Advertisement

الأغاني 003



[ الأغاني - الأصفهاني ]
الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبي الفرج الأصفهاني
الناشر : دار الفكر - بيروت
الطبعة الثانية
تحقيق : سمير جابر
عدد الأجزاء : 24 فقال بشار أشعر ومروان أكفر
قال أبو حاتم وسألت أبا زيد مرة أخرى عنهما فقال مروان أجد وبشار أهزل فحدثت الأصمعي بذلك فقال بشار يصلح للجد والهزل ومروان لا يصلح إلا لأحدهما
كان الناس يعجبون بشعره ويتناشدونه
نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى قال حدثنا علي بن مهدي قال حدثنا نجم بن النطاح قال
عَهدي بالبصرة وليس فيها غَزِل ولا غَزِلَةٌ إلاّ يَرْوِي من شعر بشّار ولا نائحة ولا مغنية إلا تتكسب به ولا ذو شرف إلا وهو يهابه ويخاف معرة لسانه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أحمد بن المبارك قال حدثني أبي قال
قلت لبشار ليس لأحد من شعراء العرب شعر إلا وقد قال فيه شيئا استنكرته العرب من ألفاظهم وشك فيه وإنه ليس في شعرك ما يشك فيه قال ومن أين يأتيني الخطأ ولدت هاهنا ونشأت في حجور ثمانين شيخا من فصحاء بني عقيل ما فيهم أحد يعرف كلمة من الخطأ وإن دخلت إلى نسائهم فنساؤهم أفصح منهم وأيفعت فأبديت إلى أن أدركت فمن أين يأتيني الخطأ
(3/142)

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز ويحيى بن علي قالوا حدثنا عمر بن شبة قال
كان الأصمعي يقول إن بشارا خاتمة الشعراء والله لولا أن أيامه تأخرت لفضلته على كثير منهم
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثني أبو الفضل المروزي قال حدثني قعنب بن المحرز الباهلي قال قال الأصمعي
لقي أبو عمرو بن العلاء بعض الرواة فقال له يا أبا عمرو من أبدع الناس بيتا قال الذي يقول
( لم يَطُلْ ليلى ولكن لم أنَمْ ... ونفَى عنِّي الكَرَى طيفٌ ألمّ )
( رَوِّحي عنّي قليلاً واعلَمي ... أنّني يا عَبْدَ من لحمٍ ودَمْ )
قال فمن أمدح الناس قال الذي يقول
( لَمَستُ بكفّي كفَّه أبتغِي الغِنَى ... ولم أدر أنّ الجود من كفّه يُعْدِي )
( فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنَى ... أفدتُ وأعداني فأَتلفت ما عندِي )
قال فمن أهجى الناس قال الذي يقول
( رأيت السُّهيْلَينَ استوَى الجودُ فيهما ... على بُعْد ذا من ذاك في حُكم حاكمِ )
( سُهَيل بن عثمانٍ يَجود بماله ... كما جاد بالوَجْعا سُهَيلُ بن سالمِ ) قال وهذه الأبيات كلها لبشار
(3/143)

نسبة ما في هذا الخبر من الأشعار التي يغنى فيها
صوت
( لم بَطُّلْ ليلى ولكن لم أنَمْ ... ونَفى عنِّي الكرى طيفٌ ألمّ )
( وإِذا قلتُ لها جُودِي لنا ... خرجتْ بالصَّمْت عن لا ونعَمْ )
( نَفِّسي يا عَبْدَ عنِّي واعلمي ... أنّني يا عبدَ من لحمٍ ودمْ )
( إنَّ في بُرْدَيَّ جسماً ناحِلاً ... لو توكّأتِ عليه لانهدَمْ )
( ختَم الحبُّ لها في عُنُقي ... موضِعَ الخاتَمِ من أهل الذِّممْ )
غناه إبراهيم هزجا بالسبابة في مجرى الوسطى عن ابن المكي والهشامي وفيه لقعنب الأسود خفيف ثقيل
فأما الأبيات التي ذكر أبو عمرو أنه فيها أمدح الناس وأولها
( لَمَسْتُ بكفِّي كفَّه أبتَغِي الغِنَى ... )
فإنه ذكر أنها لبشار وذكر الزبير بن بكار أنها لابن الخياط في المهدي وذكر له فيها معه خبرا طويلا قد ذكرته في أخبار ابن الخياط في هذا الكتاب
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا علي بن مهدي الكسروي قال حدثنا أبو حاتم قال
كان بشار كثير الولوع بديسم العنزي وكان صديقا له وهو مع ذلك يكثر هجاءه وكان ديسم لا يزال يحفظ شيئا من شعر حماد وأبي هشام الباهلي في بشار فبلغه ذلك فقال فيه
(3/144)

( أَدَيْسَمُ يابنَ الذئبِ من نَجْلِ زَارعٍ ... أَتَرْوِي هَجِائي سَادِراً غيرَ مُقْصِرِ )
قال أبو حاتم فأنشدت أبا زيد هذا البيت وسأتله ما يقول فيه فقال لمن هذا الشعر فقلت لبشار يقوله في ديسم العنزي فقال قاتله الله ما أعلمه بكلام العرب ثم قال الديسم ولد الذئب من الكلبة ويقال للكلاب أولاد زارع والعسبار ولد الضبع من الذئب والسمع ولد الذئب من الضبع وتزعم العرب أن السمع لا يموت حتف أنفه وأنه أسرع من الريح وإنما هلاكه بعرض من أعراض الدنيا
خبره مع حمدان الخراط
أخبرنا حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال
كان بالبصرة رجل يقال له حمدان الخراط فاتخذ جاما لإنسان كان بشار عنده فسأله بشار أن يتخذ له جاما فيه صور طير تطير فاتخذه له وجاءه به فقال له ما في هذا الجام فقال صور طير تطير فقال له قد كان ينبغي أن تتخذ فوق هذه الطير طائرا من الجوارح كأنه يريد صيدها فإنه كان أحسن قال لم أعلم قال بلى قد علمت ولكن علمت أني أعمى لا أبصر شيئا وتهدده بالهجاء فقال له حمدان لا تفعل فإنك تندم قال أو تهددني أيضا قال نعم قال فأي شيء تستطيع أن تصنع بي إن هجوتك قال أصورك على باب داري بصورتك هذه وأجعل من خلفك قردا ينكحك حتى يراك الصادر والوارد قال بشار اللهم اخزه أنا أمازحه وهو يأبى إلا الجد
(3/145)

قول بشار في جرير بن المنذر السدوسي
أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى والحسن بن علي ومحمد بن عمران الصيرفي قالوا حدثنا العنزي قال حدثني جعفر بن محمد العدوي عن محمد بن سلام قال حدثني مخلد أبو سفيان قال
كان جرير بن المنذر السدوسي يفاخر بشارا فقال فيه بشار
( أَمِثْلُ بَني مُضَرٍ وَائِلٌ ... فَقَدتُكَ من فاخرٍ ما أَجَنْ )
( أفِي النومِ هذا أبا مُنْذِرٍ ... فَخَيْرا رأيتَ وخيراً يَكُنْ )
( رأيتُكَ والفخرَ في مثلِهَا ... كعاجنةٍ غيرَ ما تَطَّحِنْ )
وقال يحيى في خبره فحدثني محمد بن القاسم قال حدثني عاصم بن وهب أبو شبل الشاعر البرجمي قال حدثني محمد بن الحجاج السراداني قال
كنا عند بشار وعنده رجل ينازعه في اليمانية والمضرية إذ أذن فقال له بشار رويدا تفهم هذا الكلام فلما قال أشهد أن محمدا رسول الله قال له بشار أهذا الذي نودي باسمه مع اسم الله عز و جل من مضر هو أم من صداء وعك وحمير فسكت الرجل
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي قال أنشد بشار قول الشاعر
( وقد جَعل الأعداءُ ينتقِصُوننا ... وتطمَعُ فينا ألسُنٌ وعيونُ )
(3/146)

( ألا إنما ليلى عَصَا خَيزُرَانةٍ ... إذا غمزُوها بالأكفّ تَلينُ )
فقال والله لو زعم أنها عصا مخ أو عصا زبد لقد كان جعلها جافية خشنة بعد أن جعلها عصا ألا قال كما قلت
( ودَعْجاءِ المَحَاجِر من مَعَدٍّ ... كأن حديثَها ثَمرُ الجِنَانِ )
( إذا قامت لِمشيتها تثنَّتْ ... كأن عظامَها من خَيْزُرَانِ )
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرني محمد بن صالح بن الحجاج قال
قلت لبشار إني أنشدت فلانا قولك
( إذا أنتَ لم تَشْرَبْ مِرَاراً على القَذَى ... ظَمِئْتَ وأيُّ الناسِ تَصفُو مَشَارِبُهْ )
فقال لي ما كنت أظنه إلا لرجل كبير فقال لي بشار ويلك أفلا قلت له هو والله لأكبر الجن والإنس
خبره مع امرأة وعدته أن تزوره ليلا وأخلفت
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبو الشبل عن محمد بن الحجاج قال
كان بشار يهوى امرأة من أهل البصرة فراسلها يسألها زيارته فوعدته بذلك ثم أخلفته وجعل ينتظرها ليلته حتى أصبح فلما لم تأته أرسل إليها يعاتبها فاعتذرت بمرض أصابها فكتب إليها بهذه الأبيات
( يا لَيْلَتي تَزدادُ نُكْرا ... مِن حُبِّ مَنْ أحببتُ بِكْرا )
(3/147)

( حَوراءُ إن نظرت إليك ... َ سقتكَ بالعينينِ خَمرا )
( وكأن رَجْعَ حديثِها ... قِطَعُ الرياض كُسِين زَهْرَا )
( وكأن تحت لسانُها ... هاروتَ ينفُثُ فيه سِحْرَا )
( وتَخالُ ما جمعَتْ عليه ... ثيابَها ذهباً وعِطْرا )
( وكأنّها بَرْدُ الشراب ... صَفَا ووافق منْك فِطْرَا )
( جِنِّيَّةٌ إنسيَّةٌ ... أوَ بينَ ذاك أجلُّ أمرَا )
( وكفاك أنّي لم أحِطْ ... بشَكاةِ مَنْ أحببتُ خُبَرا )
( إلا مقالةَ زائرٍ ... نثَرَتْ لِيَ الأحزانَ نثرَا )
( مُتَخشِّعاً تحت الهَوى ... عشراً وتحت الموتِ عشرَا )
حدثني جحظة قال حدثني علي بن يحيى قال
كان إسحاق الموصلي لا يعتد ببشار ويقول هو كثير التخليط في شعره وأشعاره مختلفة لا يشبه بعضها بعضا أليس هو القائل
( إنما عَظْمُ سُلَيمَى حِبِّتي ... قَصَبُ السُّكَّرِ لا عَظْمُ الجَمَلْ )
( وإذا أدْنَيتَ منها بَصلاً ... غلبَ المِسكُ على ريح البَصلْ )
لو قال كل شيء جيد ثم أضيف إلى هذا لزيفه
قال وكان يقدم عليه مروان ويقول هذا هو أشد استواء شعر منه وكلامه ومذهبه أشبه بكلام العرب ومذاهبها وكان لا يعد أبا نواس البتة ولا يرى فيه خيرا
(3/148)

هجاؤه للمنصور
حدثنا محمد بن علي بن يحيى قال حدثنا محمد بن زكريا قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن التيمي قال
دخل بشار إلى إبراهيم بن عبد الله بن حسن فأنشده قصيدة يهجو فيها المنصور ويشير عليه برأي يستعمله في أمره فلما قتل إبراهيم خاف بشار فقلب الكنية وأظهر أنه كان قالها في أبي مسلم وحذف منها أبياتا وأولها
( أبا جَعفرٍ ما طولُ عيشٍ بدائمِ ... ولا سالمٌ عمَّا قَليلٍ بسَالمِ )
قلب هذا البيت فقال أبا مسلم
( على المَلِك الجَبّار يَقتحِمُ الردى ... ويصرَعُه في المأزقِ المتلاحمِ )
( كأنك لم تَسمَعْ بقتل مُتوَّجٍ ... عظيم ولم تسمع بفَتكِ الأعاجمِ )
( تَقَسَّمَ كِسرَى رهطُه بسيوفهم ... وأمسى أبو العباسِ أحلامَ نائمِ )
يعني الوليد بن يزيد
( وقد كان لا يَخْشَى انقلابَ مكيدةٍ ... عليه ولا جَرْيَ النُّحُوسِ الأَشائمِ )
( مقيماً على اللّذاتِ حتى بَدتْ له ... وجوهُ المنايا حاسِرَاتِ العمائمِ )
(3/149)

( وقد تَرِدُ الأيامُ غُرّاً ورُبَّمَا ... وَرَدْنَ كُلُوحاً بادياتِ الشَّكائمِ )
( ومَرْوانُ قد دارتْ على رأسه الرحى ... وكان لِمَا أجرمْتَ نَزْرَ الجرائمِ )
( فأصبحتَ تجري سادراً في طريقهم ... ولا تَتَّقِي أشباهَ تلكَ النقائمِ )
( تجرَّدتَ للإِسلام تَعفُو سبيلَه ... وتُعْرِي مَطاهُ للُّيوثِ الضَّراغِم )
( فما زِلتَ حتى استنصرَ الدينُ أهلَه ... عليكَ فعاذُوا بالسَّيوفِ الصوارمِ )
( فَرُمْ وَزراً يُنْجِيكَ يابنَ سَلاَمةٍ ... فلستَ بِنَاجٍ من مَضِيم وضَائِم )
جعل موضع يابن سلامة يابن وشيكة وهي أم أبي مسلم
( لَحَا الله قوماً رأَسُوكَ عليهمُ ... وما زِلتَ مَرْؤوساً خبيثَ المطاعِم )
( أَقُولُ لِبَسَّامٍ عليه جَلاَلَةٌ ... غَدَا أَرْيحيَّا عاشِقاً للمكارم )
( من الفاطمّيينَ الدُّعاة إلى الهدَى ... جِهَاراً ومَنْ يَهْدِيكَ مثلُ ابنِ فاطمِ )
هذا البيت الذي خافه وحذفه بشار من الأبيات
( سِراجٌ لعين المستضِيءِ وتارة ... يكون ظَلاَماً للعدوِّ المزاحِمِ )
( إذا بلغَ الرأيُ المَشُورة فاستعِنْ ... برَاْيِ نَصِيح أو نَصِيحةِ حازمِ )
( ولا تعجَلِ الشُّورَى عليكَ غضَاضَةً ... فإِنّ الخَوافِي قُوّةٌ للقَوادِمِ )
( وما خيرُ كفٍّ أمسكَ الغُلُّ أختَها ... وما خيرُ سَيفٍ لم يُؤيَّدْ بقائمِ )
(3/150)

( وخَلِّ الهُوينَا للضَّعيف ولا تكُنْ ... نَؤُوماً فإِن الحَزْمَ ليس بنائمِ )
( وحَارِبْ إذا لم تُعطَ إلا ظُلاَمةً ... شَبَا الحربِ خيرٌ من قَبُول المظالمِ )
قال محمد بن يحيى فحدثني الفضل بن الحباب قال سمعت أبا عثمان المازني يقول سمعت أبا عبيدة يقول ميمية بشار هذه أحب إلي من ميميتي جرير والفرزدق
قال محمد وحدثني ابن الرياشي قال حدثني أبي قال
قال الأصمعي قلت لبشار يا أبا معاذ إن الناس يعجبون من أبياتك في المشورة فقال لي يا أبا سعيد إن المشاور بين صواب يفوز بثمرته أو خطأ يشارك في مكروهه فقلت له أنت والله في قولك هذا أشعر منك في شعرك
خبر بشار مع رجل في دار المهدي
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا الفضل بن محمد اليزيدي عن إسحاق وحدثني به محمد بن مزيد بن أبي الأزهر عن حماد عن أبيه قال
كان بشار جالسا في دار المهدي والناس ينتظرون الإذن فقال بعض موالي المهدي لمن حضر ما عندكم في قول الله عز و جل
( وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ) فقال له بشار النحل التي يعرفها الناس قال هيهات يا أبا معاذ النحل بنو هاشم
(3/151)

وقوله ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ) يعني العلم فقال له بشار أراني الله طعامك وشرابك وشفاءك فيما يخرج من بطون بني هاشم فقد أوسعتنا غثاثة فغضب وشتم بشارا وبلغ المهدي الخبر فدعا بهما فسألهما عن القصة فحدثه بشار بها فضحك حتى أمسك على بطنه ثم قال للرجل أجل فجعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم فإنك بارد غث
وقال محمد بن مزيد في خبره إن الذي خاطب بشارا بهذه الحكاية وأجابه عنها من موالي المهدي المعلى بن طريف
بشار يسخر من خال المهدي
أخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال
دخل يزيد بن منصور الحميري على المهدي وبشار بين يديه ينشده قصيدة امتدحه بها فلما فرغ منها أقبل عليه يزيد بن منصور الحميري وكانت فيه غفلة فقال له يا شيخ ما صناعتك فقال أثقب اللؤلؤ فضحك المهدي ثم قال لبشار أعزب ويلك أتتنادر على خالي فقال له وما أصنع به يرى شيخا أعمى ينشد الخليفة شعرا ويسأله عن صناعته
(3/152)

أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه قال
وقف على بشار بعض المجان وهو ينشد شعرا فقال له استر شعرك هذا كما تستر عورتك فصفق بشار بيديه وغضب وقال له من أنت ويلك قال أنا أعزك الله رجل من باهلة وأخوالي من سلول وأصهاري عكل واسمي كلب ومولدي بأضاخ ومنزلي بنهر بلال فضحك بشار ثم قال اذهب ويلك فأنت عتيق لؤمك قد علم الله أنك استترت مني بحصون من حديد
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني الفضل بن سعيد قال حدثني أبي قال
مر بشار بقاص بالبصرة فسمعه يقول في قصصه من صام رجبا وشعبان ورمضان بنى الله له قصرا في الجنة صحنه ألف فرسخ في مثلها وعلوه ألف فرسخ وكل باب من أبواب بيوته ومقاصره عشرة فراسخ في مثلها قال فالتفت بشار إلى قائده فقال بئست والله الدار هذه في كانون الثاني
قال الفضل بن سعيد وحدثني رجل من أهل البصرة ممن كان يتزوج بالنهاريات قال تزوجت امرأة منهن فاجتمعت معها في علو بيت وبشار تحتنا أو كنا في أسفل البيت وبشار في علوه مع امرأة فنهق حمار في الطريق فأجابه حمار في الجيران وحمار في الدار فارتجت الناحية بنهيقها وضرب الحمار الذي في
(3/153)

الدار الأرض برجله وجعل يدقها بها دقا شديدا فسمعت بشارا يقول للمرأة نفخ يعلم الله في الصور وقامت القيامة أما تسمعين كيف يدق على أهل القبور حتى يخرجوا منها قال ولم يلبث أن فزعت شاة كانت في السطح فقطعت حبلها وعدت فألقت طبقا وغضارة إلى الدار فانكسرا وتطاير حمام ودجاج كن في الدار لصوت الغضارة وبكى صبي في الدار فقال بشار صح والله الخبر ونشر أهل القبور من قبورهم أزفت يشهد الله الآزفة وزلزلت الأرض زلزالها فعجبت من كلامه وغاظني ذلك فسألت من المتكلم فقيل لي بشار فقلت قد علمت أنه لا يتكلم بمثل هذا غير بشار
بعض من نوادره
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن محمد جدار قال حدثني قدامة بن نوح قال
مر بشار برجل قد رمحته بغلة وهو يقول الحمد لله شكرا فقال له بشار استزده يزدك
قال ومر به قوم يحملون جنازة وهم يسرعون المشي بها فقال ما لهم مسرعين أتراهم سرقوه فهم يخافون أن يلحقوا فيؤخذ منهم
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن عافية بن شبيب وأخبرني به وكيع عن محمد بن عمر بن محمد بن عبد الملك عن الحسن بن جمهور قالا
(3/154)

توفي ابن لبشار فجزع عليه فقيل له أجر قدمته وفرط افترطته وذخر أحرزته فقال ولد دفنته وثكل تعجلته وغيب وعدته فانتظرته والله لئن لم أجزع للنقص لا أفرح للزيادة
وقال يرثيه
( أَجَارَتَنا لا تَجْزَعِي وأنيبِي ... أتاني من الموت المُطِلِّ نَصِيبي )
( بُنَيِّي على رَغْمِي وسُخْطي رُزِئْتُه ... وبُدِّلَ أحجاراً وجالَ قليبِ )
( وكان كرَيحانِ الغصون تَخالُه ... ذَوى بعد إشراقٍ يَسُرُّ وطِيبِ )
( أُصِيبَ بُنَيِّي حين أورَقَ غُصنُه ... وأَلقَى عليّ الهَمَّ كُلُّ قَريبِ )
( عَجِبتُ لإسراع المنيّةِ نحوَه ... وما كان لو مُلِّيتُهُ بعَجِيبِ )
أخبرني يحيى بن علي قال ذكر عافية بن شبيب عن أبي عثمان الليثي وحدثني به الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن أبي مسلم قالا
رفع غلام بشار إليه في حساب نفقته جلاء مرآة عشرة دراهم فصاح به بشار وقال والله ما في الدنيا أعجب من جلاء مرآة أعمى بعشرة دراهم والله لو صدئت عين الشمس حتى يبقى العالم في ظلمة ما بلغت أجرة من يجلوها عشرة دراهم
أخبرنا محمد ين يحيى الصولي قال حدثني المغيرة بن محمد المهلبي قال حدثنا أبو معاذ النميري قال قلت لبشار لم مدحت
(3/155)

يزيد بن حاتم ثم هجوته قال سألني أن أنيكه فلم أفعل فضحكت ثم قلت فهو كان ينبغي له أن يغضب فما موضع الهجاء فقال أظنك تحب أن تكون شريكه فقلت أعوذ بالله من ذلك ويلك
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا أحمد بن خلاد وأخبرنا يحيى بن علي ومحمد بن عمران الصيرفي قالا حدثنا العنزي قال حدثنا أحمد بن خلاد قال حدثني أبي قال قلت لبشار إنك لتجيء بالشيء الهجين المتفاوت قال وما ذاك قال قلت بينما تقول شعرا تثير به النقع وتخلع به القلوب مثل قولك
( إذا ما غَضِبنا عَضْبَةً مُضَرِيَّةً ... هَتكنا حِجابَ الشمس أو تُمْطِرَ الدمَا )
( إذا ما أعَرْنا سَيِّداً من قبيلةٍ ... ذُرَى مِنْبرٍ صلَّى علينا وسَلّمَا )
تقول
( رَبَابَةُ رَبَّةُ البيتِ ... تَصُبُّ الخلَّ في الزَّيتِ )
( لها عَشْرُ دَجَاجَاتٍ ... ودِيكٌ حَسَنُ الصّوتِ )
فقال لكل وجه وموضع فالقول الأول جد وهذا قلته في ربابة جاريتي وأنا لا آكل البيض من السوق وربابة هذه لها عشر دجاجات وديك فهي تجمع لي البيض وتحفظه عندها فهذا عندها من قولي أحسن من
( قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرى حبيبٍ ومَنزِلِ ... )
(3/156)

عندك
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني أحمد بن محمد جدار قال حدثني قدامة بن نوح قال
كان بشار يحشو شعره إذا أعوزته القافية والمعنى بالأشياء التي لا حقيقة لها فمن ذلك أنه أنشد يوما شعرا له فقال فيه
( غَنِّني للغَريض يابنَ قنانِ ... )
فقيل له من ابن قنان هذا لسنا نعرفه من مغني البصرة قال وما عليكم منه ألكم قبله دين فتطالبوه به أو ثأر تريدون أن تدركوه أو كفلت لكم به فإذا غاب طالبتموني بإحضاره قالوا ليس بيننا وبينه شيء من هذا وإنما أردنا أن نعرفه فقال هو رجل يغني لي ولا يخرج من بيتي فقالوا له إلى متى قال مذ يوم ولد وإلى يوم يموت قال وأنشدنا أيضا في هذه القصيدة
( ووافاني هلالُ السماء في البردانِ )
فقلنا يا أبا معاذ أين البردان هذا لسنا نعرفه بالبصرة فقال هو بيت في بيتي سميته البردان أفعليكم من تسميتي داري وبيوتها شيء فتسألوني عنه
حدثني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثني أبو غسان دماذ واسمه رفيع بن سلمة قال حدثني يحيى بن الجون العبدي راوية بشار قال
كنا عند بشار يوما فأنشدنا قوله
( وجاريةٍ خُلِقَتْ وحدَها ... كأن النساءَ لديَهْا خَدَمْ )
(3/157)

( دُوَار العذارَى إذا زُرْنَها ... أطَفْنَ بحَوْراءَ مثلِ الصَّنَمْ )
( ظَمِئتُ إليها فلم تَسْقِني ... بِريٍّ ولم تَشْفِنِي من سَقَمْ )
( وقالت هَوِيتَ فمتْ راشِداً ... كما مات عُروةُ غمّاً بغَمّ )
( فلما رأيتُ الهوى قاتِلي ... ولستُ بجارٍ ولا بابنِ عَمّ )
( دَسَسْتُ إليها أبا مِجْلَزٍ ... وأيّ فتىً إن أصابَ اعتزّمْ )
( فما زال حتى أثابتْ له ... فراح وحلَّ لنا ما حَرُمْ )
فقال له الرجل ومن أبو مجلز هذا يا أبا معاذ قال وما حاجتك إليه لك عليه دين أو تطالبه بطائلة هو رجل يتردد بيني وبين معارفي في رسائل
قال وكان كثيرا ما يحشو شعره بمثل هذا
شعره في جارية
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال
كانت بالبصرة قينة لبعض ولد سليمان بن علي وكانت محسنة بارعة
(3/158)

الظرف وكان بشار صديقا لسيدها ومداحا له فحضر مجلسه يوما والجارية تغني فسر بحضوره وشرب حتى سكر ونام ونهض بشار فقالت يا أبا معاذ أحب أن تذكر يومنا هذا في قصيدة ولا تذكر فيها اسمي ولا اسم سيدي وتكتب بها إليه فانصرف وكتب إليه
( وذاتِ دَلٍّ كأن البدرَ صُورَتُها ... باتَتْ تُغنّي عميدَ القلبِ سكرانَا )
( إنّ العيونَ التي في طَرْفِها حَوَرٌ ... قَتَلْننا ثم لم يُحيِينَ قتلانَا )
( فقلتُ أَحسنْتِ يا سُؤْلِي ويا أملي ... فأسمِعيني جزاكِ اللهُ إحسانَا )
( يا حبّذَا جبلُ الرّيان من جبلٍ ... وحبّذا ساكنُ الريّانِ مَنْ كانَا )
( قالتْ فهلاّ فَدتكَ النفسُ أحسن مِنْ ... هذا لِمَنْ كان صبَّ القلبِ حَيرانَا )
( يا قوم أُذْنِي لبعض الحيِّ عاشِقَةٌ ... والأذن تَعشَقُ قبل العين أحيانَا )
( فقلتُ أحسنتِ أنتِ الشمسُ طالعةً ... أضرَمْتِ في القلب والأحشاءِ نيرانَا )
( فأسمِعينِيَ صوتاً مُطرِباً هَزَجاً ... يزيدُ صَبّاً مُحِبّاً فيكِ أشجانَا )
( يا ليتني كنتُ تُفّاحاً مُفَلَّجةً ... أو كنتُ من قُضبِ الريحان رَيحانا )
( حتى إذا وَجَدَتْ ريحي فأعجبَها ... ونحن في خَلوةٍ مُثِّلْتُ إنسانَا )
( فحرّكَتْ عُودَها ثم انثنَتْ طَرَباً ... تَشْدُو به ثم لا تُخفِيه كتمانَا )
( أصبَحْتُ أطوعَ خَلق الله كُلِّهِمِ ... لأكثرِ الخلق لي في الحبّ عِصيانَا )
( فقلتُ أطربْتِنا يا زَيْنَ مجلِسَنا ... فهاتِ إنكِ بالإحسانِ أولاَنَا )
(3/159)

( لو كنتُ أعلمُ أنّ الحبَّ يقتُلُني ... أعددتَ لي قبل أن ألقاكِ أكفانَا )
( فغنَّتِ الشَّرْبَ صَوْتاً مُؤْنِقاً رمَلاً ... يُذْكِي السّرورَ ويُبْكي العينَ ألوانَا )
( لا يَقتُلُ اللهُ مَنْ دامَتْ مَوَدّتُهُ ... واللهُ يقتُلُ أهلَ الغَدْرِ أحيانا )
ووجه بالأبيات إليها فبعث إليه سيدها بألفي دينار وسر بها سرورا شديدا
هجاؤه لأعرابي
أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثني الحسن بن عليل قال حدثني علي بن منصور أبو الحسن الباهلي قال حدثني أبو عبد الله المقرئ الجحدري الذي كان يقرأ في المسجد الجامع بالبصرة قال
دخل أعرابي على مجزأة بن ثور السدوسي وبشار عنده وعليه بزة الشعراء فقال الأعرابي من الرجل فقالوا رجل شاعر فقال أمولى هو أم عربي قالوا بل مولى فقال الأعرابي وما للموالي وللشعر فغضب بشار وسكت هنيهة ثم قال أتأذن لي يا أبا ثور قال قل ما شئت يا أبا معاذ فأنشأ بشار يقول
( خليلي لا أنامُ على اقتسارِ ... ولا آبَى على مَوْلىً وجارِ )
( سَأُخبِرُ فاخرَ الأعراب عنّي ... وعنه حين تأذنُ بالفَخارِ )
( أحين كُسِيتَ بعد العُرْيِ خَزّاً ... ونادَمْتَ الكِرامَ على العُقَارِ )
( تُفَاخِرُ يابنَ راعيةٍ وراعٍ ... بني الأحرار حَسبُكَ مِنْ خَسَارِ )
( وكنتَ إذا ظمِئْتَ إلى قَرَاحٍ ... شَرِكْتَ الكلبَ في وَلْغِ الإِطارِ )
( تُريغُ بخُطْبَةِ كسرَ الموالي ... ويُنْسِيكَ المكارمَ صيدُ فَارِ )
(3/160)

( وتَغْدُو للقنافذ تَدَّرِيهَا ... ولم تَعْقِلْ بدَرَّاج الدِّيارِ )
( وتتَّشحُ الشِّمالَ لِلاَبِسيها ... وتَرعَى الضأنَ بالبلدَ القِفَارِ )
( مُقَامُكَ بيننا دَنَسٌ علينا ... فليتَكَ غائِبٌ في حَرِّ نارِ )
( وفخرُكَ بين خنزيرٍ وكلبٍ ... على مِثلي من الحَدَثِ الكُبَارِ )
فقال مجزأة للأعرابي قبحك الله فأنت كسبت هذا الشر لنفسك ولأمثالك
أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثني العنزي عن الرياشي قال
حضر بشار باب محمد بن سليمان فقال له الحاجب اصبر فقال إن الصبر لا يكون إلا على بلية فقال له الحاجب إني أظن أن وراء قولك هذا شرا ولن أتعرض له فقم فادخل
خبر بشار مع هلال الرأي
( أخبرني وكيع قال حدثنا أبو أيوب المديني عن محمد بن سلام قال
قال هلال الرأي وهو هلال بن عطية لبشار وكان له صديقا يمازحه إن الله لم يذهب بصر أحد إلا عوضه بشيء فما عوضك قال الطويل العريض قال وما هذا قال ألا أراك ولا أمثالك من الثقلاء ثم قال له يا هلال أتطيعني في نصيحة أخصك بها قال نعم قال إنك كنت تسرق الحمير زمانا ثم تبت وصرت رافضيا فعد إلى سرقة الحمير فهي والله خير لك من الرفض
(3/161)

قال محمد بن سلام وكان هلال يستثقل وفيه يقول بشار
( وكيفَ يَخِفُّ لي بصري وسمعي ... وحَوْلِي عَسكَرانِ مِنَ الثِّقَالِ )
( قُعُوداً حولَ دَسْكَرِتي وعندي ... كأنّ لهم عليّ فضولَ مالِ )
( إذا ما شِئتُ صبَّحني هِلالٌ ... وأيُّ الناس أثقل من هلالِ )
وأخبرني أبو دلف الخزاعي بهذا الخبر عن عيسى بن إسماعيل عن ابن عائشة فذكر أن الذي خاطب بشارا بهذه المخاطبة ابن سيابة فلما أجابه بشار بالجواب المذكور قال له من أنت قال ابن سيابة فقال له يابن سيابة لو نكح الأسد ما افترس قال وكان يتهم بالأبنة
قال أيوب وحدثني محمد بن سلام وغيره قالوا مر ابن أخي بشار به ومعه قوم فقال لرجل معه من هذا فقال ابن أخيك قال أشهد أن أصحابه أنذال قال وكيف علمت قال ليست لهم نعال
أخبرنا محمد بن علي قال حدثني أبي قال حدثني عافية بن شبيب عن أبي دهمان الغلابي قال
مررت ببشار يوما وهو جالس على بابه وحده وليس معه خلق وبيده مخصرة يلعب بها وقدامه طبق فيه تفاح وأترج فلما رأيته وليس عنده أحد تاقت نفسي إلى أن أسرق ما بين يديه فجئت قليلا قليلا وهو كاف يده حتى مددت يدي لأتناول منه فرفع القضيب وضرب به يدي ضربة كاد يكسرها فقلت
(3/162)

له قطع الله يدك يابن الفاعلة أنت الآن أعمى فقال يا أحمق فأين الحس
خبره مع نسوة خمس
أخبرني يحيى بن علي قال حدثني العنزي قال حدثني خالد ين يزيد بن وهب بن جرير عن أبيه قال
كان لبشار في داره مجلسان مجلس يجلس فيه بالغداة يسميه البردان ومجلس يجلس فيه بالعشي اسمه الرقيق فأصبح ذات يوم فاحتجم وقال لغلامه أمسك علي بابي واطبخ لي من طيب طعامي وصف نبيذي قال فإنه لكذلك إذ قرع الباب قرعا عنيفا فقال ويحك يا غلام انظر من يدق الباب دق الشرط قال فنظر الغلام فقال له نسوة خمس بالباب يسألن أن تقول لهن شعرا ينحن به فقال أدخلهن فلما دخلن نظرن إلى النبيذ مصفى في قنانيه في جانب بيته قال فقالت واحدة منهن هو خمر وقالت الأخرى هو زبيب وعسل وقالت الثالثة نقيع زبيب فقال لست بقائل لكن حرفا أو تطعمن من طعامي وتشربن من شرابي قال فتماسكن ساعة ثم قالت واحدة منهن ما عليكن هو أعمى فكلن من طعامه واشربن من شرابه وخذن شعره فبلغ ذلك الحسن البصري فعابه وهتف ببشار فبلغه ذلك وكان بشار يسمي الحسن البصري القس فقال
(3/163)

( لما طَلَعْنَ من الرّقيق ... عليّ بالبردانِ خمسَا )
( وكأنهنّ أهِلّةٌ ... تحت الثيابِ زَفَفْنَ شمسَا )
( باكَرْنَ عِطْرَ لَطِيمةٍ ... وغُمِسْنَ في الجادِيّ غمسَا )
صوت
( لمّا طَلْعَنَ خَفَفْنَها ... وأصَخْنَ ما يَهْمِسْنَ هَمْسَا )
( فسألنني مَنْ في البيوت ... فقلتُ مَا يُؤْوِينَ إِنسَا )
( ليتَ العيونَ الطارفات ... ِ طُمِسْنَ عنّا اليومَ طَمْسَا )
( فأصَبْنَ من طُرَفِ الحديثِ ... لَذاذةً وخَرَجْنَ مُلسَا )
( لولا تَعَرُّضُهُنَّ لي ... يا قَسُّ كنتُ كأنتَ قَسَّا )
غنى في هذه الأبيات يحيى المكي ولحنه رمل بالبنصر عن عمرو
أخبرنا يحيى قال حدثني العنزي قال حدثنا علي بن محمد قال حدثني جعفر بن محمد النوفلي وكان يروي شعر بشار بن برد قال جئت بشارا ذات يوم فحدثني قال ما شعرت منذ أيام إلا بقارع يقرع بابي مع الصبح فقلت يا جارية انظري من هذا فرجعت إلي وقالت هذا مالك بن دينار فقلت ما هو من أشكالي ولا أضرابي ثم قلت ائذني له فدخل فقال يا أبا معاذ أتشتم أعراض
(3/164)

الناس وتشبب بنسائهم فلم يكن عندي إلا أن دفعت عن نفسي وقلت لا أعود فخرج عني وقلت في أثره
( غَدَا مالكٌ بملاماته ... عليّ وما بات من باليَهْ )
( تَناول خَوْداً هَضِيم الحشَى ... من الحُور مَحظوظةً عاليَهْ )
( فقلتُ دَع اللّوم في حبّها ... فقبلكَ أعيَيتُ عُذّالِيَهْ )
( وإِنّي لأكتمهُم سِرّها ... غداةَ تقول لها الجالِيَهْ )
( عُبَيدةُ مالك مَسلوبةً ... وكنتِ مُعطَّرة حاليَهْ )
( فقالت على رِقْبةٍ إنّني ... رهَنتُ المرَعّث خَلخاليَهْ )
( بمجلس يوم سأُوفِي به ... ولو أَجْلبَ الناسُ أحواليْه )
شعره في محبوبته فاطمة
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا العنزي قال حدثني السميدع بن محمد الأزدي قال حدثني عبد الرحمن بن الجهم عن هشام بن الكلبي قال
كان أول بدء بشار أنه عشق جارية يقال لها فاطمة وكان قد كف وذهب بصره فسمعها تغني فهويها وأنشأ يقول
( دُرّةٌ بَحرّيةٌ مكنونةٌ ... مازها التّاجرُ من بين الدُّررْ )
( عجِبتْ فَطْمةُ من نَعْتي لها ... هل يُجيد النَّعتَ مَكفوفُ البصرْ )
(3/165)

( أمَتَا بدّد هذا لُعَبي ... ووِشاحِي حَلّه حتّى انتثَرْ )
( فدَعِيني مَعه يا أمتا ... عَلَّنا في خَلْوةٍ نَقْضِي الوَطَرْ )
( أقبلتْ مُغضَبةً تضرِبها ... واعتراها كجنون مستعِرْ )
( بأبي والله ما أحسنَه ... دمعُ عين يَغْسِل الكحْلَ قَطَرْ )
( أيُّها النُّوّام هُبّوا ويَحْكَم ... واسألوني اليومَ ما طعمُ السَّهرْ )
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثني خالد بن يزيد بن وهب بن جرير قال حدثني أبي عن الحكم بن مخلد بن حازم قال مررت أنا ورجل من عكل من أبناء سوار بن عبد الله بقصر أوس فإذا نحن ببشار في ظل القصر وحده فقال لي العكلي لا بد لي من أن أعبث ببشار فقلت ويحك مه لا تعرض بنفسك وعرضك له فقال إني لا أجده في وقت أخلى منه في هذا الوقت قال فوقفت ناحية ودنا منه فقال يا بشار فقال من هذا الذي لا يكنيني ويدعوني باسمي قال سأخبرك من أنا فأخبرني أنت عن أمك أولدتك أعمى أم عميت بعد ما ولدتك قال وما تريد إلى ذلك قال وددت أنه فسح لك في بصرك ساعة لتنظر إلى وجهك في المرآة فعسى أن تمسك عن هجاء الناس وتعرف قدرك فقال ويحكم من هذا أما أحد يخبرني من هذا فقال له على رسلك أنا رجل من عكل وخالي يبيع الفحم بالعبلاء فما تقدر أن تقول لي قال لا شيء إذهب بأبي أنت في حفظ الله
قوله في خالد بن برمك
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني هارون بن علي بن يحيى
(3/166)

المنجم قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني العباس بن خالد البرمكي قال
كان الزوار يسمون في قديم الدهر إلى أيام خالد بن برمك السؤال فقال خالد هذا والله اسم استثقله لطلاب الخير وأرفع قدر الكريم عن أن يسمى به أمثال هؤلاء المؤملين لأن فيهم الأشراف والأحرار وأبناء النعيم ومن لعله خير ممن يقصد وأفضل أدبا ولكنا نسميهم الزوار فقال بشار يمدحه بذلك
( حذا خالدٌ في فعله حَذوَ بَرْمكٍ ... فَمجدٌ له مُستطرَف وأَصِيلُ )
( وكان ذوو الآمال يُدعَوْن قبلَه ... بلَفظٍ على الإِعدام فيه دَليلُ )
( يُسمَّون بالسُّؤَّال في كلّ مَوْطِنٍ ... وإِن كان فيهم نابهٌ وجَليِلُ )
( فسمّاهم الزّوّار سَتْراً عليهمُ ... فأستارُه في المُجْتَدين سُدُولُ )
قال وقال بشار هذا الشعر في مجلس خالد في الساعة التي تكلم خالد بهذا الكلام في أمر الزوار فأعطاه لكل بيت ألف درهم
أخبرني عمي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبو شبل عاصم بن وهب قال نهق حمار ذات يوم بقرب بشار فخطر بباله بيت فقال
( ما قام أيرُ حمارٍ فامتلا شَبَقاً ... إلا تحرّك عرقٌ في است تَسْنِيم )
قال ولم يرد تسنيما بالهجاء ولكنه لما بلغ إلى قوله إلا تحرك عرق قال في است من ومر به تسنيم بن الحواري وكان صديقه فسلم عليه وضحك فقال
(3/167)

في است تسنيم علم الله فقال له أيش ويحك فأنشده البيت فقال له عليك لعنة الله فما عندك فرق بين صديقك وعدوك أي شي حملك على هذا ألا قلت في است حماد الذي هجاك وفضحك وأعياك وليست قافيتك على الميم فأعذرك قال صدقت والله في هذا كله ولكن ما زلت أقول في است من في است من ولا يخطر ببالي أحد حتى مررت وسلمت فرزقته فقال له تسنيم إذا كان هذا جواب السلام عليك فلا سلم الله عليك ولا علي حين سلمت عليك وجعل بشار يضحك ويصفق بيديه وتسنيم يشتمه
أخبرنا عيسى بن الحسين قال حدثنا علي بن محمد النوفلي عن عمه قال قالت امرأة لبشار ما أدري لم يهابك الناس مع قبح وجهك فقال لها بشار ليس من حسنه يهاب الأسد
بشار وعقبة بن رؤبة في حضرة عقبة بن سلم
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد ابن الحجاج قال
دخل بشار على عقبة بن سلم فأنشده بعض مدائحه فيه وعنده عقبة بن رؤبة ينشده رجزا يمدحه به فسمعه بشار وجعل يستحسن ما قاله إلى أن فرغ ثم أقبل على بشار فقال هذا طراز لا تحسنه أنت يا معاذ فقال له بشار إلي يقال هذا أنا والله أرجز منك ومن أبيك وجدك فقال له عقبة أنا والله وأبي فتحنا
(3/168)

للناس باب الغريب وباب الرجز ووالله إني لخليق أن أسده عليهم فقال بشار ارحمهم رحمك الله فقال عقبة أتستخف بي يا أبا معاذ وأنا شاعر ابن شاعر ابن شاعر فقال له بشار فأنت إذا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ثم خرج من عنده عقبة مغضبا
فلما كان من غد غدا على عقبة ابن سلم وعنده عقبة بن رؤبة فأنشده أرجوزته التي مدحه فيها
( يا طَلَلَ الحيِّ بذات الصَّمْدِ ... بالله خبِّرْ كيف كنتَ بعدي )
( أَوْحَشْتَ من دعدٍ وتِرْب دعدِ ... سَقْيا لأسماءَ ابنةِ الأشَدِّ )
( قامَت تَراءَى إذ رأتْني وَحْدِي ... كالشّمس تحتَ الزِّبْرِج المُنْقدِّ )
( صدّت بخدّ وجَلَتْ عن خدِّ ... ثم انثنتْ كالنّفس المُرتَّدِّ )
( عَهْدي بها سَقْياً له من عَهْدِ ... تُخلِفُ وعداً وتَفِي بوعدِ )
( فنحن من جَهْد الهوى في جَهْدِ ... وزاهرٍ من سَبِطٍ وجَعْدِ )
( أهدى له الدّهرُ ولم يَستهدِ ... أفوافَ نَوْرِ الحِبرِ المُجَدِّ )
( يلقَى الضُّحى رَيحانُه بسَجْدِ ... بُذِّلتُ من ذاك بُكىً لا يُجدِي )
( وافقَ حظّاً من سَعَى بجَدَّ ... ما ضرَّ أهل النَّوْكِ ضعفُ الجِدِّ )
( الحُرّ يُلْحَى والعصا للعبدِ ... وليس للمُلْحِف مثلُ الردِّ )
(3/169)

( والنَّصْفُ يَكْفيك من التعدّي ... وصاحبٍ كالدُّمَّلِ المُمِدِّ )
( حملتُه في رُقعةٍ من جِلْدِي ... أرقُبُ منه مثلَ يومِ الوِردِ )
( حتى مضى غيرَ فقيد الفَقْدِ ... وما دَرى ما رَغْبتي من زُهدِي )
( اسلَمْ وحُيِّيتَ أبا المِلدِّ ... مفتاحَ باب الحدَث المنسدِّ )
( مُشتَرَك النَّيْل ورِيَّ الزندِ ... أغرَّ لبَّاسَ ثيابِ الحمدِ )
( ما كان منّي لك غيرُ الوُدِّ ... ثم ثناءٌ مثلُ ريح الوَرْدِ )
( نَسَجْتُه في مُحْكماتِ النَّدِّ ... فالبَسْ طِرازِي غيرَ مُستَردِّ )
( لله أيامُكَ في مَعَدِّ ... وفي بني قَحْطانَ غيرَ عَدِّ )
( يوما بذي طِخْفةَ عند الحدِّ ... ومثلَه أودَعْتَ أرضَ الهندِ )
( بالمُرْهَفاتِ والحَديد السَّرِد ... والمُقْربَات المُبْعَداتِ الجُرْدِ )
( إذا الحيا أكدى بها لا تُكْدي ... تُلْحِمُ أمراً وأموراً تُسْدِي )
( وابنُ حكيم إن أتاك يَرْدي ... أصمَّ لا يسمَعُ صوتَ الرعدِ )
( حيَّيْتَه بتُحفَة المُعِدَّ ... فانهَدَّ مثلَ الجبل المُنْهَدِّ )
( كُلّ امرىءٍ رَهْنٌ بما يُؤدِّي ... ورُبَّ ذي تاج كريم الجَدِّ )
( كآلِ كِسرى وكآل بُردِ ... أنكَب جافٍ عن سبيل القصدِ )
( فَضَلْتَه عن ماله والوُلْدِ ... )
(3/170)

فطرب عقبة بن سلم وأجزل صلته وقام عقبة بن رؤبة فخرج عن المجلس بخزي وهرب من تحت ليلته فلم يعد إليه
وذكر لي أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي هذا الخبر عن الجاحظ وزاد فيه الجاحظ قال فانظر إلى سوء أدب عقبة بن رؤبة وقد أجمل بشار محضره وعشرته فقابله بهذه المقابلة القبيحة وكان أبوه أعلم خلق الله به لأنه قال له وقد فاخره بشعره أنت يا بني ذهبان الشعر إذا مت مات شعرك معك فلم يوجد من يرويه بعدك فكان كما قال له ما يعرف له بيت واحد ولا خبر غير هذا الخبر القبيح الإخبار عنه الدال علي سخفه وسقوطه وسوء أدبه
شعره في امرأة من البصرة
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا أبو غسان دماذ قال حدثنا أبو عبيدة قال
كان بشار يهوى امرأة من أهل البصرة يقال لها عبيدة فخرجت عن البصرة إلى عمان مع زوجها فقال بشار فيها
صوت
( هَوى صاحبي ريحُ الشَّمالَ إذا جَرَتْ ... وأشفَى لقلبي أن تهُبّ جَنُوبُ )
( وما ذاكَ إلا أنها حين تنتهي ... تَناهَى وفيها من عُبيدَةَ طِيبُ )
( عَذيرِي من العُذَّال إذ يَعْذِلُونِنِي ... سَفَاهاً وما في العاذِلين لَبيبُ )
صوت
( يقولونَ لو عَزَّيْتَ قلبَكَ لارْعَوَى ... فقلتُ وهل للعاشقين قُلوبُ )
(3/171)

( إذا نطقَ القومُ الجُلُوسُ فإِنّني ... مُكِبٌّ كأني في الجميع غَرِيبُ )
أخبرني هاشم قال حدثني دماذ قال حدثني رجل من الأنصار قال
جاء أبو الشمقمق إلى بشار يشكو إليه الضيقة ويحلف له أنه ما عنده شيء فقال له بشار والله ما عندي شيء يغنيك ولكن قم معي إلى عقبة بن سلم فقام معه فذكر له أبا الشمقمق وقال هو شاعر وله شكر وثناء فأمر له بخمسمائة درهم فقال له بشار
( يا واحدَ العرب الذي ... أمسى وليس له نَظِيرُ )
( لو كان مِثْلَكَ آخَرٌ ... ما كان في الدنيا فَقيِرُ )
فأمر لبشار بألفي درهم فقال له أبو الشمقمق نفعتنا ونفعناك يا أبا معاذ فجعل بشار يضحك
خبره مع أبي جعفر المنصور
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا زكريا بن يحيى أبو السكين الطائي قال حدثني زحر بن حصن قال
حج المنصور فاستقبلناه بالرضم الذي بين زبالة والشقوق فلما
(3/172)

رحل من الشقوق رحل في وقت الهاجرة فلم يركب القبة وركب نجيبا فسار بيننا فجعلت الشمس تضحك بين عينيه فقال إني قائل بيتا فمن أجازه وهبت له جبتي هذه فقلنا يقول أمير المؤمنين فقال
( وهاجرةٍ نَصبْتُ لها جَبِينِي ... يُقطِّعُ ظهرُها ظَهْرَ العظايهْ )
فبدر بشار الأعمى فقال
( وقَفْتُ بها القُلوصَ ففاضَ دمعي ... على خدِّي وأَقْصَرَ واعِظايَهْ )
فنزع الجبة وهو راكب فدفعها إليه فقلت لبشار بعد ذلك ما فعلت بالجبة فقال بشار بعتها والله بأربعمائة دينار
أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني عبد الرحمن بن العباس بن الفضل بن عبد الرحمن بن عياش بن أبي ربيعة عن أبيه قال
كان بشار منقطعا إلي وإلى إخوتي فكان يغشانا كثيرا ثم خرج إبراهيم بن عبد الله فخرج معه عدة منا فلما قتل إبراهيم توارينا وحبس المنصور منا عدة من إخوتي فلما ولي المهدي أمن الناس جميعا وأطلق المحبوسين فقدمت بغداد أنا وإخوتي نلتمس أمانا من المهدي وكان الشعراء يجلسون بالليل في مسجد
(3/173)

الرصافة ينشدون ويتحدثون فلم أطلع بشارا على نفسي إلا بعد أن أظهر لنا المهدي الأمان وكتب أخي إلى خليفته بالليل فصحت به يا أبا معاذ من الذي يقول
( أُحِبُّ الخاتمَ الأحمر ... مِنْ حُبَّ مَوَالِيهِ )
فأعرض عني وأخذ في بعض إنشاده شعره ثم صحت يا أبا معاذ من الذي يقول
( إنّ سلْمَى خُلِقَتْ من قَصَبٍ ... قصبِ السّكر لا عظم الجَملْ )
( وإِذا أدنيتَ منها بصلاً ... غَلب المسكُ على ريح البصلْ )
فغضب وصاح من الذي يقرعنا بأشياء كنا نعبث بها في الحداثة فهو يعيرنا بها فتركته ساعة ثم صحت به يا أبا معاذ من الذي يقول
( أخشّابُ حقّاً أنّ داركَ تُزْعجُ ... وأنّ الذي بيني وبينك يَنْهَجُ )
فقال ويحك عن مثل هذا فسل ثم أنشدها حتى أتى على آخرها وهي من جيد شعره وفيه غناء
صوت
( فواكَبِدا قد أنضَجَ الشوقُ نصفها ... ونصفٌ على نار الصبَّابَة يَنضَجُ )
( وواحَزَنَا منهنّ يَحْفُفْنَ هودجاً ... وفي الهودج المحفوفِ بدرٌ مُتَوَّجُ )
( فإِن جئتَها بين النساء فقل لها ... عليكِ سلامٌ مات مَنْ يتزوّجُ )
(3/174)

( بكيتُ وما في الدمع منكِ خليفةٌ ... ولكنّ أحزاني عليكِ تَوَهَّجُ )
الغناء لسليم بن سلام رمل بالوسطى ووجدت هذا الخبر بخط ابن مهرويه فذكر أنه قال هذه القصيدة في امرأة كانت تغشى مجلسه وكان إليها مائلا يقال لها خشابة فارسية فزوجت وأخرجت عن البصرة
أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثني أبو حاتم
قال أبو النضير الشاعر أنشدت بشارا قصيدة لي فقال لي أيجيئك شعرك هذا كلما شئت أم هذا شيء يجيئك في الفينة بعد الفينة إذا تعملت له فقلت بل هذا شعر يجيئني كلما أردته فقال لي قل فإنك شاعر فقلت له لعلك حابيتني أبا معاذ وتحملت لي فقال أنت أبقاك الله أهون علي من ذلك
شعره في الاعتذار عن محاولة تقبيل جارية لصديق له
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني عن العمري عن عباس بن عباس الزنادي عن رجل من باهلة قال
كنت عند بشار الأعمى فأتاه رجل فسلم عليه فسأله عن خبر جارية عنده وقال كيف ابنتي قال في عافية تدعوك اليوم فقال بشار يا باهلي انهض بنا فجئنا إلى منزل نظيف وفرش سري فأكلنا ثم جيء بالنبيذ فشربنا مع الجارية فلما أراد الانصراف قامت فأخذت بيد بشار فلما صار في الصحن أومأ إليها ليقبلها فأرسلت يدها من يده فجعل يجول في العرصة وخرج المولى فقال مالك يا أبا معاذ فقال أذنبت ذنبا ولا أبرح أو أقول شعرا فقال
( أتوبُ إليك من السيئات ... وأَستغفر اللهَ من فَعْلِتي )
(3/175)

( تناولتُ ما لم أُرِدْ نَيْلَه ... على جهلِ أمرِي وفي سكرتِي )
( ووالله واللهِ ما جئتُه ... لعمدٍ ولا كان من هِمَّتي )
( وإِلا فَمِتُّ إذاً ضائعاً ... وعَذَّبَني اللهُ في مِيتَتي )
( فمنْ نال خيراً على قُبْلةٍ ... فلا بارك اللهُ في قُبلَتِي )
أخبرنا هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي عن الأصمعي قال لما أنشد بشار أرجوزته
( يا طلَل الحيّ بذات الصَّمْدِ ... )
أبا الملد عقبة بن سلم أمر له بخمسين ألف درهم فأخرها عنه وكيله ثلاثة أيام فأمر غلامه بشار أن يكتب على باب عقبة عن يمين الباب
( ما زالَ ما مَنَّيتنِي من همِّي ... والوعدُ غمٌّ فأزِحْ من غَمِّي )
( إن لم تُرِدْ حَمْدي فَراقِبْ ذَمِّي ... )
فلما خرج عقبة رأى ذلك فقال هذه من فعلات بشار ثم دعا بالقهرمان فقال هل حملت إلى بشار ما أمرت له به فقال أيها الأمير نحن مضيفون وغدا أحملها إليه فقال زد فيها عشرة آلاف درهم واحملها إليه الساعة فحملها من وقته
أخبرني هاشم قال حدثنا أبو غسان دماذ قال
سألت أبا عبيدة عن السبب الذي من أجله نهى المهدي بشارا عن ذكر النساء قال كان أول ذلك استهتار نساء البصرة وشبانها بشعره حتى قال سوار بن عبد الله الأكبر ومالك بن دينار ما شيء أدعى لأهل هذه المدينة إلى الفسق من أشعار
(3/176)

هذا الأعمى وما زالا يعظانه وكان واصل بن عطاء يقول إن من أخدع حبائل الشيطان وأغواها لكلمات هذا الأعمى الملحد فلما كثر ذلك وانتهى خبره من وجوه كثيرة إلى المهدي وأنشد المهدي ما مدحه به نهاه عن ذكر النساء وقول التشبيب وكان المهدي من أشد الناس غيرة قال فقلت له ما أحسب شعر هذا أبلغ في هذه المعاني من شعر كثير وجميل وعروة بن حزام وقيس بن ذريح وتلك الطبقة فقال ليس كل من يسمع تلك الأشعار يعرف المراد منها وبشار يقارب النساء حتى لا يخفى عليهن ما يقول وما يريد وأي حرة حصان تسمع قول بشار فلا يؤثر في قلبها فكيف بالمرأة الغزلة والفتاة التي لا هم لها إلا الرجال ثم أنشد قوله
( قد لاَمني في خليلتي عُمَرُ ... واللَّومُ في غير كُنهِه ضجَرُ )
( قال أفق قلت لا فقال بلى ... قد شاع في الناس منكما الخبَرُ )
( قلتُ وإذ شاع ما اعتذارُك ممّا ... ليس لي فيه عندهم عُذُرُ )
( ماذا عليهم وما لهم خَرِسُوا ... لو أنّهم في عيوبهم نَظَرُوا )
(3/177)

( أعشَقُ وحدي ويؤخَذُون به ... كالتُّركِ تَغْزُو فتُؤخذُ الحَزَرُ )
( يا عجباً للخلاف يا عجبا ... بِفِي الذي لام في الهوى الحَجرُ )
( حَسْبِي وحَسْبُ الذي كَلِفْتُ به ... منِّي ومنه الحديثُ والنّظرُ )
( أو قُبلَةٌ في خلال ذاك وما ... بأسٌ إذا لم تُحَلَّ لي الأُزُرُ )
( أو عَضَّةٌ في ذراعها ولها ... فوق ذراعي من عَضِّها أثَرُ )
( أو لَمسةٌ دون مِرْطِها بيدي ... والبابُ قد حال دونه السُّتُرُ )
( والساقُ برَّاقَةٌ مُخَلخَلُها ... أو مَصُّ رِيقٍ وقد علا البُهُرُ )
( واسترختِ الكفُّ للعِراك وقالتْ ... إيه عنِّي والدَّمعُ مُنحَدِرُ )
( إنهضْ فما أنتَ كالذي زعموا ... أنتَ وربّي مُغَازِلٌ أشِرُ )
( قد غابَتِ اليومَ عنكَ حاضِنَتي ... واللهُ لي منكَ فيكَ يَنتَصِرُ )
( يا ربِّ خُذْ لي فقد ترى ضَرَعِي ... من فاسقٍ جاء ما به سَكَرُ )
( أهوَى إلى مِعْضَدِي فرضَّضهُ ... ذو قوّةٍ ما يُطاقُ مُقتدِرُ )
( ألصقَ بي لِحْيةً له خَشُنت ... ذاتَ سوادٍ كأنها الإِبَرُ )
( حتّى عَلاني وأُسرتي غَيبٌ ... وَيْلِي عليهم لو أنّهم حَضَرُوا )
( أُقسِمُ بالله لا نجوتَ بها ... فاذهبْ فأنت المُساوِرُ الظّفِرُ )
( كيف بأُمِّي إذا رأتْ شَفَتِي ... أم كيف إن شاع منك ذا الخبرُ )
(3/178)

( قد كنتُ أخشى الذي ابتُليتُ به ... منك فماذا أقولُ يا عبرُ )
( قلتُ لها عند ذاك يا سَكَنِي ... لا بأس إنيَ مُجَرَّبٌ خَبِرُ )
( قُولِي لها بَقَّةٌ لها ظُفُرٌ ... إن كان في البقِّ ما له ظُفُرُ )
ثم قال له بمثل هذا الشعر تميل القلوب ويلين الصعب
قال دماذ قال لي أبو عبيدة قال رجل يوما لبشار في المسجد الجامع يعابثه يا أبا معاذ أيعجبك الغلام الجادل فقال غير محتشم ولا مكتثرث لا ولكن تعجبني أمه
بشار يمدح خالد بن برمك
أخبرني عمي قال حدثنا العنزي قال حدثني محمد بن سهل عن محمد بن الحجاج قال
ورد بشار على خالد بن برمك وهو بفارس فامتدحه فوعده ومطله فوقف على طريقه وهو يريد المسجد فأخذ بلجام بغلته وأنشده
( أظَلّتْ علينا منكَ يوماً سحابةٌ ... أضاءتْ لنا برقاً وأبطا رِشاَشُها )
( فلا غيمُها يُجْلي فييأسَ طامعٌ ... ولا غيثُها يأتِي فيَرْوي عِطاشُها )
فحبس بغلته وأمر له بعشرة آلاف درهم وقال لن تنصرف السحابة حتى تبلك إن شاء الله
أخبرني يحيى بن علي قال حدثنا الحسن بن عليل قال حدثني علي بن حرب
(3/179)

الطائي قال حدثني إسماعيل بن زياد الطائي قال
كان رجل منا يقال له سعد بن القعقاع يتندم بشارا في المجانة فقال لبشار وهو ينادمه ويحك يا أبا معاذ قد نسبنا الناس إلى الزندقة فهل لك أن تحج بنا حجة تنفى ذلك عنا قال نعم ما رأيت فاشتريا بعيرا ومحملا وركبا فلما مرا بزرارة قال له ويحك يا أبا معاذ ثلاثمائة فرسخ متى نقطعها مل بنا إلى زرارة نتنعم فيها فإذا قفل الحاج عارضناهم بالقادسية وجززنا رؤوسنا فلم يشك الناس أنا جئنا من الحج فقال له بشار نعم ما رأيت لولا خبث لسانك وإني أخاف أن تفضحنا
قال لا تخف
فمالا إلى زرارة فما زالا يشربان الخمر ويفسقان فلما نزل الحاج بالقادسية راجعين أخذا بعيرا ومحملا وجزا رؤوسهما وأقبلا وتلقاهما الناس يهنئونهما فقال سعد بن القعقاع
( ألم تَرَنِي وبَشّاراً حَجَجْنا ... وكان الحجُّ من خير التّجارهْ )
( خرجْنا طالَبيْ سَفَرٍ بعيدٍ ... فمال بنا الطريقُ إلى زُرَارهْ )
( فآب الناسُ قد حَجّوا وبَرُّوا ... وأُبْنَا مُوقَرين من الخسارهْ )
رده على داود بن رزين
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثني محمد بن القاسم الدينوري قال حدثني محمد بن عمران بن مطر الشامي قال حدثني محمد بن الحسان الضبي قال حدثني محمود الوراق قال حدثني داود بن رزيق قال
أتينا بشارا فأذن لنا والمائدة موضوعة بين يديه فلم يدعنا إلى طعامه فلما
(3/180)

أكل دعا بطست فكشف عن سوءته فبال ثم حضرت الظهر والعصر فلم يصل فدنونا منه فقلنا أنت أستاذنا وقد رأينا منك أشياء أنكرناها قال وما هي قلنا دخلنا والطعام بين يديك فلم تدعنا إليه فقال إنما أذنت لكم أن تأكلوا ولو لم أرد أن تأكلوا لما أذنت لكم قال ثم ماذا قلنا ودعوت بطست ونحن حضور فبلت ونحن نراك فقال أنا مكفوف وأنتم بصراء وأنتم المأمورون بغض الأبصار ثم قال ومه قلنا حضرت الظهر والعصر والمغرب فلم تصل فقال إن الذي تفاريق يقبلها جملة
أخبرنا يحيى قال حدثني أبو أيوب المديني عن بعض أصحاب بشار قال
كنا إذا حضرت الصلاة نقوم ويقعد بشار فنجعل حول ثيابه ترابا لننظر هل يصلي فنعود والتراب بحاله
أخبرنا يحيى قال أخبرنا أبو أيوب عن الحرمازي قال
قعد إلى بشار رجل فاستثقله فضرط عليه ضرطة فظن الرجل أنها أفلتت منه ثم ضرط أخرى فقال أفلتت ثم ضرط ثالثة فقال يا أبا معاذ ما هذا قال مه أرأيت أم سمعت قال بل سمعت صوتا قبيحا فقال فلا تصدق حتى ترى
قال وأنشد أبو أيوب لبشار في رجل استثقله
( ربّما يثقُلُ الجليسُ وإِن كان ... خفيفاً في كِفّة الميزانِ )
( كيفَ لا تحمِل الأمانةَ أرضٌ ... حَمَلَتْ فوقها أبا سُفْيانِ )
وقال فيه أيضا
( هل لك في مالي وعِرْضي معاً ... وكلِّ ما يملك جِرانَيٍهْ )
(3/181)

( واذهبْ إلى أبعدِ ما يُنْتَوى ... لا رَدّكَ الله ولا مالِيَهْ )
انشاده الوليد بن يزيد شعرا يطربه
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثني محمد بن إبراهيم الجيلي قال حدثني محمد بن عمران الضبي قال أنشدنا الوليد بن يزيد قول بشار الأعمى
( أيّها الساقيانِ صُبّا شَرَابي ... واسقِيانِي من رِيقِ بيضاءَ رُودِ )
( إن دائي الظّمَا وإِن دوائي ... شَرْبةٌ من رُضَابِ ثغرٍ بَرُودِ )
( ولها مَضْحَكٌ كغُرِّ الأقَاحِي ... وحديثٌ كالوَشْيِ وشِي البُرُودِ )
( نزلتْ في السَّواد من حبّة القلب ... ِ ونالتْ زيادةَ المُسْتَزيدِ )
( ثم قالت نلقاكَ بعد لَيالٍ ... والليالي يُبْلِينَ كلَّ جديدِ )
( عندها الصبرُ عن لقائي وعندي ... زَفَراتٌ يأكلنَ قلبَ الحديد )
قال فطرب الوليد وقال من لي بمزاج كاسي هذه من ريق سلمى فيروى ظمئي وتطفأ غلتي ثم بكى حتى مزج كأسه بدمعه وقال إن فاتنا ذاك فهذا
أخبرني عمي وقال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد بن سليمان الطفاوي قال حدثني عبد الله بن أبي بكر وكان جليسا لبشار قال كان لنا جار يكنى أبا زيد وكان صديقا لبشار فبعث إليه يوما يطلب منه ثيابا
(3/182)

بنسيئة فلم يصادفها عنده فقال يهجوه
( ألاَ إنّ أبا زيدٍ ... زَنَى في ليلة القدر )
( ولم يَرْعَ تعالى اللّهُ ربِّي حُرْمةَ الشَّهْرِ )
وكتبها في رقعة وبعث بها إليه ولم يكن أبو زيد يقول الشعر فقلبها وكتب في ظهرها
( ألا إن أبا زيدٍ ... له في ذلكم عُذْرُ )
( أتته أُمُّ بشّارٍ ... وقد ضاق بها الأمرُ )
( فواثَبها فجامَعَها ... وما ساعدَه الصّبرُ )
قال فلما قرئت على بشار غضب وندم على تعرضه لرجل لا نباهة له فجعل ينطح الحائط برأسه غيظا ثم قال لا تعرضت لهجا سفلة مثل هذا أبدا
شعره في جارية
أخبرني عمي قال حدثنا أبن مهرويه قال حدثني بعض ولد أبي عبيد الله وزير المهدي قال
دخل بشار على المهدي وقد عرضت عليه جارية مغنية فسمع غناءها فأطربه وقال لبشار قل في صفتها شعرا فقال
( ورائحةٍ للعين فيها مَحِيْلَةٌ ... إذا بَرَقَتْ لم تَسْقِ بَطْنَ صَعِيدِ )
(3/183)

( من المستَهلاّتِ السّرور على الفتى ... خفا بَرقُهَا في عبقرٍ وعُقُودِ )
( كأن لساناً ساحراً في كلامها ... أُعِينَ بصوتٍ للقلوب صَيُودِ )
( تُمِيتُ به ألبابَنا وقُلوبَنَا ... مراراً وتُحيِينهنَّ بعد هُمُودِ )
شعره في عقبة بن سلم
أخبرني عمي قال حدثنا أبو أيوب المديني قال قال أبو عدنان حدثني يحيى ابن الجون قال
دخل بشار يوما على عقبة بن سلم فأنشده قوله فيه
صوت
( إنّما لَذّةُ الجَوَادِ ابنِ سَلْمٍ ... في عَطَاءٍ ومَرْكَبٍ لِلّقَاءِ )
( ليس يُعطيكَ للرجاءِ ولا الخوفِ ... ولكن يَلَذُّ طَعْمَ العَطَاءِ )
( يَسقُطُ الطيُر حيثُ يَنتثِرُ الحَب ... ُ وتُغْشَى مَنازِلُ الكُرَمَاءِ )
( لا أُبالِي صَفْحَ اللئيم ولا تَجْري ... دُموعِي على الحَرون الصَّفاءِ )
( فعلى عُقبةَ السّلاَمُ مقيماً ... وإَذا سار تحت ظلِّ اللواءِ )
فوصله بعشرة آلاف درهم
وفي هذه الأبيات خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر لرذاذ وهو مختار صنعته وصدورها ومما تشبه فيه بالقدماء ومذاهبهم
أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا أحمد بن خلاد عن الأصمعي وأخبرني به الحسن بن علي قال حدثنا
(3/184)

محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أحمد بن خلاد عن الأصمعي قال
كنت أشهد خلف بن أبي عمرو بن العلاء وخلفا الأحمر يأتيان بشارا ويسلمان عليه بغاية التعظيم ثم يقولان يا أبا معاذ ما أحدثت فيخبرهما وينشدهما ويسألانه ويكتبان عنه متواضعين له حتى يأتي وقت الظهر ثم ينصرفان عنه فأتياه يوما فقالا له ما هذه القصيدة التي أحدثتها في سلم بن قتيبة قال هي التي بلغتكما قالا بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب فقال نعم بلغني أن سلما يتباصر بالغريب فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرفه قالا فأنشدناها فأنشدهما
( بَكِّرَا صاحِبَيَّ قبل الهَجِيرِ ... إنّ ذاكَ النجاحَ في التَّبكِير )
حتى فرغ منها فقال له خلف لو قلت يا أبا معاذ مكان إن ذاك النجاح
( بَكِّرا فالنجاحُ في التبكير ... )
كان أحسن فقال بشار بنيتها أعرابية وحشية فقلت إن ذاك النجاح كما يقول الأعراب البدويون ولو قلت بكرا فالنجاح كان هذا من كلام المولدين ولا يشبه ذلك الكلام ولا يدخل في معنى القصيدة فقام خلف فقبل بين عينيه
(3/185)

وقال له خلف بن أبي عمرو يمازحه لو كان علاثة ولدك يا أبا معاذ لفعلت كما فعل أخي ولكنك مولى فمد بشار يده فضرب بها فخذ خلف وقال
( أُرْفُقْ بعَمرو إذا حَرَّكْتَ نِسبَته ... فإِنه عربيُّ من قَواريرِ )
فقال له أفعلتها يا أبا معاذ قال وكان أبو عمرو يغمز في نسبه
وأخبرني ببعض هذا الخبر حبيب بن نصر عن عمر بن شبة عن أبي عبيدة فذكر نحوه وقال فيه إن سلما يعجبه الغريب
أخبرني هاشم بن محمد بن سلام قال قال لي خلف
كنت أسمع ببشار قبل أن أراه فذكروه لي يوما وذكروا بيانه وسرعة جوابه وجودة شعره فاستنشدتهم شيئا من شعره فأنشدوني شيئا لم يكن بالمحمود عندي فقلت والله لآتينه ولأطأطئن منه فأتيته وهو جالس على بابه فرأيته أعمى قبيح المنظر عظيم الجثة فقلت لعن الله من يبالي بهذا فوقفت أتأمله طويلا فبينما أنا كذلك إذ جاءه رجل فقال إن فلانا سبك عند الأمير محمد بن سليمان ووضع منك فقال أو قد فعل قال نعم فأطرق وجلس الرجل عنده وجلست وجاء قوم فسلموا عليه فلم يردد عليهم فجعلوا ينظرون إليه وقد درت أوداجه فلم يلبث إلا ساعة حتى أنشدنا بأعلى صوته وأفخمه
(3/186)

( نُبِّئتُ نَائِكَ أُمَّهِ يغتابُنِي ... عند الأميرِ وهل عليَّ أميرُ )
( نَارِي مُحرّقةٌ وبَيتِي واسِعٌ ... للمعتَفينَ ومَجلِسي مَعْمُورُ )
( ولِيَ المهابةُ في الأحِبَّةِ والعِدَا ... وكأنني أسَدٌ له تامُورُ )
( غَرِثَتْ حَليلتُه وأخطأ صيدَه ... فله على لَقَمِ الطريق زَئِيرُ )
قال فارتعدت والله فرائصي واقشعر جلدي وعظم في عيني جدا حتى قلت في نفسي الحمد لله الذي أبعدني من شرك
مدحه خالد بن برمك
نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى قال حدثني علي بن مهدي قال حدثنا العباس بن خالد قال
مدح بشار خالد بن برمك فقال فيه
( لعَمْرِي لَقَد أَجْدَى عليَّ ابنُ برمَكٍ ... وما كلُّ مَنْ كان الغنى عنده يُجْدِي )
( حَلَبتُ بشِعْري راحَتَيْهِ فَدَرَّتا ... سماحاً كما دَرَّ السَّحابُ مع الرّعدِ )
( إذا جئتَه للحمد أشرقَ وجهُه ... إليكَ وأعطاكَ الكرامةَ بالحمدِ )
( له نِعَمٌ في القوم لا يستثيبُها ... جزاءً وكَيْلَ التاجِر المُدَّ بالمُدِّ )
( مُفِيدٌ ومِتلافٌ سَبيلُ تُرَاثِهِ ... إذا ما غَدا أرواحَ كالجزْرِ والمَدِّ )
(3/187)

( أخالدُ إنّ الحمدَ يبقَى لأهلِه ... جمالاً ولا تبقى الكُنُوزُ على الكَدِّ )
( فأَطْعِمْ وكُلْ من عَارةٍ مُستَردَّةٍ ... ولا تُبقِها إن العَوَارِيّ للرَّدِّ )
فأعطاه خالد ثلاثين ألف درهم وكان قبل ذلك يعطيه في كل وفادة خمسة آلاف درهم وأمر خالد أن يكتب هذان البيتان في صدر مجلسه الذي كان يجلس فيه
وقال ابنه يحيى بن خالد آخر ما أوصاني به أبي العمل بهذين البيتين
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن عمر بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن عثمان قال
كان الوزير مولى عبد القيس من عمال الخراج وكان عفيفا بخيلا فسأل عمر بن العلاء وكان جوادا شجاعا في رجل فوهب له مائة ألف درهم فدخل أبو الوزير على المهدي فقال له يا أمير المؤمنين إن عمر بن العلاء خائن قال ومن أين علمت ذلك قال كلم في رجل كان أقصى أمله ألف درهم فوهب له مائة ألف درهم فضحك المهدي ثم قال قل كل يعمل على شاكلته أما سمعت قول بشار في عمر
( إذا دَهَمَتْكَ عِظَامُ الأمورِ ... فَنبِّهْ لها عمراً ثم نمْ )
( فتىً لا ينامُ على دِمْنَةٍ ... ولا يَشَربُ الماءَ إلا بدَمْ )
أو ما سمعت قول أبي العتاهية فيه
صوت
( إنّ المطايا تَشتَكيكَ لأنها ... قَطَعَتْ إليك سَبَاسِياً ورِمَالاَ )
( فإِذا ورَدْنَ بنا وَرَدْنَ مُخِفَّةً ... وإِذا رجَعْنَ بنا رَجَعْنَ ثِقَالاَ )
(3/188)

الغناء لإبراهيم ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو بن بانة أو ليس الذي يقول فيه أبو العتاهية
( يابنَ العَلاء ويابنَ القَرْمِ مرْداسِ ... إني لأُطْرِيكَ في صَحْبي وجُلاَّسِي )
( حتى إذا قيل ما أعطاكَ من نَشَبٍ ... أُلفِيتُ من عُظْمِ ما أسديتَ كالناسِي )
ثم قال من اجتمعت ألسن الناس على مدحه كان حقيقا أن يصدقها بفعله
وصفه لجارية سوداء
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو بكر الربعي قال كانت لبشار جارية سوداء وكان يقع عليها وفيها يقول
( وغادَةٍ سَودَاءَ بَرَّاقَةٍ ... كالماءِ في طِيبٍ وفي لِينِ )
( كأنها صِيغَتْ لمن نالها ... من عَنبرٍ بالمِسكِ مَعجُونِ )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أبو الشبل البرجمي قال قال رجل لبشار إن مدائحك عقبة بن سلم فوق مدائحك كل أحد فقال بشار إن عطاياه إياي كانت فوق عطاء كل أحد دخلت إليه يوما فأنشدته
( حرَّم اللهُ أن تَرى كابنِ سَلْمٍ ... عُقبَةِ الخيرِ مُطْعِمِ الفقراءِ )
( ليس يُعطِيكَ لِلرَّجاءِ ولا الخوفِ ... ولكن يَلذُّ طَعْمَ العَطاءِ )
( يَسقُط الطيرُ حيث ينْتَثِرُ الحَبّ ... ُ وتُغشَى مَنازِلُ الكُرَماءِ )
فأمر لي بثلاثة آلاف دينار وهأنا قد مدحت المهدي وأبا عبيد الله ووزيره أو قال يعقوب بن داود وأقمت بأبوابهما حولا فلم يعطياني شيئا أفألام على مدحي هذا
(3/189)

ونسخت من كتاب هارون بن علي أيضا حدثني علي قال حدثني عبيد الله بن أبي الشيص عن دعبل بن علي قال
كان بشار يعطي أبا الشمقمق في كل سنة مائتي درهم فأتاه أبو الشمقمق في بعض تلك السنين فقال له هلم الجزية يا أبا معاذ فقال ويحك أجزية هي قال هو ما تسمع فقال له بشار يمازحه أنت أفصح مني قال لا قال فأعلم مني بمثالب الناس قال لا قال فأشعر مني قال لا قال فلم أعطيك قال لئلا أهجوك فقال له إن هجوتني هجوتك فقال له أبو الشمقمق هكذا هو قال نعم فقل ما بدا لك فقال أبو الشمقمق
( إني إذا ما شاعِرٌ هجَانِيَهْ ... وَلَجّ في القول له لِسَانِيَهْ )
( أدخلتُه في استِ أمهِ عَلاَنِيَهْ ... بشّارُ يا بشّارُ . . . . . . )
وأراد أن يقول يابن الزانيه فوثب بشار فأمسك فاه وقال أراد والله أن يشتمني ثم دفع إليه مائتي درهم ثم قال له لا يسمعن هذا منك الصبيان يا أبا الشمقمق
أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثني الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن بكر قال حدثني الأصمعي قال
أمر عقبة بن سلم الهنائي لبشار بعشرة آلاف درهم فأخبر أبو الشمقمق بذلك فوافى بشار فقال له يا أبا معاذ إني مررت بصبيان فسمعتهم ينشدون
( هَلِّلِينَهْ هَلِّلِينَهْ ... طَعْنَ قِثَّاةٍ لتِينَهْ )
( إنّ بشّارَ بنَ بردٍ ... تَيسٌ اعمَى في سَفِينَهْ )
(3/190)

فأخرج إليه بشار مائتي درهم فقال خذ هذه ولا تكن راوية الصبيان يا أبا الشمقمق
هجاؤه للعباس بن محمد بن علي
أخبرني أحمد قال حدثنا أبو محمد الصعتري قال حدثنا محمد بن عثمان البصري قال
استمنح بشار بن برد العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فلم يمنحه فقال يهجوه
( ظِلُّ اليسارِ على العباسِ مَمدُودُ ... وقَلبُهُ أبداً في البخل مَعقُودُ )
( إنّ الكريمَ لَيُخْفِي عنكَ عُسرَتَهُ ... حتى تَراه غَنِيّاً وهو مجهودُ )
( وللبخيلِ على أمواله عِلَلٌ ... زُرقُ العيونِ عليها أوجُهٌ سُودُ )
( إذا تكرَّهتَ أن تُعْطِي القليلَ ولم ... تَقدِرْ على سَعَةٍ لم يَظهرِ الجُودُ )
( أوْرِقْ بخَيرٍ تُرَجَّى لِلنّوال فما ... تُرْجَى الثِمارُ إذا لم يُورِقِ العُودُ )
( بُثَّ النَّوالَ ولا تَمنَعْكَ قِلَّتُهُ ... فكلُّ ما سَدَّ فَقراً فهو محمُودُ )
أخبرني أحمد قال حدثنا العنزي قال حدثني المغيرة بن محمد المهلبي قال حدثني أبي عن عباد بن عباد قال
مررت ببشار فقلت السلام عليك يا أبا معاذ فقال وعليك السلام أعباد فقلت نعم قال إني لحسن الرأي فيك فقلت ما أحوجني إلى ذلك
(3/191)

منك يا أبا معاذ
أخبرني يحيى بن علي قال أخبرني محمد بن عمر الجرجاني عن أبي يعقوب الخريمي الشاعر أن بشارا قال لم أزل منذ سمعت قول امرئ القيس في تشبيهه شيئين بشيئين في بيت واحد حيث يقول
( كأنّ قلوبَ الطيرِ رَطْباً ويابساً ... لَدى وكرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البالِي )
أعمل نفسي في تشبيه شيئين بشيئين في بيت حتى قلت
( كأنّ مُثَار النّقع فوقَ رُؤوسِنا ... وأسيافَنَا ليلٌ تَهَاوى كَواكِبُهْ )
قال يحيى وقد أخذ هذا المعنى منصور النمري فقال وأحسن
( ليلٌ من النّقْعِ لا شمسٌ ولا قَمرٌ ... إلا جَبِينُكَ والمذْرُوبَةُ الشُّرُعُ )
طعن إسحاق الموصلي في شعره
أخبرني يحيى بن علي قال حدثني أبي قال كان إسحاق الموصلي يطعن على شعر بشار ويضع منه ويذكر أن كلامه مختلف لا يشبه بعضه بعضا فقلنا أتقول هذا القول لمن يقول
(3/192)

صوت
( إذا كنتَ في كلّ الأمور مُعاتباً ... صَدِيقَكَ لم تَلْقَ الذي لا تُعاتِبُهْ )
( فَعِشْ واحداً أو صِلْ أخاكَ فَإِنّهُ ... مُقَارِفُ ذنبٍ مَرّةً ومُجانِبُهْ )
( إذا أنتَ لم تشرَبْ مِرَاراً على القَذَى ... ظَمِئْتَ وأيُّ الناس تَصْفُو مَشَارِبُهْ )
لأبي العبيس بن حمدون في هذه الأبيات خفيف ثقيل بالبنصر قال علي بن يحيى وهذا الكلام الذي ليس فوقه كلام من الشعر ولا حشو فيه فقال لي إسحاق أخبرني أبو عبيدة معمر بن المثنى أن شبيل بن عزرة الضبعي أنشده هذه الأبيات للمتلمس وكان عالما بشعره لأنهما جميعا من بني ضبيعة فقلت له أفليس قد ذكر أبو عبيدة أنه قال لبشار أن شبيلا أخبره للمتلمس فقال كذب والله شبيل هذا شعري ولقد مدحت به ابن هبيرة فأعطاني عليه أربعين ألفا وقد صدق بشار وقد مدح في هذه القصيدة ابن هبيرة وقال فيها
( روَيدَ تصاهَلْ بالعراق جِيَادُنَا ... كأنّكَ بالضّحاكِ قد قامَ نَادِبُهْ )
( وسامٍ لمروانٍ ومِنْ دونِه الشَّجَا ... وهَوْلٌ كَلُجِّ البحرِ جَاشَتْ غوارِبُهْ )
( أحَلَّتْ به أُمُّ المنايا بنَاتِها ... بأسيافنا إنّا رَدَى مَنْ نُحَارِبُهْ )
( وكنّا إذا دَبَّ العدوُّ لِسخْطِنَا ... وراقَبَنا في ظاهرٍ لا نُرَاقِبُهْ )
(3/193)

( ركِبنا له جَهْراً بكلّ مُثَقَّفٍ ... وأبيضَ تَستَسْقي الدِّماءَ مَضَارِبُهْ )
ثم قلت لإسحاق أخبرني عن قول بشار في هذه القصيدة
( فلمّا تَوَلَّى الحَرُّ واعتَصَرَ الثّرى ... لَظَى الصَّيفِ مِنْ نَجمٍ تَوَقَّدَ لاَهِبُهْ )
( وطارَتْ عَصَافيرُ الشَّقائقِ واكتسَى ... من الآل أمثالَ المَجَرَّةِ ناضِبُهْ )
( غَدَتْ عَانَةٌ تشكو بأبصارها الصَّدَى ... إلى الجأْب إلا أنها لا تُخَاطِبُهْ )
العانة القطيع من الحمير والجأب ذكرها
ومعنى شكواها الصدى بأبصارها أن العطش قد تبين في أحداقها فغارت قال وهذا من أحسن ما وصف به الحمار والأتن أفهذا للمتلمس أيضا قال لا فقلت أفما هو في غاية الجودة وشبيه بسائر الشعر فكيف قصد بشار لسرقة تلك الأبيات خاصة وكيف خصه بالسرقة منه وحده من بين الشعراء وهو قبله بعصر طويل وقد روى الرواة شعره وعلم بشار أن ذلك لا يخفى ولم يعثر على بشار أنه سرق شعرا قط جاهليا ولا إسلاميا
وأخرى فإن شعر المتلمس يعرف في بعض شعر بشار فلم يردد ذلك بشيء
وقد أخبرني بهذا الخبر هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان معاذ عن أبي عبيدة أن بشارا أنشده
( إذا كنتَ في كلّ الأمور مُعَاتباً ... صديقَكَ لم تَلْقَ الذي لا تُعاتِبُهْ )
(3/194)

وذكر الأبيات قال وأنشدتها شبيل بن عزرة الضبعي فقال هذا للمتلمس فأخبرت بذلك بشارا قال كذب والله شبيل لقد مدحت ابن هبيرة بهذه القصيدة وأعطاني عليها أربعين ألفا
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا علي بن مهدي قال حدثنا علي بن إبراهيم المروزي وكان أبوه من قواد طاهر قال حدثني أبي قال
لما خلع محمد المأمون وندب له علي بن عيسى ندب المأمون للقاء علي بن عيسى طاهر بن الحسين ذا اليمينين وجلس له لعرضه وعرض أصحابه فمر به ذو اليمينين معترضا وهو ينشد
( رُوَيدَ تَصَاهَلْ بالعراق جيادُنا ... كأنّك بالضحّاك قد قام نادبُهْ )
فتفاءل المأمون بذلك فاستدناه فاستعاده البيت فأعاد عليه فقال ذو الرياستين يا أمير المؤمنين هو حجر العراق قال أجل فلما صار ذو اليمينين إلى العراق سأل هل بقي من ولد بشار أحد فقالوا لا فتوهمت أنه قد كان هم لهم بخير
سرقة سلم الخاسر من معانيه
أخبرنا يحيى قال حدثنا أبي قال أخبرني أحمد بن صالح وكان أحد الأدباء قال
غضب بشار على سلم الخاسر وكان من تلامذته ورواته فاستشفع عليه بجماعة من إخوانه فجاءوه في أمره فقال لهم كل حاجة لكم مقضية إلا سلما
(3/195)

قالوا ما جئناك إلا في سلم ولا بد من أن ترضى عنه لنا فقال أين هو الخبيث قالوا ها هو هذا فقام إليه سلم فقبل رأسه ومثل بين يديه وقال يا أبا معاذ خريجك وأديبك فقال يا سلم من الذي يقول
( مَنْ راقَبَ الناسَ لم يَظفَرْ بحاجته ... وفازَ بالطّيباتِ الفاتِكُ اللَّهجُ )
قال أنت يا أبا معاذ جعلني الله فداءك قال فمن الذي يقول
( مَنْ راقَبَ الناسَ مات غَمّاً ... وفاز باللَّذَّةِ الجَسُورُ )
قال خريجك يقول ذلك يعني نفسه قال أفتأخذ معاني التي قد عنيت بها وتعبت في استنباطها فتكسوها ألفاظا أخف من ألفاظي حتى يروى ما تقول ويذهب شعري لا أرضى عنك أبدا قال فما زال يتضرع إليه ويشفع له القوم حتى رضي عنه
وفي هذه القصيدة يقول بشار
( لو كنتِ تَلْقِينَ ما نَلْقَى قَسَمتِ لنا ... يوماً نَعيِشُ به منكم ونَبتَهجُ )
صوت
( لا خيرَ في العيش إن كنّا كذاَ أبدا ... لا نَلتقي وسبيلُ الملتَقى نَهَجُ )
( قالوا حرامٌ تلاقِينَا فقلت لهم ... ما في التَّلاقِيَ ولا في قُبْلَةٍ حَرَجُ )
( مَنْ راقَب الناسَ لم يَظْفَرْ بحاجتِه ... وفاز بالطّيّباتِ الفاتِكُ اللَّهجُ )
( أشكو إلى الله هَما ما يُفَارِقُنِي ... وشُرَّعاً في فُؤادي الدّهرَ تعتَلِجُ )
أخبرنا محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال
(3/196)

حدثنا أحمد بن خلاد قال أنشدت الأصمعي قول بشار يهجو باهلة
( ودعاني مَعشرٌ كُلٌّهُمُ ... حُمُقٌ دام لهمْ ذاكَ الحُمُقْ )
( ليس من جُرْمٍ ولكن غاظَهُم ... شَرَفِي العارِضُ قد سَدَّ الأُفُقْ )
فاغتاظ الأصمعي فقال ويلي على هذا العبد القن ابن القن
نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني عباس بن خالد قال سمعت غير واحد من أهل البصرة يحدث
أن امرأة قالت لبشار أي رجل أنت لو كنت أسود اللحية والرأس قال بشار أما علمت أن بيض البزاة أثمن من سود الغربان فقالت له أما قولك فحسن في السمع ومن لك بأن يحسن شيبك في العين كما حسن قولك في السمع فكان بشار يقول ما أفحمني قط غير هذه المرأة
ونسخت من كتابه حدثني علي بن مهدي قال حدثني إسحاق بن كلبة قال قال لي أبو عثمان المازني
سئل بشار أي متاع الدنيا آثر عندك فقال طعام مز وشراب مر وبنت عشرين بكر
قوله بعد امتناع امرأة عنه
أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد وأخبرنا الحسن بن علي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أبو توبة عن صالح بن عطية قال
(3/197)

كان النساء المتظرفات يدخلن إلى بشار في كل جمعة يومين فيجتمعن عنده ويسمعن من شعره فسمع كلام امرأة منهن فعلقها قلبه وراسلها يسألها أن تواصله فقالت لرسوله وأي معنى فيك لي أو لك في وأنت أعمى لا تراني فتعرف حسني ومقداره وأنت قبيح الوجه فلا حظ لي فيك فليت شعري لأي شيء تطلب وصال مثلي وجعلت تهزأ به في المخاطبة فأدى الرسول الرسالة فقال له عد إليها فقل لها
( أيرِي له فضلٌ على آيارهم ... وإذا أشظّ سجَدْنَ غير أوابي )
( تلقاه بعد ثلاثَ عشْرةَ قائماً ... فعلَ المؤذِّن شكّ يوم سَحابِ )
( وكأنّ هامةَ رأسه بطّيخَةٌ ... حُمِلتْ إلى مَلِكٍ بدجلةَ جابي )
أخبرني علي بن صالح بن الهيثم قال حدثنا أبو هفان قال أخبرني أحمد بن عبد الأعلى الشيباني عن أبيه قال
قال مروان لبشار لما أنشده هذا البيت
( وإذا قلتُ لها جُودي لنا ... خرجَتْ بالصَّمت مِن لاَ ونَعَمْ )
جعلني الله فداءك يا أبا معاذ هلا قلت خرست بالصمت قال إذا أنا في عقلك فض الله فاك أأتطير على من أحب بالخرس
خالد البرمكي يجيزه على مدحه
نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى حدثني بعض أصحابنا قال
(3/198)

وفد بشار إلى خالد بن برمك وهو على فارس فأنشده
( أخالدُ لم أَخْبِطْ إليك بذمّةٍ ... سوى أنّني عَافٍ وأنتَ جَوادُ )
( أخالدُ بينَ الأجر والحمدِ حاجتي ... فأيّهما تأتي فأنتَ عِمادُ )
( فإِن تُعطني أُفرغْ عليك مدائحي ... وإِن تأبَ لم يُضرَبْ عليّ سِدادُ )
( رِكابي على حَرْفٍ وقلبي مُشَيَّعٌ ... ومالي بأرض الباخلينَ بِلادُ )
( إذا أنكرتْنِي بَلدةٌ أو نَكِرتْهُا ... خرجتُ مع البازِي عليّ سَوادُ )
قال فدعا خالد بأربعة آلاف دينار في أربعة أكياس فوضع واحدا عن يمينه وواحدا عن شماله وآخر بين يديه وآخر خلفه وقال يا أبا معاذ هل استقل العماد فلمس الأكياس ثم قال استقل والله أيها الأمير
الهيثم بن معاوية يجيزه على مدحه
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال قال محمد بن الحجاج حدثني بشار قال
دخلت على الهيثم بن معاوية وهو أمير بالبصرة فأنشدته
(3/199)

( إنّ السّلام أيّها الأميرُ ... عليكَ والرّحمةُ والسّرورُ )
فسمعته يقول إن هذا الأعمى لا يدعنا أو يأخذ من دراهمنا شيئا فطمعت فيه فما برحت حتى انصرفت بجائزته
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا عيسى بن إسماعيل عن محمد بن سلام قال
وقف رجل من بني زيد شريف لا أحب أن أسميه على بشار فقال له يا بشار قد أفسدت علينا موالينا تدعوهم إلى الانتفاء منا وترغبهم في الرجوع إلى أصولهم وترك الولاء وأنت غير زاكي الفرع ولا معروف الأصل فقال له بشار والله لأصلي أكرم من الذهب ولفرعي أزكى من عمل الأبرار وما في الأرض كلب يود أن نسبك له بنسبه ولو شئت أن أجعل جواب كلامك كلاما لفعلت ولكن موعدك غدا بالمربد فرجع الرجل إلى منزله وهو يتوهم أن بشارا يحضر معه المربد ليفاخره فخرج من الغد يريد المربد فإذا رجل ينشد
( شهِدتُ على الزَّيديّ أنّ نِساءه ... ضِياعٌ إلى أير العُقيليّ تَزفِرُ )
فسأل عمن قال هذا البيت فقيل له هذا لبشار فيك فرجع إلى منزله من فوره ولم يدخل المربد حتى مات
قال ابن سلام وأنشد رجل يوما يونس في هذه القصيدة وهي
( بَلَوتُ بني زيدٍ فما في كِبارِهم ... حُلومٌ ولا في الأصغَرِين مُطهَّرُ )
( فأبلغ بني زيد وقل لسراتهم ... وإِن لم يكن فيهم سَراةٌ تُوقَّرُ )
(3/200)

( لأمِّكم الوَيلاتُ إنّ قصائدي ... صَواعقُ منها مُنجدٌ ومغوِّر )
( أجَدَّهُم لا يتَّقون دَنِيّةً ... ولا يُؤثِرون الخير والخير يؤثر )
( يَلُفُّون أولاد الزّنا في عِدادهم ... فعِدّتُهم من عِدّة الناس أكثرُ )
( إذا ما رأوا مَنْ دأبُه مثلُ دأبهم ... أطافوا به والغَيُّ للغيِّ أصوَرُ )
( ولو فارقوا من فيهمُ من دَعَارةٍ ... لما عرفتْهم أُّمهُّم حين تَنظُرُ )
( لقد فَخروا بالمُلحَقِينَ عشيَّةً ... فقلتُ افخروا إن كان في اللؤم مفخَرُ )
( يريدون مَسْعَاتِي ودون لقائها ... قناديلُ أبواب السَّمواتِ تَزْهَرُ )
( فقل في بني زيدٍ كما قال مُعْرِبٌ ... قَوَارِيرُ حَجَّامٍ غداً تَتكسَّرُ )
فقال يونس للذي أنشده حسبك حسبك من هيج هذا الشيطان عليهم قيل فلان فقال رب سفيه قوم قد كسب لقومه شرا عظيما
أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني عبد الله بن بشر بن هلال قال حدثني محمد بن محمد البصري قال حدثني النضر بن طاهر أبو الحجاج قال
قال بشار دعاني عقبة بن سلم ودعا بحماد عجرد وأعشى باهلة فلما
(3/201)

اجتمعنا عنده قال لنا إنه خطر ببالي البارحة مثل يتمثله الناس ذهب الحمار يطلب قرنين فجاء بلا أذنين فأخرجوه من الشعر ومن أخرجه فله خمسة آلاف درهم وإن لم تفعلوا جلدتكم كلكم خمسمائة فقال حماد أجلنا أعز الله الأمير شهرا وقال الأعشى أجلنا أسبوعين قال وبشار ساكت لا يتكلم فقال له عقبة مالك يا أعمى لا تتكلم أعمى الله قلبك فقال أصلح الله الأمير قد حضرني شيء فإن أمرت قلته فقال قل فقال
( شَطَّ بِسَلْمَى عاجلُ البينِ ... وجاورتْ أُسْدَ بَنِي القَيْنِ )
( ورَنَّتِ النفسُ لها رَنَّةً ... كادتْ لها تنشَقُّ نصفَيْنِ )
( يابنةَ مَن لا أشتهِي ذكرَه ... أخشَى عليهِ عُلَقَ الشَّيْنِ )
( والله لو ألقاكِ لا أتّقي ... عيناً لقبَّلتُكِ ألفيْنِ )
( طالبتُها دَينِي فراغَتْ به ... وعَلَّقَتْ قلبي مع الدّيْنِ )
( فصِرتُ كالعَيْرِ غدا طالباً ... قَرْناً فلم يَرجِعْ بأُذْنيْنِ )
قال فانصرف بشار بالجائزة
خبره مع قوم من قيس عبلان
نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى حدثنا علي بن مهدي قال حدثني عبد الله بن عطية الكوفي قال حدثني عثمان بن عمرو الثقفي قال قال أبان بن عبد الحميد اللاحقي
نزل في ظاهر البصرة قوم من أعراب قيس عيلان وكان فيهم بيان وفصاحة فكان بشار يأتيهم وينشدهم أشعاره التي يمدح بها قيسا فيجلونه لذلك ويعظمونه وكان نساؤهم يجلسن معه ويتحدثن إليه وينشدهن أشعاره في الغزل وكن يعجبن
(3/202)

به وكنت كثيرا ما آتي ذلك الموضع فاسمع منه ومنهم فأتيتهم يوما فإذا هم قد ارتحلوا فجئت إلى بشار فقلت له يا أبا معاذ أعلمت أن القوم قد ارتحلوا قال لا فقلت فاعلم قال قد علمت لا علمت ومضيت فلما كان بعد ذلك بأيام سمعت الناس ينشدون
( دعا بِفراق مَنْ تَهْوَى أبانُ ... ففاضَ الدّمعُ واحترقَ الجَنانُ )
( كأن شَرارةً وقعَتْ بقلبي ... لها في مُقْلتِي ودَمِي استِنَانُ )
( إذا أنشَدتُ أو نَسَمَتْ عليها ... رياحُ الصّيفِ هاجَ لها دُخَانُ )
فعلمت أنها لبشار فأتيته فقلت يا أبا معاذ ما ذنبي إليك قال ذنب غراب البين فقلت هل ذكرتني بغير هذا قال لا فقلت أنشدك الله ألا تزيد فقال امض لشأنك فقد تركتك
ونسخت من كتابه حدثني علي بن مهدي قال حدثني يحيى بن سعيد الأيوزرذي المعتزلي قال حدثني أحمد بن المعذل عن أبيه قال
أنشد بشار جعفر بن سليمان
( أقِلّي فإنّا لاحِقونَ وإِنّما ... يُؤَخِّرنا أنَّا يُعَدُّ لنا عَدًا )
( وما كنتُ إلا كالأغرّ ابن جعفرٍ ... رأى المالَ لا يبقَى فأبقَى به حَمدا )
فقال له جعفر بن سليمان من ابن جعفر قال الطيار في الجنة فقال لقد ساميت غير مسامي فقال والله ما يقعدني عن شأوه بعد النسب لكن قلة النشب وإني لأجود بالقليل وإن لم يكن عندي الكثير وما على من جاد بما
(3/203)

يملك ألا يهب البدور فقال له جعفر لقد هززت أبا معاذ ثم دعا له بكيس فدفعه إليه
ونسخت من كتابه حدثني علي بن مهدي قال حدثني أحمد بن سعيد الرازي عن سليمان بن سليمان العلوي قال
قيل لبشار إنك لكثير الهجاء فقال إني وجدت الهجاء المؤلم آخذ بضبع الشاعر من المديح الرائع ومن أراد من الشعراء أن يكرم في دهر اللئام على المديح فليستعد للفقر وإلا فليبالغ في الهجاء ليخاف فيعطى
بعض من سيرة حياته في صباه
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال
كان برد أبو بشار طيانا حاذقا بالتطيين وولد له بشار وهو أعمى فكان يقول ما رأيت مولودا أعظم بركة منه ولقد ولد وما عندي درهم فما حال الحول حتى جمعت مائتي درهم
ولم يمت برد حتى قال بشار الشعر
وكان لبشار أخوان يقال لأحدهما بشر وللآخر بشير وكانا قصابين وكان بشار بارا بهما على أنه كان ضيق الصدر متبرما بالناس فكان يقول اللهم إني قد تبرمت بنفسي وبالناس جمعيا اللهم فأرحني منهم
وكان إخوته يستعيرون ثيابه فيوسخونها وينتنون ريحها فاتخذ قميصا له جيبان وحلف ألا يعيرهم ثوبا من ثيابه فكانوا يأخذونها بغير إذنه فإذا دعا بثوبه فلبسه فأنكر رائحته فيقول إذا وجد رائحة كريهة من ثوبه أينما أتوجه ألق سعدا
فإذا أعياه الأمر خرج إلى الناس في تلك الثياب على
(3/204)

نتنها ووسخها فيقال له ما هذا يا أبا معاذ فيقول هذه ثمرة صلة الرحم
قال وكان يقول الشعر وهو صغير فإذا هجا قوما جاءوا إلى أبيه فشكوه فيضربه ضربا شديدا فكانت أمه تقول كم تضرب هذا الصبي الضرير أما ترحمه فيقول بلى والله إني لأرحمه ولكنه يتعرض للناس فيشكونه إلي فسمعه بشار فطمع فيه فقال له يا أبت إن هذا الذي يشكونه مني إليك هو قول الشعر وإني إن ألممت عليه أغنيتك وسائر أهلي فإن شكوني إليك فقل لهم أليس الله يقول ( ليس على الأعمى حرج )
فلما عاودوه شكواه قال لهم برد ما قاله بشار فانصرفوا وهم يقولون فقه برد أغيظ لنا من شعر بشار
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني محمد بن عثمان الكريزي قال حدثني بعض الشعراء قال
أتيت بشارا الأعمى وبين يديه مائتا دينار فقال لي خذ منها ما شئت أو تدري ما سببها قلت لا قال جاءني فتى فقال لي أنت بشار فقلت نعم فقال إني آليت أن أدفع إليك مائتي دينار وذلك أني عشقت امرأة فجئت إليها فكلمتها فلم تلتفت إلي فهممت أن أتركها فذكرت قولك
( لا يُوْيسَنَّكَ من مُخَبَّأةٍ ... قولٌ تُغلِّظُهُ وإن جَرَحَا )
( عُسْرُ النِّساء إلى مُيَاسَرَةٍ ... والصَّعْبُ يُمكِنُ بعد ما جَمَحَا )
فعدت إليها فلازمتها حتى بلغت منها حاجتي
(3/205)

هابه الأخفش فاستشهد بشعره
أخبرني عمي قال حدثني الكراني عن أبي حاتم قال
كان الأخفش طعن على بشار في قوله
( فالآنَ أَقْصَرَ عن سُمَيَّةَ باطِلي ... وأشار بالوَجْلَى عليّ مُشِيرُ )
وفي قوله
( على الغَزَلى مِنّي السَّلامُ فربَّما ... لَهَوْتُ بها في ظِلِّ مَرْؤُومَةٍ زُهْر )
وفي قوله في صفة سفينة
( تُلاَعِبُ نِينَانَ البُحورِ ورُبَّما ... رأيتَ نُفوسَ القوم من جَرْيها تَجْرِي )
وقال لم يسمع من الوجل والغزل فعلى ولم أسمع بنون ونينان فبلغ ذلك بشارا فقال ويلي على القصارين متى كانت الفصاحة في بيوت القصارين دعوني وإياه فبلغ ذلك الأخفش فبكى وجزع فقيل له ما يبكيك فقال وما لي لا أبكي وقد وقعت في لسان بشار الأعمى فذهب أصحابه إلى بشار فكذبوا عنه واستوهبوا منه عرضه وسألوه ألا يهجوه فقال قد وهبته للؤم عرضه فكان الأخفش بعد ذلك يحتج بشعره في كتبه ليبلغه فكف عن ذكره بعد هذا
قال وقال غير أبي حاتم إنما بلغه أن سيبويه عاب هذه الأحرف عليه لا الأخفش فقال يهجوه
( أَسِبْوَيْهِ يابنَ الفارسيَّة ما الذي ... تَحَدَّثْتَ عن شَتْمِي وما كنتَ تَنبِذُ )
(3/206)

( أَظَلْتَ تَغنِّي سادِراً في مَسَاءتِي ... وأُمُّكَ بالمِصْرَينِ تُعْطِي وتَأْخُذُ )
قال فتوقاه سيبويه بعد ذلك وكان إذا سئل عن شيء فأجاب عنه ووجد له شاهدا من شعر بشار احتج به استكفافا لشره
أهله يستعينون به لهجاء بني سدوس
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثني الحسن بن عليل العنزي قال حدثني أحمد بن علي بن سويد بن منجوف قال
كان بشار مجاورا لبني عقيل وبني سدوس في منزل الحيين فكانوا لا يزالون يتفاخرون فاستعانت عقيل ببشار وقالوا له يا أبا معاذ نحن أهلك وأنت ابننا وربيت في حجورنا فأعنا فخرج عليهم وهم يتفاخرون فجلس ثم أنشد
( كأنّ بني سَدُوسٍ رهطَ ثَوْرٍ ... خَنَافِسُ تحتَ مُنكَسرِ الجِدَارِ )
( تُحرِّكُ للفَخَارِ زُبانَيَيْها ... وفخرُ الخُنْفَساءِ من الصَّغَارِ )
فوثب بنو سدوس إليه فقالوا ما لنا ولك يا هذا نعوذ بالله من شرك فقال هذا دأبكم إن عاودتم مفاخرة بني عقيل فلم يعاودوها
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني محمد بن إسماعيل عن محمد بن سلام قال قال يونس النحوي العجب من الأزد
(3/207)

يدعون هذا العبد ينسب بنسائهم ويهجو رجالهم يعني بشارا ويقول
( ألاَ يا صَنَمَ الأَزِدْ ... الذي يَدْعُونَه رَبّا )
ألا يبعثون إليه من يفتق بطنه
أخبرني الحسن قال حدثني ابن مهرويه عن أحمد بن إسماعيل عن محمد بن سلام قال
مر ابن أخ لبشار ببشار ومعه قوم فقال لرجل معه وسمع كلامه من هذا فقال ابن أخيك قال أشهد أن أصحابه سفلة قال وكيف علمت قال ليس عليهم نعال
أخبرني الحسن قال حدثنا محمد بن القاسم قال حدثني الفضل بن يعقوب قال
كنا عند جارية لبعض التجار بالكرخ تغنينا وبشار عندنا فغنت في قوله
( إنّ الخليفةَ قد أبى ... وإِذا أبَى شيئاً أبَيتُهْ )
( ومُخَضّبٍ رَخْصِ البَنَان ... ِ بكى علَيَّ وما بكَيْتُهْ )
( يا مَنْظراً حَسَناً رأيت ... ُ بوجهِ جاريةٍ فَدَيْتُهْ )
( بعثَتْ إليّ تَسُومُنِي ... ثَوبَ الشَّبابِ وقد طَوَيْتُهْ )
فطرب بشار وقال هذا والله يا أبا عبد الله أحسن من سورة الحشر وقد روى هذه الكلمة عن بشار غير من ذكرته فقال عنه إنه قال هي والله أحسن من سورة الحشر الغناء في هذه الأبيات
وتمام الشعر
(3/208)

( وأنا المطِلُّ على العِدَا ... وإِذا غَلا الحمدُ اشتريتُهْ )
( وأمِيلُ في أُنسِ النّدِيم ... من الحياءِ وما اشتهَيتُهْ )
( ويُشوقُنِي بيتُ الحبيب ... إذا غدوتُ وأينَ بيتُهْ )
( حالَ الخليفةُ دونه ... فصبَرتُ عنه وما قَليتُهْ )
وأنشدني أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي هذه الأبيات وأخبرني أن الجاحظ أخبره أن المهدي نهى بشارا عن الغزل وأن يقول شيئا من النسيب فقال هذه الأبيات قال وكان الخليل بن أحمد ينشدها ويستحسنها ويعجب بها
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا دماذ أبو غسان عن محمد بن الحجاج قال
قالت بنت بشار لبشار يا أبت مالك يعرفك الناس ولا تعرفهم قال كذلك الأمير يا بنية
دفاعه عن أبي النضير
أخبرني عبد الله بن محمد الرازي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال
قال عبد الله بن مسور الباهلي يوما لأبي النضير وقد تحاورا في شيء يابن اللخناء أتكلمني ولو اشتريت عبدا بمائتي درهم وأعتقته لكان خيرا منك فقال له أبو النضير والله لو كنت ولد زنا لكنت خيرا من باهلة كلها فغضب الباهلي فقال له بشار أنت منذ ساعة تزني أمه ولا يغضب فلما كلمك كلمة واحدة لحقك
(3/209)

هذا كله فقال له وأمه مثل أمي يا أبا معاذ فضحك ثم قال والله لو كانت أمك أم الكتاب ما كان بينكما من المصارمة هذا كله
هجاؤه ليزيد بن مزيد
نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى حدثني علي بن مهدي قال حدثني سعيد بن عبيد الخزاعي قال ورد بشار بغداد فقصد يزيد بن مزيد وسأله أن يذكره للمهدي فسوفه أشهرا ثم ورد روح بن حاتم فبلغه خبر بشار فذكره للمهدي من غير أن يلقاه وأمر بإحضاره فدخل إلى المهدي وأنشده شعرا مدحه به فوصله بعشرة آلاف درهم ووهب له عبدا وقينة وكساه كسا كثيرة وكان يحضر قيسا مرة فقال بشار يهجو يزيد بن مزيد
( ولمّا التقينا بالجُنَينَةِ غَرَّني ... بمعروفه حتى خرجتُ أفُوقُ )
غرني أوجرني كما يغر الصبي أي يوجر اللبن
( حَبَانِي بعبدٍ قَعْسَرِيٍّ وقَيْنَةٍ ... ووَشْيٍ وآلافٍ لهنَّ بَرِيقُ )
( فَقُل ليزيدٍ يَلعصُ الشهدَ خالياً ... لنا دونه عند الخليفة سُوقُ )
( رَقدت فنَمْ يابنَ الخبيثةِ إنها ... مكارِمُ لا يَسْتطِيعُهُنَّ لَصِيقُ )
( أبَى لكَ عِرْقٌ من فلانةَ أن تُرى ... جواداً ورأسٌ حين شِبْتَ حَلِيقُ )
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي
(3/210)

قال كان بشار كتب إلى إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بقصيدة يمدحه بها ويحرضه ويشير عليه فلم تصل إليه حتى قتل وخاف بشار أن تشتهر فقلبها وجعل التحريض فيها على أبي مسلم والمدح والمشورة لأبي جعفر المنصور فقال
( أبا مُسلمٍ ما طِيبُ عَيشٍ بدائمِ ... ولا سالمٌ عما قليلٍ بسالمِ )
وإنما كان قال أبا جعفر ما طيب عيش فغيره وقال فيها
( إذا بلغ الرأيُ النصيحةَ فاستَعِنْ ... بعَزْمِ نَصيحٍ أو بتأييدِ حازمِ )
( ولا تَجعَلِ الشُّورَى عليك غضاضةً ... مكانُ الحوافي نافعٌ للقوادمِ )
( وخَلّ الهُوينَى للضعيف ولا تكن ... نَؤُوماً فإِنّ الحزمَ ليس بنائمِ )
( وما خيرُ كَفٍّ أمسكَ الغُلُّ أختَها ... وما خيرُ سيفٍ لم يُؤيَّدْ بقائمِ )
( وحارِبْ إذا لم تُعطَ إلا ظُلاَمةً ... شَبَا الحربِ خيرٌ منِ قَبول المظالِم )
( وأَدْنِ على القُرْبَى المقرِّبَ نَفسَه ... ولا تُشْهِد الشّورَى امرأً غيرَ كاتِم )
( فإِنّكَ لا تَسْتَطْرِدُ الهمَّ بالمُنَى ... ولا تَبلُغُ العَلْيَا بغير المكارِمِ )
( إذا كنتَ فرداً هَرَّكَ القومُ مُقبلاً ... وإِن كنت أدنى لم تَفُزْ بالعَزَائِمِ )
( وما قَرَعَ الأقوامَ مِثلُ مُشيَّع ... أريبٍ ولا جَلَّى العَمَى مثلُ عالِم )
قال الأصمعي فقلت لبشار إني رأيت رجال الرأي يتعجبون من أبياتك في
(3/211)

المشورة فقال أما علمت أن المشاور من إحدى الحسنين بين صواب يفوز بثمرته أو خطأ يشارك في مكروهه فقلت أنت والله أشعر في هذا الكلام منك في الشعر
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني علي بن الصباح عن بعض الكوفيين قال
مررت ببشار وهو متبطح في دهليزه كأنه جاموس فقلت له يا أبا معاذ من القائل
( في حُلّتِي جسمُ فتىً ناحلٍ ... لو هَبّتِ الريحُ به طاحا )
قال أنا قلت فما حملك على هذا الكذب والله إني لأرى أن لو بعث الله الرياح التي أهلك بها الأمم الخالية ما حركتك من موضعك فقال بشار من أين أنت قلت من أهل الكوفة فقال يا أهل الكوفة لا تدعون ثقلكم ومقتكم على كل حال
نسخت من كتاب هارون بن علي قال حدثني عافية بن شبيب قال
قدم كردي بن عامر المسمعي من مكة فلم يهد لبشار شيئا وكان صديقه فكتب إليه
( ما أنت يا كرديّ بالهَشِّ ... ولا أُبَرِّيك من الغِشِّ )
( لم تُهْدِنا نعلاً ولا خاتَماً ... من أين أقبلتَ من الحشّ )
فأهدى إليه هدية حسنة وجاءه فقال عجلت يا أبا معاذ علينا فأنشدك الله ألا تزيد شيئا على ما مضى
(3/212)

ونسخت من كتابه عن عافية بن شبيب أيضا قال حدثني صديق لي قال
قلت لبشار كنا أمس في عرس فكان أول صوت غنى به المغني
( هَوَى صاحبي ريحُ الشَّمالِ إذا جرتْ ... وأشْفَى لنفسي أن تَهُبَّ جَنُوبُ )
( وما ذاك إلا أنها حين تنتهي ... تَنَاهَى وفيها من عُبَيدة طِيبُ )
فطرب وقال هذا والله أحسن من فلج يوم القيامة
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا أبي عن عافية بن شبيب عن أبي جعفر الأسدي قال
مدح بشار المهدي فلم يعطه شيئا فقيل له لم يستجد شعرك فقال والله لقد قلت شعرا لو قيل في الدهر لم يخش صرفه على أحد ولكنا نكذب في القول فنكذب في الأمل
هجاء روح بن حاتم
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني يحيى بن خليفة الدارمي عن نصر بن عبد الرحمن العجلي قال
هجا بشار روح بن حاتم فبلغه ذلك فقذفه وتهدده فلما بلغ ذلك بشارا قال فيه
( تَهَدّدني أبو خلفٍ ... وعن أوتاره ناما )
( بسيفٍ لأبي صُفْرَةَ ... لا يَقْطَع إبهاما )
(3/213)

( كأنّ الوَرْسَ يَعْلُوهُ ... إذا ما صدرهُ قاما )
قال ابن أبي سعد ومن الناس من يروي هذين البيتين لعمرو الظالمي قال فبلغ ذلك روحا فقال كل مالي صدقة إن وقعت عيني عليه لأضربنه ضربة بالسيف ولو أنه بين يدي الخليفة فبلغ ذلك بشارا فقام من فوره حتى دخل على المهدي فقال له ما جاء بك في هذا الوقت فأخبره بقصة روح وعاذ به منه فقال يا نصير وجه إلى روح من يحضره الساعة فأرسل إليه في الهاجرة وكان ينزل المخرم فظن هو وأهله أنه دعي لولاية
قال يا روح إني بعثت إليك في حاجة فقال له أنا عبدك يا أمير المؤمنين فقل ما شئت سوى بشار فإني حلفت في أمره بيمين غموس قال قد علمت وإياه أردت قال له فاحتل ليميني يا أمير المؤمنين فأحضر القضاة والفقهاء فاتفقوا على أن يضربه ضربة على جسمه بعرض السيف وكان بشار وراء الخيش فأخرج وأقعد واستل روح سيفه فضربه ضربة بعرضه فقال أوه باسم الله فضحك المهدي وقال له ويلك هذا وإنما ضربك بعرضه وكيف لو ضربك بحده
مدح سليمان بن هشام
أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو عبيدة قال
(3/214)

مدح بشار سليمان بن هشام بن عبد الملك وكان مقيما بحران وخرج إليه فأنشده قوله فيه
( نأتْكَ على طُول التجاوُرِ زينبُ ... وما شَعَرتْ أن النَّوَى سوف تَشعَبُ )
( يرى الناسُ ما تَلْقَى بزينبَ إذ نأتْ ... عجيباً وما تُخْفِي بزينبَ أعجبُ )
( وقائلةٍ لي حين جَدّ رحيلُنا ... وأجفانُ عينيها تجودُ وتسكُبُ )
( أَغادٍ إلى حَرّانَ في غيرِ شيعة ... وذلك شأوٌ عن هَوَاها مُغَرّبُ )
( فقلتُ لها كَلّفتني طَلَبَ الغِنَى ... وليس ورَاءَ ابنِ الخليفةِ مذهبُ )
( سيكفي فتىً من سعيه حَدُّ سيفِه ... وكُورٌ عِلافِيٌّ ووجناء ذِعْلبُ )
( إذا استوغرتْ دارٌ عليه رَمَى بها ... بناتِ الصُّوَى منها رَكوبٌ ومُصْعَبُ )
( فعُدّي إلى يوم ارتحلتُ وسائلي ... بزَوْرك والرَّحَّال من جاء يضربُ )
( لعلكِ أن تستيقني أن زَوْرتي ... سليمانَ من سير الهواجر تُعقِبُ )
( أَغَرُّ هِشاميُّ القَنَاةِ إذا انتَمى ... نَمَتْه بدورٌ ليس فيهنَّ كوكبُ )
(3/215)

( وما قصدت يوماً مخيلين خَيلُه ... فتُصْرَفُ إلاّ عن دِماءٍ تَصَبّبُ )
فوصله سليمان بخمسة آلاف درهم وكان يبخل فلم يرضها وانصرف عنه مغضبا فقال
( إن أُمْسِ مُنْقبِضَ اليدين عن النَّدَى ... وعن العدوّ مُخَيَّسَ الشيطانِ )
( فلقد أروحُ عن اللئام مُسَلَّطاً ... ثَلِجَ المَقِيلَ مُنَعَّمِ النَّدْمَانِ )
( في ظِلِّ عيشِ عشيرةٍ محمودةٍ ... تَنْدَى يدي ويُخافُ فَرْطُ لساني )
( أزْمَانَ جِنِّيُّ الشباب مُطَاوعٌ ... وإِذ الأميرُ عليّ من حَرّانِ )
( رِيمٌ بأحْوِيةِ العراق إذا بَدَا ... برَقَتْ عليه أكِلَّةُ المَرْجانِ )
( فاكحَلْ بعَبْدَة مُقْلَتيْكَ من القَذَى ... وبِوَشْكِ رُؤْيتها من الهَمَلانِ )
( فَلقُرْبُ مَنْ تهوَى وأنتَ متيّمٌ ... أَشْفَى لدائكَ من بني مَرْوانِ )
فلما رجع إلى العراق بره ابن هبيرة ووصله وكان يعظم بشارا ويقدمه لمدحه قيسا وافتخاره بهم فلما جاءت دولة أهل خراسان عظم شأنه
المهدي ينهاه عن التشبيب
أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن الحجاج قال
قدم بشار الأعمى على المهدي بالرصافة فدخل عليه في البستان فأنشده مديحا فيه تشبيب حسن فنهاه عن التشبيب لغيرة شديدة كانت فيه فأنشده مديحا فيه يقول فيه
(3/216)

( كأنما جئتُه أُبشِّرهُ ... ولم أجِىء راغِباً ومُحتَلِبَا )
( يُزَيِّنُ المِنبرَ الأشمَّ بعِطْفِيه ... ِ وأقواله إذا خَطَبَا )
( تُشَمُّ نَعْلاه في النَّدِيّ كما ... يُشَمُّ ماءُ الرّيحانِ مُنتَهبا )
فأعطاه خمسة آلاف درهم وكساه وحمله على بغل وجعل له وفادة في كل سنة ونهاه عن التشبيب البتة فقدم عليها في السنة الثالثة فدخل عليه فأنشده
( تَجَالَلْتُ عن فِهْرٍ وعن جارَتي فِهر ... وودَّعتُ نُعْمَى بالسّلام وبالبِشْرِ )
( وقالتْ سُليمَى فيكَ عنّا جَلاّدَةٌ ... مَحلُّكَ دَانٍ والزيارَةُ عن عُفْرِ )
( أخي في الهوى مالي أراكَ جَفَوْتَنا ... وقد كنتَ تقفُونا على العُسْرِ واليُسرِ )
( تثاقلتُ إلا عن يدٍ أستفِيدها ... وزَوْرَةِ أمُلاكٍ أَشُدُّ بها أَزْرِي )
( وأخرجني من وِزْرِ خمسينَ حجّةً ... فَتىً هاشميٌّ يَقْشَعِر من الوِزْرِ )
( دَفنتُ الهوى حَيّاً فلسْتُ بزائرٍ ... سُلَيمَى ولا صفراءَ ما قَرْقَر القُمْري )
( ومُصْفَرَّة بالزعفرانِ جلودُها ... إذا اجتُليتْ مثلَ المُفَرطَحَةِ الصُّفْرِ )
( فرُبَّ ثَقَالِ الرَّدفِ هَبَّتْ تلُومنِي ... ولو شَهِدَتْ قبري لصَلَّتْ على قبري )
( تَركتُ لِمَهْديّ الأنام وِصَالَها ... وراعيتُ عهداً بيننا ليس بالختر )
(3/217)

( ولولا أميرُ المؤمنين محمدٌ ... لقبَّلتُ فاها أو لكانَ بها فِطْرِي )
( لَعَمْري لقد أوقَرتُ نفسي خطيئةً ... فما أنا بالمُزْدَادِ وِقْراً على وِقْرِ )
في قصيدة طويلة امتدحه بها فأعطاه ما كان يعطيه قبل ذلك ولم يزده شيئا
تمثل بقول جرير في رثائه لابنه
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل العتكي عن محمد بن سلام عن بعض أصحابه قال
حضرنا جنازة ابن لبشار توفي فجزع عليه جزعا شديدا وجعلنا نعزيه ونسليه فما يغني ذلك شيئا ثم التفت إلينا وقال لله در جرير حيث يقول وقد عزي بسوادة ابنه
( قالوا نَصِيبَكَ من أجرٍ فقلتُ لهم ... كيف العَزَاءُ وقد فارقتُ أشبالي )
( ودَّعْتَنِي حين كفَّ الدَّهرُ من بَصري ... وحين صِرتُ كعَظمِ الرِّمّةِ البَالِي )
( أوَدى سَوَادةُ يَجْلُو مُقلَتي لحمٍ ... بازٍ يُصَرصِرُ فوقَ المِربأ العالي )
( إلاّ تكُنْ لكَ بالدَّيْرين نائحةٌ ... فرُبَّ نائحةٍ بالرّمل مِعْوَالِ )
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني خلاد الأرقط قال لما أنشد المهدي قول بشار
( لا يُؤْيسَنَّكَ من مُخبَّأةٍ ... قولٌ تُغَلِّظُهُ وإِن جَرَحَا )
( عُسْرُ النساءِ إلى مُياسَرَةٍ ... والصَّعبُ يُمكِنُ بعد ما جَمَحَا )
(3/218)

فنهاه المهدي عن قوله مثل هذا ثم حضر مجلسا لصديق له يقال له عمرو بن سمان فقال له أنشدنا يا أبا معاذ شيئا من غزلك فأنشأ يقول
( وقائلٍ هاتِ شَوِّقْنَا فقلتُ له ... أنائمٌ أنتَ يا عمرو بنَ سَمّانِ )
( أما سَمِعتَ بما قد شاع في مُضَرٍ ... وفي الحليفتينِ من نَجْرٍ وقَحطانِ )
( قال الخليفةُ لا تَنْسُبْ بجارِيةٍ ... إيّاكَ إياكَ أن تَشْقَى بِعصيانِ )
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا سليمان بن أيوب المدائني قال
قال مروان بن أبي حفصة قدمت البصرة فأنشدت بشارا قصيدة لي واستنصحته فيها فقال لي ما أجودها تقدم بغداد فتعطى عليها عشرة آلاف درهم فجزعت من ذلك وقلت قتلتني فقال هو ما أقول لك وقدمت بغداد فأعطيت عليها عشرة آلاف درهم ثم قدمت عليه قدمة أخرى فأنشدته قصيدتي
( طَرَقَتْكَ زائرةً فحيّ خيالها ... )
فقال تعطى عليها مائة ألف درهم فقدمت فأعطيت مائة ألف درهم فعدت إلى البصرة فأخبرته بحالي في المرتين وقلت له ما رأيت أعجب من حدسك فقال يا بني أما علمت أنه لم يبق أحد أعلم بالغيب من عمك أخبرنا بهذا الخبر محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي عن محمد بن عبد الله بن أبي عيينة عن مروان أنه قدم على بشار فأنشده قوله
( طرقتكَ زائرةً فحيِّ خيالَها ... )
فقال له يعطونك عليها عشرة آلاف درهم ثم قدم فيه فأنشده قوله
(3/219)

( أنَّى يكونُ وليس ذاك بكائنٍ ... لبني البناتِ وِرَاثَةُ الأعمامِ )
فقال يعطونك عليها مائة ألف درهم وذكر باقي الخبر مثل الذي قبله
أخبرني عيسى قال حدثنا سليمان قال
قال بعض أصحاب بشار كنا نكون عنده فإذا حضرت الصلاة قمنا إليها ونجعل على ثيابه ترابا حتى ننظر هل يقوم يصلي فنعود والتراب مجاله وما صلى
أخبرني عيسى قال حدثنا سليمان قال
قال أبو عمرو بعث المهدي إلى بشار فقال له قل في الحب شعرا ولا تطل واجعل الحب قاضيا بين المحبين ولا تسم أحدا فقال
( اجعل الحبَّ بين حِبّي وبيني ... قاضِياً إنّني به اليومَ رَاضِي )
( فاجتمعنَا فقلتُ يا حِبَّ نفسي ... إنّ عَينِي قليلةُ الإِغماضِ )
( أنتَ عذَّبتَني وانحلتَ جسمِي ... فارحمِ اليومَ دائمَ الأمراضِ )
( قال لي لا يَحِلّ حُكمِي عليها ... أنتَ أولى بالسُّقْمِ والإِحراضِ )
( قلتُ لمّا أجابني بهواها ... شَمِلَ الجورُ في الهَوى كلَّ قاضِي )
فبعث إليه المهدي حكمت علينا ووافقنا ذلك فأمر له بألف دينار
أخبرني عيسى قال حدثني سليمان المدني قال حدثني الفضل بن إسحاق الهاشمي قال
أنشد بشار قوله
( يُرَوِّعُهُ السِّوارُ بكلّ أرضٍ ... مخافةَ أن يكونَ به السّرارُ )
(3/220)

فقال له رجل أظنك أخذت هذا من قول أشعب ما رأيت اثنين يتساران إلا ظننت أنهما يأمران لي بشيء فقال إن كنت أخذت هذا من قول أشعب فإنك أخذت ثقل الروح والمقت من الناس جميعا فانفردت به دونهم ثم قام فدخل وتركنا
وأخذ أبو نواس هذا المعنى بعينه من بشار فقال فيه
( ترَكتْنَي الوُشاةُ نُصْبَ المُسِرِّين ... َ وأُحدوثَهً بكلّ مَكَان )
( ما أرى خاليَيْنِ في السرّ إلاّ ... قلتُ ما يخلوانِ إلا لِشَانِي )
أخبرني عمي قال حدثني سليمان قال قال لي أبو عدنان حدثني سعيد جليس كان لأبي زيد قال
أتاني أعشى سليم وأبو حنش فقالا لي انطلق معنا إلى بشار فتسأله أن ينشدك شيئا من هجائه في حماد عجرد أو في عمرو الظالمي فإنه إن عرفنا لم ينشدنا فمضيت معهما حتى دخلت على بشار فاستنشدته فأنشد قصيدة له على الدال فجعل يخرج من واد في الهجاء إلى واد آخر يستمعان وبشار لا يعرفهما فلما خرجا قال أحدهما للآخر أما تعجب مما جاء به هذا الأعمى فقال أبو حنش أما أنا فلا أعرض والله والدي له أبدا وكانا قد جاءا يزورانه وأحسبهما أرادا أن يتعرضا لمهاجائه
مدحه لواصل بن عطاء
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي عن الجاحظ قال
كان بشار صديقا لأبي حذيفة واصل بن عطاء قبل أن يدين بالرجعة ويكفر الأمة وكان قد مدح واصلا وذكر خطبته التي خطبها فنزع منها كلها الراء وكانت
(3/221)

على البديهة وهي أطول من خطبتي خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة فقال
( تكلَّفُوا القولَ والأقوامُ قد حَفَلُوا ... وحَبَّرُوا خُطَباً ناهيكَ من خُطَبِ )
( فقام مُرتِجِلاً تَغْلِي بَداهَتُهُ ... كَمِرْجَلِ القَيْنِ لمّا حُفَّ بِاللَّهَبِ )
( وجانَبَ الراءِ لم يَشْعُرْ به أحدٌ ... قبل التصَفُّح والإِغراقِ في الطلبِ )
قال فلما دان بالرجعة زعم أن الناس كلهم كفروا بعد رسول الله فقيل له وعلي بن أبي طالب فقال
( وما شَرُّ الثلاثةِ أمّ عمرو ... بصاحبِك الذي لا تَصْبَحِينا )
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا عيسى بن إسماعيل تينة قال قال لي محمد بن الحجاج
قال بشار ما كان الكميت شاعرا فقيل له وكيف وهو الذي يقول
( أَنِصْفُ امْرِىءٍ من نصف حيٍّ يسُبُّنِي ... لَعَمْري لقد لاقيتُ خَطْباً من الخَطْبِ )
( هنيئاً لكَلبٍ أنَّ كلباً يسُبُّنِي ... وأنِّيَ لم أَردُدْ جواباً على كَلْبِ )
فقال بشار لا بل شانئك أترى رجلا لو ضرط ثلاثين سنة لم يستحل من ضرطه
(3/222)

ضرطة واحدة
نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى حدثني علي بن مهدي قال حدثني حجاج المعلم قال سمعت سفيان بن عيينة يقول
عهدي بأصحاب الحديث وهم أحسن الناس أدبا ثم صاروا الآن أسوأ الناس أدبا وصبرنا عليهم حتى أشبهناهم فصرنا كما قال الشاعر
( وما أنا إلا كالزمان إذا صحَا ... صَحوتُ وإِن ماقَ الزمانُ أمُوقُ )
أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن الحجاج قال
كنا مع بشار فأتاه رجل فسأله عن منزل رجل ذكره له فجعل يفهمه ولا يفهم فأخذ بيده وقام يقوده إلى منزل الرجل وهو يقول
( أعمى يقودُ بصيراً لا أبَالكُم ... قد ضَلَّ مَنْ كانتِ العُمْيانُ تَهديِهِ )
حتى صار به إلى منزل الرجل ثم قال له هذا هو منزله يا أعمى
أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال
زعم أبو دعامة أن عطاء الملط أخبره أنه أتى بشارا فقال له يا أبا معاذ أنشدك شعرا حسنا فقال ما أسرني بذلك فأنشده
( أَعَاذِلتيَّ اليومَ ويلَكُمَا مَهْلاَ ... فما جَزعاً مِ الآنَ أبكي ولا جَهْلاَ )
فلما فرغ منها قال له بشار أحسنت ثم أنشده على رويها ووزنها
( لقد كادَ من أُخْفِي من الوَجدِ والهَوى ... يكون جَوًى بين الجوانِج أو خَبْلاَ )
(3/223)

صوت
( إذا قال مهلاً ذو القرابة زادَنِي ... وَلُوعاً بذكراها ووجْداً بها مَهْلاَ )
( فلا يَحسَبِ البِيضُ الأوانسُ أنّ في ... فؤادي سوى سُعْدَى لِغانيةٍ فَضْلاَ )
( فَأُقْسِمُ إن كان الهوى غيرَ بالغ ... بِي القتلَ من سُعدَى لقد جاوزَ القتلاَ )
( فيا صاحِ خَبِّرنِي الذي أنت صانعٌ ... بقاتِلَتي ظُلْماً وما طَلَبَتْ ذَحْلاَ )
( سِوَى أنّني في الحبّ بيني وبينها ... شَدَدْتُ على أكظامِ سِرٍّ لها قُفْلاَ )
وذكر أحمد بن المكي أن لإسحاق في هذه الأبيات ثقيلا أول بالوسطى فاستحسنت القصيدة وقلت يا أبا معاذ قد والله أجدت وبالغت فلو تفضلت بأن تعيدها فأعادها على خلاف ما أنشدنيها في المرة الأولى فتوهمت أنه قالها في تلك الساعة
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أحمد بن خلاد قال حدثني أبي قال
كنت أكلم بشارا وأرد عليه سوء مذهبه بميله إلى الإلحاد فكان يقول لا أعرف إلا ما عاينته أو عاينت مثله وكان الكلام يطول بيننا فقال لي ما أظن الأمر يا أبا خالد إلا كما تقول وأن الذي نحن فيه خذلان ولذلك أقول
( طُبِوعْتُ على ما فيّ غيرَ مُخَيَّرٍ ... هَوايَ ولو خُيِّرتُ كنتُ المهذَّبا )
( أُريدُ فلا أُعْطَى وأُعطَى ولم أرِدْ ... وقَصَّر عِلْمي أنْ أنالَ المغَيَّبَا )
( فَأُصرَفُ عن قَصْدِي وعلمي مُقَصِّرٌ ... وأمْسِي وما أُعْقِبْتُ إلا التعجُّبَا )
خبره مع فتى من بني منقر أهدى إليه أضحية
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني أحمد بن خلاد
(3/224)

ابن المبارك قال حدثني أبي قال
كان بالبصرة فتى من بني منقر أمه عجلية وكان يبعث إلى بشار في كل أضحية بأضحية من الأضاحي التي كان أهل البصرة يسمنونها سنة وأكثر للأضاحي ثم تباع الأضحية بعشرة دنانير ويبعث معها بألف درهم قال فأمر وكيله في بعض السنين أن يجريه على رسمه فاشترى له نعجة كبيرة غير سمينة وسرق باقي الثمن وكانت نعجة عبدلية من نعاج عبد الله بن دارم وهو نتاج مرذول فلما أدخلت عليه قالت له جاريته ربابة ليست هذه الشاة من الغنم التي كان يبعث بها إليك فقال أدنيها مني فأدنتها ولمسها بيده ثم قال اكتب يا غلام
( وهبتَ لنا يا فتَى مِنقَرٍ ... وعِجْلٍ وأكْرَمَهمْ أوّلاَ )
( وأبسَطَهم راحةً في النَّدَى ... وأرفعَهم ذِرْوَةً في العُلا )
( عجوزاً قَد اوْردَها عمرُها ... وأسكنَها الدهرُ دارَ البِلى )
( سَلُوحاً توهّمتُ أن الرِّعاءَ ... سَقَوْها ليُسهِلَها الحنظَلاَ )
( وأَضرَطَ من أُمّ مُبتَاعها ... إن اقتحَمَتْ بُكرةً حَرْمَلاَ )
( فلو تأكلُ الزُّبدَ بالنِّرسيَان ... وتَدَّمِجُ المِسكَ والمَنْدَلاَ )
( لَمَا طَيَبَ الله أرواحَها ... ولا بلّ من عَظْمها الأقْحَلا )
( وضعتُ يميني على ظهرها ... فخِلْتُ حَرَاقِفَها جَنْدلاَ )
(3/225)

( وأهوتْ شِمالي لعُرْقوبها ... فخلتُ عَرَاقِبَها مِغْزَلاَ )
( وقَلّبتُ أَلْيَتَها بعد ذا ... فشَبَّهتُ عُصْعُصَها مِنْجَلاَ )
( فقلتُ أبيع فلا مشرباً ... أُرَجِّي لديها ولا مَأكَلاَ )
( أمَ اشوِي وأطبُخُ من لحمها ... وأطْيَبُ من ذاك مَضْغُ السَّلَى )
( إذا ما أُمِرَّتْ على مجلسٍ ... من العُجْبِ سَبّحَ أو هَلّلا )
( رأوْا آيةً خَلْفَها سائقٌ ... يَحُثّ وإِن هَرْولتْ هَرْولا )
( وكنتَ أمرتَ بها ضَخْمةً ... بلحمٍ وشحمٍ قد استُكْمِلا )
( ولكنّ رَوحاً عَدَا طورَه ... وما كنتُ أحسَبُ أن يفعلا )
( فعَضّ الذي خانَ في أمرها ... مِن اسْتِ امّه بَظْرَها الأغْرلاَ )
( ولولا مكانُك قَلّدته ... عِلاَطاً وأنشقتُه الخَرْدلا )
( ولولا استِحَائِيكَ خَضبَتُها ... وعَلّقت في جِيدها جُلْجُلا )
( فجاءتْكَ حتى ترى حالَها ... فتعلَمَ أنِّي بها مُبْتَلَى )
( سألتُك لحماً لصِبْياننا ... فقد زِدْتَني فيهمُ عَيِّلا )
( فخُذْها وأنت بنا مُحسِنٌ ... وما زلتَ بي مُحسِناً مُجْمِلاَ )
(3/226)

قال وبعث بالرقعة إلى الرجل فدعا بوكيله وقال له ويلك تعلم أني أفتدي من بشار بما أعطيه وتوقعني في لسانه إذهب فاشتر أضحية وإن قدرت أن تكون مثل الفيل فافعل وابلغ بها ما بلغت وابعث بها إليه
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي قال حدثني عمي قال أخبرنا أبو عمرو بن العلاء قال
رأيت بشارا المرعث يرثي بنية له وهو يقول
( يا بنتَ من لم يكُ يَهْوَى بنتا ... ما كنتِ إلا خمسةً أو ستاً )
( حتّى حلَلتِ في الحَشَى وحتّى ... فَتَّتِّ قلبي من جوىً فانفَتّا )
( لأَنتِ خيرٌ من غلامٍ بتّا ... يُصبِحُ سكرانَ ويُمْسِي بَهْتَا )
أخبرني وكيع قال حدثني أبو أيوب المديني قال
كان نافع بن عقبة بن سلم جوادا ممدحا وكان بشار منقطعا إلى أبيه فلما مات أبوه وفد إليه وقد ولي أبيه فمدحه بقوله
( ولنافعٍ فضلٌ على أكفائه ... إن الكريمَ أحقُّ بالتفضيلِ )
( يا نافعَ الشِّبْراتِ حين تناوحتْ ... هُوجُ الرياحِ وأَعْقِبْتُ بُوبُولِ )
( أشبهتَ عُقْبةَ غيرَ ما مُتَشبِّهٍ ... ونشأتَ في حلمٍ وحسنِ قبُول )
( وولِيتَ فينا أشهراً فكفيتَنَا ... عَنَتَ المُريبِ وسَلّة التّضليلِ )
( تُدْعَى هِلاَلاً في الزمان ونافعاً ... والسَّلمُ نِعْم أُبُوَّةُ المأمولِ )
فأعطاه مثل ما كان أبوه يعطيه في كل سنة إذا وفد عليه
(3/227)

خبر المهدي مع جارية تغتسل وشعر بشار في ذلك
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني إبراهيم بن عقبة الرفاعي قال حدثني إسحاق بن إبراهيم التمار البصري قال
دخل المهدي إلى بعض حجر الحرم فنظر إلى جارية منهن تغتسل فلما رأته حصرت ووضعت يدها على فرجها فأنشأ يقول
( نظرتْ عيني لحَينِي ... )
ثم أرتج عليه فقال من بالباب من الشعراء قالوا بشار فأذن له فدخل فقال له أجز
( نظرتْ عيني لحيني ... )
فقال بشار
( نظرتْ عيني لحَيْنِي ... نَظَراً وافَقَ شَيْنِي )
( سَتَرتْ لمّا رأتني ... دونَه بالراحَتينِ )
( فَضلتْ منه فُضُولٌ ... تحت طَيِّ العُكْنَتين )
فقال له المهدي قبحك الله ويحك أكنت ثالثنا ثم ماذا فقال
( فتمنّيتُ وقلبي ... للهوى في زَفْرتَينِ )
( أنّني كنتُ عليه ... ساعةً أو ساعَتينِ )
فضحك المهدي وأمر له بجائزة فقال يا أمير المؤمنين أقنعت من هذه الصفة بساعة أو ساعتين فقال اخرج عني قبحك الله فخرج بالجائزة
(3/228)

شعر على لسان حمار له مات عشقا
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا أبو شبل عاصم بن وهب البرجمي قال حدثني محمد بن الحجاج قال
جاءنا بشار يوما فقلنا له مالك مغتما فقال مات حماري فرأيته في النوم فقلت له لم مت ألم أكن أحسن إليك فقال
( سَيِّدي خُذْ بي أتَاناً ... عند باب الأصبهانِي )
( تَيْمتني ببنانٍ ... وبَدلٍّ قد شَجَاني )
( تَيّمتني يوم رُحنا ... بثناياها الحسان )
( وبغُنْج ودَلال ... سَلّ جسمي وبَراني )
( ولها خَدٌّ أسِيلٌ ... مثلُ خدّ الشيفرانِ )
( فلذا متُّ ولو عِشْت ... ُ إذاً طال هوانِي )
فقلت له ما الشيفران قال ما يدريني هذا من غريب الحمار فإذا لقيته فاسأله
أخبرني الحسن قال حدثني محمد بن القاسم قال حدثني علي بن إياس قال حدثني السري بن الصباح قال
شهد بشار مجلسا فقال لا تصيروا مجلسنا هذا شعرا كله ولا حديثا كله ولا غناء كله فإن العيش فرض ولكن غنوا وتحدثوا وتناشدوا وتعالوا نتناهب بالعيش تناهبا
أخبرني عمي قال حدثني الكراني عن ابن عائشة قال
جاء بشار يوما إلى أبي وأنا على الباب فقال لي من أنت يا غلام فقلت
(3/229)

من ساكني الدار قال فكلمني والله بلسان ذرب وشدق هريت
أخبرني عمي قال حدثني الكراني عن أبي حاتم قال
كان سهيل بن عمر القرشي يبعث إلى بشار في كل سنة بقواصر تمر ثم أبطأ عليه سنة فكتب إليه بشار
( تمركُم يا سُهَيلُ دُرٌّ وهل يُطْمَع ... ُ في الدرّ مِنْ يَدَيٍْ مُتَعتِّي )
( فاحبُنِي يا سهيلُ من ذلك التمرِ ... نواةً تكون قُرْطاً لبنتِي )
فبعث إليه بالتمر وأضعفه له وكتب إليه يستعفيه من الزيادة في هذا الشعر
ونسخت من كتاب هارون بن علي عن عافية بن شبيب عن الحسن بن صفوان قال
جلس إلى بشار أصدقاء من أهل الكوفة كانوا على مثل مذهبه فسألوه أن ينشدهم شيئا مما أحدثه فأنشدهم قوله
( أنَّى دعاه الشّوقُ فارتاحا ... من بعد ما أصبح جَحجاحا )
حتى أتى على قوله
( في حُلَّتي جسمُ فتىً ناحلٍ ... لو هّبت الرّيح به طاحا )
فقالوا يابن الزانية أتقول هذا وأنت كأنك فيل عرضك أكثر من طولك فقال
(3/230)

قوموا عني يا بني الزناء فإني مشغول القلب لست أنشط اليوم لمشاتمتكم
ألح على امرأة فشكته إلى زوجها
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن عافية بن شبيب قال
كان لبشار مجلس يجلس فيه بالعشي يقال له البردان فدخل عليه نسوة في مجلسه هذا فسمعن شعره فعشق امرأة منهن وقال لغلامه عرفها محبتي لها واتبعها إذا إنصرفت إلى منزلها ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه إلى ما أحب فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى برمت به فشكته إلى زوجها فقال لها أجيبيه وعديه إلى أن يجيئك إلى هاهنا ففعلت وجاء بشار مع امرأة وجهت بها إليه فدخل وزوجها جالس وهو لا يعلم فجعل يحدثها ساعة وقال له ما اسمك بأبي أنت فقالت أمامة فقال
( أمامةُ قد وُصفتِ لنا بحسن ... وإِنّا لا نَراكِ فألمِسينا )
قال فأخذت يده فوضعتها على أير زوجها وقد أنعظ ففزع ووثب قائما وقال
( عليّ ألِيّةٌ ما دمتُ حيّا ... أَمَسُّكِ طائعاً إلا بعُودِ )
( ولا أُهدي لقومٍ أنتِ فيهم ... سلامَ الله إلاّ من بعيدِ )
( طلبتُ غنيمةً فوضعت كفّي ... على أير أشدَّ من الحديدِ )
( فخيرٌ منكِ من لا خيرَ فيه ... وخيرٌ من زيارتكم قُعودي )
وقبض زوجها عليه وقال هممت بأن أفضحك فقال له كفاني فديتك ما فعلت بي ولست والله عائدا إليها أبدا فحسبك ما مضى وتركه وانصرف وقد روي مثل هذه الحكاية عن الأصمعي في قصة بشار هذه
وهذا الخبر بعينه يحكى بإسناد أقوى من هذا الإسناد وأوضح عن أبي العباس الأعمى السائب بن
(3/231)

فروخ وقد ذكرته في أخبار أبي العباس بإسناده
بشار يرثي أصدقاءه الخمسة
نسخت من كتاب هارون بن علي قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني حمدان الآبنوسي قال حدثنا أبو نواس قال
كان لبشار خمسة ندماء فمات منهم أربعة وبقي واحد يقال له البراء فركب في زورق يريد عبور دجلة العوراء فغرق وكان المهدي قد نهى بشارا عن ذكر النساء والعشق فكان بشار يقول ما خير في الدنيا بعد الأصدقاء ثم رثى أصدقاءه بقوله
( يابنَ موسى ماذا يقول الإِمامُ ... في فتاة بالقلب منها أوامُ )
( بِتُّ منْ حبّها أُوَقَّرُ بالكأس ... ويهفُو على فؤادي الهُيَامُ )
( وَيْحَها كاعباً تُدِلّ بجَهْمٍ ... كَعَثبيّ كأنّه حَمّامُ )
( لم يكن بينها وبيني إلاّ ... كُتُبُ العاشقين والأحلامُ )
( يابنَ موسى اسقني ودَع عنك سلمى ... إنّ سلمى حِمىً وفيّ احتشامُ )
( رُبّ كأسٍ كالسَّلسبيل تعلّلتُ ... بها والعيون عنّي نيامُ )
( حُبستْ للشُّراة في بَيت رأس ... عُتّقتْ عانساً عليها الخِتامُ )
( نَفحتْ نَفحةً فهزّت نديمي ... بنسيمٍ وانشقّ عنها الزّكامُ )
(3/232)

( وكأنّ المعلولَ منها إذا راح ... شَجٍ في لسانه بِرْسامٌ )
( صدّمْته الشَّمولُ حتَى بعينيه ... انكسارٌ وفي المفاصل خَامُ )
( وهو باقِي الأطراف حَيّت به الكأس ... وماتت أوصالُه والكَلامُ )
( وفتىً يشربُ المدامةَ بالمال ... ويمشي يروم ما لا يُرامُ )
( أنفدتْ كأسُه الدنانيرَ حتّى ... ذهب العينُ واستمرّ السَّوَامُ )
( تركتْه الصَّهباء يرنو بعين ... نام إنسانُها وليست تَنامُ )
( جُنّ من شَربة تُعَلّ بأخرى ... وبكَى حين سار فيه المُدامُ )
( كان لي صاحباً فأودَى به الدّهر ... وفارقتُه عليه السَّلامُ )
( بَقِيَ الناس بعدَ هُلْك نَدامايَ ... وقوعاً لم يشعروا ما الكلامُ )
( كجَزور الأيسار لا كَبدٌ فيها ... لباغٍ ولا عليها سَنامُ )
( يابنَ موسى فَقْدُ الحبيب على العين ... َ قَذاةٌ وفي الفؤاد سقَامُ )
( كيف يصفو ليَ النعيم وحيداً ... والأخلاّء في المقابر هام )
( نَفِسَتْهم علي أمُّ المنايا ... فأنامَتْهُم بعنُفٍ فناموا )
( لا يَغيض انسجامُ عيني عنهم ... إنّما غاية الحزين السِّجامُ )
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي عن الأصمعي
(3/233)

أن بشارا وفد إلى عمر بن هبيرة وقد مدحه بقوله
( يخاف المنايا أن ترحّلت صاحبي ... كأنّ المنايا في المُقام تُناسِبُهْ )
( فقلتُ له إنّ العراق مقامه ... وخيم إذا هبّت عليك جنائُبهْ )
( لألقى بني عَيلان إنّ فعالهم ... تزيد على كلّ الفَعال مَراتُبهْ )
( أولاك الأُلى شقّوا العمَى بسيوفهم ... عن العين حتّى أبصر الحقَّ طالبُهْ )
( وجيشٍ كجُنح الليل يزحَف بالحصا ... وبالشوك والخَطِّيِّ حُمراً ثَعَالِبُهْ )
( غَدَونا له والشّمسُ في خِدر أُمّها ... تُطالعنا والطَّلُّ لم يَجرِ ذائبُهْ )
( بضَربٍ يذوق الموتَ من ذاق طعمَه ... وتُدْرِك من نجّى الفرارُ مَثَالبُهْ )
( كأنّ مُثَارَ النّقع فوقَ رؤوسنا ... وأسيافَنا ليلٌ تَهَاوَى كوكبُهْ )
( بعثنا لهم موتَ الفُجاءةِ إنّنا ... بنو الموت خفّاق علينا سَبائبُهْ )
( فراحوا فريقٌ في الإِسار ومثلُه ... قتيلٌ ومثلٌ لاذ بالبحر هاربُهْ )
( إذا الملك الجبّار صعر خدّه ... مَشيْنا إليه بالسُّيوف نعاتبُهْ )
فوصله بعشرة آلاف درهم فكانت أول عطية سنية أعطيها بشار ورفعت من ذكره وهذه القصيدة هي التي يقول فيها
(3/234)

صوت
( إذا كنتَ في كلّ الأمور مُعاتبا ... صديقَك لم تلق الذي لا تعاتبُهْ )
( فعِشْ واحداً أو صِلْ أخاك فإنه ... مُقارِفُ ذنبٍ مرّة ومجانبُهْ )
( إذا أنت لم تشرَبْ مِراراً على القَذَى ... ظَمئتَ وأيّ النّاس تصفو مَشاربُهْ )
الغناء في هذه الأبيات لأبي العبيس بن حمدون خفيف ثقيل بالبنصر في مجراها
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال ذكر أبو أيوب المديني عن الأصمعي قال
كان لبشار مجلس يجلس فيه يقال له البردان وكان النساء يحضرنه فبينما هو ذات يوم في مجلسه إذ سمع كلام امرأة في المجلس فعشقها فدعا غلامه فقال إذا تكلمت المرأة عرفتك فاعرفها فإذا انصرفت من المجلس فاتبعها وكلمها وأعلمها أني لها محب وقال فيها
( يا قومُ أُذني لبعض الحيّ عاشقة ... والأذن تعشَق قبل العين أحيانا )
( قالوا بمن لا تَرى تَهذِي فقلتُ لهم ... الأذن كالعين تُوفي القلب ما كانا )
( هل من دواءٍ لمشغوف بجارية ... يلقَى بلُقيانها رَوحا ورَيحانا )
وقال في مثل ذلك
( قالت عُقَيل بن كعب إذ تَعلّقها ... قلبي فأضحَى به من حبّها أثرُ )
( أنَّى ولم ترها تَهذِي فقلتُ لهم ... إنّ الفؤاد يَرى ما لا يَرى البصرُ )
(3/235)

( أصبحتُ كالحائم الحَيران مُجتنباً ... لم يقضِ وِرداً ولا يُرجَى له صَدَرُ )
قال يحيى بن علي وأنشدني أصحاب أحمد بن إبراهيم عنه لبشار في هذا المعنى وكان يستحسنه
( يُزهّدني في حبّ عَبدةَ مَعشرٌ ... قلوبُهُم فيها مخالفةٌ قلبي )
( فقلت دَعوا قلبي وما اختار وارتضَى ... فبالقلب لا بالعين يُبصِر ذو الحبِّ )
( فما تُبصر العينان في مَوضع الهوى ... ولا تَسمع الأذنان إلاَّ من القلبِ )
( وما الحسنُ إلاّ كلُّ حسنٍ دعا الصّبا ... وألّف بين العشق والعاشِق الصَّبِّ )
قال أبو أحمد وقال في ذلك
( يا قلبُ مالي أراكَ لا تَقِرُ ... إيّاك أعنِي وعندَكَ الخبرُ )
( أذعتَ بعدَ الألى مَضْوا حُرقاً ... أم ضاع ما استودعوك إذ بَكَروا )
قال أبو أحمد وقال في مثل ذلك
( إنّ سليمى واللهُ يكلؤها ... كالسُّكر تَزدادُه على السَّكَرِ )
( بُلّغتُ عنها شَكلاً فأعجبني ... والسّمعُ يكفيك غَيبةَ البصرِ )
أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني أبي قال
زعم أبو العالية أن بشارا قدم على المهدي فلما استأذن عليه قال له الربيع قد أذن لك وأمرك ألا تنشد شيئا من الغزل والتشبيب فادخل على ذلك فأنشده قوله
( يا مَنظَراً حَسَناً رأيتُهْ ... من وجه جارية فديتُهْ )
(3/236)

( بعثتْ إليّ تَسومني ... بُردَ الشّباب وقد طوَيْتُهْ )
( واللهِ ربِّ مُحمّد ... ما إن غَدرتُ ولا نَويتُهْ )
( أمسكتُ عنك وربّما ... عَرض البلاء وما ابتغيتُهْ )
( إنّ الخليفة قد أبَى ... وإِذا أبَى شيئاً أبيتُهْ )
( ومُخضَّبٍ رَخص البَنان ... بَكى عليّ وما بكَيتُهْ )
( ويُشوقني بيتُ الحبيب ... إذا ادّكرتُ وأينَ بيتُهْ )
( قام الخليفة دونَه ... فصبرتُ عنه وما قلَيْتُه )
( ونَهانِيَ الملك الهمام ... عن النَّسيب وما عصَيْتُهْ )
( لا بل وفَيتُ فلم أُضِع ... عهداً ولا رأياً رأيتُهْ )
( وأنا المُطلّ على العِدا ... وإِذا غلا علق شريتُه )
( أُصفِي الخليلَ إذا دنا ... وإِذا نأى عنّي نأيتُهْ )
ثم أنشده ما مدحه به بلا تشبيه فحرمه ولم يعطه شيئا فقيل له إنه لم يستحسن شعرك فقال والله لقد مدحته بشعر لو مدح به الدهر لم يخش صرفه على أحد ولكنه كذب أملي لأني كذبت في قولي ثم قال في ذلك
( خليليَّ إنّ العسرَ سوف يُفيقُ ... وإِنّ يساراً في غدٍ لخليقُ )
( وما كنتُ إلا كالزّمان إذا صحا ... صَحوتُ وإِن ماق الزّمان أموقُ )
( أأدْماء لا أستطيع في قلّة الثّرى ... خُزُوزا وَوشيا والقليلُ مَحيقُ )
(3/237)

( خُذي من يدي ما قلّ إنّ زماننا ... شَمُوسٌ ومعروف الرجال رقيقُ )
( لقد كنتُ لا أرضَى بأدنى مَعيشة ... ولا يَشتكِي بُخلاً عليّ رفيقُ )
( خليليّ إنّ المال ليس بنافع ... إذا لم يَنل منه أخٌ وصديقُ )
( وكنتُ إذا ضاقت عليّ مَحَلَّةٌ ... تيمّمتُ أخرى ما عليّ تضيقُ )
( وما خاب بينَ الله والناس عاملٌ ... له في التّقى أو في المحامد سُوقُ )
( ولا ضاق فضلُ الله عن مُتعفّفٍ ... ولكنّ أخلاقَ الرجال تَضيقُ )
المهدي يتهدده إذا عاد إلى قول النسيب
أخبرني حبيب بن نصر قال حدثني عمر بن شبة قال
بلغ المهدي قول بشار
( قاسِ الهمومَ تنلْ بها نَجَحا ... والليلَ إنّ وراءه صُبُحا )
( لا يُؤيسنك من مُخبّاةٍ ... قولٌ تُغلِّظه وإِن جَرَحا )
( عُسر النّساء إلى مُياسرَةٍ ... والصّعبُ يُمكن بعد ما جَمَحا )
فلما قدم عليه استنشده هذا الشعر فأنشده إياه وكان المهدي غيورا فغضب وقال تلك أمك يا عاض كذا من أمه أتحض الناس على الفجور وتقذف المحصنات المخبات والله لئن قلت بعد هذا بيتا واحدا في نسيب لأتين على روحك فقال بشار في ذلك
( والله لولا رِضا الخليفة ما ... أعطيتُ ضَيما عليَّ في شَجنِ )
( وربّما خِيرَ لابن آدمَ في الكُره ... وشقَّ الهوى على البدنِ )
(3/238)

( فاشرَبْ على ابنة الزّمان فما ... تَلقى زمانا صفَا من الأُبَنِ )
( الله يُعطيك من فواضله والمرء ... يُغضي عيناً على الكُمَنِ )
( قد عشتُ بين الرَّيحان والراح والمزهر ... في ظلّ مَجلسٍ حسنِ )
( وقد ملأتُ البلاد ما بين فُغْفُور ... الى القَيروان فاليمنِ )
قال عمر بن شبة فغفور ملك الصين
( شِعرا تُصلّي له العواتِقُ والثِّيبُ ... صلاةَ الغُواة للوثَنِ )
( ثم نهاني المَهديّ فانصرفتْ ... نفسي صنيعَ الموفَّق اللّقنِ )
( فالحمد لله لا شريكَ له ... ليس بباق شيءٌ على الزّمنِ )
ثم أنشده قصيدته التي أولها
( تجاللتُ عن فِهرٍ وعن جارتَيْ فهرِ ... )
ووصف بها تركه التشبيب ومدحه فقال
( تَسلّى عن الأحباب صَرّامُ خُلّة ... ووصّالُ أخرى ما يُقيم على أمرِ )
( وركّاض أفراس الصّبابة والهوى ... جرت حِجَجاً ثم استقرّت فما تَجري )
( فأصبحن ما يُركَبن إلاّ إلى الوغَى ... وأصبحتُ لا يُزْرى عليّ ولا أزرِي )
( فهذا وإِنّي قد شَرَعْتُ مع التّقى ... وماتت همومي الطارقاتُ فما تسري )
ثم قال يصف السفينة
(3/239)

( وعذراء لا تجري بلحم ولا دمٍ ... قليلة شكوى الأيْن ملجَمة الدُّبْرِ )
( إذا ظَعَنت فيها الفُلول تشخّصت ... بفُرسانها لا في وُعوث ولا وعرِ )
( وإِن قصدت زلّت على مُتنصِّب ... ذليل القوى لا شيءَ يَفري كما تفري )
( تُلاعب تَيّارَ البحور وربّما ... رأيتَ نفوس القوم من جَريها تجري )
قال وكان قال نينان البحور فعابه بذلك سيبويه فجعله تيار البحور
( إلى ملك من هاشم في نبوّة ... ومن حِميْر في الملك في العدد الدَّثرِ )
( مِنَ المشترين الحمد تَندى من النّدى ... يداه ويندَى عارِضاه من العِطرِ )
( فألزمتُ حبلي حبلَ من لا تُغبّه ... عُفاة الندى من حيثُ يَدري ولا يَدري )
( بَنَى لك عبد الله بيتَ خلافة ... نزلتَ بها بين الفَراقد والنَّسرِ )
( وعندك عهدٌ من وَصاة محمّد ... فَرعتَ به الأملاكَ من ولد النّضرِ )
فلم يحظ منه أيضا بشيء فهجاه فقال في قصيدته
(3/240)

المهدي يأمر بقتله بعد أن هجاه
( خليفةٌ يزني بعمّاته ... يلعب بالدَّبُّوق والصّوْلجانْ )
( أبدلنا الله به غيرَه ... ودسّ مُوسى في حِر الخَيْزُرانْ )
وأنشدها في حلقة يونس النحوي فسعي إلى يعقوب بن داود وكان بشار قد هجاه فقال
( بني أميّة هُبّوا طال نومُكُم ... إنّ الخليفة يعقوبُ بنُ داودِ )
( ضاعتْ خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفةَ الله بينَ الزِّق والعودِ )
فدخل يعقوب على المهدي فقال له يا أمير المؤمنين إن هذا الأعمى الملحد الزنديق قد هجاك فقال بأي شيء فقال بما لا ينطق به لساني ولا يتوهمه فكري قال له بحياتي إلا أنشدتني فقال والله لو خيرتني بين إنشادي إياه وبين ضرب عنقي لاخترت ضرب عنقي فحلف عليه المهدي بالأيمان التي لا فسحة فيها أن يخبره فقال أما لفظا فلا ولكني أكتب ذلك فكتبه ودفعه إليه فكاد ينشق غيظا وعمد على الانحدار إلى البصرة للنظر في أمرها وما وكده غير بشار فانحدر فلما بلغ إلى البطيحة سمع أذانا في وقت ضحى النهار فقال انظروا ما هذا الأذان فإذا بشار يؤذن سكران فقال له يا زنديق يا عاض بظر أمه عجبت أن يكون هذا غيرك أتلهو بالأذان في غير وقت صلاة وأنت سكران ثم دعا بابن نهيك فأمره بضربه بالسوط فضربه بين يديه على صدر الحراقة سبعين
(3/241)

سوطا أتلفه فيها فكان إذا أوجعه السوط يقول حس وهي كلمة تقولها العرب للشيء إذا أوجع فقال له بعضهم انظر إلى زندقته يا أمير المؤمنين يقول حس ولا يقول بسم الله فقال ويلك أطعام هو فأسمي الله عليه فقال له الآخر أفلا قلت الحمد لله قال أو نعمة هي حتى أحمد الله عليها فلما ضربه سبعين صوتا بان الموت فيه فألقي في سفينة حتى مات ثم رمي به في البطيحة فجاء بعض أهله فحملوه إلى البصرة فدفن بها
أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثني خالد بن يزيد بن وهب بن جرير عن أبيه قال
لما ولي صالح بن داود أخو يعقوب بن داود وزير المهدي البصرة قال بشار يهجوه
( هُمُ حَملوا فوقَ المنابر صالحاً ... أخاك فضجّت من أخيك المنابُر )
فبلغ ذلك يعقوب فدخل على المهدي فقال يا أمير المؤمنين أبلغ من قدر هذا الأعمى المشرك أن يهجو أمير المؤمنين قال ويحك وما قال قال يعفيني أمير المؤمنين من إنشاده ثم ذكر باقي الخبر مثل الذي تقدمه فقال خالد بن يزيد بن وهب في خبره وخاف يعقوب بن داود أن يقدم على المهدي فيمدحه ويعفو عنه فوجه إليه من استقبله فضربه بالسياط حتى قتله ثم ألقاه في البطيحة في الخرارة
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا علي بن محمد النوفلي عن أبيه وعن جماعة من رواة البصريين وأخبرنا يحيى بن علي عن أحمد بن أبي طاهر عن علي بن محمد وخبره أتم قالوا
خرج بشار إلى المهدي ويعقوب بن داود وزيره فمدحه ومدح يعقوب فلم يحفل به يعقوب ولم يعطه شيئا ومر يعقوب ببشار يريد منزله فصاح به بشار
( طال الثَّواء على رُسوم المنزِلِ ... )
(3/242)

فقال يعقوب
( فإِذا تشاءُ أبا معاذٍ فارحَلِ ... )
فغضب بشار وقال يهجوه
( بني أميّة هُبّوا طال نومُكُم ... إنّ الخليفة يعقوبُ بن داودِ )
( ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الزِّقّ والعُودِ )
قال النوفلي فلما طالت أيام بشار على باب يعقوب دخل عليه وكان من عادة بشار إذا أراد أن ينشد أو يتكلم أو يتفل عن يمينه ويصفق بإحدى يديه على الآخرى ففعل ذلك وأنشد
( يعقوبُ قد ورد العُفاةُ عشيّةً ... مُتعرّضين لسَيبك المُنتاب )
( فسقَيتَهم وحسبتني كَمّونةً ... نَبتت لزارعها بغير شرابِ )
( مَهلاً لديك فإِنّني رَيحانة ... فاشمُمْ بأنفك واسقِها بذِنابِ )
( طال الثواءُ على تنظُّرِ حاجةٍ ... شَمِطتْ لديك فمن لها بخِضابِ )
( تُعطِي الغزيرةُ درَّها فإِذا أبتْ ... كانت مَلامتُها على الحُلاّبِ )
يقول ليعقوب أنت من المهدي بمنزله الحالب من الناقة الغزيرة التي إذا لم يوصل إلى درها فليس ذلك من قبلها إنما هو في منع الحالب منها وكذلك الخليفة ليس من قبله لسعة معروفة إنما هي من قبل السبب إليه
قال فلم يعطف ذلك يعقوب عليه وحرمه فانصرف إلى البصرة مغضبا فلما قدم المهدي البصرة أعطى عطايا كثيرة ووصل الشعراء وذلك كله على يدي يعقوب فلم يعط بشارا
(3/243)

شيئا من ذلك فجاء بشار إلى حلقة يونس النحوي فقال هل ها هنا أحد يحتشم قالوا له لا فأنشأ بيتا يهجو فيه المهدي فسعى به أهل الحلقة إلى يعقوب فقال يونس للمهدي إن بشارا زنديق وقامت عليه البينة عندي بذلك وقد هجا أمير المؤمنين فأمر ابن نهيك بأخذه وأزف خروجهم فخرجوا وأخرجه ابن نهيك معه في زورق فلما كانوا بالبطيحة ذكره المهدي فأرسل إلى ابن نهيك يأمره أن يضرب بشارا ضرب التلف ويلقيه بالبطيحة فأمر به فأقيم على صدر السفينة وأمر الجلادين أن يضربوه ضربا يتلفون فيه نفسه ففعلوا ذلك فجعل يسترجع فقال بعض من حضر أما تراه لا يحمد الله فقال بشار أنعمة هي فأحمد الله عليها إنما هي بلية أسترجع عليها فضرب سبعين سوطا مات منها وألقي في البطيحة
قال يحيى بن علي فحكى قعنب بن محرز الباهلي قال حدثني محمد بن الحجاج قال
لما ضرب بشار بالسياط وطرح في السفينة قال ليت عين أبي الشمقمق رأتني حين يقول
( إنّ بشّارَ بنَ برد ... تيسٌ أعمى في سفينة )
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال
أمر المهدي عبد الجبار صاحب الزنادقة فضرب بشارا فما بقي في بالبصرة شريف إلا بعث إليه بالفرش والكسوة والهدايا ومات بالبطيحة قال وكانت وفاته وقد ناهز ستين سنة
(3/244)

نعي بشار
قال عمر بن شبة حدثني سالم بن علي قال كنا عند يونس فنعى بشارا إلينا ناع فأنكر يونس ذلك وقال لم يمت فقال الرجل أنا رأيت قبره فقال أنت رأيته قال نعم وإلا فعلي وعلي وحلف له حتى رضي فقال يونس لليدين وللفم
قال أبو زيد وحدثني جماعة من أهل البصرة منهم محمد بن عون بن بشير وكان يتهم بمذهب بشار فقال
لما مات بشار ألقيت جثته بالبطيحة في موضع يعرف بالخرارة فحمله الماء فأخرجه إلى دجلة البصرة فأخذ فأتي به أهله فدفنوه قال وكان كثيرا ما ينشدني
( ستَرى حولَ سَريري ... حُسّرا يَلْطِمن لَطما )
( يا قَتيلا قتلتْه ... عبدةُ الحوراءُ ظلما )
قال وأخرجت جنازته فما تبعها أحد إلا أمة له سوداء سندية عجماء ما تفصح رأيتها خلف جنازته تصيح واسيداه واسيداه
قول الناس في موت بشار
قال أبو زيد وحدثني سالم بن علي قال
لما مات بشار ونعي إلى أهل البصرة تباشر عامتهم وهنأ بعضهم بعضا وحمدوا الله وتصدقوا لما كانوا منوا به من لسانه
(3/245)

وقال أبو هشام الباهلي فيما أخبرنا به يحيى بن علي في قتل بشار
( يا بُؤْسَ مَيْتٍ لم يبكِه أحدُ ... أَجَلْ ولم يَفتقدْه مُفتقِدُ )
( لا أُمُّ أولاده بكتْه ولم ... يَبْكِ عليه لفُرقةٍ وَلدُ )
( ولا ابنُ أختٍ بكى ولا ابنُ أخٍ ... ولا حَميمٌ رقّت له كبِدُ )
( بل زعموا أنّ أهلَه فرحاً ... لمّا أتاهم نَعِيُّه سَجَدوا )
قال وقال أيضا في ذلك
( قد تبِع الأعمى قَفا عَجْرَدٍ ... فأصبحا جارَين في دارِ )
( قالت بِقاعُ الأرض لا مَرحباً ... برُوح حمّادٍ وبشّارِ )
( تَجاورَا بعد تَنائيهما ... ما أبْغضَ الجارَ إلى الجارِ )
( صارا جميعاً في يديّ مالكٍ ... في النّار والكافرُ في النارِ )
قال أبو أحمد يحيى بن علي وأخبرنا بعض إخواني عن عمر بن محمد عن أحمد بن خلاد عن أبيه قال
مات بشار سنة ثمان وستين ومائة وقد بلغ نيفا وسبعين سنة
المهدي يندم على أمره بقتل بشار
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال
لما ضرب المهدي بشارا بعث إلى منزله من يفتشه وكان يتهم بالزندقة فوجد في منزله طومار فيه
بسم الله الرحمن الرحيم
إني أردت هجاء آل سليمان بن علي لبخلهم فذكرت قرابتهم من رسول الله فأمسكت عنهم إجلالا له على أني قد قلت فيهم
(3/246)

( دِينارُ آلِ سليمانٍ ودِرهَمُهم ... كالبابِليِّين حُفّا بالعفاريتِ )
( لا يُبصَران ولا يُرجَى لقاؤهما ... كما سمعتَ بهارُوتٍ ومارُوت )
فلما قرأه المهدي بكى وندم على قتله وقال لا جزى الله يعقوب بن داود خيرا
فإنه لما هجاه لفق عندي شهودا على أنه زنديق فقتلته ثم ندمت حين لا يغني الندم
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا عمر بن محمد بن عبد الملك قال حدثني محمد بن هارون قال
لما نزل المهدي البصرة كان معه حمدويه صاحب الزنادقة فدفع إليه بشارا وقال اضربه ضرب التلف فضربه ثلاثة عشر سوطا فكان كلما ضربه سوطا قال له أوجعتني ويلك فقال يا زنديق أتضرب ولا تقول بسم الله قال ويلك أثريد هو فأسمي الله عليه قال ومات من ذلك الضرب
ولبشار أخبار كثيرة قد ذكرت في عدة مواضع منها أخباره مع عبدة فإنها أفردت في بعض شعره فيها الذي غنى فيه المغنون وأخباره مع حماد عجرد في تهاجيهما فإنها أيضا أفردت وكذلك أخباره مع أبي هاشم الباهلي فإنا لا نجمع جميعها في هذا الموضع إذ كان كل صنف منها مستغنيا بنفسه حسبما شرط في تصدير الكتاب
(3/247)

أخبار يزيد حوراء
طبقة يزيد حوراء
يزيد حوراء رجل من أهل المدينة ثم من موالي بني ليث بن بكر بن عبد مناة ابن كنانة ويكنى أبا خالد مغن محسن كثير الصناعة من طبقة ابن جامع وإبراهيم الموصلي وكان ممن قدم على المهدي في خلافته فغناه وكان حسن الصوت حلو الشمائل
وذكر ابن خرداذبه أنه بلغه أن إبراهيم الموصلي حسده على شمائله وإشارته في الغناء فاشترى عدة جوار وشاركه فيهن وقال له علمهن فما رزق الله فيهن من ربح فهو بيننا وأمرهن أن يجعلن وكدهن أخذ إشارته ففعلن ذلك وكان إبراهيم يأخذها عنهن هو وابنه ويأمرهن بتعليم كل من يعرفنه ذلك حتى شهرها في الناس فأبطل عليه ما كان منفردا به من ذلك
(3/248)

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن موسى قال حدثني جماعة من موالي الرشيد
إن يزيد حوراء كان صديقا لأبي العتاهية فقال أبو العتاهية أبياتا في أمر عتبة يتنجز فيها المهدي ما وعده إياه من تزويجها فإذا وجد المهدي طيب النفس غناه بها وهي
( ولقد تَنَسّمتُ الرياحَ حاجتي ... فإِذا لها من راحتَيْكَ نسيمُ )
( أشْربتُ نفسي من رجائك ماله ... عَنَقٌ يخُبّ إليك بي ورَسِيمُ )
( ورَمَيتُ نحوَ سماء جَوْدِك ناظِري ... أرْعَى مخايلَ بَرْقِهِ وأشيمُ )
( ولربّما استيأستُ ثم أقولُ لا ... إنّ الّذي ضَمِنَ النجاحَ كريمُ )
فصنع بها لحنا وتوخى لها وقتا وجد المهدي فيه طيب النفس فغناه بها فدعا بأبي العتاهية وقال له أما عتبة فلا سبيل إليها لأن مولاتها منعت من ذلك
ولكن هذه خمسون ألف درهم فاشتر ببعضها خيرا من عتبة فحملت إليه وانصرف
جمال وجهه وخصاله
أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن المرزبان قال حدثنا شيبة بن هشام عن عبد الله بن العباس الربيعي قال
(3/249)

كان يزيد حوراء نظيفا ظريفا حسن الوجه شكلا لم يقدم علينا من الحجاز أنظف ولا أشكل منه وما كنت تشاء أن ترى خصلة جميلة لا تراها في أحد منهم إلا رأيتها فيهم وكان يتعصب لإبراهيم الموصلي على ابن جامع فكان إبراهيم يرفع منه ويشيع ذكره بالجميل وينبه على مواضع تقدمه وإحسانه ويبعث بابنه إسحاق إليه يأخذ عنه وكان صديقا لأبي مالك الأعرج التميمي لا يكاد أن يفارقه فمرض مرضا شديدا واحتضر فاغتم عليه الرشيد وبعث بمسرور الخادم يسأل عنه ثم مات فقال أبو مالك يرثيه
صوت
( لم يُمَتَّعْ من الشباب يزيدُ ... صار في التُّرْبِ وهو غَضٌّ جديدُ )
( خانَه دهرهُ وقابَلَه منهُ ... بنَحْسٍ ودَابَرتْهُ السُّعودُ )
( حين زُقَّتْ دُنْياه من كل وجهٍ ... وتَدَانَى إليه منه البعيد )
( فكأن لم يكنْ يزيدُ ولم يَشْجُ ... نَدِيماً يَهُزُّه التّغريدُ )
وفي هذه الأبيات لحسين بن محرز لحن من الثقيل الثاني بالبنصر من نسخة عمرو بن بانة
إنشاده شعر أبي العتاهية في حضرة المهدي
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أحمد بن أبي يوسف قال حدثني الحسين بن جمهور بن زياد بن طرخان مولى المنصور قال حدثني أبو محمد عبد الرحمن بن عيينة بن شارية الدؤلي قال حدثني محمد بن ميمون أبو زيد قال حدثني يزيد حوراء المغني قال
(3/250)

كلمني أبو العتاهية في أن أكلم له المهدي في عتبة فقلت له إن الكلام لا يمكنني ولكن قل شعرا أغنه به فقال
صوت
( نفسِي بشيءٍ من الدنيا مُعَلَّقةٌ ... اللهُ والقائمُ المهديُّ يَكْفِيها )
( إني لأيأسُ منها ثم يُطْمِعُني ... فيها احتقارُكَ للدنيا وما فيها )
قال فعملت فيه لحنا وغنيته به فقال ما هذا فأخبرته خبر أبي العتاهية فقال ننظر فيما سأل فأخبرت أبا العتاهية ثم مضى شهر فجاءني وقال هل حدث خبر فقلت لا قال فاذكرني للمهدي قلت إن أحببت ذلك فقل شعرا تحركه وتذكره وعده حتى أغنيه به فقال
صوت
( ليتَ شعرِي ما عندكم ليتَ شعرِي ... فلقد أُخِّرَ الجوابُ لأمرِ )
( ما جوابٌ أوْلَى بكلّ جميلٍ ... من جوابٍ يُرَدُّ من بعد شهرِ )
قال يزيد فغنيت به المهدي فقال علي بعتبة فأحضرت فقال إن أبا العتاهية كلمني فيك فما تقولين ولك وله ما تحبان مما لا تبلغه أمانيكما فقالت له قد علم أمير المؤمنين ما أوجب الله علي من حق مولاتي وأريد أن أذكر لها هذا قال فافعلي قال وأعلمت أبا العتاهية ومضت أيام فسألني معاودة المهدي فقلت قد عرفت الطريق فقل ما شئت حتى أغنيه به فقال
صوت
( أشْربتُ قلبي من رجائك ما له ... عَنَقٌ يَخُبّ إليك بي ورسيم )
( وأمَلتُ نحوَ سماء جَودِك ناظِري ... أرعَى مَخَايِلَ بَرْقِها وأشيمُ )
(3/251)

( ولربّما استيأستُ ثم أقول لا ... إنّ الذي وعَدَ النجاحَ كريمُ )
قال يزيد فغنيته المهدي فقال علي بعتبة فجاءت فقال ما صنعت فقالت ذكرت ذلك لمولاتي فكرهته وأبته فليفعل أمير المؤمنين ما يريد فقال ما كنت لأفعل شيئا تكرهه فأعلمت أبا العتاهية بذلك فقال
( قَطّعْتُ منكِ حبائلَ الآمالِ ... وأَرحْتُ من حِلٍّ ومن تَرْحالِ )
( ما كان أشأمَ إذ رجاؤُكِ قاتِلي ... وبناتُ وَعْدِكِ يَعْتلِجن ببالي )
( ولئن طَعِمتُ لرُبَّ برْقةِ خُلّبٍ ... مالتْ بذِي طَمَع ولمعةِ آلِ )
عشقه لجارية
أخبرني محمد بن أبي الأزهر قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال
قال يزيد حوراء كنت أجلس بالمدينة على أبواب قريش فكانت تمر بي جارية تختلف إلى الزرقاء تتعلم منها الغناء فقلت لها يوما افهمي قولي وردي جوابي وكوني عند ظني فقالت هات ما عندك فقلت بالله ما اسمك فقالت ممنعة فأطرقت طيرة من اسمها مع طمعي فيها فقلت بل باذلة أو مبذولة إن شاء الله فاسمعي مني فقالت وهي تتبسم إن كان عندك شيء فقل فقلت
( لِيَهْنِكِ منّي أنني لستُ مُفْشِيا ... هواكِ إلى غيري ولو مُتُّ من كَرْبِ )
( ولا مانحاً خَلْقاً سواكِ مودّتي ... ولا قائلاً ما عشتُ من حبّكم حَسْبي )
قال فنظرت إلي طويلا ثم قالت أنشدك الله أعن فرط محبة أم اهتياج غلمة
(3/252)

تكلمت فقلت لا والله ولكن عن فرط محبة فقالت
( فواللهِ ربِّ الناس لا خُنتُكَ الهَوَى ... ولا زلتَ مخصوصَ المحبَّة من قلبي )
( فثِقْ بي فإنِّي قد وَثِقْتُ ولا تكنْ ... على غيرِ ما أظهرتَ لي يا أخا الحُبِّ )
قال فوالله لكأنما أضرمت في قلبي نارا فكانت تلقاني في الطريق الذي كانت تسلكه فتحدثني وأتفرج بها ثم اشتراها بعض أولاد الخلفاء فكانت تكاتبني وتلاطفني دهرا طويلا
صوت من المائة المختارة
( يا ليلةً جمعتْ لنا الأحبابا ... لو شئتِ دام لنا النعيمُ وطابا )
( بيتنا نُسَقَّاها شَمولا قَرْقفاً ... تَدعُ الصحيحَ بعقله مُرتابا )
( حمراء مثل دمِ الغزال وتارة ... عند المِزاج تخالها زريابا )
( من كفِّ جاريةٍ كأنّ بنَانَها ... من فِضّة قد قُمِّعَتْ عُنّابا )
( وكأنّ يُمناها إذا نقَرتْ بها ... تُلقِي على الكفِّ الشِّمالِ حِسابا )
عروضه من الكامل الشعر لعكاشة العمي والغناء لعبد الرحيم الدفاف ولحنه المختار هزج بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى
(3/253)

أخبار عكاشة العمى ونسبه
سبب تسميته بالعمي
هو عكاشة بن عبد الصمد العمي من أهل البصرة من بني العم وأصل بني العم كالمدفوع يقال إنهم نزلوا ببني تميم بالبصرة في أيام عمر بن الخطاب فأسلموا وغزوا مع المسلمين وحسن بلاؤهم فقال الناس أنتم وإن لم تكونوا من العرب إخواننا وأهلنا وأنتم الأنصار والإخوان وبنو العم فلقبوا بذلك وصاروا في جملة العرب
وقال بعض الشعراء وهو كعب بن معدان يهجو بني ناجية ويشبههم ببني العم
( وجدنا آلَ سامةَ في قَريشٍ ... كمثل العمِّ بين بني تميمِ )
ويروى في سلفي تميم
أخبرني عيسى بن الحسين عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني أبو عبيدة قال
لما تواقف جرير والفرزدق بالمربد للهجاء اقتتلت بنو يربوع وبنو
(3/254)

مجاشع فأمدت بنو العم بني مجاشع وجاؤوهم وفي أيدهم الخشب فطردوا بني يربوع فقال جرير من هؤلاء قالوا بنو العم فقال جرير يهجوهم
( ما للفرزدقِ مِنْ عزٍّ يلوذُ به ... إلاّ بني العمِّ في أيديهم الخشَبُ )
( سِيروا بني العمِّ فالأهواز داركُمُ ... ونهرَ تِيرَى ولم تعرفْكم العَربُ )
وعكاشة شاعر مقل من شعراء الدولة العباسية ليس ممن شهر وشاع شعره في أيدي الناس ولا ممن خدم الخلفاء ومدحهم
خبره مع جارية تدعى نعيم
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني علي بن الحسن عن ابن الأعرابي قال حدثني سعيد بن حميد الكاتب البصري قال قال أبي
كان عكاشة بن عبد الصمد العمي صديقا لي وإلفا وكنا نتعاشر ولا نكاد نفترق ولا يكتم أحدنا صاحبه شيئا فرأيته في بعض أيامه متغير الهيئة عما عهدته مقسم القلب والفكر غير آخذ ما كنا فيه من الفكاهة والمزاح فسألته عن حاله فكاتمنيها مليا ثم أخبرني أنه يهوى جارية لبعض الهاشميين يقال لها نعيم وأن مرامها عليه مستصعب لا يراها إلا من جناح لدارهم تشرف عليه في الفيئة بعد الفيئة فتكلمه كلاما يسيرا ثم تذهب فعاتبته على ذلك فلم يزدجر وتمادى في
(3/255)

أمره ثم جاءني يوما فقال قد وعدتني الزيارة لأن شكواي إليها طالت فقلت له فهل حققت لك الوعد على يوم بعينه قال لا إنما سألتها الزيارة فقالت نعم أفعل فقلت له هذا والله أعجب من سائر ما مضى وأي شيء لك فيه هذا من الفائدة بلا تحصيل وعد فقال لي يا أخي إن لي في قولها نعم فرجا كبيرا فقلت أنت أقنع الناس ثم جاءني بعد يومين وهو كاسف البال مهموم فقلت له مالك فقال مضيت إلى نعيم فتنجزت وعدها فقالت لي إن لي صاحبة أستنصحها وأعلم أنها تشفق علي شفقة الأخت على أختها والأم على ولدها وقد نهتني عن ذلك وقالت لي إن في الرجال غدرا ومكرا ولا آمن أن تفتضحي ثم لا تحصلي منه على شيء وقد انقطعت عني ثم أنشدني لنفسه
( علامَ حبلُ الصفاءِ منصرمُ ... وفيمَ عنّي الصدودُ والصَّمَمُ )
( يا من كَنَيْنا عن اسمه زمناً ... نتبعُ مرضاتَهُ ويجترمُ )
( قد عِيلَ صبري وأنتِ لاهيةٌ ... عنّي وقلبي عليكِ يَضْطَرِمُ )
( مَنْ جَدَّ حبلَ الوفاء سيِّدتي ... منكِ ومن سامني له العَدَمُ )
( فكم أتاني واشٍ يعيبكُمُ ... فقلتُ إخسَأْ لأنفِك الرَّغَمُ )
( أنتَ الفِدّأ والحِمَى لمن عِبتَ فارجع ... ْ صاغِراً راغماً لك الندَمُ )
صوت
( يا ربِّ خُذْ لي من الوُشاة إذا ... قاموا وقُمنا إليكَ نختصِمُ )
( دَبُّوا إليها يُوَسوسون لها ... كي يستزلُّوا حبيبتي زَعموا )
( هيهات مِنْ ذاك ضَلَّ سعيهُمُ ... ما قلبها المستعارُ يُقتَسَمُ )
(3/256)

( يا حاسدينا موتوا بغيظِكُمُ ... حَبْلِي متينٌ بقولها نَعَمُ )
( بالله لا تُشْمِتي العُدَاةَ بنا ... كوني كقلبي فلست أتّهمْ )
الغناء في هذه الأبيات لعريب رمل وقيل إنه لغيرها قال ثم طال ترداده إليها واستصلاحه لها فلم ألبث أن جاءتني رقعته في يوم خميس يعلمني أنها قد حصلت عنده ويستدعيني فحضرت وتوارت عني ساعة وهو يخبرها أنه لا فرق بيني وبينه ولا يحتشمني في حال البتة إلى أن خرجت فاجتمعنا وشربنا وغنت غناء حسنا إلى وقت العصر ثم انصرفت وأخذ دواة ورقعة فكتب فيها
( سَقْياً لمجلسنا الذي كنَّا به ... يومَ الخميسِ جماعةً أَتْرابا )
( في غُرفةٍ مَطَرَت سماوةُ سقفِها ... بحيَا النعيم من الكروم شَرابا )
( إذ نحنُ نُسقَاها شَمولاً قَرْقَفاً ... تَدَعُ الصحيحَ بعقله مُرتابا )
( حمراء مثل دمِ الغزال وتارةً ... بعد المِزاج تخالُها زِرْيابا )
( من كفِّ جاريةٍ كأنَّ بناَنَها ... من فِضَّةٍ قد قُمِّعتْ عُنّابا )
( تزدادُ حسناً كأسُها من كفّها ... ويطيب منها نشرُها أحقَابا )
( وإذا المزاجُ عَلاَ فَشَجّ جبينَها ... نَفَثَتْ بألْسِنةِ المِزاجِ حَبَابا )
( وتخالُ ما جَمَعتْ فأحدق سِمْطُه ... بالطَّوق رِيقَ حَبَائبٍ ورُضَابا )
( كَفَتِ المَنَاصِفَ أن تَذُبَّ أكُفُّها ... عنها إذا جعلتْ تَفُوح ذُبَابا )
(3/257)

( والعُودُ مُتّبعٌ غِناءَ خَرِيدةٍ ... غَرِداً يقول كما تقول صوابا )
( وكأنّ يُمناها إذا نَطَقتْ به ... تُلقِي على يدها الشِّمالِ حِسابا )
( فهناك خَفّ بنا النعيمُ وصار من ... دون الثقيل لنا عليه حِجَابا )
( آلَيتُ لا ألْحَى على طلب الهَوى ... مُتَلذِّداً حتى أكونَ تُرابا )
شعره في نعيم بعد تزويجها وسفرها
قال ثم قدم قادم من أهل بغداد فاشترى نعيم هذه من مولاتها ورحل إلى بغداد فعظم أسف عكاشة وحزنه عليها واستهيم بها طول عمره فاستحالت صورته وطبعه وخلقه إلى أن فرق الدهر بيننا فكان أكثر وكده وشغله أن يقول فيها الشعر وينوح به عليها ويبكي قال حميد بن سعيد فأنشدني أبي له في ذلك
( ألاَ ليتَ شِعْرِي هل يعودنّ ما مَضَى ... وهل راجعٌ ما مات من صِلة الحَبْلِ )
( وهل أجلسنْ في مثل مجلِسِنا الذي ... نَعِمْنا به يومَ السعادة بالوصلِ )
( عشيّةَ صَبّتْ لذةُ الوصل طِيبَها ... علينا وأفنانُ الجِنان جَنَى البَذْلِ )
( وقد دار ساقِينا بكأسٍ رَوِيَّةٍ ... تُرَحِّلُ أحزانَ الكئيبِ مع العقلِ )
( وشَجَّ شُمولاً بالمِزاج فطيَّرت ... كألسنة الحَيّات خافتْ من القتلِ )
( فبِتْنا وعينُ الكأسِ سَحٌّ دموعُها ... لِكلِّ فتىً يهتزّ للمجد كالنَّصْلِ )
( وقَيْنتنا كالظبي تسمَح بالهوى ... وبَثِّ تَبَارِيح الفؤادِ على رِسْلِ )
( إذا ما حَكَتْ بالعُودِ رَجْعَ لسانِها ... رأيتَ لسانَ العودِ من كَفِّها يُمْلي )
( فلم أر كاللّذّات أمطرَتِ الهَوَى ... ولا مثلَ يومي ذاك صادَفه مِثلي )
(3/258)

ومما قاله فيها
( أَنُعَيْم حبُّكِ سَلَّني وبَلاَنِي ... وإلى الأمَرِّ من الأمور دعاني )
( أَنُعَيْم لو تَجِدِينَ وَجْدِي والذي ... أَلْقَى بَكَيتِ من الذي أبكاني )
( أنعيم سيّدتي عليكِ تَقَطَّعتْ ... نفسي من الحَسَرات والأحزانِ )
( أنعيم قد رَحِم الهوى قلبي وقد ... بكتِ الثيابُ أسًى على جُثْماني )
( أنعيم وانحدرتْ مدامعُ مقلتي ... حتّى رَحِمتُ لرحمتي إخواني )
( أنعيم مَثَّلك الهُيَامُ لمقلتي ... فكأنّني ألقاكِ كلَّ مكانِ )
( أنعيم نظرةُ سحرِ عينِك بالهوى ... معروفةٌ بالقتل في إنسانِ )
( أنعيمٌ اشفِي أو دَعِي مَنْ داؤه ... ودواؤه بيديكِ مُقترنانِ )
( هذا وكم من مجلسٍ لي مُؤْنِفٍ ... بين النعيم وبين عيشٍ داني )
( نازعتُه أردانَه فَلَبِستُها ... مع ظَبْيةٍ في عيشنا الفَيْنانِ )
( تُنْسِي الحليمَ من الرجال مَعَادَه ... بين الغِناء وعُودَها الحَنّانِ )
( حتى يعودَ كأنّ حَبَّةَ قلبه ... مشدودَةٌ بمَثَالِبٍ ومَثَانِي )
( ظَلَّت تُغَنِّيني وتَعْطِفُ كفَّها ... بالعود بين الرَّاح والرَّيْحانِ )
( فسمِعتُ ما أبكَى وأضْحَكَ سامعاً ... وسكِرتُ من طَرَبٍ ومن أشجانِ )
( ومَشَيتُ في لُجَج الهوَى مُتَبختراً ... ومشى إليّ اللهوُ في الألوانِ )
( فعلِمتُ أنْ قد عاد قلبي عائدٌ ... من بينِ عُودٍ مُطرِبٍ وَبَنَانٍ )
(3/259)

ومما قاله أيضا فيها
( نُعَيْمٌ هل بَكَيتِ كما بَكَيتُ ... وهل بعدِي وَفَيتِ كما وَفَيتُ )
( ألاَ يا ليت شِعرِي كيف بَعدِي اصطبارُك ... ِ إذ نَأَيتِ وإذ نأيتُ )
( فكم من عَبْرةٍ ذَرَفتْ فلمّا ... خَشيِتُ عيونَ أهلي واستحيَتُ )
( نَهَضتُ بها مُكاتَمَةً فلمّا ... خلوتُ ذَرَفتُها حتّى اشتفيتُ )
( وقلتُ لصُحْبتي لمّا رَمَانِي ... هواكِ بدائه حتى انطويتُ )
( أراني من هموم النفسِ مَيْتاً ... ولم أرَ في نُعَيمٍ ما نَوَيتُ )
( فليتَ الموتَ عَجّل قبضَ رُوحي ... جِهاراً فاسترحتُ وأين ليتُ )
وقال أيضا في فراقه إياها
( أَنُعَيْمُ في قلبي عليك شَرَارُ ... وعلى الفؤاد من الصَّبابةِ نارُ )
( وعلى الجفون غِشاوةُ وعلى الهَوَى ... داعٍ دَعَتْه لِحَيْنَى الأقدارُ )
( بمضِلّةٍ لُبَّ الحليم إذا رَمَتْ ... بالمقلتين كأنها سَحّارُ )
( طالبتُها حَوْلَينِ لا لَيْلي بها ... ليلٌ ولا هذا النهارُ نهارُ )
( حتى إذا ظَفِرَتْ يدايَ بكاعِبٍ ... كالشمس تَقْصُر دونها الأبصارُ )
( وثَلِجتُ صدراً بالفتاة وصارتَا ... كالنفسِ نفسانَا وقَرّ قَرارُ )
( بَلَغ الشقاءُ أشدَّ ما يِسْطِيعُهُ ... فينا وفَرّق بيننا المِقْدارُ )
ومما يغنى فيه من شعر عكاشة الذي قاله في هذه الجارية
(3/260)

صوت
( لَهْفِي على الزمن الذي ... وَلَّى ببهجته القصيرِ )
( قد كان يُؤْنقني الهَوَى ... ويُقِرّ عيني بالسرورِ )
( إذ نحن خُلاّنُ الهَوَى ... رَيْحانُنا عَبِقُ العبيرِ )
( وغناؤنا وصفُ الهَوَى ... نلتذّ بالحبّ اليسيرِ )
الغناء في هذه الأبيات لابن صغير العين من كتاب إبراهيم ولم يذكر طريقته
وفيه لأبي العبيس بن حمدون خفيف رمل
وتمام هذه الأبيات
( وجهُ التواصُل بيننا ... في الحسن كالقمر المنيرِ )
( إيماؤنا يُحكي الكلامَ ... وسِرُّنا فَطَنُ المشيرِ )
( وحديثُنا بحواجبٍ ... نطقتْ بألسنة الضَّميرِ )
( بل رُسْلنا الكُتُبُ التي ... تَجري بخافيةِ الصُّدورِ )
المهدي أراد له الحد بعد أن أنشده شعرا في الخمر
حدثني الحسن بن عليل قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا أبو مسلم عن المدائني قال
أنشد عكاشة بن عبد الصمد المهدي قوله في الخمر
( حمراء مثل دم الغزال وتارةً ... عند المِزاج تَخالها زِرْيابا )
فقال له المهدي لقد أحسنت في وصفها إحسان من قد شربها ولقد استحققت بذلك الحد فقال أيؤمنني أمير المؤمنين حتى أتكلم بحجتي قال قد أمنتك
(3/261)

قال وما يدريك يا أمير المؤمنين أني أحسنت وأجدت صفتها إن كنت لا تعرفها فقال له المهدي اعزب قبحك الله
قال الحسن وأخبرني بهذا الخبر أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثنا الزبير ابن بكار أن عكاشة أنشد موسى الهادي هذا الشعر ثم أنشده قوله
( كأنّ فُضولَ الكأس من زَبَداتها ... خَلاخِلُ شُدّت بالجُمان إلى حَجْلِ )
فقال له موسى والله لأجلدنك حد الخمر قال ولم يا أمير المؤمنين إنما نقول ولا نفعل فقال كذبت قد وصفتها صفة عالم بها قال فاجعل لي الأمان حتى أتكلم بحجتي قال تكلم وأنت آمن قال أجدت وصفها أم لم أجد قال بل قد أجدت قال وما يدريك أني أجدت إن كنت لا تعرفها إن كنت وصفتها بطبعي دون امتحاني فقد شركتني في ذلك بطبعك وإن كان وصفها لا يعلم إلا بالتجربة فقد شركتني أيضا فيها فضحك موسى وقال له قد نجوت بحيلتك مني قاتلك الله فما أدهاك
متفرقات من شعره
ومما وجدت فيه غناء من شعر عكاشة قوله
( وجاءوا إليه بالتَّعاويذ والرُّقَى ... وَصَبّوا عليه الماء من شدّة النُّكْسِ )
( وقالوا به من أعين الجنّ نَظرةٌ ... ولو صدَقوا قالوا به أعينُ الإِنسِ )
الغناء لعريب
ومنها
( طَرفي يذوب وماءُ طَرفِك جامدُ ... وعليَّ من سِيمَا هواكِ شواهدُ )
(3/262)

( هذا هواكِ قسَمتِه بين الورى ... ومنحتِني أرَقاً وطَرفُكِ راقدُ )
( فعليّ منه اليومَ تسعةُ أَسهُمٍ ... وعلى جميع النّاسِ سهمٌ واحدُ )
الغناء لجحظة
ومنها
( غَادِ الهوى بالكأس بردَا ... وأطِعْ إمارَةَ من تَبدّى )
ومنها
( كما اشتهتْ خُلقتْ حتّى إذا اعتدلتْ ... تمّت قَواماً فلا طولٌ ولا قِصَرُ )
ومنها
( وزَعفرانيّة في اللّون تحسَبُها ... إذا تأمّلتَها في جِسم كافُورِ )
( تخال أنّ سَقِيط الطَّلّ بينَهما ... دمعٌ تَحيّر في أجفان مَهْجُورِ )
(3/263)

أخبار عبد الرحيم الدفاف ونسبه
الخلاف في اسم أبيه
عبد الرحيم بن الفضل الكوفي ويكنى أبا القاسم وقيل هو عبد الرحيم ابن سعد وقيل عبد الرحيم بن الهيثم بن سعد مولى لآل الأشعث بن قيس وقيل بل هو مولى خزاعة
ذكر أبو أيوب المديني أن حمادا الراوية حدثه قال رأيت عبد الرحيم الدفاف أيام هارون الرشيد بالرقة وقد ظهرت فحضرني وسمعته يغني يومئذ صوتا سئل عنه فذكر أنه من صنعته وهو
( فَديتُكِ لو تَدْرِين كيف أحِبكم ... وكيف إذا ما غِبتُ عنكِ أقولُ )
(3/264)

وكان عبد الرحيم منقطعا إلى علي بن المهدي المعروف بأمه ريطة بنت أبي العباس
فأخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال حدثني عبد الصمد بن المعذل قال
غنت جارية يوما بحضرة الرشيد
( قُل لعليّ أيا فتى العربِ ... وخيرَ أنامٍ وخيرَ مُكتسِبِ )
( أعلاك جَدّاك يا عليّ إذا ... قصّر جَدٌّ عن ذروة الحسبِ )
فأمر بضرب عنقها فقالت يا سيدي ما ذنبي هذا صوت علمته والله ما أدري من قاله ولا فيمن قيل فعلم أنها صدقت فقال لها عمن أخذته فقالت عن عبد الرحيم الدفاف فأمر بإحضاره فأحضر فقال له يا عاض بظر أمه أتغني في شعر تفاخر فيه بيني وبين أخي جردوه فجردوه ودعا له بالسياط فضرب بين يديه خمسمائة سوط
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد عن القطراني عن محمد بن جبر قال
قال لي عبد الرحيم بن القاسم الدفاف دخلت على علي بن ريطة يوما وستارته منصوبة فغنت جاريته
( أُناسٌ أمِنّاهم فَنَمّوا حديثَنا ... فلما كَتَمنا السرَّ عنهم تقَوَّلوا )
فقلت أرأيت إن غنيتك هذا الصوت وفي تمامه زيادة بيت واحد أي شيء لي عليك قال خلعتي التي علي فغنيته
(3/265)

( فلم يحفَظوا الوُدّ الذي كان بيننا ... ولا حينَ هَمّوا بالقَطيعة أجملوا )
قال فنزع خلعته فخلعها علي وأقمت عنده بقية يومي على عربدة كانت فيه
الشعر لعباس بن الأحنف والغناء لعبد الرحيم الدفاف هزج بالبنصر
وهذا أخذه العباس من قول أبي دهبل
صوت
( أمِنّا أُناساً كنتِ تأتمِنينهم ... فزادوا علينا في الحديث وأَوْهَمُوا )
( وقالوا لها مالم نقل ثمّ أكثروا ... عليّ وباحوا بالذي كنتُ أكتمُ
وفي هذين البيتين أغاني قديمة منها لحن لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق
ولابن زرزور الطائفي خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو
وفيه خفيف رمل بالبنصر والوسطى لمتيم وعريب
صوت من المائة المختارة
( بَكَرتْ سُمَيّةُ غُدْوةً فتمتَّعِي ... وغدتْ غُدُوَّ مُفَارقٍ لم يَرْبَعِ )
( وتَعَرّضتْ لكَ فاستبتكَ بواضح ... صَلْتٍ كمُنْتَصّ الغزال الأتلعِ )
عروضه من الكامل والشعر للحادرة الثعلبي والغناء في اللحن المختار لسعيد بن مسجح وإيقاعه من خفيف الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى
(3/266)

البنصر عن إسحاق وذكر عمرو بن بانة أنه لابن محرز
وفيهما للغريض ثقيل أول بالبنصر عن عمرو
وفيهما خفيف رمل بالوسطى لابن سريج عن حبش
ومما يغنى فيه من هذه القصيدة
( أسُمِيّ ما يُدريكِ كم من فِتْية ... بادرتُ لَذّتَهم بأدكَنَ مُتْرَعِ )
( بَكَروا عليّ بسُحْرة فصَبَحتُهم ... من عاتقٍ كدَمِ الذبيح مُشَعْشَعِ )
غناه مالك ولحنه من الثقيل الأول بالبنصر عن عمرو
وفيه لمالك خفيف ثقيل أيضا
وفيهما لعلويه
ثقيل أول صحيح من جيد صنعته
قوله فتمتعي يخاطب نفسه أي تمتعي منها قبل فراقها
ولم يربع لم يقم
والواضح الصلت يعني عنقها وأصل الصلت الماضي ومنه الناقة المصلات الماضية وشد عليه بالسيف صلتا أي خارجا من غمده
والصلت في هذا الشعر الطويل الذي لا قصر فيه
والمنتص المنتصب يقال انتص فلان أي انتصب
ومنصة العروس مأخوذة من هذا ومنه نص الحديث رفعه إلى صاحبه
واستبتك غلبتك على عقلك
والواضح الخالص الأبيض
وأدكن مترع يعني الزق
والمشعشع المرقرق بالماء
(3/267)

أخبار الحادرة ونسبه
أخبرني بنسبه هذا محمد بن العباس اليزيدي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب ابن أخي الأصمعي عن عمه قال وإنما سمي الحادرة بقول زبان بن سيار الفزاري له
( كأنّكَ حادرةُ المَنْكبَيْن ... رَصْعاءُ تُنْقِض في حائرِ )
( عجوزُ ضَفَادِعَ محجوبةٌ ... يَطيفُ بها وِلْدةُ الحاضرِ )
قال والحادرة الضخم
وذكر أبو عمرو الشيباني أن الحادرة خرج هو وزبان الفزاري يصطادان فاصطادا جميعا فخرج زبان يشتوي ويأكل في الليل وحده فقال الحادرة
( تركتَ رفيقَ رَحْلِكَ قد تراه ... وأنت لِفيكَ في الظَّلْماء هادِي )
فحقدها عليه زبان ثم أتيا غديرا فتجرد الحادرة وكان ضخم المنكبين
(3/268)

ارسح فقال زبان
( كأنك حادرةُ المنكَبيْن ... ِ رصعاء تُنْقِض في حائرِ )
فقال له الحادرة
( لَحَا اللهُ زَبّانَ من شاعرٍ ... أخِي خَنْعَةٍ فاجر غادرِ )
( كأنك فُقّاحةٌ نوّرتْ ... مع الصبح في طَرَف الحائرِ )
فغلب هذا اللقب على الحادرة
حدثني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي قال حدثني عمي قال سمعت شيخا من بني كنانة من أهل المدينة يقول
كان حسان بن ثابت إذا قيل له تنوشدت الأشعار في موضع كذا وكذا يقول فهل أنشدت كلمة الحويدرة
( بَكَرَتْ سُمَيّةُ غُدْوةً فَتَمتّعي ... )
قال أبو عبيدة وهي من مختار الشعر أصمعية مفضلية
سبب الهجاء بينه وبين زبان بن سيار
نسخت من كتاب ابن الأعرابي قال حدثني المفضل قال
كان الحادرة جارا لرجل من بني سليم فأغار زبان بن سيار على إبله فأخذها فدفعها إلى رجل من أهل وادي القرى يهودي ومكان له عليه دين فأعطاه إياها بدينه وكان أهل وادي القرى حلفاء لبني ثعلبة فلما سمع اليهودي بذلك قال سيجعل الحادرة هذا سببا لنقض العهد الذي بيننا وبينه ونحن نقرأ الكتاب ولا ينبغي لنا أن
(3/269)

نغدر فرد الإبل على الحادرة فردها على جاره ورجع إلى زبان فقال له أعطني مالي الذي عليك فأعطاه إياه زبان ووقع الهجاء بينه وبين الحادرة فقال الحادرة فيه
( لعَمْرَة بين الأخرمَيْنِ طلولُ ... تَقَادَمَ منها مُشْهِرٌ ومُحِيلُ )
( وَقَفتُ بها حتى تعالَى لِيَ الضُّحَى ... لأُخبَرَ عنها إنّني لَسَئُولُ )
يقول فيها
( فإِن تَحْسَبوها بالحجابِ ذلِيلةً ... فما أنا يوماً إن رَكِبتُ ذليلُ )
( سأمنَعُها في عُصْبةٍ ثَعْلبيَّةٍ ... لهم عَددٌ وافٍ وعِزٌّ أصيلُ )
( فإِنْ شئِتُم عُدْنا صديقاً وعُدْتُم ... وإِمّا أبيتَم فالمُقامُ زَحُولُ )
قال ولج الهجاء بينهما بعد ذلك فكان هذا سببه
شعره في غزوة بني عامر
ونسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو الشيباني يذكر عن أبيه
أن جيشا لبني عامر بن صعصعة أقبل وعليهم ثلاثة رؤساء ذؤاب بن غالب من عقيل ثم من بني كعب بن ربيعة وعبد الله بن عمرو من بني الصموت وعقيل بن مالك من بني نمير وهم يريدون غزو بني ثعلبة بن سعد رهط الحادرة ومن معهم من محارب وكانوا يومئذ معهم فنذرت بهم بنو ثعلبة فركب قيس بن مالك المحاربي الخصفي وجؤية بن نصر الجرمي أحد بني ثعلبة للنظر إلى القوم فما دنوا منهم عرف عقيل بن مالك النميري جؤية بن نصر الجريم فناداه إلي يا جؤية بن نصر فإن لي خبرا أسره إليك فقال إليك أقبلت لكن لغير ما
(3/270)

ظننت فقال له ما فعلت قلوص يعني إمرأته فقال هي في الظعن أسر ما كانت قط وأجمله ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه واختلفا طعنتين فطعنه جؤية طعنة دقت صلبه وانطلق قيس بن مالك المحاربي إلى بني ثعلبة فأنذرهم فاقتتلوا قتالا شديدا فهزمت بنو نمير وسائر بني عامر ومات عقيل النميري وقتل ذؤاب بن غالب وعبد الله بن عمرو أحد بني الصموت فقال الحادرة في ذلك
( كأنّ عُقَيلاً في الضُّحَى حَلَّقتْ به ... وطارتْ بِهِ في الجوّ عنقاءُ مُغرِب )
ويروي وطارت به في اللوح وهو الهواء
( وذي كَرمٍ يدعوكُمُ آلَ عامرٍ ... لدى مَعْرَكٍ سِرْبالُه يتصبَّبُ )
( رأت عامرٌ وقْعَ السيوف فأسلموا ... أخاهم ولم يعطف من الخيل مرهبُ )
( وسلَّم لمّا أن رأى الموتَ عامرٌ ... له مركبٌ فوق الأسنّة أحْدبُ )
( إذا ما أظلّتْه عَوالَي رماحِنا ... تدلَّى به نَهْدُ الجُزَارة مِنْهَبُ )
( على صَلَوَيْه مُرْهَفَاتٌ كأنها ... قوادمُ نسرٍ بُزَّ عنهنّ مَنكِبُ )
قال وفي هذه الوقعة يقول خداش بن زهير
(3/271)

( أيا أخَوَيْنا من أبينا وأُمِّنا ... إليكم إليكم لا سبيلَ إلى جَسْرِ )
جسر قبيلة من محارب
قال وهذا اليوم يعرف بيوم شواحط قبيلة من محارب
شعره في يوم الكفافة
وقال أبو عمرو خرج خارجة بن حصن في جمع من بني فزارة ومن بني ثعلبة بن سعد وهو يريد غزو بني عبس بن بغيض فلقوا جيشا لبني تميم على ماء يقال له الكفافة وتميم في جمع سعد والرباب وبني عمرو فقاتلوهم قتالا شديدا وهزمت تميم وأجفلت وهذا اليوم يقال له يوم كفافة فقال الحادرة في ذلك
( ونحن مَنَعْنا من تميم وقد طغتْ ... مَراعي المَلا حتى تضمَّنها نجدُ )
( كمَعْطَفِنا يومَ الكُفَافَة خَيْلَنا ... لتتْبَع أُخرَى الجيش إذ بلغ الجِدُّ )
( على حين شالتْ واسْتَخَفَّتْ رجالَهم ... جلائبُ أحياءٍ يسيلُ بها الشدُّ )
( إذا هي شَكَّ السَّمْهَرِيُّ نحورَها ... وخامت عن الأبطال أتعبها القِدُّ )
( تَكُرُّ سِرَاعا في المَضِيق عليهِمُ ... وتُثْنَى بِطاءً ما تخُبُّ ولا تَعدو )
( فأَثْنُوا علينا لا أبَا لأبيكُمُ ... بإِحساننا إن الثناءَ هو الخُلْدُ )
(3/272)

أخبار ابن مسجح ونسبه
سعيد بن مسجح أبو عثمان مولى بني جمح وقيل إنه مولى بني نوفل بن الحارث بن عبد المطلب مكي أسود مغن متقدم من فحول المغنين وأكابرهم وأول من صنع الغناء منهم ونقل غناء الفرس إلى غناء العرب ثم رحل إلى الشأم وأخذ ألحان الروم والبربطية والأسطوخوسية وانقلب إلى فارس فأخذ بها غناء كثيرا وتعلم الضرب ثم قدم إلى الحجاز وقد أخذ محاسن تلك النغم وألقى منها ما استقبحه من النبرات والنغم التي هي موجودة في نغم غناء الفرس والروم خارجة عن غناء العرب وغنى على هذا المذهب فكان أول من أثبت ذلك ولحنه وتبعه الناس بعد
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان والحسين بن يحيى قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن هشام بن المرية أن أول من غنى هذا الغناء العربي بمكة ابن مسجح مولى بني مخزوم وذلك أنه مر بالفرس وهم يبنون المسجد الحرام فسمع غناءهم بالفارسية فقلبه في شعر عربي وهو الذي علم ابن سريج والغريض وكان ابن مسجح مولدا أسود يكنى بأبي عيسى
أخبرني محمد بن عبيد الله بن محمد الرازي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني وذكر إسحاق عن المدائني عن أبي بكر الهذلي قال
كان سبب بناء ابن الزبير الكعبة لما احترقت أن أهل الشام لما حاصروه
(3/273)

سمع أصواتا بالليل فوق الجبل فخاف أن يكون أهل الشام قد وصلوا إليه وكانت ليلة ظلماء ذات ريح شديدة صعبة ورعد وبرق فرفع نارا على رأس رمح لينظر إلى الناس فأطارتها الريح فوقعت على أستار الكعبة فأحرقتها واستطالت فيها وجهد الناس في إطفائها فلم يقدروا وأصبحت الكعبة تتهافت وماتت امرأة من قريش فخرج الناس كلهم في جنازتها خوفا من أن ينزل العذاب عليهم وأصبح ابن الزبير ساجدا يدعو ويقول اللهم إني لم أتعمد ما جرى فلا تهلك عبادك بذنبي وهذه ناصيتي بين يديك فلما تعالى النهار أمن وتراجع الناس فقال لهم الله الله أن ينهدم في بيت أحدكم حجر فيزول عن موضعه فيبنيه ويصلحه وأترك الكعبة خرابا ثم هدمها مبتدئا بيده وتبعه الفعلة حتى بلغوا إلى قواعدها ودعا ببنائين من الفرس والروم فبناها
نقل غناء الفرس من بنائي الكعبة الذين أعادوا بناءها
قال إسحاق وأخبرني ابن الكلبي عن أبي مسكين قال
كان سعيد بن مسجح أسود مولدا يكنى أبا عيسى مولى لبني جمح فرأى الفرس وهم يعملون الكعبة لابن الزبير ويتغنون بالفارسية فاشتق غناءه على ذلك
قال إسحاق وحدثني محمد بن سلام عن شعيب بن صخر وجرير قالا
كان سعيد بن مسجح أسود وهو مولى بني جمح يكنى أبا عيسى
قال إسحاق وحدثني المدائني عن صخر بن جعفر عن أبي قبيل بمثل
(3/274)

ذلك وذكر أنه كان يكنى أبا عثمان قال وهو مولى لبني نوفل بن الحارث كان هو وابن سريج لرجل واحد ولذلك قبل عنه ابن سريج
ظهرت عليه علامات الذكاء منذ صغره
قال إسحاق وحدثني الهيثم بن عدي عن صالح بن حسان فذكر مثل ما ذكر أبو قبيل من كنيته وولائه وقال كان ابن مسجح فطنا كيسا ذكيا وكان أصفر حسن اللون وكان مولاه معجبا به وكان يقول في صغره ليكونن لهذا الغلام شأن وما منعني من عتقه إلا حسن فراستي فيه ولئن عشت لأتعرفن ذلك وإن مت فهو حر فسمعه مولاه يوما وهو يتغنى بشعر ابن الرقاع العاملي وهو من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى
صوت
( ألمِمْ على طَللٍ عَفا متقادم ... بين اللَّكيكِ وبين غَيْب الناعِم )
( لولا الحياء وأنّ رأسي قد عَثا ... فيه المشيبُ لزرتُ أمّ القاسِمِ )
فدعا به مولاه فقال له يا بني أعد ما سمعته منك علي فأعاده فإذا هو أحسن مما
(3/275)

ابتدأ به فقال إن هذا لمن بعض ما كنت أقول ثم قال أنى لك هذا قال سمعت هذه الأعاجم تتغنى بالفارسية فثقفتها وقلبتها في هذا الشعر قال له فأنت حر لوجه الله فلزم مولاه وكثر أدبه واتسع في غنائه ومهر بمكة وأعجبوا به لظرفه وحسن ما سمعوه منه فدفع إليه مولاه عبيد بن سريج وقال له يا بني علمه واجتهد فيه وكان ابن سريج أحسن الناس صوتا فتعلم منه ثم برز عليه حتى لم يعرف له نظير
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا أخي هارون عن ابن الماجشون عن شيخ من أهل المدينة وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان والحسين بن يحيى قالا أخبرنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال ذكر ابن الكلبي عن أبي مسكين عن شيخ من أهل المدينة قال
دخلت على رجل من قريش بالمدينة وعنده رجل ساكن الطرف نبيل تأخذه العين لا أعرفه فقال له القرشي أقسمت عليك إلا ما غنيت صوتا فحول خاتمه من خنصره اليسرى إلى بنصره اليمنى ثم تناول قدحا فغناه لحن ابن سريج في شعر كعب بن جعيل
( إذا امتشطتْ عالَوْا لها بوِسادةٍ ... ومدِّتْ عَسيبَ المتن أن يتعَفَّرا )
( ثَوَتْ نصفَ شهر تحسَبُ الشهر ليلةً ... تُنَاغي غزَالاً ساجِي الطرف أحوَرَا )
(3/276)

( تَزَيَّنُ حتى تَسلُبَ المرءَ عقلَه ... وحتى يَحَارَ الطرْفُ فيها ويَسْكُرا )
ثم غنى في شعر توبة بن الحمير
( وغَيَّرني إن كنتِ لَمّا تَغَيّري ... هواجرُ تَكْتَنِّينَها وأسِيرُها )
( وأدْمَاء من سِرِّ المَهَارى كأنها ... مَهَاةُ صُوَارٍ غيرَ ما مَسّ كُورُها )
( قطعتُ بها أجوازَ كلِّ تَنُوفَةٍ ... مَخُوفٍ ردَاها كلّما استنَّ مُورُها )
( تَرى ضعفاءَ القوم فيها كأنهم ... دَعَامِيصُ ماءٍ نَشَّ عنها غَدِيرُها )
قال فقلت له إني لأروي هذا الشعر وما أعرف هذه الأبيات فيه فقال هكذا رويتها عن عبد الله بن جعفر قال وإذا هو نافع الخير مولى عبد الله بن جعفر
الغناء في هذين اللحنين لابن مسجح ولم أجد لهما طريقة في شيء من الكتب التي مرت وذكر حبش أن في أبيات كعب بن جعيل لإبراهيم خفيف رمل بالوسطى
(3/277)

خبر آخر عن نقله غناء الفرس
حدثني جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب وعمي وحبيب بن نصر المهلبي قالوا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني عبد الله بن محمد بن موسى الهاشمي قال حدثني أحمد بن موسى بن حمزة بن عمارة بن صفوان الجمحي عن أبيه قال
أول من نقل الغناء الفارسي من الفارسي إلى الغناء العربي سعيد بن مسجح مولى بني مخزوم
قال وقد يختلف في ولائه إلا أن الأغلب عليه ولاء بني مخزوم وذلك أن معاوية بن أبي سفيان لما بنى دوره التي يقال لها الرقط وهي ما بين الدارين إلى الردم أولها الدار البيضاء وآخرها دار الحمام وهي على يسار المصعد من المسجد إلى ردم عمر حمل لها بنائين فرسا من العراق فكانوا يبنونها بالجص والآجر وكان سعيد بن مسجح يأتيهم فيسمع من غنائهم على بنيانهم فما استحسن من ألحانهم أخذه ونقله إلى الشعر العربي ثم صاغ على نحو ذلك وهو الذي علم الغريض فكان من قديم غنائه الذي صنعه على تلك الأغاني
صوت
( أسَلاَمٌ إنَّكِ قد مَلَكْتِ فَأَسجِحي ... قد يملِكُ الحرُّ الكريمُ فَيُسجِحُ )
( مُنّي على عَانٍ أَطَلْتِ عَنَاءَه ... في الغُلِّ عندك والعُنَاةُ تُسَرَّحُ )
( إنّي لأنصَحُكُمْ وأعلَمُ أنه ... سِيَّانِ عندك مَنْ يَغُشُّ ويَنصَحُ )
(3/278)

( وإِذا شكوتُ إلى سَلاَمةَ حُبِّها ... قالتْ أجِدُّ منكَ ذا أم تَمزَحُ )
الشعر للأحوص
والغناء لابن مسجح ثقيل أول بالبنصر
ولدحمان فيه ثقيل أول بالبنصر
ولمالك فيه خفيف ثقيل عن الهشامي قال وهو أول من غنى الغناء العربي المنقول عن الفارسي وعاش سعيد بن مسجح حتى لقيه معبد وأخذ عنه في أيام الوليد بن عبد الملك
خبره مع عبد الملك بن مروان
حدثني عمي والحسين بن القاسم الكوفي قالا جميعا حدثنا محمد بن سعيد الكراني قال حدثني النضر بن عمرو قال حدثني أبو أمية القرشي قال حدثنا دحمان الأشقر قال
كنت عاملا لعبد الملك بن مروان بمكة فنمي إليه أن رجلا أسود يقال له سعيد بن مسجح أفسد فتيان قريش وأنفقوا عليه أموالهم فكتب إلي أن اقبض ماله وسيره ففعلت فتوجه ابن مسجح إلى الشام فصحبه رجل له جوار مغنيات في طريقه فقال له أين تريد فأخبره خبره وقال له أريد الشام قال له فتكون معي قال نعم فصحبه حتى بلغا دمشق فدخلا مسجدها فسألا من أخص الناس بأمير المؤمنين فقالوا هؤلاء النفر من قريش وبنو عمه فوقف ابن مسجح عليهم وسلم ثم قال يا فتيان هل فيكم من يضيف رجلا غريبا من أهل الحجاز فنظر بعضهم إلى بعض وكان عليهم موعد أن يذهبوا إلى قينة يقال لها برق الأفق فتثاقلوا به إلا فتى منهم تذمم فقال أنا أضيفك وقال لأصحابه
(3/279)

انطلقوا أنتم وأنا أذهب مع ضيفي قالوا لا بل تجيء أنت وضيفك فذهبوا جميعا إلى بيت القينة فلما أتوا بالغداء قال لهم سعيد إني رجل أسود ولعل فيكم من يقذرني فأنا أجلس وآكل ناحية وقام فاسحيوا منه وبعثوا إليه بما أكل فلما صاروا إلى الشراب قال لهم مثل ذلك ففعلوا به وأخرجوا جاريتين فجلستا على سرير قد وضع لهما فغنتا إلى العشاء ثم دخلتا وخرجت جارية حسنة الوجه والهيئة وهما معها فجلست على السرير وجلستا أسفل منها عن يمين السرير وشماله قال ابن مسجح فتمثلت هذا البيت
( فقلتُ أشمسٌ أم مَصابيحٌ بِيعَةٍ ... بدَتْ لكَ خلفَ السَّجفِ أم أنت حَالمُ )
فغضبت الجارية وقالت أيضرب هذا الأسود بي الأمثال فنظروا إلي نظرا منكرا ولم يزالوا يسكنونها ثم غنت صوتا فقال ابن مسجح أحسنت والله فغضب مولاها وقال أمثل هذا الأسود يقدم على جاريتي فقال لي الرجل الذي أنزلني عنده قم فانصرف إلى منزلي فقد ثقلت على القوم فذهبت أقوم فتذمم القوم وقالوا لي بل أقم وأحسن أدبك فأقمت وغنت فقلت أخطأت والله يا زانية وأسأت ثم اندفعت فغنيت الصوت فوثبت الجارية فقالت لمولاها هذا والله أبو عثمان سعيد بن مسجح فقلت إني والله أنا هو والله لا أقيم عندكم فوثب القرشيون فقال هذا يكون عندي وقال هذا يكون عندي وقال هذا بل عندي فقلت والله لا أقيم إلا عند سيدكم يعني الرجل الذي أنزله منهم ثم سألوه عما أقدمه فأخبرهم الخبر فقال له صاحبه إني أسمر الليلة مع أمير المؤمنين فهل تحسن أن تحدو قال لا ولكني أستعمل حداء قال فإن منزلي بحذاء منزل أمير المؤمنين فإن وافقت منه طيب نفس أرسلت إليك ومضى إلى عبد الملك فلما رآه طيب النفس أرسل إلى ابن مسجح وأخرج رأسه من وراء شرف القصر ثم حدا
(3/280)

( إنكَ يا مُعاذُ يابنَ الفُضَّل ... إن زُلزِلَ الأقدامُ لم تُزلزلَ )
( عن دين موسى والكتابِ المنزَل ... تُقيمُ أصداغ القرونِ المُيَّلِ )
( للحقّ حتى ينتَحُوا للأعدلِ ... )
فقال عبد الملك للقرشي من هذا قال رجل حجازي قدم علي قال أحضره فأحضره له وقال له أحد مجدا ثم قال له هل تغني غناء الركبان قال نعم قال غنه فتغنى فقال له فهل تغني الغناء المتقن قال نعم قال غنه فتغنى فاهتز عبد الملك طربا ثم قال له أقسم إن لك في القوم لأسماء كثيرة من أنت ويلك قال له أنا المظلوم المقبوض ماله المسير عن وطنه سعيد بن مسجح قبض مالي عامل الحجاز ونفاني فتبسم عبد الملك ثم قال له قد وضح عذر فتيان قريش في أن ينفقوا عليك أموالهم وأمنه ووصله وكتب إلى عامله برد ماله عليه وألا يعرض له بسوء
صوت من المائة المختارة
( سلا دارَ ليلى هل تُبِين فتَنْطِقُ ... وأَنَّى تردّ القولَ بيداءُ سَمْلَقُ )
( وأنَّى تردّ القولَ دارٌ كأنها ... لطُول بِلاها والتقادمِ مُهْرَقُ )
عروضه من الطويل الشعر لابن المولى
وذكر يحيى بن علي بن يحيى عن إسحاق أن الشعر للأعشى وذلك غلط وقد التمسناه في شعر كل أعشى ذكر في شعراء العرب فلم نجده ولا رواه أحد من الرواة لأحد منهم ووجدناه في شعر
(3/281)

ابن المولى من قصيدة له طويلة جيدة وقد أثبتناها بعقب أخباره ليوقف على صحة ما ذكرناه إذ كان الغلط إذا وقع من مثل هذه الجهة احتيج إلى إيضاح الحجة على ما خالفه والدلالة على الصواب فيه
والغناء في اللحن المختار لعطرد ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق ويونس وعمرو وفيه لأيوب زهرة خفيف ثقيل بالوسطى عن الهشامي وأحمد بن المكي
وفي غناء أيوب زهرة زيادة بيتين وهما
( وقال خليلي والبُكا ليَ غالبٌ ... أقاضٍ عليك ذا الأسى والتشوُّقُ )
( وقد طال تَوْقاني أُكفكِف عَبْرةً ... تكاد إذا رُدَّتْ لها النفسُ تَزْهَقُ )
(3/282)

أخبار ابن المولى ونسبه
هو محمد بن عبد الله بن مسلم بن المولى مولى الأنصار ثم من بني عمرو بن عوف شاعر متقدم مجيد من مخضرمي الدولتين ومداحي أهلهما وقدم على المهدي وامتدحه بعدة قصائد فوصله بصلات سنية وكان ظريفا عفيفا نظيف الثياب حسن الهيئة
مدح المهدي فاستحق عطاءه
أخبرني عمي قال حدثنا محمد بن عبد الله الحزنبل قال قال لي محمد بن صالح بن النطاح
كان ابن المولى يسمى محمدا مولى بني عمرو بن عوف من الأنصار وكان مسكنه بقباء وكان يقدم على المهدي فيمدحه فقدم عليه فأنشده قوله
( سَلاَ دارَ ليلى هل تُبِين فَتَنْطِقُ ... وأنْي تردّ القولَ بيداءُ سَمْلَقُ )
( وأنىّ تردّ القولَ دارٌ كأنها ... لطول بِلاها والتقادمِ مُهْرَقُ )
( وقال خليلي والبكا لِيَ غالبٌ ... أقاضٍ عليك ذا الأسى والتشوّقُ )
( وإِنسانُ عيني في دوائرِ لُجّةٍ ... من الدمع يبدو تارةً ثم يَغْرَقُ )
(3/283)

يقول فيها
( إلى القائم المهديّ أعملتُ ناقتي ... بكل فلاةٍ آلُها يترقرق )
( إذا غال منها الركبَ صحراء برّحت ... بهم بعدها في السير صحراءُ دردقُ )
( رَميتُ قَراها بين يوم وليلة ... بفَتْلاء لم ينكُبْ لها الزَّوْرَ مِرْفَقُ )
( مُزَمِّرَةً سَقْباً كأن زِمامَها ... بحرداء من عُمّ الصَّنَوْبر مُعْلَقُ )
( موكَّلةً بالفادحات كأنها ... وقد جَعَلت منها الثَّمِيلةُ تَخْلُقُ )
( بِقِيّ الملا هَيْقٌ أمام رِئاله ... أصَمُّ هِجَفٌّ أقرعُ الرأس نِقْنق )
( تراها إذا استعجلتَها وكأنها ... على الأَيْن يَعْرُوها من الرَّوْع أَوْلَق )
( موركِّة أرضَ العُذَيْب وقد بدا ... فسُرّ به للآئبين الخَوَرنقُ )
فاستحسنها المهدي وأجزل صلته وأمر فغني في نسيب القصيدة فأما ما شرطت ذكره من تمام القصيدة فهو بعقب البيت الثاني منها
( عفَتْها الرياحُ الرامِساتُ مع البِلَى ... بأذيالها والرائحُ المُتبَعِّقُ )
(3/284)

( بكل شآبيبٍ من الماء خلفَها ... شآبيبُ ماءٍ مُزْنها متألِّقُ )
( إذا رَيِّقٌ منها هُرِيقَتْ سِجَالُه ... أُعِيد لها كِرْفِيُّ ماءٍ ورَيِّقُ )
( فأصبح يرمي بالرَّباب كأنما ... بأرجله منه نَعامٌ مُعَلَّقُ )
( فلا تبكِ أطلالَ الديار فإِنها ... خبالٌ لمن لا يدفع الشوقَ عَوْلَقٌ )
( وإِنّ سفاهاً أن تُرَى متفجِّعا ... بأطلال دارٍ أو يقودَك مَعْلَقُ )
( فلا تَجْزَعَنْ للبين كلُّ جماعةٍ ... وجَدِّك مكتوبٌ عليها التفرُّقُ )
( وخذ بالتعزّي كلُّ ما أنتَ لابسٌ ... جديداً على الأيام بالٍ ومُخْلِقُ )
( فصبرُ الفتى عما تولّى فإِنه ... من الأمر أولَى بالسَّداد وأوفقُ )
ويروى أدنى للذي هو أوفق
( وإِنك بالإِشفاق لا تدفع الرّدى ... ولا الحَيْنُ مجلوبٌ فما لك تُشْفِقُ )
( كأنْ لم يَرُعْك الدهرُ أو أنتَ آمن ... لأحداثه فيما يُغادي ويَطْرُقُ )
( وقال خليلي والبكا ليَ غالبٌ ... أقاضٍ عليك ذا الأسى والتشوّقُ )
( وقد طال تَوْقاني أُكفكِف عَبرةً ... على دِمْنةٍ كادت لها النفسُ تَزْهَقُ )
( وإِنسانُ عيني في دوائرِ لجّةٍ ... من الماء يبدو تارة ثم يَغرَقُ )
( وللدّمع من عيني شَريجا صبابةٍ ... مُرِشُّ الرَّجا والجائلُ المُترقرِقُ )
( وكنتُ أخا عشق ولم يك صاحبي ... فيعذِرَني ممّا يَصَبُّ ويعشَقُ )
(3/285)

( وقد يعذِر الصبُّ السقيمُ ذوي الهوى ... ويَلحَى المحبيّن الصديقُ فيَخرَقُ )
( وعاب رجالٌ أن عَلِقتُ وقد بدا ... لهم بعضُ ما أهوَى وذو الحلم يعلَقُ )
والقصيدة طويلة وفي بعض ما ذكرته منها دلالة على صحة ما قلته
تشبيه بقوس له سماه ليلى
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز قال
خرجت أنا وأبو السائب المخزومي وعبيد الله بن مسلم بن جندب وابن المولى وأصبغ بن عبد العزيز بن مروان إلى قباء وابن المولى متنكب قوسا عربية فأنشد ابن المولى لنفسه
( وأبكِي فلا ليلَى بكت من صَبابةٍ ... إليّ ولا ليلَى لذي الودّ تَبذُلُ )
( وأخنَع بالعُتبى إذا كنتُ مُذنباً ... وإِن أذنبتْ كنتُ الذي أتنصَّلُ )
فقال له أبو السائب وعبيد الله بن مسلم بن جندب من ليلى هذه حتى نقودها إليك فقال لهما ابن المولى ما هي والله إلا قوسي هذه سميتها ليلى
في هذين البيتين ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى لخزرج ويقال إنه لهاشم بن سليمان
أخبرني عمي قال حدثنا أبو هفان قال أخبرني أبو محلم عن المفضل الضبي قال
وفد ابن المولى على يزيد بن حاتم وقد مدحه بقصيدته التي يقول فيها
(3/286)

( يا واحدَ العرب الذي ... أضحَى وليس له نظيرُ )
( لو كان مثلَك آخَرٌ ... ما كان في الدّنيا فقيرُ )
قال فدعا بخازنه وقال كم في بيت مالي فقال له من الورق والعين بقية عشرون ألف دينار فقال ادفعها إليه ثم قال يا أخي المعذرة إلى الله وإليك والله لو أن في ملكي أكثر لما احتجبتها عنك
يزيد بن حاتم يعوده في مرضه
أخبرني الحسن بن علي ومحمد بن خلف بن المرزبان قالا حدثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدثنا مصعب الزبيري عن عبد الملك بن الماجشون قال
كان ابن المولى مداحا لجعفر بن سليمان وقثم بن العباس الهاشميين ويزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب واستفرغ مدحه في يزيد وقال في قصيدته التي يقول فيها
( يا واحدَ العرب الذي دانت له ... قَحطانُ قاطبةً وساد نِزارا )
( إنّي لأرجو إن لقيتُك سالما ... ألاّ أعالِجَ بعدَك الأسفارا )
( رِشْتَ النَّدَى ولقد تكسَّر رِيشُه ... فعَلا النّدى فوقَ البلاد وطارا )
ثم قصده بها إلى مصر وأنشده إياها فأعطاه حتى رضي
ومرض ابن المولى عنده مرضا طويلا وثقل حتى أشفى فلما أفاق من علته ونهض دخل عليه يزيد بن حاتم متعرفا خبره فقال لوددت والله يا أبا عبد الله ألا تعالج بعدي الأسفار حقا ثم أضعف صلته
(3/287)

أخبرني الحسن قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني الزبير بن بكار عن عبد الملك بن عبد العزيز قال أخبرني ابن المولى قال
كنت أمدح يزيد بن حاتم من غير أن أعرفه ولا ألقاه فلما ولاه المنصور مصر أخذ على طريق المدينة فلقيته فأنشدته وقد خرج من مسجد رسول الله إلى أن صار إلى مسجد الشجرة فأعطاني رزمتي ثياب وعشرة آلاف دينار فاشتريت بها ضياعا تغل ألف دينار أقوم في أدناها وأصيح بقيمي ولا يسمعني وهو في أقصاها
أخبرني عمي قال حدثنا الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو قال بلغني أن الحسن بن زيد دعا بابن المولى فأغلظ له وقال أتشبب بحرم المسلمين وتنشد ذلك في مسجد رسول الله وفي الأسواق والمحافل ظاهرا فحلف له بالطلاق أنه ما تعرض لمحرم قط ولا شبب بامرأة مسلم ولا معاهد قط قال فمن ليلى هذه التي تذكر في شعرك فقال له امرأتي طالق إن كانت إلا قوسي هذه سميتها ليلى لأذكرها في شعري فإن الشعر لا يحسن إلا بالتشبيب فضحك الحسن ثم قال إذا كانت القصة هذه فقل ما شئت
حنينه إلى المدينة
فقال الحزنبل وحدثت عن ابن عائشة محمد بن يحيى قال قدم ابن المولى إلى العراق في بعض سنيه فأخفق وطال مقامه وغرض به وتشوق إلى المدينة فقال في ذلك
(3/288)

صوت
( ذهبَ الرجالُ فلا أُحِسّ رِجالا ... وأرَى الإِقامةَ بالعراق ضَلالا )
( وطِربتُ إذ ذَكَر المدينةَ ذاكرٌ ... يومَ الخميس فهاج لي بَلْبالا )
( فظللتُ أنظُر في السماء كأنّني ... أبغِي بناحية السماء هلالا )
( طرباً إلى أهل الحِجاز وتارة ... أبكي بدمع مُسبِل إسبالا )
غنى في هذه الأربعة الأبيات ابن عائشة ولحنه ثاني ثقيل عن الهشامي وذكره حماد عن أبيه في أخباره ولم يذكر طريقته
( فيقال قد أضحَى يُحدِّث نفسَه ... والعينُ تَذرِف في الرّداءِ سِجالا )
( إنّ الغريب إذا تذكّر أوشكت ... منه المدامع أن تَفيض عِلالا )
( ولقد أقول لصاحبي وكأنّه ... ممّا يعالج ضُمِّن الأغلالا )
( خَفِّضْ عليك فما يُرَدْ بك تَلقَهُ ... لا تُكثِرنّ وإِن جزِعتَ مَقالا )
( قد كنتَ إذ تدع المدينةَ كالذي ... ترك البحارَ ويَمّم الأوشالا )
( فأجابني خاطرْ بنفسك لا تكن ... أبداً تُعَدّ مع العِيال عِيالا )
( واعلم بأنك لن تَنالَ جَسيمةً ... حتى تُجشِّم نفسَك الأهوالا )
( إنّي وجدّك يوم أتْرك زاخراً ... بحراً يُنفّل سيبُه الأنفالا )
( لأضلُّ من جَلب القوافي صَعْبةً ... حتّى أذَلّ مُتونَها إذلالا )
(3/289)

مدح المهدي والتعريض بالطالبين
قال الحزنبل وحدثني عمرو بن أبي عمرو عن أبيه قال حدثني مولى للحسن بن زيد قال
قدم ابن المولى على المهدي وقد مدحه بقصيدته التي يقول فيها
( وما قارعَ الأعداءَ مثلُ محمّد ... إذا الحرب أبدت عن حُجول الكَواعبِ )
( فتىً ماجدُ الأعراقِ من آل هاشمٍ ... تَبَحْبَح منها في الذُّرى والذَّوائبِ )
( أشمُّ من الرّهط الذين كأنّهم ... لَدى حِنْدِس الظَّلماء زُهْرُ الكواكبِ )
( إذا ذُكِرَتْ يوماً مَنَاقِبُ هاشِمٍ ... فإِنكُم منها بخيرِ المَنَاصِبِ )
( وَمَن عِيبَ في أخلاقه ونِصابِه ... فما في بني العبّاس عَيْبٌ لِعائبِ )
( وإِنّ أميرَ المؤمنين ورَهْطَهُ ... لأهلُ المَعَالِي من لُؤيِّ بن غالبِ )
( أُولئك أوتادُ البلادِ ووَارِثوا النبي ... ِّ بأمرِ الحقِّ غير التَّكَاذُبِ )
ثم ذكر فيها آل أبي طالب فقال
( وما نَقَموا إلا المودَةَ منهمُ ... وأن غادرُوا فيهم جزيلَ المواهبِ )
( وأنهمُ نالوا لهم بدمائهم ... شفاءَ نفوسٍ من قتيلٍ وهاربِ )
( وقاموا لهم دون العدا وكفَوْهُم ... بسُمر القنا والمُرهَفاتِ القَواضِبِ )
( وحامَوْا على أحسابهم وكرائم ... حسانِ الوجوهِ واضحاتِ التّرائبِ )
( وإن أمير المؤمنين لعائدٌ ... بإِنعامه فيهم على كلّ تائبِ )
(3/290)

( إذا ما دَنَوْا أدناهُمُ وإِذا هَفوْا ... تَجاوز عنهم ناظراً في العواقِب )
( شفيقٌ على الأقَصيْن أن يركبوا الرّدى ... فكيف به في واشِجات الأقاربِ )
قال فوصله المهدي بصلة سنية وقدم المدينة فأنفق وبنى داره ولبس ثيابا فاخرة ولم يزل كذلك مدى حياته بعد ما حباه
ثم قدم على الحسن بن زيد وكانت له عليه وظيفة في كل سنة فدخل عليه فأنشده قوله يمدحه
( هاج شوقي تفرّقُ الجِيرانِ ... واعترتني طوارقُ الأحزانِ )
( وتذكّرتُ ما مضى من زماني ... حين صار الزمانُ شرَّ زمانِ )
يقول فيها يمدح الحسن بن زيد
( ولو ان امرأ ينال خلوداً ... بمحلٍّ ومَنْصِب ومكانِ )
( أو ببيتٍ ذُراه تَلصَق بالنجم ... ِ قرانا في غير بُرج قِرانِ )
( أو بمجد الحياة أو بسماحٍ ... أو بحلم أوفَى عَلَى ثَهْلاَنِ )
( أو بفضل لناله حسَنُ الخَيْرِ ... بفضلِ الرسول ذي البرهانِ )
( فضلُه واضحٌ برهط أبي القاسم ... رهطِ اليقين والإِيمانِ )
( هم ذَوُو النور والهُدَى ومَدَى الأمر ... وأهلُ البرهان والعِرفانِ )
( مَعْدِنُ الحق والنبوّة والعدل ... إذا ما تنازع الخَصْمانِ )
( وابنُ زيد إذا الرجال تجَارَوْا ... يوم حَفْل وغايةٍ ورِهانِ )
( سابقٌ مُغْلِقٌ مجيزُ رِهانٍ ... وَرِث السَّبْقَ من أبيه الهِجانِ )
(3/291)

قال فلما أنشده إياها دعا به خاليا ثم قال له يا عاض كذا من أمه أما إذا جئت إلى الحجاز فتقول لي هذا وأما إذا مضيت إلى العراق فتقول
( وإِن أمير المؤمنين ورهطَه ... لرَهطُ المعالي من لُؤَيِّ بن غالبِ )
( أولئك أوتاد البلاد ووَارِثوا النبيّ ... ِ بأمر الحقِّ غير التَّكاذُبِ )
فقال له أتنصفني يابن الرسول أم لا فقال فقال ألم أقل
( وإِن أمير المؤمنين ورهطه ... )
ألستم رهطه فقال دع هذا ألم تقدر أن ينفق شعرك ومديحك إلا بتهجين أهلي والطعن عليهم والإغراء بهم حيث تقول
( وما نَقَموا إلا المودّةَ منهُمُ ... وأن غادروا فيهم جزيلَ المواهبِ )
( وأنهمُ نالوا لهم بدمائهم ... شفاءَ نُفوسٍ من قتيلٍ وهاربِ )
فوجم ابن المولى وأطرق ثم قال يابن الرسول إن الشاعر يقول ويتقرب بجهده ثم قال فخرج من عنده منكسرا فأمر الحسن وكيله أن يحمل إليه وظيفته ويزيده فيها ففعل فقال ابن المولى والله لا أقبلها وهو علي ساخط فأما إن قرنها بالرضا فقبلتها وأما إن أقام وهو علي ساخط البتة فلا فعاد الرسول إلى الحسن فأخبره فقال له قل له قد رضيت فاقبلها
ودخل على الحسن فأنشده قوله فيه
( سألتُ فأعطاني وأعطى ولم أَسَلْ ... وجاد كما جادت غوادٍ رَواعِدُ )
( فأُقسمُ لا أنفكُّ أُنشِدُ مَدْحَه ... إذا جمعتْني في الحَجيج المَشاهدُ )
( إذا قلتُ يوماً في ثنائي قصيدةً ... ثنَيْتُ بأخرى حيث تُجْزَى القصائدُ )
قال الحزنبل وحدثني مالك بن وهب مولى يزيد بن حاتم المهلبي قال
(3/292)

لما انصرف يزيد بن حاتم بن حرب الأزارقة وقد ظفر خلع عليه وعقد له لواء على كرر الأهواز وسائر ما افتتحه فدخل عليه ابن المولى وقد مدحه فاستأذن في الإنشاد فأذن له فأنشده
صوت
( ألا يا لقَومي هل لِمَا فات مَطلبُ ... وهل يُعْذَرْن ذو صَبْوة وهو أَشْيَبُ )
( يحِنّ إلى ليلى وقد شَطّت النوى ... بليلَى كما حَنّ اليَراعُ المثقَبُ )
غنى في هذين البيتين عطرد ولحنه رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة وفيه ليونس لحن ذكره لنفسه في كتابه ولم يذكر طريقته
( تقرّبتُ ليلى كي تُثيب فزادني ... بِعاداً على بعدٍ إليها التقرّبُ )
( فداويتُ وجدي باجتنابٍ فلم يكن ... دواءً لِما ألقاه منها التجنُّبُ )
( فلا أنا عند النَّأيِ سالٍ لحبها ... ولا أنا منها مُشْتَفٍ حين تَصْقَبُ )
( وما كنت بالراضي بما غيرُه الرِّضا ... ولكنني أنوي العزاءَ فأُغلَبُ )
( وليلٍ خُدَارِيّ الرّواق جَشِمتُه ... إذا هابه السارون لا أتهيّب )
( لأظْفَرَ يوماً من يزيد بن حاتم ... بحبل جِوارٍ ذاك ما كنتُ أطلبُ )
( بلَوتُ وقلّبتُ الرجال كما بَلاَ ... بكفّيه أوسَاطَ القِداح مُقلَّبُ )
( وصَعَّدني همّي وصَوَّب مرّةً ... وذو الهمّ يوماً مُصْعَدٌ ومُصوَّبُ )
(3/293)

( لأعرف ما آتى فلم أر مثله ... من الناس فيما حاز شرقٌ ومغرِبُ )
( أكَرَّ على جيش وأعظمَ هيبةً ... وأوهبَ في جود لما ليس يُوهبُ )
( تصدّى رجالٌ في المعالي ليَلْحَقوا ... مَداك وما أدركتَه فتَذَبْذبُوا )
( ورُمت الذي راموا فأذللتَ صعبه ... وراموا الذي أذللتَ منه فأصعَبوا )
( ومهما تَناولْ من مَنال سَنّية ... يساعدْك فيها المُنْتَمي والمُركِّبُ )
( ومَنصِبُ آباء كِرامِ نَماهُم ... إلى المجد آباءٌ كِرامٌ ومنصِبُ )
صوت
( كواكبُ دَجْنِ كلّما انقضَّ كوكبٌ ... بدا منهمُ درٌ مُنيرٌ وكوكبُ )
( أنارَ به آل المهلّب بعدما ... هَوى مَنكِبٌ منهم بليلٍ ومَنكِبُ )
( وما زال إلْحاحُ الزمان عليهمُ ... بنائبةٍ كادت لها الأرض تَخْرَبُ )
( فلو أبقتِ الأيامُ حيّاً نَفاسةً ... لأبقاهمُ للجود نابٌ ومِخْلَبُ )
( وكنتَ ليومَيْ نِعمةٍ ونِكايةٍ ... كما فيهما للنّاس كان المهلَّبُ )
( ألا حبّذا الأحياءُ منكم وحبّذا ... قبورٌ بها مَوتاكُم حين غُيّبوا )
فأمر له يزيد بن حاتم بعشرة آلاف درهم وفرس بسرجه ولجامه وخلعة وأقسم على من كان بحضرته أن يجيزوه كل واحد منهم بما يمكنه فانصرف بملء يده
استحسان عمرو بن أبي عمرو لشعره
قال الحزنبل أنشدني عمرو بن أبي عمرو لابن المولى وكان يستحسنها
(3/294)

صوت
( حَيّ المنازلَ قد بَلِينا ... أقوَينَ عن مَرّ السِّنينا )
( وسلِ الدّيار لعلَّها ... تُخبرْك عن أُمِّ البَنينا )
( بانت وكلُّ قرينةٍ ... يوماً مفارِقةٌ قرينا )
( وأخو الحياة من الحياةِ ... مُعالِجٌ غِلَظا ولِينا )
غنى في هذه الأبيات نبيه حفيف ثقيل بالبنصر
( وترى المُوَكَّل بالِغوْانِي ... راكباً أبداً فُنونا )
( ومن البليّة أن تُدانَ ... بما كرِهتَ ولن تَدينا )
( والمرءُ تُحرَم نفسُه ... ما لا يزال به حَزينا )
( وتَراه يَجمع مالَه ... جمعَ الحريص لوارِثينا )
( يسعَى بأفضلِ سعيه ... فيصيرُ ذاك لقاعدينا )
( لم يُعطِ ذا النّسب القريب ... ِ ولمِ يَجُدْ للأبعدينا )
( قد حلَّ منزلَه الذميمَ ... وفارق المتنصِّحينا )
المهدي يأمر له ولعياله ما يكفيه
قال الحزنبل وذكر أحمد بن صالح بن النطاح عن المدائني أن المهدي لما ولي الخلافة وحج فرق في قريش والأنصار وسائر الناس أموالا عظيمة ووصلهم صلات سنية فحسنت أحوالهم بعد جهد أصاب الناس في أيام أبيه لتسرعهم مع محمد بن عبد الله بن حسن وكانت سنة ولايته سنة خصب ورخص فأحبه الناس وتبركوا به وقالوا هذا هو المهدي وهذا ابن عم رسول الله وسميه فلقوه فدعوا له وأثنوا عليه ومدحته الشعراء فمد عينه في الناس
(3/295)

فرأى ابن المولى فأمر بتقريبه فقرب منه فقال له هات يا مولى الأنصار ما عندك فأنشده قوله فيه
( يا ليلَ لا تبخَلي يا ليلَ بالزادِ ... واشفِي بذلك داءَ الحائم الصادي )
( وأنجِزِي عِدّةً كانت لنا أمَلاً ... قد جاء مِيعادُها من بعد ميعادِ )
( ما ضرّه غيرُ أن أبدى مَودّته ... إنّ المحُبَّ هواه ظاهرٌ بادي )
ثم قال فيها يصف ناقته
( تَطوي البلادَ إلى جمٍّ منافعُه ... فعّال خيرٍ لفعل الخير عوّادِ )
( للمهتدين إليه من منافعه ... خيرٌ يروح وخير باكرٌ غادي )
( أغنَى قُريشاً وأنصارَ النبيّ ومَنْ ... بالمسجِدَيْن بإسعاد وإِحفادِ )
( كانت منافعُه في الأرض شائعةً ... تَتْرَى وسيرتُه كالماء للصّادي )
( خليفةُ الله عبدُ الله والدُه ... وأمُّه حُرّةٌ تُنْمَى لأمجادِ )
( من خير ذي يَمنٍ في خير رابِيةٍ ... من القبول إليها مَعْقِل النّادي )
حتى أتى على آخرها فأمر له بعشرة آلاف درهم وكسوة وأمر صاحب الجاري بأن يجري له ولعياله في كل سنة ما يكفيهم وألحقهم في شرف العطاء
قال وذكر ابن النطاح عن عبد الله بن مصعب الزبيري قال
وفدنا إلى المهدي ونحن جماعة من قريش والأنصار فلما دخلنا عليه سلمنا ودعونا وأثنينا فلما فرغنا من كلامنا أقبل على ابن المولى فقال هات يا محمد ما قلت فأنشده
(3/296)

صوت
( نادَى الأحبّةُ باحتمالِ ... إنّ المُقيم إلى زَوالِ )
( ردّ القِيانُ عليهمُ ... ذُلُلَ المطيّ من الجِمالِ )
( فتحمّلوا بعَقيلةٍ ... زهراءَ آنسةِ الدَّلالِ )
( كالشمس راق جَمالُها ... بين النّساء على الجَمالِ )
( لمّا رأيت جِمالهم ... في الآل تَغْرَق باللآلىء )
( يا ليت ذلك بعدَ أن ... أظهرتَ أنّك لا تُبالِي )
( ولمِثْل ما جرّبتَ من ... إخلافهنّ لذي الوصالِ )
( أسلاكَ عن طَلب الصِّبا ... وأخو الصّبا لا بدّ سالي )
( يابنِ الأطايب للأطايب ... ذا المَكارم والمَعالي )
( وابنَ الهُداةَ بني الهداةِ ... وكاشِفي ظُلمَ الضّلالِ )
( أصحبتَ أكرمَ غالبٍ ... عند التّفاخر والنِّضالِ )
( وإِذا تُحَصِّلُ هاشمٌ ... يعلو بمجدك كلُّ عالي )
( ويكون بيتُك منهمُ ... في الشاهقات من القِلالِ )
( هذا وأنت ثِمالُها ... وابنُ الثّمالِ أخو الثِّمالِ )
( ومآلُها بأمورها ... إنّ الأمور إلى مآلِ )
قال فأمر له خاصة بعشرة آلاف درهم معجلة ثم ساواه بسائر الوفد بعد ذلك في
(3/297)

الجائزة وأعطاه مثل ما أعطاهم وقال ذلك بحق المديح وهذا بحق الوفادة
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي أبو أحمد وعمي قالا حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني إبراهيم بن إسحاق بن عبد الرحمن بن طلحة بن عمر بن عبيد الله قال حدثني عبد الله بن إبراهيم الجمحي قال
قدم عبد الملك بن مروان المدينة وكان ابن المولى يكثر مدحه وكان يسأل عنه من غير أن يكونا التقيا قال وابن المولى مولى الأنصار فلما قدم عبد الملك المدينة قدم ابن المولى لما بلغه من مسألة عبد الملك عنه فوردها وقد رحل عبد الملك عنها فأتبعه فأدركه بإضمَ بذي خشب بين عين مروان وعين الحديد وهما جميعا لمروان فالتفت عبد الملك إليه وابن المولى على نجيب متنكبا قوسا عربية فقال له عبد الملك ابن المولى قال لبيك يا أمير المؤمنين قال مرحبا بمن نالنا شكره ولم ينله منا فعل ثم قال له أخبرني عن ليلى التي تقول فيها
( وأبكي فلا لَيْلَى بكَتْ من صَبابةٍ ... إليّ ولا ليلى لذي الوُدّ تَبذِلُ )
والله لئن كانت ليلى حرّةً لأزوجنكها ولئن كانت أمة لأبتاعنها لك بما بلغت فقال كلا يا أمير المؤمنين والله ما كنت لأذكر حرمة حر أبدا ولا أمته والله يا ليلى إلا قوسي هذه سميتها ليلى لأشبب بها وإن الشاعر لا يستطاب إذا لم يتشبب فقال له عبد الملك ذلك والله أظرف لك فأقام عنده يومه وليلته ينشده ويسامره ثم أمر له بمال وكسوة وانصرف إلى المدينة
شعره في جعفر بن سليمان
أخبرني حبيب المهلبي عن الزبير وغيره عن محمد بن فضالة النحوي قال
(3/298)

قدم ابن المولى البصرة فأتى جعفر بن سليمان فوقف على طريقه وقد ركب فناداه
( كم صارخٍ يدعو وذي فاقةٍ ... يا جعفرَ الخيراتِ يا جعفرُ )
( أنت الذي أحييتَ بَذْلَ الندى ... وكان قد مات فلا يُذْكَرُ )
( سليلُ عبّاسٍ وليّ الهدى ... ومن به في المَحْل يُسْتَمْطَرُ )
( هذا امتداحِيك عقيد الندى ... أشهد بالمجد لك الأَشْقَرُ )
(3/299)

أخبار عطرد ونسبه
عطرد مولى الأنصار ثم مولى بني عمرو بن عوف وقيل إنه مولى مزينة مدني يكنى أبا هارون وكان ينزل قباء
وزعم إسحاق أنه كان جميل الوجه حسن الغناء طيب الصوت جيد الصنعة حسن الرأي والمروءة فقيها قارئا للقرآن وكان يغني مرتجلا وأدرك دولة بني أمية وبقي إلى أيام الرشيد وذكر ابن خرداذبه فيما حدثني به علي بن عبد العزيز عنه أنه كان معدل الشهادة بالمدينة أخبره بذلك يحيى بن علي المنجم عن أبي أيوب المديني عن إسحاق
وأخبرنا محمد بن خلف وكيع عن حماد بن إسحاق عن أبيه
أن سلمة بن عباد ولي القضاء بالبصرة فقصد ابنه عباد بن سلمة عطردا وهو بها مقيم قد قصد آل سليمان بن علي وأقام معهم فأتى بابه ليلا فدق عليه ومعه جماعة من أصحابه أصحاب القلانس فخرج عطرد إليه فلما رآه ومن معه فزع فقال لا ترع
( إني قصدتُ إليك من أهلي ... في حاجةٍ يأتي لها مثلي )
فقال وما هي أصلحك الله قال
( لا طالباً شيئاً إليك سوى ... حيِّ الحُمُولَ بجانب العزْلِ )
(3/300)

فقال انزلوا على بركة الله فلم يزل يغنيهم هذا وغيره حتى أصبحوا
نسبة هذا الصوت
صوت
( حيِّ الحُمُولَ بجانب العَزْلِ ... إذ لا يوافق شكلُها شكلي )
( الله أنجحُ ما طلبتَ به ... والبِرُّ خيرُ حقيبة الرَّحْلِ )
( إني بحبلك واصلٌ حبلي ... وبريش نَبْلك رائشٌ نَبْلِي )
( وشمائلي ما قد علمت وما ... نبحتْ كلابُك طارقاً مثلي )
الشعر لامرئ القيس بن عابس الكندي هكذا روى أبو عمرو الشيباني وقال إن من يرويه لامرئ القيس بن حجر يغلط
والغناء لعطرد ثقيل أول بالبنصر عن عمرو بن بانة وفيه لعمرو بن بانة ثقيل بالوسطى من روايته أيضا وفيه لابن عائشة خفيف رمل بالبنصر وفيه عنه وعن دنانير لمالك خفيف ثقيل أول بالوسطى وفيه عنه أيضا لإبراهيم ثاني ثقيل بالبنصر
المهدي لا يأنس لغناء إبراهيم بن خالد المعيطي
وأخبرني يحيى بن علي قال حدثنا أبو أيوب المديني وأخبرني به الحسن بن علي قال
(3/301)

كتب إلي أبو أيوب المديني وخبره أتم قال حدثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه عن إبراهيم بن خالد المعيطي قال
دخلت على المهدي وقد كان وصف له غنائي فسألني عن الغناء وعن علمي به فنسبته من ذلك طرفا فقال لي أتغني النواقيس قلت نعم وأغني الصلبان يا أمير المؤمنين فتبسم والنواقيس لحن معبد كان معبد وأهل الحجاز يسمونه النواقيس وهو
( سَلاَ دارَ ليلَى هل تُبين فتَنْطِقُ ... وأنَّى تَرُدُّ القولَ بيداءُ سَمْلقُ )
قال ثم قال لي المهدي وهو يضحك غنه فعنيته فأمر لي بمال جزيل وخلع علي وصرفني ثم بلغني أنه قال هذا معيطي وأنا لا آنس به ولا حاجة لي إلى أن أدنيه من خلوتي وأنا لا آنس به هكذا ذكر في هذا الخبر أن اللحن لمعبد وما ذكره أحد من رواة الغناء له ولا وجد في ديوان من دواوينهم منسوبا إليه على انفراد به ولا شركة فيه ولعله غلط
خبر إبراهيم بن خالد مع ابن جامع
وقد أخبرني هذا الخبر الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال
كان إبراهيم بن المعيطي يغني فدخل يوما الحمام وابن جامع فيه وكان له شيء يجاوز ركبتيه فقال له ابن جامع يا إبراهيم أتبيع هذا البغل قال لا بل أحملك عليه يا أبا القاسم فلما خرج ابن جامع من الحمام رأى ثياب
(3/302)

المعيطي رثة فأمر له بخلعة من ثيابه فقال له المعيطي لو قبلت حملاني قبلت خلعتك فضحك ابن جامع وقال له مالك أخزاك الله ويلك أما تدع ولعك وبطالتك وشرك ودخل إلى الرشيد فحدثه حديثه فضحك وأمر بإحضاره فأحضر فقال له أتغني النواقيس قال نعم وأغني الصلبان أيضا
ثم ذكر باقي الخبر مثل الذي تقدمه
أخبرني يحيى بن علي قال حدثني أبو أيوب المديني عن إسحاق قال
كان عطرد منقطعا في دولة بني هاشم إلى آل سليمان بن علي لم يخدم غيرهم وتوفي في خلافة المهدي
قال وكان يوما يغني بين يدي سليمان بن علي فغناه
صوت
( أُلْهُ فكم من ماجدٍ قد لَها ... ومن كريمٍ عرضُه وافِرُ )
الغناء لعطرد ثاني ثقيل عن الهشامي فقيل له سرقت هذا من لحن الغريض
( يا رَبْعَ سلاّمةَ بالمُنْحَنى ... فَخيْفِ سلْعٍ جادَك الوابلُ )
فقال لم أسرقه ولكن العقول تتوافق وحلف أنه لم يسمعه قط
نسبة هذا الصوت
صوت
( يا ربعَ سلاّمةَ بالمُنْحَنَى ... فخَيْفِ سَلْع جادكَ الوابلُ )
( إن تُمْسِ وحشاً طالما قد تُرَى ... وأنتَ معمورٌ بهم آهِلُ )
(3/303)

( أيامَ سلاّمةُ رُعْبُوبةٌ ... خَوْدٌ لَعُوبٌ حبُّها قاتلُ )
( محطوطةُ المَتْن هَضِيمُ الحَشى ... لا يطَّبيها الوَرَعُ الواغلُ )
الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو بن يحيى المكي
قال ومن الناس من ينسبه إلى ابن سريج
إطلاقه ومن معه بعد أن حبسه زبراء والي المدينة
أخبرني أحمد بن علي بن يحيى قال سمعت جدي علي بن يحيى قال حدثني أحمد بن إبراهيم الكاتب قال حدثني خالد بن كلثوم قال
كنت مع زبراء بالمدينة وهو وال عليها وهو من بني هاشم أحد بني ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فأمر بأصحاب الملاهي فحبسوا وحبس عطرد وأخبروه أنه من أهل الهيئة والمروءة والنعمة والدين فدعا به فخلى سبيله وأمره برفع حوائجه إليه فدعا له وخرج فإذا هو بالمغنين أحضروا ليعرضوا فعاد إليه عطرد فقال أصلح الله الأمير أعلى الغناء حبست هؤلاء قال نعم قال فلا تظلمهم فوالله ما أحسنوا منه شيئا قط فضحك وخلى سبيلهم
خبره مع الوليد بن يزيد
أخبرني محمد بن مزيد وجحظة قالا حدثنا حماد بن إسحاق قال قرأت على أبي عن محمد بن عبد الحميد بن إسماعيل بن عبد الحميد بن يحيى عن عمه أيوب بن إسماعيل قال
(3/304)

لما استخلف الوليد بن يزيد كتب إلى عامله بالمدينة يأمره بالشخوص إليه بعطرد المغني قال عطرد فأقرأني العامل الكاتب وزودني نفقة وأشخصني إليه فأدخلت عليه وهو جالس في قصره على شفير بركة مرصصة مملوءة خمرا ليست بالكبيرة ولكنها يدور الرجل فيها سباحة فوالله ما تركني أسلم عليه حتى قال أعطرد قلت نعم يا أمير المؤمنين قال لقد كنت إليك مشتاقا يا أبا هارون غنني
( حيِّ الحُمولَ بجانب العَزْلِ ... إذ لا يُلائم شكلُها شكلي )
( إني بحبلكِ واصلٌ حبلي ... وبريش نَبْلكِ رائشٌ نبلي )
( وشمائلي ما قد علمتِ وما ... نبحَتْ كلابُك طارقاً مثلي )
قال فغينته إياه فوالله ما أتممته حتى شق حلة وشي كانت عليه لا أدري كم قيمتها فتجرد منها كما ولدته أمه وألقاها نصفين ورمى بنفسه في البركة فنهل منها حتى تبينت علم الله فيها أنها قد نقصت نقصانا بينا وأخرج منها وهو كالميت سكرا فأضجع وغطي فأخذت الحلة وقمت فوالله ما قال لي أحد دعها ولا خذها فانصرفت إلى منزلي متعجبا مما رأيت من ظرفه وفعله وطربه فلما كان من غد جاءني رسوله في مثل الوقت فأحضرني فلما دخلت عليه قال لي يا عطرد قلت لبيك يا أمير المؤمنين قال غنني
( أيَذْهبُ عمري هكذا لم أَنَلْ بها ... مَجَالسَ تَشفِي قَرْحَ قلبي من الوجدِ )
( وقالوا تَدَاوَ إنّ في الطّبِّ راحةً ... فعللتُ نفسي بالدواء فلم يُجْدِ )
فغنيته إياه فشق حلة وشي كانت تلتمع عليه بالذهب التماعا احتقرت والله الأولى عندها ثم ألقى نفسه في البركة فنهل فيها حتى تبينت علم الله نقصانها وأخرج
(3/305)

منها كالميت سكرا وألقي وغطي فنام وأخذت الحلة فوالله ما قال لي أحد دعها ولا خذها وانصرفت فلما كان اليوم الثالث جاءني رسوله فدخلت إليه وهو في بهو قد ألقيت ستوره فكلمني من وراء الستور وقال يا عطرد قلت لبيك يا أمير المؤمنين قال كأني بك الآن قد أتيت المدينة فقمت بي في مجلسها ومحفلها وقعدت وقلت دعاني أمير المؤمنين فدخلت إليه فاقترح علي فغنيته وأطربته فشق ثيابه وأخذت سلبه وفعل وفعل والله يابن الزانية لئن تحركت شفتاك بشيء مما جرى فبلغني لأضربن عنقك يا غلام أعطه ألف دينار خذها وانصرف إلى المدينة فقلت إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في تقبيل يده ويزودني نظرة منه وأغنيه صوتا فقال لا حاجة بي ولا بك إلى ذلك فانصرف
قال عطرد فخرجت من عنده وما علم الله أني ذكرت شيئا مما جرى حتى مضت من دولة بني هاشم مدة
نسبة هذين الصوتين
الصوت الأول مما غناه عطرد الوليد قد نسب في أول أخباره والثاني الذي أوله
( أَيذهبُ عمري هكذا لم أَنَلْ بها ... )
الغناء فيه لعطرد ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه ليونس من كتابه لحن لم يذكر طريقته وذكر عمرو بن بانة أن فيه لإبراهيم ثاني ثقيل بالوسطى
(3/306)

صوت من المائة المختارة
( إن امرأً تَعْتَاده ذكَرٌ ... منها ثَلاثُ مِنًى لَذو صَبرِ )
( ومواقفَ بالمَشْعَرَيْنِ لها ... ومناظرُ الجَمَرات والنحرِ )
( وإفاضةُ الرُّكبان خَلْفَهمَ ... مثلُ الغمام أَرَذّ بالقَطْرِ )
( حتى استلمنَ الركن في أَنُفٍ ... من ليلهنّ يَطَأن في الأُزْرِ )
( يَقْعُدن في التَّطْواف آوِنةً ... ويَطُفن أحياناً على فَتْرِ )
( ففرَغن من سَبْع وقد جُهِدَتْ ... أحشاؤهن موائلَ الخُمْرِ )
الشعر للحارث بن خالد المخزومي والغناء في اللحن المختار للأبجر وإيقاعه من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر في الأول والثاني والسادس من الأبيات عن إسحاق
وفيه للغريض خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو
ولابن سريج في الثالث والرابع رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق
(3/307)

أخبار الحارث بن خالد المخزومي ونسبه
الحارث بن خالد بن العاص بن هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب
وأمه فاطمة بنت أبي سعيد بن الحارث بن هشام وأمها بنت أبي جهل بن هشام
وكان العاص بن هشام جد الحارث بن خالد خرج مع المشركين يوم بدر فقتله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه
أبو لهب يسترق العاص بن هشام
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدثني مصعب بن عبد الله قال
قامر أبو لهب العاص بن هشام في عشر من الإبل فقمره أبو لهب ثم في عشر فقمره ثم في عشر فقمره ثم في عشر فقمره ثم في عشر فقمره إلى أن خلعه من ماله فلم يبق له شيء فقال له إني أرى القداح قد حالفتك يابن عبد المطلب فهلم أقامرك فأينا قمر كان عبدا لصاحبه قال افعل ففعل فقمره أبو لهب فكره أن يسترقه فتغضب بنو مخزوم فمشى إليهم وقال افتدوه مني بعشر من الإبل فقالوا لا والله ولا بوبرة فاسترقه فكان يرعى له إبلا إلى أن خرج
(3/308)

المشركون إلى بدر وقال غير مصعب فاسترقه وأجلسه قينا يعمل الحديد
فلما خرج المشركون إلى بدر كان من لم يخرج أخرج بديلا وكان أبو لهب عليلا فأخرجه وقعد على أنه إن عاد إليه أعتقه فقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه يومئذ
الحارث بن خالد يقصر شعره على الغزل
والحارث بن خالد أحد شعراء قريش المعدودين الغزليين وكان يذهب مذهب عمر بن أبي ربيعة لا يتجاوز الغزل إلى المديح ولا الهجاء وكان يهوى عائشة بنت طلحة بن عبيد الله ويشبب بها وولاه عبد الملك بن مروان مكة وكان ذا قدر وخطر ومنظر في قريش وأخوه عكرمة بن خالد المخزومي محدث جليل من وجوه التابعين قد روى عن جماعة من الصحابة وله أيضا أخ يقال له عبد الرحمن بن خالد شاعر وهو الذي يقول
( رَحَل الشبابُ وليتَه لم يَرْحَلِ ... وغدا لِطيَّةِ ذاهبٍ مُتَحمِّلِ )
( ولّى بلا ذمٍّ وغادر بعدَه ... شَيْباً أقام مكانَه في المَنزِلِ )
( ليت الشبابَ ثَوَى لدينا حِقْبَةً ... قبل المشيب وليته لم يَعْجَلِ )
( فنُصِيبَ من لذّاته ونعيمه ... كالعهد إذ هو في الزمان الأوّلِ )
وفيه غناء
حدثني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال
قال معاذ بن العلاء أخو أبي عمرو بن العلاء كان أبو عمرو إذا لم يحج
(3/309)

استبضعني الحروف أسأل عنها الحارث بن خالد بن العاص بن هاشم بن المغيرة الشاعر وآتيه بجوابها قال فقدمت عليه سنة من السنين وقد ولاه عبد الملك بن مروان مكة فلما رآني قال يا معاذ هات ما معك من بضائع أبي عمرو فجعلت أعجب من اهتمامه بذلك وهو أمير
هو أحد شعراء قريش الخمسة المشهورين
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار وأخبرني به الحسن ابن علي عن أحمد بن سعيد عن الزبير ولفظه أتم قال حدثني محمد بن الضحاك الحزامي قال
كانت العرب تفضل قريشا في كل شيء إلا الشعر فلما نجم في قريش عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد المخزومي والعرجي وأبو دهبل وعبيد الله بن قيس الرقيات أقرت لها العرب بالشعر أيضا
أخبرني علي بن صالح بن الهيثم وإسماعيل بن يونس وحبيب بن نصر وأحمد بن عبد العزيز قالوا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن يحيى أبو غسان قال
(3/310)

تفاخر مولى لعمر بن أبي ربيعة ومولى للحارث بن خالد بشعريهما فقال مولى الحارث لمولى عمر دعني منك فإن مولاك والله لا يعرف المنازل إذا قلبت يعني قول الحارث
( إني وما نَحَروا غداةَ مِنًى ... عند الجِمار تَؤُودها العُقْلُ )
( لو بُدِّلتْ أعلى مَسَاكنِها ... سُفْلاً وأصبح سُفْلُها يَعْلُو )
( فَيكاد يعرِفها الخبيرُ بها ... فيرُدّه الإِقُدْاءُ والمَحْلُ )
( لعرفتُ مَغْناها بما احتمَلتْ ... منّي الضلوعُ لأهلها قَبْلُ )
قال عمر بن شبة وحدثني محمد بن سلام بهذا الخبر على نحو مما ذكره أبو غسان وزاد فيه فقال مولى ابن أبي ربيعة لمولى الحارث والله ما يحسن مولاك في شعر إلا نسب إلى مولاي
قال ابن سلام وأنشد الحارث بن خالد عبد الله بن عمر هذه الأبيات كلها حتى انتهى إلى قوله
( لعرفتُ مغناهَا بما احتملتْ ... منّي الضلوعُ لأهلها قبلُ )
فقال له ابن عمر قل إن شاء الله قال إذا يفسد بها الشعر يا عم فقال له يابن أخي إنه لا خير في شيء يفسده إن شاء الله
قال عمر وحدثني هذه الحكاية إسحاق بن إبراهيم في مخاطبته لابن عمر ولم يسندها إلى أحد وأظنه لم يروها إلا عن محمد بن سلام
وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان عن أبي الفضل المروروذي عن إسحاق عن أبي عبيدة فذكر قصة الحارث مع ابن عمر مثل الذي تقدمه
(3/311)

كثير عزة يفضله على نفسه
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا الرياشي قال حدثني أبو سلمة الغفاري عن يحيى بن عروة بن أذينة عن أبيه قال
كان كثير جالسا في فتية من قريش إذ مر بهم سعيد الراس وكان مغنيا فقالوا لكثير يا أبا صخر هل لك أن نسمعك غناء هذا فإنه مجيد قال افعلوا فدعوا به فسألوه أن يغنيهم
صوت
( هَلاِّ سألتَ معالِمَ الأطلالِ ... بالجِزع من حُرُضٍ وهنَّ بَوَالِي )
( سَقْياً لعَزّةَ خُلّتي سَقْيا لها ... إذ نحن بالهَضَباتِ من أمْلالِ )
( إذ لا تكلّمنا وكان كلامُها ... نَفَلا نؤمّله من الأَنْفالِ )
فغناه فطرب كثير وارتاح وطرب القوم جميعا واستحسنوا قول كثير وقالوا له يا أبا صخر ما يستطيع أحد أن يقول مثل هذا فقال بلى الحارث بن خالد حيث يقول
صوت
( إني وما نَحروا غداةَ مِنًى ... عند الجِمار تَؤودُها العُقْلُ )
( لو بُدّلتْ أعلى مساكنها ... سُفْلا وأصبح سُفْلها يعلو )
( لعرَفتُ مَغناها بما احتملَتْ ... منّي الضلوع لأهلها قَبْلُ )
(3/312)

نسبة ما في هذه الأخبار من الأغاني في أبيات كثير الأول
التي أولها
( هلاّ سألتَ مَعالِمَ الأطلال ... )
لابن سريج منها في الثاني والثالث رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق
وللغريض في الأول والثاني ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر عنه
وفيهما لعلويه رمل بالوسطى عن عمرو
وفي أبيات الحارث بن خالد لإبراهيم الموصلي رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق أيضا
أشعب يتمثل بشعره
أخبرني عمي حدثنا الكراني قال حدثنا الخليل بن أسد عن العمري عن الهيثم بن عدي قال
دخل أشعب مسجد النبي فجعل يطوف الحلق فقيل له ما تريد فقال أستفتي في مسألة فبينا هو كذلك إذ مر برجل من ولد الزبير وهو مسند إلى سارية وبين يديه رجل علوي فخرج أشعب مبادرا فقال له الذي سأله عن دخوله وتطوافه أوجدت من أفتاك في مسألتك قال لا ولكني علمت ما هو خير لي منها قال وما ذاك قال وجدت المدينة قد صارت كما قال الحارث بن خالد
(3/313)

( قد بُدّلتْ أعْلَى مساكنها ... سُفْلاً وأصبح سُفْلها يعلو )
رأيت رجلا من ولد الزبير جالسا في الصدر ورجلا من ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه جالسا بين يديه فكفى هذا عجبا فانصرفت
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة وأخبرني هذا الخبر إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان وأخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو عبد الله بن محمد بن حفص عن أبيه قال قال محمد بن خلف أخبرني به أبو أيوب سليمان بن أيوب المدني قال حدثنا مصعب الزبيري وأخبرني به أيضا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي وقد جمعت رواياتهم في هذا الخبر
أن بني مخزوم كلهم كانوا زبيرية سوى الحارث بن خالد فإنه كان مروانيا
عبد الملك يوليه مكة
فلما ولي عبد الملك الخلافة عام الجماعة وفد عليه في دين كان عليه وذلك في سنة خمس وسبعين وقال مصعب في خبره بل حج عبد الملك في تلك السنة فلما انصرف رحل معه الحارث إلى دمشق فظهرت له منه جفوة وأقام ببابه شهرا لا يصل إليه فانصرف عنه وقال فيه
( صَحِبتُك إذ عَيْني عليها غِشاوةٌ ... فلما انجَلَتْ قَطّعتُ نفسي ألومُها )
( وما بي وإن أَقصْيتَني من ضرَاعةٍ ... ولا افتقرتْ نفسي إلى من يضيمُها )
هذا البيت في رواية ابن المرزبان وحده
( عَطَفتُ عليك النفسَ حتى كأنما ... بكفّيْكَ بؤسِي أو عليك نعيمُها )
(3/314)

وبلغ عبد الملك خبره وأنشد الشعر فأرسل إليه من رده من طريقه فلما دخل عليه قال له حار أخبرني عنك هل رأيت عليك في المقام ببابي غضاضة أو في قصدي دناءة قال لا والله يا أمير المؤمنين قال فما حملك على ما قلت وفعلت قال جفوة ظهرت لي كنت حقيقا بغير هذا قال فاختر فإن شئت أعطيتك مائة ألف درهم أو قضيت دينك أو وليتك مكة سنة فولاه إياها فحج بالناس وحجت عائشة بنت طلحة عامئذ وكان يهواها فأرسلت إليه أخر الصلاة حتى أفرغ من طوافي فأمر المؤذنين فأخروا الصلاة حتى فرغت من طوافها ثم أقيمت الصلاة فصلى بالناس وأنكر أهل الموسم ذلك من فعله وأعظموه فعزله وكتب إليه يؤنبه فيما فعل فقال ما أهون والله غضبه إذا رضيت والله لو لم تفرغ من طوافها إلى الليل لأخرت الصلاة إلى الليل
فلما قضت حجها أرسل إليها يابنة عمي ألمي بنا أوعدينا مجلسا نتحدث فيه فقالت في غد أفعل ذلك ثم رحلت من ليلتها فقال الحارث فيها
صوت
( ما ضرّكم لو قلتم سَددَاً ... إنّ المطايا عاجِلٌ غَدُها )
( ولها علينا نِعمةٌ سَلَفتْ ... لسنا على الأيام نجحدُها )
( لو تمّمَتْ أسبابَ نعمتها ... تمّتْ بذلك عندنا يدُها )
(3/315)

لمعبد في هذه الأبيات ثقيل أول بالوسطى عن عمرو بن بانة ويونس ودنانير وقد ذكره إسحاق فنسبه إلى ابن محرز ثقيلا أول في أصوات قليلة الأشباه وقال عمرو بن بانة من الناس من نسبه إلى الغريض
نسبة ما في الأخبار من الغناء
صوت
( وما بي وإن أقصيتني من ضَراعة ... ولا افتقرتْ نفسي إلى من يُهينُها )
( بَلَى بأبي إني إليك لضَارعٌ ... فقيرٌ ونفسي ذاك منها يَزِينُها )
البيت الأول للحارث بن خالد والثاني ألحق به
والغناء للغريض ثقيل أول بالوسطى عن ابن المكي وذكر الهشامي أن لحن الغريض خفيف ثقيل في البيت الأول فقط وحكى أن قافيته على ما كان الحارث قاله
( ولا افتقرت نفسي إلى من يَضيمها ... )
وأن الثقيل الأول لعلية بنت المهدي ومن غنائها البيت المضاف
وأخلق بأن يكون الأمر على ما ذكره لأن البيت الثاني ضعيف يشبه شعرها
شعره بعائشة بنت طلحة بعد رحيلها وزوجها
أخبرني أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر وإسماعيل بن يونس قالوا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان محمد بن يحيى قال
لما تزوج مصعب بن الزبير عائشة بنت طلحة ورحل بها إلى العراق قال الحارث بن خالد في ذلك
صوت
( ظَعَن الأميرُ بأحسن الخَلْقِ ... وغدا بلُبّك مَطْلَعَ الشَّرْقِ )
( في البيت ذي الحسبِ الرفيعِ ومِن ... أهلِ التُّقَى والبرِّ والصِّدقِ )
(3/316)

( فظَلِلتُ كالمقهور مهجته ... هذا الجنونُ وليس بالعِشْقِ )
( أَتْرُجَّةٌ عَبِقَ العبيرُ بها ... عَبَقَ الدِّهان بجانب الحُقِّ )
( ما صبّحتْ أحداً برؤيتها ... إلا غدا بكواكب الطَّلْقِ )
وهي أبيات غنى ابن محرز في البيتين الأولين خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وذكر عمرو بن بانة أن فيها لمالك ثقيلا بالوسطى وذكر حبش أن فيهما لمالك رملا بالوسطى وذكر حبش أيضا أن فيهما للدلال ثاني ثقيل بالبنصر ولابن سريج ومالك رملين ولسعيد بن جابر هزجا بالوسطى
خبره في مكة مع عائشة
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر والحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن سلام عن ابن جعدية قال
لما أن قدمت عائشة بنت طلحة أرسل إليها الحارث بن خالد وهو أمير على مكة إني أريد السلام عليك فإذا خف عليك أذنت وكان الرسول الغريض فقالت له إنا حرم فإذا أحللنا أذناك فلما أحلت سرت على بغلاتها ولحقها الغريض بعسفان أو قريب منه ومعه كتاب الحارث إليها
( ما ضَرّكم لو قلتُمُ سَدَداً )
الأبيات المذكورة فلما قرأت الكتاب قالت ما يدع الحارث باطله ثم قالت
(3/317)

للغريض هل أحدثت شيئا قال نعم فاسمعي ثم اندفع يغني في هذا الشعر فقالت عائشة والله ما قلنا إلا سددا ولا أردنا إلا أن نشتري لسانه وأتى على الشعر كله فاستحسنته عائشة وأمرت له بخمسة آلاف درهم وأثواب وقالت زدني فغناها في قول الحارث بن خالد أيضا
( زَعَموا بأن البَيْن بعد غَدٍ ... فالقلبُ مما أحْدَثوا يَجِفُ )
( والعَيْنُ منذ أُجِدّ بَيْنهُمُ ... مثل الجُمانِ دموعُها تَكِفُ )
( ومقالها ودموعُها سُجُمٌ ... أَقْلِلْ حنينَك حين تَنصرِفُ )
( تشكو ونشكو ما أشَتَّ بنا ... كلُّ بوَشْك البيْن مُعْتَرِفُ )
إيقاع هذا الصوت ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى عن الهشامي ولم يذكر له حماد طريقا قال فقالت له عائشة يا غريض بحقي عليك أهو أمرك أن تغنيني في هذا الشعر فقال لا وحياتك يا سيدتي فأمرت له بخمسة آلاف درهم ثم قالت له غنني في شعر غيره فغناها قول عمر فيها
صوت
( أجْمَعتْ خُلّتي مع الفجر بَيْنا ... جَلّل اللهُ ذلك الوجهَ زَيْنا )
( أجمعتْ بينَها ولم نَكُ منها ... لذّةَ العيشِ والشبابِ قضَيْنا )
( فتولت حُمُولُها واستقلّت ... لم نَنَلْ طائلاً ولم نُقْضَ دَيْنا )
(3/318)

( ولقد قلتُ يومَ مكّة لمّا ... أرسلتْ تَقْرَأ السلامَ علينا )
( أنعم اللهُ بالرسول الذي أُرسِلَ ... والمُرسِلِ الرسالةِ عَيْنا )
الشعر لعمر بن أبي ربيعة والغناء للغريض خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق وغيره ينسبه إلى ابن سريج
وفيه لمعبد خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو وأظنه هذا اللحن قال فضحكت ثم قالت وأنت يا غريض فأنعم الله بك عينا وبابن أبي ربيعة عينا لقد تلطفت حتى أديت إلينا رسالته وإن وفاءك له لمما يزيدنا رغبة فيك وثقة بك
وقد كان عمر سأل الغريض أن يغنيها هذا الصوت لأنه قد كان ترك ذكرها لما غضبت بنو تيم من ذلك فلم يحب التصريح بها وكره إغفال ذكرها وقال له عمر إن أبلغتها هذه الأبيات في غناء فلك خمسة آلاف درهم فوفى له بذلك وأمرت له عائشة بخمسة آلاف درهم أخرى ثم انصرف الغريض من عندها فلقي عاتكة بنت يزيد بن معاوية امرأة عبد الملك بن مروان وكانت قد حجت في تلك السنة فقال لها جواريها هذا الغريض فقالت لهن علي به فجيء به إليها
قال الغريض فلما دخلت سلمت فردت علي وسألتني عن الخبر فقصصته عليها فقالت غنني بما غنيتها به ففعلت فلم أرها تهش لذلك فغنيتها معرضا لها ومذكرا بنفسي في شعر مرة بن محكان السعدي يخاطب امرأته وقد نزل به أضياف
( أقولُ والضّيفُ مَخْشِيٌّ ذَمَامَتُه ... على الكريم وحقُّ الضيفِ قد وجَبا )
صوت
( يا ربّة البيت قُومِي غيرَ صاغرةٍ ... ضٌمِّي إليك رِحالَ القوم والقِرَبا )
(3/319)

( في ليلةٍ من جُمَادَى ذاتِ أندِيَةٍ ... لا يُبصر الكلبُ من ظَلْمائها الطٌّنُبا )
( لا ينبَحُ الكلبُ فيها غيرَ واحدةٍ ... حتى يَلُفَّ على خَيْشومه الذَّنَبا )
الشعر لمرة بن محكان السعدي والغناء لابن سريج
ذكر يونس أن فيه ثلاثة ألحان فوجدت منها واحدا في كتاب عمرو بن بانة رملا بالوسطى والآخر في كتاب الهشامي خفيف ثقيل بالوسطى والآخر ثاني ثقيل في كتاب أحمد بن المكي قال فقالت وهي متبسمة قد وجب حقك يا غريض فغنني فغنيتها
صوت
( يا دهرُ قد أكثرتَ فَجْعتنا ... بسَراتنا ووَقَرْتَ في العَظْمِ )
( وسَلَبتنا ما لستَ مُخْلِفَه ... يا دهرُ ما أنصفتَ في الحُكْمِ )
( لو كان لي قِرنٌ أناضِله ... ما طاش عند حَفِيظةٍ سَهْمي )
( لو كان يُعطِي النّصْفَ قلتُ له ... أحرزتَ سهمك فالْهُ عن سهمي )
فقالت نعطيك النصف ولا نضيع سهمك عندنا ونجزل لك قسمك وأمرت لي بخمسة آلاف درهم وثياب عدنية وغير ذلك من الألطاف وأتيت الحارث بن خالد فأخبرته الخبر وقصصت عليه القصة فأمر لي بمثل ما أمرتا لي به جميعا فأتيت ابن أبي ربيعة وأعلمته بما جرى فأمر لي بمثل ذلك فما انصرف واحد من ذلك الموسم بمثل ما انصرفت به بنظرة من عائشة ونظرة من عاتكة وهما من أجمل نساء عالمهما وبما أمرتا لي به وبالمنزلة عند الحارث وهو أمير مكة وابن أبي ربيعة وما أجازاني به جميعا من المال
(3/320)

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أبو الحسن المروزي قال حدثنا محمد بن سلام عن يونس قال
لما حجت عائشة بنت طلحة أرسل إليها الحارث بن خالد وهو أمير مكة أنعم الله بك عينا وحياك وقد أردت زيارتك فكرهت ذلك إلا عن أمرك فإن أذنت فيها فعلت فقالت لمولاة لها جزلة وما أرد على هذا السفيه فقالت لها أنا أكفيك فخرجت إلى الرسول وقالت له اقرأ عليه السلام وقل له وأنت أنعم الله بك عينا وحياك نقضي نسكنا ثم يأتيك رسولنا إن شاء الله ثم قالت لها قومي فطوفي واسعي واقضي عمرتك واخرجي في الليل ففعلت وأصبح الحارث فسأل عنها فأخبر خبرها فوجه إليها رسولا بهذه الأبيات فوجدها قد خرجت عن عمل مكة فأوصل الكتاب إليها فقالت لمولاتها خذيه فإني أظنه بعض سفاهاته فأخذته وقرأته وقالت له ما قلنا إلا سددا وأنت فارغ للبطالة ونحن عن فراغك في شغل
يحمل قادما إلى المدينة رقعة كتب فيها لعائشة
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار وأحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب ابن نصر المهلبي وإسماعيل بن يونس الشيعي قالوا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال زعم كلثوم بن أبي بكر بن عمر بن الضحاك بن قيس الفهري قال
قدم المدينة قادم من مكة فدخل على عائشة بنت طلحة فقالت له من أين أقبل الرجل قال من مكة فقالت فما فعل الأعرابي فلم يفهم ما أرادت فلما عاد إلى مكة دخل على الحارث فقال له من أين قال من المدينة قال فهل دخلت على عائشة بنت طلحة قال نعم قال فعماذا سألتك قال قالت
(3/321)

لي ما فعل الأعرابي قال له الحارث فعد إليها ولك هذه الراحلة والحلة ونفقتك لطريقك وادفع إليها هذه الرقعة وكتب إليها فيها
صوت
( من كان يَسأل عنا أين منزِلنا ... فالأُقْمُوانَةُ منا منزلٌ قَمَنُ )
( إذ نلبَس العيشَ صفواً ما يكدّره ... طَعْنُ الوُشَاة ولا ينبو بنا الزمنُ )
قال إسحاق وزادني غير كلثوم فيها
( ليت الهوى لم يقرّبني إليكِ ولم ... أعْرِفْكِ إذ كان حظّي منكُم الحَزَن )
غنى في هذه الأبيات ابن محرز خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق وذكر يونس أن فيها لحنا ولم يجنسه وذكر عمرو أن فيه لبابويه ثاني ثقيل بالبنصر
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن محمد بن سلام قال
لما ولى عبد الملك بن مروان الحارث بن خالد المخزومي مكة بعث إلى الغريض فقال له لا أرينك في عملي وكان قبل ذلك يطلبه ويستدعيه فلا يجبيه فخرج الغريض إلى ناحية الطائف وبلغ ذلك الحارث فرق له فرده وقال له لم كنت تبغضنا وتهجر شعرنا ولا تقربنا قال له الغريض كانت هفوة من هفوات النفس وخطرة من خطرات الشيطان ومثلك وهب الذنب وصفح عن الجرم وأقال العثرة وغفر الزلة ولست بعائد إلى ذلك أبدا قال وهل غنيت
(3/322)

في شيء من شعري قال نعم قد غنيت في ثلاثة أصوات من شعرك قال هات ما غنيت فغينت
صوت
( بان الخَلِيطُ فما عاجوا ولا عَدَلوا ... إذا ودّعوك وحنّت بالنوى الإِبلُ )
( كأن فيهم غداةَ البَيْن إذ رَحَلوا ... أَدْمَاءَ طاع لها الحَوْذَانُ والنَّفَلُ )
الغناء للغريض ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي وحبش قال حبش وفيه لابن سريج خفيف رمل بالبنصر ولإسحاق ثاني ثقيل بالبنصر فقال له أحسنت والله يا غريض هات ما غنيت فيه أيضا من شعري فغناه في قوله
صوت
( يا ليت شعري وكم من مُنْية قُدِرتْ ... وَفْقا وأُخرى أتى من دونها القَدَرُ )
( ومُضْمَرِ الكَشْح يَطْوِيه الضجيعُ له ... طيَّ الحِمالة لا جافٍ ولا فَقِرُ )
( له شَبِيهان لا نَقْصٌ يَعِيبهما ... بحيث كانا ولا طُولٌ ولا قِصَرُ )
لم أعرف لهذا الشعر لحنا في شيء من الكتب ولا سمعته فقال له الحارث أحسنت والله يا غريض إيه وماذا أيضا فغناه قوله
( عَفَتِ الديارُ فما بها أهلُ ... حُزّانُها ودِمَاثُها السهلُ )
( إني وما نحروا غداةَ مِنَّي ... عند الجِمار تؤدها العُقْلُ )
(3/323)

الأبيات المذكورة وقد مضت نسبتها معها فقال له الحارث يا غريض لا لوم في حبك ولا عذر في هجرك ولا لذة لمن لا يروح قلبه بك يا غريض لو لم يكن لي في ولايتي مكة حظ إلا أنت لكان حظا كافيا وافيا يا غريض إنما الدنيا زينة فأزين الزينة ما فرح النفس ولقد فهم قدر الدنيا على حقيقته من فهم قدر الغناء
سكينة بنت الحسين تنقد شعره
أخبرني الحسن بن علي عن أحمد بن زهير عن مصعب الزبيري قال
أنشدت سكينة بيت الحسين قول الحارث بن خالد
( فَفَرَغْن من سَبْع وقد جُهِدت ... أحشاؤهن موائلَ الخُمْرِ )
فقال أحسن عندكم ما قال قالوا نعم فقالت وما حسنه فوالله لو طافت الإبل سبعا لجهدت أحشاؤها
أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن كلثوم بن أبي بكر قال
لما مات عمر بن عبد الله التيمي عن عائشة بنت طلحة وكانت قبله عند مصعب بن الزبير قيل للحارث بن خالد ما يمنعك الآن منها قال لا يتحدث والله رجال من قريش أن نسيبي بها كان لشيء من الباطل
شعره في أبان بن عثمان بعد أن تولى على موسم الحج
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي قال
لما خرج ابن الأشعث على عبد الملك بن مروان شغل عن أن يولي على
(3/324)

الحج رجلا وكان الحارث بن خالد عامله على مكة فخرج أبان بن عثمان من المدينة وهو عامله عليها فغدا على الحارث بمكة ليحج بالناس فنازعه الحارث وقال له لم يأتني كتاب أمير المؤمنين بتوليتك على الموسم وتغالبا فغلبه أبان ابن عثمان بنسبه ومال إليه الناس فحج بهم فقال الحارث بن خالد في ذلك
( فإن تَنْجُ منها يا أبَانُ مسلَّما ... فقد أفلتَ الحجّاجَ خيلُ شَبِيبَ )
( وكاد غَداةَ الدّير يُنْفِذُ حِضْنَه ... غلامٌ بطعن القِرْن جِدُّ طبيبِ )
( وأَنْسَوْه وصف والدَّيْر لما رآهُمُ ... وحسَّنَ خوفُ الموت كلَّ مَعيبِ )
فلقيه الحجاج بعد ذلك فقال مالي ولك يا حارث أينازعك أبان عملا فتذكرني فقال له ما اعتمدت مساءتك ولكن بلغني أنك أنت كاتبته قال والله ما فعلت فقال له الحارث المعذرة إلى الله وإليك أبا محمد
نسخت من كتاب هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات حدثني عمرو ابن سلم قال حدثني هارون بن موسى الفروي قال حدثني موسى بن جعفر أن يحيى قال حدثني مؤدب لبني هشام بن عبد الملك قال
بينا أنا ألقي على ولد هشام شعر قريش إذ أنشدتهم شعر الحارث بن خالد
( إن امرأً تعتادُه ذِكَرٌ ... منها ثَلاثُ مِنًى لذو صَبْرِ )
وهشام مصغ إلي حتى ألقيت عليهم قوله
( ففَرغْنَ من سَبْع وقد جُهِدتْ ... أحشاؤهن موائلَ الخُمْرِ )
(3/325)

فانصرف وهو يقول هذا كلام معاين
شعره في عائشة بعد أن قدمت تريد العمرة
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو عبد الله السدوسي قال وحدثنا أبو حاتم السجستاني قال أخبرنا أبو عبيدة قال
قدمت عائشة بنت طلحة مكة تريد العمرة فلم يزل الحارث يدور حولها وينظر إليها ولا يمكنه كلامها حتى خرجت فأنشأ يقول وذكر في هذه الأبيات بسرة حاضنتها وكنى عنها
صوت
( يا دارُ أقفَر رسمُها ... بين المُحَصَّبِ والحَجُون )
( أَقْوَتْ وغيَّر آيَها ... مَرُّ الحوادث والسّنينِ )
( واستبدلوا ظَلَف الحجاز ... وسُرّة البلد الأمينِ )
( يا بُسْر إنّي فاعلمي ... بالله مجتهداً يَميني )
( ما إن صَرَمتُ حبالكم ... فَصِلِي حبالي أو ذَرِيني )
في هذه الأبيات ثاني ثقيل لمالك بالبنصر عن الهشامي وحبش قال وفيها لابن مسجح ثقيل أول وذكر أحمد بن المكي أن فيها لابن سريج رملا بالبنصر فيها لمعبد ثقيل أول بالوسطى عن حبش
تشبيبه بزوجته أم عبد الملك
أخبرني الطوسي والحرمي بن أبي العلاء قالا حدثنا الزبير بن بكار قال
(3/326)

حدثني مصعب بن عثمان بن مصعب بن عروة بن الزبير وأخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان عن أحمد بن زهير عن مصعب الزبيري قال
كانت أم عبد الملك بنت عبد الله بن خالد بن أسيد عند الحارث بن خالد فولدت منه فاطمة بنت الحارث وكانت قبله عند عبد الله بن مطيع فولدت منه عمران ومحمدا فقال فيها الحارث وكناها بابنها عمران
( يا أُمَّ عِمْرانَ ما زالت وما بَرِحت ... بِيَ الصبابةُ حتى شفّني الشَّفَقُ )
( القلبُ تاقَ إليكم كي يُلاقيكم ... كما يتوقُ إلى مَنْجاتَه الغَرقُ )
( تُنِيل نَزْرا قليلاً وهي مُشْفِقةٌ ... كما يخاف مَسِيسَ الحيّة الفَرِقُ )
قال مصعب بن عثمان فأنشد رجل يوما بحضرة ابنها عمران بن عبد الله بن مطيع هذا الشعر ثم فطن فأمسك فقال له لا عليك فإنها كانت زوجته
وقال ابن المرزبان في خبره فقال له امض رحمك الله وما بأس بذلك رجل تزوج بنت عمه وكان لها كفئا كريما فقال فيها شعرا بلغ ما بلغ فكان ماذا
تشبيبه بأم بكر أحسن الناس وجها
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن عبد الرحمن التميمي عن أبي شعيب الأسدي عن القحذمي قال
بينا الحارث بن خالد واقف على جمرة العقبة إذ رأى أم بكر وهي ترمي الجمرة فرأى أحسن الناس وجها وكان في خدها خال ظاهر فسأل عنها فأخبر باسمها حتى عرف رحلها ثم أرسل إليها يسألها أن تأذن له في الحديث فأذنت له فكان يأتيها يتحدث إليها حتى انقضت أيام الحج فأرادت الخروج إلى بلدها فقال فيها
(3/327)

( ألا قُل لذاتِ الخال يا صاحِ في الخدّ ... تدوم إذا بانت على أحسن العَهْدِ )
( ومنها علاماتٌ بمجرى وِشاحها ... وأخرى تَزِين الجِيدَ من مَوْضِعِ العِقْدِ )
( وترعَى من الوُدّ الذي كان بيننا ... فما يَستوي راعي الأمانة والمُبْدي )
( وقل قد وعدتِ اليوم وعداً فأنجزي ... ولا تُخْلِفي لا خيرَ في مُخْلِف الوعدِ )
( وجُودي عليّ اليومَ منكِ بنائل ... ولا تَبْخَلي قُدِّمتُ قَبْلَك في اللَّحدِ )
( فمن ذا الذي يُبدي السرورَ إذا دنت ... بكِ الدارُ أو يُعْنَى بنأيكمُ بعدي )
( دنوّكُمُ منّا رَخاءٌ نناله ... ونأيُكُمُ والبعدُ جَهْدٌ على جَهدِ )
( كثيرٌ إذا تدنوا اغتباطي بك النوى ... ووجدي إذا ما بِنْتُمُ ليس كالوجدِ )
( أقول ودمعي فوق خدّي مُخَضِّل ... له وَشَلٌ قد بَلَّ تَهْتَانهُ خدّي )
( لقد منح اللهُ البخيلةَ وُدَّنا ... وما مُنِحتْ ودّي بدعوى ولا قَصْدِ )
أخبرني محمد بن خلف قال وحدثت عن المدائني ولست أحفظ من حدثني به قال طافت ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود وأمها ميمونة بنت أبي سفيان ابن حرب بالكعبة فرآها الحارث بن خالد فقال فيها
( أطافت بنا شمُس النهار ومَنْ رأى ... من النّاس شمساً بالعِشاء تطوفُ )
( أبو أُمّها أوفَى قريشٍ بذِمّةِ ... وأعمامُها إمّا سألتَ ثَقِيفُ )
وفيها يقول
( أَمِن طَلَلٍَ بالجِزْع من مكّة السِّدرِ ... عفا بين أكناف المُشَقَّر فالحَضْرِ )
(3/328)

( ظَلِلتَ وظَلَّ القوم من غير حاجةٍِ ... لَدُنْ غُدوةٍ حتى دنَتْ حَزَّةُ العَصْرِ )
( يُبَكُّونَ من ليلَى عهوداً قديمةً ... وماذا يُبكِّي القوم من منزلٍ قَفْرِ )
الغناء في هذه الأبيات لابن سريج ثاني ثقيل بالخنصر والبنصر عن يحيى المكي وذكر غيره أنه للغريض
وفي ليلى هذه يقول أنشدناه وكيع عن عبد الله بن شبيب عن إبراهيم بن المنذر الحزامي للحارث بن خالد وفي بعض الأبيات غناء
صوت
( لقد أرسلتْ في السرّ ليلَى تلومني ... وتزعُمُني ذا مَلّةٍ طرِفاً جَلْدا )
( وقد أخلفتْنا كلَّ ما وَعدتْ به ... ووالله ما أخلفتُها عامداً وعْدا )
( فقلتُ مُجِيباً للرسول الذي أتى ... تُرَاه لكَ الوَيْلاتُ من قولها جِدّا )
( إذا جئتَها فاقْرَ السلامَ وقُلْ لها ... دعي الجَوْرَ ليلَى واسلُكي مَنْهَجاً قَصْدا )
( أفي مُكْثِنا عنكم ليالٍ مَرِضتُها ... تَزِيدينَني ليلَى على مَرضِي جَهْدا )
( تَعُدِّين ذنباً واحداً ما جنيتُه ... عليّ وما أُحصِي ذنوبَكُم عَدّا )
( فإِن شئتِ حرّمتُ النساءَ سِواكُم ... وإِن شئتِ لم أَطْعَمُ نُقَاخا ولا بَرْدا )
( وإِن شئتِ غُرْنا بعدكم ثم لم نزَل ... بمكّةَ حتى تَجْلِسي قابِلاً نَجْدا )
الغناء للغريض ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى وذكر ابن المكي أن
(3/329)

فيه لدحمان ثاني ثقيل بالوسطى لا أدري أهذا أم غيره
وفيه ثقيل أول للأبجر عن يونس والهشامي
وفيه لابن سريج رمل بالبنصر
ولعرار خفيف ثقيل عن الهشامي وحبش
أخبرني محمد بن خلف قال أخبرني محمد بن الحارث الخراز قال حدثنا أبو الحسن المدائني قال
كان الحارث بن خالد واليا على مكة وكان أبان بن عثمان ربما جاءه كتاب الخليفة أن يصلي بالناس ويقيم لهم حجهم فتأخر عنه في سنة الحرب كتابه ولم يأت الحارث كتاب فلما حضر الموسم شخص أبان من المدينة فصلى بالناس وعاونته بنو أمية ومواليهم فغلب الحارث على الصلاة فقال
( فإِن تَنْجُ منها يا أبَانُ مسلَّماً ... فقد أفلتَ الحجّاجَ خيلُ شَبِيبِ )
فبلغ ذلك الحجاج فقال مالي وللحارث أيغلبه أبان بن عثمان على الصلاة ويهتف بي أنا ما ذكره أياي فقال له عبيد بن موهب أتاذن أيها الأمير في إجابته وهجائه قال نعم فقال عبيد
( أبا وابِصٍ رَكِّب علاتَك والتَمِس ... مَكاسِبهَا إن اللئيم كَسوبُ )
( ولا تَذْكُرِ الحجّاج إلا بصالح ... فقد عِشْتَ من معروفه بذَنُوبِ )
( ولستَ بوالٍ ما حيِيتَ إمارةً ... لمُسْتخلَفٍ إلا عليك رقيبُ )
قال المدائني وبلغني أن عبد الملك قال للحارث أي البلاد أحب إليك قال ما حسنت فيه حالي وعرض وجهي ثم قال
( لا كُوفةٌ أُمّي ولا بَصْرةٌ أبي ... ولستُ كمن يَثنيه عن وجهه الكَسَلْ )
(3/330)

نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني
منها في تشبيب الحارث بامرأته أم عمران
صوت
( بانَ الخَليطُ الذي كنّا به نَثِقُ ... بانوا وقلبُك مجنونٌ بهم عَلِقُ )
( تُنِيل نَزْراً قليلاً وهي مُشْفِقةٌ ... كما يَخاف مَسِيسَ الحيّة الفَرِقُ )
( يا أمّ عِمرانَ ما زلتْ وما بَرِحت ... بيَ الصّبابةُ حتى شفّني الشّفقُ )
( لا أعتقَ اللهُ رقّي من صبابتكم ... ما ضرّني أنني صَبُّ بكم قَلِقُ )
( ضحِكتِ عن مُرْهَفِ الأنياب ذي أُشُرٍ ... لا قَضَمٌ في ثناياه ولا رَوقُ )
( يتوقُ قلبي إليكم كي يلاقيكم ... كما يتوق إلى مَنْجاته الغَرِقُ )
غنّى ابن محرز في الثالث ثم السادس ثم الخامس ثم الثاني ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وللغريض في الرابع والثاني والثالث والسادس خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو ولسلسل في الأول والثاني ثقيل أول مطلق عن الهشامي ولابن سريج في الثاني والأول والرابع والخامس رمل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق وللهذلي في الثاني ثم الأول هزج عن الهشامي
وذكر حبش أن فيها لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى ولابن محرز ثاني ثقيل آخر بالبنصر وذكر الهشامي أن لابن سريج في الأبيات خفيف رمل
معبد يغني شعره في عائشة
ومما يغني فيه من شعر الحارث بن خالد في عائشة بنت طلحة تصريحا وتعريضا ببسرة جاريتها
(3/331)

صوت
( يا رَبْعَ بُسْرَة بالجناب تَكَلَّمِ ... وأَبِنْ لنا خبراً ولا تَسْتَعْجِمِ )
( مالي رأيتُك بعد أهلك مُوحِشاً ... خَلَقاً كحَوْض الباقر المتهدِّمِ )
( تَسْبي الضجيعَ إذا النجومُ تغوّرت ... طوعُ الضجيع أنيقةُ المتوسَّمِ )
( قُبُّ البطون أوانسٌ مثلُ الدُّمَى ... يَخْلِطن ذاك بعِفّةٍ وتكرُّمِ )
الغناء لمعبد خفيف رمل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى
والأبيات أكثر من هذه إلا أني اعتمدت على ما غني فيه
ومنها صوت قد جمعت فيه عدة طرائق وأصوات في أبيات من القصيدة
( أعَرفتَ أطلالَ الرُّسوم تنكّرتْ ... بعدي وبُدِّل آيهُنّ دُثُورَا )
( وتَبدّلتْ بعد الأنيس بأهلها ... عُفْراً بَواغِم يَرْتَعِين وُعُورا )
( من كلّ مُصْبِيَة الحديثِ ترى لها ... كَفَلاً كرابية الكَثِيب وثِيرا )
( دَعْ ذا ولكن هل رأيتَ ظَعائِنا ... قَرِّبْن أجْمالا لهنّ بُكُورا )
( قَرّبنَ كلّ مُخَيَّسٍ مُتحَمِّل ... بُزُلا تُشَبِّه هامهنّ قُبُورا )
( يَفْتِنَّ لا يألُون كلَّ مُغَفَّلٍ ... يَملأنه بحديثهنّ سرورا )
( يا دارُ حسَّرها البلى تحسِيرا ... وسَفَتْ عليها الريحُ بعدك بُورا )
(3/332)

( دَقّ الترابُ نَخِيلُه فمخيِّم ... بِعِراصها ومُسَيَّر تسْيِيرا )
( يا رَبْعَ بُسْرة إن أضرّ بك البِلَى ... فلقد عهدتُك آهلاً معمورا )
( عَقَبَ الرّذَاذُ خِلافَهم فكأنّما ... بَسط الشّواطِبُ بينهنّ حصيرا )
( إنْ يُمسِ حبلُك بعد طول تواصُلٍ ... خَلَقاً ويُصْبِح بَيْنُكم مهجورا )
( فلقد أرانِي والجديدُ إلى بِلىً ... زمناً بوصلِك قانعاً مسرورا )
( جَذِلا بمالي عندكم لا أبتغي ... للنفس غيرَكِ حُلّةً وعشيرا )
( كنتِ المُنَى وأعزَّ مَنْ وطئ الحصا ... عندي وكنتُ بذاكِ منكِ جديرا )
غنى في الأول والثاني من هذه الأبيات معبد ولحنه ثقيل أول بالبنصر عن عمرو مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق وللغريض فيه ثقيل أول بالبنصر عن عمرو ولإسحاق فيهما ثاني ثقيل ولإبراهيم فيهما وفي الثالث خفيف ثقيل بالسبابة والوسطى عن ابن المكي وغنى الغريض في الثالث والسادس والرابع والخامس ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق وغنى معبد في السابع والثامن والعاشر خفيف ثقيل بالسبابة والوسطى عن يحيى المكي وفيها ثاني ثقيل ينسب إلى طويس وابن مسجح وابن سريج ولمالك في التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر خفيف ثقيل بالسبابة والوسطى عن يحيى المكي وفيها بأعيانها لابن سريج رمل بالسبابة والوسطى عن يحيى أيضا وليحيى المكي في الحادي عشر وما بعده إلى آخر الأبيات ثاني ثقيل ولإبراهيم فيها بعينها ثقيل أول عن الهشامي وفيها لإسحاق رمل وفي الثالث والرابع لحن لخليدة المكية خفيف رمل عن الهشامي أيضا
ومنها من أبيات قالها بالشأم عند عبد الملك أولها
(3/333)

( هل تعرفُ الدارَ أضحت آيُها عُجُمَا ... كالرَّقِّ أجرى عليها حاذقٌ قَلَمَا )
( بالخَيفِ هاجت شؤونا غيرَ جامدةً ... فانهلّت العينُ تُذْرِي واكفا سَجِما )
( دارٌ لبُسرةَ أمست ما تُكلّمنا ... وقد أبنتُ لها لو تعرِفُ الكَلِما )
( واهاً لبُسرةَ لو يدنو الأميرُ بها ... يا ليت بُسرةَ قد أمست لنا أَمَمَا )
صوت
( حلَّتْ بمكّة لا دارٌ مُصاقِبة ... هيهات جَيْرونُ ممّن يسكن الحَرَما )
( يا بُسرٌ إنكُمُ شطَّ البِعادُ بكم ... فما تُنيلوننا وصلا ولا نِعَما )
غنى في هذين البيتين الهذلي ثاني ثقيل بالوسطى وفيهما ليحيى المكي ثقيل أول بالبنصر جميعا من روايته
( قد قُلتُ بالخَيفِ إذ قالت لجارتها ... أدامَ وصلُ الذي أهدي لنا الكَلِما )
صوت
( لا يُرغِمُ الله أنفاً أنت حاملُه ... بل أنفُ شانيك فيما سرّكم رَغما )
( إن كان رابِك شيء لستُ أعلمه ... منّي فهذي يميني بالرضا سَلَما )
( أو كنتُ أحببتُ شيئاً مثلَ حُبُّكُم ... فلا أرحتُ إذاً أهلا ولا نَعَما )
(3/334)

( لا تكليني إلى من ليس يرحمُني ... وقاكِ مَنْ تُبْغِضين الحتفَ والسَّقما )
( إن الوُشاةَ كثيرٌ إن أطعتُهم ... لا يرقُبون بنا إلاَّ ولا ذِمَما )
غنى ابن محرز في
( لا يُرغمُ اللهُ أنفاً أنت حامله ... )
خفيف ثقيل بالبنصر ولابن مسجح فيه ثاني ثقيل عن حبش وفي
( لا تكليني إلى من ليس يرحمني ... )
لابن محرز ثقيل أول بالبنصر عن حبش والهشامي
عزله عبد الملك لأنه أخر الصلاة لعائشة
أخبرني محمد بن مزيد والحسين بن يحيى قالا أخبرنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الزبيري قال
أذن المؤذن يوما وخرج الحارث بن خالد إلى الصلاة فأرسلت إليه عائشة ابنة طلحة إنه بقي علي شيء من طوافي لم أتمه فقعد وأمر المؤذنين فكفوا عن الإقامة وجعل الناس يصيحون حتى فرغت من طوافها فبلغ ذلك عبد الملك بن مروان فعزله وولى مكة عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن أسيد وكتب إلى الحارث ويلك أتركت الصلاة لعائشة بنت طلحة فقال الحارث والله لو لم تقض طوافها إلى الفجر لما كبرت وقال في ذلك
( لم أُرَحِّبْ بأن سَخِطتِ ولكن ... مرحباً أن رضيتِ عنّا وأهلا )
( إنَّ وجها رأيتُه ليلةَ البدر ... عليه انثنى الجمالُ وحَلاّ )
( وجهُها الوجهُ لو يُسألُ به المُزن ... ُ من الحسنِ والجمال استهلاَّ )
( إن عندَ الطَّوافِ حين أتته ... لَجمالاً فَعْما وخُلْقاً رِفَلاّ )
(3/335)

( وكُسِين الجمالَ إن غِبنَ عنها ... فإِذا ما بدتْ لهنّ اضمحلاّ )
في شعر الحارث هذا غناء قد جمع كل ما في شعره منه على اختلاف طرائقه وهو
صوت
( أَثْلَ جُودِي على المتيّم أثلاَ ... لا تزيدي فؤادَه بكِ خَبْلا )
( أثلَ إني والراقصاتِ بجَمْع ... يتباريْن في الأزمّةَ فُتْلا )
( سانحاتٍ يقطعن من عرفاتٍ ... بين أيدي المطيّ حَزْنا وسَهلا )
( والأكفِّ المضمّرات على الركن ... بشُعْثٍ سَعَوُا إلى البيت رَجْلى )
( لا أخونُ الصديق في السرّ حتّى ... يُنقَلَ البحرُ بالغرابيل نقلا )
( أو تمرَّ الجبالُ مرَّ سحابٍ ... مُرْتَقٍ قد وَعى من الماء ثِقْلا )
( أنعم اللهُ لي بذا الوجهِ عينا ... وبه مرحباً وأهلاً وسَهلا )
( حين قالت لا تُفشِينَّ حديثي ... يابن عمّي أقسمت قلت أجلْ لا )
( إتقي الله واقبلي العذَر منّي ... وتَجافَيْ عن بعض ما كان زَلاَّ )
( لا تصُدّي فتقتُليني ظُلما ... ليس قتلُ المحبِّ للحبّ حِلاَّ )
( ما أكن سؤتُكم به فلك العُتبى ... لدينا وحَقَّ ذاك وَقَلاّ )
( لم أرحِّبْ بأن سَخِطتِ ولكن ... مرحباً أن رضيت عنّا وأهلا )
( إنّ شخصاً رأيتُه ليلةَ البدر ... عليه انثنى الجَمالُ وحلاَّ )
(3/336)

( جعلَ اللهُ كلَّ أنثى فداءً ... لك بل خدَّها لرجلِك نعلا )
( وجهكِ البدرُ لو سألتُ به المزنَ ... من الحسنِ والجمالِ استهلاَّ )
غنى معبد في الأبيات الأربعة الأولى خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو ولابن تيزن في الأول والثاني ثقيل أول عن إسحاق ولابن سريج في الأول والثاني والخامس ثقيل أول عن الهشامي وللغريض في الخامس إلى الثامن خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو ولدحمان في التاسع والعاشر والثالث عشر والرابع عشر خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو ولمالك في التاسع إلا آخر الثاني عشر لحن ذكره يونس ولم يجنسه ولابن سريج في هذه الأبيات بعينها رمل بالوسطى عن عمرو وللغريض فيها أيضا خفيف رمل بالبنصر عن ابن المكي ولابن عائشة في الخامس إلى آخر الثامن لحن ذكره حماد عن أبيه ولم يذكر طريقته
ومنها
صوت
( أَحَقّاً أن جيرتنا استحبّوا ... خُزُونَ الأرض بالبلد السَّخاخ )
( إلى عُقْر الأباطح من ثَبِير ... إلى ثور فَمدْفَعِ ذي مُرَاخِ )
( فتلك ديارُهم لم يَبْقَ فيها ... سوى طلل المُعَرِّس والمُناخ )
( وقد تَغْنَى بها في الدار حُورٌ ... نَواعمُ في المجاسد كالإِراخِ )
غنى في هذه الأبيات الغريض ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى عن الهشامي
(3/337)

وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا عبد الله بن محمد قال أخبرني محمد بن سلام قال
كانت سوداء بالمدينة مشغوفة بشعر عمر بن أبي ربيعة وكانت من مولدات مكة فلما ورد على أهل المدينة نعي عمر بن أبي ربيعة أكبروا ذلك واشتد عليهم وكانت السوداء أشدهم حزنا وتسلبا وجعلت لا تمر بسكة من سكك المدينة إلا ندبته فلقيها بعض فتيان مكة فقال لها خفضي عليك فقد نشأ ابن عم له يشبه شعره شعره فقالت أنشدني بعضه فأنشدها قوله
( إني وما نحروا غَداةَ مِنىً ... عند الجِمار تؤودُها العُقْلُ )
الأبيات كلها قال فجعلت تمسح عينيها من الدموع وتقول الحمد لله الذي لم يضيع حرمه
أخبرني اليزيدي قال حدثني عمي جد عبيد الله عن ابن حبيب عن ابن الأعرابي قال
ناضل سليمان بن عبد الملك بين الحارث وبين رجل من أخواله من بني عبس فرمى الحارث بن خالد فأخطأ ورمى العبسي فأصاب فقال
( أنا نَضَلت الحارث بن خالِد ... )
ثم رمى العبسي فأخطأ ورمى الحارث فأصاب فقال الحارث
( حسِبْتَ نَضْلَ الحارث بن خالِد ... )
ورميا فأخطأ العبسي وأصاب الحارث فقال الحارث
( مَشْيَكَ بين الزَّرْبِ والمرَابِد ... )
(3/338)

ورميا فأخطأ العبسي وأصاب الحارث فقال الحارث
( وإِنك الناقصُ غيرُ الزائدِ ... )
فقال سليمان أقسمت عليك يا حارث إلا كففت عن القول والرمي فكف
(3/339)

أخبار الأبجر ونسبه
الأبجر لقب غلب عليه واسمه عبيد الله بن القاسم بن ضبية ويكنى أبا طالب هكذا روى محمد بن عبد الله بن مالك عن إسحاق وروى هارون بن الزيات عن حماد عن أبيه أن اسمه محمد بن القاسم بن ضبية وهو مولى لكنانة ثم لبني بكر ويقال إنه مولى لبني ليث
أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا محمد بن عبد الله بن مالك وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه وهارون بن الزيات قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد عن محمد بن عبد الله بن مالك قال
كنا يوما جلوسا عند إسحاق فغنتنا جارية يقال لها سمحة
( إنّ العيونَ التي في طَرْفها مَرَضٌ ... قتَلْننا ثم لم يُحْيِينَ قَتْلانا )
فهبت إسحاق أن أسأله لم الغناء فقلت لبعض من كان معنا سله فسأله فقال له إسحاق ما كان عهدي بك في شبيبتك لتسألنا عن هذا فقال أحببته لما أسننت فقال لا ولكن هذا النقب عمل هذا اللص وضرب بيده إلى تلابيبي فقال له الرجل صدقت يا أبا محمد فأقبل علي فقال لي ألم أقل لك إذا اشتهيت شيئا فسل عنه أما لأعطينك فيه ما تعايي به من شئت منهم
(3/340)

أتدري لمن الشعر فقلت لجرير فقال لي والغناء للأبجر وكان مدنيا منشؤه بمكة أو مكيا منشؤه بالمدينة أتدري ما اسمه قلت لا قال اسمه عبيد الله بن القاسم بن ضبية أتدري ما كنيته قلت لا قال أبو طالب ثم قال اذهب فعاي بهذا من شئت منهم فإنك تظفر به
كان يلقب بالحسحاس
وقال هارون حدثني حماد عن أبيه قال الأبجر اسمه محمد بن القاسم بن ضبية وقال مرة أخرى عبيد الله بن القاسم مولى لبني بكر بن كنانة وقيل إنه مولى لبني ليث يلقب بالحسحاس
قال هارون وحدثني حماد عن أبيه قال حدثني عورك اللهبي قال
لم يكن بمكة أحد أظرف ولا أسرى ولا أحسن هيئة من الأبجر كانت حلته بمائة دينار وفرسه بمائة دينار ومركبه بمائة دينار وكان يقف بين المأزمين فيرفع صوته فيقف الناس له يركب بعضهم بعضا
أخبرني علي بن عبد العزيز الكاتب عن عبيد الله بن عبد الله بن خرداذبه عن إسحاق وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قالا
جلس الأبجر في ليلة اليوم السابع من أيام الحج على قريب من التنعيم فإذا عسكر جرار قد أقبل في آخر الليل وفيه دواب تجنب وفيها فرس أدهم عليه سرج حليته ذهب فاندفع فغنى
( عَرفتُ ديارَ الحيّ خاليةً قَفْرا ... كأن بها لمّا توهمتُها سَطْرا )
(3/341)

فلما سمعه من في القباب والمحامل أمسكوا وصاح صائح ويحك أعد الصوت فقال لا والله إلا بالفرس الأدهم بسرجه ولجامه وأربعمائة دينار فإذا الوليد بن يزيد صاحب الإبل فنودي أين منزلك ومن أنت فقال أنا الأبجر ومنزلي على باب زقاق الخرازين فغدا عليه رسول الوليد بذلك الفرس وأربعمائة دينار وتخت من ثياب وشي وغير ذلك ثم أتى به الوليد فأقام عنده وراح مع أصحابه عشية التروية وهو أحسنهم هيئة وخرج معه أو بعده إلى الشأم
خروجه مع الوليد بن يزيد إلى الشام
قال إسحاق وحدثني عورك اللهبي أن خروجه كان معه وذلك في ولاية محمد بن هشام بن إسماعيل مكة وفي تلك السنة حج الوليد لأن هشاما ما أمره بذلك ليهتكه عند أهل الحرم فيجد السبيل إلى خلعه فظهر منه أكثر مما أراد به من التشاغل بالمغنين واللهو وأقبل الأبجر معه حتى قتل الوليد ثم خرج إلى مصر فمات بها
نسبة الصوت المذكور في هذا الخبر
صوت
( عَرَفْتُ ديارَ الحيِّ خاليةً قَفْرا ... كأنّ بها لمّا توهّمتُها سَطْرا )
( وقفتُ بها كيما تَردّ جوابَها ... فما بيّنتْ لي الدارُ عن أهلها خُبْرا )
الغناء لأبي عباد ثقيل أول بالبنصر عن عمرو وفيه لسياط خفيف رمل بالبنصر
قال إسحاق وحدثت أن الأبجر أخذ صوتا من الغريض ليلا ثم دخل في الطواف حين أصبح فرأى عطاء بن أبي رباح يطوف بالبيت فقال يا أبا محمد اسمع صوتا أخذته في هذه الليلة من الغريض قال له ويحك أفي هذا
(3/342)

الموضع فقال كفرت برب هذا البيت لئن لم تسمعه مني سرا لأجهرن به فقال هاته فغناه
صوت
( عُوجِي علينا ربّةَ الهودَج ... إنّكِ إلاّ تَفْعَلِي تَحْرَجيّ )
( إنِّي أُتِيحتْ لي يَمَانِيةٌ ... إحدى بني الحارثِ من مَذْحِجِ )
( نلبَثُ حولاً كاملاً كلَّه ... لا نلتقي إلا على مَنْهَجِ )
( في الحجِّ إن حجَّتْ وماذا مِنىً ... وأهلهُ إنْ هي لم تَحْجُجِ )
فقال له عطاء الخير الكثير والله في منى وأهله حجت أو لم تحج فاذهب الآن
وقد مرت نسبة هذا الصوت وخبره في أخبار العرجي والغريض
قال إسحاق وذكر عمرو بن الحارث عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال ختن عطاء بن أبي رباح بنيه أو بني أخيه فكان الأبجر يختلف إليهم ثلاثة أيام يغني لهم
تنازعه مع ابن عائشة في الغناء
قال هارون بن محمد حدثني حماد بن إسحاق قال نسخت من كتاب ابن أبي نجيح بخطه حدثني غرير بن طلحة الأرقمي عن يحيى بن عمران عن عمر بن حفص بن أبي كلاب قال
كان الأبجر مولانا وكان مكيا فكان إذا قدم المدينة نزل علينا فقال لنا يوما أسمعوني غناء ابن عائشتكم هذا فأرسلنا فيه فجمعنا بينهما في بيت ابن هبار فتغنى ابن عائشة فقال الأبجر كل مملوك لي حر إن تغنيت معك إلا
(3/343)

بنصف صوتي ثم أدخل إصبعه في شدقه فتغنى فسمع صوته من في السوق فحشر الناس علينا فلم يفترقا حتى تشاتما قال وكان ابن عائشة حديدا جاهلا
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال وحدثني ابن أبي سعد قال حدثنا القطراني المغني عن محمد بن جبر عن إبراهيم بن المهدي قال حدثني ابن أشعب عن أبيه قال
دعي ذات يوم المغنون للوليد بن يزيد وكنت نازلا معهم فقلت للرسول خذني فيهم قال لم أومر بذلك وإنما أمرت بإحضار المغنين وأنت بطال لا تدخل في جملتهم فقلت أنا والله أحسن غناء منهم ثم اندفعت فغنيته فقال لقد سمعت حسنا ولكني أخاف فقلت لا خوف عليك ولك مع هذا شرط قال وما هو كل ما أصبته فلك شطره فقال للجماعة اشهدوا عليه فشهدوا ومضينا فدخلنا على الوليد وهو لقس النفس فغناه المغنون في كل فن من خفيف وثقيل فلم يتحرك ولا نشط فقام الأبجر إلى الخلاء وكان خبيثا داهيا فسأل الخادم عن خبره وبأي سبب هو خاثر فقال بينه وبين امرأته شر لأنه عشق أختها فغضبت عليه فهو إلى أختها أميل وقد عزم على طلاقها وحلف لها ألا يذكرها أبدا بمراسلة ولا مخاطبة وخرج على هذا الحال من عندها فعاد الأبجر إلينا وما جلس حتى اندفع فغنى
(3/344)

صوت
( فبِينِي فإِني لا أُبالي وأيقنِي ... أصَعَّدَ باقي حبِّكم أم تَصَوَّبا )
( ألم تعلَمي أنِّي عَزُوفٌ عن الهَوَى ... إذا صاحبي من غير شيء تَغَضَّبا )
فطرب الوليد وارتاح وقال أصبت يا عبيد والله ما في نفسي وأمر له بعشرة آلاف درهم وشرب حتى سكر ولم يحظ بشيء أحد سوى الأبجر فلما أيقنت بانقضاء المجلس وثبت فقلت إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تأمر من يضربني مائة الساعة بحضرتك فضحك وقال قبحك الله وما السبب في ذلك فأخبرته بقصتي مع الرسول وقلت إنه بدأني من المكروه في أول يومه بما اتصل علي إلى آخره فأريد أن أضرب مائة ويضرب بعدي مثلها فقال له لقد لطفت أعطوه مائة دينار وأعطوا الرسول خمسين دينارا من مالنا عوضنا عن الخمسين التي أراد أن يأخذها فقبضتها وما حظي أحد بشيء غيري وغير الرسول
والشعر الذي غنى فيه الأبجر الوليد بن يزيد لعبد الرحمن بن الحكم أخي مروان بن الحكم والغناء للأبجر ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق
وفيه لغيره عدة ألحان نسبت
صوت من المائة المختارة من رواية جحظة
( حمزةُ المبتاعُ بالمال الثَّنَا ... ويَرى في بَيْعه أنْ قد غَبَنْ )
( فهو إن أعطى عطاءً فاضلاً ... ذَا إخاءٍ لم يُكدِّرْهُ بمَنّ )
(3/345)

( وإِذا ما سَنَةٌ مُجْدِيَةٌ ... بَرَتِ الناسَ كبْريٍ بالسَّفَنْ )
( كان للناسِ ربيعاً مُغْدِقاً ... ساقط الأكنافِ إن راح ارجَحنّ )
( نُور شرقٍ بَيِّنٌ في وجهه ... لم يُصِبْ أثوابَه لونُ الدَّرَنْ )
عروضه من الرمل الشعر لموسى شهوات والغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق
(3/346)

أخبار موسى شهوات ونسبه وخبره في هذا الشعر
هو موسى بن يسار مولى قريش ويختلف في ولائه فيقال أنه مولى بني سهم ويقال مولى بني تيم بن مرة ويقال مولى بني عدي بن كعب ويكنى أبا محمد وشهوات لقب غلب عليه
سبب لقبه بشهوات
وحدثني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال
إنما لقب موسى شهوات لأنه كان سؤوالا ملحفا فكان كلما رأى مع أحد شيئا يعجبه من مال أو متاع أو ثوب أو فرس تباكى فإذا قيل له مالك قال أشتهي هذا فسمي موسى شهوات
قال وذكر آخرون أنه كان من أهل أذربيجان وأنه نشأ بالمدينة وكان يجلب إليه القند والسكر فقالت له امرأة من أهله ما يزال موسى يجيئنا بالشهوات فغلبت عليه
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال
كان محمد بن يحيى يقول موسى شهوات مولى بني عدي بن كعب وليس ذاك بصحيح هو مولى تيم بن مرة وذكر عبد الله بن شبيب عن الحزامي أنه مولى بني سهم
(3/347)

وأخبرني وكيع عن أحمد بن أبي خيثمة عن مصعب ومحمد بن سلام قال موسى شهوات مولى بني سهم
سعيد بن خالد بن عبد الله بن أسيد يعينه في ثمن جارية فيمدحه
وأخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال
هوي موسى شهوات جارية بالمدينة فاستهيم بها وساوم مولاها فيها فاستام بها عشرة آلاف درهم فجمع كل ما يملكه واستماح إخوانه فبلغ أربعة آلاف درهم فأتى إلى سعيد بن خالد العثماني فأخبره بحاله واستعان به وكان صديقه وأوثق الناس عنده فدافعه واعتل عليه فخرج من عنده فلما ولى تمثل سعيد قوله الشاعر
( كتبتَ إليَّ تَسْتَهدِي الجَواري ... لقد أنْعَظْتَ من بَلَدٍ بَعيدِ )
فأتى سعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فأخبره بقصته فأمر له بستة آلاف درهم فلما قبضها ونهض قال له اجلس إذا ابتعتها بهذا المال وقد أنفدت كل ما تملك فبأي حال تعيشان ثم دفع إليه ألفي درهم وكسوة وطيبا وقال أصلح بهذا شأنكما فقال فيه
( أبا خالدٍ أعني سعيدَ بن خالدٍ ... أخا العُرْف لا أعني ابنَ بنتِ سعيدِ )
(3/348)

عمرو بن عثمان بن عفان فقال يا أمير المؤمنين أتيتك مستعديا قال ومن بك قال موسى شهوات قال وماله قال سمع بي واستطال في عرضي فقال يا غلام علي بموسى فأقين به فأتي به فقال ويلك أسمعت به واستطلت في عرضه قال ما فعلت يا أمير المؤمنين ولكني مدحت ابن عمه فغضب هو قال وكيف ذلك قال علقت جارية لم يبلغ ثمنها جدتي فأتيته وهو صديقي فشكوت إليه ذلك فلم أصب عنده شيئا فأتيت ابن عمه سعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فشكوت إليه ما شكوته إلى هذا فقال تعود إلي فتركته ثلاثا ثم أتيته فسهل من إذني فلما استقر بي المجلس قال يا غلام قل لقيمتي هاتي وديعتي ففتح بابا بين بيتين وإذا بجارية فقال لي أهذه بغيتك قلت نعم فداك أبي وأمي قال اجلس ثم قال يا غلام قل لقيمتي هاتي ظبية نفقتي فأتي بظبية فنثرت بين يديه فإذا فيها مائة دينار ليس فيها غيرها فردت في الظبية ثم قال عتيدة طيبي فأتي بها فقال ملحفة فراشي فأتي بها فصير ما في الظبية وما في العتيدة في حواشي الملحفة ثم قال شأنك بهواك واستعن بهذا عليه فقال له سليمان بن عبد الملك فذلك حين تقول ماذا قال قلت
( يا خالد أعْنِي سعيدَ بن خالدٍ ... أخا العُرف لا أعني ابنَ بنتِ سعيدِ )
( ولكنني أعني ابنَ عائشة الذي ... أبو أبويه خالدُ بن أسِيدِ )
( عقيد الندى ما عاش يَرضَى به الندى ... فإن مات لم يرضَ النَدَى بعقيدِ )
( دعوهُ دَعُوهُ إنكم قد رقدتُم ... وما هو عن أحسابكم برَقودِ )
(3/350)

فقال سليمان علي يا غلام بسعيد بن خالد فأتي به فقال أحق ما وصفك به موسى قال وما ذاك يا أمير المؤمنين فأعاد عليه فقال قد كان ذلك يا أمير المؤمنين قال فما طوقتك هذه الأفعال قال دين ثلاثين ألف دينار فقال له قد أمرت لك بمثلها وبمثلها وبمثلها وبثلث مثلها فحملت إليه مائة ألف دينار قال فلقيت سعيد بن خالد بعد ذلك فقلت له ما فعل المال الذي وصلك به سليمان قال ما أصبحت والله أملك منه إلا خمسين دينارا قلت ما اغتاله قال خلة من صديق أو فاقة من ذي رحم
أخبرني وكيع قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة عن مصعب الزبيري ومحمد بن سلام قال
عشق موسى شهوات جارية بالمدينة فأعطى بها عشرة آلاف درهم ثم ذكر باقي الحديث مثل حديث سليمان بن أبي شيخ وقال فيه أما والله لئن مدحته وهو سميك وأبوه سمي أبيك ولم أفرق بينكما ليقولن الناس أهذا أم هذا ولكن والله لأقولن قولا لا يشك فيه وتمام هذه الأبيات التي مدح بها سعيدا بعد الأربعة المذكورة منها
( فِدًى للكريم العَبْشِتمِيّ ابنِ خالد ... بنِيّ ومالي طارِفي وتَلِيدي )
( على وجهه تلقى الأيامِنَ واسمِهِ ... وكُلُّ جَواري طيره بِسُعودِ )
( أبان وما استغنى عن الثّدْي خيرُه ... أبان به في المهد قبلَ قُعُودِ )
( دعوه دعوه إنكم قد رقدتُم ... وما هو عن أحسابكم برَقودِ )
( ترى الجُنْد والجُنّابَ يَغشَوْن بابَه ... بحاجاتهم من سيّد ومَسُودِ )
(3/351)

( فيُعطِي ولا يُعطَى ويُغشَى ويُجتَدَى ... وما بابُه للمُجْتَدِي بسديدِ )
( قتلتَ أُناساً هكذا في جلودهم ... من الغيظ لم تقتلهمُ بحديدِ )
( يعيشون ما عاشوا بغيظٍ وإن تَحِنْ ... منَايَاهُمُ يوماً تَحِنْ بِحُقُودِ )
( فقل لبُغاة العُرْف قد مات خالدٌ ... ومات الندّى إلا فُضُولَ سعيدِ )
قال وكيع في خبره أما قوله لا أعني ابن بنت سعيد فإن أم سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان آمنة بنت سعيد بن العاصي وعائشة أم عقيد الندى بنت عبد الله بن خلف الخزاعية أخت طلحة الطلحات وأمها صفية بنت الحارث بن طلحة بن أبي طلحة من بني عبد الدار بن قصي وأم أبي عقيد الندى رملة بنت معاوية بن أبي سفيان
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال
لما أنشد موسى شهوات سليمان بن عبد الملك شعره في سعيد بن خالد قال له اتفق اسماهما وإسما أبويهما فتخوفت أن يذهب شعري باطلا ففرقت بينهما بأمهما فأغضبه أن مدحت ابن عمه فقال له سليمان بلى والله لقد هجوته وما خفي علي ولكني لا أجد إليك سبيلا فأطلقه
أخبرني وكيع قال حدثني أحمد بن زهير قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثنا محمد بن مسلمة الثقفي قال
قال موسى شهوات لمعبد أأمدح حمزة بن عبد الله بن الزبير بأبيات
(3/352)

وتغني فيها ويكون ما يعطينا بيني وبينك قال نعم فقال موسى
( حمزةُ المبتاعُ بالمال الثَّنا ... ويَرى في بَيْعه أن قد غَبَنْ )
( فهو إن أعطى عَطاءً فاضلاً ... ذا إخاءٍ لم يُكدِّرْه بِمَتْن )
( وإذا ما سَنّةٌ مُجْحِفَةٌ ... بَرَتِ الناسَ كَبَرْي بالسَّفَنْ )
( حَسَرَتْ عنه نقيًّا عرضُه ... ذا بلاءٍ عند مُخْناها حَسَنْ )
( نُور صدقِ بَيّنٌ في وجهه ... لم يُدَنِّسْ ثوبَه لونُ الدَّرَنْ )
( كنتَ للناس رَبيعاً مُغْدِقاً ... ساقطَ الأكناف إن راح ارجَحَنْ )
قال أحمد بن زهير وأول هذه القصيدة عن غير ابن سلام
( شاقَني اليومَ حبيبٌ قد ظَعَنْ ... ففؤادي مُسْتَهَامٌ مُرْتَهَنْ )
( إنّ هنداً تَديمتني حِقْبَةً ... ثم بانت وهي للنفس شَجَنْ )
( فتنةٌ ألْحَقَها اللهُ بنا ... عائذٌ من شرّ الفِتَنْ )
فاطمة بنت الحسين تجيزه على شعره
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرني الطلحي قال أخبرني عبد الرحمن بن حماد عن عمران بن موسى بن طلحة قال
لما زفت فاطمة بنت الحسين رضوان الله عليه إلى عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان عارضها موسى شهوات
( طَلْحَةُ الخيرِ جَدِّكم ... ولخيرِ الفَوَاطمِ )
(3/353)

( أنتِ للطاهراتِ مِن ... فَرْع تَيْمٍ وهاشمِ )
( أَرْتجِيكُمْ لنَفْعِكم ... ولدَفْع المَظالِمِ )
فأمر له بكسوة ودنانير وطيب
تنقله بين الهجاء والمدح
قال حدثنا الكراني قال حدثنا العنزي عن العتبي قال
كانت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان تحت عمر بن عبد العزيز فلما مات عنها تزوجها داود بن سليمان بن مروان وكان قبيح الوجه فقال في ذلك موسى شهوات
( أبعد الأَغرّ ابن عبد العزيز ... قَرِيعِ قريشٍ إذا يذْكَرُ )
( تَزوّجْتِ داودَ مَخْتارةً ... ألاَ ذلك الخَلَفُ الأَعْوَرُ )
فكانت إذا سخطت عليه تقول صدق والله موسى إنك لأنت الخلف الأعور فيشتمه داود
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن لقيط قال
أقام موسى شهوات ليزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية على بابه بدمشق وكان فتى جوادا سمحا فلما ركب وثب إليه فأخذ بعنان دابته ثم قال
( قُم فصوِّتْ إذا أتيت دِمَشْقاً ... يا يزيدُ بن خالدِ بن يزيدِ )
( يا يزيدُ بن خالدٍ إن تُجِبْني ... يَلْقَني طائري بنجم السُّعودِ )
(3/354)

فأمر له بخمسة آلاف درهم وكسوة وقال له كلما شئت فنادنا نجبك
أخبرنا وكيع قال حدثني أحمد بن زهير قال حدثنا مصعب الزبيري قال
زوج موسى شهوات بنت مولى لمعن بن عبد الرحمن بن عوف يقال له داود ابن أبي حميدة فلما جليت عليه قال داود ما للجلوة فأنشأ يقول
( تقول ليَ النساءُ غدَاةَ تُجْلَى ... حميدةُ يا فتى ما للجِلاءِ )
( فقلتُ لهم سَمَرْقَنْدٌ وبَلْخٌ ... وما بالصين من نَعَمٍ وشَاءِ )
( أبوها حاتمٌ إن سِيلَ خيراً ... وليثُ كرِيهةٍ عند اللقاءِ )
أخبرني وكيع قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا مصعب قال
قضى أبو بكر بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب على موسى شهوات بقضية وكان خالد بن عبد الملك استقضاه في أيام هشام بن عبد الملك فقال موسى يهجوه
( وجدتُك فَهًّا في القضاء مُخلِّطاً ... فقَدْتُك من قاضٍ ومن مُتأمِّرِ )
(3/355)

( فدَعْ عنك ما شيدته ذات رخة ... أذى الناس لا تَحْشُرْهُمُ مَحْشَرِ )
ثم ولي القضاء سعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت الأنصاري فقال يمدحه
( مَنْ سَرّه الحُكْمُ صِرفا لا مِزاجَ له ... من القُضَاة وعدلٌ غيرُ مَغْمُوز )
( فليأْت دارَ سعيد الخَيْر إنَّ بها ... أمضى على الحقّ من سيف ابن جُرْمُوزِ )
قال وكان سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قد ولي المدينة واشتد على السفهاء والشعراء والمغنين ولحق موسى شهوات بعض ذلك منه وكان قبيح الوجه فقال موسى يهجوه
( قل لِسَعْدٍ وجهِ العجوز لقد كنتَ ... لِمَا قد أُوتِيت سعداً مخيلا )
( إن تكن ظالماً جهولاً فقد كان ... أبوك الأدْنَى ظلوما جهولا )
وقال يهجوه
( لعن اللهُ والعبادُ ثُطَيْطَ الوجه ... لا يُرْتَجَى قبيحَ الجِوارِ )
( يَتْقي الناسُ فحشه وأذَاه ... مثلَ ما يتَّقون بولَ الحِمارِ )
( لا تَغُرّنْك سَجْدةٌ بين عينيْه ... حَذارِ منها ومنه حَذارِ )
( إنها سَجْدةٌ بها يَخْدَع الناسَ ... عليها من سَجْدة بالدبَّارِ )
أخبرني عمي قال أخبرني ثعلب عن عبد الله بن شبيب قال
ذكر الحزامي أن موسى شهوات سأل بعض آل الزبير حاجة فدفعه عنها وبلغ ذلك عبد الله بن عمرو بن عثمان فبعث إليه بما كان التمسه من الزبيري من غير مسألة فوقف عليه موسى وهو جالس في المسجد ثم أنشأ يقول
(3/356)

( ليس فيما بَدا لنا منك عيبٌ ... عابَه الناسُ غيرَ أنك فاني )
( أنت نِعمَ المَتَاعُ لو كنتَ تَبْقَى ... غيرَ أنْ لا بَقَاءَ للإِنسانِ )
والشعر المذكور فيه الغناء يقوله موسى شهوات في حمزة بن عبد الله بن الزبير وكان فتى كريما جوادا على هوج كان فيه وولاه أبوه العراقين وعزل مصعبا لما تزوج سكينة بنت الحسين رضي الله عنه وعائشة بنت طلحة وأمهر كل واحدة منهما ألف ألف درهم
ابن الزبير يعزل أخاه مصعبا عن البصرة ويولي ابنه حمزة
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ عن مصعب الزبيري وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة وأخبرني عبيد الله بن محمد الرازي والحسين بن علي قال عبيد الله حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني وقال الحسين حدثنا الحارث بن أبي أسامة عن المدائني عن أبي محنف
أن أنس بن زنيم الليثي كتب إلى عبد الله بن الزبير
( أبْلِغْ أميرَ المؤمنين رسالةً ... مِن ناصح لك لا يُريِك خِداعا )
( بضَع الفتاةَ بألفِ ألفٍ كاملٍ ... وتَبِيتُ قاداتُ الجيوش جيِاعا )
( لو لأبي حَفْصٍ أقولُ مَقَالتي ... وأُبِتُّ ما أبثثتُكم لارتاعا )
فلما وصلت الأبيات إليه جزع ثم قال صدق والله لو لأبي حفص يقول
(3/357)

إن مصعبا تزوج امرأتين بألفي ألف درهم لا رتاع وإنا بعثنا مصعبا إلى العراق فأغمد سيفه وسل أيره وسنعزله فدعا بابنه حمزة وأمه بنت منظور بن زبان الفزاري وكان لها منه محل لطيف فولاه البصرة وعزل مصعبا
فبلغ قوله عبد الملك في أخيه مصعب فقال لكن أنا خبيب أغمد سيفه وأيره وخيره
وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال هذه الأبيات لعبد الله بن همام السلولي
قالوا جميعا فلما ولي ابنه حمزة البصرة أساء السيرة وخلط تخليطا شديدا وكان جوادا شجاعا أهوج فوفدت إلى أبيه الوفود في أمره وكتب إليه الأحنف بأمره وما ينكره الناس منه وأنه يخشى أن تفسد عليه طاعتهم فعزله عن البصرة
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا المدائني قال
لما قدم حمزة بن عبد الله البصرة واليا عليها وكان جوادا شجاعا مخلطا يجود أحيانا حتى لا يدع شيئا يملكه إلا وهبه ويمنع أحيانا ما لا يمنع من مثله فظهرت منه بالبصرة خفة وضعف
وركب يوما إلى فيض البصره فلما رآه قال إن هذا الغدير إن رفقوا به ليكفينهم صيفتهم هذه فلما كان بعد ذلك ركب إليه فوافقه جازرا فقال قد رأيته ذات يوم فظننت أن لن يكفيهم فقال له الأحنف إن هذا ماء يأتينا ثم يغيض عنا ثم يعود
وشخص إلى الأهواز فرأى جبلها فقال هذا قعيقعان وقعيقعان جبل بمكة فلقب ذلك الجبل بقعيقعان
قال أبو زيد وحدثني غير المدائني أنه سمع بذكر الجبل بالبصرة فدعا بعامله فقال له ابعث فأتنا بخراج الجبل فقال له إن الجبل ليس ببلد فآتيك
(3/358)

بخراجه وبعث إلى مردانشاه فاستحثه بالخراج فأبطأ به فقام إليه بسيفه فقتله فقال له الأحنف ما أحد سيفك أيها الأمير وهدم بعبد العزيز بن شبيب بن خياط أن يضربه بالسياط فكتب إلى ابن الزبير بذلك وقال له إذا كانت لك بالبصرة حاجة فاصرف ابنك عنها وأعد إليها مصعبا ففعل ذلك
وقال بعض الشعراء يهجو حمزة ويعيبه بقوله في أمر الماء الذي رآه قد جزر
( يابن الزُّبَيْر بَعَثتَ حمزةَ عاملاً ... يا ليتَ حمزةَ كان خلفَ عُمَانِ )
( أزرَى بِدَجْلةَ حين عَبّ عُبَابُها ... وتقاذفتْ بزواخر الطُّوفانِ )
خبر الفرزدق مع النوار ابنة أعين المجاشعية
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال
خطب النوار ابنة أعين المجاشعية رجل من قومها فجعلت أمرها إلى الفرزدق وكان ابن عمها دنية ليزوجها منه فأشهد عليها بذلك وبأن أمرها إليه شهودا عدولا فلما أشهدتهم على نفسها قال بهم الفرزدق فإني أشهدكم أني قد تزوجتها فمنعته النوار نفسها وخرجت إلى الحجاز إلى عبد الله بن الزبير فاستجارت بامرأته بنت منظور بن زبان وخرج الفرزدق فعاد بابنه حمزة وقال يمدحه
( يا حَمْز هَلْ لك في ذي حاجةٍ غَرِضتْ ... أَنضاؤه بمكان غير ممطورِ )
( فأنتَ أولَى قُرَيشٍ أن تكونَ لها ... وأنت بين أبي بكرٍ ومنظورِ )
فجعل أمر النوار يقوى وأمر الفرزدق يضعف فقال الفرزدق في ذلك
(3/359)

( أمّا بَنُوه فلم تَنفَعْ شَفَاعتُهم ... وشُفِّعت بنتُ منظور بن زَبّانا )
( ليس الشفيعُ الذي يأتيكَ مُؤْتَزراً ... مثل الشفيع الذي يأتيك عُرْيانا )
فبلغ ابن الزبير شعره ولقيه على باب المسجد وهو خارج منه فضغط حلقه حتى كاد يقتله ثم خلاه وقال
( لقد أصبحتْ عِرْسُ الفَرَزْدقِ ناشِزاً ... ولو رَضِيتْ رَمحَ استِهِ لاستقرَّتِ )
ثم دخل إلى النوار فقال لها إن شئت فرقت بينك وبينه ثم ضربت عنقه فلا يهجونا أبدا وإن شئت أمضيت نكاحه فهو ابن عمك وأقرب الناس إليك وكانت امرأة صالحة فقالت أو ما غير هذا قال لا قالت ما أحب أن يقتل ولكني أمضي أمره فلعل الله أن يجعل في كرهي إياه خيرا فمضت إليه وخرجت معه إلى البصرة
معبد يغني بشعره حمزة بن عبد الله
أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد بن أبي الأزهر قالا حدثنا حماد ابن إسحاق عن أبيه عن الزبيري
أن حمزة بن عبد الله كان جوادا فدخل إليه معبد يوما وقد أرسله ابن قطن مولاه يقترض له من حمزة ألف دينار فأعطاه ألف الدينار فلما خرج من عنده قيل له هذا عبد ابن قطن وهويروي فيك شعر موسى شهوات فيحسن روايته فأمر برده فرد وقال له ما حكاه القوم عنه فغناه معبد الصوت فأعطاه أربعين دينارا ولما كان بعد ذلك رد ابن قطن عليه المال فلم يقبله وقال له إنه إذا خرج عني مال لم يعد إلى ملكي وقد روي أن الداخل على حمزة والمخاطب في أمره بهذه المخاطبة ابن سريج وليس ذلك بثبت هذا هو الصحيح والغناء لمعبد
(3/360)

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة عن محمد بن يحيى الغساني
أن موسى شهوات أملق فقال لمعبد قد قلت في حمزة بن عبد الله شعرا فغن فيه حتى يكون أجزل لصلتنا ففعل ذلك معبد وغنى في هذه الأبيات ثم دخلا على حمزة فأنشده إياها موسى ثم غناه فيها معبد فأمر لكل واحد منهما بمائتي دينار
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عبد الله بن عبد الله بن عياش قال
كان موسى شهوات مولى لسليمان بن أبي خيثمة بن حذيفة العدوي وكان شاعرا من شعراء أهل الحجاز وكان الخلفاء من بني أمية يحسنون إليه ويدرون عطاءه وتجيئه صلاتهم إلى الحجاز
وكانت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان تحت عمر بن عبد العزيز فلما مات عنها تزوجها داود بن سليمان بن مروان وكان دميما قبيحا فقال موسى شهوات في ذلك
( أبعد الأغرِّ ابن العزيز ... قريع قريشٍ إذا يُذكرُ )
( تزوّجتِ داودَ مختارةً ... أَلاَ ذَلك الخلَفُ الأعورُ )
فغلب عليه ذلك في بني مروان فكان يقال له الخلف الأعور
صوت من المائة المختارة
( عُوجَا خليليّ على المَحْضَرِ ... والربعِ من سَلاّمة المُقْفِرِ )
( عُوجا به فاستنطِقَاه فقد ... ذكَّرني ما كنتُ لم أذْكُرِ )
(3/361)

( ذكّرني سَلمَى وأيامَها ... إذ جاورَتْنا بلوَى عَسْجَرِ )
( بالربع من وَدّانَ مبدا لنا ... ومِحْوَراً ناهيكَ من محورِ )
( في مَحْضَرٍ كنّا به نلتقي ... يا حبّذا ذلك من محضَرِ )
( إذ نحن والحيّ به جِيرةٌ ... فيما مضى من سالف الأعصُرِ )
الشعر للوليد بن يزيد وقيل إنه لعمر بن أبي ربيعة وقيل إنه للعرجي وهو للوليد صحيح والغناء واللحن المختار لابن سريج خفيف رمل بالبنصر في مجراها وفيه لشارية خفيف رمل آخر عن ابن المعتز وذكر الهشامي أن فيه لحكم الوادي خفيف رمل أيضا
خبر أشعب مع زيد بن عمرو بن عثمان زوج سكينة بنت الحسين
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المدائني قال
كان زيد بن عمرو بن عثمان قد تزوج سكينة بنت الحسين رضي الله تعالى عنه فعتب عليها يوما فخرج إلى مال له فذكر أشعب أن سكينة دعته فقالت له إن ابن عثمان خرج عاتبا علي فاعلم لي حاله قلت لا أستطيع أن أذهب إليه الساعة فقالت أنا أعطيك ثلاثين دينارا فأعطتني إياها فأتيته ليلا فدخلت الدار فقال انظروا من في الدار فأتوه فقالوا أشعب فنزل عن فرشه وصار إلى الأرض فقال أشعيب قلت نعم قال ما جاء بك قلت أرسلتني سكينة لأعلم خبرك أتذكرت منها ما تذكرت منك وأنا أعلم أنك قد فعلت حين نزلت عن فرشك وصرت إلى الأرض قال دعني من هذا وغنني
(3/362)

( عُوجا به فاستنطِقاه فقد ... ذكّرني ما كنتُ لم أذكر )
فغنيته فلم يطرب ثم قال غنني ويحك غير هذا فإن أصبت ما في نفسي فلك خلتي هذه وقد اشتريتها آنفا بثلمثمائة دينار فغنيته
صوت
( عَلِقَ القلب بعضُ ما قد شجاه ... من حبيبٍ أمسى هوانا هواهُ )
( ما ضِرارِي نفسي بهجران منْ ليس ... مُسيئا ولا بعيداً نواهُ )
( واجتنابي بنتَ الحبيب وما الخُلد ... ُ بأشهى إليّ من أن أراهُ )
فقال ما عدوت ما في نفسي خذ الحلة فأخذتها ورجعت إلى سكينة فقصصت عليها القصة فقالت وأين الحلة قلت معي فقالت وأنت الآن تريد أن تلبس حلة ابن عثمان لا والله ولا كرامة فقلت قد أعطانيها فأي شيء تريدين مني فقالت أنا أشتريها منك فبعتها إياها بثلثمائة دينار
الشعر المذكور في هذا الخبر لعمر بن أبي ربيعة والغناء للدارمي خفيف ثقيل بالخنصر في مجرى الوسطى وذكر عمرو بن بانة أنه للهذلي وفيه لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه أن رجلا كانت له جارية يهواها وتهواه فغاضبها يوما وتمادى ذلك بينهما واتفق أن مغنية دخلت فغنتهما
( ما ضِرَاري نفسي بهِجرانَ مَنْ لِيس ... مُسيئاً ولا بعيداً نواه )
فقالت الجارية لا شيء والله إلا الحمق ثم قامت إلى مولاها فقبلت رأسه واصطلحا
صوت من المائة المختارة
( يا ويحَ نفسي لو أنه أقصَرْ ... ما كان عيشي كما أرى أكدَرْ )
(3/363)

( يا من عذيري ممن كَلِفتُ به ... يشهد قلبي بأنه يسْحَرْ )
( يا رُبَّ يومٍ رأيتُني مَرِحاً ... آخذٌ في اللهو مُسبِلَ المِئزرْ )
( بين ندامَى تحُثّ كأسَهُمُ ... عليهمُ كفُّ شادِنٍ أحوَرْ )
الشعر لأبي العتاهية والغناء لفريدة خفيف رمل بالبنصر
إلى هنا انتهى الجزء الثالث من كتاب الأغاني ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الرابع منه وأوله ذكر نسب أبي العتاهية وأخباره سوى ما كان منها مع عتبة
(3/364)

بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر نسب أبي العتاهية وأخباره
أبو العتاهية لقب غلب عليه
واسمه إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان مولى عنزة
وكنيته أبو إسحاق
وأمه أم زيد بنت زياد المحاربي مولى بني زهرة وفي ذلك يقول أبو قابوس النصراني وقد بلغه أن أبا العتاهية فضل عليه العتابي
( قُلْ لِلمُكنِّي نفسه ... مُتَخيّرا بعَتَاهِيهْ )
( والمرسِل الكلِم القبيح ... وعتْه أُذْنٌ واعيهْ )
( إن كنت سِرّا سؤتني ... أو كان ذاك علانيهْ )
( فعليك لعنةُ ذي الجلال ... وأُمُّ زيدٍ زانيهْ )
ومنشؤه بالكوفة
وكان في أول أمره يتخنث ويحمل زاملة المخنثين ثم كان يبيع الفخار بالكوفة ثم قال الشعر فبرع فيه وتقدم
ويقال أطبع الناس بشار والسيد وأبو العتاهية
وما قدر أحد على جمع شعر هؤلاء الثلاثة لكثرته
وكان
(4/3)

غزير البحر لطيف المعاني سهل الألفاظ كثير الافتنان قليل التكلف إلا أنه كثير الساقط المرذول مع ذلك
وأكثر شعره في الزهد والأمثال
وكان قوم من أهل عصره ينسبونه إلى القول بمذهب الفلاسفة ممن لا يؤمن بالبعث ويحتجون بأن شعره إنما هو في ذكر الموت والفناء دون ذكر النشور والمعاد
وله أوزان طريفة قالها مما لم يتقدمه الأوائل فيها
وكان أبخل الناس مع يساره وكثرة ما جمعه من الأموال
سبب لقبة
حدثني محمد بن يحيى الصولي قال أخبرني محمد بن موسى بن حماد قال
قال المهدي يوما لأبي العتاهية أنت إنسان متحذلق معته
فاستوت له من ذلك كنية غلبت عليه دون اسمه وكنيته وسارت له في الناس
قال ويقال
(4/4)

للرجل المتحذلق عتاهية كما يقال للرجل الطويل شناحية
ويقال أبو عتاهية بإسقاط الألف واللام
قال محمد بن يحيى وأخبرني محمد بن موسى قال أخبرني ميمون بن هارون عن بعض مشايخه قال كني بأبي العتاهية أن كان يحب الشهرة والمجون والتعته
وبلده الكوفة وبلد آبائه وبها مولده ومنشؤه وباديته
قال محمد بن سلام وكان محمد بن أبي العتاهية يذكر أن أصلهم من عنزة وأن جدهم كيسان كان من أهل عين التمر فلما غزاها خالد بن الوليد كان كيسان جدهم هذا يتيما صغيرا يكفله قرابة له من عنزة فسباه خالد مع جماعة صبيان من أهلها فوجه بهم إلى أبي بكر فوصلوا إليه وبحضرته عباد بن رفاعة العنزي بن أسد بن ربيعة بن نزار فجعل أبو بكر رضي الله عنه يسأل الصبيان عن أنسابهم فيخبره كل واحد بمبلغ معرفته حتى سأل كيسان فذكر له أنه من عنزة
فلما سمعه عباد يقول ذلك استوهبه من أبي بكر رضي الله عنه وقد كان خالصا له فوهبه له فأعتقه فتولى عنزة
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا أحمد بن الحجاج الجلاني الكوفي قال حدثني أبو دؤيل مصعب بن دؤيل الجلاني قال لم أر قط مندل بن علي العنزي وأخاه حيان بن علي غضبا من شيء قط إلا يوما واحدا دخل عليها أبو العتاهية وهو مضمخ بالدماء
فقالا له ويحك ما بالك فقال لهما من أنا فقالا له أنت أخونا وابن عمنا
(4/5)

ومولانا فقال إن فلانا الجزار قتلني وضربني وزعم أني نبطي فإن كنت نبطيا هربت على وجهي وإلا فقوما فخذا لي بحقي
فقام معه مندل بن علي وما تعلق نعله غضبا وقال له والله لو كان حقك على عيسى بن موسى لأخذته لك منه ومر معه حافيا حتى أخذ له بحقه
أخبرني الصولي قال حدثنا محمد بن موسى عن الحسن بن علي عن عمر بن معاوية عن جبارة بن المفلس الحماني قال أبو العتاهية مولى عطاء بن محجن العنزي
صنعة أبي العتاهية
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال قال أبو عون أحمد بن المنجم أخبرني خيار الكاتب قال
كان أبو العتاهية وإبراهيم الموصلي من أهل المذار جميعا وكان أبو العتاهية وأهله يعملون الجرار الخضر فقدما إلى بغداد ثم افترقا فنزل إبراهيم الموصلي ببغداد ونزل أبو العتاهية الحيرة
وذكر عن الرياشي أنه قال مثل ذلك وأن أبا أبي العتاهية نقله إلى الكوفة
(4/6)

قال محمد بن موسى فولاء أبي العتاهية من قبل أبيه لعنزة ومن قبل أمه لبني زهرة ثم لمحمد بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وكانت أمه مولاة لهم يقال لها أم زيد
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن مهرويه قال قال الخليل بن أسد
كان أبو العتاهية يأتينا فيستأذن ويقول أبو إسحاق الخزاف
وكان أبوه حجاما من أهل ورجة ولذلك يقول أبو العتاهية
( أَلاَ إنّما التَّقْوَى هو العزّ والكَرَمْ ... وحُبُّك للدّنيا هو الفقر والعَدَمْ )
( وليس على عبدٍ تَقِيٍّ نقيصةٌ ... إذا صحّح التّقوى وإِن حاك أو حَجْم )
شعره بعد أن فاخره رجل من كنانة
حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا الغلابي قال حدثنا محمد بن أبي العتاهية قال
جاذب رجل من كنانة أبا العتاهية في شيء ففخر عليه الكناني واستطال بقوم من أهله فقال أبو العتاهية
( دَعْنَي من ذِكْرِ أبٍ وجَدِّ ... ونَسَبِ يُعْلِيكَ سُورَ المجدِ )
( ما الفخرُ إلا في التُّقَى والزُّهدِ ... وطاعةٍ تُعطي جِنَان الخُلْدِ )
( لا بُدَّ من وِرْدٍ لأهلِ الوِردِ ... إمّا إلى ضَحْلٍ وإمّا عِدّ )
حدثني الصولي قال حدثنا محمد بن موسى عن أحمد بن حرب قال
كان مذهب أبي العتاهية القول بالتوحيد وأن الله خلق جوهرين متضادين لا
(4/7)

من شيء ثم إنه بنى العالم هذه البنية منهما وأن العالم حديث العين والصنعة لا محدث له إلا الله وكان يزعم أن الله سيرد كل شيء إلى الجوهرين المتضادين قبل أن تفنى الأعيان جميعا
وكان يذهب إلى أن المعارف واقعة بقدر الفكر والاستدلال والبحث طباعا
مذهب أبي العتاهية
وكان يقول بالوعيد وبتحريم المكاسب ويتشيع بمذهب الزيدية البترية المبتدعة لا يتنقص أحدا ولا يرى مع ذلك الخروج على السلطان
وكان مجبرا
قال الصولي فحدثني يموت بن المزرع قال حدثني الجاحظ قال قال أبو العتاهية لثمامة بين يدي المأمون وكان كثيرا ما يعارضه بقوله في الإجبار أسألك عن مسألة
فقال له المأمون عليك بشعرك
فقال إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في مسألته ويأمره بإجابتي فقال له أجبه إذا سألك
فقال أنا أقول إن كل ما فعله العباد من خير وشر فهو من الله وأنت تأبى ذلك فمن حرك يدي هذه وجعل أبو العتاهية يحركها
فقال له ثمامة حركها من أمه زانية
فقال شتمني والله يا أمير المؤمنين
فقال ثمامة ناقض الماص بظر أمه والله يا أمير المؤمنين فضحك المأمون وقال له ألم أقل لك أن تشتغل بشعرك وتدع ما ليس من عملك قال ثمامة فلقيني بعد ذلك فقال لي يا أبا معن أما أغناك الجواب
(4/8)

عن السفه فقلت إن من أتم الكلام ما قطع الحجة وعاقب على الإساءة وشفى من الغيظ وانتصر من الجاهل
قال محمد بن يحيى وحدثني عون بن محمد الكندي قال
سمعت العباس بن رستم يقول كان أبو العتاهية مذبذبا في مذهبه يعتقد شيئا فإذا سمع طاعنا عليه ترك اعتقاده إباه وأخذ غيره
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني ابن أبي الدنيا قال حدثني الحسين بن عبد ربه قال حدثني علي بن عبيدة الريحاني قال حدثني أبو الشمقمق أنه رأى أبا العتاهية يحمل زاملة المخنثين فقلت له أمثلك يضع نفسه هذا الموضع مع سنك وشعرك وقدرك فقال له أريد أن أتعلم كيادهم وأتحفظ كلامهم
مارس صنعة الحجامة
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال
ذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل أن بشر بن المعتمر قال يوما لأبي العتاهية بلغني أنك لما نسكت جلست تحجم اليتامى والفقراء للسبيل أكذلك كان قال نعم قال له فما أردت بذلك قال أردت أن أضع من نفسي حسبما رفعتني الدنيا وأضع منها ليسقط عنها الكبر وأكتسب بما فعلته الثواب وكنت أحجم اليتامى والفقراء خاصة
فقال له بشر دعني من تذليلك نفسك بالحجامة فإنه ليس بحجة لك أن تؤدبها وتصلحها بما لعلك تفسد به أمر غيرك أحب أن تخبرني هل كنت تعرف الوقت الذي كان يحتاج فيه من تحجمه إلى إخراج الدم قال لا
قال هل كنت تعرف مقدار ما يحتاج كل واحد منهم إلى أن
(4/9)

يخرجه على قدر طبعه مما إذا زدت فيه أو نقصت منه ضر المحجوم قال لا
قال فما أراك إلا أردت أن تتعلم الحجامة على أقفاء اليتامى والمساكين
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا أبو ذكوان قال حدثنا العباس بن رستم قال كان حمدويه صاحب الزنادقة قد أراد أن يأخذ أبا العتاهية ففزع من ذلك وقعد حجاما
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال قال أبو دعامة علي بن يزيد أخبر يحيى بن خالد أن أبا العتاهية قد نسك وأنه جلس يحجم الناس للأجر تواضعا بذلك
فقال ألم يكن يبيع الجرار قبل ذلك فقيل له بلى
فقال أما في بيع الجرار من الذل ما يكفيه ويستغني به عن الحجامة
أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني شيخ من مشايخنا قال حدثني أبو شعيب صاحب ابن أبي داود قال
قلت لأبي العتاهية القرآن عندك مخلوق أم غير مخلوق فقال أتسألتني عن الله أم عن غير الله قلت عن غير الله فأمسك
وأعدت عليه فأجابني هذا الجواب حتى فعل ذلك مرارا
فقلت له ما لك لا تجيبني قال قد أجبتك ولكنك حمار
أوصافه
أخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا شيخ من مشايخنا قال حدثني محمد بن موسى قال
كان أبو العتاهية قضيفا أبيض اللون أسود الشعر له وفرة جعدة
(4/10)

وهيئة حسنة ولباقة وحصافة وكان له عبيد من السودان ولأخيه زيد أيضا عبيد منهم يعملون الخزف في أتون لهم فإذا اجتمع منه شيء ألقوه على أجير لهم يقال له أبو عباد اليزيدي من أهل طاق الجرار بالكوفة فيبيعه على يديه ويرد فضله إليهم
وقيل بل كان يفعل ذلك أخوه زيد لا هو وسئل عن ذلك فقال أنا جرار القوافي وأخي جرار التجارة
قال محمد بن موسى وحدثني عبد الله بن محمد قال حدثني عبد الحميد بن سريع مولى بني عجل قال
أنا رأيت أبا العتاهية وهو جرار يأتيه الأحداث والمتأدبون فينشدهم أشعاره فيأخذون ما تكسر من الخزف فيكتبونها فيها
حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني عون بن محمد الكندي قال حدثني محمد بن عمر الجرجاني قال
لما هاجى أبو قابوس النصراني كلثوم بن عمرو العتابي جعل أبو العتاهية يشتم أبا قابوس ويضع منه ويفضل العتابي عليه فبلغه ذلك فقال فيه
( قُلْ للمُكَنِّي نفسَه ... مُتخيِّراً بعتاهيهْ )
( والمرسِل الكَلِمَ القبيحَ ... وعَتْه أُذْنٌ واعيهْ )
( إن كنتَ سرّاً سؤتَني ... أو كان ذاك عَلانيهْ )
( فعليك لعنةُ ذي الاجلاَل ... وأُمّ زيدٍ زانيهْ )
يعني أم أبي العتاهية وهي أم زيد بنت زياد فقيل له أتشتم مسلما فقال لم أشتمه وإنما قلت
(4/11)

( فعليك لعنةُ ذي الجلال ... ومَنْ عَنينْا زانيهْ )
قال وفيه يقول والبة بن الحباب وكان يهاجيه
( كان فينا يُكْنَى أبا إسحاقِ ... وبها الرّكْبُ سارَ في الآفاقِ )
( فتكنَّى مَعْتُوهُنَا بعَتَاهٍ ... يا لها كُنْيةً أتت باتّفاقِ )
( خلق الله لِحْيةً لك لا تنفكّ ... معقودةً بداء الحُلاَقِ )
أخبرنا محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا النوشجاني قال أتاني البواب يوما فقال لي أبو إسحاق الخزاف بالباب فقلت ائذن له فإذا أبو العتاهية قد دخل
فوضعت بين يديه قنو موز فقال قد صرت تقتل العلماء بالموز قتلت أبا عبيدة بالموز وتريد أن تقتلني به لا والله لا أذوقه
قال فحدثني عروة بن يوسف الثقفي قال رأيت أبا عبيدة قد خرج من دار النوشجاني في شق محمل مسجى إلا أنه حي وعند رأسه قنو موز وعند رجليه قنو موز آخر يذهب به إلى أهله
فقال النوشجاني وغيره لما دخلنا عليه نعوده قلنا ما سبب علتك قال هذا النوشجاني جاءني بموز كأنه أيور المساكين فأكثرت منه فكان سبب علتي
قال ومات في تلك العلة
(4/12)

مصعب يقول أبو العتاهية أشعر الناس
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال
سمعت مصعب بن عبد الله يقول أبو العتاهية أشعر الناس فقلت له بأي شيء استحق ذلك عندك فقال بقوله
( تَعلّقتُ بآمالٍ ... طِوالٍ أيِّ آمالِ )
( وأقبلتُ على الدّنيا ... مُلِحّاً أيَّ إقبالِ )
( أيا هذا تَجَهَّزْ لفراق ... الأهل والمال )
( فلا بدّ من الموت ... على حالٍ من الحالِ )
ثم قال مصعب هذا كلام سهل حق لا حشو فيه ولا نقصان يعرفه العاقل ويقربه الجاهل
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي قال سمعت الأصمعي يستحسن قول أبي العتاهية
( أنتَ ما استغنيتَ عن صاحبك ... الدهرَ أخوه )
( فإذا احتجتَ إليه ... ساعةً مجّك فُوه )
سلم الخاسر يقول أبو العتاهية أشعر الأنس والجن
حدثنا محمد بن العباس اليزيدي إملاء قال حدثني عمي الفضل بن محمد
(4/13)

قال حدثني موسى بن صالح الشهرزوري قال
أتيت سلما الخاسر فقلت له أنشدني لنفسك
قال لا ولكن أنشدك لأشعر الجن والإنس لأبي العتاهية ثم أنشدني قوله
صوت
( سَكَنٌ يبقَى له سَكَنُ ... ما بهذا يُؤذِن الزَّمنُ )
( نحن في دارٍ يُخَبِّرنا ... بِبلاَها ناطقٌ لَسِنُ )
( دار سَوء لم يَدُمْ فَرَحٌ ... لامرىءٍ فيها ولا حَزَنُ )
( في سبيل الله أنفسُنا ... كلُّنا بالموت مُرتَهنُ )
( كلُّ نفسٍ عند مِيتَتِها ... حظُّها من مالها الكَفَنُ )
( إنّ مالَ المرء ليس له ... منه إلاّ ذكرُه الحسن )
فأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني محمد بن القاسم قال حدثني رجل من أهل البصرة أنسيت اسمه قال حدثني حمدون بن زيد قال حدثني رجاء بن مسلمة قال
قلت لسلم الخاسر من أشعر الناس فقال إن شئت أخبرتك بأشعر الجن والإنس
فقلت إنما أسالك عن الإنس فإن زدتني الجن فقد أحسنت
فقال أشعرهم الذي يقول
( سَكَنٌ يبقَى له سَكنُ ... ما بهذا يُؤذِن الزّمنُ )
(4/14)

قال والشعر لأبي العتاهية
حدثني اليزيدي قال حدثني عمي الفضل قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا يحيى بن زياد الفراء قال
دخلت على جعفر بن يحيى فقال لي يا أبا زكريا ما تقول فيما أقول فقلت وما تقول أصلحك الله قال أزعم أن أبا العتاهية أشعر أهل هذا العصر
فقلت هو والله أشعرهم عندي
حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني محمد بن موسى قال حدثني جعفر بن النضر الواسطي الضرير قال حدثني محمد بن شيرويه الأنماطي قال
قلت لداود بن زيد بن رزين الشاعر من أشعر أهل زمانه قال أبو نواس
قلت فما تقول في أبي العتاهية فقال أبو العتاهية أشعر الإنس والجن
أخبرني الصولي قال حدثني محمد بن موسى قال قال الزبير بن بكار أخبرني إبراهيم بن المنذر عن الضحاك قال
قال عبد الله بن عبد العزيز العمري أشعر الناس أبو العتاهية حيث يقول
( ما ضَرّ مَنْ جَعل التُّرابَ مِهادَه ... ألاّ ينامَ على الحرير إذا قَنِعْ )
صدق والله وأحسن
(4/15)

حدثني الصولي قال حدثني محمد بن محمد بن موسى قال حدثني أحمد بن حرب قال حدثني المعلى بن عثمان قال
قيل لأبي العتاهية كيف تقول الشعر قال ما أردته قط إلا مثل لي فأقول ما أريد وأترك ما لا أريد
أخبرني ابن عمار قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني روح بن الفرج الحرمازي قال
جلست إلى أبي العتاهية فسمعته يقول لو شئت أن أجعل كلامي كله شعرا لفعلت
حدثنا الصولي قال حدثنا العنزي قال حدثنا أبو عكرمة قال
قال محمد بن أبي العتاهية سئل أبي هل تعرف العروض فقال أنا أكبر من العروض
وله أوزان لا تدخل في العروض
شعره في الرشيد وهو مريض
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا العنزي قال حدثنا أبو عكرمة قال
حم الرشيد فصار أبو العتاهية إلى الفضل بن الربيع برقعة فيها
( لو عَلِم النّاسُ كيف أنت لهم ... ماتوا إذا ما ألِمْتَ أجْمُعُهمْ )
( خليفةَ اللَّه أنت ترجَحُ بالنّاس ... إذا ما وُزِنتَ أنت وهُمْ )
( قد عَلِم النّاسُ أنّ وجهَك يَستَغْنِي ... إذا ما رآهُ مُعدِمُهمْ )
فأنشدها الفضل بن الربيع الرشيد فأمر بإحضار أبي العتاهية فما زال يسامره ويحدثه إلى أن برئ ووصل إليه بذلك السبب مال جليل
(4/16)

ابن الأعرابي يدافع عنه
قال وحدثت أن ابن الأعرابي حدث بهذا الحديث فقال له رجل بالمجلس ما هذا الشعر بمستحق لما قلت
قال ولم قال لأنه شعر ضعيف
فقال ابن الأعرابي وكان أحد الناس الضعيف والله عقلك لا شعر أبي العتاهية ألأبي العتاهية تقول إنه ضعيف الشعر فوالله ما رأيت شاعرا قط أطبع ولا أقدر على بيت منه وما أحسب مذهبه إلا ضربا من السحر ثم أنشد له
( قطَّعتُ منك حَبائلَ الآمال ... وحَطَطتُ عن ظَهْر المَطِيّ رِحالي )
( ووجدتُ بَرْد اليأس بين جَوانحي ... فأَرَحْتُ من حَلِّ ومن تَرْحال )
( يأَيها البَطِرُ الذي هو من غدٍ ... في قبره متمزِّقُ الأَوْصال )
( حذَف المُنَى عنه المُشَمِّرُ في الهُدى ... وأرى مُناك طَويلَةَ الأذيال )
( حِيَلُ ابن آدم في الأمور كثيرةٌ ... والموتُ يَقْطَعُ حيلةَ المُحتال )
( قِستُ السؤالَ فكان أعظمَ قيمةً ... من كلّ عارفةٍ جَرَتْ بسؤال )
( فإذا ابتُلِيتَ ببَذْلِ وجهك سائلاً ... فابذُلْه للمُتَكَرِّمِ المِفْضال )
( وإذا خَشِيتَ تَعَذُّراً في بلدةٍ ... فاشدُدْ يَديْك بعاجِل التَّرحال )
( واصْبِرْ على غَيِر الزَّمان فإِنَّما ... فَرَجُ الشّدائد مثلُ حَلّ عِقال )
(4/17)

ثم قال للرجل هل تعرف أحدا يحسن أن يقول مثل هذا الشعر فقال له الرجل يا أبا عبد الله جعلني الله فداءك إني لم أردد عليك ما قلت ولكن الزهد مذهب أبي العتاهية وشعره في المديح ليس كشعره في الزهد
فقال أفليس الذي يقول في المديح
( وهارونُ ماءُ المُزْن يُشْفَى به الصَّدَى ... إذا ما الصَّدِي بالرِّيق غَصَّتْ حَنَاجِرُهْ )
( وأَوْسَطُ بيتٍ في قريش لبَيتُه ... وأوّلُ عِزٍّ في قريش وآخرُه )
( وزَحْفٍ له تَحكي البروقَ سيوفهُ ... وتَحكي الرعودَ القاصفاتِ حوافرُه )
( إذا حَمِيتْ شمسُ النَّهار تضاحكتْ ... إلى الشّمس فيه بَيْضُه ومَغَافره )
( إذا نُكِبَ الإِسلامُ يوماً بِنَكْبةٍ ... فهارونُ من بين البَرِيّة ثائرُه )
( ومَنْ ذا يفوت الموتَ والموتُ مُدرِكٌ ... كذا لم يَفُتْ هارونَ ضِدٌّ يُنافرهْ )
قال فتخلص الرجل من شر ابن الأعرابي بأن قال له القول كما قلت وما كنت سمعت له مثل هذين الشعرين وكتبهما عنه
حدثني محمد قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثني ابن الأعرابي المنجم قال حدثني هارون بن سعدان بن الحارث مولى عباد قال
أبو نواس يفضله على نفسه
حضرت أبا نواس في مجلس وأنشد شعرا
فقال له من حضر في المجلس أنت أشعر الناس
قال أما والشيخ حي فلا
يعني أبا العتاهية
أخبرني يحيى بن علي إجازة قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني الحسين ابن أبي السري قال
قال ثمامة بن أشرس أنشدني أبو العتاهية
(4/18)

( إذا المرءُ لم يُعْتِقْ من المال نفسَه ... تَملّكه المالُ الذي هو مالِكُه )
( ألاَ إِنَّما مالي الذي أنا مُنفِقٌ ... وليس لِيَ المالُ الذي أنا تارِكُه )
( إذا كنتَ ذا مالٍ فبادِرْ به الذي ... يَحِقّ وإلاّ استهلَكتهْ مَهَالِكُهْ )
فقلت له من أين قضيت بهذا فقال من قول رسول الله إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت فقلت له أتؤمن بأن هذا قول رسول الله وأنه الحق قال نعم قلت فلم تحبس عندك سبعا وعشرين بدرة في دارك ولا تأكل منها ولا تشرب ولا تزكي ولا تقدمها ذخرا ليوم فقرك وفاقتك فقال يا أبا معن والله إن ما قلت لهو الحق ولكني أخاف الفقر والحاجة إلى الناس
فقلت وبم تزيد حال من افتقر على حالك وأنت دائم الحرص دائم الجمع شحيح على نفسك لا تشتري اللحم إلا من عيد إلى عيد فترك جواب كلامي كله ثم قال لي والله لقد اشتريت في يوم عاشوراء لحما وتوابله وما يتبعه بخمسة دراهم
فلما قال لي هذا القول أضحكني حتى أذهلني عن جوابه ومعاتبته فأمسكت عنه وعلمت أنه ليس ممن شرح الله صدره للإسلام
أخبار عن بخله
أخبرني يحيى بن علي إجازة قال حدثني علي بن المهدي قال قال الجاحظ حدثني ثمامة قال
دخلت يوما إلى أبي العتاهية فإذا هو يأكل خبزا بلا شيء
فقلت كأنك رأيته يأكل خبزا وحده قال لا ولكني رأيته يتأدم بلا شيء
فقلت وكيف
(4/19)

ذلك فقال رأيت قدامه خبزا يابسا من رقاق فطير وقدحا فيه لبن حليب فكان يأخذ القطعة من الخبز فيغمسها من اللبن ويخرجها ولم تتعلق منه بقليل ولا كثير فقلت له كأنك اشتهيت أن تتأدم بلا شيء وما رأيت أحدا قبلك تأدم بلا شيء
قال الجاحظ وزعم لي بعض أصحابنا قال دخلت على أبي العتاهية في بعض المتنزهات وقد دعا عياشا صاحب الجسر وتهيأ له بطعام وقال لغلامه إذا وضعت قدامهم الغداء فقدم إلي ثريدة بخل وزيت
فدخلت عليه
وإذا هو يأكل منها أكل متكمش غير منكر لشيء
فدعاني فمددت يدي معه فإذا بثريدة بخل بزر بدلا من الزيت
فقلت له أتدري ما تأكل قال نعم ثريدة بخل وبزر
فقلت ما دعاك إلى هذا قال غلط الغلام بين دبة الزيت ودبة البزر فلما جاءني كرهت التجبر وقلت دهن كدهن فأكلت وما أنكرت شيئا
أخبرني يحيى بن علي قال حدثني علي بن مهدي قال حدثنا عبد الله بن عطية الكوفي قال حدثنا محمد بن عيسى الخزيمي وكان جار أبي العتاهية قال
كان لأبي العتاهية جار يلتقط النوى ضعيف سيئ الحال متجمل عليه ثياب فكان يمر بأبي العتاهية طرفي النهار فيقول أبو العتاهية اللهم أغنه عما هو بسبيله شيخ ضعيف سيئ الحال عليه ثياب متجمل اللهم أغنه إصنع له بارك فيه
فبقي على هذا إلى أن مات الشيخ نحوا من عشرين سنة
ووالله إن تصدق عليه بدرهم ولا دانق قط وما زاد على الدعاء شيئا
فقلت له يوما يا أبا إسحاق إني أراك تكثر الدعاء لهذا الشيخ وتزعم أنه فقير مقل فلم لا تتصدق عليه بشيء فقال أخشى أن يعتاد الصدقة والصدقة أخر كسب العبد وإن في الدعاء لخيرا كثيرا
(4/20)

قال محمد بن عيسى الخزيمي هذا وكان لأبي العتاهية خادم أسود طويل كأنه محراك أتون وكان يجري عليه في كل يوم رغيفين
فجاءني الخادم يوما فقال لي والله ما أشبع
فقلت وكيف ذاك قال لأني ما أفتر من الكد وهو يجري علي رغيفين بغير إدام
فإن رأيت أن تكلمه حتى يزيدني رغيفا فتؤجر فوعدته بذلك
فلما جلست معه مر بنا الخادم فكرهت إعلامه أنه شكا إلي ذلك فقلت له يا أبا إسحاق كم تجري على هذا الخادم في كل يوم قال رغيفين
فقلت له لا يكفيانه
قال من لم يكفه القليل لم يكفه الكثير وكل من أعطى نفسه شهوتها هلك وهذا خادم يدخل إلى حرمي وبناتي فإن لم أعوده القناعة والاقتصاد أهلكني وأهلك عيالي ومالي
فمات الخادم بعد ذلك فكفنه في إزار وفراش له خلق
فقلت له سبحان الله خادم قديم الحرمة طويل الخدمة واجب الحق تكفنه في خلق وإنما يكفيك له كفن بدينار فقال إنه يصير إلى البلى والحي أولى بالجديد من الميت
فقلت له يرحمك الله أبا إسحاق فلقد عودته الاقتصاد حيا وميتا
قال محمد بن عيسى هذا وقف عليه ذات يوم سائل من العيارين الظرفاء وجماعة من جيرانه حوله فسأله من بين الجيران فقال صنع الله لك فأعاد السؤال فأعاد عليه ثانية فأعاد عليه ثالثة فرد عليه مثل ذلك فغضب وقال له ألست القائل
( كلُّ حَيٍّ عند مِيتته ... حظُّه مِن ماله الكفنُ )
ثم قال فبالله عليك أتريد أن تعد مالك كله ثمن كفنك قال لا
قال فبالله كم قدرت لكفنك قال خمسة دنانير
قال فهي إذا حظك من مالك كله
قال نعم
(4/21)

قال فتصدق علي من غير حظك بدرهم واحد
قال لو تصدقت عليك لكان حظي
قال فاعمل على أن دينارا من الخمسة الدنانير وضيعة قيراط وادفع إلي قيراطا واحدا وإلا فواحدة أخرى
قال وما هي قال القبور تحفر بثلاثة دراهم فأعطني درهما وأقيم لك كفيلا بأني أحفر لك قبرك به متى مت وتربح درهمين لم يكونا في حسبابك فإن لم أحتفر رددته على ورثتك أو رده كفيلي عليهم
فخجل أبو العتاهية وقال اعزب لعنك الله وغضب عليك فضحك جميع من حضر
ومر السائل يضحك فالتفت إلينا أبو العتاهية فقال من أجل هذا وأمثاله حرمت الصدقة
فقلنا له ومن حرمها ومتى حرمت فما رأينا أحدا ادعى أن الصدقة حرمت قبله ولا بعده
قال محمد بن عيسى هذا وقلت لأبي العتاهية أتزكي مالك فقال والله ما أنفق على عيالي إلا من زكاة مالي
فقلت سبحان الله إنما ينبغي أن تخرج زكاة مالك إلى الفقراء والمساكين
فقال لو انقطعت عن عيالي زكاة مالي لم يكن في الأرض أفقر منهم
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا الزبير بن بكار قال
قال سليمان بن أبي شيخ قال إبراهيم بن أبي شيخ قلت لأبي العتاهية أي شعر قلته أحكم قال قولي
( عَلِمْتَ يا مُجاشِعُ بنَ مَسْعَدهْ ... أنّ الشّباب والفَراغَ والجِدَهْ )
( مَفْسَدةٌ للمرء أيُّ مَفْسدهْ ... )
أخبرني عيسى قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا أبو غزية قال
كان مجاشع بن مسعدة أخو عمرو بن مسعدة صديقا لأبي العتاهية فكان يقوم بحوائجه كله ويخلص مودته فمات وعرضت لأبي العتاهية حاجة إلى أخيه
(4/22)

عمرو بن مسعدة فتباطأ فيها فكتب إليه أبو العتاهية
( غَنِيتَ عن العهد القديم غَنِيتَا ... وضَيَّعتَ وُدّاً بيننا ونَسِيتا )
( ومِن عَجَب الأيّام أن مات مَأْلَفي ... ومَن كُنتَ تَغْشاني به وبَقِيتَا )
فقال عمرو استطال أبو إسحاق أعمارنا وتوعدنا ما بعد هذا خير ثم قضى حاجته
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثنا أبو غزية قال
كان أبو العتاهية إذا قدم من المدينة يجلس إلي فأراد مرة الخروج من المدينة فودعني ثم قال
( إنْ نَعِشْ نجتمعْ وإلاّ فما أَشْغلَ ... مَنْ مات عن جميع الأنام )
شعره في غلام طالبه بدين
أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني عبد الرحمن بن إسحاق العذري قال
كان لبعض التجار من أهل باب الطاق على أبي العتاهية ثمان ثياب أخذها منه
فمر به يوما فقال صاحب الدكان لغلام ممن يخدمه حسن الوجه أدرك أبا العتاهية فلا تفارقه حتى تأخذ منه مالنا عنده فأدركه على رأس الجسر فأخذ بعنان حماره ووقفه
فقال له ما حاجتك يا غلام قال أنا رسول فلان بعثني إليك لأخذ ماله عليك
فأمسك عنه أبو العتاهية وكان كل من مر فرأى الغلام متعلقا به وقف ينظر حتى رضي أبو العتاهية جمع الناس وحفلهم ثم أنشأ يقول
(4/23)

( واللهِ ربِّك إنّني ... لأُجِلُّ وجهَك عن فِعالكْ )
( لو كان فِعلُك مثلَ وجهِك ... كنتُ مُكْتفياً بذلكْ )
فخجل الغلام وأرسل عنان الحمار ورجع إلى صاحبه وقال بعثتني إلى شيطان جمع علي الناس وقال في الشعر حتى أخجلني فهربت منه
أخبرني أحمد بن العباس قال حدثنا العنزي قال قال إبراهيم بن إسحاق ابن إبراهيم التيمي حدثني إبراهيم بن حكيم قال
كان أبو العتاهية يختلف إلى عمرو بن مسعدة لود كان بينه وبين أخيه مجاشع
فاستأذن عليه يوما فحجب عنه فلزم منزله فاستبطأه عمرو فكتب إليه إن الكسل يمنعني من لقائك وكتب في أسفل رقعته
( كَسَّلنِي اليأسُ منك عنك فما ... أرفَع طَرْفي إليك من كَسَلِ )
( إنّي إذا لم يكن أخي ثِقة ... قطَّعتُ منه حبائلَ الأملِ )
حدثني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد النحوي قال
استأذن أبو العتاهية على عمرو بن مسعدة فحجب عنه فكتب إليه
( ما لك قد حُلْتَ عن إخائك ... واستبدلت يا عمرُو شميبةً كَدِرهْ )
( إنّي إذا البابُ تاه حاجبُه ... لم يَكُ عندي في هَجْره نَظِرَهْ )
( لَسْتُمْ تُرَجَّوْنَ للحِساب ولا ... يومَ تكونُ السماءُ مُنفطِرهْ )
(4/24)

( لكنْ لدنيا كالظلّ بهجتُها ... سريعةُ الانقضاءِ مُنْشمِرَهْ )
( قد كان وجهي لديك معرفةً ... فاليومَ أضحى حَرْفاً من النَّكِرهْ )
قصيدته في هجو عبد الله بن معن
أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثنا أبو عكرمة قال
كان الرشيد إذا رأى عبد الله بن معن بن زائدة تمثل قول أبي العتاهية
( أختُ بني شَيْبان مرّت بنا ... مَمْشوطةً كُوراً على بَغْلِ )
وأول هذه الأبيات
( يا صاحِبَيْ رَحْلِيَ لا تُكْثِرا ... فِي شَتْم عبد الله من عَذْلِ )
( سبحانَ من خَصَّ ابنَ معنٍ بما ... أرى به من قِلَّة العَقْل )
( قال ابنُ مَعْنٍ وجَلا نفسَه ... على مَنِ الجَلْوةُ يا أهْلي )
( أنا فتاةُ الحيّ من وَائلٍ ... في الشَّرَف الشّامخ والنُّبْل )
( ما في بَني شَيبانَ أهلِ الحِجَا ... جاريةٌ واحدةٌ مثلي )
( وَيْلِي ويا لَهْفِي على أَمْرَدٍ ... يُلْصِق منّي القُرْط بالحَجْلِ )
( صافحتُه يوماً على خَلْوةٍ ... فقال دَعْ كفي وخُذْ رِجْلي )
( أختُ بني شيبانَ مرَّتْ بنا ... ممشوطةً كُوراً على بَغْلِ )
( تُكْنَى أبا الفضل ويَا مَن رأى ... جاريةً تُكْنَى أبا الفضل )
(4/25)

( قد نَقَّطتْ في وجهها نُقطةً ... مَخافةَ العين من الكُحْلِ )
( إن زُرتموها قال حُجَّابُها ... نحن عن الزُّوَّار في شُغْل )
( مولاتُنا مشغولةٌ عندها ... بَعْل ولا إذنَ على البَعْلِ )
( يا بنتَ مَعْنِ الخيرِ لا تجهَلِي ... وأين إقصارٌ عنِ الجهلِ )
( أتَجْلِدُ الناسَ وأنتَ امرؤٌ ... تُجْلَد في الدُّبْر وفي القُبْلِ )
( ما ينبغي للنّاس أن يَنسُبُوا ... مَنْ كان ذا جُودٍ إلى البُخلِ )
( يَبْذُلُ ما يمنع أهلُ الندى ... هذا لعَمْري مُنتهى البَذْلِ )
( ما قلتُ هذا فيك إلاّ وقد ... جَفّتْ به الأقلامُ من قَبْلي )
قال فبعث إليه عبد الله بن معن فأتي به فدعا بغلمان له ثم أمرهم أن يرتكبوا منه الفاحشة ففعلوا ذلك ثم أجلسه وقال له قد جزيتك على قولك في فهل لك في الصلح ومعه مركب وعشرة آلاف درهم أو تقيم على الحرب قال بل الصلح
قال فأسمعني ما تقوله في الصلح فقال
( ما لعُذّالي ومالي ... أمروني بالضّلال )
( عذَلوني في اغتِفاري ... لابن مَعْنٍ واحتمالي )
( إن يكن ما كان منه ... فبِجُرمي وفِعالي )
( أنا منه كنتُ أسوأ ... عِشْرةً في كلّ حال )
( قل لِمن يَعْجَب من حُسنِ ... رُجوعي ومَقالي )
( رُبَّ وُدٍّ بعد صَدٍّ ... وهوى بعد تَقَالي )
( قد رأينا ذا كثيراً ... جارياً بين الرّجال )
( إنما كانتْ يميني ... لَطَمَتْ منّي شِمَالي )
(4/26)

خبره مع سعدى مولاه ابن معن
حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا محمد بن موسى اليزيدي قال حدثنا أبو سويد عبد القوي بن محمد بن أبي العتاهية ومحمد بن سعد قالا
كان أبو العتاهية يهوى في حداثته امرأة نائحة من أهل الحيرة لها حسن وجمال يقال لها سعدى وكان عبد الله بن معن بن زائدة المكني بأبي الفضل يهواها أيضا وكانت مولاة لهم ثم أتهمها أبو العتاهية بالنساء فقال فيها
( ألاَ يا ذَواتِ السَّحْق في الغربِ والشّرقِ ... أَفِقْن فإِنّ النَّيْك أَشْفَى من السَّحْقِ )
( أفِقن فإن الخبز بالأُدم يُشتَهى ... وليس يَسُوغُ الخبزُ بالخُبز في الحَلْق )
( أراكُنَّ تَرْقَعن الخُروقَ بمَثلها ... وأيّ لبيب يرقَع الخَرْقَ بالخَرق )
( وهل يصلُح المِهراسُ إلا بعُوده ... إذا احْتِيج منه ذاتَ يوم إلى الدَّقّ )
حدثني الصولي قال حدثني الغلابي قال حدثني مهدي بن سابق قال
تهدد عبد الله بن معن أبا العتاهية وخوفه ونهاه أن يعرض لمولاته سعدى فقال أبو العتاهية
( ألاَ قُلْ لابن معنٍ ذا الذي ... في الوُدّ قد حالا )
( لقد بُلِّغتُ ما قال ... فما باليتُ ما قالا )
( ولو كان من الأُسْدِ ... لَمَا صَال ولا هالا )
( فصُغْ ما كنتَ حلَّيتَ ... به سَيْفَك خَلْخَالا )
( وما تصنع بالسيف ... إذا لم تَكُ قَتّالا )
( ولو مَدّ إلى أُذْنيه ... كَفَّيه لما نَالا )
(4/27)

( قَصيرُ الطُّولِ والطِّيلةِ ... لا شَبّ ولا طَالا )
( أرى قومَك أبطالا ... وقد أصبحتَ بطّالا )
هجاؤه معن وأخاه يزيد
حدثنا الصولي قال حدثنا محمد بن موسى قال حدثني سليمان المدائني قال
احتال عبد الله بن معن على أبي العتاهية حتى أخذ في مكان فضربه مائة سوط ضربا ليس بالمبرح غيظا عليه وإنما لم يعنف في ضربه خوفا من كثرة من يعنى به فقال أبو العتاهية يهجوه
( جَلَدَتْني بكَفّها ... بنتُ معنِ بن زائدهْ )
( جَلدتني فأَوْجعتْ ... بأبي تِلك جَالدهْ )
( وتَراها مع الخَصِيّ ... على الباب قاعدهْ )
( تَتَكَنّى كُنَى الرجالِ ... بِعَمْدٍ مًكَايدهْ )
( جلدَتْني وبالغتْ ... مائةً غيرَ واحدهْ )
( إجْلديني واجْلِدي ... إنّما أنتِ والدهْ )
وقال أيضا
( ضربَتْني بكَفِّها بنتُ مَعْن ... أوْجَعتْ كفَّها وما أوجَعتنِي )
( ولَعَمْرِي لولا أذى كفِّها إذ ... ضَرَبَتْنِي بالسَّوط ما تَرَكَتْني )
قال الصولي حدثنا عون بن محمد ومحمد بن موسى قالا
لما اتصل هجاء أبي العتاهية بعبد الله بن معن وكثر غضب أخوه يزيد بن
(4/28)

معن من ذلك وتوعد أبا العتاهية فقال فيه قصيدته التي أولها
( بَنَى مَعْنٌ ويَهدِمُه يزيدُ ... كذاك اللهُ يفعل ما يُريدُ )
( فمَعْنٌ كان للحُسّاد غَمّا ... وهذا قد يُسرّ به الحسود )
( يزيدُ يزيدُ في مَنْعٍ وبخلٍ ... ويَنقُص في العطاء ولا يزيد )
حدثني الصولي قال حدثني جبلة بن محمد قال حدثني أبي قال
مضى بنو معن إلى مندل وحيان ابني علي العنزيين الفقيهين وهما من بني عمرو بن عامر بطن من يقدم بن عنزة وكان من سادات أهل الكوفة فقالوا لهما نحن بيت واحد وأهل ولا فرق بيننا وقد أتانا من مولاكم هذا ما لو أتانا من بعيد الولاء لوجب أن تردعاه
فأحضر أبا العتاهية ولم يكن يمكنه الخلاف عليهما فأصلح بينه وبين عبد الله ويزيد ابني معن وضمنا عنه خلوص النية وعنهما أن ألا يتبعاه بسوء وكان ممن لا يمكن خلافهما فرجحت الحال إلى المودة والصفاء
فجعل الناس يعذلون أبا العتاهية على ما فرط منه ولامه آخرون في صلحه لهما فقال
( ما لعُذّالي ومالي ... أَمَروني بالضَّلال )
وقد كتبت متقدمة
حدثني الصولي قال حدثنا محمد بن موسى قال
كان زائدة بن معن صديقا لأبي العتاهية ولم يعن إخوته عليه فمات فقال أبو العتاهية يرثيه
( حَزِنتُ لموت زائدةَ بن مَعْنٍ ... حقيقٌ أن يطولَ عليه حُزني )
( فَتَى الفتيانِ زائدةُ المُصَفَّى ... أبو العباس كان أخي وخِدْني )
(4/29)

( فتى قومٍ وأيُّ فتىً توارتْ ... به الأكفان تحتُ ثَرىً ولبْن )
( ألا يا قبر زائدةَ بن مَعْنٍ ... دعوتُك كي تُجيبَ فلم تُجبني )
( سَلِ الأيّامَ عن أركانِ قومي ... أصبن بهنّ رُكناً بعد ركن )
أخبرني الصولي قال حدثنا الحسن بن علي الرازي القارئ قال حدثني أحمد بن أبي فنن قال
كنا عند ابن الأعرابي فذكروا قول ابن نوفل في عبد الملك بن عمير
( إذا ذاتُ دَلٍّ كلَّمتْه لحاجةٍ ... فَهَمَّ بأن يَقْضي تَنَحْنَحَ أو سَعَلْ )
وأن عبد الملك قال تركني والله وإن السعلة لتعرض لي في الخلاء فأذكر قوله فأهاب أن أسعل
قال فقلت لابن الأعرابي فهذا أبو العتاهية قال في عبد الله بن معن بن زائدة
( فصُغْ ما كنت حَلَّيتَ ... به سيفَك خَلْخَالاَ )
( وما تصنع بالسَّيفِ ... إذا لم تك قتَّالا )
فقال عبد الله بن معن ما لبست سيفي قط فرأيت إنسانا يلمحني إلا ظننت أنه يحفظ قول أبي العتاهية في فلذلك يتأملني فأخجل فقال ابن الأعرابي اعجبوا لعبد يهجو مولاه
قال وكان ابن الأعرابي مولى بني شيبان
ناظر مسلم بن الوليد في قول الشعر
نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى حدثني علي بن مهدي قال
(4/30)

حدثني الحسين بن أبي السري قال
اجتمع أبو العتاهية ومسلم بن الوليد الأنصاري في بعض المجالس فجرى بينهما كلام فقال له مسلم والله لو كنت أرضى أن أقول مثل قولك
( الحمدُ والنعمةُ لك ... والملكُ لا شريكَ لكْ )
( لبيك إنّ المُلْك لكْ ... )
لقلت في اليوم عشرة آلاف بيت ولكني أقول
( مُوف على مهجٍ في يوم ذي رهجٍ ... كأنّه أجل يسعَى إلى أملِ )
( ينال بالرّفق ما يعْيا الرجالُ به ... كالموتِ مُستعجِلاً يأتي على مَهَل )
( يكسو السيوف نفوسَ الناكثين به ... ويجعلُ الهامَ تيجانَ القنا الذُّبُل )
( للهِ من هاشمٍ في أرضه جبل ... وأنت وابنُك رُكْنا ذلك الجبَلِ )
فقال له أبو العتاهية قل مثل قولي
( الحمدُ والنِّعمة لكْ ... )
أقل مثل قولك
(4/31)

( كأنّه أجلٌ يَسعى إلى أملِ ... )
بشار يستحسن اعتذاره
حدثني الصولي قال حدثنا الغلابي قال حدثنا مهدي بن سابق قال
قال بشار لأبي العتاهية أنا والله أستحسن اعتذارك من دمعك حيث تقول
( كم من صَديقٍ لي أُسارِقُه ... البُكاءَ من الحيَاء )
( فإذا تأمَّلَ لامني ... فأقول ما بي مِنْ بُكاء )
( لكن ذهبتُ لأرتدي ... فطَرفتُ عيني بالرِّداء )
فقال له أبو العتاهية لا والله يا أبا معاذ ما لذت إلا بمعناك ولا اجتنيت إلا من غرسك حيث تقول
صوت
( شكوتُ إلى الغواني ما أُلاقي ... وقلتُ لهنّ ما يَومي بِعيدُ )
( فقُلْنَ بكيتَ قلتُ لهنّ كلاّ ... وقد يَبْكي من الشَّوق الجَليدُ )
( ولكنّي أصابَ سَوادَ عيني ... عُوَيْدُ قَذىً له طَرَفٌ حديدُ )
( فقُلْنَ فما لدَمْعِهما سواءً ... أكِلْتا مُقْلَتَيْك أصابَ عُودُ )
لإبراهيم لموصلي في هذه الأبيات لحن من الثقيل الأول بالوسطى مطلق
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني محمد بن هارون الأزرقي مولى بني هاشم عن ابن عائشة عن ابن لمحمد بن الفضل الهاشمي قال
جاء أبو العتاهية إلى أبي فتحدثا ساعة وجعل أبي يشكو إليه تخلف الصنعة وجفاء السلطان
فقال لي أبو العتاهية اكتب
(4/32)

( كلٌّ على الدّنيا له حِرْصُ ... والحادثاتُ أَنَاتُها غَفْصُ )
( وكأنّ من وَارَوْه في جَدَثٍ ... لم يبدُ منه لناظر شَخصُ )
( تَبْغِي من الدنيا زِيادتَها ... وزيادةُ الدنيا هي النَّقْصُ )
( لِيَدِ المنيةَ في تَلَطُّفها ... عن ذُخْر كلِّ شفيقةٍ فَحْصُ )
عفو الرشيد عنه بعد حبسه
حدثني عمرو قال حدثني علي بن محمد الهشامي عن جده ابن حمدون قال أخبرني مخارق قال
لما تنسك أبو العتاهية ولبس الصوف أمره الرشيد أن يقول شعرا في الغزل فامتنع فضربه الرشيد ستين عصا وحلف ألا يخرج من حبسه حتى يقول شعرا في الغزل
فلما رفعت المقارع عنه قال أبو العتاهية كل مملوك له حر وامرأته طالق إن تكلم سنة إلا بالقرآن أو بلا إله إلا الله محمد رسول الله فكأن الرشيد تحزن مما فعله فأمر أن يحبس في دار ويوسع عليه ولا يمنع من دخول من يريد إليه
قال مخارق وكانت الحال بينه وبين إبراهيم الموصلي لطيفة فكان يبعثني إليه في الأيام أتعرف خبره فإذا دخلت وجدت بين يديه ظهرا ودواة فيكتب إلي ما يريد وأكلمه فمكث هكذا سنة واتفق أن إبراهيم الموصلي صنع صوته
صوت
( أَعرَفْتَ دارَ الحيّ بالحِجْرِ ... فشدوريان فقُنّة الغَمْرِ )
( وهجرتَنا وألِفتَ رسْمَ بِلىً ... والرسمُ كان أحقَّ بالهَجْرِ )
(4/33)

لحن إبراهيم في هذا الشعر خفيف رمل بالوسطى
وفيه لإسحاق رمل بالوسطى قال مخارق فقال لي إبراهيم اذهب إلى أبي العتاهية حتى تغنيه هذا الصوت
فأتيته في اليوم الذي انقضت فيه يمينه فغنيته إياه
فكتب إلي بعد أن غنيته هذا اليوم تنقضي فيه يميني فأحب أن تقيم عندي إلى الليل فأقمت عنده نهاري كله حتى إذا أذن الناس المغرب كلمني فقال يا مخارق قلت لبيك
قال قل لصاحبك يابن الزانية أما والله لقد أبقيت للناس فتنة إلى يوم القيامة فانظر أين أنت من الله غدا قال مخارق فكنت أول من أفطر على كلامه فقلت دعني من هذا هل قلت شيئا للتخلص من هذا الموضع فقال نعم قد قلت في امرأتي شعرا قلت هاته فأنشدني
صوت
( مَنْ لِقلبٍ مُتَيَّمٍ مُشتاقِ ... شَفّه شوقُه وطولُ الفراقِ )
( طالَ شوقي إلى قعيدةِ بيتي ... ليت شعري فهل لنا من تَلاقِي )
( هي حظّي قَدِ اقتصرتُ عليها ... من ذوات العُقود والأطواقِ )
( جَمَع اللَّهُ عاجلاً بِك شملي ... عن قريبٍ وفكَّني من وثَاقي )
قال فكتبتها وصرت بها إلى إبراهيم فصنع فيها لحنا ودخل بها على الرشيد فكان أول صوت غناه إياه في ذلك المجلس وسأله لمن الشعر والغناء فقال إبراهيم أما الغناء فلي وأما الشعر فلأسيرك أبي العتاهية
فقال أو قد فعل قال نعم قد كان ذلك
فدعا به ثم قال لمسرور الخادم كم ضربنا أبا العتاهية قال ستين عصا فأمر بستين ألف درهم وخلع عليه وأطلقه
(4/34)

نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى حدثني علي بن مهدي قال حدثنا الحسين بن أبي السري قال
الفضل بن العباس يترضى يالرشيد له
قال لي الفضل بن العباس وجد الرشيد وهو بالرقة على أبي العتاهية وهو بمدينة السلام فكان أبو العتاهية يرجو أن يتكلم الفضل بن الربيع في أمره فأبطأ عليه بذلك فكتب إليه أبو العتاهية
( أَجَفَوْتَني فيمن جفاني ... وجعلتَ شأنَك غير شَاني )
( ولطالما أَمَّنْتني ... ممّا أَرى كلَّ الأَمان )
( حتّى إذا انقلب الزّمانُ ... عليَّ صرت مع الزمان )
فكلم الفضل فيه الرشيد فرضي عنه
وأرسل إليه الفضل يأمره بالشخوص
ويذكر له أن أمير المؤمنين قد رضي عنه فشخص إليه
فلما دخل إلى الفضل أنشده قوله فيه
( قد دعوناه نائياً فوجدناه ... على نَأْيه قريباً سميعَا )
فأدخله إلى الرشيد فرجع إلى حالته الأولى
أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى إجازة قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني الحسين بن أبي السري قال
كان يزيد بن منصور خال المهدي يتعصب لأبي العتاهية لأنه كان يمدح اليمانية أخوال المهدي في شعره فمن ذلك قوله
(4/35)

صوت
( سقِيتَ الغيثَ يا قصرَ السّلامِ ... فنِعْم مَحَلّةُ الملكِ الهُمامِ )
( لقد نشرَ الإِلهُ عليك نُوراً ... وحفَّك بالملائكة الكِرام )
( سأشكُر نعمةَ المهديّ حتّى ... تدورَ عليّ دائرةُ الحِمام )
( له بيتانِ بيتٌ تُبَّعِيٌّ ... وبيتٌ حَلَّ بالبلد الحرام )
قال وكان أبو العتاهية طول حياة يزيد بن منصور يدعي أنه مولى لليمن وينتفي من عنزة فلما مات يزيد رجع إلى ولائه الأول
فحدثني الفضل بن العباس قال قلت له ألم تكن تزعم أن ولاءك لليمن قال ذلك شيء احتجنا إليه في ذلك الزمن وما في واحد ممن انتميت إليه خير ولكن الحق أحق أن يتبع
وكان ادعى ولاء اللخميين
قال وكان يزيد بن منصور من أكرم الناس وأحفظهم لحرمة وأرعاهم لعهد
وكان بارا بأبي العتاهية كثيرا فضله عليه وكان أبو العتاهية منه في منعة وحصن حصين مع كثرة ما يدفعه إليه ويمنعه من المكاره
فلما مات قال أبو العتاهية يرثيه
( أَنْعَى يزيدَ بن منصورٍ إلى البَشَرِ ... أَنْعَى يزيدَ لأهلِ البَدْوِ والحَضَرِ )
( يا ساكِنَ الحُفرة المهجورِ ساكنُها ... بعد المَقَاصر والأبواب والحُجَر )
( وجدتُ فَقْدَك في مالي وفي نَشَبي ... وجدتُ فقدك في شَعْري وفي بَشَري )
( فلستُ أَدْرِي جزاك اللَّه صالحةً ... أَمنظَري اليومَ أَسْوَا فيك أم خَبَري )
اجتماعه مع بشار عند المهدي
حدثنا ابن عمار قال حدثنا محمد بن إبراهيم بن خلف قال حدثني أبي قال
(4/36)

حدثت أن المهدي جلس للشعراء يوما فأذن لهم وفيهم بشار وأشجع وكان أشجع يأخذ عن بشار ويعظمه وغير هذين وكان في القوم أبو العتاهية
قال أشجع فلما سمع بشار كلامه قال يا أخا سليم أهذا ذلك الكوفي الملقب قلت نعم
قال لا جزى الله خيرا من جمعنا معه
ثم قال له المهدي أنشد فقال ويحك أو يبدأ فيستنشد أيضا قبلنا فقلت قد ترى
فأنشد
( ألاَ ما لِسيّدتي ما لها ... أَدَلاًّ فأَحمِلَ إِدْلالَهَا )
( وإِلاّ ففِيم تَجنَّتْ وما ... جَنيتُ سَقَى اللَّهُ أطلالهَا )
( ألاَ إنّ جاريةً لِلإِمامِ ... قد أُسْكِن الحبُّ سِرْبالَها )
( مَشْتْ بين حُورٍ قصارِ الخُطَا ... تُجاذِب في المَشْي أكفالَها )
( وقد أَتعب اللهُ نفسي بها ... وأَتعب باللَّوْم عُذَّالَها )
قال أشجع فقال لي بشار ويحك يا أخا سليم ما أدري من أي أمريه أعجب أمن ضعف شعره أم من تشبيبه بجارية الخليفة يسمع ذلك بأذنه حتى أتى على قوله
( أتتْه الخلافةُ مُنقادةً ... إليه تُجَرِّرُ أذيالَها )
( ولم تك تصلُح إلاّ له ... ولم يك يصلُح إلاّ لها )
( ولو رامها أحدٌ غيرُه ... لَزُلزِلت الأرضُ زِلْزالَها )
(4/37)

( ولو لم تُطِعْه بناتُ القلوبِ ... لمَا قَبِل اللَّهُ أعمالَها )
( وإنّ الخليفةَ من بُغض لا ... إليه لَيُبغِضَ مَن قالَها )
قال أشجع فقال لي بشار وقد اهتز طربا ويحك يا أخا سليم أترى الخليفة لم يطر عن فرشه طربا لما يأتي به هذا الكوفي
رمي بالزندقة
أخبرني يحيى بن علي إجازة قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني العباس بن ميمون قال حدثني رجاء بن سلمة قال
سمعت أبا العتاهية يقول قرأت البارحة ( عم يتساءلون ) ثم قلت قصيدة أحسن منها
قال وقد قيل إن منصور بن عمار شنع عليه بهذا
قال يحيى بن علي حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أبو عمر القرشي قال
لما قص منصور بن عمار على الناس مجلس البعوضة قال أبو العتاهية إنما سرق منصور هذا الكلام من رجل كوفي
فبلغ قوله منصورا فقال أبو العتاهية زنديق أما ترونه لا يذكر في شعره الجنة ولا النار وإنما يذكر الموت فقط فبلغ ذلك أبا العتاهية فقال فيه
( يا واعظَ الناس قد أصبحتَ مُتَّهَماً ... إذ عِبتَ منهم أُموراً أنت تأتيها )
( كالمُلْبِس الثوبِ من عُرْيٍ وعورتُه ... للناس باديةٌ ما إنْ يُواريها )
( فأعظمُ الإِثْمِ بعد الشِّرك نَعلَمُه ... في كُلّ نفسٍ عَماها عن مَساويها )
( عِرفانُها بعيوب الناس تُبصرها ... منهم ولا تُبصِر العيبَ الذي فيها )
(4/38)

فلم تمض إلا أيام يسيرة حتى مات منصور بن عمار فوقف أبو العتاهية على قبره وقال يغفر الله لك أبا السري ما كنت رميتني به
أخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن موسى قال أخبرني النسائي عن محمد بن أبي العتاهية قال
كانت لأبي العتاهية جارة تشرف عليه فرأته ليلة يقنت فروت عنه أنه يكلم القمر واتصل الخبر بحمدويه صاحب الزنادقة فصار إلى منزلها وبات وأشرف على أبي العتاهية ورآه يصلي ولم يزل يرقبه حتى قنت وانصرف إلى مضجعه وانصرف حمدويه خاسئا
شعره الذي يدل على توحيده
حدثنا محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن الرياشي قال حدثنا الخليل بن أسد النوشجاني قال
جاءنا أبو العتاهية إلى منزلنا فقال زعم الناس أني زنديق والله ما ديني إلا التوحيد
فقلنا له فقل شيئا نتحدث به عنك فقال
( ألاَ إنّنا كلَّنا بائدُ ... وأيّ بني آدمٍ خالدُ )
( وبَدْؤُهُم كان من ربّهم ... وكلٌّ إلى ربّه عائدُ )
( فيا عجبا كيف يُعْصَى الإِلهُ ... أم كيف يَجْحَدُه الجاحدُ )
( وفي كلّ شيءٍ له آيةٌ ... تدلّ على أنه واحدُ )
أخبرني أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي قال
(4/39)

تذاكروا يوما شعر أبي العتاهية بحضرة الجاحظ إلى أن جرى ذكر أرجوزته المزدوجة التي سماها ذات الأمثال فأخذ بعض من حضر ينشدها حتى أتى على قوله
( يا للشَّبابِ المَرِح التَّصابي ... روائحُ الجنَّة في الشَّبابِ )
فقال الجاحظ للمنشد قف ثم قال انظروا إلى قوله
( روائحُ الجنّة في الشَّباب ... )
فإن له معنى كمعنى الطرب الذي لا يقدر على معرفته إلا القلوب وتعجز عن ترجمته الألسنة إلا بعد التطويل وإدامة التفكير
وخير المعاني ما كان القلب إلى قبوله أسرع من اللسان إلى وصفه
وهذه الأرجوزة من بدائع أبي العتاهية ويقال إن له فيها أربعة آلاف مثل
منها قوله
( حَسْبُك ممّا تَبْتَغيه القوتُ ... ما أكثرَ القُوتَ لمن يموتُ )
( الفقرُ فيما جاوز الكفَافا ... مِن اتّقَى اللَّهَ رَجَا وخافا )
( هيَ المقاديرُ فلُمْنِي أو فَذَرْ ... إن كنتُ أخطأتُ فما أخطا القَدَرْ )
( لِكلِّ ما يُؤذِي وإن قَلَّ أَلَمْ ... ما أطولَ اللَّيلَ على من لم ينَم )
( ما انتفع المرءُ بمثلِ عَقْلِه ... وخيرُ ذُخْرِ المرءِ حُسْنُ فِعْلِهِ )
( إنّ الفساد ضِدَّهُ الصَّلاحُ ... ورُبّ جِدٍّ جَرّه المُزَاحُ )
( مَن جَعل النَّمَّامَ عَيناً هلَكا ... مُبْلِغُك الشرَّ كَباغيه لكَا )
( إنّ الشَّبابَ والفَراغ والجِدَة ... مَفْسَدةٌ للمرء أيُّ مَفْسَدةْ )
( يُغْنيك عن كلّ قبيحٍ تَرْكُهُ ... تَرتَهِن الرأيَ الأصيلَ شَكُّهُ )
( ما عَيشُ مَنْ آفتُه بقاؤُهُ ... نَغَّص عيشاً كلَّه فَناؤهُ )
( يا رُبَّ مَنْ أسخطنا بجَهْدِهِ ... قد سَرّنا اللَّهُ بغَير حَمْده )
(4/40)

( ما تطلُع الشمسُ ولا تغيبُ ... إلاّ لأَمرٍ شأنُه عجيبُ )
( لكلّ شيء مَعْدِنٌ وجَوْهَرُ ... وأوسطٌ وأصغرٌ وأكبرُ )
( مَنْ لك بالمَحْضِ وكلُّ مُمتزِجْ ... وساوسَ في الصَّدر منه تَعتلجْ )
( وكلُّ شيء لاحقٌ بجوهرهْ ... أصغرُه مُتّصِلٌ بأكبرهْ )
( ما زالتِ الدنيا لنا دارَ أذَى ... ممزوجةَ الصَّفو بألوان القَذَى )
( الخَيرُ والشرُّ بها أزواجُ ... لِذا نِتاجٌ ولِذا نِتاجُ )
( مَنْ لك بالمَحْض وليس مَحْضُ ... يَخبُث بعضٌ ويَطيب بعضُ )
( لكلّ إنسانٍ طبيعتانِ ... خيرٌ وشرٌّ وهما ضِدّانِ )
( إنّك لو تَستنشق الشَّحِيحَا ... وجدتَه أنتنَ شيءٍ ريحاَ )
( والخيرُ والشرُّ إذا ما عُدّا ... بينهما بَوْنٌ بعيدٌ جِدَّا )
( عجبتُ حتى غمّني السكوتُ ... صِرْتُ كأنّي حائرٌ مبهوتُ )
( كذا قضى اللَّهُ فكيف أصنَعُ ... الصمتُ إن ضاق الكلامُ أوسعُ )
وهي طويلة جدا وإنما ذكرت هذا القدر منها حسب ما استاق الكلام من صفتها
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه عن روح بن الفرج قال
شاور رجل أبا العتاهية فيما ينقشه على خاتمه فقال انقش عليه لعنة الله على الناس وأنشد
( بَرِمتُ بالناس وأخلاقهم ... فصِرْتُ أستأنِس بالوُحدَةْ )
( ما أكثرَ الناسَ لَعَمْري وما ... أقلَّهم في حاصل العِدّهْ )
حدثنا الصولي قال حدثنا الغلابي قال حدثنا عبد الله بن الضحاك أن
(4/41)

عمر بن العلاء مولى عمرو بن حريث صاحب المهدي كان ممدحا فمدحه أبو العتاهية فأمر له بسبعين ألف درهم فأنكر ذلك بعض الشعراء وقال كيف فعل هذا بهذا الكوفي وأي شيء مقدار شعره فبلغه ذلك فأحضر الرجل وقال له والله إن الواحد منكم ليدور على المعنى فلا يصيبه ويتعاطاه فلا يحسنه حتى يشبب بخمسين بيتا ثم يمدحنا ببعضها وهذا كأن المعاني تجمع له مدحني فقصر التشبيب وقال
( إنّي أمِنْتُ من الزمان ورَيبهِ ... لَمّا عَلِقتُ من الأميرِ حِبالاَ )
( لو يستطيع الناسُ من إجلاله ... لحَذَوْا له حُرَّ الوُجوهِ نِعالاَ )
صوت
( إنّ المطايا تَشتكيك لأنّها ... قطَعتْ إليك سَباسِباً ورِمالاَ )
( فإذا وَرَدْنَ بنا ورَدن مُخِفَّةً ... وإذا رجَعْنَ بنا رجعن ثِقَالاَ )
أخذ هذا المعنى من قول نصيب
( فعاجُوا فأَثْنَوْا بالذي أنت أهلُه ... ولو سكتوا أثنتْ عليك الحقائبُ )
العتابي يقول عنه أنه أشعر الناس
حدثنا الصولي قال حدثنا محمد بن عون قال حدثني محمد بن النضر كاتب
(4/42)

غسان بن عبد الله قال
أخرجت رسولا إلى عبد الله بن طاهر وهو يريد مصر فنزلت على العتابي وكان لي صديقا فقال أنشدني لشاعر العراق يعني أبا نواس وكان قد مات فأنشدته ما كنت أحفظ من ملحه وقلت له ظننتك تقول هذا لأبي العتاهية
فقال لو أردت أبا العتاهية لقلت لك أنشدني لأشعر الناس ولم أقتصر على العراق
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني هارون بن سعدان عن شيخ من أهل بغداد قال
قال أبو العتاهية أكثر الناس يتكلمون بالشعر وهم لا يعلمون ولو أحسنوا تأليفه كانوا شعراء كلهم
قال فبينما نحن كذلك إذ قال رجل لآخر عليه مسح يا صاحب المسح تبيع المسح
فقال لنا أبو العتاهية هذا من ذلك ألم تسمعوه يقول
( يا صاحبَ المِسح تَبيع المِسحا ... )
قد قال شعرا وهو لا يعلم
ثم قال الرجل تعال إن كنت تريد الربح
فقال أبو العتاهية وقد أجاز المصراع بمصراع آخر وهو لا يعلم قال له
( تعالَ إن كنتَ تُريد الرّبحا ... )
حدثنا الصولي قال حدثنا محمد بن موسى قال حدثنا أحمد بن بشير أبو طاهر الحلبي قال حدثنا مزيد الهاشمي عن السدري قال
سمعت الأصمعي يقول شعر أبي العتاهية كساحة الملوك يقع فيها الجوهر والذهب والتراب والخزف والنوى
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا الزبير بن بكار قال
(4/43)

لما حبس المهدي أبا العتاهية تكلم فيه يزيد بن منصور الحميري حتى أطلقه فقال فيه أبو العتاهية
( ما قلتُ في فَضلِه شيئاً لأَمدحَه ... إلاّ وفضلُ يَزيدٍ فوقَ ما قلتُ )
( ما زِلتُ من رَيْبِ دهري خائفاً وَجِلاً ... فقد كفانِيَ بعدَ اللَّه ما خِفْتُ )
ارتجاله الشعر
أخبرني يحيى بن علي إجازة قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني محمد بن يحيى قال حدثني عبد الله بن الحسن قال
جاءني أبو العتاهية وأنا في الديوان فجلس إلي
فقلت يا أبا إسحاق أما يصعب عليك شيء من الألفاظ فتحتاج فيه إلى استعمال الغريب كما يحتاج إليه سائر من يقول الشعر أو إلى ألفاظ مستكرهة قال لا
فقلت له إني لأحسب ذلك من كثرة ركوبك القوافي السهلة
قال فاعرض علي ما شئت من القوافي الصعبة
فقلت قل أبياتا على مثل البلاغ
فقال من ساعته
( أيُّ عيشٍ يكون أبلَغ من عيشِ ... كَفافٍ قُوتٍ بقَدْر البلاغِ )
( صاحبُ البَغْي ليس يسلَمُ منه ... وعلى نَفْسه بَغَى كلُّ باغِي )
( رُبَّ ذي نِعمة تَعرَّضَ منها ... حائلٌ بينه وبين المَساغِ )
( أَبْلَغ الدهرُ في مَوَاعظِهِ بل ... زاد فيهنّ لي على الإِبلاغِ )
( غَبَنَتْني الأيَامُ عقلي ومالي ... وشَبابي وصِحّتي وفرَاغي )
مسلم بن الوليد يكبره بعد أن سمع غزله
أخبرنا يحيى إجازة قال حدثنا علي بن مهدي قال حدثني أبو علي اليقطيني قال حدثني أبو خارجة بن مسلم قال
(4/44)

قال مسلم بن الوليد كنت مستخفا بشعر أبي العتاهية فلقيني يوما فسألني أن أصير إليه فصرت إليه فجاءني بلون واحد فأكلناه وأحضرني تمرا فأكلناه وجلسنا نتحدث وأنشدته أشعارا لي في الغزل وسألته أن ينشدني فأنشدني قوله
( بالله يا قُرّةَ العينَيْنِ زُورِيني ... قبل المماتِ وإلاّ فاسْتَزيريني )
( إنِّي لأَعْجَبُ من حُبٍّ يُقرّبني ... ممن يُباعدني منه ويُقْصِيني )
( أمّا الكثير فما أرجوه منكِ ولو ... أطمعتنِي في قليلٍ كان يَكفيني )
ثم أنشدني أيضا
( رأَيتُ الهوى جمرَ الغَضَى غيرَ أنّه ... على حَرِّه في صدر صاحبه حُلْوُ ) ي
صوت
( أَخِلاّيَ بي شَجْوٌ وليس بكم شجوُ ... وكلُّ امرىءٍ عن شَجوَ صاحبه خِلْوُ )
( وما من مُحِبٍّ نال ممن يُحبّه ... هوىً صادقاً إلاّ سيدخلُه زَهْوُ )
( بُلِيتُ وكان المَزْحُ بَدْءَ بَلِيّتي ... فأحببتُ حقّاً والبلاء له بَدْوُ )
( وعُلِّقتُ مَنْ يزهو عليّ تَجبُّراً ... وإنّي في كلّ الخِصال له كُفْوُ )
( رأيتُ الهوى جمرَ الغَضَى غير أنّه ... على كل حالٍ عند صاحبه حُلْوُ )
الغناء لإبراهيم ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق وله فيه أيضا خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو
ولعمرو بن بانة رمل بالوسطى من كتابه
ولعريب فيه خفيف ثقيل من كتاب ابن المعتز قال مسلم ثم أنشدني أبو العتاهية
(4/45)

صوت
( خليلِيَّ مالي لا تَزال مَضَرّتي ... تكون على الأقْدار حَتْماً منَ الحَتْمِ )
( يُصاب فؤادي حين أرْمي ورَمْيتي ... تعودُ إلى نَحري ويَسْلَمُ من أرْمِي )
( صَبَرتُ ولا والله ما بي جَلاَدةٌ ... على الصبر لكنّي صبَرتُ على رَغْمي )
( ألاَ في سبيلِ الله جسمي وقُوّتي ... ألاَ مُسْعِدٌ حتى أنوح على جسمي )
( تُعَدّ عظامي واحداً بعد واحدٍ ... بمَنْحىً منَ العُذّال عَظْماً على عَظم )
( كفاكَ بحقّ الله ما قد ظلمتَني ... فهذا مَقام المستجير من الظُّلْمِ )
الغناء لسياط في هذه الأبيات وإيقاعه من خفيف الثقيل الأول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق قال مسلم فقلت له لا والله يا أبا إسحاق ما يبالي من أحسن أن يقول مثل هذا الشعر ما فاته من الدنيا فقال يابن أخي لا تقولن مثل هذا فإن الشعر أيضا من بعض مصايد الدنيا
أخبرنا يحيى إجازة قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني عبد الرحمن بن الفضل قال حدثني ابن الأعرابي قال
اجتمعت الشعراء على باب الرشيد فأذن لهم فدخلوا وأنشدوا فأنشد أبو العتاهية
( يا مَنْ تَبغَّى زمناً صالحاً ... صَلاحُ هارونَ صلاحَ الزمن )
(4/46)

( كلُّ لسانٍ هو في مُلكه ... بالشكر في إحسانه مُرْتَهَنْ )
قال فاهتز له الرشيد وقال له أحسنت والله وما خرج في ذلك اليوم أحد من الشعراء بصلة غيره
أخبرني يحيى بن علي إجازة قال حدثنا علي بن مهدي قال حدثنا عامر بن عمران الضبي قال حدثني ابن الأعرابي قال
أجرى هارون الرشيد الخيل فجاءه فرس يقال له المشمر سابقا وكان الرشيد معجبا بذلك الفرس فأمر الشعراء أن يقولوا فيه فبدرهم أبو العتاهية فقال
( جاء المشمّرٌ والأفراسُ يَقْدُمُها ... هَوْناً على رِسْله منها وما انْبهَرا )
( وخَلَّف الريحَ حَسْرَى وهي جاهدةٌ ... ومَرّ يختطف الأبصارَ والنظرَا )
فأجزل صلته وما جسر أحد بعد أبي العتاهية أن يقول فيه شيئا
رثى صديقه ابن ثابت
أخبرني يحيى إجازة قال حدثني الفضل بن عباس بن عقبة بن جعفر قال
كان علي بن ثابت صديقا لأبي العتاهية وبينهما مجاوبات كثيرة في الزهد والحكمة فتوفي علي بن ثابت قبله فقال يرثيه
( مُؤْنِسٌ كان لي هَلَكْ ... والسبيلُ التي سَلَكْ )
( يا عليّ بن ثابتٍ ... غَفَر الله لي ولَكْ )
( كلُّ حيٍّ مُمَلَّكٍ ... سوف يَفْنَى وما مَلَكْ )
قال الفضل وحضر أبو العتاهية علي بن ثابت وهو يجود بنفسه فلم يزل
(4/47)

ملتزمه حتى فاض فلما شد لحياه بكى طويلا ثم أنشد يقول
( يا شَرِيكي في الخير قَرّبك اللهُ ... فنعم الشّريكُ في الخير كُنتَا )
( قد لَعَمْري حكيْتَ لي غُصَصَ الموتِ ... فحرَّكْتَنِي لها وسَكَنْتَا )
قال ولما دفن وقف على قبره يبكي طويلا أحر بكاء ويردد هذه الأبيات
( ألاَ مَنْ لي بأُنْسِك يا أُخَيّا ... ومَنْ لي أن أَبُثَّك ما لديَّا )
( طَوتْكَ خُطوبُ دهرك بعد نَشْرٍ ... كذاك خُطوبُه نَشْراً وطيَّا )
( فلو نَشرتْ قُواك ليَ المنايا ... شكوتُ إليك ما صنعتْ إليَّا )
( بكيتُك يا عليٌّ بدمع عَيني ... فما أغنَى البكاءُ عليك شَيَّا )
( وكانت في حياتك لي عِظاتٌ ... وأنت اليومَ أوعظُ منك حياَّ )
قال علي بن الحسين مؤلف هذا الكتاب هذه المعاني أخذها كلها أبو العتاهية من كلام الفلاسفة لما حضروا تابوت الإسكندر وقد أخرج الإسكندر ليدفن قال بعضهم كان الملك أمس أهيب منه اليوم وهو اليوم أوعظ منه أمس
وقال آخر سكنت حركة الملك في لذاته وقد حركنا اليوم في سكونه جزعا لفقده
وهذان المعنيان هما اللذان ذكرهما أبو العتاهية في هذه الأشعار
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني جعفر ابن الحسين المهلبي قال
لقينا أبو العتاهية فقلنا له يا أبا إسحاق من أشعر الناس قال الذي يقول
( اللهُ أنجحُ ما طلبتَ به ... والبِرُّ خيرُ حقيبة الرَّحْلِ )
فقلت أنشدني شيئا من شعرك فأنشدني
(4/48)

( يا صاحبَ الرُّوح ذي الأنفاسِ في البدن ... بين النهار وبين الليل مُرْتَهَنِ )
( لقلّما يتخطّاك اختلافُهما ... حتى يُفرِّق بين الرُّوح والبدنِ )
( لَتجْذِبَنِّي يدُ الدُّنيا بقوّتها ... إلى المنايا وإِن نازعتُها رَسَني )
( للهِ دُنيَا أُناس دائِبين لها ... قَدِ ارتعَوْا في رياض الغَيّ والفِتنِ )
( كسائماتٍ رِتاعٍ تَبتغي سِمَناً ... وحَتْفُها لو دَرَتْ في ذلك السِّمَنِ )
قال فكتبتها ثم قلت له أنشدني شيئا من شعرك في الغزل فقال يابن أخي إن الغزل يسرع إلى مثلك فقلت له أرجو عصمة الله جل وعز فأنشدني
( كأنّها من حُسنها دُرّةٌ ... أخرجها اليمُّ إلى الساحلِ )
( كأنّ في فيها وفي طرفها ... سواحراً أقبلنَ من بابل )
( لم يُبْقِ مِنّي حبُّها ما خلا ... حُشَاشَةً في بَدَنٍ ناحلَ )
( يا مَنْ رأى قبلي قتيلاً بكى ... من شدّة الوَجْد على القاتل )
فقلت له يا أبا إسحاق هذا قول صاحبنا جميل
( خليليَّ فيما عِشتُما هل رأيتما ... قتيلاً بكى من حبّ قاتله قبلي )
فقال هو ذاك يا بن أخي وتبسم
شعره في رحيل الشباب
أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني أبي قال حدثني أبو عكرمة عن شيخ له من أهل الكوفة قال
(4/49)

دخلت مسجد المدينة ببغداد بعد أن بويع الأمين محمد بسنة فإذا شيخ عليه جماعة وهو ينشد
( لَهِفْي على وَرْقِ الشبّابِ ... وغُصونِه الخُضْرِ الرِّطابِ )
( ذهب الشباب وبان عنّي ... غيرَ مُنتَظَرِ الإِياب )
( فلأَبْكينَّ على الشَّبابِ ... وطيبِ أيّام التَّصابي )
( ولأَبْكينَّ من البِلَى ... ولأَبكينَّ من الخِضاب )
( إنّي لآمُلُ أن أخَلَّد ... والمنيَّةُ في طِلاَبي )
قال فجعل ينشدها وإن دموعه لتسيل على خديه
فلما رأيت ذلك لم أصبر أن ملت فكتبتها وسألت عن الشيخ فقيل لي هو أبو العتاهية
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني أبو العباس محمد بن أحمد قال
كان ابن الأعرابي يعيب أبا العتاهية ويثلبه فأنشدته
( كم من سفيهٍ غاظَني سَفَهاً ... فشَفَيْتُ نفسي منه بالحِلْم )
( وكَفَيْتُ نفسي ظلمَ عاديتي ... ومنحتُ صفوَ مودّتي سِلْمي )
( ولقد رُزِقتُ لظالمي غِلظاً ... ورَحِمتُه إذ لجّ في ظُلْمي )
أخبرني محمد بن عمران قال حدثني العنزي قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني محمد بن أحمد الأزدي قال
قال لي أبو العتاهية لم أقل شيئا قط أحب إلي من هذين البيتين في معناهما
( ليت شعري فإِنَّني لستُ أدري ... أيُّ يومٍ يكون آخِرَ عُمْري )
(4/50)

( وبأيّ البلاد يُقبض رُوحي ... وبأيّ البِقاع يُحْفَرُ قبري )
خبره مع فتيان يتذاكرون الشعر
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني محمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن عبد الجبار الفزاري قال
اجتاز أبو العتاهية في أول أمره وعلى ظهره قفص فيه فخار يدور به في الكوفة ويبيع منه فمر بفتيان جلوس يتذاكرون الشعر ويتناشدونه فسلم ووضع القفص عن ظهره ثم قال يا فتيان أراكم تذاكرون الشعر فأقول شيئا منه فتجيزونه فإن فعلتم فلكم عشرة دراهم وإن لم تفعلوا فعليكم عشرة دراهم فهزئوا منه وسخروا به وقالوا نعم
قال لا بد أن يشترى بأحد القمارين رطب يؤكل فإنه قمار حاصل وجعل رهنه تحت يد أحدهم ففعلوا
فقال أجيزوا
( ساكِني الأجداثِ أنتُمْ ... )
وجعل بينه وبينهم وقتا في ذلك الموضع إذا بلغته الشمس ولم يجيزوا البيت غرموا الحطر وجعل يهزأ بهم وتممه
( . . . . . . . . . . . . . . . ... . مثلَنا بالأمس كُنتمْ )
( ليت شعري ما صنعتم ... أربحتم أم خَسِرتمْ )
وهي قصيدة طويلة في شعره
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله عن أبي خيثم العنزي قال
لما حبس الرشيد أبا العتاهية وحلف ألا يطلقه أو يقول شعرا قال لي أبو حبش أسمعت بأعجب من هذا الأمر تقول الشعراء الشعر الجيد النادر فلا يسمع
(4/51)

منهم ويقول هذا المخنث المفكك تلك الأشعار بالشفاعة ثم أنشدني
( أبا إسحاق راجعت الجماعَهْ ... وعُدْتَ إلى القوافي والصنِّاعهْ )
( وكنت كجامحٍ في الغَيّ عاصٍ ... وأنت اليومَ ذو سمعٍ وطاعَهْ )
( فجُرَّ الخَزّ مما كنتَ تُكْسَى ... وَدَع عنك التَّقَشُّفَ والبَشاعَهْ )
( وشَبِّبْ بالتي تهوَى وخَبِّرْ ... بأنّك ميّتٌ في كلّ ساعَهْ )
( كَسدنا ما نراد وإنْ أجدنا ... وأنت تقول شعرَك بالشّفاعَهْ )
أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا العنزي قال حدثنا محمد بن عبد الله قال حدثني أبو خيثم العنزي وكان صديقا لأبي العتاهية قال حدثني أبو العتاهية قال
أخرجني المهدي معه إلى الصيد فوقعنا منه على شيء كثير فتفرق أصحابه في طلبه وأخذ هو في طريق غير طريقهم فلم يلتقوا وعرض لنا واد جرار وتغيمت السماء وبدأت تمطر فتحيرنا وأشرفنا على الوادي فإذا فيه ملاح يعبر الناس فلجأنا إليه فسألناه عن الطريق فجعل يضعف رأينا ويعجزنا في بذلنا أنفسنا في ذلك الغيم للصيد حتى أبعدنا ثم أدخلنا كوخا له وكاد المهدي يموت بردا فقال له أغطيك بجبتي هذه الصوف فقال نعم فغطاه بها فتماسك قليلا ونام
فافتقده غلمانه وتبعوا أثره حتى جاؤونا فلما رأى الملاح كثرتهم علم أنه الخليفة فهرب وتبادر الغلمان فنحوا الجبة عنه وألقوا عليه الخز والوشي
فلما انتبه قال لي ويحك ما فعل الملاح فقد والله وجب حقه علينا
فقلت هرب والله خوفا من قبح ما خاطبنا به
قال إنا لله والله لقد أردت أن أغنيه وبأي شيء خاطبنا نحن والله مستحقون لأقبح مما خاطبنا به بحياتي عليك إلا ما هجوتني
فقلت يا أمير المؤمنين كيف تطيب نفسي بأن أهجوك قال والله لتفعلن فإني ضعيف الرأي مغرم بالصيد فقلت
(4/52)

( يا لابسَ الوَشْي على ثوبه ... ما أقبحَ الأشْيَب في الراحِ )
فقال زدني بحياتي فقلت
( لو شئتَ أيضاً جُلْتَ في خامةٍ ... وفي وِشاحَيْنِ وأَوْضاحِ )
فقال ويلك هذا معنى سوء يرويه عنك الناس وأنا استأهل زدني شيئا آخر
فقلت أخاف أن تغضب
قال لا والله
فقلت
( كم من عظيم القَدرِ في نفسه ... قد نام في جُبّة مَلاّحِ )
فقال معنى سوء عليك لعنة الله وقمنا وركبنا وانصرفنا
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال حدثنا جماعة من كتاب الحسن بن سهل قالوا
وقعت رقعة فيها بيتا شعر في عسكر المأمون فجيء بها إلى مجاشع بن مسعدة فقال هذا كلام أبي العتاهية وهو صديقي وليست المخاطبة لي ولكنها للأمير الفضل بن سهل
فذهبوا بها فقرأها وقال ما أعرف هذه العلامة
فبلغ المأمون خبرها فقال هذه إلي وأنا أعرف العلامة
والبيتان
صوت
( ما على ذا كنّا افترقْنا بِسَنْدانَ ... وما هكذا عهدْنا الإِخاءَ )
( تَضْرِبُ الناسَ بالمُهَنَّدة البِيضِ ... على غَدْرِهم وتَنْسَى الوفاءَ )
(4/53)

قال فبعث إليه المأمون بمال
في هذين البيتين لأبي عيسى بن المتوكل رمل من رواية ابن المعتز
أبو العتاهية يستعجل بر ابن يقطين
قال وكان علي بن يقيطن صديقا لأبي العتاهية وكان يبره في كل سنة ببر واسع فأبطأ عليه بالبر في سنة من السنن وكان إذا لقيه أبو العتاهية أو دخل عليه يسر به ويرفع مجلسه ولا يزيده على ذلك
فلقيه ذات يوم وهو يريد دار الخليفة فاستوقفه فوقف له فأنشده
( حتّى متى ليت شعري يابنَ يَقْطينِ ... أُثني عليك بما لا منك تُوليني )
( إنّ السّلامَ وإنّ البِشْرَ من رجلٍ ... في مثل ما أنت فيه ليس يَكْفِيني )
( هذا زمانٌ ألحّ الناسُ فيه على ... تيه الملوك وأخلاقِ المساكينِ )
( أمَا علمتَ جزاك الله صالحةً ... وزادك اللهُ فضلاً يابنَ يَقْطين )
( أنِّي أُريدك للدُّنيا وعاجلها ... ولا أُريدك يومَ الدِّين للدين )
فقال علي بن يقطين لست والله أبرح ولا تبرح من موضعنا هذا إلا راضيا وأمر له بما كان يبعث به إليه في كل سنة فحمل من وقته وعلي واقف إلى أن تسلمه
وأخبرني محمد بن جعفر النحوي صهر المبرد قال حدثنا محمد بن يزيد قال
بلغني من غير وجه أن الرشيد لما ضرب أبا العتاهية وحبسه وكل به صاحب خبر يكتب إليه بكل ما يسمعه
فكتب إليه أنه سمعه ينشد
(4/54)

( أمَا والله إنّ الظلمَ لُومُ ... وما زال المُسيء هو الظَّلومُ )
( إلى دَيَّانِ يومِ الدين نَمْضي ... وعند الله تجتمع الخصومُ )
قال فبكى الرشيد وأمر بإحضار أبي العتاهية وإطلاقه وأمر له بألفي دينار
شنع عليه منصور بن عمار بالزندقة
أخبرني محمد بن جعفر قال حدثني محمد بن موسى عن أحمد بن حرب عن محمد بن أبي العتاهية قال
لما قال أبي في عتبة
( كأنّ عتابَة من حسنها ... دُمْيَةُ قسَّ فتنَتْ قَسَّهَا )
( يا رَبِّ لو أَنْسَيْتَنيِها بما ... في جَنَّة الفِرْدوس لم أَنْسَها )
شنع عليه منصور بن عمار بالزندقة وقال يتهاون بالجنة ويبتذل ذكرها في شعره بمثل هذا التهاون وشنع عليه أيضا بقوله
( إنّ المليك رآكِ أحسنَ ... خَلْقه ورأى جمالَكْ )
( فحذا بقُدْرةِ نفسه ... حُورَ الجِنان على مثالِكْ )
وقال أيصور الحور على مثال امرأة آدمية والله لا يحتاج إلى مثال وأوقع له هذا على ألسنة العامة فلقي منهم بلاء
حدثني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا خليل بن أسد قال حدثني أبو سلمة الباذغيسي قال
(4/55)

قلت لأبي العتاهية في أي شعر أنت أشعر قال قولي
( الناسُ في غَفَلاتهمْ ... ورَحَا المنيّةِ تَطْحَنُ )
أنشد المأمون أحسن ما قاله في الموت
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني يحيى بن عبد الله القرشي قال حدثني المعلى بن أيوب قال
دخلت على المأمون يوما وهو مقبل على شيخ حسن اللحية خضيب شديد بياض الثياب على رأسه لاطئة فقلت للحسن بن أبي سعيد قال وهو ابن خالة المعلى بن أيوب
وكان الحسن كاتب المأمون على العامة من هذا فقال أما تعرفه فقلت لو عرفته ما سألتك عنه
فقال هذا أبو العتاهية
فسمعت المأمون يقول له أنشدني أحسن ما قلت في الموت فأنشده
( أَنساكَ مَحْياكَ المماتَا ... فطَلبْتَ في الدنيا الثَّباتَا )
( أَوَثِقْتَ بالدنيا وأنت ... ترى جَماعَتها شَتاتَا )
( وعَزمتَ منك على الحياةِ ... وطُولِها عَزْماً بتَاتا )
( يا مَنْ رأى أبَوَيْه فيمَنْ ... قد رأى كانا فماتا )
( هل فيهما لك عِبْرةٌ ... أم خِلْتَ أنّ لك انفِلاتا )
( ومَن الذي طَلَب التَّفَلُّتَ ... من مَنيّتِه ففاتا )
( كلٌّ تُصَبِّحه المنيَّةُ ... أو تُبَيِّتُه بَياتا )
قال فلما نهض تبعته فقبضت عليه في الصحن أو في الدهليز فكتبتها عنه
نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني الجاحظ عن ثمامة قال
(4/56)

دخل أبو العتاهية على المأمون فأنشده
( ما أحسنَ الدنيا وإِقبالَها ... إذا أطاع الله مَنْ نالَها )
( مَنْ لم يُواسِ الناسَ من فضلها ... عَرَّض للإِدبار إقبالَها )
فقال له المأمون ما أجود البيت الأول فأما الثاني فما صنعت فيه شيئا الدنيا تدبر عمن واسى أو ضن بها وإنما يوجب السماحة بها الأجر والضن بها الوزر فقال صدقت يا أمير المؤمنين أهل الفضل أولى بالفضل وأهل النقص أولى بالنقص
فقال المأمون ادفع إليه عشرة آلاف درهم لاعترافه بالحق
فلما كان بعد أيام عاد فأنشده
( كم غافلٍ أوْدَى به الموتُ ... لم يأخُذِ الأُهبةَ للفَوْتِ )
( مَنْ لم تزُلْ نعمتُه قبلَه ... زال عن النعمة بالموتِ )
فقال له أحسنت الآن طَيَّبْتَ المعنى وأمر له بعشرين ألف درهم
أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني ابن سنان العجلي عن الحسن بن عائذ قال
كان أبو العتاهية يحج في كل سنة فإذا قدم أهدى إلى المأمون بردا ومطرفا ونعلا سوداء ومساويك أراك فيبعث إليه بعشرين ألف درهم
وكان يوصل الهدية من جهته منجاب مولى المأمون ويجيئه بالمال فأهدى مرة له كما كان يهدي كل سنة إذا قدم فلم يثبه ولا بعث إليه بالوظيفة فكتب إليه أبو العتاهية
( خَبَّروني أنّ من ضرْب السّنة ... جُدُداً بِيضاً وصُفْراً حَسَنَهْ )
( أُحْدِثتْ لكنّني لم أرها ... مِثْل ما كنتُ أرى كلَّ سَنَهْ )
(4/57)

فأمر المأمون بحمل العشرين ألف درهم وقال أغفلناه حتى ذكرنا
حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي قال حدثنا الزبير بن بكار قال أخبرني عروة بن يوسف الثقفي قال
لما ولي الهادي الخلافة كان واجدا على أبي العتاهية لملازمته أخاه هارون وانقطاعه إليه وتركه موسى وكان أيضا قد أمر أن يخرج معه إلى الري فأبى ذلك فخافه وقال يستعطفه
( ألاَ شافِعٌ عند الخليفةِ يَشْفَعُ ... فيدفَع عنّا شرَّ ما يُتَوقَّعُ )
( وإِنِّي على عُظْمِ الرجاء لخائفٌ ... كأنّ على رأسي الأسِنَّة تُشْرَعُ )
( يُرَوِّعني موسى على غير عَثْرةٍ ... ومالي أرى موسى من العفوِ أوْسَعُ )
( وما آمِنٌ يُمسِي ويُصبح عائذاً ... بعفو أمير المؤمنين يُروَّع )
مدح الهادي فأجازه
حدثني الصولي قال حدثني علي بن الصباح قال حدثني محمد بن أبي العتاهية قال دخل أبي على الهادي فأنشده
( يا أمينَ اللهِ مالي ... لستُ أدري اليومَ مالِي )
( لم أَنَلْ منك الذي قد ... نال غيرِي من نَوالِ )
( تَبْذُلُ الحقَّ وتُعْطي ... عن يمينٍ وشِمال )
( وأنا البائسُ لا تَنظُر ... في رِقّةِ حالي )
قال فأمر المعلى الخازن أن يعطيه عشرة آلاف درهم
قال أبو العتاهية
(4/58)

فأتيته فأبى أن يعطيها ذلك أن الهادي امتحنني في شيء من الشعر وكان مهيبا فكنت أخافه فلم يطعني طبعي فأمر لي بهذا المال فخرجت فلما منعنيه المعلى صرت إلى أبي الوليد أحمد بن عقال وكان يجالس الهادي فقلت له
( أَبْلِغْ سَلِمتَ أبا الوليدِ سَلامي ... عنِّي أمير المؤمنين إمامِي )
( وإذا فرغَت من السّلامِ فقل له ... قد كان ما شاهدت من إفحامي )
( وإذا حصِرتُ فليس ذاك بمُبْطلٍ ... ما قد مَضَى من حُرْمتي وذمامي )
( ولطالما وفَدتْ إليك مدائحي ... مخطوطةً فلْيأتِ كلُّ ملامِ )
( أيّامَ لي لَسَنٌ ورقّةُ جِدّةٍ ... والمرءُ قد يَبْلَى مع الأيّام )
قال فاستخرج لي الدراهم وأنفذها إلي
حدثني الصولي ومحمد بن عمران الصيرفي قالا حدثنا العنزي قال حدثنا محمد بن أحمد بن سليمان قال
ولد للهادي ولد في أول يوم ولي الخلافة فدخل أبو العتاهية فأنشده
( أكثرَ موسى غيظَ حُسّادِه ... وزَيَّن الأرضَ بأولادِه )
( وجاءنا من صُلْبه سَيّدٌ ... أَصْيَدُ في تقطيع أجداده )
( فاكتستِ الأرضُ به بَهْجةً ... واستبشر الملكُ بميلادهِ )
( وابتسم المِنْبرُ عن فَرْحةٍ ... عَلَتْ بها ذَرْوةُ أعواده )
( كأنَّني بعد قليلٍ به ... بين مَواليه وقُوّادِه )
( في مَحفِلٍ تَخْفِق راياتُه ... قد طَبَّق الأرض بأجنادهِ )
قال فأمر له موسى بألف دينار وطيب كثير وكان ساخطا عليه فرضي عنه
(4/59)

أخبرني يحيى بن علي بن يحيى إجازة قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني علي بن يزيد الخزرجي الشاعر عن يحيى بن الربيع قال
دخل أبو عبيد الله على المهدي وكان قد وجد عليه في أمر بلغه عنه وأبو العتاهية حاضر المجلس فجعل المهدي يشتم أبا عبيد الله ويتغيظ عليه ثم أمر به فجر برجله ثم وحبس ثم أطرق المهدي طويلا
فلما سكن أنشده أبو العتاهية
( أرى الدُّنيا لمن هي في يَدَيْه ... عذاباً كلّما كثُرَتْ لدَيْهِ )
( تُهِين المُكْرمين لها بصُغْرٍ ... وتُكْرِم كلَّ من هانتْ عليهِ )
( إذا استَغْنَيتَ عن شيءٍ فدَعْهُ ... وخُذْ ما أنت محتاجٌ إليهِ )
فتبسم المهدي وقال لأبي العتاهية أحسنت فقام أبو العتاهية ثم قال والله يا أمير المؤمنين ما رأيت أحدا أشد إكراما للدنيا ولا أصون لها ولا أشح عليها من هذا الذي جر برجله الساعة
ولقد دخلت إلى أمير المؤمنين ودخل هو وهو أعز الناس فما برحت حتى رأيته أذل الناس ولو رضي من الدنيا بما يكفيه لاستوت أحواله ولم تتفاوت
فتبسم المهدي ودعا بأبي عبيد الله فرضي عنه
فكان أبو عبيد الله يشكر ذلك لأبي العتاهية
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني محمد بن الحسن قال حدثني إسحاق بن حفص قال
أنشدني هارون بن مخلد الرازي لأبي العتاهية
( ما إن يَطيبُ لذي الرعاية للأيّام ... لا لَعِب ولا لَهْوُ )
( إذ كان يطْرب في مَسَرّته ... فيموت من أجزائه جُزو )
(4/60)

فقلت ما أحسنهما فقال أهكذا تقول والله لهما روحانيان يطيران بين السماء والأرض
ابن مناذر يقول أبو العتاهية أشعر المحدثين
أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني أبي عن ابن عكرمة عن مسعود بن بشر المازني قال
لقيت ابن مناذر بمكة فقلت له من أشعر أهل الإسلام فقال أترى من إذا شئت هزل وإذا شئت جد قلت من قال مثل جرير حين يقول في النسيب
( إنّ الذين غَدوْا بلُبّك غادروا ... وَشَلاً بعينك ما يزال مَعِينا )
( غَيّضْنَ من عَبَراتِهنّ وقُلْن لي ... ماذا لَقِيتَ من الهوى ولَقِينا )
ثم قال حين جد
( إنّ الّذي حَرَم المَكارِم تَغلِباً ... جعل النُّبوّةَ والخلافةَ فينا )
( مُضَرٌ أبي وأبو الملوك فهل لكم ... يا آل تَغلِبَ من أبٍ كأبِينا )
( هذا ابنُ عمّي في دِمَشْق خليفةٌ ... لو شئتُ ساقكُم إليّ قطِينا )
ومن المحدثين هذا الخبيث الذي يتناول شعره من كمه
فقلت من قال أبو العتاهية
قلت في ماذا قال قوله
(4/61)

( اللّهُ بيني وبين مَوْلاتي ... أَبْدَتْ ليَ الصَّدّ والمَلاَلاتِ )
( لا تَغْفِرُ الذنبَ إن أسأتُ ولا ... تقبَل عُذْري ولا مُواتاتي )
( منحتُها مُهجتي وخَالِصَتي ... فكان هجْرانُها مُكافاتِي )
( أقلقني حُبُّها وصَيَّرني ... أُحدوثةً في جميع جاراتي )
ثم قال حين جد
( ومَهْمه قد قطعتُ طَامِسَه ... قَفْرٍ على الهَوْل والمُحاماةِ )
( بحُرّةٍ جَسْرةٍ عُذافِرةٍ ... خَوصاءَ عَيْرانَةٍ عَلَنْداةِ )
( تُبادر الشمسَ كلّما طلعتْ ... بالسيَّر تبْغي بذاك مَرْضاتي )
( يا ناقُ خُبّي بنا ولا تَعدي ... نَفْسَك مما تَرَيْنَ راحاتِ )
( حتّى تُنَاخَيْ بنا إلى مَلكٍ ... تَوَّجه اللهُ بالمَهَاباتِ )
( عليه تاجانِ فوق مَفْرقِه ... تاجُ جلالٍ وتاجُ إخْبات )
( يقول للريِّح كلّما عصفَتْ ... هل لكِ يا ريحُ في مُباراتي )
( مَنْ مثلُ مَنْ عمُّه الرسولُ ومَنْ ... أخوالُه أكرمُ الخُؤولاتِ )
أخبرني وكيع قال قال الزبير بن بكار حدثني أبو غزية وكان قاضيا على المدينة قال كان إسحاق بن عزيز يتعشق عبادة جارية المهلبية وكانت المهلبية منقطعة إلى الخيزران فركب إسحاق يوما ومعه عبد الله بن مصعب يريدان
(4/62)

المهدي فلقيا عبادة فقال إسحاق يا أبا بكر هذه عبادة وحرك دابته حتى سبقها فنظر إليها فجعل عبد الله بن مصعب يتعجب من فعله
ومضيا فدخلا على المهدي فحدثه عبد الله بن مصعب بحديث إسحاق وما فعل
فقال أنا أشتريها لك يا إسحاق
ودخل على الخيزران فدعا بالمهلبية فحضرت فأعطاها بعبادة خمسين ألف درهم فقالت له يا أمير المؤمنين إن كنت تريدها لنفسك فبها فداك الله وهي لك
فقال إنما أريدها لإسحاق بن عزيز فبكت وقالت أتؤثر علي إسحاق بن عزيز وهي يدي ورجلي ولساني في جميع حوائجي فقالت لها الخيزران عند ذلك ما يبكيك والله لا وصل إليها ابن عزيز أبدا صار يتعشق جواري الناس فخرج المهدي فأخبر ابن عزيز بما جرى وقال له الخمسون ألف درهم لك مكانها وأمر له بها فأخذها عن عبادة
فقال أبو العتاهية يعيره بذلك
( مَنْ صَدَقَ الحبَّ لأحبابِه ... فإِنّ حُبّ ابن عُزَيْزٍ غُرورْ )
( أنساه عبّادةَ ذاتَ الهوى ... وأَذهَبَ الحبَّ الذي في الضميرْ )
( خمسون ألفاً كلُّها راجحٌ ... حُسْناً لها في كل كِيسٍ صَرِيرْ )
وقال أبو العتاهية في ذلك أيضا
( حُبُّك للمال لا كحبك عبَّادةَ ... يا فاضحَ المُحبّينا )
( لو كنتَ أصفيتَها الوِدَاد كما ... قُلْتَ لمَا بِعْتَها بخمسينا )
حدثني الصولي قال حدثي جبلة بن محمد قال حدثني أبي قال
رأيت أبا العتاهية بعدهما تخلص من حبس المهدي وهو يلزم طبيبا على بابنا ليكحل عينه فقيل له قد طال وجع عينك فأنشأ يقول
(4/63)

صوت
( أيا وَيْح نفسي وَيْحَها ثم وَيْحَها ... أمَا من خَلاصٍ من شِباك الحبائلِ )
( أيا ويحَ عيني قد أضرّ بها البُكا ... فلم يُغنِ عنها طِبُّ ما في المكاحل )
في هذين البيتين لإبراهيم الموصلي لحن من الثقيل الأول
مدح الهادي فأجزل صلته
أخبرني عيسى بن الحسين قال حدثنا عمر بن شبة قال
كان الهادي واجدا على أبي العتاهية لملازمته أخاه هارون في خلافة المهدي فلما ولي موسى الخلافة قال أبو العتاهية يمدحه
صوت
( يضطرب الخوفُ والرجاء إذا ... حَرّك موسى القَضيب أو فَكَّرْ )
( ما أَبْيَنَ الفضلَ في مُغيَّبِ ما ... أَوْردَ من رأيه وما أَصْدَرْ )
في هذين البيتين لأبي عيسى بن المتوكل لحن من الثقيل الأول في نهاية الجودة وما بان به فضله في الصناعة
( فكم تَرَى عَزَّ عند ذلك مِنْ ... مَعْشَر قومٍ وذَلَّ مِنْ مَعْشَرْ )
( يُثمر مِنْ مَسِّه القضيبُ ولو ... يَمَسُّه غيرُه لَمَا أَثْمَرْ )
( مَنْ مثلُ موسى ومثلُ والده المهديّ ... أو جَدِّه أبي جَعفرْ )
قال فرضي عنه فلما دخل عليه أنشده
( لَهْفي على الزمن القصير ... بين الخَوَرنقِ والسَّدِيرِ )
(4/64)

( إذ نحن في غَرف الجنانِ ... نُعومُ في بحرّ السُّرورِ )
( في فتية ملكوا عنانَ ... الدهر أمثالَ الصُّقور )
( ما منهمُ إلاّ الجَسورُ ... على الهوى غيرُ الحَصُورِ )
( يَتَعاوَرُون مُدامَةً ... صهباءَ من حَلب العَصيِرِ )
( عَذراءَ ربّاها شُعاعُ ... الشمسِ في حَرِّ الهَجِيرِ )
( لم تُدْنَ من نارٍ ولم ... يَعْلقْ بها وَضَرُ القُدورِ )
( ومُقَرْطَقٍ يمشي أمَامَ ... القومِ كالرَّشأ الغَريرِ )
( بزُجاجةٍ تَستخرج السرَّ ... الدّفينَ من الضمير )
( زهراءَ مثلِ الكوكب الدُّرِّيّ ... في كَفّ المُديرِ )
تَدعُ الكريمَ وليس يَدرِي ... ما قَبِيلٌ من دَبير )
( ومُخَصَّراتٍ زُرْنَنا ... بعد الهُدوّ من الخُدور )
( رَيّا رَوَادِفُهنّ يَلْبَسْنَ ... الخواتمَ في الخُصور )
( غُرِّ الوُجوه محجَّباتٍ ... قاصراتِ الطّرف حُور )
( مُتَنَعِّماتٍ في النَّعيمِ ... مُضَمَّخاتٍ بالعَبير )
( يَرفُلْنَ في حُلَلِ المَحاسِنِ ... والمَجاسِدِ والحرير )
( ما إن يَريْن الشمسَ ... إلاّ الفَرْط من خَلَل الستُّور )
(4/65)

( وإلى أمينِ اللهِ مَهرَبنا ... من الدّهر العَثُورِ )
( وإليه أتعبْنا المطايا ... يا بالرّواح وبالبُكور )
( صُعْرَ الخُدود كأنّما ... جُنِّحْنَ أجنحةَ النُّسورِ )
( مُتَسَرْبِلاتٍ بالظَّلامِ ... على السُّهولة والوُعور )
( حتّى وَصَلْنَ بنا إلى ... رَبّ المدائن والقُصور )
( ما زال قبل فِطِامِه ... في سنّ مُكتْهِلٍ كبير )
قال قيل له لو كان جزل اللفظ لكان أشعر الناس فأجزل صلته
وعاد إلى أفضل ما كان له عليه
أخبرني عمي الحسن بن محمد قال حدثني الكراني عن أبي حاتم قال
قدم علينا أبو العتاهية في خلافة المأمون
فصار إليه أصحابنا فاستنشدوه فكان أول ما أنشدهم
( ألم تَرَ رَيْبَ الدّهر في كلّ ساعةٍ ... له عارضٌ فيه المنيّة تلمَع )
( أيا باني الدُّنيا لغيرك تَبتني ... ويا جامعَ الدنيا لغيرك تَجْمَعُ )
( أرى المرءَ وثَّاباً على كل فُرْصةٍ ... وللمرء يوماً لا مَحالةَ مَصْرعُ )
( تباركَ مَنْ لا يملِكَ المُلكِ غيره ... متى تنقضي حاجاتُ من ليس يَشبَعُ )
( وأيُّ امرئٍ في غايةٍ ليس نفسُه ... إلى غايةٍ أُخرى سواها تطّلعُ )
قال وكان أصحابنا يقولون لو أن طبع أبي العتاهية بجزالة لفظ لكان أشعر الناس
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني سليمان بن جعفر
(4/66)

الجزري قال حدثني أحمد بن عبد الله قال
كانت مرتبة أبي العتاهية مع الفضل بن الربيع في موضع واحد في دار المأمون
فقال الفضل لأبي العتاهية يا أبا إسحاق ما أحسن بيتين لك وأصدقهما قال وما هما قال قولك
( ما النَّاسُ إلا لِلكثيرِ المالِ أو ... لمُسَلَّطٍ ما دام في سُلْطانِه )
( فإذا الزمانُ رماهما بِبَليَّةٍ ... كان الثِّقاتُ هناك من أعوانِه )
يعني من أعوان الزمان
قال وإنما تمثل الفضل بن الربيع بهذين البيتين لانحطاط مرتبته في دار المأمون وتقدم غيره
وكان المأمون أمر بذلك لتحريره مع أخيه
حبسه الرشيد بعد أن تنسك ثم أطلقه
أخبرني عمي الحسن بن محمد قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال
قال لي محمد بن أبي العتاهية كان أبي لا يفارق الرشيد في سفر ولا حضر إلا في طريق الحج وكان يجري عليه في كل سنة خمسين ألف درهم سوى الجوائز والمعاون
فلما قدم الرشيد الرقة لبس أبي الصوف وتزهد وترك حضور المنادمة والقول في الغزل وأمر الرشيد بحبسه فحبس فكتب إليه من وقته
صوت
( أنا اليَومَ لي والحمدُ لله أَشْهُرُ ... يَرُوح عليّ الهَمُّ منكم ويَبْكُرُ )
( تَذَكَّرْ أمينَ الله حَقِّي وحُرْمتي ... وما كنتَ تُوليني لعلك تَذْكُرُ )
( لياليَ تُدْني منك بالقُرْبِ مجلسي ... ووجهُك من ماء البشابة يَقْطُرُ )
(4/67)

( فمَنْ ليَ بالعين التي كنتَ مرّةً ... إليّ بها في سالفِ الدهرِ تنظُرُ )
قال فلما قرأ الرشيد الأبيات قال قولوا له لا بأس عليك فكتب إليه
صوت
( أَرِقت وطار عن عَيْني النُّعاسُ ... ونام السامرون ولم يُوَاسُوا )
( أمينّ الله أَمْنُك خيرُ أمنٍ ... عليك من التُّقَى فيه لِباسُ )
( تُساس من السماء بكلّ بِرٍّ ... وأنت به تَسُوس كما تُساسُ )
( كأنّ الخَلْقَ رُكِّبَ فيه رُوحٌ ... له جَسَدٌ وأنت عليه رَاسُ )
( أمِينَ الله إنّ الحَبْسَ بأْسٌ ... وقد أرْسلتَ ليس عليك باسُ )
غنى في هذه الأبيات إبراهيم ولحنه ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى
وفيه أيضا ثقيل أول عن الهشامي قال وكتب إليه أيضا في الحبس
( وكَلَّفتَني ما حَلْتَ بيني وبينه ... وقلتَ سأبقي ما تُريد وما تهوى )
( فلو كان لي قلبان كَلّفتُ واحداً ... هواك وكلفت الخَليّ لما يَهْوَى )
قال فأمر بإطلاقه
حدثني عمي قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني ثابت بن الزبير بن حبيب قال حدثني ابن أخت أبي خالد الحربي قال
قال لي الرشيد احبس أبا العتاهية وضيق عليه حتى يقول الشعر الرقيق في الغزل كما كان يقول فحبسته في بيت خمسة أشبار في مثلها فصاح الموت أخرجوني فأنا أقول كل ما شئتم
فقلت قل فقال حتى أتنفس
فأخرجته وأعطيته دواة وقرطاسا فقال أبياته التي أولها
(4/68)

صوت
( مَنْ لعبدٍ أذلّه مولاهُ ... ما له شافعٌ إليه سِواهُ )
( يَشْتكي ما به إليه ويخشاهُ ... ويرجوه مثل ما يخشاهُ )
قال فدفعتها إلى مسرور الخادم فأوصلها وتقدم الرشيد إلى إبراهيم الموصلي فغنى فيها وأمر بإحضار أبي العتاهية فأحضر
فلما أحضر قال له أنشدني قولك
صوت
( يا عُتْبَ سيّدتي أمَا لكَ ديِنُ ... حتَّى متى قلبي لديكِ رَهينُ )
( وأنا الذَّلولُ لكلِّ ما حمّلتنِي ... وأنا الشقيُّ البائسُ المسكينُ )
( وأنا الغداةَ لكلّ باكٍ مُسعِدٌ ... ولكلّ صَبٍّ صاحبٌ وخَدِينُ )
( لا بأسَ إنّ لذاك عندي راحةً ... لِلصَّبِّ أن يَلْقَى الحزينَ حزينُ )
( يا عُتْبَ أين أفِرُّ منك أميرتي ... وعليَّ حَصْنٌ من هَواكِ حصينُ )
لإبراهيم في هذه الأبيات هزج عن الهشامي فأمر له الرشيد بخمسين ألف درهم
ولأبي العتاهية في الرشيد لما حبسه أشعار كثيرة منها قوله
( يا رشيدَ الأمرِ أَرشِدني إلى ... وجهِ نُجْحِي لا عَدِمتَ الرَّشَدا )
( لا أراك اللهُ سُوءاً أبداً ... ما رأتْ مثلَك عينٌ أحدَا )
( أعِنِ الخائفَ وارحَمْ صوتَه ... رافعاً نحوَك يدعوك يَدَا )
( وابلائي من دَعاوَى أملٍ ... كلّما قلُت تَدانَى بَعُدَا )
( كم أُمَنِّي بِغَدٍ بعد غدٍ ... يَنْفذُ العمرُ ولم ألقَ غَدَا )
(4/69)

نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى حدثني علي بن مهدي قال حدثني الحسين بن أبي السري قال
مر القاسم بن الرشيد في موكب عظيم وكان من أتيه الناس وأبو العتاهية جالس مع قوم على ظهر الطريق
فقام أبو العتاهية حين رآه إعظاما له فلم يزل قائما حتى جاز فأجازه ولم يلتفت إليه فقال أبو العتاهية
( يَتِيهُ ابنُ آدم من جهلِهِ ... كأنَّ رَحَا الموت لا تَطْحَنُهْ )
فسمع بعض من في موكبه ذلك فأخبر به القاسم فبعث إلى أبي العتاهية وضربه مائة مقرعة وقال له يابن الفاعلة أتعرض بي في مثل ذلك الموضع وحبسه في داره
فدس أبو العتاهية إلى زبيدة بنت جعفر وكانت توجب له حقه هذه الأبيات
( حتّى متى ذُو التّيه في تيهِه ... أصلحه اللهُ وعافاهُ )
( يَتيه أهلُ التيه من جهلهم ... وهم يموتون وإن تاهُوا )
( مَنْ طلب العِزّ لِيبقَى به ... فإنَّ عِزّ المرء تَقْواهُ )
( لم يعتصم بالله من خلْقِهِ ... مَنْ ليس يَرْجُوه ويَخْشاهُ )
وكتب إليها بحاله وضيق حبسه وكانت مائلة إليه فرثت له وأخبرت الرشيد بأمره وكلمته فيه فأحضره وكساه ووصله ولم يرض عن القاسم حتى بر أبا العتاهية وأدناه واعتذر إليه
مدحه الرشيد والفضل بن الربيع
ونسخت من كتاب هارون بن علي قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني
(4/70)

محمد بن سهل عن خالد بن أبي الأزهر قال
بعث الرشيد بالحرشي إلى ناحية الموصل فجبى له منها مالا عظيما من بقايا الخراج فوافى به باب الرشيد فأمر بصرف المال أجمع إلى بعض جواريه فاستعظم الناس ذلك وتحدثوا به فرأيت أبا العتاهية وقد أخذه شبه الجنون فقلت له مالك ويحك فقال لي سبحان الله أيدفع هذا المال الجليل إلى امرأة ولا تتعلق كفي بشيء منه ثم دخل إلى الرشيد بعد أيام فأنشده
( اللهُ هوّن عندك الدّنيا ... وبَغَّضَها إليكَا )
( فأبَيْتَ إلاّ أن تُصَغِّر ... كلَّ شيء في يَدَيْكَا )
( ما هانتِ الدُّنيا على ... أحدٍ كما هانت علَيْكا )
فقال له الفضل بن الربيع يا أمير المؤمنين ما مدحت الخلفاء بأصدق من هذا المدح
فقال يا فضل أعطه عشرين ألف درهم
فغدا أبو العتاهية على الفضل فأنشده
( إذا ما كنتَ مُتّخذاً خليلاَ ... فمثلُ الفضلِ فاتَّخِذِ الخليلاَ )
( يرى الشُّكْرَ القليلَ له عظيماً ... ويُعطى من مَواهبه الجزِيلاَ )
( أراني حيثُما يَمَّمتُ طرْفي ... وجدتُ على مَكارمه دليلاَ )
فقال له الفضل والله لولا أن أساوي أمير المؤمنين لأعطيتك مثلها ولكن سأوصلها إليك في دفعات ثم أعطاه ما أمر له به الرشيد وزاد له خمسة آلاف درهم من عنده
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا المبرد قال حدثني عبد الصمد بن المعذل قال
(4/71)

سمعت الأمير علي بن عيسى بن جعفر يقول كنت صبيا في دار الرشيد فرأيت شيخا ينشد والناس حوله
( ليس للإِنسان إلاّ ما رُزقْ ... أستعينُ الله بالله أَثِقْ )
( عَلِقَ الهمُّ بقلبي كلِّه ... وإذا ما علِق الهمّ عَلِقْ )
( بأبي مَنْ كان لي من قلبه ... مَرَّةً وُدٌّ قليلٌ فسرِقْ )
( يا بني الإِسلام فيكم مَلِكٌ ... جامعُ الإِسلام عنه يَفْترِقْ )
( لَنَدى هارونَ فيكم ولَهُ ... فيكمُ صَوْبٌ هَطُولٌ ووَرِقْ )
( لم يَزَلْ هارونُ خيراً كلّه ... قُتِل الشَّرُّ به يومَ خُلِقْ )
فقلت لبعض الهاشميين أما ترى إعجاب الناس بشعر هذا الرجل فقال يا بني إن الأعناق لتقطع دون هذا الطبع
قال ثم كان الشيخ أبا العتاهية والذي سأله إبراهيم بن المهدي
حدثني الصولي قال حدثنا أحمد بن محمد بن إسحاق قال حدثني عبد القوي بن محمد بن أبي العتاهية عن أبيه قال
لبس أبو العتاهية كساء صوف ودراعة صوف وآلى على نفسه ألا يقول شعرا في الغزل وأمر الرشيد بحبسه والتضييق عليه فقال
صوت
( يابنَ عمِّ النبي سمعاً وطاعه ... قد خلعنا الكساء والدُّرّاعهْ )
( ورجَعْنا إلى الصِّناعة لمّا ... كان سُخْطُ الإِمام تَرْكَ الصنِّاعهْ )
وقال أيضا
(4/72)

( أمَا رَحِمْتني يومَ وَلَّتْ فَأَسْرعتْ ... وقد تركَتْني واقفاً أتَلفَّتُ )
( أُقَلّبُ طَرْفي كي أراها فلا أَرى ... وأحلِبُ عيني دَرَّها وأُصَوِّت )
فلم يزل الرشيد متوانيا في إخراجه إلى أن قال
( أمَا واللَّه إنّ الظلم لُومُ ... وما زال المُسِيء هو الظَّلومُ )
( إلى دَيَّانِ يومِ الدِّين نَمْضِي ... وعند اللَّه تَجتمع الخصومُ )
( لأمرٍ مَا تَصَرَّفتِ الليالي ... وأمرٍ مّا تُوُلِّيتِ النُّجومُ )
( تموت غداً وأنت قَرِيرُ عينٍ ... من الغَفَلات في لُجَجٍ تَعومُ )
( تنامُ ولم تَنَمْ عنك المنايا ... تَنبّهْ للمنيّة يا نَؤُومُ )
( سَلِ الأيّام عن أُمَمٍ تَقَضَّتْ ... ستُخبرك المعَالمُ والرُّسُومُ )
( تَروم الخُلْدَ في دار المنايا ... وكم قد رام غيرُك ما ترومُ )
( ألاَ يأيّها الملك المُرَجَّى ... عليه نَواهِضُ الدنيا تَحومُ )
( أَقِلْني زَلَّةً لم أَجْرِ منها ... إلى لَومٍ وما مثلي مَلومُ )
( وخَلِّصْني تُخَلَّصْ يومَ بَعْثٍ ... إذا للناس بُرِّزت الجَحِيمُ )
فرق وأمر بإطلاقه
نسخت من كتاب هارون بن علي قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني ابن أبي الأبيض قال
أتيت أبا العتاهية فقلت له إني رجل أقول الشعر في الزهد ولي فيه أشعار كثيرة وهو مذهب أستحسنه لأني أرجو ألا آثم فيه وسمعت شعرك في هذا المعنى فأحببت أن أستزيد منه فأحب أن تنشدني من جيد ما قلت فقال أعلم
(4/73)

أن ما قلته رديء قلت وكيف قال لأن الشعر ينبغي أن يكون مثل أشعار الفحول المتقدمين أو مثل شعر بشار وابن هرمة فإن لم يكن كذلك فالصواب لقائله أن تكون ألفاظه مما لا تخفى على جمهور الناس مثل شعري ولا سيما الأشعار التي في الزهد فإن الزهد ليس من مذاهب الملوك ولا من مذاهب رواة الشعر ولا طلاب الغريب وهو مذهب أشغف الناس به الزهاد وأصحاب الحديث والفقهاء وأصحاب الرياء والعامة وأعجب الأشياء إليهم ما فهموه
فقلت صدقت
ثم أنشدني قصيدته
( لِدُوا للموت وابْنُوا للخراب ... فكلّكُم يَصير إلى تَبابِ )
( ألاَ يا موتُ لم أر منك بُدّاً ... أتيتَ وما تَحِيفُ وما تُحابي )
( كأنّك قد هَجَمْتَ على مَشِيبي ... كما هجم المشيبُ على شبَابي )
قال فصرت إلى أبي نواس فأعلمته ما دار بيننا فقال والله ما أحسب في شعره مثل ما أنشدك بيتا آخر
فصرت إليه فأخبرته بقول أبي نواس فأنشدني قصيدته التي يقول فيها
( طُولُ التَّعاشُرِ بين النَّاس مَمْلولُ ... ما لابنِ آدمَ إن فَتَّشْتَ معقولُ )
( يا راعيَ الشّاءِ لا تُغْفِلْ رِعايتها ... فأنت عن كلّ ما استُرْعِيتَ مسؤول )
( إنّي لَفِي مَنزلٍ ما زِلتُ أعمرُه ... على يَقينٍ بأنّي عنه منقولُ )
( وليس من مَوْضِعٍ يأتيه ذو نَفَسٍ ... إلاّ وللموتِ سَيفٌ فيه مَسْلولُ )
(4/74)

( لم يُشْغَل الموتُ عنّا مذ أُعِدّ لنا ... وكلّنا عنه باللذّات مَشغولُ )
( ومَنْ يَمُتْ فهو مَقْطوعٌ ومُجْتَنَبٌ ... والحيُّ ما عاش مَغْشِيٌّ ومَوْصولُ )
( كُلْ ما بدا لك فالآكَالُ فانِيةٌ ... وكُلُّ ذي أُكُلٍ لا بُدَّ مَأْكولُ )
قال ثم أنشدني عدة قصائد ما هي بدون هذه فصرت إلى أبي نواس فأخبرته فتغير لونه وقال لم خبرته بما قلت قد والله أجاد ولم يقل فيه سوءا
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني علي بن عبد الله بن سعد قال حدثني هارون بن سعدان مولى البجليين قال
كنت مع أبي نواس قريبا من دور بني نيبخت بنهر طابق وعنده جماعة فجعل يمر به القواد والكتاب وبنو هاشم فيسلمون عليه وهو متكئ ممدود الرجل لا يتحرك لأحد منهم حتى نظرنا إليه قد قبض رجليه ووثب وقام إلى شيخ قد أقبل على حمار له فاعتنق أبا نواس ووقف أبو نواس يحادثه فلم يزل واقفا معه يراوح بين رجليه يرفع رجلا ويضع أخرى ثم مضى الشيخ ورجع إلينا أبو نواس وهو يتأوه
فقال له بعض من حضر والله لأنت أشعر منه
فقال والله ما رأيته قط إلا ظننت أنه سماء وأنا أرض
رأي بشار فيه
قال محمد بن القاسم حدثني علي بن محمد بن عبد الله الكوفي قال حدثني السري بن الصباح مولى ثوبان بن علي قال
كنت عند بشار فقلت له من أشعر أهل زماننا فقال مخنث أهل بغداد يعني أبا العتاهية
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى المنجم إجازة قال حدثني علي بن مهدي
(4/75)

قال حدثني الخزرجي الشاعر قال حدثني عبد الله بن أيوب الأنصاري قال حدثني أبو العتاهية قال
ماتت بنت المهدي فحزن عليها حزنا شديدا حتى امتنع من الطعام والشراب فقلت أبياتا أعزيه بها فوافيته وقد سلا وضحك وأكل وهو يقول لا بد من الصبر على ما لا بد منه ولئن سلونا عمن فقدنا ليسلون عنا من يفقدنا وما يأتي الليل والنهار على شيء إلا أبلياه
فلما سمعت هذا منه قلت يا أمير المؤمنين أتأذن لي أن أنشدك قال هات فأنشدته
( ما للجدِيدَيْن لا يَبْلى اختلافُهما ... وكلُّ غَضٍّ جديدٍ فيهما بالِي )
( يا مَنْ سلا عن حبيبٍ بعد مِيتته ... كم بعد موتِك أيضاً عنك مِنْ سالي )
( كأَنّ كلَّ نعيمٍ أنت ذائقُه ... من لذّة العيش يحكي لُمْعةَ الآلِ )
( لا تَلَعَبَنَّ بك الدنيا وأنت ترى ... ما شئتَ من عِبَرٍ فيها وأَمْثال )
( ما حِيلةُ الموت إلاّ كُلّ صالحةٍ ... أولاَ فما حِيلةٌ فيه لمُحتالِ )
فقال لي أحسنت ويحك وأصبت ما في نفسي ووعظت وأوجزت ثم أمر لي لكل بيت بألف درهم
هو يشعر وإبراهيم الموصلي يغني والرشيد يطلق سراحهما
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثني أحمد بن خلاد قال حدثني أبي قال
لما مات موسى الهادي قال الرشيد لأبي العتاهية قل شعرا في الغزل فقال لا أقول شعرا بعد موسى أبدا فحبسه
وأمر إبراهيم الموصلي أن يغني فقال لا أغني بعد موسى أبدا وكان محسنا إليهما فحبسه
فلما شخص إلى
(4/76)

الرقة حفر لهما حفيرة واسعة وقطع بينهما بحائط وقال كونا بهذا المكان لا تخرجا منه حتى تشعر أنت ويغني هذا
فصبرا على ذلك برهة
وكان الرشيد يشرب ذات يوم وجعفر بن يحيى معه فغنت جارية صوتا فاستحسناه وطربا عليه طربا شديدا وكان بيتا واحدا
فقال الرشيد ما كان أحوجه إلى بيت ثان ليطول الغناء فيه فنستمتع مدة طويلة به فقال له جعفر قد أصبته
قال من أين قال تبعث إلى أبي العتاهية فيلحقة به لقدرته على الشعر وسرعته
قال هو أنكد من ذلك لا يجيبنا وهو محبوس ونحن في نعيم وطرب
قال بلى فاكتب إليه حتى تعلم صحة ما قلت لك
فكتب إليه بالقصة وقال ألحق لنا بالبيت بيتا ثانيا
فكتب إليه أبو العتاهية
( شُغِل المسكينُ عن تلك المِحَنْ ... فارقَ الرُّوحَ وأَخلَى من بدن )
( ولقد كُلِّفتُ أمراً عَجباً ... أَسْأَلُ التَّفريحَ من بيت الحَزَنْ )
فلما وصلت قال الرشيد قد عرفتك أنه لا يفعل
قال فتخرجه حتى يفعل
قال لا حتى يشعر فقد حلفت
فأقام أياما لا يفعل
قال ثم قال أبو العتاهية لإبراهيم إلى كم هذا نلاج الخلفاء هلم أقل شعرا وتغن فيه
فقال أبو العتاهية
( بأبي مَنْ كان في قلبي له ... مرّةً حُبٌّ قليلٌ فسُرِقْ )
( يا بني العبّاس فيكم مَلِكٌ ... شُعَبُ الإِحسان منه تفترقْ )
( إنّما هارونُ خيرٌ كلُّه ... مات كلّ الشرّمُذْ يوم خُلِقْ )
وغنى فيه إبراهيم
فدعا بهما الرشيد فأنشده أبو العتاهية وغناه إبراهيم فأعطى كل واحد منهما مائة ألف درهم ومائة ثوب
(4/77)

حدثني الصولي بهذا الحديث عن الحسين بن يحيى عن عبد الله بن العباس ابن الفضل بن الربيع فقال فيه غضب الرشيد على جارية له فحلف ألا يدخل إليها أياما ثم ندم فقال
( صَدَّ عنّي إذ رآني مُفْتَتَنْ ... وأطال الصَّدَّ لمّا أن فَطَنْ )
( كان مَملوكي فأضحى مالكي ... إنّ هذا من أعاجيب الزَّمنْ )
وقال لجعفر بن يحيى أطلب لي من يزيد على هذين البيتين
فقال له ليس غير أبي العتاهية
فبعث إليه فأجاب بالجواب المذكور فأمر بإطلاقه وصلته
فقال الآن طاب القول ثم قال
( عِزَّةُ الحِبّ أرتْه ذِلّتي ... في هواه وله وجهٌ حَسَنْ )
( ولهذا صِرتُ مملوكاً له ... ولهذا شَاعَ ما بي وعَلَنْ )
فقال أحسنت والله وأصبت ما في نفس وأضعف صلته
نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني الهيثم بن عثمان قال حدثني شبيب بن منصور قال
كنت في الموقف واقفا على باب الرشيد فإذا رجل بشع الهيئة على بغل قد جاء فوقف وجعل الناس يسلمون عليه ويسائلونه ويضاحكونه ثم وقف في الموقف فأقبل الناس يشكون أحوالهم فواحد يقول كنت منقطعا إلى فلان فلم يصنع بي خيرا
ويقول آخر أملت فلانا فخاب أملي وفعل بي ويشكو آخر من حاله فقال الرجل
( فَتَّشْتُ ذي الدنيا فليس بها ... أَحدٌ أراه لآخَرٍ حامِدْ )
( حتّى كأنّ الناسَ كلَّهُم ... قد أُفرغوا في قالَب واحدْ )
فسألت عنه فقيل هو أبو العتاهية
(4/78)

اتهم سلما الخاسر بالبخل
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أحمد بن خلاد عن أبيه عن عبد الله بن الحسن قال
أنشد المأمون بيت أبي العتاهية يخاطب سلما الخاسر
( تَعالى اللَّه يا سَلْم بنَ عمروٍ ... أذلَّ الحِرصُ أعناقَ الرجالِ )
فقال المأمون إن الحرص لمفسد للدين والمروءة والله ما عرفت من رجل قط حرصا ولا شرها فرأيت فيه مصطنعا
فبلغ ذلك سلما فقال ويلي على المخنث الجرار الزنديق جمع الأموال وكنزها وعبأ البدور في بيته ثم تزهد مراءاة ونفاقا فأخذ يهتف بي إذا تصديت للطلب
أخبرني أحمد بن العباس العسكري المؤدب ومحمد بن عمران الصيرفي قالا حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن أحمد بن سليمان العتكي قال حدثني العباس بن عبيد الله بن سنان بن عبد الملك بن مسمع قال
كنا عند قثم بن جعفر بن سليمان وعنده أبو العتاهية ينشد في الزهد فقال قثم يا عباس أطلب الساعة الجماز حيث كان ولك عندي سبق فطلبته فوجدته عند ركن دار جعفر بن سليمان فقلت أجب الأمير فقام معي حتى أتى قثم فجلس في ناحية مجلسه وأبو العتاهية ينشده فأنشأ الجماز يقول
( ما أقبحَ التَّزهِيدَ من واعظٍ ... يُزَهِّد الناسَ ولا يَزْهَدُ )
( لو كان في تزهيده صادقاً ... أَضحى وأمسى بيتُه المسجدُ )
( يخاف أن تنفَد أرزاقُه ... والرزق عند اللَّه لا ينفَدُ )
(4/79)

( والرزق مقسومٌ على مَنْ تَرى ... ينالُه الأبيضُ والأسودُ )
قال فالتفت أبو العتاهية إليه فقال من هذا قالوا هذا الجماز وهو ابن أخت سلم الخاسر اقتص لخاله منك
فأقبل عليه وقال يابن أخي إني لم أذهب حيث ظننت ولا ظن خالك ولا أردت أن أهتف به وإما خاطبته كما يخاطب الرجل صديقه فالله يغفر لكما ثم قام
مخارق يغني بشعره
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني محمد بن أحمد بن خلف الشمري عن أبيه قال
كنت عند مخارق فجاء أبو العتاهية في يوم جمعة فقال لي حاجة وأريد الصلاة فقال مخارق لا أبرح حتى تعود
قال فرجع وطرح ثيابه وهي صوف وغسل وجهه ثم قال له غنني
صوت
( قال لي أحمدٌ ولم يدرِ ما بي ... أتُحِبّ الغداةَ عُتْبةَ حقَّا )
( فتنَّفستُ ثم قلتُ نعمْ حُبّاً ... جرى في العُروق عِرْقاً فعرقَا )
فجذب مخارق دواة كانت بين يديه فأوقع عليها ثم غناه فاستعاده ثلاث مرات فأعاده عليه ثم قام وهو يقول لا يسمع والله هذا الغناء أحد فيفلح
وهذا الخبر رواية محمد بن القاسم بن مهرويه عنه
وحدثنا به أيضا في كتاب هارون بن علي بن يحيى عن ابن مهرويه عن ابن عمار قال حدثني أحمد بن يعقوب عن محمد بن حسان الضبي قال حدثنا مخارق قال
(4/80)

لقيني أبو العتاهية فقال بلغني أنك خرجت قولي
( قال لي أحمدٌ ولم يَدْرِ ما بي ... أتُحِبُّ الغداةَ عُتْبةَ حَقَّا )
فقلت نعم
فقال غنه
فملت معه إلى خراب فيه قوم فقراء سكان فغنيته إياه فقال أحسنت والله منذ ابتدأت حتى سكت ثم قال لي أما ترى ما فعل الملك بأهل هذا الخراب
أخبرني جحظة قال حدثني ميمون بن هارون قال
قال مخارق لقيت أبا العتاهية على الجسر فقلت له يا أبا إسحاق أتنشدني قولك في تبخيلك الناس كلهم فضحك وقال لي ها هنا قلت نعم
فأنشدني
( إن كنتَ مُتّخِذاً خليلاً ... فَتَنَقَّ وانتقِدِ الخليلاَ )
( مَنْ لم يكن لك مُنصِفاً ... في الوِدّ فابْغِ به بديلاَ )
( ولربَما سُئِل البخيلُ ... الشيءَ لا يَسْوَى فَتِيلا )
( فيقول لا أجد السَّبيلَ ... إليه يَكْرَهُ أن يُنِيلا )
( فلذاك لا جعَل الإِلهُ ... له إلى خيرٍ سبيلاَ )
( فاضْرِبْ بطَرْفك حيث شئتَ ... فلن ترى إلاّ بخيلاَ )
فقلت له أفرطت يا أبا إسحاق فقال فديتك فأكذبني بجواد واحد
فأحببت موافقته فالتفت يمينا وشمالا ثم قلت ما أجد
فقبل بين عيني وقال فديتك يا بني لقد رفقت حتى كدت تسرف
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني هارون بن مخارق قال
كان أبو العتاهية لما نسك يقول لي يا بني حدثني فإن ألفاظك تطرب كما يطرب غناؤك
(4/81)

عتابه لأحمد بن يوسف
أخبرني علي بن صالح بن الهيثم الأنباري قال حدثني أبو هفان قال حدثني موسى بن عبد الملك قال
كان أحمد بن يوسف صديقا لأبي العتاهية فلما خدم المأمون وخص به رأى منه أبو العتاهية جفوة فكتب إليه
( أبا جعفرٍ إن الشريفَ يَشينه ... تَتَايُهُه على الأَخِلاّء بالوَفْرِ )
( ألم تر أنّ الفقر يُرجَى له الغنَى ... وأنّ الغَنى يُخشَى عليه من الفقر )
( فإن نِلتَ تِيهاً بالذي نِلْتَ من غنىً ... فإنّ غنايَ في التجمّل والصبر )
قال فبعث إليه بألفي درهم وكتب إليه يعتذر مما أنكره
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم الكوفي قال حدثني أبو جعفر المعبدي قال
قلت لأبي العتاهية أجز لي قول الشاعر
( وكان المالُ يأتينا فكنْا ... نُبَذّره وليس لنا عقولُ )
( فلمّا أن تولَّى المالُ عنّا ... عَقَلْنا حين ليس لنا فُضُولُ )
قال فقال أبو العتاهية على المكان
( فقصِّر ما ترى بالصّبر حقًّا ... فكلٌّ إن صبرتَ له مُزِيلُ )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني الحسن بن الفضل الزعفراني قال حدثني من سمع أبا العتاهية يقول لابنه وقد غضب عليه اذهب فإنك ثقيل الظل جامد الهواء
(4/82)

خبر النعل الذي كتب على شراكها شعرا
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني يحيى بن خليفة الرازي قال حدثنا حبيب بن الجهم النميري قال
حضرت الفضل بن الربيع متجزا جائزتي وفرضي فلم يدخل عليه أحد قبلي فإذا عون حاجبه قد جاء فقال هذا أبو العتاهية يسلم عليك وقد قدم من مكة فقال أعفني منه الساعة يشغلني عن ركوبي
فخرج إليه عون فقال إنه على الركوب إلى أمير المؤمنين
فأخرج من كمه نعلا عليها شراك فقال قل له إن أبا العتاهية أهداها إليك جعلت فداءك
قال فدخل بها فقال ما هذه فقال نعل وعلى شراكها مكتوب كتاب
فقال يا حبيب اقرأ ما عليها فقرأته فإذا هو
( نَعلٌ بعثتُ بها ليلبسَها ... قَرْمٌ بها يمشي إلى المجدِ )
( لو كان يَصلُح أن أُشَرّكها ... خدّي جعلتُ شِراكَها خدّي )
فقال لحاجبه عون احملها معنا فحملها
فلما دخل على الأمين قال له يا عباسي ما هذه النعل فقال أهداها إلي أبو العتاهية وكتب عليها بيتين وكان أمير المؤمنين أولى بلبسها لما وصف به لابسها
فقال وما هما فقرأهما
فقال أجاد والله وما سبقه إلى هذا المعنى أحد هبوا له عشرة آلاف درهم
فأخرجت والله في بدرة وهو راكب على حماره فقبضها وانصرف
سذاجته وقلة معرفته
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا
(4/83)

إسماعيل بن عبد الله الكوفي قال حدثنا عمرو صاحب الطعام وكان جار أبي العتاهية قال
كان أبو العتاهية من أقل الناس معرفة سمعت بشرا المريسي يقول له يا أبا إسحاق لا تصل خلف فلان جارك وإما مسجدكم فإنه مشبه
قال كلا إنه قرأ بنا البارحة في الصلاة ( قل هو الله أحد ) وإذا هو يظن أن المشبه لا يقرأ ( قل هو الله أحد )
أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أحمد بن يعقوب الهاشمي قال حدثني أبو شيخ منصور بن سليمان عن أبيه قال
كتب بكر بن المعتمر إلى أبي العتاهية يشكو إليه ضيق القيد وغم الحبس فكتب إليه أبو العتاهية
( هيَ الأيّام والعِبَرُ ... وأمرُ الله يُنْتَظَرُ )
( أَتَيْأس أن ترى فرجاً ... فأين اللهُ والقَدَرُ )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح قال
كنت أمشي مع أبي العتاهية يده في يدي وهو متكئ علي ينظر إلى الناس يذهبون ويجيئون فقال أما تراهم هذا يتيه فلا يتكلم وهذا يتكلم بصلف ثم قال لي مر بعض أولاد المهلب بمالك بن دينار وهو يخطر فقال يا بني لو خفضت بعض هذه الخيلاء ألم يكن أحسن بك من هذه الشهرة التي قد شهرت بها
(4/84)

نفسك فقال له الفتى أو ما تعرف من أنا فقال له بلى والله أعرفك معرفة جيدة أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت بين ذينك حامل عذرة
قال فأرخى الفتى أذنيه وكف عما كان يفعل وطأطأ رأسه ومشى مسترسلا
ثم أنشدني أبو العتاهية
( أيا واهاً لذِكر اللَّهِ ... يا واهاً له واهَا )
( لقد طَيَّب ذِكروُ اللَّه ... بالتسبيح أَفواها )
( فيا أنتنَ من حُشٍّ ... على حشٍّ إذا تاها )
( أرى قوماً يتيهون ... حُشوشا رُزقوا جاهَا )
حدثني اليزيدي عن عمه إسماعيل بن محمد بن أبي محمد قال
قلت لأبي العتاهية وقد جاءنا يا أبا إسحاق شعرك كله حسن عجيب ولقد مرت بي منذ أيام أبيات لك استحسنتها جدا وذلك أنها مقلوبة أيضا فأواخرها كأنها رأسها لو كتبها الإنسان إلى صديق له كتابا والله لقد كان حسنا أرفع ما يكون شعرا
قال وما هي قلت
( المرءُ في تأخير مُدّته ... كالثوب يَخْلُق بعد جِدّتِه )
( وحياتُهُ نَفَسٌ يُعَدّ له ... ووفاتُه استكمالُ عِدّتِه )
( ومصيرُه من بعد مُدّته ... لِبِلًى وذا من بعد وُحْدته )
( مَنْ مات مَالَ ذوو مودّته ... عنه وحالوا عن مودّتِه )
( أزِفَ الرحيلُ ونحن في لَعِبٍ ... ما نستعِدّ له بِعُدّته )
(4/85)

( ولقلّما تُبْقي الخطوبُ على ... أشَرِ الشّبابِ وحَرِّ وَقْدته )
( عَجَباً لمنتبِهٍ يُضَيّع ما ... يحتاج فيه ليوم رَقْدته )
قال اليزيدي قال عمي وحدثني الحسين بن الضحاك قال
كنت مع أبي نواس فأنشدني أبياته التي يقول فيها
( يا بني النقصِ والغِيَرْ ... وبني الضعف والخَوَرْ )
فلما فرغ منها قال لي يا أبا علي والله لكأنها من كلام صاحبك يعني أبا العتاهية
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني حذيفة بن محمد الطائي قال حدثني أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي قال
حججت فرأيت أبا العتاهية واقفا على أعرابي في ظل ميل وعليه شملة إذا غطى بها رأسه بدت رجلاه وإذا غطى رجليه بدا رأسه
فقال له أبو العتاهية كيف اخترت هذا البلد القفر على البلدان المخصبة فقال له يا هذا لولا أن الله أقنع بعض العباد بشر البلاد ما وسع خير البلاد جميع العباد فقال له فمن أين معاشكم فقال منكم معشر الحاج تمرون بنا فننال من فضولكم وتنصرفون فيكون ذلك
فقال له إنما نمر وننصرف في وقت من السنة فمن أين معاشكم فأطرق الأعرابي ثم قال لا والله لا أدري ما أقول إلا أنا نرزق من حيث لا نحتسب أكثر مما نرزق من حيث نحتسب
فولى أبو العتاهية وهو يقول
( ألاَ يا طالبَ الدُّنيا ... دَعِ الدنيا لشانِيكَا )
( وما تصنَعُ بالدنيا ... وظِلُّ المِيل يَكْفِيكَا )
(4/86)

سلم الخاسر يشتمه بعد أن سمع هجوه
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال
لما قال أبو العتاهية
( تعالى اللهُ يا سَلْمُ بنَ عَمْرٍ ... أذلّ الحرصُ أعناقَ الرجالِ )
قال سلم ويلي على ابن الفاعلة كنز البدور ويزعم أني حريص وأنا في ثوبي هذين
أخبرني محمد بن مزيد والحرمي بن أبي العلاء قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمرو بن أدعج قال قلت لعبد الله بن عبد العزيز العمري وسمعته يتمثل كثيرا من شعر أبي العتاهية أشهد أني سمعته ينشد لنفسه
( مَرّتِ اليومَ شاطرهْ ... بَضَّة الجسم ساخرهْ )
( إنّ دُنيا هي التي ... مرّت اليومَ سافرهْ )
( سَرَقوا نصفَ اسمها ... فَهْيَ دنيا وآخِرهْ )
فقال عبد الله بن عبد العزيز وكله الله إلى آخرتها
قال وما سمع بعد ذلك يتمثل ببيت من شعره
قال علي بن الحسين مؤلف هذا الكتاب هذه الأبيات لأبي عيينة المهلبي وكان يشبب بدنيا في شعره فإما أن يكون الخبر غلطا وإما أن يكون الرجل أنشدها العمري لأبي العتاهية وهو لا يعلم أنها ليست له
الموازنة بينه وبين أبي نواس
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل قال
(4/87)

قال لي الحرمازي شهدت أبا العتاهية وأبا نواس في مجلس وكان أبو العتاهية أسرع الرجلين جوابا عند البديهة وكان أبو نواس أسرعهما في قول الشعر فإذا تعاطيا جميعا السرعة فضله أبو العتاهية وإذا توقفا وتمهلا فضله أبو نواس
أخبرني أحمد بن العباس عن ابن عليل العنزي قال حدثنا أبو أنس كثير بن محمد الحزامي قال حدثني الزبير بن بكار عن معروف العاملي قال
قال أبو العتاهية كنت منقطعا إلى صالح المسكين وهو ابن أبي جعفر المنصور فأصبت في ناحيته مائة ألف درهم وكان لي ودودا وصديقا فجئته يوما وكان لي في مجلسه مرتبة لا يجلس فيها غيري فنظرت إليه قد قصر بي عنها وعاودته ثانية فكانت حاله تلك ورأيت نظره إلي ثقيلا فنهضت وقلت
( أراني صالحٌ بُغْضا ... فأظهرتُ له بُغضَا )
( ولا واللهِ لا ينقُض ... إلا زدتُه نَقْضا )
( وإلاّ زِدتُه مقتا ... وإلا زدته رفْضَا )
( أَلاَ يا مُفْسِد الودّ ... وقد كان له محضا )
( تغضبت مِنَ الريح ... فما أَطلُب أن تَرْضَى )
( لئن كان لك المالُ ... المُصفى إنّ لي عِرْضَا )
قال أبو العتاهية فنمي الكلام إلى صالح فنادى بالعداوة فقلت فيه
( مَدَدْتُ لمُعْرِضٍ حَبْلاً طويلاً ... كأطول ما يكون من الحِبَالِ )
( حبالٍ بالصَّريمة ليس تَفْنى ... مُوصَّلةٍ على عَدد الرمال )
( فلا تنظُرْ إليّ ولا تُرِدْني ... ولا تُقْرِبْ حبالَك من حبالي )
( فليت الرَّدْمَ من يأجوجَ بيني ... وبينَك مثبتاً أُخرَى الليالي )
(4/88)

( فكَرشْ إن أردتَ لنا كلاماً ... ونقطع قِحْفَ رأسِه بالقَذَال )
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا علي بن سليمان النوفلي قال قال مساور السباق وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير عن مساور السباق قال
شهدت جنازة في أيام الحاج وقت خروج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن المقتول بفخ فرأيت رجلا قد حضر الجنازة معنا وقد قال لآخر هذا الرجل الذي صفته كذا وكذا أبو العتاهية
فالتفت إليه فقلت له أنت أبو العتاهية فقال لا أنا أبو إسحاق فقلت له أنشدني شيئا من شعرك فقال لي ما أحمقك نحن على سفر وعلى شفير قبر وفي أيام العشر وببلدكم هذا تستنشدني الشعر ثم أدبر عني ثم عاد إلي فقال وأخرى أزيدكها لا والله ما رأيت في بني آدم قط أسمج منك وجها
قال النوفلي في خبره وصدق أبو العتاهية كان مساور هذا مقبحا طويل الوجه كأنه ينظر في سيف
أخبرني عمي الحسن بن محمد وجحظة قالا حدثنا ميمون بن هارون قال
قدم أبو العتاهية يوما منزل يحيى بن خاقان فلما قام بادر له الحاجب
(4/89)

فانصرف
وأتاه يوما آخر فصادفه حين نزل فسلم عليه ودخل إلى منزله ولم يأذن له فأخذ قرطاسا وكتب إليه
( أَراكَ تُراعُ حين تَرى خَيالي ... فما هذا يَرُوعك من خيالي )
( لعلّك خائفٌ منّي سؤالي ... ألاَ فلَكَ الأمانُ مِنَ السؤالِ )
( كَفَيتُك إنّ حالَك لم تَمِلْ بي ... لأطلُبَ مثلَها بَدَلاً بحالي )
( وإنّ اليُسْرَ مثلُ العُسْر عندي ... بأيّهما مُنِيتُ فلا أُبَالي )
فلما قرأ الرقعة أمر الحاجب بإدخاله إليه فطلبه فأبى أن يرجع معه ولم يلتقيا بعد ذلك
أخبرني عبد الله بن محمد الرازي قال حدثنا أحمد بن الحارث قال حدثنا المدائني قال
اجتمع أبو نواس وأبو الشمقمق في بيت ابن أذين وكان بين أبي العتاهية وبين أبي الشمقمق شر فخبأوه من أبي العتاهية في بيت
ودخل أبو العتاهية فنظر إلى غلام عندهم فيه تأنيث فظن أنه جارية فقال لابن أذين متى استطرفت هذه الجارية فقال قريبا يا أبا إسحاق فقال قل فيها ما حضر فمد أبو العتاهية يده إليه وقال
( مددتُ كَفّي نحوَكم سائلاً ... ماذا تَرُدُّون على السائِلِ )
فلم يلبث أبو الشمقمق حتى ناداه من البيت
( نَرُدّ في كفِّك ذا فَيْشَةٍ ... يَشْفِي جوىً في اسْتِك من داخلِ )
فقال أبو العتاهية شمقمق والله وقام مغضبا
(4/90)

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا علي بن محمد النوفلي قال حدثني سليمان بن عباد قال حدثنا سليمان بن مناذر قال
كنا عند جعفر بن يحيى وأبو العتاهية حاضر في وسط المجلس فقال أبو العتاهية لجعفر جعلني الله فداك معكم شاعر يعرف بابن أبي أمية أحب أن اسمعه ينشد فقال له جعفر هو أقرب الناس منك
فأقبل أبو العتاهية على محمد وكان إلى جانبه وسأله أن ينشده فكأنه حصر ثم أنشده
صوت
( رُبّ وعدٍ منك لا أَنساه لي ... أَوْجَبَ الشكرَ وإن لم تَفعلِ )
( أَقطَعُ الدهرَ بوعدٍ حَسَنٍ ... وأُجَلِّي غَمْرةً ما تَنْجَلي )
( كلّما أمّلتُ وعداً صالحاً ... عَرَض المكروهُ دونَ الأَمل )
( وأَرى الأيّام لاَ تُدْنِي الذي ... أَرْتَجِي منك وتُدْني أَجلي )
في هذه الأبيات لأبي حبشة رمل قال فأقبل أبو العتاهية يردد البيت الأخير ويقبل رأس ابن أبي أمية ويبكي وقال وددت والله أنه لي بكثير من شعري
أسماء أبنائه
أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عمر بن شبة قال
كانت لأبي العتاهية بنتان اسم إحداهما لله والأخرى بالله فخطب منصور بن المهدي لله فلم يزوجه وقال إنما طلبها لأنها بنت أبي العتاهية وكأني بها قد ملها فلم يكن لي إلى الانتصاف منه سبيل وما كنت لأزوجها إلا بائع خزف وجرار ولكني أختاره لها موسرا
(4/91)

وكان لأبي العتاهية ابن يقال له محمد وكان شاعرا وهو القائل
( قد أَفْلَح السَّالمُِ الصَّمُوتُ ... كَلاَمُ راعِي الكلامِ قُوتُ )
( ما كلُّ نُطْقٍ له جوابٌ ... جوابُ ما يُكْرَهُ السُّكوتُ )
( يا عَجباً لامرىءٍ ظَلُومٍ ... مُسْتَيقِنٍ أنّه يموت )
نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى حدثنا زكريا بن الحسين عن عبد الله بن الحسن بن سهل الكاتب قال
قلت لأبي العتاهية أنشدني من شعرك ما تستحسن فأنشدني
( ما أَسرعَ الأيّامَ في الشّهرِ ... وأسرَع الأَشْهُرَ في العُمْرِ )
صوت
( ليس لمن ليستْ له حيلةٌ ... موجودةٌ خيرٌ من الصَّبْرِ )
( فاخْطُ مع الدهر إذا ما خطا ... واجْرِ مع الدهر كما يَجْرِي )
( مَنْ سَابَقَ الدهرَ كبا كَبْوةً ... لم يَسْتَقِلْها آخِرَ الدهر )
لإبراهيم في هذه الأبيات خفيف ثقيل وثقيل أول
قال عبد الله بن الحسن وسمعت أبا العتاهية يحدث قال ما زال الفضل ابن الربيع من أميل الناس إلي فلما رجع من خراسان بعد موت الرشيد دخلت إليه فاستنشدني فأنشدته
( أَفنيتَ عمرَك إِدباراً وإِقبالاً ... تَبْغي البنين وتَبْغي الأهُلَ والمالاَ )
( الموتُ هَوْلٌ فكُنْ ما شِئتَ مُلْتمِساً ... من هَوْلِه حِيلةً إن كنتَ مُحتالا )
( ألم تَرَ المَلِكَ الأَمْسِيَّ حين مضى ... هل نال حيٌّ من الدنيا كما نَالاَ )
(4/92)

( أفناه مَنْ لم يَزَلْ يُفْنِي القُرونَ فَقَدْ ... أضحى وأصبح عنه الملكُ قد زالا )
( كم من ملوكٍ مضى رَيْبُ الزمان بهم ... فأصبحوا عِيَراً فينا وأَمثالاَ )
فاستحسنها وقال أنت تعرف شغلي فعد إلي في وقت فراغي اقعد معك وآنس بك
فلم أزل أراقب أيامه حتى كان يوم فراغه فصرت إليه فبينما هو مقبل علي يستنشدني ويسألني فأحدثه إذ أنشدته
( ولّى الشبابُ فماله من حِيلةٍ ... وكَسَا ذُؤَابَتِيَ المشيبُ خمارَا )
( أين البرامكةُ الذين عَهِدْتُهمْ ... بالأمسِ أعظمَ أهْلِها أَخطارا )
فلما سمع ذكرى البرامكة تغير لونه ورأيت الكراهية في وجهه فما رأيت منه خيرا بعد ذلك
قال وكان أبو العتاهية يحدث هذا الحديث ابن الحسن بن سهل فقال له لئن كان ذلك ضرك عند الفضل بن الربيع لقد نفعك عندنا فأمر له بعشرة آلاف درهم وعشرة أثواب وأجرى له كل شهر ثلاثة آلاف درهم فلم يزل يقبلها دارة إلي أن مات
قال عبد الله بن الحسن بن سهل وسمعت عمرو بن مسعدة يقول قال لي أخي مجاشع بينما أنا في بيتي إذ جاءتني رقعة من أبي العتاهية فيها
( خليلٌ لي أُكَاتُمه ... أَراني لا أُلائِمُهُ )
( خليلٌ لا تَهُبَ الرِّيحُ ... إلاّ هبّ لائِمهُ )
( كذا منْ نال سلطاناً ... ومن كَثْرتْ دراهمهُ )
قال فبعثت إليه فأتاني فقلت له أما رعيت حقا ولا ذماما ولا مودة فقال لي ما قلت سوءا قلت فما حملك على هذا قال أغيب عنك عشرة أيام فلا تسأل
(4/93)

عني ولا تبعث إلي رسولا فقلت يا أبا إسحاق أنسيت قولك
( يَأْبَى المُعَلَّق بالمُنَى ... إلاّ رَواحاً وادّلاجَا )
( أرْفُقْ فعمرُك عُودُ ذي ... أَوَدٍ رأيتُ به اعوجاجَا )
( مَنْ عَاج من شيءٍ إلى ... شيءٍ أصاب له مَعَاجا )
فقال حسبك حسبك أوسعتني عذرا
عاب شعر ابن مناذر
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي الزارع قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن عمران بن عبد الصمد الزارع قال حدثنا ابن عائشة قال
قال أبو العتاهية لابن مناذر شعرك مهجن لا يلحق بالفحول وأنت خارج عن طبقة المحدثين
فإن كنت تشبهت بالعجاج ورؤبة فما لحقتهما ولا أنت في طريقهما وإن كنت تذهب مذهب المحدثين فما صنعت شيئا أخبرني عن قولك
(4/94)

( ومَنْ عاداك لاقَى المَرْمرِيسا ... )
أخبرني عن المرمريس ما هو قال فخجل ابن مناذر وما راجعه حرفا
قال وكان بينهما تناغر
نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى قال حدثني الحسين بن إسماعيل المهدي قال حدثني رجاء بن سلمة قال
وجد المأمون علي في شيء فاستأذنته في الحج فأذن لي فقدمت البصرة وعبيد الله بن إسحاق بن الفضل الهاشمي عليها وإليه أمر الحج فزاملته إلى مكة
فبينا نحن في الطواف رأيت أبا العتاهية فقلت لعبيد الله جعلت فداك أتحب أن ترى أبا العتاهية فقال والله إني لأحب أن أراه وأعاشره
قلت فافرغ من طوافك واخرج ففعل
فأخذت بيد أبي العتاهية فقلت له يا أبا إسحاق هل لك في رجل من أهل البصرة شاعر أديب ظريف قال وكيف لي بذلك فأخذت بيده فجئت به إلى عبيد الله وكان لا يعرفه فتحدثا ساعة ثم قال له أبو العتاهية هل لك في بيتين تجيزهما فقال له عبيد الله إنه لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج
فقال له لا نرفث ولا نفسق ولا نجادل
فقال هات إذا فقال أبو العتاهية
(4/95)

( إنّ المنونَ غُدُوَّها ورَواحَها ... في الناس دائبة تُجِيل قِداحَها )
( يا ساكنَ الدنيا لقد أُّوطنتَها ... ولَتَنْزَحَنّ وإن كرِهت نَزَاحَها )
فأطرق عبيد الله ينظر إلى الأرض ساعة ثم رفع رأسه فقال
( خُذْ لا أبالك للمنيّة عُدَّةً ... واحْتَلْ لنفسك إن أَردتَ صلاحَها )
( لا تَغْتَرِرْ فكأنَّني بُعُقاب رَيب ... الموت قد نَشَرتْ عليك جَنَاحَهَا )
قال ثم سمعت الناس ينحلون أبا العتاهية هذه الأربعة الأبيات كلها وليس له إلا البيتان الأولان
خبره في السجن مع داعية عيسى بن زيد
أخبرني عمي الحسن بن محمد قال حدثنا ميمون بن هارون قال حدثني إبراهيم بن رباح قال أخبرني إبراهيم بن عبد الله وأخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا هارون بن مخارق قال حدثني إبراهيم بن دسكرة وأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ قال
قال أبو العتاهية حبسني الرشيد لما تركت قول الشعر فأدخلت السجن وأغلق الباب علي فدهشت كما يدهش مثلي لتلك الحال وإذا أنا برجل جالس في جانب الحبس مقيد فجعلت أنظر إليه ساعة ثم تمثل
صوت
( تَعوّدَتُ مُرَّ الصبر حتى أَلِفْتُهُ ... وأسلمني حسنُ العَزاء إلى الصبرِ )
( وصيّرني يأسى من النَّاس راجياً ... لحُسْن صنيعِ الله من حيثُ لا أدري )
فقلت له أعد يرحمك الله هذين البيتين
فقال لي ويلك أبا العتاهية ما أسوأ
(4/96)

أدبك وأقل عقلك دخلت علي الحبس فما سلمت تسليم المسلم على المسلم ولا سألت مسألة الحر للحر ولا توجعت توجع المبتلى للمبتلى حتى إذا سمعت بيتين من الشعر الذي لا فضل فيك غيره لم تصبر عن استعادتهما ولم تقدم قبل مسألتك عنهما عذرا لنفسك في طلبهما فقلت يا أخي إني دهشت لهذه الحال فلا تعذلني واعذرني متفضلا بذلك
فقال أنا والله أولى بالدهش والحيرة منك لأنك حبست في أن تقول شعرا به ارتفعت وبلغت فإذا قلت أمنت وأنا مأخوذ بأن أدل على ابن رسول الله ليقتل أو أقتل دونه ووالله لا أدل عليه أبدا والساعة يدعى بي فأقتل فأينا أحق بالدهش فقلت له أنا والله أولى سلمك الله وكفاك ولو علمت أن هذه حالك ما سألتك
قال فلا نبخل عليك إذا ثم أعاد البيتين حتى حفظتهما
قال فسألته من هو فقال أنا خاص داعية عيسى بن زيد وابنه أحمد
ولم نلبث أن سمعنا صوت الأقفال فقام فسكب عليه ماء كان عنده في جرة ولبس ثوبا نظيفا كان عنده ودخل الحرس والجند معهم الشمع فأخرجونا جميعا وقدم قبلي إلى الرشيد
فسأله عن أحمد بن عيسى فقال لا تسألني عنه واصنع ما أنت صانع فلو أنه تحت ثوبي هذا ما كشفته عنه
وأمر بضرب عنقه فضرب
ثم قال لي أظنك قد ارتعت يا إسماعيل فقلت دون ما رأيته تسيل منه النفوس
فقال ردوه إلى محبسه فرددت وانتحلت هذين البيتين وزدت فيهما
( إذا أنا لم أقْبَلْ من الدّهر كلَّ ما ... تكَرَّهتُ منه طال عَتْبي على الدهر )
لزرزور غلام المارقي في هذه البيتين المذكورين خفيف رمل
وفيهما لعريب خفيف ثقيل
(4/97)

نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى حدثني علي بن مهدي قال حدثني ناجية بن عبد الواحد قال
قال لي أبو العباس الخزيمي
كان أبو العتاهية خلفا في الشعر بينما هو يقول في موسى الهادي
( لَهْفِي على الزمنِ القصيرِ ... بين الخَوَرْنَقِ والسَّدِيرِ )
إذ قال
( أيا ذَوِي الوَخامهْ ... أكثرتُمُ المَلامة )
( فليس لي على ذا ... صبْرٌ ولا قُلامهْ )
( نعْم عَشِقتُ مُوقاً ... هل قامتِ القيامةْ )
( لأَرْكَبنّ فيمن ... هَوِيتُه الصَّرامهْ )
ونسخت من كتابه حدثني علي بن مهدي قال حدثني أحمد بن عيسى قال حدثني الجماز قال
قال سلم الخاسر صار إلي أبو العتاهية فقال جئتك زائرا فقلت مقبول منك ومشكور أنت عليه فأقم
فقال إن هذا مما يشتد علي
قلت ولم يشتد عليك ما يسهل على أهل الأدب فقال لمعرفتي بضيق صدرك
فقلت له وأنا أضحك وأعجب من مكابرته رمتني بدائها وانسلت
فقال دعني من هذا واسمع مني أبياتا
فقلت هات فأنشدني
(4/98)

( نغَّص الموتُ كلَّ لذّة عيشٍ ... يا لَقومِي لِلْمَوت ما أَوْحَاه )
( عجباً أنّه إذا مات مَيْتٌ ... صَدّ عنه حبيبُه وجَفاهُ )
( حيثما وُجِّه امرؤٌ ليفوتَ الموت ... فالموتُ واقفٌ بِحِذَاهُ )
( إنّما الشَّيْبُ لابن أدمَ ناعٍ ... قام في عارِضَيْهِ ثم نَعَاهُ )
( منْ تَمَنَّى المُنَى فأَغْرق فيها ... مات من قبلِ أن ينالَ مُناهُ )
( ما أَذَلَ المُقِلَّ في أَعْيُنِ النّاس ... لإِقلاله وما أَقْمَاهُ )
( إنما تنظر العيونُ من الناسِ ... إلى من تَرْجوه أو تخْشاهُ )
ثم قال لي كيف رأيتها فقلت له لقد جودتها لو لم تكن ألفاظها سوقية
فقال والله ما يرغبني فيها إلا الذي زهدك فيها
شعره في التكبر
ونسخت من كتابة عن علي بن مهدي قال حدثني عبد الله بن عطية عن محمد بن عيسى الحربي قال
كنت جالسا مع أبي العتاهية إذ مر بنا حميد الطوسي في موكبه وبين يديه الفرسان والرجالة وكان بقرب أبي العتاهية سوادي على أتان فضربوا وجه الأتان ونحوه عن الطريق وحميد واضع طرفه على معرفة فرسه والناس ينظرون إليه يعجبون منه وهو لا يلتفت تيها فقال أبو العتاهية
( لِلموت أبناءٌ بهمْ ... ما شِئْتَ من صَلَفٍ وتيهِ )
( وكأنّني بالموت قد ... دَارَتْ رَحَاه على بنِيه )
قال فلما جاز حميد مع صاحب الأتان قال أبو العتاهية
(4/99)

( ما أذلَّ المُقِلَّ في أعين الناس ... لإِقلاله وما أَقْماهُ )
( إنما تنظر العيونُ من الناس ... إلى من تَرْجوه أو تَخْشاهُ )
قال علي بن مهدي وحدثني الحسين بن أبي السري قال
قيل لأبي العتاهية مالك تبخل بما رزقك الله قال والله ما بخلت بما رزقني الله قط قيل له وكيف ذاك وفي بيتك من المال ما لا يحصى قال ليس ذلك رزقي ولو كان رزقي لأنفقته
قال علي بن مهدي وحدثني محمد بن جعفر الشهرزوري قال حدثني رجاء مولى صالح الشهرزوري قال
كان أبو العتاهية صديقا لصالح الشهرزوري وآنس الناس به فسأله أن يكلم الفضل بن يحيى في حاجة له فقال له صالح لست أكلمه في أشباه هذا ولكن حملني ما شئت في مالي
فانصرف عنه أبو العتاهية وأقام أياما لا يأتيه فكتب إليه أبو العتاهية
( أَقْلِلْ زيارتَك الصديقَ ولا تُطِلْ ... إِتيانَه فتَلِجَّ في هِجْرانِه )
( إنّ الصديقَ يَلِجّ في غِشْيانِه ... لصديقه فيُمَلُّ من غِشْيانه )
( حتّى تراه بعد طول مَسّرةٍ ... بمكانه مُتَبرِّماً بمكانِه )
( وأقَلُّ ما يُلْفَى الفتى ثِقَلاً علىَ ... إخوانه ما كفّ عن إخوانه )
( وإذا توانَى عن صِيانة نفسه ... رجلٌ تُنُقص واستُخِفّ بشانه )
(4/100)

فلما قرأ الأبيات قال سبحان الله أتهجرني لمنعي إياك شيئا تعلم إني ما ابتذلت نفسي له قط وتنسى مودتي وأخوتي ومن دون ما بيني وبينك ما أوجب عليك أن تعذرني فكتب إليه
( أهلَ التّخَلُّقِ لو يَدوم تَخَلُّقُ ... لسكنتُ ظِلّ جَناح مَنْ يَتَخَلَّقُ )
( ما الناس في الإِمساك إلا واحدٌ ... فبأيّهم إنْ حُصِّلوا أَتعلّقُ )
( هذا زمانٌ قد تعود أهلُه ... تيهَ الملوك وفَعلَ مَنْ يَتصدّق )
فلما أصبح صالح غدا بالأبيات على الفضل بن يحيى وحدثه بالحديث فقال له لا والله ما على الأرض أبغض إلي من إسداء عارفة إلى أبي العتاهية لأنه ممن ليس يظهر عليه أثر صنيعة وقد قضيت حاجته لك فرجع وأرسلني بقضاء حاجته
فقال أبو العتاهية
( جَزَى اللهُ عنِّي صالحاً بوفائه ... وأَضْعَفَ أضعافاً له في جَزائِه )
( بَلَوْتُ رجالاً بعدّه في إخائهمْ ... فما ازددتُ إلاّ رغبةً في إخائه )
( صديقٌ إذا ما جئتُ أَبغيه حاجةً ... رجعتُ بما أبغِي ووجهي بمائه )
أخبرني الصولي قال حدثني محمد بن موسى قال حدثني أحمد بن حرب قال أنشدني محمد بن أبي العتاهية لأبيه يعاتب صالحا هذا في تأخيره قضاء حاجته
صوت
( أَعَيْنَيَّ جُودَا وابكيا وُدَّ صالِح ... وهِيجَا عليه مُعْولاتِ النَّوائِح )
( فما زالَ سلطاناً أخٌ لي أوَدُّه ... فَيْقْطَعُني جُرْماً قطيعةَ صالح )
الغناء في هذين البيتين لإبراهيم ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر
(4/101)

أخبرني محمد بن أبي الأزهر قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن جده قال
كان الرشيد معجبا بشعر أبي العتاهية فخرج إلينا يوما وفي يده رقعتان على نسخة واحدة فبعث بإحداهما إلى مؤدب لولده وقال ليروهم ما فيها ودفع الأخرى إلي وقال غن في هذه الأبيات
ففتحتها فإذا فيها
صوت
( قُلْ لِمَنْ ضّنَّ بوُدِّهْ ... وكَوى القلبَ بَصدِّهْ )
( ما ابتلىَ اللهُ فؤادي ... بكَ إلاّ شُؤْمَ جَدِّهْ )
( أيُّها السارقُ عَقْلِي ... لا تَضَنّنَّ بِرَدِّهْ )
( ما أرى حُبَّكَ إلاّ ... بالغاً بي فوقَ حَدِّهْ )
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثني عبد الله بن الأموي العتبي قال قال لي محمد بن عبد الملك الزيات
لما أحس المعتصم بالموت قال لابنه الواثق ذهب والله أبوك يا هارون لله در أبي العتاهية حيث يقول
( الموتُ بين الخَلْقِ مُشْتَرَكُ ... لا سُوقةٌ يَبْقَى ولا مَلِكُ )
(4/102)

( ما ضَرَّ أصحابَ القليل وما ... أَغْنَى عَنِ الأملاكِ ما مَلَكُوا )
أبو تمام يقول لأبي العتاهية خمسة أبيات ما شركه فيها أحد
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وعمي الحسن والكوكبي قالوا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال
قال لي أبو تماح الطائي لأبي العتاهية خمسة أبيات ما شركه فيها أحد ولا قدر على مثلها متقدم ولا متأخر وهو قوله
( الناسُ في غَفَلاتِهِمْ ... ورَحَى المَنِيَّةِ تَطْحَنُ )
وقوله لأحمد بن يوسف
( ألم تَرَ أنّ الفَقْرَ يُرْجَى لي الغِنَى ... وأنّ الغِنَى يُخْشى عليه مِنَ الفَقْرِ )
وقوله في موسى الهادي
( ولمّا اسْتَقَلُّوا بأَثقالِهمْ ... وقد أَزْمَعُوا للذَي أَزمعوا )
( قرنتُ التفاتي بآثارِهم ... وأَتْبَعْتُهمْ مُقْلةً تَدْمَعُ )
وقوله
( هَبِ الدنيا تصير إليك عَفْواً ... أليس مصيرُ ذاكَ إلى زَوَالِ )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني محمد بن سعيد المهدي عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال
(4/103)

مات شيخ لنا ببغداد فلما دفناه أقبل الناس على أخيه يعزونه فجاء أبو العتاهية إليه وبه جزع شديد فعزاه ثم أنشد
( لا تَأمن الدَّهْرَ والْبَسْ ... لكلِّ حينٍ لِبَاسَا )
( لَيَدْفِنَّنَا أُنَاسٌ ... كما دَفَنَّا أُنَاسَا )
قال فانصرف الناس وما حفظوا غير قول أبي العتاهية
نسخت من كتاب هارون بن علي حدثني علي بن مهدي قال حدثني حبيب ابن عبد الرحمن عن بعض أصحابه
قال كنت في مجلس خزيمة فجرى حديث ما يسفك من الدماء فقال والله ما لنا عند الله عذر ولا حجة إلا رجاء عفوه ومغفرته
ولولا عز السلطان وكراهة الذلة وأن أصير بعد الرياسة سوقة وتابعا بعد ما كنت متبوعا ما كان في الأرض أزهد ولا أعبد مني فإذا هو بالحاجب قد دخل عليه برقعة من أبي العتاهية فيها مكتوب
( أراكَ امرأً ترجو من الله عَفْوَهُ ... وأنت على مالا يُحِبُّ مُقِيمُ )
( تَدُلُّ على التقوى وأنت مُقَصِّرٌ ... أيا مَنْ يُدَاوِي الناسَ وهو سَقِيمُ )
( وإنَّ امرأً لم يُلْهِهِ اليومُ عن غَدٍ ... تَخَوُّفَ ما يأتي به لحكيمُ )
( وإنّ امرأً لم يَجعلِ البِرَّ كنزَه ... وإنْ كانتِ الدنيا له لعديمُ )
فغضب خزيمة وقال والله ما المعروف عند هذا المعتوه الملحف من كنوز البر فيرغب فيه حر
فقيل له وكيف ذاك فقال لأنه من الذين يكنزون الذهب
(4/104)

والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله
ونسخت من كتابه عن علي بن مهدي قال حدثني الحسين بن أبي السري قال قال لي الفضل بن العباس
قال لي أبو العتاهية دخلت على يزيد بن مزيد فأنشدته قصيدتي التي أقول فيها
( وما ذاك إلاَّ أَنَّني وَاثِقٌ بما ... لديك وأَنِّي عالمٌ بوفائِكا )
( كأنّك في صدري إذا جئتُ زائراً ... تُقَدِّر فيه حاجتي بابتدائكا )
( وإنّ أميرَ المؤمنين وغيرَه ... ليَعلَمُ في الهيجاء فضل غَنائِكا )
( كأنّك عند الكَرِّفي الحرب إنّما ... تَفِرُّ من السِّلْم الذي من وَرائِكا )
( فما آفةُ الأملاكِ غيرُك في الوَغَى ... ولا آفةُ الأموال غيرُ حِبائكا )
قال فأعطاني عشرة آلاف درهم ودابة بسرجها ولجامها
وأخبرني عيسى بن الحسين الوراق وعمي الحسن بن محمد وحبيب بن نصر المهلبي قالوا حدثنا عمر بن شبة قال
مر عابد براهب في صومعة فقال له عظني
فقال أعظك وعليكم نزل القرآن ونبيكم محمد قريب العهد بكم قلت نعم
قال فاتعظ ببيت من شعر شاعركم أبي العتاهية حين يقول
( تَجَرَّدْ مِنَ الدنيا فإِنَّك إِنَّما ... وقعتَ إلى الدنيا وأنت مُجَرَّدُ )
العتابي يفضله على أبي نواس
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثني الفضل بن محمد الزارع قال حدثني جعفر بن جميل قال
(4/105)

قدم العتابي الشاعر على المأمون فأنزله على إسحاق بن إبراهيم فأنزله على كاتبه ثوابة بن يونس وكنا نختلف إليه نكتب عنه
فجرى ذات يوم ذكر الشعراء فقال لكم يأهل العراق شاعر منوه الكنية ما فعل فذكر القوم أبا نواس فانتهرهم ونفض يده وقال ليس ذلك حتى طال الكلام
فقلت لعلك تريد أبا العتاهية
فقال نعم ذاك أشعر الأولين والآخرين في وقته
أخبرني محمد بن عمران قال حدثني العنزي قال حدثني محمد بن إسحاق عن علي بن عبد الله الكندي قال
جلس أبو العتاهية يوما يعذل أبا نواس ويلومه في استماع الغناء ومجالسته لأصحابه فقال له أبو نواس
( أَتُرَانِي يا عَتَاهِي ... تاركاً تلك المَلاَهِي )
( أتُراني مفْسِداً بالنُّسْكِ ... عند القوم جاهي )
قال فوثب أبو العتاهية وقال لا بارك الله عليك وجعل أبو نواس يضحك
إبراهيم بن المهدي يتهمه بالزندقة
أخبرني جحظة قال حدثني هبة الله بن إبراهيم بن المهدي قال
بلغ أبا العتاهية أن أبي رماه في مجلسه بالزندقة وذكره بها فبعث إليه يعاتبه على لسان إسحاق الموصلي فأدى إليه إسحاق الرسالة فكتب إليه أبي
( إنّ المنيَّة أَمهلتْك عَتَاهِي ... والموتُ لا يسهو وقلبُك ساهِي )
(4/106)

( يا ويحَ ذي السنّ الضعيف أمَالُه ... عن غَيِّه قبل الممات تَنَاهِي )
( وُكِّلْتَ بالدنيا تُبَكِّيها وتَنْدُبها ... وأنت عَنِ القيامة لاهي )
( والعيشُ حُلْوٌ والمَنُونُ مَريرةٌ ... والدَّارُ دارُ تَفَاخُرٍ وتَبَاهي )
( فاخْتَرْ لنفسك دونها سُبُلاً ولا ... تَتَحامَقَنَّ لها فإِنَّك لاهِي )
( لا يُعْجِبَنَّكَ أنْ يقال مُفَوَّهٌ ... حَسَنُ البَلاغة أو غَرِيضُ الجاه )
( أَصْلِحْ جَهُولاً من سَرِيرتك الّتي ... تخلو بها وارهَبْ مَقَامَ اللهِ )
( إنِّي رأيتُك مُظْهِراً لِزَهَادةٍ ... تحتاجُ منك لها إلى أشباه )
عبد الله بن العباس يشغف بغناء شعره
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى الصولي قال حدثني عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع قال
رآني الرشيد مشغوفا بالغناء في شعر أبي العتاهية
صوت
( أحمدٌ قال لي ولم يَدْر ما بي ... أَتُحِبُّ الغداةَ عُتْبةَ حَقَّا )
( فتَنَفَّسْتُ ثم قلتُ نَعَمْ حُبّاً ... جَرَى في العُروق عِرْقاً فعِرقَا )
( لو تَجُسِّينَ يا عُتَيبةُ قلبي ... لَوَجَدْتِ الفؤادَ قَرْحاً تَفَقَّا )
( قد لَعَمْري مَلَّ الطبيبُ ومَلَّ الأهلُ ... منِّي مما أُقاسِي وألْقَى )
( ليتَني مِتُّ فاسترحتُ فإِنِّي ... أبداً ما حَيِيتُ منها مُلَقَّى )
ولا سيما من مخارق وكان يغني فيه رملا لإبراهيم أخذه عنه
وفيه لحن لفريدة رمل
هكذا قال الصولي فريدة بالياء وغيره يقول فرندة بالنون
(4/107)

حدثني الصولي قال حدثنا محمد بن موسى قال حدثنا محمد بن صالح العدوي قال أخبرني أبو العتاهية قال
كان الرشيد مما يعجبه غناء الملاحين في الزلالات إذا ركبها وكان يتأذى بفساد كلامهم ولحنهم فقال قولوا لمن معنا من الشعراء يعملوا لهؤلاء شعرا يغنون فيه فقيل له ليس أحد أقدر على هذا من أبي العتاهية وهو في الحبس
قال فوجه إلي الرشيد قل شعرا حتى أسمعه منهم ولم يأمر بإطلاقي فغاظني ذلك فقلت والله لأقولن شعرا يحزنه ولا يسر به فعملت شعرا ودفعته إلى من حفظه الملاحين
فلما ركب الحراقة سمعه وهو
( خانَك الطَّرْفُ الطَّمُوحُ ... أيُّها القَلبُ الجَمُوحُ )
( لِدَوَاعِي الخَيْرِ والشّرِّ ... دُنُوٌّ ونُزُوحُ )
( هلْ لمطلوبٍ بِذَنْبٍ ... توبةٌ منه نصُوحُ )
( كيف إصلاحُ قُلُوبٍ ... إنّما هُنَّ قُروحُ )
( أَحْسَنَ اللهُ بنا أَنَّ ... الخَطَايَا لا تَفُوحُ )
( فإذَا المستورُ مِنَّا ... بينَ ثَوْبَيْهِ نَضُوحُ )
( كَمْ رأينا مِنْ عَزِيزٍ ... طُوِيتْ عنه الكشُوحُ )
( صاحَ منه بِرَحِيلٍ ... صائحُ الدَّهْرِ الصَّدُوحُ )
( موتُ بعضِ الناسِ في الأرْضِ ... على قومٍ فُتُوحُ )
(4/108)

( سيصير المرءُ يوماً ... جَسَداً ... ما فيه رُوحُ )
( بين عَيْنَيْ كُلَّ حَيِّ ... عَلَمُ الموتِ يلوحُ )
( كُلُّنا في غَفْلةٍ والْمَوْتُ ... يغدو ويروح )
( لِبَنِي الدُّنيا مِنَ الدُّنْيَا ... غَبُوقٌ وصَبُوحُ )
( رُحْنَ في الوَشْي وأصْبَحْنَ ... عليِنَّ المُسُوحُ )
( كلَّ نَطَّاحٍ مِنَ الدَّهْرِ له يومٌ نَطُوحُ )
( نُحْ على نٌفْسِك يا مِسْكينُ ... إنْ كنتَ تنوح )
( لتَمْوتَنَّ وإنْ عُمِّرْتَ ... ما عُمِّر نُوحُ )
قال فلما سمع ذلك الرشيد جعل يبكي وينتحب وكان الرشيد من أغزر الناس دموعا في وقت الموعظة وأشدهم عسفا في وقت الغضب والغلظة
فلما رأى الفضل بن الربيع كثرة بكائه أومأ إلى الملاحين أن يسكتوا
حدثني الصولي قال حدثني الحسن بن جابر كاتب الحسن بن رجاء قال لما حبس الرشيد أبا العتاهية دفعه إلى منجاب فكان يعنف به فقال أبو العتاهية
( مِنْجَابُ مات بِدائه ... فاعْجَلْ له بِدَوائِه )
( إنَّ الإِمامَ أَعلَّه ... ظُلْماً بحَدّ شَقائه )
( لا تُعْنِفنّ سِيَاقَهُ ... ما كُلُّ ذاك بِرَائِهِ )
( ما شِمْتُ هذا في مَخَايِلِ ... بَارِقاتِ سَمَائِه )
مدح الرشيد وأبناءه الثلاثة
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثني أحمد بن
(4/109)

معاوية القرشي قال
لما عقد الرشيد ولاية العهد لبنيه الثلاثة الأمين والمأمون والمؤتمن قال أبو العتاهية
( رَحَلْتُ عَنِ الرَّبْعِ المُحِيل قَعُودِي ... إلى ذي زُحُوفٍ جَمَّةٍ وجُنُودِ )
( وَراعٍ يُراعي اللَّيل في حِفْظِ أُمَّةٍ ... يُدافِع عنها الشرَّ غيرِ رَقُودِ )
( بِأَلْوِيَة جبريلُ يَقْدُم أهلَها ... ورَايات نَصْرٍ حولَه وبُنودِ )
( تَجَافَى عَنِ الدُّنْيا وأَيْقَن أَنَّها ... مُفَارِقَةٌ ليستْ بدَارِ خُلودِ )
( وشَدَّ عُرَا الإِسلامِ منه بِفِتْيةٍ ... ثَلاثةِ أملاكٍ وُلاَةِ عُهُودِ )
( هُمْ خيرُ أولادٍ لَهْمْ خيرُ وَالدٍ ... لَهُ خيرُ آباءٍ مَضَتْ وجُدود )
( بنو المصطفَى هارونَ حولَ سَرِيرِه ... فَخَيْرُ قِيَامٍ حولَه وقُعودِ )
( تُقَلِّبُ ألحاظَ المَهَابةِ بينهم ... عيونُ ظِبَاءٍ في قَلوبِ أُسُودِ )
( جُدُودُهمُ شمسٌ أتتْ في أَهِلَّةٍ ... تَنَدَّتْ لِرَاءٍ في نُجومٍ سُعُودِ )
قال فوصله الرشيد بصلة ما وصل بمثلها شاعرا قط
أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد الأسدي إجازة قال حدثني الرياشي قال
قدم رسول لملك الروم إلى الرشيد فسأل عن أبي العتاهية وأنشده شيئا من شعره وكان يحسن العربية فمضى إلى ملك الروم وذكره له فكتب ملك الروم إليه ورد رسوله يسأل الرشيد أن يوجه بأبي العتاهية ويأخذ فيه رهائن من أراد وألح في ذلك
فكلم الرشيد أبا العتاهية في ذلك فاستعفى منه وأباه
واتصل بالرشيد أن ملك الروم أمر أن يكتب بيتان من شعر أبي العتاهية على أبواب مجالسه
(4/110)

وباب مدينته وهما
صوت
( ما اختلفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ ولا ... دارتْ نجومُ السماء في الفَلَكِ )
( إلاّ لِنَقْلِ السُّلطانِ عن مَلِكٍ ... قَدِ انْقَضَى مُلْكُه إلى مَلِكِ )
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا الربيع بن محمد الختلي الوراق قال أخبرني ابن أبي العتاهية
أن الرشيد لما أطلق أباه من الحبس لزم بيته وقطع الناس فذكره الرشيد فعرف خبره فقال قولوا له صرت زير نساء وحلس بيت فكتب إليه أبو العتاهية
( بَرِمْتُ بِالنَّاسِ وأَخلاقِهِم ... فصِرْتُ أَسْتَأْنِسُ بِالوُحْدَهْ )
( ما أكثَرَ النَّاسَ لَعَمْرِي وما ... أَقَلَّهم في مُنْتَهى العِدَّهْ )
ثم قال لا ينبغي أن يمض شعر إلى أمير المؤمنين ليس فيه مدح له فقرن هذين البيتين بأربعة أبيات مدحه فيها وهي
صوت
( عادَ لي من ذِكْرِها نَصَبُ ... فدموعُ العَين تَنْسكِبُ )
( وكذاكَ الحُبُّ صَاحِبُه ... يَعْتَرِيهِ الهَمُّ والوَصَبُ )
( خيرُ مَنْ يُرْجَى ومَنْ يَهَب ... مَلِكٌ دانتْ له العَرَبُ )
(4/111)

( وحقيقٌ أنْ يُدَانَ له ... مَنْ أبوه لِلنَّبِيّ أَبُ )
قال شعرا فأبكى الرشيد
حدثنا الصولي قال حدثنا عون بن محمد قال حدثنا محمد بن أبي العتاهية قال
قال الرشيد لأبي عظني فقال له أخافك
فقال له أنت آمن
فأنشده
( لا تَأُمَنِ الموتَ في طَرْفٍ ولا نَفَسٍ ... إذَا تَسَتَّرْتَ بِالأبواب والحَرَسِ )
( واعْلَمْ بأنّ سِهامَ الموت قاصدةٌ ... لكلِّ مُدَّرعٍ منّا ومُتَّرِسِ )
( ترجو النجاةَ ولم تَسْلُكْ طَرِيقَتها ... إنّ السفينةَ لا تَجْرِي على اليَبسِ )
قال فبكى الرشيد حتى بل كمه
حدثني عمي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال
قال لي أحمد بن أبي فنن تناظرت أنا والفتح بن خاقان في منزله أيما الرجلين أشعر أبو نواس أم أبو العتاهية
فقال الفتح أبو نواس وقلت أبو العتاهية
ثم قلت لو وضعت أشعار العرب كلها بإزاء شعر أبي العتاهية لفضلها وليس بيننا خلاف في أن له في كل قصيدة جيدا ووسطا وضعيفا فإذا جمع جيده كان أكثر من جيد كل مجود
ثم قلت له بمن ترضى قال بالحسين بن الضحاك
فما انقطع كلامنا حتى دخل الحسين بن الضحاك فقلت ما تقول
(4/112)

في رجلين تشاجرا فضل أحدهما أبو نواس وفضل الآخر أبا العتاهية فقال الحسين أُمُّ من فضل أبا نواس على أبي العتاهية زانية فخجل الفتح حتى تبين ذلك فيه ثم لم يعاودني في شيء من ذكرهما حتى افترقنا
وقد حدثني الحسن بن محمد بهذا الخبر على خلاف ما ذكره إبراهيم بن المهدي فيما تقدم فقال حدثني هارون بن مخارق قال حدثني أبي قال
جاءني أبو العتاهية فقال قد عزمت على أن أتزود منك يوما تهبه لي فمتى تنشط فقلت متى شئت
فقال أخاف أن تقطع بي
فقلت والله لا فعلت وإن طلبني الخليفة
فقال يكون ذلك في غد
فقلت أفعل فلما كان من غد باكرني رسوله فجئته فأدخلني بيتا له نظيفا فيه فرش نظيف ثم دعا بمائدة عليها خبز سميذ وخل وبقل وملح وجدي مشوي فأكلنا منه ثم دعا بسمك مشوي فأصبنا منه حتى اكتفينا ثم دعا بحلواء فأصبنا منها وغسلنا أيدينا وجاؤونا بفاكهة وريحان وألوان من الأنبذة فقال اختر ما يصلح لك منها فاخترت وشربت وصب قدحا ثم قال غنني في قولي
( أحمدٌ قال لي ولم يَدْرِ ما بي ... أَتُحِبُّ الغَداةَ عُتْبَةَ حَقَّا )
فغنيته فشرب قدحا وهو يبكي أحر بكاء
ثم قال غنني في قولي
( ليس لِمَنْ ليستْ له حِيلةٌ ... موجودةٌ خيرٌ مِنَ الصَّبرِ )
فغنيته وهو يبكي وينشج ثم شرب قدحا آخر ثم قال غنني فديتك في قولي
( خَلِيليَّ مالي لا تزالُ مَضَرَّتِي ... تكونُ مع الأَقدارِ حَتْماً من الحَتْمِ )
(4/113)

فغنيته إياه
وما زال يقترح علي كل صوت غني به في شعره فأغنيه ويشرب ويبكي حتى صار العتمة
فقال أحب أن تصبر حتى ترى ما أصنع فجلست
فأمر ابنه وغلامه فكسرا كل ما بين أيدنا من النبيذ وآلته والملاهي ثم أمر بإخراج كل ما في بيته من النبيذ وآلته فأخرج جميعه فما زال يكسره ويصب النبيذ وهو يبكي حتى لم يبق من ذلك شيء ثم نزع ثيابه واغتسل ثم لبس ثيابا بيضا من صوف ثم عانقني وبكى ثم قال السلام عليك يا حبيبي وفرحي من الناس كلهم سلام الفراق الذي لا لقاء بعده وجعل يبكي وقال هذا آخر عهدي بك في حال تعاشر أهل الدنيا فظننت أنها بعض حماقاته فانصرفت وما لقيته زمانا ثم تشوقته فأتيته فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت فإذا هو قد أخذ قوصرتين وثقب إحداهما وأدخل رأسه ويديه فيها وأقامها مقام القميص وثقب الأخرى وأخرج رجليه منها وأقامها مقام السراويل
فلما رأيته نسيت كل ما كان عندي من الغم عليه والوحشة لعشرته وضحكت والله ضحكا ما ضحكت مثله قط
فقال من أي شيء تضحك فقلت أسخن الله عينك هذا أي شيء هو من بلغك عنه أنه فعل مثل هذا من الأنبياء والزهاد والصحابة والمجانين إنزع عنك هذا يا سخين العين فكأنه استحيا مني
ثم بلغني أنه جلس حجاما فجهدت أن أراه بتلك الحال فلم أره
ثم مرض فبلغني أنه اشتهى أن أغنيه فأتيته عائدا فخرج إلي رسوله يقول إن دخلت إلي جددت لي حزنا وتاقت نفسي من سماعك إلى ما قد غلبتها عليه وأن أستودعك الله وأعتذر إليك من ترك الإلتقاء ثم كان آخر عهدي به
حدثني جحظة قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال
قيل لأبي العتاهية عند الموت ما تشتهي فقال أشتهي أن يجيء مخارق
(4/114)

فيضع فمه على أذني ثم يغنيني
( سَيُعْرَضُ عن ذِكْرِي وتُنْسَى مَوَدّتي ... ويَحْدِثُ بعدي للخليلِ خليلُ )
( إذَا ما انقضتْ عنِّي مِنَ الدَّهْرِ مُدَّتِي ... فإنَّ غَنَاءَ الباكياتِ قَليلُ )
وأخبرني به أبو الحسن الأسدي قال حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال قال بشر بن الوليد لأبي العتاهية عند الموت ما تشتهي فذكر مثل الأول
وأخبرني به ابن عمار أبو العباس عن ابن أبي سعد عن محمد بن صالح أن بشرا قال ذلك لأبي العتاهية عند الموت فأجابه بهذا الجواب
آخر شعر قاله قبل موته
نسخت من كتاب هارون بن علي حدثني علي بن مهدي قال حدثني عبد الله بن عطية قال حدثني محمد بن أبي العتاهية قال آخر شعر قاله أبي في مرضه الذي مات فيه
( إلهي لا تُعَذَّبْنِي فإِنِّي ... مُقِرٌّ بالَّذي قد كان مِنِّي )
( فما لي حيلةٌ إلاّ رجائي ... لِعَفْوِك إنْ عَفَوْتَ وحُسْنُ ظَنِّي )
( وكَم مِنْ زَلَةٍ لي في الخَطَايا ... وأنتَ عليَّ ذو فَضْلٍ ومَنِّ )
( إذَا فَكَّرتُ في نَدَمي عليها ... عَضِضْتُ أَنامِلي وقَرَعْتُ سِنِّي )
( أجنُّ بِزَهْرةِ الدُّنْيا جُنونا ... وأَقْطَعُ طولَ عُمْري بالتَّمنِّي )
( ولَوْ أَنِّي صَدَقْتُ الزُّهْدَ عنها ... قلبتُ لأهلِها ظَهْرَ المِجَنِّ )
( يَظُنّ الناسُ بي خيراً وإِنِّي ... لَشَرُّ الخَلْقِ إنْ لم تَعْفُ عنِّي )
(4/115)

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل قال حدثني أحمد بن حمزة الضبعي قال أخبرني أبو محمد المؤدب قال
قال أبو العتاهية لابنته رقية في علته التي مات فيها قومي يا بنية فاندبي أباك بهذه الأبيات فقامت فندبته بقوله
( لَعِبَ البِلَى بمَعَالِمي ورُسُومي ... وقُبِرْتُ حَيًّا تحت رَدْمِ هُمومي )
( لَزِمَ البِلَى جِسْمِي فَاَوْهَنَ قُوَّتي ... إنّ البِلَى لَمُوَكَّلٌ بِلُزومي )
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا محمد بن داود بن الجراح قال حدثني عل بن محمد قال حدثني مخارق المغني قال
توفي أبو العتاهية وإبراهيم الموصلي وأبو عمرو الشيباني عبد السلام في يوم واحد في خلافة المأمون وذلك في سنة ثلاث عشرة ومائتين
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه عن أحمد بن يوسف عن أحمد بن الخليل عن إسماعيل بن أبي قتسة قال
مات أبو العتاهية وراشد الخناق وهشيمة الخمارة في يوم واحد سنة تسع ومائتين
وذكر الحارث بن أبي أسامة عن محمد بن سعد كاتب الواقدي أن أبا العتاهية مات في يوم الاثنين لثمان خلون من جمادى الأولى سنة إحدى عشرة ومائتين ودفن حيال قنطرة الزياتين في الجانب الغربي ببغداد
أخبرني الصولي عن محمد بن موسى عن أبي محمد الشيباني عن محمد بن أبي العتاهية أن أباه توفي سنة عشر ومائتين
(4/116)

الشعر الذي كتب على قبره
أخبرني الصولي قال حدثني محمد بن موسى عن محمد بن القاسم عن إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد عن إسحاق بن عبد الله بن شعيب قال
أمر أبو العتاهية أن يكتب على قبره
( أُذْنَ حَيُّ تَسَمَّعِي ... إسْمَعِي ثُمّ عِي وعِي )
( أنا رَهْنٌ بِمَضْجَعِي ... فَاحذَرِي مِثْلَ مَصْرَعِي )
( عِشْتُ تسعينَ حِجَّةً ... أَسْلِمَتْني لمَضْجَعي )
( كَمْ ترى الحيَّ ثابتاً ... في دِيَارِ التزَعْزُعِ )
( ليس زادٌ سوى التُّقى ... فخُذِي منه أوْ دَعِي )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال
لما مات أبو العتاهية رثاه ابنه محمد بن أبي العتاهية فقال
( يا أبي ضَمَّكَ الثَّرَى ... وطَوَى الموتُ أَجْمَعَكْ )
( ليتَني يومَ مُتَّ صِرْتُ ... إلى حُفْرةٍ مَعَكْ )
( رحِمَ اللهُ مَصْرَعَكْ ... بَرَّدَ اللهُ مَضْجَعَك )
أخبرني الحسن قال حدثني أحمد بن زهير قال
قال محمد بن أبي العتاهية لقيني محمد بن أبي محمد اليزيدي فقال أنشدني الأبيات التي أوصى أبوك أن تكتب على قبره فأنشأت أقول له
( كَذَبْتَ علَى أخٍ لك في مَمَاتهْ ... وكَمْ كَذِبٍ فَشَا لك في حَيَاتهْ )
( وأَكْذَبُ ما تكونُ على صَدِيقٍ ... كَذَبْتَ عليه حَيًّا في مَمَاتهْ )
(4/117)

فخجل وانصرف
قال والناس يقولون إنه أوصى أن يكتب على قبره شعر له وكان ابنه ينكر ذلك
وذكر هارون بن علي بن مهدي عن عبد الرحمن بن الفضل أنه قرأ الأبيات العينية التي أولها
( أُذْنَ حَيٍّ تَسمَّعي ... )
على حجر عند قبر أبي العتاهية
ولم أذكر هاهنا مع أخبار أبي العتاهية أخباره مع عتبة وهي من أعظم أخباره لأنها طويلة وفيها أغان كثيرة وقد طالت أخباره هاهنا فأفردتها
(4/118)

أخبار فريدة
قال مؤلف هذا الكتاب هما اثنتان محسنتان لهما صنعة تسميان بفريدة
فأما إحداهما وهي الكبرى فكانت مولدة نشأت بالحجاز ثم وقعت إلى آل الربيع فعلمت الغناء في دورهم ثم صارت إلى البرامكة
فلما قتل جعفر بن يحيى ونكبوا هربت وطلبها الرشيد فلم يجدها ثم صارت إلى الأمين فلما قتل خرجت فتزوجها الهيثم بن مسلم فولدت له ابنه عبد الله ثم مات عنها فتزوجها السندي بن الحرشي وماتت عنده
ولها صنعة جيدة منها في شعر الوليد بن يزيد
صوت
( وَيْحَ سَلْمَى لو تَرَانِي ... لَعَنَاها ما عَنَانِي )
( واقفاً في الدَّار أبكِي ... عاشقاً حُورَ الغَوانِي )
ولحنها فيه خفيف رمل
ومن صنعتها
(4/119)

صوت
( ألا أَيّها الرَّكْبُ النِّيامُ ألاَ هُبُّوا ... نُسَائلُكُمْ هل يقتُل الرَّجُل الحُبُّ )
( ألاَ رُبَّ رَكْبٍ قد وقفتُ مَطِيَّهُمْ ... عليكِ ولولا أنتِ لم يَقفِ الرَّكْبُ )
لحنها فيه ثاني ثقيل وفيه لابن جامع خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى
فحدثني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثني العمري قال حدثني الهيثم بن عدي قال
قال صالح بن حسان يوما ما نصف بيت كأنه أعرابي في شملة والنصف الآخر كأنه مخنث مفكك قلت لا أدري
فقال قد أجلتك حولا
فقلت لو أجلتني عشرة أحوال ما عرفته
فقال أوه أف لك قد كنت أحسبك أجود ذهنا مما أرى
فقلت فما هو الآن قال قول جميل
( أَلاَ أيّها الرَّكْبُ النِّيامُ ألاَ هُبُّوا ... )
هذا كلام أعرابي ثم قال
( أُسائلكم هل يقتل الرَّجلَ الحبُّ ... )
كأنه والله من مخنثي العقيق
وأما فريدة الأخرى فهي التي أرى بل لا أشك في أن اللحن المختار لها لأن إسحاق اختار هذه المائة الصوت للواثق فاختار فيها لمتيم لحنا ولأبي دلف لحنا ولسليم بن سلام لحنا ولرياض جارية أبي حماد لحنا
وكانت فريدة أثيرا عند الواثق وحظية لديه جدا فاختار لها هذا الصوت لمكانها من الواثق ولأنها ليست دون من اختار له من نظرائها
أخبرني الصولي قال حدثنا الحسين بن يحيى عن ريق أنها اجتمعت هي
(4/120)

وخشف الواضحية يوما فتذاكرتا أحسن ما سمعتاه من المغنيات فقالت ريق شارية أحسنهن غناء ومتيم وقالت خشف عريب وفريدة ثم اجتمعتا على تساويهن وتقديم متيم في الصنعة وعريب في الغزارة والكثرة وشارية وفريدة في الطيب وأحكام الغناء
حدثني جحظة قال حدثني أبو عبد الله الهشامي قال
كانت فريدة جارية الواثق لعمرو بن بانة وهو أهداها إلى الواثق وكانت من الموصوفات المحسنات وربيت عند عمرو بن بانة مع صاحبة لها اسمها خل وكانت حسنة الوجه حسنة الغناء حادة الفطنة والفهم
قال الهشامي فحدثني عمرو بن بانة قال غنيت الواثق
( قلتُ حِلاًّ فاقبَلِي مَعْذِرَتي ... ما كذا يَجْزِي مُحِبٌّ مَنْ أحَبّ )
فقال لي تقدم إلى الستارة فألقه على فريدة فألقيته عليها فقالت هو حل أو خل كيف هو فعلمت أنها سألتني عن صاحبتها في خفاء من الواثق
ولما تزوجها المتوكل أرادها على الغناء فأبت أن تغني وفاء للواثق فأقام على رأسها خادما وأمره أن يضرب رأسها أبدا أو تغني فاندفعت وغنت
( فَلا تَبْعَدْ فكُلُّ فتىً سيأتي ... عليه الموتُ يَطْرُقُ أو يُغَادي )
خبر لها مع الواثق
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال حدثني محمد
(4/121)

ابن الحارث بن بسخنر قال
كانت لي نوبة في خدمة الواثق في كل جمعة إذا حضرت ركبت إلى الدار فإن نشط إلى الشرب أقمت عنده وإن لم ينشط انصرفت
وكان رسمنا ألا يحضر أحد منا إلا في يوم نوبته
فإني لفي منزلي في غير يوم نوبتي إذا رسل الخليفة قد هجموا علي وقالوا لي احضر
فقلت ألخير قالوا خير
فقلت إن هذا يوم لم يحضرني فيه أمير المؤمنين قط ولعلكم غلطتم
قالوا الله المستعان لا تطل وبادر فقد أمرنا ألا ندعك تستقر على الأرض
فداحلني فزع شديد وخفت أن يكون ساع قد سعى بي أو بلية قد حدثت في رأي الخليفة علي فتقدمت بما أردت وركبت حتى وافيت الدار فذهبت لأدخل على رسمي من حيث كنت أدخل فمنعت وأخذ بيدي الخدم فأدخلوني وعدلوا بي إلى ممرات لا أعرفها فزاد ذلك في جزعي وغمي
ثم لم يزل الخدم يسلمونني من خدم إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة الصحن ملبسة الحيطان بالوشي المنسوج بالذهب ثم أفضيت إلى رواق أرضه وحيطانه ملبسة بمثل ذلك وإذا الواثق في صدره على سرير مرصع بالجوهر وعليه ثياب منسوجة بالذهب وإلى جانبه فريدة جاريته عليها مثل ثيابه وفي حجرها عود
فلما رآني قال جودت والله يا محمد إلينا
فقبلت الأرض ثم قلت يا أمير المؤمنين خيرا قال خيرا أما ترانا طلبت والله ثالثا يؤنسنا فلم أر أحق بذلك منك فبحياتي بادر فكل شيئا وبادر إلينا فقلت قد والله يا سيدي أكلت وشربت أيضا
قال فاجلس فجلست وقال هاتوا لمحمد رطلا في قدح فأحضرت ذلك واندفعت فريدة تغني
( أَهابُكِ إجلالاً وما بك قدرةٌ ... عليَّ ولكِنْ مِلءُ عينٍ حَبِيبُها )
(4/122)

( وما هَجَرتْكِ النَّفْسُ يا لَيْلُ أَنَّها ... قَلتْكِ ولا أنْ قَلَّ منكِ نَصِيبُها )
فجاءت والله بالسحر وجعل الواثق يجاذبها وفي خلال ذلك تغني الصوت بعد الصوت وأغني أنا في خلال غنائها فمر لنا أحسن ما مر لأحد
فإنا لكذلك إذ رفع رجله فضرب بها صدر فريدة ضربة تدحرجت منها من أعلى السرير إلى الأرض وتفتت عودها ومرت تعدو وتصيح وبقيت أنا كالمنزوع الروح ولم أشك في أن عينه وقعت علي وقد نظرت إليها ونظرت إلي فأطرق ساعة إلى الأرض متحيرا وأطرقت أتوقع ضرب العنق
فإني لكذلك إذ قال لي يا محمد فوثبت
فقال ويحك أرأيت أغرب مما تهيأ علينا فقلت يا سيدي الساعة والله تخرج روحي فعلى من أصابنا بالعين لعنة الله فما كان السبب ألذنب قال لا والله ولكن فكرت أن جعفرا بقعد هذا المقعد ويقعد معها كما هي قاعدة معي فلم أطق الصبر وخامرني ما أخرجني إلى ما رأيت
فسري عني وقلت بل يقتل الله جعفرا ويحيا أمير المؤمنين أبدا وقبلت الأرض وقلت يا سيدي الله الله ارحمها ومر بردها
فقال لبعض الخدم الوقوف ما يجيء بها فلم يكن بأسرع من أن خرجت وفي يدها عودها وعليها غير الثياب التي كانت عليها
فلما رآها جذبها وعانقها فبكت وجعل هو يبكي واندفعت أنا في البكاء
فقالت ما ذنبي يا مولاي ويا سيدي وبأي شيء استوجبت هذا فأعاد عليها ما قاله لي وهو يبكي وهي تبكي
فقالت سألتك بالله يا أمير المؤمنين إلا ضربت عنقي الساعة وأرحتني من الفكر في هذا وأرحت قلبك من الهم بي وجعلت تبكي ويبكي ثم مسحا أعينهما ورجعت إلى مكانها وأومأ إلى خدم وقوف بشيء لا أعرفه فمضوا وأحضروا أكياسا فيها عين وورق ورزما فيه ثياب كثيرة وجاء خادم بدرج ففتحه وأخرج منه عقدا ما رأيت قط مثل جوهر كان فيه فألبسها إياه وأحضرت
(4/123)

بدرة فيها عشرة آلاف درهم فجعلت بين يدي وخمسة تخوت فيها ثياب وعدنا إلى أمرنا وإلى أحسن مما كنا فلم نزل كذلك إلى الليل ثم تفرقنا
قصتها مع المتوكل
وضرب الدهر ضربة وتقلد المتوكل
فوالله إني لفي منزلي بعد يوم نوبتي إذ هجم علي رسل الخليفة فما أمهلوني حتى ركبت وصرت إلى الدار فأدخلت والله الحجرة بعينها وإذا المتوكل في الموضع الذي كان فيه الواثق على السرير بعينه وإلى جانبه فريدة
فلما رآني قال ويحك أما ترى ما أنا فيه من هذه أنا منذ غدوة أطالبها بأن تغنيني فتأبى ذلك فقلت لها يا سبحان الله أتخالفين سيدك وسيدنا وسيد البشر بحياته غني فعرفت والله ثم اندفعت تغني
( مُقِيمٌ بالمَجَازةِ من قَنَوْنَى ... وأهلُكِ بالأُجَيْفِرِ فالثِّمادِ )
( فلا تَبْعَدْ فكلُّ فتًى سيأتي ... عليه الموتُ يَطْرُقُ أو يُغادي )
ثم ضربت بالعود الأرض ثم رمت بنفسها عن السرير ومرت تعدو وهي تصيح واسيداه فقال لي ويحك ما هذا فقلت لا أدري والله يا سيدي
فقال فما ترى فقلت أرى أن أنصرف أنا وتحضر هذه ومعها غيرها فإن الأمر يؤول إلى ما يريد أمير المؤمنين قال فانصرف في حفظ الله فانصرفت ولم أدر ما كانت القصة
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني محمد بن عبد الملك قال
سمعت فريدة تغني
(4/124)

( أخِلاَّيَ بي شَجوٌ وليس بكم شَجْوُ ... وكلُّ امرئٍ مما بِصاحبه خِلْوُ )
( أذابَ الهوى لَحْمِي وجسمي ومَفْصلِي ... فلم يَبقَ إلاّ الرُّوحُ والجَسَدُ النِّضْوُ )
فما سمعت قبله ولا بعده غناء أحسن منه
الشعر لأبي العتاهية والغناء لإبراهيم ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى عن الهشامي وله أيضا فيه خفيف ثقيل بالسبابة والبنصر عن ابن المكي وفيه
لعمرو بن بانة رمل بالوسطى من مجموع أغانيه
وفيه لعريب خفيف ثقيل آخر صحيح في غنائها من جمع ابن المعتز وعلي بن يحيى
وتمام هذه الأبيات
( وما مِنْ مُحِبٍّ نال ممن يُحِبُّهُ ... هوًى صادقاً إلاّ سَيَدْخُلُه زَهْوُ )
وفيها كلها غناء مفترق الألحان في أبياته
( بُلِيتُ وكان المَزْحُ بدءَ بَلِيّتي ... فأَحببتُ جهلاً والبلايا لها بَدْوُ )
( وعُلِّقْتُ مَنْ يَزْهُو عليّ تَجَبُّراً ... وإِنِّيَ في كلِّ الخِصال له كُفْوُ )
صوت
من المائة المختارة من رواية جحظة عن أصحابه
( باتتْ هُمُومِي تَسْرِي طوارقها ... أكُفُّ عيني والدمعُ سابِقُها )
( لِمَا أتاها مِنَ اليقين ولم ... تَكُنْ تراه يُلِمُّ طارقُها )
الشعر لأميه بن أبي الصلت والغناء للهذلي خفيف ثقيل أول بالوسطى
(4/125)

وفيه لابن محرز لحنان هزج وثقيل أول بالوسطى عن الهشامي وحبش
وذكر يونس أن فيه لابن محرز لحنا واحدا مجنسا
(4/126)

ذكر أمية بن أبي الصلت ونسبه وخبره
واسم أبي الصلت عبد الله ين أبي ربيعة بن عوف بن عقدة بن عنزة بن قسي وهو ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن
هكذا يقول من نسبهم إلى قيس وقد شرح ذلك في خبر طريح
وأم أمية بن أبي الصلت رقية بنت عبد شمس بن عبد مناف
وكان أبو الصلت شاعرا وهو الذي يقول في مدح سيف بن ذي يزن
( لِيَطْلُبِ الثأْرَ أمثالُ ابنِ ذي يَزَنٍ ... إذ صارَ في البَحْرِ للأَعداء أحْوَالا )
وقد كتب خبر ذلك في موضعه
وكان له أربعة بنين عمرو وربيعة ووهب والقاسم
وكان القاسم شاعرا وهو الذي يقول أنشدنيه الأخفش وغيره عن ثعلب وذكر الزبير أنها لأمية
صوت
( قومٌ إذا نَزَلَ الغريبُ بدارِهِمْ ... رَدُّوه ربَّ صَواهِلٍ وقِيَانِ )
( لا يَنْكُتون الأرضَ عند سُؤالهمْ ... لِتَلِمُّسِ العِلاَّتِ بالعِيدانِ )
(4/127)

يمدح عبد الله بن جدعان بها وأولها
( قومي ثَقِيفٌ إنْ سألتَ وأسْرتي ... وبهم أُدافِع ركْنَ مَنْ عاداني )
غناه الغريض ولحنه ثقيل أول بالبنصر
ولابن محرز فيه خفيف ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي جميعا
وكان ربيعة ابنه شاعرا وهو الذي يقول
( وإنْ يَكُ حَيًّا من إِيَادٍ فإِنَّنا ... وقَيْساً سَوَاءٌ ما بَقِينَا وما بَقُوا )
( ونحن خيارُ النَّاسِ طُرًّا بِطانةً ... لِقَيْسٍ وهُمْ خيرٌ لنا إنْ هُمُ بَقُوا )
أتى في شعره بكلمات غريبة
أخبرني إبراهيم بن أيوب قال حدثنا عبد الله بن مسلم قال
كان أمية بن أبي الصلت قد قرأ كتاب الله عز و جل الأول فكان يأتي في شعره بأشياء لا تعرفها العرب فمنها قوله
( قَمَرٌ وسَاهُورٌ يُسَلُّ ويُغْمَدُ ... )
وكان يسمى الله عز و جل في شعره السلطيط فقال
( والسِّلْطِيطُ فوق الأرض مُقْتَدِرُ ... )
(4/128)

وسماه في موضع آخر التغرور فقال وأيده التغرور وقال ابن قتيبة وعلماؤنا لا يحتجون بشيء من شعره لهذه العلة
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال
قال أبو عبيدة إتفقت العرب على أن أشعر أهل المدن أهل يثرب ثم عبد القيس ثم ثقيف وأن أشعر ثقيف أمية بن أبي الصلت
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال
قال يحيى بن محمد قال الكميت أمية أشعر الناس قال كما قلنا ولم نقل كما قال
طمعه في النبوة
قال الزبير وحدثني عمي مصعب عن مصعب بن عثمان قال
كان أمية بن أبي الصلت قد نظر في الكتب وقرأها ولبس المسوح تعبدا وكان ممن ذكر إبراهيم وإسماعيل والحنيفية وحرم الخمر وشك في الأوثان وكان محققا والتمس الدين وطمع في النبوة لأنه قرأ في الكتب أن نبيا يبعث من العرب فكان يرجو أن يكونه
قال فلما بعث النبي قيل له هذا الذي كنت تستريث وتقول فيه فحسده عدو الله وقال إنما كنت أرجو أن أكونه فأنزل الله فيه عز و جل ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها )
قال وهو
(4/129)

الذي يقول
( كلُّ دِينٍ يومَ القيامةِ عند اللهِ ... إلاّ دِينَ الحَنِيفةِ زُورُ )
قال الزبير وحدثني يحيى بن محمد قال كان أمية يحرض قريشا بعد وقعة بدر وكان يرثي من قتل من قريش في وقعة بدر فمن ذلك قوله
( ماذا بِبَدْرٍ والعَقَنْقَلِ ... مِنْ مَرَازِبةٍ جَحَاجحْ )
وقال وهي قصيدة نهى رسول الله عن رواياتها
ويقال إن أمية قدم على أهل مكة باسمك اللهم فجعلوها في أول كتبهم مكان بسم الله الرحمن الرحيم
قال الزبير وحدثني علي بن محمد المدائني قال
قال الحجاج على المنبر ذهب قوم يعرفون شعر أمية وكذلك اندراس الكلام
تكدر بعد أن أخبر ببعثة النبي
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير عن عمر بن أبي بكر المؤملي وغيره قال
كان أمية بن أبي الصلت يلتمس الدين ويطمع في النبوة فخرج إلى الشام فمر بكنيسة وكان معه جماعة من العرب وقريش فقال أمية إن لي حاجة في هذه الكنيسة فانتظروني فدخل الكنيسة وأبطأ ثم خرج إليهم كاسفا متغير اللون فرمى بنفسه وأقاموا حتى سري عنه ثم مضوا فقضوا حوائجهم ثم رجعوا
فلما
(4/130)

صاروا إلى الكنيسة قال لهم
انتظروني ودخل إلى الكنيسة فأبطأ ثم خرج إليهم أسوأ من حاله الأولى فقال أبو سفيان بن حرب قد شققت على رفقائك
فقال خلوني فإني أرتاد على نفسي لمعادي إن هاهنا راهبا عالما أخبرني أنه تكون بعد عيسى عليه السلام ست رجعات وقد مضت منها خمس وبقيت واحدة وأنا أطمع في النبوة وأخاف أن تخطئني فأصابني ما رأيت
فلما رجعت ثانية أتيته فقال قد كانت الرجعة وقد بعث نبي من العرب فيئست من النبوة فأصابني ما رأيت إذ فاتني ما كنت أطمع فيه
قال وقال الزهري خرج أمية في سفر فنزلوا منزلا فأم أمية وجها وصعد في كثيب فرفعت له كنيسة فانتهى إليها فإذا شيخ جالس فقال لأمية حين رآه إنك لمتبوع فمن أين يأتيك رئيك قال من شقي الأيسر
قال فأي الثياب أحب إليك أن يلقاك فيها قال السواد
قال كدت تكون نبي العرب ولست به هذا خاطر من الجن وليس بملك وإن نبي العرب صاحب هذا الأمر يأتيه من شقه الأيمن وأحب الثياب إليه أن يلقاه فيها البياض
قال الزهري وأتى أمية أبا بكر فقال يا أبا بكر عمي الخبر فهل أحسست شيئا قال لا والله قال قد وجدته يخرج العام
سؤاله عن عتبة بن ربيعة
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال
سمعت خالد بن يزيد يقول إن أمية وأبا سفيان اصطحبا في تجارة إلى الشأم ثم ذكر نحوه وزاد فيه فخرج من عند الراهب وهو ثقيل
فقال له أبو سفيان إن بك لشرا فما قصتك قال خير أخبرني عن عتبة بن ربيعة كم سنه فذكر سنا
وقال أخبرني عن ماله فذكر مالا
فقال له وضعته
فقال أبو
(4/131)

سفيان
بل رفعته
فقال له إن صاحب هذا الأمر ليس بشيخ ولا ذي مال
قال وكان الراهب أشيب وأخبره أن الأمر لرجل من قريش
أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثت عن عبد الرحمن بن أبي حماد المنقري قال
كان أمية جالسا معه قوم فمرت بهم غنم فثغت منها شاة فقال للقوم هل تدرون ما قالت الشاة قالوا لا
قال إنها قالت لسخلتها مري لا يجيء الذئب فيأكلك كما أكل أختك عام أول في هذا الموضع
فقام بعض القوم إلى الراعي فقال له أخبرني عن هذه الشاة التي ثغت ألها سخلة فقال نعم هذه سخلتها
قال أكانت لها عام أول سخلة قال نعم وأكلها الذئب في هذا الموضع
ذهب في شعره بعامة ذكر الآخرة
قال الزبير وحدثني يحيى بن محمد عن الأصمعي قال ذهب أمية في شعره بعامة ذكر الآخرة وذهب عنترة بعامة ذكر الحرب وذهب عمر بن أبي ربيعة بعامة ذكر الشباب
قال الزبير حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي قال حدثني رجل من أهل الكوفة قال
كان أمية نائما فجاء طائران فوقع أحدهما على باب البيت ودخل الآخر فشق عن قلبه ثم رده الطائر فقال له الطائر الآخر أوعى قال نعم
قال زكا قال أبى
(4/132)

أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن الحارث عن ابن الأعرابي عن ابن دأب قال
خرج ركب من ثقيف إلى الشأم وفيهم أمية بن أبي الصلت فلما قفلوا راجعين نزلوا منزلا ليتعشوا بعشاء إذ أقبلت عظاية حتى دنت منهم فحصبها بعضهم بشيء في وجهها فرجعت وكفتوا سفرتهم ثم قاموا يرحلون ممسين فطلعت عليهم عجوز من رواء كثيب مقابل لهم تتوكأ على عصا فقالت ما منعكم أن تطعموا رجيمة الجارية اليتيمة التي جاءتكم عشية قالوا ومن أنت قالت أنا أم العوام إمت منذ أعوام أما ورب العباد لتفترقن في البلاد وضربت بعصاها الأرض ثم قالت بطئي إيابهم ونفري ركابهم فوثبت الإبل كأن على ذروة كل بعير منها شيطانا ما يملك منها شيء حتى افترقت في الوادي
فجمعناها في آخر النهار من الغد ولم نكد
فلما أنخناها لنرحلها طلعت علينا العجوز فضربت الأرض بعصاها ثم قالت كقولها الأول ففعلت الإبل كفعلها بالأمس فلم نجمعها إلا الغد عشية
فلما أنخناها لنرحلها أقبلت العجوز ففعلت كفعلها في اليومين ونفرت الإبل
فقلنا لأمية أين ما كنت تخبرنا به عن نفسك فقال اذهبوا أنتم في طلب الإبل ودعوني
فتوجه إلى ذلك الكثيب الذي كانت العجوز تأتي منه حتى علاه وهبط منه إلى واد فإذا فيه كنيسة وقناديل وإذا رجل مضطجع معترض على بابها وإذا رجل أبيض الرأس واللحية فلما رأى أمية قال إنك لمتبوع فمن أين يأتيك صاحبك قال من أذني اليسرى
قال فبأي الثياب يأمرك قال بالسواد
قال هذا خطيب الجن كدت والله أن تكونه ولم
(4/133)

تفعل إن صاحب النبوة يأتيه صاحبه من قبل أذنه اليمنى ويأمره بلباس البياض فما حاجتك فحدثه حديث العجوز فقال صدقت وليست بصادقة هي امرأة يهودية من الجن هلك زوجها منذ أعوام وإنها لن تزال تصنع ذلك بكم حتى تهلككم إن استطاعت
فقال أمية وما الحيلة فقال جمعوا ظهركم فإذا جاءتكم ففعلت كما كانت تفعل فقولوا لها سبع من فوق وسبع من أسفل باسمك اللهم فلن تضركم
فرجع أمية إليهم وقد جمعوا الظهر
فلما أقبلت قال لها ما أمره به الشيخ فلم تضرهم
فلما رأت الإبل لم تتحرك قالت قد عرفت صاحبكم وليبيضن أعلاه وليسودن أسفله فأصبح أمية وقد برص في عذاريه وأسود أسفله
فلما قدموا مكة ذكروا لهم هذا الحديث فكان ذلك أول ما كتب أهل مكة باسمك اللهم في كتبهم
خبر الطائرين اللذين حاورهما
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان محمد بن يحيى قال حدثنا عبد العزيز بن عمران عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر بن مسعود عن الزهري قال
دخل يوما أمية بن أبي الصلت على أخته وهي تهيء أدما لها فأدركه النوم فنام على سرير في ناحية البيت
قال فانشق جانب من السقف في البيت وإذا بطائرين قد وقع أحدهما على صدره ووقف الآخر مكانه فشق الواقع صدره فأخرج قلبه فشقه فقال الطائر الواقف للطائر الذي على صدره أوعى قال وعى
قال أقبل قال أبى
قال فرد قلبه في موضعه فنهض فأتبعهما أمية طرفه فقال
( لَبَّيْكُما لبيكما ... هأنذا لَدَيْكُما )
(4/134)

لا بريء فاعتذر ولا ذو عشيرة فأنتصر فرجع الطائر فوقع على صدره فشقه ثم أخرج قلبه فشقه فقال الطائر الأعلى أوعى قال وعى
قال أقبل قال أبى ونهض فأتبعهما بصره وقال
( لَبَّيْكُما لبيكما ... هأنذا لديكُما )
لا مال يغنيني ولا عشيرة تحميني
فرجع الطائر فوقع على صدره فشقه ثم أخرج قلبه فشقه فقال الطائر الأعلى أوعى قال وعى
قال أقبل أبى ونهض فأتبعهما بصره وقال
( لبَّيكما لبيكما ... هأنذا لديكما )
محفوف بالنعم محوط من الريب
قال فرجع الطائر فوقع على صدره فشقه وأخرج قلبه فشقه فقال الأعلى أوعى فقال وعى قال أقبل قال أبى قال ونهض فأتبعهما بصره وقال
( لَبَّيْكُما لبيكما ... هأنذا ليدكما )
( إنْ تَغْفِر اللهمَّ تُغْفِرْ جمّا ... وأيُّ عبدٍ لك لا ألَمَّا )
قالت أخته ثم انطبق السقف وجلس أمية يمسح صدره فقلت يا أخي هل تجد شيئا قال لا ولكني أجد حرا في صدري ثم أنشأ يقول
( ليتني كنتُ قبل ما قد بدا لي ... في قِنَانِ الجبالِ أَرْعَى الوُعولاَ )
( إجْعَلِ الموتَ نُصْبَ عينِك واحذَر ... غَوْلَةَ الدَّهْرِ إنّ للدّهر غُولاَ )
(4/135)

النبي شعره
حدثني محمد بن جرير الطبري قال حدثنا ابن حميد قال حدثني سلمة عن ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن عكرمة عن ابن عباس
أن رسول الله صدق أمية في قوله
( رَجُلٌ وثورٌ تحت رِجْلِ يَمِينه ... والنَّسْرُ للأُخرى وليثٌ مُرْصَدُ )
فقال رسول الله ( صدق )
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني حماد بن عبد الرحمن بن الفضل الحراني قال حدثنا أبو يوسف وليس بالقاضي عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي بمثل هذا
قول النبي إن كاد أمية ليسلم
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير قال حدثنا جعفر بن الحسين المهلبي قال حدثني إبراهيم بن إبراهيم بن أحمد عن عكرمة قال أنشد النبي قول أمية
( الحمدُ للهِ مُمْسانا ومُصْبَحَنا ... بالخير صَبَّحَنا ربِّي ومَسَّانا )
( رَبُّ الحنيفةِ لم تَنْفدْ خزائنُها ... مملوءةً طَبَّق الآفاقَ سُلْطَانا )
( ألاَ نبيَّ لنا مِنّا فيُخبِرَنا ... ما بعدَ غايتنا من رأس مَحْيانا )
( بينَا يُربِّيننا آباؤنا هَلَكُوا ... وبينما نَقْتَني الأولادَ أفنانا )
( وقد عَلِمْنا لَو أنّ العلمَ ينفعنا ... أنْ سوف يَلْحقُ أُخْرانا بأولانا )
(4/136)

فقال النبي ( إن كاد أمية ليسلم )
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أحمد بن معاوية قال حدثنا عبد الله بن أبي بكر وحدثنا خالد بن عمارة
أن أمية عتب على ابن له فأنشأ يقول
( غَذَوْتُك مولوداً ومُنْتُك يافعاً ... تعلُّ بما أجْني عليك وتَنْهلُ )
( إذا ليلةٌ نابَتْك بالشَّكْوِ لم أبِتْ ... لِشَكْواكَ إلاّ ساهراً أتَمَلْمَل )
( كأنِّي أنا المطروقُ دونَك بالَّذي ... طُرِقتَ به دُوني فعَيْنِي تَهْمُلُ )
( تخافُ الرَّدَى نفسي عليك وإِنَّني ... لأعلمُ أنّ الموتَ حَتْمٌ مُؤجَّلُ )
( فلمّا بلغتَ السِّنَّ والغايةَ التي ... إليها مَدى ما كنتُ فيك أُؤمِّلُ )
( جعلتَ جزائي غِلْظةً وفظاظةً ... كأنّك أنت المُنْعِمُ المُتَفضِّلُ )
قال الزبير قال أبو عمرو الشيباني قال أبو بكر الهذلي قال قلت لعكرمة ما رأيت من يبلغنا عن النبي أنه قال لأمية ( آمَنَ شِعْرُه وكَفَر قلبُه ) فقال هو حق
وما الذي أنكرتم من ذلك فقلت له أنكرنا قوله
( والشمسُ تطلعُ كلَّ آخرِ ليَلةٍ ... حمراءَ مَطْلعُ لوْنِها مُتَورِّدُ )
( تأبَى فلا تبدو لنا في رِسْلها ... إلاّ مُعَذَّبةً وإلاَّ تُجلَدُ )
فما شأن الشمس تجلد قال والذي نفسي بيده ما طلعت قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك يقولن لها اطلعي فتقول أأطلع على قوم يعبدونني من دون الله قال فيأتيها شيطان حين تستقبل الضياء يريد أن يصدها عن الطلوع فتطلع على قرنيه فيحرقه الله تحتها
وما غربت قط إلا خرت لله ساجدة فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن السجود فتغرب على قرنيه فيحرقه الله تحتها وذلك قول النبي
(4/137)

( تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان )
حدثني أحمد بن محمد بن الجعد قال حدثنا محمد بن عباد قال حدثنا سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد أنه سمع ابن حاضر يقول
اختلف ابن عباس وعمرو بن العاصي عند معاوية فقال ابن عباس ألا أغنيك قال بلى فأنشده
( والشمسُ تغربُ كلَّ آخرِ ليلةٍ ... في عين ذِي خُلُبٍ وتَأْطٍ حَرْمدِ )
أخباره في مرض موته
أخبرني الحرمي قال حدثنا عمي عن مصعب بن عثمان عن ثابت بن الزبير قال
لما مرض أمية مرضه الذي مات فيه جعل يقول قد دنا أجلي
وهذه المرضة منيتي وأنا أعلم أن الحنيفية حق ولكن الشك يداخلني في محمد
قال ولما دنت وفاته أغمي عليه قليلا ثم أفاق وهو يقول
( لَبَّيْكُما لبيكما ... هأنذا لديكما )
لا مال يفديني ولا عشيرة تنجيني ثم أغمي عليه أيضا بعد ساعة حتى ظن من حضره من أهله أنه قد قضى ثم أفاق وهو يقول
( لَبَّيْكٌما لبيكما ... هأنذا لديكما )
لا بريء فأعتذر ولا قوي فأنتصر
ثم إنه بقي يحدث من حضره ساعة ثم أغمي
(4/138)

عليه مثل المرتين الأوليين حتى يئسوا من حياته وأفاق وهو يقول
( لبّيكما لبيكما ... هأنذا لديكما )
محفوف بالنعم
( إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تغفرْ جَمّا ... وأيُّ عبدٍ لك لا ألمَّا )
ثم أقبل على القوم فقال قد جاء وقتي فكونوا في أهبتي وحدثهم قليلا حتى يئس القوم من مرضه وأنشأ يقول
( كلُّ عيشٍ وإنْ تطاوَل دَهْراً ... مُنْتَهى أمرِه إلى أن يَزُولاَ )
( ليتَني كنتُ قبل ما قد بدَا لي ... في رُؤوس الجبال أَرْعَى الوُعولاَ )
( اجْعَلِ الموتَ نُصْبَ عينيك واحذَر ... غَولَةَ الدّهر إنّ للدّهر غُولا )
ثم قضى نحبه ولم يؤمن بالنبي
وقد قيل في وفاة أمية غير هذا
أخبرني عبد العزيز بن أحمد عم أبي قال حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال
سمعت في خبر أمية بن أبي الصلت حين بعث النبي أنه أخذ بنتيه وهرب بهما إلى أقصى اليمن ثم عاد إلى الطائف فبينما هو يشرب مع إخوان له في قصر غيلان بالطائف وقد أودع ابنتيه اليمن ورجع إلى بلاد الطائف إذ سقط غراب على شرفة في القصر فنعب نعبة فقال أمية بفيك الكثكث وهو التراب فقال أصحابه ما يقول قال يقول إنك إذا شربت الكأس التي بيدك مت فقلت بفيك الكثكث ثم نعب نعبة أخرى فقال أمية نحو ذلك فقال أصحابه ما يقول قال زعم أنه يقع على هذه المزبلة أسفل القصر فيستثير
(4/139)

عظما فيبتلعه فيشجى به فيموت فقلت نحو ذلك
فوقع الغراب على المزبلة فأثار العظم فشجي به فمات فانكسر أمية ووضع الكأس من يده وتغير لونه
فقال له أصحابه ما أكثر ما سمعنا بمثل هذا وكان باطلا فألحوا عليه حتى شرب الكأس فمال في شق وأغمي عليه ثم أفاق ثم قال لا بريء فأعتذر ولا قوي فأنتصر ثم خرجت نفسه
صوت من المائة المختارة
( تَبَلتْ فؤادكَ في المنامِ خَرِيدةٌ ... تَشْفِي الضَّجِيعَ بباردٍ بَسّامِ )
( كالمِسْكِ تَخْلِطُه بماءِ سَحابةٍ ... أو عاتقٍ كدَمِ الذَّبيحِ مُدَامِ )
عروضه من - الكامل -
الشعر لحسان بن ثابت والغناء لموسى بن خارجة الكوفي ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر
وذكر حماد عن أبيه أن فيه لحنا لعزة الميلاء
وليس موسى بكثير الصنعة ولا مشهور ولا ممن خدم الخلفاء
(4/140)

أخبار حسان بن ثابت ونسبه
هو حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار واسمه تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة وهو العنقاء بن عمرو وإنما سمي العنقاء لطول عنقه وعمرو هو مزيقياء بن عامر بن ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق ابن ثعلبة البهلول بن مازن بن الأزد وهو ذرى وقيل ذراء ممدود بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان
قال مصعب الزبيري فيما أخبرنا به الحسن بن علي عن أحمد بن زهير عمه قال بنو عدي بن عمرو بن مالك بن النجار يسمون بني معالة
ومعالة أمه وهي امرأة من القين وإليها كانوا ينسبون
وأم حسان بن ثابت بن المنذر الفريعة بنت خالد بن قيس بن لوذان بن عبدود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج
وقيل إن اسم النجار تيم اللات وفي ذلك يقول حسان بن ثابت
( وأُمُّ ضِرَارٍ تَنْشُدُ النّاسَ وَالِهاً ... أمَا لابنَ تيْمِ اللهِ ماذا أَضَلَّتِ )
يعني ضرار بن عبد المطلب وكان ضل فنشدته أمه وإنما سماه رسول الله
(4/141)

تيم الله لأن الأنصار كانت تنسب إليه فكره أن يكون في أنسابها ذكر اللات
ويكنى حسان بن ثابت أبا الوليد
وهو فحل من فحول الشعراء
وقد قيل إنه أشعر أهل المدر
وكان أحد المعمرين من المخضرمين عمر مائة وعشرين سنة ستين في الجاهلية وستين في الإسلام
سنوات عمره الطويلة
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي عبيدة قال عاش ثابت ابن المنذر مائة وخمسين سنة وعاش حسان مائة وعشرين سنة
ومما يحقق ذلك ما أخبرني به الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن حسين عن إبراهيم بن محمد عن صالح بن إبراهيم عن يحيى بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن حسان بن ثابت قال إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان إذا بيهودي بيثرب يصرخ ذات غداة يا معشر يهود فلما اجتمعوا إليه قالوا ويلك مالك قال طلع نجم أحمد الذي يولد به في هذه الليلة
قال ثم أدركه اليهودي ولم يؤمن به
فهذا يدل على مدة عمره في الجاهلية لأنه ذكر أنه أدرك ليلة ولد النبي وله يومئذ ثمان سنين والنبي بعث وله أربعون سنة وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة فقدم المدينة ولحسان يومئذ على ما ذكره ستون سنة أو إحدى وستون سنة وحينئذ أسلم
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير بن بكار عن عبد الرحمن بن عبد الله قال حدثني ابن أبي الزناد قال
عمر حسان بن ثابت عشرين ومائة سنة ستين في الجاهلية وستين في الإسلام
(4/142)

قال أخبرني الحسن بن علي قال أخبرني أحمد بن زهير قال حدث سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار قال
رأيت حسان بن ثابت وله ناصية قد سدلها بين عينيه
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه قال
كان حسان بن ثابت يخضب شاربه وعنفقته بالحناء ولا يخضب سائر لحيته فقال له ابنه عبد الرحمن يا أبت لم تفعل هذا قال لأكون كأني أسد والغ في دم
بماذا أفضل الشعراء
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال
فضل حسان الشعراء بثلاث كان شاعر الأنصار في الجاهلية وشاعر النبي في النبوة وشاعر اليمن كلها في الإسلام
قال أبو عبيدة وأجمعت العرب على أن حسان أشعر أهل المدر
أخبرنا بذلك أيضا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة عن أبي عبيدة قال
اتفقت العرب على أن أشعر أهل المدر أهل يثرب ثم عبد القيس ثم ثقيف وعلى أن أشعر أهل يثرب حسان بن ثابت
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عفان قال حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال
(4/143)

جاء حسان إلى نفر فيهم أبو هريرة فقال أنشدك الله أسمعت رسول الله يقول أجب عني ثم قال اللهم أيده بروح القدس قال أبو هريرة اللهم نعم
عارض شعراء قريش
أخبرني حبيب بن نصر وأحمد بن عبد العزيز قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا أبي قال سمعت محمد بن سيرين قال أبو زيد وحدثنا هوذة بن خليفة قال حدثنا عوف عن محمد بن سيرين قال
كان يهجو رسول الله ثلاثة رهط من قريش عبد الله بن الزبعري وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعمرو بن العاصي فقال قائل لعلي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أهج عنا القوم الذين قد هجونا
فقال علي رضي الله عنه إن أذن لي رسول الله فعلت فقال رجل يا رسول الله ائذن لعلي كي يهجو عنا هؤلاء القوم الذين قد هجونا
قال ليس هناك أو ليس عنده ذلك ثم قال للأنصار ما منع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم فقال حسان بن ثابت أنا لها وأخذ بطرف لسانه وقال والله ما يسرني به مقول بين بصرى وصنعاء
فقال كيف تهجوهم وأنا منهم فقال إني أسلك منهم كما تسل الشعرة من العجين قال فكان يهجوهم ثلاثة من الأنصار حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة
فكان حسان وكعب
(4/144)

يعارضانهم بمثل قولهم بالوقائع والأيام والمآثر ويعيرانهم بالمثالب وكان عبد الله بن رواحة يعيرهم بالكفر
قال فكان في ذلك الزمان أشد القول عليهم قول حسان وكعب وأهون القول عليهم قول ابن رواحة
فلما أسلموا وفقهوا الإسلام كان أشد القول عليهم قول ابن رواحة
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي قال حدثنا أبو يونس القشيري وهو حاتم بن أبي صغيرة قال حدثنا سماك بن حرب قال
قال حسان أبو الحسام فقال يا رسول الله ائذن لي فيه وأخرج لسانا له أسود فقال يا رسول الله لو شئت لفريت به المزاد ائذن لي فيه
فقال اذهب إلى أبي بكر فليحدثك حديث القوم وأيامهم وأحسابهم ثم اهجهم وجبريل معك
قال أبو زيد قال ابن وهب وحدثنا بهذا الحديث حاتم عن السدي عن البراء بن عازب وعن سماك بن حرب فأنا أشك أهو عن أحدهما أم عنهما جميعا قال أبو زيد وحدثنا علي بن عاصم قال حدثنا حاتم بن أبي صغيرة عن سماك بن حرب بنحوه وزاد فيه فأخرج لسانه أسود فوضعه على طرف أرنبته وقال يا رسول الله لو شئت لفريت به المزاد فقال يا حسان وكيف وهو مني وأنا منه قال والله لأسلنه منك كما يسل الشعر من العجين قال يا
(4/145)

حسان فأت أبا بكر فإنه أعلم بأنساب القوم منك فأتى أبا بكر فأعلمه ما قال رسول الله فقال كف عن فلانة واذكر فلانة
فقال
( هَجَوْت محمداً فأجَبْتُ عنه ... وعندَ اللهِ في ذاك الجَزَاءُ )
( فإِنّ أَبي ووالدَه وعِرْضي ... لِعرِض محمد منكم وِقَاءُ )
أتهجوه و لستَ له بكُفْءٍ ... فشَرُّكُما لخيْرِكُما الفِدَاء )
قريش تتهم أبا بكر في شعر حسان
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا أحمد بن سليمان عن الأصمعي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال
لما أنشدت قريش شعر حسان قالت إن هذا الشتم ما غاب عن ابن أبي قحافة
قال الزبير وحدثني محمد بن يحيى عن يعقوب بن إسحاق بن مجمع عن رجل من بني العجلان قال
لما بلغ أهل مكة شعر حسان ولم يكونوا علموا أنه قوله جعلوا يقولون لقد قال أبو بكر الشعر بعدنا
قال الزبير وحدثني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن فضالة عن أبيه عن خالد بن محمد بن فضالة عن أبيه عن خالد بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس قال
نهى عمر بن الخطاب الناس أن ينشدوا شيئا من مناقضة الأنصار ومشركي قريش وقال في ذلك شتم الحي بالميت وتجديد الضغائن وقد هدم الله أمر الجاهلية بما جاء من الإسلام فقدم المدينة عبد الله بن الزبعري السهمي وضرار
(4/146)

ابن الخطاب الفهري ثم المحاربي فنزلا على أبي أحمد بن جحش وقالا له نحب أن ترسل إلى حسان بن ثابت حتى يأتيك فننشده وينشدنا مما قلنا له وقال لنا
فأرسل إليه فجاءه فقال له يا أبا الوليد هذان أخواك ابن الزبعري وضرار قد جاءا أن يسمعاك وتسمعهما ما قالا لك وقلت لهما
فقال ابن الزبعري وضرار نعم يا أبا الوليد إن شعرك كان يحتمل في الإسلام ولا يحتمل شعرنا وقد أحببنا أن نسمعك وتسمعنا
فقال حسان أفتبدآن أم أبدأ قالا نبدأ نحن
قال ابتدئا فأنشداه حتى فار فصار كالمرجل غضبا ثم استويا على راحلتيهما يريدان مكة فخرج حسان حتى دخل على عمر بن الخطاب فقص عليه قصتهما وقصته
فقال له عمر لن يذهبا عنك بشيء إن شاء الله وأرسل من يردهما وقال له عمر لو لم تدركهما إلا بمكة فارددهما علي
وخرجا فلما كانا بالروحاء رجع ضرار إلى صاحبه بكرة فقال له يا بن الزبعري أنا أعرف عمر وذبه عن الإسلام وأهله وأعرف حسان وقلة صبره على ما فعلنا به وكأني به قد جاء وشكا إليه ما فعلنا فأرسل في آثارنا وقال لرسوله إن لم تلحقهما إلا بمكة فارددهما علي فاربح بنا ترك العناء وأقم بنا مكاننا فإن كان الذي ظننت فالرجوع من الروحاء أسهل منه من أبعد منها وإن أخطأ ظني فذلك الذي نحب ونحن من وراء المضي
فقال ابن الزبعري نعم ما رأيت
قال فأقاما بالروحاء فما كان إلا كمر الطائر حتى وافاهما رسول عمر فردهما إليه فدعا لهما بحسان وعمر في جماعة من أصحاب رسول الله فقال لحسان أنشدهما مما قلت لهما فأنشدهما حتى فرغ مما قال لهما فوقف
فقال له عمر أفرغت قال نعم
فقال له أنشداك
(4/147)

في الخلاء وأنشدتهما في الملا
وقال لهما عمر إن شئتما فأقيما وإن شئتما فانصرفا
وقال لمن حضره إني قد كنت نهيتكم أن تذكروا مما كان بين المسلمين والمشركين شيئا دفعا للتضاغن عنكم وبث القبيح فيما بينكم فأما إذا أبوا فاكتبوه واحتفظوا به
فدونوا ذلك عندهم
قال خلاد بن محمد فأدركته والله وإن الأنصار لتجدده عندها إذا خافت بلاه
هجاؤه لأبي سفيان بن الحارث
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا عمران بن زيد قال سمعت أبا إسحاق قال في قصة حسان وأبي سفيان بن الحارث نحو ما ذكره مما قدمنا ذكره وزاد فيه فقال حسان فيه
( وإنّ سَنَامَ المَجْدِ من آلِ هاشمٍ ... بنو بِنْتِ مَخْزومٍ ووالدُك العَبْدُ )
( ومَنْ ولدتْ أبناء زُهْرةَ منكُم ... كرامٌُ ولم يَلْحَقْ عجائزَك المَجْدُ )
( وإنّ امْرَأً كانتْ سُمَيّةُ أُمَّهُ ... وسَمْراءُ مغلوبٌ إذا بَلَغ الجَهْدُ )
( وأنت هَجِينٌ نِيطَ في آل هاشمٍ ... كما نِيطَ خَلْفَ الرَّاكب القَدَحُ الفَرْدُ )
فقال العباس ومالي وما لحسان يعني في ذكره نتيلة فقال فيها
(4/148)

( ولَسْتَ كَعبَّاسٍ ولا كابن أُمِّهِ ... ولكن هَجِينٌ ليس يُورَى له زَنْدُ )
أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا القعنبي قال حدثنا مروان بن معاوية قال حدثنا إياس السلمي عن ابن بريدة قال
أعان جبريل عليه السلام حسان بن ثابت في مديح النبي بسبعين بيتا
النبي يمدح حسان وكعبا وابن رواحة
أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا محمد بن منصور قال حدثنا سعيد بن عامر قال حدثني جويرية بن أسماء قال
بلغني أن رسول الله قال أمرت عبد الله بن رواحة فقال وأحسن وأمرت كعب بن مالك فقال وأحسن وأمرت حسان بن ثابت فشفى واشتفى
أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا أحمد بن عيسى قال حدثنا ابن وهب قال أخبرنا عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن مروان بن عثمان ويعلى ابن شداد بن أوس عن عائشة قالت
سمعت رسول الله يقول لحسان بن ثابت الشاعر إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما كافحت عن الله عز و جل وعن رسول الله
أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا هوذة بن خليفة قال حدثنا عوف بن محمد قال
قال النبي ليلة وهو في سفر أين حسان بن ثابت فقال حسان لبيك يا رسول الله وسعديك
قال احْدُ فجعل ينشد ويصغي إليه النبي ويستمع فما زال يستمع إليه وهو سائق راحلته حتى كان رأس الراحلة يمس
(4/149)

الورك حتى فرغ من نشيده
فقال النبي ( لهذا أشد عليهم من وقع النبل )
رده على عمر عندما انتهره لانشاده في المسجد
أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا أبو عاصم النبيل قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرنا زياد بن أبي سهل قال حدثني سعيد بن المسيب
أن عمر مر بحسان بن ثابت وهو ينشد في مسجد رسول الله فانتهره عمر فقال حسان
قد أنشدت فيه من هو خير منك فانطلق عمر
أخبرنا أحمد قال حدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيب
أن عمر مر على حسان وهو ينشد في مسجد رسول الله فذكر مثله وزاد فيه وعلمت أنه يريد النبي
أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا محمد بن حاتم قال حدثنا شجاع بن الوليد عن الإفريقي عن مسلم بن يسار
أن عمر مر بحسان وهو ينشد الشعر في مسجد رسول الله فأخذ بأذنه وقال أرغاء كرغاء البعير فقال حسان دعنا عنك يا عمر فوالله لتعلم أني كنت أنشد في هذا المسجد من هو خير منك فلا يغير علي فصدقه عمر
مدح الزبير بن العوام
حدثنا محمد بن جرير الطبري والحرمي بن أبي العلاء وعبد العزيز بن أحمد عم أبي وجماعة غيرهم قالوا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا أبو غزية محمد بن موسى قال حدثني عبد الله بن مصعب عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن
(4/150)

جدتها أسماء بنت أبي بكر قالت
مر الزبير بن العوام بمجلس من أصحاب رسول الله وحسان بن ثابت ينشدهم من شعره وهم غير نشاط لما يسمعون منه فجلس معهم الزبير فقال مالي أراكم غير آذنين لما تسمعون من شعر ابن الفريعة فلقد كان يعرض لرسول الله فيحسن استماعه ويجزل عليه ثوابه ولا يشتغل عنه بشيء
فقال حسان
( أقامَ على عهد النبيّ وهَدْيِهِ ... حَوَاريُّه والقَوْلُ بالفِعْل يُعْدَلُ )
( أقامَ على مِنْهاجِه وطَرِيقِهِ ... يَوالِي وَلِيَّ الحقِّ والحَقُّ أعدل )
( هو الفارسُ المشهورُ والبَطَلُ الذي ... يَصُولُ إذا ما كان يومٌ مُحَجَّلِ )
( إذا كَشَفتْ عن ساقها الحربُ حَشَّها ... بأبيض سَباقٍ إلى الموتِ يُرْقِل )
( وإنَّ امرأً كانتْ صَفِيةُ أُمَّةُ ... ومِنْ أَسَدٍ في بيتها لمَرَفَّلُ )
( له من رسول الله قُربَى قريبةٌ ... ومِنْ نُصْرة الإِسلامِ نصرٌ مُؤَثَّلُ )
( فكَمْ كُرْبةٍ ذَبَّ الزُّبَيْرُ بسيفه ... عَنِ المصطفى واللهٌ يُعْطِي فيُجْزِلُ )
( فما مثلُه فيهم ولا كان قبلَه ... وليس يكون الدَّهْرَ ما دام يَذْبُلُ )
( ثناؤك خيرٌ من فِعال مَعَاشِرٍ ... وفِعْلُك يابنَ الهاشميّة أفضلُ )
(4/151)

النبي يختاره لحماية أعراض المسلمين
أخبرني أحمد بن عيسى العجلي قال حدثنا واصل بن عبد الأعلى قال حدثنا ابن فضيل عن مجالد عن الشعبي قال
لما كان عام الأحزاب وردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا قال النبي ( من يحمي أعراض المسلمين ) فقال كعب أنا يا رسول الله وقال عبد الله ابن رواحة أنا رسول الله وقال حسان بن ثابت أنا يا رسول الله فقال نعم أهجهم أنت فإنه سيعينك عليهم روح القدس
أخبرني أحمد بن عبد الرحمن قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو داود قال حدثنا حديج بن معاوية عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير قال
كنا عند ابن عباس فجاء حسان فقالوا قد جاء اللعين
فقال ابن عباس ما هو بلعين لقد نصر رسول الله بلسانه ويده
حدثنيه أحمد بن الجعد قال حدثنا محمد بن بكار قال حدثنا حديج بن معاوية قال حدثنا أبو إسحاق عن سعيد بن جبير قال
جاء رجل إلى ابن عباس فقال قد جاء اللعين حسان من الشام
فقال ابن عباس ما هو بلعين لقد جاهد مع رسول الله بلسانه ونفسه
حسان يجيب شاعر وفد تميم
أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا عبد الله بن عمرو وشريح بن النعمان قالا حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت
لما قدم وفد بني تميم وضع النبي لحسان منبرا وأجلسه عليه وقال إن الله ليؤيد حسان بروح القدس ما كافح عن نبيه
هكذا روى أبو زيد هذا
(4/152)

الخبر مختصرا
وأتينا به على تمامه هاهنا لأن ذلك حسن فيه أخبرنا به الحسن ابن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد بن الضحاك عن أبيه قال
قدم على النبي وفد بني تميم وهم سبعون أو ثمانون رجلا فيهم الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر وعطارد بن حاجب وقيس بن عاصم وعمرو بن الأهتم وانطلق معهم عيينة بن حصن فقدموا المدينة فدخلوا المسجد فوقفوا عند الحجرات فنادو بصوت عال جاف أخرج إلينا يا محمد فقد جئنا لنفاخرك وقد جئنا بشاعرنا وخطيبنا فخرج إليهم رسول الله فجلس
فقام الأقرع بن حابس فقال والله إن مدحي لزين وإن ذمي لشين
فقال النبي ذلك الله
فقالوا إنا أكرم العرب
فقال رسول الله أكرم منكم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام
فقالوا ايذن لشاعرنا وخطيبنا
فقام رسول الله فجلس وجلس معه الناس فقام عطارد بن حاجب فقال
الحمد لله الذي له الفضل علينا وهو أهله الذي جعلنا ملوكا وجعلنا أعز أهل المشرق وأتانا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف ليس في الناس مثلنا ألسنا برؤوس الناس وذوي فضلهم فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا ولو نشاء لأكثرنا
(4/153)

ولكنا نستحي من الإكثار فيما خولنا الله وأعطانا
أقول هذا فأتوا بقول أفضل من قولنا أو أمر أبين من أمرنا ثم جلس
فقام ثابت بن قيس بن شماس فقال الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه قضى فيهن أمره ووسع كرسيه علمه ولم يقض شيئا إلا من فضله وقدرته فكان من قدرته أن اصطفى من خلقه لنا رسولا أكرمهم حسبا وأصدقهم حديثا وأحسنهم رأيا فأنزل عليه كتابا وأتمنه على خلقه وكان خيرة الله من العالمين
ثم دعا رسول الله إلى الإيمان فأجابه من قومه وذوي رحمه المهاجرين أكرم الناس أنسابا وأصبح الناس وجوها وأفضل الناس فعالا
ثم كان أول من اتبع رسول الله من العرب واستجاب له نحن معشر الأنصار فنحن أنصار الله ووزراء رسوله نقاتل الناس حتى يؤمنوا ويقولوا لا إله إلا الله
فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه
ومن كفر بالله ورسوله جاهدناه في الله وكان جهاده علينا يسيرا
أقول قولي هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات
فقام الزبرقان فقال
( نحنُ الملوكُ فلا حيٌّ يُقَارِبُنا ... مِنّا الملوكُ وفينا يُؤْخَذُ الرُّبًعُ )
( تلك المكارمُ حُزْنَاها مُقَارَعةً ... إذا الكرامُ على أمثالها اقترعوا )
( كَمْ قد نَشَدْنا مِنَ الأحياءِ كُلِّهمُ ... عند النِّهاب وفضلُ العِزِّ يُتَّبَعُ )
(4/154)

( ونَنْحَرُ الكُومَ عُبْطاً في مَنازلنا ... للنازلين إِذا ما اسْتَطْعَموا شَبِعوا )
( ونحن نُطْعِم عند المَحْلِ ما أكلوا ... من العَبِيطِ إذا لم يَظْهَرِ القَزَعُ )
( وننصر الناسَ تأتينا سَرَاتُهُمُ ... مِنْ كُلِّ أوْبٍ فتَمْضِي ثم تُتَّبَعُ )
فأرسل رسول الله إلى حسان بن ثابت فجاء فأمره أن يجيبه
فقال حسان
( إنّ الذوائبَ مِنْ فِهْرٍ وإخْوَتِهمْ ... قد بَيَّنُوا سُنَّةً للنّاسِ تُتَّبَعُ )
( يَرْضَى بها كلُّ مَنْ كانت سريرتُه ... تَقْوَى الإِلهِ وبالأمرِ الذي شَرَعُوا )
( قومٌ إذا حاربوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمُ ... أو حاولوا النَّفْع في أَشياعهم نَفَعُوا )
( سجِيَّةٌ تلك منهم غيرُ مُحْدَثَةٍ ... إنّ الخلائقَ فاعلَمْ شَرُّها البِدَع )
( لا يَرْقَعُ النّاسُ ما أوهتْ أكُفُّهُمُ ... عند الدِّفاع ولا يُوهُون ما رَقَعوا )
( إنْ كان في الناسِ سَبَّاقون بعدَهُمُ ... فكُلُّ سَبْقٍ لأدْنَى سَبْقِهِمْ تَبَعُ )
( أعفَّةٌ ذُكِرَتْ في الوَحْي عِفَّتُهمْ ... لا يَطْمَعون ولا يُزْري بهم طَمَعُ )
( ولا يَضِنُّونَ عن جارٍ بِفَضْلِهِمُ ... ولا يَمَسُّهُمُ مِنْ مَطْمَعٍ طَبَعُ )
( يَسْمُون للحرب تبدو وهي كالحةٌ ... إذا الزَّعَانِفُ من أظفارِها خَشَعُوا )
( لا يَفْرَحون إذا نالوا عَدُوَّهُمُ ... وإنُ أصيبوا فلا خُورٌ ولا جُزُعُ )
( كأنَّهم في الوَغَى والموتُ مُكتَنِعٌ ... أُسُودُ بِيشَةَ في أرساغها فَدَعُ )
(4/155)

( خُذْ منهمُ ما أتى عَفْواً وإنْ مَنَعُوا ... فلا يَكُنْ هَمُّكَ الأمرَ الذي مَنَعُوا )
( فإِنّ في حَرْبِهم فاتْرُكْ عداوتَهم ... سُماًّ يُخَاض عليه الصَّابُ والسَّلَعُ )
( أَكْرِمْ بَقْومٍ رسولُ الله قائدُهُمْ ... إذا تَفَرّقَتِ الأهواءُ والشِّيَعُ )
( أَهْدَى لهم مِدَحِي قلبٌ يؤازِرُهُ ... فيما أراد لسانٌ حائِكٌ صَنَعُ )
( فإِنّهم أفضلُ الأحياء كلِّهِمُ ... إنْ جَدّ بالناس جِدُّ القولِ أو شَمَعُوا )
فقام عطارد بن حاجب فقال
( أتيناك كيما يعلمَ الناسُ فضلنَا ... إذا اجتمعوا وقتَ احتضارِ المَوَاسِم )
( بأنّا فُروعُ الناسِ في كلِّ موطنٍ ... وأنْ ليس في أرض الحجاز كَدَارِمِ )
فقام حسان بن ثابت فقال
( مَنَعْنا رسولَ الله من غَضَبٍ له ... على أَنْفِ راضٍ من مَعَدٍّ وراغمِ )
( هَلِ المجدُ إلاّ السُّؤْدُدُ العَوْدُ والنَّدَى ... وجاهُ الملوكِ واحتمالُ العظائِم )
قال فقال الأقرع بن حابس والله إن هذا الرجل لمؤتى له والله لشاعره أشعر من شاعرنا ولخطيبه أخطب من خطيبنا ولأصواتهم أرفع من أصواتنا أعطني
(4/156)

يا محمد فأعطاه
فقال زدني فزاده
فقال اللهم إنه سيد العرب
فنزلت فيهم ( إِنَّ الَّذينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) ثم إن القوم أسلموا وأقاموا عند النبي يتعلمون القرآن ويتفقهون في الدين
ثم أرادوا الخروج إلى قومهم فأعطاهم رسول الله وكساهم وقال ( أما بقي منكم أحد ) وكان عمرو بن الأهتم في ركابهم فقال قيس بن عاصم وهو من رهطه وكان مشاحنا له لم يبق أحد إلا غلام حديث السن في ركابنا فأعطاه رسول الله مثل ما أعطاهم
فبلغ عمرا ما قال قيس فقال عمرو بن الأهتم لقيس
( ظَلِلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْباء تَشْتُمني ... عند الرسول فلم تَصْدُقْ ولم تُصِبِ )
( إنْ تُبْغِضونا فإِنَّ الرُّومَ أصلُكُمُ ... والرومُ لا تملِك البغضاء للعَرَبِ )
( فإِنَّ سُؤْدُدَنا عَوْدٌ وسُؤْددكم ... مُؤَخَّرٌ عند أصل العَجْبِ والذَّنَبِ )
فقال له قيس
( لولاَ دفاعي كنتمُ أَعْبُدَّاً ... دَارُكُم الحِيرةُ والسَّيْلَحُونْ )
شعره الذي يقرر به إيمانه بالرسل
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني عمر بن علي بن مقدم عن يحيى بن سعيد عن أبي حيان التيمي عن حبيب ابن أبي ثابت قال أبو زيد وحدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير قال حدثنا مسعر عن سعد بن إبراهيم قالوا
(4/157)

قال حسان بن ثابت للنبي
صوت
( شَهِدتُ بإِذن الله أن محمداً ... رسولُ الذي فوق السّمواتِ من عَلُ )
( وأنَّ أخا الأحقاف إِذ يَعْذُلونه ... يقومُ بدِين الله فيهم فيَعدِلُ )
( وأنَّ أبا يحيى ويحيى كِلاهما ... له عَمَلٌ في دينِه مُتَقَبَّلُ )
( وأنّ الذي عادَى اليهودَ ابَن مَرْيَمٍ ... رسولٌ أتَى من عند ذي العرش مُرْسَلُ )
( وأنَّ الذي بالجِزْعِ من بطن نَخْلةٍ ... ومَنْ دونَها فِلٌّ من الخير مَعْزِلُ )
غنى في هذه الأبيات معبد خفيف ثقيل أول بالبنصر من رواية يونس وغيره فقال النبي ( أنا أشهد معك )
أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا زهير بن حرب قال حدثني جرير عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق وأخبرني بها أحمد بن عيسى العجلي
(4/158)

قال حدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال
دخلت على عائشة وعندها حسان وهو يرثي بنتا له وهو يقول
( رَزَانٌ حَصَانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وتُصْبحُ غَرْثَى من لُحوم الغَوَافِل )
فقالت عائشة لكن أنت لست كذلك
فقلت لها أيدخل عليك هذا وقد قال الله عز و جل ( وَالَّذي تَوَلَّى كِبْرَهُ منْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) فقالت أما تراه في عذاب عظيم قد ذهب بصره
تنبأ بوقعة صفين قبل وقوعها
أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا ابن أبي أويس قال حدثني أبي ومالك بن الربيع بن مالك حدثاني جميعا عن الربيع بن مالك بن أبي عامر عن أبيه أنه قال
بينا نحن جلوس عند حسان بن ثابت وحسان مضطجع مسند رجليه إلى فارع قد رفعهما عليه إذ قال مه أما رأيتم ما مر بكم الساعة قال مالك
(4/159)

قلنا لا والله وما هو فقال حسان فاختة مرت الساعة بيني وبين فارع فصدمتني أو قال فزحمتني
قال قلنا وما هي قال
( ستأتيكمُ غَدْواً أحاديثُ جَمَّةٌ ... فأَصغُوا لها آذانَكم وتَسَمَّعُوا )
قال مالك بن أبي عامر فصبحنا من الغد حديث صفين
أخبرنا وكيع قال حدثنا الليث بن محمد عن الحنظلي عن أبي عبدة عن العلاء بن جزء العنبري قال
بينا حسان بن ثابت بالخيف وهو مكفوف إذ زفر زفرة ثم قال
( وكأنَّ حافَرها بكلِّ خَمِيلةٍ ... صاعٌ يَكِيلُ به شحيحٌ مُعْدمُ )
( عارِي الأَشَاجِعِ من ثَقِيفٍ أصلُه ... عبدٌ ويزعمُ أنَّه مِنْ يَقْدُم )
قال والمغيرة بن شعبة جالس قريبا منه يسمع ما يقول فبعث إليه بخمسة آلاف درهم
فقال من بعث بهذا قال المغيرة بن شعبة سمع ما قلت
قال واسوءتاه وقبلها
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني الأصمعي قال
(4/160)

جاء الحارث بن عوف بن أبي حارثة إلى النبي فقال أجرني من شعر حسان فلو مزج البحر بشعره لمزجه قال وكان السبب في ذلك فيما أخبرني به أحمد ابن عبد العزيز عن عمر بن شبة عن الأصمعي وأخبرني به الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي مصعب أن الحارث بن عوف أتى رسول الله فقال ابعث معي من يدعو إلى دينك وأنا له جار
فأرسل معه رجلا من الأنصار
فغدرت بالحارث عشيرته فقتلوا الأنصاري فقدم الحارث على رسول الله وكان لا يؤنب أحدا في وجهه فقال ( ادعوا لي حسان ) فدعي له
فلما رأى الحارث أنشده
( يا حَارِ مَنْ يَغْدِرْ بذِمّة جارِه ... منكُمْ فإِنّ محمداً لم يَغْدِرِ )
( إنْ تَغْدِرُوا فالغَدْرُ منكم شِيمةٌ ... والغدرُ ينبتُ في أُصول السَّخْبَر )
فقال الحارث اكففه عني يا محمد وأؤدي إليك دية الخفارة فأدى إلى النبي سبعين عشراء وكذلك دية الخفارة وقال يا محمد أنا عائذ بك من شره فلو مزج البحر بشعره مزجه
النبي يعوضه بعد أن ضربه ابن المعطل
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إبراهيم بن المنذر قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرنا العطاف بن خالد قال
كان حسان بن ثابت يجلس إلى أطمه فارع ويجلس معه أصحاب له ويضع لهم بساطا يجلسون عليه فقال يوما وهو يرى كثرة من يأتي إلى النبي من العرب فيسلمون
(4/161)

( أرَى الجَلاَبيبَ قد عَزُّوا وقد كَثُروا ... وابنُ الفُرَيْعَةِ أمسَى بَيْضَة البَلَد )
فبلغ ذلك رسول الله فقال ( من لي بأصحاب البساط بفارع )
فقال صفوان بن المعطل أنا لك يا رسول الله منهم فخرج إليهم فاخترط سيفه فلما رأوه عرفوا الشر في وجهه ففروا وتبددوا وأدرك حسان داخلا بيته فضربه وفلق أليته
قال فبلغنا أن النبي عوضه وأعطاه حائطا فباعه من معاوية بعد ذلك بمال كثير فبناه معاوية قصرا وهو الذي يقال له قصر الدارين
وقد قيل إن صفوان بن المعطل إنما ضرب حسان لما قاله فيه وفي عائشة زوج النبي من الإفك لأن صفوان هو الذي رمى أهل الإفك عائشة به
وأخبرنا محمد بن جرير قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة قال
اعترض صفوان بن المعطل حسان بن ثابت بالسيف لما قذفه به من الإفك حين بلغه ما قاله
وقد كان حسان قال شعرا يعرض بابن المعطل وبمن أسلم من العرب من مضر فقال
(4/162)

( أمَسى الجَلاَبِيبُ قد عَزُّوا وقد كَثُروا ... وابنُ الفُرَيْعةِ أمَسى بَيْضَةَ البَلَدِ )
( قد ثَكِلَتْ أُمُّه مَنْ كنتُ صاحبهَ ... أو كان مُنْتَشِباً في بُرْثُنِ الأسَدِ )
( ما للقتيل الذي أعدُوا فآخُذُه ... من دِيةٍ فيه أُعْطِيها ولا قَوَدِ )
( ما البحرُ حين تَهُبُّ الرِّيحُ شَامِيةً ... فَيَغْطئلُّ ويَرْمي العِبْرَ بالزَّبَدِ )
( يوماً بأغلبَ منِّي حين تُبْصِرُني ... بالسيف أفْرِي كفَرْي العَارِضِ البَرِدِ )
فاعترضه صفوان بن المعطل بالسيف فضربه وقال
( تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيْفِ عنِّي فإِنّني ... غلامٌ إذا هُوجِيتُ لستُ بشاعر )
وحدثنا محمد بن جرير وقال حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي
أن ثابت بن قيس بن الشماس أخا بلحارث بن الخزرج وثب على صفوان ابن المعطل في ضربه حسان فجمع يديه على عنقه فانطلق به إلى دار بني الحارث ابن الخزرج فلقيه عبد الله بن رواحة فقال ما هذا فقال ألا أعجبك ضرب حسان بالسيف والله ما أراه إلا قد قتله
فقال له عبد الله بن رواحة هل علم رسول الله بشيء من هذا قال لا والله
قال لقد اجترأت أطلق الرجل فأطلقه
ثم أتوا رسول الله فذكر ذلك له فدعا حسان وصفوان بن المعطل فقال ابن المعطل يا رسول الله آذاني وهجاني فضربته
فقال رسول الله لحسان ( يا حسان أتعيب على قومي أن هداهم الله عز و جل للإسلام ) ثم قال
(4/163)

( أحسن يا حسان في الذي أصابك ) قال هي لك يا رسول الله
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني المدائني قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن إسحاق عن أبيه إسحاق بن يسار عن بعض رجال بني النجار بمثل ذلك وزاد في الشعر الذي قاله حسان زيادة ووافقه عليها مصعب الزبيري فيما أخبرنا به الحسن بن علي قال قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب في القصة فذكر أن فتية من المهاجرين والأنصار تنازعوا على الماء وهم يسقون خيولهم فغضب من ذلك حسان فقال هذا الشعر
وذكر الزهري فيما أخبرنا أحمد بن يحيى بن الجعد قال حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي قال حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري أن هذا الخبر كان بعد غزوة النبي المصطلق قال
وكان في أصحاب رسول الله رجل يقال له سنان ورجل من بني غفار يقال له جهجاه فخرج جهجاه بفرس لرسول الله وفرس له يومئذ يسقيهما فأوردهما الماء فوجد على الماء فتية من الأنصار فتنازعوا فاقتتلوا فقال عبد الله ابن أبي ابن سلول هذا ما جزونا به آويناهم ثم هم يقاتلوننا وبلغ حسان بن ثابت الذي بين جهجاه وبين الفتية الأنصار فقال وهو يريد المهاجرين من القبائل قدموا على رسول الله في الإسلام وهذا الشعر من رواية مصعب دون الزهري
(4/164)

( أمسى الجلابيبُ قد عَزُّوا وقد كَثُروا ... وابنُ الفُرَيعةِ أمسى بيضةَ البَلَدِ )
( يمشون بالقول سِرّاً في مُهَادَنةٍ ... تَهَدُّداً لي كأنَّي لستُ مْن أحَدِ )
( قد ثَكِلْت أُمُّه مَنْ كنتُ صاحَبه ... أو كان مُنْتِشباً في بُرْثُن الأسَدِ )
( ما للقتيل الذي أسموا فأقتُلُه ... من دِيَةٍ فيه أُعْطِيها ولا قَوَدِ )
( ما البحرُ حين تَهُبُّ الريحُ شاميةً ... فَيْغْطَئلُّ ويَرْمى العِبْرَ بالزَّبّدِ )
( يوماً بأغلَب منِّي حين تُبْصِرُني ... أفْرِي من الغَيْظِ فَرْيَ العَارِضِ البَرِدِ )
( أمّا قريشٌ فإِنِّي لستُ تاركَهم ... حتى يُنِيبُوا مِنَ الغَيَّاتِ بالرَّشَدِ )
( ويتركوا اللاَّتَ والعُزَّى بمَعْزِلَةٍ ... ويَسْجُدوا كلَّهم للواحد الصَّمّدِ )
( ويَشْهَدوا أنَّ ما قال الرسولُ لهم ... حقٌّ ويُوفُوا بعهد الله في سَدَدِ )
( أبْلِغْ بَنيّ بأنِّي قد تركتُ لهم ... من خير ما تَرَك الآباء للوَلَدِّ )
( الدّارُ واسطةٌ والنخلُ شارعةٌ ... والبِيضُ يَرْفُلْنَ في القَسّيّ كالبَرَد )
قال فقال رسول الله ( يا حسان نفست علي إسلام قومي وأغضبه كلامه
فغدا صفوان بن المعطل السلمي على حسان فضربه بالسيف
وقال صفوان
( تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيْفِ عنِّي فإِنني ... غلامٌ إذا هُوجِيتُ لستُ بشاعرِ )
فوثب قومه على صفوان فحبسوه ثم جاؤوا سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي حزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج بن حارثة ابن ثعلبة بن عمرو بن عامر وهو مقبل على ناضحه بين القربتين فذكروا له ما
(4/165)

فعل حسان وما فعلوا فقال أشاورتم في ذلك رسول الله قالوا لا
فقعد إلى الأرض
وقال وانقطاع ظهراه أتأخذون بأيديكم ورسول الله بين ظهرانيكم ودعا بصفوان فأتي به فكساه وخلاه
فجاء إلى النبي فقال له رسول الله ( من كساك كساه الله )
وقال حسان لأصحابه احملوني إلى رسول الله أترضاه ففعلوا فأعرض عنه رسول الله فردوه
ثم سألهم فحملوه إليه الثانية فأعرض عنه رسول الله فانصرفوا به
ثم قال لهم عودوا بي إلى رسول الله فقالوا له قد جئنا بك مرتين كل ذلك يعرض فلا نبرمه بك
فقال احملوني إليه هذه المرة وحدها ففعلوا
فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي احفظ قولي
( هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه ... وعند اللهِ في ذاك الجزاءُ )
( فإِنّ أبي ووالدَه وعِرْضِي ... لِعرِض محمد منكم وقاءُ )
فرضي عنه رسول الله ووهب له سيرين أخت مارية أم ولد رسول الله إبراهيم
هذه رواية مصعب
وأما الزهري فإنه ذكر أن رسول الله لما بلغه ضرب السلمي حسان قال لهم ( خذوه فإن هلك حسان فاقتلوه )
فأخذوه فأسروه وأوثقوه فبلغ ذلك سعد بن عبادة فخرج في قومه إليهم فقال أرسلوا الرجل فأبوا عليه فقال أعمدتم إلى قوم رسول الله تؤذونهم وتشتمونهم وقد زعمتم أنكم نصرتموهم أرسلوا الرجل فأبوا عليه حتى كاد يكون قتال ثم أرسلوه
فخرج به سعد إلى أهله فكساه حلة ثم أرسله سعد إلى أهله
فبلغنا أن النبي دخل المسجد ليصلي فيه فقال ( من كساك كساه الله من ثياب الجنة )
فقال كساني سعد بن عبادة
وذكر باقي الخبر نحوه
الاعتذار عما رمى عائشة به
وحدثني محمد بن جرير الطبري قال حدثني ابن حميد قال حدثنا سلمة عن
(4/166)

ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث
أن رسول الله أعطاه عوضا منها بيرحاء وهي قصر بني جديلة اليوم بالمدينة كانت مالا لأبي طلحة بن سهل تصدق بها إلى رسول الله فأعطاه حسان في ضربته وأعطاه سيرين أمة قبطية فولدت له عبد الرحمن بن حسان
قال وكانت عائشة تقول لقد سئل عن صفوان بن المعطل فإذا هو حصور لا يأتي النساء قتل بعد ذلك شهيدا
قال ابن إسحاق في روايته عن يعقوب بن عتبة فقال حسان يعتذر من الذي قال في عائشة
( حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ برِيبَةٍ ... وتُصْبِحُ غَرْثَى من لُحومِ الغَوَافِل )
( فإِنْ كنتُ قد قلتُ الذي قد زعمتُمُ ... فلا رفعتُ سَوْطِي إليَّ أنَامِلِي )
( وكيف ووُدِّي من قديمٍ ونُصْرَتي ... لآِلِ رسولِ الله زَيْنِ المَحَافل )
( فإِنّ الَّذي قد قِيل ليس بِلائَطٍ ... ولكنّه قولُ امرىءٍ بيَ مَاحِلِ )
قال الزبير وحدثني محمد بن الضحاك أن رجلا هجا حسان بن ثابت بما فعل به ابن المعطل فقال
( وإنّ ابَن المُعَطَّلِ من سُلَيْمٍ ... أَذَلَّ قِيادَ رَأْسِك بالخِطَامِ )
(4/167)

دفاع عائشة عنه
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرنا أبو عاصم قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرني محمد بن السائب عن أمه أنها طافت مع عائشة ومعها أم حكيم وعاتكة امرأتان من بني مخزوم
قالت فابتدرنا حسان نشتمه وهو يطوف فقالت ابن الفريعة تسببن قلن قد قال فيك فبراك الله
قالت فأين قوله
( هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه ... وعند الله في ذاك الجَزاءُ )
( فإِنّ أبي ووالدَه وعِرْضِي ... لِعِرْضْ محمدٍ منكم وِقَاءُ )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا إبراهيم بن المنذر عن سفيان بن عيينة عن محمد بن السائب بن بركة عن أمه
نحو ذلك وزاد فيه إني لأرجو أن يدخله الله الجنة بقوله
أخبرني الحسن قال حدثنا الزبير عن عبد العزيز بن عمران عن سفيان بن عيينة وسلم بن خالد عن يوسف بن ماهك عن أمه قالت
كنت أطوف مع عائشة بالبيت فذكرت حسان فسببته فقالت بئس ما قلت أتسبينه وهو الذي يقول
( فإِنّ أبي ووالده وعِرْضِي ... لِعِرْضِ محمدٍ منكم وِقَاءُ )
فقلت أليس ممن لعن الله في الدنيا والآخرة بما قال فيك قالت لم يقل شيئا ولكنه الذي يقول
( حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنّ بريبةٍ ... وتُصْبِحُ غَرْثَى من لُحومِ الغَوَافِلِ )
فإِنْ كان ما قد جاء عَنِّي قلتُه ... فلا رفعتْ سَوْطِي إليَّ أناملي )
أخبرني الحسن قال حدثنا الزبير قال حدثني مصعب عمي قال حدثني بعض أصحابنا عن هشام بن عروة عن أبيه قال
(4/168)

كنت قاعدا عند عائشة فمر بجنازة حسان بن ثابت فنلت منه فقالت مهلا فقلت أليس الذي يقول قالت فكيف بقوله
( فإِنّ أبي ووالدَه وعِرْضي ... لِعِرْض محمدٍ منكم وِقاءُ )
أخبرني الحسن قال حدثنا أحمد قال حدثني أحمد بن سلمان عن سلمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين
أن حسان أخذ يوما بطرف لسانه وقال يا رسول الله ما يسرني أن لي به مقولا بين صنعاء وبصرى ثم قال
( لِساني مِغْوَلٌ لا عيبَ فيه ... وبَحْرِي ما تُكَدِّرُه الدِّلاَءُ )
أخبرنا محمد بن جرير قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال
كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت يعني يوم الخندق
قالت وكان حسان معنا فيه والنساء والصبيان
قالت فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله ليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ورسول الله والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم إذ أتانا آت
قالت فقلت يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وإني والله ما آمنه أن يدل على عوراتنا من وراءنا من يهود وقد شغل عنا رسول الله وأصحابه فانزل إليه فاقتله فقال يغفر الله لك يابنة عبد المطلب لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا
(4/169)

قالت فلما قال ذلك ولم أر عنده شيئا احتجزت ثم أخذت عمودا ثم نزلت إليه من الحصن فضربته بالعمود حتى قتلته فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل قال مالي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب
رواية عن جبنه
وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير قال حدثنا علي بن صالح عن جدي عبد الله بن مصعب عن أبيه قال
كان ابن الزبير يحدث أنه كان في فارع أطم حسان بن ثابت مع النساء يوم الخندق ومعهم عمر بن أبي سلمة
قال ابن الزبير ومعنا حسان بن ثابت ضاربا وتدا في آخر الأطم فإذا حمل أصحاب رسول الله على المشركين حمل على الوتد فضربه بالسيف وإذا أقبل المشركون انحاز عن الوتد حتى كأنه يقاتل قرنا يتشبه بهم كأنه يري أنه مجاهد حين جبن
وإني لأظلم ابن أبي سلمة وهو أكبر مني بسنيتن فأقول له تحملني على عنقك حتى أنظر فإني أحملك إذا نزلت قال فإذا حملني ثم سألني أن يركب قلت له هذه المرة أيضا
قال وإني لأنظر إلى أبي معلما بصفرة فأخبرتها أبي بعد فقال أين كنت حينئذ فقلت على عنق ابن أبي سلمة يحملني فقال أما والذي نفسي بيده إن رسول الله ليجمع إلى أبويه
قال ابن الزبير وجاء يهودي يرتقي إلى الحصن
فقالت صفية له أعطني السيف فأعطاها فلما ارتقى اليهودي ضربته حتى قتلته ثم احتزت رأسه
(4/170)

فأعطته حسان وقالت طوح به فإن الرجل أقوى وأشد رمية من المرأة
تريد أن ترعب به أصحابه
قال الزبير وحدثني عمي عن الواقدي قال كان أكحل حسان قد قطع فلم يكن يضرب بيده
تغنى بشجاعة النبي
قال الزبير وحدثني علي بن صالح عن جدي أنه سمع أن حسان بن ثابت أنشد رسول الله
( لقد غدوتُ أمامَ القوم مُنْتطِقاً ... بِصَارِمٍ مِثْلِ لوْنِ المِلْحِ قَطَّاعِ )
( يَحْفِزُ عنِّي نجادَ السيفِ سابغةٌ ... فَضْفَاضةٌ مثل لَوْنِ النِّهْي بالقَاعِ )
قال فضحك رسول الله فظن حسان أنه ضحك من صفته نفسه مع جبنه
قال الزبير وحدثني محمد بن الحسن قال
قال حسان بن ثابت جئت نابغة بني ذبيان فوجدت الخنساء بنت
(4/171)

عمرو حين قامت من عنده فأنشدته فقال إنك لشاعر وإن أخت بني سليم لبكاءة
الحطيئة يجيبه بما لم يرضه
قال الزبير وحدثني يحيى بن طلحة بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال أخبرني غير واحد من مشايخي
أن الحطيئة وقف على حسان بن ثابت وحسان ينشد من شعره فقال له حسان وهو لا يعرفه كيف تسمع هذا الشعر يا أعرابي قال الحطيئة لا أرى به بأسا
فغضب حسان قولا اسمعوا إلى كلام هذا الأعرابي ما كنيتك قال أبو مليكة
قال ما كنت قط أهون علي منك حين كنيت بامرأة فما اسمك قال الحطيئة فقال حسان امض بسلام
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني محمد بن الحسن بن مسعود الزرقي قال حدثنا عبد لله بن شبيب قال حدثني الزبير وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني الزبير قال حدثني بعض القرشيين قال
دخل حسان بن ثابت في الجاهلية بيت خمار بالشام ومعه أعشى بكر بن وائل فاشتريا خمرا وشربا فنام حسان ثم انتبه فسمع الأعشى يقول للخمار كره الشيخ الغرم فتركه حسان حتى نام ثم اشترى خمرا الخمار كلها ثم سكبها في البيت حتى سالت تحت الأعشى فعلم أنه سمع كلامه فاعتذر إليه فقال حسان
(4/172)

( وَلَسْنَا بِشَرْبٍ فَوْقَهُمْ ظِلُّ بُرْدةٍ ... يُعِدُّون لِلْخَمّارِ تَيْساً ومِفْصَدَا )
( ولكِنَّنا شَرْبٌ كِرَامٌ إذا انتشَوْا ... أهانوا الصَّرِيحَ والسَّدِيفَ المُسَرْهَدَا )
( كأنَّهُمُ ماتُوا زمانَ حَلِيمةً ... فإنْ تَأْتِهمْ تَحْمَدْ نِدَامَتَهم غَدَا )
( وإن جئتَهم أَلْفيْتَ حولَ بُوتِهم ... من المِسْكِ والجادِي فَتِيتاً مُبَدَّدَا )
( تَرَى حولَ أثناءِ الزَّرَابِيِّ ساقطاً ... نِعَالاً وقَسُّوباً ورَيْطاً مُنَضَّدَا )
( وذَا نُمْرُقِ يَسْعَى ومُلْصَقَ خَدِّهِ ... بديباجةٍ تَكْفَافُها قد تَقَدَّدَا )
وهذه القصيدة يقولها حسان بن ثابت في وقعة بدر يفخر بها ويعير الحارث ابن هشام بفراره عن أخيه أبي جهل بن هشام
وفيها يقول
صوت
( إنْ كُنْتِ كاذِبَةَ الذي حَدّثْتِني ... فنَجَوْتِ مَنْجَى الحارثِ بن هشامِ )
(4/173)

( تَرَكَ الأَحِبَّة أنْ يُقَاتِلَ دونَهم ... ونجَا برأس طِمرَّةٍ ولجَامِ )
غناه يحيى المكي خفيف ثقيل أول بالوسطى
ولعزة الميلاء فيه خفيف رمل بالبنصر
وفيه خفيف ثقيل بالبنصر لموسى بن خارجة الكوفي فأجاب الحارث بن هشام وهو مشرك يومئذ فقال
صوت
( اللهُ يعلَم ما تركتُ قِتالَهم ... حتَّى رَمَوْا فَرَسِي بأَشْقَرَ مُزْبِدِ )
( وعلمتُ أنِّي إنْ أقَاتِلْ واحداً ... أُقْتَلْ ولا يَضْرُرْ عَدُوِّيَ مَشْهَدي )
فَفَرَرْتُ منهمْ والأَحِبَّةُ فيهمُ ... طَمَعاً لهم بِعقَاب يوم مُرْصَدِ )
غنى فيه إبراهيم الموصلي خفيف ثقيل أول بالبنصر وقيل بل هو لفليح
أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدثني سليمان بن أيوب قال حدثنا محمد بن سلام عن يونس قال
لما صار ابن الأشعث إلى رتبيل تمثل رتبيل بقول حسان بن ثابت في الحارث بن هشام
( تَرَكَ الأَحِبَّة أنْ يُقَاتِلَ دونَهُمْ ... ونجا برأس طِمِرّةٍ ولجامِ )
فقال له ابن الأشعث أو ما سمعت ما رد عليه الحارث بن هشام قال وما هو فقال قال
(4/174)

( اللهُ يعلَم ما تركتُ قتالَهم ... حتى رَمَوْا فرسي بأَشْقَرَ مُزْبِدِ )
( وعلمْتُ أنِّي إنْ أُقاتِلْ واحداً ... أَقْتَلْ ولا يَضْرُرْ عَدُوّيَ مَشْهَدي )
( فصددتُ عنهمْ والأحِبّةُ فيهمُ ... طمعاً لهم بعقاب يوم مُرْصَدِ )
فقال رتبيل يا معشر العرب حسنتم كل شيء حتى حسنتم الفرار
(4/175)

ذكر الخبر عن غزاة بدر
أخبار غزاة بدر
حدثني بخبرها محمد بن جرير الطبري في المغازي قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني محمد بن مسلم الزهري وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان عن غزوة بدر وغيرهم من علمائنا عن عبد الله بن عباس كل قد حدثني بعض هذا الحديث فاجتمع حديثهم فيما سمعت من حديث بدر قالوا
لما سمع رسول الله بأبي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين إليهم وقال ( هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها فلعل الله أن ينفلكموها ) فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله يلقى حربا
وكان أبو سفيان استقدم حين دنا من الحجاز وجعل يتجسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوفا على أموال الناس حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا استنفر أصحابه لك ولعيرك فجد عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشا يستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة
(4/176)

رؤيا تفزع عاتكة بنت عبد المطلب
قال ابن إسحاق وحدثني من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر أو مصيبة فاكتم عني ما أحدثك
قال لها وما رأيت قالت رأيت راكبا أقبل علي بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته أن انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث وأرى الناس قد اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بأعلى صوته انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلتها منها فلقه
قال العباس إن هذه لرؤيا وأنت فاكتميها ولا تذكريها لأحد
ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة وكان له صديقا فذكرها له واستكتمه إياها فذكرها الوليد لأبيه عتبة ففشا الحديث بمكة حتى تحدثت به قريش
قال العباس فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام ورهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة
فلما رآني أبو جهل قال يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا فلما فرغت أقبلت إليه حتى جلست معهم
فقال لي أبو جهل يا بني عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النبية قال قلت وما ذاك قال الرؤيا التي رأت عاتكة
قلت وما رأت قال يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن
(4/177)

تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم قد زعمت عاتكة في رؤياها أنها قالت انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فإن يكن ما قالت حقا فسيكون وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب كتابا عليكم أنكم أكذب أهل بيت في العرب
قال العباس فوالله ما كان إليه مني كبير إلا جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا
قال ثم تفرقنا
فلما أمسينا لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقالت أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ويتناول النساء وأنت تسمع ولم يكن عندك غير لشيء مما سمعت قلت قد والله فعلت ما كان مني إليه من كبير وايم الله لأتعرضن له فإن عاد لأكفينكنه
قال فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه
قال فدخلت المسجد فرأيته فوالله إني لأمشي نحوه العرضنة ليعود لبعض ما كان فأوقع به
وكان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر إذ خرج نحو باب المسجد يشتد قال قلت في نفسي ماله لعنه الله أكل هذا فرقا أن أشاتمه فإذا هو قد سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان بن حرب قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها الغوث الغوث قال فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر
قال فتجهز الناس سراعا وقالوا لا يظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن
(4/178)

الحضرمي كلا والله ليعلمن غير ذلك فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلا وأوعبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد إلا أبو لهب بن عبد المطلب تخلف فبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة وكان لط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه فأفلس بها فاستأجره بها على أن يجزئ عنه بعثه فخرج عنه وتخلف أبو لهب
هكذا في الحديث
فذكر أبو عبيدة وابن الكلبي إن أبا لهب قامر العاصي بن هشام في مائة من الإبل فقمره أبو لهب ثم عاد فقمره أيضا ثم عاد فقمره أيضا الثالثة فذهب بكل ما كان يملكه
فقال له العاصي أرى القداح قد حالفتك يابن عبد المطلب هلم نجعلها على أينا يكون عبدا على لصاحبه قال ذلك لك فدحاها فقمره أبو لهب فأسلمه قينا وكان يأخذ منه ضريبة
فلما كان يوم بدر وأخذت قريش كل من لم يخرج بإخراج رجل مكانه أخرجه أبو لهب عنه وشرط له العتق فخرج فقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه
رجع الحديث إلى وقعة بدر
قال محمد بن إسحاق وحدثني عبد الله بن أبي نجيح
أن أمية بن خلف كان قد أجمع القعود وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا فجاءه عقبة بن أبي معيط وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه بمجمرة يحملها فيها نار ومجمر حتى وضعها بين يديه ثم قال يا أبي علي استجمر
(4/179)

فإنما أنت من النساء قال قبحك الله وقبح ما جئت به ثم تجهز وخرج مع الناس
فلما فرغوا من جهازهم وأجمعوا السير ذكروا ما كان بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب فقالوا إنا نخشى أن يأتوا من خلفنا
قال محمد بن إسحاق فحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناة فكاد ذلك أن يثبطهم فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن جعشم المدلجي وكان من أشراف بني كنانة فقال إني جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه فخرجوا سراعا
جيش النبي
وخرج رسول الله فيما بلغني عن غير ابن إسحاق لثلاث ليال خلون من شهر رمضان المعظم في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من أصحابه
فاختلف في مبلغ الزيادة على العشرة فقال بعضهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا
وكان المهاجرون يوم بدر سبعة وسبعين رجلا وكان الأنصار مائتين وستة وثلاثين رجلا وكان صاحب راية رسول الله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان صاحب راية الأنصار سعد بن عبادة
(4/180)

حدثنا محمد قال حدثنا هارون بن إسحاق قال حدثنا مصعب بن المقدام قال أبو جعفر وحدثني محمد بن إسحاق الأهوازي قال حدثنا أبو أحمد الزبيري قال حدثنا إسرائيل قال حدثنا أبو إسحاق عن البراء قال
كنا نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر ولم يجز معه إلا مؤمن ثلاثمائة وبضعة عشر
تأييد الأنصار للنبي
قال ابن إسحاق في حديثه عمن روى عنه وخرج رسول الله في أصحابه وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجار في ليال مضت من رمضان فسار حتى إذا كان قريبا من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهني حليف بني ساعدة وعدي بن أبي الزغباء حليف بني النجار إلى بدر يتجسسان له الخبر عن أبي سفيان بن حرب وغيره ثم ارتحل رسول الله وقدمهما فلما استقبل الصفراء وهي قرية بين جبلين سأل عن جبليها ما اسماهما فقيل يقال لأحدهما هذا مسلح وللآخر هذا مخرىء وسأل عن أهلها فقالوا بنو النار وبنو حراق بطنان من غفار فكرههما رسول الله والمرور بينهما وتفاءل باسميهما وأسماء أهاليهما فتركهما والصفراء يسارا وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران فخرج منه حتى إذا كان ببعضه نزل وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم فاستشار النبي الناس وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر فقال فأحسن ثم قام عمر فقال فأحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك
والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا
(4/181)

قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون معلمون
فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد يغني مدينة الحبشة لجالدنا معك حتى تبلغه
فقام رسول الله خيرا ودعا له بخير
حدثنا محمد قال حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قال حدثني إسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى قال حدثنا المخارق عن طارق عن عبد الله بن مسعود قال
شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما في الأرض من كل شيء كان رجلا فارسا وكان رسول الله إذا غضب احمارت وجنتاه فأتاه المقداد على تلك الحال فقال أبشر يا رسول الله فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون لكن والذي بعثك بالحق لنكونن بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وشمالك أو يفتح الله تبارك وتعالى
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق
ثم قال رسول الله ( أشيروا علي أيها الناس ) وإنما يريد الأنصار وذلك أنهم كانوا عدد الناس وأنهم حين بايعوا بالعقبة قالوا يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصير إلى دارنا فإذا وصلت فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا
فكان رسول الله يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو في غير بلادهم
فلما قال ذلك رسول الله قال له سعد بن معاذ والله لكأنك تريدنا يا رسول الله
قال ( أجل )
قال فقد آمنا بك يا رسول الله وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة
(4/182)

فامض بنا يا رسول الله لما أردت فنحن معك
فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر وخضته لخضناه معك ما يتخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدوا غدا
إنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء لعل الله تعالى أن يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله
فسر رسول الله بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال ( سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ) ثم ارتحل رسول الله من ذفران وسلك على ثنايا يقال لها الأصافر ثم انحط على بلد يقال لها الدبة ثم ترك الحنان بيمين وهو كثيب عظيم كالجبل ثم نزل قريبا من بدر فركب هو ورجل من أصحابه قال الطبري قال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن يحيى بن حبان حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم فقال الشيخ لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما
فقال له رسول الله ( إذا أخبرتنا أخبرناك )
فقال أوذاك بذاك فقال ( نعم )
قال الشيخ فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا فإن كان صدقني الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي به رسول الله وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا فإن كان الذي حدثني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي به قريش
فلما فرغ من خبره قال
(4/183)

ممن أنتما فقال رسول الله ( نحن من ماء ) ثم انصرف الشيخ عنه قال يقول الشيخ ما من ماء أمن ماء العراق ثم رجع رسول الله إلى أصحابه
فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى بدر يلتمسون له الخبر عليه قال محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم غلام بني الحجاج وعريض أبو يسار غلام بني العاصي بن سعيد فأتوا بهما رسول الله وهو يصلي فسألوهما فقالا نحن سقاة لقريش بعثونا نسقيهم من الماء
فكره القوم خبرهما ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما فلما أذلقوهما قالا نحن لأبي سفيان فتركوهما وركع رسول الله وسجد سجدتين ثم سلم ثم قال ( إذا صدقاكم ضربتموهما فإذا كذباكم تركتموهما صدقا والله إنهما لقريش أخبراني أين قريش ) قالا هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى والكثيب العقنقل فقال لهما رسول الله ( كم القوم ) قالا لا ندري
قال ( كم ينحرون كل يوم ) قالا يوما تسعا ويوما عشرا
فقال رسول الله ( القوم ما بين التسعمائة والألف )
ثم قال لهما رسول الله ( فمن فيهم من أشراف قريش ) قالا عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويلد والحارث بن عامر بن نوفل وطعيمة بن عدي والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابن الحجاج وسهيل بن عمرو وعمرو بن ود
فأقبل رسول الله على الناس فقال ( هذه مكة قد رمت إليكم أفلاذ كبدها )
قال ابن إسحاق وقد كان بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء مضيا حتى
(4/184)

نزلا بدرا فأناخا إلى تل قريب من الماء ثم أخذا شنا يستسقيان فيه ومجدي بن عمرو الجهني على الماء فسمع عدي وبسبس جاريتين من جواري الحاضر وهما تتلازمان على الماء والملزومة تقول لصاحبتها إنما تأتي العير غدا أو بعد غد فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك
قال مجدي صدقت ثم خلص بينهما
وسمع ذلك عدي وبسبس فجلسا على بعيريهما ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله فأخبراه بما سمعا
وأقبل أبو سفيان قد تقدم العير حذرا حتى ورد الماء فقال لمجدي بن عمرو هل أحسست أحدا قال ما رأيت أحدا أنكره إلا أني رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا
فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذا من أبعار بعيريهما ففته فإذا فيه النوى فقال هذه والله علائف يثرب فرجع إلى أصحابه سريعا فصرف وجه عيره عن الطريق فساحل بها وترك بدرا يسارا ثم انطلق حتى أسرع
وأقبلت قريش فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن أبي الصلت بن مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف رؤيا فقال إني رأيت فيما يرى النائم وإني لبين النائم واليقظان إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرس ومعه بعير له ثم قال قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف وفلان وفلان فعدد رجالا ممن قتل يومئذ من أشراف قريش ورأيته ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه
قال فبلغت أبا جهل فقال وهذا أيضا نبي آخر من بني عبد المطلب سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا
ولما رأى أبو سفيان قد أحرز عيره أرسل إلى
(4/185)

قريش إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورحالكم وأموالكم فقد نجاها الله فارجعوا فقال أبو جهل والله لا نرجع حتى نرد بدرا وكان بدر موسما من مواسم العرب تجتمع به لهم بها سوق كل عام فنقيم عليه ثلاثا وننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقي الخمور وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب بمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدا فأمضوا
فقال الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي وكان حليفا لبني زهرة وهم بالجحفة يا بني زهرة قد نجى الله لكم عيركم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل وإنما نفرتم لتمنعوه وماله فاجعلوا بي جبنها وارجعوا فإنه لا حاجة بكم في أن تخرجوا في غير ضيعة لما يقول هذا يعني أبا جهل فلم يشهدها زهري وكان فيهم مطاعا ولم يكن بقي من قريش بطن إلا نفر منهم ناس إلا بني عدي بن كعب لم يخرج منهم رجل واحد
فرجعت بنو زهرة مع الأخنس بن شريق فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد
ومضى القوم
وقد كان بين طالب بن أبي طالب وكان في القوم وبين بعض قريش محاورة فقالوا والله لقد عرفنا يا بني هاشم وإن خرجتم معنا أن هواكم لمع محمد فرجع طالب إلى مكة فيمن رجع
وأما ابن الكلبي فإنه قال فيما حدثت عنه شخص طالب بن أبي طالب إلى بدر مع المشركين أخرج كرها فلم يوجد في الأسرى ولا في القتلى ولم يرجع إلى أهله وكان شاعرا وهو الذي يقول
( يا رَبِّ إِمَّا يَغْزُوَنْ طالِبْ ... في مِقْنَبٍ من هذه المَقَانِبْ )
( فَلْيكُنِ المسلوبَ غيرَ السالِبْ ... وليكنِ المغلوبَ غيرَ الغالبْ )
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق
قال ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل
وبطن الوادي وهو يليل بين بدر وبين العقنقل الكثيب الذي خلفه قريش
(4/186)

والقليب ببدر من العدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة
وبعث الله عز و جل السماء وكان الوادي دهسا فأصاب النبي وأصحابه منها ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم المسير وأصاب قريشا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه
فخرج رسول الله يبادرهم إلى الماء حتى حاذى ماء من مياه بدر فنزل به
قال ابن إسحاق فحدثني عشرة رجال من بني سلمة ذكروا أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة قال ( بل هو الرأي والحرب والمكيدة ) فقال يا رسول الله إن هذا ليس لك بمنزل فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من مياه القوم فتنزله ثم تعور ما سواه من القلب ثم تبنى عليه حوضا فتملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربوا
فقال رسول الله ( لقد أشرت بالرأي )
فنهض رسول الله ومن معه من الناس حتى أتى أدنى ماء من القوم فنزل عليه ثم أمر بالقلب فعورت وبنوا حوضا على القليب الذي نزل عليه فملىء ماء ثم قذفوا فيه الآنية
النبي يراقب من عريش بني له
قال محمد بن إسحاق فحدثني محمد بن أبي بكر أن سعد بن معاذ قال يا رسول الله نبني لك عريشا من جريد فتكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا فإن نحن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد حبا لك منهم ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك فأثنى عليه رسول الله
(4/187)

خيرا ودعا له بخير ثم بني لرسول الله عريش فكان فيه
وقد ارتحلت قريش حين أصبحت وأقبلت
فلما رآها رسول الله تصوب من العقنقل وهو الكثيب الذي منه جاؤوا إلى الوادي قال ( اللهم هذي قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني اللهم فأحنهم الغداة
وقد قال رسول الله ورأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر ( إن يكن عند أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا )
وقد كان خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري أو أبوه أيما بن رحضة بعث إلى قريش حين مروا به ابنا له بجزائر أهداها لهم وقال لهم إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا فأرسلوا إليه مع ابنه أن وصلتك رحم فقد قضيت الذي عليك فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا ضعف عنهم ولئن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فما لأحد بالله من طاقة فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا الحوض حوض رسول الله
فقال رسول الله ( دعوهم ) فما شرب منهم رجل إلى قتل يومئذ إلا ما كان من حكيم بن حزام فإنه لم يقتل نجا على فرس له يقال له الوجيه وأسلم بعد ذلك فحسن إسلامه فكان إذا اجتهد في يمينه قال والذي نجاني من يوم بدر
قال محمد بن إسحاق وحدثني أبي إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الأنصار قالوا
لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي فقالوا احزر لنا أصحاب محمد فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصونه ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد
قال فضرب في الوادي حتى أمعن فلم ير شيئا فرجع فقال لم أر شيئا ولكن قد
(4/188)

رأيت يا معشر قريش الولايا تحمل المنايا نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم
والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فأتى عتبة بن ربيعة وقال يا أبا الوليد إنك كبير قريش الليلة وسيدها والمطاع فيها هل لك إلى أمر لا تزال تذكر منه بخير إلى آخر الدهر قال وما ذاك يا حكيم قال ترجع بالناس وتحمل دم حليفك عمرو بن الحضرمي
قال قد فعلت أنت على ذلك شهيد إنما هو حليفي فعلي عقله وما أصيب من ماله فأت ابن الحنظلية فإني لا أخشى أن يسحر الناس غيره يعني أبا جهل بن هشام
حدثنا محمد قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا غمامة بن عمرو السهمي قال حدثنا مسور بن عبد الملك اليربوعي عن أبيه عن سعيد بن المسيب قال
بينا نحن عند مروان بن الحكم إذ دخل عليه حاجبه فقال هذا أبو خالد حكيم بن حزام
قال إيذن له فلما دخل حكيم بن حزام قال مرحبا بك يا أبا خالد أدن فحال له مروان عن صدر المجلس ختى كان بينه وبين الوسادة ثم استقبله مروان فقال حدثنا حديث بدر
قال خرجنا حتى إذا نزلنا الجحفة رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسرها فلم يشهد أحد من مشركيهم بدرا ثم خرجنا حتى نزلنا العدوة التي قال الله عز و جل فجئت عتبة بن ربيعة فقلت يا أبا الوليد هل لك أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت قال أفعل ماذا قال قلت إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم واحد ابن الحضرمي وهو حليفك فتحمل
(4/189)

ديته فيرجع الناس
قال أنت وذاك وأنا أتحمل ديته فاذهب إلى ابن الحنظلية يعني أبا جهل فقل له هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن ورائه فإذا ابن الحضرمي واقف على رأسه وهو يقول قد فسخت عقدي من بني عبد شمس وعقدي إلى بني مخزوم
فقلت له يقول لك عتبة بن ربيعة هل لك أن ترجع اليوم عن ابن عمك بمن معك قال أما وجد رسولا غيرك قلت لا ولم أكن لأكون رسولا لغيره
قال حكيم فخرج مبادرا إلى عتبة وخرجت معه لئلا يفوتني من الخبر شيء وعتبة يتكىء على إيماء بن رحضة الغفاري وقد أهدى إلى المشركين عشر جزائر فطلع أبو جهل والشر في وجهه فقال لعتبة انتفخ سحرك فقال عتبة فستعلم
فسل أبو جهل سيفه فضرب به متن فرسه فقال إيماء بن رحضة بئس المقام هذا فعند ذلك قامت الحرب
رجع الحديث إلى ابن إسحاق
ثم قام عتبة بن ربيعة خطيبا فقال يا معشر قريش والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل منكم ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه رجل قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب فإن أصابوه فذلك الذي أردتم وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعدموا منه ما تريدون قال حكيم فانطلقت حتى جئت أبا جهل فوجدته قد نثل درعا له من جرابها وهو يهيئها فقلت له يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا الذي قال فقال انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه
كلا والله لا مرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وأصحابه وما بعتبة ما قال ولكنه قد رأى أن محمدا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه قد
(4/190)

تخوفكم عليه
ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي فقال له هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس وقد رأيت ثأرك بعينك فقم فانشد خفرتك ومقتل أخيك
فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ واعمراه واعمراه فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوسقوا على ما هم عليه من الشر وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة بن ربيعة
ولما بلغ عتبة قول أبي جهل انتفخ سحره قال سيعلم مصفر الإست من انتفخ سحره أنا أم هو ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه فلم يجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له
وقد خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي وكان رجلا شرسا سيىء الخلق فقال أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه
فلما خرج وخرج له حمزة بن عبد المطلب فلما التقيا ضربه حمزة فأبان قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد أن يبر يمينه
مقتل بعض أعداء النبي
وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض
ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة حتى إذا نصل من الصف دعا إلى المبارزة فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة نفر وهم عوف ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء ورجل آخر يقال هو عبد الله بن رواحة فقالوا من أنتم قالوا
(4/191)

رهط من الأنصار قالوا ما لنا بكم حاجة
ثم نادى مناديهم يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا
فقال رسول الله ( قم يا حمزة بن عبد المطلب قم يا عبيدة بن الحارث قم يا علي بن أبي طالب )
فلما قاموا ودنوا منهم قالوا من أنتم فقال عبيدة عبيدة وقال حمزة حمزة وقال علي علي
قالوا نعم أكفاء كرام
فبارز عبيدة بن الحارث وكان أسن القوم عتبة بن ربيعة وبارز حمزة شيبة بن ربيعة وبارز علي الوليد بن عتبة فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله
وأما علي فلم يمهل الوليد بن عتبة أن قتله
واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه فكر حمزة وعلي على عتبة بأسيافهما فذففا عليه فقتلاه واحتملا صاحبهما عبيدة فجاءا به إلى أصحابه وقد قطعت رجله ومخه يسيل
فلما أتوا بعبيدة إلى رسول الله قال ألست شهيدا يا رسول الله قال ( بلى ) فقال عبيدة لو كان أبو طالب حيا لعلم أني بما قال أحق منه حيث يقول
( ونُسْلِمُه حتَّى نُصَرَّعَ حولَه ... ونَذْهَلَ عن أبنائنا والحَلائِلِ )
قال محمد بن إسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عتبة بن ربيعة قال للفتية من الأنصار حين انتسبوا له أكفاء كرام إنما نريد قومنا
ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض وقد أمر رسول الله أصحابه ألا يحملوا حتى يأمرهم وقال ( إن اكتنفكم القوم فانضحوهم بالنبل ) ورسول الله في العريش معه أبو بكر
وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان قال ابن إسحاق كما حدثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين
(4/192)

قال محمد بن جرير وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال لي محمد بن إسحاق حدثني حبان بن واسع بن حبان عن أشياخ من قومه
أن رسول الله عدل صفوف أصحابه يوم بدر وفي يده قدح يعدل به القوم فمر بسواد بن غزية حليف بني عدي بن النجار وهو مستنتل من الصف فطعن رسول الله في بطنه بالقدح ثم قال ( استو يا سواد بن غزية ) فقال يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق فأقدني
قال فكشف رسول الله عن بطنه وقال ( استقد ) فاعتنقه وقبل بطنه فقال ( ما حملك على هذا يا سواد ) فقال يا رسول الله حضر ما ترى فلم آمن الموت فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك فدعا له رسول الله بخير وقال له خيرا
ثم عدل رسول الله الصفوف ورجع إلى العريش ودخله ومعه أبو بكر وليس معه غيره ورسول الله يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول ( اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم يعني المسلمين لا تعبد بعد اليوم ) وأبو بكر يقول يا نبي الله خل بعض مناشدتك ربك فإن الله منجز لك ما وعدك
حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا عبد الله بن المبارك عن عكرمة بن عمار قال حدثني سماك الحنفي قال سمعت ابن عباس يقول حدثني عمر بن الخطاب قال
لما كان يوم بدر ونظر رسول الله إلى المشركين وعدتهم وإلى أصحابه وهم نيف على ثلاثمائة استقبل الكعبة وجعل يدعو ويقول ( اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تبعد في الأرض ) فلم
(4/193)

يزل كذلك حتى سقط رداؤه فأخذ أبو بكر فوضع رداءه عليه ثم التزمه من روائه فقال كفاك يا نبي الله بأبي أنت وأمي مناشدتك لربك سينجز لك ما وعدك
فأنزل الله تعالى ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين )
حدثنا محمد قال حدثنا ابن وكيع قال حدثنا الثقفي يعني عبد الوهاب عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس
أن النبي قال وهو في قبته يوم بدر ( اللهم أسألك عهدك ووعدك
اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم )
قال فأخذ أبو بكر بيده فقال حسبك يا نبي الله فقد ألححت على ربك وهو في الدرع فخرج وهو يقول ( سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر )
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق
النبي يبشر بالنصر
قال وقد خفق رسول الله خفقه وهو في العريش ثم انتبه فقال ( يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده وعلى ثناياه النقع )
قال وقد رمي مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل فكان أول قتيل من المسلمين
ثم رمي حارثة بن سراقة أحد بني عدي بن النجار وهو يشرب من الحوض بسهم فأصاب نحره فقتل
ثم خرج رسول الله إلى الناس فحرضهم ونفل كل امرئ ما أصاب وقال ( والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة )
فقال عمير بن الحمام أخو بني سلمة وفي يده تمرات يأكلها بخ بخ أما بيني وبين أن أدخل
(4/194)

الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء قال ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل وهو يقول
( ركْضاً إلى اللهِ بغير زَادِ ... إلاّ التُّقَى وعَمَلَ المَعَادِ )
( والصَّبْرَ في اللهِ على الجِهَادِ ... وكلُّ زَادٍ عُرْضةُ النَّفادِ )
( غيرَ التُّقَى والبِرِّ والرَّشادِ ... )
حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة
أن عوف بن الحارث وهو ابن عفراء قال يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده قال غمسه يده في العدو حاسرا فنزع درعا كانت عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل
هزيمة المشركين
حدثنا محمد قال حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال وحدثني محمد بن مسلم الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري حليف بني زهرة قال
لما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قال أبو جهل اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف فأحنه الغداة فكان هو المستفتح على نفسه
ثم إن رسول الله أخذ حفنة من الحصباء واستقبل بها قريشا ثم قال ( شاهت الوجوه ) ثم نفحهم بها وقال لأصحابه ( شدوا ) فكانت الهزيمة فقتل الله من قتل من صناديد قريش وأسر من أسر منهم
فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ورسول الله في العريش وسعد بن معاذ قائم على باب العريش
(4/195)

الذي فيه رسول الله متوشحا بالسيف في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله يخافون عليه كرة العدو رأي رسول الله فيما ذكر لي في وجه سعد بن معاذ الكراهة فيما يصنع الناس فقال له ( كأنك كرهت ما يصنع الناس ) قال أجل يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله عز و جل بأهل الشرك فكان الإثخان في القتل أعجب إلي من استبقاء الرجال
حدثنا محمد قال حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس
أن رسول الله قال لأصحابه يومئذ ( إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث فلا يقتله ومن لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله فلا يقتله فإنما خرج مستكرها )
قال فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة أيقتل آباؤنا وأبناؤنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس والله لئن لقيته لألحمنه السيف فبلغت رسول الله فجعل يقول لعمر بن الخطاب ( يا أبا حفص أما تسمع إلى قول أبي حذيفة يقول أضرب وجه عم رسول الله بالسيف )
فقال عمر يا رسول الله دعني فلأضربن عنقه بالسيف فوالله لقد نافق
قال عمر والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله بأبي حفص
(4/196)

النبي ينهي عن قتل أبي البختري
قال فكان أبو حذيفة يقول ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عني الشهادة فقتل يوم اليمامة شهيدا
قال وإنما نهى رسول الله عن قتل أبي البختري لأنه كان أكف القوم عن رسول الله وهو بمكة كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه بمكة شيء يكرهه وكان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم وبني المطلب
فلقيه المجذر بن ذياد البلوي حليف الأنصار من بني عدي فقال المجذر بن ذياد لأبي البختري إن رسول الله قد نهى عن قتلك ومع أبي البختري زميل له خرج معه من مكة وهو جنادة بن مليحة بن زهير بن الحارث بن أسد وجنادة رجل من بني ليث
واسم أبي البختري العاصي بن هشام بن الحارث بن أسد قال وزميلي فقال المجذر لا والله ما نحن بتاركي زميلك ما أمرنا رسول الله إلا بك وحدك
قال والله إذا لأموتن أنا وهو جميعا لا تتحدث عني نساء قريش بين أهل مكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة
فقال أبو البختري حين نازله المجذر وأبى إلا القتال وهو يرتجز
( لن يُسْلِمَ ابنُ حُرَّةٍ أكِيلَه ... حتّى يموتَ أو يرى سبيلَه )
فاقتتلا فقتله المجذر بن ذياد
ثم أتى المجذر بن ذياد رسول الله فقال والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به فأبى إلا القتال فقاتلته فقتلته
قال محمد بن إسحاق وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال وحدثنيه أيضا عبد الله بن أبي بكر وغيرهما عن عبد الرحمن بن عوف قال
(4/197)

كان أمية بن خلف لي صديقا بمكة
قال وكان اسمي عبد عمرو فسميت حين أسلمت عبد الرحمن ونحن بمكة
قال وكان يلقاني بمكة فيقول يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماك به أبواك فأقول نعم فيقول فإني لا أعرف الرحمن فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به أما أنت فلا تجيبني باسمك الأول وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف
قال فكان إذا دعاني يا عبد عمرو لم أجبه
فقلت اجعل بيني وبينك يا أبا علي ما شئت
قال فأنت عبد الإله
فقلت نعم
قال فكنت إذا مررت به قال يا عبد الإله فأجيبه فأتحدث معه
حتى إذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع علي ابنه آخذا بيده ومعي أدراع قد سلبتها وأنا أحملها
فلما رآني قال يا عبد عمرو فلم أجبه
فقال يا عبد الإله قلت نعم
قال هل لك في فأنا خير لك من هذه الأدراع قلت نعم هلم إذا
فطرحت الأدراع من يدي وأخذت بيده وبيد ابنه علي وهو يقول ما رأيت كاليوم قط أما لكم حاجة في اللبن ثم خرجت أمشي بينهما
قال ابن إسحاق وحدثني عبد الواحد بن أبي عون عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف قال
قال لي أمية بن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذ بأيديهما يا عبد الإله من الرجل المعلم منكم بريش نعامة في صدره قال قلت ذلك حمزة بن عبد المطلب
قال ذلك الذي فعل بنا الأفاعيل
قال عبد الرحمن فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي وكان هو الذي يعذب بلالا بمكة على أن يترك الإسلام
(4/198)

فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت فيضجعه على ظهره ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول لا تزال هكذا حتى تفارق دين محمد فيقول بلال أحد أحد فقال بلال حين رآه رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجوا قال قلت أي بلال أبأسيري قال لا نجوت إن نجوا قلت أي بلال أبأسيري تسمع يابن السوداء قال لا نجوت إن نجوا ثم صرخ بأعلى صوته يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجوا
قال فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة وأنا أذب عنه
قال فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قط
قال قلت انج بنفسك ولا نجاء فوالله ما أغني عنك شيئا
قال فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما
قال فكان عبد الرحمن يقول رحم الله بلالا ذهب بأدراعي وفجعني بأسيري
الملائكة يؤازرون النبي في بدر
قال ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن ابن عباس قال حدثني رجل من بني غفار قال
أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة فننهب مع من ينهب
فبينا نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل وسمعت قائلا يقول
(4/199)

أقدم حيزوم
قال فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت
قال محمد بن إسحاق حدثني أبي إسحاق بن يسار عن رجال من بني مازن بن النجار عن أبي داود المازني وكان شهد بدرا قال
إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعلمت أنه قد قتله غيري
حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن الحكم المصري قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثني محمد بن إسحاق عن العلاء بن كثير عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال
قال لي أبي يا بني لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير إلى المشرك بسيفه فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف
حدثنا محمد قال حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد قال وحدثني الحسن بن عمارة قال أخبرنا سلمة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن عباس قال
كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرسلوها على ظهورهم ويوم حنين عمائم حمرا ولم نقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام مددا وعددا ولا يضربون
حدثنا محمد قال حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد وحدثني
(4/200)

ثور بن زيد مولى بني الديل عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال وحدثني عبد الله بن أبي بكر قالا كان معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة يقول
لما فرغ رسول الله من غزوة بدر أمر بأبي جهل أن يلتمس في القتلى وقال ( اللهم لا يعجزنك )
وكان أول من لقي أبا جهل معاذ بن عمرو بن الجموح قال سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة وهم يقولون أبو الحكم لا يخلص إليه
فلما سمعتها جعلتها من شأني فعمدت نحوه فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا كالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها
قال وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي وأجهضني القتال عنها فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي فلما أذتني جعلت عليها رجلي ثم تمطيت بها حتى طرحتها
قال ثم عاش معاذ بعد ذلك حتى كان في زمن عثمان بن عفان
قال ثم مر بأبي جهل وهو عقير معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته فتركه وبه رمق وقاتل معوذ حتى قتل
فمر عبد الله ابن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول الله أن يلتمس في القتلى وقال لهم رسول الله فيما بلغني ( انظروا إن خفي عليكم في القتلى إلى أثر جرح بركبته فإني ازدحمت أنا وهو يوما على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان وكنت أشب أو أشف منه بيسير فدفعته فوقع على ركبتيه فخدش في إحداهما خدشا لم يزل أثره فيها بعد ) فقال عبد الله بن مسعود فوجدته بآخر رمق فعرفته
(4/201)

فوضعت رجلي على عنقه
قال وقد كان ضبث بي مرة بمكة فآذاني ولكزني ثم قلت هل أخزاك الله يا عدو الله قال وبماذا أخزاني أعمد من رجل قتلتموه لمن الدبرة اليوم قال قلت لله ولرسوله
حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد قال
زعم رجال من بني مخزوم أن ابن مسعود كان يقول قال لي أبو جهل لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا ثم احتززت رأسه ثم جئت به رسول الله فقلت يا رسول الله هذا رأس عدو الله أبي جهل فقال رسول الله ( الله الذي لا إله غيره ) وكانت يمين رسول الله قلت نعم والله الذي لا إله غيره ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول الله قال فحمد الله
النبي يكلم أصحاب القليب بعد موتهم
قال محمد بن إسحاق وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت
لما أمر رسول الله بالقتلى أن يطرحوا في القليب طرحوا فيها إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها فذهبوا به ليخرجوه فتزايل فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة
فلما ألقوهم في القليب وقف رسول الله فقال ( يأهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا )
فقال له أصحابه يا رسول الله أتكلم قوما موتى قال ( لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق )
قالت عائشة والناس يقولون لقد سمعوا ما قلت لهم وإنما قال رسول الله ( لقد علموا )
(4/202)

قال ابن إسحاق وحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال
لما سمع أصحاب رسول الله وهو يقول من جوف الليل ( يأهل القليب يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ويا أبا جهل بن هشام فعدد من كان منهم في القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا ) قال المسلمون يا رسول الله أتنادي قوما قد جيفوا فقال ( ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني )
قال محمد بن إسحاق وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله يوم قال هذه المقالة قال ( يأهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس )
ثم قال ( هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ) للمقالة التي قالها
ولما أمر بهم رسول الله أن يلقوا في القليب أخذ عتبة فسحب إلى القليب فنظر رسول الله فيما بلغني إلى وجه أبي حذيفة بن عتبة فإذا هو كئيب قد تغير فقال رسول الله ( يا أبا حذيفة لعلك قد دخلك من شأن أبيك شئ ) أو كما قال
قال فقال لا والله يا رسول الله ما شككت في أبي ولا في مصرعه ولكنني كنت أعرف من أبي رأيا وفضلا وحلما فكنت أرجو أن يهديه الله إلى الإسلام فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك
قال فدعا رسول الله بخير وقال له خيرا
اختلاف المسلمين على الفيء
ثم إن رسول الله أمر بما في العسكر مما جمع الناس فجمع واختلف المسلمون فيه فقال من جمعه هو لنا وقد كان رسول الله نفل كل امرئ ما
(4/203)

أصاب
فقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونهم لولا نحن ما أصبتموه لنحن شغلنا القوم عنكم حتى أصبتم ما أصبتم
وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله مخافة أن يخالف إليه العدو والله ما أنتم بأحق منا ولقد رأينا أن نقتل العدو إذ ولانا الله ومنحنا أكتافهم ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه ولكن خفنا على رسول الله كرة العدو فقمنا دونه فما أنتم بأحق به منا
قال ابن إسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان أن رسول الله جمع الأسارى من المشركين وكانوا أربعة وأربعين أسيرا وكان من القتلى مثل ذلك وفي الأسارى عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث بن كلدة حتى إذا كان رسول الله بالصفراء قتل النضر بن الحارث بن كلدة قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه
قال محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة قال
قدم بالأسارى حين قدم بهم وسودة بنت زمعة زوج النبي عند آل عفراء في مناحتهم على عوف ومعوذ ابني عفراء وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب
قال تقول سودة والله لعبدهم إني لعندهم إذ أتينا فقيل هؤلاء الأسارى قد أتي بهم فرحت إلى بيتي ورسول الله فيه وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل
قالت فوالله ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت يا أبا يزيد أعطيتم بأيديكم ألا متم كراما فوالله ما أنبهني إلا قول رسول الله من البيت ( يا سودة أعلى الله وعلى رسوله ) قالت فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي حين رأيت أبا
(4/204)

يزيد مجموعة يداه إلى عنقه بحبل أن قلت ما قلت
قال محمد بن إسحاق وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله بن إياس بن ضبيعة بن رومان بن كعب بن عمرو الخزاعي
قالوا ما وراءك قال قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف وزمعة بن الأسود وأبو البختري بن هشام ونبيه ومنبه ابنا الحجاج
قال فلما جعل يعدد أشراف قريش قال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحجر والله إن يعقل هذا فسلوه عني
قالوا ما فعل صفوان بن أمية قال هو ذلك جالس في الحجر وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا
موت أبي لهب
قال محمد بن إسحاق حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة مولى ابن عباس قال
قال أبو رافع مولى رسول الله كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل وأسلمت وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم وكان يكتم إسلامه وكان ذا مال كثير متفرق في قومه وكان أبو لهب عدو الله قد تخلف عن بدر وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة وكذلك صنعوا لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا فلما جاء الخبر عن مصاب أهل بدر من قريش كبته الله وأخزاه ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا وكنت رجلا ضعيفا وكنت أعمل القداح انحتها في
(4/205)

حجرة زمزم فوالله إني لجالس فيها أنحت القداح وعندي أم الفضل جالسة وقد سرنا ما جاءنا من الخبر إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه يسير حتى جلس على طنب الحجرة فكان ظهره إلى ظهري
فبينا هو جالس إذ قال الناس هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم فقال أبو لهب هلم إلي يابن أخي فعندك لعمري الخبر فجلس إليه والناس قيام عليه
فقال يابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس قال لا شيء والله إن كان إلا أن لقيناهم فأبحناهم أكتافنا يقتلون ويأسرون كيف شاؤوا وايم الله مع ذلك ما لمت الناس لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء
قال أبو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت تلك والله الملائكة فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة
قال فساورته فاحتملني فضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني وكنت رجلا ضعيفا فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فشجت في رأسه شجة منكرة وقالت أتستضعفه أن غاب عنه سيده فقام ذليلا
فوالله ما عاش فيها إلا سبع ليال حتى رماه الله جل جلاله بالعدسة فقتلته فلقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثا لا يدفنانه حتى أنتن في بيته وكانت قريش تتقي العدسة كما يتقى الطاعون حتى قال لهما رجل من قريش ويحكما لا تستحييان أن أباكما قد أنتن في بيته لا تغيبانه فقالا نخشى هذه القرحة
قال فانطلقا فأنا معكما
فما غسلوه إلا قذفا بالماء عليه من بعيد ما يمسونه فاحتملوه فدفنوه بأعلى مكة على جدار وقذفوا عليه الحجارة حتى واروه
النبي يتألم لأسر العباس
قال محمد بن إسحاق وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله
(4/206)

عن الحكم بن عتيبة عن ابن عباس قال
لما أمسى القوم من يوم بدر والأسارى محبوسون في الوثاق بات رسول الله ساهرا أول ليلته
فقال له أصحابه يا رسول الله ما لك لا تنام فقال ( سمعت تضور العباس في وثاقه ) فقاموا إلى العباس فأطلقوه فنام رسول الله
قال ابن إسحاق وحدثني الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن ابن عباس قال
كان الذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو أخو بني سلمة وكان رجلا مجموعا وكان العباس رجلا جسيما
فقال رسول الله لأبي اليسر ( كيف أسرت العباس يا أبا اليسر ) فقال يا رسول الله أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده هيئته كذا وكذا فقال رسول الله ( لقد أعانك عليه ملك كريم )
قال ابن إسحاق عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس
أن رسول الله قال للعباس بن عبد المطلب حين انتهي به إلى المدينة ( يا عباس افد نفسك وابن أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عتبة بن عمرو بن جحدم أخا بني الحارث بن فهر فإنك ذو مال )
فقال يا رسول الله إني كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني
فقال ( الله أعلم بإسلامك إن يكن ما تذكر حقا فالله يجزيك به فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك )
وكان رسول الله قد أخذ منه عشرين أوقية من ذهب
فقال العباس يا رسول الله احسبها لي في فدائي
قال ( لا ذلك شيء أعطاناه الله منك )
قال فإنه ليس لي مال
قال قال ( فأين المال الذي وضعته بمكة حين خرجت من عند أم الفضل بنت الحارث ليس معكما أحد ثم قلت لها إن أصبت
(4/207)

في سفرتي هذه فللفضل كذا ولعبد الله كذا ولقثم كذا ولعبيد الله كذا ) قال والذي بعثك بالحق ما علم هذا أحد غيري وغيرها وإني لأعلم أنك رسول الله
ففدى العباس نفسه وابن أخيه وحليفه
قال ابن إسحاق وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت
لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله في فداء أبي العاصي بن الربيع بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاصي حين بنى عليها
فلما رآها رسول الله رق لها رقة شديدة وقال ( إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا ) فقالوا نعم يا رسول الله فأطلقوه وردوا عليها الذي لها
قال ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد عن أبيه قال
ناحت قريش على قتلاها ثم قالت لا تفعلوا فيبلع ذلك محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم ولا تبعثوا في فداء أسراكم حتى تستأنوا بهم لا يتأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء
قال وكان الأسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده زمعة وعقيل والحارث بنو الأسود وكان يحب أن يبكي على بنيه
فبينا هو كذلك إذ سمع نائحة في الليل فقال لغلامه وقد ذهب بصره أنظر هل أحل النحيب وهل بكت قريش على قتلاها لعلي أبكي على أبي حكيمة يعني زمعة فإن جوفي قد احترق
فلما رجع إليه الغلام قال إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته فذلك حين يقول الأسود
( أتبكي أنْ أُضِلَّ لها بعيرٌ ... ويَمْنَعُها البكاءُ من الهُجودِ )
(4/208)

( ولا تَبْكِي على بَكْرٍ ولَكِنْ ... على بَدْرٍ تَقَاصَرتِ الجُدُودُ )
( على بَدْرٍ سَرَاةَ بني هُصَيْصْ ... ومَخْزومٍ ورَهْط أبي الوَلِيدِ )
( وبَكِّي إنْ بَكَيْتِ على عَقِيلٍ ... وبَكِّي حارثاً أسَدَ الأُسودِ )
( وبَكِّيهم ولا تُسْمِي جميعاً ... فما لأبي حَكِيمةَ من نَدِيدِ )
( ألاَ قد سادَ بَعْدَهُمُ رجالٌ ... ولولاَ يومُ بَدْرً لم يَسْودُوا )
ومما قيل في بدر من الشعر وغني به قول هند بنت عتبة ترثي أباها
صوت
( مَنْ حَسَّ لي الأخَوَيْنِ كَالْغُصْنَيْنِ ... أو مَنْ رَاهُمَا )
( قَرْمَانِ لا يَتَظالَمَانِ ... ولا يُرامُ حِمَاهُما )
( وَيْلِي على أبَوَيَّ والْقَبْرِ ... الذي وَارَاهُمَا )
( لا مِثْلَ كَهْلِي في الكُهُولِ ... ولا فَتًى كَفَتَاهُما )
ذكر الهشامي أن الغناء لابن سريج رمل وفي الكتاب الكبير المنسوب إلى إسحاق أنه للغريض وتمام هذه الأبيات
( أسَدَانِ لا يَتَذَلَّلانِ ... ولا يُرامُ حِماهما )
( رُمْحَيْنِ خَطِّيَّيْن في ... كَبِدِ السماءِ تراهما )
( ما خَلَّفَا إذ وَدَّعا ... في سُودَدٍ شَرْوَاهما )
(4/209)

( سادَا بغيرِ تَكَلُّفٍ ... عَفْواً يَفيِضُ نَدَاهُما )
هند بنت عتبة تعاظم الخنساء بعكاظ
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا محمد ابن سعد عن الواقدي وأخبرني ابن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال
لما كانت وقعة بدر قتل فيها عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة فأقبلت هند بنت عتبة ترثيهم وبلغها تسويم الخنساء هودجها في الموسم ومعاظمتها العرب بمصيبتها بأبيها عمرو بن الشريد وأخويها صخر ومعاوية وأنها جعلت تشهد الموسم وتبكيهم وقد سومت هودجها براية وأنها تقول أنا أعظم العرب مصيبة وأن العرب قد عرفت لها بعض ذلك
فلما أصيبت هند بما أصيبت به وبلغها ذلك قالت أنا أعظم من الخنساء مصيبة وأمرت بهودجها فسوم براية وشهدت الموسم بعكاظ وكانت سوقا يجتمع فيها العرب فقالت إقرنوا جملي بجمل الخنساء ففعلوا
فلما أن دنت منها قالت لها الخنساء من أنت يا أخية قالت أنا هند بنت عتبة أعظم العرب مصيبة وقد بلغني أنك تعاظمين العرب بمصيبتك فبم تعاظمينهم فقالت الخنساء بعمرو بن الشريد وصخر ومعاوية ابني عمرو وبم تعاظمينهم أنت قالت بأبي عتبة بن ربيعة وعمي شيبة بن ربيعة وأخي الوليد
قالت الخنساء أو سواء هم عندك ثم أنشدت تقول
( أُبَكِّي أبي عَمْراً بعينٍ غَزِيرةٍ ... قليلٌ إذا نام الخَلِيُّ هُجودُها )
وصَنْوَيَّ لا أَنْسَى مُعَاويةَ الذي ... له من سَرَاةِ الحَرَّتَيْن وفُودُها )
(4/210)

( وصخراً ومَنْ ذا مثلُ صخرٍ إذا غَدَا ... بساهمة الآطالِ قُبًّا يَقُودُها )
( فذلِك يا هندُ الرَّزِيَّةُ فاعْلَمِي ... ونِيرانُ حَرْبٍ حين شَبَّ وَقُودُها )
فقالت هند تجيبها
( أبَكِّي عَمِيدَ الأَبْطَحَيْنِ كِلَيْهِما ... وحامِيهما من كل باغٍ يُريدها )
( أَبِي عُتبةُ الخَيْراتِ وَيْحَكِ فاعْلَمِي ... وشَيْبةُ والحامي الذِّمارِ وليدُها )
( أولئك آلُ المَجْد من آلِ غالبٍ ... وفي العِزِّ منها حين يَنْمِي عَدِيدُها )
وقالت لها أيضا يومئذ
( مَنْ حَسَّ لِي الأَخَوَيْنِ كَالْغُصْنَيْنِ ... أو مَنْ رَاهُما )
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني بعض القرشيين قال
قدم عبد الله بن جعفر على معاوية وافدا فدخل عليه إنسان ثم ذهب إلى معاوية فقال هذا ابن جعفر يشرب النبيذ ويسمع الغناء ويحرك رأسه عليه
فجاء معاوية متغيرا حتى دخل على ابن جعفر وعزة الميلاء بين يديه كالشمس الطالعة في كواء البيت يضيء بها البيت تغنيه على عودها
( تَبَلَتْ فُؤادَك في الظلامِ خَرِيدةٌ ... تِشْفِي الضَّجيعَ بباردٍ بَسّامِ )
(4/211)

وبين يديه عس فقال ما هذا يا أبا جعفر قال أقسمت عليك يا أمير المؤمنين لتشربن منه فإذا عسل مجدوح بمسك وكافور
فقال هذا طيب فما هذا الغناء قال هذا شعر حسان بن ثابت في الحارث بن هشام
قال فهل تغني بغير هذا قال نعم بالشعر الذي يأتيك به الأعرابي الجافي الأذفر القبيح المنظر فيشافهك به فتعطيه عليه وآخذه أنا فأختار محاسنه ورقيق كلامه فأعطيه هذه الحسنة الوجه اللينة اللمس الطيبة الريح فترتله بهذا الصوت الحسن
قال فما تحريكك رأسك قال أريحية أجدها إذا سمعت الغناء لو سئلت عندها لأعطيت ولو لقيت لأبليت
فقال معاوية قبح الله قوما عرضوني لك ثم خرج وبعث إليه بصلة
(4/212)

صوت من المائة المختارة
قصيدة عمر بن أبي ربيعة في نعم
( أَيُّها القلبُ لا أراكَ تُفِيقُ ... طَالَما قَدْ تَعَلَّقَتْكَ العَلُوقُ )
( مَنْ يَكُنْ مِنْ هَوَى حبيبٍ قريباً ... فأنا النازحُ البعيدُ السَّحِيقُ )
( قُضِيَ الحُبُّ بيننا فالتقينا ... وكلاَنَا إلى اللِّقاء مَشُوقُ )
الشعر في البيت الأول والثالث لعمر بن أبي ربيعة والبيت الثاني ليس له ولكن هكذا غني وليس هو أيضا مشاكلا لحكاية ما في البيت الثالث
والغناء لبابويه الكوفي خفيف ثقيل أول
وهذا الشعر يقوله عمر بن أبي ربيعة في امرأة من قريش يقال لها نعم كان كثير الذكر لها في شعره
أخبرني بذلك محمد بن خلف بن المرزبان عن أبي عبد الله التميمي عن القحذمي والمدائني
قال وهي التي يقول فيها
( أَمِنْ آلِ نُعْمٍ أنتَ غادٍ فمُبْكِرُ ... )
قال وكانت تكنى أم بكر وهي من بني جمح
وتمام هذه الأبيات على ما حكاه ابن المرزبان عمن ذكرت
( فالْتَقَيْنا ولم نَخَفْ ما لَقِينَا ... ليلةَ الخَيْفِ والمُنَى قد تَشُوقُ )
(4/213)

( وجرى بيننا فجددَ وصلا ... قُلَّبٌ حُوَّلٌ أرِيبٌ رفيقُ )
( لا تَظُنِّي أنّ التَّرَاسُلَ والبَدْلَ ... لكلِّ النساءِ عندي يَلِيق )
( هل لكَ اليومَ إنْ نأتْ أُمُّ بَكْرٍ ... وَتَوَلَّتْ إلى عَزَاءٍ طريقُ )
أخبرني محمد بن خلف بن المزربان قال حدثت عن محمد بن حميد عن عبد الله بن سوار القاضي عن بشر بن المفضل قال
بلغ عمر بن أبي ربيعة أن نعما اغتسلت في غدير فأتاه فأقام عليه وما زال يشرب منه حتى جف
أخبرني محمد بن خلف قال قال محمد بن حبيب الراوية
بلغني أن نعما استقبلت عمر بن أبي ربيعة في المسجد الحرام وفي يدها خلوق من خلوق المسجد فمسحت به ثوبه ومضت وهي تضحك فقال عمر
( أدخل اللهُ ربُّ موسى وعيسى ... جَنَّةَ الخُلْدِ مَنْ مَلاَنِي خَلُوقَا )
( مسحتْه من كَفِّها في قميصي ... حين طافتْ بالبيت مَسْحاً رَفِيقَا )
( غَضِبَتْ أَنْ نَظرتُ نحوَ نساءٍ ... ليس يَعْرِفْنَنِي سَلَكْنَ طريقَا )
( وأرى بينهما وبين نساء ... كنتُ أَهْذِي بهِنّ بَوْناً سَحِيقَا )
وهذا البيت الأول مما عيب على عمر
ومما غني فيه من تشبيب عمر بنعم هذه
(4/214)

صوت
( دِينَ هذا القلبُ مِنْ نُعْمِ ... بَسقَامٍ ليس كالسُّقْمِ )
( إنّ نُعْماً أَقصدتْ رجلاً ... آمناً بالخَيْفِ إذ تَرْمي )
( بِشَتِيتٍ نَبْتُه رَتِلٍ ... طَيِّبِ الأنيابِ والطَّعْمِ )
( وبِوَحْفٍ مائلٍ رَجِلٍ ... كعناقِيدَ مِن الكَرْمِ )
ومنها
صوت
( خِلِيلَيَّ ارْبَعَا وسَلاَ ... بمَغْنَى الحيِّ قد مثلا )
( بأعلَى الوادِ عند البِئْرِ ... هَيَّجَ عَبْرةً سبَلاَ )
( وقد تَغْنَى به نُعْمٌ ... وكنت بوَصْلِها جَذِلاَ )
( ليالي لا نحب لنا ... بعيش قد مضى بدلا )
( وتَهْوَانَا ونهْوَاها ... ونَعْصِي قَوْلَ مَنْ عَذَلاَ )
( وتُرْسِلُ في مُلاَطَفةٍ ... ونُعْمِلُ نحوَها الرُّسُلاَ )
غناه الهذلي ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق
وفيه لابن سريج لحنان رمل بالبنصر في مجراها عن إسحاق وخفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو
وفيها عن إسحاق ثاني ثقيل
(4/215)

ولسليم خفيف رمل جميعا عن الهشامي
قال ويقال إن اللحن المنسوب إلى سليم لحكم الوادي
ومنها من قصيدة أولها
( لقد أرسلتْ نُعْمٌ إلينا أَن ائْتِنَا ... فأَحبِبْ بها من مُرْسِلٍ مُتَغَضِّبِ )
يغني منها في قوله
صوت
( فقلتُ لِجَنَّادٍ خُذِ السيفَ واشْتَمِلْ ... عليه بِرفْقٍ وارْقُبِ الشمس تَغْرُبِ )
( وأَسْرِجْ لِيَ الدَّهْماءَ واعْجَلْ بِممْطَرِي ... ولا تُعْلِمَنْ حَيّاً مِنَ النّاسِ مَذْهَبِي )
( فلمّا التقينا سَلّمتْ وتَبسَّمتْ ... وقالتْ مقالَ المُعْرِض المُتَجَنَّبِ )
( أَمِنْ أجلِ واشٍ كاشحٍ بنميمةٍ ... مَشَى بيننا صَدَّقْتَه لم تُكَذِّبِ )
( وقَطَّعْتَ حبلَ الوصلِ منّا ومَنْ يُطِعْ ... بذِي ودِّه قولَ المُؤَرِّشِ يُعْتَبِ )
صوت
( ما بالُ أهْلك يا رَبابُ ... خُزْراً كأنَّهُمُ غِضَابُ )
( إنْ زُرْتُ أهلَكِ أَوْعَدُوا ... وتَهِرّ دونَهُم الكلابُ )
عروضه من الكامل
الشعر لعلس ذي جدن الحميري أخبرنا بذلك محمد ابن الحسن بن دريد عن عمه عن العباس بن هشام عن أبيه
والغناء لطويس ولحنه المختار خفيف رمل بالبنصر
(4/216)

نسب علس ذي جدن وأخباره
هو علس بن زيد بن الحارث بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد الجمهور بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أعز بن الهم بن الهميسع بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان
وهو ملك من ملوك حمير
ولقب ذا جدن لحسن صوته والجدن الصوت بلغتهم ويقال إنه أول من تغنى باليمن
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن ابن الكلبي وأبي مسكين قالا إنما سمي ذا جدن لحسن صوته
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن ابن الكلبي عن إسماعيل بن إبراهيم بن ذي الشعار الهمداني عن حيان بن هانئ الأرحبي عن أبيه قال
ماذا كتب على قبره
أخبرني رجل من أهل صنعاء أنهم حفروا حفيرا في زمن مروان فوقفوا على أزج له باب فإذا هو برجل على سرير كأعظم ما يكون من الرجال عليه خاتم من ذهب وعصابة من ذهب وعند رأسه لوح من ذهب مكتوب فيه أنا
(4/217)

علس ذو جدن القيل لخليلي مني النيل ولعدوي مني الويل
طلبت فأدركت وأنا ابن مائة سنة من عمري وكانت الوحش تأذن لصوتي وهذا سيفي ذو الكف عندي ودرعي ذات الفروج ورمحي الهزبري وقوسي الفجواء وقرني ذات الشر فيها ثلاثمائة حشر من صنعة ذي نمر أعددت ذلك لدفع الموت عني فخانني
قال فنظرنا فإذا جميع ذلك عنده
ووجدت هذا الخبر عن ابن الكلبي في بعض الكتب من غير رواية ابن عمار فوجدت فيه فإذا طول السيف اثنا عشر شبرا وعليه مكتوب تحت شاربه بالمسند باست امرئ كنت في يده فلم ينتصر
انقضت أخباره
(4/218)

أخبار طويس ونسبه
طويس لقب واسمه طاوس مولى بني مخزوم
وهو أول من غنى الغناء المتقن من المخنثين
وهو أول من صنع الهزج والرمل في الإسلام
وكان يقال أحسن الناس غناء في الثقيل ابن محرز وفي الرمل ابن سريج وفي الهزج طويس وكان الناس يضربون به المثل فيقال أهزج من طويس
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر والحسين بن يحيى قالا حدثنا حماد ابن إسحاق عن أبيه عن ابن الكلبي عن أبيه وأبي مسكين قال إسحاق وحدثني المدائني والهيثم بن عدي عن صالح بن كيسان
تغنى بشعر ذي جدن
أن أبان بن عثمان وفد على عبد الملك بن مروان فأمره على الحجاز فأقبل حتى إذا دنا من المدينة تلقاه أهلها وخرج إليه أشرافها فخرج معهم طويس فلما رآه سلم عليه ثم قال له أيها الأمير إني كنت أعطيت الله عهدا لئن رأيتك أميرا لأخضبن يدي إلى المرفقين ثم أزدو بالدف بين يديك ثم أبدى عن دفه وتغنى بشعر ذي جدن الحميري
( ما بالُ أهلِكِ يا ربابُ ... خُزْراً كأنّهمُ غِضابُ )
قال فطرب أبان حتى كاد أن يطير ثم جعل يقول له حسبك يا طاوس
(4/219)

ولا يقول له يا طويس لنبله في عينه ثم قال له اجلس فجلس
فقال له أبان قد زعموا أنك كافر
فقال جعلت فداءك والله إني لأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأصلي الخمس وأصوم شهر رمضان وأحج البيت
فقال أفأنت أكبر أم عمرو بن عثمان وكان عمرو أخا أبان لأبيه وأمه فقال له طويس أنا والله جعلت فداءك مع جلائل نساء قومي أمسك بذيولهن يوم زفت أمك المباركة إلى أبيك الطيب
قال فاستحيا أبان ورمى بطرفه إلى الأرض
وأخبرني بهذه القصة إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا العتبي عن أبيه بمثل هذه القصة عن أبان وطويس
وزاد فيها أن طويسا قال له نذري أيها الأمير قال وما نذرك قال نذرت إن رأيتك أميرا في هذه الدار أن أغني لك وأزدو بدفي بين يديك
فقال له أوف بنذرك فإن الله عز و جل يقول ( يوفون بالنذر ) قال فأخرج يديه مخضوبتين وأخرج دفه وتغنى
( ما بالُ أهلِكِ يا ربابُ ... )
وزاد فيه فقال له أبان يقولون إنك مشؤوم قال وفوق ذلك قال وما بلغ من شؤمك قال ولدت ليلة قبض النبي وفطمت ليلة مات أبو بكر رضي الله عنه واحتلمت ليلة قتل عمر رضوان الله عليه وزفت إلي أهلي ليلة قتل عثمان رضي الله عنه
قال فاخرج عني عليك الدبار
يحيى بن الحكم يهدر دمه مع المخنثين
أخبرني إسماعيل قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن الوليد قال حدثني مصعب بن عثمان عن نوفل بن عمارة قال
خرج يحيى بن الحكم وهو أمير على المدينة فبصر بشخص بالسبخة
(4/220)

مما يلي مسجد الأحزاب فلما نظر إلى يحيى بن الحكم جلس فاستراب به فوجه أعوانه في طلبه فأتي به كأنه امرأة في ثياب مصبغة مصقولة وهو ممتشط مختضب
فقال له أعوانه هذا ابن نغاش المخنث
فقال له ما أحسبك تقرأ من كتاب الله عز و جل شيئا إقرأ أم القرآن
فقال يا أبانا لو عرفت أمهن عرفت البنات
فقال له أتتهزأ بالقرآن لا أم لك وأمر به فضربت عنقه
وصاح في المخنثين من جاء بواحد منهم فله ثلاثمائة درهم
قال زرجون المخنث فخرجت بعد ذلك أريد العالية فإذا بصوت دف أعجبني فدنوت من الباب حتى فهمت نغمات قوم آنس بهم ففتحته ودخلت فإذا بطويس قائم في يده الدف يتغنى فلما رآني قال لي إيه يا زرجون قتل يحيى بن الحكم ابن نغاش قلت نعم قال وجعل في المخنثين ثلاثمائة درهم قلت نعم
فادفع يغني
( ما بالُ أهلكِ يا رباب ... خُزْراً كأنّهمُ غِضابُ )
( إن زرتُ أهلكِ أوعدوا ... وتَهِرّ دونهمُ كِلابُ )
ثم قال ويحك أفما جعل في زيادة ولا فضلني عليهم في الجعل بفضلي شيئا
أخبرني محمد بن عمرو العتابي قال حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان ولم أسمعه أنا من محمد بن خلف قال حدثني إسحاق بن محمد بن أبان الكوفي قال حدثني حسين بن دحمان الأشقر قال
كنت بالمدينة فخلا لي الطريق وسط النهار فجعلت أتغنى
( ما بالُ أهلكِ يا رَبابُ ... خُزْراً كأنّهم غِضابُ )
(4/221)

قال فإذا خوخة قد فتحت وإذا وجه قد بدا تتبعه لحية حمراء فقال يا فاسق أسأت التأدية ومنعت القائلة وأذعت الفاحشة ثم اندفع يغنيه فظننت أن طويسا قد نشر بعينه فقلت له أصلحك الله من أين لك هذا الغناء فقال نشأت وأنا غلام حدث أتبع المغنين وآخذ عنهم فقالت لي أمي يا بني إن المغني إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلى غنائه فدع الغناء واطلب الفقه فإنه لا يضر معه قبح الوجه
فتركت المغنين واتبعت الفقهاء فبلغ الله بي عز و جل ما ترى
فقلت له فأعد جعلت فداءك قال لا ولا كرامة أتريد أن تقول أخذته عن مالك بن أنس وإذا هو مالك بن أنس ولم أعلم
صوت من المائة المختارة
( لِمَنْ رَبْعٌ بذات الجَيْشِ ... أمْسَى دارساً خَلَقَا )
( وقفتُ به أُسائلهُ ... ومَرّتْ عِيسُهمْ حِزَقَا )
( عَلَوْا بك ظاهرَ البَيْداءِ ... والمخزونُ قد قَلِقَا )
ذات الجيش موضع
ذكر النبي أن جيشا يغزو الكعبة فيخسف بهم إلا رجلا واحدا يقلب وجهه إلى قفاه فيرجع إلى قومه كذلك فيخبرهم الخبر
حدثني بهذا الحديث أحمد بن محمد الجعدي قال حدثنا محمد بن بكار قال حدثنا إسماعيل بن زكريا عن محمد بن سوقة قال سمعت نافع بن جبير بن مطعم يقول حدثتني عائشة قالت
حديث النبي عن انخساف الأرض
قال رسول الله ( يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض
(4/222)

خسف بأولهم وآخرهم ) قالت عائشة فقلت يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم سواهم ومن ليس منهم قال ( يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على قدر نياتهم ) الشعر للأحوص والغناء في هذا اللحن المختار للدلال المخنث وهو أحد من خصاه ابن حزم بأمر الوليد بن عبد الملك مع المخنثين
والخبر في ذلك يذكر بعد
ولحنه المختار من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر في الأول والثالث
ولإسحاق فيه ثقيل أول آخر
وفيه لمالك لحن من خفيف الرمل عن يونس والهشامي وغيرهما
وفيه رمل ينسب إلى ابن سريج وهو مما يشك في نسبته إليه
وقيل إن خفيف الرمل لابن سريج والرمل لمالك
وذكر حبش أن فيه للدلال خفيف ثقيل بالبنصر أيضا
(4/223)

ذكر الأحوص وأخباره ونسبه
هو الأحوص
وقيل إن اسمه عبد الله وإنه لقب الأحوص لحوص كان في عيينه
وهو ابن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح واسم أبي الأقلح قيس بن عصيمة بن النعمان بن أمية بن ضبيعة بن زيد بن مالك ابن عوف بن عمر بن عوف بن مالك بن الأوس
وكان يقال لبني ضبيعة بن زيد في الجاهلية بنو كسر الذهب
وقال الأحوص حين نفي إلى اليمن
( بَدّل الدّهْرُ من ضُبَيْعةَ عَكًّا ... جِيرةً وهو يُعْقِبُ الأبْدالاَ )
خبر جده عاصم حمي الدبر
وكان جده عاصم يقال له حمي الدبر وكان رسول الله بعثه بعثا فقتله المشركون وأرادوا أن يصلبوه فحمته الدبر وهي النحل فلم يقدروا عليه حتى بعث الله عز و جل الوادي في الليل فاحتمله فذهب به
وفي ذلك يقول الأحوص مفتخرا
( وأنا ابنُ الذي حَمَتْ لحمَه الدّبْرُ ... قتِيلِ اللَّحيْانِ يومَ الرّجيعِ )
حدثنا بالخبر في ذلك محمد بن جرير الطبري قال حدثنا ابن حميد قال
(4/224)

حدثنا سلمة بن الفضل قال حدثنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال
قدم على رسول الله بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا يا رسول الله إن فينا إسلاما وخيرا فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهونا في الدين ويقرئونا القرآن
ويعلمونا شرائع الإسلام فبعث رسول الله معهم نفرا من ستة من أصحابه مرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب وخالد بن البكير حليف بني عدي بن كعب وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخا بني عمرو ابن عوف وخبيب بن عدي أخا بني جحجبى بن كلفة بن عمرو بن عوف وزيد ابن الدثنة أخا بني بياضة بن عامر وعبد الله بن طارق حليفا لبني ظفر من بلي وأمر رسول الله عليهم مرثد بن أبي مرثد فخرجوا مع القوم حتى إذا كانوا على الرجيع ماء لهذيل بناحية من الحجاز من صدر الهدأة غدروا بهم واستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا بالرجال في أيديهم السيوف قد غشوهم فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم فقالوا إنا والله ما نريد قتلكم ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم
فأما مرثد ابن أبي مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فقالوا إنا والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا فقاتلوهم حتى قتلوهم جميعا
وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبد الله بن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة وأعطوا بأيديهم فأسروهم ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها حتى إذا
(4/225)

كانوا بالظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القرآن ثم أخذ سيفه واستأخر عن القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه فقبره بالظهران
وأما خبيب بن عدي وزيد ابن الدثنة فقدموا بهما مكة فباعوهما
فابتاع خبيبا حجير بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل وكان حجير أخا الحارث بن عامر بن نوفل لأمه ليقتله بأبيه
وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأمية بن خلف أبيه
وقد كانت هذيل حين قتل عاصم بن ثابت قد أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد وكانت قد نذرت حين قتل عاصم ابنها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر فمنعته الدبر
فلما حالت بينهم وبينه قالوا دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه
فبعث الله عز و جل الوادي فاحتمل عاصما فذهب به
وكان عاصم قد أعطى الله عز و جل عهدا لا يمسه مشرك أبدا ولا يمس مشركا أبدا تنجسا منه
فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول حين بلغه أن الدبر منعته عجبا لحفظ الله عز و جل العبد المؤمن كان عاصم نذر ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا في حياته فمنعه الله بعد مماته كما امتنع منه في حياته
قال محمد بن جرير وأما غير ابن إسحاق فإنه قص من خبر هذه السرية غير الذي قصه غيره
من ذلك ما حدثنا أبو كريب قال حدثنا جعفر بن عون العمري قال حدثنا إبراهيم بن إسماعيل عن عمر أو عمرو بن أسيد عن أبي هريرة
أن رسول الله بعث عشرة رهط وأمر عليهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فخرجوا حتى إذا كانوا بالهدأة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو
(4/226)

لحيان فبعثوا إليهم مائة رجل راميا فوجدوا مأكلهم حيث أكلوا التمر فقالوا نوى يثرب ثم اتبعوا آثارهم حتى إذا أحس بهم عاصم وأصحابه التجأوا إلى الجبل وأحاط بهم الآخرون فاستنزلوهم وأعطوهم العهد
فقال عاصم والله لا أنزل على عهد كافر اللهم أخبر نبيك عنا ونزل إليهم ابن الدثنة البياضي وخبيب ورجل آخر فأطلق القوم أوتار قسيهم ثم أوثقوهم فجرحوا رجلا من الثلاثة فقال هذا والله أول الغدر والله لا أتبعكم فضربوه وقتلوه وانطلقوا بخبيب وابن الدثنة إلى مكة فدفعوا خبيبا إلى بني الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بأحد
فبينما خبيب عند بنات الحارث استعار من إحدى بنات الحارث موسى ليستحد بها للقتل فما راع المرأة ولها صبي يدرج إلا خبيب قد أجلس الصبي على فخذه والموسى بيده فصاحت المرأة فقال خبيب أتحسبين أني أقتله إن الغدر ليس من شأننا
قال فقالت المرأة بعد ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب لقد أريته وما بمكة من ثمرة وإن في يده لقطفا من عنب يأكله إن كان إلا رزقا رزقه الله خبيبا
وبعث حي من قيس إلى عاصم ليؤتوا من لحمه بشيء وقد كان عاصم فيهم آثار بأحد فبعث الله عليه دبرا فحمت لحمه فلم يستطيعوا أن يأخذوا من لحمه شيئا
فلما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه قال ذروني أصل ركعتين
فتركوه فصلى ركعتين فجرت سنة لمن قتل صبرا يصلي ركعتين ثم قال لولا أن يقال جزع لزدت وما أبالي
( عَلَى أيِّ شِقِّ كان لله مَصْرَعي ... )
ثم قال
( وذلك في ذاتِ الإِلهِ وإنْ يَشِأْ ... يُبَارِكْ على أوصالِ شِلْوٍ مُمزَّعِ )
(4/227)

اللهم أحصهم عددا وخذهم بددا
ثم خرج به أبو سروعة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف فضربه فقتله
حدثنا محمد قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا جعفر بن عون عن إبراهيم بن إسماعيل قال وأخبرني جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه عن جده
أن رسول الله بعثه وحده عينا إلى قريش
قال فجئت إلى خشبة خبيب وأنا أتخوف العيون فرقيت فيها فحللت خبيبا فوقع إلى الأرض فانتبذت غير بعيد ثم التفت فلم أر لخبيب أثرا فكأنما الأرض ابتلعته فلم تظهر لخبيب رمة حتى الساعة
قال محمد بن جرير وأما زيد بن الدثنة فإن صفوان بن أمية بعث به فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق مع مولى له يقال له نسطاس إلى التنعيم فأخرجه من الحرم ليقتله واجتمع إليه رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا عندنا الآن مكانك فتضرب عنقه وأنك في أهلك فقال والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصبيه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي قال يقول أبو سفيان ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا ثم قتله نسطاس
أخبرني أحمد بن الجعد قال حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي قال حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال
(4/228)

نزل عبد الله وأبو أحمد ابنا جحش حين قدما مهاجرين على عاصم بن ثابت وكنيته أبو سليمان
وقال عاصم
( أبو سليمان ورِيشُ المُقْعَدِ ... وهجْناٌ من جلد ثورٍ أَجْرَدِ )
وذكر لنا الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير أن عاصما فيما قيل كان يكنى أبا سفيان
قال وقال في يوم الرجيع
( أنا أبو سُفْيانَ مِثْلِي رَامَا ... أَضْرِبُ كَبْشُ العارِض القَدَّامَا )
بعض صفات الأحوص
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا إسماعيل بن عبد الله عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه قال
كنية الأحوص أبو محمد وأمه أثيلة بنت عمير بن مخشي وكان أحمر أحوص العينين
(4/229)

ماذا قال الفرزدق في شعر الأحوص
قال الزبير فحدثني محمد بن يحيى قال
قدم الفرزدق المدينة ثم خرج منها فسئل عن شعرائها فقال رأيت بها شاعرين وعجبت لهما أحدهما أخضر يسكن خارجا من بطحان يريد ابن هرمة والآخر أحمر كأنه وحرة على برودة في شعره يريد الأحوص
والوحرة يعسوب أحمر ينزل الأنبار
وقال الأحوص يهجو نفسه ويذكر حوصه
( أَقْبِحْ به من وَلَدٍ وأَشْقِحِ ... مِثْلِ جُرَيِّ الكلب لم يُفَقِّحِ )
( إنْ يَرَ سُوءاً لم يَقُمْ فَيَنْبَحِ ... بالبابِ عند حاجةِ المُسْتَفْتِحِ )
قال الزبير ولم يبق للأحوص من ولده غير رجلين
رأي أبي الفرج فيه
قال الزبير وجعل محمد بن سلام الأحوص وابن قيس الرقيات ونصيبا وجميل بن معمر طبقة سادسة من شعراء الإسلام وجعله بعد ابن
(4/230)

قيس وبعد نصيب قال أبو الفرج والأحوص لولا ما وضع به نفسه من دنيء الأخلاق والأفعال أشد تقدما منهم عند جماعة أهل الحجاز وأكثر الرواة وهو أسمح طبعا وأسهل كلاما وأصح معنى منهم ولشعره رونق وديباجة صافية وحلاوة وعذوبة ألفاظ ليست لواحد منهم
وكان قليل المروءة والدين هجاء للناس مأبونا فيما يروى عنه
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني أبو عبيدة أن جماعة من أهل المدينة أخبروه
أن السبب في جلد سليمان بن عبد الملك أو الوليد بن عبد الملك إياه ونفيه له أن شهودا شهدوا عليه عنده أنه قال إذا أخذت جريري لم أبال أي الثلاثة لقيت ناكحا أو منكوحا أو زانيا
قالوا وانضاف إلى ذلك أن سكينة بنت الحسين رضي الله عنهما فخرت يوما برسول الله ففاخرها بقصيدته التي يقول فيها
( ليس جهلٌ أَتَيْتِهِ ببَديعِ ... )
فزاده ذلك حنقا عليه وغيظا حتى نفاه
مفاخرته لسكينة بنت الحسين
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة
(4/231)

أن الأحوص كان يوما عند سكينة فأذن المؤذن فلما قال أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله فخرت سكينة بما سمعت فقال الأحوص
( فخَرتِ وانتمتْ فقلتُ ذَرِيني ... ليس جهلٌ أَتيتِه بِبَديعِ )
( فأنا ابنُ الذي حَمَتْ لَحْمَه الدَّبْرُ ... قتيل اللحيان يومَ الرَّجِيعِ )
( غَسَّلتْ خاليَ الملائكةُ الأبْرارُ ... مَيْتاً طُوبَى له مِن صَرِيعِ )
قال أبو زيد وقد لعمري فخر بفخر لو على غير سكينة فخر به وبأبي سكينة حمت أباه الدبر وغسلت خاله الملائكة
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد ابن يحيى عن أيوب بن عمر عن أبيه قال
لما جاء ابن حزم عمله من قبل سليمان بن عبد الملك على المدينة والحج جاءه ابن أبي جهم بن حذيفة وحميد بن عبد الرحمن بن عوف وسراقة فدخلوا عليه فقالوا له إيه يا بن حزم ما الذي جاء بك قال استعملني والله أمير المؤمنين على المدينة على رغم أنف من رغم أنفه
فقال له ابن أبي جهم يا بن حزم فإني أول من يرغم من ذلك أنفه
قال فقال ابن حزم صادق والله يحب الصادقين
فقال الأحوص
( سليمانُ إذْ وَلاَّكَ رَبُّك حُكْمنَا ... وسُلْطانَنا فاحْكُمْ إذا قلتَ واعْدِلِ )
( يَؤُمُّ حَجيجَ المسلمين ابنُ فَرْتَنَى ... فهَبْ ذاكَ حَجاً ليس بالمُتَقَبَّلِ )
فقال ابن أبي عتيق للأحوص الحمد لله يا أحوص إذ لم أحج ذلك العام بنعمة ربي وشكره
قال الحمد لله الذي صرف ذلك عنك يا بن أبي بكر
(4/232)

الصديق فلم يضلل دينك ولم تعن نفسك وترما يغيظك ويغيظ المسلمين معك
تعرضه للخبازين وجلده من قبل عامل المدينة
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله عن عمه موسى بن عبد العزيز قال
وفد الأحوص على الوليد بن عبد الملك وامتدحه فأنزله منزلا وأمر بمطبخه أن يمال عليه ونزل على الوليد بن عبد الملك شعيب بن عبد الله بن عمرو بن العاصي فكان الأحوص يراود وصفاء للوليد خبازين عن أنفسهم ويريدهم أن يفعلوا به
وكان شعيب قد غضب على مولى له ونحاه
فلما خاف الأحوص أن يفتضح بمراودته الغلمان اندس لمولى شعيب ذلك فقال ادخل على أمير المؤمنين فاذكر له أن شعيبا أرادك عن نفسك ففعل المولى فالتفت الوليد إلى شعيب فقال ما يقول هذا فقال لكلامه غورا يا أمير المؤمنين فاشدد به يدك يصدقك
فشدد عليه فقال أمرني بذلك الأحوص
فقال قيم الخبازين أصلحك الله إن الأحوص يراود الخبازين عن أنفسهم فأرسل به الوليد إلى ابن حزم بالمدينة وأمره أن يجلده مائة ويصب على رأسه زيتا ويقيمه على البلس ففعل ذلك به
فقال وهو على البلس أبياته التي يقول فيها
( ما مِنْ مُصِيبةِ نَكْبَةٍ أمْنَى بها ... إلاّ تُشَرِّفُني وتَرْفَعُ شاني )
(4/233)