Advertisement

الأغاني 006



[ الأغاني - الأصفهاني ]
الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبي الفرج الأصفهاني
الناشر : دار الفكر - بيروت
الطبعة الثانية
تحقيق : سمير جابر
عدد الأجزاء : 24 قال وتوقعت مجيء الخادم إلي فقلت للرجل بأبي أنت خذ العود فشد وتر كذا وارفع الطبقة وحط دستان كذ ففعل ما أمرته
وخرج الخادم فقال لي تغن عافاك الله فتغنيت بصوت الرجل الأول على غير ما غناه فإذا جماعة من الخدم يحضرون حتى استندوا إلى الأسرة وقالوا ويحك لمن هذا الغناء قلت لي فانصرفوا عني بتلك السرعة وخرج إلي الخادم وقال كذبت هذا الغناء لإبن جامع
ودار الدور فلما انتهى الغناء إلي قلت للجارية التي تلي الرجل خذي العود فعلمت ما أريد فسوت العود على غنائها للصوت الثاني فتغنيت به
فخرجت إلي الجماعة الأولى من الخدم فقالوا ويحك لمن هذا قلت لي فرجعوا وخرج الخادم فتغنيت بصوت لي فلا يعرف إلا بي وسقوني فتزيدت وهو
( عُوجي عليّ فسلِّمي جَبْرُ ... فيمَ الصدود وأنتُم سَفْرُ )
( ما نلتقي إلا ثلاثَ مِنىً ... حتى يُفرّق بيننا الدهر )
قال فتزلزلت والله الدار عليهم وخرج الخادم فقال ويحك لمن هذا الغناء قلت لي فرجع ثم خرج فقال كذبت هذا غناء ابن جامع فقلت فأنا إسماعيل بن جامع
فما شعرت إلا وأمير المؤمنين وجعفر بن يحيى قد أقبلا من وراء الستر الذي كان يخرج منه الخادم
فقال لي الفضل بن الربيع هذا أمير المؤمنين قد أقبل إليك فلما صعد السرير وثبت قائما فقال لي أبن جامع قلت ابن جامع جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين قال ويحك متى كنت في هذه البلدة قلت آنفا دخلتها في الوقت الذي علم بي أمير المؤمنين
قال اجلس ويحك يابن جامع ومضى هو وجعفر فجلسا في بعض تلك المجالس وقال لي أبشر وابسط أملك فدعوت له ثم قال غنني يابن جامع
فخطر بقلبي صوت الجارية الحميراء فأمرت الرجل بإصلاح العود على ما أردت من الطبقة فعرف ما أردت فوزن العود وزنا وتعاهده حتى استقامت الأوتار وأخذت الدساتين مواضعها وانبعثت أغني بصوت الجارية الحميراء فنظر الرشيد إلى جعفر وقال
(6/332)

أسمعت كذا قط فقال لا والله ما خرق مسامعي قط مثله
فرفع الرشيد رأسه إلى خادم بالقرب منه فدعا بكيس فيه ألف دينار فجاء به فرمى به إلي فصيرته تحت فخذي ودعوت لأمير المؤمنين فقال يابن جامع رد على أمير المؤمنين هذا الصوت فرددته وتزيدت فيه
فقال له جعفر يا سيدي أما تراه كيف يتزيد في الغناء هذا خلاف ما سمعناه أولا وإن كان الأمر في اللحن واحدا
قال فرفع الرشيد رأسه إلى ذلك الخادم فدعا بكيس آخر فيه ألف دينار فجاءني به فصيرته تحت فخذي
وقال تغن يا إسماعيل ما حضرك فجعلت أقصد الصوت بعد الصوت مما كان يبلغني أنه يشتري عليه الجواري فأغنيه فلم أزل أفعل ذلك إلى أن عسعس الليل فقال أتعبناك يا إسماعيل هذه الليلة بغنائك فاعد على أمير المؤمنين الصوت يعني صوت الجارية فتغنيت
فدعا الخادم وأمره فأحضر كيسا ثالثا فيه ألف دينار قال فذكرت ما كانت الجارية قالت لي فتبسمت ولحظني فقال يابن الفاعلة مم تبسمت فجثوت على ركبتي وقلت يا أمير المؤمنين الصدق منجاة فقال لي بانتهار قل فقصصت عليه خبر الجارية
فلما استوعبه قال صدقت قد يكون هذا وقام ونزلت من السرير ولا أدري أين أقصد فابتدرني فراشان فصارا بي إلى دار قد أمر بها أمير المؤمنين ففرشت وأعد فيها جميع ما يكون في مثلها من ألة جلساء الملوك وندمائهم من الخدم ومن كل ألة وخول إلى جوار ووصفاء فدخلتها فقيرا وأصبحت من جلة أهلها ومياسيرهم
وذكر لي هذا الخبر عبد الله بن الربيع عن أبي حفص الشيباني عن محمد بن القاسم عن إسماعيل بن جامع قال ضمني الدهر بمكة ضما شديدا فانتقلت إلى المدينة فبينا أنا يوما جالس مع بعض أهلها نتحدث إذ قال لي رجل حضرنا والله لقد بلغنا يابن جامع أن
(6/333)

الخليفة قد ذكرك وأنت في هذا البلد ضائع فقلت والله ما بي نهوض
قال بعضهم فنحن ننهضك فاحتلت في شيء وشخصت إلى العراق فقدمت بغداد ونزلت عن بغل كنت أكتريته
ثم ذكر باقي الحديث نحو الذي قبله في المعاني ولم يذكر خبر السوداء التي أخذ الصوت عنها
وأحسبه غلط في إدخاله هذه الحكاية ها هنا ولتلك خبر آخر نذكره ها هنا
قال في هذا الخبر إن الدور دار مرة أخرى حتى صار إلي فخرج الخادم فقال غن أيها الرجل فقلت ما أنتظر الآن ثم اندفعت أغني بصوت لي وهو
( فلو كان لي قلبان عِشْتُ بواحد ... وخَلّفْتُ قلباً في هواكِ يُعذَّبُ )
( ولكنما أحيا بقلب مُروَّع ... فلا العيشُ يصفوا لي ولا الموتُ يقرُب )
( تعلّمت أسبابَ الرضا خوفَ سُخْطها ... وعلمها حبّي لها كيف تغضب )
( ولي ألف وجهٍ قد عرفتُ مكانه ... ولكن بلا قلب إلى أين أذهب )
فخرج الرشيد حينئذ
نسبة ما في هذه الأصوات من الأغاني
صوت
( شكونا إلى أحبابنا طولَ ليلنا ... فقالوا لنا ما أقصر الليلَ عندنا )
( وذاك لأنّ النومَ يَغْشى عيونَهم ... سِراعاً وما يغشى لنا النومُ أعينَا )
( إذا ما دنا الليلُ المضرّ بذي الهوى ... جَزِعْنا وهم يستبشرون إذا دنا )
( فلو أنهم كانوا يُلاقون مثلَ ما ... نُلاقي لكانوا في المضاجع مثلَنا )
عروضه من الطويل وذكر الهشامي أن الغناء لإبن جامع هزج بالوسطى وفي
(6/334)

الخبر أنه أخذه عن سوداء لقيها بمكة ومنها
صوت
( يا دار أضحت خلاءً لا أنيسَ بها ... إلا الظباءُ وإلا النّاشط الفَرِدُ )
( أين الذين إذا مازرتُهم جذِلوا ... وطار عن قلبي التشواق والكمد )
في هذا الصوت لحن لإبن سريج خفيف ثقيل أول بالوسطى من رواية حبش ولحن ابن جامع رمل ومنها
صوت
( لم تَمْشِ مِيلاً ولم تركب على جمَل ... ولم تَرَ الشمسَ إلا دونها الكِلَلُ )
( أقول للركب في دُرْنا وقد ثَمِلوا ... شِيموا وكيف يَشيم الشارب الثَّمِل )
الشعر للأعشى والغناء لإبن سريج رمل بالبنصر وقد كتب فيما يغني فيه من قصيدة الأعشى التي أولها
( وَدِّعْ هْرَيْرَة إن الركبَ مُرْتحلُ ... )
ومنها
صوت
( مَرَرْنا على قَيْسيّةٍ عامريّةٍ ... لها بَشَرٌ صافي الأديم هِجانِ )
(6/335)

( فقالت وألقت جانبَ السترِ دونها ... مِنَ آيّة أرض أو مَنِ الرجلان )
( فقلت لها أمّا تميمٌ فأسرتي ... هُديتِ وأمّا صاحبي فيماني )
( رفيقان ضمّ السَّفْرُ بيني وبينه ... وقد يَلْتقي الشتّى فيأتلفان )
غناه ابن سريج خفيف رمل بالبنصر ومنها
صوت
( أمسى بأسماءَ هذا القلبُ معمودَا ... إذا أقول صحا يعتاده عِيدَا )
( أَجْرِي على موعد منها فتُخلفني ... فما أَمَلّ ولا تُوفي المواعيدا )
( كأنني حين أُمْسِي لا تكلّمني ... ذو بِغيْة يَبتغي ما ليس موجودا )
الشعر لعمر بن أبي ربيعة والغناء للغريض خفيف ثقيل أول بالوسطى وله فيه ثقيل أول بالبنصر وذكر عمرو بن بانة أن لمعبد فيه ثقيلا أول بالوسطى على مذهب إسحاق ومنها
صوت
( فوالله ما أدري أيغلِبني الهوى ... إذا جدّ وَشْكُ البين أم أنا غالبُهْ )
( فإِن أستطع أغلِبْ وإن يَغْلِبِ الهوى ... فمثلُ الذي لاقيتُ يُغْلَب صاحبه )
عروضه من الطويل الشعر لإبن ميادة والغناء للحجبي خفيف ثقيل بالبنصر من رواية حبش
ومنها
صوت
( تُعيِّرنا أنا قليلٌ عديدُنا ... فقلتُ لها إنّ الكرام قليلُ )
(6/336)

( وما ضَرّنا أنّا قليلٌ وجارُنا ... عزيزٌ وجارُ الأكثرين ذليلُ )
( وإنّا لقومٌ ما نرى القتلَ سُبّةً ... إذا ما رأتْه عامرٌ وسَلُول )
( يقرِّب حبُّ الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالُهم فتطول )
عروضه من مقبوض الطويل والشعر للسموءل بن عادياء اليهودي والغناء لحكم الوادي
ومنها
صوت
( وَدِدْتُكِ لمّا كان ودّكِ خالصا ... وأعرضتُ لما صار نَهْباً مقسَّمَا )
( ولن يلبَثَ الحوضُ الجديد بناؤه ... على كثرة الوّاربد أن يتهدّما )
عروضه من الطويل وفيه خفيف ثقيل قديم لأهل مكة وفيه لعريب ثقيل أول ومنها
صوت
( وما كَرّ إلاّ كان أوّلَ طاعن ... ولا أبصرتْه الخيلُ إلا اقشعرّتِ )
( فيُدرك ثأراً ثم لم يُخْطِه الغِنى ... فمثلُ أخي يوماً به العين قرّت )
( فإِن طلبوا وِتراً بَدَا بِتراتهم ... ويَصبر يحميهم إذا الخيل وَلّت )
(6/337)

عروضه من الطويل الشعر للخنساء والغناء لإبن سريج ثقيل أول بالبنصر وذكر علي بن يحيى أنه لمعبد في هذه الطريقة ومنها
صوت
( لحا الله صُعلوكاً مُناه وهَمُّه ... من الدهر أن يلقَى لَبوساً ومَطْعما )
( ينام الضحى حتى إذا ليلهُ انتهى ... تنبّه مثلوجَ الفؤاد مُوَرَّما )
( ولكن صعلوكاً يُساور هَمَّه ... ويَمضي على الهَيْجاء ليثاً مصمِّما )
( فذلك إن يلقَ الكريهةَ يلقَها ... كريماً وإن يَستغن يوماً فربَّما )
عروضه من الطويل الشعر يقال إنه لعروة بن الورد ويقال إنه لحاتم الطائي وهو الصحيح والغناء لطويس خفيف رمل بالبنصر ومنها
(6/338)

صوت
( إذا كنتَ ربّاً للقَلوص فلا يكن ... رفيقُك يَمْشي خلفَها غيرَ راكبِ )
( أنِخْها فأَردفه فإِنْ حملتْكما ... فذاك وإن كان العِقاب فعاقب )
عروضه من الطويل والشعر لحاتم طيء ومنها
صوت
( ألم تَرَ لمّا ضَمّني البلد القَفْرُ ... سمعتُ نداءً يصدع القلبَ يا عمروُ )
( أغِثنا فإِنا عُصْبة مَذْحِجيّة ... نُزار على وَفْر وليس لنا وَفْر )
عروضه من الطويل الشعر لعمرو بن معد يكرب والغناء لحنين رمل بالوسطى عن حبش ومنها
صوت
( فلما تواقفْنا وسلّمتُ أقبلتْ ... وجوهٌ زهاها الحسنُ أن تتقنّعا )
( تَبالَهْنَ بالعِرفان لما رأيْنَني ... وقُلْنَ امرؤ باغٍ أَكَلّ وأَوْضعا )
( ولما تَنازعن الأحاديثَ قلن لي ... أخِفْتَ علينا أن نُغَرّ ونُخْدَعَا )
( وقرّبن أسبابَ الهوى لمتيَّم ... يَقيس ذراعاً كلما قِسْن إصبعا )
عروضه من الطويل الشعر لعمر بن أبي ربيعة والغناء لإبن سريج والغريض ومالك ومعبد وابن جامع في عدة ألحان قد كتبت مع الخبر في موضع غير هذا ومنها
صوت
( عُوجي عليّ فسلِّمي جَبْرُ ... فيم الصدودُ وأنتم سَفْرُ )
(6/339)

( ما نلتقِي إلا ثلاث مِنىً ... حتى يفرِّق بيننا النَّفْر )
( الحول ثم الحول يتبعه ... ما الدهر إلا الحول والشهر )
الشر للعرجي والغناء للأبجر ثقيل أول عن الهشامي ويقال إنه لإبن محرز ويقال بل لحنه فيه غير لحن الأبجر وفيه رمل يقال إنه لإبن جامع وهو القول الصحيح وذكر حبش أنه لإبن سريج وأن لحن ابن جامع خفيف رمل ومنها
صوت
( فلو كان لي قلبان عشتُ بواحد ... وخلّفتُ قلباً في هواك يعذَّبُ )
( ولكنما أَحيا بقلب مروّع ... فلا العيش يصفو لي ولا الموت يقرُب )
( تعلّمتُ أسباب الرِّضا خوفَ هجرها ... وعلّمها حبي لها كيف تعضب )
( ولي ألف وجه قد عرفت مكانَه ... ولكن بلا قلب إلى أين أذهب )
عروضه من الطويل الشعر لعمرو الوراق والغناء لإبن جامع خفيف
(6/340)

رمل ويقال إنه لعبد الله بن العباس
وفيه لعريب ثقيل أول وفيه لرذاذ خفيف ثقيل وفيه هزج يقال إنه لعريب ويقال إنه لنمرة ويقال إنه لأبي فارة ويقال إنه لإبن جامع
حدثني مصعب الزبيري قال قدم علينا ابن جامع المدينة قدمة في أيام الرشيد فسمعته يوما يغني في بعض بساتين المدينة
( وماليَ لا أبكي وأندبُ ناقتي ... إذا صَدَر الرُّعيانُ وِردَ المناهلِ )
( وكنتُ إذا ما اشتدّ شوقي رَحَلْتُها ... فسارت بمحزون كثير البَلابل )
وكان رجلا صيتا فكاد صوته يذهب بي كل مذهب وما سمعت قبله ولا بعده مثله
نسبة هذا الصوت
صوت
( ومالي لا أبكي وأندبُ ناقتي ... إذا صَدَر الرُّعيانُ وِرْدَ المناهلِ )
( وكنت إذا ما اشتدّ شوقي رحلتها ... فسارتْ بمحزون كثير البلابل )
الغناء لإبن جامع خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن الهشامي وابن المكي
أخبرني وكيع قال حدثني هارون بن محمد الزيات قال حدثني حماد بن
(6/341)

إسحاق عن أبيه عن الفضل بن الربيع عن أبيه قال كنت في خمسين وصيفا أهدوا للمنصور ففرقنا في خدمته فصرت إلى ياسر صاحب وضوئه
فكنت أراه يفعل شيئا أعلم أنه خطأ يعطيه الإبريق في آخر المستراح ويقف مكانه لا يبرح
وقال لي يوما كن مكاني في آخر المستراح فكنت أعطيه الإبريق وأخرج مبادرا فإذا سمعت حركته بادرت إليه
فقال لي ما أخفك على قلبي يا غلام ويحك ثم دخل قصرا من تلك القصور فرأى حيطانه مملوءة من الشعر المكتوب عليها
فبينا هو يقرأ ما فيه إذا هو بكتاب مفرد فقرأه فإذا هو
( وماليَ لا أبكي وأندُب ناقتي ... إذا صدَر الرّعيانُ نحَو المنَاهِلِ )
( وكنتُ إذا ما اشتدّ شوقي رَحَلْتُها ... فسارتْ بمحزون طويل البلابل )
وتحته مكتوب آه آه فلم يدر ما هو وفطنت له فقلت يا أمير المؤمنين قد عرفت ما هو فقال قل فقلت قال الشعر ثم تأوه فقال آه آه فكتب تأوهه وتنفسه وتأسفه فقال مالك قاتلك الله قد أعتقتك ووليتك مكان ياسر
ذكر أخبار هذه الأصوات المتفرقة في الأخبار وإنما افردتها عنها لئلا تنقطع
خبر
( أمسىَ بأسماءَ هذا القلبُ مَعْمودَا ... )
أخبرني الحسين بن يحيى قال حماد قرأت على أبي وذكر جعفر بن سعيد عن عبد الرحمن بن سليمان المكي قال حدثني المخزومي يعني الحارث بن خالد قال بلغني أن الغريض خرج مع نسوة من أهل مكة من أهل الشرف ليلا إلى
(6/342)

بعض المتحدثات من نواحي مكة وكانت ليلة مقمرة فاشتقت إليهن وإلى مجالستهن وإلى حديثهن وخفت على نفسي لجناية كنت أطالب بها وكان عمر مهيبا معظما لا يقدم عليه سلطان ولا غيره وكان مني قريبا فأتيته فقلت له إن فلانة وفلانة وفلانة حتى سميتهن كلهن قد بعثنني وهن يقرأن عليك السلام وقلن تشوقن إليك في ليلتنا هذه لصوت أنشدناه فويسقك الغريض وكان الغريض يغني هذا الصوت فيجيده وكان ابن أبي ربيعة به معجبا وكان كثيرا ما يسأل الغريض أن يغنيه وهو قوله
( أَمْسى بأسماءَ هذا القلبُ مَعْمودَا ... إذا أقول صَحا يعتاده عِيدَا )
( كأنّ أحورَ من غِزّلان ذي نفر ... أَهْدي لها شَبَه العينين والجِيدا )
( قامت تراءَى وقد جدّ الرحيلُ بنا ... لتنكأَ القرح من قلب قد اصطيدا ) (
كأنني يومَ أمسي لا تكلّمني ... ذو بِغْية يبتغي ما ليس مَوْجودا )
( أجري على موعد منها فتُخلفني ... فما أَمَلُّ وما تُوفي المواعيدا )
( قد طال مَطْلي لوَ أنّ اليأسَ يَنْفعني ... أَوْ أن أُصادِفَ من تِلْقائها جُودا )
( فليس تَبْذُل لي عفواً وأُكرمُها ... من أن ترى عندنا في الحرص تشديدا )
فلما أخبرته الخبر قال لقد أزعجتني في وقت كانت الدعة أحب فيه إلي ولكن صوت الغريض وحديث النسوة ليس له مترك ولا عنه محيص
فدعا بثيابه فلبسها وقال امض فمضينا نمشي العجل حتى قربنا منهن فقال لي عمر خفض عليك مشيك ففعلت حتى وقفنا عليهن وهن في أطيب حديث وأحسن مجلس فسلمنا فتهيبننا وتخفرن منا
فقال الغريض لا عليكن هذا ابن أبي ربيعة والحارث بن خالد جاءا متشوقين إلى حديثكن وغنائي
فقالت فلانة
(6/343)

وعليك السلام يا بن أبي ربيعة والله ما تم مجلسنا إلا بك فجلسنا غير بعيد وأخذن عليهن جلابيهن وتقنعن بأخمرتهن وأقبلن علينا بوجوههن وقلن لعمر كيف أحسست بنا وقد أخفينا أمرنا فقال هذا الفاسق جاءني برسالتكن وكنت وقيذا من علة وجدتها فأسرعت الإجابة ورجوت منكن على ذلك حسن الإثابة
فرددن عليه قد وجب أجرك ولم يخب سعيك ووافق منا الحارث إرادة فحدثهن بما قلت له من قصة غناء الغريض فقال النسوة والله ما كان ذلك كذلك ولقد نبهتنا على صوت حسن يا غريض هاته فاندفع الغريض يغني ويقول
( أمسى بأسْماء هذا القلبُ مَعْمودَا ... إذا أقولُ صَحا يَعْتاده عِيدَا )
حتى أتى على الشعر كله إلى آخره فكل استحسنه
وأقبل علي ابن أبي ربيعة فجزاني الخير وكذلك النسوة فلم نزل بأنعم ليلة وأطيبها حتى بدأ القمر يغيب فقمنا جيمعا وأخذ النسوة طريقا ونحن طريقا وأخذ الغريض معنا
وقال عمر في ذلك
صوت
( هل عند رَسْم برامةٍ خبرُ ... أم لا فأيَّ الأشياء تَنتظرُ )
( قد ذكَّرتْني الديارُ إذ دَرَستْ ... والشوقُ ممّا يَهِيجه الذِّكَر )
( مَمْشَى رسولٍ إليّ يُخْبرني ... عنهم عِشاءً ببعض ما ائتمروا )
( ومجلسَ النِّسوة الثلاث لدى الْخَيْمات ... حتى تَبلَّج السَّحَر )
( فيهنّ هِنْدٌ والهَمُّ ذكْرتُها ... تلك التي لا يُرى لها خَطَر )
(6/344)

( ثم انطلقنا وعندنا ولنا ... فيهنّ لو طال ليلُنا وطر )
( وقولَها للفتاة إذ أزِف البينُ ... أغادٍ أم رائحُ عُمَر )
( عَجْلانَ لم يَقْضِ بعضَ حاجته ... هلا تأنَّى يوماً فينتظرُ )
( اللهُ جارٌ له وإن نَزَحَتْ ... دارٌ به أو بدا له سفر )
غناه الغريض ثقيلا أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر وفيه لإبن سريج رمل بالوسطى وفيه لعبد الرحيم الدفاف ثقيل أول بالبنصر في البيتين الأولين وبعدهما
( هل من رَسول إليّ يُخبرني ... بعد عشاءٍ ببعض ما ائتمروا )
( يومَ ظَلِلْنا وعندنا ولنا ... فيهنّ لو طال يومُنا وَطَرُ )
فلما كانت الليلة القابلة بعث إلي عمر فأتيته وإذا الغريض عنده فقال له عمر هات فاندفع يغني
( هل عند رَسْمٍ برامةٍ خبرُ ... أم لا فأيَّ الأشياءِ تنتظرُ )
( ومجلسَ النّسوة الثلاثِ لدى الْخيمات ... حتى تبلّج السحر )
فقلت في نفسي هذا والله صفة ما كنا فيه فسكت حتى فرغ الغريض من الشعر كله فقلت يا أبا الخطاب جعلت فداك هذا والله صفة ما كنا فيه البارحة مع النسوة فقال إن ذلك ليقال
وذكر أحمد بن الحارث عن المدائني عن علي بن مجاهد قال إن موسى بن مصعب كان على الموصل فاستعمل رجلا من أهل حران
(6/345)

على كورة باهذرا وهي أجل كور الموصل فابطأ عليه الخراج فكتب إليه
( هل عند رسمٍ برامةٍ خبرُ ... أم لا فأيَّ الأشياء تنتظرُ )
احمل ما عندك يا ماص بظر أمه وإلا فقد أمرت رسولي بشدك وثاقا ويأتي بك
فخرج الرجل وأخذ ما كان معه من الخراج فلحق بحران وكتب إليه يا عاض بظر أمه إلي تكتب بمثل هذا
( وإذا أهلُ بلدةٍ أنكروني ... عرفتْني الدَّوِّيّة المَلْساء )
فلما قرأ موسى كتابه ضحك وقال أحسن يعلم الله الجواب ولا والله لا أطلبه أبدا وفي غير هذه الرواية أنه كتب إليه في آخر رقعة
( إن الخليط الأُولى تهوىَ قد أئتمروا ... للبَيْن ثم أجَدّوا السيرَ فانشمروا )
يا بن الزانية والسلام ثم هرب فلم يطلبه
أخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد قال قال أبي غناني رجل من أهل المدينة لحن الغريض
( هل عند رَسْمٍ برامةٍ خبرُ ... أم لا فأيَّ الأشياء تنتظرُ )
فسألته أن يلقيه علي فقال لا إلا بألف درهم فلم أسمح له بذلك ومضى فلم ألقه
فوالله يا بني ما ندمت على شيء قط ندمي على ذلك ولوددت أني وجدته الآن فأخذته منه كما سمعته وأخذ مني ألف دينار مكان الألف درهم
(6/346)

خبر
( تُعيّرنا أنّا قليلُ عديدُنا ... )
الشعر لشريح بن السموءل بن عادياء ويقال إن للسموءل وكان من يهود يثرب وهو الذي يضرب به المثل في الوفاء فيقال أوفي في السموءل
وكان السبب في ذلك فيما ذكر ابن الكلبي وأبو عبيدة وحدثني به محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدثنا يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن السائب الكلبي قال
وفاء السموءل
كان امرؤ القيس بن حجر أودع السموءل بن عادياء أدراعا فأتاه الحارث بن ظالم ويقال الحارث بن أبي شمر الغساني ليأخذها منه فتحصن منه السموءل فأخذ ابنا له غلاما وناداه إما أن تسلم الأدراع وإما أن قتلت ابنك فأبى السموءل أن يسلم الأدراع إليه فضرب الحارث وسط الغلام بالسيف فقطعه أثنين فقال السموءل
( وفَيْتُ بأَدْرُع الكْندِيّ إِنِّي ... إذا ما خان أقوامٌ وَفيْتُ )
( وأوصى عادِياً يوماً بألاّ ... تُهدِّمَ يا سموءلُ ما بنيتُ )
( بَنَى لي عادِياً حصناً حصيناً ... وماءً كلّما شئتُ استقيتُ )
وفي هذه القصيدة يقول
صوت
( أعاذِلتي أَلاَ لا تَعذُلِيني ... فكَمْ مِنْ أَمْر عاذلةٍ عَصَيْتُ )
(6/347)

( دَعيني وارْشُدِي إن كنتُ أَغْوَى ... ولا تَغْوَيْ زعمت كما غَويْتُ )
( أعاذَل قد طلبتِ اللّومَ حتى ... لَوَ أني مُنْتَهٍ لقد انتهيتُ )
( وصفراءِ المعاصم قد دَعَتني ... إلى وَصْلِ فقلتُ لها أَبَيْتُ )
( وزِقٍّ قد جَرَرْتُ إلى النَّدامَى ... وزقٍّ قد شربتُ وقد سقيتُ )
( وحتى لو يكون فتى أُناسٍ ... بكى من عذل عاذلة بكيتُ )
عروضه من الوافر والشعر للسموءل بن عادياء والغناء لإبن محرز في الأول والثاني والرابع والخامس خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى
وغنى فيها مالك خفيف ثقيل بالبنصر في الأول والثاني وغنى دحمان ايضا في الأول والثاني والرابع والخامس رملا بالوسطى
وغنى عبد الرحيم الدفاف في الأول والثاني رملا بالبنصر وفي هذه الأبيات لإبن سريج لحن في الرابع وما بعده ثم في سائر الأبيات لحن ذكره يونس ولم ينسبه ولإبراهيم الموصلي فيها لحن غير منسوب أيضا
حدثني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني سليمان بن ابي شيخ قال حدثنا يحيى بن سعيد الأموي قال حدثني محمد بن السائب الكلبي قال هجا الأعشى رجلا من كلب فقال
( بنو الشهرِ الحرامِ فلستَ منهم ... ولست من الكرام بني عُبَيْدِ )
( ولا من رهط جبّار بن قُرْط ... ولا من رهط حارثةَ بن زيد )
قال وهؤلاء كلهم من كلب فقال الكلبي أنا لا أبالك أشرف من هؤلاء قال فسبه الناس بعد بهجاء الأعشى وكان متغيظا عليه
فأغار الكلبي على قوم قد بات بهم الأعشى فأسر منهم نفرا وأسرا الأعشى وهو لا يعرفه فجاء حتى نزل بشريح بن السموءل بن عادياء الغساني صاحب تيماء بحصنه الذي يقال
(6/348)

له الأبلق فمر شريح بالأعشى فنادى به الأعشى بقوله
( شُرَيْحُ لا تَتْرُكَنِّي بعد ما عَلِقتْ ... حبالَك اليومَ بعد القِدّ أظفارِي )
( قد جُلْتُ ما بين بانِقيا إلى عَدَنٍ ... فطال في العُجْم تَرْدادي وتَسيْاري )
( فكان أكرمَهم عهداً وأوثقَهم ... عَقْدا أبوك بُعرف غير إنكار )
( كالغيث ما استمطروه جادَ وابلُهْ ... وفي الشدائد كالمستأسِد الضَّاري )
( كُنْ كالسموءل إذ طاف الهمامُ به ... في جَحْفَل كسواد الليل جَرَّار )
( إذ سامه خُطَّتَيْ خَسْفٍ فقال له ... قُلْ ما تشاء فإِنيّ سامعٌ حار )
( فقال غدْرٌ وثُكْلٌ أنت بينهما ... فأختَرْ وما فيهما حظٌّ لمختار )
( فشكَّ غيرَ طويلٍ ثم قال له ... أُقْتُل أسيرَك إني مانعٌ جاري )
( وسوف يُعْقِبُنيه إن ظفِرتَ به ... ربٌّ كريمٌ وبيضٌ ذاتُ أطهار )
( لاسِرُّهنّ لدينا ذاهبٌ هَدَراً ... وحافظات إذا استُوْدِعن أسراري )
( فاختار أدراعه كي لا يُسَبَّ بها ... ولم يكن وعدهُ فيها بَختَّار )
قال فجاء شريح إلى الكلبي فقال له هب لي هذا الأسير المضرور فقال هو لك فأطلقه وقال له أقم عندي حتى أكرمك وأحبوك فقال له الأعشى إن من تمام صنيعك إلي أن تعطيني ناقة ناجية وتخليني الساعة قال فأعطاه ناقة
(6/349)

فركبها ومضى من ساعته وبلغ الكلبي أن الذي وهب لشريح هو الأعشى فأرسل إلى شريح ابعث إلي بالأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه وأعطيه فقال قد مضى فأرسل الكلبي في أثره فلم يلحقه
وأما خبر
( وما كرّ إلا كان أوّلَ طاعنٍ ... )
والشعر للخنساء فإنه خبر يطول لذكر ما فيه من الوقائع وهو يأتي فيما بعد هذا مفردا عن المائة الصوت المختارة في أخبار الخنساء
رجع الخبر إلى قصة ابن جامع
وأما خبر الجارية التي أخذ عنها ابن جامع الصوت وما حكيناه من أنه وقع في حكاية محمد بن ضوين الصلصال فيها خطأ فأخبرنا بخبرها الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي محمد العامري قال حدثني عكاشة اليزيدي بجرجان قال حدثني إسماعيل بن جامع قال بينا أنا في غرفة لي باليمن وأنا مشرف على مشرعة إذ أقبلت أمة سوداء على ظهرها قربة فملأتها ووضعتها على المشرعة لتستريح وجلست فغنت
صوت
( فَرُدّي مُصابَ القلب أنتِ قَتَلتِه ... ولا تُبْعِدي فيما تجشّمتِ كُلْثُمَا )
ويروى ولا تتركيه هائم القلب مغرما
( إلى الله أشكو بخلّها وسماحتي ... لها عسلٌ منّي وتبذُل عَلْقَما )
(6/350)

( أبى اللهُ أن أُمسي ولا تذكُرينَني ... وعَيْناي من ذكراك قد ذَرَفَتْ دَمَا )
( أَبيتُ فما تَنفَكّ لي منكِ حاجةٌ ... رمي الله بالحبّ الذي كان أظْلَما )
غناه سياط ثقيل أول بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمر بن بانة قال ثم أخذت قربتها لتمضي
فاستفزني من شهوة الصوت ما لا قوام لي به فنزلت إليها فقلت لها أعيديه فقالت أنا عنك في شغل بخراجي قلت وكم هو قالت درهمان في كل يوم قلت فهذان درهمان ورديه علي حتى آخذه منك وأعطيتها درهمين فقالت أما الآن فنعم
فجلست فلم تبرح حتى أخذته منها وانصرفت فلهوت يومي به وأصحبت من غد لا أذكر منه حرفا فإذا أنا بالسوداء قد طلعت ففعلت كفعلها بالأمس
فلما وضعت القربة تغنت غيره فعدوت في أثرها وقلت يا جارية بحقي عليك ردي علي الصوت فقد ذهبت عني منه نغمة
فقالت لا والله ما مثلك تذهب عنه نغمة أنت تقيس أوله على آخره ولكنك قد أنسيته ولست أفعل إلا بدرهمين آخرين فدفعتهما إليها وأعادته علي حتى أخذته ثانية
ثم قالت إنك تستكثر فيه أربعة دراهم وكأني بك قد أصبت به أربعة آلاف دينار فكنت عند هارون يوما وهو على سريره فقال من غناني فأطربني فله ألف دينار وقدامه أكياس في كل كيس ألف دينار
فغنى القوم وغنيت فلم يطرب حتى دار الغناء إلي ثانية فغنيت صوت السوداء فرمى إلي بكيس فيه ألف دينار ثم قال أعده فغنيته فرمى إلي بثان ثم قال أعده فرمى إلي بثالث وأمسك
فضحكت فقال ما يضحكك فقلت لهذا الصوت حديث عجيب يا أمير المؤمنين فقال وما هو فحدثته به وقصصت عليه القصة فرمى إلي برابع وقال لا نكذب قولها
خبر
( عُوجِي عليّ فسلِّمي جَبْرُ ... )
الشعر للعرجي وقد ذكرنا نسبة الصوت
(6/351)

عمر بن عبد العزيز وأحد المخنثين
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الواقدي عن ابن أبي الزناد قال حدثني محمد بن إسحاق قال قيل لعمر بن عبد العزيز إن بالمدينة مخنثا قد أفسد نساءها
فكتب إلى عامله بالمدينة أن يحمله فأدخل عليه فإذا خضيب اللحية والأطراف معتجر بسبنية قد حمل دفا في خريطته
فلما وقف بين يدي عمر صعد بصره فيه وصوبه وقال سوأة لهذه الشيبة وهذه القامة أتحفظ القرآن قال لا والله يا أبانا قال قبحك الله وأشار إليه من حضره فقالوا اسكت فسكت فقال له عمر أتقرأ من المفصل شيئا قال وما المفصل قال ويلك أتقرأ من القرآن شيئا قل نعم أقرأ ( الحمدلله ) وأخطىء فيها في موضعين أو ثلاثة وأقرأ ( قل أعوذ برب الناس ) وأخطىء فيها وأقرأ ( قل هو الله أحد ) مثل الماء الجاري
قال ضعوه في الحبس ووكلوا به معلما يعلمه القرآن وما يجب عليه من حدود الطهارة والصلاة وأجروا عليه في كل يوم ثلاثة دراهم وعلى معلمه ثلاثة دراهم أخر ولا يخرج من الحبس حتى يحفظ القرآن أجمع
فكان كلما علم سورة نسي التي قبلها فبعث رسولا إلى عمر يا أمير المؤمنين وجه إلي من يحمل إليك ما أتعلمه أولا فأولا فإني لا أقدر على حمله جملة واحدة
فيئس عمر من فلاحه وقال ما أرى هذه الدراهم إلا ضائعة ولو أطعمناها جائعا أو أعطيناها محتاجا أو كسوناها عريانا لكان أصلح
ثم دعا به فلما وقف بين يديه قال له اقرأ ( قل يأيها الكافرون ) قال أسأل الله العافية أدخلت يدك في الجراب فأخرجت شر ما فيه وأصعبه فأمر
(6/352)

به فوجئت عنقه ونفاه فاندفع يغني وقد توجهوا به
( عُوجِي عليَّ فَسَلِّمي جَبْرُ ... فيم الوقوفُ وأنتُم سَفْرٌ )
( ما نَلْتقي إلا ثلاثَ منىً ... حتى يفرِّق بيننا النَّفْر )
فلما سمع الموكلون به حسن ترنمه خلوه وقالوا له اذهب حيث شئت مصاحبا بعد استماعهم منه طرائف غنائه سائر يومهم وليلتهم
أخبرني الحسين قال قال حماد قرأت على أبي عن المدائني قال أحج خالد بن عبد الله ابنه محمدا وأصحبه رزاما مولاه وأعطاه مالا وقال إذا دخلت المدينة فاصرفه فيما أحببت
فلما صرنا بالمدينة سأل محمد عن جارية حاذقة فقيل عند محمد بن عمران التيمي القاضي
فصلينا الظهر في المسجد ثم ملنا إليه فاستأذنا عليه فأذن لنا وقد انصرف من المسجد وهو قاعد على لبد ونعلاه في آخر اللبد فسلمنا عليه فرد ونسب محمدا فانتسب له فقال خيرا ثم قال هل من حاجة فلجلج فقال كأنك ذكرت فلانة يا جارية اخرجي فخرجت فإذا أحسن الناس ثم تغنت فإذا أحذق الناس فجعل الشيخ يذهب مع حركاتها ويجيء إلى أن غنت قوله
( عوجِي عليّ فسلِّمي جَبْرُ ... )
فلما بلغت
( حتى يفرِّق بيننا النَّفْر ... )
وثب الشيخ إلى نعله فعلقها في أذنه وجثا على ركبتيه وأخذ بطرف أذنه والنعل فيها
(6/353)

وجعل يقول أهدوني أنا بدنة أهدوني أنا بدنة
ثم أقبل عليهم فقال كم قيل لكم إنها تساوي قالوا ستمائة دينار قال هي وحق القبر خير من ستة آلاف دينار والله لا يملكها علي أحد أبدا فانصرفوا إذا شئتم
أخبرنا وسواسة بن الموصلي وهو أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم الموصلي قال حدثني حماد بن إسحاق قال وجدت في كتب أبي عن عثمان بن حفص الثقفي عن أبن عم لعمارة بن حمزة قال حدثني سليم الحساب عن داود المكي قال كنا في حلقة ابن جريج وهو يحدثنا وعنده ابن المبارك وجماعة من العراقيين إذ مر به ابن تيزن قال حماد ويقال ابن بيرن وقد ائتزر بمئزرة على صدره وهي إزرة الشطار عندنا
فدعاه ابن جريج فقال له إني مستعجل وقد وعدت أصحابا لي فلا أقدر أن أحتبس عنهم
فأقسم عليه حتى أتاه فجلس وقال له ما تريد قال أحب أن تسمعني قال أنا أجيئك إلى المنزل فلم تجلسني مع هؤلاء الثقلاء قال أسألك أن تفعل قال امرأته طالق إن غناك فوق ثلاثة أصوات
قال ويحك ما أعجلك باليمين قال أكره أن أحتبس عن أصحابي فالتفت ابن جريج إلى أصحابه فقال إعقلوا رحمكم الله ثم قال له
(6/354)

غنني الصوت الذي أخبرتني أن ابن سريج غناه في اليوم الثالث من أيام منى على جمرة العقبة فقطع الطريق على الذاهب والجائي حتى تكسرت المحامل فغناه
( عوجِي عليّ فسلِّمي جبرُ ... )
فقال ابن جريج أحسنت والله ثلاث مرات ويحك أعده قال أمن الثلاثة فإني قد حلفت قال أعده فأعاده فقال أحسنت أعده من الثلاثة فأعاده وقام فمضى
فقال ابن جريج لأصحابه لعلكم أنكرتم ما فعلت قالوا إنا لننكره بالعراق قال فما تقولون في الرجر يعني الحداء قالوا لا بأس به قال فما الفرق بينهما
أحسن الناس حلوقا في الغناء
وذكر هارون بن محمد بن عبد الملك عن أبي أيوب المديني قال ثلاثة من المغنين كانوا أحسن الناس حلوقا ابن تيزن وابن عائشة وابن أبي الكنات
(6/355)

صوت
من المائة المختارة
( سَقَاني فَروَّانِي كُمَيْتاً مُدامةً ... على ظمأٍ مني سَلامٌ بن مِشْكَمِ )
( تخيّرتُه أهلَ المدينة واحداً ... سِواهمْ فلم أُغْبَن ولم أَتَنَدّمِ )
عروضه من الطويل والشعر لأبي سفيان بن حرب والغناء لسليمان أخي بابويه الكوفي مولى الأشاعثة خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى
(6/356)

ذكر ابي سفيان وأخباره ونسبه
هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وأم حرب بن أمية بنت أبي همهمة بن عبد العزى بن عامر بن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة وأم أبي سفيان صفية بنت حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة وهي عمة ميمونة أم المؤمنين وأم الفضل بنت الحارث بن حزن أم بني العباس بن عبد المطلب
وقد مضى ذكر أكثر أخبار ولد أمية والفرق بين الأعياص والعنابس منهم وجمل من أخبارهم في أول هذا الكتاب
وكان حرب بن أمية قائد بني أمية ومن مالأهم في يوم عكاظ ويقال إن سبب وفاته أن الجن قتلته وقتلت مرداس بن أبي عامر السلمي لإحراقهما شجر القرية وازدراعهما إياها
وهذا شيء قد ذكرته العرب في أشعارها وتواترت الروايات بذكره فذكرته والله أعلم
أخبرني الطوسي والحرمي بن أبي العلاء قالا حدثنا الزبير بن بكار قال
(6/357)

حدثني عمي مصعب وأخبرنا محمد بن الحسين بن دريد عن عمه عن العباس بن هشام عن أبيه وذكره أبو عبيدة وأبو عمرو الشيباني أن حرب بن أمية لما انصرف من حرب عكاظ هو وإخوته مر بالقريه وهي إذ ذاك غيضة شجر ملتف لا يرام
فقال له مرداس بن أبي عامر أما ترى هذا الموضع قال بلى قال نعم المزدرع هو فهل لك أن نكون شريكين فيه ونحرق هذه الغيضة ثم نزدرعه بعد ذلك قال نعم فأضرما النار في الغيضة
فلما استطارت وعلا لهبها سمع من الغيضة أنين وضجيج كثير ثم ظهرت منها حيات بيض تطير حتى قطعتها وخرجت منها
وقال مرداس بن أبي عامر في ذلك
( إني انتخبتُ لها حرباً وإخوتَه ... إنّي بحَبْلٍ وثيقٍ العَقْد دسّاسُ )
( إني أُقَوِّمُ قبل الأمر حُجَّتَه ... كيما يقالَ وليُّ الأمر مِرداسُ )
قال فسمعوا هاتفا يقول لما احترقت الغيضة
( ويلٌ لحربٍ فارساَ ... مُطاعِناً مُخَالِسَا )
( ويل لعمرو فارسا ... إذ لبسوا القَوَانِسا )
( لَنَقْتُلَن بقتله ... جَحاجحاً عنابِسا )
ولم يلبث حرب بن أمية ومرداس بن أبي عامر أن ماتا فأما مرداس فدفن بالقربة
ثم ادعاها بعد ذلك كليب بن أبي عهمة السلمي ثم الظفري فقال في ذلك عباس بن مرداس
( أكليبُ مالكَ كلَّ يوم ظالماً ... والظلمُ أنكدُ وجهُه ملعونٌ ... قد كان قومُك يحسبونك سيِّداً ... وإخال أنك سيّدٌ معيون )
المعيون الذي أصابته العين وقيل المعيون الحسن المنظر فيما تراه العين ولا عقل له
(6/358)

( فإذا رجَعتَ إلى نسائك فادَّهِنْ ... إن المُسالِمَ رأسُه مدهونُ )
( وافعل بقومك ما أراد بوائلٍ ... يومَ الغدير سميُّك المطعون )
( وإخال أنك سوف تلقى مثلَها ... في صَفْحَتَيْك سِنانُها المسنون )
( إن القُرَيّةَ قد تبيّن أمرُها ... إن كان ينفع عندك التَّبيين )
( حيث انطلقتَ تخطُّها لي ظالماً ... وأبو يزيدَ بجوِّها مدفون )
أبو يزيد مرداس بن أبي عامر
منزلته في قريش
وكان أبو سفيان سيدا من سادات قريش في الجاهلية ورأسا من رؤوس الأحزاب وعلى رسول الله في حياته وكهفا للمنافقين في أيامه وأسلم يوم الفتح
وله في إسلامه أخبار نذكرها هنا
وكان تاجرا يجهز التجار بماله وأموال قريش إلى أرض العجم وشهد مع رسول الله مشاهدة الفتح وفقئت عينه يوم الطائف فلم يزل أعور إلى يوم اليرموك ففقئت عينه الأخرى يومئذ فعمي
أخبرنا الطوسي والحرمي قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني علي بن صالح عن جدي عبد الله بن مصعب عن إسحاق بن يحيى المكي عن أبي الهيثم عمن أخبره أنه سمع أبا سفيان يمازح رسول الله في بيت بنته أم حبيبة ويقول والله إن هو إلا أن تركتك فتركتك العرب فما انتطحت جماء ولا ذات قرن ورسول
(6/359)

الله يضحك ويقول أنت تقول ذاك يا أبا حنظلة
قال الزبير وحدثني عمي مصعب أن رسول الله تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان وأبو سفيان يومئذ مشرك يحارب رسول الله وقيل له إن محمدا قد نكح ابنتك فقال ذلك الفحل لا يقدع أنفه واسم أم حبيبة رملة وقيل هند والصحيح رملة
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخزاز قال حدثنا المدائني عن مسلمة بن محارب عن عثمان بن عبد الرحمن بن جوشن قال أذن رسول الله يوما للناس فأبطأ بإذن أبي سفيان فلما دخل قال يا رسول الله ما أذنت لي حتى كدت تأذن للحجارة فقال له يا أبا سفيان كل الصيد في جوف الفرا
حدثنا محمد بن العباس قال حدثنا الخليل بن أسد النوشجاني قال حدثنا عطاء بن مصعب قال حدثني سفيان بن عيينة عن جعفر بن يحيى البرمكي قال أذن رسول الله للناس فكان آخر من دخل عليه أبا سفيان بن حرب فقال يارسول الله لقد أذنت للناس قبلي حتى ظننت أن حجارة الخندمة ليؤذن
(6/360)

لها قبلي فقال رسول الله أما والله إنك والناس لكما قال الأول كل الصيد في بطن الفرا أي كل شيء لهؤلاء من المنزلة فإن لك وحدك مثل ما لهم كلهم
عند هرقل
حدثني عمر بن إسماعيل بن أبي غيلان الثقفي قال حدثنا داود بن عمرو الضبي قال حدثنا المثنى بن زرعة أبو راشد عن محمد بن إسحاق قال حدثني الزهري عن عبد الله بن عبد الله عن عتبة عن ابن عباس قال حدثني أبو سفيان بن حرب قال كنا قوما تجارا وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا
فلما كانت الهدنة هدنة الحديبية بيننا وبين رسول الله خرجت في نفر من قريش إلى الشأم وكان وجه متجرنا منه غزة فقدمناها حين ظهر هرقل على من كان بأرضه من الفرس فأخرجهم منها وانتزع منهم صليبه الأعظم وكانوا قد استلبوه إياه
فلما بلغه ذلك منهم وبلغه أن صليبه قد استنقذ منهم وكانت حمص منزله خرج منها يمشي على قدميه شكرا لله حين رد عليه ما رد ليصلي في بيت المقدس تبسط له البسط وتلقى عليها الرياحين
فلما انتهى إلى إيلياء فقضى فيها صلاته وكان معه بطارقته وأشراف الروم أصبح ذات غدوة مهموما يقلب طرفه إلى السماء
فقال له بطارقته والله لكأنك أصبحت الغداة مهموما فقال أجل رأيت البارحة أن ملك الختان ظاهر فقالوا أيها الملك ما نعمل أمة تختتن إلا اليهود وهم في سلطانك وتحت يدك فابعث إلى كل من
(6/361)

لك عليه سلطان في بلادك فمره فليضرب أعناق من تحت يدك منهم من يهود واسترح من هذا الهم فوالله إنهم لفي ذلك من رأيهم يدبرونه إذ أتاه رسول صاحب بصرى برجل من العرب يقوده وكانت الملوك تتهادى الأخبار بينهم فقال أيها الملك إن هذا رجل من العرب من أهل الشاء والإبل يحدث عن أمر حدث فاسأله فلما انتهى به إلى هرقل رسول صاحب بصرى قال هرقل لمن جاء به سله عن هذا الحديث الذي كان ببلده فسأله فقال خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبي وقد اتبعه ناس فصدقوه وخالفه آخرون وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن كثيرة وتركتهم على ذلك
فلما أخبره الخبر قال جردوه فإذا هو مختون فقال هذا والله النبي الذي الذي رأيت لا ما تقولون أعطوه ثيابه وينطلق
ثم دعا صاحب شرطته فقال له اقلب الشأم ظهرا لبطن حتى تأتيني برجل من قولم هذا الرجل فإنا لبغزة إذ هجم علينا صاحب شرطته فقال أنتم من قوم الحجاز قلنا نعم قال انطلقوا إلى الملك فانطلقوا بنا فلما انتهينا إليه قال أنتم من رهط هذا الرجل الذي بالحجاز قلنا نعم قال فأيكم أمس به رحما قال قلت أنا قال أبو سفيان وايم الله ما رأيت رجلا أرى أنه أنكر من ذلك الأغلف يعني هرقل ثم قال أدنه فأقعدني بين يديه وأقعد أصحابي خلفي وقال إني سأسأله فإن كذب فردوا عليه
قال فوالله لقد علمت أن لو كذبت ما ردوا علي ولكني كنت أمرأ سيدا أتبرم عن الكذب وعرفت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوه علي ثم يحدثوا به عني فلم أكذبه قال أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج بين أظهركم
(6/362)

يدعي ما يدعي
فجعلت أزهد له شأنه وأصغر له أموره وأقول له أيها الملك ما يهمك من شأنه إن أمره دون ما بلغك فجعل لا يلتفت إلى ذلك مني ثم قال أنبئني فيما أسألك عنه من شأنه
قال قلت سل عما بدا لك قال كيف نسبه فيكم قلت محض هو أوسطنا نسبا قال أخبرن هل كان أحد من أهل بيته يقول ما يقول فهو يتشبه به قال قلت لا قال هل كان له فيكم ملك فسلبتموه إياه فجاء بهذا الحديث لتردوا عليه ملكه قال قلت لا قال أخبرني عن أتباعه منكم من هم قال قلت الضعفاء والمساكين والأحداث من الغلمان والنساء فأما ذوو الأسنان من الأشراف من قومه فلم يتبعه منهم أحد قال فأخبرني عمن يتبعه أيحبه ويلزمه أم يقليه ويفارقه قال قلت قلما يتبعه أحد فيفارقه قال فأخبرني كيف الحرب بينكم وبينه قال قلت سجال يدال علينا وندال عليه قال فأخبرني هل يغدر فلم أجد شيئا سألني عنه أغتمز فيه غيرها قال قلت لا ونحن منه في مدة ولا نأمن غدره قال فوالله ما التفت إليها مني ثم كرر علي الحديث فقال سألتك عن نسبه فيكم فزعمت أنه محض من أوسطكم نسبا فكذلك يأخذ الله النبي لا يأخذه إلا من أوسط قومه نسبا وسألتك هل كان أحد من أهل بيته يقول مثل قوله فهو يتشبه به فزعمت أن لا وسألتك هل كان له ملك فيكم فسلبتموه إياه فجاء بهذا الحديث يطلب ملكه فزعمت أن لا وسألتك عن أتباعه فزعمت أنهم الضعفاء والأحداث والمساكين والنساء وكذلك أتباع الأنبياء في كل زمان وسألتك عمن يتبعه أيحبه ويلزمه أم يقليه ويفارقه فزعمت أنه لا يتبعه أحد فيفارقه فكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلب رجل فتخرج منه وسألتك عن الحرب بينكم وبينه فزعمت أنها سجال تدالون عليه ويدال عليكم وكذلك حرب الأنبياء ولهم تكون العاقبة وسألتك هل يغدر فزعمت أن لا فلئن كنت صدقتني عنه فليغلبن علي ما تحت قدمي هاتين ولوددت أني عنده
(6/363)

فأغسل قدميه انطلق لشأنك
فقمت من عنده وأنا أضرب بإحدى يدي على الأخرى وأقول يالعباد الله لقد أمر أمر ابن أبي كبشة أصبحت ملوك بني الأصفر يهابونه في ملكهم وسلطانهم
كتاب النبي إلى هرقل
قال ابن إسحاق فقدم عليه كتاب رسول الله مع دحية ابن خليفة الكلبي فيه ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم السلام على من اتبع الهدى أما بعد فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن تتول فإن إثم الأكابر عليك )
قال ابن شهاب فأخبرني أسقف النصارى في زمن عبد الملك زعم أنه أدرك ذلك من أمر رسول الله وأمر هرقل وعقله قال فلما قدم عليه كتاب رسول الله من قبل دحية بن خليفة أخذه هرقل فجعله بين فخذيه وخاصرته ثم كتب إلى رجل برومية كان يقرأ العبرانية ما تقرأونه فذكر له أمره ووصف له شأنه وأخبره بما جاء به منه
فكتب إليه صاحب رومية إنه النبي الذي كنا ننتظره لا شك فيه فاتبعه وصدقه قال فأمر هرقل ببطارقة الروم فجمعوا له في دسكرة
(6/364)

ملكه وأمر بها فأغلقت عليهم أبوابها ثم اطلع عليهم من علية وخافهم على نفسه فقال يا معشر الروم قد جمعتكم لخبر أتاني كتاب هذا الرجل يدعو إلى دينه فوالله إنه النبي الذي كنا ننتظره ونجده في كتابنا فهلم فلنبايعه ولنصدقه فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا
قال فنخرت الروم نخرة رجل واحد وابتدروا أبواب الدسكرة ليخرجوا فوجدوها قد أغلقت دونهم فقال كروهم علي وخافهم على نفسه فكروهم عليه فقال يا معشر الروم إنما قلت لكم المقالة التي قلت لأنظر كيف صلابتكم في دينكم في هذا الأمر الذي قد حدث فقد رأيت منكم الذي أسر به فخروا سجدا وأمر بأبواب الدسكرة ففتحت لهم فانطلقوا
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن زكريا الغلابي قال حدثني أبو بكر الهذلي عن عكرمة عن ابن عباس قال قال لي العباس خرجت في تجارة إلى اليمن في ركب منهم أبو سفيان بن حرب فقدمت اليمن فكنت أصنع يوما طعاما وأنصرف بأبي سفيان وبالنفر ويصنع أبو سفيان يوما فيفعل مثل ذلك فقال لي في يومي الذي كنت أصنع فيه هل لك يا ابا الفضل أن تنصرف إلى بيتي وترسل إلي غدائك فقلت نعم فانصرفت أنا والنفر إلى بيته وأرسلت إلى الغداء
فلما تغدى القوم قاموا واحتبسني فقال لي هل علمت يا أبا الفضل أن ابن أخيك يزعم أنه رسول الله قلت وأي بني أخي قال أبو سفيان إياي تكتم واي بني أخيك ينبغي له أن يقول هذا إلا رجل واحد قلت وأيهم هو على ذلك قال محمد بن عبد الله قلت ما فعل قال بلى قد فعل ثم أخرج إلي كتابا من ابنه حنظلة بن أبي سفيان إني أخبرك أن محمدا قام بالأبطح
(6/365)

غدوة فقال أنا رسول الله أدعوكم إلى الله قال قلت يا أبا حنظلة لعله صادق قال مهلا يا أبا الفضل فوالله ما أحب أن تقول مثل هذا وإني لأخشى أن تكون على بصر من هذا الأمر وقال الحسن بن علي في روايته على بصيرة من هذا الحديث ثم قال يا بني عبد المطلب إنه والله ما برحت قريش تزعم أن لكم يمنة وشؤمة كل واحدة منهما عامة فنشدتك الله يا أبا الفضل هل سمعت ذلك قلت نعم قال فهذه والله إذا شؤمتكم قلت فلعلها يمنتنا
فما كان بعد ذلك إلا ليال حتى قدم عبد الله بن حذافة السهمي بالخبر وهو مؤمن ففشا ذلك في مجالس أهل اليمن يتحدث به فيها
وكان أبو سفيان يجلس إلى حبر من أحبار اليمن فقال له اليهودي ما هذا الخبر الذي بلغني قال هو ما سمعت قال أين فيكم عم هذا الرجل الذي قال ما قال قال أبو سفيان صدقوا وأنا عمه قال اليهودي أأخو أبيه قال نعم قال حدثني عنه قال لا تسألني فما كنت أحسب أن يدعي هذا الأمر أبدا وما أحب أن أعيبه وغيره خير منه قال اليهودي فليس به أذى ولا بأس على يهود وتوراة موسى منه
قال العباس فتأدى إلي الخبر فحميت وخرجت حتى أجلس إلى ذلك المجلس من غد وفيه أبو سفيان والحبر فقلت للحبر بلغني أنك سألت ابن عمي هذا عن رجل منا يزعم أنه رسول الله فأخبرك أنه عمه وليس بعمه ولكنه ابن عمه وأنا عمه أخو أبيه فقال أأخو أبيه قلت أخو أبيه فأقبل على أبي سفيان فقال أصدق قال نعم صدق قال فقلت سلني عنه فإن كذبت فليردد علي فأقبل علي فقال أنشدك الله هل فشت لإبن أخيك صبوة أو سفهة قال قلت لا وإله عبد المطلب ولا كذب ولا خان وإن كان اسمه عند قريش الأمين قال فهل كتب بيده قال عباس فظننت أنه
(6/366)

خير له أن يكتب بيده فأردت أن أقولها ثم ذكرت مكان أبي سفيان وأنه مكذبي وراد علي فقلت لا يكتب فذهب الحبر وترك رداءه وجعل يصيح ذبحت يهود قتلت يهود
قال العباس فلما رجعنا إلى منزلنا قال أبو سفيان يا أبا الفضل إن اليهودي لفزع من ابن أخيك قال قلت قد رأيت ما رأيت فهل لك يا أبا سفيان أن تؤمن به فإن إن حقا كنت قد سبقت وإن كان باطلا فمعك غيرك من أكفائك قال لا والله ما أومن به حتى أرى تطلع من كداء وهو جبل بمكة
قال قلت ما تقول قال كلمة والله جاءت على فمي ما ألقيت لها بالا إلا أني أعلم أن الله لا يترك خيلا تطلع من كداء قال العباس فلما فتح رسول الله مكة ونظرنا إلى الخيل قد طلعت من كداء قلت يا أبا سفيان أتذكر الكلمة قال لي والله إني لذاكرها فالحمد لله الذي هداني للإسلام
إسلامه في غزاة الفتح
حدثنا محمد بن جرير الطبري قال حدثنا البغوي قال حدثنا الغلابي أبو كريب محمد بن العلاء قال حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال حدثني الحسين بن عبيد الله بن العباس عن عكرمة عن ابن عباس قال لما نزل رسول الله مر الظهران يعني في غزاة الفتح قال العباس بن عبد المطلب وقد خرج رسول الله من المدينة يا صباح قريش والله لئن
(6/367)

بغتها رسول الله إنها لهلاك قريش آخر الدهر
فجلس على بغلة رسول الله البيضاء وقال أخرج إلى الأراك لعلي أرى حطابا أو صاحب لبن أو داخلا يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله فيستأمنونه
فوالله إني لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الخبر عن رسول الله فسمعت أبا سفيان وهو يقول والله ما رأيت كالليلة قط نيرانا
فقال بديل بن ورقاء هذه والله نيران خزاعة حمشتها الحرب فقال أبو سفيان خزاعة ألأم من ذلك وأذل فعرفت صوته فقلت أبا حنظلة فقال أبا الفضل قلت نعم فقال لبيك فداؤك أبي وأمي فما وراءك فقلت هذا رسول الله قد دلف إليكم بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين قال فما تأمرني فقلت تركب عجز هذه البغلة فأستأمن لك رسول الله فوالله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فردفني فخرجت به أركض بغلة رسول الله نحو رسول الله فكلما مررت بنار من نيران المسلمين فنظروا إلي قالوا عم رسول الله على بغلة رسول الله حتى مررنا بنار عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال أبو سفيان الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ثم اشتد نحو النبي وركضت البغلة وقد أردفت أبا سفيان قال العباس حتى اقتحمت على باب القبة وسبقت عمر بما تسبق به الدابة البطيئة
(6/368)

الرجل البطيء فدخل عمر على رسول الله فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد فدعني أضرب عنقه
قلت يا رسول الله إني قد أجرته ثم جلست إلى رسول الله وأخذت برأسه وقلت والله لا يناجيه اليوم أحد دوني فلما أكثر فيه عمر قلت مهلا يا عمر فوالله ما تصنع هذا إلا لأنه رجل من عبد مناف ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا قال مهلا يا عباس فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم وذلك لأني أعلم أن إسلامك أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب لو أسلم فقال رسول الله ( اذهب فقد أمناه حتى تغدو به علي الغداة ) فرجع به إلى منزله فلما أصبح غدا به على رسول الله
فلما رآه قال ( ويحك أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله ) فقال بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأحلمك وأكرمك والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئا فقال ( ويحك تشهد بشهادة الحق قبل والله أن تضرب عنقك ) قال فتشهد فقال رسول الله للعباس من حين تشهد أبو سفيان ( انصرف يا عباس فاحتبسه عند خطم الجبل بمضيق الوادي حتى يمر عليه جنود الله ) فقلت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا يكون في قومه فقال ( نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن )
فخرجت به حتى أجلسته عند خطم الجبل بمضيق الوادي فمرت عليه القبائل فجعل يقول من هؤلاء فأقول سليم فيقول ما لي ولسليم ثم تمر به قبيلة فيقول من هؤلاء فأقول أسلم فيقول ما لي ولأسلم وتمر به جهينة فيقول من هؤلاء فأقول جهينة فيقول ما لي ولجهينة حتى مر رسول الله في الخضراء كتيبة رسول الله من المهاجرين والأنصار في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق فقال من هؤلاء يا أبا الفضل فقلت هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار فقال يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما فقلت ويحك إنها النبوة قال نعم إذا فقلت الحق الآن بقومك فحذرهم
فخرج سريعا حتى أتى مكة فصرخ في المسجد يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به قالوا فمه قال من دخل داري فهو آمن فقالوا
(6/369)

ويحك ما تغني عنا دارك قال ومن دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن
عدم إخلاصه الإسلام
حدثنا محمد بن جرير وأحمد بن الجعد قالا حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن يحى بن عباد عن عبد الله بن الزبير قال لما كان يوم اليرموك خلفني أبي فأخذت فرسا له وخرجت فرأيت جماعة من الخلفاء فيهم أبو سفيان بن حرب فوقفت معه فكانت الروم إذا هزمت المسلمين قال أبو سفيان إيه بني الأصفر فإذا كشفهم المسلمون قال أبو سفيان
( وبَنُو الأصفر الكرامُ ملوكُ الرّوم ... لم يبق منهمُ مَذْكورُ )
فلما فتح الله على المسلمين حدثت أبي فقال قاتله الله يأبى إلا نفاقا أولسنا خيرا له من بني الأصفر ثم كان يأخذ بيدي فيطوف على أصحاب رسول الله يقول حدثهم فأحدثهم فيعجبون من نفاقه
حدثني أحمد بن الجعد قال حدثني ابن حميد قال حدثنا جرير عن عمرو بن ثابت عن الحسن قال دخل أبو سفيان على عثمان بعد أن كف بصره فقال هل علينا من عين فقال له عثمان لا فقال يا عثمان إن الأمر أمر عالمية والملك ملك جاهلية فاجعل أوتاد الأرض بني أمية
حدثني محمد بن حيان الباهلي قال حدثنا عمر بن علي الفلاس قال حدثنا سهل بن يوسف عن مالك بن مغول عن أشعث بن أبي الشعثاء عن ميسرة الهمداني عن أبي الأبجر الأكبر قال جاء أبو سفيان إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال يا أبا الحسن
(6/370)

ما بال هذا الأمر في أضعف قريش وأقلها فوالله لئن شئت لأملأنها عليهم خيلا ورجلا فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه يا أبا سفيان طالما عاديت الله ورسوله فما ضرهم ذلك شيئا إنا وجدنا أبا بكر لها أهلا
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الرياشي قال أنشدني ابن عائشة لأبي سفيان بن حرب لما ولي أبو بكر قال
( وأضحت قريش بعد عزّ ومَنْعةٍ ... خُضُوعاً لتَيْمٍ لا بضربِ القواضبِ )
( فيا لهف نفسي للذي ظَفِرتْ به ... وما زال منها فائزاً بالغرّائب )
وحدثني أحمد بن الجعد قال حدثني محمد بن حميد قال حدثنا جرير عن عمرو بن ثابت عن الحسن قال لما ولي عثمان الخلافة دخل عليه أبو سفيان فقال يا معشر بني أمية إن الخلافة صارت في تيم وعدي حتى طمعت فيها وقد صارت إليكم فتلقفوها بينكم تلقف الكرة فوالله ما من جنة ولا نار هذا أو نحوه فصاح به عثمان قم عني فعل الله بك وفعل
ولأبي سفيان أخبار من هذا الجنس ونحوه كثيرة يطول ذكرها وفيما ذكرت منها مقنع
والأبيات التي فيها الغناء يقولها في سلام بن مشكم اليهودي ويكنى أبا غنم وكان نزل عليه في غزوة السويق فقراه وأحسن ضيافته فقال أبو سفيان فيه
( سقاني فَرَوَّاني كُمَيْتاً مُدامةً ... على ظمَأٍ منّي سَلاَمُ بن مِشْكَمِ )
(6/371)

( تخيَّرتُه أهلَ المدينة واحداً ... سواهم فلم أُغْبَن ولم أتَنَدَّم )
( فلمّا تقضّى الليلُ قلتُ ولم أكن ... لأُفْرِحَه أبْشِرْ بعُرف ومَغْنَم )
( وإنّ أبا غُنْم يجود ودارُه ... بِيَثْرِبَ مأوى كلّ أبيضَ خِضْرمِ )
(6/372)

ذكر الخبر عن غزوة السويق ونزول أبي سفيان على سلام بن مشكم
كانت هذه الغزاة بعد وقعة بدر وذلك أن أبا سفيان نذر ألا يمس رأسه ماء من جنابة ولا يشرب خمرا حتى يغزو رسول الله
فخرج في عدة من قومه ولم يصنع شيئا فعيرته قريش بذلك وقالوا إنما خرجتم تشربون السويق فسميت غزوة السويق
حدثنا محمد بن جرير قرأته عليه قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير ويزيد بن رومان عن عبيد الله بن كعب بن مالك وكان من أعلم الأنصار قال كان أبو سفيان حين رجع إلى مكة ورجع قبل قريش من بدر نذر ألا يمس ماء من جنابة حتى يغزو محمدا
فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر يمينه فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له تيت من المدينة على بريد أو نحوه ثم خرج من الليل حتى أتى بني النضير تحت الليل فأتى حيي بن أخطب بيثرب فدق عليه بابه فأبى أن يفتح له وخافه وانصرف إلى سلام بن
(6/373)

مشكم وكان سيد بني النضير في زمانه ذلك وصاحب كنزهم فاستأذن عليه فأذن له فقراه وسقاه ونظر له خبر الناس
ثم خرج في عقب ليلته حتى جاء أصحابه فبعث رجالا من قريش إلى المدينة فأتوا ناحية منها يقال لها العريض فحرقوا في أصوار من نخل لها أتوا رجلا من الأنصار وحليفا له في حرث لهما فقتلوهما ثم انصرفوا راجعين
فنذر بهم الناس فخرج رسول الله في طلبهم حتى بلغ قرقرة الكدر ثم انصرف راجعا وقد فاته أبو سفيان وأصحابه وقد رأوا من مزاود القوم ما قد طرحوه في الحرث يتخففون منه للنجاء
فقال المسلمون حين رجع بهم رسول الله أنطمع أن تكون غزوة قال نعم
وقد كان أبو سفيان قال وهو يتجهز خارجا من مكة إلى المدينة أبياتا من شعر يحرض فيها قريشا فقال
( كُرّوا على يَثْرِبٍ وجمعِهمُ ... فإِنّ ما جمَّعوا لكم نَفَلُ )
( إن يك يومُ القَلِيب كان لهم ... فإن ما بعده لكم دوَلُ )
( آليتُ لا أقرَبُ النساءَ ولا ... يَمسّ رأسي وجلديَ الغُسُل )
(6/374)

( حتى تُبِيدوا قبائلَ الأَوْسِ والخَزْرَجِ ... إن الفؤاد مُشْتعِلُ )
فأجابه كعب بن مالك
( يا لَهْفَ أمّ المسبِّحِينَ على ... جيش ابن حرب بالحَرّة الفَشِلِ )
( أتطرحون الرجال من سَنَم الظَّهر ... تَرَقَّى في قُنّة الجَبَل )
( جاؤوا بجَمْعٍ لو قِيس منزلُه ... ما كان إلا كمُعْرَس الدُّئِل )
( عارٍ من النصر والثراءِ ومِنْ ... نَجْدة أهل البَطْحاء والأَسَلِ )
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا سليمان بن سعد عن الواقدي أن غزوة السويق كانت في ذي القعدة من سنة ثنتين من الهجرة
حدثني عمي قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا ابن سعد عن الواقدي عن أبي الزناد عن عبد الله بن الحارث قال شرب حسان بن ثابت يوما مع سلام بن مشكم وكان له نديما معهم كعب بن أسد وعبد الله بن أبي وقيس بن الخطيم فأسرع الشراب فيهم
(6/375)

وكانوا في موادعة وقد وضعت الحرب أوزارها بينهم
فقال قيس بن الخطيم لحسان تعال أشاربك فتشاربا في إناء عظيم فأبقى حسان من الإناء شيئا فقال له قيس اشرب فقال حسان وعرف الشر في وجهه أو خيرا من ذلك أجعل لك الغلبة قال لا إلا أن تشربه فأبى حسان وقال له سلام بن مشكم يا أبا يزيد لا تكرهه على ما لا يشتهي إنما دعوته لإكرامه ولم تدعه لتستخف به وتسيء مجالسته فقال له قيس أفتدعوني أنت على أن تسيء مجالستي فقال له سلام ما في هذا سوء مجالسة وما حملت عليك إلا لأنك مني وأني حليفك وليست عليك غضاضة في هذا وهذا رجل من الخزرج قد أكرمته وأدخلته منزلي فيجب أن تكرم لي من أكرمته ولعمري إن في الصحو لما تكتفون به من حروبكم فافترقوا وآلى سلام بن مشكم على نفسه ألا يشرب سنة وقد بلغ هذا من نديمه وكان كريما
صوت
من المائة المختارة
( مَنْ مُبلغ عنّي أبا كاملِ ... أنِّي إذا ما غاب كالهامِل )
( قد زادني شوقاً إلى قربه ... مَعْ ما بدا من رأيه الفاضِل )
الشعر للوليد بن يزيد والغناء لأبي كامل ولحنه المختار من الثقيل الأول
(6/376)

بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق وذكر حبش أن لأبي كامل فيه أيضا لحنا من خفيف الثقيل الثاني بالوسطى
(6/377)

أخبار الوليد بن يزيد ونسبه
هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ويكنى أبا العباس وأمّه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي وهي بنت أخي الحجّاج وفيه يقول أبو نخيلة
( بين أبي العاصِي وبين الحَجّاجْ ... يا لَكُمَا نُورَا سَراجٍ وَهَّاجْ )
( عليه بعد عَمِّه عُقِد التَّاجْ ... )
وأم يزيد بن عبد الملك عاتكةُ بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أُمية وأمها أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر وأم عبد الله بن عامر أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم ولذلك قال الوليد بن يزيد
( نَبِيُّ الهُدَى خالي ومن يَكُ خالُه ... نبيَّ الهدى يَقْهَرْ به من يُفاخرُ )
(7/5)

وكان الوليد بن يزيد من فتيان بني أمية وظرفائهم وشعرائهم وأجوادهم ونسبائهم وكان فاسقا خليعاً متهما في دينه مرميا بالزندقة وشاع ذلك من أمره وظهر حتى أنكره الناس فقتل
وله أشعار كثيرة تدل على خبثه وكفره ومن الناس من ينفي ذلك عنه وينكره ويقول إنه نحله وأُلصق إليه والأغلب الأشهر غير ذلك
ضعف الوليد أمام مكر هشام
أخبرني الحسن بن علي وأحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن إسحاق بن أيّوب القرشي وجُويرية بن أسماء وعامر بن الأسود والمِنهال بن عبد الملك وأبي عمرو بن المبارك وسُحيم بن حفص وغيرهم أن يزيد بن عبد الملك لما وجه الجيوش إلى يزيد بن المهلَّب وعقَد لمَسلمة بن عبد الملك على الجيش وبعث العباس بن الوليد بن عبد الملك وعقد له على أهل دمشق قال له العباس يا أمير المؤمنين إن
(7/6)

أهل العراق أهل غدر وإرجافٍ وقد وجهتنا محاربين والأحداث تحدث ولا آمن أن يرجف أهل العراق ويقولوا مات أمير المؤمنين ولم يعهد فيفت ذلك في أعضاد أهل الشام فلو عهدت عهدا لعبد العزيز بن الوليد قال غداً
وبلغ ذلك مسلمة بن عبد الملك فأتى يزيد فقال يا أمير المؤمنين أيما أحب إليك ولد عبد الملك أو ولد الوليد فقال بل ولد عبد الملك قال أفأخوك أحقّ بالخلافة أم ابن أخيك قال إذا لم تكن في ولدي فأخي أحق بها من ابن أخي
قال فابنك لم يبلغ فبايع لهشام ثم لابنك بعد هشام قال والوليد يومئذ ابن إحدى عشرة سنة قال غدا أبايع له
فلما أصبح فعل ذلك وبايع لهشام وأخذ العهد عليه ألا يخلع الوليد بعده ولا يغير عهده ولا يحتال عليه
فلما أدرك الوليد ندم أبوه فكان ينظر إليه ويقول الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك
وتوفي يزيد سنة خمس ومائة وابنه الوليد ابن خمس عشرة سنة
قالوا فلم يزل الوليد مكرما عند هشام رفيع المنزلة مدة ثم طمع في خلعه وعقد العهد بعده لابنه مسلمة بن هشام فجعل يذكر الوليد بن يزيد وتهتّكه وإدمانه على الشراب ويذكر ذلك في مجلسه ويقوم ويقعد به وولاه الحج ليظهر ذلك منه بالحرمين فيسقط فحج وظهر منه فعل كثير مذموم وتشاغل بالمغنين وبالشراب وأمر مولى له فحج بالناس
فلما حج طالبه هشام بأن يخلع نفسه فأبى ذلك فحرمه العطاء وحرم سائر مواليه وأسبابه وجفاه جفاء شديدا
فخرج متبديا وخرج معه عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدبه وكان يرمى بالزندقة
ودعا هشام الناس إلى خلعه والبيعة لمسلمة بن هشام وأمه أم حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاصي
وكان مسلمة يكنى أبا شاكر كني بذلك لمولى كان لمروان يكنى أبا
(7/7)

شاكر كان ذا رأي وفضل وكانوا يعظمونه ويتبركون به فأجابه إلى خلع الوليد والبيعة لمسلمة بن هشام محمد وإبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل المخزومي والوليد وعبد العزيز وخالد بن القعقاع بن خُويلد العبسي وغيرهم من خاصة هشام
وكتب إلى الوليد ما تدع شيئاً من المنكر إلا أتيته وارتكبته غير متحاشٍ ولا مستتر فليت شعري ما دينك أعلى الإسلام أنت أم لا فكتب إليه الوليد بن يزيد ويقال بل قال ذلك عبد الصمد بن عبد الأعلى ونحله إياه
صوت
( يا أيُّها السائلُ عن دِيننا ... نحن على دين أبي شاكرِ )
( نشرَبُها صِرْفاً وممزوجةً ... بالسُّخْنِ أحياناً وبالفاتِرِ )
غناه عمر الوادي رملا بالبنصر فغضب هشام على ابنه مسلمة وقال يعيرني بك الوليد وأنا أرشِّحك للخلافة فالزم الأدب وأحضر الصلوات
وولاه الموسم سنة سبع عشرة ومائة فأظهر النّسك وقسم بمكة والمدينة أموالا
فقال رجل من موالي أهل المدينة
( يا أيُّها السائلُ عن دِيننا ... نحن على دين أبي شاكرِ )
( الواهبِ البُزْلَ بأَرْسانها ... ليس بزنديقٍ ولا كافرِ )
(7/8)

قال المدائني وبلغ خالدا القسري ما عزم عليه هشام فقال أنا بريء من خليفة يُكنى أبا شاكر فبلغت هشاما عنه هذه فكان ذلك سبب إيقاعه به
الوليد العابث
أخبرني محمد بن الحسن الكندي المؤدب قال حدثني أبي عن العباس ابن هشام قال دخل الوليد بن يزيد يوما مجلس هشام بن عبد الملك وقد كان في ذكره قبل أن يدخل فحمقه من حضر من بني أمية فلما جلس قال له العباس بن الوليد وعمر بن الوليد كيف حبك يا وليد للروميات فإن أباك كان بهن مشغوفا قال إني لأحبهن وكيف لا أحبهن ولن تزال الواحدة منهن قد جاءت بالهجين مثلك وكانت أم العباس رومية قال اسكت فليس الفحل يأتي عسبه بمثلي فقال له الوليد اسكت يابن البظراء قال
(7/9)

أتفخر علي بما قطع من بظر أمك
وأقبل هشام على الوليد فقال له ما شرابك قال شرابك يا أمير المؤمنين وقام مغضبا فخرج فقال هشام أهذا الذي تزعمون أنه أحمق ما هو أحمق ولكني لا أظنّه على الملة
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال أخبرنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائني قال دخل الوليد بن يزيد مجلس هشام بن عبد الملك وفيه سعيد بن هشام بن عبد الملك وأبو الزبير مولى مروان وليس هشام حاضرا فجلس الوليد مجلس هشام ثم أقبل على سعيد بن هشام فقال له من أنت وهو به عارف قال سعيد ابن أمير المؤمنين قال مرحبا بك
ثم نظر إلى أبي الزبير فقال من أنت قال أبو الزبيرمولاك أيها الأمير قال أنسطاسُ أنت مرحبا بك
ثم قال لإبراهيم بن هشام من أنت قال إبراهيم بن هشام قال من إبراهيم بن هشام وهو يعرفه قال إبراهيم بن هشام بن إسماعيل قال من إسماعيل وهو يعرفه قال إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة قال من الوليد بن المغيرة قال الذي لم يكن جدّك يرى أنه في شيء حتى زوّجه أبي وهو بعض ولد ابنته قال يابن اللخناء أتقول هذا
(7/10)

وائتخذا
وأقبل هشام فقيل لهما قد جاء أمير المؤمنين فجلسا وكفا ودخل هشام فما كاد الوليد يتنحّى له عن صدر مجلسه إلا أنه زحل له قليلا فجلس هشام وقال له كيف أنت يا وليد قال صالح قال ما فعلت بَرابطك قال معملة أو مستعملة
قال فما فعل ندماؤك قال صالحون ولعنهم الله إن كانوا شرا ممّن حضرك وقام فقال له هشام يابن اللخناء جؤوا عنقه فلم يفعلوا ودفعوه رويدا فقال الوليد
( أنا ابن أبي العاصِي وعثمانُ والدي ... ومروانُ جَدِّي ذو الفَعَال وعامرُ )
( أنا ابنُ عظيم القريتين وعِزُّها ... ثَقِيفٌ وفِهْرٌ والعُصَاةُ الأكابر )
( نَبِيُّ الهدى خالي ومن يَكُ خالُه ... نبيَّ الهُدَى يَقْهَر به من يُفاخرُ )
الوليد يرثي مسلمة بن عبد الملك
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال كان هشام بن عبد الملك يكثر تنقص الوليد بن يزيد فكان مسلمة يعاتب هشاما ويكفه فمات مسلمة فغم الوليد ورثاه فقال
(7/11)

صوت
( أتانا بَرِيدانِ من واسِطٍ ... يَخُبَّانِ بالكُتُب المُعْجَمَهْ )
( أقول وما البعدُ إلاّ الرَّدَى ... أمَسْلَمُ لا تَبْعَدَنْ مَسْلَمَهْ )
( فقد كنتَ نوراً لنا في البلاد ... تُضِيء فقد أصبحتْ مُظْلِمَهْ )
( كتَمْنا نَعِيَّك نَخْشَى اليقين ... فجَلَّى اليقينُ عن الجَمْجَمَهْ )
( وكم من يَتيم تلافيتَه ... بأرض العدوّ وكم أيِّمَهْ )
( وكنتَ إذا الحربُ دَرَّتْ دَماً ... نصَبْتَ لها رايةً مُعْلَمَهْ )
غنى في هذه الأبيات التي أولها
( أقول وما البعدُ إلا الرَّدَى ... )
يونس خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو
وذكر الهشاميّ أن فيه ثقيلا أول ينسب إلى أبي كامل وعمر الوادي
وذكر حبش أن ليونس فيه رملا بالبنصر
(7/12)

أخبرني الطوسي والحرمي بن أبي العلاء قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني موسى بن زهير بن مضرس بن منظور بن زبان بن سيار عن أبيه قال رأيت هشام بن عبد الملك وأنا في عسكره يوم توفي مسلمة بن عبد الملك وهشام في شرطته إذ طلع الوليد بن يزيد على الناس وهو نشوان يجر مطرف خز عليه فوقف على هشام فقال يا أمير المؤمنين إن عقبى من بقي لحوق من مضى وقد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن يرى واختل الثغر فوهى وعلى أثر من سلف يمضي من خلف فتزودوا فإن خير الزاد التقوى فأعرض عنه هشام ولم يرد جوابا ووجم الناس فما همس أحد بشيء قال فمضى الوليد وهو يقول
( أَهيْنَمَةٌ حديثُ القوم أم هُمْ ... سُكُوتٌ بعد ما مَتَع النهارُ )
( عريزٌ كان بينهمُ نبيًّا ... فقولُ القومِ وَحْيٌ لا يُحار )
( كأنّا بعد مَسْلَمَةَ المُرجَّى ... شُرُوبٌ طوَّحتْ بهمُ عُقَار )
( أوُ آلاَّفٌ هِجَانٌ في قيودٍ ... تَلفَّتُ كلّما حَنّتْ ظُؤارُ )
(7/13)

( فليتَك لم تَمُتْ وفَدَاك قومٌ ... تُرِيح غبيَّهم عنّا الدِّيَارُ )
( سقيمُ الصَّدْر أو شَكِسٌ نَكِيدٌ ... وآخرُ لا يَزُور ولا يُزارُ )
يعني بالسقيم الصدر يزيد بن الوليد ويعني بالشكس هشاما والذي لا يزور ولا يزار مروان بن محمد
قال الزبير وحدثني محمد بن الضحاك عن أبيه قال أراد هشام أن يخلع الوليد ويجعل العهد لولده فقال الوليد
( كفرتَ يداً من مُنْعِمٍ لو شكرتَها ... جَزَاك بها الرحمنُ ذو الفَضْل والمَنّ )
( رأيتك تَبْنِي جاهداً في قَطِيعتي ... ولو كنتَ ذا حَزْم لهدّمتَ ما تَبْني )
( أراك على الباقين تَجْنِي ضَغِينةً ... فياوَيْحَهم إن مُتَّ من شَرِّ ما تَجْنِي )
( كأنِّي بهم يوماً وأكثرُ قولِهم ... أيا ليتَ أنّا حين يا ليت لا تُغْني )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال عتب هشام على الوليد وخاصته
فخرج الوليد ومعه قوم من خاصته ومواليه فنزل بالأبرق بين أرض بلقين وفزارة على ماء يقال له الأغدف وخلّف بالرصافة كاتبه عياض بن مسلم مولى عبد الملك ليكاتبه بما يحدث وأخرج معه عبد الصمد بن عبد الأعلى
فشربوا يوما فقال له الوليد يا أبا وهب قل أبياتا تغني فيها فقال أبياتاً وأمر عمر الوادي فغنى فيها وهي
صوت
( ألَمْ تَرَ للنَّجْم إذ سَبَّعا ... يُبَادِر في بُرْجِه المَرْجِعَا )
(7/14)

( تحيَّر عن قَصْد مَجْراتِه ... إلى الغَوْرِ والتمس المَطْلَعَا )
( فقلتُ وأعجبني شأنُه ... وقد لاح إذ لاح لي مُطمِعا )
( لعلَّ الوليدَ دنا ملكُه ... فأمسى إليه قد اْستجمعَا )
( وكنّا نؤمِّل في مُلْكه ... كتأميل ذي الجَدْب أن يُمْرِعا )
( عَقَدْنا مُحكَماتِ الأمور ... طَوْعاً وكان لها مَوْضِعا )
فروي هذا الشعر وبلغ هشاما فقطع عن الوليد ما كان يجري عليه وعلى أصحابه وحرمهم وكتب إلى الوليد قد بلغني أنك اتخذت عبد الصمد خدنا ومحدثا ونديما وقد حقق ذلك ما بلغني عنك ولن أبرئك من سوء فأخرج عبد الصمد مذموما قال فأخرجه الوليد وقال
( لقد قذَفوا أبا وَهْبٍ بأمر ... كبيرٍ بل يزيد على الكبيرِ )
( وأشهَد أنهم كذَبوا عليه ... شهادَةَ عالمٍ بهمُ خبيرِ )
فكتب الوليد إلى هشام بأنه قد أخرج عبد الصمد واعتذر إليه من منادمته وسأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه وكان من خاصة الوليد فضرب هشام ابن سهيل ونفاه وسيره وكان ابن سهيل من أهل النباهة وقد ولي الولايات ولي دمشق مرارا وولي غيرها وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد فضربه ضربا مبرحا وألبسه المسوح وقيده وحبسه فغم ذلك الوليد فقال من يثق بالناس ومن يصنع المعروف هذا الأحول المشؤوم قدمه أبي على ولده وأهل بيته وولاّه وهو يصنع بي ما ترون ولا يعلم أن لي في أحد
(7/15)

هوى إلا أضَر به كتب إلي بأن أخرج عبد الصمد فأخرجته وكتبت إليه في أن يأذن لابن سهيل في الخروج إلي فضربه وطرده وقد علم رأيي فيه وعرف مكان عياض مني وانقطاعه إليّ فضربه وحبسه يضارني بذلك اللهم أجرني منه
ثم قال الوليد
صوت
( أنا النّذِيرُ لمُسْدِي نعمةٍ أبداً ... إلى المَقارِيِف لَمّا يَخْبُرِ الدَّخَلاَ )
( إن أنتَ أكرمتَهم ألفيتَهم بَطِروا ... وإن أهنتَهمُ ألفيتهم ذُلُلا )
( أتشمَخُون ومنّا رأسُ نعمتكم ... ستعلَمون إذا أبصرتُمُ الدُّولا )
( أنظُر فإن أنت لم تقدِر على مَثَلٍ ... لهم سِوَى الكلبِ فاضربْه لهم مَثَلا )
( بَيْنَا يسمِّنه للصيد صاحبُه ... حتى إذا ما اْستوى من بعد ما هُزِلا )
( عدا عليه فلم تَضْرُره عَدْوتُه ... ولو أطاق له أكلاً لقد أكلا )
غناه مالك خفيف ثقيل من رواية الهشامي
الوليد يفتخر على هشام
قال وقال الوليد أيضا يفتخر على هشام
صوت
( أنا الوليدُ أبو العباس قد علِمتْ ... عُلْيا مَعَدٍّ مَدَى كَرِّي وإقْدامي )
( إني لَفي الذِّروةِ العُليا إذا انتسبوا ... مُقَابَلٌ بين أخوالي وأعمامي )
(7/16)

( بَنى ليَ المجدَ بانٍ لم يكن وكِلاً ... على مَنارٍ مُضِيئاتٍ وأعلام )
( حللتُ من جوهر الأعْياص قد علِموا ... في باذخ مشمخرِّ العزّ قمْقام )
( صَعْبِ المَرام يُسامِي النَّجمَ مطلعُه ... يسمو إلى فرع طودٍ شامخ سامي )
غناه عمر الوادي خفيف ثقيل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق
وأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدثني مصعب الزبيري قال بعث الوليد بن يزيد إلى هشام بن عبد الملك راويته فأنشده قوله
( أنا الوليد أبو العباس قد علِمت ... عُليا مَعَدّ مَدَى كَرّي وإقدامي )
فقال هشام والله ما علمت له معد كرا ولا إقداما إلا أنه شرب مرة مع عمه بكار بن عبد الملك فعربد عليه وعلى جواريه فإن كان يعني ذلك بكرّه وإقدامه فعسى
الشاعر الحاقد
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني عبد الله بن عمرو بن أبي سعد قال حُدثت أن أبا الزناد قال
(7/17)

دخلت على هشام بن عبد الملك وعنده الزُّهري وهما يعيبان الوليد فأعرضت ولم أدخل في شيء من ذكره فلم ألبث أن استُؤذن للوليد فأُذن له فدخل وهو مُغضب فجلس قليلاً ثم نهض
فلما مات هشام وولي الوليد كتب إلى المدينة فحملت فدخلت عليه فقال أتذكر قول الأحول والزهري قلت نعم وما عرضت في شيء من أمرك قال صدقت أتدري من أبلغني ذلك قلت لا قال الخادم الواقف على رأسه وايم الله لو بقي الفاسق الزهري لقتله ثم قال ذهب هشام بعمري فقلت بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين وقام وصلّى العصر ثم جلس يتحدث إلى المغرب ثم صلّى المغرب ودعا بالعشاء فتعشيّت معه ثم جلس يتحدث حتى صلى العتمة ثم تحدثنا قليل ثم قال اسقينني فأتينه بإناء مغطّى وجاء جوار فقمن بيني وبينه فشرب وانصرفن ومكث قليلا ثم قال اسقينني ففعلن مثل ذلك وما زال والله ذلك دأبه حتى طلع الفجر فأحصيت له سبعين قدحا
وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب عن أبي الزناد قال أجمع الزهري على أن يدخل إلى بلاد الروم إن ولي الوليد بن يزيد فمات الزهري قبل ذلك
قال المدائني وبلغ الوليد أن العباس بن الوليد وغيره من بني مروان يعيبونه بالشراب فلعنهم وقال إنهم ليعيبون علي ما لو كانت لهم فيه لذة ما تركوه وقال هذا الشعر وأمر عمر الوادي أن يغني فيه وهو من جيد شعره ومختاره وفيه غناء قديم ذكره يونس لعمر الوادي غير مجنّس
صوت
( ولقد قضيتُ وإن تَجَلَّل لِمّتي ... شيبٌ على رغم العِدَا لذَّاتي )
(7/18)

( من كاعباتٍ كالدُّمَى ومَناصِفٍ ... ومراكب للصيد والنَّشَواتِ )
( في فِتيةٍ تأبى الهوانَ وجوهُهم ... شُمِّ الأنوف جحاجح سادات )
( إن يَطلبوا بِتِراتِهم يُعطَوْا بها ... أو يُطلَبوا لا يُدْرَكوا بترات )
الوليد يكتب وهشام يرد
حدثني المنهال بن عبد الملك قال كتب الوليد إلى هشام قد بلغني ما أحدث أمير المؤمنين من قطع ما قطع عني ومحو من محا من أصحابي وأنه حرمني وأهلي
ولم أكن أخاف أن يبتلي الله أمير المؤمنين بذلك في ولا ينالني مثله منه ولم يبلغ استصحابي لابن سهيل ومسألتي في أمره أن يجري علي ما جرى وإن كان ابن سهيل على ما ذكره أمير المؤمنين فبحسب العير أن يقرب من الذئب
وعلى ذلك فقد عقد الله لي من العهد وكتب لي من العمر وسبب لي من الرزق ما لا يقدر أحد دونه تبارك وتعالى على قطعه عني دون مدته ولا صرفه عن مواقعه المحتومة له
فقدر الله يجري على ما قدره فيما أحب الناس وكرهوا لا تعجيل لآجله ولا تأخير لعاجله والناس بعد ذلك يحتسبون الأوزار ويقترفون الآثام على أنفسهم من الله بما يستوجبون العقوبة عليه
وأمير المؤمنين أحق بالنظر في ذلك والحفظ له
والله يوفق أمير المؤمنين لطاعته ويحسن القضاء له في الأمور بقدرته وكتب اليه الوليد في آخر كتابه
(7/19)

( أليس عظيماً أن أرى كلَّ واردٍ ... حِياضَك يوماً صادراً بالنّوافل )
( فأرْجِعَ محمودَ الرَّجاء مصرَّدا ... بتحلِئةٍ عن وِرْد تلك المناهل )
( فأصبحتُ مما كنت آمُلُ منكُم ... وليس بلاقٍ ما رجا كلُّ آمل )
( كمُقْتَبِض يوماً على عُرْض هَبْوةٍ ... يَشُدُّ عليها كفَّه بالأنامل )
فكتب إليه هشام قد فهم أمير المؤمنين ما كتبت به من قطع ما وغير ذلك
وأمير المؤمنين يستغفر الله من إجرائه ما كان يجري عليك ولا يتخوف على نفسه اقتراف المآثم في الذي أحدث من قطع ما قطع ومحو من محا من صحابتك لأمرين أما أحدهما فإن أمير المؤمنين يعلم مواضعك التي كنت تصرف إليها ما يجريه عليك وأما الآخر فإثبات صحابتك وأرزاقهم دارّة عليهم لا ينالهم ما نال المسلمين عند قطع البعوث عليهم وهم معك تجول بهم في سفهك وأمير المؤمنين يرجو أن يكفر الله عنه ما سلف من إعطائه إياك باستئنافه قطعه عنك
وأما ابن سهيل فلعمري لئن كان نزل منك بحيث يسوءك ما جرى عليه لما جعله الله لذلك أهلاً
وهل زاد ابن سهيل لله أبوك على أن كان زفّاناً مغنيا قد بلغ في السفه غايته وليس مع ذلك ابن سهيل بشر ممن كنت تستصحبه في الأمور التي ينزّه أمير المؤمنين نفسه
(7/20)

عنها مما كنت لعمري أهلا للتوبيخ فيه
وأما ما ذكرت مما سببه الله لك فإن الله قد ابتدأ أمير المؤمنين بذلك واصطفاه له والله بالغ أمره
ولقد أصبح أمير المؤمنين وهو على يقين من رأيه إلا أنه لا يملك لنفسه مما أعطاه الله من كرامته ضُرا ولا نفعا وإن الله ولي ذلك منه وإنه لا بد له من مفارقته وإن الله أرأف بعباده وأرحم من أن يولي أمرهم غير من يرتضيه لهم منهم
وإن أمير المؤمنين مع حسن ظنه بربه لعلي أحسن الرجاء لأن يوليه بسبب ذلك لمن هو أهله في الرضا به لهم فإن بلاء الله عند أمير المؤمنين أعظم من أن يبلغه ذكره أو يوازيه شكره إلا بعون منه
ولئن كان قد قدر الله لأمير المؤمنين وفاة تعجيل فإن في الذي هو مفض وصائر إليه من كرامة الله لخلفا من الدنيا
ولعمري إن كتابك لأمير المؤمنين بما كتبت به لغير مستنكر من سفهك وحمقك فأبق على نفسك وقصر من غلوائها وأربع على ظلعك فإن لله بسطوات وغِيرا يصيب بها من يشاء من عباده
وأمير المؤمنين يسأل الله العصمة والتوفيق لأحب الأمور إليه وأرضاها له وكتب في أسفل الكتاب
( إذا أنتَ سامحتَ الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقالُ ) والسلام
بويع له بالخلافة وهو سكران
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخرّاز وأخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبّة عن المدائني عن جُويرية بن أسماء عن المنهال بن عبد الملك عن إسحاق بن أيوب كلهم عن أبي الزبير المنذر بن عمرو قال وكان كاتبا للوليد بن يزيد قال أرسل إلي الوليد صبيحة اليوم الذي أتته فيه الخلافة فأتيته فقال لي يا أبا الزبير ما أتت عليّ ليلة أطول من هذه الليلة عرضتني أمور وحدّثت
(7/21)

نفسي فيها بأمور وهذا الرجل قد أُولع بي فاركب بنا نتنفّس فركب وسرت معه فسار ميلين ووقف على تل فجعل يشكو هشاما إذ نظر إلى رهج قد أقبل قال عمر بن شبّة في حديثه وسمع قعقعة البريد فتعوذ بالله من شر هشام وقال إن هذا البريد قد أقبل بموت وحي أو بملك عاجل فقلت لا يسوءك الله أيها الأمير بل يسرك ويبقيك إذ بدا رجلان على البريد يقبلان أحدهما مولى لآل أبي سفيان بن حرب فلما قربا رأيا الوليد فنزلا يعدوان حتى دنوا فسلما عليه بالخلافة فوجم وجعلا يكروان عليه التسليم بالخلافة فقال ويحكم ما الخبر أمات هشام قالا نعم قال فمرحبا بكما ما معكما قالا كتاب مولاك سالم بن عبد الرحمن فقرأ الكتاب وانصرفنا
وسأل عن عياض بن مسلم كاتبه الذي كان هشام ضربه وحبسه فقالا يا أمير المؤمنين لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام أمر الله فلما صار إلى حال لا ترجى الحياة لمثله معها أرسل عياض إلى الخزان احتفظوا بما في أيديكم فلا يصلن أحد إلى شيء وأفاق هشام إفاقة فطلب شيئا فمنعه فقال أرانا كنا خزانا للوليد وقضى من ساعته
فخرج عياض من السجن ساعة قضى هشام فختم الأبواب والخزائن وأمر بهشام فأنزل عن فراشه ومنعهم أن يكفنوه من الخزائن فكفنه غالب مولى هشام ولم يجدوا قمقما حتى استعاروه
وأمر الوليد بأخذ ابني هشام بن إسماعيل المخزومي فأُخذا بعد أن عاذ إبراهيم بن هشام بقبر يزيد بن عبد الملك فقال الوليد ما أُراه إلا قد نجا فقال له يحيى بن عروة بن الزبير وأخوه
(7/22)

عبد الله إن الله لم يجعل قبر أبيك معاذا للظالمين فخذه برد ما في يده من مال الله فقال صدقت وأخذهما فبعث بهما إلى يوسف بن عمر وكتب إليه أن يبسط عليهما العذاب حتى يتلفا ففعل ذلك بهما وماتا جميعا في العذاب بعد أن أُقيم إبراهيم بن هشام للناس حتى اقتضوا منه المظالم
وقال عمر بن شبّة في خبره إنه لما نعي له هشام قال والله لأتلقين هذه النعمة بسكرة قبل الظهر ثم أنشأ يقول
( طاب يومي ولذَّ شربُ السُّلافه ... إذ أتاني نَعِيُّ من بالرُّصَافَهْ )
( وأتانا البرِيدُ ينعَى هشاماً ... وأتانا بخاتم للخلافة )
( فاْصطبحنا من خمر عانَةَ صِرْفاً ... ولَهَوْنا بقَيْنةٍ عَزّافه )
ثم حلف ألا يبرح موضعه حتى يُغنى في هذا الشعر ويشرب عليه فغني له فيه وشرب وسكر ثم دخل فبويع له بالخلافة
قال وسمع صياحا فسأل عنه فقيل له هذا من دار هشام يبكيه بناته فقال
( إني سمعتُ بليلٍ ... وَرَا المُصلَّى برَنَّهْ )
( إذا بناتُ هشامٍ ... يندُبْنَ والِدَهُنّهْ )
( يندُبْنَ قَرْماً جَليلاً ... قد كان يَعْضُدُهنّهُ )
( أنا المخنَّث حقَّاً ... إن لم أنِيكنَّهُنَّهْ )
(7/23)

وقال المدائني في خبر أحمد بن الحارث وشرب الوليد يوما فلما طابت نفسه تذكر هشاما فقال لعمر الوادي غنّني
( إنّي سمعت بليل ... وَرَا المصلَّى برَنّهْ )
فغناه فيه فشرب عليه ثلاثة أرطال ثم قال والله لئن سمعه منك أحد أبدا لاقتلنك
قال فما سمع منه بعدها ولا عرف
نسبة ما في هذا الخبر من الغناء
صوت
( طاب يومي ولَذَّ شُرْبُ السُّلاَفه ... إذ أتانا نَعِيُّ من في الرُّصافَهْ )
غنّاه عمر الوادي خفيف رمل بالبنصر
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبّة قال حدثني أبو غسان قال قال حكم الوادي كنا عند الوليد بن يزيد وهو يشرب إذ جاءنا خصيّ فشق جيبه وعزاه عن عمه هشام وهنأه بالخلافة وفي يده قضيب وخاتم وطومار فأمسكنا ساعة ونظرنا إليه بعين الخلافة فقال غنّوني غنياني قد طاب شرب السلافه البيتين فلم نزل نغنيه بهما الليل كله
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبّة قال حدثنا
(7/24)

إسحاق بن إبراهيم قال حدثني مروان بن أبي حفصة قال دخلت على الرشيد أمير المؤمنين فسألني عن الوليد بن يزيد فذهبت أتزحزح فقال إن أمير المؤمنين لا ينكر ما تقول فقل قلت كان من أصبح الناس وأظرف الناس وأشعر الناس
فقال أتروي من شعره شيئا قلت نعم دخلت عليه مع عمومتي وفي يده قضيب ولي جمّة فينانة فجعل يدخل القضيب في جمتي وجعل يقول يا غلام ولدتك سكر وهي أم ولد كانت لمروان بن الحكم فزوجها أبا حفصة قال فسمعته يومئذ ينشد
( ليت هشاماً عاش حتى يرى ... مكيالَه الأوفرَ قد أُتْرِعا )
( كِلْنا له الصاعَ التي كالَها ... فما ظلمناه بها أصْوُعا )
( لم نأتِ ما نأتيه عن بدعة ... أحلّه القرآن لي أجمعا )
قال فأمر الرشيد بكتابتها فكتبت
الشاعر المجيد
وللوليد أشعار جياد فوق هذا الشعر الذي اختاره مروان
فمنها وهو ما
(7/25)

برز فيه وجوده وتبعه الناس جميعا فيه وأخذوه منه قوله في صفة الخمر أنشدنيه الحسن بن علي قال أنشدني الحسين بن فهم قال أنشدني عمر بن شبّة قال أنشدني أبو غسان محمد بن يحيى وغيره للوليد
قال وكان أبو غسان يكاد يرقص إذا انشدها
( اِصدَع نجيَّ الهموم بالطرب ... واْنعَمْ على الدهر باْبنة العنبِ )
( واْستقبلِ العيشَ في غَضارته ... لا تَقْفُ منه آثارَ معتقِبِ )
( من قهوة زانها تقادُمها ... فهي عجوز تعلو على الحِقب )
( أشهى إلى الشَّرْب يوم جَلوْتها ... من الفتاة الكريمة النّسب )
( فقد تجلّت ورَقّ جوهرها ... حتى تبدّت في منظَر عجَب )
( فهي بغير المِزاج من شَرَر ... وهي لدى المزج سائلُ الذهب )
( كأنها في زجاجها قَبَسٌ ... تذكو ضياءً في عين مرتقِب )
( في فتيةٍ من بني أميّة أهلِ ... المجد والمأْثُرات والحسب )
( ما في الورى مثلُهم ولا فيهم ... مثلي ولا مُنْتَمٍ لمثل أبي )
قال المدائنيّ في خبره وقال الوليد حين أتاه نعي هشام
( طال ليلي فبتُّ أُسقَى المداما ... إذ أتاني البريد ينعَى هشاما )
( وأتاني بحُلّة وقضيب ... وأتاني بخاتم ثم قاما )
( فجعلتُ الوليّ من بعد فقدي ... يفضُل الناسَ ناشئاً وغلاما )
( ذلك اْبني وذاك قَرْم قريشٍ ... خيرُ قَرْمٍ وخيرُهم أعماما )
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المدائني عن جرير قال قال لي عمر الوادي كنت يوما أغني الوليد إذ ذكر هشاما فقال لي غنني بهذه الأبيات قلت وما هي يا أمير المؤمنين فأنشأ يقول
(7/26)

صوت
( هلَك الأحول المَشُومُ ... فقد أُرسل المطرْ )
( ثُمّتَ اْستُخْلِف الوليد ... فقد أوْرق الشجرْ )
الشعراء يقتبسون معاني الوليد
وللوليد في ذكر الخمر وصفتها أشعار كثيرة قد أخذها الشعراء فأدخلوها في أشعارهم سلخوا معانيها وأبو نواس خاصة فإنه سلخ معانيه كلها وجعلها في شعره فكررها في عدة مواضع منه
ولولا كراهة التطويل لذكرتها ها هنا على أنها تنبىء عن نفسها
وله أبيات أنشدنيها الحسن بن علي قال أنشدني الحسين بن فهم قال أنشدني عمر بن شبّة قال أنشدني أبو غسان وغيره للوليد وكان أبو غسان يكاد أن يرقص إذا أنشدها
( اِصْدَع نجيَّ الهموم بالطرب ... واْنعَمْ على الدهر باْبنة العنب )
الأبيات التي مضت متقدما
وهذا من بديع الكلام ونادره وقد جوّد فيه منذ ابتدأ إلى أن ختم وقد نقلها أبو نواس والحسين بن الضحاك في أشعارهما
ومن جيد معانيه قوله
( رأيتُك تَبني جاهداً في قطيعتي ... ولو كنتَ ذا حزم لهدَّمتَ ما تبني )
(7/27)

وقد مضت في أخباره مع هشام
وأنشدني الحسن بن علي عن الحسين بن فهم قال أنشدني عمرو بن أبي عمرو للوليد بن يزيد وكان يستجيده فقال
( إذا لم يكن خيرٌ مع الشرّ لم تَجِدْ ... نصيحاً ولا ذا حاجَةٍ حين تفزَع )
( وكانوا إذا هَمُّوا بإحدى هَنَاتِهم ... حسَرتُ لهم رأسي فلا أتقنّع )
ومن نادر شعره قوله لهشام
( فإن تك قد مَلِلتَ القربَ منّي ... فسوف تَرى مُجانبتي وبعدي )
( وسوف تلوم نفسَك إن بقِينا ... وتبلو الناسَ والأحوال بعدي )
( فتندَمُ في الذي فرّطتَ فيه ... إذا قايستَ في ذمّي وحمدي )
أخبرني الحسين بن يحيى قال حدثنا ابن مهرويه وعبد الله بن عمرو بن أبي سعد قالا حدثنا عبد الله بن أحمد بن الحارث القرشي قال حدثنا محمد ابن عائذ قال حدثني الهيثم بن عمران قال سمعته يقول لما بويع الوليد سمعته على المنبر يقول بدمشق
( ضمِنتُ لكم إن لم تَرُعْنِي منيّتي ... بأنّ سماء الضرّ عنكم ستُقلِع )
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني عيسى ابن عبد الله بن محمد بن عمر بن على بن أبي طالب رضي الله عنه قال لما ولي الوليد بن يزيد كتب إلى أهل المدينة والشعر له
( مُحَرَّمُكُم ديوانُكم وعطاؤكم ... به يكتب الكتّاب والكُتْب تُطبَعُ )
( ضمِنت لكم إن لم تصابوا بمهجتي ... بأنّ سماء الضرّ عنكم ستُقلِع )
وأول هذه الأبيات
( ألاَ أيّها الركب المُخِبّون أبلِغوا ... سلاميَ سُكّانَ البلاد فأسمعوا )
(7/28)

( وقولوا أتاكم أشبهُ الناس سنّةً ... بوالده فاستبشِروا وتوقّعوا )
( سيُوشِك إلحاقٌ بكم وزيادة ... وأعطِيةٌ تأتي تِباعاً فتُشْفَع )
وكان سبب مكاتبته أهل الحرمين بذلك أن هشاما لما خرج عليه زيد بن علي رضي الله عنه منع أهل مكة وأهل المدينة أعطياتهم سنة
فقال حمزة ابن بيض يرد على الوليد لمّا فعل خلاف ما قال
( وصلتَ سماءَ الضرّ بالضرّ بعد ما ... زَعمتَ سماء الضرّ عنّا ستُقلِع )
( فليت هشاماً كان حيَّا يسوسنا ... وكنّا كما كنا نُرجِّي ونطمع )
أخبرني أحمد قال حدثني عمر بن شبة قال روى جرير بن حازم عن الفضل بن سويد قال بعث الوليد بن يزيد إلى جماعة من أ هله لما ولي الخلافة فقال أتدرون لم دعوتكم قالوا لا قال ليقل قائلكم فقال رجل منهم أردت يا أمير المؤمنين أن ترينا ما جدد الله لك من نعمته وإحسانه فقال نعم ولكني
( أُشهِد الله والملائكةَ الأبرار ... والعابدين أهلَ الصلاحِ )
( أنني أشتهي السَّماع وشربَ الكأس ... والعض للخدود الملاح )
( والنديمَ الكريم والخادمَ الفارِهَ ... يسعى عليّ بالأقداح )
(7/29)

قوموا إذا شئتم
الوليد يبتاع الجواري ويجيز المادحين
أخبرني إسماعيل بن يونس وأحمد بن عبد العزيز قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال عرضت على الوليد بن يزيد جارية صفراء كوفية مولدة يقال لها سعاد فقال لها أي شيء تحسنين فقالت أنا مغنية فقال لها غنيني فغنت
صوت
( لولا الذي حُمّلتُ من حبّكم ... لكان في إظهاره مَخْرَجُ )
( أو مذهبٌ في الأرض ذو فسحةٍ ... أجَلْ ومن حَجَّت له مَذْحِجُ )
( لكن سباني منكُم شادنٌ ... مُرَبَّبٌ ذو غُنّة أدعجُ )
( أغرُّ مَمكورٌ هَضِيمُ الحَشَى ... قد ضاق عنه الحَجْل والدُّمْلُجُ )
الشعر للحارث بن خالد
والغناء لابن سريج خفيف رمل بالبنصر وفيه لدحمان هزج بالوسطى وذكر الهشامي أن الهزج ليحيى المكي فطرب طرباً شديداً وقال يا غلام اسقني فسقاه عشرين قدحا وهو يستعيدها ثم قال لها لمن هذا الشعر قالت للحارث بن خالد قال وممن أخذتيه
(7/30)

قالت من حنين قال وأين لقيته قالت ربيت بالعراق وكان أهلي يجيئون به فيطارحني فدعا صاحبه فقال اذهب فابتعها بما بلغت ولا تراجعني في ثمنها ففعل ولم تزل عنده حظية
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني عبيد الله بن عمار قال حدثني عبيد الله بن أحمد بن الحارث القرشي قال حدثنا العباس بن الوليد قال حدثنا ضمرة قال خرج عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام يوما إلى بعض الديارات فنزل فيه وهو وال على الرملة فسأل صاحب الدير هل نزل بك أحد من بني أمية قال نعم نزل بي الوليد بن يزيد ومحمد بن سليمان بن عبد الملك قال فأي شيء صنعا قال شربا في ذلك الموضع ولقد رأيتهما شربا في آنيتهما ثم قال أحدهما لصاحبه هلمَّ نشرب هذا الجرن وأومأ إلى جرنٍ عظيم من رخام قال أفعل فلم يزالا يتعاطيانه بينهما ويشربان به حتى ثملا
فقال عبد الوهاب لمولى له أسود هاته
قال ضمرة وقد رأيته وكان يوصف بالشدة فذهب يحركه فلم يقدر
فقال الراهب والله لقد رأيتهما يتعاطيانه وكل واحد منهما يملؤه لصاحبه فيرفعه ويشربه غير مكترث
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان محمد بن يحيى قال وفد سعد بن مرة بن جبير مولى آل كثير بن الصلت وكان شاعرا على الوليد بن يزيد فعرض له في يوم من أيام الربيع وقد خرج إلى متنزه له
(7/31)

فصاح به يا أمير المؤمنين وافدك وزائرك ومؤملك فتبادر الحرس إليه ليصدوه عنه فقال دعوه ادن إلي فدنا إليه فقال من أنت قال أنا رجل من أهل الحجاز شاعر قال تريد ماذا قال تسمع مني أربعة أبيات قال هات
صوت
( شِمْنَ المَخَايِلَ نحوَ أرضِك بالحيَا ... ولَقِين ركباناً بعُرْفك قُفّلا ) قال ثم مه قال
( فعمَدن نحوَك لم يُنَخْن لحاجة ... إلاّ وقوعَ الطير حتى تَرْحلا ) قال إن هذا السير حثيث ثم ماذا قال
( يعمِدن نحو مُوطِّىءٍ حجراتِه ... كَرَماً ولم تعدِل بذلك مَعْدِلا ) قال فقد وصلت إليه فمه قال
( لاحت لها نيرانُ حَيَّيْ قَسْطلٍ ... فاْخترن نارَك في المنازل منزلا ) قال فهل غير هذا قال لا قال أَنْجحتْ وِفادتُك ووجبت ضيافتك أعطوه أربعة آلاف دينار فقبضها ورحل
الغناء لابن عائشة ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو والهشامي
(7/32)

أخبار عن الوليد وزوجته
رجعت الرواية إلى حديث المدائني قال لما قدم العباس بن الوليد لإحصاء ما في خزائن هشام وولده سوى مسلمة بن هشام فإنه كان كثيرا ما يكف أباه عن الوليد ويكلمه فيه ألا يعرض له ولا يدخل منزله
وكانت عند مسلمة أم سلمة بنت يعقوب المخزومية وكان مسلمة يشرب
فلما قدم العباس لإحصاء ما كتب إليه الوليد كتبت إليه أم سلمة ما يفيق من الشراب ولا يهتم بشيء مما فيه إخوته ولا بموت أبيه
فلما راح مسلمة بن هشام إلى العباس قال له يا مسلمة كان أبوك يرشحك للخلافة ونحن نرجوك لما بلغني عنك وأنبه وعاتبه على الشراب فأنكر مسلمة ذلك وقال من أخبرك بهذا قال كتبت إلي به أم سلمة فطلقها في ذلك المجلس فخرجت إلى فلسطين وبها كانت تنزل وتزوجها أبو العباس السفاح هناك
وسلمى التي عناها الوليد هناك هي سلمى بنت سعيد بن خالد بن عمرو ابن عثمان بن عفان وأمها أم عمرو بنت مروان بن الحكم وأمها بنت عمر ابن أبي ربيعة المخزومي
فأخبرني محمد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن سلام وعن المدائني عن جويرية بن أسماء أن يزيد بن عبد الملك كان خرج إلى قرين متبديا به وكان هناك قصر لسعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان وكانت بنته أم عبد الملك واسمها سعدة تحت الوليد بن يزيد فمرض سعيد في ذلك الوقت وجاءه الوليد عائدا فدخل فلمح سلمى بنت سعيد أخت زوجته وسترها حواضنها وأختها
(7/33)

فقامت ففرعتهن طولا فوقعت بقلب الوليد
فلما مات أبوه طلق أم عبد الملك زوجته وخطب سلمى إلى أبيها وكانت لها أخت يقال لها أم عثمان تحت هشام بن عبد الملك فبعثت إلى أبيها وقيل بعث إليه هشام أتريد أن تستفحل الوليد لبناتك يطلق هذه وينكح هذه فلم يزوجه سعيد ورده أقبح رد
وهويها الوليد ورام السلو عنها فلم يسل وكان يقول العجب لسعيد خطبت إليه فردني ولو قد مات هشام ووليت لزوجني وهي طالق ثلاثا إن تزوجتها حينئذ وإن كنت أهواها
فيقال إنه لما طلق سعدة ندم على ذلك وغمه وكان لها من قلبه محل ولم تحصل له سلمى فاهتم لذلك وجزع وراسل سعدة وقد كانت زوجت غيره فلم ينتفع بذلك
فأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري والحسن بن علي قالا حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا أبو مسلم عبد الرحمن بن الجهم قال حدثنا المدائني قال بعث الوليد بن يزيد إلى أشعب بعد ما طلق امرأته فقال يا أشعب لك عندي عشرة آلاف درهم على أن تبلغ رسالتي سعدة فقال أحضر العشرة الآلاف الدرهم حتى أنظر إليها فأحضرها الوليد فوضعها أشعب على عنقه وقال هات رسالتك قال قل لها يقول لك أمير المؤمنين
( أسَعْدةُ هل إليكِ لنا سبيلٌ ... وهل حتى القيامةِ من تَلاَقي )
( بَلَى ولعلّ دهراً أن يُؤاتِي ... بموت من حَليلك أو طلاقِ )
(7/34)

( فأُصبِحَ شامتاً وَتَقَرَّ عيني ... ويُجمعَ شملُنا بعد اْفتراق ) فأتى أشعب الباب فأخبرت بمكانه فأمرت بفرش لها ففرشت وجلست وأذنت له
فلما دخل أنشدها ما أمره فقالت لخدمها خذوا الفاسق فقال يا سيدتي إنها بعشرة آلاف درهم
قالت والله لأقتلنك أو تبلغه كما بلغتني قال وما تهبين لي قالت بساطي الذي تحتي قال قومي عنه فقامت فطواه وجعله إلى جانبه ثم قال هات رسالتك جعلت فداك قالت قل له
( أتبكي على لُبْنَى وأنت تركتَها ... فقد ذهبتْ لبنى فما أنت صانعُ )
فأقبل أشعب فدخل على الوليد فقال هيه فأنشده البيت فقال أوه قتلتني يابن الزانية ما أنا صانع فاْختر أنت الآن ما أنت صانع ياْبن الزانية إما أن أُدَلِّيَكَ على رأسك منكسا في بئر أو أرمي بك منكسا من فوق القصر أو أضرب رأسك بعمودي هذا ضربة هذا الذي أنا صانع فاختر أنت الآن ما أنت صانع فقال ما كنت لتفعل شيئا من ذلك قال ولم يابن الزانية قال لم تكن لتعذّب عينين نظرتا إلى سعدة قال أوه أفلت والله بهذا يابن الزانية اخرج عني
وقال الحسن في روايته إنها قالت له أنشده
( أتبكي على لُبْنى وأنت تركتها ... وأنت عليها بالمَلاَ كنتَ أقدرُ )
(7/35)

وفي هذه الأبيات غناء هذه نسبته
صوت
( أرى بيت لُبْنَى أصبح اليوم يُهجرُ ... وهِجرانُ لبنى يا لكَ الخيرُ مُنْكَرُ )
( فإن تكن الدنيا بلُبْنى تغيّرت ... فلِلدّهر والدنيا بطونٌ وأظْهُرُ )
( أتبكي على لُبْنَى وأنت تركتَها ... وأنت عليها بالحَرَا كنتَ أقدر )
عروضه من الطويل والشعر لقيس بن ذريح والغناء في الثاني والثالث للغريض ثقيل أول بالبنصر عن عمرو والهشامي
وفيهما لعريب رمل بالبنصر وفيه لشارية خفيف رمل بالوسطى عن الهشامي
وفي الأول خفيف ثقيل مجهول
قال ابن سلام والمدائني في خبرهما وخرج الوليد بن يزيد يريد فرتنى لعله يراها فلقيه زيات معه حمار عليه زيت فقال له هل لك أن تأخذ فرسي هذا وتعطيني حمارك هذا بما عليه وتأخذ ثيابي وتعطيني ثيابك ففعل الزيات ذلك
وجاء الوليد وعليه الثياب وبين يديه الحمار يسوقه متنكرا حتى دخل قصر سعيد فنادى من يشتري الزيت فاطلع بعض الجواري فرأينه فدخلن إلى سلمى وقلن إن بالباب زياتا أشبه الناس بالوليد فاخرجي
(7/36)

فانظري إليه فخرجت فرأته ورآها فرجعت القهقرى وقالت هو والله الفاسق الوليد وقد رآني فقلن له لا حاجة بنا إلى زيتك فانصرف وقال
( إنني أبصرتُ شيخاً ... حسنَ الوجه مليحْ )
( ولِباسي ثوب شيخٍ ... من عباءٍ ومُسوح )
( وأبيعُ الزيت بيعاً ... خاسراً غيرَ رَبيح ) وقال أيضا
( ما مِسْكٌ يُعَلُّ بزنجبيلٍ ... ولا عسلٌ بألبان اللَقاحِ )
( بأشهى من مُجاجة ريق سلمى ... ولا ما في الزِّقاق من القَراح )
( ولا والله لا أنسى حياتي ... وَثَاقَ الباب دوني واْطِّراحي )
قال فلما ولي الخلافة أشخص إلى المغنيّن فحضروه وفيهم معبدٌ وابن عائشة وذووهما
فقال لابن عائشة يا محمد إن غنّيتني صوتين في نفسي فلك عندي مائة ألف درهم فغنّاه قوله
( إنني أبصرتُ شيخاً ... )
(7/37)

وغناه
( فما مسكٌ يعلّ بزنجبيل ... ) الأبيات فقال الوليد ما عدوت ما في نفسي وأمر له بمائة ألف درهم وألطاف وخلع وأمر لسائر المغنّين بدون ذلك
نسبة ما في هذا الخبر من الغناء
صوت
( فما مسكٌ يُعَلّ بزنجبيلٍ ... ولا عسلٌ بألبان اللِّقاحِ )
( بأطيبَ من مُجاجة ريق سلمى ... ولا ما في الزِّقاق من القَراح )
غناه ابن عائشة ولحنه ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي وحماد بن إسحاق
الوليد يرثي زوجته سلمى
قال المدائني وابن سلام فلما طال بالوليد ما به كتب إلى أبيها سعيد
( أبا عثمان هل لك في صنيع ... تُصيب الرشدَ في صلتي هُدِيتا )
( فأشكرَ منك ما تُسدي وتُحيي ... أبا عثمان مَيّتةً ومَيْتا )
قالوا فلم يجبه إلى ذلك حتى ولي الخلافة فلما وليها زوجه إياها فلم يلبث إلا مدة يسيرة حتى ماتت وقال فيها ليلة زفت إليه
(7/38)

( خفَّ من دار جيرتي ... ياْبن داود أُنْسُها ) وهي طويلة وفيها مما يغنى به
( أو لا تخرج العروسُ ... فقد طال حبسُها )
( قد دنا الصبح أو بَدا ... وهي لم يُقضَ لُبْسها )
( برزت كالهلال في ... ليلةٍ غاب نحسُها )
( بين خمس كواعبٍ ... أكرمُ الخمسِ جنسُها ) غناءُ ابن سريج فيما ذكره حبش رمل بالبنصر أوله
( خَفَّ من دار جيرتي ... ) وغناء معبد فيه خفيف ثقيل أوله
( ومتى تخرج العروس ... )
في رواية الهشامي وابن المكي
وغناء عمر الوادي في الأربعة الأبيات الأخر خفيف رمل بالبنصر عن عمرو
وذكر في النسخة الثانية ووافقه الهشامي أن فيه هزجا بالوسطى ينسب إلى حكم وإلى أبي كامل وإلى عمر
وقد أخبرنا إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا الأصمعي قال رأيت حكما الوادي قد تعرض للمهدي وهو يريد الحج فوقف له في الطريق وكانت له شهرة فأخرج دفا له فنقر فيه وقال أنا أطال الله بقاءك القائل
( ومتى تخرج العروسُ ... فقد طال حبسُها )
(7/39)

( قد دنا الصبح أو بدا ... وهي لم يُقْضَ لُبْسُها )
قال فتسرع اليه الحرس فصيح بهم وإذا هو حكم الوادي فأُدخل اليه المضرب فوصله وانصرف
نسبة أولا تخرج العروس قال الشعر للوليد بن يزيد والغناء لعمر الوادي وفيه لحنان هزج خفيف بالخنصر في مجرى البنصر وخفيف رمل بالخنصر في مجرى البنصر جميعا عن إسحاق وذكر حكم الوادي أن الهزج له وذكر إسحاق أن لحن حكم خفيف رمل بالخنصر في مجرى الوسطى وقال في كتاب يحيى إن هذا اللحن لعمر الوادي
وذكر الهشامي أن فيه خفيف ثقيل لمعبد ورملا لابن سريج وذكر عمرو بن بانة أن فيه للدلال خفيف ثقيل أول بالبنصر
وقال المدائني مكثت عنده سلمى أربعين يوما ثم ماتت فقال
( ألَمّا تعلَما سَلْمى أقامت ... مُضَمَّنةً من الصحراء لحدا )
( لعمرك يا وليدُ لقد أجَنّوا ... بها حَسَباً ومَكرُمةً ومجدا )
( ووجهاً كان يقصُر عن مداه ... شعاعُ الشمس أَهْلٌ أن يُفدَّى )
( فلم أَرَ ميّتاً أبْكَى لعينٍ ... وأكثر جازعاً وأجلَّ فقدا )
( وأجدرَ أن تكون لديه مِلْكاً ... يُريك جَلاَدةً ويُسِرّ وَجْدا )
ذكر أشعار الوليد التي قالها في سلمى وغنى المغنون فيها منها
صوت
( عرفتُ المنزلَ الخالي ... عفا من بعد أحوالِ )
(7/40)

( عفَاه كلُّ حَنّانٍ ... عَسُوفِ الوَبْل هَطّال )
( لسلمى قرّةِ العين ... وبنتِ العمّ والخال )
( بذلتُ اليوم في سلمى ... خِطاراً أتلفتْ مالي )
( كأنّ الريق من فِيها ... سَحيقٌ بين جِرْيال )
غناه عمر الوادي هزجا بالوسطى عن عمرو
وذكر ابن خرداذبه أن هذا اللحن للوليد بن يزيد وفيه رَمَلٌ ذكر الهشامي أنه لابن سريج
ومنها وهو الصوت الذي غنّاه أبو كامل فأعطاه الوليد قلنسيته
صوت
( منازلُ قد تَحُلّ بها سليمى ... دوراسُ قد أضرّ بها السِّنونُ )
( أُمِيتُ السرَّ حفظاً يا سليمى ... إذا ما السرّ باح به الحَزُون )
غنّاه أبو كامل من الثقيل الأول وفيه لابن سريج ويقال للغريض خفيف ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي وقيل إنه لحكم أو لعمر الوادي ومنها
صوت
( أراني قد تصابيتُ ... وقد كنت تناهيتُ )
( ولو يترُكني الحبُّ ... لقد صمت وصلّيتُ )
( إذا شئتُ تصبّرت ... ولا أصبر إن شيتُ )
(7/41)

( ولا والله لا يصبر ... في الدَّيْمومة الحُوت )
( سليمى ليس لي صبر ... وإن رخَّصتِ لي جِيتُ )
( فقبّلتُك ألفين ... وفدَّيت وحيَّيْتُ )
( ألا أحْبِبْ بزَوْرٍ زار ... من سلمى ببيروت )
( غزالٌ أدْعَجُ العين ... نقيُّ الجيدِ واللِّيتِ )
غناه ابن جامع في البيتين الأولين هزجا بالوسطى وغنّاه أبو كامل في الأبيات كلها على ما ذكرت بذل ولم تجنسه وغنى حكم الوادي في الثالث والرابع والسابع والثامن خفيف رمل بالوسطى عن عمرو والهشامي ومنها
صوت
( عتَبتْ سَلْمى علينا سَفاها ... أن سَبَبْتُ اليوم فيها أباها )
( كان حقُّ العتب يا قومُ منّي ... ليس منها كان قلبي فِداها )
( فلئن كنتُ أردتُ بقلبي ... لأبي سلمى خلافَ هواها )
( فثكِلتُ اليوم سلمى فسلمى ... ملأت أرضي معاً وسماها )
( غير أني لا أظن عدوّاً ... قد أتاها كاشحاً بأذاها )
(7/42)

( فلها العُتْبَى لدينا وقَلّتْ ... أبداً حتى أنال رضاها )
غناه أبو كامل خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه ليحيى المكي ثقيل أول من رواية علي بن يحيى وفيه رمل يقال إنه لابن جامع ويقال بل لحن ابن جامع خفيف رمل أيضا
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني عبد الله بن عمرو قال لقي سعيد بن خالد الوليد بن يزيد وهو ثمل فقال له يا أبا عثمان أتردني على سلمى وكأني بك لو قد وليت الخلافة خطبتني فلم أجبك وإن تزوجتها حينئذ فهي طالق ثلاثا فقال له سعيد إن المرء يجعل كريمته عند مثلك لحقيق بأكثر مما قلت فأمضه الوليد وشتمه وتسامعا وافترقا
وبلغ الوليد أن سلمى جزعت لما جرى وبكت وسبت الوليد ونالت منه فقال
( عتبت سلمى علينا سفاها ... أن هجوتُ اليوم فيها أباها ) وذكر الأبيات وقال أيضا في ذلك
صوت
( على الدُّور التي بَلِيتُ سَفَاها ... قِفَا يا صاحبيّ فسائِلاها )
( دعتك صبابةٌ ودعاك شوق ... وأخضل دمعُ عينك مأْقِياها )
( وقالت عند هجوتنا أباها ... أردتَ الصُّرمَ فاْنتَدِه اْنتِداها )
( أردتَ بعادَنا بهجاء شيخي ... وعندك خُلّةٌ تبغي هواها )
( فإن رضيتْ فذاك وإن تمادتْ ... فهَبْها خُطّةً بلغت مَداها )
(7/43)

غناه مالك بن أبي السمح خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وللهذلي فيه ثاني ثقيل بالوسطى عن يونس والهشامي وذكر حبش أن الثقيل الثاني لإسحاق يعني بقوله
( أردتَ بعادنا بهجاء شيخي ... ) أنه كان هجا سعيد بن خالد فقال
( ومن يك مفتاحاً لخير يريده ... فإنك قُفْلٌ يا سعيد بن خالد )
قال المدائني لما غضبت سلمى من هجائه أباها قال يعتذر إليه بقوله
( ألا أبْلِغْ أبا عثمان ... عِذْرةَ مُعْتِبٍ أسفا )
( فلستُ كمن يودّك باللسان ... ويُكثر الحَلِفا )
( عَتبتَ عليّ في أشياء ... كانت بيننا سَرفَا )
( فلا تُشمِتْ بي الأعداءَ ... والجيرانَ ملتهِفا )
( تودّ لَوَ اْنّني لحمٌ ... رأته الطير فاْختُطفا )
( ولا ترفعْ به رأسا ... عفا الرحمن ما سَلَفا ) ومنها وهو من سخيف شعره
(7/44)

صوت
( خبَّروني أن سلمى ... خرجتْ يوم المُصَلَّى )
( فإذا طيرٌ مليح ... فوق غصن يتفلّى )
( قلتُ من يعرف سلمى ... قال ها ثم تعلّى )
( قلت يا طير اذنُ منّي ... قال ها ثم تدلّى )
( قلت هل أبصرتَ سلمى ... قال لا ثم تولّى )
( فنَكا في القلب كَلماً ... باطناً ثم تعلّى )
فيه ثقيل أول بالبنصر مطلق ذكر الهشامي أنه لأبي كامل ولعمر الوادي وذكر حبش أنه لدحمان ومنها
صوت
( اسقِني ياْبن سالم قد أنارا ... كوكبُ الصبح وانجلى واستنارا )
( اسقِني من سُلاف ريق سليمى ... واْسق هذا النديمَ كأساً عُقارا )
غنّاه ابن قندح ثاني ثقيل بالوسطى من رواية حبش
أخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ قال حدثني عمي عبيد الله قال
(7/45)

حدثني أبي أن المأمون قال لمن حضره من جلسائه أنشدوني بيتا لملك يدل البيت وإن لم يعرف قائله أنه شعر ملك فأنشده بعضهم قول امرىء القيس
( أمِن أجل أعرابيّة حلّ أهلُها ... جَنُوبَ المَلاَ عيناكَ تَبْتدِرانِ )
قال وما في هذا مما يدل على ملكه قد يجوز أن يقول هذا سوقة من أهل الحضر فكأنه يؤنب نفسه على التعلق بأعرابية ثم قال الشعر الذي يدل على أن قائله ملك قول الوليد
( اسقِني من سُلاف ريق سليمى ... واْسق هذا النديمَ كأساً عقارا ) أما ترى إلى إشارته في قوله هذا النديم وأنها إشارة ملك
ومثل قوله
( ليَ المحضُ من ودّهم ... ويغمُرهم نائلي ) وهذا قول من يقدر بالملك على طويات الرجال يبذل المعروف لهم ويمكنه استخلاصها لنفسه وفي هذا البيت مع أبيات قبله غناءٌ وهو قوله
صوت
( سقَيْتُ أبا كاملِ ... من الأصفر البابلي )
( وسقَّيتُها معبداً ... وكلَّ فتى بازل )
( لي المحضُ من ودّهم ... ويغمُرهم نائلي )
(7/46)

( فما لامني فيهمُ ... سوى حاسدٍ جاهل ) غناه أبو كامل ثقيلا أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر ومنها وهو من مُلح شعره
صوت
( أراني اللهُ يا سلمى حياتي ... وفي يوم الحساب كما أراك )
( ألاَ تَجْزِين مَنْ تيّمتِ عصراً ... ومن لو تطلبين لقد قضاكِ )
( ومَنْ لو مُتِّ مات ولا تموتي ... ولو أُنْسي له أجلٌ بكاك )
( ومَنْ حَقَّا لَوُ اْعْطِي ما تمنّى ... من الدنيا العريضة ما عداك )
( ومَنْ لو قلتِ مُتْ فأطاق موتاً ... إذاً ذاق المماتَ وما عصاك )
( أَثِيبي عاشقاً كَلِفاً مُعنًّى ... إذا خدِرت له رِجلٌ دعاك )
كانت العرب تقول إن الإنسان إذا خدِرت قدمه دعا باسم أحب الناس اليه فسكنت في الخبر أن رجل عبد الله بن عمر خدرت فقيل له ادع باسم أحب الناس اليك فقال يا رسول الله
ذكر يونس أن في هذه الأبيات لحنا لسنان الكاتب وذكرت دنانير أنه لحكم ولم تجنسه ومنها
صوت
( وَيْحَ سَلْمى لو تَراني ... لعَنَاها ما عَناني )
(7/47)

( مُتلِفاً في اللهو مالي ... عاشقاً حُورَ القِيانِ )
( إنما أحزن قلبي ... قولُ سلمى إذ أتاني )
( ولقد كنتُ زماناً ... خاليَ الذَّرْع لشاني )
( شاق قلبي وعناني ... حبُّ سلمى وبراني )
( ولَكَمْ لام نصيحٌ ... في سليمى ونهاني )
غنته فريدة خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو
وفيه ثقيل أول ينسب إلى معبد وهو فيما يذكر إسحاق يشبه غناءه وليس تعرف صحته له وذكر كثير الكبير أنه له وذكر الهشامي أنه لابن المكي وفيه لحكم هزج صحيح ومنها
صوت
( بلِّغا عنِّي سليمى ... وسلاها ليَ عمّا )
( فعلتْ في شأن صبٍّ ... دَنِفٍ أُشْعِر هَمّا )
( ولقد قلت لسلمى ... إذ قتلتُ البين علما )
( أنتِ همِّي يا سليمى ... قد قضاه الربُّ حتما )
( نزلت في القلب قَسْراً ... منزلاً قد كان يُحمى )
غنّاه حكم خفيف ثقيل ولعمر الوادي فيه خفيف رمل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق ومنها
صوت
( يا سُلَيْمَى يا سليمى ... كنتِ للقلب عذابا )
( يا سليمى ابنةَ عمّي ... بَرد الليلُ وطابا )
(7/48)

( أيُّما واشٍ وشَى بي ... فاملئي فاهُ ترابا )
( ريقُها في الصبح مسك ... باشَر العذْب الرُّضابا )
غناه عمر الوادي هزجا بالبنصر عن الهشامي وذكر ابن المكي أنه لمعان
وفي كتاب إبراهيم أنه لعطرّد ومنها
صوت
( أَسَلْمى تلك حُيِّيتِ ... قِفِي نُخْبِرِك إن شِيت )
( وقِيليِي ساعةً نَشْكُ ... إليك الحبَّ أو بيتي )
( فما صهباءُ لم تُكْسَ ... قَذًى من خمر بيروت )
( ثَوَتْ في الدَّنّ أعواماً ... خَتيماً عند حانوت ) غناه عمر الوادي ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو ومنها
صوت
( يا مَن لقلب في الهوى مُتشعَبٍ ... بل مَنْ لقلب بالحبيب عميدِ )
( سَلْمَى هواه ليس يعرف غيرَها ... دون الطَّريف ودون كلِّ تليد )
( إن القرابة والسعادة ألَّفا ... بين الوليد وبين بنت سعيد )
(7/49)

( يا قلب كم كلِف الفؤادُ بغادةٍ ... مَمْكورةٍ رَيَّا العظام خريد )
غناه عمر الوادي رملا بالبنصر عن عمرو ومنها
صوت
( قد تمنَّى معشرٌ إذ أُطرِبوا ... من عُقَار وسَوَامٍ وذَهّبْ )
( ثم قالوا لي تَمَنَّ واستمِعْ ... كيف ننحو في الأماني والطلبْ )
( فتمنّيتُ سليمى إنها ... بنت عمّي من لَهَامِيم العربْ )
فيه للهذلي خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو
وذكر الهشامي أن هذا الخفيف الثقيل لخالد صامة
وذكر ابن المكي أن فيه لمالك ثاني ثقيل بالوسطى ومنها
صوت
( هل إلى أمِّ سعيدٍ ... من رسول أو سبيلِ )
( ناصحٍ يُخبر أنّي ... حافظٌ وُدَّ خليلِ )
( يَبذُل الودَّ لغيري ... وأُكافِي بالجميل )
(7/50)

( لستُ أرضى لخليلي ... من وصالي بالقليل )
غناه عمر الوادي هزجا خفيفا بالسبابة في مجرى الوسطى ومنها
صوت
( طاف من سلمى خيالٌ ... بعد ما نِمتُ فهاجا )
( قلت عُجْ نحوي أُسائِلْك ... عن الحبّ فعاجا )
( يا خليلي يا نديمي ... قم فأُنفُثْ لي سراجا )
( بفلاةٍ ليس تُرعَى ... أنبتَتْ شِيحاً وحاجا )
غناه عمر الوادي ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو ولابن سريج فيه خفيف رمل بالوسطى عن حبش ... ولأبي سلمى المدني ثقيل أول عن ابن خرداذبه ومنها
صوت
( أُمَّ سَلاّمٍ أثيبي عاشقاً ... يعلم اللهُ يقيناً ربُّه )
( أنّكم من عَيْشه في نفسه ... يا سليمى فاعلَميه حَسْبُه )
( فارحميه إنه يَهْذِي بكم ... هائمٌ صبٌّ قَدَ اوْدَى قلبه )
( أنتِ لو كنت له راحمةً ... لم يُكدَّر يا سليمى شِرْبُه )
غناه حكم رملا بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وذكر عمرو بن بانة أن فيه لابن سريج رملا بالوسطى
(7/51)

ومنها
صوت
( ربّ بيتٍ كأنه متن سهم ... سوف نأتيه من قُرى بيروتِ )
( من بلاد ليست لنا ببلاد ... كلما جئت نحوها حُييتِ )
( أمَّ سلاّمَ لا بَرِحْتِ بخير ... ثم لا زلتِ جنّتي ما حَيِيتِ )
( طرباً نحوَكم وتَوْقاً وشوقاً ... لادّكَارِيكُمُ وطيبِ المبيتِ )
( حيثما كنتِ من بلاد وسرتم ... فوقاك الإله ما قد خَشِيتِ )
في البيت الأول والثاني لابن عائشة ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن الهشامي وذكر غيره أنه لإبراهيم
وفي الثالث وما بعده والثاني لابن عائشة أيضا رمل بالوسطى ولابن سريج خفيف رمل بالبنصر وقيل إن الرمل لعمر الوادي وهو أن يكون له أشبه ومنها
صوت
( طرَقَتْني وصِحابي هُجُوعٌ ... ظبيةٌ أدْماءُ مثلُ الهلاِلِ )
( مثلُ قرن الشمس لما تبدّت ... واستقلت في رؤوس الجبال )
( تقطع الأهوالَ نحوي وكانت ... عندنا سلمى ألُوفَ الحِجال )
( كم أجازت نحوَنا من بلاد ... وَحْشةٍ قَتّالةٍ للرجال )
لابن محرز فيه ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق في الثاني والثالث
ولابن سريج في الأول وما بعده خفيف ثقيل بالوسطى عن
(7/52)

عمرو
وفيه لحن لابن عائشة ذكر الهشامي أنه رمل بالوسطى وفيه خفيف رمل ينسب إلى ابن سريج وعمر الوادي ومنها
صوت
( أنا الوليدُ الإمامُ مفتخِراً ... أُنْعِم بالي وأَتْبَع الغَزَلا )
( أهوَى سُلَيمى وهي تصرِمني ... وليس حَقّاً جَفاء من وصلا )
( أسحَب بُرْدي إلى منازلها ... ولا أبالي مقالَ من عذَلا )
غنى فيه أبو كامل رملا بالبنصر وغنى عمر الوادي فيه خفيف رمل بالوسطى ويقال إن هذا اللحن للوليد
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال قال الوليد على لسان سلمى
صوت
( إقْرَ منّي على الوليد السلاما ... عددَ النجم قلّ ذا للوليدِ )
( حسداً ما حسَدتُ أختي عليه ... ربُّنا بيننا وبين سعيد )
غناه الهذلي خفيف ثقيل أول بالوسطى عن ابن المكي
حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا خالد بن النضر القرشي
(7/53)

بالبصرة قال حدثنا أبو حاتم السّجستاني قال حدثنا العتبيّ قال كانت للوليد بني يزيد جارية يقال لها صدوف فغاضبها ثم لم يطعه قلبه فجعل يتسبب لصلحها فدخل عليه رجل قرشي من أهل المدينة فكلمه في حاجة وقد عرف خبره فبرم به فأنشده
( أعَتَبْتَ أن عتبتْ عليك صَدُوفُ ... وعتابُ مثلِك مثلَها تشريف )
( لا تَقعُدَنّ تلوم نفسك دائما ... فيها وأنت بحبّها مشغوف )
( إن القطيعة لا يقوم لمثلها ... إلا القويّ ومن يحبّ ضعيف )
( الحبّ أملَكُ بالفتى من نفسه ... والذلّ فيه مَسْلَك مألوف ) قال فضحك وجعل ذلك سببا لصلحها وأمر بقضاء حوائج القرشي كلها
الوليد يستقدم حماد الراوية
أخبرني الحسن بن علي عن أحمد بن الحارث عن المدائني قال قال حماد الراوية استدعاني الوليد بن يزيد وأمر لي بألفين لنفقتي وألفين لعيالي فقدمت عليه فلما دخلت داره قال لي الخدم أمير المؤمنين من خلف الستارة الحمراء فسلمت بالخلافة فقال لي يا حماد قلت لبيك يا أمير المؤمنين قال ثم ثاروا فلم أدر ما يعنى فقال ويحك يا حماد ثم ثاروا فقلت في نفسي راوية أهل العراق لا يدري عما يسأل ثم انتبهت فقلت
(7/54)

( ثم ثاروا إلى الصَّبُوح فقامت ... قَيْنةٌ في يمينها إبريقُ )
( قدّمتْه على عُقار كعين الدّيك ... صفَّى سُلافَها الرَّاوُوق )
( ثم فُضّ الخِتامُ عن حاجب الدّنّ ... وقامت لَدَى اليهوديّ سُوق )
( فسباها منه أشمُّ عزيز ... أريحيٌّ غذَاه عيش رقيق )
الشعر لعدي بن زيد والغناء لحنين خفيف ثقيل أول بالبنصر ... وفيه لمالك خفيف رمل ولعبد الله بن العباس الربيعي رمل كل ذلك عن الهشامي قال فإذا جارية قد أخرجت كفا لطيفة من تحت الستر في يدها قدح والله ما أدري أيهما أحسن الكف أم القدح فقال رديه فما أنصفناه تغدينا ولم نغده فأتيت بالغداء وحضر أبو كامل مولاه فغناه
صوت
( أَدِرِ الكأسَ يمينا ... لا تُدِرْها ليَسارِ )
( اِسْقِ هذا ثم هذا ... صاحبَ العُود النُّضارِ )
(7/55)

( من كُمَيْت عتَّقوها ... منذُ دهر في جِرَارِ )
( خَتموها بالأفَاوِيه ... وكافورٍ وقارِ )
( فلقد أيقنت أنّي ... غيرُ مبعوث لنارِ )
( سأروض الناسَ حتى ... يركبوا أَيْرَ الحمارِ )
( وذَرُوا من يطلب الجنة ... يَسعى لتَبَار )
فيه هزجان بالوسطى والبنصر لعمر الوادي وأبي كامل فطرب وبرز إلينا وعليه غلالة موردة وشرب حتى سكر
فأقمت عنده مدة ثم أذن بالإنصراف وكتب لي إلى عامله بالعراق بعشرة آلاف درهم
الوليد إذا تهتّك
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال لما ولي الوليد بن يزيد لهج بالغناء والشراب والصيد وحمل المغنين من المدينة وغيرها إليه وأرسل إلى أشعب فجاء به فألبسه سراويل من جلد قرد له ذنب وقال له ارقص وغنني شعرا يعجبني فإن فعلت فلك ألف درهم فغناه فأعجبه فأعطاه ألف درهم
ودخل إليه يوما فلما رآه الوليد كشف عن أيره وهو منعظ قال أشعب فرأيته كأنه مزمار آبنوس مدهون فقال لي أرأيت مثله قط قلت لا يا سيدي قال فاسجد له فسجدت ثلاثا فقال ما هذا قلت واحدة
(7/56)

لأيْرك وثنتين لخصيتيك قال فضحك وأمر لي بجائزة
قال وتكلم بعض جلسائه والمغنية تغني فكره ذلك وأضجره فقال لبعض جلسائه قم فنكه فقام فناكه والناس حضور وهو يضحك
وذكرت جارية أنه واقعها يوما وهو سكران فلما تنحى عنها آذنه المؤذن بالصلاة فحلف ألا يصلي بالناس غيرها فخرجت متلثمة فصلت بالناس
قال ونزل على غدير ماء فاستحسنه فلما سكر حلف ألا يبرح حتى يشرب ذلك الغدير كله ونام فأمر العلاء بن البندار بالقرب والروايا فأُحضرت فجعل ينزحه ويصبه على الأرض والكثب التي حولهم حتى لم يبق فيه شيء فلما أصبح الوليد رآه قد نشف فطرب وقال أنا أبو العباس ارتحلوا فارتحل الناس
نسخت من كتاب الحسين بن فهم قال النضر بن حديد حدثني ابن أبي جناح قال أخبرني عمر بن جبلة أن الوليد بن يزيد بات عند امرأة وعدته المبيت فقال حين انصرف
( قامت اليَّ بتقبيل تعانِقني ... رَيَّا العظامِ كأن المسك في فِيها )
( أُدخل فديتُك لا يشعُرْ بنا أحد ... نفسي لنفسك من داء تُفدِّيها )
( تبنا كذلك لا نومٌ على سُرُرٍ ... من شدّة الوجد تُدْنيني وأُدنِيها )
(7/57)

( حتى إذا ما بدا الخَيطان قلت لها ... حان الفِراقُ فكاد الحزن يُشجيها )
( ثم انصرفتُ ولم يشعر بنا أحدٌ ... واللهُ عنّي بحسن الفعل يَجْزِيها )
وحدثني النضر بن حديد قال حدثنا هشام بن الكلبي عن خالد بن سعيد قال مر الوليد بن يزيد وهو متصيد بنسوة من بني كلب من بني المنجاب فوقف عليهن واستسقاهن وحدثهن وأمر لهن بصلة ثم مضى وهو يقول
( ولقد مررتُ بِنسْوة أعشيْنَنِي ... حُورِ المدامعِ من بنس المِنْجاب )
( فيهنّ خَرْعبةٌ مليح دلُّها ... غَرْثَى الوِشاح دقيقة الأنيابِ )
( زَيْنُ الحواضر ما ثَوَتْ في حَضْرها ... وتَزين باديَها من الأعراب ) قال النضر وحدثني ابن الكلبي عن أبيه أن الوليد خرج يتصيد ذات يوم فصادت كلابه غزالا فأُتي به فقال خَلّوه فما رأيت أشبه منه جيدا وعينين بسلمى ثم أنشأ يقول
( ولقد صِدْنا غزالاً سانحاً ... قد أردنا ذبحَه لما سَنَحْ )
( فإذا شِبْهُك ما نُنكره ... حين أزجى طَرْفه ثم لمَح )
( فتركناه ولولا حبُّكم ... فاعلمي ذاك لقد كان انذبح )
( أنتَ يا ظبيُ طليقٌ آمِن ... فاغْدُفي الغِزْلانِ مسروراً وَرُحْ )
نسخت من كتاب الحسين بن فهم قال أخبرني عمرو عن أبيه عن عمرو ابن واقد الدمشقي قال
(7/58)

بعث الوليد بن يزيد إلى شراعة بن الزندبوذ فلما قدم عليه قال يا شراعة إني لم أستحضرك لأسألك عن العلم ولا لأستفتيك في الفقه ولا لتحدثني ولا لتقرئني القرآن قال لو سألتني عن هذا لوجدتني فيه حمارا قال فكيف علمك بالفتوّة قال ابن بجدتها وعلى الخبير بها سقطت فسل عما شئت
قال فكيف علمك بالأشربة قال ليسألني أمير المؤمنين عما أحب قال ما قولك في الماء قال هو الحياة ويشركني فيه الحمار قال فاللبن قال ما رأيته قط إلا ذكرت أمي فاستحيت قال فالخمر قال تلك السارة البارة وشراب أهل الجنة قال لله درك فأي شيء أحسن ما يشرب عليه قال عجبت لمن قدر أن يشرب على وجه السماء في كن من الحر والقر كيف يختار عليها شيئا
قصة الوليد والمصحف
قال وأخبرنا عمرو عن أبيه عن يحيى بن سليم قال دعا الوليد بن يزيد ذات ليلة يمصحف فلما فتحه وافق ورقة فيها ( وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ) فقال أسجعا سجعا علقوه ثم أخذ القوس والنبل فرماه حتى مزقه ثم قال
(7/59)

( أتُوعِد كلَّ جَبّار عنيدٍ ... فها أنا ذاك جبار عنيدُ )
( إذا لاقيتَ ربَّك يوم حشر ... فقل لله مزّقني الوليد ) قال فما لبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى قتل
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق ابن إبراهيم قال حدثني معاوية بن بكر عن يعقوب بن عياش المروزي من أهل ذي المروة أن أباه حمل عدة جوار إلى الوليد بن يزيد فدخل اليه وعنده أخوه عبد الجبار وكان حسن الوجه والشعرة وفيها فأمر الوليد جارية منهن أن تغني
( لو كنتَ من هاشم أو من بني أسد ... أو عبد شمس أوَ أصحاب اللِّوا الصِّيدِ ) وأمرها أخوه أن تغني
( أتعجَبُ أن طربتُ لصوت حادِ ... حدا بُزْلاً يَسِرْنَ ببطن وادِ ) فغنت ما أمرها به الغمر فغضب الوليد واحمر وجهه وظن أنها فعلت ذلك ميلا إلى أخيه وعرفت الشر في وجهه فاندفعت فغنت
(7/60)

صوت
( أيها العاتبُ الذي خاف هجري ... وبِعادي وما عَمَدْتُ لذاكا )
( أَتُرَى أنّني بغيرك صبٌّ ... جعل الله من تظنّ فداكا )
( أنت كنت الملولَ في غير شيء ... بئس ما قلت ليس ذاك كذاكا )
( ولَوَ انّ الذي عتبتَ عليه ... خُيّر الناسَ واحداً ما عداكا )
( فارْضَ عنّي جُعلتُ نعليك إنّي ... والعظيم الجليل أهوى رضاكا )
الشعر لعمر والغناء لمعبد من روايتي يونس وإسحاق ولحنه من خفيف الثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر
وذكر حماد في أخبار ابن عائشة أن له فيه لحنا قال فسري عن الوليد وقال لها ما منعك أن تغني ما دعوتك إليه قالت لم أكن أحسنه وكنت أحسن الصوت الذي سألنيه أخذته من ابن عائشة فلما تبينت غضبك غنيت هذا الصوت وكنت أخذته من معبد
تعني الذي اعتذرت به إليه
نسبة ما في هذا الخبر من الغناء
صوت
( لو كنتَ من هاشم أو من بني أسد ... أو عبد شمس أو أصحاب اللِّوا الصِّيدِ )
( أو من بني نوَفْل أو آل مُطَّلِبٍ ... أو من بني جُمَحَ الخُضْرِ الجَلاَعِيدِ )
( أو من بني زُهْرةَ الأبطالِ قد عُرِفوا ... لله دَرُّك لم تَهْمُمْ بتهديد )
(7/61)

الشعر لحسان بن ثابت يقوله لمسافع بن عياض أحد بني تيم بن مرة وخبره يذكر بعد هذا
والغناء لابن سريج خفيف رمل بالخنصر وقيل إنه لمالك ومنها
صوت
( أتعجَب أن طربتُ لصوت حادِ ... حدا بُزْلاً يَسِرْنَ ببطن وادِ )
( فلا تعجَبْ فإن الحبّ أمسى ... لبثْنة في السّواد من الفؤاد ) الشعر لجميل والغناء لابن عائشة رمل بالبنصر
ولع الوليد بغناء الجواري
أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم قال عرضت على الوليد بن يزيد جارية مغنية فقال لها غني فغنت
(7/62)

صوت
( لولا الذي حُمِّلتُ من حُبّكم ... لكان من إظهاره مَخْرجُ )
( أو مذهبٌ في الأرض ذو فسحةٍ ... أجَلْ ومن حَجّتْ له مَذْحِجُ )
( لكن سباني منهمُ شادنٌ ... مربَّبٌ بينهمُ أدْعَجُ )
( أغرُّ ممكورٌ هَضيِمُ الحَشَى ... قد ضاق عنه الحَجْل والدُّمْلُج ) فقال لها الوليد لمن هذا الشعر قالت للوليد بن يزيد المخزومي قال فممن أخذت الغناء قالت من حنين فقال أعيديه فأعادته فأجادت فطرب الوليد ونعر وقال أحسنت وأبي وجمعت كل ما يحتاج إليه في غنائك وأمر بابتياعها وحظيت عنده
غنى في هذا الصوت ابن سريج ولحنه رمل بالبنصر
وغنى فيه إسحاق فيما ذكر الهشامي خفيف ثقيل ومما يغنى به من هذه القصيدة
صوت
( قد صرّح القوم وما لَجْلَجُوا ... لَجُّوا علينا ليت لم يَلْجَجُوا )
( باتوا وفيهم كالمَهَا طَفْلةٌ ... قد زانها الخلخال والدُّمْلُج )
غناه صباح الخياط خفيف ثقيل بالبنصر وغنى فيه ابن أبي الكنات خفيف ثقيل بالوسطى
حسان يهجو مسافع بن عياض
فأما خبر الشعر الذي قاله حسان بن ثابت لمسافع بن عياض أحد بني تيم بن مرة فأخبرني به الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عثمان بن عبد الرحمن
(7/63)

أن عبيد الله بن معمر وعبد الله بن عامر بن كريز اشتريا من عمر ابن الخطاب رضي الله عنه رقيقا ممن سبي ففضل عليهما ثمانون ألف درهم فأمر بهما عمر أن يلزما فمر بهما طلحة بن عبيد الله وهو يريد الصلاة في مسجد رسول الله ما لابن معمر يلازم فأُخبر خبره فأمر له بالأربعين ألفا التي عليه تقضى عنه فقال ابن معمر لابن عامر إنها إن قضيت عني بقيت ملازما وإن قضيت عنك لم يتركني طلحة حتى يقضي عني فدفع إليه الأربعين ألف درهم فقضاها ابن عامر عن نفسه وخليت سبيله
فمر طلحة منصرفا من الصلاة فوجد ابن معمر يلازم فقال ما لابن معمر ألم آمر بالقضاء عنه فأخبر بما صنع فقال أما ابن معمر فعلم أن له ابن عم لا يسلمه إحملوا عنه أربعين ألف درهم فاقضوها عنه ففعلوا وخلي سبيله
فقال حسان بن ثابت لمسافع بن عياض بن صخر بن عامر بن كعب ابن سعد بن تيم بن مرة
(7/64)

( يا آلَ تَيْم ألاَ تَنْهَوْن جاهلَكم ... قبل القِذاف بصُمٍّ كالجلاميدِ )
( فنَهْنِهُوه فإنِّي غيرُ تارككم ... إن عاد ما اهتزَّ ماءٌ في ثَرَى عودِ )
( لو كنتَ من هاشم أو من بني أسد ... أو عبد شمس أوَ اصحاب اللِّوا الصِّيد )
( أو من بني نوفل أو آل مُطَّلِبٍ ... أو من بني جُمَحَ الخُضْرِ الجَلاَعيد )
( أو من بني زُهْرةَ الأبطال قد عُرِفواً ... لله دَرُّك لم تَهْمُمْ بتهديد )
( أو في الذُّؤابة من تَيْم إذا انتَسبوا ... أو من بني الحارث البيض الأماجيد )
( لكن سأصرفها عنكم وأعدلُها ... لطلحةَ بن عبيد الله ذي الجود ) رجع الخبر إلى سياقة أخبار الوليد
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن عمرو قال قال الهيثم حدثني ابن عياش قال دخل أبو الأقرع على الوليد بن يزيد فقال له أنشدني قولك في الخمر فأنشده قوله
( كُميْتٌ إذا شُجّتْ وفي الكأس وَرْدةٌ ... لها في عظام الشاربين دبيبُ )
( تُرِيك القَذَى من دونها وهي دونَه ... لوجه أخيها في الإناء قُطُوب ) فقال الوليد شربتها يا أبا الأقرع ورب الكعبة يا أمير المؤمنين
(7/65)

لئن كان نعتي له رابك لقد رابني معرفتك بها
أخبرني الحسن قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني عبد الله بن عمرو قال قال المدائني نظر الوليد بن يزيد إلى أم حبيب بنت عبد الرحمن بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف وقد مروا بين يديها بالشمع ليلا فلما رآها أعجبته وراعه جمالها وحسنها فسأل عنها فقيل له إن لها زوجا فأنشأ يقول
صوت
( إنما هاج لقلبي ... شَجْوه بعد المَشيبِ )
( نظرةٌ قد وقَرَتْ في القلب ... من أمّ حبيب )
( فإذا ما ذقتُ فاها ... ذقت عذباً ذا غُروب )
( خالط الراح بمسك ... خالصٍ غير مشوب ) غناه ابن محرز خفيف رمل بالوسطى عن الهشامي وذكر عمرو بن بانة أنه للأبجر وهو الصحيح
أَأَيقاظ أُمية أم نيام
أخبرني عمي قال حدثني الكراني عن النضر بن عمرو عن العتبي قال
(7/66)

لما ظهرت المسودة بخراسان كتب نصر بن سيار إلى الوليد يستمده فتشاغل عنه فكتب إليه كتابا وكتب في أسفله يقول
( أرى خَلَلَ الرَّماد وَمِيضَ جمرٍ ... وأَحْرِ بأن يكون له ضِرامُ )
( فإن النار بالعودين تُذْكَى ... وإنّ الحرب مبدؤها الكلام )
( فقلتُ من التعجّب ليت شعري ... أأيقاظٌ أُميّةُ أم نِيامُ )
فكتب إليه الوليد قد أقطعتك خراسان فاعمل لنفسك أو دع فإني مشغول عنك بابن سريج ومعبد والغريض
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد عن ابن الصباح عن ابن الكلبي عن حماد الراوية قال دخلت يوما على الوليد وكان آخر يوم لقيته فيه فاستنشدني فأنشدته كل ضرب من شعر أهل الجاهلية والإسلام فما هشّ لشيء منه حتى أخذت في السخف فأنشدته لعمار ذي كناز مجنبذا
( أشتهي مِنْكِ منك منك ... مكاناً مُجَنْبذا )
( فأَجَا فيه فيه فيه ... بأيْر كمثل ذا )
( ليت أَيْري وحِرَك يوماً ... جميعاً تجابَذَا )
(7/67)

( فأخذ ذا بشعر ذا ... وأخذ ذا بقعر ذا ) فضحك حتى استلقى وطرب ودعا بالشراب فشرب وجعل يستعيدني الأبيات فأُعيدها حتى سكر وأمر لي بجائزة فعلمت أن أمره قد أدبر ثم أُدخلت على أبي مسلم فاستنشدني فأنشدته قول الأفوه
( لنا معاشرُ لم يبنوا لقومهمُ ... ) فلما بلغت إلى قوله
( تُهدَى الأمورُ بأهل الرشد ما صَلَحَتْ ... وإن تولّت فبالأشرار تَنقادُ ) قال أنا ذلك الذي تنقاد به الناس فأيقنت حينئذ أن أمره مقبل
الوليد السكران يخطب الجمعة شعرا
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال وجدت في كتاب عن عبيد الله ابن سعيد الزهري عن عمر عن أبيه قال خرج الوليد بن يزيد وكان مع أصحابه على شراب فقيل له إن اليوم الجمعة فقال والله لأخطبنهم اليوم بشعر فصعد المنبر فخطب فقال
( الحمد لله وليِّ الحمدِ ... أحمَدُ في يُسْرنا والجَهْدِ )
( وهو الذي في الكرب أستعينُ ... وهو الذي ليس له قرينُ )
( أشهد في الدنيا وما سواها ... أن لا إله غيره إلها )
(7/68)

( ما إن له في خَلْقه شَريكُ ... قد خضَعتْ لملكه الملوك )
( أشهد أن الدّين دينُ أحمدِ ... فليس من خالَفه بمهتدِي )
( وأنّه رسول ربِّ العرشِ ... القادرِ الفردِ الشديدِ البطشِ )
( أرسله في خَلْقه نذيرا ... وبالكتاب واعظاً بشيرا )
( ليُظهِرَ اللهُ بذاك الدّنيا ... وقد جُعِلْنا قبلُ مُشركينا )
( من يُطِع الله فقد أصابا ... أو يَعْصِه أو الرسولَ خابا )
( ثم القُرانُ والهدى السبيلُ ... قد بقِيا لمّا مضى الرسولُ )
( كأنّه لما بقي لديكُم ... حيٌّ صحيحٌ لا يزال فيكم )
( إنّكُم من بعدُ إن تَزِلُّوا ... عن قصده أو نَهْجه تَضِلُّوا )
( لا تَتْركنْ نصحي فإني ناصحُ ... إنّ الطريق فاعلمنّ واضحُ )
( من يَتّق الله يَجِد غِبَّ التّقى ... يوم الحساب صائراً إلى الهدى )
( إن التُّقى أفضلُ شيءٍ في العمل ... أرَى جِمَاعَ البرّ فيه قد دخلْ )
( خافوا الجحيمَ إخوتي لعلّكم ... يومَ اللقاء تعرِفوا ما سرَّكمْ )
( قد قيل في الأمثال لو علمتُم ... فانتفِعوا بذاك إن عَقَلتُم )
( ما يزرع الزارعُ يوماً يحصدُهْ ... وما يقدِّم من صلاح يَحمَدُهْ )
( فاستغفِروا ربّكُم وتوبوا ... فالموتُ منكم فاعلموا قريبُ ) ثم نزل
نوادر الوليد
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه عن الوليد البندار قال حججت مع الوليد بن يزيد فقلت له لما أراد أن يخطب الناس أيها الأمير إن اليوم يوم يشهده الناس من جميع الآفاق وأريد أن تشرّفني بشيء
(7/69)

قال وما هو قلت إذا علوت المنبر دعوت بي فيتحدث الناس بذلك وبأنك أسررت إلي شيئا فقال أفعل فلما جلس على المنبر قال الوليد البندار فقمت إليه فقال ادن مني فدنوت فأخذ بأذني ثم قال البندار ولد زنا والوليد ولد زنا وكل من ترى حولنا ولد زنا أفهمت قلت نعم قال انزل الآن فنزلت
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي عن أشعب قال دخلت على الوليد بن يزيد الخاسر وقد تناول نبيذا فقال لي تمن فقلت يتمنى أمير المؤمنين ثم أتمنى قال فإنما أردت أن تغلبني فإني لأتمنى ضعف ما تتمنى به كائنا ما كان قلت فإني أتمنى كفلين من العذاب فضحك ثم قال إذا نوفرهما عليك
ثم قال لي ما أشياء تبلغني عنك قلت يكذبون علي قال متى عهدك بالأصم قلت لا عهد لي به
فأخرج أيره كأنه ناي مدهون فسجدت له ثلاث سجدات فقال ويلك إنما يسجد الناس سجدة واحدة فقلت واحدة للأصم واثنتين لخصيتيك
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا محمد بن علي بن حمزة قال حدثني عبد الصمد بن موسى الهاشمي قال إنما أغلى الجوهر بنو أمية ولقد كان الوليد بن يزيد يلبس منه العقود ويغيرها في اليوم مرارا كما تغير الثياب شغفا فكان يجمعه من كل وجه ويغالي به
قال وكان يوما في داره على فرس له وجارية تضرب بطبل قدامه
(7/70)

فأخذه منها ووضعه على رقبته ونفر الفرس من صوت الطبل فخرج به على أصحابه في هذه الهيئة وكان خليعا
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الخراز عن المدائني عن جويرية بن أسماء قال قدم الوليد بن يزيد المدينة فقلت لاسماعيل بن يسار أحذنا مما أعطاك الله فقال هلم أُقاسمك إن قبلت بعث إلي براوية من خمر
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قال حدثني رجل قال كان الوليد بن يزيد إذا أصبح يوم الاثنين تغدى وشرب رطلين ثم جلس للناس
قال فحدثني عمر الوادي قال دخلت عليه وعنده أصحابه وقد تغدى وهو يشرب فقال لي اشرب فشربت وطرب وغنى صوتا واحدا وأخذ دفافة فدفف بها فأخذ كل واحد منا دفافة فدفف بها وقام وقمنا حتى بلغنا إلى الحاجب فلما رآنا الحاجب صاح بالناس الحرم الحرم اخرجوا ودخل الحاجب فقال جعلني الله فداءك اليوم يحضر فيه الناس فقال له اجلس واشرب فقال إنما أنا حاجب فلا تحملني على الشراب فما شربته قط قال اجلس فاشرب فامتنع فما فارقناه حتى صببنا في حلقه بالقمع وقام وهو سكران
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن شريك قال
(7/71)

حدثنى عمي علي بن عمرو قرقارة قال حدثني أُنيف بن هشام بن الكلبي ومات قبل أبيه قال حدثني أبي قال خرج الوليد بن يزيد من مقصورة له إلى مقصورة فإذا هو ببنت له معها حاضنتها فوثب عليها فافترعها فقالت له الحاضنة إنها المجوسية قال اسكتي ثم قال
( من راقَب الناسَ مات غمًّا ... وفاز باللذّة الجَسورُ ) وأحسب أنا أن هذا الخبر باطل لأن هذا الشعر لسلم الخاسر ولم يدرك زمن الوليد
أخبرنا أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني إسحاق الموصلي قال أخبرني مسلمة بن سلم الكاتب قال قال الوليد بن يزيد وددت أن كل كأس تشرب من خمر بدينار وأن كل حر في جبهة أسد فلا يشرب إلا سخي ولا ينكح إلا شجاع
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قال سمعت رجلا يحدث أبي بالكوفة قال أرسلت إلى الوليد جفنة مملوءة قوارير فرعونية لم ير مثلها قط فلما أمسينا صببنا فيها الشراب في ليلة أربع عشرة حتى إذا استوى القمر على
(7/72)

رؤوسنا وصار في الجفنة قال الوليد في أي منزلة القمر الليلة فقال بعضهم في الحمل وقال بعضهم في منزلة كذا وكذا من منازل القمر فقال بعض جلسائه القمر في الجفنة قال قاتلك الله أصبت ما في نفسي لتشربن الهفتجنة
فقال مصعب فسأل أبي عن الهفتجنة فقال شرب كانت الفرس تشربه سبعة أسابيع فشرب تسعة وأربعين يوما
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري عن عبد الله بن عمران بن أبي فروة قال أخبرني خالد صامة المغني وكان من أحسن الناس غناء على عود قال بعث إليّ الوليد بن يزيد فقدمت عليه فوجدت عنده معبدا ومالكا والهذلي وعمر الوادي وأبا كامل فغنى القوم ونحن في مجلس يا له من مجلس وغلام للوليد يقال له سبرة يسقي القوم الطلاء إذ جاءت نوبة الغناء إلي فأخذت عودي فغنيت بأبيات قالها عروة بن أُذينة يرثي أخاه بكرا
صوت
( سَرَى همّي وهمُّ المرء يَسري ... وغار النجمُ إلا قِيدَ فِتْرِ )
( أُرَاقب في المَجَرّة كلّ نجم ... تعرّض في المجرّة كيف يَجري )
(7/73)

( بحُزْن ما أزال له مُدِيماً ... كأنّ القلب أُسعر حرَّ جمر )
( على بكر أخي ولَّى حميداً ... وأيُّ العيش يحسُن بعد بكر )
غناه ابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى وغنى فيه ابن عباد الكاتب ولحنه رمل بالوسطى عن الهشامي قال خالد فقال لي الوليد أعد يا صام فأعدت فقال من يقوله ويحك قلت ابن أذينة قال هذا والله العيش الذي نحن فيه على رغم أنفه لقد تحجر واسعا قال عبد الرحمن بن عبد الله قال عبد الله بن أبي فروة وأنشدها ابن أذينة ابن أبي عتيق فضحك ابن أبي عتيق وقال كل العيش يحسن حتى الخبز والزيت فحلف ابن أذينة لا يكلمه أبدا فمات ابن أبي عتيق وابن أذينة مهاجر له
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال بلغني أن سكينة بنت الحسين رضى الله عنها أُنشدت وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير عن مصعب قال أنشدت سكينة وأخبرني الحسين بن يحيى عن عباد عن أبيه عن أبي يحيى العبادي إن سكينة أنشدت أبيات عروة بن أذينة في أخيه بكر فلما انتهت إلى قولة
( على بكر أخي ولَّى حميداً ... وأيُّ العيش يحسُن بعد بكر ) قالت سكينة ومن أخوه بكر أليس الدحداح الأُسيد القصير الذي
(7/74)

كان يمر بنا صباحا ومساء قالوا نعم قالت كل العيش والله يصلح ويحسن بعد بكر حتى الخبز والزيت
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي عن إسحاق قال قدم سليمان بن عبد الملك المدينة فجمع المغنّين وسبق بينهم ببدرة وقال أيكم كان أحسن غناء فهي له فاجتمعوا
فبلغ الخبر ابن سريج فجاء وقد أُغلق الباب فقال للحاجب استأذن لي قال لا يمكن وقد أُغلق الباب ولو كنت جئت قبل أن يغلق الباب لاستأذنت لك قال فدعني أغن من شق الباب قال نعم فسكت حتى فرغ جميع المغنّين من غنائهم ثم اندفع فغنّى
( سرى همّي وهمُّ المرء يسري ... ) فنظر المغنون بعضهم إلى بعض وعرفوه فلما فرغ قال سليمان سليما أحسن والله هذا أحسن منكم غناء اخرج يا غلام إليه بالبدرة فأخرجها إليه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني عن ابن جعدبة أن رجلا أهدى إلى هشام بن عبد الملك خيلا فكان فيها فرس مربوع قريب الركاب فعرف الوليد منه ما لم يعرف هشام فنهر الرجل وشتمه وقال أتجيء بمثل هذا إلى أمير المؤمنين ردوه عليه فردوه فلما
(7/75)

خرج وجه إليه بثلاثين ألف درهم وأخذه منه فهو فرسه الذي يسميه السندي
فأخبري بعض أصحابي أن الوليد خرج يوما يتصيد وحده فانتدب إليه مولى لهشام يريد الفتك به
فلما بصر به الوليد حاوله فقهره بفرسه الذي كان تحته فقتله وقال في ذلك
( ألم تَرَ أنّي بين ما أنا آمِنٌ ... يَخُبّ بي السِّنْديُّ قفراً فَيَافِيَا )
( تطلّعتُ من غَوْرٍ فأبصرتُ فارساً ... فأوجستُ منه خِيفةً أن يرانيا )
( ولما بدا لي أنما هو فارس ... وقفتُ له حتى أتى فرمانيا )
( رماني ثلاثاً ثم إنّي طعنتُه ... فروَّيْتُ منه صَعْدتي وسِنانيا )
غناه أبو كامل لحنا من الماخوري بالبنصر
ولإبراهيم فيه ثقيل أول وقيل إن له فيه ماخوريا آخر وفيه لعمر الوادي ثاني ثقيل ولمالك رمل من رواية الهشامي قال وقال الوليد أيضا في فرسه السندي
( قد أَغْتدِي بذي سَبِيبٍ هَيْكلِ ... مُشَرَّب مثلِ الغرابِ أرْجَلِ )
( أعددته لحَلَباتِ الأحولِ ... وكلِّ نَقْع ثائرٍ لجَحْفَلِ )
( وكلِّ خَطْب ذي شؤون مُعْضِل ... )
(7/76)

فقال هشام لكنا أعددنا له ما يسوءه نخلعه ونُقصيه فيكون مهانا مدحورا مطرحا
نسخت من كتاب أحمد بن أبي طاهر حدثني أبو الحسن العقيلي أن الوليد لما ولي الخلافة خطب سلمى التي كان ينسب بها فزوجها لما مضى صدر من خلافته فقامت عنده سبعة أيام فماتت فقال يرثيها
( يا سلم كنتِ كجنّةٍ قد أَطْعَمتْ ... أفنانُها دانٍ جَناها مُوَضَّع )
( أربابُها شَفَقاً عليها نومُهم ... تحليل موضعها ولمّا يَهْجَعوا )
( حتى إذا فسح الربيعُ ظنونَهم ... نَثر الخريفُ ثمارَها فتصدّعوا )
الوليد يأمر بقتل نديمه ثم يرثيه
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب عن أبي العالية وأخبرني الحسن بن علي عن أحمد بن سعيد عن الزبير بن بكار عن عمه أن الوليد بن يزيد لما انهمك على شربه ولذاته ورفض الآخرة وراء ظهره وأقبل على القصف والعسف مع المغنّين مثل مالك ومعبد وابن عائشة وذويهم كان نديمه القاسم بن الطويل العبادي وكان أديبا ظريفا شاعرا فكان لا يصبر عنه فغناه معبد ذات يوم شعر عدي
صوت
( بكَر العاذلون في وَضَح الصبح ... يقولون لي ألا تَستفيقُ )
(7/77)

( لست أْدري وقد جفاني خليلي ... أعدوٌّ يلومني أم صديق )
( ثم قالوا ألا اصْبَحونا فقامت ... قينةٌ في يمينها إبريق )
( قدّمتْه على عُقار كعين الدّيك ... صَفّى سُلاَفَها الرّاووق ) فيه لمعبد ثقيل ويقال إنه لحنين وفيه لمالك خفيف رمل
وفيه لعبد الله بن العباس رمل كل ذلك عن الهشامي قال فاستحسنه الوليد وأُجب به وطرب عليه وجعل يشرب إلى أن غلب عليه السكر فنام في موضعه فانصرف ابن الطويل فلما
أفاق الوليد سأل عنه فعرف حين انصرافه فغضب وقال وهو سكران لغلام كان واقفا على رأسه يقال له سبرة ائتني برأسه فمضى الغلام حتى ضرب عنقه وأتاه برأسه فجعله في طست بين يديه فلما رآه أنكره وسأل عن الخبر فعرفه فاسترجع وندم على ما فرط منه وجعل يقلب الرأس بيده ثم قال يرثيه
صوت
( عَيْنَيّ للحَدَث الجليل ... جُودَا بأَرْبعةٍ هُمُول )
( جودا بدمع إنّه ... يشفي الفؤاد من الغَليل )
( لله قبرٌ ضُمِّنت ... فيه عظامُ ابن الطويل )
( ماذا تضمَّن إذ ثَوَى ... فيه من اللّبّ الأصيل )
( قد كنتُ آوِي من هواك ... إلى ذَرى كَهْفٍ ظَليل )
( أصبحتُ بعدك واحداً ... فرداً بمَدْرَجة السيول ) غناه الغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو
وغنى فيه سليم لحنا من الثقيل الأول بالبنصر عن الهشامي وذكر غيره أن لحن الغريض لدحمان
(7/78)

وذكر حبش أنه لأبي كامل وذكر غيره أن لحن الغريض لدحمان قال ثم دخل إلى جواريه فقال والله ما أبالي متى جاءني الموت بعد الخليل ابن الطويل فيقال إنه لم يعش بعده إلا مديدة حتى قتل والله أعلم
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال روى الهيثم بن عدي عن ابن عياش عن حماد الراوية قال دعاني الوليد يوما من الأيام في السحر والقمر طالع وعنده جماعة من ندمائه وقد اصطبح فقال أنشدني في النسيب فأنشدته أشعارا كثيرة فلم يهش لشيء منها حتى أنشدته قول عمار ذي كناز
( اصْبَحِ القومَ قهوةً ... في الأباريق تُحْتَذَى )
( من كُمَيت مُدامةٍ ... حَبّذا تلك حبّذا ) فطرب ثم رفع رأسه إلى خادم وكان قائما كأنه الشمس فأومأ إليه فكشف سترا خلف ظهره فطلع منه أربعون وصيفا ووصيفة كأنهم اللؤلؤ المنثور في أيديهم الأباريق والمناديل فقال أَسقُوهم فما بَقِي أحد إلا أُسقي وأنا في خلال ذلك أنشده الشعر فما زال يشرب ويسقي إلى طلوع الفجرثم لم نخرج عن حضرته حتى حملنا الفراشون في البسط فألقونا في دار الضيافة فما أفقنا حتى طلعت الشمس
قال حماد ثم أحضرني فخلع علي خلعا من فاخر ثيابه وأمر لي بعشرة آلاف درهم وحملني على فرس
(7/79)

تأتيه الأخبار فيرد شعراً
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني عن أبي بكر الهذلي قال كان بين الحكم بن الزبير أخي أبي بكر بن كلاب وبين بكر بن نوفل أحد بني جعفر بن كلاب شيء في وكالة للوليد بن يزيد يخاصم الجعفري في الرحبة من أرض دمشق وكان الجعفري قد استولى عليها فقطع شفره الأعلى فاستعدى عليه هشاما فلم يعده فقال الوليد في ذلك
صوت
( أيَا حَكَمُ المَتْبولُ لو كنتَ تَعْتَزي ... إلى أُسرةٍ ليسوا بسُود زعانِف )
( لأيقنتَ قد أدركتَ وَتْرَك عَنْوةً ... بلا حُكْم قاضٍ بل بضرب السوالفِ ) غناه الهذلي ثقيلا أول عن الهشامي ويونس قال فلما استخلف الوليد بعث إلى بكر بن نوفل الجعفري فقال ألا تعطي حكم بن الزبير حقه قال لا فأمر به فشترت عينه ثم قال
( يا ربَّ أمرٍ ذي شؤون جَحْفلِ ... قاسيتُ فيه جلَبَاتِ الأحْوَلِ )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال خرج الوليد إلى متصيد له فأقام به ومات له ابن يقال له مؤمن بن الوليد فلم يقدر أحد أن ينعاه إليه حتى ثمل فنعاه إليه سنان الكاتب وكان
(7/80)

مغنيا فقال الوليد وفي هذا الشعر غناء من الأصوات التي اختيرت للواثق والرشيد قبله
صوت
من المائة المختارة من رواية علي بن يحيى
( أتاني سِنَانٌ بالوَدَاع لمؤمنٍ ... فقلتُ له إني إلى الله راجِعُ )
( ألاَ أيّها الحاثِي عليه ترابَه ... هُبِلْتَ وشَلَّتْ من يديك الأصابع )
( يقولون لا تجزَعْ وأظهِرْ جَلادةً ... فكيفَ بما تُحْنَى عليه الأضالع )
عروضه من الطويل غناه سنان الكاتب ولحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه لأبي كامل خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو وقيل إِن فيه لحنا لعبد الله ابن يونس صاحب أَيلة
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني عقيل ابن عمرو قال قال يزيد بن أبي مساحق السلمي مؤدب الوليد شعرا وبعث به إلى النوار جارية الوليد فغنته به وهو
( مَضى الخلفاءُ بالأمر الحميدِ ... وأصبحت المذَمَّةُ للوليدِ )
(7/81)

( تشاغَل عن رعيَّته بلهو ... وخالف فعلَ ذي الرأي الرشيدِ ) فكتب اليه الوليد
( ليت حظِّي اليومَ من كلّ ... معاشٍ لي وزاد )
( قهوةٌ أبذُل فيها ... طارفي ثم تِلادي )
( فيَظَلّ القلب منها ... هائماً في كلّ واد )
( إن في ذاك صلاحي ... وفلاحي ورشادي )
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إبراهيم ابن الوليد الحمصي قال حدثنا هارون بن الحسن العنبري قال قال الوليد بن يزيد يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزيد في الشهوة ويهدم المروءة ويثور على الخمر ويفعل ما يفعل السكر فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء فإن الغناء رقية الزنا وإني لأقول ذلك فيه على أنه أحب إلي من كل لذة وأشهى إلي من الماء البارد إلى ذي الغلة ولكن الحق أحق أن يقال
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال حدثني بعض موالي الوليد قال دخلت إليه وقد عقد لابنيه بعده وقدم عثمان فقلت له يا أمير المؤمنين أقول قول الموثوق بنصيحته أو يسعني السكوت قال بل قل قول الموثوق به فقلت إن الناس قد أنكروا ما فعلت وقالوا يبايع لمن لم يحتلم وقد سمعت ما أكره فيك فقال عضوا ببظور أمهاتكم أفأُدخل بيني وبين ابني غيري فيلقى منه كما لقيت من الأحول بعد أبي ثم أنشأ يقول
(7/82)

صوت
( سَرَى طيفُ ذا الظبي بالعاقِدان ... ليلاً فهيَّج قلباً عميدا )
( وأرّق عيني على غِرّة ... فباتت بحزنٍ تقاسي السُّهودا )
( نؤمل عثمان بعد الوليد ... للعهد فينا ونرجو سعيدا )
( كما كان إذ كان في دهره ... يزيدُ يرجِّي لتلك الوليدا )
( على أنها شَسَعتْ شَسْعَةً ... فنحن نرجِّي لها أن تعودا )
( فإن هي عادت فعاصِ القريبَ ... منها لتؤيِسَ منها البعيدا ) غناه أبو كامل ثاني ثقيل بالبنصر من أصوات قليلة الأشباه
وذكر عمرو ابن بانة أن فيه لعمر الوادي لحنا من الماخوري بالوسطى وذكر الهشامي أن فيه خفيف رمل لحكم وذكرت دنانير عن حكم أنه لعمر الوادي وذكر حبش أن الثقيل الثاني لمالك وأن فيه لفضل النجار رملا بالبنصر
أخبرني الحسن ابن علي قال حدثنا أحمد بن سعيد عن الزبير بن بكار قال هو
( سرى طيفُ ظبي بأعلى الغُوَيْر ... ) ولكن هذا تصحيف سليمان السوادي أو قال خليد
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال كان الوليد قد بايع لابنيه الحكم وعثمان وهو أول من بايع لابن سرية
(7/83)

أمة ولم يكونوا يفعلون ذلك وأخذهما يزيد بن الوليد الناقص فحبسهما ثم قتلهما وفيهما يقول ابن أبي عقب
( إذا قُتل الخَلْف المُدِيمُ لسُكره ... بقَفْر من البَخْراء أُسِّس في الرّملِ )
( وسِيق بلا جُرْم إلى الحَتْف والرَّدَى ... بُنيَّاه حتى يُذْبحا مَذْبحَ السَّخْل )
( فويلُ بني مروان ماذا أصابهم ... بأيدي بني العباس بالأسْر والقتل )
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني أبي عن العلاء البندار قال كان الوليد زنديقا وكان رجل من كلب يقول بمقالته مقالة الثنوية فدخلت على الوليد يوما وذلك الكلبي عنده وإذا بينهما سفط قد رفع رأسه عنه فإذا ما يبدو لي منه حرير أخضر فقال ادْن يا علاء فدنوت فرفع الحريرة فإذا في السفط صورة إنسان وإذا الزئبق والنوشادر قد جعلا في جفنه فجفنه يطرف كأنه يتحرك فقال يا علاء هذا ماني لم يبتعث الله نبيا قبله ولا يبتعث نبيا بعده فقلت يا أمير المؤمنين اتق الله ولا يغرنك هذا الذي ترى عن دينك فقال له الكلبي يا أمير المؤمنين ألم أقل لك إن العلاء لا يحتمل هذا الحديث
قال العلاء ومكثت أياما ثم جلست مع الوليد على بناء كان بناه في عسكره يشرف به والكلبي عنده إذ نزل من عنده
(7/84)

وقد كان الوليد حمله على برذون هملاج أشقر من أفره ما سخر فخرج على برذونه ذلك فمضى به في الصحراء حتى غاب عن العسكر فما شعر إلا وأعراب قد جاؤوا به يحملونه منفسخة عنقه ميتا وبرذونه يقاد حتى أسلموه فبلغني ذلك فخرجت متعمدا حتى أتيت أولئك الأعراب وقد كانت لهم أبيات بالقرب منه في أرض البخراء لا حجر فيها ولا مدر فقلت لهم كيف كانت قصة هذا الرجل قالوا أقبل علينا على برذون فوالله لكأنه دهن يسيل على صفاة من فراهته فعجبنا لذلك إذ انقض رجل من السماء عليه ثياب بيض فأخذ بضبعيه فاحتمله ثم نكسه وضرب برأسه الأرض فدق عنقه ثم غاب عن عيوننا فاحتملناه فجئنا به
مقتل الوليد
وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الخراز عن المدائني قال لما أكثر الوليد بن يزيد التهتك وانهمك في اللذات وشرب الخمر وبسط المكروه على ولد هشام والوليد وأفرط في أمره وغيه مل الناس أيامه وكرهوه وكان قد عقد لابنيه بعده ولم يكونا بلغا فمشى الناس بعضهم إلى بعض في خلعه وكان أقواهم في ذلك يزيد الناقص بن الوليد بن عبد الملك بن مروان فمشى إلى أخيه العباس وكان امرأ صدق ولم يكن في بني أمية مثله كان يتشبه بعمر بن عبد العزيز فشكا إليه ما يجري على الناس من
(7/85)

الوليد فقال له يا أخي إن الناس قد ملوا بني مروان وإن مشى بعضكم في أمر بعض أكلتم ولله أجل لا بد أن يبلغه فانتظره فخرج من عنده ومشى إلى غيره فبايعه جماعة من اليمانية الوجوه فعاد إلى أخيه ومعه مولى له وأعاد عليه القول وعرض له بأنه قد دعي إلى الخلافة فقال له والله لولا أني لا آمنه عليك من تحامله لوجهت بك إليه مشدودا فنشدتك الله ألا تسعى في شيء من هذا فانصرف من عنده وجعل يدعو الناس إلى نفسه وبلغ الوليد ذلك فقال يذكر قومه ومشي بعضهم إلى بعض في خلعه
صوت
( سَلِّ همَّ النفس عنها ... بعَلَنْداةٍ عَلاَةِ )
( تتّقي الأرضَ وتَهوِي ... بِخفَاف مُدْمَجَات )
( ذاك أَمْ ما بال قومي ... كسَروا سِنَّ قَنَاتي )
( واستخفّوا بي وصاروا ... كقرودٍ خاسئاتِ )
الشعر للوليد بن يزيد بن عبد الملك والغناء لأبي كامل غزيل الدمشقي ماخوري بالبنصر وفي هذه القصيدة يقول الوليد بن يزيد
( أصبح اليومَ وليدٌ ... هائماً بالفَتَياتِ )
( عنده راحٍ وإبريقٌ ... وكأسٌ بالفَلاة )
( اِبعثوا خيلاً لخيل ... ورُماةً لرُماةِ )
وأخبرني بالسبب في مقتله الحسن بن علي قال أخبرنا أحمد بن
(7/86)

الحارث قال حدثني المدائني عن جويرية بن أسماء وأخبرني به ابن أبي الأزهر عن حماد عن أبيه عن المدائني عن جويرية بن أسماء قال قال ابن بشر بن الوليد بن عبد الملك لما أظهر الوليد بن يزيد أمره وأدمن على اللهو والصيد واحتجب عن الناس ووالى بين الشرب وانهمك في اللذات سئمه الناس ووعظه من أشفق عليه من أهله فلما لم يقلع دبوا في خلعه
فدخل أبي بشر بن الوليد على عمي العباس بن الوليد وأنا معه فجعل يكلم عمي في أن يخلع الوليد بن يزيد ومعه عمي يزيد بن الوليد فكان العباس ينهاه وأبي يرد عليه فكنت أفرح وأقول في نفسي أرى أبي يجترىء أن يكلم عمي ويرد عليه فقال العباس يا بني مروان أظن أن الله قد أذن في هلاككم ثم قال العباس
( إني أُعِيذكُم بالله من فِتَنٍ ... مثلِ الجبال تَسَامَى ثم تندفعُ )
( إنّ البريّة قد ملّت سياسَتكم ... فاستَمسِكوا بعمود الدّين وارتَدِعوا )
( لا تُلْحِمُنّ ذئابَ الناس أنْفُسَكم ... إنّ الذئاب إذا ما أُلْحِمَتْ رَتَعوا )
( لا تَبْقُرُنّ بأيديكم بطونَكمُ ... فَثَمَّ لا فِدْيَةٌ تُغْنِي ولا جَزَع )
قال المدائني عن رجاله فلما استجمع ليزيد أمره وهو متبد أقبل إلى دمشق وبين مكانه الذي كان متبديا فيه وبين دمشق أربع ليال فأقبل إلى دمشق متنكرا في سبعة أنفس على حمر وقد بايع له أكثر أهل دمشق وبايع له أكثر أهل المزة فقال مولى لعباد بن زياد إني لبجرود وبين جرود
(7/87)

ودمشق مرحلة إذ طلع علينا سبعة معتمون على حمر فنزلوا وفيهم رجل طويل جسيم فرمى بنفسه فنام وألقوا عليه ثوبا وقالوا لي هل عندك شيء نشتريه من طعام فقلت أما بيع فلا وعندي من قراكم ما يشبعكم فقالوا فعجله فذبحت له دجاجا وفراخا وأتيتهم بما حضر من عسل وسمن وشوانيز وقلت أيقظوا صاحبكم للغداء فقالوا هو محموم لا يأكل فسفروا للغداء فعرفت بعضهم وسفر النائم فإذا هو يزيد بن الوليد فعرفته فلم يكلمني ومضوا ليدخلوا دمشق ليلا في نفر من أصحابه مشاة إلى معاوية ابن مصاد وهو بالمزة وبينها وبين دمشق ميل فأصابهم مطر شديد فأتوا منزل معاوية فضربوا بابه وقالوا يزيد بن الوليد فقال له معاوية الفراش ادخل أصلحك الله قال في رجلي طين وأكره أن أفسد عليك بساطك فقال ما تريدني عليه أفسد فمشى على البساط وجلس على الفراش ثم كلم معاوية فبايعه
وخرج إلى دمشق فنزل دار ثابت بن سليمان الحسني مستخفيا وعلى دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف فخاف عبد الملك الوباء فخرج فنزل قطنا واستخلف ابنه على دمشق وعلى شرطته أبو العاج كثير بن عبد الله السلمي
وتم ليزيد أمره فأجمع على الظهور وقيل لعامل دمشق إن يزيد خارج فلم يصدق وأرسل يزيد إلى أصحابه بين المغرب والعشاء في ليلة الجمعة من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة فكمنوا في ميضأة عند باب الفراديس حتى إذا أُذنوا
(7/88)

العتمة دخلوا المسجد مع الناس فصلوا
وللمسجد حرس قد وكلوا بإخراج الناس من المسجد بالليل فإذا خرج الناس خرج الحرس وأغلق صاحب المسجد الأبواب ودخل الدار من باب المقصورة فيدفع المفاتيح إلى من يحفظها ويخرج فلما صلى الناس العتمة صاح الحرس بالناس فخرجوا وتباطأ أصحاب يزيد الناقص فجعلوا يخرجونهم من باب ويدخلون من باب حتى لم يبق في المسجد إلى الحرس وأصحاب يزيد فأخذوا الحرس ومضى يزيد بن عنبسة السكسكي إلى يزيد فأخبره وأخذ بيده وقال قم يا أمير المؤمنين وأبشر بعون الله ونصره فأقبل وأقبلنا ونحن اثنا عشر رجلا فلما كنا عند سوق القمح لقيهم فيها مائتا رجل من أصحابهم فمضوا حتى دخلوا المسجد وأتوا باب المقصورة وقالوا نحن رسل الوليد ففتح لهم خادم الباب ودخلوا فأخذوا الخادم وإذا أبو العاج سكران فأخذوه وأخذوا خزان البيت وصاحب البريد وأرسل إلى كل من كان يحذره فأخذه وأرسل من ليلته إلى محمد بن عبيدة مولى سعيد بن العاص وهو على بعلبك وإلى عبد الملك بن محمد بن الحجاج فأخذهما وبعث أصحابه إلى الخشبية فأتوه وقال للبوابين لا تفتحوا الأبواب غدوة إلا لمن أخبركم بشعار كذا وكذا
قال فتركوا الأبواب في السلاسل وكان في المسجد سلاح كثير قدم به سليمان بن هشام من الجزيرة فلم يكن الخزان قبضوه فأصابوا سلاحا
(7/89)

كثيرا فأخذوه وأصبحوا وجاء أهل المزة مع حريث بن أبي الجهم فما انتصف النهار حتى بايع الناس يزيد وهو يتمثل قول النابغة
( إذا استُنْزِلوا عنهنّ للطعن أَرْقَلوا ... إلى الموت إرقالَ الجمال المَصاعبِ ) فجعل أصحابه يتعجبون ويقولون انظروا إلى هذا كان قبيل الصبح يسبح وهو الآن ينشد الشعر قال وأمر يزيد عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان فوقف بباب الجابية فنادى من كان له عطاء فليأت إلى عطائه ومن لم يكن له عطاء فله ألف درهم معونة فبايع له الناس وأمر بالعطاء قال وندب يزيد بن الوليد الناس إلى قتال الوليد بن يزيد مع عبد العزيز وقال من انتدب معه فله ألفان فانتدب ألفا رجل فأعطاهم وقال موعدكم ذنبة فوافى ذنبه ألف ومائتا رجل فقال ميعادكم مصنعة بالبرية وهي لبني عبد العزيز بن الوليد فوافاه ثمانمائة رجل فسار فوافاهم ثقل الوليد فأخذوه ومع عبد العزيز فرسان منهم منصور بن جمهور ويعقوب بن عبد الرحمن السلمي والأصبغ بن ذؤالة وشبيب بن أبي مالك الغساني وحميد بن نصر اللخمي فأقبلوا فنزلوا قريبا من الوليد فقال الوليد أخرجوا لي سريرا فأخرجوه فصعد عليه وأتاه خبر العباس بن الوليد إني أجيئك وأُتي الوليد بفرسين الذائد والسندي وقال أعلي يتواثب الرجال وأنا أثب على الأسد
(7/90)

وأتخصر الأفاعي وهم ينتظرون العباس أن يأتيهم ولم يكن بينهم كبير قتال فقتل عثمان الخشبي وكان من أولاد الخشبية الذين كانوا مع المختار وبلغ عبد العزيز بن الحجاج أن العباس بن الوليد يأتي الوليد فأرسل منصور بن جمهور في جريدة خيل وقال إنكم تلقون العباس بن الوليد ومعه بنوه في الشعب فخذوه
وخرج منصور في تلك الخيل وتقدموا إلى الشعب وإذا العباس ومعه ثلاثون تقدموا أصحابه فقال له اعدل إلى عبد العزيز فشتمهم فقال له منصور والله لئن تقدمت لأنفذن حصينك بالرمح فقال إنا لله فأقبلوا به يسوقونه إلى عبد العزيز فقال له عبد العزيز بايع ليزيد فبايع ووقف ونصبوا راية وقالوا هذا العباس قد بايع ونادى منادي عبد العزيز من لحق بالعباس بن الوليد فهو آمن فقال العباس إنا لله خدعة من خدع الشيطان هلك والله بنو مروان فتفرق الناس عن الوليد وأتوا العباس وظاهر الوليد في درعين وقاتلهم وقال الوليد من جاء برأس فله خمسمائة درهم فجاء جماعة بعدة رؤوس فقال اكتبوا أسماءهم فقال له رجل من مواليه ليس هذا يا أمير المؤمنين يوما يعامل فيه
(7/91)

بالنسيئة وناداهم رجال اقتلوا اللوطي قتلة قوم لوط فرموه بالحجارة
فلما سمع ذلك دخل القصر وأغلق الباب وقال
صوت
دَعُوا لي سُلَيْمَى والطِّلاَء وقَيْنةً ... وكأساً ألا حَسْبي بذلك مالا )
( إذا ما صفا عيش برَمْلةِ عالِجٍ ... وعانقتُ سلمى لا أُريد بِدالا )
( خذوا مُلْكَكم لا ثّبت الله ملككم ... ثباتاً يساوي ما حَيِيتُ عِقالا )
( وخَلُّوا عِناني قبل عَيْرٍ وما جَرَى ... ولا تَحسُدوني أن أموت هُزالا ) غناه عمر الوادي رملا بالوسطى عن حبش ثم قال لعمر الوادي يا جامع لذتي غنني بهذا الشعر وقد أحاط الجند بالقصر فقال لهم الوليد من وراء الباب أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلمه فقال له يزيد ابن عنبسة السكسكي كلمني فقال له الوليد يا أخا السكاسك ما تنقمون مني ألم أزد في أعطياتكم وأعطية فقرائكم وأخدمت زمناكم ودفعت عنكم المؤن فقال ما ننقم عليك في أنفسنا شيئا ولكن ننقم عليك انتهاك ما حرم الله وشرب الخمور ونكاح أمهات أولاد أبيك واستخفافك بأمر الله قال حسبك يا أخا السكاسك فلعمري لقد أغرقت فأكثرت وإن فيما
(7/92)

أحل الله لسعة عما ذكرت
ورجع إلى الدار فجلس وأخذ المصحف وقال يوم كيوم عثمان ونشر المصحف يقرأ فعلوا الحائط فكان أول من علا الحائط يزيد بن عنبسة فنزل وسيف الوليد إلى جنبه فقال له يزيد نح سيفك فقال الوليد لو أردت السيف لكانت لي ولك حالة غير هذه فأخذ بيده وهو يريد أن يدخله بيتا ويؤامر فيه فنزل من الحائط عشرة فيهم منصور ابن جمهور وعبد الرحمن وقيس مولى يزيد بن عبد الملك والسري بن زياد بن أبي كبشة فضربه عبد الرحمن السلمي على رأسه ضربة وضربه السري بن زياد على وجهه وجروه بين خمسة ليخرجوه فصاحت امرأه كانت معه في الدار فكفوا عنه فلم يخرجوه واحتز رأسه أبو علاقة القضاعي وخاط الضربة التي في وجهه بالعقب وقدم بالرأس على يزيد قدم به روح بن مقبل وقال أبشر يا أمير المؤمنين بقتل الفاسق فاستتم الأمر له وأحسن صلته ثم كان من خلع يزيد بعد ذلك ما ليس هذا موضع ذكره
قال ولما قتل الوليد بن يزيد جعل أبو محجن مولى خالد القسري يدخل سيفه في است الوليد وهو مقتول فقال الأصبغ بن ذؤالة الكلبي في قتل الوليد وأخذهم ابنيه
( من مُبْلِغٌ قيساً وخِنْدِفَ كلَّها ... وساداتِهم من عبد شمس وهاشم )
( قتلنا أميرَ المؤمنين بخالد ... وبِعْنا ولِيّيْ عهدِه بالدراهم )
(7/93)

وقال أبو محجن مولى خالد
( لو شاهدوا حدَّ سيفي حين أَدخله ... في اسْتِ الوليد لماتوا عنده كَمَدا )
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن هشام بن الكلبي عن جرير قال قال لي عمر الوادي كنت أغني الوليد أقول
صوت
( كَذَبتْكَ نفسُك أم رأيتَ بواسِطٍ ... غَلَسَ الظلامِ من الرَّبابِ خيالا ) قال فما أتممت الصوت حتى رأيت رأسه قد فارق بدنه ورأيته يتشحط في دمه
يقال إن اللحن في هذا الشعر لعمر الوادي ويقال لابن جامع
قالوا وكان عثمان والحكم ابنا الوليد قد بايعهما بالعهد بعده فتغيبا فأخذهما يزيد بعد ذلك فحبسهما في الخضراء ودخل عليهما يزيد الأفقم ابن هشام فجعل يشتم أباهما الوليد وكان قد ضربه وحلقه فبكى الحكم فقال عثمان أخوه اسكت يا أخي وأقبل على يزيد فقال أتشتم أبي قال نعم قال لكني لا أشتم عمي هشاما ووالله لو كنت من بني مروان ما شتمت أحدا منهم فانظر إلى وجهك فإن كنت رأيت حكميا يشبهك أوله
(7/94)

مثل وجهك فأنت منهم لا والله ما في الأرض حكمي يشبهك
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني عن مسلمة بن محارب قال لما قتل الوليد قال أيوب السختياني ليت القوم تركوا لنا خليفتنا لم يقتلوه قال وإنما قال ذلك تخوفا من الفتنة
الرشيد يلعن قاتلي الوليد
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني أن ابنا للغمر بن يزيد بن عبد الملك دخل على الرشيد فقال ممن أنت قال من قريش قال من أيها فأمسك قال قل وأنت آمن ولو أنك مرواني قال أنا ابن الغمر بن يزيد قال رحم الله عمك ولعن يزيد الناقص وقتلة عمك جميعا فإنهم قتلوا خليفة مجمعا عليه ارفع إلي حوائجك فقضاها
(7/95)

أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا الغلابي قال حدثنا العلاء ابن سويد المنقري قال ذكر ليلة المهدي أمير المؤمنين الوليد بن يزيد فقال كان ظريفا أديبا فقال له شبيب بن شيبة يا أمير المؤمنين إن رأيت ألا تجري ذكره على سمعك ولسانك فافعل فإنه كان زنديقا فقال اسكت فما كان الله ليضع خلافته عند من يكفر به وهكذا رواه الصولي
وقد أخبرنا به أحمد بن عبد العزيز إجازة قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرنا عقيل بن عمرو قال أخبرني شبيب بن شيبة عن أبيه قال كنا جلوسا عند المهدي فذكروا الوليد بن يزيد فقال المهدي أحسبه كان زنديقا فقام ابن علاثة الفقيه فقال يا أمير المؤمنين الله عز و جل أعظم من أن يولي خلافة النبوة وأمر الأمة من لا يؤمن بالله لقد أخبرني من كان يشهده في ملاعبه وشربه عنه بمروءة في طهارته وصلاته وحدثني أنه كان إذا حضرت الصلاة يطرح ثيابا كانت عليه من مطيبة ومصبغة ثم يتوضأ فيحسن الوضوء ويؤتى بثياب بيض نظاف من ثياب الخلافة فيصلي فيها أحسن صلاة بأحسن قراءة وأحسن سكوت وسكون وركوع وسجود فإذا فرغ عاد إلى تلك الثياب التي كانت عليه قبل ذلك ثم يعود إلى شربه ولهوه أفهذه أفعال من لا يؤمن بالله فقال له المهدي صدقت بارك الله عليك يابن علاثة
وفي جملة المائة الصوت المختارة عدة أصوات من شعر الوليد نذكرها ها هنا مع أخباره والله أعلم
صوت
من المائة المختارة
( أُمّ سَلاّمَ ما ذكرتُكِ إلاّ ... شَرِقَتْ بالدموع منِّي المآقي )
( أُمَّ سَلاَّمَ ذِكْرُكُمْ حيث كنتم ... أنتِ دائي وفي لسانِك راقي )
(7/96)

( ما لقلبي يَجُول بين التَّرَاقي ... مُسْتَخِفَّا يَتُوق كلَّ مَتَاق )
( حَذَراً أن تَبين دارُ سُلَيْمَى ... أو يصيحَ الداعي لها بِفراق )
غناه عمر الوادي ولحنه المختار خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر وذكر عمرو بن بانة أن لسلامة القس فيه خفيف رمل بالوسطى ولعله بمعنى هذا
ومن الناس من يروي هذه الأبيات لعبد الرحمن بن أبي عمار الجشمي في سلامة القس وليس ذلك له هو للوليد صحيح وهو كثيرا ما يذكر سلمى هذه في شعره بأم سلام وبسلمى لأنه لم يكن يتصنع في شعره ولا يبالي بما يقوله منه ومن ذلك قوله فيها
صوت
( أُمَّ سَلاّمَ لو لقِيتِ من الوجد ... عَشِيرَ الذي لَقِيتُ كفاكِ )
( فأثِيبِي بالوصل صَبًّا عميداً ... وشفيقاً شجاه ما قد شجاكِ ) غناه مالك خفيف رمل بالبنصر عن الهشامي
(7/97)

ذكر أخبار عمر الوادي ونسبه
هو عمر بن داود بن زاذان وجده زاذان مولى عمرو بن عثمان بن عفان وكان عمر مهندسا وأخذ الغناء عنه حكم وذووه من أهل وادي القرى وكان قدم إلى الحرم فأخذ من غناء أهله فحذق وصنع فأجاد وأتقن وكان طيب الصوت شجيه مطربا وكان أول من غنى من أهل وادي القرى واتصل بالوليد بن يزيد في أيام إمارته فتقدم عنده جدا وكان يسميه جامع لذاتي ومحيي طربي وقتل الوليد وهو يغنيه وكان آخر عهده به من الناس وفي عمر يقول الوليد بن يزيد وفيه غناء
صوت
( إنّني فكّرتُ في عمرٍ ... حين قال القولَ فاختلَجا )
( إنّه للمُستَنِير به ... قمر قد طمّس السُّرُجا )
( ويغنِّي الشعر يَنْظِمُه ... سيّدُ القوم الذي فلَجا )
( أكمَل الواديُّ صنعتَه ... في لُباب الشعر فاندمجا ) الشعر للوليد بن يزيد والغناء لعمر الوادي هزج خفيف بالبنصر في مجراها
(7/98)

أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال كان عمر الوادي يجتمع مع معبد ومالك وغيرهما من المغنّين عند الوليد ابن يزيد فلا يمنعه حضورهم من تقديمه والإصغاء إليه والإختصاص له وبلغني أنه كان لا يضرب وإنما كان مرتجلا وكان الوليد يسميه جامع لذاتي قال وبلغني أن حكما الوادي وغيره من مغني وادي القرى أخذوا عنه الغناء وانتحلوا أكثر أغانيه
قال إسحاق وحدثني عبد السلام الربيع إن الوليد بن يزيد كان يوما جالسا وعنده عمر الوادي وأبو رقية وكان ضعيف العقل وكان يمسك المصحف على أُم الوليد فقال الوليد لعمر الوادي وقد غناه صوتا أحسنت والله أنت جامع لذاتي وأبو رقية مضطجع وهم يحسبونه نائما فرفع رأسه إلى الوليد فقال له وأنا جامع لذات أمك فغضب الوليد وهم به فقال له عمر الوادي جعلني الله فداك ما يعقل أبو رقية وهو صاح فكيف يعقل وهو سكران فأمسك عنه
عمر يأخذ الغناء عن راع ويمدحه
قال إسحاق وحدثت عن عمر الوادي قال بينا أنا أسير ليلة بين العرج والسقيا سمعت إنسانا يغني غناء لم أسمع قط أحسن منه وهو
صوت
( وكنتُ إذا ما جئتُ سُعْدَى بأرضها ... أرى الأرضَ تُطْوَى لي ويدنو بعيدُها )
( من الخَفِراتِ البِيضِ وَدّ جليسُها ... إذا ما انقضتْ أُحدوثةٌ لو تُعيدها )
(7/99)

فكدت أسقط عن راحلتي طربا فقلت والله لألتمسن الوصول إلى هذا الصوت ولو بذهاب عضو من أعضائي حتى هبطت من الشرف فإذا أنا برجل يرعى غنما وإذا هو صاحب الصوت فأعلمته الذي أقصدني إليه وسألته إعادته علي فقال والله لو كان عندي قرى ما فعلت ولكني أجعله قراك فربما ترنمت به وأنا جائع فأشبع وكسلان فأنشط ومستوحش فآنس فأعاده علي مرارا حتى أخذته فوالله ما كان لي كلام غيره حتى دخلت المدينة ولقد وجدته كما قال حدثني بهذا الخبر الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير ابن بكار قال حدثني المؤمل بن طالوت الوادي قال حدثني مكين العذري قال سمعت عمر الوادي يقول بينا أنا أسير بين الروحاء والعرج ثم ذكر مثله وقال فيه فربما ترنمت به وأنا غرثان فيشبعني ومستوحش فيؤنسني وكسلان فينشطني قال فما كان زادي حتى ولجت المدينة غيره وجربت ما وصفه الراعي فيه فوجدته كما قال
نسبة هذا الصوت
صوت
( لقد هَجَرتْ سُعْدَى وطال صدودُها ... وعاوَد عَيْني دمْعُها وسهودُها )
( وكنتُ إذا ما زرتُ سُعْدَى بأرضها ... أرى الأرض تُطْوَى لي ويدنو بعيدُها )
(7/100)

( منعَّمةٌ لم تَلْقَ بؤسَ مَعيشةٍ ... هي الخُلْد في الدنيا لمن يَستفيدُها )
( هي الخلدُ ما دامتْ لأهلك جارةً ... وهل دام في الدنيا لنفس خلودُها )
الشعر لكثير والغناء لابن محرز ثقيل أول مطلق بالبنصر عن يحيى المكي
وذكر الهشامي أن فيه ليزيد حوراء ثاني ثقيل وفيه خفيف رمل ينسب إلى عمر الوادي وهو بعض هذا اللحن الذي حكاه عن الراعي ولا أعلم لمن هو
وهذه الأبيات من قصيدة لكثير سائرها في الغزل وهي من جيد غزله ومختاره وتمام الأبيات بعد ما مضى منها
( فتلك التي أصفيتُها بمودّتي ... وليداً ولمّا يَسْتَبِنْ لي نهودُها )
( وقد قتلتْ نفساً بغير جَريرة ... وليس لها عَقْل ولا من يُقيِدُها )
( فكيف يَودّ القلبُ من لا يودّه ... بلى قد تُريد النفسُ من لا يُريدها )
( ألا ليت شِعري بعدنا هل تغيَّرتْ ... عن العهد أم أمست كعهدي عهودُها )
( إذا ذكرتْها النفسُ جُنّتْ بذكرها ... ورِيعَتْ وحَنّتْ واستُخِفّ جَلِيدها )
( فلو كان ما بي بالجبال لَهدّها ... وإن كان في الدنيا شديداً هُدُودُها )
( ولستُ وإن أُوعِدْتُ فيها بمُنْتَهٍ ... وإن أُوقِدَتْ نارٌ فشَبّ وَقُودها )
( أَبِيتُ نجيًّا للهموم مُسَهَّداً ... إذا أُوقدتْ نحوي بليل وَقُودها )
( فأَصبحتُ ذا نفسن نفس مريضة ... من اليأس ما ينفكّ همٌّ يعودُها )
(7/101)

( ونفس إذا ما كنتُ وحدي تقطّعتْ ... كما انسَلّ من ذات النّظام فريدُها )
( فلم تُبْدِ لِي يأساً ففي اليأس راحة ... ولم تُبْدِ لِي جُوداً فينفع جودُها )
عمر والوليد وخاتم الياقوت
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب ابن عباية قال قال عمر الوادي خرج إليّ الوليد بن يزيد يوما وفي يده خاتم ياقوت أحمر قد كان البيت يلتمع من شعاعه فقال لي يا جامع لذتي أتحب أن أهبه لك قلت نعم والله يا مولاي فقال غن في هذه الأبيات التي أنشدك فيها واجهد نفسك فإن أصبت إرادتي وهبته لك فقلت أجتهد وأرجو التوفيق
صوت
( ألا يُسلِيكَ عن سَلْمى ... قَتِيرُ الشَّيْب والحِلْمُ )
( وأن الشكّ ملتبِسٌ ... فلا وصلٌ ولا صُرْمُ )
( فلا والله ربِّ الناس ... مالك عندنا ظلم )
( وكيف بظلم جاريةٍ ... ومنها اللّين والرُّحْمُ )
فخلوت في بعض المجالس فما زلت أُديره حتى استقام ثم خرجت إليه وعلى رأسه وصيفة بيدها كأس وهو يروم أن يشربها فلا يقدر خمارا فقال ما صنعت فقلت فرغت مما أمرتني به وغنيته فصاح أحسنت والله ووثب قائما على رجليه وأخذ الكأس واستدناني فرضع يده اليسرى علي متكئا والكأس في يده اليمنى ثم قال لي أعد بأبي أنت وأمي فأعدته عليه
(7/102)

فشرب ودعا بثانية وثالثة ورابعة وهو على حاله يشرب قائما حتى كاد أن يسقط تعبا ثم جلس ونزع الخاتم والحلة التي كانت عليه فقال والله العظيم لا تبرح هكذا حتى أسكر فما زلت أُعيده عليه ويشرب حتى مال على جنبه سكرا فنام
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه عن غرير بن طلحة الأرقمي عن أبي الحكم عبد المطلب بن عبد الله بن يزيد بن عبد الملك قال والله إني لبالعقيق في قصر القاسم بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وعندي أشعب وعمر الوادي وأبو رقية إذ دعوت بدينار فوضعته بين يدي وسبقتهموه في رجز فكان أول من خسق عمر الوادي فقال
( أنا ابن داود أنا ابن زَاذَانْ ... أنا ابن مولى عمرو بن عثمان ) ثم خسق أبو رقية فقال
( أنا ابن عامر القاري ... أنا ابن أوّل أعجمي ) تقدم في مسجد رسول الله خسق أشعب فقال
( أنا ابن أُمّ الخلنداج ... أنا ابن المحرِّشة بين أزواج ) النبي أبو الحكم فقلت له أي أخزاك الله هل سمعت أحدا قط فخر بهذا فقال وهل فخر أحد بمثل فخري لولا أن أُمي كانت عندهن ثقة ما قبلن منها حتى يغضب بعضهن على بعض
(7/103)

أخبار أبي كامل
اسمه الغزيل وهو مولى الوليد بن يزيد وقيل بل كان مولى أبيه وقيل بل كان أبوه مولى عبد الملك وكان مغنيا محسنا وطيبا مضحكا ولم أسمع له بخبر بعد أيام بني أمية ولعله مات في أيامهم أو قتل معهم
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني أن أبا كامل غنى الوليد بن يزيد ذات يوم فقال
صوت
( نام من كان خليًّا من ألَمْ ... وبدائي بتُّ ليلِي لم أنَمْ )
( أرقُب الصبحَ كأني مُسْنَدٌ ... في أكفّ القوم تَغْشاني الظُّلَمْ )
( إنّ سلمى ولنا من حبّها ... دَيْدَنٌ في القلب ما اخضَرّ السَّلَمْ )
( قد سَبَتْني بشَتيتٍ نَبْتُه ... وثنايا لم يَعِبْهنّ قَضَمْ ) قال فطرب الوليد وخلع عليه قلنسية وشي مذهبة كانت على رأسه فكان أبو كامل يصونها ولا يلبسها إلا من عيد إلى عيد ويمسحها بكمه ويرفعها
(7/104)

ويبكي ويقول إنما أرفعها لأني أجد منها ريح سيدي يعني الوليد
الغناء في هذا الصوت هزج بالوسطى نسبه عمرو بن بانة إلى عمر الوادي ونسبه غيره إلى أبي كامل وزعم آخرون أنه لحكم هكذا نسبه ابن المكي إلى حكم وزعم أنه بالبنصر
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني الأصمعي عن صفوان بن الوليد المعيطي قال غنى أبو كامل ذات يوم الوليد بن يزيد في لحن لابن عائشة وهو
( جنِّباني أذاةَ كلّ لئيم ... إنّه ما علمتُ شرُّ نديم ) فخلع عليه ثيابه كلها حتى قلنسيته ثم ذكر باقي الخبر مثل الذي تقدمه وزاد فيه أنه أوصى أن تجعل في أكفانه وللوليد في أبي كامل أشعار كثيرة فمنها مما يغنى به
صوت
( سقَيْتُ أبا كاملِ ... من الأصفر البابلِي )
( وسقَّيتُها معبداً ... وكلَّ فتىً فاضل ) وقال أيضا فيه
( وزِقٍّ وافر الجنبين ... مثل الجمل البازلْ )
( به رُحْتُ إلى صَحْبي ... ونَدمانِي أبي كاملْ )
( شرِبناه وقد بِتْنا ... بأعلى الدَّيْر بالساحِلْ )
( ولم نَقْبَل من الواشي ... قبول الجاهل الخاطلْ )
(7/105)

الغناء لأبي كامل خفيف رمل بالوسطى وذكر الهشامي أنه ليحيى المكي وأنه نحله أبو كامل
وذكر أن لعمر الوادي أو لحكم فيه رملا بالوسطى وهو القائم
وأخبرني أبو الحسن محمد بن إبراهيم قريش رحمه الله أن لينشو فيه خفيف رمل ومنها في قول الوليد
صوت
( سَقَيْتُ أبا كامل ... من الأصفر البابلي )
( وسقّيتُها معبداً ... وكلّ فتىً فاضل )
( ليَ المحضُ من ودّهم ... وَيَغْمُرهم نائلي )
( وما لامني فيهمُ ... سوى حاسدٍ جاهل ) فيه هزج ينسب إلى أبي كامل وإلى حكم وفيه لينشو ثقيل أول
أخبرني بذلك قريش ووجه الرزة جميعا
وأخبرني قريش عن أحمد بن أبي العلاء قال كان للمعتضد علي صوتان من شعر الوليد أحدهما
( سقَيْتُ أبا كامِل ... من الأصفر البابلي ) والآخر
(7/106)

( إن في الكأس لمسكاً ... أو بكَفّيْ من سقاني ) وكان يعجب بهما ويقول لجلسائه أما ترون شمائل الملوك في شعره ما أبينها
( ليَ المَحْضُ من ودّهم ... ويغمُرهم نائلي ) وحين يقول
( كلِّلاني توِّجاني ... وبشعري غنِّياني )
وقد نسب إلى الوليد بن يزيد في هذه المائة الصوت المختارة شعر صوتين لأن ذكر سليمى في أحدهما ولأن الصنعة في الآخر لأبي كامل فذكرت من ذلك ها هنا صوتين أحدهما
صوت
من المائة المختارة
( سُلَيْمى تلك من العِيرِ ... قِفي نُخْبِرْكِ أو سيري )
( إذا ما أنتِ لم تَرْثِي ... لصَبّ القلب مغمورِ )
( فلما أن دنا الصبحُ ... بأصواتِ العصافير )
( خرجنا نُتْبِع الشمس ... عيوناً كالقَوارير )
( وفينا شادنٌ أحْوَرُ ... من حُور اليَعَافِير ) الشعر ليزيد بن ضبة والغناء في اللحن المختار لإسماعيل بن
(7/107)

الهربذ ولحنه رمل مطلق في مجرى الوسطى هكذا ذكر إسحاق في كتاب شجا لابن الهربذ وذكر في موضع آخر أن فيه لحنا لابن زرزور الطائفي رملا آخر بالسبابة في مجرى البنصر وذكر إبراهيم أن فيه لحنا لأبي كامل ولم يجنسه وذكر حبش أن فيه لعطرد هزجا بالوسطى
(7/108)

أخبار يزيد بن ضبّة ونسبه
أخبرني علي بن صالح بن الهيثم قال حدثني أحمد بن الهيثم عن الحسن بن إبراهيم بن سعدان عن عبد العظيم بن عبد الله بن يزيد بن ضبة الثقفي قال كان جدي يزيد بن ضبة مولى لثقيف واسم أبيه مقسم وضبة أُمه غلبت على نسبه لأن أباه مات وخلّفه صغيرا فكانت أُمه تحضن أولاد المغيرة بن شعبة ثم أولاد ابنه عروة بن المغيرة فكان جدي ينسب إليها لشهرتها قال وولاؤه لبني مالك بن حطيط ثم لبني عامر بن يسار قال عبد العظيم وكان جدي يزيد بن ضبة منقطعا إلى الوليد بن يزيد في حياة أبيه متصلا به لا يفارقه
فلما أفضت الخلافة إلى هشام أتاه جدي مهنئا بالخلافة فلما استقر به المجلس ووصلت إليه الوفود وقامت الخطباء تثني عليه والشعراء تمدحه مثل جدي بين السماطين فاستأذنه في الإنشاد فلم
(7/109)

حذف
(7/0)

يأذن له وقال عليك بالوليد فامدحه وأنشده وأمر بإخراجه وبلغ الوليد خبره فبعث إليه بخمسمائة دينار وقال له لو أمنت عليك هشاما لما فارقتني ولكن اخرج إلى الطائف وعليك بمالي هناك فقد سوغتك جميع غلته ومهما احتجت إلي من شيء بعد ذلك فالتمسه مني فخرج إلى الطائف وقال يذكر ما فعله هشام به
( أرَى سلمى تَصُدّ وما صدَدْنا ... وغيرَ صدودِها كنّا أرَدْنا )
( لقد بخِلتْ بنائلها علينا ... ولو جادت بنائلها حَمِدنا )
( وقد ضنّت بما وعدتْ وأمستْ ... تغيِّر عهدَها عمّا عَهِدنا )
( ولو علمتْ بما لاقيتُ سلمى ... فتُخبرني وتعلم ما وجدنا )
( تُلِمّ على تنائي الدار منّا ... فيُسهرنا الخيال إذا رقَدْنا )
( ألم تَرَ أنّنا لمّا وِلِينا ... أموراً خُرّقَت فوهَتْ سَدَدنا )
( رأينا الفَتْقَ حين وهَى عليهم ... وكم من مثله صَدَع رَفَأْنا )
( إذا هاب الكريهةَ من يَلِيها ... وأعظَمها الهَيُوبُ لها عَمدنا )
( وجبّارٍ تركناه كَلِبلاً ... وقائدِ فتنةٍ طاغٍ أَزَلْنا )
( فلا تنسَوْا مواطِنَنا فإنّا ... إذا ما عاد أهل الجُرم عُدْنا )
( وما هِيضتْ مَكاسِرُ من جَبرْنا ... ولا جُبِرتْ مصيبةُ من هدَدْنا )
( ألاَ من مُبلِغٌ عنّي هشاماً ... فما منّا البَلاءُ ولا بَعُدْنا )
( وما كنّا إلى الخلفاء نُفْضِي ... ولا كنّا نؤخَّر إن شَهِدنا )
( ألم يك بالبلاء لنا جَزَاءٌ ... فنُجْزَى بالمحاسن أم حُسِدنا )
( وقد كان الملوك يروْن حقًّا ... لوافِدنا فنُكْرَمُ إن وفَدْنَا )
( ولِينا الناسَ أزماناً طِوالاً ... وسُسْناهم ودُسْناهم وقُدْنا )
(7/110)

( ألم تَرَ من ولَدْنا كيف أشْبَى ... وأشبَيْنا وما بهمُ قعَدْنا )
( نكون لمن ولدْناه سماءً ... إذا شِيمتْ مَخَايِلُنا رعَدنا )
( وكان أبوك قد أسدى إلينا ... جسيمةَ أمره وبه سَعِدنا )
( كذلك أوّلُ الخلفاء كانوا ... بنا جَدّوا كما بهم جدَدْنا )
( هُمُ آباؤنا وهُمُ بنونا ... لنا جُبِلوا كما لهمُ جُبِلنا )
( ونَكْوِي بالعداوة مَن بَغانا ... ونُسْعِد بالمودّة من وَدِدْنا )
( نرى حقًّا لسائلنا علينا ... فنحبوه ونُجزِل إن وعَدنا )
( ونضمَن جارَنا ونراه منّا ... فَنرفِدُه فنُجزل إن رفَدْنا )
( وما نعتدّ دون المجد مالاً ... إذا يُغْلَى بمكرُمةٍ أفَدْنا )
( وأتلَدُ مجدِنا أنّا كِرَامٌ ... بحدّ المَشْرَفِيّة عنه ذُدْنا )
لكل بيت ألف درهم
قال فلم يزل مقيما بالطائف إلى أن ولي الوليد بن يزيد الخلافة فوفد إليه فلما دخل عليه والناس بين يديه جلوس ووقوف على مراتبهم هنّأه بالخلافة فأدناه الوليد وضمه إليه وقبل يزيد بن ضبة رجليه والأرض بين يديه فقال الوليد لأصحابه هذا طريد الأحول لصحبته إياي وانقطاعه إلي فاستأذنه يزيد في الإنشاد وقال له يا أمير المؤمنين هذا اليوم الذي نهاني عمك هشام عن الإنشاد فيه قد بلغته بعد يأس والحمد لله على ذلك فأذن له فأنشده
( سُلَيْمى تلك في العِيرِ ... قِفي أسألْك أو سيري )
( إذا ما بنتِ لم تأوِي ... لصَبّ القلبِ مَغْمور )
( وقد بانت ولم تَعْهَد ... مهاةٌ في مَهاً حُورِ )
(7/111)

( وفي الآل حُمُولُ الحي ... تُزْهَى كالقَرَاقِير )
( يُواريها وتبدو منه ... آلٌ كالسَّمَادير )
( وتطفو حين تطفو فيه ... كالنَّخل المَوَاقِير )
( لقد لاقيتُ من سَلْمَى ... تباريحَ التّناكِيرِ )
( دعتْ عيني لها قلبي ... وأسبابُ المقادير )
( وما إنْ مَنْ به شيبٌ ... إذا يصبو بمعذور )
( لسلمى رسمُ أطلالٍ ... عفَتْها الرّيحُ بالمُور )
( خَريقٌ تنخُل التُّربَ ... بأذيال الأعاصير )
( فأوْحِشْ إذ نأت سلمى ... بتلك الدُّور من دُور )
( سأرمي قانصاتِ البِيد ... إن عِشْتُ بعُسْبور )
(7/112)

( من العِيس شَجَوْجاةٍ ... طواها النِّسْعُ بالكُور )
( إذا ما حَقَبٌ منها ... قرَنَّاه بتَصْدِير )
( زجرْنا العِيسَ فارقَدّتْ ... بإعصافٍ وتَشْمير )
( تُقاسِيها على أيْنِ ... بإدلاجٍ وتَهْجيرِ )
( إذا ما اعصَوْصَب الآلُ ... ومال الظِّلُّ بالقُورِ )
( وراحت تتَّقي الشمس ... مطايا القوم كالعُور )
( إلى أن يُفْضِح الصبحُ ... بأصوات العصافير )
( لِتَعْتَامَ الوليدَ القَرْمَ ... أهلَ الجود والخيِر )
( كريمٌ يَهَبُ البُزْلَ ... مع الخُورِ الجَرَاجِير )
( تُراعِي حين تُزْجيها ... هَوِيًّا كالمزامير )
( كما جاوبَتِ النِّيبُ ... رِبَاعَ الخُلُج الخُور )
(7/113)

( ويُعطى الذهبَ الأحمر ... وَزْناً بالقناطير )
( بلَوْناه فأحمدناه ... في عُسْر وميسور )
( كريمُ العُود والعُنْصر ... غَمْرٌ غير منزور )
( له السَّبْق إلى الغايات ... في ضَمّ المَضَامير )
( إمامٌ يُوضِح الحقَّ ... له نور على نور )
( مقالٌ من أخي ودّ ... بحفظ الصدق مأثور )
( بإحكام وإخلاص ... وتفهيم وتَحْبيرِ )
قال فأمر الوليد بأن تعد أبيات القصيدة ويعطى لكل بيت ألف درهم فعدت فكانت خمسين بيتا فأعطي خمسين ألفا فكان أول خليفة عد أبيات الشعر وأعطى على عددها لكل بيت ألف درهم ثم لم يفعل ذلك إلا هارون الرشيد فإنه بلغه خبر جدي مع الوليد فأعطى مروان بن أبي حفصة ومنصورا النمري لما مدحاه وهجوا آل أبي طالب لكل بيت ألف درهم
يزيد يمدح فرس الوليد
قال عبد العظيم وحدثني أبي وجماعة من أصحاب الوليد أن الوليد خرج إلى الصيد ومعه جدي يزيد بن ضبة فاصطاد على فرسه السندي صيدا حسنا ولحق عليه حمارا فصرعه فقال لجدي صف فرسي هذا وصيدنا اليوم فقال في ذلك
(7/114)

( وأحْوَى سَلِسُ المَرْسِن ... مثلُ الصَّدَع الشَّعْب )
( سما فوق مُنيفَاتٍ ... طوالٍ كالقَنَا سُلْب )
( طويلُ الساق عُنْجُوجٌ ... أشقُّ أصمعُ الكَعْب )
( على لأْمٍ أصمَّ مُضَمَّرِ ... الأشْعَر كالقَعْب )
( ترى بين حَوامِيه ... نُسُوراً كنَوَى القَسْب )
( مُعَالىً شَنِجُ الأَنْساء ... سامٍ جُرْشُعُ الجَنْب )
( طَوَى بين الشَّراسِيِف ... إلى المَنْقَب فالقُنْب )
( يغوص الملحم القائِم ... ذو حَدّ وذو شَغْب )
( عَتِيدُ الشَّدّ والتَّقْريب ... والإِحضار والعَقْب )
( صليبُ الأُذْن والكاهل ... والمَوْقِف والعَجْب )
(7/115)

( عريض الخدّ والجَبْهة ... والبِرْكَةِ والهُلْب )
( إذا ما حَثَّه حاثٌّ ... يُبارِي الرّيحَ في غَرْب )
( وإن وجَّهَه أَسرع ... كالخُذْرُوف في الثَّقْب )
( وقَفَّاهنّ كالأجْدَل ... لما انضمّ للضَّرْب )
( ووالَى الطعنَ يخَتار ... جَوَاشِنَ بُدَّنٍ قُبِّ )
( تَرَى كلَّ مُدِلٍّ قائماً ... يَلْهَثُ كالكلب )
( كأن الماء في الأعطاف ... منه قِطَعُ العُطْب )
( كأن الدَّمَ في النَّحْر ... قَذَالٌ عُلّ بالخَضْب )
( يَزينُ الدارَ موقوفاً ... ويَشْفِي قَرَمَ الرَّكْب )
قال فقال له الوليد أحسنت يا يزيد الوصف وأجدته فاجعل لقصيدتك تشبيبا وأعطه الغزيل وعمر الوادي حتى يغنيا فيه فقال
صوت
( إلى هندٍ صبا قلبي ... وهندٌ مثلُها يُصْبِي )
( وهندٌ غادةٌ غَيْداءُ ... من جُرْثومةٍ غُلْب )
(7/116)

( وما إِنْ وجَد الناسُ ... من الأدواء كالحبّ )
( لقد لَجّ بها الإِعراضُ ... والهجرُ بلا ذنب )
( ولمّا أقْضِ من هندٍ ... ومن جاراتها نَحْبي )
( أرى وجدِي بهندٍ دائماً ... يَزْداد عن غِبّ )
( وقد أطْوَلْتُ إعراضاً ... وما بغضُهُم طِبّي )
( ولكن رِقْبَةُ الأعين ... قد تحجُز ذا اللُّبِّ )
( ورَغْمُ الكاشح الراغم ... فيها أيْسَرُ الخَطْب ) قال ودفع هذه الأبيات إلى المغنين فغنوه فيها
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي عن الأصمعي وحدثني به محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم قال حدثنا الأصمعي قال كان يزيد بن ضبة مولى ثقيف ولكنه كان فصيحا وقد أدركته بالطائف وقد كان يطلب القوافي المعتاصة والحوشي من الشعر
قال أبو حاتم في خبره خاصة وحدثني غسان بن عبد الله بن عبد الوهاب الثقفي عن جماعة من مشايخ الطائفيين وعلمائهم قالوا قال يزيد بن ضبة ألف قصيدة فاقتسمتها شعراء العرب وانتحلتها فدخلت في أشعارها
(7/117)

أخبار إسماعيل بن الهربذ
إسماعيل بن الهربذ مكي مولى لآل الزبير بن العوام وقيل بل هو مولى بني كنانة أدرك آخر أيام بني أمية وغنى للوليد بن يزيد وعمر إلى آخر أيام الرشيد
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه عن عبد الله بن أبي سعد عن محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي عن أبيه إن إسماعيل بن الهربذ قدم على الرشيد من مكة فدخل إليه وعنده ابن جامع وإبراهيم وابنه إسحاق وفليح وغيرهم والرشيد يومئذ خاثر به خمار شديد فغنى ابن جامع ثم فليح ثم إبراهيم ثم إسحاق فما حركه أحد منهم ولا أطربه فاندفع ابن الهربذ يغني فعجبوا من إقدامه في تلك الحال على الرشيد فغنى
صوت
( يا راكبَ العيس التي ... وفدَت من البلد الحَرَامِ )
( قًل للإمام ابن الإِمام ... أخي الإِمام أبي الإِمام )
( زينِ البريّة إذ بدا ... فيهم كمصباح الظلام )
( جعل الإِلهُ الهِرْبِذيَّ ... فِداك من بين الأنام )
(7/118)

الغناء لابن الهربذ رمل بالوسطى عن عمرو قال فكاد الرشيد يرقص واستخفه الطرب حتى ضرب بيديه ورجليه ثم أمر له بعشرة آلاف درهم فقال له يا أمير المؤمنين إن لهذا الصوت حديثا فإن أذن مولاي حدثته به فقال حدث ... قال كنت مملوكا لرجل من ولد الزبير فدفع إلي درهمين أبتاع له بهما لحما فرحت فلقيت جارية على رأسها جرة مملوءة من ماء العقيق وهي تغني هذا اللحن في شعر غير هذا الشعر على وزنه ورويّه فسألتها أن تعلمنيه فقالت لا وحق القبر إلا بدرهمين فدفعت إليها الدرهمين وعلمتنيه فرجعت إلى مولاي بغير لحم فضربني ضربا مبرحا شغلت معه بنفسي فأنسيت الصوت ثم دفع إلي درهمين آخرين بعد أيام أبتاع له بهما لحما فلقيتني الجارية فسألتها أن تعيد الصوت علي فقالت لا والله إلا بدرهمين فدفعتهما إليها وأعادته علي مرارا حتى أخذته
فلما رجعت إلى مولاي أيضا ولا لحم معي قال ما القصة في هذين الدرهمين فصدقته القصة وأعدت عليه الصوت فقبل بين عيني وأعتقني فرحلت اليك بهذا الصوت وقد جعلت ذلك اللحن في هذا الشعر فقال دع الأول وتناسه وأقم على الغناء بهذا اللحن في هذا الشعر فأما مولاك فسأدفع إليه بدل كل درهم ألف دينار ثم أمر له بذلك فحمل إليه
ومما نسب إلى الوليد بن يزيد من الشعر وليس له
صوت
من المائة المختارة
( اِمدَح الكأسَ ومن أعْمَلها ... واهْجُ قوماً قتلونا بالعطشْ )
( إنما الكأس ربيعٌ باكرٌ ... فإذا ما غاب عنّا لم نَعِشْ )
(7/119)

الشعر لنابغة بني شيبان والغناء لأبي كامل ولحنه المختار من خفيف الثقيل الثاني بالوسطى وهو الذي تسميه الناس اليوم الماخوري وفيه لأبي كامل أيضا خفيف رمل بالبنصر عن عمرو
وذكر الهشامي أن فيه لمالك لحنا من الثقيل الأول بالوسطى ولعمر الوادي ثاني ثقيل بالبنصر
(7/120)

نسب نابغة بني شيبان
النابغة اسمه عبد الله بن المخارق بن سليم بن حصرة بن قيس بن سنان ابن حماد بن حارثة بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار شاعر بدوي من شعراء الدولة الأموية
وكان يفد إلى الشام إلى خلفاء بني أمية فيمدحهم ويجزلون عطاءه وكان فيما أرى نصرانيا لأني وجدته في شعره يحلف بالإنجيل والرهبان والأيمان التي يحلف بها النصارى ومدح عبد الملك بن مروان ومن بعده من ولده وله في الوليد مدائح كثيرة
نابغة بني شيبان يمدح عبد الملك
أخبرني عمي قال حدثني محمد بن سعد الكراني قال حدثني العمري عن العتبيّ قال لما هم عبد الملك بخلع عبد العزيز أخيه وتولية الوليد ابنه العهد كان نابغة بني شيبان منقطعا إلى عبد الملك مداحا له فدخل إليه في يوم حفل
(7/121)

والناس حواليه وولده قدامه فمثل بين يديه وأنشده قوله
( أَشتقتَ وانهلَّ دمعُ عينك أنْ ... أضحى قِفاراً من أهله طَلَحُ ) حتى انتهى إلى قوله
( أزَحْتَ عنّا آلَ الزبير ولو ... كانوا هُمُ المالكين ما صَلَحوا )
( إن تلْقَ بَلْوَى فأنت مُصْطَبِرٌ ... وإن تُلاقِ النُّعْمَى فلا فرح )
( ترمِي بعينَيْ أقْنَى على شَرَف ... لم يؤذه عائرٌ ولا لَحَحُُ )
( آلُ أبي العاصِ آلُ مَأْثُرةٍ ... غُرٌّ عِتَاقٌ بالخير قد نفَحوا )
( خيرُ قريشٍ وهم أفاضلُها ... في الجِدّ جِدٌّ وإن هُمُ مَزَحوا )
( أَرْحَبُها أذْرُعاً وأصبَرُها ... أنتم إذا القوم في الوَغَى كلَحوا )
( أمّا قريشٌ فأنتَ وارثُها ... تكُفّ من صعبهم إذا طمَحوا )
( حفِظْتَ ما ضَيّعوا وزَنْدَهم ... أورَيْتَ إذا أصلدوا وقد قدحوا )
( آليتُ جَهْداً وصادقٌ قسمي ... بربِّ عبدٍ تَجُنُّه الكُرُحُ )
( يَظلّ يتلو الإنجيلَ يدرُسه ... من خَشْية الله قلبُه طَفِح )
( لاَبنُك أولَى بمُلك والده ... ونجم من قد عصاك مُطَّرح )
( داود عَدْلٌ فاحكم بسيرته ... ثم ابنُ حَرْب فإنّهم نصَحوا )
( وهم خيارٌ فاعمل بسنّتهم ... واحْيَ بخير واكْدَحْ كما كدَحوا )
(7/122)

قال فتبسم عبد الملك ولم يتكلم في ذلك بإنذار ولا دفع فعلم الناس أن رأيه خلع عبد العزيز وبلغ ذلك من قول النابغة عبد العزيز فقال لقد أدخل ابن النصرانية نفسه مدخلا ضيقا فأوردها موردا خطرا وبالله علي لئن ظفرت بن لأخضبن قدمه بدمه
مدح يزيد
وقال أبو عمرو الشيباني لما قتل يزيد بن المهلب دخل النابغة الشيباني على يزيد بن عبد الملك بن مروان فأنشده قوله في تهنئته بالفتح
( ألاَ طال التنظُّر والثَّوَاءُ ... وجاء الصيف وانكشف الغِطاءُ )
( وليس يُقيم ذو شَجَنٍ مُقِيمٍ ... ولا يَمْضِي إذا ابتُغِي المَضَاءُ )
( طَوَالَ الدهر إلاّ في كتابٍ ... ومقدارٍ يُوافِقه القضاءُ )
( فما يُعطَى الحريصُ غنىً لِحِرْصٍ ... وقد يَنْمِي لذي الجود الثَّراء )
( وكلُّ شديدةٍ نزلتْ بحيٍّ ... سيتبعُها إذا انتهت الرَّخَاء ) ويقول فيها
( أؤمُّ فتىً من الأعياص مَلْكاً ... أغرَّ كأن غُرّته ضَياء )
( لأُسْمِعه غريبَ الشعر مدحاً ... وأُثْنِي حيث يتصِل الثناء )
( يزيد الخيرِ فهو يزيد خيراً ... وينمِي كلّما ابتُغي النَّمَاء )
( فضَضتَ كتائبَ الأزدي فَضًّا ... بكبشك حين لَفّهما اللقاء )
( سَمكْتَ المُلْكَ مقتبَلاً جديداً ... كما سُمِكَتْ على الأرض السماء )
( نرجِّي أن تدوم لنا إماماً ... وفي مُلك الوليد لنا رجاءُ )
( هشامٌ والوليد وكلُّ نفسٍ ... تُريد لك الفناء لك الفِداء )
(7/123)

وهي قصيدة طويلة فأمر له بمائة ناقة من نعم كلب وأن توقر له برا وزبيبا وكساه وأجزل صلته
قال ووفد إلى هشام لما ولي الخلافة فلما رآه قال له يا ماص ما أبقت المواسي من بظر أمه ألست القائل
( هشامٌ والوليدُ وكلُّ نفسٍ ... تريد لك الفناءَ لك الفِداء ) أخرجوه عني والله لا يرزؤني شيئا أبدا وحرمه ولم يزل طول أيامه طريدا حتى ولي الوليد بن يزيد فوفد إليه ومدحه مدائح كثيرة فأجزل صلته
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني عبيد الله بن محمد الكوفي عن العمري الخصاف عن الهيثم بن عدي عن حماد الراوية أنه أنشده لنابغة بني شيبان
( أيها الساقي سقتْكَ مُزْنَةٌ ... من رَبِيعٍ ذي أهاضيبَ وطَشّ )
( اِمدح الكأس ومن أعملها ... واهْجُ قوما قتلونا بالعطش )
( إنما الكأسُ ربيعٌ باكرٌ ... فإذا ما غاب عنّا لم نَعِشْ )
( وكأنّ الشَّرْبَ قوم مُوِّتوا ... من يَقُمْ منهم لأمر يَرْتَعِش )
( خُرُس الألسُن ممّا نالهم ... بين مصروع وصاحٍ منتعش )
( من حُمَيّا قَرْقَفٍ حُصِّيَّةٍ ... قهوةٍ حَوْليّةٍ لم تُمْتَحَشْ )
(7/124)

( ينفع المزكوم منها ريحُها ... ثم تَنفي داءه إن لم تُنشّ )
( كلّ من يشربها يألفُها ... يُنفق الأموالَ فيها كلُّ هَشّ )
مدح بني شيبان
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الجمحي قال ابن أبي الأزهر وهو محمد بن سلام غني أبو كامل مولى الوليد بن يزيد يوما بحضرة الوليد بن يزيد
( اِمدَح الكأسَ ومن أعملها ... واهْجُ قوماً قتلونا بالعطشْ ) فسأل عن قائل هذا الشعر فقيل نابغة بني شيبان فأمر بإحضاره فأُحضر فاستنشده القصيدة فأنشده إياها وظن أن فيه مدحا له فإذا هو يفتخر بقومه ويمدحهم فقال له الوليد لو سعد جدك لكانت مديحا فينا لا في بني شيبان ولسنا نخليك على ذلك من حظ ووصله وانصرف وأول هذه القصيدة قوله
( خَلَّ قلبي من سُلَيْمى نبلُها ... إذ رمتني بسهام لم تَطِشْ )
( طَفْلةُ الأعطاف رُؤْدٌ دُمْيةٌ ... وشَوَاها بَخْتَرِيّ لم يُحَشْ )
( وكأنّ الدُّرّ في أَخْراصها ... بَيْضُ كَحْلاء أقرّته بعُشّ )
( ولها عينا مَهاةٍ في مهاً ... تَرْتعي نبتَ خُزَامَى ونَتَشْ )
(7/125)

( حُرّةُ الوجه رخيمٌ صوتُها ... رُطَبٌ تَجْنيه كفُّ المنْتقِشْ )
( وهي في الليل إذا ما عُونِقَتْ ... مُنْيةُ البعل وهمُّ المُفْترِش ) وفيها يقول مفتخرا
( وبنو شَيْبان حولي عُصَبٌ ... منهمُ غُلْبٌ وليست بالقَمِشْ )
( ورَدوا المجدَ وكانوا أهلَه ... فرَوُوا والجودُ عافٍ لم يَنِشْ )
( وتَرَى الجُرْدَ لدى أبياتهم ... أرِنَاتٍ بين صَلْصال وجُشْ )
( ليس في الألوان منها هُجْنَةٌ ... وَضَحُ البُلْقِ ولا عيبُ البَرَش )
( فبها يَحْوُون أموال العِدَا ... ويَصيدون عليها كلَّ وحش )
( دَمِيَتْ أكفالُها من طعنهم ... بالرُّدَيْنيّات والخيلِ النُّجُش )
( نُنْهِل الخَطِّيّ من أعدائنا ... ثم نَفْرِي الهامَ إن لم نفْترِشْ )
( فإذا العِيسُ من المحل غَدَتْ ... وهي في أعينها مثلُ العَمَش )
( حُسَّرَ الأوبار مما لَقِيتْ ... من سَحاب حاد عنها لم يُرِشّْ )
( خُسَّفَ الأعين تَرْعَى جُوفةً ... هَمَدتْ أوبارُها لم تَنْتفِش )
( تَنْعَشُ العافي ومن لاذ بنا ... بسِجال الخير من أيْدٍ نُعُشْ )
(7/126)

( ذاك قولي وثنائي وهُمُ ... أهْلُ ودِّي خالصاً في غير غِشّْ )
( فسَلُوا شَيْبانَ إن فارقتُهم ... يوم يمشون إلى قبري بنعش )
( هل غَشِينا مَحْرَماً في قومنا ... أو جَزَينا جازياً فُحْشاً بفُحشْ ) ومما يغنى فيه من شعر نابغة بني شيبان
صوت
( ذَرَفتْ عيني دموعاً ... من رسوم بحَفيرِ )
( مُوحِشاتٍ طامساتٍ ... مثلِ آيات الزَّبُور )
( وزِقَاقٍ مُتْرَعاتٍ ... من سُلاَفات العَصِيرِ )
( مُجْلَخِدّات مِلاَءٍ ... بطّنوهنّ بقِير )
( فإذا صارت اليهم ... صُيِّرتْ خيرَ مَصيرِ )
( من شبابٍ وكُهولٍ ... حكَّموا كأسَ المُدير )
( كم ترى فيهم نديماً ... من رئيس وأمير )
ذكر يونس أن فيه لمالك لحنا ولابن عائشة آخر ولم يذكر طريقتهما وفيه خفيف رمل معروف لا أدري لحن أيهما هو
صوت
من المائة المختارة
( يا عَمْرُ حُمّ فراقُكم عَمْرا ... وعَزَمْتِ منّا النأيَ والهجرا )
( إحدى بني أَوْدٍ كَلِفتُ بها ... حَمَلت بلا تِرَةٍ لنا وِتْرا )
( وترى لها دَلاًّ إذا نطقتْ ... تركت بناتِ فؤاده صُعْرا )
(7/127)

( كتساقط الرُّطَبِ الجَنِيِّ من الأفنان ... لا بَثْراً ولا نزْرا )
الشعر لأبي دهبل الجمحي والغناء لفزار المكي ولحنه المختار ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى عن الهشامي
(7/128)

أخبار أبي دهبل ونسبه
نسبه فيما ذكر الزبير بن بكار وغيره وهب بن زمعة بن أُسيد بن أُحيحة بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب ابن لؤي بن غالب ولخلف بن وهب يقول عبد الله بن الزبعري أو غيره
( خَلَفُ بن وَهْب كلَّ آخر ليلةٍ ... أبداً يكثِّر أهلَه بعيال )
( سَقْياً لوَهْب كَهْلِها ووليدها ... ما دام في أبياتها الذيّال )
( نعم الشبابُ شبابهُم وكهولُهم ... صُيّابة ليسوا من الجُهَّالِ ) وأم أبي دهبل امرأة من هذيل وإياها يعني بقوله
( أنا ابن الفروعِ الكرامِ التي ... هُذَيلٌ لأبياتها سائِلَهْ )
( هُمُ ولدوني وأشبَهتُهم ... كما تُشْبِه الليلة القابلهْ ) واسمها فيما ذكر ابن الأعرابي هذيلة بنت سلمة
بعض من صفاته
قال المدائني كان أبو دهبل رجلا جميلا شاعرا وكانت له جمة
(7/129)

يرسلها فتضرب منكبيه وكان عفيفا وقال الشعر في آخر خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومدح معاوية وعبد الله بن الزبير وقد كان ابن الزبير ولاه بعض أعمال اليمن
حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثنا العمري عن الكلبي عن أبي مسكين وأخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني العباس بن هشام عن أبيه عن أبي مسكين إن قوما مروا براهب فقالوا له يا راهب من أشعر الناس قال مكانكم حتى أنظر في كتاب عندي فنظر في رق له عتيق ثم قال وهب من وهبين من جمح أو جمحين
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا علي ابن صالح عن عبد الله بن عروة قال قال أبو دهبل يفخر بقومه
( قومي بنو جُمَح قوم إذا انحدرَتْ ... شَهْباءُ تُبصر في حافاتها الزَّغَفا )
( أهلُ الخلافة والمُوفُون إن وعَدوا ... والشاهِدو الروع لا عُزْلا ولا كُشُفا ) قال الزبير وأنشدني عمي قال أنشدني مصعب لأبي دهبل يفخر بقومه بقوله
( أنا أبو دهبلَ وَهْبٌ لِوَهَبْ ... من جُمَحٍ في العز منها والحَسَبْ )
( والأُسرةِ الخَضْراء والعِيصِ الأَشِبْ ... ومن هُذَيل والدي عالي النَّسَبْ )
(7/130)

( أورثني المجدَ أبٌ من بعد أبْ ... رمحي رُدَيْنيّ وسيفي المستلِبْ )
( وبَيْضتي قَوْنَسُها من الذَّهبْ ... دِرْعي دِلاصٌ سَرْدُها سردٌ عَجَبْ )
( والقوس فَجّاءُ لها نَبْلٌ ذَرِبْ ... محشورةٌ أُحْكِم منهن القُطَبْ )
( ليوم هَيْجاءَ أُعِدّت للرَّهَبْ ... )
نشيج الأحبّة
أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا محمد بن زهير قال حدثنا المدائني أن أبا دهبل كان يهوى امرأة من قومه يقال لها عمرة وكانت امرأة جزلة يجتمع إليها الرجال للمحادثة وإنشاد الشعر والأخبار وكان أبو دهبل لا يفارق مجلسها مع كل من يجتمع إليها وكانت هي أيضا محبة له
وكان أبو دهبل رجلا سيدا من أشراف بني جمح وكان يحمل الحمالات ويعطي الفقراء ويقري الضيف وزعمت بنو جمح أنه تزوج عمرة هذه بعد ذلك وزعم غيرهم أنه لم يصل إليها وكانت عمرة توصيه بحفط ما بينهما وكتمانه فضمن لها ذلك واتصل ما بينهما فوقفت عليه زوجته فدست إلى عمرة امرأة داهية من عجائز أهلها فجاءتها فحادثتها طويلا ثم قالت لها في عرض حديثها إني لأعجب لك كيف لا تتزوجين أبا دهبل مع ما بينكما قالت وأي شيء يكون بيني وبين أبي دهبل قال فتضاحكت وقالت أتسترين عني شيئا قد تحدثت به أشراف قريش في مجالسها وسوقة أهل
(7/131)

الحجاز في أسواقها والسقاة في مواردها فما يتدافع اثنان أنه يهواك وتهوينه فوثبت عن مجلسها فاحتجبت ومنعت كل من كان يجالسها من المصير إليها
وجاء أبو دهبل على عادته فحجبته وأرسلت إليه بما كره ففي ذلك يقول
صوت
( تطاوَلَ هذا الليل ما يتبلّجُ ... وأعيَتْ غَوَاشِي عَبْرتي ما تَفَرّجُ )
( وبتُّ كئيباً ما أنام كأنما ... خِلالَ ضلوعي جمرةٌ تتوهّجُ )
( فطوْراً أُمَنّي النفسَ من عَمْرة المُنَى ... وطوراً إذا ما لَجّ بي الحزنُ أَنْشِجُ )
( لقد قطع الواشون ما كان بيننا ... ونحن إلى أن يُوصَل الحبلُ أحوجُ )
الغناء في البيت الأول وبعده بيت في آخر القصيدة
( أُخَطِّط في ظهر الحصير كأنّني ... أسيرٌ يَخاف القتلَ ولهان مُلْفَجُ ) لمعبد ثقيل أول بالوسطى
وذكر حماد عن أبيه في أخبار مالك أنه لحائد بن جرهد وأن مالكا أخذه عنه فنسبه الناس إليه فكان إذا غنّاه وسئل عنه يقول هذا والله لحائد بن جرهد لا لي وفيه لأبي عيسى بن الرشيد ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش وفي لقد قطع الواشون وقبله فطورا أمني النفس لمالك ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وفيه لمعبد خفيف ثقيل بالوسطى عن حبش
( رأوا غِرّةً فاستقبلوها بأَلْبِهم ... فراحوا على مالا نُحِبّ وأَدْلجوا )
( وكانوا أُناساً كنتُ آمَنُ غَيْبَهم ... فلم يَنْهَهم حلمي ولم يتحرّجوا )
( فليت كوانِيناً مِنَ أهلي وأهلها ... بأجمعهم في قعر دَجْلة لَجَّجُوا )
(7/132)

( همُ منعونا ما نحبّ وأوقدوا ... علينا وشَبّوا نار صُرم تَأَجَّج )
( ولو تركونا لا هَدَى اللهُ سعيَهم ... ولم يُلْحِموا قولاً من الشرّ يُنْسَج )
( لأوشك صرفُ الدهر يفرقُ بيننا ... ولا يَستقيم الدّهر والدهرُ أعوج )
( عسى كُرْبةٌ أمسيت فيها مقيمةً ... يكون لنا منها نجاةٌ ومَخْرج )
( فيُكْبَتَ أعداءٌ ويَجْذَل آلِفٌ ... له كَبِدٌ من لوعة الحبّ تُلْعَج )
( وقلت لعَبّاد وجاء كتابُها ... لهذا وربِّي كانت العين تَخلُج )
( وإنّي لمحزونٌ عشيّةَ زرتُها ... وكنتُ إذا ما جئتُها لا أُعرِّج )
( أخطِّط في ظهر الحصير كأنني ... أسيرٌ يخاف القتل وَلْهان مُلفَج ) الملفج الفقير المحتاج
( وأشفَقَ قلبي من فراق خليلةٍ ... لها نَسبٌ في فرع فِهرٍ متوَّج )
( وكفٌ كهُدّاب الدِّمَقْسِ لطيفةٌ ... بها دَوْسُ حِنَّاء حديثٌ مُضَرَّج )
( يَجُول وشاحاها وَيغتَصّ حَجْلها ... ويَشْبَع منها وَقْفُ عاج ودُمْلُج )
( فلما التقينا لَجْلَجَتْ في حديثها ... ومن آية الصُّرم الحديثُ المُلَجْلَجُ )
شعره في عمرة
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال أنشدني عمي ومحمد بن الضحاك عن أبيه محمد بن خشرم ومن شئت من قريش لأبي دهبل في عمرة
( يا عَمْر حُمّ فراقُكم عمرا ... وعزَمْتِ منّا النأيَ والهجرا )
(7/133)

( يا عمر شيخُك وهو ذو كرم ... يَحْمي الذِّمار ويُكرم الصِّهرا )
( إن كان هذا السحرُ منك فلا ... تُرْعِي عليّ وجدِّدي السِّحرا )
( إحدى بني أَوْد كلِفتُ بها ... حمَلتْ بلا وِتْر لنا وترا )
( وتَرى لها دَلاًّ إذا نطقتْ ... تركتْ بناتِ فؤاده صُعْرا )
( كتساقُطِ الرُّطَب الجَنِيّ من الأفنان ... لا بَثْراً ولا نَزْرا )
( أقسمتُ ما أحببتُ حبَّكم ... لا ثَيِّباً خُلقتْ ولا بِكْرا )
( ومقالةٌ فيكم عرَكْتُ بها ... جَنْبي أُرِيد بها لك العذرا )
( ومُريد سرّكم عدَلتُ به ... فيما يحاول مَعْدِلاً وَعْرا )
( قالت يُقيم بنا لنَجْزِيَه ... يوماً فخَيَّم عندها شهرا )
( ما إن أُقيم لحاجةٍ عرَضَتْ ... إلاّ لأُبْلِيَ فيكمُ العذرا ) قالوا وفيها يقول
صوت
( يلومونني في غير ذنب جنيتُه ... وغيريَ في الذنب الذي كان ألومُ )
( أمِنّا أُناساً كنتِ تأتمنِينَهم ... فزادوا علينا في الحديث وأوهموا )
( وقالوا لنا ما لم يُقَلْ ثم كثَّروا ... علينا وباحوا بالذي كنت أكتُمُ )
غنى في هذه الأبيات أبو كامل مولى الوليد رملا بالبنصر
(7/134)

( وقد مُنِحتْ عيني القَذَى لفراقهم ... وعاد لها تَهْتَانُها فهي تَسْجُمُ )
( وصافيتُ نِسْواناً فلم أر فيهمُ ... هوايَ ولا الوُدَّ الذي كنتُ أعلم )
( أليس عظيماً أن نكون ببلدة ... كلانا بها ثاوٍ ولا نتكلّم )
أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان قال سمع أبو السائب المخزومي رجلا ينشد قول أبي دهبل
( أليس عجيباً أن نكون ببلدة ... كلانا بها ثاوٍ ولا نتكلّم ) فقال له أبو السائب قف يا حبيبي فوقف فصاح بجارية يا سلامة اخرجي فخرجت فقال له أَعِد بأبي أنت البيت فأعاده فقال بلى والله إنه لعجيب عظيم وإلا فسلامة حرة لوجه الله اذهب فديتك مصاحبا ثم دخل ودخلت الجارية تقول له ما لقيت منك لا تزال تقطعني عن شغلي فيما لا ينفعك ولا ينفعني
وحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال كنا نختلف إلى أبي العباس المبرد ونحن أحداث نكتب عن الرواة ما يروونه من الآداب والأخبار وكان يصحبنا فتى من أحسن الناس وجها وأنظفهم ثوبا وأجملهم زيا ولا نعرف باطن أمره فانصرفنا يوما من مجلس أبي العباس المبرد وجلسنا في مجلس نتقابل بما كتبناه ونصحح المجلس الذي شهدناه فإذا بجارية قد اطلعت فطرحت في حجر الفتى رقعة ما رأيت أحسن من شكلها مختومة بعنبر فقرأها منفردا بها ثم أجاب عنها ورمى بها إلى الجارية فلم نلبث أن خرج خادم من الدار في يده كرش فدخل الينا فصفع الفتى به حتى رحمناه وخلصناه من يده
(7/135)

( وقمنا أسوأ الناس حالا فلما تباعدنا سألناه عن الرقعة فإذا فيها مكتوب
( كفى حَزَناً أنّا جميعاً ببلدةٍ ... كلانا بها ثاوٍ ولا نتكلّم ) فقلنا له هذا ابتداء ظريف فبأي شيء أجبت أنت قال هذا صوت سمعته يُغنى فيه فلما قرأته في الرقعة أجبت عنه بصوت مثله فسألناه ما هو فقال كتبت في الجواب
( أراعك بالخَابُور نُوقٌ وأجمال ... ) فقلنا له ما وفاك القوم حقك قط وقد كان ينبغي أن يدخلونا معك في القصة لدخولك في جملتنا ولكنا نحن نوفيك حقك ثم تناولناه فصفعناه حتى لم يدر أي طريق يأخذ وكان آخر عهده بالاجتماع معنا
رجع الخبر إلى سياقة أخبار أبي دهبل
أبو دهبل وعاتكة بنت معاوية
أخبرني عمي حدثني الكراني قال حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال حدثنا صالح بن حسان قال وأخبرني بهذا الخبر محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني محمد بن عمر قال حدثني محمد بن السري قال
(7/136)

حدثنا هشام بن الكلبي عن أبيه يزيد أحدهما على الآخر في خبره واللفظ لصالح بن حسان وخبره أتم قال حجت عاتكة بنت معاوية بن أبي سفيان فنزلت من مكة بذي طوى فبينا هي ذات يوم جالسة وقد اشتد الحر وانقطع الطريق وذلك في وقت الهاجرة إذ أمرت جواريها فرفعن الستر وهي جالسة في مجلسها عليها شفوف لها تنظر إلى الطريق إذ مر بها أبو دهبل الجمحي وكان من أجمل الناس وأحسنهم منظرا فوقف طويلا ينظر إليها وإلى جمالها وهي غافلة عنه فلما فطنت له سترت وجهها وأمرت بطرح الستر وشتمته فقال أبو دهبل
( إني دعاني الحَيْن فاقتادني ... حتى رأيتُ الظبي بالبابِ )
( يا حسنَه إذ سبّني مُدْبِراً ... مستَتِراً عنّي بجِلباب )
( سبحان من وقّفها حسرةً ... صُبّت على القلب بأوصاب )
( يذود عنها إن تطلّبتُها ... أبٌ لها ليس بوهّاب )
( أحلّها قصراً منيعَ الذُّرَى ... يُحْمَى بأبواب وحُجّاب ) قال وأنشد أبو دهبل هذه الأبيات بعض إخوانه فشاعت بمكة وشهرت وغنى فيها المغنون حتى سمعتها عاتكة إنشادا وغناء فضحكت وأعجبتها وبعثت إليه بكسوة وجرت الرسل بينهما فلما صدرت عن مكة خرج معها إلى الشأم ونزل قريبا منها فكانت تعاهده بالبر واللطف حتى وردت دمشق وورد معها فانقطعت عن لقائه وبعد من أن يراها ومرض بدمشق مرضا طويلا فقال في ذلك
(7/137)

( طال ليلي وبِتّ كالمحزون ... ومَلِلتُ الثَّواءَ في جَيْرون )
( وأطلتُ المُقام بالشأم حتى ... ظنّ أهلي مُرَجَّمَاتِ الظّنون )
( فبكتْ خشيةَ التفرّق جُمْلٌ ... كبكاء القرين إثْرَ القرين )
( وهي زهراءُ مثلُ لؤلؤة الغَوَّاصِ ... مِيزتْ من جوهر مكنون )
( وإذا ما نسبْتَها لم تَجِدْها ... في سَناء من المكارم دون )
( ثم خاصرتُها إلى القُبّة الخَضْراءِ ... تمشي في مَرْمَرٍ مَسْنون )
( قُبَةٌ من مَراجل ضربوها ... عند بَرْد الشتاء في قَيْطون )
( عن يَساري إذا دخلتُ من الباب ... وإن كنتُ خارجاً عن يميني )
( ولقد قلتُ إذ تطاول سُقْمي ... وتَقَلّبتُ ليلتي في فنون )
( ليت شعري أمِنْ هوىً طار نومي ... أم بَراني الباري قصيرَ الجفون )
قال وشاع هذا الشعر حتى بلغ معاوية فأمسك عنه حتى إذا كان في يوم الجمعة دخل عليه الناس وفيهم أبو دهبل فقال معاوية لحاجبه إذا أراد أبو دهبل الخروج فامنعه واردده إليّ وجعل الناس يسلمون وينصرفون فقام أبو دهبل لينصرف فناداه معاوية يا أبا دهبل إلي فلما دنا إليه أجلسه حتى خلا به ثم قال له ما كنت ظننت أن في قريش أشعر منك حيث تقول
( ولقد قلت إذ تطاول سُقْمِي ... وتقلّبتُ ليلتي في فنون )
( ليت شعري أمن هوىً طار نومي ... أم براني الباري قصيرَ الجفون )
(7/138)

غير أنك قلت
( وهي زهراءُ مثل لؤلؤة الغَوّاصِ ... مِيزتْ من جوهر مكنون )
( وإذا ما نسبْتَها لم تَجدْها ... في سَناء من المكارم دُون ) ووالله إن فتاة أبوها معاوية وجدها أبو سفيان وجدتها هند بنت عتبة لكما ذكرت وأي شيء زدت في قدرها ولقد أسأت في قولك
( ثم خاصرتُها إلى القبّة الخضراء ... تَمشي في مرمر مَسْنون ) فقال والله يا أمير المؤمنين ما قلت هذا وإنما قيل على لساني فقال له أما من جهتي فلا خوف عليك لأني أعلم صيانة ابنتي نفسها وأعرف أن فتيان الشعر لم يتركوا أن يقولوا النسيب في كل من جاز أن يقولوه فيه وكل من لم يجز وإنما أكره لك جوار يزيد وأخاف عليك وثباته فإن له سورة الشباب وأنفة الملوك وإنما أراد معاوية أن يهرب أبو دهبل فتنقضي المقالة عن ابنته فحذر أبو دهبل فخرج إلى مكة هاربا على وجهه فكان يكاتب عاتكة فبينا معاوية ذات يوم في مجلسه إذ جاءه خصي له فقال يا أمير المؤمنين والله لقد سقط إلى عاتكة اليوم كتاب فلما قرأته بكت ثم أخذته
(7/139)

فوضعته تحت مصلاها وما زالت خاثرة النفس منذ اليوم فقال له اذهب فالطف لهذا الكتاب حتى تأتيني به فانطلق الخصي فلم يزل يلطف حتى أصاب منها غرة فأخذ الكتاب وأقبل به إلى معاوية فإذا فيه
( أعاتِكُ هلاّ إذ بخلْتِ فلا تَرَيْ ... لذي صَبْوة زُلْفَى لديك ولا حَقّا )
( رَدَدْتِ فؤاداً قد تولّى به الهوى ... وسكّنْتِ عيناً لا تَمَلّ ولا تَرْقا )
( ولكن خلعتِ القلبَ بالوعد والمُنى ... ولم أرَ يوماً منك جُوداً ولا صدقا )
( أتَنْسَيْن أيّامي برَبْعك مُدْنَفاً ... صريعاً بأرض الشأم ذا سَقَم مُلْقَى )
( وليس صديقٌ يُرتضَى لوصيّةٍ ... وأدعو لدائي بالشَّراب فما أُسْقَى )
( وأكبرُ همّي أن أرَى لك مُرْسَلاً ... فطولَ نهاري جالسٌ أرْقُبُ الطُّرقا )
( فوَاكبِدي إذ ليس لي منك مجلسٌ ... فأشكو الذي بي من هواك وما أَلقَى )
( رأيتُك تزدادين للصّبّ غِلظةً ... ويزداد قلبي كلَّ يوم لكم عشقا )
قال فلما قرأ معاوية هذا الشعر بعث إلى يزيد بن معاوية فأتاه فدخل عليه فوجد معاوية مطرقا فقال يا أمير المؤمنين ما هذا الأمر الذي شجاك قال أمر أمرضني وأقلقني منذ اليوم وما أدري ما أعمل في شأنه قال وما هو يا أمير المؤمنين قال هذا الفاسق أبو دهبل كتب بهده الأبيات إلى أختك عاتكة فلم تزل باكية منذ اليوم وقد أفسدها فما ترى فيه فقال والله إن الرأي لهين قال وما هو قال عبد من عبيدك يكمن له في أزقة مكة فيريحنا منه قال معاوية أُف لك والله إن امرأً يريد بك ما يريد ويسمو بك إلى ما يسمو لغير ذي رأي وأنت قد ضاق ذرعك بكلمة وقصر فيها باعك حتى أردت أن تقتل رجلا من قريش أو ما تعلم أنك إذا فعلت ذلك صدقت
(7/140)

قوله وجعلتنا أُحدوثة أبدا قال يا أمير المؤمنين إنه قال قصيدة أخرى تناشدها أهل مكة وسارت حتى بلغتني وأوجعتني وحملتني على ما أشرت به فيه قال وما هي قال قال
( أَلاَ لا تَقُلْ مهلاً فقد ذهب المَهْلُ ... وما كلّ من يَلْحَى محبَّا له عقل )
( لقد كان في حوليْن حالاً ولم أزُرْ ... هواي وإن خُوِّفتُ عن حبها شغل )
( حمَى الملكُ الجبّار عنّي لقاءها ... فمن دونها تُخْشَى المتالِفُ والقتل )
( فلا خيرَ في حبٍّ يُخاف وبالُه ... ولا في حبيبٍ لا يكون له وصل )
( فواكَبِدي إنّي شُهِرتُ بحبّها ... ولم يك فيما بيننا ساعةً بَذْلُ )
( ويا عجباً إني أُكاتم حبِّها ... وقد شاع حتى قُطّعت دونها السُّبْلُ )
قال فقال معاوية قد والله رفهت عني فما كنت آمن أنه قد وصل إليها فأما الآن وهو يشكو أنه لم يكن بينهما وصل ولا بذل فالخطب فيه يسير قم عني فقام يزيد فانصرف وحجّ معاوية في تلك السنة فلما انقضت أيام الحج كتب أسماء وجوه قريش وأشرافهم وشعرائهم وكتب فيهم اسم أبي دهبل ثم دعا بهم ففرق في جميعهم صلات سنية وأجازهم جوائز كثيرة فلما قبض أبو دهبل جائزته وقام لينصرف دعا به معاوية فرجع إليه فقال له يا أبا دهبل مالي رأيت أبا خالد يزيد ابن أمير المؤمنين عليك ساخطا في قوارص تأتيه عنك وشعر لا تزال قد نطقت به وأنفذته إلى خصمائنا وموالينا لا تعرض لأبي خالد فجعل يعتذر إليه ويحلف له أنه مكذوب عليه فقال له معاوية لا بأس عليك وما يضرك ذلك عندنا هل
(7/141)

تأهلت قال لا قال فأي بنات عمك أحب إليك قال فلانة قال قد زوجتكها وأصدقتها ألفي دينار وأمرت لك بألف دينار فلما قبضها قال إن رأى أمير المؤمنين أن يعفو لي عما مضى فإن نطقت ببيت في معنى ما سبق مني فقد أبحت به دمي وفلانة التي زوجتنيها طالق البتة فسر بذلك معاوية وضمن له رضا يزيد عنه ووعده بإدرار ما وصله به في كل سنة وانصرف إلى دمشق ولم يحجج معاوية في تلك السنة إلى من أجل أبي دهبل
الرجل الضعيف والمرأة الآثمة
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قال حدثني إبراهيم بن عبد الله قال خرج أبو دهبل يريد الغزو وكان رجلا صالحا وكان جميلا فلما كان بجيرون جاءته امرأة فأعطته كتابا فقالت اقرأ لي هذا الكتاب فقرأه لها ثم ذهبت فدخلت قصرا ثم خرجت إليه فقالت لو بلغت القصر فقرأت الكتاب على امرأة كان لك فيه أجر إن شاء الله فإنه من غائب لها يعنيها أمره فبلغ معها القصر فلما دخلا إذا فيه جوار كثيرة فأغلقن القصر عليه وإذا فيه امرأة وضيئة فدعته إلى نفسها فأبى فأمرت به فحبس في بيت في القصر وأُطعم وسقي قليلا قليلا حتى ضعف وكاد يموت ثم دعته إلى نفسها فقال لا يكون ذلك أبدا ولكني أتزوجك قالت نعم فتزوجها فأمرت به فأُحسن إليه حتى رجعت إليه نفسه فأقام معها زمانا طويلا لا تدعه يخرج حتى يئس منه أهله وولده وتزوج بنوه وبناته واقتسموا ماله وأقامت زوجته تبكي عليه حتى عمشت ولم تقاسمهم ماله ثم إنه قال لامرأته إنك قد أثمت فيّ وفي ولدي وأهلي فأذني لي أطالعهم وأعود إليك فأخذت عليه أيمانا ألا يقيم إلا سنة حتى يعود إليها فخرج من عندها يجر الدنيا حتى قدم على أهله فرأى حال زوجته وما صار إليه ولده وجاء إليه ولده فقال لهم لا والله ما
(7/142)

بيني وبينكم عمل أنتم قد ورثتموني وأنا حي فهو حظكم والله لا يشرك زوجتي فيما قدمت به أحد ثم قال لها شأنك به فهو لك كله وقال في الشامية
( صاحِ حيّا الإِلهُ حيًّا ودُوراً ... عند أصل القناة من جَيْرون )
( عن يَساري إذا دخلت من الباب ... وإن كنتُ خارجاً عن يميني )
( فبذاك اغتربتُ في الشأم حتى
ظنّ أهلي مُرَجَّماتِ الظنون )
( وهي زهراءُ مثلُ لؤلؤة الغوّاصِ ... مِيزتْ من جوهرٍ مكنون )
( وإذا ما نسبتَها لم تَجِدْها ... في سَناء من المكارم دون )
( تجعل المسك واليَلَنْجُوجَ والنَّدَّ صِلاءً لها على الكانون )
( ثم ماشيتُها إلى القبّة الخضراء ... تمشي في مَرْمَر مَسْنون )
( وقبابٍ قد أُسْرِجَت وبيوت ... نُظِّمتْ بالرَّيْحان والزَّرَجُونِ )
( قبّة من مراجل ضربوها ... عند حدّ الشتاء في قَيْطون )
( ثم فارقتُها على خير ما كان ... قرينٌ مُفارِقٌ لقرين )
( فبكتْ خَشيةَ التفرّق للبين ... بكاءَ الحزين إثْرَ الحزين )
( واسألي عن تذكّري واطمئني ... لأُناسي إذا هُمُ عذلوني ) فلما حل الأجل أراد الخروج إليها فجاءه موتها فأقام
أبو دهبل وابن الأزرق
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قال وفد أبو دهبل الجمحي على ابن الأزرق عبد الله بن عبد الرحمن بن
(7/143)

الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكان يقال له ابن الأزرق والهبرزي وكان عاملا لعبد الله بن الزبير على اليمن فأنكره ورأى منه جفوة فمضى إلى عمارة بن عمرو بن حزم وهو عامل لعبد الله بن الزبير على حضرموت فقال يمدحه ويعرض بابن الأزرق
( يا ربِّ حيِّ بخير ما ... حيَّيْتَ إنساناً عمارَهْ )
( أعطى فأسْنانا ولم ... يك من عطيّته الصَّغَاره )
( ومن العطيّة ما تُرى ... جذْماءَ ليس لها نَزَاره )
( حجراً تقلِّبه وهل ... تُعْطِي على المدح الحجارة )
( كالبغل يُحمد قائماً ... وتَذُمّ مِشْيَته المُصَارَة ) ثم رجع من عند عمارة بن عمرو بن حزم فقدم فقال له حنين مولى ابن الأزرق في السر أرى أنك عجلت على ابن عمك وهو أجود الناس وأكرمهم فعد إليه فإنه غير تاركك واعلم أنا نخاف أن يكون قد عزل فلازمه ولا يفقدك فإني أخاف أن ينساك ففعل وأعطاه وأرضاه فقال في ذلك
( يا حُنّ إنِّي لِمَا حدّثتني أُصُلاً ... مُرَنَّح من صميم الوجد معمودُ )
( نخاف عزلَ امرىء كنّا نعيش به ... معروفُه إن طلبنا الجودَ موجودُ )
( اِعلم بأنّي لمن عاديتَ مُضْطَغِنٌ ... ضَبًّا وأنَّي عليك اليوم محسود )
( وأنَّ شكَرك عندي لا انقضاءَ له ... ما دام بالهَضْب من لُبْنان جُلْمود )
(7/144)

( أنتَ الممدَّح والمُغْلِي به ثمناً ... إذ لا تُمَدَّح صُمُّ الجندل السُّودُ )
( إنْ تَغْدُ من مَنْقَلَيْ نَجْرانَ مُرْتحِلاً ... يَرْحَلْ من اليمن المعروفُ والجودُ )
( ما زلتَ في دَفَعات الخير تفعلها ... لمّا اعترى الناسَ لأْوَاءٌ ومجهود )
( حتى الذي بين عُسْفانٍ إلى عَدَنٍ ... لَحْبٌ لمن يطلب المعروفَ أُخْدود ) قال وأنشدنيها محمد بن الضحاك بن عثمان قال سمعتها من أبي
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال أخبرني الزبير بن بكار وحدثني حمزة بن عتبة قال قال أبو دهبل الجمحي لما قلت أبياتي التي قلت فيها
( اِعْلَم بأنّي لمن عاديتَ مُضْطَغِنٌ ... ضَبًّا وأنّي عليك اليوم محسود ) قلت فيها نصف بيت ( وأن شكرك عندي لا انقضاء له ... ) ثم أُرتج علي فأقمت حولين لا أقع على تمامه حتى سمعت رجلا من الحاج في الموسم يذكر لبنان فقلت ما لبنان فقال جبل بالشأم فأتممت نصف البيت
( ما دام بالهَضْب من لبنان جُلْمودُ ... ) قال الزبير وحدثني محمد بن حبش المخزومي قال دخل نصيب على إبراهيم بن هشام وهو وال على المدينة فأنشده
(7/145)

قصيدة مدحه فيها فقال إبراهيم بن هشام ما هذا بشيء أين هذا من قول أبي دهبل لصاحبنا ابن الأزرق حيث قال
( إن تَغْدُ من مَنْقَلَيْ نَجْرانَ مرتحِلاً ... يَبِنْ من اليمن المعروفُ والجودُ ) فغضب نصيب فحمي فنزع عمامته وطرحها وبرك عليها ثم قال إن تأتونا برجال مثل ابن الأزرق نأتكم بمديح أجود من مديح أبي دهبل
قال الزبير وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد العزيز الزهري قال حدثني إسماعيل بن يعقوب بن مجمع التيمي قال كان إبراهيم بن هشام جبارا وكان يقيم بلا إذن إذ كان على المدينة الأشهر
فإذا أذن للناس أذن معهم لشاعر فينشد قصيدة مديح لهشام بن عبد الملك وقصيدة مديح لإبراهيم بن هشام فأذن لهم يوما وكان الشاعر الذي أذن له معهم نصيبا وعليه جبة وشي فاستأذنه في الإنشاد فأذن له فأنشده قصيدة لهشام به عبد الملك ثم قطعها وأنشد قصيدة مديح لإبراهيم بن هشام وقصيدة هشام أشعر فأراد الناس ممالحة نصيب فقالوا ما أحسن هذا يا أبا محجن أعد هذا البيت فقال إبراهيم أكثرتم إنه لشاعر وأشعر منه الذي يقول في ابن الأزرق
( إن تُمْسِ من مَنْقَلَيْ نَجْران مرتَحِلاً ... يَبِن من اليمن المعروفُ والجودُ )
( ما زلتَ في دَفَعات الخير تفعلها ... لما اعترى الناسَ لأْوَاءٌ ومجهود ) وحمي نصيب فقال إنا والله ما نصنع المديح إلا على قدر الرجال كما يكون الرجل يمدح فعم الناس الضحك وحلم عنه وقال الحاجب ارتفعوا فلما صاروا في السقيفة ضحكوا وقالوا أرأيتم مثل شجاعة هذا
(7/146)

الأسود على هذا الجبار وحلم من غير حلم
قال الزبير وحدثني عمي مصعب قال خرج أبو دهبل يريد ابن الأزرق فلقيه معزولا فشق ذلك عليه واسترجع فقال له ابن الأزرق هون عليك لم يفتك شيء فأعطاه مائتي دينار فقال في ذلك أبو دهبل
( أعطى أميراً ومنزوعاً وما نَزَعَتْ ... عنه المكارمُ تَغْشاه وما نَزَعا ) وحدثني محمد بن الضحاك مثل ذلك وأنشدني البيت
وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو توبة صالح بن محمد بن دراج قال حدثنا أبو عمرو الشيباني قال ولى عبد الله بن الزبير ابنا لسعد بن أبي وقاص يقال له إبراهيم مكان الثبت بن عبد الرحمن بن الوليد الذي يقال له ابن الأزرق فخرج حتى نزل بزبيد فقال لابن الأزرق هلم حسابك فقال مالك عندي حساب ولا بيني وبينك عمل وخرج متوجها إلى مكة فاستأذنه أبو دهبل في صحبة الوقاصي فأذن له فرجع معه حتى إذا دخلوا صنعاء لقيهم بحير بن ريسان في نفر كثير من الفرس وغيرهم ومضى ابن الأزرق ومعه ما احتمله من أموال
(7/147)

اليمن فسار يوما ثم نزل فضرب رواقه ودعا الناس فأعطاهم ذلك المال حتى لم يبق منه درهم فقال أبو دهبل
( أعطى أميراً ومنزوعاً وما نَزعَتْ ... عنه المكارمُ تَغشاه وما نَزَعا ) وأقام أبو دهبل مع الوقاصي فلم يصنع به خيرا فقال أبو دهبل
( ماذا رُزِئْنا غَداةَ الخَلّ من رِمعٍ ... عند التفرّق من خِيم ومن كرم )
( ظلّ لنا واقفاً يُعطي فأكثر ما ... سمّى وقال لنا في قولِه نعم ) نعم حرف موقوف فإذا حرك أُجريت حركته إلى الخفض لأنه أولى بالساكن
( ثم انتحى غيرَ مذمومٍ وأعينُنا ... لما تولّى بدمع واكفٍ سَجِمِ )
( تَحْمِلُه الناقةُ الأدمَاءُ مُعْتَجِراً ... بالبُرد كالبدر جَلّى ليلةَ الظُّلِمِ )
( وكيف أنساك لا أيديك واحدةٌ ... عندي ولا بالذي أوليتَ من قِدَم )
( حتى لقينا بَحِيراً عند مَقْدَمِنا ... في موكب كضِياع الجِزْع مُرْتَكم )
( لما رأيتُ مُقامي عند بابهمُ ... وَدِدْت أنّي بذاك الباب لم أُقِمِ ) وبحير بن ريسان الذي يقول فيه أبو دهبل
صوت
( بحِير بن ريسان الذي سكن الجَنَدْ ... يقول له الناسُ الجوادُ ومن وَلَدْ )
(7/148)

( له نفحاتٌ حين يُذكر فضلُه ... كسيل ربيع في ضَحَاضِحَةِ السَّنَدْ )
في هذين البيتين هزج بالبنصر ذكر عمرو بن بانة أنه ليمان وذكر الهشامي أنه لابن جامع
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أبو توبة عن أبي عمرو الشيباني قال كان ابن الزبير بعث عبد الله بن عبد الرحمن على بعض أعمال اليمن فمد يده إلى أموالها وأعطى أعطية سنية وبث في قريش منها أشياء جزيلة فأثنت عليه قريش ووفدوا إليه فأسنى لهم العطايا وبلغ ذلك عبد الله بن الزبير فحسده وعزله بإبراهيم بن سعد بن أبي وقاص فلما قدم عليه أراد أن يحاسبه فقال له مالك عندي حساب ولا بيني وبينك عمل وقدم مكة فخافت قريش ابن الزبير عليه أن يفتشه أو يكشفه فلبست السلاح وخرجت إليه لتمنعه فلما لقيهم نزلت إليه قريش فسلمت عليه وبسطت له أرديتها وتلقته إماؤهم وولائدهم بمجامر الأَلوة والعود المندلي يبخرون بين يديه حتى انتهى إلى المسجد وطاف بالبيت ثم جاء إلى ابن الزبير فسلم عليه وهم معه مطيفون به فعلم ابن الزبير أنه لا سبيل له إليه فما عرض ولا صرح له بشيء ومضى إلي منزله فقال أبو دهبل
( فمن يك شان العزلُ أو هدّ ركنَه ... لأعدائه يوماً فما شانكَ العزلُ )
( وما أصبحت من نعمة مُستفادةٍ ... ولا رَحِمٍ إلا عليها لك الفضل )
(7/149)

وقال أبو دهبل أيضا فيه أخبرني بذلك ابن المرزبان عن أبي توبة عن أبي عمرو الشيباني وأخبرني به الحرمي عن الزبير عن عمه
( عُقم النساءُفلم يَلِدْنَ شبيهَه ... إن النساء بمثله عُقْمُ )
( متهلِّلّ بنَعَمْ بلا مُتَباعِدٌ ... سيّانِ منه الوفر والعُدْم )
( نَزْرُ الكلام من الحياء تخاله ... ضَمِناً وليس بجسمه سُقْم )
أبو دهبل وسليمان بن عبد الملك
أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا أبو توبة عن أبي عمرو قال قال أبو دهبل يمدح ابن الأزرق
( بأبي وأمّي غيرَ قول الباطلِ ... الكاملُ ابن الكامل ابن الكاملِ )
( والحازمُ الأمر الكريمُ برأيه ... والواصلُ الأرحام وابنُ الواصل )
( جمع الرياسةَ والسماحَ كليهما ... جَمْعَ الجَفِير قِداحَ نبل النابل )
أخبرني محمد بن خلف قال حدثني محمد بن عمر قال حدثني سليمان ابن عباد قال حدثني أبو جعفر الشويفعي رجل من أهل مكة قال قدم سليمان بن عبد الملك مكة في حر شديد فكان ينقل سريره بفناء الكعبة وأعطى الناس العطاء فلما بلغ بني جمح نودي بأبي دهبل فقال سليمان أين أبو دهبل الشاعر علي به فأتي به فقال سليمان أنت أبو دهبل الشاعر قال نعم قال فأنت القائل
( فِتنةٌ يُشْعلها وُرَّادُها ... حطبَ النار فدعها تَشْتَعِلْ )
( فإذا ما كان أمنٌ فأْتهمْ ... وإذا ما كان خوفٌ فاعتزل ) قال نعم قال وأنت القائل
(7/150)

( يدعون مروانَ كيما يَستجيبَ لهم ... وعند مروان خار القومُ أو رقدوا )
( قد كان في قوم موسى قبلهم جَسَد ... عجلٌ إذا خار فيهم خَوْرةً سجدوا ) قال نعم قال أنت القائل هذا ثم تطلب ما عندنا لا والله ولا كرامة فقال يا أمير المؤمنين إن قوما فتنوا فكافحوكم بأسيافهم وأجلبوا عليكم بخيلهم ورجلهم ثم أدالكم الله منهم فعفوتم عنهم وإنما فتنت فقلت بلساني فلم لا يعفى عني فقال سليمان قد عفونا عنك وأقطعه قطيعة بحاذان باليمن فقيل لسليمان كيف أقطعته هذه القطيعة قال أردت أن أميته وأميت ذكره بها
أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا المدائني عن جماعة من الرواة أن أبا دهبل كان يهوى امرأة من قومه يقال لها عمرة وكانت امرأة جزلة يجتمع الرجال عندها لإنشاد الشعر والمحادثة وكان أبو دهبل لا يفارق مجلسها مع كل من يجتمع إليها وكانت هي أيضا محبة له وكان أبو دهبل من أشراف بني جمح وكان يحمل الحمالة وكان مسودا وزعمت بنو جمح أنه تزوجها بعد وزعم غيرهم من الرواة أنه لم يصل إليها ولم يجر بينهما حلال ولا حرام قال وكانت عمرة تتقدم إلى أبي دهبل في حفظ ما بينهما وكتمانه فضمن ذلك لها فجاء نسوة كن يتحدثن إليها فذكرن لها شيئا من أبي دهبل وقلن قد علق امرأة قالت وما ذاك قلن ذكر أنه عاشق لك وأنك عاشقة له فرفعت مجلسها ومجالسة الرجال ظاهرة وضربت حجابا بينهم وبينها وكتبت إلى أبي دهبل تعذله وتخبره بما بلغها من سوء صنيعه فعند ذلك يقول
(7/151)

( تطاوَل هذا الليلُ ما يتبلّج ... وأعْيَتْ غواشي عبْرتي ما تَفَرّجُ )
( وبتُّ كئيباً ما أنام كأنما ... خلالَ ضلوعي جمرةٌ تتوهّجُ )
( فطوراً أُمنّي النفسَ من عَمْرةَ المنى ... وطوراً إذا ما لَجّ بي الحزن أَنشِجُ )
( لقد قطع الواشون ما كان بيننا ... ونحن إلى أن يُوصل الحبلُ أحوجُ )
( رأَوْا غِرّةً فاستقبلوها بأَلْبهم ... فراحوا على ما لا نُحبّ وأدْلجوا )
( وكانوا أُناساً كنتُ آمَنُ غيهم ... فلم يَنْهَهم حلم ولم يتحرّجوا )
( همُ منعونا ما نحبُّ وأوقدوا ... علينا وشبُّوا نار صُرْم تأجّج )
( ولو تركونا لا هَدَى اللهُ سعيَهم ... ولم يُلْحِموا قولاً من الشر يُنْسج )
( لأوشك صرفُ الدهر يفرُق بيننا ... وهل يَستقيم الدّهرُ والدهرُ أعوجُ )
( عسى كربةٌ أمسيتِ فيها مقيمةً ... يكون لنا منها نجاة ومَخْرجُ )
( فيُكْبَت أعداءٌ ويَجْذَل آلِفٌ ... له كبد من لوعة الحب تَنْضَج )
( وقلتُ لعَبّادٍ وجاء كتابُها ... لهذا وربّي كانت العين تخلُج )
( وخطّطتُ في ظهر الحَصير كأنّني ... أسيرٌ يَخاف القتلَ وَلْهان مُلْفج )
( فلما التقينا لَجْلَجَتْ في حديثها ... ومن آية الصُّرم الحديثُ المُلَجْلَج )
( وإنّي لمحجوبٌ عشيّةَ زرتُها ... وكنتُ إذا ما جئتُها لا أُعرِّج )
( وأعيا عليّ القولُ والقولُ واسعٌ ... وفي القول مُسْتَنٌّ كثيرٌ ومَخْرَجُ )
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني خالد بن بكر الصواف قال أتيت ابن أبي العراقيب فسألته أن يُدخلني على جارية مغنية لم ير أحد مثلها قط فقال لي إن في البيت والله شيخين كريمين علي لا أدري ما يوافقهما من دخول أحد عليهما فلو أقمت حتى أطلع رأيهما في ذلك فدخل ثم خرج إلي فقال ادخل فدخلت فإذا أبو السائب المخزومي وأبو
(7/152)

جندب الهذلي وخرجت علينا الجارية قاطبة عابسة فلما وضع العود في حجرها اندفعت تغني وتقول
( عسى كربةٌ أمسيتِ فيها مقيمةً ... يكون لنا منها نَجاة ومَخْرَجُ )
( وإنّي لمحجوبٌ غداةَ أزورها ... وكنتُ إذا ما زرتُها لا أُعرِّج ) قال ثم بكت فوثبا عليه جميعا فقالا له لعلك أربتها بشيء عليك وعلينا إن لم تقم إليها حتى تقبل رأسها وتترضاها ففعل
نسبة ما في هذه القصيدة من الغناء
صوت
( تطاوَل هذا الليلُ ما يتبلّج ... وأعْيَتْ غواشي عَبْرتي ما تَفَرَّج )
( أُخطِّط في ظهر الحصير كأنّني ... أسيرٌ يَخاف القتل وَلْهان مُلْفَج )
الغناء لمعبد ثقيل أول بالوسطى عن عمرو وفيه لحن لمالك ذكره حماد عن أبيه في أخبار مالك ولم يجنسه وحكي أن مالكا كان إذا سئل عنه يذكر أنه أخذه من حائد بن جرهد فقومه وأصلحه وفيه لأبي عيسى بن الرشيد ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش والهشامي
صوت
( لقد قطع الواشون ما كان بيننا ... ونحن إلى أن يُوصَل الحبلُ أحوجُ )
( فطوراً أُمنِّي النفسَ من عَمْرةَ المنى ... وطوراً إذا ما لَجَّ بي الهمّ أَنْشِج )
الغناء لمالك ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وذكر حبش أن فيه لمعبد خفيف ثقيل بالوسطى
رثاء الحسين بن علي
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قال قال أبو دهبل في قتل الحسين بن علي صلوات الله عليه وزكواته
( تَبِيتُ سُكارَى من أميّة نُوَّماً ... وبالطَّفّ قتلى ما يَنام حَميمُها )
( وما أفسد الإسلام إلا عصابةٌ ... تأمّر نَوْكاها ودام نعيمُها )
( فصارت قناةُ الدّين في كفّ ظالمٍ ... إذا اعوجّ منها جانب لا يُقيمها )
قال الزبير وحدثني يحيى بن مقداد بن عمران بن يعقوب الزمعي قال حدثني عمي موسى ين يعقوب قال أنشدني أبو دهبل قصيدته التي يقول فيها
( سقى اللهُ جازاناً فمن حلَّ وَلْيَه ... فكلَّ فَسِيلٍ من سَهام وسُرْدُدِ )
(7/153)

رثاء الحسين بن علي
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قال قال أبو دهبل في قتل الحسين بن علي صلوات الله عليه وزكواته
( تَبِيتُ سُكارَى من أميّة نُوَّماً ... وبالطَّفّ قتلى ما يَنام حَميمُها )
( وما أفسد الإسلام إلا عصابةٌ ... تأمّر نَوْكاها ودام نعيمُها )
( فصارت قناةُ الدّين في كفّ ظالمٍ ... إذا اعوجّ منها جانب لا يُقيمها )
قال الزبير وحدثني يحيى بن مقداد بن عمران بن يعقوب الزمعي قال حدثني عمي موسى ين يعقوب قال أنشدني أبو دهبل قصيدته التي يقول فيها
( سقى اللهُ جازاناً فمن حلَّ وَلْيَه ... فكلَّ فَسِيلٍ من سَهام وسُرْدُدِ )
(7/154)

( ومحصوله الدارَ التي خيَّمَتْ بها ... سقاها فأرْوى كلَّ ربع وفَدْفدِ )
( فأنتِ التي كلّفتنِي البِرْكَ شاتياً ... وأوْرَدْتِنِيه فانظري أيّ مَوْرِد )
صوت
( فوانَدَمي أن لم أَعُجْ إذ تقول لي ... تقدَّمْ فشيِّعنا إلى ضَحوة الغَد )
( تكن سكناً أو تقدُر العين أنها ... ستبكي مراراً فاسْلُ من بعد واحْمَدِ )
( فأصبحتُ ممّا كان بيني وبينها ... سوى ذكرها كالقابض الماء باليدِ )
الغناء لابن سريج خفيف رمل بالوسطى عن عمرو وفيه لبذل الكبير رمل عن الهشامي
( لعلّك أن تلقى محبًّا فتشتفي ... برؤية رِيم بَضَّةِ المُتَجَرِّدِ )
( بلاد العدا لم تأتها غيرَ أنها ... بها همُّ نفسي من تَهامٍ ومُنْجِدِ )
( وما جعلت ما بين مكة ناقتي ... إلى البِرْك إلاّ نومَة المتهجِّد )
( وكانت قُبَيلَ الصبح تَنبِذ رحلَها ... بدُومةَ من لَغْط القَطَا المتبدِّدِ )
(7/155)

قال فقلت يا عمي فما يمنعك أن تكتري دابة بدرهمين فتشيعها وتصبح معك فضحك وقال نفع الله بك يابن أخي أما علمت أن الندم توبة وعمك كان أشغل مما تحسب
قال الزبير وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال أنشد رجل أبا السائب المخزومي قصيدة أبي دهبل
( سقى الله جازاناً فمن حلّ وَلْيَه ... فكلَّ فسيلٍ من سَهام وسُرْدُدِ ) فلما بلغ قوله
( فواندمي أن لم أعُجْ إذ تقول لي ... تقدّم فشيِّعنا إلى ضحوة الغد ) قال أبو السائب ما صنع شيئا ألا اكترى حمارا بدرهمين فشيعهم ولم يقل فواندمي أو اعتذر وإني أظن أنه قد كان له عذر قال وما هو قال أظنه كان مثلي لا يجد شيئا
فقال الزبير وحدثني ابن مقداد قال حدثني عمي موسى بن يعقوب قال أنشدني أبو دهبل قوله
صوت
( ألاَ عَلِق القلبُ المتيَّمُ كُلْثُما ... لَجَاجاً ولم يَلْزَم من الحبّ مَلْزَمَا )
( خرجتُ بها من بطن مكة بعدما ... أصات المنادي بالصلاة فأَعْتما )
( فما نام من راعٍ ولا ارتدّ سامرٌ ... من الحيّ حتى جاوزتْ بي يَلَمْلَمَا )
(7/156)

( ومرّتْ ببطن اللِّيثِ تَهْوِي كأنما ... تُبّادِر بالإدلاج نَهْباً مقسَّما )
غنى في هذه الأبيات ابن سريج خفيف رمل بالبنصر عن الهشامي قال وفيه هزج يمان بالوسطى وذكر عمرو بن بانة أن خفيف الثقيل هو اليماني وفيه لفيل مولى العبلات رمل صحيح عن حماد عن أبيه عن الهشامي وقال الهشامي فيه لحكم ثقيل أول وذكر أبو أيوب المديني في أغاني ابن جامع أن فيه لحنا ولم يجنسه
( وجازَتْ على البزْواء والليلُ كاسرٌ ... جناحيْن بالبَزْواء وَرْداً وأدْهَمَا )
( فما ذَرّ قرنُ الشمس حتى تبيّنَتْ ... بعُلْيَبَ نخلاً مشرفاً أو مخيِّما )
( ومرّت على أشطان روْنق بالضّحى ... فما خَزَّرت للماء عيناً ولا فما )
( وما شرِبتْ حتى ثنيتُ زمامَها ... وخِفتُ عليها أن تَخِرّ وتُكْلما )
( فقلت لها قد بنتِ غيرَ ذميمةٍ ... وأصبح وادي البِرْك غَيثاً مُدَيِّما ) قال فقلت له ما كنت إلا على الريح فقال يابن أخي إن عمك كان إذا هم فعل وهي الحاجة أما سمعت قول أخي بني مرة
( إذا أقبلتْ قلتَ مشحونةٌ ... أطاعَتْ لها الرّيحُ قِلْعاً جَفُولا )
(7/157)

( وإن أدبرتْ قلت مذعورةٌ ... من الرُّبْد تتبع هَيْقاً ذَمُولا )
( وإن أعرضتْ خال فيها البصير ... مالا تكلّفه أن يَميلا )
( يدا سُرُحٍ مائلٍ ضَبْعُها ... تسوم وتُقْدم رجلاً زَحُولا )
( فمرّتْ على خُشُب غُدْوةً ... ومرّتْ فُوَيق أَرَيْكٍ أصِيلا )
( تخبِّط بالليل حُزَّانَه ... كَخبْطِ القويِّ العزيزِ الذليلا )
أحاديث عن شعره
وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني جعفر بن الحسن اللهبي قال أنشدت ريان السواق قول أبي دهبل
( أليس عجيباً أن نكون ببلدة ... كلانا بها ثاوٍ ولا نتكلّمُ )
( ولا تَصْرِميني أن تَرَيْني أحبّكم ... أبوء بذنبٍ إنّني أنا أُظْلمُ ) فقال أحسن أحسن الله إليه ما بعد هذا شيء وفي هذه القصيدة يقول
(7/158)

صوت
( أمِنَّا أُناساً كنتِ قد تَأْمَنِينَهم ... فزادوا علينا في الحديث وأَوْهَموا )
( وقالوا لنا ما لم يُقَل ثم كثّروا ... علينا وباحوا بالذي كنتُ أكتمُ )
( لقد كُحِلتْ عيني القَذَى لفراقكم ... وعاودها تُهْتانها فهي تَسْجُم )
( وأنكرتُ طيبَ العيش مني وكُدِّرتْ ... عليّ حياتي والهوى متقسِّم )
الغناء لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وفيه لابن زرزور الطائفي خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو وفيه خفيفا رمل أحدهما بالوسطى لمتيم والآخر بالبنصر لعريب
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير قال حدثني عمي قال حدثني القاسم بن المعتمر الزهري قال قلت لأبي السائب المخزومي يا أبا السائب أما أحسن أبو دهبل حيث يقول
صوت
( أأَتْرُك ليلى ليس بيني وبينها ... سوى ليلةٍ إنّي إذاً لصبورُ )
( هَبُوني امرأً منكم أضَلّ بعيرَه ... له ذمّة إن الذِّمام كبيرُ )
( وللصّاحبُ المتروكُ أفضلُ ذمّةً ... على صاحبٍ من أن يَضِلّ بعيرُ ) قال فقال لي وبأبي أنت كنت والله لا أحبك وتثقل علي فأنا الآن أُحبّك وتخِفّ عليّ
(7/159)

وفي هذه الأبيات غناء لابن سريج خفيف رمل بالوسطى عن عمرو وفيه لعلويه رمل بالوسطى من جامع أغانيه وفيه للمازني خفيف ثقيل آخر من رواية الهشامي وذكاء وغيرهما وأول هذا الصوت بيت لم يذكر في الخبر وهو
( عفا اللهُ عن ليلى الغَدَاةَ فإنها ... إذا وَلِيَتْ حُكْماً عليّ تجور )
أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثني عمي مصعب ومحمد بن الضحاك عن أبيه أن أبا ريحانة عم أبي دهبل كان شديد الخلاف على عبد الله بن الزبير فتوعده عبد الله بن صفوان فلحق بعبد الملك بن مروان فاستمده الحجاج فأمده عبد الملك بطارق مولى عثمان في أربعة آلاف فأشرف أبو ريحانة على أبي قبيس فصاح أبو ريحانة أليس قد أخزاكم الله يا أهل مكة فقال له ابن أبي عتيق بلى والله قد أخزانا الله فقال له ابن الزبير مهلا يابن أخي فقال قلنا لك ائذن لنا فيهم وهم قليل فأبيت حتى صاروا إلى ما ترى من الكثرة قال وقال أبو دهبل في وعيد عبد الله بن صفوان عمه أبا ريحانة واسمه علي بن أسيد بن أحيحة
( ولا تُوعِد لتقتله عليًّا ... فإن وعيدَه كلأ وَبِيلُ )
( ونحن ببطن مكّة إذ تَدَاعى ... لرهطك من بني عمرو رَعِيلُ )
(7/160)

( أُولُو الجمعِ المقدّم حين ثابوا ... إليك ومن يودّعهم قليلُ )
( فلما أن تفانيْنَا وأوْدَى ... بثروتنا الترحّلُ والرحيلُ )
( جعلتَ لحومَنا غرضاً كأنا ... لتهلكنا عروبَةُ أو سَلُولُ )
وصية أبي دهبل
أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا أبو توبة عن أبي عمرو الشيباني قال مات ابن الأزرق وأبو دهبل حي فدفن بعليب فلما احتضر أبو دهبل أيضا أوصى أن يدفن عنده وفيه يقول أبو دهبل يرثيه عن أبي عمرو الشيباني
( لقد غال هذا اللحدُ من بطن عُلْيَبٍ ... فتىً كان من أهل الندى والتكرّمِ )
( فتى كان فيما ناب يوماً هو الفتى ... ونعم الفتى للطارق المتيمِّم )
( أأَلْحَقَّ أنّي لا أزال على منىً ... إذا صدَر الحُجّاجُ عن كلّ مَوْسِمِ )
( سقى اللهُ أرضاً أنت ساكنُ قبرها ... سِجَال الغَوَادِي من سَحِيلٍ ومُبْرَمِ )
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير قال حدثني عمي قال حدثني إبراهيم بن أبي عبد الله قال وقع لأبي دهبل ميراث بمصر فخرج يريده ثم رجع من الطريق فقال
( اِسْلَمي أمَّ دهبلٍ بعد هَجْرِ ... وتقَضٍّ من الزمان وعُمْرِ )
( واذكري كرّيَ المطيَّ إليكم ... بعد ما قد توجّهتْ نحو مصر )
( لا تَخالي أنّي نسيتُك لمّا ... حال بيشٌ ومن به خلف ظهري )
(7/161)

( إن تكوني أنت المقدّم قبلي ... وأُطِعْ يَثْوِ عند قبرك قبري ) قال إبراهيم فوقفت على قبره إلى جانب قبرها بعليب
صوت
من المائة المختارة من رواية علي بن يحيى
( أَلاَ أيها الشادنُ الأكحلُ ... إلى كم تقول ولا تفعلُ )
( إلى كم تجود بما لا نريد ... منك وتمنع ما نَسألُ ) الشعر للحسين بن الضحاك والغناء لأبي زكار الأعمى ولحنه المختار هزج بالبنصر
(7/162)

أخبار حسين بن الضحاك ونسبه
الحسين بن الضحاك باهلي صليبة فيم ذكر محمد بن داود بن الجراح والصحيح أنه مولى لباهلة وهو بصري المولد والمنشأ من شعراء الدولة العباسية وأحد ندماء الخلفاء من بني هاشم ويقال إنه أول من جالس منهم محمد الأمين شاعر أديب ظريف مطبوع حسن التصرف في الشعر حلو المذهب لشعره قبول ورونق صاف
وكان أبو نواس يأخذ معانيه في الخمر فيغير عليها وإذا شاع له شعر نادر في هذا المعنى نسبه الناس إلى أبي نواس
وله معان في صفتها أبدع فيها وسبق إليها فاستعارها أبو نواس وأخبارهما في هذا المعنى وغيره تذكر في أماكنها وكان يلقب الخليع والأشقر وهاجى مسلم بن الوليد فانتصف منه وله غزل كثير جيد وهو
(7/163)

من المطبوعين الذين تخلو أشعارهم ومذاهبهم جملة من التكلف وعمر عمرا طويلا حتى قارب المائة السنة ومات في خلافة المستعين أو المنتصر
وحدثني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال كان حسين بن الضحاك بن ياسر مولى لباهلة وأصله من خراسان فكان ربما اعترف بهذا الولاء وربما جحده وكان يلقب بالأشقر وهو ومحمد ابن حازم الباهلي ابنا خالة
وحدثني الصولي عن إبراهيم بن المعلى الباهلي أنه سأله عن نسب حسين بن الضحاك فقال هو حسين بن الضحاك بن ياسر من موالي سليمان ابن ربيعة الباهلي قال الصولي وسألت الطيب بن محمد الباهلي عنه فقال لي هو الحسين بن الضحاك بن فلان بن فلان بن ياسر قديم الولاء وداره في بني مجاشع وفيها ولد الحسين أرانيها صاحبنا سعيد بن مسلم
أخبرني علي بن العباس بن أبي طلحة الكاتب ومحمد بن يحيى الصولي قالا حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي قال حدثنا حسين بن الضحاك قال أنشدت أبا نواس لما حججت قصيدتي التي قلتها في الخمر وهي
(7/164)

( بُدِّلتَ من نَفَحات الورد بالآءِ ... ومن صَبُوحك دَرَّ الإِبْل والشاءِ ) فلما انتهيت منها إلى قولي
( حتى إذا أُسْنِدَتْ في البيت واحْتُضِرتْ ... عند الصَّبوح ببسّامين أكْفاء )
( فُضَّتْ خواتمُها في نَعْت واصفها ... عن مثل رَقْرَاقَةٍ في جفن مَرْهاءِ ) قال فصعق صعقة أفزعني وقال أحسنت والله يا أشقر فقلت ويلك يا حسن إنك أفزعتني والله فقال بلى والله أفزعتني ورُعتني هذا معنى من المعاني التي كان فكري لا بد أن ينتهي إليها أو أغوص عليها وأقولها فسبقتني إليه واختلسته مني وستعلم لمن يروى ألي أم لك فكان والله كما قال سمعت من لا يعلم يرويها له
أخبرني بهذا الخبر الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني محمد بن عبد الله مولى بني هاشم أبو جعفر قال سمعت الحسين بن الضحاك يقول لما قلت قصيدتي
( بُدِّلتَ من نفحات الورد بالآء ... )
أنشدتها أبا نواس فقال ستعلم لمن يرويها الناس ألي أم لك فكان الأمر كما قال رأيتها في دفاتر الناس في أول أشعاره
أخبرني جعفر بن قدامة عن أحمد بن أبي طاهر عن أحمد بن صالح عن الحسين بن الضحاك فذكر نحوا منه
إذا سار المأمون إلى بغداد انحدر ابن الضحاك إلى البصرة
أخبرني الصولي قال حدثني عبد الله بن محمد الفارسي عن ثمامة بن
(7/165)

أشرس قال الصولي وحدثنيه عون بن محمد عن عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع قال لما قدم المأمون من خراسان وصار إلى بغداد أمر بأن يسمى له قوم من أهل الأدب ليجالسوه ويسامروه فذكر له جماعة فيهم الحسين بن الضحاك وكان من جلساء محمد المخلوع فقرأ أسماءهم حتى بلغ إلى اسم حسين فقال أليس هو ا لذي يقول في محمد
( هلاّ بَقِيتَ لسَدّ فاقَتِنا ... أبداً وكان لغيرك التّلَفُ )
( فلقد خلَفتَ خلائفاً سلَفوا ... ولَسَوْفَ يُعْوِز بعدك الخَلَفُ ) لا حاجة لي فيه والله لا يراني أبدا إلا في الطريق ولم يعاقب الحسين على ما كان من هجائه له وتعريضه به قال وانحدر حسين إلى البصرة فأقام بها طول أيام المأمون
أخبرني عمي والكوكبي بهذا قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا عبد الله بن الحارث المروزي عن إبراهيم بن عبد الله ابن أخي السندي بن شاهك فذكر مثله سواء
قال ابن أبي طاهر فحدثني محمد بن عبد الله صاحب المراكب قال أخبرني أبي عن صالح بن الرشيد قال
(7/166)

دخلت يوما على المأمون ومعي بيتان للحسين بن الضحاك فقلت يا أمير المؤمنين أُحب أن تسمع مني بيتين فقال أنشدهما فأنشدته
( حَمِدنا اللهَ شكْراً إذ حبانا ... بنصرك يا أمير المؤمنينا )
( فأنت خليفةُ الرحمن حقًّا ... جمعتَ سماحةً وجمعتَ دِينا ) فقال لمن هذان البيتان يا صالح فقلت لعبدك يا أمير المؤمنين حسين بن الضحاك قال قد أحسن فقلت وله يا أمير المؤمنين أجود من هذا فقال وما هو فأنشدته قوله
صوت
( أيَبْخَل فرْدُ الحسن فَرْدُ صفاتِه ... عليَّ وقد أفردتُه بهوىً فَردِ )
( رأى اللهُ عبدَ الله خيرَ عباده ... فملّكه واللهُ أعلمُ بالعبد ) قال فأطرق ساعة ثم قال ما تطيب نفسي له بخير بعدما قال في أخي محمد وقال
قال أبو الفرج وهذه الأبيات تروى لابن البواب وستذكر في أبوابه إن شاء الله تعالى وعلى أن الذي رواها غلط في روايته غلطا بينا لأنها مشهورة من شعر حسين بن الضحاك وقد روي أيضا في أخباره أنه دفعها إلى ابن البواب فأوصلها إلى ابن المأمون وكان له صديقا ولعل الغلط وقع من هذه الجهة
الغناء في الأبيات المذكورة المنسوبة إلى حسين بن الضحاك وإلى ابن البواب الدالية لإبراهيم بن المهدي خفيف ثقيل بالبنصر وفيها لعبيد الله ابن موسى الطائفي رمل بالبنصر
(7/167)

أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه عن عمرو بن بانة أنهم كانوا عند صالح بن الرشيد فقال لست تطرح على جواري وغلماني ما أستجيده فقال له ويلك ما أبغضك ابعث إلى منزلي فجىء بالدفاتر واختر منها ما شئت حتى أُلقيه عليهم فبعث إلى منزلي فجيء إليه بدفاتر الغناء فأخذ منها دفترا ليتخير مما فيه فمر به شعر الحسين ابن الضحاك يرثي الأمين ويهجو المأمون وهو
( أَطِلْ حَزَناً وابْكِ الإِمامَ محمداً ... بحزن وإن خِفتَ الحُسَامَ المهنّدا )
( فلا تَمّتِ الأشياءُ بعد محمد ... ولا زال شملُ الملك منها مُبَدَّدا )
( ولا فرِح المأمونُ بالملك بعده ... ولا زال في الدنيا طريداً مشرَّدا ) فقال لي صالح أنت تعلم أن المأمون يجيء إلي في كل ساعة فإذا قرأ هذا ما تراه يكون فاعلا ثم دعا بسكين فجعل يحكه وصعد المأمون من الدرجة ورمى صالح الدفتر فقال المأمون يا غلام الدفتر فأُتي به فنظر فيه ووقف على الحك فقال إن قلت لكم ما كنتم فيه تصدقوني قلنا نعم قال ينبغي أن يكون أخي قال لك ابعث فجىء بدفاترك ليتخير ما تطرح فوقف على هذا الشعر فكره أن أراه فأمر بحكه قلنا كذا كان فقال غنه يا عمرو فقلت يا أمير المؤمنين الشعر لحسين بن الضحاك والغناء لسعيد بن جابر فقال وما يكون غنه فغنيته فقال اردده فرددته ثلاث مرات فأمر لي بثلاثين ألف درهم وقال حتى تعلم أنه لم يضررك عندي
قال وسعيد بن جابر الذي يقول فيه حسين بن الضحاك وكان نديمه وصديقه
( يا سَعيد وأين منِّي سعيد ... )
مراثيه في الأمين
ولحسين بن الضحاك في محمد الأمين مراث كثيرة جياد وكان كثير التحقق به والموالاة له لكثرة أفضاله عليه وميله إليه وتقديمه إياه وبلغ من جزعه عليه
(7/168)

أنه خولط فكان ينكر قتله لما بلغه ويدفعه ويقول إنه مستتر وإنه قد وقف على تفرق دعاته في الأمصار يدعون إلى مراجعة أمره والوفاء ببيعته ضنا به وشفقة عليه ومن جيد مراثيه إياه قوله
صوت
( سألونا أن كيف نحن فقلنا ... مَنْ هَوَى نجمُه فكيف يكون )
( نحن قوم أصابنا حَدَثُ الدهر ... فظَلْنا لرَيْبه نَستكين )
( نتمَنّى من الأمين إياباً ... لَهْفَ نفسي وأين منّي الأمين )
في هذه الأبيات لسعيد بن جابر ثاني ثقيل بالوسطى وفيها لعريب خفيف ثقيل ومن جيد قوله في مراثيه إياه
( أَعزّي يا محمد عنك نفسي ... مَعاذَ الله والأيدي الجِسامِ )
( فهلاّ مات قوم لم يموتوا ... ودُوفع عنك لي يوم الحِمامِ )
( كأن الموتَ صادف منك غُنْماً ... أو استشفى بقُربك من سَقام )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا علي بن محمد النوفلي قال قال لي محمد بن عباد قال لي المأمون وقد قدمت من البصرة كيف ظريف شعرائكم وواحد مصركم قلت ما أعرفه قال ذاك الحسين بن الضحاك أشعر شعرائكم وأظرف ظرفائكم أليس هو الذي يقول
( رأى اللهُ عبدَ الله خيرَ عباده ... فملّكه والله أعلم بالعبد ) قال ثم قال لي المأمون ما قال في أحد من شعراء زماننا بيتا أبلغ من
(7/169)

بيته هذا فاكتب إليه فاستقدمه وكان حسين عليلا وكان يخاف بوادر المأمون لما فرط منه فقلت للمأمون إنه عليل يا أمير المؤمنين علته تمنعه من الحركة والسفر قال فخذ كتابا إلى عامل خراجكم بالبصرة حتى يعطيه ثلاثين ألف درهم فأخذت الكتاب بذلك وأنفذته إليه فقبض المال
حدثنا علي بن العباس بن أبي طلحة الكاتب قال سمعت أبا العباس محمد بن يزيد الأزدي يقول حسين بن الضحاك أشعر المحدثين حيث يقول
( أيُّ ديباجةِ حُسْنِ ... هيّجَتْ لوعة حزني )
( إذ رماني القمر الزاهر ... عن فَترة جفن )
( بأبي شمسُ نهارٍ ... برَزَتْ في يوم دَجْن )
( قرّبتني بالمنى حتى ... إذا ما أخلفَتْني )
( تركتني بين ميعاد ... وخُلْفٍ وتَجَنِّي )
( ما أراني لي من الصبوة ... إلاّ حسنُ ظنّي )
( إنما دامت على الغدر ... لِمَا تعرِف منّي )
( أستعيذ اللهَ من إعراض ... من أعْرض عنّي )
حسين بن الضحاك والمعتصم
أخبرني علي بن العباس قال حدثني سوادة بن الفيض المخزومي قال حدثني أبو الفيض بن سوادة عن جدي قال لما ولي المعتصم الخلافة سألني عن حسين بن الضحاك فأخبرته
(7/170)

بإقامته بالبصرة لانحراف المأمون عنه فأمر بمكاتبته بالقدوم عليه فقدم فلما دخل وسلم استأذن في الإنشاد فأذن له فأنشده قوله
( هلاّ سألت تلذُّذَ المُشتاقِ ... وَمَنَنْت قبل فراقه بتَلاقِ )
( إنّ الرقيب ليَسْترِيب تنفُّساً ... صُعُداً اليك وظاهرَ الإقلاق )
( ولئن أرَبْتُ لقد نظرتُ بمقلةٍ ... عبْرى عليك سخينةِ الآماق )
( نفسي الفِداءُ لخائفٍ مترقِّب ... جعل الوَداعَ إشارةً بِعناق )
( إذ لا جوابَ لمُفْحَمٍ متحيِّرٍ ... إلا الدموعُ تُصان بالإطراق ) حين انتهى إلى قوله
( خيرُ الوُفود مبشِّرٌ بخلافةٍ ... خَصَّتْ ببهجتها أبا إسحاق )
( وَافتْه في الشهر الحرام سليمةً ... من كل مُشْكلة وكلّ شِقاق )
( أعطته صفقتَها الضمائرُ طاعةً ... قبل الأَكُفّ بأوكد الميثاق )
( سكن الأنامُ إلى إمام سلامةٍ ... عفِّ الضمير مهذَّبِ الأخلاق )
( فحمى رعيّتَه ودافع دونها ... وأجار مُمْلِقَها من الإملاق ) حتى أتمها فقال له المعتصم أُدن مني فدنا منه فملأ فمه جوهرا من جوهر كان بين يديه ثم أمره بأن يخرجه من فيه فأخرجه وأمر بأن ينظم ويدفع إليه ويخرج إلى الناس وهو في يده ليعلموا موقعه من رأيه ويعرفوا فعله فكان أحسن ما مدح به يومئذ
ومما قدمه أهل العلم على سائر ما قالته الشعراء قول حسين بن الضحاك حيث قال
( قل للأُلى صرَفوا الوجوه عن الهدى ... متعسِّفين تعسّفَ المُرّاق )
( إني أُحذِّركم بوادرَ ضَيْغَمٍ ... دَرِبٍ بحَطْم مَوَائِل الأعناق )
(7/171)

( متأهبٍ لا يستفِزّ جَنانَه ... زَجِلُ الرُّعُود ولا معُ الإِبراق )
( لم يَبْق من متعرِّمين توثّبوا ... بالشأم غيرُ جماجمٍ أفْلاقِ )
( من بين مُنْجَدِل تمُجّ عروقُه ... عَلَقَ الأخادع أو أسير وَثَاقِ )
( وثَنى الخيولَ إلى معاقل قيصرٍ ... تختال بين أحزّةٍ ورِقاق )
( يحملن كلَّ مُشمِّر مُتَغَشِّمٍ ... ليثٍ هِزَبْرٍ أهْرَت الأشداق )
( حتى إذا أَمَّ الحصونَ مُنازِلاً ... والموتُ بين ترائبٍ وتَراق )
( هَرّت بطارقُها هريرَ قَسَاوِرٍ ... بُدِهَتْ بأَكْرَهِ منظَر ومَذَاق )
( ثم استكانت للحصار ملوكُها ... ذُلاًّ وناط حلوقَها بِخناق )
( هرَبتْ وأسلمتِ الصليبَ عشيّةً ... لم يَبْق غيرُ حُشَاشَة الأرْماق )
قال فأمر له المعتصم لكل بيت بألف درهم وقال له أنت تعلم يا حسين أن هذا أكثر ما مدحني به مادح في دولتنا فقبل الأرض بين يديه وشكره وحمل المال معه
(7/172)

شاعر الخمرة
حدثني علي قال حدثني عثمان بن عمر الآجري قال سمعت الرياشي ينشد هذين البيتين ويستحسنهما ويستظرفهما جدا وهما
( إذا ما الماءُ أمكنني ... وصفوُ سُلافةِ العِنَبِ )
( صبَبتُ الفضّةَ البيضاءَ ... فوق قُرَاضةِ الذهب ) فقلت له من يقولهما يا أبا الفضل قال أرق الناس طبعا وأكثرهم ملحا وأكملهم ظرفا حسين بن الضحاك
أخبرني يحيى بن علي إجازة قال حدثني أبي عن حسين بن الضحاك قال أنشدت أبا نواس قصيدتي
( وشاطِريّ اللسان مختلِق التكريه ... شاب المُجُونَ بالنُّسُك ) حتى بلغت إلى قولي
( كأنما نُصْبَ كأسه قمرٌ ... يكرَعُ في بعض أنْجُم الفِلك ) قال فأنشدني أبو نواس بعد أيام لنفسه
( إذا عَبّ فيها شاربُ القومِ خِلتَه ... يُقبِّل في داجٍ من الليل كوكبا ) قال فقلت له يا أبا علي هذه مصالتة فقال لي أتظن أنه يروى لك في الخمر معنى جيد وأنا حي
أخبرني به جعفر بن قدامة عن علي
(7/173)

ابن محمد بن نصر عن أحمد بن حمدون عن حسين بن الضحاك فذكر مثله
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال أنشدت إبراهيم بن المدبر قول حسين بن الضحاك
( كأنما نُصْبَ كأسِه قمرٌ ... حاسده بعض أَنْجُم الفلك )
( حتى إذا رنّحتْه سوْرتها ... وأبدلتْه السكونَ بالحَرَك )
( كشفتُ عن وَزَّة مسنَّمة ... في لين صِينيّة من الفَلَكِ ) فقال لي إبراهيم بن المدبر إن الحسين كان يزعم أن أبا نواس سرق منه هذا المعنى حين يقول يقبل في داج من الليل كوكبا فإن كان سرقه منه فهو أحق به لأنه قد برز عليه وإن كان حسين سرقه منه فقد قصر عنه
حسين بن الضحاك والواثق
أخبرني محمد بن يحيى الخراساني قال حدثني محمد بن مخارق قال لما بويع الواثق بالخلافة ودخل عليه الحسين بن الضحاك فأنشده قصيدته التي أولها
صوت
( ألم يَرُع الإِسلامَ موتُ نصيرِه ... بَلَى حَقّ أن يرتاع من مات ناصرُهْ )
( سيُسْلِيك عمّا فات دولةُ مُفْضِلٍ ... أوائلُه محمودةٌ وأواخرُهْ )
(7/174)

( ثنى الله عِطْفَيْه وألَّف شخصَه ... على البِرّ مُذْ شُدّت عليه مآزِرُه )
( يَصَبُّ ببَذْل المال حتى كأنما ... يرى بذلَه للمال نَهْباً يُبادرُه )
( وما قدّم الرحمنُ إلاّ مقدَّماً ... مواردُه محمودةٌ ومصادرُه ) فقال الواثق إن كان الحسين لينطق عن حسن طوية ويمدح بخلوص نية
ثم أمر بأن يعطى لكل بيت قاله من هذه القصيدة ألف درهم فأعجبته الأبيات حتى أمر فصنعت فيها عدة ألحان منها لعريب في طريقة الثقيل الأول
وأخبرني محمد بن يحيى قال حدثني عون بن محمد قال حدثني محمد ابن عمرو الرومي قال لما ولي الواثق الخلافة أنشده حسين بن الضحاك قصيدة منها
( سيُسْلِيك عمّا فات دولةُ مُفْضِلٍ ... أوائلُه محمودةٌ وأواخرُه )
( وما قدّم الرحمنُ إلاّ مقدِّماً ... مواردُه محمودةٌ ومصادرُه ) قال فأنشدت إسحاق الموصلي هذا الشعر فقال لي نقل حسين كلام أبي العتاهية في الرشيد حتى جاء بألفاظه بعينها حيث يقول
( جَرَى لك من هارونَ بالسعد طائرُه ... إمامُ اعتزام لا تُخاف بوادرُهْ )
( إمامٌ له رأيٌ حميدٌ ورحمةٌ ... مواردُه محمودةٌ ومصادرُه ) قال فعجبت من رواية إسحاق شعر المحدثين وإنما كان يروي للأوائل ويتعصب على المحدثين وعلى أبي العتاهية خاصة
في هذين الشعرين أغاني نسبتها
(7/175)

صوت
( جرى لك من هارون بالسعد طائرهُ ... إمامُ اعتزامٍ لا تُخاف بوادرُه )
( إمامُ له رأي حميدٌ ورحمةٌ ... مواردُه محمودة ومصادره )
( هو الملكُ المجبولُ نفساً على التّقَى ... مُسَلَّمةٌ من كل سوء عساكره )
( لِتُغْمَدْ سيوفُ الحرب فاللهُ وحده ... وليُّ أميرِ المؤمنين وناصرهُ )
الشعر لأبي العتاهية على ما ذكره الصولي وقد وجدت هذه القصيدة بعينها في بعض النسخ لسلم الخاسر والغناء لإبراهيم وله فيه لحنان خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو وثاني ثقيل بالبنصر عن الهشامي
صوت
( سَيُسْلِيكَ عمّا فات دولةُ مُفْضِلٍ ... أوائلُه محمودةٌ وأواخرُهْ )
( ثنى الله عِطْفَيْه وألّف شخصَه ... على البِرّ مُذ شُدّت عليه مآزِرُه )
الشعر لحسين بن الضحاك والغناء لعريب ثقيل أول مطلق وفيه لقلم الصالحية خفيف رمل وهو أغرب اللحنين ولحن عريب المشهور
أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني محمد بن يحيى قال حدثني علي بن الصباح قال حدثني علي بن صالح كاتب الحسن بن رجاء قال حدثني إبراهيم بن الحسن بن سهل قال
(7/176)

كنا مع الواثق بالقاطول وهو يتصيد فصاد صيدا حسنا وهو في الزو من الإوز والدراج وطير الماء وغير ذلك ثم رجع فتغدى ودعا بالجلساء والمغنين وطرب وقال من ينشدنا فقام الحسين بن الضحاك فأنشده
( سقى اللهُ بالقاطُول مَسْرَحَ طرفكا ... وخَصّ بسُقْياه مناكبَ قصركا ) حتى انتهى إلى قوله
( تَخيَّن للدُّرَّاج في جَنَباته ... وللغُرّ آجالٌ قُدِرْن بكفِّكا )
( حُتُوفاً إذا وجَّهْتَهنّ قواضِباً ... عِجَالاً إذا أغريتهنّ بزجركا )
( أبحتَ حَمَاماً مُصْعِداً ومُصوِّباً ... وما رِمْتَ في حاليك مجلسَ لهوكا )
( تصرّفُ فيه بين نايٍ ومُسْمِع ... ومشمولةٍ من كفّ ظبي لسَقْيكا )
( قضيتَ لُبَاناتٍ وأنت مخيِّمٌ ... مُرِيحٌ وإن شَطَّتْ مسافةُ عَزْمكا )
( وما نال طِيبَ العيش إلاّ مُودِّعٌ ... وما طاب عيشٌ نال مجهودَ كدِّكا ) فقال الواثق ما يعدل الراحة ولذة الدعة شيء فلما انتهى إلى قوله
( خُلِقتَ أمينَ الله للخَلْق عصْمةً ... وأمْناً فكلٌّ في ذَرَاك وظِلِّكا )
( وثِقْتَ بمن سمّاك بالغيب واثِقاً ... وَثَّبت بالتأييد أركان مُلْككا )
( فأعطاك مُعْطيك الخلافةَ شكرَها ... وأَسْعد بالتقوى سريرةَ قلبكا )
(7/177)

( وزادك من أعمارنا غيرَ منَّة ... عليك بها أضعافَ أضعافِ عمركا )
( ولا زالت الأقدارُ في كلّ حالةٍ ... عُداةً لمن عاداك سِلْماً لسلمكا )
( إذا كنتُ من جَدْواك في كل نعمةٍ ... فلا كنتُ إن لم أُفْنِ عمري بشكركا ) فطرب الواثق فضرب الأرض بمخصرة كانت في يده وقال لله درك يا حسين ما أقرب قلبك من لسانك فقال يا أمير المؤمنين جودك ينطق المفحم بالشعر والجاحد بالشكر فقال له لن تنصرف إلا مسرورا ثم أمر له بخمسين ألف درهم
حدثنا علي بن العباس بن أبي طلحة قال حدثنا أبو العباس الرياشي قال حدثنا الحسين بن الضحاك قال دخلت على الواثق ذات يوم وفي السماء لطخ غيم فقال لي ما الرأي عندك في هذا اليوم فقلت يا أمير المؤمنين ما حكم به وأشار إليه قبلي أحمد بن يوسف فإنه أشار بصواب لا يرد وجعله في شعر لا يعارض فقال وما قال فقلت قال
( أرى غيماً تؤلِّفه جَنُوبٌ ... وأحسبَه سيأتينا بِهَطْلِ )
( فعينُ الرأي أن تدعو بِرِطلٍ ... فتشربه وتدعو لي بِرِطلِ ) فقال أصبتما ودعا بالطعام وبالشراب والمغنين والجلساء واصطبحنا
أخبرني علي بن العباس قال حدثني الحسين بن علوان قال حدثني العباس بن عبيد الله الكاتب قال كان حسين بن الضحاك ليلة عند الواثق وقد شربوا إلى أن مضى ثلث من الليل فأمر بأن يبيت مكانه فلما أصبح خرج إلى الندماء وهم مقيمون
(7/178)

فقال لحسين هل وصفت ليلتنا الماضية وطيبها فقال لم يمض شيء وأنا أقول الساعة وفكر هنيهة ثم قال
( حَثّتْ صَبُوحي فكاهةُ اللاّهي ... وطاب يومي بقرب أشباهي )
( فاسْتَثِرِ اللهوَ من مكامنه ... من قبل يومٍ منغِّصٍ ناهي )
( بابنة كَرْمٍ من كفّ مُنْتَطِقٍ ... مؤزَّر بالمُجون تَيّاه )
( يَسقيك من طرفه ومن يده ... سقَى لطيف مجرِّب داهي )
( كأساً فكأساً كأنّ شاربها ... حيرانُ بين الذَّكور والساهي ) قال فأمر الواثق برد مجلسه كهيئته واصطبح يومه ذلك معهم وقال نحقق قولك يا حسين ونقضي بك كل أرب وحاجة
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني محمد بن مغيرة المهلبي قال حدثنا حسين بن الضحاك قال كانت لي نوبة في دار الواثق أحضرها جلس أو لم يجلس فبينا أنا نائم ذات ليلة في حجرتي إذ جاء خادم من خدم الحرم فقال قم فإن أمير المؤمنين يدعوك فقلت له وما الخبر قال كان نائما وإلى جنبه حظية له فقام وهو يظنها نائمة فألم بجارية له أخرى ولم تكن ليلة نوبتها وعاد إلى فراشه فغضبت حظيته وتركته حتى نام ثم قامت ودخلت حجرتها فانتبه وهو يرى أنها عنده فلم يجدها فقال اختلست عزيزتي ويحكم أين هي فأُخبر أنها قامت غضبى ومضت إلى حجرتها فدعا بك فقلت في طريقي
( غضِبَتْ أنْ زُرْتُ أخرى خِلْسةً ... فلها العُتْبَى لديْنا والرِّضا )
( يا فَدَتْكِ النفسُ كانت هفوةً ... فاغفِريها واصفَحي عمّا مضى )
( واتركي العذَل على من قاله ... وانسُبي جَوْرِي إلى حكم القضا )
(7/179)

( فلقد نَبَّهتِني من رَقْدتي ... وعلى قلبي كنيرانِ الغَضَا ) قال فلما جئته خبرني القصة وقال لي قل في هذا شيئا ففكرت هنيهة كأني أقول شعرا ثم أنشدته الأبيات فقال أحسنت وحياتي أعدها يا حسين فأعدتها عليه حتى حفظها وأمر لي بخمسمائة دينار وقام فمضى إلى الجارية وخرجت أنا إلى حجرتي
أخبرني علي بن العباس بن أبي طلحة قال حدثني الغلابي قال حدثني مهدي بن سابق قال قال لي حسين بن الضحاك كان الواثق يتحظى جارية فماتت فجزع عليها وترك الشرب أياما ثم سلاها وعاد إلى حاله فدعاني ليلة فقال لي يا حسين رأيت فلانة في النوم فليت نومي كان طال قليلا لأتمتع بلقائها فقل في هذا شيئا فقلت
( ليتَ عينَ الدهر عنّا غَفَلتْ ... ورقيبَ الليل عنّا رَقَدا )
( وأقام النومُ في مدّته ... كالذي كان وكنّا أبدا )
( بأبي زَوْرٌ تَلَفَّتُّ له ... فتنفَّسْتُ إليه الصُّعَدا )
( بينما أضحك مسروراً به ... إذ تقطَّعتُ عليه كَمَدا ) قال فقال لي الواثق أحسنت ولكنك وصفت رقيب فشكوته ولا ذنب لليل وإنما رأيت الرؤيا نهارا ثم عاد إلى منامه فرقد
أخباره مع أبو نواس
أخبرني جحظة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال حدثني حسين بن الضحاك وأخبرني به جعفر بن قدامة عن علي بن يحيى عن حسين بن الضحاك قال لقيني أبو نواس ذات يوم عند باب أم جعفر من الجانب الغربي فأنشدته
(7/180)

( أخَوَيَّ حيّ على الصَّبوح صباحاً ... هُبَّا ولا تَعِدا الصباحَ رَواحا )
( هذا الشَّمِيط كأنه متحيِّر ... في الأُفْق سُدّ طريقُه فألاحا )
( ما تأمرانِ بسَكْرة قَرَويَة ... قَرَنَتْ إلى درك النجاح نجاحا ) هكذا قال جحظة والذي أحفظه
( ما تأمران بقهوة قَرَوِيّة ... ) قال فلما كان بعد أيام لقيني في ذلك الموضع فأنشدني يقول
( ذكر الصَّبُوحَ بسُحْرة فارتاحا ... وأمَلّه ديكُ الصَّباح صِياحا ) فقلت له حسن يابن الزانية أفعلتها فقال دع هذا عنك فوالله لا قلت في الخمر شيئا أبدا وأنا حي إلا نسب لي
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني محمد بن سعيد قال حدثني أبو أمامة الباهلي عن الحسين بن الضحاك قال محمد بن يحيى وحدثني المغيرة بن محمد المهلبي إن الحسين بن الضحاك شرب يوما عند إبراهيم بن المهدي فجرت بينهما ملاحاة في أمر الدين والمذهب فدعا له إبراهيم بنطع وسيف وقد
(7/181)

أخذ منه الشراب فانصرف وهو غضبان فكتب إليه إبراهيم يعتذر إليه ويسأله أن يجيئه فكتب إليه
( نديمي غيرُ منسوب ... إلى شيء من الحَيْفِ )
( سقاني مثلَ ما يشرب ... فعلَ الضَّيفِ بالضيفِ )
( فلما دارت الكأسُ ... دعا بالنِّطْع والسيف )
( كذا من يشرب الخمر ... مع التِّنِّينِ في الصيف ) قال ولم يعد إلى منادمته مدة ثم إن إبراهيم تحمل عليه ووصله فعاد إلى منادمته
حدثني عمي قال حدثني ميمون بن هارون قال حدثني حسين بن الضحاك قال كنت أنا وأبو نواس تربين نشأنا في مكان واحد وتأدبنا بالبصرة وكنا نحضر مجالس الأدباء متصاحبين ثم خرج قبلي عن البصرة وأقام مدة واتصل بي ما آل إليه أمره وبلغني إيثار السلطان وخاصته له فخرجت عن البصرة إلى بغداد ولقيت الناس ومدحتهم وأخذت جوائزهم وعددت في الشعراء وهذا كله في أيام الرشيد إلا أني لم أصل إليه واتصلت بابنه صالح فكنت في خدمته فغني يوما بهذا الصوت
( أأن زُمّ أجمالٌ وفارق جيرةٌ ... وصاح غرابُ البين أنت حزينُ ) فقال لي صالح قل أنت في هذا المعنى شيئا فقلت
( أأن دَبَّ حُسَّادٌ وملّ حبيب ... وأورق عودُ الهجر أنت حبيبُ )
( لِيَبْلُغْ بنا هجرُ الحبيب مرامَه ... هلِ الحبُّ إلاّ عَبْرةٌ ونحيب )
(7/182)

( كأنك لم تسمع بفرقة أُلْفةٍ ... وغَيْبَةِ وصل لا تراه يؤوب ) فأمر بأن يغنى فيه واتصلت بمحمد بن زبيدة في أيام أبيه وخدمته ثم اتصلت خدمتي له في أيام خلافته
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني أبو العيناء عن الحسين بن الضحاك قال كنت يوما عند صالح بن الرشيد فجرى بيننا كلام على النبيذ وقد أخذ مني الشراب مأخذا قويا فرددت عليه ردا أنكره وتأوله على غير ما أردت فهاجرني فكتبت إليه
صوت
( يابن الإمام تركتني هَمَلاً ... أبكي الحياةَ وأندُب الأملا )
( ما بالُ عينِك حين تلحَظُني ... ما إنْ تُقِلُّ جُفُونَها ثِقَلا )
( لو كان لي ذنبٌ لبُحْتُ به ... كي لا يقال هجرتَني مَلَلا )
( إن كنتُ أعرف زَلَّةً سلَفَتْ ... فرأيتُ مِيتَةَ واحدي عجَلا )
فيه خفيف ثقيل ينسب إلى عبد الله بن العلاء وإلى عبد الله بن العباس الربيعي قال فكتب إلي قد تلافى لسانك بشعرك ما جناه في وقت سكرك وقد رضيت عنك رضا صحيحا فصر إلي على أتم نشاطك وأكمل بساطك فعدت إلى خدمته فما سكرت عنده بعدها قال وكانت في حسين عربدة
(7/183)

تقلب المأمون عليه
وأخبرني ببعضه محمد بن مزيد بن أبي الأزهر ومحمد بن خلف بن المرزبان وألفاظهما تزيد وتنقص وأخبرني ببعضه محمد بن خلف وكيع عن آخره وقصة وصوله إلى المأمون ولم يذكر ما قبل ذلك قال وحدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه ولم يقل وكيع عن أبيه واللفظ في الخبر لابن أبي الأزهر وحديثه أتم قال كنت بين يدي المأمون واقفا فأدخل إليه ابن البواب رقعة فيها أبيات وقال إن رأى أمير المؤمينين أن يأذن لي في إنشادها فظنها له فقال هات فأنشده
( أجِرْنِي فإنّي قد ظَمِئْتُ إلى الوعد ... متى تُنجِزُ الوعدَ المؤكَّدَ بالعهد )
( أُعِيذُك من خُلْف الملوك وقد بدا ... تقطُّعُ أنفاسي عليك من الوجد )
( أَيَبْخَلُ فَرْدُ الحسن عنّي بنائلٍ ... قليلٍ وقد أفردتُه بهوىً فرِد ) إلى أن بلغ إلى قوله
( رأى اللهُ عبد الله خيرَ عباده ... فملّكه والله أعلمُ بالعبد )
( ألا إنّما المأمونُ للناس عصمةٌ ... مميِّزةٌ بين الضَّلاَلة والرُّشْد ) فقال المأمون أحسنت يا عبد الله فقال يا أمير المؤمنين أحسن قائلها قال ومن هو فقال عبدك حسين بن الضحاك فغضب ثم قال لاحيا الله من ذكرت ولا بياه ولا قربه ولا أنعم به عينا أليس القائل
( أعينيَّ جُودَا وابكيا لي محمداً ... ولا تَذْخَرا دمعاً عليه وأَسْعِدا )
( فلا تَمّتِ الأشياءُ بعد محمد ... ولا زال شملُ الملك فيه مبدَّدا )
( ولا فرِح المأمونُ بالمُلك بعده ... ولا زال في الدّنيا طريداً مشرَّدا ) هذا بذاك ولا شيء له عندنا فقال له ابن البواب فأين فضل إحسان
(7/184)

أمير المؤمنين وسعة حلمه وعادته في العفو فأمر بإحضاره فلما حضر سلم فرد عليه السلام ردا جافيا ثم أقبل عليه فقال أخبرني عنك هل عرفت يوم قتل أخي محمد هاشمية قتلت أو هتكت قال لا قال فما معنى قولك
( وسِرْب ظباءٍ من ذُؤابةِ هاشمٍ ... هَتَفْنَ بدعوى خير حيٍّ وميّتِ )
( أَرُدّ يداً منّي إذا ما ذكرتُه ... على كبدٍ حَرَّى وقلبٍ مفتَّتِ )
( فلا بات ليلُ الشامتين بغِبْطةٍ ... ولا بلَغتْ آمالُهم ما تمنّتِ ) فقال يا أمير المؤمنين لوعة غلبتني وروعة فاجأتني ونعمة فقدتها بعد أن غمرتني وإحسان شكرته فأنطقني وسيد فقدته فأقلقني فإن عاقبت فبحقك وإن عفوت فبفضلك فدمعت عينا المأمون وقال قد عفوت عنك وأمرت بإدرار أرزاقك وإعطائك ما فات منها وجعلت عقوبة ذنبك امتناعي من استخدامك
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبي قال لما أعيت حسين بن الضحاك الحيلة في رضا المأمون عنه رمى بأمره إلى عمرو بن مسعدة وكتب إليه
( أنتَ طَوْدي من بين هذي الهِضابِ ... وشِهابي من دون كلِّ شِهابِ )
( أنتَ يا عمرو قوّتي وحياتي ... ولساني وأنت ظُفْري ونابي )
( أتُراني أنسَى أياديَك البيضَ ... إذ اسودّ نائلُ الأصحاب )
( أين عطف الكرام في مَأقِطِ الحاجة ... يَحْمُون حَوْزةَ الآداب )
(7/185)

( أين أخلاقُك الرضيّة حالت ... فيّ أم أين رِقّة الكُتّاب )
( أنا في ذّمة السَّحَاب وأظما ... إنّ هذا لوصمةٌ في السّحاب )
( قمْ إلى سيِّد البريّة عنّي ... قومةً تَسْتَجِرُّ حسنَ خطاب )
( فلعلَّ الإِلهَ يُطفىء عنّي ... بك ناراً عليّ ذاتَ الْتِهابِ ) قال فلم يزل عمرو يلطف للمأمون حتى أوصله إليه وأدر أرزاقه
حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد قال حدثني الحسين بن الضحاك قال غضب المعتصم علي في شيء جرى على النبيذ فقال والله لأؤدِّبَنّه وحجبني أياما فكتبت إليه
( غَضَبُ الإِمام أشدُّ من أدَبِهْ ... وقد استجرْتُ وعُذْتُ من غَضَبِهْ )
( أصبحتُ معتصِماً بمعتصِمٍ ... أَثْنَى الإِلهُ عليه في كُتُبه )
( لا والذي لم يُبْقِ لي سبباً ... أرجو النجاةَ به سوى سببه )
( مالي شفيعٌ غيرُ حُرْمتِه ... ولكلِّ من أَشْفَى على عَطَبه ) قال فلما قرىء عليه التفت إلى الواثق ثم قال بمثل هذا الكلام يستعطف الكرام ما هو إلا أن سمعت أبيات حسين هذه حتى أزالت ما في نفسي عليه فقال له الواثق هو حقيق بأن يوهب له ذنبه ويتجاوز عنه فرضي عني وأمر بإحضاري
قال الصولي فحدثني الحسين بن يحيى أن هذه الأبيات إنما كتب بها إلى المعتصم لأنه بلغه عنه أنه مدح العباس بن المأمون وتمنى له
(7/186)

الخلافة فطلبه فاستتر وكتب بها إلى المعتصم على يدي الواثق فأوصلها وشفع له فرضي عنه وأمنه فظهر إليه وهجا العباس بن المأمون فقال
( خَلِّ اللَّعِينَ وما اكتَسَبْ ... لا زال منقطعَ السَّبَبْ )
( يا عُرَّةَ الثَّقَلَيْن لا ... ديِناً رعَيتَ ولا حَسَبْ )
( حَسَدُ الإِمامِ مكانَه ... جهلاً حَذَاكَ على العَطَبْ )
( وأبوك قدّمه لها ... لما تخيَّر وانتخب )
( ما تستطيع سوى التنفّس ... والتجرُّع للكرب )
( ما زلتَ عند أبيك مُنْتَقَصَ ... المروءة والأدب )
مع صالح بن الرشيد ومحبوبه محمد
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات وابن مهرويه قالا كنا عند صالح بن الرشيد ليلة ومعنا حسين بن الضحاك وذلك في خلافة المأمون وكان صالح يهوى خادما له فغاضبه في تلك الليلة فتنحى عنه وكان جالسا في صحن حوله نرجس في قمر طالع حسن فقال للحسين قل في مجلسنا هذا وما نحن فيه أبياتا يغني فيها عمرو بن بانة فقال الحسين
صوت
( وصف البدرُ حسنَ وجهك حتى ... خِلْتُ أنّي وما أراكَ أراكا )
( وإذا ما تنفَّس النرجسُ الغَضّ ... توهَّمتُه نسيمَ شَذَاكا )
(7/187)

( خُدَعٌ للمُنى تعلِّلني فيك ... بإشراق ذا ونفحة ذاكا )
( لأدُومنّ يا حبيبي على العهد ... لهذا وذاك إذ حَكَياكا ) قال عمرو فقال لي صالح تغن فيها فتغنيت فيها من ساعتي
لحن عمرو في هذه الأبيات ثقيل بالبنصر من روايته
وقد حدثني بهذا الخبر علي بن العباس بن أبي طلحة قال حدثني عبيد الله بن زكريا الضرير قال حدثنا الجماز عن أبي نواس قال كنت أتعشق ابنا للعلاء يقال له محمد وكان حسين يتعشق خادما لأبي عيسى بن الرشيد يقال له يسر فزارني يوما فسألته عنه فقال قد كاد قلبي أن يسلو عنه وعن حبه قال وجاءني ابن العلاء صاحبي فدخل علي وفي يده نرجس فجلسنا نشرب وطلع القمر فقلت له يا حسين أيما أحسن القمر أم محمد فأطرق ساعة ثم قال اسمع جواب الذي سألت عنه
( وصَف البدرُ حسنَ وجهك حتى ... خِلْتُ أنّي وما أراك أراكا )
( وإذا ما تنفّس النّرجِسُ الغَضّ ... توهُمتُه نَسِيمَ شَذَاكا )
( وأخال الذي لثَمتَ أنيسي ... وجليسي ما باشرْته يداكا )
( فإذا ما لثَمتُ لَثْمَك فيه ... فكأني بذاك قبّلتُ فاكا )
( خُدَعٌ للمُنَى تعلِّلني فيك ... بإشراق ذا ونَفْحة ذاكا )
( لأُقِيمنّ ما حَيِيتُ على الشكر ... لهذا وذاك إذ حَكَياكا ) قال فقلت له أحسنت والله ما شئت ولكنك يا كشخان هو ذا تقدر أن تقطع الطريق في عملي فقال يا كشخان أو شعري الذي سمعته في حاضر أم بذكر غائب والله للنعل التي يطأ عليها يسر أحسن عندي من صاحبك ومن القمر ومن كل ما أنتم فيه
(7/188)

أخبرني علي بن العباس قال حدثني أحمد بن سعيد بن عنبسة القرشي الأُموي قال حدثني علي بن الجهم قال دخلت يوما على المتوكل وهو جالس في صحن خلده وفي يده غصن آس وهو يتمثل بهذا الشعر
( بالشَّطّ لي سَكَنٌ أَفْدِيه من سَكَنِ ... أهْدَى من الآسِ لي غصنين في غُصُنِ )
( فقلتُ إذ نُظما إلفين والتَبسا ... سَقْياً ورَعْياً لفألٍ فيكما حسنِ )
( فالآسُ لا شَكَّ آسٍ من تشوّقنا ... شافٍ وآسٍ لنا يبقى على الزمن )
( أبْشَرتُماني بأسبابٍ ستجمعنا ... إن شاء ربي ومهما يَقْضِه يَكُن ) قال فلما فرغ من إنشادها قال لي وكدت أنشق حسدا لمن هذا الشعر يا علي فقلت للحسين بن الضحاك يا سيدي فقال لي هو عندي أشعر أهل زماننا وأملحهم مذهبا وأظرفهم نمطا فقلت وقد زاد غيظي في الغزل يا مولاي قال وفي غيره وإن رغم أنفك ومت حسدا وكنت قد مدحته بقصيدة وأردت إنشادها يومئذ فلم أفعل وعلمت أني لا أنتفع مع ما جرى بيننا بشيء لا به ولا بالقصيدة فأخرتها إلى وقت آخر
خبره مع خادم المتوكل
أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني أحمد بن يزيد المهلبي قال حدثني أبي قال
(7/189)

أحب المتوكل على الله أن ينادمه حسين بن الضحاك وأن يرى ما بقي من شهوته لما كان عليه فأحضره وقد كبر وضعف فسقاه حتى سكر وقال لخادمه شفيع اسقه فسقاه وحياه بوردة وكانت على شفيع ثياب موردة فمد الحسين يده إلى ذراع شفيع فقال له المتوكل يا حسين أتجمش أخص خدمي عندي بحضرتي فكيف لو خلوت ما أحوجك إلى أدب وقد كان المتوكل غمز شفيعا على العبث به فقال الحسين يا سيدي أريد دواة وقرطاسا فأمر له بذلك فكتب بخطه
( وكالوردةِ الحَمْراء حيّا بأحمرٍ ... من الورد يمشي في قَرَاطِقَ كالوردِ )
( له عَبَثاتٌ عند كلِّ تحيّة ... بعينيه تَستدعي الحليمَ إلى الوجد )
( تمنّيتُ أن أُسقَى بكفَّيْه شَرْبةً ... تذكِّرني ما قد نَسِيتُ من العهد )
( سقى الله دهراً لم أبِتْ فيه ليلةً ... خَلِيًّا ولكن من حبيب على وعد ) ثم دفع الرقعة إلى شفيع وقال له ادفعها إلى مولاك فلما قرأها استملحها وقال أحسنت والله يا حسين لو كان شفيع ممن تجوز هبته لوهبته لك ولكن بحياتي إلا كنت ساقيه باقي يومه هذا واخدمه كما تخدمني وأمر له بمال كثير حمل معه لما انصرف قال أحمد بن يزيد فحدثني أبي قال صرت إلى الحسين بعد انصرافه من عند المتوكل بأيام فقلت له ويلك أتدري ما صنعت قال نعم أدري وما كنت لأدع عادتي بشيء وقد قلت بعدك
(7/190)

صوت
( لا رأى عَطْفَةَ الأحبّة ... من لا يُصَرِّحُ )
( أصغرُ الساقِيَيْن أشكُل ... عندي وأمْلَحُ )
( لو تراه كالظَّبْي يَسنَح ... حيناً ويبرَح )
( خِلْتَ غصناً على كَثيبٍ ... بنَوْرٍ يرشِّح )
غنى عمرو بن بانة في هذه الأبيات ثاني ثقيل بالبنصر
وقد أخبرني بهذا الخبر محمد بن العباس اليزيدي وقال حدثني محمد ابن أبي عون قال حضرت المتوكل وعنده محمد بن عبد الله بن طاهر وقد أحضر حسين ابن الضحاك للمنادمة فأمر خادما كان واقفا على رأسه فسقاه وحياه بتفاحة عنبر وقال لحسين قل في هذا شيئا فقال
( وكالدُّرّةِ البيضاءِ حيّا بعنبرٍ ... وكالورد يَسْعَى في قَرَاطِقَ كالوَرْد )
( له عَبَثاتٌ عند كلِّ تحيّة ... بعينيه تَستدعي الحليمَ إلى الوجد )
( تمنّيتُ أن أُسقَى بكفّيه شربةً ... تُذكِّرني ما قد نسِيتُ من العهد )
( سقى الله عيشاً لم أَبِتْ فيه ليلةً ... من الدّهر إلا من حبيب على وعد ) فقال المتوكل يحمل إلى حسين لكل بيت مائة دينار فالتفت إليه محمد بن عبد الله بن طاهر كالمتعجب وقال لم ذاك يا أمير المؤمنين فوالله لقد أجاب فأسرع وذكر فأوجع وأطرب فأمتع ولولا أن يد أمير المؤمنين لا تطاولها يد لأجزلت له العطاء ولو أحاط بالطارف والتالد فخجل المتوكل وقال يعطى حسين بكل بيت ألف دينار وقد أخبرني بهذا الخبر ابن قاسم الكوكبي قال حدثنا بشر بن محمد قال وحدثني علي بن الجهم أنه حضر المتوكل وقد أمر شفيعا أن يسقي حسين بن الضحاك وذكر باقي الخبر نحو ما مضى من رواية غيره
(7/191)

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد المبرد وحدثني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال أخبرني محمد بن مروان عن محمد بن عمرو الرومي قال اجتمع حسين بن الضحاك وعمرو بن بانة يوما عند ابن شغوف الهاشمي فاحتبسهما عنده وكان لابن شغوف خادم حسن يقال له مقحم وكان عمرو ابن بانة يتعشقه ويسر ذلك من ابن شغوف فلما أكلوا وضع النبيذ قال عمرو ابن بانة للحسين قل في مقحم أبياتا أُغن فيها الساعة فقال الحسين
صوت
( وابأبي مُقْحمٌ لعزَّته ... قلتُ له إذ خلوتُ مُكْتَتِما )
( تحبّ بالله من يخصّك بالودّ ... فما قال لا ولا نَعَما ) وغنى فيه عمرو قال فبينا هم كذلك إذ جاء الحاجب فقال إسحاق لموصلي بالباب فقال له عمرو أعفنا من دخوله ولا تنغص علينا ببغضه وصلفه وثقله ففعل وخرج الحاجب فاعتل على إسحاق حتى انصرف وأقاموا يومهم وباتوا ليلتهم عند ابن شغوف فلما أصبحوا مضى الحسين بن الضحاك إلى إسحاق فحدثه الحديث بنصه فقال إسحاق
( يابن شغوفٍ أمَا علمتَ بما ... قد صار في الناس كلَّهم عَلَما )
( دعوتَ عمراً فبات ليلتَه ... في كلّ ما يَشتهي كما زعما )
( حتى إذا ما الظلامُ ألبسه ... سَرَى دَبِيباً فضاجَع الخَدَما )
( ثَمّتَ لم يَرْضَ أن يُضاجِعهم ... سِرًّا ولكن أَبْدى الذي كتما )
( ثم تغنَّى لفرط صَبْوته ... صوتاً شفى من غَليله السَّقَما )
(7/192)

( وابأبي مُقْحم لعزّته ... قلتُ له إذ خلوت مكتتما )
( تحبّ بالله من يخصّك بالودّ ... فما قال لا ولا نعما )
قال وشاعت الأبيات في الناس وغنى فها إسحاق أيضا فيما أظن فبلغت ابن شغوف فحلف ألا يدخل عمرا داره أبدا ولا يكلمه وقال فضحني وشهرني وعرضني للسان إسحاق فمات مهاجرا له وقال ابن أبي سعد في خبره إن إسحاق غنى فيها للمعتصم فسأله عن خبرها فحدثه بالحديث فضحك وطرب وصفق ولم يزل يستعيد الصوت والحديث وابن شغوف يكاد أن يموت إلى أن سكر ونام
لحن عمرو بن بانة في البيتين اللذين قالهما حسين في مقحم من الثقيل الثاني بالوسطى
أشعرهم غزلا
أخبرني علي بن العباس بن أبي طلحة قال حدثني محمد بن موسى بن حماد قال سمعت مهدي بن سابق يقول التقى أبو نواس وحسين بن الضحاك فقال أبو نواس أنت أشعر أهل زمانك في الغزل قال وفي أي ذلك قال ألا تعلم يا حسين قال لا قال في قولك
( وابأبي مُقْحم لعزّته ... قلت له إذ خلوتُ مكتتما )
( تحبّ بالله من يَخُصّك بالودّ ... فما قال لا ولا نعما )
( ثم تولَّى بمقلتَيْ خَجِلٍ ... أراد رَجْعَ الجوابِ فاحتشما )
( فكنتُ كالمبتغِي بحيلته ... بُرءاً من السُّقْم فابتدا سَقَما ) فقال الحسين ويحك يا أبا نواس فأنت لا تفارق مذهبك في الخمر البتة قال لا والله وبذلك فضلتك وفضلت الناس جميعا
(7/193)

أخبرني علي بن العباس قال أنشدنا أبو العباس ثعلب قال أنشدني حماد ابن المبارك صاحب حسين بن الضحاك قال أنشدني حسين لنفسه
( لا وحُبِّيكَ لا أُصافِح ... بالدَّمْع مَدمَعَا )
( من بَكَى شَجْوَه استراح ... وإن كان مُوجَعا )
( كبَدِي من هواكَ أسقمُ ... من أن تَقَطّعا )
( لم تدَعْ سَوْرةُ الضَّنَى ... فيَّ للسُّقم مَوْضِعا ) قال ثم قال لنا ثعلب ما بقي من يحسن أن يقول مثل هذا
أخبرني علي قال حدثني محمد بن الفضل الأهوازي قال سمعت علي ابن العباس الرومي يقول حسين بن الضحاك أغزل الناس وأظرفهم فقلت حين يقول ماذا فقال حين يقول
( يا مستعِيرَ سَوالِف الحِشْفِ ... اِسْمَعْ لحَلْفة صادِق الحَلْفِ )
( إنْ لم أَصِحْ ليلِي ويا حَرَبِي ... من وجنتيكَ وَفَتْرةِ الطَّرْف )
( فجحَدتُ ربِّي فضلَ نعمته ... وعبدتُه أبداً على حَرْف )
أخبرني علي بن العباس الرومي قال حدثني قتيبة عن عمرو السكوني بالكوفة قال حدثني أبي قال حدثني حسين بن الضحاك قال كانت تألفني مغنية وتجيئني دائما وكنت أميل إليها وأستملحها وكان
(7/194)

يقال لها فتن فكان يجيء معها خادم لمولاتها يحفظها يسمى نجحا وكان بغيضا شرس الخلق فإذا جاء معها توقيته فمرض فجاءتني ومعها غيره فبلغت منها مرادي وتفرجت يومي وليلتي فقلت
( لا تَلُمْنِي على فِتَنْ ... إنها كاسمِها فِتَنْ )
( فإذا لم أَهِمْ بها ... فبمن لا بمن إذَنْ )
( أين لا أين مثلُها ... في جميع الوَرَى سَكَنْ )
( طِيب نَشْرٍ إذا لثَمْتَ ... وغُنْج ومُحتَضَن )
( وَالِ عَشْراً من الصَّبُوحِ ... على وجهِها الحسن )
( وعلى لفظها المُنَوَّن ... للاّم بالغُنَنْ )
( لست أنسى من الغَرِيرة ... إذ بُحت بالشَّجَنْ )
( قولَها إذ سلبتُها ... عن كَثيبٍ وعن عُكَن )
( ليس يُرضيكَ يا فتى ... من هوىً دون أن تَهِنْ )
( فامتزجنا معاً مُمَازَجةَ ... الرُّوح للبدن )
( وكُفِينا من أن نُراقِبَ ... نُجْحاً إذا فَطَن )
( وأمِنّاه أن يَنِمَّ ... وما كان مؤتَمنْ )
( كلّ ما كان من حبيبك ... مستظْرَفٌ حسن )
حدثني جحظة قال حدثني أبو عبد الله الهشامي أن مخارقا وحسين بن الضحاك تلاحيا في أبي العتاهية وأبي نواس
(7/195)

أيهما أشعر فاتفقا على اختيار شعر من شعريهما يتخايران فيه فاختار الحسين بن الضحاك شيئا من شعر أبي نواس جيدا قويا لمعرفته بذلك واختار مخارق شيئا من شعر أبي العتاهية ضعيفا سخيفا غزلا كان يغني فيه لا لشيء عرفه منه إلا لأنه استملحه وغنى فيه فخاير به لقلة علمه ولما كان بينه وبين أبي العتاهية من المودة وتخاطرا على مال وتحاكما إلى من يرتضيه الواثق بالله ويختاره لهما فاختار الواثق لذلك أبا محلم وبعث فأحضره وتحاكما إليه بالشعرين فحكم لحسين بن الضحاك فتلكأ مخارق وقال لم أُحسن الاختيار للشعر ولحسين أعلم مني بذلك ولأبي العتاهية خير مما اخترت وقد اختار حسين أجود ما قدر عليه لأبي نواس لأنه أعلم مني بالشعر ولكنا نتخاير بالشاعرين ففيهما وقع الجدال فتحاكما فحكم لأبي نواس وقال هو أشعر وأذهب في فنون الشعر وأكثر إحسانا في جميع تصرفه فأمر الواثق بدفع الخطر إلى حسين وانكسر مخارق فما انتفع به بقية يومه
مدح الحسن بن سهل
أخبرني ابن أبي طلحة قال حدثني سوادة بن الفيض قال حدثني أبي قال لما اطرح المأمون حسين بن الضحاك لهواه كان في أخيه محمد وجفاه لاذ الحسين بن الضحاك بالحسن بن سهل وطمع أن يصلحه له فقال يمدحه
( أرى الآمالَ غيرَ مُعرِّجاتٍ ... على أحدٍ سوى الحسن بن سَهْلِ )
( يُبارِي يومَه غدُه سَمَاحاً ... كِلاَ اليومين بان بكلّ فضلِ )
( أرى حَسَناً تقدّم مستبِدًّا ... ببَعْدٍ من رياسته وقَبْلِ )
(7/196)

( فإن حضرَتْك مشكلةٌ بشَكٍّ ... شفاكَ بِحِكْمةٍ وخطابِ فَصْل )
( سليلُ مَرَازبٍ بَرعُوا حلوماً ... وراع صغيرُهم بسداد كهلِ )
( ملوكٌ إن جريتَ بهم أَبَرّوا ... وعَزّوا أن تُوازِنَهم بِعدْل )
( ليَهْنِك أنّ ما أرجأتَ رشدٌ ... وما أمضيتَ من قول وفعل )
( وأنك مؤثِرٌ للحقّ فينا ... أراك الله من قطع ووصل
( وأنّك للجميع حَيَا ربيعٍ ... يَصُوب على قَرَارة كلِّ مَحْل ) قال فاستحسنها الحسن بن سهل ودعا بالحسين فقربه وآنسه ووصله وخلع عليه ووعده إصلاح المأمون له فلم يمكنه ذلك لسوء رأي المأمون فيه ولما عاجل الحسن من العلة
قال علي بن العباس بن أبي طلحة وحدثني أبو العباس أحمد بن الفضل المروزي قال سمعت الحسن بن سهل يقول لحسين بن الضحاك ما عنيت بقولك
( يا خَليّ الذَرْع من شَجَنِي ... إنما أشكو لترحمَني ) قال قد بينته قال بأي شيء قال قلت
( منعُك الميسورَ يُؤْيِسُني ... وقليلُ اليأس يقتلني ) فقال له أبو محمد إنك لتضيع بالخلاعة ما أُعطيته من البراعة
شاعر الغلمان
أخبرني علي بن العباس قال حدثني أحمد بن القاسم المري قال حدثنا أبو هفان قال
(7/197)

سألت حسين بن الضحاك عن خبره المشهور مع الحسن بن سهل في اليوم الذي شرب معه فيه وبات عنده وكيف كان ابتداؤه فقلت له إني أشتهي أن أسمعه منك فقال لي دخلت على الحسن بن سهل في فصل الخريف وقد جاء وسمي من المطر فرش رشا حسنا واليوم في أحسن منظر وأطيبه وهو جالس على سرير آبنوس وعليه قبة فوقها طارمة ديباج أصفر وهو يشرف على بستان في داره وبين يديه وصائف يترددن في خدمته وعلى رأسه غلام كالدينار فسلمت عليه فرد علي السلام ونظر إلي كالمستنطق فأنشأت أقول
( ألستَ ترى ديمةً تَهْطِلُ ... وهذا صباحُك مُسْتقبَلُ ) فقال بلى فقلت
( وتلك المُدَامُ وقد شاقنا ... برؤيته الشادنُ الأكحل ) فقال صدقت فمه فقلت
( فعاد به وبنا سَكْرةٌ ... تُهوِّن مكروهَ ما نَسأل ) فسكت فقلت
( فإني رأيت له نظرةً ... تُخبِّرني أنه يفعل ) ثم قال مه فقلت
( وقد أَشْكل العيشُ في يومنا ... فيا حبّذا عيشُنا المُشْكِلُ ) فقال العيش مشكل فما ترى فقلت مبادرة القصف وتقريب الإلف قال على أن تقيم معنا وتبيت عندنا فقلت له لك الوفاء وعليك مثله لي من الشرط قال وما هو قلت يكون هذا الواقف على رأسك
(7/198)

يسقيني فضحك ثم قال ذلك لك على ما فيه ودعا بالطعام فأكلنا وبالشراب فشربنا أقداحا ولم أر الغلام فسألت عنه فقال لي الساعة يجيء فلم نلبث أن وافاني فسألته أين كان فقال كنت في الحمام وهو الذي حبسني عنك فقلت لوقتي
( وابأبي أبيضُ في صفْرةٍ ... كأنه تِبْرٌ على فضّهْ )
( جرّده الحّمامُ عن دُرّةٍ ... تلوح فيها عُكَنٌ بَضّهْ )
( غصنٌ تبدَّى يتثّنى على ... مَأْكَمة مُثْقَلةِ النَّهْضَهْ )
( كأنما الرَّشُّ على خدّه ... طَلٌّ على تُفّاحةٍ غَضّهْ )
( صفاتُه فاتنة كلُّها ... فبعضُه يُذْكِرُني بعضَهْ )
( يا ليتني زوّدني قُبْلةً ... أو لاَ فمِنْ وَجْنته عَضّه ) فقال لي الحسن قد عمل فيك النبيذ فقلت لا وحياتك فقال هذا شر من ذلك فقلت
( إسقياني وصرِّفا ... بنتَ حولين قَرْقَفَا )
( واسْقِيا المُرْهَفَ الغَرير ... سقَى اللهُ مُرْهَفا )
( لا تقولا نراه أكلفَ ... نِضْواً مخفّفا )
( نِعْم ريحانةُ النديم ... وإن كان مُخْطَفا )
( إن يكن أكلفاً فإني ... أرى البدرَ أكْلَفا )
(7/199)

( بأبي ما جنُ السريرة ... يُبْدي تَعَفُّفا )
( حَفَّ أصداغَه وعَقْر ... بها ثم صفَّفَا )
( وحشَا مَدْرَجَ القُصاصِ ... بمسك ورصّفا )
( فإذا رُمتَ منه ذاك ... تأبّى وعنَّفا )
( ليس إلا بأنْ يُرنِّحه ... السُّكْرُ مُسْعِفا )
( باكِرَا لا تسوِّفاني ... عدِمتُ المُسوِّفا )
( أعْجِلاه وبالفُضَاضةِ ... في السَّقْي فاعْنُفا )
( واحمِلا شَغْبَه وإن ... هو زَنّى وأفّفا )
( فإذا همّ للمنامِ ... فقُومَا وخَفِّفا ) فتغاضب الغلام وقام فذهب ثم عاد فقال لي أقبل على شرابك ودع الهذيان وناولني قدحا وقام أبو محمد ليبول فشربت وأعطاني نقلا فقلت اجعل بدله قبلة فضحك وقال أفعل هذا وقته فبدا له وقال لا أفعل فعاودته فانتهرني فقال له خادم للحسن يقال له فرج بحياتي يا بني أسعفه بما طلب فضحك ثم دنا مني كأنه يناولني نقلا وتغافل فاختلست منه قبلة فقال لي هي حرام عليك فقلت
( وبديع الدَّلّ قَصْرِيّ الغَنَجْ ... مَرِه العين كَحِيل بالدَّعَج )
( سُمْتُه شيئاً وأَصْغيتُ له ... بعد ما صرَّف كأساً وَمَزَجْ )
( واستخفّتْه على نَشْوتِه ... نَبَراتٌ من خفيفٍ وهَزَج )
(7/200)

( فتأبَّى وتثنَّى خَجَلاً ... وذَرَا الدمعَ فنوناً ونَشَجْ )
( لجّ في لولا وفي سوف تَرى ... وكذا كَفْكَف عنِّي وخَلَجْ )
( ذهب الليلُ وما نَوَّلَني ... دون أن أَسْفَرَ صبحٌ وانْبَلَجْ )
( هوّن الأمرَ عليه فرجٌ ... بتأتِّيه فسَقْياً لفَرَجْ )
( خَمِرُ النكهة لا من قهوةٍ ... أَرَّجَ الأصداغَ بالمسك أَرِجْ )
( وبنفسي نفسُ من قال وقد ... كان ما كان حرامٌ وحَرَجْ ) قال ثم أسفر الصبح فانصرفت وعدت من غد إلى الحسن فقال لي كيف كنت في ليلتك وكيف كنت عند نومك فقلت له أأصف ذلك نثرا أم نظما فقال بل نظما فهو أحسن عندي فقلت
( تألّفتُ طيفَ غزال الحَرَم ... فواصَلَني بعد ما قد صَرَم )
( وما زلتُ أقنَع من نَيْله ... بما تَجْتنيه بَنَانُ الحُلُم )
( بنفسي خيالٌ على رِقْبَةٍ ... ألَمّ به الشوقُ فيما زعَم )
( أتاني يُجاذب أردافه ... من البُهْر تحت كسوف الظُّلَمْ )
( تمُجّ سوالفُه مِسْكةً ... وعنبرةً ريقُه والنَّسَمْ )
( تضمّخ من بعد تجميره ... فطاب من القَرْن حتى القَدَم )
( يقول ونازعتُه ثوبَه ... على أن يقولَ لشيء نعم )
( فغَضّ الجفونَ على خَجْلَةٍ ... وأعرضَ إعراضة المُحْتَشِم )
( فشبّكتُ كفّي على كفّه ... وأصغيتُ ألْثِمُ دُرًّا بفَم )
( فَنَهْنَهنِي دفْعَ لا مؤيسٍ ... بجِدّ ولا مُطْمِعٍ مُعْتزم )
( إذا ما همَمْتُ فأدنيتُه ... تَثّنى وقال لي الوَيْلُ لِمْ )
(7/201)

( فما زِلتُ أبسُطه مازحاً ... وأُفْرِط في اللهو حتى ابتسم )
( وحكَّمني الرِّيمُ في نفسه ... بشيء ولكنّه مُكْتَتَمْ )
( فواهاً لذلك من طارقٍ ... على أن ما كان أبقى سَقَم ) قال فقال لي الحسن يا حسين يا فاسق أظن ما ادعيته على الطيف في النوم كان في اليقظة مع الشخص نفسه وأصلح الأشياء لنا بعد ما جرى أن نرحض العار عن أنفسنا بهبة الغلام لك فخذه لا بورك لك فيه فأخذته وانصرفت
حدثني علي بن العباس قال حدثني أبو العيناء قال أنشدني الحسين بن الضحاك لنفسه في غلام للحسن بن سهل كان اجتمع معه في دار الحسن ثم لقيه بعد ذلك فسلم عليه فلم يكلمه الغلام فقال
( فديتُك ما لوجهك صدَّ عنّي ... وأبديتَ التَندُّم بالسلام )
( أحين خلبتني وقَرَنْتَ قلبي ... بطَرْفِك والصَّبابةَ في نِظام )
( تَنَكَّر ما عهِدتُ لِغبّ يوم ... فيا قربَ الرَّضَاع من الفِطام )
( لأَسْرعَ ما نهيتَ إلى همومي ... سروري بالزيارة واللِّمام )
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني حسين بن الضحاك الخليع قال كنت في المسجد الجامع بالبصرة فدخل علينا أبو نواس وعليه جبة خز جديدة فقلت له من أين هذه يا أبا نواس فلم يخبرني فتوهمت أنه أخذها من موسى بن عمران لأنه دخل من باب بني تميم فقمت فوجدت موسى قد لبس جبة خز أخرى فقلت له
( كيف أصبحتَ يا أبا عمران ... ) فقال بخير صبحك الله به فقلت
(7/202)

( يا كريم الإخاء والإخوان ... ) فقال أسمعك الله خيرا فقلت
( إن لي حاجةً فرأيَك فيها ... إننا في قضائها سِيّان ) فقال هاتها على اسم الله وبركته فقلت
( جُبّةٌ من جِبابك الخَزّ حتى ... لا يَراني الشتاءُ حيث يراني ) قال خذها على بركة الله ومد كمه فنزعتها وجئت وأبو نواس جالس فقال من أين لك هذه فقلت من حيث جاءتك تلك
حسين بن الضحاك والمعتصم
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثني محمد بن موسى بن حماد قال أخبرني عبد الله بن الحارث عن إبراهيم بن عبد السلام عن الحسين بن الضحاك قال دخلت أنا ومحمد بن عمرو الرومي دار المعتصم فخرج علينا كالحا قال فتوهمنا أنه أراد النكاح فعجز عنه قال وجاء إيتاخ فقال مخارق وعلويه وفلان وفلان من أشباههما بالباب فقال اعزب عني عليك وعليهم لعنة الله قال فتبسمت إلى محمد بن عمرو وفهم المعتصم تبسمي فقال لي مم تبسمت فقلت من شيء حضرني فقال هاته فأنشدته
(7/203)

صوت
( اِنْفِ عن قلبك الحَزَنْ ... باقترابٍ من السَّكَنْ )
( وتمتَّعْ بكَرِّ طَرْفك ... في وجهه الحَسَنْ )
( إنّ فيه شفاءَ صدرك من لاعِج الحَزَنْ ) قال فدعا بألفي دينار ألف لي وألف لمحمد فقلت الشعر لي فما معنى الألف لمحمد بن عمرو قال لأنه جاءنا معك ثم أذن لمخارق وعلويه فدخلا فأمرهما بأن يغنيا فيه ففعلا فما زال يعيد هذا الشعر ولقد قام ليبول فسمعته يردده
الغناء في هذا الشعر اشترك فيه مخارق وعلويه وهو من الثقيل الأول بالبنصر
أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد بن مروان قال كان الحسين بن الضحاك عند أبي كامل المهندس وأنا معهم حاضر فرأى خادما فاستحسنه وأعجبه فقال له بعض أصحابه أتحبه قال نعم والله قال فأعلمه قال هو أعلم بحبي له مني به ثم قال
( عالمٌ بحبِّيهِ ... مُطْرِقٌ من التِّيهِ )
( يوسفُ الجمالِ وفرعونُ ... في تَعَدِّيه )
( لا وحقِّ ما أنا مِنْ ... عَطْفِه أُرَجِّيه )
( ما الحياة نافعةٌ ... لي على تأبِّيه )
( النعيمُ يشغَلُه ... والجمالُ يُطْغِيه )
( فهو غير مُكترثٍ ... للذي أُلاقِيه )
( تائهٌ تُزهِّدُه ... فيَّ رغبتي فيه ) قال محمد بن محمد وغنى في هذا الشعر عمرو بن بانة وعريب وسليم وجماعة من المغنين
(7/204)

حدثني عمي قال حدثني ميمون بن هارون قال كان للحسين بن الضحاك صديق وكان يتعشق جارية مغنية فزاحمه فيها غلام كان في مرودته حسن الوجه فلما خرجت لحيته جعل ينتف ما يخرج منها ومالت القينة إليه لشبابه فشكا ذلك إلى الحسين بن الضحاك وسأله أن يقول فيها شعرا فقال
( خَلِّ الذي عنكَ لا تَسْطيعُ تدفعُه ... يا من يُصارِع من لا شكّ يَصْرعُه )
( جاءت طرائقُ شَعْر أنت ناتفُها ... فكيف تَصْنَع لو قد جاء أَجْمعُه )
( الله أكبرِ لا أَنْفَكُّ من عَجَبٍ ... أأنت تحصُد ما ذو العرشِ يزرعه )
( تَبًّا لسعيك بل تَبًّا لأمِّك إذ ... تَرْعَى حِمىً خالقُ الأَحْماء يَمنعُه ) وقال فيه أيضا
( ثَكِلَتْكَ أمُّك يابن يوسفْ ... حَتَّامَ وَيْحَك أنت تَنْتِفْ )
( لو قد أتى الصيفُ الذي ... فيه رؤوس الناس تُكْشَفْ )
( فكشفتَ عن خدَّيكَ لي ... لكشفتَ عن مثلِ المُفَوَّفْ )
( أو مثل زَرْعٍ ناله اليَرَقانُ ... أو نكْباءُ حَرْجَفْ )
( فغدا عليه الزارعون ... ليَحْصُدوه وقد تقصَّفْ )
( فظَللْتَ تأسَف كالأُلى ... أسِفوا ولم يُغْنِ التأسُّف )
حدثني علي بن العباس قال حدثني عمير بن أحمد بن نصر الكوفي قال حدثني زيد بن محمد شيخنا قال قلت لحسين بن الضحاك وقد قدم إلينا الكوفة يا أبا علي شهرت نفسك وفضحتها في خادم فألا أشتريته فقال فديتك إن الحب لجاج
(7/205)

كله وكنت أحببت هذا الخادم ووافقني على أن يستبيع لأشتريه فعارضني فيه صالح بن الرشيد فاختلسه مني ولم أقدر على الانتصاف منه وآثره الخادم واختاره وكلانا يحبه إلا أن صالحا يناك ولا أناك والخادم في الوسط بلا شغل فضحكت من قوله ثم سألته أن ينشدني شيئا من شعره فأنشدني
( إنّ من لا أَرَى وليس يَرَاني ... نُصْبَ عيني مُمَثَّلٌ بالأمانِي )
( بأبي من ضميرُه وضميري ... أبداً بالمَغِيبِ يَنْتجِيان )
( نحن شخصانِ إن نظرتَ ورُوحانِ ... إذا ما اختبرتَ يمتزجانِ )
( فإذا ما هَممتُ بالأمر أو هَمّ ... بشيء بدأتُه وبَدَاني )
( كان وَفْقاً ما كان منه ومنّي ... فكأني حَكَيتُه وحكاني )
( خطراتُ الجفون منّا سَوَاءٌ ... وسواءٌ تحرُّكُ الأبدان ) فسألته أن يحدثني بأسر يوم مر له معه فقال نعم اجتمعنا يوما فغنى مغن لنا بشعر قلته فيه فاستحسنه كل من حضر ثم تغنى بغيره فقال لي عارضه فقلت بقبلة فقال هي لك فقبلته قبلة وقلت
( فدّيتُ من قال لي على خَفَرِهْ ... وغضَّ من جَفْنِه على حَوَرِهْ )
( سمَّع بي شعرُك المَليحُ فما ... ينفكُّ شادٍ به على وَتَرِهْ )
( حسبُك بعضُ الذي أذعتَ ولا ... حَسْبَ لصَبٍّ لم يَقْضِ من وَطَرِهْ )
( وقلتُ يا مستعيرَ سالفةِ الخِشْفِ ... وحسنِ الفُتُورِ من نَظَرِهْ )
( لا تُنِكرنّ الحَنِينَ من طَرِبٍ ... عاودَ فيكَ الصِّبَا على كِبَرِه )
حدثني الصولي وعلي بن العباس قالا حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي قال كان حسين بن الضحاك يتعشق خادما لأبي عيسى أو لصالح بن الرشيد أخيه فاجتمعا يوما عند أخي مولى الخادم فجعل حسين يشكو إليه ما به فلا يسمع به ويكذبه ثم سكن نفاره وضحك إليه وتحدثا ساعة فأنشدنا حسين قوله فيه
(7/206)

( سائْل بطَيْفِكَ عن ليلي وعن سَهَرِي ... وعن تَتَابُع أنفاسي وعن فِكَري )
( لم يَخْلُ قلبي من ذِكراكَ إذ نظرتْ ... عيني إليكَ على صَحْوي ولا سَكَري )
( سَقْياً ليوم سروري إذ تُنازِعني ... صفوَ المدامةِ بين الأُنْسِ والخَفَر )
( وفضلُ كأسك يأتيني فأشربُه ... جَهْراً وتشربُ كأسي غيرَ مستتر )
( وكيف أُشْمِلُه لَثْمي وأُلْزِمه ... نحري وترفَعه كفّي إلى بصري )
( فليتَ مدّةَ يومي إذ مضى سلَفاً ... كانت ومدّةَ أيامي على قَدَر )
( حتى إذا ما انطوتْ عنّا بشاشتُه ... صِرْنا جميعاً كذا جارَيْن في الحُفَر )
حدثني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد بن مروان قال حدثني حسين بن الضحاك قال كان صالح بن الرشيد يتعشق غلاما يسمى يسرا خادم أخيه أبي عيسى فكان يراوده عن نفسه فيعده ولا يفي له فأرسله أبو عيسى ذات يوم إلى صالح أخيه في السحر يقول له يا أخي إني قد اشتهيت أن أصطبح اليوم فبحياتي لما ساعدتني وصرت إلي لنصطبح اليوم جميعا فسار يسر إلى صالح أخيه في السحر وهو منتش قد شرب في السحر فأبلغه الرسالة فقال نعم وكرامة اجلس أولا فجلس فقال يا غلام أحضرني عشرة آلاف درهم فأحضرها فقال له يا يسر دعني من مواعيدك ومطلك هذه عشرة آلاف درهم فخذها واقض حاجتي وإلا فليس ها هنا إلا الغضب فقال له يا سيدي إني أقضي الحاجة ولا آخذ المال ثم فعل ما أراد وطاوعه فقضى حاجته وأمر صالح بحمل العشرة الآلاف الدرهم معه قال الحسين ثم خرج إلي صالح من خلوته فقال يا حسين قد رأيت ما كنا فيه فإن حضرك شيء فقل فقلت
صوت
( أيا مَنْ طَرْفُه سِحْرُ ... ومَنْ ريقتُه خمرُ )
( تجاسرتُ فكاشفتُك ... لمّا غُلِب الصبرُ )
(7/207)

( وما أَحْسنَ في مثلك ... أن يَنْهتِك السِّتْرُ )
( وإنْ لامنِيَ الناس ... ففي وجهك لي عذرُ )
( فدَعْني من مَوَاعِيدِك ... إذ حيَّنك الدهرُ )
( فلا واللهِ لا تبرحُ ... أو ينقضيَ الأمر )
( فإمّا الغَضْبُ والذمَ ... وإما البذلُ والشكر )
( ولو شئتَ تيسَّرتَ ... كما سُمِّيتَ يا يُسْرُ )
( وكن كاسمك لا تَمنْعُكَ ... النَّخْوةُ والكِبْرُ )
( فلا فُزْتُ بحَظِّي منك ... إن ذاع له ذكر )
قال الحسين فضحك ثم قال قد لعمري تيسر يسر كما ذكرت فقلت نعم ومن لا يتيسر بعد أخذه الدية لو أردتني أيضا بهذا لتيسرت فضحك ثم قال نعطيك يا حسين الدية لحضورك ومساعدتك ولا نريدك لما أردنا له يسرا فبئست المطية أنت وأمر لي بها ثم أمر عريب بعد ذلك فغنت في بعض هذا الشعر
حدثني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد بن مروان قال حدثني حسين بن الضحاك قال كنت عند عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع وهو مصطبح وخادم له يسقيه فقال لي يا أبا علي قد استحسنت سقي هذا الغلام فإن حضرك شيء في قصتنا هذه فقل فقلت
( أحْيَتْ صَبُوحي فُكَاهةُ اللاَّهِي ... وطاب يومي لقرب أشباهي )
( فاستَثِر اللهوَ من مَكَامِنه ... من قبل يومٍ منغِّصٍ ناهي )
( بابنةِ كَرْمٍ من كفّ مُنْتَطِق ... مؤتزرٍ بالمُجُون تَيَّاه )
( يَسْقِيك من طَرْفِه ومن يده ... سَقْيَ لطيفٍ مجرِّب داهي )
(7/208)

( كأساً فكأساً كان شاربَها ... حيرانُ بين الذَّكُور والساهي ) قال فاستحسنه عبد الله وغنى فيه لحنا مليحا وشربنا عليه بقية يومنا
والغلمان عندهم نخوة
أخبرني علي بن العباس قال حدثني سوادة بن الفيض المخزومي قال حدثني أبي قال خرج حسين بن الضحاك إلى القفص متنزها ومعه جماعة من إخوانه ظرفاء وبلغ يسرا الخادم خروجه فشد في وسطه خنجرا وخرج إليه فجاءه وهو على غفلة فسر به حسين وتلقاه وأقام معه إلى آخر النهار يشربان فلما سكرا جمشه حسين فأخرج خنجره عليه وعربد فأمسك حسين وعاد إلى شرابه وقال في ذلك
( جَمّشتُ يُسْراً على تسكُّرِه ... وقد دَهَاني بحُسْن منظَرِهِ )
( فهَمّ بالفَتْك بي فناشَده ... فيّ كريمٌ من خيرِ مَعْشره )
( يا مَنْ رأى مثل شادِنٍ خَنِثٍ ... يَصُول في خِدْره بزُوَّرِه )
( يسحَب ذيلَ القميص صَعْتَرَه ... ووارداتٍ من هُدْب مِئْزَرِه )
( ولا يُعاطِي نديمَه قدحاً ... إلاّ بإبهامِه وخِنْصَره )
( أخاف من كِبْره بوادرَه ... أدالني اللهُ من تَكَبُّره )
(7/209)

( قد قلتُ للشَّرْب إذ بَدَا فُضُلاً ... في رَيْطتَيْه وفي مُمَصَّرِه )
( وَيْلِي على شادنٍ توعَّدني ... بَسلِّ سِكِّينِه وخَنْجَره )
( أمَا كفاه ما حَزّ في كبدي ... بسِحْر أجفانِه ومَحْجِرِه )
( إذا نسيمُ الرياح قابَلَنا ... بالطِّيب من مسكه وعنبرِه )
( هَزّ قَوَاماًَ كأنه غُصُنٌ ... وارتَجّ ما انحطّ من مُخَصَّرِه )
أخبرني علي بن العباس قال حدثني سوادة بن الفيض قال حدثني أبي قال حضرت حسين بن الضحاك يوما وقد جاءه يسر فجلس عنده وأخذنا نتحدث مليا ثم غازله حسين فقال له يسر إياك والتعرض لي واربح نفسك فقال حسين
صوت
( أيُّها النَّفَّاثُ في العُقَد ... أنا مَطْوِيٌّ على الكَمَدِ )
( إنما زَخْرَفَت لي خُدَعاً ... قدَحتْ في الرُّوحِ والجَسَد )
( هاتِ يا خَدَّاعُ واحدةً ... من كثيرٍ قلتَه وقَدِي )
( ليت شعري بعد حَلْفك لي ... بوفاء العهد بعد غدِ )
( ما الذي بالله صيَّره ... بعد قربٍ في مَدَى الأبد )
( مالأُنْسٍ كان مُبْتَذَلاً ... منك لي بالأمس لم يَعُدِ )
( إيهِ قُلْ لي غيرَ مُحتَشِمٍ ... هل دَهَاني فيك من أحدِ )
( حبَّذا والكأسُ دائرةٌ ... لَهْوُنا والصَّيْدُ بالطَّرَدِ )
( وحديثٌ في القلوب له ... أُخَذٌ يَصْدَعْنِ في الكبد )
(7/210)

( يومَ تُعطِيني وتأخذها ... دون نَدْماني يداً بيدِ )
( فإذا ألويت هيَّجني ... تَلَعٌ من ظبية البلد )
( وإذا أصغيتُ ذكَّرني ... نَشْرَ كافورٍ على بَرَد )
( ذاك يومٌ كان حاسدُنا ... فيه معذوراً على الحَسَدِ )
حدثني الصولي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال حدثنا عمرو بن بانة قال خرجنا مع المعتصم إلى الشام لما غزا فنزلنا في طريقنا بدير مران وهو دير على تلعة مشرفة عالية تحتها مروج ومياه حسنة فنزل فيه المعتصم فأكل ونشط للشرب ودعا بنا فلما شربنا أقداحا قال لحسين بن الضحاك أين هذا المكان من ظهر بغداد فقال لا أين يا أمير المؤمنين والله لبعض الغياض والآجام هناك أحسن من هنا قال صدقت والله وعلى ذلك فقل أبياتا يغن فيها عمرو فقال أما أن أقول شيئا في وصف هذه الناحية بخير فلا أحسب لساني ينطق به ولكني أقول متشوفا إلى بغداد فضحك وقال قل ما شئت
صوت
( يا دَيْرَ مِدْيانَ لا عُرِّيتَ من سَكَنٍ ... هيَّجْتَ لي سَقَماً يا دَيْرَ مِدْيانَا )
( هل عند قّسِّك من علم فيخبرَنا ... أم كيف يُسْعِفُ وجهُ الصبر من بانا )
( حُثَّ المُدَامَ فإن الكأسَ مُتْرَعةً ... ممّا يَهِيجُ دَوَاعِي الشوقِ أحيانا )
(7/211)

( سَقْياً ورَعْياً لكَرْخايا وساكِنها ... وللجُنينة بالرَّوْحاء مَنْ كانا )
فاستحسنها المعتصم وأمرني ومخارقا فغنينا فيها وشرب على ذلك حتى سكر وأمر للجماعة بجوائز
لحن عمرو بن بانة في هذه الأبيات رمل ولحن مخارق هزج ويقال إنه لغيره
أخبرني الصولي قال حدثنا يزيد بن محمد قال كان حسين بن الضحاك يميل إلى خادم لأبي عيسى بن الرشيد فعبث به يوما على سكر فأخذ قنينة فضرب بها رأسه فشجه شجة منكرة وشاع خبره وتوجع له إخوانه وعولج منها مدة فجفا الخادم واطرحه وأبغضه ولم يعرض له بعدها فرآه بعد ذلك في مجلس مولاه فعبث به الخادم وغازله فلما أكثر ذلك قال له الحسين ُ
صوت
( تَعَزَّ بيأسٍ عن هواي فإنّني ... إذا انصرفتْ نفسي فهيهات عن رَدّي )
( إذا خُنْتُمُ بالغيب ودي فما لكم ... تُدِلُّون إدْلالَ المُقِيم على العهد )
( ولي منك بُدٌّ فاجتنبْني مُذَمَّماً ... وإن خلتَ أنِّي ليس لي منك من بُدّ )
الغناء في هذه الأبيات لعمرو بن بانة وله فيه لحنان رمل وخفيف رمل
تهنئة الواثق بالخلافة
حدثني أحمد بن العباس العسكري قال حدثني عبد الله بن المؤمل العسكري قال
(7/212)

لما ولي الواثق الخلافة جلس للناس ودخل إليه المهنئون والشعراء فمدحوه وهنؤوه ثم استأذن حسين بن الضحاك بعدهم في الإنشاد وكان من الجلساء فترفع عن الإنشاد مع الشعراء فأّذن له فأنشده قوله
( أكاتِم وَجْدِي فما يَنْكَتِمْ ... بِمَنْ لو شكوتُ إليه رَحِمْ )
( وإنَي على حسن ظنّي به ... لأَحْذَر إن بُحْتُ أن يَحْتَشِمْ )
( ولي عند لَحْظته رَوْعةٌ ... تُحَقّق ما ظَنّه المُتّهِمْ )
( وقد علم الناسُ أنّي له ... مُحِبٌّ وأحسَبه قد عَلِمْ ) وفي هذا رمل لعبد الله بن العباس بن الربيع
( وإنّي لمُغْضٍ على لوعةٍ ... من الشوق في كَبِدي تضْطَرِم )
( عشيّةَ ودّعتُ عن مقلةٍ ... سَفُوحٍ وزفرةِ قلبٍ سَدِم )
( فما كان عند النّوى مُسْعِدٌ ... سوى العين تمزُج دمعاً بدَم )
( سيذكر من بان أوطانَه ... ويَبْكي المقيمين من لم يُقِمْ ) وقال فيها يصف السفينة
( إلى خازن الله في خَلْقه ... سراجِ النَّهار وبَدْر الظُّلَم )
( رحلنا غَرابيبَ زفَّافةً ... بدِجْلةَ في مَوْجها المُلْتَطِمْ )
( إذا ما قصدْنا لقاطُولِها ... ودُهْمُ قَراقِيرها تَصْطَدِمْ )
( سكنّا إلى خير مسكونةٍ ... تيمَّمها راغبٌ من أَمَمْ )
(7/213)

( مباركةٌ شاد بنيانَها ... بخير المواطن خيرُ الأمم )
( كأنّ بها نَشْرَ كافورةٍ ... لبَرْد نَدَاها وطِيبِ النَّسَمْ )
( كظهر الأديم إذا ما السحابُ ... صاب على مَتْنها وانسَجَم )
( مُبَرّأة من وُحُول الشتاء ... إذا ما طمَى وحلُه وارتَكَم )
( فما إنْ يزال بها راجلٌ ... يمرّ الهُوَيْنَى ولا يلتطِم )
( ويَمشي على رِسْله آمناً ... سليمَ الشَّراك نقيَّ القدم )
( ولِلنُّون والضَّبَ في بطنها ... مراتعُ مسكونةٌ والنَّعَم )
( غدوتُ على الوَحْش مغترّةً ... رواتعَ في نَوْرها المنتظم )
( ورُحتُ عليها وأسرابُها ... تَحُوم بأكنافها تَبْتَسِمْ ) ثم قال يمدح الواثق
( يَضيق الفضاءُ به إن غدا ... بطَوْدَيْ أعاريبه والعجمْ )
( ترى النصرَ يقدُم راياتِه ... إذا ما خفَقْن أمام العلم )
( وفي الله دوَّخ أعداءه ... وجرّد فيهم سيوفَ النِّقَم )
( وفي الله يكظِم من غيظه ... وفي الله يصفَح عمّن جَرَم )
( رأى شِيَمَ الجود محمودةً ... وما شِيَمُ الجود إلاّ قِسَمْ )
( فراح على نَعَمٍ واغتدى ... كأنْ ليس يُحسن إلاّ نَعم ) قال فأمر له الواثق بثلاثين ألف درهم واتصلت أيامه بعد ذلك ولم يزل من ندمائه
حدثني أحمد بن العباس قال حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثني مهدي بن سابق قال قال الواثق لحسين بن الضحاك قل الساعة أبياتا ملاحا حتى أهب لك شيئا مليحا فقال في أي معنى يا أمير المؤمنين فقال امدد طرفك وقل
(7/214)

فيما شئت ممّا ترى بين يديك وصفه فالتفت فإذا ببساط زهره قد تفتحت أنواره وأشرق في نور الصبح فأُرتج علي ساعة حتى خجلت وضقت ذرعا فقال لي الواثق مالك ويحك ألست ترى نور صباح ونور أقاح فانفتح القول فقلت
( ألستَ ترى الصبحَ قد أَسْفرا ... ومُبْتكِرَ الغيث قد أَمْطرا )
( وأسفرتِ الأرضُ عن حُلّة ... تُضاحِك بالأحمر الأصفرا )
( ووافاك نَيْسانُ في ورده ... وحَثَّك في الشُّرْب كي تَسْكَرا )
( وتُعْمِل كأسين في فِتْيةٍ ... تُطارِد بالأصغر الأكبرا )
( يَحُثّ كؤوسَهُمُ مُخْطَفٌ ... تُجاذِبُ أردافُه المِئْزَرا )
( ترجَّل بالبانِ حتى إذا ... أدار غدائرَه وفَّرا )
( وفضَّضَ في الجُلّنارِ البَهَارَ ... والآبِنُوسَةَ والعَبْهرا )
( فلمّا تمازَج ما شَذَّرتْ ... مَقَارِيضُ أطرافِه شذَّرا )
( فكلٌّ يُنافِس في بِرِّه ... ليفعل في ذاتِه المُنْكَرا )
قال فضحك الواثق وقال سنستعمل كل ما قلت يا حسين إلا الفسق الذي ذكرته فلا ولا كرامة ثم أمر بإحضار الطعام فأكل وأكلوا معه ثم قال قوموا بنا إلى حانة الشط فقاموا اليها فشرب وطرب وما ترك يومئذ أحدا من الجلساء والمغنين والحشم إلا أمر له بصلة وكانت من الأيام التي سارت أخبارها وذكرت في الآفاق قال حسين فلما كان من الغد غدوت إليه فقال أنشدني يا حسين شيئا إن كنت قلته في يومنا الماضي فقد كان حسنا فأنشدته
(7/215)

صوت
( يا حانةَ الشَّطِّ قد أكرَمْتِ مَثْوانا ... عُودِي بيومِ سرورٍ كالذي كانا )
( لا تُفْقِدينا دُعَاباتِ الإِمام ولا ... طِيبَ البَطَالةِ إسراراً وإعلانا )
( ولا تَخَالُعَنا في غير فاحشةٍ ... إذا يطرِّبنا الطُّنْبورُ أحيانا )
( وهاج زَمْرُ زُنَامٍ بين ذاك لنا ... شَجْواً فأَهْدَى لنا رَوْحاً ورَيْحاناً )
( وسَلْسَلَ الرّطلَ عمروٌ ثم عَمّ به السُّقْيَا ... فألْحَقَ أُولانا بأُخرانا )
( سَقْياً لشكلِك من شكل خُصِصتِ به ... دون الدَّسَاكر من لَذّات دنيانا )
( حَفَّتْ رياضَك جَنّاتٌ مجاوِرةٌ ... في كلِّ مُخْتَرَقٍ نهراً وبستانا )
( لا زلتِ آهلةَ الأوطان عامرةً ... بأكرم الناس أعْراقاً وأغصانا )
قال فأمر له الواثق بصلة سنية مجددة واستحسن الصوت وأمر فغني في عدة أبيات منها غنت فريدة في البيتين الأولين من هذه الأبيات ولحنها هزج مطلق
حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى قال اجتمعت أنا وحسين بن الضحاك وأبو شهاب الشاعر وهو الذي يقول
( لقد كنتُ ريحانةً في النَّديّ ... وتُفّاحةً في يد الكاعِب ) وعمرو بن بانة يغنيها فتذاكرنا الدواب واتصل الحديث إلى أن
(7/216)

تلاحى حسين وأبو شهاب في دابتيهما وتراهنا على المسابقة بهما فتسابقا فسبقه أبو شهاب فقال حسين في ذلك
( كُلُوا واشربوا هُنِّئْتُم وتمتَّعوا ... وعيشوا وذُمّوا الكَوْدَنين جميعا )
( فأُقسم ما كان الذي نال منهما ... مَدَى السبق إذ جَدّ الجِراءُ سريعا )
وهي قصيدة معروفة في شعره فقال أبو شهاب يجيبه
( أيا شاعر الخُصْيان حاولتَ خُطَّةً ... سُبِقْتَ إليها وانكفأتَ سريعا )
( تُحاول سبقي بالقَريض سفاهةً ... لقد رمت جهلاً من حِمَايَ مَنيعا )
وهي أيضا قصيدة فكان ذلك سبب التباعد بينهما وكنا إذا أردنا العبث بحسين نقول له أيا شاعر الخصيان فيجن ويشتمنا
حدثني جعفر قال حدثني علي بن يحيى قال حدثني حسين بن الضحاك قال كان يألفني إنسان من جند الشأم عجيب الخلقة والزي والشكل غليظ جلف جاف فكنت احتمل ذلك كله له ويكون حظي التعجب به وكان يأتيني بكتب من عشيقة له ما رأيت كتبا أحلى منها ولا أظرف ولا أبلغ ولا أشكل من معانيها ويسألني أن أجيب عنها فأَجهد نفسي في الجوابات وأصرف عنايتي إليها على علمي بأن الشامي بجهله لا يميز بين الخطأ والصواب ولا يفرق بين الابتداء والجواب فلما طال ذلك علي حسدته وتنبهت إلى إفساد حاله عندها فسألته عن اسمها فقال بصبص فكتبت إليها عنه في جواب كتاب منها جاءني به
( أَرْقَصني حبُّكِ يا بَصْبَصُ ... والحبُّ يا سيّدتي يُرْقِصُ )
(7/217)

( أَرمَصْتِ أجفاني بطول البكا ... فما لأجفانك لا تَرْمَص )
( وابأبي وجهُك ذاك الذي ... كأنه من حسنه عُصْعُصُ )
فجاءني بعد ذلك فقال لي يا أبا علي جعلني الله فداءك ما كان ذنبي إليك وما أردت بما صنعت بي فقلت له وما ذاك عافاك الله فقال ما هو والله إلا أن وصل ذلك الكتاب إليها حتى بعثت إلي إني مشتاقة إليك والكتاب لا ينوب عن الرؤية فتعال إلى الروشن الذي بالقرب من بابنا فقف بحياله حتى أراك فتزينت بأحسن ما قدرت عليه وصرت إلى الموضع فبينا أنا واقف أنتظر مكلما أو مشيرا إلي إذا شيء قد صب علي فملأني من قرني إلى قدمي وأفسد ثيابي وسرجي وصيرني وجميع ما علي ودابتي في نهاية السواد والنتن والقذر وإذا به ماء قد خلط ببول وسواد سرجين فانصرفت بخزي وكان ما مر بي من الصبيان وسائر من مررت به من الضحك والطنز والصياح بي أغلظ مما مر بي ولحقني من أهلي ومن في منزلي شر من ذلك وأوجع وأعظم من ذلك أن رسلها انقطعت عني جملة قال فجعلت أعتذر إليه وأقول له إن الآفة أنها لم تفهم معنى الشعر لجودته وفصاحته وأنا أحمد الله على ما ناله وأُسر الشماتة به
ابن الضحاك يدعى فيلبي ويعتذر
أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني ميمون بن هارون عن حسين ابن الضحاك قال
(7/218)

كتب إلي الحسن بن رجاء في يوم شك وقد أمر الواثق بالإفطار فقال
( هَزَزْتك للصَّبوح وقد نهاني ... أميرُ المؤمنين عن الصّيامِ )
( وعندي من قِيان المصر عَشْرٌ ... تَطِيب بهنّ عاتقةُ المُدامِ )
( ومن أمثالهن إذا انتشينا ... تَرانا نجتني ثمرَ الغرام )
( فكن أنتَ الجوابَ فليس شيءٌ ... أحبَّ إليّ من حذف الكلام ) قال فوردت علي رقعته وقد سبقه إلي محمد بن الحارث بن بسخنر ووجه إلي بغلام نظيف الوجه كان يتخطاه ومعه ثلاثة غلمة أقران حسان الوجوه ومعهم رقعة قد كتبها إلي كما تكتب المناشير وختمها في أسفلها وكتب فيها يقول
( سِرْ على اسم الله يا أشكلَ ... من غصن لُجَين )
( في ثلاثٍ من بني الروم ... إلى دار حسين )
( فاشخِصِ الكهلَ إلى مولاك ... يا قُرّةَ عيني )
( أرِهِ العُنْفَ إذا استعصَى ... وطالِبْه بدَيْن )
( ودَعِ اللفظَ وخاطِبْه ... بغمز الحاجبَيْن )
( واحذَرِ الرَّجعة من وجهك ... في خُفَّيْ حُنَيْن ) قال فمضيت معهم وكتبت إلى الحسن بن رجاء جواب رقعته
( دعوتَ إلى مماحكة الصّيامِ ... وإعمال المَلاهي والمُدامِ )
( ولو سبق الرسولُ لكان سعيي ... إليك ينوب عن طول الكلام )
( وما شوْقي إليك بدون شوقي ... إلى ثَمر التَّصابي والغرام )
( ولكن حلّ في نفر عَسُوفٌ ... بمنشورٍ محلَّ المستهام )
( حسينٍ فاستباح له حريماً ... بطَرْف باعثٍ سببَ الحِمام )
(7/219)

( وأظهر نخوةً وَسَطاً وأَبْدَى ... فَظَاظتَه بتركٍ للسلام )
( وأزعجني بألفاظ غِلاَظٍ ... وقد أعطيتُه طَرَفَيْ زِمامي )
( ولو خالفتُه لم يَخْشَ قتلي ... وقنّعني سريعاً بالجُسام )
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثني جعفر بن هارون بن زياد قال حدثني أبي قال كان الواثق يلاعب حسين بن الضحاك بالنرد وخاقان غلام الواثق واقف على رأسه وكان الواثق يتحظاه فجعل يلعب وينظر إليه ثم قال للحسين ابن الضحاك إن قلت الساعة شعرا يشبه ما في نفسي وهبت لك ما تفرح به فقال الحسين
صوت
( أُحبُّك حبًّا شابه بنصيحةٍ ... أبٌ لك مأمونٌ عليك شفيقُ )
( وأُقسم ما بيني وبينك قُرْبةٌ ... ولكنّ قلبي بالحسان عَلُوق ) فضحك الواثق وقال أصبت ما في نفسي وأحسنت وصنع الواثق فيه لحنا وأمر لحسين بألفي دينار لحن الواثق في هذين البيتين من الثقيل الأول بالوسطى
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أحمد بن خلاد قال أنشدني حسين بن الضحاك لنفسه
( بُدِّلتَ من نفحات الورد بالآء ... ومن صَبُوحك دَرَّ الإِبْلِ والشاءِ ) حتى أتى على آخرها وقال لي ما قال أحد من المحدثين مثلها فقلت أنت تحوم حول أبي نواس في قوله
(7/220)

( دَعْ عنك لومي فإنّ اللوم إغراءُ ... ودَاوِني بالتي كانت هي الداء )
وهي أشعر من قصيدتك فغضب وقال ألي تقول هذا علي وعلي إن لم أكن نكت أبا نواس فقلت له دع ذا عنك فإنه كلام في الشعر لا قدح في نسب لو نكت أبا نواس وأُمه وأباه لم تكن أشعر منه وأحب أن تقول لي هل لك في قصيدتك ببيت نادر غير قولك
( فُضّت خَوَاتِمُها في نعت واصفها ... عن مثل رَقْرَاقةٍ في عين مَرَهاء ) وهذه قصيدة أبي نواس يقول فيها
( دارتْ على فِتْيةٍ ذَلّ الزمانُ لهم ... فما أصابهمُ إلاّ بما شاؤوا )
( صفراءُ لا تَنْزِل الأحزانُ ساحتَها ... لو مَسَّها حَجَرٌ مسّته سَرَّاء )
( فأُرسِلتْ من فم الإِبريق صافيةً ... كأنما أخذُها بالعقل إغفاء ) والله ما قدرت على هذا ولا تقدر عليه فقام وهو مغضب كالمقر بقولي
يتحاكم مع أبي نواس
حدثني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني إبراهيم بن المدبر قال حدثني أحمد بن المعتصم قال
(7/221)

حج أبو نواس وحسين بن الضحاك فجمعهما الموسم فتناشدا قصيدتيهما قول أبي نواس
( دَعْ عنك لومي فإنّ اللّوم إغراءُ ... ودَاوِني بالتي كانت هي الداء ) وقصيدة حسين
( بُدِّلتَ من نَفَحات الورد بالآء ... ) فتنازعها أيهما أشعر في قصيدته فقال أبو نواس هذا ابن مناذر حاضر الموسم وهو بيني وبينك فأنشده قصيدته حتى فرغ منها فقال ابن مناذر ما أحسب أن أحدا يجيء بمثل هذه وهم بتفضيله فقال له الحسين لا تعجل حتى تسمع فقال هات فأنشده قوله
( بُدِّلتَ من نَفَحات الورد بالآءِ ... ومن صَبُوحك دَرَّ الإِبل والشاء ) حتى انتهى إلى قوله
( فُضّتْ خواتمُها في نعت واصفها ... عن مثل رَقْراقةٍ في عين مَرْهاء ) فقال له ابن مناذر حسبك قد استغنيت عن أن تزيد شيئا والله لو لم تقل في دهرك كله غير هذا البيت لفضلتك به على سائر من وصف الخمر قم فأنت أشعر وقصيدتك أفضل فحكم له وقام أبو نواس منكسرا
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد قال حدثني كثير بن إسماعيل التحتكار قال
( لمّا قدم المعتصم بغداد سأل عن ندماء صالح بن الرشيد وهم أبو
(7/222)

الواسع وقنينة وحسين بن الضحاك وحاتم الريش وأنا فأُدخلنا عليه فلشؤمي وشقائي كتبت بين عيني سيدي هب لي شيئا فلما رآني قال ما هذا على جبينك فقال حمدون بن إسماعيل يا سيدي تطايب بأن كتب على جبينه سيدي هب لي شيئا فلم يستطب لي ذلك ولا استملحه ودعا بأصحابي من غد ولم يدع بي ففزعت إلى حسين بن الضحاك فقال لي إني لم أحلل من أنسه بعد بالمحل الموجب أن أشفع إليه فيك ولكني أقول لك بيتين من شعر وادفعهما إلى حمدون بن إسماعيل يوصلهما فإن ذلك أبلغ فقلت أفعل فقال حسين
( قُلْ لدينا أصبحتْ تلعب بي ... سلَّط الله عليك الآخرهْ )
( إن أكن أبردَ من قِنِّينةٍ ... ومن الرِّيش فأُمّي فاجرهْ ) قال فأخذتهما وعرفت حمدون أنهما لي وسألته إيصالهما ففعل فضحك المعتصم وأمر لي بألفي دينار واستحضرني وألحقني بأصحابي
أخبرني عمي قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال قال لي أحمد بن حمدون كان محمد بن الحارث بن بسخنر لا يرى الصبوح ولا يؤثر على الغبوق شيئا ويحتج بأن من خدم الخلفاء كان اصطباحه استخفافا بالخدمة لأنه لا يأمن أن يدعى على غفلة والغبوق يؤمنه من ذلك وكان المعتصم يحب الصبوح فكان يلقب ابن بسخنر الغبوقي فإذا حضر مجلس
(7/223)

المعتصم مع المغنين منعه الصبوح وجمع له مثل ما يشرب نظراؤه فإذا كان الغبوق سقاه إياه جملة غيظا عليه فيضج من ذلك ويسأل أن يترك حتى يشرب مع الندماء إذا حضروا فيمنعه ذلك فقال فيه حسين بن الضحاك وفي حاتم الريش الضراط وكان من المضحكين
( حُبّ أبي جعفر للغَبُوق ... كقُبْحِك يا حاتمٌ مُقْبِلاَ )
( فلا ذاك يُعْذَر في فعله ... وحقُّك في الناس أن تُقتلا )
( وأشبه شيء بما اختاره ... ضُراطُك دونَ الخَلاَ في المَلاَ )
حدثني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا محمد بن علي بن حمزة قال مزح أبو أحمد بن الرشيد مع حسين بن الضحاك مزاحا أغضبه فجاوبه حسين جوابا غضب منه أبو أحمد أيضا فمضى إليه حسين من غد فاعتذر إليه وتنصل وحلف فأظهر له قبولا لعذره ورأى ثقلا في طرفه وانقباضا عما كان يعهده منه فقال في ذلك
( لا تَعْجِبَنّ لمَلّةٍ صرَفتْ ... وجهَ الأمير فإنه بشرُ )
( وإذا نبا بك في سَريرته ... عَقْدُ الضمير نبا بك البصرُ )
يحكي للنشار صحبته للأمين
حدثني الصولي قال حدثني أبو محمد بن النشار قال كان أبي صديقا للحسين بن الضحاك وكان يعاشره فحملني معه يوما إليه وجعل أبي يحادثه إلى أن قال له يا أبا علي قد تأخرت أرزاقك وانقطعت موادك ونفقتك كثيرة فكيف يمشي أمرك فقال له بلى والله يا أخي ما قوام أمري إلا ببقايا هبات الأمين محمد بن زبيدة وذخائره وهبات جارية له لم يسمها أغنتني للأبد لشيء ظريف جرى على غير تعمد وذلك
(7/224)

أن الأمين دعاني يوما فقال لي يا حسين إن جليس الرجل عشيره وثقته وموضع سره وأمنه وإن جاريتي فلانة أحسن الناس وجها وغناء وهي مني بمحل نفسي وقد كدرت علي صفوها ونغصت علي النعمة فيها بعجبها بنفسها وتجنيها علي وإدلالها بما تعلم من حبي إياها وإني محضرها ومحضر صاحبة لها ليست منها في شيء لتغني معها فإذا غنت وأومأت لك إليها على أن أمرها أبين من أن يخفى عليك فلا تستحسن الغناء ولا تشرب عليه وإذا غنت الأخرى فاشرب واطرب واستحسن واشقق ثيابك وعلي مكان كل ثوب مائة ثوب فقلت السمع والطاعة فجلس في حجرة الخلوة وأحضرني وسقاني وخلع علي وغنت المحسنة وقد أخذ الشراب مني فما تمالكت أن استحسنت وطربت وشربت فأومأ إلي وقطب في وجهي ثم غنت الأخرى فجعلت أتكلف ما أقوله وأفعله
ثم غنت المحسنة ثانية فأتت بما لم أسمع مثله قط حسنا فما ملكت نفسي أن صحت وشربت وطربت وهو ينظر إلي ويعض شفتيه غيظا وقد زال عقلي فما أفكر فيه حتى فعلت ذلك مرارا وكلما ازداد شربي ذهب عقلي وزدت مما يكره فغضب فأمضني وأمر بجر رجلي من بين يديه وصرفي فجررت وصرفت فأمر بأن أحجب وجاءني الناس يتوجعون لي ويسألوني عن قصتي فأقول لهم حمل علي النبيذ فأسأت أدبي فقومني أمير المؤمنين بصرفي وعاقبني بمنعي من الوصول إليه ومضى لما أنا فيه شهر ثم جاءتني البشارة أنه قد رضي عني وأمر بإحضاري فحضرت وأنا خائف
فلما وصلت أعطاني الأمين يده فقبلتها وضحك إلي وقام وقال اتبعني ودخل إلى تلك الحجرة بعينها ولم يحضر غيري
وغنت المحسنة التي نالني من أجلها ما نالني فسكت فقال لي قل ما شئت ولا تخف فشربت واستحسنت ثم قال لي يا حسين لقد خار الله لك بخلافي وجرى القدر بما تحب فيه إن هذه الجارية عادت إلى الحال التي أُريد منها ورضيت كل أفعالها فأذكرتني بك وسألتني الرضا عنك والاختصاص لك وقد فعلت ووصلتك بعشرة آلاف دينار ووصلتك هي
(7/225)

بدون ذلك والله لو كنت فعلت ما قلت لك حتى تعود إلى مثل هذه الحال ثم تحقد ذلك عليك فتسألني ألا تصل إلي لأجبتها فدعوت له وشكرته وحمدت الله على توفيقه وزدت في الاستحسان والسرور إلى أن سكرت وانصرفت وقد حمل معي المال فما كان يمضي أسبوع إلا وصلاتها وألطافها تصل إلي من الجوهر والثياب والمال بغير علم الأمين وما جالسته مجلسا بعد ذلك إلا سألته أن يصلني فكل شيء أنفقته بعده إلى هذه الغاية فمن فضل مالها وما ذخرت من صلاتها قال ابن النشار فقال له أبي ما سمعت بأحسن من هذا الحديث ولا أعجب مما وفقه الله لك فيه
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبي قال دخل حسين بن الضحاك على محمد الأمين بعقب وقعة أوقعها أهل بغداد بأصحاب طاهر فهزموهم وفضحوهم فهنأه بالظفر ثم استأذنه في الإنشاد فأذن له فأنشده
( أمينَ الله ثِقْ بالليهِ ... تُعْطَ العزَّ والنُّصْرهْ )
( كلِ الأمرَ إلى الله ... كَلاَكَ الله ذو القُدْرهْ )
( لنا النصرُ بإذن ألله والكَرّةُ لا الفَرّه )
( وللمُرَّاق أعداءك ... يومُ السَّوْء والدَّبْره )
(7/226)

( وكأسٌ تُورِد الموت ... كريهٌ طعمُها مُرّه )
( سَقَوْنا وسَقيناهم ... فكانت بهمُ الحَرّه )
( كذاك الحربُ أحياناً ... علينا ولنا مَرّه ) فأمر له بعشرة آلاف درهم ولم يزل يتبسم وهو ينشده
الأمين يركب ظهره
حدثني الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى أبو الحمار قال قال لي الحسين بن الضحاك شربنا يوما مع الأمين في بستان فسقانا على الريق وجد بنا في الشرب وتحرز من أن نذوق شيئا فاشتد الأمر علي وقمت لأبول فأعطيت خادما من الخدم ألف درهم على أن يجعل لي تحت شجرة أومأت إليها رقاقة فيها لحم فأخذ الألف وفعل ذلك ووثب محمد فقال من يكون منكم حماري فكل واحد منهم قال له أنا لأنه كان يركب الواحد منا عبثا ثم يصله ثم قال يا حسين أنت أضلع القوم فركبني وجعل يطوف وأنا أعدل به عن الشجرة وهو يمر بي إليها حتى صار تحتها فرأى الرقاقة فتطأطأ فأخذها فأكلها على ظهري وقال هذه جعلت لبعضكم ثم رجع إلى مجلسه وما وصلني بشيء فقلت لأصحابي أنا أشقى الناس ركب ظهري وذهب ألف درهم مني وفاتني ما يمسك رمقي ولم يصلني كعادتي ما أنا إلا كما قال الشاعر
( ومُطْعِم الصيدِ يومَ الصيد مَطْعَمَه ... أنَّى توجَّه والمحروم محروم )
حدثني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد النحوي المبرد قال كان حسين بن الضحاك الأشقر وهو الخليع يهوى جارية لأُم
(7/227)

جعفر وكانت من أجمل الجواري وكان لها صدغان معقربان وكانت تخرج إليه إذا جاء فتقول له ما قلت فينا أنشدنا منه شيئا فيخرج إليها الصحيفة فتقول له اقرأ معي فيقرأ معها حتى تحفظه ثم تدخل وتأخذ الصحيفة فشكا ذلك إلى عاصم الغساني الذي كان يمدحه سلم الخاسر وكان مكينا عند أم جعفر وسأله أن يستوهبها له فاستوهبها فأبت عليه أم جعفر فوجه إلى الخليع بألف دينار وقال خذ هذا الألف فقد جهدت الجهد كله فيها فلم تمكني حيلة فقال الحسين في ذلك
( رَمَتْك غَدَاةَ السبت شمسٌ من الخُلْدِ ... بسهم الهوى عَمْداً وموتُك في العَمْدِ )
( مؤزَّرةُ السِّرْبال مهضومةُ الحَشَا ... غُلاَمِيّةُ التقطيع شاطرة القدّ )
( مُحَنَّأة الأطراف رُؤْدٌ شَبابُها ... مُعَقْرَبةُ الصُّدْغين كاذبة الوعدِ )
( أقول ونفسي بين شَوْقٍ وزَفْرةٍ ... وقد شخَصتْ عيني ودمعي على الخدّ )
( أجيزي على من قد تركتِ فؤادَه ... بلحظته بين التأسُّف والجهد )
( فقالت عذابٌ بالهوى مع قربكم ... وموتٌ إذا أقرحتُ قلبكَ بالبعد )
( لقد فَطَنت للجوْر فطنةَ عاصمٍ ... لصُنْع الأيادي الغُرّ في طلب الحمد )
( سأشكوكِ في الأشعار غيرَ مُقَصِّرٍ ... إلى عاصمٍ ذي المَكْرُمات وذي المجدِ )
( لعلّ فتى غَسّان يَجمع بيننا ... فيأمنَ قلبي منكُم رَوْعةَ الصَّدّ )
حدثني محمد بن خلف وكيع قال حدثني هارون بن مخارق قال أقطع المعتصم الناس الدور بسر من رأى وأعطاهم النفقات لبنائها ولم يقطع الحسين بن الضحاك شيئاً فدخل عليه فأنشده قوله
(7/228)

( يا أمينَ الله لا خِطَّةَ لي ... ولقد أفردتَ صَحْبي بِخطَطْ )
( أنا في دَهْيَاءَ من مُظْلِمةٍ ... تحمِل الشيخَ على كلّ غلَط )
( صعبة المَسْلَك يرتاع لها ... كلُّ من أَصْعَد فيها وهَبطْ )
( بَوِّني منك كما بَوَّأتَهم ... عَرْصةً تبسُط طَرْفي ما انبسط )
( أبتنِي فيها لنفسي موطِناً ... ولعَقْبِي فَرَطاً بعد فَرَطْ )
( لم يَزل منكَ قريباً مسكني ... فأعِدْ لي عادَة القربِ فقطْ )
( كلُّ من قرّبتَه مُغْتَبِطٌ ... ولمن أبعدتَ خِزْيٌ وسَخَط ) قال فأقطعه دارا وأعطاه ألف دينار لنفقته عليها
مع أبي العتاهية
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال أخبرني عمي الفضل عن الحسين بن الضحاك قال كنت أمشي مع أبي العتاهية فمررت بمقبرة وفيها باكية تبكي بصوت شج على ابن لها فقال أبو العتاهية
( أَمَا تنفَكّ باكيةً بعين ... غَزِيرٌ دمعُها كَمِدٌ حشاها ) أجز يا حسين فقلت
( تُنادي حفرةً أعْيَتْ جوابا ... فقد وَلِهَتْ وصَمّ بها صَداها )
حدثني الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى قال حدثني الحسين بن الضحاك قال
(7/229)

كنت عازما على أن أرثي الأمين بلساني كله وأشفي لوعتي فلقيني أبو العتاهية فقال لي يا حسين أنا إليك مائل ولك محب وقد علمت مكانك من الأمين وإنه لحقيق بأن ترثيه إلا أنك قد أطلقت لسانك من التلهف عليه والتوجع له بما صار هجاء لغيره وثلبا له وتحريضا عليه وهذا المأمون منصب إلى العراق قد أقبل عليك فأبق على نفسك يا ويحك أتجسر على أن تقول
( تركوا حريمَ أبيهمُ نَفَلاً ... والمُحْصَناتُ صوارخٌ هُتُفُ )
( هيهاتَ بعدَك أن يدومَ لهم ... عزٌّ وأن يبقى لهم شَرَفُ ) أكفف غرب لسانك واطو ما انتشر عنك وتلاف ما فرط منك فعلمت أنه قد نصحني فجزيته الخير وقطعت القول فنجوت برأيه وما كدت أن أنجو
حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني أبو العيناء قال وقف علينا حسين بن الضحاك ومعنا فتى جالس من أولاد الموالي جميل الوجه فحادثنا طويلا وجعل يقبل على الفتى بحديثه والفتى معرض عنه حتى طال ذلك ثم أقبل عليه الحسين فقال
( تَتِيه علينا أن رُزِقْتَ ملاحةً ... فمَهْلاً علينا بعضَ تِيهك يا بدرُ )
( لقد طالما كنّا مِلاَحاً وربما ... صَدَدْنا وتِهْنا ثم غيّرنا الدهر ) وقام فانصرف
أخبرني الحسن بن القاسم الكوفي قال حدثني ابن عجلان قال غنى بعض المغنين في مجلس محمد المخلوع بشعر حسين بن الضحاك وهو
(7/230)

صوت
( ألستَ تَرى دِيمةً تَهْطِلُ ... وهذا صباحُك مُسْتقبَلُ )
( وهذي العُقَار وقد راعنا ... بطلعته الشادنُ الأكحلُ )
( فعادَ به وبنا سكرةٌ ... تُهَوِّن مكروهَ ما نسأل )
( فإني رأيتُ له نظرةً ... تخبِّرنا أنه يفعل )
قال فأمر بإحضار حسين فأُحضر وقد كان محمد شرب أرطالا فلما مثل بين يديه أمر فسقي ثلاثة أرطال فلم يستوفها الحسين حتى غلبه السكر وقذف فأمر بحمله إلى منزله فحمل فلما أفاق كتب إليه
( إذا كنتُ في عُصَبةٍ ... من المَعْشر الأخْيبِ )
( ولم يَكُ لي مُسْعِدٌ ... نديمٌ سوى جُعْدُب )
( فأَشْرَبُ من رَمْلةٍ ... وأسهرُ من قُطْرُب )
( ولمّا حباني الزمان ... من حيث لم أحسبِ )
( ونادمتُ بدرَ السماء ... في فَلَك الكوكبِ )
( أبتْ لي غُضُوضيَّتي ... ولؤمٌ من المَنْصِب )
( فأسكرني مسرعاً ... قويٌّ من المَشْرب )
(7/231)

( كذا النذلُ يَنْبو به ... منادمةُ المُنْجب ) قال فرده إلى منادمته وأحسن جائزته وصلته
أخبرني الكوكبي قال حدثني علي بن محمد بن نصر عن خالد بن حمدون أن الحسين بن الضحاك أنشده وقد عاتبه خادم من خدام أبي أحمد بن الرشيد كان حسين يتعشقه ولامه في أن قال فيه شعرا وغنى فيه عمرو ابن بانة فقال حسين فيه
صوت
( فَدّيتُ من قال لي على خَفَرِهُ ... وغَضَّ جفناً له على حَوَرِهْ )
( سمَّع بي شعرُك المليح فما ... ينفكّ شادٍ به على وَتَرِه )
( فقلتُ يا مستعيرَ سالفةِ الْخِشفِ ... وحسنِ الفتور من نَظَره )
( لا تُنِكرنّ الحنينَ من طرِبٍ ... عاود فيك الصِّبا على كِبَرِه ) وغنى فيه عمرو بن بانة هزجا مطلقا
شعره على قبر أبي نواس
أخبرني الكوكبي قال حدثني أبو سهل بن نوبخت عن عمرو بن بانة قال لما مات أبو نواس كتب حسين بن الضحاك على قبره
( كابَرَنِيكَ الزمانُ يا حسنُ ... فخاب سَهْمي وأفلَح الزمنُ )
( ليتك إذ لم تكن بقيتَ لنا ... لم تَبْقَ روحٌ يَحُوطُها بدنُ )
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبي قال كان في جوار الحسين بن الضحاك طبيب يدواي الجراحات يقال له نصير وكان مخنثا فإذا كانت وليمة دخل مع المخنثين وإذا لم تكن عالج الجراحات فقال فيه الحسين بن الضحاك
(7/232)

( نُصَيرُ ليس المُرْدُ من شأنه ... نصيرُ طَبٌّ بالنَّكارِيش )
( يقول للنِّكْرِيش في خَلوة ... مقالَ ذي لُطْف وتَجْميش )
( هل لك أن نلعبَ في فرشنا ... تقلُّبَ الطيرِ المَرَاعيِش ) يعني المبادلة فكان نصير بعد ذلك يصيح به الصبيان يا نصير نلعب تقلب الطير المراعيش فيشتمهم ويرميهم بالحجارة
حدثني جعفر قال حدثني علي بن يحيى عن حسين بن الضحاك قال أنشدت ابن مناذر قصيدتي التي أقول فيها
( لفقدك ريحانة العسكر ... ) وكانت من أول ما قلته من الشعر فأخذ رداءه ورمى به إلى السقف وتلقاه برجله وجعل يردد هذا البيت فقلنا لحسين أتراه فعل ذلك استحسانا لما قلت فقال لا فقلنا فإنما فعله طنزا بك فشتمه وشتمنا وكنا بعد ذلك نسأله إعادة هذا البيت فيرمي بالحجارة ويجدد شتم ابن مناذر بأقبح ما يقدر عليه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أحمد بن أبي كامل قال مررت بباب حسين بن الضحاك وإذا أبو يزيد السلولي وأبو حزرة الغنوي وهما ينتظران المحاربي وقد استؤذن لهم على ابن الضحاك فقلت
(7/233)

لهما لم لا تدخلان فقال أبو يزيد ننتظر اللؤم أن يجتمع فليس في الدنيا أعجب مما اجتمع منا الغنوي والسلولي ينتظران المحاربي ليدخلوا على باهلي
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر البوشنجي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني حسين بن الضحاك قال كان الواثق يميل إلى الفتح بن خاقان ويأنس به وهو يومئذ غلام وكان الفتح ذكيا جيد الطبع والفطنة فقال له المعتصم يوما وقد دخل على أبيه خاقان عرطوج يا فتح أيما أحسن داري أو دار أبيك فقال له وهو غير متوقف وهو صبي له سبع سنين أو نحوها دار أبي إذا كنت فيها فعجب منه وتبناه وكان الواثق له بهذه المنزلة وزاد المتوكل عليهما فاعتل الفتح في أيام الواثق علة صعبة ثم أفاق وعوفي فعزم الواثق على الصبوح فقال لي يا حسين اكتب بأبيات عني إلى الفتح تدعوه إلى الصبوح فكتبت إليه
( لمّا اصطبحتُ وعينُ اللهو ترمُقُني ... قد لاح لي باكراً في ثوب بِذْلَته )
( ناديتُ فتحاً وبَشَّرتُ المدامَ به ... لمّا تخلّص من مكروه عِلَّته )
( ذبُّ الفتى عن حريم الراح مَكْرُمةٌ ... إذا رآه امرؤٌ ضَدًّا لِنحْلتَه )
( فاعْجَلْ إلينا وعَجِّل بالسرور لنا ... وخالِس الدهر في أوقات غَفْلتِه ) فلما قرأها الفتح صار إليه فاصطبح معه
(7/234)

أخبرني عمي قال حدثني يعقوب بن نعيم وعبد الله بن أبي سعد قالا حدثنا محمد بن محمد الأنباري قال حدثني حسين بن الضحاك قال كنت عند عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع وهو مصطبح وخادم له يسقيه فقال لي يا أبا علي قد استحسنت سقي هذا الخادم فإن حضرك شيء في قصتنا هذه فقل فقلت
( أحيَتْ صَبُوحي فكاهةُ اللاهي ... وطاب يومي بقرب أشباهي )
( فاستَثِر اللهوَ من مكامِنه ... من قبل يوم منغِّص ناهي )
( بابنةِ كَرْم من كفِّ مُنْتَطِقٍ ... مؤتَزِر بالمُجون تيّاه )
( يَسْقِيك من طَرْفه ومن يده ... سَقْيَ لطيفٍ مُجرِّب داهي )
( كأساً فكأساً كأن شاربَها ... حيرانُ بين الذَّكُور والساهي ) قال فاستحسنه عبد الله وغنى فيه لحنا مليحا وشربنا عليه بقية يومنا
أخباره مع يسر
أخبرني علي بن العباس قال حدثني سوادة بن الفيض عن أبيه قال اتفق حسين بن الضحاك ويسر مرة عند بعض إخوانهما وشربا وذلك في العشر الأواخر من شعبان فقال حسين ليسر يا سيدي قد هجم الصوم علينا فتفضل بمجلس نجتمع فيه قبل هجومه فوعده بذلك فقال له قد سكرت وأخشى أن يبدو لك فحلف له يسر أنه يفي فلما كان من الغد كتب إليه حسين وسأله الوفاء فجحد الوعد وأنكره فكتب إليه يقول
( تجاسرتَ على الغدر ... كعاداتك في الهجر )
( فأخلفتَ وما استخلفتَ ... من إخوانك الزُّهْرِ )
( لئن خِسْتَ لَمَا ذلكَ ... من فعلك بالنُّكْر )
(7/235)

( وما أقنعني فعلُك ... يا مختلِقَ العذر )
( بنفسي أنت إن سُؤْتَ ... فلا بدّ من الصبر )
( وإن جرّعني الغيظَ ... وإن خَشّن بالصدر )
( ولولا فَرَقي منك ... لسمَّيتُك في الشعر )
( وعنّفتُك لا آلُو ... وإن جُزْتُ مدى العُذْر )
( أمّا تخرج من إخلاف ... ميعادك في العَشْر )
( غداً يفطِمنا الصومُ ... عن الرّاح إلى الفِطْر )
قال فسألت الحسين بن الضحاك عما أثر له هذا الشعر وما كان الجواب فقال كان أحسن جواب وأجمل فعل كان اجتماعنا قبل الصوم في بستان لمولاه وتممنا سرورنا وقضينا أوطارنا إلى الليل وقلت في ذلك
( سقى اللهُ بطنَ الدَّيْرِ من مستَوى السَّفْح ... إلى ملتقَى النَّهرين فالأَثْل فالطَّلْحِ )
( مَلاعِبُ قُدْن القلبَ قَسْراً إلى الهوى ... ويَسَّرْنَ ما أمّلتُ من دَرَك النُّجْح )
( أَتنْسَى فلا أنسَى عتابَك بينها ... حبيبَك حتى انقاد عفواً إلى الصلح )
( سمحتُ لمن أَهْوَى بصفو مودّتي ... ولكنّ من أهواه صِيغ على الشُّحّ ) قال علي بن العباس وأنشدني سوادة بن الفيض عن أبيه لحسين بن الضحاك يصف أياما مضت له بالبصرة ويومه بالقفص ومجيء يسر إليه
(7/236)

يسر سأله أن يقول في ذلك شعرا
( تَيَسَّرِي للِّمام من أَمَمِ ... ولا تُرَاعِي حمامةَ الحَرَم )
( قد غاب لا آب من يُراقبنا ... ونام لا قام سامرُ الخَدَم )
( فاستصحبي مُسْعِداً يفاوضُنا ... إذا خَلَوْنا في كلِّ مُكْتَتَم )
( تَبَذّلي بِدْلةً تَقَرُّ بها العينُ ... ولا تَحصَري وتحتشمي )
( ليت نجومَ السماء راكدةٌ ... على دُجَى ليلِنا فلم تَرِمِ )
( ما لسروري بالشكِّ ممتزجاً ... حتى كأنّي أراه في حُلُم )
( فَرِحْتُ حتى أستخفَّني فرحي ... وشُبْتُ عين اليقين بالتُهَمِ )
( أمسحٍ عيني مُسْتَثبِتاً نظري ... أخالُني نائماً ولم أنَم )
( سَقْياً لليلٍ أفنيتُ مدّتَه ... ببارد الرِّيق طيّبِ النّسمَ )
( أبيضَ مُرْتَجَّةٍ روادفُه ... ما عِيب من قَرْنِه إلى القدم )
( إذ قَصَباتُ العريش تجمعنا ... حتى تجلّت أواخرُ الظُّلَم )
( وليلةٍ بتُّها محسَّدَةٍ ... محفوفةٍ بالظنون والتُّهَم )
( أَبَثَّ عَبْراته على غَصَصٍ ... يَرُدّ أنفاسَه إلى الكَظَمِ )
( سَقْياً لقَيْطُونها ومُخدَعِها ... كم من لِمام به ومن لَمَمِ )
( لا أكفُر السَّيْلَحين أزمِنةً ... مطيعةً بالنَّعيم والنِّعم )
(7/237)

( وليلة القُفْص إن سألتَ بها ... كانت شفاءً لعلّة السَّقَم )
( بات أنيسي صريعَ خمرتِه ... وتلك إحدى مصارع الكرم )
( وبتّ عن مَوْعِدٍ سبَقتُ به ... ألثَمِ دُرًّا مُفَلَّجاً بفَمِ )
( وابأبي من بدا بَرْوعةِ لا ... وعاد من بعدها إلى نَعَمِ )
( أباحني نفسَه ووسَّدني ... يُمْنَى يديه وبات مُلْتَزِمي )
( حتى إذا اهتاجت النواقسُ في ... سُحْرِة أَحْوَى أحَمّ كالحُمَم )
( وقلتُ هُبَّا يا صاحبيَّ ونَبَّهتُ ... أبَاناً فهَبَّ كالزَّلمَ )
( فاستنّها كالشّهاب ضاحكةً ... عن بارقٍ في الإِناء مُبْتَسِمِ )
( صفراءَ زيْتيّةً موشَّحةً ... بأُرْجوانٍ مُلَمَّع ضَرِمِ )
( أخذتُ ريحانةً أَرَاحُ لها ... دبَّ سروري بها دبيبَ دَمِي )
( فراجِعِ العذرَ إن بدا لك في العُذر ... وإن عُدْتَ لائماً فَلُمِ )
أخبرني علي بن العباس قال حدثني سوادة بن الفيض المخزومي قال حدثني المعتمر بن الوليد المخزومي قال قال لي الحسين بن الضحاك وهو على شراب له ويحكم أُحدثكم عن يسر بأعجوبة قلنا هات قال بلغ مولاه أنه جرى له مع أخيه سبب فحجبه كما تحجب النساء وأمر بالحجر عليه وأمره ألا يخرج عن داره إلا ومعه حافظ له موكل به فقلت في ذلك
( ظنّ من لا كان ظنَّا ... بحبيبي فحمَاهُ )
( أرْصَد البابَ رقِيبين ... له فاكتَنَفاهُ )
( فإذا ما اشتاق قربي ... ولقائي مَنَعاه )
( جعل الله رقيبيه ... من السوء فِداه )
( والذي أقرح في الشادن ... قلبي ولَواه )
( كلُّ مشتاق إليه ... فمن السوء فِداه )
(7/238)

( سيما من حالت الأحراس ... من دون مناه )
أخبرني علي بن العبّاس قال حدّثنا أحمد بن العباس الكاتب قال حدثني عبدالله بن زكريّا الضَّرير قال :
قال أبو نواس قال لي حسين بن الضحّاك يوماً يا أبا عليّ أمَا ترى غضبَ يُسْرٍ عليّ فقلت له وما كان سبب ذلك قال حالٌ أردتُها منه فَمَنَعنِيها فغضبتُ فأسألك أن تُصلح بيني وبينه فقلت وما تحبّ أن أُبْلِغه عنك قال تقول له
( بحُرْمه السكر وما كانا ... عزمْتَ ان تقتل إنسانا )
( أخاف أن تهجُرني صاحياً ... بعد سروري بك سكرانا )
( إنّ بقلبي روعةً كلما ... أضمر لي قلبُك هِجرانا )
( يا ليت ظنّي أبداً كاذبٌ ... فإنه يصدُق أحيانا )
قال فقلت له وَيْحَك أتجتنبه وتريد أن تترضّاه وترسل إليه بمثل هذه الرسالة فقال لي أنا أعْرَف به وهو كثير التبذّل فأبلغه ما سألتك فأبلغته فرضي عنه وأصلحتُ بينهما
حدثني جعفر بن قُدامة قال حدّثني عليّ بن يحيى قال
جاءني يوماً حسين بن الضحّاك فقلت له أي شيء كان خبرُك أمسِ فقال لي اسمعه شعراً ولا أزيدك على ذلك وهو أحسن فقلت هات يا سيّدي فقال
( زائرةٌ زادت على غفلةٍ ... يا حبّذا الزَّورةُ والزائره )
( فلم أزلْ أخدَعُها ليلتي ... خديعةَ السّاحر للسّاحره )
( حتى إذا ما أذعَنَتْ بالرِّضا ... وأنعَمَتْ دارتْ بها الدائره )
(7/349)

( بتُّ إلى الصبح بها ساهراً ... وباتت الجوزاءُ بي ساهره )
( أفعل ما شئتُ بها ليلتي ... وملءُ عيني نعمةٌ ظاهره )
( فلم ننم إلاّ على تسعة ... من غُلْمة بي وبها ثائره )
( سَقْياً لها لا لأخي شِعْرةٍ ... شِعْرتُه كالشّعرة الوافِره )
( وبين رجليه له حَرْبةٌ ... مشهورةٌ في حَقْوه شاهره )
( وفي غَدٍ يتبعها لحيةٌ ... تُلحقه بالكَرَّة الخاسره ) قال فقلت له زنيت يعلم الله إن كنت صادقا فقال قل أنت ما شئت
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا أبو العيناء قال دخل حسين بن الضحاك على الواثق في خلافة المعتصم في يوم طيب فحثه على الصبوح فلم ينشط له فقال اسمع ما قلت قال هات فأنشده
( اِسْتثِر اللهوَ من مكامنه ... من قبل يوم منغِّصٍ ناهِي )
( بابنة كرْم من كفّ مُنْتطِقٍ ... مُؤْتَزِرٍ بالمُجون تيّاه )
( يَسقيك من لحظه ومن يده ... سقيَ لطيفٍ مجرِّب داهِي )
( كأساً فكأساً كأنّ شاربها ... حيرانُ بين الذَّكور والسّاهي ) قال فنشط الواثق وقال إن فرصة العيش لحقيقة أن تنتهز واصطبح ووصل الحسين
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبو الشبل عاصم بن وهب البرجمي قال حج الحسين بن الضحاك فمر في منصرفه عل موضع يعرف
(7/240)

بالقريتين فإذا جارية تطلع في ثيابها وتنظر في حرها ثم تضربه بيدها وتقول ما أضيعني وأضيعك فأنشأ يقول
( مررتُ بالقريتين مُنصرِفاً ... من حيث يقضي ذوو النُّهَى النُّسُكا )
( إذا فتاةٌ كأنها قمرٌ ... للِّتمّ لمّا توسَّط الفَلَكا )
( واضعةٌ كفَّها على حِرِها ... تقول يا ضَيْعتي وضَيْعَتكا ) قال فلما سمعت قوله ضحكت وغطت وجهها وقالت وافضيحتاه أوقد سمعت ما قلت
حدثني محمد الصولي قال حدثني ميمون بن هارون قال كان الحسين بن الضحاك صديقا لأبي وكنت ألقاه معه كثيرا وكانت نفسه قد تتبعت شفيعا بعد انصرافه من مجلس المتوكل فأنشدنا لنفسه فيه
( وأبيض في حُمْر الثياب كأنه
إذا ما بدا نِسْريَنةٌ في شقائق )
( سقاني بكفَّيْه رحيقاً وسامَني ... فسُوقاً بعينيه ولستُ بِفاسق )
( وأُقسم لولا خشيةُ الله وحدَه ... ومن لا أُسمِّي كنتُ أوّل عاشِق )
( وإنّي لمعذورٌ على وَجَناته ... وإن وسَمَتْني شيبةٌ في المفَارق )
( ولا عِشْقَ لي أو يُحْدِثَ الدهرُ شِرّةً ... تعود بعادات الشباب المُفارِق )
( ولو كنتُ شكلاً للصِّبا لاتّبعتُه ... ولكن سنّي بالصِّبا غيرُ لائقِ )
حدثني الصولي قال حدثنا ميمون بن هارون قال
(7/241)

كان للحسين بن الضحاك ابن يسمى محمدا له أرزاق فمات فقطعت أرزاقه فقال يخاطب المتوكل ويسأله أن يجعل أرزاق ابنه المتوفى لزوجته وأولاده
( إنّي أتيتُك شافعاً ... بوليِّ عهد المسلمينا )
( وشبيهِك المعتزّ أوجهِ ... شافع في العالَمينا )
( يابن الخَلائف الأوّلين ... ويا أبا المتأخِّرينا )
( إنّ ابن عبدك مات والأيامُ ... تختَرِم القَرينا )
( ومضى وخلَّف صبيةً ... بِعرَاصِه مُتَلَدِّدينا )
( ومُهَيْرةً عَبْرَى خِلاَفَ ... أقاربٍ مُسْتَعْبِرينا )
( أصبحنَ في رَيب الحوادث ... يُحسنون بك الظُّنونا )
( قطَع الوُلاةُ جِرايةً ... كانوا بها مُسْتَمْسِكينا )
( فامنُنْ بردّ جميع ما ... قطعوه غيرَ مراقِبينا )
( أعطاك أفضل ما تؤمِّل ... أفضلُ المتفضِّلينا ) قال فأمر المتوكل له بما سٍأل فقال يشكره
( يا خيرَ مُسْتَخلَفٍ من آل عبَاسِ ... اِسْلَمْ وليس على الأيّام من باس )
( أحييْتَ من أملي نِضْواً تَعاوَرَه ... تَعاقُبُ اليأس حتى مات بالياس )
مغنية تهرب من هجائه
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال كنا في مجلس ومعنا حسين بن الضحاك ونحن على نبيذ فعبث بالمغنية وجمشها فصاحت عليه واستخفت به فأنشأ يقول
( لها في وجهِها عُكَنُ ... وثُلْثَا وجهها ذَقَنُ )
(7/242)

( وأسنانٌ كرِيشِ البَطّ ... بين أصولها عَفَنُ )
قال فضحكا وبكت المغنية حتى قلت قد عميت وما انتفعنا بها بقية يومنا وشاع هذان البيتان فكسدت من أجلهما وكانت إذا حضرت في موضع أنشدوا البيتين فتجن ثم هربت من سر من رأى فما عرفنا لها بعد ذلك خبرا
قال جعفر وحدثنا أبو العيناء أنه حضر هذا المجلس وحكى مثل ما حكاه محمد
حدثني عمي قال حدثني يزيد بن محمد المهلبي قال سألت حسين بن الضحاك ونحن في مجلس المتوكل عن سنه فقال لست أحفظ السنة التي ولدت فيها بعينها ولكني أذكر وأنا بالبصرة موت شعبة بن الحجاج سنة ستين ومائة
حدثني الصولي قال حدثني علي بن محمد بن نصر قال حدثني خالي يعني أحمد بن حمدون قال أمر المتوكل أن ينادمه حسين بن الضحاك ويلازمه فلم يطق ذلك لكبر سنه فقال للمتوكل بعض من حضر عنده هو يطيق الذهاب إلى القرى والمواخير والسكر فيها ويعجز عن خدمتك فبلغه ذلك فدفع إلي أبياتاً قالها وسألني إيصالها فأوصلتها إلى المتوكل وهي
( أمَا في ثمانين وفّيتُها ... عَذِيرٌ وإن أنا لم أعْتَذرْ )
( فكيف وقد جُزتُها صاعداً ... مع الصّاعدين بتِسْع أُخَر )
(7/243)

( وقد رفع الله أقلامَه ... عن ابن ثمانين دون البشر )
( سوى من أصرّ على فتنةٍ ... وألْحَد في دينه أو كفر )
( وإنّي لمن أُسَراء الإِله ... في الأرض نُصْبَ صروفِ القدر )
( فإن يَقْضِ لي عملاً صالحاً ... أثاب وإن يَقضِ شرًّا غَفَر )
( فلا تَلْحَ في كِبَرٍ هدّني ... فلا ذنبَ لي أنْ بَلَغتُ الكِبَرْ )
( هو الشيبُ حلّ بعَقْب الشباب ... فأعقبني خَوَراً من أَشَرْ )
( وقد بسَط اللهُ لي عذرَه ... فمن ذا يلوم إذا عذَر )
( وإنّي لَفِي كَنَفٍ مُغْدِقٍ ... وعزٍّ بنصر أبي المنتَصِرْ )
( يُباري الرياحَ بفضل السماح ... حتى تَبَلَّدَ أو تَنْحسِر )
( له أكّد الوحيُ ميراثَه ... ومن ذا يُخالف وَحْيَ السُّوَر )
( وما للحسود وأشياعِه ... ومَنْ كذَّب الحقَّ إلا الحَجَرْ )
قال ابن حمدون فلما أوصلتها شيعتها بكلامي أعذره وقلت لو أطاق خدمة أمير المؤمنين لكان أسعد بها فقال المتوكل صدقت خذ له عشرين ألف درهم واحملها إليه فأخذتها فحملتها إليه
الخلفاء يضربونه
حدثني عمي قال حدثني علي بن محمد بن نصر قال حدثني خالي عن حسين بن الضحاك قال ضربني الرشيد في خلافته لصحبتي ولده ثم ضربني الأمين لممايلة ابنه عبد الله ثم ضربني المأمون لميلي إلى محمد ثم ضربني المعتصم لمودة كانت بيني وبين العباس بن المأمون ثم ضربني الواثق لشيء بلغه من ذهابي إلى المتوكل وكل ذلك يجري مجرى الولع بي والتحذير لي ثم أحضرني المتوكل وأمر شفيعا بالولع بي فتغاضب المتوكل علي فقلت له يا أمير المؤمنين إن كنت تريد أن تضربني كما ضربني آباؤك فاعلم أن آخر
(7/244)

ضرب ضربته بسببك فضحك وقال بل أُحسن إليك يا حسين وأصونك وأُكرمك
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن إسرائيل قال حدثني محمد بن محمد بن مروان الأبزاري قال دخلت على حسين بن الضحاك فقلت له كيف أنت جعلني الله فداءك فبكى ثم أنشأ يقول
( أصبحتُ من أُسَراء الله مُحتَسَباً ... في الأرض نحو قضاء الله والقَدَر )
( إنّ الثمانين إذ وفّيْتُ عِدّتها ... لم تُبْقِ باقيةً منّي ولم تَذَرِ )
(7/245)

أخبار أبي زكار الأعمى
قال أبو الفرج أبو زكار هذا رجل من أهل بغداد من قدماء المغنين وكان منقطعا إلى آل برمك وكانوا يؤثرونه ويفضلون عليه إفضالا
فحدثني محمد بن جعفر بن قدامة قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي قال سمعت مسرورا يحدث أبي قال لما أمرني الرشيد بقتل جعفر بن يحيى دخلت عليه وعنده أبو زكار الأعمى وهو يغنيه بصوت لم أسمع بمثله
( فلا تَبْعَدْ فكلُّ فتىً سيأتي ... عليه الموتُ يَطرُق أو يُغادي )
( وكلّ ذخيرةٍ لا بدّ يوماً ... وإن بَقِيَتْ تَصير إلى نَفاد )
( ولو يُفْدَى من الحدثان شيءٌ ... فديتُك بالطَّريف وبالتِّلاد ) فقلت له في هذا والله أتيتك فأخذت بيده فأقمته وأمرت بضرب عنقه فقال لي أبو زكار نشدتك الله إلا ألحقتني به فقلت وما رغبتك في ذلك قال إنه أغناني عمن سواه بإحسانه فما أُحب أن أبقى بعده فقلت
(7/246)

أستأمر أمير المؤمنين في ذلك فلما أتيت الرشيد برأس جعفر أخبرته بقصة أبي زكار فقال لي هذا رجل فيه مصطنع فاضممه إليك وانظر ما كان يجريه عليه فأتممه له
حدثني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق قال غنى علويه يوما بحضرة أبي فقال أبي مه هذا الصوت معرق في العمى الشعر لبشار الأعمى والغناء لأبي زكار الأعمى وأول الصوت عميت أمري
صوت
من المائة المختارة من رواية جحظة عن أصحابه
( ما جَرَتْ خَطْرةٌ على القلب منّي ... فيكِ إلا استَتَرْتُ عن أصحابي )
( من دموع تجري فإن كنتُ وحدي ... خالياً أسعدتْ دموعي انتحابي )
( إن حبّي إيّاكِ قد سَلّ جسمي ... ورماني بالشيب قبل الشباب )
( لو مَنَحْتِ اللقا شَفى بك صبًّا ... هائمَ القلب قد ثَوى في التراب )
الشعر في الأبيات للسيد الحميري والغناء لمحمد نعجة الكوفي مغن غير مشهور ولا ممن خدم الخلفاء وليس له خبر ولحنه المختار ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر وذكر حبش أن لمحمد نعجة فيه أيضا خفيف رمل بالبنصر
(7/247)

أخبار السيد الحميري
السيد لقبه واسمه إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري ويكنى أبا هاشم وأمه امرأة من الأزد ثم من بني الحدان وجده يزيد بن ربيعة شاعر مشهور وهو الذي هجا زيادا وبنيه ونفاهم عن آل حرب وحبسه عبيد الله بن زياد لذلك وعذبه ثم أطلقه معاوية وخبره في هذا طويل يذكر في موضعه مع سائر أخباره إذ كان الغرض ها هنا ذكر أخبار السيد
ووجدت في بعض الكتب عن إسحاق بن محمد النخعي قال
(7/248)

سمعت ابن عائشة والقحذمي يقولان هو يزيد بن مفرغ ومن قال إنه يزيد ابن معاوية فقد أخطأ
ومفرغ لقب ربيعة لأنه راهن أن يشرب عسا من لبن فشربه حتى فرغه فلقب مفرغا وكان شعابا بسيالة ثم صار إلى البصرة
وكان شاعرا متقدما مطبوعا يقال إن أكثر الناس شعرا في الجاهلية والإسلام ثلاثة بشار وأبو العتاهية والسيد فإنه لا يعلم أن أحدا قدر على تحصيل شعر أحد منهم أجمع
وإنما مات ذكره وهجر الناس شعره لما كان يفرط فيه من سب أصحاب رسول الله في شعره ويستعمله من قذفهم والطعن عليهم فتحومي شعره من هذا الجنس وغيره لذلك وهجره الناس تخوفا وتراقبا وله طراز من الشعر ومذهب قلما يلحق فيه أو يقاربه ولا يعرف له من الشعر كثير وليس يخلو من مدح بني هاشم أو ذم غيرهم ممن هو عنده ضد لهم ولولا أن أخباره كلها تجري هذا المجرى ولا تخرج عنه لوجب ألا نذكر منها شيئا ولكنا شرطنا أن نأتي بأخبار من نذكره من الشعراء فلم نجد بدا من ذكر أسلم ما وجدناه له وأخلاها من سيء اختياره على قلة ذلك
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد ألنوفلي عن إسماعيل بن الساحر راوية السيد قال ابن عمار وحدثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ عن أبيه أن أبوي السيد كانا إباضيين وكان منزلهما بالبصرة في غرفة بني
(7/249)

ضبة وكان السيد يقول طالما سب أمير المؤمنين في هذه الغرفة فإذا سئل عن التشيع من أين وقع له قال غاصت علي الرحمة غوصا
وروي عن السيد أن أبويه لما علما بمذهبه هما بقتله فأتى عقبة بن سلم الهنائي فأخبره بذلك فأجاره وبوأه منزلا وهبه له فكان فيه حتى ماتا فورثهما
على مذهب الكيسانية
وقد أخبرني الحسن بن علي البري عن محمد بن عامر عن القاسم بن الربيع عن أبي داود سليمان بن سفيان المعروف بالحنزق راوية السيد الحميري قال ما مضى والله إلا على مذهب الكيسانية وهذه القصائد التي يقولها الناس مثل
( تجعفرتُ باسم الله واللهُ أكبرُ ... ) و
( تجعفرت باسم الله فيمن تجعفرا ... ) وقوله
( أيا راكباً نحو المدينة جَسْرةً ... عُذَافِرةً تهوِي بها كلَّ سَبْسَبِ )
( إذا ما هداك اللهُ لاقيتَ جعفراً ... فقل يا أمين الله وابنَ المهذَّبِ ) لغلام للسيد يقال له قاسم الخياط قالها ونحلها للسيد وجازت على
(7/250)

كثير من الناس ممن لم يعرف خبرها بمحل قاسم منه وخدمته إياه
بعض أوصافه
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني أبو جعفر الأعرج ابن بنت الفضيل بن بشار قال كان السيد أسمر تام القامة أشنب ذا وفرة حسن الألفاظ جميل الخطاب إذا تحدث في مجلس قوم أعطى كل رجل في المجلس نصيبه من حديثه
أخبرني أحمد قال حدثني محمد بن عباد عن أبي عمرو الشيباني عن لبطة بن الفرزدق قال تذاكرنا الشعراء عند أبي فقال إن ها هنا لرجلين لو أخذا في معنى الناس لما كنا معهما في شيء فسألناه من هما فقال السيد الحميري وعمران بن حطان السدوسي ولكن الله عز و جل قد شغل كل واحد منهما بالقول في مذهبه
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني أبو جعفر ابن بنت الفضيل بن بشار قال
(7/251)

كان السيد أسمر تام الخلقة أشنب ذا وفرة حسن الألفاظ وكان مع ذلك أنتن الناس إبطين لا يقدر أحد على الجلوس معه لنتن رائحتهما
قال حدثني التوزي قال رأى الأصمعي جزءا فيه من شعر السيد فقال لمن هذا فسترته عنه لعلمي بما عنده فيه فأقسم علي أن أُخبره فأخبرته فقال أنشدني قصيدة منه فأنشدته قصيدة ثم أخرى وهو يستزيدني ثم قال قبحه الله ما أسلكه لطريق الفحول لولا مذهبه ولولا ما في شعره ما قدمت عليه أحدا من طبقته
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم قال سمعت أبا عبيدة يقول أشعر المحدثين السيد الحميري وبشار
أخبرني عمي قال حدثني الحسن بن عليل العنزي عن أبي شراعة القيسي عن مسعود بن بشر إن جماعة تذاكروا أمر السيد وأنه رجع عن مذهبه في ابن الحنفية وقال بإمامة جعفر بن محمد فقال ابن الساحر راويته والله ما رجع عن ذلك ولا القصائد الجعفريات إلا منحولة له قيلت بعده وآخر عهدي به قبل
(7/252)

موته بثلاث وقد سمع رجلا يروي عن النبي قال لعلي عليه السلام ( إنه سيولد لك بعدي ولد وقد نحلته اسمي وكنيتي ) فقال في ذلك وهي آخر قصيدة قالها
( أشاقَتْك المنازلُ بعد هند ... وتِرْبيها وذات الدَّلّ دَعْدِ )
( منازل أقفرتْ منهنّ مَحّتْ ... معالمُهن من سَبَلٍ ورَعْد )
( وريحٍ حَرْجَفٍ تَسْتَنُّ فيها ... بسافِي التُّرْب تُلْحِم ما تُسَدِّي )
( ألم يَبْلُغك والأنباءُ تَنْمِي ... مقالُ محمدٍ فيما يؤدِّي )
( إلى ذي علمه الهادي عليّ ... وخَوْلةُ خادمٌ في البيت تَرْدِي )
( ألم تر أنّ خولةَ سوف تأتي ... بوارِي الزَّند صافي الخِيم نَجْد )
( يفوز بكنيتي واسمي لأنّي ... نَحَلْتُهُماهُ والمهديّ بعدي )
( يُغَيَّب عنهمُ حتى يقولوا ... تضمَّنه بطَيْبة بطنُ لَحْد )
( سنينَ وأشهراً ويُرى بَرضْوَى ... بشِعْب بين أَنْمار وأُسْد )
( مقيم بين آرامٍ وعِينٍ ... وحَفَّانٍ تروح خِلالَ رُبْد )
( تُراعِيها السِّباع وليس منها ... ملاقيهنّ مفترساً بحَدّ )
( أمِنّ به الرَّدَى فرتَعْن طوراً ... بلا خوف لدى مَرْعىً ووِرْد )
( حلَفْتُ بربّ مكة والمُصَلَّى ... وبيتٍ طاهر الأركان فَرْد )
( يطوف به الحَجيجُ وكلَّ عامٍ ... يَحُلّ لديه وفدٌ بعد وفدِ )
( لقد كان ابن خَوْلة غيرَ شكً ... صَفاءَ ولايتي وخُلُوصَ وُدِّي )
( فما أحدٌ أحبّ إليّ فيما ... أسِرّ وما أبوح به وأُبدي )
( سوى ذي الوحي أحمد أو عليٍّ ... ولا أزكى وأطيب منه عندي )
(7/253)

( ومن ذا يابنَ خولة إذ رمتني ... بأسْهُمها المنيّةُ حين وعدي )
( يُذَيِّبُ عنكُم ويَسُدّ مما ... تَثَلَّم من حصونكم كسَدِّي )
( وما لي أن أَمُرَّ به ولكن ... أؤمِّل أن يؤخِّر يومُ فقدي )
( فأُدرك دولةً لك لستَ فيها ... بجبَّار فتُوصَفَ بالتَّعدّي )
( على قوم بَغَوْا فيكم علينا ... لتُعْدِي منكم يا خير مُعْدِ )
( لِتَعْلُ بنا عليهم حيث كانوا ... بغَوْرٍ من تِهامة أو بنجد )
( إذا ما سِرتَ من بلد حرامٍ ... إلى من بالمدينة من مَعَدّ )
( وماذا غرّهم والخيرُ منهم ... بأشْوَسَ أعْصَلِ الأنيابِ وَرْد )
( وأنت لمن بغى وعَداً وأذكى ... عليك الحربَ واسترداك مُرْدِ )
في البيتين الأولين من هذه القصيدة غناء نسبته
صوت
( أشاقتك المنازلُ بعد هندِ ... وتِرْبَيْها وذاتِ الدَّلّ دعد )
( منازلُ أقفرت منهنّ مَحَّتْ ... معالمُهن من سَبَل ورعد )
عروضه من الوافر الشعر للسيد الحميري والغناء لمعبد ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن يحيى المكي وذكر الهشامي أنه لكردم وذكر عمرو بن بانة أن اللحن لمالك ثقيل أول بالوسطى
وقال إسماعيل بن الساحر راوية السيد كنت عنده يوما في جناح له فأجال بصره فيه ثم قال يا إسماعيل طال والله ما شتم أمير المؤمنين علي
(7/254)

في هذا الجناح قلت ومن كان يفعل قال أبواي وكان يذهب مذهب الكيسانية ويقول بإمامة محمد بن الحنفية وله في ذلك شعر كثير وقد روى بعض من لم تصح روايته أنه رجع عن مذهبه وقال بمذهب الإمامية وله في ذلك
( تجعفرتُ باسم الله واللهُ أكبر ... وأيقنتُ أن الله يعفو ويغفِر ) وما وجدنا ذلك في رواية محصل ولا شعره أيضا من هذا الجنس ولا في هذا المذهب لأن هذا شعر ضعيف يتبين التوليد فيه وشعره في قصائده الكيسانية مباين لهذا جزالة ومتانة وله رونق ومعنى ليسا لما يذكر عنه في غيره
الأصمعي يمدح شعره ويذم مذهبه
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد الثمالي قال حدثني التوزي قال قال لي الأصمعي أُحب أن تأتيني بشيء من شعر هذا الحميري فعل الله به وفعل فأتيته بشيء منه فقرأه فقال قاتله الله ما أطبعه وأسلكه لسبيل الشعراء والله لولا ما في شعره من سب السلف لما تقدمه من طبقته أحد
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال أتيت أبا عبيدة معمر بن المثنى يوما وعنده رجل من بني هاشم يقرأ عليه كتابا فلما رآني أطبقه فقال له أبو عبيدة إن أبا زيد ليس ممن يحتشم منه فأقرأ فأخذ الكتاب وجعل يقرأه فإذا هو شعر السيد فجعل أبو عبيدة يعجب منه ويستحسنه قال أبو زيد وكان أبو عبيدة يرويه قال وسمعت
(7/255)

محمد بن أبي بكر المقدمي يقول سمعت جعفر بن سليمان الضبعي ينشد شعر السيد
أخبرني ابن دريد قال سئل أبو عبيدة من أشعر المولدين قال السيد وبشار
وقال الموصلي حدثني عمي قال جمعت للسيد في بني هاشم ألفين وثلثمائة قصيدة فخلت أن قد استوعبت شعره حتى جلس إلي يوما رجل ذو أطمار رثة فسمعني أُنشد شيئا من شعره فأنشدني له ثلاث قصائد لم تكن عندي فقلت في نفسي لو كان هذا يعلم ما عندي كله ثم أنشدني بعده ما ليس عندي لكان عجيبا فكيف وهو لا يعلم وإنما أنشد ما حضره وعرفت حينئذ أن شعره ليس مما يدرك ولا يمكن جمعه كله
رأي بشار بالسيد الحميري
أخبرني عمي قال حدثني الكراني عن ابن عائشة قال وقف السيد على بشار وهو ينشد الشعر فأقبل عليه وقال
( أيّها المادحُ العبادَ ليُعْطَى ... إنّ لله ما بأيدي العبادِ )
( فاسأل الله ما طلبتَ إليهم ... وارْجُ نفعَ المُنَزَّل العَوَّاد )
( لا تَقُلْ في الجَواد ما ليس فيه ... وتُسَمِّي البخيلَ باسم الجَواد ) قال بشار من هذا فعرفه فقال لولا أن هذا الرجل قد شغل عنا بمدح بني هاشم لشغلنا ولو شاركنا في مذهبنا لأتعبنا وروي في هذا الخبر أن
(7/256)

عمران بن حطان الشاري خاطب الفرزدق بهذه المخاطبة وأجابه بهذا الجواب
أخبرني علي بن سليمان الأخفش عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد السكري عن الطوسي قال إذا رأيت في شعر السيد دع ذا فدعه فإنه لا يأتي بعده إلا سب السلف أو بلية من بلاياه
وروى الحسن بن علي بن المعتز الكوفي عن أبيه عن السيد قال رأيت النبي النوم وكأنه في حديقة سبخة فيها نخل طوال وإلى جانبها أرض كأنها الكافور ليس فيها شيء فقال أتدري لمن هذا النخل قلت لا يا رسول الله قال لامرىء القيس بن حجر فاقلعها واغرسها في هذه الأرض ففعلت وأتيت ابن سيرين فقصصت رؤياي عليه فقال أتقول الشعر قلت لا قال أما إنك ستقول شعرا مثل شعر امرىء القيس إلا أنك تقوله في قوم بررة أطهار قال فما انصرفت إلا وأنا أقول الشعر
قال الحسن وحدثني غانم الوراق قال خرجت إلى بادية البصرة فصرت إلى عمرو بن تميم فأثبتني بعضهم فقال هذا الشيخ والله راوية فجلسوا إلي وأنسوا بي وأنشدتهم وبدأت بشعر ذي الرمة فعرفوه وبشعر جرير
(7/257)

والفرزدق فعرفوهما ثم أنشدتهم للسيد
( أتعرِف رسماً بالسّويّيْن قد دَثَرْ ... عَفَتْه أهاضِيبُ السحائب والمطر )
( وجرّت به الأذيالَ رِيحانِ خِلْفةً ... صَباً ودَبُورٌ بالعَشِيّاتِ والبُكَر )
( منازلُ قد كانت تكون بجوّها ... هضيمُ الحشاريّا الشَّوَى سِحرُها النظر )
( قَطُوفُ الخُطَا خَمْصانةٌ بَخْتَرِيّةٌ ... كأنّ مُحيّاها سَنَا دارة القمر )
( رمَتْني ببُعْد بعد قرب بها النَّوَى ... فبانت ولمَّا أَقْضِ من عَبْدة الوَطَرْ )
( ولما رأتني خشية البين مُوجَعاً ... أُكَفْكِف منّي أدمُعاً فَيْضُها درر )
( أشارت بأطرافٍ إليّ ودمعُها ... كنَظْم جُمَانٍ خانه السِّلكُ فانتثر )
( وقد كنتُ ممّا أحدث البينُ حاذِراً ... فلم يُغْنِ عنّي منه خوفيَ والحذر )
قال فجعلوا يمرقون لإنشادي ويطربون وقالوا لمن هذا فأعلمتهم فقالوا هو والله أحد المطبوعين لا والله ما بقي في هذا الزمان مثله
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثنا الزبير بن بكار قال سمعت عمي يقول لو أن قصيدة السيد التي يقول فيها
(7/258)

( إنّ يومَ التطهيرِ يومٌ عظيم ... خُصَّ بالفضل فيه أهلُ الكِساءِ ) قرئت على منبر ما كان فيها بأس ولو أن شعره كله كان مثله لرويناه وما عيبناه
وأخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا العباس بن ميمون طائع قال حدثنا نافع عن التوزي بهذه الحكاية بعينها فإنه قالها في
( إنّ يومَ التّطْهيرِ يومٌ عظيم ... ) قال ولم يكن التوزي متشيعا
قال علي بن المغيرة حدثني الحسين بن ثابت قال قدم علينا رجل بدوي وكان أروى الناس لجرير فكان ينشدني الشيء من شعره فأُنشد في معناه للسيد حتى أكثرت فقال لي ويحك من هذا هو والله أشعر من صاحبنا
مع السفاح وجعفر بن محمد
أخبرني أبو الحسن الأَسدي قال حدثني الحسن بن عليل العنزي عن ابن عائشة قال لما استقام الأمر لبني العباس قام السيد إلى أبي العباس السفاح حين نزل عن المنبر فقال
(7/259)

( دُونَكُموها يا بني هاشمٍ ... فَجدِّدوا من عهدها الدَّارسا )
( دُونَكمُوها لا علا كعبُ مَنْ ... كان عليكم مُلكَها نافسا )
( دونَكُموها فالْبَسوا تاجَها ... لا تَعْدَموا منكمُ له لابسا )
( لو خُيِّر المنبرُ فُرسانَه ... ما اختار إلاّ منكُم فارسا )
( قد ساسها قبلكُم ساسةٌ ... لم يتركوا رَطباً ولا يابسا )
( ولستُ من أن تَمْلكوها إلى ... مَهْبِط عيسى فيكُم آيسا ) فسر أبو العباس بذلك وقال له أحسنت يا إسماعيل سلني حاجتك قال تولي سليمان بن حبيب الأهواز ففعل وذكر التميمي وهو علي بن إسماعيل عن أبيه قال كنت عند أبي عبد الله جعفر بن محمد إذ استأذن آذنه للسيد فأمره بإيصاله وأقعد حرمه خلف ستر ودخل فسلم وجلس فاستنشده فأنشده قوله
( أُمْرُرْ على جَدَث الحسين ... فَقُل لأعْظُمِه الزكيّه )
( آأعْظُماً لا زِلْتِ من ... وَطْفَاءَ ساكبةٍ رَوِيّهْ )
( وإذا مررتَ بقبره ... فأطِلْ به وَقْفَ المطِيّه )
( وابْكِ المُطَهَّرَ للمطهَّر ... والمطهَّرة النّقيّهْ )
( كبُكاء مُعْوِلةٍ أتت ... يوماً لواحدها المنيّه )
قال فرأيت دموع جعفر بن محمد تتحدر على خديه وارتفع الصراخ والبكاء من داره حتى أمره بالإمساك فأمسك قال فحدثت أبي بذلك لما انصرفت فقال لي ويلي على الكيساني الفاعل ابن الفاعل يقول
( فإذا مررتَ بقبره ... فأطِل به وقْفَ المطيَّه )
(7/260)

فقلت يا أبت وماذا يصنع قال أو لا ينحر أو لا يقتل نفسه فثكلته أُمه
حدثني أبو جعفر الأعرج وهو ابن بنت الفضيل بن بشار عن إسماعيل بن الساحر راوية السيد وهو الذي يقول فيه السيد في بعض قصائده
( وإسماعيلُ يَبْرُز من فلانٍ ... ويزعُم أنّه للنَّارِ صالِي )
قال تلاحى رجلان من بني عبد الله بن دارم في المفاضلة بعد رسول الله فرضيا بحكم أول من يطلع فطلع السيد فقاما إليه وهما لا يعرفانه فقال له مفضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه منهما إني وهذا اختلفنا في خير الناس بعد رسول الله علي بن أبي طالب فقطع السيد كلامه ثم قال وأي شيء قال هذا الآخر ابن الزانية فضحك من حضر ووجم الرجل ولم يحر جوابا
وقال التميمي وحدثني أبي قال قال لي فضيل الرسان أُنشد جعفر بن محمد قصيدة السيد
( لأُمِّ عمرو باللِّوَى مَرْبَعُ ... دارسةٌ أعلامُه بَلْقَعُ ) فسمعت النحيب من داره فسألني لمن هي فأخبرته أنها للسيد وسألني عنه فعرفته وفاته فقال رحمه الله قلت إني رأيته يشرب النبيذ في
(7/261)

الرستاق قال أتعني الخمر قلت نعم قال وما خطر ذنب عند الله أن يغفره لمحب علي
كان يقول بالرجعة
وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن موسى قال جاء رجل إلى السيد فقال بلغني أنك تقول بالرجعة فقال صدق الذي أخبرك وهذا ديني قال أفتعطيني دينارا بمائة دينار إلى الرجعة قال السيد نعم وأكثر من ذلك إن وثقت لي بأنك ترجع إنسانا قال وأي شيء أرجع قال أخشى أن ترجع كلبا أو خنزيراً فيذهب مالي فأفحمه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال قال جعفر ابن عفان الطائي الشاعر أهدى إليّ سليمان بن علي مهرا أعجبني وعزمت تربيته فلما مضت علي أشهر عزمت على الحج ففكرت في صديق لي أودعه المهر ليقوم عليه فأجمع رأيي على رجل من أهلي يقال له عمر بن حفص فصرت إليه فسألته أن يأمر سائسه بالقيام عليه وخبرته بمكانه من قلبي ودعا بسائسه فتقدم إليه في ذلك ووهبت للسائس دراهم وأوصيته به ومضيت إلى الحج ثم انصرفت وقلبي متعلق فبدأت بمنزل عمر بن حفص قبل منزلي لأعرف حال المهر فإذا هو قد ركب حتى دبر ظهره وعجف من قلة القيام عليه فقلت له يا أبا حفص أهكذا أوصيتك في هذا المهر فقال وما ذنبي لم ينجع فيه العلف فانصرفت به وقلت
( مَنْ عاذري من أبي حفص وثِقْتُ به ... وكان عندي له في نفسه خطرُ )
(7/262)

( فلم يكن عند ظنّي في أمانته ... والظنّ يُخْلَف والإِنسانُ يُخْتَبَر )
( أضاع مهري ولم يُحسن ولايتَه ... حتى تبيّن فيه الجَهْدُ والضّرر )
( عاتبتُه فيه في رفق فقلتُ له ... يا صاحِ هل لك من عذر فتعتذِر )
( فقال داءٌ به قِدْماً أضَرّ به ... وداؤه الجوعُ والإِتعاب والسفر )
( قد كان لي في اسمه عنه وكُنْيتِه ... لو كنتُ مُعْتَبِراً ناهٍ ومُعْتَبَر )
( فكيف ينصحني أو كيف يحفظني ... يوماً إذا غِبتُ عنه واسمه عمر )
( لو كان لي وَلَدٌ شتّى لهم عددٌ ... فيهم سميُّوه إن قلّوا وإن كثُروا )
( لم ينصحوا لي ولم يُبْقُوا عليّ ولو ... ساوى عديدَهمُ الحَصْباءُ والشجرُ )
نصيحته للمهدي
قال وحدثني أبو سليمان الناجي قال جلس المهدي يوما يعطي قريشا صلات لهم وهو ولي عهد فبدأ ببني هاشم ثم بسائر قريش فجاء السيد فرفع إلى الربيع رقعة مختومة وقال إن فيها نصيحة للأمير فأوصلها إليه فأوصلها فإذا فيها
( قُل لابن عَبّاسٍ سَمِيِّ محمدٍ ... لا تُعْطِينّ بني عَدِيّ درهَما )
( اِحْرِمْ بني تَيْم بن مُرّةَ إنهم ... شرُّ البريّة آخراً ومُقَدَّما )
( إن تُعْطِهمْ لا يشكروا لك نعمةً ... ويكافئوك بأن تُذَمّ وتُشْتما )
( وإنِ ائتمنتهمُ أو استعملتَهم ... خانوك واتّخذوا خَراجك مَغْنما )
( ولئن منعتَهمُ لقد بدأوكمُ ... بالمَنْع إذ ملكوا وكانوا أظلما )
(7/263)

( منعوا تُراثَ محمدٍ أعمامَه ... وابنَيْهِ وابنتَه عَدِيلةَ مَرْيما )
( وتأمّروا من غير أن يُسْتَخْلَفوا ... وكفى بما فعلوا هنالك مَأْثَما )
( لم يشكروا لمحمد إنعامَه ... أفيشكرون لغيره إن أنْعما )
( واللهُ منّ عليهمُ بمحمد ... وهداهمُ وَكَسا الجُنوبَ وأطْعما )
( ثم انبَروْا لوصيِّه ووليّه ... بالمُنْكَرات فجرَّعوه العَلْقَما )
وهي قصيدة طويلة حذف باقيها لقبح ما فيه قال فرمى بها إلى أبي عبيد الله ثم قال اقطع العطاء فقطعه وانصرف الناس ودخل السيد إليه فلما رآه ضحك وقال قد قبلنا نصيحتك يا اسماعيل ولم يعطهم شيئا
أخبرني به عمي عن محمد بن داود بن الجراح عن إسحاق النخعي عن أبي سلمان الرياحي مثله
السيد الحميري وشيطان الطاق
أخبرني الحسن بن محمد بن الجمهور القمي قال حدثني أبي قال حدثني أبو داود المسترق راوية السيد أنه حضر يوما وقد ناظره محمد بن علي بن النعمان المعروف بشيطان الطاق في الإمامة فغلبه محمد في دفع ابن الحنفية عن الإمامة فقال السيد
(7/264)

( ألاَ يأيّها الجَدِلُ المعنِّي ... لنا ما نحن وَيْحَك والعَناءُ )
( أتُبْصِر ما تقول وأنت كهلٌ ... تُراك عليك من ورع رِداء )
( ألا إن الأئمةَ من قريشٍ ... ولاةُ الحقّ أربعةٌ سَوَاء )
( عليٌّ والثلاثةُ من بَنِيه ... همُ أسْبَاطُه والأوصياء )
( فأنَّى في وصيّته إليهم ... يكون الشك منّا والمِراء )
( بهم أوصاهمُ ودعا إليه ... جميعَ الخلق لو سُمِع الدّعاء )
( فسِبْطٌ سِبْطُ إيمانٍ وحِلْمٍ ... وسبطٌ غيّبتْه كَرْبَلاء )
( سقَى جَدَثاً تضمّنه مُلِثٌّ ... هَتُوفُ الرّعد مُرْتَجِزٌ رِواء )
( تَظَلُّ مُظِلّةً منها عَزَالٍ ... عليه وتَغْتدي أُخرى مِلاء )
( وسِبْط لا يذوق الموتَ حتى ... يقودَ الخيلَ يَقْدُمها اللواء )
( من البيت المحجَّبِ في سَراةٍ ... شُراةٍ لَفّ بينهمُ الإِخاء )
( عصائبُ ليس دونَ أغرَّ أجلي ... بمكة قائمٍ لهمُ انتهاءُ )
(7/265)

وهذه الأبيات بعينها تروى لكثير ذكر ذلك ابن أبي سعد فقال وأخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا علي بن محمد النوفلي قال حدثني إبراهيم بن هاشم العبدي البصري قال رأيت النبي في المنام وبين يديه السيد الشاعر وهو ينشد
( أجَدّ بآل فاطمةَ البُكورُ ... فدمعُ العين مُنْهَمِرٌ غزيرُ ) حتى أنشده إياها على آخرها وهو يسمع قال فحدثت هذا الحديث رجلا جمعتني وإياه طوس عند قبر علي بن موسى الرضا فقال لي والله لقد كنت على خلاف فرأيت النبي في المنام وبين يديه رجل ينشد
( أجَدّ بآل فاطمة البُكورُ ... ) إلى آخرها فاستيقظتُ من نومي وقد رسخ في قلبي من حب علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما كنت أعتقده
أخبرني وكيع قال حدثني إسحاق بن محمد قال حدثنا أبو سليمان الناجي ومحمد بن حليم الأعرج قالا كان السيد إذا استنشد شيئا من شعره لم يبدأ بشيء إلا بقوله
( أجَدّ بآل فاطمةَ البُكورُ ... فدمعُ العين مُنْهَمِرٌ غزيرُ )
(7/266)

قال إسحاق وسمعت العتبي يقول ليس في عصرنا هذا أحسن مذهبا في شعره ولا أنقى ألفاظا من السيد ثم قال لبعض من حضر أنشدنا قصيدته اللامية التي أنشدتناها اليوم فأنشده قوله
( هل عند من أحببتَ تَنْوِيلُ ... أم لا فإن اللَّومَ تَضْليلُ )
( أم في الحشى منك جوىً باطِن ... ليس تُداويه الأباطيلُ )
( عُلِّقتَ يا مغرورُ خَدّاعةً ... بالوعد منها لك تَخْيِيلُ )
( رَيَّا رَدَاح النوم خَمْصانة ... كأنها أَدْماءُ عُطْبول )
( يَشفيك منها حين تخلو بها ... ضمٌّ إلى النحر وتَقْبيل )
( وَذوْقُ ريقٍ طيّبٍ طعمُه ... كأنه بالمسك مُعْلولُ )
( في نِسوةٍ مثلِ المَهَا خُرَّدٍ ... تَضِيق عنهنّ الخلاخيلُ ) يقول فيها
( أُقسم بالله وآلائِه ... والمرءُ عمّا قال مسؤول )
( إنّ عليّ بن أبي طالب ... على التُّقَى والبِرِّ مَجْبول )
فقال العتبي أحسن والله ما شاء هذا والله الشعر الذي يهجم على القلب بلا حجاب
في البيتين الأولين من هذه القصيدة لمخارق رمل بالبنصر عن الهشامي وذكر حبش أنه للغريض وفيه لحن لسليمان من كتب بذل غير مجنس
أخبرني عمي قال حدثني محمد بن داود بن الجراح قال حدثني إسحاق
(7/267)

ابن محمد النخعي عن عبد الحميد بن عقبة عن إسحاق بن ثابت العطار قال كنا كثيرا ما نقول للسيد مالك لا تستعمل في شعرك من الغريب ما تسأل عنه كما يفعل الشعراء قال لأن أقول شعرا قريبا من القلوب يلذه من سمعه خير من أن أقول شيئا متعقدا تضل فيه الأوهام
يسب محارب بن دثار ويترحم على أبي الأسود
أخبرني أحمد بن عمار قال أخبرنا يعقوب بن نعيم قال حدثني إبراهيم ابن عبد الله الطلحي راوية الشعراء بالكوفة قال حدثنا أبو مسعود عمرو بن عيسى الرباح ومحمد بن سلمة يزيد بعضهم على بعض أن السيد لما قدم الكوفة أتاه محمد بن سهل راوية الكميت فأقبل عليه السيد فقال من الذي يقول
( يَعِيب عليّ أقوامٌ سَفَاهاً ... بأن أُرْجِي أبا حسن عليّا )
( وإرجائي أبا حسن صوابٌ ... عن العُمَرَيْنِ بَرًّا أو شَقِيّا )
( فإن قدّمتُ قوماً قال قومٌ ... أسأتَ وكنتَ كذّاباً رَديّاً )
( إذا أيقنتُ أنّ الله ربّي ... وأَرْسل أحمداً حقًّا نَبيّا )
( وأنّ الرُّسْلَ قد بُعِثوا بحقّ ... وأنّ الله كان لهم وليّا )
( فليس عليّ في الإِرجاء بأسٌ ... ولا لَبْسٌ ولست أخاف شيّا ) فقال محمد بن سهل هذا يقوله محارب بن دثار الذهلي فقال
(7/268)

السيد لا كان الله وليا للعاض بظر أمه من ينشدنا قصيدة أبي الأسود
( أحِبّ محمداً حباً شديداً ... وعبَّاساً وحمزةَ والوصيّا ) فأنشده القصيدة بعض من كان حاضرا فطفق يسب محارب بن دثار ويترحم على أبي الأسود فبلغ الخبر منصورا النمري فقال ما كان على أبي هاشم لو هجاه بقصيدة يعارض بها أبياته ثم قال
( يَوَدُّ محارِبٌّ لو قد رآها ... وأبصرهم حَوَالَيْها جُثِيّا )
( وأنّ لسانَه من نابِ أفعى ... وما أرْجا أبا حسن عليَّا )
( وأنَّ عَجُوزَه مَصَعَتْ بكلبٍ ... وكان دماءُ ساقَيْها جَرِيّا )
( متى تُرْجِىء أبا حسن عليًّا ... فقد أرجَيْتَ يا لُكَعٌ نبيَّا )
أخبرني محمد بن جعفر النحوي قال حدثنا أحمد بن القاسم البزي قال حدثني إسحاق بن محمد النخعي قال حدثني إبراهيم بن الحسن الباهلي قال دخلت على جعفر بن سليمان الضبعي ومعي أحاديث لأسأله عنها وعنده قوم لم أعرفهم وكان كثيرا ما ينشد شعر السيد فمن أنكره عليه لم يحدثه فسمعته ينشدهم
( ما تعدِلُ الدُّنيا جميعاً كلُّها ... من حوض أحمدَ شَرْبةً من ماءِ ) ثم جاءه خبر فقام فقلت للذين كانوا عنده من يقول هذا الشعر قالوا السيد الحميري
(7/269)

حدثني عمي والكراني قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد عن عبد الله بن الحسين عن أبي عمرو الشيباني عن الحارث بن صفوان وأخبرني به الحسين ابن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه أن السيد كان بالأهواز فمرت به امرأة من آل الزبير تزف إلى إسماعيل ابن عبد الله بن العباس وسمع الجلبة فسأل عنها فأُخبر بها فقال
( أتتنا تُزَفّ على بغلة ... وفوق رحالتها قُبّهْ )
( زُبَيْريّةٌ من بنات الذي ... أحلّ الحرام من الكعبهْ )
( تُزَفّ إلى ملك ماجد ... فلا اجتمعا وبها الوَجْبهْ )
روى هذا الخبر إسماعيل بن الساحر فقال فيه فدخلت في طريقها إلى خربة للخلاء فنهشتها أفعى فماتت فكان السيد يقول لحقتها دعوتي
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن إسرائيل عن أبي طالب الجعفري وهو محمد بن عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن جعفر قال أخبرني أبي قال خرج أهل البصرة يستسقون وخرج فيهم السيد وعليه ثياب خز وجبة ومطرف وعمامة فجعل يجر مطرفه ويقول
( اِهْبِطْ إلى الأرض فخُذْ جَلْمداً ... ثم ارْمِهم يا مُزْن بالجَلْمَدِ )
( لا تِسْقِهم من سَبِلٍ قطرةً ... فإنهم حَرْبُ بني أحمد )
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا محمد بن إسحاق البغوي
(7/270)

قال حدثنا الحرمازي قال حدثني رجل قال كنت أختلف إلى ابني قيس وكانا يرويان عن الحسن فلقيني السيد يوما وأنا منصرف من عندهما فقال أرني ألواحك أكتب فيها شيئا وإلا أخذتها فمحوت ما فيها فأعطيته ألواحي فكتب فيها
( لَشَرْبَةٌ من سَوِيقٍ عند مَسْغَبةٍ ... وأكْلَةٌ من ثَريدٍ لحمُه وارِي )
( أشَدُّ ممّا روى حُبًّا إليّ بنو ... قيس وممّا رَوى صَلْتُ بن دينارِ )
( ممّا رواه فلانٌ عن فلانِهمُ ... ذاك الذي كان يدعوهم إلى النار )
أخبرني أحمد بن علي الخفاف قال حدثني أبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن طباطبا قال سمعت زيد بن موسى بن جعفر يقول رأيت رسول الله في النوم وقدامه رجل جالس عليه ثياب بيض فنظرت إليه فلم أعرفه إذ التفت إليه رسول الله يا سيد أنشدني قولك
( لأَمِّ عمرو في اللِّوى مَرْبَعُ ... ) فأنشده إياها كلها ما غادر منها بيتا واحدا فحفظتها عنه كلها في النوم
قال أبو إسماعيل وكان زيد بن موسى لحانة رديء الإنشاد فكان إذا أنشد هذه القصيدة لم يتتعتع فيها ولم يلحن
وقال محمد بن داود بن الجراح في روايته عن إسحاق النخعي حدثني
(7/271)

عبد الرحمن بن محمد الكوفي عن علي بن إسماعيل الهيثمي عن فضيل الرسان قال دخلت على جعفر بن محمد أعزيه عن عمه زيد ثم قلت له ألا أُنشدك شعر السيد فقال أنشد فأنشدته قصيدة يقول فيها
( فالناس يوم البعْث راياتُهُم ... خمسٌ فمنها هالكٌ أرْبَعُ )
( قائدُها العجل وفِرْعَونهم ... وسامِريّ الأُمّةِ المُفْظع )
( ومارِقٌ من دينه مُخْرَج ... أسودُ عبدٌ لُكَعٌ أوْكع )
( ورايةٌ قائدها وجهُه ... كأنه الشمس إذا تطلُع ) فسمعت مجيبا من وراء الستور فقال من قائل هذا الشعر فقلت السيد فقال رحمه الله فقلت جعلت فداك إني رأيته يشرب الخمر فقال رحمه الله فما ذنب على الله أن يغفره لآل علي إن محب علي لا تزل له قدم إلا تثبت له أُخرى
حدثني الأخفش عن أبي العيناء عن علي بن الحسن بن علي بن الحسين عن أبيه عن جعفر بن محمد أنه ذكر السيد فترحم عليه وقال إن زلت له قدم فقد ثبتت الأخرى
نسخت من كتاب الشاهيني حدثني محمد بن سهل الحميري عن أبيه قال انحدر السيد الحميري في سفينة إلى الأهواز فماراه رجل في تفضيل علي وباهله على ذلك فلما كان الليل قام الرجل ليبول على حرف
(7/272)

السفينة فدفعه السيد فغرفه فصاح الملاحون غرق والله الرجل فقال السيد دعوه فإنه باهلي
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد المبرد قال حدثني التوزي قال جلس السيد يوما إلى قوم فجعل ينشدهم وهم يلغطون فقال
( قد ضيّع اللهُ ما جمّعتُ من أَدب ... بين الحَمير وبين الشَّاءِ والبقرِ )
( لا يَسمعون إلى قول أجِيءُ به ... وكيف تَستَمِع الأنعامُ للبَشَر )
( أقول ما سكتوا إنْسٌ فإن نطقوا ... قلتُ الضفادعُ بين الماء والشجر )
أخبرني محمد بن جعفر النحوي قال حدثنا أحمد بن القاسم البزي قال حدثنا إسحاق بن محمد النخعي عن محمد بن الربيع عن سويد بن حمدان ابن الحصين قال كان السيد يختلف إلينا ويغشانا فقام من عندنا ذات يوم فخلفه رجل وقال لكم شرف وقدر عند السلطان فلا تجالسوا هذا فإنه مشهور بشرب الخمر وشتم السلف فبلغ ذلك السيد فكتب إليه
( وصَفْتُ لك الحوضَ يابنَ الحُصَيْن ... على صفَةِ الحارث الأَعْورِ )
( فإن تُسْقَ منه غداً شَرْبَةً ... تَفُزْ من نصيبك بالأوفر )
( فما ليَ ذنبٌ سوى أنّني ... ذكرتُ الذي فرّ عن خيبر )
(7/273)

( ذكرتُ امْرأً فرّ عن مِرْحَبٍ ... فِرارَ الحمار من القَسْوَرِ )
( فأنكر ذاك جليسٌ لكم ... زَنيمٌ أخو خُلُقٍ أعورِ )
( لَحَاني بحبِّ إمام الهدى ... وفاروقِ أُمَّتنا الأكبرِ )
( سأحلِق لحيتَه إنها ... شهودٌ على الزّور والمُنْكر ) قال فهجر والله مشايخنا جميعا ذلك الرجل ولزموا محبة السيد ومجالسته
هجاؤه سوار القاضي
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثنا مهدي بن سابق
أن السيد تقدم إلى سوار القاضي ليشهد عنده وقد كان دافع المشهود له بذلك وقال أعفني من الشهادة عند سوار وبذل له مالا فلم يعفه فلما تقدم إلى سوار فشهد قال ألست المعروف بالسيد قال بلى قال استغفر الله من ذنب تجرأت به على الشهادة عندي قم لا أرضى بك
(7/274)

فقام مغضبا من مجلسه وكتب إلى سوار رقعة فيها يقول
( إن سوّار بن عبد اللَّه ... من شرِّ القضاة ) فلما قرأها سوار وثب عن مجلسه وقصد أبا جعفر المنصور وهو يومئذ نازل بالجسر فسبقه السيد إليه فأنشده
( قل للإِمام الذي يُنْجَى بطاعته ... يوم القيامة من بُجْبُوحة النار )
( لا تَستعِينَنْ جزاك الله صالحةً ... يا خير من دَبّ في حكمٍ بَسوّار )
( لا تَسْتَعِنْ بخبيث الرأي ذي صَلَفٍ ... جَمّ العيوب عظيم الكِبْر جبّار )
( تُضْحِي الخصومُ لديه من تجبّره ... لا يَرفعون إليه لحظ أبصار )
( تِيهاً وكبْراً ولولا ما رفعتَ له ... من ضَبْعه كان عينَ الجائِع العاري ) ودخل سوار فلما رآه المنصور تبسم وقال أما بلغك خبر إياس بن معاوية حيث قبل شهادة الفرزدق واستزاد في الشهود فما أحوجك للتعريض للسيد ولسانه ثم أمر السيد بمصالحته
وقال إسحاق بن محمد النخعي حدثني عبد الله بن محمد الجعفري قال حدثني محمد بن عبد الله الحميري قال دخل السيد على المهدي لما بايع لابنيه موسى وهارون فأنشأ يقول
( ما بالُ مَجْرَى دمْعِكَ الساجِمِ ... أمِنْ قَذًى بات بها لازِمِ )
(7/275)

( أمْ من هوىً أتت له ساهر ... صبابةً من قلبك الهائِم )
( آليتُ لا أمدح ذا نائلٍ ... من مَعْشر غيرَ بني هاشم )
( أوْلَتْهُمُ عندي يدُ المصطفى ... ذي الفضل والمَنّ أبي القاسِم )
( فإنها بيضاءُ محمودةٌ ... جزاؤها الشّكرُ على العالَم )
( جزاؤها حفظُ أبي جعفر ... خليفةِ الرحمن والقائِم )
( وطاعةُ المهديّ ثم ابنِه ... موسى على ذي الإِرْبةِ الحازمِ )
( وللرشيد الرّابع المُرْتَضَى ... مُفْتَرَضٌ من حقّه اللاّزِم )
( ملكُهمُ خمسون معدودةً ... برغَمْ أنف الحاسد الرّاغم )
( ليس علينا ما بَقُوا غيرَهم ... في هذه الأُمّة من حاكم )
( حتى يُردّوها إلى هابط ... عليه عيسى منهمُ ناجمِ )
حبه لعلي بن أبي طالب
وقال علي بن المغيرة حدثني علي بن عبد الله السدوسي عن المدائني قال كان السيد يأتي الأعمش فيكتب عنه فضائل علي رضي الله عنه ويخرج من عنده ويقول في تلك المعاني شعرا فخرج ذات يوم من عند بعض أمراء الكوفة وقد حمله على فرس وخلع عليه فوقف بالكناسة ثم
(7/276)

قال يا معشر الكوفيين من جاءني منكم بفضيلة لعلي بن أبي طالب لم أقل فيها شعرا أعطيته فرسي هذا وما علي فجعلوا يحدثونه وينشدهم حتى أتاه رجل منهم وقال إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالي عنه عزم على الركوب فلبس ثيابه وأراد لبس الخف فلبس أحد خفيه ثم أهوى إلى الآخر ليأخذه فانقض عقاب من السماء فحلق به ثم ألقاه فسقط منه أسود وانساب فدخل حجرا فلبس علي رضي الله عنه الخف قال ولم يكن قال في ذلك شيئا ففكر هنيهة ثم قال
( ألاَ يا قومِ للعَجَبِ العُجَاب ... لخُفّ أبي الحسين وللحُبَابِ )
( أتى خُفًّا له وانساب فيه ... لِيَنْهَش رِجلَه منه بناب )
( فخَرّ من السماء له عُقابٌ ... من العِقْبان أو شِبْهُ العُقابِ )
( فطار به فحلّق ثم أَهْوَى ... به للأرض من دون السّحاب )
( إلى حُجْرٍ له فانساب فيه ... بعيدِ القَعْرِ لم يُرْتَجْ بباب )
( كريهُ الوجه أسودُ ذو بَصِيصٍ ... حديدُ النّاب أَزْرقُ ذو لُعابِ )
( ودُوفِع عن أبي حسن عليٍّ ... نَقيعُ سِمامه بعد انسياب ) ثم حرك فرسه ومضى وجعل تشبيبها بعد ذلك
( صبوتُ إلى سُلَيْمى والرَّبَابِ ... وما لأخي المشَيِب وللتَّصابي )
أخبرني أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد قال حدثني عبد الله بن أحمد بن مستورد قال
(7/277)

وقف السيد يوما بالكوفة فقال من أتاني بفضيلة لعلي بن أبي طالب ما قلت فيها شعرا فله دينار وذكر باقي الحديث فأما العقاب الذي انقض على خف علي بن أبي طالب رضى الله عنه فحدثني بخبره أحمد بن محمد ابن محمد بن سعيد الهمداني قال حدثني جعفر بن علي بن نجيح قال حدثنا أبو عبد الرحمن المسعودي عن أبي داود الطهوي عن أبي الزعل المرادي قال قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فتطهر للصلاة ثم نزع خفه فانساب فيه أفعى فلما عاد ليلبسه انقضت عقاب فأخذته فحلقت به ثم ألقته فخرج الأفعى منه وقد روي مثل هذا لرسول الله
حدثني به أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد قال حدثني محمد بن عبيد بن عقبة قال حدثنا محمد بن الصلت قال حدثنا حيان بن علي عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس قال كان النبي إذا أراد حاجة تباعد حتى لا يراه أحد فنزع خفه فإذا عقاب قد تدلى فرفعه فسقط منه أسود سالخ فكان النبي يقول ( اللهم إني أعوذ بك من شر ما يمشي على بطنه ومن شر ما يمشي على رجليه ومن شر ما يمشي على أربع ومن شر الجن والإنس )
قال أبو سعيد وحدثنا محمد بن إسماعيل الراشدي قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا حيان بن علي عن سعد بن طريف عن عكرمة عن ابن عباس مثله
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا حاتم بن قبيصة قال سمع السيد محدثا يحدث أن النبي كان ساجدا فركب الحسن والحسين على ظهره فقال عمر رضي الله عنه نعم المطي مطيكما فقال
(7/278)

النبي الراكبان هما فانصرف السيد من فوره فقال في ذلك
( أتى حسناً والحسينَ النبيُّ ... وقد جلسا حَجْرةً يلعبانِ )
( ففَدّاهما ثم حَيّاهما ... وكانا لديه بذاك المكانِ )
( فرَاحَا وتحتَهما عاتِقاه ... فنعم المَطِيَّةُ والراكبانِ )
( وليدان أمُّهما بَرّةٌ ... حَصَانٌ مُطَهَّرةٌ للحَصَان )
( وشيخُهما ابن أبي طالب ... فنِعْمَ الوَليدانِ والوالدان )
( خليليّ لا تُرْجِيا واعلما ... بأّن الهُدَى غيرُ ما تزعُمَان )
( وأنّ عَمَى الشكّ بعد اليقين ... وضَعْفَ البَصيرة بعد العِيان )
( ضلالٌ فلا تَلْجَجَا فيهما ... فبئستْ لعَمْرُكما الخَصْلتان )
( أيُرْجَى عليٌّ إمامُ الهدى ... وعثمانُ ما أعند المُرْجِيان )
( ويُرْجى ابنُ حَرْبٍ وأشياعُه ... وهُوجُ الخَوارج بالنَّهْروان )
( يكون إمامَهمُ في المَعَاد ... خبيثُ الهوى مومن الشَّيْصَبانِ )
مدح المنصور
وذكر إسماعيل بن الساحر قال أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني محمد عن أبيه قال حدثني أبي وعمي عن أحمد بن إبراهيم بن سليمان بن يعقوب بن سعيد بن عمرو قال حدثنا الحارث بن عبد المطلب قال
(7/279)

كنت جالسا في مجلس أبي جعفر المنصور وهو بالجسر وهو قاعد مع جماعة على دجلة بالبصرة وسوار بن عبد الله العنبري قاضي البصرة جالس عنده والسيد بن محمد بين يديه ينشد قوله
( إن الاله الذي لا شيءَ يُشْبهه ... أعطاكم الملكَ للدّنيا وللدِّين )
( أعطاكم اللهُ مُلكاً لا زوالَ له ... حتى يُقادَ اليكم صاحبُ الصِّينِ )
( وصاحبُ الهند مأخوذاً برُمَّته ... وصاحبُ التُّرْك محبوساً على هُون ) والمنصور يضحك سرورا بما ينشده فحانت منه التفاتة فرأى وجه سوار يتربد غيظا ويسود حنقا ويدلك إحدى يديه بالأُخرى ويتحرق فقال له المنصور مالك أرابك شيء قال نعم هذا الرجل يعطيك بلسانه ما ليس في قلبه والله يا أمير المؤمنين ما صدقك ما في نفسه وإن الذين يواليهم لغيركم فقال المنصور مهلا هذا شاعرنا وولينا وما عرفت منه إلا صدق محبة وإخلاص نية فقال له السيد يا أمير المؤمنين والله ما تحملت غضكم لأحد وما وجدت أبوي عليه فافتتنت بهما وما زلت مشهورا بموالاتكم في أيام عدوكم فقال له صدقت قال ولكن هذا وأَهلوه أعداء الله ورسوله قديما والذين نادوا رسول الله وراء الحجرات فنزلت فيهم آية من القرآن ( أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُون ) وجرى بينهما خطاب طويل فقال السيد قصيدته التي أولها
( قِفْ بنا يا صَاحِ واْرْبَعْ ... بالمَغَاني المُوحِشَاتِ )
(7/280)

أنشدها أحمد بن عبيد الله بن عمار عن النوفلي وأخبرنا محمد بخبره مع سوار بالقصة من ها هنا إلى آخرها وقال فيها
( يا أمينَ اللهِ يا منصورُ ... يا خيرَ الوُلاةِ )
( إنّ سوّار بن عبد الله ... من شرّ القُضاة )
( نعثليٌّ جَمَليٌّ ... لكُم غيرُ مُوَاتِ )
( جَدُّه سارقُ عَنْزٍ ... فَجْرَةً من فَجَرات )
( لرسولِ الله والقاذِفه ... بالمُنْكرَات )
( وابنُ من كان ينادي ... من وراء الحُجُراتِ )
( يا هَناةُ أخرُج إلينا ... إننا أهلُ هَنات )
( مَدْحُنا المدحُ ومَنْ نَرْمِ ... يُصَبْ بالزّفَراتِ )
( فاكْفِنِيه لا كفاه الله ... شَرَّ الطارقاتِ ) فشكاه سوار إلى أبي جعفر فأمره بأن يصير إليه معتذرا ففعل فلم يعذره فقال
( أتيتُ دعِيَّ بني العَنْبر ... أروم اعتذاراً فلم أُعْذَرِ )
( فقلتُ لنفسي وعاتبتُها ... على اللؤم في فعلها أَقْصِري )
( أيَعْتذر الحرُّ مما أتى ... إلى رجل من بَني العَنْبر )
(7/281)

( أبوك ابنُ سارق عَنْز النبي ... وأُمُّك بنت أبي جَحْدَر )
( ونحن على رَغْمِك الرَّافِضون ... لأهل الضَّلالة والمُنْكَر )
قال وبلغ السيد أن سوارا قد أعد جماعة يشهدون عليه بسرقة ليقطعه فشكاه إلى أبي جعفر فدعا بسوار وقال له قد عزلتك عن الحكم للسيد أو عليه فما تعرض له بسوء حتى مات
وروى عبد الله بن أبي بكر العتكي أن أبا الخلال العتكي دخل على عقبة بن سلم والسيد عنده وقد أمر له بجائزة وكان أبو الخلال شيخ العشيرة وكبيرها فقال له أيها الأمير أتعطي هذه العطايا رجلا ما يفتر عن سب أبي بكر وعمر فقال له عقبة ما علمت ذاك ولا أعطيته إلا على العشرة والمودة القديمة وما يوجبه حقه وجواره مع ما هو عليه من موالاة قوم يلزمنا حقهم ورعايتهم فقال له أبو الخلال فمره إن كان صادقا أن يمدح أبا بكر وعمر حتى نعرف براءته مما ينسب إليه من الرفض فقال قد سمعك فإن شاء فعل فقال السيد
( إذا أنا لم أحفَظ وَصَاةَ محمدٍ ... ولا عهدَه يومَ الغدِيرِ المؤكدا )
(7/282)

( فإنّي كمن يَشْري الضَّلالةَ بالهُدى ... تنصّر من بعد التّقى وتَهَوّدا )
( وما لي وتَيْمَ أو عَدِيَّ وإنما ... أُولو نعمتي في الله من آل أحمدا )
( تَتِمّ صلاتي بالصلاة عليهمُ ... وليستْ صلاتي بعد أن أتشهّدا )
( بكاملةٍ إن لم أُصَلِّ عليهمُ ... وأدْعُ لهم ربًّا كريماً ممجَّدا )
( بذلتُ لهم وُدّي ونُصحي ونُصرتي ... مدى الدهر ما سُمِّيتُ يا صاح سيّدا )
( وإنّ امرأً يَلْحَى على صدق وُدّهم ... أحقُّ وأَولَى فيهمُ أن يُفَنَّدا )
( فإن شئتَ فاخْتَرْ عاجلَ الغَمّ ضِلّةً ... وإلاّ فأمْسِك كي تُصانَ وتُحْمدا ) ثم نهض مغضبا فقام أبو الخلال إلى عقبة فقال أعذني من شره أعاذك الله من السوء أيها الأمير قال قد فعلت على ألا تعرض له بعدها
خبر زواجه من امرأة تميمية
ومما يحكى عنه أنه اجتمع في طريقه بامرأة تميمية إباضية فأعجبها وقالت أريد أن أتزوج بك ونحن على ظهر الطريق قال يكون كنكاح أم خارجة قبل حضور ولي وشهود فاستضحكت وقالت ننظر في هذا وعلى ذلك فمن أنت فقال
( إن تَسأليني بقومي تسألي رجلاً ... في ذِرْوة العزّ من أحياء ذي يمنِ )
( حَوْليِ بها ذو كَلاعٍ في منازلها ... وذو رُعَيْنٍ وهَمْدانٌ وذو يَزَن )
(7/283)

( والأَزْدُ أَزْدُ عُمَانَ الأكْرَمون إذا ... عُدَّت مآثِرُهم في سالف الزمنِ )
( بانت كريمتُهم عنّي فدارهُمُ ... داري وفي الرّحْب من أوطانهم وطني )
( لي منزلان بلَحْجٍ منزلٌ وَسَطٌ ... منها ولي منزلٌ للعزّ في عدن )
( ثمَّ الوَلاء الذي أرجو النجاة به ... من كَبَّة النار للهادي أبي حسن )
(7/284)

فقالت قد عرفناك ولا شيء أعجب من هذا يمان وتميمية ورافضي وإباضية فكيف يجتمعان فقال بحسن رأيك في تسخو نفسك ولا يذكر أحدنا سلفا ولا مذهبا قالت أفليس التزويج إذا علم انكشف معه المستور وظهرت خفيات الأمور قال فأنا أعرض عليك أخرى قالت ما هي قال المتعة التي لا يعلم بها أحد قالت تلك أخت الزنا قال أعيذك بالله أن تكفري بالقرآن بعد الإيمان قالت فكيف قال قال الله تعال ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فآتُوهُنّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَة ) فقالت أستخير الله وأُقلدك إن كنت صاحب قياس ففعلت فانصرفت معه وبات معرسا بها وبلغ أهلها من الخوارج أمرها فتوعدوها بالقتل وقالوا تزوجت بكافر فجحدت ذلك ولم يعلموا بالمتعة فكانت مدة تختلف إليه على هذه السبيل من المتعة وتواصله حتى افترقا
ابن سليمان بن علي يعارضه في مذهبه
وقال الحسن بن علي بن المغيرة حدثني أبي قال كنت مع السيد على باب عقبة بن سلم ومعنا ابن لسليمان بن علي ننتظره وقد أسرج له ليركب إذ قال ابن سليمان بن علي يعرض بالسيد أشعر الناس والله الذي يقول
( محمد خيرُ من يمشي على قَدمٍ ... وصاحِباه وعثمانُ بن عفَّانَا )
(7/285)

فوثب السيد وقال أشعر والله منه الذي يقول
( سائِلْ قريشاً إذا ما كنتَ ذا عَمَهٍ ... مَنْ كان أثبتَها في الدِّين أوتادَا )
( من كان أعلَمها عِلماً وأحلَمها ... حلماً وأصدقَها قَولاً وميعادا )
( إن يَصْدُقُوك فلن يَعْدُوا أبا حسنٍ ... إن أنتَ لم تَلْق للأبرار حُسّادا ) ثم أقبل على الهاشمي فقال يا فتى نعم الخلف أنت لشرف سلفك أراك تهدم شرفك وتثلب سلفك وتسعى بالعداوة على أهلك وتفضل من ليس أصلك من أصله على من فضلك من فضله وسأخبر أمير المؤمنين عنك بذا حتى يضعك فوثب الفتى خجلا ولم ينتظر عقبة بن سلم وكتب إليه صاحب خبره بما جرى عند الركوبة حتى خرجت الجائزة للسيد
أخبرني محمد بن جعفر النحوي قال حدثنا ابن القاسم البزي عن إسحاق بن محمد النخعي عن عقبة بن مالك الديلي عن الحسن بن علي بن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي قال كنا جلوساً عند أبي عمرو بن العلاء فتذاكرنا السيد فجاء فجلس وخضنا في ذكر الزرع والنخل ساعة فنهض فقلنا يا أبا هاشم مم القيام فقال
( إني لأكره أن أُطيل بمجلس ... لا ذكرَ فيه لفضل آل محمد )
( لا ذكر فيه لأحمد ووصيّه ... وبَنِيه ذلك مجلسٌ نَطِفٌ ردِي )
( إن الذي ينساهُمُ في مجلس ... حتّى يفارقَه لغيرُ مسَدَّد )
العسس يحبس السيد الحميري
وروى أبو سليمان الناجي أن السيد قدم الأهواز وأبو بجير بن سماك
(7/286)

الأسدي يتولاها وكان له صديقا وكان لأبي بجير مولى يقال له يزيد بن مذعور يحفظ شعر السيد ينشده أبا بجير وكان أبو بجير يتشيع فذهب السيد إلى قوم من إخوانه بالأهواز فنزل بهم وشرب عندهم فلما أمسى انصرف فأخذه العسس فحبس فكتب من غده بهذه الأبيات وبعث بها إلى يزيد بن مذعور
فدخل على أبي بجير وقال قد جنى عليك صاحب عسسك ما لا قوام لك به قال وما ذلك قال اسمع هذه الأبيات كتبها السيد من الحبس فأنشده يقول
( قِفْ بالدَّيار وحيِّها يا مَرْبَعُ ... واسأل وكيف يُجيب من لا يَسمعُ )
( إنّ الدِّيارَ خَلَتْ وليس بجوِّها ... إلاّ الضَّوابحُ والحَمامُ الوُقَّع )
( ولقد تكون بها أوانسُ كالدُّمَى ... جُمْلٌ وعَزَّةُ والرَّبابُ وبَوْزَع )
( حورٌ نواعمُ لا تُرى في مثلها ... أمثالهُن من الصيانة أرْبَع )
( فَعَرِينَ بعد تألُّفٍ وتَجمُّع ... والدَّهرُ صاحِ مُشَتِّتٌ ما تَجمع )
( فاسلمَ فإنّك قد نزلتَ بمنزل ... عند الأمير تَضُرُّ فيه وتَنْفَع )
( تُؤْتَى هواك إذا نطقتَ بحاجةٍ ... فيه وتَشْفَع عنده فيُشَفِّع )
( قلْ للأمير إذا ظفِرتَ بخَلْوة ... منه ولم يك عنده من يَسمع )
( هَبْ لي الذي أحببته في أحمد ... وبَنِيه إنك حاصدٌ ما تَزْرَع )
( يَخْتصّ آلَ محمد بمحبّة ... في الصدر قد طُوِيَتْ عليها الأضْلُع ) في هذا الغناء لسعيد
وحكى ابن الساحر أن السيد دعي لشهادة عند سوار القاضي فقال لصاحب الدعوى أعفني من الشهادة عند سوار فلم يعفه صاحبها منها
(7/287)

وطالبه بإقامتها عند سوار فلما حضر عنده وشهد قال له ألم أعرفك وتعرفني وكيف مع معرفتك بي تقدم على الشهادة عندي فقال له إني تخوفت إكراهه ولقد افتديت شهادتي عندك بمال فلم يقبل مني فأقمتها فلا يقبل الله لك صرفا ولا عدلا إن قبلتها وقام من عنده ولم يقدر سوار له على شيء لما تقدم به المنصور إليه في أمره واغتاظ غيظا شديدا وانصرف من مجلسه فلم يقض يومئذ بين اثنين ثم إن سوارا اعتل علته التي مات فيها فلم يقدر السيد على هجائه في حياته لنهي المنصور إياه عن ذلك ومات سوار فأخرج عشيا وحفر له فوقع الحفر في موضع كنيف وكان بين الأزد وبين تميم عداوة فمات عقب موته عباد بن حبيب بن المهلب فهجا السيد سوارا في قصيدة رثى بها عبادا ودفعها إلى نوائح الأزد لما بينهم وبين تميم من العداوة ولقربهم من دار سوار ينحن بها وأولها
( يا مَنْ غدا حاملاً جُثمانَ سوّارِ ... من داره ظاعناً منها إلى النارِ )
( لا قدّس اللهُ رُوحاً كان هيكلَها ... فقد مضتْ بعظيم الخِزْي والعار )
( حتى هَوَتْ قَعْرَ بُرْهُوتٍ مُعَذَّبةً ... وجسمُه في كنيف بين أقذار )
( لقد رأيتُ من الرحمن مُعْجِبةً ... فيه وأحكامُه تجري بمقدار )
( فاذهَبْ عليك من الرحمن بَهْلَتُه ... يا شرَّ حيٍّ براه الخالقُ الباري )
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني علي بن محمد البقال قال حدثنا شيبان بن محمد الحراني وكان يلقب بعوضة وصار من سادات الأزد قال
(7/288)

كان السيد جاري وكان أدلم وكان ينادم فتيانا من فتيان الحي فيهم فتى مثله أدلم غليظ الأنف والشفتين مزنج الخلقة وكان السيد من أنتن الناس إبطين وكانا يتمازحان فيقول له السيد أنت زنجي الأنف والشفتين ويقول الفتى للسيد أنت زنجي اللون والإبطين فقال السيد
( أَعاركَ يومَ بِعْناه رَبَاحٌ ... مشافرَه وأنفَك ذا القبيحَا )
( وكانت حِصّتي إبطَيَّ منه ... ولوناً حالكاً أمسى فَضُوحا )
( فهل لك في مُبَادَلَتِيكَ إبْطِي ... بأنفك تَحمدُ البيعَ الرَّبيحا )
( فإنّك أقبحُ الفتيان أنْفاً ... وإبْطِي أنتنُ الآباط رِيحا )
بعض من هجائه ومدحه وغزله
أخبرني أحمد قال حدثني شيبان قال مات منا رجل موسر وخلف ابنا له فورث ماله وأتلفه بالإِسراف وأقبل على الفساد واللهو وقد تزوج امرأة تسمى ليلى واجتمع على السيد وكان من أظرف الناس وكان الفتى لا يصبر عنه وأنفق عليه مالا كثيرا وكانت ليلى تعذله على إسرافه وتقول له كأني بك قد افتقرت فلم يغن عنك شيئا فهجاها السيد وكان مما قال فيها
( أقول يا ليتَ ليلى في يَدَيْ حَنِقٍ ... من العداوة منْ أعدى أعاديها )
( يعلو بها فوق رَعْنٍ ثم يَحْدِرها ... في هُوّة فَتَدهْدى يومَها فيها )
( أوليتَها في غِمار البحر قد عصفت ... فيه الرِّياح فهاجت من أوَاذِيها )
( أوليتَها قُرِنَت يوماً إلى فرسِي ... قد شُدَّ منها إلى هاديه هادِيها )
(7/289)

( حتى يُرَى لحمُها من حُضْرِه زِيَماً ... وقد أتى القومَ بعد الموت ناعيها )
( فمَنْ بكاها فلا جفَّتْ مدامعُه ... لا أَسْخن اللهُ إلاّ عينَ باكيها )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني إسحاق بن محمد النخعي وعبد الحميد بن عقبة قالا حدثنا الحسن بن علي بن المغيرة الكسلان عن محمد بن كناسة قال أهدى بعض ولاة الكوفة إلى السيد رداء عدنيا فكتب إليه السيد فقال
( وقد أتانا رداءٌ من هَدِيّتكم ... فلا عَدِمتُك طولَ الدهرِ مِنْ والِ )
( هو الجمالُ جزاك الله صالحةً ... لو أنّه كان موصولاً بِسرْبال ) فبعث إليه بخلعة تامة وفرس جواد وقال يقطع عتاب أبي هاشم واستزادته إيانا
حدثني عمي قال حدثنا الكراني عن بعض البصريين عن سليمان بن أرقم قال كنت مع السيد فمر بقاص على باب أبي سفيان بن العلاء وهو يقول يوزن رسول الله القيامة في كفة بأمته أجمع فيرجع بهم ثم يؤتى بفلان فيوزن بهم فيرجح ثم يؤتى بفلان فيوزن بهم فيرجح فأقبل على أبي سفيان فقال لعمري إن رسول اللهليرجح على أمته في الفضل والحديث حق وإنما رجح الآخران الناس في سيئاتهم لأن من سن سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها قال فما أجابه أحد فمضى فلم يبق أحد من القوم إلا سبه
(7/290)

وقال أبو جعفر الأعرج حدثني إسماعيل بن الساحر قال خرجت من منزل نصر بن مسعود أنا وكاتب عقبة بن سلم والسيد ونحن سكارى فلما كنا بزهران لقيتنا بنت الفجاءة بن عمرو بن قطري بن الفجاءة وكانت امرأة برزة حسناء فصيحة فواقفها السيد وتخاطب عليها وأنشدها من شعره بتجميش فأعجب كل واحد منهما صاحبه فقال السيد
( من ناكِثين وقاسطين الأرْوعُ ... )
( حول الأمين وقال هاتِ ليَسمعوا ... )
( قم يابن مَذْعورٍ فأنْشِد نكّسوا ... خُضُعَ الرّقاب بأعين لا تُرْفع )
( لولا حِذارُ أبي بجير أظهروا ... شنآنهم وتفرّقوا وتصدّعوا )
( لا تجزَعوا فلقد صبَرْنا فاصبروا ... سبعين عاماً والأنوفُ تُجَدّع )
( إذ لا يزال يقوم كلَّ عَرُوبةٍ ... منكم بصاحبنا خطيبٌ مِصْقع )
( مُسحَنْفِرٌ في غيّه مُتَتايعٌ ... في الشَّتم مثّلَه بخيل يسجع )
( ليَسُرَّ مخلوقاً ويُسْخِط خالقاً ... إن الشقيّ بكلّ شرًّ مُولَعُ )
(7/291)

فلما سمعها أبو بجير دعا صاحب عسسه فشتمه وقال جنيت علي ما لا يد لي به اذهب صاغرا إلى الحبس وقل أيكم أبو هاشم فإذا أجابك فأخرجه واحمله على دابتك وامش معه صاغرا حتى تأتيني به ففعل فأبى السيد ولم يجبه إلى الخروج إلا بعد أن يطلق له كل من أخذ معه فرجع إلى أبي بجير فأخبره فقال الحمد لله الذي لم يقل أخرجهم وأعط كل واحد منهم مالا فما كنا نقدر على خلافه افعل ما أحب برغم أنفك الآن
فمضى فخلى سبيله وسبيل كل من كان معه ممن أخذ في تلك الليلة وأُتي به إلى أبي بجير فتناوله بلسانه وقال قدمت علينا فلم تأتنا وأتيت بعض أصحابك الفساق وشربت ما حرم عليك حتى جرى ما جرى فاعتذر من ذلك إليه فأمر له أبو بجير بجائزة سنية وحمله وأقام عنده مدة
قال النوفلي وحدثني أبي أن جماعة من أهل الثغور قدموا على أبي بجير بتسبيب بهم فأطلقهم ثم جاؤوه فعاتبوه على التشيع وسألوه الرجوع فغضب من ذلك ودعا بمولاه يزيد بن مذعور فقال أنشدني ويلك لأبي هاشم فأنشده قوله
( يا صاحبيّ لدِمْنَتَيْن عفاهما ... مَرُّ الرّياح عليهما فمحاهما ) حتى فرغ ثم قال هات النونية فأنشده
( يا صاحبيّ تَروَّحَا وذَراني ... ليس الخليُّ كمُسْعَر الأحزانِ ) فلما فرغ قال أنشدني الدماغة الرائية فأنشده إياها فلما فرغ أقبل عليه الثغريون فقالوا له ما أعتبتنا فيما عاتبناك عليه فقال يا حمير هل في الجواب أكثر مما سمعتم والله لولا أني لا أعلم كيف يقع فعلي من أمير المؤمنين لضربت أعناقكم قوموا إلى غير حفظ الله فقاموا وبلغ السيد الخبر فقال
( إذا قال الأمير أبو بجيرٍ ... أخو أسدٍ لمنشده يَزيدَا )
(7/292)

( طَرِبتُ إلى الكرام فهاتِ فيهم ... مديحاً من مديحك أو نشيدا )
( رأيتَ لمن بحضرته وجُوهاً ... من الشُكَّاك والمُرْجِين سُودا )
( كأنّ يزيد يُنْشِد بامتداح ... أبا حسنٍ نَصارى أو يهودا )
وروى أبو داود المسترق أن السيد والعبدي اجتمعا فأنشد السيد
( إني أدِين بما دان الوَصِيّ به ... يوم الخُرَيْبةِ من قتل المُحِلِّينا )
( وبالذي دان يومَ النهروان به ... وشاركت كفَّه كفّي بِصفِّينا ) فقال له العبدي أخطأت لو شاركت كفك كفه كنت مثله ولكن قل تابعت كفي كفه لتكون تابعا لا شريكا فكان السيد بعد ذلك يقول أنا أشعر الناس إلا العبدي
أبو بجير يهين السيد الحميري
وقال إسحاق النخعي عن عبد الحميد بن عقبة عن أبي جعفر الأعرج عن إسماعيل بن الساحر قال كنت مع السيد وقد اكترينا سفينة إلى الأهواز فجلس فيها معنا قومٌ شراة فجعلوا ينالون من عثمان فأخرج السيد رأسه إليهم وقال
( شَفَيْتَ من نَعْثلٍ في نَحْت أَثْلته ... فاعْمِد هُدِيتَ إلى نَحْتِ الغَويَّيْنِ )
( اِعمِد هُدِيتَ إلى نحت اللّذيْن هما ... كانَا عن الشرّ لو شاءا غنيَّيْن )
قال إسماعيل فلما قدمنا الأهواز قدم السيد وقد سكر فأُتي به أبا بجير ابن سماك الأسدي وكان ابن النجاشي عند ابن سماك بعد العشاء الآخرة وكان يعرفه باسمه ولم يعرفه فقال له يا شيخ السوء تخرج سكران في هذا
(7/293)

الوقت لأُحسنن أدبك فقال له والله لا فعلت ولتكرمني ولتخلعن علي وتحملني وتجيزني قال أو تهزأ أيضا قال لا والله ثم اندفع ينشده فقال
( من كان معتذِراً من شَتْمه عمراً ... فابنُ النَّجاشيّ منه غيرُ مُعْتذِرِ )
( وابنُ النجاشِي بَرَاءٌ غيرَ محتشم ... في دينه من أبي بكر ومن عمرِ ) ثم أنشده قوله
( إحداهما نّمَّتْ عليه حديثَه ... وبَغَتْ عليه نفسه إحداهما )
( فهما اللتان سمِعتُ ربَّ محمد ... في الذكر قصَّ على العباد نَباهما ) فقال أبو هاشم فقال نعم قال ارتفع فحمله وأجازه وقال والله لأُصدقن قولك في جميع ما حلفت عليه
قال إسماعيل رأى أبو بجير السيد متغير اللون فسأله عن حاله فقال فقدت الشراب الذي ألفته لكراهة الأمير إياه قال فاشربه فإننا نحتمله لك قال ليس عندي قال لكاتبه اكتب له بمائتي دورق ميبختج فقال له السيد ليس هذا من البلاغة قال وما هي قال البلاغة أن تأتي من الكلام بما يحتاج إليه وتدع ما يستغنى عنه قال وكيف
(7/294)

ذلك قال اكتب بمائتي دورق مي ولا تكتب بختج فإنك تستغني عنه فضحك ثم أمر فكتب له بذلك قال والمي النبيذ
قال إسماعيل وبلغ السيد وهو بالأهواز أن أبا بجير قد أشرف على الموت فأظهرت المرجئة الشماتة به فخرج السيد متحرقا حتى اكترى سفينة وخرج إليها وأنشأ يقول
( تَبَاشَر أهلُ تَدْمُرَ إذا أتاهم ... بأمر أميرنا لهمُ بَشيرُ )
( ولا لأميرِنا ذنبٌ إليهم ... صغيرٌ في الحياة ولا كبير )
( سوى حبِّ النبيّ وأَقْرَبِيه ... ومولاهم بحبِّهمُ جدير )
( وقالوا لي لكَيما يُحزِنوني ... ولكن قولهم إفْكٌ وزور )
( لقد أمسى أخوك أبو بجير ... بمنزلة يُزار ولا يَزور )
( وظلّت شيعةُ الهادي عليٍّ ... كأنّ الأرض تحتهمُ تَمور )
( فبِتُّ كأنَّني مما رَمَوْني ... به في قِدّ ذي حَلَقٍ أسيرُ )
( كأنّ مدامعي وجفونَ عيني ... تُوَخَّز بالقَتاد فهنّ عُور )
( أقول عَليَّ للرحمن نّذْرٌ ... صحيحٌ حيث تُحْتَبس النّذور )
( بمكة إن لقيتُ أبا بُجَيْرٍ ... صحيحاً والّلواءُ له يسير ) وهي قصيدة طويلة
وروى محمد بن عاصم عن أبي داود المسترق عن السيد أنه رأى النبي النوم فاستنشده فأنشده قوله
( لأُمّ عمرو بالّلوى مَرْبَعُ ... طامِسةٌ أعلامُه بَلْقَعُ ) حتى انتهى إلى قوله
( قالوا له لو شئتَ أَعْلَمْتنا ... إلى مَنِ الغايَةُ والمَفْزعُ )
(7/295)

فقال حسبك ثم نفض يده وقال قد والله أعلمتهم
مرضه ووفاته
وروى أبو داود وإسماعيل بن الساحر أنهما حضرا السيد عند وفاته بواسط وقد أصابه شرى وكرب فجلس ثم قال اللهم أهكذا جزائي في حب آل محمد قال فكأنها كانت نارا فطفئت عنه
وأخبرني محمد بن العباس اليزيدي بإسناد له لم يحضرني وأنا أُخرجه إن شاء الله تعالى قال حدثني من حضر السيد وقد احتضر فقال
( بَرئتُ إلى الإِله من ابن أرْوَى ... ومن دِين الخوارج أجمعينا )
( ومن فُعَلٍ بَرِئتُ ومن فُعَيْل ... غداةَ دُعِي أميرَ المؤمنينا ) ثم كأن نفسه كانت حصاة فسقطت
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة عن أبي الهذيل العلاف عن أبي جعفر المنصور قال بلغني أن السيد مات بواسط فلم يدفنوه والله لئن تحقق عندي لأحرقنها
ووجدت في بعض الكتب حدثني محمد بن يحيى اللؤلئي قال حدثني محمد بن عباد بن صهيب عن أبيه قال
(7/296)

كنت عند جعفر بن محمد فأتاه نعي السيد فدعا له وترحم عليه فقال رجل يا بن رسول الله تدعو له وهو يشرب الخمر ويؤمن بالرجعة فقال حدثني أبي عن جدي أن محبي آل محمد لا يموتون إلا تائبين وقد تاب ورفع مصلى كانت تحته فأخرج كتابا من السيد يعرفه فيه أنه قد تاب ويسأله الدعاء له
وذكر محمد بن إدريس العتبي أن معاذ بن يزيد الحميري حدثه أن السيد عاش إلى خلافة هارون الرشيد وفي أيامه مات وأنه مدحه بقصيدتين فأمر له ببدرتين ففرقهما فبلغ ذلك الرشيد فقال أحسب أبا هاشم تورع عن قبول جوائزنا
أخبرني ابن عمار قال حدثنا يعقوب بن نعيم قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله الطلحي قال حدثني إسحاق بن محمد بن بشير بن عمار الصيرفي عن جده بشير بن عمار قال حضرت وفاة السيد في الرميلة ببغداد فوجه رسولا إلى صف الجزارين الكوفيين يعلمهم بحاله ووفاته فغلط الرسول فذهب إلى صف السموسين فشتموه ولعنوه فعلم أنه قد غلط فعاد إلى الكوفيين يعلمهم بحاله ووفاته فوافاه سبعون كفنا قال وحضرناه جميعا وإنه ليتحسر تحسرا شديدا وإن وجهه لأسود كالقار وما يتكلم إلى أن أفاق إفاقة وفتح عينيه فنظر إلى ناحية القبلة ثم قال يا أمير المؤمنين أتفعل هذا بوليك قالها ثلاث مرات مرة بعد أخرى
قال فتجلى والله في جبينه عرق بياض فما زال يتسع ويلبس وجهه حتى صار كله كالبدر وتوفي فأخذنا في جهازه ودفناه في الجنينة ببغداد وذلك في خلافة الرشيد
(7/297)

أخبار عبد الله بن علقمة وحبيشة
صوت
من المائة المختارة
( فلا زِلْنَ حَسْرَى ظُلَّعاً لِمْ حَمَلْنها ... إلى بلدٍ ناءٍ قليلِ الأصادقِ )
( ولا ذَنبَ لي إذ قلتُ إذ نحن جِيرةٌ ... أَثِيبي بوُدٍّ قبل إحدى البوائق )
عروضه من الطويل
قوله فلا زلن حسرى دعاء على الإبل التي ظعنت بها وأبعدتها عنه وحسرى قد حسرن أي بلغ منهن الجهد فلم يبق فيهم بقية يقال حسر ناقته فهو يحسرها وهي حسرى والذكر حسير قال الله عز و جل ( يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ) وفي الحديث فإن أتعبتها حسرتها والظلع في كل شيء أن تألم رجله فلا يقدر أن يمشي عليها فيغمز في مشيه كالأعرج إذا مشى ويقال ظلع فهو ظالع والنائي البعيد والنية الناحية التي تنوي إليها والنوى البعد والتنائي التباعد والبوائق الحوادث التي تأتي بما يحذر بغتة وهي مثل المصائب والنوائب
البيت الأول من الشعر لكثير ويقال إنه لأبي جندب الهذلي والبيت
(7/298)

الثاني لرجل من كنانة ثم من بني جذيمة وزعم ابن دأب أنه عبد الله بن علقمة أحد بني عامر بن عبد مناة بن كنانة وقيل أيضا إنه يقال له عمرو الذي قتله خالد بن الوليد في بعض مغازيه التي وجهه رسول الله
الغناء في اللحن المختار لمتيم مولاة علي بن هشام وأم أولاده ولحنها رمل بالبنصر من رواية إسحاق وعمرو وهو من الأرمال النادرة المختارة وفيه خفيف ثقيل يقال إنه لحسين بن محرز ويقال إنه قديم من غناء أهل مكة
عبد الله بن علقمة وحبيشة
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثنا العباس بن بكار قال حدثنا ابن دأب قال كان من حديث عبد الله بن علقمة أحد بني عامر بن عبد مناة بن كنانة أنه خرج مع أمه وهو مع ذلك غلام يفعة دون المحتلم لتزور جارة لها وكان لها بنت يقال لها حبيشة بنت حبيش أحد بني عامر بن عبد مناة بن كنانة فلما رآها عبد الله بن علقمة أعجبته ووقعت في نفسه وانصرف وترك أمه عند جارتها فلبثت عندها يومين
ثم أتاها عبد الله بن علقمة ليرجعها إلى منزلها فوجد حبيشة قد زينت لأمر كان في الحي فازداد بها عجبا وانصرف بأمه في غداة تمطر فمشى معها شيئا ثم أنشأ يقول
(7/299)

( وما أدري بَلَى إنّي لأدري ... أصَوْبُ القَطْر أحسنُ أم حُبَيْشُ )
( حُبَيْشَةُ والذي خلق الهَدَايا ... وما عن بُعْدها للصَّبّ عيشُ ) فسمعت ذلك أمه فتغافلت عنه وكرهت قوله ثم مشيا مليا فإذا هو بظبي على ربوة من الأرض فقال
( يا أُمَّتاً أَخْبريني غيرَ كاذبةٍ ... وما يُريد مَسُولُ الحقِّ بالكذب )
( أتلك أحسنُ أم ظبيٌ برابيةٍ ... لا بل حُبَيْشةُ في عيني وفي أَرَبي ) فزجرته أُمه وقالت له ما أنت وهذا نزوجك بنت عمك فهي أجمل من تلك وأتت امرأة عمه فأخبرتها خبره وقالت زيني ابنتك له ففعلت وأدخلتها عليه فلما رآها أطرق فقالت له أمه أيهما الآن أحسن فقال
( إذا غُيِّبتْ عنِّي حُبيشةُ مرّةً ... من الدّهر لم أمْلِك عزاءً ولا صبرا )
( كأنّ الحشى حَرُّ السَّعير يَحُشّه ... وَقود الغَضَى والقلبُ مستعِرا ) وجعل يراسل الجاريه وتراسله حتى علقته كما علقها وكثر قوله للشعر فيها فمن ذلك قال
( حُبَيشةُ هل جَدّي وجَدُّك جامعٌ ... بشَمْلِكُمُ شَمْلي وأهلِكُمُ أهلي )
( وهل أنا ملتفٌّ بثوبِك مَرّةً ... بصَحْراء بين الأَلْيَتَيْن إلى النخل )
( وهل أَشْتفِي من رِيِق ثغرِكِ مَرّةً ... كراحٍ ومسكٍ خالطا ضَرَبَ النَّحْل )
(7/300)

فلما بلغ أهلها خبرهما حجبوها عنه مدة وهو يزيد غراما بها ويكثر قول الشعر فيها فأتوها فقالوا لها عديه السرحة فإذا أتاك فقولي له نشدتك الله إن كنت أحببتني فوالله ما على الأرض شيء أبغض إلي منك ونحن قريب نستمع ما تقولين
فوعدته وجلسوا قريبا يستمعون وجلست عند السرحة وأقبل عبد الله لوعدها فلما دنا منها دمعت عينها والتفتت إلى حيث أهلها جلوس فعرف أنهم قريب فرجع وبلغه ما قالوا لها أن تقوله فأنشأ يقول
( لو قلتِ ما قالوا لَزِدتُ جَوًى بكم ... على أنه لم يَبْقِ ستر ولا صبرُ )
( ولم يك حبّي عن نوالٍ بذلتِه ... فيُسْلِيَني عنه التجهُّمُ والهجرُ )
( وما أنسَ مِ الأشياء لا أنسَ دمعَها ... ونظرتَها حتى يُغَيّبني القبرُ )
سرية خالد بن الوليد إلى بني عامر
( وبعث النبي أثر ذلك خالد بن الوليد إلى بني عامر بن عبد مناة ابن كنانة وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام فإن أجابوه وإلا قاتلهم فصبحهم خالد بن الوليد بالغميصاء وقد سمعوا به فخافوه فظعنوا وكانوا قتلوا أخاه الفاكه بن الوليد وعمه الفاكه بن المغيرة في الجاهلية وكانوا من أشد حي في كنانة بأسا يسمون لعقة الدم فلما صبحهم خالد ومعه بنو
(7/301)

سليم وكانت بنو سليم طلبتهم بمالك بن خالد بن صخر بن الشريد وإخوته كرز وعمرو والحارث وكانوا قتلوهم في موطن واحد فلما صبحهم خالد في ذلك اليوم ورأوا معه بني سليم زادهم ذلك نفورا فقال لهم خالد أسلموا تسلموا قالوا نحن قوم مسلمون قال فألقوا سلاحكم وانزلوا قالوا لا والله فقال جذيمة بن الحارث أحد بني أقرم يا قوم لا تضعوا سلاحكم والله ما بعد وضع السلاح إلا القتل قالوا لا والله لا نلقي سلاحنا ولا ننزل ما نحن منك ولا لمن معك بآمنين قال خالد فلا أمان لكم إن لم تنزلوا فنزلت فرقة منهم فأسرهم وتفرق بقية القوم فرقتين فأصعدت فرقة وسفلت فرقة أخرى
قال ابن دأب فأخبرني من لا أتهم عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال كنت يومئذ في جند خالد فبعثنا في أثر ظعن مصعدة يسوق بهن فتية فقال أدركوا أولئك قال فخرجنا في أثرهم حتى أدركناهم وقد مضوا ووقف لنا غلام شاب على الطريق
فلما انتهينا إليه جعل يقاتلنا وهو يقول
( بَيِّنَّ أطرافَ الذُّيول وارْبَعْنْ ... مَشْيَ حَيِيِّاتٍ كأن لم يَفْزَعْنْ )
( إن يُمْنَعِ اليومَ نساءٌ تُمْنَعْنْ ... ) فقاتلنا طويلا فقتلناه ومضينا حتى لحقنا الظعن فخرج إلينا غلام كأنه الأول فجعل يقاتلنا ويقول
( أُقسم ما إن خَادِرٌ ذو لِبْدَه ... يزأر بين أيْكةٍ ووَهْدَهْ )
(7/302)

( يفرِس شُبّانَ الرجال وحْدَه ... بأصدق الغداةَ منّي نَجْدَهْ ) فقاتلنا حتى قتلناه وأدركنا الظعن فأخذناهن فإذا فيهن غلام وضيء به صفرة في لونه كالمنهوك فربطناه بحبل وقدمناه لنقتله فقال لنا هل لكم في خير قلنا وما هو قال تدركون بي الظعن أسفل الوادي ثم تقتلونني قلنا نفعل فخرجنا حتى نعارض الظعن أسفل الوادي فلما كان بحيث يسمعن الصوت نادى بأعلى صوته اسلمي حبيش عند نفاد العيش فأقبلت إليه جارية بيضاء حسناء فقالت وأنت فاسلم على كثرة الأعداء وشدة البلاء فقال سلام عليكم دهرا وإن بقيت عصرا قالت وأنت سلام عليك عشرا وشفعا تترى وثلاثا وترا فقال
( إن يَقْتلوني يا حبيشُ فلم يَدَعْ ... هواك لهم منّي سوى غُلّة الصدر )
( وأنتِ التي أخليتِ لحميَ من دمي ... وعظمي وأسبلتِ الدموعَ على نحري ) فقالت له
( ونحن بكينا من فراقك مرّةً ... وأُخرى وآسيْناك في العسر واليسر )
( وأنت فلا تَبْعَدْ فنعم فتى الهوى ... جميلُ العفاف في المودّة والسّتر ) فقال لها
( أرَيْتَكِ إن طالبتُكم فوجدتُم ... بحَليةَ أو أدركتُكم بالخَوانِق )
( ألم يك حقًّا أن يُنَوَّل عاشقٌ ... تكلَّف إدلاجَ السُّرى والودائقِ ) فقالت بلى والله فقال
(7/303)

( فلا ذنبَ لي إذ قلتُ إذ نحن جيرةٌ ... أثِيبي بودٍّ قبل إِحدى البوائقِ )
( أثيبي بودّ قبل أن تَشْحَط النّوى ... ويَنْأى خليطٌ بالحبيب المفارق )
قال ابن أبي حدرد فضربنا عنقه فتقحمت الجارية من خدرها حتى أتت نحوه فالتقمت فاه فنزعنا منها رأسه وإنها لتكسع بنفسها حتى ماتت مكانها وأفلت من القوم غلام من بني أقرم يقال له السميدع حتى اقتحم على رسول الله بما صنع خالد وشكاه
علي يدي أهل قتلى خالد
قال ابن دأب فأخبرني صالح بن كيسان أن رسول الله هل أنكر عليه أحد ما صنع فقال نعم رجل أصفر ربعة ورجل أحمر طويل فقال عمر أنا والله يا رسول الله أعرفهما أما الأول فهو ابني وصفته وأما الثاني فهو سالم مولى أبي حذيفة
وكان خالد قد أمر كل من أسر أسيرا أن يضرب عنقه فأطلق عبد الله بن عمر وسالم مولى أبي حذيفة أسيرين كانا معهما
فبعث رسول الله رضي الله عنه بعد فراغه من حنين وبعث معه بإبل وورق وأمره أن يديهم فوداهم ثم رجع إلى رسول الله فسأله فقال علي قدمت عليهم فقلت لهم هل لكم أن تقبلوا هذا الجمل بما أصيب منكم من القتلى والجرحى وتحللوا رسول الله نعم فقلت لهم فهل لكم أن تقبلوا الثاني بما دخلكم من الروع والفزع قالوا نعم فقلت لهم فهل لكم أن تقبلوا الثالث وتحللوا رسول الله مما علم ومما لم يعلم قالوا نعم قال فدفعته إليهم وجعلت أديهم حتى إني لأدي ميلغة الكلب وفضلت فضلة فدفعتها إليهم فقال رسول الله
(7/304)

أفقبلوها قال نعم قال فوالذي أنا عبده لهي أحب إلي من حمر النعم
وقالت سلمى بنت عميس
( وكم غادروا يومَ الغُمَيْصاء من فتىً ... أُصِيب فلم يَجْرَح وقد كان جارحا )
( ومن سيّدٍ كهل عليه مَهابةٌ ... أُصيب ولمّا يَعْلُه الشيبُ واضحا )
( أحاطت بخُطّابِ الأَيامى وطلَّقت ... غَداتَئِذٍ من كان منهنّ ناكحا )
( ولولا مقالُ القوم للقوم أسلِموا ... للاقَتْ سُلَيمٌ يوم ذلك ناطحا )
قريش وبنو عامر
قال ابن دأب وأما سبب قتلهم القرشيين فإنه كان نفر من قريش بضعة عشر أقبلوا من اليمن حتى نزلوا على ماء من مياه بني عامر بن عبد مناة ابن كنانة وكان يقال لهم لعقة الدم وكانوا ذوي بأس شديد فجاءت إليهم بنو عامر فقالوا للقرشيين إياكم أن يكون معكم رجل من فهم لأنه كان له عندهم ذحل قالوا لا والله ما هو معنا وهو معهم فلما راحوا أدركهم العامريون ففتشوهم فوجدوا الفهمي معهم في رحالهم فقتلوه وقتلوهم وأخذوا أموالهم فقال راجزهم
( إنّ قريشاً غَدَرتْ وعادَهْ ... نحن قتلنا منهمُ بِغَادَهْ )
( عشرين كهلاً ما لهم زيادَهْ ... ) وكان فيمن قتل يومئذ عفان بن أبي العاصي أبو عثمان بن عفان وعوف ابن عوف أبو عبد الرحمن بن عوف والفاكه بن المغيرة والفاكه بن الوليد بن
(7/305)

المغيرة فأرادت قريش قتالهم حتى خذلتهم بنو الحارث بن عبد مناة فلم يفعلوا شيئا وكان خالد بن عبيد الله أحد بني الحارث بن عبد مناة فيمن حضر الوقعة هو وضرار فأشار إلى ذلك ضرار بن الخطاب بقوله
( دعوتُ إلى خُطَّةٍ خالداً ... من المجد ضيَّعها خالدُ )
( فوالله أدري أضَاهيَ بها ... بَنِي العَمَ أم صدرهُ باردُ )
( ولو خالدٌ عاد في مثلها ... لتابَعه عُنُقٌ وارِد ) وقال ضرار أيضا
( أرى ابْنَيْ لُؤَيٍّ أسرَعا أن تَسالما ... وقد سلكت أبناؤها كلَّ مَسْلَك )
( فإن أنتُم لم تَثْأَروا برجالكم ... فَدُوكوا الذي أنتم عليه بِمدْوَك )
( فإنّ أداةَ الحرب ما قد جمعتُم ... ومن يَتَّقِ الأقوامَ بالشرّ يُتْركِ )
سرايا النبي ص إلى قبائل كنانة
فلما كان يومُ فتح مكة بعث رسول الله بالجيوش إلى قبائل بني كنانة حوله فبعث إلى بني ضمرة نميلة بن عبد الله الليثي وإلى بني الدئل عمرو ابن أمية الضمري وبعث إلى بني مدلج عياش بن أبي ربيعة المخزومي
(7/306)

وبعث إلى بني بغيض ومحارب بن فهر عبد الله بن نهيك أحد بني مالك بن حسل وبعث إلى بني عامر بن عبد مناة خالدا
فوافاهم خالد بماء يقال له الغميصاء وقد كان خبره سقط إليهم فمضى منهم سلف قتله بقوم منهم يقال لهم بنو قيس بن عامر وبنو قعين بن عامر وهم خير القوم وأشرفهم فأصيب من أصيب فلما أقبل خالد ودخل المدينة قال له النبي خالد ما دعاك إلى هذا قال يا رسول الله آيات سمعتهن أنزلت عليك قال وما هي قال قول الله عز ذكره ( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ) وجاءني ابن أصرم فقال لي إن رسول الله أن تقاتل فحينئذ بعث رسول الله
أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدثنا سعيد بن أبي نصر قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن رجل من مزينة يقال له ابن عاصم عن أبيه قال بعثنا رسول الله سرية وأمرنا ألا نقتل أحدا إن رأينا مسجدا أو سمعنا أذانا قال وكيع وأخبرني أحمد بن أبي خيثمة قال حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن نوفل عن ابن عاصم هذا عن أبيه بهذا الحديث قال فبينا نحن نسير إذا بفتى يسوق ظعائن فعرضنا عليه الإسلام فإذا هو لا يعرفه فقال ما أنتم صانعون بي إن لم أسلم قلنا نحن قاتلوك قال فدعوني ألحق هذه الظعائن فتركناه فأتى هودجا منها وأدخل رأسه فيه وقال اسلمي حبيش قبل نفاد العيش فقالت وأنت فاسلم تسعا وترا وثمانيا تترى وعشرا أخرى
(7/307)

فقال لها
( فلا ذنبَ لي قد قلتُ إذ نحن جيرةٌ ... أثِيبي بوُدٍّ قبل إحدى البوائقِ )
( أثيبي بودّ قبل أن تَشْحَط النَّوَى ... ويَنْأى أميرٌ بالحبيب المُفارق ) قال ثم جاء فضربنا عنقه فخرجت من ذلك الهودج جارية جميلة فجنأت عليه فما زالت تبكي حتى ماتت
غزوة خالد لبني جذيمة
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وعمرو بن عبد الله العتكي قالا حدثنا عمر بن شبة قال يروى أن خالد بن الوليد كان جالسا عند النبي عن غزوته بني جذيمة فقال إن أذن رسول الله فقال تحدث فقال لقيناهم بالغميصاء عند وجه الصبح فقاتلناهم حتى كاد قرن الشمس يغيب فمنحنا الله أكتافهم فتبعناهم نطلبهم فإذا بغلام له ذوائب على فرس ذنوب في أخريات القوم فبوأت له الرمح فوضعته بين كتفيه فقال لا إله فقبضت عنه الرمح فقال إلا اللات أحسنت أو أساءت فهمسته همسة أذريته وقيذا ثم أخذته أسيرا فشددته وثاقا ثم كلمته فلم يكلمني واستخبرته فلم يخبرني فلما كان ببعض الطريق رأى نسوة من بني جذيمة يسوق بهن المسلمون فقال أيا خالد قلت ما تشاء قال هل أنت واقفي
(7/308)

على هؤلاء النسوة فأتيت على أصحابي ففعلت وفيهن جارية تدعى حبيشة فقال لها ناوليني يدك فناولته يدها في ثوبها فقال اسلمي حبيش قبل نفاد العيش فقالت حييت عشرا وتسعا وترا وثمانيا تترى فقال
( أرَيْتَكِ إن طالبتُكم فوجدتكم ... بِحَلْيَةَ أو أدركتُكم بالخوَانِق )
( ألم يَكُ حقًّا أن يُنَوَّل عاشقٌ ... تكلَّف إدلاج السُّرَى والودائقِ )
( وقد قلتُ إذ أهلي لأهلكِ جيرةٌ ... أثِيبي بودّ قبل إحدى الصّعائق )
( أثيبي بوُدٍّ قبل أن تَشْحَط النَّوى ... وينأى أميرٌ بالحبيب المفارق )
( فإنّيَ لا ضيّعتُ سرَّ أمانتي ... ولا راقَ عيني بعد عينك رائقُ ) سوى أنّ ما نال العشيرةَ شاغلٌ ... عن الوُدّ إلا أن يكون التَّوامُقُ ) فلما جاء على حاله تلك قدّمته فضربت عنقه فأقبلت الجارية ووضعت رأسه في حجرها وجعلت ترشفه وتقول
( لا تَبْعَدنْ يا عمرو حيًّا وهالكاً ... فحقّ بحسن المدح مثلُك من مثلي )
( لا تَبْعَدن يا عمرو حيًّا وهالكاً ... فقد عشتَ محمودَ الثّنا ماجدَ الفعل )
( فمَنْ لِطِرَاد الخيل تُشْجَر بالقَنَا ... وللفخر يوماً عند قَرْقَرة البُزْل ) وجعلت تبكي وتردد هذه الأبيات حتى ماتت وإن رأسه لفي حجرها فقال رسول الله رفعت لي يا خالد وإن سبعين ملكا لمطيفون بك يحضونك على قتل عمرو حتى قتلته
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال
(7/309)

حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الله بن المنذر عن صفية بنت الزبير بن هشام قالت كان أبو السائب المخزومي رجلا صالحا زاهدا متقللا يصوم الدهر وكان أرق خلق الله وأشدهم غزلا
فوجه ابنه يوما يأتيه بما يفطر عليه فأبطأ الغلام إلى العتمة فلما جاء قال له يا عدو نفسه ما أخرك إلى هذا الوقت قال جزت بباب بني فلان فسمعت منه غناء فوقفت حتى أخذته فقال هات يا بني فوالله لئن كنت أحسنت لأحبونك ولئن كنت أسأت لأضربنك فاندفع يغني بشعر كثير
( ولما عَلَوْا شَغْباً تبيّنتُ أنه ... تقطَّع من أهل الحجاز علائِقي )
( فلا زِلْن حَسْرَى ظُلَّعاً لِمْ حَمَلْنها ... إلى بلدٍ ناءٍ قليلِ الأصادِق ) فلم يزل يغنيه إلى نصف الليل فقالت له زوجته يا هذا قد انتصف الليل وما أفطرنا قال لها أنت طالق إن كان فطورنا غيره فلم يزل يغنيه إلى السحر فلما كان السحر قالت له زوجته هذا السحر وما أفطرنا فقال أنت طالق إن كان سحورنا غيره فلما أصبح قال لابنه خذ جبتي هذه وأعطني خلقك ليكون الحباء فضل ما بينهما فقال له يا أبت أنت شيخ وأنا شاب وأنا أقوى على البرد منك قال يا بني ما ترك صوتك هذا للبرد علي سبيلا ما حييت
أخبرني وكيع قال أنشدنا أحمد بن يزيد الشيباني عن مصعب الزبيري لسليمان بن أبي دباكل قال
(7/310)

( فهلاَ نظرتَ الصبحَ يا بَعْلَ زينبٍ ... فتَقْضَى لُبَاناتُ الحبيب المفارِق )
( يَروح إذا يُمسي حنيناً وَيغْتدي ... وتهجيرُه عند احتدام الودائِق )
( فَطِرْ جاهداً أو كن حليفاً لصخرةٍ ... مُمَنَّعةٍ في رأس أَرْعَنَ شاهِق )
( فما زال هذا الدهرُ من شؤم صَرْفِهِ ... يُفرِّق بين العاشقين الأوامق )
( فَيُبْعِدنا ممّن نُريد اقترابَه ... ويُدْني إلينا من نُحبّ نُفَارق )
( ولما عَلَوْا شَغْباً تبيّنتُ أنه ... تقطّع من أهل الحجاز علائِقي )
( فلا زِلْن حَسْرى ظُلَّعاً لِمْ حَمَلْنها ... إلى بلدٍ ناءٍ قليل الأصادق )
(7/311)

ذكر متيم الهشامية وبعض أخبارهاُ
كانت متيم صفراء مولدة من مولدات البصرة وبها نشأت وتأدبت وغنت وأخذت عن إسحاق وعن أبيه من قبله وعن طبقتهما من المغنين وكانت من تخريج بذل وتعليمها
وعلى ما أخذت عنها كانت تعتمد فاشتراها علي بن هشام بعد ذلك فازدادت أخذا ممن كان يغشاه من أكابر المغنين وكانت من أحسن الناس وجها وغناء وأدبا وكانت تقول الشعر ليس مما يستجاد ولكنه يستحسن من مثلها وحظيت عند علي بن هشام حظوة شديدة وتقدمت على جواريه جمع عنده وهي أم ولده كلهم
وقال عبد الله بن المعتز فيما أخبرني عنه محمد بن إبراهيم قريش قال أخبرني الحسن بن أحمد المعروف بأبي عبد الله الهشامي قال كانت متيم للبانة بنت عبد الله بن إسماعيل المراكبي مولى عريب فاشتراها علي بن هشام منها بعشرين ألف درهم وهي إذ ذاك جويرية فولدت له صفية وتكنى أم العباس ثم ولدت محمدا ويعرف بأبي عبد الله ثم ولدت بعده ابنا يقال له هارون ويعرف بأبي جعفر سماه المأمون وكناه لما ولد بهذا
(7/312)

الإسم والكنية قال ولما توفي علي بن هشام عتقت وكان المأمون يبعث إليها فتجيئه فتغنيه
فلما خرج المعتصم إلى سر من رأى أرسل إليها فأشخصها وأنزلها داخل الجوسق في دار كانت تسمى الدمشقي وأقطعها غيرها وكانت تستأذن المعتصم في الدخول إلى بغداد إلى ولدها فتزورهم وترجع ثم ضمها لما خرجت قلم
وقلم جارية كانت لعلي بن هشام وكانت متيم صفراء حلوة الوجه
فذكر محمد بن الحسن الكاتب أن الحسين بن يحيى بن أكثم حدثه عن الحسن بن إبراهيم بن رياح قال سألت عبد الله بن العباس الربيعي من أحسن من أدركت صنعة قال إسحاق قلت ثم من قال علويه قلت ثم من قال متيم قلت ثم من قال ثم أنا فعجبت من تقديمه متيم على نفسه فقال الحق أحق أن يتبع
أخبرني محمد بن الحسن قال حدثنا عمر بن شبة قال سئل عبد الله بن العباس الربيعي عن أحسن الناس غناء فذكر مثل هذه الحكاية وزاد فيها أن قال له ما أحسن أن أصنع كما صنعت متيم في قوله
( فلا زِلْن حَسْرى ظُلّعا لِمْ حَمَلْنَها ... ) ولا كما صنع علويه في قول الصمة
(7/313)

( فواحَسْرتي لم أَقْضِ منكِ لُبانةً ... ولم أتمتَّع بالجِوار وبالقُرْب ) قال فأين عمرو بن بانة قال عمرو لا يضع نفسه في الصنعة هذا الموضع ولكنه صنع لحنا في هذا الغناء
نسبة صوت علويه
صوت
( فواحَسْرتي لم أَقْضِ منكِ لُبانةً ... ولم أتمتَّع بالجِوار وبالقُرْب )
( يقولون هذا آخرُ العهد منهم ... فقلت وهذا آخر العهد من قلبي )
( ألا يا حمامَ الشِّعْب شِعْب مراهق ... سقتك الغوادي من حمامٍ ومن شِعْب )
الشعر للصمة بن عبد الله القشيري والغناء فيه لعلويه ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى وفيه لمخارق خفيف رمل بالوسطى أوله ألا يا حمام الشعب ثم الثاني ثم الأول وذكر حبش أن فيه لإسحاق ثاني ثقيل بالبنصر
وقال ابن المعتز أخبرني الهشامي قال كانت متيم ذات يوم جالسة بين يدي المعتصم ببغداد وإبراهيم بن المهدي حاضر فغنت متيم في الثقيل الأول
( لزينب طيفٌ تَعْتريني طوارقُهْ ... هُدُوًّا إذا ما النّجمُ لاحتْ لواحقُهْ ) فأشار إليها إبراهيم أن تعيده فقالت متيم للمعتصم يا سيدي إبراهيم يستعيدني الصوت وكأنه يريد أن يأخذه فقال لها لا تعيديه فلما كان بعد أيام كان إبراهيم حاضرا مجلس المعتصم ومتيم غائبة فانصرف إبراهيم بعد حين إلى منزله ومتيم في منزلها بالميدان وطريقه عليها وهي في منظرة
(7/314)

لها مشرفة على الطريق وهي تغني هذا الصوت وتطرحه على جواري علي بن هشام فتقدم إلى المنظرة وهو على دابته فتطاول حتى أخذ الصوت ثم ضرب باب المنظرة بمقرعته وقال قد أخذناه بلا حمدك
وقال ابن المعتز وحدثت أن المأمون سأل علي بن هشام أن يهبها له وكان بغنائها معجبا فدفعه بذلك ولم يكن له منها ولد فلما ألح المأمون في طلبها حرص علي على أن تعلق منه حتى حبلت ويئس المأمون منها فيقال إن ذلك كان سببا لغضبه عليه حتى قتله
وحدثني سليمان الطبال أنه رأى متيم في بعض مجالس المعتصم يمازحها ويجبذ بردائها
وحكى علي بن محمد الهشامي قال أهدي إلى علي بن هشام برذون أشهب قرطاسي وكان في النهاية من الحسن والفراهة وكان علي به معجبا وكان إسحاق يشتهيه شهوة شديدة وعرض لعلي بطلبه مرارا فلم يرض أن يعطيه له فسار إسحاق إلى علي يوما بعقب صنعة متيم فلا زلن حسرى فاحتبسه علي وبعث إلى متيم أن تجعل صوتها هذا في صدر غنائها ففعلت فأطرب إسحاق إطرابا شديدا وجعل يسترده فترده وتستوفيه ليزيد في إطرابه إسحاق وهو يصغي إليها ويتفهمه حتى صح له ثم قال لعلي ما فعل البرذون الأشهب قال على ما عهدت من حسنه وفراهته قال فاختر الآن مني خلة من اثنتين إما أن طبت لي نفسا به وحملتني عليه وإما أن أبيت فأدعي والله هذا الصوت لي وقد أخذته أفتراك تقول إنه لمتيم وأقول إنه لي ويؤخذ قولك ويترك قولي قال لا والله ما
(7/315)

أظن هذا ولا أراه يا غلام قد البرذون إلى منزل أبي محمد بسرجه ولجامه لا بارك الله له فيه
قال علي بن محمد وحدثني أحمد بن حمدون أن إسحاق قال لمتيم لما سمع هذا الصوت منها أنت أنا فأنا من يريد أنها قد حلت محله وساوته
قال علي بن محمد وقال جدي أبو جعفر كانت متيم تقول
صوت
( فلا زِلْن حسرى ظُلّعا لم حملنها ... ) الرمل كله
وحدثني الهشامي قال مد علي بن هشام يده إلى بذل جاريته في عتاب يعاتبها ثم ندم على فعله ذلك ثم أنشأ يقول
( فليتَ يدي بانت غَداةَ مدَدْتُها ... إليكِ ولم تَرْجِع بكفٍّ وساعد ) وغنت متيم جاريته فيه في الثقيل الأول فكان يقال لبذل جارية علي بذل الصغيرة
وحدثني الهشامي قال
موت بذل
كان سبب موت بذل هذه أنها كانت ذات يوم جالسة عند المأمون فغنته وكان حاضرا في ذلك المجلس موسوس يكنى بأبي الكركدن من أهل طبرستان يضحك منه المأمون فعبثوا به فوثب عليهم وهرب الناس من بين يديه فلم يبق أحد حتى هرب المأمون وبقيت بذل جالسة والعود في حجرها
(7/316)

فأخذ العود من يدها وضرب به رأسها فشجها في شابورتها اليمنى فانصرفت وحمت وكان سبب موتها
وحدثني الهشامي قال لما مات علي بن هشام ومات المأمون أخذ المعتصم جواري علي بن هشام كلهن فأدخلهن القصر فتزوج ببذل المغنية وبقيت عنده إلى أن مات فخرجت بذل الكبيرة والباقون إلا بذل الصغيرة لأنها كانت حرمته فلم يخرجوها
ويقال إنه لم يكن في المغنين أحسن صنعة من علويه وعبد الله بن العباس ومتيم وفي أولادها يقول علي بن الجهم
( بَنِي مُتيَّمَ هل تَدْرون ما الخبرُ ... وكيف يُسْتَرُ أمرٌ ليس يَسْتَتِرُ )
( حاجيْتُكم مَنْ أبوكم يا بَنِي عُصَبٍ ... شتَّى ولكنّما للعاهر الحَجَرُ ) قال وحدثني جدي قال كلم علي بن هشام متيم فأجابته جوابا لم يرضه فدفع يده في صدرها فغضبت ونهضت فتثاقلت عن الخروج إليه فكتب إليها
صوت
( فليتَ يدي بانتْ غداةَ مَدَدْتُها ... إليك ولم تَرْجع بكفٍّ وساعد )
( فإن يَرْجِعِ الرحمنُ ما كان بيننا ... فلستُ إلى يوم التَّنادي بعائد ) غنته متيم خفيف رمل بالبنصر
قال وعتبت عليه مرة فتمادى عتبها وترضاها فلم ترض فكتب إليها الإدلال يدعو إلى الإملال ورب هجر دعا إلى صبر وإنما سمي القلب قلبا لتقلبه ولقد صدق العباس بن الأحنف حيث يقول
(7/317)

( ما أُرانِي اِلاَ سأهجرُ من ليس ... يَراني أَقْوَى على الهِجْرانِ )
( قد حَدَا بي إلى الجفاء وفائي ... ما أضرَّ الوفاءَ بالإِنسان ) قال فخرجت إليه من وقتها ورضيت
وحدثني الهشامي قال كانت متيم تحبني حبا شديدا يتجاوز محبة الأخت لأخيها وكانت تعلم أني أحب النبق فكانت لا تزال تبعث إلي منه فإني لأذكر في ليلة من الليالي في وقت السحر إذا أنا ببابي يدق فقيل من هذا فقالوا خادم متيم يريد أن يدخل إلى أبي عبد الله فقلت يدخل فدخل ومعه إلي صينية فيها نبق فقال لي تقرئك السلام وتقول لك كنت عند أمير المؤمنين المعتصم بالله فجاؤوه بنبق من أحسن ما يكون فقلت له يا سيدي أطلب من أمير المؤمنين شيئا فقال لي تطلبين ما شئت قالت يطعمني أمير المؤمنين من هذا النبق فقال لسمانة اجعل من هذا النبق في صينية واجعلوها قدام متيم فأخذته وذللته لك وقد بعثت به إليك معي ثم دفعت إلي دراهم وقالت هب للحراس هذه الدراهم لكي يفتحوا الدروب لك حتى تصير به اليه
ثم حدثنا الهشامي قال بعث علي بن هشام إلى إسحاق فجاء فأخرج متيم جاريته إليه فغنت بين يديه
( فلا زِلْن حَسْرَى ظُلّعاً لِمْ حَمَلْنها ... إلى بلد ناءٍ قليل الأصادق ) فاستعاده إسحاق واستحسنه ثم قال له بكم تشتري مني هذا الصوت فقال له علي بن هشام جاريتي تصنع هذا الصوت وأشتريه منك قال قد
(7/318)

أخذته الساعة وأدعيه فقول من يصدق قولي أو قولك فافتداه منه ببرذون اختاره له
وحدثني الهشامي قال سمع علي بن هشام قدام المأمون من قلم جارية زبيدة صوتا عجيبا فرشا لمن أخرجه من دار زبيدة بمائة ألف دينار حتى صار إلى داره وطرح الصوت على جواريه ولو علمت بذلك زبيدة لاشتد عليها لو سألها أن توجه به ما فعلت
وحدثني يحيى بن علي بن يحيى المنجم عن أبيه قال لما صنعت متيم اللحن في قوله
( فلا زلن حَسْرى ظُلَّعاً لِمْ حَمَلْنها ... ) أُعجب به علي بن هشام وأسمعه إسحاق فاستحسنه وقال من أين لك هذا فقال من بعض الجواري فقال إنه لعريب ولم يزل يستعيده حتى قال إنه لمتيم فأطرق
وكان متحاملا على المغنين شديد النفاسة عليهم كثير الظلم لهم مسرفا في حط درجاتهم وما رأيته في غنائه ذكر لعلويه ولا مخارق ولا عمرو بن بانة ولا عبد الله بن عباس ولا محمد بن الحارث صوتا واحدا ترفعا عن ذكرهم منتصبا لهم وذكر في آخر الكتاب قوله
( فلا زِلْن حَسْرَى ظُلّعاً لِمْ حَمَلْنها ... إلى بلد ناءٍ قليل الأصادق ) ووقع تحته لمتيم
وذكر آخر كل صوت في الكتاب ونسب إلى كل مغن صوته غير مخارق وعلويه وعمرو بن بانة وعبد الله بن عباس فما ذكرهم بشيء
(7/319)

أخبرنا أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني ابن المكي عن أبيه قال قال لي علي بن هشام لما قدمت علي شاهك جدتي من خراسان قالت أعرض جواريك علي فعرضتهن عليها ثم جلسنا على الشراب وغنتنا متيم وأطالت جدتي الجلوس فلم أنبسط إلى جواري كما كنت أفعل فقلت هذين البيتين
صوت
( أَنَبْقَى على هذا وأنتِ قريبةٌ ... وقد مَنَع الزُّوّارُ بعضَ التَّكلُّمِ )
( سلامٌ عليكم لا سلامَ مُودِّعٍ ... ولكن سلامٌ من حبيب متيَّم ) وكتبتهما في رقعة ورميت بها إلى متيم فأخذتها ونهضت إلى الصلاة ثم عادت وقد صنعت فيه اللحن الذي يغنى فيه اليوم فغنت فقالت شاهك ما أرانا إلا قد ثقلنا عليكم اليوم وأمرت الجواري فحملن محفتها وأمرت بجوائز للجواري وساوت بينهن وأمرت لمتيم بمائة ألف درهم
وأخبرني قال أول من عقد من النساء في طرف الإزار زنارا وخيط إبريسم ثم تجعله في رأسها فيثبت الإزار ولا يتحرك ولا يزول متيم
أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني ميمون بن هارون قال مرت متيم في نسوة وهي مستخفية بقصر علي بن هشام بعد أن قتل فلما رأت بابه مغلقا لا أنيس عليه وقد علاه التراب والغبرة وطرحت في أفنيته المزابل وقفت عليه وتمثلت
صوت
( يا منزلاً لم تَبْلَ أطلالُهُ ... حاشا لأطلالِكَ أن تَبْلَى )
(7/320)

( لم أَبْكِ أطلالَك لكنّني ... بكيتُ عيشي فيك إذ وَلّى )
( قد كان بي فيك هوىً مرّةً ... غيّبه التربُ وما مُلاّ )
( فصرتُ أَبْكِي جاهداً فقدَه ... عند ادّكاري حيثما حلاّ )
( فالعيشُ أولَى ما بكاه الفتى ... لا بدّ للمحزون أن يَسْلَى ) فيه رمل بالوسطى لابن جامع قال ثم بكت حتى سقطت من قامتها وجعل النسوة يناشدنها ويقلن الله الله في نفسك فإنك تؤخذين الآن فبعد لأي ما حُملت تتهادى بين امرأتين حتى تجاوزت الموضع
نسخت من كتاب أبي سعيد السكري حدثني الحارث بن أبي أسامة قال حدثني محمد بن الحسن عن عبد الله بن العباس الربيعي قال قالت لي متيم بعث إلي المعتصم بعد قدومه بغداد فذهبت إليه فأمرني بالغناء فغنيت
( هل مُسعدٌ لبكاء ... بعَبْرة أو دماء ) فقال أعد لي عن هذا البيت إلى غيره فغنيته غيره من معناه فدمعت عيناه وقال غني غير هذا فغنيت في لحني
( أولئك قومي بعد عزٍّ ومَنْعَةٍ ... تفانَوْا وإلاّ تَذْرِف العينُ أَكْمَدِ ) فبكى وقال ويحك لا تغنيني في هذا المعنى شيئا البتة فغنيت في لحني
( لا تأمَن الموتَ في حِلٍّ وفي حَرَمٍ ... إنّ المنايا تَغَشّى كلَّ إنسانِ )
( واسلُك طريقَك هوناً غيرَ مكترِثٍ ... فسوف يأتيك ما يَمْنِي لك الماني ) فقال والله لولا أني أعلم أنك إنما غنيت بما في قلبك لصاحبك وأنك
(7/321)

لم تريديني لمثلت بك ولكن خذوا بيدها فأخرجوها فأخذوا بيدي فأخرجت
نسبة ما في هذا الخبر من الغناء
صوت
( هل مُسعِدٌ لبكاءِ ... بعَبْرة أو دماء )
( وذا لفقد خليلٍ ... لسادةٍ نُجَباء ) الشعر لمراد شاعرة علي بن هشام ترثيه لما قتله المأمون والغناء لمتيم ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى منها
( ذهبتُ من الدّنيا وقد ذهبتْ منّي ... ) وقد أخرج في أخبار إبراهيم بن المهدي لأنه من غنائه وشعره وشرحت أخباره فيه ولحنه رمل بالوسطى ومنها
صوت
( أولئك قومي بعد عزّ ومَنْعة ... تفانَوْا وإلاّ تَذْرِفِ العينُ أَكْمَدِ ) وقد أخرج في أخبار أبي سعيد مولى فائد والعبلي وغنيا فيه من مراثيهما في بني أمية ولحن متيم هذا الذي غنت فيه المعتصم ثاني ثقيل بالوسطى ومنها
صوت
( لا تأمَنِ الموتَ في حلّ وفي حرم ... )
ذكر الهشامي انه مما وجده من غناء متيم غير أن لها لحنا فيه يذكر في
(7/322)

موضع غير هذا على شرح إن شاء الله تعالى وإنما ألفت صوتا تولعت به وغنته فنسبه إليها
وأخبرني قال كنا في مجلسنا نياما فلما كان مع الفجر إذا متيم قد دخلت علينا وقالت أطعموني شيئا فأخرجوا إليها شيئا تأكله فأكلت ودعت بنبيذ وابتدأت الشرب ودعت بعود فاندفعت تغني لنفسها وتشرب وكان مما غنت
( كيف الثّواءُ بأرض لا أَراك بها ... يا أكثرَ الناس عندي مِنّةً ويدا ) خفيف رمل وقال ما رأيت أحدا من المغنين والمغنيات إذا غنوا لأنفسهم يكادون يغنون إلا خفيف رمل
نوح متيم على سيدها
وأخبرني قال حدثني بعض أهلها قال لما أصبنا بعلي بن هشام جاء النوائح فطرح بعض من حضر من مغناته عليهن نوحا من نوح متيم وكان حسنا جيدا فأبطأ نوح النوائح اللاتي جئن لحسنه وجودته وكانت زين حاضرة فاستحسنه جدا وقالت رضي الله عنك يا متيم كنت علما في السرور وأنت علم في المصائب
وأخبرني قال إني لأذكر من بعض نوحها
( لعليٍّ وأحمد وحسينٍ ... ثم نصر وقبلهَ للخليل ) هزج
قال ابن المعتز وأخبرني الهشامي قال وجهت مؤنسة جارية المأمون إلى متيم جارية علي بن هشام في يوم احتجمت فيه مخنقة في وسطها حبة
(7/323)

لها قيمة جليلة كبيرة وعن يمين الحبة ويسارها أربع يواقيت وأربع زمردات وما بينها من شذور الذهب وباقي المخنقة قد طيب بغالية
وأخبرني قال كانت متيم يعجبها البنفسج جدا وكان عندها آثر من كل ريحان وطيب حتى إنها من شدة إعجابها به لا يكاد يخلو من كمها الريحان ولا نراه إلا كما قطف من البستان
وقد أخبرني رحمه الله قال حدثنا أبو جعفر بن الدهقانة إن جارية للمعتصم قالت له لما ماتت متيم وإبراهيم بن المهدي وبذل يا سيدي أظن أن في الجنة عرسا فطلبوا هؤلاء إليه فنهاها المعتصم عن هذا القول وأنكره
فلما كان بعد أيام وقع حريق في حجرة هذه القائلة فاحترق كل ما تملكه وسمع المعتصم الجلبة فقال ما هذا فأخبر عنه فدعا بها فقال ما قصتك فبكت وقالت يا سيدي احترق كل ما أملكه فقال لا تجزعي فإن هذا لم يحترق وإنما استعاره أصحاب ذلك العرس
وقد ذكرت في متقدم أخبار متيم أنها كانت تقول الشعر ولم أذكر شيئا فمن ذلك ما أخبرنا به الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي طالب الدِّيناريّ قال حدثني الفضل بن العبّاس بن يعقوب قال حدّثني أبي قال قال المأمون لمتيم جارية علي بن هشام أجيزي لي هذين البيتين
( تعالَيْ تكون الكُتْبُ بيني وبينكم ... ملاحَظَةً نُومِي بها ونُشيرُ )
( ورُسْلي بحاجاتي وهنّ كثيرةٌ ... إليك إشاراتٌ بها وزَفير )
صوت
من المائة المختارة
( إنّ العيون التي في طَرْفها مرضَ ... قَتَلْنَنَا ثم لم يُحْيِين قَتْلانا )
(7/324)

( يَصْرَعْن ذا اللُّبِّ حتى لا حَراك له ... وهنّ أضعفُ خلق الله أرْكانا )
عروضه - من البسيط - والشعر لجرير والغناء لابن محرز ولحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل وفي هذه القصيدة أبيات أخر تغنى فيها ألحان سوى هذا اللحن منها قوله
صوت
من المائة المختارة
( أتْبَعْتُهم مقلةً إنسانُها غَرِقٌ ... هل ما تَرى تاركٌ للعين إنسانا )
( إنّ العيون التي في طَرْفها مرضَ ... قَتَلْنَنَا ثم لم يُحْيِين قَتْلانا )
الغناء في هذين البيتين ثقيل أول مطلق بإطلاق الوتر في مجرى البنصر ومنها أيضا
صوت
( بان الأخِلاّ وما ودّعتُ مَنْ بانا ... وقطّعوا من حبال الوصل أركانا )
( أصبحتُ لا أبتغِي من بعدهم بَدَلاً ... بالدار داراً ولا الجِيران جيرانا )
( وصرتُ مذ ودَّع الأظعانُ ذا طَرَبٍ ... مروَّعاً من حِذار البينِ مِحْزانا )
في الأول والثاني والثالث من الأبيات خفيف رمل بالبنصر وفيها للغريض ثاني ثقيل بالبنصر من رواية عمرو بن بانة والهشامي وذكر حبش أن فيه لمالك خفيف رمل بالوسطى وابن سرجس في الأول والثاني وبعدهمها
( أتبعتُهم مقلةً إنسانُهَا غَرِقٌ ... )
(7/325)

رمل بالوسطى
وذكر الهشامي أن لابن محرز في الأول والثاني بعدهما أتبعتهم مقلة لحنا من الثقيل الأول بالبنصر وذكر المكي أنه لمعبد . . انتهى بحمد الله
(7/326)

بسم الله الرحمن الرحيم
نسب جرير وأخباره
جرير بن عطية بن الخَطَفي والخَطَفي لقب واسمه حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار ويكنى أبا حزرة ولقب الخطفي لقوله
( يَرْفَعْنَ للَيَّل إذا ما أسْدَفَا ... أعناقَ جِنّانٍ وهاماً رُجَّفا )
( وعَنَقاً بعد الكَلال خَيْطَفَا ... )
ويروى خَطَفَى
(8/5)

وهو الفرزدق والأخطل المقدمون على شعراء الإسلام الذين لم يدركوا الجاهلية جميعا ومختلف في أيهم المتقدم ولم يبق أحد من شعراء عصرهم إلا تعرض لهم فافتضح وسقط وبقوا يتصاولون على أن الأخطل إنما دخل بين جرير والفرزدق في آخر أمرهما وقد أسن ونفد أكثر عمره وهو وإن كان له فضله وتقدمه فليس نجره من نجار هذين في شيء وله أخبار مفردة عنهما ستذكر بعد هذا مع ما يغنى من شعره
أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي قال حدثنا محمد بن سلام الجمحي وأخبرني محمد بن العباس اليزيدي وعلي بن سليمان الأخفش قالا حدثنا أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب وأبي غسان دماذ وإبراهيم بن سعدان عن أبيه جميعا عن أبي عبيدة معمر بن المثنى بنسب جرير على ما ذكرته وسائر ما أذكره في الكتاب من أخباره فأحكيه عن أبي عبيدة أو عن محمد بن سلام قالوا جميعا
وأم جرير أم قيس بنت معيد بن عمير بن مسعود بن حارثة بن عوف بن كليب بن يربوع وأم عطية النوار بنت يزيد بن عبد العزى بن مسعود بن حارثة بن عوف بن كليب
(8/6)

قال أبو عبيدة ومحمد بن سلام ووافقهما الأصمعي فيما أخبرنا به أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبة عنه
اتفقت العرب على أن أشعر أهل الإسلام ثلاثة جرير والفرزدق والأخطل واختلفوا في تقديم بعضهم على بعض قال محمد بن سلام والراعي معهم في طبقتهم ولكنه آخرهم والمخالف في ذلك قليل وقد سمعت يونس يقول ما شهدت مشهدا قط قد ذكر فيه جرير والفرزدق فاجتمع أهل المجلس على أحدهما وكان يونس فرزدقيا (
الفرزدق أشعر عامة وجرير أشعر خاصة
)
قال ابن سلام وقال ابن دأب الفرزدق أشعر عامة وجرير أشعر خاصة وقال أبو عبيدة كان أبو عمرو يشبه جريرا بالأعشى والفرزدق بزهير والأخطل بالنابغة قال أبو عبيدة يحتج من قدم جريرا بأنه كان أكثرهم فنون شعر وأسهلهم ألفاظا وأقلهم تكلفا وأرقهم نسيبا وكان دينا عفيفا وقال عامر بن عبد الملك جرير كان أشبههما وأنسبهما
(8/7)

ونسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو الشيباني قال خالد بن كلثوم ما رأيت أشعر من جرير والفرزدق قال الفرزدق بيتا مدح فيه قبيلتين وهجا قبيلتين قال
( عجبتُ لعِجْلٍ إذ تُهَاجِي عبيدَها ... كما آلُ يَرْبُوعٍ هَجَوْا آلَ دارِمِ )
يعني بعبيدها بني حنيفة وقال جرير بيتا هجا فيه أربعة
( إن الفرزدق والبَعيث وأمَّه ... وأبا البَعيث لشَرُّ ما إسْتارِ )
قال وقال جرير لقد هجوت التيم في ثلاث كلمات ما هجا فيهن شاعر شاعرا قبلي قلت
( من الأصلاب يَنْزِل لؤمُ تَيْمٍ ... وفي الأرحام يُخلق والمَشيمِ )
وقال محمد بن سلام قال العلاء بن جرير العنبري وكان شيخا قد جالس الناس إذا لم يجىء الأخطل سابقا فهو سكيت والفرزدق لا يجيء سابقا ولا سكيتا وجرير يجيء سابقا ومصليا وسكيتا قال محمد بن سلام ورأيت أعرابيا من بني أسد أعجبني ظرفه وروايته فقلت له أيهما عندكم أشعر قال بيوت الشعر أربعة فخر ومديح وهجاء ونسيب وفي كلها غلب جرير قال في الفخر
( إذا غضِبتْ عليكَ بنو تَميمٍ ... حسِبتَ الناسَ كلَّهُمُ غِضابا )
(8/8)

والمديح
( ألَستُم خيرَ من ركب المطايا ... وأنْدَى العالَمين بطونَ راحِ )
والهجاء
( فغُضَّ الطَّرْفَ إنك من نُمَيرٍ ... فلا كَعْباً بلغتَ ولا كِلابا )
والنسيب
( إنّ العيون التي في طَرْفها حَوَرٌ ... قتلْننا ثم لم يُحْيِين قَتْلانا )
قال أبو عبد الله محمد بن سلام وبيت النسيب عندي
( فلما التقى الحيَّانِ أُلْقيتِ العصا ... ومات الهوى لما أُصيبتْ مَقَاتِلُهْ )
قال كيسان أما والله لقد أوجعكم يعني في الهجاء فقال يا أحمق أوذاك يمنعه أن يكون شاعرا
عبيدة بن هلال يفضل جريرا على الفرزدق
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني عمر بن شبة قال قال أبو عبيدة وأخبرنا أبو خليفة قال حدثني محمد بن سلام الجمحي قال حدثني أبان بن عثمان البلخي قال
تنازع في جرير والفرزدق رجلان في عسكر المهلب فارتفعا إليه وسألاه فقال لا أقول بينهما شيئا ولكني أدلكما على من يهون عليه سخطهما
(8/9)

عبيدة بن هلال اليشكري وكان بإزائه مع قطري وبينهما نهر وقال عمر بن شبة في هؤلاء الخوارج من تهون عليه سبال كل واحد منهما فأما أنا فما كنت لأعرض نفسي لهما فخرج أحد الرجلين وقد تراضيا بحكم الخوارج فبدر من الصف ثم دعا بعبيدة بن هلال للمبارزة فخرج إليه فقال إني أسألك عن شيء تحاكمنا إليك فيه فقال وما هو عليكما لعنة الله قال فأي الرجلين عندك أشعر أجرير أم الفرزدق فقال لعنكما الله ولعن جريرا والفرزدق أمثلي يسأل عن هذين الكلبين قالا لابد من حكمك قال فإني سائلكم قبل ذلك عن ثلاث قالوا سل قال ما تقولون في إمامكم إذا فجر قالوا نطيعه وإن عصى الله عز و جل قال قبحكم الله فما تقولون في كتاب الله وأحكامه قالوا ننبذه وراء ظهورنا ونعطل أحكامه قال لعنكم الله إذا فما تقولون في اليتيم قالوا نأكل ماله وننيك أمه قال أخزاكم الله إذا والله لقد زدتموني فيكم بصيرة ثم ذهب لينصرف فقالوا له إن الوفاء يلزمك وقد سألتنا فأخبرناك ولم تخبرنا فرجع فقال من الذي يقول
( إنَّا لنَذْعَر يا قُفَيْرُ عدوَّنا ... بالخيل لاحقةَ الأَياطِلِ قُودَا )
( وتَحُوطُ حَوْزَتَنا وتَحْمِي سَرْحَنا ... جُرْدٌ تَرَى لمُغَارِها أُخْدُودا )
(8/10)

( أَجْرَى قلائدَها وقدَّد لحمَها ... ألاّ يَذُقْنَ مع الشَّكائم عُودَا )
( وطَوَى القِيادُ مع الطِّرَاد مُتونَها ... طَيَّ التِّجَار بحَضْرَمَوْتَ بُرودا )
قالا جرير قال فهو ذاك فانصرفا
أخبرني عم أبي عبد العزيز بن أحمد قال حدثنا الرياشي قال قال الأصمعي وذكر جريرا فقال
كان ينهشه ثلاثة وأربعون شاعرا فينبذهم وراء ظهره ويرمي بهم واحدا واحدا ومنهم من كان ينفحه فيرمي به وثبت له الفرزدق والأخطل وقال جرير والله ما يهجوني الأخطل وحده وإنه ليهجوني معه خمسون شاعرا كلهم عزيز ليس بدون الأخطل وذلك أنه كان إذا أراد هجائي جمعهم على شراب فيقول هذا بيتا وهذا بيتا وينتحل هو القصيدة بعد أن يتمموها
قال ابن سلاَّم وحدثني أبو البيداء الرياحي قال قال الفرزدق إني وإياه لنغترف من بحر واحد وتضطرب دلاؤه عند طول النهر
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني زيرك بن هبيرة المناني قال
كان جرير ميدان الشعر من لم يجر فيه لم يرو شيئا وكان من هاجى جريرا فغلبه جرير أرجح عندهم ممن هاجى شاعرا آخر غير جرير فغلب
أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال تذاكروا جريرا والفرزدق في حلقة يونس بن معاوية بن أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر ومسمع وعامر
(8/11)

ابنا عبد الملك المسمعيان فسمعت عامرا وهو شيخ بكر بن وائل يقول كان جرير والله أنسبهما وأسبهما وأشبههما (
الراعي يقر بأسبقيته
)
قال ابن سلام وحدثني أبو البيداء قال مر راكب بالراعي وهو يغني بيتين لجرير وهما
( وعاو عَوَى من غير شيء رميتُه ... بقارعةٍ أَنْفاذُها تَقْطُرُ الدَّمَا )
( خَرُوجٍ بأفواه الرُّواةِ كأنَّها ... قَرَا هِنْدُوَانِيٍّ إذا هُزَّ صَمَّمَا )
فأتبعه الراعي رسولا يسأله لمن البيتان قال لجرير قال لو اجتمع على هذا جميع الجن والإنس ما أغنوا فيه شيئا ثم قال لمن حضر ويحكم أألام على أن يغلبني مثل هذا
رأي بشار فيه
قال ابن سلام وسألت بشارا المرعث أي الثلاثة أشعر فقال لم يكن الأخطل مثلهما ولكن ربيعة تعصبت له وأفرطت فيه قلت فهذان قال كانت لجرير ضروب من الشعر لا يحسنها الفرزدق ولقد ماتت النوار فقاموا ينوحون عليها بشعر جرير فقلت لبشار وأي شيء لجرير من المراثي إلا
(8/12)

التي رثى بها امرأته فأنشدني لجرير يرثي ابنه سوادة ومات بالشام
( قالوا نَصِيبَك من أجرٍ فقلتُ لهم ... كيف العَزاءُ وقد فارقتُ أشبالي )
( فارقتني حين كَفَّ الدهرُ من بصرِي ... وحين صِرْتُ كعظم الرِّمَّة البالي )
( أَمْسَى سَوَادةُ يَجْلُو مُقْلَتَيْ لَحِمٍ ... بازٍ يُصَرْصِرُ فوق المَرْبأ العالي )
( قد كنتُ أعرفه منِّي إذا غَلِقتْ ... رُهْنُ الجِياد ومَدّ الغَايَة الغَالي )
( إنّ الثَّوِيّ بِذي الزَّيْتُون فاحتسبي ... قد أَسرعَ اليوم في عقلي وفي حالي )
( إلاّ تَكُنْ لكَ بالدَّيْرَيْن مُعْوِلَةٌ ... فرُبَّ باكيةٍ بالرَّمْلِ مِعْوَالِ )
( كأمّ بَوٍّ عَجُولٍ عند مَعْهَدِه ... حَنَّتْ إلى جَلَدٍ منه وأَوْصَال )
( حتى إذا عرَفتْ أن لا حياةَ به ... رَدَّتْ هَمَاهمَ حَرَّى الجوفِ مِثْكالِ )
( زادت على وَجْدِها وَجْداً وإن رجَعتْ ... في الصدر منها خُطوبٌ ذاتُ بَلْبَالِ )
أخبرني عبد الواحد بن عبيد عن قعنب بن المحرز الباهلي عن المغيرة بن حجناء وعمارة بن عقيل قالا
خرج جرير إلى دمشق يؤم الوليد فمرض ابن له يقال له سوادة وكان به معجبا فمات بالشام فجزع عليه ورثاه جرير فقال
( أَوْدَى سَوَادةُ يَجْلُو مُقْلَتيْ لَحِمٍ ... بازٍ يُصَرْصِرُ فوق المَرْبأ العالي )
(8/13)

(
رأي الفرزدق فيه
)
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أحمد بن معاوية قال حدثني رجل من أصحاب الحديث يقال له الحسن قال حدثني أبو نصر اليشكري عن مولى لبني هاشم قال
امترى أهل المجلس في جرير والفرزدق أيهما أشعر فدخلت على الفرزدق فما سألني عن شيء حتى قال يا نوار أدركت برنيتك قالت قد فعلت أو كادت قال فابعثي بدرهم فاشتري لحما ففعلت وجعلت تشرحه وتلقيه على النار ويأكل ثم قال هاتي برنيتك فشرب قدحا ثم ناولني وشرب آخر ثم ناولني ثم قال هات حاجتك يابن أخي فأخبرته قال أعن ابن الخطفي تسألني ثم تنفس حتى قلت انشقت حيازيمه ثم قال قاتله الله فما أخشن ناحيته وأشرد قافيته والله لو تركوه لأبكى العجوز على شبابها والشابة على أحبابها ولكنهم هروه فوجدوه عند الهراش نابحا وعند الجراء قارحا وقد قال بيتا لأن أكون قلته أحب إلي مما طلعت عليه الشمس
( إذا غضِبتْ عليكَ بنو تَميم ... حسِبتَ الناسَ كلَّهمُ غِضَابَا )
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي عبيدة قالا
(8/14)

نزل الفرزدق على الأحوص حين قدم المدينة فقال الأحوص ما تشتهي قال شواء وطلاء وغثاء قال ذلك لك ومضى به إلى قينة بالمدينة فغنته
صوت
( أَلاَ حَيِّ الديارَ بسُعْدَ إنِّي ... أُحِبُّ لحبِّ فاطمةَ الدّيارَا )
( إذا ما حَلَّ أهلُكِ يا سُلَيْمَى ... بدارةِ صُلْصُلٍ شحَطوا مَزَارَا )
( أراد الظاعنون ليَحْزُنُونِي ... فهاجُوا صَدْعَ قلبي فاستطارَا )
غناه ابن محرزخفيف ثقيل أول بالبنصر فقال الفرزدق ما أرق أشعاركم يا أهل الحجاز وأملحها قال أوما تدري لمن هذا الشعر قال لا والله قال فهو والله لجرير يهجوك به فقال ويل ابن المراغة ما كان
(8/15)

أحوجه مع عفافه إلى صلابة شعري وأحوجني مع شهواتي إلى رقة شعره (
تغنى أشعب بشعره فأجازه
)
أخبرني أحمد قال حدثنا عمر بن شبة عن إسحاق الموصلي وأخبرني محمد بن مزيد عن حماد عن أبيه قال قال إسحاق بن يحيى بن طلحة
قدم علينا جرير المدينة فحشدنا له فبينا نحن عنده ذات يوم إذ قام لحاجته وجاء الأحوص فقال أين هذا فقلنا قام آنفا ما تريد منه قال أخزيه والله إن الفرزدق لأشعر منه وأشرف فأقبل جرير علينا وقال من الرجل قلنا الأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح قال هذا الخبيث ابن الطيب ثم أقبل عليه فقال قد قلت
( يَقَرُّ بعَيْني ما يَقَرُّ بعينها ... وأحسنُ شيءٍ ما به العينُ قرَّتِ )
فإنه يقر بعينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر أفيقر ذلك بعينك قال وكان الأحوص يرمى بالأبنة فانصرف وأرسل إليه بتمر وفاكهة وأقبلنا نسأل جريرا وهو في مؤخر البيت وأشعب عند الباب فأقبل أشعب يسأله فقال له جرير والله إنك لأقبحهم وجها ولكني أراك أطولهم حسبا وقد أبرمتني
(8/16)

فقال أنا والله أنفعهم لك فانتبه جرير فقال كيف قال إني لأملح شعرك واندفع يغنيه قوله
صوت
( يا أختَ ناجِيةَ السلامُ عليكُم ... قبلَ الفراق وقبل لَوْم العُذَّلِ )
( لو كنتُ أعلم أن آخرَ عهدكم ... يوم الفراق فعلتُ ما لم أفعلِ )
قال فأدناه جرير منه حتى ألصق ركبته بركبته وجعله قريبا منه ثم قال أجل والله إنك لأنفعهم لي وأحسنهم تزيينا لشعري أعد فأعاده عليه وجرير يبكي حتى أخضلت لحيته ثم وهب لأشعب دراهم كانت معه وكساه حلة من حلل الملوك وكان يرسل إليه طول مقامه بالمدينة فيغنيه أشعب ويعطيه جرير شعره فيغني فيه قال وكان أشعب من أحسن الناس صوتا قال حماد والغناء الذي غناه فيه أشعب لابن سريج
أخبرني علي بن سليمان قال حدثنا أبو سعيد السكري عن الرياشي عن الأصمعي قال وذكر المغيرة بن حجناء قال حدثني أبي عن أبيه عن جده يحيى بن أعين وذكر ذلك هشام بن الكلبي قال حدثني النهشلي من بني مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل قال حدثني مسحل بن كسيب بن عمران بن عطاء بن الخطفي وأمه الربداء بنت جرير وهذا الخبر وإن كان فيه طول محتو على سائر أخبار من ناقض جريرا أو اعتن بينه وبين
(8/17)

الفرزدق وغيره فذكرته هنا لاشتماله على ذلك في بلاغ واختصار (
شعره في مدح الحكم بن أيوب
)
أن جريرا قدم على الحكم بن أيوب بن يحيى بن الحكم بن أبي عقيل وهو خليفة للحجاج يومئذ فمدحه جرير فقال
( أقبلتُ من ثَهْلانَ أو جَنْبَيْ خِيَمْ ... على قلاَصٍ مثلِ خيطَانِ السَّلَمْ )
ثهلان جبل كان لباهلة ثم غلبت عليه نمير وخيم جبل يناوحه من طرفه الأقصى فيما بين ركنه الأقصى وبين مطلع الشمس به ماء ونخل
( قد طُوِيتْ بطونُها طيَّ الأدَمْ ... يَبْحَثْنَ بحثاً كمُضِلاَّتِ الخَدَمْ )
( إذا قَطَعْنَ عَلَماً بَدا علَمْ ... حتى تناهَيْنَ إلى باب الحَكَمْ )
( خليفةِ الحَجَّاجِ غيرِ المُتَّهَمْ ... في مَعْقِد العِزّ وبُؤْبُوء الكَرَمْ )
( بعد انْفِضَاجِ البُدْنِ واللحمُ زيَمْ ... )
فلما قدم عليه استنطقه فأعجبه ظرفه وشعره فكتب إلى الحجاج إنه قدم علي أعرابي شيطان من الشياطين فكتب إليه أن ابعث به إلي ففعل فقدم عليه فأكرمه الحجاج وكساه جبة صبرية وأنزله فمكث أياما ثم أرسل
(8/18)

إليه بعد نومه فقالوا أجب الأمير فقال ألبس ثيابي فقالوا لا والله لقد أمرنا أن نأتيه بك على الحال التي نجدك عليها ففزع جرير وعليه قميص غليظ وملاءة صفراء فلما رأى ما به رجل من الرسل دنا منه وقال لا بأس عليك إنما دعاك للحديث (
هجوه للشعراء
)
قال جرير فلما دخلت عليه قال إيه يا عدو الله علام تشتم الناس وتظلمهم فقلت جعلني الله فداء الأمير والله إني ما أظلمهم ولكنهم يظلمونني فأنتصر ما لي ولابن أم غسان وما لي وللبعيث وما لي وللفرزدق وما لي وللأخطل وما لي وللتيمي حتى عددهم واحدا واحدا فقال الحجاج ما أدري ما لك ولهم قال أخبر الأمير أعزه الله أما غسان بن ذهيل فإنه رجل من قومي هجاني وهجا عشيرتي وكان شاعرا قال فقال لك ماذا قال قال لي
( لعَمْرِي لئن كانت بَجِيلةُ زانَها ... جَريرٌ لقد أَخْزَى كُلَيْباً جَرِيرُها )
( رميتَ نِضَالاً عن كُلَيبٍ فقَصَّرتْ ... مَرَامِيكَ حتى عاد صِفْراً جَفِيرُها )
( ولا يَذْبَحون الشاةَ إلا بمَيْسِرٍ ... طويلٌ تَنَاجِيها صِغارٌ قُدُورُها )
قال فما قلتَ له قال قلتُ
(8/19)

( ألاَ ليت شِعْري عن سليطٍ ألم تَجِدْ ... سَلِيطٌ سِوَى غَسَّانَ جاراً يُجِيرُها )
( فقد ضمَّنوا الأحسابَ صاحبَ سَوْءة ... يُناجِي بها نفساً خبيثاً ضميرُها )
( كأنَّ سَلِيطاً في حَواَشِنِها الخُصَى ... إذا حَلّ بين اْلأَمْلَحَيْن وَقِيرُها )
( أَضِجُّوا الرَّوَايَا بالمَزَادِ فإنَّكم ... ستُكْفَوْنَ رَكْضَ الخيلِ تَدْمَى نحورُها )
( كأن السَّليطِيَّاتِ مَجْنَاةُ كَمْأَةٍ ... لأَوَّلِ جانٍ بالعَصا يَسْتثيرها )
( غَضَارِيطُ يَشْوُون الفَرَاسِنَ بالضُّحَى ... إذا ما السَّرَايا حَثَّ رَكْضاً مُغِيرها )
( فما في سَلِيطٍ فارسٌ ذو حَفيظةٍ ... ومَعْقِلُها يومَ الهِياجِ جُعُورها )
( عجِبتُ من الدَّاعِي جُحَيشاً وصائداً ... وعَيْساءُ يسعَى بالعِلاَب نَفِيرُها )
قال ثم من قال البعيث قال ما لك وله قال اعترض دون ابن أم غسان يفضله علي ويعينه قال فما قال لك قال قال لي
(8/20)

( كُلَيبٌ لئامُ الناسِ قد تَعْلمونه ... وأنتَ إذا عُدَّتْ كُلَيْبٌ لئيمُها )
( أترجوا كُلَيبٌ أن يجيء حديثُها ... بخيرٍ وقد أعيا كُلَيباً قديمُها )
قال فما قلت له قال قلت
( ألم تر أنِّي قد رميتُ ابنَ فَرْتنَى ... بصَمَّاءَ لا يرجو الحياةَ اميمها )
( له أُمّ سَوْءٍ بئس ما قَدَّمتْ له ... إذا فَرَطُ الأحسابِ عُدَّ قديمُها )
قال ثم من قلت الفرزدق قال وما لك وله قلت أعان البعيث علي قال فما قلت له قال قلت
( تمنَّى رجالٌ من تَمِيم ليَ الرَّدَى ... وما ذَاد عن أحسابِهم ذائدٌ مِثْلي )
( كأنَّهم لا يعلمون مَوِاطني ... وقد جرَّبوا أني أنا السابقُ المُبْلي )
( فلو شاء قومي كان حِلْمِيَ فيهمُ ... وكان على جُهّالِ أعدائهم جَهْلي )
( وقد زَعموا أنَّ الفرزدقَ حَيَّةٌ ... وما قَتَل الحيَّاتِ من أحدٍ قَبْلِي )
قال ثم من قلت الأخطل قال ما لك وله قلت رشاه محمد بن عمير بن عطارد زقا من خمر وكساه حلة على أن يفضل علي الفرزدق ويهجوني
قال فما قال لك قال قال
( إِخسَأْ إليكَ كُلَيبُ إنَّ مُجَاشِعاً ... وأبا الفَوَارِس نَهْشَلاً أخَوانِ )
(8/21)

( وإذا وَرَدْتَ الماءَ كان لدارِمٍ ... جُمَّاتُه وسُهُولةُ اْلأَعْطان )
( وإذا قذَفْتَ أباك في ميزانِهمْ ... رجَحُوا وشالَ أبوك في الميزانِ )
قال فما قلت له قال قلت
( يا ذا العَبَاءةِ إنَّ بِشْراً قد قَضَى ... ألاَّ تَجُوزَ حكومةُ النَّشْوان )
( فدَعُوا الحكومةَ لَسْتُمُ من أهلِها ... إنَّ الحكومةَ في بني شَيْبانِ )
( قَتلوا كُلَيبَكُمُ بلِقُحةِ جارِهم ... يا خُزْرَ تَغْلِبَ لستُمُ بِهجَانِ )
قال ثم من قلت عمر بن لجأ التيمي قال ما لك وله قال قلت بيتا من شعر فقبحه وقاله على غير ما قلته قلت
( لَقَوْمِيَ أَحْمَى للحقيقةِ منكمُ ... وأَضْرَبُ للجَبَّار والنَّقْعُ ساطِعُ )
( وأوثقُ عند المُرْهَفاتِ عشيَّةً ... لَحَاقاً إذا ما جرَّد السيفَ لامعُ )
فزعم أني قلت
( وأَوْثَقُ عند المُرْدَفات عشيَّةً ... لَحَاقاً إذا ما جرَّد السيفَ لامعُ )
(8/22)

فقال لحقتهن عند العشي وقد أخذن غدوة والله ما يمسين حتى يفضحن قال فما قلت له قال قلت
( يا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيّ لا أبا لكُم ... لا يُوقِعنَّكُمُ في سَوءة عُمَرُ )
( خَلِّ الطريقَ لمن يَبنِي المنارَ به ... وَابرُزْ ببَرْزَةَ حيثُ اضطرَّك القَدَرُ )
حتى أتى على الشعر قال ثم من قلت سراقة بن مرداس البارقي قال ما لك وله قال قلت لا شيء حمله بشر من مروان وأكرهه على هجائي ثم بعث إلي رسولا وأمرني أن أجيبه قال فما قال لك قال قال
( إنَّ الفَرَزْدَقَ بَرَّزتْ أعراقُه ... عَفْواً وغُودِر في الغُبار جريرُ )
( ما كنتَ أوَّلَ مِحْمَرٍ قعدتْ به ... مسْعاتُه إنَّ اللئيم عَثُور )
( هذا قضاءُ البارِقيّ وإنه ... بالمَيْل في ميزانكم لَبَصِيرُ )
قال فما قلت له قال قلت
( يا بِشْرُ حَقَّ لوجهك التبشيرُ ... هَلاَّ غضِبتَ لنا وأنت أميرُ )
( بِشْرٌ أبو مَرْوانَ إن عاسَرْتَه ... عَسِرٌ وعند يَساره مَيْسورُ )
( إنَّ الكريمةَ ينصُر الكرمَ ابنُها ... وابنُ اللئيمةِ للِّئامِ نَصُور )
( قد كان حقُّك أن تقول لبارقٍ ... يا آلَ بارقَ فِيمَ سُبَّ جَرِير )
( وكسَحْتَ بآستِك للفَخَار وبارِقٌ ... شَيْخانِ أَعْمَى مُقْعدٌ وكَسِير )
قال ثم من قلت البلتع وهو المستنير بن سبرة العنبري قال ما لك
(8/23)

وله قلت أعان علي آبن لجأ قال فما قال لك قلت قال
( إنَّ التي رَبَّتْكَ لما طُلِّقتْ ... قعَدتْ على جَحْشِ المَرَاغةِ تَمْرَغُ )
( أتَعِيبُ مَنْ رضيتْ قريشٌ صِهْرَه ... وأبوك عبدٌ بالخَوَرْنَقِ ) أَذْلَغُ )
قال فما قلت له قال قلت
( فما مستنيرُ الخُبْثِ إلا فَرَاشةٌ ... هَوَتْ بين مُؤْتَجّ الحَرِيقَيْن ساطِعِ )
( نهيتُ بناتِ المستنيرِ عن الرُّقَى ... وعن مشيهنّ الليلَ بين المَزَارع )
ويروى
( . . بين مؤتجٍّ من النار ساطِع ... )
قال ثم من قلت راعي الإبل قال ما لك وله قلت قدمت البصرة وكان بلغني أنه قال لي
( يا صاحبيَّ دنا الرَّواحُ فسِيراَ ... غَلَب الفَرَزْدَقُ في الهجاء جَريرَا )
وقال أيضا
( رأيتُ الجَحْش جحشَ بني كُليبٍ ... تَيَمَّم حوضَ دِجْلةَ ثم هابا )
فقلت يا أبا جندل إنك شيخ مضر وشاعرها وقد بلغني أنك تفضل علي الفرزدق وأنت يسمع قولك وهو ابن عمي دونك فإن كان لا بد من تفضيل فأنا أحق به لمدحي قومك وذكري إياهم قال وابنه جندل على فرس
(8/24)

له فأقبل يسير بفرسه حتى ضرب عجز دابتي وأنا قائم فكاد يقطع أصبع رجلي وقال لا أراك واقفا على هذا الكلب من بني كليب فمضى وناديته أنا ابن يربوع إن أهلك بعثوك مائرا من هبود وبئس المائر وإنما بعثني أهلي لأقعد على قارعة هذا المربد فلا يسبهم أحد إلا سببته وإن علي نذرا إن جعلت في عيني غمضا حتى أخزيك قال فما أصبحت حتى هجوته فقلت
( فغُضَّ الطَّرْفَ إنك من نُمَيرٍ ... فلا كعباً بلغتَ ولا كِلاَبَا )
قال فغدوت عليه من الغد فأخذت بعنانه فما فارقته حتى أنشدته إياها فلما مررت على قولي
( أجَنْدَلُ ما تقول بنو نُمَيرٍ ... إذا ما الأَيْرُ في اسْتِ أبيك غابَا )
قال فأرسل يدي وقال يقولون والله شرا
قال ثم من قلت العباس بن يزيد الكندي قال ما لك وله قال لما قلت
( إذا غَضِبتْ عليكَ بنو تَميم ... حسِبتَ الناسَ كلَّهُم غِضابَا )
قال
( أّلا رَغِمَتْ أُنوفُ بني تَميمٍ ... فُسَاةِ التمرِ إن كانوا غضابَا )
( لقد غضِبتْ عليك بنو تميمٍ ... فما نَكَأَتْ بغَضْبتها ذُبَابَا )
( لو اطَّلع الغرابُ على تَمِيمٍ ... وما فيها من السَّوْءات شابا )
قال فتركته خمس سنين لا أهجوه ثم قدمت الكوفة فأتيت مجلس
(8/25)

كندة فطلبت إليهم أن يكفوه عني فقالوا ما نكفه وإنه لشاعر وأوعدوني فقلت
( أَلاَ أَبْلِغْ بني حُجْرِ بن وَهْبٍ ... بأنَّ التمرَ حُلْوٌ في الشتاءِ )
( فَعُودوا للنَّخِيل فأبِّرُوها ... وعِيثُوا بالمُشَقَّر فالصَّفَاءِ )
قال فمكثت قليلا ثم بعثوا إلي راكبا فأخبروني بمثالبه وجواره في طيىء حيث جاور عتابا وحبل أخته هضيبة حيث حبلت قال فقلت ماذا قال قلت
( إذا جهِل الشَّقِيُّ ولم يُقَدِّرْ ... لبعضِ الأمرِ أَوْشكَ أن يُصَابَا )
( أَعَبْداً حَلَّ في شُعَبَى غريباً ... أَلؤماً لا أَبالكَ واغترابَا )
( فما خَفِيتْ هُضَيبة حينَ جُرَّتْ ... ولا إطعامُ سَخْلَتِها الكِلابَا )
( تُخَرِّقُ بالمَشَاقِصِ حالِبَيْها ... وقد بَلَّتْ مَشِيمَتُها الترابَا )
( فقد حَملتْ ثمانيةً وأَوْفَتْ ... بتاسعِها وتَحْسَبُهَا كَعَابَا )
قال ثم من قلت جفنة الهزاني بن جعفر بن عباية بن شكس من عنزة قال وما لك وله قال أقبل سائلا حتى أتاني وأنا أمدر حوضا لي فقال يا جرير قم إلي ها هنا قلت نعم ثم أتيته فقلت ما حاجتك قال مدحتك فاستمع مني قلت أنشدني فأنشد فقلت قد والله أحسنت
(8/26)

وأجملت فما حاجتك قال تكسوني الحلة التي كساكها الوليد بن عبد الملك العام فقلت إني لم أقف فيها بالموسم ولا بد من أن أقف فيها العام ولكني أكسوك حلة خيرا منها كان كسانيها الوليد عاما أول فقال ما أقبل غيرها بعينها فقلت بلى فأقبل وأزيدك معها دنانير نفقة فقال ما أفعل ومضى فأتى المرار بن منقذ أحد بني العدوية فحمله على ناقة له يقال لها القصواء فقال جفنة
( لَعَمْرُك لَلْمَرَّارُ يومَ لَقِيتُهُ ... على الشَّحْطِ خيرٌ من جريرٍ وأكرمُ )
قال فما قلت له قال قلت
( لقد بَعثتْ هِزَّانُ جَفْنَةَ مائراً ... فآب وأَحْذَى قومَه شَرَّ مَغْنَم )
( فيا راكبَ القَصْواءِ ما أنت قائلٌ ... لِهزَّانَ إذ أَسْلَمْتَها شَرَّ مُسْلَمِ )
( أظنُّ عِجَانَ التَّيْس هِزَّانَ طالباً ... عُلاَلةَ سَبَّاقِ الأَضَامِيمِ مِرْجَم )
( كأنَّ بني هِزَّانَ حينَ رَدَيتُهم ... وِبَارٌ تَضَاغَتْ تحتَ غَارِ مهدَّمِ )
( بَنِي عَبْدِ عمروٍ قد فَرَغْتُ إليكُم ... وقد طال زَجْرِي لو نَهَاكُمْ تقدُّمِي )
( ورَصْعَاءَ هِزَّانِيَّةٍ قد تَحَفَّشَتْ ... على مِثْلِ حِرْباءِ الفَلاَة المعمَّمِ )
قال ثم من قلت المرار بن منقذ قال ما لك وله قلت أعان علي الفرزدق قال فما قلت له قال قلت
(8/27)

( بَني مُنْقِذٍ لا صُلْحَ حتى تَضُمَّكُمْ ... من الحربِ صَمَّاءُ القَنَاةِ زَبُونُ )
( وحتى تَذُوقوا كأسَ مَنْ كان قبلَكم ... ويَسْلَحَ منكم في الحبِال قَرِينُ )
( فإن كنتُم كَلْبَى فعِندي شفاؤكم ... وللجنِّ إن كان اعتراكَ جنونُ )
قال ثم من قلت حكيم بن معية من بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم قال وما لك وله قلت بلغني أنه اعان علي غسان السليطي قال فما قلت له قال قلت
( إذا طلعَ الرُّكْبَانُ نَجْداً وغَوَّرُوا ... بها فارْجُزَا يا بْنَيْ مُعَيَّةَ أو دَعَا )
( أَتَسْمَنُ أَسْتَاهُ المَجَرِّ وقد رأوْا ... مَجَرّاً بوَعْسَاوَيْ رُمَاحَ مصرَّعَا ) ألا إنَّما كانت غَضُوبُ مُحَامِياً ... غَدَاةَ اللَّوَى لم تَدْفَع الضَّيْمَ مَدْفَعَا )
قال ثم من قلت ثور بن الأشهب بن رميلة النهشلي قال وما لك وله قلت أعان علي الفرزدق قال فما قلت له قال قلت
( سيَخْزَى إذا ضَنَّتْ حَلاَئبُ مالكٍ ... ثُوَيرٌ ويَخْزَى عاصِمٌ وجَمِيعُ )
( وقَبْلكَ ما أَعْيَا الرُّمَاةَ إذا رَمَوْا ... صَفاً ليس في قاراتهنّ صُدُوعُ )
(8/28)

قال ثم من قلت الدلهمس أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة قال ما لك وله قلت أعان علي الفرزدق قال فما قلت له قال قلت
( لقد نَفَخَتْ منكَ الوَرِيدَيْنِ عِلْجَةٌ ... خَبِيثةُ ريح المَنْكِبَيْنِ قَبوعُ )
( ولو أَنْجَبَتْ أُمُ الدَّلَهْمَسِ لمّ يَعِبْ ... فَوَارِسَنا لا عاش وهو جميعُ )
( أليس ابنَ حَمْراءِ العِجَانِ كأنَّما ... ثلاثةُ غِرْبانٍ عليه وُقوعُ )
( فلا تُدْنِيَا رَحْلَ الدَّلَهْمَسِ إنه ... بصيرٌ بما يأتي اللئامُ سَمِيعُ )
( هو النَّخْبَةُ الخَوَّارُ ما دون قلبِه ... حِجَابٌ ولا حولَ الحجابِ ضُلوعُ )
قال ثم مررت على مجلس لهم فاعتذرت إليهم فلم يقبلوا عذري وأنشدوني شعرا لم يخبروني من قاله
( غضِبتَ علينا أن عَلاَكَ ابنُ غالبٍ ... فَهَلاَّ على جَدَّيْكَ في ذاكَ تغضَبُ )
( هُمَا إذْ عَلا بالمرءِ مَسعاةُ قومِه ... أَنَاخَا فشَدَّاك العِقَالُ المؤرَّبُ )
قال فعلمت أنه شعر قبضة الكلب قال فجمعتهم في شعري فقلت
( وأكثرُ ما كانت رَبِيعةُ أنها ... خِبَاءانِ شَتَّى لا أنِيسٌ ولا قَفْرُ )
( مُحَالِفُهم فَقْرٌ شديدٌ وذِلَّةٌ ... وبئس الحَلِيفان المَذَلَّةُ والفَقْرُ )
( فصَبْراً على ذُلٍّ ربِيعَ بنَ مالكٍ ... وكلُّ ذليلٍ خيرُ عادتِه الصبرُ )
قال ثم من قلت هبيرة بن الصلت الربعي من ربيعة بن مالك أيضا كان يروي شعر الفرزدق قال فما قلت له قال قلت
(8/29)

( يَمْشِي هُبَيرَةُ بعد مَقْتَل شَيْخِه ... مَشْيَ المُرَاسِل أُوذِنَتْ بطَلاقِ )
( ماذا أردتَ إليَّ حينَ تَحَرَّقَتْ ... نارِي وشُمِّر مِئْزَرِي عن سَاقيِ )
( إنَّ القِرَافَ بِمَنْخَرَيْكَ لَبيِّنٌ ... وسواد وجهِك يآبن أمَّ عِفاقِ )
( سِيرُوا فرُبَّ مُسَبِّحينَ وقائلٍ ... هذا شَقاً لبَنِي رَبيعةَ بَاقِي )
( أَبَنِي رَبيعةَ قد أَخَسَّ بحَظِّكُمْ ... لؤمُ الجُدودِ ودِقَّة الأخلاقِ )
قال ثم من قلت علقة والسرندى من بني الرباب كانا يعينان ابن لجأ
قال فما قلت لهما قال قلت
( عَضَّ السَّرَنْدَى على تَثْليم ناجِذه ... من أمِّ عِلْقَةَ بَظْراً غَمَّه الشَّعرُ )
( وعَضَّ عِلْقَةُ لا يأْلُوا بعُرْعُرَةٍ ... من بَظْرِ أُمِّ السَّرَنْدَى وهو منتصِرُ )
قال ثم من قلت الطهوي كان يروي شعر الفرزدق قال ما قلت له قال قلت
( أَتَنْسَوْنَ وَهْباً يا بَنِي زَبَدِ اسْتِها ... وقد كنتمُ جِيرانَ وَهْب بنِ أَبْجَرا )
( فما تَتَّقُون الشرَّ حتَّى يُصِيبَكم ... ولا تَعْرِفون الأمر إلا تدبُّرا )
( ألا رُبّ أَعْشَى ظالمٍ متخمِّطٍ ... جعلتُ لعينيه جِلاءً فأَبْصَرَا )
قال ثم من قلت عقبة بن السنيع الطهوي وكان نذر دمي قال
(8/30)

فما قلت له قال قلت
( يا عُقْب يابنَ سُنَيْع ليس عندكمُ ... مأْوَى الرِّفَاقِ ولا ذو الرايةِ الغَادِي )
( يا عُقْب يابنَ سُنَيْع بعضَ قولِكُم ... إن الوِثَابَ لكم عندي بمِرْصَادِ )
( ما ظنُّكم بِبَنِي مَيْثَاءَ إن فَزِعُوا ... ليلاً وشَدَّ عليهم حَيَّةُ الوادي )
( يَغْدوا عليَّ أبو لَيْلَى ليقتلَني ... جَهْلاً عليَّ ولم يَثْأر بشَدَّاد )
( إرْوُوا عليَّ وأرْضُوا بي صديقَكُم ... واستسْمِعُوا يا بَنِي مَيْثاء إنشادِي ) ميثاء هي بنت زهير بن شداد الطهوي وهي أم عوف بن أبي سود بن مالك بن حنظلة
وقال أيضا لبني ميثاء
( نُبِّئتُ عُقْبةَ خَصَّافاً تَوَعَّدَنِي ... يا رُبَّ آدَرَ من مَيْثَاءَ مَأْفُونِ )
( لَوْ في طُهَيَّةَ أحلامٌ لما اعترضوا ... دونَ الذي كنتُ أَرْمِيه ويَرْمِيني ) قال ثم من قلت سحمة الأعور النبهاني كانت له امرأة من طيىء ولدت في بني سليط فأعطوه وحملوه علي فسألني فآشتط ولم يكن عندي فحرمته فقال
( أقول لأصحابي النَّجَاءَ فإنه ... كَفَى الذَّم أن يأتي الضيوفَ جَريرُ )
( جَرِيرُ ابن ذاتِ البَظْرِ هل أنت زائلٌ ... لقِدْرِك دون النازلين سُتورُ )
( وهل يُكْرِم الأضيافَ كلبٌ لكلبةٍ ... لها عند أَطْنابِ البيوت هَرِيرُ )
(8/31)

( فلو عندَ غَسَّانَ السَّلِيطِي عَرَّسَتْ ... رَغَا قَرَنٌ منها وكَسَ عَقِيرُ )
( فَتىً هو خيرٌ منكَ نفساً ووالداً ... عليكَ إذا كان الجِوار يُجِيرُ )
فقال جرير
( وَجَدْنا بَنِي نَبْهانَ أذنابَ طيّىء ... وللناسِ أذنابٌ تُرَى وصُدورُ )
( تغنَّى ابنُ نَبْهانِيَّةٍ طال بَظْرُها ... وباعُ ابنِها عند الهِياج قَصيرُ )
( وأَعْورَ من نَبْهانَ أمَّا نَهَارُه ... فأَعْمَى وأمَّا ليلُه فَبَصِيرُ )
( ستأتي بَنِي نَبْهانَ منَّي قصائدٌ ... تطلعُ من سَلْمَى وهنّ وُعُورُ )
( تَرَى قَزَمَ المِعْزَى مُهُورَ نسائهم ... وفي قَزَمِ المِعْزَى لهنّ مُهُورُ )
قال وطلع الصبح فنهض ونهضت قال فأخبرني من كان قاعدا معه أنه قال قاتله الله أعرابيا إنه لجرو هراش
خبره مع راعي الإبل وابنه جندل
أخبرني علي بن سليمان قال حدثنا أبو سعيد السكري عن الرياشي عن الأصمعي قال وذكر المغيرة بن حجناء قال حدثني أبي عن أبيه قال
كان راعي الإبل يقضي للفرزدق على جرير ويفضله وكان راعي الإبل قد ضخم أمره وكان من شعراء الناس فلما أكثر من ذلك خرج جرير إلى رجال من قومه فقال هلا تعجبون لهذا الرجل الذي يقضي للفرزدق علي وهو يهجو قومه وأنا أمدحهم قال جرير فضربت رأيي فيه ثم خرج جرير ذات يوم
(8/32)

يمشي ولم يركب دابته وقال والله ما يسرني أن يعلم أحد وكان لراعي الإبل والفرزدق وجلسائهما حلقة بأعلى المربد بالبصرة يجلسون فيها قال فخرجت أتعرض له لألقاه من حيال حيث كنت أراه يمر إذا انصرف من مجلسه وما يسرني أن يعلم أحد حتى إذا هو قد مر على بغلة له وابنه جندل يسير وراءه على مهر له أحوى محذوف الذنب وإنسان يمشي معه يسأله عن بعض السبب فلما استقبلته قلت مرحبا بك يا أبا جندل وضربت بشمالي على معرفة بغلته ثم قلت يا أبا جندل إن قولك يستمع وإنك تفضل الفرزدق علي تفضيلا قبيحا وأنا أمدح قومك وهو يهجوهم وهو ابن عمي ويكفيك من ذاك هين إذا ذكرنا أن تقول كلاهما شاعر كريم ولا تحتمل مني ولا منه لائمة قال فبينا أنا وهو كذاك واقفا علي وما رد علي بذلك شيئا حتى لحق ابنه جندل فرفع كرمانية معه فضرب بها عجز بغلته ثم قال لا أراك واقفا على كلب من بني كليب كأنك تخشى منه شرا أو ترجو منه خيرا وضرب البغلة ضربة فرمحتني رمحة وقعت منها قلنسوتي فوالله لو يعرِّج علي الراعي لقلت سفيه غوى يعني جندلا ابنه ولكن لا والله ما عاج علي فأخذت قلنسوتي فمسحتها ثم أعدتها على راسي ثم قلت
( أَجَنْدلُ ما تقول بنو نُمَيْرٍ ... إذا ما الأْير في استِ أبيك غابَا )
فسمعت الراعي قال لابنه أما والله لقد طرحت قلنسوته طرحة مشؤومة
قال جرير ولا والله ما القلنسوة بأغيظ أمره إلي لو كان عاج علي فانصرف جرير غضبان حتى إذا صلى العشاء بمنزله في علية له قال ارفعوا إلي
(8/33)

باطية من نبيذ وأسرجوا لي فأسرجوا له وأتوه بباطية من نبيذ قال فجعل يهمهم فسمعت صوته عجوز في الدار فاطلعت في الدرجة حتى نظرت إليه فإذا هو يحبو على الفراش عريانا لما هو فيه فانحدرت فقالت ضيفكم مجنون رأيت منه كذا وكذا فقالوا لها اذهبي لطيتك نحن أعلم به وبما يمارس فما زال كذلك حتى كان السحر ثم إذا هو يكبر قد قالها ثمانين بيتا في بني نمير فلما ختمها بقوله
( فغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ من نُمَيرٍ ... فلا كَعْباً بلغتَ وَلا كِلاَبَا )
كبر ثم قال أخزيتُه ورب الكعبة ثم أصبح حتى إذا عرف أن الناس قد جلسوا في مجالسهم بالمربد وكان يعرف مجلسه ومجلس الفرزدق دعا بدهن فادهن وكف رأسه وكان حسن الشعر ثم قال يا غلام أسرج لي فأسرج له حصانا ثم قصد مجلسهم حتى إذا كان بموضع السلام قال يا غلام ولم يسلم قل لعبيد ابعثك نسوتك تكسبهن المال بالعراق أما والذي نفس جرير بيده لترجعن إليهن بمير يسوءهن ولا يسرهن ثم اندفع فيها فأنشدها قال فنكس الفرزدق وراعي الإبل وأرم القوم حتى إذا فرغ منها سار وثبت راعي الإبل ساعة ثم ركب بغلته بشر وعر وخلى المجلس حتى ترقى إلى منزله الذي ينزله قال لأصحابه ركابكم فليس لكم ها هنا مقام فضحكم والله جرير فقال له بعض القوم ذاك شؤمك وشؤم ابنك قال فما كان إلا ترحلهم قال فسرنا إلى أهلنا سيرا ما ساره أحد وهم بالشريف
(8/34)

وهو أعلى دار بني نمير فيحلق بالله راعي الإبل إنا وجدنا في أهلنا
( فغُضَّ الطَّرْفَ إنكَ من نُمَيرٍ ... )
وأقسم بالله ما بلغه إنسي قط وإن لجرير لأشياعا من الجن فتشاءمت به بنو نمير وسبوه وابنه فهم يتشاءمون به إلى الآن
قصيدته في هجو الراعي
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه قال حدثني مولى لبني كليب بن يربوع كان يبيع الرطب بالبصرة أنسيت اسمه قال
كنت أجمع شعر جرير وأشتهي أن أحفظه وأرويه فجاءني ليلة فقال إن راعي الإبل النميري قد هجاني وإني آتيك الليلة فأعد لي شواء رشراشا ونبيذا مخفسا فأعددت له ذلك فلما أعتم جاءني فقال هلم عشاءك فأتيته به فأكل ثم قال هلم نبيذك فأتيته به فشرب أقداحا ثم قال هات دواة وكتفا فأتيته بهما فجعل يملي علي قوله
( أَقِلِّي اللومَ عَاذِلَ والعتابَا ... وقُولِي إن أَصَبْتُِ لقد أصابَا )
حتى بلغ إلى قوله
( فغُضَّ الطَّرْفَ إنكَ من نُمَيرٍ ... )
فجعل يردده ولا يزيد عليه حتى حملتني عيني فضربت بذقني صدري نائما فإذا به قد وثب حتى أصاب السقف رأسه وكبر ثم صاح أخزيته والله اكتب
(8/35)

( فلا كَعْباً بلغتَ ولا كِلاَبَا ... )
غضضته وقدمت إخوته عليه والله لا يفلح بعدها أبدا فكان والله كما قال ما افلح هو ولا نميري بعدها
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال
اقبل راكب من اليمامة فمر بالفرزدق وهو جالس في المربد فقال له من اين أقبلت قال من اليمامة فقال هل رأيت ابن المراغة قال نعم قال فأي شيء أحدث بعدي فأنشده
( هاجَ الهوى لفؤادك المُهْتاجِ ... )
فقال الفرزدق
( فانظُر بتُوضِحَ باكِرَ الأَحْداجِ ... )
فأنشده الرجل
( هذا هَوىً شغَف الفؤادَ مبرِّحٌ ... )
فقال الفرزدق
( ونَوىً تَقَاذَفُ غيرُ ذاتِ خِلاَج ... ) ِ
فأنشده الرجل
( إن الغراب بما كرِهتَ لمُولَعُ ... )
(8/36)

فقال الفرزدق
( بِنَوَى الأحبَّةِ دائمُ التَّشْحَاجِ ... )
فقال الرجل هكذا والله قال أفسمعتها من غيري قال لا ولكن هكذا ينبغي أن يقال أوما علمت أن شيطاننا واحد ثم قال أمدح بها الحجاج قال نعم قال إياه أراد
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا محمد بن إسحاق بن عبد الرحمن قال حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال حدثني أبو عبيدة قال
التقى جرير والفرزدق بمنى وهما حاجان فقال الفرزدق لجرير
( فإنك لاقٍ بالمنازل من مِنىً ... فَخَاراً فخبِّرْنِي بمن أنت فاخرُ )
فقال له جرير بلبيك اللهم لبيك قال إسحاق فكان أصحابنا يستحسنون هذا الجواب من جرير ويعجبون منه
أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام وأخبرني وكيع عن محمد بن إسماعيل عن ابن سلام قال حدثنا أبو الخطاب عن أبيه عن حجناء بن جرير قال
قلت لأبي يا ابت ما هجوت قوما قط إلا أفسدتهم سوى التيم فقال
(8/37)

إني لم أجد حسبا أضعه ولا بناء أهدمه
قال ابن سلام أخبرني أبو قيس عن عكرمة بن جرير قال قلت لأبي يا أبت من أشعر الناس فقال ألجاهلية تريد أم الإسلام قلت أخبرني عن الجاهلية قال شاعر الجاهلية زهير قلت فالإسلام قال نبعة الشعر الفرزدق قلت فالأخطل قال يجيد صفة الملوك ويصيب نعت الخمر قلت فما تركت لنفسك قال دعني فإني نحرت الشعر نحرا (
الفرزدق توقع سلفا ما هجاه به جرير
)
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثني الحسن بن عليل قال حدثني محمد بن عبد الله العبدي عن عمارة بن عقيل عن جده قال
وقف الفرزدق على أبي بمربد البصرة وهو ينشد قصيدته التي هجا بها الراعي فلما بلغ إلى قوله
( فغُضَّ الطَّرْف إنك من نُمَيرٍ ... فلا كَعْباً بلغت ولا كِلابا )
أقبل الفرزدق على روايته فقال غضه والله فلا يجيبه أبدا ولا يفلح بعدها فلما بلغ إلى قوله
( بها بَرَصٌ بجانبِ إسْكَتَيْها ... )
وضع الفرزدق يده على فيه وغطى عنفقته فقال أبي
( كَعَنْفَقَةِ الفرزدقِ حين شابَا ... )
(8/38)

فانصرف الفرزدق وهو يقول اللهم أخزه والله لقد علمت حين بدأ بالبيت أنه لا يقول غير هذا ولكن طمعت ألا يأبه فغطيت وجهي فما أغناني ذلك شيئا قال العنزي حدثني مسعود بن بشر عن أبي عبيدة قال قال يونس ما أرى جريرا قال هذا المصراع إلا حين غطى الفرزدق عنفقته فإنه نبهه عليه بتغطيته إياها
الفرزدق يعترف بمجاراة جرير له
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا المدائني عن أبي بكر الهذلي قال
قال رجل من بني دارم للفرزدق وهو بالبصرة يا ابا فراس هل تعلم اليوم أحدا يرمي معك فقال لا والله ما أعرف نابحا إلا وقد استكان ولا ناهشا إلا وقد انجحر إلا القائل
( فإنْ لم أَجِدْ في القُرْبِ والبعدِ حاجتي ... تَشَأَّمتُ أو حوَّلتُ وجهي يمانيَا )
( فرُدِّي جِمَالَ الحيِّ ثم تَحَمَّلي ... فما لكِ فيهم من مُقَامٍ ولا لِيَا )
( فإنِّي لمغرورٌ أُعلَّل بالمُنَى ... لياليَ أرجو أنّ ما لَكَ ما ليا )
( وقائلةٍ والدمعُ يَحْدِر كُحْلَها ... ابعدَ جرير تُكرِمون المَوَاليِا )
( بأيِّ نِجَادٍ تحمِل السيفَ بعدما ... قطعتَ القُوَى من مِحْمَلٍ كان باقيا )
( بأيِّ سنانٍ تطعُنُ القَرْمَ بعدما ... نزَعْتَ سِناناً من قَنَاتِك ماضيا )
( لساني وسيفي صارمانِ كلاهما ... ولَلسَّيْفُ أَشْوَى وَقْعةً من لسانيا )
(8/39)

قال وهذا الشعر لجرير
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد عن عمارة بن عقيل عن أبيه قال
قال جرير وفدت إلى يزيد بن معاوية وأنا شاب يومئذ فاستؤذن لي عليه في جملة الشعراء فخرج الحاجب إلي وقال يقول لك أمير المؤمنين إنه لا يصل إلينا شاعر لا نعرفه ولا نسمع بشيء من شعره وما سمعنا لك بشيء فنأذن لك على بصيرة فقلت له تقول لأمير المؤمنين أنا القائل
( وإنِّي لَعَفُّ الفقر مُشْتَرَكُ الغِنَى ... سريعٌ إذا لم أرضَ داري انتقاليا )
( جريءُ الجَنَانِ لا أَهاب مِنَ الرَّدَى ... إذا ما جعلتُ السيفَ قَبْضَ بَنَانيا )
( وليس لسيفي في العظامِ بَقِيَّةٌ ... ولَلسَّيْفُ أَشْوَى وقعةً من لسانيا ) فدخل الحاجب عليه فأنشده الأبيات ثم خرج إلي وأذن لي فدخلت وأنشدته وأخذت الجائزة مع الشعراء فكانت أول جائزة أخذتها من خليفة وقال لي لقد فارق أبي الدنيا وما يظن أبياتك التي توسلت بها إلي إلا لي (
حماد الرواية يوازن بينه وبين الفرزدق
)
أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي عن حماد الراوية قال
أتيت الفرزدق فأنشدني ثم قال لي هل أتيت الكلب جريرا قلت نعم قال فأنا أشعر أو هو فقلت أنت في بعض الأمر وهو في بعض فقال لم تناصحني فقلت هو أشعر إذا أرخى من خناقه وأنت أشعر منه إذا خفت أو رجوت فقال وهل الشعر إلا في الخوف والرجاء وعند الخير والشر
(8/40)

أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن الحارث قال حدثنا المدائني عن يحيى بن عنبسة القرشي وعوانة بن الحكم
أن جريرا والفرزدق اجتمعا عند بشر بن مروان فقال لهما بشر إنكما قد تقارضتما الأشعار وتطالبتما الآثار وتقاولتما الفخر وتهاجيتما فأما الهجاء فليست بي إليه حاجة فجددا بين يدي فخرا ودعاني مما مضى فقال الفرزدق
( نحن السَّنَامُ والمَنَاسِمُ غيرُنا ... فمَنْ ذا يُساوِي بالسَّنَامِ المناسمَا )
فقال جرير
( على موضع الأَسْتاهِ أنتم زعمتُمُ ... وكلُّ سَنَامٍ تابعٌ للغَلاَصِمِ )
فقال الفرزدق
( على مَحْرَثٍ للفَرْث أنتم زعمتُمُ ... ألاَ إنَّ فوق الغَلْصَمات الجَمَاجِمَا )
فقال جرير
( وأنبأتُمونا أنكم هامُ قومِكم ... ولا هامَ إلا تابعٌ للخَرَاطم )
فقال الفرزدق
( فنحن الزِّمامُ القائدُ المقتدَى به ... من الناس ما زِلنا ولسنا لَهَازِمَا )
فقال جرير
( فنحن بَنِي زيد قطعنا زِمامِها ... فتاهت كسارٍ طائِش الرأسِ عارِمِ )
(8/41)

فقال بشر غلبته يا جرير بقطعك الزمام وذهابك بالناقة وأحسن الجائزة لهما وفضل جريرا
قال المدائني وحدثني عوانة بن الحكم قال
جاء جرير إلى باب سكينة بنت الحسين عليه السلام يستأذن عليها فلم تاذن له وخرجت إليه جارية لها فقالت تقول لك سيدتي أنت القائل
( طَرَقَتْكَ صائدةُ القلوب وليس ذا ... حينَ الزيارةِ فارْجِعِي بسلامِ )
قال نعم قالت فألا أخذت بيدها فرحبت بها وأدنيت مجلسها وقلت لها ما يقال لمثلها أنت عفيف وفيك ضعف فخذ هذين الألفي الدرهم فالحق بأهلك
سكينة بنت الحسين فضلته على الفرزدق
قال المدائني في خبره هذا وحدثني أبو يعقوب الثقفي عن الشعبي أن الفرزدق خرج حاجا فلما قضى حجه عدل إلى المدينة فدخل إلى سكينة بنت الحسين عليهما السلام فسلم فقالت له يا فرزدق من أشعر الناس قال أنا قالت كذبت أشعر منك الذي يقول
( بنفسِي مَنْ تَجَنُّبُه عزيزٌ ... عليّ ومَنْ زيارتُه لِمَامُ )
( ومَنْ أمسِي وأُصبِح لا أَراه ... ويَطْرُقُنِي إذا هَجَع النِّيام )
فقال والله لو أذنت لي لأسمعتك أحسن منه قالت أقيموه فأخرج
(8/42)

ثم عاد إليها من الغد فدخل عليها فقالت يا فرزدق من أشعر الناس قال أنا قالت كذبت صاحبك جرير أشعر منك حيث يقول
( لولا الحياءُ لعادني استعبارُ ... ولَزُرْتُ قبرك والحبيبُ يُزَارُ )
( كانت إذا هَجَر الضَّجِيعُ فِراشَها ... كُتِمَ الحديثُ وعَفَّت الأسرارُ )
( لا يَلْبَثُ القُرَنَاءُ أنْ يتفرَّقوا ... ليلٌ يكُرّ عليهمُ ونهارُ )
فقال والله لئن أذنت لي لأسمعنك أحسن منه فأمرت به فأخرج ثم عاد إليها في اليوم الثالث وحولها مولدات لها كأنهن التماثيل فنظر الفرزدق إلى واحدة منهن فأعجب بها وبهت ينظر إليها فقالت له سكينة يا فرزدق من أشعر الناس قال أنا قالت كذبت صاحبك أشعر منك حيث يقول
( إنَّ العيونَ التي في طَرْفِها مَرَضٌ ... قتلْنَنَا ثم لم يُحْيِينَ قَتْلانا )
( يَصْرَعْنَ ذا اللُّبِّ حتى لا حَرَاكَ به ... وهنّ أضعفُ خَلْقِ اللَّه اركانا )
( أَتْبعتُهم مُقْلةً إنسانُها غَرِقٌ ... هل ما تَرَى تاركٌ للعين إنسانا )
فقال والله لئن تركتني لأسمعنك أحسن منه فأمرت بإخراجه فالتفت إليها وقال يا بنت رسول الله إن لي عليك حقا عظيما قالت وما هو قال ضربت إليك آباط الإبل من مكة إرادة التسليم عليك فكان جزائي من ذلك تكذيبي وطردي وتفضيل جرير علي ومنعك إياي أن أنشدك شيئا من شعري وبي ما قد عيل منه صبري وهذه
(8/43)

المنايا تغدوا وتروح ولعلي لا أفارق المدينة حتى أموت فإذا أنا مت فمري بي أن أدرج في كفني وأدفن في حر هذه يعني الجارية التي أعجبته فضحكت سكينة وأمرت له بالجارية فخرج بها آخذا بريطتها وأمرت الجواري فدفعن في أقفيتهما ونادته يا فرزدق احتفظ بها وأحسن صحبتها فإني آثرتك بها على نفسي
قال المدائني في خبره هذا وحدثني أبو عمران بن عبدالملك بن عمير عن أبيه وحدثنيه عوانة أيضا قالا
صنع عبدالملك بن مروان طعاما فأكثر وأطاب ودعا إليه الناس فأكلوا فقال بعضهم ما أطيب هذا الطعام ما نرى أن أحدا رأى أكثر منه ولا أكل أطيب منه فقال أعرابي من ناحية القوم أما أكثر فلا وأما أطيب فقد والله أكلت أطيب منه فطفقوا يضحكون من قوله فأشار إليه عبدالملك فأدني منه فقال ما أنت بمحق فيما تقول إلا أن تخبرني بما يبين به صدقك فقال نعم يا أمير المؤمنين بينا أنا بهجر في برث أحمر في أقصى حجر إذ توفي أبي وترك كلا وعيالا وكان له نخل فكانت فيه نخلة لم ينظر الناظرون إلى مثلها كأن تمرها أخفاف الرباع لم ير تمر قط أغلظ ولا أصلب ولا أصغر نوى ولا أحلى حلاوة منه وكانت تطرقها أتان وحشية قد ألفتها تأوي الليل تحتها
(8/44)

فكانت تثبت رجليها في أصلها وترفع يديها وتعطو بفيها فلا تترك فيها إلا النبيذ والمتفرق فأعظمني ذلك ووقع مني كل موقع فانطلقت بقوسي وأسهمي وأنا أظن أني أرجع من ساعتي فمكثت يوما وليلة لا اراها حتى إذا كان السحر أقبلت فتهيأت لها فرشقتها فأصبتها وأجهزت عليها ثم عمدت إلى سرتها فاقتددتها ثم عمدت إلى حطب جزل فجمعته إلى رضف وعمدت إلى زندي فقدحت وأضرمت النار في ذلك الحطب وألقيت سرتها فيه وأدركني نوم الشباب فلم يوقظني إلا حر الشمس في ظهري فانطلقت إليها فكشفتها وألقيت ما عليها من قذى وسواد ورماد ثم قلبت منها مثل الملاءة البيضاء فألقيت عليها من رطب تلك النخلة المجزعة والمنصفة فسمعت لها أطيطا كتداعي عامر وغطفان ثم أقبلت أتناول الشحمة واللحمة فأضعها بين التمرتين وأهوي إلى فمي فبما أحلف إني ما أكلت طعاما مثله قط فقال له عبد الملك لقد أكلت طعاما طيبا فمن أنت قال أنا رجل جانبتني عنعنة تميم وأسد وكشكشة ربيعة وحوشي أهل اليمن وإن كنت منهم فقال من ايهم أنت قال من أخوالك من عذرة قال أولئك فصحاء الناس فهل لك علم بالشعر قال سلني عما بدا لك يا أمير المؤمنين قال أي بيت قالته العرب أمدح قال قول جرير
(8/45)

( ألستم خيرَ مَنْ ركِبَ المَطايا ... وأَنْدَى العالمين بطونَ راحِ )
قال وكان جرير في القوم فرفع رأسه وتطاول لها ثم قال فأي بيت قالته العرب أفخر قال قول جرير
( إذا غضبتْ عليك بنو تَميم ... حسبتَ الناسَ كلَّهمُ غِضَابَا )
قال فتحرك لها جرير ثم قال له فأي بيت أهجى قال قول جرير
( فغُضَّ الطَّرْفَ إنك من نُمَيرٍ ... فلا كَعْباً بلغتَ ولا كِلاَبا )
قال فاستشرف لها جرير قال فأي بيت أغزل قال قول جرير
( إن العيون التي في طَرْفِها مَرَضٌ ... قَتَلْنَنا ثم لم يُحيِين قَتْلانا ) قال فاهتز جرير وطرب ثم قال له فأي بيت قالته العرب أحسن تشبيها قال قول جرير
( سَرَى نحوَهم ليلٌ كأنّ نجومَه ... قَنَادِيلُ فيهنّ الذُّبَال المفتَّلُ )
فقال جرير جائزتي للعذري يا أمير المؤمنين فقال له عبد الملك وله مثلها من بيت المال ولك جائزتك يا جرير لا تنتقص منها شيئا وكانت جائزة جرير أربعة آلاف درهم وتوابعها من الحملان والكسوة فخرج العذري وفي يده اليمنى ثمانية آلاف درهم وفي اليسرى رزمة ثياب
أخبرنا هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا المدائني عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عياش الهمداني قال
بينا المهلب ذات يوم ( أو ليلة ) بفارس وهو يقاتل الأزارقة إذ سمع في عسكره جلبة وصياحا فقال ما هذا قالوا جماعة من العرب تحاكموا إليك
(8/46)

في شيء فأذن لهم فقالوا إنا اختلفنا في جرير والفرزدق فكل فريق منا يزعم أن أحدهما أشعر من الآخر وقد رضينا بحكم الأمير فقال كأنكم أردتم أن تعرضوني لهذين الكلبين فيمزقا جلدتي لا أحكم بينهما ولكني ادلكم على من يهون عليه سبال جرير وسبال الفرزدق عليكم بالأزارقة فإنهم قوم عرب يبصرون بالشعر ويقولون فيه بالحق فلما كان الغد خرج عبيدة بن هلال اليشكري ودعا إلى المبارزة فخرج إليه رجل من عسكر المهلب كان لقطري صديقا فقال له يا عبيدة سألتك الله إلا أخبرتني عن شيء أسألك عنه قال سل قال أوتخبرني قال نعم إن كنت أعلمه قال أجرير أشعر أم الفرزدق قال قبحك الله أتركت القرآن والفقه وسألتني عن الشعر قال إنا تشاجرنا في ذلك ورضينا بك فقال من الذي يقول
( وَطوَى الطِّرَادُ مع القِيَادِ بطونَها ... طَيَّ التِّجَارِ بحَضْرَمَوْتَ بُرُودَا )
فقال جرير قال هذا أشعر الرجلين (
لم ينسب ولم يرجز
)
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا الرياشي عن العتيبي قال
قال جرير ما عشقت قط ولو عشقت لنسبت نسيبا تسمعه العجوز فتبكي على ما فاتها من شبابها وإني لأرى من الرجز أمثال آثار الخيل في الثرى ولولا أني أخاف أن يستفزعني لأكثرت منه
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وعمي قالا حدثنا ابن الأعرابي
(8/47)

قال حدثنا عبد الرحمن بن سعيد بن بيهس بن صهيب الجرمي عن عامر بن شبل الجرمي قال
قدم جرير على عبدالعزيز بن الوليد بن عبد الملك وهو نازل بدير مران فكنا نغدوا إليه بكرا فيخرج إلينا ويجلس في برنس خز له لا يكلمنا كلمة حتى يجيء طباخ عبد العزيز إليه بقدح من طلاء مسخن يفور وبكتلة من سمن كأنها هامة رجل فيخوضها فيه ثم يدفعه إليه فيأتي عليه ويقبل علينا ويحدثنا في كل فن وينشدنا لنفسه ولغيره حتى يحضر غداء عبد العزيز فنقوم إليه جميعا وكان يختم مجلسه بالتسبيح فيطيل فقال له رجل ما يغني عنك هذا التسبيح مع قذفك للمحصنات فتبسم وقال يابن أخي ( خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ) إنهم والله يابن أخي يبدأوني ثم لا أحلم
أخبرني عمي قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن سعيد بن جعفر بن يوسف بن محمد بن موسى قال حدثني الأخفش عن أبي محذورة الوراق عن أبي مالك الراوية قال سمعت الفرزدق يقول وأخبرني بهذا الخبر محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني إبراهيم بن محمد الطائفي قال حدثني محمد بن مسعدة الأخفش عن أبي محذورة الوراق عن أبي مالك الراوية قال
(8/48)

سمعت الفرزدق يقول أبق غلامان لرجل منا يقال له الخضر فحدثني قال خرجت في طلبهما وأنا على ناقة لي عيساء كوماء أريد اليمامة فلما صرت في ماء لبني حنيفة يقال له الصرصران ارتفعت سحابة فرعدت وبرقت وأرخت عزاليها فعدلت إلى بعض ديارهم وسألت القرى فأجابوا فدخلت داراً لهم وأنخت الناقة وجلست تحت ظلة لهم من جريد النخل وفي الدار جويرية لهم سوداء إذ دخلت جارية كأنها سبيكة فضة وكأن عينيها كوكبان دريان فسألت الجارية لمن هذه العيساء تعني ناقتي فقالت لضيفكم هذا فعدلت إلي فقالت السلام عليكم فرددت عليها السلام فقالت لي ممن الرجل فقلت من بني حنظلة فقالت من أيهم فقلت من بني نهشل فتبسمت وقالت أنت إذا ممن عناه الفرزدق بقوله
( إن الذي سمَك السماءَ بنَى لنا ... بيتاً دعائمُه أعزُّ وأطولُ )
( بيتاً بناه لنا المليكُ وما بَنَى ... مَلِكُ السماءِ فإنه لا يُنْقَلُ )
( بيتاً زُرَارةُ مُحْتَبٍ بفِنائه ... ومُجَاشِعٌ وأبو الفَوَارِس نَهْشَلُ )
قال فقلت نعم جعلت فداك وأعجبني ما سمعت منها فضحكت وقالت فإن ابن الخطفي قد هدم عليكم بيتكم هذا الذي فخرتم به حيث يقول
( أَخْزَى الذي رفَع السماء مُجَاشِعاً ... وبَنى بِناءكَ بالحَضيض الأسفل )
( بيتاً يُحَمِّمُ قَيْنُكم بفِنائه ... دَنِساً مَقَاعِدُه خبيثَ المَدْخَلِ )
(8/49)

قال فوجمت فلما رأت ذلك في وجهي قالت لا عليك فإن الناس يقال فيهم ويقولون ثم قالت اين تؤم قلت اليمامة فتنفست الصعداء ثم قالت ها هي تلك أمامك ثم أنشأت تقول
( تُذكِّرُني بلاداً خيرُ أهلِي ... بها أهلُ المروءة والكَرامه )
( أَلا فَسَقَى الإلهُ أَجَشَّ صَوْباً ... يَسُحُّ بدرِّه بلدَ اليمامه )
( وحَيّا بالسلام أبا نُجَيدٍ ... فأهلٌ للتحيَّة والسلامهْ )
( قال فأنست بها وقلت لها أذات خدن أم ذات بعل فأنشأت تقول
( إذا رَقد النِّيَامُ فإن عمراً ... تؤرِّقه الهمومُ إلى الصباحِ )
( تُقطِّع قلبَه الذِّكْرى وقلبي ... فلا هو بالخَليّ ولا بِصَاحِ )
( سقَى اللَّهُ اليمامة دار قوم ... بها عمرو يَحِنُّ إلى الرَّواحِ )
فقلت لها من عمرو هذا فأنشأت تقول
( سألتَ ولو علمتَ كَفَفْتَ عنه ... ومن لكَ بالجوابِ سِوَى الخبير )
( فإن تَكُ ذا قَبولٍ إن عَمْراً ... هو القَمَرُ المُضيءُ المستنيرُ )
( وما لي بالتبعُّلِ مُسْتَراحٌ ... ولو ردَّ التبعُّلُ لي أَسِيري )
قال ثم سكتت سكتة كأنها تتسمع إلى كلام ثم تهافتت وأنشأت تقول
( يخيَّل لي هَيَا عمرُو بنَ كَعْبٍ ... كأنك قد حُمِلْتَ على سريرِ )
( يَسير بك الهُوَيْنَى القومُ لما ... رَماك الحبُّ بالعَلق العَسِيرِ )
(8/50)

( فإن تَكُ هكذا يا عَمْرُو إنِّي ... مُبكِّرةٌ عليك إلى القبورِ )
ثم شهقت شهقة فخرت ميتة فقلت لهم من هذه فقالوا هذه عقيلة بنت الضحاك بن عمرو بن محرق بن النعمان بن المنذر بن ماء السماء فقلت لهم فمن عمرو هذا قالوا ابن عمها عمرو بن كعب بن محرق بن النعمان بن المنذر فارتحلت من عندهم فلما دخلت اليمامة سألت عن عمرو هذا فإذا هو قد دفن في ذلك الوقت الذي قالت فيه ما قالت
خبره مع عمر بن عبد العزيز
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدثنا محمد بن الحكم وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو الهيثم بدر بن سعيد العطار قال حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال
لما استخلف عمر بن عبد العزيز جاءه الشعراء فجعلوا لا يصلون إليه فجاء عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وعليه عمامة قد أرخى طرفيها فدخل فصاح به جرير
( يأيُّها القارىءُ المُرْخي عِمامَته ... هذا زمانُك إنِّي قد مَضَى زَمَنِي )
( أبلِغ خليفتَنا إن كنتَ لاقيَه ... أنِّي لَدَى البابِ كالمَصْفودِ في قَرَنِ )
قال فدخل على عمر فاستأذن له فأدخله عليه وقد كان هيأ له شعرا فلما دخل عليه غيره وقال
( إنا لنرجو إذا ما الغيثُ أَخْلَفَنا ... من الخليفةِ ما نرجوا من المطرِ )
( نال الخلافةَ إذ كانت له قَدَراً ... كما أَتَى ربَّه موسى على قَدَر )
(8/51)

( أأذكر الجَهْدَ والبَلْوَى التي نزلتْ ... أم تَكْتفي بالذي بُلَّغْتَ من خَبَرِي )
( ما زِلْتُ بعدَك في دارٍ تَعَرَّقُنِي ... قد طال بعدك إصعادي ومُنحدَرِي )
( لا ينفَع الحاضرُ المجهودُ بادِيَنا ... ولا يجود لنا بادٍ على حَضَرِ )
( كم بالمواسِم من شَعْثاءَ أَرْمَلةٍ ... ومن يَتيمٍ ضعيفِ الصوتِ والبصرِ )
( يدعوك دعوةَ ملهوفٍ كأنّ به ... خَبْلاً من الجِنّ أو مَسّاً من النُّشَرِ )
( ممّن يَعُدُّك نَكْفِي فَقْدَ والدِه ... كالفَرْخ في العُشِّ لم يَنْهَضْ ولم يَطِرِ )
قال فبكى عمر ثم قال يابن الخطفي أمن أبناء المهاجرين أنت فنعرف لك حقهم أم من ابناء الأنصار فيجب لك ما يجب لهم أم من فقراء المسلمين فنأمر صاحب صدقات قومك فيصلك بمثل ما يصل به قومك فقال يا أمير المؤمنين ما أنا بواحد من هؤلاء وإني لمن أكثر قومي مالا وأحسنهم حالا ولكني اسألك ما عودتنيه الخلفاء أربعة آلاف درهم وما يتبعها من كسوة وحملان فقال له عمر كل امرىء يلقى فعله وأما أنا فما أرى لك في مال الله حقا ولكن انتظر يخرج فانظر ما يكفي عيالي سنة منه فأدخره لهم ثم إن فضل فضل صرفناه إليك فقال جرير لا بل يوفر أمير المؤمنين ويحمد وأخرج راضيا قال فذلك أحب إلي فخرج فلما ولى قال عمر إن شر هذا ليتقى ردوه إلي فردوه فقال إن عندي أربعين دينارا وخلعتين إذا غسلت إحداهما لبست الأخرى وأنا مقاسمك ذلك على أن الله جل وعز يعلم أن عمر أحوج إلى ذلك منك فقال له قد وفرك الله يا أمير المؤمنين وأنا والله راض قال أما وقد حلفت فإن ما وفرته علي ولم تضيق به معيشتنا آثر في نفسي من المدح فامض مصاحبا فخرج فقال له أصحابه وفيهم الفرزدق
(8/52)

ما صنع بك أمير المؤمنين يا أبا حزرة قال خرجت من عند رجل يقرب الفقراء ويباعد الشعراء وأنا مع ذلك عنه راض ثم وضع رجله في غرز راحلته وأتى قومه فقالوا له ما صنع بك أمير المؤمنين أبا حزرة فقال
( تركتُ لكم بالشام حَبْلَ جماعةٍ ... أَمِينَ القُوَى مُسْتَحْصِدَ العَقْدِ باقيَا )
( وجدتُ رُقَى الشيطانِ لا تستفِزُّه ... وقد كان شيطاني من الجِنّ راقيَا )
هذه رواية عمر بن شبة وأما اليزيدي فإنه قال في خبره فقال له جرير يا أمير المؤمنين فإني ابن سبيل قال لك ما لأبناء السبيل زادك ونفقة تبلغك وتبدل راحلتك إن لم تحملك فألح عليه فقالت له بنو أمية يا أبا حزرة مهلا عن أمير المؤمنين ونحن نرضيك من أموالنا عنه فخرج وجمعت له بنو أمية مالا عظيما فما خرج من عند خليفة بأكثر مما خرج من عند عمر
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عبيدة قال
رأت أم جرير وهي حامل به كأنها ولدت حبلا من شعر أسود فلما سقط منها جعل ينزو فيقع في عنق هذا فيخنقه حتى فعل ذلك برجال كثير فانتبهت فزعة فأولت الرؤيا فقيل لها تلدين غلاما شاعرا ذا شر وشدة شكيمة وبلاء على الناس فلما ولدته سمته جريراً باسم الحبل الذي رأت أنه خرج منها قال والجرير الحبل
قال إسحاق وقال الأصمعي حدثني بلال بن جرير أو حدثت عنه
أن رجلا قال لجرير من أشعر الناس قال له قم حتى أعرفك الجواب فأخذ بيده وجاء به إلى أبيه عطية وقد أخذ عنزا له فاعتقلها وجعل يمص ضرعها
(8/53)

فصاح به اخرج يا أبت فخرج شيخ دميم رث الهيئة وقد سال لبن العنز على لحيته فقال ألا ترى هذا قال نعم قال أوتعرفه قال لا قال هذا أبي أفتدري لم كان يشرب من ضرع العنز قلت لا قال مخافة أن يسمع صوت الحلب فيطلب منه لبن ثم قال أشعر الناس من فاخر بمثل هذا الأب ثمانين شاعرا وقارعهم به فغلبهم جميعا
حدثني عمي قال حدثنا عبدالله بن أبي سعد قال حدثني عبدالله بن محمد بن موسى مولى بني هاشم قال حدثني عمارة بن عقيل عن المغيرة بن حجناء عن أبيه قال
ولد جرير لسبعة اشهر فكان الفرزدق يعيره ذلك وفيه يقول
( وأنت أبنُ صُغْرَى لم تَتمَّ شهورُها ... )
قال وولد عطية جريرا وأمه أم قيس بنت معيد من بني كليب وعمرا وأبا الورد فأما ابو الورد فكان يحسد جريرا فذهبت لجرير إبل فشمت به أبو الورد فقال له جرير
( أبا الورْدِ أَبْقَى اللَّهُ منها بَقِيّةً ... كَفَتْ كلَّ لَوَّامٍ خَذُولٍ وحاسِد )
وأما عمرو فكان أكبر من جرير وكان يقارضه الشعر فقال له جرير
( وعمرو قد كرِهتُ عتابَ عمروٍ ... وقد كثُر المَعَاتِبُ والذُّنوبُ )
( وقد صَدَّعتُ صخرةَ مَنْ رماكم ... وقد يُرْمى بيَ الحجرُ الصَّلِيبُ )
( وقد قطعَ الحديدَ فلا تُمَارُوا ... فِرِنْدٌ لا يُفَلّ ولا يَذُوبُ )
يزيد بن معاوية يعاتب أباه بشعر جرير وينسبه إلى نفسه
قال وأول شعر قاله جرير في زمن معاوية قاله لابنه
(8/54)

( فرُدِّي جِمالَ البَيْنِ ثم تَحَمَّلِي ... فَما لكِ فيهم من مُقَامٍ ولا لِيَا )
( لقد قادَنِي الجِيران يوماً وقُدْتُهم ... وفارقتُ حتَّى ما تصُبُّ جِمَالِيَا )
( وإنَّي لمغرورٌ أُعلَّلُ بالمُنَى ... لياليَ أرجو أن مالكَ مالِيَا )
( بأيّ سِنَانٍ تَطْعُنُ القَرْمَ بعدما ... نَزَعْتَ سِنَاناً من قَنَاتِك ماضيَا )
( بأيّ نِجَادٍ تحمِل السَّيفَ بعدما ... قطعتَ القُوَى من مِحْمَلٍ كان باقِيَا )
قال وكان يزيد بن معاوية عاتب أباه بهذه الأبيات ونسبها إلى نفسه لأن جريرا لم يكن شعره شهر حينئذ فقدم جرير على يزيد في خلافته فاستؤذن له مع الشعراء فأمر يزيد ألا يدخل عليه شاعر إلا من عرف شعره فقال جرير قولوا له أنا القائل
( فرُدِّي جِمالَ الحيِّ ثم تَحَمَّلِي ... فما لكِ فيهم من مُقامٍ ولا لِيَا )
فأمر بإدخاله فلما أنشده قال يزيد لقد فارق أبي الدنيا وما يحسب إلا أني قائلها وأمر له بجائزة وكسوة
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال قال ابو عبيدة قال أبو عمرو
استعار جرير من أبيه فحلا يطرقه في إبله فلما استغنى عنه جاءه أبوه في بت خلق يسترده فدفعه إليه وقال يا ابت هذا تُرَدّ إلى عطيَّةَ تُعْتَلُ يعرِّض بقول الفرزدق فيه
( ليس الكرامُ بناحِلِيكَ اباهُم ... حتى تُرَدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ )
(8/55)

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي وعمر بن شبة قالا حدثنا الأصمعي قال أخبرنا أبو عمرو بن العلاء قال
جلس جرير يملي على رجل قوله
( وَدِّعْ أُمامةِ حانَ منكَ رحيلُ ... إنَّ الوَدَاعَ لمن تحبّ قليلُ )
فمروا عليه بجنازة فقطع الإنشاد وجعل يبكي ثم قال شيبتني هذه الجنازة قال أبو عمرو فقلت له فعلام تقذف المحصنات منذ كذا وكذا فقال إنهم يبدأونني ثم لا أعفو
أخبرني عمي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال حدثنا عبد الله بن المعذل قال
كان أبي وجماعة من علمائنا يقولون إنما فضل جرير لمقاومته الفرزدق وأفضل شعر قاله جرير
( حَيِّ الهِدَمْلَةَ من ذات المَوَاعِيس ... )
أخبرني ابو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثنا ابو الغراف قال
أتى الفرزدق مجلس بني الهجيم في مسجدهم فأنشدهم وبلغ ذلك جريرا فأتاهم من الغد لينشدهم كما أنشدهم الفرزدق فقال له شيخ منهم يا هذا اتق الله فإن هذا المسجد إنما بني لذكر الله والصلاة فقال جرير أقررتم للفرزدق ومنعتموني وخرج مغضبا وهو يقول
(8/56)

( إنّ الهُجَيْمَ قبيلةٌ ملعونةٌ ... حُصُّ اللِّحَى متشابهو الألوانِ )
( هم يتركون بَنِيهمُ وبناتهم ... صُعْرَ الأنوفِ لريح كلِّ دُخَانِ )
( لو يَسمعون بأكلةٍ أو شَرْبةٍ ... بعُمَانَ أصبح جَمْعُهم بعُمَانِ )
قال وخفة اللحى في بني هجيم ظاهرة وقيل لرجل منهم ما بالكم يا بني الهجيم حص اللحى قال إن الفحل واحد
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن عبد الله بن آدم قال سمعت عمارة بن عقيل يحدث عن أبيه عن جده قال
قال عبد الملك أو الوليد ابنه لجرير من اشعر الناس قال فقال ابن العشرين قال فما رأيك في ابني أبي سلمى قال كان شعرهما نيرا يا أمير المؤمنين قال فما تقول في امرىء القيس قال اتخذ الخبيث الشعر نعلين وأقسم بالله لو أدركته لرفعت ذلاذله قال فما تقول في ذي الرمة قال قدر من ظريف الشعر وغريبه وحسنه على ما لم يقدر عليه أحد قال فما تقول في الأخطل قال ما أخرج لسان ابن النصرانية
(8/57)

ما في صدره من الشعر حتى مات قال فما تقول في الفرزدق قال في يده والله يا أمير المؤمنين نبعة من الشعر قد قبض عليها قال فما أراك أبقيت لنفسك شيئا قال بلى والله يا أمير المؤمنين إني لمدينة الشعر التي منها يخرج وإليها يعود نسبت فأطربت وهجوت فأرديت ومدحت فسنيت وأرملت فأغزرت ورجزت فأبحرت فأنا قلت ضروب الشعر كلها وكل واحد منهم قال نوعا منها قال صدقت
شعره في جارية له طلبت منه أن يبيعها
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن ابن الكلبي قال
كانت لجرير أمة وكان بها معجبا فاستخفت المطعم والملبس والغشيان واستقلت ما عنده وكانت قبله عند قوم يقال لهم بنو زيد أهل خصب ونعمة فسامته أن يبيعها وألحت في ذلك فقال فيها
( تكلِّفُني معيشةَ آلِ زيدٍ ... ومَنْ لي بالمُرَقَّقِ والصِّنَابِ )
( تقول أَلاَ تَضُمّ كَضَمِّ زيدٍ ... وما ضَمِّي وليس معي شَبابي )
فقال الفرزدق يعيره ذلك
( فإن تُفْقِرْك عِلْجَةُ آل زيدٍ ... ويُعْجِزْك المرقَّقُ والصِّنَابُ )
( فقِدْماً كان عيشُ أبيك مُرّاً ... يَعيشُ بما تعيش به الكلابُ )
(8/58)

خبره مع ذي الرمة
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا العباس بن ميمون قال حدثنا التوزي عن أبي عبيدة عن أيوب بن كسيب قال
دخل جرير على المهاجر بن عبد الله وهو والي اليمامة وعنده ذو الرمة ينشده فقال المهاجر بن عبد الله لجرير كيف ترى قال لقد قال وما أنعم فغضب ذو الرمة ونهض وهو يقول
( أنا أبو الحارثِ واسْمِي غَيْلانْ ... )
فنهض جرير وقال
( إنِّي امرؤٌ خُلِقتُ شَكْساً أَشْوَسا ... إن تَضْرِسَاني تَضْرِسا مُضَرَّسا )
( قد لبِس الدهرَ وأَبْقَى مَلْبَسَا ... من شاء من نارِ الجَحيم اقتَبَسا )
قال فجلس ذو الرمة وحاد عنه فلم يجبه
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا ابن النطاح عن أبي عبيدة قال كان ذو الرمة ممن أعان على جرير ولم يصحر له فقال جرير فيه
( أقول نَصَاحةً لبَني عَدِيٍّ ... ثيابَكُمُ ونَضْحَ دمِ القَتِيلِ )
وهي قصيدة قال وكانوا يتعاونون عليه ولا يصحرون له
أخبرنا ابو خليفة الفضل بن الحباب قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني أبو الغراف قال
قال الفرزدق لذي الرمة ألهاك البكاء في الديار وهذا العبد يرجز بك
(8/59)

( يعني هشاما المرئي ) بمقبرة بني حصن قال وكان السبب في الهجاء بين ذي الرمة وهشام أن ذا الرمة نزل بقرية لبني امرىء القيس يقال لها مرأة فلم يقروه ولم يعلفوا له فارتحل وهو يقول
( نزلنا وقد طال النهارُ وأَوْقدتْ ... علينا حًصَى المِعْزَاءِ شمسٌ تَنَالُها )
( أَنَخْنَا فظلَّلْنَا بأَبْرادِ يُمْنَةٍ ... رِقاقٍ وأسيافٍ قديمٍ صِقالُها )
( فلمَّا رآنا أهلُ مَرْأةَ أَغْلَقُوا ... مَخَادِع لم تُرْفَع لخيرٍ ظِلاَلُها )
( وقد سُمِّيتْ باسم امرىء القَيْس قَرْيةٌ ... كِرَامٌ َصوَادِيها لئامٌ رجالُها )
( يظَلُّ الكِرامُ المُرْمِلُونَ بجَوّها ... سواءٌ عليهم حَمْلُها وحِيَالُها )
( ولو وُضِعَتْ أكوارها عند بَيْهَسٍ ... على ذاتِ غِسْلٍ لم تُشَمِّسْ رِحَالُها )
فقال جرير لهشام وكان يتهم ذا الرمة بهجائه التيم وهم إخوة عدي عليك العبد يعني ذا لرمة قال فما أصنع يا أبا حزرة وهو يقول القصيد وأنا أقول الرجز والرجز لا يقوم للقصيد فلو رفدتني قال قل له
( عجِبتَ لِرَحْلٍ من عَدِيٍّ مُشَمَّسٍ ... وفي أيّ يومٍ لم تُشَمًّسْ رحالُها )
( وفِيمَ عَدِيٌّ عند تَيْم من العُلاَ ... وأيَّامِنا اللاَّتي يٌعَدّ فَعالُها )
( مَدَدْتَ بكفٍّ من عديٍّ قصيرةٍ ... لِتُدْرِكَ من زيد يداً لا تنالُها )
(8/60)

( وضَبَّةُ عَمِّي يابنَ جَلٍّ فلا تَرُمْ ... مساعيَ قومٍ ليس منك سِجالُها )
( يُمَاشي عَدِيّاً لؤمُها ما تُجِنُّه ... من الناس ماشتْ عَدِيّاً ظِلاَلُها )
( فقل لعَدِيٍّ تَستعِنْ بنسائها ... عليَّ فقد أَعْيَا عَدِيّاً رجالُها )
( أذَا الرُّمِّ قد قَلَّدتُ قومَك رُمَّةً ... بطيئاً بأيدي المُطلقِين انحلالُها )
( تَرَى اللُّؤم ما عاشتْ عديٌّ مخلَّداً ... سَرابيلُها منه ومنه نِعالُها )
قال فلج الهجاء بين ذي الرمة وهشام فلما أنشد المرئي هذه الأبيات وسمعها ذو الرمة قال كذب العبد السوء ليس هذا الكلام له هذا كلام نجدي حنظلي هذا كلام آبن الأتان قال ولم يزل ذو الرمة مستعليا على هشام حتى لقيه جرير فرفده هذه الأبيات
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عدنان قال حدثني أبو صخر من ولد حجناء بن نوح بن جرير قال سمعت أبي يحدث عن أبيه قال
أتى هشام بن قيس المرئي أبي يعني جريرا فاسترفده على ذي الرمة وقد كانا تهاجيا دهرا وكان سبب ذلك أن ذا الرمة نزل على أهل قرية لبني آمرىء القيس فلم يدخلوا رحله فذمهم في القرى ومدح بيهسا صاحب ذات غسل وهو مرئي وذات غسل قرية له فقال ذو الرمة
( ولمَّا وردْنا مَرْأةَ اللُّؤمِ أُغلِقتْ ... دَسَاكِرُ لم تُفْتَحْ لخيرٍ ظِلالُها )
( ولو عُرِّيتْ أصلابُها عند بَيْهَسٍ ... على ذات غِسْلٍ لم تُشَمَّس رِحالُها )
(8/61)

( إذا ما امرؤ القيس ابنُ لؤمٍ تَطَعَّمتْ ... بكأس الندامَى خَبَّثتْها سِبَالُها )
فقال جرير للمرئي قل له
( غَضِبتَ لرَحْلٍ من عديٍّ مُشَمَّسٍ ... وفي أيِّ يومٍ لم تُشمَّس رحالُها )
وذكر الأبيات الماضية المذكورة في رواية أبي خليفة قال فلقي ذو الرمة جريرا فقال له تعصبت للمرئي وأنا خالك قال حين قلت ماذا قال حين قلت له أن يقول لي
( عجبتَ لرَحْلٍ من عَدِيٍّ مشمَّسٍ ... )
فقال له جرير لا بل ألهاك البكاء في دار مية حتى أبيحت محارمك قال وكان قد بلغ جريرا ميل ذي الرمة عليه فجعل يعتذر إليه ويحلف له فقال له جرير اذهب الآن فقل للمرئي
( يَعُدّ الناسبون إلى تَميم ... بيوتَ المجدِ أربعةً كِبارا )
( يَعُدُّون الرِّباب وآلَ سَعْدٍ ... وعَمْراً ثم حَنْظلةَ الخِيارا )
( ويَهْلِكُ بينها المَرَئيُّ لَغْواً ... كما ألغيتَ في الدِّية الحُوَارا )
فقال ذو الرمة قصيدته التي أولها
( نَبَتْ عيناكَ عن طَلَلٍ بحُزْوَى ... عَفَتْه الرِّيحُ وامتُنِحَ القِطارَا )
وألحق فيها هذه الأبيات فلما أنشدها وسمعها المرئي جعل يلطم رأسه ووجهه ويدعو بويله وحربه ويقول ما لي ولجرير فقيل له وأين جرير منك هذا رجل يهاجيك وتهاجيه فقال هيهات لا والله ما يحسن ذو الرمة أن يقول
(8/62)

( ويذهَب بينها المَرَئِيّ لَغْواً ... كما ألغيتَ في الدِّيَة الحُوارَا )
هذا والله كلام جرير ما تعداه قط قال ومر الفرزدق بذي الرمة وهو ينشد هذه القصيدة فلما أنشد الأبيات الثلاثة فيها قال له الفرزدق أعد يا غيلان فأعاد فقال له أأنت تقول هذا قال نعم يا أبا فراس قال كذب فوك والله لقد نحلكها أشد لحيين منك هذا شعر ابن الأتان قال وجاء المرئيون إلى جرير فقالوا يا أبا حزرة قد آستعلى علينا ذو الرمة فأعنا على عادتك الجميلة فقال هيهات قد والله ظلمت خالي لكم مرة وجاءني فاعتذر وحلف وما كنت لأعينكم عليه بعدها قال ومات ذو الرمة في تلك الأيام
نصيب يقر بأسبقيته عليه وعلى جميل
أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثني العمري عن لقيط قال حدثني أبو بكر بن نوفل قال حدثني من سأل النصيب قال قلت له يا أبا محجن بيت قلته نازعك فيه جرير وجميل فأحب أن تخبرني أيكم فيه أشعر قال وما هو قلت قولك
( أَضَرَّ بها التَهجيرُ حتى كأنها ... أَكَبّ عليها جازِرٌ مُتَعَرِّقُ )
وقال جميل
( أَضَرَّ بها التهجيرُ حتى كأنها ... بقايَا سُلاَلٍ لم يَدَعْها سُلاَلُها )
وقال جرير
( إذا بلغوا المنازلَ لم تُقَيَّدْ ... وفي طُول الكَلاَلِ لها قيودُ )
(8/63)

فقال نصيب قاتل الله آبن الخطفي ما أشعره قال فقال له الرجل أما أنت فقد فضلته فقال هو ما أقول لك
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني عبد الرحمن بن القاسم العجلي قال حدثني الحسن بن علي المنقري قال قال مسعود بن بشر
قلت لابن مناذر بمكة من أشعر الناس قال من إذا شئت لعب وإذا شئت جد فإذا لعب أطمعك لعبه فيه وإذا رمته بعد عليك وإذا جد فيما قصد له أيأسك من نفسه قلت مثل من قال مثل جرير حين يقول إذا لعب
( إنَّ الَّذين غَدَوْا بلُبِّك غادروا ... وَشَلاً بعينك ما يزال مَعينَا )
ثم قال حين جد
( إنّ الذي حَرَم المكارِم تَغْلباً ... جعل الخلافةَ والنبوَّةَ فينا )
( مُضَرٌ أبي وأبو الملوكِ فهل لكم ... يا آل تَغْلِبَ من أبٍ كأبينا )
( هذا ابن عمِّي في دِمَشْقَ خليفةً ... لو شئتُ ساقكُم إليّ قطينا )
اخبرني هاشم بن محمد قال حدثني الرياشي قال حدثنا الأصمعي عن أبي عمرو قال
لما بلغ عبد الملك قول جرير
( هذا ابن عمِّي في دِمَشْق خليفةً ... لو شئتُ ساقكُم إليّ قَطينا )
(8/64)

قال ما زاد ابن المراغة على أن جعلني شرطيا أما إنه لو قال
( لو شاء ساقكم إليّ قطينا ... )
لسقتهم إليه كما قال
بشار يفضله على الفرزدق والأخطل
أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال
سألت بشارا العقيلي عن الثلاثة فقال لم يكن الأخطل مثلهما ولكن ربيعة تعصبت له وأفرطت فيه قلت فجرير والفرزدق قال كان جرير يحسن ضروبا من الشعر لا يحسنها الفرزدق وفضل جريرا عليه
وقال ابن سلام قال العلاء بن جرير وكان قد أدرك الناس وسمع كان يقال الأخطل إذا لم يجىء سابقا فهو سكيت والفرزدق لا يجيء سابقا ولا سكيتا فهو بمنزلة المصلي أبدا وجرير يجيء سابقا ومصليا وسكيتا قال ابن سلام وتأول قوله إن للأخطل خمسا أو ستا أو سبعا طوالا روائع غررا جيادا هو بهن سابق وسائر شعره دون اشعارهما فهو فيما بقي بمنزلة السكيت والسكيت آخر الخيل في الرهان والفرزدق دونه في هذه الروائع وفوقه في بقية شعره فهو كالمصلي أبدا وهو الذي يجيء بعد السابق وقبل السكيت وجرير له روائع هو بهن سابق وأوساط هو بهن مصل وسفسافات هو بهن سكيت
مناقضة بينه وبين الفرزدق
أخبرنا أبو خليفة قال حدثني محمد بن سلام قال حدثني حاجب بن زيد بن شيبان بن علقمة بن زرارة قال
(8/65)

قال جرير بالكوفة
( لقد قادَنِي من حُبِّ ماوِيَّةَ الهَوَى ... وما كنتُ تَلْقَانِي الجَنِيبةُ أَقْوَدَا )
( أُحِبُّ ثَرَى نَجْدٍ وبالغَوْرِ حاجةُ ... فغارَ الهَوَى يا عبدَ قَيْسٍ وأَنْجَدَا )
( أقول له يا عبدَ قَيْسٍ صَبابةً ... بأيٍّ تَرَى مستوقِد النارِ أَوْقدا )
( فقال أرَى ناراً يُشَبُّ وُقُودها ... بحيثُ استفاض الجِزْع شِيحاً وغَرْقَدَا )
فأعجبت الناس وتناشدوها قال فحدثني جابر بن جندل قال فقال لنا جرير أعجبتكم هذه الأبيات قالوا نعم قال كأنكم بابن القين وقد قال
( أَعِدْ نظراً يا عبدَ قَيْسٍ لعلَّما ... أضاءت لك النارُ الحِمَارَ المقيَّدا )
قال فلم يلبثوا أن جاءهم قول الفرزدق هذا البيت وبعده
( حمارٌ بمَرُّوتِ السُّحَامَةِ قاربتْ ... وَظِيفيْه حَوْلَ البيتِ حتى تَردَّدا )
( كُلَيْبِيَّة لم يجعل اللَّهُ وجهَها ... كريماً ولم يَسْنَحْ بها الطيرُ أَسْعُدَا )
قال فتناشدها الناسُ فقال الفرزدق كأنكم بابنِ المَرَاغةِ قد قال
( وما عِبْتَ من نارٍ أضاء وُقُودُها ... فِراساً وبِسْطَامَ بنَ قَيْسٍ مقيَّدا )
(8/66)

قال فإذا بالبيت قد جاء لجرير ومعه
( وأَوْقدتَ بالسِّيرَانِ ناراً ذَلِيلةً ... وأشْهِدْتَ من سَوْءاتِ جِعْثِنَ مَشْهَدَا )
رآه الأخطل عند عبد الملك فعرفه
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن عبد الله بن آدم بن جشم عن عمارة بن عقيل عن أبيه قال
وقف جرير على باب عبد الملك بن مروان والأخطل داخل عنده وقد كانا تهاجيا ولم ير أحد منهما صاحبه فلما استأذنوا عليه لجرير أذن له فدخل فسلم ثم جلس وقد عرفه الأخطل فطمح طرف جرير إلى الأخطل وقد رآه ينظر إليه نظرا شديدا فقال له من أنت فقال أنا الذي منعت نومك وتهضمت قومك فقال له جرير ذلك أشقى لك كائنا من كنت ثم أقبل على عبد الملك بن مروان فقال من هذا يا أمير المؤمنين جعلني الله فداءك فضحك ثم قال هذا الأخطل يا أبا حزرة فرد عليه بصره ثم قال فلا حياك الله يابن النصرانية أما منعك نومي فلو نمت عنك لكان خيرا لك وأما تهضمك قومي فكيف تهضمهم وأنت ممن ضربت عليه الذلة وباء بغضب من الله وأدى الجزية عن يد وهو صاغر وكيف تتهضم لا أم لك قوما فيهم النبوة والخلافة وأنت لهم عبد مأمور ومحكوم عليه لا حاكم ثم أقبل على عبد الملك فقال ائذن لي يا أمير المؤمنين في ابن النصرانية فقال لا يجوز أن يكون ذلك بحضرتي
أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني أبو يحيى الضبي قال
(8/67)

نازع جرير بني حمان في ركية لهم فصاروا إلى إبراهيم بن عدي باليمامة يتحاكمون إليه فقال جرير
( أَعُوذ بالأمير غيرِ الجَبَّارْ ... من ظُلْمِ حِمَّان وتحويلِ الدارْ )
( ما كان قبلَ حَفْرِنا من مِحْفَارْ ... وضَرْبِيَ المِنْقَار بعد المِنْقَارْ )
( في جَبَلٍ أصمَّ غيرِ خَوَّارْ ... يَصِيحُ بالجُبِّ صِياحَ الصَّرَّارْ )
( له صَهِيلٌ كصَهِيل الأَمْهارْ ... فاسأل بني صَحْبٍ ورَهْطَ الجَرَّارْ )
( والسَّلَمِيّينَ العِظَامَ الأَخْطَارْ ... والجارُ قد يُخْبِر عن دار الجارْ )
فقال الحماني
( ما لِكُلَيْبٍ من حِمًى ولا دارْ ... غيرُ مُقامِ أُتُنٍ وأَعْيارْ )
( قُعْسِ الظهورِ دامياتِ الأَثْفارْ ... )
قال فقال جرير فعن مقامهن جعلت فداك أجادل فقال ابن عدي للحماني قد أقررت لخصمك وحكم بها لجرير
قال ابن سلام وأخبرني أبو يحيى الضبي قال
بينا جرير يسير على راحلته إذ هجم على أبيات من مازن وهلال وهما بطنان من ضبة فخافهم لسوء أثره في ضبة فقال
(8/68)

( فلا خوفٌ عليكِ ولن تُراعِي ... بعَقْوةِ مازِنٍ وبني هِلاَلِ )
( هما الحَيَّانِ إن فَزِعا يَطِيرا ... إلى جُرْدٍ كامثال السَّعَالِي )
( أمازِنُ يابنَ كعبٍ إنَّ قلبي ... لكم طولَ الحياة لَغيرُ قالي )
( غَطَارِيفٌ يَبِيتُ الجارُ فيهم ... قريرَ العينِ في أهلٍ ومال )
قال أجل يا أبا حزرة فلا خوف عليك
تجمع الناس حوله في المسجد دون الفرزدق
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال قال شعيب بن صخر حدثني هارون بن إبراهيم قال
رأيت جريرا والفرزدق في مسجد دمشق وقد قدماها على الوليد بن عبد الملك والناس عنق واحد على جرير قيس وموالي بني أمية يسلمون عليه ويسألونه كيف كنت يا أبا حزرة في مسيرك وكيف أهلك وأسبابك وما يطيف بالفرزدق إلا نفر من خندف جلوس معه قال شعيب فقلت لهارون ولم ذلك قال لمدحه قيسا وقوله في العجم
( فيجمعُنا والغُرَّ أولادَ سَارَةٍ ... أبٌ لا نُبالِي بعدَه من تعذَّرا )
قال شعيب بلغني أنه أهديت له يومئذ مائة حلة أهداها إليه الموالي سوى غيرهم وأخبرني بهذا الخبر أبو خليفة عن محمد بن سلام عن شعيب بن صخر فذكر نحوا من حكاية أبي زيد إلا أنها أتم من حكاية ابن سلام وقال
(8/69)

أبو خليفة في خبره سمعت عمارة بن عقيل بن بلال يقول وافته في يومه ذلك مائة حلة من بني الأحرار
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني أحمد بن الهيثم الفراسي قال
بينا جرير بقباء إذ طلع الأحوص وجرير ينشد قوله
( لولا الحياءُ لعادنِي استعبارُ ... ولزُرْتُ قبرَكِ والحبيبُ يُزارُ )
فلما نظر إلى الأحوص قطع الشعر ورفع صوته يقول
( عَوَى الشعراءُ بعضُهمُ لبعضٍ ... عليّ فقد أصابهمُ انتقامُ )
( إذا أرسلتُ قافيةً شَرُوداً ... رأوْا أخرى تحرِّق فاستداموا )
( فمُصْطَلَمُ المسامِع أو خَصِيٌّ ... وآخرُ عظمُ هامتِه حُطَامُ )
ثم عاد من حيث قطع فلما فرغ قيل له ولم قلت هذا قال قد نهيت الأحوص أن يعين علي الفرزدق فأنا والله يا بني عمرو بن عوف ما تعوذت من شاعر قط ولولا حقكم ما تعوذت منه
محمد بن الحجاج يلح على عبد الملك بالإذن لجرير بالدخول عليه لإنشاده
أخبرنا علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا الحسن بن الحسين السكري قال قال عمارة بن عقيل حدثني أبي عن أبيه
أن الحجاج أوفد ابنه محمد بن الحجاج إلى عبد الملك وأوفد إليه
(8/70)

جريرا معه ووصاه به وأمره بمسألة عبد الملك في الاستماع منه ومعاونته عليه فلما وردوا استأذن له محمد على عبد الملك فلم يأذن له وكان لا يسمع من شعراء مضر ولا يأذن لهم لأنهم كانوا زبيرية فلما استأذن له محمد على عبد الملك ولم يأذن له أعلمه أن أباه الحجاج يسأله في أمره ويقول إنه لم يكن ممن والى ابن الزبير ولا نصره بيده ولا لسانه وقال له محمد يا أمير المؤمنين إن العرب تتحدث أن عبدك وسيفك الحجاج شفع في شاعر قد لاذ به وجعله وسيلته ثم رددته فأذن له فدخل فاستأذن في الإنشاد فقال له وما عساك أن تقول فينا بعد قولك في الحجاج ألست القائل
( من سَدَّ مُطَّلَعَ النِّفَاقِ عليكُم ... أم من يَصُول كصوْلة الحجاج )
إن الله لم ينصرني بالحجاج وإنما نصر دينه وخليفته أولست القائل
( أم مَنْ يَغَارُ على النساء حَفِيظةً ... إذ لا يَثِقْنَ بغَيْرةِ الأزواجِ )
يا عاض كذا وكذا من أمه والله لهممت أن أطير بك طيرة بطيئا سقوطها أخرج عني فأخرج بشر فلما كان بعد ثلاث شفع إليه محمد لجرير وقال له يا أمير المؤمنين إني أديت رسالة عبدك الحجاج وشفاعته في جرير فلما أذنت له خاطبته بما أطار لبه منه وأشمت به عدوه ولو لم تأذن له لكان خيرا له مما سمع فإن رأيت أن تهب كل ذنب له لعبدك الحجاج وَلِي فافعلْ فأذن له فاستأذنه في الإنشاد فقال لا تُنْشِدني إلاَّ في الحجَّاج فإنما أنت للحجاج خاصة فسأله أن ينشده مديحه فيه فأبى وأقسم ألا ينشده إلا من قوله في الحجاج فأنشده وخرج بغير جائزة فلما أزف الرحيل قال جرير لمحمد إن رحلت عن أمير المؤمنين ولم يسمع مني ولم آخذ له جائزة سقطت آخر الدهر ولست بارحا بابه أو يأذن لي في الإنشاد وأمسك عبد الملك عن الإذن له فقال جرير ارحل أنت وأقيم أنا فدخل
(8/71)

محمد على عبد الملك فأخبره بقول جرير واستأذنه له وسأله أن يسمع منه وقبل يده ورجله فأذن له فدخل فاستأذن في الإنشاد فأمسك عبد الملك فقال له محمد أنشد ويحك فأنشده قصيدته التي يقول فيها
( ألستُم خيرَ من ركب المطايا ... وأَنْدَى العالَمين بطون راحِ )
فتبسم عبد الملك وقال كذلك نحن وما زلنا كذلك ثم اعتمد على ابن الزبير فقال
( دعوتَ المُلْحِدِينَ أبا خُبَيْب ... جِماحاً هل شُفِيتَ من الجِماحِ )
( وقد وجدوا الخليفةَ هِبْرِزِيّاً ... أَلَفَّ العِيصِ ليس من النَّواحي )
( وما شجراتُ عِيصكَ في قريش ... بعَشَّاتِ الفُروع ولا ضَواحي )
قال ثم أنشده إياها حتى أتى على ذكر زوجته فيها فقال
( تَعَزَّتْ أمُّّ حَزْرة ثم قالت ... رأيتُ المُوِرِدِين ذوي لِقَاحِ )
( تُعَلِّل وهي ساغبةٌ بَنِيها ... بأنفاسٍ من الشَّبِم القَرَاحِ )
(8/72)

فقال عبد الملك هل ترويها مائة لقحة فقال إن لم يروها ذلك فلا أرواها الله فهل إليها جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين من سبيل فأمر له بمائة لقحة وثمانية من الرعاء وكانت بين يديه جامات من ذهب فقال له جرير يا أمير المؤمنين تأمر لي بواحدة منهن تكون محلبا فضحك وندس إليه واحدة منهن بالقضيب وقال خذها لا نفعتك فأخذها وقال بلى والله يا أمير المؤمنين لينفعني كل ما منحتنيه وخرج من عنده قال وقد ذكر ذلك جرير في شعره فقال يمدح يزيد بن عبد الملك
( أعطَوْا هُنَيْدةَ يَحْدُوها ثمانيةٌ ... ما في عطائهمُ مَنٌّ ولا سَرَفُ )
هجا سراقة لأنه أعان الفرزدق عليه
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا دماذ أبو غسان عن أبي عبيدة قال
بذل محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة أربعة آلاف درهم وفرسا لمن فضل من الشعراء الفرزدق على جرير فلم يقدم عليه أحد منهم إلا سراقة البارقي فإنه قال يفضل الفرزدق
( أَبْلِغ تَمِيماً غثَّها وسَمِينَها ... والحكم يَقْصِد مرَّةً ويَجُورُ )
( أنّ الفرزدقَ بَرَّزَتْ أعراقُه ... سَبْقاً وخُلِّف في الغُبار جَريرُ )
( ذهب الفرزدقُ بالفضائل والعُلاَ ... وابن المَرَاغةِ مُخْلَفٌ محسورُ )
( هذا قضاءُ البارِقيّ وإنني ... بالمَيْل في ميزانهم لبَصِيرُ )
قال أبو عبيدة فحدثني أيوب بن كسيب قال حدثني أبي قال كنت مع
(8/73)

جرير فأتاه رسول بشر بن مروان فدفع إليه كتابه وقال له إنه قد أمرني أن أوصله إليك ولا أبرح حتى تجيب عن الشعر في يومك إن لقيتك نهارا أو ليلتك إن لقيتك ليلا وأخرج إليه كتاب بشر وقد نسخ له القصيدة وأمره بأن يجيب عنها فأخذها ومكث ليلته يجتهد أن يقول شيئا فلا يمكنه فهتف به صاحبه من الجن من زاوية البيت فقال له أزعمت أنك تقول الشعر ما هو إلا أن غبت عنك ليلة حتى لم تحسن أن تقول شيئا فهلا قلت
( يا بِشْرُ حَقّ لوجهِك التبشيرُ ... هلاَّ قضيتَ لنا وأنت أميرُ )
فقال له جرير حسبك كفيتك قال وسمع قائلا يقول لآخر قد أنار الصبح فقال جرير
( يا صاحبيَّ هل الصباحُ مُنِيرُ ... أم هل للومِ عواذلي تَفْتِيرُ )
إلى أن فرغ منها وفيها يقول
( قد كان حَقُّكَ أن تقول لبارقٍ ... يا آلَ بارِقَ فِيمَ سُبَّ جرِيرُ )
( يُعْطَى النساءُ مهورَهنّ كَرامةً ... ونساءُ بارقَ ما لهنّ مُهورُ )
فأخذها الرسول ومضى بها إلى بشر فقرئت بالعراق وأفحم سراقة فلم ينطق بعدها بشيء من مناقضته
مناقضة بينه وبين عمر بن لجأ
أخبرني أبو خليفة قال حدثني محمد بن سلام قال حدثني أبو يحيى الضبي قال
(8/74)

كان الذي هاج الهجاء بين جرير وعمر بن لجأ أن عمر كان ينشد أرجوزة له يصف فيها إبله وجرير حاضر فقال فيها
( قد وَردتْ قبل إنَا ضَحَائِها ... تُفَرِّسُ الحَيَّاتِ في خِرْشَائِها )
( جَرّ العَجُوزِ الثِّنْيَ من رِدَائِها ... )
فقال له جرير أخفقت فقال كيف اقول قال تقول
( جَرّ العَرُوسِ الثِّنْيَ من رِدائِها ... ) فقال له التيمي أنت أسوأ قولا مني حيث تقول
( وأَوْثقُ عند المُرْدَفاتِ عَشِيَّةً ... لَحَاقاً إذا ما جَرّد السيفَ لامِعُ )
فجعلتهن مردفات غدوة ثم تداركتهن عشية فقال كيف أقول قال تقول
( وأَوْثَقُ عند المُرْهَفاتِ عَشِيَّةً ... )
فقال جرير والله لهذا البيت أحب إلي من بكري حزرة ولكنك مجلب للفرزدق
وقال فيه جرير
( هَلاّ سِوَانا ادَّرَأْتم يا بَنِي لَجَأ ... شيئاً يُقَارَبُ أو وَحْشاً لها غِرَرُ )
( أحينَ كنتُ سِمَاماً يا بَنِي لَجَأٍ ... وخاطرتْ بيَ عن أحسابها مُضَرُ )
( خَلِّ الطريقَ لمن يَبْنِي المَنارَ به ... وابرُزْ ببَرْزَةَ حيث اضطرَّك القَدَرُ )
(8/75)

( أنت ابنُ بَرْزةَ منسوباً إلى لجأٍ ... عند العُصَارةِ والعيدانُ تُعْتَصرُ )
ويروى
( ألستَ نَزْوةَ خَوَّارٍ على أَمَةٍ ... عند العُصَارةِ والعِيدانُ تُعْتَصَرُ )
فقال ابن لجأ يرد عليه
( لقد كَذَبْتَ وشَرُّ القولِ أَكذَبُه ... ما خاطرتْ بكَ عن أحسابها مُضَرُ )
( بل أنت نَزْوةُ خَوَّارٍ على أمَةٍ ... لا يَسبِقُ الحَلَباتِ اللؤمُ والخَوَرُ )
( ما قلتَ مِن هذه إلا سأنقُضُها ... يابنَ الأَتَانِ بمثلي تُنْقَضُ المِرَرُ )
وقال عمر بن لجأ
( عجبتُ لما لاقتْ رِيَاحٌ من اْلأَذَى ... وما اقتَبَسُوا منِّي وللشرِّ قابِسُ )
( غِضَاباً لكلبٍ من كُلَيْبٍ فَرَسْتُه ... هَوَى ولشَدَّاتِ الأُسُودِ فَرَائِسُ )
( إذا ما ابنُ يَرْبُوعٍ أتاكَ لمأكَلٍ ... على مجلسٍ إن اْلأَكِيلَ مُجالِسُ )
( فقل لابنِ يَرْبُوعٍ ألستَ براحضٍ ... سِبَالَكَ عنَّا إنهنَّ نَجائِسُ )
( تُمَسِّحُ يَرْبوعٍ سِبَالاً لئيمةً ... بها من مَنِيِّ العبدِ رَطْبٌ ويابِسُ )
قال ثم اجتمع جرير وابن لجأ بالمدينة وقد وردها الوليد بن عبد الملك وكان يتأله في نفسه فقال أتقذفان المحصنات وتغضبانهن ثم أمر ابا بكر محمد بن حزم الأنصاري وكان واليا له بالمدينة بضربهما فضربهما وأقامهما على البلس مقرونين والتيمي يومئذ أشب من جرير فجعل يشول بجرير وجرير يقول وهو المشول به
(8/76)

( فلستُ مُفارِقاً قَرَنَيَّ حتى ... يَطُولَ تصعُّدي بكَ وانحداري )
فقال أبن لجأ
( ولمَّا أن قُرِنتُ إلى جريرٍ ... أَبَى ذو بَطْنِه إلاَّ انحدارا )
فقال له قدامة بن إبراهيم الجمحي وبئسما قلت جعلت نفسك المقرون إليه قال فكيف أقول قال تقول
( ولمَّا لُزَّ في قَرَنِي جريرٌ ... )
فقال جزيت خيرا لا أقوله والله ابدا إلا هكذا
حدثني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثني محمد بن عبد الله العبدي قال حدثني عمارة بن عقيل عن أبيه قال
وقف جرير على باب عبد الملك بن مروان والأخطل داخل عنده وقد كانا تهاجيا ولم يلق أحدهما صاحبه فلما أستأذنوا لجرير أذن له فسلم وجلس وقد عرفه الأخطل فطمح بصر جرير إليه فقال له من أنت فقال أنا الذي منعت نومك وهضمت قومك فقال له جرير ذاك أشقى لك كائنا من كنت ثم اقبل على عبد الملك فقال من هذا يا أمير المؤمنين فضحك وقال هذا الأخطل يا ابا حزرة فرد بصره إليه وقال فلا حياك الله يابن النصرانية أما منعك نومي فلو نمت عنك لكان خيرا لك واما تهضمك قومي فكيف تهضمهم وأنت ممن ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ائذن لي يا أمير المؤمنين في ابن النصرانية فقال لا يكون ذلك بين يدي فوثب جرير مغضبا فقال عبد الملك قم يا أخطل واتبع صاحبك فإنما قام غضبا علينا فيك فنهض الأخطل فقال عبد الملك لخادم له انظر ما يصنعان إذا برز له الأخطل فخرج جرير فدعا بغلام له فقدم إليه حصانا له أدهم فركبه وهدر
(8/77)

والفرس يهتز من تحته وخرج الأخطل فلاذ بالباب وتوارى خلفه ولم يزل واقفا حتى مضى جرير فدخل الخادم إلى عبد الملك فأخبره فضحك وقال قاتل الله جريرا ما أفحله أما والله لو كان النصراني برز إليه لأكله
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي عن أبي عمرو قال
سئل جرير أي الثلاثة أشعر فقال أما الفرزدق فيتكلف مني ما لا يطيقه وأما الأخطل فأشدنا اجتراء وأرمانا للغرض وأما أنا فمدينة الشعر وقد حدثني بهذا الخبر حبيب بن نصر عن عمر بن شبة عن الأصمعي فذكر نحو ما ذكره الرياشي وقال في خبره وأما الأخطل فأنعتنا للخمر وأمدحنا للملوك
ابو مهدي الباهلي فضله على جميع الشعراء
أخبرنا عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن عطاء بن مصعب قال
قلت لأبي مهدي الباهلي وكان من علماء العرب أيما أشعر أجرير أم الفرزدق فغضب ثم قال جرير أشعر العرب كلها ثم قال لا يزال الشعراء موقوفين يوم القيامة حتى يجيء جرير فيحكم بينهم
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثني العباس بن ميمون قال سمعت أبا عثمان المازني يقول
قال جرير هجوت بني طهية أنواع الهجاء فلم يحفلوا بقولي حتى قلت
(8/78)

في قصيدة الراعي
( كأنّ بني طُهَيَّةَ رهطَ سَلْمَى ... حجارةُ خارىءٍ يَرمِي كلابَا )
فجزعوا حينئذ ولاذوا بي
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال حدثنا المدائني قال
كان جرير من أعق الناس بأبيه وكان بلال ابنه أعق الناس به فراجع جرير بلالا الكلام يوما فقال له بلال الكاذب مني ومنك ناك أمه فأقبلت أمه عليه وقالت له يا عدو الله أتقول هذا لأبيك فقال جرير دعيه فوالله لكأنه سمعها مني وأنا أقولها لأبي
هجا عمر بن يزيد لأنه أعان الفرزدق عليه
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم قال حدثنا العمري عن لقيط قال
كان عمر بن يزيد بن عمير الأسدي يتعصب للفرزدق على جرير فتزوج امرأة من بني عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم فقال جرير
( نكحتَ إلى بني عُدُسِ بن زيدٍ ... فقد هَجَّنْتَ خيلَهمُ العِرَابَا )
( أَتنْسَى يومَ مَسْكِنَ إذ تُنَادِي ... وقد أخطأْتَ بالقَدَمِ الرِّكابا )
وهي قصيدة فأجتمعوا على عمر بن يزيد ولم يزالوا به حتى خلعوا المرأة منه
أخبرني محمد بن خلف قال حدثني محمد بن الهيثم قال حدثني عمي
(8/79)

أبو فراس قال حدثني ودقة بن معروف قال
نزل جرير على عنبسة بن سعيد بواسط ولم يكن أحد يدخلها إلا بإذن الحجاج فلما دخل على عنبسة قال له ويحك لقد غررت بنفسك فما حملك على ما فعلت قال شعر قلته اعتلج في صدري وجاشت به نفسي وأحببت أن يسمعه الأمير قال فعنفه وأدخله بيتا في جانب داره وقال لا تطلعن رأسك حتى ننظر كيف تكون الحيلة لك قال فأتاه رسول الحجاج من ساعته يدعوه في يوم قائظ وهو قاعد في الخضراء وقد صب فيها ماء استنقع في أسفلها وهو قاعد على سرير وكرسي موضوع ناحية قال عنبسة فقعدت على الكرسي وأقبل علي الحجاج يحدثني فلما رأيت تطلقه وطيب نفسه قلت اصلح الله الأمير رجل من شعراء العرب قال فيك شعرا اجاد فيه فاستخفه عجبه به حتى دعاه إلى أن رحل إليك ودخل مدينتك من غير أن يستأذن له قال ومن هو قلت ابن الخطفي قال وأين هو قلت في المنزل قال يا غلام فأقبل الغلمان يتسارعون قال صف لهم موضعه من دارك فوصفت لهم البيت الذي هو فيه فانطلقوا حتى جاؤوا به فأدخل عليه وهو مأخوذ بضبعيه حتى رمي به في الخضراء فوقع على وجهه في الماء ثم قام يتنفش كما يتنفش الفرخ فقال له هيه ما اقدمك علينا بغير إذننا لا أم لك قال أصلح الله الأمير قلت في الأمير شعرا لم يقل مثله أحد فجاش به صدري وأحببت أن يسمعه مني الأمير فأقبلت به إليه قال فتطلق الحجاج وسكن واستنشده فأنشده ثم قال يا غلام فجاؤوا يسعون فقال علي
(8/80)

بالجارية التي بعث بها إلينا عامل اليمامة فأتي بجارية بيضاء مديدة القامة فقال إن أصبت صفتها فهي لك فقال ما أسمها قال أمامة فأنشأ يقول
( وَدِّعْ أُمَامَةَ حانَ منك رحيلُ ... إن الوَدَاعَ لمن تُحِبّ قليلُ )
( مثلُ الكَثِيبِ تهيَّلتْ أعطافُه ... فالريحُ تَجْبرُ مَتْنَه وتَهيِلُ )
( تلك القلوبُ صوادياً تيَّمْتِها ... وأَرَى الشفاءَ وما إليه سبيلُ )
فقال خذ بيدها فبكت الجارية وانتحبت فقال ادفعوها إليه بمتاعها وبغلها ورحالها
أخبرنا أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني أبو الغراف قال
قال الحجاج لجرير والفرزدق وهو في قصره بحزيز البصرة ائتياني في لباس آبائكما في الجاهلية فلبس الفرزدق الديباج والخز وقعد في قبة وشاور جرير دهاة بني يربوع فقالوا له ما لباس آبائنا إلا الحديد فلبس جرير درعا وتقلد سيفا وأخذ رمحا وركب فرسا لعباد بن الحصين يقال له المنحاز وأقبل في أربعين فارسا من بني يربوع وجاء الفرزدق في هيئته فقال جرير
( لبِستُ سلاحي والفرزدقُ لُعْبةٌ ... عليه وِشَاحا كُرَّجٍ وجَلاَجِلُهْ )
( أَعِدُّوا مع الحَلْيِ المَلاَبَ فإنما ... جريرٌ لكم بَعْلٌ وأنتم حَلاَئِلُهْ )
ثم رجعا فوقف جرير في مقبرة بني حصن ووقف الفرزدق في المربد قال فأخبرني أبي عن محمد بن زياد قال كنت أختلف إلى جرير والفرزدق وكان جرير يومئذ كأنه أصغرهما في عيني
(8/81)

هجاؤه للفرزدق
أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثنا ابو اليقظان عن جويرية بن أسماء قال
قدم الفرزدق اليمامة وعليها المهاجر بن عبد الله الكلابي فقال لودخلت على هذا فأصبت منه شيئا ولم يعلم بي جرير فلم تستقر به الدار حتى قال جرير
( رأيتُك إذ لم يُغْنِكَ اللهُ بالغِنَى ... رجعتَ إلى قيسٍ وخَدُّك ضارعُ )
( وما ذاك إن أَعْطَى الفرزدقُ باسْتِه ... بأوَّل ثَغْرٍ ضيَّعَتْه مُجَاشِعُ )
فلما بلغ ذلك الفرزدق قال لا جرم والله لا أدخل عليه ولا أرزؤه شيئا ولا أقيم باليمامة ثم رحل
أخبرنا أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال قال أبو البيداء
لقي الفرزدق عمر بن عطية أخا جرير وهو حينئذ يهاجي ابن لجأ فقال له ويلك قل لأخيك ثكلتك أمك ائت التيمي من عل كما أصنع أنا بك وكان الفرزدق قد أنف لجرير وحمي من أن يتعلق به التيمي قال ابن سلام فأنشدني له خلف الأحمر يقوله للتيمي
( وما أنت إن قَرْمَا تَميمٍ تَسَامَيَا ... أخا التَّيْم إلا كالوَشِيظةِ في العَظْم )
( فلو كنتَ مَوْلَى العِزّ أو في ظلالِه ... ظُلِمْتَ ولكن لا يَدَيْ لك بالظلم )
فقال له التيمي
(8/82)

( كذَبْتَ أنا القَرْمُ الذي دَقّ مالكاً ... وأَفْناءَ يَرْبُوعٍ وما أنت بالقَرْمِ )
قال أبن سلام فحدثني ابو الغراف أن رجال تميم مشت بين جرير والتيمي وقالوا والله ما شعراؤنا إلا بلاء علينا ينشرون مساوينا ويهجون أحياءنا وموتانا فلم يزالوا بهما حتى أصلحوا بينهما بالعهود والمواثيق المغلظة الا يعودا في هجاء فكف التيمي وكان جرير لا يزال يسل الواحدة بعد الواحدة فيه فيقول التيمي والله ما نقضت هذه ولا سمعتها فيقول جرير هذه كانت قبل الصلح
قال ابن سلام فحدثني عثمان بن عثمان عن عبد الرحمن بن حرملة قال لما ورد علينا هجاء جرير والتيمي قال لي سعيد بن المسيب ترو شيئا مما قالا فأتيته وقد أستقبل القبلة يريد أن يكبر فقال لي ارويت قلت نعم فأقبل علي بوجهه فأنشدته للتيمي وهو يقول هيه هيه ثم أنشدته لجرير فقال أكله اكله
قال أبن سلام وحدثني الرازي عن حجناء بن جرير قال قلت لأبي يا ابت ما هجوت قوما قط إلا فضحتهم إلا التيم فقال يا بني لم أجد بناء أهدمه ولا شرفا أضعه وكانت تيم رعاء غنم يغدون في غنمهم ثم يروحون وقد جاء كل رجل منهم بأبيات فينتحلها ابن لجأ فقيل لجرير ما صنعت في التيم شيئا فقال إنهم شعراء لئام
أخبرنا أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني ابن النطاح قال حدثني أبو اليقظان قال
قال جرير لرجل من بني طهية ايما اشعر أنا أم الفرزدق فقال له أنت
(8/83)

عند العامة والفرزدق عند العلماء فصاح جرير أنا ابو حزرة غلبته ورب الكعبة والله ما في كل مائة رجل عالم واحد
طلب من الوليد بن عبد الملك أن يأذن له في ابن الرقاع
حدثنا أحمد بن عمار قال حدثني عمر بن محمد بن عبد الملك قال حدثني أبن النطاح قال وحدثني أبو الأخضر لمخارق بن الأخضر القيسي قال إني كنت والله الذي لا إله إلا هو أخص الناس بجرير وكان ينزل إذا قدم على الوليد بن عبد الملك عند سعيد بن عبد الله بن خالد بن أسيد وكان عدي بن الرقاع خاصا بالوليد مداحا له فكان جرير يجيء إلى باب الوليد فلا يجالس أحدا من النزارية ولا يجلس إلا إلى رجل من اليمن بحيث يقرب من مجلس ابن الرقاع إلى أن يأذن الوليد للناس فيدخل فقلت له يا ابا حزرة اختصصت عدوك بمجلسك فقال إني والله ما أجلس إليه إلا لأنشده اشعارا تخزيه وتخزي قومه قال ولم يكن ينشده شيئا من شعره وإنما كان ينشده شعر غيره ليذله ويخوفه نفسه فأذن الوليد للناس ذات عشية فدخلوا ودخلنا فأخذ الناس مجالسهم وتخلف جرير فلم يدخل حتى دخل الناس وأخذوا مجالسهم واطمأنوا فيها فبينما هم كذلك إذا بجرير قد مثل بين السماطين يقول السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ابن الرقاع المتفرقة أؤلف بعضها إلى بعض قال وأنا جالس أسمع فقال الوليد والله لهممت أن أخرجه على ظهرك إلى الناس فقال جرير وهو قائم كما هو
(8/84)

( فإن تَنْهَنِي عنه فسمعاً وطاعةً ... وإلا فإنِّي عُرْضَةٌ للمَرَاجِمِ )
قال فقال له الوليد لا كثر الله في الناس أمثالك فقال له جرير يا أمير المؤمنين إنما أنا واحد قد سعرت الأمة فلو كثر أمثالي لأكلوا الناس أكلا قال فنظرت والله إلى الوليد تبسم حتى بدت ثناياه تعجبا من جرير وجلده قال ثم أمره فجلس
أخبرني ابن عمار قال حدثني عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثنا أبن النطاح عن أبي عبيدة قال
كان جرير عند الوليد وعدي بن الرقاع ينشده فقال الوليد لجرير كيف تسمع قال ومن هو يا أمير المؤمنين قال عدي بن الرقاع قال فإن شر الثياب الرقاع ثم قال جرير ( عاملة ناصبة تصلى نارا حامية ) فغضب الوليد وقال يابن اللخناء ما بقي لك إلا أن تتناول كتاب الله والله ليركبنك يا غلام أوكِفْه حتى يركبه فغمز عمر بن الوليد الغلام الذي أمره الوليد فأبطأ بالإكاف فلما سكن غضب الوليد قام إليه عمر فكلمه وطلب إليه وقال هذا شاعر مضر ولسانها فإن رأى أمير المؤمنين ألا يغض منه ولم يزل به حتى أعفاه وقال له والله لئن هجوته أو عرضت به لأفعلن بك ولأفعلن فقال فيه تلك القصيدة التي يقول فيها
( أقْصِرْ فإن نزاراً لن يفاخرها ... فرعٌ لئيمٌ وأصلٌ غيرُ مغروسِ )
وذكر وقائع نزار في اليمن فعلمنا أنه عناه ولم يجبه الآخر بشيء
(8/85)

حدثني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن العتبي قال
قال هشام بن عبد الملك لشبة بن عقال وعنده جرير والفرزدق والأخطل وهو يومئذ أمير ألا تخبرني عن هؤلاء الذين قد مزقوا أعراضهم وهتكوا أستارهم وأغروا بين عشائرهم في غير خير ولا بر ولا نفع أيهم أشعر فقال شبة أما جرير فيغرف من بحر وأما الفرزدق فينحت من صخر وأما الأخطل فيجيد المدح والفخر فقال هشام ما فسرت لنا شيئا نحصله فقال ما عندي غير ما قلت فقال لخالد بن صفوان صفهم لنا يأبن الأهتم فقال أما أعظمهم فخرا وابعدهم ذكرا وأحسنهم عذرا وأسيرهم مثلا وأقلهم غزلا وأحلاهم عللا الطامي إذا زخر والحامي إذا زأر والسامي إذا خطر الذي إن هدر قال وإن خطر صال الفصيح اللسان الطويل العنان فالفرزدق وأما أحسنهم نعتا وامدحهم بيتا وأقلهم فوتا الذي إن هجا وضع وإن مدح رفع فالأخطل وأما أغزرهم بحرا وارقهم شعرا وأهتكهم لعدوه سترا الأغر الأبلق الذي إن طلب لم يسبق وإن طلب لم يلحق فجرير وكلهم ذكي الفؤاد رفيع العماد واري الزناد فقال له مسلمة بن عبد الملك ما سمعنا بمثلك يا خالد في الأولين ولا رأينا في الآخرين وأشهد أنك أحسنهم وصفا وألينهم عطفا وأعفهم مقالا وأكرمهم فعالا فقال خالد أتم الله عليكم نعمه وأجزل لديكم قسمه وآنس بكم الغربة وفرج بكم الكربة وأنت والله ما علمت أيها الأمير كريم الغراس عالم بالناس جواد في المحل بسام عند البذل حليم عند الطيش في ذروة قريش ولباب عبد شمس ويومك خير من أمس فضحك هشام وقال ما رأيت كتخلصك يابن صفوان في مدح هؤلاء ووصفهم حتى أرضيتهم جميعا وسلمت منهم
(8/86)

قرنهما عمر بن عبد العزيز لأنهما تقاذفا
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا أبو أيوب المديني قال حدثني مصعب الزبيري قال حدثني إبراهيم بن عبد الله مولى بني زهرة قال
حضرت عمر بن لجأ وجرير بن الخطفي موقوفين للناس بسوق المدينة لما تهاجيا وتقاذفا وقد أمر بهما عمر بن عبد العزيز فقرنا وأقيما قال وعمر بن لجأ شاب كأنه حصان وجرير شيخ قد أسن وضعف قال فيقول ابن لجأ
( رأوْا قَمَراً بساحتهم مُنِيراً ... وكيف يُقَارِنُ القمرُ الحِمَارَا )
قال ثم ينزو به وهما مقرونان في حبل فيسقطان إلى الأرض فأما ابن لجأ فيقع قائما وأما جرير فيخر لركبتيه ووجهه فإذا قام نفض الغبار عنه ثم قال بغنته قولا يخرج الكلام به من أنفه وكان كلامه كأن فيه نونا
( فلستُ مفارِقاً قَرَنَيّ حتَّى ... يَطُولَ تصعُّدي بكَ وانحداري )
قال فقال رجل من جلساء عمر له حين حضر غداؤه لو دعا الأمير بأسيريه فغداهما معه ففعل ذلك عمر وإنما فعله بهما لأنهما تقاذفا وكان جرير قال له
( تقول والعبدُ مِسْكِينٌ يُجَرِّرُها ... أرْفُقْ فَدَيْتُك أنت الناكحُ الذَّكَرُ )
قال وهذه قصيدته التي يقول فيها
( يا تَيْمُ تيْمَ عَدِيّ لا أَبَا لكمُ ... لا يُوقِعنَّكُمُ في سوْءةٍ عمرُ )
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني أبي قال
(8/87)

كنت باليمامة وأنا واليها فكان ابن لجرير يكثر عندي الدخول وكنت أوثره فلم اقل له قط أنشدني أجود شعر لأبيك إلا أنشدني الدالية
( أَهَوىً أَرَاكَ بَرامَتَيْنِ وُقُودا ... أم بالجُنَيْنَةِ من مَدَافِع أُودَا )
فأقول له ويحك لا تزيدني على هذه فيقول سألتني عن أجود شعر أبي وهذه أجود شعره وقد كان يقدمها على جميعه
حدثني ابن عمار قال حدثني النوفلي قال حدثني علي بن عبد الملك الكعبي من ولد كعب مولى الحجاج قال حدثني فلان العلامة التميمي يرويه عن جرير قال
ما ندمت على هجائي بني نمير قط إلا مرة واحدة فإني خرجت إلى الشام فنزلت بقوم نزول في قصر لهم في ضيعة من ضياعهم وقد نظرت إليه من بين القصور مشيدا حسنا وسألت عن صاحبه فقيل لي هو رجل من بني نمير فقلت هذا شآم وأنا بدوي لا يعرفني فجئت فاستضفت فلما أذن لي ودخلت عليه عرفني فقراني أحسن القرى ليلتين فلما أصبحت جلست ودعا بنية له فضمها إليه وترشفها فإذا هي أحسن الناس وجها ولها نشر لم اشم أطيب منه فنظرت إلى عينيها فقلت تالله ما رأيت أحسن من عيني هذه الصبية ولا من حورها قط وعوذتها فقال لي يا ابا حزرة أسوداء المحاجر هي فذهبت أصف طيب رائحتها فقال أصن وبر هي فقلت يرحمك
(8/88)

الله إن الشاعر ليقول ووالله لقد ساءني ما قلته ولكن صاحبكم بدأني فانتصرت وذهبت أعتذر فقال دع ذا عنك أبا حزرة فوالله ما لك عندي إلا ما تحب قال وأحسن والله إلي وزودني وكساني فانصرفت وأنا أندم الناس على ما سلف مني إلى قومه
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن يعقوب بن داود قال حدثني ابن أبي علقمة الثقفي قال
كان المفضل يقدم الفرزدق فأنشدته قول جرير
( حَيِّ الهِدَمْلَةَ من ذاتِ المَوَاعِيسِ ... فالحِنْوُ أَصْبَح قَفْراً غيرَ مأنوسِ )
وقلت أنشدني لغيره مثلها فسكت قال وكان الفرزدق إذا أنشدها يقول مثلها فليقل ابن اللخناء
أخبرنا ابو خليفة الفضل بن الحباب قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني عبد الجبار بن سعيد بن سليمان المساحقي عن المحرر بن أبي هريرة قال
إني لفي عسكر سليمان بن عبد الملك وفيه جرير والفرزدق في غزاة إذا أتانا الفرزدق في غداة ثم قال اشهدوا أن محمد ابن أخي ثم أنشأ يقول
( فبِتُّ بدَيْرَيْ أَرْيَحَاءَ بلَيْلةٍ ... خُدَارِيَّةٍ يزدادُ طُولاً تَمامُها )
(8/89)

( أكابِدُ فيها نفسَ أَقْربِ مَنْ مَشَى ... أبوه بأمٍّ غاب عنها نِيامُها )
( وكنَّا نَرَى من غالبٍ في محمد ... شمائلَ تَعْلُو الفاعلين كِرامُها )
( وكان إذا ما حلَّ أرضاً تزيَّنَتْ ... بزينتِها صحراؤها وإكامُها )
( سَقَى أَرْيَحَاءَ الغيثُ وهي بَغِيضةٌ ... إلينا ولكن بي لتُسْقَاه هامُها )
قال ثم انصرف وجاء جرير فقال قد رأيت هذا وسمعت ما قال في ابن أخيه وما ابن أخيه فعل الله به وفعل قال ومضى جرير فوالله ما لبثنا إلا جمعا حتى جاءنا جرير فقام مقامه ونعى ابنه سواده فقال
رثاؤه ابنه
( أَوْدَى سَوادةُ يَجْلُو مُقلتيْ لَحِم ... بازٍ يُصَرْصِرُ فوقَ المَرْبأ العالي )
( فارقتني حين كَفَّ الدهرُ من بَصَرِي ... وحينَ صِرْتُ كعَظْم الرِّمَّة البالي )
( إلاَّ تَكُنْ لكَ بالدَّيْرَيْن باكيةٌ ... فرُبَّ باكيةٍ بالرَّمْل مِعْوالِ )
( قالوا نَصِيبَك من أجر فقلتُ لهم ... كيف العَزَاءُ وقد فارقتُ أَشْبالِي )
أخبرنا أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني حاجب بن زيد وأبو الغراف قالا
تزوج الفرزدق حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس على حكم أبيها فاحتكم مائة من الإبل فدخل على الحجاج يسأله ذلك فعذله وقال له أتتزوج امرأة على حكمها فقال عنبسة بن سعيد وأراد نفعه إنما هي من حواشي إبل الصدقة فأمر له الحجاج بها فوثب جرير فقال
( يا زِيقُ قد كنتَ من شَيْبانَ في حَسَبٍ ... يا زِيقُ وَيْحَكَ مَنْ أَنْكحتَ يا زِيقُ )
(8/90)

( أَنْكحتَ وَيْحَكَ قَيْناً باستِه حَمَمٌ ... يا زِيقُ وَيْحَكَ هل بارتْ بك السُّوقُ )
( غاب المُثَنَّى فلم يَشْهَدْ نَجِيَّكُما ... والحَوْفَزانُ ولم يَشْهَدْك مَفْروقُ )
( يا رُب قائلةٍ بعد البِناء بها ... لا الصِّهْرُ راضٍ ولا ابنُ القَيْنِ معشوقُ )
( أين الأُلَى استنزَلُوا النُّعْمانَ ضاحيةً ... أم أين ابناءُ شَيْبانَ الغَرَانِيقُ )
قال فلم يجبه الفرزدق عنها فقال جرير ايضا
( فلا أنا مُعْطِي الحكمِ عن شِفِّ مَنْصِبٍ ... ولا عن بَناتِ الحَنْظَليِّينَ راغبُ )
( وهُنّ كماءِ المُزْنِ يُشْفَى به الصَّدَى ... وكانت مِلاَحاً غيرَهنّ المَشَارِبُ )
( فلو كنتَ حُرّاً كان عَشْراً سِياقُكم ... إلى آل زِيقٍ والوَصيفُ المُقَارِب )
فقال الفرزدق
( فنَلْ مثلَها من مثلِهم ثم لُمْهُمُ ... على دارِميٍّ بين لَيْلَى وغالِبِ )
( هُمُ زوَّجوا قبلي لَقِيطاً وأَنْكَحُوا ... ضِراراً وهم أكفاؤنا في المَنَاسِبِ )
( ولو قبِلوا منِّي عَطِيِّةَ سُقْتُه ... إلى مال زِيقٍ من وَصِيفٍ مُقَارِبِ )
( ولو تُنْكِحُ الشمسُ النجومَ بَنَاتها ... إذاً لنكحناهنّ قبل الكواكبِ )
قال ابن سلام فحدثني الرازي عن أبيه قال ما كانت امرأة من بني حنظلة
(8/91)

إلا ترفع لجرير اللوية في عظمها لتطرفه بها لقوله
( وهُنّ كماءِ المُزْنِ يُشْفَى به الصَّدَى ... وكانت مِلاَحاً غيرَهنَّ المَشَارِبُ )
فقلت للرازي ما اللوية قال الشريحة من اللحم أو الفدرة من التمر أو الكبة من الشحم أو الحفنة من الأقط فإذا ذهب الألبان وضاقت المعيشة كانت طرفة عندهم
قال وقال جرير أيضا في شأن حدراء
( أثائرةٌ حَدْراءُ مَنْ جُرَّ بالنَّقَا ... وهل لأبي حَدْراءَ في الوِتْرِ طالبُ )
( أَتَثْأَرُ بِسْطاماً إذا ابتلَّتِ استُها ... وقد بَوَّلتْ في مِسْمَعَيْه الثعالبُ )
قال ابن سلام والنقا الذي عناه جرير هو الموضع الذي قتلت فيه بنو ضبة بسطاما وهو بسطام بن قيس قال فكرهت بنو شيبان أن يهتك جرير أعراضهم فلما أراد الفرزدق نقل حدراء اعتلوا عليه وقالوا له إنها ماتت فقال جرير
( فأُقْسِمُ ما ماتتْ ولكنَّما الْتَوَى ... بحَدْراءَ قومٌ لم يروك لها أهْلا )
( رأوْا أنّ صهر القَيْنِ عارٌ عليهم ... وأنّ لبِسْطامٍ على غالبٍ فضْلاَ )
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثنا محمد بن إدريس اليمامي قال حدثنا علي بن عبد الله بن محمد بن مهاجر عن أبيه عن جده قال
دخلنا على جرير في نفر من قريش نعوده في علته التي مات فيها فالتفت إلينا فقال
(8/92)

( أهلاً وسهلاً بقوم زيَّنوا حَسَبي ... وإن مَرِضْتُ فهم أهلي وعُوَّادِي )
( إن تَجْرِ طَيْرٌ بأمر فيه عافيةٌ ... أو بالفراق فقد أحسنتُم زادِي ) لو أن ليثاً أبا شِبْلَيْن أَوْعَدَنِي ... لم يُسْلِمُونِي لليثِ الغابة العادِي )
رثاؤه الفرزدق
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال حدثني أبو جناح أحد بني كعب بن عمرو بن تميم قال
نُعي الفرزدق إلى المهاجر بن عبد الله وجرير عنده فقال
( مات الفرزدقُ بعد ما جدَّعتُه ... ليت الفرزدقَ كان عاش قليلا )
فقال له المهاجر بئس لعمر الله ما قلت في ابن عمك أتهجو ميتا أما والله لو رثيته لكنت أكرم العرب وأشعرها فقال إن رأى الأمير أن يكتمها علي فإنها سوءة ثم قال من وقته
( فلا وَضَعَتْ بعد الفرزدقِ حامل ... ولا ذات بَعْلٍ من نِفَاسٍ تَعَلَّتِ )
( هو الوافدُ الميمونُ والراتِقُ الثأى ... إذا النعل يوماً بالعَشيرة زَلَّتِ )
قال ثم بكى ثم قال أما والله إني لأعلم أني قليل البقاء بعده ولقد كان نجمنا واحدا وكل واحد منا مشغول بصاحبه وقلما مات ضد أو صديق إلا
(8/93)

تبعه صاحبه فكان كذلك مات بعد سنة وقد زاد الناس في بيتي جرير هذين أبياتا أخر ولم يقل غيرهما وإنما أضيف إلى ما قاله
صوت
من المائة المختارة من رواية علي بن يحيى
( رحَل الخَلِيطُ جِمالَهم بسَوَادِ ... وحَدَا على إثْرِ البَخيلة حَادِي )
( ما إن شَعَرْتُ ولا علِمتُ ببَيْنهم ... حتى سمعتُ به الغرابَ يُنَادي )
الشعر لجميل والغناء لإبراهيم ولحنه المختار من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى
(8/94)

نسب جميل وأخباره
هو جميل بن عبد الله بن معمر بن الحارث بن ظبيان وقيل ابن معمر بن حن بن ظبيان بن قيس بن جزء بن ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد بن كثير بن عذرة بن سعد وهو هذيم وسمي بذلك إضافة لاسمه إلى عبد لأبيه يقال له هذيم كان يحضنه فغلب عليه ابن زيد بن سود بن اسلم بن الحاف بن قضاعة والنسابون مختلفون في قضاعة فمنهم من يزعم أن قضاعة بن معد وهو أخو نزار بن معد لأبيه وأمه وهي معانة بنت جوسم بن جلهمة بن عامر بن عوف بن عدي بن دب بن جرهم ومنهم من يزعم أنهم من حمير وقد ذكر جميل ذلك في شعره فانتسب معديا فقال
( أنا جميلٌ في السَّنَامِ من مَعَدّ ... في الأُسْرَةِ الحَصْداءِ والعِيص الأَشَدّ )
وقال راجز من قضاعة ينسبهم إلى حمير
( قُضَاعَةُ الأَثْرَوْنَ خيرُ مَعْشَرِ ... قضاعةُ بنُ مالكِ بنِ حِمْيَرِ )
ولهم في هذا أراجيز كثيرة إلا أن قضاعة اليوم تنسب كلها في حمير فتزعم أن قضاعة بن مالك بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير بن سبأ بن
(8/95)

يشجب بن يعرب بن قحطان وقال القحذمي اسم سبأ عامر وإنما قيل له سبأ لأنه أول من سبى النساء وكان يقال له عب الشمس أي عديل الشمس سمي بذلك لحسنه ومن زعم من هؤلاء أن قضاعة ليس ابن معد ذكر أن أمه عكبرة امرأة من سبأ كانت تحت مالك بن عمر فمات عنها وهي حامل فخلفه عليها معد بن عدنان فولدت قضاعة على فراشه وقال مؤرج بن عمرو هذا قول أحدثوه بعد وصنعوا شعراً ألصقوه به ليصححوا هذا القول وهو
( يا أيُّها الدَّاعِي ادْعُنا وأبشِرِ ... وكُنْ قُضَاعِيّاً ولا تَنَزَّرِ )
( قضاعةُ الأَثْرَوْنَ خيرُ مَعْشَرِ ... قضاعةُ بنُ مالك بنِ حمير )
( النسبُ المعروفُ غير المُنْكَر ... )
قال مؤرج وهذا شيء قيل في آخر أيام بني أمية وشعراء قضاعة في الجاهلية والإسلام كلها تنتمي إلى معد قال جميل
( وأيّ مَعَدٍّ كان فَيْءُ رِمَاحِهمْ ... كما قد أَفَأْنا والمُفَاخِرُ مُنْصِفُ )
وقال زيادة بن زيد يهجو بني عمه بني عامر رهط هدبة بن خشرم
( وإذا مَعَدٌّ أَوْقدتْ نِيرانَها ... للمجدِ أغْضَتْ عامرٌ وتضعضعوا )
روى له كثير
وجميل شاعر فصيح مقدم جامع للشعر والرواية كان راوية هدبة بن
(8/96)

خشرم وكان هدبة شاعرا راوية للحطيئة وكان الحطيئة شاعرا راوية لزهير وابنه وقال أبو محلم آخر من اجتمع له الشعر والرواية كثير وكان راوية جميل وجميل راوية هدبة وهدبة راوية الحطيئة والحطيئة راوية زهير
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا عيسى بن إسماعيل عن القحذمي قال كان جميل يهوى بثينة بنت حبأ بن ثعلبة بن الهوذ بن عمرو بن الأحب بن حن بن ربيعة تلتقي هي وجميل في حن من ربيعة في النسب
حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد الأسدي وهاشم بن محمد أو دلف الخزاعي قالا حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي عن ابن أبي الزناد قال
كان كثير راوية جميل وكان يقدمه على نفسه ويتخذه إماما وإذا سئل عنه قال وهل علم الله عز و جل ما تسمعون إلا منه
أخبرني محمد بن مزيد عن حماد عن أبيه عن صباح بن خاقان عن عبد الله بن معاوية الزبيري قال
كان كثير إذا ذكر له جميل قال وهل علم الله ما تسمعون إلا منه
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران عن المسور بن عبد الملك عن نصيب مولى عبد العزيز بن مروان قال
(8/97)

قدمت المدينة فسألت عن اعلم أهلها بالشعر فقيل لي الوليد بن سعيد بن أبي سنان الأسلمي فوجدته بشعب سلع مع عبد الرحمن بن حسان وعبد الرحمن بن أزهر فإنا لجلوس إذ طلع علينا رجل طويل بين المنكبين طوال يقود راحلة عليها بزة حسنة فقال عبد الرحمن بن حسان لعبد الرحمن بن أزهر يا أبا جبير هذا جميل فأدعه لعله أن ينشدنا فصاح به عبد الرحمن هيا جميل هيا جميل فالتفت فقال من هذا فقال أنا عبد الرحمن بن أزهر فقال قد علمت أنه لا يجترىء علي إلا مثلك فأتاه فقال له أنشدنا فأنشدهم
( نحنُ مَنَعْنا يومَ أَوْلٍ نساءَنا ... ويومَ أُفَيٍّ والأسِنَّةُ تَرْعُفُ )
( ويومَ رَكَايا ذِي الجَذَاةِ ووقعةٍ ... ببَنْيَانَ كانت بعضَ ما قد تَسَلَّفُوا )
( يُحِبّ الغَوَانِي البِيضُ ظِلَّ لِوائنا ... إذا ما أتانا الصارخُ المُتَلَهِّفُ )
( نَسيرُ أمامَ الناس والناسُ خَلْفَنا ... فإن نحن أوْمَأْنا إلى الناس وَقَّفُوا )
( فأيُّ مَعَدٍّ كان فَيْءُ رِمَاحِهِ ... كما قد أفأنا والمُفَاخِرُ يُنْصِفُ )
( وكنَّا إذا ما مَعْشَرٌ نَصَبُوا لنا ... ومرَّتْ جَوَارِي طَيْرِهم وتَعَيَّفوا )
( وضَعْنا لهم صاعَ القِصَاصِ رهينةً ... بما سوف نُوفِيها إذا الناسُ طَفَّفُوا )
( إذا استبق الأقوامُ مجداً وجدتَنا ... لنا مِغْرَفَا مَجْدٍ وللناسِ مِغْرَفُ )
قال ثم قال له أنشدنا هزجا قال وما الهزج لعله هذا القصير قال
(8/98)

نعم فأنشده قال الزبير لم يذكر في هذا الخبر من هذه القصيدة الهزج سوى بيتين وأنشدنا باقيها بهلول بن سليمان بن قرضاب البلوي
صوت
( رَسْمِ دَارٍ وقفتُ في طَلَلِهْ ... كِدتُ أقضِي الغَداةَ من جَلَلِهْ )
( مُوحِشاً ما تَرَى به أحداً تَنْتَسِجُ ... الريحُ تُرْبَ مُعْتَدِلِهْ )
( وصَرِيعاً من الثُّمَامِ تَرَى ... عارِمَاتِ المَدَبِّ في أَسَلِهْ )
( بين عَلْيَاءِ وابشٍ فبُلَيٍّ ... فالغَميمِ الذي إلى جَبَلِهْ )
( واقفاً في ديار أُمِّ جُسَيرٍ ... من ضُحَى يَومِه إلى أُصُلِهْ )
( يا خليلَيَّ إن أُمَّ جُسَيرٍ ... حين يدنو الضجيجُ من غَلَلهْ )
( روضةٌ ذاتُ حَنْوَةٍ وخُزَامَى ... جاد فيها الربيعُ من سَبَلِهْ )
( بينما هنّ بالأرَاكِ معاً ... إذ بدا راكبٌ على جَمَلِهْ )
( فتأطَّرْنَ ثم قلن لها ... أَكْرِميهِ حُيِّيتِ في نُزُلِهْ )
( فظَلِلْنَا بنَعْمةٍ واتَّكأنا ... وشَرِبنا الحلالَ من قُلَلِهْ )
(8/99)

( قد أَصُون الحديثَ دونَ خليلٍ ... لا أخاف الأَذَاة من قِبَلِهْ )
( غيرَ ما بِغْضَةٍ ولا لاجتنابٍ ... غير أنِّي أَلَحْتُ من وَجَلِهْ )
( وخليلٍ صاقَبْتُ مُرْتضِياً ... وخليلٍ فارقتُ من مَلَلِه )
قال فأنشده إياها حتى فرغ منها ثم اقتاد راحلته موليا فقال ابن الأزهر هذا أشعر أهل الإسلام فقال ابن حسان نعم والله وأشعر أهل الجاهلية والله ما لأحد منهم مثل هجائه ولا نسيبه فقال عبد الرحمن بن الأزهر صدقت قال نصيب وأنشدت الوليد فقال لي أنت أشعر أهل جلدتك والله ما زاد عليها فقلت يا أبا محجن أرضيت منه بأن تكون أشعر السودان قال وددت والله يا أبن أخي أنه أعطاني أكثر من هذا ولكنه لم يفعل ولست بكاذبك
كان مقدماً في النسيب على غيره
أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال
كان لكثير في النسب حظ وافر وجميل مقدم عليه وعلى أصحاب النسيب في النسيب وكان كثير راوية جميل وكان جميل صادق الصبابة والعشق ولم يكن كثير بعاشق ولكنه كان يتقول وكان الناس يستحسنون بيت كثير في النسيب
( أُريد لأَنسَى ذكرَها فكأنَّما ... تمَثَّلُ لي لَيْلَى بكلِّ سبيل )
قال ورأيت من يفضل عليه بيت جميل
(8/100)

( خليليّ فيما عِشْتُما هل رأيتُما ... قَتِيلاً بَكى من حبّ قاتلِه قَبْلِي )
قال ابن سلام وهذا البيت الذي لكثير أخذه من جميل حيث يقول
( أريد لأنْسَى ذكرَها فكأنَّما ... تَمَثَّلُ لي لَيْلَى على كلَّ مَرْقَبِ )
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار عن محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز عن أبي شهاب طلحة بن عبد الله بن عوف قال
لقي الفرزدق كثيرا بقارعة البلاط وأنا وهو نمشي نريد المسجد فقال له الفرزدق يا أبا صخر أنت أنسب العرب حين تقول
( أُريد لأَنسَى ذكرَها فكأنَّما ... تمَثَّلُ لي لَيْلَى بكلِّ سبيل )
يعرض له بسرقته من جميل فقال له كثير وأنت يا أبا فراس أفخر الناس حين تقول
( تَرَى الناسَ ما سِرْنا يَسيرون خَلْفَنا ... وإن نحن أَوْمَأْنا إلى الناس وَقَّفُوا )
قال عبد العزيز وهذا البيت أيضا لجميل سرقة الفرزدق فقال الفرزدق لكثير هل كانت أمك مرت بالبصرة قال لا ولكن أبي فكان نزيلا لأمك قال طلحة بن عبد الله فوالذي نفسي بيده لعجبت من كثير وجوابه وما رأيت أحداً قط أحمق منه رأيتني دخلت عليه يوما في نفر من قريش وكنا كثيرا ما نتهزأ به فقلنا كيف تجدك يا أبا صخر قال بخير أما سمعتم الناس يقولون شيئا قلنا نعم يتحدثون أنك الدجال فقال والله
(8/101)

لئن قلتم ذاك إني لأجد في عيني هذه ضعفاً منذ أيام
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال كتب إلي أبو محمد إسحاق بن إبراهيم يقول حدثني أبو عبيدة عن جويرية بن أسماء قال
كان أبو صخر كثير صديقا لي وكان يأتيني كثيرا فقلما استنشدته إلا بدأ بجميل وأنشد له ثم أنشد لنفسه وكان يفضله ويتخذه إماما
قال الزبير وكتب إلي إسحاق يقول حدثني صباح بن خاقان عن عبد الله بن معاوية بن عاصم بن المنذر بن الزبير قال
ذكر جميل لكثير فقالوا ما تقول فيه فقال منه علم الله عز و جل
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو يحيى الزهري عن إسحاق بن قبيصة الكوفي عن رجل سماه قال
سألت نصيبا أجميل أنسب أم كثير فقال أنا سألت كثيرا عن ذاك فقال وهل وطأ لنا النسيب إلا جميل
قال عمر بن شبة وقال إسحاق حدثني السعيدي عن أبي مالك النهدي قال
جلس إلينا نصيب فذكرنا جميلا فقال ذاك إمام المحبين وهل هدى الله عز و جل لما ترى إلا بجميل
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة عن جويرية بن
(8/102)

أسماء قال ما استنشدت كثيرا قط إلا بدأ بجميل وأنشدني له ثم أنشدني بعده لنفسه وكان يفضله ويتخذه إماما
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني بهلول بن سليمان بن قرضاب البلوي قال
خبر تعرفه ببثينة
كان جميل ينسب بأم الجسير وكان أول ما علق بثينة أنه أقبل يوما بإبله حتى أوردها واديا يقال له بغيض فاضطجع وأرسل إبله مصعدةً وأهل بثينة بذنب الوادي فأقبلت بثينة وجارة لها واردتين الماء فمرتا على فصال له بروك فعرمتهنّ بثينة يقول نفرتهن وهي إذ ذاك جويرية صغيرة فسبها جميل فأفترت عليه فملح إليه سبابها فقال
( وأوَّلُ ما قاد المودَّةَ بيننا ... بِوَادِي بَغيضٍ يا بُثَيْنَ سِبَابُ )
( وقلنا لها قَوْلاً فجاءت بمثله ... لكلّ كلامٍ يا بُثَيْنَ جوابُ )
قال الزبير وحدثني محمد بن إسماعيل بن جعفر عن سعيد بن نبيه بن الأسود العذري وكانت بثينة عند أبيه نبيه بن الأسود وإياه يعني جميل بقوله
( لقد أَنْكَحُوا جَهْلاً نُبَيهاً ظَعِينةً ... لَطِيفةَ طَيِّ الكَشْحِ ذاتَ شَوًى خَدْلِ )
قال الزبير وحدثني أيضا الأسباط بن عيسى بن عبد الجبار العذري أن جميل بن معمر خرج في يوم عيد والنساء إذ ذاك يتزين ويبدو بعضهن لبعض ويبدون للرجال وأن جميلا وقف على بثينة وأختها أم الجسير في نساء من بني
(8/103)

الأحب وهن بنات عم عبيد الله بن قطبة أخي أبيه لحا فرأى منهن منظرا وأعجبنه وعشق بثينة وقعد معهن ثم راح وقد كان معه فتيان من بني الأحب فعلم أن القوم قد عرفوا في نظره حب بثينة ووجدوا عليه فراح وهو يقول
( عَجِل الفِراقُ ولَيْتَه لم يَعْجَلِ ... وجرتْ بوادرُ دَمْعِك المُتَهلِّلِ )
( طَرَباً وشاقكَ ما لَقِيتَ ولم تَخَفْ ... بَيْنَ الحبيبِ غداةَ بُرْقةِ مِجْوَلِ )
( وعرفتَ انك حين رُحْتَ ولم يكن ... بعدُ اليقينُ وليس ذاك بمُشْكِلِ )
( لن تَستطيع إلى بثينة رَجْعةً ... بعد التفرُّق دون عامٍ مُقبِلِ )
قال وإن بثينة لما أخبرت أن جميلا قد نسب بها حلفت بالله لا يأتيها على خلاء إلا خرجت إليه ولا تتوارى منه فكان يأتيها عند غفلات الرجال فيتحدث إليها ومع أخواتها حتى نمي إلى رجالها أنه يتحدث إليها إذا خلا منهم وكانوا أصلافا غيرا أو قال غيارى فرصدوه بجماعة نحو من بضعة عشر رجلا وجاء على الصهباء ناقته حتى وقف على بثينة وأم الجسير وهما يحدثانه وهو ينشدهما يومئذ
( حلفتُ بربِّ الراقصاتِ إلى مِنًى ... هُوِيَّ القَطَا يَجْتَزْنَ بطنَ دَفِينِ )
(8/104)

( لقد ظَنَّ هذا القلبُ أن ليس لاقياً ... سُلَيْمَى ولا أمَّ الجُسَيْرِ لحِينِ )
( فليت رجالاً فيكِ قد نذَرُوا دَمِي ... وهَمُّوا بقَتْلِي يا بُثَيْنَ لَقُونِي )
فبينا هو على تلك الحال إذ وثب عليه القوم فرماهم بها فسبقت به وهو يقول
( إذا جمع الاثنان جمعاً رميتُهم ... بأركانها حتى تُخَلَّى سبيلُها )
فكان هذا أول سبب المهاجاة بينه وبين عبيد الله بن قطبة
تشكيه في شعره
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا بهلول بن سليمان عن مشيخة من عذرة
أن بثينة واعدت جميلا أن يلتقيا في بعض المواضع فأتى لوعدها وجاء أعرابي يستضيف القوم فأنزلوه وقروه فقال لهم قد رأيت في بطن هذا الوادي ثلاثة نفر متفرقين متوارين في الشجر وأنا خائف عليكم أن يسلبوا بعض إبلكم فعرفوا أنه جميل وصاحباه فحرسوا بثينة ومنعوها من الوفاء بوعده فلما أسفر له الصبح انصرف كئيبا سيء الظن بها ورجع إلى أهله فجعل نساء الحي يقرعنه بذلك ويقلن له إنما حصلت منها على الباطل والكذب والغدر وغيرها أولى بوصلك منها كما أن غيرك يحظى بها فقال في ذلك
صوت
( أبُثَيْن إنَّكِ قد مَلَكْتِ فأَسْجِحِي ... وخُذِي بحظك من كريمٍ واصلِ )
( فأجبتُها في القول بعد تَسَتُّرٍ ... حُبِّي بثينةَ عن وِصَالِكِ شاغِلِي )
( فلربَّ عارضةٍ علينا وَصْلَها ... بالجِدّ تَخْلِطه بقول الهازل )
(8/105)

( لو كان في صدري كقَدْرِ قُلاَمةٍ ... فَضْلاً وصلتُكِ أو أتتكِ رسائلي )
الغناء ليحيى المكي ثقيل أول بالوسطى من رواية ابنه أحمد عنه
صوت
( ويَقُلْنَ إنَّكَ قد رَضِيتَ بباطلٍ ... منها فهل لكَ في اجتنابِ الباطلِ )
( ولَبَاطِلٌ ممَّا أُحِبُّ حديثَه ... أشهَى إليّ من البَغيض الباذِل )
( لِيُزِلْنَ عنك هوايَ ثم يَصِلْنَنِي ... وإذا هَوِيتُ فما هوايَ بزائلِ )
الغناء لسليم رمل بالوسطى عن عمرو وذكر في نسخته الثانية أنه ليزيد حوراء وروى حماد عن أبيه في أخبار ابن سريج أن لابن سريج فيه لحنا ولم يجنسه
( صادتْ فؤادي يا بُثَيْن حِبالكُم ... يومَ الحَجُونِ وأخطأَتْكِ حبائلي )
( مَنَّيْتِنِي فلَوَيْتِ ما مَنَّيْتِنِي ... وجعلتِ عاجلَ ما وعدتِ كآجلِ )
( وتثاقلتْ لمَّأ رأت كَلَفِي بها ... أَحْبِبْ إليَّ بذاكَ من متثاقل )
( وأطعتِ فيَّ عواذِلاً فهجرتِني ... وعَصَيْتُ فيكِ وقد جَهَدْنَ عواذلي )
( حاولنَني لأِبُتَّ حبل وِصَالكم ... منِّي ولستُ وإن جَهَدْنَ بفاعل )
(8/106)

( فرددتُهن وقد سَعَيْنَ بهجرِكم ... لمَّا سَعَيْنَ له بأفْوَقَ ناصِلِ )
( يَعْضَضْنَ من غيظٍ عليّ أناملاً ... ووَدِدْتُ لو يَعْضَضْنَ صُمَّ جَنَادِلِ )
( ويقلن إنكِ يا بُثَيْن بخيلةٌ ... نفسي فداؤكِ من ضَنِينٍ باخل )
قالوا وقال جميل في وعد بثينة بالتلاقي وتأخرها قصيدة أولها
( يا صاحِ عن بعض المَلاَمةِ أَقْصِرِ ... إنّ المُنَى لَلِقاءُ أُمِّ المِسْوَرِ )
فمما يغنى فيه منها قوله
صوت
( وكأنّ طارقَها على عَلَل الكرَى ... والنجمُ وَهْناً قد دنا لتَغَوُّرِ )
( يَسْتافُ ريحَ مُدَامةٍ معجونةٍ ... بذَكِيِّ مِسْكٍ أو سَحيقِ العَنْبَر )
الغناء لابن جامع ثقيل أول بالبنصر من رواية الهشامي وذكر عمرو بن بانة أنه لابن المكي
ومما يغنى فيه منها قوله
صوت
( إنَّي لأحفظُ غَيْبَكم ويسرُّني ... إذ تَذْكُرِينَ بصالح أن تَذْكُرِي )
(8/107)

( ويكون يومٌ لا أرى لكِ مُرْسَلاً ... أو نَلْتَقِي فيه عليّ كأشْهُرِ )
( يا ليتني ألقَى المنيَّةَ بغتةً ... إن كان يومُ لقائكم لم يُقْدَرِ )
( أو أستطِيعُ تَجَلُّداً عن ذكركم ... فيُفِيقَ بعضُ صبابتي وتَفَكُّري )
الغناء لابن محرز خفيف رمل بالوسطى عن الهشامي وفيه يقول
( لو قد تُجِنّ كما أُجِنّ من الهوى ... لَعَذَرْتَ أو لظلمتَ إن لم تَعْذِرِ )
( واللَّه ما للقلبِ من علمٍ بها ... غيرُ الظنون وغير قول المُخْبِرِ )
( لا تحسَبي أنِّي هجرتُكِ طائعاً ... حَدَثٌ لعمرُكِ رائعٌ أن تُهْجَري )
( فَلْتَبْكِيَنَّ الباكياتُ وإن أَبُحْ ... يوماً بسرِّكِ مُعْلِناً لم أُعْذَرِ )
( يهواكِ ما عشتُ الفؤادُ فإن أَمُتْ ... يَتْبَعْ صَدَاي صداكِ بين الأقْبُرِ )
( صوت
( إنِّي إليكِ بما وعدتِ لناظرٌ ... نظرَ الفقيرِ إلى الغَنِيِّ المُكْثِرِ )
( يَعِدُ الديونَ وليس يُنْجِزُ موعداً ... هذا الغريمُ لنا وليس بمُعسِرِ )
( ما أنتِ والوَعْدَ الذي تَعِدِينَنِي ... إلاَّ كبرق سحابةٍ لم تُمْطِرِ )
( قلبي نصحتُ له فرَدَّ نصيحتي ... فمَتَى هَجَرْتِيهِ فمنه تَكَثَّرِي )
الغناء في هذه الأبيات لسليم رمل عن الهشامي وفيه قدح طنبوري اظنه لجحظة أو لعلي بن مودة قالوا وقال في إخلافها إياه هذا الموعد
صوت
( ألاَ ليتَ رَيْعانَ الشبابِ جديدُ ... ودهراً تولىَّ يا بُثَينَ يَعُودُ )
(8/108)

( فنَغْنَى كما كنّا نكون وأنتُم ... قريبٌ وإذ ما تَبْذُلِين زَهيدُ ) ويروى
( وممَّا لا يَزيد بعيدُ ... )
وهكذا يغنى فيه
الغناء لسليم خفيف ثقيل أول بالوسطى ومما يغنى فيه من هذه القصيدة
صوت
( ألاَ ليت شعري هل أَبِيتنّ ليلةً ... بوادِي القُرَى إنِّي إذاً لسَعِيدُ )
( وهل أَلْقَيَنْ فَرْداً بثينةَ مرَّةً ... تَجُود لنا من ودّها ونَجُود )
( عَلِقْتُ الهَوَى منها وليداً فلم يَزَلْ ... إلى اليوم يَنْمِي حُبُّها ويَزيد )
( وأفنيْتُ عُمْرِي بانتظاريَ وَعْدَهَا ... وأَبْليتُ فيها الدهرَ وهو جديدُ )
( فلا أنا مردودٌ بما جئتُ طالباً ... ولا حبُّها فيما يَبِيدُ يَبِيدُ )
الغناء لمعبد ثقيل أول بالوسطى ومما يغنى فيه منها
(8/109)

صوت
( وما أَنْسَ مِ الأشياءِ لا أَنْسَ قولَها ... وقد قَرُبتْ بُصرَى أمصرَ تُرِيدُ )
( ولا قولَهَا لولا العيونُ التي تَرَى ... لزُرْتُكَ فاعذِرْني فَدَتْك جُدُودُ )
( خليليّ ما أَلْقَى من الوجد قاتِلي ... ودَمْعِي بما قلتُ الغَداةَ شَهِيدُ )
( يقولون جاهدْ يا جميلُ بغَزْوةٍ ... وأيَّ جهادٍ غيرَهنّ أُرِيدُ )
( لكلِّ حديثٍ بينهنّ بَشاشةٌ ... وكلُّ قَتيلٍ عندهنّ شَهِيدُ )
الغناء للغريض خفيف ثقيل من رواية حماد عن أبيه وفي هذه القصيدة يقول
( إذا قلتُ ما بي يا بثينةُ قاتِلي ... من الحبّ قالت ثابتٌ ويَزِيدُ )
( وإن قلتُ رُدِّي بعضَ عقلي أَعِشْ به ... مع الناسِ قالت ذاكَ منكَ بعيدُ )
( ألا قد أَرَى واللَّهِ أن رُبَّ عَبْرةٍ ... إذا الدَّارُ شَطَّتْ بينَنا ستَرُودُ )
( إذا فكَّرتْ قالت قد ادركتُ ودَّه ... وما ضَرَّنِي بُخْلِي فكيف أَجُود )
( فلو تُكْشَفُ الأَحْشاءُ صُودِفَ تحتَها ... لبَثْنَةَ حبٌّ طارِفٌ وتَلِيدُ )
- تُذَكِّرُنِيها كلُّ ريحٍ مَرِيضةٍ ... لها بالتِّلاَعِ القاوياتِ وَئيدُ )
(8/110)

( وقد تَلْتقي الأشْتاتُ بعد تفرُّقٍ ... وقد تُدْرَكُ الحاجاتُ وهي بعيدُ )
التقى بثينة بعد غياب فتعاتبا
أخبرني علي بن صالح قال حدثني عمر بن شبة عن إسحاق قال
لقي جميل بثينة بعد تهاجر كان بينهما طالت مدته فتعاتبا طويلا فقالت له ويحك يا جميل أتزعم أنك تهواني وأنت الذي تقول
( رمَى اللَّهُ في عينيْ بُثَينَةَ بالقَذَى ... وفي الغُرّ من أَنْيابها بالقَوَادِحِ )
فأطرق طويلا يبكي ثم قال بل أنا القائل
( ألا ليتَنِي أَعْمَى أصمُّ تَقُوُدنِي ... بثينةُ لا يَخْفَى عليّ كلامُها )
فقالت له ويحك ما حملك على هذه المنى أوليس في سعة العافية ما كفانا جميعا
قال إسحاق وحدثني أيوب بن عباية قال
سعت أمة لبثينة بها إلى أبيها وأخيها وقالت لهما إن جميلا عندها الليلة فأتياها مشتملين على سيفين فرأياه جالسا حجرة منها يحدثها ويشكو إليها بثه ثم قال لها يا بثينة أرأيت ودي إياك وشغفي بك ألا تجزينيه قالت بماذا قال بما يكون بين المتحابين فقالت له يا جميل أهذا تبغي والله لقد كنت عندي بعيدا منه ولئن عاودت تعريضا بريبة لا رأيت وجهي أبدا فضحك وقال والله ما قلت لك هذا إلا لأعلم ما عندك فيه ولو علمت أنك تجيبينني إليه لعلمت أنك تجيبين غيري ولو رأيت منك مساعدة عليه لضربتك
(8/111)

بسيفي هذا ما استمسك في يدي ولو أطاعتني نفسي لهجرتك هجرة الأبد أو ما سمعت قولي
( وإنِّي لأَرْضَى من بُثَينةَ بالذي ... لو ابْصَرَه الواشِي لقرَّتْ بَلاَبِلُهْ )
( بلاَ وبأن لا أستطيعَ وبالمُنَى ... وبالأملِ المرجوِّ قد خاب آملُهْ )
( وبالنَّظْرَةِ العَجْلَى وبالحَول تَنْقَضِي ... أواخرُه لا نَلْتَقِي وأوائلُهْ )
قال فقال أبوها لأخيها قم بنا فما ينبغي لنا بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها فانصرفا وتركاهما
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب بن عباية عن رجل من عذرة قال
كنت تربا لجميل وكان يألفني فقال لي ذات يوم هل تساعدني على لقاء بثينة فمضيت معه فكمن لي في الوادي وبعث بي إلى راعي بثينة بخاتمه فدفعته إليه فمضى به إليها ثم عاد بموعد منها إليه فلما كان الليل جاءته فتحدثا طويلا حتى أصبحا ثم ودعها وركب ناقته فلما استوى في غرزها وهي باركة قالت له ادن مني يا جميل
صوت
( إنّ المنازل هيَّجتْ أَطْرابي ... واستَعجمَتْ آياتُها بجَوابِي )
( قَفْراً تَلُوح بذي اللُّجَين كأنها ... أَنْضَاءُ رَسْمٍ أو سُطورُ كتاب )
( لما وَقَفْتُ بها القَلُوصَ تبادرتْ ... منِّي الدموعُ لفُرْقة الأحبابِ )
(8/112)

( وذكرتُ عصراً يا بثينةُ شاقَني ... وذكرتُ أياَّمي وشَرْخَ شبابِي )
الغناء في هذه الأبيات للهذلي ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق
كثير يسعى لجمعهما
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إسحاق الموصلي عن السعيدي وأخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه قال حدثنا أبو مالك النهدي قال
جلس إلينا كثير ذات يوم فتذاكرنا جميلا فقال لقيني مرة فقال لي من أين أقبلت قلت من عند أبي الحبيبة أعني بثينة فقال وإلى أين تمضي قلت إلى الحبيبة أعني عزة فقال لا بد من أن ترجع عودك على بدئك فتستجد لي موعدا من بثينة فقلت عهدي بها الساعة وأنا أستحيي أن أرجع فقال لا بد من ذلك فقلت له فمتى عهدك ببثينة فقال في أول الصيد وقد وقعت سحابة بأسفل وادي الدوم فخرجت ومعها جارية لها تغسل ثيابها فلما أبصرتني أنكرتني فضربت بيديها إلى ثوب في الماء فالتحفت به وعرفتني الجارية فأعادت الثوب في الماء وتحدثنا حتى غابت الشمس وسألتها الموعد فقالت أهلي سائرون وما وجدت أحداً آمنه فأرسله إليها فقال له كثير فهل لك في أن آتي الحي فأنزع بأبيات من شعر أذكر فيها هذه العلامة إن لم أقدر على الخلوة بها قال ذلك الصواب فأرسله إليها فقال له انتظرني ثم خرج كثير حتى أناخ بهم فقال له أبوها ما ردك قال ثلاثة
(8/113)