْعَةٍ ... فقَلْبُها شَفَقاً من حَوْلِه يَجِبُ ) يقول فيها
( يا أطيبَ الناسِ ريقاً بعدَ هَجْعَتها ... وأملحَ الناسِ عَيْنَاً حينَ تَنْتَقِبُ )
( ليستْ تجودُ بنَيْلٍ حينَ أسألها ... ولستُ عندَ خَلاء اللَّهو أَغتصبُ )
( في مرْفَقَيْها إذا ما عُونِقَتْ جَمَم ... على الضَّجِيعِ وفي أنيابها شَنَبُ )
( وليلةٍ ذاتِ أهوالٍ كواكِبُها ... مثلُ القناديلِ فيها الزَّيتُ والعُطُبُ )
(2/298)

( قد جُبْتُها جَوْبَ ذي المِقْراضِ مْمَطَرًة ... إذا استوى مُغْفَلاتُ البِيدِ والَحَدب )
( بِعَنْتَرِيس كأن الدَّبْرَ يَلْسَعُها ... إذا تَرَنَّمَ حادٍ خَلْفَها طَرِبُ )
( إلى الوليد أبي العبّاس ما عجِلتْ ... ودونَه المُعْطُ من لُبْنانَ والكُثُبُ ) وبعد هذا البيت قوله
( أعطيتَني مائةً صُفْراً مَدامِعُها ... ) الخ
( لمّا أتيتُك مِن نَجْدٍ وساكنِه ... نَفحتَ لي نَفْحَةً طارتْ بها العَرَبُ )
( إنّي امرُؤٌ أعتفِي الحاجاتِ أطلُبُها ... كما اعتَفى سَنِقٌ يُلْقَى له العُشُبُ ) السنق الذي قد شبع حتى بشم يقول أطلب الحاجة بغير حرص ولا كلب كما يعتفي هذا البعير البشم من غير شره ولا شدة طلب
( ولا أُلِحَ على الخُلاّن أَسألُهم ... كما يُلِحّ بعظْم الغارب القَتَبُ )
(2/299)

( ولا أُخادع نَدْمانِي لأخدَعَه ... عن ماله حين يََسْتَرْخِي به اللَّبَبُ )
( وأنت وابناك لم يوجد لك مَثَلٌٌ ... ثلاثة كلّهم بالتاج مُعْتَصِبُ )
( الطيّبون إذا طابتْ نفوسُهُم ... شُوسُ الحواجب والأبصار إنْ غَضِبُوا )
( قِسنِي إلى شُعراء الناسِِ كلِّهِم ... وادعُ الرُّواة إذا ما غَبّ ما اجتَلَبُوا )
( إنّي وإن قال أقوام مَديحُهُم ... فأَحسنوه وما حابوا وما كَذَبوا )
( أَجرِي أمامَهُم جَرْيَ امرء فَلَج ... عِنانُه حين يَجْري ليس يَضْطرِبُ )
اشتداد الهجاء بين ابن ميادة وشقران
أخبرني يحيى بن علي قال أخبرنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال أخبرني أبو الحسن أظنه المدائني قال أخبرني أبو صالح الفزاري قال
أقبل شقران مولى بني سلامان بن سعد هذيم أخي عذرة بن سعدا بن هذيم قال وهذيم عبد حبشي كان حضن سعدا فغلب عليه وهو ابن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة من اليمامة ومعه تمر قد امتاره فلقيه ابن ميادة فقال له ما هذا معك قال تمر امترته لأهلي يقال له زب رباح فقال له ابن ميادة يمازحه
( كأنّك لم تَقْفُلُ لأهلك تَمْرةً ... إذا أنت لم تَقْفُل بزُبِّ رُبَاحِ )
(2/300)

فقال له شقران
( فإِنْْ كان هذا زُبَّه فانطلق به ... إلى نِسْوةِ سُودِ الوُجوه قِباحِ ) فغضب ابن ميادة وأمضه وأنحى عليه بالسوط فضربه ضربات وانصرف مغضبا فكان ذلك سبب الهجاء بينهما
قال حماد عن أبيه وحدثني أبو علي الكلبي قال
اجتمع ابن ميادة وشقران مولى بني سلامان عند الوليد بن يزيد فقال ابن ميادة يا أمير المؤمنين أتجمع بيني وبين هذا العبد وليس بمثلي في حسبي ولا نسبي ولا لساني ولا منصبي فقال شقران
( لَعَمْرِي لئن كنت ابن شَيْخي عشيرتي ... هِرَقْلٍ وكِسْرى ما أُرانِي مُقَصِّرا )
( وما أَتمنَّى أنْ أكون ابن نزوةٍ ... نَزَاها ابن أرْضٍ لم تجِدْ مُتَمهرّا )
( على حائلٍ تَلْوِي الصِّرار بكَفِّها ... فجاءتْ بخَوَّارٍ إذا عُضّ جَرْجرا )
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار وأخبرنا يحيى بن علي عن أبي أيوب المديني عن زبير قال حدثني جلال بن عبد العزيز وقال يحيى بن خلاد عن أبي أيوب بن عبد العزيز قال
استأذن ابن ميادة على الوليد بن يزيد وعنده شقران مولى قضاعة فأدخله في صندوق وأذن لابن ميادة فلما دخل أجلسه على الصندوق واستنشده هجاء شقران
(2/301)

فجعل ينشده ثم أمر بفتح الصندوق فخرج عليه شقران وجعل يهدر كما يهدر الفحل ويقول
( سأَكْعَمُ عن قُضاعةَ كَلْبَ قيسٍ ... عَلى حَجَرٍ فيُنْصِتُ للكَعامُ )
( أسيرُ أمامَ قَيْسٍ كلَّ يومٍ ... وما قيسٌ بسائرةٍ أمامي ) وقال أيضا وهو يسمع
( إنّي إذا الشُعراءُ لاقَى بعضُهُمْ ... بعضاً ببَلْقَعةٍ يريد نِضالهَا )
( وقَفوا لمُرْتَجِزِ الهدير إذا دنتْ ... منه البِكارة قطَّعَتْ أبوالَها )
( فتركتهُمْ زُمَراً تَرَمَّزُ باللِّحى ... منها عَنَافِقُ قد حَلقتُ سِبالهَا ) فقال له ابن ميادة يا أمير المؤمنين اكفف عني هذا الذي ليس له أصل فأحفره ولا فرع فأهصره فقال الوليد أشهد أنك قد جرجرت كما قال شقران
( فجاءتْ بخوّار إذا عُضّ جرجرا ... )
قال يحيى في خبره واجتمع ابن ميادة وعقال بن هاشم بباب الوليد بن
(2/302)

يزيد و كان عقال شديد الرأي في اليمين فغمز عقال ابن ميادة واعتلاه فقال ابن ميادة
( فَجرْنا ينابيع الكلام و بَحْرَهُ ... فأصبحَ فيه ذو الرِّوايه يَسْبَحُ )
( وما الشِّعرُ إلاّ شعرُ قيس وخِنْدِفٍ ... وقوْل سِواهم كُلْفَةٌ و تملُّحُ ) فقال عقال يجيبه
( ألاَ أبْلِغ الرَّمَّاح نقْضَ مَقالةٍ ... بها خَطِلَ الرَّمَّاحُ أو كان يَمْزَحُ )
( لئن كان في قيسٍ وخِنْدَفَ أَلْسُنٌ ... طِوالٌ وشِعْرٌ سائرُ ليس يُقْدَحُ )
( لقد خَرق الحيُّ اليمانون قبلَهمْ ... بحورَ الكلام تُسْتَقي وهي تَطْفَحُ )
( وهُمْ عَلَّموا مَنْ بعدَهم فتعلّموا ... وهُمْ اعربوا هذا الكلامَ وأوضحوا )
( فللسابقين الفضلُ لا يُجْحَدُونه ... و ليس لمَخْلوقٍ عليهم تبجُّحُ )
الحنين إلى الوطن
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا جلال بن عبد العزيز عن أبيه قال حدثني ابن ميادة قال قلت وأنا عند الوليد بن يزيد بأباين وهو موضوع كان الوليد ينزله في الربيع
(2/303)

( لَعمْرُك إني نازلٌ بأَبايِنٍ ... لصَوْءَرَ مشتاقٌ وإِن كُنْتُ مُكْرَما )
( أبِيتُ كأنّي أرمَدُ العين ساهرٌ ... إذا بات أصحابي من الليل نُوَّما ) قال فقال لي الوليد يا بن ميادة كأنك غرضت من قربنا فقلت ما مثلك يا أمير المؤمنين يغرض من قربه ولكن
( ألا لَيتَ شِعرِي هل أبيتنّ ليلةً ... بحرّةِ ليلَى حيث رَبَّتني أهلي )
( وهل أَسمعَنّ الدهرَ أصواتَ هَجْمَةٍ ... تَطَالعُ من هَجْلٍ خَصيبٍ إلى هَجْلِ )
( بلادٌ بها نِيطَتْ عليّ تَمائِمي ... وقُطِّعَن عنيِّ حينَ أدركنِي عَقْلِي )
( فإِنْ كُنتَ عن تلك المواطنِ حابِسِي ... فأَيْسِرْ عليَّ الرزق واجمَع إذاً شَمْلي ) فقال كم الهجمة مائة ناقة فقال قد صدرت بها كلها عشراء
قال ابن ميادة فذكرت ولدانا لي بنجد إذا استطعموا الله عز و جل أطعمهم و أنا و إذا استسقوه سقاهم الله وأنا وإذا استكسوه كساهم الله وأنا فقال يا بن ميادة وكم ولدانك فقلت سبعة عشر منهم عشرة نفر وسبع نسوة فذكرت ذلك منهم فأخذ بقلبي فقال يا بن ميادة قد أطعمهم الله وأمير المؤمنين وسقاهم الله وأمير المؤمنين وكساهم الله وأمير المؤمنين أما النساء فأربع حلل مختلفات الألوان
(2/304)

وأما الرجال فثلاث حلل مختلفات الألوان و أما السقي فلا أرى مائة لقحة إلا سترويهم فإن لم تروهم زدتهم عينين من الحجاز قلت يا أمير المؤمنين لسنا بأصحاب عيون يأكلنا بها البعوض و تأخذنا بها الحميات قال فقد أخلفها الله عليك كل عام لك فيه مثل ما أعطيتك العام مائة لقحة و فحلها وجارية بكر وفرس عتيق
وأخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني شداد بن عقبة عن عبد السلام بن القتال قال
عارضني ابن ميادة فقال أنشدني يابن القتال فأنشدته
( ألاَ ليت شعري هل أبيتَنّ ليلةً ... بصحراءَ مَا بين التَّنُوفة والرّمْلِ )
( وهل أزجُرنّ العيسَ شاكيَة الوَجى ... كما عَسَلَ السِّرحانُ بالبلد المَحْلِ )
( وهل أسْمَعَنَّ الدهرَ صوتَ حمامةٍ ... تُغَنّي حمَاماتٍ على فَنَنٍ جَثْلِ )
( وهل أشرَبنّ الدهر مُزْنَ سحابةٍ ... على ثَمِد الأفعاة حاضرُه أهلي )
( بلادٌ بها نيطتْ عليّ تمائِمي ... وقُطِّعَن عنِّي حين أدركني عقْلي )
(2/305)

قال فأتاني الرواة بهذا البيت وقد اصطرفه ابن ميادة وحده
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم قال حدثني رجل من كلب وأخبرني يحيى بن علي بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي علي الكلبي قال
أمر الوليد بن يزيد لابن ميادة بمائة من الإبل من صدقات بني كلب فلما أتى الحول أرادوا أن يبتاعوها له من الطرائد وهي الغرائب وأن يمسكوا التلاد فقال ابن ميادة
( ألم يَبْلُغْكَ أنّ الحيّ كلباً ... أرادوا في عطيّتكَ ارتدادا )
( وقالوا إنّها صُهْب ووُرْقٌ ... وقد أَعطيتَها دُهْماً جِعادا ) فعلموا أن الشعر سيبلغ الوليد فيغضبه فقالوا له انطلق فخذها صفرا جعادا
رثاء الوليد
وقال يحيى بن على في روايته لما قتل الوليد بن يزيد قال ابن ميادة يرثيه
( ألاَ يا لهْفَتَيّ على وليدٍ ... غداةٌ أصابه القَدَرُ المُتاحُ )
(2/306)

( ألاَ أبكي الوليد فتى قُرَيْشٍ ... وأسمَحها إذا عُدّ السِّماحُ )
( وأجبَرها لذي عَظْمٍ مَهِيضٍ ... إذا ضنّت بِدرتها اللِّقَاحِ )
( لقد فعلَتْ بنو مَرْوانَ فِعْلاً ... وأمراً ما يسوغ به القَرَاحُ ) قال يحيى وغنى فيه عمر الوادي ولم يذكر طريقة غنائه
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد بن زهير بن مضرس الفزاري عن أبيه قال
أخصب جناب الحجاز الشامي فمالت لذلك الخصب بنو فزارة وبنو مرة فتحالوا جميعا به
فبينا ذات يوم أنا وابن ميادة جالسان على قارعة الطريق عشاء إذا راكبان يوجفان راحلتين حتى وقفا علينا فإذا أحدهما بحر الريح وهو عثمان بن عمرو بن عثمان بن عفان معه مولى له فنسبنا وانتسب لنا وقد كان ابن ميادة يعللني بشعره فلما انقضى كلامنا مع القرشي ومولاه استعدت ابن ميادة ما كنا فيه فأنشدني فخرا له يقول فيه
( وعلى المُلَيْحَة من جَذِيمةَ فِتْيةٌ ... يتمارضُون تمارضَ الأُسْدِ )
( وتَرى الملوكَ الغُرّ تحت قِبابهم ... يمشُون في الحَلْقَات والقِدِّ )
(2/307)

قال فقال له القرشي كذبت قال ابن ميادة أفي هذا وحده أنا والله في غيره أكذب فقال له القرشي إن كنت تريد في مديحك قريشا فقد كفرت بربك ودفعت قوله ثم قرأ عليه ( لإ يلا ف قريش ) حتى أتى على آخرها ونهض هو ومولاه وركبا راحلتيهما فلما فاتا أبصارنا قال ابن ميادة
( سمِينُ قريشٍ مانعٌ منكَ نفسَهُ ... وغَثُّ قريشٍ حيث كان سمينُ )
هجاء بني حميس
( أخبرنا يحيى بن علي عن حماد عن أبيه عن أبي الحارث المري قال
كان ابن ميادة قد هاجى سنان بن جابر أحد بنى حميس بن عامر بن جهينة ابن زيد بن ليث بن سود بن أسلم فقال ابن ميادة له فيما قال من هجائه
( لقد طالما عَلّلتَ حُجْراً وأهلَه ... بأعراض قيسٍ يا سنانُ بن جابِر )
( أأهجُو قُرَيْشاً ثم تكرهَ رِيبتي ... ويَسرِقُنِي عِرْضِي حُمَيْسُ بَنُ عامِر ) قال وقال فيهم أيضا
( قِصار الخُطَى فُرْق الخُصَى زُمَرُ اللِّحَى ... كأنّهُم ظِرْبَى اهْتَرشْنَ على لَحمْ )
( ذكرتُ حَمَام القَيْظ لما رأيتُهم ... يُمَشُّون حَوْلي في ثيابهم الدُّسمِ )
( وتُبْدِي الحُمَيْسيَّاتُ في كلّ زِينِةٍ ... فُروجاً كآثار الصِّغار من البَهْمِ )
(2/308)

قال ثم إن ابن ميادة خرج يبغي إبلا له حتى ورد جبارا وهو ماء لحميس بن عامر فأتى بيتا فوجد فيه عجوزا قد أسنت فنشدها إبله فذكرتها له وقالت ممن أنت قال رجل من سليم بن منصور فأذنت له وقالت ادخل حتى نقريك وقد عرفته وهو لا يدري فلما قرته قال ابن ميادة وجدت ريح الطيب قد نفح علي من البيت فإذا بنت لها قد هتكت الستر ثم استقبلتني وعليها إزار أحمر وهي مؤتزرة به فأطلقته وقالت انظر يا بن ميادة الزانية أهذا كما نعت فلم أر امرأة أضخم قبلا منها فقالت أهذه كما قلت
( وتُبْدِي الحُمَيْسيَّاتُ في كلّ زِينِةٍ ... فُروجاً كآثار الصِّغار من البَهْمِ ) قال قلت لا والله يا سيدتي ما هكذا قلت ولكن قلت
( وتُبْدِي الحُمَيْسيَّاتُ في كلّ زِينِةٍ ... فُروجاً كآثار المُقَيْسرَةِ الدُّهْمِ ) وانصرف يتشبب بها فذلك حين يقول
( نَظَرْنا فهاجَتْنا على الشّوْق والهَوَى ... لزينبَ نارٌ أُوقِدَتْ بجُبَارِ )
( كأنّ سنَاها لاحَ لي من خَصَاصةٍ ... على غير قَصْدٍ والمَطِيُّ سَوَارِي )
( حُمَيسيّةٌ بالرملتين مَحلُّها ... تَمُدّ بحِلْفٍ بيننا وجِوَارِ )
قال أبو داود وكانت بنو حميس حلفاء لبنى سهم بن مرة ثم للحصين بن
(2/309)

الحمام وتمد وتمت واحد
رجع إلى الشعر
( تُجاوِر من سهْمِ بن مُرّة نِسوةٍ ... بمُجْتَمَع النقبين غير عَوِاري )
( نواعمَ أبكَاراً كأنّ عيونَها ... عيونُ ظِباءٌ أو عيونُ صُوارِ )
( كأنّا نراها وهي منّا قريبةٌ ... على متْن عصْماءِ اليَدَيْنِ نَوارِ )
( تَتَبّعُ من حِجْر ذُرا مُتَمَنِّع ... لها مَعْقِلٌ في رأس كلّ طَمار )
( يَدُور بها ذو أسهُم لا ينالها ... وذو كَلَبات كالقِسيّ ضوَارِي )
( كأنّ على المَتْنَيْن منها وَدِيّةً ... سَقَتْها السواقي من وَدِيّ دَوارِ )
( يَظَلّ سحيقُ المِسْك يقطرُ حَوْلَها ... إذا الماشِطاتُ احتفنه بمَدارِي )
( وما رَوْضَةٌ خضْراءُ يضرِبها النّدى ... بها قُنَّةٌ من حَنْوَةٍ وعَرارِ )
(2/310)

( بأطيبَ من ريح القَرَنْفُل ساطعاً ... بما التفّ من دِرْع لها وخمَارِ )
( وما ظبيةٌ ساقتْ لها الريحُ نَغْمَةً ... على غفلَةٍ فاستسمعت لخُوارِ )
( بأحسنَ منها يومَ قامتْ فأَتْلعتْ ... على شَرَكٍ من رَوْعةٍ ونفارِ )
( فليتَكِ يا حسناءُ يابنةَ مالكٍ ... يَبيع لنا منكِ المَودّة شَارِي )
ابن ميادة وزينب بنت مالك )
وأخبرني بهذا الخبر الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني أبو حرملة منظور بن أبي عدي الفزاري ثم المنظوري عن أبيه قال حدثني رماح بن أبرد قال
خرجت قافلا من السلع إلى نجد حتى إذا كنت ببعض أهضام الحرة هكذا في نسختى وأظنه هضاب الحرة رفع لي بيت كالطراف العظيم وإذ
(2/311)

بفنائه غنم لم تسرح فقلت بيت من بيوت بني مرة وبي من العيمة إلى اللبن ما ليس بأحد فقلت آتيهم فأسلم عليهم وأشرب من لبنهم فلما كنت غير بعيد سلمت فردت علي امرأة برزة بفناء البيت وحيت ورحبت واسنزلتني فنزلت فدعت بلبن ولبأ ورسل من رسل تلك الغنم ثم قالت هيا فلانة البسي شفا واخرجي فخرجت علي جارية كأنها شمعة ما رأيت في الخلق لها نظيرا قبل ولا بعد فإذا شفها ذاك ليس يواري منها شيئا وقد نبا عن ركبها ما وقع عليه من الثوب فكأنه قعب مكفأ ثم قالت يا بن ميادة الخبيثة أأنت القائل
( وتُبْدِي الحُمَيْسيَّاتُ في كلّ زِينِةٍ ... فُروجاً كآثار الصِّغار من البَهْمِ ) فقلت لا والله جعلني الله فداك يا سيدتي ما قلت هذا قط وإنما قلت
( وتُبْدِي الحُمَيْسيَّاتُ في كلّ زِينِةٍ ... فُروجاً كآثار المُقَيْسرَةِ الدُّهْمِ )
(2/312)

قال وكان يقال للجارية الحميسية زينب بنت مالك وفيها قال ابن ميادة قصيدته
( ألِمّا فَزُورَا اليومَ خيْرَ مَزارِ ... )
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني موهوب ابن رشيد الكلابي قال
أعطى الوليد بن زيد ابن ميادة جارية طبرية أعجمية لا تفصح حسناء جميلة كاملة لولا العجمة فعشقها وقال فيها
( جزاكَ الله خيرًا من أمير ... فقد أَعطيتَ مِبْراداً سَخُونَا )
( بأهلي ما أَلذَّكَ عند نفسي ... لَوَ أنَّك بالكلام تُعَرِّيينا )
( كأنّكِ ظبيةٌ مَضغَتْ أراكاً ... بوادِي الِجْزع حين تُبَغِّمِينَا )
بعض أوصاف ابن ميادة
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني إسحاق بن شعيب بن إبراهيم ابن محمد بن طلحة قال
وردت على بني فزارة ساعيا فأتاني ابن ميادة مسلما على وجائتني بنو
(2/313)

فزارة ومعها رجل من بني جعفر بن كلاب كان لهم جارا وكان مخططا موسوما بجمال فلما رأيته أعجبني فأقبلت على بني فزارة وقلت لهم أي أخوالي هذا فو الله إنه ليسرني أن أرى فيكم مثله فقالوا هذا أمتع الله بك رجل من بني جعفر بن كلاب وهو لنا جار
قال فأصغى إلي ابن ميادة وكان قريبا مني وقال لا يغرنك بأبي أنت ما ترى من جسمه فإنه أجوف لا عقل له فسمعه الجعفري فقال أفي تقع يا بن ميادة وأنت لا تقري ضيفك فقال له بان ميادة إن لم أقره قراه ابن عمي وأنت لا تقري ولا ابن عمك
قال ابن عمران فضحكت مما شهد به ابن ميادة على نفسه
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن إسماعيل الجعفري عن المعلى بن نوح الفزاري قال حدثني خال لي كان شريفا من سادات بني فزارة قال
ضفت ابن ميادة فأكرمني وتحفى بي وفرغ لي بيتا فكنت فيه ليس معي أحد ثم جاءني بقدح ضخم من لين إبله فشربته ثم ولى فلم ينشب أن جاءني بآخر فتناولت منه شيئا يسيرا فما لبثت حتى عاد بآخر فقلت حسبك يا رماح فلا حاجة لي بشيء فقال اشرب بأبي أنت فوالله لربما بات الضيف عندنا مدحورا
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي مصعب عن جدي عبد الله بن مصعب قال
(2/314)

أتينا ابن ميادة نتلقى منه الشعر فقال لنا هل لكم في فضل شنة فظنناها تمرا فقلنا له هات لنبسطه بذلك فإذا شنة فيها فضلة من خمر قد شرب بعضها وبقي بعض فلما رأيناها قمنا وتركناه
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن الكثيري قال حدثني نعمة الغفاري قال
قدم ابن ميادة المدينة فدعي في وليمة فجاء فوجد على باب الدار التي فيها الوليمة حرسا يضربون الزلالين بالسياط يمنعونهم من الدخول فرجع و هو يقول
( ولمّا رأيتُ الأَصْبَحِيّة قنّعتْ ... مفارِقَ شُمْطٍ حيث تُلْوَى العمائمُ )
( تركتُ دِفَاع الباب عمّا وراءَه ... وقلتُ صحيحٌ من نجا وهو سالُم )
أخبرني يحيى بن علي عن أبيه عن إسحاق قال
قال الوليد بن يزيد لابن ميادة في بعض وفاداته عليه من تركت عند نسائك قال رقيبين لا يخالفاني طرفة عين الجوع والعري
وهذا القول والجواب يروى أن عمر بن عبد العزيز وعقيل بن علفة تراجعاهما وقد ذكر في
(2/315)

أخبار عقيل
مدح أبي جعفر المنصور
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب وأخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الزبير و أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا أبو أيوب المديني عن مصعب
أن ابن ميادة مدح أبا جعفر المنصور بقصيدته التي يقول فيها
( طلعتْ علينا العِيسُ بالرَّمَّاحِ ... )
ثم خرج من عند أهله يريده فمر على إبله فحلبت له ناقة من إبله وراح عليه راعيه بلبنها فشربه ثم مسح على بطنه ثم قال سبحان الله إن هذا لهو الشره يكفيني لبن بكرة وأنا شيخ كبير ثم أخرج واغترب في طلب المال ثم رجع فلم يخرج
وهذه القصيدة من جيد شعر ابن ميادة أولها
( وكواعبٍ قد قلن يومَ تَوَاعُدٍ ... قَوْلَ المُجِدّ وهُنّ كالمُزَّاحِ )
( يا ليتَنا في غير أمرٍ فَادِح ... طَلَعَتْ عَلَيْنا العِيسُ بالرَّمّاحِ )
( بَيْنا كذاكَ رأينَني مُتَعَصِّباً ... بالخَزِّ فوق جُلالةٍ سِرْداحِ )
(2/316)

( فيهنّ صفراءُ المَعاصِمِ طَفْلَةٌ ... بيْضاءُ مثلُ غَرِيضةِ التُّفّاحِ )
( فَنظَرنَ من خَلَلِ الحِجَال بأعينٍ ... مَرْضَى مُخالِطُها السَّقَامُ صِحاحِ )
( وارتشنَ حين اردن أنْ يرمِينَني ... نَبْلاً بلا رِيشٍ ولا بِقدَاحٍ ) يقول فيها في مدح المنصور وبني هاشم
( فلئِنْ بقِيتُ لأَلحقَنّ بأَبْحُرٍ ... يَنْمينَ لا قُطْعٍ ولا أنْزاحِ )
( ولآتينّ بَني عليّ إنّهُمْ ... مَن يأتهم يُتَلقّ بالإِفلاحِ )
( قومٌ إذا جُلِب الثناء إليهِمُ ... بِيعَ الثناء هناك بالأرباحِ )
( ولأجْلِسَنّ إلى الخليفة إنّه ... رَحْبُ الفِناء بواسع بحباحِ ) وهي قصيدة طويلة
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا إسحاق بن أيوب بن سلمة قال اعتمرت في رجب سنة خمس ومائة فصادفني ابن ميادة بمكة وقدمها معتمرا فأصابنا مطر شديد تهدمت منه البيوت وتوالت فيه الصواعق فجلس إلي ابن ميادة الغد من ذلك اليوم فجعل يأتيني قوم من قومي وغيرهم فأستخبرهم عن ذلك الغيث فيقولون صعق فلان وانهدم منزل فلان فقال ابن ميادة هذا العيث لا الغيث فقلت فما الغيث عندك فقال
(2/317)

( سحائبُ لا مِن صَيِّبٍ ذي صَوَاعِقٍ ... ولا مُحْرِقات ماؤُهنّ حَمِيمُ )
( إذا ما هبطْنَ الأرضَ قد مات عُودُها ... بكَيْنَ بها حتّى يَعيش هَشِيمُ )
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني موسى بن زهير عن أبيه قال
جلست أنا وعيسى بن عميلة وابن ميادة ذات يوم فأنشدنا ابن ميادة شعره مليا ثم أنشدنا قوله
( ألا لَيتَ شِعرِي هل أبيتنّ ليلةً ... بحرّةِ ليلَى حيث رَبَّتني أهلي )
( بلادٌ بها نِيطَتْ عليّ تَمائِمي ... وقُطِّعَن عنيِّ حينَ أدركنِي عَقْلِي )
( وهل أَسمعَنّ الدهرَ أصواتَ هَجْمَةٍ ... تَطَالعُ من هَجْلٍ خَصيبٍ إلى هَجْلِ )
( صُهَيْبَيّةٍ صفراء تُلْقي رِباعها ... بمُنْعَرجِ الصَمَان والجَرَع السهل ) تلقى راعها تطرح أولادها
وواحد الرباع ربع
( وهل أجمعنّ الدهرَ كفَّيَّ جَمْعةً ... بمَهْضومةِ الكَشْحَيْن ذاتِ شَوىً عَبْلِ )
( مُحلَّلةٍ لي لا حَراما أتيتُها ... من الطيبَات حين تَرْكُض في الحِجل )
( تميلُ إذا مالَ الضجيع بعطفِها ... كما مالَ دِعْص من ذُرَاً عَقْد الرملِ ) فقال له عيسى بن عميلة فأين قولك يا أبا الشرحبيل
(2/318)

( لقد حَرَّمت أُميِّ عليّ عَدِمْتُها ... كَرائمَ قومي ثّم قِلَّةُ ماليا ) فقلت له فاعطف إذا إلى أمة بني سهيل فهي أعند وأنكد وقد كنت أظن أنِ ميادة قد ضربت جأشك على اليأس من الحرائر وأنا أداعبه وأضاحكه فضحك وقال
( ألم تَر قوماً يَنْكِحون بمالِهِمْ ... ولو خَطَبتْ أنسابُهم لم تُزَوْجِ )
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي مصعب وغيره
أن حسينة اليسارية كانت جميلة وآل يسار من موالي عثمان رضوان الله عليه يسكنون تيماء ولهم هناك عدد وجلد وقد انتسبوا في كلب إلى يسار بن أبي هند فقبلهم بنو كلب قال وكانت عند رجل من قومها يقال له عيسى بن إبراهيم ابن يسار وكان ابن ميادة يزورها وفيها
( ستأتينا حُسينَةُ حيث شِئْنا ... وإِنْ رَغِمَتْ أُنوفُ بني يَسارِ ) قال فدخل عليها زوجها يوما فوجد ابن ميادة عندها فهم به هو وأهلها فقاتلهم وعاونته عليهم حسينة حتى أفلت ابن ميادة فقال في ذلك
( لقد ظلّتْ تُعاونني عليهمْ ... صَمُوتُ الحِجْل كاظمةُ السِّوارِ )
( وقد غادرتُ عيسى وهو كَلْبٌ ... يُقطِّع سَلْحَه خَلْف الجِدارِ )
ابن ميادة يمدح عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثني إبراهيم بن سعد بن شاهين قال حدثني عبد الله بن خالد بن دفيف التغلبي عن عثمان بن عبد الرحمن بن نميرة العدوي عن أبي العلاء بن وثاب قال
(2/319)

قدم ابن ميادة المدينة زائرا لعبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك وهو أميرها وكان يسمر عنده في الليل فقال عبد الواحد لأصحابه إني أهم أن أتزوج فابغوني أيما فقال له ابن ميادة أنا أدلك أصلحك الله أيها الأمير قال على من يا أبا الشرحبيل قال قدمت عليك أيها الأمير فدخلت مسجدكم فإذا أشبه شيء به وبمن فيه الجنة وأهلها فوالله لبينا أنا أمشي فيه إذ قادتني رائحة عطر رجل حتى وقفت بي عليه فلما وقع بصري عليه استلهاني حسنه فما أقلعت عنه حتى تكلم فخلته لما تكلم يتلو زبورا أو يدرس إنجيلا أو يقرأ قرآنا حتى سكت فلولا معرفتي بالأمير لشككت أنه هو ثم خرج من مصلاه إلى داره فسألت من هو فأخبرت أنه للحيين وبين الخليفتين وأن قد نالته ولادة من رسول الله لها نور ساطع من غرته وذؤابته فنعم المنكح ونعم حشو الرحل وابن العشيرة فإن اجتمعت أنت وهو على ولد ساد العباد وجاب ذكره البلاد
فلما قضى ابن ميادة كلامه قال عبد الواحد ومن حضره ذاك محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان وأمه فاطمة بنت الحسين فقال ابن ميادة
( لهم نَبْوَةٌ لم يُعْطِها اللهُ غيرَهم ... وكلُّ قضاء الله فهو مُقَسَّم ) قال يحيى بن علي ومما مدح به عبد الواحد لما قدم عليه قوله
( مَن كان أخطأه الربيعُ فإِنما ... نُصِرَ الحجازُ بغَيْثِ عبدِ الواحِد )
( إنّ المدينةَ أصبحتْ معمورةً ... بمُتَوَّجٍ حُلْوِ الشمائلِ ماجِد )
( ولقد بَلغتَ بغير أَمرِ تَكَلُّفٍ ... أعلَى الحظوظِ برغْم أَنْفِ الحاسدِ )
( وملكتَ ما بين العراق ويَثْرِبٍ ... مُلْكاً أجارَ لمسلم ومُعاهِدِ )
( مَالَيْهِما ودَميْهِما مِن بعد ما ... غَشَّى الضعيفَ شُعَاعُ سيفِ المارِدِ )
(2/320)

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني سعيد بن زيد السلمي
إنا لنزول أنا وأصحاب لي قبل الفطر بثلاث ليال على ماء لنا فإذا راكب يسير على جمل ملتف بثوب والسماء تغسله حتى أناخ إلى أجم عرفته فلما رأيناه لثقا قمنا إليه فوضعنا رحله وقيدنا جمله فلما أقلعت السماء عنا وهو معنا قاعد قام غلمة منا يرتجزون والرجل لم ينتسب لناولا عرفناه فارتجز أحدهم فقال
( أنا ابنُ مَيَّادةَ لَبّاسُ الحُلَلْ ... أَمَرُّ من مُرٍّ وأَحْلَى من عَسَلْ ) حتى قال له الرجل يابن أخي أتدري من قال هذا الشعر قال نعم ابن ميادة قال فأنا هو ابن ميادة الرماح بن أبرد وبات يعللنا من شعره ويقطع عنا الليل بنشيده وسرينا راحلين فصبحنا مكة فقضينا نسكنا ولقيه رجلان من قومه من بني مرة فعرفهما وعرفاه وأفطرنا بمكة فلما انصرفنا من المسجد يوم الفطر إذا نحن بفارسين مسودين وراجلين مع المريين يقولون أين ابن ميادة فقلنا هاهو وقد برزنا من خيمة كنا فيها فقلنا لابن ميادة ابرز فلما نظر إلى المريين قال
( إحدَى عَشِيّاتِك يا شميرجْ ... )
قال وهذا رجز لبعض بني سليم يقوله لفرسه
( أقولُ والرّكبة فوقَ المِنْسَجْ ... إحدَى عَشِيَّاتِك يا شميرجْ )
(2/321)

ويروى مشمرج فقالوا لابن ميادة أجب الأمير عبد الصمد بن علي وخذ معك من أصحابك من أحببت فخرج وخرج معه منا أربعة نفر أنا أحدهم حتى وقفنا على باب دار الندوة فدخل أحد المسودين ثم خرج فقال ادخل يا أبا شجرة فدخلت على عبد الصمد بن علي فوجدته جالسا متوشحا بملحفة موردة فقال لي من أنت قلت رجل من بني سليم فقال مالك تصاحب المري وقد قتلوا معاوية بن عمرو وقالت الخنساء
( أَلاَ ما لِعيني أَلاَ ما لَها ... لقد أَخْضَلَ الدمعُ سِرْبالَها )
( فآلَيْتُ آسَى على هالكٍ ... وأسألُ نائحةً مالَها )
( أبعدَ ابنِ عمرو مِنَ آلِ الشَّرِيد ... حَلّتْ به الأرضُ أثقالَها )
( فإن تَكُ مُرّةُ أوْدَتْ به ... فقد كان يُكثِر تَقْتَالَها ) أترويها قلت نعم أصلح الله الأمير وما زال من المعركة حتى قتل به خفاف ابن عمرو المعروف بابن ندبة كبش القوم مالك بن حمار الفزاري ثم
(2/322)

الشمخي أما سمع الأمير قول خفاف بن ندبة في ذلك
( فإن تَكُ خَيْلي قد أُصِيب صَمِيمُها ... فَعَمْداً على عينٍ تَيمّمْتُ مالِكَا )
( تيمّمت كَبْشَ القوم حين رأيتُه ... وجانَبْتُ شُبّانَ الرِّجال الصَّعَالكَا )
( أقولُ له والرمحُ يأْطِرُ مَتْنَه ... تَأمّل خُفَافاً إنّني أنا ذَلِكَا )
وقد توسط معاوية بن عمرو خيلهم فأكثر فيهم القتل وقتل كبش القوم الذي أصيب بأيديهم فقال لله درك إذا ولدت النساء فليلدن مثلك وأمر لي بألف درهم فدفعت إلي وخلع علي
وأدخل ابن ميادة فسلم عليه بالإمرة فقال له لا سلم الله عليك يا ماص كذا من أمه فقال ابن ميادة ما أكثر الماصين فضحك عبد الصمد ودعا بدفتر فيه قصيدة ابن ميادة التي يقول فيها
( لنا المُلكُ إلاّ أنّ شيئاً تَعُدُّه ... قريشٌ ولو شئنا لداخَتْ رِقابُها ) ثم قال لابن ميادة أعتق ما أملك إن غادرت منها شيئا إن لم أبلغ غيظك فقال ابن ميادة أعتق ما أملك إن أنكرت منها بيتا قلته أو أقرررت ببيت لم أقله فقرأها عبد الصمد ثم قال له أأنت قلت هذا قال نعم قال أفكنت أمنت يابن ميادة أن ينقض عليك باز من قريش فيضرب رأسك فقال ما أكثر البازين أفكان ذلك البازي آمنا أن يلقاه باز من قيس وهو يسير فيرميه فتشول رجلاه فضحك عبد الصمد ثم دعا بكسوة فكساهم
(2/323)

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الصمد بن شبيب قال قال أبو حذافة السهمي
سب رجل من قريش في أيام بني أمية بعض ولد الحسن بن علي عليهما السلام فأغلظ له وهو ساكت والناس يعجبون من صبره عليه فلما أطال أقبل الحسني عليه متمثلا بقول ابن ميادة
( أظنَّتْ سَفَاهاً من سَفَاهة رأيِها ... أَنَ اهْجُوهَا لمّا هَجَتْني مُحَارِبُ )
( فلا وأبِيها إنّني بعَشِيرَتِي ... ونَفْسِيَ عن ذاك المَقَامِ لراغِبُ ) فقام القرشي خجلا وما رد عليه جوابا
مدح جعفر بن سليمان
أخبرني أبو خليفة إجازة عن محمد بن سلام قال
مدح ابن ميادة جعفر بن سليمان وهو على المدينة فأخبرني مسمع بن عبد الملك أنه قام له بحاجته عند جعفر وأوصلها إليه
قال فقال له جزاك الله خيرا ممن أنت رحمك الله قلت أحد بني مسمع قال ممن قلت من قيس بن ثعلبة قال ممن عافاك الله قلت من بكر بن وائل قال والله لو كنت سمعت ببكر بن وائل قط أو عرفتهم لمدحتك ولكني ما سمعت ببكر قط ولا عرفتهم ثم مدح جعفرا فقال
( لَعَمْرُكَ ما سيوفُ بني عليٍّ ... بنابِيَةِ الظُّبَاةِ ولا كِلاَلِ )
( هُمُ القومُ الأُلَى وَرِثُوا أباهُمْ ... تُرَاثَ محمَدٍ غَيرَ انتحالِ )
( وهم تَرَكوا المقالَ لهم رفيعاً ... وما تَرَكوا عليهم من مَقَالِ )
( حَذَوتُمْ قومَكم ما قد حَذَوْتُمْ ... كما يُحْذَى المثالُ على الِمَثالِ )
(2/324)

( فَرُدُّوا في جِراحكُمُ أسكم ... فقد أبْلَغتمُ مُرَّ النَّكالِ ) يشير عليه بالعفو عن بني أمية ويذكره بأرحامهم
أخبرنا بهذا الخبر يحيى بن علي عن سليمان المديني عن محمد بن سلام قال يحيى قال أبو الحارث المري فيما ذكره إسحاق من أخباره
قال جعفر بن سليمان لابن ميادة أتحب أن أعطيك مثل ما أعطاك ابن عمك رياح بن عثمان فقال لا أيها الأمير ولكن أعطني كما أعطاني ابن عمك الوليد بن يزيد
ابن ميادة يهجو بني أسد وبني تميم
قال يحيى وأخبرنا حماد عن أبيه عن أبي الحارث قال قال جعفر بن سليمان لابن ميادة أأنت الذي تقول
( بَني أَسَدٍ إن تَغْضَبوا ثّم تَغْضَبُوا ... وتَغْضَبْ قُرَيشٌ تَحْمِ قَيْساً غِضَابُها ) قال لا والله ما هكذا قلت قال فكيف قلت قال قلت
( بَني أَسَدٍ إن تَغْضَبُوا ثّم تَغْضَبُوا ... وتَعْدل قُرَيشٌ تَحْمِ قَيْساً غِضَابُها )
قال صدقت هكذا قلت
وهذه القصيدة يهجو بها ابن ميادة بني أسد وبني تميم وفيها يقول بعد هذا البيت الذي ذكره له جعفر بن سليمان
( وأحقرُ محقورٍ تَمِيمٌ أخوكُمُ ... وإن غَضِبَتْ يَرْبُوعُها ورِبَابُها )
(2/325)

( أَلاَ ما أباِلي أن تُنَخْدِفَ خِنْدِفٌ ... ولستُ أُباِلي أن يَطْنَّ ذُبابُها )
( ولو أنّ قَيساً قَيسَ عَيْلاَنَ أقسمِتْ ... على الشمس لم يَطْلُعْ عليكم حِجَابُها )
( ولو حاربتْنا الجنُّ لم نَرفع القَنَا ... عن الجنّ حتى لا تَهِرّ كِلاَبُها )
( لنا الُمْلُك إلاّ أنّ شيئاً تَعُدُّه ... قُرَيشٌ ولو شِئنا لَذَلَّتْ رِقابُها )
( وإن غَضِبتْ من ذا قُرَيشٌ فقُلْ لها ... مَعَاذَ الإِلهِ أن أكونَ أَهَابُها )
( وإني لقوّالُ الجوابِ وإنني لَمفَتجرٌ أشياءَ يُعيِي جوابُها )
( إذا غَضِبتْ قيسٌ عليك تقاصرتْ ... يداكَ وفات الرِّجلَ منك ركابُها ) قال إسحاق في خبره فحدثني جبر بن رباط بن عامر بن نصر قال فقال سماعة بن أشول النعامي يعارض ابن ميادة
( لعلّ ابنَ أشبانيّةٍ عارضتْ به ... رِعاءَ الشَّوِيّ من مُرِيح وعازِبِ )
( يُسَامِي فروعاً من خُزَيمة أحرزتْ ... عليه ثنايا المجد من كل جانبِ ) فقال ابن ميادة من هذا لقد أغلق على أغلق الله عليه قالوا سماعة بن أشول فقال سماعة يسمع بي وأشول يشول بي والله لا أهاجيه أبدا وسكت عنه
وقال عبد الرحمن بن جهيم الأسدي أحد بني الحارث بن سعد بن ثعلبة بن
(2/326)

دودان بن أسد يرد على ابن ميادة وهي قصيدة طويلة ذكرت منها أبياتا
( لقد كَذَبَ العبدُ ابنُ مّيادة الذي ... رَبَا وهي وَسْطَ الشَّوْلِ تَدْمَى كِعابُها )
( شَرَنْبَثة الأطرافِ لم يَقْنَ كَفَّها ... خِضَابٌ ولم تَشْرَقْ بعطرٍ ثيابُها )
( أرامّاحُ إن تَغْضَبْ صناديدُ خِندِفٍ ... يَهِجْ لك حَرْباً قَصْبُها واعتيابُها ) ويروى اغتيابها من الغيبة
واعتيابها من العيب
( ولو أَغْضَبَتْ قَيْسٌ قُرَيشاً لَجَدَّعَتْ ... مَسَامعَ قَيسٍ وهي خُضْعٌ رِقابُها )
( لقد جَرَّ رمّاحُ ابن واهصةِ الُخّصى ... على قومه حَرْباً عظيماً عَذَابُها )
( وقد عَلِمَ المملوحُ بالشؤم رأسُهُ ... قُتَيبةُ أن لم تَحْمِ قَيْساً غِضابُها )
( ولم تَحْمِها أيامَ قَتْلِ ابنِ حازمٍ ... وأيامَ قَتْلَى كانَ خِزْياً مُصابُها )
( ولا يَوْمَ لاقينا نُميرًا فَقُتِّلَتْ ... نُمَيرٌ وفَرَّتْ كَعْبُها وكِلاَبُها )
( وإن تَدْعُ قَيْساً لا تُجِبْكَ وَحَوْلَها ... خُيُولُ تميم سَعْدُها ورِبَابُها )
( ولو أنّ قيساً قيسَ عَيْلان أَصْحرت ... لأنواء غَنْمٍ غَرَّقتها شِعابها )
( ولو أنْ قَرْنَ الشمسِ كان لمعشرٍ ... لكان لنا إشراقُها واحتجابُها )
( ولكنّها لله يَمْلك أمرَها ... بقُدْرته إصعادها وانصبابُها )
( لَعَمْري لئن شابتْ حَلِيلةُ نَهْبَلٍ ... لبَئْسَ شبابُ المرءِ كان شبابُها )
( ولم تدرِ حَمْراءُ العِجَانِ أَنَهْبَلٌ ... أبوهُ أم المُرِّيّ تَبَّ تَبَابُها )
(2/327)

فإن يك رَمَّاحُ بنُ ميَّادةَ التي ... يُصِنّ إذا باتتْ بأرضٍ ترابُها )
( جَرَى جَرْيَ موهونِ القُوَى قَصَّرتْ به ... لئيمةُ أعراقٍ إليه انتسابُها )
( فلن تَسْبق المضمارَ في كلّ مَوْطِنٍ ... من الخيل عندَ الِجِّد إلاّ عِرابُها )
( وواللهِ لولا أنّ قَيْساً أذِلّةٌ ... لئامٌ فِلا يُرْضَى لًحٍّر سِبابُها )
( لأَْلْحقتُها بالزَّنْج ثم رَمَيْتُها ... بشنعاءَ يُعْيي القائلين جَوَابُها )
ابن ميادة وابان بن سعيد
أخبرني يحيى بن علي عن حماد عن أبيه قال
وجدت في كتاب أبي عمرو الشيباني فعرضته على أبي داود فعرفه أو عامته قال
أنا لجلوس على الهجم في ظل القصر عشية إذا أقبل إلينا ثلاثة نفر يقودون ناقة حتى جلسوا إلى أبان بن سعيد بن عيينة بن حصن وهو في جماعة من بني عيينة قال فرأيت أجلة ثلاثة ما رأيتهم قط فقلنا من القوم فقال أحدهم أنا ابن ميادة وهذان من عشيرتي فقال أبان لأحد بنيه اذهب بهذه الناقة فأطلق عنها عند بيت أمك فقال له ابن ميادة هذا يا أبا جعفر السعلاة أفلا أنشدك ما قلت فيها قال بلى فهات فقال
( قَعَدْتُ على السِّعلاة تَنقِضُ مِسْحَها ... وتُجْذَبُ مِثلَ الأَيْم في بُرة الصُّفْرِ )
(2/328)

( تُيَمِّم خيَر الناس ماءً وحاضراً ... وتَحْمِلُ حاجاتٍ تضمنَّها صدري )
( فإني على رَغْمِ الأعادي لقائلٌ ... وجَدْتُ خِيَارَ الناسِ حَيَّ بني بدرِ )
( لهم حاضرٌ بالَهْجم لم أرَ مثلها ... من الناس حيًّا أهل بَدْوٍ ولا حَضْرِ )
( وخيرُ مَعَدٍّ مجلساً مجلسٌ لهم ... يَفِيءُ عليه الظلُّ من جانب القَصْرِ )
( أخُصُّ بها رَوْقَيْ عُيَينة إنه ... كذاك ضحاحُ الماء يأوِي إلى الغَمْرِ )
( فأنتم أحقُّ الناس أن تتخيَّروا المياه ... وأن تَرْعَوْا ذُرَى البلد القَفْرِ )
قال فكان أول قائم من القوم ركضة بن علي بن عيينة وهو ابن عم أبان وعبدة بنت أبان وكانت إبله في العطن وهي أكرم نعم بني عيينة وأكثره قال ما سمعت كاليوم مديح قوم قط حكمك ماض في هذه الإبل ثم قام آخر فقال مثل ذلك وقام آخر وآخر فقال ابن ميادة يا بني عيينة إني لم آتكم لتتبارى لي شياطينكم في أموالكم إنما كان علي دين فأردت أن تعطوني أبكرا أبيعها في ديني
فأقام عند أبان بن سعيد خمسة عشر يوما ثم راح بتسع عشرة ناقة فيها ناقة لابن أبان عشراء أو رباعية
قال يحيى في خبره وقال يعقوب بن
(2/329)

جعفر بن أبان بن سعيد بن عيينة
إني على الهجم يوما إذ أقبل رجل فجعل يصرف راحلته في الحياض فيرده الرجل بعد الرجل فدعوته فقلت اشرع في هذا الحوض فلما شرع فسقى قال من هذا الفتى فقيل هذا جعفر بن أبان بن سعيد بن عيينة فقال
( بَنُو الصالحين الصالحون ومَن يكن ... لآباء سَوْءٍ يَلْقَهم حيثُ سَيَّرا )
( فما العود إلا نابِتٌ في أَرُومه ... أبى شَجَرُ العِيدان أن يتغيّرا ) قال إسحاق سألت أبا داود عن قوله
( كذاك ضحاحُ الماءِ يَجْرِي إلى الغَمْرِ ... ) فقال أراد أن الأمر كله والسؤدد يصير إليه كما يصير الماء إلى الغمرة حين كانت
ابن ميادة وأيوب بن سلمة
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا أبو أيوب المديني قال أخبرني مصعب بن الزبير قال
ضاف ابن ميادة أيوب بن سلمة فلم يقره وابن ميادة من أخوال أيوب بن سلمة فقال فيه
( ظَلِلْنا وُقُوفاً عند باب ابن أختنا ... وظَلّ عن المعروف والمجدِ في شُغْلِ )
( صَفاً صَلَدٌ عند الندَى ونَعَامَةٌ ... إذا الحربُ أبدتْ عن نواجذها العُصْلِ )
(2/330)

قال أبو أيوب وأخبرني مصعب قال
قدم ابن ميادة على رياح بن عثمان وقد ولى المدينة وهو جاد في طلب محمد بن عبد الله بن حسن وإبراهيم أخيه فقال له اتخذ حرسا وجندا من غطفان واترك هؤلاء العبيد الذين تعطيهم دراهمك وحذار من قريش فاستخف بقوله ولم يقبل رأيه فلما قتل رياح قال ابن ميادة
( أمرتكَ يا رِيَاحُ بأمر حَزْمٍ ... فقلتَ هَشِيمةٌ من أهل نجد )
( وقلتُ له تحفَّظ من قُريشٍ ... ورَقِّع كل حاشيةٍ وبُردِ )
( فوجداً ما وَجَدْتُ على رِيَاحٍ ... وما أغنيتُ شيئاً غَيرَ وَجْدِي )
النساء في شعره
أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثني أحمد بن إبراهيم ابن إسماعيل قال حدثني أكثم بن صيفي المري ثم الصاردي عن أبيه قال
كان ابن ميادة رأى امرأة من بني جشم بن معاوية ثم من بني حرام يقال لها أم الوليد وكانوا ساروا عليه فأعجب بها وقال فيها
( ألاَ حَبَّذا أمُّ الوليدِ ومَرْبَعٌ ... لنا ولها نُشْتُو به ونَصِيفُ ) ويروى
( . . . . . . . . . . . . . . . . ومَرْبع ... لنا ولها بالمشتوى ومصيفُ )
( حَرَامِيَّةٌ أمّا مَلاَثٌ إزارِها ... فَوَعْثٌ وأمّا خَصْرُها فلطيفُ )
(2/331)

( كأنّ القُرُونَ السُّودَ فوقَ مَقَذِّها ... إذا زَالَ عنها بُرْقُعٌ ونَصِيفُ )
( بها زَرَجُوناتٌ بقَفْرٍ تَنَسَّمت ... لها الريحُ حتى بينهنّ رَفِيفُ )
قال فلما سمع زوجها هذه الأبيات أتاها فحلف بطلاقها لئن وجد ابن ميادة عندها ليدقن فخذها ثم أعرض عنها واغترها حتى وجده يوما عند بيتها فدق فخذها واحتمل فرحل ورحل بها معه فقال ابن ميادة
( أتانا عامَ سار بنو كلابٍ ... حَرَاميّون ليسَ لهم حَرَامُ )
( كأنّ بيوتهم شجرٌ صِغارٌ ... بِقِيعانٍ تَقِيلُ بها النَّعامُ )
( حَرَاميّون لا يَقْرُون ضَيْفاً ... ولا يَدْرون ما خُلُقُ الكرامِ ) قال ثم سارت عليهم بعد ذلك بنو جعفر بن كلاب
فأعجب بامرأة منهم يقال لها أم البختري وكان يتحدث إليها مدة مقامهم ثم ارتحلوا فقال فيها
( أرِقتُ لِبَرْقٍ لا يُفَتِّر لامعُهُ ... بشُهْب الرُّبَى والليلُ قد نام هاجعُهُ )
( أرِقتُ له من بعد ما نام صُحْبَتي ... وأعجبني إيماضُه وتتابعُه )
( يُضيءُ صبَيِراً من سَحابٍ كأَنّه ... هَجانٌ أرنَّتْ للحنين نوازعُهْ )
( هَنِيئًا لأمّ البَخْتَرِيّ الرِّوَى به ... وإن أَنْهَجَ الحبلُ الذي النأْيُ قاطعُهْ )
( لقد جَعَل المُسْتَبضِعُ الغشّ بيننا ... ليَصْرِمَ حَبْلينا تَجُوز بضائعُهْ )
(2/332)

( فما سَرْحةٌ تَجْرِي الجداولُ تحتها ... بمطَّرد القِيعَانِ عَذْبٍ ينابِعُهْ )
( بأحسنَ منها يومَ قالتْ بذي الغَضَا ... أَتَرْعَى جديدَ الحبلِ أمْ أنتَ قاطعُهْ )
أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثني أحمد بن إبراهيم قال
وذكر أبو الأشعث أن ابن ميادة خطب امرأة بني سلمى بن مالك بن جعفر ثم من بني البهثة وهم بطن يقال لهم البهثاء فأبوا أن يزوجوه وقالوا أنت هجين ونحن أشرف منك فقال
( فلو طاوعَتْني آلُ سَلْمَى بن مالكٍ ... لأعطيتُ مَهْراً من مَسَرَّةَ غاليَا )
( وسِرْبٍ كسِرْبِ العِين من آل جَعْفرٍ ... يُغَادِينَ بالكُحْل العُيُونَ السواجيَا )
( إذا ما هَبَطْنَ النِّيلَ أو كُنّ دونه ... بسَرْوِ الحِمَى ألْقَيْنَ ثَمّ المَرَاسِيَا )
مات في صدر خلافة المنصور
قال أحمد بن إبراهيم مات ابن ميادة في صدر من خلافة المنصور وقد كان مدحه ثم لم يفد إليه ولا مدحه لما بلغه من قلة رغبته في مدائح الشعراء وقلة ثوابه لهم
(2/333)

أخبار حنين الحيري ونسبه
حنين بن بلوع الحيري مختلف في نسبه فقيل إنه من العباديين من تميم وقيل إنه من بني الحارث بن كعب وقيل إنه من قوم بقوا من جديس وطسم فنزلوا في بني الحارث بن كعب فعدوا فيهم ويكنى أبا كعب وكان شاعرا مغنيا فحلا من فحول المغنين وله صنعة فاضلة متقدم وكان يسكن الحيرة ويكري الجمال إلى الشأم وغيرها وكان نصرانيا وهو القائل يصف الحيرة ومنزله بها
صوت
( أنا حُنَينٌ ومَنْزلي النَّجَفُ ... وما نَدِيمي إلاّ الفَتَى القَصِفُ )
( أَقْرَعُ بالكأس ثَغْرَ باطيةِ ... مُتْرَعَةٍ تارةً وأَغترفُ )
( من قهوة باكَرَ التِّجَارُ بها ... بيتَ يَهُوٍد قرارُها الخَزَفُ )
( والعيشُ غَضٌّ ومنزلي خَصِبٌ ... لم تَغْذُني شِقْوَةٌ ولا عُنُفُ )
(2/334)

الغناء والشعر لحنين ولحنه خفيف رمل بالبنصر
وفيه لابن المكي خفيف ثقيل قديم
ولعريب فيه خفيف ثقيل آخر عن الهشامي
غناء حنين وبعض من أوصافه
أخبرنا وكيع قال قال حماد حدثني أبي عن أبي الخطاب قال وحدثني ابن كناسة عن سليمان بن داود مولى ليحيى وأخبرني بهذا الخبر الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن قعنب بن المحرز الباهلي عن المدائني قالوا جميعا
حج هشام بن عبد الملك وعديله الأبرش الكلبي فوقف له حنين بظهر الكوفة ومعه عوده وزامر له وعليه قلنسية طويلة فلما مر به هشام عرض له فقال من هذا فقيل حنين فأمر به فحمل في محمل على جمل وعديله زامره وسير به أمامه وهو يتغنى
صوت
( أَمِنْ سَلْمَى بِظَهْر الكوفَةِ ... الآياتُ والطَّلَلُ )
( يلوحُ كما تلوحُ على ... جفون الصَّيقلِ الخِلَلُ )
الصنعة في هذا الصوت لحنين ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو
وفيه خفيف ثقيل ينسب إلى حنين أيضا وإلى غيره قال فأمر له هشام بمائتي دينار وللزامر بمائة
وذكر إسحاق في خبره عن أبيه الخطاب أنه غنى هشاما
(2/335)

صوت
( صاحِ هل أبصرتَ بالخَبْتيْن ... من أسماءَ نَارَا )
( مَوهِناً شَبَّت لعينيكَ ... ولم تُوقَدْ نهارَا )
( كَتَلاَلي البَرْقِ في المُزْن ... ِ إذا البَرْقُ اسْتَطَارَا )
( أذكَرْتني الوصلَ من سُعْدَى ... وأيّاماً قِصَارَا )
الشعر للأحوص والغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق
ونسبه ابن المكي إلى الغريض
وقال يونس فيه لحنان لمالك ولم يجنسهما
وقال الهشامي فيه لمالك خفيف رمل قال فلم يزل هشام يستفيده حتى نزل من النجف فأمر له بمائتي دينار
وقال إسحاق قيل لحنين أنت تغني منذخمسين سنة ما تركت لكريم مالا ولا دارا ولا عقاراإلا أتيت عليه فقال بأبي أنتم إنما هي أنفاسي أقسمها بين الناس أفتلومونني أن أغلي بها الثمن
وأخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه ومصعب بن الزبير عن بعض المكيين وأخرني به الحرمي بن أبي العلاء وحبيب بن نصر قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قال حدثني شيخ من المكيين يقال له شريس قال
إنا لبالأبطح أيام الموسم نشتري ونبيع إذ أقبل شيخ أبيض الرأس واللحية على بغلة شهباء ما ندري أهو أشد بياضا أم بغلته أم ثيابه فقال أين بيت
(2/336)

أبي موسى فأشرنا له إلى الحائط فمضى حتى انتهى إلى الظل من بيت أبي موسى ثم استقبلنا ببغلته ووجهه ثم اندفع يغني
صوت
( أَسْعِدِيني بدمعةٍ أَسْرابِ ... من دموعٍ كثيرة التَّسْكابِ )
( إنّ أهل الِحَصاب قد تركوني ... مُغْرَماً مُولَعاً بأهل الحِصابِ )
( فارقوني وقد علمتُ يقيناً ... ما لِمَنْ ذاق مِيتةً من إيابِ )
( سكنوا الجِزْعَ جزعَ بيْت أبي موسى ... إلى النخل من صُفِيّ السِّبابِ )
( كم بذاكَ الحَجُون من حَيّ صِدْق ... وكهولٍ أعفَّةٍ وشبابِ )
( أهلُ بيتٍ تتايعُوا للمنايا ... ما عَلَى الموت بعدَهُم من عِتابِ )
(2/337)

( فليَ الوَيلُ بعدَهم وعليهم ... صِرتُ فردًا ومَلّني أصحابِي )
الشعر لكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي
والغناء لمعبد ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى
وفيه لابن أبي دباكل الخزاعي ثاني ثقيل بالوسطى عن ابن خرداذبه قال ثم صرف الرجل بغلته وذهب فتبعناه حتى أدركناه فسألناه من هو فقال أنا حنين بن بلوع وأنا رجل جمال أكري الإبل ثم مضى أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد قرأت على أبي عن المدائني قال
كان حنين غلاما يحمل الفاكهة بالحيرة وكان لطيفا في عمل التحيات فكان إذا حمل الرياحين إلى بيوت الفتيان ومياسير أهل الكوفة وأصحاب القيان والمتطربين إلى الحيرة ورأوا رشاقته وحسن قده وحلاوته وخفة روحه استحلوه وأقام عندهم وخف لهم فكان يسمع الغناء ويشتهيه ويصغي إليه ويستمعه ويطيل الإصغاء إليه فلا يكاد ينتفع به في شيء إذا سمعه حتى شدا منه أصواتا فأسمعها الناس وكان مطبوعا حسن الصوت واشتهوا غناءه والاستماع منه وعشرته وشهر بالغناء ومهر فيه وبلغ منه مبلغا كبيرا ثم رحل إلى عمر بن داود الوادي وإلى حكم الوادي وأخذ منهما وغنى لنفسه في أشعار الناس فأجاد الصنعة وأحكمها ولم يكن بالعراق غيره فاستولى عليه في عصره وقدم ابن محرز حينئذ إلى الكوفة فبلغ خبره حنينا وقد كان يعرفه فخشي أن يعرفه الناس فيستحلوه ويستولي على البلد فيسقط هو فقال له كم منتك نفسك من العراق قال ألف دينار قال فهذه خمسمائة دينار عاجلة فخذها وانصرف واحلف لي أنك لا تعود
(2/338)

إلى العراق فأخذها وانصرف
أخبرني عمي وعيسى بن الحسين قالا حدثنا أبو أيوب المدائني عن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل قال
كان ابن محرز قدم الكوفة وبها بشر بن مروان وقد بلغه أنه يشرب الشراب ويسمع الغناء فصادفه وقد خرج إلى البصرة بلغ خبره حنين بن بلوع فتلطف له حتى دعاه فغناه ابن محرز لحنه قال أحمد بن إبراهيم وهو من الثقيل الثاني من جيد الأغاني
صوت
( وَحُرُّ الزَّبَرْجَدِ في نَظْمِهِ ... على وَاضِح اللِّيتِ زَانَ العُقُودَا )
( يُفَصِّلُ ياقوتُهُ دُرَّهُ ... وكالجَمْرِ أَبْصَرْتَ فيهِ الفَرِيدَا ) قال فسمع شيئا هاله وحيره فقال له حنين كم منتك نفسك من العراق قال ألف دينار فقال هذه خمسمائة دينار حاصلة عاجلة ونفقتك في عودتك وبدأتك ودع العراق لي وامض مصاحبا حيث شئت قال وكان ابن محرز صغير الهمة لا يحب عشرة الملوك ولا يؤثر على الخلوة شيئا فأخذها وانصرف
حنين يغني في حمص متكسبا
وقال حماد في خبره قال أبي حدثني بعض أهل العلم بالغناء عن حنين قال
خرجت إلى حمص ألتمس الكسب بها وأرتاد من أستفيد منه شيئا فسألت
(2/339)

عن الفتيان بها وأين يجتمعون فقيل لي عليك بالحمامات فإنهم يجتمعون بها إذا أصبحوا فجئت إلى أحدها فدخلته فإذا فيه جماعة منهم فأنست وانبسطت وأخبرتهم أني غريب ثم خرجوا وخرجت معهم فذهبوا بي إلى منزل أحدهم فلما قعدنا أتينا بالطعام فأكلنا وأتينا بالشراب فشربنا فقلت لهم هل لكم في مغن يغنيكم قالوا ومن لنا بذلك قلت أنا لكم به هاتوا عودا فأتيت به فابتدأت في هنيات أبي عباد معبد فكأنما غنيت للحيطان لا فكهوا لغنائي ولا سوا به فقلت ثقل عليهم غناء معبد بكثرة عمله وشدته وصعوبة مذهبه فأخذت في غناء الغريض فإذا هو عندهم كلا شيء وغنيت خفائف ابن سريج وأهزاج حكم والأغاني التي لي واجتهدت في أن يفهموا فلم يتحرك من القوم أحد وجعلوا يقولون ليت أبا منبه قد جاءنا فقلت في نفسي أرى أني سأفتضح اليوم بأبي منبه فضيحة لم يفتضح أحد قط مثلها
فبينا نحن كذلك إذ جاء أبو منبه وإذا هو شيخ عليه خفان أحمران كأنه جمال فوثبوا جميعا إليه وسلموا عليه وقالوا يا أبا منبه أبطأت علينا وقدموا له الطعام وسقوه أقداحا وخنست أنا حتى صرت كلا شيء خوفا منه فأخذ العود ثم اندفع يغني
(2/340)

( طَرِبَ البحر فاعبُرِي يا سفينهْ ... لا تَشُقِّي على رجالِ المدينهْ ) فأقبل القوم يصفقون ويطربون ثم أخذ في نحو هذا من الغناء فقلت في نفسي أنتم هاهنا لئن أصبحت سالما لا أمسيت في هذه البلدة
فلما أصبحت شددت رحلي على ناقتي واحتقبت ركوة من شراب ورحلت متوجها إلى الحيرة وقلت
( ليت شعري متى تَخُبّ بَي الناقةُ ... بين السَّدِير والصِّنَّيْنِ )
( مُحْقِباً رَكُوَةً وخُبْزَ رُقَاقٍ ... وبُقُولا وقطعةً من نُونِ )
( لستُ أبغِي زاداً سواها من الشام ... وحسبي عُلالةٌ تَكْفيني )
( فإذا أُبْتُ سالماً قلت سُحْقاً ... وبِعَاداً لمعشرٍ فارقوني )
أخبرني محمد بن مزيد والحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه وأخبرنا به وكيع في عقب أخبار رواها عن حماد بن إسحاق عن أبيه فقال وقال لي إسحاق فلا أدري أأدرج الإسناد وهو سماعه أم ذكره مرسلا قال إسحاق وذكر ابن كناسة
أن خالد بن عبد الله القسري حرم الغناء بالعراق في أيامه ثم أذن للناس يوما في الدخول عليه عامة فدخل أليه حنين ومعه عود تحت ثيابه فقال أصلح الله الأمير كانت لي صناعة أعود بها على عيالي فحرمها الأمير فأضر ذلك بي وبهم فقال وما صناعتك فكشف عن عوده وقال هذا فقال له خالد عن فحرك أوتاره وغنى
(2/341)

صوت
( أيها الشامتُ المُعَيِّر بالدهرِ ... أأنت المُبَرَّأُ الموفورُ )
( أم لديك العهدُ الوثيقُ من الأيَّامِ ... بل أنت جاهلٌ مغرورُ )
( مَنْ رأيتَ المنونَ خَلَّدن أم مَنْ ... ذا عليه من أن يُضَامَ خَفيِرُ ) قال فبكى خالد وقال قد أذنت لك وحدك خاصة فلا تجالسن سفيها ولا معربدا فكان إذا دعي قال أفيكم سفيه أو معربد فإذا قيل له لا دخل
شعر هذا الصوت المذكور لعدي بن زيد والغناء لحنين رمل بالوسطى عن عمرو
وقوله المبرأ يعني المبرأ من المصائب
الموفور الذي لم يذهب من ماله ولا من حاله شيء يقال وفر الرجل يوفر
ولديك بمعنى عندك هاهنا
حنين يغني بشر بن مروان
أخبرني أبو صالح محمد بن عبد الواحد الصحاف الكوفي قال حدثنا قعنب ابن المحرز الباهلي قال أخبرنا الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش وعن مجالد عن الشعبي جميعا وأخبرني محمد بن مزيد وحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش عن الشعبي قال
لما ولي بشر بن مروان الكوفة كنت على مظالمه فأتيته عشية وحاجبه أعين صاحب حمام أعين جالس فقلت له استأذن لي على الأمير فقال لي يا أبا عمرو هو على حال ما أظنك تصل إليه معها فقلت أعلمه وخلاك ذم فقد حدث أمر لا بد لي من إنهائه إليه وكان لا يجلس بالعشي فقال لا ولكن اكتب حاجتك في رقعة حتى أوصلها إليه فكتبت رقعة فما لبث أن خرج التوقيع على ظهرها ليس الشعبي ممن يحتشم منه فأذن له فأذن لي فقال ادخل فدخلت فإذا بشر بن مروان عليه غلالة رقيقة صفراء وملاءة تقوم قياما من شدة
(2/342)

الصقال وعلى رأسه إكليل من ريحان وعلى يمينه عكرمة بن ربعي وعلى يساره خالد بن عتاب بن ورقاء وإذا بين يديه حنين بن بلوع معه عوده فسلمت فرد علي السلام ورحب وقرب ثم قال يا أبا عمرو لو كان غيرك لم آذن له على هذه الحال فقلت أصلح الله الأمير عندي لك الستر لكل ما أرى منك والدخول معك فيما لا يجمل والشكر على ما توليني فقال كذاك الظن بك ثم التفت إلى حنين وعوده في حجره وعليه قباء خشك شوي وقال إسحاق خشكون ومستقة حمراء وخفان مكعبان فسلم علي فقلت له كيف أنت أبا كعب فقال بخير أبا عمرو فقلت احزق الزير وارخ البم ففعل وضرب فأجاد فقال بشر لأصحابه تلومونني على أن آذن له في كل حال ثم أقبل علي فقال أبا عمرو من أين وقع لك حزق الزير فقلت ظننت أن الأمر هناك فقال فإن الأمر كما ظننت هناك كله
ثم قال فمن أين تعرف حنينا فقلت هذا بطة أعراسنا فكيف لا أعرفه فضحك وغنى حنين فأجاد فطرب وأمر له بجائزة ثم ودعته وقمت بعد أن ذكرت له ما جئت فيه فأمر لي بعشرة آلاف درهم وعشرة أثواب فقمت مع الخادم حتى قبضت ذلك منه وانصرفت
وقد
(2/343)

وجدت هذا الخبر بخط أبي سعيد السكري يأثره عن محمد بن عثمان المخزومي عن أبيه عن جده أنه كان عند بشر بن مروان يوم دخل عليه الشعبي هذا المدخل وأن حنين بن بلوع غناه
( هُمُ كتموني سَيْرَهمْ حين أزمَعُوا ... وقالوا اتّعدنا للرَّوَاح وبَكَّرُوا ) وهذا القول خطأ قبيح لأن هذا الشعر للعباس بن الأحنف والغناء لعلويه رمل بالوسطى وغني للمأمون فيه فقال سخروا من أبي الفضل أعزه الله
بعض من اوصاف الحيرة
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد بن إسحاق قرأت على أبي وقال أبو عبيد الله الكاتب حدثني سليمان بن بشر بن عبد الملك بن بشر بن مروان قال
وكان بعض ولاة الكوفة يذم الحيرة في أيام بني أمية فقال له رجل من أهلها وكان عاقلا ظريفا أتعيب بلدة بها يضرب المثل في الجاهلية والإسلام قال وبماذا تمدح قال بصحة هوائها وطيب مائها ونزهة ظاهرها تصلح للخف والظلف سهل وجبل وبادية وبستان وبر وبحر محل الملوك ومزارهم ومسكنهم ومثواهم وقد قدمتها أصلحك الله مخفا فرجعت مثقلا ووردتها مقلا فأصارتك مكثرا قال فكيف نعرف ما وصفتها به من الفضل قال بأن تصير إلي ثم ادع ما شئت من لذات العيش فوالله لا أجوز
(2/344)

بك الحيرة فيه قال فاصنع لنا صنيعا واخرج من قولك قال أفعل فصنع لهم طعاما وأطعمهم من خبزها وسمكها وما صيد من وحشها من ظباء ونعام وأرانب وحبارى وسقاهم ماؤها في قلالها وخمرها في آنيتها وأجلسهم على رقمها وكان يتخذ بها من الفرش أشياء ظريفة ولم يستخدم لهم حرا ولا عبدا إلا من مولديها ومولداتها من خدم ووصائف ووصفاء كأنهم اللؤلؤ لغتهم لغة أهلها ثم غناهم حنين وأصحابه في شعر عدي بن زيد شاعرهم وأعشى همدان لم يتجاوزهما وحياهم برياحينها ونقلهم على خمرها وقد شربوا بفواكهها ثم قال له هل رأيتني استعنت على شيء مما رأيت وأكلت وشربت وافترشت وشممت وسمعت بغير ما في الحيرة قال لا والله ولقد أحسنت صفة بلدك ونصرته فأحسنت نصرته والخروج مما تضمنته فبارك الله لكم في بلدكم
قال إسحاق ولم يكن بالحيرة مذكور في الغناء سوى حنين إلا نفرا من السدريين يقال لهم عباديس وزيد بن الطليس وزيد بن كعب ومالك بن حممة وكانوا يغنون غناء الحيرة بين الهزج والنصب وهو إلى النصب أقرب
(2/345)

ولم يدون منه شيء لسقوطه وأنه ليس من أغاني الفحول
وما سمعنا نحن لأحد من هؤلاء خبرا إلا لمالك بن حممة أخبرني به عمي عن عبد الله بن أبي سعد
وقال وكيع في خبره عن إسحاق حدثني أبو بشر الفزاري قال حدثني بشر بن الحسين بن سليمان بن سمرة بن جندب قال
عاش حنين بن بلوع مائة سنة وسبع سنين وكان يقال إنه من جديس قال وقيل أيضا إنه من لخم وكان هو يزعم أنه عبادي وأخواله من بني الحارث بن كعب
أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلاني قال حدثنا يوسف بن إبراهيم قلا حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي قال
كنت مع الرشيد في السنة التي نزل فيها على عون العبادي فأتاني عون بابن ابن حنين بن بلوع وهو شيخ فغناني عدة أصوات لجده فما استحسنتها لأن الشيخ كان مشوه الخلق طن الغناء قليل الحلاوة إلا أنه كان لا يفارق عمود الصوت أبدا حتى يفرغ منه فغناني صوت ابن سريج
( فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ ... ما بينَ قُلّةِ رأسِه والمِعْصَمِ ) فما أذكر أني سمعته من أحد قط أحسن مما سمعته منه فقلت له لقد أحسنت في
(2/346)

هذا الصوت وما هو من أغاني جدك ولا من أغاني بلدك وإني لأعجب من ذلك فقال لي الشيخ والصليب والقربان ما صنع هذا الصوت إلا في منزلنا وفي سرداب لجدي ولقد كاد أن يأتي على نفس عمتي فسألته عن الخبر في ذلك فقال
حنين في ضيافة ابن سريج
حدثني أبي أن عبيد بن سريج قدم الحيرة ومعه ثلثمائة دينار
فأتى بها منزلنا في ولاية بشر بن مروان الكوفة وقال أنا رجل من أهل الحجاز من أهل مكة بلغني طيب الحيرة وجودة خمرها وحسن غنائك في هذا الشعر
( حَنَتْني حانياتُ الدهر حتّى ... كأنِّي خاتلٌ يَدْنُو لصَيْدِ )
( قريبُ الخَطْو يَحْسَبُ مَنْ رآني ... ولستُ مُقَيَّداً أَنِّي بِقَيْدِ ) فخرجت بهده الدنانير لأنفقها معك وعندك ونتعاشر حتى تنفد وأنصرف إلى منزلي
فسأله جدي عن اسمه ونسبه فغيرهما وانتمى إلى بني مخزوم فأخذ جدي المال منه وقال موفر مالك عليك ولك عندنا كل ما يحتاج إليه مثلك ما نشطت للمقام عندنا فإذا دعتك نفسك إلى بلدك جهزناك إليه ورددنا عليك مالك وأخلفنا ما أنفقته عليك إلى أن جئتنا وأسكنه دارا كان ينفرد فيها فمكث عندنا شهرين لا يعلم جدي ولا أحد من أهلنا أنه يغني حتى انصرف جدي من دار بشر ابن مروان في يوم صائف مع قيام الظهيرة فصار إلى باب الدار التي كان أنزل ابن سريج فيها فوجده مغلقا فارتاب بذلك ودق الباب فلم يفتح له ولم يجبه أحد فصار إلى منازل الحرم فلم يجد فيها ابنته ولا جواريه ورأى ما بين الدار التي فيها الحرم ودار ابن سريج مفتوحا فانتضى سيفه ودخل الدار ليقتل ابنته فلما دخلها رأى ابنته وجواريه وقوفا على باب السرداب وهن يومئن إليه بالسكوت وتخفيف
(2/347)

الوطء فلم يلتفت إلى إشارتهن لما تداخله إلى أن سمع ترنم ابن سريج بهذا الصوت فألقى السيف من يده وصاح به وقد عرفه من غير أن يكون رآه ولكن بالنعت والحذق أبا يحيى جعلت فداءك أتيتنا بثلثمائة دينار لتنفقها عندنا في حيرتنا فوحق المسيح لا خرجت منها إلا ومعك ثلثمائة دينار وثلثمائة دينار وثلثمائة دينار سوى ما جئت به معك ثم دخل إليه فعانقه ورحب به ولقيه بخلاف ما كان يلقاه به وسأله عن هذا الصوت فأخبره أنه صاغه في ذلك الوقت
فصار معه إلى بشر بن مروان فوصله بعشرة آلاف درهم أول مرة ثم وصله بعد ذلك بمثلها فلما أراد الخروج رد عليه جدي ماله وجهزه ووصله بمقدار نفقته التي أنفقها من مكة إلى الحيرة ورجع ابن سريج إلى أهله وقد أخذ جميع من كان في دارنا منه هذا الصوت
غنى للناس فمات بسبب الازدحام
أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني حسان بن محمد الحارثي قال حدثنا عبد الله قال حدثنا عبيد بن حنين الحيري قال
كان المغنون في عصر جدي أربعة نفر ثلاثة بالحجاز وهو وحده بالعراق والذين بالحجاز ابن سريج والغريض ومعبد فكان يبلغهم أن جدي حنينا قد غنى في هذا الشعر
( هَلاَّ بكَيْت على الشباب الذاهبِ ... وكَفَفْتَ عن ذَمِّ المَشِيبِ الآئبِ )
( هذا ورُبَّ مُسَوِّفِينَ سَقَيْتُهُمْ ... من خمر بابلَ لذّةً للشارِبِ )
( بَكَرُوا عَلَيَّ بسُحْرَةٍ فَصَبَحْتُهم ... من ذات كُوبٍ مثل قَعْبِ الحالِبِ )
(2/348)

( بزجاجةٍ ملْءِ اليَدَيْن كأنّها ... قِنْديلُ فِصْح في كَنِيسة راهِبِ ) قال فاجتمعوا فتذاكروا أمر جدي وقالوا ما في الدنيا أهل صناعة شر منا لنا أخ بالعراق ونحن بالحجاز لا نزوره ولا نستزيره
فكتبوا إليه ووجهوا إليه نفقة وكتبوا يقولون نحن ثلاثة وأنت وحدك فأنت أولى بزيارتنا فشخص إليهم فلما كان على مرحلة من المدينة بلغهم خبره فخرجوا يتلقونه فلم ير يوم كان أكثر حشرا ولا جمعا من يومئذ ودخلوا فلما صاروا في بعض الطريق قال له معبد صيروا إلي فقال له ابن سريج إن كان لك من الشرف والمروءة مثل ما لمولاتي سكينة بنت الحسين عطفنا إليك فقال مالي من ذلك شيء وعدلوا إلى منزل سكينة
فلما دخلوا إليها أذنت للناس إذنا عاما فغصت الدار بهم وصعدوا فوق السطح وأمرت لهم بالأطعمة فأكلوا منها ثم إنهم سألوا جدي حنينا أن يغنيهم صوته الذي أوله
( هَلاَّ بكيتَ على الشباب الذاهبِ ... ) فغناهم إياه بعد أن قال لهم ابدأوا أنتم فقالوا ما كنا لنتقدمك ولا نغني قبلك حتى نسمع هذا الصوت فغناهم إياه وكان من أحسن الناس صوتا فازدحم الناس على السطح وكثروا ليسمعوه فسقط الرواق على من تحته فسلموا جميعا وأخرجوا أصحاء ومات حنين تحت الهدم فقالت سكينة عليها السلام لقد كدر علينا حنين سرورنا انتظرناه مدة طويلة كأنا والله كنا نسوقه إلى منيته
نسبة ما في الخبر الأول من الغناء
صوت
( فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ ... ما بينَ قُلّةِ رأسِه والمِعْصَمِ )
( إن تُغْدِفي دُونِي القِنَاعَ فإنّني ... طَبٌّ بأخذ الفارِس المُسْتَلْئِم )
(2/349)

الشعر لعنترة بن شداد العبسي والعناء فيه لحنين ثاني ثقيل
ومنها
صوت
( حَنَتْني حانياتُ الدهر حتّى ... كأنِّي خاتلٌ يَدْنُو لصَيْدِ )
( قريبُ الخَطْو يَحْسَبُ مَنْ رآني ... ولستُ مُقَيَّداً أَنِّي بِقَيْدِ )
الغناء لحنين الحيري ثقيل أول
وفيه لإبراهيم الموصلي ماخوري جميعا عن ابن المكي ووافقه عمرو بن بانة في لحن إبراهيم الموصلي ونسبة الشعر الذي غناه حنين في منزل سكينة عليها السلام يقال إنه لعدي بن زيد وقيل إن بعضه له وقد أضافه المغنون إليه
ولحنه خفيف ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق
صوت
من المائة المختارة
( رَاعَ الفؤادَ تَفَرُّقُ الأحبابِ ... يَومَ الرحيل فهاجَ لي أَطْرابي )
( فَظَلِلتُ مكتئباً أَكَفْكِفُ عَبْرةً ... سَحَاً تَفِيضُ كواشلِ الأسراب )
( لمّا تَنَادَوْا للرحيل وقَرَّبوا ... بُزْلَ الجِمَال لِطِيَّةٍ وذَهَابِ )
(2/350)

كاد الأَسى يَقْضي عليك صبابةً ... والوجهُ منك لِبَيْنِ إِلفك كَابِي )
عروضه من الكامل
والشعر لعمر بن أبي ربيعة
والغناء للغريض ولحنه المختار من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق
وقال حبش وفيه لأبي كامل ثاني ثقيل بالوسطى وذكر حبش أنّ للغريض أيضاً فيه خفيفَ ثقيل بالوُسْطى ولمالك ثقيلٌ أوّل بالوسطى
وهذه الأبيات قالها عمر ابن أبي ربيعة في بنت لعبد الملك بن مروان كانت حجت في خلافته
عمر بن أبي ربيعة وقصته مع بنت عبد الملك
أخبرني علي بن صالح بن الهيثم قال أخبرني أبو هفان عن إسحاق بن إبراهيم عن الزبيري والمدائني ومحمد بن سلام والمسّيبيّ
أن بنتا لعبد الملك بن مروان حجت فكتب الحجاج إلى عمر بن أبي ربيعة يتوعده إن ذكرها في شعره بكل مكروه وكانت تحب أن يقول فيها شيئا وتتعرض لذلك فلم يفعل خوفا من الحجاج
فلما قضت حجها خرجت فمر بها رجل فقالت له من أين أنت قال من أهل مكة قالت عليك وعلى أهل بلدك لعنة الله قال ولم ذاك قالت حججت فدخلت مكة ومعي من الجواري ما لم تر الأعين مثلهن فلم يستطع ابن أبي ربيعة أن يزودنا من شعره أبياتا نلهو بها في الطريق في سفرنا قال فإني لا أراه إلا قد فعل قالت فأتنا بشيء إن كان قاله ولك بكل بيت عشرة دنانير فمضى إليه فأخبره فقال لقد فعلت ولكن أحب أن تكتم علي قال أفعل فأنشده
( رَاعَ الفؤادَ تَفَرُّقُ الأحبابِ ... يَومَ الرحيل فهاجَ لي أَطْرابي )
وهي طويلة
وأنشده
( هَاجَ قلبي تَذَكُّرُ الأحبابِ ... واعترتْني نوائبُ الأطرابِ )
(2/351)

وهي طويلة أيضاً يقول فيها
( أُقْتُلِينِي قَتْلاً سريعاً مُريحاً ... لا تكوني عليّ سَوْطَ عَذَابِ )
( شَفَّ عنها مُحَقَّق جَنَدِيٌّ ... فهي كالشمس من خلال سَحَابِ )
ذكر حبش أن في هذه الثلاثة الأبيات للهذلي ثاني ثقيل بالبنصر قال فعاد إليها الرجل فأنشدها هاتين القصيدتين فدفعت إليه ما وعدته به
(2/352)

ذكر الغريض وأخباره
الغريض لقب لقب به لأنه كان طري الوجه نضرا غض الشباب حَسنَ المنظر فلقب بذلك
والفريض الطري من كل شيء
وقال ابن الكلبي شبه بالإغريض وهو الجمار فسمي به وثقل ذلك على الألسنة فحذفت الألف منه فقيل له الغريض
واسمه عبد الملك وكنيته أبو يزيد
وأخبرنا إسماعيل بن يونس الشيعى عن عمر بن شبة عن أبي غسان عن جماعة من المكيين
أنه كان يكنى أبا مروان
وهو مولى العبلات وكان مولدا من مولدي البربر
وولاؤه وولاء يحيى قيل وسمية للثريا صاحبة عمر بن أبي ربيعة وأخواتها الرضيا وقريبة وأم عثمان بنات علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر وقد مضت أخبارهن في صدر الكتاب
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني محمد بن نصر الضبعي قال حدثني عبد الكريم بن أبي معاوية العلابي عن هشام بن الكلبي عن أبيه وعن أبي مسكين وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان محمد بن يحيى وأخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن أبي
(2/353)

الأزهر حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الزبيري والمدائني ومحمد بن سلام وقد جمعت رواياتهم في قصة الغريض قالوا
الغريض يتعلم النوح وينوح في المآتم
كان الغريض يضرب بالعود وينقر بالدف ويوقع بالقضيب وكان جميلا وضيئا وكان يصنع نفسه ويبرقها وكان قبل أن يغني خياطا
وأخذ الغناء في أول أمره عن ابن سريج لأنه كان يخدمه
فلما رأى ابن سريج طبعه وظرفه وحلاوة منطقه خشي أن يأخذ غناءه فيغلبه عليه عند الناس ويفوقه بحسن وجهه وجسده فاعتل عليه وشكاه إلى مولياته وهن كن دفعنه إليه ليعلمه الغناء وجعل يتجنى عليه ثم طرده فشكا ذلك إلى مولياته وعرفهن غرض ابن سريج في تنحيته إياه عن نفسه وأنه حسده على تقدمه فقلن له هل لك في أن تسمع نوحنا في قبلانا فتأخذه وتغني عليه قال نعم فافعلن فأسمعنه المراثي فاحتذاها وخرج غناء عليها كالمراثي وكان ينوح مع ذلك فيدخل المآتم وتُضْرَب دونَه الحُجُب ثم يَنُوح فيفتن كل من سمعه
ولما كثر غناؤه اشتهاه الناس وعدلوا إليه لما كان فيه من الشجا فكان ابن سريج لا يغني صوتا إلا عارضه الغريض فيه لحنا آخر
فلما رأى ابن سريج موقع الغريض اشتد عليه وحسده فغنى الأرمال والأهزاج فاشتهاها الناس فقال له الغريض يا أبا يحيى قصرت الغناء وحذفته قال نعم يا مخنث حين جعلت تنوح على أمك وأبيك
قال إسحاق وحدثني أبو عبيدة قال لما غضب ابن سريج على الغريض فأقصاه وهجره لحق بحوراء وبغوم جاريتين نائحتين كانتا في شعب ابن
(2/354)

عامر بمكة ولم يكن قبلهما ولا بعدهما مثلهما فرأتاه يوما يعصر عينيه ويبكي فقالتا له مالك تبكي فذكر لهما ما صنع به ابن سريج فقالتا له لا أرقأ الله دمعك ألزز رأسك بين ما أخذته عنه وبين ما تأخذه منا فإن ضعت بعدها فأبعدك الله
الغريض من الأربعة المشهورين في الفناء
قال إسحاق وحدثني أبو عبد الله الزبيري قال رأيت جريرا في مجلس من مجالس قريش فسمعته يقول كان المغنون بمكة أربعة فسيد مبرز وتابع مسدد فسألناه عن ذاك فقال كان السيد أبو يحيى بن سريج والتابع أبو يزيد الغريض
وكان هناك رجل عالم بالصناعة فقال كان الغريض أحذق أهل زمانه بمكة بالغناء بعد ابن سريج وما زال أصحابنا لا يفرقون بينهما لمقاربتهما في الغناء
قال الزبيري وقال بعض أهلي لو حكمت بين أبي يحيى وأبي يزيد لما فرقت بينهما وإنما تفضيلي أبا يحيى بالسبق فأما غير ذلك فلا لأن أبا يزيد عنه أخذ ومن بحره اغترف وفي ميدانه جرى فكان كأنه هو ولذلك قالت سكينة لما غنى الغريض وابن سريج
( عُوجِي علينا رَبّة الهودَج ... ) والله ما أفرق بينكما وما مثلكما عندي إلا كمثل اللؤلؤ والياقوت في أعناق الجواري الحسان لا يدري أي ذلك أحسن
قال إسحاق وسمعت جماعة من البصراء عند أبي يتذاكرونهما فأجمعوا على أن الغريض أشجى غناء وأن ابن سريج أحكم صنعة
(2/355)

قال إسحاق وحدثني أبو عبد الله الزبيري قال حدثني بعض أهلي قال حججنا فلما كنا بجمع سمعنا صوتا لم نسمع أحسن منه ولا أشجى فأصغى الناس كلهم إليه تعجبا من حسنه فسألت من هذا الرجل فقيل لي الغريض فتتابع جماعة من أهل مكة فقالوا ما نعرف اليوم أحدا أحسن غناء من الغريض ويدلك على ذلك أنه يعترض بصوته الحاج وهم في حجهم فيصغون إليه
فسألوا الغريض عن ذلك فقال نعم فسألوه أن يغنيهم فأجابهم وخرج فوقف حيث لا يرى ويسمع صوته فترنم ورجع صوته وغنى في شعر عمر بن أبي ربيعة
( أيُّها الرائحُ المُجِدّ ابتِكَارَا ... قد قَضَى مِن تِهَامَةَ الأَوْطَارَ ) فما سمع السامعون شيئا كان أحسن من ذلك الصوت وتكلم الناس فقالوا طائفة من الجن حجاج
نسبة هذا الصوت
صوت
( أيُّها الرائحُ المُجِدّ ابتِكَارَا ... قد قَضَى مِن تِهَامَةَ الأَوْطَارَ )
( مَنْ يكنْ قلبُه الغَدَاة خَلِيًّا ... ففؤادي بالخَيْفِ أَمْسَى مُعَارَا )
( ليت ذا الحجّ كان حَتْماً علينا ... كلَّ شهريْن حِجَّةً واعتِمارَا )
عروضه من الخفيف
الشعر لعمر بن أبي ربيعة
والغناء لابن محرز ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الثاني بالخنصر في مجرى الوسطى
وفيه لحن للغريض من رواية حماد عن أبيه
(2/356)

أمير مكة ينفي الغريض
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وإسماعيل بن يونس قالا حدثنا عمد ابن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم قال
بلغني أن معبدا وابن سريج والغريض اجتمعوا بمكة ذات ليلة فقالوا هلم نبك أهل مكة ووجدت هذا الخبر بغير إسناد مرويا عن يونس الكاتب أن أميرا من أمراء مكة أمر بإخراج المغنين من الحرم فلما كان في الليلة التي عزم بهم على النفي في غدها اجتمعوا على أبي قبيس وكان معبد قد زارهم فبدأ معبد فغنى كذا روي عن يونس ولم يذكره الباقون
صوت
( أَتِرْبَيَّ مِن أَعْلَى مَعَدّ هُدِيتُمَا ... أجِدّا البُكَا إنّ التفرُّقَ باكِرُ )
( فما مكُثْناُ دام الجَمِيلُ عليكما ... بِثَهْلان إلاّ أنْ تُزَمّ الأباعِرُ )
عروضه من الطويل
هكذا ذكره ولم ينسبه ولا جنسه قال فتأوه أهل مكة وأنوا وتمخطوا
واندفع الغريض يغني
( أيُّها الرائحُ المُجِدّ ابتِكَارَا ... قد قَضَى مِن تِهَامَةَ الأَوْطَارَ ) فارتفع البكاء والنحيب
واندفع ابن سريج يغني
(2/357)

( جَدّدِي الَوصل يا قُريبُ وجُودِي ... لمُحبٍّ فِراقُهَ قد ألَمَّا )
( ليس بين الحياة والموت إلاّ ... أن يَرُدُّوا جِمَالَهُمْ فتُزَمَّا ) فارتفع الصراخ من الدور بالويل والحرب
قال يونس في خبره واجتمع الناس إلى الأمير فاستعفوه من نفيهم فأعفاهم
وذكر الباقون أن الغريض ابتدأ بلحنه
( أيُّها الراكب المُجِدّ ابتِكارَا ... ) وتلاه ابن سريج في جددي الوصل
قال وارتفع الصراخ فلم يسمع من معبد شيء ولم يقدر على أن يغني
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال أخبرني عبد الرحمن بن محمد السعدي قال
حضرت شطباء المغنية جارية علي بن جعفر ذات يوم تغني
( ليس بين الرَّحِيل والبيْنِ إلاّ ... أنْ يَرُدُّوا جِمالَهم فتُزَمَّا ) فطرب علي بن جعفر وصاح سبحان الله العظيم ألا يوكون قربة ألا يشدون محملا ألا يعلقون سفرة ألا يسلمون على جار هذه والله العجلة
أخبرني أحمد بن عبد العزيز وإسماعيل بن يونس قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن يحيى قال زعم عبيد بن يعلى قال
قال لي كثير بن كثير السهمي لما ماتت الثريا أتاني الغريض فقال لي قل لي شعرا أبك به عليها فقلت
(2/358)

صوت
( أَلاَ يا عينُ مَالَكِ تَدْمَعِينَا ... أَمِنْ رَمَدٍ بكيتِ فتُكْحلِينَا )
( أَمَ انتِ مريضة تَبْكِينَ شَجْواً ... فَشَجْوُكِ مثلُهُ أبكَى العيونا ) فناح به عليها
قال وأخبرني من رآه بين عمودي سريرها ينوح به
الغناء للغريض في هذين البيتين خفيف ثقيل بالوسطى عن ابن المكي وفيه ثقيل أول مجهول
سكينة بنت الحسين تساوي بين الغريض وابن سريج
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد ابن سلام وأخبرنا وكيع قال حدثنا محمد بن إسماعيل عن محمد بن سلام بن جرير ورواه حماد عن أبيه عن ابن سلام عن جرير أيضا
أن سكينة بنت الحسين عليه السلام حجت فدخل إليها ابن سريج والغريض وقد استعار ابن سريج حلة لامرأة من قريش فلبسها فقال لها ابن سريج يا سيدتي إني كنت صنعت صوتا وحسنته وتنوقت فيه وخبأته لك في حريرة في درج مملوء مسكا فنازعنيه هذا الفاسق يعني الغريض فأردنا أن نتحاكم إليك فيه فأينا قدمته فيه تقدم قالت هاته فغناها
( عُوجِي علينا رَبَّةَ الهَوْدَجِ ... إنّكِ إلاّ تَفْعَلِي تَحْرَجِي ) فقالت هاته أنت يا غريض فغناها إياه فقالت لابن سريج أعده فأعاده وقالت يا غريض أعده فأعاده فقالت ما أشبهكما إلا بالجديين الحار
(2/359)

والبارد لا يدري أيهما أطيب
وقال إسحاق في خبره ما أشبهكما إلا باللؤلؤ والياقوت في أعناق الجواري الحسان لا يدري أيهما أحسن
نسبة هذا الصوت
صوت
( عُوجِي علينا رَبَّةَ الهَوْدَجِ ... إنّكِ إلاّ تَفْعَلِي تَحْرَجِي )
( إنِّي أُتِيحتْ لي يَمَانِيَّةٌ ... إحدى بني الحارثِ من مَذْحِج )
( نَلْبَثُ حَوْلاً كاملاً كُلَّه ... لا نلتقي إلا على مَنْهَج )
( في الحجِّ إن حَجَّت وماذا مِنًى ... وأهلُه إن هي لم تَحْجُجِ )
( أيسرُ ما نالَ مُحِبٌّ لدى ... بَيْنِ حبيبٍ قولُهُ عَرِّج )
عروضه من السريع
والشعر للعرجي
والغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو
وفيه للغريض ثقيل أول بالوسطى عن حبش
ولإسحاق في الأول والثالث ثقيل أول بالبنصر عن عمرو وللأبجر فيه ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى بالبنصر عن ابن المكي
ولعلويه خفيف ثقيل عن الهشامي
ولحكم خفيف رمل عنه أيضا
أخبرني محمد بن خلف قال وكيع قال حدثنا عبد الله بن عمر عمرو بن بشر قال حدثني إبراهيم بن المنذر قال حدثني حمزة بن عتبة اللهبي عن عبد الوهاب بن مجاهد أو غيره قال
كنت مع عطاء بن أبي رباح فجاءه رجل فأنشده قول العرجى
( إنّي أُتِيحَتْ لي يمانِيّةٌ ... ) وذكر الأبيات وختمها بقوله
( في الحجِّ إن حَجَّت وماذا مِنًى ... وأهلُه إن هي لم تَحْجُجِ )
(2/360)

قال فقال عطاء بمنى والله وأهله خير كثير إذ غيبها الله وإياه عن مشاعره
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال
ولي قضاء مكة الأوقص المخزومي فما رأى الناس مثله في عفافه ونبله فإنه لنائم ليلة في جناح له إذ مر به سكران يتغنى
( عُوجِي علينا رَبّة الهَوْدَج ... ) فأشرف عليه فقال يا هذا شربت حراما وأيقظت نياما وغنيت خطأ خذه غني فأصلحه له وانصرف
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق عن حمزة بن عتبة اللهبي قال
مر الأبجر بعطاء وهو سكران فعذله وقال شهرت نفسك بالغناء واطرحتها وأنت ذو مروءة فقال امرأته طالق ثلاثا إن برحت أو أغنيك صوتا فإن قلت لي هو قبيح تركته فقال له عطاء هات ويحك فقد أضررت بي فغناه
( في الحجِّ إن حَجَّت وماذا مِنًى ... وأهلُه إن هي لم تَحْجُجِ ) فقال له عطاء الخير والله كله هناك حجت أولم تحج فاذهب الآن راشدا فقد برت يمينك
الغريض وابن أبي عتيق
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني المغيرة بن محمد قال حدثني هارون بن موسى الفروي قال حدثني بعض المدنيين قال
خرج ابن أبي عتيق على نجيب له من المدينة قد أوقره من طرف المدينة
(2/361)

الصخرة ففعل ذلك مرارا فقالوا له ما هذا يا غريض قال كأني بها قد جاءت يوم القيامة رافعة ذيلها تشهد علينا بما كان منا إلى جانبها فأردت أن أجرح شهادتها على ذلك اليوم
نسبة هذا الصوت
صوت
( جَرَى ناصِحٌ بالوُدِّ بَيْني وبينها ... فقرَّبني يومَ الحِصَاب إلى قَتْلي )
( فقالتْ وأَرْخَتْ جانبَ السِّتر إنما ... معي فتحدَّثْ غَيْرَ ذي رِقْبَةٍ أهلي )
( فقلتُ لها ما بِي لهم من تَرَقُّبٍ ... ولكِنَّ سِرِّي ليس يَحْمِلُهُ مِثْلي )
عروضه من الطويل
الشعر لعمر بن أبي ربيعة
والغناء لابن سريج رمل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق في الثلاثة الأبيات
وذكر يونس أن فيه لحنا لمالك وفيه للغريض خفيف ثقيل أول بالوسطى عن حبش والهشامي وعلي ابن يحيى وحماد بن إسحاق
ولمعبد فيه ثقيل أول بالبنصر عن حبش
ولابن محرز ثاني ثقيل بالوسطى عنه
عمر وجميل يتعارضان الشعر
حدثني علي بن صالح بن الهيثم قال حدثني أبو هفان عن إسحاق بن إبراهيم عن المسيّبيّ والمدائني وابن سلام
أن عمر بن أبي ربيعة كان يعارض جميلا إذا قال هذا قصيدة قال هذا مثلها فيقال إن عمر في الرائية والعينية أشعر من جميل وإن جميلا أشعر منه في اللامية
وقال الزبير فيما أخبرني به الحرمي بن أبي العلاء عنه من الناس من
(2/362)

يفضل قصيدة جميل اللامية على قصيدة عمر وأنا لا أقول هذا لأن قصيدة جميل مختلفة غير مؤتلفة فيها طوالع النجد وخوالد المهد وقصيدة عمر بن أبي ربيعة ملساء المتون مستوية الأبيات آخذ بعضها بأذناب بعض ولو أن جميلا خاطب في قصيدته مخاطبة عمر لأرتج عليه وعثر كلامه به
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم قال حدثني شيخ من أهلي عن أبي الحارث بن نابتة مولى هشام بن الوليد المخزومي وهو الذي يقول له عمر بن أبي ربيعة
( يا أبا الحارِث قَلْبي طائرٌ ... فاستمِعْ قَوْلَ رشيدٍ مُؤْتَمَنْ )
قال شهدت عمر بن أبي ربيعة وجميلا بالأبطح فأنشد جميل قصيدته التي يقول فيها
( لقد فَرِحَ الواشُونَ أَنْ صَرَمَتْ حَبْلي ... بُثَيْنَةُ أو أَبْدَتْ لنا جانبَ البُخْلِ ) ثم قال يا أبا الخطاب هل قلت في هذا الوزن شيئا قال نعم فأنشده قوله
( جَرَى ناصحٌ بالوُدِّ بَيْني وبَيْنَها ... ) فقال جميل هيهات يا أبا الخطاب والله لا أقول مثل هذا سجيس الليالي والله ما خاطب النساء مخاطتبك أحد وقام مشمرا
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال
(2/364)

رأيت علماءنا جميعا لا يشكون في أن أحسن ما يروى في تعظيم السر قول عمر
( ولكنَّ سِرِّي ليس يَحْمِله مِثْلي ... )
قال الزبير وحدثني محمد بن إسماعيل قال حدثني ابن أبي الزناد قال إنما اجتمع عمر بن أبي ربيعة وجميل بالجناب
أخبرني محمد بن أحمد الطلاس قال أخبرنا أحمد بن الحارث الخزاز عن المدائني
أن الفرزدق سمع عمر بن أبي ربيعة ينشد هذه القصيدة فلما بلغ إلى قوله
( فقُمْنَ وقد أَفْهَمْنَ ذا اللبِّ أنما ... فَعَلْنَ الذي يَفْعَلْنَ مِن ذاك مِن أَجْلي ) صاح الفرزدق وقال هذا والله الشعر الذي أرادته الشعراء فأخطأته وبكت الديار
نسبة ما في قصيدة عمر وسائر هذه الأخبار من الأغاني
سوى قصيدة جميل فإن لها أخبارا تذكر مع أخباره
فمن ذلك قصيدة عمر التي أولها
( جَرَى ناصحٌ بالوُدِّ بَيْني وبينها ... )
صوت
( قِفِي البغلةَ الشهباءَ باللهِ سَلِّمِي ... عُزَيزة ذاتَ الدَّلِّ والخُلُق الجَزْلِ )
( فَلَمَّا تَوَاقَفْنَا عَرَفْتُ الذي بها ... كمِثْل الذي بي حَذْوَكَ النَّعْلَ بالنَّعْل )
( فقُلْنَ لها هذا عِشَاءٌ وأهلُنا ... قريبٌ أَلَمَّا تَسْأَمِي مَرْكَبَ البَغْلِ )
(2/365)

عروضه من الطويل
الشعر لعمر بن أبي ربيعة
و الغناء لمعبد في الأول و الثاني ثقيل أول و بالوسطى عن عمرو بن بانة و علي بن يحيى و قيل إنه لمالك ولابن محرز في الثاني و الثالث خفيف ثقيل أول بالبنصر عن الهشامي
ولإبن سريج في الأول ثقيل و الثاني خفيف اخر بالوسطى وهو الذي فيه استهلال
ولمالك في الثاني و الثالث ثاني ثقيل بالبنصر
و لابراهيم فيهما خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن ابن المكي
ومنها
صوت
( يا أبا الحارِث قَلْبي طائرٌ ... فاستمِعْ قولَ رشيدٍ مؤتَمَنْ )
( ليس حبٌّ فوق ما أحببتُكم ... غيرَ أن أقتُلَ نفسي أو أُجَنّ )
( حَسَنُ الوجهِ نقيٌّ لونُهُ ... طيبُ النَّشْرِ لذيذُ المحتضَنْ )
عروضه من الرمل
الشعر لعمر بن أبي ربيعة
والغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو وقيل إنه لابن عائشة وذكر ابن المكي أنه للغريض في الثاني والثالث وفيهما رمل يقال إنه لأهل مكة ويقال إنه لعبد الله بن يونس صاحب أيلة
وفيه ثقيل أول ذكر حبش أنه لابن سريج وذكر غيره أنه لمحمد ابن السندي المكي وأنه غناه بحضرة إسحاق فأخذه عنه
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان محمد بن يحيىقال
(2/366)

كان ابن عائشة يغني الهزج والخفيف فقيل له إنك لا تستطيع أن تغني غناء شجيّاً ثقيلا فغنى
( يا أبا الحارث قلْبي طائِرٌ ... )
رجع الحديث إلى أخبار الغريض
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أيوب بن عباية عن مولى لآل الغريض قال
حدثني بعض مولياتي وقد ذكرن الغريض فترحمن عليه وقلن جاءنا يوما يحدثنا بحديث أنكرناه عليه ثم عرفنا بعد ذلك حقيقته وكان من أحسن الناس وجها صغيرا وكبيرا وكنا نلقى من الناس عنتا بسببه هو كان ابن سريج في جوارنا فدفعناه إليه فلقن الغناء وكان من أحسن الناس صوتا ففتن أهل مكة بحسن وجهه مع حسن صوته فلما رأى ذلك ابن سريج نحاه عنه وكانت بعض مولياته تعلمه النياحة فبرز فيها فجاءني يوما فقال نهتني الجن أن أنوح وأسمعتني صوتا عجيبا فقد ابتنيت عليه لحنا فاسمعيه مني واندفع فغنى بصوت عجيب في شعر المرار الأسدي
( حَلَفْتُ لها يالله ما بَيْنَ ذي الغَضَا ... وهضْبِ القَنَانِ من عَوانٍ ولا بِكْرِ )
( أحَبُّ إلينا منكِ دَلاّ وما نَرَى ... به عند لَيْلَى من ثوابٍ ولا أجرِ )
(2/367)

فكذبناه وقلنا شيء فكر فيه وأخرجه على هذا اللحن فكان في كل يوم يأتينا فيقول سمعت البارحة صوتا من الجن بترجيع وتقطيع قد بنيت عليه صوت كذا وكذا بشعر فلان فلم يزل على ذلك ونحن ننكر عليه فإنا لكذلك ليلة وقد اجتمع جماعة من نساء أهل مكة في جمع لنا سهرنا فيه ليلتنا والغريض يغنينا بشعر عمر بن أبي ربيعة
( أمِنْ آلِ زينبَ جدٍّ البُكُورُ ... نَعَمْ فلأيّ هواها تَصِيرُ ) إذ سمعنا في بعض الليل عزيفا عجيبا وأصواتا مختلفة ذعرتنا وأفزعتنا فقال لنا الغريض إن في هذه الأصوات صوتا إذا نمت سمعته وأصبح فأبني عليه غنائي فأصغينا إليه فإذا نغمتة نغمة الغريض بعينها فصدقناه تلك الليلة
نسبة ما في هذا الخبر من الغناء
صوت
( حلفت لها . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ) البيتان
عروضه من الطويل
غناه الغريض ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى عن حبش
قال ولعلويه فيه ثقيل أول آخر بالبنصر
ومنها
صوت
( أمِنْ آلِ زينبَ جدٍّ البُكُورُ ... نَعَمْ فلأيّ هواها تَصِيرُ )
( أبا الغَوْر أم أَنْجَدتْ دارُها ... وكانتْ حديثاً بعهدي تغُورُ )
( نَظَرتُ بخَيْفِ مِنىً نظرةً ... إليها فكاد فؤادي يَطِيرُ )
(2/368)

( هي الشمسُ تَسْرِي بها بَغْلَةٌ ... وما خِلْتُ شمساً بليلٍ تسيرُ )
( ألم تَرَ أنك مستشرفٌ ... وأنّ عدوّك حَوْلي حضورُ )
عروضه من المتقارب
الشعر للنميري وقيل أنه ليزيد بن معاوية
والغناء لسياط خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو
ولابن سريج فيه خفيف ثقيل بالوسطى أوله
( هي الشمسُ تَسْري بها بَغْلَةٌ ... )
وفيه للغريض ثاني ثقيل بالبنصر عن الهشامي وحماد ذكر غيرهما أنه لابن جامع
وذكر حبش أن فيها لابن محرز ثقيلا أول بالبنصر
الغريض وسكينة
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال قال أبو عبد الله مصعب الزبيري
اجتمع نسوة فذكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه وحسن مجلسه وحديثه وتشوقن إليه وتمنينه فقالت سكينة أنا لكن به فبعثت إليه رسولا ووعدته الصورين
(2/369)

لليلة سمتها فوافاها على رواحله ومعه الغريض فحدثهن حتى وافى الفجر وحان انصرافهن فقال لهن إني والله لمشتاق إلى زيارة قبر النبيوالصلاة في مسجده ولكن لا أخلط بزيارتكن شيئا ثم انصرف إلى مكة وقال
( ألْمِمْ بزينَبَ إنّ البَيْنَ قد أَفدا ... قلَّ الثَّواءُ لَئِنْ كان الرحيلُ غَدَا ) قال وانصرف عمر بالغريض معه فلما كان بمكة قال عمر يا غريض إني أريد أن أخبرك بشيء يتعجل لك نفعه ويبقى لك ذكره فهل لك فيه قال افعل من ذلك ما شئت وما أنت أهله قال إني قد قلت في هذه الليلة التي كنا فيها شعرا فامض به إلى النسوة فأنشدهن ذلك وأخبرهن أني وجهت بك فيه قاصدا قال نعم
فحمل الغريض الشعر ورجع إلى المدينة فقصد سكينة وقال لها جعلت فداك إن يا سيدتي ومولاتي إن أبا الخطاب أبقاه الله وجهني إليك قاصدا قالت أوليس في خير وسرور تركته قال نعم قالت وفيم وجهك أبو الخطاب حفظه الله قال جعلت فداك إن ابن أبي ربيعة حملني شعرا وأمرني أن أنشدك إياه قالت فهاته قال فأنشدها
( ألْمِمْ بزينَبَ إنّ البَيْنَ قد أَفدا ... قلَّ الثَّواءُ لَئِنْ كان الرحيلُ غَدَا ) الشعر كله قالت فيا ويحه فما كان عليه ألا يرحل في غده فوجهت إلى النسوة فجمعتهن وأنشدتهن الشعر وقالت للغريض هل عملت فيه شيئا قال قد غنيته ابن أبي ربيعة قالت فهاته فغناه الغريض فقالت سكينه أحسنت والله وأحسن ابن أبي ربيعه لولا أنك سبقت فغنيته عمر قبلنا لأحسنا جائزتك يا بنانة أعطيه بكل بيت ألف درهم فأخرجت اليه بنانة أربعة الاف درهم فدفعتها إليه وقالت سكينة لو زادنا عمر لزدناك
(2/370)

نسبة هذا الغناء
صوت
( ألْمِمْ بزينَبَ إنّ البَيْنَ قد أَفدا ... قلَّ الثَّواءُ لَئِنْ كان الرحيلُ غَدَا )
( قد حَلَفَتْ ليلةَ الصَّوْرَيْن جاهِدةً ... وما على الحُرِّ إلا الصَّبْرُ مُجتَهِدا )
( لأختها ولأخرى من مَنَاصِفِها ... لقد وَجَدتُ به فوقَ الذي وَجَدَا )
( لَعَمْرُها ما أراني إن نَوىً نَزَحتْ ... وهكذا الحبُّ إلا مَيِّتّاً كَمَدَا )
عروضه - من البسيط -
الشعر لعمر بن أبي ربيعة والغناء لابن سريج وله فيه لحنان أحدهما رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق والآخر خفيف رمل بالوسطى عن عمرو وفيه لحن للغريض خفيف ثقيل بالنصر عن الهشامي وحماد وذكر عمرو إنه لمالك أوله الرابع ثم الأول ومن الناس من ينسب هذا إلى معبد وأوله
( يا أمّ طَلْحَة إن البَيْنَ قد أفِدا ... )
وذلك خطأ اللحن الذي عمله معبد غير هذا وهو
صوت
( يا أمَّ طلحةَ إنّ البَيْنَ قد أفِدَا ... قَلَّ الثَوَاءُ لئن كان الرحيلُ غَدَا )
( أَ مْسَى العِرَاقِيّ لا يدري إذا بَرَزَتْ ... مَنْ ذا تَطوَّف َ بالأركان أو سَجَدا )
عروضه - من البسيط -
الشعر للأحوص ويقال إنه لعمر أيضا والغناء لمعبد ولحنه من الثقيل الأول بالبنصر عن عمرو والهشامي
(2/371)

الغريض وعائشة بنت طلحة
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن محمد بن سلام قال
حجت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله فجاءتها الثريا وأخواتها ونساء أهل مكة القرشيات وغيرهن وكان الغريض فيمن جاء فدخل النسوة عليها فأمرت لهن بكسوة وألطاف كانت قد أعدتها لمن يجيئها فجعلت تخرج كل واحدة ومعها جاريتهاومعها ما أمرت لها به عائشة والغريض بالباب حتى خرج مولياته مع جواريهن الخلع والألطاف فقال الغريض فأين نصيبي من عائشة فقلن له أغفلناك وذهبت عن قلوبنا فقال ما أنا ببارح من بابها أو آخذ بحظي منها فإنها كريمة بنت كرام واندفع يغني بشعر جميل
( تذكّرتُ ليلى فالفؤاد عَمِيد ... وشَطّتْ نواها فالمَزارُ بعيد ) فقالت ويلكم هذا مولى العبلات بالباب يذكر بنفسه هاتوه فدخل فلما رأته ضحكت وقالت لم أعلم بمكانك ثم دعت له بأشياء أمرت له بها ثم قالت له إن أنت غنيتني صوتا في نفسي فلك كذا وكذا شيء سمته له ذهب عن ابن سلام قال فغناها في شعر كثير
( ومازِلتُ من ليلى لَدُن طَرّ شاربي ... إلى اليوم أُخْفِي حبَّها وأُداجِنُ )
( وأَحمِل في ليلى لقومٍ ضَغِينةً ... وتُحمَل في ليلَى عليّ الضغائنُ ) فقالت له ما عدوت ما في نفسي ووصلته فأجزلت قال إسحاق فقلت لأبي عبد الله وهل علمت حديث هذين البيتين ولم سألت الغريض ذلك قال نعم
(2/372)

الشعبي عند مصعب وزوجته عائشة
حدثني أبي قال قال الشعبي دخلت المسجد فإذا أنا بمصعب ابن الزبير على سرير جالس والناس عنده فسلمت ثم ذهبت لأنصرف فقال لي ادن فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه ثم قال إذا قمت فاتبعني فجلس قليلا ثم نهض فتوجه نحو دار موسى بن طلحة فتبعته فلما طعن في الدار التفت إلي فقال ادخل فدخلت معه ومضى نحو حجرته وتبعته فالتفت لي فقال ادخل فدخلت معه فإذا حجلة وإنها لأول حجلة رأيتها لأمير فقمت ودخل الحجلة فسمعت حركة فكرهت الجلوس ولم يأمرني بالانصراف فإذا جارية قد خرجت فقالت يا شعبي إن الأمير يأمرك أن تجلس فجلست على وسادة ورفع سجف الحجلة فإذا أنا بمصعب بن الزبير ورفع السجف الآخر فإذا أنا بعائشة بنت طلحة قال فلم أر زوجا قط كان أجمل منهما مصعب وعائشة فقال مصعب يا شعبي هل تعرف هذه فقلت نعم أصلح الله الأمير قال ومن هي قلت سيدة نُساء
(2/373)

المسلمين عائشة بنت طلحة قال لا ولكن هذه ليلى التي يقول فيها الشاعر
( ومازِلتُ من ليلى لَدُنْ طَرّ شاربي ... )
وذكر البيتين ثم قال إذا شئت فقم فقمت
فلما كان العشي رحت واذا هو جالس على سريره في المسجد فسلمت فلما رآني قال لي ادن فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه فأصغى إلي فقال هل رأيت مثل ذلك لإنسان قط قلت لا والله قال أفتدري لم أدخلناك قلت لا قال لتحدث بما رأيت ثم التفت إلى عبد الله بن أبي فروة فقال أعطه عشرة آلاف درهم وثلاثين ثوبا فما انصرف يومئذ أحد بمثل ما انصرفت به بعشرة آلاف درهم وبمثل كارة القصار ثيابا وبنظرة من عائشة بنت طلحة
عائشة بنت طلحة وأزواجها
قال وكانت عائشة عند عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر وكان أبا عذرتها ثم هلك فتزوجها مصعب فقتل عنها ثم تزوجها عمر بن عبيد الله بن معمر فبنى بها بالحيرة ومهدت له يوم عرسه فرش لم ير مثلها سبع أذرع في عرض أربع فانصرف تلك الليلة عن سبع مرات فلقيته مولاة لها حين أصبح فقالت يا أبا حفص كملت في كل شيء حتى في هذا
فلما مات ناحت عليه وهي قائمة ولم تنح على أحد منهم قائمة وكانت العرب إذا ناحت المرأة قائمة على زوجها علم أنها لا تريد أن تتزوج بعده فقيل لها يا عائشة ما صنعت هذا بأحد من أزواجك قالت إنه كان فيه خلال ثلاث لم تكن في أحد منهم كان سيد بنى تيم وكان أقرب القوم بي قرابة وأردت ألا أتزوج بعده
وأخبرني بخبر مصعب والشعبي وعائشة أحمد بن عبيد الله بن عمار قال
(2/374)

حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال أخبرنا محمد بن الحكم عن عوانة قال خرج مصعب بن الزبير من دار الإمارة يريد دار موسى بن طلحة فمر بالمسجد فأخذ بيد الشعبي ثم ذكر باقي الحديث مثلَه ولم يذكر شيئاً من حديث المغنين
قال ابن عمار وأخبرني به داود بن جميل بن محمد بن جميل الكاتب عن ابن الأعرابي قال ابن عمار وأخبرني به أحمد بن الحارث الخزاز عن المدائني أن الشعبي قال
دخلت المسجد وفيه مصعب بن الزبير فاستدناني فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه فأصغى إلي وقال إذا قمت فاتبعني
ثم ذكر باقي الحديث أيضا مثل الذي تقدمه
نسبة هذا الصوت
صوت
( ومازِلتُ من ليلى لَدُن طَرّ شاربي ... إلى اليوم أُخْفِي حبَّها وأُداجِنُ )
( وأَحمِل في ليلى ضفائنَ معشرٍ ... وتُحمَل في ليلَى عليّ الضغائنُ )
عروضه - من الطويل -
الشعر لكثير بن عبد الرحمن
والغناء لمعبد ثقيل أول بالبنصر عن حبش
وفيه لحن للغريض
الغريض يغني عبد الملك في مكة
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال
كان الغريض إذا غنى بيتين لكثير قال أنا السريجي حقا ولم يكن يقول
(2/375)

حذف
(2/0)

ذلك في شيء من غنائه وكان من جيد غنائه
و قدم يزيد بن عبد الملك مكة فبعث إلى الغريض سرا فأتاه فغناه بهذا اللحن وهو فيهما
( و إِنّي لأَرعَى قومَها من جَلالها ... وإِن أَظهروا غِشاً نَصحت لهم جَهْدي )
( ولو حاربوا قومي لكنتُ لقومها ... صديقاً ولم أحِمْل على قومها حِقْدي )
فأشير إلى الغريض أن اسكت وفطن يزيد فقال دعوا أبا يزيد حتى يغنيني بما يريد فأعاد عليه الصوت مرارا ثم قال زدني مما عندك
فغناه بشعر عمرو بن شأس الأسدي
( فَوَانَدمي على الشباب ووانَدَمْ ... ندِمتُ وبان اليومَ منّي بغير ذمّ )
( أرادتْ عراراً بالهَوان ومن يُرِدْ ... عراراً لعَمْري بالهوان فقد ظَلَمْ )
قال فطرب يزيد وأمر له بجائزة سنية
قال إسحاق فحدثت أبا عبد الله هذا الحديث وقد أخذنا في أحاديث الخلفاء ومن كان منهم يسمع الغناء أيضاً فقال أبو عبد الله
كان قدوم يزيد مكة وبعثته إلى الغريض سراً قبل أن يستخلف فقلت له فلم أشير إلى الغريض أن يسكت حين غناه بشعر كثير
( وإِني لأَرْعَى قومَها من جَلالها ... )
وما السبب في ذلك فقال أبو عبد الله أنا أحدثكه
قصة اختلاف عبد الملك مع زوجته عاتكلة
حدثني أبي قال كان عبد الملك بن مروان من أشد الناس حبا لعاتكه امرأته وهي ابنة يزيد بن معاوية وأمها أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر بن كريز وهي أم يزيد بن عبد الملك فغضبت مرة على عبد الملك وكان بينهما باب
(2/376)

فحجبته واغلقت ذلك الباب فشق غضبها على عبد الملك وشكا إلى رجل من خاصته يقال له عمر بن بلال الأسدي فقال له مالي عندك إن رضيت قال حكمك
فأتى عمر بابها وجعل يتباكى وأرسل إليها بالسلام فخرجت إليه حاضنتها ومواليها وجواريها فقلن مالك قال فزعت إلى عاتكه ورجوتها فقد علمت مكاني من أمير المؤمنين معاوية ومن أبيها بعده قلن ومالك قال ابناي لم يكن لي غيرهما فقتل أحدهما صاحبه فقال أمير المؤمنين أنا قاتل الآخر به فقلت أنا الولي وقد عفوت قال لا أعود الناس هذه العادة فرجوت أن ينجي الله ابني هذا على يدها فدخلن عليها فذكرن ذلك لها فقالت وكيف أصنع مع غضبي عليه وما أظهرت له قلن إذا والله يقتل فلم يزلن حتى دعت بثيابها فأجمرتها ثم خرجت نحو الباب فأقبل حديج الخصي قال يا أمير المؤمنين هذه عاتكة قد أقبلت قال ويلك ما تقول قال قد والله طلعت فأقبلت وسلمت فلم يرد عليها فقالت أما والله لولا عمر ما جئت إن أحد أبنية تعدى على الآخر فقتله فأردت قتل الأخر وهو الولي وقد عفا قال إني أكره أن أعود الناس هذه العادة قالت أنشدك الله يا أمير المؤمنين فقد عرفت مكانه من أمير المؤمنين معاوية ومن أمير المؤمنين يزيد وهو ببابي فلم تزل به حتى أخذت برجله فقبلتها فقال هو لك ولم يبرحا حتى اصطلحا ثم راح عمر بن بلال إلى عبد الملك فقال يا لأمير المؤمنين كيف رأيت قال رأينا أثرك فهات حاجتك قال مزرعة بعدتها وما فيها وألف دينار وفرائض لولدي وأهل بيتي وعيالي قال ذلك لك ثم اندفع عبد الملك يتمثل بشعر كثير
( وإِني لأرعى قومها من جَلالها ... )
البيتين فعلمت عاتكة ما أراد فلما غني يزيد بهذا الشعر كرهته مواليه إذ كان عبد الملك تمثل به في أمه ولم يكرهه يزيد وقال لو قيل هذا الشعر فيها ثم
(2/377)

غني به لما كان عيبا فكيف وإنما هو مثل تمثل به أمير المؤمنين في اجمل العالمين
قال أبو عبد الله وأما خبره لما غنى بشعر عمرو بن شأس فإن ابن الأشعث لما قتل بعث الحجاج إلى عبد الملك برأسه مع عرار بن عمرو بن شأس فلما ورد به وأوصل كتاب الحجاج جعل عبد الملك يقرأه فكلما شك في شيء سأل عراراً عنه فأخبره فعجب عبد الملك من بيانه وفصاحته مع سواده فقال متمثلا
( وإن عراراً إن يكن غيرَ واضِح ... فإِنّي أحِبّ الجَوْنَ ذا المَنْكِب العَمَمْ )
فضحك عرار من قوله ضحكاً غاظ عبد الملك فقال له مم ضحكت ويلك قال أتعرف عراراً يا أمير المؤمنين الذي قيل فيه هذا الشعر قال لا قال فأنا والله هو فضحك عبد الملك وقال حظ وافق كلمة ثم أحسن جائزته وسرحه
قال أبو عبد الله وإنما أراد الغريض أن يغني يزيد بمتمثلات عبد الملك في الأمور العظام فلما تبين كراهة مواليه غناءه فيما تمثل به في عاتكة أراد أن يعقبه ما تمثل به في فتح عظيم كان لعبد الملك فغناه بشعر عمرو بن شأس في عرار
نسبة ما في هذا الخبر من الغناء
صوت
( و إِنّي لأَرعَى قومَها من جَلالها ... وإِن أَظهروا غِشاً نَصحت لهم جَهْدي )
( ولو حاربوا قومي لكنتُ لِقومها
صديقاً ولم أحمِل على قومها حِقدي )
عروضه - من الطويل - الشعر لكثير والغناء للغريض ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وذكر حبش أن فيه لقفا النجار ثاني ثقيل بالوسطى وفيه لعلويه ثقيل أول
(2/378)

الغريض ومعبد
وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني إبراهيم عن يونس الكاتب قال حدثني معبد قال خرجت إلى مكة في طلب لقاء الغريض وقد بلغني حسن غنائه في لحنه
( وما أَنْسَ مِ الأشياءِ لا أَنْسَ شادِناً ... بمكّة مَكْحولا أسِيلاً مَدامعُهْ )
وقد كان بلغني أنه أول لحن صنعه وان الجن نهته أن يغنيه لأنه فتن طائفة منهم فانتقلوا عن مكة من اجل حسنه فلما قدمت مكة سألت عنه فدللت على منزله فأتيته فقرعت الباب فما كلمني أحد فسألت بعض الجيران فقلت هل في الدار أحد قالوا لي نعم فيها الغريض فقلت إني قد أكثرت دق الباب فما أجابني أحد قالوا إن الغريض هناك فرجعت فدققت الباب فلم يجبنى أحد فقلت إن نفعني غنائى يوما نفعنى اليوم فاندفعت فغنيت لحني في شعر جميل
( عَلِقتُ الهَوى منها وَلِيداً فلم يزل ... إلى اليومِ يَنْمي حبُّها ويزيدُ )
فو الله ما سمعت حركة الباب فقلت بطل سحري وضاع سفري وجئت أطلب ما هو عسير علي واحتقرت نفسي وقلت لم يتوهمني لضعف غنائي عنده فما شعرت إلابصائح يصيح يا معبد المغني افهم وتلق عني شعر جميل الذي تغني فيه يا شقي البخت وغنّى
صوت
للغريض ولم تذكر طريقته
( وما أَنْس مِ الأشياءِ لا أَنْس قولَها ... وقد قرّبتْ نِضْوي أَمِصْرَ تريد )
(2/379)

( ولا قولَها لولا العيونُ التي تَرى ... أتيتُك فاعذِرني فدَتْك جُدودُ )
( خَليليّ ما أُخفي من الوجد باطن ... ودمعي بما قلتُ الغداةَ شَهيدُ )
( يقولون جَاهِد يا جميلُ بغزوة ... وأيّ جِهادً غيرهن أُرِيدُ )
( لكلّ حديثٍ عندهنّ بشاشةٌ ... وكلّ قتيلٍ بينهنّ شَهيدُ )
عروضه - من الطويل - قال فلقد سمعت شيئاً لم أسمع أحس منه وقصر إلي نفسي وعلمت فضيلته علي بما أحسن من نفسه وقلت إنه لحري بالاستتار من الناس تنزيها لنفسه وتعظيماً لقدره وإن مثله لا يستحق الابتذال ولا أن تتداوله الرجال فأردت الانصراف إلى المدينة راجعا فلما كنت غير بعيد إذا بصائح يصيح بي يا معبد انتظر أكلمك فرجعت فقال لي إن الغريض يدعوك فأسرعت فرحا فدنوت من الباب فقال لي أتحب الدخول فقلت وهل إلى ذلك من سبيل فقرع الباب ففتح فقال لي ادخل ولا تطل الجلوس فدخلت فإذا شمس طالعة في بيت فسلمت فرد السلام ثم قال اجلس فجلست فإذا أنبل الناس وأحسنهم وجهاً وخلقاً وخلقا فقال يا معبد كيف طرأت إلى مكة فقلت جعلت فداءك وكيف عرفتني فقال بصوتك فقلت وكيف وأنت لم تسمعه قط قال لما غنيت عرفتك به وقلت إن كان معبد في الدنيا فهذا فقلت جعلت فداءك فكيف أجبتني بقولك
( وما أَنْس مِ الأشياءِ لا أَنْس قولَها ... وقد قرّبتْ نِضْوي أَمِصْرَ تريدُ )
فقال قد علمت أنك تريد أن أسمعك صوتي
( وما أَنْسَ مِ الأشياءِ لا أَنْسَ شادِناً ... بمكّة مَكْحولا أسِيلاً مَدامعُهْ )
ولم يكن إلى ذلك سبيل لأنه صوت قد نهيت أن أغنيه فغنيتك هذا الصوت
(2/380)

جوابا لما سألت وغنيت فقلت والله ما عدوت ما أردت فهل لك حاجة فقال لي يا أبا عباد لولا ملالة الحديث وثقل إطالة الجلوس لاستكثرت منك فاعذر فخرجت من عنده وإنه لأجل الناس عندي ورجعت إلى المدينة فتحدثت بحديثه وعجبت من فطنته وقيافته فما رأيت إنسانا إلا وهو أجل منه في عيني وذكرت جميلا وبثينة فقلت ليتني عرفت إنسانا يحدثني بقصة جميل وخبر الشعر فأكون قد أخذت بفضيلة الأمر كله في الغناء والشعر
خبر لقاء جميل وبثينة
فسألت عن ذلك فإذا الحديث مشهور وقيل لي إن أردت أن تخبر بمشاهدته فأت بني حنظلة فإن فيهم شيخا منهم يقال له فلان يخبرك الخبر فأتيت الشيخ فسألته فقال نعم بينا أنا في الربيع إذا أنا برجل منطو على رحله كأنه جان فسلم علي ثم قال ممن أنت يا عبد الله فقلت أحد بني حنظلة قال فانتسب فانتسبت حتى بلغت إلى فخذي الذي أنا منه ثم سألني عن بني عذرة أين نزلوا فقلت له هل ترى ذلك السفح فإنهم نزلوا من ورائه قال يا أخا بني حنظلة هل لك في خير تصطنعه إلي فو الله لو أعطيتني ما أصبحت تسوق من هذه الإبل ما كنت بأشكر مني لك عليه فقلت نعم ومن أنت أولا قال لا تسألني من أنا ولا أخبرك غير أني رجل بيني وبين هؤلاء القوم مايكون بين بني العم فإن رأيت أن تأتيهم فإنك تجد القوم في مجلسهم فتنشدهم بكرة أدماء تجر خفيها غفلا من السمعة فإن ذكروا لك شيئاً فذاك وإلا استأذنتهم في
(2/381)

البيوت وقلت إن المرأة والصبي قد يريان ما لايرى الرجال فتنشدهم ولا تدع أحد تصيبه عينك ولا بيتا من بيوتهم إلا نشدتها فيه فأتيت القوم فإذا هم على جزور يقتسمونها فسلمت وانتسبت لهم ونشدتهم ضالتي فلم يذكروا لي شيئاً فاسستأذنتهم في البيوت وقلت إن الصبي والمرأة يريان ما لاترى الرجال فأذنوا فأتيت أقصاها بيتا ثم استقريتها بيتا بيتا أنشدهم فلا يذكرون شيئاً حتى إذا انتصف النهار وآذاني حر الشمس وعطشت وفرغت من البيوت وذهبت لأنصرف حانت مني التفاته فإذا بثلاثة أبيات فقلت ما عند هؤلاء إلا ما عند غيرهم ثم قلت لنفسي سوءة وثق بي رجل وزعم أن حاجته تعدل مالي ثم آتيه فأقول عجزت عن ثلاثة أبيات فأنصرفت عامدا إلى أعظمها بيتا فإذا هو قد أرخي مؤخره ومقدمه فسلمت فرد علي السلام وذكرت ضالتي فقالت جارية مهنم يا عبد الله قد أصبت ضالتك وما أظنك إلا قد اشتد عليك الحر واشتهيت الشراب قلت أجل قالت ادخل فدخلت فأتتني بصحفه فيها تمر من تمر هجر وقدح فيه لبن والصحفه مصرية مفضضة والقدح مفضض لم أر إناء قط أحسن منه فقالت دونك فتجمعت وشربت من اللبن حتى رويت ثم قلت يا أمة الله والله ما أتيت اليوم أكرم منك ولا أحق بالفضل فهل ذكرت من ضالتي شيئاً فقالت هل ترى هذه الشجرة فوق الشرف قلت نعم قالت فإن الشمس غربت أمس وهي تطيف حولها ثم حال الليل بيني وبينها فقمت وجزيتها الخير وقلت والله لقد تغذيت ورويت فخرجت حتى أتيت الشجرة فأطفت بها فو الله ما رأيت من أثر فأتيت صاحبي فإذا هو متشح في الإبل بكسائه ورافع عقيرته يغني قلت
(2/382)

السلام عليك قال وعليك السلام ما وراءك قلت ما ورائي من شيء قال لا عليك فأخبرني بما فعلت فاقتصصت عليه القصة حتى انتهيت إلى ذكر المرأة وأخبرته بالذي صنعت فقال قد أصبت طلبتك فعجبت من قوله وأنا لم أجد شيئاً ثم سألني عن صفة الإناءين الصحفة والقدح فوصفتهما له فتنفس الصعداء وقال قد أصبت طلبتك ويحك ثم ذكرت له الشجرة وأنها رأتها تطيف بها فقال حسبك فمكثت حتى إذا أوت إبلى إلى مباركها دعوته إلى العشاء فلم يدن منه وجلس مني بمزجر الكلب فلما ظن أني قد نمت رمقته فقام إلى عيبة له فاستخرج منها بردين فأتزر بأحدهما وتردى بالآخر ثم انطلق عامدا نحو الشجرة واستبطنت الوادي فجعلت أخفي نفسي حتى إذا خفت أن يراني انبطحت فلم أزل كذلك حتى سبقته إلى شجرات قريب من تلك الشجرة بحيث أسمع كلامهما فاستترت بهن وإذا صاحبته عند الشجرة فأقبل حتى كان منها غير بعيد فقالت اجلس فو الله لكأنه لصق بالأرض فسلم عليها وسألها عن حالها أكرم سؤال سمعت به قط وأبعده من كل ربية وسألته مثل مسالته ثم أمرت جارية معها فقربت إليه طعاما فلما أكل وفرغ قالت أنشدني ما قلت فأنشدها
( عَلِقتُ الهَوى منها وَلِيداً فلم يزل ... إلى اليومِ يَنْمي حبُّها ويزيدُ )
فلم يزالا يتحدثان ما يقولان فحشا ولا هجرا حتى التفتت التفاتة فنظرت إلى الصبح فودع كل واحد منهما صاحبه أحسن وداع ما سمعت به قط ثم انصرفا فقمت فمضيت إلى إبلي فاضطجعت وكل واحد منهما يمشي خطوة ثم يلتفت إلى صاحبه فجاء بعدما أصبحنا فرفع برديه ثم قال يا أخا بني تميم حتى متى تنام فقمت وتوضأت وصليت وحلبت إبلي وأعانني عليها وهو أظهر الناس سرورا ثم
(2/383)

دعوته إلى الغداء فتغدى ثم قام إلى عيبته فافتتحها فإذا فيها سلاح وبردان مما كسته الملوك فأعطاني أحدهما وقال أما والله لو كان معي شيء ما ذخرته عنك وحدثني حديثه وانتسب لي فإذا هو جميل بن معمر والمرأة بثينة وقال لي إني قد قلت أبياتا في منصرفي من عندها فهل لك إن رأيتها أن تنشدها قلت نعم فأنشدني
( وما أَنْس مِ الأشياءِ لا أَنْس قولَها ... وقد قرّبتْ نِضْوي أَمِصْرَ تُريدُ )
الأبيات ثم ودعني وأنصرف فمكث حتى أخذت الإبل مراتعها ثم عمدت إلى دهن كان معي فدهنت به رأسي ثم ارتديت بالبرد وأتيت المرأة فقلت السلام عليكم إني جئت أمس طالبا واليوم زائرا أفتأذنون قالت نعم فسمعت جويزيه تقول لها يا بثينة عليه والله برد جميل فجعلت اثني على ضيفي وأذكر فضله وقلت إنه ذكرك فاحسن الذكر فهل أنت بارزة لي حتى أنظر إليك قالت نعم فلبست ثيابها ثم برزت ودعت لي بطرف ثم قالت يا أخا بني تميم والله ما ثوباك هذان بمشتبهين ودعت بعيبتها فأخرجت لي ملحفة مروية مشبعة من العصفر ثم قالت أقسمت عليك لتقومن إلى كسر البيت ولتخلعن مدرعتك ثم لتأتزرن بهذه الملحفة فهي أشبه ببردك ففعلت ذلك وأخذت مدرعتي بيدي فجعلتها إلى جانبي وأنشدتها الأبيات فدمعت عيناها وتحدثنا طويلا من النهار ثم انصرفت إلى إبلي بملحفة بثينة وبرد جميل ونظرة من بثينة
(2/384)

قال معبد فجزيت الشيخ خيرا وانصرفت من عنده وأنا والله أحسن الناس حالا بنظرة من الغريض واستماع لغنائه وعلم بحديث جميل وبثينة فيما غنيت أنا به وفيما غنى به الغريض على حق ذلك وصدقه فما رأيت ولا سمعت بزوجين قط احسن من جميل وبثينة ومن الغريض ومني
نسبة هذه الأصوات التي ذكرت في هذا الخير
وهي كلها من قصيدة واحدة
منها
صوت
( عَلِقتُ الهوى منها وليداً فلم يزلْ ... إلى اليومِ يَنْمِي حبُّها ويَزِيدُ )
( وأفنيتُ عُمْرِي في انتظاري نوالَهَا ... وأفنتْ بذاكَ الدهْرَ وهو جَديدُ )
( فلا أنا مردودٌ بما جِئتُ طالباً ... ولا حُبُّها فيما يَبِيدُ يَبِيدُ )
( وما أَنسَ مَ الأشياءِ لا أنسَ قولَها ... وقد قَرّبت نِضْوي أمِصرَ ترِيدُ )
( ولا قولها لولا العيونُ التي ترى ... لَزُرتُك فاعذِرْني فدتْك جُدُودُ )
( إذا قلتُ ما بي يا بُثَيْنَةُ قاتلِي ... من الحبّ قالتْ ثابتٌ ويَزيدُ )
( وإن قلتُ رُدِّي بعضَ عقلي اعِشْ به ... تَوَلَّتْ وقالتْ ذاك منكَ بَعِيدُ )
عروضه - من الطويل -
الشعر لجميل بن معمر
والغناء لمعبد في الأول والثاني والثالث والسادس والسابع
ولحنه ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وعمرو بن بانه
وذكر عمرو والهشامي أن فيه ثقيلا أول آخر للهذلي وأن فيه خفيف ثقيل ينسب إلى معبد وإلى الغريض وإلى إبراهيم أوله وما أنس م الأشياء
وفي الأربعة الابيات الأول ثاني ثقيل بالبنصر لابن أبي قباحة
ولإسحاق في الثالث والسادس ثاني ثقيل آخر بالوسطى عن الهشامي
وأول هذه القصيدة فيه غناء أيضا وهو موصول بأبيات أخر
(2/385)

صوت
( ألا لَيتَ رَيْعانَ الشبابِ جديدُ ... ودهراً تَوَلّى يا بُثَيْنُ يعودُ )
( فنَغْنَى كما كنّا نكون وأنتُم ... قريبٌ وما قد تَبْذُلِينَ زَهِيدُ )
( ألاَ ليتَ شِعْرِي هل أَبيتَنّ ليلةً ... بوادي القُرَى إِني إذاً لسعيدُ )
( وهل أَلْقَيْن سُعْدَى من الدهر ليلةً ... ومارثَّ من حبل الصفاء جديدُ )
( فقد تَلْتَقِي الأهواءُ بعد تَفاوُتٍ ... وقد تُطْلَبُ الحاجاتُ وهي بَعِيدُ )
في البيتين الأولين خفيف ثقيل مطلق في مجرى البنصر ذكر حبش أنه لإسحاق وليس يشبه أن يكون له
وفي الثالث وما بعده لابن سريج ثاني ثقيل بالبنصر عن حبش أيضا
أخبرني إسماعيل بن يونس إجازة قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان قال حدثني الوليد بن هشام عن محمد بن معن عن خالد بن سلمة المخزومي قال
خرجت مع أعمامي وأنا على نجيب ومعنا شيخ فلما أسحرنا قال لي أعمامي انزل عن نجيبك واحمل عليه هذا الشيخ واركب جملة ففعلت فإذا الشيخ قد أخرج عودا له من غلاف ثم ضرب به وغنى
( هاجَ الغَرِيضَ الذِّكَرُ ... لمّا غَدَوْا فانْشَمَرُوا )
فقلت لبعض أصحابنا من هذا قال الغريض
(2/386)

نسبة هذا الصوت
صوت
( هاجَ الغَرِيضَ الذِّكَرُ ... لمّا غَدَوْا فانْشَمَرُوا )
( عَلىبِغالٍ شُحَّجٍ ... قد ضَمَّهُنّ السفَرُ )
( فيهنّ هِنْدٌ ليتَنِي ... ما عُمِّرتْ أُعَمَّرُ )
( حتىإذاماجاءها ... حَتْفٌ أتانِي القَدَرُ )
عروضه من الرجز
الذي قال عمر
( هاجَ القَريضَ الذِّكَرُ ... )
بالقاف فجعله الغريض لما غني فيه الغريض يعني نفسه
الشعر لعمربن أبي ربيعة
والغناء لابن سريج
ذكر يونس أن له فيه لحنين
وذكر إسحاق أن أحدهما رمل مطلق في مجرى البنصر ولم يذكر الآخر وذكر الهشامي أن الآخر خفيف رمل
وفيه للغريض ثقيل أول بالبنصر وقيل إنه لحن ابن سريج وإن خفيف الرمل للغريض
وأول هذا الصوت في كتاب يونس
( هاج فؤادي مَحْضَرُ ... بذي عُكاظٍ مُقْفِرُ )
( حتّى إذا ما وازنوا المَرْوَةَ ... حين ائْتَمَرُوا )
(2/387)

( قيل انزلُوا فَعَرِّسُوا ... من ليلكم وانشَمِرُوا )
( وقولُها لأختها ... أمُطْمَئِنٌّ عُمَرُ )
الغريض يغني الوليد في مكة
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال وذكر السعدي
أن الوليد بن عبد الملك قدم مكة فأراد أن يأتي الطائف فقال هل من رجل عالم يخبرني عنها فقالوا عمر بن أبي ربيعة قال لا حاجة لي به ثم عاد فسأل فذكروه ثم عاد فذكروه فقال هاتوه وركب معه فجعل يحدثه ثم حول عمر رداءه ليصلحه على نفسه فرأى الوليد على ظهره أثرا فقال ما هذا الأثر قال كنت عند جارية لي إذ جاءتني جارية برسالة من عند جارية أخرى وجعلت تسارني بها فغارت التي كنت عندها فعضت منكبي فما وجدت ألم عضتها من لذة ما كانت تلك تنفث في أذني حتى بلغت ماترى والوليد يضحك
فلما رجع عمر قيل له ما الذي كنت تضحك به أمير المؤمنين قال ما زلنا في حديث الزنا حتى رجع
وكان قد حمل الغريض معه فقال له يا أمير المؤمنين إن عندي أجمل الناس وجها وأحسنهم حديثا فهل لك أن تسمعه قال هاته فدعا به فقال أسمع أمير المؤمنين أحسن شيء قلته فاندفع يغني بشعر عمر ومن الناس من يرويه لجميل
صوت
( إني لأحفَظُ سِرَّكم ويَسُرُّني ... لو تعلمين بصالح أن تُذْكَرِي )
( ويكون يومٌ لا أرَى لك مُرْسَلاً ... أو نَلتقِي فيه عليّ كأشهُرِ )
( يا ليتني ألقَى المنيّةَ بغْتةً ... إنْ كان يومُ لقائكم لم يُقْدَرِ )
( ما كنتِ والوعدَ الذي تَعِدينَنِي ... إلاّ كَبرْقِ سَحَابةٍ لم تَمْطُرِ )
( تُقْضَي الدّيونُ وليس يُنْجِزُ عاجلاً ... هذا الغريمُ لنا وليس بِمُعْسِرِ )
عروضه من الكامل وذكر حَبَش أن الغِنَاء للغَرِيض ولحنه ثقيل أوّل
(2/388)

بالبنصرقال فاشتد سرور الوليد بذلك وقال له ياعمر هذه رقيتك ووصله وكساه وقضى حوائجه
رأي نصيب في عمر وجميل وكثير
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا الحارث بن محمد عن المدائني عن عوانة قال حدثني رجل من أهل الكوفة قال
قدم نصيب الكوفة فأرسلني أبي إليه وكان له صديقا فقال أقرئه مني السلام وقال له إن رأيت أن تهدي لنا شيئا مما قلت فأتيته في يوم جمعة وهو يصلي فلما فرغ أقرأته السلام وقلت له فقال قد علم أبوك أني لا أنشد في يوم الجمعة ولكن تلقاني في غيره فأبلغ ما تحب فلما خرجت وانتهيت إلى الباب رددت إليه فقال أتروي شيئا من الشعر قلت نعم قال فأنشدني فأنشدته قول جميل
( إني لأحفظُ غَيْبَكم ويَسُرُّني ... لو تعلمين بصالٍح أن تُذْكَرِي )
الأبيات المتقدمة فقال نصيب أمسك أمسك لله دره ما قال أحد إلادون ما قال ولقد نحت للناس مثالا يحتدون عليه ثم قال أما أصدقنا في شعره فجميل وأما أوصفنا لربات الحجال فكثير وأما أكذبنا فعمر بن أبي ربيعة وأما أنا فأقول ما أعرف
وقال هارون بن محمد الزيات حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه
أن الغريض سمع أصوات رهبان بالليل في دير لهم فاستحسنها فقال له بعض من معه يا أبا يزيد صغ على مثل هذا الصوت لحنا فصاغ مثله في لحنه
(2/389)

( يا أمّ بكرٍ حُبِّك البادِي ... لا تَصْرِميني إنّني غادي ) فما سمع بأحسن منه
نسبة هذا الصوت
صوت
( يا أمّ بكرٍ حُبِّك البادِي ... لا تَصْرِميني إنّني غادي )
( جَدّ الرحيلُ وحثَني صحْبي ... وأُريد إمتاعاً من الزَّادِ )
عروضه من مزاحف - الكامل -
الشعر لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري
والغناء للغريض خفيف ثقيل أول بالوسطى
وفيه لابن المكي ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش
وفيه لإبراهيم بن أبي الهيثم خرج
وأخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة عن أيوب بن عباية عن عمرو بن عقبة وكان يعرف بابن الماشطة قال
خرجت أنا وأصحاب لي فيهم إبراهيم بن أبي الهيثم إلى العقيق ومعنا رجل ناسك كنا نحتشم منه وكان محموما نائما وأحببنا أن نسمع من معنا من المغنين ونحن نهابه ونحتشمه فقلت له إن فينا رجلا ينشد الشعر فيحسن ونحن نحب أن نسمعه ولكنا نهابك قال فما علي منكم أنا محموم نائم فاصنعوا ما بدا لكم فاندفع إبراهيم بن أبي الهيثم فغنى
( يا أمّ بكرٍ حُبِّك البادِي ... لا تَصْرِميني إنّني غادي )
( جَدّ الرحيلُ وحثَني صحْبي ... وأُريد إمتاعاً من الزَّادِ )
(2/390)

فأجاده وأحسنه
قال فوثب الناسك فجعل يرقص ويصيح أريد إمتاعا من الزاد والله أريد إمتاعا من الزاد ثم كشف عن أيره وقال أنا أنيك أم الحمى قال يقول لي ابن الماشطة اعتقت ما أملك إن كان ناك أم الحمى أحد قبله
أخبرني به الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أيوب فذكر الخبر ولم يذكر فيه كشف الناسك عن سوءته وما قاله بعد ذلك
وفاة الغريض
وكانت وفاة الغريض في أيام سليمان بن عبد الملك أو عمر بن عبد العزيز لم يتجاوزها والأشبة أنه مات في خلافة سليمان لأن الوليد كان ولي نافع بن علقمة مكة فهرب منه الغريض وأقام باليمن واستوطنها مدة ثم مات بها
وأخبرني بخبره الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المسيبى قال أخبرني بعض المخزوميين ايضا بخبره
وأخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان
أن نافع بن علقمة لما ولي مكة خافه الغريض وكان كثيرا ما يطلبه فلم يجئه فهرب منه واستخفى في بعض منازل اخوانه
قال فحدثني رجل من أهل مكة كان يخدمه أنه دفع إليه يوما ربعة له وقال له صر بها إلى فلان العطار يملؤها لي طيبا قال فصرت بها إليه فلقيني نافع بن علقمة فقال هذه ربعة
(2/391)

الغريض والله فلم أقدر أن أكتمه فقلت نعم قال ما قصته فأخبرته الخبر فضحك وقال سر معي إلى المنزل ففعلت فملأها طيبا وأعطاني دنانير وقال أعطه وقل له يظهر فلا بأس عليه فسرت إليه مسرورا فأخبرته بذلك فجزع وقال الآن ينبغي أن أهرب إنما هذه حيلة احتالها علي لأقع في يده ثم خرج من وقته إلى اليمن فكان آخر العهد به
قال إسحاق فحدثني هذا المخزومي أن الغريض لما صار إلى اليمن وأقام به اجتزنا به في بعض أسفارنا قال فلما رآني بكى فقلت له ما يبكيك قال بأبي أنت وأمي وكيف يطيب لي أن أعيش بين قوم يرونني أحمل عودي فيقولون لي يا هناه أتبيع آخرة الرحل فقلت له فارجع إلى مكة ففيها أهلك فقال يابن أخي إنما كنت أستلذ مكة وأعيش بها مع أبيك ونحوه وقد أوطنت هذا المكان ولست تاركه ما عشت قلنا له فغننا بشيء من غنائك فتأبى ثم أقسمنا عليه فأجاب وعمدنا إلى شاة فذبحناها وخرطنا من مصرانها أوتارا فشدها على عوده واندفع فغنى في شعر زهير
( جَرَى دَمْعي فهيَّج لي شُجُونا ... فقلبي يُسْتَجنُّ به جُنونا ) فما سمعنا شيئا أحسن منه فقلنا له ارجع إلى مكة فكل من بها يشتاقك
ولم نزل نرغبه في ذلك حتى أجاب إليه ومضينا لحاجتنا ثم عدنا فوجدناه عليلا فقلنا ما قصتك قال جاءني منذ ليال قوم وقد كنت أغني في الليل فقالوا غننا فأنكرتهم وخفتهم فجعلت أغنيهم فقال لي بعضهم غنني
( لقد حَثُّوا الجمالَ لَيهْربُوا ... منّا فلم يَئِلُوا )
(2/392)

ففعلت فقام إلي هن منهم أزب فقال لي أحسنت والله ودق رأسي حتى سقطت لا أدري أين أنا فأقمتُ بعد ثالثة وأنا عليل كما ترى ولا أراني إلا سأموت قال فأقمنا عنده بقية يومنا ومات من غد فدفناه وانصرفنا
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة عن أبي غسان قال
زعم المكيون أن الغريض خرج إلى بلاد عك فغنى ليلا
( هُمُ ركْبٌ لقُوا ركباً ... كما قد تجمعُ السُّبُلُ ) فصاح به صائح اكفف يا أبا مروان فقد سفهت حلماءنا وأصبيت سفهاءنا قال فأصبح ميتا أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن الخطاب قال حدثنا رجل من آل أبي قبيل يقال له محرز عن أبي قبيل قال رأيت الغريض وقال إسحاق في خبره المذكور حدثني محمد بن سلام عن أبي قبيل وهو مولى لآل الغريض قال
شهدت مجمعا لآل الغريض إما عروسا أو ختانا فقيل له تغن فقال هو ابن زانية إن فعل فقال له بعض مواليه فأنت والله كذلك قال أو كذلك أناقال نعم قال أنت أعلم بي والله ثم أخذ الدف فرمى به وتمشى مشية لم أر أحسن منها ثم تغنى
( تَشَرَّبَ لونَ الرَّازِقيِّ بياضُه ... أو الزعفرانِ خالط المِسكَ رادعُهْ )
(2/393)

فجعل يغنيه مقبلا ومدبرا حتى التوت عنقه وخر صريعا وما رفعناه إلا ميتا وظننا أن فالجاً عاجله
قال إسحاق وحدثني ابن الكلبي عن أبي مسكين قال إنما نهته الجن أن يتغنى بهذا الصوت فلما أغضبه مواليه تغناه فقتلته الجن في ذلك
نسبة هذه الأصوات
صوت
منها
( جَرَى دَمْعي فهيَّج لي شُجُونَا ... فقلبي يُسْتَجَنُّ به جُنونا )
( أأبكي للفِرَاق وكلُّ حيٍّ ... سيبكي حين يَفْتَقِد القَرِينا )
( فإن تُصْبِح طُلَيْحَةُ فارقتني ... بَبيْنٍ فالرزيَّةُ أن تَبينا )
( فقد بانتْ بكُرْهِي يوم بانتْ ... مُفَارقةً وكنتُ بها ضَنِينا )
الشعر لزهير والغناء للغريض عن حبش
وقيل إنه لدحمان وفيه لأبي الورد خفيف رمل بالوسطى عن حبش والهشامي
انقضت أخبار الغريض
ومنها
صوت
من المائة المختارة في رواية جحظة
( لقد حَثُّوا الجِمالَ ليهرُبُوا ... منّا فلم يَئِلُوا )
( على آثارهنّ مُقَلّص ... السِّرْبال مُعْتَمِلُ )
( وفيهم قلبُك المَتبولُ ... بالحسناء مُخْتَبَلُ )
( مُخَفّفة بحَمْل حمائل ... الدِّيباج والحُلَلِ )
( أُسائل عاصما في السِّر ... أيْنَ تُراهُمُ نَزَلُوا )
( فقال هُمُ قَرِيبٌ منكَ ... لو نفعوك إذ رَحَلُوا )
الشعر للحكم بن عبدل الأسدي والغناء في اللحن المختار للغريض ولحنه خفيف ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى في الأول والثاني من الأبيات
وذكر الهشامي أن فيهما لحنا لمعبد من الثقيل الأول
وفي الثالث وما بعده من الأبيات لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق
وفيها لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى عن حبش
وذكر أحمد بن عبيد أن الذي صح فيه أربعة ألحان منها لحنان في خفيف الثقيل للغريض ومالك ولحنان في الرمل لابن سريج ومخارق
وذكر ابن الكلبي أن فيها لعريب رملا ثالثا وذكر حبش أن فيها لابن سريج خفيف رمل بالبنصر ولابن مسجح رملا بالبنصر ولابن سريج ثاني ثقيل بالبنصر
هذه الألحان كلها في لقد حثوا والذي بعده
(2/394)

أخبار الحكم بن عبدل ونسبه
هو الحكم بن عبدل بن جبلة بن عمرو بن ثعلبة بن عقال بن بلال بن سعد بن حبال بن نصر بن غاضرة بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة شاعر مجيد مقدم في طبقته هجاء خبيث اللسان من شعراء الدولة الأموية وكان أعرج أحدب
ومنزله ومنشؤه الكوفة
الأعمى الذي لا يرد طلبه
أخبرني محمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن إسرائيل قال حدثنا محمد بن إدريس القيسي بواسط قال حدثنا العتبي قال
كان الحكم بن عبدل الأسدي أعرج لا تفارقه العصا فترك الوقوف بأبواب الملوك وكان يكتب على عصاه حاجته ويبعث بها مع رسله فلا يحبس له رسول ولا تؤخر له حاجة فقال في ذلك يحيى بن نوفل
( عَصَا حَكَمٍ في الدار أوّلُ داخلٍ ... ونحنُ على الأبواب نُقْصى ونُحْجَبُ )
( وكانتْ عَصَا موسى لِفِرْعَوْنَ آيةً ... وهذي لعمرُ الله أدهَي وأعجبُ )
( تُطاعُ فلا تُعْصى ويُحْذَرُ سُخْطُها ... ويُرْغَبُ في المَرْضاة منها وتُرْهَبُ ) قال فشاعت هذه الأبيات بالكوفة وضحك الناس منها فكان ابن عبدل بعد ذلك يقول ليحيى يابن الزانية ما أردت من عصاي حتى صيرتها ضحكة واجتنب أن يكتب عليها كما كان يفعل وكاتب الناس بحوائجه في الرقاع
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني وأخبرني ابن عمار قال حدثني يعقوب بن
(2/396)

نعيم قال حدثنا أبو جعفر القرشي قال
كان للحكم بن عبدل صديق أعمى يقال له أبو علية وكان ابن عبدل قد أقعد فخرجا ليلة من منزلهما إلى منزل بعض إخوانهما والحكم يحمل وأبو علية يقاد فلقيهما صاحب العسس بالكوفة فأخذهما فحبسهما فلما استقرا في الحبس نظر الحكم إلى عصا أبي علية موضوعة إلى جانب عصاه فضحك وأنشأ يقول
( حَبْسِي وحَبْسُ أبي عُلَيّة ... َ من أعاجيب الزمان )
( أَعْمى يُقَادُ ومُقْعَدٌلا ... الرِّجْلُ منه ولا اليَدَانِ )
( هذا بلا بَصَرٍ هناكَ ... وبي يَخُبُّ الحاملانِ )
( يا مَنْ رأى ضبَّ الفَلاَةِ ... قَرِينَ حُوتٍ في مكانِ )
( طِرْفي وطِرْفُ أبي عُلَيَّةَ ... دَهْرَنا مُتَوَافقان )
( مَنْ يَفْتَخِرْ بجوادِهِ ... فَجِيَادُنَا عُكَّازتانِ )
( طرْفانِ لا عَلَفَاهُمَا ... يُشْرَى ولا يَتَصَاوَلاَنِ )
( هَبْنِي وإِيّاه الحريقَ ... أكان يَسْطَع بالدُّخانِ )
قال وكان اسم أبي علية يحيى فقال فيه الحكم أيضا
( أقول ليحيى ليلةَ الحبِس سَادِراً ... ونَوْمِي به نَوْمُ الأَسِيرِ المُقَيَّدِ )
( أَعِنِّي علي رَعْي النجومْ ولحْظِها ... أُعِنْكَ على تحبير شِعْرٍ مُقٌصَّدِ )
(2/397)

( ففي حالتَيْنا عِبرةٌ وتَفَكُّرٌ ... وأَعجبُ شيءٍ حَبْسُ أعمَى ومُقْعَدِ )
( كِلاَنا إذا العُكَّازُ فارقَ كَفَّهُ ... يُنِيخ صَرِيعاً أو على الوجه يَسْجُدُ )
( فعُكَّازة تَهْدي إلى السُّبْل أَكْمَهاً ... وأُخْرى مَقَامَ الرِّجل قامت مع اليَدِ )
اجتماع العرجان
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل قال حدثني أحمد بن بكير الأسدي قال حدثني محمد بن أنس السلامي الأسدي عن محمد بن سهل راوية الكميت قال
ولي الشرطة بالكوفة رجل أعرج ثم ولي الإمارة آخر أعرج وخرج ابن عبدل وكان أعرج فلقي سائلاً اعرج وقد تعرض للأمير يسأله فقال ابن عبدل للسائل
( أَلْقِ العصا ودَعِ التخامُعَ والتَمِسْ ... عَمَلاً فهَذِي دَوْلَةُ العُرْجَانِ )
( لأَميرِنا وأميِر شُرْطَتِنَا مَعاً ... يا قَوْمَنا لِكلَيْهِمَا رِجْلاَنِ )
( فإذا يكونُ أميرُنا ووزيرُنا ... وأنَا فإنّ الرابعَ الشيطانُ ) فبلغت أبياته ذلك الأمير فبعث إليه بمائتي درهم وسأله أن يكف عنه
وحدثنيه الأخفش عن عبيد الله اليزيدي عن سليمان بن أبي شيخ عن محمد بن الحكم عن عوانة عن عمر بن عبد العزيز قال
ولي عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الكوفة وضم إليه رجل
(2/398)

من الأشعريين يقال له سهل وكانا جميعا ين ثم ذكر باقي الحديث مثل حديث يعقوب بن نعيم
الحكم وعبد الملك بن بشر بن مروان
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن بشر بن مروان فجعل قعنب بن المحرز الباهلي عن الهيثم الأحمري قال
كانت لابن عبدل الأسدي حاجة إلى عبد الملك بن إسرائيل عن يدخل عليه ولا يتهيأ له الكلام حتى جاءه رجل فقال إني رأيت لك رؤيا فقال هاتها فقصها عليه فقال ابن عبد وأنا قد رأيت أيضا قال هات ما رأيت فقال
( أَغْفيتُ قبلَ الصبح نومَ مُسَهَّدٍ ... في ساعةٍ ما كنتُ قبلُ أنامُها )
( فَحَبوتَني فيما أرى بوليدةٍ ... مَغْنوجةٍ حَسَنٍ عليّ قِيامُها )
( وبِبَدْرةٍ حُمِلتْ إليّ وبغلةٍ ... شَهْباء ناجيةٍ يصِلٌ لِجامُها )
( ليتَ المنابرَ يابنَ بشْر أصبحتْ ... تُرقَى وأنتَ خطيبُها وإمامُها ) فقال له ابن بشر إذا رأيت هذا في اليقظة أتعرفه قال نعم وإنما رأيته قبيل الصبح قال يا غلام ادع فلانا فجاء بوكيله فقال هات فلانة فجاءت فقال أين هذه مما رأيت قال هي هي وإلا فعليه وعليه ثم دعا له ببدرة فقال مثل ذلك وببغلة فركبها وخرج فلقيه قهرمان عبد الملك قال أتبيعها قال نعم قال بكم قال بستمائة قال هي لك فأعطاه ستمائة فقال له أما والله لو أبيت إلا ألفا لأعطيتك قال إياي تندم لو أبيت إلا ستة لبعتك
(2/399)

الحكم يهجو محمد بن حسان
أخبرني عمي الحسن بن محمد قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم عن ابن عياش عن لقيط قال
تزوج محمد بن حسان بن سعد التميمي امرأة من ولد قيس بن عاصم وهي ابنة مقاتل بن طلبة بن قيس زوجها إياه رجل منهم يقال له زياد فقال ابن عبدل
( أباعَ زيادٌ سوَّد الله وجهَهُ ... عَقِيلَةَ قومٍ سادةٍ بالدراهم ) ( وما كان حسّانُ بن سعدٍ ولا ابُنه ... أبو المسك من أكفاء قَيْس بن عاصم )
( ولكنّه رد الزمانَ على استِهِ ... وضَيَّع أمرَ المُحصَنات الكرائم )
( خُذِي دَيةً منه تكُنْ لكِ عُدّةً ... وجيئي إلى باب الأمير فخاصمي )
( فلو كنت في رَوْحٍ لما قَلتُ خاصمِي ... ولكنَّما ألُقيت في سجن عارِمِ )
قال فلما بلغ أهلها شعره أنفوا من ذلك فاجتمعوا على محمد بن حسان حتى فارقها
قال وكان محمد بن حسان عاملا على بعض كور السواد فسأله ابن عبدل حاجة فرده عنها فقال فيه هذا الشعر وغيره وهجاه هجاءً كثيرا
أخبرني بهذا الخبر محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا أحمد بن بكير الأسدي عن محمد بن بشر السلامي عن محمد بن سهل راوية الكميت فذكر نحوا مما ذكره عمي وزاد فيه قال
وكانت المرأة التي تزوجها معاذة بنت مقاتل بن طلبة فلما سمعت ما قال
(2/400)

حذف
(2/0)

ابن عبدل فيها نشزت على زوجها وهربت إلى أهلها فتوسطوا مابينهما وافتُديَتْ منه بمال وفارقها
أخبرني عمي قال حدثني الكراني عن العمري عن عطاء عن يحيى بن نصر أبي زكريا قال
سمع ابن عبدل الأسدي امرأة وهي تتمشى بالبلاط تتمثل بقوله
( أُعسِرُ أحياناً فتشتدّ عُسْرَتي ... وأُدْرِكُ ميسورً الغِنَى ومَعي عرْضي )
فقال لها ابن عبدل وكان قريبا منها يا أخيا أتعرفين قائل هذا الشعر قالت نعم ابن عبدل الأسدي قال أفتثبيتنه معرفة قالت لا قال فأنا هو وأنا الذي أقول
( وأُنْعِظُ أحياناً فينقدُّ جلدُهُ ... وأَعذِلُهُ جُهْدِي فلا ينفعُ العَذْلُ )
( وأَزدادُ نَعْظاً حين أُبصِرُ جارتي ... فأُوثِقُة كيما يَثُوبَ له عَقْلُ )
( وَرُبَّتَما لم أَدْرِ ما حِيلَتي له ... إذا هو أذاني وغَرَّ بِه الجهلُ )
( فآويتُهُ في بطن جَارِي وجارتي ... مكابرةً قُدْما وإِنْ رَغِم البَعْلُ )
فقالت له المرأة بئس والله الجار للمغيبة أنت فقال إي والله وللتي معها زوجها وأبوها وابنها وأخوها
(2/401)

ابن هبيرة لايخيب أمل الحكم
أخبرني محمد بن زكريا الصحاف قال حدثنا قعنب بن المحرز الباهلي قال حدثنا الهيثم بن عدي وأخبرني به حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني علي بن الحسن قال حدثني أبو خالد الخزاعي الأسلمي عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش قال : قدم الحكم بن عبدل الشاعر الكوفي واسطا على ابن هبيره وكان بخيلا فأقبل حتى وقف بين يديه ثم قال
( أتيتك في أمرٍ مِنَ أمر عشيرتي ... وأَعْيَا الأمورِ المُفْظِعَاتِ جَسِيمُها )
( فإِن قلتَ لي في حاجتي أنا فاعلٌ ... فقد ثَلِجَتْ نفسي وولَّتْ همومُها ) قال أنا فاعل إن اقتصدت فما حاجتك قال غرم لزمني في حمالة قال وكم هي قال أربعة الاف قال نحن مناصفوكها قال أصلح الله الأمير أتخاف علي التخمة إن أتممتها قال أكره أن أعود الناس هذه العادة قال فأعطني جميعها سرا وامنعني جميعها ظاهرا حتى تعود الناس المنع وإلا فالضرر عليك واقع إن عودتهم نصف ما يطلبون فضحك ابن هبيرة قال ما عندنا غير ما بذلناه لك فجثا بين يديه وقال امرأته طالق لاأخذت أقل من أربعة آلاف أو أنصرف وأنا غضبان قال أعطوه إياها قبحه الله فإنه ما علمت حلاف مهين فأخذها وانصرف
أخبرني حبيب بن نصرالمهلبي قال حدثنا العنزي قال حدثني محمد بن
(2/402)

معاوية الأسدي قال حدثني مشايخنا من بني أسد محمد بن أنس وغيره قالوا
طاعون الكوفة ورثاء ابن عبدل
لما وقع الطاعون بالكوفة أفنى بني غاضرة ومات فيه بنو زر بن حبيش الغاضري صاحب علي بن أبي طالب عليه السلام وكانوا ظرفاء وبنو عم لهم فقال الحكم بن عبدل الغاضري يرثيهم
( أبعدَ بني زِرٍّ وبعدَ ابن جَنْدَلٍ ... وعمرو أُرَجِّي لذَّة العيش في خَفْضِ )
( مَضَوْا وبَقِينا نأمُلُ العيشَ بعدَهم ... ألاَ إن مَنْ يَبْقَى على إثْر مَنْ يَمْضي )
( فقد كان حَوْلي من جِيَادٍ وسالٍم ... كُهُولٌ مَسَاعِيرٌ وكلُّ فتىً بَضِّ )
( يَرَى الشُّحَّ عاراً والسماحةَ رِفْعَةً ... أغرُّ كعودِ البانةِ الناعمِ الغَضِّ )
هجاء محمد بن حسان
قال أبو الفرج ونسخت من كتاب أبي محلم قال سأل الحكم بن عبدل أخو بني نصر بن قعين محمد بن حسان بن سعد حاجة لرجل سأله مسألته إياها فرده ولم يقضها فقال فيه ابن عبدل
( رأيتُ محمداً شَرِهاً ظلوماً ... وكنتُ أراهُ ذا وَرَعٍ وقَصْدِ )
( يقول أماتني ربِّي خدَاعاً ... أماتَ اللهُ حسّانَ بن سَعْدِ )
( فلولا كَسْبُه لَوُجِدْتَ فَسْلاً ... لَئِيم الكَسْب شأنُك شأنُ عَبْدِ )
( ركِبتُ اليه في رَجُلٍ أتاني ... كريمٍ يَبْتغي المعروفَ عندي )
( فقلتُ له وبعضُ القول نُصْحٌ ... ومنه ما أُسِرُّ له وأُبْدِي )
(2/403)

( تَوَقَّ دراهمَ البَكْرِيِّ إني ... أخافُ عليك عاقبَةَ التعدِّي )
( أَقَرِّبُ كلَّ اصرةٍ ليدنو ... فما يزدادُ مِنِّي غيَر بُعْدِ )
( فأُقسمُ غيرَ مُسْتثنٍ يميناً ... أبا بَخرٍ لتتّخمَنَّ رَدِّي )
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني احمد بن بكير الأسدي قال حدثني محمد بن أنس السلامي قال حدثني محمد بن سهل الأسدي راوية الكميت
أن الحكم بن عبدل الأسدي أتى محمد بن حسان بن سعد التميمي وكان على خراج الكوفة فكلمه في رجل من العرب أن يضع عنه ثلاثين درهما من خراجه فقال أماتني الله إن كنت أقدر أن أضع من خراج أمير المؤمنين شيئا فانصرف ابن عبدل وهو يقول
( دَعِ الثلاثين لا تَعْرِض لصاحبها ... لا باركَ اللهُ في تلك الثلاثينا )
( لَمّا علا صوتُه في الدار مُبْتَكرا ... كأشتفان يرى قوماً يَدُوسُونا )
( أحسِنْ فإِنّك قد أُعطيتَ مملكةً ... إمارةً صرتَ فيها اليومَ مَفْتونا )
( لايُعطِك اللهُ خيراً مثلَها أبداً ... أقسمتُ بالله إلاّ قلتَ آمينا )
قال فلم يضع له شيئا مما على الرجل فقال فيه
( رأيتُ محمداً شَرِهاً ظَلُوماً ... وكنتُ أراهُ ذا وَرَعٍ وقَصْدِ )
( يقولُ أماتني ربِّي خداعاً ... أماتَ اللهُ حَسّانَ بنَ سَعْدِ )
( فما صادفتَ في قَحْطان مِثْلي ... ولا صادفتُ مِثْلَكَ في مَعَدِّ )
( أقلَّ براعةً وأشدّ بُخْلاً ... وألأمَ عندَ مسألة وحَمْدِ )
( نحَوْتُ محمداً ودُخَانُ فيه ... كَرِيح الجَعْرِ فوقَ عَطِين جِلْدِ )
( فَأُقسمُ غيرَ مُسْتَثْنٍ يَمينا ... أبا بخرٍلَتَتَّخِمَنَّ ردِّي )
(2/404)

( فلو كنتَ المهذَّبَ من تميمٍ ... لَخِفْتَ ملامَتِي ورَجَوْتَ حَمْدِي )
( نكهْتَ عليّ نَكْهَةَ أخْدَرِيّ ... شَتيمٍ أعْصَلِ الأنياب وَرْدِ )
( فما يدنو إلى فَمِهِ ذُبابٌ ... ولو طُلِيَتْ مَشَافِرُهُ بقَنْدِ )
( فإن أهديتَ لي من فِيك حَتْفا ... فإِنِّي كالذي أهديتَ مُهْدِي )
قال محمد بن سهل وما زال ابن عبدل يزيد في قصيدته هذه الدالية حتى مات وهي طويلة جدا قال واشتهرت حتى إن كان المكاري ليسوق بغله أو حماره فيقول عد أمات الله حسان بن سعد فإذا سمع ذلك أبوه قال
بل أمات الله ابني محمدا فهو عرضني لهذا البلاء في ثلاثين درهما
ابن عبدل وأبو المهاجر وعمر الأسدي
أخبرني أحمد بن محمد بن زكريا الصحاف قال حدثنا قعنب بن محرز قال أخبرنا الهيثم بن عدي قال
دعا أبو المهاجر الحكم بن عبدل ليشرب عنده وله جارية تغني فغنت فقال ابن عبدل
( يا أبا المُهَاجر قد أردتَ كرامتي ... فأهنتَني وضررتَني لو تَعْلَمُ )
( عند التي لو مَسَّ جِلْدي جلدها ... يوماً بَقِيْتُ مخلَّداً لا أهْرَمُ )
( أو كنتُ في أَحْمَى جهنَّمَ بقعةً ... فرأيتُها بَرَدَتْ عليَّ جهنَّمُ )
(2/405)

قال فجعل أبو المهاجر يضحك ويقول له ويحك والله لو كان إليها سبيل لوهبتها لك ولكن لها مني ولد
أخبرنا الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخزاز عن المدائني قال
كان عمر بن يزيد الأسدي مبخلا ووجده أبوه مع أمة له فكان يعير بذلك وجاءه الحكم بن عبدل الأسدي ومعه جماعة من قومه يسألونه حاجة فدخلوا إليه وهو يأكل تمرا فلم يدعهم إليه وذكروا له حاجتهم فلم يقضها فقال فيه ابن عبدل
( جِئْنا وبين يديه التمر في طَبَقٍ ... فما دعانا أبو حَفْص ولا كادا )
( علا على جسمه ثوبان من دَنَسٍ ... لؤمٌ وجُبْنٌ ولولا أَيْرُه سادا )
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال أخبرنا محمد بن الحسن الأحول عن أبي نصر عن الأصمعي قال
كانت امرأة موسرة بالكوفة وكانت لها على الناس ديون بالسواد فاستعانت بابن عبدل في دينها وقالت إني امرأة ليس لي زوج وجعلت تعرض بأنها تزوجه نفسها
فقام ابن عبدل في دينها حتى اقتضاه فلما طالبها بالوفاء كتبت إليه
( سَيُخئطك الذي حاولتَ منّي ... فقطِّعْ حبلَ وصلك من حبالي )
( كما أخطاك معروفُ ابن بِشْر ... وكنتَ تَعُدّ ذلك رأسَ مالِ )
قال وكان ابن عبدل أتى ابن بشر بالكوفة فسأله فقال له أخمسمائة أحب إليك الآن عاجلة أم ألف في قابل قال ألف في قابل
فلما أتاه قال له ألف أحب إليك أم ألفان في قابل قال ألفان فلم يزل ذلك دأبة حتى مات ابن بشر وما أعطاه شيئا
(2/406)

أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن لقيط قال
دخل ابن عبدل على عبد الملك بن بشر فقال له ما أحدثت بعدي قال خطبت امرأة من قومي فردت علي جواب رسالتي ببيتي شعر قال وما هما قال قالت
( سخطئك الذي حاولتَ مني ... فقطّع حبلَ وصلك من حبالي )
( كما أخطاك معروف ابن بشر ... وكنتَ تعدّ ذلك رأسَ مالِ ) فضحك عبد الملك ثم قال لجاد ما أذكرت بنفسك وأمر له بألفي درهم
ابن عبدل وبشر بن مروان
أخبرني أبو الحسن الأسدي وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا الحسن بن عليل قال حدثنا محمد بن معاوية الأسدي قال حدثني منجاب بن الحارث قال حدثني عبد الملك بن عفان قال
كان الحكم بن عبدل الأسدي ثم الغاضري صديقا لبشر بن مروان فرأى منه جفاء لشغل عرض له فغبر عنه شهرا ثم التقيا فقال يابن عبدل مالك تركتنا وقد كنت لنا زوارا فقال ابن عبدل
( كنتُ أُثْني عليك خيراً فلمّا ... أضْمَر القلبُ من نَوالك ياسا )
( كنت ذا مَنْصِب قَنِيتُ حيائي ... لم أقُل غير أن هجرتُك باسا )
( لم أُطِق ما أردتَ بي يابن مروان ... سَتلقَى إذا أردتَ أناسا )
( يَقْبلون الخَسيس منك ويُثْنون ... ثناءً مُدَخْمَسا دِخْمَاسا )
(2/407)

فقال له لا نسومك الخسيس ولا نريد منك ثناء مدخمسا ووصله وحمله وكساه
أخبرني الأسدي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال وحدثني محمد بن معاوية قال حدثني منجاب بن الحارث عن عبد الملك بن عفان قال
أراد عمر بن هبيرة أن يغزي الحكم بن عبدل الغاضري فاعتل بالزمانة فحمل وألقي بين يديه فجرده فإذا هو أعرج مفلوج فوضع عنه الغزو وضمه إليه وشخص به معه إلى واسط فقال الحكم بن عبدل
( لعَمْري لقد جرّدتني فوجدتني ... كثير العيوب سَيِّءَ المُتَجرِّد )
( فأعفيْتَنِي لمّا رأيتَ زَمانتي ... وَوُفِّقت منِّي للقضاء المُسَدَّدِ )
فلما وصل عمر إلى واسط شكا إليه الحكم بن عبدل الضبعة فوهب له جارية من جواريه فواثبها ليلة صارت إليه فنكحها تسعا أو عشرا طلقا فلما أصبحت قالت له جعلت فداك من أي الناس أنت قال امرؤ من أهل الشام قالت بهذا العمل نصرتم
أخبرني بهذا الخبر محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل
(2/408)

قال حدثنا أحمد بن بكير الأسدي عن محمد بن أنس السلامي عن محمد بن سهل راوية الكميت فقال فيه
ضرب الحجاج البعث على المحتلمين ومن أنبت من الصبيان فكانت المرأة تجيء إلى ابنها وقد جرد فتضمه إليها وتقول له بأبي جزعا عليه فسمي ذلك الجيش جيش بأبي وأحضر ابن عبدل فجرد فوجد أعرج فأعفي فقال في ذلك
( لعمري لقد جَرّدتني فوجدتني ... ) البيتين وزاد معهما ثالثا وهو
( ولستُ بذي شَيْخَيْن يلْتَزِمانه ... ولكن يَتِيمٌ ساقطُ الرِّجل واليدِ )
كره زوجته وقال فيها شعرا
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا العنزي قال حدثنا محمد بن معاوية عن منجاب عن عبد الملك بن عفان قال
تزوج ابن عبدل امرأة من همدان فقالوا له على كم تزوجت فقال
( تَزوّجْتُ همْدانيّةً ذات بهجةٍ ... على نَمَط عادية ووسائدِ )
( لعمري لقد غاليتُ بالمَهْر إنه ... كذاك يُغَالَى بالنساء المَواجِدِ )
(2/409)

قال فلما دخل بها كرهها فقال
( أَعاذِلتيّ من لومٍ دعاني ... أقِلاّ اللومَ إن لم تَعْذِراني )
( فإني قد دُلِلْتُ على عجوز ... مُبَرقَعة مخَضّبة البَنانِ )
( تَغَضّن جلدُها واخضرّ إلا ... إذا ما ضُرِّجَتْ بالزعفرانِ )
( فلما أن دخلتُ وحادثَتْنِي ... أَظَلَّتْني بِيومٍ أَرْوَنانِ )
( تُحدّثني عن الأزمان حتى ... سمعتُ نداءَ حُرِّ بالأذان )
( فقالت قد نَكَحْتُ اثنين شَتّى ... فلما صاحَباني طَلّقاني )
( وأربعةٌ نكحتُهم فماتوا ... فليتَ عَرِيف حَيِّ قد نعناي )
( وقالت ما تِلادُك قلتُ مالي ... حمار ظالع ومَزَادتانِ )
( وبُورِيُّ وأربعةٌ زُيُوف ... وثَوْبا مُفْلسٍ مُتَخَرِّقان )
( وقِطعةُ جُلّة لا تَمْرَ فيها ... ودَنّا عومةٍ مُتَقَابِلانِ )
( فقالت قد رَضِيتُ فسمِّ ألفا ... ليسمع ما تقولُ الشَّاهدانِ )
( وما لكِ عندنا ألفٌ عَتِيد ... ولا تِسْعٌ تُعَدّ ولا ثَمَانِ )
( ولا سَبْعٌ ولا سِتٌّ ولكن ... لكم عندي الطويلُ من الهَوانِ )
رثاء بشر بن مروان
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني عمي عن أبيه عن ابن الكلبي قال
(2/410)

كان الحكم بن عبدل الأسدي منقطعا إلي بشر بن مروان وكان يأنس به ويحبه ويستطيبه وأخرجه معه إلي البصرة لما وليها فلما مات بشر جزع عليه الحكم وقال يرثيه
( أصبحتُ جَمَّ بَلابِل الصَّدْرِ ... مُتَعجِّباً لتصرُّفِ الدّهرِ )
( مازلتُ أطلبُ في البلاد فتىً ... ليكون لي ذُخْراً من الذُّخْرِ )
( ويكون يسعدني وأُسعِده ... في كلّ نائبةٍ من الأمرِ )
( حتى إذا ظَفِرتْ يدايَ به ... جاء القَضاءُ بحَيْنِه يَجْري )
( إنّي لفي هَم يباكرني ... منه وهمٍّ طارقٍ يَسْري )
( فلأَصْبِرَنَّ وما رأيتُ دوىً ... للهمّ غيرَ عزيمةِ الصبرِ )
( واللهِ ما استعظمتُ فُرْقَتَه ... حتى أحاط بفضله خُبْرِي )
أخبرني ابن دريد قال حدثني عمي عن أبيه عن ابن الكلبي قال
لما ظفر ابن الزبير بالعراق وأخرج عنها عمال بني أمية خرج ابن عبدل معهم إلى الشأم وكان ممن يدخل لى عبد الملك ويسمر عنده فقال لعبد الملك ليلة
( يا ليتَ شِعْرِي وليتٌ رُبَّمَا نفعتْ ... هل أبصِرنَّ بني العَوَّام قد شُمِلُوا )
( بالذلّ والأَسْرِ والتشريد إنهمُ ... على البَريّة حَتْف حيثما نزَلُوا )
( أم هل أراكَ بأكنافِ العراق وقد ... ذلّت لِعزِّك أقوامٌ وقد نَكَلُوا ) فقال عبد الملك ويروى أنه قائل هذا الشعر
( إن يُمكِن اللهُ من قَيْس ومن جَدَسٍ ... ومن جُذَام ويُقْتلْ صاحبُ الحَرَمِ )
(2/411)

( نَضْرِب جَماجِمَ أقوامٍ على حَنَقٍ ... ضَرْباً يُنَكِّلُ عنّا سائر الأممِ )
ابن هبيرة وبنت ابن عبدل
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني هارون بن علي بن يحيى المنجم عن أبيه قال حدثني محمد بن عمر الجرجاني عن رجل من بني أسد قال
خرج يزيد بن عمر بن هبيرة يسير بالكوفة فانتهى إلى مسجد بنى غاضرة وأقيمت الصلاة فنزل يصلي واجتمع الناس لمكانه في الطريق وأشرف النساء من السطوح فلما قضى صلاته قال لمن هذا المسجد قالوا لبني غاضرة فتمثل قول الشاعر
( ما إن تَرَكْنَ من الغواضر مُعْصِراً ... إلا فَصَمْنَ بساقها خَلْخَالا ) فقالت له امرأة من المشرفات
( ولقد عَطَفْنَ على فَزَارة عَطْفةً ... كَرَّ المَنِيحِ وجُلْنَ ثَمّ مَجَالا ) فقال يزيد من هذه فقالوا بنت الحكم بن عبدل فقال هل تلد الحية إلا حية وقام خجلا
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن الهيثم قال حدثنا العمري عن عطاء بن مصعب عن عاصم بن الحدثان قال
كان ابن عبدل الأسدي أعرج أحدب وكان من أطيب الناس وأملحهم فلقيه صاحب العسس ليلة وهو سكران محمول في محفة فقال له من أنت فقال
(2/412)

له يا بغيض أنت أعرف بي من أن تسألني من أنا فاذهب إلى شغلك فإنك تعلم أن اللصوص لا يخرجون بالليل للسرقة محمولين في محفة فضحك الرجل وانصرف عنه
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا العباس بن ميمون طائع قال حدثني أبو عدنان عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش قال
رأيت ابن عبدل الأسدي وقد دخل على ابن هبيرة فقال له أنشدني شيئا فقال أنشدك مقولة أيها الأمير قال هات فأنشده هذه الأبيات وهي قديمة وقد تمثل بها ابن الأشعث حين خرج ويروى أنها لأعشى همدان
( نجمّ ولا نُعطَى وتُعْطَى جُيُوشُهم ... وقد ملأوا من مالنا ذا الأكارعِ )
( وقد كلّفُونا عُدّةً وروائعاً ... فَقَدْ وأبي رُعْنَاكُمُ بالرَّوائِعِ )
( ونحنُ جَلَبْنَا الخيلَ من ألْفِ فَرْسخ ... إليكم بمُحمَرٍّ من الموت ناقِعِ ) قال فغضب ابن هبيرة من تعريضه به وقال له والله لولا أني قد أمنتك واستنشدتك لضربت عنقك
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان أبو عبد الله قال حدثنا القاسم بن عبد الرحمن قال
كانت للحكم بن عبدل جارية سوداء وقد كان يميل إليها فولدت له ابنا أسود فكان من أعرم الصبيان فقال فيه
(2/413)

( يَا رُبّ خالٍ لكَ مُسْودّ القَفَا ... لا يَشْتَكي من رِجْله مَسّ الحَفَا )
( كأنّ عَيْنَيْه إذا تشوَّفا ... عَيْنا غُرابٍ فوقَ نِيقٍ أشْرَفا )
أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان أبو عبد الله قال حدثنا عبيد الله بن محمد قال حدثنا المدائني قال
كان عمر بن يزيد الأسدي بخيلا على الطعام فدخل عليه الحكم بن عبدل الشاعر وهو يأكل بطيخا فسلم فلم يرد عليه السلام ولم يدعه إلى الطعام فقال ابن عبدل يهجوه
( في عمر بن يزيد خلَّتَا دَنَسٍ ... بُخلٌ وجُبْنٌ ولولا أَيْرُه سادا )
( جئْنَاه يأكل بطّيخاً على طَبَقٍ ... فما دعانا أبو حفصٍ ولا كادا ) قال وكان عمر على شرطة الحجاج وكان بخيلا جدا فأصابه قولنج فحقنه الطبيب بدهن كثير فانحل ما في بطنه في الطست فقال الغلام ما تصنع به قال أصبه قال لا ولكن ميز منه الدهن واستصبح به
ابن عبدل وكاتب عبد الملك بن بشر
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا أبو هفان قال
كان لعبد المك بن بشر بن مروان كاتب يقال له محمد بن عمير وكان كلما مدحه ابن عبدل بشيْ وأمر له بجائزة دافعه بها وعارضه فيها فدخل يوما إلى عبد الملك وكاتبه هذا يساره فوقف وأنشأ يقول
(2/414)

( ألقيتَ نفسكَ في عَرُوض مَشَقَّةٍ ... وحَصَادُ أنفك بالمَناجِل أَهْونُ )
( فبحقِّ أُمِّك وهي غيُرحقيقة ... باللِّين واللَّطف الذي لا يُخْزَن )
( لا تُدْنِ فاكَ إلى الأمير ونَحِّه ... حتى يُداوِي نَتْنَه لك أهونُ )
( إن كان للظَّرِبَان حُجْرٌ مُنْتِنٌ ... فلحُجْر أنفِكَ يا محمدُ أنتنُ )
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثني أحمد بن بكير الأسدي عن محمد بن أنس السلامي عن محمد بن سهل راوية الكميت قال خطب ابن عبدل امرأة من همدان يقال لها أم رياح فلم تتزوجه فقال أما والله لأفضحنك ولأعيرنك فقال
( فلا خيرَ في الفِتْيان بعد ابنِ عَبْدلٍ ... ولا في الزواني بعد أُمِّ رِياح )
( يُرى بحمدِ الله ماضٍ مُجَرَّبٌ ... وأمّ رِيَاحٍ عُرْضَةٌ لنِكَاحِي )
قال فتحاماها الناس فما تزوجت حتى أسنت وبهذا الإسناد عن محمد بن سهل قال ولد للحكم بن عبدل ابن فسماه بشرا ودخل على بشر بن مروان فأنشده
( سَمّيْتُ بِشْراً ببشر النَّدَى ... فلا تَفْضَحنِّي بتَصْداقِهَا )
( إذا ما قُريشٌ قُريشُ البَطاحِ ... عند تجمُّعِ آفاقِها )
( تسامَتْ قُرُومُهم للنَّدى ... تُباري الرِّياحَ بأَوْراقِها )
( فما لَك أنفعُ أموالِها ... وَخُلْقُكَ أكرمُ أخلاقِها )
(2/415)

فأمر له بألفي درهم وقال استعن بهذه على أمرك وبإسناده عن محمد بن سهل قال اقترض ابن عبدل مالا من التجار وحلف لهم بالطلاق ثلاثا أن يقضيهم المال عند طلوع الهلال فلما بقي من الشهر يومان قال
( قد بات هَمِّي قِرْناً أُكابِدُهُ ... كأنّما مَضْجَعِي على حَجَرِ )
( من رَهْبَةٍ أنْ يُرَى هلالُ غدٍ ... فإِنْ رأوه فحقّ لي حَذَرِي )
( من فقدِ بيضاء غادةٍ كَمُلتْ ... كأنها صورةٌ من الصُّورِ )
( أصبحتُ من أهلي الغداةَ ومِن ... مالي على مثل ليلةِ الصَّدرِ ) فبلغ خبره عبد الملك بن بشر فأعطاهم ما لهم عليه وأضعفه له فقال فيه
( لمّا أتاه الذي أُصِبْتُ بِهِ ... وأَنْشَدُوه إيّاه في شِعْرِي )
( جاد بضِعْفَيْ ما حلَّ من غُرمِي ... عفواً فزالت حرارةُ الصَّدْرِ )
( لأشكرنَّ الذي مَنَنْتَ بِهِ ... ما دُمْتُ حياً وطال لي عُمْري )
وقال محمد بن سهل بهذا الإسناد اجتمع الشعراء إلى الحجاج وفيهم ابن عبدل
فقالوا للحجاج إنما شعر ابن عبدل كله هجاء وشعر سخيف فقال له قد سمعت قولهم فاستمع مني قال هات فأنشده قوله
( وإِنّي لأَسْتَغْني فما أبْطَرُ الغِنَى ... وأَعْرِضُ مَيْسُوري لمَنْ يبْتَغِي قَرْضي )
( وأُعْسرُ أحياناً فتَشْتَدُّ عُسْرَتي ... فأُدْرِكُ مَيسُورَ الغِنى ومعي عرْضي ) حتى انتهى إلى قوله
(2/416)

( ولستُ بذِي وَجْهيْن فيمن عَرَفْتَهُ ... ولا البُخْلُ فاعلَمْ من سَمائي ولا أَرْضي ) فقال له الحجاج أحسنت وفضله في الجائزة عليهم بألفي درهم
صوت
من المائة المختارة
( أَجَدّ بعَمْرةَ غُنْيَانُها ... فتهجُرَ أم شأننا شانها )
( فإِنْ تُمس شطّت بها دارُها ... وباحَ لك اليومَ هِجْرانُها )
( فما رَوْضةٌ من رِياض القطا ... كأنّ المَصابيحَ حَوْذَانُها )
( بأحسنَ منها ولا مُزْنَةٌ ... دَلُوحٌ تَكَشَّفَ إدْجَانُها )
( وعَمْرَةُ من سَرَوات النّساء ... تَنْفَحُ بالمسك أردانُها )
أجد استمر وغنيانها استغناؤها أم شأننا شانها يقول أم هي على ما تحب وشطت بعدت قال ابن الأعرابي يقال شطت وشطنت وشسعت وتشسعت وبعدت ونأت وتزحزحت وشطرت قال الشاعر
( لا تَتْرُكني فيهمُ شَطيرا ... ) ومنه سمي الشاطر وباح ظهر ومنه باحة الدار وأنشد
( أتكْتُمُ حُبّ سَلْمَى أم تَبُوحُ ... )
(2/417)

والروضة موضع فيه نبت وماء مستدير وكذلك الحديقة و قوله
( كأنّ المصابيحَ حَوْذَانُها ... ) أراد كأن حوذانها المصابيح فقلب و العرب تفعل ذلك قال الأعشى
( . . . كأنّ الجَمْرَ مثلُ تُرابِها ... ) أراد كأن ترابها مثل الجمر
والمزنة السحابة والدلوح النقيلة يقال مر يدلح بحمله إذا مر مثقلا
والدجن إلباس الغيم السحاب برش و ندى يقال أدجنت السماء وقوله تكشف إدجانها إذا انكشف السواد عنها وذلك أحسن لها وأراد مزنة بيضاء
والأردان ما يلي الذراعين جميعا والإبطين من الكمين
الشعر لقيس بن الخطيم والغناء لطويس خفيف ثقيل أول باطلاق الوتر في مجرى الوسطى الى هنا انتهى الجزء الثاني من كتاب الأغاني ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثالث منه وأوله ذكر قيس بن الخطيم واخباره ونسبه
(2/418)

ذكر قيس بن الخطيم وأخباره ونسبه
هو قيس بن الخطيم بن عدي بن عمرو بن سود بن ظفر ويكنى قيس أبا يزيد
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا محمد بن موسى بن حماد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال
أنشد ابن أبي عتيق قول قيس بن الخطيم
( بينَ شُكُولِ النّساء خِلْقتُها ... حَذْواً فلا جَبْلَةٌ ولا قَضفُ )
فقال لولا أن أبا يزيد قال حذوا ما درى الناس كيف يحشون هذا الموضع
وكان أبوه الخطيم قتل وهو صغير قتله رجل من بني حارثة بن الحارث بن الخزرج فلما بلغ قتل قاتل أبيه ونشبت لذلك حروب بين قومه وبين الخزرج وكان سببها
خداش بن زهير يساعد قيس بن الخطيم على الأخذ بالثأر
فأخبرني علي بن سليمان الأخفش قال أخبرني أحمد بن يحيى
(3/3)

ثعلب عن ابن الأعرابي عن المفضل قال
كان سبب قتل الخطيم أن رجلا من بني حارثة بن الحارث بن الخزرج يقال له مالك اغتاله فقتله وقيس يومئذ صغير وكان عدي أبو الخطيم أيضا قتل قبله قتله رجل من عبد القيس فلما بلغ قيس بن الخطيم وعرف أخبار قومه وموضع ثأره ولم يزل يلتمس غرة من قاتل أبيه وجده في المواسم حتى ظفر بقاتل أبيه بيثرب فقتله وظفر بقاتل جده بذي المجاز فلما أصابه وجده في ركب عظيم من قومه ولم يكن معه إلا رهط من الأوس فخرج حتى أتى حذيفة بن بدر الفزاري فاستنجده فلم ينجده فأتى خداش بن زهير فنهض معه ببني عامر حتى أتوا قاتل عدي فإذا هو واقف على راحلته في السوق فطعنه قيس بحربة فقتله ثم استمر فأراده رهط الرجل فحالت بنو عامر دونه فقال في ذلك قيس بن الخطيم
( ثأرتُ عَدِيّاً والخَطيمَ فلم أُضِعْ ... وِلايةَ أشباخٍ جُعلتُ إزاءَها )
( ضربتُ بذي الزَّجَّيْنِ رِبْقةَ مالكٍ ... فأُبتُ بنفسٍ قد أصبتُ شفاءَها )
( وسامَحَنِي فيها ابنُ عمرو بنِ عامرٍ ... خِدَاشٌ فأدَّى نعمةً وأفاءها )
(3/4)

( طعنتُ ابنَ عبد القَيْس طعنةَ ثائرٍ ... لها نَفَذٌ لولا الشُّعاعُ أضاءها )
( ملكت بها كفِّي فأَنْهَرْتُ فَتْقَها ... يَرى قائمٌ من دونِها ما وراءَها )
هذه رواية ابن الأعرابي عن المفضل
وأما ابن الكلبي فإنه ذكر أن رجلا من قريش أخبره عن أبي عبيدة أن محمد بن عمار بن ياسر وكان عالما بحديث الأنصار قال
كان من حديث قيس بن الخطيم أن جده عدي بن عمرو قتله رجل من بني عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة يقال له مالك وقتل أباه الخطيم بن عدي رجل من عبد القيس ممن يسكن هجر وكان قيس يوم قتل أبوه صبيا صغيرا وقتل الخطيم قبل أن يثأر بأبيه عدي فخشيت أم قيس على ابنها أن يخرج فيطلب بثأر أبيه وجده فيهلك فعمدت إلى كومة من تراب عند باب دارهم فوضعت عليها أحجارا وجعلت تقول لقيس هذا قبر أبيك وجدك فكان قيس لا يشك أن ذلك على ذلك ونشأ أيدا شديد الساعدين فنازع يوما فتى من فتيان بني ظفر فقال له ذلك الفتى والله لو جعلت شدة ساعديك على قاتل أبيك وجدك لكان خيرا لك من أن تخرجها علي فقال ومن قاتل أبي وجدي قال سل أمك تخبرك فأخذ السيف ووضع قائمه على الأرض وذبابه بين ثدييه وقال لأمه أخبريني من قتل أبي وجدي قالت ماتا كما يموت الناس وهذان قبراهما بالفناء فقال والله لتخبرينني من قتلهما أو لأتحاملن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري فقالت أما جدك فقتله رجل من بني عمرو بن عامر بن ربيعة يقال له مالك وأما أبوك فقتله رجل من عبد القيس ممن يسكن هجر فقال والله لا أنتهي حتى أقتل
(3/5)

قاتل أبي وجدي فقالت يا بني إن مالكا قاتل جدك من قوم خداش بن زهير ولأبيك عند خداش نعمة هو لها شاكر فأته فاستشره في أمرك واستعنه يعنك
قيس بن الخطيم يخرج إلى خداش بن زهير
فخرج قيس من ساعته حتى أتى ناضحه وهو يسقي نخله فضرب الجرير بالسيف فقطعه فسقطت الدلو في البئر وأخذ برأس الجمل فحمل عليه غرارتين من تمر وقال من يكفيني أمر هذه العجوز يعني أمه فإن مت أنفق عليها من هذا الحائط حتى تموت ثم هوله وإن عشت فما لي عائد إلي وله منه ما شاء أن يأكل من تمره فقال رجل من قومه أنا له فأعطاه الحائط ثم خرج يسأل عن خداش بن زهير حتى دل عليه بمر الظهران فصار إلى خبائه فلم يجده فنزل تحت شجرة يكون تحتها أضيافه ثم نادى امرأة خداش هل من طعام فأطلعت إليه فأعجبها جماله وكان من أحسن الناس وجها فقالت والله ما عندنا من نزل نرضاه لك إلا تمرا فقال لا أبالي فأخرجي ما كان عندك فأرسلت إليه بقباع فيه تمر فأخذ منه تمرة فأكل شقها ورد شقها الباقي في القباع ثم أمر بالبقاع فأدخل على امرأة خداش بن زهير ثم ذهب لبعض حاجاته
ورجع خداش فأخبرته امرأته خبر قيس فقال هذا رجل متحرم
(3/6)

زهير بن خداش يخبر قيس بن الخطيم عن قاتلي أبيه وجده
وأقبل قيس راجعا وهو مع امرأته يأكل رطبا فلما رأى خداش رجله وهو على بعيره قال لامرأته هذا ضيفك قالت نعم قال كأن قدمه قدم الخطيم صديقي اليثربي فلما دنا منه قرع طنب البيت بسنان رمحه واستأذن فأذن له خداش فدخل إليه فنسبه فانتسب وأخبره بالذي جاء له وسأله أن يعينه وأن يشير عليه في أمره فرحب به خداش وذكر نعمة أبيه عنده وقال إن هذا الأمر ما زلت أتوقعه منك منذ حين
فأما قاتل جدك فهو ابن عم لي وأنا أعينك عليه فإذا اجتمعنا في نادينا جلست إلى جنبه وتحدثت معه فإذا ضربت فخذه فثب إليه فاقتله فقال قيس فأقبلت معه نحوه حتى قمت على رأسه لما جالسه خداش فحين ضرب فخذه ضربت رأسه بسيف يقال له ذو الخرصين فثار إلي القوم ليقتلوني فحال خداش بينهم وبيني وقال دعوه فإنه والله ما قتل إلا قاتل جده ثم دعا خداش بجمل من إبله فركبه وانطلق مع قيس إلى العبدي الذي قتل أباه حتى إذا كانا قريبا من هجر أشار عليه خداش أن ينطلق حتى يسأل عن قاتل أبيه فإذا دل عليه قال له إن لصا من لصوص قومك عارضني فأخذ متاعا لي فسألت من سيد قومه فدللت عليك فانطلق معي حتى تأخذ متاعي منه فإن اتبعك وحده فستنال ما تريد منه وإن أخرج معه غيره فاضحك فإن سألك مم ضحكت فقل إن الشريف عندنا لا يصنع كما صنعت إذا دعي إلى اللص من قومه إنما يخرج وحده بسوطه دون سيفه فإذا رآه اللص أعطى كل شيء أخذ هيبة له فإن أمر أصحابه بالرجوع فسبيل ذلك وإن أبي إلا أن يمضوا معه فأتني به فإني أرجو أن تقتله وتقتل أصحابه ونزل خداش تحت ظل شجرة وخرج قيس حتى أتى العبدي فقال له ما أمره خداش فأحفظه فأمر أصحابه فرجعوا ومضى مع قيس فلما طلع على خداش قال له اختر يا قيس إما أن أعينك وإما أن أكفيك قال لا أريد واحدة
(3/7)

منهما ولكن إن قتلني فلا يفلتنك ثم ثار إليه فطعنه قيس بالحربة في خاصرته فأنفذها من الجانب الآخر فمات مكانه فلما فرغ منه قال له خداش إنا إن فررنا الآن طلبنا قومه ولكن ادخل بنا مكانا قريبا من مقتله فإن قومه لا يظنون أنك قتلته وأقمت قريبا منه ولكنهم إذا افتقدوه اقتفوا أثره فإذا وجدوه قتيلا خرجوا في طلبنا في كل وجه فإذا يئسوا رجعوا
قال فدخلا في دارات من رمال هناك وفقد العبدي قومه فاقتفوا أثره فوجدوه قتيلا فخرجوا يطلبونهما في كل وجه ثم رجعوا فكان من أمرهم ما قال خداش
وأقاما مكانهما أياما ثم خرجا فلم يتكلما حتى أتيا منزل خداش ففارقه عنده قيس بن الخطيم ورجع إلى أهله ففي ذلك يقول قيس
( تذكَّر ليلَى حسنَها وصفَاءَها ... وبانتْ فما إن يستطيعُ لقاءَها )
( ومِثْلُكِ قد أَصبيتُ ليست بكَنَّةٍ ... ولا جارةٍ أَفْضتْ إليّ خِباءَها )
( إذا مااصطبحتُ أربعاً خَطّ مِئْزَرِي ... وأَتْبعتُ دِلْوِي في السَّماحِ رِشاءَها )
( ثَأرتُ عديّاً والخَطيمَ فلم أُضِعْ ... وصّيَة أشياخٍ جُعِلتُ إزاءَها )
وهي قصيدة طويلة
رسول الله يستنشد شعر قيس ويعجب بشجاعته
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن إسرائيل قال حدثنا زكريا بن يحيى المنقري قال حدثنا زياد بن بيان العقيلي قال حدثنا أبو خولة
(3/8)

الأنصاري عن أنس بن مالك قال
جلس رسول الله في مجلس ليس فيه إلا خزرجي ثم استنشدهم قصيدة قيس بن الخطيم يعني قوله
( أتعرف رسماً كاطّرادِ المذاهبِ ... لعَمْرَةَ وَحْشاً غيرَ موقِف راكِبِ )
فأنشده بعضهم إياها فلما بلغ إلى قوله
( أُجَالِدُهم يومَ الحَدِيقة حاسِراً ... كأن يدي بالسيف مِخْراقُ لاعبِ )
فالتفت إليهم رسول الله فقال هل كان كما ذكر فشهد له ثابت بن قيس بن شماس وقال له والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد خرج إلينا يوم سابع عرسه عليه غلالة وملحفة مورسة فجالدنا كما ذكر
وهكذا في هذه الرواية
وقد أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قال
(3/9)

لم تكن بينهم في هذه الأيام حروب إلا في يوم بعاث فإنه كان عظيما وإنما كانوا يخرجون فيترامون بالحجارة ويتضاربون بالخشب
قال الزبير وأنشدت محمد بن فضالة قول قيس بن الخطيم
( أجالدهم يوم الحديقة حاسراً ... كأن يدي بالسيف مخراقُ لاعبِ )
فضحك وقال ما اقتتلوا يومئذ إلا بالرطائب والسَّعَف
قال أبو الفرج وهذه القصيدة التي استنشدهم إياها رسول الله من جيد شعر قيس بن الخطيم ومما أنشده نابغة بني ذبيان فاستحسنه وفضله وقدمه من أجله
أخبرنا الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير بن بكار قال قال أبو غزية قال حسان بن ثابت
قدم النابغة المدينة فدخل السوق فنزل عن راحلته ثم جثا على ركبتيه ثم اعتمد على عصاه ثم أنشأ يقول
( عرفتُ منازلاً بعُرَيْتنَاتٍ ... فأعلَى الجِزْع للحَيّ المُبِنِّ )
فقلت هلك الشيخ ورأيته قد تبع قافية منكرة
قال ويقال إنه قالها في موضعه فما زال ينشد حتى أتى على آخرها ثم قال ألا رجل ينشد فتقدم قيس بن الخطيم فجلس بين يديه وأنشده
(3/10)

( أتعرف رَسْما كاطراد المذاهبِ ... )
حتى فرغ منها فقال أنت أشعر الناس يابن أخي
قال حسان فدخلني منه وإني في ذلك لأجد القوة في نفسي عليهما ثم تقدمت فجلست بين يديه فقال أنشد فوالله إنك لشاعر قبل أن تتكلم قال وكان يعرفني قبل ذلك فأنشدته فقال أنت أشعر الناس
قال الحسن بن موسى وقالت الأوس لم يزد قيس بن الخطيم النابغة على
( أتعرف رسما كاطّراد المذاهِبِ ... )
نصف البيت حتى قال أنت أشعر الناس
صفات قيس بن الخطيم الجسدية
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير قال قال سليمان بن داود المجمعي
كان قيس بن الخطيم مقرون الحاجبين أدعج العينين أحمر الشفتين براق الثنايا كأن بينها برقا ما رأته حليلة رجل قط إلا ذهب عقلها
أخبرني الحسن قال حدثنا محمد قال حدثنا الزبير قال حدثني حسن بن موسى عن سليمان بن داود المجمعي قال
قال حسان بن ثابت للخنساء اهجي قيس بن الخطيم فقالت لا أهجو
(3/11)

أحدا أبدا حتى أراه
قال فجاءته يوما فوجدته في مشرقة ملتفا في كساء له فنخسته برجلها وقالت قم فقام فقالت أدبر فأدبر ثم قالت أقبل فأقبل قال والله لكأنها تعترض عبدا تشتريه ثم عاد إلى حاله نائما فقالت والله لا أهجو هذا أبدا
قال الزبير وحدثني عمي مصعب قال
كانت عند قيس بن الخطيم حواء بنت يزيد بن سنان بن كريز بن زعوراء فأسلمت وكانت تكتم قيس بن الخطيم إسلامها فلما قدم قيس مكة عرض عليه رسول الله الإسلام فاستنظره قيس حتى يقدم رسول الله المدينة فسأله رسول الله أن يجتنب زوجته حواء بنت يزيد وأوصاه بها خيرا وقال له إنها قد أسلمت ففعل قيس وحفظ وصية رسول الله فبلغ رسول الله فقال وفي الأُدَيْعِجُ
قال أبو الفرج وأحسب هذا غلطا من مصعب وأن صاحب هذه القصة قيس بن شماس وأما قيس بن الخطيم فقتل قبل الهجرة
مقتل ابن الخطيم على أيدي الخزرج
أخبرني علي بن سليمان الأخفش النحوي عن أبي سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل
أن حرب الأوس والخزرج لما هدأت تذكرت الخزرج قيس بن الخطيم ونكايته فيهم فتوامروا وتواعدوا قتله فخرج عشية من منزله في ملاءتين يريد
(3/12)

مالا له بالشوط حتى مر بأُطُمِ بني حارثة فرمي من الأطم بثلاثة أسهم فوقع أحدها في صدره فصاح صيحة سمعها رهطه فجاءوا فحملوه إلى منزله فلم يروا له كفأ إلا أبا صعصعة يزيد بن عوف بن مدرك النجاري فاندس إليه رجل حتى اغتاله في منزله فضرب عنقه واشتمل على رأسه فأتى به قيسا وهو بآخر رمق فألقاه بين يديه وقال يا قيس قد أدركت بثأرك فقال عضضت بأير أبيك إن كان غير أبي صعصعة فقال هو أبو صعصعة وأراه الرأس فلم يلبث قيس بعد ذلك أن مات وهذا الشعر أعني
( أجَدّ بعَمْرة غنيانُها ... )
فيما قيل يقوله قيس في عمرة بنت رواحة وقيل بل قاله في عمرة امرأة كانت لحسان بن ثابت وهي عمرة بنت صامت بن خالد
وكان حسان ذكر ليلى بنت الخطيم في شعره فكافأه قيس بذلك وكان هذا في حربهم التي يقال لها يوم الربيع
فأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال أخبرنا الزبير قال حدثني مصعب قال
مر حسان بن ثابت بليلى بنت الخطيم وقيس بن الخطيم أخوها بمكة حين خرجوا يطلبون الحلف في قريس فقال له حسان أظعني فالحقي بالحي فقد ظعنوا وليت شعري ما خلفك وما شأنك أقل ناصرك أم راث رافدك فلم تكلمه وشتمه نساؤها فذكرها في شعره في يوم الربيع الذي يقول فيه
(3/13)

( لقد هاج نفسَك أَشْجانُها ... وعاودها اليومَ أَدْيَانُها )
( تذكرتَ ليلَى وأنَّى بها ... إذا قُطِّعتْ منك أَقْرَانُها )
( وحَجَّل في الدار غِرْبَانُها ... وخَفَّ من الدار سُكَّانُها )
( وغيَّرها مُعْصِرَاتُ الرِّياح ... وسَحُّ الجَنُوب وتَهْتانُها )
( مَهَاةٌ من العِينِ تَمْشِي بها ... وتَتْبَعُها ثَمّ غِزْلاَنُها )
( وقفتُ عليها فساءلتَها ... وقد ظَعن الحيُّ ما شانُها )
( فعَيَّتْ وجاوبني دونَها ... بما راع قلبيَ أعوانُها )
وهي طويلة فأجابه قيس بن الخطيم بهذه القصيدة التي أولها
( أجَدّ بعَمْرة غُنْيَانُها ... )
وفخر فيها بيوم الربيع وكان لهم فقال
( ونحن الفوارسُ يومَ الرَّبيع ... قد علِمُوا كيف فُرْسَانُها )
( حِسانُ الوجوه حِدادُ السيوف ... يبْتَدِرُ المجدَ شُبَّانُها )
وهي أيضا طويلة
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرنا الأصمعي
(3/14)

قال حدثني شيخ قدم من المدينة وأخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان عن أبي السائب المخزومي وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال ذكر لي عن جعفر بن محرز السدوسي قالوا
دخل النعمان بن بشير الأنصاري المدينة أيام يزيد بن معاوية وابن الزبير فقال والله لقد أخفقت أذناي من الغناء فأسمعوني فقيل له لو وجهت إلى عزة فإنها من قد عرفت قال إي ورب البيت إنها لمن يزيد النفس طيبا والعقل شحذا ابعثوا إليها عن رسالتي فإن أبت صرنا إليها فقال له بعض القوم إن النقلة تشتد عليها لثقل بدنها وما بالمدينة دابة تحملها فقال النعمان وأين النجائب عليها الهوادج فوجه إليها بنجيب فذكرت علة فلما عاد الرسول إلى النعمان قال لجليسه أنت كنت أخبر بها قوموا بنا فقام هو مع خواص أصحابه حتى طرقوها فأذنت وأكرمت واعتذرت فقبل النعمان عذرها وقال غنيني فغنته
( أجَدَّ بعَمْرة غُنْيانُها ... فتهجُرَ أم شأنُنا شانُها )
فأشير إليها أنها أمة فسكتت فقال غنيني فوالله ما ذكرت إلا كرما وطيبا لا تغنيني سائر اليوم غيره فلم تزل تغنيه هذا اللحن فقط حتى انصرف
وتذاكروا هذا الحديث عند الهيثم بن عدي فقال ألا أزيدكم فيه
(3/15)

طريفة قلنا بلى يا أبا عبد الرحمن قال قال لقيط كنت عند سعيد الزبيري قال سمعت عامرا الشعبي يقول اشتاق النعمان بن بشير إلى الغناء فصار إلى منزل عزة فلما انصرف إذا امرأة بالباب منتظرة له فلما خرج شكت إليه كثرة غشيان زوجها إياها فقال لها النعمان بن بشير لأقضين بينكما بقضية لا ترد علي قد أحل الله له من النساء مثنى وثلاث ورباع فله امرأتان بالنهار وامرأتان بالليل فهذا يدل على أن المعنية بهذا الشعر عمرة بنت رواحة
وأما ما ذكر أنه غنى عمرة امرأة حسان بن ثابت فأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير بن بكار عن عمه
أن قيس بن الخطيم لما ذكر حسان أخته ليلى في شعره ذكر امرأته عمرة وهي التي يقول فيها حسان
( أزمعتْ عَمْرة صرْماً فابْتَكرْ ... )
قول حسان بن ثابت في زوجه عمرة بنت الصامت
أخبرني الحسن قال حدثنا أحمد قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي مصعب قال
تزوج حسان بن ثابت عمرة بنت الصامت بن خالد بن عطية الأوسية ثم إحدى بني عمرو بن عوف فكان كل واحد منهما معجبا بصاحبه وإن الأوس أجاروا مخلد بن الصامت الساعدي فقال في ذلك أبو قيس بن الأسلت
( أجرتُ مخلَّداً ودفعتُ عنه ... وعند الله صالح ما أتيتُ )
فتكلم حسان في أمره بكلام أغضب عمرة فعيرته بأخواله وفخرت عليه بالأوس فغضب لهم فطلقها فأصابها من ذلك ندم وشدة وندم هو بعد فقال
(3/16)

صوت
( أزمعتْ عمرةُ صرماً فاْبْتَكِرْ ... إنما يُدْهَن للقلبِ الحَصِرْ )
( لا يكن حبُّكِ حبّاً ظاهراً ... ليس هذا منكِ يَا عَمْر بِسرّ )
( سألتْ حَسّانَ مَن أخوالُه ... إنما يَسأل بالشيء الغُمُرْ )
( قلتُ أخوالي بنو كَعبٍ إذا ... أسلم الأبطالُ عوراتِ الدُّبُرْ )
يريد يدهن القلب فأدخل اللام زائدة للضرورة عمر ترخيم عمرة والسر الخالص الحسن
غنت في هذه الأبيات عزة الميلاء ثاني ثقيل بالبنصر من رواية حبش
وتمام القصيدة
( رُبَّ خالٍ ليَ لو أبصرتِهِ ... سبِطِ المِشْيَة في اليوم الخَصِرْ )
( عند هذا الباب إذ ساكَنَه ... كلُّ وجهٍ حسنِ النُّقْبَة حُرّ )
( يُوقِد النارَ إذا ما أُطْفِئَتْ ... يُعْمِل القِدْرَ بأَثْبَاج الجُزُرْ )
( من يُغرُّ الدهرُ أو يأمنُه ... من قَبيلٍ بعد عمرو وحُجُرْ )
(3/17)

( مَلَكَا من جبل الثلج إلى ... جانِبَيْ أيلَةَ من عبدٍ وحُرّ )
( ثم كانا خيرَ من نالَ النَّدَى ... سبَقا الناسَ بإقساطٍ وبِرّ )
( فارسيْ خيلٍ إذا ما أمسكتْ ... ربّةُ الخِدْرِ بأطرافِ السُّتُرْ )
( أَتَيَا فارسَ في دارهمُ ... فتناهَوْا بعد إعصارٍ بقرّْ )
( ثم نادَوْا يالَغَسّانَ اصبِرُوا ... إنه يومُ مَصَاليتَ صُبُرْ )
( اِجعلوا مَعْقِلَها أيمانَكم ... بالصَّفِيح المُصْطَفَى غيرِ الفُطُرْ )
( بِضرَابٍ تأذَن الجِنُّ له ... وطِعانٍ مثلِ أَفْواه الفُقُرْ )
( ولقد يعلَم مَنْ حارَبنا ... أننا ننفع قِدْماً ونضُرّ )
( صُبُرٌ للموت إن حَلَّ بنا ... صادِقُو البأسِ غَطَارِيفُ فُخُرْ )
( وأقام العزُّ فينا والغِنَى ... فلنا فيه على الناس الكُبُرْ )
( منهمُ أَصْلِي فمن يفْخَرْ به ... يَعرِف الناسُ بفخرِ المفتخِرْ )
( نحن أهل العزّ والمجد معاً ... غيرُ أنكاسٍ ولا مِيلٍ عُسُرْ )
( فاسألوا عنا وعن أفعالنا ... كلُّ قومٍ عندهم علمُ الخَبَرْ )
قال الزبير فحدثني عمي قال ثم إن حسان بن ثابت مر يوما بنسوة فيهن
(3/18)

عمرة بعد ما طلقها فأعرضت عنه وقالت لامرأة منهن إذا حاذاك هذا الرجل فاسأليه من هو وآنسبيه وآنسبي أخواله وهي متعرضة له فلما حاذاهن سألته من هو ونسبته فانتسب لها فقالت فمن أخوالك فأخبرها فبصقت عن شمالها وأعرضت عنه فحدد النظر إليها وعجب من فعلها وجعل ينظر إليها فبصر بامرأته وهي تضحك فعرفها وعلم أن الأمر من قبلها أتى فقال في ذلك
( قالت له يوماً تخاطِبُه ... رَيّا الروادِف غادَةُ الصُّلبِ )
( أما المروءةُ والوَسَامةُ أو ... حُشُم الرجال فقد بدا حَسْبِي )
( فوَدِدْتُ أنك لو تُخَبِّرنا ... مَنْ والداكَ ومِنصبُ الشَّعْبِ )
( فضحكتُ ثم رَفعتُ متَّصِلاً ... صوتي كرفعِ المنطق الشَّغْبِ )
( جَدِّي أبو لَيْلَى ووالدُه ... عمروٌ وأخوالي بنو كَعْبِ )
( وأنا من القوم الذين إذا ... أزَم الشتاءُ بحَلْقة الجَدْبِ )
( أعطَى ذوو الأموال مُعْسِرَهم ... والضاربين بمَوْطِن الرُّعْبِ )
قال مصعب أبو ليلى الذي عناه حسان حرام بن عمرو بن زيد مناة
ومما فيه صنعة من المائة المختارة من شعر قيس بن الخطيم
صوت
( حَوْراءُ مَمْكورةٌ منعَّمةٌ ... كأنما شَفَّ وجهَها نُزُفُ )
(3/19)

( تنامُ عن كُبْرِ شأنها فإذا ... قامتْ رُويداً تكاد تنقصفُ )
( أوحشَ من بَعدِ خُلَّةٍ سَرِفُ ... فالمُنْحنى فالعَقيقُ فالجُرُفُ )
الشعر لقيس بن الخطيم سوى البيت الثالث
والغناء لقفا النجار ولحنه المختار ثاني ثقيل هكذا ذكر يحيى بن علي في الاختيار الواثقي
وهو في كتاب إسحاق لقفا النجار ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر ولعله غير هذا اللحن المختار
أسباب الحرب بين مالك بن العجلان وبني عمرو بن عوف
وهذا الشعر يقوله قيس بن الخطيم في حرب كانت بينهم وبين بني جحجبي وبني خطمة ولم يشهدها قيس ولا كانت في عصره وإنما أجاب عن ذكرها شاعرا منهم يقال له درهم بن يزيد
قال أبو المنهال عتيبة بن المنهال بعث رجل من غطفان من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان إلى يثرب بفرس وحلة مع رجل من غطفان وقال ادفعهما إلى أعز أهل يثرب قال وقيل إن الباعث بهما عبد ياليل بن عمرو الثقفي قال وقيل بل الباعث بهما علقمة بن علاثة فجاء الرسول بهما حتى ورد سوق بني قينقاع فقال ما أمر به فوثب إليه رجل من غطفان كان جارا لمالك بن العجلان الخزرجي يقال له كعب الثعلبي فقال مالك بن العجلان
(3/20)

أعز أهل يثرب وقام رجل آخر فقال بل أحيحة بن الجلاح أعز أهل يثرب وكثر الكلام فقبل الرسول الغطفاني قول الثعلبي الذي كان جارا لمالك بن العجلان ودفعهما إلى مالك فقال كعب الثعلبي ألم أقل لكم إن حليفي أعزكم وأفضلكم فغضب رجل من بني عمرو بن عوف يقال له سمير فرصد الثعلبي حتى قتله فأخبر مالك بذلك فأرسل إلى بني عوف بن عمرو بن مالك بن الأوس إنكم قتلتم منا قتيلا فأرسلوا إلينا بقاتله فلما جاءهم رسول مالك تراموا به فقالت بنو زيد إنما قتلته بنو جحجبى وقالت بنو جحجبى إنما قتلته بنو زيد ثم أرسلوا إلى مالك إنه قد كان في السوق التي قتل فيها صاحبكم ناس كثير ولا يدرى أيهم قتله وأمر مالك أهل تلك السوق أن يتفرقوا فلم يبق فيها غير سمير وكعب فأرسل مالك إلى بني عمرو بن عوف بالذي بلغه من ذلك وقال إنما قتله سمير فأرسلوا به إلي أقتله فأرسلوا إليه إنه ليس لك أن تقتل سميرا بغير بينة وكثرت الرسل بينهم في ذلك يسألهم مالك أن يعطوه سميرا ويأبون أن يعطوه إياه
ثم إن بني عمرو بن عوف كرهوا أن ينشبوا بينهم وبين مالك حربا فأرسلوا إليه يعرضون عليه الدية فقبلها فأرسلوا إليه إن صاحبكم حليف وليس لكم فيه إلا نصف الدية فغضب مالك وأبي أن يأخذ فيه إلا الدية كاملة أو يقتل سميرا فأبت بنو عمرو بن عوف أن يعطوه إلا دية الحليف وهي نصف الدية ثم دعوه أن يحكم بينهم وبينه عمرو بن امرئ القيس أحد بني الحارث بن الخزرج وهو جد عبد الله بن رواحة ففعل فانطلقوا حتى جاءوه في بني الحارث بن الخزرج فقضى على مالك بن العجلان أنه ليس له في حليفه إلا دية الحليف وأبى مالك أن
(3/21)

يرضى بذلك وآذن بني عمرو بن عوف بالحرب واستنصر قبائل الخزرج فأبت بنو الحارث بن الخزرج أن تنصره غضبا حين رد قضاء عمرو بن امرئ القيس فقال مالك بن العجلان يذكر خذلان بني الحارث بن الخزرج له وحدب بني عمرو بن عوف على سمير ويحرض بني النجار على نصرته
( إن سُمَيراً أَرَى عشيرتَه ... قد حَدِبُوا دونَه وقد أَنِفُوا )
( إن يكن الظنُّ صادقاً ببني النَّجّار ... لا يَطْعَمُوا الذي عُلِفُوا )
( لا يُسْلِمُونا لمعشرٍ أبداً ... ما دام منّا ببَطْنِها شَرَفُ )
( لكنْ مَواَلِيَّ قد بدا لهمُ ... رأيٌ سِوَى ما لديَّ أوضَعُفُوا )
يقال علفوا الضيم إذا أقروا به أي ظني أنهم لا يقبلون الضيم
صوت
( بينَ بني جَحْجَبى وبين بني ... زيدٍ فأنَّى لجارِيَ التَّلَفُ )
( يمشون في البَيْض والدروع كما ... تمشي جِمالٌ مَصَاعبٌ قُطُفُ )
( كما تَمَشَّى الأسودُ في رَهَج المُوتِ ... إليه وكلُّهم لَهِفُ )
غنى في هذه الأبيات معبد خفيف ثقيل عن إسحاق وذكر الهشامي أن فيه لحنا من الثقيل الأول للغريض
وقال درهم بن يزيد بن ضُبَيْعة أخو سمير في ذلك
(3/22)

( يا قومِ لا تقتلوا سُميراً فإِنَّ ... القتلَ فيه البَوارُ والأسفُ )
( إن تقتُلوه تَرِنَّ نِسْوتُكم ... على كريمٍ ويَفْزَعِ السَّلَفُ )
( إني لعَمْرُ الذي يَحُجُّ له النَّاسُ ... ومن دون بيتِه سَرِف )
( يمينُ بَرِّ بالله مجتهدٍ ... يَحْلِف إن كَان ينفعَ الحَلِفُ )
( لا نرفَعُ العبدَ فوقَ سُنَّتِه ... ما دام منّا ببَطْنِها شَرَفُ )
( إنك لاقٍ غداً غُوَاةَ بني ... عمِّي فانظرْ ما أنت مُزْدَهِف )
( فأبَدِ سِيمَاكَ يَعْرِفوكَ كما ... يُبْدُونَ سِيمَاهُمُ فَتعترِفُ )
معنى قوله فأبد سيماك أن مالك بن العجلان كان إذا شهد الحرب يغير لباسه ويتنكر لئلا يعرف فيقصد
وقال درهم بن يزيد في ذلك
( يا مَالِ لا تَبْغِينْ ظُلاَمَتنا ... يا مالِ إنّا مَعَاشِرٌ أنُفُ )
( يا مَالِ والحقُّ إن قَنِعْتَ به ... فيه وفينا لأمرنا نَصَفُ )
( إنّ بُجَيراً عبدٌ فخُذْ ثمناً ... فالحقُّ يُوفَى به ويعُتَرفُ )
( ثم اعلمَنْ إن أردتَ ضَيْمَ بني ... زَيدٍ فإنِّي ومَنْ له الحَلِفُ )
( لأصْبَحَنْ دارَكم بذي لَجَبٍ ... جَوْنٍ له من أمامِه عَزَفُ )
( البَيْضُ حِصْنٌ لهم إذا فَزِعُوا ... وسابِغاتٌ كأنها النَّطَفُ )
( والبِيضٌ قد ثُلِّمت مضاربُها ... بها نفوسُ الكُماةِ تُختطَفُ )
(3/23)

( كأنها في الأكفِّ إذ لَمعتْ ... ومَيِضُ برقٍ يبدو وينكسفُ )
وقال قيس بن الخطيم الظفري أحد بني النبيت في ذلك ولم يدركه وإنما قاله بعد هذه الحرب بزمان ومن هذه القصيدة الصوت المذكور
( رَدّ الخَليطُ الجِمالَ فانصرفوا ... ماذا عليهم لو أنهم وَقَفُوا )
( لو وَقفوا ساعةً نسائلُهم ... رَيْث يضحِّي جِمالَه السَّلَفُ )
( فيهم لَعُوبُ العِشاءِ آنسةُ الدّل ... عَرُوب يَسُوءها الخُلُفُ )
( بين شُكُول النساءِ خِلقَتُها ... قَصْدٌ فلا جَبْلَةٌ ولا قَضفُ )
( تنام عن كُبْر شأنِها فإذا ... قامت رُويداً تكاد تَنْغَرِفُ )
( تَغْترِقُ الطرفَ وهي لاهيةٌ ... كأنما شفَّ وجهَها نُزُفُ )
( حَوْراء جَيْدَاءُ يُستضاء بها ... كأنها خُوطُ بانةٍ قَصِفُ )
( قضَى لها اللهُ حين صَوّرها الخالق ... أن لا يُكِنَّها سَدَفُ )
( خَوْدٌ يَغِثُّ الحديثُ ما صَمَتتْ ... وهو بفِيها ذو لذة طَرِفُ )
(3/24)

( تخزنُه وهو مشتهىً حسَنٌ ... وهو إذا ما تكلمت أنُفُ )
وهي طويلة يقول فيها
( أبلغْ بني جَحْجَبَى وإخوتَهم ... زيداً بأنّا وراءَهم أُنُفُ )
( إنا وإِن قلّ نصرُنا لهُم ... أكبادُنا من ورائِهم تَجِفُ )
( لمّا بدتْ نحوَنا جِباهُهُم ... حنَّت إلينا الأرحامُ والصُّحُفُ )
( نَفْلِي بحدّ الصَّفيح هامَهُم ... وفَلْيُنا هامَهم بها جَنَفُ )
( يَتْبَع آثارَها إذا اختُلِجَتْ ... سُخْنٌ عَبِيطٌ عُروقُه تَكِفُ )
( إنّ بني عمِّنا طغَوْا وبغَوْا ... ولجّ منهم في قومِهم سَرَفُ )
فرد عليه حسان بن ثابت ولم يدرك ذلك
( ما بالُ عينيك دمعُها يَكفُ ... من ذكر خَوْدٍ شَطَّت بها قَذَفُ )
( بانتْ بها غَرْبَةٌ تؤمّ بها ... أرضاً سِوانا والشكل مختلِفُ )
( ما كنتُ أَدْري بوَشكِ بَيْنهُم ... حتى رأيتُ الحُدوجَ تَنقذِفُ )
( دَعْ ذا وعَدِّ القَرِيضَ في نَفَرٍ ... بَرْجُون مدحي ومدحيَ الشرفُ )
( إن تَدْعُ قومي للمجد تُلْفهُم ... أهلَ فَعالٍ يبدو إذا وُصِفُوا )
(3/25)

( إن سُمَيراً عبدٌ طغَى سَفَهاً ... ساعده أعبُدٌ لهم نَطَفُ )
قال ثم أرسل مالك بن العجلان إلى بني عمرو بن عوف يؤذنهم بالحرب ويعدهم يوما يلتقون فيه وأمر قومه فتهيؤوا للحرب وتحاشد الحيان وجمع بعضهم لبعض
وكانت يهود قد حالفت قبائل الأوس والخزرج إلا بني قريضة وبني النضير فإنهم لم يحالفوا أحدا منهم حتى كان هذا الجمع فأرسلت إليهم الأوس والخزرج كل يدعوهم إلى نفسه فأجابوا الأوس وحالفوهم والتي حالفت قريظة والنضير من الأوس أوس الله وهي خطمة وواقف وأمية ووائل فهذه قبائل أوس الله
ثم زحف مالك بمن معه من الخزرج وزحفت الأوس بمن معها من حلفائها من قريظة والنضير فالتقوا بفضاء كان بين بئر سالم وقباء وكان أول يوم التقوا فيه فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انصرفوا وهم منتصفون جميعا ثم التقوا مرة أخرى عند أُطُمِ بني قينقاع فاقتتلوا حتى حجز الليل بينهم وكان الظفر يومئذ للأوس على الخزرج فقال أبو قيس بن الأسلت في ذلك
( لقد رأيتُ بني عمروٍ فما وهَنُوا ... عند اللقاء وما هَمُّوا بتكذيبِ )
( ألاَ فِدىً لَهُمُ أُّمِّي وما ولَدَتْ ... غداةَ يَمْشُون إرْقَالَ المَصَاعيبِ )
( بكلِّ سَلْهَبةٍ كالأيْمِ ماضيةٍ ... وكلِّ أبيضَ ماضي الحدّ مخشوبِ )
أصل المخشوب الحديث الطبع ثم صار كل مصقول مخشوبا فشبهها بالحية في انسلالها
الأوس والخزرج يقبلون بحكم ثابت بن المنذر
قال فلبث الأوس والخزرج متحاربين عشرين سنة في أمر سمير يتعاودون القتال في تلك السنين وكانت لهم فيها أيام ومواطن لم تحفظ فلما رأت
(3/26)

الأوس طول الشر وأن مالكا لا ينزع قال لهم سويد بن صامت الأوسي وكان يقال له الكامل في الجاهلية وكان الرجل عند العرب إذا كان شاعرا شجاعا كاتبا سابحا راميا سموه الكامل وكان سويد أحد الكملة يا قوم أرضوا هذا الرجل من حليفه ولا تقيموا على حرب إخوتكم فيقتل بعضكم بعضا ويطمع فيكم غيركم وإن حملتم على أنفسكم بعض الحمل فأرسلت الأوس إلى مالك بن العجلان يدعونه إلى أن يحكم بينه وبينهم ثابت بن المنذر بن حرام أبو حسان بن ثابت فأجابهم إلى ذلك فخرجوا حتى أتوا ثابت بن المنذر وهو في البئر الذي يقال له سُمَيْحَة فقالوا إنا قد حكمناك بيننا فقال لا حاجة لي في ذلك قالوا ولم قال أخاف أن تردوا حكمي كما رددتم حكم عمرو بن امرئ القيس قالوا فإنا لا نرد حكمك فاحكم بيننا قال لا أحكم بينكم حتى تعطوني موثقا وعهدا لترضون بحكمي وما قضيت فيه ولتسلمن له فأعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم فحكم بأن يودى حليف مالك دية الصريح ثم تكون السنة فيهم بعده على ما كانت عليه الصريح على ديته والحليف على ديته وأن تعد القتلى الذين أصاب بعضهم من بعض في حربهم ثم يكون بعض ببعض ثم يعطوا الدية لمن كان له فضل في القتلى من الفريقين فرضي بذلك مالك وسلمت الأوس وتفرقوا على أن على بني النجار نصف دية جار مالك معونة لاخوتهم وعلى بني عمرو بن عوف نصفها فرأت بنو عمرو بن عوف أنهم لم يخرجوا إلا الذي كان عليهم ورأى مالك أنه قد أدرك ما كان يطلب وودي جاره دية الصريح ويقال بل الحاكم المنذر أبو ثابت
(3/27)

ذكر طويس وأخباره
طويس لقب غلب عليه واسمه عيسى بن عبد الله وكنيته أبو عبد المنعم وغيرها المخنثون فجعلوها أبا عبد النعيم وهو مولى بني مخزوم وقد حدثني جحظة عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن الواقدي عن ابن أبي الزناد قال سعد بن أبي وقاص كني طويس أبا عبد المنعم
أخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المسيبي ومحمد بن سلام الجمحي وعن الواقدي عن ابن أبي الزناد وعن المدائني عن زيد بن أسلم عن أبيه وعن ابن الكلبي عن أبيه وعن أبي مسكين قالوا
أول من غنى بالعربي بالمدينة طويس وهو أول من ألقى الخنث بها وكان طويلا أحول يكنى أبا عبد المنعم مولى بني مخزوم وكان لا يضرب بالعود إنما كان ينقر بالدف وكان ظريفا عالما بأمر المدينة وأنساب أهلها وكان يتقى للسانه قالوا وسئل عن مولده فذكر أنه ولد يوم قبض رسول الله وفطم يوم مات أبو بكر وختن يوم قتل عمر وزوج يوم قتل عثمان وولد له يوم قتل علي رضوان الله عليهم أجمعين
قال وقيل إنه ولد له يوم مات الحسن بن علي عليهما
(3/28)

السلام قال وكانت أمي تمشي بين نساء الأنصار بالنميمة
قالوا وأول غناء غناه وهزج به
صوت
( كيف يأتي من بعيدٍ ... وهو يُخْفيه القريب )
( نازحٌ بالشأم عنّا ... وهو مِكْسالٌ هَيُوبُ )
( قد بَراني الحبُّ حتى ... كدتُ من وَجْدِي أَذُوبُ )
الغناء لطويس هزج بالبنصر
شؤم طويس
قال إسحاق أخبرني الهيثم بن عدي قال قال صالح بن حسان الأنصاري أنبأني أبي قال
اجتمع يوما جماعة بالمدينة يتذاكرون أمر المدينة إلى أن ذكروا طويسا فقالوا كان وكان فقال رجل منا أما لو شاهدتموه لرأيتم ما تسرون به علما وظرفا وحسن غناء وجودة نقر بالدف ويضحك كل ثكلى حرى فقال بعض القوم والله إنه على ذلك كان مشؤوما وذكر خبر ميلاده كما قال الواقدي إلا أنه قال ولد يوم مات نبينا وفطم يوم مات صديقنا وختن يوم قتل فاروقنا وزوج يوم قتل نورنا وولد له يوم قتل أخو نبينا وكان مع هذا مخنثا يكيدنا ويطلب عثراتنا وكان مفرطا في طوله مضطربا في خلقه أحول
فقال رجل من جلة أهل المجلس لئن كان كما قلت لقد كان ممتعا فهما يحسن رعاية من حفظ له حق المجالسة ورعاية حرمة الخدمة وكان لا يحمل قول من لا يرعى له بعض ما يرعاه له
ولقد كان معظما لمواليه بني مخزوم ومن والاهم من سائر قريش ومسالما لمن عاداهم
(3/29)

دون التحكيك به وما يلام من قال بعلم وتكلم على فهم والظالم الملوم والبادئ أظلم فقال رجل آخر لئن كان ما قلت لقد رأيت قريشا يكتنفونه ويحدقون به ويحبون مجالسته وينصتون إلى حديثه ويتمنون غناءه وما وضعه شيء إلا خنثه ولولا ذلك ما بقي رجل من قريش والأنصار وغيرهم إلا أدناه
أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلاني قال حدثنا يوسف بن إبراهيم قال حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي قال حدثني إسماعيل بن جامع عن سياط قال
كان أول من تغنى بالمدينة غناء يدخل في الإيقاع طويس وكان مولده يوم مات رسول الله وفطامه في اليوم الذي توفي فيه أبو بكر وختانه في اليوم الذي قتل فيه عمر وبناءه بأهله في اليوم الذي قتل فيه عثمان وولد له يوم قتل علي رضوان الله عليهم أجمعين وولد وهو ذاهب العين اليمنى
وكان يلقب بالذائب وإنما لقب بذلك لأنه غنى
( قد براني الحبُّ حتى ... كدتُ من وَجْدِي أذُوبُ )
أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه قال أخبرني ابن الكلبي عن أبي مسكين قال
كان بالمدينة مخنث يقال له النغاشي فقيل لمروان بن الحكم إنه لا
(3/30)

يقرأ من كتاب الله شيئا فبعث إليه يومئذ وهو على المدينة فاستقرأه أم الكتاب فقال والله ما معي بناتها أو ما أقرأ البنات فكيف أقرأ أمهن فقال أتهزأ لا أم لك فأمر به فقتل في موضع يقال له بطحان وقال من جاءني بمخنث فله عشرة دنانير فأتي طويس وهو في بني الحارث بن الخزرج من المدينة وهو يغني بشعر حسان بن ثابث
( لقد هاج نفسَك أَشْجانُها ... وعاودها اليومَ أَدْيَانهُا )
( تذكَّرْتَ هنداً وما ذكرُها ... وقد قُطِّعَتْ منك أَقْرانُها )
( وقفتُ عليها فساءلتُها ... وقد ظعَن الحيُّ ما شانُها )
( فصَدَّتْ وجاوب من دونِها ... بما أوجع القلبَ أعوانُها )
فأخبر بمقالة مروان فيهم فقال أما فضلني الأمير عليهم بفضل حتى جعل في وفيهم أمرا واحدا ثم خرج حتى نزل السويداء على ليلتين من المدينة في طريق الشأم فلم يزل بها عمره وعمر حتى مات في ولاية الوليد بن عبد الملك
خبر بادية بنت غيلان
قال إسحاق وأخبرني ابن الكلبي قال أخبرني خالد بن سعيد عن أبيه وعوانة قالا
قال هيت المخنث لعبد الله بن أبي أمية إن فتح الله عليكم الطائف فسل النبي بادية بنت غيلان بن سلمة بن معتب فإنها هيفاء شموع نجلاء إن
(3/31)

تكلمت تغنت وإن قامت تثنت تقبل بأربع وتدبر بثمان مع ثغر كأنه الأقحوان وبين رجليها كالإناء المكفوء كما قال قيس بن الخطيم
( تَغْتَرِقُ الطرفَ وهي لاهيةٌ ... كأنما شَفَّ وجهَها نُزُفُ )
( بين شُكُول النساءِ خِلْقَتُها ... قَصْدٌ فلا جَبْلَةٌ ولا قَضَفُ )
فقال النبي لقد غلغلت النظر يا عدو الله ثم جلاه عن المدينة إلى الحمى قال هشام وأول ما اتخذت النعوش من أجلها
قال فلما فتحت الطائف تزوجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له بريهة فلم يزل هيت بذلك المكان حتى قبض النبي فلما ولي أبو بكر رضي الله عنه كلم فيه فأبى أن يرده فلما ولي عمر رضي الله عنه كلم فيه فأبى أن يرده وقال إن رأيته لأضربن عنقه فلما ولي عثمان رضي الله عنه كلم فيه فأبى أن يرده فقيل له قد كبر وضعف واحتاج فأذن له أن يدخل كل جمعة فيسأل ويرجع إلى مكانه
وكان هيت مولى لعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي وكان طويس له فمن ثم قيل الخنث
وجلس يوما فغنى في مجلس فيه ولد لعبد الله بن أبي أمية
( تغترقُ الطرفَ وهي لاهيةٌ )
إلى آخر البيتين فأشير إلى طويس أن اسكت فقال والله ما قيل هذان البيتان في
(3/32)

ابنة غيلان بن سلمة وإنما هذا مثل ضربه هيت في أم بريهة ثم التفت إلى ابن عبد الله فقال يابن الطاهر أوجدت علي في نفسك أقسم بالله قسما حقا لا أغني بهذا الشعر أبدا
قال إسحاق وحدثنا أبو الحسن الباهلي الرواية عن بعض أهل المدينة وحدثنا الهيثم بن عدي والمدائني قالوا
كان عبد الله بن جعفر معه إخوان له في عشية من عشايا الربيع فراحت عليهم السماء بمطر جود فأسال كل شيء فقال عبد الله هل لكم في العقيق وهو متنزه أهل المدينة في أيام الربيع والمطر فركبوا دوابهم ثم انتهوا إليه فوقفوا على شاطئه وهو يرمي بالزبد مثل مد الفرات فإنهم لينظرون إذ هاجت السماء فقال عبد الله لأصحابه ليس معنا جنة نستجن بها وهذه سماء خليقة أن تبل ثيابنا فهل لكم في منزل طويس فإنه قريب منا فنستكن فيه ويحدثنا ويضحكنا وطويس في النظارة يسمع كلام عبد الله بن جعفر فقال له عبد الرحمن بن حسان بن ثابت جعلت فداءك وما تريد من طويس عليه غضب الله مخنث شائن لمن عرفه فقال له عبد الله لا تقل ذلك فإنه مليح خفيف لنا فيه أنس فلما استوفى طويس كلامهم تعجل إلى منزله فقال لامرأته ويحك قد جاءنا عبد الله بن جعفر سيد الناس فما عندك قالت نذبح هذه العناق وكانت عندها عنيقة قد ربتها باللبن واختبز خبزا رقاقا فبادر فذبحها وعجنت هي
ثم خرج فتلقاه مقبلا إليه فقال له طويس بأبي أنا وأمي هذا المطر فهل لك في المنزل فتستكن فيه إلى أن تكف السماء قال إياك أريد قال فامض يا سيدي على بركة الله وجاء
(3/33)

يمشي بين يديه حتى نزلوا فتحدثوا حتى أدرك الطعام فقال بأبي أنت وأمي تكرمني إذ دخلت منزلي بأن تتعشى عندي قال هات ما عندك فجاءه بعناق سمينة ورقاق فأكل وأكل القوم حتى تملؤوا فأعجبه طيب طعامه فلما غسلوا أيديهم قال بأبي أنت وأمي أتمشى معك وأغنيك قال افعل يا طويس فأخذ ملحفة فأتزر بها وأرخى لها ذنبين ثم أخذ المربع فتمشى وأنشأ يغني
( يا خَلِيلي يا بني سُهدِي ... لم تَنَمْ عيني ولم تكَدِ )
( كيف تلْحُو بي على رجلٍ ... آنسٍ تلْتَذُّه كبِدي )
( مثْل ضوءِ البدرِ طَلْعَتُه ... ليس بالزُّمَّيْلة النَّكِدِ )
فطرب القوم وقالوا أحسنت والله يا طويس ثم قال يا سيدي أتدري لمن هذا الشعر قال لا والله ما أدري لمن هو إلا أني سمعت شعرا حسنا قال هو لفارعة بنت ثابت أخت حسان بن ثابت وهي تتعشق عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي وتقول فيه هذا الشعر فنكس القوم رؤوسهم وضرب عبد الرحمن برأسه على صدره فلو شقت الأرض له لدخل فيها
قال وحدثني ابن الكلبي والمدائني عن جعفر بن محرز قال
خرج عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة إلى السويداء وخرج الناس معه وقد أخذت المنازل فلحق بهم يزيد بن بكر بن دأب الليثي وسعيد بن عبد
(3/34)

الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري فلقيهما طويس فقال لهما بأبي أنتما وأمي عرجا إلى منزلي فقال يزيد لسعيد مل بنا مع أبي عبد النعيم فقال سعيد أين تذهب مع هذا المخنث فقال يزيد إنما هو منزل ساعة فمالا واحتمل طويس الكلام على سعيد فأتيا منزله فإذا هو قد نضحه ونصعه فأتاهما بفاكهة من فاكهة الماء ثم قال سعيد لو أسمعتنا يا أبا عبد النعيم فتناول خريطة فاستخرج منها دفا ثم نقره وقال
( يا خَليلي نابَنِي سُهُدِي ... لم تَنَمْ عيني ولم تَكَدِ )
( فشَرابي ما أُسِيغُ وما ... أَشْتكِي ما بي إلى أحدِ )
( كيف تَلْحُوني على رجلٍ ... آنسٍ تلتذُّه كبِدي )
( مثلُ ضوءِ البدر صورتُّهُ ... ليس بالزُّمَّيْلَةِ النَّكِدِ )
( من بني آل المُغِيرة لا ... خاملٍ نِكْسٍ ولا جَحَدِ )
( نظرتُ يوماً فلا نظرتْ ... بعدَه عيني إلى أحدِ )
ثم ضرب بالدف الأرض فقال سعيد ما رأيت كاليوم قط شعرا أجود ولا غناء أحسن منه فقال له طويس يابن الحسام أتدري من يقوله قال لا قال قالته عمتك خولة بنت ثابت تشبب بعمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي فخرج سعيد وهو يقول ما رأيت كاليوم قط مثل ما استقبلني به هذا المخنث والله لا يفلتني فقال يزيد دع هذا وأمته ولا ترفع به رأسا
قال أبو الفرج الأصبهاني هذه الأبيات فيما ذكر الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار لابن زهير المخنث
(3/35)

ابن سريج يمدح غناء طويس
قال إسحاق وحدثني الهيثم بن عدي عن ابن عياش وابن الكلبي عن أبي مسكين قالا
قدم ابن سريج المدينة فغناهم فاستظرف الناس غناءه وآثروه على كل من غنى وطلع عليهم طويس فسمعهم وهم يقولون ذلك فاستخرج دفا من حضنه ثم نقر به وغناهم بشعر عمارة بن الوليد المخزومي في خولة بنت ثابت عارضها بقصيدتها فيه
( يا خليلي نابني سُهُدي ... لم تَنَمْ عَيْني ولم تَكَدِ )
وهو
( تَنَاهى فيكمُ وَجْدِي ... وصدَّع حبُّكم كِبْدِي )
( فقلبي مُسْعَرٌ حزناً ... بذات الخالِ في الخدّ )
( فما لاقَى أخو عشقٍ ... عَشِيرَ العُشْر من جَهْدِي )
فأقبل عليهم ابن سريح فقال والله هذا أحسن الناس غناء
أخبرني وكيع محمد بن خلف قال حدثنا إسماعيل بن مجمع قال حدثني المدائني قال
قدم ابن سريج المدينة فجلس يوما في جماعة وهم يقولون أنت والله أحسن الناس غناء إذ مر بهم طويس فسمعهم وما يقولون فاستل دفه من حضنه ونقره وتغنى
(3/36)

( إن المُجنَّبة التي ... مَرَّتْ بنا قبل الصَّباحِ )
( في حُلَّةٍ مَوْشيَةٍ ... مكَّيّة غَرْثَى الوِشاحِ )
( زَيْنٌ لمشهِدِ فِطْرِهم ... وتَزِينهُمُ يومَ الأَضَاحِي )
الشعر لابن زهير المخنث والغناء لطويس هزج أخبرنا بذلك الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار فقال ابن سريج هذا والله أحسن الناس غناء لا أنا
خبر طويس مع جارية
قال إسحاق حدثني المدائني قال حدثت أن طويسا تبع جارية فراوغته فلم ينقطع عنها فخبت في المشي فلم ينقطع عنها فلما جازت بمجلس وقفت ثم قالت يا هؤلاء لي صديق ولي زوج ومولى ينكحني فسلوا هذا ما يريد مني فقال أضيق ما قد وسعوه ثم جعل يتغنى
( أَفِقْ يا قلبُ عن جُمْلِ ... وجُمْلٌ قطَّعتْ حَبْلِي )
( أفق عنها فقد عُنِّيتَ ... حَوْلاً في هَوى جُمْلِ )
( وكيف يُفِيق محزونٌ ... بجُمْلٍ هائمُ العقلِ )
( بَرَاه الحُبّ في جملٍ ... فحَسْبِي الحبُّ من ثِقْلِ )
( وحَسْبِي فيكِ ما أَلْقَى ... من التَّفْنيد والعَذْلِ )
( وقِدْماً لامنِي فيها ... فلم أَحْفِل بهم أهلي )
قال إسحاق وقال المدائني قال مسلمة بن محارب حدثني رجل من أصحابنا قال
(3/37)

خرجنا في سفرة ومعنا رجل فانتهينا إلى واد فدعونا بالغداء فمد الرجل يده إلى الطعام فلم يقدر عليه وهو قبل ذلك يأكل معنا في كل منزل فخرجنا نسأل عن حاله فلقينا رجلا طويلا أحول مضطرب الخلق في زي الأعراب فقال لنا ما لكم فأنكرنا سؤاله لنا فأخبرناه خبر الرجل فقال ما اسم صاحبكم فقلنا أسيد فقال هذا واد قد أخذت سباعه فارحلوا فلوقد جاوزتم الوادي استمر صاحبكم وأكل
قلنا في أنفسنا هذا من الجن ودخلتنا فزعة ففهم ذلك وقال ليفرخ روعكم فأنا طويس قال له بعض من معنا من بني غفار أو من بني عبس مرحبا بك يا أبا عبد النعيم ما هذا الزي فقال دعاني بعض أودائي من الأعراب فخرجت إليهم وأحببت أن أتخطى الأحياء فلا ينكروني
فسألت الرجل أن يغنينا فاندفع ونقر بدف كان معه مربع فلقد تخيل لي أن الوادي ينطق معه حسنا وتعجبنا من علمه وما أخبرنا به من أمر صاحبنا
وكان الذي غنى به في شعر عروة بن الورد في سلمى امرأته الغفارية حيث رهنها على الشراب
( سَقَوْني الخمرَ ثم تَكَنَّفُونِي ... عُداةُ الله من كّذِبٍ وزُورِ )
( وقالوا لستَ بعدَ فِداء سَلْمَى ... بمُفْنٍ ما لديك ولا فقيرِ )
( فلا واللهِ لو مُلِّكْتُ أمري ... ومَنْ لي بالتَّدَبُّر في الأمورِ )
(3/38)

( إذاً لعَصيتُهم في حبّ سلْمَى ... على ما كان من حَسَكِ الصدورِ )
( فيا للنّاسِ كيف غُلِبْتُ أمري ... على شيءٍ ويكرهُهُ ضمِيري )
قال إسحاق وحدثني الواقدي قال حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال
لما غزا النبي بني النضير وأجلاهم عن المدينة خرجوا يريدون خيبر يضربون بدفوف ويزمرون بالمزامير وعلى النساء المعصفرات وحلي الذهب مظهرين لذلك تجلدا ومرت في الظعن يومئذ سلمى امرأة عروة بن الورد العبسي وكان عروة حليفا في بني عمرو بن عوف وكانت سلمى من بني غفار فسباها عروة من قومها وكانت ذات جمال فولدت له أولادا وكان شديد الحب لها وكان ولده يعيرون بأمهم ويسمون بني الأخيذة أي السبية فقالت ألا ترى ولدك يعيرون قال فماذا ترين قالت أرى أن تردني إلى قومي حتى يكونوا هم الذين يزوجونك فأنعم لها فأرسلت إلى قومها أن القوه بالخمر ثم أتركوه حتى يسكر ويثمل فإنه لا يسأل حينئذ شيئا إلا أعطاه فلقوه وقد نزل في بني النضير فسقوه الخمر فلما سكر سألوه سلمى فردها عليهم ثم أنكحوه بعد
ويقال إنما جاء بها إلى بني النضير وكان صعلوكا يغير فسقوه الخمر فلما انتشى منعوه ولا شيء معه إلا هي فرهنها ولم يزل يشرب حتى غلقت فلما قال لها انطلقي قالت لا سبيل إلى ذلك قد أغلقتني فبهذا صارت عند بني النضير
فقال في ذلك
(3/39)

( سقَوْنِي الخمرَ ثم تكنَّفُونِي ... عُداةُ الله من كذبٍ وزورِ )
هذه الأبيات مشهورة بأن لطويس فيها غناء وما وجدته في شيء من الكتب مجنسا فتذكر طريقته
ولع طويس بالشعر الذي قالته الأوس والخزرج في حروبهم
وقال إسحاق وحدثني المدائني قال كان طويس ولعا بالشعر الذي قالته الأوس والحزرج في حروبهم وكان يريد بذلك الإغراء فقل مجلس اجتمع فيه هذان الحيان فغنى فيه طويس إلا وقع فيه شيء فنهي عن ذلك فقال والله لا تركت الغناء بشعر الأنصار حتى يوسدوني التراب وذلك لكثرة تولع القوم به فكان يبدي السرائر ويخرج الضغائن فكان القوم يتشاءمون به
وكان يستحسن غناؤه ولا يصبر عن حديثه ويستشهد على معرفته فغنى يوما بشعر قيس بن الخطيم في حرب الأوس والخزرج وهو
( ردّ الخَليطُ الجِمالَ فانصرفوا ... ماذا عليهم لو أنهم وقفُوا )
( لو وقفوا ساعةً نسائلُهم ... رَيْث يضحِّي جِمَاله السَّلَفُ )
( فليت أهلي وأهلَ أَثْلَة في الدَّارِ ... قَرِيبٌ من حيثُ نختلفُ )
فلما بلغ إلى آخر بيت غنى فيه طويس من هذه القصيدة وهو
( أبلغْ بني جَحْجَبى وقومَهُم ... خَطْمَةَ أنّا وراءَهم أُنُفُ )
تكلموا وانصرفوا وجرت بينهم دماء وانصرف طويس من عندهم سليما لم يكلم ولم يقل له شيء
قال إسحاق فحدثني الواقدي وأبو البختري قالا
قال قيس بن الخطيم هذه القصيدة لشغب أثاره القوم بعد دهر طويل ونذكر
(3/40)

سبب أول ما جرى بين الأوس والخزرج من الحرب
قال إسحاق قال أبو عبد الله اليزيدي وأبو البختري وحدثني مشايخ لنا قالوا كانت الأوس والخزرج أهل عز ومنعة وهما أخوان لأب وأم وهما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر وأمهما قيلة بنت جفنة بن عتبة بن عمرو وقضاعة تذكر أنها قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة
وكانت أول حرب جرت بينهم في مولى كان لمالك بن العجلان قتله سمير بن يزيد بن مالك وسمير رجل من الأوس ثم أحد بني عمرو بن عوف وكان مالك سيد الحيين في زمانه وهو الذي ساق تبعا إلى المدينة وقتل الفطيون صاحب زهرة وأذل اليهود للحيين جميعا فكان له بذلك الذكر والشرف عليهم وكانت دية المولى فيهم وهو الحليف خمسا من الإبل ودية الصريح عشرا فبعث مالك إلى عمرو بن عوف ابعثوا إلي سميرا حتى أقتله بمولاي فإنا نكره أن تنشب بيننا وبينكم حرب فأرسلوا إليه إنا نعطيك الرضا من مولاك فخذ منا عقله فإنك قد عرفت أن الصريح لا يقتل بالمولى قال لا آخذ في مولاي دون دية الصريح فأبوا إلا دية المولى فلما رأى ذلك مالك بن العجلان جمع قومه من الخزرج وكان فيهم مطاعا وأمرهم بالتهيؤ للحرب فلما بلغ الأوس استعدوا لهم وتهيؤوا للحرب واختاروا الموت على الذل ثم خرج بعض القوم إلى بعض فالتقوا بالصفينة بين بئر سالم وبين قباء قرية لبني عمرو بن عوف فاقتتلوا قتالا شديدا حتى نال بعض القوم من بعض ثم إن رجلا من الأوس نادى يا مالك ننشدك الله والرحم وكانت أم مالك إحدى نساء بني
(3/41)

عمرو بن عوف فاجعل بيننا وبينك عدلا من قومك فما حكم علينا سلمنا لك فارعوى مالك عند ذلك وقال نعم فاختاروا عمرو بن امرئ القيس أحد بني الحارث بن الحزرج فرضي القوم به واستوثق منهم ثم قال فإني أقضي بينكم إن كان سمير قتل صريحا من القوم فهو به قود وإن قبلوا العقل فلهم دية الصريح وإن كان قتل مولى فلهم دية المولى بلا نقص ولا يعطى فوق نصف الدية وما أصبتم منا في هذه الحرب ففيه الدية مسلمة إلينا وما أصبنا منكم فيها علينا فيه دية مسلمة إليكم
فلما قضى بذلك عمرو بن امرئ القيس غضب مالك بن العجلان ورأى أن يرد عليه رأيه وقال لا أقبل هذا القضاء وأمر قومه بالقتال فجمع القوم بعضهم لبعض ثم التقوا بالفضاء عند آطام بني قينقاع فاقتتلوا قتالا شديدا ثم تداعوا إلى الصلح فحكموا ثابت بن حرام بن المنذر أبا حسان بن ثابت النجاري فقضى بينهم أن يدوا مولى مالك بن العجلان بدية الصريح ثم تكون السنة فيهم بعده على مالك وعليهم كما كانت أول مرة المولى على ديته والصريح على ديته فرضي مالك وسلم الآخرون وكان ثابت إذ حكموه أراد إطفاء النائرة فيما بين القوم ولم شعثهم فأخرج خمسا من الإبل من قبيلته حين أبت عليه الأوس أن تؤدي إلى مالك أكثر من خمس وأبى مالك أن يأخذ دون عشر
فلما أخرج ثابت الخمس أرضى مالكا بذلك ورضيت الأوس واصطلحوا بعهد وميثاق ألا يقتل رجل في داره ولا معقله والمعاقل النخل فإذا خرج رجل من داره أو معقله فلا دية له ولا عقل ثم انظروا في القتلى فأي الفريقين فضل على صاحبه ودى له صاحبه فأفضلت الأوس على الخزرج بثلاثة نفر فودتهم الأوس واصطلحوا
ففي ذلك يقول حسان بن ثابت لما كان أبوه أصلح بينهم ورضاهم بقضائه في ذلك
(3/42)

( وأَبي في سُمَيْحة القائلُ الفاصِل ... ُ حين التفّت عليه الخصومُ )
وفي ذلك يقول قيس بن الخطيم قصيدته وهي طويلة
( رَدّ الخليطُ الجمالَ فانصرفوا ... ماذا عليهم لو أنّهم وقَفوا )
عمر بن عبد العزيز يقول قيس بن الخطيم هو أنسب الناس
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال
كان عمر بن عبد العزيز ينشد قول قيس بن الخطيم
( بين شُكول النساء خِلْقتُها ... قَصْدٌ فلا جَبْلةٌ ولا قَضَفُ )
( تنام عن كُبْر شأنها فإِذا ... قامت رُويداً تكاد تنقصفُ )
( تغترق الطرفَ وهي لاهيةٌ ... كأنما شفَّ وجهها نُزُفُ )
ثم يقول قائل هذا الشعر أنسب الناس
ومما في المائة المختارة من أغاني طويس
صوت
( يَا لَقَوْمِي قد أرّقتني الهمومُ ... ففؤادي مما يُجِنُّ سقيمُ )
( أنْدَبَ الحبُّ في فؤادي ففيه ... لو تَرَاءى للناظرين كلومُ )
يجن يخفي والجنة من ذلك والجن أيضا مأخوذ منه
وأندب أبقى فيه ندبا وهو أثر الجرح قال ذو الزمة
(3/43)

( تُرِيكَ سُنّةَ وجهٍ غيرَ مُقْرِفةٍ ... ملساءَ ليس بها خالٌ ولا نَدَبُ )
الشعر لابن قيس الرقيات فيما قيل
والغناء لطويس ولحنه المختار خفيف رمل مطلق في مجرى الوسطى قال إسحاق وهو أجود لحن غناه طويس ووجدته في كتاب الهشامي خفيف رمل بالوسطى منسوبا إلى ابن طنبورة
قال وقال ابن المكي إنه لحكم وقال عمرو بن بانة إنه لابن عائشة أوله هذان البيتان وبعدهما
( ما لِذَا الهمِّ لا يَرِيمُ فؤادي ... مثلَ ما يَلزَمُ الغريمَ الغريمُ )
( إنّ مَنْ فَرّق الجماعةَ منّا ... بعد خَفْصٍ ونَعْمةٍ لذميمُ )
انقضت أخبار طويس
صوت من المائة المختارة من صنعة قفا النجار
( حُجبَ الأُلى كنّا نُسَرّ بقربهم ... يا ليتَ أنّ حجابَهم لم يُقْدَرِ )
( حُجُبِوا ولم نَقضِ اللُّبانَةَ منهمُ ... ولنا إليهم صَبْوةٌ لم تُقْصِرِ )
( ويُحيط مِئزرُها برِدْفٍ كاملٍ ... رَابيَ المَجَسَّةِ كالكَثيب الأعفرِ )
( وإذا مَشَتْ خِلتَ الطريقَ لمشيها ... وَحِلاً كمشي المُرْجِحنّ المُوقَرِ )
لم يقع إلينا قائل هذا الشعر والغناء لقفا النجار ولحنه المختار من الثقيل
(3/44)

الثاني بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى ويقال إن فيه لحنا لابن سريج
وذكر يحيى بن علي ابن يحيى في الاختيار الواثقي أن لحن قفا النجار المختار من الثقيل الأول
صوت من المائة المختارة
( أَفِقْ يا دَارِميُّ فقد بُلِيتَا ... وإنك سوف تُوشِك أن تَمُوتَا )
( أراك تَزِيدُ عشقاً كلَّ يومٍ ... إذا ما قلتَ إنك قد بَرِيتا )
الشعر والغناء جميعا لسعيد الدارمي ولحنه المختار من خفيف الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى
(3/45)

ذكر الدارمي وخبره ونسبه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني أبو أيوب المديني قال حدثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال
الدارمي من ولد سويد بن زيد الذي كان جده قتل أسعد بن عمرو بن هند ثم هربوا إلى مكة فحالفوا بني نوفل بن عبد مناف
وكان الدارمي في أيام عمر بن عبد العزيز وكانت له أشعار ونوادر وكان من ظرفاء أهل مكة وله أصوات يسيرة وهو الذي يقول
( ولما رأيتُكَ أوليتني الْقبيحَ ... وأبعدتَ عنّي الجميلا )
( تركتُ وِصالَك في جانبٍ ... وصادفتُ في الناس خِلاًّ بَدِيلا )
مناسبة قصيدته قل للمليحة
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني إسحاق بن إبراهيم عن الأصمعي وأخبرني عمي قال حدثنا فضل اليزيدي عن إسحاق بن إبراهيم عن الأصمعي وأخبرني عمي قال حدثنا أبو الفضل الرياشي عن الأصمعي قال وحدثني به النوشجاني عن شيخ له البصريين عن الأصمعي عن
(3/46)

ابن أبي الزناد ولم يقل عن ابن أبي الزناد غيره
أن تاجرا من أهل الكوفة قدم المدينة بخمر فباعها كلها وبقيت السود منها فلم تنفق وكان صديقا للدارمي فشكا ذاك إليه وقد كان نسك وترك الغناء وقول الشعر فقال له لا تهتم بذلك فإني سأنفقها لك حتى تبيعها أجمع ثم قال
صوت
( قُلْ للمليحةِ في الخِمَارِ الأسودِ ... ماذا صَنَعتِ براهبٍ متعبِّدِ )
( قد كان شَمِّر للصلاة ثيابَه ... حتى وقَفتِ له ببابِ المسجدِ )
وغنى فيه وغنى فيه أيضا سنان الكاتب وشاع في الناس وقالوا قد فتك الدارمي ورجع عن نسكه فلم تبق في المدينة ظريفة إلا ابتاعت خمارا أسود حتى نفد ما كان مع العراقي منها فلما علم بذلك الدارمي رجع إلى نسكه ولزم المسجد
فأما نسبة هذا الصوت فإن الشعر فيه للدارمي والغناء أيضا وهو خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق
وفيه لسنان الكاتب رمل بالوسطى عن حبش
وذكر حبش أن فيه لان سريج هزجا بالبنصر
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثني أبو هفان قال حضرت يوما مجلس بعض قواد الأتراك وكانت له ستارة فنصبت فقال لها غني صوت الخمار السود المليح فلم ندر ما أراد حتى غنت
( قل للمليحةِ في الخمار الأسودِ ... )
(3/47)

ثم أمسك ساعة ثم قال لها غني
( إني خريت وجئت ... )
فضحكت ثم قالت هذا يشبهك فلم ندر أيضا ما أراد حتى غنت
( إنّ الخليطَ أجدّ مُنْتَقَلَهْ ... )
بخل الدارمي
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا هارون بن محمد قال حدثني محمد ابن أخي سلم الخزاعي قال حدثني الحرمازي قال زعم لي ابن مودود قال
كان الدارمي المكي شاعرا ظريفا وكانت متفتيات أهل مكة لا يطيب لهن متنزه إلا بالدارمي فاجتمع جماعة منهن في متنزه لهن وفيهن صديقة له وكل واحدة منهن قد واعدت هواها فخرجن حتى أتين الجحفة وهو معهن فقال بعضهن لبعض كيف لنا أن نخلو مع هؤلاء الرجال من الدارمي فإنا إن فعلنا قطعنا في الأرض قالت لهن صاحبته أنا أكفيكنه قلن إنا نريد ألا يلومنا قالت علي أن ينصرف حامدا وكان أبخل الناس فأتته فقالت يا دارمي إنا قد تفلنا فاجلب لنا طيبا قال نعم هوذا آتي سوق الجحفة آتيكن منها بطيب فأتى المكارين فاكترى حمارا فصار عليه إلى مكة وهو يقول
(3/48)

( أنَا باللَّه ذي العِزِّ ... وبالرُّكنِ وبالصَّخْرَهْ )
( من اللائي يُرِدنَ الطِّيبَ ... في اليُسر وفي العُسْرَهْ )
( وما أقوَى على هذا ... ولو كنتُ على البَصْرَهْ )
فمكث النسوة ما شئن ثم قدم من مكة فلقيته صاحبته ليلة في الطواف فأخرجته إلى ناحية المسجد وجعلت تعاتبه على ذهابه ويعاتبها إلى أن قالت له يا دارمي بحق هذه البنية أتحبني فقال نعم فبربها أتحبيني قالت نعم قال فيالك الخير فأنت تحبيني وأنا أحبك فما مدخل الدراهم بيننا
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال
كان الدارمي عند عبد الصمد بن علي يحدثه فأغفى عبد الصمد فعطس الدارمي عطسة هائلة ففزع عبد الصمد فزعا شديدا وغضب غضبا شديدا ثم استوى جالسا وقال يا عاض كذا من أمه أتفزعني قال لا والله ولكن هكذا عطاسي قال والله لأنقعنك في دمك أو تأتيني ببينة على ذلك قال فخرج ومعه حرسي لا يدري أين يذهب به فلقيه ابن الريان المكي فسأله فقال أنا أشهد لك فمضى حتى دخل على عبد الصمد فقال له بم تشهد لهذا قال أشهد أني رأيته مرة عطس عطسة فسقط ضرسه فضحك عبد الصمد وخلى سبيله
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا هارون بن محمد قال حدثنا الزبير قال
قال محمد بن إبراهيم الإمام للدارمي لو صلحت عليك ثيابي لكسوتك قال فديتك إن لم تصلح علي ثيابك صلحت علي دنانيرك
(3/49)

أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير ونسخت من كتاب هارون بن محمد حدثنا الزبير قال حدثني يونس بن عبد الله الخياط قال
خرج الدارمي مع السعاة فصادف جماعة منهم قد نزلوا على الماء فسألهم فأعطوه دراهم فأتى بها في ثوبه وأحاط به أعرابيات فجعلن يسألنه وألححن عليه وهو يردهن فعرفته صبية منهن فقالت يا أخواتي أتدرين من تسألن منذ اليوم هذا الدارمي السأل ثم أنشدت
( إذا كنتَ لا بدّ مُستطعِماً ... فدَعْ عنك مَنْ كان يستطعِمُ )
فولى الدارمي هاربا منهن وهن يتضاحكن به
خبر الدارمي مع الأوقص القاضي
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال أخبرني أحمد بن أبي خيثمة قال حدثنا مصعب الزبيري قال
أتى الدارمي الأوقص القاضي بمكة في شيء فأبطأ عليه فيه وحاكمه إليه خصم له في حق فحبسه به حتى أداه إليه
فبينا الأوقص يوما في المسجد الحرام يصلي ويدعو ويقول يا رب أعتق رقبتي من النار إذ قال له الدارمي والناس يسمعون أولك رقبة تعتق لا والله ما جعل الله وله الحمد لك من عتق ولا رقبة فقال له الأوقص ويلك ومن أنت قال أنا الدارمي حبستني وقتلتني قال لا تقل ذلك وأتني فإني أعوضك فأتاه ففعل ذلك به
(3/50)

خبر الدارمي مع عبد الصمد بن علي
أخبرني الحرمي أحمد بن محمد بن إسحاق قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال
مدح الدارمي عبد الصمد بن علي بقصيدة واستأذنه في الإنشاد فأذن له فلما فرغ أدخل إليه رجل من الشراة فقال لغلامه أعط هذا مائة دينار واضرب عنق هذا فوثب الدارمي فقال بأبي أنت وأمي برك وعقوبتك جميعا نقد فإن رأيت أن تبدأ بقتل هذا فإذا فرغ منه أمرته فأعطاني فإني لن أريم من حضرتك حتى يفعل ذلك قال ولم ويلك قال أخشى أن يغلط فيما بيننا والغلط في هذا لا يستقال فضحك وأجابه إلى ما سأل
مرضه
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي قال
أصابت الدارمي قرحة في صدره فدخل إليه بعض أصدقائه يعوده فرآه قد نفث من فيه نفثا أخضر فقال له أبشر قد اخضرت القرحة وعوفيت فقال هيهات والله لو نفثت كل زمردة في الدنيا ما أفلت منها
(3/51)

صوت من المائة المختارة
( يا رَبْعَ سَلْمَى لقد هيَّجتَ لي طرَبا ... زِدْتَ الفؤادَ على عِلاَّتِه وَصَبَا )
( ريعٌ تبدّل ممّن كان يسكنُه ... عُفْرَ الظِّباءِ وظُلْمَاناً به عُصَبَا )
الشعر لهلال بن الأسعر المازني أخبرني بذلك وكيع عن حماد بن إسحاق عن أبيه وهكذا هو في رواية عمرو بن أبي عمرو الشيباني
ومن لا يعلم ينسبه إلى عمر بن أبي ربيعة وإلى الحارث بن خالد ونصيب وليس كذلك والغناء في اللحن المختار لعزور الكوفي ومن الناس من يقول عزون بالنون وتشديد الزاي وهو رجل من أهل الكوفة غير مشهور ولا كثير الصنعة ولا أعلم أني سمعت له بخبر ولا صنعة غير هذا الصوت
ولحن هذا المختار ثقيل أول بالبنصر في مجراها عن إسحاق وهكذا نسبه في الاختيار الواثقي وذكر عمرو بن بانة أن فيه لابن عائشة لحنا من الثقيل الأول بالبنصر
وفي أخبار الغريض عن حماد أن له فيه ثقيلا أول
وقال الهشامي فيه لعبد الله بن العباس لحن من الثقيل الثاني
وذكر حبش أن فيه لحسين بن محرز خفيف رمل بالبنصر
(3/52)

أخبار هلال ونسبه
هو فيما ذكر خالد بن كلثوم هلال بن الأسعر بن خالد بن الأرقم بن قسيم بن ناشرة بن سيار بن رزام بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم
شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية وأظنه قد أدرك الدولة العباسية وكان رجلا شديدا عظيم الخلق أكولا معدودا من الأكلة
قال أبو عمرو وكان هلال فارسا شجاعا شديد البأس والبطش أكثر الناس أكلا وأعظمهم في حرب غناء
هذا لفظ أبي عمرو
وقال أبو عمرو وعمر هلال بن أسعر عمرا طويلا ومات بعد بلايا عظام مرت على رأسه
قال وكان رجل من قومه من بني رزام بن مالك يقال له المغيرة بن قنبر يعوله ويفضل عليه ويحتمل ثقله وثقل عياله فهلك فقال هلال يرثيه
( ألا ليت المُغِيرةَ كان حيّاً ... وأَفْنَى قبلَه الناسَ الفَنَاءُ )
( لَيَبْكِ على المُغِيرة كلُّ خيلٍ ... إذا أَفْنَى عَرَائكَها اللِّقاءُ )
( ويَبْكِ على المغيرة كُلُّ كَلٍّ ... فَقِيرٍ كان يَنْعَشُه العَطَاءُ )
( ويَبْكِ على المغيرة كلُّ جيشٍ ... تَمورُ لدى مَعَارِكه الدِّمَاءُ )
( فتى الفتيانِ فارسُ كلِّ حربٍ ... إذا شالتْ وقد رُفِع اللِّواءُ )
(3/53)

( لقد وارَى جديدُ الأرضِ منه ... خِصَالاً عَقْدُ عِصْمتِها الوفاءُ )
( فصبراً للنوائب إن ألَمَّتْ ... إذا ما ضاق بالحَدَثِ الفضاء )
( هِزبَرٌ تَنْجلي الغَمْراتُ عنه ... نقيّ العِرْضِ همّتُه العَلاَءُ )
( إذا شهِد الكَرِيهَةَ خَاض منها ... بحُوراً لا تكدّرُها الدِّلاءُ )
( جَسُورٌ لا يروَّع عند رَوْعٍ ... ولا يَثْنِي عزيمتَه اتِّقاءُ )
( حَلِيمٌ في مَشَاهده إذا ما ... حُبَا الحُلَماءِ أطلقها المِرَاءُ )
( حَميدٌ في عشيرتِه فَقيدٌ ... يَطيب عَليه في الملأ الثناءُ )
( فإن تكن المنيةُ أَقْصدتْه ... وحُمَّ عليه بالتلف القَضَاءُ )
( فقد أَوْدَى به كرمٌ وخِيرٌ ... وعَوْدٌ بالفضائل وابتداءُ )
( وجودٌ لا يَضُمّ إليه جوداً ... مُرَاهِنُه إذا جَدّ الجِرَاءُ )
أخبار عن قوته وصلابته
وقال خالد بن كلثوم كان هلال بن الأسعر فيما ذكروا يرد مع الإبل فيأكل ما وجد عند أهله ثم يرجع إليها ولا يتزود طعاما ولا شرابا حتى يرجع يوم ورودها لا
(3/54)

يذوق فيما بين ذلك طعاما ولا شرابا وكان عادي الخلق لا توصف صفته قال خالد بن كلثوم فحدثنا عنه من أدركه أنه كان يوما في إبل له وذلك عند الظهيرة في يوم شديد وقع الشمس محتدم الهاجرة وقد عمد إلى عصاه فطرح عليها كساءه ثم أدخل رأسه تحت كسائه من الشمس فبينا هو كذلك إذ مر به رجلان أحدهما من بني نهشل والآخر من بني فقيم كانا أشد تميميين في ذلك الزمان بطشا يقال لأحدهما الهياج وقد أقبلا من البحرين ومعهما أنواط من تمر هجر وكان هلال بناحية الصعاب فلما انتهيا إلى الإبل ولا يعرفان هلالا بوجهه ولا يعرفان أن الإبل له ناديا يا راعي أعندك شراب تسقينا وهما يظنانه عبدا لبعضهم فناداهما هلال ورأسه تحت كسائه عليكما الناقة التي صفتها كذا في موضع كذا فأنيخاها فإن عليها وطبين من لبن فاشربا منهما ما بدا لكما
قال فقال له أحدهما ويحك انهض يا غلام فأت بذلك اللبن فقال لهما إن تك لكما حاجة فستأتيانها فتجدان الوطبين فتشربان قال فقال أحدهما إنك يابن اللخناء لغليظ الكلام قم فاسقنا ثم دنا من هلال وهو على تلك الحال
وقال لهما حيث قال له أحدهما إنك يابن اللخناء لغيظ الكلام أراكما والله ستلقيان هوانا وصغارا وسمعا ذلك منه فدنا أحدهما فأهوى له ضربا بالسوط على عجزه وهو مضطجع فتناول هلال يده فاجتذبه إليه ورماه تحت فخذه ثم ضغطه ضغطة فنادى صاحبه ويحك أغثني قد قتلني فدنا صاحبه منه فتناوله هلال أيضا فاجتذبه فرمى تحت فخذه الأخرى ثم أخذ برقابهما فجعل يصك برؤوسهما
(3/55)

بعضا ببعض لا يستطيعان أن يمتنعا منه فقال أحدهما كن هلالا ولا نبالي ما صنعت فقال لهما أنا والله هلال ولا والله لا تفلتان مني حتى تعطياني عهدا وميثاقا لا تخيسان به لتأتيان المربد إذا قدمتا البصرة ثم لتناديان بأعلى أصواتكما بما كان مني ومنكما فعاهداه وأعطياه نوطا من التمر الذي معهما وقدما البصرة فأتيا المربد فناديا بما كان منه ومنهما
وحدث خالد عن كنيف بن عبد الله المازني قال كنت يوما مع هلال ونحن نبغي إبلا لنا فدفعنا إلى قوم من بكر بن وائل وقد لغبنا وعطشنا وإذا نحن بفتية شباب عند ركية لهم وقد وردت إبلهم فلما رأوا هلالا استهولوا خلقه وقامته فقام رجلان منهم إليه فقال له أحدهما يا عبد الله هل لك في الصراع فقال له هلال أنا إلى غير ذلك أحوج قال وما هو قال إلى لبن وماء فإنني لغب ظمآن قال ما أنت بذائق من ذلك شيئا حتى تعطينا عهدا لتجيبننا إلى الصراع إذا أرحت ورويت فقال لهما هلال إنني لكم ضيف والضيف لا يصارع آهله رب منزله وأنتم مكتفون من ذلك بما أقول لكم اعمدوا إلى أشد فحل في إبلكم وأهيبه صولة وإلى أشد رجل منكم ذراعا فإن لم أقبض على هامة البعير وعلى يد صاحبكم فلا يمتنع الرجل ولا البعير حتى أدخل يد الرجل في فم البعير فإن لم أفعل ذلك فقد صرعتموني وإن فعلته علمتم أن صراع أحدكم أيسر من ذلك قال فعجبوا من مقالته تلك وأومؤوا إلى فحل في إبلهم هائج صائل قطم فأتاه هلال ومعه نفر من أولئك القوم وشيخ لهم فأخذ بهامة الفحل مما
(3/56)

فوق مشفره فضغطها ضغطة جرجر الفحل منها واستخذى ورغا وقال ليعطني من أحببتم يده أولجها في فم هذا الفحل
قال فقال الشيخ يا قوم تنكبوا هذا الشيطان فوالله ما سمعت فلانا يعني الفحل جرجر منذ بزل قبل اليوم فلا تعرضوا لهذا الشيطان
وجعلوا يتبعونه وينظرون إلى خطوه ويعجبون من طول أعضائه حتى جازهم
قال وحدثنا من سمع هلالا يقول قدمت المدينة وعليها رجل من آل مروان فلم أزل أضع عن إبلي وعليها أحمال للتجار حتى أخذ بيدي وقيل لي أجب الأمير قال قلت لهم ويلكم إبلي وأحمالي فقيل لا بأس على إبلك وأحمالك قال فانطلق بي حتى أدخلت على الأمير فسلمت عليه ثم قلت جعلت فداك بلى وأمانتي قال فقال نحن ضامنون لإبلك وأمانتك حتى نؤديها إليك قال فقلت عند ذلك فما حاجة الأمير إلي جعلني الله فداه قال فقال لي وإلى جنبه رجل أصفر لا والله ما رأيت رجلا قط أشد خلقا منه ولا أغلظ عنقا وما أدري أطوله أكثر أم عرضه إن هذا العبد الذي تراه لا والله ما ترك بالمدينة عربيا يصارع إلا صرعه وبلغني عنك قوة فأردت أن يجري الله صرع هذا العبد على يديك فتدرك ما عنده من أوتار العرب
قال فقلت جعلني الله فداء الأمير إني لغب نصب جائع فإن رأى الأمير أن يدعني اليوم حتى أضع عن إبلي وأؤدي أمانتي وأريح يومي هذا وأجيئه غدا فليفعل
قال فقال لأعوانه انطلقوا معه فأعينوه على الوضع عن إبله وأداء أمانته وانطلقوا به إلى المطبخ فأشبعوه ففعلوا جميع ما أمرهم به
قال فظللت بقية يومي ذلك وبت ليلتي تلك بأحسن حال شبعا وراحة
(3/57)

وصلاح أمر فلما كان من الغد غدوت عليه وعلي جبة لي صوف وبت وليس علي إزار إلا أني قد شددت بعمامتي وسطي فسلمت عليه فرد علي السلام وقال للأصفر قم إليه فقد أرى أنه أتاك الله بما يجزيك فقال العبد اتزر يا أعرابي فأخذت بتي فاتزرت به على جبتي فقال هيهات هذا لا يثبت إذا قبضت عليه جاء في يدي قال فقلت والله ما لي من إزار قال فدعا الأمير بملحفة ما رأيت قبلها ولا علا جلدي مثلها فشددت بها على حقوي وخلعت الجبة قال وجعل العبد يدور حولي ويريد ختلي وأنا منه وجل ولا أدري كيف أصنع به ثم دنا مني دنوة فنقد جبهتي نقدة حتى ظننت أنه قد شجني وأوجعني فغاظني ذلك فجعلت أنظر في خلقه ثم أقبض منه فما وجدت في خلقه شيئا أصغر من رأسه فوضعت إبهامي في صدغيه وأصابعي الأخر في أصل أذنيه
ثم غمزته غمزة صاح منها قتلني قتلني فقال الأمير اغمس رأس العبد في التراب
قال فقلت له ذلك لك علي قال فغمست والله رأسه في التراب ووقع شبيها بالمغشي عليه فضحك الأمير حتى استلقى وأمر لي بجائزة وكسوة وانصرفت
فرار هلال إلى اليمن
قال أبو الفرج ولهلال أحاديث كثيرة من أعاجيب شدته وقد ذكره حاجب بن ذبيان فقال قوم من بني رباب من بني حنيفة في شيء كان بينهم فيه أربع ضربات بالسيف فقال حاجب
( وقائلةٍ وباكية بشَجْوٍ ... لَبئس السيفُ سيفُ بني رِباب )
( ولو لاقَى هلالَ بني رِزَام ... لعجّله إلى يوم الحساب )
(3/58)

وكان هلال بن الأسعر ضربه رجل من بني عنزة ثم من بني جلان يقال له عبيد ابن جري في شيء كان بينهما فشجه وخمشه خماشة فأتى هلال بني جلان فقال إن صاحبكم قد فعل بي ما ترون فخذوا لي بحقي فأوعدوه وزجروه فخرج من عندهم وهو يقول عسى أن يكون لهذا جزاء حتى أتى بلاد قومه فمضى لذلك زمن طويل حتى درس ذكره ثم إن عبيد بن جري قدم الوقبى وهو موضع من بلاد بني مالك فلما قدمها ذكر هلالا وما كان بينه وبينه فتخوفه فسأل من أعز أهل الماء فقيل له معاذ بن جعدة بن ثابت بن زرارة بن ربيعة بن سيار بن رزام بن مازن فأتاه فوجده غائبا عن الماء فعقد عبيد بن جري طرف ثيابه إلى جانب طنب بيت معاذ وكانت العرب إذا فعلت ذلك وجب على المعقود بطنب بيته للمستجير به أن يجيره وأن يطلب له بظلامته وكان يوم فعل ذلك غائبا عن الماء فقيل رجل استجار بآل معاذ بن جعدة ثم خرج عبيد بن جري ليستقي فوافق قدوم هلال بإبله يوم وروده وكان إنما يقدمها في الأيام فلما نظر هلال إلى ابن جري ذكر ما كان بينه وبينه ولم يعلم باستجارته بمعاذ بن جعدة فطلب شيئا يضربه به فلم يجده فانتزع المحور من السانية فعلاه به ضربة على رأسه فصرع وقيذا وقيل قتل هلال بن الأسعر جار معاذ بن جعدة فلما سمع ذلك هلال تخوف بني جعدة الرزاميين وهم بنو عمه فأتى راحلته ليركبها قال هلال فأتتني خولة بنت يزيد بن ثابت أخي بني جعدة بن ثابت وهي جدة أبي السفاح زهيد بن عبد الله بن مالك أم أبيه فتعلقت بثوب هلال ثم قالت أي عدو الله قتلت جارنا والله لا تفارقني حتى يأتيك رجالنا قال هلال والمحور في يدي لم أضعه قال فهممت أن أعلوا به رأس خولة ثم قلت في نفسي عجوز لها سن وقرابة قال فضربتها برجلي ضربة رميت بها من بعيد ثم أتيت
(3/59)

ناقتي فأركبها ثم أضربها هاربا وجاء معاذ بن جعدة وإخوته وهم يومئذ تسعة إخوة وعبد الله بن مالك زوج لبنت معاذ ويقال لها جبيلة وهو مع ذلك ابن عمتهم خولة بنت يزيد بن ثابت فهو معهم كأنه بعضهم فجاءوا من آخر النهار فسمعوا الواعية على الجلاني وهو دنف لم يمت فسألوا عن تلك الواعية فأخبروا بما كان من استجارة الجلاني بمعاذ بن جعدة وضرب هلال له من بعد ذلك فركب الأخوة التسعة وعبد الله بن مالك عاشرهم وكانوا أمثال الجبال في شدة خلقهم مع نجدتهم وركبوا معهم بعشرة غلمة لهم أشد منهم خلقا لا يقع لأحد منهم سهم في غير موضع يريده من رميته حتى تبعوا هلالا وقد نسل هلال من الهرب يومه ذلك كله وليلته فلما أصبح أمنهم وظن أن قد أبعد في الأرض ونجا منهم وتبعوه فلما أصبحوا من تلك الليلة قصوا أثره وكان لا يخفى أثره على أحد لعظم قدمه فلحقوه من بعد الغد فلما أدركوه وهم عشرون ومعهم النبل والقسي والسيوف والترسة ناداهم يا بني جعدة إني أنشدكم الله أن أكون قتلت رجلا غريبا طلبته بترة تقتلوني وأنا ابن عمكم وظن أن الجلاني قد مات ولم يكن مات إلى أن تبعوه وأخذوه فقال معاذ والله لو أيقنا أنه قد مات ما ناظرنا بك القتل من ساعتنا ولكنا تركناه ولم يمت ولسنا نحب قتلك إلا أن تمتنع منا ولا نقدم عليك حتى نعلم ما يصنع جارنا فقاتلهم وامتنع منهم فجعل معاذ يقول لأصحابه وغلمانه لا ترموه بالنبل ولا تضربوه بالسيوف ولكن ارموه بالحجارة واضربوه بالعصي حتى تأخذوه ففعلوا ذلك فما قدروا على أخذه حتى كسروا من إحدى يديه ثلاث أصابع ومن الأخرى إصبعين ودقوا ضلعين من أضلاعه وأكثروا الشجاج في رأسه ثم أخذوه وما كادوا يقدرون على أخذه فوضعوا في رجله
(3/60)

أدهم ثم جاءوا به وهو معروض على بعير حتى انتهوا به إلى الوقبى فدفعوه إلى الجلاني ولم يمت بعد فقالوا انطلقوا به معكم إلى بلادكم ولا تحدثوا في أمره شيئا حتى تنظروا ما يصنع بصاحبكم فإن مات فاقتلوه وإن حيي فأعلمونا حتى نحمل لكم أرش الجناية فقال الجلانيون وفت ذمتكم يا بني جعدة وجزاكم الله أفضل ما يجزي به خيار الجيران إنا نتخوف أن ينزعه منا قومكم إن خليتم عنا وعنهم وهو في أيدينا فقال لهم معاذ فإني أحمله معكم وأشيعكم حتى تردوا بلادكم ففعلوا ذلك فحمل معروضا على بعير وركبت أخته جماء بنت الأسعر معه وجعل يقول قتلتني بنو جعدة وتأتيه أخته بمغرة فيشربها فيقال يمشي بالدم لأن بني جعدة فرثوا كبده في جوفه
فلما بلغوا أدنى بلاد بكر بن وائل قال الجلانيون لمعاذ وأصحابه أدام الله عزكم وقد وفيتم فانصرفوا وجعل هلال يريهم أنه يمشي في الليلة عشرين مرة فلما ثقل الجلاني وتخوف هلال أن يموت من ليلته أو يصبح ميتا تبرز هلال كما كان يصنع وفي رجله الأدهم كأنه يقضي حاجة ووضع كساءه على عصاه في ليلة ظلماء ثم اعتمد على الأدهم فحطمه ثم طار تحت ليلته على رجليه وكان أدل الناس فتنكب الطريق التي تعرف ويطلب فيها وجعل يسلك المسالك التي لا يطمع فيها حتى انتهى إلى رجل من بني أثاثة بن مازن يقال له السعر بن يزيد بن طلق بن جبيلة بن أثاثة بن مازن فحمله السعر على ناقة له يقال لها ملوة فركبها ثم تجنب بها الطريق فأخذ نحو بلاد قيس بن عيلان تخوفا من بني مازن أن يتبعوه أيضا فيأخذوه فسار ثلاث
(3/61)

ليال وأيامها حتى نزل اليوم الرابع فنحر الناقة فأكل لحمها كله إلا فضلة فضلت منها فاحتملها ثم أتى بلاد اليمن فوقع بها فلبث زمانا وذلك عند مقام الحجاج بالعراق فبلغ إفلاته من بالبصرة من بكر بن وائل
فانطلقوا إلى الحجاج فاستعدوه وأخبروه بقتله صاحبهم فبعث الحجاج إلى عبد الله بن شعبة بن العلقم وهو يومئذ عريف بني مازن حاضرتهم وباديتهم فقال له لتأتيني بهلال أو لأفعلن بك ولأفعلن فقال له عبد الله بن شعبة إن أصحاب هلال وبني عمه قد صنعوا كذا وكذا فاقتص عليه ما صنعوا في طلبه وأخذه ودفعه إلى الجلانيين وتشييعهم إياه حتى وردوا بلاد بكر بن وائل فقال له الحجاج ويلك ما تقول قال فقال بعض البكريين صدق أصلح الله الأمير قال فقال الحجاج فلا يرغم الله إلا أنوفكم اشهدوا أني قد آمنت كل قريب لهلال وحميم وعريف ومنعت من أخذ أحد به ومن طلبه حتى يظفر به البكريون أو يموت قبل ذلك فلما وقع هلال إلى بلاد اليمن بعث إلى بني رزام بن مازن بشعر يعاتبهم فيه ويعظم عليهم حقه ويذكر قرابته وذلك أن سائر بني مازن قاموا ليحملوا ذلك الدم فقال معاذ لا أرضى والله أن يحمل لجاري دم واحد حتى يحمل له دم ولجواري دم آخر وإن أراد هلال الأمان وسطنا حمل له دم ثالث فقال هلال في ذلك
( بَني مازنٍ لا تطرُدوني فإِنّني ... أخوكم وإِن جَرَّتْ جَرائرَها يدِي )
(3/62)

( ولا تُثلِجوا أكبادَ بكر بن وائلٍ ... بترك أخيكم كالخليعِ المُطرَّدِ )
( ولا تجعلوا حِفظي بظَهرٍ وتحفَظوا ... بعيداَ ببغضاء يروح ويغتدِي )
( فإِنّ القريب حيثُ كان قريبُكم ... وكيفَ بقطع الكَفّ من سائر اليدِ )
( وإِن البعيد إن دنا فهو جاركم ... وإِن شطّ عنكم فهو أبعدُ أبعدِ )
( وإِنّي وإِن أوجدتموني لحافظ ... لكم حفظَ راض عنكُم غير مُوجَدِ )
( سيَحْمِي حِمَاكم بي وإِن كنتُ غائباً ... أغرُّ إذا ما رِيع لم يتبلَّدِ )
( وتَعلم بكر أنّكم حيثُ كنتُم ... وكنتُ من الأرض الغريبة محتدِي )
( وأنّي ثقيلٌ حيثُ كنتُ على العِدا ... وأنّي وإِن أُوحِدتُ لستُ بأوحدِ )
( وأنهمُ لمّا أرادوا هَضِيمتي ... مُنُوا بجميع القلب عَضبٍ مُهنَّدِ )
( حُسامٍ متى يعزِمْ على الأمر يأتِه ... ولم يتوقَّف للعواقبِ في غدِ )
( وهم بدؤوا بالبَغْي حتّى إذا جُزوا ... بأفعالهم قالوا لجازيهُم قَدِ )
( فلم يَكُ منهم في البديهة مُنصِفٌ ... ولم يك فيهم في العواقب مُهتدِي )
( ولم يَفعلوا فعلَ الحليم فيٌجْمِلوا ... ولم يفعَلوا فعلَ العزيز المؤيَّد )
( فإِن يَسْرِ لي إيعادُ بَكْرٍ فربّما ... مَنَعتُ الكَرَى بالغيظ من مُتوعِّدِ )
( ورُبّ حِمَى قوم أبحتُ ومورِدٍ ... ورَدتُ بفتيان الصباح وموردِ )
( وسجْفٍ دَجُوجيٍّ من الليل حالكٍ ... رفعتُ بعَجْلى الرِّجل مَوارة اليدِ )
( سفينة خَوّاضٍ بحُورَ هُمومِه ... قليلِ التياث العزم عند التردّدِ )
(3/63)

( جَسور على الأمر المَهيب إذا ونَى ... أخو الفَتْك ركّابٍ قَرى المتهدِّدِ )
وقال وهو بأرض اليمن
( أقول وقد جاوزتُ نُعْمَى وناقتي ... تَحِنُّ إلى جَنْبي فُليج مع الفَجْرِ )
( سقى الله يا ناقَ البلادَ التي بها ... هواكِ وإِن عنّا نأتْ سبَل القَطرِ )
( فما عن قِلىً منّا لها خَفّتِ النّوى ... بنا عن مَراعِيها وكُثْبانِها العُفْرِ )
( ولكنّ صرفَ الدّهر فرّق بيننا ... وبين الأداني والفَتى غَرضُ الدهرِ )
( فسَقْياً لصحراء الإهالة مَرْبَعاً ... وللوَقبى من مَنزلٍ دَمِثٍ مُثْرِي )
( وسَقْياً ورَعْيا حيث حَلّتْ لمازِنٍ ... وأيّامِها الغُرّ المِجّلة الزُّهْرِ )
قال خالد بن كلثوم ولما دفع هلال إلى أولياء الجلاني ليقتلوه بصاحبهم جاء رجل يقال له حفيد كان هلال قد وتره فقال والله لأؤنبنه ولأصغرن إليه نفسه وهو في القيود مصبور للقتل فأتاه فلم يدع له شيئا مما يكره إلا عده عليه
قال وإلى جنب هلال حجر يملأ الكف فأخذه هلال فأهوى به للرجل فأصاب جبينه فاجتلف جلفة من وجهه ورأسه ثم رمى بها وقال خذ القصاص مني الآن وأنشأ يقول
( أنا ضرَبتُ كَرِباً وزَيْدَاً ... وثابِتاً مَشَّيتُهم رُوَيْدَا )
( كما أفدتُ حَيْنَه عُبَيدَا ... وقد ضربتُ بعده حُفيدَا )
(3/64)

قال وهؤلاء كلهم من بني رزام بن مازن وكلهم كان هلال قد نكأ فيهم
هلال يمدح الديسم لأنه أدى عنه الدية
قال خالد بن كلثوم ولما طال مقام هلال باليمن نهضت بنو مازن بأجمعهم إلى بني رزام بن مازن رهط هلال ورهط معاذ بن جعدة جار الجلاني المقتول فقالوا إنكم قد أسأتم بابن عمكم وجزتم الحد في الطلب بدم جاركم فنحن نحمل لكم ما أردتم فحمل ديسم بن المنهال بن خزيمة بن شهاب بن أثاثة بن ضباب بن حجية بن كابية بن حرقوص بن مازن الذي طلب معاذ بن جعدة أن يحمل لجاره لفضل عزه وموضعه في عشيرته وكان الذي طلب ثلثمائة بعير فقال هلال في ذلك
( إن ابن كابِيةَ المَرزَّأَ دَيْسماً ... وَارِي الزنادِ بعيدُ ضوءِ النارِ )
( من كان يحملُ ما تحمّلَ ديسمٌ ... من حائلٍ فُنُقٍ وأمِّ حُوَارِ )
( عَيَّتْ بنو عمرو بحمل هنائدٍ ... فيها العِشارُ ملاَبيُء الأبكار )
( حتى تَلاَفاها كريمٌ سابقٌ ... بالخير حلّ منازلَ الأخيارِ )
( حتى إذا وردتْ جميعاً أًرْزَمتْ ... جَلاَّنَ بعد تَشَمُّس ونِفَارِ )
( تَرعَى بصحراءِ الإِهالَة رُوبَةً ... والعُنظُوَانَ مَنَابِتَ الجَرجَارِ )
(3/65)

وقال خالد بن كثلوم كان قيمر بن سعد مصدقا على بكر بن وائل فوجد منهم رجلا قد سرق صدقته فأخذه قمير ليحبسه فوثب قومه وأرادوا أن يحولوا بين قمير وبينه وهلال حاضر فلما رأى ذلك هلال وثب على البكريين فجعل يأخذ الرجلين منهم فيكنفهما ويناطح بين رؤوسهما فانتهى إلى قمير أعوانه فقهروا البكريين فقال هلال في ذلك
( دعاني قُمَيرٌ دَعْوةً فأجبتُه ... فأيُّ امريٍء في الحرب حين دَعانِي )
( معي مِخْذَمٌ قد أخلصَ القَيْنُ حَدَّه ... يُخَفِّضُ عند الرَّوْعِ رَوْعَ جَنَانِي )
( وما زِلتُ مذ شَدَّتْ يمينيَ حُجْزتي ... أُحَارِبُ أو فِي ظِلّ حربٍ تَرَانِي )
حبسه ثم الإفراج عنه بعد افتدائه
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا حكيم بن سعد عن زفر بن هبيرة قال
تقاوم هلال بن أسعر المازني وهو أحد بني رزام بن مازن ونييس الجلاني من عنزة وهما يسقيان إبلهما فحذف هلال نهيسا بمحور في يده فأصابه فمات فاستعدى ولده بلال بن أبي بردة على هلال فحبسه فأسلمه قومه بنو رزام وعمل في أمره ديسم ابن المنهال أحد بني كابية بن حرقوص فافتكه بثلاث ديات فقال هلال يمدحه
( تداركَ دَيْسمٌ حسَباً ومجداً ... رِزَاماً بعد ما انشقَّتْ عَصَاها )
( همو حَملوا المئِينَ فألحقُوها ... بأهليها فكان لهم سَنَاها )
(3/66)

( وما كانت لتحمِلَها رِزامٌ ... بأَسْتَاهٍ مُعَقّصَة لِحَاها )
( بكابيةَ بنِ حُرقُوصٍ وجدٍّ ... كريمٍ لا فتَى إلا فَتَاها )
نهم هلال وكثرة أكله
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار وأحمد بن عبد العزيز الجوهري
قالا حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثني نصر بن علي الجهضمي قال حدثنا الأصمعي وأخبرني أبو عبيد محمد بن أحمد بن المؤمل الصيرفي قال حدثنا فضل بن الحسن قال حدثنا نصر بن علي عن الأصمعي قال حدثنا المعتمر بن سليمان قال
قلت لهلال بن أسعر ما أكلة أكلتها بلغتني عنك قال جعت مرة ومعي بعيري فنحرته وأكلته إلا ما حملت منه على ظهري قال أبو عبيد في حديثه عن فضل ثم أردت امرأتي فلم أقدر على جماعها فقالت لي ويحك كيف تصل إلي وبيني وبينك بعير قال المعتمر فقلت له كم تكفيك هذه الأكلة قال أربعة أيام
وحدثني به ابن عمار قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أحمد بن معاوية عن الأصمعي عن معتمر بن سليمان عن أبيه قال قلت لهلال بن الأسعر هكذا قال ابن أبي سعد معتمر عن أبيه وقال في خبره فقلت له كم تكفيك هذه الأكلة فقال خمسا
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا نصر بن علي قال حدثني الأصمعي قال حدثني شيخ من بني مازن قال
أتانا هلال بن أسعر المازني فأكل جميع ما في بيتنا فبعثنا إلى الجيران
(3/67)

نقترض الخبز فلما رأى الخبز قد اختلف عليه قال كأنكم أرسلتم إلى الجيران أعندكم سويق قلنا نعم فجئته بجراب طويل فيه سويق وببرنية نبيذ فصب السويق كله وصب عليه النبيذ حتى أتى على السويق والنبيذ كله
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن موسى قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني
أن هلال بن أسعر مر على رجل من بني مازن بالبصرة وقد حمل من بستانه رطبا في زواريق فجلس على زورق صغير منها وقد كثب الرطب فيه وغطي بالبواري قال له يابن عم آكل من رطبك هذا قال نعم قال ما يكفيني قال ما يكفيك فجلس على صدر الزورق وجعل يأكل إلى أن اكتفى ثم قام فانصرف فكشف الزورق فإذا هو مملؤ نوى قد أكل رطبه وألقى النوى فيه
قال المدائني وحدثني من سأله عن أعجب شيء أكله فقال مائتي رغيف مع مكوك ملح
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني الحسن بن علي بن منصور الأهوازي وكان كهلا سريا معدلا قال حدثني شبان النيلي عن صدقة بن عبيد المازني قال
(3/68)

أولم علي أبي لما تزوجت فعملنا عشر جفان ثريدا من جزور
فكان أول من جاءنا هلال بن أسعر المازني فقدمنا إليه جفنة فأكلها ثم أخرى ثم أخرى حتى أتى على العشر ثم استسقى فأتي بقربة من نبيذ فوضع طرفها في شدقه ففرغها في جوفه ثم قام فخرج فاستأنفنا عمل الطعام
هلال أطول الناس قامة
أخبرني الجوهري قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا نصر بن علي عن الأصمعي قال حدثني أبو عمرو بن العلاء قال رأيت هلال بن أسعر ميتا ولم أره حيا فما رأيت أحدا على سرير أطول منه
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد قال حدثني بعض حاشية السلطان قال
غنى إبراهيم الموصلي الرشيد يوما
( يا ربعَ سَلْمَى لقد هيّجتَ لي طربَا ... زِدتَ الفؤاد على علاَّته وَصَبَا )
قال والصنعة فيه لرجل من أهل الكوفة يقال له عزون فأعجب به الرشيد وطرب له واستعاده مرارا فقال له الموصلي يا أمير المؤمنين فكيف لو سمعته من عبدك مخارق فإنه أخذه عني وهو يفضل فيه الخلق جميعا ويفضلني فأمر بإحضار مخارق فأحضر فقال له غنني
( يا ربعَ سلمى لقد هيّجتَ لي طربا ... زدت الفؤاد على عِلاّته وصبا )
(3/69)

فغناه إياه فبكى وقال سل حاجتك قال مخارق فقلت تعتقني يا أمير المؤمنين من الرق وتشرفني بولائك أعتقك الله من النار قال أنت حر لوجه الله أعد الصوت قال فأعدته فبكى وقال سل حاجتك فقلت يا أمير المؤمنين ضيعة تقيمني غلتها فقال قد أمرت لك بها أعد الصوت فأعدته فبكى وقال سل حاجتك فقلت يأمر لي أمير المؤمنين بمنزل وفرشه وما يصلحه وخادم فيه قال ذلك لك أعده فأعدته فبكى وقال سل حاجتك قلت حاجتي يا أمير المؤمنين أن يطيل الله بقاءك ويديم عزك ويجعلني من كل سوء فداءك قال فكان إبراهيم الموصلي سبب عتقه بهذا الصوت
أخبرني بهذا الخبر محمد بن خلف وكيع قال حدثني هارون بن مخارق وحدثني به الصولي أيضا عن وكيع عن هارون بن مخارق قال
كان أبي إذا غنى هذا الصوت
( يا ربع سلمى لقد هيجت لي طربا ... زدت الفؤاد على عِلاّته وصبا )
يقول أنا مولى هذا الصوت فقلت له يوما يا أبت وكيف ذلك فقال غنيته مولاي الرشيد فبكى وقال أحسنت أعد فأعدت فبكى وقال أحسنت أنت حر لوجه الله وأمر لي بخمسة آلاف دينار فأنا مولى هذا الصوت بعد مولاي وذكر قريبا مما ذكره المبرد من باقي الخبر
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا ابن أبي الدنيا قال حدثني إسحاق النخعي عن حسين بن الضحاك عن مخارق
(3/70)

أن الرشيد أقبل يوما على المغنين وهو مضطجع فقال من منكم يغني
( يا ربعَ سلمى لقد هيّجتَ لي طربا ... زدتَ الفؤاد على عِلاّته وصبا )
قال فقمت فقلت أنا فقال هاته فغنيته فطرب وشرب ثم قال علي بهرثمة فقلت في نفسي ما تراه يريد منه فجاؤوا بهرثمة فأدخل إليه وهو يجر سيفه فقال يا هرثمة مخارق الشاري الذي قتلناه بناحية الموصل ما كانت كنيته فقال أبو المهنا فقال انصرف فانصرف ثم أقبل علي فقال قد كنيتك أبا المهنا لإحسانك وأمر لي بمائة ألف درهم فانصرفت بها وبالكنية
صوت من المائة المختارة من رواية جحظة عن أصحابه
( وخِلٍّ كنتُ عينَ الرُّشْد منه ... إذا نظرتْ ومستمِعاً سَمِيعَا )
( أطاف بِغَيِّه فعدلتُ عنه ... وقلت له أَرَى أمراً فظيعَا )
الشعر لعروة بن الورد والغناء في اللحن المختار لسياط ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو بن بانة
وفيه لإبراهيم ماخوري بالوسطى عن عمرو أيضا
(3/71)

أخبار عروة بن الورد ونسبه
عروة بن الورد بن زيد وقيل ابن عمرو بن زيد بن عبد الله بن ناشب بن هريم بن لديم بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن الريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار شاعر من شعراء الجاهلية وفارس من فرسانها وصعلوك من صعاليكها المعدودين المقدمين الأجواد
وكان يلقب عروة الصعاليك لجمعه إياهم وقيامه بأمرهم إذا أخفقوا في غزواتهم ولم يكن لهم معاش ولا مغزى وقيل بل لقب عروة الصعاليك لقوله
( لَحى اللُّه صُعلوكاً إذا جَنّ ليلُه ... مُصَافِي المُشَاشِ آلِفاً كلَّ مَجزرِ )
( يَعُدُّ الغنِى مِن دهره كلَّ ليلةٍ ... أصابَ قِرَاها من صَديقٍ مُيَسَّرِ )
( وللَّه صُعلوكُ صفيحةُ وجهِه ... كضوءِ شهابِ القابِس المتنوِّر )
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال بلغني أن معاوية قال
لو كان لعروة بن الورد ولد لأحببت أن أتزوج إليهم
أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني
(3/72)

العمري عن الهيثم بن عدي وحدثنا إبراهيم بن أيوب عن عبد الله بن مسلم قالا جميعا
قال عبد الملك بن مروان ما يسرني أن أحدا من العرب ولدني ممن لم يلدني إلا عروة بن الورد لقوله
( إِنِّي امرؤٌ عافِي إِنائيَ شِرْكَةٌ ... وأَنت امرؤٌ عافي إِنائِك واحدُ )
( أتهزأ منِّي أن سمِنْتَ وأن تَرَى ... بجسميَ مَسَّ الحقّ والحقُّ جاهِدُ )
( أُفرِّق جِسْمِي في جسومٍ كثيرةٍ ... وأَحْسُو قَراحَ الماءِ والماءُ باردُ )
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني عمر بن شبة قال
بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للحطيئة كيف كنتم في حربكم قال كنا ألف حازم قال وكيف قال كان فينا قيس بن زهير وكان حازما وكنا لا نعصيه وكنا نقدم إقدام عنترة ونأتم بشعر عروة بن الورد وننقاد لأمر الربيع بن زياد
عبد الملك يقول عروة أسمح الناس
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال
ويقال إن عبد الملك قال من زعم أن حاتما أسمح الناس فقد ظلم عروة ابن الورد
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرنا إبراهيم بن المنذر قال حدثنا معن بن عيسى قال
(3/73)

سمعت أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال لمعلم ولده لا تروهم قصيدة عروة بن الورد التي يقول فيها
( دَعِيني للغِنَى أَسْعَى فإِنِّي ... رأيتُ الناسَ شرُّهمُ الفقيرُ )
ويقول إن هذا يدعوهم إلى الاغتراب عن أوطانهم
خبر عروة مع سبيته سلمى
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن يحيى قال حدثني عبد العزيز بن عمران الزهري عن عامر بن جابر قال
أغار عروة بن الورد على مزينة فأصاب منهم امرأة من كنانة ناكحا فاستاقها ورجع وهو يقول
( تَبَغَّ عَدِيّاً حيث حَلّتْ ديَارَها ... وأبناءَ عَوْفٍ في القُرُونِ الأوائِل )
( فَإِلاّ أَنَلْ أَوْساً فإِنّيَ حَسْبُها ... بِمُنْبطِح الأدغال من ذي السلائِل )
ثم أقبل سائرا حتى نزل ببني النضير فلما رأوها أعجبتهم فسقوه الخمر ثم استوهبوها منه فوهبها لهم وكان لا يمس النساء فلما أصبح وصحا ندم فقال
( سَقَوْنِي الخمرَ ثم تكنّفوني ... )
الأبيات قال وجلاها النبي مع من جلا من بني النضير
سلمى تثني عليه بعد رفضها العودة معه
وذكر أبو عمرو الشيباني من خبر عروة بن الورد وسلمى هذه أنه أصاب امرأة
(3/74)

من بني كنانة بكرا يقال لها سلمى وتكنى أم وهب فأعتقها واتخذها لنفسه فمكثت عنده بضع عشرة سنة وولدت له أولادا وهو لا يشك في أنها أرغب الناس فيه وهي تقول له لو حججت بي فأمر على أهلي وأراهم فحج بها فأتى مكة ثم أتى المدينة وكان يخالط من أهل يثرب بني النضير فيقرضونه إن احتاج ويبايعهم إذا غنم وكان قومها يخالطون بني النضير فأتوهم وهو عندهم فقالت لهم سلمى إنه خارج بي قبل أن يخرج الشهر الحرام فتعالوا إليه وأخبروه أنكم تستحيون أن تكون امرأة منكم معروفة النسب صحيحته سبية وافتدوني منه فإنه لا يرى أني أفارقه ولا أختار عليه أحدا فأتوه فسقوه الشراب فلما ثمل قالوا له فادنا بصاحبتنا فإنها وسطة النسب فينا معروفة وإن علينا سبة أن تكون سبية فإذا صارت إلينا وأردت معاودتها فاخطبها إلينا فإننا ننكحك فقال لهم ذاك لكم ولكن لي الشرط فيها أن تخيروها فإن اختارتني انطلقت معي إلى ولدها وإن اختارتكم انطلقتم بها قالوا ذاك لك قال دعوني أله بها الليلة وأفادها غدا فلما كان الغد جاءوه فامتنع من فدائها فقالوا له قد فاديتنا به منذ البارحة وشهد عليه بذلك جماعة ممن حضر فلم يقدر على الامتناع وفاداها فلما فادوه بها خيروها فاختارت أهلها ثم أقبلت عليه فقالت يا عروة أما إني أقول فيك وإن فارقتك الحق والله ما أعلم امرأة من العرب ألقت سترها على بعل خير منك وأغض طرفا وأقل فحشا وأجود يدا وأحمى لحقيقة وما مر علي يوم منذ كنت عندك إلا والموت فيه أحب إلي من الحياة بين قومك لأني لم أكن أشاء أن أسمع امرأة من قومك تقول قالت أمة عروة كذا وكذا إلا سمعته ووالله لا أنظر في وجه
(3/75)

غطفانية أبدا فارجع راشدا إلى ولدك وأحسن إليهم فقال عروة في ذلك
( سقَوْنِي الخمرَ ثم تكنّفوني ... )
وأولها
( أرِقتُ وصُحْبتِي بمضيقِ عَمْقٍ ... لبرقٍ من تِهَامةَ مُستَطِيرِ )
( سَقَى سَلْمَى وأين ديارُ سلْمَى ... إذا كانت مُجاوِرةَ السَّريرِ )
( إذا حَلَّتْ بأرض بني عليّ ... وأهلي بين إمَّرَةٍ وكيرِ )
( ذكرتُ منازلاً من أمّ وهبٍ ... محلَّ الحيِّ أسفلَ من نَقِيرِ )
( وأحْدَثُ معهدٍ من أمّ وهبٍ ... مُعرَّسُنا بدار بني النَّضِيرِ )
( وقالوا ما تشاءُ فقلتُ أَلْهُو ... إلى الإِصباح آثِرَ ذِي أَثِيرِ )
( بآنِسَةِ الحديثِ رُضَابُ فِيها ... بُعَيدَ النومِ كالعِنَبِ العَصِيرِ )
وأخبرني علي بن سليمان الأخفش عن ثعلب عن ابن الأعرابي بهذه الحكاية كما ذكر أبو عمرو وقال فيها إن قومها أغلوا بها الفداء وكان معه طلق وجبار أخوه وابن عمه فقالا له والله لئن قبلت ما أعطوك لا تفتقر أبدا وأنت على النساء قادر متى شئت وكان قد سكر فأجاب إلى فدائها فلما صحا ندم فشهدوا عليه بالفداء فلم يقدر على الامتناع
وجاءت سلمى تثني عليه فقالت والله إنك ما علمت لضحوك مقبلا كسوب مدبرا خفيف على متن الفرس ثقيل على العدو طويل
(3/76)

العماد كثير الرماد راضي الأهل والجانب فاستوص ببنيك خيرا ثم فارقته
فتزوجها رجل من بني عمها فقال لها يوما من الأيام يا سلمى أثني علي كما أثنيت على عروة وقد كان قولها فيه شهر فقالت له لا تكلفني ذلك فإني إن قلت الحق غضبت ولا واللات والعزى لا أكذب فقال عزمت عليك لتأتيني في مجلس قومي فلتثنين علي بما تعلمين وخرج فجلس في ندي القوم وأقبلت فرماها القوم بأبصارهم فوقفت عليهم وقالت أنعموا صباحا إن هذا عزم علي أن أثني عليه بما أعلم
ثم أقبلت عليه فقالت والله إن شملتك لالتحاف وإن شربك لاشتفاف وإنك لتنام ليلة تخاف وتشبع ليلة تضاف وما ترضي الأهل ولا الجانب ثم انصرفت
فلامه قومه وقالوا ما كان أغناك عن هذا القول منها
عروة يخرج صعاليك
أخبرني الأخفش عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال حدثني أبو فقعس قال
كان عروة بن الورد إذا أصابت الناس سنة شديدة تركوا في دارهم المريض والكبير والضعيف وكان عروة بن الورد يجمع أشباه هؤلاء من دون الناس من عشيرته في الشدة ثم يحفر لهم الأسراب ويكنف عليهم الكنف ويكسبهم ومن قوي منهم إما مريض يبرأ من مرضه أو ضعيف تثوب قوته خرج به معه فأغار وجعل لأصحابه الباقين في ذلك نصيبا حتى إذا أخصب الناس وألبنوا
(3/77)

وذهبت السنة الحق كل إنسان بأهله وقسم له نصيبه من غنيمة إن كانوا غنموها فربما أتى الإنسان منهم أهله وقد استغنى فلذلك سمي عروة الصعاليك فقال في ذلك بعض السنين وقد ضاقت حاله
( لعلّ ارتيادِي في البلاد وبُغيتي ... وشَدِّي حَيازِيمَ المطيَّةِ بالرَّحْلِ )
( سيدفَعُني يوماً إلى ربّ هَجْمَةٍ ... يُدَافِعُ عنها بالعُقُوقِ وبالبُخلِ )
فزعموا أن الله عز و جل قيض له وهو مع قوم من هلاك عشيرته في شتاء شديد ناقتين دهماوين فنحر لهم إحداهما وحمل متاعهم وضعفاءهم على الأخرى وجعل ينتقل بهم من مكان إلى مكان وكان بين النقرة والربذة فنزل بهم ما بينهما بموضع يقال له ماوان
ثم إن الله عز و جل قيض له رجلا صاحب مائة من الإبل قد فر بها من حقوق قومه وذلك أول ما ألبن الناس فقتله وأخذ إبله وامرأته وكانت من أحسن النساء فأتى بالإبل أصحاب الكنيف فحلبها وحملهم عليها حتى إذا دنوا من عشيرتهم أقبل يقسمها بينهم وأخذ مثل نصيب أحدهم فقالوا لا واللات والعزى لا نرضى حتى تجعل المرأة نصيبا فمن شاء أخذها فجعل يهم بأن يحمل عليهم فيقتلهم وينتزع الإبل منهم ثم يذكر أنهم صنيعته وأنه إن فعل ذلك أفسد ما كان يصنع فأفكر طويلا ثم أجابهم إلى أن يرد عليهم الإبل إلا راحلة يحمل عليها المرأة حتى يلحق بأهله فأبوا ذلك عليه حتى انتدب رجل منهم فجعل له راحلة من نصيبه فقال عروة في ذلك قصيدته التي أولها
( ألا إن أصحابَ الكَنِيف وجدتُهم ... كما الناس لمّا أمرَعُوا وتَموّلُوا )
(3/78)

( وإني لمدفُوعٌ إليّ وَلاَؤُهُم ... بماوَانَ إذ نَمْشِي وإذ نَتَمَلمَلُ )
( وإنِّي وإيّاهم كذِي الأمِّ أَرْهنَت ... له ماءَ عينيْها تُفدِّي وتَحمِلُ )
( فباتت بحدّ المِرْفَقيْن كِلَيْهما ... تُوَحوِحُ ممّا نالها وتُوَلْوِلُ )
( تُخَيَّرُ من أمرين ليسا بِغبطةٍ ... هو الثَّكل إلا أنّها قد تَجمَّلُ )
قوله في ليلى
وقال ابن الأعرابي في هذه الرواية أيضا كان عروة قد سبى امرأة من بني هلال بن عامر بن صعصعة يقال لها ليلى بنت شعواء فمكثت عنده زمانا وهي معجبة له تريه أنها تحبه ثم استزارته أهلها فحملها حتى أتاهم بها فلما أراد الرجوع أبت أن ترجع معه وتوعده قومها بالقتل فانصرف عنهم وأقبل عليها فقال لها يا ليلى خبري صواحبك عني كيف أنا فقالت ما أرى لك عقلا أتراني قد اخترت عليك وتقول خبري عني فقال في ذلك
( تَحِنّ إلى ليلى بجوّ بلادها ... وأنت عليها بالمَلاَ كنتَ أقدرا )
( وكيف تُرَجّيها وقد حِيلَ دونَها ... وقد جاوزتْ حيّاً بتَيْماء مُنْكَرا )
( لعلّك يوماً أن تُسرِّي ندامةً ... عليّ بما جشّمتَني يوم غَضْورا )
وهي طويلة قال ثم إن بني عامر أخذوا امرأة من بني عبس ثم من بني سكين يقال لها أسماء فما لبثت عندهم إلا يوما حتى استنقذها قومها فبلغ عروة أن عامر بن الطفيل فخر بذلك وذكر أخذه إياها فقال عروة يعيرهم بأخذه ليلى بنت شعواء الهلالية
(3/79)

( إن تأخُذوا أسماء مَوقِفَ ساعةٍ ... فمأْخَذُ ليلَى وهي عَذْراءُ أعجبُ )
( لبِسنا زماناً حُسنَها وشَبابَها ... ورُدّت إلى شَعْواء والرّأسُ أشيبُ )
( كمأْخِذنا حسناءَ كرهاً ودمعُها ... غداةَ اللِّوى مَعصوبةً يَتصبّبُ )
وقال ابن الأعرابي أجدب ناس من بني عبس في سنة أصابتهم فأهلكت أموالهم وأصابهم جوع شديد وبؤس فأتوا عروة بن الورد فجلسوا أمام بيته فلما بصروا به صرخوا وقالوا يا أبا الصعاليك أغثنا فرق لهم وخرج ليغزو بهم ويصيب معاشا فنهته امرأته عن ذلك لما تخوفت عليه من الهلاك فعصاها وخرج غازيا فمر بمالك بن حمار الفزاري ثم الشمخي فسأله أين يريد فأخبره فأمر له بجزور فنحرها فأكلوا منها وأشار عليه مالك أن يرجع فعصاه ومضى حتى انتهى إلى بلاد بني القين فأغار عليهم فأصاب هجمة عاد بها على نفسه وأصحابه وقال في ذلك
( أرى أمَّ حَسَّانَ الغَداةَ تلُومُني ... تُخوِّفني الأعداءَ والنّفسُ أَخوفُ )
( تقول سُلَيمَى لو أقمتَ لَسَرَّنا ... ولم تدرِ أنّي للمُقَام أُطَوِّفُ )
( لعلَّ الذي خَوّفِتِنا مِنْ أمَامِنا ... يُصادفه في أهله المُتَخَلِّفُ )
وهي طويلة
وقال في ذلك أيضا
( أليس وَرائي أن أدِبَّ على العصا ... فيَشْمَتَ أعدائي ويسأَمَني أهلي )
( رَهينة قَعْر البيت كلَّ عَشيّةٍ ... يُطيفُ بيَ الوِلْدانُ أَهْدَجَ كالرَّأل )
( أَقيموا بني لُبْنَى صُدورَ رِكابكم ... فكلُّ مَنَايا النّفْس خيرٌ من الهُزْلِ )
(3/80)

( فإِنكمُ لن تبلُغوا كلَّ هِمّتي ... ولا أرَبي حتّى تَرَوْا مَنْبِتَ الأَثْلِ )
( لعلّ ارتيادي في البلاد وحِيلتي ... وشَدِّي حيازيمَ المطيّة بالرَّحْلِ )
( سيدفعني يَوماً إلى ربّ هَجْمةٍ ... يُدافِع عنها بالعُقوق وبالبُخلِ )
حديث عروة مع الهذلي الذي أخذ فرسه
نسخت من كتاب أحمد بن القاسم بن يوسف قال حدثني حر بن قطن أن ثمامة بن الوليد دخل على المنصور فقال يا ثمامة أتحفظ حديث ابن عمك عروة الصعاليك بن الورد العبسي فقال أي حديثه يا أمير المؤمنين فقد كان كثير الحديث حسنه قال حديثه مع الهذلي الذي أخذ فرسه قال ما يحضرني ذلك فأرويه يا أمير المؤمنين فقال المنصور خرج عروة حتى دنا من منازل هذيل فكان منها على نحو ميلين وقد جاع فإذا هو بأرنب فرماها ثم أورى نارا فشواها وأكلها ودفن النار على مقدار ثلاث أذرع وقد ذهب الليل وغارت النجوم ثم أتى سرحة فصعدها وتخوف الطلب فلما تغيب فيها إذا الخيل قد جاءت وتخوفوا البيات قال فجاءت جماعة منهم ومعهم رجل على فرس فجاء حتى ركز رمحه في موضع النار وقال لقد رأيت النار ها هنا فنزل رجل فحفر قدر ذراع فلم يجد شيئا فأكب القوم على الرجل يعذلونه ويعيبون أمره ويقولون عنيتنا في مثل هذه الليلة القرة وزعمت لنا شيئا كذبت فيه فقال ما كذبت ولقد رأيت النار في موضع رمحي فقالوا ما رأيت شيئا ولكن تحذلقك وتدهيك هو الذي حملك على
(3/81)

هذا وما نعجب إلا لأنفسنا حين أطعنا أمرك واتبعناك ولم يزالوا بالرجل حتى رجع عن قوله لهم واتبعهم عروة حتى إذا وردوا منازلهم جاء عروة فتمكن في كسر بيت وجاء الرجل إلى امرأته وقد خالفه إليها عبد أسود وعروة ينظر فأتاها العبد بعلبة فيها لبن فقال اشربي فقالت لا أوتبدأ فبدأ الأسود فشرب فقالت للرجل حين جاء لعن الله صلفك عنيت قومك منذ الليلة قال لقد رأيت نارا ثم دعا بالعلبة ليشرب فقال حين ذهب ليكرع ريح رجل وب الكعبة فقالت امرأته وهذه أخرى أي ريح رجل تجده في إنائك غير ريحك ثم صاحت فجاء قومها فأخبرتهم خبره فقالت يتهمني ويظن بي الظنون فأقبلوا عليه باللوم حتى رجع عن قوله فقال عروة هذه ثانية قال ثم أوى الرجل إلى فراشه فوثب عروة إلى الفرس وهو يريد أن يذهب به فضرب الفرس بيده وتحرك فرجع عروة إلى موضعه ووثب الرجل فقال ما كنت لتكذبني فمالك فأقبلت عليه امرأته لوما وعذلا
قال فصنع عروة ذلك ثلاثا وصنعه الرجل ثم أوى الرجل إلى فراشه وضجر من كثرة ما يقوم فقال لا أقوم إليك الليلة وأتاه عروة فحال في متنه وخرج ركضا وركب الرجل فرسا عنده أنثى
قال عروة فجعلت أسمعه خلفي يقول الحقي فإنك من نسله
فلما انقطع عن البيوت قال له عروة بن الورد أيها الرجل قف فإنك لو عرفتني لم تقدم علي أنا عروة بن الورد وقد رأيت الليلة منك عجبا فأخبرني به وأرد إليك فرسك قال وما هو قال جئت مع قومك حتى ركزت رمحك في موضع نار قد كنت أوقدتها فثنوك عن ذلك فانثنيت وقد صدقت ثم اتبعتك حتى أتيت منزلك وبينك وبين النار ميلان فأبصرتها منهما ثم شممت رائحة رجل في إنائك وقد رأيت الرجل حين آثرته زوجتك بالإناء وهو عبدك الأسود وأظن أن بينهما ما لا تحب فقلت ريح
(3/82)

رجل فلم تزل تثنيك عن ذلك حتى انثنيت ثم خرجت إلى فرسك فأردته فاضطرب وتحرك فخرجت إليه ثم خرجت وخرجت ثم أضربت عنه فرأيتك في هذه الخصال أكمل الناس ولكنك تنثني وترجع فضحك وقال ذلك لأخوال السوء والذي رأيت من صرامتي فمن قبل أعمامي وهم هذيل وما رأيت من كعاعتي فمن قبل أخوالي وهم بطن من خزاعة والمرأة التي رأيت عندي امرأة منهم وأنا نازل فيهم فذلك الذي يثنيني عن أشياء كثيرة وأنا لاحق بقومي وخارج عن أخوالي هؤلاء ومخل سبيل المرأة ولولا رأيت من كعاعتي لم يقو على مناوأة قومي أحد من العرب
فقال عروة خذ فرسك راشدا قال ما كنت لآخذه منك وعندي من نسله جماعة مثله فخذه مباركا لك فيه
قال ثمامة إن له عندنا أحاديث كثيرة ما سمعنا له بحديث هو أظرف من هذا
عروة يتعرف على ابن له
قال المنصور أفلا أحدثك له بحديث هو أظرف من هذا قال بلى يا أمير المؤمنين فإن الحديث إذا جاء منك كان له فضل على غيره قال خرج عروة وأصحابه حتى أتى ماوان فنزل أصحابه وكنف عليهم كنيفا من الشجر وهم أصحاب الكنيف الذي سمعته قال فيهم
( ألا إنّ أصحابَ الكنيف وجدتُهم ... كما الناس لمّا أمرَعُوا وتموّلُوا )
وفي هذه الغزاة يقول عروة
( أقول لقوم في الكَنيفِ تَروّحُوا ... عَشِيّةَ قِلْنَا حولَ ماوانَ رُزَّحِ )
(3/83)

وفي هذه القصيدة يقول
( ليَبْلُغَ عُذراً أو يُصِيبَ غَنِيمةً ... ومُبْلِغُ نفسٍ عُذرَها مِثْلُ مُنْجحِ )
ثم مضى يبتغي لهم شيئا وقد جهدوا فإذا بأبيات شعر وبامرأة قد خلا من سنها وشيخ كبير كالحقاء الملقى فكمن في كسر بيت منها وقد أجدب الناس وهلكت الماشية فإذا هو في البيت بسحور ثلاثة مشوية فقال ثمامة وما السحور قال الحلقوم بما فيه والبيت خال فأكلها وقد مكث قبل ذلك يومين لا يأكل شيئا فأشبعته وقوي فقال لا أبالي من لقيت بعد هذا
ونظرت المرأة فظنت أن الكلب أكلها فقال للكلب أفعلتها يا خبيث وطردته
فإنه لكذلك إذا هو عند المساء بإبل قد ملأت الأفق وإذا هي تلتفت فرقا فعلم أن راعيها جلد شديد الضرب لها فلما أتت المناخ بركت ومكث الراعي قليلا ثم أتى ناقة منها فمرى أخلافها ثم وضع العلبة على ركبتيه وحلب حتى ملأها ثم أتى الشيخ فسقاه ثم أتى ناقة أخرى ففعل بها ذلك وسقى العجوز ثم أتى أخرى ففعل بها كذلك فشرب هو ثم التفع بثوب واضطجع ناحية فقال الشيخ للمرأة وأعجبه ذلك كيف ترين ابني فقالت ليس بابنك قال فابن من ويلك قالت ابن عروة بن الورد قال ومن أين قالت أتذكر يوم مر بنا يريد سوق ذي المجاز فقلت هذه عروة بن الورد وصفته لي بجلد فإني استطرفته
قال فسكت حتى إذا نوم وثب عروة وصاح بالإبل فاقتطع منها نحوا من النصف ومضى ورجا ألا يتبعه الغلام وهو غلام حين بدا شاربه فاتبعه قال فاتخذا وعالجه قال فضرب به الأرض فيقع قائما فتخوفه على نفسه ثم واثبه فضرب به وبادره فقال إني عروة بن الورد وهو يريد أن يعجزه عن نفسه
قال فارتدع ثم قال مالك ويلك لست أشك
(3/84)

أنك قد سمعت ما كان من أمي قال قلت نعم فاذهب معي أنت وأمك وهذه الإبل ودع هذا الرجل فإنه لا ينهاك عن شيء قال الذي بقي من عمر الشيخ قليل وأنا مقيم معه ما بقي فإن له حقا وذماما فإذا هلك فما أسرعني إليك وخذ من هذه الإبل بعيرا قلت لا يكفيني إن معي أصحابي قد خلفتهم قال فثانيا قلت لا قال فثالثا والله لا زدتك على ذلك
فأخذها ومضى إلى أصحابه ثم إن الغلام لحق به بعد هلاك الشيخ
قال والله يا أمير المؤمنين لقد زينته عندنا وعظمته في قلوبنا قال فهل أعقب عندكم قال لا ولقد كنا نتشاءم بأبيه لأنه هو الذي أوقع الحرب بين عبس وفزارة بمراهنته حذيفة ولقد بلغني أنه كان له ابن أسن من عروة فكان يؤثره على عروة فيما يعطيه ويقربه فقيل له أتؤثر الأكبر مع غناه عنك على الأصغر مع ضعفه قال أترون هذا الأصغر لئن بقي ما رأى من شدة نفسه ليصيرن الأكبر عيالا عليه
صوت من المائة المختارة
( أزْرَى بنا أننا شالَتْ نَعامتُنا ... فخالني دونه بل خِلتُه دونِي )
( فإِن تُصِبكَ من الأيام جائحةٌ ... لم أَبك منك على دنيا ولا دينِ )
الشعر لذي الإصبع العدواني والغناء لفيل مولى العبلات هزج خفيف بإطلاق الوتر في مجرى البنصر
معنى قوله أزرى بنا قصر بنا يقال زريت عليه إذا عبت عليه فعله وأزريت به إذا قصرت به في شيء
وشالت نعامتهم إذا انتقلوا بكليتهم يقال شالت نعامتهم وزف رألهم إذا انتقلوا عن الموضع فلم يبق فيه منهم أحد ولم يبق لهم فيه شيء
وخالني ظنني يقال خلت كذا وكذا فأنا أخاله إذا ظننته والجائحة النازلة التي تجتاح ولا تبقى على ما نزلت به
(3/85)

ذكر ذي الإصبع العدواني ونسبه وخبره
هو حرثان بن الحارث بن محرث بن ثعلبة بن سيار بن ربيعة بن هبيرة بن ثعلبة بن ظرب بن عمرو بن عباد بن يشكر بن عدوان بن عمر بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار أحد بني عدوان وهم بطن من جديلة
شاعر فارس من قدماء الشعراء في الجاهلية وله غارات كثيرة في العرب ووقائع مشهورة
أخبرنا محمد بن خلف وكيع وابن عمار والأسدي قالوا حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا أبو عثمان المازني عن الأصمعي قال
نزلت عدوان على ماء فأحصوا فيهم سبعين ألف غلام أغرل سوى من كان مختونا لكثرة عددهم ثم وقع بأسهم بينهم فتفانوا فقال ذو الإصبع
صوت
( عَذِيرَ الحيّ مِن عَدْوانَ ... كانوا حَيَّةَ الأرضِ )
( بغَى بعضُهُم بعضاً ... فلم يُبْقُوا على بعضِ )
(3/86)

( فقد صاروا أحاديثَ ... برَفْع القولِ والخفضِ )
( ومنهم كانت السَّادات ... ُ والمُوفُونَ بالقَرْضِ )
( ومنهم مَنْ يُجِيزُ الناسَ ... بالسُّنّة والفَرضِ )
( ومنهم حَكَمٌ يَقْضِي ... فلا يُنقَضُ ما يَقْضِي )
غنى في هذه الأبيات مالك ثقيلا أول بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمر
وأما قول ذي الإصبع
( ومنهم حَكَمٌ يَقْضِي ... )
فإنه يعني عامر بن الظرب العدواني كان حكما للعرب تحتكم إليه
خبر من قرعت له العصا
حدثنا محمد بن العباس اليزيدي عن محمد بن حبيب قال
قيس تدعي هذه الحكومة وتقول إن عامر بن الظرب العدواني هو الحكم وهو الذي كانت العصا تقرع له وكان قد كبر فقال له الثاني من ولده إنك ربما أخطأت في الحكم فيحمل عنك قال فاجعلوا لي أمارة أعرفها فإذا زغت فسمعتها رجعت إلى الحكم والصواب فكان يجلس قدام بيته ويقعد ابنه في البيت ومعه العصا فإذا زاغ أو هفا قرع له الجفنة فرجع إلى الصواب
وفي ذلك يقول المتلمس
(3/87)

( لِذِي الحِلْمِ قبلَ اليومِ ما تُقرَعُ العصا ... وما عُلِّم الإِنسان إلا ليعلَمَا )
قال ابن حبيب وربيعة تدعيه لعبد الله بن عمرو بن الحارث بن همام واليمن تدعيه لربيعة بن مخاشن وهو ذو الأعواد وهو أول من جلس على منبر أو سرير وتكلم وفيه يقول الأسود بن يعفر
( ولقد علمتُ لَو أنّ علمِي نافعِي ... أنّ السبيلَ سبيلُ ذِي الأعوادِ )
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي أو دلف قال أخبرنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال
زعم أبو عمرو بن العلاء أنه ارتحلت عدوان من منزل فعد فيهم أربعون ألف غلام أقلف
قال الرياشي وأخبرني رجل عن هشام بن الكلبي قال وقع على إياد البق فأصاب كل رجل منهم بقتان
عبد الملك بن مروان يسأل عن ذي الإصبع
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن نعيم قال حدثنا أحمد بن عبيد أبو عصيدة قال أخبرني محمد بن زياد الزيادي وأخبرني به أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني عمر بن شبة ولم يسنده إلى أحد وروايته أتم
أن عبد الملك بن مروان لما قدم الكوفة بعد قتله مصعب بن الزبير جلس
(3/88)

لعرض أحياء العرب وقال عمر بن شبة إن مصعب بن الزبير كان صاحب هذه القصة فقام إليه معبد بن خالد الجدلي وكان قصيرا دميما فتقدمه إليه رجل منا حسن الهيئة قال معبد فنظر عبد الملك إلى الرجل وقال ممن أنت فسكت ولم يقل شيئا وكان منا فقلت من خلفه نحن يا أمير المؤمنين من جديلة فأقبل على الرجل وتركني فقال من أيكم ذو الإصبع قال الرجل لا أدري قلت كان عدوانيا فأقبل على الرجل وتركني وقال لم سمي ذا الإصبع قال الرجل لا أدري فقلت نهشته حية في إصبعه فيبست فأقبل على الرجل وتركني فقال وبما كان يسمى قبل ذلك قال الرجل لا أدري قلت كان يسمى حدثان فأقبل على الرجل وتركني فقال من أي عدوان كان فقلت من خلفه من بني ناج الذين يقول فيهم الشاعر
( وأما بَنُو ناجٍ فلا تَذْكُرَنَّهُمْ ... ولا تُتبِعَنْ عَينيكَ ما كان هالكا )
( إذا قلتُ معروفاً لأُصلِحَ بينهم ... يقول وُهَيبٌ لا أُسَالِمُ ذلكا )
وروى عمر بن شبة لا أسلم
( فأضحى كظَهر الفحل جُبَّ سَنامُهُ ... يَدِبُّ إلى الأعداء أحدَبَ بارِكَا )
فأقبل على الرجل وتركني وقال أنشدني قوله
( عذيرَ الحيّ من عَدوانَ ... )
قال الرجل لست أرويها قلت يا أمير المؤمنين إن شئت أنشدتك قال ادن مني فإني أراك بقومك عالما فأنشدته
(3/89)

( وليس المرءُ في شيءٍ ... من الإِبرام والنقضِ )
( إذا أبرم أمراً خاله ... ُ يَقْضي وما يَقْضِي )
( يقولُ اليومَ أَمْضِيه ... ولا يَملِكُ ما يُمْضِي )
( عَذِيرَ الحيّ من عَدوانَ ... كانوا حَيَّةَ الأرضِ )
( بغى بعضُهمُ بعضاً ... فلم يُبْقُوا على بعضِ )
( فقد صاروا أحاديثَ ... برفعِ القول والخفضِ )
( ومنهم كانت السادات ... والموفُونَ بالقَرض )
( ومنهم حَكَمٌ يَقضِي ... فلا يُنقَضُ ما يَقضِي )
( ومنهم من يُجِيزُ النا ... سَ بالسُّنَّة والفرضِ )
( وهم مَنْ ولَدُوا أَشْبَوْا ... بسرّ الحَسبِ المَحْضِ )
( ومِمَّن ولدوا عامِرُ ... ذو الطول وذو العرضِ )
( وهم بَوَّوْا ثَقِيفاً دارَ ... لا ذُلٍّ ولا خَفْضِ )
فأقبل على الرجل وتركني وقال كم عطاؤك فقال ألفان فأقبل علي فقال كم عطاؤك فقلت خمسمائة فأقبل على كاتبه وقال اجعل الألفين لهذا والخمسمائة لهذا فانصرفت بها
وقوله ومنهم من يجيز الناس فإن إجازة الحج كانت لخزاعة فأخذتها منهم عدوان فصارت إلى رجل منهم يقال له أبو سيارة أحد بني وابش بن زيد بن عدوان وله يقول الراجز
( خَلّوا السبيلَ عن أبي سَيَّارَهْ ... وعن مَوَاليه بني فَزَارهْ )
(3/90)

( حتى يُجيز سالماً حِمَارَهْ ... مستقبِلَ الكعبةِ يدعوا جارَهْ )
قال وكان أبو سيارة يجيز الناس في الحج بأن يتقدمهم على حمار ثم يخطبهم فيقول اللهم أصلح بين نسائنا وعاد بين رعائنا واجعل المال في سمحائنا أوفوا بعهدكم وأكرموا جاركم وأقروا ضيفكم ثم يقول أشرق ثبيركيما نغير وكانت هذه إجازته ثم ينفر ويتبعه الناس
ذكر ذلك أبو عمرو الشيباني والكلبي وغيرهما
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو بكر العليمي قال حدثنا محمد بن داود الهشامي قال كان لذي الإصبع أربع بنات وكن يخطبن إليه فيعرض ذلك عليهن فيستحين ولا يزوجهن وكانت أمهن تقول لو زوجتهن فلا يفعل قال فخرج ليلة إلى متحدث لهن فاستمع عليهن وهن لا يعلمن فقلن تعالين نتمنى ولنصدق فقالت الكبرى
( ألا ليتَ زوجي من أُناسٍ ذَوِي غِنىً ... حَدِيثُ الشباب طيّبُ الريح والعِطرِ )
( طبيبٌ بأدواء النساء كأنه ... خليفةُ جانٍ لا ينام على وِتْرِ )
فقلن لها أنت تحبين رجلا ليس من قومك فقالت الثانية
( ألا هل أرَاها ليلةً وضَجِيعُها ... أَشمُّ كنصل السيف غَيرُ مُبَلَّدِ )
( لَصُوقٌ بأكباد النساء وأصلُه ... إذا ما انتمى من سِرِّ أهلي ومَحْتِدي )
(3/91)

فقلن لها أنت تحبين رجلا من قومك فقالت الثالثة
( ألاَ لَيْتَه يَمْلاَ الجِفان لضَيْفِهِ ... له جفنةٌ يَسْقَى بها النِّيبُ والجُزْرُ )
( له حَكَمات الدّهر من غير كَبْرة ... تَشِين ولا الفاني ولا الضَّرعُ الغَمْر )
فقلن لها أنت تحبين رجلا شريفا
وقلن للصغرى تمني فقالت ما أريد شيئا قلن والله لا تبرحين حتى نعلم ما في نفسك قالت زوج من عود خير من قعود
فلما سمع ذلك أبوهن زوجهن أربعتهن
فمكثن برهة ثم اجتمعن إليه فقال للكبرى يا بنية ما مالكم قالت الإبل قال فكيف تجدونها قالت خير مال نأكل لحومها مزعا ونشرب ألبانها جرعا وتحملنا وضعيفنا معا قال فكيف تجدين زوجك قالت خير زوج يكرم الحليلة ويعطي الوسيلة قال مال عميم وزوج كريم
ثم قال للثانية يا بنية ما مالكم قالت البقر قال فكيف تجدونها قالت خير مال تألف الفناء وتودك السقاء وتملأ الإناء ونساء في نساء قال فكيف تجدين زوجك قالت خير زوج يكرم أهله وينسى فضله قال حظيت ورضيت
ثم قال للثالثة ما مالكم قالت المعزى قال فكيف تجدونها قالت لا بأس بها نولدها فطما ونسلخها أدما قال فكيف تجدين زوجك قالت لا بأس به ليس بالبخيل الحكر ولا بالسمح البذر قال
(3/92)

جدوى مغنية ثم قال للرابعة يا بنية ما مالكم قالت الضأن قال وكيف تجدونها قالت شر مال جوف لا يشبعن وهيم لا ينقعن وصم لا يسمعن وأمر مغويتهن يتبعن قال فكيف تجدين زوجك قالت شر زوج يكرم نفسه ويهين عرسه قال أشبه امرأ بعض بزه
وذكر الحسن بن عليل العنزي في خبر عدوان الذي رواه عن أبي عمرو بن العلاء أنه لا يصح من أبيات ذي الإصبع الضادية إلا الأبيات التي أنشدها وأن سائرها منحول أخبرني عمي قال حدثني محمد بن عبد الله الحزنبل قال حدثني عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه قال عمر ذو الإصبع العدواني عمرا طويلا حتى خرف وأهتر وكان يفرق ماله فعذله أصهاره ولاموه وأخذوا على يده فقال في ذلك
( أهلكنا اللَّيلُ والنّهار مَعا ... والدّهر يَعْدُو مُصَمِّماً جَذَعا )
( فليس فيما أصابني عَجَبٌ ... إن كنتُ شَيباً أنكرتُ أو صَلَعا )
( وكنتُ إذ رَونق الشَّباب به ... ماء شبابي تَخاله شرعَا )
( والحيُّ فيه الفتاةُ تَرْمُقني ... حتّى مضَى شَأْوُ ذاك فانقشعَا )
(3/93)

صوت
( إنّكما صاحبيّ لم تدَعا ... لَوْمِي ومَهما أَضِقْ فلن تَسَعا )
( لم تَعقِلا جَفْوةً عليّ ولم ... أشتُم صديقا ولم أَنلْ طبَعَا )
( إلاّ بأن تكذِبا عليّ وما ... أَملِك أن تكذِبا وأن تَلِعَا )
لابن سريج في هذه الأبيات لحنان أحدهما ثاني ثقيل بالسبابة والبنصر عن يحيى المكي والآخر ثقيل أول عن الهشامي
( وإنّني سوف أَبتدِي بنَدىً ... يا صاحبيَّ الغداةَ فاستمِعَا )
( ثمّ سَلاَ جارتِي وكِنَّتَها ... هل كنتُ فيمن أَرَاب أو خدَعا )
( أو دَعَتاني فلم أُجِبْ ولقد ... تأمن منّي حَليلتي الفَجَعا )
( آبَى فلا أقربَ الخِبَاءَ إذا ... ما ربُّه بعد هَدْأةٍ هجَعَا )
( ولا أُرُوم الفتاةَ زَوْرَتَها ... إن نام عنها الحليل أو شَسَعا )
( وذاك في حِقبةٍ خَلتْ ومضَتْ ... والدّهرُ يأتي على الفتَى لُمَعَا )
( إن تَزْعُما أنّني كبِرتُ فلم ... أُلفَ ثقيلا نِكْسا ولا وَرَعا )
( إمّا تَرَيْ شِكّتِي رُمَيحَ أبي ... سعدٍ فقد أحمِلُ السّلاحَ مَعَا )
أبو سعد ابنه ورميح عصا كانت لابنه يلعب بها مع الصبيان يطاعنهم بها كالرمح فصار يتوكأ هو عليها ويقوده ابنه هذا بها
(3/94)

( السيّفُ والرّمح والكِنانةُ قد ... أكملتُ فيها مَعَابِلاً صُنُعَا )
( والمُهْرُ صافِي الأَدِيم أَصنَعُه ... يَطِير عنه عِفَاؤه قَزَعَا )
( أُقْصِرُ من قَيده وأَردَعُه ... حتّى إذا السِّرب رِيعَ أو فزِعَا )
( كان أَمام الجيِاد يَقْدُمها ... يَهُزُّ لَدْناً وجُؤجُؤا تَلِعَا )
( فغامَسَ الموتَ أو حَمَى ظُعُنا ... أو رَدّ نَهْباً لأيِّ ذاك سعَى )
وصيته لابنه أسيد عند موته
قال أبو عمرو ولما احتضر ذو الإصبع دعا ابنه أسيدا فقال له يا بني إن أباك قد فني وهو حي وعاش حتى سئم العيش وإني موصيك بما إن حفظته بلغت في قومك ما بلغته فاحفظ عني ألن جانبك لقومك يحبوك وتواضع لهم يرفعوك وابسط لهم وجهك يطيعوك ولا تستأثر عليهم بشيء يسودوك وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم يكرمك كبارهم ويكبر على مودتك صغارهم واسمح بمالك واحم حريمك وأعزز جارك وأعن من استعان بك وأكرم ضيفك وأسرع النهضة في الصريخ فإن أجلا لا يعدوك وصن وجهك عن مسئلة أحد شيئا فبذلك يتم سوددك ثم أنشأ يقول
( أَأَسيدُ إنْ مالاً مَلكتَ ... فسِرْ به سَيراً جميلا )
(3/95)

( آخِ الكِرامَ إن استطعتَ ... إلى إخائهمُ سبيلا )
( واشرَب بكأسهمُ وإن ... شرِبوا به السُّمّ الثَّميلا )
( أهِنِ اللِّئام ولا تكنْ ... لإخائهم جَمَلاً ذَلُولا )
( إنَّ الكرام إذا تُواخيِهمْ ... وجدتَ لهم فُضولا )
( ودَع الذي يَعِد العَشيرة ... َ أن يسيلَ ولن يَسيلا )
( أبُنيّ إن المال لا ... يَبْكي إذا فقَد البخيلا )
صوت
( أَأَسيدُ إن أزمعتَ من ... بلدٍ إلى بلدٍ رَحيلا )
( فاحفظْ وإن شَحط المَزارُ ... أَخا أخيك أو الزَّميلا )
( واركَب بنفسك إن هَمَمْتَ ... بها الحزونةَ والسّهولا )
( وصِلِ الكرام وكُن لمن ... تَرجو مَودّته وَصولا )
الغناء للهذلي خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو
( ودَعِ التَّوانِيَ في الأمور ... وكن لها سَلِساً ذَلُولا )
( وابسُطْ يمينَكَ بالنَّدَى ... وامْدُدْ لها باعاً طويلا )
( وابسُطْ يَدَيكَ بما مَلَكْت ... َ وشَيِّدِ الحسَبَ الأَثِيلا )
( واعْزِمْ إذا حاولتَ أمراً ... يَفْرِجُ الهمَّ الدَّخِيلا )
( وابذُلْ لِضيَفكَ ذاتَ رَحْلِك ... َ مُكرِماً حتّى يَزُولا )
(3/96)

( واحلُلْ على الأَيْفَاعِ للعافِين ... َ واجتْنِبِ المَسِيلا )
( وإذا القُرُومُ تخاطَرتْ ... يوماً وأرعَدَتِ الخَصِيلا )
( فاهصِرْ كهَصْرِ الليث خَضَّبَ مِن فَريستهِ التَّلِيلا )
( وأنزِلْ إلى الهيجَا إذا ... أبطالُها كَرِهوا النزولا )
( وإذا دُعِيتَ إلى المُهِم ... ّ فكن لفَادِحِهِ حَمُولا )
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن العتبي قال
جرى بين عبد الله بن الزبير وعتبة بن أبي سفيان لحاء بين يدي معاوية فجعل ابن الزبير يعدل بكلامه عن عتبة ويعرض بمعاوية حتى أطال وأكثر من ذلك فالتفت إليه معاوية متمثلا وقال
( ورامٍ بعُورانِ الكلام كأنها ... نوافِرُ صُبحٍ نفَّرتْها المراتِعُ )
( وقد يَدْحَضُ المرءُ المُوارِبُ بالخَنَا ... وقد تُدرِك المرءَ الكريمَ المَصَانِعُ )
ثم قال لابن الزبير من يقول هذا فقال ذو الإصبع فقال أترويه قال لا فقال من هاهنا يروي هذه الأبيات فقام رجل من قيس فقال أنا أرويها يا أمير المؤمنين فقال أنشدني فأنشده حتى أتى على قومه
( وساعٍ برجليه لآخرَ قاعدٍ ... ومُعْطٍ كريمٌ ذو يَسَارٍ ومانِعُ )
(3/97)

( وبانٍ لأحساب الكرامِ وهادِمٌ ... وخافضُ مولاه سَفَاهاً ورَافِعُ )
( ومُغْضٍ على بعض الخطوب وقد بَدت ... له عَوْرةٌ من ذي القرابة ضاجِعُ )
( وطالب حُوبٍ باللسان وقَلبُه ... سِوَى الحقِّ لا تخفى عليه الشرائعُ )
فقال له معاوية وكم عطاؤك قال سبعمائة قال اجعلوها ألفا وقطع الكلام بين عبد الله وعتبة
قال أبو عمرو وكان لذي الإصبع ابن عم يعاديه فكان يتدسس إلى مكارهه ويمشي به إلى أعدائه ويؤلب عليه ويسعى بينه وبين بني عمه ويبغيه عندهم شرا فقال فيه وقد أنشدنا الأخفش هذه الأبيات أيضا عن ثعلب والأحول السكري
( يا صاحِبَيّ قِفَا قَليلا ... وتَخَبَّرَا عَنِّي لميسَا )
( عمَّنْ أصابت قلْبَه ... في مَرِّها فغَدَا نَكِيسَا )
( ولِيَ ابنُ عمٍّ لا يزال ... إليّ مُنكَرُه دَسِيسَا )
( دبَّتْ له فأَحسَّ بعد ... البُرْءِ من سَقَمٍ رَسِيسَا )
( إمّا علانية وإمّا ... مُخْمَراً أَكْلاً وَهِيسَا )
( إني رأيتُ بَنِي أبيك ... يُحَمِّجُون إليّ شُوسَا )
( حَنَقاً عليَّ ولن تَرى ... لِيَ فيهمُ أثراً بَئِيسَا )
(3/98)

( أَنْحَوْا على حُرّ الوجوه ... بحَدّ مِئشارٍ ضُرُوسَا )
( لو كنتَ ماءً لم تَكنْ ... عَذْبَ المَذَاقِ ولا مَسُوسَا )
( مِلحاً بعيدَ القعر قد ... فَلَّتْ حجارتُه الفُؤوسَا )
( مَنَّاعُ ما ملكَتْ يداك ... َ وَسائِلٌ لَهُمُ نُحُوسَا )
وأنشدنا الأخفش عن هؤلاء الرواة بعقب هذه الأبيات وليس من شعر ذي الإصبع ولكنه يشبه معناه
( لو كنتَ ماءً كنتَ غيرَ عَذْبِ ... أو كنتَ سيفاً كنتَ غير عَضْبِ )
( أو كنتَ طِرْفاً كنتَ غيرَ نَدْبِ ... أو كنتَ لحماً كنتَ لحمَ كَلْبِ )
قال وفي مثله أنشدنا
( لو كنتَ مُخّا مُخّاً رِيرَا ... أو كنتَ بَرْداً كنتَ زَمْهَرِيرا )
( أو كنت رِيحاً كانتِ الدَّبورَا ... )
قال أبو عمرو به وكان السبب في تفرق عدوان وقتال بعضهم بعضا حتى تفانوا أن بني ناج بن يشكر بن عدوان أغاروا على بني عوف بن سعد بن ظرب بن عمرو بن عباد بن يشكر بن عدوان ونذرت بهم بنو عوف فاقتتلوا فقتل بنو ناج ثمانية نفر فيهم عمير بن مالك سيد بني عوف وقتلت بنو عوف رجلا منهم يقال له سنان بن جابر وتفرقوا على حرب وكان الذي أصابوه من بني واثلة بن عمرو
(3/99)

ابن عباد وكان سيدا فاصطلح سائر الناس على الديات أن يتعاطوها ورضوا بذلك وأبى مرير بن جابر أن يقبل بسنان بن جابر دية واعتزل هو وبنو أبيه ومن أطاعهم ومن والاهم وتبعه على ذلك كرب بن خالد أحد بني عبس بن ناج فمشى إليهما ذو الإصبع وسألهما قبول الدية وقال قد قتل منا ثمانية نفر فقبلنا الدية وقتل منكم رجل فاقبلوا ديته فأبيا ذلك وأقاما على الحرب فكان ذلك مبدأ حرب بعضهم بعضا حتى تفانوا وتقطعوا فقال ذو الإصبع في ذلك
( ويا بُؤسَ للأيّام والدّهرِ هَالِكَا ... وصَرْفِ اللّيالي يَخْتَلِفْنَ كذلِكَا )
( أبْعدَ بني نَاجٍ وسَعْيِكَ فيهِمُ ... فلا تُتبِعَنْ عينيْكَ ما كان هالِكَا )
( إذا قلتُ معروفاً لأُصْلِحَ بينهم ... يقولُ مَرِيرٌ لا أُحاوِلُ ذلِكَا )
( فأضحْوا كظهر العَوْدِ جُبَّ سَنامُه ... تَحُوم عليه الطيرُ أحدَبَ بارِكَا )
( فإن تك عَدْوانُ بن عمرو تفرّقت ... فقد غَنِيَتْ دَهراً ملوكاً هُنالِكَا )
وقال أبو عمرو وفي مرير بن جابر يقول ذو الإصبع وهذه القصيدة هي التي منها الغناء المذكور وأولها
( يا مَنْ لقلبٍ شَدِيدِ الهمِّ مَحزُونِ ... أمسَى تَذَكَّرَ رَيَّا أُمِّ هَارْونِ )
( أمسَى تَذكَّرها مِن بعد ما شَحَطَتْ ... والدَّهُروُ ذو غِلَظ حينا وذو لِين )
( فإِنْ يكنْ حبُّها أَمسَى لنا شَجَناً ... وأصبحَ الوَلْيُ منها لا يُوَاتِينِي )
( فقد غَنِينا وشمْلُ الدارِ يجمعُنا ... أُطِيعُ رَيّا ورَياً لا تُعَاصِينِي )
( نَرمِي الوُشاةَ فلا نُخْطِي مَقاتِلهُمْ ... بخالصٍ من صفاء الوُدِّ مكنون )
( ولِي ابنُ عمٍّ على ما كان من خُلُقٍ ... مُختَلِفَانِ فأَقْلِيهِ ويَقْلِينِي )
(3/100)

( أزرَى بنا أننا شالَتْ نَعامتُنَا ... فخالني دونه بل خِلتُهُ دونِي )
( لاَهِ ابنُ عمّك لا أَفضلتَ في حَسبٍ ... شيئاً ولا أنت دَيَّاني فَتَخْزُونِي )
( ولا تَقُوتُ عِيَالي يومَ مَسْغَبةٍ ... ولا بنفسكَ في العَزَّاءِ تَكْفِينِي )
( فإِن تُرِدْ عَرَضَ الدنيا بمَنْقَصَتِي ... فإِنّ ذلك مِمّا ليس يُشْجِينِي )
( ولا تَرَى فيَّ غير الصّبرِ مَنقَصَةً ... وما سِوَاه فإِنّ الله يَكفِيني )
( لولا أَواصِرُ قُرْبَى لستَ تحفظُها ... ورَهْبَةُ اللهِ في مَولىً يُعادِينِي )
( إذاً بَرَيتُك بَرْياً لا انجِبَارَ له ... إنّي رأيتُكَ لا تَنفَكُّ تَبرِيني )
( إنّ الذي يَقبِضُ الدنيا ويبسُطها ... إن كان أغناكَ عنّي سوف يُغْنِيني )
( اللهُ يَعلمُكم واللهُ يَعلمُني ... واللهُ يَجزِيكُمُ عَنّي ويَجْزِينِي )
( ماذَا عليَّ وإِن كنتم ذوِي رَحِمي ... أَلاَّ أحبّكُم إن لم تُحبُّونِي )
( لو تَشرَبُونَ دَمِي لم يَرُو شَارِبُكم ... ولا دِماؤُكُم جَمْعاً تُرَوِّيني )
( ولِي ابنُ عمٍّ لو انّ الناسَ في كَبِدي ... لَظَلَّ مُحتَجِزاً بالنَّبْل يَرْمِيني )
( يا عمرُو إن لا تَدَعْ شَتْمِي ومَنْقَصتِي ... أَضْرِبْكَ حتى تقولَ الهامةُ اسْقُونِي )
( كلّ امرىءٍ صائرٌ يوماً لشِيمَتِه ... وإِن تخلَّقَ أخلاقاً إلى حِينِ )
( إنّي لعَمْرُكَ ما بَابِي بذِي غَلَقٍ ... عن الصّديق ولا خيري بمَمْنُونِ )
( ولا لسانِي على الأدنى بمنطَلِق ... بالمنكَرات ولا فَتْكِي بمأمُونِ )
( لا يُخرِجُ القَسْرُ منّي غير مَغْضبةٍ ... ولا ألينُ لِمَنْ لا يبتغي لِيني )
(3/101)

( وأنتمُ مَعْشَرٌ زَيْدٌ على مائةٍ ... فأجمِعُوا أمرَكم شَتَّى فكِيدُونِي )
( فإن علمتُم سبيلَ الرُّشدِ فانطلِقوا ... وإِن غَبِيتُم طريقَ الرشدِ فَأتُونِي )
( يا رُبَّ ثوبٍ حواشيه كأوسطِه ... لا عيبَ في الثوبِ من حُسنٍ ومن لِينِ )
( يوماً شَدَدتُ على فَرْغَاء فاهقةٍ ... يوماً من الدّهر تاراتٍ تُمَارِينِي )
( ماذا عليّ إذا تدعونَنِي فَزَعاً ... أَلاَّ أُجيِبَكم إذ لا تُجِيبُونِي )
( وكنتُ أُعطِيكُم مالي وأَمنحُكم ... وُدِّي على مُثْبَتٍ في الصدر مَكنونِ )
( يارُبَّ حيٍّ شَدِيدِ الشَّغْبِ ذي لَجَبٍ ... ذَعرْتُ من راهِنٍ منهم ومَرهُونِ )
( رَدَدتُ باطَلهُم في رأس قائِلهم ... حتى يَظلُّوا خصوماً ذا أفانِينِ )
( يا عَمرُو لو كنتَ لي أَلْفَيْتَنِي يَسراً ... سمْحاً كريماً أُجازِي مَنْ يُجَازِينِي )
رثاء ذي الإصبع لقومه
قال أبو عمرو وقال ذو الإصبع يرثي قومه
( وليس المرءُ في شيءٍ ... من الإِبرام والنقضِ )
( إذا يفعلُ شيئاً خاله ... ُ يَقْضِي وما يَقْضِي )
( جَدِيدُ العيشِ ملبوسٌ ... وقد يُوشِكُ أن يُنْضَى )
وقد مضى بعض هذه القصيدة متقدما في صدر هذه الأخبار وتمامها
( وأَمْرَ اليومِ أَصْلِحْهُ ... ولا تَعْرِضْ لما يَمضِي )
(3/102)

( فبينا المرءُ في عَيشٍ ... له من عِيشَةٍ خَفْضِ )
( أتاه طَبَقٌ يوماً ... على مَزْلَقَةٍ دَحْضِ )
( وهم كانوا فلا تُكْذَبْ ... ذوِي القُوّةِ والنَّهْضِ )
( وهم إن وَلَدُوا أَشْبَوْا ... بسِرّ الحسَب المَحْضِ )
( لهم كانت أعالِي الأرض ... فالسرَّان فالعِرْضِ )
( إلى ما حازه الحَزْنُ ... فما أسهلَ للحَمْضِ )
( إلى الكَفْرَينِ من نحلةَ ... فالدّاءةِ فالمَرْضِ )
( لهم كان جَمِامُ الماءِ ... لا المُزْجَى ولا البَرْضِ )
( فكان الناس إذا هَمُّوا ... بُيسْرٍ خاشعٍ مُغْضِي )
( تَنَادوْا ثم ساروا بِرئيسٍ ... لهُم مُرْضِي )
( فمَنْ سَاجَلَهُمْ حرباً ... ففي الخَيْبَةِ والخَفْضِ )
( وهم نالُوا على الشَّنْا ... نِ والشَّحْنَاءِ والبُغضِ )
( مَعَالِي لم ينلها النَّاسُ ... في بَسْطٍ ولا قبضِ )
رثاء أمامة بنت ذي الإصبع لقومها
قال أبو عمرو قالت أمامة بنت ذي الإصبع وكانت شاعرة ترثي قومها
(3/103)

( كم مِن فَتىً كانت له مَيْعَةٌ ... أبلجَ مثلِ القمرِ الزاهِر )
( قد مرَّتِ الخيلُ بحافاتِهِ ... كمرّ غيثٍ لجِبٍ ماطِرِ )
( قد لَقِيَتْ فَهْمُ وَعَدْوَانُها ... قَتْلاً وهُلْكاً آخرَالغابرِ )
( كانوا ملوكاً سادةً في الذُّرَى ... دهراً لها الفَخّرُ على الفاخِر )
( حتى تَسَاقَوْا كأسَهم بينهم ... بَغْياً فَيَا للشَّاربِ الخاسِرِ )
( بادُوا فَمَنْ يَحْلُلْ بأوطانهم ... يَحْلُلْ برَسْمٍ مُقْفرٍ داثِرِ )
قال أبو عمرو ولأمامة ابنته هذه يقول ذو الإصبع ورأته قد نهض فسقط وتوكأ على العصا فبكت فقال
( جَزِعَتْ أمَامَة أن مَشَيتُ على العصا ... وتَذَكَّرَتْ إذ نحن مِ الفتْيَانِ )
( فَلَقَبْل ما رام الالهُ بكيده ... إرَماً وهذا الحيِّ مِنْ عَدْوانِ )
( بعدَ الحكومةٍِ والفضيلة والنُّهَى ... طاف الزمانُ عليهمُ بأَوانِ )
( وتفرّقُوا وتقطّعتْ أشلاؤهم ... وتبدَّدُوا فِرَقاً بكلّ مكانِ )
( جَدَبَ البلادُ فَأُعْقِمَتْ أرحامُهُم ... والدَّهْرُ غَيَّرَهُمْ مع الحِدْثَانِ )
( حتى أبادهُمُ على أُخْرَاهم ... صَرْعَى بكلِّ نُقَيْرَةٍ ومَكَانِ )
( لا تَعْجَبَنَّ أُمَامَ من حَدَثٍ عَرَا ... فالدَّهْرُ غَيَّرَنا مع الأَزْمَانِ )
(3/104)

ذكر قيل مولى العبلات
قال هارون بن محمد بن عبد الملك أخبرني حماد بن إسحاق عن أبيه قال
كان يحيى قيل عبدا للثريا ورضيا وأخواتهما بنات علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر بن عبد شمس موليات الغريض
قال وحدثني حماد قال حدثني أبي قال حدثني ابن أبي جناح قال حدثنا مقاحف بن ناصح مولى عبد الله بن عباس قال قال حدثني هشام بن المرية وهي أمه وهو مولى بني مخزوم قال
كان يحيى قيل عبدا لامرأة من العبلات وله من الغناء
صوت
( وأخرجتُها من بطن مكةَ بعدما ... أَصَاتَ المنادِي للصّلاةِ وأَعْتَمَا )
( فمرّتْ ببطن اللِّيثِ تَهْوِي كأنما ... تُبادِرُ بالإِصباح نَهْباً مُقَسَّمَا )
(3/105)

والشعر لأبي دهبل الجمحي وأول هذه القصيدة
( ألا عَلِقَ القلبُ المتيّم كَلْثَمَا ... )
وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني يحيى بن المقداد الزمعي قال حدثني عمي موسى بن يعقوب الزمعي قال أنشدني أبو دهبل الجمحي لنفسه
( ألا عَلِقَ القلبُ المتيَّمُ كَلْثَمَا ... لَجُوجاً ولم يلزَمْ من الحبّ مَلْزَمَا )
( خَرَجْتُ بها من بطن مكةَ بعدَ ما ... أصاتَ المنادِي للصَّلاة وأعتَما )
( فما نام مِنْ راعٍ ولا ارتدَّ سامرٌ ... من الحيّ حتى جاوزَتْ بِي يَلَمْلَمَا )
( ومرَّتْ ببطن اللِّيثِ تَهوِي كأنها ... تُبادِرُ بالإِدلاج نَهْباً مُقَسَّمَا )
( أجازت على البَزْوَاءِ واللّيلُ كاسرٌ ... جناحَيْنِ بالبزواء وَرْداً وأدْهَمَا )
( فما ذَرَّ قرنُ الشمسِ حتى تبيّنتْ ... بِعُلْيَبَ نخلاً مُشرِفاً ومُخَيِّمَا )
(3/106)

( ومرَّتْ على أشطانِ دُومةَ بالضحى ... فما خَزرتْ للماء عيناً ولا فَمَا )
( وما شَرِبَتْ حتى ثنَيتُ زِمَامَها ... وخِفْتُ عليها أن تُحَزَّ وتُكْلَمَا )
( فقلت لها قد تِعتِ غيرَ ذَميمةٍ ... وأصبحَ وادِي البِرْكِ غَيْثاً مُدَيِّمَا )
قال فقلت له يا عم ما كنت إلا على الريح فقال يا ابن أخي إن عمك كان إذا هم فعل وهي العجاجة أما سمعت قول أخي بني مرة
( إذا أقبلَتْ قُلتَ مَشْحَونَةٌ ... أقلَّتْ لها الريحُ قَلْعاً جَفُولاَ )
( وإِن أدبَرتْ قلتَ مَذعُورةٌ ... من الرُّمدِ تتبَعُ هَيقاً ذَمُولاَ )
( وإِن أعْرضَتُ خالَ فيها البَصير ... ُ ما لا يُكلّفُه أن يَفِيلاَ )
( يَداً سُرُحاً مائراً ضَبْعُها ... تَسُومُ وتَقْدُمُ رجلاً زَجُولاَ )
( فمرّت على كشبٍ غُدوةً ... ومرَّتْ فُوَيقَ أَرِيكٍ أصِيلاَ )
(3/107)

( تُخَبِّطُ بالليل حِزَّانَهُ ... كخَبْطِ القَويِّ العزيزِ الذَّليلاَ )
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني ابن اصبغ السلمي قال
جاء إنسان يغني إلى عياش المنقري بالعقيق فجعل يغنيه قول أبي دهبل
( ألا عَلِقَ القلبُ المتّيمُ كَلْثَمَا ... )
وجعل يعيده فلما أكثر قال له عياش كم تنذر بالعجوز عافاك الله اسم أمي كلثم قال وتسمع العجوز فقالت لا والله ما كان بيني وبينه شيء
قال ومن غنائه
( أزرَى بنا أننا شَالَتْ نعامتُنا ... فخالَني دونه بل خِلتُه دونِي )
( فإِن تُصبكَ من الأيام جائحةٌ ... لا نِبكِ منك على دنيا ولا دين )
وأول هذه الأبيات فيما أنشدناه علي بن سلمان الأخفش عن ثعلب
صوت من المائة المختارة
( ليَ ابنُ عمٍّ ما كان من خُلقٍ ... مختلفانِ فأَقِليهِ ويَقْلِيني )
( لاَهِ ابنُ عمِّكَ لا أفضلتَ في حَسَبٍ ... عَنِّي ولا أنتَ ديّاني فتَخْزُونِي )
غنى في هذين البيتين الهذلي ثاني ثقيل بالوسطى
( وقد عَجِبتُ وما في الدَّهرِ من عَجبٍ ... يَدٌ تَشُجُّ وأخرى منك تَأسُونِي )
صوت من المائة المختارة
( إِرْفَعْ ضَعِيفكَ لا يحرْ بكَ ضُعْفُهُ ... يوماً فتدرِكَه العواقبُ قد نَمَا )
( يَجزِيك أو يُثْني عليك وإنّ مَنْ ... أثنَى عليكَ بما فَعلتَ فقد جَزَى )
عروضه من الكامل
الشعر لغريض اليهودي وهو السموأل بن عادياء وقيل إنه لابنه سعية بن غريض وقيل إنه لزيد بن عمرو بن نفيل وقيل إنه لورقة بن نوفل وقيل إنه لزهير بن جناب وقيل إنه لعامر بن المجنون الجرمي الذي يقال له مدرج الريح والصحيح أنه لغريض أو لابنه
(3/108)

( وقد عَجِبتُ وما في الدَّهرِ من عَجبٍ ... يَدٌ تَشُجُّ وأخرى منك تَأسُونِي )
صوت من المائة المختارة
( إِرْفَعْ ضَعِيفكَ لا يحرْ بكَ ضُعْفُهُ ... يوماً فتدرِكَه العواقبُ قد نَمَا )
( يَجزِيك أو يُثْني عليك وإنّ مَنْ ... أثنَى عليكَ بما فَعلتَ فقد جَزَى )
عروضه من الكامل
الشعر لغريض اليهودي وهو السموأل بن عادياء وقيل إنه لابنه سعية بن غريض وقيل إنه لزيد بن عمرو بن نفيل وقيل إنه لورقة بن نوفل وقيل إنه لزهير بن جناب وقيل إنه لعامر بن المجنون الجرمي الذي يقال له مدرج الريح والصحيح أنه لغريض أو لابنه
(3/109)

خبر غريض اليهودي
وغريض هذا من اليهود من ولد الكاهن بن هارون بن عمران وكان موسى عليه الصلاة و السلام وجه جيشا إلى العماليق وكانوا قد طغوا وبلغت غاراتهم إلى الشام وأمرهم إن ظفروا بهم أن يقتلوهم أجمعين فظفروا بهم فقتلوهم أجمعين سوى ابن لملكهم كان غلاما جميلا فرحموه واستبقوه وقدموا الشأم بعد وفاة موسى عليه السلام فأخبروا بني إسرائيل بما فعلوه فقالوا أنتم عصاة لا تدخلون الشأم علينا أبدا فأخرجوهم عنها فقال بعضهم لبعض ما لنا بلد غير البلد الذي ظفرنا به وقتلنا أهله فرجعوا إلى يثرب فأقاموا بها وذلك قبل ورود الأوس والخزرج إياها عند وقوع سيل العرم باليمن فمن هؤلاء اليهود قريظة والنضير وبنو قينقاع وغيرهم ولم أجد لهم نسبا فأذكره لأنهم ليسوا من العرب فتدون العرب أنسابهم إنما هم حلفاؤهم وقد شرحت أخبارهم وما يغني به من أشعارهم في موضع آخر من هذا الكتاب
والغناء في اللحن المختار لابن صاحب الوضوء واسمه محمد وكنيته أبو عبد الله وكان أبوه على الميضاة بالمدينة فعرف بذلك وهو يسير الصناعة ليس ممن خدم الخلفاء ولا شهر عندهم شهرة غيره وهذا الغناء ماخوري بالبنصر وفيه ليونس ثاني ثقيل بالبنصر
(3/110)

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الرياشي وعبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن الأصمعي عن ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة قال
( ارفَعْ ضَعِيفَكَ لا يحْر بِكَ ضعفُه ... )
لغريض اليهودي
رسول الله يدخل على عائشة وهي تتمثل بشعر
وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أحمد بن عيسى قال حدثنا مؤمل بن عبد الرحمن الثقفي قال حدثني سهل بن المغيرة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت
دخل علي رسول الله وأنا أتمثل بهذين البيتين
( إرفَعْ ضعيفَك لا يحرْ بك ضعفُه ... يوماً فتُدرِكَه العواقبُ قد نَما )
( يَجْزِيكَ أو يُثني عليكَ وإنّ مَنْ ... أثنى عَلَيْكَ بما فَعَلْتَ فقد جَزَى )
فقال " ردي علي قول اليهودي قاتله الله لقد أتاني جبريل برسالة من ربي أيما رجل صنع إلى أخيه صنيعة فلم يجد له جزاء إلا الثناء عليه والدعاء له فقد كافأه "
قال أبو زيد وقد حدثني أبو عثمان محمد بن يحيى أن هذا الشعر لورقة بن نوفل وقد ذكر الزبير بن بكار أيضا أن هذا الشعر لورقة بن نوفل وذكر هذين البيتين في قصيدة أولها
( رَحَلَتْ قُتيلَةُ عِيرَها قبلَ الضحى ... وأَخالُ أن شَحَطَتْ بجارتِك النَّوى )
( أوَ كُلَّمَا رحَلَتْ قُتيلَةُ غُدْوَةً ... وغَدَتْ مُفَارِقَةً لأرضهم بكَى )
( ولقد ركِبتُ على السَّفينِ مُلجِّجاً ... أذرُ الصّديقَ وأنتَحِي دارَ العِدا )
(3/111)

( ولقد دخلتُ البيتَ يُخشَى أهلُه ... بعد الهدوء وبعد ما سقطَ الندَى )
( فوجدتُ فيه حُرّةً قد زُيِّنتْ ... بالحَلْيِ تحسَبُه بها جمرَ الغَضا )
( فَنِعمتُ بالاً إذ أتيتُ فِراشَها ... وسَقطتُ منها حين جِئتُ على هَوَى )
( فلتِلْكَ لذَّاتُ الشَّبَابِ قَضيَتُها ... عَنِّي فسَائِلْ بعضَهم ماذا قَضَى )
( فرج الرَّباب فليس يؤدى فرجه ... لا حاجَةً قَضَّى ولا ماءً بغَى )
( فارفَعْ ضعيفَكَ لا يحرْ بِكَ ضعفُه ... يوماً فتدرِكَه العواقبُ قد نَمَا )
( يَجْزِيكَ أو يُثْنِي عليك وإنّ مَنْ ... أثنَى عليك بما فعلتَ فقد جَزى )
(3/112)

ذكر ورقة بن نوفل ونسبه
هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وأمه هند بنت أبي كثير بن عبد بن قصي وهو أحد من اعتزل عبادة الأوثان في الجاهلية وطلب الدين وقرأ الكتب وامتنع من أكل ذبائح الأوثان
نسبة ما في هذا الشعر من الغناء
( غيرِ ... ارفع ضعيفَكَ )
صوت
( ولقد طرقتُ البيتَ يُخشَى أهلُه ... بعد الهُدوء وبعد ما سقطَ الندَى )
( فوجدتُ فيه حُرّةً قد زُيِّنَتْ ... بِالحَلْي تحسَبُه بها جَمرَ الغَضا )
الشعر لورقة بن نوفل والغناء لابن محرز من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق
أخبرنا الطوسي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عبد الله بن معاذ عن
(3/113)

معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير قال
سئل رسول الله عن ورقة بن نوفل كما بلغنا فقال " قد رأيته في المنام كأن عليه ثيابا بيضا فقد أظن أن لو كان من أهل النار لم أر عليه البياض "
قال الزبير وحدثنا عبد الله بن معاذ عن معمر عن الزهري عن عائشة
أن خديجة بنت خويلد انطلقت بالنبي حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى وهو ابن عم خديجة أخي أبيها وكان امرأ تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي فقالت خديجة أي ابن عم اسمع من ابن أخيك قال ورقة يابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله خبر ما رأى فقال ورقة هذا الناموس الذي أنزله الله تبارك وتعالى على موسى يا ليتني فيها جذع ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك قال رسول الله أو مخرجي هم قال ورقة نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك لأنصرنك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب ورقة أن توفي
خبره مع بلال
قال الزبير حدثني عثمان عن الضحاك بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال قال عروة كان بلال لجارية من بني جمح بن عمرو وكانوا يعذبونه برمضاء مكة يلصقون ظهره بالرمضاء ليشرك بالله فيقول أحد أحد فيمر
(3/114)

عليه ورقة بن نوفل وهو على ذلك يقول أحد أحد فيقول ورقة بن نوفل أحد أحد والله يا بلال والله لئن قتلتموه لاتخدته حنانا كأنه يقول لأتمسحن به
وقال ورقة بن نوفل في ذلك
( لقد نَصَحتُ لأقوامٍ وقلتُ لهم ... أنا النذيرُ فلا يَغرُرْكُمُ أحَدُ )
( لا تَعبُدُنّ إلهاً غيرَ خالقكم ... فإِن دَعَوْكم فقولوا بيننا حَدَدُ )
( سُبحانَ ذي العرشِ سبحاناً نعوذ به ... وقبلُ قد سبّح الجُوديّ والجُمُدُ )
( مُسَخَّرٌ كلُّ ما تحت السماءِ له ... لا ينبغي أن يُناوِي مُلكَهُ أحَدُ )
( لا شيءَ مما ترى تبقَى بَشَاشَتُهُ ... يبقَى الإلهُ ويُودِي المالُ والوَلدُ )
( لم تُغْنِ عن هُرْمُزٍ يوماً خزائنُه ... والخُلْدَ قد حاولتْ عادٌ فما خَلَدُوا )
( ولا سُلَيمانَ إذ دان الشُّعُوبُ له ... والجنُّ والإِنسُ تَجْرِي بينها البُرُدُ )
النبي ينهى عن سبه
قال الزبير حدثني عمي قال حدثنا الضحاك بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة
أن رسول الله قال لأخي ورقة بن نوفل أو لابن أخيه " شعرت أني قد رأيت لورقة جنة أو جنتين " يشك هشام
قال عروة ونهى رسول الله عن سب ورقة
(3/115)

وقال الزبير وحدثني عمي قال حدثني الضحاك عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه
أن خديجة كانت تأتي ورقة بما يخبرها رسول الله أنه يأتيه فيقول ورقة لئن كان ما يقول حقا إنه ليأتيه الناموس الأكبر ناموس عيسى ابن مريم الذي لا يجيزه أهل الكتاب إلا بثمن ولئن نطق وأنا حي لأبلين فيه لله بلاء حسنا
(3/116)

خبر زيد بن عمرو ونسبه
هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب
وأمه جيداء بنت خالد بن جابر بن أبي حبيب بن فهم
وكانت جيداء عند نفيل بن عبد العزى فولدت له الخطاب أبا عمر بن الخطاب وعبدنهم ثم مات عنها نفيل فتزوجها ابنه عمر فولدت له زيدا وكان هذا نكاحا ينكحه أهل الجاهلية وكان زيد بن عمرو أحد من اعتزل عبادة الأوثان وامتنع من أكل ذبائحهم وكان يقول يا معشر قريش أيرسل الله قطر السماء وينبت بقل الأرض ويخلق السائمة فترعى فيه وتذبحوها لغيره والله ما أعلم على ظهر الأرض أحدا على دين إبراهيم غيري
أخبرنا الطوسي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي مصعب بن عبد الله ومحمد بن الضحاك عن أبيه قالا
كان الخطاب بن نفيل قد أخرج زيد بن عمرو من مكة وجماعة من قريش ومنعوه أن يدخلها حين فارق أهل الأوثان وكان أشدهم عليه الخطاب بن نفيل
وكان زيد بن عمرو إذا خلص إلى البيت استقبله ثم قال لبيك حقا حقا تعبدا ورقا البر أرجو لا الخال وهل مهجر كمن قال ثم يقول
(3/117)

( عُذْتُ بما عاذَ به إبراهِمُ ... مُسْتَقْبِلَ الكعبةِ وهو قائمُ )
( يقول أنفِي لك عَانٍ راغمُ ... مهما تُجَشِّمْني فإِني جَاشِمُ )
ثم يسجد قال محمد بن الضحاك عن أبيه وهو الذي يقول
( لاَ هُمّ إنّي حَرَمٌ لا حِلَّهْ ... وإِن داري أوسط المَحَلَّهْ )
( عند الصَّفَا ليست بها مَضَلَّهْ ... )
شعر زيد في ترك عبادة الأوثان
قال الزبير وحدثني مصعب بن عبد الله عن الضحاك بن عثمان عن عبد الرحمن ابن بي الزناد قال قال هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت قال زيد بن عمرو بن نفيل
( عزلتُ الجنَّ والجِنَّانَ عنِّي ... كذلك يفعل الجَلْدُ الصَّبُورُ )
( فلا العُزَّى أدينُ ولا ابنتَيها ... ولا صَنَمي بني غَنمٍ أزورُ )
( ولا هُبَلاً أديِنُ وكان رَبّاً ... لنا في الدهر إذا حِلمِي صغيرُ )
( أربّاً واحداً أم ألفَ ربَّ ... أدينُ إذا تقُسِّمتِ الأُمُورُ )
( ألم تعلمْ بأنَّ الله أفنى ... رجالاً كان شأنَهُمُ الفُجورُ )
( وأبقى آخرين ببِرِّ قومٍ ... فيربو منهم الطفلُ الصغيرُ )
( وبينا المرء يَعْثُرُ ثابَ يوما ... كما يتروّح الغُصنُ النّضيرُ )
(3/118)

فقال ورقة بن نوفل لزيد بن عمرو بن نفيل
( رَشِدَت وأنعمتَ ابنَ عمرو وإِنما ... تَجَنّبْتَ تَنُّوراً من النار حاميا )
( بدِينك ربّاً ليس رب كمثله ... وتَرْكِكَ جِنّان الجبالِ كما هيا )
( أقول إذا ما زُرتُ أرضاً مخوفةً ... حَنَانَيْكَ لا تُظْهِرْ عليَّ الأعاديَا )
( حَنَانَيْكَ إنّ الجنّ كانت رجاءَهُم ... وأنت إلهي ربَّنا ورَجائيَا )
( أدينُ لربٍّ يستجيبُ ولا أُرَى ... أَدِينُ لمن لا يسمع الدهرَ داعيا )
( أقولُ إذا صلَّيْتُ في كلِّ بِيعَةٍ ... تباركتَ قد أكثرتَ باسمك داعيَا )
يقول خلقت خلقا يدعون باسمك
قال الزبير وحدثني مصعب بن عبد الله قال حدثني الضحاك بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة قال سمعت من أرضى يحدث
أن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول الشاة خلقها الله وأنزل من السماء ماء وأثبت لها من الأرض نباتا ثم تذبحونها على غير اسم الله إنكارا لذلك وإعظاما له
قصته مع النبي
قال الزبير وحدثني مصعب بن عبد الله عن الضحاك بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله أنه سمع عبد الله بن عمر يحدث عن رسول الله أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح
(3/119)

وكان قبل أن ينزل على رسول الله الوحي فقدم إليه رسول الله سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل وقال إني لا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه
قال الزبير وحدثني مصعب بن عبد الله عن الضحاك بن عثمان عن عبد الله بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الرحمن قال قال موسى لا أراه إلا حدثه عن عبد الله بن عمر
أن زيد بن عمرو خرج إلى الشأم يسأل عن الدين ويتبعه فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم فقال لعلي أدين بدينكم فأخبرني بدينكم فقال اليهودي إنك لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله فقال زيد بن عمرو لا أفر إلا من غضب الله وما أحمل من غضب الله شيئا أبدا وأنا أستطيع فهل تدلني على دين ليس فيه هذا قال ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا قال وما الحنيف قال دين إبراهيم فخرج من عنده وتركه
فأتى عالما من علماء النصارى فقال له نحوا مما قال لليهودي فقال له النصراني إنك لن تكون على دينك حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله فقال إني لا أحمل من لعنة ولا من غضبه شيئا أبدا وأنا أستطيع فهل تدلني على دين ليس فيه هذا فقال له نحوا ممن قال اليهودي لا أعلمه إلا أن يكون حنيفا فخرج من عندهما وقد رضي بما أخبراه واتفقا عليه من دين إبراهيم فلما برز رفع يديه وقال اللهم إني على دين إبراهيم
قال الزبير وحدثني مصعب بن عبد الله عن الضحاك بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال قال هشام بن عروة
بلغنا أن زيد بن عمرو كان بالشأم فلما بلغه خبر النبي أقبل يريده فقتله أهل ميفعة
قال الزبير وحدثني مصعب بن عبد الله عن الضحاك بن عثمان عن عبد
(3/120)

الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد بن عمرو قال
سألت أنا وعمر بن الخطاب رسول الله عن زيد فقال " يأتي يوم القيامة أمة وحده "
وأنشد محمد بن الضحاك عن الحزامي عن أبيه لزيد بن عمرو
( أسلمتُ وجهي لمن أسملتْ ... له المُزْن تحمِل عَذْبّاً زُلاَلا )
( وأسلمتُ وجهِي لمن أسلمتْ ... له الأرض تَحمِل صَخْراً ثِقَالا )
( دَحاها فلما استوتْ شدّها ... سَواءً وأرسَى عليها الجِبَالا )
شعر زهير بن جناب في الكبر
وأما زهير بن جناب الكلبي فإنه أحد المعمرين يقال إنه عمر مائة وخمسين سنة وهو فيما ذكر أحد الذين شربوا الخمر في الجاهلية حتى قتلتهم وكان قد بلغ من السن الغاية التي ذكرناها فقال ذات يوم إن الحي ظاعن فقال عبد الله بن عليم بن جناب إن الحي مقيم فقال زهير إن الحي مقيم فقال عبد الله إن الحي ظاعن فقال من هذا الذي يخالفني منذ اليوم قيل ابن أخيك عبد الله بن عليم فقال أو ما هاهنا أحد ينهاه عن ذلك قالوا لا فغضب وقال لا أراني قد خولفت ثم دعا بالخمر فشربها صرفا بغير مزاج وعلى غير طعام حتى قتلته
وهو الذي يقول في ذم الكبر وطول الحياة
( الموتُ خير للفتى ... فليهلكن وبه بقيه )
( من أن يُرى الشّيخَ البَجالَ ... إذا تَهادَى بالعشيَّهْ )
( أبني أن أهلِكْ فقد ... أورثتكم مجداً بنيّهْ )
( وتركتُكم أبناء سادات ... زِنادُكُمُ وَريَّهْ )
(3/121)

( بل كلّ ما نال الفتَى ... قد نلتُه إلا التّحيّهْ )
وأما مدرج الريح فاسمه عامر بن المجنون الجرمي وإنما سمي مدرج الريح بشعر قاله في امرأة كان يزعم أنه يهواها من الجن وأنها تسكن الهواء وتتراءى له وكان محمقا وشعره هذا
( لابنة الجنِّيّ في الجَوّ طَلَلْ ... دارسُ الآياتِ عافٍ كالخلَلْ )
( دَرَستْهُ الرّيحُ من بين صَباً ... وجَنوبٍ درَجتْ حِيناً وطَلْ )
صوت
الغناء فيه لحنين ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي وابن المكي وذكر حبش أنه لمعبد وذكر عمرو بن بانة أن لحن حنين من خفيف الثقيل الأول بالبنصر
وأخبار عامر بن المجنون تذكر في موضع آخر إن شاء الله تعالى
وأما سعية بن غريض فقد كان ذكر خبر جده السموأل بن غريض بن عاديا في موضع غير هذا
وكان سعية بن غريض شاعرا وهو الذي يقول لما حضرته الوفاة يرثي نفسه
صوت
( يا ليتَ شِعري حين يُذكَر ... ماذا تُؤبنِّنُي به أَنواحي )
( أَيَقُلْنَ لا تبعَدْ فربّ كرِيهة ... فرّجتها ببشارة وسَمَاحِ )
( وإذا دُعيتُ لصَعبةٍ سهّلتُها ... أُدعَى بأفلِحْ تارةً ونَجَاحِ )
غناه ابن سريج ثاني ثقيل بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو وأسلم سعية وعمر عمرا طويلا ويقال إنه مات في آخر خلافة معاوية
(3/122)

خبر سعية بن غريض مع معاوية بن أبي سفيان
فأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أحمد بن معاوية عن الهيثم بن عدي قال
حج معاوية حجتين في خلافته وكانت له ثلاثون بغلة يحج عليها نساؤه وجواريه قال فحج في إحداهما فرأى شيخا يصلي في المسجد الحرام عليه ثوبان أبيضان فقال من هذا قالوا سعية بن غريض وكان من اليهود فأرسل إليه يدعوه فأتاه رسوله فقال أجب أمير المؤمنين قال أو ليس قد مات أمير المؤمنين قيل فأجب معاوية فأتاه فلم يسلم عليه بالخلافة فقال له معاوية ما فعلت أرضك التي بتيماء قال يكسى منها العاري ويرد فضلها على الجار قال أفتبيعها قال نعم قال بكم قال بستين ألف دينار ولولا خلة أصابت الحي لم أبعها قال لقد أغليت قال أما لو كانت لبعض أصحابك لأخذتها بستمائة ألف دينار ثم لم تبل قال أجل وإذ بخلت بأرضك فأنشدني شعر أبيك يرثي به نفسه فقال قال أبي
( يا ليتَ شِعري حين أُندَبُ هالكاً ... ماذا تُؤبنّني به أَنواحِي )
( أيقلن لا تبعَد فرُبّ كَريهة ... فرّجتُها بشجاعةٍ وسَماحِ )
( ولقد ضربتُ بفضل مالي حقَّه ... عند الشِّتاء وهَبَّة الأرواحِ )
( ولقد أخذتُ الحقَّ غير مخاصم ... ولقد رددتُ الحقَّ غيرَ مُلاَحِي )
( وإذا دُعيتُ لصَعبةٍ سهّلتُها ... أُدعَى بأفلِحْ مرّةً ونَجَاحِ )
(3/123)

فقال أنا كنت بهذا الشعر أولى من أبيك قال كذبت ولؤمت قال أما كذبت فنعم وأما لؤمت فلم قال لأنك كنت ميت الحق في الجاهلية وميته في الإسلام أما في الجاهلية فقاتلت النبي والوحي حتى جعل الله عز و جل كيدك المردود وأما في الإسلام فمنعت ولد رسول الله الخلافة وما أنت وهي وأنت طليق ابن طليق فقال معاوية قد خرف الشيخ فأقيموه فأخذ بيده فأقيم
وسعية هذا هو الذي يقول
صوت
( يا دارَ سُعْدَى بأقصَى تَلْعَةِ النَّعَمِ ... حيُيِّتِ داراً على الإقُواء والقِدَمِ )
( وما بِجزْعِكِ إلا الوَحشُ ساكنةً ... وهامدٌ من رَمَادِ القِدْرِ والحُمَمِ )
( عُجْنَا فما كلَّمتنا الدارُ إذ سُئِلَتْ ... وما بها عن جوابٍ خِلتُ من صَمَمِ )
الشعر لسعية بن غريض والغناء لابن محرز ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر
(3/124)

أخبار ابن صاحب الوضوء ونسبه
اسمه محمد بن عبد الله ويكنى أبا عبد الله مولى بني أمية وهو من أهل المدينة وكان أبوه على ميضأة المدينة فسمي صاحب الوضوء وهو قليل الصنعة لم يذكر له إسحاق إلا صوتين كلاهما في خفيف الثقيل المعروف بالماخوري ولا ذكر له غير إسحاق سواهما إلا ما هو مرسوم في الكتاب الباطل المنسوب إلى إسحاق فإن له فيه شيئا كثيرا لا أصل له وفي كتاب حبش الصيني وهو رجل لا يحصل ما يقوله ويرويه
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن جده عن سياط عن يونس الكاتب قال
غنى ابن صاحب الوضوء في شعر النابغة
( خَطَاطِيفُ حُجْنٌ في حبالٍ مَتينةٍ ... تَمُدّ بها أيدٍ إليك نَوَازعُ )
وفي شعر بعض اليهود
( إرفع ضعيفَك لا يحر بك ضعفُه ... يوماً فتدركَه العواقبُ قد نَمَا )
فأجاد فيهما ما شاء وأحسن غاية الإحسان فقيل له ألا تزيد وتصنع شيئا آخر
(3/125)

فقال لا والله حتى أرى غيري قد صنع مثل ما صنعت وأزيد وإلا فحسبي هذا
عبد الله بن عامر يغني صوتا في المحراب
أخبرني أحمد بن عبد الله بن عمار وأحمد بن عبد العزيز الجوهري وإسماعيل بن يونس الشيعي قالوا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي قال ابن عمار في خبره وكان يسمى المبارك قد حدثنا أبو مسلمة المصبحي قال
قدم علينا أسود من أهل الكوفة فغنى
( اِرفَعْ ضعيفَك لا يحرْ بك ضعفُه ... يوماً فتدركَه العواقب قد نَمَا )
قال فمررت بعبد الله بن عامر الأسلمي وكان يؤمنا وهو قائم يصلي الظهر فقلت له قدم علينا أسود من الكوفة يغني كذا وكذا فأجاده فأشار إلي بيده أن اجلس فلما قضى صلاته قال أخذته عنه قلت نعم قال فأمره علي ففعلت قال فلما كان بالليل صلى بنا فأداه في المحراب
صوت من المائة المختارة التي رواها علي بن يحيى
( يا ليلَتي تَزْدادُ نُكْراَ ... مِنْ حُبِّ مَنْ أحببتُ بِكْرَا )
( حَوْراءُ إن نظرَتْ إليك ... َ سقَتْك بالعينين خمرَا )
الشعر لبشار والغناء في اللحن المختار ليزيد حوراء رمل بالبنصر عن عمرو ويحيى المكي وإسحاق وفيه لسياط خفيف رمل بالوسطى عن عمرو وإبراهيم الموصلي
(3/126)

أخبار بشار بن برد ونسبه
هو فيما ذكره الحسن بن علي عن محمد بن القاسم بن مهرويه عن غيلان الشعوبي بشار بن برد بن يرجوخ بن أزدكرد بن شروستان بن بهمهن بن دارا بن فيروز بن كرديه بن ماهفيدان بن دادان بن بهمن بن أزدكرد بن حسيس بن مهران ابن خسروان بن أخشين بن شهرداد بن نبوذ بن ما خرشيدا نماذ بن شهريار بن بنداد سيحان بن مكرر بن ادريوس بن يستاسب بن لهراسف قال وكان يرجوخ بن طخارستان من سبي المهلب بن أبي صفرة ويكنى بشار أبا معاذ
ومحله في الشعر وتقدمه طبقات المحدثين فيه بإجماع الرواة ورياسته عليهم من غير اختلاف في ذلك يغني عن وصفه وإطالة ذكر محله وهو من مخضرمي شعراء الدولتين العباسية والأموية قد شهر فيهما ومدح وهجا وأخذ سني الجوائز مع الشعراء
أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى المنجم قال قال حميد بن سعيد
كان بشار من شعب ادريوس بن يستاسب الملك بن لهراسف الملك
قال وهو بشار بن برد بن بهمن بن أزدكرد بن شروستان بن بهمن بن دارا بن فيروز قال وكان يكنى أبا معاذ
(3/127)

وأخبرني يحيى بن علي ومحمد بن عمران الصيرفي وغيرهما عن الحسن بن عليل العنزي عن خالد بن يزيد بن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه قال
كان بشار بن برد بن يرجوخ وأبوه برد من قن خيرة القشيرية امرأة المهلب بن أبي صفرة وكان مقيما لها في ضيعتها بالبصرة المعروفة بخيرتان مع عبيد لها وإماء فوهبت بردا بعد أن زوجته لامرأة من بني عقيل كانت متصلة بها فولدت له امرأته وهو في ملكها بشارا فأعتقته العقيلية
وأخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال كان برد أبو بشار مولى أم الظباء العقيلية السدوسية فادعى بشار أنه مولى بني عقيل لنزوله فيهم
وأخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا العنزي قال حدثني رجل من ولد بشار يقال له حمدان كان قصارا بالبصرة قال ولاؤنا لبني عقيل فقلت لأيهم فقال لبني ربيعة بن عقيل
وأخبرني وكيع قال حدثني سليمان المدني قال قال أحمد بن معاوية الباهلي كان بشار وأمه لرجل من الأزد فتزوج امرأة من بني عقيل فساق إليها بشارا وأمه في صداقها وكان بشار ولد مكفوفا فأعتقته العقيلية
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثني الحسن بن عليل العنزي قال
(3/128)

حدثنا قعنب بن المحرز الباهلي قال حدثني محمد بن الحجاج قال
باعت أم بشار بشارا على أم الظباء السدوسية بدينارين فأعتقته وأم الظباء امرأة أوس بن ثعلبة أحد بني تيم اللات بن ثعلبة وهو صاحب قصر أوس بالبصرة وكان أوس أحد فرسان بكر بن وائل بخراسان
كان أبوه طيانا
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا العنزي قال حدثنا محمد بن زيد العجلي قال أخبرني بدر بن مزاحم
أن بُرداً أبا بشار كان طيانا يضرب اللبن وأراني أبي بيتين لنا فقال لي لبن هذين البيتين من ضرب برد أبي بشار فسمع هذه الحكاية حماد عجرد فهجاه فقال
( يابنَ بُردٍ إخْسَأْ إليكَ فمثلُ الكلبِ ... في الناس أنتَ لا الإِنسانِ )
( بل لَعَمْرِي لأنتَ شرّ من الكلب ... وأَوْلَى منه بكلّ هَوَان )
( ولَرِيحُ الخنزيرِ أهونُ من رِيحكَ ... يابنَ الطيّانِ ذِي التُّبَّانِ )
أخبرني يحيى بن علي قال حدثنا أبو أيوب المديني عن أبي الصلت البصري عن أبي عدنان قال حدثني يحيى بن الجون العبدي راوية بشار قال
قال لما دخلت على المهدي قال لي فيمن تعتد يا بشار فقلت أما
(3/129)

اللسان والزي فعربيان وأما الأصل فعجمي كما قلت في شعري يا أمير المؤمنين
( ونُبِّئتُ قوماً بهم جِنَّةٌ ... يقولونَ مَنْ ذا وكنتُ العَلْم )
( ألا أَيُّها السائِلي جاهداً ... لِيَعْرِفَنِي أنا أنفُ الكَرَمْ )
( نَمَتْ في الكرامِ بَنِي عامرٍ ... فُروعِي وأصْلِي قريشُ العَجَمْ )
( فإني لأُغْنِي مَقامَ الفتى ... وأُصْبِي الفتاةَ فما تَعتَصِمْ )
قال وكان أبو دلامة حاضرا فقال كلا لوجهك أقبح من ذلك ووجهي مع وجهك فقلت كلا والله ما رأيت رجلا أصدق على نفسه وأكذب على جليسه منك والله إني لطويل القامة عظيم الهامة تام الألواح أسجح الخدين ولرب مسترخي المذروين للعين فيه مراد قد جلس من الفتاة حجرة وجلست منها حيث أريد فأنت مثلي يا مرضعان قال فسكت عني
ثم قال لي المهدي فمن أي العجم أصلك فقلت من أكثرها في الفرسان وأشدها على الأقران أهل طخارستان فقال بعض القوم أولئك الصغد فقلت لا الصغد تجار فلم يردد ذلك المهدي
(3/130)

وكان بشار كثير التلون في ولائه شديد الشغب والتعصب للعجم مرة يقول يفتخر بولائه في قيس
( أَمِنْتُ مَضَرَّةَ الفُحَشَاء أني ... أرَى قيساً تَضُرُّ ولا تُضَارُ )
( كأن الناسَ حين تَغِيبُ عنهم ... نباتُ الأرضِ أخطأهُ القِطارُ )
( وقد كانت بتَدْمُرَ خيلُ قيسٍ ... فكان لِتَدْمُرٍ فيها دَمَارُ )
( بحيٍّ من بني عَيْلانَ شُوسٍ ... يَسيرُ الموتُ حيث يقالُ سَارُوا )
( وما نَلَقَاهُمُ إلا صَدَرْنا ... بِرِيً منهمُ وهُمُ حِرَارُ )
ومرة يتبرأ من ولاء العرب فيقول
( أصبحت مولَى ذي الجلالِ وبعضُهمْ ... مولَى العُرَيبِ فخذْ بفضلك فافَخر )
( مَولاكَ أكرمُ من تميم كلِّها ... أهلِ الفَعَالِ ومن قُريِش المشْعر )
( فارجِعْ إلى مولاكَ غيرَ مُدَافَع ... سُبحانَ مَولاكَ الأجلِّ الأكبر )
لقبه وسبب ذلك
وقال يفتخر بولاء بني عقيل
( إنّني من بني عُقَيلِ بن كعبٍ ... مَوضِعَ السّيفِ مِنْ طُلَى الأعناقِ )
(3/131)

ويكنى بشار أبا معاذ ويلقب بالمرعث
أخبرني عمي ويحيى بن علي قالا حدثنا أبو أيوب المديني قال حدثني محمد بن سلام قال بشار المرعث هو بشار بن برد وإنما سمي المرعث بقوله
( قال رِيمٌ مُرَعَّثٌ ... ساحرُ الطَّرِف والنَّظْر )
( لستَ واللَّهِ نائلي ... قلتُ أو يَغْلِبُ القَدَرْ )
( أنتَ إن رُمتَ وَصْلَنا ... فانجُ هل تُدْرِكُ القَمَرْ )
قال أبو أيوب وقال لنا ابن سلام مرة أخرى إنما سمي بشار المرعث لأنه كان لقميصه جيبان جيب عن يمينه وجيب عن شماله فإذا أراد لبسه ضمه عليه من غير أن يدخل رأسه فيه وإذا أراد نزعه حل أزرار وخرج منه فشبهت تلك الجيوب بالرعاث لاسترسالها وتدليها وسمي من أجلها المرعث
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا علي بن مهدي قال حدثني أبو حاتم قال قال لي أبو عبيدة
لقب بشار بالمرعث لأنه كان في أذنه وهو صغير رعاث
والرعاث القرطة واحدتها رعثة وجمعها رعاث ورعثات
ورعثات الديك اللحم المتدلي تحت حنكه قال الشاعر
( سَقَيْتُ أبا المصرَّعِ إذ أتانِي ... وذُو الرّعَثَاتِ مًنتَصِبٌ يَصيحُ )
( شراباً يهرُبُ الذِّبَّانُ منه ... ويَلْثَغُ حين يشرَبه الفَصيحُ )
قال والرعث الاسترسال والتساقط فكأن اسم القرطة اشتق منه
أخبرني محمد بن عمران قال حدثني العنزي قال حدثنا محمد بن بدر
(3/132)

العجلي قال سمعت الأصمعي يذكر أن بشارا كان من أشد الناس تبرما بالناس وكان يقول الحمد لله الذي ذهب ببصري فقيل له ولم يا أبا معاذ قال لئلا أرى من أبغض
وكان يلبس قميصا له لبنتان فإذا أراد أن ينزعه نزعه من أسفله فبذلك سمي المرعث
أخبرني هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعي قال حدثنا قعنب بن محرز عن الأصمعي قال
كان بشار ضخما عظيم الخلق والوجه مجدورا طويلا جاحظ المقلتين قد تغشاهما لحم أحمر فكان أقبح الناس عمى وأفظعه منظرا وكان إذا أراد أن ينشد صفق بيديه وتنحنح وبصق عن يمينه وشماله ثم ينشد فيأتي بالعجب
هجاء أبي هشام الباهلي في عمى بشار
أخبرنا يحيى بن علي عن أبي أيوب المديني عن محمد بن سلام قال
ولد بشار أعمى وهو الأكمه وقال في تصداق ذلك أبو هشام الباهلي يهجوه
( وعبدِي فَقَا عينيكَ في الرِّحْمِ أَيرهُ ... فجئتَ ولم تَعلَم لعينيكَ فَاقِيَا )
( أَأُمُّكَ يا بشّارُ كانت عفيفةً ... عليّ إذا مشيي إلى البيت حَافيا )
قال ولم يزل بشار منذ قال فيه هذين البيتين منكسرا
أخبرنا هاشم بن محمد قال حدثنا الرياشي عن الأصمعي قال
ولد بشار أعمى فما نظر إلى الدنيا قط وكان يشبه الأشياء بعضها ببعض في
(3/133)

شعره فيأتى بما لا يقدر البصراء أن يأتوا بمثله فقيل له يوما وقد أنشد قوله
( كأنّ مُثَارَ النقعِ فوق رُؤوسنا ... وأسيافَنا ليلٌ تَهَاوَى كواكبُهْ )
ما قال أحد أحسن من هذا التشبيه فمن أين لك هذا ولم تر الدنيا قط ولا شيئا فيها فقال إن عدم النظر يقوي ذكاء القلب ويقطع عنه الشغل بما ينظر إليه من الأشياء فيتوفر حسه وتذكو قريحته ثم أنشدهم قوله
( عَمِيتُ جَنِيناً والذكاءُ من العَمَى ... فجئتُ عجيبَ الظنِّ للعلم مَوْئلاَ )
( وغاضَ ضياءُ العين للعلم رافداً ... لِقلب إذا ضيَعّ الناسُ حَصّلا )
( وشِعرٍ كنَوْرِ الروض لاءمتُ بينَه ... بقولٍ إذا ما أحزن الشعرُ أسهلا )
أخبرنا هاشم قال حدثنا العنزي عن قعنب بن محرز عن أبي عبد الله الشرادني قال كان بشار أعمى طويلا ضخما آدم مجدورا
وأخبرني يحيى بن علي عن أبي أيوب المديني قال قال الحمراني قالت لي عمتي زرت قرابة لي في بني عقيل فإذا أنا بشيخ أعمى ضخم ينشد
( مِنَ المَفْتونِ بَشّارِ بنِ بُرْدِ ... إلى شَيْبانَ كَهْلِهِمُ ومُرْدِ )
( بأنّ فتاتَكم سَلَبتْ فؤادي ... فنِصْفٌ عندها والنصفُ عندي )
فسألت عنه فقيل لي هذا بشار
أخبرني محمد بن يحيى الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثنا أبو زيد قال سمعت أبا محمد التوزي يقول قال بشار أزرى بشعري الأذان يقول إنه إسلامي
(3/134)

وأخبرني حبيب بن نصر المهلي قال حدثنا عمر بن شبة قال قال أبو عبيدة
قال بشار الشعر ولم يبلغ عشر سنين ثم بلغ الحلم وهو مخشي معرة لسانه
قال وكان بشار يقول هجوت جريرا فأعرض عني واستصغرني ولو أجابني لكنت أشعر الناس
قول الأصمعي عنه إنه خاتمة الشعراء
وأخبرنا يحيى بن علي بن يحيى وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال
كان الأصمعي يقول بشار خاتمة الشعراء والله لولا أن أيامه تأخرت لفضلته على كثير منهم
قال أبو زيد كان راجزا مقصدا
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال حدثني أبو عبيدة قال سمعت بشارا يقول وقد أنشد في شعر الأعشى
( وأنكَرْتِني وما كان الذي نَكِرَتْ ... من الحوادث إلا الشَّيْبَ والصَّلَعَا )
فأنكره وقال هذا بيت مصنوع ما يشبه كلام الأعشى فعجبت لذلك فلما كان بعد هذا بعشر سنين كنت جالسا عند يونس فقال حدثني أبو عمرو بن العلاء أنه صنع هذا البيت وأدخله في شعر الأعشى
( وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا )
(3/135)

فجعلت حينئذ أزداد عجبا من فطنة بشار وصحة قريحته وجودة نقده للشعر
عدد قصائده
أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثني أبو حاتم عن أبي عبيدة قال
قال بشار لي اثنا عشر ألف بيت عين فقيل له هذا ما لم يكن يدعيه أحد قط سواك فقال لي اثنتا عشرة ألف قصيدة لعنها الله ولعن قائلها إن لم يكن في كل واحدة منها بيت عين
وأخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا علي بن مهدي عن أبي حاتم قال
قلت لأبي عبيدة أمروان عندك أشعر أم بشار فقال حكم بشار لنفسه بالاستظهار أنه قال ثلاثة عشر ألف بيت جيد ولا يكون عدد الجيد من شعر شعراء الجاهلية والإسلام هذا العدد وما أحسبهم برزوا في مثلها ومروان أمدح للملوك
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا الأصمعي قال
قال بشار الشعر وله عشر سنين فلما بلغ الحلم إلا وهو مخشي معرة اللسان بالبصرة
قال وكان يقول هجوت جريرا فاستصغرني وأعرض عني ولو أجابني لكنت أشعر أهل زماني
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا أبو العواذل زكريا بن هارون قال
(3/136)

قال بشار لي اثنا عشر ألف بيت جيدة فقيل له كيف قال لي اثنتا عشرة ألف قصيدة أما في كل قصيدة منها بيت جيد
وقال الجاحظ في كتاب البيان والتبيين وقد ذكره كان بشار شاعرا خطيبا صاحب منثور ومزدوج وسجع ورسائل وهو من المطبوعين أصحاب الإبداع والاختراع المفتنين في الشعر القائلين في أكثر أجناسه وضروبه قال الشعر في حياة جرير وتعرض له وحكى عنه أنه قال هجوت جريرا فأعرض عني ولو هاجاني لكنت أشعر الناس
قال الجاحظ وكان بشار يدين بالرجعة ويكفر جميع الأمة ويصوب رأي إبليس في تقديم النار على الطين وذكر ذلك في شعره فقال
( الأَرْضُ مُظْلِمَةٌ والنارُ مُشْرِقَةٌ ... والنارُ معبودةٌ مذ كانتِ النارُ )
قال وبلغه عن أبي حذيفة واصل بن عطاء إنكار لقوله وهتف به فقال يهجوه
( ما لي أُشايِعُ غَزّالاً له عُنُقٌ ... كنِقْنِقِ الدَّوِّ إنْ وَلَّى وإِنْ مثَلا )
( عُنْقَ الزِّرافةِ ما بالي وبالُكُم ... تُكَفِّرُون رجالاً كَفَّرُوا رَجلا )
قال فلما تتابع على واصل منه ما يشهد على إلحاده خطب به واصل وكان
(3/137)

ألثغ على الراء فكان يجتنبها في كلامه فقال أما لهذا الأعمى الملحد أما لهذا المشنف المكني بأبي معاذ من يقتله أما والله لولا أن الغيلة سجية من سجايا الغالية لدسست إليه من يبعج بطنه في جوف منزله أو في حفله ثم كان لا يتولى ذلك إلا عقيلي أو سدوسي فقال أبا معاذ ولم يقل بشارا وقال المشنف ولم يقل المرعث وقال من سجايا الغالية ولم يقل الرافضة وقال في منزله ولم يقل في داره وقال يبعج بطنه ولم يقل يبقر للثغة التي كانت به في الراء
قال وكان واصل قد بلغ من اقتداره على الكلام وتمكنه من العبارة أن حذف الراء من جميع كلامه وخطبه وجعل مكانها ما يقوم مقامها
هو أحد أصحاب الكلام الستة
أخبرني يحيى بن علي قال حدثني أبي عن عافية بن شبيب قال حدثني أبو سهيل قال حدثني سعيد بن سلام قال
كان بالبصرة ستة من أصحاب الكلام عمرو بن عبيد وواصل بن
(3/138)

عطاء وبشار الأعمى وصالح بن عبد القدوس وعبد الكريم بن أبي العوجاء ورجل من الأزدي وقال أبو أحمد يعني جرير بن حازم فكانوا يجتمعون في منزل الأسدي ويختصمون عنده
فأما عمرو وواصل فصارا إلى الاعتزال
وأما عبد الكريم وصالح فصححا التوبة
وأما بشار فبقي متحيرا مخلطا
وأما الأزدي فمال إلى قول السمنية وهو مذهب من مذاهب الهند وبقي ظاهره على ما كان عليه
قال فكان عبد الكريم يفسد الأحداث فقال له عمرو بن عبيد قد بلغني أنك تخلوا بالحدث من أحادثنا فتفسده وتستزله وتدخله في دينك فإن خرجت من مصرنا وإلا قمت فيك مقاما آتي فيه على نفسك فلحق بالكوفة فدل عليه محمد بن سليمان فقتله وصلبه بها وله يقول بشار
( قلْ لعبد الكريم يابنَ أبي العَوْجاء ... بعتَ الإِسلامَ بالكفر موقا )
( لا تصلِّي ولا تصوم فإِن صُمتَ ... فبعضَ النّهار صوماً رقَيقَا )
( لا تُبالِي إذا أصبتَ من الخمر ... عَتيقاً ألاّ تكون عَتيقَا )
( ليتَ شعري غداةَ حُلّيتَ في الجيد ... حَنيفاً حُلّيت أم زنديقَا )
( أنت ممّن يَدُور في لَعنة الله ... صديق لمن ينيك الصديقَا )
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثني الرياشي قال سئل الأصمعي عن بشار
(3/139)

ومروان أيهما أشعر فقال بشار فسئل عن السبب في ذلك فقال لأن مروان سلك طريقا كثر ما يسلكه فلم يلحق من تقدمه وشركه فيه من كان في عصره وبشار سلك طريقا لم يسلك وأحسن فيه وتفرد به وهو أكثر تصرفا وفنون شعر وأغزر وأوسع بديعا ومروان لم يتجاوز مذاهب الأوائل
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثني العنزي عن أبي حاتم قال سمعت الأصمعي وقد عاد إلى البصرة من بغداد فسأله رجل عن مروان بن أبي حفصة فقال وجد أهل بغداد قد ختموا به الشعراء وبشار أحق بأن يختموهم به من مروان فقيل له ولم فقال وكيف لا يكون كذلك وما كان مروان في حياة بشار يقول شعرا حتى يصلحه له بشار ويقومه وهذا سلم الخاسر من طبقة مروان يزاحمه بين أيدي الخلفاء بالشعر ويساويه في الجوائز وسلم معترف بأنه تبع لبشار
بشار أحسن الناس ابتداء بين المحدثين
أخبرني جحظة قال سمعت علي بن يحيى المنجم يقول سمعت من لا أحصي في الرواة يقولون أحسن الناس ابتداء في الجاهلية امرؤ القيس حيث يقول
( ألا انعِمْ صبَاحا أيُّها الطَّلل البالِي ... )
وحيث يقول
( قِفَا نبكِ من ذِكرى حبيبٍ ومنزِلِ ... )
(3/140)

وفي الإسلام القطامي حيث يقول
( إنّا مُحيّوكَ فأسلمَ أيُّها الطّللُ ... )
ومن المحدثين بشار حيث يقول
صوت
( أبَى طَلَلٌ بالجِزْع أن يتكلّما ... وماذا عليه لو أجاب مُتّيما )
( وبالفرع آثارٌ بقين وباللِّوى ... مَلاعبُ لا يُعرَفْنَ إلا تَوهُّما )
وفي هذين البيتين لابن المكي ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى الوسطى من كتابه وفيهما لابن جؤذر رمل
أخبرني عمي عن الكراني عن أبي حاتم قال
كان الأصمعي يعجب بشعر بشار لكثرة فنونه وسعة تصرفه ويقول كان مطبوعا لا يكلف طبعه شيئا متعذرا لا كمن يقول البيت ويحككه أياما
وكان يشبه بشارا بالأعشى والنابغة الذبياني ويشبه مروان بزهير والحطيئة ويقول هو متكلف
قال الكراني قال أبو حاتم وقلت لأبي زيد أيما أشعر بشار أم مروان
(3/141)