Advertisement

الأغاني 007



[ الأغاني - الأصفهاني ]
الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبي الفرج الأصفهاني
الناشر : دار الفكر - بيروت
الطبعة الثانية
تحقيق : سمير جابر
عدد الأجزاء : 24 أبيات عرضت لي فأحببت أن أعرضها عليك قال هاتها قال كثير فأنشدته وبثينة تسمع
( فقلتُ لها يا عزّ أُرْسِلُ صاحبي ... إليكِ رسولاً والمُوَكَّلُ مُرْسَلُ )
( بأن تجعَلي بَيْنِي وبَيْنَكِ موعِداً ... وأنْ تأمُريني ما الذي فيه أفعلُ )
( وآخِرُ عهدِي منكِ يومَ لقيتِني ... بأسفلِ وادي الدَّوْمِ والثوبُ يُغْسَلُ )
قال فضربت بثينة جانب خدرها وقالت إخسأ إخسأ فقال أبوها مهيم يا بثينة قالت كلب يأتينا إذا نوم الناس من وراء الرابية ثم قالت للجارية ابغينا من الدومات حطبا لنذبح لكثير شاة ونشويها له فقال كثير أنا أعجل من ذلك وراح إلى جميل فأخبره فقال له جميل الموعد الدومات وقالت لأم الحسين وليلى ونجيا بنات خالتها وكانت قد أنست إليهن واطمأنت بهن إني قد رأيت في نحو نشيد كثير أن جميلا معه وخرج كثير وجميل حتى أتيا الدومات وجاءت بثينة ومن معها فما برحوا حتى برق الصبح فكان كثير يقول ما رأيت مجلسا قط أحسن من ذلك ولا مثل علم أحدهما بضمير الآخر ما أدري أيهما كان أفهم
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي وأخبرني عمي عن الكراني عن العمري عن الهيثم بن عدي قال قال لي صالح بن حسان
(8/114)

هل تعرف بيتا نصفه أعرابي في شملة وآخره مخنث من أهل العقيق يتقصف تقصفا قلت لا قال قد أجلتك حولا قلت لا أدري ما هو فقال قول جميل
( ألا أيُّها النُّوَّامُ وَيْحَكُمُ هُبُّوا ... )
كأنه أعرابي في شملة ثم أدركه ما يدرك العاشق فقال
( أسائلُكم هل يقتُل الرجلَ الحبُّ ... )
كأنه من كلام مخنثي العقيق
ماذا فعل بعد أن أهدر السلطان دمه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير بن حرب قال أخبرنا عبد الله بن أبي كريم عن أبي عمرو وإسحاق بن مروان قال
عشق جميل بثينة وهو غلام فلما بلغ خطبها فمنع منها فكان يقول فيها الأشعار حتى اشتهر وطرد فكان يأتيها سرا ثم تزوجت فكان يزورها في بيت زوجها في الحين خفية إلى أن استعمل دجاجة بن ربعي على وادي القرى فشكوه إليه فتقدم إليه ألا يلم بأبياتها وأهدر دمه لهم إن عاود زيارتها فاحتبس حينئذ
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور قال حدثنا أحمد بن أبي العلاء قال حدثني إبراهيم الرماح قال حدثنا جابر أبو العلاء التنوخي قال
لما نذر أهل بثينة دم جميل وأهدره لهم السلطان ضاقت الدنيا بجميل
(8/115)

فكان يصعد بالليل على قور رمل يتنسم الريح من نحو حي بثينة ويقول
( أيا ريحَ الشَّمالِ أما تَرَيْنِي ... أَهِيمُ وأنَّني بادِي النُّحُولِ )
( هَبِي لي نَسْمةً من ريح بَثْنٍ ... ومُنِّي بالهُبُوب إلى جَمِيلِ )
( وقولي يا بُثينَةُ حَسْبُ نَفْسِي ... قليلُك أو أقلُّ من القليل )
فإذا بدا وضح الصبح انصرف وكانت بثينة تقول لجوار من الحي عندها ويحكن إني لأسمع أنين جميل من بعض القيران فيقلن لها اتقي الله فهذا شيء يخيله لك الشيطان لا حقيقة له
تذاكر النسيب مع كثير
حدثني أحمد بن عمار قال حدثني يعقوب بن نعيم قال حدثني أحمد بن يعلى قال حدثني سويد بن عصام قال حدثني روح أبو نعيم قال
التقى جميل وكثير فتذاكرا النسيب فقال كثير يا جميل اترى بثينة لم تسمع بقولك
( يقِيكِ جميل كلَّ سُوءٍ أما له ... لديكِ حديثٌ أو إليكِ رسولُ )
( وقد قلتُ في حبِّي لكم وصَبَابتي ... مَحَاسِن شعرٍ ذِكْرُهنَّ يَطُول )
( فإن لم يكن قولي رضاكِ فعَلِّمِي ... هُبوبَ الصَّبَا يا بَثْن كيف أقولُ )
( فما غاب عن عيني خيالُكِ لحظةً ... ولا زال عنها والخيالُ يَزُول )
فقال جميل أترى عزة يا كثير لم تسمع بقولك
( يقول العِدَا يا عَزّ قد حال دونكم ... شجاعٌ على ظهر الطريق مُصَمِّمُ )
( فقلتُ لها واللِّهِ لو كان دونكم ... جهنَّمُ ما راعتْ فؤادِي جهنَّمُ )
(8/116)

( وكيف يَرُوع القلبَ يا عزّ رائعٌ ... ووجهك في الظَّلْماء للسَّفْر مَعْلَمُ )
( وما ظلمتْكِ النفسُ يا عَزّ في الهوى ... فلا تَنْقِمِي حبِّي فما فيه مَنْقَمُ )
قال فبكيا قطعة من الليل ثم انصرفا
وقال الهيثم بن عدي ومن ذكر روايته معه من أصحابه
زار جميل بثينة ذات يوم فنزل قريبا من الماء يترصد أمة لها أو راعية فلم يكن نزوله بعيدا من ورود أمة حبشية معها قربة وكانت به عارفة وبما بينها وبينه فسلمت عليه وجلست معه وجعل يحدثها ويسألها عن أخبار بثينة ويحدثها بخبره بعدها ويحملها رسائله ثم أعطاها خاتمه وسألها دفعه إلى بثينة وأخذ موعد عليها ففعلت وانصرفت إلى أهلها وقد أبطأت عليهم فلقيها أبو بثينة وزوجها وأخوها فسألوها عما أبطأ بها فالتوت عليهم ولم تخبرهم وتعللت فضربوها ضربا مبرحا فأعلمتهم حالها مع جميل ودفعت إليهم خاتمه ومر بها في تلك الحال فتيان من بني عذرة فسمعا القصة كلها وعرفا الموضع الذي فيه جميل فأحبا أن يثبطا عنه فقالا للقوم إنكم إن لقيتم جميلا وليست بثينة معه ثم قتلتموه لزمكم في ذلك كل مكروه وأهل بثينة أعز عذرة فدعوا الأمة توصل خاتمه إلى بثينة فإذا زارها بيتموهما جميعا قالوا صدقتما لعمري إن هذا الرأي فدفعوا الخاتم إلى الأمة وأمروها بإيصاله وحذروها أن تخبر بثينة بأنهم علموا القصة ففعلت ولم تعلم بثينة بما جرى ومضى الفتيان فأنذرا جميلا فقال والله ما أرهبهم وإن في كنانتي ثلاثين سهما والله لا أخطأ كل واحد منها رجلا منهم وهذا سيفي والله ما أنا به رعش اليد ولا جبان الجنان فناشداه الله وقالا البقية أصلح فتقيم عندنا
(8/117)

في بيوتنا حتى يهدأ الطلب ثم نبعث إليها فتزورك وتقضي من لقائها وطرا وتنصرف سليما غير مؤبن فقال أما الآن فابعثا إليها من ينذرها فأتياه براعية لهما وقالا له قل بحاجتك فقال ادخلي إليها وقولي لها إني أردت اقتناص ظبي فحذره ذلك جماعة اعتوروه من القناص ففاتني الليلة فمضت فأعلمتها ما قال لها فعرفت قصته وبحثت عنها فعرفتها فلم تخرج لزيارته تلك الليلة ورصدوها فلم تبرح مكانها ومضوا يقتصون أثره فرأوه بعر ناقته فعرفوا أنه قد فاتهم فقال جميل في ذلك
( خليليّ عُوجَا اليومَ حتى تسلِّما ... على عَذْبةِ الأنيابِ طيِّبة النَّشْرِ )
( أَلِمَّا بها ثم اشفَعا لي وسلِّما ... عليها سقاها اللَّهُ من سَبَلِ القَطْرِ )
( إذا ما دَنَتْ زِدْتُ اشتياقا وإن نأت ... جَزِعْتُ لنَأْيِ الدار منها وللبُعْدِ )
( أَبَى القلبُ إلآ حبَّ بَثْنةَ لم يُرِدْ ... سِوَاها وحبُّ القلبِ بَثْنَةَ لا يُجْدِي )
قال وقال أيضا ومن الناس من يضيف هذه الأبيات إلى هذه القصيدة وفيها أبيات معادة القوافي تدل على أنها مفردة عنها وهي
( ألم تَسْأل الدارَ القديمةَ هل لها ... بأُمِّ جُسَيْرٍ بعد عهدكَ من عهد )
وفيها يقول
صوت
( سَلِي الرَّكْبَ هل عُجْنَا لِمَغْناكِ مَرَّةً ... صدورَ المطايا وهي مُوقَرَةً تَخْدِي )
( وهل فاضتِ العينُ الشَّرُوقُ بمائها ... مِنَ اجْلِكِ حتى اخْضَلَّ من دمعها بُرْدِي )
(8/118)

الغناء لأحمد بن المكي ثاني ثقيل بالوسطى
( وإنِّي لأَسْتَجْرِي لكِ الطَّيرَ جاهداً ... لتجرِي بيُمْنٍ من لقائِك من سعد )
( وإنِّي لأَسْتَبْكِي إذا الركبُ غَرَّدُوا ... بذكراكِ أن يحيا بكِ الركبُ إذ يَخْدِي )
( فهل تَجْزِيَنِّي أُمُّ عمروٍ بودِّها ... فإنّ الذي أُخْفِي بها فوقَ ما أُبْدِي )
( وكلُّ محبٍّ لم يَزِدْ فوقَ جَهْدِه ... وقد زدتُها في الحبّ منِّي على الجَهْدِ )
( خبره مع أم منظور التي اؤتمنت على بثينة )
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمر بن إبراهيم وغيره وبهلول بن سليمان البلوي
أن رهط بثينة ائتمنوا عليها عجوزا منهم يثقون بها يقال لها أم منظور فجاءها جميل فقال لها يا أم منظور أريني بثينة فقالت لا والله ما أفعل قد ائتمنوني عليها فقال أما والله لأضرنك فقالت المضرة والله في أن أريكها فخرج من عندها وهو يقول
( ما أَنْسَ لا أَنْسَ منها نظرةً سَلَفَتْ ... بالحِجْرِ يومَ جَلَتْها أُمُّ منظورِ )
( ولا انسِلاَبَتها خُرْساً جبائرُها ... إليَّ من ساقِط الأَرواقِ مستور )
قال فما كان إلا قليل حتى انتهى إليهم هذان البيتان قال فتعلقوا بأم منظور فحلفت لهم بكل يمين فلم يقبلوا منها هكذا ذكر الزبير بن بكار في خبر أم منظور وقد ذكر فيه غير ذلك
(8/119)

مصعب يستفسر أم منظور عن قصة جميل وبثينة
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني العمري عن الهيثم بن عدي وأخبرني به ابن أبي الأزهر عن حماد عن أبيه عن الهيثم بن عدي
أن رجلا أنشد مصعب بن الزبير قول جميل
( ما أَنْسَ لا أَنسَ منها نظرةً سلفَتْ ... بالحِجْر يومَ جَلَتْها أُمّ منظورِ )
فقال لوددت أني عرفت كيف جلتها فقيل له إن أم منظور هذه حية فكتب في حملها إليه مكرمة فحملت إليه فقال لها أخبريني عن قول جميل
( ما أَنْس لا أَنْس منها نظرةً سَلَفَتْ ... بالحِجْرِ يومَ جَلَتْها أُمّ منظورِ )
كيف كانت هذه الجلوة قالت ألبستها قلادة بلح ومخنقة بلح واسطتها تفاحة وضفرت شعرها وجعلت في فرقها شيئا من الخلوق ومر بنا جميل راكبا ناقته فجعل ينظر إليها بمؤخر عينه ويلتفت إليها حتى غاب عنا فقال لها مصعب فإني أقسم عليك إلا جلوت عائشة بنت طلحة مثل ما جلوت بثينة ففعلت وركب مصعب ناقته وأقبل عليهما وجعل ينظر إلى عائشة بمؤخر عينه ويسير حتى غاب عنهما ثم رجع
(8/120)

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني بهلول عن بعض مشايخه
أن جميلا جاء إلى بثينة ليلة وقد أخذ ثياب راع لبعض الحي فوجد عندها ضيفانا لها فانتبذ ناحية فسألته من أنت فقال مسكين مكاتب فجلس وحده فعشت ضيفانها وعشته وحده ثم جلست هي وجارية لها على صلائهما واضطجع القوم منتحين فقال جميل
( هل البائسُ المَقْرورُ دانٍ فمُصْطَلٍ ... من النار أو مُعْطًى لِحافاً فلابسُ )
فقالت لجاريتها صوت جميل والله اذهبي فانظري فرجعت إليها فقالت هو والله جميل فشهقت شهقة سمعها القوم فأقبلوا يجرون وقالوا مالك فطرحت برداً لها من حبرة في النار وقالت احترق بردي فرجع القوم وارسلت جاريتها إلى جميل فجاءتها به فحبسته عندها ثلاث ليال ثم سلم عليها وخرج
وقال الهيثم وأصحابه في أخبارهم
كانت بثينة قد واعدت جميلا للالتقاء في بعض المواضع فأتى لوعدها وجاء أعرابي يستضيف القوم فأنزلوه وقروه فقال لهم إني قد رأيت في بطن هذا الوادي ثلاثة نفر متفرقين متوارين في الشجر وأنا خائف عليكم أن يسلوا بعض إبلكم فعرفوا أنه جميل وصاحباه فحرسوا بثينة ومنعوها من الوفاء بوعده فلما أسفر له الصبح انصرف كئيبا سيىء الظن بها ورجع إلى أهله فجعل نساء الحي يقرعنه بذلك ويقلن له إنما حصلت منها على الباطل والكذب والغدر وغيرها أولى بوصلك منها كما أن غيرك يحظى بها فقال في ذلك
(8/121)

( أبُثَين إنَّكِ قد مَلَكْتِ فأَسْجِحِي ... وخُذِي بحظِّكِ من كريم واصلِ )
صوت
( فلرُبَّ عارضةٍ علينا وصلَها ... بالجِدّ تَخْلِطُه بقول الهازِلِ )
( فأجبتُها بالقول بعد تستُّرٍ ... حُبِّي بثينةَ عن وصالكِ شاغلي )
( لو كان في قلبي كقَدْرِ قُلاَمةٍ ... فضلاً وصلتُك أو أَتَتْكِ رسائلي )
الغناء ليحيى المكي ثقيل أول بالوسطى من رواية أحمد
( وَيَقُلْنَ إِنَّكَ قد رضيتَ بباطلٍ ... منها فهل لك في اجتناب الباطلِ )
( ولباطلٌ ممَّن أحبُّ حديثَه ... أَشْهَى إليّ من البَغيض الباذِل )
الغناء لسليم رمل بالوسطى عن عمرو وذكر عمر أنه ليزيد حوراء
شعره بعد أن علم زوج بثينة بمقامه معها
وذكر الهيثم بن عدي وأصحابه أن جماعة من بني عذرة حدثوا أن جميلا رصد بثينة ذات ليلة في نجعة لهم حتى إذا صادف منها خلوة سكر ودنا منها وذلك في ليلة ظلماء ذات غيم وريح ورعد فحذفها بحصاة فأصابت بعض أترابها ففزعت وقالت والله ما حذفني في هذا الوقت بحصاة إلا الجن فقالت لها بثينة وقد فطنت إن جميلا فعل ذلك فانصرفي ناحية إلى منزلك حتى ننام فانصرفت وبقيت مع بثينة أم الجسير وأم منظور فقامت إلى جميل فأدخلته الخباء معها وتحدثا طويلا ثم اضطجع واضطجعت إلى جنبه فذهب النوم بهما حتى أصبحا وجاءها غلام زوجها بصبوح من اللبن بعث به إليها فرآها نائمة مع جميل فمضى لوجهه حتى خبر سيده ورأته ليلى والصبوح معه وقد عرفت خبر جميل وبثينة فاستوقفته كأنها تسأله عن حاله وبعثت بجارية لها
(8/122)

وقالت حذري بثينة وجميلا فجاءت الجارية فنبهتهما فلما تبينت بثينة الصبح قد أضاء والناس منتشرين ارتاعت وقالت يا جميل نفسك نفسك فقد جاءني غلام نبيه بصبوحي من اللبن فرآنا نائمين فقال لها جميل وهو غير مكترث لما خوفته منه
( لعَمْرُكِ ما خَوَّفْتِنِي من مَخَافةٍ ... بُثَيْن ولا حَذَّرْتِنِي موضعَ الحَذَرْ )
( فأُقْسِمُ لا يُلْفَى لِيَ اليومَ غِرَّةٌ ... وفي الكَفِّ منِّي صارمٌ قاطعٌ ذَكَرْ )
فأقسمت عليه أن يلقي نفسه تحت النضد وقالت إنما أسألك ذلك خوفا على نفسي من الفضيحة لا خوفا عليك ففعل ذلك ونامت كما كانت واضجعت أمّ الجسير إلى جانبها وذهبت خادم ليلى إليها فأخبرتها الخبر فتركت العبد يمضي إلى سيده فمضى والصبوح معه وقال له إني رأيت بثينة مضطجعة وجميل إلى جنبها فجاء نبيه إلى أخيها وأبيها فأخذ بأيديهما وعرفهما الخبر وجاؤوا بأجمعهم إلى بثينة وهي نائمة فكشفوا عنها الثوب فإذا أم الجُسير إلى جانبها نائمة فخجل زوجها وسب عبده وقالت ليلى لأخيها وأبيها قبحكما الله أفي كل يوم تفضحان فتاتكما ويلقاكما هذا الأعور فيها بكل قبيح قبحه الله وإياكما وجعلا يسبان زوجها ويقولان له كل قول قبيح وأقام جميل عند بثينة حتى أجنه الليل ثم ودعها وانصرف وحذرتهم بثينة لما جرى من لقائه إياها فتحامته مدة فقال في ذلك
صوت
( أأن هتَفتْ وَوَرْقاءُ ظَلْتَ سَفَاهةً ... تُبَكِّي على جُمْلٍ لوَرْقَاءَ تَهْتِفُ )
(8/123)

( فلو كان لي بالصرم يا صاحِ طاقةٌ ... صرَمتُ ولكِّني عن الصرم أضعُفُ )
للهذلي في هذين البيتين لحنان أحدهما ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق والآخر خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو وذكر غيره أنه لابن جامع وفيه لبذل الكبرى خفيف ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن أحمد بن المكي ومما يغنى فيه من هذه القصيدة قوله
صوت
( لها في سَوَاد القلب بالحُبِّ مَيْعةٌ ... هي الموتُ أو كادتْ على الموت تُشْرفُ )
( وما ذكرَتْكِ النفسُ با بَثْنَ مرَّةً ... من الدهر إلا كادتِ النفسُ تَتْلَفُ )
( وإلاَّ اعترتْنِي زَفْرةٌ واستكانةٌ ... وجاد لها سَجْلٌ مع الدمع يَذْرِفُ )
( وما استَطْرفتْ نفسي حديثاً لخُلَّةٍ ... أُسَرُّ به إلا حديثُكِ أَطْرَفُ )
الغناء لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي وأول هذه القصيدة
( أمِنْ منزلٍ قَفْرٍ تَعَفَّتْ رُسُومَه ... شَمَالٌ تُغَادِيه ونَكْباءُ حَرْجَفُ )
( فأصبح قَفْراً بعد ما كان آهِلاً ... وجُمْلُ المُنَى تَشْتُو به وتُصَيِّفُ )
( ظَلِلتُ ومُسْتَنٌّ من الدمع هامِلٌ ... من العين لما عُجْتُ بالدَّارِ يَنْزِفُ )
( أمُنْصِفَتِي جُمْلٌ فتَعْدِلَ بينَنا ... إذا حكمتْ والحاكمُ العَدْلُ يُنْصِفُ )
( تعلَّقْتُها والجسمُ منِّي مصحَّحٌ ... فما زال يَنْمِي حُبُّ جُمْلٍ وأَضْعُفُ )
( إلى اليومِ حتى سَلَّ جسمِي وشَفنِي ... وأنكرتُ من نفسي الذي كنت أعرِفُ )
(8/124)

( قَنَاةٌ من المُرَّانِ مما فوقَ حَقْوِها ... وما تحتَه منها نَقاً يتقصَّفُ )
( لها مُقْلَتا رِيم وجِيدُ جِدَايةٍ ... وكَشْحٌ كطَيِّ السابِريَّة أَهْيَفُ )
( ولستُ بناسٍ أهلَها حينَ أقْبلُوا ... وجَالُوا علينا بالسيوفِ وطَوَّفُوا )
( وقالوا جَمِيلٌ بات في الحَيّ عندها ... وقد جَرَّدوا أسيافَهم ثم وَقَّفُوا )
( وفي البيت لَيْثُ الغابِ لولا مَخَافةٌ ... على نفس جُمْلٍ والإلهِ لأُرْعِفُوا )
( همَمْتُ وقد كادتْ مِرَاراً تطلَّعتْ ... إلى حَرْبِهم نفسي وفي الكفِّ مُرْهَفُ )
( وما سَرَّني غيرُ الذي كان منهمُ ... ومنِّي وقد جاؤوا إليّ وأَوْجَفُوا )
( فكم مُرْتَجٍ أمراً أُتيح له الرَّدَى ... ومن خائفٍ لم يَنْتَقِصْه التخوُّف )
حدثني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري وأخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي قال قال لي صالح بن حسان
هل تعرف بيتا نصفه أعرابي في شملة وآخره مخنث يتفكك من مخنثي العقيق فقلت لا أدري قال قد أجلتك فيه حولا فقلت لو أجلتني حولين ما علمت قال قول جميل
( ألا أيُّها النُّوَّامُ وَيْحَكُمُ هُبُّوا ... )
هذا أعرابي في شملة ثم قال
( نسائلُكم هل يقتُل الرجلَ الحُبُّ ... )
(8/125)

كأنه والله من مخنثي العقيق في هذا الشعر غناء نسبته وشرحه
صوت
( ألا أيُّها النُّوَّامُ وَيْحَكُمُ هُبُّوا ... نسائلُكم هل يقتُل الرجلَ الحُبُّ )
( ألا رُبَّ رَكْبٍ قد دفعتُ وَجِيفَهم ... إليكِ ولولا أنتِ لم يُوجِفِ الرَّكْبُ )
الغناء لابن محرز خفيف رمل بالسبابة والوسطى عن يحيى المكي وذكره إسحاق في هذه الطريقة ولم ينسبه إلى أحد وفيه لسليم ماخوريّ عن الهشامي وفيه لمالك ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وقيل إنه لمعبد وفيه لعريب هزج من رواية ابن المعتز وذكر عبد الله بن موسى أن لحن مالك من الثقيل الأول وأن خفيف الرمل لابن سريج وأن الهزج لحمدونة بنت الرشيد
حل جفاء بينه وبين بثينة بعد تعلقها بحجنة الهلالي
أخبرنا لحسين بن يحيى المرداسي قال أخبرنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب بن عباية المحرزي عن شيخ من رهط جميل من عذرة
أن بثينة لما علقت حجنة الهلالي جفاها جميل قال وأنشدني لجميل في ذلك
(8/126)

صوت
( بَيْنا جِبالٌ ذاتُ عَقْدٍ لبَثْنةٍ ... أُتِيحَ لها بعضُ الغواة فحلَّها )
( فعُدْنا كأنَّا لم يكن بيننا هَوىً ... وصار الذي حَلَّ الحبالَ هَوىً لها )
( وقالوا نَراها يا جميلُ تبدَّلتْ ... وغيَّرها الواشِي فقلتُ لعلَّها )
الغناء للهذلي خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى وذكره إسحاق في هذه الطريقة والإصبع ولم ينسبه إلى أحد
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثنا أبو عوف عن عبد الرحمن بن مقرن قال
بعثني المنصور لأبتاع له جارية من المدينة وقال لي اعمل برأي ابن نفيس فكنت أفعل ذلك وأغشى ابنه وكانت له جارية مغنية قد كلف بها فتى من آل عثمان بن عفان فكان يبيع عقدة من ماله وينفق ثمنها عليها وابتلي برجل من أهل إفريقية ومعه ابن له فغشي ابن الإفريقي بيت ابن نفيس فجعل يكسو الجارية وأهلها ويبرهم حتى حظي عندهم وغلب عليهم وتثاقلوا العثماني فقضي أن اجتمعنا عشية وحضر ابن الإفريقي والعثماني فنزع ابن الإفريقي خفه فتناثر المسك منه وأراد العثماني أن يكيده بفعله فجلسنا ساعة فقال لها ابن الإفريقي غني
( بَيْنَا حِبَالٌ ذاتُ عَقْدٍ لبَثْنةٍ ... أُتِيح لها بعضُ الغُوَاةِ فحَلَّها )
يعرض بالعثماني فقال لها العثماني لا حاجة لنا في هذا ولكن غني
(8/127)

( ومن يَرْعَ نَجْداً يُلْفِنِي قد رَعَيْته ... بجَنْيَتِه الأولى ويُورِدْ على وِرْدِي )
قال فنكس ابن الإفريقي رأسه وخرج العثماني فذهب وخمد أهل البيت فما انتفعوا بقية يومهم
شعره بعد زواج بثينة من نبيه
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي وبهلول بن سليمان البلوي
أن جميلا قال لما زوجت بثينة نبيها
صوت
( أَلاَ نَادِ عِيراً من بُثَينةَ تَرْتَعِي ... نودِّعْ على شَحْطِ النَّوَى ونُوَدَّعِ )
( وحَثُّوا على جَمْع الرِّكَابِ وقَرَّبُوا ... جِمالاً ونُوقا جِلَّةً لم تَضَعْضَعِ )
في هذين البيتين رمل لابن سريج عن الهشامي ومما يغني فيه من هذه القصيدة
صوت
( أعِيذُكِ بالرحمن من عَيْشِ شِقْوةٍ ... وأن تَطْمَعِي يوماً إلى غير مَطْمَعِ )
( إذا ما ابنُ ملعونٍ تَحَدَّرَ رَشْحُهُ ... عليكِ فمُوتِي بعد ذلك أو دَعِي )
( مَلِلْنَ ولم أَمْلَلْ وما كنتُ سائماً ... لأجمال سُعْدَى ما أَنَخْنَ بجَعْجَعِ )
( وحَثُّوا على جَمْعِ الرِّكابِ وقَرَّبوا ... جِمالاً ونُوقاً جِلَّةً لم تَضَعْضَعِ )
(8/128)

( أَلاَ قد أَرَى إلاَّ بُثَينةَ ها هنا ... لنا بعد ذا المُصْطافِ والمتربِّع )
لمعبد في الثالث والرابع من هذه الأبيات ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق ولابن سريج في الأول والثاني والخامس خفيف رمل بالبنصر عن عمرو وللأبجر في الأول والخامس والثالث والرابع رمل بالبنصر وفي الأول والثاني خفيف ثقيل ينسب إلى معبد وغيره ولم تعرف صحته من جهة يوثق بها
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال أنشدنا بهلول بن سليمان لجميل لما بعد عن بثينة وخاف السلطان وكان بهلول يعجب به
( أَلاَ قد أَرَى إلا بُثَينةَ للقلبِ ... بَوادِي بَداً لا بجِسْمَى ولا الشِّغْبِ )
( ولا ببُصَاقٍ قد تَيمَّمتَ فاعترف ... لما أنت لاقٍ أو تَنَكَّبْ عن الرَّكْبِ )
( أفي كلِّ يومٍ أنت مُحْدِثُ صَبْوةٍ ... تموت لها بُدِّلْتُ غيرَك من قلبِ )
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا أبي عن يعقوب بن محمد الزهري عن سليمان بن صخر الحرشي قال حدثنا سليمان بن زياد الثقفي
أن بثينة دخلت على عبد الملك بن مروان فرأى امرأة خلفاء مولية
(8/129)

فقال لها ما الذي رأى فيك جميل قالت الذي رأى فيك الناس حين استخلفوك فضحك عبد الملك حتى بدت له سن سوداء كان يسترها
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمر بن إبراهيم العويثي
أن جمل جميل الذي كان يزور عليه بثينة يقال له جديل وفيه يقول
( أَنَخْتُ جَدِيلاً عند بَثْنةَ ليلةً ... ويوماً أطال اللهُ رَغْمَ جَدِيلِ )
( أليس مُنَاخُ النَّضْوِ يوماً وليلةً ... لبَثْنةَ فيما بيننا بقليلِ )
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان محمد بن يحيى المكي
أن جميلا لما اشتهرت بثينة بحبه إياها اعترضه عبيد الله بن قطبة أحد بني الأحب وهو من رهطها الأدنين فهجاه وبلغ ذلك جميلا فأجابه وتطاولا فغلبه جميل وكف عنه ابن قطبة واعترضه عمير بن رمل رجل من بني الأحب فهجاه وإياه عنى جميل بقوله
( إذا الناسُ هابُوا خِزْيَةً ذهبتْ بها ... أَحَبُّ المَخَازِي كَهْلُها ووَلِيدُها )
( لَعَمْرُ عَجُوزٍ طَرَّقتْ بكَ إنني ... عُمَير بنَ رَمْلٍ لابنُ حَرْبٍ أَقُودُها )
( بنَفْسِي فلا تَقْطَعْ فؤادَك ضَلَّةً ... كذلك حَزْنِي وَعْثُها وصعُودُها )
قال فاستعدوا عليه عامر بن ربعي بن دجاجة وكانت إليه بلاد عذرة وقالوا يهجونا ويغشى بيوتنا وينسب بنسائنا فأباحهم دمه وطلب فهرب منه وغضبت بثينة لهجائه أهلها جميعا فقال جميل
(8/130)

( وما صائبٌ من نابلٍ قذَفتْ به ... يدٌ ومُمَرُّ العُقْدتيْن وَثِيقُ )
( له من خَوَافِي النَّسْرِ حُمٌّ نَظَائِرٌ ... ونَصْلٌ كنَصْلِ الزَّاعِبِيّ فَتِيقُ
( على نَبعةٍ زَوْراءَ أمَّا خِطامُها ... فمَتْنٌ وأمَّا عُودُها فعَتِيقُ )
( بأوشَكَ قتلاً منكِ يوم رَميتِني ... نَوَافِذَ لم تَظْهَرْ لهنَّ خُروقُ )
( تَفَرَّقَ أهْلاَنَا بُثَيْن فمنهمُ ... فريقٌ أقاموا واستَمَرَّ فريقُ )
( فلو كنتُ خَوَّاراً لقد باح مُضْمَري ... ولكنَّني صُلْبُ القَناةِ عَريقُ )
( كأنْ لم نُحارِبْ يا بُثَين لو انه ... تَكَشَّفُ غمَّاها وأنتِ صديقُ )
قال ويدل على طلب عامر بن ربعي إياه قوله
( أَضَرَّ بأَخْفافِ البُغَيْلةِ أنَّها
حِذَارَ ابن رِبْعيّ بهنّ رُجومُ )
هرب إلى اليمن بعد أن أهدر دمه
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن عبد الله الحزنبل الأصبهاني قال حدثني عمرو بن ابي عمرو الشيباني عن أبيه قال حدثني بعض رواة عذرة
أن السلطان أهدر دم جميل لرهط بثينة إن وجدوه قد غشي دورهم فحذرهم مدة ثم وجدوه عندها فأعذروا إليه وتوعدوه وكرهوا أن ينشب بينهم
(8/131)

وبين قومه حرب في دمه وكان قومه أعز من قومها فأعادوا شكواه إلى السلطان فطلبه طلبا شديدا فهرب إلى اليمن فأقام بها مدة وأنشدني له في ذلك
( أَلَمَّ خَيالٌ من بُثَينةَ طارقُ ... على النَّأيِ مُشْتاقٌ إليَّ وشائقُ )
( سَرَتْ من تِلاَعِ الحِجْرِ حتى تخلَّصتْ ... إليّ ودُوني الأَْشْعَرُون وغافِقُ )
( كأنَّ فَتِيتَ المسك خالط نَشْرَها ... تُغَلَّ به أَرْدانُها والمَرافِقُ )
( تقوم إذا قامت به عن فِراشها ... ويَغْدُو به من حِضْنِها من تُعَانِقُ )
قال أبو عمرو وحدثني هذا العذري
أن جميلا لم يزل باليمن حتى عزل ذلك الوالي عنهم وانتجعوا ناحية الشام فرحل إليهم قال فلقيته فسألته عما أحدث بعدي فأنشدني
( سقَى منزليْنا يا بُثَين بحاجرٍ ... على الهَجْرِ منَّا صَيِّفٌ ورَبِيعُ )
( ودُورَكِ يا لَيْلَى وإن كُنّ بَعْدنا ... بَلِينَ بلًى لم تَبْلَهُنَّ رُبوعُ ) وخَيْماتِك اللاَّتِي بمُنْعَرَجِ اللَّوَى ... لقُمْرِيِّها بالمَشْرِقَيْن سجيعُ )
( تُزَعْزِعُ منها الريحُ كلَّ عشيَّةٍ ... هَزِيمٌ بسُلاَّفِ الرياح رَجِيعُ )
( وإنِّيَ أن يَعْلَى بكِ اللَّوْمُ أو تُرَيْ ... بدارِ أَذىً من شامتٍ لَجَزُوعُ )
( وإنِّي على الشيء الذي يُلْتَوَى به ... وإن زَجَرَتْنِي زَجْرَةً لَورِيعُ )
(8/132)

( فَقَدْتُكِ من نَفْسٍ شَعَاعٍ فإنَّني ... نَهيتُكِ عن هذا وأنتِ جميعُ )
( فقَرَّبتِ لي غيرَ القريبِ وأشرفتْ ... هناكَ ثَنَايَا ما لهنَّ طُلُوعُ )
( يقولون صَبٌّ بالغََوانِي مُوَكَّلٌ ... وهل ذاك من فعل الرجال بَديعُ )
( وقالوا رعيتَ اللَّهوَ والمالُ ضائعٌ ... فكالناسِ فيهم صالحٌ ومُضِيعُ )
الغناء لصالح بن الرشيد رمل بالوسطى عن الهشامي وابن خرداذبة وإبراهيم وذكر حبش أن في هذه الأبيات لإسحاق لحنا من الثقيل بالوسطى ولم يذكر هذا أحد غيره ولا سمعناه ولا قرأناه إلا في كتابه ومن الناس من يدخل هذه الأبيات في قصيدة المجنون التي على روي وقافية هذه القصيدة وليست له
كثير ينعته بأشعر الناس
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي عن أبي عبيدة عن أبيه قال
دخل علينا كثير يوما وقد أخذ بطرف ريطته وألقى طرفها الآخر وهو يقول هو والله أشعر الناس حيث يقول
(8/133)

( وخَبَّرْتُمانِي أنَّ تَيْماء منزلٌ ... لليلِى إذا ما الصَّيفُ ألقَى المَرَاسِيا )
( فهذِي شهورُ الصيفِ عنِّي قد انقضتْ ... فما للنَّوَى ترمِي بليلَى المَرَامِيا )
ويجر ريطته حتى يبلغ إلينا ثم يولي عنا ويجرها ويقول هو والله اشعر الناس حيث يقول
( وأنتِ التي إن شئتِ كَدَّرْتِ عِيشتي ... وإن شئتِ بعد اللَّه أَنْعمتِ بالِيَا )
( وأنتِ التي ما مِنْ صديقٍ ولا عِداً ... يَرَى نِضْوَ ما أَبْقيتِ إلاَّ رَثَى لِيَا )
ثم يرجع إلينا ويقول هو والله أشعر الناس فقلنا من تعني يا أبا صخر فقال ومن أعني سوى جميل هو والله أشعر الناس حيث يقول هذا وتيماء خاصة منزلٌ لبني عذرة وليس من منازل عامر وإنما يرويه عن المجنون من لا يعلمه
وفي هذه القصيدة يقول جميل
( وما زِلْتُمُ يا بَثْن حتَّى لَوَانَّني ... من الشوق أستبكِي الحمامَ بَكَى ليا )
( إذا خَدِرتْ رجلي وقيل شفاؤها ... دعاءُ حبيبٍ كنتِ أنتِ دُعَائيا )
( وما زادني النَّأْيُ المُفَرِّق بعدَكم ... سُلُوّاً ولا طولُ التلاقي تَقَالِيا )
( ولا زادني الواشون إلاَّ صَبابةً ... ولا كثرةُ الناهين إلا تَمَادِيا )
( ألم تعلمي يا عَذْبةَ الرِّيقِ أنَّني ... أَظَلُّ إذا لم أَلْقَ وجهَكِ صادِيا )
( لقد خِفْتُ أنْ ألقَى المنيَّة بَغْتةً ... وفي النفس حاجاتٌ إليكِ كما هيا )
أخبرنا الحرمي بن ابي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني بعض أصحابنا عن محمد بن معن الغفاري عن الأصبغ بن عبد العزيز قال
كنت عند طلحة بن عبد الله بن عوف فدخل عليه كثير فلما دخل من
(8/134)

الباب أخذ برجله فثناها ثم حجل حتى بلغ الفراش وهو يقول جميل والله أشعر العرب حيث يقول
( وخَبَّرْتُمانِي أنّ تَيْماءَ منزلٌ ... )
ثم ذكر باقي الخبر الذي رواه محمد بن مزيد
أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثني عمر بن إبراهيم السعدي
أن رهط بثينة قالوا إنما يتبع جميل أمة لنا فواعد جميل بثينة حين لقيها ببرقاء ذي ضال فتحادثا ليلا طويلا حتى أسحرا ثم قال لها هل لك أن ترقدي قالت ما شئت وأنا خائفة أن نكون قد أصبحنا فوسدها جانبه ثم اضطجعا ونامت فانسل واستوى على راحلته فذهبت وأصبحت في مضجعها فلم يرع الحي إلا بها راقدة عند مناخ راحلة جميل فقال جميل في ذلك
( فَمَنْ يَكُ في حُبِّي بُثَيْنةَ يَمْتَرِي ... فبَرْقاءُ ذي ضالٍ عليَّ شهيدُ )
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن شبيب عن الحزامي عن فليح بن إسماعيل بمثل هذه القصة وزاد فيها فلما انتبهت بثينة علمت ما اراده جميل بها فهجرته وآلت ألا تظهر له فقال
( أَلاَ هل إلى إلمامةٍ أن أُلِمَّها ... بُثَيْنةُ يوماً في الحياةِ سبيلُ )
( فإن هي قالتْ لا سبيلَ فقُلْ لها ... عَنَاءٌ على العُذْرِيّ منكِ طويلُ )
( على حين يسلو الناسُ عن طَلَب الصِّبَا ... وينسَى اتِّباعَ الوصلِ منه خليلُ )
(8/135)

لامه أهله على حبه بثينة
وقال الهيثم وأصحابه في أخبارهم
تشكى زوج بثينة إلى أبيها وأخيها إلمام جميل بها فوجهوا إلى جميل وأعذروا إليه وشكوه إلى عشيرته وأعذروا إليهم فيه وتوعدوه وأتاهم فلامه أهله وعنفوه وقالوا إنا نستحلف إليهم ونتبرأ منك ومن جريرتك فأقام مدة لا يلم بها ثم لقي ابني عمه روقا ومسعودا فشكا إليهما ما به وأنشدهما قوله
( وإنِّي على الشيء الذي يُلْتَوَى به ... وإنْ زَجَرَتْنِي زَجْرةً لوَريعُ )
( فَقَدْتُكِ من نَفْسٍ شَعَاعٍ فإنني ... نهيتُكِ عن هذا وأنتِ جميعُ )
( فقَرَّبْتِ لي غيرَ القريب وأشرفتْ ... هناك ثَنَايَا ما لهنَّ طُلُوعُ )
( يقولون صَبٌّ بالغَواني مُوَكَّلٌ ... وهل ذاك من فعل الرجال بديعُ )
( وقالوا رَعَيْتَ اللَّهْوَ والمالُ ضائعٌ ... فكالنَّاسِ فيهم صالحٌ ومُضِيعُ )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني مصعب بن عبد الله قال
كانت تحت محمد بن عبد الله بن حسن امرأة من ولد الزبير يقال لها فليحة وكانت لها صبية يقال لها رخية قد ربتها لغير رشدة وكانت من أجمل النساء وجها فرأت محمدا وقد نظر إليها ذات يوم نظرا شديدا ثم تمثل قول جميل
( بُثَيْنَةُ من صِنْفٍ يُقَلِّبْنَ أيديَ الرُّماة ... وما يحْمِلْنَ قوساً ولا نَبْلا )
( ولكنَّما يَظْفَرْنَ بالصيد كلَّما ... جَلَوْنَ الثَّنايا الغُرَّ والأعيُنَ النُّجْلاَ )
( يُخالسْنَ ميعاداً يُرَعْنَ لقولها ... إذا نطقتْ كانت مقالتُها فَصْلاَ )
(8/136)

( يَرَيْنَ قريباً بيتَها وهي لا تَرَى ... سوى بيتها بيتاً قريباً ولا سَهْلاَ )
فقالت له فليحة كأنك تريد رخية قال إي والله قالت إني أخشى أن تجيء منك بولد وهي لغير رشدة فقال لها إن الدنس لا يلحق الأعقاب ولا يضر الأحساب فقالت له فماذا يضر إذاً والله ما يضر إلا الأعقاب والأحساب وقد وهبتها لك فسر بذلك وقال أما والله لقد أعطيتك خيراً منها قالت وما هو قال أبيات جميل التي أنشدتك إياها لقد مكثت أسعى في طلبها حولين فضحكت وقالت ما لي ولأبيات جميل والله ما ابتغيت إلا مسرتك قال فولدت منه غلاما وكانت فليحة تدعو الله إلا يبقيه فبينا محمد في بعض هربه من المنصور والجارية وابنها معه إذ رهقهما الطلب فسقط الصبي من الجبل فتقطع فكان محمد بعد ذلك يقول أجيب في هذا الصبي دعاء فليحة
وقال الهيثم بن عدي وأصحابه في أخبارهم
لما نذر أهل بثينة دم جميل وأباحهم السلطان قتله أعذروا إلى أهله وكانت منازلهم متجاورة إنما هم بيوتات يفترقون كما يفترق البطون والأفخاذ والقبائل غير متباعدين ألم تر قول جميل
( أَبِيتُ مع الهُلاَّك ضَيْفاً لأهلها ... وأَهْلِي قريبٌ مُوسِعونَ أُولُو فَضْلِ )
فمشت مشيخة الحي إلى أبيه وكان يلقب صباحا وكان ذا مال وفضل وقدر في أهله فشكوه إليه وناشدوه الله والرحم وسألوه كف ابنه عما يتعرض له ويفضحهم به في فتاتهم فوعدهم كفه ومنعه ما استطاع ثم انصرفوا فدعا به فقال له يا بني حتى متى أنت عمه في ضلالك لا تأنف من أن تتعلق بذات بعل يخلو بها وينكحها وأنت عنها بمعزل ثم تقوم من تحته إليك فتغرك
(8/137)

بخداعها وتريك الصفاء والمودة وهي مضمرة لبعلها ما تضمره الحرة لمن ملكها فيكون قولها لك تعليلا وغرورا فإذا انصرفت عنها عادت إلى بعلها على حالتها المبذولة إن هذا لذل وضيم ما أعرف أخيب سهما ولا أضيع عمرا منك فأنشدك الله إلا كففت وتأملت أمرك فإنك تعلم أن ما قلته حق ولو كان إليها سبيل لبذلت ما أملكه فيها ولكن هذا أمر قد فات واستبد به من قدر له وفي النساء عوض فقال له جميل الرأي ما رأيت والقول كما قلت فهل رأيت قبلي أحداً قدر أن يدفع عن قلبه هواه أو ملك أن يسلي نفسه أو استطاع أن يدفع ما قضي عليه والله لو قدرت أن أمحو ذكرها من قلبي أو أزيل شخصها عن عيني لفعلت ولكن لا سبيل إلى ذلك وإنما هو بلاء بليت به لحين قد أتيح لي وأنا أمتنع من طروق هذا الحي والإلمام بهم ولو مت كمدا وهذا جهدي ومبلغ ما أقدر عليه وقام وهو يبكي فبكى ابوه ومن حضر جزعاً لما رأوا منه فذلك حين يقول جميل
صوت
( أَلاَ مَنْ لقَلْبٍ لا يَمَلُّ فَيَذْهَلُ ... أفِقْ فالتَّعَزِّي عن بُثَينَةَ أجمَلُ )
( سَلاَ كلُّ ذي ودٍّ علمتُ مكانَه ... وأنتَ بها حتى المماتِ مُوَكَّلُ )
( فما هكذا أحببتَ مَنْ كان قبلها ... ولا هكذا فيما مضَى كنتَ تفعلُ )
الغناء لمالك ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق
( فيا قلبُ دَعْ ذِكْرَى بُثَيْنَةَ إنَّها ... وإن كنتَ تَهْواها تَضِنّ وتبخلُ )
( وقد أيأستْ من نَيْلِها وتجهَّمتْ ... ولَلْيأسُ إن لم يُقْدَرِ النَّيْلُ أمثَلُ )
( وإلاَّ فسَلْها نائلاً قبلَ بَيْنِها ... وأبْخِلْ بها مسؤولةً حين تُسْأَلُ )
( وكيف تُرَجِّي وصلَها بعد بُعْدِها ... وقد جُذَّ حبلُ الوصلِ ممن تؤمِّلُ )
( إنّ التي أحببتَ قد حِيل دونها ... فكُنْ حازماً والحازِمُ المُتَحَوِّلُ )
(8/138)

( ففي اليأسِ ما يُسْلي وفي الناسِ خُلَّةٌ ... وفي الأرض عمَّن لا يُوَاتِيكَ مَعْزِلُ )
( بدا كَلَفٌ منِّي بها فتثاقلتْ ... وما لا يُرَى من غائب الوجد أفضَلُ )
( هَبِينِي بريئاً نِلْتِهِ بظُلاَمةٍ ... عَفَاها لكم أو مُذْنِباً يتنصَّلُ )
( قَنَاةٌ من المُرَّانِ ما فوق حَقْوِها ... وما تحته منها نَقاً يتهيَّل )
قال وقال أيضا في هذه الحال
صوت
( أَعَنْ ظُعُنِ الحيّ الأُلَى كنتَ تَسألُ ... بليلٍ فرَدُّوا عِيرهم وتحمَّلوا )
( فأمسَوْا وهم أهلُ الديار وأصبحوا ... ومن أهلها الغِربانُ بالدارِ تَحْجُلُ )
في هذين البيتين لسياط خفيف رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو
( على حينَ ولَّى الأمرُ عنَّا وأَسْمحتْ ... عًصا البَيْنِ وانبَتَّ الرجاءُ المؤمَّلُ )
( فما هو إلاَّ أن أَهِيمَ بذكرِها ... ويحظَى بجَدْوَاها سوايَ ويَجْذَلُ )
( وقد أبقتِ الأيَّامُ منِّي على العِدَا ... حُسَاماً إذا مَسَّ الضريبةَ يَفصِلُ )
( ولستُ كمن إن سِيمَ ضَيْماً أطاعَه ... ولا كامرىءٍ إن عضَّه الدهرُ يَنكُلُ )
لعمري لقد أَبْدَى لِيَ البينُ صَفْحَه ... وبَيَّن لي ما شئتُ لو كنت اعقِلُ )
( وآخرُ عهدِي من بُثَينة نظرةٌ ... على موقفٍ كادت من البين تَقتُلُ )
( فلِلَّه عَيْنَا مَنْ رأى مثلَ حاجةٍ ... كَتَمْتُكِهَا والنفسُ منها تَمَلْمَلُ )
(8/139)

( وإني لأسْتبكِي إذا ذُكِرَ الهَوَى ... إليكِ وإنِّي من هواكِ لأوجَلُ )
( نظرتِ بِبِشْرٍ نظرةً ظَلْتُ أَمْتَرِي ... بها عَبْرةً والعينُ بالدمع تُكْحَلُ )
( إذا ما كرَرْتُ الطَّرْفَ نَحْوَكِ ردَّه ... من البعد فيَّاضٌ من الدمع يَهْمِلُ )
خروجه إلى الشام
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب بن عباية قال
لما أراد جميل الخروج إلى الشام هجم ليلاً على بثينة وقد وجد غفلة فقالت له أهلكتني والله وأهلكت نفسك ويحك أما تخاف فقال لها هذا وجهي إلى الشام إنما جئتك مودعا فحادثها طويلا ثم ودعها وقال يا بثينة ما أرانا نلتقي بعد هذا وبكيا طويلا ثم قال لها وهو يبكي
( أَلاَ لا أُبالِي جفوةَ الناس ما بدَا ... لنا منك رأيٌ يا بُثَيْن جميلُ )
( وما لم تُطيعي كاشحاً أو تَبَدَّلي ... بنا بدلاً أو كان منك ذُهول )
( وإنِّي وتَكْرارِي الزيارةَ نحوَكم ... بُثَيْن بذي هجرٍ بُثَين يطول )
( وإن صَبَاباتي بكم لكثيرةٌ ... بُثَيْن ونِسْيانِيكُم لقليلُ )
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني شيوخ من عذرة
أن مروان بن الحكم خرج مسافرا في نفر من قريش ومعه جميل بن معمر وجواس بن قطبة أخو عبيد الله بن قطبة فقال مروان لجواس إنزل فارجز بنا وهو يريد أن يمدحه فنزل جواس وقال
( يقول أميرِي هل تَسُوق رِكابَنا ... فقلت له حادٍ لهنّ سَوَائِيَا )
( تكَرَّمتُ عن سَوْقِ المَطِيِّ ولم يكن ... سِيَاقُ المطيِّ همَّتي ورَجائيا )
(8/140)

( جعلتَ أبي رَهْناً وعِرْضِيَ سادراً ... إلى أهل بيت لم يكونوا كِفائيا )
( إلى شرِّ بيتٍ من قُضَاعَةَ مَنْصِباً ... وفي شرِّ قومٍ منهمُ قد بَدَا لِيَا )
فقال مروان إركب لا ركبت ثم قال لجميل إنزل فارجز بنا وهو يريد أن يمدحه فنزل جميل فقال
( أنا جميلٌ في السَّنامِ الأعظمِ ... الفارعِ الناسَ الأعزِّ الأكرمِ )
( أَحْمِي ذِمَارِي ووجدتُ أَقْرُمي ... كانوا على غاربِ طَوْدٍ خِضْرِمِ )
( أعيا على النَّاس فلم يُهَدَّم ... )
فقال عد عن هذا فقال جميل
( لَهْفاً على البيت المَعَدِّي لهفا ... من بعدِ ما كان قد استكَفَّا )
( ولو دعا اللَّه ومَدَّ الكَفَّا ... لَرَجَفَتْ منه الجبالُ رَجْفَا )
فقال له إركب لا ركبت
قال الزبير وحدثني عمر بن أبي بكر المؤملي قال
كان جميل مع الوليد بن عبد الملك في سفر والوليد على نجيب فرجز به مكين العذري فقال
( يا بَكْرُ هل تعلَم مَنْ عَلاَكَا ... خليفةُ اللَّه على ذُراكا )
فقال الوليد لجميل إنزل فارجز وظن الوليد أنه يمدحه فنزل فقال
( أنا جميلٌ في السَّنَام من مَعَدّ ... في الذِّرْوةِ العَلْياء والرُّكْنِ الأَشَدّ )
(8/141)

( والبيت من سَعْدِ بن زيد والعَدَدْ ... ما يَبْتغي الأعداء منِّي ولقدْ )
( أُضْرِي بالشَّتْمِ لِساني ومَرَدْ ... أقودُ منْ شِئتُ وصَعْبٌ لم أُقَدْ )
فقال له الوليد إركب لا حملك الله قال وما مدح جميل أحداً قط
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا يونس بن عبد الله بن سالم قال
وقف جميل على الحزين الديلي والحزين ينشد الناس فقال له الحزين وهو لا يعرفه كيف تسمع شعري قال صالح وسط فغضب الحزين وقال له ممن أنت فوالله لأهجونك وعشيرتك فقال جميل إذاً تندم فأقبل الحزين يهمهم يريد هجاءه فقال جميل
( الدِّيلُ أذنابُ بَكْرٍ حين تنسُبهم ... وكلُّ قومٍ لهم من قومِهم ذَنَبُ )
فقامت له بنو الديل وناشدوه الله إلا كف عنهم ولم يزالوا به حتى أمسك وانصرف
أخبرني الحرمي ومحمد بن مزيد واللفظ له قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن الضحاك عن أبيه قال
لما هاجى عبيد الله بن قطبة جميلا واستعلى عليه جميل أعرض عنه واعترضه أخوه جواس بن قطبة فهجاه وذكر أختاً لجميل وكان جميل قبل ذلك يحتقره ولا ينصب له حتى هجا أخته فقال فيما ذكرها به من شعره
(8/142)

( إلى فَخِذَيْها العَبْلَتَيْنِ وكانتا ... بعَهْدِيَ لَفَّاوَينِ أُرْدِفتَا ثقْلاَ )
فغضب جميل حينئذ فواعده للمراجزة قال الزبير فحدثني بعض آل العباس بن سهل بن سعد عن عباس قال
( قدمت من عند عبد الملك بن مروان وقد أجازني وكساني بردا كان ذلك البرد أفضل جائزتي فنزلت وادي القرى فوافقت الجمعة بها فاستخرجت بردي الذي من عند عبد الملك وقلت أصلي مع الناس فلقيني جميل وكان صديقا لي فسلم بعضنا على بعض وتساءلنا ثم افترقنا فلما أمسيت إذا هو قد أتاني في رحلي فقال البرد الذي رأيته عليك تعيرنيه حتى أتجمل به فإن بيني وبين جواس مراجزة وتحضر فتسمع قال قلت لا بل هو لك كسوة فكسوته إياه وقلت لأصحابي ما من شيء أحب إلي من أن أسمع مراجزتهما فلما أصبحنا جعل الأعاريب يأتون أرسالا حتى اجتمع منهم بشر كثير وحضرت وأصحابي فإذا بجميل قد جاء وعليه حلتان ما رأيت مثلهما على أحد قط وإذا بردي الذي كسوته إياه قد جعله جلاّ لجمله فتراجزا فرجز جميل وكانت بثينة تكنى أم عبد الملك فقال
( يا أُمّ عبد الملك اصْرِمِينِي ... فبَيِّنِي صرميِ أو صِلِينِي )
( أَبْكِي وما يُدْرِيكِ ما يُبْكِينِي ... أبكِي حِذَارَ أنْ تُفَارقيني )
( وتجعلي أبعَدَ منِّي دُوني ... إنَّ بني عَمِّكِ أَوْعدونِي )
( أن يقطعوا رأسِي إذا لَقُونِي ... ويقتلوني ثم لا يَدُونِي )
( كلاَّ وربِّ البيتِ لو لَقُونِي ... شَفْعاً ووَتْراً لتَوَاكلُونِي )
(8/143)

( قد علِم الأعداءُ أنّ دُونِي ... ضَرْباً كإيزاغ المخاضِ الجُونِ )
( أَلاَ أسُبُّ القومَ إذ سَبُّونِي ... بَلَى وما مَرّ على دَفِينِ )
( وسابحاتٍ بِلِوَى الحَجُونِ ... قد جَرَّبُوني ثم جرَّبوني )
( حتى إذا شابوا وشيَّبوني ... أخزاهمُ اللَّه ولا يَخْزِينِي )
( أشباهُ أعْيَارٍ على مَعِينِ ... أَحْسَسْنَ حِسَّ أَسَدٍ حَرُونِ )
( فهنَّ يَضْرِطْنَ من اليقينِ ... أنا جميلٌ فتَعَرَّفونِي )
( وما تَقَنَّعتُ فتُنْكِروني ... وما أُعَنِّيكم لتَسْألونِي )
( أُنْمَى إلى عاديَّةٍ طَحُونِ ... يَنْشقّ عنها السَّيْلُ ذو الشؤونِ )
( غَمْرٌ يَدُقّ رُجُحَ السَّفِينِ ... ذو حَدَبٍ إذا يُرَى حَجُونِ )
( تَنْحلّ أحقادُ الرجالِ دُونِي ... )
قال ورجز جميل أيضا
( أنا جميلٌ في السَّنام من مَعَدّ ... )
وقد تقدمت هذه الأرجوزة ثم رجز بعده جواس فلم يصنع شيئا قال فما رأيت غلبة مثلها قط
(8/144)

شعره في هجاء خوات العذري وبني الأحب
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا بهلول بن سليمان عن العلاء بن سعيد البلوي وجماعة غيره من قومه
أن رجلا من بني عذرة كان يقال له خوَّات أمه بلوية وكان شاعرا وكان جميل بن جذامية فخرج جميل إلى أخواله بجذام وهو يقول
( جُذَامُ سيوفُ اللَّه في كلِّ موطنٍ ... إذا أَزَمَتْ يومَ اللِّقاء أَزَامِ )
( هُمُ منعوا ما بين مِصْرَ فذي القُرَى ... إلى الشامِ مِنْ حلٍّ به وحَرَامِ )
( بضربٍ يُزيل الهامَ عن سَكناتِهِ ... وطَعْنٍ كإيزاغِ المَخَاض تُؤامِ )
( إذا قَصُرتْ يوماً أَكُفُّ قبيلةٍ ... عن المجدِ نالته أَكُفُّ جُذَامِ )
فأعطوه مائة بكرة قال وخرج خوات إلى أخواله من بلي وهو يقول
( إنّ بَلِيّاً غُرَّةٌ يُهْتَدَى بها ... كما يَهْتَدِي السارِي بمُطَّلَع النجمِ )
( هُمُ ولدوا أُميَّ وكنتُ ابنَ أُختهم ... ولم أَتَخَوَّلْ جِذْمَ قومٍ بلا علم )
قال فأعطوه مائة غرة ما بين فرس إلى وليدة ففخر على صاحبه وذكر أن الغرة الواحدة مما أتى به مما معه تعدل كل شيء أتى به جميل فقال عبيد الله بن قطبة
( ستَقْضِي بيننا حكماءُ سَعْدٍ ... أقُطْبةُ كان خيراً أم صُبَاحُ )
قال وكان عبد الله بن معمر أبو جميل يلقب صباحا وكان عبيد الله بن قطبة يلقب حماظا فقال النخار العذري أحد بني الحارث بن
(8/145)

سعد قطبة كان خيرا من صباح فقال جميل يهجو بني الأحب رهط قطبة ويهجو النخار
( إنّ أحبَّ سُفَّلٌ أشرارُ ... حُثَالةٌ عُودُهمُ خَوَّارُ )
( أذَلُّ قومٍ حين يُدْعَى الجارُ ... كما أذلَّ الحارث النَّخَّارُ )
وقال الأبيرق العتبي قطبة كان خيرا من صباح فقال جميل
( يابنَ الأُبَيْرِق وَطْبٌ بِتَّ مُسْنِدَه ... إلى وَسَادِك من حُمّ الذُّرى جُون )
( وأكلتان إذا ما شئت مرتفقاً ... بالسير من نغل الدفين مدهون )
( أُذكُرْ وأُمِّك منِّي حين تَنْكُبني ... جِنِّي فيَغْلِب جِنَّي كلَّ مجنونِ )
وقال جماعة من شعراء سعد في تفضيل قطبة على صباح أقوالا اجابهم عنها جميل فأفحمهم حتى قال له جعفر بن سراقة أحد بني قرة
( نحن مَنَعْنا ذَا القُرَى من عَدُوّنا ... وعُذْرةَ إذ نلقَى يَهُوداً ويعشرا )
( مَنَعْناه من عُلْيَا مَعَدٍّ وأنتمُ ... سَفَاسِيفُ رَوْحٍُ بين قُرْحَ وخَيْبَرَا )
( فريقانِ رُهْبَانٌ بأسفَلِ ذي القُرَى ... وبالشام عَرَّافون فيمن تنَصَّرَا )
فلما بلغت جميلا اتقاه وعلم أنه سيعلو عليه فقال جميل
( بَني عامرٍ أنَّى انتجعتمْ وكنتمُ ... إذا حُصِّل الأقوامُ كالخُصْية الفَرْدِ )
(8/146)

( فأنتم ولأَيٌ موضعَ الذُّلِّ حجْرةً ... وقُرَّةُ أَوْلَى بالعَلاَء وبالمجدِ )
فأعرض عنه جعفر قال الزبير بنو عامر بن ثعلبة بن عبد الله بن ذبيان بن الحارث بن سعد رهط هدبة بن خشرم بن كرز بن ابي حية بن الكاهن وهو سلمة بن أسحم بن عامر بن ثعلبة بن عبد الله بن ذبيان بن سعد هذيم بن زيد وزيادة بن زيد بن مالك بن عامر بن قرة بن خنبس بن عمرو بن ثعلبة بن عبد الله بن ذبيان بن الحارث بن سعد هذيم ولأي بن عبد مناة بن الحارث بن سعد هذيم قال فدخل جميل على هدبة بن خشرم السجن وهو محبوس بدم زيادة بن زيد وأهدى له بردين من ثياب كساه إياهما سعيد بن العاصي وجاءه بنفقة فلما دخل عليه عرض ذلك عليه فقال هدبة أنت يابن قميئة الذي تقول
( بني عامرٍ أنَّى انتجعتم وكنتمُ ... إذا عُدِّد الأقوامُ كالخصْية الفَرْد )
أما والله لئن خلص الله لي ساقي لأمدن لك مضمارك خذ برديك ونفقتك فخرج جميل فلما بلغ باب السجن خارجا قال اللهم أغن عني أجدع بني عامر وكانت بنو عامر قد قلوا فحالفوا لأيا
لقاؤه بعمر بن أبي ربيعة وتناشدهما الشعر
اخبرني الحرمي بن أبي العلاء ومحمد بن مزيد بن أبي الأزهر قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم المخزومي قال حدثني شيخ من أهلي عن أبيه عن الحارث مولى هشام بن المغيرة الذي يقول له عمر بن أبي ربيعة
(8/147)

( يا أبا الحارث قلبي طائر ... )
قال شهدت عمر بن أبي ربيعة وجميل بن عبد الله بن معمر وقد اجتمعا بالأبطح فأنشد جميل قصيدته
( لقد فرِحَ الواشون أن صَرَمتْ حَبْلِي ... بُثَيْنةُ أو أبدتْ لنا جانبَ البُخْلِ )
( يقولون مَهْلاً يا جميلُ وإنني ... لأُقسم ما بي عن بُثَيْنة من مَهْلِ )
( أَحِلْماً فقبل اليوم كان أوانُه ... أَم اخْشَى فقبل اليومِ أُوعِدتُ بالقتلِ )
( لقد أَنْكَحُوا حَرْبِي نُبَيْهاً ظَعِينةً ... لطيفةَ طَيِّ البَطْنِ ذاتَ شَوًى خَدْلِ )
( وكم قد رأينا ساعياً بنَميمةٍ ... لآخرَ لم يَعْمِدْ بكفٍّ ولا رجلِ )
إذا ما تراجعْنا الذي كان بيننا ... جَرى الدمعُ من عينَيْ بُثَيْنةَ بالكحلِ )
صوت
( كلانا بكَى أو كاد يَبْكي صَبابةً ... إلى إلْفِهِ واستعجلتْ عَبْرةً قبلي )
( فلو تركتْ عَقْلي معي ما طلبتُها ... ولكنْ طِلاَبِيها لِمَا فات من عقلي )
( فيا وَيْحَ نفسي حَسْبُ نفسِي الذي بها ... ويا وَيْحَ أهلي ما أُصِيب به أهلي )
( وقالت لأتْرابٍ لها لا زَعَانِفٍ ... قصارٍ ولا كُسِّ الثَّنَايا ولا ثُعْلِ )
( إذا حميتْ شمسُ النَّهار اتَّقَيْنها ... بأكسية الدِّيباج والخَزِّ ذي الخَمْل )
( تَدَاعَيْنَ فاستَعْجَمْن مَشْياً بذي الغَضَا ... دَبِيبَ القَطا الكُدْرِيّ في الدَّمِثِ السَّهْلِ )
(8/148)

( إذا ارْتَعْنَ أو فُزِّعْنَ قُمْنَ حَوَالَها ... قيامَ بناتِ الماءِ في جانب الضَّحْلِ )
( أَجَدِّيَ لا أَلْقَى بُثَيْنَةَ مرّةً ... من الدهر إلا خائفاً أو على رِجْلِ )
( خليليّ فيما عِشْتُما هل رأيتُما ... قتيلاً بكى من حبِّ قاتِله قبلي )
قال وأنشده عمر قوله
( جرى ناصحٌ بالودّ بيني وبينها ... فقرَّبنِي يوم الحِصاب إلى قتلي )
( فما أَنْسَ مِ الأشياء لا أَنْسَ مَوْقِفِي ... وموقفَها وَهْناً بقارعة النخلِ )
( فلمَّا تواقَفْنَا عرفتُ الذي بها ... كمثل الذي بي حَذْوَكَ النعلَ بالنعل )
( فقلْنَ لها هذا عِشاءٌ وأهلُنا ... قَريبٌ أَلَمَّا تَسْأَمِي مَرْكَبَ البغل )
( فقالت فما شِئْتُنَّ قُلْنَ لها انزِلي ... فلَلأرضُ خيرٌ من وقوفٍ على رَحْلِ )
( فأقبَلْنَ أمثالَ الدُّمَى فاكتَنَفْنَها ... وكُلٌّ يُفَدِّي بالمَودَّة والأهل )
( نُجومٌ دَرَارِيٌّ تكنَّفْنَ صورةً ... من البدر وافتْ غيرَ هُوجٍ ولا ثُجْلِ )
( فسلَّمْتُ واستأنستُ خِيفةَ أن يَرَى ... عدوٌّ مكانِي أو يرى كاشحٌ فعلي )
( فقالت وأَلْقتْ جانبَ السِّتْر إنما ... معي فتحدَّثْ غيرَ ذي رِقْبةٍ أهلي )
( فقلتُ لها ما بي لهم من ترقُّبٍ ... ولكنَّ سِرِّي ليس يحملُه مِثلي )
( فلما اقتصرْنا دونَهن حديثَنا ... وهُنَّ طَبِيباتٌ بحاجة ذي التَّبْل )
( عرَفْنَ الذي نَهْوَى فقُلْنَ ائذَنِي لنا ... نَطُفْ ساعةً في بَرْدِ ليلٍ وفي سَهْلِ )
( فقالت فلا تَلْبَثْنَ قُلْنَ تحدَّثِي ... أتيناكِ وانسَبْنَ انسيابَ مَهَا الرملِ )
(8/149)

( وقُمْنَ وقد أَفهَمْنَ ذا اللُّبِّ إنما ... أَتَينَ الذي يَأْتينَ من ذاك من أَجْلِي )
فقال جميل هيهات يا أبا الخطاب لا أقول والله مثل هذا سجيس الليالي وما خاطب النساء مخاطبتك أحد وقام مشمرا
نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني
صوت
( خليليَّ فيما عشتُما هل رأيتُما ... قتيلاً بَكَى من حبّ قاتله قبلي )
( أبِيتُ مع الهُلاَّكِ ضيفاً لأهلِها ... وأهلي قريبٌ مُوسِعُون ذوو فَضْلِ )
( فلو تركتْ عقلي معي ما طلبتُها ... ولكن طِلاَبيها لِمَا فات من عقلي )
الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو وذكر حماد والهشامي أن فيه لنافع الخير مولى عبد الله بن جعفر لحنا من الثقيل الأول
ومنها
صوت
( أَلاَ أيُّها البيتُ الذي حِيلَ دونَه ... بنا أنت من بيتٍ وأَهْلُكَ من أهلِ )
( ثلاثةُ أبياتٍ فبَيْتٌ أُحِبُّه ... وبيتان ليسا من هوايَ ولا شكلي )
( كِلاَنا بَكَى أو كاد يَبْكِي صَبابةً ... إلى إلْفِه واستَعْجَلتْ عَبْرةً قبلي )
الغناء لإسحاق خفيف ثقيل الثاني بالبنصر
ومنها
صوت
( لقد فرِح الواشُونَ أن صَرَمَتْ حبلِي ... بثينةُ أو أَبْدَتْ لنا جانبَ البخل )
(8/150)

( يقولون مَهْلاً يا جميلُ وإنني ... لأُقْسِمُ ما بي عن بُثَينةَ من مَهْلِ )
الغناء لابن محرز من كتاب يونس ولم يجنسه وذكر إسحاق أنه مما ينسب إلى ابن محرز وابن مسجح ولم يصح عنده لأيهما هو ولا ذكر طريقته
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني غير واحد من الرواة عن صالح بن حسان قال أخبرني نافع مولى عبد الله بن جعفر وما رأيت أحدا قط كان أشكل ظرفا ولا أزين في مجلس ولا أحسن غناء منه قال
قدمنا مع عبد الله بن جعفر مرة على معاوية فأرسل إلي يزيد يدعوني ليلا فقلت أكره أن يعلم أمير المؤمنين مكاني عندك فيشكوني إلى ابن جعفر قال فامهل حتى إذا سمر أمير المؤمنين فإن ابن جعفر يكون معه فلا يفتقدك ونخلو نحن بما نريد قبل قيامهما قأتيته فغنيته فوالله ما رأيت فتى أشرف أريحية منه والله لألقى علي من الكسا الخز والوشي وغيره ما لم استطع حمله ثم أمر لي بخمسمائة دينار قال وذهب بنا الحديث وما كنا فيه حتى قام معاوية ونهض ابن جعفر معه وكان باب يزيد في سقيفة معاوية فسمع صوتي فقال لابن جعفر ما هذا يابن جعفر قال هذا والله صوت نافع فدخل علينا فلما أحسَّ به يزيد تناوم فقال له معاوية ما لك يا بني قال
(8/151)

صدعت فرجوت أن يسكن عني بصوت هذا قال فتبسم معاوية وقال يا نافع ما كان أغنانا عن قدومك فقال له ابن جعفر يا أمير المؤمنين إن هذا في بعض الأحايين يذكي القلب قال فضحك معاوية وانصرف فقال لي ابن جعفر ويلك هل شرب شيئا قلت لا والله قال والله إني لأرجو أن يكون من فتيان بني عبد مناف الذين ينتفع بهم قال نافع ثم قدمنا على يزيد مع عبد الله بن جعفر بعدما استخلف فأجلسه معه على سريره ودخلت حاشيته تسلم عليه ودخلت معهم فلما نظر إلي تبسم ثم نهض ابن جعفر وتبعناه فقيل له نظر إلى نافع وتبسم فقال ابن جعفر هذا تأويل تلك الليلة فقضى حوائج ابن جعفر وأضعف ما كان يصله به معاوية فلما أراد الانصراف أتاه يودعه ونحن معه فأرسل إلي يزيد فدخلت عليه قال ويحك يا نافع ما أخرتك إلا لأتفرغ لك هات لحنك
( خليليَّ فيما عشتُما هل رايتُما ... قتيلاً بَكَى من حبِّ قاتِله قبلي )
فأسمعته فقال أعد ويلك فأعدته ثم قال أعد فأعدته ثلاثا فقال أحسنت فسل حاجتك فما سألته في ذلك اليوم شيئا إلا أعطانيه ثم قال إن يصلح لنا هذا الأمر من قبل ابن الزبير فلعلنا أن نحج فتلقانا بالمدينة فإن هذا الأمر لا يصلح إلا هناك قال نافع فمنعنا والله من ذلك شؤم ابن الزبير
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفري قال حدثنا القاسم بن أبي الزناد قال
خرج عمر بن أبي ربيعة يريد الشام فلما كان بالجناب لقيه جميل فقال له عمر أنشدني فأنشده
( خليليّ فيما عشتُما هل رايتُما ... قتيلاً بَكَى من حبِّ قاتله قبلي )
(8/152)

ثم قال جميل أنشدني يا ابا الخطاب فأنشده
( ألم تَسْألِ الأطلالَ والمُتَربَّعَا ... ببطن حُلَيَّاتٍ دَوَارِسَ بَلْقَعَا )
فلما بلغ إلى قوله
( فلما تواقفْنا وسلَّمتُ أَشْرقتْ ... وجوهٌ زَهاها الحسنُ أن تتقنَّعا )
( تَبَالَهْنَ بالعِرْفان لمَّا عرفْنَنِي ... وقُلْنَ امرؤٌ باغٍ أَكَلَّ وأَوْضَعَا )
( وقرَّبْنَ اسبابَ الهوى لمتيَّم ... يقيِسُ ذِراعاً كلَّما قِسْنَ إصْبَعَا )
عمر بن أبي ربيعة يطلب منه أن يأخذ به إلى بثينة
قال فصاح جميل واستخذى وقال ألا إن النسيب أخذ من هذا وما أنشده حرفا فقال له عمر إذهب بنا إلى بثينة حتى نسلم عليها فقال له جميل قد أهدر لهم السلطان دمي إن وجدوني عندها وهاتيك أبياتها فأتاها عمر حتى وقف على ابياتها وتأنس حتى كلم فقال يا جارية أنا عمر بن أبي ربيعة فأعلمي بثينة مكاني فخرجت إليه بثينة في مباذلها وقالت والله يا عمر لا أكون من نسائك اللاتي يزعمن أن قد قتلهن الوجد بك فانكسر عمر قال وإذا امرأة أدماء طوالة
وأخبرني بهذا الخبر علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن المسيبي والزبير فذكر مثل ما ذكره الزبير وزاد فيه قال فقال لها قول جميل
( وهُمَا قالتا لَوَانَّ جميلاً ... عَرَض اليومَ نَظْرةً فرآنا )
( بَيْنَما ذاك منهما وإذا بي ... أُعْمِلُ النَّصَّ سَيْرةً زَفَيانَا )
( نظرتْ نحوَ تِرْبها ثم قالت ... قد أتانا وما علمنا مُنَانَا )
فقالت إنه استملى منك فما أفلح وقد قيل اربط الحمار مع الفرس
(8/153)

فإن لم يتعلم من جريه تعلم من خلقه
وذكر الهيثم بن عدي وأصحابه في أخبارهم أن جميلا طال مقامه بالشام ثم قدم وبلغ بثينة خبره فراسلته مع بعض نساء الحي تذكر شوقها إليه ووجدها به وطلبها للحيلة في لقائه وواعدته لموضع يلتقيان فيه فسار إليها وحدثها طويلا وأخبرها خبره بعدها وقد كان أهلها رصدوها فلما فقدوها تبعها أبوها وأخوها حتى هجما عليهما فوثب جميل فانتضى سيفه وشد عليهما فاتقياه بالهرب وناشدته بثينة الله إلا انصرف وقالت له إن أقمت فضحتني ولعل الحي أن يلحقوك فأبى وقال أنا مقيم وامضي أنت وليصنعوا ما أحبوا فلم تزل تناشده حتى انصرف وقال في ذلك وقد هجرته وانقطع التلاقي بينهما مدة
( ألم تَسْألِ الربعَ الخَلاَء فينطقُ ... وهل تُخبِرنْكَ اليومَ بَيْدَاءُ سَمْلَقُ )
( وقفتُ بها حتى تجلَّتْ عَمَايتي ... وملَّ الوقوفَ الأرْحَبِيُّ المنوَّق )
( تَعَزَّ وإن كانت عليك كريمةً ... لعلَّك من رِقٍّ لبَثْنَةَ تَعْتِقُ )
( لعَمْرُكُم إن البِعاد لشائقي ... وبعضُ بعاد البَيْنِ والنأي أَشْوَقُ )
( لعلَّكَ محزونٌ ومُبْدٍ صَبابة ... ومُظْهِرُ شكوى من أُناسٍ تفرَّقوا )
( وبيضٍ غَريراتٍ تُثَنِّي خُصورَها ... إذا قُمْنَ أعجازٌ ثِقَال وأسْؤُقُ )
( غَرائرَ لم يَلْقَيْنَ بؤسَ معيشةٍ ... يُجنّ بهنّ الناظر المتنوِّقُ
( وغَلْغَلْتُ من وَجْدٍ إليهنَّ بعدما ... سَرَيْتُ وأحْشائي من الخوف تَخفِقُ )
(8/154)

( معي صارِمٌ قد أَخْلص القَيْنُ صقْله ... له حين أُغْشيه الضَّرِيبةَ روْنَقُ )
( فلولا احتيالي ضِقْن ذرْعا بزائرٍ ... به من صَباباتٍ إليهنّ أَوْلَقُ )
( تَسُوكُ بقُضْبانِ اْلأَرَاكِ مفلَّجاً ... يُشَعْشِعُ فيه الفارسِيُّ المروَّق )
( أبثنةُ لَلْوَصْلُ الذي كان بينَنا ... نَضَا مثلَ ما يَنْضُو الخِضابُ فيَخْلُقُ )
( أبَثْنَةُ ما تَنْأَيْنَ إلاَّ كأنَّني ... بنجم الثُّرَيَّا ما نأيتِ مُعَلَّقُ )
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال
دخلت على الرشيد يوما فقال لي يا إسحاق أنشدني أحسن ما تعرف في عتاب محب وهو ظالم متعتب فقلت يا أمير المؤمنين قول جميل
( رِدِ الماءَ ما جاءتْ بصَفْوٍ ذَنَائبُهْ ... ودَعْهُ إذا خِيضَتْ بطَرْقٍ مَشَارِبُهْ )
( أُعاتِبُ مَنْ يحلو لديَّ عتابُه ... وأترك مَنْ لا أشتهي وأُجَانِبُهْ )
( ومن لذَّة الدنيا وإن كنتَ ظالماً ... عِناقُك مظلوماً وأنت تُعاتبُهْ )
فقال أحسن والله أعدها علي فأعدتها حتى حفظها وأمر لي بثلاثين ألف درهم وتركني وقام فدخل إلى دار الحُرَم
(8/155)

فشل محاولته في لقاء بثينة
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن السعيدي قال حدثني رجل كان يصحب جميلا من أهل تيماء قال
كنت يوما جالسا مع جميل وهو يحدثني وأحدثه إذ ثار وتربد وجهه فأنكرته ورأيت منه غير ما كنت أرى ووثب نافرا مقشعر الشعر متغير اللون حتى أتي بناقة له قريبة من الأرض مجتمعة موثقة الخلق فشد عليها رحله ثم أتي بمحلب فيه لبن فشربه ثم ثنى فشربت حتى رويت ثم قال لي اشدد أداة رحلك واشرب واسق جملك فإني ذاهب بك إلى بعض مذاهبي ففعلت فجال في ظهر ناقته وركبت ناقتي فسرنا بياض يومنا وسواد ليلتنا ثم أصبحنا فسرنا يومنا كله لا والله ما نزلنا إلا للصلاة فلما كان اليوم الثالث دفعنا إلى نسوة فمال إليهن ووجدنا الرجال خلوفاً وإذا قدر لبن ثم وقد جهدت جوعا وعطشا فلما رأيت القدر اقتحمت عن بعيري وتركته جانبا ثم أدخلت رأسي في القدر ما يثنيني حرها حتى رويت فذهبت أخرج رأسي من القدر فضاقت علي وإذا هي على رأسي قلنسية فضحكن مني وغسلن ما أصابني وأتي جميل بقرى فوالله ما التفت إليه فبينا هو يحدثهن إذا رواعي الإبل وقد كان السلطان أحل لهم دمه إن وجدوه في بلادهم وجاء الناس فقالوا له ويحك انج وتقدم فوالله ما أكبرهم كل الإكبار وغشيه الرجال فجعلوا يرمونه ويطردونه فإذا قربوا منه قاتلهم ورمى فيهم وهام بي جملي فقال لي يسر لنفسك مركبا خلفي فأردفني خلفه ولا والله ما انكسر ولا انحل عن
(8/156)

فرصته حتى رجع إلى أهله وقد سار ست ليال وستة ايام وما التفت إلى طعام
ابن عمه روق يلومه على حبه بثينة
وشكا زوج بثينة إلى أبيها وأخيها إلمام جميل بها فوجهوا إلى جميل فأعذروا إليه وشكوه إلى عشيرته وأعذروا إليهم وتوعدوه وإياهم فلامه أهله وعنفوه وقالوا استخلص إليهم ونبرأ منك ومن جريرتك فأقام مدة لا يلم بها ثم لقي ابني عمه روقا ومسعدة فشكا إليهما ما به وأنشدهما قوله
صوت
( زُورَا بُثَيْنةَ فالحبيبُ مَزُورُ ... إن الزيارةَ للمحبِّ يسيرُ )
( إنّ الترحُّلَ إن تلبَّس أمرُنا ... واعتاقَنا قَدَرٌ أُحِمَّ بكور )
الغناء لعريب رمل بالوسطى
صوت
( إنِّي عشيَّةَ رُحْتُ وهي حزينةٌ ... تشكو إليّ صبابةً لَصَبُورُ )
( وتقول بِتْ عندي فَدَيْتُكَ ليلةً ... أشكو إليكَ فإنّ ذاك يسيرُ )
الغناء لسليم خفيف رمل بالوسطى عن عمرو وفيه ثقيل أول بالبنصر ذكر الهشامي أنه لمخارق وذكر حبش أنه لإبراهيم وذكر حبش أن لحن
(8/157)

مخارق خفيف رمل
( غَرَّاءُ مِبْسامٌ كأنَّ حديثَها ... دُرّ تَحَدَّرَ نَظْمُه منثورُ )
( محطوطةُ المَتْنَيْنِ مُضْمَرةُ الحَشَى ... رَيَّا الرّوادِف خَلْقُها ممكور )
( لا حُسْنِها حُسْنٌ ولا كَدَلاَلِها ... دَلٌّ ولا كَوقارِها توقير )
( إنّ اللسانَ بذكرها لَمُوَكَّلٌ ... والقلب صادٍ والخواطر صُورُ )
( ولئن جَزَيْتِ الودَّ منِّي مثلَه ... إني بذلك يا بُثَيْن جديرُ )
فقال له روق إنك لعاجر ضعيف في استكانتك لهذه المرأة وتركك الاستبدال بها مع كثرة النساء ووجود من هو أجمل منها وإنك منها بين فجور أرفعك عنه أو ذل لا أحبه لك أو كمد يؤديك إلى التلف أو مخاطرة بنفسك لقومها إن تعرضت لها بعد إعذارهم إليك وإن صرفت نفسك عنها وغلبت هواك فيها وتجرعت مرارة الحزم حتى تألفها وتصبر نفسك عليها طائعة أو كارهة الفت ذلك وسلوت فبكى جميل وقال يا أخي لو ملكتُ اختياري لكان ما قلت صوابا ولكني لا أملك الاختيار ولا أنا إلا كالأسير لا يملك لنفسه نفعا وقد جئتك لأمر أسالك ألا تكدر ما رجوته عندك فيه بلوم وأن تحمل على نفسك في مساعدتي فقال له فإن كنت لا بد مهلكا نفسك فاعمل على زيارتها ليلا فإنها تخرج مع بنات عم لها إلى ملعب لهن فأجيء معك حينئذ سرا ولي أخ من رهط بثينة من بني الأحب نأوي عنده نهارا وأسأله مساعدتك على هذا فتقيم عنده أياما نهارك وتجتمع معها بالليل إلى أن تقضي أربك فشكره ومضى روق إلى الرجل الذي من رهط بثينة فأخبره الخبر واستعهده كتمانه وسأله مساعدته فيه فقال له لقد جئتني بإحدى العظائم ويحك إن في هذا
(8/158)

معاداتي الحي جميعا إن فطن به فقال انا أتحرز في أمره من أن يظهر فواعده في ذلك ومضى إلى جميل فأخبره القصة فأتيا الرجل ليلا فأقاما عنده وأرسل إلى بثينة بوليدة له بخاتم جميل فدفعته إليها فلما رأته عرفت فتبعتها وجاءته فتحدثا ليلتهما واقام بموضعه ثلاثة أيام ثم ودعها وقال لها عن غير قلى والله ولا ملل يا بثينة كان وداعي لك ولكني قد تذممت من هذا الرجل الكريم وتعريضه نفسه لقومه وأقمت عنده ثلاثا ولا مزيد على ذلك ثم انصرف وقال في عذل روق ابن عمه إياه
( لقد لامني فيها أخٌ ذو قرابةٍ ... حبيبٌ إليه في مَلاَمتِه رُشْدِي )
( وقال أَفِقْ حتى متى أنت هائمٌ ... ببَثْنَةَ فيها قد تُعيدُ وقد تُبْدِي )
( فقلت له فيها قضَى اللَّهُ ما ترى ... عليَّ وهل فيما قضَى اللَّه من رَدِّ )
( فإن يك رُشْداً حُبُّها أو غَوَايةً ... فقد جئتُه ما كان منِّي على عَمْدِ )
صوت
( لقد لجَّ ميثاقٌ من اللَّه بيننا ... وليس لمن لم يُوفِ للَّه من عَهْد )
( فلا وأبيها الخيرِ ما خُنْتُ عهدَها ... ولا لِيَ علمٌ بالذي فعلتْ بعدي )
( وما زادها الواشون إلا كرامة ... عليّ وما زالت مودَّتُها عندي )
الغناء لمتيم ثقيل أول عن الهشامي وذكر ابن المعتز أنه لشارية وذكر ابن خرداذبه أنه لقلم الصالحية
( أفي الناسِ أمثالي أَحَبَّ فحالُهم ... كحالِيَ أمْ أحببتُ من بينهم وحدي )
( وهل هكذا يلقَى المحبُّون مثلَ ما ... لَقِيتُ بها أم لم يَجِدْ أحدٌ وَجْدِي
(8/159)

وقال جميل فيها
( خليليّ عُوجَا اليوم حتى تُسَلِّما ... على عَذْبةِ الأنياب طَيِّبة النَّشْرِ )
( أَلِمَّا بها ثم اشفَعا لي وسَلِّما ... عليها سَقَاها اللَّه من سائغ القطر )
( وبُوحَا بذكري عند بَثْنَةَ وانظُرَا ... أترتاح يوماً أم تَهَشُّ إلى ذكري )
( فإن لم تَكُنْ تَقْطَعْ قُوَى الودِّ بيننا ... ولم تَنْسَ ما أسلفتُ في سالف الدهر )
فسوف يُرَى منها اشتياقٌ ولَوْعةٌ ... بِبَيْنٍ وغَرْبٌ من مدامعِها يجري )
( وإن تكُ قد حالتْ عن العهد بَعْدَنا ... وأصغتْ إلى قول المُؤَنِّبِ والمُزْرِي )
( فسوف يُرَى منها صدودٌ ولم تكن ... بنَفْسِيَ من أهل الخِيانة والغَدْرِ )
( أعوذُ بك اللَّهمَّ أن تَشْحَطَ النَّوَى ... ببثنةَ في أدنى حياتي ولا حَشْري )
( وجاَوِرْ إذا ما مِتُّ بيني وبينها ... فيا حَبَّذا موتِي إذا جاورتْ قبرِي )
( عَدِمْتُكَ من حبٍّ أَمَا منك راحةٌ وما بك عنِّي من تَوَانٍ ولا فَتْرِ )
( أَلا أيُّها الحبُّ المبرِّح هلى ترى ... أَخَا كَلَفٍ يُغْرِي بحبٍّ كما أُغْرِي )
( أجِدَّكَ لا تَبْلَى وقد بَلِيَ الهوى ... ولا ينتهي حبِّي بُثَيْنَةَ للزَّجْر )
صوت
( هي البدرُ حسناً والنساءُ كواكبٌ ... وشَتَّانَ ما بين الكواكبِ والبدرِ )
( لقد فُضِّلتْ حسناً على الناس مثلَما ... على ألِف شهر فُضِّلتْ ليلةُ القَدْرِ )
غنت شارية في هذين البيتين خفيف رمل من رواية ابن المعتز
(8/160)

صلح بعد تهاجر
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرنا إسحاق بن محمد بن أبان قال حدثني الرحال بن سعد المازني قال
وقع بين جميل وبثينة هجر في غيرة كان غارها عليها من فتى كان يتحدث إليها من بني عمها فكان جميل يتحدث إلى غيرها فيشق ذلك على بثينة وعلى جميل وجعل كل واحد منهما يكره أن يبدي لصاحبه شأنه فدخل جميل يوما وقد غلبه الأمر إلى البيت الذي كان يجتمع فيه مع بثينة فلما رأته بثينة جاءت إلى البيت ولم تبرز له فجزع لذلك جميل وجعل كل واحد منهما يطالع صاحبه وقد بلغ الأمر من جميل كل مبلغ فأنشأ يقول
( لقد خِفْتُ أن يغتالني الموتُ عُنْوةً ... وفي النفسِ حاجاتٌ إليكِ كما هِيَا )
( وإني لتَثْنِينِي الحَفِيظةُ كلَّما ... لَقِيتُكِ يوماً أن أَبُثَّكِ ما بِيا )
( ألم تعلمي يا عذبةَ الرِّيقِ أنَّني ... أَظَلّ إذا لم أُسْقَ رِيقَكِ صَادِيا )
قال فرقت له بثينة وقالت لمولاة لها كانت معها ما أحسن الصدق بأهله ثم اصطلحا فقالت له بثينة أنشدني قولك
( تَظَلُّ وراء السِّتْرِ تَرْنُو بلَحْظِها ... إذا مرَّ من أترابها مَنْ يَرُوقُها )
فأنشدها إياها فبكت وقالت كلا يا جميل ومن ترى أنه يروقني غيرك
كيف نعي جميل إلى بثينة
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال ذكر أيوب بن عباية قال
(8/161)

خرجت من تيماء في أغباش السحر فرأيت عجوزا على أتان فتكلمت فإذا أعرابية فصيحة فقلت ممن أنت فقالت عذرية فأجريت ذكر جميل وبثينة فقالت والله إنا لعلى ماء لنا بالجناب وقد تنكبنا الجادة لجيوش كانت تأتينا من قبل الشام تريد الحجاز وقد خرج رجالنا لسفر وخلفوا معنا أحداثا فانحدروا ذات عشية إلى صرم قريب منا يتحدثون إلى جوار منهم فلم يبق غيري وغير بثينة إذ انحدر علينا منحدر من هضبة تلقاءنا فسلم ونحن مستوحشون وجلون فتأملته ورددت السلام فإذا جميل فقلت أجميل قال إي والله وإذا به لا يتماسك جوعا فقمت إلى قعب لنا فيه أقط مطحون وإلى عكة فيها سمن ورب فعصرتها على الأقط ثم أدنيتها منه وقلت أصب من هذا فأصاب منه وقمت إلى سقاء فيه لبن فصببت عليه ماء باردا فشرب منه وتراجعت نفسه فقلت له لقد بلغت ولقيت شرا فما أمرك قال أنا والله في هذه الهضبة التي ترين منذ ثلاث ما أريمها أنتظر أن أرى فرجة فلما رأيت منحدر فتيانكم أتيتكم لأودعكم وأنا عامد إلى مصر فتحدثنا ساعة ثم ودعنا وشخص فلم تطل غيبته أن جاءنا نعيه فزعموا أنه قال حين حضرته الوفاة
( صَدَعَ النَّعِيُّ وما كنى بجميلِ ... وثَوَى بمِصْرَ ثَوَاءَ غيرِ قُفولِ )
( ولقد أجُرّ الذَّيْلَ في وادي القُرَى ... نَشْوانَ بين مزارعٍ ونخيلِ )
(8/162)

( قُومِي بُثَينَةُ فاندُبِي بعَويلِ ... وابكِي خليلَكِ دون كلِّ خليل )
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثني محمد بن القاسم عن الأصمعي قال حدثني رجل شهد جميلا لما حضرته الوفاة بمصر أنه دعاه فقال هل لك في أن أعطيك كل ما أخلفه على أن تفعل شيئا أعهده إليك فقال قلت اللهم نعم قال إذا أنا مت فخذ حلتي هذه التي في عيبتي فاعزلها جانبا ثم كل شيء سواها لك وارحل إلى رهط بني الأحب من عذرة وهم رهط بثينة فإذا صرت إليهم فارتحل ناقتي هذه واركبها ثم البس حلتي هذه واشققها ثم اعل على شرف وصح بهذه الأبيات وخلاك ذم ثم أنشدني هذه الأبيات
( صدَع النَّعِيُّ وما كَنَى بجميلِ ... وثوى بمِصْرَ ثَوَاء غيرِ قُفولِ )
وذكر الأبيات المتقدمة فلما قضى وواريته أتيت رهط بثينة ففعلت ما أمرني به جميل فما استتممت الأبيات حتى برزت إلي امرأة يتبعها نسوة قد فرعتهن طولا وبرزت أمامهن كأنها بدر قد برز في دجنة وهي تتعثر في مرطها حتى أتتني فقالت يا هذا والله لئن كنت صادقا لقد قتلتني ولئن كنت كاذبا لقد فضحتني قلت والله ما أنا إلا صادق وأخرجت حلته فلما رأتها صاحت بأعلى صوتها وصكت وجهها واجتمع نساء الحي يبكين معها ويندبنه حتى صعقت فمكثت مغشيا عليها ساعة ثم قامت وهي تقول
( وإنّ سُلُوِّي عن جميلٍ لَساعةٌ ... من الدَّهْرِ ما حانتْ ولا حان حِينُها )
( سواءٌ علينا يا جميلُ بن مَعْمَرٍ ... إذا مُِتَّ بأساءُ الحياةِ ولِينُها )
قال فلم أر يوما كان أكثر باكيا وباكية منه يومئذ
(8/163)

صوت
من المائة المختارة من رواية جحظة عن أصحابه
( أمسى الشبابُ مُوَدِّعاً محموداً ... والشيبُ مُؤْتَنِفَ المحلِّ جديدَا )
( وتغيَّر البِيضُ الأوانسُ بعد ما ... حَمَّلْتُهُنَّ مَوَاثِقاً وعُهودا )
عروضه من الكامل الشعر ليزيد بن الطثرية والغناء لإسحاق ولحنه المختار من الثقيل الأول بالبنصر وفيه لبابويه خفيف ثقيل بالوسطى كلاهما من رواية عمرو بن بانة
(8/164)

ذكر يزيد بن الطثرية وأخباره ونسبه
ذكر ابن الكلبي أن اسمه يزيد بن الصمة أحد بني سلمة الخير بن قشير وذكر البصريون أنه من ولد الأعور بن قشير وقال ابو عمرو الشيباني اسمه يزيد بن سلمة بن سمرة بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وإنما قيل إنه يزيد بن المنتشر بن سلمة
( والطثرية أمه فيما أخبرني به علي بن سليمان الأخفش عن السكري عن محمد بن حبيب امرأة من طثر وهم حي من اليمن عدادهم في جرم وقال غيره إن طثرا من عنز بن وائل إخوة بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار وكان أبو جراد أحد بني المنتفق بن عامر بن عقيل أسر طثرا فمكث عنده زمانا ثم خلاه وأخذ عليه إصرا ليبعثن إليه بفدائه أو ليأتينه بنفسه وأهله فلم يجد فداء فاحتمل بأهله حتى دخل على أبي جراد فوسمه سمة إبله فهم حلفاء لبني المنتفق إلى اليوم نحو من خمسمائة رجل متفرقين في بني عقيل يوالون بني المنتفق وهم يعيرون ذلك الوسم وقال بعض من يهجو
(8/165)

( عليه الوَسْمُ وسمُ أبي جَرَادِ ... )
وفيهم يقول يزيد بن الطثرية
( الاَ بئسما أن تَجْرِمُوني وتغضَبوا ... عليّ إذا عاتبتُكم يا بني طَثْرِ )
وزعم بعض البصريين أن الطثرية أم يزيد كانت مولعة بإخراج زبد اللبن فسميت الطثرية وطثرة اللبن زبدته
سبب تلقيبه بالمودّق
ويكنى يزيد أبا المكشوح وكان يلقب مودقا سمي بذلك لحسن وجهه وحسن شعره وحلاوة حديثه فكانوا يقولون إنه إذا جلس بين النساء ودقهن
أخبرني محمد بن خلف عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال
كان يزيد بن الطثرية يقول من أفحم عند النساء فلينشد من شعري قال وكان كثيرا ما يتحدث إلى النساء وكان يقال إنه عنين
وروى عنه عبد الله بن عمر عن يحيى بن جابر أحد بني عمرو بن كلاب عن سعاد بنت يزيد بن زريق امرأة منهم
أن يزيد بن الطثرية كان من أحسن من مضى وجها وأطيبه حديثا وأن النساء كانت مفتونة به وذكر الناس أنه كان عنينا وذلك أنه لا عقب له وأن الناس أمحلوا حتى ذهبت الدقيقة من المال ونهكت الجليلة فأقبل صرم
(8/166)

من جرم ساقته السنة والجدب من بلاده إلى بلاد بني قشير وكان بينهم وبين بني قشير حرب عظيمة فلم يجدوا بدا من رمي قشير بأنفسهم لما قد ساقهم من الجدب والمجاعة ودقة الأموال وما أشرفوا عليه من الهلكة ووقع الربيع في بلاد بني قشير فانتجعها الناس وطلبوها فلم يعد أن لقيت جرم قشيراً فنصبت قشير لهم الحرب فقالت جرم إنما جئنا مستجيرين غير محاربين قالوا مما ذا قالوا من السنة والجدب والهلكة التي لا باقية لها فأجارتهم قشير وسالمتهم وأرعتهم طرفا من بلادها وكان في جرم فتى يقال له مياد وكان غزلا حسن الوجه تام القامة آخذا بقلوب النساء والغزل في جرم جائز حسن وهو في قشير نائرة فلما نازلت جرم قشيرا وجاورتها اصبح مياد الجرمي فغدا إلى القشيريات يطلب منهن الغزل والصبا والحديث واستبراز الفتيات عند غيبة الرجال واشتغالهم بالسقي والرعية وما أشبه ذلك فدفعنه عنهن وأسمعنه ما يكره وراحت رجالهن عليهن وهن مغضبات فقال عجائز منهن والله ما ندري أرعيتم جرما المرعى أم أرعيتموهم نساءكم فاشتد ذلك عليهم فقالوا وما أدراكنه قلن رجل منذ اليوم ظل مجحرا لنا ما يطلع منا رأس واحدة يدور بين بيوتنا فقال بعضهم بيتوا جرما فاصطلموها وقال بعضهم قبيح قوم قد سقيتموهم مياهكم وأرعيتموهم مراعيكم وخلطتموهم بأنفسكم وأجرتموهم من القحط والسنة تفتانون عليهم هذا الافتيات لا تفعلوا ولكن تصبحوا وتقدموا إلى هؤلاء القوم في هذا الرجل فإنه سفيه من سفهائهم فليأخذوا على يديه فإن يفعلوا فأتموا لهم إحسانكم وإن يمتنعوا ويقروا ما كان منه يحل لكم البسط عليهم وتخرجوا من ذمتهم فأجمعوا على ذلك فلما
(8/167)

أصبحوا غدا نفر منهم إلى جرم فقالوا ما هذه البدعة التي قد جاورتمونا بها إن كانت هذه البدعة سجية لكم فليس لكم عندنا إرعاء ولا إسقاء فبرزوا عنا أنفسكم وأذنوا بحرب وإن كان افتتانا فغيروا على من فعله وإنهم لم يعدوا أن قالوا لجرم ذلك فقام رجال من جرم وقالوا ما هذا الذي نالكم قالوا رجل منكم أمس ظل يجر أذياله بين ابياتنا ما ندري علام كان أمره فقهقهت جرم من جفاء القشيرين وعجرفيتها وقالوا إنكم لتحسون من نسائكم ببلاء ألا فابعثوا إلى بيوتنا رجلا ورجلا فقالوا والله ما نحسّ من نسائنا ببلاء وما نعرف منهن إلا العفة والكرم ولكن فيكم الذي قلتم قالوا فإنا نبعث رجلا إلى بيوتكم يا بني قشير إذا غدت الرجال وأخلف النساء وتبعثون رجلا إلى البيوت ونتحالف أنه لا يتقدم رجل منا إلى زوجة ولا أخت ولا بنت ولا يعلمها بشيء مما دار بين القوم فيظل كلاهما في بيوت أصحابه حتى يردا علينا عشيا الماء وتخلى لهما البيوت ولا تبرز عليهما امرأة ولا تصادق منهما واحدا فيقبل منهما صرف ولا عدل إلا بموثق يأخذه عليها وعلامة تكون معه منها قالوا اللهم نعم فظلوا يومهم ذلك وباتوا ليلتهم حتى إذا كان من الغد غدوا إلى الماء وتحالفوا أنه لا يعود إلى البيوت منهم أحد دون الليل وغدا مياد الجرمي إلى القشيريات وغدا يزيد بن الطثرية القشيري إلى الجرميات فظل عندهن بأكرم مظل لا يصير إلى واحدة منهن إلا افتتنت به وتابعته إلى المودة والإخاء وقبض منها رهنا وسألته ألا يدخل من بيوت جرم إلا بيتها فيقول لها واي شيء تخافين وقد أخذت مني المواثيق والعهود وليس لأحد في قلبي نصيب غيرك حتى صليت العصر فانصرف يزيد بفتخ كثير وذبل
(8/168)

وبراقع وانصرف مكحولا مدهونا شبعان ريان مرجل اللمة وظل مياد الجرمي يدور بين بيوت القشيريات مرجوما مقصى لا يتقرب إلى بيت إلا استقبلته الولائد بالعمد والجندل فتهالك لهن وظن أنه ارتياد منهن له حتى أخذه ضرب كثير بالجندل ورأى البأس منهن وجهده العطش فانصرف حتى جاء إلى سمرة قريبا إلى نصف النهار فتوسد يده ونام تحتها نويمة حتى أفرجت عنه الظهيرة وفاءت الأظلال وسكن بعض ما به من ألم الضرب وبرد عطشه قليلا ثم قرب إلى الماء حتى ورد على القوم قبل يزيد فوجد أمة تذود غنما في بعض الظعن فأخذ برقعها فقال هذا برقع واحدة من نسائكم فطرحه بين يدي القوم وجاءت الأمة تعدو فتعلقت ببرقعها فرد عليها وخجل مياد خجلا شديدا وجاء يزيد ممسيا وقد كاد القوم أن يتفرقوا فنثر كمه بين ايديهم ملآن براقع وذبلا وفتخا وقد حلف القوم ألا يعرف رجل شيئا إلا رفعه فلما نثر ما معه اسودت وجوه جرم وأمسكوا بأيديهم إمساكة فقالت قشير أنتم تعرفون ما كان بيننا أمس من العهود والمواثيق وتحرج الأموال والأهل فمن شاء أن ينصرف إلى حرام فليمسك يده فبسط كل رجل يده إلى ما عرف فأخذه وتفرقوا عن حرب وقالوا هذه مكيدة يا قشير فقال في ذلك يزيد بن الطثرية
( فإنْ شئتَ يا مَيَّادُ زُرْنا وزُرْتُمُ ... ولم نَنْفَس الدّنيا على من يُصِيبُها )
(8/169)

( أيذهب مَيَّادٌ بألْبابِ نِسْوتِي ... ونسوةُ مَيَّادٍ صحيحٌ قُلوبها )
وقال مياد الجرمي
( لَعَمْرُكَ إنّ جَمْعَ بني قُشَيْرٍ ... لِجَرْمٍ في يزيدَ لظالمونا )
( أليس الظلمُ أنّ اباك مِنَّا ... وأنك في كَتيبةِ آخرينا )
( أحالفةٌ عليك بنو قُشَيْرٍ ... يمينَ الصَّبْرِ أَمْ مُتَحَرِّجونا )
حبه لوحشية ومرضه لغيابها
قال وبلي يزيد بعشق جارية من جرم في ذلك اليوم يقال لها وحشية وكانت من أحسن النساء ونافرتهم جرم فلم يجد إليها سبيلا فصار من العشق إلى أن أشرف على الموت واشتد به الجهد فجاء إلى ابن عم له يقال له خليفة بن بوزل بعد اختلاف الأطباء إليه ويأسهم منه فقال له يابن عم قد تعلم أنه ليس إلى هذه المرأة سبيل وأن التعزي أجمل فما أربك في أن تقتل نفسك وتأثم بربك قال وما همي يابن عم بنفسي وما لي فيها أمر ولا نهي ولا همي إلا نفس الجرمية فإن كنت تريد حياتي فأرنيها قال كيف الحيلة قال تحملني إليها فحمله إليها وهو لا يطمع في الجرمية إلا أنهم كانوا إذا قالوا له نذهب بك إلى وحشية أبل قليلا وراجع وطمع وإذا أيس منها اشتد به الوجع فخرج به خليفة بن بوزل فحمله فتخلل به اليمن حتى إذا دخل في قبيلة انتسب إلى أخرى ويخبر أنه طالب حاجة وأبل حتى صلح بعض الصلاح وطمع فيه ابن عمه وصارا بعد زمان إلى حي وحشية فلقيا الرعيان وكمنا في جبل من الجبال فجعل خليفة ينزل فيتعرض لرعيان الشاء فيسألهم عن راعي وحشية حتى لقي غلامها وغنمها فواعدهم موعدا وسألهم ما حال
(8/170)

وحشية فقال غلامها هي والله بشر لا حفظ الله بني قشير ولا يوما رأيناهم فيه فما زالت عليلة منذ رأيناهم وكان بها طرف مما بابن الطثرية فقال ويحك فإن ها هنا إنسانا يداويها فلا تقل لأحد غيرها قال نعم إن شاء الله تعالى فأعلمها الراعي ما قال له الرجل حين صار إليها فقالت له ويحك فجىء به ثم إنه خرج فلقيه بالغد فأعلمه وظل عنده يرعى غنمه وتأخر عن الشاء حتى تقدمته الشاء وجنح الليل وانحدر بين يدي غنمه حتى أراحها ومشى فيها يزيد حتى قربت من البيت على أربع وتجلل شملة سوداء بلون شاة من الغنم فصار إلى وحشية فسرت به سرورا شديدا وأدخلته سترا لها وجمعت عليه من الغد من تثق به من صواحباتها وأترابها وقد كان عهد إلى ابن عمه أن يقيم في الجبل ثلاث ليال فإن لم يره فلينصرف فأقام يزيد عندها ثلاث ليال ورجع إلى أصح ما كان عليه ثم انصرف فصار إلى صاحبه فقال ما وراءك يا يزيد ورأى من سروره وطيب نفسه ما سره فقال
( لَوَانَّكَ شاهدتَ الصِّبَا يابنَ بَوْزَلٍ ... بفَرْع الغَضَى إذ راجعتْني غَيَاطِلُهْ )
( لشاهدتَ لهواً بعد شَحْطٍ من النَّوَى ... على سَخَطِ الأعداء حُلْواً شَمَائلُه )
صوت
( ويوماً كإبهامِ القَطَاةِ مُزَيَّناً ... لِعيني ضُحاهُ غالباً لِيَ باطلُه )
غنى في البيت الثالث وبعده البيت الثاني وروايته
( تُشاهد لهواً بعد شحطٍ من النوى ... )
مخارق ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش
(8/171)

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن عمرو قال حدثني علي بن الصباح قال
قال أبو محضة الأعرابي وأنشد هذه الأبيات ليزيد بن الطثرية فلما بلغ إلى قوله
( بِنَفْسِي مَنْ لو مَرَّ بَرْدُ بنانِهِ ... على كبِدِي كانت شِفاءً أَنَامِلُهْ )
( ومَنْ هابني في كل أمرٍ وهِبْتُه ... فلا هو يُعطيني ولا أنا سائلُهْ )
طرب لذلك وقال هذا والله من مغنج الكلام
وحشية تجيبه شعرا على رسالته
ونسخت من كتاب الحسن بن علي حدثنا عبد الله بن عمرو قال حدثني هشام بن محمد بن موسى قال حدثنا عبد الله بن إبراهيم الطائي قال حدثني عبد الله بن روح الغنوي قال حدثتني ظبية بنت وزير الباهلية قالت
كتب يزيد بن الطثرية إلى وحشية
( أُحِبُّكِ أطرافَ النهارِ بشاشةً ... وباللَّيلِ يدعوني الهوى فأجِيبُ )
( لئن أصبحتْ ريحُ المودَّةِ بينَنا ... شَمَالاً لَقِدْماً كنتِ وهي جَنُوبُ )
فأجابته بقولها
( أُحِبّكَ حبَّ اليأس إن نفع الحيا ... وإن لم يكن لي من هواك طبيبُ )
أخبرني يحيى بن علي إجازة عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني هانىء بن سعد
أن ابن الطثرية وابن بوزل وهو قطري بن بوزل خرجا يسيران حتى نزلا برملة حائل بين قفار الملح فقال يزيد لابن بوزل إذهب فاسق راحلتك
(8/172)

واسقنا فلما جاوز أوفى يزيد على أجرع فرأى اشباحا فأتاها فقيل له هذه والله فلانة وأهلها عجيبة بها أي معجبون بها فأتاها فظل عشيته وبات ليلته وأقام الغد حتى راح عشيا وقد لقي ابن بوزل كل شر ومات غيظا فلما دنا منه قال
( لَوَ انَّكَ شاهدتَ الصِّبَا يابنَ بوزلٍ ... بجِزْع الغَضَى إذ راجعتْني غَيَاطِلُهْ )
( بأسفَلِ خَلِّ المِلْح إذ دَيْنُ ذي الهَوَى ... مُؤَدَّى وإذ خيرُ الوصال أوائلُه )
( لشاهدْتَ يوماً بعد شَحْطٍ من النَّوَى ... وبعد تَنَائي الدارِ حُلْواً شَمائلُه )
وقد روي
( وغَيْمَ الصِّبا إذ راجعتْني غَيَاطِلُهْ ... )
فاخترط سيفه ابن بوزل وحاوطه يزيد بعصاه ثم اعتذر إليه وأخبره خبره فقبل منه وقد روى هذه الأبيات أبو عمرو الشيباني وغيره فزاد فيها على إسحاق هذه الأبيات
( أَلاَ حَبَّذَا عيناكِ يا أُمَّ شَنْبَلٍ ... إذا الكُحْلُ في جَفْنَيْهما جال جائلُهْ )
( فَدَاكِ من الخُلاَّنِ كلُّ مُمَزِّجٍ ... تكون لأدنى مَنْ يُلاَقي وسائلُهْ )
( فَرُحْنا تَلَقَّانا به أُمُّ شَنْبَلٍ ... ضُحَيّاً وأبكتْنا عَشِيّاً أصائلُهْ )
(8/173)

( وكنتُ كأنِّي حينَ كان كلامُها ... وَدَاعاً وخَلَّى مَوْثِقَ العهدِ حاملُه )
( رَهينٌ بنفسٍ لم تُفَكَّ كُبُولُه ... عن الساقِ حتى جَرد السيفَ قاتلُه )
( فقال دَعُونِي سَجْدَتَيْنِ وأُرْعِدَتْ ... حِذَارَ الرَّدَى أحشاؤه ومَفَاصِلُهْ )
قال إسحاق وقال أبو عثمان سعيد بن طارق
نزلت سارية من بني سدرة على بني قشير بمالهم فجعلت فتيان قشير تترجل وتتزين وتزور بيوت سدرة فاستنهوهم فقال يزيد بن الطثرية وما في هذا عليكم زوروا بيوتنا كما نزور بيوتكم وقال
( دعوهنّ يَتْبَعْنَ الصِّبَا وتبادلوا ... بنا ليس بأسٌ بينَنا بالتَّبادُلِ )
ثم إن بني سدرة قالوا لنسائهم ويحكن فضحتننا نأتي نساء هؤلاء فلا نقدر عليهن ويأتونكن فلا تحتجبن عنهم فقالت كهلة منهن مروا نساءكم يجتمعن إلى بيتي فإذا جاؤوا لم يجدوا امرأة إلا عندي فإن يزيد أتاني لم يعد في بيوتكم ففعلوا فجاء يزيد فقال
( سلام عليكنّ الغَداةَ فما لنا ... إليكنّ إلا أن تَشَأْنَ سبيلُ )
فقالت الكهلة ومن أنت فقال
( أنا الهائم الصَّبُّ الذي قاده الهوى ... إليكِ فأَمْسَى في حبالِكِ مُسْلَمَا )
( بَرَتْه دَوَاعِي الحبّ حتى تركْنَه ... سقيماً ولم يَتْرُكْنَ لحماً ولا دَمَا )
فقالت اختر إحدى ثلاث خصال إما أن تمضي ثم ترجع علينا فإنا نرقب عيون الرجال فإنهم قد سبونا فيك وإما أن تختار أحبنا إليك وأن تطلب
(8/174)

امرأة واحدة خير من أن يشهرك الناس ونسي الثالثة فقال سآخذ إحداهن فاختاري أنت إحدى ثلاث خصال قالت وما هن قال إما أن أحملك على مرضوف من أمري فتركيبه وإما أن تحمليني على مشروج من أمرك فأركبه وإما أن تلزي بكري بين قلوصيك قالت لو وقع بكرك بين قلوصي لطمرتا به طمرة يتطامن عنقه منها قال كلا إنه شديد الوجيف عارم الوظيف فغلبها فلما أتاها القوم قالت لهم إنه أتاني رجل لا تمتنع عليه امرأة فإما أن تغمضوا له وإما أن ترحلوا عن مكانكم هذا فرحلوا وذهبوا فقال حكيم بن أبي الخلاف السدري في قصيدة له يذكر أنه إنما ارتحلوا عنهم لأنهم آذوهم بكثرة ما يصنعون بهم
( فكان الذي تُهْدُون للجار منكم ... بخاتج حبّاتٍ كثيراً سُعَالُها )
خبره مع اسماء الجعفرية
قال إسحاق فأخبرني الفزاري أن قوما من بني نمير وقوما من بني جعفر تزاوروا فزار شبان من بني جعفر بيوت بني نمير فقبلوا وحدثوا وزار بنو نمير بني جعفر فلم يقبلوا فاستنجدوا ابن الطثرية فزار معهم بيوت بني جعفر فأنشدهن وحدثهن فأعجبن به واجتمعن إليه من البيوت فتوعد بنو جعفر ابن
(8/175)

الطثرية فتتاركوا وأمسك بعضهم عن بعض فأرسلت أسماء الجعفرية إلى ابن الطثرية أن لا تقطعني وإن منعت فإني سأتخلص إلى لقائك فأنشأ يقول
( خَلِيلَيَّ بين المنحَنَى من مُخَمّرٍ ... وبين اللِّوَى من عَرْفَجَاءَ المُقَابِلِ )
( قِفَا بين أعناقِ اللِّوى لمُرَيَّةٍ ... جَنُوبٍ تُداوِي غُلَّ شَوْقٍ مُمَاطِلِ )
( لكَيْما أَرَى أسماءَ أو لِتَمَسَّنِي ... رياحٌ برَيَّاها لِذَاذُ الشَّمائِلِ )
( لقد حادَلتْ أسماءُ دونَك باللِّوَى ... عيونَ العِدَا سَقْياً لها من مُحَادِلِ )
( ودسَّتْ رسولاً أنّ حَوْلِي عِصَابةً ... هُمُ الْحَرْبُ فاسْتَبطِنْ سلاحَ المُقَاتِلِ )
( عشيَّةَ ما لي من نصيرٍ بأرضها ... سوى السَّيْفِ ضَمَّتْهُ إليَّ حَمَائلي )
( فيأيُّها الواشون بالغِشِّ بيننا ... فُرَادَى ومَثْنَى من عدوٍّ وعاذِل )
( دَعُوهنَّ يَتْبَعْنَ الهوى وتبادَلوا ... بنا ليس بأسٌ بيننا بالتَّبَادُل )
( تَرَوْا حين نأتيهنّ نحنُ وأنْتُمُ ... لِمَنْ وعلى مَنْ وَطْأةُ المُتَثَاقِلِ )
( ومَنْ عُرِّيتْ للَّهو قِدْماً رِكَابُه ... وشاعت قَوَافي شعرِه في القبائل )
( تُبَرِّزْ وجوهُ السابقين ويَخْتَلِطْ ... على المُقْرِفِ الكافي غبارُ القنابل )
( فإنْ تمنَعوا أسماءَ أو يَكُ نَفْعُها ... لكم أو تَدِبُّوا بيننا بالغوائل )
( فلن تمنعوني أنْ أُعَلِّل صُحْبَتي ... على كل شيء من مدى العينِ قابل )
(8/176)

حبس لديون عليه
قال إسحاق وحدثني أبو زياد الكلابي
أن يزيد بن الطثرية كان شريفا متلافا يغشاه الدين فإذا أخذ به قضاه عنه أخ له يقال له ثور ثم إنه كثر عليه دين لمولى لعقبة بن شريك الحرشي يقال له البربري فحبسه له عقبة بالعقيق من بلاد بني عقيل وعقبة عليها يومئذ أمير وقال المفضل بن سلمة قال أبو عمرو الشيباني كان يزيد قد هرب منه فرجع إليه من حب اسماء وكانت جارة البربري فأخذه البربري ويقال إنه أعطاه بعيرا من إبل ثور أخيه فقال يزيد في السجن
( قضى غُرَمائي حبُّ أسماءَ بعد ما ... تَخَوَّنني ظلمٌ لهم وفجورُ )
( فلو قَلَّ دَيْنُ البربريّ قضيتُه ... ولكنّ دَيْنَ البربريّ كثيرُ )
( وكنتُ إذا حَلَّتْ عليّ ديونُهم ... أضُمّ جَنَاحِي منهمُ فأطيرُ )
( عليّ لهم في كل شهرٍ أَدِيَّةٌ ثمانون وافٍ نَقْدُها وجَزورُ )
( نَجِيءُ إلى ثَوْرٍ ففِيمَ رحيلُنا ... وثَورٌ علينا في الحياة صَبُورُ )
( أشُدّ على ثَوْرٍ وثورٌ إذا رأى ... بنا خَلَّةً جَزْلُ العطاء غفورُ )
( فذلك دَأْبي ما بَقِيتُ وما مَشَى ... لِثوْرٍ على ظهر البِلاد بعيرُ )
ويروى فهذا له ما دمت حيا ثم إن عقبة حج على جمل له يقال له ابن الكميت أنجب ما ركب الناس وثبت ابن الطثرية في السجن حتى انصرف عقبة بن شريك من مكة فأرسل ابن الكميت في مخاضة مستقبلة الربيع وهي حاضرة العقيق تأكل الغضى وتشرب بأحسائه وانحدر عقبة نحو اليمامة وعليها المهاجر بن عبد الله الكلابي فلما ضاقت بابن الطثرية المخارج قال له صاحب له لا أعلم لك أنجى إن قدرت على الخروج من
(8/177)

السجن إلا أن تركب ابن الكميت فينجيك نحو بلد من البلاد فلم يزل حتى جعل للحداد على أن يرسله ليلةً إلى ابن عمه جعلا فشكا إليه وجده بها فأرسله فمضى يزيد نحو الإبل عشاء فاحتكم ابن الكميت حتى جلس عليه فوجهه قصد اليمامة يريد عقبة بن شريك وقال في طريقه
( لَعَمْريَ إن ابن الكُمَيْتِ على الوَجَا ... وسَيْريَ خَمْساً بعد خَمْسٍ مُكَمَّلُ )
( لَطَلْقُ الهَوَادِي بالوَجِيفِ إذا وَنَى ... ذواتُ البَقَايا والعَتِيقُ الهَمَرْجَلُ )
فورد اليمامة فأناخ بابن الكميت على باب المهاجر فكان أول من خرج عليه عقبة بن شريك فلما نظر إليه عرفه وعرف الجمل فقال ويحك أيزيد أنت قال نعم وهذا ابن الكميت قال نعم قال ويحك فما شأنك قال يا عقبة فار منك إليك وأنشده قصيدته التي يقول فيها
( يا عُقْب قد شُذِبَ اللِّحاءُ عن العصا ... عنِّي وكنتُ مُؤَزَّراً محمودا )
( صِلْ لي جَناحِي واتَّخِذْني عُدَّةً ... ترمي بي المُتَعَاشِيَ الصِّنْدِيدا )
فقال له عقبة وكانت من خير فعلة علمناه فعلها أشهدكم أني قد أبرأته من دين البربري وأن له ابن الكميت وأمره أن يحتكم فيما سوى ذلك من ماله
وهذان البيتان من القصيدة التي أولها
( أمسى الشبابُ مُوَدَّعاً محمودا ... )
وهي من جيد شعره يقول فيها
(8/178)

( ومُدِلَّةٍ عند التبذُّل يَفْتَرِي ... منها الوِشَاحُ مُخَصَّراً أُملودا )
( نازعتُها غُنْمَ الصِّبَا إنّ الصِّبَا ... قد كان منِّي للكواعب عِيدا )
( يا لَلرِّجالِ وإنما يشكو الفتى ... مَرَّ الحوادث أو يكونَ جليدا )
( بَكَرتْ نَوَارُ تَجُدُّ باقيةَ القُوَى ... يومَ الفِراق وتُخْلِف الموعودا )
( ولَرُبَّ أمرِ هَوًى يكون نَدامةً ... وسبيل مَكْرَهَةٍ يكون رشيدا )
ثم قال يفخر
( لا أتَّقِي حَسَكَ الضَّغائنِ بالرُّقى ... فِعْلَ الدَّليلِ وإن بَقِيتُ وحيدا )
( لكنْ أُجَرِّد للضغائن مثلَها ... حتى تموتَ وللحُقود حُقودا )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح قال
قال أبو محضة الأعرابي وأنشد هذه الأبيات ليزيد بن الطثرية هي والله من مغنج الكلام
( بِنَفْسِيَ مَنْ لو مَرَّ بَرْدُ بَنانِهِ ... على كبدي كانت شفاءً أنامِلُهْ )
( ومَنْ هابَني في كلّ شيء وهِبْتُه ... فلا هو يُعطيني ولا أنا سائلُهْ )
وهذه الأبيات من قصيدته التي قالها في وحشية الجرمية التي مضى ذكرها
(8/179)

أعداؤه يستولون على راحلته
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثتني ظبية قالت
مر يزيد بن الطثرية بأعداء له فأرادوه وهو على راحلته فركضها وركضوا الإبل على أثره فخشي أن يدركوه وكانت نفسه عنده أوثق من الراحلة فنزل فسبقهم عدوا وأدركوا الراحلة فعقروها فقال في ذلك
( أَلاَ هل أتى ليلَى على نَأْي دارِها ... بأن لم أُقاتِلْ يومَ صَخْرٍ مُذَوِّدا )
( وأنِّيَ أسلمتُ الرِّكابَ فعُقِّرتْ وقد كنتُ مِقْداماً بسيفي مُفْرَدا )
( أثرتُ فلم أَسْطِعْ قتالا ولا ترى ... أخا شِيعةٍ يوماً كآخر أَوْحَدا )
( فهل تَصْرِمَنَّ الغانياتُ مودَّتي ... إذا قيل قد هاب المنونَ فعّرَّدا )
هجوه لفديك الجرمي لأنه عذب وحشية
أخبرني يحيى إجازة عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي زياد قال
كان يزيد بن الطثرية يتحدث إلى نساء فديك بن حنظلة الجرمي ومنزلهما بالفلج فبلغ ذلك فديكا فشق عليه فزجر نساءه عن ذلك فأبين إلا أن يدخل عليهن يزيد فدخل عليهن فديك ذات يوم وقد جمعهن جميعا أخواته وبنات عمه وغيرهن من حرمه ثم قال لهن قد بلغني أن يزيد دخل عليكن وقد نهيتكن عنه وإن لله علي نذرا واجبا واخترط سيفه إن لم أضرب
(8/180)

أعناقكن به فلما ملأهن رعبا ضرب عنق غلام له مولد يقال له عصام فقتله ثم أنشأ يقول
( جعلتُ عصاماً عِبْرةً حين رابَني ... أَنَاسِيُّ من أهلي مِرَاضٌ قلوبُها )
ثم إن فديكا رأى يزيد قائما عند باب أهله فظن أنه يواعد بعض نسائه فارتصده على طريقه وأمر بزبية فحفرت على الطريق ثم أوقد فيها نارا لينة ثم اختبأ في مكان ومعه عبدان له وقال لهما تبصرا هل تريان أحدا فلم يلبثا إلا قليلا حتى خرجت بنت أخي فديك وكان يقال لها وحشية تتهادى في برودها لميعاد يزيد فأيقظه العبدان ومضت حتى وقعت على الزبية فاحترق بعضها وأمر بها فأخرجت واحتملها العبدان فانطلقا بها إلى داره فقال فديك
( شفى النفسَ من وَحْشِيَّةَ اليوم أنَّها ... تَهَادَى وقد كانت سريعاً عَنِيقُها )
( فإلاَّ تَدَعْ خَبْطَ المَوارِدِ في الدُّجَى ... تَكُنْ قَمَناً من غَشْيةٍ لا تُفِيقُها )
( دواءُ طبيبٍ كان يعلم أنَّه ... يُداوي المجانينَ المُخلَّى طريقُها )
فبلغ ذلك يزيد فقال
( سَتَبْرَأُ من بعدِ الضَّمَانَةِ رجلُها ... وتأتي الذي تَهْوَى مُخَلًّى طريقُها )
( عليّ هَدَايا البُدْنِ إن لم أُلاَقِها ... وإن لم يكن إلا فُدَيْكٌ يسوقها )
( يُحَصِّنها منِّي فديكٌ سَفَاهةً ... وقد ذهبتْ فيها الكُبَاسُ وحُوقُها )
( تُذيقونها شيئاً من النَّار كلَّما ... رأتْ من بني كعبٍ غلاماً يَرُوقها )
(8/181)

قال وإنما كانت وضعت رجلها فأحرقتها النار
وقال يزيد أيضا
( يا سُخْنَةَ العينِ لِلجَرْميّ إذ جمعَتْ ... بيني وبين نَوَارٍ وحشةُ الدارِ )
( خُبِّرتُهمْ عذَّبوا بالنارِ جارتَهم ... ومَنْ يُعَذِّبُ غيرَ اللَّه بالنار )
فبلغ ذلك فديكا فقال
( أحالفةٌ عليك بنو قُشَيْرٍ ... يمينَ الصَّبْرِ أم متحرِّجونا )
ويروى يمين اللَّه
( فإنْ تَنْكُلْ قُشَيْرٌ تَقْضِ جَرْمٌ ... وتقض لها مع الشبه اليقينا )
( أليس الجَوْرُ أنّ أباك منَّا ... وانَّك في قبيلةِ آخرينا )
( لَعَمْرُ اللَّهِ إن بني قُشَيْرٍ ... لِجَرْم في يزيدَ لظالمونا ) فإلاَّ يحلِفوا فعليك شَكْلٌ ... ونَجْرٌ ليس مما يعرفونا )
( وأعرِفُ فيك سِيمَا آلِ صَقْرٍ ... ومِشْيتَهم إذا يتخيَّلونا )
قال وكانت جرم تدعيه وقشير تدعيه فأراد أن يخبر أنه دعي
وقال فديك بن حنظلة يهجوه
( وإنَّا لسيَّارون بالسُّنَّة التي ... أُحِلَّتْ وفينا جَفْوةٌ حين نُظْلَمُ )
( ومنَّا الذي لاقْته أُمُّك خالياً ... فلم تدرِ ما أيّ الشهورِ المحرَّمُ )
فقال يزيد يهجو فديكا
( أنعتُ عَيْراً من عُيُورِ القَهْرِ ... أَقْمَرَ من شرِّ حَمِيرٍ قُمْرِ )
(8/182)

( صبَّح أبياتَ فُدَيْكٍ يجري ... منزلةَ اللُّؤم ودارَ الغَدْرِ )
( فلَقِيْتُه عند بابِ العَقْرِ ... يَنْشِطُها والدِّرْعُ عند الصَّدرِ )
( نَشْطَكَ بالدَّلْوِ قَرَاحَ الجَفْرِ ... )
أخبرنا يحيى بن علي إجازة عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثنا أبو الحارث هانىء بن سعد الخفاجي قال
ذكرت ليزيد بن الطثرية امرأة حدثة جميلة فخرج حتى يدفع إليها فوجد عندها رجلين قاعدين يتحدثان فسلم عليهم فأوجست أنه يزيد ولم تتثبت ورأت عليه مسحة فقالت أي ريح جاءت بك يا رجل قال الجنوب قالت فأي طير جرت لك الغداة قال عنز زنمة رأيتها يداورها ثعلبان فانقض عليها سرحان فراغ الثعلبان قال فطفرت وراء سترها وعرفت أنه يزيد
قال إسحاق وحدثني عطرد قال
قال قطري بن بوزل ليزيد بن الطثرية انطلق معي إلى فلانة وفلانة فإنهن يبرزن لك ويستترن عني عسى أن أراهن اليوم على وجهك فذهب به معه فخرج عليهما النسوة وظلا يتحدثان عندهن حتى تروحا وقال يزيد في ذلك
(8/183)

( على قَطَرِيٍّ نعمةٌ إن جرى بها ... يزيدَ وإلاَّ يَجْزِهِ اللَّهُ لي أجْرا )
( دنوتُ به حتَّى رَمَى الوحشَ بعدما ... رأى قَطَرِيُّ من أوائلها نَفْرا )
خبره مع رجل من صداء أحب خثعمية فأعانه يزيد عليها
أخبرنا يحيى إجازة عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن عطرد قال
نزل نفر من صداء بناحية العقيق وهو منزل ابن الطثرية نصف النهار فلم يأتهم أحد فأبصرهم ابن الطثرية فمر عليهم وهو منصرف وليسوا قريبا من أهله فلما رآهم مرملين أنفذ إليهم هدية ومضى على حياله ولم يراجعهم فسألوا عنه بعد حتى عرفوه فحلا عندهم وأعجبهم ثم إن فتى منهم واده فآخاه فأهدى له بردا وجبة ونعلين ثم أغار المقدم بن عمرو بن همام بن مطرف بن الأعلم بن ربيعة بن عقيل على ناس من خثعم وفي ذلك يقول الشاعر
( مُغَار ابنَ هَمَّامٍ على حَيّ خَثْعَمَا ... )
فأخذ منهم إبلا ورقيقا وكانت فيهن جارية من حسان الوجوه وكان يهواها الذي آخى يزيد فأصابه عليها بلاء عظيم حتى نحل جسمه وتغيرت حاله فأقبل الفتى حتى نزل العقيق متنكرا فشكا إلى يزيد ما أصابه في تلك الجارية فقال أفيك خير قال نعم قال فإني أدفعها إليك فخبأه في عريش له اياما حتى خطف الجارية فدفعها إليه فبعث إليها قطري بن بوزل فاعترض لها بين أهلها وبين السوق فذهب بها حتى دفعها إليه وقد وطن له ناقة مفاجة فقال النجاة فإنك لن تصبح حتى تخرج من بلاد قشير وتصير إلى دار
(8/184)

نهد فقد نجوت وأنا أخفي أثرك فعفى أثره وقال لابنة خمارة كان يشرب عندها إسحبي ذيلك على أثره ففعلت ثم بحث على ذلك حتى قيل قد كان قطري أحدث الناس بها عهدا فاستعدي عليه فظفر بيزيد فأخذ مكانه فحبس بحجر حبسه المهاجر ففي ذلك يقول يزيد
( أَلاَ لا أُبَالِي إن نجا لي ابنُ بَوْزَلٍ ... ثَوَائِي وتَقْيِيدِي بِحُجْرِ لَيَالِيَا )
( إذا حُمَّ أمرٌ فهو لا بدَّ واقعٌ ... له لا أُبالِي ما عليّ ولا لِيَا )
( هو العَسَلُ الماذِيُّ طوراً وتارةً ... هو السَّمُّ والذّيفان واللَّيْث عاديا )
أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب عن محمد بن سلام الجمحي قال حدثني أبو الغراف قال
كان يزيد بن الطثرية صاحب غزل ومحادثة للنساء وكان ظريفا جميلا من أحسن الناس كلهم شعرا وكان أخوه ثور سيدا كثير المال والنخل والرقيق وكان متنسكا كثير الحج والصدقة كثير الملازمة لإبله ونخله فلا يكاد يلم بالحي إلا الفلتة والوقعة وكانت إبله ترد مع الرعاء على أخيه يزيد بن الطثرية فتسقى على عينه فبينا يزيد مار في الإبل وقد صدر عن الماء إذ مر بخباء فيه نسوة من الحاضر فلما رأينه قلن يا يزيد أطعمنا لحما فقال أعطينني سكينا فأعطينه ونحر لهن ناقة من إبل أخيه وبلغ الخبر أخاه فلما جاءه أخذ بشعره وفسقه وشتمه فأنشأ يزيد يقول
( يا ثَوْرُ لا تشتُمَنْ عِرْضِي فداك أبي ... فإنما الشتمُ للقوم العَوَاويرِ )
(8/185)

( ما عَقْرُ نابٍ لأمثال الدُّمَى خُرُدٍ ... عِينٍ كِرامٍ وأبكارٍ مَعَاصِيرِ )
( عَطَفْنَ حَوْلِيَ يسألْنَ القِرَى أُصُلاً ... وليس يَرْضَيْنَ منِّي بالمَعاذير )
( هَبْهُنَّ ضيفاً عَرَاكم بعد هَجْعَتِكم ... في قِطْقِطٍ من سَقِيطِ اللَّيل منثورِ )
( وليس قُرْبَكُمُ شاءٌ ولا لبنٌ ... أيرجَلُ الضيفُ عنكم غيرَ مجبور )
( ما خيرُ واردةٍ للماء صادرةٍ ... لا تنجلي عن عَقِيرِ الرِّجْل منحور )
شعره في امرأة أحبها سبعة رجال
أخبرني أبو خليفة قال قال ابن سلام
كان يزيد بن الطثرية يتحدث إلى امرأة ويعجب بها فبينما هو عندها إذ حدث لها شاب سواه قد طلع عليه ثم جاء آخر ثم آخر فلم يزالوا كذلك حتى تموا سبعة وهو الثامن فقال
( أرى سبعةً يَسْعَوْنَ للوصلِ كلُّهم ... له عند ليلَى دِينةٌ يستدينُها )
( فألقَيْتُ سهمي وسْطَهم حين أَوْخَشُوا ... فما صار لي من ذاك إلاَّ ثَمِينُها )
( وكنتُ عَزُوفَ النَّفْسِ أَشْنأُ أن أرَى ... على الشِّرْك من وَرْهاء طَوْعٌ قَرِينُها )
( فيوماً تراها بالعهود وَفِيَّةً ... ويوماً على دِين ابن خَاقَانَ دينُها )
(8/186)

( يَداً بِيَدٍ مَنْ جاء بالعَين منهمُ ... ومَنْ لم يجىء بالعين حِيزَتْ رُهونُها )
وقال فيها وقد صارمها
( أَلاَ بِأبِي مَنْ قد بَرَى الجسمَ حُبُّهُ ... ومَنْ هو مرموقٌ إليّ حبيبُ )
( ومن هو لا يزداد إلا تَشَوُّقاً ... وليس يُرَى إلاَّ عليه رقيبُ )
( وإنِّي وإن أَحْمَوْا عليَّ كلامَها ... وحالت أعادٍ دونها وحُروبُ )
( لَمُثْنٍ على ليلَى ثناءً يزيدها ... قَوَافٍ بأفواه الرُّواةِ تَطِيبُ )
( ألَيْلَى احْذَرِي نَقْضَ القُوى لا يَزَلْ لنا ... على النأْيِ والهِجْرانِ منكِ نصيبُ )
( وكُونِي على الواشين لَدَّاءَ شَغْبَةً ... كما أنا للواشي ألدُّ شَغُوبُ )
( فإنْ خِفْتِ أَلاَّ تُحْكِمِي مِدَّةَ القُوَى ... فرُدِّي فؤادي والمَزارُ قريبُ )
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه عن رجل من بني عامر ثم من بني خفاجة قال
استعذب جرم على ابن الطثرية في وحشية أمرأة منهم كان يشبب بها فكتب بها صاحب اليمامة إلى ثور أخي يزيد بن الطثرية وأمره بأدبه فجعل عقوبته حلق لمته فحلقها فقال يزيد
( أقول لِثَوْرٍ وهو يَحْلِقُ لِمَّتِي ... بحَجْنَاءَ مردودٍ عليها نِصَابُها )
قال عبد الرحمن كان عمي يحتج في تأنيث الموسى بهذا البيت
( تَرَفَّقْ بها يا ثورُ ليس ثوابُها ... بهذا ولكن غيرُ هذا ثوابُها )
(8/187)

( أَلاَ ربَّما يا ثَوْرُ قد غَلَّ وَسْطَها ... أَنَامِلُ رَخْصاتٌ حديثٌ خِضَابُها )
( وتَسْلُك مِدْرَى العاج في مُدْلَهِمَّةٍ ... إذا لم تُفَرَّجْ مات غَمّاً صُؤابُها )
( فراح بها ثَوْرٌ تَرِفُّ كأنها ... سلاسلُ دِرْع خِيرُهاوانسكابُها )
( مُنَعَّمةٌ كالشَّرْيَةِ الفَرْدِ جادَها ... نِجَاءُ الثُّريَّا هَطْلُها وذِهَابُها )
( فأصبح رأسي كالصُّخَيْرة أَشْرفتْ ... عليها عُقَابٌ ثم طارتْ عُقابُها )
ونظير هذا الخبر أخبار من حلقت جمته فرثاها وليس من هذا الباب ولكن يذكر الشيء بمثله
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرني عبد الرحمن عن عمه قال
شرب طخيم الأسدي بالحيرة فأخذه العباس بن معبد المري وكان على شرط يوسف بن عمر فحلق رأسه فقال
( وبالحِيرةِ البَيْضاء شيخٌ مُسَلَّطٌ ... إذا حلَف الأيمانَ بالله بَرَّتِ )
( لقد حَلَقُوا مِنَّا غُدَافاً كأنها ... عَناقيدُ كَرْمٍ أَيْنعتْ فاسْبَطَرَّتِ )
( يَظَلّ العّذارَى حين تُحْلَقُ لِمَّتِي ... على عَجَلٍ يَلْقُطْنَها حين جُزَّتِ )
أخبرني محمد عن عبد الرحمن عن عمه عن بعض بني كلاب قال
أخذ فتى منا مع بعض فتيات الحي فحلق رأسه فقال
(8/188)

( يا لِمَّتِي ولقد خُلقْتِ جَميلةً ... وكرُمْتِ حين أصابكِ الجَلَمانِ )
( أمستْ تَرُوق الناظرين وأصبحتْ ... قَصَصاً تكون فواصلَ المَرْجان )
شعره في أخيه ثور
أخبرني وكيع قال حدثني علي بن الحسين بن عبد الأعلى قال حدثنا أبو محلم قال
كان ليزيد بن الطثرية أخ يقال له ثور أكبر منه فكان يزيد يغير على ماله ويتلفه فيتحمله ثور لمحبته إياه فقال يزيد في ذلك
( نُغِيرُ على ثَوْرٍ وثورٌ يَسُرُّنا ... وثورٌ علينا في الحياة صَبُورُ )
( وذلك دَأبِي ما حَيِيتُ وما مَشَى ... لثورٍ على عَفْرِ التُّرابِ بعيرُ )
مقتله ورثاء الشعراء له
وقتل يزيد بن الطثرية في خلافة بني العباس قتلته بنو حنيفة
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال أخبرنا أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل بن سلمة عن أبي عبيدة وابن الكلبي وأخبرنا يحيى بن علي عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي الجراح العقيلي قال
(8/189)

أغارت بنو حنيفة على طائفة من بني عقيل ومعهم رجل من بني قشير جار لهم فقتل القشيري ورجل من بني عقيل واطردت إبل من العقيليين فأتى الصريخ عقيلا فلحقوا القوم فقاتلوهم فقتلوا من بني حنيفة رجلا وعقروا أفراسا ثلاثة من خيل حنيفة وانصرفوا فلبثوا سنة ثم إن عقيلا انحدرت منتجعة من بلادها إلى بلاد بني تميم فذكر لحنيفة وهم بالكوكبة والقيضاف فغزتهم حنيفة وحذر العقيليون وأتتهم النذر من نمير فانكشفوا فلم يقدروا عليهم فبلغ ذلك من بني عقيل وتلهفوا على بني حنيفة فجمعوا جمعا ليغزوا حنيفة ثم تشاوروا فقال بعضهم لا تغزوا قوما في منازلهم ودورهم فيتحصنوا دونكم ويمتنعوا منكم ولا نأمن أن يفضحوكم فأقاموا بالعقيق وجاءت حنيفة غازية كعبا لا تتعداها حتى وقعت بالفلج فتطاير الناس ورأس حنيفة يومئذ المندلف وجاء صريخ كعب إلى أبي لطيفة بن مسلم العقيلي وهو بالعقيق أمير عليها فضاق بالرسول ذرعا وأتاه هولٌ شديد فأرسل في عقيل يستمدها فأتته ربيعة بن عقيل وقشير بن كعب والحريش بن كعب وأفناء خفاجة وجاش إليه الناس فقال إني قد أرسلت طليعة فانتظروها حتى تجيء ونعلم ما تشير به قال أبو الجراح فأصبح صبح ثالثة على فرس له يهتف أعز الله نصركم وأمتعنا بكم انصرفوا راشدين فلم يكن بأس فانصرف الناس وصار في بني عمه ورهطه دنية وإنما فعل ذلك لتكون له السمعة والذكر فكان فيمن سار معه القحيف بن خمير ويزيد بن الطثرية الشاعران فساروا حتى واجهوا القوم فواقعوهم فقتلوا المندلف رموه في عينه وسبوا وأسروا ومثلوا بهم وقطعوا أيدي اثنين منهم وأرسلوهما إلى اليمامة وصنعوا ما أرادوا ولم يقتل ممن كان
(8/190)

مع أبي لطيفة غير يزيد بن الطثرية نشبب ثوبه في جذل من عشرة فانقلب وخبطه القوم فقتل فقال القحيف يرثيه
( أَلاَ تَبْكِي سَرَاةُ بني قشَيْرٍ ... على صِنْديدِها وعلى فَتاها )
( فإنْ يُقْتَلْ يزيدُ فقد قَتَلْنا ... سَرَاتَهُمُ الكهولَ على لِحَاها )
( أبَا المَكْشوحِ بَعْدَك مَنْ يُحَامِي ... وَمَنْ يُزْجِي المَطِيّ على وَجَاها )
وقال القحيف أيضا يرثيه
( إن تقتُلوا منَّا شهيداً صابراً ... فقد تركنا منكُمُ مَجَازِرا )
( عشرين لمَّا يدخُلوا المقابرا ... قَتْلَى أصِيبتْ قَعَصاً نَحائرا )
( نعجاً تَرَى أرجُلَها شَوَاغِرَا ... )
وهذه من رواية ابن حبيب وحده وقال القحيف أيضا ولم يروها إلا ابن حبيب
( يَا عينُ بَكِّي هَمَلاً على هَمَلْ ... على يَزيد ويزيدَ بنِ حَمَلْ )
( قَتَّال أبطالٍ وجَرَّار حُلَلْ ... )
قال ويزيد بن حمل قشيري قتل يومئذ أيضا وقالت زينب بنت الطثرية ترثي أخاها يزيد وعن أبي عمرو الشيباني أن الأبيات لأم يزيد قال وهي من الأزد ويقال إنها لوحشية الجرمية
(8/191)

( أرَى الأَثْلَ من بطن العَقيِق مُجَاوِرِي ... مُقِيماً وقد غالت يزيدَ غوائلُهْ )
( فَتًى قُدَّ قَدَّ السَّيْفِ لا مُتَضَائلٌ ... ولا رَهِلٌ لَبَّاتُه وَبَآدِلُهْ )
( فتًى لا تَرَى قَدَّ القميص بخَصْرِه ... ولكنَّما تُوهِي القميصَ كواهلُهْ )
( إذا نزل الضِّيفان كان عَذَوَّراً ... على الحيّ حتى تَسْتَقِلَّ مَرَاجِلُه )
( يَسُرُّك مظلوماً ويُرضيك ظالماً ... وكلُّ الذي حَمَّلتَه فهو حامِلُه )
( إذا جَدَّ عند الجِدّ أرضاك جِدُّه ... وذو باطلٍ إن شئتَ أَلْهاكَ باطلُهْ )
( مَضَى ووَرِثْناه دَرِيسَ مُفَاضَةٍ ... وأبيضَ هِنْدِيّاً طويلاً حمائلُه )
( وقد كان يَحْمِي المَحْجِرين بسيفه ... ويبلغُ أَقْصَى حَجْرةِ الحيِّ نائلُه )
( فتًى ليس لابن العم كالذئب إن رأى ... بصاحبه يوماً دماً فهو آكِلُه )
( سيَبْكِيه مولاه إذا ما ترفَّعت ... عن الساق عند الرَّوْع يوما ذلاَذِلُه )
الذلذل هدب الثياب
وقد أخبرنا الحرمي عن الزبير عن عمر بن إبراهيم السعدي عن عباس بن عبد الصمد قال
قال هشام بن عبد الملك للعجير السلولي اصدقت فيما قلت في ابن
(8/192)

عمك قال نعم يا أمير المؤمنين ألا إني قلت
( فتًى قُدّ قَدَّ السيفِ لا متضائِلٌ ... ولا رَهِلٌ لَبَّاتُه وأبَاجِلُه )
فذكر هذا البيت وحده ونسبه إلى العجير السلولي من الأبيات المنسوبة إلى أخت يزيد بن الطثرية أو إلى أمه وأتى بأبيات أخر ليست منها وسيذكر ذلك في أخبار العجير مشروحا إن شاء الله تعالى
( ومما يغنى فيه من شعر يزيد بن الطثرية قوله
صوت
( بنفسيَ مَنْ لا بدّ انِّيَ هاجِرُه ... ومن أنا في الميسور والعُسْرِ ذاكِرُهْ )
( ومن قد رماه الناسُ بي فاتَّقاهُم ... ببغضيَ إلاَّ ما تُجِنَّ ضمائرُهْ )
عروضه من الطويل غنى في هذين البيتين عبد الله بن العباس الربيعي لحنا من خفيف الثقيل بالبنصر وغنت فيه عريب وفي أبيات أضافتها إليها لحنا من خفيف الثقيل الأول آخر وغنت علية بنت المهدي فيها خفيف رمل وذكر الهشامي أن لإبراهيم فيها لحنا ماخوريا والأبيات المضافة
( بنفسيَ من لا أُخْبِرُ الناسَ باسمه ... وإن حَمَلَتْ حِقْداً عليّ عشائرُهْ )
( بأهلي ومالي من جلَبتُ له الأَذَى ... ومَنْ ذكرُه منِّي قريبٌ أسامرُه )
( ومَنْ لو جرت شَحْناءُ بيني وبينه ... وحاوَرَنِي لم أدْرِ كيف أُحَاورُهْ )
(8/193)

صوت
من المائة المختارة
( شأتْكَ المنازلُ بالأَبْرَقِ ... دوارسَ كالعين في المُهْرَقِ )
( لآلِ جَميلةَ قد أَخْلَقتْ ... ومهما يَطُلْ عهدُه يُخْلِقِ )
( فإن يقُلِ الناسُ لي عاشِقٌ ... فأين الذي هو لم يَعْشَقِ )
( ولم يَبْكِ نُؤْياً على عَبْرةٍ ... بداء الصَّبَابة والمَعْلَق )
شأتك بعدت عنك والشأو البعد يقال جرى الفرس شأوا يريد طلقا والمهرق الصحيفة والجمع المهارق يريد أن الدار قد بقيت منها طرائق كالصحف وما فيها
الشعر للأحوص والغناء لجميلة ولحنها المختار خفيف رمل بالوسطى عن إسحاق وفيه لعطرد ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى وفيه لمعبد خفيف ثقيل عن حبش وفيه رمل يقال إنه لفريدة ويقال إنه لمالك وقيل إن الثقيل الأول لابن عائشة وذكر عمرو بن بانة أن خفيف الرمل لعطرد أيضا
(8/194)

حذف
(8/0)

ذكر جميلة وأخبارها
هي جميلة مولاة بني سليم ثم مولاة بطن منهم يقال لهم بنو بهز وكان لها زوج من موالي بني الحارث بن الخزرج وكانت تنزل فيهم فغلب عليها ولاء زوجها فقيل إنها مولاة للأنصار تنزل بالسنح وهو الموضع الذي كان ينزله أبو بكر الصديق ذكر ذلك إبراهيم بن زياد الأنصاري الأموي السعيدي وذكر عبد العزيز بن عمران أنها مولاة للحجاج بن علاط السلمي وهي أصل من أصول الغناء وعنها أخذ معبد وابن عائشة وحبابة وسلامة وعقيلة العقيقية والشماسيتان خليدة وربيحة وفيها يقول عبد الرحمن بن أرطأة
صوت
( إنّ الدَّلاَل وحسنَ الغناءِ ... وَسْطَ بيوت بني الخزْرجِ )
(8/195)

( وتلكم جميلةُ زينُ النساء ... إذا هي تَزْدان للمَخْرَج )
( إذا جئتَها بَذلتْ وُدَّها ... بوجه مُنيرٍ لها أَبْلَجِ )
الشعر لعبد الرحمن بن أرطأة والغناء لمالك خفيف ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى ويقال فيه للدلال وجميلة لحنان
جميلة هي أصل الغناء
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي جعفر القرشي عن المحرزي قال
كانت جميلة أعلم خلق الله بالغناء وكان معبد يقول أصل الغناء جميلة وفرعه نحن ولولا جميلة لم نكن نحن مغنين
أنى لها هذا الغناء
قال إسحاق وحدثني ايوب بن عباية قال حدثني رجل من الأنصار قال
سئلت جميلة أنى لك هذا الغناء قالت والله ما هو إلهام ولا تعليم ولكن ابا جعفر سائب خاثر كان لنا جاراً وكنت أسمعه يغني ويضرب بالعود فلا أفهمه فأخذت تلك النغمات فبنيت عليها غنائي فجاءت أجود من تأليف ذلك الغناء فعلمت وألقيت فسمعني موالياتي يوما وأنا أغني سراً ففهمنني ودخلن علي وقلن قد علمنا فما تكتمينا فأقسمن علي فرفعت صوتي وغنيتهن بشعر زهير بن ابي سلمى
( وما ذكرتُكِ إلاَّ هِجْتِ لي طَرَباً ... إنّ المحبَّ ببعض الأمر معذورُ )
(8/196)

( ليس المحبّ بمن إن شَطَّ غيَّره ... هجرُ الحبيب وفي الهِجران تغيرُ )
صوت
( نام الخليّ فنومُ العين تَعْذيرُ ... مما ادَّكرتُ وهمُّ النفس مذكورُ )
( ذكرتُ سَلْمَى وما ذِكْرِي براجِعها ... ودونها سَبْسَبٌ يَهْوي به المُورُ )
الشعر لزهير والغناء في هذين البيتين لجميلة فقط رمل بالوسطى عن حبش فحينئذ ظهر أمري وشاع ذكري فقصدني الناس وجلست للتعليم فكان الجواري يتكاوسنني فربما انصرف أكثرهن ولم يأخذن شيئا سوى ما يمنعنني أطارح لغيرهن ولقد كسبت لموالي ما لم يخطر لهن ببال وأهل ذلك كانوا وكنت
وحدثني أبو خليفة قال حدثني ابن سلام قال حدثني مسلمة بن محمد بن مسلمة الثقفي قال
كانت جميلة ممن لا يشك في فضيلتها في الغناء ولم يدع أحد مقاربتها في ذلك وكل مدني ومكي يشهد لها بالفضل
وصف مجلس من مجالسها غنت فيه وغنى فيه كبار مغنّى مكة والمدينة
قال إسحاق وحدثني هشام بن المرية المدني قال حدثني جرير المدني قال إسحاق وكانا جميعا مغنيين حاذقين شيخين جليلين عالمين ظريفين وكانا قد أسنا فأما هشام فبلغ الثمانين وأما جرير فلا أدري قال جرير
(8/197)

وفد ابن سريج والغريض وسعيد بن مسجح ومسلم بن محرز المدينة لبعض من وفدوا عليه فأجمع رأيهم على النزول على جميلة مولاة بهز فنزلوا عليها فخرجوا يوما إلى العقيق متنزهين فوردوا على معبد وابن عائشة فجلسوا إليهما فتحدثوا ساعة ثم سأل معبد ابن سريج وأصحابه أن يعرضوا عليهم بعض ما ألفوا فقال ابن عائشة إن للقوم أعمالا كثيرة حسنة ولك أيضا يا ابا عباد ولكن قد اجتمع علماء مكة وأنا وأنت من اهل المدينة فليعمل كل واحد منا صوتا ساعته ثم يغن به قال معبد يابن عائشة قد أعجبتك نفسك حتى بلغتك هذه المرتبة قال ابن عائشة أوغضبت يا ابا عباد إني لم اقل هذا وأنا أريد أن أتنقصك فإنك لأنت المفاد منه قال معبد أما إذ قد اختلفنا واصحابنا المكيون سكوت فلنجعل بيننا حكما قال ابن عائشة إن أصحابنا شركاء في الحكومة قال ابن سريج على شريطة قال على أن يكون ما نغني به من الشعر ما حكمت فيه امرأة قال ابن عائشة ومعبد رضينا وهي أم جندب فأجمع رأيهم على الاجتماع في منزل جميلة من غد فلما حضروا قال ابن عائشة ما ترى يا ابا عباد قال أرى أن يبتدىء أصحابنا أو أحدهم قال ابن سريج بل أنتما أولى قالا لم نكن لنفعل فأقبل ابن سريج على سعيد بن مسجح فسأله أن يبتدىء فأبى فأجمع رأي المكيين على أن يبتدىء ابن سريج فغنى ابن سريج
(8/198)

صوت
( ذهبتَ من الهِجْران في غير مَذْهبِ ... ولم يَكُ حقّاً كلُّ هذا التجنُّبِ )
( خليليّ مُرَّا بي على أمّ جُنْدَب ... أقَضِّ لُباناتِ الفؤاد المُعَذَّبِ )
( فإنَّكما إن تُنْظِرانِيَ ساعةً ... من الدَّهر تَنْفَعْني لدى أمّ جُنْدَبِ )
( أَلم تَرَياني كلَّما جئتُ طارقاً ... وجدتُ بها طِيباً وإن لم تَطَيَّبِ )
الشعر لامرىء القيس ولابن سريج فيه لحنان ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى وخفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى جميعا عن إسحاق
وغنى معبد
صوت
( فَلِلَّهِ عينَا مَنْ رأى مِنْ تَفَرُّقٍ ... أَشَتَّ وأَنْأَى من فِراق المُحَصَّبِ )
( عَلَوْنَ بأَنطاكيَّةٍ فوق عِقْمَةٍ ... كجِرْمَةِ نخلٍ أو كجَنَّة يَثْرِبِ )
( فريقانِ منهم سالكٌ بطنَ نَخْلَةٍ ... وآخَرُمنهم جازعٌ نَجْدَ كَبْكَب )
( فَعَيْناكَ غَرْبَا جَدْوَلٍ في مُفَاضةٍ ... كَمَرِّ خَلِيجٍ في سَنيحٍ مُثَقَّبِ )
(8/199)

وغنى ابن مسجح
صوت
( وقالت فإن يُبْخَلْ عليكَ ويُعْتَلَلْ ... يَسُؤْكَ وإن يُكْشَفْ غرامُك تَدْرَبِ )
( وإنَّك لم يَفْخَرْ عليك كفاخِرٍ ... ضعيفٍ ولم يَغْلبك مثلُ مُغَلَّبِ )
( وإنك لم تَقْطَعْ لُبَانَةَ عاشقٍ ... بمثل بُكُور أو رَوَاحٍ مُؤَوَّبِ )
( بأَدْمَاءَ حُرْجُوجٍ كأنَّ قُتُودَها ... على أبْلَقِ الكَشْحَيْن ليس بمُغْرَبِ )
( يغرِّد بالأسْحارِ في كلّ سُدْفةٍ ... تَغُرُّدَ مَيَّاحِ النَّدَامَى المُطَرِّبِ )
وغنى ابن عائشة
صوت
( وقد أَغْتَدي والطيرُ في وُكُنَاتِها ... وماءُ النَّدَى يَجْرِي على كل مِذْنَبِ )
( بمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأَوَابدِ لاحَهُ ... طِرادُ الهَوَادِي كلَّ شَأْوٍ مُغَرِّبِ )
(8/200)

( إذا ما جَرَى شَأْوَيْنِ وابتَلَّ عِطْفُه ... تقول هَزِيزُ الرِّيح مَرَّتْ بأَثْأَبِ )
( له أَيْطَلاَ ظَبْيٍ وساقَا نَعَامةٍ ... وصَهْوةُ عَيْرٍ قائم فوقَ مَرْقَبِ )
وغنى أبن محرز
صوت
( فلِلسَّوْطِ ألْهُوبٌ وللساق دِرَّة ... وللزَّجْرِ منه وَقْعُ أَخْرَجَ مُهْذِب )
( فأَدْرك لم يَجْهَدْ ولم يُبْلِ شَدَّه ... يَمُرُّ كخُذْرُوفِ الوَليد المُثَقَّبِ )
( تَذُبُّ به طَوْراً وطَوْراً تُمِرُّه ... كَذَبِّ البَشير بالرِّداء المُهَدَّبِ )
( إذا ما ضربتُ الدَّفَّ أو صُلْتُ صَوْلةً ... تَرَقَّبُ منِّي غيرَ أَدْنَى تَرَقُّبِ )
وغنَّى الفريض
صوت
( أخا ثقةٍ لا يَلْعَنُ الحيُّ شخصَه ... صبوراً على العِلاَّتِ غيرَ مُسَبَّب )
(8/201)

( رأينا شِياهاً يَرْتَعِينَ خَمِيلةً ... كَمَشْي العَذَارَى في المُلاَء المُجَوَّبِ )
( وما أنت أَمْ مَا ذِكْرُها رَبَعِيَّةً ... تَحُلّ بإيرٍ أو بأكناف شُرْبُب )
( أطعتُ الوُشَاةَ والمُشَاةَ بصُرْمِها ... فقد أنْهَجَتْ حِبَالُها للتقضُّب )
فقالت جميلة كلكم محسن وكلكم مجيد في معناه ومذهبه قال ابن عائشة ليس هذا بمقنع دون التفضيل فقالت أما أنت يا أبا يحيى فتضحك الثكلى بحسن صوتك ومشاكلته للنفوس وأما أنت يا أبا عباد فنسيج وحدك بجودة تأليفك وحسن نظمك مع عذوبة غنائك وأما أنت يا أبا عثمان فلك أولية هذا الأمر وفضيلته وأما أنت يا أبا جعفر فمع الخلفاء تصلح وأما أنت يا أبا الخطاب فلو قدمت أحدا على نفسي لقدمتك وأما انت يا مولى العبلات فلو ابتدأت لقدمتك عليهم ثم سألوها جميعا أن تغنيهم لحنا كما غنوا فغنتهم بيتا لامرىء القيس وأربعة أبيات لعلقمة وهي
( خَلِيليّ مُرَّا بي على أمّ جُنْدَبِ ... أقَضِّ لُباناتِ الفؤاد المُعَذَّبِ )
(8/202)

( لَيَالِيَ لا تَبْلَى نصيحةُ بَيْنِنا ... لياليَ حَلُّوا بالسِّتارِ فغُرَّبِ )
( مُبَتَّلَةٌ كأنَّ أَنْضَاءَ حَلْيِها ... على شادنٍ من صَاحَةٍ مُتَربَّب )
( مَحَالٌ كأَجْواز الجَراد ولؤلؤٌ ... من القَلَقيَّ والكَبِيسِ المُلَوَّب )
( إذا أَلْحم الواشون للشرّ بيننا ... تبلَّغ رَسُّ الحبّ غيرُ المُكَذِّبِ )
فكلهم أقروا لها وفضلوها فقالت لهم ألا أحدثكم بحديث يتم به حسن غنائكم وتمام اختياركم قالوا بلى والله قال الغريض قد والله فهمته يا سيدتي قالت لعنك الله يا مخنث ما أجود فهمك وأحسن وجهك وما يلام فيك أبو يحيى إذ عرفته فهاته حدثنا قال يا سيدتي وسيدة من حضر والله لا نطقت بحرف منه وأنت حاضرة ولك الفضل والعتبى قالت نازع أمرؤ القيس علقمة بن عبدة الفحل الشعر فقال له قد حكمت بيني وبينك أمرأتك أم جندب قال قد رضيت فقالت لهما قولا شعرا على روي واحد وقافية واحدة صفا فيه الخيل فقال أمرؤ القيس
( خَليليّ مُرَّا بي على أمّ جُنْدَب ... أقَضِّ لُباناتِ الفؤادِ المُعَذَّب )
وقال علقمة
(8/203)

( ذهبتَ من الهِجْرانِ في غير مَذْهبِ ... ولم يَكُ حقّاً كلُّ هذا التجنُّبِ )
وأنشداها فغلبت علقمة فقال لها زوجها بأي شيء غلبته قالت لأنك قلت
( فللسَّوْطِ أُلْهوبٌ وللساق درَّةٌ ... وللزَّجْرِ منه وَقْعُ أَهْوجَ مِنْعَبِ )
فجهدت فرسك بسوطك ومريته بساقك وزجرك وأتعبته بجهدك وقال علقمة
( فولَّى على آثارهنَّ بحاصِبٍ ... وغَبْيَةِ شُؤْبُوبٍ من الشَّدِّ مُلْهِب )
( فأدركهنّ ثانياً من عِنَانه ... يَمُرّ كمَرّ الرائح المُتَحلِّبِ )
فلم يضرب فرسه بسوط ولم يمره بساق ولم يتعبه بزجر فقال ابن عائشة جعلت فداك أتأذنين أن أحدث قالت هيه قال إنما تزوج أم جندب حين هرب من المنذر بن ماء السماء فأتى جبلي طيىء وكان مفركا فبينا هو معها ذات ليلة إذ قالت له قم يا خير الفتيان فقد أصبحت فلم يقم فكررت عليه فقام فوجد الفجر لم يطلع فرجع فقال لها ما حملك على ما صنعت فأمسكت وألح عليها فقالت حملني أنك ثقيل الصدر خفيف العجيزة سريع الإراقة بطيء الإفاقة فعرف تصديق قولها وسكت فلما
(8/204)

أصبح أتى علقمة وهو في خيمته وخلفه أم جندب فتذاكروا الشعر فقال امرؤ القيس أنا أشعر منك وقال علقمة مثل ذلك فتحاكما إلى أم جندب ففضلت أم جندب علقمة على امرىء القيس فقال لها بم فضلته علي قالت فرس ابن عبدة أجود من فرسك زجرت وضربت وحركت ساقيك وابن عبدة جامد لا مقتدر فغضب من قولها وطلقها وخلف عليها علقمة فقالت جميلة ما أحسن مجلسنا لو دام اجتماعنا ثم دعت بالغداء فأتي بألوان الأطعمة وأنواع من الفاكهة ثم قالت لولا شناعة مجلسنا لكان الشراب معدا ولكن الليل بيننا فلم يزالوا يومهم ذلك بأطيب مجلس وأحسن حديث فلما جنهم الليل دعت بالشراب ودعت لكل رجل منهم بعود وأخذت هي عودا فضربت ثم قالت اضربوا فضربوا عليها بضرب واحد وغنت بشعر امرىء القيس
( أَأَذْكَرْتَ نفسَكَ ما لن يَعُودَا ... فهاج التَّذكُّرُ قلباً عَمِيدَا )
( تَذَكَّرتَ هنداً وأترابَها ... وأيَّامَ كنتَ لها مُستقيدا )
( ويُعجبك اللَّهْوُ والمُسْمِعاتُ ... فأصبحتَ أزمعتَ منها صُدودا )
( ونادمتُ قَيْصَرَ في مُلكه ... فأوجهني ورَكِبتُ البَريدا )
فما سمع السامعون بشيء أحسن من ذلك ثم قالت تغنوا جميعا بلحن واحد فغنوها هذا الشعر والصوت بعينه كما غنته وعلم القوم ما أرادت بهذا الشعر فقال ابن عائشة جعلت فداك نرجو أن يدوم مجلسنا ويؤثر أصحابنا المقام بالمدينة فنواسيهم من كل ما نملكه قال أبو عباد وكيف بذاك فباتوا
(8/205)

بأنعم ليلة وأحسنها قال إسحاق قال أبي قال لي يونس قال أبو عباد لا أعرف يوما واحدا منذ علقت ولا ليلة عند خليفة ولا غيره مثل ذلك اليوم ولا أحسبه يكون بعد قال يونس ولا أدركنا نحن مثل ذلك اليوم ولا بلغنا قال إسحاق ولا أنا ولا أحسب ذلك اليوم يكون بعد
عبد الله بن جعفر يزورها في منزلها لأنها آلت على نفسها أن لا تغني خارجه
وحدثني أبي قال حدثنا يونس قال قال لي أبو عباد
أتيت جميلة يوما وكان لي موعد ظننت أني سبقت الناس إليها فإذا مجلسها غاص فسألتها أن تعلمني شيئا فقالت لي إن غيرك قد سبقك ولا يجمل تقديمك على من سواك فقلت جعلت فداك إلى متى تفرغين ممن سبقني قالت هو ذاك الحق يسعك ويسعهم فينا نحن كذلك إذ أقبل عبد الله بن جعفر وإنه لأول يوم رأيته وآخره وكنت صغيرا كيسا وكانت جميلة شديدة الفرح فقامت وقام الناس فتلقته وقبلت رجليه ويديه وجلس في صدر المجلس على كوم لها وتحوق أصحابه حوله وأشارت إلى من عندها بالانصراف وتفرق الناس وغمزتني أن لا أبرح فأقمت وقالت يا سيدي وسيد آبائي وموالي كيف نشطت إلى أن تنقل قدميك إلى أمتك قال يا جميلة قد علمت ما آليت على نفسك ألا تغني أحداً إلا في منزلك وأحببت الاستماع وكان ذلك طريقا مادا فسيحا قالت جعلت فداك فأنا أصير إليك وأكفر قال لا أكلفك ذلك وبلغني أنك تغنين بيتين لامرىء القيس تجيدين الغناء فيهما وكان الله أنقذ بهما جماعة من المسلمين من الموت قالت يا سيدي نعم فاندفعت تغني فغنت بعودها فما سمعت منها قبل ذلك
(8/206)

ولا بعد إلى أن ماتت مثل ذلك الغناء فسبح عبد الله بن جعفر والقوم معه وهما
( ولما رأتْ أنّ الشَّرِيعةَ هَمُّها ... وأنّ البَياضَ من فَرَائِصها دَامِي )
( تَيَمَّمَتِ العينَ التي عند ضارِجٍ ... يَفِيءُ عليها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامِي )
ولابن مسجح في هذا الشعر صوت وهذا أحسنهما فلما فرغت قالت جميلة أي سيدي أزيدك قال حسبي فقال بعض من كان معه بأبي جعلت فداك وكيف أنقذ الله من المسلمين جماعة بهذين البيتين قال نعم أقبل قوم من أهل اليمن يريدون النبي فضلوا الطريق ووقعوا على غيرها ومكثوا ثلاثا لا يقدرون على الماء وجعل الرجل منهم يستذري بفيء السمر والطلح يائسا من الحياة إذ أقبل راكب على بعير له وأنشد بعض القوم هذين البيتين فقال
( ولما رأتْ أن الشَّرِيعةَ همُّها ... وأنَّ البياضَ من فَرَائِصها دامِي )
( تَيَمَّمَتِ العينَ التي عند ضارِج ... يَفِيءُ عليها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامِي )
فقال الراكب من يقول هذا قال امرؤ القيس قال والله ما كذب هذا ضارج عندكم وأشار لهم إليه فحبوا على الركب فإذا ماء عذب وإذا عليه العرمض والظل يفيء عليه فشربوا منه ريهم وحملوا ما اكتفوا به حتى بلغوا الماء فأتوا النبي فأخبروه وقالوا يا رسول الله أحيانا الله عز و جل ببيتين من شعر امرىء القيس وأنشدوه الشعر فقال رسول الله
(8/207)

ذلك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها منسي في الآخرة خامل فيها يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء إلى النار فكل استحسن الحديث ونهض عبد الله بن جعفر ونهض القوم معه فما رأيت مجلسا كان أحسن منه
عمر بن الخطاب يفضل امرأ القيس على غيره من الشعراء
قال إسحق حدثني بعض أهل العلم عن ابن عياش عن الشعبي قال
رأيت دغفلا النسابة يحدث أنه رأى العباس بن عبد المطلب سأل عمر بن الخطاب عن الشعراء فقال امرؤ القيس سابقهم خسف لهم عين الشعر فافتقر عن معان عور أصح بصرا قال إسحاق معنى خسف احتفر وهو من كندة من اليمن وليست لهم فصاحة مضر ولا شعرهم بجيد فجعل معاني اليمن معاني عورا وما قاله أصح بصرا أي أجود شعرا ومعنى افتقر احتفر والفقيرة الحفيرة تحفر للفسيلة لتغرس وكل ما ابتدأت حفره فهو فقير والمعنى أنه قال شعرا جيدا وليس هو في معنى شعر مضر
وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن الخطفي
سمعت أبي يقول دخل جدي على بعض ملوك بني أمية فقال ألا تخبرني عن الشعراء قال بلى قال من أشعر الناس قال ابن العشرين يعني طرفة قال فما تقول في امرىء القيس قال اتخذ الخبيث الشعر نعلين فأقسم بالله لو أدركته لرفعت له ذلاذله قال فما رأيك في ابن
(8/208)

أبي سلمى قال كان يبري الشعر قال فما رأيك في ذي الرمة قال قدر من طريف الكلام وغريبه وحسنه على ما لم يقدر عليه حتى أحد صنف الشعر
معبد ومالك يجتمعان في منزل جميلة
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني أيوب بن عباية عن رجل من الأنصار قال
زار معبد مالك بن أبي السمح فقال له هل لك أن نصير إلى جميلة فمضيا جميعا فقصداها فأذنت لهما فدخلا فأخرجت إليها رقعة فيها أبيات فقالت لمعبد بعث بهذه الرقعة إلي فلان أغني فيها فقال معبد فابتدئي فابتدأت جميلة فغنت
صوت
( إنما الذَّلْفاءُ همِّي ... فلْيَدَعْنِي من يَلُومُ )
فغنى معبد
( أحسنُ الناسِ جميعاً ... حين تمشي وتقوم )
فغنت جميلة
( حبِّب الذَّلْفاءَ عندي ... مَنْطِقٌ منها رَخيم )
( فغنى معبد
( أَصِلُ الحبلَ لترضَى ... وهي للحبل صَرُومُ )
(8/209)

فغنت جميلة
( حبُّها في القلب داءٌ ... مستكنٌّ لا يَرِيمُ )
طريقة واحدة الشعر للأحوص وذكر ابن النطاح أنه للبختري العبادي والغناء لمعبد وله فيه لحنان خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن ابن المكي وثقيل أول بالوسطى عن عمرو وذكر أحمد بن سعيد المالكي أن له فيه خفيف ثقيل آخر وذكر حماد بن إسحاق أن فيه لمالك وجميلة لحنين وقالت لمعبد ولمالك يغني كل واحد منكما لحنا مما عمله فغناها معبد بشعر قاله فيها الأحوص يصفها به وكان معجبا بها وكانت هي له مكرمة وهو قوله
( شَأَتْكَ المنازلُ بالأبْرَق ... دوارسَ كالعين في المُهْرَقِ )
( لآلِ جَميلةَ قد أَخْلقتْ ... ومَهما يَطُلْ عهدُه يُخْلِقِ )
( فإن يقلِ الناسُ لي عاشقٌ ... فأين الذي هو لم يَعْشَقِ )
( ولم يَبْكِ نُؤْياً على عَبْرةٍ ... بداء الصَّبابة والمَعْلَقِ )
في هذه الأبيات ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى ذكر إسحاق أنه لعطرد وذكر ابن المكي أنه لجميلة وفيها خفيف رمل بالوسطى في مجراها ذكر إسحاق أنه لعطرد أيضا وعمرو وذكر الهشامي أن الثقيل الأول لابن عائشة وذكر حبش أن فيه خفيف ثقيل لمعبد وأن خفيف الرمل لمالك قال معبد فسرت جميلة بما غنيتها به وتبسمت وقالت حسبك يا أبا عباد ولم تكنني قبلها ولا بعدها ثم قالت لمالك يا أخا طيىء هات ما عندك وجنبنا مثل قول عبد ابن قطن فاندفع وغنى بلحن لها وقد تغنى به أيضا معبد لها واللحن
(8/210)

( أَلاَ مَنْ لقلبٍ لا يَمَلُّ فيَذْهَلُ ... أَفِقْ فالتعزِّي عن بُثينةَ أجملُ )
( فما هكذا أحببت مَنْ كان قبلها ... ولا هكذا فيما مضى كنت تفعلُ )
( فإنّ التي أَحْببتَ قد حيلَ دونها ... فكن حازماً والحازم المتحوِّلُ )
لحن جميلة هكذا ثقيل أول بالبنصر وفيه ألحان عدة مع أبيات أخر من القصيدة وهي لجميل فقالت جميلة أحسنت والله في غنائك وفي الأداء عني أما قوله شأتك فأراد بعدت عنك والشأو البعد يقال جرى الفرس شأوا أو شأوين أي طلقا أو طلقين والمهرق الصحيفة بما فيها من الكتابة والجمع مهارق قال ذو الرمة
( كَمُسْتَعْبِرٍ في رَسْم دارٍ كأنَّها ... بوَعْساءَ تَنْضُوها الجماهيرُ مُهْرَقُ )
والعين أن تتعين الإداوة أو القربة التي تخرز ويسيل الماء عن عيون الخرز فشبه ما بقي من الدار بتعين القربة وطرائق خروقها التي ينزل منها الماء شيئا بعد شيء فأما الذلفاء الذي ذكرت فيها فهي التي فتن بها أهل المدينة وقال بعض من كانت عنده بعد ما طلقها
( لا بارَك اللَّهُ في دار عدَدْتُ بها ... طلاقَ ذَلْفاءَ من دارٍ ومن بلدِ )
( فلا يقولَنْ ثلاثاً قائلٌ أبداً ... إني وجدتُ ثلاثاً أنكدَ العدد )
فكان إذا عد شيئا يقول واحد اثنان أربعة ولا يقول ثلاثة
بثينة تبوح لجميلة عن حب جميل لها وعفته
وقالت جميلة حدثتني بثينة وكانت صدوقة اللسان جميلة الوجه
(8/211)

حسنة البيان عفيفة البطن والفرج قالت والله ما أرادني جميل رحمة الله عليه بريبة قط ولا حدثت أنا نفسي بذلك منه وإن الحي انتجعوا موضعا وإني لفي هودج لي أسير إذا أنا بهاتف ينشد أبياتا فلم أتمالك أن رميت بنفسي وأهل الحي ينظرون فبقيت أطلب المنشد فلم أقف عليه فناديت أيها الهاتف بشعر جميل ما وراءك منه وأنا أحسبه قد قضى نحبه ومضى لسبيله فلم يجبني مجيب فناديت ثلاثا وفي كل ذلك لا يرد علي أحد شيئا فقال صواحباتي أصابك يا بثينة طائف من الشيطان فقلت كلا لقد سمعت قائلا يقول قلن نحن معك ولم نسمع فرجعت فركبت مطيتي وأنا حيرى والهة العقل كاسفة البال ثم سرنا فلما كان في الليل إذا ذلك الهاتف يهتف بذلك الشعر بعينه فرميت بنفسي فسعيت إلى الصوت فلما قربت منه انقطع فقلت أيها الهاتف ارحم حيرتي وسكن عبرتي بخبر هذه الأبيات فإن لها شأنا فلم يرد علي شيئا فرجعت إلى رحلي فركبت وسرت وأنا ذاهبة العقل وفي كل ذلك لا يخبرني صواحباتي أنهن سمعن شيئا فلما كانت الليلة القابلة نزلنا وأخذ الحي مضاجعهم ونامت كل عين فإذا الهاتف يهتف بي ويقول يا بثينة أقبلي إلي أنبئك عما تريدين فأقبلت نحو الصوت فإذا شيخ كأنه من رجال الحي فسألته عن اسمه وبيته فقال دعي هذا وخذي فيما هو أهم عليك فقلت له وإن هذا لمما يهمني قال اقنعي بما قلت لك قلت له أنت المنشد الأبيات قال نعم قلت فما خبر جميل قال نعم فارقته وقد قضى نحبه وصار إلى حفرته رحمة الله عليه فصرخت صرخة آذنت منها الحي وسقطت لوجهي فأغمي علي فكأن صوتي لم يسمعه أحد وبقيت سائر ليلتي ثم أفقت عند طلوع الفجر وأهلي يطلبونني فلا يقفون على موضعي ورفعت صوتي بالعويل والبكاء ورجعت إلى مكاني فقال لي أهلي ما خبرك وما شأنك فقصصت عليهم القصة فقالوا يرحم الله جميلا واجتمع نساء الحي وأنشدتهن الأبيات فأسعدنني بالبكاء فأقمن كذلك لا يفارقنني ثلاثا وتحزن الرجال أيضا وبكوا ورثوه وقالوا كلهم يC فإنه كان عفيفا
(8/212)

صدوقا فلم أكتحل بعده بإثمد ولا فرقت رأسي بمخيط ولا مشط ولا دهنته إلا من صداع خفت على بصري منه ولا لبست خمارا مصبوغا ولا إزاراً ولا أزال أبكيه إلى الممات قالت جميلة فأنشدتني الشعر كله وهذا الغناء بعضه وهو
( ألا مَنْ لقلبٍ لا يَمَلُّ فيَذْهَلُ ... أَفِقْ فالتعزِّي عن بُثَينَةَ أجملُ )
قال ابن سلام حدثني جرير قال
زار ابن سريج جميلة ليسمع منها ويأخذ عنها فلما قدم عليها أنزلته وأكرمته وسألته عن أخبار مكة فأخبرها وبلغ معبداً الخبر وكانت تطارحه وتسأله عن أخبار مكة فيخبرها وكانت عندها جارية محسنة لبقة ظريفة فابتدأت تطارحها فقال ابن سريج سبحان الله نحن كنا أحق بالابتداء قالت جميلة كل إنسان في بيته أمير وليس للداخل أن يتأمر عليه فقال ابن سريج صدقت جعلت فداءك وما أدري أيهما أحسن أدبك أم غناؤك فقالت له كف يا عبيد فإن النبي قال احثوا في وجوه المداحين التراب فسكت ابن سريج وطارحت الجارية بشعر حاتم الطائي
( أتعرفُ آثارَ الديار توهُّماً ... كَخَطِّك في رَقٍّ كتاباً مُنَمْنما )
( أذاعتْ به الأرواحُ بعد أَنيسها ... شهوراً وأيَّاماً وحَوْلاً مجرَّما )
( فأصبَحْنَ قد غَيَّرْنَ ظاهرَ تُرْبِه ... وغيَّرتِ الأنواءُ ما كان مَعْلَما )
( وغيَّرها طولُ التقادُم والبِلَى ... فما أعرف الأطلالَ إلا توهَّمَا )
(8/213)

قال فحدثت أنه حضر ذلك المجلس جماعة من حذاق أهل الغناء فكلهم قال مزامير داود قال ابن سريج لها أفأسمعك صوتا لي في هذا الشعر قالت هاته فغنى
( ديار التي قامت تُرِيكَ وقد عَفَتْ ... وأَقْوَتْ من الزُّوَّار كَفّاً ومِعْصَمَا )
( تَهَادَى عليها حَلْيُها ذاتَ بهجة ... وكَشْحاً كطَيِّ السابريَّة أَهْضَما )
( فبانتْ لِطيَّاتٍ لها وتبدَّلتْ ... به بَدَلا مَرَّتْ به الطيرُ أَشْؤُما )
وعاذلتانِ هَبَّتا بعد هَجْعةٍ ... تَلُومانِ مِتْلافاً مُفِيداً ملوَّما )
قالت جميلة أحسنت يا عبيد وقد غفرنا لك زلتك لحسن غنائك قال معبد جعلت فداءك أفلا أسمعك أنا ايضا لحنا عملته في هذا الشعر قالت هات وإني لأعلم انك تحسن فاندفع فغنى
( فقلتُ وقد طال العتاب عليهما ... وأَوْعَدتَانِي أن تَبِينَا وتَصْرِمَا )
( ألا لا تَلُومانِي على ما تَقَدَّما ... كَفَى بصُرُوف الدَّهر للمرء مُحْكِما )
( تَلُومانِ لما غَوَّر النجمُ ضَلَّةً ... فَتًى لا يَرى الإنفاقَ في الحقِّ مٌغْرَما )
قالت جميلة ما عدوت الظن بك ولا تجاوزت الطريقة التي أنت عليها قال مالك أفلا أغنيك أنا ايضا قالت ما علمتك إلا تجيد الغناء وتحسن فهات فاندفع فغنى في هذا الشعر
( يضيء لنا البيتُ الظَّلِيلُ خَصَاصُه ... إذا هي ليلاً حاولتْ أن تَبَسَّمَا )
( إذا انقلبتْ فوقَ الحَشِيَّة مَرَّةً ... تَرَنَّمَ وَسْواسُ الحُليِّ ترنُّما )
(8/214)

( ونَحْراً كفَاثُورِ اللُّجَيْنِ يَزِينه ... توقُّدُ ياقوتٍ وشَذْرٍ منَظِّما )
( كجَمْرِ الغَضَى هَبَّتْ به بعد هَجْعةٍ ... من الليل أَرْواحُ الصَّبَا فتنسَّما )
فقالت جميل ما قلت وحسن ما نظمت وإن صوتك يا مالك لمما يزيد العقل قوة والنفس طيبا والطبيعة سهولة وما أحسب أن مجلسنا هذا إلا سيكون علما وفي آخر الزمان متواصفا والخبر ليس كالمشاهدة والواصف ليس كالمعاين وخاصة في الغناء
جميلة تغني ابن أبي عتيق وابن أبي ربيعة والأحوص
وحدثني الحسن بن عتبة اللهبي قال حدثني من رأى ابن أبي عتيق وابن أبي ربيعة والأحوص بن محمد الأنصاري وقد أتوا منزل جميلة فاستأذنوا عليها فأذنت لهم فلما جلسوا سألت عمر وأحفت فقال لها إني قصدتك من مكة للسلام عليك فقالت له أهل الفضل أنت قال وقد أحببت أن تفرغي لنا نفسك اليوم وتخلي لنا مجلسك قالت أفعل قال لها الأحوص أحب ألا تغني إلا ما أسألك قالت ليس المجلس لك والقوم شركاؤك فيه قال أجل قال عمر إن ترد أن تفعل ذلك بك يكن قال الأحوص كلا قال عمر فإني أرى أن نجعل الخيار إليها قال ابن أبي عتيق وفقك الله فدعت بالعود وغنت
( تَمْشِي الهُوَينْىَ إذا مشتْ فُضُلاً ... مَشْيَ النَّزِيفِ المخمور في الصُّعُدِ )
( تَظَلُّ من زَوْرِ بيت جارتها ... واضعةً كفَّها على الكَبدِ )
(8/215)

( يا من لقلبٍ متيَّمٍ سَدِمٍ ... عانٍ رهينٍ مكلَّمٍ كَمِدِ )
( أزجُرُه وهو غيرُ مُزْدَجِرٍ ... عنها وطَرْفي مكحَّلُ السَّهَدِ )
فلقد سمعت للبيت زلزلة وللدار همهمة فقال عمر لله درك يا جميلة ماذا أعطيت أنت أول الغناء وآخره ثم سكتت ساعة وأخذوا في الحديث ثم أخذت العود وغنت
( شَطَّتْ سُعَادُ وأَمْسَى البَيْنُ قد أَفِدَا ... وأَوْرثوكَ سَقاماً يَصْدَع الكَبدا )
( لا أستيطع لها هَجْراً ولا تِرَةً ... ولا تَزال أحاديثي بها جُدُدا )
الغناء فيه لسياط خفيف رمل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق ولم يذكر حبش لحن جميلة وذكر إبراهيم أن فيه لحنا لحكم الوادي وذكر الهشامي وابن خرداذبة أنه من الحان عمر بن عبد العزيز بن مروان في سعاد وأن طريقته من الثقيل الثاني بالوسطى وذكر إبراهيم أن لابن جامع فيه أيضا صنعة فاستخف القوم أجمعين وصفقوا بأيديهم وفحصوا بأرجلهم وحركوا رؤوسهم وقالوا نحن فداؤك من السوء ووقاؤك من المكروه ما أحسن ما غنيت وأجمل ما قلت وأحضر الغداء فتغدى القوم بأنواع من الأطعمة الحارة والباردة ومن الفاكهة الرطبة واليابسة ثم دعت بأنواع من الأشربة فقال عمر لا أشرب وقال ابن أبي عتيق مثل ذلك فقال الأحوص لكنني اشرب وما جزاء جميلة أن يمتنع من شرابها قال عمر ليس ذلك كما ظننته قالت جميلة من شاء أن يحملني بنفسه ويخلط روحي بروحه شكرناه ومن أبى ذلك عذرناه ولم يمنعه ذلك عندنا ما يريد من قضاء حوائجه والأنس
(8/216)

بمحادثته قال ابن أبي عتيق ما يحسبن بنا إلا مساعدتك قال عمر لا أكون أخسكم افعلوا ما شئتم تجدوني سميعاً مطيعا فشرب القوم أجمعون فغنت صوتا بشعر لعمر
( ولقد قالت لجاراتٍ لها ... كالمَهَا يلعبْنَ في حُجْرَتِها )
خُذْنَ عنِّي الظِّلَّ لا يتبعُني ... ومضتْ تَسْعَى إلى قُبَّتها )
( لم تُعَانِقْ رجلاً فيما مَضَى ... طَفْلةٌ غَيْداءُ في حُلَّتها )
( لم يَطِشْ قَطُّ لها سَهْمٌ ومَنْ ... تَرْمِه لا يَنْجُ من رَمْيتِها )
لم يذكر طريقة لحنها في هذا الصوت وذكر الهشامي أن فيه لابن المكي رملا بالبنصر وذكر علي بن يحيى أن فيه لابن سريج رملا بالوسطى فصاح عمر ويلاه ويلاه ثلاثا ثم عمد إلى جيب قميصه فشقه إلى أسفله فصار قباء ثم آب إليه عقله فندم واعتذر وقال لم أملك من نفسي شيئا قال القوم قد أصابنا كالذي أصابك وأغمي علينا غير أنا فارقناك في تخريق الثياب فدعت جميلة بثياب فخلعتها على عمر فقبلها ولبسها وانصرف القوم إلى منازلهم وكان عمر نازلا على ابن أبي عتيق فوجه عمر إلى جميلة بعشرة آلاف درهم وبعشرة أثواب كانت معه فقبلتها جميلة وانصرف عمر إلى مكة جذلان مسرورا
رافقها الشعراء والمغنون والمغنيات في حجها إلى مكة
قال إسحاق وحدثني أبي عن سياط وابن جامع عن يونس قالا حجت جميلة وأخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثني أبي عن سياط وابن جامع عن يونس الكاتب
(8/217)

وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قالوا جميعا
إن جميلة حجت وقد جمعت رواياتهم لتقاربها وأحسب الخبر كله مصنوعا وذلك بين فيه فخرج معها من المغنين مشيعين حتى وافوا مكة ورجعوا معها من الرجال المشهورين الحذاق بالغناء هيت وطويس والدلال وبرد الفؤاد ونومة الضحى وفند ورحمة وهبة الله هؤلاء مشايخ وكلهم طيب الغناء ومعبد ومالك وابن عائشة ونافع بن طنبورة وبديح المليح ونافع الخير ومن المغنيات الفرهة وعزة الميلاء وحبابة وسلامة وخليدة وعقيلة والشماسية وفرعة وبلبلة ولذة العيش وسعيدة والزرقاء ومن غير المغنين ابن أبي عتيق والأحوص وكثير عزة ونصيب وجماعة من الأشراف وكذلك من النساء من مواليها وغيرهن واما سياط فذكر أنه حج معها من القيان مشيعات لها ومعظمات لقدرها ولحقها زهاء خمسين قينة وجه بهن مواليهن معها فأعطوهن النفقات وحملوهن على الإبل في الهوادج والقباب وغير ذلك فأبت جميلة أن تنفق واحدة منهن درهما فما فوقه حتى رجعن وأما يونس فذكر أنه حج معها من الرجال المغنين مع من سمينا زهاء ثلاثين رجلا وتخايروا في اتخاذ أنواع اللباس العجيب الظريف وكذلك في الهوادج والقباب وقيل فيما قال أهل المدينة إنهم ما رأوا مثل ذلك الجمع سفرا طيبا وحسنا وملاحة قالوا ولما
(8/218)

قاربوا مكة تلقاهم سعيد بن مسجح وابن سريج والغريض وابن محرز والهذليون وجماعة من المغنين من أهل مكة وقيان كثير لم يسمين لنا ومن غير المغنين عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد المخزومي والعرجي وجماعة من الأشراف فدخلت جميلة مكة وما بالحجاز مغن حاذق ولا مغنية إلا وهو معها وجماعة من الأشراف ممن سمينا وغيرهم من الرجال والنساء وخرج أبناء أهل مكة من الرجال والنساء ينظرون إلى جمعها وحسن هيئتهم فلما قضت حجها سألها المكيون أن تجعل لهم مجلسا فقالت للغناء أم للحديث قالوا لهما جميعا قالت ما كنت لأخلط جدا بهزل وأبت أن تجلس للغناء فقال عمر بن أبي ربيعة أقسمت على من كان في قلبه حب لاستماع غنائها إلا خرج معها إلى المدينة فإني خارج فعزم القوم الذين سميناهم كلهم على الخروج ومعهم جماعة ممن نشط فخرجت في جمع أكثر من جمعها بالمدينة فلما قدمت المدينة تلقاها أهلها وأشرافهم من الرجال والنساء فدخلت أحسن مما خرجت به منها وخرج الرجال والنساء من بيوتهم فوقفوا على أبواب دورهم ينظرون إلى جمعها وإلى القادمين معها فلما دخلت منزلها وتفرق الجمع إلى منازلهم ونزل أهل مكة على أقاربهم وإخوانهم أتاها الناس مسلمين وما استنكف من ذلك كبير ولا صغير فلما مضى لمقدمها عشرة أيام جلست للغناء فقالت لعمر بن أبي ربيعة إني جالسة لك ولأصحابك وإذا شئت فعد الناس لذلك اليوم فغصت الدار بالأشراف من الرجال والنساء فابتدأت جميلة فغنت صوتا بشعر عمر
( هيهاتَ من أَمَةِ الوَهَّابِ منزلُنا ... إذا حَلَلْنَا بسِيفِ البحر من عَدَنِ )
( واحتلَّ أَهْلُكِ أَجْياداً فليس لنا ... إلا التذكُّر أو حَظٌّ من الحَزَنِ )
( لو أنها أبْصرتْ بالجِزْع عَبْرتَه ... وقد تَغَرَّد قُمْريٌّ على فَنَن )
(8/219)

( إذاً رأتْ غيرَ ما ظَنَّتْ بصاحبها ... وأيْقنتْ أن عَكّاً ليس من وَطَنِي )
( ما أَنْسَ لا أَنْسَ يومَ الخَيْفِ موقفَها ... ومَوْقِفِي وكِلاَنا ثَمَّ ذو شَجَن )
( وقولَها للثُّرَيَّا وهي باكيةٌ ... والدمعُ منها على الخدَّين ذو سُنَنِ )
( باللَّه قُولي له في غير مَعْتَبةٍ ... ماذا أردتَ بطول المُكْثِ في اليَمَنِ )
( إن كنتَ حاولتَ دنيا أو نَعِمْتَ بها ... فما أَصبْتَ بتركِ الحجّ من ثَمَنِ )
فكلهم استحسن الغناء وضج القوم من حسن ما سمعوا ويقال إنهم ما سمعوا غناء قط أحسن من غنائها ذلك الصوت في ذلك اليوم ودمعت عين عمر حتى جرى الدمع على ثيابه ولحيته وإنه ما رئي عمر كذلك في محفل غيره قط ثم أقبلت على ابن سريج فقالت هات فاندفع يغني ورفع صوته بشعر عمر
غناء ابن سريج في مجلسها بشعر عمر بن أبي ربيعة
( أليستْ بالتي قالت ... لمَوْلاةٍ لها ظُهُرا )
( أَشِيري بالسلام له ... إذا هو نحونَا نَظَرا )
( وقُولِي في مُلاطفةٍ ... لزَينبَ نَوِّلي عُمَرا )
( وهذا سِحْرُكَ النِّسْوانَ ... قد خبَّرْنَنِي الخبَرا )
سماعها لعدد كبير من المغنين
فسمع من ابن سريج في هذا اللحن من الحسن ما يقال إنه ما سمع مثله ثم قالت لسعيد بن مسجح هات يا أبا عثمان فاندفع فغنى
( قد قلتُ قبل البَيْنِ لمَّا خَشِيتُه ... لتُعْقِبَ وُدّاً أو لتعلمَ ما عندي )
( لكِ الخيرُ هل من مَصْدَرٍ تَصْدُرينَهُ ... يُرِيحُ كما سَهَّلْتِ لي سُبُلَ الوِرْد )
(8/220)

( فلمَّا شكوتُ الحبّ صَدَّتْ كأنَّما ... شَكوتُ الذي أَلْقَى إلى حَجَرٍ صَلْدِ )
( تولَّتْ فأَبْدتْ غُلَّةً دونَ نَقْعِها ... كما أَرْصدتْ من بُخْلِها إذ بَدَا وَجْدي )
فاستحسن ذلك منه وبرع فيه ثم قالت يا معبد هات فغنى
( أحَارِبُ مَنْ حاربتَ من ذي عَداوةٍ ... وأَحْبِس مالي إن غرِمتَ فأَعْقِلُ )
( وإنِّي أخوكَ الدائمُ العهدِ لم أَحُلْ ... إنَ ابْزَاكَ خَصْمٌ أو نبا بكَ منزلُ )
( ستقطعَ في الدنيا إذا ما قطعتَني ... يمينَك فانظرْ أيَّ كفٍّ تَبَدَّلُ )
قالت جميلة أحسنت يا معبد اختيار الشعر والغناء هذا الشعر لمعن بن أوس ثم قالت هات يابن محرز فإني لم أؤخرك لخساسة بك ولا جهلا بالذي يجب في الصناعة ولكنني رأيتك تحب من الأمور كلها أوسطها وأعدلها فجعلتك حيث تحب واسطة بين المكيين والمدنيين فغنى
( وقفتُ برَبْع قد تحمَّل أهلُه ... فأَذْرَيْتُ دمعاً يسبِق الطَّرْفَ هامِلُهْ )
( بسائلة الرَّوْحاءِ أو بَطْن مَثْغَرٍ ... لها الضاحكاتُ الرابياتُ سواهِلُه )
( هو الموتُ إلاَّ أن للموتِ مدَّةً ... متى يَلْقَ يوماً فارِغاً فهو شاغلُهْ )
(8/221)

فقالت جميلة يا أبا الخطاب كيف بدا لك في ثلاثة وأنت لا ترى ذلك قال أحببت أن أواسي معبدا قال معبد والله ما عدوت ما أردت ثم قالت للغريض هات يا مولى العبلات فاندفع يغني
( فوانَدَمِي على الشَّبابِ ووانَدَمْ ... نَدِمتُ وبانَ اليومَ منِّي بغيرِ ذَمّ )
( وإذ إخوتي حَوْلِي وإذ انا شائخٌ ... وإذ لا أُجِيبُ العاذلاتِ من الصَّمَمْ )
( أرادتْ عراراً بالهَوانِ ومن يُرِدْ ... عراراً لعَمْرِي بالهَوانِ فقد ظَلَمْ )
قالت جميلة أحسن عمرو بن شأس ولم تحسن إذ أفسدت غناءك بالتعريض والله ما وضعناك إلا موضعك ولا نقصنا من حظك فبماذا أهناك ثم أقبلت على الجماعة فقالت يا هؤلاء اصدقوه وعرفوه نفسه ليقنع بمكانه فأقبل القوم عليه وقالوا له قد أخطأت إن كنت عرضت فقال قد كان ذلك ولست بعائد وقام إلى جميلة فقبل طرف ثوبها واعتذر فقبلت عذره وقالت له لا تعد ثم أقبلت على ابن عائشة فقالت يا ابا جعفر هات فتغنى بشعر النابغة
( سقَى الغيثُ قبراً بين بُصْرَى وجاسِمٍ ... عليه من الوَسْمِيّ جَوْدٌ ووابِلُ )
( وأَنْبتَ حَوْذاناً وعَوْفاً مُنوِّراً ... سأتْبِعُه من خيرِ ما قال قائلُ )
( بكَى حارثُ الجَوْلانِ من هُلْك ربِّه ... فحَوْرانُ منه خاشعٌ مُتضائلُ )
(8/222)

( وما كان بَيْني لو لَقيتُك سالماً ... وبين الغِنَى إلاَّ ليالٍ قلائلُ )
قالت جميلة حسن ما قلت يا ابا جعفر ثم اقبلت على نافع وبديح فقالت أحبُّ أن تغنياني صوتا واحدا فغنيا جميعا بصوت واحد ولحن واحد
( أَلاَ يا مَنْ يَلُوم على التصابي ... أَفِقْ شيئاً لتسمعَ من جوابِي )
( بَكَرْتَ تَلُومُنِي في الحبِّ جَهْلاً ... وما في حبِّ مثلي من مَعَابِ )
( أليس من السعادةِ غيرَ شَكٍّ ... هَوَى متواصلين على اقترابِ )
( كريمٌ نال وُدّاً في عَفَافٍ ... وسترٍ من مُنعَّمةٍ كَعَابِ )
فقالت جميلة هواكما والله واحد وغناؤكما واحد وأنتما نحتما من بقية الكرم وواحد الشرف عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ثم أقبلت على الهذليين الثلاثة فقالت غنوا صوتا واحدا فاندفعوا فغنوا بشعر عنترة العبسي
( حُيِّيتَ من طَلَلٍ تَقَادم عهدُه ... أَقْوَى وأَقْفَر بعد أمِّ الهَيْثَم )
( كيف المَزَارُ وقد تربَّع أهلُها ... بعُنَيْزتَيْن وأهلُنا بالغَيْلَمِ )
( إن كنتِ أَزْمعتِ الفِراقَ فإنما ... زُمَّتْ رِكَابُكُم بلَيْلٍ مُظْلِم )
( شَرِبتْ بماء الدُّحْرُضَيْنِ فَأَصْبحتْ ... زَوْراء تَنْفِر عن حِياضِ الدَّيْلَمِ )
(8/223)

قالت ما رأيت شيئا أشبه بغنائكم من اتفاق أرواحكم ثم أقبلت على نافع بن طنبورة فقالت هات يا نقش الغضار ويا حسن اللسان فاندفع يغني
( يا طُولَ ليلي وبتُّ لم أَنَمِ ... وِسَادِيَ الهَمُّ مُبْطِنٌ سَقَمِي )
( أنْ قمتُ يوماً على البَلاَطِ فَأَبْصَرتُ ... رَقَاشاً وليت لم أَقُمِ )
فقالت جميلة حسن والله ولابن سريج في هذا اللحن أربعة أبيات في صوت ثم قالت يا مالك هات فإني لم أؤخرك لأنك في طبقة آخرهم ولكني أردت أن أختم بك يومنا تبركا بك وكي يكون أول مجلسنا كآخره ووسطه كطرفه وإنك عندي ومعبدا لفي طريقة واحدة ومذهب واحد لا يدفع ذلك إلا ظالم ولا ينكره إلا عاضل الحق أقول فمن شاء فلينكر فسكت القوم كلهم إقرارا لما قالت واندفع يغني
( عدُوٌّ فمن عَادَتْ وسَلْمٌ لِسَلْمِها ... ومن قرَّبتْ سَلْمَى أحبَّ وقَرَّبَا )
( هَبِيني امرَأً إمَّا بريئاً ظلمتِه ... وإمَّا مُسِيئاً تاب بعدُ وأَعْتبا )
( أقول التماسَ العُذْر لمَّا ظلَمْتِنِي ... وحمَّلْتِنِي ذنباً وما كنتُ مُذْنِبَا )
( ليَهْنِئْك إشماتُ العدوّ بهَجْرِنا ... وقَطْعُك حبلَ الوصل حتى تقضَّبا )
قالت جميلة ليت صوتك يا مالك قد دام لنا ودمنا له وقطعت المجلس وانصرف عامة الناس وبقي خواصهم فلما كان اليوم الثاني حضر القوم جميعا فقالت لطويس هات يا أبا عبد النعيم قال فأنكر ما فعلت جميلة في اليوم الأول لأن طويسا لم يكن يرضى بذلك فأخبرني ابن جامع أن جميلة صنفتهم طويسا واصحابه وابن سريج وأصحابه ثم أقرعت بينهم فخرجت القرعة
(8/224)

الأولى لابن سريج وأصحابه والثانية لطويس وأصحابه فابتدأ طويس فغنى
( قد طال لَيْلِي وعاد لي طَرَبي ... من حبِّ خَوْدٍ كريمةِ الحَسَبِ )
( غَرَّاءَ مثلِ الهلال آنسةٍ ... أو مثلِ تِمْثالِ صُورة الذَّهبِ )
( صادت فؤادي بجِيد مُغْزِلةٍ ... تَرْعَى رِيَاضاً ملتفَّةَ العُشُبِ )
فقالت جميلة حسن والله يا أبا عبد النعيم ثم قالت للدلال هات يا أبا يزيد فاندفع فغنى
( قد كنت آمُلُ فيكُم أملاً ... والمرء ليس بمدرَكٍ أَمَلُهْ )
( حتى بَدا لي منكُم خُلُفٌ ... فزجَرْتُ قلبي فارْعَوَى جَهَلُهْ )
( ليس الفتى بمخلَّد أبداً ... حَيّاً وليس بفائتٍ أجلُهْ )
( حَيِّ البَغُومَ ومَنْ بعَقْوتها ... وقَفَا العَمُودِ وإن خَلا أَهَلُهْ )
قالت حسن والله يا أبا يزيد ثم قالت لهيت إنا نجلك اليوم لكبر سنك ورقة عظمك قال أجل يا ماما ثم قالت لبرد الفؤاد ونومة الضحى هاتيا جميعا لحنا واحدا فغنيا
( إني تذكَّرتُ فلا تَلْحَني ... لؤلؤةً مكنونةً تَنْطِقُ )
مسكنُها طَيْبةُ لم يَغْذُها ... بؤسٌ ولا والٍ بها يَخْرُقُ )
( قد قلت والعِيسُ سِراعٌ بنا ... تُرْقِلُ إرقالاً وما تُعْنِقُ )
(8/225)

( يا صاحبي شَوْقي أَرَى قاتلي ... ومُورِدِي منها جَوىً يُقْلِقُ )
قالت جميلة أحسنتما ثم قالت لفند ورحمة وهبة الله هاتوا جميعا صوتا واحدا فإنكم متفقون في الأصوات والألحان فاندفعوا فغنوا
( أشاقكَ من نحو العَقيق بُروقُ ... لموامعُ تَخْفَى تارة وتَشُوقُ )
( وما لِيَ لا أَهْوَى جواريَ بَرْبَرٍ ... وروُحي إلى أَرْواحِهن تَتُوق )
( لهنّ جمال ٌ فائقٌ ومَلاحةٌ ... ودَلٌ على دَلِّ النساء يَفوقُ )
وكان بربر حاضرا فقال جواري والله على ما وصفتم فمن شاء أقر ومن شاء انكر فقالت جميلة صدق ثم غنت جميلة بشعر الأعشى ولمعبد فيه صوت أخذه عنها
( بانت سُعَادُ وأَمْسَى حبلُها انقطعا ... واحتلَّتِ الغَوْر فالجَدَّيْنِ فالفَرَعَا )
( واستنكرتْني وما كان الذي نَكِرَتْ ... من الحوادثِ إلا الشَّيْبَ والصَّلَعَا )
( تقول بِنْتي وقد قَرَّبْتُ مرتحلاً ... يا ربِّ جَنِّبْ أبي الأَوْصابَ والوَجَعَا )
( وكان شيءٌ إلى شيء فغيَّره ... دهرٌ مُلِحٌّ على تفريق ما جَمعا )
فلم يسمع شيء أحسن من ابتدائنا بالأمس وختمها في اليوم الثاني وقطعت المجلس فانصرف القوم واقام آخرون فلما كان اليوم الثالث اجتمع الناس فضربت ستارة وأجلست الجواري كلهن فضربن وضربت فضربن على خمسين وترا فتزلزلت الدار ثم غنت على عودها وهن يضربن على ضربها بهذا الشعر
( فإن خَفِيَتْ كانت لعينك قُرَّةً ... وإن تَبْدُ يوماً لم يُعمِّمْك عارُها )
(8/226)

( من الخَفِراتِ البِيضِ لم تَرَ غِلْظَةً ... وفي الحَسَبِ الضَّخْم الرَّفَيع نِجَارُها )
( فما رَوْضةٌ بالحَزْنِ طيِّبةُ الثَّرَى ... يَمُجُّ النَّدَا جَثْجاثُها وعَرارُها )
( بأطيبَ من فيها إذا جئتَ طارقاً ... وقد أوقِدتْ بالمَنْدَل الرَّطْبِ نارُها )
فدمعت أعين كثير منهم حتى بل ثوبه وتنفس الصعداء وقال بنفسي أنت يا جميلة ثم قالت للجواري أكففن فكففن وقالت يا عزة غني فغنت بشعر لعمر
( تذكَّرتَ هنداً وأَعْصارَها ... ولم تَقْضِ نفسُك أوطارَها )
( تذكَّرتِ النفسُ ما قد مَضَى ... وهاجتْ على العينِ عُوَّارَها )
( لتمنحَ رامةَ منَّا الهوى ... وتَرْعَى لرامةَ أسرارَها )
( إذا لم نَزُرْها حِذارَ العِدَا ... حَسَدْنا على الزَّوْرِ زُوَّارَها )
فقالت جميلة يا عزة إنك لباقية على الدهر فهنيئا لك حسن هذا الصوت مع جودة هذا الغناء ثم قالت لحبابة وسلامة هاتيا لحنا واحدا فغنتا
( كَفَى حَزَناً أني أَغِيبُ وتَشْهَدُ ... وما نَلْتَقِي والقلبُ حَرَّانُ مُقْصدُ )
( ومن عَجَبٍ أنِّي إذا الليلُ جَنَّنِي ... أقوم من الشوق الشديد وأقعُد )
( أَحِنُّ إليكم مثلَ ما حَنَّ تائقٌ ... إلى الوِرْد عَطْشانُ الفؤاد مصرَّدُ )
( ولي كَبِدٌ حَرَّى يعذِّبها الهَوَى ... ولي جسدٌ يَبْلَى ولا يتجدَّدُ )
(8/227)

فاستحسن غناؤهما ثم أقبلت على خليدة فقالت لها بنفسي أنت غني فغنت
( أَلاَ يا مَنْ يَلُوم على التَّصابي ... أَفِقْ شيئاً لتسمعَ من جوابِي )
( بَكرْتَ تَلُومُنِي في الحبّ جَهْلاً ... وما في حبِّ مثلي من مَعَابِ )
( أليس من السعادة غيرَ شَكٍّ ... هَوَى مُتواصلين على اقترابِ )
( كريمٌ نال وُدّاً في عَفَافٍ ... وسَتْرٍ من منعَّمةٍ كَعَابِ )
فاستحسن منها ما غنت وهو بلحنها حسن جدا ثم قالت لعقيلة والشماسية هاتيا فغنتا
( هجرتِ الحبيبَ اليومَ في غير ما اجتَرَمْ ... وقطَّعْتِ من ذي وُدّكِ الحبلَ فانصرمْ )
( أطعت الوُشاةَ الكاشحين ومن يُطِعْ ... مقالةَ واش يَقْرَع السنِّ من نَدَمْ )
ثم قالت لفرعة وبلبلة ولذة العيش هاتين فغنين فاندفعن بصوت واحد
( لعَمْرِي لئن كان الفؤادُ من الهوى ... بَغَى سَقَماً إنِّي إذاً لسَقِيمُ )
( عليّ دِماءُ البُدْنِ إن كان حبُّها ... على النأي في طول الزمانَ يَرِيمُ )
( تُلِمُّ مُلِمَّاتٌ فيُنْسَيْنَ بَعْدَها ... ويُذْكَر منها العهدُ وهو قديمُ )
( فأُقْسِمُ ما صافيتُ بعدكِ خُلَّةً ... ولا لكِ عندي في الفؤاد قَسِيمُ )
قالت أحسنتن وهو لعمري حسن وقالت لسعدة والزرقاء غنيا فغنتا
( قد أرسلوني يُعَزُّونِي فقلتُ لهم ... كيف العَزَاءُ وقد سارتْ بها الرُّفَقُ )
( اسْتَهْدَتِ الرِّيمَ عينيه فجادلها ... بمُقْلَتَيْه ولم تُتْرَكْ له عُنُقُ )
فاستحسن ذلك ثم قالت للجماعة فغنوا وانقضى المجلس وعاد كل إنسان إلى وطنه فما رئي مجلس ولا جمع أحسن من اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث
(8/228)

وحدثتني عمتي وكانت أسن من أبي وعمرت بعده قالت كان السبب في طلب أبيك الغناء والمواظبة عليه لحنا سمعه لجميلة في منزل يونس بن محمد الكاتب فانصرف وهو كئيب حزين مغموم لم يطعم ولم يقبل علينا بوجهه كما كان يفعل فسألته عن السبب فأمسك فألححت عليه فانتهرني وكان لي مكرما فغضبت وقمت من ذلك المجلس إلى بيت آخر فتبعني وترضاني وقال لي أحدثك ولا كتمان منك عشقت صوتا لامرأة قد ماتت فأنا بها وبصوتها هائم إن لم يتداركني الله منه برحمته فقالت أتظن أن الله يحيي لك ميتا قال بل لا أشك قالت فما تعليقك قلبك بما لا يعطاه إلا نبي ولا نبي بعد محمد وأما عشقك الصوت فهو أن تحذقه وتغنيه عشر مرار فتمله ويذهب عشقك له فكأنه ارعوى ورجع إلى نفسه وقام فقبل رأسي ويدي ورجلي وقال لي فرّجت عني ما كنت فيه من الكرب والغم ثم تمثل حبك الشيء يعمي ويصم ولزم بيت يونس حتى حذق الصوت ولم يمكث إلا زمنا يسيرا حتى مات يونس وانضم إلى سياط وكان من أحذق أهل زمانه بالغناء وأحسنهم أداء عمن مضى قالت عمتي فقلت لإبراهيم وما الصوت فأنشدني الشعر ولم يحسن أداء الغناء
( من البَكَراتِ عِراقيَّةٌ ... تُسَمَّى سُبَيعةَ أَطْريْتُها )
( من آلِ أبي بَكْرةَ الأكرمين ... خَصَصْتُ بودِّي فأصْفيتُها )
( ومن حبّها زرتُ أهلَ العراق ... وأَسْخَطْتُ أهلي وأرضيْتُها )
( أموتُ إذا شَحَطَتْ دارُها ... وأَحْيا إذا أنا لاقيتُها )
فأُقْسِم لو أن ما بي بها ... وكنتُ الطبيبَ لداويتُها )
قالت عمتي هذا شعر حسن فكيف به إذا قطع ومدد تمديد الأطربة
(8/229)

وضرب عليها بقضبان الدفلى على بطون المعزى فما مضت الأيام والليالي حتى سمعت اللحن مؤدى فما خرق مسامعي شيء قط أحسن منه ولقد أذكرني بما يؤثر من حسن صوت داود وجمال يوسف فبينا أنا يوما جالسة إذ طلع علي إبراهيم ضاحكا مستبشرا فقال لي ألا أحدثك بعجب قلت وما هو قال إن لي شريكا في عشق صوت جميلة قلت وكيف ذلك قال كنت عند سياط في يومنا هذا وأنا أغنيه الصوت وقد وقفني فيه على شيء لم أكن أحكمته عن يونس وحضر عند سياط شيخ نبيل فسبح على الصوت تسبيحا طويلا فظننت أنه فعل ذلك لاستحسانه الصوت فلما فرغت أنا وسياط من اللحن قال الشيخ ما أعجب أمر هذا الشعر وأحسن ما غني به وأحسن ما قال قائله فقلت له دون القوم وما بلغ من العجب به قال نعم
غنت بشعر عمر بن أبي ربيعة في سبيعة أجمل النساء
حجَّت سبيعة من ولد عبد الرحمن بن أبي بكرة وكانت من أجمل النساء فأبصرها عمر بن أبي ربيعة فلما انحدرت إلى العراق اتبعها يشيعها حتى بلغ معها موضعا يقال له الخورنق فقالت له لو بلغت إلى أهلي وخطبتني لزوجوك فقال لها ما كنت لأخلط تشييعي إياك بخطبة ولكن أرجع ثم آتيكم خاطبا فرجع ومر بالمدينة فقال فيها
( من البَكَراتِ عِراقيَّةٌ ... تُسمَّى سُبَيعةَ أطريْتُها )
ثم أتى بيت جميلة فسألها أن تغني بهذا الشعر ففعلت فأعجبه ما سمع من حسن غنائها وجودة تأليفها فحسن موقع ذلك منه فوجه إلى بعض موالياته ممن كانت تطلب الغناء أن تأتي جميلة وتأخذ الصوت منها فطارحتها إياه أياما حتى حذقت ومهرت به فلما رأى ذلك عمر قال أرى أن تخرجي إلى سبيعة
(8/230)

وتغنيها هذا الصوت وتبلغيها رسالتي قالت نعم جعلني الله فداك فأتتها فرحبت بها وأعلمتها الرسالة فحيت وأكرمت ثم غنتها فكادت أن تموت فرحا وسرورا لحسن الغناء والشعر ثم عادت رسول عمر فأعلمته ما كان وقالت له إنها خارجة في تلك السنة فلما كان أوان الحج استأذنت سبيعة أباها في الحج فأبى عليها وقال لها قد حججت حجة الإسلام قالت له تلك الحجة هي التي أسهرت ليلي وأطالت نهاري وتوقتني إلى أن أعود وأزور البيت وذلك القبر وإن أنت لم تأذن لي مت كمدا وغما وذلك أن بقائي إنما كان لحضور الوقت فإن يئست فالموت لا شك نازل بي فلما رأى ذلك أبوها رق لها وقال ليس يسعني منعها مع ما أرى بها فأذن لها ووافى عمر المدينة ليعرف خبرها فلما قدمت علم بذلك وسألها أن تأتي منزل جميلة وقد سبق إليه عمر فأكرمتها جميلة وسرت بمكانها فقالت لها سبيعة جعلني الله فداك اقلقني وأسهرني صوتك بشعر عمر في فأسمعيني إياه قالت جميلة وعزازة لوجهك الجميل فغنتها الصوت فأغمي عليها ساعة حتى رش على وجهها الماء وثاب إليها عقلها ثم قالت أعيدي علي فأعادت الصوت مرار في كل مرة يغشى عليها ثم خرجت إلى مكة وخرج معها فلما رجعت مرت بالمدينة وعمر معها فأتت جميلة فقالت لها أعيدي علي الصوت ففعلت وأقامت عليها ثلاثا تسألها أن تعيد الصوت فقالت لها جميلة إني أريد أن أغنيك صوتا فاسمعيه قالت هاتيه يا سيدتي فغنتها
( أبتِ المليحةُ أن تُوَاصلَني ... وأظنُّ أني زائرٌ رَمْسِي )
( لا خيرَ في الدنيا وزِينتِها ... ما لم تُوَافِقْ نفسُها نفسِي )
( لا صبرَ لي عنها إذا حسَرتْ ... كالبدر أو قَرْنٍ من الشمس )
( ورمتْ فؤادَك عند نظرتها ... بمَلاحةِ الإيثار والأنْس )
قالت سبيعة لولا أن الأول شعر عمر لقدمت هذا على كل شيء سمعته فقال عمر فإنه والله أحسن من ذلك فأما الشعر فلا قالت جميلة صدقت
(8/231)

والله قالت عمتي قال لها أبي لعمري إن ذلك على ما قالا
ولابن سريج في هذا الشعر لحن عن جميلة وربما حكي بزيادة أو نقصان أو مثلاً بمثل
شيخ يثنيها عن عزمها اعتزال الغناء
أخبرني من يفهم الغناء قال
بلغني أن جميلة قعدت يوما على كرسي لها وقالت لآذنتها لا تحجبي عنا أحداً اليوم واقعدي بالباب فكل من يمر بالباب فاعرضي عليه مجلسي ففعلت ذلك حتى غصت الدار بالناس فقالت جميلة اصعدوا إلى العلالي فصعدت جماعة حتى امتلأت السطوح فجاءتها بعض جواريها فقالت لها يا سيدتي إن تمادى أمرك على ما أرى لم يبق في دارك حائط إلا سقط فأظهري ما تريدين قالت اجلسي فلما تعالى النهار واشتد الحر استسقى الناس الماء فدعت لهم بالسويق فشرب من أراد فقالت أقسمت على كل رجل وامرأة دخل منزلي إلا شرب فلم يبق في سفل الدار ولا علوها أحد إلا شرب وقام على رؤوسهم الجواري بالمناديل والمراوح الكبار وأمرت جواريها فقمن على كراسي صغار فيما بين كل عشرة نفر جارية تروح ثم قالت لهم إني قد رأيت في منامي شيئا أفزعني وأرعبني ولست أعرف ما سبب ذلك وقد خفت أن يكون قرب أجلي وليس ينفعني إلا صالح عملي وقد رأيت أن أترك الغناء كراهة أن يلحقني منه شيء عند ربي فقال قوم منهم وفقك الله وثبت عزمك وقال آخرون بل لا حرج عليك في الغناء وقال شيخ منهم ذو سن وعلم وفقه وتجرية قد تكلمت الجماعة وكل حزب بما لديهم فرحون ولم أعترض عليهم في قولهم ولا شركتهم في رأيهم فاستمعوا الآن لقولي
(8/232)

وأنصتوا ولا تشغبوا إلى وقت انقضاء كلامي فمن قبل قولي فالله موفقه ومن خالفني فلا بأس عليه إذ كنت في طاعة ربي فسكت القوم جميعا فتكلم الشيخ فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد النبي ثم قال يا معشر أهل الحجاز إنكم متى تخاذلتم فشلتم ووثب عليكم عدوكم وظفر بكم ولا تفلحوا بعدها أبدا إنكم قد انقلبتم على أعقابكم لأهل العراق وغيرهم ممن لا يزال ينكر عليكم ما هو وارثه عنكم لا ينكره عالمكم ولا يدفعه عابدكم بشهادة شريفكم ووضيعكم يندب إليه كما يندب جموعكم وشرفكم وعزكم فأكثر ما يكون عند عابدكم فيه الجلوس عنه لا للتحريم له لكن للزهد في الدنيا لأن الغناء من أكبر اللذات وأسر للنفوس من جميع الشهوات يحيي القلب ويزيد في العقل ويسر النفس ويفسح في الرأي ويتيسر به العسير وتفتح به الجيوش ويذلل به الجبارون حتى يمتهنوا أنفسهم عند استماعه ويبرىء المرضى ومن مات قلبه وعقله وبصره ويزيد أهل الثروة غنى وأهل الفقر قناعة ورضا باستماعه فيعزفون عن طلب الأموال من تمسك به كان عالما ومن فارقه كان جاهلا لأنه لا منزلة أرفع ولا شيء أحسن منه فكيف يستصوب تركه ولا يستعان به على النشاط في عبادة ربنا عز و جل وكلام كثير غير هذا ذهب عن المحدث به فما رد عليه أحد ولا أنكر ذلك منهم بشر وكل عاد بالخطأ على نفسه وأقر بالحق له ثم قال لجميلة أوعيت ما قلت ووقع من نفسك وما ذكرت قالت أجل وأنا أستغفر الله قال لها فاختمي مجلسنا وفرقي جماعتنا بصوت فقط فغنت
( أفي رسمِ دارٍ دمعُك المترقرِقُ ... سَفَاهاً وما استنطاقُ ما ليس يَنْطِقُ )
( بحيثُ التقَى جَمْعٌ وأَقْصَى مُحَسِّرٍ ... مَغَانِيه قد كادتْ عن العهد تَخْلُقُ )
(8/233)

( مُقامٌ لنا بعد العِشاء ومنزلٌ ... به لم يكدِّرْه علينا مُعَوِّق )
( فأحسنُ شيء كان أوَّلُ ليلنا ... وآخرهُ حزنٌ إذا نتفرَّق )
فقال الشيخ حسن والله أمثل هذا يترك فيم يتشاهد الرجال لا والله ولا كرامة لمن خالف الحق ثم قام وقام الناس معه وقال الحمد لله الذي لم يفرق جماعتنا على اليأس من الغناء ولا جحود فضيلته وسلام عليك ورحمة الله يا جميلة
وصف مجلس آخر لها
وقال أبو عبد الله جلست جميلة يوما ولبست برنسا طويلا وألبست من كان عندها برانس دون ذلك وكان في القوم ابن سريج وكان قبيح الصلع قد اتخذ وفرة شعر يضعها على رأسه وأحبت جميلة أن ترى صلعته فلما بلغ البرنس إلى ابن سريج قال دبرت علي ورب الكعبة وكشف صلعته ووضع القلنسية على رأسه وضحك القوم من قبح صلعته ثم قامت جميلة ورقصت وضربت بالعود وعلى رأسها البرنس الطويل وعلى عاتقها بردة يمانية وعلى القوم أمثالها وقام ابن سريج يرقص ومعبد والغريض وابن عائشة ومالك وفي يد كل واحد منهم عود يضرب به على ضرب جميلة ورقصها فغنت وغنى القوم على غنائها
( ذهب الشبابُ وليتَه لم يَذْهبِ ... وعَلاَ المَفَارِقَ وَقْعُ شيبٍ مُغْرَب )
( والغانياتُ يُرِدْنَ غيرَك صاحباً ... ويَعِدْنَكَ الهِجْرانَ بعد تقرُّب )
( إنِّي أقولُ مقالةً بتجارِبٍ ... حقّاً ولم يُخْبِرْكَ مثلُ مجرِّب )
( صَافِ الكريمَ وكُنْ لعِرْضِكَ صائناٍ ... وعن اللَّئيم ومِثْلِه فتَنَكَّبِ )
(8/234)

ثم دعت بثياب مصبغة ووفرة شعر مثل وفرة ابن سريج فوضعتها على رأسها ودعت للقوم بمثل ذلك فلبسوا ثم ضربت بالعود وتمشت وتمشى القوم خلفها وغنت وغنوا بغنائها بصوت واحد
( يَمْشِينَ مَشْيَ قَطَا البِطاحِ تَأَوُّداً ... قُبَّ البطون رواجحَ الأكفال )
( فيهنّ آنسةُ الحديثِ حَيِيَّةٌ ... ليست بفاحشةٍ ولا مِتْفالِ )
( وتكون رِيقتُها إذا نَبَّهْتَها ... كالمسك فوق سُلاَفة الجِرْيالِ )
ثم نعرت ونعر القوم طربا ثم جلست وجلسوا وخلعوا ثيابهم ورجعوا إلى زيهم وأذنت لمن كان ببابها فدخلوا وانصرف المغنون وبقي عندها من يطارحها من الجواري
وحدثتني عمتي قالت سمعت سياطا يحدث أباك يوما بأحاديث جميلة فقال بنفسي هي وأمي فما كان أحسن وجهها وخلقها وغناءها ما خلفت النساء مثلها شبيها فأعجبني ذلك ثم قال سياط جلست جميلة يوما للوفادة عليها وجعلت على رؤوس جواريها شعوراً مسدلة كالعناقيد إلى أعجازهن وألبستهن أنواع الثياب المصبغة ووضعت فوق الشعور التيجان وزينتهن بأنواع الحلي ووجهت إلى عبد الله بن جعفر تستزيره وقالت لكاتب أملت عليه بأبي أنت وأمي قدرك يجل عن رسالتي وكرمك يحتمل زلتي وذنبي لا تقال عثرته ولا تغفر حوبته فإن صفحت فالصفح لكم معشر أهل البيت يؤثر والخير والفضل كله فيكم مدخر ونحن العبيد وأنتم الموالي فطوبى لمن كان لكم مقاربا وإلى وجوهكم ناظرا وطوبى لمن كان لكم مجاوراً وبعزكم
(8/235)

قاهراً وبضيائكم مبصراً والويل لمن جهل قدركم ولم يعرف ما أوجبه الله على هذا الخلق لكم فصغيركم كبير بل لا صغير فيكم وكبيركم جليل بل الجلالة التي وهبها الله عز و جل للخلق هي لكم ومقصورة عليكم وبالكتاب نسألك وبحق الرسول ندعوك إن كنت نشيطا لمجلس هيأته لك لا يحسن إلا بك ولا يتم إلا معك ولا يصلح أن ينقل عن موضعه ولا يسلك به غير طريقه فلما قرأ عبد الله الكتاب قال إنا لنعرف تعظيمها لنا وإكرامها لصغيرنا وكبيرنا وقد علمت أنها قد آلت ألية ألا تغني أحدا إلا في منزلها وقال للرسول والله قد كنت على الركوب إلى موضع كذا وكان في عزمي المرور بها فأما إذا وافق ذلك مرادها فإني جاعل بعد رجوعي طريقي عليها فلما صار إلى بابها أدخل بعض من كان معه إليها وصرف بعضهم فنظر إلى ذلك الحسن البارع والهيئة الباذة فأعجبه ووقع في نفسه فقال يا جميلة لقد أوتيت خيرا كثيرا ما أحسن ما صنعت فقالت يا سيدي إن الجميل للجميل يصلح ولك هيأت هذا المجلس فجلس عبد الله بن جعفر وقامت على رأسه وقامت الجواري صفين فأقسم عليها فجلست غير بعيد ثم قالت يا سيدي ألا أغنيك قال بلى فغنت
( بَنِي شَيْبةِ الحمدِ الَّذي كان وجهُه ... يُضيء ظلامَ اللَّيلِ كالقمر البَدْرِ )
( كُهُولُهُم خيرُ الكهولِ ونَسْلُهم ... كنسل الملوكِ لا يَبُورُ ولا يجري )
( أبو عُتْبةَ المُلْقي إليك جَمَالَه ... أغرُّ هِجانُ اللَّوْن من نَفَر زُهْرِ )
(8/236)

( لِساقِي الحجيج ثم للخَيْرِ هاشمٍ ... وعبدِ منافٍ ذلك السيِّدِ الغَمْرِ )
( أبوكم قُصَيٌّ كان يُدْعَى مُجَمِّعاً ... به جمَّع الله القبائلَ من فِهْرِ )
فقال عبد الله أحسنت يا جميلة وأحسن حذافة ما قال بالله أعيديه علي فأعادته فجاء الصوت أحسن من الارتجال ثم دعت لكل جارية بعود وأمرتهن بالجلوس على كراسي صغار قد أعدتها لهن فضربن وغنت عليهن هذا الصوت وغنى جواريها على غنائها فلما ضربن جميعا قال عبد الله ما ظننت أن مثل هذا يكون وإنه لمما يفتن القلب ولذلك كرهه كثير من الناس لما علموا فيه ثم دعا ببغلته فركبها وانصرف إلى منزله وقد كانت جميلة أعدت طعاما كثيراً وكان أراد المقام فقال لأصحابه تخلفوا للغداء فتغدوا وانصرفوا مسرورين وهذا الشعر لحذافة بن غانم بن عبيد الله بن عويج بن عدي بن كعب يمدح به عبد المطلب
أنزلت العرجي على الأحوص بعد فراره من مكة
قال وحدثني بعض المكيين قال
كان العرجي وهو عبد الله بن عمرو بن عثمان شاعرا سخيا شجاعا أديبا ظريفا ويشبه شعره بشعر عمر بن ابي ربيعة والحارث بن خالد بن هشام وإن كانا قدما عليه وقد نسب كثير من شعره إلى شعرهما وكان صاحب صيد فخرج يوما متنزهاً من مكة ومعه جماعة من غلمانه ومواليه ومعه كلابه وفهوده وصقوره وبوازيه نحو الطائف إلى مال له بالعرج وبهذا الموضع سمي
(8/237)

العرجي فجرى بينه وبين مولى لبني أمية كلام فأمضه المولى فكف عنه العرجي حتى أوى إلى منزله ثم هجم عليه ومعه غلمانه فأمرهم أن يوثقوه ثم أمرهم أن ينكحوا امرأته وهو يراهم ففعلوا ثم أخرجه فقتله فبلغ أمير مكة ما فعل فطلبه فخرج من منزله وأخرج معه غلمانه ومواليه وآلة الصيد وتوجه نحو المدينة وقد ركب أفراسه وأعد عدته فلم يزل يتصيد ويقصف في طريقه حتى دخل المدينة ليلا وأراد المقام في منزل جميلة وكانت آلت ألا تغني بشعره ولا تدخله منزلها لكثرة عبثه وسفهه وحداثة سنه فلما أعلمت بمكانه ليلا قالت طارق إن له لشأنا فاستخبرت خبره فقيل لها إنه قدم مستخفيا ولم ير بالمدينة موضعا هو أطيب له من منزلك والأيمان تكفر والأشراف لا يردون فقالت لرسولها إليه منزلي منزل جوار ولا يمكن مثلك الاستخفاء فيه فعليك بالأحوص وكان الأحوص مجانبا له لشيء جرى بينه وبينه في منزل جميلة فقال أنى لي بالأحوص مع الذي كان بيننا قالت ائته عني وقل له قد غنَّينا بذلك الشعر فإن أحببت أن تظهر وتبقى مودتنا لك فأصلح ما بينك وبين عبد الله إذ أصلح ما بيننا وأنزله منزلك قال لها ليس هذا بمقنعي أما إذ أبيت أن أقيم بمنزلك فوجهي معي رسولا إلى الأحوص فإن منزله أحب المنازل إلي بعد منزلك فوجهت معه إلى الأحوص بعض مولياتها فأنزله الأحوص وأكرمه وأحسن جواره وستر أمره فقال شعرا ووجه به إلى جميلة
( أَلاَ قاتَل اللَّه الهَوَى كيف أخلَقَا ... فلم تُلْفِهِ إلآَّ مَشُوباً مُمَذَّقَا )
( وما من حبيبٍ يستزير حبيبَه ... يُعاتبه في الودّ إلا تَفَرَّقا )
( أَمَرَّ وصالُ الغانياتِ فأصبحت ... مَضَاضتُه يشجَى بها مَنْ تَمَطَّقا )
( تعلَّق هذا القلبُ للحَيْن مَعْلَقاً ... غَزَالاً تحلَّى عِقْدَ دُرٍّ ويَارَقا )
(8/238)

( إذا قلتُ مهلاً للفؤاد عن الَّتي ... دعتْك إليها العينُ أغضَى وأطْرَقا )
( دعانَا فلم نَسْتَبْقِ حُبّاً بما نَرَى ... فما منك هذا العذلُ إلا تَخرُّقا )
( فقد سنّ هذا الحبَّ مَنْ كان قبلَنا ... وقاد الصِّبَا المرءَ الكريمَ فأعنقَا )
فلما قرأت شعره رقت له وقالت كيف لي بإيلائي ألاَّ يدخل منزلي ولا أغنيه بشعره فقيل لها يدخل منزلك وتغنين وتكفرين عن يمينك فوجهت إليه أن صر إلينا والأحوص في تلك الليلة فجاءاها وعرفت الأحوص تكفير اليمين فقال لها وأنا والله شفيعه إليك ففرجي ما به من غم فقد فارق من يحب ويهوى فتؤنسينه وتسرينه وتغنينه بشعره فغنت
( أَلاَ قاتَلَ اللَّهُ الهَوَى كيف أخلقَا ... فلم تُلْفِهِ إلاَّ مشوباً مُمَذَّقا )
إعجاب الأحوص بها ودعوتها له في مجلس خاص
وحدثني بعض أهلنا قال قال يونس بن محمد
كان الأحوص معجبا بجميلة ولم يكن يكاد يفارق منزلها إذا جلست فصار إليها يوما بغلام جميل الوجه يفتن من رآه فشغل أهل المجلس وذهبت اللحون عن الجواري وخلطن في غنائهن فأشارت جميلة إلى الأحوص أن أخرج الغلام فالخلل قد عم مجلسي وأفسد علي أمري فأبى الأحوص وتغافل وكان بالغلام معجبا فآثر لذته بالنظر إلى الغلام مع السماع ونظر الغلام إلى الوجوه الحسان من الجواري ونظرن إليه وكان مجلسا عاما فلما خافت عاقبة المجلس وظهور أمره أمرت بعض من حضر بإخراج الغلام فأخرج وغضب الأحوص وخرج مع الغلام ولم يقل شيئا فأحمد أهل المجلس ما كان من جميلة وقال لها بعضهم هذا كان الظن بك أكرمك الله فقالت إنه
(8/239)

والله ما استأذنني في المجيء به ولا علمت به حتى رأيته في داري ولا رأيت له وجها قبل ذلك وإنه ليعز علي غضب الأحوص ولكن الحق أولى وكان ينبغي له ألا يعرض نفسه وإياي لما نكره مثله فلما تفرق أهل المجلس بعثت إليه الذنب لك ونحن منه برءاء إذ كنت قد عرفت مذهبي فلم عرضتني للذي كان فقد ساءني ذلك وبلغ مني ولكن لم أجد بدا من الذي رأيت إما حياء وإما تصنعا فرد عليها ليس هذا لك بعذر إن لم تجعلي لي وله مجلسا نخلو فيه جميعا تمحين به ما كان منك قالت أفعل ذلك سرا قال الأحوص قد رضيت فجاءاها ليلا فأكرمتهما ولم تظهر واحدة من جواريها على ذلك إلا عجائز من مواليها وسألها الأحوص وأقسم عليها أن تغنيه من شعره
( وبالقَفْر دارٌ من جميلةَ هيجتْ ... سوالفَ حُبٍّ في فؤادِكَ مُنْصِبِ )
( وكانت إذا تنأى نَوًى أو تفرَّقتْ ... شِدَادُ الهَوَى لم تدرِ ما قولُ مِشْغَبِ )
( أسِيلةُ مَجْرَى الدمعِ خُمْصانةُ الحَشَا ... بَرُودُ الثَّنايا ذاتُ خَلْقٍ مُشَرْعَبِ )
( ترى العينُ ما تهوَى وفيها زيادةٌ ... من الحسنِ إذ تبدو ومَلْهًى لمُلْعِبِ )
قال يونس ما لها صوت أحسن منه وابن محرز يغنيه وعنها أخذه وأنا أغنيه فتعجبني نفسي ويدخلني شيء لا أعرفه من النخوة والتيه وقال المحدث لي بهذا الحديث عن يونس إن هذا للأحوص في جميلة والذي عندي أنه لطفيل
(8/240)

الغنوي قاله في ابن زيد الخيل وهو زيد بن المهلهل بن المختلس بن عبد رضا أحد بني نبهان ونبهان لقب له ولكنه سودان بن عمرو بن الغوث بن طيىء أغار على بني عامر فأصاب بني كلاب وبني كعب واستحر القتل في غني بن أعصر ومالك بن أعصر وأعصر هو الدخان ولذلك قيل لهما ابنا دخان وأخوهما الحارث وهو الطفاوة وهو مالك بن سعد بن قيس بن عيلان وغطفان بن سعد عمهم وكانت غني مع بني عامر في دارهم موالي لنمير وكان فيهم فرسان وشعراء ثم إن غنيا أغارت على طيىء وعليهم سيار بن هريم فقال في ذلك قصيدته الطويلة
( وبالقفر دارٌ من جميلة هيَّجتْ ... سوالفَ شوقٍ في فؤادك مُنْصِبِ )
وحدثني ايوب بن عباية قال
كان عمرو بن أحمر بن العمرد بن عامر بن عبد شمس بن فراص بن معن بن مالك بن أعصر بن قيس بن عيلان بن مضر من شعراء الجاهلية المعدودين وكان ينزل الشام وقد أدرك الإسلام وأسلم وقال في الجاهلية والإسلام شعراً كثيراً وفي الخلفاء الذين أدركهم عمر بن الخطاب فمن دونه إلى عبد الملك بن مروان وكان في خيل خالد بن الوليد حين وجه أبو بكر خالداً إلى الشام ولم يأت أبا بكر وقال في خالد رحمه الله
( إذا قال سيفُ اللَّه كُرُّوا عليهمُ ... كَرَرْتُ بقلبٍ رابطِ الجأْش صارمِ )
(8/241)

وقال في عمر بن الخطاب رضي الله عنه قصيدة له طويلة جيدة
( أدركتُ آل أبي حَفْص وأُسْرتَه ... وقبل ذاك ودهراً بعده كَلبا )
( قد ترتمي بقوافٍ بيننا دُوَلٌ ... بين الهناتينِ لا جِدّاً ولا لَعِبَا )
( اللَّهُ يعلم ما قولِي وقولهُمُ ... إذ يركبون جَنَاناً مُسْهَباً وَرِبَا )
وقال في عثمان بن عفان رضي الله عنه
( حُثِّي فليس إلى عثمانَ مُرْتَجَعٌ ... إلاَّ العداء وإلاَّ مُكْنِعٌ ضررُ )
( إخالُها سَمِعت عَزْفاً فتحسَبه ... إهابةَ القَسْرِ ليلاً حين تنتشر )
وقال في علي بن أبي طالب رضي الله عنه
( مَنْ مُبْلِغٌ مَألُكاً عنِّي أبا حَسَنٍ ... فارتَحْ لخَصْمٍ هداك اللَّه مظلومِ )
فلما أنشدت جميلة قصيدته في عمر بن الخطاب قالت والله لأعملن فيها لحنا لا يسمعه أحد أبداً إلا بكى قال إبراهيم وصدقت والله ما سمعته قط إلا ابكاني لأني أجد حين أسمعه شيئا يضغط قلبي ويحرقه فلا أملك عيني وما رأيت أحدا قط سمعه إلا كانت هذه حاله
صوت
من المائة المختارة
( يا دارَ عَبْلةَ من مَشَارِقِ مَأْسَلِ ... دَرَس الشؤونُ وعهدُها لم يَنجلِ )
( فاستبدلتْ عُفْرَ الظِّباء كأنما ... أبعارُها في الصَّيف حَبُّ الفُلْفُلِ )
( تمشي النَّعامُ به خلاءً حولَه ... مَشْيَ النَّصارى حولَ بيت الهيكلِ )
(8/242)

( إحذَرْ مَحَلَّ السّوءِ لا تَحْلُلْ به ... وإذا نَبَا بك منزلٌ فتَحَوَّلِ )
الشعر فيما ذكر يحيى بن علي عن إسحاق لعنترة بن شداد العبسي وما رأيت هذا الشعر في شيء من دواوين شعر عنترة ولعله من رواية لم تقع إلينا فذكر غير أبي أحمد أن الشعر لعبد قيس بن خفاف البرجمي إلا أن البيت الأخير لعنترة صحيح لا يشك فيه والغناء لأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي ولحنه المختار على ما ذكره أبو أحمد من الثقيل الأول وذكر ابن خرداذبه أن لحن أبي دلف خفيف ثقيل بالوسطى وذكر إسحاق أن فيه لمعبد لحنا من الثقيل الأول المطلق في مجرى الوسطى وأن فيه لأبي دلف لحنا ولم يجنسه وذكر حبش أن فيه لابن محرز ثاني ثقيل بالوسطى وأن لابن سريج في البيت الثاني ثقيلا أول وذكر ابن خرداذبه أن خفيف الثقيل لمالك وليس ممن يعتمد على قوله وقد ذكر يونس أيضا أن فيه غناء لمالك ولم يذكر جنسه ولا طريقته
(8/243)

ذكر عنترة ونسبه وشيء من أخباره
هو عنترة بن شداد وقيل ابن عمرو بن شداد وقيل عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن قراد بن مخزوم بن ربيعة وقيل مخزوم بن عوف بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن الريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر وله لقب يقال له عنترة الفلحاء وذلك لتشقق شفتيه وأمه أمة حبشية يقال لها زبيبة وكان لها ولد عبيد من غير شداد وكانوا إخوته لأمه وقد كان شداد نفاه مرة ثم اعترف به فألحق بنسبه وكانت العرب تفعل ذلك تستعبد بني الإماء فإن أنجب اعترفت به وإلا بقي عبدا
فأخبرني علي بن سليمان النحوي الأخفش قال أخبرنا أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري عن محمد بن حبيب قال أبو سعيد وذكر ذلك أبو عمرو الشيباني قالا كان عنترة قبل أن يدعيه أبوه حرشت عليه امرأة أبيه وقالت إنه يراودني عن نفسي فغضب من ذلك شداد غضبا شديدا وضربه ضربا مبرحا وضربه بالسيف فوقعت عليه امرأة أبيه وكفته عنه فلما رأت ما به من الجراح بكت وكان اسمها سمية وقيل سهية فقال عنترة
صوت
( أَمِنْ سُمَيَّةَ دمعُ العين مذروفُ ... لو أنّ ذا منكِ قبل اليوم معروفُ )
(8/244)

( كأنَّها يوم صدَّتْ ما تكلِّمني ... ظَبْيٌ بعُسْفانَ ساجي العَين مطروفُ )
( تَجَلَّلتنيَ إذ أَهوَى العَصَا قِبَلِي ... كأنَّها صَنَمٌ يُعتادُ معكوف )
( العبدُ عبدُكُم والمالُ مالُكُمُ ... فهل عذابُك عنِّي اليوم مصروفُ )
( تنسَى بلائي إذا ما غارةٌ لَحِقتْ ... تخرجُ منها الطُّوَالاتُ السَّراعيف )
( يخرُجن منها وقد بُلَّتْ رَحائلها ... بالماء تركضُها الشُّمُّ الغطاريف )
( قد أطعَن الطعنةَ النَّجْلاء عن عُرُضٍ ... تَصْفَرُّ كَفُّ أخيها وهو منزوف )
غنى في البيت الأول والثاني علوية ولحنه من الثقيل الأول مطلق في مجرى البنصر وقيل إنه لإبراهيم وفيهما رمل بالوسطى يقال إنه لابن سريج وهو من منحول ابن المكي
قوله مذروف من ذرفت عينه يقال ذرفت تذرف ذريفا وذرفا وهو قطر يكاد يتصل وقوله لو أن ذا منك قبل اليوم معروف أي قد أنكرت هذا الحنو والإشفاق منك لأنه لو كان معروفا قبل ذلك لم ينكره ساجي العين ساكنها والساجي الساكن من كل شيء مطروف أصابت عينه طرفةٌ وإذا كان كذلك فهو أسكن لعينه تجللتني ألقت نفسها علي وأهوى اعتمد صنم يعتاد أي يؤتى مرة بعد مرة ومعكوف يعكف عليه والسراعيف السراع واحدتها سرعوفة والطوالات الخيل والرحائل السروج والشمم ارتفاع في الأنف والغطاريف الكرام والسادة أيضا والغطرفة ضرب من السير والمشي يختال فيه والنجلاء الواسعة يقال سنان منجل واسع الطعنة عن عرض أي
(8/245)

عن شق وحرف وقال غيره أعترضه اعتراضا حين أقتله
كيف ادعاه أبوه
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني عمي عن ابن الكلبي وأخبرني إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة قال قال ابن الكلبي
شداد جد عنترة غلب على نسبه وهو عنترة بن عمرو بن شداد وقد سمعت من يقول إن شدادا عمه كان نشأ في حجره فنسب إليه دون أبيه قال وإنما ادعاه أبوه بعد الكبر وذلك لأن أمه كانت أمة سوداء يقال لها زبيبة وكانت العرب في الجاهلية إذا كان للرجل منهم ولد من أمة استعبدوه وكان لعنترة إخوة من أمه عبيد وكان سبب ادعاء أبي عنترة إياه أن بعض أحياء العرب أغاروا على بني عبس فأصابوا منهم واستاقوا إبلا فتبعهم العبسيون فلحقوهم فقاتلوهم عما معهم وعنترة يومئذ فيهم فقال له أبوه كر يا عنترة فقال عنترة العبد لا يحسن الكر إنما يحسن الحلاب والصر فقال كر وأنت حر فكر وهو يقول
( أنا الهجينُ عَنْتَرهْ ... كلُّ امرىء يحمي حِرَهْ )
( أسودَه وأحمرَه
والشَّعَرَاتِ المُشْعَره )
( الوارداتِ مِشْفَره ... )
وقاتل يومئذ قتالا حسنا فادعاه أبوه بعد ذلك وألحق به نسبه
وحكى غير ابن الكلبي أن السبب في هذا أن عبسا أغاروا على طيىء
(8/246)

فأصابوا نعما فلما أرادوا القسمة قالوا لعنترة لا نقسم لك نصيبا مثل أنصبائنا لأنك عبد فلما طال الخطب بينهم كرت عليهم طيىء فاعتزلهم عنترة وقال دونكم القوم فإنكم عددهم واستنقذت طيىء الإبل فقال له أبوه كر يا عنترة فقال أو يحسن العبد الكر فقال له أبوه العبد غيرك فاعترف به فكر واستنقذ النعم وجعل يقول
( أنا الهجينُ عَنْتَرهْ ... كلُّ امرىء يحمي حِرَهْ )
الأبيات
قال ابن الكلبي وعنترة أحد أغربة العرب وهم ثلاثة عنترة وأمه زبيبة وخفاف بن عمير الشريدي وأمه ندبة والسليك بن عمير السعدي وأمه السلكة وإليهن ينسبون وفي ذلك يقول عنترة
( إنِّي امرؤٌ من خير عَبْسٍ مَنْصِباً ... شَطْرِي وأحمِي سائري بالمُنْصُلِ )
( وإذا الكتيبةُ أحجمتْ وتلاحظت ... ألفِيتُ خيراً من مُعَمٍّ مُخْوَلِ )
يقول إن أبي من أكرم عبس بشطري والشطر الآخر ينوب عن كرم أمي فيه ضربي بالسيف فأنا خير في قومي ممن عمه وخاله منهم وهو لا يغني غنائي وأحسب أن هذه القصيدة هي التي يضاف إليها البيتان اللذان يغنى فيهما وهذه الأبيات قالها في حرب داحس والغبراء
كان حامي لواء بني عبس
قال أبو عمرو الشيباني غزت بنو عبس بني تميم وعليهم قيس بن
(8/247)

زهير فانهزمت بنو عبس وطلبتهم بنو تميم فوقف لهم عنترة ولحقتهم كبكبة من الخيل فحامى عنترة عن الناس فلم يصب مدبر وكان قيس بن زهير سيدهم فساءه ما صنع عنترة يومئذ فقال حين رجع والله ما حمى الناس إلا ابن السوداء وكان قيس أكولا فبلغ عنترة ما قال فقال يعرض به قصيدته التي يقول فيها
صوت
( بَكَرَتْ تُخَوِّفُني الحُتوفَ كأنَّني ... أصبحتُ عن عَرَض الحُتوف بمَعْزِلِ )
( فأجبتُها أنّ المنيَّةَ مَنْهَلٌ ... لا بدّ أن أُسْقَى بكأس المنهلِ )
( فاقْنَيْ حياءكِ لا أبالكِ واعلمي ... أَنِّي امرؤ سأموت إن لم أُقْتَلِ )
( إنّ المنيَّة لو تُمَثَّلُ مُثِّلتْ ... مِثْلي إذا نزلوا بضَنْكِ المنزلِ )
( إني امرؤ من خير عَبْسٍ مَنْصِباً ... شَطْرِي وأحمي سائري بالمُنْصُلِ )
( وإذا الكتيبةُ أَحْجمتْ وتلاحظتْ ... أُلْفِيتُ خيراً من مُعَمٍّ مُخْوَِلِ )
( والخيلُ تعلم والفوارسُ أنَّني ... فرَّقتُ جَمْعَهمُ بضربةِ فيصلِ )
( إذ لا أبَادِر في المَضِيق فوارسي ... أوَ لا أُوَكَّلُ بالرَّعِيلِ الأوَّل )
( إن يُلْحَقُوا أكْرُرْ وإن يُسْتَلْحَمُوا ... أَشْدُدْ وإن يُلْفَوْا بضَنْكٍ أنزِلِ )
(8/248)

( حين النزولُ يكون غايةَ مثلنا ... ويَفِرّ كلُّ مُضلَّلٍ مُسْتَوْهِلِ )
( والخيلُ ساهمةُ الوجوهِ كأنما ... تُسْقَى فوارسُها نقيعَ الحنظل )
( ولقد أَبِيتُ على الطَّوَى وأَظَلُّه ... حتى أنالَ به كريمَ المأكلِ )
عروضه من الكامل غنت في الأربعة الأبيات الأول والبيت الثاني عريب خفيف رمل بالبنصر من رواية الهشامي وابن المعتز وأبي العبيس
الحتوف ما عرض للإنسان من المكاره والمتالف عن عرض أي ما يعرض منها بمعزل أي في ناحية معتزلة عن ذلك ومنهل مورد وقوله فاقني حياءك أي احفظيه ولا تضيعيه والضنك الضيق يقول إن المنية لو خلقت مثالا لكانت في مثل صورتي والمنصب الأصل والمنصل السيف ويقال منصل أيضا بفتح الصاد وأحجمت كعت والكتيبة الجماعة إذا اجتمعت ولم تنتشر وتلاحظت نظرت من يقدم على العدو وأصل التلاحظ النظر من القوم بعضهم إلى بعض بمؤخر العين والفيصل الذي يفصل بين الناس وقوله لا أبادر في المضيق فوارسي أي لا أكون أول منهزم ولكني أكون حاميتهم والرعيل القطعة من كل شيء ويستلحموا يدركوا والمستلحم المدرك وأنشد الأصمعي
( نَجَّى علاجاً وبِشْراً كلُّ سَلْهَبَةٍ ... واستلحم الموتُ أصحابَ البَرَاذِينِ )
وساهمة ضامرة متغيرة قد كلح فوارسها لشدة الحرب وهولها وقوله ولقد أبيت على الطوى وأظله قال الأصمعي أبيت بالليل على الطوى وأظل بالنهار كذلك حتى أنال به كريم المأكل أي ما لا عيب فيه عليّ
(8/249)

ومثله قوله إنه ليأتي علي اليومان لا أذوقهما طعاما ولا شرابا أي لا أذوق فيهما والطوى خمص البطن يقال رجل طيان وطاوي البطن
وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا ابن عائشة قال
أنشد النبي قول عنترة
( ولقد أَبِيتُ على الطَّوَى وأَظَلُّه ... حتىَّ أنالَ به كريمَ المأكلِ )
فقال ما وصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة
خبر إلحاقه إخوته لأمه بنسب قومه
أخبرني علي بن سليمان قال حدثنا أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي وأبي عبيدة
أن عنترة كان له إخوة من أمه فأحب عنترة أن يدعيهم قومه فأمر أخا له كان خيرهم في نفسه يقال له حنبل فقال له أرو مهرك اللبن ثم مر به علي عشاء فإذا قلت لكم ما شأن مهركم متخددا مهزولا ضامراً فاضرب بطنه بالسيف كأنك تريهم أنك قد غضبت مما قلت فمر عليهم فقال له يا حنبل ما شأن مهركم متخددا أعجر من اللبن فأهوى أخوه بالسيف إلى بطن مهره فضربه فظهر اللبن فقال في ذلك عنترة
( أَبَنِي زَبِيبةَ ما لِمُهْرِكُمُ ... مُتَخَدِّداً وبطونُكم عُجْرُ )
( ألكم بإيغال الوليدِ على ... أَثَر الشِّياه بشدَّةٍ خُبْرُ )
(8/250)

وهي قصيدة قال فاستلاطه نفر من قومه ونفاه آخرون ففي ذلك يقول عنترة
( أَلاَ يا دارَ عَبْلةَ بالطَّوِيِّ ... كَرَجْعِ الوَشْمِ في كَفّ الهَدِيّ )
وهي طويلة يعدد فيها بلاءه وآثاره عند قومه
أخبرني عمي قال أخبرني الكراني عن النضر بن عمرو عن الهيثم بن عدي قال
قيل لعنترة أنت أشجع العرب وأشدها قال لا قيل فبماذا شاع لك هذا في الناس قال كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزما وأحجم إذا رأيت الإحجام حزما ولا أدخل إلا موضعا أرى لي منه مخرجا وكنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة يطير لها قلب الشجاع فأثني عليه فأقتله
أخبرني حبيب بن نصر وأحمد بن عبد العزيز قالا حدثنا عمر بن شبة قال
قال عمر بن الخطاب للحطيئة كيف كنتم في حربكم قال كنا ألف فارس حازم قال وكيف يكون ذلك قال كان قيس بن زهير فينا وكان حازما فكنا لا نعصيه وكان فارسنا عنترة فكنا نحمل إذا حمل ونحجم إذا أحجم وكان فينا الربيع بن زياد وكان ذا رأي فكنا نستشيره ولا نخالفه وكان فينا عروة بن الورد فكنا نأتم بشعره فكنا كما وصفت لك فقال عمر صدقت
(8/251)

أخبرني علي بن سليمان قال حدثنا أبو سعيد السكري قال قال محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل عن أبي عبيدة وابن الكلبي قالا
موته
أغار عنترة على بني نبهان من طيىء فطرد لهم طريدة وهو شيخ كبير فجعل يرتجز وهو يطردها ويقول
( آثارُ ظُلْمَانٍ بقاعٍ مُحْرب ... )
قال وكان زر بن جابر النبهاني في فتوة فرماه وقال خذها وأنا ابن سلمى فقطع مطاه فتحامل بالرمية حتى أتى أهله فقال وهو مجروح
( وإنّ ابنَ سَلْمَى عنده فاعلموا دَمِي ... وهيهاتَ لا يُرْجَى ابن سلمى ولا دَمِي )
( يحلُّ بأكناف الشِّعاب وينتمي ... مكانَ الثُّرَيَّا ليس بالمُتَهَضَّمِ )
( رماني ولم يَدْهَشْ بأزرقَ لَهْذَمٍ ... عشيَّة حلُّوا بين نَعْفٍ ومَخْرِمِ )
قال ابن الكلبي وكان الذي قتله يلقب بالأسد الرهيص وأما أبو عمرو الشيباني فذكر أنه غزا طيئا مع قومه فانهزمت عبس فخر عن فرسه ولم يقدر من الكبر أن يعود فيركب فدخل دغلا وأبصره ربيئة طيىء فنزل إليه وهاب أن يأخذه أسيرا فرماه وقتله
(8/252)

وذكر أبو عبيدة أنه كان قد أسن واحتاج وعجز بكبر سنه عن الغارات وكان له على رجل من غطفان بكر فخرج يتقاضاه إياه فهاجت عليه ريح من صيف وهو بين شرج وناظرة فأصابته فقتلته
قال أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال
كان عمرو بن معد يكرب يقول ما أبالي من لقيت من فرسان العرب ما لم يلقني حراها وهجيناها يعني بالحرين عامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث بن شهاب وبالعبدين عنترة والسليك بن السلكة
هذه أخبار عنترة قد ذكرت فيها ما حضر
(8/253)

نبذة عن ترجمة عبد قيس البرجمي
وأما عبد قيس بن خفاف البرجمي فإني لم أجد له خبرا أذكره إلا ما أخبرني به جعفر بن قدامة قال قرأت في كتاب لأبي عثمان المازني كان عبد قيس بن خفاف البرجمي أتى حاتم طيىء في دماء حملها عن قومه فأسلموه فيها وعجز عنها فقال والله لآتين من يحملها عني وكان شريفا شاعرا شجاعا فقدم على حاتم وقال له إنه وقعت بيني وبين قومي دماء فتواكلوها وإني حملتها في مالي وأهلي فقدمت مالي وأخرت أهلي وكنت أوثق الناس في نفسي فإن تحملتها فكم من حق قضيته وهم كفيته وإن حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك ولم أنس غدك ثم أنشأ يقول
( حملتُ دماءً للبَرَاجِمِ جَمَّةً ... فجئتُكَ لمَّا أسلمتْني البراجمُ )
( وقالوا سَفَاهاً لِمْ حَمَلتَ دماءنَا ... فقلتُ لهم يكفي الحَمَالةَ حاتمُ )
( متى آته فيها يَقُلْ لِيَ مرحباً ... وأهلاً وسهلاً أخطأتْكَ الأشائم )
( فيحملها عنِّي وإن شئتُ زادَني ... زيادةَ مَنْ حِيزَتْ إليه المكارمُ )
( يعيش النَّدَى ما عاش حاتمُ طّيِّىءٍ ... وإن مات قامت للسخاء مآتمُ )
( يُنادِينَ مات الجودُ مَعْك فلا نَرَى ... مُجِيباً له ما حام في الجوِّ حائم )
( وقال رجال أنهبَ العامَ مالَه ... فقلت لهم إنِّي بذلك عالم )
( ولكنه يُعطى مِنَ اموال طيِّىءٍ ... إذا حلَق المالَ الحقوقُ اللَّوازِمُ )
( فيُعطِي الَّتي فيها الغِنَى وكأنه لتصغيره تلك العطَّيةَ جارمُ )
( بذلك أوصاه عَدِيُّ وحَشْرَجٌ ... وسَعْدٌ وعبدُ اللَّه تلك القَمَاقِمُ )
فقال له حاتم إني كنت لأحب أن يأتيني مثلك من قومك وهذا
(8/254)

مرباعي من الغارة على بني تميم فخذه وافراً فإن وفى بالحمالة وإلا أكملتها لك وهي مائتا بعير سوى نيبها وفصالها مع أني لا أحب أن تؤبس قومك بأموالهم فضحك أبو جبيل وقال لكم ما أخذتم منا ولنا ما أخذنا منكم وأي بعير دفعته إلي وليس ذنبه في يد صاحبه فأنت منه بريء فأخذها وزاده مائة بعير وانصرف راجعا إلى قومه فقال حاتم
( أتاني البُرْجُمِيّ أبو جُبَيْلٍ ... لِهَمٍّ في حَمَالتِه طويلِ )
( فقلت له خُذِ المرباعَ منها ... فإنِّي لستُ أرضَى بالقليلِ )
( على حالٍ ولا عوّدتُ نفسي ... على عِلاَّتها عِلَلَ البخيلِ )
( فخُذْها إنها مائتَا بعيرٍ ... سوى النابِ الرذِيَّة والفصيلِ )
( ولا مَنٌّ عليك بها فإنِّي ... رأيتُ المَنَّ بُزْرِي بالجميلِ )
( فآبَ البُرْجُمِيُّ وما عليه ... مِنَ اعباء الحَمالةِ من فتيلِ )
( يَجُرّ الذَّيْلَ ينفُض مِذْرَوَيْهِ ... خفيفَ الظهر من حملٍ ثقيلِ )
(8/255)

ذكر أبي دلف ونسبه وأخباره
هو القاسم بن عيسى بن إدريس أحد بني عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ومحله في الشجاعة وعلو المحل عند الخلفاء وعظم الغناء في المشاهد وحسن الأدب وجودة الشعر محل ليس لكبير أحد من نظرائه وذكر ذلك أجمع مما لا معنى له لطوله وفي هذا القدر من أخباره مقنع وله أشعار جياد وصنعة كثيرة حسنة فمن جيد شعره وله فيه صنعة قوله
صوت
( بنفسي يا جِنَانُ وأنتِ منِّي ... محلَّ الروح من جَسَد الجَبَانِ )
( ولو أنِّي أقول مكانَ نفسي ... خَشِيتُ عليكِ بادرةَ الزمانِ )
( لإقدامي إذا ما الخيلُ حامتْ ... وهابَ كُمَاتُها حَرَّ الطِّعانِ )
وله فيه لحن وهذا البيت الأول أخذه من كلام إبراهيم النظام
أخبرني به علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن الحسن بن الحرون قال
لقي إبراهيم النظام غلاما حسن الوجه فاستحسنه وأراد كلامه فعارضه
(8/256)

ثم قال له يا غلام إنك لولا ما سبق من قول الحكماء مما جعلوا به السبيل لمثلي إلى مثلك في قولهم لا ينبغي لأحد أن يكبر عن أن يسأل كما أنه لا ينبغي لأحد أن يصغر عن أن يقول لما أنبت إلى مخاطبتك ولا انشرح صدري لمحادثتك لكنه سبب الإخاء وعقد المودة ومحلك من قلبي محل الروح من جسد الجبان فقال له الغلام وهو لا يعرفه لئن قلت ذلك أيها الرجل لقد قال أستاذنا إبراهيم النظام الطبائع تجاذب ما شاكلها بالمجانسة وتميل إلى ما قاربها بالموافقة وكياني مائل إلى كيانك بكليتي ولو كان الذي انطوى عليه عرضا لم أعتد به ودا ولكنه جوهر جسمي فبقاؤه ببقاء النفس وعدمه بعدمها وأقول كما قال الهذلي
( فتَيَقَّنِي أنْ قد كَلِفتُ بكم ... ثم افْعَلِي ما شئتِ عن علمِ )
فقال له النظام إنما كلمتك بما سمعت وأنت عندي غلام مستحسن ولو علمت أن محلك مثل محل معمر وطبقته في الجدل لما تعرضت لك قال أبو الحسن ومن هذا أخذ أبو دلف قوله
( أُحِبُّكِ يا جِنانُ وأنتِ منِّي ... محلَّ الرُّوح من جسد الجبانِ )
ومن جيد شعره وله فيه صنعة قوله
صوت
( في كل يومٍ أَرَى بيضاءَ طالعةً ... كأنَّما أُنبِتتْ في ناظر البَصَرِ )
( لئن قَصَصْتُكِ بالمِقْراضِ عن بَصَرِي ... لَمَا قطعتُكِ عن هَمِّي وعن فِكَرِي )
(8/257)

حارب الشراة وهو بالسرادن
أخبرني علي بن عبد العزيز الكاتب قال حدثني أبي قال سمعت عبد العزيز بن دلف بن أبي دلف يقول حدثتني ظبية جارية أبي قالت إني لمعه ليلة بالسرادن وهو جالس يشرب معي وعليه ثياب ممسكة إذ أتاه الصريح بطروق الشراة أطراف عسكره فلبس الجوشن ومضى فقتل وأسر وانصرف إلي في آخر الليل وهو يغني قالت والشعر له
صوت
( ليلتِي بالسَّرَادِنِ ... كُلِّلتْ بالمحاسنِ )
( وجَوَارٍ أوَانسٍ ... كالظِّباءِ الشَّوادِنِ )
( بُدِّلتْ بالمُمَسَّكاتِ ... ادِّراعَ الجَوَاشِنِ )
الشعر لأبي دلف والغناء له رمل بالسبابة في مجرى البنصر
خرج مع الإفشين لحرب بابك
وقال أحمد بن أبي طاهر كان أبو دلف القاسم بن عيسى في جملة من كان مع الإفشين خيذر بن كاووس لما خرج لمحاربة بابك ثم تنكر له فوجه يوما بمن جاء به ليقتله وبلغ المعتصم الخبر فبعث إليه بأحمد بن
(8/258)

أبي دواد وقال له أدركه وما أراك تلحقه فاحتل في خلاصه منه كيف شئت قال ابن أبي دواد فمضيت ركضا حتى وافيته فإذا أبو دلف واقف بين يديه وقد أخذ بيديه غلامان له تركيان فرميت بنفسي على البساط وكنت إذا جئته دعا لي بمصلى فقال لي سبحان الله ما حملك على هذا قلت أنت أجلستني هذا المجلس ثم كلمته في القاسم وسألته فيه وخضعت له فجعل لا يزداد إلا غلظة فلما رأيت ذلك قلت هذا عبد وقد أغرقت في الرفق به فلم ينفع وليس إلا أخذه بالرهبة والصدق فقمت فقلت كم تراك قدرت تقتل أولياء أمير المؤمنين واحداً بعد واحد وتخالف أمره في قائد بعد قائد قد حملت إليك هذه الرسالة عن أمير المؤمنين فهات الجواب قال فذل حتى لصق بالأرض وبان لي الاضطراب فيه فلما رأيت ذلك نهضت إلى أبي دلف وأخذت بيده وقلت له قد أخذته بأمر أمير المؤمنين فقال لا تفعل يا أبا عبد الله فقلت قد فعلت وأخرجت القاسم فحملته على دابة ووافيت المعتصم فلما بصر بي قال بك يا ابا عبد الله وريت زنادي ثم رد علي خبري مع الإفشين حدسا بظنه ما أخطأ فيه حرفا ثم سألني عما ذكره لي وهو كما قال فأخبرته أنه لم يخطىء حرفا
أحمد بن أبي دواد ينكر عليه غناءه
وقال علي بن محمد حدثني جدي قال
كان أحمد بن أبي دواد ينكر أمر الغناء إنكارا شديداً فأعلمه المعتصم أن صديقه ابا دلف يغني فقال ما أراه مع عقله يفعل ذلك فستر احمد بن أبي دواد في موضع وأحضر ابا دلف وأمره أن يغني ففعل ذلك وأطال ثم خرج احمد بن أبي دواد عليه من موضعه والكراهة ظاهرة في وجهه فلما رآه
(8/259)

أحمد قال له سوءة لهذا من فعل بعد هذه السن وهذا المحل تضع نفسك كما أرى فخجل ابو دلف وتشور وقال إنهم أكرهوني على ذلك فقال هبهم أكرهوك على الغناء أفأكرهوك على الإحسان والإصابة
قال علي وحدثني جدي أن سبب منادمته للمعتصم أنه كان نديما للواثق وكان ابو دلف قد وصف للمعتصم فأحب أن يسمعه وسأل الواثق عنه فقال يا أمير المؤمنين أنا على الفصد غداً وهم عندي فقال له المعتصم أحب ألاَّ تخفي علي شيئا من خبركم وفصد الواثق فأتاه أبو دلف وأتته رسل الخليفة بالهدايا وأعلمهم الواثق حضور أبي دلف عنده فلم يلبث أن أقبل الخدم يقولون قد جاء الخليفة فقام الواثق وكل من عنده حتى تلقوه حين برز من الدهليز إلى الصحن فجاء حتى جلس وأمر بندماء الواثق فردوا إلى مجالسهم قال حمدون وخنست عن مجلسي الذي كنت فيه لحداثتي فنظر المعتصم إلى مكاني خاليا فسأل عن صاحبه فسميت له فأمر بإحضاري فرجعت إلى مكاني وأمر بأن يؤتى برطل من شرابه فأتي به فأقبل على أبي دلف فقال له يا قاسم غنِّ أمير المؤمنين صوتا فما حصر ولا تثاقل وقال أغني أمير المؤمنين صوتا بعينه أو ما اخترته قال بل غنِّ صنعتك في شعر جرير
( بَانَ الخليطُ برامَتَيْنِ فودَّعوا ... )
(8/260)

فغناه إياه فقال المعتصم أحسن أحسن ثلاثا وشرب الرطل ولم يزل يستعيده ويشرب عليه حتى والى بين سبعة أرطال ثم دعا بحمار فركبه وأمر أبا دلف أن ينصرف معه وأمرني بالانصراف معهما فخرجت أسعى مع ركابه فثبت في ندمائه من ذلك اليوم وأمر لأبي دلف بعشرين ألف دينار
نسبة الصوت الذي غناه ابو دلف
صوت
( بَانَ الخليطُ برامتَيْنِ فودَّعوا ... أَوَكُلَّما اعتزموا لبينٍ تَجْزَعُ )
( كيف العَزاءُ ولم أجِدْ مذ غِبْتُمُ ... قلباً يَقَرُّ ولا شراباً يَنْقَعُ )
عروضه من الكامل الشعر لجرير والغناء لأبي دلف ثاني ثقيل بالبنصر عن الهشامي وعمرو بن بانة
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال
كان جعفر بن أبي جعفر المنصور المعروف بابن الكردية يستخف مطيع بن إياس وكان منقطعا إليه وله منه منزلة حسنة فذكر له مطيع بن إياس حماداً الراوية وكان مطرحا مجفوا في أيامهم فقال له دعني فإن دولتي كانت في بني أمية وما لي عند هؤلاء خير فأبى مطيع إلا الذهاب به إليه فاستعار سواداً وسيفاً ثم أتاه فدخل على جعفر فسلم عليه وجلس فقال له جعفر أنشدني فقال لمن أيها الأمير قال لجرير قال حماد فسلخ الله شعره أجمع من قلبي إلا قوله
(8/261)

( بَانَ الخليطُ برامتين فودَّعوا ... )
فاندفعت أنشده إياه حتى بلغت إلى قوله
( وتقول بَوْزَعُ قد دَبَبْتَ على العَصَا ... هَلاَّ هَزِئْتِ بغيرنا يا بَوْزَعُ )
قال حماد فقال لي جعفر أعد هذا البيت فأعدته فقال إيش هو بوزع قلت اسم امرأة قال امرأة اسمها بوزع هو بريء من الله ورسوله ومن العباس بن عبد المطلب إن كانت بوزع إلا غولا من الغيلان تركتني والله يا هذا لا أنام الليل من فزع بوزع يا غلمان قفاه قال فصفعت والله حتى لم أدر أين أنا ثم قال جروا برجله فجروا برجلي حتى أخرجت من بين يديه وقد تخرق السواد وانكسر جفن السيف ولقيت شرا عظيما مما جرى من ذلك وكان أغلظ من ذلك علي غرامتي السواد والسيف فلما انصرف إلي مطيع جعل يتوجع لي فقلت له ألم أخبرك أني لا أصيب منهم خيرا وأن حظي قد مضى مع من مضى من بني أمية
رجع الحديث إلى اخبار أبي دلف
وكان أبو دلف جوادا ممدحا وفيه يقول علي بن جبلة
( إنما الدُّنيا أبو دُلَفٍ ... بين مَغْزَاهُ ومُحْتَضَرِهْ )
( وإذا وَلَّى أبو دُلَفٍ ... وَلَّتِ الدُّنيا على أَثَرِهْ )
وهي من جيد شعره وحسن مدائحه وفيها يقول
( ذادَ وِرْدَ الغَيّ عن صَدَرِهْ ... وارعَوَى واللَّهوُ من وَطَرِهْ )
(8/262)

( نَدَمِي أنّ الشَّبابَ مَضَى ... لم أُبَلِّغْهُ مَدَى أَشَرِهْ )
( حَسَرتْ عنِّي بَشاشتُه ... وذوَى المحمودُ من ثَمرهْ )
( ودَمٍ أَهْدرتُ من رَشَأٍ ... لم يُرِدْ عَقْلاً على هَدَرِهْ )
( فأتتْ دون الصَّبَا هَنَةٌ ... قلبتْ فُوقي على وَتَرِهْ )
( دَعْ جَدَا قَحْطانَ أو مُضَرٍ ... في يَمَانِيهِ وفي مُضَرهْ )
( وامْتَدِحْ من وائلٍ رجلاً ... عُصُرُ الآفاق من عُصُرهْ )
( المنايا في مَقَانِبِه ... والعطايَا في ذَرَا حُجَرِهْ )
( مَلِكٌ تندَى أنَامِلُه ... كانبلاج النَّوْء عن مَطَرِهْ )
( مستهلٌّ عن مَواهِبِه ... كابتسام الرَّوْض عن زَهَرِهْ )
( جَبَلٌ عزّتْ مَنَاكِبُه ... أمِنتْ عَدْنانُ في نَفَرِهْ )
( إنما الدُّنيا أبو دُلَفٍ ... بين مَغْزاهُ ومُحتَضَرِهْ )
( فإذا ولَّى أبو دُلَفٍ ... وَلَّتِ الدنيا على أَثَرِهْ )
( كلُّ مَنْ في الأرض من عَرَبٍ ... بين بادِيه إلى حَضَرِهْ )
( مستعيرٌ منه مَكرُمةً ... يكتسيها يومَ مُفْتَخَرِهْ )
وهذان البيتان هما اللذان احفظا المأمون على علي بن جبلة حتى سل لسانه من قفاه وقوله في أبي دلف أيضا
( أنت الذي تُنزل الأيّامَ منزلَها ... وتَنْقُلُ الدهرَ من حالٍ إلى حالِ )
( وما مددتَ مَدَى طَرْفٍ إلى أحدٍ ... إلاَّ قضيتَ بأرزاقٍ وآجال )
وسنذكر ذلك في موضعه من أخبار علي بن جبلة إن شاء الله تعالى
(8/263)

إذ كان القصد ها هنا أمر أبي دلف
أخبار عن شدة كرمه
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال
كنا عند أبي العباس المبرد يوما وعنده فتى من ولد أبي البختري وهب بن وهب القاضي أمرد حسن الوجه وفتى من ولد أبي دلف العجلي شبيه به في الجمال فقال المبرد لابن أبي البختري أعرف لجدك قصة ظريفة من الكرم حسنة لم يسبق إليها قال وما هي قال دعي رجل من أهل الأدب إلى بعض المواضع فسقوه نبيذا غير الذي كانوا يشربون منه فقال فيهم
( نَبِيذانِ في مجلسٍ واحدٍ ... لإيثار مُثْرٍ على مُقْتِرِ )
( فلو كان فعلُك ذا في الطعامِ ... لَزِمْتَ قياسَك في المُسْكِر )
( ولو كنتَ تطلب شأوَ الكرام ... صنعتَ صنيعَ أبي البَخْتَرِي )
( تتبَّعَ إخوانَه في البلاد ... فأغنى المُقِلَّ عن المُكْثِرِ )
فبلغت الأبيات أبا البختري فبعث إليه بثلثمائة دينار قال ابن عمار فقلت قد فعل جد هذا الفتى في هذا المعنى ما هو أحسن من هذا قال وما فعل قلت بلغه أن رجلا افتقر بعد ثروة فقالت له امرأته افترض في الجند فقال
( إليكِ عنِّي فقد كَلَّفْتِنِي شَطَطاً ... حَمْلَ السلاحِ وقِيلَ الدَّارعين قِفِ )
( تمشي المنايا إلى غيرِي فأكْرهُها
فكيف أمشي إليها عارِيَ الكَتِفِ )
( حَسِبتِ أنّ نفادَ المال غيَّرني ... وأنّ رُوحِيَ في جَنْبَيْ أبي دُلَفِ )
فأحضره أبو دلف ثم قال له كم أملت امرأتك أن يكون رزقك قال مائة دينار قال وكم أملت أن تعيش قال عشرين سنة قال فذلك لك علي
(8/264)

على ما أملت امرأتك في مالنا دون مال السلطان وأمر بإعطائه إياه قال فرأيت وجه ابن أبي دلف يتهلل وانكسر ابن أبي البختري انكساراً شديداً
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد المبرد قال أخبرني علي بن القاسم قال
قال علي بن جبلة زرت أبا دلف بالجبل فكان يظهر من إكرامي وبري والتحفي بي أمراً مفرطاً حتى تأخرت عنه حيناً حياء فبعث إلي معقل بن عيسى فقال يقول لك الأمير قد انقطعت عني وأحسبك استقللت بري بك فلا يغضبنك ذلك فسأزيد فيه حتى ترضى فقلت والله ما قطعني إلا إفراطه في البر وكتبت إليه
( هجرتُكَ لم أهجُرْكَ من كفر نعمةٍ ... وهل يُرْتَجَى نَيْلُ الزيادة بالكفرِ )
( ولكنَّني لمّا أتيتُك زائراً ... فأفرطتَ في بِرِّي عجزتُ عن الشكر )
( فَمِ الانَ لا آتيك إلا مُسَلِّماً ... أزورُك في الشهرينِ يوماً أو الشهرِ )
( فإن زدْتَنِي بِرّاً تزايدتُ جفوةً ... ولم تلقَني طولَ الحياةِ إلى الحشرِ )
فلما قرأها معقل استحسنها جدا وقال أحسنت والله أما إن الأمير لتعجبه هذه المعاني فلما أوصلها إلى أبي دلف قال قاتله الله ما اشعره وأدق معانيه فأعجبته فأجابني لوقته وكان حسن البديهة حاضر الجواب
( أَلاَ رُبَّ ضيفٍ طارقٍ قد بَسَطتُه ... وآنستُه قبل الضِّيافة بالبِشْرِ )
( أتاني يرجِّيني فما حال دونه ... ودون القِرَى والعُرْفِ ما نائلي سِتْري )
( وجدتُ له فضلاً عليَّ بقَصْدِه ... إليَّ وبِرّاً زاد فيه على بِرِّي )
( فزوَّدته مالاً يَقِلّ بقاؤه ... وزوَّدني مدحاً يدوم على الدهر )
(8/265)

حذف
(8/266)

قال وبعث إلي بالأبيات مع وصيف له وبعث معه إلي بألف دينار فقلت
( حينئذ إنما الدنيا أبو دُلَفٍ ... ) الأبيات
أخبرني علي بن سليمان قال أخبرنا المبرد قال أخبرني إبراهيم بن خلف قال
بينا أبو دلف يسير مع معقل وهما إذ ذاك بالعراق إذ مرا بقصر فأشرفت منه جاريتان فقالت إحداهما للأخرى هذا أبو دلف الذي يقول فيه الشاعر
( إنما الدنيا أبو دُلَفِ ... )
فقالت الأخرى أوهذا قد والله كنت أحب أن أراه منذ سمعت ما قيل فيه فالتفت أبو دلف إلى معقل فقال ما أنصفنا علي بن جبلة ولا وفيناه حقه إن ذلك لمن كبير همي وكان أعطاه ألف دينار
صوت من المائة المختارة من رواية علي بن يحيى
( أمَّا القَطاةُ فإنِّي سوف أنعَتُها ... نعتاً يُوافق منها بعضَ ما فيها )
( سَكَّاءُ مخطوبةٌ في رِيشها طَرَقٌ ... صُهْبٌ قَوادِمُها كُدْرٌ خَوافيها )
عروضه من البسيط والشعر مختلف في قائله ينسب إلى أوس بن غلفاء الهجيمي وإلى مزاحم العقيلي وإلى العباس بن يزيد بن الأسود الكندي وإلى العجير السلولي وإلى عمرو بن عقيل بن الحجاج الهجيمي وهو أصح الأقوال
(8/266)

رواه ثعلب عن أبي نصر عن الأصمعي وعلى أن في هذه الروايات أبياتا ليست مما يغنى فيه وأبياتا ليست في الرواية وقد روي أيضا أن الجماعة المذكورة تساجلوا هذه الأبيات فقال كل واحد منهم بعضا وأخبار ذلك وما يحتاج إليه في شرح غريبه يذكر بعد هذا والغناء في اللحن المختار لمعبد خفيف ثقيل أول بالوسطى وفي هذين البيتين مع أبيات أخر من القصيدة اشتراك كثير بين المغنين يتقدم بعض الأبيات فيه بعضا ويتأخر بعضها عن بعض على اختلاف تقديم ذلك وتأخيره والأبيات تكتب ها هنا ثم تنسب صنعة كل صانع في شيء منها إليه وهي بعد البيتين الأولين إذ كانا قد مضيا واستغني عن إعادتهما
( لمَّا تبدَّى لها طارت وقد علمتْ ... أنْ قد أظل وأنّ الحيّ غاشيها )
( تَشْتقّ في حيث لم تُبْعِدْ مُصَعِّدةً ... ولم تُصَوِّبْ إلى أدنى مَهَاويها )
( تَنْتاشُ صفراءَ مطروقاً بقيَّتُها ... قد كاد يأزِي عن الدُّعْموصِ آزِيها )
( ما هاج عينَك أمْ قد كاد يُبكيها ... من رَسْمِ دار كسَحْقِ البُرْدِ باقيها )
( فلا غنيمة تُوفِي بالذي وَعَدتْ ... ولا فؤادُك حتى الموتِ ناسِيها )
ثبط مولى عبد الله بن جعفر خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر من رواية إسحاق في أما القطاة والذي بعده وتنتاش صفراء خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو ولإبراهيم الموصلي في لما تبدى لها وأما القطاة خفيف رمل عن الهشامي ولعمر الوادي في أما القطاة ثقيل بالوسطى ولابن جامع في لما تبدى لها وبعده أما القطاة خفيف رمل ولسياط في الأول والثاني وبعدهما تشتق في حيث لم تبعد خفيف ثقيل بالبنصر ومن الناس من ينسب
(8/267)

لحنه إلى عمر الوادي وينسب لحن عمر إليه ولعلويه في أما القطاة والذي بعده رمل هو من صدور أغانيه ومقدمها فجميع ما وجدته في هذه الأبيات من الصنعة أحد عشر لحنا
أقوال بعض الشعراء في وصف القطاة
فأما خبر هذا الشعر فإن ابن الكلبي زعم أن السبب فيه أن العجير السلولي وأوس بن غلفاء الهجيمي ومزاحما العقيلي والعباس بن يزيد بن الأسود الكندي وحميد بن ثور الهلالي اجتمعوا فتفاخروا بأشعارهم وتناشدوا وادعى كل واحد منهم أنه أشعر من صاحبه ومر بهم سرب قطا فقال أحدهم تعالوا حتى نصف القطا ثم نتحاكم إلى من نتراضى به فأينا كان أحسن وصفا لها غلب أصحابه فتراهنوا على ذلك فقال أوس بن غلفاء الأبيات المذكورة وهي أما القطاة وقل حميد أبياتا وصف ناقته فيها ثم خرج إلى صفة القطاة فقال
( كما انصَلتتْ كَدْراءُ تسقِي فِرَاخَها ... بشَمْظةَ رِفْهاً والمياهُ شُعُوبُ )
( غدتْ لم تُباعدْ في السماء ودونَها ... إذا ما علتْ أُهْوِيَّةٌ وصَبُوبُ )
( قرينةُ سَبْعٍ إنْ تَوَاترنَ مَرَّةً ... ضَرَبْنَ فصَفَّتْ أرؤس وجُنوبُ )
( فجاءتْ وما جاء القطا ثم قَلّصتْ ... بمَفْحَصِها والوارداتُ تَنوبُ )
( وجاءت ومَسْقَاها الذي وردتْ به ... إلى الصَّدْرِ مشدودُ العَصَامِ كَتِيبُ )
(8/268)

( تُبادر أطفالاً مساكينَ دونها ... فَلاً لا تَخَطَّاه العيونُ رَغِيبُ )
( وصَفْنَ لها مُزْناً بأرض تَنُوفةٍ ... فما هي إلاَّ نُهْلةٌ وتؤوبُ )
وقال العباس بن يزيد بن الأسود هكذا ذكر ابن الكلبي وغيره يرويها لبعض بني مرة
( حَذَّاءُ مُدْبِرةً سَكَّاءُ مقبلةً ... للماء في النحر منها نَوْطةٌ عَجَبُ )
( تسقي أُزَيْغِبَ تُرويه مُجاجتها ... وذاك من ظَمْأةٍ من ظِمْئها شَرَبُ )
( مُنْهَرِت الشِّدقِ لم تَنْبُتْ قَوَادِمُه ... في حاجب العين من تسبيده زَبَبُ )
( تدعو القَطَا بقصير الخطو ليس له ... قُدَّام مَنْحَرِها ريشٌ ولا زَغَبُ )
( تدعو القَطَا وبه تُدْعَى إذا انتسبتْ ... يا صِدْقَها حين تدعوه وتنتسبُ )
وقال مزاحم العقيلي
( أذلكَ أم كُدْرِيَّةٌ هاج وِرْدَها ... من القيظ يومٌ واقِدٌ وسَمُومُ )
( غدتْ كَنواة القَسْب لا مُضْمحِلَّةٌ ... ونَاةٌ ولا عَجْلَى الفُتور سؤومُ )
( تُواشِكُ رَجْعَ المَنْكِبين وترتمي ... إلى كَلْكَل للهادياتِ قَدُومُ )
( فما انخفضتْ حتى رأتْ ما يسرُّها ... وفَيْءُ الضُّحَى قد مال فهو ذميمُ )
(8/269)

( أَباطِح وانتصَّتْ على حيث تستقى ... بها شَرَكٌ للوارداتِ مُقيمُ )
( سقتْها سيولُ المُدْجِناتِ فأصبحتْ ... عَلاَجِيمَ تَجْرِي مرَّةً وتدومُ )
( فلما استقتْ من بارد الماء وانجلَى ... عن النفس منها لَوْحةٌ وهمومُ )
( دعتْ باسمها حين استقتْ فاستقلَّها ... قَوَادِمُ حجنٌ رِيشُهنّ ملِيمُ )
( بجَوْزٍ كحُقِّ الهاجريّة زانَه ... بأطراف عودِ الفارسِّ وُشُومُ )
يعني حق الطيب شبه حوصلتها بها والوشوم يعني الشية التي في صدرها
( لتسقِيَ زُغْبا بالتَّنوفةِ لم يكن ... خِلافَ مُوَلاَّها لهنّ حميمُ )
( تَرَائكَ بالأرضِ الفَلاة ومن بَدَعْ ... بمنزلها الأولادَ فهو مُليمُ )
( إذا استقبلتْها الريحُ طَمَّتْ رفيقةً ... وهنَّ بمهْوًى كالكُرَاتِ جُثُومُ )
( يُرَاطِنَّ وَقْصاءَ القَفَا وَحْشةَ الشَّوَى ... بدعوى القَطَا لَحْنٌ لهنّ قديمُ )
( فبِتْنَ قرِيراتِ العيونِ وقد جرى ... عليهن شِرْبُ فاستقَيْن مُنِيمُ )
( صَبِيبُ سِقَاءٍ نِيطَ قد بَرَكتْ به ... مُعَاوِدةٌ سَقْيَ الفِرَاخِ رَؤومُ )
وقال العجير فيما روى ابن الكلبي وقد تروى لغيره
( سأَغلِبُ والسماءِ ومَنْ بناها ... قَطاةَ مُزَاحِمٍ ومَنِ انتحاها )
(8/270)

( قَطاة مُزَاحمٍ وأبي المُثَنَّى ... على حُوزيَّةٍ صُلْبٍ شَوَاها )
( غدتْ كالقَطْرةِ السَّفْواء تَهْوِي ... أمام مُجَلْجِلٍ زَجِلٍ نَفَاها )
( تَكَفَّأ كالجُمانَةِ لا تُبالي ... أبالموماةِ أضحتْ أم سِواها )
( نبتْ منها العَجيزةُ فاحزألَّتْ ... ونَبَّسَ للتقتُّل مَنْكِبَاها )
( كأنّ كعوبها أطرافُ نَبْلٍ ... كساها الرَّازقيَّةَ مَنْ بَراها )
قال واحتكموا إلى ليلى الأخيلية فحكمن لأوس بن غلفاء
وأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا يعقوب بن إسرائيل عن قعنب بن محرز الباهلي قال حدثني رجل عن أبي عبيدة قال أخبرنا حميد بن ثور والعجير السلولي ومزاحم العقيلي وأوس بن غلفاء الهجيمي أنهم تحاكموا إلى ليلى الأخيلية لما وصفوا القطاة أيهم أحسن وصفاً لها فقالت
( أَلاَ كلُّ ما قال الرُّواة وأنشدوا ... بها غيرَ ما قال السَّلُوليُّ بَهْرَجُ )
وحكمت له فقال حميد بن ثور يهجوها
( كأنَّكِ وَرْهاءُ العِنانَيْنِ بغلةٌ ... رأت حُصُناً فعارضتْهنّ تَشْحَجُ )
(8/271)

ووجدت هذه الحكاية عن أبي عبيدة مذكورة عن دماذ عنه وأنه سأله عن أبيات العجير فأنشده
( تجوبُ الدُّجَى سَكَّاءُ من دون فَرْخِها ... بمَطْلَى أَرِيكٍ نَفْنَفٌ وسُهوبُ )
( فجاءت وقَرْنُ الشمسِ بادٍ كأنَّه ... هِجانٌ بصحراء الخُبَيْبِ شَبُوبُ )
( لتسقيَ أفراخاً لها قد تبلَّلتْ ... حلاقيمُ أسماطٌ لها وقلوبُ )
( قِصارُ الخُطَا زُغْبُ الرؤوسِ كأنَّها ... كُرَاتٌ تَلَظَّى مرَّةً وتَلوبُ ) فأما ما ذكرت من رواية ثعلب في الأبيات التي فيها الغناء فإنه أنشدها عن أبي حاتم عن الأصمعي أن أبا الحضير أنشده لعمرو بن عقيل بن الحجاج الهجيمي
( أمَّا القطاةُ فإنِّي سوف أنعَتُها ... نعتاً يُوافِق نعتِي بعضَ ما فيها )
( صفراءُ مطروقةٌ في ريشِها خَطَبٌ ... صُفْرٌ قوادمُها سُودٌ خَوافِيها )
( مِنْقارُها كنَواة القَسْبِ قَلَّمَها ... بمِبرَد حاذقُ الكفَّين يَبْرِيها )
( تمشِي كَمَشْيِ فتاةِ الحيّ مسرعةً ... حذارَ قومٍ إلى سِتْرٍ يُواريها )
قال الأصمعي مطروقة يعني أن ريشها بعضه فوق بعض والخطب لون الرماد يقال للمشبه به أخطب
(8/272)

( تَنْتاشُ صفراءَ مطروقاً بَقيَّتُها ... قد كادَ يَأْزِي عن الدُّعْموص آزِيها )
تنتاش تتناويل بقية من الماء والمطروق الماء الذي قد خالطه البول وقوله يأزي أي يقل عن الدعموص فيخرج منه لقلته والدعموص الصغير من الضفادع وجمعه دعاميص
( تسقي رَذِيَّيْنِ بالمَوْماةِ قُوتُهما ... في ثُغْرةِ النَّحْرِ من أعلى تَرَاقيها )
الرذيّ الساقط من الضعف يعني فرخيها
( كأنّ هَيْدَبةً من فوق جُؤْجئها ... أو جِرْوُ حَنْظلةٍ لم يعدُ راميها )
جرو الحنظل صغاره وقوله لم يعد من العداء أي لم يعد عليها فيكسرها
( تَشْتَقّ من حيث لم تُبْعِدْ مُصَعِّدة ... ولم تُصَوِّبْ إلى أدنى مَهاويها )
( حتى إذا استأنسا للوقت واحتَضرت ... تَوَجَّسا الوَحْيَ منها عند غَاشِيها )
ويروى حتى إذا استأنسا للصوت وتوجسا تسمعا وحيها أي سرعة طيرانها وغاشيها أي حين تغشاهما وتنتهي إليهما
( تَرَفَّعَا عن شؤون غير ذاكيةٍ ... على لَدِيدَيْ أعالي المَهْدِ أُدْحِيها )
الذاكية الشديدة الحركة والمهد أفحوصها ولديداه جانباه
( مَدَّا إليها بأفواهٍ مُزَيَّنةٍ ... صُعْداً ليستنزلا الأرزاقَ مِنْ فِيها )
( كأنَّها حين مَدَّاها لجَنْأتها ... طَلَى بَوَاطنَها بالوَرْسِ طَالِيها )
جنأتها أي جنأت عليهما بصدرها لتزقهما
(8/273)

( حِثْلَيْن رَضَّا رُفَاضَ البَيْضِ عن زَغَبٍ ... وُرْقٌ أسافلُها بيضٌ أعَالِيها )
حثلين دقيقين ضاويين رضاً كسرا والرفاض ما ارفض وتفرق
( تَرَأَّدا حين قاما ثُمّتَ احتطبَا ... على نَحَائفَ مُنْآدٍ مَحانيها )
ترأدا تثنيا واحتطبا دنوا والمنآد المنعطف ومحانيها حيث انحنت
( تكاد من لِينها تنآد أسْؤُقُها ... تَأوُّدَ الرَّبْل لم تَعرِمْ نواميها )
تعرم تشتد ونواميها أعاليها
( لا أشتكي نَوْشةَ الأيَّام من وَرَقِي ... إلاَّ إلى مَنْ أَرَى أن سوف يُشْكِيها )
( لدِلْهِمٍ مأثُراتٌ قد عُدِدْن له ... إن المآثِرَ معدودٌ مَسَاعِيها )
( تَنْمِي به في بني لأيٍ دَعَائمُها ... ومن جُمَانة لم تخضَعْ سَوَارِيها )
( بَنَى له في بيوت المجد والدُه ... وليس مَنْ ليس يَبْنِيها كبانيها )
وأنشدني هذه الأبيات الحسن بن محمد الضبعي الشاعر المعروف بابن الحداد قال وجدتها بخط محمد بن داود بن الجراح عن إسماعيل بن يونس الشيعي شيخنا رحمه الله عن أخيه عن أبي محلم مثل رواية ثعلب وزاد فيها قال أبو محلم جمانة بن جرير بن عبد ثعلبة بن سعد بن الهجيم وهم أخوال دلهم هذا الممدوح ودلهم من بني لأي ثم من بني يزيد بن هلال بن بذل بن عمرو بن الهيثم وكان أحد الشجعان وهو قتل الضحاك بن قيس الخارجي
(8/274)

بيده مع مروان بن محمد ليلة كفرتوثا
صوت من المائة المختارة عن علي بن يحيى
( أيّها القلبُ لا أراك تُفيق ... طالما قد تعلَّقتْك العُلوقُ )
( من يكن من هوى حبيبٍ قريباً ... فأنا النازحُ البعيدُ السَّحيقُ )
( قُدِّرَ الحبُّ بيننا فالتقينا ... وكِلانا إلى اللقاءِ مَشُوقُ )
الشعر لعمر بن أبي ربيعة وقد مضت أخباره والغناء في اللحن المختار لبابويه الكوفي خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه لابن سريج ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه ايضا لمخارق خفيف ثقيل بالوسطى عن الهشامي وفيه لعلويه رمل بالبنصر عنه وعن الهشامي وبابويه رجل من أهل الكوفة قليل الصنعة ليس ممن خدم الخلفاء ولا الأكابر ولا أعلم له خبراً فأذكره
صوت من المائة المختارة
( مَنْ لِقَلْبٍ أضحَى بكم مُستهامَا ... خائفاً للوُشاةِ يُخْفِي الكلاما )
إنّ طَرْفي رسولُ نفسي ونفسي ... عن فؤادي تقرَا عليك السلاما )
لم يقع إلينا قائل الشعر فنذكر خبره والغناء لرياض جارية أبي حماد
(8/275)

خفيف ثقيل بالوسطى وكان أبو حماد هذا أحد القواد الخراسانية ومن أولاد الدعاة وكان يعاشر إسحاق ويبره ويهاديه فأخذت رياض عنه غناء كثيرا وكانت محسنة ضاربة كثيرة الرواية وأحب إسحاق أن ينوه باسمها ويرفع من شأنها فذكر صنعتها في هذا الصوت فيما اختاره للواثق قضاء لحق مولاها وليس فيما قلته في هذا لأن الصوت غير مختار ولكن في الغناء ما هو أفضل منه بكثير ولم يذكره وقد فعل ذلك بجماعة ممن كان يوده ويتعصب له مثل متيم وأبي دلف وغيرهم ومن يعلم هذه الصناعة يعرف صحة ما قلناه وماتت رياض هذه مملوكة لمولاها لم تخرج من يده ولا شهرت ولا روي لها خبر
صوت من المائة المختارة عن علي بن يحيى
( راح صحبي وعاود القلبَ داءُ ... من حبيبٍ طِلاَبُه لي عَناءُ )
( حَسَنُ الرأي والمواعيد لا يُلْفَى ... لشيء مما يقول وفاء )
( مَنْ تَعَزَّى عمن يحبّ فإني ... ليس لي ما حَيِيتُ عنه عزاء )
( أُمُّ عثمان قد قتلتِ قتيلاً ... عَمْدَ عَيْنٍ قتلتِه لا خَطَاءُ )
لم يقع إلينا قائل هذا الشعر فنذكره والغناء لنافع بن طنبورة ولحنه المختار خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى وفي هذا الشعر لحن لعبد الله بن طاهر ثاني ثقيل من جيد صنعته وكان نسبه إلى لميس جاريته وله خبر سنذكره في أخباره إذا انتهينا وكان نافع بن طنبورة يكنى أبا عبد الله مغن محسن من أهل المدينة حسن الوجه نظيف الثوب يلقب نقش الغضار لحسن وجهه وجعلته جميلة في المرتبة لما اجتمع المغنون إليها بعد نافع وبديح وقبل مالك بن أبي السمح وغناها يومئذ
( يا طُولَ ليلِي وبِتُّ لم أَنَمِ ... وِسادِيَ الهَمُّ مُبطِنٌ سَقَمِي )
(8/276)

( أنْ قمتُ يوماً على البَلاَطِ وأبصرتُ ... رَقَاشاً فليتَ له أقُمِ )
فقالت جميلة أحسنت والله يا نقش الغضار ويا حلو اللسان ويا حسن البيان ولم يفارق ابن طنبورة الحجاز ولا خدم الخلفاء ولا انتجعهم بصنعة فخمل ذكره
صوت من المائة المختارة عن علي بن يحيى )
( عَتَق الفؤادُ من الصِّبَا ... ومن السَّفاهة والعَلاَقِ )
( وحططتُ رحلي عن قَلُوصِ ... الغيّ في قُلُص عِتَاقِ )
( ورفعت فضلَ إزاريَ الْمَجرور ... عن قدمي وساقي )
( وكَفَفْتُ غَرْبَ النفسِ حَتَّى ... ما تتوقُ إلى مَتاقِ )
الشعر لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت والغناء لابن عباد الكاتب ولحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه لإبراهيم خفيف ثقيل وقيل إنه لغيره
(8/277)

أخبار سعيد بن عبد الرحمن
وقد مضى نسبه في نسب جده حسان بن ثابت متقدما وهو شاعر من شعراء الدولة الأموية متوسط في طبقته ليس معدوداً في الفحول وقد وفد إلى الخلفاء من بني أمية فمدحهم ووصلوه ولم تكن له نباهة أبيه وجده
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني ابو عمرو الخصاف عن العتبي قال
خرج سعيد بن عبد الرحمن بن حسان مع جماعة من قريش إلى الشام في خلافة هشام بن عبد الملك وسألهم معاونته فلم يصادفوا من هشام له نشاطاً وكان الوليد بن يزيد قد طلق امرأته العثمانية ليتزوج أختها فمنعه هشام عن ذلك ونهى أباها أن يزوجه فمر يوما بالوليد وقد خرج من داره ليركب فلما رآه وقف فأمر به الوليد فدعي إليه فلما جاءه قال أنت ابن عبد الرحمن بن حسان قال نعم أيها الأمير فقال له ما أقدمك قال وفدت على أمير المؤمنين منتجعا ومادحا ومستشفعاً بجماعة صحبتهم من أهله فلم أنل منه حظوة ولا قبولا قال لكنك تجد عندي ما تحب فأقم حتى أعود فأقام ببابه حتى دخل إلى هشام وخرج من عنده فنزل ودعا بسعيد فدخل إليه فأمر بتغيير هيئته وإصلاح شأنه ثم قال له أنشدني قصيدة بلغتني لك فشوقتني
(8/278)

إليك وغنيت في بعضها فلم أزل أتمنى لقاءك فقال أي قصيدة أيها الأمير قال قولك
( أبائنةٌ سُعْدَى ولم تُوفِ بالعَهْدِ ... ولم تَشْفِ قلباً تيّمتْه على عَمْدِ )
( نَعَمْ أفَمُودٍ أنت إن شَطَّتِ النَّوَى ... بسُعْدَى وما من فُرقةِ الدهر من رَدِّ )
( كأنْ قد رأيتَ البينَ لا شيءَ دونه ... فَمِ الآنَ أعْلِنْ ما تُسِرّ من الوجدِ )
( لعلك منها بعد أن تَشْحَطَ النّوَى ... مُلاَقٍ كما لاقى ابنُ عَجْلانَ من هندِ )
( فوَيْلُ ابنِ سَلْمَى خُلَّةً غيرَ أنها ... تُبَلَّغ منِّي وهي مازحةٌ جِدِّي )
( وتدنو لنا في القول وهي بعيدةٌ ... فما إنْ بسَلْمَى من دُنُوٍّ ولا بُعْدِ )
( ومهما أكُنْ جَلْداً عليه فإنَّني ... على هَجْرِها غيرُ الصَّبُورِ ولا الجَلْدِ )
( إذا سُمْتُ نفسي هجرَها قُطِعتْ به ... فجانبتُه فيما أُسِرّ وما أُبْدِي )
( كأنِّي أرى في هجرها أيَّ ساعةٍ ... هَمَمْتُ به موتي وفي وصلها خُلْدي )
( ومن أجلِها صافَيْتُ مَنْ لا تَرُدُّني ... عليه له قُرْبَى ولا نعمةٌ عندي )
( وأغضيتُ عيني من رجالٍ على القَذَى ... يقولون أقوالاً أَمَضُّوا بها جِلْدِي )
( وأقصَيتُ مَنْ قد كنتُ أُدْنِي مكانَه ... وأدنيتُ من قد كنتُ أقصيتُه جَهْدِي )
( فإن يَكُ أمسَى وصلُ سَلمَى خِلابةً ... فما أنا بالمفتونِ في مثلها وحدي )
( فأَصْبحَ ما مَنَّتْكَ دَيْناً مُسَوَّفاً ... لواه غريمٌ ذو اعتلالٍ وذو جَحْدِ )
(8/279)

( تجود بتقريبِ الذي هو آجلٌ ... من الوعد ممطولٌ وتبخَل بالنَّقْدِ )
( وقد قلت إذ أهدَتْ إلينا تحيَّةً ... عليها سلامُ الله من نازح مُهْدِي )
( سقى الغيثُ ذاك الغورَ ما سكنتْ به ... ونجداً إذا صارت نَواهَا إلى نجدِ )
قال فجعل ينشدها ودموع الوليد تنحدر على خديه حتى فرغ منها ثم قال له لن تحتاج إلى رفد أحد ولا معونته ما بقيت وأمر له بخمسمائة درهم وقال ابعث بها إلى أهلك واقم عندي فلن تعدم ما تحبه ما بقيت فلم يزل معه زمانا ثم استأذنه وانصرف وفي بعض هذه الأبيات غناء نسبيته
صوت
( أبائنةٌ سُعْدَى ولم تُوفِ بالعهدِ ... ولم تَشفِ قلباً أقصدتْه على عَمْدِ )
( ومهما أكن جلداً عليه فإنَّني ... على هجرها غيرُ الصبَّور ولا الجَلْدِ )
الغناء لمالك خفيف ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي ومن هذه القصيدة
صوت
وأغضيتُ عيني من رجالٍ على القَذَى ... يقولون أقوالاً أَمَضُّوا بها جِلْدِي )
( إذا سُمْتُ نفسي هجرَها قُطِعتْ به ... فجانيتُه فيما أسِرّ وما أَبْدِي )
الغناء لابن محرز ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو
خبره مع عبد الصمد مؤدب الوليد بن يزيد
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي ومحمد بن الضحاك بن عثمان قالا
(8/280)

وفد سعيد بن عبد الرحمن بن حسان على هشام بن عبد الملك وكان حسن الوجه فاختلف إلى عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدب الوليد بن يزيد بن عبد الملك فأراده على نفسه وكان لوطيا زنديقا فدخل سعيد على هشام مغضبا وهو يقول
( إنه واللَّه لولا أنت لم ... ينجُ منِّي سالماً عبدُ الصَّمَدْ )
فقال له هشام ولماذا قال
( إنه قد رام منِّي خُطَّةً ... لم يَرُمْها قبله منِّي أحدْ )
فقال وما هي قال
( رامَ جهلاً بي وجهلاً بأبي ... يُدْخِلُ الأفعَى إلى خِيسِ الأسَدْ )
قال فضحك هشام وقال له لو فعلت به شيئا لم أنكر عليك
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني عمر بن شبة قال أخبرنا ابن عائشة لا أعلمه إلا عن أبيه قال
سأل سعيد بن عبد الرحمن بن حسان صديقاً له حاجة وقال هاشم بن محمد في خبره سأل سعيد بن عبد الرحمن ابا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم حاجة يكلم فيها سليمان بن عبد الملك فلم يقضها له ففزع فيها إلى غيره فقضاها فقال
( سُئلتَ فلم تفعلْ وأدركتُ حاجتِي ... تولَّى سواكم حَمْدَها واصطناعَها )
( أبى لك كَسْبَ الحمد رأيٌ مُقَصِّرٌ ... ونفسٌ أضاق اللَّه بالخير باعَها )
( إذا ما أرادته على الخير مرَّةً ... عصاها وإن هَمَّتْ بشرٍّ أطاعها )
(8/281)

قال ابن عمار وقد أنشدنا هذه الأبيات سليمان بن أبي شيخ لسعيد بن عبد الرحمن ولم يذكر لها خبرا
عدي بن الرقاع يشهد له بشاعريته
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا محمد بن زكريا الغلابي عن ابن عائشة قال
قال رجل من الأنصار لعدي بن الرقاع أكتبني شيئا من شعرك قال ومن أي العرب أنت قال أنا رجل من الأنصار قال ومن منكم القائل
( إنّ الحَمامَ إلى الحجازِ يَهيجُ لي ... طَرَباً تَرَنُّمُهُ إذا يَتَرَنَّمُ )
( والبرقُ حين أَشِيمُه مُتَيامِناً ... وجنائبُ الأرواحِ حين تَنَسَّمُ )
فقال له سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فقال عليكم بصاحبكم فاكتب شعره فلست تحتاج معه إلى غيره
وفي أول هذه القصيدة غناء نسبته
صوت
( بَرِحَ الخفاءُ فأيَّ ما بك تَكتُمُ ... والشَّوْقُ يُظْهِرُ ما تُسِرّ فيُعْلَمُ )
( وحملتَ سُقْماً من علائِق حبِّها ... والحبُّ يَعْلَقُه الصحيحُ فيَسْقَمُ )
الغناء لحكم خفيف رمل بالوسطى عن الهشامي وذكره إبراهيم له ولم يجنسه وفي هذه القصيدة يقول
(8/282)

( علويَّةٌ أمستْ ودون وِصَالِها ... مضمارُ مصرَ وعابِدٌ والقُلْزُمُ )
( خَوْدٌ تُطِيفُ بها نواعمُ كالدُّمَى ... مما اصطفى ذو النِّيقة المتوسِّمُ )
( حُلِّينَ مَرْجانَ البحورِ وجوهراً ... كالجمر فيه على النحور يُنَظَّمُ )
( قالت وماءُ العين يغسِل كحلَها ... عند الفِراق بمستهلٍّ يَسْجُمُ )
( يا ليتَ أنك يا سعيدُ بأرضِنا ... تُلْقِي المَراسِيَ ثاوياً وتُخَيِّمُ )
( فتُصِيبَ لذَّةَ عيشِنا ورخاءَه ... فنكون أجواراً فماذا تَنقِمُ )
( لا تَرجِعَنَّ إلى الحجازِ فإنه ... بلدٌ به عيش الكريم مُذَمَّمُ )
( وهَلُمَّ جَاوِرْنا فقلت لها اقصِرِي ... عيشٌ بطَيْبةَ ويحَ غيرِك أنعَمُ )
( أيُفارَقُ الوطنُ الحبيبُ لمنزلٍ ... ناءٍ ويُشْرَى بالحديث الأقدمُ )
( إنّ الحمامَ إلى الحجاز يَهِيجُ لي ... طَرَباً تَرَنُّمُه إذا يترنَّمُ )
( والبرقُ حين أشِيمُه متيامناً ... وجنائبُ الأرواحِ حين تَنَسَّمُ )
( لو لَحَّ ذو قَسَمٍ على أنْ لم يكن ... في الناسِ مُشْبِهُها لبَرّ المُقْسمُ )
( من أجلها تَرْكِي القَرارَ وخَفْضَه ... وتَجَشُّمِي ما لم أكن أَتَجَشَّمُ )
( ولقد كتمتُ غداةَ بانتْ حاجةً ... في الصدر لم يعلم بها متكلِّم )
( تَشفِي برؤيتها السقيمَ وترتمي ... حَبَّ القلوب رَمِيُّها لا يَسْلم )
( رَقْراقةٌ في عُنْفوان شَبابها ... فيها عن الخُلُق الدَّنيِّ تَكَرُّمُ )
( ضَنَّتْ على مُغْرًى بطول سؤالها صَبٍّ كما يَسَلُ الغَنِيُّ المُعْدِمُ )
(8/283)

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبو مسلم عن الحرمازي قال
( خرج سعيد بن عبد الرحمن بن حسان إلى عسكر يزيد بن عبد الملك فأتى عنبسة بن سعيد بن العاصي وكان أبوه صديقاً لأبيه فسأله أن يرفع أمره إلى الخليفة فوعده أن يفعل فلم يمكث إلا يسيراً حتى طرقه لص فسرق متاعه وكل شيء كان معه فأتى عنبسة فتنجزه ما وعده فاعتل عليه ودافعه فرجع سعيد من عنده فارتجل وقال
( أَعَنْبَسُ قد كنت لا تَعْتَزِي ... إلى عِدَةٍ منك كانت ضَلاَلاَ )
( وعدتَ عِدَاتٍ لَوَانجزتَها ... إذاً لحُمِدْتَ ولم تُزْرَ مالاَ )
( وما كان ضَرَّكَ لو قد شفعتَ ... فأعطى الخليفةُ عفواً نَوالا )
( وقد يُنْجِزُ الحرُّ موعودَه ويفعل ما كان بالأمسِ قالا )
( فيا ليتني والمُنَى كاسمِها ... وقد يصرِف الدهرُ حالاً فحالا )
( قعدتُ ولم ألتمس ما وعدتَ ... ويا ليت وعدَك كان اعتلالا )
( وكانت نَعَمْ منك مخزونةً ... وقلت مِن أوَّل يومٍ ألاَلا )
( أرى كذِبَ القولِ من شرِّ ما ... يُعدَ إذا الناسُ عَدوا الخِصالا )
( فأبقيتَ لي عنكَ مندوحةً ... ونفساً عَزُوفاً تُقِلّ السؤالا )
( فإن عدتُ أرجوكُمُ بعدَها ... فبُدِّلتْ بعد العَلاَء السَّفَالا )
( أأرجوك من بعد ما قد عَزَفْتَ ... لَعَمرِي لقد جئت شيئا عُضَالا )
الوليد يستأنس به في الحج
نسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو الشيباني يأثر
(8/284)

كان سعيد بن عبد الرحمن بن حسان إذا وفد إلى الشام نزل على الوليد بن يزيد فأحسن نزله وأعطاه وكساه وشفع له فلما حج الوليد لقيه سعيد بن عبد الرحمن في أول من لقيه فسلم عليه فرد الوليد عليه السلام وحياه وقربه وأمر بإنزاله معه وبسطه ولم يأنس بأحد أنسه به وأنشده سعيد قوله فيه
( يا لَقَوْمِي لِلهَجْرِ بعد التَّصافِي ... وتَنَائِي الجميع بعد ائتلافِ )
( ما شجا القلبَ بعد طول اندمال ... غيرُ هابٍ كالفَرْخ بين أَثَافِي )
( ونعيبِ الغراب في عَرْصةِ الدار ... ونُؤْيٍ تَسْفِي عليه السَّوافي )
وقد روى عن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان قال رأى علي ابن عمر أوضاحا فقال ألقها عنك فقد كبرت
صوت من المائة المختارة من رواية جحظة
( ما جرتْ خَطْرةٌ على القلب منِّي ... فيكِ إلاَّ استترتُ عن أصحابِي )
( من دموعٍ تجرِي فإن كنتُ وحدي ... خالياً أسعدتْ دموعي انتحابي )
( إنَّ حُبِّي إيَّاكِ قد سَلّ جِسْمِي ... ورَمانِي بالشيبِ قبل الشَّباب )
( ارْحَمِي عاشقاً لكِ اليوم صبّاً ... هائمَ العقل قد ثَوَى في التُّرابِ )
الشعر للسيد الحميري والغناء لمحمد نعجة خفيف رمل أيضا
(8/285)

ولم أجد لهذا المغني خبراً ولا ذكراً في موضع من المواضع اذكره وقد مضت أخبار السيد متقدما
صوت من المائة المختارة
( أكرَعُ الكَرْعةَ الرويَّةَ منها ... ثم أصحو ما شَفَيتُ غَليلِي )
( كم أتى دون عهدِ أُمِّ جميل ... من إنَى حاجةٍ ولُبْثٍ طويلِ )
( وصياح الغراب أن سِرْ فأسْرِعْ ... سوف تحظَى بنائلٍ وقَبُولِ )
الشعر للأحوص والغناء للبردان خفيف ثقيل مطلق في مجرى البنصر
(8/286)

أخبار البردان
البردان لقب غلب عليه ومن الناس من يقول بردان من أهل المدينة وأخذ الغناء عن معبد وقبله عن جميلة وعزة الميلاء وكان معدلا مقبول الشهادة وكان متولي السوق بالمدينة
قال هارون بن الزيات حدثني أبو أيوب المديني عن محمد بن سلام قال هو بردان بضم الباء وتسكين الراء
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر وحسين بن يحيى قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه وأخبرني علي بن عبد العزيز عن ابن خرداذبه قال قال إسحاق
كان بردان متولي السوق بالمدينة فقدم إليه رجل خصما يدعي عليه حقا فوجب الحكم عليه فأمر به إلى الحبس فقال له الرجل أنت بغير هذا أعلم منك بهذا فقال ردوه فرد فقال لعلك تعني الغناء إني والله به لعارف ولو سمعت شيئا جاء البارحة لازددت علماً بأني عارف ومهما جهلت فإني بوجوب الحق عليك عالم اذهبوا به إلى الحبس حتى يخرج إلى غريمه من حقه
سياط المغني يأخذ عنه أصواتاً
قال وحدثني أبو أيوب عن حماد عن أبيه عن ابن جامع عن سياط قال
(8/287)

رأيت البردان بالمدينة يتولى سوقها وقد أسن فقلت له يا عم إني رويت لك صوتا صنعته وأحببت أن تصححه لي فضحك ثم قال نعم يا بني وحبا وكرامة لعله
( كم أتى دون عهد أمّ جميل ... )
فقلت قال مل بنا إلى ها هنا فمال بي إلى دار في السوق ثم قال غنه فقلت بل تتم إحسانك يا عم وتغنيني به فإنه أطيب لنفسي فإن سمعته كما أقول غنيته وأنا غير متهيب وإن كان فيه مستصلح استعدته فضحك ثم قال أنت لست تريد أن تصحح غناءك إنما تريد أن تقول سمعتني وأنا شيخ وقد انقطعت وأنت شاب فقلت للجماعة إن رأيتم أن تسألوه أن يشفعني فيما طلبت منه فسألوه فاندفع فغناه فأعاده ثلاث مرات فما رأيت أحسن من غنائه على كبر سنه ونقصان صوته ثم قال غنه فغنيته فطرب الشيخ حتى بكى وقال اذهب يا بني فأنت أحسن الناس غناء ولئن عشت ليكونن لك شأن قال وكان بردان خفيف الروح طيب الحديث مليح النادرة مقبول الشهادة قد لقي الناس فكان بعد ذلك إذا رآني يدعوني فيأخذني معه إلى منزله ويسألني أن أغنيه فأفعل فإذا طابت نفسه سألته أن يطرح علي شيئاً من أغاني القدماء فيفعل إلى أن أخذت عنه عدة أصوات
صوت من المائة المختارة
( لمِنِ الدِّيارُ بحائِلٍ فُوعَالِ ... دَرَستْ وَغَيَّرها سِنُونَ خَوالِي )
( دَرَج البَوارِحُ فوقها فتنكَّرتْ ... بعد الأنيس مَعارِفُ الأطلال )
(8/288)

( دِمَنٌ تُذَعْذِعها الرياحُ وتارةً ... تعفو بمُرتَجِزٍ السَّحابِ ثِقَالِ )
( فكأنما هي من تَقادُمِ عهدِها ... وَرَقٌ نُشِرنَ من الكتاب بَوالِي )
الشعر للأخطل والغناء لسائب خاثر ولحنه المختار من الثقيل الأول بالبنصر من أصوات قليلة الأشباه وذكر عمرو بن بانة أن في الثاني والرابع من الأبيات للأبجر ثقيلا أول وذكر حبش أن لمعبد فيه ثقيلاً أول بالوسطى وأنه أحد السبعة وأن لإسحاق فيه ثاني ثقيل وذكر الهشامي أن لحن إسحاق خفيف ثقيل
(8/289)

ذكر الأخطل وأخباره ونسبه
هو غياث بن غوث بن الصلت بن الطارقة ويقال ابن سيحان بن عمرو بن الفدوكس بن عمرو بن مالك بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب ويكنى ابا مالك وقال المدائني هو غياث بن غوث بن سلمة بن طارقة قال ويقال لسلمة سلمة اللحام قال وبعث النعمان بن المنذر بأربعة أرماح لفرسان العرب فأخذ ابو براء عامر بن مالك رمحا وسلمة بن طارقة اللحام رمحا وهو جد الأخطل وأنس بن مدرك رمحا وعمرو بن معديكرب رمحا
والأخطل لقب غلب عليه ذكر هارون بن الزيات عن ابن النطاح عن أبي عبيدة أن السبب فيه أنه هجا رجلا من قومه فقال له يا غلام إنك الأخطل فغلبت عليه وذكر يعقوب بن السكيت أن عتبة بن الزعل بن عبد الله بن عمر بن عمرو بن حبيب بن الهجرس بن تيم بن سعد بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب حمل حمالة فأتى قومه يسأل فيها فجعل الأخطل يتكلم وهو يومئذ غلام فقال عتبة من هذا الغلام الأخطل فلقب به
(8/290)

قال يعقوب وقال غير أبي عبيدة إن كعب بن جعيل كان شاعر تغلب وكان لا يأتي منهم قوماً إلا أكرموه وضربوا له قبة حتى إنه كان تمد له حبال بين وتدين فتملأ له غنماً فأتى في مالك بن جشم ففعلوا ذلك به فجاء الأخطل وهو غلام فأخرج الغنم وطردها فسبه عتبة ورد الغنم إلى مواضعها فعاد وأخرجها وكعب ينظر إليه فقال إن غلامكم هذا الأخطل والأخطل السفيه فغلب عليه ولج الهجاء بينهما فقال الأخطل فيه
( سُمِّيتَ كعباً بشرّ العظام ... وكان أبوك يُسَمَّى الجُعَلْ )
( وإنّ مَحَلَّك من وائلٍ ... محلُّ القُرَاد من است الجمل )
فقال كعب قد كنت أقول لا يقهرني إلا رجل له ذكر ونبأ ولقد أعددت هذين البيتين لأن أهجى بهما منذ كذا وكذا فغلب عليهما هذا الغلام
وقال هارون بن الزيات حدثني قبيصة بن معاوية المهلبي قال حدثني عيسى بن إسماعيل قال حدثني القحذمي قال
وقع بين ابني جعيل وأمهما ذرء من كلام فأدخلوا الأخطل بينهم فقال الأخطل
( لَعَمْرُك إنني وابْنَيْ جُعَيْلٍ ... وأُمَّهما لإستارٌ لئيمُ )
فقال ابن جعيل يا غلام إن هذا لخطل من رأيك ولولا أن أمي سمية
(8/291)

أمك لتركت أمك يحدو بها الركبان فسمي الأخطل بذلك وكان اسم أمهما وأم الأخطل ليلى
وقال هارون حدثني إسماعيل بن مجمع عن ابن الكلبي عن قوم من تغلب في قصة كعب بن جعيل والأخطل بمثل ما ذكره يعقوب عن غير أبي عبيدة ممن لم يسمه وقال فيها وكان الأخطل يومئذ يقرزم والقرزمة الابتداء بقول الشعر فقال له أبوه أبقرزمتك تريد أن تقاوم ابن جعيل وضربه قال وجاء ابن جعيل على تفئة ذلك فقال من صاحب الكلام فقال أبوه لا تحفل به فإنه غلام أخطل فقال له كعب
( شَاهِدُ هذا الوجه غِبَّ الحُمَّهْ ... )
فقال الأخطل
( فناك كعبُ بن جُعَيْلٍ أُمَّهْ ... )
فقال كعب ما اسم أمك قال ليلى قال أردت أن تعيذها باسم أمي قال لا أعاذها الله إذا وكان اسم أم الأخطل ليلى وهي امرأة من إياد فسمي الأخطل يومئذ وقال
( هجا الناسُ ليلى أُمَّ كَعْبٍ فمُزِّقتْ ... فلم يبقَ إلا نَفْنَفٌ أنا رافعُهْ )
وقال فيه أيضا
( هجاني المُنْتِنَانِ ابنا جُعَيْلٍ ... وأيُّ الناسِ يقتله الهجاءُ )
( وُلِدتم بعد إخوتكم منَ استٍ ... فهَلاَّ جئتُمُ من حيث جاؤوا )
فانصرف كعب ولج الهجاء بينهما
(8/292)

من هو الأشعر الأخطل أم جرير أم الفرزدق
وكان نصرانيا من أهل الجزيرة ومحله في الشعر أكبر من أن يحتاج إلى وصف وهو وجرير والفرزدق طبقة واحدة فجعلها ابن سلام أول طبقات الإسلام ولم يقع إجماع على أحدهم أنه أفضل ولكل واحد منهم طبقة تفضله عن الجماعة
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي الفضل قال حدثني إسحاق بن إبراهيم عن أبي عبيدة قال
جاء رجل إلى يونس فقال له من أشعر الثلاثة قال الأخطل قلنا من الثلاثة قال أي ثلاثة ذكروا فهو أشعرهم قلنا عمن تروي هذا قال عن عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق الحضرمي وأبي عمرو بن العلاء وعنبسة الفيل وميمون الأقرن الذين ماشوا الكلام وطرقوه أخبرنا به أحمد بن عبد العزيز قال قال أبو عبيدة عن يونس فذكر مثله وزاد فيه لا كأصحابك هؤلاء لا بدويون ولا نحويون فقلت للرجل سله وبأي شيء فضلوه قال بأنه كان أكثرهم عدد طوال جياد ليس فيها سقط ولا فحش وأشدهم تهذيبا للشعر فقال ابو وهب الدقاق أما إن حماداُ وجناداً كانا لا يفضلانه فقال وما حماد وجناد لا نحويان ولا بدويان ولا يبصران الكسور ولا يفصحان وأنا
(8/293)

أحدثك عن أبناء تسعين أو أكثر أدوا إلى أمثالهم ماشوا الكلام وطرقوه حتى وضعوا أبنيته فلم تشذ عنهم زنة كلمة وألحقوا السليم بالسليم والمضاعف بالمضاعف والمعتل بالمعتل والأجوف بالأجوف وبنات الياء بالياء وبنات الواو بالواو فلم تخف عليهم كلمة عربية وما علم حماد وجناد
قال هارون حدثني القاسم بن يوسف عن الأصمعي
أن الأخطل كان يقول تسعين بيتاً ثم يختار منها ثلاثين فيطيرها
أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب قال أخبرنا محمد بن سلام قال سمعت سلمة بن عياش وذكر أهل المجلس جريراً والفرزدق والأخطل ففضله سلمة عليهما قال وكان إذا ذكر الأخطل يقول ومن مثل الأخطل وله في كل بيت شعر بيتان ثم ينشد قوله
( ولقد علمت إذا العِشارُ تَرَوَّحتْ ... هَدَجَ الرِّئال تَكُبُّهُنَّ شَمَالا )
( أنَّا نُعَجِّلُ بالعَبِيطِ لضيفِنا ... قبل العِيال ونضرب الأبطالا )
ثم يقول ولو قال
( ولقد علمت إذا العِشارُ ... تروّحت هَدَجَ الرئال )
كان شعراً وإذا زدتَ فيه تكبهن شمالا كان أيضا شعراً من روي آخر
أخبرنا ابو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني أبو يحيى الضبي قال
(8/294)

كعب بن جعيل لقبه الأخطل سمعه ينشد هجاء فقال يا غلام إنك لأخطل اللسان فلزمته
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أحمد بن معاوية قال حدثنا بعض أصحابنا عن رجل من بني سعد قال
كنت مع نوح بن جرير في ظل شجرة فقلت له قبحك الله وقبح أباك أما أبوك فأفنى عمره في مديح عبد ثقيف يعني الحجاج وأما أنت فامتدحت قثم بن العباس فلم تهتد لمناقبه ومناقب آبائه حتى امتدحته بقصر بناه فقال والله لئن سؤتني في هذا الموضع لقد سؤت فيه أبي بينا أنا آكل معه يوماً وفي فيه لقمة وفي يده أخرى فقلت يا ابت أنت أشعر أم الأخطل فجرض باللقمة التي في فيه ورمى بالتي في يده وقال يا بني لقد سررتني وسؤتني فأما سرورك إياي فلتعهدك لي مثل هذا وسؤالك عنه وأما ما سؤتني به فلذكرك رجلا قد مات يا بني أدركت الأخطل وله ناب واحد ولو أدركته وله ناب آخر لأكلني به ولكني أعانتني عليه خصلتان كبر سن وخبث دين
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد قال
( سئل حماد الراوية عن الأخطل فقال ما تسألوني عن رجل قد حبب شعره إلي النصرانية
قال إسحاق وحدثني ابو عبيدة قال قال أبو عمرو لو أدرك الأخطل يوما واحدا من الجاهلية ما قدمت عليه أحداً
قال إسحاق وحدثني الأصمعي أن أبا عمرو أنشد بيت شعر فاستجاده وقال لو كان للأخطل ما زاد
(8/295)

وذكر يعقوب بن السكيت عن الأصمعي عن أبي عمرو
أن جريراً سئل أي الثلاثة أشعر فقال أما الفرزدق فتكلف مني ما لا يطيق وأما الأخطل فأشدنا اجتراء وأرمانا للفرائص وأما أنا فمدينة الشعر
وقال ابن النطاح حدثني الأصمعي قال
إنما أدرك جرير الأخطل وهو شيخ قد تحطم وكان الأخطل أسن من جرير وكان جرير يقول أدركته وله ناب واحد ولو أدركت له نابين لأكلني قال وكان أبو عمرو يقول لو أدرك الأخطل يوما واحداً من الجاهلية ما فضلت عليه أحداً
أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال
قال العلاء بن جرير إذا لم يجىء الأخطل سابقاً فهو سكيت والفرزدق لا يجىء سابقاً ولا سكيتاً وجرير يجيء سابقا ومصلياً وسكيتاً
وقال يعقوب بن السكيت قال الأصمعي
قيل لجرير ما تقول في الأخطل قال كان أشدنا اجتزاء بالقليل وأنعتنا للحمر والخمر
وروى إسماعيل عن عبيد الله عن مؤرج عن شعبة عن سماك بن حرب
أن الفرزدق دخل الكوفة فلقيه ضوء بن اللجلاج فقال له من أمدح
(8/296)

أهل الإسلام فقال له وما تريد إلى ذلك قال تمارينا فيه قال الأخطل أمدح العرب
وقال هارون بن الزيات حدثني هارون بن مسلم عن حفص بن عمر قال
سمعت شيخاً كان يجلس إلى يونس كان يكنى أبا حفص فحدثه انه سأل جريراً عن الأخطل فقال أمدح الناس لكريم وأوصفه للخمر قال وكان ابو عبيدة يقول شعراء الإسلام الأخطل ثم جرير ثم الفرزدق قال أبو عبيدة وكان ابو عمرو يشبه الأخطل بالنابغة لصحة شعره
وقال ابن النطاح حدثني عبد الله بن رؤية بن العجاج قال
كان أبو عمرو يفضل الأخطل
وقال ابن النطاح حدثني عبد الرحمن بن برزخ قال كان حماد يفضل الأخطل على جرير والفرزدق فقال له الفرزدق إنما تفضله لأنه فاسق مثلك فقال لو فضلته بالفسق لفضلتك
قال ابن النطاح قال لي إسحاق بن مرار الشيباني الأخطل عندنا أشعر الثلاثة فقلت يقال أنه أمدحهم فقال لا والله ولكن أهجاهم من منهما يحسن أن يقول
( ونحن رفعنا عن سَلُولَ رماحَنا ... وعَمْداً رَغِبنا عن دماء بني نَصْرِ )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن موسى عن أحمد بن الحارث عن المدائني قال
قال الأخطل أشعر الناس قبيلة بنو قيس بن ثعلبة وأشعر الناس بيتا آل
(8/297)

أبي سلمى وأشعر الناس رجل في قميصي
عبد الملك بن مروان يجيزه على مدحه
أخبرني الحسن قال حدثني محمد قال حدثني الخراز عن المدائني عن علي بن حماد هكذا قال وأظنه علي بن مجاهد قال
قال الأخطل لعبد الملك يا امير المؤمنين زعم ابن المراغة أنه يبلغ مدحتك في ثلاثة أيام وقد أقمت في مدحتك
( خَفّ القَطِينُ فراحوا منك أو بَكَرُوا ... )
سنة فما بلغت كل ما أردت فقال عبد الملك فأسمعناها يا أخطل فأنشده إياها فجعلت أرى عبد الملك يتطاول لها ثم قال ويحك يا أخطل أتريد أن أكتب إلى الآفاق أنك أشعر العرب قال أكتفي بقول أمير المؤمنين وأمر له بجفنة كانت بين يديه فملئت دراهم وألقى عليه خلعا وخرج به مولى لعبد الملك على الناس يقول هذا شاعر أمير المؤمنين هذا أشعر العرب
وقال ابن الزيات حدثني جعفر بن محمد بن عيينة بن المنهال عن هشام عن عوانة قال
أنشد عبد الملك قول كثير فيه
( فما تركوها عَنْوةً من مودَّةٍ ... ولكن بحَدِّ المَشْرَفِيّ استقالَها )
فأعجب به فقال له الأخطل ما قلت لك والله يا أمير المؤمنين أحسن
(8/298)

منه قال وما قلت قال قلت
( أَهَلُّوا من الشهر الحَرَامِ فأصبحوا ... مَوالِيَ مُلْكٍ لا طَرِيفٍ ولا غَصْبِ )
جعلته لك حقا وجعلك أخذته غصبا قال صدقت
ادعاؤه بأنه اشعر من جرير والفرزدق
قال أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال أخبرنا عمر بن شبة قال أخبرنا أبو دقاقة الشامي مولى قريش عن شيخ من قريش قال
رأيت الأخطل خارجا من عند عبد الملك فلما انحدر دنوت منه فقلت يا أبا مالك من أشعر العرب قال هذان الكلبان المتعاقران من بني تميم فقلت فأين أنت منهما قال أنا واللات أشعر منهما قال فحلف باللات هزؤا واستخفافا بدينه
وروى هذا الخبر أبو أيوب المديني عن المدائني عن عاصم بن شبل الجرمي أنه سأل الأخطل عن هذا فذكر نحوه وقال واللات والعزى
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال ذكر الحرمازي
أن رجلا من بني شيبان جاء إلى الأخطل فقال له يا أبا مالك إنا وإن كنا بحيث تعلم من افتراق العشيرة واتصال الحرب والعداوة تجمعنا ربيعة وإن لك عندي نصحا فقال هاته فما كذبت فقلت إنك قد هجوت جريرا ودخلت بينه وبين الفرزدق وأنت غني عن ذلك ولا سيما أنه يبسط لسانه بما ينقبض عنه لسانك ويسب ربيعة سبا لا تقدر على سب مضر بمثله والملك فيهم والنبوة قبله فلو شئت أمسكت عن مشارته ومهارته فقال صدقت في
(8/299)

نصحك وعرفت مرادك وصلتك رحم فوالصليب والقربان لأتخلصن إلى كليب خاصة دون مضر بما يلبسهم خزيه ويشملهم عاره ثم اعلم أن العالم بالشعر لا يبالي وحق الصليب إذا مر به البيت المعاير السائر الجيد أمسلم قاله أم نصراني
أخبرني وكيع قال حدثني أبو أيوب المديني عن أبي الحسن المدائني قال
أصبح عبد الملك يوما في غداة باردة فتمثل قول الأخطل
( إذا اصطبح الفتى منها ثلاثاً ... بغير الماءِ حاول أن يَطُولاَ )
( مَشَى قرشيَّةً لا شكَّ فيها ... وأرخَى من مآزِرِه الفُضولا )
ثم قال كأني أنظر إليه الساعة مجلل الإزار مستقبل الشمس في حانوت من حوانيت دمشق ثم بعث رجلا يطلبه فوجده كما ذكره
وقال هارون بن الزيات حدثني طائع عن الأصمعي قال أنشد أبو حية النميري يوما أبا عمرو
( يا لَمَعَدٍّ ويا لَلَّناسِ كلِّهمُ ... ويا لَغائبهم يوماً ومَنْ شَهِدا )
كأنه معجب بهذا البيت فجعل أبو عمرو يقول له إنك لتعجب بنفسك كأنك الأخطل
حواره مع عبد الملك بعد أن عرض عليه الإسلام
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الغلابي عن عبد الرحمن التيمي عن
(8/300)

هشام بن سليمان المخزومي
أن الأخطل قدم على عبد الملك فنزل على ابن سرحون كاتبه فقال عبد الملك على من نزلت قال على فلان قال قاتلك الله ما أعلمك بصالح المنازل فما تريد أن ينزلك قال درمك من درمككم هذا ولحم وخمر من بيت رأس فضحك عبد الملك ثم قال له ويلك وعلى أي شيء اقتتلنا إلا على هذا ثم قال ألا تسلم فنفرض لك في الفيء ونعطيك عشرة آلاف قال فكيف بالخمر قال وما تصنع بها وإن أولها لمر وإن آخرها لسكر فقال أما إذا قلت ذلك فإن فيما بين هاتين لمنزلة ما ملكك فيها إلا كعلقة ماء من الفرات بالإصبع فضحك ثم قال ألا تزور الحجاج فإنه كتب يستزيرك فقال أطائع ام كاره قال بل طائع قال ما كنت لأختار نواله على نوالك ولا قربه على قربك إنني إذا لكما قال الشاعر
( كَمُبْتاعٍ ليركبَه حماراً ... تَخَيَّره من الفرس الكبير )
فأمر له بعشرة آلاف درهم وأمره بمدح الحجاج فمدحه بقوله
( صَرَمتْ حِبالَك زينبٌ ورَعُومُ ... وبَدَا المُجَمْجَمُ منهما المكتومُ )
ووجه بالقصيدة مع ابنه إليه وليست من جيد شعره
وقال هارون بن الزيات حدثني محمد بن إسماعيل عن أبي غسان قال
(8/301)

ذكروا الفرزدق وجريرا في حلقة المدائني فقلت لصباح بن خاقان أنشدك بيتين للأخطل وتجيء لجرير والفرزدق بمثلهما قال هات فأنشدته
( ألَمْ يأتِها أنّ الأرَاقِمَ فَلَّقَتْ ... جَمَاجِمَ قَيْسٍ بين رَاذَانَ والحَضْرِ )
( جَمَاجِم قومٍ لم يَعافوا ظُلامَةً ... ولم يعرِفوا أين الوفاءُ من الغَدْرِ )
قال فسكت
قال إسحاق وحدثني أبو عبيدة أن يونس سئل عن جرير والفرزدق والأخطل أيهم أشعر قال أجمعت العلماء على الأخطل فقلت لرجل إلى جنبه سله ومن هم فقال من شئت ابن أبي إسحاق وأبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر وعنبسة الفيل وميمون الأقرن هؤلاء طرقوا الكلام وماشوه لا كمن تحكمون عنه لا بدويين ولا نحويين فقلت للرجل سله وبأي شيء فضل على هؤلاء قال بأنه كان أكثرهم عدد قصائد طوال جياد ليس فيها فحش ولا سقط قال أبو عبيدة فنظرنا في ذلك فوجدنا للأخطل عشرا بهذه الصفة وإلى جانبها عشرا إن لم تكن مثلها فليست بدونها ووجدنا لجرير بهذه الصفة ثلاثا قال إسحاق فسألت أبا عبيدة عن العشر فقال
( عَفَا واسِطٌ من آل رَضْوَى فنَبْتَلُ ... ) و
( تأبَّد الرَّبْعُ من سَلْمَى بأحفارِ ... )
(8/302)

و
( خَفّ القَطينُ فراحوا منك وابتكَروا ... ) و
( كَذَبْتك عينُك أم رأيتَ بواسطٍ ... ) و
( دَعِ المُعَمَّر لا تسأل بمَصْرَعِه ... ) و
( لمن الديارُ بحائلٍ فوُعَالِ ... )
قال إسحاق ولم احفظ بقية العشر قال وقصائد جرير
( حيِّ الهِدَمْلةَ من ذات المَوَاعِيسِ ... ) و
( أَلاَ طرقتَكَ وأهلي هُجُودُ ... ) و
( أَهَوًى أَراكَ برامَتَيْنِ وُقودا ... )
قال وقال أبو عبيدة الأخطل أشبه بالجاهلية وأشدهم أسر شعر وأقلهم سقطا
واخبرنا الجوهري عن عمر بن شبة عن أبي عبيدة مثله
وفي بعض هذه القصائد التي ذكرت للأخطل اغان هذا موضع ذكرها
منها
صوت
( تأبّد الرَّبْعُ من سَلْمَى بأحفارِ ... وأَقْفرتْ من سُلَيْمَى دِمْنةُ الدارِ )
( وقد تَحُلُّ بها سَلْمَى تُجاذِبُني ... تَسَاقُطَ الحَلْي حاجاتي وأسراري )
غناه عمر الوادي هزجا بالسبابة في مجرى الوسطى وسنذكر خبر هذا الشعر في أخبار عبد الرحمن بن حسان لما هجاه الأخطل وهجا الأنصار إذ كان هذا الشعر قيل في ذلك
(8/303)

ومنها
صوت
( خَفّ القَطِينُ فراحوا منك وابتكروا ... وأزعجتْهم نَوَّى في صَرْفِها غِيَرُ )
( كانَّني شاربٌ يوم استُبِدَّ بهم ... من قَهْوةٍ ضُمِّنَتْها حِمْصُ أو جَدَرُ )
( جادتْ بها من ذواتِ القارِ مُتْرَعةٌ ... كَلْفاءُ يَنْحَتُّ عن خُرْطومها المَدَر )
غناه إبراهيم خفيف ثقيل بالبنصر ولابن سريج فيه رمل بالوسطى عن عمرو وفيه رمل آخر يقال إنه لعلويه ويقال إنه لإبراهيم وفيه لعلويه خفيف ثقيل آخر لا يشك فيه
بماذا أجاب عمر بن الوليد عندما سأله عن أشعر الناس
وقال هارون بن الزيات حدثني ابن النطاح عن أبي عمرو الشيباني عن رجل من كلب يقال له مهوش عن أبيه
أن عمر بن الوليد بن عبد الملك سأل الأخطل عن أشعر الناس قال الذي كان إذا مدح رفع وإذا هجا وضع قال ومن هو قال الأعشى قال ثم من قال ابن العشرين يعني طرفة قال ثم من قال أنا
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال أخبرنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو بكر العليمي قال حدثنا أبو قحافة المري عن أبيه قال
دخل الأخطل على بشر بن مروان وعنده الراعي فقال له بشر أنت
(8/304)

أشعر أم هذا قال أنا أشعر منه واكرم فقال للراعي ما تقول قال أما أشعر مني فعسى وأما اكرم فإن كان في أمهاته من ولدت مثل الأمير فنعم فلما خرج الأخطل قال له رجل أتقول لخال الأمير أنا أكرم منك قال ويلك إن أبا نسطوس وضع في رأسي أكؤساً ثلاثا فوالله ما أعقل معها
أنشد عبد الملك وهو نشوان
قال ودخل الأخطل على عبد الملك بن مروان فاستنشده فقال قد يبس حلقي فمر من يسقيني فقال اسقوه ماء فقال شراب الحمار وهو عندنا كثير قال فاسقوه لبنا قال عن اللبن فطمت قال فاسقوه عسلا قال شراب المريض قال فتريد ماذا قال خمرا يا أمير المؤمنين قال أوعهدتني اسقي الخمر لا أم لك لولا حرمتك بنا لفعلت بك وفعلت فخرج فلقي فراشا لعبد الملك فقال ويلك إن أمير المؤمنين استنشدني وقد صحل صوتي فاسقني شربة خمر فسقاه فقال اعدله بآخر فسقاه آخر فقال تركتهما يعتركان في بطني اسقني ثالثا فسقاه ثالثاً فقال تركتني أمشي على واحدة اعدل ميلي برابع فسقاه رابعا فدخل على عبد الملك فأنشده
( خَفّ القطينُ فراحوا منك وابتكَروا ... وأزعجتْهم نَوًى في صرفها غِيَرُ )
فقال عبد الملك خذ بيده يا غلام فأخرجه ثم ألق عليه من الخلع ما يغمره واحسن جائزته وقال إن لكل قوم شاعرا وإن شاعر بني أمية الأخطل
أخبرني أبو خليفة إجازة عن محمد بن سلام قال قال أبان بن عثمان حدثني سماك بن حرب عن ضوء بن اللجلاج قال
(8/305)

دخلت حماما بالكوفة وفيه الأخطل قال فقال ممن الرجل قلت من بني ذهل قال أتروي للفرزدق شيئا قلت نعم قال ما أشعر خليلي على أنه ما أسرع ما رجع في هبته قلت وما ذاك قال قوله
( أَبَني غُدَانَةَ إنَّني حَرَّرتكم ... فوَهبتُكم لعطيَّة بن جِعَالِ )
( لولا عَطِيَّةُ لاجتدعتُ أُنوفَكم ... من بين ألأم آنُفٍ وسِبَالِ )
وهبهم في الأول ورجع في الآخر فقلت لو أنكر الناس كلهم هذا ما كان ينبغي أن تنكره أنت قال كيف قلت هجوت زفر بن الحارث ثم خوفت الخليفة منه فقلت
( بني أُميَّةَ إنِّي ناصحٌ لكمُ ... فلا يَبِيتنَّ فيكم آمِناً زُفَرُ )
( مفترشاً كافتراش اللَّيث كَلْكَلَه ... لوقعةٍ كائنٍ فيها له جَزَرُ )
مدحت عكرمة بن ربعي فقلت
( قد كنتُ أحسَبه قَيْناً وأُخْبَرُه ... فاليومَ طُيِّرَ عن أثوابه الشَّرَرُ )
قال لو أردت المبالغة في هجائه ما زدت على هذا فقال له الأخطل والله لولا أنك من قوم سبق لي منهم ما سبق لهجوتك هجاء يدخل معك قبرك ثم قال
( ما كنتَ هاجِيَ قوم بعد مَدْحِهِمُ ... ولا تُكَدَّرُ نُعْمَى بعد ما تَجِبُ )
(8/306)

أخرج عني
وقال هارون بن الزيات حدثني أحمد بن إسماعيل الفهري عن أحمد بن عبد العزيز بن علي بن ميمون عن معن بن خلاد عن ابيه قال
لما استنزل عبد الملك زفر بن الحارث الكلابي من قرقيسيا أقعده معه على سريره فدخل عليه ابن ذي الكلاع فلما نظر إليه مع عبد الملك على السرير بكى فقال له ما يبكيك فقال يا أمير المؤمنين كيف لا أبكي وسيف هذا يقطر من دماء قومي في طاعتهم لك وخلافه عليك ثم هو معك على السرير وأنا على الأرض قال إني لم أجلسه معي أن يكون أكرم علي منك ولكن لسانه لساني وحديثه يعجبني فبلغت الأخطل وهو يشرب فقال أما والله لأقومن في ذلك مقاما لم يقمه ابن ذي الكلاع ثم خرج حتى دخل على عبد الملك فلما ملأ عينه منه قال
( وكأسٍ مثلِ عين الدِّيكِ صِرْفٍ ... تُنَسِّي الشاربين لها العقولاَ )
( إذا شَرِب الفَتَى منها ثلاثاً ... بغير الماءِ حاول أن يَطُولاَ )
( مَشَى قُرَشية لا شكَّ فيها ... وأرخَى من مآزره الفُضولاَ )
فقال له عبد الملك ما أخرج هذا منك يا أبا مالك إلا خطة في رأسك قال اجل والله يا أمير المؤمنين حين تجلس عدو الله هذا معك على السرير وهو القائل بالأمس
( وقد يَنْبُت المَرْعَى على دِمَنِ الثَّرَى ... وتبقَى حزازاتُ النفوسِ كما هيا )
(8/307)

قال فقبض عبد الملك رجله ثم ضرب بها صدر زفر فقلبه عن السرير وقال أذهب الله حزازات تلك الصدور فقال أنشدك الله يا أمير المؤمنين والعهد الذي أعطيتني فكان زفر يقول ما أيقنت بالموت قط إلا تلك الساعة حين قال الأخطل ما قال
وقال هارون بن الزيات حدثني هارون بن مسلم عن سعيد بن الحارث عن عبد الخالق بن حنظلة الشيباني قال
قال الأخطل فضلت الشعراء في المديح والهجاء والنسيب بما لا يلحق بي فيه فأما النسيب فقولي
( أَلاَ يا اسْلَمِي يا هندُ هندَ بني بَدْرِ ... وإن كان حيَّانَا عِدًى آخِرَ الدَّهْرِ )
( من الخَفِراتِ البِيضِ أمَّا وِشَاحُها ... فيجري وأمَّا القُلْبُ منها فلا يجري )
( تموت وتحيا بالضجيع وتلتوي ... بمُطَّرِد المَتْنَيْن مُنْبَترِ الخَصْرِ )
وقولي في المديح
( نفسِي فداءُ أمير المؤمنين إذا ... أبدى النَّواجِذَ يوماً عارِمٌ ذَكَرُ )
( الخائضُ الغمرةِ الميمونُ طائرهُ ... خليفةُ اللَّه يُسْتَسْقَى به المَطَرُ )
وقولي في الهجاء
( وكنتَ إذا لَقِيتَ عبيدَ تَيْمٍ ... وتيماً قلتَ أيُّهمُ العبيدُ )
( لئيمُ العالَمين يَسُودُ تَيْماً ... وسيِّدُهم وإن كَرِهوا مَسُودُ )
قال عبد الخالق وصدق لعمري لقد فضلهم
(8/308)

طلق زوجته وتزوج من مطلقة
أخبرني احمد بن عبد العزيز قال حدثني عمر بن شبة عن أحمد بن معاوية عن محمد بن داود قال
طلق أعرابي امرأته فتزوجها الأخطل وكان الأخطل قد طلق امرأته قبل ذلك فبينا هي معه إذ ذكرت زوجها الأول فتنفست فقال الأخطل
( كِلاَنَا على هَمٍّ يبيتُ كأنما ... بجَنْبَيْهِ من مَسِّ الفِراش قُروحُ )
( على زوجِها الماضي تنوحُ وإنني ... على زوجتي الأُخْرى كذاك أنوحُ )
أخبرني الحسن بن علي قال أخبرنا أحمد بن زهير بن حرب عن خالد بن خداش
أن الأخطل قال لعبد الملك بن المهلب ما نازعتني نفسي قط إلى مدح أحد ما نازعتني إلى مدحكم فأعطني عطية تبسط بها لساني فوالله لأردينكم أردية لا يذهب صقالها إلى يوم القيامة فقال أعلم والله يا أبا مالك أنك بذلك مليء ولكني أخاف أن يبلغ أمير المؤمنين أني أسأل في غرم وأعطي الشعراء فأهلك ويظن ذلك مني حيلة فلما قدم على إخوته لاموه كل اللوم فيما فعله فقال قد أخبرته بعذري
أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال قال أبو الخطاب حدثني نوح بن جرير قال
قلت لأبي أنت أشعر أم الأخطل فنهرني وقال بئس ما قلت وما أنت وذاك لا أم لك فقلت وما أنا وغيره قال لقد أعنت عليه بكفر وكبر سن وما رأيته إلا خشيت أن يبتلعني
(8/309)

أخبرني عمَّي عن الكراني عن دماذ عن أبي عبيدة قال
( قال رجل لأبي عمرو يا عجباً للأخطل نصراني كافر يهجو المسلمين فقال أبو عمرو يا لكع لقد كان الأخطل يجيء وعليه جبة خز وحرز خز في عنقه سلسة ذهب فيها صليب ذهب تنفض لحيته خمراً حتى يدخل على عبد الملك بن مروان بغير إذن
ابو العسكر يصنف الشعراء الثلاثة
وقال هارون حدثني أحمد بن إسماعيل الفهري عن أحمد بن عبد الله بن علي الدوسي عن معقل بن فلان عن أبيه عن أبي العسكر قال
كنا بباب مسلمة بن عبد الملك فتذاكرنا الشعراء الثلاثة فقال أصحابي حكمناك وتراضينا بك فقلت نعم هم عندي كأفراس ثلاثة أرسلتهن في رهان فأحدها سابق الدهر كله وأحدها مصل وأحدها يجيء أحيانا سابق الريح وأحيانا سكيتا وأحيانا متخلفاً فأما السابق في كل حالاته فالأخطل وأما المصلي في كل حالاته فالفرزدق وأما الذي يسبق الريح أحيانا ويتخلف أحيانا فجرير ثم أنشد له
( سَرَى لهمُ ليلٌ كأنّ نجومَه ... قناديلُ فيهنّ الذُّبَالُ المُفَتَّلُ )
وقال أحسن في هذا وسبق ثم أنشد
( التَّغْلَبِيَّةُ مَهْرُها فَلْسانِ ... والتغلَبيّ جنازةُ الشَّيْطانِ )
وقال تخلف في هذه فخرجنا من عنده على هذا
(8/310)

وقال هارون بن الزيات حدثني محمد بن عمرو الجرجاني عن أبيه
أن الفرزدق والأخطل بينا هما يشربان وقد اجتمعا بالكوفة في إمارة بشر بن مروان إذ دخل عليهما فتًى من أهل اليمامة فقالا له هل تروي لجرير شيئاً فأنشدهما
( لو قد بعثتُ على الفرزدقِ مِيسمِي ... وعلى البَعِيثِ لقد نكحتُ الأخطلاَ )
فأقبل الفرزدق فقال يا ابا مالك أتراه إن وسمني يتوركك على كبر سنك ففزع الفتى فقام وقال أنا عائذ بالله من شركما فقالا اجلس لا بأس عليك ونادماه بقية يومهما
الفرزدق في ضيافته
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال أخبرنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو يعلى قال حدثني عبد السلام بن حرب قال
نزل الفرزدق على الأخطل ليلاً وهو لا يعرفه فجاءه بعشاء ثم قال له إني نصراني وأنت حنيف فأي الشراب أحب إليك قال شرابك ثم جعل الأخطل لا ينشد بيتا إلا أتم الفرزدق القصيدة فقال الأخطل لقد نزل بي الليلة شر من أنت قال الفرزدق بن غالب قال فسجد لي وسجدت له فقيل للفرزدق في ذلك فقال كرهت أن يفضلني فنادى الأخطل يا بني تغلب هذا الفرزدق فجمعوا له إبلاً كثيرة فلما اصبح فرقها ثم شخص
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال
كان مما يقدم به الأخطل أنه كان أخبثهم هجاء في عفاف عن الفحش وقال الأخطل ما هجوت أحداً قط بما تستحي العذراء أن تنشده أباها
(8/311)

أخبرني أحمد وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن عباد الموصلي قال
خرج يزيد بن معاوية معه عام حج بالأخطل فاشتاق يزيد أهله فقال
( بكَى كلُّ ذي شَجْوٍ من الشام شاقَهُ ... تَهامٍ فأنَّى يلتقي الشَّجِيَانِ )
أجز يا أخطل فقال
( يغُور الذي بالشام أو يُنْجِدُ الذي ... بغَوْرِ تهاماتٍ فيلتقيان )
أخبرني أحمد وحبيب قالا حدثنا عمر بن شبة قال
قيل لأبي العباس أمير المؤمنين إن رجلاً شاعراً قد مدحك فتسمع شعره قال وما عسى أن يقول في بعد قول ابن النصرانية في بني أمية
( شُمْسُ العداوةِ حتى يُسْتقادَ لهم ... وأعظمُ الناسِ أحلاماً إذا قَدَرُوا )
خبر له مع أمه
أخبرني به وكيع عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عدي بمثله
قال هارون وحدثني هارون بن سليمان عن الحسن بن مروان التميمي عن أبي بردة الفزاري عن رجل من تغلب قال
لحظ الأخطل شكوة لأمه فيها لبن وجرابا فيه تمر وزبيب وكان جائعا وكان يضيق عليه فقال لها يا أمّه آل فلان يزورونك ويقضون حقك وأنت لا تأتينهم وعندهم عليل فلو أتيتهم لكان اجمل وأولى بك قالت جزيت خيراً يا بني لقد نبهت على مكرمة وقامت فلبست ثيابها ومضت إليهم فمضى
(8/312)

الأخطل إلى الشكوة ففرغ ما فيها وإلى الجراب فأكل التمر والزبيب كله وجاءت فلحظت موضعها فرأته فارغاً فعلمت أنه قد دهاها وعمدت إلى خشبة لتضربه بها فهرب وقال
( أَلَمَّ على عِنَبات العجوزِ ... وشَكْوَتها من غِيَاثٍ لَمَمْ )
( فظلَّت تُنادي أَلاَ وَيْلَها ... وتَلْعَن واللعنُ منها أَمَمْ )
وذكر يعقوب بن السكيت هذه القصة فحكى أنها كانت مع امرأة لأبيه لها منه بنون فكانت تؤثرهم باللبن والتمر والزبيب وتبعث به يرعى أعنزاً لها وسائر القصة والشعر متفق وقال في خبره وهذا أول شعر قاله الأخطل
نسيبه بأمامة ورعوم
أخبرني الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن علي بن فيروز عن الأصمعي عن أمامة ورعوم اللتين قال فيهما الأخطل
( صَرَمتْ أَمَامَةُ حبلَها ورَعومُ ... )
ورعوم وأمامة بنتا سعيد بن إياس بن هانىء بن قبيصة وكان الأخطل نزل عليه فأطعمه وسقاه خمراً وخرجتا وهما جويريتان فخدمتاه ثم نزل عليه ثانية وقد كبرتا فحجبتا عنه فسأل عنهما وقال فأين ابنتاي فأخبر بكبرهما فنسب بهما قال والرعوم هي التي كانت عند قتيبة بن مسلم وكان يقال لها أم الأخماس تزوجت في أخماس البصرة محمد بن المهلب وعامر بن مسمع وعباد بن الحصين وقتيبة بن مسلم وكان يقال لها الجارود
(8/313)

أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخراز عن المدائني قال قال أبو عبد الملك
كانت بكر بن وائل إذا تشاجرت في شيء رضيت بالأخطل وكان يدخل المسجد فيقدمون إليه قال فرأيته بالجزيرة وقد شكي إلى القس وقد أخذ بلحيته وضربه بعصاه وهي يصيء كما يصيء الفرخ فقلت له أين هذا مما كنت فيه بالكوفة فقال يابن أخي إذا جاء الدين ذللنا
وقال يعقوب بن السكيت زعم غيلان عن يحيى بن بلال عن عمر بن عبد الله عن داود بن المساور قال
( دخلت إلى الأخطل فسلمت عليه فنسبني فانتسبت واستنشدته فقال أنشدك حبة قلبي ثم أنشدني
( لَعَمْرِي لقد أَسْريتُ لا ليلَ عاجز ... بسَلْهَبَةِ الخَدَّيْنِ ضاويةِ القُرْبِ )
( إليكَ أميرَ المؤمنين رَحَلْتُها ... على الطائِر الميمون والمنزل الرَّحْبِ )
فقلت من أشعر الناس قال الأعشى قلت ثم من قال ثم أنا
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه عن أبي أيوب المديني عن المدائني قال
امتدح الأخطل هشاما فأعطاه خمسمائة درهم فلم يرضها وخرج فاشترى بها تفاحاً وفرقه على الصبيان فبلغ ذلك هشاماً فقال قبحه الله ما ضر إلا نفسه
(8/314)

وقال يعقوب بن السكيت حدثني سلمة النميري وتوفي وله مائة وأربعون سنة أنه حضر هشاماً وله يومئذ تسع عشرة سنة وحضر جرير والفرزدق والأخطل عنده فأحضر هشام ناقة له فقال متمثلا
( أنيخها ما بَدَا لِي ثم أَرْحَلُها ... )
( ثم قال أيكم أتم البيت كما أريد فهي له فقال جرير
( كأنَّها نِقْنِقٌ يَعْدُو بصَحْراءِ ... )
( فقال لم تصنع شيئا فقال الفرزدق
( كأنَّها كاسِرٌ بالدَّوّ فَتْخاءُ ... )
فقال لم تغن شيئاً فقال الأخطل
( تُرْخِي المَشافِرَ واللَّحْيينِ إرخاءَ ... ) فقال اركبها لا حملك الله
هجا جارية بعد أن هجته
وقال هارون بن الزيات حدثني الخراز عن المدائني قال
هجت الأخطل جارية من قومه فقال لأبيها يا أبا الدلماء إن ابنتك تعرضت لي فاكففها فقال له هي امرأة مالكة لأمرها فقال الأخطل
( أَلاَ أَبْلِغْ أبا الدَّلْمَاءِ عنِّي ... بأن سِنانَ شاعركم قصيرُ )
( فإنْ يَطْعُنْ فليس بذي غَناءٍ ... وإن يُطْعَنْ فمَطْعنَهُ يسيرُ )
( متى ما ألقَه ومعي سِلاحي ... يخِرّ على قفاه فلا يُحِيرُ )
(8/315)

فمشى أبوها في رجال من قومه إلى الأخطل فكلموه فقال أما ما مضى فقد مضى ولا أزيد
أخبرنا ابو خليفة إجازة عن محمد بن سلام قال
لما حضرت الأخطل الوفاة قيل له يا أبا مالك ألا توصي فقال
( أوَصِّي الفرزدق عند المماتِ ... بأُمِّ جريرٍ وأعيارِها )
( وزار القبورَ ابو مالكٍ ... برغم العُداة وأَوْتارِها )
راي كبار الرواة فيه
أخبرنا أبو خليفة إجازة عن محمد بن سلام قال قال لي معاوية بن أبي عمرو بن العلاء أي البيتين عندك أجود قول جرير
( ألستم خيرَ مَنْ رَكِب المَطَايَا ... وأَنْدَى العالمين بُطُونَ رَاحِ )
أم قول الأخطل
( شُمْسُ العداوةِ حتى يُسْتَقادَ لهم ... وأعظمُ الناسِ أحلاماً إذا قَدَرُوا )
فقلت بيت جرير أحلى وأسير وبيت الأخطل أجزل وأرزن فقال صدقت وهكذا كانا في أنفسهما عند الخاصة والعامة
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الحلبي وجعفر بن سعيد أن رجلاً سأل حماداً الراوية عن الأخطل فقال ويحكم ما أقول في شعر رجل قد والله حبب إلي شعره النصرانية
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو عثمان الأشنانداني عن أبي عبيدة قال كان يونس بن حبيب وعيسى بن عرم وابو عمرو يفضلون الأخطل على الثلاثة
(8/316)

وقال هارون بن الزيات حدثني أبو عثمان المازني عن العتبي عن أبيه
أن سليمان بن عبد الملك سأل عمر بن عبد العزيز أجرير اشعر أم الأخطل فقال له أعفني قال لا والله لا أعفيك قال إن الأخطل ضيق عليه كفره القول وإن جريراً وسع عليه إسلامه قوله وقد بلغ الأخطل منه حيث رأيت فقال له سليمان فضلت والله الأخطل
قال هارون وحدثني أبو عثمان عن الأصمعي عن خالد بن كلثوم قال
قال عبد الملك للفرزدق من أشعر الناس في الإسلام قال كفاك بابن النصرانية إذا مدح
قصة أبي سواج
أخبرنا أحمد وحبيب قالا حدثنا عمر بن شبة قال
حدثت أن الحجاج بن يوسف أوفد وفداً إلى عبد الملك وفيهم جرير فجلس لهم ثم أمر بالأخطل فدعي له فلما دخل عليه قال له يا أخطل هذا سبك يعني جريراً وجرير جالس فأقبل عليه جرير فقال أين تركت خنازير أمك قال راعية مع أعيار أمك وإن أتيتنا قريناك منها فأقبل جرير على عبد الملك فقال يا أمير المؤمنين إن رائحة الخمر لتفوح منه قال صدق يا أمير المؤمنين وما اعتذاري من ذلك
( تَعِيبُ الخمرَ وهي شرابُ كِسْرَى ... ويشرَب قومُك العَجَبَ العجيبَا )
( مَنِيُّ العبد عبدِ ابي سُوَاج ... ( أَحَقُّ من المُدامةِ أن تَعِيبا )
فقال عبد الملك دعوا هذا وأنشدني يا جرير فأنشده ثلاث قصائد كلها في الحجاج يمدحه بها فأحفِظ عبد الملك وقال له يا جرير إن الله
(8/317)

لم ينصر الحجاج وإنما نصر خليفته ودينه ثم أقبل على الأخطل فقال
( شُمْسُ العداوةِ حتى يُستقادَ لهم ... وأعظمُ الناس أحلاماً إذا قَدروا )
فقال عبد الملك هذه المزمرة والله لو وضعت على زبر الحديد لأذابتها ثم أمر له بخلع فخلعت عليه حتى غاب فيها وجعل يقول إن لكل قوم شاعراً وإن الأخطل شاعر بني أمية
فأما قول الأخطل
( مَنيّ العبدِ عبدِ أبي سُوَاجٍ ... )
فأخبرني بخبر أبي سواج علي بن سليمان الأخفش ومحمد بن العباس اليزيدي قالا حدثنا أبو سعيد السكري قال حدثنا محمد بن حبيب وابو غسان دماذ عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أن ابا سواج وهو عباد بن خلف الضبي جاور بني يربوع وكانت له فرس يقال لها بذوة وكان لصرد بن جمرة اليربوعي فرس يقال لها القضيب فتراهنا عشرين بعشرين فسبقت بذوة فظلمه ابن جمرة حقه ومنعه سبقه وجعل يفجر بامرأته ثم إن ابا سواج ذهب إلى البحرين يمتار فلما اقبل راجعاً وكان رجلاً شديداً معجباً بنفسه جعل يقول وهو يحدو
( يا ليتَ شِعْرِي هل بَغَتْ من بَعْدي ... )
فسمع قائلاً يقول من خلفه
( نَعَمْ بمكوِيٍّ قَفاهُ جَعْدِي ... )
فعاد إلى قوله فأجابه بمثل ذلك وقدم إلى منزله فأقام به مدة فتغاضب
(8/318)

صرد على امرأة أبي سواج وقال لا أرضى أو تقدي من است أبي سواج سيراً فأخبرت زوجها بذلك فقام إلى نعجة له فذبحها وقد من باطن أليتيها سيراً فدفعه إليها فجعله صرد بن جمرة في نعله فقال لقومه إذا أقبلت وفيكم أبو سواج فسلوني من أين أقبلت ففعلوا فقال من ذي بليان وأريد ذابليان وفي نعلي شراكان من است إنسان فقام ابو سواج فطرح ثوبه وقال أنشدكم الله هل ترون بأساً ثم أمر أبو سواج غلامين له راعيين أن يأخذا أمة له فيتراوحاها ودفع إليهما عساً وقال لئن قطرت منكما قطرة في غير العس لأقتلنكما فباتا يتراوحانها ويصبان ما جاء منهما في العس وأمرهما أن يحلبا عليه فحلبا حتى ملآه ثم قال لامرأته والله لتسقنه صرد أو لأقتلنك واختبأ وقال ابعثي إليه حتى يأتيك ففعلت واتاها لعادتها كما كان يأتيها فرحبت به واستبطأته ثم قامت إلى العس فناولته إياه فلما ذاقه رأى طعماً خبيثاً وجعل يتمطق من اللبن الذي يشرب وقال إني أرى لبنكم خاثراً أحسب إبلكم رعت السعدان فقالت إن هذا من طول مكثه في الإناء أقسمت عليك إلا شربته فلما وقع في بطنه وجد الموت فخرج إلى أهله ولا يعلم أصحابه بشيء من أمره فلما جن على أبي سواج الليل أتى أهله وغلمانه فانصرفوا إلى قومه وخلف الفرس وكلبه في الدار فجعل الكلب ينبح والفرس يصهل وذلك ليظن القوم أنه لم يرتحل فساروا ليلتهم والدار ليس فيها غيره وكلبه وفرسه وعسه فلما اصبح ركب فرسه وأخذ العس فأتى مجلس بني يربوع فقال جزاكم الله من جيران خيراً فقد أحسنتم الجوار وفعلتم ما كنتم له أهلاً فقالوا له
(8/319)

يا أبا سواج ما بدا لك في الانصراف عنا قال إن صرد بن جمرة لم يكن فيما بيني وبينه محسنا وقد قلت في ذلك
(
( إن المَنيَّ إذا سَرَى ... في العبد اصبح مُسْمَغِدَّا )
( أتُنالُ سَلْمَى باطلاً ... وخُلِقْتُ يوم خُلِقتُ جَلْدَا )
( صُرَدَ بنَ جمرةَ هل لَقِيتَ ... رثيئةً لبناً وعَصْدَا )
واعلموا أن هذا القدح قد أحبل منكم رجلاً وهو صرد بن جمرة ثم رمى بالعس على صخرة فانكسر وركض فرسه وتنادوا عليكم الرجل فأعجزهم ولحق بقومه وقال في ذلك عمر بن لجأ التيمي
( تُمَسِّحُ يربوعٌ سبالاً لئميةً ... بها من مَنِيِّ العبدِ رَطْبٌ ويابسُ )
وإياه عنى الأخطل بقوله
( ويشرَب قومُك العجبَ العجيبا ... )
حبسه القس ثم أطلقه بعد شفاعة
أخبرنا ابو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال زعم محمد بن حفص بن عائشة التيمي عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب قال
(8/320)

قدمت الشام وأنا شاب مع أبي فكنت أطوف في كنائسها ومساجدها فدخلت كنيسة دمشق وإذا الأخطل فيها محبوس فجعلت أنظر إليه فسأل عني فاخبر بنسبي فقال يا فتى إنك لرجل شريف وإني أسألك حاجة فقلت حاجتك مقضية قال إن القس حبسني ها هنا فتكلمه ليخلي عني فأتيت القس فانتسبت له فرحب وعظم قلت إن لي إليك حاجة قال ما حاجتك قلت الأخطل تخلي عنه قال أعيذك بالله من هذا مثلك لا يتكلم فيه فاسق يشتم أعراض الناس ويهجوهم فلم أزل أطلب إليه حتى مضى معي متكئاً على عصاه فوقف عليه ورفع عصاه وقال يا عدو الله أتعود تشتم الناس وتهجوهم وتقذف المحصنات وهو يقول لست بعائد ولا أفعل ويستخذي له قال فقلت له يا ابا مالك الناس يهابونك والخليفة يكرمك وقدرك في الناس قدرك وأنت تخضع لهذا هذا الخضوع وتستخذي له قال فجعل يقول لي إنه الدين إنه الدين
أخبرنا اليزيدي عن عمه عبيد الله عن ابن حبيب عن الهيثم بن عدي قال
كانت امرأة الأخطل حاملا وكان متمسكا بدينه فمر به الأسقف يوما فقال لها الحقيه فتمسحي به فعدت فلم تلحق إلا ذنب حماره فتمسحت به ورجعت فقال لها هو وذنب حماره سواء
أخبرنا أبو خليفة قال حدثنا ابن سلام قال حدثني يونس قال قال أبو الغراف
سمع هشام بن عبد الملك الأخطل وهو يقول
( إذا افتقرتَ إلى الذخائِر لم تَجِدْ ... ذُخْراً يكون كصالح الأعمال )
فقال هنيئا لك أبا مالك هذا الإسلام فقال له يا أمير المؤمنين ما زلت مسلما في ديني
(8/321)

أخبرني أبو خليفة قال حدثنا ابن سلام قال حدثني يونس وعبد الملك وأبو الغراف فألفت ما قالوا قالوا
أتى الأخطل الكوفة فأتى الغضبان بن القبعثري الشيباني فسأله في حمالة فقال إن شئت أعطيتك ألفين وإن شئت أعطيتك درهمين قال وما بال الألفين وما بال الدرهمين قال إن أعطيتك ألفين لم يعطكها إلا قليل وإن أعطيتك درهمين لم يبق في الكوفة بكري إلا أعطاك درهمين وكتبنا إلى إخواننا بالبصرة فلم يبق بكري بها إلا أعطاك درهمين فخفت عليهم المؤنة وكثر لك النيل فقال فهذه إذا فقال نقسمها لك على أن ترد علينا فكتب بالبصرة إلى سويد بن منجوف السدوسي فقدم البصرة فقال يونس في حديثه فنزل على مال الصلت بن حريث الحنفي فأخبر من سمعه يقول والله لا أزال أفعل ذلك ثم رجع الحديث الأول فأتى سويدا فأخبره بحاجته فقال نعم وأقبل على قومه فقال هذا أبو مالك قد اتاكم يسألكم أن تجمعوا له وهو الذي يقول
( إذا ما قلتُ قد صالحتُ بَكْراً ... أَبَى البَغْضاءُ والنَّسبُ البعيدُ )
( وأيَّامٌ لنا ولَهُمْ طِوِالٌ ... يَعَضّ الهامَ فيهنّ الحديدُ )
( ومُهْراقُ الدماءِ بوارِدَاتٍ ... تَبِيدُ المُخْزِياتُ ولا تَبِيدُ )
( هُمَا أخوانِ يَصْطليانِ ناراً ... رِداءُ الحربِ بينهما جديدُ )
فقالوا فلا والله لا نعطيه شيئا فقال الأخطل
( فإنْ تَبْخَلْ سَدُوسُ بدِرْهَمَيْها ... فإنَّ الرِّيحَ طَيِّبةٌ قَبُولُ )
(8/322)

( تَوَاكَلَنِي بنو العلاَّت منهم ... وغالتْ مالكاً ويزيدَ غُولُ )
( صَرِيعَا وائلٍ هَلَكَا جميعاً ... كأنّ الأرضَ بعدهما مُحُولُ )
وقال في سويد بن منجوف وكان رجلا ليس بذي منظر
( وما جِذْعُ سَوْءٍ خَرَّب السُّوسُ أصلَه ... لِمَا حَمَّلتْه وائلٌ بمُطِيقِ )
كان مع مهارته يسقط أحيانا
أخبرنا أبو خليفة قال قال محمد بن سلام
كان الأخطل مع مهارته وشعره يسقط أحيانا كان مدح سماكا الأسدي وهو سماك الهالكي من بني عمرو بن أسد وبنو عمرو يلقبون القيون ومسجد سماك بالكوفة معروف وكان من أهلها فخرج أيام علي هاربا فلحق بالجزيرة فمدحه الأخطل فقال
( نعم المُجِيرُ سِمَاكٌ من بني أسَدٍ ... بالقاع إذ قتلت جيرانَها مُضَرُ )
( قد كنتُ أحسَبه قَيْناً وأُخْبَرُه ... فاليومَ طُيِّر عن أثوابه الشَّرَرُ )
( إنّ سماكاً بنى مجداً لأُسرته ... حتى المماتِ وفِعلُ الخير يُبتدرُ )
فقال سماك يا أخطل أردت مدحي فهجوتني كان الناس يقولون قولا فحققته فلما هجا سويدا قال له سويد والله يا أبا مالك ما تحسن تهجو ولا تمدح لقد أردت مدح الأسدي فهجوته يعني قوله
(8/323)

( قد كنتُ أحسَبه قَيْناً وأُنْبَؤُه ... فاليومَ طُيِّر عن أثوابه الشَّرَرُ )
( إنّ سماكاً بنى مجداً لأُسرته ... حتى المماتِ وفِعلُ الخير يُبتدرُ )
وأردت هجائي فمدحتني جعلت وائلا حملتني أمورها وما طمعت في بني تغلب فضلا عن بكر
أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال حدثني أبان البجلي قال
مر الأخطل بالكوفة في بني رؤاس ومؤذنهم ينادي بالصلاة فقال له بعض فتيانهم ألا تدخل يا أبا مالك فتصلي فقال
( أُصَلِّي حيث تُدركني صَلاتِي ... وليس البِرُّ عند بني رُؤَاسِ )
أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال حدثني أبو الحصين الأموي قال
بينا الأخطل قد خلا بخميرة له في نزهة مع صاحب له وطرأ عليهما طارىء لا يعرفانه ولا يستخفانه فشرب شرابهما وثقل عليهما فقال الأخطل في ذلك
صوت
( وليسَ القَذَى بالعُودِ يَسقُط في الإِنَا ... ولا بذُبابٍ خطْبُه أيسرُ الأمرِ )
( ولكنّ شخصاً لا نُسَرُّ بقُرْبِه ... رمتْنا به الغيطانُ من حيث لا ندري )
ويروى
( ولكن قَذَاها زائرٌ لا نُحِبّه ... )
(8/324)

وهو الجيد الغناء لإبراهيم خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو وقد أخبرنا بهذا الخبر محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثنا العمري قال حدثنا الهيثم بن عدي عن ابن عياش قال
بينا الأخطل جالس عند امرأة من قومه وكان أهل البدو إذ ذاك يتحدث رجالهم إلى النساء لا يرون بذلك بأسا وبين يديه باطية شراب والمرأة تحدثه وهو يشرب إذ دخل رجل فجلس فثقل على الأخطل وكره أن يقول له قم استحياء منه وأطال الرجل الجلوس إلى أن أقبل ذباب فوقع في الباطية في شرابه فقال الرجل يا أبا مالك الذباب في شرابك فقال
( وليسَ القَذَى بالعود يَسقُط في الخمر ... ولا بذُبابٍ نَزْعُه أيسرُ الأمرِ )
( ولكن قَذَاها زائرٌ لا نُحِبُّه ... رمتْنا به الغيطانُ من حيث لا نَدْري )
قال فقام الرجل فانصرف
وأخبرني عمي رحمه الله بهذا الحديث عن الكراني عن الزيادي عن علي بن الحفار أخي أبي الحجاج
أن الأخطل جاء إلى معبد في قدمةٍ قدمها إلى الشام فقال له معبد إني أحب محادثتك فقال له وأنا أحب ذلك وقاما يتصبحان الغدران حتى وقفا على غدير فنزلا وأكلا فتبعهما أعرابي فجلس معهما وذكر الخبر مثل الذي قبله
أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال قال أبان بن عثمان حدثني أبي قال
دعا الأخطل شاب من شباب أهل الكوفة إلى منزله فقال له يابن أخي
(8/325)

أنت لا تحتمل المئونة وليس عندك معتمد فلم يزل به حتى انتجعه فأتى الباب فقال يا شقراء فخرجت إليه امرأة فقال لأمه هذا أبو مالك قد أتاني فباعت غزلاً لها واشترت له لحما ونبيذا وريحانا فدخل خصا لها فأكل معه وشرب وقال في ذلك
( وبيتٍ كظهر الفيل جُلُّ مَتَاعِه ... أباريقُه والشاربُ المُتَقَطِّرُ )
( ترى فيه أثلامَ الأصِيصِ كأنَّها ... إذا بال فيها الشيخُ جَفْرٌ مُعَوَّرُ )
( لَعَمْرُك ما لاقيتُ يومَ معيشةٍ ... من الدهرِ إلاَّ يومُ شقراءَ أقصَرُ )
( حَوَارِيَّةٌ لا يدخل الذَّمُّ بيتَها ... مُطَهَّرةٌ يأوي إليها مُطَهَّرُ )
وذكر هارون بن الزيات هذا الخبر عن حماد عن أبيه أنه كان نازلا على عكرمة الفياض وأنه خرج من عنده يوما فمر بفتيان يشربون ومعهم قينة يقال لها شقراء وذكر الخبر مثل ما قبله وزاد فيه فأقام عندهم أربعة أيام وظن عكرمة أنه غضب فانصرف عنه فلما أتاه اخبره بخبره فبعث إلى الفتيان بألف درهم وأعطاه خمسة آلاف فمضى بها إليهم وقال استعينوا بهذه على أمركم ولم يزل ينادمهم حتى رحل
اجتماع الشعراء الثلاثة عند بشر بن مروان
أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال حدثني أبو يحيى الضبي قال
اجتمع الفرزدق وجرير والأخطل عند بشر بن مروان وكان بشر يغري بين الشعراء فقال للأخطل احكم بين الفرزدق وجرير فقال اعفني أيها الأمير
(8/326)

قال احكم بينهما فاستعفاه بجهده فأبى إلا أن يقول فقال هذا حكم مشؤوم ثم قال الفرزدق ينحت من صخر وجرير يغرف من بحر فلم يرض بذلك جرير وكان سبب الهجاء بينهما فقال جرير في حكومته
( يا ذَا الغباوةِ إنّ بِشْراً قد قَضَى ... ألاَّ تجوزَ حكومةُ النَّشْوانِ )
( فدَعُوا الحكومةَ لستُم من أهلها ... إنّ الحكومة في بني شَيْبانِ )
( قَتلوا كُلَيْبَكُم بِلَقْحةِ جارِهِمْ ... يا خُزْرَ تَغْلِبَ لستُم بهِجانِ )
فقال الأخطل يرد على جرير
( ولقد تَنَاسبتمْ إلى أحسابكم ... وجعلتُم حَكَماً من السُّلطان )
( فإذا كُلَيْبٌ لا تُسَاوِي دَارِماً ... حتى يُساوَى حَزْرَمٌ من بأَبَانِ )
( وإذا جعلتَ أباك في مِيزانهم ... رَجَحُوا وشال أبوك في المِيزانِ )
( وإذا وردتَ الماءَ كان لدارمٍ ... عِفْوَاتُه وسهولةُ الأعطانِ )
ثم استطار في الهجاء
مناقضة بينه وبين جرير
أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثنا أبو الغراف قال
(8/327)

لما قال جرير
( إذا أخَذتْ قَيْسٌ عليكَ وخِنْدِفٌ ... بأقطارِها لم تَدْرِ من اين تَسْرَحُ )
قال الأخطل لا أين سد والله علي الدنيا فلما أنشد قوله
( فما لك في نَجْدٍ حَصَاةٌ تَعُدُّها ... وما لك من غَوْرَيْ تِهامةَ أبطَحُ )
قال الأخطل لا أبالي والله ألا يكون فتح لي والصليب القول ثم قال
( ولكنْ لنا بَرُّ العِراقِ وبَحْرُه ... وحيث تَرَى القرْقُورَ في الماء يَسْبَحُ )
أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال حدثني محمد بن الحجاج الأسيدي قال
خرجت إلى الصائفة فنزلت منزلا ببني تغلب فلم أجد به طعاما ولا شرابا ولا علفاً لدوابي شرى ولا قرى ولم أجد ظلا فقلت لرجل منهم ما في داركم هذه مسجد يستظل فيه فقال ممن أنت قلت من بني تميم قال ما كنت أرى عمك جريراً إلا قد أخبرك حين قال
( فينا المساجدُ والإمامُ ولا ترى ... في آل تَغْلِبَ مسجداً معمورا )
أخبرني أبو خليفة قال أنبأنا محمد بن سلام قال حدثني شيخ من ضبيعة قال
خرج جرير إلى الشام فنزل منزلاً ببني تغلب فخرج متلثماً عليه ثياب سفره فلقيه رجل لا يعرفه فقال ممن الرجل قال من بني تميم قال أما سمعت ما قلت لغاوي بني تميم فأنشده مما قال لجرير فقال أما سمعت
(8/328)

ما قال لك غاوي بني تميم فأنشده ثم عاد الأخطل وعاد جرير في نقضه حتى كثر ذلك بينهما فقال التغلبي من أنت لا حياك الله والله لكأنك جرير قال فأنا جرير قال وأنا الأخطل
كان يدخل على عبد الملك وهو سكران
أخبرني عمي قال أنبأنا الكراني قال أنبأنا أبو عبد الرحمن عن المدائني قال
دخل الأخطل على عبد الملك وقد شرب فكلمه فخلط في كلامه فقال له ما هذا فقال
( إذا شرِب الفتى منها ثلاثاً ... بغير الماء حاول أن يَطُولاَ )
( مشى قُرَشِيَّةً لا عيبَ فيها ... وأرخَى من مآزره الفُضولا )
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن إسرائيل قال أخبرني إسماعيل بن أبي محمد اليزيدي قال أخبرني أبو محمد اليزيدي قال
خرج الفرزدق يؤم بعض الملوك من بني أمية فرفع له في طريقه بيت أحمر من أدم فدنا منه وسأل فقيل له بيت الأخطل فأتاه فقال انزل فلما نزل قام إليه الأخطل وهو لا يعرفه إلا أنه ضيف فقعدا يتحدثان فقال له الأخطل ممن الرجل قال من بني تميم قال فإنك إذاً من رهط أخي الفرزدق فقال تحفظ من شعره شيئا قال نعم كثيراً فما زالا يتناشدان ويتعجب الأخطل من حفظه شعر الفرزدق إلى أن عمل فيه الشراب وقد كان الأخطل قال له قبل ذلك أنتم معشر الحنيفية لا ترون أن تشربوا من شرابنا فقال له الفرزدق خفض قليلاً وهات من شرابك فاسقنا فلما عملت الراح في أبي فراس قال أنا والله الذي أقول في جرير فأنشده فقام إليه الأخطل
(8/329)

فقبل رأسه وقال لا جزاك الله عني خيرا لم كتمتني نفسك منذ اليوم وأخذا في شرابهما وتناشدهما إلى أن قال له الأخطل والله إنك وإياي لأشعر منه ولكنه أوتي من سير الشعر ما لم نؤته قلت أنا بيتاً ما أعلم أن أحداً أهجى منه قلت
( قومٌ إذا استنبح الأضيافُ كلبَهُمُ ... قالوا لأُمِّهمُ بُولِي على النارِ )
فلم يروه إلا حكماء أهل الشعر وقال هو
( والتغلَبيّ إذا تنحنح للقِرَى ... حَكّ اسْتَه وتمثَّلَ الأمثالا )
فلم تبق سقاة ولا أمثالها إلا رووه فقضيا له أنه أسير شعراُ منهما
أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال قال المدائني
كان للأخطل الشاعر دار ضيافة فمر به عكرمة الفياض وهو لا يعرفه فقيل له هذا رجل شريف قد نزل بنا فلما أمسى بعث إليه فتعشى معه ثم قال له أتصيب من الشراب شيئاً قال نعم قال أيه قال كله إلا شرابك فدعا له بشراب يوافقه وإذا عنده قينتان هما خلفه وبينه وبينهما ستر وإذا الأخطل أشهب اللحية له ضفيرتان فغمز الستر بقضيب في يده وقال غنياني بأردية الشعر فغنتاه بقول عمرو بن شأس
( وبِيضٍ تَطَلَّى بالعَبيرِ كأنما ... يَطَأنَ وإن أَعنْقنَ في جُدَدٍ وَحْلاَ )
( لَهَوْنا بها يوماً ويوماً بشاربٍ ... إذا قلتَ مغلوباً وجدتَ له عقلا )
(8/330)

فأما السبب في مدح الأخطل عكرمة بن ربعي الفياض فأخبرنا به أبو خليفة عن محمد بن سلام قال
قدم الأخطل الكوفة فأتى حوشب بو رويم الشيباني فقال إني تحملت حمالتين لأحقن بهما دماء قومي فنهره فأتى سيار بن البزيعة فسأله فاعتذر إليه فأتى عكرمة الفياض وكان كاتباً لبشر بن مروان فسأله وأخبره بما رد عليه الرجلان فقال أما إني لا أنهرك ولا أعتذر إليك ولكني أعطيك إحداهما عيناً والأخرى عرضاً قال وحدث أمر بالكوفة فاجتمع له الناس في المسجد فقيل له إن أردت أن تكافىء عكرمة يوماً فاليوم فلبس جبة خز وركب فرساً وتقلد صليباً من ذهب وأتى باب المسجد ونزل عن فرسه فلما رآه حوشب وسيار نفسا عليه ذلك وقال عكرمة يا ابا مالك فجاء فوقف وابتدأ ينشد قصيدته
( لِمَنِ الدِّيارُ بحائلٍ فوُعالِ )
حتى انتهى إلى قوله
( إنّ ابنَ رِبُعِيٍّ كَفَانِي سَيْبُه ... ضِغْنَ العدوِّ وغَدْرةَ المُحتالِ )
( أَغْلَيْتَ حين تواكَلَتْني وائلٌ ... إنّ المكارِمَ عند ذاك غَوالِ )
( ولقد منَنَتَ على ربيعةَ كلِّها ... وكَفَيْتَ كلَّ مُوَاكِلٍ خَذَّال )
( كابن البَزِيعة أو كآخَر مثلِه ... أَوْلَى لك ابنَ مُسِيمةِ الأجمالِ )
( إنّ اللَّئيم إذا سألتَ بَهَرْتَه ... وترى الكريمَ يَرَاحُ كالمختال )
( وإذا عدلتَ به رجالاً لم تَجِد ... فيضَ الفُرَات كراشحِ الأوشالِ )
قال فجعل عكرمة يبتهج ويقول هذه والله أحب إلي من حمر النعم
(8/331)

ومما في شعر الأخطل من الأصوات المختارة
صوت من المائة المختارة
( أراعكَ بالخابورِ نوقٌ وأجمال ... ودارٌ عَفَتْها الرِّيحُ بعدِي بأذيالِ )
( ومَبْنَى قِبَابِ المالكيَّة حَوْلَنا ... وجُرْدٌ تَعَادَى بين سَهْلٍ وأجبالِ )
عروضه من الطويل الشعر للأخطل والغناء لابن محرز ولحنه المختار من خفيف الثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه خفيف رمل في هذا الوجه نسبه يحيى المكي إلى ابن محرز وذكر الهشامي أنه منحول وفيه لحنين الحيري ثقيل أول عن الهشامي
(8/332)

ذكر سائب خاثر ونسبه
كان سائب خاثر مولى بني ليث وأصله من فيء كسرى واشترى عبد الله بن جعفر ولاءه من مواليه وقيل بل اشتراه فأعتقه وقيل بل كان على ولائه لبني ليث وإنما انقطع إلى عبد الله بن جعفر فلزمه وعرف به وكان يبيع الطعام بالمدينة واسم أبيه الذي أعتقه بنو ليث يشا
( قال ابن الكلبي وأبو غسان وغيرهما هو أول من عمل العود بالمدينة وغنى به وقال ابن خرداذبه كان عبد الله بن عامر اشترى إماء صناجات وأتى بهن المدينة فكان لهن يوم في الجمعة يلعبن فيه وسمع الناس منهن فأخذ عنهن ثم قدم رجل فارسي بنشيط فغنى فأعجب عبد الله بن جعفر به فقال له سائب خاثر أنا أصنع لك مثل غناء هذا الفارسي بالعربية ثم غدا على عبد الله بن جعفر وقد صنع
( لِمَنِ الدِّيارُ رسومُها قَفْرُ ... )
قال ابن الكلبي وهو أول صوت غني به في الإسلام من الغناء العربي المتقن الصنعة قال ثم اشترى عبد الله بن جعفر نشيطاً بعد ذلك فأخذ عن سائب خاثر الغناء العربي وأخذ عنه ابن سريج وجميلة ومعبد وعزة الميلاء وغيرهم
قال ابن الكلبي وحدثني أبو مسكين قال
(8/333)

كان سائب خاثر يكنى أبا جعفر ولم يكن يضرب بالعود إنما كان يقرع بقضيب ويغني مرتجلا ولم يزل يغني وقتل يوم الحرة ومر به بعض القرشيين وهو قتيل فضربه برجله وقال إن ها هنا لحنجرة حسنة وكان سائب من ساكني المدينة
قال ابن الكلبي وكان سائب تاجراً موسراً يبيع الطعام وكان تحته أربع نسوة وكان انقطاعه إلى عبد الله بن جعفر وكان مع ذلك يخالط سروات الناس وأشرافهم لظرفه وحلاوته وحسن صوته وكان قد آلى ألا يغني أحداً سوى عبد الله بن جعفر إلا أن يكون خليفة أو ولي عهد أو ابن خليفة فكان على ذلك إلى أن قتل قال وأخذ معبد عنه غناء كثيراً فنحل الناس بعضه إليه وأهل العلم بالغناء يعرفون ذلك وزعم ابن خرداذبه أن أم محمد بن عمرو الواقدي القاضي المحدث بنت عيسى بن جعفر بن سائب خاثر
هو أول من غنى بالعربية الغناء الثقيل
وقال ابن الكلبي سائب خاثر أول من غنى بالعربية الغناء الثقيل وأول لحن صنعه منه
( لِمَنْ الدِّيارُ رسومُها قَفْرُ ... )
قال فألفت هذا الصوت الفروح
قال وحدثني محمد بن يزيد أن أول صوت صنعه في شعر امرىء القيس
( أفاطِمَُ مَهْلاً بعضَ هذا التدلُّلِ ... )
(8/334)

وأن معبداً أخذ لحنه فيه فغنىّ عليه
( أمِنْ آل ليلى باللِّوَى مُتَرَبَّعُ ... )
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن ابن الكلبي عن لقيط قال
وفد عبد الله بن جعفر على معاوية ومعه سائب خاثر فوقع له في حوائجه ثم عرض عليه حاجة لسائب خاثر فقال معاوية من سائب خاثر قال رجل من أهل المدينة ليثي يروي الشعر قال أوَكلّ من روى الشعر أراد أن نصله قال إنه حسنه قال وإن حسنه قال أفأدخله إليك يا أمير المؤمنين قال نعم قال فألبسته ممصرتين إزاراً ورداء فلما دخل قام على الباب ثم رفع صوته يتغنى
( لِمَنِ الديارُ رُسومُها قَفْرُ ... )
فالتفت معاوية إلى عبد الله بن جعفر فقال أشهد لقد حسنه فقضى حوائجه وأحسن إليه
نسبة هذا الصوت
( لِمَنِ الديارُ رُسُومُها قَفْرُ ... لَعِبتْ بها الأرواحُ والقَطْرُ )
( وخَلاَ لها من بعد ساكِنها ... حِجَجٌ مَضَينَ ثَمَانٍ اوْ عَشْرُ )
( والزَّعْفرانُ على تَرَائِبها ... شَرِقٌ به اللّبّاتُ والنَّحْرُ )
الشعر ينسب إلى أبي بكر بن المسور بن مخرمة الزهري وإلى الحارث بن خالد المخزومي وإلى بعض القرشيين من السبعة المعدودين
(8/335)

من شعراء العرب والغناء لسائب خاثر ثقيل أول بالسبابة عن الكلبي وحبش وذكر أن لحن سائب خاثر ثقيل أول بالوسطى ووافق إسحاق في ذلك وذكر أن الثقيل الأول لنشيط وذكر يونس أن فيه لحناً لمعبد ولم يجنسه وذكر الهشامي أن لحن معبد خفيف ثقيل وأن فيه لابن سريج خفيف رمل
سمعه معاوية فأعجب به
أخبرنا أحمد بن عبيد الله بن عمار وأحمد بن عبد العزيز الجوهري وإسماعيل بن يونس قالوا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني قبيصة بن عمرو قال حدثنا محمد بن المنهال عن رجل حدثه وذكر ذلك أيضا ابن الكلبي عن لقيط قال
أشرف معاوية بن أبي سفيان ليلاً على منزل يزيد ابنه فسمع صوتاً أعجبه واستخفه السماع فاستمع قائماً حتى مل ثم دعا بكرسي فجلس عليه واشتهى الاستزادة فاستمع بقية ليلته حتى مل فلما أصبح غدا عليه يزيد فقال له يا بني من كان جليسك البارحة قال أي جليس يا أمير المؤمنين واستعجم عليه قال عرفني فإنه لم يخف علي شيء من أمرك قال سائب خاثر قال فأخثر له يا بني من برك وصلتك فما رأيت بمجالسته بأساً
قال ابن الكلبي قدم معاوية المدينة في بعض ما كان يقدم فأمر حاجبه بالإذن للناس فخرج الآذن ثم رجع فقال ما بالباب أحد فقال معاوية وأين الناس قال عند ابن جعفر فدعا ببغلته فركبها ثم توجه إليهم فلما جلس قال
(8/336)

بعض القرشيين لسائب خاثر مطرفي هذا لك وكان من خز إن أنت اندفعت تغني ومشيت بين السماطين وأنت تغني فقام ومشى بين السماطين وغنى
( لنا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضُّحَى ... وأسيافُنا يَقْطُرْنَ من نجدةٍ دَمَا )
فسمع منه معاوية وطرب وأصغى إليه حتى سكت وهو مستحسن لذلك ثم قام وانصرف إلى منزله وأخذ سائب خاثر المطرف
قتل يوم الحرة
أخبرني حبيب بن نصر عن عمر بن شبة عن الزبيري وأخبرني ابو بكر بن أبي شيبة البزاز قال حدثنا أحمد بن الحارث الخزاز عن المدائني قال
( قتل سائب خاثر يوم الحرة وكان خشي على نفسه من أهل الشام فخرج إليهم وجعل يحدثهم ويقول أنا مغن ومن حالي وقصتي كيت وكيت وقد خدمت أمير المؤمنين يزيد وأباه قبله قالوا فغن لنا فجعل يغني فقام إليه أحدهم فقال له أحسنت والله ثم ضربه بالسيف فقتله وبلغ يزيد خبره ومر به اسمه في أسماء من قتل يومئذ فلم يعرفه وقال من سائب خاثر هذا فقيل له هو سائب خاثر المغني فعرفه فقال ويله ما له ولنا ألم نحسن إليه ونصله ونخلطه بأنفسنا فما الذي حمله على عداوتنا لا جرم أن بغيه صرعه وقال المدائني في خبره فقال إنا لله أو بلغ القتل إلى سائب خاثر وطبقته ما أرى أنه بقي بالمدينة أحد ثم قال قبحكم الله يا أهل الشام تجدهم صادفوه في حديقة أو حائط مستتراً منهم فقتلوه
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال أنبأنا عمر بن شبة قال حدثني قبيصة بن
(8/337)

عمرو قال حدثني حاتم بن قبيصة قال حدثني ابن جعدبة قال حدثني مويلك عن أبيه قال قال لي سائب خاثر يوم الحرة هل سمعت شيئاً صنعته فغناني صوتاً
صوت
( لِمَنْ طَلَلٌ بين الكُرَاعِ إلى القَصْرِ ... يُغَيِّب عنا آية سَبَلُ القَطْرِ )
( إلى خالداتٍ ما تَرِيمُ وهامِد ... وأشعثَ تُرْسِيه الوَليدةُ بالفِهْرِ )
قال فسمعت عجباً معجباً ثم ذكر أهله وولده فبكى فقلت له وما يمنعك منهم فقال أما بعد شيء سمعته ورأيته من يزيد بن معاوية فلا ثم تقدم حتى قتل
صوت من المائة المختارة
( أقْفَر من أهلِه مَصِيفُ ... فبَطْنُ نَخْلَةَ فالعَرِيفُ )
( هل تُبْلِغَنِّي دِيارَ قومي ... مَهْرِيَّةٌ سَيْرُها زَفِيفُ )
( يا أمَّ نُعْمانَ نَوِّلينا ... قد ينفَعُ النائلُ الطَّفِيفُ )
(8/338)

( أعمامُها الصِّيدُ من لُؤَْيٍّ ... حَقّاً وأخوالُها ثَقِيفُ )
الشعر لأبي فرعة الكناني والغناء لجرادتي عبد الله بن جدعان ولحنه من خفيف الثقيل وفيه في الثالث والرابع ثقيل أول مطلق
(8/339)

ذكر جرادتي عبد الله بن جدعان وخبرهما وشيء من أخبار ابن جدعان
هو عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب
قال ابن الكلبي كانت لابن جدعان أمتان تسميان الجرادتين تتغنيان في الجاهلية سماهما بجرادتي عاد ووهبهما عبد الله بن جدعان لأمية بن أبي الصلت الثقفي وقد كان امتدحه وكان ابن جدعان سيداً جواداً فرأى أمية ينظر إليهما وهو عنده فأعطاه إياهما
وأخبرني أبو الليث نصر بن القاسم الفرائضي قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا حفص بن غياث عن داود عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت
قلت يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه قال لا لم يقل يوما اغفر لي خطيئتي يوم الدين
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني جعفر بن الحسين قال حدثني إبراهيم بن أحمد قال
قدم أمية بن أبي الصلت على عبد الله بن جدعان فلما دخل عليه قال
(8/340)

له عبد الله أمر ما أتى بك فقال أمية كلاب غرماء نبحتني ونهشتني فقال له عبد الله قدمت علي وأنا عليل من حقوق لزمتني ونهشتني فأنظرني قليلا ما في يدي وقد ضمنتك قضاء دينك ولا اسأل عن مبلغه قال فأقام أمية أياماً فأتاه فقال
( أأذكُر حاجتي أم قد كَفَاني ... حياؤك إن شيِمتَك الحَياءُ )
( وعِلْمُك بالأمور وأنت قَرْمٌ ... لك الحسبُ المهذَّبُ والسَّناء )
( كريمٌ لا يُغَيِّره صباحٌ عن الخُلُق السَّنِيّ ولا مَساء )
( تُباري الرِّيحَ مَكْرُمةً وجوداً ... إذا ما الكلبُ أَجْحره الشتاء )
( إذا أَثْنَى عليك المرءُ يوماً ... كفاه من تَعرُّضه الثناءُ )
( إذا خلَّفتَ عبد اللَّه فاعلم ... بأن القوم ليس لهم جَزاء )
( فأرضُك كلُّ مَكْرُمةٍ بناها ... بنو تَيْمٍ وأنت لهم سماءُ )
( فأَبْرَز فضلَه حقّاً عليهم ... كما بَرزتْ لناظرها السماء )
( فهل تَخْفَى السماءُ على بَصيرٍ ... وهل بالشمس طالعةً خَفَاءُ )
فلما أنشده أمية هذا الشعر كانت عنده قينتان فقال خذ أيتهما شئت فأخذ إحداهما وانصرف فمر بمجلس من مجالس قريش فلاموه على أخذها وقالوا له لقد لقيته عليلاً فلو رددتها عليه فإن الشيخ يحتاج إلى خدمتها كان ذلك أقرب لك عنده وأكثر من كل حق ضمنه لك فوقع الكلام من أمية موقعاً وندم ورجع إليه ليردها عليه فلما أتاه بها قال له ابن جدعان لعلك إنما رددتها لأن قريشاً لاموك على أخذها وقالوا كذا وكذا فوصف لأمية ما قال له القوم فقال أمية والله ما أخطأت يا أبا زهير فقال عبد الله بن جدعان فما الذي قلت في ذلك فقال أمية
(8/341)

صوت
( عطاؤكَ زيْنٌ لامرىء إن حَبَوْتَه ... ببَذْلٍ وما كلُّ العطاء يَزِينُ )
( وليس بشَيْنٍ لامرىء بذلُ وجهه ... إليكَ كما بعضُ السؤال يَشين )
غنت فيه جرادتا عبد الله بن جدعان فقال عبد الله لأمية خذ الأخرى فأخذهما جمعاً وخرج فلما صار إلى القوم بهما أنشأ يقول وقد أنشدنا هذه الأبيات أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن عمر بن شبة وفيها زيادة
( وما لي لا أحيِّيه وعندي ... مواهِبُ يَطَّلِعْنَ من النِّجادِ )
( لأبيضَ من بني تَيْم بن كَعْبٍ ... وهم كالمَشْرَفيَّاتِ الحِداد )
( لكل قبيلةٍ هادٍ ورأسٌ ... وأنت الرأسُ تَقْدُم كلَّ هادي )
( له بالخَيْف قد علمتْ مَعَدٌّ ... وإن البيت يُرْفَع بالعماد )
( له داعٍ بمكَّة مُشْمَعِلٌّ ... وآخرُ فوق دارته يُنادي )
( إلى رُدُحٍ من الشِّيزَى مِلاءٍ ... لُبابَ البُرّ يُلْبَكُ بالشِّهادِ )
وقال فيه أيضا
( ذُكِر ابنُ جُدْعانٍ بخيرٍ ... كلَّما ذُكِر الكرامُ )
( من لا يَخُون ولا يَعُقُّ ... ولا تُغَيِّره اللئامُ )
( نَجْبُ النَّجيبة والنجيب ... له الرِّحالةُ والزِّمامُ )
(8/342)

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا محمد بن إسحاق البغوي قال حدثنا الأثرم عن أبي عبيدة قال
كان ابن جدعان سيداً من قريش فوفد على كسرى فأكل عنده الفالوذ فسأل عنه فقيل له هذا الفالوذ قال وما الفالوذ قالوا لباب البر يلبك مع عسل النحل قال ابغوني غلاماً يصنعه فأتوه بغلام يصنعه فابتاعه ثم قدم به مكة معه ثم أمره فصنع له الفالوذ بمكة فوضع الموائد بالأبطح إلى باب المسجد ثم نادى مناديه ألا من أراد الفالوذ فليحضر فحضر الناس فكان فيمن حضر أمية بن أبي الصلت فقال فيه
( وما لي لا أُحيِّيه وعندي ... مواهبُ يَطَّلعْنَ من النِّجاد )
( إليّ وإنَّه للناس نِهْيٌ ... ولا يَعْتلُّ بالكَلِم الصَّوادِي )
وذكر باقي الأبيات التي مضت متقدماً
حدثنا أحمد بن عبيد الله بن عمار قال أخبرنا يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور قال حدثني محمد بن عمران الجرجاني وليس بصاحب إسحاق الموصلي قال وهو شيخ لقيته بجرجان قال حدثنا الحسين بن الحسن المروزي قال
( سألت سفيان بن عيينة فقلت يا أبا محمد ما تفسير قول النبي وعلى آله كان من أكثر دعاء الأنبياء قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وإنما هو ذكر وليس فيه من الدعاء شيء فقال لي أعرفت حديث مالك بن الحارث يقول الله جل ثناؤه إذا شغل عبدي ثناؤه علي عن مسألتي أعطيته أفضل
(8/343)

ما أعطي السائلين قلت نعم أنت حدثتنيه عن منصور عن مالك بن الحارث قال فهذا تفسير ذلك ثم قال أما علمت ما قال أمية بن الصلت حين خرج إلى ابن جدعان يطلب نائله وفضله قلت لا أدري قال قال
( أأذكُر حاجتي أم قد كَفَانِي ... حياؤك إنّ شيمتَك الحياءُ )
( إذا أَثْنَى عليك المرءُ يوماً ... كفاه من تعرُّضه الثناءُ )
ثم قال سفيان فهذا مخلوق ينسب إلى الجود فقيل له يكفينا من مسألتك أن نثني عليك ونسكت حتى تأتي على حاجتنا فكيف بالخالق
( أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا حميد بن حميد قال حدثني جبار بن جابر قال
( دخل أمية بن أبي الصلت على عبد الله بن جدعان وهو يجود بنفسه فقال له أمية كيف تجدك أبا قال زهير إني لمدابر أي ذاهب فقال أمية
( علِمَ ابن جُدْعانَ بن عمروٍ ... أنَّه يوماً مُدَابِرْ )
( ومسافرٌ سفراً بعيداً ... لا يؤوب به المُسافِر )
( فقُدُورُه بفنائه ... للضيف مُتْرَعَةٌ زَوَاخِرْ )
( تبدو الكسورُ من انْضِراجِ ... الغَلْي فيها والكَرَاكِرْ )
( فكأنهنّ بما حَمِينَ ... وما شُحِنَّ بها ضَرَائر )
( بَذَّ المَعَاشِرَ كلَّها ... بالفضل قد علِم المَعاشِرْ )
( وعلا عُلُوَّ الشمس حتَّى ... ما يُفَاخرُه مُفَاخِرْ )
(8/344)

( دانت له أبناءُ فِهْرٍ ... مِن بني كعبٍ وعامر )
( أنتَ الجوادُ ابنُ الجوادِ ... بكم يُنَافِرُ من يُنَافِرْ )
شعره في ذم الخمر
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا أبو سعيد السكري قال أخبرني أبو عبد الرحمن الغلابي عن الواقدي عن ابن أبي الزناد قال
ما مات أحد من كبراء قريش في الجاهلية إلا ترك الخمر استحياء مما فيها من الدنس ولقد عابها ابن جدعان قبل موته فقال
( شَرِبتُ الخمرَ حتى قال قَومي ... ألستَ عن السِّفَاه بمُستفيقِ )
( وحتى ما أُوسَّدُ في مَبِيتٍ ... أنام به سوى التُّرْبِ السَّحيقِ )
( وحتى أَغْلق الحانوتُ رَهْني ... وآنَسْتُ الهَوانَ من الصديق )
قال وكان سبب تركه الخمر أن أمية بن أبي الصلت شرب معه فأصبحت عين أمية مخضرة يخاف عليها الذهاب فقال له ما بال عينك فسكت فلما ألح عليه قال له أنت صاحبها أصبتها البارحة فقال أوبلغ مني الشراب الذي أبلغ معه من جليسي هذا لا جرم لأدينها لك ديتين فأعطاه عشرة آلاف درهم وقال الخمر علي حرام أن أذوقها أبداً وتركها من يومئذ
صوت من المائة المختارة
( قد لَعَمْرِي بِتُّ لَيْلِي ... كأخي الداءِ الوَجيع )
(8/345)

( ونَجِيُّ الهمّ منِّي ... بات أدنى من ضجيعي )
( كلما أبصرتُ رَبْعاً ... خالياً فاضت دموعي )
( لا تَلُمْنا إن خَشَعْنا ... أو هَمَمْنا بالخشوع )
( إذ فقدْنا سيِّداً كان ... لنا غيرَ مُضِيعِ )
الشعر للأحوص والغناء لسلامة القس ولحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالوسطى في مجراها وقد قيل إن الشعر والغناء جميعاً لها وقد قيل إن الغناء لمعبد وإنها أخذته عنه
(8/346)

ذكر سلامة القس وخبرها
كانت سلامة مولدة من مولدات المدينة وبها نشأت وأخذت الغناء عن معبد وابن عائشة وجميلة ومالك بن أبي السمح وذويهم فمهرت وإنما سميت سلامة القس لأن رجلا يعرف بعبد الرحمن بن أبي عمار الجشمي من قراء أهل مكة وكان يلقب بالقس لعبادته شغف بها وشهر فغلب عليها لقبه واشتراها يزيد بن عبد الملك في خلافة سليمان وعاشت بعده وكانت إحدى من اتهم به الوليد من جواري أبيه حين قال له قتلته ننقم عليك أنك تطأ جواري أبيك وقد ذكرنا ذلك في خبر مقتله
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال
كانت حبابة وسلامة القس من قيان أهل المدينة وكانتا حاذقتين ظريفتين ضاربتين وكانت سلامة أحسنهما غناء وحبابة أحسنهما وجهاً وكانت سلامة تقول الشعر وكانت حبابة تتعاطاه فلا تحسن وأخبرني بذلك المدائني عن جرير
وحدثني الزبيري قال حدثني من رأى سلامة قال
ما رأيت من قيان المدينة فتاة ولا عجوزاً أحسن غناء من سلامة وعن جميلة أخذت الغناء
(8/347)

حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار وإسماعيل بن يونس قالا حدثنا أبو زيد عمر بن شبة قال حدثني المدائني قال
كانت حبابة وسلامة قينتين بالمدينة أما سلامة فكانت لسهيل بن عبد الرحمن ولها يقول ابن قيس الرقيات
( لقد فَتَنَتْ رَيَّا وسَلاَّمةُ القَسّا ... فلم تتركا للقَسِّ عقلاً ولا نَفْسَا )
( فتاتانِ أمَّا منهما فشبيهةُ الهلالِ ... وأُخرى منهما تُشبه الشمسا ...
وغناه مالك بن أبي السمح وفيها يقول ابن قيس الرقيات
( أُختانِ إحداهما كالشمس طالعةً ... في يوم دَجْنٍ وأُخرى تشبه القمرا )
قال وفتن القس بسلامة وفيها يقول
( أهابُكِ أن أقول بذلتُ نفسي ... ولو أنِّي أُطيع القلبَ قالا )
( حياءً منكِ حتى سُلّ جسمي ... وشَقّ عليّ كتماني وطالا )
سبب افتتان القس بها
قال والقس هو عبد الرحمن بن أبي عمار من بني جشم بن معاوية وكان منزله بمكة وكان سبب افتتانه بها فيما حدثني خلاد الأرقط قال سمعت من شيوخنا أهل مكة يقولون كان القس من أعبد أهل مكة وكان يشبه بعطاء بن أبي رباح وأنه سمع غناء سلامة القس على غير تعمد منه لذلك فبلغ غناؤها منه كل مبلغ فرآه مولاها فقال له هل لك أن أخرجها إليك
(8/348)

أو تدخل فتسمع فأبى فقال مولاها أنا أقعدها في موضع تسمع غناءها ولا تراها فأبى فلم يزل به حتى دخل فأسمعه غناءها فأعجبه فقال له هل لك في أن أخرجها إليك فأبى فلم يزل به حتى أخرجها فأقعدها بين يديه فتغنت فشغف بها وشغفت به وعرف ذلك أهل مكة فقالت له يوماً أنا والله أحبك قال وأنا والله أحبك قالت وأحب أن أضع فمي على فمك قال وأنا والله أحب ذلك قالت فما يمنعك فوالله إن الموضع لخال قال إني سمعت الله عز و جل يقول ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) وأنا أكره أن تكون خلة ما بيني وبينك تؤول إلى عداوة ثم قام وانصرف وعاد إلى ما كان عليه من النسك وقال من فوره فيها
( إنّ التي طَرَقَتْكَ بين ركائبٍ ... تَمْشي بمِزْهَرِها وأنتَ حَرَامُ )
( لَتَصِيدُ قلبَك أو جزاءَ مودَّةٍ ... إنّ الرفيق له عليك ذِمامُ )
( باتت تعلّلنا وتحسب أنَّنا ... في ذاك أيقاظٌ ونحن نِيامُ )
( حتى إذا سطَع الضّياءُ لناظرٍ ... فإذا وذلك بيننا أحلامُ )
( قد كنتُ أعذُِلُ في السَّفاهة أهلَها ... فاعجَبْ لِما تأتي به الأَّيامُ )
( فاليومَ أعذِرُهم وأعلم أنما ... سُبُلُ الضَّلالة والهُدَى أقسامُ )
ومن قوله فيها
( ألم تَرَها لا يُبْعِد اللَّه دارَها ... إذا رَجّعتْ في صوتها كيف تصنعُ )
( تَمُدّ نظامَ القولِ ثم تَرُدّه ... إلى صَلْصَلٍ في صوتها يترجَّع )
(8/349)

وفيها يقول
أَلاَ قُلْ لهذا القلبِ هل أنت مُبْصِرُ ... وهل أنت عن سَلاَّمةَ اليومَ مُقْصِرُ )
( ألا ليت أنِّي حين صارتْ بها النَّوى ... جليسٌ لسَلْمَى كلَّما عَجّ مِزْهَرُ )
وقال في قصيدة له
( سلاَّمُ وَيْحَكِ هل تُحبين مَنْ ماتا ... أو تَرْجعينَ على المحزون ما فاتا )
وقال أيضا
( سَلاَّمُ هلي لي منكمُ ناصرُ ... أم هل لقلبي عنكمُ زاجرُ )
( قد سمِع الناسُ بوجدي بكم ... فمنهمُ اللائّمُ والعاذرُ )
في أشعار كثيرة يطول ذكرها
هي وأختها ريا من أجمل النساء وأحسنهن غناء
وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني الجمحي قال
كانت سلامة وريا أختين وكانتا من أجمل النساء وأحسنهن غناء فاجتمع الأحوص وابن قيس الرقيات عندهما فقال لهما ابن قيس الرقيات إني أريد أن أمدحكما بأبيات وأصدق فيها ولا أكذب فإن أنتما غنيتماني بذلك وإلا هجوتكما ولا أقربكما قالتا فما قلت قال قلت
( لقد فتنتْ رَيَّا وسَلاَّمةُ القَسَّا ... فلم تتركا للقَسِّ عقلاً ولا نفسا )
( فتاتانِ أمَّا منهما فشبيهةُ الهلالِ ... وأُخْرَى منهما تُشبه الشمسا )
(8/350)

( تَكُنَّانِ أبشاراً رِقاقاً وأوجُهاً ... عِتَاقاً وأطرافاً مُخَضَّبةً مُلْسا )
فغنته سلامة واستحسنتاه وقالتا للأحوص ما قلت يا أخا الأنصار قال قلت
صوت
( أَسَلاَم هل لمتيَّم تنويلُ ... أم هل صَرَمْتِ وغالَ ودَّكِ غولُ )
( لا تَصْرِفِي عنِّي دلالَكِ إنَّه ... حَسَنٌ لديّ وإن بَخِلْتِ جميلُ )
( أَزَعمتِ أنّ صَبابتي أُكذوبةٌ ... يوماً وأنّ زيارتي تعليلُ )
الغناء لسلامة القس خفيف ثقيل أول بالبنصر عن الهشامي وحماد وفيه لإبراهيم لحنان أحدهما خفيف ثقيل بالبنصر في مجراها عن إسحاق وعمرو والآخر ثقيل أوله استهلال عن الهشامي فغنت الأبيات فقال ابن قيس الرقيات يا سلامة أحسنت والله وأظنك عاشقة لهذا الحلقي فقال له الأحوص ما الذي أخرجك إلى هذا قال حسن غنائها بشعرك فلولا أن لك في قلبها محبة مفرطة ما جاءها هكذا حسنا على هذه البديهة فقال له الأحوص على قدر حسن شعري على شعرك هكذا حسن الغناء به وما هذا منك إلا حسد ونبين لك الآن ما حسدت عليه فقالت سلامة لولا أن الدخول بينكما يوجب بغضة لحكمت بينكما حكومة لا يردها أحد قال الأحوص فأنت من ذلك آمنة قال ابن قيس الرقيات كلا قد أمنت أن تكون الحكومة عليك فلذلك سبقت بالأمان لها قال الأحوص فرأيك يدلك على أن معرفتك بأن المحكوم عليه انت وتفرقا فلما صار الأحوص إلى منزله جاءه ابن قيس
(8/351)

الرقيات فقرع بابه فأذن له وسلم عليه واعتذر
ومما قاله الأحوص في سلامه القس وغني به
صوت
( أَسَلاَمُ إنك قد ملكتِ فأَسْجِحِي ... قد يملك الحرُّ الكريم فيُسْجِح )
( مُنِّي على عانٍ أَطَلْتِ عَناءَه ... في الغُلّ عندكِ والعُنَاةُ تُسَرَّحُ )
( إنِّي لأنصَحُكم وأعلَمُ أنَّه ... سِيَّانِ عندكِ من يَغُشّ ويَنصَحُ )
( وإذا شكوتُ إلى سَلاَمة حُبَّها ... قالت أجِدُّ منك ذا أم تمزَحُ )
الشعر للأحوص والغناء لابن مسجح في الأول والثاني ثقيل أول بالوسطى عن عمرو ولدحمان في الأربعة الأبيات ثقيل أول بالبنصر فيه استهلال وفيه خفيف ثقيل يقال إنه لمالك ويقال إنه لسلامة القس
أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه قال قال أيوب بن عباية
كان عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار من بني جشم بن معاوية وكان فقيها عابداً من عباد مكة يسمى القس لعبادته وكانت سلامة بمكة لسهيل وكان يدخل عليها الشعراء فينشدونها وتنشدهم وتغني من أحب الغناء ففتن بها عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار القس فشاع ذاك وظهر فسميت سلامة القس بذلك
غنت القس بشعر له
قال إسحاق وحدثني أيوب بن عباية قال سألها عبد الرحمن بن
(8/352)

عبد الله بن أبي عمار القس أن تغنيه بشعر مدحها به ففعلت وهو
( ما بالُ قلبِكَ لا يزال يُهِيمُه ... ذِكَرٌ عَوَاقِبُ غَيِّهنّ سَقَامُ )
( إنّ التي طرقتْك بين ركائبٍ ... تمشِي بمِزْهَرِها وأنت حَرَامُ )
( لَتَصِيدُ قلبَك أو جزاءَ مَودَّةٍ ... إنّ الرفيقَ له عليك ذِمامُ )
( باتت تعلِّلنا وتحسَب أننا ... في ذاك أيقاظٌ ونحن نِيامُ )
( حتى إذا سطعَ الصباحُ لناظرٍ ... فإذا وذلك بيننا أحلامُ )
( قد كنتُ أعذِلُ في السَّفاهة أهلَها ... فاعْجَبْ لِمَا تأتي به الأيَّامُ )
( فاليومَ أعذرهم وأعلَمُ أنما ... سُبُلُ الغَوايةِ والهُدَى أقسامُ )
قال إسحاق وحدثني المدائني قال حدثني جرير قال
لما قدم يزيد بن عبد الملك مكة وأراد شراء سلامة القس وعرضت عليه أمرها أن تغنيه فكان أول صوت غنته
( إنّ الَّتي طرقتك بين ركائبٍ ... تمشي بمِزْهَرِها وأنت حرامُ )
( والبيضُ تَمْشِي كالبُدورِ وكالدُّمَى ... ونَوَاغِمٌ يَمْشين في الأَرْقام )
لَتَصِيدُ قلبَك أو جزاءَ مودَّةٍ ... إنّ الرفيق له عليك ذمامُ )
فاستحسنه يزيد فاشتراها فكان أول صوت غنته لما اشتراها
( أَلاَ قُلْ لهذا القلبِ هل أنت مبصرُ ... وهل أنت عن سَلاَّمةَ مُقْصِرُ )
( أَلاَ ليتَ أنِّي حين صار بها النَّوَى ... جليسٌ لسَلْمَى حيث ما عَجّ مِزْهَرُ )
( وإنِّي إذا ما الموتُ زالَ بنَفْسها ... يُزَالُ بنفسي قبلَها حين تُقْبَرُ )
( إذا أخذتْ في الصوتِ كاد جليسُها ... يطيرُ إليها قلبُه حين ينظُر )
(8/353)

( كأنَّ حَمَاماً راعِبِيّاً مُؤَدِّياً ... إذا نطقتْ من صدرها يَتَغَشْمَرُ )
فقال لها يزيد يا حبيبتي من قائل هذا الشعر فقصت عليه القصة فرق له وقال أحسن وأحسنت
غنت يزيد بن عبد الملك بشعر الأحوص
قال إسحاق وحدثني المدائني قال
لما اشترى يزيد بن عبد الملك سلامة وكان الأحوص معجباً بها وبحسن غنائها وبكثرة مجالستها فلما أراد يزيد الرحلة قال ابياتاً وبعث بها إلى سلامة فلما جاءها الشعر غنت به يزيد وأخبرته الخبر وهو
صوت
( عاودَ القلبَ من سَلاَمةَ نَصْبُ ... فلعينيّ من جَوَى الحُبِّ غَرْبُ )
( ولقد قلتُ أيها القلبُ ذُو الشوقِ ... الَّذي لا يُحبّ حُبَّك حِبُّ )
( إنه قد دنا فِراقُ سُلَيْمَى ... وغدَا مَطْلَبٌ عن الوصل صَعْبُ )
غناه ابن محرز ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه لابن مسجح خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو وفيه لابن عباد وعلويه رملان وفيه لدحمان خفيف رمل هذه الحكايات الثلاث عن الهشامي وذكر حبش أن لسلامة القس فيه ثاني ثقيل بالوسطى
عتابها لحبابة لاستخفافها بها
قال إسحاق وحدثني أيوب بن عباية قال كانت سلامة وريا لرجل واحد
(8/354)

وكانت حبابة لرجل وكانت المفدمة منهن سلامة حتى صارتا إلى يزيد بن عبد الملك فكانت حبابة تنظر إلى سلامة بتلك العين الجليلة المتقدمة وتعرف فضلها عليها فلما رأت أثرتها عند يزيد ومحبة يزيد لها استخفت بها فقال لها سلامة أي أخية نسيت لي فضلي عليك ويلك أين تأديب الغناء وأين حق التعليم أنسيت قول جميلة يوما وهي تطارحنا وهي تقول لك خذي إحكام ما أطارحك من أختك سلامة ولن تزالي بخير ما بقيت لك وكان أمركما مؤتلفاً قالت صدقت خليلتي والله لا عدت إلى شيء تكرهينه فما عادت لها إلى مكروه وماتت حبابة وعاشت سلامة بعدها دهراً
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب عن عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي الأكبر قال
لما قدم عثمان بن حيان المري المدينة والياً عليها قال له قوم من وجوه الناس إنك قد وليت على كثرة من الفساد فإن كنت تريد أن تصلح فطهرها من الغناء والزنا فصاح في ذلك وأجل أهلها ثلاثاً يخرجون فيها من المدينة وكان ابن أبي عتيق غائباً وكان من أهل الفضل والعفاف والصلاح فلما كان آخر ليلة من الأجل قدم فقال لا أدخل منزلي حتى أدخل على سلامة القس فدخل عليها فقال ما دخلت منزلي حتى جئتكم أسلم عليكم قالوا ما أغفلك عن أمرنا وأخبروه الخبر فقال اصبروا علي الليلة فقالوا نخاف ألا يمكنك شيء وننكظ قال إن خفتم شيئاً فاخرجوا في السحر ثم خرج فاستأذن على عثمان بن حيان فأذن له فسلم عليه وذكر له غيبته وأنه جاءه
(8/355)

ليقضي حقه ثم جزاه خيراً على ما فعل من إخراج أهل الغناء والزنا وقال أرجو ألا تكون عملت عملاً هو خير لك من ذلك قال عثمان قد فعلت ذلك وأشار به على أصحابك فقال قد أصبت ولكن ما تقول أمتع الله بك في امرأة كانت هذه صناعتها وكانت تكره على ذلك ثم تركته وأقبلت على الصلاة والصيام والخير وأتى رسولها إليك تقول اتوجه إليك وأعوذ بك أن تخرجني من جوار رسول الله ومسجده قال فإني أدعها لك ولكلامك قال ابن أبي عتيق لا يدعك الناس ولكن تأتيك وتسمع من كلامها وتنظر إليها فإن رأيت أن مثلها ينبغي أن يترك تركتها قال نعم فجاءه بها وقال لها اجعلي معك سبحة وتخشعي ففعلت فلما دخلت على عثمان حدثته وإذا هي من أعلم الناس بالناس وأعجب بها وحدثته عن آبائه وأمورهم ففكه لذلك فقال لها ابن أبي عتيق اقرئي للأمير فقرأت له فقال لها احدي له ففعلت فكثر تعجبه فقال كيف لو سمعتها في صناعتها فلم يزل ينزله شيئاً شيئاً حتى أمرها بالغناء فقال لها ابن أبي عتيق غني فغنت
( سَدَدْنَ خَصَاصَ الخَيْمِ لمَّا دخَلْنَهُ ... بكلّ لَبَانٍ واضحٍ وجبينِ )
فغنته فقام عثمان من مجلسه فقعد بين يديها ثم قال لا والله ما مثل هذه تخرج قال ابن أبي عتيق لا يدعك الناس يقولون أقر سلامة وأخرج غيرها قال فدعوهم جميعاً فتركوهم جميعاً
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا عبد الله بن أبي فروة قال
قدمت رسل يزيد بن عبد الملك المدينة فاشتروا سلامة المغنية من آل
(8/356)

رمانة بعشرين ألف دينار فلما خرجت من ملك أهلها طلبوا إلى الرسل أن يتركوها عندهم أياماً ليجهزوها بما يشبهها من حلي وثياب وطيب وصبغ فقالت لهم الرسل هذا كله معنا لا حاجة بنا إلى شيء منه وأمروها بالرحيل فخرجت حتى نزلت سقاية سليمان بن عبد الملك وشيعها الخلق من أهل المدينة فلما بلغوا السقاية قالت للرسل قوم كانوا يغشونني ويسلمون علي ولا بد لي من وداعهم والسلام عليهم فأذن للناس عليها فانقضوا حتى ملأوا رحبة القصر ووراء ذلك فوقفت بينهم ومعها العود فغنتهم
( فارَقوني وقد علمتُ يقيناً ... ما لِمَن ذاقَ مِيتةً من إيابِ )
( إنّ أهلَ الحِصَابِ قد تركوني ... مُولَعاً مُوزَعاً بأهل الحِصَابِ )
( أهلُ بيتٍ تَتَايَعُوا للمنايا ... ما على الدهر بعدهم من عِتابِ )
( سكنوا الجِزْعَ جِزْعَ بيتِ أبي موسى ... إلى النخل من صُفِيِّ السِّبَابِ )
( كم بذاك الحَجُونِ من حَيّ صِدْقٍ ... وكُهولٍ أعِفَّةٍ وشَبابِ )
قال عيسى وكنت في الناس فلم تزل تردد هذا الصوت حتى راحت وانتحب الناس بالبكاء عند ركوبها فما شئت أن أرى باكياً إلا رأيته
(8/357)

وساطتها للغريض عند يزيد
وجه يزيد بن عبد الملك إلى الأحوص في القدوم عليه وكان الغريض معه فقال له أخرج معي حتى آخذ لك جائزة أمير المؤمنين وتغنيه فإني لا أحمل إليه شيئاً هو أحب إليه منك فخرجا فلما قدم الأحوص على يزيد جلس له ودعا به فأنشده مدائح فاستحسنها وخرج من عنده فبعثت إليه سلامة جارية يزيد بلطف فأرسل إليها إن الغريض عندي قدمت به هدية إليك فلما جاءها الجواب اشتاقت إلى الغريض وإلى الاستماع منه فلما دعاها أمير المؤمنين تمارضت وبعثت إلى الأحوص إذا دعاك أمير المؤمنين فاحتل له في أن تذكر له الغريض فلما دعا يزيد الأحوص قال له يزيد ويحك يا أحوص هل سمعت شيئاً في طريقك تطرفنا به قال نعم يا أمير المؤمنين مررت في بعض الطريق فسمعت صوتاً أعجبني حسنه وجودة شعره فوقفت حتى استقصيت خبره فإذا هو الغريض وإذا هو يغني بأحسن صوت وأشجاه
( أَلاَ هاجَ التَّذَكُّرُ لي سَقَامَا ... ونُكْسَ الداءِ والوجعَ الغَرَاما )
( سَلاَمةُ إنها هَمِّي ودائي ... وشَرُّ الداءِ ما بَطَن العِظاما )
( فقلتُ له ودمعُ العينِ يجري ... على الخَدَّيْنِ أربعةً سِجَاما )
( عليكَ لها السلامُ فمَنْ لِصَبٍّ ... يبيت الليلَ يَهْذِي مُستهاما )
قال يزيد ويلك يا أحوص أنا ذاك في هوى خليلتي وما كنت أحسب مثل هذا يتفق وإن ذاك لمما يزيد لها في قلبي فما صنعت يا أحوص حين سمعت ذاك قال سمعت ما لم أسمع يا أمير المؤمنين أحسن منه فما صبرت
(8/358)

حتى أخرجت الغريض معي وأخفيت أمره وعلمت أن أمير المؤمنين يسألني عما رأيت في طريقي فقال له يزيد ائتني بالغريض ليلاً وأخف أمره فرجع الأحوص إلى منزله وبعث إلى سلامة بالخبر فقالت للرسول قل له جزيت خيراً قد انتهى إلي كل ما قلت وقد تلطفت وأحسنت فلما وارى الليل أهله بعث إلى الأحوص أن عجل المجيء إلي مع ضيفك فجاء الأحوص مع الغريض فدخلا عليه فقال غنني الصوت الذي أخبرني الأحوص أنه سمعه منك وكان الأحوص قد أخبر الغريض الخبر وإنما ذلك شعر قاله الأحوص يريد يحركه به على سلامة ويحتال للغريض في الدخول عليه فقال غنني الصوت الذي أخبرني الأحوص فلما غناه الغريض دمعت عين يزيد ثم قال ويحك هل يمكن أن تصير إلى مجلسي قيل له هي صالحة فأرسل إليها فأقبلت فقيل ليزيد قد جاءت فضرب لها حجاب فجلست وأعاد عليه الغريض الصوت فقالت أحسن والله يا أمير المؤمنين فاسمعه مني فأخذت العود فضربته وغنت الصوت فكاد يزيد أن يطير فرحاً وسروراً وقال يا أحوص إنك لمبارك يا غريض غنني في ليلتي هذا الصوت فلم يزل يغنيه حتى قام يزيد وأمر لهما بمال وقال لا يصبح الغريض في شيء من دمشق فارتحل الغريض من ليلته وأقام الأحوص بعده أياماً ثم لحق به وبعثت سلامة إليهما بكسوة ولطف كثير
نوحها على يزيد حين مات
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني رجل من أهلي من بني نوفل قال
قدمت في جماعة من قريش على يزيد بن عبد الملك فألفيناه في علته التي مات فيها بعد وفاة حبابة فنزلنا منزلاً لاصقا بقصر يزيد فكنا إذا
(8/359)

أصبحنا بعثنا بمولًى لنا يأتينا بخبره وربما أتينا الباب فسألنا فكان يثقل في كل يوم فإنا لفي منزلنا ليلة إذ سمعنا همساً من بكاء ثم يزيد ذلك ثم سمعنا صوت سلامة القس وهي رافعة صوتها تنوح وتقول
( لا تَلُمْنا إنْ خَشَعْنا ... أوْ هَمَمْنَا بخُشوعِ )
( قد لَعَمْرِي بِتُّ ليلي ... كأخي الداءِ الوجيعِ )
( كلَّما أبصرتُ ربعاً ... خالياً فاضتْ دموعي )
( قد خلا من سيِّدٍ كان ... لنا غيرَ مُضِيعِ )
ثم صاحت وا أمير المؤمنين فعلمنا وفاته فأصبحنا فغدونا في جنازته
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه قال
قال يزيد بن عبد الملك ما يقر عيني ما أوتيت من أمر الخلافة حتى أشتري سلامة جارية مصعب بن سهيل الزهري وحبابة جارية آل لاحق المكية فأرسل فاشتريتا له فلما اجتمعتا عنده قال أنا الآن كما قال الشاعر
( فألقتْ عَصاها واستقرّ بها النَّوَى ... كما قَرَّ عيناً بالإِيابِ المسافرُ )
فلما توفي يزيد رثته سلامة فقالت وهي تنوح عليه هذا الشعر
( لا تَلُمْنا إن خَشَعْنا ... أو هَمَمْنا بخُشوعِ )
( إذ فقدْنا سَيِّداً كان ... لنا غيرَ مُضيع )
( وهو كاللَّيْثِ إذا ما ... عُدَّ أصحابُ الدروع )
( يَقْنِصُ الأبطالَ ضرباً ... في مُضِيٍّ ورجوع )
(8/360)

أخبرنا الحسين بن يحيى قال حدثنا الزبير والمدائني أن سلامة كانت لسهيل بن عبد الرحمن بن عوف فاشتراها يزيد بن عبد الملك وكانت مغنية حاذقة جميلة ظريفة تقول الشعر فما رأيت خصالاً أربعاً اجتمعن امرأة مثلها حسن وجهها وحسن غنائها وحسن شعرها قال والشعر الذي كانت تغني به
( لا تَلُمْنا إن خَشَعْنا ... أو هَمَمْنا بخُشوعِ )
( لِلَّذي حَلَّ بنا اليومَ ... من الأمر الفظيعِ )
وذكر باقي الأبيات مثل ما ذكره غيره
قال إسحاق وحدثني الجمحي قال حدثنا من رأى سلامة تندب يزيد بن عبد الملك بمرثية رثته بها فما سمع السامعون بشيء أحسن من ذلك ولا أشجى ولقد أبكت العيون وأحرقت القلوب وأفتنت الأسماع وهي
( يا صاحبَ القبرِ الغريبِ ... بالشام في طَرَفِ الكثيبِ )
( بالشام بين صفائحٍ ... صُمٍّ تُرَصَّفُ بالجَبُوبِ )
( لمَّا سمعتُ أنينَه ... وبكاءه عند المَغِيبِ )
( أقبلتُ أطلُبُ طِبَّه ... والداءُ يُعْضِلُ بالطبيب )
الشعر لرجل من العرب كان خرج بابن له من الحجاز إلى الشام بسبب امرأة هويها وخاف أن يفسد بحبها فلما فقدها مرض بالشام وضني فمات ودفن بها كذا ذكر ابن الكلبي وخبره يكتب عقب أخبار سلامة القس والغناء لسلامة ثقيل أول بالوسطى عن حبش وفيه لحكم رمل مطلق في مجرى البنصر
(8/361)

عن إسحاق وفيه لحن لابن غزوان الدمشقي من كتاب ابن خرداذبه غير مجنس
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني الجمحي قال
حدثني من حضر الوليد بن يزيد وهو يسأل سلامة أن تغنيه شعرها في يزيد وهي تتنغص من ذلك وتدمع عيناها فأقسم عليها فغنته فما سمعت شيئا أحسن من ذلك فقال لها الوليد رحم الله أبي وأطال عمري وأمتعني بحسن غنائك يا سلامة بم كان أبي يقدم عليك حبابة قالت لا أدري والله قال لها لكنني والله أدري ذلك بما قسم الله لها قالت يا سيدي أجل
انتحل إسحاق الموصلي ما ناحت به على يزيد
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثني عبد الله بن عبد الملك الهدادي عن بعض رجاله عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال
سمعت نائحة مدنية تنوح بهذا الشعر
( قَدْ لعَمْرِي بتُّ ليلِي ... كأخي الداءِ الوَجِيع )
( ونجيُّ الهمّ منِّي ... بات أدنى من ضلوعي )
( كلَّما أبصرتُ رَبْعاً ... دارساً فاضتْ دموعي )
( مُقْفِراً من سَيِّدٍ كان ... لنا غيرَ مُضِيع )
والشعر للأحوص والنوح لمعبد وكان صنعه لسلامة وناحت به سلامة على يزيد فلما سمعته منها استحسنته واشتهيته ولهجت به فكنت أترنم به كثيرا فسمع ذلك مني أبي فقال ما تصنع بهذا قلت شعر قاله الأحوص
(8/362)

وصنعه معبد لسلامة وناحت به سلامة على يزيد ثم ضرب الدهر فلما مات الرشيد إذا رسول أم جعفر قد وافاني فأمرني بالحضور فسرت إليها فبعثت إلي إني قد جمعت بنات الخلفاء وبنات هاشم لننوح على الرشيد في ليلتنا هذه فقل الساعة أبياتا رقيقة واصنعهن صنعة حسنة حتى أنوح بهن فأردت نفسي على أن أقول شيئا فما حضرني وجعلت ترسل إلي تحثني فذكرت هذا النوح فأريت أني أصنع شيئا ثم قلت قد حضرني القول وقد صنعت فيه ما أمرت فبعثت إلي بكنيزة وقالت طارحها حتى تطارحنيه فأخذت كنيزة العود ورددته عليها حتى أخذته ثم دخلت فطارحته أم جعفر فبعثت إلي بمائة ألف درهم ومائة ثوب
نسبة ما في هذه الأخبار من الأصوات
صوت
( لقد فتنَتْ رَيَّا وسَلاَّمةُ القَسّا ... فلم تَتْرُكا للقَسّ عقلاً ولا نفسا )
( فتاتانِ أمَّا منهما فشبيهةُ الهلالِ ... وأخرى منهما تُشبه الشمسا )
الشعر لعبد الله بن قيس الرقيات والغناء لمالك خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه لابن سريج ثقيل أول عن الهشامي وزعم عمرو بن بانة أن خفيف الثقيل لحنين الحيري وقيل إن الثقيل الأول لدحمان
ومنها الشعر الذي أوله
( أهابُكِ أن أقولَ بذلتُ نفسي ... )
صوت
( أَأَثْلةُ جَرّ جِيرتُكِ الزِّيالا ... وعاد ضميرُ ودِّكُم خَبَالاَ )
(8/363)

( فإنِّي مستقيلُكِ أَثْلُ لُبِّي ... ولُبَّ المرء أفضلُ ما استقالا )
( أهابُكِ أن أقولَ بذلتُ نفسي ... ولو أنِّي أطيع القلبَ قالا )
( حياءً منكِ حتى سُلّ جِسْمِي ... وشَقّ عليَّ كتمانِي وصالا )
الشعر للقس والغناء لمعبد خفيف ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر وفيه لمعبد ثقيل أول بالوسطى أوله
( أَهابُكِ أن اقولَ بذلتُ نفسي ... )
خبر لها مع القس
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا بكار بن رباح قال
كان عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار من بني جشم بن معاوية وقد كانت أصابت جدة منه من صفوان بن أمية وكان ينزل مكة وكان من عباد أهلها فسمي القس من عبادته فمر ذات يوم بسلامة وهي تغني فوقف فتسمع غناءها فرآه مولاها فدعاه إلى أن يدخله إليها فيسمع منها فأبى عليه فقال له فإني أقعدك في مكان تسمع منها ولا تراها فقال أما هذا فنعم فأدخله داره وأجلسه حيث يسمع غناءها ثم أمرها فخرجت إليه فلما رآها علقت بقلبه فهام بها واشتهر وشاع خبره بالمدينة قال وجعل يتردد إلى منزل مولاها مدة طويلة ثم إن مولاها خرج يوما لبعض شأنه وخلفه مقيما عندها فقالت له أنا والله أحبك فقال لها وأنا والله الذي لا إله إلا هو قالت وأنا والله أشتهي أن أعانقك وأقبلك قال وأنا والله قالت وأشتهي والله أن أضاجعك واجعل بطني على بطنك وصدري على صدرك قال وأنا والله قالت فما يمنعك من ذلك فوالله إن المكان لخال قال يمنعني منه قول الله عز و جل ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) فأكره أن تحول مودتي لك
(8/364)

عداوة يوم القيامة ثم خرج من عندها وهو يبكي فما عاد إليها بعد ذلك
وأخبرنا إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة عن المدائني قال
لما ملك يزيد بن عبد الملك حبابة وسلامة القس تمثل
( فألقتْ عصاها واستقرّ بها النَّوَى ... كما قَرَّ عيناً بالإِيابِ المسافرُ )
ثم قال ما شاء بعد من أمر الدنيا فليفتني
صوت من المائة المختارة
( وإنِّي لَيُرْضِيني قليلُ نَوالِكُمْ ... وإن كنتُ لا أرضَى لكم بقليلِ )
( بحُرْمةِ ما قد كان بيني وبينكم ... من الوصلِ إلاَّ عُدْتُمُ بجميلِ )
الشعر للعباس بن الأحنف والغناء لسليمان الفزازي ولحنه المختار من الرمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه خفيف رمل أوله الثاني ثم الأول ينسب إلى حكم الوادي وإلى سليمان أيضا وفيه لحن من الثقيل الأول يقال إنه لمخارق ذكر حبش أن لحن مخارق ثاني ثقيل
(8/365)

أخبار العباس بن الأحنف ونسبه
هو فيما ذكر ابن النطاح العباس بن الأحنف بن الأسود بن طلحة بن جدان بن كلدة من بني عدي بن حنيفة
وأخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني القاسم بن إسماعيل قال سمعت إبراهيم بن العباس يقول
العباس بن الأحنف بن الأسود بن قدامة بن هميان من بني هفان بن الحارث بن الذهل بن الدول بن حنيفة قال وكان حاجب بن قدامة عم العباس من رجال الدولة
قال محمد بن يحيى وحدثني أبو عبد الله الكندي قال حدثني محمد بن بكر الحنفي الشاعر قال حدثني أبي قال
سمعت العباس بن الأحنف يذكر أن هوذة بن علي الحنفي قد ولده من قبل بعض أمهاته
(8/366)

سخر شعره للغزل دون الهجاء أو المديح
وكان العباس شاعرا غزلا ظريفا مطبوعا من شعراء الدولة العباسية وله مذهب حسن ولديباجة شعره رونق ولمعانيه عذوبة ولطف ولم يكن يتجاوز الغزل إلى مديح ولا هجاء ولا يتصرف في شيء من هذه المعاني وقدمه أبو العباس المبرد في كتاب الروضة على نظرائه وأطنب في وصفه وقال رأيت جماعة من الرواة للشعر يقدمونه قال وكان العباس من الظرفاء ولم يكن من الخلعاء وكان غزلا ولم يكن فاسقا وكان ظاهر النعمة ملوكي المذهب شديد التترف وذلك بين في شعره وكان قصده الغزل وشغله النسيب وكان حلوا مقبولا غزلا غزير الفكر واسع الكلام كثير التصرف في الغزل وحده ولم يكن هجاء ولا مداحا
أخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا أبو ذكوان قال
سمعت إبراهيم بن العباس يصف العباس بن الأحنف فقال كان والله ممن إذا تكلم لم يحب سامعه أن يسكت وكان فصيحا جميلا ظريف اللسان لو شئت أن تقول كلامه كله شعر لقلت
حدثني محمد بن يحيى قال حدثني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال
رأيت نسخا من شعر العباس بن الأحنف بخراسان وكان عليها مكتوب شعر الأمير أبي الفضل العباس
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال حدثني صالح بن عبد الوهاب
(8/367)

أن العباس بن الأحنف كان من عرب خراسان ومنشؤه ببغداد ولم تزل العلماء تقدمه على كثير من المحدثين ولا تزال قد ترى له الشيء البارع جدا حتى تلحقه بالمحسنين
أخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا يموت بن المزرع قال
سمعت خالي يعني الجاحظ يقول لولا أن العباس بن الأحنف أحذق الناس وأشعرهم وأوسعهم كلاما وخاطرا ما قدر أن يكثر شعره في مذهب واحد لا يجاوزه لأنه لا يهجو ولا يمدح ولا يتكسب ولا يتصرف وما نعلم شاعرا لزم فنا واحدا لزومه فأحسن فيه وأكثر
حدثني محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن القاسم بن خلاد قال أنشد الحرمازي أبو علي وأنا حاضر للعباس بن الأحنف
صوت
( لا جَزَى اللَّهُ دمعَ عينيَ خيراً ... وجزى اللَّهُ كلَّ خيرٍ لساني )
( نَمَّ دمعِي فليس يكتُم شيئاً ... ورأيتُ اللِّسان ذا كتْمانِ )
( كنتُ مثلَ الكتابِ أخفاه طَيُّ ... فاستدلُّوا عليه بالعُنْوان )
الغناء لعريب رمل ثم قال الحرمازي هذا والله طراز يطلب الشعراء مثله فلا يقدرون عليه
أخبرني محمد قال حدثني حسين بن فهم قال سمعت العطوي يقول
(8/368)

كان العباس بن الأحنف شاعرا مجيدا غزلا وكان أبو الهذيل العلاف يبغضه ويلعنه لقوله
( إذا أردتُ سُلُوّاً كان ناصركم ... قلبي وما أنا من قلبي بمنتصِر )
( فأَكْثِروا أو أَقِلُّوا من إساءتكم ... فكلُّ ذلك محمولٌ على القَدَرِ )
قال فكان أبو الهذيل يلعنه لهذا ويقول يعقد الكفر والفجور في شعره
قال محمد بن يحيى وأنشدني محمد بن العباس اليزيدي شعرا للعباس أظنه يهجو به أبا الهذيل وما سمعت للعباس هجاء غيره
( يا من يُكَذِّبُ أخبارَ الرسولِ لقد ... أخطأتَ في كلِّ ما تأتي وما تَذَرُ )
( كَذَّبتْ بالقَدَرِ الجاري عليك فقد ... أتاك منِّي بما لا تَشْتهي القدرُ )
الأصمعي يعترف بأنه أحسن المحدثين
حدثني محمد بن يحيى قال حدثني محمد بن سعيد عن الرياشي قال
قيل للأصمعي أو قلت له ما أحسن ما تحفظ للمحدثين قال قول العباس بن الأحنف
صوت
( لو كنتِ عاتبةً لَسَكَّنَ رَوْعَتِي ... أَمَلِي رضاكِ وزرتُ غيرَ مُرَاقِبِ )
( لكن مَلِلْتِ فلم تكن لِيَ حيلَةٌ ... صَدُّ المَلُولِ خلافُ صدِّ العاتبِ )
الغناء للعباس أخي بحر رمل
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي ومحمد بن العباس اليزيدي قالا واللفظ لهاشم قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي قال
دخل عمي على الرشيد والعباس بن الأحنف عنده فقال العباس للرشيد دعني أعبث بالأصمعي قال له الرشيد إنه ليس ممن يحتمل العبث
(8/369)

فقال لست أعبث به عبثا يشق عليه قال أنت اعلم فلما دخل عمي قال له يا أبا سعيد من الذي يقول
( إذا أحببتَ أن تصنع ... شيئاً يُعجِب الناسا )
( فصَوِّرْ هَا هُنَا فَوْزاً ... وصَوِّرْ ثَمَّ عَبَّاسا )
( فإنْ لم يَدْنُوَا حتَّى ... ترى رأسَيْهما راسا )
( فكَذِّبْها بما قاستْ ... وكَذِّبْه بما قاسى )
فقال له عمي يعرض بأنه نبطي قاله الذي يقول
( إذا أحببتَ أن تُبْصِرَ ... شيئاً يُعجب الخَلْقا )
( فصَوِّرْ ها هنا دوراً ... وصَوِّرْ ها هنا فلقا )
( فإنْ لم يَدْنُوَا حتَّى ... ترى خَلْقَيْهما خَلْقا )
( فكَذِّبْها بما لاقتْ ... وكَذِّبْه بما يَلْقَى )
قال فخجل العباس وقال له الرشيد قد نهيتك فلم تقبل
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال أنشدني إبراهيم بن العباس للعباس بن الأحنف
صوت
( قالت ظَلُومُ سَمِيَّةُ الظُّلْمِ ... ما لي رأيتُك ناحلَ الجسمِ )
( يا مَنْ رَمَى قلبي فأقْصَده ... أنت العليمُ بموضع السَّهْمِ )
فقلت له إن أبا حاتم السجستاني حكى عن الأصمعي أنه أنشد للعباس بن الأحنف
(8/370)

صوت
( أَتَأْذَنُون لِصَبٍّ في زيارتكم ... فعندكم شَهَواتُ السمعِ والبَصَرِ )
( لا يُضْمِرُ السُّوءَ إن طال الجلوسُ به ... عَفُّ الضمير ولكن فاسقُ النظرِ )
فقال الأصمعي ما زال هذا الفتى يدخل يده في جرابه فلا يخرج شيئا حتى أدخلها فأخرج هذا ومن أدمن طلب شيء ظفر ببعضه فقال إبراهيم بن العباس أنا لا أدري ما قال الأصمعي ولكن أنشدك للعباس ما لا تدفع أنت ولا غيرك فضله ثم أنشدني قوله
( واللَّهِ لو أنَّ القلوبَ كقلبها ... ما رَقَّ للولدِ الضعيفِ الوَالدُ )
وقوله
( لكن مَلِلْتِ فلم تكن ليَ حيلةٌ ... صَدُّ المَلُولِ خِلافُ صدِّ العاتبِ )
وقوله
( حتى إذا اقتحم الفتى لُجَجَ الهَوَى ... جاءت أمورٌ لا تُطَاقُ كِبارُ )
ثم قال هذا والله ما لا يقدر أحد على أن يقول مثله أبدا
حدثني عمي قال حدثني ميمون بن هارون قال كنا عند الحسن بن وهب فقال لبنان غنيني
( أَتَأْذَنُون لِصَبٍّ في زيارتكم ... فعندكم شَهَواتُ السِّمْعِ والبَصَرِ )
( لا يُضْمِرُ السُّوءَ إن طال الجلوسُ به ... عَفُّ الضمير ولكن فاسقُ النظرِ )
قال فضحكت ثم قالت فأي خير فيه إن كان كذا أو أي معنى فخجل الحسن من نادرتها عليه وعجبنا من حدة جوابها وفطنتها
(8/371)

حدثني الصولي قال أخبرنا أحمد بن إسماعيل النصيبيني قال سمعت سعيد بن جنيد يقول ما أعرف أحسن من شعر العباس في إخفاء أمره حيث يقول
( أرِيدُكِ بالسلام فأَتَّقِيهم ... فأَعمِدُ بالسلام إلى سِواكِ )
( وأُكثِرُ فيهمُ ضَحِكِي ليَخْفَى ... فسِنِّي ضاحكٌ والقلبُ باك )
الواثق يتمثل بشعره في غضبه
حدثني الصولي قال حدثني علي بن محمد بن نصر قال حدثني خالي أحمد بن حمدون قال
كان بين الواثق وبين بعض جواريه شر فخرج كسلان فلم أزل أنا والفتح بن خاقان نحتال لنشاطه فرآني أضاحك الفتح فقال قاتل الله ابن الأحنف حيث يقول
( عَدْلٌ من اللَّه أبكاني وأضحكها ... فالحمدُ للَّه عدلٌ كلُّ ما صنَعا )
( اليوم أَبْكي على قلبي وأندُبُه ... قلبُ أَلَحْ عليه الحُبُّ فانصدَعا )
فقال الفتح أنت والله يا أمير المؤمنين في وضع التمثل موضعه أشعر منه وأعلم واظرف
أخبرني الصولي قال حدثني أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه قال
(8/372)

قالت للواثق جارية له كان يهواها وقد جرى بينهما عتب إن كنت تستطيل بعز الخلافة فأنا أدل بعز الحب أتراك لم تسمع بخليفة عشق قبلك قط فاستوفى من معشوقه حقه ولكني لا أرى لي نظيرا في طاعتك فقال الواثق لله در ابن الأحنف حيث يقول
( أمَا تَحْسَبِيني أرى العاشقينَ ... بلَى ثم لستُ أرى لي نظيرا )
( لعلَّ الذي بيديه الأمورُ ... سيَجعل في الكُرْه خيراً كثيرا )
الزبير بن بكار يقول ابن الأحنف أشعر الناس
حدثني الصولي قال حدثني المغيرة بن محمد المهلبي قال سمعت الزبير يقول ابن الأحنف أشعر الناس في قوله
( تَعْتَلّ بالشُّغْلِ عنَّا ما تكلِّمنا ... الشغلُ للقلب ليس الشغلُ للبَدَنِ )
ويقول لا أعلم شيئا من أمور الدنيا خيرها وشرها إلا وهو يصلح أن يتمثل فيه بهذا النصف الأخير
حدثني الصولي قال حدثني محمد بن سعيد عن حماد بن إسحاق قال كان أبي يقول لقد ظرف ابن الأحنف في قوله يصف طول عهده بالنوم
( قِفَا خَبِّراني أيُّها الرجلانِ ... عن النوم إنّ الهجرَ عنه نَهاني )
( وكيف يكون النومُ أم كيف طَعْمُه ... صِفَا النَّومَ لي إن كنتما تَصِفَانِ )
قال على قلة إعجابه بمثل هذه الأشعار
حدثني الصولي قال حدثني ميمون بن هارون بن مخلد قال حدثنا أحمد بن إبراهيم قال رأيت سلمة بن عاصم ومعه شعر العباس بن الأحنف
(8/373)

فعجبت منه وقلت مثلك أعزك الله يحمل هذا فقال ألا أحمل شعر من يقول
صوت
( أسَأتُ أَنْ أحسنتُ ظنِّي بكم ... والحَزْمُ سوءُ الظنّ بالنَّاس )
( يُقلقني الشوقُ فآتيكمُ ... والقلبُ مملوءٌ من الياس )
غنى هذين البيتين حسين بن محرز خفيف رمل بالوسطى وأول الصوت
( يا فوزُ يا مُنيةَ عبَّاسِ ... واحَرَبَا من قلبك القاسي )
وروى أحمد بن إبراهيم قال أتاني أعرابي فصيح ظريف فجعلت أكتب عنه أشياء حساناً ثم قال أنشدني لأصحابكم الحضريين فأنشدته للعباس بن الأحنف
( ذكرتُك بالتُّفَّاح لمَّ شَمِمْتُه ... وبالرَّاح لما قابلتْ أوْجُهَ الشَّرْبِ ) تذكَّرتُ بالتّفاح منك سَوَالِفاً ... وبالرَّاح طعماً من مُقَبَّلَك العَذبِ )
فقال هذا عندك وأنت تكتب عني لا أنشدك حرفا بعد هذا
وحدثني الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى الكاتب قال سمعت عبد الله بن العباس بن الفضل يقول ما أعرف في العراق أحسن من قول ابن الأحنف
( سبحانَ ربِّ العُلاَ ما كان أغْفَلَنِي ... عما رمَتْنِي به الأيامُ والزمنُ )
( مَنْ لم يَذُقْ فُرقةَ الأحبابِ ثم يرى ... آثارَهم بعدهم لم يَدْرِ ما الحَزَنُ )
(8/374)

قال أبو بكر وقد غنى عبد الله بن العباس فيه صوتاً خفيف رملٍ
حدثني الصولي قال حدثنا ميمون بن هارون قال سمعت حسين ين الضحاك يقول
لو جاء العباس بن الأحنف بقوله ما قاله في بيتين في أبيات لعذر وهو قوله
( لَعَمْرُك ما يستريح المُحِبُّ ... حتى يَبوحَ بأسرارِهِ )
( فقد يكتمُ المرءُ أسرارَه ... فتظهرُ في بعض أشعارِه )
ثم قال أما قوله في هذا المعنى الذي لم يتقدمه فيه أحد فهو
( الحُبُّ أَمْلَكُ للفؤاد بقهره ... من أن يُرَى للسَّتر فيه نصيبُ )
( وإذا بَدَا سرُّ اللبيبِ فإنَّه ... لم يَبْدُ إلاَّ والفتى مغلوبُ )
أخبرني الصولي قال حدثني الغلابي قال حدثني الزبير بن بكار قال قال أبو العتاهية ما حسدت أحداً إلا العباس بن الأحنف في قوله
( إذا امتنع القريبُ فلم تَنَلْهُ ... على قُرْبٍ فذاك هو البعيدُ )
فإني كنت أولى به منه وهو بشعري أشبه منه بشعره فقلت له صدقت هو يشبه شعرك
الكندي يستجيد شعره
أخبرني الصولي قال حدثني أبو الحسن الأنصاري قال سمعت
(8/375)

الكندي يقول العباس بن الأحنف مليح ظريف حكيم جزل في شعره وكان قليلاً ما يرضيني الشعر فكان ينشد له كثيراً
صوت
( أَلاَ تَعْجَبون كما أعجبُ ... حبيبٌ يُسيء ولا يُعْتِبُ )
( وأبغِي رضاهُ على سُخْطِهِ ... فيأبَى عليَّ ويستصعِبُ )
( فيا ليتَ حَظِّي إذا ما أسأْتَ ... أنَّك ترضَى ولا تَغْضَبُ )
شغف إبراهيم الموصلي بشعره فتغنى به
أخبرني الصولي قال حدثنا محمد بن الفضل قال حدثني حماد بن إسحاق قال
كان جدي إبراهيم مشغوفا بشعر العباس فتغنى في كثير من شعره فذكر أشعاراً كثيرة حفظت منها
صوت
( وقد مُلِئتْ ماءَ الشَّبابِ كأنَّها ... قضيبٌ من الرَّيْحان رَيَّانُ أخضر )
( همُ كتموني سَيْرَهم حين أزمَعُوا ... وقالوا اتَّعَدْنا للرَّوَاح وبَكَّرُوا )
ذكر الهشامي أن اللحن في هذين البيتين لعلويه رمل وفي كتاب ابن المكي أنه لابن سريج وهو غلط
وقد أخبرني الحسن بن علي عن الحسين بن فهم قال
أنشد المأمون قول عباس بن الأحنف
(8/376)

( همُ كتموني سَيْرَهم حين أزمعوا ... وقالوا اتَّعَدْنا للرَّواح وبكَّرُوا )
فقال المأمون سخروا بأبي الفضل
قال وحفظت منها
صوت
( تمنَّى رجالٌ ما أحبُّوا وإنما ... تمنَّيتُ أن أشكو إليكَ وتَسْمعا )
( أَرَى كلّ معشوقيْن غيري وغيرها ... قد استعذَبا طولَ الهوى وتمتَّعا )
الغناء لإبراهيم ثقيل أول بالبنصر وفيه ثقيل أول بالوسطى ينسب إلى يزيد حوراء وإلى سليم بن سلام
قال وحفظت منها
( بكتْ عيني لأنْواعِ ... من الحزن وأوجاعِ )
( وأني كلَّ يوم عندكم ... يَحْظى بيَ السَّاعي )
( أعيشُ الدَّهرَ إن عشتُ ... بقلبٍ منكِ مُرْتاعِ )
( وإن حلَّ بيَ البعدُ ... سيَنْعانِي لكِ النَّاعي )
الغناء لإبراهيم الموصلي ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو وفي كتاب إبراهيم بن المهدي الذي رواه الهشامي عنه أن لإبراهيم بن المهدي فيه لحنين ثقيلا أول وماخورياً وفيه هزج محدث
أخبرني الصولي قال حدثنا أصحابنا عن محمد بن الفضل عن حماد بن إسحاق قال
(8/377)

ما غنى جدي في شعر أحد من الشعراء أكثر مما غنى في شعر ذي الرمة وعباس بن الأحنف
أخبرني الصولي قال حدثني محمد بن عبد الله التميمي قال
كنا في مجلس ابن الأعرابي إذ أقبل رجل من ولد سعيد بن سالم كان يلزم ابن الأعرابي وكان يحبه ويأنس به فقال له ما أخرك عني فاعتذر بأشياء ثم قال كنت مع مخارق عند بعض بني الرشيد فوهب له مائة ألف درهم على صوت غناه به فاستكثر ذلك ابن الأعرابي واستهاله وعجب منه وقال ما هو قال غناه بشعر عباس بن الأحنف
( بكتْ عيْني لأنواعِ
من الحزن وأوجاعِ )
( وأني كل يوم عندكم ... يَحْظَى بيَ السَّاعي )
فقال ابن الأعرابي أما الغناء فما أدري ما هو ولكن هذا والله كلام قريب مليح
حدثني الصولي قال حدثنا محمد بن الهيثم قال حدثني محمد بن عمرو الرومي قال
كنا عند الواثق فقال أريد أن أصنع لحناً في شعر معناه أن الإنسان كائناً من كان لا يقدر على الاحتراس من عدوه فهل تعرفون في هذا شيئاً فأنشدنا ضروباً من الأشعار فقال ما جئتم بشيء مثل قول عباس بن الأحنف
( قلبي إلى ما ضرَّني داعِي ... يُكْثِر أسقامي وأوجاعِي )
( كيف احتراسي من عدوّي إذا ... كان عدوّي بين أضلاعي )
(8/378)

( أَسْلمني للحبّ أشياعي ... لمَّا سعى بي عندها السَّاعي )
( لقلَّما أَبْقى على كلّ ذا ... يُوشك أن يَنْعانِيَ النَّاعي )
قال فعمل فيه الواثق لحنه الثقيل الأول النشيد بالوسطى
خبر المتوكل وعلي بن الجهم في صدد شعره
حدثني الصولي قال حدثني محمد بن موسى أو حدثت به عنه عن علي بن الجهم قال
انصرفت ليلة من عند المتوكل فلما دخلت منزلي جاءني رسوله يطلبني فراعني ذلك وقلت بلاء تتبعت به بعد انصرافي فرجعت إليه وجلا فأدخلت عليه وهو في مرقده فلما رآني ضحك فأيقنت بالسلامة فقال يا علي أنا مذ فارقتك ساهر خطر على قلبي هذا الشعر الذي يغني فيه أخي قول الشاعر
( قلبي إلى ما ضرَّني دَاعِي ... )
الأبيات فحرصت أن أعمل مثل هذا فلم يجئني أو أن أعمل مثل اللحن فما أمكنني فوجدت في نفسي نقصاً فقلت يا سيدي كان أخوك خليفة يغني وأنت خليفة لا تغني فقال قد والله أهديت إلى عيني نوماً أعطوه الف دينار وحييته وانصرفت
وجدت في كتاب الشاهيني بغير إسناد
(8/379)

أنشد ابو الحارث جميز قول العباس بن الأحنف
( قلبي إلى ما ضرَّني دَاعِي ... )
الأبيات فبكى ثم قال هذا شعر رجل جائع في جارية طباخة مليحة فقلت له من اين قلت ذاك قال لأنه بدأ فقال
( قلبي إلى ما ضرَّني داعِي ... )
وكذلك الإنسان يدعوه قلبه وشهوته إلى ما يضره من الطعام والشراب فيأكله فتكثر علله وأوجاعه وهذا تعريض ثم صرح فقال
( كيف احتراسي من عدوّي إذا ... كان عدوّي بين أضلاعي )
وليس للإنسان عدو بين أضلاعه إلا معدته فهي تتلف ماله وهي سبب أسقامه وهي مفتاح كل بلاء عليه ثم قال
( إن دام لي هجرُك يا مالِكي ... أَوْشك أن يَنْعانيَ النَّاعِي )
فعلمت أن الطباخة كانت صديقته وأنها هجرته ففقدها وفقد الطعام فلو دام ذلك عليه لمات جوعاً ونعاه الناعي
وحدثني الصولي قال حدثني محمد بن عيسى قال
جاء عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع إلى الحسن بن وهب وعنده بنان جارية محمد بن حماد وهي نائمة سكرى وهي يبكي عندها فقال له ما لك قال قد كنت نائما فجاءتني فأنبهتني وقالت اجلس حتى تشرب فجلست فوالله ما غنت عشرة أصوات حتى نامت وما شربت إلا قليلا فذكرت قول أشعر الناس وأظرفهم العباس بن الأحنف
صوت
( أبكي الذين أذاقوني مودَّتَهم ... حتى إذا أيقظوني للهوى رقَدُوا )
فأنا أبكي وأنشد هذا البيت
(8/380)

ابنه إبراهيم يمدح شعره وينشد له
وحدثني الصولي قال حدثني القاسم بن إسماعيل قال
سمعت إبراهيم بن العباس يقول ما رأيت كلاما محدثا أجزل في رقة ولا أصعب في سهولة ولا أبلغ في إيجاز من قول العباس بن الأحنف
( تعالَيْ نُجَدِّدْ دارسَ العهد بيننا ... كلانا على طول الجفاء مَلُومُ )
قال الصولي ووجدت بخط عبد الله بن الحسن أنشد ابو محمد الحسن بن مخلد قال أنشدني إبراهيم بن العباس بن الأحنف
صوت
( إن قال لم يَفْعَل وإن سِيلَ لم ... يَبْذُل وإن عُوتِبَ لم يُعتِبِ )
( صبٌّ بعِصْياني ولو قال لي ... لا تَشْربِ الباردَ لم أشْرَبِ )
( إليك أشكو ربِّ ما حلَّ بي ... من صدّ هذا المُذْنِب المُغْضَبِ )
غنى في هذه الأبيات أحمد بن صدقة هزجاً بالوسطى وفيها لحن آخر لغيره قال الحسن بن مخلد ثم قال لي إبراهيم بن العباس هذا والله الكلام الحسن المعنى السهل المورد القريب المتناول المليح اللفظ العذب المستمع
حدثني الصولي قال حدثني أحمد بن يزيد المهلبي قال
سمعت علي بن يحيى يقول من الشعر المرزوق من المغنين خاصة
(8/381)

شعر العباس بن الأحنف وخاصة قوله
( نامَ من أَهْدى ليَ الأرَقَا ... مستريحاً سامَني قَلَقَا )
فإنه غنى فيه جماعة من المغنين منهم إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق وغيرهما قال وكان يستحسن هذا الشعر وأظن استحسانه إياه حمله على أن قال في رويه وقافيته
( بأبي واللَّهِ مَن طرَقَا ... كابتسام البرق إذا خَفَقَا )
وعمل فيه لحناً من خفيف الثقيل في الإصبع الوسطى هكذا رواه الصولي
وأخبرني جحظة قال حدثني حماد بن إسحاق قال قال أبي هذا الصوت
( نام من أهدى ليَ الأَرَقا ... )
كان محظوظاً من المغنين
من الأشعار المحظوظة في الغناء لكثرة ما فيه من الصنعة واشتراك المغنين في ألحانه وذكر محمد بن الحسن الكاتب عن علي بن محمد بن نصر عن جده حمدون أنه قال ذلك ولم يذكره عن إسحاق
نسبة هذين الصوتين منهما
صوت
( نام من أَهْدى ليَ الأَرَقا ... مستريحاً زادَني قَلَقَا )
( لو يَبيتُ الناسُ كلُّهم ... بسهادي بيَّض الحَذقا )
( كان لي قلبٌ أعيش به ... فاصطلى بالحبّ فاحترقا )
( أنا لم أرْزَق مودَّتكم ... إنما للعبد ما رُزِقا )
(8/382)

لإسحاق في هذا الشعر خفيف بالوسطى في مجراها ولأبيه إبراهيم أيضا فيه خفيف ثقيل آخر ولابن جامع فيه لحنان رمل مطلق في مجرى الوسطى في الأول والثالث وخفيف رمل مطلق في مجرى الوسطى ايضاً في الأبيات كلها وفيه لسليم هزج وفيه لعلويه ثقيل أول
نسبة صوت علي بن يحيى
صوت
( بأبي واللَّه مَنْ طَرَقا ... كابتسام البرق إذ خَفَقَا )
( زادني شوقاً بزَوْرَته ... وملا قلبي به حرقَا )
( مَنْ لقلبٍ هائمٍ دَنِفٍ ... كلَّما سلَّيتُه قَلِقا )
( زارني طيفُ الحبيب فما ... زاد أن أَغْرى بيَ الأَرَقا )
الشعر لعلي بن يحيى وذكر الصولي أن الغناء له خفيف ثقيل أول بالوسطى وذكر أبو العبيس بن حمدون أن هذا الخفيف الثقيل من صنعته وفيه لعريب ثاني ثقيل بالوسطى أيضا
حدثني الصولي قال سمعت عبد الله بن المعتز يقول لو قيل ما أحسن شيء تعرفه لقلت شعر العباس بن الأحنف
صوت
( قد سحَّبَ الناسُ أذيالَ الظنونِ بنا ... وفرَّق الناسُ فينا قولَهم فِرَقَا )
( فكاذِبٌ قد رمَى بالحبّ غيرَكُم ... وصادقٌ ليس يَدْري أنَّه صدَقا )
قال وللمسدود في هذا الشعر لحن قال ولم يغن المسدود أحسن
(8/383)

من غنائه في شعر العباس بن الأحنف هكذا ذكر الصولي ولم يأت بغير هذا ولإسحاق في هذين البيتين ثقيل أول بالبنصر من نسخة عمرو بن بانة الثانية ولابن جامع ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي وليزيد حوراء خفيف ثقيل عنه وللمسدود رمل ولعبد الله بن العباس الربيعي خفيف رمل
وأخبرني الصولي قال حدثني محمد بن سعيد قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال
غضب الفضل بن الربيع على جارية له كانت أحب الناس إليه فتأخرت عن استرضائه فغمه ذلك فوجه إلى أبي يعلمه ويشكوها إليه فكتب إليه أبي لك العزة والشرف ولأعدائك الذل والرغم استعمل قول العباس بن الأحنف
( تحمَّلْ عظيمَ الذنب ممَّن تحبّه ... وإن كنتَ مظلوماً فقُل أنا ظالمُ )
( فإنك إلاَّ تَغْفِر الذنبَ في الهوى ... يُفارِقْك من تَهوى وأنفُك راغِمُ )
فقال صدقت وبعث إليها فترضاها
دفاع مصعب بن الزبير عن شعره
أخبرني الصولي قال حدثني أبو بكر بن أبي خثيمة قال
قيل لمصعب الزبيري إن الناس يستبردون شعر العباس بن الأحنف فقال لقد ظلموه أليس الذي يقول
صوت
( قالت ظلومُ سمّيةُ الظُّلْم ... ما لي رأيتُك ناحلَ الجسمِ )
(8/384)

( يا من رمى قَلبي فأقْصَدَه ... أنت العليمُ بموقع السَّهْمِ )
الغناء لأبي العبيس أو ابنه إبراهيم ماخوري
أخبرني الصولي قال حدثنا ميمون بن هارون قال حدثني أبو عبد الله الهشامي الحسن بن أحمد قال حدثنا عمرو بن بانة قال
كنا في دار أم جعفر جماعة من الشعراء والمغنين فخرجت جارية لها وكمها مملوء دراهم فقالت أيكم القائل
( من ذا يُعيرك عينَه تبكي بها ... أرأيت عيناً للبكاء تُعارُ )
فأومىء إلى العباس بن الأحنف فنثرت الدراهم في حجره فنفضها فلقطها الفراشون ثم دخلت ومعها ثلاثة نفر من الفراشين على عنق كل فراش بدرة فيها دراهم فمضوا بها إلى منزل العباس بن الأحنف
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن موسى قال
أنشد الرشيد قول العباس بن الأحنف
( من ذا يُعيرك عينَه تبكي بها ... )
فقال من لا صحبه الله ولا حاطه
حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد الكندي قال
كنا مع مخلد الموصلي في مجلس وكان معنا عبد الله بن ربيعة الرقي فأنشد مخلد الموصلي قصيدة له يقول فيها
( كلُّ شيء أَقْوى عليه ولكنْ ... ليس لي بالفِراق منك يَدانِ )
فجعل يستحسنه ويردده فقال له عبد الله أنت الفداء لمن أبتدأ هذا
(8/385)

المعنى فأحسن فيه حيث يقول
( سلبتْني من السُّرور ثِيابا ... وكسَتني من الهموم ثِيابَا )
( كلما أغْلَقتْ من الوصل بابا ... فتَحَتْ لي إلى المنيَّةِ بابا )
( عذَّبِيني بكلِّ شيء سوى الصدّ ... فما ذقتُ كالصدود عذابا )
قال فضحك الموصلي والشعر للعباس بن الأحنف
الرياشي يمتدح شعره
وأخبرني الصولي قال حدثني أبو الحسن الأسدي قال
سمعت الرياشي يقول وقد ذكر عنده العباس بن الأحنف والله لو لم يقل من الشعر إلا هذين البيتين لكفيا
صوت
( أُحْرَمُ منكم بما أقولُ وقد ... نالَ به العاشِقونَ من عَشِقُوا )
( صِرْت كأني ذُبالةٌ نُصِبَتْ ... تُضِيءُ للنَّاسِ وهي تحْترقُ )
وفي هذين البيتين لحن لعبد الله بن العباس من الثقيل الثاني بالبنصر وفيه لخزرج رمل أول عن عبد الله بن العباس
( أنتِ لا تعلمينَ ما الهمُّ والحُزْنُ ... ولا تعلَمين ما الأَرَقُ )
الرشيد وإسحاق الموصلي يختلفان في مدحه ومدح أبي العتاهية
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد المبرد قال حدثني بعض مشايخ الأزد عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال
(8/386)

كان الرشيد يقدم أبا العتاهية حتى يجوز الحد في تقديمه وكنت أقدم العباس بن الأحنف فاغتابني بعض الناس عند الرشيد وعابني عنده وقال عقب ذلك وبحسبك يا أمير المؤمنين أنه يخالفك في العباس بن الأحنف على حداثة سنه وقلة حذقه وتجريبه ويقدمه على أبي العتاهية مع ميلك إليه وبلغني الخبر فدخلت على الرشيد فقال لي ابتداء أيما أشعر عندك العباس بن الأحنف أو أبو العتاهية فعلمت الذي يريد فأطرقت كأني مستثبت ثم قلت أبو العتاهية أشعر قال أنشدني لهذا ولهذا قلت فبأيهما أبدأ قال بالعباس قال فأنشدته أجود ما أرويه للعباس وهو قوله
( أُحْرَمُ مِنكم بما أقولُ وقد ... نالَ به العاشِقونَ مَنْ عَشِقُوا )
فقال لي أحسن فأنشدني لأبي العتاهية فأنشدته أضعف ما أقدر عليه وهو قوله
( كأنَّ عُتَّابَةَ من حُسْنها ... دُمْيَة قَسٍّ فتنتْ قَسَّها )
( يا رَبِّ لو أنسيتَنِيها بما ... في جَنَّةِ الفردوسِ لم أنْسَها ) ... ( إني إذاً مثلُ التي لم تزل ... دائبةً في طحنها كُدْسَها )
( حتى إذا لم يبق منها سوى ... حَفْنةِ بُرٍّ قتلتْ نفسَها )
قال أتعيره هذا فأين أنت عن قوله
( قال لي أحمدٌ ولم يدْرِ ما بي ... أتحبُّ الغداةَ عُتبةَ حَقّا )
( فتنفَّسْتُ ثُمَّ قلت نعم حُبّاً ... جرى في العروق عِرْقاً فعِرْقا )
ويحك أتعرف لأحد مثل هذا أو تعرف أحدا سبقه إلى قوله فتنفست ثم قلت كذا وكذا اذهب ويحك فاحفظها فقلت نعم يا أمير المؤمنين
(8/387)

ولو كنت سمعت بها لحفظتها قال إسحاق وما أشك أني كنت أحفظ لها حينئذ من أبي العتاهية ولكني إنما أنشدت ما أنشدت تعصبا
قال محمد بن يزيد
وحدثت من غير وجه أن الرشيد ألف العباس بن الأحنف فلما خرج إلى خراسان طال مقامه بها ثم خرج إلى أرمينية والعباس معه ماشيا إلى بغداد فعارضه في طريقه فأنشده
( قالوا خُراسانُ أقصى ما يُرادُ بنا ... ثم القُفولُ فَقد جئنا خراسانا )
( ما أقدرَ اللَّه أن يُدْني على شَحَط ... سُّكّانَ دِجَلة من سُكَّان جَيْحانا )
( متى الذي كنتُ أرجوه وآمُلُه ... أمَّا الذي كنتُ أخشاه فقد كانا )
( عينُ الزمانِ أصابتْنا فلا نَظَرتْ ... وعذَّبتْ بصنوفِ الهجر ألوانا )
في هذين البيتين الأخيرين رمل بالوسطى ينسب إلى مخارق وإلى غيره قال فقال له الرشيد قد اشتقت يا عباس وأذنت لك خاصة وأمر له بثلاثين ألف درهم
أخبرني الصولي قال حدثنا محمد بن القاسم قال سمعت مصعبا الزبيري يقول
العباس بن الأحنف وعمرو العراف ما ابتدلا شعرهما في رغبة ولا رهبة ولكن فيما أحباه فلزما فنا واحدا لو لزمه غيرهما ممن يكثر إكثارهما لضعف فيه
(8/388)

ذكر الأصوات التي تجمع النغم العشر
منها
صوت
( توهَّمتُ بالخَيْف رسماً مُحِيلاً ... لعَزَّةَ تَعْرِفُ منه الطُّلولا )
( تَبَدَّل بالحيّ صوتَ الصَّدى ... ونوحَ الحمامة تدعو هَدِيلا )
عروضه من المتقارب الخيف الذي عناه كثير ليس بخيف منى بل هو موضع آخر في بلاد ضمرة والطلول جمع طلل وهو ما كان له شخص وجسم عال من آثار الديار والرسم ما لم يكن له شخص وجسم والصدى ها هنا طائر وفي موضع آخر العطش ويزعم أهل الجاهلية أن الصدى طائر يخرج من رأس المقتول فلا يزال يصيح اسقوني حتى يدرك بثأره قال طرفة
( كريم يروِّي نفسَه في حياته ... ستعلم إن مِتْنا صَدًى أيُّنا الصَّدِي )
والحمام القماري ونحوها من الطير والهديل أصواتها
الشعر لكثير والغناء لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر ونسبه إلى جاريته وكنى عنها فذكر أن الصنعة لبعض من كثرت دربته بالغناء وعظم علمه وأتعب نفسه حتى جمع النغم العشر في هذا الصوت وذكر أن طريقته من الثقيل
(8/389)

الأول وأنه ليس يجوز أن ينسبه إلى موضع إصبع مفردة لأن ابتداءه على المثنى مطلقا ثم بسبابة المثنى ثم وسطى المثنى ثم بنصر المثنى ثم خنصر المثنى ثم سبابة الزير ثم وسطاه ثم بنصره ثم خنصره ثم النغمة الحادة وهي العاشرة وفيه لابن محرز ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر وفيه لابن الهربذ رمل بالوسطى عن عمرو وهذا الصوت من الثقيل الثاني وهو الذي ذكر إسحاق في كتاب النغم وعللها أن لحن ابن محرز فيه يجمع ثمانيا من النغم العشر وأنه لا يعرف صوتا يجمعها غيره وأنه يمكن من كان له علم ثاقب بالصناعة أن يأتي في صوت واحد بالنغم العشر بعد تعب طويل ومعاناة شديدة وذكر عبيد الله أن صانع هذا الصوت الذي كنى عنه فعل ذلك وتلطف له حتى أتى بالنغم العشر في هذا متوالية من أولها إلى آخرها وأتى بها في الصوت الذي بعده متفرقة على غير توال إلا أنها كلها فيه وذكر أن ذلك الصوت أحسن مسموعا وأحلى وحكى ذلك أيضا عنه يحيى بن علي بن يحيى في كتاب النغم وإذ فرغت من حكاية ما ذكره وحكاه عبيد الله في نسبة هذا الصوت فقد ينبغي ألا أجري الأمر فيه على التقليد دون القول الصحيح فيما ذكره وحكاه والذي وصفه من جهة النغم العشر متوالية في صوت واحد محال لا حقيقة له ولا يمكن أحدا بتة أن يفعله وأنا أبين العلة في ذلك على تقريب إذ كان استقصاء شرحها طويلا وقد ذكرته في رسالة إلى بعض إخواني في علل النغم وشرحت هناك العلة في أن قسم الغناء قسمين وجعل على مجريين الوسطى والبنصر دون غيرهما حتى لا يدخل واحدة منهما على صاحبتها في مجراها قرب مخرج الصوت إذا كان على الوسطى منه أو إذا كان على البنصر وشبهه به فإذا أراد مريد إلحاق هذا بهذا لم يمكنه بتة على وجه ولا سبب ولا يوجد في استطاعة حيوان أن يتلو إحداهما بالأخرى وإذا
(8/390)

أتبعت إحداهما بالأخرى في ناي أو آلة من آلات الزمر تفصلت إحداهما من الأخرى وإنما قلت النغم في غناء الأوائل لأنهم قسموها قسمين بين هاتين الإصبعين فوجدوهما إذا دخلت إحداهما مع الأخرى في طريقتها لم يكن ذلك إلا بعد أن يفصل بينهما بنغم أخرى للسبابة والخنصر يدخل بينهما حتى تتباعد المسافة بينهما ثم لا يكون لذلك الغناء ملاحة ولا طيب للمضادة في المجريين بينهما فتركوه ولم يستعملوه فإن كان صح لعبيد الله عمل في النغم العشر في صوت فلعله صح له في الصوت الذي ذكر أنه فرقها فيه فأما المتوالية على ما ذكره ها هنا فمحال ولست أقدر في هذا الموضع على شرح أكثر من هذا وهو في الرسالة التي ذكرتها مشروح
انتهى الجزء الثامن من كتاب الأغاني ويليه الجزء التاسع وأوله نسب كثير وأخباره
(8/391)

ترجمة حارثة بن بدر
لحق بالجزء الثامن من طبعة دار الكتب
(8/392)

صوت من المائة المختارة
( يا دار عَبْلَةَ من مَشارق مَأْسَل ... دَرس الشّؤون وعَهدُها لم يَنْجَلِ )
( واستبدلتْ عُفْرَ الظّباء كأنما ... أَبعارُها في الصَّيف حَبُّ الفُلْفل )
ذكر يحيى بن علي أن الشعر لعنترة بن شداد وليس ذلك بصحيح وذكر غيره من الرواة أنه لعبد قيس بن خفاف البرجمي وليس ذلك بصحيح أيضا والشعر لحارثة بن بدر الغداني من قصيدة له طويلة يفتخر فيها ويذكر سالف أيامه وقد ذكرت المختار منها بعقب أخبار حارثة وبعد انقضائها والغناء المختار لأبي دلف العجلي ولحنه في المختار ثقيل اول وفيه ألحان كثيرة
(8/393)

نسب حارثة بن بدر وأخباره
حارثة بن بدر بن حصين بن قطن بن غدانة بن يربوع
وقال خالد بن حبل
حارثة بن بدر بن مالك بن كليب بن غدانة بن يربوع
وأم حارثة بن بدر امرأة من بني صريم بن الحارث يقال لها الصدوف بنت صدى
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي سوية المنقري قال
مر عمرو بن الأهتم بحارثة بن بدر والأحنف بن قيس وزيد بن جبلة وهم مجتمعون فسلم عليهم ثم بقي مفكراً فقالوا ما لك فقال ما في الأرض ثلاثة أنجب من آبائكم حيث جاؤوا بأمثالكم من أمثال أمهاتكم فضحكوا منه
قال
وأم الأحنف الزافرية واسمها حبى من باهلة وأم زيد بن جبلة
(8/394)

عمرة بنت حذلم من بني الشعيراء وأم حارثة الصدوف بنت صدى من بني صريم بن الحارث
وقد مضى نسب بني يربوع في نسب جرير وغيره من عشيرته من هذا الكتاب
وفي بني غدانة يقول الفرزدق
( أبني غُدانة أنَّني حَرَّرتُكم ... فوهبتُكم لعطيَّة بن جِعَالِ )
( لولا عَطِيَّة لاجْتَدَعْتُ أُنوفكم ... من بين ألأمِ أعيُنٍ وسِبَال )
وكان عطية استوهب منه أعراضهم لصهر كان بينه وبينهم وكان عطية سيداً من سادات بني تميم فلما سمع هذا الشعر قال والله لقد امتن علي أبو فراس بهذه الهبة وما تممها حتى ارتجعها ووصل الامتنان بتحريرهم بأقبح هجاء لهم
قال
وكان عطية هذا جواداً وفيه يقول جرير
( إن الجوادَ على المواطن كلُها ... وابنَ الجواد عطيةُ بن جِعَال )
( يهب النجائبَ لا يَملُّ عطاءها ... والمُقرَباتِ كأنهن سَعالى )
مرتبته بين الشعراء
وحارثة بن بدر من فرسان بني تميم ووجوهها وساداتها وجودائها وأحسب أنه قد أدرك النبي في حال صباه وحداثته
(8/395)

وهو من ولد بني الأحنف بن قيس وليس بمعدود في فحول الشعراء ولكنه كان يعارض نظراءه الشعر وله من ذلك أشياء كثيرة ليست مما يلحقه بالمتقدمين في الشعر والمتصرفين في فنونه
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال أنبأنا عمر بن شبة قال أنبأنا المدائني قال
كان زياد مكرماً لحارثة بن بدر قابلا لرأيه محتملا لما يعلمه من تناوله الشراب فلما ولي عبيد الله بن زياد أخر حارثة بعض التأخير فعاتبه على ذلك فقال له عبيد الله إنك تتناول الشراب فقال له قد كان أبوك يعلم هذا مني ويقربني ويكرمني فقال له إن أبي كان لا يخاف من القالة في تقريبك ما أخاف وإن اللسان إلي فيك لأسرع منه إلى أبي فقال حارثة
( وكم من أميرٍ قد تجبَّر بعدما ... مَريت له الدنيا بسَيفي فدرَّتِ )
( إذا ما هي احلولتْ نَفَى حق مقسمي ... ويَقْسِم لي منها إذا ما أمرَّت )
( إذا زَبَنَتْه عن فُواقٍ يريدُه ... دُعِيتُ ولا أُدْعَى إذا ما أَقَرَّت )
وقال حارثة بن بدر أيضا وقد شاوره عبيد الله في بعض الأمر
( أُهَانُ وأُقصى ثم يَنتصحونني ... ومَنْ ذا الذي يُعطي نصيحتَه قَسْرَا )
( رأيتُ أكفَّ المُصْلِتِينَ عليكمُ ... مِلاءً وكفِّي من عَطاياكُمُ صِفرا )
( متَى تسألوني ما عليَّ وتَمنعوا الذي ... ليَ لم أسطِعْ على ذلكم صبرا )
فقال له عبيد الله فإني معوضك وموليك فولاه
(8/396)

نماذج من شعره
أخبرني يحيى بن علي إجازة قال أنبأنا أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري قال قال لي أبو اليقظان
حول زياد دعوة حارثة بن بدر وديوانه في قريش لمكانه منه فقال فيه رجل من بني كليب يهجوه بذلك
( شهدتُ بأن حارثةَ بنَ بدرٍ ... غُدانيُّ اللَّهازِم والكَلامِ )
( سَجاحِ في كتاب اللَّه أدنى ... له من نَوفلٍ وبني هشام )
يعني سجاح التي ادعت النبوة وهي امرأة من بني تميم
قال أحمد بن يحيى وقال المدائني
احترقت دار حارثة بن بدر بالبصرة أحرقها بعض أعدائه من بني عمه فقال في ذلك
( رأيتُ المنايا بَادِئَاتٍ وَعُوَّداً ... إلى دارنا سهلاً إليها طَرِيقُهَا )
( لها نَبْعَةٌ كانت تَقينا فُروعها ... فقد تَلِفت إلا قليلاً عُروقها )
قال
وكان لحارثة أخ يقال له دارع فأحرق مع ابن الحضرمي بالبصرة
وقال أحمد بن يحيى أيضا
(8/397)

كان عطية بن جعال يهاجي حارثة بن بدر ثم اصطلحا وكان أيضاً يهاجيه من قومه العكمص وكانت بنو سليط تروي هجاءه لحارثة بن بدر فقال حارثة يهجوهم
( أراويةً عليَّ بنو سَليط ... هجاءَ الناس يا لَبَني سَلِيط )
( فما لَحْمي لتأكله سَليط ... شبيهاً بالذكيِّ ولا العَبيط )
حوار شعري بينه وبين أنس بن زنيم
أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الله بن صالح بن سمح بن عمرة الأسدي أبو الحسن قال أنبأنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال قال روح بن السكن
كان أنس بن زنيم الليثي صديقاً لعبيد الله بن زياد فرأى منه جفوة وأثرة لحارثة بن بدر الغداني فقال
( أُهان وأُقصى ثم تُرجَى نَصيحتي ... وأيُّ امرىء يُعطي نصيحته قَسْرَا )
( رأيتُ أَكُفَّ المُصْلِتينَ عليكُمُ ... مِلاءً وكفِّي من عَطاياكُم صِفْرا )
( فإن تسألوني ما عليّ وتمنعوا الَّ ... ذِي ليَ لم أسطِع على ذلكم صبرا )
( رأيتكمُ تُعطون من تَرهبونه ... زربيةً قد وُشِّحتْ حَلَقاً صُفرا )
( وإنِّي مع الساعي عليكم بسيفه ... إذا عَظْمكم يوماً رأيتُ به كَسرا )
(8/398)

فقال عبيد الله بن زياد لحارثة بن بدر أجبه فاستعفاه لمودة كانت بينهما فأكرهه على ذلك وأقسم عليه ليجيبنه فقال
( تبدلْتُ من أُنس إنَّه ... كَذَوبُ المودَّةِ خَوَّانُها )
( أراهُ بصيراً بضُرِّ الخليل ... وخير الأخلاَّءِ عُورَانُها )
فأجابه أنس فقال
( إن الخيانةَ شرُّ الخَليلِ ... والكُفْرُ عندك دِيوانُها )
( بَصُرْتُ به في قديم الزمانِ ... كما بَصَرُ العينِ إنسانُها )
فأجابه حارثة بن بدر فقال
( أَلكني إلى أنسٍ إنَّه ... عَظِيمُ الحُوَاشَة عِنْدِي مَهِيبْ )
( فما أَبْتَغِي عَثَراتِ الخليلِ ... وَلاَ أَبغينَّ عليهِ الوثوب )
( وما إن أَرَى مالَهُ مغنماً ... من الدهر إنْ أعوزتني الكُسُوب )
فقال أنس
( أحارِ بنَ بدرٍ وأنت امرؤٌ ... لَعمري المتاعُ إليّ الحبيبْ )
( متى كان مالُكَ لي مَغْنَماً ... من الدهرِ إن أعوزتِني االكُسُوب )
( وشرُّ الأخلاَّءِ عند البلاءِ ... وعند الرزيَّةِ خِلٌّ كَذُوب )
قال فتهادى أنس وحارثة الشعر عند عبيد الله زمانا ووقع بينهما شر حتى قدم سلم بن زياد من عند يزيد بن معاوية عاملاً على خراسان وسجستان
(8/399)

فجعل ينتخب ناساً من أهل البصرة والكوفة وكان الذي بين عبيد الله وبين سلم شيئاً فأرسل سلم إلى أنس يعرض عليه صحبته وجعل له أن يستعمله على كورة فقال له أنس أمهلني حتى أنظر في أمري وكتب إلى عبيد الله بن زياد
( ألم تَرَنِي خُيِّرْتُ والأمرُ واقعٌ ... فما كنت لما قلت بالمُتخيِّرِ )
( رِضاك على شيءٍ سواهُ ومن يكن ... إذا اختار ذا حرمٍ من الأمر يَظْفَر )
( فعُدْت لترضَى عن جهادٍ وصاحبٍ ... شفِيقٍ قَدِيمِ الوُدِّ كان موقَّرِّي )
( على أحد الثَّغرينِ ثم تركتَه ... وقد كنتَ في تأميره غير مُمْتَرِي )
( فأمسكتُ عن سَلْمِ عِنَانِي وصُحبتي ... ليعرفَ وجه العُذرِ قبل التعذر )
( فإن كنتَ لمَّا تَدْرِ ما هي شيمتي ... فسلْ بيَ أكفَائي وسَل ربِيَ معشَرِي )
( ألستُ مع الإحسانِ والجُودِ ذا غِنىً ... وبأسٍ إذا ما كُفِّروا في التَّسَتُّر )
( ورأي وقد أعصى الهوى خشيةَ الرَّدَى ... وأعرفُ غِبَّ الأمرِ قبلَ التَّدبّر )
( وما كنتُ لولا ذاك ترتدُّ بُغيتي ... عليَّ ارتدادَ المُظلِم المُتَجَبِّر )
قال ودفعها إلى عبيد الله بن زياد في صحيفة فقرأها ثم دفعها إلى حارثة بن بدر وقال له اردد على أنس صحيفته فلا حاجة لنا فيها فقال حارثة
( أَلِكْني إلى مَنْ قال هذا وقُلْ له ... كذبتَ فما إنْ أنت بالمتخيَّرِ )
( وإنك لو صاحبتَ سَلْماً وجدتَه ... كعهدك عَهْدِ السَّوءِ لَمْ يَتَغَيَّرِ )
( أتنصحُ لي يوماً ولستَ بناصحٍ ... لنفسكَ فَاغْشُشْ ما بدا لك أو ذَر )
( كذبتَ ولكنْ أنت رَهْنٌ بِخزْيَةٍ ... ويوْمٍ كأيَّامٍ عبُوس مُذَكَّر )
(8/400)

( كَأَشْقَرَ أَضْحَى بين رُمحينِ إنْ مَضَى ... على الرُّمْحِ يُنْحَرْ أَو تَاَخَّر يُعْقَر )
قال وأعجبت عبيد الله وقال لعمري لقد أجبته على إرادتي وأمسك عبيد الله في يده الصحيفة فلما دخل عليه أنس دفعها إليه فنظر فيها ثم قال لعبيد الله لقد رد علي من لا أستطيع جوابه وظن أن عبيد الله قالها وخرج أنس والصحيفة في يده فلقيه عبد الرحمن بن رألان فدفعها إليه أنس فلما قرأها قال هذا شعر حارثة بن بدر أعرفه فقال له أنس صدقت والله ثم قال لحارثة
( عجبتُ لِهَرْجٍ من زمان مُضلِّلِ ... ورأيٍ لألبابِ الرجالِ مُغَيَّرِ )
( ومن حِقْبةٍ عَوْجاءَ غَولٍ تلبَّسَتْ ... على الناسِ جلد الأَرْبَدِ المُتَنَمِّر ) ً
( فلا يُعْرَفُ المعروفُ فيه لأهله ... وإن قِيلَ فيه مُنْكَرٌ لم يُنَكَّر )
( لحارثةَ المُهْدِي الخَنَى لِيَّ ظالماً ... ولم أرَ مِثْلَ مُدَّرٍ صَيْد مُدَّري )
( لِحارِ بن بدرٍ قد أتتنِي مقالةٌ ... فما بال نُكْرٍ منك من غير مُنكر )
( أيَروي عليك الناسُ ما لا تقُولُه ... فَتُعْذَرَ أم أنت امرؤٌ غيرُ مُعْذَرِ )
( فإنْ يك حقّاً ما يُقالُ فلا يكُن ... دَبيباً وجاهِرْني فما من تَسَتُّر )
( أُقَلِّدْكَ إن كنتَ امرأً خانَ عِرْضَه ... قوافِيَ من بَاقِي الكلام المُشَهَّر )
( وقد كنتَ قبل اليومِ جرَّبتَ أنَّني ... أَشُقُّ على ذي الشِّعْرِ والمُتَشَعِّر )
( وأن لساني بالقصائد ماهرٌ ... تَعِنُّ له غُرّ القوافي وتَنْبَرِي )
( أصادِفُها حيناً يسيراً وأبتغِي ... لها مِرَّةً شَزْراً إذا لم تَيَسَّر )
(8/401)

( تناوَلُنِي بالشتم في غير كُنْهِه ... فمَهلاً ابا الخَيْمَاءِ وابنَ المُعَذّر )
( هجوتَ وقد سَامَاكَ في الشعر خُطَّةَ الذَّلِيلِ ... ولم يفعل كأفعال مُنْكِر )
قال وقال أنس بن زنيم لعبيد الله بن زياد وفيه غناء
( سلْ أميري ما الذي غيَّره ... عن وِصَالي اليومَ حتى ودَّعَهْ )
( لا تُهِنّي بعد إكرامك لي ... فشديدُ عادةٌ مُنْتَزَعَه )
( لا يكن وعْدُك بَرْقاً خُلَّباً ... إنَّ خيرالبرقِ ما الغيثُ مَعَه )
شعره في طلب الخمر
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال
زعم عاصم بن الحدثان أن حارثة بن بدر قال لعبيد الله بن ظبيان وكانا في عرس لابن مسمع هل لك في شراب قال نعم فأتيا بنبيذ من زبيب وعسل فأخذ ابن ظبيان العس فكرع فيه حتى كاد يأتي عليه ثم ناوله حارثة فقال له حارثة يابن ظبيان إنك لطب بحسوها فقال أجل والله إني لأشربها حلالاً وأجاهر بها إذا أخفى غيري شرب الحرام فقال له حارثة من غيرك هذا قال سائلي عن هذا الأمر فقال حارثة
( إذا كنتَ نَدْمَاني فخُذها وسَقِّني ... ودَعْ عنك من رآك تكرعُ في الخمرِ )
( فإنِّي امرؤٌ لا أشرب الخمرَ في الدُّجَا ... ولكنني أَحْسُو النبيذَ من التمر )
(8/402)

( حَياً وتُقاً للَّه واللَّهُ عالمٌ ... بكُل الذي نأتيه في السِّرِّ والجهر )
( ومثلُكَ قد جرَّبتُه وخَبَرْتُه ... أَبَا مطرٍ والحَيْنُ أَسْبَابُه تَجْري )
( حَساها كَمُسْتَدْمَى الغزال عتيقةً ... إذا شُعْشِعَتْ بالماءِ طَيِّبةَ النَّشْر )
( أقام عليها دَهْره كلَّ ليلةٍ ... يُشَافِهُها حتى يَرى وَضَحَ الفجر )
( فأصبح ميْتاً مِيتَةَ الكلب ضُحْكَةً ... لأصحابه حتى يُدَهْدَهَ في القَبرِ )
( فما إن بكاهُ غيرُ دَنٍّ ومِزْهرٍ ... وغانيةٍ كالبَدر واضِحَةِ الثَّغْر )
( وبَاطِيَةٍ كانت له خِدْنَ زَنْيَةٍ ... يُعاقِرُها واللَّيلُ مُعْتَكِرُ السَّتْر )
رده على الأحنف وقد عاتبه على شربه الخمر
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن عاصم بن الحدثان قال
عاتب الأحنف بن قيس حارثة بن بدر على معاقرة الشراب وقال له قد فضحت نفسك وأسقطت قدرك وأوجعه عتاباً فقال له إني سأعتبك فانصرف الأحنف طامعاً في صلاحه فلما أمسى راح إليه فقال له اسمع يا ابا بحر ما قلت لك فقال هات فأنشده
( يَذُمُّ أبو بَحْرٍ أُموراً يُريدها ... ويَكرهُها للأَريحيِّ المُسَوَّد )
( فإن كنتَ عَيَّاباً فَقُلْ ما تُرِيده ... ودَعْ عنك شُرْبي لست فيه بأَوْحَد )
(8/403)

( سأشربُها صهباءَ كالمِسك رِيحُها ... وأشربُها في كل نادٍ ومشهد )
( فنفسك فَانْصَحْ يابن قيسٍ وخلِّني ... ورَأْيي فما رأيي بِرأيٍ مُفَنَّد )
( وقائلةٍ يا حارِ هل أنت ممسكٌ ... عليك من التبذير قلتُ لها اقْصدي )
( ولا تأمريني بالسَّدَادِ فإنني ... رأيتُ الكثيرَ المالِ غيرَ مُخَلَّد )
( ولا عيبَ إلا اصْطِبَاحِيَ قَهْوَةً ... متى يَمتزجْها الماءُ في الكأس تُزْبد )
( مُعَتَّقَةً صهباءَ كالمسك رِيحُها ... إذا هي فاحت أذهبتْ غُلَّةَ الصَّدِي )
( إلا إنما الرُّشْدُ المُبينُ طَرِيقُه ... خلافَ الذي قد قلتَ إذ أنت مُرْشِدي )
( سأشربُها ما حجّ لِلَّه راكبٌ ... مجاهرةً وَحْدِي ومعْ كل مُسْعِد )
( وأُسْعِدُ نَدماني وأتبعُ شَهوتي ... وأبذل عَفْواً كُلَّ مَا مَلَكَتْ يَدِي )
( كذا العيشُ لا عيشُ ابن قيسٍ وصَحبه ... من الشُّرْبِ للماء القَراح المُصَرَّد )
فقال له الأحنف حسبك فإني أراك غير مقلع عن غيك ولن أعاتبك بعدها أبداً
قال عاصم ثم كان بعد ذلك بين الأحنف وحارثة كلام وخصومة فافترقا عن مجلسهما متغاضبين فبلغ حارثة أن الأحنف قال أما والله لولا ما يعلم لقلت فيه ما هو أهله فقال حارثة وهل يقدر على أن يذمني بأكثر من الشراب وحبي له وذلك أمر لست أعتذر منه إلى أحد ثم قال في ذلك
( وكم لائمٍ لي في الشرابِ زَجَرْتُه ... فقلتُ له دَعني وما أنا شاربُ )
( فلستُ عن الصهباء ما عشتُ مُقْصِراً ... وإنْ لامني فيها اللئامُ الأَشَائِب )
( أَأَتْرُكُ لذَّاتي وآتِي هواكُمُ ... ألا ليس مثلي يابنَ قيسِ يُخالب )
(8/404)

( أنا الليث مَعْدُوّاً عليه وعادياً ... إذا سُلَّتْ البِيضُ الرِّقَاقُ القَوَاضِب )
( فَأَنت حلِيمٌ تزجرُ الناس عن هوى ... نفوسهمُ جَهْلاً وحلمُكَ عَازِب )
( فَحِلْمَكَ صُنْهُ لا تُذِلْهُ وخلِّني ... وشأنيَ وارْكَبْ كلَّ ما أنت راكِب )
( فإنِّي امرُؤٌ عَوَّدْتُ نَفْسِيَ عادةً ... وكل امرىٍْ لا شك ما اعتاد طالِبُ )
( أجُود بمالي ما حييتُ سَماحةً ... وأنت بخيلٌ يَجتويك المُصاحِب )
( فما أنت أو ما غَيُّ من كان غاوِياً ... إذا أنت لم تُسْدَدْ عليك المذاهب )
قصته مع الوليد بن عبد الملك
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال أنبأنا أبو الأسود الخليل بن اسد قال أنبأنا العمري عن العتبي قال
أجرى الوليد بن عبد الملك الخيل وعنده حارثة بن بدر الغداني وهو حينئذ في ألف وستمائة من العطاء فسبق الوليد فقال حارثة هذه فرصة فقام فهنأه ودعا له ثم قال
( إلى الألفين مطَّلَعٌ قريب ... زيادةُ أربعٍ لي قد بَقِينا )
( فإنْ أهْلِكْ فهنَّ لكم وإلا ... فهنَّ من المتاع لكم سِنِينَا )
فقال له الوليد فتشاطرني ذلك لك مائتان ولي مائتان فصير عطاءه ألفاً وثمانمائة ثم أجرى الوليد الخيل فسبق أيضاً فقال حارثة هذه فرصة أخرى فقام فهنأه ودعا له ثم قال
( وما احتجب الألفان إلا بهيِّنٍ ... هما الآن أدنى منهما قبلَ ذَالِكَا )
( فَجُدْ بهما تَفديك نفسي فإنني ... مُعَلِّق آمالي ببعض حبالكَا )
(8/405)

فأمر الوليد له بالمائتين فانصرف وعطاؤه ألفان
أخبرني محمد بن يحيى قال أنبأنا محمد بن زكريا قال أنبأنا مهدي بن سابق قال أنبأنا عبد الرحمن بن شبيب بن شيبة عن أبيه قال
قال زياد يوماً لحارثة بن بدر من أخطب الناس أنا أو أنت فقال الأمير أخطب مني إذا توعد ووعد وأعطى ومنع وبرق ورعد وأنا أخطب منه في الوقادة وفي الثناء والتحبير وأنا أكذب إذا خطبت فأحشوا كلامي بزيادة مليحة شهية والأمير يقصد إلى الحق وميزان العدل ولا يزيد فيه شعيرة ولا ينقص منه فقال له زياد قاتلك الله فلقد اجدت تخليص صفتك وصفتي من حيث أعطيت نفسك الخطابة كلها وأرضيتني وتخلصت ثم التفت إلى أولاده فقال هذا لعمركم البيان الصريح
أخبرني محمد بن يحيى قال أنبأنا محمد بن زكريا عن الحرمازي قال
شرب حارثة بن بدر مع بني زياد ليلة إلى الصبح فأكثر وصرف ومزجوا فلما أن غدا على زياد كان وجهه شديد الحمرة ففطن له زياد فقال مالك يا حارثة فقال أكلت البارحة رمانا فأكثرت قال قد عرفت مع من أكلته ولكنهم قشروه وأكلته بقشره فأصارك إلى ما ترى
رثاؤه زياداً بن عبيد الله
قال الحرمازي
قال بعض أهل العلم إن زياداً استعمل حارثة على سرق فمات
(8/406)

زياد وهو بها ثم إنه بلغه موته فقال حارثة يرثيه
( إن الرزِيَّةَ في قَبرٍ بمنزلةٍ ... تجري عليها بظَهْرِ الكُوفَةِ المُورُ )
( أَدَّتْ إليه قُريش نَعْشَ سيِّدها ... ففِيه ضَافِي النَّدَى والحَزْمِ مَقْبُور )
( أَبَا المُغِيرة والدنيا مُغيِّرَةٌ ... وإنّ من غُرَّ بالدنيا لمَغْرُور )
( قد كان عندك للمعروفِ مَعْرِفَةٌ ... وكان عندك لِلنَّكْرَاءِ تَنْكِير )
( وكنْتَ تُؤْتَى فتُعْطِي الخيرَ عن سَعةٍ ... فاليومَ بابُك دون الهجرِ مَهْجُور )
( ولا تَلين إذا عُوسِرْتَ مُقْتَسِراً ... وكُلُّ أمركَ ما يُوسِرْتَ مَيسور )
قال وكان الذي أتاه بنعيه مسعود بن عمرو الأزدي فقال حارثة
( لقد جاء مسعودٌ أخو الأزدِ غدْوَةً ... بداهيةٍ غَرَّاءَ بَادٍ حُجُولُهَا )
( من الشر ظَلَّ الناسُ فيها كأنهم ... وقد جاء بالأَخْبَار من لا يُحِيلُها )
هو وسعد الرابية في مجلس لابن زياد
أخبرني الحسن بن علي قال أنبأنا العمري عن أحمد بن خالد بن منجوف عن مؤرج السدوسي قال
دخل حارثة بن بدر على عبيد الله بن زياد وعنده سعد الرابية أحد بني عمرو بن يربوع بن حنظلة وكان شريرا يضحك ابن زياد ويلهيه وله يقول الفرزدق
( إني لأُبْغِض سعداً أن أجاوِرَه ... ولا أُحِب بني عمرو بن يَربوع )
( قومٌ إذا حاربوا لم يخشَهم أحدٌ ... والجارُ فيهم ذليلٌ غير ممنوع )
(8/407)

فلما جلس حارثة قال له سعد يا حارثة أينع الكرم قال نعم واستودع ماءه الأصيص فمه قال إني لم أرد بأسا قال أجل ولست من أهل البأس ولكن هل لك علم بالأتان إذا اعتاص رحمها كيف يسطى عليها أكما يسطى على الفرس أم كيف قال واحدة بواحدة والبادي أظلم سألتني عما لا علم لي به وسألتك عما تعلم قال أنت بما سألتك عنه أعلم مني بما سألتني عنه ولكن من شاء جهل نفسه وأنكر ما يعرف وقال حارثة يهجو سعداً
( لا تَرْجُ مني يابنَ سعدٍ هَوادةً ... ولا صُحبةً ما أَرْزَمَتْ أُمُّ حَائِلِ )
( أعند الأمير ابنِ الأمير تَعيبني ... وأنت ابنُ عمروٍ مُضْحكٌ في القبائل )
( ولو غيرَنا يا سعد رُمْتَ حريمهَ ... بِخَسْفٍ لقد غُودِرْتَ لحماً لآكل )
( فشالت بك العَنقاءُ أو صِرت لحمة ... لأَغْبَسُ عوَّاء العشيّات عاسِل )
أخبرني هاشم بن محمد قال أنبأنا الرياشي عن الأصمعي وأبي عبيدة قالا
كان حارثة بن بدر يجالس مالك بن مسمع فإذا جاء وقت يشرب فيه قام فأراد مالك أن يعلم من حضره أنه قام ليشرب فقال له إلى أين تمضي يا أبا العنبس قال أجيء بعباد بن الحصين يفقأ عينك الأخرى وقال
(8/408)

الأصمعي أمضي فأفقأ عين عباد بن الحصين لآخذ لك بثأرك وكان عباد فقأ عين مالك يوم المربد
شعره في فتنة مسعود
قال
وذكر المدائني أن حارثة بن بدر كان يومئذ وهو يوم فتنة مسعود على خيل حنظلة بإزاء بكر بن وائل فجعل عبس بن مطلق بن ربيعة الصريمي على الخيل بحيال الأزد ومعه سعد والرباب والأساورة وقال حارثة بن بدر
( سيكفيكَ عبسٌ أَخُو كَهْمَسٍ ... مُقارعةَ الأزْدِ بالمِرْبدِ )
( ويكفيكَ عمرو واشياعُه ... لُكيز بنَ أفصى وما عدَّدوا )
( وأكفيكَ بَكراً إذا أقبلَتْ ... بطَعْنٍ يَشيب له الأَمْرَد )
فلما اصطف الناس أرسل مالك بن مسمع إلى ضرار بن القعقاع يسأله الصلح على أن يعطيه ما أحب فقال له حارثة إنه والله ما أرسل إليك نظراً لك ولا إبقاء عليك ولكنه أراد أن يغري بينك وبين سعد فمضى ضرار إلى راية الأحنف فحملها وحمل على مالك فهزمه وفقئت عينه يومئذ
أخبرني محمد بن يحيى قال أنبأنا محمد بن زكريا عن محمد بن سلام عن أبي اليقظان قال
مر حارثة بن بدر بالمسجد الذي يقال له مسجد الأحامرة بالبصرة فرأى مشيخة قد خضبوا لحاهم بالحناء فقال ما هذه الأحامرة فالمسجد الآن يلقب مسجد الأحامرة منذ يوم قال حارثة هذا القول
(8/409)

خبرني محمد بن يحيى قال أنبأنا محمد بن زكريا عن القحذمي قال
عرض لحارثة بن بدر رجل من الخلج في أمر كرهه عند زياد فقال فيه حارثة
( لقد عجبتُ وكم للدهر من عَجَبٍ ... مما تَزيّد في أَنسابها الخُلُجُ )
( كانوا خَساً أو زَكاً من دون أربعة ... لم يخْلَقُوا وجُدود الناسِ تَعتلج )
الخسا الفرد والزكا الزوج
أخبرني الحسن بن علي قال أنبأنا أحمد بن يحيى قال أنبأنا محمد بن عمر بن زياد الكندي قال أنبأنا يحيى بن آدم عن أبي زائدة عن مجالد عن الشعبي قال
كنت عند عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فأنشدته لحارثة بن بدر
( وكان لنا نَبْعُ تَقينا عُرُوقه ... فَقَدْ بَلَغت إلا قليلاً حُلوقها )
( وشيَّب رأسي واستَخَفَّ حُلُومَنا ... رُعودُ المنايا فوقَنا وبُرُوقها )
( وإنَّا لتَسْتحلي المنايا نُفوسنا ... وتترك أخرى مُرَّة ما تذوقها )
( رأيتُ المنايا بادئاتٍ وُعوداً ... إلى دارنا سهلاً إليها طرِيقها )
( فقد قُسِّمتْ نفسي فريقين منهما ... فريقٌ مع الموتى وعندي فَرِيقها )
قال الشعبي فقال لي ابن جعفر نحن كنا أحق بهذا الشعر وجاءه غلامه بدراهم في منديل فقال له هذه غلة أرضك بمكان كذا وكذا فقال ألقها في حجر الشعبي فألقاها في حجري
أخبرني الحسن بن علي قال أنبأنا أحمد بن الحارث الخراز عن
(8/410)

المدائني عن مسلمة بن محارب
أن زياداً استعمل حارثة بن بدر على كوار وهو إذ ذاك عامل علي بن أبي طالب رضي الله عنه على فارس وكان حارثة بن بدر صاحب شراب فكتب زياد إلى حارثة يحثه على جباية الخراج فكتب إليه علقمة بن معبد المازني
( أَلم تَرَ أنّ حارثة بنَ بدرٍ ... يُصلِّي وهو أكفر من حمار )
( وأن المال يُعرف من حَوَاهُ ... ويُعرَفُ بالزَّواني والعُقَار )
وقال المدائني في خبره هذا
حمل زياد بن أبيه حارثة بن بدر على بغلة يقال لها أطلال كان خرزاذ بن الهربد ابتاعها بأربعة آلاف درهم وأهداها له فركبها حارنة وكان فيها نفار فصرعته عن ظهرها فقام فركبها وقال
( ما هاج أطلالَ بجَنبي حِرْمَهْ ... تحمل وضَّاحاً رفيع الحِكمه )
( قَرْماً إذا زاحم قَرْماً زَحَمهْ ... )
(8/411)

جوابه على سليمان بن عمرو وقد قراه وقرى أصحابه
أخبرني محمد بن يحيى قال أنبأنا محمد بن زكرياء قال أنبأنا إبراهيم بن عمر عن أبي عبيدة وعبد الله بن محمد قالا
مر سليمان بن عمرو بن مرثد بحارثة بن بدر وهو بفارس يريد خراسان فأنزله وقراه وقرى اصحابه وحملهم وإياه فلما ركبوا للمسير قال سليمان
( قَريتَ فأحسنتَ القِرى وسَقيْتنا ... مُعتَّقةً صهباءَ كالعَنبرِ الرَّطبِ )
( وواسيتَنا فيما ملكْتَ تبرُّعاً ... وكنتَ ابنَ بَدرٍ نعم ذو منزل الرَّكب )
( وأنتَ لَعمري في تَميم عِمادُها ... إذا ما تداعتْ لِلعُلى موضع القُطبِ )
( وفارسُها في كل يومِ كريهةٍ ... وملجؤُها إن حلَّ خَطْبٌ من الخَطْب )
( وعندكمُ نال الغنى مَن أراده ... إذا ما خَطرتم كالضَّراغمة الغُلْب )
( يُرَى الحلقُ الماذيّ فوق حُماتهم ... إذا الحربُ شُبَّتْ بالمُهنَّدة القُضب )
( وعند الرَّخَا والأمن غيثٌ ورحمةٌ ... لمن يعتريهم خائفاً صولةَ الحرب )
( وجدتُهمُ جُوداً صباحاً وجوهُهم ... كِراماً على العِلاَّتِ في فادح الخَطْبِ )
( كأن دنانيراً على قَسَماتهمْ ... إذا جئتَهم قد خِفْت نُكْباً من النُّكْب )
( فمنْ مُبْلغٌ عنِّي تميماً فخيرُكُمْ ... غُدانة حقّاً قاله غيرُ ذِي لعْب )
فقال حارثة يجيبه
( وأسحَم ملآنٍ جررتُ لفِتيةٍ ... كرامٍ أبوهم خيرٌ بكر بن وائِل )
(8/412)

( وأطولُهم كفّاً وأصدقُهم حياً ... وأكرمُهم عند اختلافِ المَنَاصِل )
( مِنَ المَرثديّين الذين إذا انْتَدَوا ... رأيتَ نَدِيّاً جدُّه غير خامل )
( فَعالهُم زَيْنٌ لهم ووجوهُهمْ ... تَزينُ الذي يأتونه في المَحَافل )
( فَسَقْياً وَرَعْياً لابن عمرو بن مرثَد ... سليمانَ ذي المجد التليد الحُلاَحِل )
( فتًى لم يزل يسمو إلى كُل نَجدةٍ ... فيُدرك ما أعْيَتْ يدَ المتناولِ )
( فحَسبُك بي عِلماً به وبفَضله ... إذا ذُكر الأقوامُ أهل الفضائل )
في مجلس ابن زياد
أخبرني عمي قال أنبأنا الكراني قال أنبأنا العمري عن عطاء بن مصعب عن عاصم بن الحدثان قال
دخل أنس بن زنيم على عبيد الله بن زياد وعنده حارثة بن بدر وكان بينهما تعارض ومقارضة قبل ذلك فلما خرج أنس قال عبيد الله لحارثة أي رجل هو أنس عندك قال هو عندي أصلح الله الأمير كما قلت فيه
( يَبِيتُ بَطيناً من لُحومِ صديقِه ... خَمِيصاً من التَّقوى ومن طلب الحَمْدِ )
( ينام إذا ما الليلُ جَنَّ ظلامُه ... ويَسري إلى حاجاته نومة الفَهْدِ )
( يُراعي عَذارى قومِه كلما دَجَا ... له الليلُ والسوآت كالأسد الورْدِ )
( جريئاً على أكل الحَرام وفِعله ... جَباناً عن الأقْران مُعْتَرمَ الَكرْدِ )
(8/413)

فلما كان من الغد دخل أنس على عبيد الله فقال له عبيد الله بحضرة حارثة إني سألت هذا عنك فأخبرني بما كرهته لك ولم أكن إخالك كما نعت لي فقال أصلح الله الأمير إن يكن قال خيراً فأنا أهله وإن قال غير ذلك فلم يعد ما هو أولى به مني أما والله لو كان أصلح الله الأمير حقاً لحفظ غيبتي فلقد أوليته حسن الثناء بما ليس أهله والله يعلم أني كنت كاذباً وما إخال ما قاله في إلا عقوبة فإن عقوبة الكذب حاضرة وثمرة الكذب الندامة فقد لعمري أجنيتها بكذبي وقولي فيه ما ليس فيه وهو عندي كما أقول أصلح الله الأمير وأنشد
( يُحلى ليَ الطرفَ ابنُ بَدْر وإنني ... لأعرِفُ في وجه ابنِ بدرٍ ليَ البُغْضَا )
( رآني شَجاً في حَلقه ما يُسِيغُه ... فما إنْ يزال الدهر يُجْرَض بي جَرْضا )
( وما لِيَ من ذنْبٍ إليه علمتَه ... سوى أن رآني في عشيرته مَحْضا )
( وإنَّ ابن بدرٍ في تميمٍ مُكَرْكَسٌ ... إذا سِيمَ خَسفاً أو مَشنَّعةً أَغْضى )
( فعِشْ يابن بدر ما بقيتَ كما أَرَى ... كثيرَ الخَنَا لا تسأم الذلِّ والغَضَّا )
( تعيبُ الرجالَ الصالحين وفعلَهم ... وتبذلُ بُخلاً دون ما نِلتَه العِرْضا )
( وتَرضى بما لا يرتضي الحرُّ مثلَه ... وذو الحِلم بالتَّخْيِيسِ والذُّلِّ لا يَرضى )
قال وقال أنس في حارثة بن بدر ينسبه إلى الخمر والفجور
( أحارِ بنَ بدرٍ بَاكِرِ الراحَ إنها ... تُنَسِّيكَ ما قدَّمتَ في سالف الدَّهْرِ )
( تُنَسِّيكَ أسباباً عِظاماً ركبتَها ... وأنتَ على عَمياءَ في سَنَنٍ تَجري )
(8/414)

( أتذكر ما أسديتَ واخترتَ فِعلَه ... وجئت من المكروه والشَّر والنُّكْر )
( إذا قلتُ مهلاً نِلتَ عِرضي فما الذي ... تَعيب على مثلي هُبِلْتَ أبا عَمْرو )
( أليس عظِيماً أن تُكَايِدَ حُرَّةً ... مُهَفْهَفَةَ الكَشْحَيْنِ طيبةَ النَّشْر )
( فإنْ كنتَ قد أزمعتَ بِشْرك بالذي ... عُرفت به إذ أنت تَخزي ولا تَدري )
( فدع عنك شُرْبَ الخمر وارجع إلى التي ... بها يَرتضِي أهلُ النباهةِ والذِّكْر )
( عليك نبيذَ التمرِ إن كنتَ شارباً ... فإن نبِيذَ التمرِ خيرٌ من الخمر )
( ألا إنَّ شُرْبَ الخمرِ يُزْرِي بِذِي الحَجَى ... ويَذْهب بالمال التّلاد وبالوَفْر )
( فَصَبْراً عن الصَّهْباءِ واعلمْ بأنني ... نَصِيحٌ وأنِّي قد كبرت عن الزَّجْرِ )
( وأنك إن كَفْكَفْتَنِي عن نصيحةٍ ... تركتُك يا حَارِ بنَ بدرٍ إلى الحَشْرِ )
( أَأَبذل نُصْحِي ثمَّ تعصِي نَصيحتي ... وتَهجرني عنها هُبِلْتَ ابا بَدْر )
جوابه على أبي الأسود الدؤلي وقد ولي سرّق
أخبرني احمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عبد الله بن محمد بن حكيم عن خالد بن سعيد عن أبيه قال
لما ولي حارثة بن بدر سرق خرج معه المشيعون من البصرة وفيهم أبو الأسود الدؤلي فلما انصرف المشيعون دنا منه ابو الأسود فقال له
(8/415)

( أحار بن بدرٍ قد وَلِيتَ إمارةً ... فكن جُرَذاً فيها تَخون وتَسرقُ )
( ولا تَحقرنْ يا حارِ شيئاً تُصيبُه ... فحظُّكَ من مُلك العراقين سُرَّق )
( فإن جميعَ الناسِ إما مُكَذِّبٌ ... يقول بما يَهْوى وإما مُصَدِّق )
( يقولون أقوالاً بِظَنٍّ وشُبهةٍ ... فإن قيل هاتوا حقِّقُوا لم يُحَقِّقوا )
( فلا تَعجزنْ فالعجزُ أبطأُ مَركبٍ ... وما كل من يُدعَى إلى الرِّزق يُرْزَق )
( وَكَاثِرْ تميماً بالغنى إن للغَنى ... لساناً به يَسطو العَيِيُّ ويَنطِق )
فقال له حارثة
( جزاك مليكُ الناسِ خيرَ جزائِهِ ... فقد قلتَ معروفاً وأوصيتَ كَافِيَا )
( أمرتَ بحَزمٍ لو أمرتَ بغيره ... لألفَيْتَنِي فيهِ لرأيك عاصيا )
( ستَلْقَى أخاً يُصْفيك بالوُدّ حاضراً ... ويُوليك حِفْظَ الغَيبِ إنْ كنتَ نائِيا )
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن عاصم بن الحدثان قال
لما ندب حارثة بن بدر لقتال الأزارقة بدولاب لقيهم فلما حميت الحرب بينهم واشتدت قال حارثة لأصحابه
( كَرْنبُوا ودَوْلِبُوا ... وحيث شئتم فَاذْهَبُوا )
ثم انهزم فقال غوث بن الحباب يهجوه ويعيره بالفرار ويعيره بشرب الخمر ومعاقرتها
( أحار بنَ بدرٍ دونك الكأسَ إنها ... بمثلك أولى من قِرَاع الكَتَائِبِ )
(8/416)

( عليك بها صهْبَاءَ كالمِسك ريحُها ... يَظَلُّ أخوها للعِدَا غيرَ هَائِب )
( فدَع عنك أقواماً وَلِيت قتالَهم ... فلستَ صَبُوراً عند وَقْعِ القَواضِب )
( وخُذها كعَين الدِّيكِ تَشْفي من الجَوَى ... وتَترك ذَا الهمَّات حَصْرَ المذاهبِ )
( إذا شُعْشِعَتْ بالماء خِلْتَ حَبابَها ... نَظائمَ دُرٍّ أو عيونَ الجَنَادِبِ )
( كأنك إذ تَحْسُو ثلاثةَ أكؤُسٍ ... من التِّيهِ قَرْمٌ من قُرُوم المَرَازِب )
( ودَعْ عنك أبناءَ الحُروبِ وشدَّهم ... إذا خَطروا مثل الجِمال المَصَاعب )
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا العلاء بن الفضل بن أبي سوية قال حدثني أبي قال
كانت في تميم حمالتان فاجتمعوا في مقبرة بني شيبان فقال لهم الأحنف لا تعجلوا حتى يحضر سيدكم فقالوا من سيدنا غيرك قال حارثة بن بدر قال وقدم حارثة من الأهواز بمال كثير فبلغه ما قال الأحنف فقال اغرمنيها والله ابن الزافرية ثم أتاهم كأنه لم يعلم فيما اجتمعوا فقال فيم اجتمعتم فأخبروه فقال لا تلقوا فيهما أحداً فهما علي ثم أتى منزله فقال
( خَلَتِ الديارُ فسُدْتُ غير مُسَوَّدِ ... ومن الشَّقاء تَفَرُّدِي بالسُّودَدِ )
سفيان بن عيينة يتمثل بشعره
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا أحمد بن سليمان بن أبي شيخ عن أبيه قال
(8/417)

خرج أصحاب الحديث إلى سفيان بن عيينة فازدحموا فقال لقد هممت ألا أحدثكم شهراً فقام إليه شاب من أهل العراق فقال له يا أبا محمد ألن جانبك وحسن قولك وتأس بصالحي سلفك وأجمل مجالسة جلسائك فقد أصبحت بقية الناس وأميناً لله ورسوله على العلم والله إن الرجل ليريد الحج فتتعاظمه مشقته حتى يكاد أن يقيم فيكون لقاؤه إياك وطعمه فيك أكثر ما يحركه عليه قال فخضع سفيان وتواضع ورق وبكى ثم تمثل بقول حارثة
( خَلَتِ الديارُ فسُدت غير مُسوّد ... ومن الشقاء تَفَرُّدِي بالسُّودَدِ )
ثم حدثهم بعد ذلك بكل ما أرادوا إلى أن رحلوا
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي ومحمد بن الحسين الكندي قالا حدثنا الخليل بن اسد قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي عن الحسن بن عمارة عن الحكيم بن عتيبة
أن حارثة بن بدر الغداني كان سعى في الأرض فساداً فأهدر علي بن أبي طالب عليه السلام دمه فهرب فاستجار بأشراف الناس فلم يجره أحد فقيل له عليك بسعيد بن قيس الهمداني فلعله أن يجيرك فطلب سعيداً فلم يجده فجلس في طلبه حتى جاء فأخذ بلجام فرسه فقال أجرني أجارك الله قال ويحك ما لك قال أهدر أمير المؤمنين دمي قال وفيم ذاك قال سعيت في الأرض فساداً قال ومن أنت قال حارثة بن بدر الغداني
(8/418)

قال أقم وانصرف إلى علي عليه السلام فوجده قائماً على المنبر يخطب فقال يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً قال أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض قال يا أمير المؤمنين إلا من قال إلا من تاب قال فهذا حارثة بن بدر قد جاء تائباً وقد أجرته قال أنت رجل من المسلمين وقد أجرنا من أجرت ثم قال علي عليه السلام وهو على المنبر أيها الناس إني كنت نذرت دم حارثة بن بدر فمن لقيه فلا يعرض له فانصرف إليه سعيد بن قيس فأعلمه وحمله وكساه وأجازه بجائزة سنية فقال فيه حارثة
( اللَّهُ يَجزي سعيدَ الخيرِ نافلةً ... أَعْني سعيد بن قيسٍ قَرْم هَمْدَانِ )
( أنقذَني من شَفَا غَبراء مُظلِمَةٍ ... لولا شفاعتُه أُلْبِسْتُ أكفانِي )
( قالت تَميمُ بن مُرٍّ لا نُخَاطِبُه ... وقد أَبَتْ ذلكم قيسُ بنُ عَيلان )
قال الهيثم
لم يكن الحسن بن عمارة يروي من هذا الشعر غير هذه الثلاثة الأبيات وأخذت الشعر كله من حماد الراوية فقلت له ممن أخذته قال من سماك بن حرب وهو
( أَساغ في الحَلق رِيقاً كان يَجْرِضُني ... وأَظهر اللَّه سِرِّي بعد كِتمانِ )
( إني تدارَكَني عفٌّ شمائلُه ... آباؤه حين يُنمى خيرُ قحطان )
( يَنميه قيسٌ وزيدٌ والفتى كُرَبٌ ... وذو جَبائرَ من أولاد عثمان )
( وذو رُعَيْنٍ وسيف وابن ذي يزنٍ ... وعَلقم قبلهم أعني ابنَ نَبْهان )
قال فلما أراد الانصراف إلى البصرة شيعه سعيد بن قيس إلى نهر
(8/419)

البصريين في ألف راكب وحمله وجهزه فقال حارثة
( لقد سُررتُ غَدَاةَ النهر إذ بَرزت ... أشياخُ همدانَ فيها المجدُ والخير )
( يقودهم ملكٌ جَزْلٌ مواهبُه ... وَارِي الزِّناد لدى الخيرات مَذكور )
( أعني سعيدَ بن قيسٍ خير ذي يَزنٍ ... سامي العِماد لدى السُّلطانِ مَحبور )
( ما إنْ يلين إذا ما سِيمَ مَنْقَصَةً ... لكن له غَضب فيها وتَنكير )
( أغرُّ أَبْلَجُ يُستسقى الغمامُ به ... جَنابُه الدهرَ يُضحي وهو مَمطور )
أخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن زكريا قال حدثنا محمد بن معاوية الزيادي عن القحذمي قال
كان حارثة بن بدر فصيحاً بليغاً عارفاً بأخبار الناس وأيامهم حلواً شاعراً ذا فكاهة فكان زياد يأنس به طول حياته فلما مات وولي عبيد الله ابنه كان يجفوه فدخل إليه في جمهور الناس فجلس متواريا منه حتى خف الناس ثم قام فأذكره بحقوقه على زياد وأنسه به فقال له ما أعرفني بما قلت غير أن أبي كان قد عرفه الناس وعرفوا سيرته فلم يكن يلصق به من أهل الريبة مثل ما يلحقني مع الشباب وقرب العهد بالإمارة فأما إن قلت ما قلت فاختر مجالستي إن شئت ليلاً وإن شئت نهاراً فقال الليل أحب إلي فكان يدعوه ليلاً فيسامره فلما عرفه استحلاه فغلب عليه ليله ونهاره حتى كان يغيب فيبعث من يحضره فجاءه ليلة وبوجهه آثار فقال له ما هذا يا حار قال ركبت فرسي الأشقر فلجج بي مضيقاً فسحجني قال لكنك لو ركبت أحد
(8/420)

الأشهبين لم يصبك شيء من هذا يعني اللبن والماء
طلق زوجته ثم ندم على ذلك
أخبرني محمد بن يحيى قال أنبأنا محمد بن زكريا قال أنبأنا محمد بن معاوية الزيادي عن القحذمي عن عمه قال
خرج حارثة بن بدر إلى سلم بن زياد بخراسان فأوصى رجلاً من غدانة أن يتعاهد امرأته الشماء ويقوم بأمرها فكان الغداني يأتيها فيتحدث عندها ويطيل حتى أحبها وصبا بها فكتب إلى حارثة يخبره أنها فسدت عليه وتغيرت ويشير عليه بفراقها ويقول له إنها قد فضحتك من تلعب الرجال بها فكتب إليها بطلاقها وكتب في آخر كتابه
( ألا آذِنَا شَمَّاءَ بالبَيْن إنه ... أَبَى أَوَدُ الشَّمَّاء أن يَتَقَوَّمَا )
قال فلما طلقها وقضت عدتها خطبها الغداني فتزوجها وكان حارثة شديد الحب لها وبلغه ذلك وما صنعت فقال
0ل - عمركَ ما فارقتُ شَمَّاءَ عن قِلًى ... ولكنْ أَطَلْتُ النَّأيَ عنها فَمَلَّتِ )
( مُقيماً بِمَرْوَرُّوذَ لا أنا قَافِلٌ ... إليها ولا تَدْنُو إذا هي حَلَّتِ )
رثاء زوجته له
أخبرني محمد بن يحيى قال أنبأنا محمد بن زكريا قال أنبأنا
(8/421)

مهدي بن سابق قال أنبأنا عطاء عن عاصم بن الحدثان قال
تزوج حارثة بن بدر ميسة بنت جابر وكانت تذكر بجمال وعقل ولسان فلما هلك حارثة تزوجها بشر بن شعاف بعده فلم تحمده فقالت ترثي حارثة
( بُدِّلْتُ بِشْراً شَقَاءً أو مُعَاقبةً ... من فَارِسٍ كان قِدْماً غَيْرَ خَوَّارِ )
( يا ليتني قبلَ بِشْرٍ كان عَاجَلَنِي ... داعٍ من اللَّهِ أو دَاعٍ من النَّار )
وقالت أيضا فيه
( مَا خَارَ لي ذُو العرشِ لمَّا اسْتَخَرْتُه ... وعَذَّبني أن صِرْتُ لابن شِعَافِ )
( فما كان لي بَعْلاً وما كان مثله ... يكون حَلِيفاً أو يَنَالُ إلافي )
( فيا ربِّ قد أَوْقَعْتَنِي في بَلِيَّةٍ ... فكُن ليَ حِصْناً منه رَبِّ وكَافِ )
( ونَحِّ إلهي رِبْقَتِي من يَد امْرىءٍ ... شَتِيمٍ مُحَيَّاهُ لكُل مُصَافي )
( هو السَّوْأَةُ السَّوْآءُ لا خير عنده ... لطالبِ خَيرٍ أو أَحَذِّ قَوَافي )
( يَرَى أَكْلَةً إن نِلْتُها قَلْعَ ضِرْسِه ... وما تلك زُلْفَى يَالَ عَبد مَناف )
( وإن حَادِثٌ عَضَّ الشِّعَافِيَّ لم يكُن ... صَلِيباً ولا ذا تُدْرَأ وقُذَاف )
أخبرني محمد بن مزيد قال أنبأنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن عاصم بن الحدثان قال
لقي أنس بن زنيم الدئلي حارثة بن بدر فقال له يا حارثة قد قلت لك أبياتاً فاسمعها فقال هاتها فأنشده
(8/422)

( فحتَّى متى أنت ابنَ بَدْرٍ مُخَيِّمٌ ... وصَحْبُكَ يحْسُونَ الحلِيبَ من الكَرْمِ )
( فَإنْ كان شَرّاً فالْهُ عنه وَخَلِّهِ ... لغيرك من أهل التَّخَبُّطِ والظُّلْم )
( وإن كان غُنْماً يابن بدرٍ فقد أُرَى ... سَئِمْتُ من الإِكثار من ذلك الْغُنْمِ )
( وإن كنتَ ذَا علم بها واحْتِسائِها ... فما لك تأتي ما يَشِينك عن عِلْم )
( تَقِ اللَّهَ واقْبَلْ يابنَ بدرٍ نصيحتي ... ودَعْها لمن أَمْسَى بَعِيداً من الحَزْم )
( فلو أنها كانت شَرَاباً مُحَلَّلاً ... وقُلتَ لِيَ اتركها لأَوْضَعْتُ في الحُكْم )
( وأيقنت أن القولَ ما قلتَ فَانْتَفِعْ ... بقَوْلِي ولا تَجْعَلْ كلامي من الجُرْم )
( فَرُبَّ نَصِيحِ الجَيبِ رُدَّ انْتِصَاحُه ... عليه بلا ذَنبٍ وعُوجِلَ بِالشَّتْم )
فقال له حارثة لقد قلت فأحسنت ونصحت فبالغت جزيت الخير أبا زنيم فلما رجع إلى منزله أتاه ندماؤه فذكر لهم ما قال ابن زنيم فقالوا والله ما نرى ذلك إلا حسداً ثم قال حارثة بن بدر لابن زنيم
( يَعِيبُ عليَّ الرَّاحَ مَنْ لو يَذُوقُها ... لَجُنَّ بها حتى يُغَيَّبَ في القَبرِ )
( فَدَعْها أو امْدَحْها فإنَّا نُحِبُّها ... صُرَاحاً كما أَغْرَاكَ رَبُّكَ بالهَجْر )
( عَلاَمَ تّذُمُّ الرَّاحَ والرَّاحُ كاسْمِها ... تُرِيحُ الفتى من هَمِّهِ آخِرَ الدَّهْر )
( فَلُمْني فإن اللَّوْمَ فيها يَزِيدُني ... غَرَاماً بها إن المَلامة قَد تُغْري )
( وباللَّهِ أُولِي صَادِقاً لو شَرِبْتَها ... لأَقْصَرْت عن عَذْلي ومِلْت إلى عُذْري )
( وإن شئتَ جَرِّبْها وذُقْها عَتِيقةً ... لها أَرَجٌ كالمسك مَحْمودَةَ الخُبْرِ )
( فإن أنت لم تَخْلَعْ عِذَارَكَ فَالحَنِي ... وقُلْ لِي لَحاكَ الله من عَاجِزٍ غَمْر )
(8/423)

( وقَبْلَكَ ما قد لامني في اصْطِبَاحِها ... وفي شُربها بَدْرٌ فأعْرَضْتُ عَنْ بَدْر )
( وَحَاسَيْتُها قوماً كأنَّ وجوهَهم ... دنانيرُ في الَّلأوَاءِ والزَّمَنِ النُّكْرِ )
( فدَعني من التَّعْذَلِ فيها فإنني ... خُلِقْتُ أَبِيّاً لا أَلِينُ على القَسْر )
( أَجُودُ وأُعْطِي المُنْفِسَاتِ تَبَرُّعاً ... وَأُغْلِي بها عند اليَسَارَة والعُسْر )
( وأشربها حتى أَخِرّ مُجَدَّلاً ... مُعَتَّقَةً صَهْبَاءَ طَيِّبة النَّشْر )
( ولولا النُّهَى لم أَصْحُ ما عشتُ ساعةً ... ولكنني نَهْنَهْتُ نَفْسِي عن الهَجْر )
( فقّصَّرْتُ عنها بعد طُولِ لَجَاجَةٍ ... وحُبًّ لها في سِرِّ أَمْرِي وفي الجَهْرِ )
( وحَقَّ لمِثْلِي أن يَكُفَّ عن الْخَنَى ... ويُقْصِرَ عن بعض الغَوَايَةِ والنُّكْر )
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي عبيدة
أن عبيد الله بن زياد استعمل حارثة بن بدر على نيسابور فغاب عنه أشهراً ثم قدم فدخل عليه فقال له ما جاء بك ولم أكتب إليك قال استنظفت خراجك وجئت به وليس لي بها عمل فما مقامي قال أوبذلك أمرتك ارجع فاردد عليهم الخراج وخذه منهم نجوماً حتى تنقضي السنة وقد فرغت من ذلك فإنه أرفق بالرعية وبك واحذر أن تحملهم على بيع غلاتهم ومواشيهم ولا التعنيف عليهم فرجع فرد الخراج عليهم وأقام يستخرجه منهم نجوماً حتى مضت السنة
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي عن الأصمعي قال
قال الأحنف بن قيس ما غبت عن أمر قط فحضره حارثة بن بدر إلا
(8/424)

وثقت بإحكامه إياه وجودة عقده له وكان حارثة بن بدر من الدهاة
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي قال
كان حارثة بن بدر يصيب من الشراب وكان حظياً عند زياد فعوتب زياد على رأيه فيه فقال أتلومونني على حارثة فوالله ما تفل في مجلسي قط ولا حك ركابه ركابي ولا سار معي في علاوة الريح فغبر علي ولا دعوته قط فاحتجت إلى تجشم الالتفات إليه حتى يوازيني ولا شاورته في شيء إلا نصحني ولا سألته عن شيء من أمر العرب وأخبارها إلا وجدته به بصيراً
ماذا قال في يوم دولاب
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وأحمد بن عبيد الله بن عمار قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا الأصمعي قال
لما كان يوم دولاب وأفضت الحرب إلى حارثة بن بدر صاح من جاءنا من الموالي فله فريضة العرب ومن جاءنا من الأعراب فله فريضة المهاجر فلما رأى ما يلقى أصحابه من الأزارقة قال
( أَيْرُ الحمار فَرِيضةٌ لشبابكم ... والخُصْيَتانِ فريضة اْلأَعْرابِ )
( عَضَّ المَوَالِي جِلْدَ أَيْرِ أبِيهمُ ... إن المَوَالِيَ مَعْشَرُ الخُيَّاب )
ثم قال
( كَرْنِبُوا ودَوْلِبُوا وشَرِّقُوا وغَرِّبُوا ... )
( وحَيْثُ شِئْتُمْ فاذْهَبُوا ... )
(8/425)

يعني بقوله كرنبوا أي خذوا طريق كرنبى ودولبوا خذوا طريق دولاب
أخبرني محمد بن زكريا الصحاف قال حدثنا قعنب بن محرز قال حدثنا الهيثم بن عدي عن ابن عياش عن المغيرة بن المنتشر قال
إنا عند عبيد الله بن زياد وعنده الأحنف بن قيس وحارثة بن بدر وكان حارثة يتهم بالشراب فقال له عبيد الله يا حارثة أي الشراب أطيب قال برة طبرية بأقطة عنزية بسمنة عربية بسكرة سوسية فتبسم عبيد الله ثم قال للأحنف يا أبا بحر أي الشراب أطيب قال الخمر فقال له عبيد الله وما يدريك ولست من أهلها قال من يستحلها لا يعدوها إلى غيرها ومن يحرمها يتأول فيها حتى يشربها قال فضحك عبيد الله
أخبرني أحمد بن محمد أبو الحسن الأسدي وعمرو بن عبد الله العتكي قالا حدثنا الرياشي وقال العتكي في خبره عن أبي عبيدة ولم يقله الأسدي ولا تجاوز الرياشي به
إن حارثة كان بكوار من أردشير خره يتنزه فقال
( ألم تَرَ أن حارثة بن بَدْرٍ ... أَقَامَ بِدَيْر أَبْلَقْ من كُوَارَا )
ثم قال لجند كانوا معه من أجاز هذا البيت فله حكمه فقال له رجل
(8/426)

منهم أنا أجيزه على أن تجعل لي الأمان من غضبك وتجعلني رسولك إلى البصرة وتطلب لي القفل من الأمير قال ذلك لك قال ثم رد عليه نشيد البيت فقال الرجل
( مُقِيماً يشربُ الصَّهْبَاءَ صِرْفاً ... إذا ما قلتَ تَصْرُعه اسْتَدَارَا )
فقال له حارثة لك شرطك ولو كنت قلت لنا شيئا يسرنا لسررناك
هجوه الأبيرد الرياحي
كتب إلي ابو خليفة الفضل بن الحباب أخبرنا محمد بن سلام قال
قدم الأبيرد الرياحي على حارثة بن بدر فقال له اكسني ثوبين أدخل بهما على الأمير فكساه ثوبين لم يرضهما فقال فيه
( أحارثُ أَمْسِكْ فَضْلَ بُرْدَيْكَ إنما ... أَجَاعَ وَأَعْرَى اللَّهُ من كُنْتَ كَاسِيَا )
( وكُنْتُ إذا اسْتَمْطَرْتُ منك سَحَابَةً ... لِتُمْطِرنِي عَادَتْ عَجَاجاً وسَافِياً )
( أَحَارثُ عَاوِدْ شُرْبَك الخَمْرَ إنني ... رأيتُ زِيَاداً عنك أَصْبَحَ لاَهِيا )
فبلغت زياداً وبلغت حارثة فقال قبحه الله لقد شهد علي بما لم يعلم ولم أدع جوابه إلا لما يعلم
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن عاصم بن الحدثان قال
كان الحكم بن المنذر بن الجارود يشرب الشراب فقيل له في ذلك وعوتب وعرف أن الصلتان العبدي هجاه فقال فيه
(8/427)

( تَرَكَ الأشياءَ طُرّاً وانْحَنَى ... يضرب الصَّهْباءَ من ماء العِنَبْ )
( لا يَخَافُ الناسَ قد أّذْمَنها ... وَهِيَ تُرْزِي بِاللَّئِيم المُؤْتَشِب )
( وَهْيَ بِالأشْرَافِ أَزْرَى وإلى ... غَايَةِ التَّأنِيْب تَدْعُو ذا الحسَبَ )
( فَدَع الخَمْرَ أبا حَرْبٍ وَسُدْ ... قَوْمَكَ الأَذْنَيْنَ مِن بَيْن العَرَب )
فقال لعنه الله والله ما ترك للصلح موضعا ولقد صدق ولولا الشرب لكنت الرجل الكامل وما يخفى علي قبيحه وسوء القالة فيه ولكني سمعت حارثة بن بدر الغداني أنشد ابياتً يوماً فحملتني على المجاهرة بالشراب وغن كان ذلي إلي بغيضاً قيل له وما الأبيات قال سمعته ينشد
( أّذْهَبَ عنِّي الغمَّ والذي ... به تُطْرَدُ الأَحْدَاثُ شُرْبُ المُرَوَّقِ )
- فوالللَّه ما أنفكُّ بالرَّاح مُهْتَراً ... ولو لام فيها كُلُّ خحُرُّ مُوفَّق )
( فما لائمي فيها وإن كان ناصِحاً ... بأعلمَ منِّي بالرَّحيق المُعَتَّق )
( ولكنَّ قلبي مُسْتَهَامٌ بحُبِّها ... وحُبُّ القِيان رَأيُ كلِّ مُحَمَّق )
( أُحِبُّ التي لا أَمْلكَ الدَّهْرَ بُغْضَها ... وذلك فِعْلٌ مُعجِبٌ كلَّ أَخْرٌ )
سأشْرَبُها صِرفاً وأَسْقي صحابتي ... وأطلب غِرَّاتِ الغَزَال المُنّطَّق )
(8/428)

شعره في نديم له
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن عاصم بن الحدثان قال
كان لحارثة بن بدر نديم من قريش يصيب معه الشراب ولا يفارقه إذا شرب وقال فيه
( وأّبْيَضَ من أولاد سَعد بن مَالِك ... سَقيتُ من الصَّهْباء حتى تَقَطَّرَا )
( وحتى رأى الشَّخْصَ القريبَ بِسُكْرِه ... شُخُوصاً فنادى يَالَ سعدٍ وكَبَّرا )
( فقلتُ أَسَكْرَانٌ فَقَالَ مُكَابِراً ... أبَى اللَّهُ لي أن أُسْتَخَفَّ وأَسْكَرا )
( فقلتُ له اشْرَبْ هذه بَابِلِيَّةٌ ... تَخالُ بها مِسكاً ذَكِيّاً وعَنْبَرا )
( فلما حَسَاها هَرَّها ثمَّ إْنَّه ... تماسَكَ شيئاً واجِماً مُتَفَكِّرا )
( وقال أَعِدْها قلتُ صَبْراً سُوَيْعَةً ... فَهَوَّمَ شيئاً ثم قام فَبَرْبَرَا )
( فقلتُ له نَم ساعةً عَلَّ ما أَرَى ... من السُّكْرِ يُبْدِي منك صُرْماً مُذكَّرا )
خبره مع أبي صخر مخارق حين عاتبه على شربه الخمر
قال إسحاق قال عاصم بن الحدثان
كان أبو صخر مخارق بن صخر أحد بني ربيعة بن مالك شاعراً وهو خال أبي حزانة أو خال أبي جميعة وكان صديقاً لحارثة بن بدر فدخل عليه يوماً وهو مصطبح فعاتبه حارثة بن بدر وقال له قد أسقطت الخمر قدرك
(8/429)

ومروءتك قال له دع عنك هذا الجنون وهلم نتساعد واسمع ما قلت قال هاته فأنشده
( غدا نَاصحاً لم يَأْلُ جُهْداً مُخَارِقٌ ... يَلُومُ على شُرْبِ السُّلاَفِ المُعَتَّقِ )
( فقلتُ ابا صَخْرٍ دَع الناس يَجْهَلُوا ... ودُونَكَها صَهْبَاء ذَاتَ تَأَلُّق )
( تراها إذا ما المَاءُ خَالَطَ جِسْمَها ... تَخايَلُ في كَفِّ الوَصِيف المُنَطَّق )
( لهَا أَرجٌ كَالْمِسْكِ تُذْهِب رِيحُها ... عَمَايَةَ حَاسِيها بِحُسْنِ تَرَفُّق )
( وكم لاَئِم فيها بصيرٍ بِفَضْلِها ... رَمَتْهُ بِسَهْمٍ صَائِب مُتَزَلَّق )
( فَظَلَّ لِرَيَّاها يَعضُّ نَدَامَةً ... يديه وأَرْغَى بعد طُولِ تَمَطُّق )
( وقال لَكَ العُذْر ابن بدرٍ على التي ... تُسَلِّي هُمُومَ المُسْتَهامِ المُشَوَّق )
( فلستُ ابنَ صَخْرٍ تاركاً شُرْبَ قَهْوَةٍ ... لقَول لَئِيم جَاهِلٍ مُتَحَذْلِقِ )
( يعيب عليَّ الشُّربَ والشربُ هَمُّه ... لِيُحْسَبَ ذَا رَأْيٍ أًصِيلٍ مُصَدَّق )
( فما أنا بالغِرِّ ابنَ صَخْرٍ ولا الذي ... يُصَمِّمُ في شيْءٍ من الأَمْرِ مُوبِق )
فقال له مخارق بن صخر إنما عاتبتك لأن الناس قد كثروا فيك ورأيت النصيحة لله واجبة علي وكرهت أن تضع لذتك قدرك فإن أطعتني في تركها وإلا فلا تجاهر بها فإنك قادر على أن تبلغ حاجتك في ستر فقال حارثة ما عندي غير ما سمعت فتركه وانصرف
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال أنبأنا الرياشي عن محمد بن
(8/430)

سلام عن يونس بن حبيب قال
لما بنى فيل مولى زياد داره بالسبابجة صنع طعاماً ودعا أصحاب زياد فدخلوا الحمام المعروف بحمام فيل وخرجوا فتغدوا عنده وركب فيل وأصحابه الهماليج والمقاريف والبغال واجتاز بهم معه على حارثة بن بدر وأبي الأسود الدؤلي وهما جالسان فقال أبو الأسود
( لَعَمْرُ أَبِيكَ ما حَمَّامُ كِسْرَى ... على الثُّلُثَيْنِ من حَمَّامِ فِيلِ )
فقال له حارثة
( وما إِيجافُنَا خَلْفَ المَوالي ... بِسُنَّتِنَا على عَهد الرَّسُولِ )
أخبرني محمد بن مزيد قال أنبأنا حماد عن أبيه عن عاصم بن الحدثان قال حدثني عمي عن الحارث الهجيمي قال
ذكر حلم الأحنف بن قيس عند عبيد الله بن زياد وعنده حارثة بن بدر فنفس عليه حارثة ذلك فقال لعبيد الله أيها الأمير ما يبلغ حلم من لا قدرة له ولا يملك لعدوه ضراً ولا لصديقه نفعاً وإنما يتكلف الدخول فيما لا يعنيه فبلغ ذلك من قوله الأحنف فقال أهون بحارثة وكلامه وما حارثة ومقداره أليس الذي يقول قبح الله رأيه في قوله
( إذا ما شَرِبْتُ الراحَ أَبْدَتْ مَكَارِمِي ... وَجُدْتُ بما حَازَتْ يَدَايَ من الوَفْرِ )
(8/431)

( وإن سَبَّنِي جَهْلاً نَدِيميَ لم أَزِدْ ... على اشْرَبْ سَقَاكَ اللَّهُ طَيِّبَةَ النَّشْر )
أَرَى ذاك حَقّاً وَاجِباً لِمُنَادِمِي ... إذا قال لي غَيْرَ الجَمِيل من النُّكْرِ )
شعره في جاريته ميسته
أخبرني عمي قال أنبأنا الكراني قال أنبأنا الرياشي عن الأصمعي
قال
كان لحارثة بن بدر جارية يقال لها ميسة وكان بها مشغوفاً فلما مات تزوجت بعده بشر بن شغاف فهؤلاء الشغافيون من ولدها وفيها يقول حارثة
( خلِيليَّ لولا حُبُّ مَيْسَة لَمْ أُبَلْ ... أفي اليوْمِ لاَقَيْتُ المَنِيَّةَ أمْ غَدَا )
( خليليَّ إنْ أَفْشَيْتُ سِرِّي إِلَيْكُما ... فَلاَ تَجْعَلا سِرِّي حديثاَ مُبَدَّدا )
( وإنْ أنْتُما أفشيتُماه فلا رأتْ عُيُونُكُما يَوْمَ الحِسَابِ مُحَمَّدا )
( ولا زِلْتُمَا في شِقْوَةٍ ما بَقِيتُما ... تَذُوقَانِ عَيْشاً سَيِّىءَ الحَالِ أَنْكَدا ) أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال أنبأنا الحسين بن عليل قال أنبأنا مسعود بن بشر عن أبي عبيدة قال
اجتاز حارثة بن بدر الغداني بمجلس من مجالس قومه من بني تميم ومعه كعب مولاه فكلما اجتاز بقوم قاموا إليه وقالوا مرحباً بسيدنا فلما ولى قال له كعب ما سمعت كلاماً قط أقر لعيني ولا ألذ بسمعي من هذا الكلام الذي سمعته اليوم فقال له حارثة لكني لم أسمع كلاماً قط أكره لنفسي وأبغض إلي مما سمعته قال ولم قال ويحك يا كعب إنما سودني قومي حين ذهب خيارهم وأماثلهم فاحفظ عني هذا البيت
( خلَت الدِّيَارُ فَسُدْتُ غير مُسَوَّدِ ... ومن الشَّقَاءِ تَفَرُّدِي بالسُّودَدِ )
(8/432)

وصيته قبل وفاته
قال
واشتكى حارثة بن بدر وأشرف على الموت فجعل قومه يعودونه فقالوا له هل لك من حاجة أو شيء تريده قال نعم اكسروا رجل مولاي كعب لئلا يبرح من عندي فإنه يؤنسني ففعلوا وأنشأ يقول
( يا كَعْبُ مَهْلاً فلا تَجْزَع على أَحَدٍ ... يا كَعْبُ لم يَبْقَ منَّا غيرُ أَجْسَادِ )
( يا كَعْبُ مَا رَاحَ من قَوْمٍ ولا بكَرُوا ... إلا وللْمَوْتِ في آثارِهِمْ حَادي )
( يا كعبُ ما طَلَعَتْ شمسٌ ولا غَرُبَتْ ... إلا تُقَرِّبُ آجالاً لمِيعَاد )
( يا كَعْبُ كم من حِمَى قَوْمٍ نَزلْتُ بِهِ ... على صَوَاعِقَ من زَجْرٍ وإِيعَاد )
( فإنْ لَقِيتَ بوادٍ حيَّةً ذَكراً ... فَاذْهَبْ ودَعْني أُمَارِسْ حَيَّة الوَادي )
جاء بعقب هذه الترجمة في الجزء الحادي والعشرين
صوت
( عِشْ فَحُبِّيك سَرِيعاً قاتلي ... والضَّنَى إنْ لَمْ تَصلْني واصلِي )
( ظَفِرَ الشَّوْقُ بِقَلْبٍ دَنِفٍ ... فيكَ والسُّقْمُ بِجِسْمٍ نَاحِلِ )
( فهما بين اكتئابٍ وضَنًى ... تَرَكاني كالقضيب الذَّابِلِ )
الشعر لخالد الكاتب والغناء للمسدود رمل مطلق في مجرى الوسطى وذكر جحظة أن هذا الرمل أخذ عنه وأنه أول صوت سمعه فكتبه
ثم جاءت بعد هذا أخبار خالد الكاتب
(8/433)

بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر أخبار كثير ونسبه
هو فيما أخبرنا به محمد بن العباس اليزيدي عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي أبو صخر كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر بن عويمر بن مخلد بن سعيد بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو وهو خزاعة بن ربيعة وهو يحيى بن حارثة بن عمرو وهو مزيقيا بن عامر وهو ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول ابن مازن بن الأزد وهو درء وقيل دراء ممدودا ابن الغوث بن نبت بن مالك ابن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان
وأخبرنا أبو عبد الرحمن أحمد بن محمد بن إسحاق الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا أبو صخر بن أبي الزعراء الخزاعي عن أمه ليلى
(9/5)

بنت كثير قالت هو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر بن مخلد بن سبيع بن سعد بن مليح بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر
وأمه جمعة بنت الأشيم بن خالد بن عبيد ابن مبشر بن رياح بن سيالة بن عامر بن جعثمة بن كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر وكانت كنية الأشيم جده أبي أمه أبا جمعة ولذلك قيل له ابن أبي جمعة
وكان له ابن يقال له ثواب من أشعر أهل زمانه مات سنة إحدى وأربعين ومائة ولا ولد له
ومات كثير سنة خمس ومائة في ولاية يزيد بن عبد الملك وليس له اليوم ولد إلا من بنته ليلى ولليلى بنته ابن يكنى أبا سلمة شاعر وهو الذي يقول
صوت
( وكان عزيزاً أن تبيتِي وبيننا ... حجابٌ فقد أمسيتِ منِّي على شهرِ )
( ففي القرب تعذيبٌ وفي النأي حَسْرةٌ ... فيا ويْح نفسي كيف أصنع بالدهر )
في هذين البيتين غناء لمقاسة ولحنه من الثقيل الأول بالخنصر عن حبش
طبقته ونحلته
ويكنى كثير أبا صخر وهو من فحول شعراء الإسلام وجعله ابن سلام
(9/6)

في الطبقة الأولى منهم وقرن به جريرا والفرزدق والأخطل والراعي وكان غاليا في التشيع يذهب مذهب الكيسانية ويقول بالرجعة والتناسخ وكان محمقا مشهورا بذلك وكان آل مروان يعلمون بمذهبه فلا يغيرهم ذلك لجلالته في أعينهم ولطف محله في أنفسهم وعندهم وكان من أتيه الناس وأذهبهم بنفسه على كل أحد
أخبرني به أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني هارون بن عبد الله الزهري قال حدثني سليمان بن فليح قال سمعت محمد بن عبد العزيز يعني ابن عمر بن عبد الرحمن بن عوف يقول ما قصد القصيد ولا نعت الملوك مثل كثير
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير بن بكار قال كتب إلي إسحاق بن إبراهيم الموصلي حدثني إبراهيم بن سعد قال إني لأروي
(9/7)

لكثير ثلاثين قصيدة لورقي بها مجنون لأفاق
أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثني بعض أصحاب الحديث قال
كنا نأتي إبراهيم بن سعد وهو خبيث النفس فنسأله عن شعر كثير فتطيب نفسه ويحدثنا
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا عمر بن أبي بكر المؤملي عن عبد الله بن أبي عبيدة قال من لم يجمع من شعر كثير ثلاثين لامية فلم يجمع شعره قال الزبير قال المؤملي وكان ابن أبي عبيدة يملي شعر كثير بثلاثين دينارا قال وسئل عمي مصعب من أشعر الناس فقال كثير بن أبي جمعة وقال هو أشعر من جرير والفرزدق والراعي وعامتهم يعني الشعراء لم يدرك أحد في مديح الملوك ما أدرك كثير
أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب إجازة قال حدثنا محمد بن سلام الجمحي قال كان كثير شاعر أهل الحجاز وهو شاعر فحل ولكنه منقوص حظه بالعراق
(9/8)

أخبرني أبو خليفة قال أخبرنا ابن سلام قال سمعت يونس النحوي يقول كثير أشعر أهل الإسلام قال ابن سلام وسمعت ابن أبي حفصة يعجبه مذهبه في المديح جدا ويقول كان يستقصي المديح وكان فيه مع جودة شعره خطل وعجب
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن إسماعيل الجعفري قال أخبرني إبراهيم بن إبراهيم بن حسين بن زيد قال سمعت المسور بن عبد الملك يقول ما ضر من يروي شعر كثير وجميل ألا تكون عنده مغنيتان مطربتان
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم عن المدائني عن الوقاصي قال رأيت كثيرا يطوف بالبيت فمن حدثك أنه يزيد على ثلاثة أشبار فكذبه وكان إذا دخل على عبد العزيز بن مروان يقول طأطئ رأسك لا يصبه السقف
(9/9)

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني إسحاق ابن إبراهيم عن المدائني وعن ابن حبيب عن أبيه عن جده عن جد أبيه عبد العزيز وأمه جمعة بنت كثير قال قال جرير لكثير أي رجل أنت لولا دمامتك فقال كثير
( إن أك قَصْداً في الرجال فإنّني ... إذا حلّ أمرٌ ساحتي لطويلُ )
كثير والحزين الديلي
أخبرني حبيب بن نصر وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر ابن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم عن المدائني عن الوقاصي قال وأخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن يحيى عن بعض أصحابهم الديليين قال التقى كثير والحزين الديلي بالمدينة في دار ابن أزهر في سوق الغنم فضمهما المجلس فقال كثير للحزين ما أنت شاعر يا حزين إنما توصل الشيء إلى الشيء فقال له الحزين أتأذن لي أن أهجوك قال نعم وكان كثير قال قبل ذلك وهو ينتسب إلى بني الصلت بن النضر بن كنانة
(9/10)

( أليس أبي بالنَّضْرِ أوليس إخوتي ... بكلِّ هِجَانٍ من بني الصَّلْت أزْهَرَا )
( فإن لم تكونوا من بني الصَّلْت فاتركوا ... أَراكاً بأذيال الخمائل أخضرا )
قال فلما أذن كثير للحزين أن يهجوه قال الحزين
( لقد عَلِقتْ زُبَّ الذُّبَابِ كُثَيِّراً ... أساوِدُ لا يُطْنينه وأراقمُ )
( قصيرُ القميصِ فاحشٌ عند بيته ... يَعَضّ القُراد باسته وهو قائم )
( وما أنتُمُ منّا ولكنكم لنا ... عبيدُ العصا ما ابتلّ في البحر عائم )
( وقد عَلِم الأقوامُ أن بني استِها ... خُزَاعةَ أذنابٌ وأنَّا القَوادِمُ )
( ووالله لولا اللهُ ثم ضِرَابُنا ... بأسيافنا دارتْ عليها المَقاسمُ )
( ولولا بنو بكر لَذَلَّتْ وأُهلِكتْ ... بطعنٍ وأفنتْها السيوف الصوارمُ )
قال فقام كثير فحمل عليه فلكزه وكان الحزين طويلا أيدا فقال له الحزين أنت عن هذا أعجز واحتمله فكان في يده مثل الكرة فضرب به الأرض فخلصه منه الأزهريون فبلغ ذلك أبا الطفيل عامر بن واثلة وهو
(9/11)

بالكوفة فأقسم لئن ملأ عينيه من كثير ليضربنه بالسيف أو ليطعننه بالرمح وكان خندف الأسدي صديقا لأبي الطفيل فطلب إلى أبي الطفيل في كثير واستوهبه إياه فوهبه له والتقيا بمكة وجلسا جميعا مع عمر بن علي بن أبي طالب فقال أما والله لولا ما أعطيت خندفا من العهد لوفيت لك فذلك قول كثير في قصيدته التي يرثي فيها خندفا
( ينال رجالاً نفعُه وهو منهمُ ... بعيدٌ كعَيُّوقِ الثُّرَيَّا المُحَلِّقِ )
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال قال كثير في أي شعر أعطى هؤلاء الأحوص عشرة آلاف دينار قالوا في قوله فيهم
( وما كان مالي طارفاً من تجارةٍ ... وما كان مِيراثاً من المال مُتْلَدَا )
( ولكن عطايَا من إمامٍ مُبَارَكٍ ... مَلاَ الأرضَ معروفاً وجُوداً وسُودَدَا )
فقال كثير إنه لضرع قبحه الله ألا قال كما قلت
صوت
( دَعْ عنكَ سَلْمَى إذ فاتَ مَطْلَبُها ... واذكُرْ خليلَيْكَ من بني الحَكَمِ )
(9/12)

( ما أعطياني ولا سألتُهما ... إلاّ وإنِّي لحاجِزِي كَرَمي )
( إنّي متى لا يكن نوالُهُما ... عندي بما قد فعلتُ أحتشم )
( مُبْدِي الرِّضا عنهما ومُنصرِفٌ ... عن بعض ما لو فعلتُ لم ألَمِ )
( لا أنْزُر النائل الخليلَ إذا ... ما اعتلّ نَزْرَ الظَّؤورِ لم تَرَمِ )
عروضه من المنسرح غنى في هذا الشعر يونس ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وغنى فيه الغريض ثاني ثقيل بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة وفيه لحن من الثقيل الأول ينسب إلى معبد وليس بصحيح له قال الزبير بن بكار في تفسير قوله لا أنزر النائل الخليل يقول لا ألح عليه بالمسألة يقال نزرته أنزره إذا ألححت عليه والظؤور المتعطفة على غير أولادها
(9/13)

أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثنا المؤملي عن أبي عبيدة وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر قالا حدثنا عبد الله بن محمد بن حكيم عن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد عن أبيه قال دخل كثير على عبد الملك بن مروان فقال يا أمير المؤمنين إن أرضا لك يقال لها غرب ربما أتيتها وخرجت إليها بولدي وعيالي فأصبنا من رطبها وتمرها بشراء مرة وطعمة مرة فإن رأى أمير المؤمنين أن يعمرنيها فعل فقال له عبد الملك ذلك لك فندمه الناس وقالوا له أنت شاعر الخليفة ولك عنده منزلة فهلا سألت الأرض قطيعة فأتى الوليد فقال إن لي إلى أمير المؤمنين حاجة فأجلسني قريبا من البرذون فلما استوى عليه عبد الملك قال له إيه وعلم أن له إليه حاجة فقال كثير
( جزَتكَ الجوازِي عن صديقكَ نَضْرةً ... وأدناكَ ربِّي في الرَّفيق المُقَرَّبِ )
( فإنّك لا يُعْطَى عليك ظُلاَمةً ... عدوٌّ ولا تنأَى عن المتقرِّب )
( وإنّك ما تَمنَعْ فإنك مانعٌ ... بحقٍّ وما أعطيتَ لم تَتَعقّبِ )
فقال له أترغب غربا قال نعم يا أمير المؤمنين قال اكتبوها له ففعلوا
أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثنا عمر بن أبي بكر المؤملي قال حدثني عبد الله بن أبي عبيدة قال كان الحزين الكناني قد ضرب علىكل رجل من قريش درهمين في كل
(9/14)

شهر منهم ابن أبي عتيق فجاءه لأخذ درهميه على حمار له أعجف قال وكثير مع ابن أبي عتيق فدعا ابن أبي عتيق للحزين بدرهمين فقال الحزين لابن أبي عتيق من هذا معك قال هذا أبو صخر كثير بن ابي جمعة قال وكان قصيرا دميما فقال له الحزين أتأذن لي أن أهجوه ببيت من شعر قال لا لعمري لا آذن لك أن تهجو جليسي ولكني أشتري عرضه منك بدرهمين آخرين ودعا له بهما فأخذهما ثم قال لا بد من هجائه ببيت قال أو أشتري ذلك منك بدرهمين آخرين ودعا له بهما فأخذهما ثم قال ما أنا بتاركه حتى أهجوه قال أو أشتري ذلك منك بدرهمين فقال له كثير ايذن له ما عسى أن يقول في بيت فأذن له ابن أبي عتيق فقال
( قصيرُ القميصِ فاحشٌ عند بيته ... يَعَضّ القُرَادُ بِاستِه وهو قائمُ )
قال فوثب كثير إليه فلكزه فسقط هو والحمار وخلص ابن أبي عتيق بينهما وقال لكثير قبحك الله أتأذن له وتسفه عليه فقال كثير أو أنا ظننته أن يبلغ بي هذا كله في بيت واحد
كثير يدعي أنه قرشي
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة ولم يتجاوزه وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عبد الرحمن ابن الخضر الخزاعي عن ولد جمعة بنت كثير أنه وجد في كتب أبيه التي فيها شعر كثير أن عبد الملك بن مروان قال له ويحك الحق بقومك من خزاعة فأخبر أنه من كنانة قريش وأنشد كثير قوله
( أليس أبي بالصَّلْتِ أم ليس إخوتي ... بكل هِجانٍ من بني النَّضْر أزهَرا )
(9/15)

( فإن لم تكونوا من بني النَّضْرِ فاتركوا ... أراكاً بأذناب القَوابِل أخضرا )
( أبَيْتُ التي قد سُمْتَني ونَكِرْتُها ... ولو سُمْتَها قبلي قبيصةَ أنكرا )
( لَبسنا ثيابَ العَصْبِ فاختلط السَّدَى ... بِنا وبهم والحَضْرَمِيَّ المُخَصَّرا )
فقال له عبد الملك لابد أن تنشد هذا الشعر على مبنري الكوفة والبصرة وحمله وكتب إلى العراق في أمره قال عمر بن شبة في خبره خاصة فأجابته خزاعة الحجاز إلى ذلك وقال فيه الأحوص ويقال بل قاله سراقة البارقي
( لَعَمْرِي لقدجاء العراقَ كُثَيِّرٌ ... بأحدوثة من وَحْيهِ المُتَكَذِّب )
( أيزعمُ أنِّي من كِنانةَ أوّلي ... وما لِيَ من أمٍّ هناك ولا أبِ )
( فإنْ كنتَ حُرًّا أو تخاف مَعَرّةً ... فخُذْ ما أخذتَ من أميرِك واذهبِ )
فقال كثير يجيبه وفي خبر الزبير قال هذا لأبي علقمة الخزاعي
(9/16)

( أيا خُبَثٌ أكرِمْ كِنانةَ إنّهم ... مَواليك إنْ أمرٌ سما بك معلق )
وفي رواية الزبير أبا علقم
( بنو النَّضْرِ تَرْمِي من ورائك بالحصى ... أُولُو حَسَبٍ فيهم وفاءٌ ومَصْدَقُ )
( يُفِيدونكَ المالَ الكثيرَ ولم تَجِدْ ... لمُلكهمُ شِبْهاً لَوَ انّك تصدُق )
( إذا ركِبوا ثارتْ عليك عَجَاجةٌ ... وفي الأرض من وقع الأسِنَّة أوْلَقُ )
فأجابه الأحوص بقوله
( دَعِ القومَ ما حَلُّوا ببطن قُرَاضِمٍ ... وحيث تَفشَّى بيضُه المتفلِّق )
( فإنّك لو قاربتَ أو قلتَ شُبْهةً ... لذي الحقِّ فيها والمخاصِم مَعْلَق )
( عذَرناك أو قلنا صدقتَ وإنما ... يُصدَّق بالأقوال من كان يصدُق )
( ستأبَى بنو عمروٍ عليك وينتمي ... لهم حسبٌ في جِذْمِ غَسّانَ مُعْرِقُ )
( فإنّك لا عمراً أباك حَفِظتَه ... ولا النَّضْرَ إن ضَيّعتَ شيخَك تَلْحَقُ )
( ولم تُدْرِك القومَ الذين طلبتَهم ... فكنتَ كما كان السِّقاءُ المعلَّق )
( بجِذْمة ساقٍ ليس منه لِحاؤها ... ولم يَكُ عنها قلُبه يتعلّق )
(9/17)

( فأصبحتَ كالمُهْرِيقِ فضلةَ مائه ... لبادِي سَرَابٍ بالمَلاَ يترقرقُ )
قال فخرج كثير فأتى الكوفة فرمي به إلى مسجد بارق فقالوا له أنت من أهل الحجاز قال نعم قالوا فأخبرنا عن رجل شاعر ولد زنا يدعى كثيرا قال سبحان الله أما تسمعون أيها المشايخ ما يقول الفتيان قالوا هو ما قاله لنفسه فانسل منهم وجاء إلى والي الكوفة حسان بن كيسان فطيره على البريد وقال عمر بن شبة في خبره إن سراقة البارقي هو المخاطب له بهذه الشتيمة وإنه عرفه وقال له إن قلت هذا على المنبر قتلتك قحطان وأنا أولهم فانصرف إلى منزله ولم يعد إلى عبد الملك
وكان سراقة هذا شاعرا ظريفا فأخبرني عمي حدثني الكراني عن النضر بن عمر عن الهيثم بن عدي عن الأعمش عن إبراهيم قال كان سراقة البارقي من ظرفاء أهل العراق فأسره المختار يوم جبانة السبيع وكانت للمختار فيها وقعة منكرة فجاء به الذي أسره إلى
(9/18)

المختار فقال له إني أسرت هذا فقال له سراقة كذب ما هو الذي أسرني إنما أسرني غلام أسود على برذون أبلق عليه ثياب خضر ما أراه في عسكرك الآن وسلمني إليه فقال المختار أما إن الرجل قد عاين الملائكة خلوا سبيله فخلوه فهرب فأنشأ يقول
( ألاَ أبلِغْ أبا إسحاق أنِّي ... رأيتُ البُلْقَ دُهْماً مُصْمَتاتِ )
( أرِي عَيْنَيَّ ما لم تُبْصِراه ... كِلاَنَا عالمٌ بالتُّرَّهَاتِ )
( كفرتُ بدينِكم وجعلتُ نذراً ... عليَّ قتالَكم حتى المماتِ )
تشيع كثير وشعره في ابن الحنفية
أخبرنا الحرمي قال أخبرنا الزبير قال أخبرنا عمرو ومحمد بن الضحاك قالا كان كثير يتشيع تشيعا قبيحا يزعم أن محمد بن الحنفية لم يمت قال وكان ذلك رأي السيد وقد قال فيه يعني السيد شعرا كثيرا منه
(9/19)

( ألاَ قلْ للوَصِيّ فدتْك نفسي ... أطلتَ بذلك الجبلِ المُقامَا )
( أضَرّ بمَعْشَرٍ وَالَوْكَ منّا ... وسَمَّوك الخليفةَ والإِماما )
( وعادَوْا فيك أهلَ الأرضِ طُرًّا ... مُقامُك عنهمُ ستِّين عاما )
( وما ذاق ابنُ خَوْلةَ طعمَ مَوْتٍ ... ولا وارتْ له أرضٌ عِظاما )
( لقد أَوْفَى بمُورِق شِعْبِ رَضْوَى ... تُراجِعه الملائكةُ الكلاما )
( وإنّ له به لمَقِيلَ صدقٍ ... وأنديةً تحدِّثه كِرَاما )
( هدانا الله إذ جُرْتُمْ لأمرٍ ... به ولديه نَلْتَمِس التَّمَاما )
( تمامَ مَوَدّةِ المهديِّ حتّى ... تَرَوْا راياتِنا تَتْرَى نِظَاما )
وقال كثير في ذلك
( ألاَ إنّ الأَئمَّةَ من قُرَيْشٍ ... وُلاةَ الحقِّ أربعةٌ سواءُ )
( عليٌّ والثلاثةُ من بَنِيه ... همُ الأسباطُ ليس بهم خَفَاءُ )
( فسِبْطٌ سِبْطُ إيمان وبِرٍّ ... وسِبْطٌ غَيَّبَتْهُ كَرْبَلاءُ )
( وسِبْطٌ لا تراه العينُ حتَّى ... يقودَ الخيلَ يقدُمها اللِّواء )
( تغيَّب لا يُرَى عنهم زماناً ... برَضْوَى عنده عسلٌ وماء )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الحارث بن محمد عن المدائني عن أبي بكر الهذلي قال
(9/20)

كان عبد الله بن الزبير قد أغري ببني هاشم يتبعهم بكل مكروه ويغري بهم ويخطب بهم على المنابر ويصرح ويعرض بذكرهم فربما عارضه ابن عباس وغيره منهم ثم بدا له فيهم فحبس ابن الحنفية في سجن عارم ثم جمعه وسائر من كان بحضرته من بني هاشم فجعلهم في محبس وملأه حطبا وأضرم فيه النار وقد كان بلغه أن أبا عبد الله الجدلي وسائر شيعة ابن الحنفية قد وافوا لنصرته ومحاربة ابن الزبير فكان ذلك سبب إيقاعه به وبلغ أبا عبد الله الخبر فوافى ساعة أضرمت النار عليهم فأطفأها واستنقذهم وأخرج ابن الحنفية عن جوار ابن الزبير منذ يومئذ فأنشدنا محمد بن العباس اليزيدي قال أنشدنا محمد بن حبيب لكثير يذكر ابن الحنفية وقد حبسه ابن الزبير في سجن يقال له سجن عارم
( مَنْ يَرَ هذا الشيخَ بالخَيْفِ من مِنًى ... من الناسِ يعلَمْ أنّه غيرُ ظالمِ )
( سَمِيُّ النبيِّ المصطفى وابنُ عمِّه ... وفَكَّاكُ أغلالٍ ونفّاعُ غارمِ )
(9/21)

( أبَى فهو لا يَشْرِي هدّى بضلالةٍ ... ولا يتَّقي في الله لومةَ لائمِ )
( ونحن بحمد الله نتلو كتابَه ... حُلُولاً بهذا الخَيْفِ خَيْفِ المحارمِ )
( بحيث الحمامُ آمِنُ الرَّوْعِ ساكنٌ ... وحيث العدوّ كالصديق المُسالِم )
( فما فَرَحُ الدُّنيا بباقٍ لأهلِه ... ولا شِدَّةُ البَلْوَى بضربة لازِمِ )
( تُخَبِّرُ مَنْ لاقيتَ أنك عائذٌ ... بل العائذُ المظلوم في سجن عارمِ )
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني قال حدثنا يحيى بن الحسن العلوي قال حدثنا الزبير بن بكار وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن إسماعيل الجعفري عن سعيد عن عقبة الجهني عن أبيه قال سمعت كثيرا ينشد علي بن عبد الله بن جعفر قوله في محمد بن الحنفية
( أقَرّ اللهُ عينِيَ إذ دعاني ... أمينُ الله يلطُف في السؤالِ )
( وأثنَى في هوايَ عليَّ خيراً ... وساءلَ عن بَنِيَّ وكيف حالي )
( وكيف ذكرت حال أبي خُبَيْبٍ ... وزَلَّة فعلِه عند السُّؤالِ )
( هو المَهْدِيّ خَبَّرَنَاهُ كَعْبٌ ... أخو الأحبارِ في الحِقَبِ الخوالي )
فقال له علي بن عبد الله يا أبا صخر ما يثنى عليك في هواك خيرا إلا من كان على مثل مذهبك قال أجل بأبي أنت وأمي قال وكان كثير كيسانيا يرى الرجعة قال الزبير أبو خبيب عبد الله بن الزبير كناه بابنه
(9/22)

خبيب وهو أكبر ولده وكان كثير سيئ الرأي فيه قال الزبير كناه بابنه خبيب وهو أكبر ولده وكان كثير سيئ الرأي فيه قال الزبير فأخبرني عمي قال لما قال كثير
( هو المهديّ خَبَّرَنَاه كعبٌ ... أخو الأحبار في الحِقَبِ الخوالي )
فقيل له ألقيت كعبا قال لا قيل فلم قلت خبرناه كعب قال بالتوهم
قال وكان كثير شيعيا غاليا يزعم أن الأرواح تتناسخ ويحتج بقول الله تعالى ( في أي صورة ما شاء ركبك ) ويقول ألا ترى أنه حوله من صورة في صورة
قال فحدثني عمر بن أبي بكر المؤملي عن عبد الله بن أبي عبيدة قال خندف الأسدي الذي أدخل كثيرا في الخشبية
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني إبراهيم بن المنذر الحزامي عن محمد بن معن الغفاري قال كنا بالسيالة في مشيخة نتحدث إذا بكثير قد طلع علينا متكئا على عصا فقال كنا ببيداء بأشراف السيالة وبهذه الناحية فما بقي موضع ببيداء إلا وقد جئته فإذا هو على حاله ما تغير وما تغيرت الجبال ولا الموضع الذي كنا نطوف فيه وهذا يكون حتى نرجع إليه وكان يؤمن بالرجعة
(9/23)

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني يحيى بن محمد قال دخل عبد الله بن حسن على كثير يعوده في مرضه الذي مات فيه فقال له كثير أبشر فكأنك بي بعد أربعين ليلة قد طلعت عليك على فرس عتيق فقال له عبد الله بن حسن ما لك عليك لعنة الله فوالله لئن مت لا أشهدك ولا أعودك ولا أكلمك أبدا
أخبرني الحرمي قال حدثا الزبير قال حدثني يحيى بن محمد بن عبد الملك بن عبد العزيز أحسبه عن ابن الماجشون قال وكان أبو هاشم عبد الله بن محمد بن علي قد وضع الأرصاد على كثير فلا يزال يؤتى بالخبر من خبره فيقول له إذا لقيه كنت في كذا وكنت في كذا إلى أن جرى بين كثير وبين رجل كلام فأتي به أبو هاشم فأقبل به على أدراجه فقال له أبو هاشم كنت الساعة مع فلان فقلت له كذا وكذا وقال لك كذا وكذا فقال له كثير أشهد أنك رسول الله
أخبرنا محمد بن جعفر النحوي قال حدثنا محمد وأخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد بن إسماعيل عن موسى بن عبد الله فيما أحسب قال نظر كثير إلى بني حسن بن حسن وهم صغار فقال بأبي أنتم هؤلاء الأنبياء الصغار وكان يرى الرجعة وروى علي بن بشر بن سعيد الرازي عن محمد بن حميد عن أبي زهير عبد الرحمن بن مغراء الدوسي عن محمد ابن عمارة قال مر كثير بمعاوية بن عبد الله بن جعفر وهو في المكتب فأكب عليه
(9/24)

يقبله وقال أنت من الأنبياء الصغار ورب الكعبة
أخبرنا أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا قعنب بن المحرز قال حدثني إبراهيم بن داجة قال كان كثير شيعيا وكان يأتي ولد حسن بن حسن إذا أخذ عطاءه فيهب لهم الدراهم ويقول وابأبي الأنبياء الصغار وكان يؤمن بالرجعة فيقول له محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو أخوهم لأمهم يا عم هب لي فيقول لا لست من الشجرة
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني عثمان بن عبد الرحمن عن إبراهيم بن يعقوب بن أبي عبيد الله قال قال عمر بن عبد العزيز إني لأعرف صلاح بني هاشم من فسادهم بحب كثير من أحبه منهم فهو فاسد ومن أبغضه فهو صالح لأنه كان خشبيا يقول بالرجعة
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن أبي لهيعة عن رجاء بن حيوة قال سمعت عمر بن عبد العزيز يقول إن مما أعتبر به صلاح بني هاشم وفاسدهم حب كثير ثم ذكر مثله
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا علي بن صالح عن ابن دأب قال كان كثير يدخل على عمة له برزة فتكرمه وتطرح له وسادة يجلس عليها فقال لها يوما لا والله ما تعرفينني ولا تكرمينني حق كرامتي قالت بلى والله إني لأعرفك قال فمن أنا قالت ابن فلان وابن فلانة وجعلت تمدح أباه وأمه فقال قد عرفت أنك لا تعرفينني قالت فمن أنت قال أنا يونس بن متى
كان كثير عاقا لأبيه
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني أبي قال كان كثير عاقا لأبيه وكان أبوه قد أصابته قرحة في إصبع من أصابع يده فقال له كثير أتدري لم أصابتك هذه القرحة في إصبعك قال لا أدري قال مما ترفعها إلى الله في يمين كاذبة
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا إبراهيم بن المنذر عن محمد ابن معن الغفاري عن أبيه وغيره قال حدثني رجل من مزينة قال
(9/25)

إني لأعرف صلاح بني هاشم من وفسادهم بحب كثير من أحبه منهم فهو فاسد ومن أبغضه فهو صالح لأنه كان خشبيا يقول بالرجعة
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن أبي لهيعة عن رجاء بن حيوة قال سمعت عمر بن عبد العزيز يقول إن مما أعتبر به صلاح بني هاشم وفاسدهم حب كثير ثم ذكر مثله
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا علي بن صالح عن ابن دأب قال كان كثير يدخل على عمة له برزة فتكرمه وتطرح له وسادة يجلس عليها فقال لها يوما لا والله ما تعرفينني ولا تكرمينني حق كرامتي قالت بلى والله إني لأعرفك قال فمن أنا قالت ابن فلان وابن فلانة وجعلت تمدح أباه وأمه فقال قد عرفت أنك لا تعرفينني قالت فمن أنت قال أنا يونس بن متى
كان كثير عاقا لأبيه
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني أبي قال كان كثير عاقا لأبيه وكان أبوه قد أصابته قرحة في إصبع من أصابع يده فقال له كثير أتدري لم أصابتك هذه القرحة في إصبعك قال لا أدري قال مما ترفعها إلى الله في يمين كاذبة
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا إبراهيم بن المنذر عن محمد ابن معن الغفاري عن أبيه وغيره قال حدثني رجل من مزينة قال
(9/26)

ضفت كثيرا ليلة وبت عنده ثم تحدثنا ونمنا فلما طلع الفجر تضور ثم قمت فتوضأت وصليت وكثير راقد في لحافه فلما طلع قرن الشمس تضور ثم قال يا جارية اسجري لي ماء قال قلت تبا لك سائر اليوم أو هذه الساعة هذا وركبت راحلتي وتركته قال الزبير أسخني لي ماء
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز عن ابن شهاب عن طلحة بن عبيد الله قال ما رأيت قط أحمق من كثير دخلت عليه يوما في نفر من قريش وكنا كثيرا ما نتهزأ به وكان يتشيع تشيعا قبيحا فقلت له كيف تجدك يا أبا صخر وهو مريض فقال أجدني ذاهبا فقلت كلا فقال هل سمعتم الناس يقولون شيئا فقلت نعم يتحدثون أنك الدجال قال أما لئن قلت ذاك إني لأجد في عيني ضعفا منذ أيام
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران أن ناسا من أهل المدينة كانوا يلعبون بكثير فيقولون وهو يسمع إن كثيرا لا يلتفت من تيهه فكان الرجل يأتيه من ورائه فيأخذ رداءه فلا يلتفت من الكبر ويمضي في قميص
أخبرنا إبراهيم بن محمد بن أيوب قال حدثنا عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال بلغني أن كثيرا دخل على عبد الملك بن مروان فسأله عن شيء
(9/27)

فأخبره به فقال وحق علي بن أبي طالب إنه كما ذكرت قال كثير يا أمير المؤمنين لو سألتني بحقك لصدقتك قال لا أسألك إلا بحق أبي تراب فحلف له به فرضي
أخبرنا الفضل بن الحباب أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال أخبرني عثمان بن عبد الرحمن وأخبرنا محمد بن جعفر النحوي قال حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب ابن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة وأخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا المؤملي عن ابن أبي عبيدة قالوا جميعا لما أراد عبد الملك الخروج إلى مصعب لاذت به عاتكة بنت يزيد ابن معاوية وهي أم ابنه يزيد وقالت يا أمير المؤمنين لا تخرج السنة لحرب مصعب فإن آل الزبير ذكروا خروجك وابعث إليه الجيوش وبكت وبكى جواريها معها وجلس وقال قاتل الله ابن أبي جمعة فأين قوله
(9/28)

صوت
( إذا ما أراد الغَزْوَ لم تَثْنِ هَمَّه ... حصَانٌ عليها عِقدُ دُرٍّ يَزيُنها )
( نهتْه فلما لم تَرَ النَّهْيَ عاقَه ... بكتْ فبكى مما شجاها قَطِينُها )
غناه ابن سريج ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق والله لكأنه يراني ويراك يا عاتكة ثم خرج قال محمد بن جعفر النحوي في خبره ووافقه عليه عمر بن شبة فلما خرج عبد الملك نظر إلى كثير في ناحية عسكره يسير مطرقا فدعا به وقال لأعلم ما أسكتك وألقى عليك بثك فإن أخبرتك عنه أتصدقني قال نعم قال قل وحق أبي تراب لتصدقني قال والله لأصدقنك قال لا أو تحلف به فحلف به فقال تقول رجلان من قريش يلقى أحدهما صاحبه فيحاربه القاتل والمقتول في النار فما معنى سيري مع أحدهما إلى الآخر ولا آمن سهما عائرا لعله أن يصيبني فيقتلني فأكون معهما قال والله يا أمير المؤمنين ما أخطأت قال فارجع من قريب وأمر له بجائزة
أخبرنا وكيع قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثنا أبو تمام الطائي حبيب بن أوس قال حدثني العطاف بن هارون عن يحيى بن حمزة قاضي دمشق قال حدثني حفص الأموي قال كنت أختلف إلى كثير أتروى شعره قال فوالله إني لعنده يوما إذ وقف
(9/29)

عليه واقف فقال قتل آل المهلب بالعقر فقال ما أجل الخطب ضحى آل أبي سفيان بالدين يوم الطف وضحى بنو مروان بالكرم يوم العقر ثم انتضحت عيناه باكيا فبلغ ذلك يزيد بن عبد الملك فدعا به فلما دخل عليه قال عليك لعنة الله أترابية وعصبية وجعل يضحك منه
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد عن أبيه قال قال عبد الملك بن مروان لكثير من أشعر الناس اليوم يا أبا صخر قال من يروي أمير المؤمنين شعره فقال عبد الملك أما إنك لمنهم
أخبرنا وكيع قال حدثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثنا حماد بن إسحاق عن ابن أبي عوف عن عوانة قال قال كثير لعبد الملك كيف ترى شعري يا أمير المؤمنين قال أراه يسبق السحر ويغلب الشعر
أخبرنا عمي عن الكراني عن النضر بن عمر قال
(9/30)

كان عبد الملك بن مروان يخرج شعر كثير إلى مؤدب ولده مختوما يرويهم إياه ويرده
أخبرنا الحرمي قال أخبرنا الزبير قال حدثنا عبد الله بن خالد الجهني إن كثيرا شب في حجر عم له صالح فلما بلغ الحلم أشفق عليه أن يسفه وكان غير جيد الرأي ولا حسن النظر في عواقب الأمور فاشترى له عمه قطيعا من الإبل وأنزله فرش ملل فكان به ثم ارتفع فنزل فرع المسور ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف من جبل جهينة الأصغر وكان قبل المسور لبني مالك بن أفصى فضيقوا على كثير وأساؤوا جواره فانتقل عنهم وقال
( أبَتْ إبِلِي ماءَ الرَّداة وشَفَّها ... بنو العَمِّ يحمون النَّضِيح المُبَرَّدا )
( وما يمنعون الماء إلاّ ضَنانةً ... بأصلاب عُسْرَى شوكها قد تخدّدا )
( فعادتْ فلم تَجْهَدْ على فضل مائه ... رِياحاً ولا سُقْيَا ابن طَلْقِ بنِ أسعدا )
قال ويروى أنه أول شعر قاله
بدء قوله الشعر وعشقه عزة
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي قال
(9/31)

قال كثير ما قلت الشعر حتى قولته قيل له وكيف ذاك قال بينا أنا يوما نصف النهار أسير على بعير لي بالغميم أو بقاع حمدان إذا راكب قد دنا مني حتى صار إلى جنبي فتأملته فإذا هو من صفر وهو يجر نفسه في الأرض جرا فقال لي قل الشعر وألقاه علي قلت من أنت قال أنا قرينك من الجن فقلت الشعر
ونسب كثير لكثرة تشبيبه بعزة الضمرية إليها وعرف بها فقيل كثير عزة وهي عزة بنت حميل بن وقاص أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن الحسن قال أبو بصرة الغفاري المحدث واسمه حميل بن وقاص هو أبو عزة التي كان ينسب بها كثير وكان ابتداء عشقه إياها على أنه قد قيل إنه كان في ذلك كاذبا ولم يكن بعاشق وذلك يذكر بعد خبره معها فيما أخبرني به
(9/32)

الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الله بن إبراهيم السعدي قال حدثني إبراهيم بن يعقوب بن جميع الخزاعي أنه كان أول عشق كثير عزة أن كثيرا مر بنسوة من بني ضمرة ومعه جلب غنم فأرسلن إليه عزة وهي صغيرة فقالت يقلن لك النسوة بعنا كبشا من هذه الغنم وأنسئنا بثمنه إلى أن ترجع فأعطاها كبشا وأعجبته فلما رجع جاءته امرأة منهن بدراهمه فقال وأين الصبية التي أخذت مني الكبش قالت وما تصنع بها هذه دراهمك قال لا آخذ دراهمي إلا ممن دفعت الكبش إليها وخرج وهو يقول
( قضى كلُّ ذي دَيْنٍ فوفَّى غَرِيمَه ... وعَزّةُ ممطولٌ مُعَنًّى غريمُها )
قال فكان أول لقائه إياها
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن الخضر بن أبي بكر بن عبد العزيز بن عبد الرحمن أبي جندل عن أبيه عبد العزيز الخزاعي وأمه جمعة بنت كثير عن أمه جمعة عن أبيها كثير أن أول علاقته بعزة أنه خرج من منزله يسوق خلف غنم إلى
(9/33)

الجار فلما كان بالخبت وقف على نسوة من بني ضمرة فسألهن عن الماء فقلن لعزة وهي جارية حين كعب ثدياها أرشديه إلى الماء فأرشدته وأعجبته فبينا هو يسقي غنمه إذ جاءته عزة بدراهم فقالت يقلن لك النسوة بعنا بهذه الدراهم كبشا من ضأنك فأمر الغلام فدفع إليها كبشا وقال ردي الدراهم وقولي لهن إذا رحت بكن اقتضيت حقي فلما راح مر بهن فقلن له هذا حقك فخذه فقال عزة غريمي ولست أقتضي حقي إلا منها فمزحن معه وقلن ويحك عزة جارية صغيرة وليس فيها وفاء لحقك فأحله على إحدانا فإنها أملأ به منها وأسرع له أداء فقال ما أنا بمحيل حقي عنها ومضى لوجهه ثم رجع إليهن حين فرغ من بيع جلبه فأنشدهن فيها
( نظرتُ إليها نظرةً وهي عاتقٌ ... على حين أن شَبّتْ وبان نُهودها )
( وقد دَرَّعُوها وهي ذات مُؤَصَّدٍ ... مَجُوبٍ ولمَّا يَلْبَس الدِّرْعَ رِيدُها )
(9/34)

( من الخفِراتِ البِيض وَدّ جليسُها ... إذا ما انقضتْ أُحدوثةٌ لو تُعيدها )
في هذا البيت وأبيات أخر معه غناء يذكر بعد تمام هذا الخبر وما يضاف إليه من جنسه وأنشدهن أيضا
( قضى كلُّ ذي دَيْنٍ فوفَّى غريمَه ... وعَزّةُ ممطولٌ مُعَنى غريمُها )
فقلن له أبيت إلا عزة وأبرزنها إليه وهي كارهة ثم أحبته عزة بعد ذلك أشد من حبه إياها قال الزبير فسألت محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز ابن عبد الرحمن الخزاعي المعروف بأبي جندل عن هذا الحديث فعرفه وحدثنيه عن أبيه عن جده عبد العزيز بن أبي جندل عن أمه جمعة بنت كثير عن أبيها
وأخبرني عمي الحسن بن محمد الأصفهاني رحمه الله قال حدثني محمد بن سعد الكراني قال حدثنا النضر بن عمرو قال حدثني عمر بن عبد الله بن خالد المعيطي وأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن نعيم قال حدثني إبراهيم بن إسحاق الطلحي وأخبرني الحرمي ابن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني يعقوب بن عبد الله الأسدي وغيره قال الزبير وحدثني محمد بن صالح الأسلمي قال دخلت عزة على عبد الملك بن مروان وقد عجزت فقال لها أنت عزة كثير فقالت أنا عزة بنت حميل قال أنت التي يقول لك كثير
( لِعَزّة نارٌ ما تَبُوخُ كأنها ... إذا ما رَمَقْناها من البعدِ كوكبُ )
فما الذي أعجبه منك قالت كلا يا أمير المؤمنين فوالله لقد كنت في عهده أحسن من النار في الليلة القرة وفي حديث محمد بن صالح الأسلمي
(9/35)

فقالت له أعجبه مني ما أعجب المسلمين منك حين صيروك خليفة قال وكانت له سن سوداء يخفيها فضحك حتى بدت فقالت له هذا الذي أردت أن أبديه فقال لها هل تروين قول كثير فيك
( وقد زعمتْ أنِّي تغيَّرتُ بعدَها ... ومَنْ ذا الذي يا عزَّ لا يَتَغَيّرُ )
( تغيَّر جسمي والخليقةُ كالتي ... عَهِدْتِ ولم يُخْبَرْ بسرِّك مُخْبَرُ )
قالت لا ولكني أروي قوله
( كأنِّي أنادي صخرةً حين أعرضتْ ... من الصمُّ لو تمشِي بها العُصْمُ زَلّتِ )
( صَفُوحاً فما تلقاكَ إلاّ بخيلةً ... فمَنْ مَلّ منها ذلك الوصلَ مَلّتِ )
فأمر بها فأدخلت على عاتكة بنت يزيد وفي غير هذه الرواية أنها أدخلت على أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان فقالت لها أرأيت قول كثير
( قضى كلُّ ذَيٍ دَينٍ فوفَّى غريمَه ... وعزّة ممطولٌ معنًّى غريمُها )
ما هذا الذي ذكره قالت قبلة وعدته إياها قالت أنجزيها وعلي إثمها
أخبرنا الحسن بن الطيب البجلي الشجاعي وأحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالوا حدثنا عمر بن شبة قال روى ابن جعدبة عن أشياخه وأخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا أبو بكر بن يزيد بن عياض بن جعدبة عن أبيه
أن كثيرا كان له غلام تاجر فباع من عزة بعض سلعه ومطلته مدة وهو لا يعرفها فقال لها يوما أنت والله كما قال مولاي
(9/36)

( قضى كلُّ ذي دَينٍ فوفَّى غريمَه ... وعزّة ممطولٌ معنًّى غريمُها )
فانصرفت عنه خجلة فقالت له امرأة أتعرف عزة قال لا والله قالت فهذه والله عزة فقال لا جرم والله لا آخذ منها شيئا أبدا ولا أقتضيها ورجع إلى كثير فأخبره بذلك فأعتقه ووهب له المال الذي كان في يده
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني يعقوب بن حكيم السلمي عن قسيمة بنت عياض بن سعيد الأسلمية وكنيتها أم البنين قالت سارت علينا عزة في جماعة من قومها بين يدي يربوع وجهينة فسمعنا بها فاجتمعت جماعة من نساء الحاضر أنا فيهن فجئناها فرأينا امرأة حلوة حميراء نظيفة فتضاءلنا لها ومعها نسوة كلهن لها عليهن فضل من الجمال والخلق إلى أن تحدثت ساعة فإذا هي أبرع الناس وأحلاهم حديثا فما فارقناها إلا ولها علينا الفضل في أعيننا وما نرى في الدنيا امرأة تروقها جمالا وحسنا وحلاوة
أخبرني عمي قال حدثني فضل اليزيدي عن إسحاق الموصلي عن أبي نصر شيخ له عن الهيثم بن عدي أن عبد الملك سأل كثيرا عن أعجب خبر له مع عزة فقال حججت سنة من السنين وحج زوج عزة بها ولم يعلم أحد منا
(9/37)

بصاحبه فلما كنا ببعض الطريق أمرها زوجها بابتياع سمن تصلح به طعاما لأهل رفقته فجعلت تدور الخيام خيمة خيمة حتى دخلت إلي وهي لا تعلم أنها خيمتي وكنت أبري أسهما لي فلما رأيتها جعلت أبري وأنا أنظر إليها ولا أعلم حتى بريت عظامي مرات ولا أشعر به والدم يجري فلما تبينت ذلك دخلت إلي فأمسكت يدي وجعلت تمسح الدم عنها بثوبها وكان عندي نحي من سمن فحلفت لتأخذنه فأخذته وجاءت إلى زوجها بالسمن فلما رأى الدم سألها عن خبره فكاتمته حتى حلف لتصدقنه فصدقته فضربها وحلف لتشتمني في وجهي فوقفت علي وهو معها فقالت لي يابن الزانية وهي تبكي ثم انصرفا فذلك حين أقول
( يُكَلِّفها الخِنزيرُ شَتْمِي وما بها ... هواني ولكن للمليك استذلَّتِ )
نسبة ما في هذه القصيدة من الغناء
صوت
( خَلِيليَّ هذا رَسْمُ عَزّة فاعْقِلاَ ... قَلُوصَيْكما ثم أبْكيَا حيث حَلّتِ )
( وما كنتُ أدرِي قبل عَزّةَ ما البكا ... ولا مُوجِعاتِ القلب حتّى تَوَلّتِ )
( فليتَ قَلُوصِي عند عزّة قُيِّدتْ ... بحبلٍ ضعيفٍ بانَ منها فضَلَّتِ )
( وأصبح في القوم المقيمين رحلُها ... وكان لها باغٍ سِوَايَ فَبلّتِ )
( فقلتُ لها يا عزّ كلُّ مُصيبةٍ ... إذا وُطِّنَتْ يوماً لها النفسُ ذلّت )
( أسِيئي بنا أو أَحْسِنِي لا ملومةٌ ... لدينا ولا مَقْلِيّةٌ إنْ تَقَلّتِ )
( هَنِيئاً مِريئاً غيرَ داءٍ مُخَامِرٍ ... لِعَزَّةَ من أعراضنا ما اسْتَحَلّتِ )
( تَمَنَّيْتُها حتّى إذا ما رأيتُها ... رأيتُ المنايا شُرَّعاً قد أظلّتِ )
( كأنِّي أنادي صخرةً حين أعرضتْ ... من الصُّمِّ لو تمشِي بها العُصْمُ زَلّتِ )
(9/38)

( صَفُوحاً فما تلقاكَ إلاّ بخيلةً ... فمَنْ مَلّ منها ذلك الوصل مَلَتِ )
( أصاب الرَّدَى مَنْ كان يهوى لكِ الرَّدَى ... وجُنّ اللواتي قلن عَزّةُ جُنّتِ )
عروضه من الطويل غنى معبد في الخمسة الأول ثقيلا أول بالوسطى وغنى إبراهيم في الثالث والرابع ثقيلا أول بالبنصر عن عمرو وغنى في هنيئا مريئا والذي بعده خفيف رمل بالوسطى وغنى إبراهيم في الخامس وما بعده ثاني ثقيل وذكر الهشامي أن لابن سريج في هنيئا مريئا وما بعده ثاني ثقيل بالبنصر وذكر أحمد بن المكي أن لإبراهيم في كأني أنادي والذي بعده وفي أسيئي بنا أو أحسني هزجا بالسبابة في مجرى البنصر ولإسحاق فيه هزج آخر به ولعريب في كأني أنادي أيضا رمل ولإسحاق في وما كنت أدري ثقيل أول وله في أصاب الردى ثقيل أول آخر وقيل إن لإبراهيم في فقلت لها يا عز خفيف ثقيل ينسب إلى دحمان وإلى سياط
(9/39)

أخبرني الحرمي وحبيب بن نصر قالا حدثنا الزبير قال حدثنا يعقوب بن حكيم عن إبراهيم بن أبي عمرو الجهني عن أبيه قال سارت علينا عزة في جماعة من قومها فنزلت حيالنا فجاءني كثير ذات يوم فقال لي أريد أن أكون عندك اليوم فأذهب إلى عزة فصرت به إلى منزلي فأقام عندي حتى كان العشاء ثم أرسلني إليها وأعطاني خاتمه وقال إذا سلمت فستخرج إليك جارية فادفع إليها خاتمي وأعلمها مكاني فجئت بيتها فسلمت فخرجت إلي الجارية فأعطيتها الخاتم فقالت أين الموعد قلت صخرات أبي عبيد الليلة فواعدتها هناك فرجعت إليه فأعلمته فلما أمسى قال لي انهض بنا فنهضنا فجلسنا هناك نتحدث حتى جاءت من الليل فجلست فتحدثا فأطالا فذهبت لأقوم فقال لي إلى أين تذهب فقلت أخليكما ساعة لعلكما تتحدثان ببعض ما تكتمان فقال لي اجلس فوالله ما كان بيننا شيء قط فجلست وهما يتحدثان وإن بينهما لثمامة عظيمة هي من ورائها جالسة حتى أسحرنا ثم قامت فانصرفت وقمت أنا وهو فظل عندي حتى أمسى ثم انطلق
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الله بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاصي قال خرج كثير في الحاج بجمل له يبيعه فمر بسكينة بنت الحسين ومعها
(9/40)

عزة وهو لا يعرفها فقالت سكينة هذا كثير فسوموه بالجمل فساموه فاستام مائتي درهم فقالت ضع عنا فأبى فدعت له بتمر وزبد فأكل ثم قالت له ضع عنا كذا وكذا لشيء يسير فأبى فقالوا قد أكلت يا كثير بأكثر مما نسألك فقالت ما أنا بواضع شيئا فقالت سكينة اكشفوا فكشفوا عنها وعن عزة فلما رآهما استحيا وانصرف وهو يقول هو لكم هو لكم
هل كان كثير صادقا في عشقه
من ذكر أن كثيرا كان يكذب في عشقه
أخبرنا أبو خليفة قال حدثنا ابن سلام قال كان كثير مدعيا ولم يكن عاشقا وكان جميل صادق الصبابة والعشق
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال زعم إسحاق بن إبراهيم أنه سمع أبا عبيدة يقول كان جميل يصدق في حبه وكان كثير يكذب
ومما وجدناه في أخباره ولم نسمعه من أحد أنه نظر إلى عزة ذات يوم وهي منتقبة تميس في مشيتها فلم يعرفها كثير فاتبعها وقال يا سيدتي قفي حتى أكلمك فإني لم أر مثلك قط فمن أنت ويحك قالت ويحك وهل تركت عزة فيك بقية لأحد قال بأبي أنت والله لو أن عزة أمة لي
(9/41)

لوهبتها لك قالت فهل لك في المخاللة قال وكيف لي بذلك قالت أنى وكيف بما قلت في عزة قال أقلبه فأحوله إليك فسفرت عن وجهها ثم قالت أغدرا يا فاسق وإنك لهكذا فأبلس ولم ينطق وبهت فلما مضت أنشأ يقول
( ألاَ ليتني قبل الذي قلتُ شِيبَ لي ... من السمّ جَدْحاتٌ بماء الذَّرَارِحِ )
( فمتُّ ولم تعلم عليَّ خيانة ... وكم طالبٍ للربح ليس برابح )
( أبوءُ بذنبي إنني قد ظلمتُها ... وإني بباقي سِرِّها غيرُ بائح )
عتاب المحبين
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني عمر بن شبة قال زعم ابن الكلبي عن أبي المقوم قال أخبرني سائب راوية كثير قال خرجت معه نريد مصر فمررنا بالماء الذي فيه عزة فإذا هي في خباء فسلمنا جميعا فقالت عزة وعليك السلام يا سائب ثم أقبلت على كثير فقالت ويحك ألا تتقي الله أرأيت قولك
( بآيةِ ما أتيتُكِ أُمَّ عمروٍ ... فقمتِ لحاجتي والبيتُ خالي )
أخلوت معك في بيت أو غير بيت قط قال لم أقله ولكنني قلت
( فأُقسم لو أتيتُ البحرَ يوماً ... لأشربَ ما سقتْني من بِلاَلِ )
( وأُقسم إنّ حُبَّكِ أُمَّ عمرٍو ... لَداءٌ عند منقطَع السُّعَال )
(9/42)

قالت أما هذا فنعم فأتينا عبد العزيز ثم عدنا فقال كثير عليك السلام يا عزة قالت عليك السلام يا جمل فقال كثير
صوت
( حَيّتْكَ عَزّةُ بعد الهجر فانصرفتْ ... فحَيِّ ويحكَ مَنْ حيّاك يا جملُ )
( لو كنتَ حيّيتَها ما زلتَ ذا مِقةٍ ... عندي وما مَسّك الإِدلاج والعملُ )
( ليتَ التحيّةَ كانت لي فأشْكُرَها ... مكانَ يا جملٌ حُيِّيتَ يا رجلُ )
ذكر يونس أن في هذه الأبيات غناء لمعبد وذكر الهشامي أن فيها لبثينة خفيف رمل بالبنصر وذكر حبش أن فيها للغريض خفيف ثقيل أول بالوسطى ولإبراهيم ثاني ثقيل بالوسطى
أخبرني عمي قال حدثني الحسن بن عليل العنزي قال حدثني علي بن محمد البرمكي قال حدثني إبراهيم بن المهدي قال قدم علي هشام بن محمد الكلبي فسألته عن العشاق يوما فحدثني قال تعشق كثير امرأة من خزاعة يقال لها أم الحويرث فنسب بها وكرهت أن يسمع بها ويفضحها كما سمع بعزة فقالت له إنك رجل فقير لا مال لك فابتغ مالا يعفي عليك ثم تعال فاخطبني كما يخطب الكرام قال
(9/43)

فاحلفي لي ووثقي أنك لا تتزوجين حتى أقدم عليك فحلفت ووثقت له فمدح عبد الرحمن بن إبريق الأزدي فخرج إليه فلقيته ظباء سوانح ولقي غرابا يفحص التراب بوجهه فتطير من ذلك حتى قدم على حي من لهب فقال أيكم يزجر فقالوا كلنا فمن تريد قال أعلمكم بذاك قالوا ذاك الشيخ المنحني الصلب فأتاه فقص عليه القصة فكره ذلك له وقال له قد توفيت أو تزوجت رجلا من بني عمها فأنشأ يقول
صوت
( تَيَممّتُ لِهْباً أبتغي العلمَ عندهم ... وقد رُدَّ علمُ العائفين إلى لهبِ )
( تيمّمتُ شيخاً منهمُ ذا بَجالةٍ ... بصيراً بزجر الطيرِ منحنَي الصُّلْبِ )
( فقلت له ماذا ترى في سَوَانحٍ ... وصوتِ غُرابٍ يفحَص الوجهَ بالتُّرْبِ )
( فقال جرى الطيرُ السَّنيح بِبَيْنِها ... وقال غرابٌ جَدَّ مُنْهَمِرُ السَّكْبِ )
( فإلاّ تكن ماتتْ فقد حال دونهَا ... سواكَ خليلٌ باطنٌ من بني كَعْبِ )
غناه مالك من رواية يونس ولم يجنسه قال فمدح الرجل الأزدي ثم أتاه فأصاب منه خيرا كثيرا ثم قدم عليها فوجدها قد تزوجت رجلا
(9/44)

من بني كعب فأخذه الهلاس فكشح جنباه بالنار فلما اندمل من علته وضع يده على ظهره فإذا هو برقمتين فقال ما هذا قالوا إنه أخذك الهلاس وزعم الأطباء أنه لا علاج لك إلا الكشح بالنار فكشحت بالنار فأنشأ يقول
صوت
( عفا الله عن أمِّ الحُوَيْرِثِ ذنبَها ... علامَ تُعَنِّيني وتَكْمِي دَوَائيا )
( فلو آذنوني قبل أن يرقُموا بها ... لقلتُ لهم أُمّ الحُوَيْرث دائيا )
في هذين البيتين لمالك ثقيل أول بالوسطى ولابن سريج رمل بالبنصر كلاهما عن عمرو والهشامي وقيل إن فيهما لمعبد لحنا وقد أخبرني بهذا الخبر أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة ولم يتجاوزاه بالرواية فذكر نحو هذا وقال فيه إنه قصد ابن الأزرق بن حفص بن المغيرة المخزومي الذي كان باليمن وإنه فعل ذلك بعد موت عزة وسائر الخبر متقارب
وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن إسماعيل الجعفري عن محمد بن سليمان بن فليح أو فليح بن سليمان أنا شككت عن أبيه عن جده قال جاء كثير إلى عبد الله بن جعفر وقد نحل وتغير فقال له عبد الله
(9/45)

مالي أراك متغيرا يا أبا صخر قال هذا ما عملت بي أم الحويرث ثم ألقى قميصه فإذا به قد صار مثل القش وإذا به آثار من كي ثم أنشده
( عفا الله عن أُمّ الحويرات ذنبَها ... )
الأبيات
عزة تمتحن كثيرا
أخبرني عمي قال حدثني ابن أبي قال حدثني الحزامي عمن حدثه من أهل قديد أن عزة قالت لبثينة تصدي لكثير وأطمعيه في نفسك حتى أسمع ما يجيبك به فأقبلت إليه وعزة تمشي وراءها مختفية فعرضت عليه الوصل فقاربها ثم قال
( رَمتْني على عَمْدٍ بُثَيْنَةُ بعد ما ... تولَّى شَبَابي وارْجَجنّ شبابُها )
وذكر أبياتا أخرى سقط من الكتاب ذكرها فكشفت عزة عن وجهها فبادرها الكلام ثم قال
( ولكنَّما تَرْمِينَ نفساً مريضةً ... لِعَزّةَ منها صَفْوُها ولُبَابُها )
فضحكت ثم قالت أولى لك بها قد نجوت وانصرفتا تتضاحكان
(9/46)

أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري قال بكى بعض أهل كثير عليه حين نزل به الموت فقال له كثير لا تبك فكأنك بي بعد أربعين ليلة تسمع خشفة نعلي من تلك الشعبة راجعا إليكم
أخبرني الفضل بن الحباب أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني ابن جعدبة وأبو اليقظان عن جويرية بن أسماء قال مات كثير وعكرمة مولى ابن عباس في يوم واحد فاجتمعت قريش في جنازة كثير ولم يوجد لعكرمة من يحمله
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمر بن مصعب قال حدثني الواقدي قال حدثني خالد بن القاسم البياضي قال مات عكرمة مولى ابن عباس وكثير بن عبد الرحمن الخزاعي صاحب عزة في يوم واحد في سنة خمس ومائة فرأيتهما جميعا صلي عليهما في يوم واحد بعد الظهر في موضع الجنائز فقال الناس مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس
وقال ابن أبي سعد الوراق حدثني رجاء بن سهل أبو نصر الصاغاني قال حدثنا يحيى بن غيلان قال حدثني المفضل بن فضالة عن يزيد بن عروة قال مات عكرمة وكثير عزة في يوم واحد فأخرجت جنازتاهما فما علمت تخلفت امرأة بالمدينة ولا رجل عن جنازتيهما قال وقيل مات أشعر الناس وأعلم الناس قال وغلب النساء على جنازة كثير يبكينه ويذكرن عزة
(9/47)

في ندبتهن له قال فقال أبو جعفر محمد بن علي افرجوا لي عن جنازة كثير لأرفعها قال فجعلنا ندفع عنها النساء وجعل يضربهن محمد بن علي بكمه ويقول تنحين يا صواحبات يوسف فانتدبت له امرأة منهن فقالت يابن رسول الله لقد صدقت إنا لصواحبات يوسف وقد كنا له خيرا منكم له قال فقال أبو جعفر لبعض مواليه احتفظ بها حتى تجيئني بها إذا انصرفنا قال فلما انصرف أتي بتلك المرأة كأنها شرارة النار فقال لها محمد بن علي أنت القائلة إنكن ليوسف خير منا قالت نعم تؤمنني غضبك يابن رسول الله قال أنت آمنة من غضبي فأبيني قالت نحن يا بن رسول الله دعوناه إلى اللذات من المطعم والمشرب والتمتع والتنعم وأنتم معاشر الرجال ألقيتموه في الجب وبعتموه بأبخس الأثمان وحبستموه في السجن فأينا كان عليه أحنى وبه أرأف فقال محمد لله درك ولن تغالب امرأة إلا غلبت ثم قال لها ألك بعل قالت لي من الرجال من أنا بعله قال فقال أبو جعفر صدقت مثلك من تملك بعلها ولا يملكها قال فلما انصرفت قال رجل من القوم هذه زينب بنت معيقب
نسبة ما في هذه الأخبار من الغناء
صوت
( نظرتُ إليها نَظْرةً وهي عاتقٌ ... على حينِ أنْ شَبَّتْ وبانَ نُهودُها )
( نظرتُ إليها نظرة ما يسُرُّني ... بها حُمْرُ أنعامِ البلادِ وسُودُها )
( وكنتُ إذا ما جئتُ سُعْدَى بأرضِها ... أرى الأرضَ تُطْوَى لي ويدنو بعيدُها )
( من الخَفِراتِ البِيض وَدّ جَليسُها ... إذا ما انقضتْ أُحدوثةٌ لو تُعيدها )
(9/48)

عروضه من الطويل البيت الأول لكثير والثاني والثالث لنصيب من قصيدته التي أولها
( لقد هجرت سعْدَى وطال صدودُها ... )
غنى في البيت الثاني والثالث جحدر الراعي خفيف رمل بالبنصر وغنى فيهما الهذلي رملا بالوسطى وغنى في الثالث والرابع دعامة ثقيلا أول بالبنصر
أخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال قال عمر الوادي وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني مكين العذري قال سمعت عمر الوادي يقول بينا أنا أسير بين الروحاء والعرج إذ سمعت إنسانا يغني غناء لم أسمع قط مثله في بيتي كثير
( وكنت إذا ما جئتُ سُعْدَى بأرضها ... أرى الأرض تُطْوَى لي ويدنو بعيدُها )
( من الخَفِرات البِيضِ وَدّ جليسُها ... إذا ما انقضتْ أحدوثةٌ لو تُعيدها )
(9/49)

قال فكدت أسقط عن راحلتي طربا وقلت والله لألتمسن الوصول إلى هذا الصوت ولو بذهاب عضو من أعضائي فتيممت سمته فإذا راع في غنم فسألته إعادته علي قال نعم ولو حضرني قرى أقريكه ما أعدته ولكني أجعله قراك فربما ترنمت به وأنا غرثان فأشبع وعطشان فأروى ومستوحش فآنس وكسلان فأنشط قال فأعادهما علي حتى أخذتهما فما كان زادي حتى ولجت المدينة غيرهما
(9/50)

أخبار عبيد الله بن عبد الله بن طاهر
هو عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين ويكنى أبا أحمد وله محل من الأدب والتصرف في فنونه ورواية الشعر وقوله والعلم باللغة وأيام الناس وعلوم الأوائل من الفلاسفة في الموسيقى والهندسة وغير ذلك مما يجل عن الوصف ويكثر ذكره وله صنعة في الغناء حسنة متقنة عجيبة تدل على ما ذكرناه هاهنا من توصله إلى ما عجز عنه الأوائل من جمع النغم كلها في صوت واحد تتبعه هو وأتى به على فضله فيها وطلبه لها وكان المعتضد بالله رحمة الله عليه ربما كان أراد أن يصنع في بعض الأشعار غناء وبحضرته أكابر المغنين مثل القاسم بن زرزور وأحمد بن المكي ومن دونهما مثل أحمد بن أبي العلاء وطبقتهم فيعدل عنهم إليه فيصنع فيها أحسن صنعة ويترفع عن إظهار نفسه بذلك ويومئ إلى أنه من صنعة جاريته شاجي وكانت إحدى المحسنات المبرزات المقدمات وذلك بتخريجه وتأديبه وكان بها معجبا ولها مقدما
المعتضد يتفقده بالصلات
فأخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال لما اختلت حال عبيد الله بن
(9/51)

عبد الله بن طاهر كان المعتضد يتفقده بالصلات الفينة بعد الفينة واتفق يوما كان فيه مصطبحا أن غني بصوت الصنعة فيه لشاجي جارية عبيد الله فكتب إليه كتابا يقسم أن يأمرها بزيارته ففعل قال فحدثني من حضر من المغنيات ذلك المجلس بعد موت المعتضد قالت دخلت إلينا وما منا إلا من يرفل في الحلي والحلل وهي في أثواب ليست كثيابنا فاحتقرناها فلما غنت احتقرنا أنفسنا ولم تزل تلك حالنا حتى صارت في أعيننا كالجبل وصرنا كلا شيء قال ولما انصرفت أمر لها المعتضد بمال وكسوة ودخلت إلى مولاها فجعل يسألها عن أمرها وما رأت مما استظرفت وسمعت مما استغربت فقالت ما استحسنت هناك شيئا ولا استغربته من غناء ولا غيره إلا عودا من عود محفور فإني استظرفته قال جحظة فما قولك فيمن يدخل دار الخلافة فلا يمد عينه لشيء يستحسنه فيها إلا عودا
قال محمد بن الحسن الكاتب وحدثني النوشجاني قال كان المعتضد إذا استحسن شعرا بعث به إلى شاجي جارية عبيد الله بن طاهر فتغني فيه قال وكانت صنعتها تسمى في عصره غناء الدار
قال محمد بن الحسن وماتت شاجي في حياة عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وكان عليلا فقال يرثيها وله فيه صنعة من خفيف الثقيل الأول بالوسطى
( يَميناً يقيناً لو بُلِيتُ بفقدها ... وبي نَبْضُ عِرْقٍ للحياة أو النُّكْسِ )
( لأَوْشكتُ قتلَ النفسِ قبل فِراقها ... ولكنها ماتت وقد ذهبتْ نفسي )
(9/52)

ومن نادر صنعة عبيد الله وجيد شعره قوله وله فيه لحنان ثقيل أول وهزج والثقيل الأول أجودهما
( أَنفِقْ إذا أيسرتَ غيرَ مقتِّر ... وأَنفِقْ على ما خَليت حين تُعْسِرُ )
( فلا الجُودُ يُفني المالَ والمالُ مقبلٌ ... ولا البخلُ يُبقي المالَ والجَدّ مُدْبِرُ )
وأشعاره كثيرة جيدة كثيرة النادر والمختار وكتابه في النغم وعلل الأغاني المسمى كتاب الآداب الرفيعة كتاب مشهور جليل الفائدة دال على فضل مؤلفه
أخبرني جحظة قال حدثني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني موسى بن هارون فيما أرى قال كنت عند عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وقد جاءه الزبير بن بكار فأعلمه أن المتوكل أو المعتز وأراه المعتز بعث إلى أخيه محمد بن عبد الله بن طاهر يأمر بإحضاره وتقليده القضاء فقال له الزبير بن بكار قد بلغت هذه السن وأتولى القضاء أو بعد ما رويت أن من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين فقال له فتلحق بأمير المؤمنين بسر من رأى فقال له أفعل فأمر له بمال ينفقه وبظهر يحمله ويحمل ثقله ثم قال له إن رأيت يا أبا عبد الله أن تفيدنا شيئا قبل أن نفترق قال نعم انصرفت من عمرة المحرم
(9/53)

فبينا أنا بأثاية العرج إذا أنا بجماعة مجتمعة فأقبلت إليهم وإذا رجل كان يقنص الظباء وقد وقع ظبي في حبالته فذبحه فانتفض في يده فضرب بقرنه صدره فنشب القرن فيه فمات وأقبلت فتاة كأنها المهاة فلما رأت زوجها ميتا شهقت ثم قالت
( يا حُسْنُ لو بَطَلٌ لكنّه أجل ... على الأُثاية ما أَوْدَى به البطلُ )
( يا حُسن جمَّع أحشائي وأَقلقها ... وذاك يا حسن لولا غيرُه جَلَلُ )
( أضحتْ فتاةُ بني نَهْدٍ عَلاَنِيَةً ... وبعلُها بين أيدي القوم محتمَلُ )
قال ثم شهقت فماتت فما رأيت أعجب من الثلاثة الظبي مذبوح والرجل جريح ميت والفتاة ميتة حرى فأمر له عبيد الله بمال آخر ثم أقبل إلى أخيه محمد بن عبد الله بعد خروج الزبير فقال أما إن الذي أخذناه من الفائدة في خبر حسن وفي قولها
( أضحت فتاةُ بني نَهْد علانيةً ... )
تريد ظاهرة أكثر عندي مما أعطيناه من الحباء والصلة وقد أخبرني الحسين بن علي عن الدمشقي عن الزبير بخبر حسن فقط ولم يذكر فيه من خبر عبيد الله شيئا
ومن الأصوات التي تجمع النغم العشر
صوت
وهو يجمع النغم العشر كلها على غير توال
( وإنّكِ إذ أطمعِتني منكِ بالرِّضا ... وأيأستِني من بعد ذلك بالغضبْ )
(9/54)

( كَمُمْكِنَةٍ من ضَرْعِها كفَّ حالبٍ ... ودافقةٍ من بعد ذلك ما حَلَبْ )
عروضه من الطويل الشعر لإبراهيم بن علي بن هرمة والغناء في هذا اللحن الجامع للنغم لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر - خفيف ثقيل - أول بالوسطى في مجراها وعليها ابتدأ الصوت
وقال عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات حدثني بعض أصحابنا عن أبي نواس أنه قال شاعران قالا بيتين وضعا التشبيه فيهما في غير موضعه فلو أخذ البيت الثاني من شعر أحدهما فجعل مع بيت الآخر وأخذ بيت ذاك فجعل مع هذا لصار متفقا معنى وتشبيها فقلت له أنى ذلك فقال قول جرير للفرزدق
( فإنكَ إذ تهجو تَميماً وترتشي ... تَبَابِينَ قيس أو سُحوق العمائم )
( كمُهْرِيقِ ماءٍ بالفَلاةِ وغَرَّه ... سرابٌ أذاعتْه رياح السَّمائِم )
وقول ابن هرمة
( وإنَي وتَرْكِي نَدَى الأكرمينَ ... وقَدْحِي بكَفَّيَّ زَنْدا شَحَاحا )
( كتاركةٍ بيضَها بالعَراء ... ومُلْبِسةٍ بيضَ أخرى جَناحا )
(9/55)

فلو قال جرير
( فإنك إذ تَهْجو تَميماً وتَرْتشِي ... تَبَابِينَ قَيْسٍ أو سُحُوق العمائمِ )
( كتاركةٍ بيضَها بالعَراء ... ومُلْبِسةٍ بَيْضَ أُخرى جَناحا )
لكان أشبه منه ببيته ولو قال ابن هرمة مع بيته
( وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكَفَّيَّ زَنْدا شَحاحا )
( كمُهْريق ماءٍ بالفلاة وغَرَّه ... سرابٌ أذاعته رياح السمائم )
كان أشبه به ثم قال ولكن ابن هرمة قد تلافى ذلك بعد فقال
( وإنكِ إذا أطمعتنِي منكِ بالرضا ... وأيأستِني من بعد ذلك بالغضبْ )
( كممكنةٍ من ضرعها كفَّ حالب ... ودافقةٍ من بعد ذلك ما حلبْ )
وقد أتى عبيد الله بهذا الكلام بعينه في الآداب الرفيعة وإنما أخذه من أبي نواس على ما روي عنه
ووجدت في كتاب مؤلف في النغم غير مسمى الصانع أن من الأصوات التي تجمع النغم صوت ابن أبي مطر المكي في شعر نصيب وهو
صوت
( ألاَ أيُّها الرَّبْعُ المُقِيمُ بعُنْبُبِ ... سَقَتْكَ السَّوَاقِي من مُرَاحٍ ومَعْزَبِ )
(9/56)

( بذي هَيْدَبٍ أمّا الرُّبَى تحت وَدْقِه ... فَتَرْوَى وأمّا كلُّ وادٍ فَيزْعَبُ )
عروضه من الطويل ويروى الربع الخلاء بعنبب أي الخالي وعنبب موضع ويروى سقتك الغوادي من مراد والمراد الموضع الذي يرتاد فيرعى فيه الكلأ والمراح الموضع الذي تروح إليه المواشي وتبيت فيه وفي الحديث أنه رخص في الصلاة في مراح الغنم ونهى عنها في أعطان الإبل والمعزب الموضع الذي يعزب فيه الرجل عن البيوت والمنازل وأصل العزوب البعد يقال عزب عنه رأيه وحلمه أي بعد والعزب مأخوذ من ذلك وهيدب السماء أطراف تراه في أذنابه كأنه معلق به قال أوس بن حجر
( دانٍ مُسِفٌّ فُوَيْقَ الأرضِ هَيْدَبُه ... يكاد يدفَعه مَنْ قام بالراحِ )
ويزعب يطفح يقال زعبه السيل إذا ملأه الشعر لنصيب يقوله في عبد العزيز بن مروان
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني جميع بن علي النميري عن عبد الله بن عبد العزيز بن محجن بن النصيب قال الزبير وكتب إلي بذلك عبد الله بن عبد العزيز يذكره عن عوضة بنت النصيب قالت وفد أبي على عبد العزيز بن مروان بمصر فوقف على الباب فاستأذن فلم يؤذن له فأرسل إليه حاجبه فقال استنشده فإن كان شعره رديئا فاردده وإن كان جيدا فأدخله فقال نصيب قد جلبنا شيئا للأمير فإن قبله نشرناه
(9/57)

عليه وإلا طويناه ورجعنا به فقال عبد العزيز إن هذا لكلام رجل ذهن فأدخله فلما واجهه أنشده قصيدته التي يقول فيها
( أَلاَ هل أتى الصقرَ بنَ مَرْوان أنَّني ... أُرَدُّ لدى الأبوابِ عنه وأُحْجَبُ )
( وأنِّي ثَوَيتُ اليومَ والأمسِ قبلَه ... على الباب حتى كادت الشمسُ تغرُب )
( وأنِّي إذا رمتُ الدخولَ تَرُدُّني ... مهابةُ قَيْسٍ والرِّتَاجُ المُضَبَّبُ )
قال وكان حاجب عبد العزيز يسمى قيسا قال وتشبيب هذه القصيدة
( ألاَ أيها الرَّبْعُ المقيمُ بعُنْبُب ... سقتْك السّواقي من مُرَاحٍ ومَعْزَبِ )
قال فلما دخل على عبد العزيز أعجب بشعره وأوجهه وقال للفرزدق كيف تسمع هذا الشعر قال حسن إلا من لغته قال هذا والله أشعر منك قال وقال نصيب فيها أيضا
( وأهلي بأرضٍ نازحون وما لهَمْ ... بها كاسبٌ غيري ولا مُتَقَلِّبُ )
( فهل تُلْحِقَنِّيهِمْ بعَبْلٍ مُوَاشِكٍ ... على الأين من نُجْب ابن مَرْوانَ أصْهَبِ )
( أبو بَكَراتٍ إن أردتُ افتحالَه ... وذو ثَبتَاتٍ بالرِدَّيفَيْن مُتْعَبُ )
فقال له عبد العزيز ادخل على المهاري فخذ منها ما شئت فلو كنت سألت غيره لأعطيته فدخل فرده الجمال فقال عبد العزيز دعه فإنما يأخذ الذي نعت فأخذه
قال الزبير وحدثني بعض أصحابنا عن محمد بن عبد العزيز قال
(9/58)

نزل عبد العزيز بن عبد الوهاب على المهدي بعنبب من وادي السراة الذي عنى نصيب بقوله
( ألاَ أيها الرَّبْعُ الخَلاءُ بعُنْبُبِ ... )
والمهدي هو الذي يقول فيه الشاعر
( اِسلمي يا دارُ من هِنْدِ ... بالسُّوَيْقاتِ إلى المَهْدِي )
صوت
وهو يجمع من النغم ثمانيا
( يا مَنْ لِقَلْبٍ مُقْصِرٍ ... ترك المُنَى لِفَواتها )
( وتظلَّف النفس التي ... قد كان من حاجاتها )
( وطِلاَبُكَ الحاجاتِ مِنْ ... سَلْمَى ومِنْ جاراتها )
( كَتَطَرُّد العَنْسِ الذَّمُولِ ... الفَضْلَ من مَثْنَاتِها )
قوله يا من لقلب مقصر تأسف على شبابه ويدل على ذلك قوله
( وتظلّف النفس التي ... قد كان من حاجاتها )
يقال أظلف نفسك عن كذا أي امنعها منه لئلا يكون لها أثر فيه وهو مأخوذ من ظلف الأرض وهو المكان الذي لا أثر فيه قال عوف بن الأحوص
( ألم أَظْلِفْ عن الشعراء عِرْضِي ... كما ظُلِفَ الوَسِيقةُ بالكُرَاعِ )
(9/59)

الوسيقة الجماعة من الإبل يعني أنها تساق فلا يوجد لها أثر في الكراع وهو منقطع الجبل قال الشاعر
( أمستْ كُرَاعُ الغَمِيمِ مُوحِشةً ... بعد الذي قد خلا من العَجَبِ )
وقوله
( كَتَطرُّدِ العَنْسِ الذَّمُولِ ... الفضلَ من مَثْنَاتها )
يقول طلابك هذه الحاجات ضلال وتتابع كتطرد العنس وهي الناقة المذكرة الخلق الفضل من مثناتها والتطرد التتبع ومثله قول الشاعر
( خَبَطتُ الصِّبَا خَبْطَ البعيرِ خِطَامَهُ ... فلم أَنْتَبِهْ للشَّيْبِ حتى عَلاَنِيَا )
الشعر لمسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس والغناء لابن محرز ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق وهذا الصوت يجمع من النغم ثمانيا وكذلك ذكر إسحاق ووصف أنه لم يجمع شيء من الغناء قديمه وحديثه إلى عصره من النغم ما جمعه هذا الصوت ووصف أنه لو تلطف متلطف لأن يجمع النغم الشعر في صوت واحد لأمكنه ذلك بعد أن يكون فهما بالصناعة طويل المعاناة لها وبعد أن يتعب نفسه في ذلك حتى يصح له فلم يقدر على ذلك سوى عبيد الله بن عبد الله إلى وقتنا هذا
(9/60)

ذكر مسافر ونسبه
مسافر بن أبي عمرو بن أمية ويكنى أبا أمية وقد تقدم نسبه وأنساب أهله وأمه آمنة بنت أبان بن كليب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وهي أم أبي معيط أبان بن عمرو بن أمية وأبو معيط ومسافر أخوان لأب وأم وهما أخوا عمومتهما أبي العاصي وأخويه من بني أمية الذين أمهم آمنة لأن أبا عمرو تزوجها بعد أبيه وكان سيدا جوادا وهو أحد أزواد الركب وإنما سموا بذلك لأنهم كانوا لا يدعون غريبا ولا مار طريق ولا محتاجا يجتاز بهم إلا أنزلوه وتكفلوا به حتى يظعن
وهو أحد شعراء قريش وكان يناقض عمارة بن الوليد الذي أمر النجاشي السواحر فسحرته فمن ذلك قول عمارة
( خُلِق البِيضُ الحِسَانُ لنا ... وجِيَادُ الرَّيْطِ والأُزُرُ )
( كابِراً كنّا أحقَّ به ... حين صِيغَ الشمسُ والقمرُ )
وقال مسافر يرد عليه
( أعُمَارَ بنَ الوليد وقد ... يذكر الشَّاعِرُ مَنْ ذَكَرهْ )
(9/61)

( هل أخو كأسٍ مُحَقِّقُها ... ومُوَقٍّ صحبَه سُكُرَةْ )
( ومُحَيِّيهمْ إذا شَرِبوا ... ومُقِلٌّ فِيهمُ هَذَرَهْ )
( خُلِق البِيضُ الحِسانُ لنا ... وجِيادُ الرَّيْطِ والحِبَرَهْ )
( كَابِراً كنّا أحقَّ به ... كلُّ حَيٍّ تابعٌ أَثَرَهْ )
مسافر وهند بنت عتبة
وله شعر ليس بالكثير والأبيات التي فيها الغناء يقولها في هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وكان يهواها فخطبها إلى أبيها بعد فراقها الفاكه بن المغيرة فلم ترض ثروته وماله فوفد على النعمان يستعينه على أمره ثم عاد فكان أول من لقيه أبو سفيان فأعلمه بتزويجه من هند فأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني ابن أبي سلمة عن هشام قال ابن عمار وقد حدثناه ابن أبي سعد عن علي بن الصباح عن هشام قال ابن عمار وحدثنيه علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن أبيه دخل حديث بعضهم في بعض
أن مسافر بن أبي عمرو بن أمية كان من فتيان قريش جمالا وشعرا وسخاء قالوا فعشق هندا بنت عتبة بن ربيعة وعشقته فاتهم بها وحملت منه قال بعض الرواة فقال معروف بن خربوذ فلما بان حملها أو كاد قالت
(9/62)

له اخرج فخرج حتى أتى الحيرة فأتى عمرو بن هند فكان ينادمه وأقبل أبو سفيان بن حرب إلى الحيرة في بعض ما كان يأتيها فلقي مسافرا فسأله عن حال قريش والناس فأخبره وقال له فيما يقول وتزوجت هندا بنت عتبة فدخله من ذلك ما اعتل معه حتى استسقى بطنه قال ابن خربوذ فقال مسافر في ذلك
( ألاَ إنّ هنداً أصبحتْ منك مَحْرَما ... وأصبحتَ من أدنى حُمُوَّتِها حَمَا )
( وأصبحتَ كالمقمورِ جَفْنَ سلاحه ... يقلِّب بالكَفَّيْنِ قوساً وأَسْهُمَا )
فدعا له عمرو بن هند الأطباء فقالوا لا دواء له إلا الكي فقال له ما ترى قال افعل فدعا له الذي يعالجه فأحمى مكاويه فلما صارت كالنار قال ادع أقواما يمسكونه فقال لهم مسافر لست أحتاج إلى ذلك فجعل يضع المكاوي عليه فلما رأى صبره ضرط الطبيب فقال مسافر
( قد يَضْرِطُ العَيْرُ والمِكواةُ في النارِ ... )
فجرت مثلا فلم يزده إلا ثقلا فخرج يريد مكة فلما انتهى إلى موضع يقال له هبالة مات فدفن بها ونعي إلى قريش فقال أبو طالب بن عبد المطلب يرثيه
( ليتَ شِعْرِي مُسَافِرَ بنَ أبي عمروٍ ... ولَيْتٌ يقولها المحزونُ )
(9/63)

( رجَع الركبُ سالمين جميعاً ... وخليلي في مَرْمَسٍ مدفونُ )
( بُورِكَ الميِّتُ الغريبُ كما بورك ... نَضْر الرَّيْحان والزيتونُ )
( بيتُ صدْقٍ على هُبَالةَ قد حالت ... فيافٍ من دونِه وحُزونُ )
( مِدْرَهٌ يدفع الخصومَ بأيْدٍ ... وبوجهٍ يَزِينُه العِرْنِينُ )
صوت
( كَمْ خليلٍ رُزئتُه وابنِ عَمٍّ ... وحَميمٍ قضتْ عليه المَنُونُ )
( فتعزَّيتُ بالتَّأَسِّي وبالصبرِ ... وإِنِّي بصاحبي لضنينُ )
غنى في هذين البيتين يحيى المكي ثاني ثقيل بالوسطى من رواية ابنه والهشامي
وأنشدنا الحرمي قال أنشدنا الزبير لأبي طالب بن عبد المطلب في مسافر بن أبي عمرو
( ألاَ إنّ خيرَ الناسِ غيرَ مُدَافَعٍ ... بسَرْوِ سُحيْمٍ غيَّبتْه المقابرُ )
( تُبَكِّي أباها أُمُّ وَهْبٍ وقد نأى ... وريسانُ أمسى دونه ويُحَابِرُ )
(9/64)

( على خير حافٍ من مَعَدٍّ وناعلٍ ... إذا الخيرُ يُرْجَى أو إذا الشرُّ حاضرُ )
( تَنادَوْا ولا أبو أُمَيّة فيهمُ ... لقد بُلِغتْ كَظَّ النفوسِ الحناجرُ )
قال وقال النوفلي إن البيتين
( ألاَ إنّ هنداً أصبحتْ منك مَحْرَما ... )
والذي بعده لهشام بن المغيرة وكانت عنده أسماء بنت مخرمة النهشلية فولدت له أبا جهل وأخاه الحارث ثم غضب عليها فجعلها مثل ظهر أمه وكان أول ظهار كان فجعلته قريش طلاقا فأرادت أسماء الانصراف إلى أهلها فقال لها هشام وأين الموعد قالت الموسم فقال لها ابناها أقيمي معنا فأقامت معهما فقال المغيرة بن عبد الله وهو أبو زوجها أما والله لأزوجنك غلاما ليس بدون هشام فزوجها أبا ربيعة ولده الآخر فولدت له عياشا وعبد الله فذلك قول هشام
( تُحَدِّثنا أسماءُ أن سوف نَلْتقِي ... أحاديث طَسْمٍ إنما أنت حالمُ )
وقوله
( ألاَ أصبحتْ أسماءُ حَجراً مُحَرَّما ... وأصبحتَ من أدنى حُمُوَّتها حَمَا )
قال النوفلي في خبره وحدثني أبي أنه إنما كان مسافر خرج إلى النعمان بن المنذر يتعرض لإصابة مال ينكح به هندا فأكرمه النعمان واستظرفه ونادمه وضرب عليه قبة من أدم حمراء وكان الملك إذا فعل ذلك
(9/65)

برجل عرف قدره منه ومكانه عنده وقدم أبو سفيان بن حرب في بعض تجاراته فسأله مسافر عن حال الناس بمكة فذكر له أنه تزوج هندا فاضطرب مسافر حتى مات وقال بعض الناس إنه استسقى بطنه فكوي فمات بهذا السبب قال النوفلي فهو أحد من قتله العشق
هند والفاكه بن المغيرة
فأما خبر هند وطلاق الفاكه بن المغيرة إياها فأخبرني به أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني ابن أبي سعد قال حدثني أبو السكين زكريا بن يحيى ابن عمرو بن حصن بن حميد بن حارثة الطائي قال حدثني عمي زحر بن حصن عن جده حميد بن حارثة قال كانت هند بنت عتبة عند الفاكه بن المغيرة وكان الفاكه من فتيان قريش وكان له بيت للضيافة بارز من البيوت يغشاه الناس من غير إذن فخلا البيت ذات يوم فاضطجع هو وهند فيه ثم نهض لبعض حاجته وأقبل رجل ممن كان يغشى البيت فولجه فلما رآها رجع هاربا وأبصره الفاكه فأقبل إليها فضربها برجله وقال من هذا الذي خرج من عندك قالت ما رأيت أحدا ولا انتبهت حتى أنبهتني فقال لها ارجعي إلى أمك وتكلم الناس فيها وقال لها أبوها يا بنية إن الناس قد أكثروا فيك فأنبئيني نبأك فإن يكن الرجل عليك صادقا دسست عليه من يقتله فتنقطع عنك المقالة وإن يك كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن فقالت لا والله ما هو علي بصادق فقال له يا فاكه إنك قد رميت بنتي بأمر عظيم فحاكمني إلى بعض كهان اليمن فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم وخرج عتبة في جماعة من عبد مناف ومعهم هند ونسوة فلما شارفوا البلاد وقالوا غدا نرد على الرجل تنكرت حال هند فقال لها عتبة إني أرى ما حل بك من تنكر الحال وما ذاك إلا لمكروه عندك قالت لا والله يا أبتاه ما ذاك لمكروه ولكني أعرف أنكم تأتون بشرا يخطئ ويصيب ولا آمنه أن يسمني ميسما يكون علي سبة
(9/66)

فقال لها إني سوف أختبره لك فصفر بفرسه حتى أدلى ثم أدخل في إحليله حبة بر وأوكأ عليها بسير فلما أصبحوا قدموا على الرجل فأكرمهم ونحر لهم فلما قعدوا قال له عتبة جئناك في أمر وقد خبأت لك خبئا أختبرك به فانظر ما هو قال ثمرة في كمرة قال إني أريد أبين من هذا قال حبة بر في إحليل مهر قال صدقت انظر في أمر هؤلاء النسوة فجعل يدنو من إحداهن فيضرب بيده على كتفها ويقول انهضي حتى دنا من هند فقال لها انهضي غير رسحاء ولا زانية ولتلدن ملكا يقال له معاوية فنهض إلينا الفاكه فأخذ بيدها فنثرت يدها من يده وقالت إليك عني فوالله لأحرص أن يكون ذلك من غيرك فتزوجها أبو سفيان
وقد قيل إن بيتي مسافر بن أبي عمرو أعني
( ألاَ إنّ هنداً أصبحت منك محرما ... )
لابن عجلان
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني عبد الله بن علي بن الحسن عن أبي نصر عن الأصمعي عن عبد الله بن أبي سلمة عن أيوب عن ابن سيرين قال
(9/67)

خرج عبد الله بن العجلان في الجاهلية فقال
( ألا إنّ هنداً أصبحت منك مَحْرَما ... وأصبحتَ من أدنى حُمُوَّتِها حَمَا )
( فأصبحتَ كالمقمورِ جَفْنَ سلاحِه ... يُقَلِّب بالكَفَّين قوساً وأَسْهُما )
ثم مد بهما صوته فمات قال ابن سيرين فما سمعت أن أحدا مات عشقا غير هذا ومما يغنى فيه من شعر مسافر بن أبي عمرو وهو من جيد شعره قوله يفتخر
صوت
( ألم نَسقِ الحَجِيجَ ونَنْحَرِ ... المِذْلاقةَ الرُّفُدا )
( وزمزمُ من أُرومتنا ... ونفقَأ عينَ مَنْ حَسَدا )
( وإنّ مناقبَ الخيرات ... لم نُسْبَق بها عَدَدَا )
( فإنْ نَهْلِكْ فلم نملك ... وهل من خالدٍ خَلَدا )
غناه ابن سريج رملا بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه لسائب خاثر لحن من خفيف الثقيل الأول بالوسطى من رواية حماد وفيه للزف ثقيل بالوسطى
(9/68)

فأما خبر عمارة بن الوليد والسبب الذي من أجله أمر النجاشي السواحر فسحرته
فإن الواقدي ذكره عن عبد الله بن جعفر بن أبي عون قال
كان عمارة بن الوليد المخزومي بعد ما مشت قريش بعمارة إلى أبي طالب خرج هو وعمرو بن العاص بن وائل السهمي وكانا كلاهما تاجرين إلى النجاشي وكانت أرض الحبشة لقريش متجرا ووجها وكلاهما مشرك شاعر فاتك وهما في جاهليتهما وكان عمارة معجبا بالنساء صاحب محادثة فركبا في السفينة ليالي فأصابا من خمر معهما فلما انتشى عمارة قال لامرأة عمرو بن العاص قبليني فقال لها عمرو قبلي ابن عمك فقبلته وحذر عمرو على زوجته فرصدها ورصدته فجعل إذا شرب معه أقل عمرو من الشراب وأرق لنفسه بالماء مخافة أن يسكر فيغلبه عمارة على أهله وجعل عمارة يراودها على نفسها فامتنعت منه ثم إن عمرا جلس إلى ناحية السفينة يبول فدفعه عمارة في البحر فلما وقع فيه سبح حتى أخذ بالقلس فارتفع فظهر على السفينة فقال له عمارة أما والله لو علمت يا عمرو أنك تحسن السباحة ما فعلت فاضطغنها عمرو وعلم أنه أراد قتله فمضيا على وجههما
(9/69)

ذلك حتى قدما أرض الحبشة ونزلاها وكتب عمرو بن العاص إلى أبيه العاص أن اخلعني وتبرأ من جريرتي إلى بني المغيرة وجميع بني مخزوم وذلك أنه خشي على أبيه أن يتبع بجريرته وهو يرصد لعمارة ما يرصد فلما ورد الكتاب على العاص بن وائل مشى في رجال من قومه منهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج إلى بني المغيرة وغيرهم من بني مخزوم فقال إن هذين الرجلين قد خرجا حيث علمتم وكلاهما فاتك صاحب شر وهما غير مأمونين على أنفسهما ولا ندري ما يكون وإني أبرأ إليكما من عمرو ومن جريرته وقد خلعته فقالت بنو المغيرة وبنو مخزوم أنت تخاف عمرا على عمارة وقد خلعنا نحن عمارة وتبرأنا إليك من جريرته فخل بين الرجلين فقال السهميون قد قبلنا فابعثوا مناديا بمكة أنا قد خلعناهما وتبرأ كل قوم من صاحبهم ومما جر عليهم فبعثوا مناديا ينادي بمكة بذلك فقال الأسود بن المطلب بطل والله دم عمارة بن الوليد آخر الدهر فلما اطمأنا بأرض الحبشة لم يلبث عمارة أن دب لامرأة النجاشي فأدخلته فاختلف إليها فجعل إذا رجع من مدخله يخبر عمرو بن العاص بما كان من أمره فجعل عمرو يقول ما أصدقك أنك قدرت على هذا الشأن إن المرأة أرفع من ذلك فلما أكثر على عمرو مما كان يخبره وقد كان صدقه ولكن أحب التثبت وكان عمارة يغيب عنه حتى يأتيه في السحر وكان في منزل واحد معه وجعل عمارة يدعوه إلى أن يشرب معه فيأبى عمرو ويقول إن هذا يشغلك عن مدخلك وكان عمرو يريد أن يأتيه بشيء لا يستطيع دفعه إن هو رفعه إلى النجاشي فال له في بعض ما يذكر له من أمرها إن كنت صادقا فقل لها
(9/70)

تدهنك من دهن النجاشي الذي لا يدهن به غيره فإني أعرفه لو أتيتني به لصدقتك ففعل عمارة فجاء بقارورة من دهنه فلما شمه عرفه فقال له عمرو عند ذلك أنت صادق لقد أصبت شيئا ما أصاب أحد مثله قط من العرب ونلت من امرأة الملك شيئا ما سمعنا بمثل هذا وكانوا أهل جاهلية ثم سكت عنه حتى إذا اطمأن دخل على النجاشي فقال أيها الملك إن ابن عمي سفيه وقد خشيت أن يعرني عندك أمره وقد أردت أن أعلمك شأنه ولم أفعل حتى استثبت أنه قد دخل على بعض نسائك فأكثر وهذا من دهنك قد أعطيه دهني منه فلما شم النجاشي الدهن قال صدقت هذا دهني الذي لا يكون إلا عند نسائي ثم دعا بعمارة ودعا بالسواحر فجردوه من ثيابه فنفخن في إحليله ثم خلى سبيله فخرج هاربا فلم يزل بأرض الحبشة حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب فخرج إليه عبد الله بن أبي ربيعة وكان اسمه قبل أن يسلم بحيرا فسماه رسول الله فرصده على ماء بأرض الحبشة وكان يرده مع الوحش فورد فلما وجد ريح الإنس هرب حتى إذا أجهده العطش ورد فشرب حتى تملأ وخرجوا في طلبه فقال عبد الله بن أبي ربيعة فسعيت إليه فالتزمته فجعل يقول لي يا بحير أرسلني يا بحير أرسلني إني أموت إن أمسكتموني قال عبد الله وضغطته فمات في يدي مكانه فواراه ثم انصرف وكان شعره قد غطى على كل شيء منه
قال الواقدي عن ابن أبي الزناد وقال عمرو لعمارة يا فائد إن كنت تحب أن أصدقك بهذا أو أقبله منك فأتني بثوبين أصفرين فلما رأى النجاشي الثوبين قال له عمرو أتعرف الثوبين قال نعم
(9/71)

وقال الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال النجاشي لعمارة إني أكره أن أقتل قرشيا ولو قتلت قرشيا لقتلتك فدعا بالسواحر
شعر عمرو بن العاص في عمارة
فقال عمرو بن العاص يذكر عمارة وما صنع به قال الواقدي أخبرني ابن أبي الزناد أنه سمع ذلك من ابن ابنه عمرو بن شعيب بن عبد الله بن عمرو يذكره لحده
( تَعَلَّمْ عُمَارُ أنّ من شرِّ شِيمة ... لمثلِك أن يُدْعَى ابنُ عَمٍّ له ابْنَمَا )
( وإنْ كنتَ ذا بُرْدَيْنِ أحْوَى مُرَجَّلاً ... فلستَ براعٍ لابن عمِّك مَحْرَمَا )
( إذا المرءُ لم يترك طعاماً يُحِبُّه ... ولم يَنْهَ قلباً غاوياً حيث يَمَّمَا )
( قضَى وَطَراً منه يسيراً وأصبحتْ ... إذا ذُكِرتْ أمثالُها تملأ الفما )
( فليس الفتى ولو أَتَمَّتْ عروقُه ... بذي كرمٍ إلا بأن يَتَكرَّمَا )
( صَحِبتُ من الأمر الرفيق طريقه ... وولَّيتُ غَيَّ الأمرِ مَنْ قد تَلَوّما )
( مِن الآن فانْزِعْ عن مَطاعِمَ جَمّةٍ ... وعالِجْ أمورْ المجد لا تَتَنَدَّما )
قال إسحاق وحدثني الأصمعي أن خولة بنت ثابت أخت حسان قالت في عمارة لما سحر
( يا ليلتي لم أنَمْ ولم أكَدِ ... أقطَعُها بالبكاء والسَّهَدِ )
( أبكي على فِتْيةٍ رُزِئتُهمُ ... كانوا جِبالي فأوهنوا عَضُدِي )
( كانوا جمالي ونُصْرتي وبهم ... أَمنَع ضَيْمِي وكلَّ مُضْطَهِدِ )
( فبعدَهم أرقُب النجومَ وأُذرِي ... الدمعَ والحزنُ والجٌ كَبِدي )
قال الأصمعي واجتاز ابن سريج بطويس ومعه فتية من قريش وهو
(9/72)

يغنيهم في هذا الصوت فوقف حتى سمعه ثم أقبل عليهم فقال هذا والله سيد من غناه
هذه الأصوات التي ذكرتها الجامعة للنغم العشر والثماني النغم منها هي المشهورة المعروفة عند الرواة وفي روايات الرواة وعند المغنين
وكان عبيد الله بن عبد الله بن طاهر يراسل المعتضد بالله إذا استزار جواريه على ألسنتهن ومع ذوي الانس عنده من رسله مع أحمد بن الطيب وثابت بن قرة الطائي يذكر النغم وتفصيل مجاريها ومعانيها حتى فهم ذلك فصنع لحنا فجمع النغم الشعر في قول دريد بن الصمة
( يا ليتني فيها جَذَعْ ... أَخُبُّ فيها وأَضَعْ )
المكتفي يراسله في الغناء
وصنع صنعة متقنة جيدة منها ما سمعناه من المحسنين والمحسنات ومنها ما لم نسمعه يكون مبلغها نحو خمسين صوتا وقد ذكرت من ذلك ما
(9/73)

صلح في أغاني الخلفاء ثم صنع مثل ذلك للمكتفي بالله لرغبته في هذه الصناعة فوجدت رقعة بخطه كتب بها إلى المكتفي نسختها قال إسحاق ابن إبراهيم حين صاغ عند أبي العباس عبد الله بن طاهر بأمره لحنه في
( يومَ تُبْدِي لنا قُتَيْلةُ عن جِيدٍ ... تَلِيعٍ تَزِينه الأطواقُ )
( وشَتِيتٍ كالأُقْحُوانِ جَلاَه الطَّلُّ ... فيه عُذوبةٌ واتِّساقُ )
إني نظرت مع إبراهيم وتصفحت غناء العرب كله فلم نجد في جميع غناء العرب صوتا أطول إيقاعا من
( عادَكَ الهمُّ ليلةَ الإِيجافِ ... من غزالٍ مُخَضَّبِ الأطرافِ )
ولحنه خفيف ثقيل لابن محرز فإن إيقاعه ستة وخمسون دورا ثم لحن معبد
( هُرَيْرَةَ وَدِّعْها وإن لامَ لائمُ ... غداةَ غدٍ أمْ أنتَ للبَيْنِ واجمُ )
وهو أحد سبعته ولحنه خفيف ثقيل ودور إيقاعه ستة وخمسون دورا إلا أن صوت ابن محرز سداسي في العروض من الخفيف وصوت معبد ثماني من الطويل فصوت ابن محرز أعجب لأنه أقصر وما زلنا حتى تهيأ لنا شعر رباعي في سيدنا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه دور إيقاعه ستة
(9/74)

وخمسون دورا وهو يجمع من النغم العشر ثمانيا وهذا ظريف جدا بديع لم يكن مثله وأما الصوت الذي في تهنئة النوروز فلأنفسنا عملناه إذ لم يكن لنا من يدبر مثل هذا معه غيره وقد كتبنا شعره وشعر الآخر وإيقاع كل واحد منهما خفيف ثقيل والصنعة فيهما تستظرف
( جُمِع الخلائفُ كلّهم لجميع ما ... بَلغوا وأُعْطُوا في الإِمام المكتفِي )
( وله الهدايا ألفُ نَوْرُوزٍ وهذا ... الشعرُ منها لحنُه لم يُعْرَفِ )
والآخر
( دولةُ المكتفِي الخليفةِ ... تُفْني مَدَى الدُّوَلْ )
( يومُ عِيدٍ ويومُ عُرْسٍ ... فما بعدَها أمَلْ )
الصنعة في البيت الأول خاصة تدور على ستة وخمسين إيقاعا
هكذا وجدت في الرقعة بخط عبيد الله وما سمعت أحدا يغني هذين الصوتين وقد عرضتهما على غير واحد من المتقدمين ومن مغنيات القصور فما عرفهما أحد منهن وذكرتهما في الكتاب لأن شريطته توجب ذكرهما
(9/75)

الأرمال الثلاثة المختارة
أخبرني يحيى بن علي ومحمد بن خلف وكيع والحسين بن يحيى قالوا حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني أبي قال أبو أحمد رحمه الله وأخبرني أبي أيضا عن إسحاق وأخبرنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا عبيد الله بن خرداذبه قال قال إسحاق أجمع العلماء بالغناء أن أحسن رمل غني رمل
( فلم أرَ كالتَّجْميرِ مَنْظَرَ ناظرٍ ... )
ثم رمل
( أفاطمُ مَهْلاً بعضَ هذا التدلُّلِ ... )
ولو عاش ابن سريج حتى يسمع لحني الرمل
( لعلَّكَ إن طالت حياتُك أن تَرَى ... )
لاستحيا أن يصنع بعده شيئا وفي روايتي وكيع وعلي بن يحيى ولعلم أني نعم الشاهد له
نسبة الأصوات وأخبارها
صوت
( فلم أرَ كالتّجْمير منظرَ ناظرٍ ... ولا كليالي الحجّ أَفْلَتْنَ ذا هوَى )
(9/76)

( فكم من قَتيلٍ ما يُباءُ به دمٌ ... ومن غَلِقٍ رهناً إذا لفَّه مِنَى )
( ومن مالئ عينيه من شَيْءِ غيرِه ... إذا راح نحوَ الجمرةِ البِيضُ كالدُّمَى )
( يُسحِّبْنَ أذيالَ المُرُوطِ باسؤقِ ... خِدَال وأعجازٍ مآكِمُها رِوَا )
عروضه من الطويل الشعر لعمر بن أبي ربيعة والغناء لابن سريج رمل بالبنصر وقد كان علويه فيما بلغنا صنع فيه رملا وفي أفاطم مهلا خفيف رمل وفي لعلك إن طالت حياتك رملا آخر ولم يصنع شيئا وسقطت ألحانه فيها فما تكاد تعرف وهذه الأبيات يقولها عمر بن أبي ربيعة في بنت مروان بن الحكم
عمر بن أبي ربيعة وأم عمرو بنت مروان
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا ابن كناسة عن أبي بكر بن عياش قال حجت أم عمرو بنت مروان فلما قضت نسكها أتت عمر بن أبي ربيعة وقد أخفت نفسها في نساء معها فحادثته ثم انصرفت وعادت إليه منصرفها
(9/77)

من عرفات وقد أثبتها فقالت له لا تذكرني في شعرك وبعثت إليه بألف دينار فقبلها واشترى بها ثيابا من ثياب اليمن وطيبا فأهداه إليها فردته فقال إذا والله أنهبه الناس فيكون مشهورا فقبلته وقال فيها
( أيُّها الرائحُ المُجِدُّ ابتكارَا ... قد قضَى من تهامةَ الأوطارَا )
( مَنْ يكن قلُبه الغداةَ خليًّا ... ففؤادي بالخَيْفِ أَمْسَى مُطَارَا )
( ليت ذا الدهرَ كان حتماً علينا ... كلَّ يومين حِجَّة واعتمارَا )
قال ابن كناسة قال ابن عياش فلما وجهت منصرفة قال فيها
( فكم من قَتيلٍ ما يُباء به دمٌ ... ومن غَلِقٍ رهناً إذا لفَّه مِنَى )
قال ويروى ومن غلق رهن كأنه قال ومن رهن غلق لا يجعل من نعت الرهن كأنه جعل الإنسان غلقا وجعله رهنا كما يقال كم من عاشق مدنف ومن كلف صب
قال الزبير وحدثني مسلم بن عبد الله بن مسلم بن جندب عن أبيه قال أنشده ابن أبي عتيق فقال إن في نفس الجمل ما ليس في نفس الجمال
قال وقال عبد الله بن عمر وقد أنشده عمر بن أبي ربيعة شعره هذا يابن أخي أما اتقيت الله حيث يقول
( ليت ذا الدهرَ كان حتماً علينا ... كلَّ يومين حِجَّةً واعتمارَا )
فقال له عمر بن أبي ربيعة بأبي أنت وأمي إني وضعت ليتا حيث لا تغني
عمر بن أبي ربيعة يتوب عن التشبيب بالنساء
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه وأخبرني علي بن عبد العزيز عن عبيد الله بن عبد الله عن إسحاق وأخبرني ببعض هذا الخبر الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا مصعب بن عثمان
(9/78)

أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة لم تكن له همة إلا عمر بن أبي ربيعة والأحوص فكتب إلى عامله على المدينة قد عرفت عمر والأحوص بالخبث والشر فإذا أتاك كتابي هذا فاشددهما واحملهما إلي فلما أتاه الكتاب حملهما إليه فأقبل على عمر فقال له هيه
( فلم أر كالتَّجْمِيرِ منظرَ ناظرٍ ... ولا كليالي الحجّ أَفْلَتْنَ ذا هوَى )
( وكم مالئٍ عينيه من شيءِ غيرِه ... إذا راح نحوَ الجمرةِ البِيضُ كالدُّمَى )
فإذا لم يفلت الناس منك في هذه الأيام فمتى يفلتون أما والله لو اهتممت بأمر حجك لم تنظر إلى شيء غيرك ثم أمر بنفيه فقال يا أمير المؤمنين أو خير من ذلك قال وما هو قال أعاهد الله ألا أعود إلى مثل هذا الشعر ولا أذكر النساء في شعر أبدا وأجدد توبة على يديك قال أو تفعل قال نعم فعاهد الله على توبة وخلاه ثم دعا بالأحوص فقال هيه
( اللهُ بيني وبين قَيِّمِها ... يهرُب منِّي بها وأَتَّبِعُ )
بل الله بين قيمها وبينك ثم أمر بنفيه إلى بيش وقيل إلى دهلك وهو الصحيح فنفي إليها فم يزل بها فرحل إلى عمر عدة من الأنصار فكلموه في أمره وسألوه أن يقدمه وقالوا له قد عرفت نسبه وقدمه وموضعه وقد
(9/79)

أخرج إلى بلاد الشرك فنطلب إليك أن ترده إلى حرم رسول الله ودار قومه فقال لهم عمر من الذي يقول
( فما هو إلا أن أَراها فُجَاءةً ... فأُبْهَتَ حتى ما أكاد أُحير )
وفي رواية الزيبر أجيب مكان أحير قالوا الأحوص قال فمن الذي يقول
( أدُورُ ولولا أَنْ أَرَى أُمَّ جَعْفَرٍ ... بأبياتكم ما دُرْتُ حيث أَدورُ )
( وما كنتُ زَوّاراً ولكنّ ذا الهوى ... إِذا لم يَزُرْ لا بدّ أن سيزور )
قالوا الأحوص قال فمن الذي يقول
( كأنّ لُبْنَى صَبِيرُ غاديةٍ ... أو دُمْيةٌ زُيَّنت بها البِيَعُ )
( اللهُ بيني وبين قَيِّمِها ... يهرُب منِّي بها وأَتَّبِعُ )
قالوا الأحوص قال إن الفاسق عنها يومئذ لمشغول والله لا أرده ما كان لي سلطان فمكث هناك بعد ولاية عمر صدرا من ولاية يزيد بن عبد الملك ثم خلاه قال وكتب إلى عمر بن عبد العزيز من موضعه قال الزبير أنشدنيها عبد الملك بن عبد العزيز ابن بنت الماجشون قال أنشدنيها يوسف ابن الماجشون يعني هذه الأبيات
( أيا راكباً إمّا عَرَضتَ فبلِّغنْ ... هُدِيتَ أميرَ المؤمنين رسائلي )
( وقُلْ لأبي حفصٍ إذا ما لَقِيتَه ... لقد كنتَ نفَّاعاً قليلَ الغوائل )
( أفِي اللهِ أن تُدْنُوا ابنَ حزم وتقطَعوا ... قُوَى حُرُماتٍ بيننا ووَصَائلِ )
(9/80)

( فكيف ترى للعيش طِيباً وَلَذّةً ... وخالُك أمسى مُوثَقاً في الحبائلِ )
( وما طمِع الحَزْمِيُّ في الجاه قبلها ... إلى أحدٍ من آل مَرْوان عادِلِ )
( وشَى وأطاعوه بنا وأعانَه ... على أمرنا مَنْ ليس عنّا بغافلِ )
( وكنتُ أَرَى أنّ القرابة لم تَدَعْ ... ولا الحُرُماتِ في العصور الأوائلِ )
( إلى أحدٍ من آل مَرْوان ذي حِجىً ... بأمرٍ كرهناه مقالاً لقائلِ )
( يُسَرّ بما أَنْهَى العدوُّ وإنه ... كنافلةٍ لي من خِيار النوافلِ )
( فهل يَنْقُصَنّي القوم أن كنتُ مُسْلِماً ... بريئاً بلائي في ليالٍ قلائلِ )
( ألاَ ربَّ مسرورٍ بنا سيَغيظه ... لدى غِبّ أمر عضُّه بالأناملِ )
( رَجَا الصُّلحَ منِّي آلُ حَزْمِ بن فَرْتَنَى ... على دِينهم جهلاً ولستُ بفاعلِ )
( ألاَ قد يُرَجُّون الهوانَ فإنهم ... بنو حَبَقٍ ناء عن الخير فائلِ )
( على حينَ حَلّ القول بي وتنظَّرت ... عقوبتَهم منِّي رؤوس القبائلِ )
( فمَنْ يك أَمْسَى سائلاً بشماتةٍ ... بما حلَّ بي أو شامتاً غيرَ سائلِ )
( فقد عَجمتْ منِّي العواجمُ ماجداً ... صبوراً على عضَّات تلك التلاتلِ )
( إذا نال لم يَفْرَحْ وليس لنَكْبةٍ ... إذا حدثتْ بالخاضع المتضائلِ )
قال الزبير وقال الأحوص أيضا
( هَلَ انت أميرَ المؤمنين فإنّني ... بودِّك من ودِّ العباد لقانعُ )
( متمِّمُ أجرٍ قد مضَى وصنيعةٍ ... لكم عندنا أو ما تُعَدّ الصنائعُ )
( فكم من عدوٍّ سائل ذي كَشَاحَةٍ ... ومنتظرٍ بالغيب ما أنت صانعُ )
فلم يغن عنه ذلك ولم يخل سبيله عمر حتى ولي يزيد بن عبد الملك فأقدمه وقد غنته حبابة بصوت في شعره
(9/81)

أخبرنا إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال قال هشام بن حسان كان السبب في رد يزيد بن عبد الملك الأحوص أن جميلة غنته يوما
( كريمُ قريشٍ حين يُنْسَبُ والّذي ... أقرّتْ له بالملك كَهْلاً وأمرَدا )
فطرب يزيد وقال ويحك من كريم قريش هذا قالت أنت يا أمير المؤمنين ومن عسى أن يكون ذلك غيرك قال ومن قائل هذا الشعر في قالت الأحوص وهو منفي فكتب برده وحمله إليه وأنفذ إليه صلات سنية فلما قدم إليه أدناه وقربه وأكرمه وقال له يوما في مجلس حافل والله لو لم تمت الينا بحق ولا صهر ولا رحم إلا بقولك
( وإني لأستحييكُم أن يقودَني ... إلى غيركم من سائر الناس مَطْمَعُ )
لكفاك ذلك عندنا قال ولم يزل ينادمه وينافس به حتى مات وأخبار الأحوص في هذا السبب وغيره قد مضت مشروحة في أول ما مضى من ذكره وأخباره لأن الغرض هاهنا ذكر بقية خبره مع عمر بن أبي ربيعة في الشعرين اللذين أنكرهما عليهما عمر بن عبد العزيز وأشخصا من أجلهما
(9/82)

سليمان بن عبد الملك ينفي عمر بن أبي ربيعة إلى الطائف
أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدثنا أحمد بن زهير قال قال مصعب ابن عبد الله قال حج سليمان بن عبد الملك وهو خليفة فأرسل إلى عمر بن أبي ربيعة فقال له ألست القائل
( فكم من قتيلٍ ما يُباء به دمٌ ... ومن غَلِقٍ رهناً إذا لفَّه مِنَى )
( ومن مالئٍ عينيه من شيء غيره ... إِذا راح نحوَ الجمرة البيضُ كالدُّمَى )
( يسحِّبن أذيالَ المُروُط بأَسؤقٍ ... خِدالٍ وأعجاز مآكمُها رِوَا )
( أوانسُ يسلُبن الحليم فؤادَه ... فيا طُول ما شوقٍ ويا طول مُجْتلَى )
قال نعم قال لا جرم والله لا تحضر الحج العام مع الناس فأخرجه إلى الطائف
أخبرنا الحسين بن يحيى قال قال حماد قرأت على أبي حدثني ابن الكلبي عن أبي مسكين وعن صالح بن حسان قال قدم ابن أبي عتيق إلى مكة فسمع غناء ابن سريج
( فلم أر كالتجمير مَنْظَرَ ناظرٍ ... ولا كليالي الحجِّ أفلتنَ ذا هوى )
فقال ما سمعت كاليوم قط وما كنت أحسب أن مثل هذا بمكة وأمر
(9/83)

له بمال وحدره معه إلى المدينة وقال لأصغرن إلى معبد نفسه ولأهدين إلى المدينة شيئا لم ير أهلها مثله حسنا وظرفا وطيب مجلس ودماثة خلق ورقة منظر ومقة عند كل أحد فقدم به المدينة وجمع بينه وبين معبد فقال لابن سريج ما تقول فيه قال إن عاش كان مغني بلاده
وقال إسحاق وحدثني المدائني عن جرير قال قال لي أبو السائب يوما ما معك من مرقصات ابن سريج فغنيته
( فلم أر كالتجمير منظرَ ناظر ... )
فقال كما أنت حتى أتحرم لهذا بركعتين
حدثني الحسين قال قال حماد قرأت على أبي وحدثني أبو عبد الله الزبيري قال كتب الوليد بن عبد الملك إلى عامل مكة أن أشخص إلي ابن سريج فورد الرسول إلى الوالي فمر في بعض طريقه على ابن سريج وهو جالس بين قرني بئر وهو يغني
( فلم أر كالتجمير منظر ناظر ... )
فقال له الرسول تالله ما رأيت كاليوم قط ولا رأيت أحمق ممن يتركك ويبعث إلى غيرك فقال له ابن سريج أما والله ما هو بقدم ولا ساق ولكنه بقسم وأرزاق ثم مضى الرسول فأوصل الكتاب وبعث الوالي إلى ابن سريج فأحضره فلما رآه الرسول قال قد عجبت أن يكون المطلوب غيرك
اعجاب عبد الله بن الزبير بغناء ابن سريج
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني
(9/84)

عمي قال رقي عبد الله بن الزبير أبا قبيس ليلا فسمع غناء فنزل هو وأصحابه يتعجبون وقال لقد سمعت صوتا إن كان من الإنس إنه لعجب وإن كان من الجن لقد أعطوا شيئا كثيرا فاتبعوا الصوت فإذا ابن سريج يتغنى في شعر عمر
( فلم أر كالتجمير منظر ناظر ... ) ومن هذه الأرمال الثلاثة
صوت
( أفاطمُ مهلاً بعضَ هذا التدلُّل ... وإن كنتِ قد أزمعتِ صرمي فأَجملي )
( أَغرَّكِ منِّي أنّ حبَّكِ قاتلي ... وأنّك مهما تأمرِي القلبَ يفعل )
الشعر لامرئ القيس والغناء في هذين البيتين من الرمل المختار لإسحاق بالبنصر وفي هذين البيتين مع أبيات أخر من هذه القصيدة ألحان شتى لجماعة نذكرها هاهنا ومن غنى فيها ثم نتبع ما يحتاج إلى ذكره منها وقد يجمع سائر ما يغنى فيه من القصيدة معه
( قِفَا نَبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ ... بِسُقْطِ اللِّوَى بين الدَّخُول فَحوْمَلِ )
( فتُوضِحَ فالمِقْراةِ لم يعف رسمُها ... لِما نَسَجتْها من جَنُوبٍ وَشمْأَلِ )
( أفاطمُ مَهْلاً بعضَ هذا التَّدلُّل ... وإن كنتِ قد أزمعتِ صرمِي فأجْمِلي )
( وإن كنتِ قد ساءتكِ منِّي خَليقةٌ ... فسُلِّي ثيابي من ثيابك تَنْسُلِ )
( أغَرَّكِ منِّي أنّ حُبَّك قاتلي ... وأنّكِ مهما تأمُرِي القلبَ يفعل )
(9/85)

( وما ذَرَفتْ عيناكِ إلاّ لتضرِبِي ... بسَهمَيْكِ في أعشار قلبٍ مُقَتَّلِ )
( تسلَّتْ عَمَاياتُ الرجالِ عن الصِّبا ... وليس فؤادي عن هواك بِمُنْسَلِ )
( ألاَ أيّها اللَّيلُ الطويل ألاَ انجلِ ... بصبح وما الإِصباحُ فيك بأمْثَل )
( وَبيْضةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤها ... تمتّعتُ من لهوٍ بها غيرَ مُعْجَلِ )
( تجاوزتُ أحراساً إليها ومَعْشَرا ... عليَّ حِراصاً لو يُسِرُّون مَقْتَلي )
( ألاَ ربَّ يوم صالح لك منهما ... ولا سِيما يومٌ بدارةِ جُلْجُل )
( ويوم عقَرتُ للعَذارَى مطيَّتي ... فَواعَجبي من رَحْلِها المتحَمَّل )
( وقد أغتدي والطيرُ في وُكُناتها ... بمنْجَرِدٍ قَيْدِ الأوابدِ هَيْكَلِ )
( مِكَرٍّ مِفرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ معاً ... كجُلْمود صخرٍ حطَّه السيلُ من عَلِ )
( فقلت لها سِيرِي وأرخي زِمامَه ... ولا تُبعدينا من جَناك المُعَلِّل )
عروضه من الطويل وسقط اللوى منقطعه واللوى المستدق من الرمل حيث يستدق فيخرج منه إلى اللوى والدخول وحومل وتوضح والمقراة مواضع ما بين إمرة إلى أسود العين وقال أبو عبيدة في سقط
(9/86)

اللوى وسقط الولد وسقط النار سقط وسقط وسقط ثلاث لغات وقال أبو زيد اللوى أرض تكون بين الحزن والرمل فصلا بينهما وقال الأصمعي قوله بين الدخول فحومل خطأ ولا يجوز إلا بواو وحومل لأنه لا يجوز أن يقال رأيت فلانا بين زيد فعمرو إنما يقال وعمرو ويقال رأيت زيدا فعمرا إذا رأى كل واحد منهما بعد صاحبه وقال غيره يجوز فحومل كما يقال مطرنا بين الكوفة فالبصرة كأنه قال من الكوفة إلى البصرة يريد أن المطر لم يتجاوز ما بين هاتين الناحيتين وليس هذا مثل بين زيد فعمرو ويعف رسمها يدرس ونسجتها ضربتها مقبلة ومدبرة فعفتها يعني أن الجنوب تعفي هذا الرسم إذا هبت وتجيء الشمأل فتكشفه وقال غير أبي عبيدة المقراة ليس اسم موضع إنما هو الحوض الذي يجمع فيه الماء والرسم الأثر الذي لا شخص له ويروى لما نسجته يعني الرسم ويقال عفا يعفو عفوا وعفاء قال الشاعر
( على آثار مَنْ ذهب العَفَاءُ ... )
يعني محو الأثر وفاطمة التي خاطبها فقال أفاطم مهلا بنت العبيد بن ثعلبة بن عامر بن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة وهي التي يقول فيها
( لاَ وأبيك ابنة العامريّ ... )
وأزمعت صرمي يقال أزمعت وأجمعت وعزمت وكله سواء يقول إن كنت عزمت على الهجر فأجملي ويقول الأسير أجملوا في قتلي قتلة أحسن من هذه أي على رفق وجميل والصرم القطيعة والصرم المصدر يقال صرمته أصرمه صرما مفتوح إذا قطعته ومنه سيف صارم أي قاطع
(9/87)

ومنه الصرام ومنه الصرائم وهي القطع من الرمل تنقطع من معظمه وقوله سلي ثيابي من ثيابك كناية أي اقطعي أمري من أمرك وقوله تنسل تبن عنها ويقال للسن إذا بانت فسقطت والنصل إذا سقط نسل ينسل وهو النسيل والنسال وقال قوم الثياب القلب وقوله وما ذرفت عيناك أي ما بكيت إلا لتضربي بسهميك في أعشار قلب مقتل قال الأصمعي يعني أنك ما بكيت إلا لتخرقي قلبا معشرا أي مكسرا شبهه بالبرمة إذا كانت قطعا ويقال برمة أعشار قال ولم أسمع للأعشار واحدا يقول لتضربي بسهميك أي بعينيك فتجعلي قلبي مخرقا فاسدا كما يخرق الجابر أعشار البرمة فالبرمة تنجبر إذا أخرقت وأصلحت والقلب لا ينجبر قال ومثله قوله
( رمتْك ابنةُ البكريِّ عن فرع ضالةٍ ... )
أي نظرت إليك فأقرحت قلبك وقال غير الأصمعي وهو قول الكوفيين إنما هذا مثل أعشار الجزور وهي تنقسم على عشرة أنصباء فضربت فيها بسهميك المعلى وله سبعة أنصباء والرقيب وله ثلاثة أنصباء فأراد أنها ذهبت بقلبه كله مقتل أي مذلل يقال بعير مقتل أي مذلل وتسلت ذهبت يقال سلوت عنه وسليت إذا طابت نفسك بتركه قال رؤبة
(9/88)

( لو أشرب السُّلْوانَ ما سَلِيتُ ... )
والعمايات الجهالات عد الجهل عمى والصبا اللعب قال ابن السكيت صبا يصبو صبوا وصبوا وصباء وصبا انجل انكشف والأمر الجلي المنكشف وقوله أنا ابن جلا أي أنا ابن المكشوف الأمر المشهور غير المستور ومنه جلاء العروس وجلاء السيف وقوله فيك بأمثل يقول إذا جاءني الصباح وأنا فيك فليس ذلك بأمثل لأن الصبح قد يجيء والليل مظلم بعد يقول ليس الصبح بأمثل وهو فيك أي يريد أن يجيء منكشفا منجليا لا سواد فيه ولو أراد أن الصباح فيك أمثل من الليل لقال منك بأمثل ومثله قول حميد بن ثور في ذكر مجيء الصبح والليل باق
( فلما تجلَّى الصبح عنها وأبصرتْ ... وفي غَبش الليل الشخوصُ الأباعدُ )
غبش الليل بقيته هذا قول يعقوب بن السكيت وبيضة خدر شبه المرأة بالبيضة لصفائها ورقتها غير معجل أي لم يعجلني أحد عما أريده منها والخباء ما كان على عمودين أو ثلاثة والبيت ما كان على ستة أعمدة إلى تسعة والخيمة من الشعر وقوله يسرون مقتلي قال الأصمعي يسرونه وروي غيره يشرون بالشين المعجمة أي يظهرونه وقال الشاعر
(9/89)

( فما برِحوا حتى أتى اللهُ نصرَه ... وحتى أُشِرَّتْ بالأكُفِّ الأصابع )
أي أظهرت وقال غيرهما لو يسرونه من الإسرار أي لو يستطيعون قتلي لأسروه من الناس وقتلوني قال أبو عبيدة دارة جلجل في الحمى وقال ابن الكلبي هي عند عين كندة ويروى سيما مخففة وسيما مشددة ويقال رب رجل ورب رجل وربت رجل ومن القراء من يقرأ ( ربما يود الذين كفروا ) مخففة وقرأ عليه رجل ربما فقال له أظنك يعجبك الرب
ويروى
( فيا عجبا من رحلها المُتحَمَّل ... )
أي يا عجبا لسفهي وشبابي يومئذ ويروى
( وقد أغتدى والطير في وَكَرَاتها ... )
بالراء قال أبو عبيد ة والأكنات في الجبال كالتماريد في السهل والواحدة أكنة وهي الوقنات والواحدة أقنة وقد وقن يقن وقال الأصمعي إذا أوى الطير إلى وكره قيل وكر يكر ووكن يكن ويقال إنه جاءنا والطير وكن ما خرجن والمنجرد القصير الشعرة وذلك من العتق والأوابد الوحش وتأبدت توحشت وتأبد الموضع إذا توحش وقيد الأوابد يعني الفرس يقول هو قيد لها لأنها لا تفوته كأنها مقيدة والهيكل العظيم من الخيل ومن
(9/90)

الشجر ومنه سمي بيت النصارى الهيكل وقال أبو عبيدة يقال قيد الأوابد وقيد الرهان وهو الذي كأن طريدته في قيد له إذا طلبها وكأن مسابقه في الرهان مقيد قال أبو عبيدة وأول من قيدها امرؤ القيس والمنجرد القصير الشعرة الصافي الأديم والهيكل الذكر والأنثى هيكلة والجمع هياكل وهو العظيم العبل الكثيف اللين وقوله مكر مفر يقول إذا شئت أن أكر عليه وجدته وكذلك إذا أردت أن أفر عليه أو أقبل أو أدبر والجلمود الصخرة ووصفها بأن السيل حطها من عل لأنها إذا كانت في أعلى الجبل كان أصلب لها من عل من فوق ويقال من عل ومن عل ومن علا ومن علو ومن عال ومن علو ومن معال وقوله سيري وأرخي زمامه أي هوني عليك الأمر ولا تبالي أعقر أم سلم وجناك كل شيء اجتنيته من قبلة وما أشبه ذلك هو الجنى وهو من الإنسان مثل الجنى من الشجر أي ما اجتني من ثمره والمعلل الملهي
غنى في قفا نبك وأفاطم مهلا وأغرك وما ذرفت عيناك معبد لحنا من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى وغنى معبد أيضا في الأول والرابع من هذه الأبيات خفيف رمل بالوسطى وغنى سعيد بن جابر في الأربعة الأبيات رملا وغنت عريب في
( أغرَّك مني أن حبَّك قاتلي ... )
وبعده شعر ليس منه وهو
( فلا تَحْرَجِي من سفك مهجة عاشقٍ ... بَلَى فاقتلي ثم اقتلي ثم فاقتلي )
( فلا تَدَعي أن تفعلي ما أردِته ... بنا ما أراك اللهُ من ذاك فافْعَلِي )
ولحنها فيها خفيف رمل وغنى ابن محرز في تسلت عمايات الرجال وبعده ألا أيها الليل الطويل ثاني ثقيل بالوسطى وغنى فيهما عبد الله بن العباس الربيعي ثاني ثقيل آخر بالسبابة في مجرى البنصر وغنت جميلة في تسلت عمايات الرجال وبعده ألا رب يوم لك لحنا من الثقيل الأول عن
(9/91)

الهشامي وغنت عزة الميلاء في تسلت عمايات الرجال وبعده ويوم عقرت للعذارى مطيتي ثقيلا أول آخر عن الهشامي وغنت حميدة جارية ابن تفاحة في وبيضة خدر وتجاوزت أحراسا لحنا من الثقيل الأول بالوسطى ولطويس في قفا نبك وبعده فتوضح فالمقراة ثقيل أول آخر وفي أفاطم مهلا وأغرك مني أن حبك قاتلي ليزيد بن الرحال هزج ولأبي عيسى بن الرشيد في وقد أغتدي ومكر مفر ثقيل أول ولفليح في قفا نبك وبعده أغرك مني رمل وقيل إن لمعبد في وبيضة خدر لحنا من الثقيل الأول وقيل هو لحن حميدة ولعريب في هذين البيتين خفيف ثقيل من رواية أبي العبيس وغنى سلام بن الغسال وقيل بل عبيدة أخوه في وإن كنت قد ساءتك مني وأغرك مني رملا بالوسطى وغنى في فقلت لها سيري وأرخي زمامه سعدويه بن نصر ثاني ثقيل وغنى في قفا نبك وبعده فتوضح فالمقراة إبراهيم الموصلي ثقيلا أول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن ابن المكي وزعم حبش أن لإسحاق فيهما ثقيلا وغنى في أغرك مني وما ذرفت ابن سريج خفيف رمل بالوسطى من رواية ابن المكي وقيل بل هو من منحوله وغنى بديح مولى ابن جعفر في وما ذرفت عيناك بيتا واحدا ثقيلا أول مطلقا في مجرى الوسطى عن ابن المكي فجميع ما جمع في هذه المواضع مما وجد في شعر قفا نبك من الأغاني صحيحها والمشكوك فيه منها اثنان وعشرون لحنا منها في الثقيل الأول تسعة أصوات وفي الثقيل الثاني ثلاثة أصوات وفي الرمل أربعة أصوات وفي خفيف الرمل صوتان وفي الهزج صوت وفي خفيف الثقيل ثلاثة أصوات
(9/92)

ذكر امرئ القيس ونسبه وأخباره
قال الأصمعي هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار بن معاوية بن ثور وهو كندة وقال ابن الأعرابي هو امرؤ القيس بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن ثور وهو كندة وقال محمد بن حبيب هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الملك ابن عمرو ابن حجر آكل المرار بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن يعرب بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة وقال بعض الرواة هو امرؤ القيس بن السمط بن امرئ القيس بن عمرو بن معاوية بن ثور وهو كندة وقالوا جميعا كندة هو كندة بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفحشذ بن سام بن نوح وقال ابن الأعرابي ثور هو كندة بن مرتع ابن عفير بن الحارث بن مرة بن عدي بن أدد بن زيد بن عمرو بن مسمع بن عريب بن عمرو بن زيد بن كهلان
وأم امرئ القيس فاطمة بنت ربيعة بن الحارث بن زهير أخت كليب ومهلهل ابني ربيعة التغلبيين وقال من زعم أنه امرؤ القيس بن السمط أمه تملك بنت عمرو بن زبيد بن مذحج رهط عمرو بن معد يكرب قال من
(9/93)

ذكر هذا وأن أمه تملك قد ذكر ذلك امرؤ القيس في شعره فقال
( ألاَ هل أتاها والحوادثُ جَمَّةٌ ... بأن امرأ القيس بن تَمْلِك بَيْقَرا )
بيقر أي جاء العراق والحضر ويقال بيقر الرجل إذا هاجر وقال يعقوب بن السكيت أم حجر أبي امرئ القيس أم قطام بنت سلمة امرأة من عنزة
الملك الضليل وذو القروح
ويكنى امرؤ القيس على ما ذكره أبو عبيدة أبا الحارث وقال غيره يكنى أبا وهب وكان يقال له الملك الضليل وقيل له أيضا ذو القروح وإياه عنى الفرزدق بقوله
( وهَب القصائدَ لي النوابغُ إذ مَضَوْا ... وأبو يزيد وذو القروح وجَرْوَلُ )
يعني بأبي يزيد المخبل السعدي وجرول الحطيئة
قال وولد ببلاد بني أسد وقال ابن حبيب كان ينزل المشقر من اليمامة ويقال بل كان ينزل في حصن بالبحرين وقال جميع من ذكرنا من الرواة إنما سمي كندة لأنه كند أباه أي عقه وسمي مرتع بذلك لأنه كان يجعل لمن أتاه من قومه مرتعا له ولماشيته وسمي حجر آكل المرار بذلك لأنه لما أتاه الخبر بأن الحارث بن جبلة كان نائما في حجر امرأته هند وهي
(9/94)

تفليه جعل يأكل المرار وهو نبت شديد المرارة من الغيظ وهو لا يدري ويقال بل قالت هند للحارث وقد سألها ما ترين حجرا فاعلا قالت كأنك به قد أدركك في الخيل وهو كأنه بعير قد أكل المرار قال وسمي عمرو المقصور لأنه قد قصر على ملك أبيه أي أقعد فيه كرها
الحارث بن عمرو وقباذ وابنه
أخبرني بخبره على ما قد سقته ونظمته أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة ولم يتجاوزه وروى بعضه عن علي بن الصباح عن هشام بن الكلبي وأخبرنا الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد عن علي بن الصباح عن هشام بن الكلبي قال ابن أبي سعد وأخبرني دارم بن عقال بن حبيب الغساني أحد ولد السموءل بن عادياء عن أشياخه وأخبرنا إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة وأخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي يوسف عن عمه إسماعيل وأضفت إلى ذلك رواية ابن الكلبي مما لم أسمعه من أحد ورواية الهيثم بن عدي ويعقوب بن السكيت والأثرم وغيرهم لما في ذلك من الاختلاف ونسبت رواية كل راو إذا خالف رواية غيره إليه قالوا كان عمرو بن حجر وهو المقصور ملكا بعد أبيه وكان أخوه معاوية وهو الجون على اليمامة وأمهما شعبة بنت أبي معاهر بن حسان بن عمرو بن تبع ولما مات ملك بعده ابنه الحارث وكان شديد الملك بعيد الصيت
(9/95)

ولما ملك قباذ بن فيروز خرج في أيام ملكه رجل يقال له مزدك فدعا الناس إلى الزندقة وإباحة الحرم وألا يمنع أحد منهم أخاه ما يريده من ذلك وكان المنذر بن ماء السماء يومئذ عاملا على الحيرة ونواحيها فدعاه قباذ إلى الدخول معه في ذلك فأبى فدعا الحارث بن عمرو فأجابه فشدد له ملكه وأطرد المنذر عن مملكته وغلب على ملكه وكانت أم أنو شروان بين يدي قباذ يوما فدخل عليه مزدك فلما رأى أم أنو شروان قال لقباذ ادفعها لي لأقضي حاجتي منها فقال دونكها فوثب إليه أنو شروان فلم يزل يسأله ويضرع إليه أن يهب له أمه حتى قبل رجله فتركها له فكانت تلك في نفسه فهلك قباذ على تلك الحال وملك أنو شروان فجلس في مجلس الملك وبلغ المنذر هلاك قباذ فأقبل إلى أنوشروان وقد علم خلافه على أبيه فيما كانوا دخلوا فيه فأذن أنوشروان للناس فدخل عليه مزدك ثم دخل عليه المنذر فقال أنوشروان إني كنت تمنيت أمنيتين أرجو أن يكون الله قد جمعهما لي فقال مزدك وما هما أيها الملك قال تمنيت أن أملك فأستعمل هذا الرجل الشريف يعني المنذر وأن أقتل هؤلاء الزنادقة فقال له مزدك أو تستطيع أن تقتل الناس كلهم قال إنك لها هنا يابن الزانية والله ما ذهب نتن ريح جوربك من أنفي منذ قبلت رجلك إلى يومي هذا وأمر به فقتل وصلب وأمر بقتل الزنادقة فقتل منهم ما بين جازر إلى النهروان إلى المدائن في ضحوة واحدة مائة ألف زنديق وصلبهم وسمي يومئذ أنوشروان وطلب أنوشروان الحارث بن عمرو فبلغه ذلك وهو بالأنبار وكان بها منزله
(9/96)

وإنما سميت الأنبار لأنه كان يكون بها أهراء الطعام وهي الأنابير فخرج هاربا في هجائنه وماله فمر بالثوية وتبعه المنذر بالخيل من تغلب وبهراء وإياد فلحق بأرض كلب فنجا وانتهبوا ماله وهجائنه وأخذت بنو تغلب ثمانية وأربعين نفسا من بني آكل المرار فقدم بهم على المنذر فضرب رقابهم بحفر الأملاك في ديار بني مرينا العباديين بين دير هند والكوفة فذلك قول عمرو بن كلثوم
( فآبُوا بالنِّهاب وبالسَّبَايَا ... وأُبْنَا بالملوك مُصَفَّدينا )
وفيهم يقول امرؤ القيس
( ملوكٌ من بني حُجْرِ بن عمرو ... يُساقون العَشِيّةَ يُقْتَلونا )
( فلو في يوم معركةٍ أصيبوا ... ولكن في ديار بني مَرِينَا )
( ولم تُغْسَلْ جماجمُهم بَغْسلٍ ... ولكن في الدماء مُرَمَّلينا )
( تَظَلُّ الطيرُ عاكفةً عليهم ... وتنتزع الحواجبَ والعيونا )
(9/97)

قالوا ومضى الحارث فأقام بأرض كلب فكلب يزعمون أنهم قتلوه وعلماء كندة تزعم أنه خرج إلى الصيد فألظ بتيس من الظباء فأعجزه فآلى ألية ألا يأكل أولا إلا من كبده فطلبته الخيل ثلاثا فأتي بعد ثالثة وقد هلك جوعا فشوي له بطنه فتناول فلذة من كبده فأكلها حارة فمات وفي ذلك يقول الوليد بن عدي الكندي في أحد بني بجيلة
( فشوَوْا فكان شِواؤهم خَبْطاً له ... إن المنيَّة لا تُجِلّ جَلِيلا )
وزعم ابن قتيبة أن أهل اليمن يزعمون أن قباذ بن فيروز لم يملك الحارث بن عمرو وأن تبعا الأخير هو الذي ملكه قال ولما أقبل المنذر إلى الحيرة هرب الحارث وتبعته خيل فقتلت ابنه عمرا وقتلوا ابنه مالكا بهيت وصار الحارث إلىمسحلان فقتلته كلب وزعم غير ابن قتيبة أنه مكث فيهم حتى مات حتف أنفه
الحارث بن عمرو وتمليكه أولاده على قبائل العرب
وقال الهيثم بن عدي حدثني حماد الراوية عن سعيد بن عمرو بن سعيد عن سعية بن عريض من يهود تيماء قال لما قتل الحارث بن أبي شمر
(9/98)

الغساني عمرو بن حجر ملك بعده ابنه الحارث بن عمرو وأمه بنت عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان ونزل الحيرة فلما تفاسدت القبائل من نزار أتاه اشرافهم فقالوا إنا في دينك ونحن نخاف أن نتفانى فيما يحدث بيننا فوجه معنا بنيك ينزلون فينا فيكفون بعضنا عن بعض ففرق ولده في قبائل العرب فملك ابنه حجرا على بني أسد وغطفان وملك ابنه شرحبيل قتيل يوم الكلاب على بكر بن وائل بأسرها وبني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم والرباب وملك ابنه معد يكرب وهو غلفاء سمي بذلك لأنه كان يغلف رأسه على بني تغلب والنمر بن قاسط وسعد بن زيد مناة وطوائف من بني دارم بن مالك بن حنظلة والصنائع وهم بنو رقية قوم كانوا يكونون مع الملوك من شذاذ العرب وملك ابنه عبد الله على عبد القيس وملك ابنه سلمة على قيس
(9/99)

مقتل حجر
وقال ابن الكلبي حدثني أبي أن حجرا كان في بني أسد وكانت له عليهم إتاوة في كل سنة مؤقتة فغبر ذلك دهرا ثم بعث إليهم جابيه الذي كان يجبيهم فمنعوه ذلك وحجر يومئذ بتهامة وضربوا رسله وضرجوهم ضرجا شديدا قبيحا فبلغ ذلك حجرا فسار إليهم بجند من ربيعة وجند من جند أخيه من قيس وكنانة فأتاهم وأخذ سراتهم فجعل يقتلهم بالعصا فسموا عبيد العصا وأباح الأموال وصيرهم إلى تهامة وآلى بالله ألا يساكنوهم في بلد أبدا وحبس منهم عمرو بن مسعود بن كندة بن فزارة الأسدي وكان سيدا وعبيد بن الأبرص الشاعر فسارت بنو أسد ثلاثا ثم إن عبيد بن الأبرص قام فقال أيها الملك اسمع مقالتي
( يا عَيْنُ فابكي ما بنى ... أسدٍ فهم أهلُ النَّدَامَةْ )
( أهلَ القِبَابِ الحُمر والنَّعَمِ ... المؤبَّل والنَّدَامة )
( وذوي الجياد الجُرْدِ ... والأَسَل المُثَقَّفة المُقامه )
( حِلاًّ أبيتَ اللَّعْنَ ِحلاًّ ... إنّ فيما قلتَ آمه )
( في كلِّ وادٍ بين يَثْرِبَ ... فالقصورِ إلى اليمامة )
( تطريبُ عانٍ أو صياح ... مُحَرَّقٍ أو صوتُ هامه )
(9/100)

( ومنعتَهم نجداً فقد ... حَلُّوا على وَجَلٍ تِهَامه )
( بَرِمتْ بنو أسدٍ كما ... بَرِمتْ ببيضتها الحمامة )
( جعلتْ لها عُودين من ... نَشَمٍ وآخر من ثُمَامه )
( إمّا تركتَ تركتَ عَفْواً ... أو قتلتَ فلا مَلاَمهْ )
( أنت المليكُ عليهمُ ... وهمُ العبيدُ إلى القيامه )
( ذَلُّوا لسَوْطِك مثلَ ما ... ذلّ الأُشَيْقِر ذُو الخِزَامه )
قال فرق لهم حجر حين سمع قوله فبعث في أثرهم فأقبلوا حتى إذا كانوا على مسيرة يوم من تهامة تكهن كاهنهم وهو عوف بن ربيعة بن سوادة بن سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة فقال لبني أسد يا عبادي قالوا لبيك ربنا قال من الملك الأصهب الغلاب غير المغلب في الإبل كأنها الربرب لا يعلق رأسه الصخب هذا دمه ينثعب وهذا غدا أول من يسلب قالوا من هو يا ربنا قال لولا أن تجيش نفس جاشية لأخبرتكم أنه حجر ضاحية فركبوا كل صعب وذلول فما أشرق لهم النهار حتى أتوا على عسكر حجر فهجموا على قبته وكان حجابه من بني الحارث ابن سعد يقال لهم بنو خدان بن خنثر منهم معاوية بن الحارث وشبيب ورقية
(9/101)

ومالك وحبيب وكان حجر قد أعتق أباهم من القتل فلما نظروا إلى القوم يريدون قتله خيموا عليه ليمنعوه ويجيروه فأقبل عليهم علباء بن الحارث الكاهلي وكان حجر قد قتل أباه فطعنه من خللهم فأصاب نساه فقتله فلما قتلوه قالت بنو أسد يا معشر كنانة وقيس أنتم إخواننا وبنو عمنا والرجل بعيد النسب منا ومنكم وقد رأيتم ما كان يصنع بكم هو وقومه فانتهبوهم فشدوا على هجائنه فمزقوها ولفوه في ريطة بيضاء وطرحوه على ظهر الطريق فلما رأته قيس وكنانة انتهبوا أسلابه ووثب عمرو بن مسعود فضم عياله وقال أنا لهم جار
قال ابن الكلبي وعدة قبائل من بني أسد يدعون قتل حجر ويقولون إن علباء كان الساعي في قتله وصاحب المشورة ولم يقتله هو
قال ابن حبيب خدان في بني أسد وخدان في بني تميم وفي بني جديلة بالخاء مفتوحة وخدان مضمومة في الأزد وليس في العرب غير هؤلاء
قال أبو عمرو الشيباني بل كان حجر لما خاف من بني أسد استجار عوير بن شجنة أحد بني عطارد بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم لبنته هند بنت حجر وعياله وقال لبني أسد لما كثروه أما إذا كان هذا شأنكم فإني مرتحل عنكم ومخليكم وشأنكم فواعدوه على ذلك ومال على خالد بن خدان أحد بني سعد بن ثعلبة فأدركه علباء بن الحارث أحد بني كاهل فقال يا خالد اقتل صاحبك لا يفلت فيعرك وإيانا بشر فامتنع خالد ومر علباء بقصدة رمح مكسورة فيها سنانها فطعن بها في خاصرة حجر وهو غافل فقتله ففي ذلك يقول الأسدي
(9/102)

( وقِصْدةُ عِلْباءِ بن قَيْسِ بن كاهلٍ ... مَنِيّةُ حُجْر في جوار ابن خَدّان )
وذكر الهيثم بن عدي أن حجرا لما استجار عوير بن شجنة لبنيه وقطينه تحول عنهم فأقام في قومه مدة وجمع لبني أسد جمعا عظيما من قومه وأقبل مدلا بمن معه من الجنود فتآمرت بنو أسد بينها وقالوا والله لئن قهركم هذا ليحكمن عليكم حكم الصبي فما خير عيش يكون بعد قهر وأنتم بحمد الله أشد العرب فموتوا كراما فساروا إلى حجر وقد ارتحل نحوهم فلقوه فاقتتلوا قتالا شديدا وكان صاحب أمرهم علباء بن الحارث فحمل على حجر فطعنه فقتله وانهزمت كندة وفيهم يومئذ امرؤ القيس فهرب على فرس له شقراء وأعجزهم وأسروا من أهل بيته رجالا وقتلوا وملؤوا أيديهم من الغنائم وأخذوا جواري حجر ونساءه وما كان معه من شيء فاقتسموه بينهم
وقال يعقوب بن السكيت حدثني خالد الكلابي قال كان سبب قتل حجر أنه كان وفد إلى أبيه الحارث بن عمرو في مرضه الذي مات فيه وأقام عنده حتى هلك ثم أقبل راجعا إلى بني أسد وقد كان أغار عليهم في النساء وأساء ولايتهم وكان يقدم بعض ثقله أمامه ويهيأ نزله ثم يجيء وقد هيء له من ذلك ما يعجبه فينزل ويقدم مثل ذلك إلى ما بين يديه من المنازل فيضرب له في المنزلة الأخرى فلما دنا من بلاد بني أسد وقد بلغهم موت أبيه طمعوا فيه فلما أظلهم وضربت قبابه اجتمعت بنو أسد إلى نوفل بن ربيعة بن خدان فقال يا بني أسد من يتلقى هذا الرجل منكم فيقتطعه فإني قد أجمعت على الفتك به فقال له القوم ما لذلك أحد غيرك فخرج نوفل في خيله حتى أغار على الثقل فقتل من وجد فيه وساق الثقل وأصاب جاريتين قينتين لحجر ثم أقبل حتى أتى قومه فلما رأوا ما قد حدث وأتاهم
(9/103)

به عرفوا أن حجرا يقاتلهم وأنه لا بد من القتال فحشد الناس لذلك وبلغ حجرا أمرهم فأقبل نحوهم فلما غشيهم ناهضوه القتال وهم بين أبرقين من الرمل في بلادهم يدعيان اليوم أبرقي حجر فلم يلبثوا حجرا أن هزموا أصحابه وأسروه فحبسوه وتشاور القوم في قتله فقال لهم كاهن من كهنتهم بعد أن حبسوه ليروا فيه رأيهم أي قوم لا تعجلوا بقتل الرجل حتى أزجر لكم فانصرف عن القوم لينظر لهم في قتله فلما رأى ذلك علباء خشي أن يتواكلوا في قتله فدعا غلاما من بني كاهل وكان ابن أخته وكان حجر قتل أباه زوج أخت علباء فقال يا بني أعندك خير فتثأر بأبيك وتنال شرف الدهر وإن قومك لن يقتلوك فلم يزل بالغلام حتى حربه ودفع اليه حديدة وقد شحذها وقال ادخل عليه مع قومك ثم اطعنه في مقتله فعمد الغلام إلى الحديدة فخبأها ثم دخل على حجر في قبته التي حبس فيها فلما رأى الغلام غفلة وثب عليه فقتله فوثب القوم على الغلام فقالت بنو كاهل ثأرنا وفي أيدينا فقال الغلام إنما ثأرت بأبي فخلوا عنه وأقبل كاهنهم المزدجر فقال أي قوم قتلتموه ملك شهر وذل دهر أما والله لا تحظون عند الملوك بعده أبدا
قال ابن السكيت ولما طعن الأسدي حجرا ولم يجهز عليه أوصى ودفع كتابه إلى رجل وقال له انطلق إلى ابني نافع وكان أكبر ولده فإن بكى وجزع فاله عنه واستقرهم واحدا واحدا حتى تأتي امرأ القيس وكان أصغرهم فأيهم لم يجزع فادفع إليه سلاحي وخيلي وقدوري ووصيتي وقد كان بين في وصيته من قتله وكيف كان خبره فانطلق الرجل بوصيته إلى نافع
(9/104)

ابنه فأخذ التراب فوضعه على رأسه ثم استقراهم واحدا واحدا فكلهم فعل ذلك حتى أتى امرأ القيس فوجده مع نديم له يشرب الخمر ويلاعبه بالنرد فقال له قتل حجر فلم يلتفت إلى قوله وأمسك نديمه فقال له امرؤ القيس اضرب فضرب حتى إذا فرغ قال ما كنت لأفسد عليك دستك ثم سأل الرسول عن أمر أبيه كله فأخبره فقال الخمر علي والنساء حرام حتى أقتل من بني أسد مائة وأجز نواصي مائة وفي ذلك يقول
( أرِقتُ ولم يأرَقْ لِمَا بيَ نافعُ ... وهاج لِي الشوقَ الهمومُ الروادعُ )
وقال ابن الكلبي حدثني أبي عن ابن الكاهن الأسدي أن حجرا كان طرد امرأ القيس وآلى ألا يقيم معه أنفة من قوله الشعر وكانت الملوك تأنف من ذلك فكان يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من شذاذ العرب من طيئ وكلب وبكر بن وائل فإذا صادف غديرا أو روضة أو موضع صيد أقام فذبح لمن معه في كل يوم وخرج إلى الصيد فتصيد ثم عاد فأكل وأكلوا معه وشرب الخمر وسقاهم وغنته قيانه ولا يزال كذلك حتى ينفد ماء ذلك الغدير ثم ينتقل عنه إلى غيره فأتاه خبر أبيه ومقتله وهو بدمون من أرض اليمن أتاه به رجل من بني عجل يقال له عامر الأعور أخو الوصاف فلما أتاه بذلك قال
(9/105)

( تَطَاولَ الليلُ على دَمُّونْ ... دَمّونُ إنّا معشرٌ يمانونْ )
( وإنّنا لأهلها مُحِبُّونْ ... )
ثم قال ضيعني صغيرا وحملني دمه كبيرا لا صحو اليوم ولا سكر غدا اليوم خمر وغدا أمر فذهبت مثلا ثم قال
( خليليَّ لا في اليومِ مَصْحىً لشاربٍ ... ولا في غدٍ إذ ذاك ما كان يُشْرَبُ )
ثم شرب سبعا فلما صحا آلى ألا يأكل لحما ولا يشرب خمرا ولا يدهن بدهن ولا يصيب امرأة ولا يغسل رأسه من جنابة حتى يدرك بثأره فلما جنه الليل رأى برقا فقال
( أرِقتُ لبرقٍ بليلٍ أهَلّْ ... يُضيء سَنَاه بأعلَى الجبلْ )
( أتاني حديثٌ فكذَّبْتُه ... بأمر تَزَعْزَعُ منه القُلَلْ )
( بقتل بني أسَدٍ ربَّهم ... ألاَ كلُّ شيءٍ سواه جَلَلْ )
( فأين رَبيعةُ عن ربّها ... وأين تميمٌ وأين الخَوَل )
( ألاَ يحضُرون لدى بابه ... كما يحضُرون إذا ما أكل )
وروى الهيثم عن أصحابه أن امرأ القيس لما قتل أبوه كان غلاما قد ترعرع وكان في بني حنظلة مقيما لأن ظئره كانت امرأة منهم فلما بلغه ذلك قال
( يا لَهْفَ هندٍ إذ خَطِئن كاهلا ... القاتلين المَلِكَ الحُلاَحِلا )
( تالله لا يذهب شيخي باطلا ... ياخيرَ شيخ حَسَباً ونائلا )
( وخيرَهم قد علموا فواضلا ... يَحْمِلْننا والأَسَلَ النّواهلا )
( وحيَّ صَعْبٍ والوَشِيجَ الذّابلا ... مُسْتَثْفِراتٍ بالحصى جَوافِلاَ )
(9/106)

يعني صعب بن علي بن بكر بن وائل معنى قوله مستثفرات بالحصى يريد أنها أثارت الحصى بحوافرها لشدة جريها حتى ارتفع إلى أثفارها فكأنها استثفرت به
خبر هند بنت حجر مع عوير بن شجنة
وقال الهيثم بن عدي لما قتل حجر انحازت بنته وقطينه إلى عوير بن شجنة فقال له قومه كل أموالهم فإنهم مأكولون فأبى فلما كان الليل حمل هندا وقطينها وأخذ بخطام جملها وأشأم بهم في ليلة طخياء مدلهمة فلما أضاء البرق أبدى عن ساقيه وكانتا حمشتين فقالت هند ما رأيت كالليلة ساقي واف فسمعها فقال يا هند هما ساقا غادر شر فرمى بها النجاد حتى أطلعها نجران وقال لها إني لست أغني عنك شيئا وراء هذا الموضع وهؤلاء قومك وقد برئت خفارتي فمدحه امرؤ القيس بعدة قصائد منها قوله في قصيدة له
( ألاَ إنّ قوماً كنتُم أمسِ دونَهم ... هم منعوا جاراتِكم آلَ غُدْرانِ )
( عُوَيْرٌ ومَنْ مثلُ العُوَيْر ورَهْطِه ... أبرَّ بميثاقٍ وأَوْفَى بجِيران )
( هم أبلغوا الحيّ المُضَيَّع أهلَه ... وساروا بهم بين الفُرات ونَجْرانِ )
وقوله
( ألاَ قبَح اللهُ البَراجِمَ كلَّها ... وجدَّع يَرْبوعاً وعفَّر دارِما )
( فما فعلوا فعلَ العُوَيْر ورهطِه ... لدى باب حُجْرٍ إذ تجرّد قائما )
(9/107)

وقال ابن قتيبة في خبره إن القصة المذكورة عن عوير كانت مع أبي حنبل وجارية بن مر قال ويقال بل كانت مع عامر بن جوين الطائي وإن ابنته أشارت عليه بأخذ مال حجر وعياله فقام ودخل الوادي ثم صاح ألا إن عامر بن جوين غدر فأجابه الصدى مثل قوله فقال ما أقبح هذا من قول ثم صاح ألا إن عامر بن جوين وفى فأجابه الصدى بمثل قوله فقال ما أحسن هذا ثم دعا ابنته بجذعة من غنم فاحتلبها وشرب واستلقى على قفاه وقال والله لا أغدر ما أجزأتني جذعة ثم نهض وكانت ساقاه حمشتين فقالت ابنته والله ما رأيت كاليوم ساقي واف فقال وكيف بهما إذا كانتا ساقي غادر هما والله حينئذ أقبح
امرؤ القيس في ديار بكر وتغلب
وقال ابن الكلبي عن أبيه ويعقوب بن السكيت عن خالد الكلابي إن امرأ القيس ارتحل حتى نزل بكرا وتغلب فسألهم النصر على بني أسد فبعث العيون على بني أسد فنذروا بالعيون ولجؤوا إلى بني كنانة وكان الذي أنذرهم بهم علباء بن الحارث فلما كان الليل قال لهم علباء يا معشر بني أسد تعلمون والله إن عيون امرئ القيس قد أتتكم ورجعت إليه بخبركم فارحلوا بليل ولا تعلموا بني كنانة ففعلوا واقبل امرؤ القيس بمن معه من بكر وتغلب حتى انتهى إلى بني كنانة وهو يحسبهم بني أسد فوضع السلاح فيهم وقال يا لثارات الملك يا لثارات الهمام فخرجت إليه عجوز من بني كنانة فقالت أبيت اللعن لسنا لك بثأر نحن من كنانة فدونك
(9/108)

ثأرك فاطلبهم فإن القوم قد ساروا بالأمس فتبع بني أسد ففاتوه ليلتهم تلك فقال في ذلك
( ألا يا لَهْفَ هندٍ إثْرَ قومٍ ... همُ كانوا الشفاءَ فلم يُصابوا )
( وقاهم جَدُّهم ببني أبيهم ... وبالأَشْقَيْنَ ما كان العقابُ )
( وأَفْلتهنّ عِلْباءٌ جَريضاً ... ولو أدركْنَه صَفِرَ الوِطابُ )
يعني ببني أبيهم بني كنانة لأن أسدا وكنانة ابني خزيمة أخوان
أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال سمعت رجلا سأل يونس عن قوله صفر الوطاب فقال سألنا رؤبة عنه فقال لو أدركوه قتلوه وساقوا إبله فصفرت وطابه من اللبن وقال غيره صفر الوطاب أي إنه كان يقتل فيكون جسمه صفرا من دمه كما يكون الوطاب صفرا من اللبن
وأدركهم ظهرا وقد تقطعت خيله وقطع أعناقهم العطش وبنو أسد جامون على الماء فنهد إليهم فقاتلهم حتى كثرت الجرحى والقتلى فيهم وحجز الليل بينهم وهربت بنو أسد فلما أصبحت بكر وتغلب أبوا أن يتبعوهم وقالوا له قد أصبت ثأرك قال والله ما فعلت ولا أصبت من بني كاهل ولا من غيرهم من بني أسد أحدا قالوا بلى ولكنك رجل مشؤوم وكرهوا قتالهم بني كنانة وانصرفوا عنه ومضى هاربا لوجهه حتى لحق بحمير
(9/109)

امرؤ القيس يستنجد بالقبائل واسيادها
وقال ابن السكيت حدثني خالد الكلابي أن امرأ القيس لما أقبل من الحرب على فرسه الشقراء لجأ إلى ابن عمته عمرو بن المنذر وأمه هند بنت عمرو بن حجر بن آكل المرار وذلك بعد قتل أبيه وأعمامه وتفرق ملك أهل بيته وكان عمرو يومئذ خليفة لأبيه المنذر ببقة وهي بين الأنبار وهيت فمدحه وذكر صهره ورحمه وأنه قد تعلق بحباله ولجأ إليه فأجاره ومكث عنده زمانا ثم بلغ المنذر مكانه عنده فطلبه وأنذره عمرو فهرب حتى أتى حمير
وقال ابن الكلبي والهيثم بن عدي وعمر بن شبة وابن قتيبة فلما امتنعت بكر بن وائل وتغلب من اتباع بني أسد خرج من فوره ذلك إلى اليمن فاستنصر أزدشنوءة فأبوا أن ينصروه وقالوا إخواننا وجيراننا فنزل بقيل يدعى مرثد الخير بن ذي جدن الحميري وكانت بينهما قرابة فاستنصره واستمده على بني أسد فأمده بخمسمائة رجل من حمير ومات مرثد قبل رحيل امرئ القيس بهم وقام بالمملكة بعده رجل من حمير يقال له قرمل بن الحميم وكانت أمه سوداء فردد امرأ القيس وطول عليه حتى هم بالانصراف وقال
( وإذ نحن ندعو مَرْثَد الخيرِ ربَّنا ... وإذ نحن لا نُدْعَى عَبيداً لقَرْمَلِ )
فأنفذ له ذلك الجيش وتبعه شذاذ من العرب واستأجر من قبائل
(9/110)

العرب رجالا فسار بهم إلى بني أسد ومر بتبالة وبها صنم للعرب تعظمه يقال له ذو الخلصة فاستقسم عنده بقداحه وهي ثلاثة الآمر والناهي والمتربص فأجالها فخرج الناهي ثم أجالها فخرج الناهي ثم أجالها فخرج الناهي فجمعها وكسرها وضرب بها وجه الصنم وقال مصصت بظر أمك لو أبوك قتل ما عقتني ثم خرج فظفر ببني أسد ويقال إنه ما استقسم عند ذي الخلصة بعد ذلك بقدح حتى جاء أمر الله بالإسلام وهدمه جرير بن عبد الله البجلي
قالوا وألح المنذر في طلب امرئ القيس ووجه الجيوش في طلبه من إياد وبهراء وتنوخ ولم تكن لهم طاقة وأمده أنوشروان بجيش من الأساورة فسرحهم في طلبه وتفرقت حمير ومن كان معه عنه فنجا عصبة من بني آكل
(9/111)

المرار حتى نزل بالحارث بن شهاب من بني يربوع بن حنظلة ومع امرئ القيس أدراع خمسة الفضفاضة والضافية والمحصنة والخربق وأم الذيول كن لبني آكل المرار يتوارثونها ملكا عن ملك فقلما لبثوا عند الحارث بن شهاب حتى بعث إليه المنذر مائة من أصحابه يوعده بالحرب إن لم يسلم إليه بني آكل المرار فأسلمهم ونجا امرؤ القيس ومعه يزيد بن معاوية بن الحارث وبنته هند بنت امرئ القيس والأدرع والسلاح ومال كان بقي معه فخرج على وجهه حتى وقع في أرض طيئ وقيل بل نزل قبلهم على سعد بن الضباب الإيادي سيد قومه فأجاره
قال ابن الكلبي وكانت أم سعد بن الضباب تحت حجر أبي امرئ القيس فطلقها وكانت حاملا وهو لا يعرف فتزوجها الضباب فولدت سعدا على فراشه فلحق نسبه به فقال امرؤ القيس يذكر ذلك
( يُفاكهنا سعدٌ ويُنْعِمُ بالَنا ... ويغدو علينا بالجِفَانِ وبالجُزُرْ )
( ونعرف فيه من أبيه شمائلاً ... ومن خاله ومن يزيدَ ومن حُجُرْ )
( سماحةَ ذا وبِرَّ ذا ووفاء ذا ... ونائلَ ذا إذا صحا وإذا سَكِرْ )
ثم تحول عنه فوقع في أرض طيئ فنزل برجل من بني جديلة يقال له المعلى بن تيم ففي ذلك يقول
( كأنِّي إذ نزلتُ على المُعَلَّى ... نزلتُ على البواذخ من شَمَامِ )
(9/112)

( فما مَلِكُ العراقِ على المُعَلَّى ... بمقتدرٍ ولا مَلِكُ الشآم )
( اقرَّ حَشَى امرىء القيس بن حُجْرٍ ... بنو تَيْمٍ مصابيحُ الظلامِ )
قالوا فلبث عنده واتخذ إبلا هناك فغدا قوم من بني جديلة يقال لهم بنو زيد فطردوا الإبل وكانت لامرئ القيس رواحل مقيدة عند البيوت خوفا من أن يدهمه أمر ليسبق عليهن فخرج حينئذ فنزل ببني نبهان من طيئ فخرج نفر منهم فركبوا الرواحل ليطلبوا له الإبل فأخذتهن جديلة فرجعوا إليه بلا شيء فقال في ذلك
( وأعجبني مَشْيُ الحُزُقَّة خالدٍ ... كمشي أتانٍ حُلِّئتْ بالمناهل )
( فدع عنك نَهْباً صِيحَ في حَجَراتهِ ... ولكن حديثاً ما حديثُ الرَّواحل )
ففرقت عليه بنو نبهان فرقا من معزى يحلبها فأنشأ يقول
( إذا ما لم تَجِدْ إبلاً فمِعْزىً ... كأن قرُون جِلَّتها العِصِيُّ )
( إذا ما قام حالبُها أَرَنَّتْ ... كأن القوم صبَّحهم نَعِيُّ )
(9/113)

( فتملأُ بيتَنا أقِطاً وسَمْناً ... وحَسْبُك من غِنىً شِبَعٌ ورِيُّ )
فكان عندهم ما شاء الله ثم خرج فنزل بعامر بن جوين واتخذ عنده إبلا وعامر يومئذ أحد الخلعاء الفتاك قد تبرأ قومه من جرائره فكان عنده ما شاء الله ثم هم أن يغلبه على أهله وماله ففطن امرؤ القيس بشعر كان عامر ينطق به وهو قوله
( فكم بالصعيد من هِجَان مؤبَّلَهْ ... تَسير صحاحاً ذاتَ قيد ومُرْسَلَهْ )
( أردتُ بها فَتْكاً فلم أَرْتَمِضْ له ... ونَهْنهتُ نفسي بعدما كدتُ أفعلَه )
وكان عامر أيضا يقول يعرض بهند بنت امرئ القيس
( ألاَ حَيِّ هنداً وأطلالَها ... وتَظْعانَ هندٍ وَتَحْلالَها )
( هَممتُ بنفسيَ كلَّ الهُموم ... فأَوْلَى لنفسيَ أَوْلَى لها )
( سأحمِل نفسي على آلة ... فإمّا عليها وإمّا لها )
هكذا روى ابن أبي سعد عن دارم بن عقال ومن الناس من يروي هذه الأبيات للخنساء في قصيدتها
( ألاَ ما لِعَيْنِي ألاَ ما لَها ... لقد أَخْضَلَ الدمعُ سِرْبالَها )
قالوا فلما عرف امرؤ القيس ذلك منه وخافه على أهله وماله تغفله وانتقل إلى رجل من بني ثعل يقال له حارثة بن مر فاستجار به فوقعت
(9/114)

الحرب بين عامر وبين الثعلي فكانت في ذلك أمور كثيرة
عمرو بن جابر يدل امرأ القيس على السموءل
قال دارم بن عقال في خبره فلما وقعت الحرب بين طيئ من أجله خرج من عندهم فنزل برجل من بني فزارة يقال له عمرو بن جابر بن مازن فطلب منه الجوار حتى يرى ذات عيبه فقال له الفزاري يابن حجر إني أراك في خلل من قومك وأنا أنفس بمثلك من أهل الشرف وقد كدت بالأمس تؤكل في دار طيئ وأهل البادية أهل بر لا أهل حصون تمنعهم وبينك وبين أهل اليمن ذؤبان من قيس أفلا أدلك على بلد فقد جئت قيصر وجئت النعمان فلم أر لضيف نازل ولا لمجتد مثله ولا مثل صاحبه قال من هو وأين منزله قال السموءل بتيماء وسوف أضرب لك مثله هو يمنع ضعفك حتى ترى ذات عيبك وهو في حصن حصين وحسب كبير فقال له امرؤ القيس وكيف لي به قال أوصلك إلى من يوصلك إليه فصحبه إلى رجل من بني فزارة يقال له الربيع بن ضبع الفزاري ممن يأتي السموءل فيحمله ويعطيه فلما صار إليه قال له الفزاري إن السموءل يعجبه الشعر فتعال نتناشد له أشعارا فقال امرؤ القيس قل حتى أقول فقال الربيع
( قُلْ للمنيَّة أيَّ حِينِ نلتقي ... بِفناء بيتِك في الحَضِيض المَزْلَقِ )
(9/115)

وهي طويلة يقول فيها
( ولقد أتيتُ بَني المُصاصِ مُفَاخِراً ... وإلى السموءل زُرْتُه بالأَبْلَقِ )
( فأتيتُ أفضلَ مَنْ تحمَّل حاجةً ... إن جئته في غارِمٍ أو مُرْهَقِ )
( عرفتْ له الأقوامُ كلَّ فضيلةٍ ... وحَوَى المكارمَ سابقاً لم يُسْبَقِ )
قال فقال امرؤ القيس
( طرَقتْك هندٌ بعد طول تجنُّبٍ ... وَهْناً ولم تَكُ قبل ذلك تَطْرُقُ )
وهي قصيدة طويلة وأظنها منحولة لأنها لا تشاكل كلام امرئ القيس والتوليد فيها بين وما دونها في ديوانه أحد من الثقات وأحسبها مما صنعه دارم لأنه من ولد السموءل ومما صنعه من روى عنه من ذلك فلم تكتب هنا قال فوفد الفزاري بامرئ القيس إليه فلما كانوا ببعض الطريق إذا هم ببقرة وحشية مرمية فلما نظر إليها أصحابه قاموا فذكوها فبينما هم كذلك إذا هم بقوم قناصين من بني ثعل فقالوا لهم من أنتم فانتسبوا لهم وإذا هم من جيران السموءل فانصرفوا جميعا وقال امرؤ القيس
( رُبَّ رامٍ من بني ثُعَلٍ ... مُخْرِج كَفَّيْهِ من قُتَرِهْ )
( عارضٍ زَوْراءَ من نَشَمٍ ... مع باناةٍ على وَتَرِهْ )
هكذا في رواية ابن دارم ويروى غير باناة وتحت باناة
(9/116)

( إذ أتتْه الوحشُ واردةً ... فتثنَّى النزعَ في يَسَرِهْ )
( فرماها في فرائِصها ... بإزاء الحوضِ أو عُقُرِه )
( برهِيشٍ من كِنانتِه ... كتلظِّي الجمر في شَرَرِهْ )
( راشَه من رِيِش ناهضةٍ ... ثم أَمْهاه على حَجَرهْ )
( فهو لا تَنْمِي رَمِيَّتُه ... ما لَهُ لا عُدَّ من نَفَرِه )
قال ثم مضى القوم حتى قدموا على السموءل فأنشده الشعر وعرف لهم حقهم فأنزل المرأة في قبة أدم وأنزل القوم في مجلس له براح فكان عنده ما شاء الله ثم إنه طلب إليه أن يكتب له إلى الحارث بن أبي شمر الغساني بالشأم ليوصله إلى قيصر فاستنجد له رجلا واستودع عنده المرأة والأدراع والمال وأقام معها يزيد بن معاوية بن الحارث ابن عمه فمضى حتى انتهى إلى قيصر فقبله وأكرمه وكانت له عنده منزلة فاندس رجل من
(9/117)

بني أسد يقال له الطماح وكان امرؤ القيس قد قتل أخا له من بني أسد حتى أتى إلى بلاد الروم فأقام مستخفيا ثم إن قيصر ضم إليه جيشا كثيفا وفيهم جماعة من أبناء الملوك فلما فصل قال لقيصر قوم من أصحابه إن العرب قوم غدر ولا تأمن أن يظفر بما يريد ثم يغزوك بمن بعثت معه
قصة الحلة المسمومة وموت امرئ القيس
وقال ابن الكلبي بل قال له الطماح إن امرأ القيس غوي عاهر وإنه لما انصرف عنك بالجيش ذكر أنه كان يراسل ابنتك ويواصلها وهو قائل في ذلك أشعارا يشهرها بها في العرب فيفضحها ويفضحك فبعث إليه حينئذ بحلة وشي مسمومة منسوجة بالذهب وقال له إني أرسلت إليك بحلتي التي كنت ألبسها تكرمة لك فإذا وصلت إليك فالبسها باليمن والبركة واكتب إلي بخبرك من منزل منزل فلما وصلت إليه لبسها واشتد سروره بها فأسرع فيه السم وسقط جلده فلذلك سمي ذا القروح وقال في ذلك
( لقد طمَح الطمَّاح من بُعد أرضه ... ليُلْبِسَني ممّا يلبِّس أبؤسا )
( فلو أنها نفسٌ تموت سَوِيَّةً ... ولكنّها نفسٌ تَساقَطُ أنفُسا )
قال فلما صار إلى بلدة من بلاد الروم تدعى أنقرة احتضر بها فقال
( رُب خُطْبةٍ مُسْحَنْفِرَهْ ... وطَعْنةٍ مُثْعَنْجِرَهْ )
( وجَفْنةٍ متحيِّرة ... حَلِّت بأرض أَنقِره )
ورأى قبر امرأة من أبناء الملوك ماتت هناك فدفنت في سفح جبل يقال له عسيب فسأل عنها فأخبر بقصتها فقال
(9/118)

( أجارتَنا إنّ المَزارَ قريبُ ... وإنِّي مقيمٌ ما أقام عَسِيبٌ )
( أجارتَنا إنّا غريبانِ هاهنا ... وكلُّ غريبٍ للغريب نسيبُ )
ثم مات فدفن إلى جنب المرأة فقبره هناك
أخبرني محمد بن القاسم عن مجالد بن سعيد عن عبد الملك بن عمير قال قدم علينا عمر بن هبيرة الكوفة فأرسل إلى عشرة أنا أحدهم من وجوه الكوفة فسمروا عنده ثم قال ليحدثني كل رجل منكم أحدوثة وابدأ أنت يا أبا عمر فقلت أصلح الله الأمير أحديث الحق أم حديث الباطل قال بل حديث الحق قلت إن امرأ القيس آلى بألية ألا يتزوج امرأة حتى يسألها عن ثمانية وأربعة وثنتين فجعل يخطب النساء فإذا سألهن
(9/119)

عن هذا قلن أربعة عشر فبينما هو يسير في جوف الليل إذا هو برجل يحمل ابنة له صغيرة كأنها البدر ليلة تمامه فأعجبته فقال لها يا جارية ما ثمانية وأربعة واثنتان فقالت أما ثمانية فأطباء الكلبة وأما أربعة فأخلاف الناقة وأما اثنتان فثديا المرأة فخطبها إلى أبيها فزوجه إياها وشرطت هي عليه أن تسأله ليلة بنائها عن ثلاث خصال فجعل لها ذلك وأن يسوق إليها مائة من الإبل وعشرة أعبد وعشر وصائف وثلاثة أفراس ففعل ذلك ثم إنه بعث عبدا له إلى المرأة وأهدى إليها نحيا من سمن ونحيا من عسل وحلة من عصب فنزل العبد ببعض المياه فنشر الحلة ولبسها فتعلقت بعشرة فانشقت وفتح النحيين فطعم أهل الماء منهما فنقصا ثم قدم على حي المرأة وهم خلوف فسألها عن أبيها وأمها وأخيها ودفع إليها هديتها فقالت له أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرب بعيدا ويبعد قريبا وأن أمي ذهبت تشق النفس نفسين وأن أخي يراعي الشمس وأن سماءكم انشقت وأن وعاءيكم نضبا فقدم الغلام على مولاه فأخبره فقال أما قولها إن أبي ذهب يقرب بعيدا ويبعد قريبا فإن أباها ذهب يحالف قوما على قومه وأما قولها ذهبت أمي تشق النفس نفسين فإن أمها ذهبت تقبل امرأة نفساء وأما قولها إن أخي يراعي الشمس فإن أخاها في سرح له يرعاه فهو ينتظر وجوب الشمس ليروح به وأما قولها إن سماءكم انشقت فإن البرد الذي بعثت به انشق وأما قولها إن وعاءيكم نضبا فإن النحيين اللذين بعثت بهما نقصا
(9/120)

فاصدقني فقال يا مولاي إني نزلت بماء من مياه العرب فسألوني عن نسبي فأخبرتهم أني ابن عمك ونشرت الحلة فانشقت وفتحت النحيين فأطعمت منهما أهل الماء فقال أولى لك ثم ساق مائة من الإبل وخرج نحوها ومعه الغلام فنزلا منزلا فخرج الغلام يسقي الإبل فعجز فأعانه امرؤ القيس فرمى به الغلام في البئر وخرج حتى أتى المرأة بالإبل وأخبرهم أنه زوجها فقيل لها قد جاء زوجك فقالت والله ما أدري أزوجي هو أم لا ولكن انحروا له جزورا وأطعموه من كرشها وذنبها ففعلوا فقالت اسقوه لبنا حازرا وهو الحامض فسقوه فشرب فقالت افرشوا له عند الفرث والدم ففرشوا له فنام فلما أصبحت أرسلت إليه إني أريد أن أسألك فقال سلي عما شئت فقالت مم تختلج شفتاك قال لتقبيلي إياك قالت فمم يختلج كشحاك قال لالتزامي إياك قالت فمم يختلج فخذاك قال لتوركي إياك قالت عليكم العبد فشدوا أيديكم به ففعلوا قال ومر قوم فاستخرجوا امرأ القيس من البئر فرجع إلى حيه فاستاق مائة من الإبل وأقبل إلى امرأته فقيل لها قد جاء زوجك فقالت والله ما أدري أهو زوجي أم لا ولكن انحروا له جزورا فأطعموه من كرشها وذنبها ففعلوا فلما أتوه بذلك قال وأين الكبد والسنام والملحاء فأبى أن يأكل فقالت اسقوه لبنا حازرا فأبى أن يشربه وقال فأين الصريف والرثيئة
(9/121)

فقالت أفرشوا له عند الفرث والدم فأبى أن ينام وقال افرشوا لي فوق التلعة الحمراء واضربوا عليها خباء ثم أرسلت إليه هلم شريطتي عليك في المسائل الثلاث فأرسل إليها أن سلي عما شئت فقالت مم تختلج شفتاك قال لشربي المشعشعات قالت فمم يختلج كشحاك قال للبسي الحبرات قالت فمم تختلج فخذاك قال لركضي المطهمات فقالت هذا زوجي لعمري فعليكم به واقتلوا العبد فقتلوه ودخل امرؤ القيس بالجارية فقال ابن هبيرة حسبكم فلا خير في الحديث في سائر الليلة بعد حديثك يا أبا عمرو ولن تأتينا بأعجب منه فقمنا وانصرفنا وأمر لي بجائزة
مفاوضات امرئ القيس وقبائل أسد
نسخت من كتاب جدي يحيى بن محمد بن ثوابة بخطه رحمه الله حدثني الحسن بن سعيد عن أبي عبيدة قال أخبرني سيبويه النحوي أن الخليل بن أحمد أخبره قال
قدم على امرئ القيس بن حجر بعد مقتل أبيه رجال من قبائل بني أسد كهول وشبان فيهم المهاجر بن خداش ابن عم عبيد بن الأبرص وقبيصة بن نعيم وكان في بني أسد مقيما وكان ذا بصيرة بمواقع الأمور وردا وإصدارا يعرف ذلك له من كان محيطا بأكناف بلده من العرب فلما علم بمكانهم أمر بإنزالهم وتقدم بإكرامهم والإفضال عليهم واحتجب عنهم ثلاثا فسألوا من حضرهم من رجال كندة فقال هو في شغل بإخراج ما في خزائن حجر من السلاح والعدة فقالوا اللهم غفرا إنما قدمنا في أمر نتناسى به ذكر ما سلف ونستدرك به ما فرط فليبلغ ذلك عنا فخرج عليهم في قباء وخف وعمامة سوداء وكانت العرب لا تعتم بالسواد إلا في الترات فلما نظروا إليه قاموا
(9/122)

له وبدر إليه قبيصة إنك في المحل والقدر والمعرفة بتصرف الدهر وما تحدثه أيامه وتتنقل به أحواله بحيث لا تحتاج إلى تبصير واعظ ولا تذكرة مجرب ولك من سؤدد منصبك وشرف أعراقك وكرم أصلك في العرب محتمل يحتمل ما حمل عليه من إقالة العثرة ورجوع عن هفوة ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك فوجدت عندك من فضيلة الرأي وبصيرة الفهم وكرم الصفح في الذي كان من الخطب الجليل الذي عمت رزيته نزارا واليمن ولم تخصص كندة بذلك دوننا للشرف البارع كان لحجر التاج والعمة فوق الجبين الكريم وإخاء الحمد وطيب الشيم ولو كان يفدى هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كراعنا على مثله ببذل ذلك ولفديناه منه ولكن مضى به سبيل لا يرجع أولاه على أخراه ولا يلحق أقصاه أدناه فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال إما أن اخترت من بني أسد أشرافها بيتا وأعلاها في بناء المكرمات صوتا فقدناه إليك بنسعه تذهب مع شفرات حسامك قصدته فيقول رجل امتحن بهلك عزيز فلم تستل سخيمته إلا بتمكينه من الانتقام أو فداء بما يروح من بني أسد من نعمها فهي ألوف تجاوز الحسبة فكان ذلك فداء رجعت به القضب إلى أجفانها لم يردده تسليط الإحن على البرءاء وإما أن توادعنا حتى تضع الحوامل فنسدل الأزر ونعقد الخمر فوق الرايات قال فبكى ساعة ثم رفع رأسه فقال لقد علمت العرب أن لا كفء لحجر في دم وإني لن أعتاض به
(9/123)

جملا أو ناقة فأكتسب بذلك سبة الأبد وفت العضد وأما النظرة فقد أوجبتها الأجنة في بطون أمهاتها ولن أكون لعطبها سببا وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك تحمل القلوب حنقا وفوق الأسنة علقا
( إذا جالت الخيل في مأزِقٍ ... تُصافِح فيه المنايا النفوسا )
أتقيمون أم تنصرفون قالوا بل ننصرف بأسوأ الاختيار وأبلى الاجترار لمكروه وأذية وحرب وبلية ثم نهضوا عنه وقبيصة يقول متمثلا
( لعلك أن تستوخم الموتَ إن غدتْ ... كتائبُنا في مأزِق الموت تَمْطُرُ )
فقال امرؤ القيس لا والله لا أستوخمه فرويدا ينكشف لك دجاها عن فرسان كندة وكتائب حمير ولقد كان ذكر غير هذا أولى بي إذ كنت نازلا بربعي ولكنك قلت فأجبت فقال قبيصة ما نتوقع فوق قدر المعاتبة والإعتاب قال امرؤ القيس فهو ذاك
أصوات معبد المعروفة بألقابها وهي خمسة
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه وأخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة عن إسحاق وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه وأخبرني علي بن عبد العزيز عن ابن خرداذبة عن إسحاق أن معبدا كان يسمى صوته
( هُرَيْرةَ ودِّعها وإن لام لائم ... )
(9/124)

الدوامة لكثرة ما فيه من الترجيع ويسمي صوته
( عاود القلبَ من تذكُّرِ جُمْلٍ ... )
المنمنم ويسمي صوته
( أمِنْ آل ليلى بالمَلاَ مُتَرَبَّعُ ... )
معقصات القرون أي يحرك خصل الشعر ويسمي صوته
( جعل الله جعفرا لكِ بَعْلاً ... )
المتبختر ويسمي صوته
( ضوءُ بَرْقٍ بدا لعينيك أم شَبَّتْ ... بذي الأَثْلِ من سَلاَمةَ نارُ )
مقطع الأثفار
نسبة هذه الأصوات وأخبارها
( هُرَيْرةَ وَدِّعْها وإن لام لائمُ ... غداة غدٍ أم أنت للبَيْن واجمُ )
( لقد كان في حولٍ ثَوَاءٍ ثَوَيتُه ... تقضّى لُبانات ويسأم سائمُ )
( مُبَتَّلةٌ هَيْفاءُ رُودٌ شبابُها ... لها مقلتا رِيمٍ وأسودُ فاحمُ )
( ووجهٌ نقيُّ اللَّون صافٍ يَزينه ... مع الحَلْي لَبَّاتٌ لها وَمَعاصِمُ )
الواجم الساكت المطرق من الحزن يقال وجم يجم وجوما وقوله لقد كان في حول ثواء ثويته قال الكوفيون أراد لقد كان في ثواء حول
(9/125)

ثويته فجعل ثواء بدلا من حول وأخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام عن يونس قال كان أبو عمرو بن العلاء يعيب قول الأعشى
( لقد كان في حول ثواء ثويته ... )
جدا ويقول ما أعرف له معنى ولا وجها يصح قال أبو خليفة وأما أبو عبيدة فإنه قال معناه لقد كان في ثواء حول ثويته واللبانات والمآرب والحوائج والأوطار واحد والمبتلة الحسنة الخلق والهيفاء اللطيفة الخصر والرئم الظبي والفاحم الشديد السواد وقال لبات لها وإنما لها لبة واحدة ولكن العرب تقول ذلك كثيرا يقال لها لبات حسان يراد اللبة وما حولها والمعاصم موضع الأسورة وواحدها معصم
الشعر للأعشى والغناء لمعبد وله فيه لحنان أحدهما وهو الملقب بالدوامة خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق والآخر ثقيل عن الهشامي وابن خرداذبة
(9/126)

أخبار الأعشى ونسبه
الأعشى هو ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة الحصن بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار ويكنى أبا بصير وكان يقال لأبيه قيس بن جندل قتيل الجوع سمي بذلك لأنه دخل غارا يستظل فيه من الحر فوقعت صخرة عظيمة من الجبل فسدت فم الغار فمات فيه جوعا فقال فيه جهنام واسمه عمرو وهو من قومه من بني قيس بن ثعلبة يهجوه وكانا يتهاجيان
( أبوك قَتيلُ الجوعِ قَيْسُ بن جَنْدلٍ ... وخالُك عبدٌ من خُمَاعةَ راضعُ )
وهو أحد الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولهم وتقدم على سائرهم وليس ذلك بمجمع عليه لا فيه ولا في غيره
أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال سألت يونس النحوي من أشعر الناس قال لا أومىء إلى رجل بعينه ولكني أقول امرؤ القيس إذا غضب والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب والأعشى إذا طرب
أخبرني ابن عمار عن ابن مهرويه عن حذيفة بن محمد عن ابن سلام بمثله
(9/127)

أخبرني عمي قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن ابن الكلبي عن أبيه وأبي مسكين
أن حسانا سئل من أشعر الناس فقال أشاعر بعينه أم قبيلة قالوا بل قبيلة قال الزرق من بني قيس بن ثعلبة وهذا حديث يروى أيضا عن غير حسان
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار عن ابن مهرويه قال حدثنا عبدة بن عصمة عن فراس بن خندف عن علي بن شفيع قال إني لواقف بسوق حجر إذ أنا برجل من هيئته وحاله عليه مقطعات خز وهو على نجيب مهري عليه رحل لم أر قط أحسن منه وهو يقول من يفاخرني من ينافرني ببني عامر بن صعصعة فرسانا وشعراء وعددا وفعالا قلت أنا قال بمن قلت ببني ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر ابن وائل فقال أما بلغك أن رسول الله نهى عن المنافرة ثم ولى هاربا قلت من هذا قيل عبد العزيز بن زرارة بن جزء بن سفيان الكلابي
صناجة العرب
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال
(9/128)

قال أبو عبيدة من قدم الأعشى يحتج بكثرة طواله الجياد وتصرفه في المديح والهجاء وسائر فنون الشعر وليس ذلك لغيره ويقال هو أول من سأل بشعره وانتجع به أقاصي البلاد وكان يغنى في شعره فكانت العرب تسميه صناجة العرب
أخبرني المهلبي والجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال سمعت خلادا الأرقط يقول سمعت خلفا الأحمر يقول لا يعرف من أشعر الناس كما لا يعرف من أشجع الناس ولا من كذا ولا من كذا لأشياء ذكرها خلف ونسيتها أنا أبو زيد عمر بن شبة يقول هذا
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي يوسف قال حدثني عمي إسماعيل بن أبي محمد قال أخبرني أبي قال سمعت أبا عمرو بن العلاء يقدم الأعشى
وقال هشام بن الكلبي أخبرني أبو قبيصة المجاشعي أن مروان بن أبي حفصة سئل من أشعر الناس قال الذي يقول
( كِلاَ أبَويْكم كان فرعَ دِعَامةٍ ... ولكنّهم زادوا وأصبحتَ ناقصا )
يعني الأعشى
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي قال قال سلمة بن نجاح أخبرني يحيى بن سليم الكاتب قال بعثني أبو جعفر أمير المؤمنين بالكوفة إلى حماد الراوية أسأله عن أشعر
(9/129)

الشعراء قال فأتيت باب حماد فاستأذنت وقلت يا غلام فأجابني إنسان من أقصى بيت في الدار فقال من أنت فقلت يحيى بن سليم رسول أمير المؤمنين قال ادخل رحمك الله فدخلت أتسمت الصوت حتى وقفت على باب البيت فإذا حماد عريان على فرجه دستجة شاهسفرم فقلت إن أمير المؤمنين يسألك عن أشعر الناس فقال نعم ذلك الأعشى صناجها
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال سمعت أبا عبيدة يقول سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول عليكم بشعر الأعشى فإني شبهته بالبازي يصيد ما بين العندليب إلى الكركي
مرتبته بين الشعراء
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال سمعت أبا عبيدة يقول
بلغني أن رجلا من أهل البصرة حج وروى هذا الحديث ابن الكلبي عن شعيب بن عبد الرحمن أبي معاوية النحوي عن رجل من أهل البصرة أنه حج قال فإني لأسير في ليلة إضحيانة إذ نظرت إلى رجل شاب راكب على ظليم قد زمه بخطامه وهو يذهب عليه ويجيء وهو يرتجز ويقول
( هل يُبْلِغَنِّيهم إلى الصَّبَاحْ ... هِقْلٌ كأن رأسه جُمَّاحْ )
(9/130)

الجماح أطراف النبت الذي يسمى الحلي وهو سنبله إلا أنه ليس بخشن يشبه أذناب الثعالب قال والجماح أيضا سهيم يلعب به الصبيان يجعلون مكان زجه طينا قال فعلمت أنه ليس بإنسي فاستوحشت منه فتردد علي ذاهبا وراجعا حتى أنست به فقلت من أشعر الناس يا هذا قال الذي يقول
( وما ذَرَفتْ عيناكِ إلاّ لتضربي ... بسَهْمَيْكِ في أعشار قلبٍ مُقَتَّلِ )
قلت ومن هو قال امرؤ القيس قلت فمن الثاني قال الذي يقول
( تَطْرُدُ القُرَّ بِحَرٍّ ساخنٍ ... وعَكيكَ القَيْظِ إن جاء بِقُرّ )
قلت ومن يقوله قال طرفة قلت ومن الثالث قال الذي يقول
( وتبرُد بردَ رِداء العَرُوسِ ... بالصَّيْف رَقْرقْتَ فيه العَبِيرَا )
قلت ومن يقوله قال الأعشى ثم ذهب به
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني أبو عدنان قال وقال لي يحيى بن الجون العبدي راوية بشار نحن حاكة الشعر في الجاهلية والإسلام ونحن أعلم الناس به أعشى بني قيس بن ثعلبة أستاذ الشعراء في الجاهلية وجرير بن الخطفي أستاذهم في الإسلام
حديث الشعبي عنه
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الرياشي قال قال الشعبي الأعشى أغزل الناس في بيت وأخنث الناس في بيت
(9/131)

وأشجع الناس في بيت فأما أغزل بيت فقوله
( غَرَّاءُ فَرْعاءُ مصقولٌ عوارضُها ... تَمْشِي الهُوَيْنَى كما يمشي الوَجِي الوَحِل )
وأما أخنث بيت فقوله
( قالت هُرَيْرةُ لمّا جئتُ زائرَها ... وَيْلي عليك ووَيْلي منك يا رجل )
وأما أشجع بيت فقوله
( قالوا الطِّرادَ فقلنا تلك عادتنا ... أوْ تنزلون فإنا مَعْشَرٌ نُزُلُ )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه عن ابن أبي سعد قال ذكر الهيثم بن عدي أن حمادا الراوية سئل عن أشعر العرب قال الذي يقول
( نازعتُهم قُضُبَ الرَّيْحانِ مُتَّكئاً ... وقَهْوةً مُزَّةً راوُوقُها خَضِل )
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا أبو علي العنزي قال حدثني محمد بن معاوية الأسدي قال حدثني رجل من أبان بن تغلب عن سماك بن حرب قال قال لي يحيى بن متى راوية الأعشى وكان نصرانيا عباديا وكان معمرا قال كان الأعشى قدريا وكان لبيد مثبتا قال لبيد
( مَنْ هَدَاه سُبُلَ الخير اهتدَى ... ناعمَ البالِ ومَنْ شاء أضَلّْ )
(9/132)

وقال الأعشى
( إِستأثر اللهُ بالوفاء وبالعَدْل ... ووَلَّى المَلامةَ الرَّجُلاَ )
قلت فمن أين أخذ الأعشى مذهبه قال من قبل العباديين نصارى الحيرة كان يأتيهم يشتري منهم الخمر فلقنوه ذلك
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أبو شراعة في مجلس الرياشي قال حدثنا مشايخ بني قيس بن ثعلبة قالوا كانت هريرة التي يشبب بها الأعشى أمة سوداء لحسان بن عمرو بن مرثد
وأخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة عن فراس بن الخندف قال كانت هريرة وخليدة أختين قينتين كانتا لبشر بن عمرو بن مرثد وكانتا تغنيانه النصب وقدم بهما اليمامة لما هرب من النعمان قال ابن دريد فأخبرني عمي عن ابن الكلبي بمثل ذلك
الشعر واسطة للزواج
وأخبرني محمد بن العباس اليزيدي عن الرياشي مما أجازه له عن العتبي عن رجل من قيس عيلان قال كان الأعشى يوافي سوق عكاظ في كل سنة وكان المحلق الكلابي
(9/133)

مئناثا مملقا فقالت له امرأته يا أبا كلاب ما يمنعك من التعرض لهذا الشاعر فما رأيت أحدا اقتطعه إلى نفسه إلا وأكسبه خيرا قال ويحك ما عندي إلا ناقتي وعليها الحمل قالت الله يخلفها عليك قال فهل له بد من الشراب والمسوح قالت إن عندي ذخيرة لي ولعلي أن أجمعها قال فتلقاه قبل أن يسبق إليه أحد وابنه يقوده فأخذ الخطام فقال الأعشى من هذا الذي غلبنا على خطامنا قال المحلق قال شريف كريم ثم سلمه إليه فأناخه فنحر له ناقته وكشط له عن سنامها وكبدها ثم سقاه وأحاطت بناته به يغمزنه ويمسحنه فقال ما هذه الجواري حولي قال بنات أخيك وهن ثمان شريدتهن قليلة قال وخرج من عنده ولم يقل فيه شيئا فلما وافى سوق عكاظ إذا هو بسرحة قد اجتمع الناس عليها وإذا الأعشى ينشدهم
( لعمري لقد لاحتْ عيونٌ كثيرةٌ ... إلى ضوء نار باليَفَاع تَحَرَّقُ )
( تُشَبُّ لمقرورَيْن يصطليانها ... وبات على النار النَّدَى والمُحَلَّقُ )
( رَضِيعَيْ لِبانِ ثَدْيِ أمٍّ تحالفا ... بأسْحَمَ داجٍ عَوْضُ لا نَتَفَرَّقُ )
فسلم عليه المحلق فقال له مرحبا يا سيدي بسيد قومه ونادى يا معاشر العرب هل فيكم مذكار يزوج ابنه إلى الشريف الكريم قال
(9/134)

فما قام من مقعده وفيهن مخطوبة إلا وقد زوجها وفي أول القصيدة غناء وهو
صوت
( أَرِقْتُ وما هذا السُّهادُ المؤرِّقُ ... وما بيَ من سُقْمٍ وما بِيَ مَعْشَقُ )
( ولكن أُراني لا أزال بحادثٍ ... أُغادَى بما لم يُمسِ عندي وأُطْرَقُ )
غناه ابن محرز خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه لحن ليونس من كتابه غير مجنس وفيه لابن سريج ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق وعمرو
أخبرني أبو العباس اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله عن ابن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل قال اسم المحلق عبد العزى بن حنتم بن شداد بن ربيعة بن عبد الله بن عبيد وهو أبو بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وإنما سمي محلقا لأن حصانا له عضه في وجنته فحلق فيه حلقة
قال وأنشد الأعشى قصيدته هذه كسرى ففسرت له فلما سمعها قال إن كان هذا سهر لغير سقم ولا عشق فما هو إلا لص
المحلق الكلابي وسبب اتصاله بالأعشى
وذكر علي بن محمد النوفلي في خبر المحلق مع الأعشى غير هذه الحكايات وزعم أن أباه حدثه عن بعض الكلابيين من أهل البادية قال كان لأبي المحلق شرف فمات وقد أتلف ماله وبقي المحلق وثلاث أخوات له ولم يترك لهم إلا ناقة واحدة وحلتي برود حبرة كان يشهد فيهما
(9/135)

الحقوق فأقبل الأعشى من بعض أسفاره يريد منزله باليمامة فنزل الماء الذي به المحلق فقراه أهل الماء فأحسنوا قراه فأقبلت عمة المحلق فقالت يابن أخي هذا الأعشى قد نزل بمائنا وقد قراه أهل الماء والعرب تزعم أنه لم يمدح قوما إلا رفعهم ولم يهج قوما إلا وضعهم فانظر ما أقول لك واحتل في زق من خمر من عند بعض التجار فأرسل إليه بهذه الناقة والزق وبردي أبيك فوالله لئن اعتلج الكبد والسنام والخمر في جوفه ونظر إلى عطفيه في البردين ليقولن فيك شعرا يرفعك به قال ما أملك غير هذه الناقة وأنا أتوقع رسلها فأقبل يدخل ويخرج ويهم ولا يفعل فكلما دخل على عمته حضته حتى دخل عليها فقال فقد ارتحل الرجل ومضى قالت الآن والله أحسن ما كان القرى تتبعه ذلك مع غلام أبيك مولى له أسود شيخ فحيثما لحقه أخبره عنك أنك كنت غائبا عن الماء عند نزوله إياه وأنك لما وردت الماء فعلمت أنه كان به كرهت أن يفوتك قراه فإن هذا أحسن لموقعه عنده فلم تزل تحضه حتى أتى بعض التجار فكلمه أن يقرضه ثمن زق خمر وأتاه بمن يضمن ذلك عنه فأعطاه فوجه بالناقة والخمر والبردين مع مولى أبيه فخرج يتبعه فكلما مر بماء قيل ارتحل أمس عنه حتى صار إلى منزل الأعشى بمنفوحة اليمامة فوجد عنده عدة من الفتيان قد غداهم بغير لحم وصب لهم فضيخا فهم يشربون منه إذ قرع الباب فقال انظروا
(9/136)

من هذا فخرجوا فإذا رسول المحلق يقول كذا وكذا فدخلوا عليه وقالوا هذا رسول المحلق الكلابي أتاك بكيت وكيت فقال ويحكم أعرابي والذي أرسل إلي لا قدر له والله لئن اعتلج الكبد والسنام والخمر في جوفي لأقولن فيه شعرا لم أقل قط مثله فواثبه الفتيان وقالوا غبت عنا فأطلت الغيبة ثم أتيناك فلم تطعمنا لحما وسقيتنا الفضيخ واللحم والخمر ببابك لا نرضى بدا منك فقال ائذنوا له فدخل فأدى الرسالة وقد أناخ الجزور بالباب ووضع الزق والبردين بين يديه قال أقره السلام وقل له وصلتك رحم سيأتيك ثناؤنا وقام الفتيان إلى الجزور فنحروها وشقوا خاصرتها عن كبدها وجلدها عن سنامها ثم جاؤوا بهما فأقبلوا يشوون وصبوا الخمر فشربوا وأكل معهم وشرب ولبس البردين ونظر إلى عطفيه فيهما فأنشأ يقول
( أرِقتُ وما هذا السهادُ المؤرِّق ... )
حتى انتهى إلى قوله
( أبَا مِسْمَعٍ سار الذي قد فعلتُم ... فأنجد أقوامٌ به ثم أَعْرَقوا )
( به تُعْقَد الأحمالُ في كلِّ منزلٍ ... وتُعْقَد أطرافُ الحبالِ وتُطْلَق )
قال فسار الشعر وشاع في العرب فما أتت على المحلق سنة حتى زوج أخواته الثلاث كل واحدة على مائة ناقة فأيسر وشرف
وذكر الهيثم بن عدي عن حماد الراوية عن معقل عن أبي بكر الهلالي قال خرج الأعشى إلى اليمن يريد قيس بن معد يكرب فمر ببني
(9/137)

كلاب فأصابه مطر في ليلة ظلماء فأوى إلى فتى من بني بكر بن كلاب فبصر به المحلق وهو عبد العزى بن حنتم بن شداد بن ربيعة بن عبد الله بن عبيد بن كلاب وهو يومئذ غلام له ذؤابة فأتى أمه فقال يا أمه رأيت رجلا أخلق به أن يكسبنا مجدا قالت وما تريد يا بني قال نضيفه الليلة فأعطته جلبابها فاشترى به عشيرا من جزور وخمرا فأتى الأعشى فأخذه إليه فطعم وشرب واصطلى ثم اصطبح فقال فيه
( أرِقتُ وما هذا السُّهَادُ المؤرِّق ... )
والرواية الأولى أصح
أخبرني أحمد بن عمار قال حدثنا يعقوب بن نعيم قال حدثنا قعنب بن المحرز عن الأصمعي قال حدثني رجل قال جاءت امرأة إلى الأعشى فقالت إن لي بنات قد كسدن علي فشبب بواحدة منهن لعلها أن تنفق فشبب بواحد منهن فما شعر الأعشى إلا بجزور قد بعث به إليه فقال ما هذا فقالوا زوجت فلانة فشبب بالأخرى فأتاه مثل ذلك فسأل عنها فقيل زوجت فما زال يشبب بواحدة فواحدة منهن حتى زوجن جميعا
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدثنا يحيى بن أبي سعيد الأموي عن محمد بن السائب الكلبي قال
(9/138)

هجا الأعشى رجلا من كلب فقال
( بنو الشهرِ الحرامِ فلستَ منهم ... ولستَ من الكِرام بني عُبَيْد )
( ولا من رَهْط جبَّارِ بن قُرْطٍ ... ولا من رَهْط حارثةَ بن زيد )
قال وهؤلاء كلهم من كلب فقال الكلبي لا أبا لك أنا أشرف من هؤلاء قال فسبه الناس بعد بهجاء الأعشى إياه وكان متغيظا عليه فأغار على قوم قد بات فيهم الأعشى فأسر منهم نفرا وأسر الأعشى وهو لا يعرفه ثم جاء حتى نزل بشريح بن السموءل بن عادياء الغساني صاحب تيماء بحصنه الذي يقال له الأبلق فمر شريح بالأعشى فناداه الأعشى
( شُرَيْحُ لا تَتْرُكَنِّي بعد ما عَلِقَتْ ... حبالَك اليومَ بعد القِدّ أظفاري )
( قد جُلْتُ ما بين بانِقْيا إلى عَدَنٍ ... وطال في العُجْم تَردادي وتَسْيارِي )
( فكان أكرَمهم عهداً وأوثقَهم ... مجداً أبوك بعُرْفٍ غيرِ إنكار )
( كالغيث ما استمطروه جاد وابلُه ... وفي الشدائد كالمُستَأسِد الضاري )
( كُنْ كالسموءل إذ طاف الهُمَامُ به ... في جَحْفَلٍ كهَزِيع اللَّيل جَرَّار )
( إذ سامه خُطَّتَيْ خَسْفٍ فقال له ... قل ما تشاء فإني سامعٌ حارِ )
( فقال غَدْرٌ وثُكْلٌ أنتَ بينهما ... فاخْتَرْ وما فيهما حَظٌّ لمختار )
( فشَكَّ غيرَ طويلٍ ثم قال له ... أُقْتُلْ أسيرَك إنّي مانعٌ جاري )
( وسوف يُعْقِبُنيه إن ظَفِرتَ به ... ربٌّ كريمٌ وبِيضٌ ذاتُ أطهار )
( لا سِرُّهنَّ لدينا ذاهبٌ هَدَراً ... وحافظاتٌ إذا استُودِعنَ أسراري )
( فاختار أدراعَه كي لا يُسَبَّ بها ... ولم يكن وعدُه فيها بخَتَّار )
(9/139)

قال وكان امرؤ القيس بن حجر أودع السموءل بن عادياء أدراعا مائة فأتاه الحارث بن ظالم ويقال الحارث بن أبي شمر الغساني ليأخذها منه فتحصن منه السموءل فأخذ الحارث ابنا له غلاما وكان في الصيد فقال إما أن سلمت الأدراع إلي وإما أن قتلت ابنك فأبى السموءل أن يسلم إليه الأدراع فضرب الحارث وسط الغلام بالسيف فقطعه قطعتين فيقال إن جريرا حين قال للفرزدق
( بسيفِ أبي رَغْوانَ سيفٍ مُجَاشِعٍ ... ضربتَ ولم تَضْرِب بسيف ابن ظالم )
إنما غنى هذه الضربة فقال السموءل في ذلك
( وَفَيْتُ بذمّة الكِنْديّ إنِّي ... إذا ما ذُمّ أقوامٌ وَفَيْتُ )
( وأوصى عَادِيَا يوماً بأن لا ... تهُدِّم يا سموءلُ ما بَنَيْتُ )
( بَنَي لي عَادِيَا حِصْناً حَصيناً ... وماءً كلَّما شئتُ استقيتُ )
قال فجاء شريح إلى الكلبي فقال له هب لي هذا الأسير المضرور فقال هو لك فأطلقه وقال أقم عندي حتى أكرمك وأحبوك فقال له الأعشى إن من تمام صنيعتك أن تعطيني ناقة نجيبة وتخليني الساعة قال
(9/140)

فأعطاه ناقة فركبها ومضى من ساعته وبلغ الكلبي أن الذي وهب لشريح هو الأعشى فأرسل إلى شريح ابعث إلي الأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه وأعطيه فقال قد مضى فأرسل الكلبي في أثره فلم يلحقه
الأعشى يمدح عامر بن الطفيل ويهجو علقمة بن علاثة
حدثنا ابن علاثة عن محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدثنا يحيى بن سعيد بن يحيى الأموي عن محمد بن السائب قال أتى الأعشى الأسود العنسي وقد امتدحه فاستبطأ جائزته فقال الأسود ليس عندنا عين ولكن نعطيك عرضا فأعطاه خمسمائة مثقال دهنا وبخمسمائة حللا وعنبرا فلما مر ببلاد بني عامر خافهم على ما معه فأتى علقمة بن علاثة فقال له أجرني فقال قد أجرتك قال من الجن والإنس قال نعم قال ومن الموت قال لا فأتى عامر بن الطفيل
(9/141)

فقال أجرني قال قد أجرتك قال من الجن والإنس قال نعم قال ومن الموت قال نعم قال وكيف تجيرني من الموت قال إن مت وأنت في جواري بعثت إلى أهلك الدية فقال الآن علمت أنك قد أجرتني من الموت فمدح عامرا وهجا علقمة فقال علقمة لو علمت الذي أراد كنت أعطيته إياه
قال الكلبي ولم يهج علقمة بشي أشد عليه من قوله
( تَبِيتُون في المَشْتَى مِلاَءً بطونُكم ... وجاراتُكم غَرْثَى يَبِتْنَ خَمائصَا )
فرفع علقمة يديه وقال لعنه الله إن كان كاذبا أنحن نفعل هذا بجاراتنا وأخبار الأعشى وعلقمة وعامر تأتي مشروحة في خبر منافرتهما إن شاء الله تعالى
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله قال حدثني محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل وغيره من أصحابه أن الأعشى تزوج امرأة من عنزة ثم من هزان قال وعنزة هو ابن أسد بن ربيعة بن نزار فلم يرضها ولم يستحسن خلقها فطلقها وقال فيها
(9/142)

( بِينِي حَصَانَ الفَرْجِ غيرَ ذَميمةٍ ... وموموقةً فينا كذاك ووامقَهْ )
( وذُوقِي فَتى قومٍ فإنِّي ذائقٌ ... فتاةَ أُناسٍ مثلَ ما أنتِ ذائقَه )
( لقد كان في فِتْيانِ قومِكِ مَنْكَحٌ ... وشُبّانِ هِزَّانَ الطِّوالِ الغَرَانِقَه )
( فبِينِي فإنّ البَيْن خيرٌ من العصا ... وإلاّ تَرَيْ لي فوق رأسك بارقه )
( وما ذاك عندي أن تكوني دنيئةً ... ولا أن تكوني جئتِ عندي ببائقه )
( ويا جارتا بِيني فإنّك طالقه ... كذاك أمورُ الناس غادٍ وطارقه )
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا الحسين بن إبراهيم بن الحر قال حدثنا المبارك بن سعيد عن سفيان الثوري قال طلاق الجاهلية طلاق كانت عند الأعشى امرأة فأتاها قومها فضربوه وقالوا طلقها فقال
( أيا جارتَا بِينِي فإنّك طالقَهْ ... كذاك أمورُ النّاس غادٍ وطارقهْ )
وذكر باقي الأبيات مثل ما تقدم
أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال حدثنا عثمان البرقي في إسناد له قال أخذ قوم الأعشى فقالوا له طلق امرأتك فقال
( أيا جارتا بِيني فإنّك طالقهْ ... كذاك أمور الناس غادٍ وطارقهْ )
ثم ذكر نحو الخبر الذي قبله على ما قدمناه
في هذه الأبيات غناء نسبته
(9/143)

صوت
( فبِينِي فإنّ البينَ خيرٌ من العصا ... وإلاّ تَرَيْ لي فوق رأسكِ بارقهْ )
( وما ذاك عندي أن تكوني دنيئةً ... ولا أن تكوني جئتِ عندي ببائقه )
( ويا جارتا بيني فإنّكِ طالقه ... كذاك أمورُ الناس غادٍ وطارقه )
الشعر للأعشى والغناء للهذلي خفيف ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه لابن جامع ثاني ثقيل بالبنصر عن الهشامي قال الهشامي وفيه لفليح خفيف ثقيل بالوسطى لا يشك فيه من غنائه وذكر حبش أن الثقيل الثاني لابن سريج وذكر عبيد الله بن عبد الله بن طاهر أن الخفيف الثاني المنسوب إلى فليح لأبيه عبد الله بن طاهر وهذا الصوت يغنى في هذا الزمان على ما سمعناه
( أيا جارتا دُومِي فإنك صادقَهْ ... وموموقةٌ فينا كذاك ووامِقهْ )
( ولم نفترق أنْ كنتِ فينا دنيئةً ... ولا أن تكوني جئتِ عندي ببائقه )
وأحسبه غير في دور الطاهرية على هذا
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني سوار بن أبي شراعة قال حدثني أبي عن مسعود بن بشر عن أبي عبيدة قال دخل الأخطل على عبد الملك بن مروان وقد شرب خمرا وتضمخ بلخالخ وخلوق وعنده الشعبي فلما رآه قال يا شعبي ناك الأخطل أمهات الشعراء جميعا فقال له الشعبي بأي شيء قال حين يقول
(9/144)

( وتظلُّ تَنْصُفُنا بها قَرَوِيّةٌ ... إبريقُها برقاعِه ملثومُ )
( فإذا تعاورتِ الأكُفُّ زُجَاجَها ... نَفَحتْ فشَمَّ رياحَها المزكومُ )
فقال الأخطل سمعت بمثل هذا يا شعبي قال إن أمنتك قلت لك قال أنت آمن فقلت له أشعر والله منك الذي يقول
( وأدْكنَ عاتِقٍ جَحْل رِبَحْلٍ ... صبَحتُ براحِه شَرْباً كِرَاما )
( من اللائي حُمِلن على المَطَايا ... كريح المسك تستلّ الزُّكاما )
فقال الأخطل ويحك ومن يقول هذا قلت الأعشى أعشى بني قيس ابن ثعلبة فقال قدوس قدوس ناك الأعشى أمهات الشعراء جميعا وحق الصليب
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة والهيثم بن عدي وحدثني الصولي قال حدثني الغلابي عن العتبي عن أبيه وذكر هارون بن الزيات عن حماد عن أبيه عن عبد الله بن الوليد عن جعفر بن سعيد الضبي قالوا جميعا قدم الأخطل الكوفة فأتاه الشعبي يسمع من شعره قال فوجدته يتغدى فدعاني أتغدى فأتيته فوضع الشراب فدعاني إليه فأتيته فقال ما حاجتك قلت أحب أن أسمع من شعرك فأنشدني قوله
( صَرَمتْ أُمَامةُ حبلَنا ورَعُومُ ... )
حتى انتهى إلى قوله
( فإذا تعاورت الأكُفُّ خِتامَها ... نَفَحَتْ فشَمَّ رياحَها المزكومُ )
(9/145)

فقال يا شعبي ناك الأخطل أمهات الشعراء بهذا البيت قلت الأعشى أشعر منك يا أبا مالك قال وكيف قلت لأنه قال
( منْ خمر عانةَ قد أتى لِختامها ... حَوْلٌ تَسُلّ غُمَامةَ المزكومِ )
فضرب بالكأس الأرض وقال هو والمسيح أشعر مني ناك والله الأعشى أمهات الشعراء إلا أنا
حدثني وكيع قال حدثني محمد بن إسحاق المعولي عن إسحاق الموصلي عن الهيثم بن عدي عن حماد الراوية عن سماك بن حرب قال قال الأعشى أتيت سلامة ذا فائش فأطلت المقام ببابه حتى وصلت إليه فأنشدته
( إنّ مَحَلاًّ وإن مُرْتَحَلا ... وإنّ في السَّفْرِ من مَضَى مَهَلا )
( اِستأثر اللهُ بالوفاء وبالعَدْل ... وولَّى المَلاَمةَ الرجلا )
( الشعرُ قَلَّدتُه سَلاَمةَ ذا ... فائشَ والشيءُ حيث ما جُعلا )
فقال صدقت الشيء حيث ما جعل وأمر لي بمائة من الإبل وكساني حللا وأعطاني كرشا مدبوغة مملوءة عنبرا وقال إياك أن تخدع عما فيها فأتيت الحيرة فبعتها بثلاثمائة ناقة حمراء
(9/146)