Advertisement

الأغاني 008



[ الأغاني - الأصفهاني ]
الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبي الفرج الأصفهاني
الناشر : دار الفكر - بيروت
الطبعة الثانية
تحقيق : سمير جابر
عدد الأجزاء : 24 أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال قال هشام بن القاسم الغنوي وكان علامة بأمر الأعشى إنه وفد إلى النبي وقد مدحه بقصيدته التي أولها
( ألم تَغْتَمِضْ عيناكَ ليلةَ أَرْمَدَا ... وعادك ما عاد السَّليمَ المُسَهَّدَا )
( وما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيتَ قبل اليوم خُلَّةَ مَهْدَدَا )
وفيها يقول لناقته
( فآليتُ لا أَرْثِي لها من كَلاَلَةٍ ... ولا من حَفاً حتى تَزُورَ محمدا )
( نبيٌّ يَرى ما لا تَرَوْن وذكرُه ... أغارَ لعَمْرِي في البلاد وأَنْجدا )
( متى ما تُناخِي عند باب ابن هاشمٍ ... تُراحِي وتَلْقَيْ من فَوَاضِله يدا )
فبلغ خبره قريشا فرصدوه على طريقه وقالوا هذا صناجة العرب ما مدح أحدا قط إلا رفع في قدره فلما ورد عليهم قالوا له أين أردت يا أبا بصير قال أردت صاحبكم هذا لأسلم قالوا إنه ينهاك عن خلال ويحرمها عليك وكلها بك رافق ولك موافق قال وما هن فقال أبو سفيان بن حرب الزنا قال لقد تركني الزنا وما تركته ثم ماذا قال القمار قال لعلي إن لقيته أن أصيب منه عوضا من القمار ثم ماذا قالوا الربا قال ما دنت ولا ادنت ثم ماذا قالوا الخمر قال أوه أرجع إلى صبابة قد بقيت لي في المهراس فأشربها فقال له أبو سفيان هل لك في خير مما هممت به قال وما هو قال نحن وهو الآن في هدنة فتأخذ مائة من الإبل وترجع إلى بلدك سنتك هذه وتنظر ما يصير إليه أمرنا فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت
(9/147)

خلفا وإن ظهر علينا أتيته فقال ما أكره ذلك فقال أبو سفيان يا معشر قريش هذا الأعشى والله لئن أتى محمدا واتبعه ليضرمن عليكم نيران العرب بشعره فاجمعوا له مائة من الإبل ففعلوا فأخذها وانطلق إلى بلده فلما كان بقاع منفوحة رمى به بعيره فقتله
الفتيان يتنادمون على قبره بمنفوحة
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثنا محمد بن إدريس بن سليمان بن أبي حفصة قال قبر الأعشى بمنفوحة وأنا رأيته فإذا أراد الفتيان أن يشربوا خرجوا إلى قبره فشربوا عنده وصبوا عنده فضلات الأقداح
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا علي بن سليمان النوفلي قال حدثنا أبي قال أتيت اليمامة واليا عليها فمررت بمنفوحة وهي منزل الأعشى التي يقول فيها
( بشَطِّ منفوحةَ فالحاجرِ ... )
فقلت أهذه قرية الأعشى قالوا نعم فقلت أين منزله قالوا ذاك وأشاروا إليه قلت فأين قبره قالوا بفناء بيته فعدلت إليه بالجيش فانتهيت إلى قبره فإذا هو رطب فقلت ما لي أراه رطبا فقالوا إن الفتيان ينادمونه فيجعلون قبره مجلس رجل منهم فإذا صار إليه القدح صبوه عليه لقوله أرجع إلى اليمامة فأشبع من الأطيبين الزنا والخمر
وأخبرنا الحسن بن علي قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثنا الأطروش بن إسحاق بن إبراهيم عن أبيه أن ابن عائشة غنى يوما
( هُرَيْرَةَ ودّعها وإن لام لائمُ ... )
(9/148)

فأعجبته نفسه ورآه ينظر في أعطافه فقيل له لقد أصبحت اليوم تائها فقال وما يمنعني من ذلك وقد أخذت عن أبي عباد معبد أحد عشر صوتا منها
( هريرةَ ودِّعها وإن لام لائم ... )
وأبو عباد مغني أهل المدينة وإمامهم
قال وكان معبد يقول والله لقد صنعت صوتا لا يقدر أن يغنيه شبعان ممتلئ ولا يقدر متكئ على أن يغنيه حتى يجثو ولا قائم حتى يقعد قيل وما هو يا أبا عباد قال إسحاق فأخبرني بذاك محمد بن سلام الجمحي أنه بلغه أن معبدا قاله وأخبرني بهذا الخبر اسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان محمد بن يحيى قال قال معبد والله لأغنين صوتا لا يغنيه مهموم ولا شبعان ولا حامل حمل ثم غنى
( ولقد قلتُ والضميرُ ... كثيرُ البلابِلِ )
( ليت شعري تَمَنّياً ... والمُنَى غيرُ طائل )
( هل رسولٌ مبلِّغ ... فيُؤَدِّي رسائلي )
لحن معبد هذا خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق ويونس وفيه ثقيل أول ينسب إليه أيضا ويقال إنه لأهل مكة
ومنها الصوت المسمى بالمنمنم
صوت
( هَاجَ ذا القلبَ من تَذَكُّر جُمْلٍ ... ما يَهيج المتيَّمَ المحزونا )
( إذ تراءتْ على البَلاَطِ فلمّا ... واجهتْنا كالشمس تُعْشِي العيونا )
( ليلةَ السبت إذ نظرتُ إليها ... نظرةً زادت الفؤادَ جنونا )
(9/149)

الشعر لإسماعيل بن يسار والغناء لمعبد ثقيل أول بالوسطى وفيه لدحمان ثاني ثقيل بالبنصر ذكر الهشامي أنه لا يشك فيه من غنائه وقد مضت أخبار إسماعيل بن يسار في المائة المختارة فاستغني عن إعادتها ها هنا
صوت
( آمن آل لَيْلَى بالمَلاَ مُتَربَّعُ ... كما لاح وَشْمٌ في الذراع مُرَجَّعُ )
( سأَتْبَع لَيْلَى حيث سارت وخيَّمتْ ... وما الناسُ إلا آلِفٌ ومُوَدِّعُ )
الشعر لعمرو بن سعيد بن زيد وقيل إنه للمجنون وإن مع هذين البيتين أخر وهي
( وقفتُ لليلَى بعد عشرين حِجَّةً ... بمنزلةٍ فانهلَّتِ العينُ تَدْمَعُ )
( فأمرضَ قلبي حبُّها وطِلاَبُها ... فيا آلَ ليلَى دعوةً كيف أصْنَعُ )
( سأتَبع ليلى حيث حلَّت وخيّمتْ ... وما الناسُ إلا آلِفٌ ومودِّع )
( كأنّ زِماماً في الفؤاد معلَّقاً ... تَقُود به حيث استمرّتْ وأَتْبَع )
والغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى وقد ذكر حماد بن إسحاق عن أبيه أن هذا الصوت منحول إلى معبد وأنه مما يشبه
(9/150)

غناءه وذكر ابن الكلبي عن محمد بن يزيد أن معبدا أخذ لحن سائب خاثر في
( أفاطمُ مهلاً بعضَ هذا التدلُّل ... )
فغنى فيه
( أمن آلِ ليلَى بالمَلاَ متربَّعُ ... )
(9/151)

نسب عمرو بن سعيد بن زيد وأخباره
هو عمرو بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب وسعيد بن زيد يكنى أبا الأعور وهو أحد العشرة الذين كانوا مع رسول الله على حراء فرجف بهم فقال اثبت حراء فليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد
أخبرني ابن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني أبي قال حدثني الهيثم بن سفيان عن أبي مسكين قال جلس الوليد بن يزيد يوما للمغنين وكانوا متوافرين عنده وفيهم معبد وابن عائشة فقال لابن عائشة يا محمد قال لبيك يا أمير المؤمنين قال إني قد قلت شعرا فغن فيه قال وما هو فأنشده إياه وترنم به محمد ثم غناه فأحسن وهو
(9/152)

صوت
( عَلِّلاني واسقِيانِي ... من شرابٍ أصْبَهانِي )
( من شرابِ الشيخ كِسْرَى ... أو شراب القَيْرَوانِ )
( إنّ في الكاس لَمِسْكاً ... أو بكفَّيْ مَنْ سَقانِي )
( أوْ لقد غُودِرَ فيها ... حين صُبَّت في الدِّنانِ )
( كَلِّلانِي تَوِّجانِي ... وبشعري غَنِّياني )
( أطْلِقاني بوَثاقِي ... واشْدُدَاني بعِناني )
( إنّما الكأسُ ربيعٌ ... يُتَعاطَى بالبَنَانِ )
( وحُمَيَّا الكأسِ دَبَّتْ ... بين رِجْلِي ولِساني )
الغناء لابن عائشة هزج بالبنصر من رواية حبش قال فأجاد ابن عائشة واستحسن غناءه من حضر فالتفت إلى معبد فقال كيف ترى يا أبا عباد فقال له معبد شنت غناءك بصلفك قال ابن عائشة يا أحول والله لولا أنك شيخنا وأنك في مجلس أمير المؤمنين لأعلمتك من الشائن لغنائه أنا بصلفي أم أنت بقبح وجهك وفطن الوليد بحركتهما فقال ما هذا فقال خير يا أمير المؤمنين لحن كان معبد طارحنيه فأنسيته فسألته عنه لأغني فيه أمير المؤمنين فقال وما هو قال
( أمِنْ آلِ ليلى بالمَلاَ مُتَربَّعُ ... كما لاح وشمٌ في الذِّراع مُرَجَّعُ )
فقال هات يا معبد فغناه إياه فاستحسنه الوليد وقال أنت والله سيد من غنى وهذا الخبر أيضا مما يدل على أن ما ذكره حماد من أن هذا الصوت منحول لمعبد لا حقيقة له
أخبرني محمد بن إبراهيم قريض قال حدثني أحمد بن أبي العلاء المغني قال غنيت المعتضد صوتا في شعر له ثم أتبعته بشعر الوليد بن يزيد
( كلِّلانِي توِّجانِي ... وبِشِعْرِي غنِّياني )
(9/153)

فقال أحسن والله هكذا تقول الملوك المترفون وهكذا يطربون وبمثل هذا يشيرون وإليه يرتاحون أحسنت يا أحمد الاختيار لما شاكل الحال وأحسنت الغناء أعد فأعدته فأمر لي بعشرة آلاف درهم وشرب رطلا ثم استعاده فأعدته وفعل مثل ذلك حتى استعاده ست مرات وشرب ستة أرطال وأمر لي بعشرة آلاف درهم وقال مرة أخرى بستمائة دينار ثم سكر وما رئي قبل ذلك ولا بعده أعطى مغنيا هذه العطية وفي الخبر زيادة وقد ذكرته في موضع آخر يصلح له
وقد ذكر محمد بن الحسن الكاتب عن أحمد بن سهل النوشجاني أنه حضر أحمد بن أبي العلاء وقد غنى المعتضد هذا الصوت في هذا المجلس وأمر له بهذا المال بعينه ولم يشرح القصة كما شرحها أحمد
ومنها صوت وهو المتبختر
( جَعل الله جعفراً لكِ بَعْلاً ... وشِفاءً من حادث الأَوْصابِ )
( إذ تقولين للوَليدة قُومِي ... فانظُري مَنْ تَرَيْنَ بالأبواب )
الشعر للأحوص والغناء لمعبد - خفيف ثقيل - أول بالبنصر وذكر حماد عن أبيه في كتاب معبد أنه منحول إلى معبد وأنه لكردم
صوت
وهو المسمى مقطع الأثفار
( ضوءُ نارٍ بدا لعينك أم شَبَّتْ ... بذي الأَثْلِ من سَلامةَ نارُ )
( تلك بين الرِّيَاضِ والأَثْلِ والباناتِ ... منَّا ومن سَلامةَ دارُ )
( وكذاكَ الزمانُ يذهبُ بالناسِ ... وتَبْقى الرُّسومُ والآثارُ )
(9/154)

الشعر للأحوص والغناء لمعبد - خفيف ثقيل - بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق وذكر يونس أن فيه صوتين لمعبد وعمر الوادي رمل عن الهشامي وفيه لعبد الله بن العباس خفيف رمل بالوسطى
الأحوص وموسى شهوات
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثنا عمي قال مدح موسى شهوات أبا بكر بن عبد العزيز بن مروان بقصيدة أحسن فيها وأجاد وقال فيها
( وكذاك الزمانُ يذهب بالناس ... وتَبْقى الديارُ والآثارُ )
فقام الأحوص ودخل منزله وقال قصيدة مدح فيها أبا بكر بن عبد العزيز أيضا وأتى فيها بهذا البيت بعينه وخرج فأنشدها فقال له موسى شهوات ما رأيت يا أحوص مثلك قلت قصيدة مدحت فيها الأمير فسرقت أجود بيت فيها وجعلته في قصيدتك فقال له الأحوص ليس الأمر كما ذكرت ولا البيت لي ولا لك هو للبيد سرقناه جميعا منه إنما ذكر لبيد قومه فقال
(9/155)

( فعفا آخرُ الزمانِ عليهم ... فَعلى آخرِ الزمان الدَّبَارُ )
( وكذاك الزمانُ يذهب بالناسِ ... وتبقى الرُّسُوم والآثارُ )
قال فسكت موسى شهوات فلم يحر جوابا كأنما ألقمه حجرا
ونسخت من كتاب أحمد بن سعيد الدمشقي خبر الأحوص مع سلامة التي ذكرها في هذا الشعر وهو موضوع لا أشك فيه لأن شعره المنسوب إلى الأحوص شعر ساقط سخيف لا يشبه نمط الأحوص والتوليد بين فيه يشهد على أنه محدث والقصة أيضا باطلة لا أصل لها ولكني ذكرته في موضعه على ما فيه من سوء العهدة قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني أبو محمد الجزري قال كانت بالمدينة سلامة من أحسن الناس وجها وأتمهن عقلا وأحسنهن حديثا قد قرأت القرآن وروت الأشعار وقالت الشعر وكان عبد الرحمن بن حسان والأحوص بن محمد يختلفان إليها فيرويانها الشعر ويناشدانها إياه فعلقت الأحوص وصدت عن عبد الرحمن فقال لها عبد الرحمن يعرض لها بما ظنه من ذلك
( أَرَى الإِقبالَ منكِ على خليلي ... وما لي في حديثكُم نَصيبُ )
فأجابته
( لأن الله علَّقه فؤادي ... فحاز الحبَّ دونَكم الحبيبُ )
(9/156)

فقال الأحوص
( خليلي لا تَلُمْها في هواها ... ألذُّ العيشِ ما تَهْوى القلوبُ )
قال فأضرب عنها ابن حسان وخرج ممتدحا ليزيد بن معاوية فأكرمه وأعطاه فلما أراد الانصراف قال له يا أمير المؤمنين عندي نصيحة قال وما هي قال جارية خلفتها بالمدينة لامرأة من قريش من أجمل الناس وأكملهم وأعقلهم ولا تصلح أن تكون إلا لأمير المؤمنين وفي سماره فأرسل إليها يزيد فاشتريت له وحملت إليه فوقعت منه موقعا عظيما وفضلها على جميع من عنده وقدم عبد الرحمن المدينة فمر بالأحوص وهو قاعد على باب داره وهو مهموم فأراد أن يزيده إلى ما به فقال
( يا مُبْتَلىً بالحب مفدوحَا ... لاقَى من الحبِّ تَبَارِيحَا )
( أَلْجمه الحبُّ فما يَنْثَنِي ... إلا بكأس الشوق مَصْبوحَا )
( وصار ما يُعْجبه مُغْلَقاً ... عنه وما يكره مفتوحَا )
( قد حازها من أصبحتْ عنده ... ينال منها الشَّمَّ والرِّيحَا )
( خليفةُ الله فسَلِّ الهَوَى ... وعَزِّ قلباً منك مجروحا )
فأمسك الأحوص عن جوابه ثم إن شابين من بني أمية أرادا الوفادة إلى يزيد فأتاهما الأحوص فسألهما أن يحملا له كتابا ففعلا فكتب إليها معهما
( سَلاّمُ ذكرُكِ مُلْصَقٌ بلسانيٍ ... وعلى هواكِ تَعُودُني أَحْزانِي )
( ما لي رأيتُكِ في المنام مطيعةً ... وإذا انتبهتُ لَجَجْتِ في العصيان )
( أبداً محبُّك مُمْسِكٌ بفؤاده ... يخشى اللَّجَاجةَ منكِ في الهِجْرانِ )
( إن كنتِ عاتبةً فإنّي مُعْتِبٌ ... بعد الإِساءة فاقبلي إحساني )
(9/157)

( لا تقتُلي رجلاً يَراكِ لما به ... مثلَ الشراب لغُلّة الظمآن )
( ولقد أقول لقاطَنْين مِنَ آهلنا ... كانا على خُلُقي من الإِخوان )
( يا صاحبيَّ على فؤادي جمرةٌ ... وبَرَى الهوى جسمي كما تَرَيان )
( أَمُرَقِّيانِ إلى سلامة أنتما ... ما قد لقيتُ بها وتَحْتَسِبان )
( لا أستطيع الصبر عنها إنها ... من مهجتي نزلتْ بكلِّ مكان )
قال ثم غلبه جزعه فخرج إلى يزيد ممتدحا له فلما قدم عليه قربه وأكرمه وبلغ لديه كل مبلغ فدست إليه سلامة خداما وأعطته مالا على أن يدخله إليها فأخبر الخادم يزيد بذلك فقال امض برسالتها ففعل ما أمره به وأدخل الأحوص وجلس يزيد بحيث يراهما فلما بصرت الجارية بالأحوص بكت إليه وبكى إليها وأمرت فألقي له كرسي فقعد عليه وجعل كل واحد منهما يشكو إلى صاحبه شدة الشوق فلم يزالا يتحدثان إلى السحر ويزيد يسمع كلامهما من غير أن تكون بينهما ريبة حتى إذا هم بالخروج قال
( أَمْسَى فؤاديَ في همٍّ وبِلْبال ... من حبِّ مَنْ لم أَزَلْ منه على بال )
فقالت
( صحا المحبُّون بعد النأيِ إذ يئسوا ... وقد يئستُ وما أصحوا على حال )
فقال
( مَنْ كان يسلو بيأسٍ عن أخي ثِقَةٍ ... فعن سَلاَمَة ما أمسيتُ بالسَّالِي )
فقالت
( واللهِ واللهِ لا أنساكَ يا سَكَنِي ... حتى يُفارِقَ منِّي الرُّوحُ أَوْصَالِي )
فقال
( واللهِ ما خاب مَنْ أمسَى وأنتِ له ... يا قُرَّة العين في أهل وفي مال )
(9/158)

ثم ودعها وخرج فأخذه يزيد ودعا بها فقال أخبراني عما كان جرى بينكما في ليلتكما واصدقاني فأخبراه وأنشداه ما قالاه فلم يخرما حرفا ولا غيرا شيئا مما سمعه فقال له يزيد أتحبها يا أحوص قال إي والله يا أمير المؤمنين
( حُبًّا شديداً تليداً غيرَ مُطَّرِفٍ ... بين الجوانح مثلَ النار يَضْطَرِمُ )
فقال لها أتحبينه قالت نعم يا أمير المؤمنين
( حبًّا شديداً جرى كالرُّوح في جسدي ... فهل يُفَرَّق بين الرُّوح والجسد )
فقال يزيد إنكما لتصفان حبا شديدا خذها يا أحوص فهي لك ووصله بصلة سنية وانصرف بها وبالجارية إلى الحجاز وهو من أقر الناس عينا مضى الحديث
مدن معبد
أصوات معبد المسماة مدن معبد وتسمى أيضا حصون معبد
أخبرني ابن أبي الأزهر والحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال حسين في خبره واللفظ له عن إسماعيل بن جامع عن يونس الكاتب قال قال معبد وقد سمع رجلا يقول إن قتيبة بن مسلم فتح سبعة حصون
(9/159)

أو سبع مدن بخراسان فيها سبعة حصون صعبة المرتقى والمسالك لم يوصل إليها قط فقال والله لقد صنعت سبعة ألحان كل لحن منها أشد من فتح تلك الحصون فسئل عنها فقال
( لعَمْرِي لئن شَطَّتْ بعَثْمةَ دارُها ... )
( و : هُرَيْرةَ ودِّعها وإن لام لائمُ ... )
( و : رأيتُ عَرابةَ الأَوْسِيَّ يَسْمُو ... )
( و : كم بذاك الحَجُونِ من حَيِّ صِدْقٍ ... )
( و : لو تعلمين الغَيْبَ أيقنت أنني ... )
( و : يا دار عَبْلةَ بالجِوَاء تكلَّمِي ... )
( و : ودِّع هريرةَ إنّ الركبَ مُرْتِحلُ ... )
ومن الناس من يروي مدن معبد
( تقطَّع من ظَلاَّمةَ الوصلُ أجمعُ ... )
( و : خَمْصانةٌ قَلِقٌ مُوشَّحُها ... )
( و : يومَ تُبدِي لنا قُتَيْلةُ ... )
مكان
( كم بذاك الحَجُونِ من حي صدق ... )
(9/160)

( و : لو تعلمين الغيب أيقنتِ أنني ... )
( و : يا دارَ عَبْلة بالجِواء تكلَّمِي ... )
نسبة هذه الأصوات وأخبارها
صوت
( لعَمْرِي لئن شَطَّتْ بعَثْمةَ دارُها ... لقد كدتُ من وَشْك الفِراق أُلِيحُ )
( أَرُوح بهَمٍّ ثم أَغْدُو بمثله ... ويُحسَب أنّي في الثياب صحيح )
عروضه من الطويل شطت بعدت ووشك الفراق دنوه وسرعته وأليح أشفق وأجزع الشعر لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة الفقيه والغناء لمعبد - خفيف ثقيل - أول بالخنصر في مجرى البنصر من رواية يونس وإسحاق وعمرو وغيرهم وفيه رمل يقال إنه لابن سريج
(9/161)

ذكر عبيد الله بن عبد الله ونسبه
هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فأر بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار وهو في حلفاء بني زهرة من قريش وعداده فيهم وعتبة بن مسعود وعبد الله بن مسعود البدري صاحب رسول الله أخوان ولعتبة صحبة بالنبي وليس من البدريين وكان ابنه عبد الله أبو عبيد الله بن عبد الله رجلا صالحا واستعمله عمر بن الخطاب فأحمده
ولعبيد الله بن عبد الله أخوان عون وعبد الرحمن
وكان عون من أهل الفقه والأدب وكان يقول بالإرجاء ثم رجع عنه وقال وكان شاعرا
( فأوّلُ ما أُفارِقُ غيرَ شَكٍّ ... أُفَارِقُ ما يقول المُرْجِئونا )
( وقالوا مؤمنٌ من آل جَوْرٍ ... وليس المؤمنون بجائرينا )
( وقالوا مؤمنٌ دَمُه حلالٌ ... وقد حَرُمتْ دِماءُ المؤمنينا )
(9/162)

وخرج مع ابن الأشعث فلما هزم هرب وطلبه الحجاج فأتى محمد بن مروان بن الحكم بنصيبين فأمنه وألزمه ابنيه مروان بن محمد وعبد الرحمن بن محمد فقال له كيف رأيت ابني أخيك قال أما عبد الرحمن فطفل وأما مروان فإني إن أتيته حجب وإن قعدت عنه عتب وإن عاتبته صخب وإن صاحبته غضب ثم تركه ولزم عمر بن عبد العزيز فلم يزل معه ذكر ذلك كله ومعانيه الأصمعي عن أبي نوفل الهذلي عن أبيه ولعون يقول جرير
( يا أيُّها القارئُ الْمُرخِي عِمَامتَه ... هذا زمانُك إنّي قد مضى زمني )
( أَبْلغْ خليفتَنا إن كنتَ لاقِيَه ... أنّي لدى الباب كالمصفود في قَرَنِ )
وخبره يأتي في أخبار جرير
وأما عبد الرحمن فلم تكن له نباهة أخويه وفضلهما فسقط ذكره
بعض من صفاته
وأما عبيد الله فإنه أحد وجوه الفقهاء الذين روي عنهم الفقه والحديث
(9/163)

وهو أحد السبعة من أهل المدينة وهم القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وعروة بن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وخارجة ابن زيد بن ثابت وسليمان بن يسار وكان عبيد الله ضريرا وقد روى عن جماعة من وجوه الصحابة مثل ابن عباس وعبد الله ابن مسعود عمه وأبي هريرة وروى عنه الزهري وابن أبي الزناد وغيرهما من نظرائهما
وكان عبد الله بن عباس يقدمه ويؤثره
(9/164)

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا أبي قال حدثنا يونس بن محمد قال حدثنا حماد بن زيد عن معمر عن الزهري قال كان عبيد الله بن عبد الله يلطف لابن عباس فكان يعزه عزا
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار عن محمد بن الحسن عن مالك بن أنس عن ابن شهاب الزهري قال كنت أخدم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حتى إن كنت لأستقي الماء الملح وإن كان ليسأل جاريته فتقول غلامك الأعمش
أخبرني وكيع قال حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال أدركت اربعة بحور عبيد الله بن عبد الله أحدهم
أخبرني وكيع قال حدثنا محمد قال حدثنا حامد بن يحيى عن ابن عيينة عن الزهري قال سمعت من العلم شيئا كثيرا فلما لقيت عبيد الله بن عبد الله كأني كنت في شعب من الشعاب فوقعت في الوادي وقال مرة صرت كأني لم أسمع من العلم شيئا
أخبرني وكيع قال حدثني بشر بن موسى قال حدثنا الحميدي عن ابن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان قال كان عمر بن عبد العزيز يقول ليت لي مجلسا من عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بدية
أخبرني وكيع قال حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال حدثني عمي عن يعقوب بن عبد الرحمن الزهري عن حمزة بن عبد الله قال
(9/165)

قال عمر بن عبد العزيز لو كان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حيا ما صدرت إلا عن رأيه ولوددت أن لي بيوم من عبيد الله غرما قال ذلك في خلافته
أخبرنا محمد بن جرير الطبري وعم أبي عبد العزيز بن أحمد ومحمد ابن العباس اليزيدي والطوسي ووكيع والحرمي بن أبي العلاء وطاهر بن عبد الله الهاشمي قالوا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا إبراهيم بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وابن أخيه يحيى بن محمد بن طلحة جميعا عن عثمان بن عمر بن موسى عن الزهري قال دخل عروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة على عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة فقال عروة لشيء حدث به من ذكر عائشة وعبد الله بن الزبير سمعت عائشة تقول ما أحببت أحدا حبي عبد الله بن الزبير لا أعني رسول الله ولا أبوي فقال عمر إنكم لتنتحلون عائشة لابن الزبير انتحال من لا يرى لكل مسلم معه فيها نصيبا فقال عروة بركة عائشة كانت أوسع من ألا يرى لكل مسلم فيها حق ولقد كان عبد الله منها بحيث وضعته الرحم والمودة التي لا يشرك كل واحد منهما فيه عند صاحبه أحد فقال عمر كذبت فقال عروة هذا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يعلم أني غير كاذب وإن من أكذب الكاذبين من كذب الصادقين فسكت عبيد الله ولم يدخل بينهما في شيء فأفف بهما عمر وقال اخرجا عني ثم لم يلبث أن بعث إلى عبيد الله بن عبد الله رسولا يدعوه لبعض ما كان يدعوه إليه فكتب إليه عبيد الله
( لَعمْرُ ابنِ لَيْلَى ابنِ عائشةَ التي ... لمَرْوانَ أَدّتْهُ أبٌ غير زُمَّلِ )
(9/166)

( لَوَ أنهمُ عمًّا وجَدًّا ووالداً ... تأسَّوْا فسَنُّوا سُنَّة المُتَعَطِّل )
( عذرتُ أبا حَفْص وإن كان واحداً ... من القوم يَهدي هديَهم ليس يأتلي )
( ولكنهم فاتُوا وجئتَ مُصَلِّياً ... تقرِّب إثْرَ السابق المتمهل )
( وعُمْتَ فإن تَسْبِق فضِنْءُ مبَرِّزٍ ... جوادٍ وإن تُسْبَق فنفسَك فاعذُل )
( فمالك بالسلطان أن تَحْمِل القَذَى ... جفون عيونٍ بالقَذَى لم تُكَحَّل )
( وما الحقُّ أن تَهْوَى فتُسْعَفَ بالذي ... هَوِيتَ إذا ما كان ليس بأعدل )
( أبَى اللهُ والأحسابُ أن تَرْأم الخَنَا ... نفوسٌ كرامٌ بالخَنا لم تُوكَّلِ )
قال الزبير في خبره وحده الضنء والضنء الولد قال وأنشد الخليل بن أسد قال أنشدني دهثم
( ابنُ عَجُوزٍ ضَنْؤُها غيرُ أَمِرْ ... لو نحرتْ في بيتها عشرَ جُزُرْ )
( لأصبحتْ من لحمهنّ تعتذر ... تغدو على الحيّ بعود من سَمُرْ )
( حتى يَفِرَّ أهلُها كلَّ مَفَرّْ ... )
أخبرني الحسن بن علي ووكيع قالا حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير وأخبرناه الحرمي بن أبي العلاء إجازة قال حدثنا الزبير عن ابن أبي أويس عن بكار بن حارثة عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة إن عبيد الله بن عبد الله جاء إلى عمر بن عبد العزيز فاستأذن عليه فرده الحاجب وقال له عنده عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وهو مختل
(9/167)

به فانصرف غضبان وكان في صلاحه ربما صنع الأبيات فقال لعمر
( أَبِنْ لي فكُنْ مِثْلي أو ابتغِ صاحباً ... كمثلكَ إنَّي تابع صاحباً مثلي )
( عزيزٌ إخائي لا يَنال مودّتي ... من الناس إلا مسلمٌ كامل العقل )
( وما يَلْبَثُ الفِتْيانُ أن يتفرّقوا ... إذا لم يُؤلَّفْ روحُ شكل إلى شكل )
قال فأخبر عمر بأبياته فبعث إليه أبا بكر بن سليمان بن أبي خيثمة وعراك بن مالك يعذرانه عنده ويقولان إن عمر يقسم بالله ما علم بأبياتك ولا برد الحاجب إياك فعذره قال الزبير وقد أنشدني محمد بن الحسن قال أنشدني محرز بن جعفر لعبيد الله بن عبد الله هذه الأبيات وزاد فيها وهو أولها
( وإنِّي امرؤ من يُصْفِني الودَّ يُلْفِني ... وإن نَزحتْ دارٌ به دائمَ الوصل )
( عزيزٌ إخائي لا ينال مودّتي ... من الناس إلا مسلمٌ كاملُ العقل )
( ولولا اتَّقائي اللهَ قلتُ قصيدةً ... تسير بها الرُّكْبانُ أًبْرَدُها يَغْلِي )
( بها تُنْقَض الأحلاسُ في كلَّ منزل ... ويَنْفِي الكَرَى عنه بها صاحبُ الرَّحْل )
( كفاني يسيرٌ إذ أراكَ بحاجتي ... كَلِيلَ اللسانِ ما تُمِرُّ وما تُحْلِي )
( تُلاوِذُ بالأبواب منَّي مخافةَ المَلامة ... والإِخلافُ شر من البخل )
وذكر الأبيات الأول بعد هذه
شعره في عراك بن مالك وابن حزم
أخبرني وكيع قال حدثني علي بن حرب الموصلي قال حدثنا إسماعيل ابن ريان الطائي قال سمعت ابن إدريس يقول
(9/168)

كان عراك بن مالك وأبو بكر بن حزم وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة يتجالسون بالمدينة زمانا ثم إن ابن حزم ولي إمرتها وولي عراك القضاء وكانا يمران بعبيد الله فلا يسلمان عليه ولا يقفان وكان ضريرا فأخبر بذلك فأنشأ يقول
( ألا أبلغا عنِّي عِراكَ بنَ مالك ... ولا تَدَعا أن تَثْنيا بأبي بكر )
( فقد جعلتْ تَبْدو شَوَاكِلُ منكما ... كأنّكما بي مُوقَرَان من الصَّخْر )
( وطاوعتُما بي داعِكاً ذا مَعَاكةٍ ... لعَمْرِي لقد أَزْرَى وما مثله يُزْرِي )
( ولولا اتِّقائي ثم بقُيْايَ فيكما ... للمُتكُما لوماً أحرَّ من الجمر )
صوت
( فَمَسَّا تُرابَ الأرض منها خُلِقتُما ... ومنها المَعَادُ والمَصِيرُ إلى الحَشْرِ )
( ولا تأنَفا أن تسألا وتسلِّما ... فما خشي الإنسانُ شرًّا من الكِبْر )
( فلو شئتُ أن ألفِي عدوًّا وطاعنا ... لأَلْفَيْتُه أو قال عنديَ في السرِّ )
( فإن أنا لم آمُرْ ولم أَنْهَ عنكما ... ضحكتُ له حتى يَلِجَّ ويَسْتَشْرِي )
عروضه من الطويل غني في
( فمَسّا ترابَ الأرض منها خُلِقتُما ... )
والذي بعده لحن من الثقيل الأول بالبنصر من رواية عمرو بن بانة
(9/169)

وابن المكي ويونس وغيرهم وزعم ابن شهاب الزهري أن عبيد الله قال هذه الأبيات في عمر بن عبد العزيز وعمرو بن عثمان يعني أن الأبيات الأول ليست منها في شيء وإنما أدخلت فيها لاتفاق الروي والقافية
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إبراهيم ابن المنذر الحزامي قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز عن أبيه عن ابن شهاب قال جئت عبيد الله بن عبد الله يوما في منزله فوجدته ينفخ وهو مغتاظ فقلت له مالك قال جئت أميركم آنفا يعني عمر بن عبد العزيز فسلمت عليه وعلى عبد الله بن عمرو بن عثمان فلم يردا علي فقلت
( فَمسَّا ترابَ الأرض منها خُلقتما ... )
وذكر الأبيات الأربعة قال فقلت له رحمك الله أتقول الشعر في فضلك ونسكك قال إن المصدور إذا نفث برأ
قال أبو زيد حدثنا إبراهيم بن المنذر وأنشدني هذه الأبيات عبد العزيز ابن أبي ثابت عن ابن أبي الزناد له وذكر مثل ذلك وأنها في عمر بن عبد العزيز وعبد الله بن عمرو وزاد فيها
( وكيف يُريدانِ ابنَ تسعين حِجَّةً ... على ما أتَى وهو ابن عشرين أو عشرِ )
(9/170)

بعض من شعره الجيد
ولعبيد الله بن عبد الله شعر فحل جيد ليس بالكثير منه قوله
( إذا كان لي سِرٌّ فَحدّثْتُه العِدَا ... وضاق به صدري فلَلنَّاسُ أعْذَرُ )
( وسرُّك ما استُودعتَه وكتمتَه ... وليس بسرٍّ حين يفشو ويظهر )
وقوله لابن شهاب الزهري
( إذا قلتُ أمَّا بعدُ لم يُثْنَ مَنْطِقِي ... فحاذِرْ إذا ما قلتُ كيف أقولُ )
( إذا شئتَ أن تَلْقَى خليلاً مصافِياً ... لقيتَ وإخوانُ الثِّقاتِ قليل )
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الجبار ابن سعيد المساحقي عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال أنشد عبيد الله بن عبد الله جامع بن مرخية الكلابي لنفسه
( لعَمْرُ أبي المُحْصِينَ أيامَ نلتقي ... لمَاَ لا نُلاقِيها من الدهر أكثرُ )
( يَعُدُّون يوماً واحداً إن أتيتُها ... ويَنْسَوْن ما كانت على الدهر تهجُر )
( وإن أولعَ الواشون عَمْداً بوصلنا ... فنحن بتجديد المودة أبصر )
قال فأعجبت أبياته هذه جامعا فسر ذلك عبيد الله فكساه وحمله
جامع بن مرخية هذا من شعراء الحجاز وهو الذي يقول
( سألتُ سعيدَ بن المسيَّب مفتيَ المدينة ... هل في حبِّ ظَمْياءَ من وِزْرِ )
( فقال سعيد بن المسيَّب إنما ... تُلام على ما تستطيع من الأمر )
فبلغ قوله سعيدا فقال كذب والله ما سألني ولا أفتيته بما قال أخبرني بذلك الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير
ومن جيد شعر عبيد الله وسهله
(9/171)

( أعاذلَ عاجلُ ما أشتهي ... أحبُّ من الآجل الرائثِ )
( سأُنفق مالي على لذّتي ... وأوثِر نفسي على الوارث )
( أُبادِر إهلاكَ مستهلِك ... لماليَ أو عبثَ العابث )
وقوله يفتخر في أبيات
( إذا هي حَلَّت وَسْط عُوذِ ابن غالبٍ ... فذلك ودٌّ نازحٌ لا أُطالعُه )
( شددتُ حَيَازِيمي على قلب حازِمٍ ... كَتومٍ لما ضُمَّتْ عليه أضالعه )
( أُدَاجي رجالاً لستُ مُطْلِعَ بعضِهم ... على سرِّ بعضٍ إنّ صدريَ واسعه )
( بنِي ليَ عبدُ الله في ذِرْوة العلا ... وعُتْبةُ مجداً لا تُنال مصانعه )
وقوله فيه غناء
صوت
( إن يَكُ الدهرُ قد أضرَّ بنا ... من غير ذَحْلٍ فربَّما نفعا )
( أبكي على ذلك الزمانِ ولا ... أحسَب شيئاً قد فات مُرْتَجَعَا )
( إذ نحن في ظلّ نعمةٍ سلَفتْ ... كانت لها كلُّ نعمةٍ تَبَعا )
عروضه من المنسرح غنت فيها عريب خفيف رمل عن الهشامي
حدثنا محمد بن جرير الطبري والحرمي بن أبي العلاء ووكيع قالوا
(9/172)

حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني إسماعيل بن يعقوب عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال قدمت المدينة امرأة من ناحية مكة من هذيل وكانت جميلة فخطبها الناس وكادت تذهب بعقول أكثرهم فقال فيها عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة
( أحِبُّك حبًّا لو علمتِ ببعضه ... لَجُدْتِ ولم يَصعُبْ عليكِ شَديدُ )
( وحُبُّكِ يا أُمَّ الصبيِّ مُدَلِّهي ... شَهيدي أبو بكر وأيُّ شهيدِ )
( ويعلم وَجْدِي القاسمُ بن محمد ... وعُرْوَةُ ما ألقَى بكم وسَعيدُ )
( ويعلم ما أُخْفِي سليمانُ علمَه ... وخارجةٌ يُبْدِي لنا ويُعيدُ )
( متى تَسألي عمَّا أقول فَتُخْبَري ... فللحبِّ عندي طارفٌ وتَلِيدُ )
فبلغت أبياته سعيد بن المسيب فقال والله لقد أمن أن تسألنا وعلم أنها لو استشهدت بنا لم نشهد له بالباطل عندها
وقال الزبير أبو بكر الذي ذكر والنفر المسمون معه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام والقاسم بن محمد بن أبي بكر وعروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وخارجة بن زيد بن ثابت وهم الفقهاء الذين أخذ عنهم أهل المدينة
شعره في عثمة
أخبرني وكيع قال حدثني عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات عن أحمد بن سعيد الفهري عن إبراهيم بن المنذر بن عبد الملك بن الماجشون
أن أبيات عبيد الله بن عبد الله بن عتبة التي أولها
( لَعَمْرِي لئن شَطَّت بعَثْمَةَ دارُها ... لقد كدتُ من وَشْك الفراق أُلِيحُ )
(9/173)

قالها في زوجة له كانت تسمى عثمة فعتب عليها في بعض الأمر فطلقها وله فيها أشعار كثيرة منها هذه الأبيات ومنها قوله يذكر ندمه على طلاقها
( كتمتَ الهوى حتى أضرَّ بك الكَتْمُ ... ولامك أقوامٌ ولومُهُم ظلمُ )
وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال قال لي عمي لقيني علي بن صالح فأنشدني بيتا وسألني من قائله وهل فيه زيادة فقلت لا أدري وقد قدم ابن أخي أعنيك وقلما فاتني شيء إلا وجدته عنده قال الزبير فأنشدني عمي البيت وهو
( غُرَابٌ وظبيٌ أعضبُ القَرْنِ نَادَيَا ... بصُرْمٍ وصِرْدَانُ العَشِيّ تَصِيحُ )
فقلت له قائله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وتمامها
( لعَمْرِي لئن شَطَّت بعَثْمةَ دارُها ... لقد كدتُ من وَشْك الفِراق أُلِيحُ )
( أَرُوحُ بهَمٍّ ثم أغدو بمثله ... ويُحْسَبُ أنِّي في الثياب صحيحُ )
فكتبهما عمي عني وانصرف بهما إليه
صوت
( ألاَ مَنْ لنفسٍ لا تموت فيَنقضي ... عَناها ولا تحيا حياةً لها طعم )
( أأترُك إتيانَ الحبيب تأثُّماً ... ألاَ إنّ هِجْرانَ الحبيب هو الإِثم )
( فذُقْ هجرَها قد كنتَ تزعُم أنه ... رشادٌ ألاَ يا ربّما كذَب الزَّعْم )
عروضه من الطويل غنى يونس في هذه الأبيات الثلاثة لحنا ماخوريا
(9/174)

وهو خفيف الثقيل الثاني من رواية إسحاق ويونس وابن المكي وغيرهم وغنت عريب في
( أأترك إتيانَ الحبيب تأثُّما ... )
لحنا من الثقيل الأول وأضافت إليه بعده على الولاء بيتين ليسا من هذا الشعر وهما
( وأقبل أقوالَ الوُشاة تَجَرُّماً ... ألاَ إن أقوال الوُشاة هي الجُرْمُ )
( وأشتاقُ لي إلْفاً على قُرب دارِه ... لأنّ مُلاقاةَ الحَبيب هي الغُنْم )
ومما قاله عبيد الله أيضا في زوجته هذه وغني فيه
صوت
( عَفَتْ أطلالُ عَثْمةَ بالغَمِيم ... فأضحتْ وهي مُوحِشةُ الرُّسومِ )
( وقد كُنَّا نَحُلُّ بها وفيها ... هَضِيمُ الكَشْحِ جائلةُ البَرِيم )
عروضه من الوافر عفت درست والأطلال ما شخص من آثار الديار والرسوم ما لم يكن له شخص منها ولا ارتفاع وإنما هو أثر والهضيم الكشح الخميص الحشى والبطن والبريم الخلخال وقيل بل هو اسم لكل ما يلبس من الحلي في اليدين والرجلين والجائل ما يجول في موضعه لا يستقر غنى في هذين البيتين قفا النجار ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى البنصر
ومما قاله في زوجته عثمة وفيها غناء
(9/175)

صوت
( تغلغلَ حُبُّ عَثْمةَ في فؤادي ... فباديه مع الخافِي يسيرُ )
( تغلغل حيث لم يَبْلُغْ شرابٌ ... ولا حُزْنٌ ولم يبلُغ سرورُ )
( صدَعْتِ القلبَ ثم ذَرَرْتِ فيه ... هواكِ فَلِيمَ والتأمَ الفُطُورُ )
( أكاد إذا ذَكرتُ العهد منها ... أطير لَوَ أنّ إنساناً يَطير )
( غَنِيُّ النفسِ أنْ أزدادَ حبًّا ... ولكنّي إلى صِلَةٍ فَقير )
( وأَنْفَذ جارِحاكِ سوادَ قلبي ... فأنتِ عليَّ ما عِشنا أميرُ )
لمعبد في الأول والثاني من الأبيات هزج بالبنصر عن حبش وذكر أحمد بن عبيد الله أنه منحول من المكي وفي الثالث ثم الثاني لأبي عيسى ابن الرشيد رمل
قال ابن أبي الزناد في الخبر الذي تقدم ذكره عن عبيد الله وما قاله من الشعر في عثمة وغيرها فقيل له أتقول في مثل هذا قال في اللدود راحة المفؤود
أخبرني وكيع قال حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال حدثنا ابن وهب عن يعقوب يعني ابن عبد الرحمن عن أبيه قال كان رجل يأتي عبيد الله بن عبد الله ويجلس إليه فبلغ عبيد الله أنه يقع ببعض أصحاب رسول الله فجاءه الرجل فلم يلتفت إليه عبيد الله وكان الرجل شديد العقل فقال له يا أبا محمد إن لك لشأنا فإن رأيت لي عذرا فأقبل عذري فقال له أتتهم الله في علمه قال أعوذ بالله قال أتتهم رسول الله في حديثه قال أعوذ بالله قال يقول الله عز و جل
(9/176)

( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) وأنت تقع في فلان وهو ممن بايع فهل بلغك أن الله سخط عليه بعد أن رضي عنه قال والله لا أعود أبدا قال والرجل عمر بن عبد العزيز
أخبرني وكيع عن أحمد بن زهير عن يحيى بن معين قال مات عبيد الله بن عبد الله بن عتبة سنة اثنتين ومائة ويقال سنة تسع وتسعين
أخبرني محمد بن جرير الطبري والحسن بن علي عن الحارث عن ابن سعد عن معن عن محمد بن هلال أن عبيد الله توفي بالمدينة سنة ثمان وتسعين
ومنها
صوت
( ودِّع هُرَيْرةَ إن الرَّكْب مُرْتَحِلُ ... وهل تُطيق وَداعاً أيُّها الرجلُ )
( غَرَّاءُ فَرْعاءُ مصقولٌ عوارضُها ... تمشي الهُوَيْنَى كما يمشي الوَجِي الوَحِلُ )
( تسمع للحَلْيِ وَسْوَاساً إذا انصرفتْ ... كما استعان بريح عِشْرِقٌ زَجِلُ )
( عُلِّقْتُها عَرَضاً وعُلِّقتْ رجُلاً ... غيري وعُلِّق أخرى غيرَها الرَّجلُ )
( قالت هريرةُ لمّا جئتُ زائرَها ... وَيْلِي عليك وويلي منك يا رجلُ )
(9/177)

( لم تمشِ مِيلاً ولم تركب على جملٍ ... ولم تَر الشمس إلا دونها الكِلَلُ )
( أقول للركب في دُرْنَى وقد ثَمِلوا ... شِيمُوا وكيف يَشِيم الشاربُ الثَّمِلُ )
( كناطحٍ صخرةً يوماً ليَفْلِقَها ... فلم يَضِرْها وأَوْهَى قَرْنَه الوَعِلُ )
( أبلغ يزيدَ بني شَيْبانَ مَأْلُكَةً ... أبا ثُبَيتٍ أمَا تَنْفَكُّ تأتَكِلُ )
( إن تركبوا فركوبُ الخيل عادتُنا ... أو تنزلون فإنّا معشرٌ نُزُلُ )
( وقد غدوتُ إلى الحانوت يَتْبَعُني ... شاوٍ نَشُولٌ مِشَلٌّ شُلْشُلٌ شَوِلُ )
( في فِتُيةٍ كسيوف الهند قد علموا ... أن ليس يدفَع عن ذي الحيلة الحِيَلُ )
( نازعتُهم قُضُبَ الرَّيْحان مُتَّكِئاً ... وقهوةً مُزَّةً راووقُها خَضِلُ )
غنى معبد في الأول والثاني في لحنه المذكور من مدن معبد لحنا من القدر الأوسط من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق وذكرت دنانير أن فيهما لابن سريج أيضا صنعة ولمعبد أيضا في الرابع والخامس والثالث ثقيل أول ذكره حبش وقيل بل هو لحن ابن سريج وذلك الصحيح ولابن محرز في الثقيل في إن تركبوا وفي كناطح صخرة ثاني ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق ولحنين الحيري في أبلغ يزيد بني شيبان وإن تركبوا ثاني ثقيل آخر وذكر أحمد بن
(9/178)

المكي أن لابن محرز في ودع هريرة وتسمع للحلي ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر وفي وقد غدوت وما بعده رمل لابن سريج ومخارق عن الهشامي ولابن سريج في تسمع للحلي وقبله ودع هريرة رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وللغريض في قالت هريرة وعلقتها عرضا رمل وفي هذه الأبيات بعينها هزج ينسب إليه أيضا وإلى غيره وفي تسمع للحلي وقالت هريرة هزج لمحمد بن حسن بن مصعب وفي لم تمش ميلا وأقول للركب لابن سريج خفيف الثقيل الأول بالبنصر عن حبش وفي قالت هريرة وتسمع للحلي لحن لابن سريج وإن لحنين في البيتين الآخرين لحنا آخر وقد مضت أخبار هريرة مع الأعشى في
( هُرَيرةَ ودِّعها وإن لام لائمُ ... )
وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الأصمعي قال قلت لأعرابية ما الغراء قالت التي بين حاجبيها بلج وفي جبهتها اتساع تتباعد قصتها معه عن حاجبيها فيكون بينهما نفنف وقال أبو عبيدة الفرعاء الكثيرة الشعر والعوارض الأسنان والهويني تصغير الهونى والهونى مؤنث الأهون والوجي الظالع وهو الذي قد حفي فليس يكاد يستقل على رجله والوحل الذي قد وقع في الوحل والعشرق نبت يبس فتحركه الريح شبه صوت حليها بصوته الزجل المصوت من العشرق وعلقتها أجببتها وعرضا على غير موعد الوعل التيس الجبلي والجمع أوعال مألكة رسالة والجمع مآلك ما تنفك ما تزال وتأتكل تتحرق وقال أبو عبيدة الشاوي الذي يشوي اللحم والنشول الذي ينشل اللحم من
(9/179)

القدر ومشل سواق سريع يسوق به وشلشل خفيف وشول طيب الريح
خلاف بني كعب وبني همام
الشعر للأعشى وقد تقدم نسبه وأخباره يقول هذه القصيدة ليزيد بن مسهر أبي ثابت الشيباني قال أبو عبيدة وكان من حديث هذه القصيدة أن رجلا من بني كعب بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة يقال له ضبيع قتل رجلا من بني همام يقال له زاهر بن سيار بن أسعد بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان وكان ضبيع مطروقا ضعيف العقل فنهاهم يزيد بن مسهر أن يقتلوا ضبيعا بزاهر وقال اقتلوا به سيدا من بني سعد بن مالك بن ضبيعة فحض بني سيار بن أسعد على ذلك وأمرهم به وبلغ بني قيس ما قاله فقال الأعشى هذه الكلمة يأمره أن يدع بني سيار وبني كعب ولا يعين بني سيار فإنه إن أعانهم أعانت قبائل بني قيس بن كعب وحذرهم أن تلقى شيبان منهم مثل ما لقوا يوم العين عين محلم بهجر
يوم عين محلم
قال أبو عبيدة وكان من حديث ذلك اليوم كما زعم عمر بن هلال أحد بني سعد بن قيس بن ثعلبة أن يزيد بن مسهر كان خالع أصرم بن عوف ابن ثعلبة بن سعد بن قيس بن ثعلبة وكان عوف أبو بني الأصرم يقال له
(9/180)

الأعجف والضيعة له وهي قرية باليمامة فلما خلع يزيد أصرم من ماله خالعه على أن يرهنه ابنيه أفلت وشهابا ابني أصرم وأمهما فطيمة بنت شرحبيل بن عوسجة بن ثعلبة بن سعد بن قيس وأن يزيد قمر أصرم فطلب أن يدفع إليه ابنيه رهينة فأبت أمهما وأبى يزيد إلا أخذهما فنادت قومها فحضر الناس للحرب فاشتملت فطيمة على ابنيها بثوبها وفك قومها عنها وعنهما فذلك قول الأعشى
( نحن الفوارس يوم العَيْن ضاحيةً ... جَنْبَيْ فُطَيُمةَ لا مِيلٌ ولا عُزُلُ )
قال فانهزمت بنو شيبان فحذر الأعشى أن يلقى مسهر مثل تلك الحال
قال أبو عبيدة وذكر عامر ومسمع عن قتادة الفقيه أن رجلين من بني مروان تنازعا في هذا الحديث فجردا رسولا في ذلك إلى العراق حتى قدم إلى الكوفة فسأل فأخبر أن فطيمة من بني سعد بن قيس كانت عند رجل من بني شيبان وكانت له زوجة أخرى من بني شيبان فتعايرتا فعمدت الشيبانية فحلت ذوائب فطيمة فاهتاج الحيان فاقتتلوا فهزمت بنو شيبان يومئذ
أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدثنا أحمد بن محمد القصير قال حدثنا محمد بن صالح قال حدثني أبو اليقظان قال حدثني جويرية عن يشكر ابن وائل اليشكري وكان من علماء بكر بن وائل وولد أيام مسيلمة فجيء
(9/181)

به إليه فمسح على رأسه فعمي قال جويرية فحدثني يشكر هذا قال حدثني جرير بن عبد الله البجلي قال سافرت في الجاهلية فأقبلت على بعيري ليلة أريد أن أسقيه فجعلت أريده على أن يتقدم فوالله ما يتقدم فتقدمت فدنوت من الماء وعقلته ثم أتيت الماء فإذا قوم مشوهون عند الماء فقعدت فبينا أنا عندهم إذ أتاهم رجل أشد تشويها منهم فقالوا هذا شاعرهم فقالوا له يا فلان أنشد هذا فإنه ضيف فأنشد
( ودَّع هريرةَ إن الركب مرتحلُ ... )
فلا والله ما خرم منها بيتا واحدا حتى انتهى إلى هذا البيت
( تسمع للحَلْي وَسْوَاساً إذا انصرفتْ ... كما استعان بريحٍ عِشْرقِ زَجِلُ )
فأعجب به فقلت من يقول هذا القصيدة قال أنا قلت لولا ما تقول لأخبرتك أن أعشى بني ثعلبة أنشدنيها عام أول بنجران قال فإنك صادق أنا الذي ألقيتها على لسانه وأنا مسحل صاحبه ما ضاع شعر شاعر وضعه عند ميمون بن قيس
صوت
( رأيتُ عَرابةَ الأَوُسِيَّ يسمو ... إلى الخيرات مُنْقَطِعَ القَرينِ )
( إذا ما رايةٌ رُفعت لمجد ... تلقَّاها عَرابةُ باليمين )
عروضه من الوافر الشعر للشماخ والغناء لمعبد خفيف الثقيل
(9/182)

الأول بالوسطى وذكر إسحاق أنه من الأصوات القليلة الأشباه وذكر ابن المكي أن له فيه لحنا آخر من خفيف الثقيل وقد أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني عمر بن شبة عن محمد بن يحيى أبي غسان قال غنى أبو نؤى
( رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين )
فنسبه الناس إلى معبد ولعله يعني اللحن الآخر الذي ذكره ابن المكي وقال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات أخبرني حماد عن ابن أبي جناح قال الناس ينسبون هذا الصوت إلى معبد
(9/183)

ذكر الشماخ ونسبه وخبره
هو فيما ذكر لنا أبو خليفة عن محمد بن سلام الشماخ بن ضرار ابن سنان بن أمية بن عمرو بن جحاش بن بجالة بن مازن بن ثعلبة بن سعد ابن ذبيان وذكر الكوفيون أنه الشماخ بن ضرار بن حرملة بن صيفي بن إياس ابن عبد بن عثمان بن جحاش بن بجالة بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان ابن بغيض بن ريث بن غطفان وأم الشماخ أنمارية من بنات الخرشب ويقال أنهن أنجب نساء العرب واسمها معاذة بنت بجير بن خالد بن إياس والشماخ مخضرم ممن أدرك الجاهلية والإسلام وقد قال للنبي
( تَعَلَّمْ رسولَ الله أنا كأننا ... أَفَأْنا بأَنْمارٍ ثعالبَ ذي غِسْلِ )
يعني أنمار بن بغيض وهم قومه وهو أحد من هجا عشيرته وهجا أضيافه ومن عليهم بالقرى والشماخ لقب واسمه معقل وقيل الهيثم والصحيح معقل قال جبل بن جوال له في قصة كانت بينهما
(9/184)

( لعَمْري لعل الخيرَ لو تعلمانِه ... يَمُنّ علينا مَعْقِلٌ ويزيد )
( منِيحةَ عنزٍ أو عطاءَ فَطِيمةٍ ... ألاَ إنّ نيل الثَّعْبليّ زهيد )
وللشماخ أخوان من أمه وأبيه شاعران أحدهما مزرد وهو مشهور واسمه يزيد وإنما سمي مزردا لقوله
( فقلتُ تَزَرَّدْها عُبَيْدُ فإنني ... لدُرْدِ الشيوخِ في السنينَ مُزَرِّدُ )
والآخر جزء بن ضرار وهو الذي يقول يرثي عمر بن الخطاب رضي الله عنه
( عليك سلامٌ من أميرٍ وباركتْ ... يدُ الله في ذاك الأدِيم الممزَّقِ )
( فمن يَسْعَ أو يركبْ جَناحَيْ نَعامةٍ ... لُيدرك ما حاولتَ بالأمس يُسْبَقِ )
وقد أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا شهاب بن عباد قال حدثنا محمد بن بشر قال حدثنا مسعر عن عبد الملك بن عمير عن الصقر بن عبد الله عن عروة عن عائشة قالت ناحت الجن على عمر قبل أن يقتل بثلاث فقالت
(9/185)

( أبعد قَتيلٍ بالمدينة أَظْلمتْ ... له الأرضُ تهتزُّ العِضَاهُ بأسْؤُقِ )
( جَزى اللهُ خيراً من إمامٍ وباركتْ ... يدُ الله في ذاك الأديم الممزَّق )
( فمن يَسْعَ أو يركب جَناحيْ نعامةٍ ... ليُدرك ما حاولتَ بالأمس يُسبَق )
( قضيتَ أموراً ثم غادرتَ بعدها ... بوائقَ في أكمامها لم تُفَتَّقِ )
( وما كنتُ أخشى أن تكون وفاته ... بكَفَّيْ سَبَنَتى أزرقِ العين مُطْرِق )
أخبرني أحمد قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا سليمان بن داود الهاشمي قال أخبرنا إبراهيم بن سعد الزهري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة عن أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق أن عائشة حدثتها أن عمر أذن لأزواج النبي أن يحججن في آخر حجة حجها عمر قال فلما ارتحل عمر من المحصب أقبل رجل متلثم فقال وأنا أسمع هذا كان منزله فأناخ في منزل عمر ثم رفع عقيرته يتغنى
( عليك سلامٌ من أميرٍ وباركتْ ... يدُ الله في ذاك الأَديم الممزَّقِ )
( فمن يَجْرِ أو يركبْ جناحَيْ نَعامة ... ليدرك ما قدَّمتَ بالأمس يُسْبَقِ )
( قضيتَ أموراً ثم غادرتَ بعدها ... بوائقَ في أكمامها لم تفتَّقِ )
قالت عائشة فقلت لبعض أهلي اعلموا لي علم هذا الرجل فذهبوا
(9/186)

فلم يجدوا في مناخه أحدا قالت عائشة فوالله إني لأحسبه من الجن فلما قتل عمر نحل الناس هذه الأبيات للشماخ بن ضرار أو جماع بن ضرار هكذا في الخبر وهو جزء بن ضرار
طبقته بين الشعراء
وجعل محمد بن سلام في الطبقة الثالثة الشماخ وقرنه بالنابغة ولبيد وأبي ذؤيب الهذلي ووصفه فقال كان شديد متون الشعر أشد كلاما من لبيد وفيه كزازة ولبيد أسهل منه منطقا أخبرنا بذلك أبو خليفة عنه
وقد قال الحطيئة في وصيته أبلغوا الشماخ أنه أشعر غطفان قد كتب ذلك في شعر الحطيئة
وهو أوصف الناس للحمير أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني عمي عن ابن الكلبي قال أنشد الوليد بن عبد الملك شيئا من شعر الشماخ في صفة الحمير فقال ما أوصفه لها إني لأحسب أن أحد أبويه كان حمارا
أخبرني إبراهيم بن عبد الله قال حدثنا عبد الله بن مسلم قال كان الشماخ يهجو قومه ويهجو ضيفه ويمن عليه بقراه وهو أوصف الناس للقوس والحمار وأرجز الناس على البديهة
(9/187)

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال قال مزرد لأمه كان كعب بن زهير لا يهابني وهو اليوم يهابني فقالت يا بني نعم إنه يرى جرو الهراش موثقا ببابك تعني أخاه الشماخ وقد ذكر محمد ابن الحسن الأحول هذا الخبر عن ابن الأعرابي عن المفضل قال قالت معاذة بنت بجير بن خلف للشماخ ومزرد عرضتماني لشعراء العرب الحطيئة وكعب ابن زهير فقالا كلا لا تخافي قالت فما يؤمنني قالا إنك ربطت بباب بيتك جروي هراش لا يجترئ أحد عليهما يعنيان أنفسهما
أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال أخبرني شعيب بن صخر قال كانت عند الشماخ امرأة من بني سليم أحد بني حرام بن سماك فنازعته وادعته طلاقا وحضر معها قومها فاختصموا إلى كثير بن الصلت وكان عثمان بن عفان أقعده للنظر بين الناس وهو رجل من كندة وعداده في بني جمح وقد ولدتهم بنو جمح ثم تحولوا إلى بني العباس فهم فيهم اليوم
(9/188)

فرأى كثير عليهم يمينا فالتوى الشماخ باليمين يحرضهم عليها ثم حلف وقال
( أتَتْنِي سُلَيمٌ قَضُّها وقَضِيضُها ... تمسِّح حولي بالبَقيع سِبالَها )
( يقولون لي يا احلِفْ ولستُ بحالفٍ ... أُخاتِلهم عنها لكيما أنالَها )
( ففرّجتُ همَّ النفس عنِّي بحَلْفةٍ ... كما شَقَّتِ الشَّقْراءُ عنها جِلالَها )
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال قدم ناس من بهز المدينة يستعدون على الشماخ وزعموا أنه هجاهم ونفاهم فجحد ذلك الشماخ فأمر عثمان كثير بن الصلت أن يستحلفه على منبر النبي ما هجاهم فانطلق به كثير إلى المسجد ثم انتحاه دون بني بهز وبهز اسمه تيم بن سليم بن منصور فقال له ويلك يا شماخ إنك لتحلف على منبر رسول الله ومن حلف به آثما يتبوأ مقعده من النار قال فكيف أفعل فداؤك أبي وأمي قال إني سوف أحلفك ما هجوتهم فاقلب الكلام علي وعلى ناحيتي فقل والله ما هجوتكم فأردني وناحيتي بذلك وإني سأدفع عنك فلما وقف حلف كما قال له وأقبل على كثير فقال ما هجوتكم فقالت بهز ما عنى غيركم فأعد اليمين عليه فقال مالي أتأوله هل استحلفته إلا لكم وما اليمين إلا مرة واحدة انصرف يا شماخ فانصرف وهو يقول
( أتتني سُلَيم قَضُّها وقَضيضُها ... تمسِّح حولي بالبَقيع سِبالَها )
( يقولون لي يا احلِتذفْ ولستُ بحالفٍ ... أُخادعهم عنها لكيما أنالَها )
( فلو لا كَثِيرٌ نعَّم اللهُ بالَه ... أزلَّتْ بأعلى حُجَّتَيْك نعالَها )
(9/189)

( ففرّجتُ همَّ الموت عنِّي بحَلْفةٍ ... كما شَقَّتِ الشَّقْراءُ عنها جلالَها )
ونسخت هذا الخبر على التمام من كتاب يحيى بن حازم قال حدثني علي بن صالح صاحب المصلى قال قال القاسم بن معن كان الشماخ تزوج امرأة من بني سليم فأساء إليها وضربها وكسر يدها فعرضت امرأة من قومها يقال لها أسماء ذات يوم للطريق تسأل عن صاحبتها فاجتاز الشماخ وهي لا تعرفه فقالت له مافعل الخبيث شماخ فقال لها وما تريدين منه قالت إنه فعل بصاحبة لنا كيت وكيت فتجاهل عليها وقال لا أعلم له خبرا ومضى وتركها وهو يقول
( تُعارِضُ أسماءُ الرِّفاقَ عشَّيةً ... تسائل عن ضِعْنِ النساءِ النَّواكح )
( وماذا عليها إنْ قَلُوصٌ تمرَّغتْ ... بِعدْلين أو ألقتْهما بالصَّحَاصِحِ )
( فإنكِ لو أُنكِحتِ دارتْ بكِ الرَّحَا ... وأَلْقيتِ رَحْلِي سَمْحةً غيرَ طامح )
( أأسماءُ إنِّي قد أتاني مخبِّرٌ ... بِفيقةَ يُنْبِي منطقاً غيرَ صالح )
( بَعَجتُ إليه البطنَ ثم انتصحتُه ... وما كلُّ من يُفشَى إليه بناصح )
( وإنّيَ من قومٍ على أن ذمَمْتِهم ... إذا أَوْلَمُوا لم يُولِموا بالأَنَافِح )
( وإنكِ من قوم تحِنّ نساُؤهم ... إلى الجانب الأَقْصَى حنينَ المَنَائح )
ثم دخل المدينة في بعض حوائجه فتعلقت به بنو سليم يطلبونه بظلامة صاحبتهم فأنكر فقالوا احلف فجعل يطلب إليهم ويغلظ عليهم أمر
(9/190)

اليمين وشدتها عليه ليرضوا بها منه حتى رضوا فحلف لهم وقال
( ألا أصبحتْ عِرْسِي من البيت جامحاً ... بغير بلاءٍ أيُّ أمرٍ بَدا لَها )
( على خَيْرةٍ كانتْ أم العِرْسُ جامحٌ ... فكيف وقد سُقْنا إلى الحَيِّ ما لَها )
( سترجِع غَضْبَى رَثَّةَ الحال عندنا ... كما قطعتْ منَّا بلَيْلٍ وصالَها )
فذكر بعد هذه الأبيات قوله
( أتتني سُلَيْم قَضُّها وقَضِيضُها ... )
إلى آخر الأبيات
وقال ابن الكلبي كان الشماخ يهوى امرأة من قومه يقال لهاكلبة بنت جوال أخت جبل ابن جوال الشاعر ابن صفوان بن بلال بن أصرم بن إياس بن عبد تميم بن جحاش بن بجالة بن مازن بن ثعلبة وكان يتحدث إليها ويقول فيها الشعر فخطبها فأجابته وهمت أن تتزوجه ثم خرج إلى سفر له فتزوجها أخوه جزء بن ضرار فآلى الشماخ ألا يكلمه أبدا وهجاه بقصيدته التي يقول فيها
( لنا صاحبٌ قد خان من أجل نَظْرةٍ ... سقيمُ الفؤاد حبُّ كَلْبةَ شاغلُهْ )
فماتا متهاجرين
أشعر ما قالت العرب
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني عبد الله بن أبي سعد الوراق قال حدثني أحمد بن محمد بن بكر الزبيري قال حدثنا الحسن بن موسى بن رباح مولى الأنصار عن أبي غزية الأنصاري قال
(9/191)

كنت على باب المهدي يوما فخرج حاجبه فقال أين ابن دأب فقال هأنذا فقال ادخل فدخل ثم خرج فجلس فقلت يابن دأب ما جرى بينك وبين أمير المؤمنين قال قال لي أنشدني أبياتا من أشعر ما قالت العرب فأردت أن أنشده قول صاحبك أبي صرمة الأنصاري التي يقول فيها
( لنا صُوَرٌ يؤول الحقُّ فيها ... وأخلاقٌ يَسُود بها الفقيرُ )
( ونصحٌ للعَشيرة حيث كانت ... إذا مُلئت من الغشِّ الصدور )
( وحِلْمٌ لا يَصُوب الجهلُ فيه ... وإطعامٌ إذا قَحِطَ الصَّبِير )
( بذات يدٍ على ما كان فيها ... نجود به قليلٌ أو كثير )
فتركتها وقلت إن من أشعر ما قالت العرب قول الشماخ
( وأشعثَ قد قَدّ السِّفارُ قميصَه ... يجرّ شِواءً بالعصا غيرَ مُنْضَجِ )
( دعوتُ إلى ما نابني فأجابني ... كريمٍ من الفتيان غيرِ مُزَلَّج )
( فتىً يملأ الشِّيزَى ويُرْوِي سِنانَه ... ويضرب في رأس الكَمِيِّ المُدَجَّج )
(9/192)

( فتىً ليس بالراضي بأدنى معيشةٍ ... ولا في بيوت الحيّ بالمتولِّج )
فقال أحسنت ثم رفع رأسه إلى عبد الله بن مالك فقال هذه صفتك يا أبا العباس فأكب عليه عبد الله فقبل رأسه وقال ذكرك الله بخير الذكر يا أمير المؤمنين قال أبو غزية فقلت له الأبيات التي تركت والله أشعر من التي ذكرت
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال عرابة الذي عناه الشماخ بمدحه هو أحد أصحاب النبي وهو عرابة ابن أوس بن قيظي بن عمرو بن زيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج وإنما قال له الشماخ عرابة الأوسي وهو من الخزرج نسبة إلى أبيه أوس بن قيظي ولم يصنع إسحاق في هذا القول شيئا عرابة من الأوس لا من الخزرج وفي الأوس رجل يقال له الخزرج ليس هذا هو الجد الذي ينتهي إليه الخزرجيون الذي هو أخو الأوس هذا الخزرج بن النبيت بن مالك ابن الأوس وهكذا نسبه النسابون
وأخبرني به الحرمي بن أبي العلاء عن عبد الله بن جعفر بن مصعب عن جده مصعب الزبيري عن ابن القداح وأتى النبي في غزاة أحد ليغزو معه فرده في غلمة استصغرهم منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب
(9/193)

وزيد بن ثابت وأسيد بن حضير والبراء بن عازب وعرابة بن أوس وأبو سعيد الخدري
قصة أبي عرابة وعمه مع النبي
أخبرني بذلك محمد بن جرير الطبري عن الحارث بن سعد عن الواقدي عن محمد بن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق
وأوس بن قيظي أبو عرابة من المنافقين الذين شهدوا أحدا مع النبي وهو الذي قال له إن بيوتنا عورة وأخوه مربع بن قيظي الأعمى الذي حثا في
(9/194)

وجه رسول الله التراب لما خرج إلى أحد وقد مر في حائطه وقال له إن كنت نبيا فما أحل لك أن تدخل في حائطي فضربه سعد بن زيد الأشهلي بقوسه فشجه وقال دعني يا رسول الله أقتله فإنه منافق فقال دعوه فإنه أعمى القلب أعمى البصر فقال أخوه أوس بن قيظي أبو عرابة لا والله ولكنها عداوتكم يا بني عبد الأشهل فقال رسول الله لا والله ولكنه نفاقكم يا بني قيظي
أخبرنا بذلك الحرمي عن عبد الله بن جعفر الزبيري عن جده مصعب عن ابن القداح أن عرابة كان سيدا من سادات قومه وجوادا من أجوادهم وكان أبوه أوس بن قيظي من وجوه المنافقين
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني عن ابن جعدبة وأخبرني علي بن سليمان عن محمد بن يزيد وأخبرني إبراهيم ابن أيوب عن عبد الله بن مسلم أن الشماخ خرج يريد المدينة فلقيه عرابة بن أوس فسأله عما أقدمه المدينة فقال أردت أن أمتار لأهلي وكان معه بعيران فأوقرهما له برا وتمرا وكساه وبره وأكرمه فخرج عن المدينة وامتدحه بهذه القصيدة التي يقول فيها
(9/195)

( رأيت عَرابةَ الأَوْسِيَّ يسمو ... إلى الخيرات منقطعَ القرين )
وأخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال قال معاوية لعرابة بن أوس بأي شيء سدت قومك فقال أعفو عن جاهلهم وأعطي سائلهم وأسعى في حاجاتهم فمن فعل كما أفعل فهو مثلي ومن قصر عنه فأنا خير منه ومن زاد فهو خير مني قال الأصمعي وقد انقرض عقب عرابة فلم يبق منهم أحد
أخبرني أحمد بن يحيى بن محد بن سعيد الهمداني قال قال يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال ابن دأب وسمع قول الشماخ بن ضرار في عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه
( إنك يآبنَ جعفرٍ نِعم الفتى ... ونعم مأوى طارقٍ إذا أتَى )
( وجارُ ضيفٍ طرَق الحيَّ سُرَى ... صادف زاداً وحديثاً ما اشتهى )
( إن الحديثَ طَرَفٌ من القِرَى ... )
فقال ابن دأب العجب للشماخ يقول مثل هذا لابن جعفر ويقول لعرابة
( إذا ما رايةٌ رُفعت لمجد ... تلقَّاها عَرابةُ باليمين )
ابن جعفر كان أحق بهذا من عرابة
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني الكراني محمد بن سعد قال حدثني طائع قال أخبرني أبو عمرو الكيس قال قال لي أبو نواس ما أحسن الشماخ في قوله
(9/196)

( إذا بلغْتِني وحملتِ رحلي ... عَرابةَ فأشرَقي بدم الوتِينِ )
لا كما قال الفرزدق
( علامَ تَلَفَّتِين وأنتِ تحتي ... وخيرُ النّاس كلِّهم أَمامي )
( متى ترِدِي الرُّصافةَ تستريحي ... من التَّهْجير والدَّبَر الدَّوَامي )
قلت أنا وقد أخذ معنى قول الفرزدق هذا داود بن سلم في مدحه قثم بن العباس فأحسن فقال
( نجوتِ من حِلَّي ومن رِحْلتي ... يا ناقُ إن أدنيتِني من قُثَمْ )
( إنكِ إن أدنيتِ منه غداً ... حالفنا اليُسْرُ ومات العَدَمْ )
( في كفِّه بحرٌ وفي وجهه ... بدرٌ وفي العِرْنين منه شَمَمْ )
( أصمُّ عن قِيل الخَنَا سمعُه ... وما عن الخير به من صَمَم )
( لم يَدْرِ ما لاَ وبَلَى قد درَى ... فعافها واعتاض منها نعم )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الخراز عن المدائني قال أنشد عبد الملك قول الشماخ في عرابة بن أوس
( إذا بلَّغْتِني وحملتِ رحلي ... عرابةَ فاشرَقي بدم الوَتين )
فقال بئست المكافأة كافأها حملت رحله وبلغته فجعل مكافأتها نحرها
(9/197)

المهلب والشعراء
قال الخراز ومثل هذا ماحدثناه المدائني عن ابن دأب أن رجلا لقي المهلب فنحر ناقته في وجهه فتطير من ذلك وقال له ما قصتك فقال
( إني نذرتُ لئن لَقِيتُكَ سالماً ... أن تستمرّ بها شِفارُ الجازر )
فقال المهلب فأطعمونا من كبد هذه المظلومة ووصله
قال المدائني ولقيته امرأة من الأزد وقد قدم من حرب كان نهض إليها فقالت أيها الأمير إني نذرت إن وافيتك سالما أن أقبل يدك وأصوم يوما وتهب لي جارية صغدية وثلثمائة درهم فضحك المهلب وقال قد وفينا لك بنذرك فلا تعاودي مثله فليس كل أحد يفي لك به
وأخبرني الحسن قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني بعض أصحابنا عن القحذمي أن أبادلامة لقي المهدي لما قدم بغداد فقال له
( إني نذرتُ لئن رأيتكَ وارداً ... أرضَ العراق وأنت ذو وَفْرِ )
( لَتُصَلِّينّ على النبيّ محمدٍ ... ولتملأنّ دراهماً حِجْري )
(9/198)

فقال له أما النبي فصلى الله على النبي محمد وآله وسلم وأما الدراهم فلا سبيل إليها فقال له أنت أكرم من أن تعطيني أسهلهما عليك وتمنعني الأخرى فضحك وأمر له بما سأل وهذا مما ليس يجري في هذا الباب ولكن يذكر الشيء بمثله
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا مسعود بن عيسى العبدي قال حدثني أحمد بن طالب الكناني كنانة تغلب وأخبرني به محمد بن أحمد بن الطلاس عن الخراز عن المدائني لم يتجاوزه به قال نصب عبد الملك بن مروان الموائد يطعم الناس فجلس رجل من أهل العراق على بعض تلك الموائد فنظر إليه خادم لعبد الملك فأنكره فقال له أعراقي أنت قال نعم قال أنت جاسوس قال لا قال بلى قال ويحك دعني أتهنأ بزاد أمير المؤمنين ولا تنغصني به ثم إن عبد الملك وقف على تلك المائدة فقال من القائل
( إذا الأَرْطَى توسَّد أبْرَدَيْهِ ... خدودُ جوازئٍ بالرَّمْل عِينِ )
وما معناه ومن أجاب فيه أجزناه والخادم يسمع فقال العراقي
(9/199)

للخادم أتحب أن أشرح لك قائله وفيم قاله قال نعم قال يقوله عدي ابن زيد في صفة البطيخ الرمسي فقال ذلك الخادم فضحك عبد الملك حتى سقط فقال له الخادم أخطأت أم أصبت فقال بل أخطأت فقال يا أمير المؤمنين هذا العراقي فعل الله به وفعل لقننيه فقال أي الرجال هو فأراه إياه فعاد إليه عبد الملك وقال أنت لقنته هذا قال نعم قال أفخطأ لقنته أم صوابا قال بل خطأ قال ولم قال لأني كنت متحرما بمائدتك فقال لي كيت وكيت فأردت أن أكفه عني وأضحكك قال فكيف الصواب قال يقوله الشماخ بن ضرار الغطفاني في صفة البقر الوحشية قد جزأت بالرطب عن الماء قال صدقت وأجازه ثم قال له حاجتك قال تنحي هذا عن بابك فإنه يشينه
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال كتب إلي إسحاق بن إبراهيم الموصلي أن أبا عبيدة حدثه عن غير واحد من أهل المدينة أن يزيد بن عبد الملك لما قدم عليه الأحوص وصله بمائة ألف درهم فأقبل إليه كثير يرجو أكثر من ذلك وكان قد عوده من كان قبل يزيد من الخلفاء أن يلقى عليهم بيوت الشعر ويسألهم عن المعاني فألقى على يزيد بيتا وقال يا أمير المؤمنين ما يعني الشماخ بقوله
( فما أَرْوَى وإن كَرُمتْ علينا ... بأدَنى من موقَّفَةٍ حَرُونِ )
(9/200)

( تُطِيف على الرُّماة فتتّقِيهم ... بأوعالٍ مُعَطَّفةِ القُرون )
فقال يزيد وما يضر يا ماص بظر أمه ألا يعلم أمير المؤمنين هذا وإن احتاج إلى علمه سأل عبدا مثلك عنه فندم كثير وسكته من حضر من أهل بيته وقالوا له إنه قد عوده من كان قبلك من الخلفاء أن يلقي عليه أشباه هذا وكانوا يشتهونه منه ويسألونه إياه فطفئ عنه غضبه وكانت جائزته ثلاثين ألفا وكان يطمع في أكثر من جائزة الأحوص
وأخبرنا أبو خليفة بهذا الخبر عن محمد بن سلام فذكر أنه سأل يزيد عن قول الشماخ
( وقد عَرِقتْ مَغَابِنُها وجادتْ ... بِدرَّتِها قِرَى حَجِنٍ قَتِينِ )
فسكت عنه يزيد فقال يزيد وما على أمير المؤمنين لا أم لك ألا يعرف هذا هو القراد أشبه الدواب بك
نسخت من كتاب يحيى بن حازم حدثنا علي بن صالح صاحب المصلى قال حدثنا ابن داب قال قال معاوية لعبد الله بن الزبير وهو عنده بالمدينة في أناس يابن الزبير ألا تعذرني في حسن بن علي ما رأيته مذ قدمت المدينة إلا مرة قال دع عنك حسنا فأنت والله وهو كما قال الشماخ
( أجامِلُ أقواماً حياءً وقد أَرَى ... صدورَهمُ تَغْلِي عليّ مِراضُها )
(9/201)

والله لو يشاء حسن أن يضربك بمائة ألف سيف ضربك والله لأهل العراق أرأم له من أم الحوار لحوارها فقال معاوية رحمه الله أردت أن تغريني به والله لأصلن رحمه ولأقبلن عليه وقال
( ألاَ أيُّها المرءُ المُحَرِّشُ بيننا ... أَلاَ اقتُلْ أخاك لستُ قاتلَ أرْبَدِ )
( أبَى قُرْبُه منّي وحسنُ بلائه ... وعلمي بما يأتي به الدهرُ في غد )
والشعر لعروة بن قيس فقال ابن الزبير أما والله إني وإياه ليد عليك بحلف الفضول فقال معاوية من أنت لا أعرض لك وحلف الفضول والله ما كنت فيها إلا كالرهينة تثخن معنا وتردى هزيلا كما قال أخو همدان
( إذا ما بعيرٌ قام علّق رحله ... وإن هو أبقى بالحياة مُقَطّعا )
صوت من مدن معبد
وهو الذي أوله
( كم بذاك الحَجُون من حيِّ صدقٍ ... )
( أَسْعدانِي بعَبْرةٍ أَسْرابِ ... من شؤون كثيرةِ التَّسْكاب )
(9/202)

( إن أهلَ الحِصاب قد تركوني ... مُوَزَعاً مُولَعاً بأهل الحِصاب )
( كم بذاك الحَجُونِ من حَيِّ صِدْقٍ ... وكهول أَعِفَّةٍ وشَباب )
( سكَنوا الجِزْعَ جِزْعَ بيت أبي موسى ... إلى النخل من صُفِيِّ السِّباب )
( فارَقوني وقد علمتُ يقيناً ... ما لمن ذاق مِيتةً من إياب )
( فَلِيَ الويلُ بعدَهم وعليهم ... صرتُ فرداً وملَّني أصحابي )
عروضه من الخفيف الشؤون الشعب التي يتداخل بعضها في بعض من عظام الرأس واحدها شأن مهموزا والجزع منعطف الوادي وصفي السباب جمع صفاة وهي الحجارة ولقبت صفي السباب لأن قوما من قريش ومواليهم كانوا يخرجون إليها بالعشيات يتشاتمون ويذكرون المعايب والمثالب التي يرمون بهافسميت تلك الحجارة صفي السباب
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن علي بن محمد النوفلي عن أبيه قال يقال صفا السباب وصفي السباب بفتح الفاء وكسرها جميعا وهو شعب من شعاب مكة فيها صفا أي صخر مطروح وكانت قريش تخرج فتقف على ذلك الموضع فيفتخرون ثم يتشاتمون وذلك في الجاهلية فلا يفترقون إلا عن قتال ثم صار ذلك في صدر من الإسلام أيضا حتى نشأ سديف مولى عتبة بن أبي سديف وشبيب مولى بني أمية فكان هذا يخرج في موالي بني هاشم وهذا في موالي بني أمية فيفتخرون ثم يتشاتمون ثم يتجالدون بالسيوف وكان يقال لهم السديفية والشبيبية وكان أهل مكة مقتسمين بينهما في العصبية ثم درس ذلك فصارت العصبية بمكة بين الجزارين والحناطين فهي بينهم إلى اليوم وكذلك بالمدينة في القمار وغيره
الشعر لكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي وقيل بل هو
(9/203)

لكثير عزة وقد روي في ذلك خبر نذكره والغناء لمعبد ثقيل أول بالوسطى في مجراها عن إسحاق وذكر عمرو بن بانة أن فيه ثقيلا أول بالخنصر للغريض ولحنا آخر لابن عباد ولم يجنسه ولابن جامع في الخامس والسادس رمل بالوسطى ولابن سريج في الأربعة الأول ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق ولابن أبي دباكل الخزاعي فيها ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي وأبي أيوب المدني وحبش فمن روى هذا الشعر لكثير عزة يرويه
( إن أهل الخضاب قد تركوني ... )
ويزعم أن كثيرا قاله في خضاب خضبته عزة به
ابن عائشة يذكر بحادثة لكثير وعزة فيغني بشعره
أخبرني بخبره أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة ولم يتجاوزه وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني الزبيري قال حدثني بهذا الخبر أيضا وفيه زيادة وخبره أحسن وأكثر تلخيصا وأدحل في معنى الكتاب قال الزبيري حدثني أبي قال خرجت إلى ناحية فيد متنزها فرأيت ابن عائشة يمشي بين رجلين من آل الزبير وإحدى يديه على يد هذا والأخرى على يد هذا وهو يمشي بينهما كأنه امرأة تجلى على زوجها فلما رأيتهم دنوت فسلمت وكنت أحدث القوم سنا فاشتهيت غناء ابن عائشة فلم أدر كيف أصنع وكان ابن عائشة إذا هيجته تحرك فقلت رحم الله كثيرا وعزة ما كان أوفاهما وأكرمهما
(9/204)

وأصونهما لأنفسهما لقد ذكرت بهذه الأودية التي نحن فيها خبر عزة حين خضبت كثيرا فقال ابن عائشة وكيف كان حديث ذلك قلت حدثني من حضره بذلك ومن هاهنا تتفق رواية عمر بن شبة والزبيري قال خرج كثير يريد عزة وهي منتجعة بالصواري وهي الأودية بناحية فدك فلما كان منها قريبا وعلم أن القوم جلسوا عند أنديتهم للحديث بعث أعرابيا فقال له اذهب إلى ذلك الماء فإنك ترى امرأة جسيمة لحيمة تبالط الرجال الشعر قال إسحاق المبالطة أن تنشد أول الشعر وآخره فإذا رأيتها فناد من رأى الجمل الأحمر مرارا ففعل فقالت له ويحك قد أسمعت فانصرف فانصرف إليه فأخبره فلم يلبث أن أقلبت جارية معها طست وتور وقربة ماء حتى انتهت إليه ثم جاءت بعد ذلك عزة فرأته جالسا محتبيا قريبا من ذراع راحلته فقالت له ما على هذا فارقتك فركب راحلته وهي باركة وقامت إلى لحيته فأخذت التور فخضبته وهو على ظهر جمله حتى فرغت من خضابه ثم نزل فجعلا يتحدثان حتى علق الخضاب ثم قامت إليه فغسلت لحيته ودهنته ثم قام فركب وقال
( إنّ أهل الخِضاب قد تركوني ... مُوزَعاً مُولَعاً بأهل الخضاب )
وذكر باقي الأبيات كلها وإلى هاهنا رواية عمر بن شبة فقال ابن عائشة فأنا والله أغنيه وأجيده فهل لكم في ذلك فقلنا وهل لنا عنه
(9/205)

مدفع فاندفع يغني بالأبيات فخيل إلي أن الأودية تنطق معه حسنا فلما رجعنا إلى المدينة قصصت القصة فقيل لي إن ذلك أحسن صوت يغنيه ابن عائشة فقلت لا أدري إلا أني سمعت شيئا وافق محبتي
معبد وابن سريج يبكيان أهل مكة بغنائهما
وقال عبد الله بن أبي سعد حدثني عبد الله بن الصباح عن هشام بن محمد عن أبيه قال زار معبد ابن سريج والغريض بمكة فخرجا به إلى التنعيم ثم صاروا إلى الثنية العليا ثم قالوا تعالوا حتى نبكي أهل مكة فاندفع ابن سريج فغنى صوته في شعر كثير بن كثير السهمي
( أَسْعديني بعَبْرةٍ أَسْرابِ ... من دموعٍ كثيرةِ التَّسْكاب )
فأخذ أهل مكة في البكاء وأنوا حتى سمع أنينهم ثم غنى معبد
صوت
( يا راكباً نحوَ المدينة جَسْرةً ... أجُداً تلاعِب حَلْقةً وزِماما )
( اِقرأ على أهل البَقيع من امرئ ... كَمِدٍ على أهل البقيع سلاما )
( كم غيَّبوا فيه كريماً ماجداً ... شَهْماً ومُقْتَبِلَ الشبابِ غلاما )
(9/206)

( ونَفيسةً في أهلها مرجوّةً ... جمعتْ صَباحةَ صورةٍ وتَماما )
فنادوا من الدروب بالويل والحرب والسلب وبقي الغريض لا يقدر من البكاء والصراخ أن يغني
الشعر لعمر بن أبي ربيعة والغناء لمعبد ثقيل أول بالوسطى وذكر عمرو بن بانة أنه ليحيى المكي وقد غلط وذكر حبش أن لعلويه فيه ثقيلا أول آخر
ومن مدن معبد
صوت
وقد أضيف إليه غيره من القصيدة
( سَلِي هل قَلاَني من عَشيرٍ صَحِبتُه ... وهل ذَمَّ رحلي في الرِّفاق رفيقُ )
( وهل يَجْتَوِي القومُ الكِرامُ صَحَابتي ... إذا اغبرَّ مَخْشِيُّ الفِجَاج عَميق )
( ولو تعلمين الغيبَ أيقنتِ أنّني ... لكم والهَدَايا المُشْعَراتِ صديق )
( تكاد بلادُ الله يا أمَّ مَعْمَرٍ ... بما رَحُبتْ يوماً عليّ تَضيق )
( أَذُود سَوَامَ الطَّرْف عنكِ وهل لها ... إلى أحدٍ إلا إليكِ طريق )
( وحدّثْتَنِي يا قلبُ أنك صابرٌ ... على البَيْن من لُبْنَى فسوف تذوق )
( فَمُتْ كَمَداً أو عِشْ سَقيماً فإنما ... تكلِّفني ما لا أراك تُطيق )
( بلُبْنَى أُنادَى عند أوّل غَشْية ... ولو كنتُ بين العائدات أُفيق )
(9/207)

( إذا ذُكرت لبنى تَجلَّتْكَ زَفْرةٌ ... ويَثْنِي لك الدَّاعي بها فُتفيق )
عروضه من الطويل الشعر لقيس بن ذريح والغناء لمعبد في اللحن المذكور ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق في الأول والثاني والثالث وذكر في موضع آخر وافقته دنانير أن لمعبد ثقيلا أول بالبنصر في مجرى الوسطى أوله
صوت
( أتجمع قلباً بالعراق فَرِيقُه ... ومنه بأطلال الأَرَاكِ فريقُ )
( فكيف بها لا الدارُ جامعةُ النَّوَى ... ولا أنت يوماً عن هواكَ تُفِيقُ )
( ولو تعلمين الغيب أيقنتِ أنّني ... لكم والهدايا المُشْعَراتِ صديقُ )
البيتان الأولان يرويان لجرير وغيره والثالث لقيس بن ذريح أضافه إليهما معبد وذكر عمرو ويونس أن لحن معبد الأول في خمسة أبيات أولى من الشعر وذكر عمرو بن بانة أن لبذل الكبيرة خفيف رمل بالوسطى في الرابع من الأبيات وبعده
( دَعَوْنَ الهوى ثم ارتَمَيْنَ قلوبَنا ... بأعيُن أعداءٍ وهنّ صديقُ )
وبعده الخامس من الأبيات وهو أذود سوام الطرف وزعم حبش أن في لحن معبد الثاني الذي أوله أتجمع قلبا لابن سريج خفيف رمل بالبنصر وذكر أيضا أن للغريض في الأول والثاني والسابع ثاني ثقيل بالبنصر ولابن مسجح خفيف رمل بالبنصر وفي السادس وما بعده لحكم
(9/208)

الوادي ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وذكر حبش أن للغريض فيها ثقيلا أول بالوسطى
(9/209)

ذكر قيس بن ذريح ونسبه وأخباره
هو فيما ذكر الكلبي والقحذمي وغيرهما قيس بن ذريح بن سنة ابن حذافة بن طريف بن عتوارة بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة وهو علي ابن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار وذكر أبو شراعة القيسي أنه قيس بن ذريح بن الحباب بن سنة وسائر النسب متفق واحتج بقول قيس
( فإنْ يك تَهْيامِي بلُبْنَى غَوايةً ... فقد يا ذَرِيحُ بنَ الحُبَابِ غَوَيْتُ )
وذكر القحذمي أن أمه بنت سنة بن الذاهل بن عامر الخزاعي وهذا هو الصحيح وأنه كان له خال يقال له عمرو بن سنة شاعر وهو الذي يقول
( ضربوا الفِيلَ بالمغمَّس حتى ... ظَلَّ يحبو كأنه محمومُ )
وفيه يقول قيس
( أُنبئتُ أن لخالي هَجْمةً حُبُساً ... كأنّهن بجَنْبِ المَشْعَرِ النُّصُلُ )
(9/210)

( قد كنتَ فيما مضى قِدْماً تجاورُنا ... لا ناقةُ لك ترعاها ولا جملُ )
( ما ضَرَّ خاليَ عمراً لو تقَسَّمها ... بعضُ الحياض وجَمُّ البئر مُحْتفِل )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن موسى بن حماد قال حدثني أحمد بن القاسم بن يوسف قال حدثني جزء بن قطن قال حدثنا جساس بن محمد بن عمرو أحد بني الحارث بن كعب عن محمد بن أبي السري عن هشام بن الكلبي قال حدثني عدد من الكنانيين أن قيس بن ذريح كان رضيع الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أرضعته أم قيس
قصته مع لبنى
أخبرني بخبر قيس ولبنى امرأته جماعة من مشايخنا في قصص متصلة ومنقطعة وأخبار منثورة ومنظومة فألفت ذلك أجمع ليتسق حديثه إلا ما جاء مفردا وعسر إخراجه عن جملة النظم فذكرته على حدة فممن أخبرنا بخبره أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة ولم يتجاوزه إلى غيره وإبراهيم بن محمد بن أيوب عن ابن قتيبة والحسن بن علي عن محمد بن موسى بن حماد البربري عن أحمد بن القاسم بن يوسف عن جزء بن قطن عن جساس بن محمد عن محمد بن أبي السري عن هشام بن الكلبي وعلى روايته أكثر المعول ونسخت أيضا من أخباره المنظومة أشياء ذكرها القحذمي عن رجاله وخالد بن كلثوم عن نفسه ومن روى عنه وخالد بن جمل ونتفا حكاها اليوسفي صاحب الرسائل عن أبيه عن أحمد بن حماد عن جميل عن ابن أبي جناح الكعبي وحكيت كل متفق فيه متصلا وكل مختلف في معانيه منسوبا إلى راوية قالوا جميعا
(9/211)

كان منزل قومه في ظاهر المدينة وكان هو وأبوه من حاضرة المدينة وذكر خالد بن كلثوم أن منزله كان بسرف واحتج بقوله
( الحمد لله قد أمستْ مُجَاوِرةً ... أهلَ العَقيق وأمسَيْنا على سَرِفِ )
قالوا فمر قيس لبعض حاجته بخيام بني كعب بن خزاعة فوقف على خيمة منها والحي خلوف والخيمة خيمة لبنى بنت الحباب الكعبية فاستسقى ماء فسقته وخرجت إليه به وكانت امرأة مديدة القامة شهلاء حلوة المنظر والكلام فلما رآها وقعت في نفسه وشرب الماء فقالت له أتنزل فتتبرد عندنا قال نعم فنزل بهم وجاء أبوها فنحر له وأكرمه فانصرف قيس وفي قلبه من لبنى حر لا يطفأ فجعل ينطق بالشعر فيها حتى شاع وروي ثم أتاها يوما آخر وقد اشتد وجده بها فسلم فظهرت له وردت سلامه وتحفت به فشكا إليها ما يجد بها وما يلقى من حبها وشكت إليه مثل ذلك فأطالت وعرف كل واحد منهما ما له عند صاحبه فانصرف إلى أبيه وأعلمه حاله وسأله أن يزوجه إياها فأبى عليه وقال يا بني عليك بإحدى بنات
(9/212)

عمك فهن أحق بك وكان ذريح كثير المال موسرا فأحب ألا يخرج ابنه إلى غريبة فانصرف قيس وقد ساءه ما خاطبه أبوه به فأتى أمه فشكا ذلك إليها واستعان بها على أبيه فلم يجد عندها ما يحب فأتى الحسين بن علي بن أبي طالب وابن أبي عتيق فشكا إليهما ما به وما رد عليه أبوه فقال له الحسين أنا أكفيك فمشى معه إلى أبي لبنى فلما بصر به أعظمه ووثب إليه وقال له يابن رسول الله ما جاء بك ألا بعثت إلي فأتيتك قال إن الذي جئت فيه يوجب قصدك وقد جئتك خاطبا ابنتك لبنى لقيس بن ذريح فقال يابن رسول الله ما كنا لنعصي لك أمرا وما بنا على الفتى رغبة ولكن أحب الأمر إلينا أن يخطبها ذريح أبوه علينا وأن يكون ذلك عن أمره فإنا نخاف إن لم يسع أبوه في هذا أن يكون عارا وسبة علينا فأتى الحسين رضي الله عنه ذريحا وقومه وهم مجتمعون فقاموا إليه إعظاما له وقالوا له مثل قول الخزاعيين فقال لذريح أقسمت عليك إلا خطبت لبنى لابنك قيس قال السمع والطاعة لأمرك فخرج معه في وجوه من قومه حتى أتوا لبنى فخطبها ذريح على ابنه إلى أبيها فزوجه إياها وزفت إليه بعد ذلك فأقامت معه مدة لا ينكر أحد من صاحبه شيئا وكان أبر الناس بأمه فألهته لبنى وعكوفه عليها عن بعض ذلك فوجدت أمه في نفسها وقالت لقد شغلت هذه المرأة ابني عن بري ولم تر للكلام في ذلك موضعا حتى مرض مرضا شديدا فلما برأ من علته قالت أمه لأبيه لقد خشيت أن يموت قيس وما يترك خلفا وقد حرم الولد من هذه المرأة وأنت ذو مال فيصير مالك إلى الكلالة فزوجه بغيرها لعل الله أن يرزقه ولدا وألحت عليه في ذلك
(9/213)

فأمهل قيسا حتى إذا اجتمع قومه دعاه فقال يا قيس إنك اعتللت هذه العلة فخفت عليك ولا ولد لك ولا لي سواك وهذه المرأة ليست بولود فتزوج إحدى بنات عمك لعل الله أن يهب لك ولدا تقر به عينك وأعيننا فقال قيس لست متزوجا غيرها أبدا فقال له أبوه فإن في مالي سعة فتسر بالإماء قال ولا أسوءها بشيء أبدا والله قال أبوه فإني أقسم عليك إلا طلقتها فأبى وقال الموت والله علي أسهل من ذلك ولكني أخيرك خصلة من ثلاث خصال قال وما هي قال تتزوج أنت فلعل الله أن يرزقك ولدا غيري قال فما في فضلة لذلك قال فدعني أرتحل عنك بأهلي واصنع ما كنت صانعا لو مت في علتي هذه قال ولا هذه قال فأدع لبنى عندك وأرتحل عنك فلعلي أسلوها فإني ما أحب بعد أن تكون نفسي طيبة أنها في خيالي قال لا أرض أو تطلقها وحلف لا يكنه سقف بيت أبدا حتى يطلق لبنى فكان يخرج فيقف في حر الشمس ويجيء قيس فيقف إلى جانبه فيظله بردائه ويصلى هو بحر الشمس حتى يفيء الفيء فينصرف عنه ويدخل إلى لبنى فيعانقها وتعانقه ويبكي وتبكي معه وتقول له يا قيس لا تطع أباك فتهلك وتهلكني فيقول ما كنت لأطيع أحدا فيك أبدا فيقال إنه مكث كذلك سنة وقال خالد بن كلثوم ذكر ابن عائشة أنه أقام على ذلك أربعين يوما ثم طلقها وهذا ليس بصحيح
طلاقه لبنى ثم ندمه
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني أحمد بن زهير قال حدثني
(9/214)

يحيى بن معين قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عمر بن أبي سفيان عن ليث بن عمرو أنه سمع قيس بن ذريح يقول لزيد بن سليمان هجرني أبواي في لبنى عشر سنين أستأذن عليهما فيرداني حتى طلقتها قال ابن جريج وأخبرت أن عبد الله بن صفوان الطويل لقي ذريحا أبا قيس فقال له ما حملك على أن فرقت بينهما أما علمت أن عمر بن الخطاب قال ما أبالي أفرقت بينهما أو مشيت إليهما بالسيف وروى هذا الحديث إبراهيم بن يسار الرمادي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال قال الحسين بن علي رضي الله عنهما لذريح بن سنة أبي قيس أحل لك أن فرقت بين قيس ولبنى أما إني سمعت عمر بن الخطاب يقول ما أبالي أفرقت بين الرجل وامرأته أو مشيت إليهما بالسيف قالوا فلما بانت لبنى بطلاقه إياها وفرغ من الكلام لم يلبث حتى استطير عقله وذهب به ولحقه مثل الجنون وتذكر لبنى وحالها معه فأسف وجعل يبكي وينشج أحر نشيج وبلغها الخبر فأرسلت إلى أبيها ليحتملها وقيل بل أقامت حتى انقضت عدتها وقيس يدخل عليها فأقبل أبوها بهودج على ناقة وبإبل تحمل أثاثها فلما رأى ذلك قيس أقبل على جاريتها فقال ويحك ما دهاني فيكم فقال لا تسألني وسل لبنى فذهب ليلم بخبائها فيسألها فمنعه قومها فأقبلت عليه امرأة من قومه فقالت له ما
(9/215)

لك ويحك تسأل كأنك جاهل أو تتجاهل هذه لبنى ترتحل الليلة أو غدا فسقط مغشيا عليه لا يعقل ثم أفاق وهو يقول
( وإنّي لمُفْنٍ دمعَ عيْنيَ بالبكا ... حِذَارَ الذي قد كان أو هو كائنُ )
( وقالوا غداً أو بعد ذاك بليلةٍ ... فراقُ حبيبٍ لم يَبِنْ وهو بائن )
( وما كنتُ أخشى أن تكون منيّتي ... بكفَّيْكِ إلاّ أنّ ما حان حائن )
في هذه الأبيات غناء ولها أخبار قد ذكرت في أخبار المجنون قال وقال قيس
( يقولون لُبْنَى فتنةٌ كنتَ قبلها ... بخير فلا تَنْدَمْ عليها وطلِّقِ )
( فطاوعتُ أعدائي وعاصيتُ ناصحي ... وأقررْتُ عين الشامت المُتخلِّق )
( وَدِدْتُ وبيتِ الله أنّي عَصَيْتُهم ... وحُمِّلت في رِضوانِها كلَّ مُوبِق )
( وكُلِّفتُ خوضَ البحر والبحر زاخرٌ ... أَبِيتُ على أثْبَاج موج مُغَرِّق )
( كأنّي أرى الناسَ المحبّين بعدها ... عُصارةَ ماء الحنظل المُتَفَلِّق )
( فتُنكر عيني بعدها كلَّ منظَرٍ ... ويكره سمعي بعدَها كلَّ منطق )
قال وسقط غراب قريبا منه فجعل ينعق مرارا فتطير منه وقال
( لقد نادى الغرابُ ببَيْن لُبْنَى ... فطار القلب من حَذَرِ الغرابِ )
( وقال غداً تَبَاعَدُ دارُ لُبْنَى ... وتَنْأى بعد ودٍّ واقتراب )
( فقلتُ تَعِستَ وَيْحَك من غراب ... وكان الدهرَ سعيُك في تَباب )
وقال أيضا وقد منعه قومه من الإلمام بها
صوت
( ألاَ يا غرابَ البَيْنِ وَيْحَكَ نَبِنِّي ... بعلمك في لُبْنَى وأنتَ خبيرُ )
(9/216)

( فإن أنتَ لم تُخْبِرْ بما قد علمتَه ... فلا طِرْتَ إلاّ والجنَاح كَسِيرُ )
( ودُرْتَ بأعداءٍ حبيبُك فيهمُ ... كما قد تَراني بالحبيب أدورُ )
غنى سليمان أخو حجبة رملا بالوسطى
قالوا وقال أيضا وقد أدخلت هودجها ورحلت وهي تبكي ويتبعها
صوت
( ألاَ يا غرابَ البَيْنِ هل أنتَ مُخبِري ... بخيرٍ كما خَبَّرتَ بالنأي والشرِّ )
( وقلتَ كذاك الدهرُ ما زال فاجعاً ... صدقتَ وهل شيءٌ بباق على الدهرِ )
غنى فيهما ابن جامع ثاني ثقيل بالبنصر عن الهشامي وذكر حبش أن لقفا النجار فيهما ثقيلا أول بالوسطى قالوا فلما ارتحل قومها مليا ثم علم أن أباها سيمنعه من المسير معها فوقف ينظر إليهم ويبكي حتى غابوا عن عينه فكر راجعا ونظر إلى أثر خف بعيرها فأكب عليه يقبله ورجع يقبل موضع مجلسها وأثر قدمها فليم على ذلك وعنفه قومه على تقبيل التراب فقال
( وما أحببتُ أرضَكُم ولكن ... أُقَبِّل إثْر من وَطِئ التُّرابا )
( لقد لاقيتُ من كَلَفِي بلُبْنَى ... بَلاءً ما أُسِيغ به الشَّرابا )
( إذا نادى المنادي باسمِ لُبْنَى ... عَيِيتُ فما أُطيقُ له جوابا )
وقال وقد نظر إلى آثارها
صوت
( ألاَ يا رَبْعَ لُبْنَى ما تقولُ ... ابِنْ لي اليومَ ما فعل الحُلولُ )
( فلو أن الديارَ تُجيب صَبًّا ... لردّ جوابيَ الرّبعُ المُحِيلُ )
( ولو أنّي قدَرْتُ غداةَ قالتْ ... غدَرتَ وماءُ مُقْلِتها يَسيلُ )
( نحرتُ النفسَ حين سمعتُ منها ... مقالتَها وذاك لها قليلُ )
( شَفَيْتُ غليلَ نفسي من فِعالي ... ولم أَغبُرْ بلا عقلٍ أجُول )
(9/217)

غنى فيه حسين بن محرز خفيف ثقيل من روايتي بذل وقريض وتمام هذه الأبيات
( كأنِّي والِهٌ بفراق لُبْنَى ... تَهِيمُ بفقد واحدِها ثَكُولُ )
( ألاَ يا قلبُ وَيْحَكَ كن جَليداً ... فقد رحَلتْ وفات بها الذَّمِيل )
( فإنك لا تُطيق رجوعَ لُبنى ... إذا رحَلتْ وإن كثُر العَوِيلُ )
( وكَمْ قد عِشْتَ كَمْ بالقرب منها ... ولكنّ الفِراقَ هو السبيل )
( فصبراً كلُّ مؤتَلِفَيْنِ يوماً ... من الأيام عيشُهما يزول )
قال فلما جن عليه الليل وانفرد وأوى إلى مضجعه لم يأخذه القرار وجعل يتململ فيه تململ السليم ثم وثب حتى أتى موضع خبائها فجعل يتمرغ فيه ويبكي ويقول
صوت
( بِتُّ والهمُّ يا لُبيني ضَجيعي ... وجرتْ مُذْ نأيتِ عنِّي دموعي )
( وتنفّستُ إذ ذكرتُك حتى ... زالت اليومَ عن فؤادي ضلوعي )
( أتناسَاكِ كي يُرِيغَ فؤادي ... ثم يشتدُّ عند ذاك وَلُوعي )
( يا لُبَيْنى فَدَتْكِ نفسي وأهلي ... هل لدهرٍ مضى لنا من رجوعِ )
غنت في البيتين الأولين شارية خفيف رمل بالوسطى وغنى فيهما
(9/218)

حسين بن محرز ثاني ثقيل هكذا ذكر الهشامي وقد قيل إنه لهاشم بن سليمان
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال قال الزبير بن بكار حدثني عبد الجبار ابن سعيد المساحقي عن محمد بن معن الغفاري عن أبيه عن عجوز لهم يقال لهما حمادة بنت أبي مسافر قالت جاورت آل ذريح بقطيع لي فيه الرائمة وذات البر والحائل والمتبع قالت فكان قيس بن ذريح إلى شرف في ذلك القطيع ينظر إلى ما يلقين فيتعجب فقلما لبث حتى عزم عليه أبوه بطلاق لبنى فكاد يموت ثم آلى أبوه لئن أقامت لا يساكن قيسا فظعنت فقال
( أيا كبداً طارتْ صُدوعاً نوافذاً ... ويا حَسْرتَا ماذا تَغَلْغَلَ في القلب )
( فأقْسِمُ ما عُمْشُ العيون شوارفٌ ... روائمُ بَوٍّ حائماتٌ على سَقْب )
( تشمَّمْنَه لو يَسْتطِعن ارتشفْنَه ... إذا سُفْنَه يَزْددنَ نَكْباً على نَكْب )
( رَئِمْنَ فما تَنْحاش منهنّ شارفٌ ... وحالَفْنَ حبساً في المُحول وفي الجَدْب )
( بأَوْجَدَ منِّي يومَ وَلَّتْ حُمُولُها ... وقد طلعتْ أولَى الرِّكاب من النَّقْبِ )
(9/219)

( وكلُّ مُلِمّات الزمان وجدتُها ... سوى فُرْقةِ الأحباب هيِّنَةَ الخَطْب )
أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال سمعت ابن عائشة يقول قال إسحاق بن الفضل الهاشمي لم يقل الناس في هذا المعنى مثل قول قيس ابن ذريح
( وكلُّ مُصِيبات الزمان وجدتُها ... سوى فُرْقَة الأحباب هيّنةَ الخَطْبِ )
قال وقال ابن النطاح قال أبو دعامة
اشتاقها فقصدها وقال شعرا
خرج قيس في فتية من قومه واعتل على أبيه بالصيد فأتى بلاد لبنى فجعل يتوقع أن يراها أو يرى من يرسل إليها فاشتغل الفتيان بالصيد فلما قضوا وطرهم منه رجعوا إليه وهو واقف فقالوا له قد عرفنا ما أردت بإخراجنا معك وأنك لم ترد الصيد وإنما أردت لقاء لبنى وقد تعذر عليك فانصرف الآن فقال
( وما حائماتٌ حُمْنَ يوماً وليلةً ... على الماء يَغْشَيْن العَصِيَّ حَوَانِ )
( عَوَافِيَ لا يَصْدُرْن عنه لِوجهةٍ ... ولا هنّ من بَرْدِ الحِياض دَوَانِ )
( يَرَيْنَ حَبَاب الماء والموتُ دونه ... فهنّ لأصوات السُّقّاةِ رَوَانِ )
( بأجهدَ منِّي حَرَّ شوقٍ ولَوْعةٍ ... عليكِ ولكِنّ العدوَّ عَدَاني )
( خليليَّ إني ميّتٌ أو مُكَلِّمٌ ... لُبَيْنى بسرِّي فامضِيا وذَرَاني )
( أنَلْ حاجتي وَحْدِي ويا رُبَّ حاجةٍ ... قضيتُ على هَوْلٍ وخوفِ جَنَانِ )
( فإنّ أحقَّ الناسِ ألا تُجَاوِزَا ... وتَطَّرِحا من لو يشاء شفاني )
( ومن قادني للموت حتى إذا صفَتْ ... مشاربُه السمَّ الذُّعَافَ سقانِي )
(9/220)

قال فأقاموا معه حتى لقيها فقالت له يا هذا إنك متعرض لنفسك وفاضحي فقال لها
( صدَعْتِ القلبَ ثم ذرَرْتِ فيه ... هواكِ فلِيمَ فالتأم الفُطورُ )
( تَغَلْغَلَ حيثُ لم يبلُغ شَرابٌ ... ولا حزنٌ ولم يبلغ سرور )
وقال القحذمي حدثني أبو الوردان قال حدثني أبي قال أنشدت أبا السائب المخزومي قول قيس
( صدعتِ القلبَ ثم ذررتِ فيه ... هواكِ فليم فالتأم الفطور )
فصاح بجارية له سندية تسمى زبدة فقال أي زبدة عجلي فقالت أنا أعجن فقال ويحك تعالي ودعي العجين فجاءت فقال لي أنشد بيتي قيس فأعدتهما فقال لها يا زبدة أحسن قيس وإلا فأنت حرة ارجعي الآن إلى عجينك أدركيه لا يبرد
قالوا وجعل قيس يعاتب نفسه في طاعته أباه في طلاقه لبنى ويقول فألا رحلت بها عن بلده فلم أر ما يفعل ولم يرني فكان إذا فقدني أقلع عما يفعله وإذا فقدته لم أتحرج من فعله وما كان علي لو اعتزلته وأقمت في حيها أو في بعض بوادي العرب أو عصيته فلم أطعه هذه جنايتي على نفسي فلا لوم على أحد وهأنذا ميت مما فعلته فمن يرد روحي إلي وهل لي سبيل إلى لبنى بعد الطلاق وكلما قرع نفسه وأنبها بلون من التقريع والتأنيب بكى أحر بكاء وألصق خده بالأرض ووضعه على آثارها ثم قال
صوت
( وَيْلِي وعَوْلِي ومالي حين تُفلِتُني ... من بعد ما أحرزتْ كفّي بها الظَّفَرا )
( قد قال قلبي لطَرْفي وهو يعذُله ... هذا جزاؤك منّي فاكدِمُ الحجرا )
(9/221)

( قد كنتُ أنهاك عنها لو تُطاوِعُني ... فاصبِرْ فما لك فيها أجرُ من صبرا )
غناه الغريض خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو وفيه لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى عن حبش وفي الثالث والأول خفيف رمل يقال إنه لابن الهربذ
قالوا وقال أيضا
( بانت لُبَيْنَى فأنت اليوم متبول ... والرأي عندك بعد الحزم مخبول )
( أستودِع اللهَ لُبْنَى إذ تفارقني ... بالرغم منّي وقولُ الشيخ مفعول )
( وقد أَرَاني بلبنى حقَّ مُقتنِعٍ ... والشملُ مجتمعٌ والحبل موصول )
قال خالد بن كلثوم وقال
( ألاَ ليت لُبْنَى في خلاءٍ تزورني ... فأشكو إليها لَوْعتي ثم ترجِعُ )
( صحا كلُّ ذي لبٍّ وكلُّ متيَّم ... وقلبي بُلبْنَى ما حَيِيتُ مروَّع )
( فيا مَنْ لِقلبٍ ما يُفِيق من الهوى ... ويا مَنْ لعينٍ بالصَّبابة تَدْمَع )
قالوا وقال في ليلته تلك
( قد قلتُ للقلب لا لُبْناك فاعتِرف ... واقضِ اللُّبَانةَ ما قضَّيْتَ وانصرِف )
( قد كنت أحلف جَهْداً لا أُفارقها ... أُفٍّ لكثرة ذاك القِيل والحَلِفِ )
(9/222)

( حتى تكنَّفني الواشون فافتُلِتتْ ... لا تأمَنَنْ أبداً من غشّ مُكتنِف )
( هيهات هيهات قد أمستْ مُجاوِرةً ... أهلَ العَقيق وأَمسيْنا على سَرِف )
قال وسرف على ستة أميال من مكة والعقيق واد باليمامة
( حي يَمَانُونَ والبَطْحاء منزلَنا ... هذا لَعْمرُك شملٌ غيرُ مؤتِلِف )
قالوا فلما أصبح خرج متوجها نحو الطريق الذي سلكته يتنسم روائحها فسنحت له ظبية فقصدها فهربت منه فقال
من شعره في لبنى
( ألاَ يا شِبْهَ لُبْنَى لا تُرَاعِي ... ولا تتيمَّمِي قُلَلَ القِلاع )
وهي قصيدة طويلة يقول فيها
( فوا كبِدي وعاودني رُدَاعِي ... وكان فراقُ لُبْنَى كالخداع )
( تكنَّفني الوُشاةُ فأزعجوني ... فيا للهِ لِلْواشِي المُطاع )
( فأصبحتُ الغَداةَ ألوم نفسي ... على شيءٍ وليس بمستطاع )
( كمغبونٍ يَعَضُّ على يديه ... تَبيَّنَ غَبْنَه بعد البِياع )
( بدار مَضِيعةٍ تركتْك لُبْنَى ... كذاك الحَيْنُ يُهْدَى للمُضاع )
( وقد عِشْنا نَلَذُّ العيشَ حِيناً ... لَوَ ان الدهرَ للإِنسان داع )
( ولكنّ الجميعَ إلى افتراق ... وأسبابُ الحُتوفِ لها دواع )
(9/223)

غناه الغريض من القدر الأوسط من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه لمعبد خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو والهشامي ولشارية في البيتين الأولين ثقيل أول آخر بالوسطى ولابن سريج رمل بالوسطى عن الهشامي في
( بدارِ مَضِيعةٍ تركْتك لُبْنَى ... )
وقبله
( فواكبدِي وعاودنِي رُدَاعِي ... )
ولسياط في البيتين الأولين خفيف رمل بالبنصر عن حبش
حدثني عمي عن الكراني عن العتبي عن أبيه قال بعثت أم قيس بن ذريح بفتيات من قومه إليه يعبن إليه لبنى ويعبنه بجزعه وبكائه ويتعرضن لوصاله فأتينه فاجتمعن حواليه وجعلن يمازحنه ويعبن لبنى عنده ويعيرنه ما يفعله فلما أطلن أقبل عليهن وقال
صوت
( يَقَرُّ بعيني قربُها ويَزِيدُني ... بها كَلَفاً مَنْ كان عندي يَعِيبُها )
( وكم قائلٍ قد قال تُبْ فعصَيْتُه ... وتلك لعَمْرِي توبةٌ لا أتوبها )
( فيا نفسُ صبراً لستِ والله فاعلمي ... بأوَّلِ نفسٍ غاب عنها حبيبُها )
غناه دحمان ثقيلا أول بالوسطى وفيه هزج بالبنصر لسليم وذكر حبش أنه لإسحاق قال فانصرفن عنه إلى أمه فأيأسنها من سلوته وقال سائر الرواة الذي ذكرتهم اجتمع إليه النسوة فأطلن الجلوس عنده وحادثنة وهو ساه
(9/224)

عنهن ثم نادى يا لبنى فقلن له ما لك ويحك فقال خدرت رجلي ويقال إن دعاء الإنسان باسم أحب الناس إليه يذهب عنه خدر الرجل فناديتها لذلك فقمن عنه وقال
( إذا خدِرتْ رجلي تذكرتُ مَنْ لها ... فناديتُ لُبْنَى باسمِها ودعوتُ )
( دعوتُ التي لو أنّ نفسي تُطِيعني ... لفارقتُها من حبِّها وقَضيتُ )
( بَرَتْ نبلَها للصيد لبنى ورَيَّشَتْ ... ورَيَّشْتُ أُخرى مثلَها وبَرَيْتُ )
( فلمّا رمتني أَقْصدتْني بسهمها ... وأخطأتُها بالسَّهم حين رميتُ )
( وفارقتُ لبنى ضَلَّةً فكأنني ... قُرِنت إلى العَيُّوق ثم هَوَيْتُ )
( فيا ليتَ أنِّي مُتُّ قبل فراقها ... وهل تَرْجِعَنْ فوتَ القضيّة لَيْتُ )
( فصرتُ وشيخي كالذي عثَرتْ به ... غَداةَ الوَغَى بين العُدَاة كُمَيْتُ )
( فقامت ولم تُضْرَرْ هناك سَوِيّةً ... وفارسُها تحت السَّنابِك مَيْتُ )
( فإن يك تَهْيامي بلُبْنى غَوايَةً ... فقد يا ذَرِيحُ بن الحُبَاب غَوَيْتُ )
( فلا أنت ما أمَّلتَ فيّ رأيتَه ... ولا أنا لبنى والحياةَ حَوَيْتُ )
( فوَطِّنْ لهُلْكِي منك نفساً فإنّني ... كأنك بي قد يا ذَريحُ قَضَيْتُ )
وقال خالد بن كلثوم مرض قيس فسأل أبوه فتيات الحي أن يعدنه ويحدثنه لعله أن يتسلى أو يعلق بعضهن ففعلن ذلك ودخل إليه طبيب
(9/225)

ليداويه والفتيات معه فلما اجتمعن عنده جعلن يحادثنه وأطلن السؤال عن سبب علته فقال
صوت
( عِيدَ قيسٌ من حبِّ لُبنى ولُبنى ... داءُ قيسٍ والحبُّ داءٌ شديدُ )
( وإذا عادني العوائدُ يوماً ... قالت العين لا أَرَى من أُريد )
( ليت لُبْنَى تَعُودني ثم أَقْضِي ... إنها لا تعود فيمن يعود )
( وَيْحَ قيسٍ لقد تضمَّن منها ... داءَ خَبْلٍ فالقلبُ منه عَميد )
غناه ابن سريج خفيف رمل عن الهشامي وفيه للحجبي ثقيل أول بالوسطى وفيه ليحيى المكي رمل قالوا فقال له الطبيب منذ كم هذه العلة ومنذ كم وجدت بهذه المرأة ما وجدت فقال
صوت
( تعلَّق رُوحِي روحَها قبل خَلْقِنا ... ومن بعدِ ما كنَّا نِطافاً وفي المهدِ )
( فزاد كما زِدنا فأصبح نامياً ... وليس إذا مُتْنا بمُنْصَرِم العهد )
( ولكنَّه باقٍ على كلِّ حادثٍ ... وزائرُنا في ظُلْمة القبر واللَّحْدِ )
غناه الغريض ثقيلا أول بالوسطى من رواية حبش قالوا فقال له الطبيب إن مما يسليك عنها أن تتذكر ما فيها من المساوئ والمعيب وما تعافه النفس من أقذار بني آدم فإن النفس تنبو حينئذ وتسلو ويخف ما بها فقال
(9/226)

( إذا عِبتُها شبَّهتُها البدرَ طالعاً ... وحَسْبُكَ من عيب لها شَبَهُ البدرِ )
( لقد فُضِّلتْ لبنى على الناس مثلَ ما ... على ألف شهر فُضِّلتْ ليلةُ القدر )
صوت
( إذا ما مشتْ شبراً من الأرض أَرْجَفتْ ... من البُهْر حتى ما تَزيدُ على شبرِ )
( لها كَفَلٌ يَرْتَجُّ منها إذا مشتْ ... ومتنٌ كغصن البان مُضْطَمِرُ الخَصْر )
غنى في هذين البيتين ابن المكي خفيف رمل بالوسطى وفيهما رمل ينسب إلى ابن سريج وإلى ابن طنبورة عن الهشامي قالوا ودخل أبوه وهو يخاطب الطبيب بهذه المخاطبة فأنبه ولامه وقال له يا بني الله الله في نفسك فإنك ميت إن دمت على هذا فقال
( وفِي عُرْوةَ العُذْرِيّ إن متُّ أُسوةٌ ... وعمروِ بن عَجْلانَ الذي قتلتْ هندُ )
( وبي مثلُ ما ماتا به غيرَ أنني ... إلى أجلٍ لم يأتِني وقتُه بعدُ )
(9/227)

صوت
( هل الحبُّ إلاّ عَبْرةٌ بعد زَفْرةٍ ... وحَرٌّ على الأحشاء ليس له بَرْدُ )
( وفَيْضُ دموعٍ تَستهل إذا بدا ... لنا علمٌ من أرضكم لم يكن يبدو )
غنى في هذين البيتين زيد بن الخطاب مولى سليمان بن أبي جعفر وقيل إنه مولى سليمان بن علي ثقيلا أول بالوسطى عن الهشامي
وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير وأخبرنا اليزيدي عن ثعلب عن الزبير قال حدثني إسماعيل بن أبي أويس قال جلست أنا وأبو السائب في النبالين فأنشدني قول قيس بن ذريح
( عِيدَ قيسٌ من حبِّ لُبْنَى ولُبنى ... داءُ قيسٍ والحبّ داءٌ شديدُ )
( لَيت لُبْنَى تعودني ثم أَقْضِي ... إنها لا تعود فيمن يعود )
قال فأنشدته أنا لقيس
( تعلَّق رُوحِي رُوحَها قبل خَلْقِنا ... ومن بعد ما كنّا نِطافاً وفي المهد )
( فزاد كما زِدنا وأصبح نامياً ... وليس إذا متْنا بمنتَقِضِ العهد )
( ولكنَّه باقٍ على كل حادثٍ ... وزائرُنا في ظلمة القبر واللَّحْد )
فحلف لا يزال يقوم ويقعد حتى يرويها فدخل زقاق النبالين وجعلت أرددها عليه ويقوم ويقعد حتى رواها
رجع الخبر إلى سياقته
زوجوه لينسى لبنى
وقال خالد بن جمل فلما طال على قيس ما به أشار قومه على أبيه بأن يزوجه امرأة جميلة فلعله أن يسلو بها عن لبنى فدعاه إلى ذلك فأباه وقال
( لقد خِفتُ ألاّ تَقْنَع النفسُ بعدها ... بشيءٍ من الدنيا وإن كان مَقْنَعا )
(9/228)

( وأزجُر عنها النفس إذ حيل دونها ... وتأبَى إليها النفسُ إلاّ تَطلُّعا )
فأعلمهم أبوه بما رد عليه قالوا فمره بالمسير في أحياء العرب والنزول عليهم فلعل عينه أن تقع على امرأة تعجبه فأقسم عليه أبوه أن يفعل فسار حتى نزل بحي من فزارة فرأى جارية حسناء قد حسرت برقع خز عن وجهها وهي كالبدر ليلة تمه فقال لها ما اسمك يا جارية قالت لبنى فسقط على وجهه مغشيا عليه فنضحت على وجهه ماء وارتاعت لما عراه ثم قالت إن لم يكن هذا قيس بن ذريح إنه لمجنون فأفاق فنسبته فانتسب فقالت قد علمت أنك قيس ولكن نشدتك بالله وبحق لبنى إلا أصبت من طعامنا وقدمت إليه طعاما فأصاب منه بإصبعه وركب فأتى على أثره أخ لها كان غائبا فرأى مناخ ناقته فسألهم عنه فأخبروه فركب حتى رده إلى منزله وحلف عليه ليقيمن عنده شهرا فقال له لقد شققت علي ولكني سأتبع هواك والفزاري يزداد إعجابا بحديثه وعقله وروايته فعرض عليه الصهر فقال له يا هذا إن فيك لرغبة ولكني في شغل لا ينتفع بي معه فلم يزل يعاوده والحي يلومونه ويقولون له قد خشينا أن يصير علينا فعلك سبة فقال دعوني ففي مثل هذا الفتى يرغب الكرام فلم يزل به حتى أجابه وعقد الصهر بينه وبينه على أخته المسماة لبنى وقال له أنا أسوق عنك صداقها فقال أنا والله يا أخي أكثر قومي مالا فما حاجتك إلى تكلف هذا أنا سائر إلى قومي وسائق إليها المهر ففعل وأعلم أباه الذي كان منه فسره وساق المهر عنه ورجع إلى الفزاريين حتى أدخلت عليه زوجته فلم يروه هش إليها ولا دنا منها ولا خاطبها بحرف ولا نظر إليها وأقام على ذلك أياما كثيرة ثم أعلمهم أنه يريد الخروج إلى قومه أياما فأذنوا له في ذلك فمضى لوجهه إلى المدينة وكان له صديق من الأنصار بها فأتاه فأعلمه الأنصاري أن خبر تزويجه بلغ لبنى فغمها وقالت إنه لغدار ولقد كنت أمتنع من إجابة قومي إلى التزويج فأنا الآن أجيبهم وقد كان أبوها شكا قيسا إلى معاوية وأعلمه
(9/229)

تعرضه لها بعد الطلاق فكتب إلى مروان بن الحكم يهدر دمه إن تعرض لها وأمر أباها أن يزوجها رجلا يعرف بخالد بن حلزة من بني عبد الله بن غطفان ويقال بل أمره بتزويجها رجلا من آل كثير بن الصلت الكندي حليف قريش فزوجها أبوها منه قال فجعل نساء الحي يقلن ليلة زفافها
( لُبَيْنَى زوجُها أصبح ... لا حرَّ بِواديه )
( له فضلٌ على الناس ... بما باتت تُناجيه )
( وقيسٌ ميّتٌ حيٌّ ... صريعٌ في بَواكيه )
( فلا يُبعِدُه الله ... وبُعْداً لنَواعيه )
قال فجزع قيس جزعا شديدا وجعل ينشج أحر نشيج ويبكي أحر بكاء ثم ركب من فوره حتى أتى محلة قومها فناداه النساء ما تصنع الآن ها هنا قد نقلت لبنى إلى زوجها وجعل الفتيان يعارضونه بهذه المقالة وما أشبهها وهو لا يجيبهم حتى أتى موضع خبائها فنزل عن راحلته وجعل يتمعك في موضعها ويمرغ خده على ترابها ويبكي أحر بكاء ثم قال
صوت
( إلى الله أشكو فَقْدَ لُبنى كما شكا ... إلى الله فقدَ الوالدَيْنِ يتيمُ )
( يتيمٌ جفاه الأقربون فجسمُه ... نَحيلٌ وعهدُ الوالدَيْن قديمُ )
(9/230)

( بكت دارُهم من نأيهم فتهلّلتْ ... دموعي فأيَّ الجازِعَيْنِ ألوم )
( أمُستعبِراً يبكي من الشوق والهوى ... أَمَ آخَر يبكي شَجْوَه ويَهِيم )
لابن جامع في البيتين الأولين ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي ولعريب فيهما ثاني ثقيل وفي الثالث والرابع لمياسة خفيف رمل بالبنصر عن عمرو وحبش والهشامي وتمام هذه الأبيات وليست فيها صنعة قوله
( تهيَّضَنِي من حبّ لُبْنَى علائقٌ ... وأصنافُ حبٍّ هَوْلُهن عظيمُ )
( ومن يتعلَّق حبَّ لبنى فؤادُه ... يَمُتْ أو يَعِشْ ما عاش وهو كَليم )
( فإنّي وإن أجمعتُ عنكِ تَجلُّداً ... على العهد فيما بيننا لمُقِيم )
( وإنّ زماناً شتَّت الشملَ بيننا ... وبينكُم فيه العِدَا لمَشُوم )
( أفي الحقِّ هذا أنّ قلبكِ فارغٌ ... صحيح وقلبي في هواكِ سَقيم )
وقد قيل إن هذه الأبيات ليست لقيس وإنما خلطت بشعره ولكنها في هذه الرواية منسوبة إليه
قال وقال أيضا في رحيل لبنى عن وطنها وانتقالها إلى زوجها بالمدينة وهو مقيم في حيها
صوت
( بانت لُبَيْنَى فهاج القلبَ مَنْ بانا ... وكان ما وعدتْ مَطْلاً وَلَيّانَا )
( وأَخْلفتْك مُنًى قد كنتَ تأمُلها ... فأصبح القلبُ بعد البين حيرانا )
( الله يدري وما يدري به أحدٌ ... ماذا أُجَمْجِم من ذكراكِ أحيانا )
( يا أكملَ الناسِ من قَرْنٍ إلى قدمٍ ... وأحسنَ الناس ذا ثوبٍ وعُرْيانا )
(9/231)

( نعم الضَّجيعُ بُعَيْد النوم تَجْلُبه ... إليكَ ممتلئاً نوما ويَقْظانا )
للغريض في هذه الأبيات ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق وعمرو وذكر الهشامي أن فيه لابن محرز ثاني ثقيل آخر وقال أحمد ابن عبيد فيه لحنان ليحيى المكي وعلويه وتمام هذه القصيدة
( لا بارك اللهُ فيمن كان يحسَبُكم ... إلاّ على العهد حتى كان ما كانا )
( حتى استفقتُ أخيراً بعد ما نُكحت ... كأنما كان ذاك القلب حيرانا )
( قد زارني طَيْفُكم ليلاً فأرَّقني ... فبِتُّ للشوق أُذْرِي الدمع تَهْتانا )
( إن تَصْرِمي الحبَل أو تُمْسِي مُفارِقةً ... فالدهر يُحدث للإِنسان ألوانا )
( وما أرى مثلَكم في الناس من بَشَرٍ ... فقد رأيتُ به حَيًّا ونِسْوانا )
أبو لبنى يشكوه إلى معاوية
وقال ابن قتيبة في خبره عن الهيثم بن عدي ورواه عمر بن شبة أيضا أن أبا لبنى شخص إلى معاوية فشكا إليه قيسا وتعرضه لابنته بعد طلاقه إياها فكتب معاوية إلى مروان أو سعيد بن العاص يهدر دمه إن ألم بها وأن يشتد في لك فكتب مروان أو سعيد في ذلك إلى صاحب الماء الذي ينزله أبو لبنى كتابا وكيدا ووجهت لبنى رسولا قاصدا إلى قيس تعلمه ما جرى
(9/232)

وتحذره وبلغ أباه الخبر فعاتبه وتجهمه وقال له انتهى بك الأمر إلى أن يهدر السلطان دمك فقال
صوت
( فإن يَحْجُبوها أو يَحُلْ دون وصلها ... مقالةُ واشٍ أو وَعيدُ أمير )
( فلن يمنعوا عينيَّ من دائم البُكا ... ولن يُذهبوا ما قد أَجَنَّ ضميري )
( إلى الله أشكو ما أُلاَقِي من الهوى ... ومن حُرَقٍ تعتادني وزَفير )
( ومن حَرَقٍ للحبّ في باطن الحشى ... وليلٍ طويلِ الحزن غيرِ قصير )
( سأبكي على نفسي بعينٍ غزيرةٍ ... بكاءَ حَزينٍ في الوَثاق أسير )
( وكنَّا جميعاً قبل أن يظهر الهوى ... بأَنْعَمِ حالَيْ غِبْطَةٍ وسرور )
( فما برِح الواشون حتى بَدَتْ لهم ... بطونُ الهوى مقلوبةً لظهور )
( لقد كنتِ حَسْبَ النفس لو دام وصلُنا ... ولكنَّما الدنيا متاعُ غرور )
هكذا في هذا الخبر أن الشعر لقيس بن ذريح وذكر الزبير بن بكار أنه لجده عبد الله بن مصعب غنى يزيد حوراء في الأول والثاني والسادس والثالث من هذه الأبيات خفيف رمل بالوسطى وغنى إبراهيم في
(9/233)

الأول والثاني لحنا من كتابه غير مجنس وذكر حبش أن فيهما لإسحاق خفيف ثقيل بالوسطى وفي الخامس وما بعده لعريب ثقيل أول ابتداؤه نشيد وقال ابن الكلبي في خبره قال قيس في إهدار معاوية دمه إن زارها
( إن تك لُبْنَى قد أتى دون قربها ... حجابٌ منيعٌ ما إليه سبيل )
( فإنّ نسيم الجوّ يجمع بيننا ... ونُبصر قَرْنَ الشمس حين تزول )
( وأرواحنا باللَّيل في الحيّ تلتقي ... ونعلم أنّا بالنهار نَقيل )
( وتجمعنا الأرضُ القَرارُ وفوقنا ... سماء نرى فيها النجومَ تجول )
( إلى أن يعود الدهر سَلْماً وتنقضي ... تراتٌ بغاها عندنا وذُحول )
ومما وجد في كتاب لابن النطاح قال العتبي حدثنا أبي قال حج قيس ابن ذريج واتفق أن حجت لبنى في تلك السنة فرآها ومعها امرأة من قومها فدهش وبقي واقفا مكانه ومضت لسبيلها ثم أرسلت إليه بالمرأة تبلغه السلام وتسأله عن خبره فألفته جالسا وحده ينشد ويبكي
( ويومَ مِنًى أعرضتِ عنِّي فلم أقل ... بحاجة نفس عند لُبْنَى مقالُها )
( وفي اليأس للنفس المريضة راحةٌ ... إذا النفسُ رامت خُطَّةً لا تَنالُها )
فدخلت خباءه وجعلت تحدثه عن لبنى ويحدثها عن نفسه مليا ولم تعلمه أن لبنى أرسلتها إليه فسألها أن تبلغها عنه السلام فامتنعت عليه فأنشأ يقول
( إذا طلعتْ شمسُ النهار فسلِّمي ... فآيةُ تسليمي عليكِ طلوعُها )
(9/234)

( بعشر تحيَّاتٍ إذا الشمسُ أَشْرقتْ ... وعشرٍ إذا اصفرَّتْ وحان رجوعُها )
( ولو أبلغتْها جارةٌ قوليَ اسلَمِي ... بكتْ جَزَعاً ارفَضَّ منها دموعُها )
( وبانَ الذي تُخْفِي من الوجد في الحَشَى ... إذا جاءها عنِّي حديث يَرُوعُها )
غنى في البيتين الأولين علويه خفيف رمل بالوسطى قال وقضى الناس حجهم وانصرفوا فمرض قيس في طريقه مرضا شديدا أشفى منه على الموت فلم يأته رسولها عائدا لأن قومها رأوه وعلموا به فقال
( ألُبْنَى لقد جَلَّتْ عليكِ مصيبتي ... غَدَاةَ غدٍ إذ حلَّ ما أتوقَّعُ )
( تُمنِّينَنِي نَيْلاً وتَلْوِبنَني به ... فنفسي شوقاً كلَّ يوم تَقَطَّع )
( وقلبكِ قَطُّ ما يَليِن لما يَرى ... فواكبدي قد طال هذا التضرُّع )
( ألومُكِ في شأني وأنتِ مُلِيمةٌ ... لعَمْرِي وأَجْفَى للمحبِّ وأقطع )
( أخُبّرتِ أنّي فيكِ مَيّتُ حَسْرتي ... فما فاض من عينيكِ للوَجْد مَدْمَع )
( ولكن لعَمْرِي قد بكيتُكِ جاهداً ... وإن كان دائي كلُّه منك أجمع )
( صَبِيحةَ جاء العائداتُ يَعُدْنَنِي ... فظَلَّتْ عليَّ العائداتُ تَفَجَّع )
( فقائلةٌ جئنا إليه وقد قضَى ... وقائلةٌ لا بل تركْناه يَنْزِع )
وروى القحذمي هاهنا
( فما غَشِيتْ عينيكِ من ذاك عَبْرةٌ ... وعيني على ما بي بِذكْراكِ تدمَع )
( إذا أنتِ لم تَبْكِي عليّ جِنازةً ... لديكِ فلا تبكي غداً حين أُرفَع )
قال فبلغتها الأبيات فجزعت جزعا شديدا وبكت بكاء كثيرا ثم خرجت إليه ليلا على موعد فاعتذرت وقالت إنما أبقي عليك وأخشى أن تقتل فأنا أتحاماك لذلك ولولا هذا لما افترقنا وودعته وانصرفت
وقال خالد بن كلثوم فبلغه أن أهلها قالوا لها إنه عليل لما به وإنه سيموت في سفره هذا فقالت لهم لتدفعهم عن نفسها ما أراه إلا كاذبا فيما يدعي ومتعللا لا عليلا فبلغه ذلك فقال
(9/235)

( تكاد بلادُ الله يا أُمَّ مَعْمَرٍ ... بما رحُبتْ يوماً عليّ تَضِيقُ )
( تكذِّبني بالودّ لُبْنَى وليتَها ... تُكَلَّف منِّي مثلَه فتذوق )
( ولو تعلمين الغَيْبَ أيقنتِ أنني ... لكم والهدايا المُشْعَراتِ صديق )
( تتوق إليكِ النفس ثم أَرُدُّها ... حياءً ومثلي بالحياء حَقيق )
( أَذُود سَوَامَ النفس عنكِ وما له ... على أحدٍ إلا عليك طريق )
( فإنِّي وإن حاولتِ صُرْمي وهِجْرتي ... عليك مِنَ احداثِ الرَّدَى لشَفيق )
( ولم أرَ أيّاماً كأيّامنا التي ... مَرَرْنَ علينا والزمان أَنِيق )
( ووعدُكِ إيّانا ولو قلتِ عاجلٌ ... بعيدٌ كما قد تعلمين سَحِيق )
( وحدّثتني يا قلبُ أنك صابرٌ ... على البين من لُبْنَى فسوف تذوق )
( فمُتْ كَمَداً أو عِشْ سَقيماً فإنمَّا ... تكلِّفني ما لاَ أَرَاكَ تُطِيق )
( أطعتَ وُشَاةً لم يكن لك فيهمُ ... خليلٌ ولا جارٌ عليك شَفيق )
( فإن تك لمّا تَسْلُ عنها فإنّني ... بها مُغْرَمٌ صَبُّ الفؤاد مَشُوق )
( بلُبْنَى أُنادَى عند أوُل غَشْيَةٍ ... ويَثْنِي بها الدَّاعِي لها فأفِيق )
( شهِدتُ على نفسي بأنك غادةٌ ... رَدَاحٌ وأنّ الوجه منكِ عتيق )
( وأنكِ لا تَجزينَنِي بصَحابةٍ ... ولا أنا للهِجران منكِ مُطِيق )
( وأنكِ قسَّمتِ الفؤادَ فنصفُه ... رَهينٌ ونصفٌ في الحبال وَثيق )
( صَبُوحِي إذا ماذَرَّتِ الشمسُ ذكركُم ... ولي ذكرُكم عند المَساء غَبُوق )
( إذا أنا عَزَّيتُ الهوى أو تركتُه ... أتتْ عَبَراتٌ بالدموع تَسُوق )
( كأنّ الهوى بين الحَيَازِيم والحَشَى ... وبين التَّرَاقِي واللَّهَاة حَرِيق )
(9/236)

( فإن كنتِ لمَّا تَعْلمِي العلم فاسألي ... فبعضٌ لبعضٍ في الفَعال فَؤوق )
( سَلِي هل قَلاَنِي من عَشيرٍ صحبتُه ... وهل مَلَّ رَحْلي في الرِّفاق رفيق )
( وهل يَجْتَوي القومُ الكِرامُ صِحَابتي ... إذا اغْبَرَّ مَخْشِيّ الفِجاج عَميق )
( وأكتُم أسرارَ الهوى فأميتها ... إذا باح مَزَّاحٌ بهنّ بَرُوق )
( سعَى الدهرُ والواشون بيني وبينها ... فقُطّع حبلُ الوصل وهو وَثيق )
( هل الصبر إلا أن أَصُدَّ فلا أرَى ... بأرضِك إلاّ أن يكون طريق )
قصته مع لبنى وزوجها
قال ثم أتى قومه فاقتطع قطعة من إبله وأعلم أباه أنه يريد المدينة ليبيعها ويمتار لأهله بثمنها فعرف أبوه أنه إنما يريد لبنى فعاتبه وزجره عن ذلك فلم يقبل منه وأخذ إبله وقدم بها المدينة فبينا هو يعرضها إذ ساومه زوج لبنى بناقة منها وهما لا يتعارفان فباعه إياها فقال له إذا كان غد فأتني في دار كثير بن الصلت فاقبض الثمن قال نعم ومضى زوج لبنى إليها فقال لها إني ابتعت ناقة من رجل من أهل البادية وهو يأتينا غدا لقبض ثمنها فأعدي له طعاما ففعلت فلما كان من الغد جاء قيس فصوت بالخادم قولي لسيدك صاحب الناقة بالباب فعرفت لبنى نغمته فلم تقل شيئا فقال زوجها للخادم قولي له ادخل فدخل فجلس فقالت لبنى للخادم قولي له يا فتى مالي أراك أشعث أغبر فقالت له ذلك فتنفس ثم قال لها هكذا تكون حال من فارق الأحبة واختار الموت على الحياة وبكى فقالت لها لبنى قولي له حدثنا حديثك فلما ابتدأ يحدث به كشفت الحجاب وقالت حسبك قد عرفنا حديثك وأسبلت الحجاب فبهت ساعة لا يتكلم ثم انفجر باكيا ونهض فخرج فناداه زوجها ويحك ما قصتك ارجع اقبض ثمن ناقتك وإن شئت زدناك فلم يكلمه وخرج
(9/237)

فاغترز في رحله ومضى وقالت لبنى لزوجها ويحك هذا قيس بن ذريح فما حملك على ما فعلت به قال ما عرفته وجعل قيس يبكي في طريقه ويندب نفسه ويوبخها علىفعله ثم قال
صوت
( أبتكي على لُبْنَى وأنت تركتَها ... وأنت عليها بالمَلاَ أنت أقدَرُ )
( فإن تكن الدنيا بلُبْنَى تقلَّبتْ ... عليَّ فلِلدنيا بطونٌ وأَظْهُر )
( لقد كان فيها للأمانة موضعٌ ... وللكَفِّ مُرتَادٌ وللعين مَنْظَر )
( وللحائم العطشانِ رِيٌّ بريقِها ... وللمَرِح المختالِ خمرٌ ومُسْكِرُ )
( كأنّي لها أُرْجوحةٌ بين أَحْبُلٍ ... إذا ذُكْرةٌ منها على القلب تَخْطُر )
للغريض في البيتين الأولين ثقيل أول بالوسطى عن عمرو والهشامي وفيهما لعريب رمل ولشارية خفيف رمل من رواية أبي العبيس
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز قال تزوج رجل من أهل المدينة يقال له أبو درة امرأة كانت قبله عند رجل آخر من أهل المدينة يقال له أبو بطينة فلقيه زوجها الأول فضربه ضربة شلت يده منها فلقيه أبو السائب المخزومي فقال له يا ابا درة أضربك أبو بطينة في زوجته قال نعم قال أما إني أشهد أنها ليست كما قال قيس بن ذريح في زوجته لبنى
( لقد كان فيها للأمانة موضعٌ ... وللكَفِّ مُرْتَادٌ وللعين مَنْظَرُ )
(9/238)

( وللحائم العطشان رِيٌّ بريقها ... وللمَرِح المختال خمر ومُسْكِر )
قال وكانت زوجة أبي درة هذه سوداء كأنها خنفساء
مرض قيس
قال وعاد إلى قومه بعد رؤيته إياها وقد أنكر نفسه وأسف ولحقه أمر عظيم فأنكروه وسألوه عن حاله فلم يخبرهم ومرض مرضا شديدا أشرف منه على الموت فدخل إليه أبوه ورجال قومه فكلموه وعاتبوه وناشدوه الله فقال ويحكم أتروني أمرضت نفسي أو وجدت لها سلوة بعد اليأس فاخترت الهم والبلاء أو لي في ذلك صنع هذا ما اختاره لي أبواي وقتلاني به فجعل أبوه يبكي ويدعو له بالفرج والسلوة فقال قيس
( لقد عذَّبتَني يا حبَّ لُبْنَى ... فقَعْ إمّا بموتٍ أو حياةِ )
( فإنّ الموت أَرْوحُ من حياةٍ ... تدوم على التباعد والشَّتات )
( وقال الأقربون تَعَزَّ عنها ... فقلت لهم إذاً حانت وفاتي )
قال ودست إليه لبنى بعد خروجه رسولا وقالت له استنشده فإن سألك عن نسبتك فانتسب له خزاعيا فإذا أنشدك فقل له لم تزوجت بعدها حتى أجابت إلى أن تتزوج بعدك واحفظ ما يقول لك حتى ترده علي فأتاه الرسول فسلم وانتسب خزاعيا وذكر أنه من أهل الشَام واستنشده فأنشده قوله
( فأقْسِم ما عُمْشُ العيونِ شوارِفٌ ... روائمُ بَوٍّ حانياتٌ على شَقْبِ )
وقد مضت هذه الأبيات فقال له الرجل فلم تزوجت بعدها فأخبره الخبر وحلف له أن عينه ما اكتحلت بالمرأة التي تزوجها وأنه لو رآها في نسوة ما عرفها وأنه ما مد يده إليها ولا كلمها ولا كشف لها عن ثوب فقال له الرجل فإني جار لها وإنها من الوجد بك على حال قد تمنى زوجها معها أن تكون بقربها لتصلح حالها بك فحملني إليها ماشئت أؤده إليها قال
(9/239)

تعود إلي إذا أردت الرحيل فعاد إليه لما أراد الرحيل فقال تقول لها
( أَلاَ حيِّ لُبْنَى اليومَ إن كنتَ غاديَا ... وأَلمِمْ بها من قبلِ أنْ لا تَلاَقِيَا )
( وأَهْدِ لها منك النصيحةَ إنها ... قليلٌ ولا تَخْشَ الوُشاةَ الأدانيا )
( وقل إنّني والراقصاتِ إلى مِنىً ... بأَجْبُل جَمْعٍ ينتظرنَ المناديا )
( أصونُكِ عن بعض الأمور مَضَنَّةً ... وأخشَى عليكِ الكاشحين الأعاديا )
( تَسَاقطُ نفسي حين ألقاكِ أنفُساً ... يَرِدْنَ فما يَصْدُرْنَ إلا صَوَادِيا )
( فإنْ أَحْيَ أو أهلِكْ فلستُ بزائلٍ ... لكم حافظاً ما بَلَّ ريقٌ لسانيا )
( أقول إذا نفسي من الوَجْد أَصْعدتْ ... بها زَفْرةٌ تعتادني هي ما هيا )
( وبين الحَشَى والنحرِ منِّي حرارةٌ ... ولوعةُ وجدٍ تترك القلب ساهيا )
( ألاَ ليت لُبْنَى لم تكن ليَ خُلَّةً ... ولم تَرَنِي لُبْنى ولم أدرِ ما هيا )
( سَلِي الناسَ هل خبَّرتُ سرَّكِ منهمُ ... أخا ثقةٍ أو ظاهرَ الغِشِّ باديا )
( يقول ليَ الواشون لمّا تَظاهروا ... عليكِ وأَضْحَى الحبلُ للبين واهيا )
( لعَمْري لقبلَ اليوم حُمِّلتَ ما تَرى ... وأُنْذِرتَ من لُبْنَى الذي كنتَ لاقيا )
( خليليَّ مالي قد بَلِيتُ ولا أَرَى ... لُبَيْنَي على الهِجْران إلاّ كما هيا )
( ألاَ يا غرابَ البَيْن مالكَ كلَّما ... ذكرتُ لُبَيْنَى طِرْتَ لي عن شِماليا )
( أعندكَ علمُ الغيبِ أم لستَ مُخْبِرِي ... عن الحيِّ إلا بالذي قد بدا ليا )
( جَزِعتُ عليها لو أَرى ليَ مَجْزَعاً ... وأفنيتُ دمعَ العين لو كان فانيا )
( حياتَك لا تُغْلَبْ عليها فإنه ... كفَى بالذي تَلْقَى لنفسِك ناهيا )
( تَمرّ الليالي والشهور ولا أَرَى ... وَلُوعِي بها يزداد إلاّ تماديا )
( فما عن نَوالٍ من لُبَيْنَى زيارتي ... ولا قِلّةُ الإِلمام أَن كنتُ قاليا )
( ولكنّها صَدَّتْ وحُمِّلتُ من هوىً ... لها ما يَؤود الشامخاتِ الرواسيا )
(9/240)

وهذه القصيدة تخلط بقصيدة المجنون التي في وزنها وعلى قافيتها لتشابههما فقلما يتميزان
غنى الحسين بن محرز في البيت الأول والبيت الخامس من هذه القصيدة ثقيلا أول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى من روايتي بذل والهشامي
حدثني المدائني عن عوانة عن يحيى بن علي الكناني قال شهر أمر قيس بالمدينة وغنى في شعره الغريض ومعبد ومالك وذووهم فلم يبق شريف ولا وضيع إلا سمع بذلك فأطربه وحزن لقيس مما به وجاءها زوجها فأنبها على ذلك وعاتبها وقال قد فضحتني بذكرك فغضبت وقالت يا هذا إني والله ما تزوجتك رغبة فيك ولا فيما عندك ولا دلس أمري عليك ولقد علمت أني كنت زوجته قبلك وأنه أكره على طلاقي ووالله ما قبلت التزويج حتى أهدر دمه إن ألم بحينا فخشيت أن يحمله ما يجد على المخاطرة فيقتل فتزوجتك وأمرك الآن إليك ففارقني فلا حاجة بي إليك فأمسك عن جوابها وجعل يأتيها بجواري المدينة يغنينها بشعر قيس كيما يستصلحها بذلك فلا تزداد إلا تماديا وبعدا ولا تزال تبكي كلما سمعت شيئا من ذلك أحر بكاء وأشجاه
رجع الحديث إلى سياقته
بريكة تجمعهما سرا
وقال الحرمازي وخالد بن جمل كانت امرأة من موالي بني زهرة يقال لها بريكة من أظرف النساء وأكرمهن وكان لها زوج من قريش له دار ضيافة فلما طالت علة قيس قال له أبوه إني لأعلم أن شفاءك في القرب من لبنى فارحل إلى المدينة فرحل إليها حتى أتى دار الضيافة التي لزوج بريكة
(9/241)

فوثب غلمانه إلى رحل قيس ليحطوه فقال لا تفعلوا فلست نازلا أو ألقى بريكة فإني قصدتها في حاجة فإن وجدت لها عندها موضعا نزلت بكم وإلا رحلت فأتوها فأخبروها فخرجت إليه فسلمت عليه ورحبت به وقالت حاجتك مقضية كائنة ما كانت فانزل ودنا منها فقال أذكر حاجتي قالت إن شئت قال أنا قيس بن ذريح قالت حياك الله وقربك إن ذكرك لجديد عندنا في كل وقت قال وحاجتي أن أرى لبنى نظرة واحدة كيف شئت قالت ذلك لك علي فنزل بهم وأقام عندها وأخفت أمره ثم أهدى لها هدايا كثيرة وقال لاطفيها وزوجها بهذا حتى يأنس بك ففعلت وزارتها مرارا ثم قالت لزوجها أخبرني عنك أنت خير من زوجي قال لا قالت فلبنى خير مني قال لا قالت فما بالي أزورها ولا تزورني قال ذلك إليها فأتتها وسألتها الزيارة وأعلمتها أن قيسا عندها فتسارعت إلى ذلك وأتتها فلما رآها ورأته بكيا حتى كادا يتلفان ثم جعلت تسأله عن خبره وعلته فيخبرها ويسألها فتخبره ثم قالت أنشدني ما قلت في علتك فأنشدها قوله
( أعالج من نفسي بَقايا حُشاشةٍ ... على رَمَقٍ والعائداتُ تعود )
( فإنْ ذُكرتْ لُبْنَى هَشِشْتُ لذكرها ... كما هَشَّ للثدي الدَّرُورِ وَليدُ )
( أجيب بلُبنى مَنْ دعاني تَجَلُّداً ... وبي زَفَراتٌ تنجلي وتعود )
( تُعيد إلى روحي الحياةَ وإنني ... بنفسيَ لو عاينتني لأجود )
قال وفي هذه القصيدة يقول
صوت
( ألاَ ليتَ أيّاماً مَضَيْن تعود ... فإن عُدْنَ يوماً إنني لسعيدُ )
( سَقَى دارَ لُبنى حيث حَلَّتْ وخَيَّمتْ ... من الأرض مُنْهَلُّ الغَمامِ رَعود )
(9/242)

في هذين البيتين لعريب خفيف ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى وقيل إنه لغيرها وتمام هذه القصيدة
( على كلِّ حالٍ إن دَنَتْ أو تباعدتْ ... فإن تَدْنُ منّا فالدنوُّ مزيد )
( فلا اليأسُ يُسْلِيني ولا القربُ نافعي ... ولُبْنَى مَنُوعٌ ما تكاد تجود )
( كأنِّيَ من لُبنى سليمٌ مُسَهَّدٌ ... يَظَلُّ على أيدي الرجال يَميد )
( رمتْنِي لُبَيْنَى في الفؤاد بسهمها ... وسهمُ لبينى للفؤاد صَيُود )
( سلاَ كُلُّ ذي شَجْوٍ علمتُ مكانَه ... وقلبي للبنى ما حَيِيتُ ودود )
( وقائلةٍ قد مات أو هو مَيِّتٌ ... ولِلنفس منِّي أن تَفيض رَصيد )
( أُعالِج من نفسي بقايا حُشاشةٍ ... على رَمَقٍ والعائداتُ تعود )
وقال الحرمازي في خبره خاصة وعاتبته على تزوجه فحلف أنه لم ينظر إليها ملء عينيه ولا دنا منها فصدقته وقال
صوت
( ولقد أردتُ الصبر عنكِ فعاقَني ... عَلَقٌ بقلبي من هواكِ قديمُ )
( يبقَى على حَدَثِ الزمانِ ورَيْبِه ... وعلى جَفائِك إنه لكريمُ )
( فصَرَمتِه وصَحَحْت وهو بدائه ... شَتَّانَ بين مُصَحَّح وسَقِيم )
( وَارَبْتِه زمناً فعاد بحلمه ... إنّ المحبّ عن الحبيب حليمُ )
لعريب في هذه الأبيات خفيف ثقيل وللدارمي خفيف رمل من رواية الهشامي ومن الناس من ينسب خفيف الثقيل إليه وخفيف الرمل إليها قالوا فلم يزل يومه معها يحدثها ويشكو إليها أعف شكوى وأكرم حديث حتى
(9/243)

أمسى فانصرفت ووعدته الرجوع إليه من غد فلم ترجع وشاع خبره فلم ترسل إليه رسولا فكتب هذه الأبيات في رقعة ودفعها إلى بريكة وسألها أن توصلها إليها ورحل متوجها إلى معاوية والأبيات
صوت
( بنفسيَ مَنْ قلبي له الدَّهرَ ذاكرُ ... ومَنْ هو عنِّي مُعرِضُ القلبِ صابرُ )
( ومَنْ حُبُّه يزداد عنديَ جِدَّةً ... وحبِّي لديه مُخْلَقُ العهدِ داثرُ )
غنت في هذين البيتين ضنين جارية خاقان بن حامد خفيف رمل قالوا
يزيد يرق لحاله
ثم ارتحل إلى معاوية فدخل إلى يزيد فشكا ما به إليه وامتدحه فرق له وقال سل ما شئت إن شئت أن أكتب إلى زوجها فأحتم عليه أن يطلقها فعلت قال لا أريد ذلك ولكن أحب أن أقيم بحيث تقيم من البلاد أتعرف أخبارها وأقنع بذلك من غير أن يهدر دمي قال لو سألت هذا من غير أن ترحل إلينا فيه لما وجب أن تمنعه فأقم حيث شئت وأخذ كتاب أبيه له بأن يقيم حيث شاء وأحب ولا يعترض عليه أحد وأزال ما كان كتب به في إهدار دمه فقدم إلى بلده وبلغ الفزاريين خبره وإلمامه بلبنى فكاتبوه في ذلك وعاتبوه فقال للرسول قل للفتى يعني أخا الجارية التي تزوجها يا أخي ما غررتك من نفسي ولقد أعلمتك أني مشغول عن كل أحد وقد جعلت أمر أختك إليك فأمض فيه من حكمك ما رأيت فتكرم الفتى عن أن يفرق بينهما فمكثت في حباله مدة ثم ماتت
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني سليمان بن عياش السعدي عن أبيه قال
(9/244)

أقبلت ذات يوم من الغابة فلما كنت بالمذاذ إذا ربع حديث العهد بالساكن وإذا رجل مجتمع في جانب ذلك الربع يبكي ويحدث نفسه فسلمت فلم يرد علي سلاما فقلت في نفسي رجل ملتبس به فوليت عنه فصاح بي بعد ساعة وعليك السلام هلم هلم إلي يا صاحب السلام فأتيته فقال أما والله لقد فهمت سلامك ولكني رجل مشترك اللب يضل عني أحيانا ثم يعود إلي فقلت ومن أنت قال قيس بن ذريح الليثي قلت صاحب لبنى قال صاحب لبنى لعمري وقتيلها ثم أرسل عينيه كأنهما مزادتان فما أنسى حسن قوله
( أبائنةٌ لُبْنَى ولم تَقطعِ المَدَى ... بوصلٍ ولا صُرْمٍ فييأسَ طامعُ )
( نهارِي نهارُ الوالهِين صَبابةً ... وليلِىَ تنبو فيه عنِّي المضاجع )
( وقد كنتُ قبل اليوم خِلْواً وإنّما ... تُقَسَّم بين الهالِكين المَصَارِع )
( فلولا رجاءُ القلب أن تُسْعِف النَّوَى ... لَمَا حبستْه بينهنّ الأضالع )
( له وَجَبَاتٌ إثْر لُبْنَى كأنها ... شَقائق برقٍ في السماء لَوَامِعِ )
( أبَى اللهُ أن يَلْقَى الرشادَ مُتَيَّم ... ألاَ كلُّ أمر حُمَّ لا بُدّ واقعُ )
( هما بَرَّحَابي مُعْوِلَيْنِ كِلاهما ... فؤادٌ وعينٌ جفنُها الدَّهرَ دامع )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا الزبير قال وأخبرنا به وكيع عن أبي أيوب المديني قال الزبير قال حدثتني ظبية قالت
(9/245)

سمعت عبد الله بن مسلم بن جندب ينشد زوجي قول قيس بن ذريح
( إذا ذُكِرتْ لُبْنَى تأوَّه واشتكى ... تأوُّهَ محموم عليه البَلابلُ )
( يَبيت ويُضْحى تحت ظِلّ منيَّةٍ ... به رَمَقٌ تَبْكي عليه القبائل )
( قتيلٌ للُبْنَى صدَّع الحبُّ قلبَه ... وفي الحب شغلٌ للمحبِّين شاغل )
فصاح زوجي أوه واحرباه واسلباه ثم أقبل على ابن جندب فقال ويلك أتنشد هذا كذا قال فكيف أنشده قال لم لا تتأوه كما يتأوه وتشتكي كما يشتكي
وقال القحذمي قال ابن أبي عتيق لقيس يوما أنشدني أحر ما قلت في لبنى فأنشده قوله
( وإني لأهوَى النَّومَ في غير حِينه ... لعلَّ لقاءً في المنام يكون )
( تُحَدِّثني الأحلامُ أنِّي أَرَاكُم ... فيا ليتَ أحلامَ المنام يقين )
( شهدتُ بأني لم أحُلْ عن مَوُدّةٍ ... وأنِّي بكم لو تَعْلمين ضَنين )
( وأن فؤادي لا يَلِين إلى هوَى ... سواكِ وإن قالوا بَلَى سيَلِين )
فقال له ابن أبي عتيق لقل ما رضيت به منها يا قيس قال ذلك جهد المقل
غنى في البيتين الأولين قفا النجار ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش
أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال أنشدني أحمد بن يحيى ثعلب
(9/246)

لقيس بن ذريح وكان يستحسن هذه الأبيات من شعره
( سقَى طَلَلَ الدّارِ التي أنتُم بها ... حَياً ثم وَبْلٌ صَيِّفٌ ورَبيعُ )
( مضى زمنٌ والناس يستشفعون بي ... فهل لي إلى لُبْنَى الغَداةَ شَفيع )
( سأصرِم لُبْنَى حبلَكِ اليومَ مُجْمِلاً ... وإن كان صَرْمُ الحبل منكِ يَرُوع )
( وسوف أُسَلِّي النفسَ عنكِ كما سَلاَ ... عن البلد النائي البعيدِ نَزِيع )
( وإنْ مَسَّني للضُّرِّ منكِ كآبةٌ ... وإن نال جسمي للفِراق خُشوع )
( يقولون صَب بالنساء موكَّلٌ ... وما ذاك من فعلِ الرجال بَديع )
( نَدِمتُ على ما كان منّي ندامةً ... كما ندِم المغبونُ حين يَبيع )
( فقَدتُكِ من نفسٍ شَعاعٍ ألم أكن ... نهيتُكِ عن هذا وأنتِ جَميع )
( فقرّبت لي غير القريبِ وأَشْرفتْ ... هناكَ ثَنايا ما لهنَّ طلوع )
( إلى الله أشكو نِيَّةً شَقّت العصا ... هي اليوم شَتَّى وهي أمسِ جميعُ )
( فيا حَجَراتِ الدارِ حيث تحمَّلوا ... بذي سَلَمٍ لا جادكنَّ ربيع )
(9/247)

صوت
( فلو لم يَهِجْني الظاعنون لهاجَنِي ... حمائمُ وُرْقٌ في الدِّيار وُقوع )
( تَدَاعيْنَ فاستبكَيْنَ مَنْ كان ذا هوىً ... نوائحَ لم تَقْطُر لهنّ دُموع )
غنى في هذين البيتين ابن سريج خفيف ثقيل أول عن الهشامي
صوت
( إذا أمرتْني العاذلاتُ بهجرها ... أبتْ كَبِدٌ عمّا يَقُلْنَ صَديع )
( وكيف أُطِيع العاذلاتِ وذكرُها ... يؤرِّقني والعاذلاتُ هُجوع )
غنى في هذين البيتين إبراهيم ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو
فكاهات لأبي السائب المخزومي في شعره وفي سيرته
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز قال أنشدت أبا السائب المخزومي قول قيس بن ذريح
صوت
( أُحبُّك أصنافاً من الحبِّ لم أجِدْ ... لها مَثَلاً في سائر الناس يُوصَفُ )
( فمنهنَّ حبٌّ للحبيب ورحمةٌ ... بمعرفتي منه بما يتكلَّف )
( ومنهن ألاّ يَعْرِضَ الدَّهرَ ذكرُها ... على القلب إلاّ كادتِ النفس تَتْلَفُ )
( وحبٌّ بدا بالجسم واللونِ ظاهرٌ ... وحبٌّ لدى نفسي من الرُّوحِ ألطف )
قال أبو السائب لا جرم والله لأخلصن له الصفاء ولأغضبن لغضبه
(9/248)

ولأرضين لرضاه غنى في البيتين الأولين الحسين بن محرز خفيف ثقيل عن الهشامي وبذل
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز عن أبي السائب المخزومي أنه أخبره أنه كان مع عبد الرحمن بن عبد الله بن كثير في سقيفة دار كثير إذ مر بجنازة فقال لي يا أبا السائب جارك ابن كلدة ألا تقوم بنا فنصلي عليه قال قلت بلى والله فديتك فقمنا حتى إذا كنا عند دار أويس إذ ذكرت أن جده كان تزوج لبنى ونزل بها المدينة فرجعت فطرحت نفسي في السقيفة وقلت لا يراني الله أصلي عليه فرجع الكثيري فقال أكنت جنبا قلت لا والله قال فعلى غير وضوء قلت لا والله قال فما لك قلت ذكرت أن جده كان تزوج لبنى وفرق بينها وبين قيس بن ذريح لما ظعن بها من بلادها فما كنت لأصلي عليه
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن يحيى قال حدثنا عبد الله بن شبيب قال حدثني هارون بن موسى الفروي قال أخبرنا الخليل ابن سعيد قال مررت بسوق الطير فإذا الناس قد اجتمعوا يركب بعضهم بعضا فاطلعت فإذا أبو السائب المخزومي قائم على غراب يباع وقد أخذ بطرف ردائه وهو يقول للغراب يقول لك قيس بن ذريح
( ألاَ يا غرابَ البين قد طِرْتَ بالذي ... أُحاذِر من لُبْنَى فهل أنت واقعُ )
لم لا تقع ويضربه بردائه والغراب يصيح قال فقال قائل له أصلحك الله يا أبا السائب ليس هذا ذاك الغراب فقال قد علمت ولكن آخذ البريء حتى يقع الجريء
(9/249)

وقال الحرمازي في خبره لما بلغ لبنى قول قيس
( ألاَ يا غرابَ البين قد طِرْتَ بالذي ... أُحاذِر من لبنى فهل أنت واقع )
آلت ألا ترى غرابا إلا قتلته فكانت كلما رأته أو رأته خادم لها أو جارة ابتيع ممن هو معه وذبحته
وهذه القصيدة العينية أيضا من جيد شعر قيس والمختار منها قوله
( أتبكي على لُبنى وأنت تركتَها ... وكنتَ كآتٍ حَتْفَه وهو طائعُ )
( فيا قلبُ صبراً واعترافاً لما ترَى ... ويا حبَّها قَعْ بالذي أنت واقع )
( ويا قلبُ خبِّرني إذا شَطَّتِ النَّوَى ... بلُبْنَى وبانت عنك ما أنت صانع )
( أتصبِر للبَيْن المُشِتِّ مع الجَوَى ... أم انت امرؤ ناسي الحياء فجازع )
( كأنَّك بِدْعٌ لم تَرَ الناسَ قبلَها ... ولم يَطَّلِعْك الدهرُ فيمن يُطالع )
( ألاَ يا غرابَ البَيْن قد طِرْتَ بالذي ... أُحاذِر من لُبنى فهل أنت واقع )
( فليس محبٌّ دائماً لحبيبِه ... ولا ثقةٌ إلا له الدهرَ فاجع )
( كأنَّ بلادَ الله ما لم تكن بها ... وإن كان فيها الناسُ قَفْرٌ بَلاَقِع )
( فما أنت إذ بانت لُبَيْنَى بهاجعٍ ... إذا ما اطمأنّتْ بالنِّيَام المَضاجع )
صوت
( أُقَضِّي نهاري بالحديث وبالمُنَى ... ويَجْمعني والهمَّ بالليل جامعُ )
( نهارِي نهارُ الناس حتى إذا دَجَا ... لِيَ الليلُ هَزَّتْني إليكِ المضاجع )
( لقد رسَختْ في القلب منكِ مَودّةٌ ... كما رسَختْ في الراحتين الأصابع )
( أحالَ عليَّ الهمُّ من كلِّ جانب ... ودامتْ فلم تبرح عليَّ الفواجع )
( ألاَ إنّما أبكي لِما هو واقعٌ ... فهل جَزَعِي من وَشْكِ ذلك نافع )
( وقد كُنت أبكي والنَّوَى مطمئنّةٌ ... بنا وبكم من عِلْمِ ما البينُ صانع )
(9/250)

( وأَهجُركم هجرَ البَغيِض وحبُّكم ... على كبدي منه كُلومٌ صوادع )
( وأَعمِد للأرض التي لا أريدها ... لِتَرْجِعَني يوماً إليكِ الرواجع )
( وأشْفِق من هِجرانكم وتَرُوعني ... مَخافةُ وَشْكِ البين والشَّملُ جامع )
( فما كلُّ ما منَّتْكَ نفسُك خالياً ... تُلاَقِي ولا كلُّ الهوى أنت تابع )
( لَعَمْرِي لمَنْ أَمْسَى ولُبْنَى ضَجيعُه ... من الناس ما اختيرتْ عليه المضاجع )
( فتلك لُبَيْنَى قد تراخَى مَزارُها ... وتلك نَواها غُرْبةٌ ما تُطاوع )
( وليس لأمرٍ حاول اللهُ جمَعه ... مُشِتٌّ ولا ما فرَّق اللهُ جامع )
( فلا تَبْكِيَنْ في إثر لُبْنَى نَدَامةً ... وقد نَزَعتْها من يديك النوازع )
غنى الغريض في الثالث والرابع والأول والعشرين وهو لعمري لمن أمسى ولبنى ضجيعه ثقيلا أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وغنى إبراهيم الموصلي في العاشر وهو أقضي نهاري بالحديث وبالمنى والحادي عشر والثاني عشر رملا بالوسطى عن عمرو وقد قيل إن ثلاثة أبيات من هذه وهي أقضي نهاري بالحديث وبالمنى والبيتان اللذان بعده لابن الدمينة الخثعمي وهو الصحيح وإنما أدخلها الناس في هذه الأبيات لتشابهها
نهاية قيس ولبنى
وقد اختلف في آخر أمر قيس ولبنى فذكر أكثر الرواة أنهما ماتا على افتراقهما فمنهم من قال إنه مات قبلها وبلغها ذلك فماتت أسفا عليه ومنهم من قال بل ماتت قبله ومات بعدها أسفا عليها وممن ذكر ذلك
(9/251)

اليوسفي عن علي بن صالح صاحب المصلى قال قال لي أبو عمرو المدني
ماتت لبنى فخرج قيس ومعه جماعة من أهله فوقف على قبرها فقال
( ماتت لُبَيْنَى فموتُها مَوْتِي ... هل تنفعَنْ حَسْرتي على الفَوْتِ )
( وسوف أبكي بكاءَ مكتئبٍ ... قضى حياةً وَجْداً على مَيْت )
ثم أكب على القبر يبكي حتى أغمي عليه فرفعه أهله إلى منزله وهو لا يعقل فلم يزل عليلا لا يفيق ولا يجيب مكلما ثلاثا حتى مات فدفن إلى جنبها
وذكر القحذمي وابن عائشة وخالد بن جمل أن ابن أبي عتيق صار إلى الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم وجماعة من قريش فقال لهم إن لي حاجة إلى رجل أخشى أن يردني فيها وإني أستعين بجاهكم وأموالكم فيها عليه قالوا ذلك لك مبتذل منا فاجتمعوا ليوم وعدهم فيه فمضى بهم إلى زوج لبنى فلما رآهم أعظم مصيرهم إليه وأكبره فقالوا لقد جئناك بأجمعنا في حاجة لابن أبي عتيق قال هي مقضية كائنة ما كانت قال ابن أبي عتيق قد قضيتها كائنة ما كانت من ملك أو مال أو أهل قال نعم قال تهب لهم ولي لبنى زوجتك
(9/252)

وتطلقها قال فإني أشهدكم أنها طالق ثلاثا فآستحيا القوم واعتذروا وقالوا والله ما عرفنا حاجته ولو علمنا أنها هذه ما سألناك إياها وقال ابن عائشة فعوضه الحسن من ذلك مائة ألف درهم وحملها ابن أبي عتيق إليه فلم تزل عنده حتى انقضت عدتها فسأل القوم أباها فزوجها قيسا فلم تزل معه حتى ماتا قالوا فقال قيس يمدح ابن أبي عتيق
( جزى الرحمنُ أفضلَ ما يَجُازِي ... على الإِحسان خيراً من صديق )
( فقد جَرَّبتُ إخواني جميعاً ... فما ألْفَيْتُ كابنِ أبي عتيق )
( سعى في جمع شَمْلِي بعد صَدْعٍ ... ورَأيٍ حِدْتُ فيه عن الطريق )
( وأطفأ لوعةً كانت بقلبي ... أغصَّتْني حرارتُها بريقي )
قال فقال له ابن أبي عتيق يا حبيبي أمسك عن هذا المديح فما يسمعه أحد إلا ظنني قوادا مضى الحديث
ومن مدن معبد وهو الذي أوله
( يا دارَ عَبْلة بالجِواء تكلَّمي ... )
وقد جمع معه سائر ما يغنى فيه من القصيدة
منها
صوت
( هل غادر الشعراءُ من مُتَردَّمِ ... أم هل عَرَفتَ الدارَ بعد تَوَهمِ )
( يا دارَ عَبْلة بالجِوَاء تَكَلَّمِي ... وعِمِي صَباحاً دارَ عبلةَ واسْلَمي )
(9/253)

( وتَحُلّ عبلةُ بالجِوَاء وأهلُنا ... بالحَزْن فالصَّمَّان فالمُتَثلِّمِ )
( كيف القَرَارُ وقد تربَّع أهلُها ... بعُنَيْزَتَيْن وأَهلُنا بالغَيْلَمِ )
( حُيِّيتَ من طَلَلٍ تَقَادمَ عهدُه ... أَقْوَى وأَقْفرَ بعد أُمّ الهَيْثَم )
( ولقد نزلتِ فلا تَظُنِّي غيرَه ... منِّي بمنزلة المُحَبِّ المُكْرَمِ )
( ولقد خَشِيتُ بأن أموتَ ولم تَدُرْ ... للحرب دائرةٌ على ابنَيْ ضَمْضَم )
( الشَّاتِمَيْ عِرْضِي ولم أشتُمْهما ... والنَّاذِرَيْنِ إذا لَمَ القهما دمي )
( ولقد شَفَى نفسي وأبرأ سُقْمَها ... قِيل الفوارسِ وَيْكَ عنترُ فاقدُم )
( ما زِلتُ أرميهم بثُغْرة نَحْرِه ... ولَبَانِه حتى تَسَرْبلَ بالدَّم )
( هَلاَّ سألتِ الخيلَ يابنةَ مالكٍ ... إن كنتِ جاهلةً بما لم تَعْلَمي )
( يُخْبِرْكِ مَنْ شَهِد الوَقِيعةَ أَنّني ... أَعْشَى الوَغَى وأعفُّ عند المَغْنَم )
( يَدْعُون عَنْتَرَ والرِّماحُ كأنّها ... أشْطانُ بئرٍ في لَبَان الأدهمِ )
( فشكَكْتُ بالرُّمْح الطويلِ ثيابَه ... ليس الكريمُ على القَنَا بمحرَّمِ )
( فإذا شَرِبتُ فإنني مستهلِكٌ ... مالي وعِرْضِي وافرٌ لم يُكْلَم )
( وإذا صحوتُ فما أُقَصِّر عن نَدًى ... وكما علمتِ شمائلي وتكرّمي )
الشعر لعنترة بن شداد العبسي وقد تقدمت أخباره ونسبه وغنى في البيت الأول على ما ذكره ابن المكي إسحاق خفيف ثقيل أول بالوسطى وما وجدت هذا في رواية غيره وغنى معبد في البيت الثاني والثالث خفيف ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق وهو الصوت المعدود
(9/254)

في مدن معبد وغنى سلام الغسال في السابع والثامن والثالث والعاشر رملا بالسبابة في مجرى البنصر ووجدت في بعض الكتب أن له أيضا في السابع وحده ثاني ثقيل أيضا وذكر عمرو بن بانة أن هذا الثقيل الثاني بالوسطى لمعبد ووافقه يونس وذكر ابن المكي أن هذا الثقيل الثاني للهذلي وذكر غيره أنه لابن محرز وذكر أحمد بن عبيد أن في السابع ثقيلا أول للهذلي ووافقه حبش وذكر حبش أن في الثاني لمعبد ثقيلا أول وأن لابن سريج فيه رملا آخر غير رمل ابن الغسال وأن لابن مسجح أيضا فيه خفيف ثقيل بالوسطى وفي كتاب أبي العبيس له في الثالث لحن وفي كتاب أبي أيوب المديني لابن جامع في هذه الأبيات لحن ولمعبد في الحادي عشر والثاني عشر والخامس عشر والسادس عشر خفيف ثقيلا أول مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق أيضا ولعلويه في السادس والرابع ثاني ثقيل وله أيضا في الرابع عشر والثالث عشر رمل وفي كتاب هارون بن الزيات لعبد آل في الخامس ثقيل أول وقد نسب الثقيل الثاني المختلف فيه لابن محرز وفي كتاب هارون لأحمد النصبي في الرابع والخامس لحن
هل غادر الشعراء البيت يدفع اكثر الرواة أن يكون لعنترة وممن يدفعه الأصمعي وابن الأعرابي وأول القصيدة عندهما يا دار عبلة فذكر أبو عمرو الشيباني أنه لم يكن يرويه حتى سمع ابا حزام العكلي يرويه له
قوله هل غادر الشعراء من متردم يقول هل تركوا شيئا ينظر فيه لم ينظروا فيه والمتردم المتعطف وهو مصدر يقول هل تركوا شيئا يتردم عليه أي يتعطف ويقال تردمت الناقة على ولدها إذا تعطفت عليه وثوب مردم وملدم إذا سدت خروقه بالرقاع والربع المنزل سمي ربعا لارتباعهم فيه والربيعة الصخرة حكى أبو نصر أنه يقول هل ترك الشعراء من خرق لم يرقعوه وفتق لم يرتقوه وهو أشبه بقوله من متردم وقال غيره يعني بقوله
(9/255)

من متردم البناء وهو الردم أي لم يتركوا بناء إلا بنوه قال الله عز و جل ( أجعل بينكم وبينهم ردما ) يعني بناء وردم فلان حائطه أي بناه والجواء بلد بعينه والجواء أيضا جمع جو وهو البطن الواسع من الأرض عمي صباحا وانعمي صباحا تحية تربع أهلها نزلوا في الربيع وعنيزتين أكمة سوداء بين البصرة ومكة والغيلم موضع والطلل ما كان له شخص من الدار مثل أثفية أو وتد أو نؤي وتقول العرب حيا الله طللك أي شخصك وابنا ضمضم حصين وهرم المريان وثغرة نحره موضع لبته واللبان مجرى لببه من صدره وهو الصدر نفسه ويروى بغرة وجهه وتسربل أي صار له سربال من الدم وقوله هلا سألت الخيل يريد فرسان الخيل كما قال الله تعالى ( واسأل القرية ) والوقيعة الوقعة والوغى والوحى أصوات الناس وجلبتهم في الحرب وقال الشاعر
( وليلٍ كَسَاجِ الحِمْيَرِيِّ ادَّرعتُه ... كأنَّ وَغَى حافاتِه لَغَطُ العُجْمِ )
والأشطان الحبال واحدها شطن شبه اختلاف الرماح في صدر فرسه بالأشطان وشككت بالرمح نظمت وقال أبو عمرو يعني بثيابه قلبه والعرض موضع المدح والذم من الرجل يقال طيب العرض أي طيب ريح الجسم والكلوم الجراح والوافر التام وشمائلي أخلاقي واحدها شمال يقال فلان حلو الشمائل والنحائت والضرائب والغرائز
سبب قول عنترة معلقته
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا أبو سعيد السكري قال قال أبو عمرو الشيباني قال عنترة هذه القصيدة لأن رجلا من بني عبس سابه فذكر سواده وسواد
(9/256)

أمه وإخوته وعيره ذلك فقال عنترة والله إن الناس ليترافدون بالطعمة فوالله ما حضرت مرفد الناس أنت ولا أبوك ولا جدك قط وإن الناس ليدعون في الفزع فما رأيتك في خيل قط ولا كنت في أول النساء وإن اللبس يعني الاختلاط ليكون بيننا فما حضرت أنت ولا أحد من أهل بيتك لخطة فيصل قط وكنت فقعا بقرقرة ولو كنت في مرتبتك ومغرسك الذي أنت فيه ثم ما جدتك لمجدتك أو طاولتك لطلتك ولو سألت أمك وأباك عن هذا لأخبراك بصحته وإني لأحتضر الوغى وأوفى المغنم وأعف عن المسألة وأجود بما ملكت وأفصل الخطة الصمعاء فقال له الآخر أنا أشعر منك فقال ستعلم وكان عنترة لا يقول من الشعر إلا البيت أو البيتين في الحرب فقال هذه القصيدة ويزعمون أنها أول قصيدة قالها وكانت العرب تسميها المذهبة
نسبة الأصوات التي جعلت مكان بعض هذه الأصوات في مدن معبد وهن
صوت
( تَقطَّع من ظَلاَّمةَ الوصلُ أَجْمَعُ ... أخيراً على أنْ لم يكن يَتَقَطَّعُ )
( وأصبحتُ قد وَدّعت ظَلاَّمةَ التي ... تَضُرُّ وما كانت مع الضُّرّ تنفع )
الشعر لكثير والغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بالبنصر عن عمرو ويونس
(9/257)

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني سليمان بن عياش السعدي قال قال السائب راوية كثير وأخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال زعم ابن الكلبي عن أبي المقوم قال حدثني سائب راوية كثير قال كنت مع كثير عند ظلامة فأقمنا أياما فلما أردنا الانصراف عقدت له في علاقة سوطه عقدا وقالت احفظها ثم انصرفنا فمررنا على ماء لبني ضمرة فقال إن في هذه الأخبية جارية ظريفة ذات جمال فهل لك أن تستبرزها فقلت ذاك إليك قال فملنا إليهم فخرجت إلينا جاريتها فأخرجتها إلينا فإذا هي عزة فجلس معها يحادثها وطرح سوطه بينه وبينها إلى أن غلبته عيناه وأقبلت عزة على تلك العقد تحلها واحدة واحدة فلما استيقظ انصرفنا فنظر إلى علاقة سوطه فقال أحلتها قلت نعم فلا وصلها الله والله إنك لمجنون قال فسكت عني طويلا ثم رفع السوط فضرب به واسطة رحله وأنشأ يقول
( تقطَّع من ظَلاَّمة الوصلُ أجمعُ ... أخيراً على أن لم يكن يتقطَّعُ )
( وأصبحتُ قد ودّعت ظَلاّمةَ التي ... تَضُرُّ وما كانت مع الضُّرِّ تنفَع )
( وقد سُدَّ من أبواب ظَلاَّمة التي ... لنا خَلَفٌ للنَّفْس منها ومَقْنَع )
ثم وصل عزة بعد ذلك وقطع ظلامة
ومنها
وهو الذي أوله خمصانة قلق موشحها
(9/258)

صوت
( أَقْوَى مِنَ الِ ظُلَيمةَ الحَزْمُ ... فالغَمْرتانِ فأَوْحَش الخَطْمُ )
( فجنوبُ أَثْبِرةٍ فَمُلْحَدُها ... فالسِّدْرتانِ فما حَوَى دَسْمُ )
( وبما أرَى شخصاً به حسناً ... في القوم إذ حَيَّتْكُمُ نُعْمُ )
( إذ وُدُّها صافٍ ورؤيتُها ... أمنيَّةٌ وكلامُها غُنْمُ )
( لَفّاءُ مملوءٌ مُخَلْخَلُها ... عَجْزاءُ ليس لعَظْمها حَجْمُ )
( خَمْصانةٌ قَلِقٌ موشَّحُها ... رُؤْدُ الشبابِ عَلا بها عَظْم )
( وكأنَّ غاليَةً تُباشرها ... تحت الثيابِ إذا صَغا النَّجمُ )
(9/259)

( أظُلَيمُ إنّ مُصَابَكم رجلاً ... أَهْدَى السلامَ تحيةً ظُلْمُ )
( أَقْصيتِه وأراد سَلْمَكمُ ... فَلْيَهْنِهِ إذْ جاءكِ السَّلْمُ )
عروضه من الكامل الشعر للحارث بن خالد المخزومي والغناء لمعبد ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى البنصر قال ولحن معبد
( خمصانةٌ قَلِقٌ مُوَشَّحُها ... )
وأول لحن مالك
( أقوى مِنَ الِ ظُلْيمةَ الحزمُ ... )
(9/260)

ذكر الحارث بن خالد ونسبه وخبره في هذا الشعر
الحارث بن خالد بن العاصي بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وقد تقدم ذكره وأخباره في كتاب المائة المختارة في بعض الأغاني المختارة التي شعرها له وهو
( إنّ امرأً تَعْتادُه ذِكَرُ ... )
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال بلغني أن الحارث بن خالد بن العاصي بن هشام بن المغيرة ويقال بل خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد بن المغيرة كان تزوج حميدة بنت النعمان بن بشير بدمشق لما قدم على عبد الملك بن مروان فقالت فيه
( نكَحتُ المدينيَّ إذ جاءني ... فيا لَكِ من نَكْحَةٍ غاوية )
( كهولُ دِمَشْقَ وشُبَّانُها ... أحبُّ إلينا من الجالِية )
( صُنَانٌ لهم كصُنَان التُّيُوس ... أعيا على المسك والغالية )
(9/261)

فقال الحارث يجيبها
صوت
( أَسَنَا ضوءِ نار ضَمْرة بالقَفْرة ... أبصرْتَ أم سَنَا ضوءِ بَرْقِ )
( قاطناتُ الحَجُونِ أَشْهَى إلى قلبيَ ... من ساكنات دُورِ دِمَشْقِ )
( يَتَضوَّعْنَ لو تضمَّخْنَ بالمسكِ ... صُنَاناً كأنّه رِيحُ مَرْقِ )
غناه مالك بن أبي السمح خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر من رواية إسحاق وفيه لابن محرز لحن من رواية عمرو بن بانة ثقيل أول بالوسطى
رجعت الرواية إلى خبر الحارث
قال وطلقها الحارث فخلف عليها روح بن زنباع قال وكان الحارث خطب أمة لمالك بن عبد الله بن خالد بن أسيد وخطبها عبد الله بن مطيع
(9/262)

فتزوجها عبد الله ثم طلقها أو مات عنها فتزوجها الحارث بن خالد بعد ذلك وقال فيها قبل أن يتزوج
( أَقْوَى مِنَ آلِ ظُليمةَ الحَزْمُ ... فالغَمْرتانِ فأَوْحَش الخَطْمُ )
الأبيات التي فيها الغناء
قال وأخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدثنا محمد بن الحكم عن عوانة بهذا الخبر فذكر مثله ولم يذكر أن الحارث هو المتزوجها وفسر قولها
( أحبُّ إلينا من الجالِيةْ ... )
وقال الجالية أهل الحجاز كان أهل الشام يسمونهم بذلك لأنهم كانوا يجلون عن بلادهم إلى الشام وقال في الحديث فبلغ عبد الملك قولها فقال لولا أنها قدمت الكهول على الشبان لعاقبتها
قال عوانة وكانت لحميدة أخت يقال لها عمرة وكانت تحت المختار ابن أبي عبيد الثقفي فأخذها مصعب بعد قتله المختار وأخذ امرأته الأخرى وهي بنت سمرة بن جندب فأمرهما بالبراءة من المختار أما بنت سمرة فبرئت منه وأبت ذلك عمرة فكتب به مصعب إلى أخيه عبد الله فكتب
(9/263)

إليه إن أبت أن تبرأ منه فاقتلها فأبت فحفر لها حفيرة وأقيمت فيها فقتلت فقال عمر بن أبي ربيعة في ذلك
( إنّ من أعجبِ العجائب عندي ... قتل بيضاءَ حُرَّةٍ عُطْبولِ )
( قُتِلتْ حُرَّةٌ على غير جُرْمٍ ... إنّ للهِ دَرَّها من قَتيل )
( كُتب القتلُ والقتالُ علينا ... وعلى الغانياتِ جَرُّ الذيول )
رجع الحديث إلى رواية عمر بن شبة
قال أبو زيد وحدثني ابن عائشة عن أبيه بهذا الخبر ونحوه وزاد فيه أن الحارث لما تزوجها قالت فيه
( نكَحتُ المدِينيَّ إذ جاءني ... فيا لكِ من نَكْحةٍ غاويهْ )
وذكر الأبيات المتقدمة وقال عمر بن شبة فيه وتزوجها روح بن زنباع فنظر إليها يوما تنظر إلى قومه جذام وقد اجتمعوا عنده فلامها فقالت وهل أرى إلا جذام فوالله ما أحب الحلال منهم فكيف بالحرام وقالت تهجوه
( بكى الخَزُّ من رَوْحٍ وأنكر جلدَه ... وعَجَّتْ عَجيجاً من جُذامَ المطارفُ )
( وقال العَبَا قد كنتُ حيناً لباسَكم ... وأكسيةٌ كُرْدِيَّةٌ وقَطائفُ )
فقال روح
( إن تَبْكِ منّا تَبْكِ ممن يُهِينُها ... وإن تَهْوَكم تهوَ اللِّئامَ المقَارِفَا )
وقال روح
( أَثْنِي عليَّ بما علمتِ فإنَّني ... مُثْنٍ عليكِ لبئس حَشوُ المِنْطَق )
(9/264)

فقالت
( أثْنِي عليكَ بأنّ باعَكَ ضَيِّقٌ ... وبأن اصْلَك في جُذَامٍ مُلْصَقُ )
فقال روح
( أَثْنِي عليَّ بما عَلِمْتِ فإنّني ... مُثْنٍ عليكِ بمثل رِيح الجَوْرَب )
فقالت
( فثناؤنا شرُّ الثَّنَاء عليكمُ ... أَسْوَا وأنْتَنُ من سُلاَح الثَّعْلَبِ )
وقالت
( وهل أنا إلا مُهْرَةٌ عربيّةٌ ... سَليلةُ أفراس تجلَّلها بَغْلُ )
( فإنْ نُتِجتُ مُهْراً كريماً فبالحَرَى ... وإن يك إقرافٌ فما أَنْجب الفحلُ )
فقال روح
( فما بالُ مُهْرٍ رائعٍ عَرَضتْ له ... أتانٌ فبالتْ عند جَحْفَلة البغِل )
( إذا هو وَلّى جانباً ربَخَتْ له ... كما ربختْ قَمْراءُ في دَمسٍ سهل )
وقالت عمرة لأخيها أبان بن النعمان
( أطال اللهُ شأوك من غُلاَمٍ ... متى كانتْ مَنَاكِحَنا جُذَامُ )
(9/265)

( أترضَى بالأكارع والذُّنَابَى ... وقد كنّا يَقِرُّ بنا السَّنامُ )
وقال ابن عم لروح
( رَضِي الأشياخ بالفِطْيَوْنِ فَحْلاً ... وترغَب للحماقة عن جُذامِ )
( يهوديٌّ له بُضْعُ العَذَارَى ... فقبحاً للكهول وللغلام )
( تُزَفُّ إليه قبل الزوج خَوْدٌ ... كأنْ شَمْساً تدلَّتْ من غَمام )
( فأبقى ذلكم عاراً وخِزْياً ... بقاءَ الوَحْيِ في صُمِّ السِّلام )
( يهودٌ جُمِّعُوا من كلِّ أَوْبٍ ... وليسوا بالغَطَاريفِ الكرام )
وقالت
( سُمِّيتَ رَوْحاً وأنت الغمُّ قد عَلِموا ... لا روَّح اللهُ عن رَوْح بن زِنْباعِ )
فقال روح
( لا روَّح الله عمن ليس يمنعنا ... مالٌ رَغيبٌ وبعلٌ غير مِمناعِ )
( كشافعٍ جَوْنةٍ ثُجْلٍ مَخَاصِرُها ... دَبَّابةٍ شَثْنةِ الكَفَّينِ جُبّاع )
(9/266)

قال والجباع القصيرة والجباع من السهام الذي لا نصل له والجباع الرصف
وقالت
( تُكَحِّل عينيكَ بَرْدَ العَشيّ ... كأنّكَ مُومِسةٌ زانيهْ )
( وآيةُ ذلك بعد الخُفُوقِ ... تَغَلُّفُ رأسِك بالغاليه )
( وأنّ بَنِيكَ لرَيْبِ الزمان ... أمستْ رقابهمُ حاليه )
( فلوكان أَوْسٌ لهم حاضراً ... لقال لهم إنّ ذا ماليه )
وأوس رجل من جذام يقال إنه استودع روحا مالا فلم يرده عليه فقال لها روح
( إن يكن الخُلْعُ من بالكم ... فليس الخلاعةُ من باليهْ )
( وإن كان مَنْ قد مضىَ مثلَكم ... فأُفٍّ وتُفٍّ على الماضيه )
( وما إنْ بَرَا اللهُ فاستيقنيه ... من ذات بعلٍ ومن جاريه )
( شبيهاً بك اليوم فيمن بَقِي ... ولا كان في الأَعْصرُ الخاليه )
( فبُعداً لَمِحْياكِ إذ ما حَيِيتِ ... وبُعداً لأَعظُمِك الباليه )
وقال روح في بعض ما يتنازعان فيه اللهم إن بقيت بعدي فابتلها ببعل يلطم وجهها ويملأ حجرها قيئا فتزوجها بعده الفيض بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل وكان شابا جميلا يصيب من الشراب فأحبته فكان ربما أصاب من الشراب مسكرا فيلطم وجهها ويقيء في حجرها فتقول يرحم الله أبا زرعة قد أجيبت دعوته في وقالت لفيض
( سُمِّيت فيضاً وما شيءٌ تَفِيضُ به ... إلاّ سُلاَحَكَ بين الباب والدارِ )
(9/267)

( فتلك دعوةُ رَوْحِ الخيرِ أعرِفُها ... سقَى الإِلهُ صَدَاه الأَوْطَفَ السَّارِي )
وقالت لفيض أيضا
( ألا يَا فَيْضُ كنتُ أراكَ فَيْضاً ... فلا فَيْضاً أصبتُ ولا فُرَاتا )
وقالت
( وليس فيضٌ بفَيّاضِ العَطاء لنا ... لكنَّ فيضاً لنا بالقّيْءِ فَيّاضُ )
( ليثُ اللُّيوثِ علينا باسلٌ شَرِسٌ ... وفي الحروب هَيُوبُ الصدرِ جَيَّاضُ )
فولدت من الفيض ابنة فتزوجها الحجاج بن يوسف وقد كانت قبلها عند الحجاج أم أبان بنت النعمان بن بشير فقالت حميدة للحجاج
( إذا تذكَّرتُ نكاحَ الحَجّاجْ ... من النَّهارِ أو من اللَّيل الداجْ )
( فاضتْ له العينُ بدمع ثَجَّاجْ ... وأُشْعِل القلبُ بوَجْدٍ وَهَّاجْ )
( لو كان نُعمانُ قتيلُ الأَعْلاجْ ... مسْتَوِيَ الشَّخصِ صَحِيحَ الأوداجْ )
( لكنتَ منها بمكان النَّسَّاجْ ... قد كنتُ أرجو بعضَ ما يرجو الرَّاجْ )
( أن تَنْكِحيه مَلِكاً أو ذا تاجْ ... )
فقدمت حميدة على ابنتها زائرة فقال لها الحجاج يا حميدة إني كنت
(9/268)

أحتمل مزاحك مرة وأما اليوم فإني بالعراق وهم قوم سوء فإياك فقالت سأكف حتى أرحل
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا سليمان بن أيوب قال حدثنا المدائني عن مسلمة بن محارب قال قالت حميدة بنت النعمان لزوجها روح بن زنباع وكان أسود ضخما كيف تسود وفيك ثلاث خصال أنت من جذام وأنت جبان وأنت غيور فقال أما جذام فأنا في أرومتها وبحسب الرجل أن يكون في أرومة قومه وأما الجبن فإنما لي نفس واحدة ولو كان لي نفسان لجدت بإحداهما وأما الغيرة فهو أمر لا أحب أن أشارك فيه وإن المرء لحقيق بالغيرة على المرأة مثلك الحمقاء الورهاء لا يأمن أن تأتي بولدمن غيره فتقذفه في حجره ثم ذكر باقي خبرها مثل ما تقدم وقال فيه فخلف بعده عليها الفيض بن محمد عم يوسف بن عمر فكان يشرب ويلطمها ويقيء في حجرها فقالت
( سُمِّيتَ فَيْضا وما شيءٌ تَفيض به ... إلا سُلاحَكَ بين الباب والدار )
قال المدائني وتمثل فيض يوما بهذا البيت
( إن كنتِ ساقيةً يوماً على كَرَمٍ ... صَفْوَ المدامةِ فاسقِيها بني قَطَنِ )
ثم تحرك فضرط فقالت واسق هذه أيضا بني قطن
وهذا الصوت أعني
( أَقْوَى مِن آلِ ظُلَيْمةَ الحَزْمُ ... )
(9/269)

هو الصوت الذي أشخص الواثق له أبا عثمان المازني بسبب بيت منه اختلف في إعرابه بحضرته وهو قوله
( أظُلَيْمُ إنّ مُصابَكم رجلاً ... أَهْدَى السَّلامَ تَحِيَّةً ظُلْمُ )
وقال آخرون رجل حدثني بذلك علي بن سليمان الأخفش عن أبي العباس محمد بن يزيد عن أبي عثمان وأخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا القاسم بن إسماعيل وعون بن محمد وعبد الواحد بن العباس بن عبد الواحد والطيب بن محمد الباهلي يزيد بعضهم على بعض قالوا حدثنا أبو عثمان المازني قال كان سبب طلب الواثق لي أن مخارقا غنى في مجلسه
( أظُلَيمُ إنّ مُصابَكم رجلاً ... أَهْدَى السَّلامَ تحيّةً ظلمُ )
فغناه مخارق رجل فتابعه بعض القوم وخالفه آخرون فسأل الواثق
(9/270)

عمن بقي من رؤساء النحويين فذكرت له فأمر بحملي فلما وصلت إليه قال ممن الرجل قلت من بني مازن قال أمن مازن تميم أم مازن قيس أم مازن ربيعة أم مازن اليمن قلت من مازن ربيعة فقال لي با اسمك يريد ما اسمك وهي لغة كثيرة في قومنا فقلت على القياس مكر أي بكر فضحك فقال اجلس واطبئن يريد واطمئن فجلست فسألني عن البيت فقلت إن مصابكم رجلا فقال أين خبر إن قلت ظلم وهو الحرف الذي في آخر البيت وقال الأخفش في خبره وقلت له إن معنى مصابكم إصابتكم مثل ما تقول إن قتلكم رجلا حياكم ظلم ثم قلت يا أمير المؤمنين إن البيت كله معلق لا معنى له حتى يتم بقوله ظلم ألا ترى أنه لو قال أظليم إن مصابكم رجل أهدى السلام تحية لما احتيج إلى ظلم ولا كان له معنى إلا أن يجعل التحية بالسلام ظلما وذلك محال ويجب حينئذ أن يقول
( أَظُليمُ إن مُصابَكم رجلٌ ... أَهْدَى السَّلامَ تحيّةً ظُلْما )
ولا معنى لذلك ولا هو لو كان له وجه معنى قول الشاعر في شعره فقال صدقت ألك ولد قلت بنية لا غير قال فما قالت حين ودعتها قال قلت أنشدت شعر الأعشى
( تقول ابنتي حين جَدَّ الرَّحِيلُ ... أَرَانا سواءً ومَنْ قد يَتِمْ )
( أبانا فلا رِمْتَ من عندِنا ... فإنّا بخَيرٍ إذا لم تَرِمْ )
( أَرَانا إذا أضمرتْك البلادُ ... نُجْفَى وتُقْطَع منّا الرَّحِمْ )
قال فما قلت لها قال قلت لها قول جرير
( ثِقِي بالله ليس له شريكٌ ... ومِن عندِ الخليفةِ بالنَّجاحِ )
فقال ثق بالنجاح إن شاء الله تعالى إن ها هنا قوما يختلفون إلى أولادنا فامتحنهم فمن كان منهم عالما ينتفع به ألزمناهم إياه ومن كان بغير هذه الصورة قطعناه عنهم فأمر فجمعوا إلي فامتحنتهم فما وجدت فيهم طائلا
(9/271)

وحذروا ناحيتي فقلت لا بأس على أحد فلما رجعت إليه قال كيف رأيتهم قلت يفضل بعضهم بعضا في علوم ويفضل الباقون في غيرها وكل يحتاج إليه فقال لي الواثق إني خاطبت منهم واحدا فكان في نهاية من الجهل في خطابه ونظره فقلت يا أمير المؤمنين أكثر من تقدم منهم بهذه الصفة ولقد أنشدت فيهم
( إنّ المعلِّمَ لا يزال مُضَعَّفاً ... ولو ابتنَى فوق السماء بناءَ )
( من علَّم الصبيانَ أضْنَوْا عقلَه ... مما يلاقي غُدْوةً ومَساء )
مضى الحديث
ومنها
صوت
( يومَ تُبْدِي لنا قُتَيْلةُ عن جِيد ... أَسيلٍ تَزِينُه الأطواقُ )
( وشَتِيتٍ كالأقْحُوانِ جَلاَه الطَّلُّ ... فيه عُذوبةٌ واتِّساق )
الشعر للأعشى والغناء لمعبد وذكر إسحاق أن لحنه خفيف ثقيل من أصوات قليلات الأشباه وذكر عمرو بن بانة أن لحنه من الثقيل الأول بالبنصر ولإسحاق لحن من الثقيل أيضا وهو مما عارض فيه معبدا فانتصف منه ومن أوائل أغانيه وصدورها
أخبرنا إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة عن إسحاق قال ذكر الحسن بن عتبة اللهبي المعروف بفورك قال قال لي الوليد بن يزيد أريد الحج فما يمنعني منه إلا أن يلقاني أهل المدينة بقتيلات معبد وبقصره ونخله فأفتضح به طربا يعني ثلاثة أصوات لمعبد من شعر الأعشى في قتيلة هذه ونسبتها تأتي بعد ويعني بقصره ونخله لحنه
(9/272)

( القصرُ فالنخلُ فالجَمَّاء بينهما ... )
قال أبو زيد قال إسحاق وحدثني عبد الملك بن هلال وبلغني أن فتية من قريش دخلوا إلى قينة ومعهم روح بن حاتم المهلبي فتماروا فيما يختارونه من الغناء فقالت لهم أغني لكم صوتا يزيل الاختلاف ويوقع بينكم الاجتماع فرضوا بها فغنت
( يومَ تُبْدِي لنا قُتَيْلةُ عن جِيد ... أَسِيلٍ تَزِينُه الأطواقُ )
فرضوا به واتفقوا على أنه أحسن صوت يعرفونه وأقاموا عندها أسبوعا لا يسمعون غيره
نسبة أصوات معبد في قتيلة
منها
( أثَوَى وقَصَّر ليلَه ليُزَوَّدا ... فمضىَ وأُخْلِف من قُتَيْلَة مَوْعِدا )
( يَجْحَدْنَ دَيْني بالنَّهار وأقتضِي ... دَيْني إذا وقَذ النُّعاسُ الرُّقَّدا )
( وأرى الغوانيَ لا يُواصِلْنَ امرأً ... فقَد الشَّبابَ وقد يَصِلْنَ الأمردا )
الشعر للأعشى والغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بالوسطى
(9/273)

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أبو شراعة في مجلس الرياشي قال حدثت أن رجلا نظر إلى الأعشى يدور بين البيوت ليلا فقال له يا أبا بصير إلى أين في هذا الوقت فقال
( يجحدن دَيْنِي بالنَّهار وأقتضِى ... دَيْني إذا وقَذ النُّعاسُ الرُّقَّدا )
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا يعقوب بن إسرائيل قال حدثنا أحمد بن القاسم بن جعفر بن سليمان قال حدثني إسحاق الموصلي قال حدثني أبي قال غنيت بين يدي الرشيد وستارته منصوبة
( وأرى الغوانيَ لا يُواصلن امرأً ... فقَد الشبابَ وقد يَصلْنَ الأمردا )
فطرب واستعاده وأمر لي بمال فلما أردت أن أنصرف قال لي يا عاض كذا وكذا أتغني بهذا الصوت وجواري من وراء ستارة يسمعنه لولا حرمتك لضربت عنقك فتركته والله حتى أنسيته
ومنها
صوت
( أَلمَّ خيالٌ من قُتَيْلةَ بعد ما ... وهى حبلُها من حبالنا فَتَصرَّمَا )
( فبِتُّ كأنيِّ شاربٌ بعد هَجْعةٍ ... سُخَاميَّةً حمراءَ تُحْسَبُ عَنْدَمَا )
الشعر للأعشى والغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بالبنصر عن عمرو وفيه لابن محرز ثاني ثقيل بالوسطى عنه وعن ابن المكي
(9/274)

سبعة ابن سريج
فأما السبعة التي جعلت لابن سريج بإزاء سبعة معبد فإني قرأت خبرها في كتاب محمد بن الحسن قال حدثني الحسين بن أحمد الأكثمي عن أبيه قال ذكرنا عند إسحاق يوما أصوات معبد السبعة فقال والله ما سبعة ابن سريج بدونهن فقلنا له وأي سبعة فقال إن مغني المكيين لما سمعوا بسبعة معبد وشهرتها لحقتهم لذلك غيرة فاجتمعوا فاختاروا من غناء ابن سريج سبعة فجعلوها بإزاء سبعة معبد ثم خايروا أهل المدينة فانتصفوا منهم فسألوا إسحاق عن السبعة السريجية فقال منها
( تَشَكَّى الكُمَيْتُ الجَرْيَ لما جَهَدتُه ... )
وقد مضت نسبته في الثلاثة الأصوات المختارة
( و لقد حَبَّبت نُعْمٌ إِلينا بوجهها ... )
( و قَرَّب جِيرانُنا جِمالَهمُ ... )
( و أَرِقتُ وما هذا السُّهاد المؤرِّقُ ... )
وقد مضى في أخبار الأعشى المذكورة في مدن معبد
( و بَيْنَا كذاك إذا عَجَاجةُ مَوْكِبٍ ... )
( و فلم أَرَ كالتَّجْمير منظَر ناظرٍ ... )
وقد مضى في الأرمال المختارة
( و تَضوَّع مِسْكاً بطنُ نَعْمَانَ إذ مشتْ ... )
(9/275)

وقد ذكر في المائة مع غيره في شعر النميري
( و إن جاء فلْيَأْتِ على بغلةٍ ... ) نسبة ما لم تمض نسبته من هذه الأصوات إذ كان بعضها قد مضى متقدما
فمنها
صوت
( لقد حَبَّبتْ نُعْمٌ إلينا بوجهِها ... مساكنَ ما بين الوَتَائر فالنَّقْع )
( ومن أَجْلِ ذاتِ الخال أَعْملتُ ناقتي ... أكلِّفها سَيْرَ الكَلاَلِ مع الظَّلْع )
عروضه من الطويل والشعر لعمر بن أبي ربيعة والغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالبنصر وذات الخال التي عناها هاهنا عمر امرأة من ولد أبي سفيان بن حرب كان عمر يكني عنها بذلك
(9/276)

حدثني علي بن صالح بن الهيثم قال حدثني أبو هفان عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن الزبيري والمسيبي ومحمد بن سلام والمدائني وأخبرنا به الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي ولم يتجاوزه أن عمر بن أبي ربيعة وابن أبي عتيق كانا جالسين بفناء الكعبة إذا مرت بهما امرأة من آل أبي سفيان فدعا عمر بكتف فكتب إليها وكنى عن اسمها
صوت
( أَلِمَّا بذاتِ الخالِ فاستطلِعا لنا ... على العهد باقٍ ودُّها أم تَصَرَّما )
( وقولاَ لها إنّ النَّوَى أجنبيّةٌ ... بنا وبكم قد خِفتُ أن تَتَيمَّما )
غناه ابن سريج خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق قال فقال له ابن أبي عتيق سبحان الله ما تريد إلى امرأة مسلمة محرمة أن تكتب إليها مثل هذا قال فكيف بما قد سيرته في الناس من قولي
( لقد حَبَّبتْ نُعْمٌ إلينا بوجهِها ... مساكنَ ما بين الوَتَائر و النَّقْع )
( ومن أَجْلِ ذاتِ الخال أَعْملتُ ناقتي ... أدًلِّفها سيْرَ الكَلاَلِ مع الظَّلْع )
( ومن أجل ذات الخال يومَ لقِيُتها ... بمُنْدَفَع الأخباب أَخْضلنِي دمعي )
(9/277)

( ومن أجل ذات الخال آلَفُ منزلاً ... أحُلُّ به لا ذا صديقٍ ولا زَرْع )
( ومن أجل ذات الخال عُدْتُ كأنني ... مُخَامَرُ سُقْمٍ داخلٍ أو أخو رَبْع )
( ألِمّا بذات الخال إن مُقَامَها ... لدى الباب زاد القلبَ صَدْعاً على صَدْع )
( وأُخرَى لَدَى البيت العَتيق نظرتُها ... إليها تَمشّتْ في عظامي وفي سمعي )
وقال الحرمي في خبره أما ترى ما سار لي من الشعر ما علم الله أني اطلعت حراما قط ثم انصرفنا فلما كان من الغد التقينا فقال عمر أشعرت أن ذلك الإنسان قد رد الجواب قال وما كان من رده قال كتب
صوت
( أمسى قَرِيضُك بالهوى نَمَّاما ... فارْبَعْ هُديتَ وكن له كَتَّاما )
( واعلم بأن الخال حين وصفتَه ... قعد العدوُّ به عليك وقاما )
( لا تحسَبنَّ الكاشحين عَدِمتَهم ... عما يسوءك غافلين نِياما )
( لا تمكننَّ من الدَّفِينة كاشحاً ... يتلو بها حفظاً عليك إماما )
غنى فيه سليم خفيف رمل بالبنصر عن عمرو قال وفيه لفريدة وإبراهيم لحنان وفي بعض النسخ لإسحاق فيه ثقيل أول غير منسوب وذكر حبش أن خفيف الرمل لفريدة
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال أخبرنا أبو أيوب المديني عن محمد ابن سلام قال وأخبرني حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن سلام قال سألت عمر بن أبي خليفة العبدي وكان عابدا وكان يعجبه الغناء أي
(9/278)

القوم كان أحسن غناء قال ابن سريج إذا تمعبد يريد إذا غنى في مذهب معبد من الثقيل قلت مثل ماذا قال مثل صوته
صوت
( لقد حَبَّبتْ نُعْمٌ إلينا بوجهها ... مساكنَ ما بين الوَتَائر فالنَّقْع )
وقال حماد بن إسحاق حدثني أبي قال حدثني أبو محمد العامري قال جلس معبد والأبجر وجماعة من المغنين فتذاكروا ابن سريج وما اشتهاه الناس من غنائه فقالوا ما هو إلا من غناء الزطف والمخنثين فنمي الحديث إلى ابن سريج فغنى
( لقد حَبَّبتْ نعمٌ إلينا بوجهها ... )
فلما جاء معبد وأصحابه واجتمعوا غناهم إياه فلما سمعوه قاموا هاربين وجعل ابن سريج يصفق خلفهم ويقول إلى أين إنما هو ابن ليلته فكيف لو اختمر قال فقال معبد دعوه مع طرائقه الأول ولا تهيجوه على طرائقكم وإلا لم يدع لكم والله خبزا تأكلونه
قال الزبير في خبره عن عمه وعلق نعما هذه فقال فيها شعرا كثيرا ونحن نذكر هاهنا ما فيه غناء من ذلك فمنه قوله
صوت
( خَطَرتْ لذات الخال ذِكْرَى بعد ما ... سلَك المَطِيُّ بنا على الأنصابِ )
(9/279)

( أنصابِ عمرةَ والمَطِيُّ كأنَّها ... قِطَعُ القَطَا صدَرتْ عن الأَجْباب )
( فانْهَلّ دمعي في الرِّداء صَبابةً ... فسترتُه بالُبرْدِ عن أصحابي )
( فرأى سوابقَ دمعةٍ مسكوبةٍ ... بَكْرٌ فقال بكَى أبو الخَطّاب )
عروضه من الكامل بكر الذي ذكره هاهنا عمر هو ابن أبي عتيق وهو يسميه في شعره ببكر وبعتيق وإياه يعني بقوله
( لا تَلُمْنِي عَتِيقُ حَسْبِي الذي بي ... إنّ بي يا عَتيقُ ما قد كفاني )
الغناء في خطرت لذات الخال للغريض ولحنه ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق وذكر عمرو بن بانة أن فيه ثقيلا أول بالبنصر لأبي سعيد مولى فائد
وأخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثني عمي أن عمر بن أبي ربيعة وافقها وهي تستلم الركن فقرب منها فلما رأته تأخرت وبعثت إليه جاريتها فقالت له تقول لك ابنة عمك إن هذا مقام لا بد منه كما ترى وأنا اعلم أنك ستقول في موقفنا هذا فلا تقولن هجرا فأرسل إليها لست أقول إلا خيرا ثم تعرض لها وهي ترمي الجمار فأعرضت عنه واستترت فقال
صوت
( دِينَ هذا القلبُ من نُعْمِ ... بسَقَامٍ ليس كالسُّقْمِ )
( إن نُعْماً أقصدتْ رجلاً ... آمِناً بالخَيْفِ إذ تَرْمي )
( اِسمعي منّا تَحَاوُرَنا ... واحكُمِي رُضِّيتُ بالحكم )
( بشَتيتٍ نبتُه رَتِلٍ ... طيِّبِ الأنياب والطَّعْم )
(9/280)

( يأتِكم منه بحُجَّته ... فله العُتْبَى ولا أَحْمي )
عروضه من المديد الغناء لإسحاق خفيف رمل بالوسطى عن عمرو وفيه لمالك ثقيل أول من أصوات قليلات الأشباه عن إسحاق وفيه لابن سريج رمل بالبنصر عن حبش وفيه لابن مسجح ثقيل أول بالوسطى عن حبش أيضا وذكر الهشامي أن هذا الصوت مما يشك فيه أنه لمعبد أو غيره
قال وقال فيها أيضا
صوت
( أبِينِي اليومَ أيْ نُعْمُ ... أوَصْلٌ منكِ أم صُرْمُ )
( فإن يك صُرْمُ عاتبةٍ ... فقد نَغْنَى وهُو سَلْم )
( تَلُومكَ في الهوى نُعْمُ ... وليس لها به عِلْمُ )
( صحيحٌ لو رأى نُعْماً ... لخالط جسمَه سُقْمُ )
عروضه من الهزج غناه مالك ولحنه ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وفيه لمتيم خفيف رمل بالبنصر عن إسحاق وذكر أن فيه أيضا صنعة لابن سريج
ومما يغنى فيه مما قاله فيها وهو من قصيدة طويلة
(9/281)

صوت
( فقلتُ لَجنَّادٍ خُذِ السَّيْفَ واشْتمِلْ ... عليه بحزمٍ وانظُر الشمس تَغْرُبِ )
( وأَسْرِجْ لنا الدَّهْمَاءَ واعجَلْ بمِمْطَرِي ... ولا تُعْلِمَنْ خَلْقاً من الناس مذهبي )
عروضه من الطويل غناه زرزور غلام المارقي خفيف ثقيل بالبنصر
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي قال قيل لعمر بن أبي ربيعة ما أحب شيء أصبته إليك قال بينا أنا في منزلي ذات ليلة إذ طرقني رسول مصعب بن الزبير بكتابه يقول إنه قد وقعت عندنا أثواب مما يشبهك وقد بعثت بها إليك وبدنانير ومسك وطيب وبغلة قال فإذا بثياب من وشي وخز العراق لم أر مثلها قط وأربعمائة دينار ومسك وطيب كثير وبغلة فلما أصبحت لبست بعض تلك الثياب وتطيبت وأحرزت الدنانير وركبت البغلة وأنا نشيط لا هم لي قد أحرزت نفقة سنتي فما أفدت فائدة كانت أحب إلي منها وقلت في ذلك
( ألاَ أَرْسلتْ نُعْمٌ إلينا أنِ ائْتِنا ... فأحْبِبْ بها من مُرسِلٍ مُتغَضِّبِ )
( فأرسلتُ أن لا أستطيعُ فأَرْسلتْ ... تؤكِّد أَيمانَ الحبيبِ المؤنِّبِ )
( فقلت لجَنَّادٍ خُذِ السيفَ واشتمِلْ ... عليه بحزمٍ وانظُرِ الشمسَ تَغْرُبِ )
( وأسْرِجْ ليَ الدَّهْمَاء واعجَلْ بمِمْطَرِي ... ولا تُعلِمَنْ خَلْقاً من الناس مذهبي )
( وموعدُك البَطْحَاءُ أو بَطْنُ يأجَجِ ... أو الشِّعْبُ بالمَمْرُوخ من بطن مُغْرِبِ )
(9/282)

( فلما التقنيا سَلَّمتْ وتبسَّمَتْ ... وقالت مقالَ المُعْرِض المُتَجَنِّب )
( أمِنْ أجلِ واشٍ كاشحٍ بنَميمةٍ ... مشَى بيننا صدَّقتَه لم تُكَذِّبِ )
( قطعتَ وصالَ الحبلِ منَّا ومن يُطِع ... بذِي ودِّه قولَ المحرِّش يُعْتِب )
( فبات وِسادِي ثِنْيَ كفٍّ مُخضَّبٍ ... مُعَاوِدَ عَذْبٍ لم يُكَدَّرْ بمَشْرَب )
( إذا مِلتُ مالتْ كالكَثيب رخيمةٌ ... مُنَعَّمَةٌ حُسَّانةُ المُتَجَلْبَب )
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي قال بلغ عمر بن أبي ربيعة أن نعما اغتسلت في غدير فنزل عليه ولم يزل يشرب منه حتى نضب
قال الزبير قال عمي وقال فيها أيضا
صوت
( طال ليلِي وعادني اليومَ سُقْمُ ... وأصابت مقاتلَ القلب نُعْمُ )
( وأصابتْ مَقَاتلي بسهامٍ ... نافذاتٍ وما تَبَيَّن كَلْمُ )
( حُرَّةُ الوجه والشمائلِ والجوهر ... تكليمُها لمن نال غُنْمُ )
( هكذا وَصْفُ ما بدا لِي منها ... ليس لي بالذي تغيَّب عِلْمُ )
( غيرَ أني أرى الثيابَ مِلاءً ... في يَفَاعٍ يَزين ذلك جسمُ )
( وحديثٍ بمثله تَنْزِل العُصْمُ ... رَخيمٍ يشوب ذلك حِلْمُ )
عروضه من الخفيف غنى ابن سريج في الأربعة الأبيات لحنا ذكره إسحاق وأبو أيوب المديني في جامع غنائه ولم يجنسه وذكر حبش أنه خفيف رمل بالبنصر
إسحاق وإبراهيم بن المهدي ورأيهما في معبد وابن سريج
أخبرني عمي قال حدثني الحسين بن يحيى أبو الحمار قال حدثني عمرو بن بانة قال كنت حاضرا مع إسحاق بن إبراهيم الموصلي عند إبراهيم بن المهدي
(9/283)

فتفاوضنا حديث المغنين حتى انتهوا إلى أن حكى إسحاق قول عمر بن أبي خليفة إذا تمعبد ابن سريج كان أحسن الناس غناء فقال إبراهيم لإسحاق حاشاك يا أبا محمد أن تقول هذا فقد رفع الله علمك وقدر ابن سريج عن مثل هذا القول وأغنى ابن سريج بنفسه عن أن يقال له تمعبد وماكان معبد يضع نفسه هذا الموضع وكيف ذلك وهو إذا أحسن يقول أصبحت اليوم سريجيا وما قد أنصف أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي معبدا في هذا القول لأن معبدا وإن كان يعظم ابن سريج ويوفيه حقه فليس بدونه ولا هو بمرذول عنده وقد مضى في صدر الكتاب خبر ابن سريج لما قدم المدينة مع الغريض ليستمنحا أهلها فسمعاه وهو يصيد الطير يغني لحنه
( القَصْرُ فالنخل فالجَمَّاءُ بينهما ... )
فرجع ابن سريج ورد الغريض وقال لا خير لنا عند قوم هذا غناء غلام فيهم يصيد الطير فكيف بمن داخل الجونة
وأظرف من ذلك من أخباره وأدل على تعظيم ابن سريج معبدا ما أخبرني به أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني علي بن سليمان النوفلي قال حدثني أبي قال التقى ابن سريج ومعبد ليلة بعد افتراق طويل وبعد عهد فتساءلا عما صنعا من الأغاني بعد افتراقهما فتغنى هذا وتغنى هذا ثم تغنى ابن سريج لحنه في
( أنا الهالكُ المسلوبُ مهجةَ نفسه ... إذا جاوزَتْ مَرًّا وعُسْفانَ عِيرُها )
(9/284)

فغناه مرسلا لا صيحة فيه فقال له معبد أفلا حسنته بصيحة قال فأين أضعها قال في
( غدتْ سافراً والشمسُ قد ذَرَّ قَرْنُها ... )
قال فصح أنت فيه حتى أسمع منك قال فصاح فيه معبد الصيحة التي يغنى بها فيه اليوم فاستعاده ابن سريج حتى أخذه فغنى صوته كما رسمه معبد فحسن به جدا وفي هذا دليل يبين فيه التحامل على معبد في الحكاية
صوت
( غَدَتْ سافِراً والشمسُ قد ذَرَّ قَرْنُها ... فأَغْشَى شُعَاع الشمس منها سفورُها )
( وقد علمتْ شمسُ النهار بأنّها ... إذا ما بدتْ يوماً سيذهب نورها )
( أنا الهالك المسلوبُ مهجةَ نفسِه ... إذا جاوزتْ مَرًّا وعُسْفانَ عيرُها )
( أهاجتك سلمى إذ أَجَدّ بُكورُها ... وهَجَّر يوماً للرَّواح بعيرها )
الشعر يقال إنه لطريف العنبري والغناء لابن سريج خفيف ثقيل أول بالوسطى في مجراها عن ابن المكي وذكر عمرو أنه لسياط ولإبراهيم في الثالث والأول والرابع خفيف رمل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق وعمرو وفيه لبسباسة ثقيل أول بالبنصر عن حبش وفيه لابن جامع لحن عن حبش من رواية أبي أيوب المديني
ومن سبعة ابن سريج
صوت
( قَرَّب جيرانُنا جِمالَهُمُ ... ليلاً فأَضْحَوْا معاً قد ارتفعوا )
(9/285)

( ما كنت أَدْرِي بوَشْكِ بينِهُم ... حتى رأيتُ الحُداة قد طلَعوا )
( على مِصَكَّيْنِ من جِمالهمُ ... وعَنْتَرِيسَيْن فيهما شَجَعُ )
( يا نفسُ صبراً فإنّه سَفَهٌ ... بالحُرِّ أن يستفزَّه الجَزَعُ )
الشعر لعمر بن أبي ربيعة والغناء لابن سريج ثقيل أول بالوسطى عن عمرو وذكر حبش أن فيه للغريض ثقيلا أول بالبنصر وذكر ابن أبي حسان أن هبة الله بن إبراهيم بن المهدي حدثه عن أبيه عن ابن جامع قال عيب على ابن سريج خفة غنائه فأخذ أبيات عمر بن أبي ربيعة
( قَرَّب جيرانُنا جِمالَهُم ... )
فغنى فيها في كل إيقاع لحنا فجميع ما فيها من الألحان له
وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني منصور بن أبي مزاحم قال حدثني رزام أبو قيس مولى خالد بن عبد الله قال قال لي إسماعيل بن عبد الله يا أبا قيس أي رجل أنت لولا أنك تحب السماع
قلت أصلحك الله أما والله لو سمعت فلانة تغنيك
( قَرَّب جيرانُنا جِمالهُم ... ليلاً فأضحَوْا معاً قد ارتفعوا )
لعذرتني فقال يا أبا قيس لا عاتبتك بعد هذا أبدا
ومنها
صوت
( بَيْنَا كذلك إذا عَجَاجةُ مَوْكِبٍ ... رفَعوا ذَمِيلَ العِيسِ في الصحراءِ )
(9/286)

( قالت أبو الخَطّاب أعرِف زِيَّه ... ولباسَه لا شكَّ غيرَ خَفاء )
الشعر لابن أبي ربيعة والغناء لابن سريج ثقيل أول بالبنصر وذكر الهشامي وأبو العبيس أنه لمعبد وليس الأمر كما ذكرا
ومنها
صوت
وهو الذي أوله
( إن جاء فَلْيَأْتِ على بغلةٍ ... )
( سَلْمَى عِديهِ سَرْحَتَيْ مالكٍ ... أو الرُّبَا دونَهما مَنْزِلاَ )
( إن جاء فلْيَأتِ على بغلهٍ ... إني أخاف المُهْرَ أن يَصْهَلا )
الشعر لعمر بن أبي ربيعة والغناء لابن سريج من رواية يحيى بن المكي والهشامي ثقيل أول بالبنصر وذكر يونس أنه للغريض وذكر إسحاق في أغاني الغريض ولم يجنسه
(9/287)

أغاني الخلفاء وأولادهم وأولاد أولادهم
قال مؤلف هذا الكتاب المنسوب إلى الخلفاء من الأغاني والملصق بهم منها لا أصل لجله ولا حقيقة لأكثره لا سيما ما حكاه ابن خرداذبة فإنه بدأ بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكر أنه تغنى في هذا البيت
( كأنّ راكبها غصنٌ بمَرْوَحةٍ ... )
ثم والى بين جماعة من الخلفاء واحدا بعد واحد حتى كأن ذلك عنده ميراث من مواريث الخلافة أو ركن من أركان الإمامة لا بد منه ولا معدل عنه يخبط خبط العشواء ويجمع جمع حاطب الليل فأما عمر بن الخطاب فلو جاز هذا أن يروى عن كل أحد لبعد عنه وإنما روي أنه تمثل بهذا البيت وقد ركب ناقة فاستوطأها لا أنه غنى به ولا كان الغناء العربي أيضا عرف في زمانه إلا ما كانت العرب تستعمله من النصب والحداء وذلك جار مجرى الإنشاد إلا أنه يقع بتطريب وترجيع يسير ورفع للصوت والذي صح من ذلك عن رواة هذا الشأن فأنا ذاكر منه ما كان متقن الصنعة لاحقا بجيد الغناء قريبا من صنعة الأوائل وسالكا مذاهبهم لا ما كان ضعيفا سخيفا وجامع منه ما
(9/288)

اتصل به خبر له يستحسن ويجري مجرى هذا الكتاب وما تضمنه
فأول من دونت له صنعة منه عمر بن عبد العزيز فإنه ذكر عنه أنه صنع في أيام إمارته على الحجاز سبعة ألحان يذكر سعاد فيها كلها فبعضها عرفت الشاعر القائل له فذكرت خبره وبعضها لم أعرف قائله فأتيت به كما وقع إلي فإن مر بي بعد وقتي هذا أثبته في موضعه وشرحت من أخباره ما اتصل بي وإن لم يقع لي ووقع إلى بعض من كتب هذا الكتاب فمن أقل الحقوق عليه أن يتكلف إثباته ولا يستثقل تجشم هذا القليل فقد وصل إلى فوائد جمة تجشمناها له ولنظرائه في هذا الكتاب فحظي بها من غير نصب ولا كدح فإن جمال ذلك موفر عليه إذا نسب إليه وعيبه عنا ساقط مع اعتذارنا عنه إن شاء الله
ومن الناس من ينكر أن تكون لعمر بن عبد العزيز هذه الصنعة ويقول إنها أصوات محكمة العمل لا يقدر على مثلها إلا من طالت دربته بالصنعة وحذق الغناء ومهر فيه وتمكن منه ولم يوجد عمر بن عبد العزيز في وقت من الأوقات ولا حال من الحالات اشتهر بالغناء ولا عرف به ولا بمعاشرة أهله ولا جالس من ينقل ذلك عنه ويؤديه وإنما هو شيء يحسن المغنون نسبته إليه وروي من غير وجه خلاف لذلك وإثبات لصنعته إياها وهو أصح القولين لأن الذين أنكروا ذلك لم يأتوا على إنكارهم بحجة أكثر من هذا الظن والدعوى ومخالفوهم قد أيدتهم أخبار رويت
أخبرني محمد بن خلف وكيع والحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق قال حدثني أبي عن أبيه وعن إسماعيل بن جامع عن سياط عن يونس الكاتب عن شهدة أم عاتكة بنت شهدة عن كردم بن معبد عن أبيه
(9/289)

أن عمر بن عبد العزيز طارحه لحنه في
( أَلِمَّا صاحِبَيّ نَزُرْ سُعَادَا ... )
ونسخت هذا الخبر من كتاب محمد بن الحسين الكاتب قال حدثني أبو يعلى زرقان غلام أبي الهذيل وصاحب أحمد بن أبي داود قال حدثني محمد ابن يونس قال حدثني هاتف أراه قال أم ولد المعتصم قالت حدثتني علية ابنة المهدي قالت حدثتني عاتكة بنت شهدة عن أمها شهدة عن كردم قال طرح علي عمر بن عبد العزيز لحنه
( عَلِقَ القلبُ سُعَادا ... عادتِ القلبَ فعادا )
( كلَّما عُوتبَ فيها ... أو نُهِي عنها تَمادَى )
( وهو مشغوف بسُعْدَى ... قد عصَى فيها وزادا )
قال كردم وكان عمر أحسن خلق الله صوتا وكان حسن القراءة للقرآن
ونسخت من كتاب ابن الكرنبي بخطه حدثني أحمد بن الفتح الحجاجي في مجلس حماد بن إسحاق قال أخبرني أحمد بن الحسين قال رأيت عمر بن عبد العزيز في النوم وعليه عمامة ورأيت الشجة في وجهه تدل على أنها ضربة حافر فسمعته يقول قال عمر بن الخطاب لا تعلموا نساءكم الخلع قال حدثني محمد بن الحسين فأقبلت عليه في نومي
(9/290)

فقلت له يا أمير المؤمنين صوت يزعم الناس أنك صنعته في شعر جرير
( أَلِمَّا صاحِبَيّ نَزُرْ سُعَادا ... لوَشْكِ فِرقها وذَرَا البِعادا )
( لَعَمْرُك إنَّ نفعَ سُعَاد عنِّي ... لمصروفٌ ونفعِي عن سعادا )
( إلى الفاروقِ يَنتسبُ ابنُ لَيْلَى ... ومروانَ الذي رفع العِمادا )
فتبسم عمر ولم يرد علي شيئا
نسبة هذين الصوتين
صوت
( أَلِمَّا صاحِبَيّ نَزُرْ سُعادا ... لوَشْكِ فِرقها وذَرَا البِعاد )
( لَعَمْرُك إنَّ نفعَ سُعَاد عنِّي ... لمصروفٌ ونفعي عن سعادا )
( إلى الفاروقِ يَنتسبُ ابنُ لَيْلَى ... ومروانَ الذي رفع العِمادا )
الشعر لجرير يمدح عمر بن عبد العزيز بن مروان والغناء لعمر بن عبد العزيز ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر وفيه خفيف ثقيل ينسب إلى معبد
صوت
( عَلِقَ القلبُ سُعَادا ... عادتِ القلبَ فعادا )
( كلَّما عُوتِب فيها ... أو نُهِي عنها تَمادَى )
( وهو مشغوفٌ بِسُعْدَى ... قد عَصى فيها وزادا )
الغناء لعمر بن عبد العزيز خفيف ثقيل وفيه ثاني ثقيل ينسب إلى الهذلي
(9/291)

ذكر عمر بن عبد العزيز وشيء من أخباره
عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ويكنى أبا حفص وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان يقال له أشج قريش لأنه كان في جبهته أثر يقال إنه ضربة حافر فذكر يحيى بن سعيد الأموي عن أبيه أن عبد الملك بن مروان كان يؤثر عمر بن عبد العزيز ويرق عليه ويدنيه وإذا دخل عليه رفعه فوق ولده جميعا إلا الوليد فعاتبه بعض بنيه على ذلك فقال له أو ما تعلم لم فعلت ذلك قال لا قال إن هذا سيلي الخلافة يوما وهو أشج بني مروان الذي يملأ الأرض عدلا بعد أن تملأ جورا فمالي لا أحبه وأدنيه
أخبرني محمد بن يزيد قال حدثنا الرياشي قال حدثنا سالم بن عجلان قال خرج عمر بن عبد العزيز يلعب فرمحته بغلة على جبينه فبلغ الخبر أمه أم عاصم فخرجت في خدمها واقبل عبد العزيز بن مروان إليها فقالت أما الكبير فيخدم وأما الصغير فيكرم وأما الوسط فيضيع لم لا تتخذ لابني حاضنا حتى أصابه ما ترى فجعل عبد العزيز بمسح الدم عن وجهه ثم نظر إليها وقال لها ويحك إن كان أشج بني مروان أو أشج بني أمية إنه لسعيد
(9/292)

أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن أحمد المقدمي قال حدثنا عبيد الله بن سعد الزهري قال حدثنا هارون بن معروف قال حدثنا ضمرة قال سمعت ثروان مولى عمر بن عبد العزيز قال دخل عمر بن عبد العزيز وهو غلام إصطبل أبيه فضربه فرس على وجهه فأتي به أبوه يحمل فجعل أبوه يمسح الدم عن وجهه ويقول لئن كنت أشج بني أمية إنك لسعيد
حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدثنا مصعب الزبيري قال كانت بنت لعبيد الله بن عمر بن الخطاب تحت إبراهيم بن نعيم النحام فماتت فأخذ عاصم بن عمر بيده فأدخله منزله وأخرج إليه ابنتيه حفصة وأم عاصم فقال له اختر فاختار حفصة فزوجها إياه فقيل له تركت أم عاصم وهي أجملهما فقال رأيت جارية رائعة وبلغني أن آل مروان ذكروها فقلت علهم أن يصيبوا من دنياهم فتزوجها عبد العزيز بن مروان فولدت له أبا بكر وعمر وكانت عنده وقتل إبراهيم بن نعيم يوم الحرة وماتت أم عاصم عند عبد العزيز بن مروان فتزوج أختها حفصة بعدها
(9/293)

فحملت إليه بمصر فمرت بأيلة وبها مخنث أو معتوه وقد كان أهدى لأم عاصم حين مرت به فأثابته فلما مرت به حفصة أهدى لها فلم تثبه فقال ليست حفصة من رجال أم عاصم فذهبت مثلا
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا أبو بكر الرمادي وسليمان ابن أبي شيخ قالا حدثنا أبو صالح كاتب الليث قال حدثني الليث قال لما ولي عمر بن عبد العزيز بدأ بلحمته وأهل بيته فأخذ ما كان في أيديهم وسمى أعمالهم المظالم ففزعت بنو أمية إلى فاطمة بنت مروان عمته فأرسلت إليه إنه قد عناني أمر لا بد من لقائك فيه فأتته ليلا فأنزلها عن دابتها فلما أخذت مجلسها قال يا عمة أنت أولى بالكلام لأن الحاجة لك فتكلمي قالت تكلم يا أمير المؤمنين فقال إن الله تبارك وتعالى بعث محمدا رحمة لم يبعثه عذابا إلى الناس كافة ثم اختار له ما عنده فقبضه إليه وترك لهم نهرا شربهم فيه سواء ثم قام أبو بكر فترك النهر على حاله ثم ولي عمر فعمل على عمل صاحبه فلما ولي عثمان اشتق من ذلك النهر نهرا ثم ولي معاوية فشق منه الأنهار ثم لم يزل ذلك النهر يشق منه يزيد ومروان وعبد الملك والوليد وسليمان حتى أفضى الأمر إلي وقد يبس النهر الأعظم ولن يروى أصحاب النهر حتى يعود اليهم النهر الأعظم إلى ما كان عليه فقالت له قد أردت كلامك ومذاكرتك فأما إذ كانت هذه مقالتك فلست بذاكرة لك شيئا أبدا ورجعت اليهم فأبلغتهم كلامه
وقال سليمان بن أبي شيخ في خبره فلما رجعت إلى بني أمية قالت لهم ذوقوا مغبة أمركم في تزويجكم آل عمر بن الخطاب
(9/294)

كثير والأحوص ونصيب عند عمر بن عبد العزيز
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال أخبرني عبد الله بن دينار مولى بني نصر ابن معاوية قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن التيمي قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهيل عن حماد الراوية وأخبرني محمد بن حسين الكندي خطيب القادسية قال حدثنا الرياشي قال حدثنا شيبان بن مالك قال حدثنا عبد الله بن إسماعيل الجحدري عن حماد الراوية والروايتان متقاربتان وأكثر اللفظ للرياشي قال دخلت المدينة ألتمس العلم فكان أول من لقيت كثير عزة فقلت يا أبا صخر ما عندك من بضاعتي قال عندي ما عند الأحوص ونصيب قلت وما هو قال هما أحق بإخبارك فقلت له إنا لم نحث المطي نحوكم شهرا نطلب ما عندكم إلا ليبقى لكم ذكر وقل من يفعل ذلك فأخبرني عما سألتك ليكون ما تخبرني به حديثا آخذه عنك فقال إنه لما كان من أمر عمر بن عبد العزيز ما كان قدمت أنا ونصيب والأحوص وكل واحد منا يدل بسابقته عند عبد العزيز وإخائه لعمر فكان أول من لقينا مسلمة بن عبد الملك وهو يومئذ فتى العرب وكل واحد منا ينظر في عطفيه لا يشك أنه شريك الخليفة في الخلافة فأحسن ضيافتنا وأكرم مثوانا ثم قال أما علمتم أن إمامكم لا يعطي الشعراء شيئا قلنا قد جئنا الآن فوجه لنا في هذا الأمر وجها فقال إن كان ذو دين من آل مروان قد ولي الخلافة فقد بقي من ذوي دنياهم من يقضي حوائجكم ويفعل بكم ما أنتم له أهل فأقمنا على بابه أربعة أشهر لا نصل إليه وجعل مسلمة يستأذن لنا فلا يؤذن فقلت لو أتيت المسجد يوم الجمعة فتحفظت من كلام عمر شيئا فأتيت المسجد فأنا أول من حفظ كلامه
(9/295)

سمعته يقول في خطبة له لكل سفر زاد لا محالة فتزودوا من الدنيا إلى الآخرة التقوى وكونوا كمن عاين ما أعد الله له من ثوابه وعقابه فعمل طلبا لهذا وخوفا من هذا ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم وتنقادوا لعدوكم واعلموا أنه إنما يطمئن بالدنيا من وثق بالنجاة من عذاب الله في الآخرة فأما من لا يداوي جرحا إلا أصابه جرح من ناحية أخرى فكيف يطمئن بالدنيا أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى نفسي عنه فتخسر صفقتي وتبدو عيلتي وتظهر مسكنتي يوم لا ينفع فيه إلا الحق والصدق فارتج المسجد بالبكاء وبكى عمر حتى بل ثوبه حتى ظننا أنه قاض نحبه فبلغت إلى صاحبي فقلت جددا لعمر من الشعر غير ما أعددناه فليس الرجل بدنيوي ثم إن مسلمة استأذن لنا يوم جمعة بعدما أذن للعامة فدخلنا فسلمنا عليه بالخلافة فرد علينا فقلت له يا أمير المؤمنين طال الثواء وقلت الفائدة وتحدثت بجفائك إيانا وفود العرب فقال يا كثير أما سمعت إلى قول الله عز و جل في كتابه ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ) أفمن هؤلاء أنت فقلت له وأنا ضاحك أنا ابن سبيل ومنقطع به قال أو لست ضيف أبي سعيد قلت بلى قال ما أحسب من كان ضيف أبي سعيد ابن سبيل ولا منقطعا به ثم استأذنه في الإنشاد فقال قل ولا تقل إلا حقا فإن الله سائلك فقلت
( وَلِيتَ فلم تَشْتُم عليًّا ولم تُخِفْ ... بَرًّيا ولم تتبَع مقالة مُجْرِمِ )
( وقلتَ فصدَّقتَ الذي قلت بالذي ... فعلتَ فأَضْحَى راضياً كلُّ مسلم )
( ألاَ إنّما يَكْفِي الفتى بعد زَيْغه ... من الأوَدِ الباقي ثِقَافُ المقَوِّم )
( لقد لبِستْ لبْس الهَلُوكِ ثيابَها ... وأَبْدتْ لك الدنيا بكفَ ومِعْصَم )
(9/296)

( وتُومِضُ أحياناً بعينٍ مَريضةٍ ... وَتَبْسِمُ عن مثل الجُمانِ المنظَّم )
( فأعرضتَ عنها مشمئزًّا كأنما ... سَقَتْكَ مَدُوفاً من سِمامٍ وعَلْقَم )
( وقد كُنتَ من أجبالها في مُمَنَّعٍ ... ومن بحرها في مُزْبِد الموج مُفْعَم )
( وما زلتَ سَبَّاقاً إلى كلّ غايةٍ ... صَعِدتَ بها أعلى البناء المقدَّم )
( فلما أتاك الملكُ عَفْواً ولم يكن ... لطالبِ دنيا بعده مِن تَكَلُّم )
( تركتَ الذي يَفْنَي وإن كان مُونِقاً ... وآثرتَ ما يبقى برأيٍ مصمِّم )
( فأضررْتَ بالفاني وشمَّرتَ للذي ... أمامَك في يومٍ من الهَوْلِ مُظلم )
( ومالك أن كُنتَ الخليفةَ مانعٌ ... سوى الله من مالٍ رَغيبٍ ولا دمِ )
( سَمَا لَكَ همٌّ في الفؤاد مؤرِّقٌ ... صَعِدْتَ به أعلى المعالي بسُلَّم )
( فما بين شرق الأرض والغرب كلِّها ... مُنَادٍ ينادِي من فصيح وأعجم )
( يقول أميرَ المؤمنين ظلمتَني ... بأخذٍ لدينارٍ ولا أخذِ درهم )
( ولا بسطِ كَفٍّ لامرِئٍ ظالمٍ له ... ولا السفكِ منه ظالماً مِلْءَ مِحْجَم )
( فلو يستطيع المسلمون تقسَّموا ... لك الشَّطْرَ من أعمارهم غيرَ نُدَّم )
( فعِشْتَ به ما حَجَّ لله راكبٌ ... مُغِذٌّ مُطِيفٌ بالمقام وَزَمْزِم )
( فأَرْبِحْ بها من صَفْقَةٍ لمبايِع ... وأعْظِمْ بها أَعْظِمْ بها ثم أعْظِم )
فقال لي يا كثير إن الله سائلك عن كل ما قلت ثم تقدم إليه الأحوص فاستأذنه فقال قل ولا تقل إلا حقا فإن الله سائلك فأنشده
( وما الشعرُ إلاّ خطبةٌ من مؤلِّفٍ ... بمنطقِ حقٍّ أو بمنطقِ باطلِ )
( فلا تَقْبَلَنْ إلاّ الذي وافق الرِّضا ... ولا تَرْجِعَنَّا كالنساء الأرامل )
( رأيناك لم تَعْدِلْ عن الحقّ يَمْنةً ... ولا يَسْرةً فعلَ الظَّلومِ المجادِلِ )
( ولكن اخذتَ القَصْدَ جهدَك كلَّه ... وتَقْفُو مثالَ الصالحين الأوائل )
( فقلنا ولم نَكْذِبْ بما قد بَدَا لنا ... وَمَنْ ذا يَرُدُّ الحقَّ من قول عاذلِ )
(9/297)

( ومَنْ ذا يردُّ السَّهمَ بعد مُروقِه ... على فُوقِه إن عارَ من نَزْع نابِل )
( ولولا الذي قد عودَّتْنا خلائفٌ ... غَطَارِيفُ كانت كالليوث البواسل )
( لما وَخَدَتْ شهراً بِرَحْلِيَ جَسْرةٌ ... تَفُلُّ مُتونَ البِيدِ بين الرَّواحل )
( ولكن رَجَوْنا منك مثلَ الذي به ... صُرِفنا قديماً من ذويكَ الأفاضل )
( فإن لم يكن للشعر عندك موضعٌ ... وإن كان مثلَ الدُّرِّ من قول قائِل )
( وكان مُصِيبا صادقاً لا يَعيبه ... سِوَى أنه يُبْنَى بناءَ المنازل )
( فإنّ لنا قُرْبَى ومَحْضَ مَوَدَّةٍ ... وميراثَ آباءٍ مَشَوْا بالمناصل )
( فذادُوا عدوَّ السَّلْم عن عُقْر دارهم ... وأَرْسَوْا عَمُودَ الدِّين بعد تَمَايُل )
( فقبلَك ما أعطَى الهُنيدةَ جِلَّةً ... على الشعر كَعْباً من سَديسٍ وبازل )
( رسولُ الإِله المصطفَى بِنُبُوَّةٍ ... عليه سلامٌ بالضُّحَى والأصائل )
( فكلّ الذي عدَّدتُ يَكْفِيكَ بعضُه ... ونَيْلُك خيرٌ من بحور السوائل )
فقال له عمر يا أحوص إن الله سائلك عن كل ما قلت ثم تقدم إليه نصيب فاستأذن في الإنشاد فأبى أن يأذن له وغضب غضبا شديدا وأمره باللحاق بدابق وأمر لي وللأحوص لكل واحد بمائة وخمسين درهما
وقال الرياشي في خبره فقال لنا ما عندي ما أعطيكم فانتظروا حتى يخرج عطائي فأواسيكم منه فانتظرناه حتى خرج فأمر لي وللأحوص بثلاثمائة
(9/298)

درهم وأمر لنصيب بمائة وخمسين درهما فما رأيت أعظم بركة من الثلاث المائة التي أعطاني ابتعت بها وصيفة فعلمتها الغناء فبعتها بألف دينار
عمر ودكين الراجز
أخبرني عمي عبد العزيز بن أحمد قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال قال دكين الراجز امتدحت عمر بن عبد العزيز وهو والي المدينة فأمر لي بخمس عشرة ناقة كرائم فكرهت أن أرمي بهن الفجاج ولم تطب نفسي ببيعهن فقدمت علينا رفقة من مصر فسألتهم الصحبة فقالوا ذاك إليك ونحن نخرج الليلة فأتيته فودعته وعنده شيخان لا أعرفهما فقال لي يا دكين إن لي نفسا تواقة فإن صرت إلى أكثر مما أنا فيه فأتني ولك الإحسان قلت أشهد لي بذلك قال أشهد الله به قلت ومن خلقه قال هذين الشيخين فأقبلت على أحدهما فقلت من أنت أعرفك قال سالم بن عبد الله بن عمر فقلت له لقد استسمنت الشاهد وقلت للآخر من أنت قال أبو يحيى مولى الأمير فخرجت إلى بلدي بهن فرمى الله في أذنابهن بالبركة حتى اعتقدت منهن الإبل والعبيد فإني لبصحراء فلج إذا ناع ينعى سليمان قلت فمن القائم بعده قال عمر بن عبد العزيز فتوجهت نحوه فلقيني جرير منصرفا من عنده فقلت يا أبا حزرة من أين فقال من عند من يعطي الفقراء ويمنع الشعراء فانطلقت فإذا هو في عرصة دار وقد أحاط الناس به فلم أخلص اليه فناديت
(9/299)

( يا عُمَرَ الخيراتِ والمكَارِم ... وعُمَرَ الدَّسائِع العظائِمِ )
( إني امرؤٌ من قَطَنِ بن دارِم ... طلبتُ دَيْنِي من أخي مَكَارِم )
( إذ تَنْتَحِي والليلُ غيرُ نائم ... عند أبي يَحْيَى وعند سالم )
فقام أبو يحيى فقال يا أمير المؤمنين لهذا البدوي عندي شهادة عليك فقال أعرفها ادن يا دكين أنا كما ذكرت لك إن نفسي لم تنل شيئا قط إلا تاقت لما هو فوقه وقد نلت غاية الدنيا فنفسي تتوق إلى الآخرة والله ما رزأت من أموال الناس شيئا ولا عندي إلا ألف درهم فخذ نصفها قال فوالله ما رأيت ألفا كان أعظم بركة منه قال ودكين الذي يقول
( إذا المرءُ لم يَدْنَسْ من اللُّؤمِ عِرْضُه ... فكلُّ رِداءٍ يَرتديه جميلُ )
( وإن هو لم يَرْفَع عن اللؤم نفسَه ... فليس إلى حُسْنِ الثَّنَاء سبيلُ )
زهده وحبه آل البيت
أخبرني الحرمي عن الزبير عن هارون بن صالح عن أبيه قال كنا نعطي الغسال الدراهم الكثيرة حتى يغسل ثيابنا في أثر ثياب عمر بن عبد العزيز من كثرة الطيب فيها يعني المسك قال ثم رأيت ثيابه بعد ذلك وقد ولي الخلافة فرأيت غير ما كنت أعرف
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي عن نافع بن أبي نعيم قال قدم عبد الله بن الحسن على عمر بن عبد العزيز فقال إنك لا تغنم أهلك شيئا خيرا من نفسك فارجع وأتبعه حوائجه
(9/300)

قال الرياشي وحدثنا نصر بن علي قال حدثنا أبو أحمد محمد بن الزبير الأسدي عن سعيد بن أبان قال رأيت عمر بن عبد العزيز آخذا بسرة عبد الله بن حسن وقال اذكرها عندك تشفع لي يوم القيامة
حدثني أبو عبيد الصيرفي قال حدثنا الفضل بن الحسن المصري قال حدثنا عبد الله بن عمر القواريري قال حدثنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن أبان القرشي قال دخل عبد الله بن حسن على عمر بن عبد العزيز وهو حديث السن وله وفرة فرفع مجلسه وأقبل عليه وقضى حوائجه ثم أخذ عكنة من عكنه فغمزها حتى أوجعه وقال له اذكرها عندك للشفاعة فلما خرج لامه أهله وقالوا فعلت هذا بغلام حديث السن فقال إن الثقة حدثني حتى كأني أسمعه من في رسول الله قال إنما فاطمة بضعة مني يسرني ما يسرها وأنا أعلم أن فاطمة لو كانت حية لسرها ما فعلت بابنها قالوا فما معنى غمزك بطنه وقولك ما قلت قال إنه ليس أحد من بني هاشم إلا وله شفاعة فرجوت أن أكون في شفاعة هذا
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عيسى ابن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي قال أخبرني يزيد بن عيسى بن مورق قال كنت بالشام زمن ولي عمر بن عبد العزيز وكان بخناصرة وكان
(9/301)

يعطي الغرباء مائتي درهم قال فجئته فأجده متكئا على إزار وكساء من صوف فقال لي ممن أنت قلت من أهل الحجاز قال من أيهم قلت من أهل المدينة قال من أيهم قلت من قريش قال من أي قريش قلت من بني هاشم قال من أي بني هاشم قلت مولى علي قال من علي فسكت قال من فقلت ابن أبي طالب فجلس وطرح الكساء ثم وضع يده على صدره وقال وأنا والله مولى علي ثم قال أشهد على عدد ممن أدرك النبي يقول قال رسول الله من كنت مولاه فعلي مولاه أين مزاحم كم تعطي مثله قال مائتي درهم قال أعطه خمسين دينارا لولائه من علي ثم قال أفي فرض أنت قلت لا قال وافرض له ثم قال الحق بلادك فإنه سيأتيك إن شاء الله ما يأتي غيرك
قال أبو زيد فحدثني عيسى بن عبد الله قال حدثني أبي عن أبيه قال قال أبي ولد لي غلام يوم قام عمر بن عبد العزيز فغدوت عليه فقلت له ولد لي في هذه الليلة غلام فقال لي ممن قلت من التغلبية قال فهب لي اسمه قلت نعم قال قد سميته اسمي ونحلته غلامي مورقا وكان نوبيا فأعتقه عمر بن العزيز بعد ذلك فولده اليوم موالينا
أخبرني محمد بن العباس قال حدثنا عمر قال حدثنا عيسى بن عبد الله قال أخبرني موسى بن عبد الله بن حسن عن أبيه قال كان عمر بن عبد العزيز يراني إذا كانت لي حاجة أتردد إلى بابه فقال
(9/302)

لي ألم أقل لك إذا كانت لك حاجة فارفع بها إلي فوالله إني لأستحيي من الله أن يراك على بابي
أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثني العمري عن العتبي عن أبيه قال لما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاة جمع ولده حوله فلما رآهم استعبر ثم قال بأبي وأمي من خلفتهم بعدي فقراء فقال له مسلمة بن عبد الملك يا أمير المؤمنين فتعقب فعلك وأغنهم فما يمنعك أحد في حياتك ولا يرتجعه الوالي بعدك فنظر إليه نظر مغضب متعجب فقال يا مسلمة منعتهم إياه في حياتي وأشقى به بعد وفاتي إن ولدي بين رجلين إما مطيع لله فالله مصلح له شأنه ورازقه ما يكفيه أو عاص له فما كنت لأعينه على معصيته يا مسلمة إني حضرت أباك لما دفن فحملتني عيني عند قبره فرأيته قد أفضى إلى أمر من أمر الله راعني وهالني فعاهدت الله ألا أعمل بمثل عمله إن وليت وقد اجتهدت في ذلك طول حياتي وأرجو أن أفضي إلى عفو من الله وغفران قال مسلمة فلما دفن حضرت دفنه فلما فرغ من شأنه حتى حملتني عيني فرأيته فيما يرى النائم وهو في روضة خضراء نضرة فيحاء وأنهار مطردة وعليه ثياب بيض فأقبل علي فقال يا مسلمة لمثل هذا فليعمل العاملون هذا أو نحوه فإن الحكاية تزيد أو تنقص
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم قال حدثنا عبد الله ابن أبي سعد قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ عن يحيى بن سعيد الأموي قال لما مات عمر بن عبد العزيز وقف مسلمة عليه بعد أن أدرج في كفنه فقال رحمك الله يا أمير المؤمنين فقد أورثت صالحينا بك اقتداء وهدى
(9/303)

وملأت قلوبنا بمواعظك وذكرك خشية وتقى وأثلت لنا بفضلك شرفا وفخرا وأبقيت لنا في الصالحين بعدك ذكرا
كتابه إلى أساري قسطنطينية
أخبرني الحسن قال أخبرنا الغلابي عن ابن عائشة عن أبيه إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الأساري بقسطنطينية أما بعد فإنكم تعدون أنفسكم أسارى ولستم أسارى معاذ الله أنتم الحبساء في سبيل الله واعلموا أني لست أقسم شيئا بين رعيتي إلا خصصت أهلكم بأوفر ذلك وأطيبه وقد بعثت اليكم خمسة دنانير خمسة دنانير ولولا أني خشيت إن زدتكم أن يحبسه عنكم طاغية الروم لزدتكم وقد بعثت إليكم فلان بن فلان يفادي صغيركم وكبيركم ذكركم وأنثاكم حركم ومملوككم بما يسأل فأبشروا ثم أبشروا
رده على كتاب الحسن البصري
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عبد الله بن مسلم قال زعم لنا سليمان بن أرقم قال كتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز وكان يكاتبه فلما
(9/304)

استخلف كتب إليه من الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز فقيل له إن الرجل قد ولي وتغير فقال لو علمت أن غير ذلك أحب إليه لاتبعت محبته ثم كتب من الحسن بن أبي الحسن إلى عمر بن عبد العزيز أما بعد فكأنك بالدنيا لم تكن وكأنك بالآخرة لم تزل قال فمضيت إليه بالكتاب فقدمت عليه به فإني عنده أتوقع الجواب إذ خرج يوما غير يوم جمعة حتى صعد المنبر واجتمع الناس فلما كثروا قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنكم في أسلاب الماضين وسيرثكم الباقون حتى تصيروا إلى خير الوارثين كل يوم تجهزون غاديا إلى الله ورائحا قد حضر أجله وطوي عمله وعاين الحساب وخلع الأسلاب وسكن التراب ثم تدعونه غير موسد ولا ممهد ثم وضع يديه على وجهه فبكى مليا ثم رفعهما فقال يا أيها الناس من وصل الينا منكم بحاجته لم نأله خيرا ومن عجز فوالله لوددت أنه وآل عمر في العجز سواء قال ثم نزل فأرسل إلي فدخلت إليه فكتب بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإنك لست بأول من كتب عليه الموت وقد مات والسلام
آخر خطبة له
أخبرني ابن عمار قال حدثني سليمان بن أبي شيخ قال حدثنا أبو مطرف المغيرة بن مطرف عن شعيب بن صفوان عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز خطب بخناصرة خطبة لم يخطب بعدها حمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثا ولم تتركوا سدى وإن لكم معادا يتولى الله فيه الحكم فيكم والفصل بينكم فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء وحرم الجنة التي عرضها السماوات والأرض
(9/305)

واعلموا أن الأمان غدا لمن حذر الله وخافه وباع قليلا بكثير ونافدا بباق وخوفا بأمان ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وسيخلفها من بعدكم الباقون وكذلك حتى تردوا إلى خير الوارثين ثم إنكم في كل يوم وليلة تشيعون غاديا إلى الله ورائحا قد قضى نحبه وانقضى أجله ثم تضعونه في صدع من الأرض في بطن لحد ثم تدعونه غير موسد ولا ممهد قد خلع الأسلاب وفارق الأحباب ووجه للحساب غنيا عما ترك فقيرا إلى ما قدم وايم الله إني لأقول لكم هذه المقالة ولا أعلم عند أحد منكم أكثر مما عندي وأستغفر الله لي ولكم وما يبلغنا أحد منكم حاجته يسعها ما عندنا إلا سددنا من حاجته ما قدرنا عليه ولا أحد يتسع له ما عندنا إلا وددت أنه بدئ بي وبلحمتي الذي يلونني حتى يستوي عيشنا وعيشكم وايم الله لو أردت غير هذا من عيش أو غضارة لكان اللسان به مني ناطقا ذلولا عالما بأسبابه ولكنه من الله عز و جل كتاب ناطق وسنة عادلة دل فيهما على طاعته ونهى فيهما عن معصيته ثم بكى فتلقى دموعه بطرف ردائه ثم نزل فلم ير على تلك الأعواد بعد حتى قبضه الله إليه رحمة الله عليه
شراؤه موضع قبره
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو سلمة المديني عن إبراهيم بن ميسرة أن عمر بن عبد العزيز اشترى موضع قبره بعشرة دنانير
أخبرني اليزيدي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو سلمة المديني قال أخبرني ابن مسلمة بن عبد الملك قال حدثني أبي مسلمة قال كنا عند عمر في اليوم الذي توفي فيه أنا وفاطمة بنت عبد الملك فقلنا له يا أمير المؤمنين إنا نرى أنا قد منعناك النوم فلو تأخرنا عنك شيئا عسى أن تنام قال ما أبالي لو فعلتما قال فتنحيت أنا وهي وبيننا وبينه ستر قال فما
(9/306)

نشبنا أن سمعناه يقول حي الوجوه حي الوجوه فابتدرناه أنا وهي فجئناه وقد أغمض ميتا فإذا هاتف يهتف في البيت لا نراه ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين )
ومن أصوات عمر في سعاد
صوت
( ألاَ يا دِينَ قلُبك من سُلَيْمى ... كما قد دِينَ قلبُك من سُعَادَا )
( هما سَبَتَا الفؤادَ وأَصْبَتاه ... ولم يُدْرِك بذلك ما أراد )
( قِفَا نَعْرِفْ منازلَ من سُلَيْمَى ... دَوَارِسَ بين حَوْمَلَ أو عُرَادَا )
( ذكرتُ بها الشَّبابَ وآلَ لَيلَى ... فلم يَرُدِ الشبابُ بها مَرادا )
( فإن تَشِبِ الذُّؤابةُ أُمَّ زيدٍ ... فقد لاقيتُ أيّاماً شِدادا )
عروضه من الوافر الشعر لأشهب بن رميلة فيما ذكر ابن الأعرابي وأبو عمرو الشيباني وحكى ابن الأعرابي أنه سمع بعض بني ضبة يذكر أنها لابن ابي رميلة الضبي والغناء لعمر بن عبد العزيز رمل بالوسطى عن الهشامي وحبش وغيرهما وفي نسخة عمرو بن بانة الثانية لخزرج رمل بالبنصر
(9/307)

نسب الأشهب بن رميلة وأخباره
رملية أمه وهي أمة لخالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم بن عمرو بن تميم وهو الأشهب بن ثور بن أبي حارثة بن عبد الدار بن جندل بن نشهل بن دارم في النسب قال أبو عمرو وولدها يزعمون أنها كانت سبية من سبايا العرب فولدت لثور بن أبي حارثة أربعة نفر وهم رباب وحجناء والأشهب وسويد فكانوا من أشد إخوة في العرب لسانا ويدا وأمنعهم جانبا وكثرت أموالهم في الإسلام وكان أبوهم ثور ابتاع رميلة في الجاهلية وولدتهم في الجاهلية فعزوا عزا عظيما حتى كانوا إذا وردوا ماء من مياه الصمان حظروا على الناس ما يريدون منه وكانت لرميلة قطيفة حمراء فكانوا يأخذون الهدب من تلك القطيفة فيلقونه على الماء أي قد سبقنا إلى هذا فلا يرده أحد لعزهم فيأخذون من الماء ما يحتاجون إليه ويدعون ما يستغنون عنه فوردوا في بعض السنين ماء من مياه الصمان وورد معهم ناس من بني قطن بن نهشل وكانت بنو قطن بن نهشل وبنو زيد بن نهشل وبنو مناف بن درام حلفاء وكانت الأعجاز حلفاء عليهم وهم جندل وجرول وصخر بنو نهشل فأورد بعضهم بعيره فأشرعه حوضا قد حظروا عليه وبلغهم ذلك فغضبوا منه واجتمعوا وأحلافهم واجتمعت الأحلاف عليهم فاقتتلوا قتالا شديدا فضرب رباب بن رميلة رأس نسير بن صبيح المعروف بأبي بدال وأمه بنت أبي الحمام بن قراد بن مخزوم وقال رباب في ذلك
(9/308)

( ضربتُه عَشِيَّةَ الهِلالِ ... أوَّلَ يومٍ عُدَّ من شوّالِ )
( ضرباً على رأس أبي بَدَّال ... ثُمَّتَ ما أُبْتُ ولا أُباليِ )
( ألاّ يؤوبَ آخرَ اللَّياليِ ... )
فجمع كل واحد منهما لصاحبه فقالت بنو قطن يا بني جرول ويا بني صخر ويا بني مناف ضرب صاحبكم صاحبنا ضربة لا ندري أيموت منها أم يعيش فأنصفونا فأبى القوم أن يفعلوا فاقتتلوا يومهم ذلك إلى الليل وكان أبي بن أشيم أخو بني جرول وهو سيدهم خرج في حاجة له فلقيه بعض بني قطن فأسره وأتى به أ صحابه فقال نهشل بن حري يا بني قطن أطيعوني اليوم واعصوني أبدا قالوا نعم فقل فقال إن هذا لم يشهد شركم ولا حربكم ولا يحل لكم دمه وإن قومه أحر من يقاتلكم وشوكتهم فخذوا عليه العهد أن يصرفهم عنكم وخلوا سبيله قالوا افعل ما رأيت فأتاه نهشل بن حري فقال له يا أبا أسماء إن قومك قد حالوا بيننا وبين حقنا وقاتلوا دونه وقد أمكننا الله منك وأنت والله أوفى دما عندنا من بني رميلة فوالله لأقتلنك أو تعطيني ما أسألك قال سل قال تجعل أن تصرف بني جرول جميعا فإن لم يطيعوك انصرفت ببني أشيم فإن لم يطيعوك أتيتنا قال نعم فخلي سبيله تحت الليل فأتاهم وهم بحيث يرى بعضهم بعضا فقال يا بني جرول انصرفوا أتعترضون على قوم يريدون حقهم ألا تتقون الله والله لقد أسرني القوم ولو أرادوا قتلى لكان فيه وفاء بحقهم ولكنهم يكرهون حربكم فلا تبغوا
(9/309)

عليهم فانصرف منهم أكثر من سبعين رجلا فلما رأى ذلك بنو صخر وبنو جرول قالوا والله إنا لنظلم قومنا إن قاتلناهم وانصرفوا وتخاذل القوم فلما رأى ذلك الأشهب بن رميلة قال ويلكم أفي ضربة من عصا لم تصنع شيئا تسفكون دماءكم والله ما به من بأس فأعطوا قومكم حقهم فقال حجناء ورباب والله لننصرفن فلنلحقن بغيركم ولا نعطي ما بأيدينا فجعل الأشهب ابن رميلة يقول ويلكم أتخربون دار قومكم في ضربة عصا لم تبلغ شيئا فلم يزل بهم حتى جاؤوا برباب فدفعوه إلى بني قطن وأخذوا منهم أبا بدال وهو المضروب فمات في تلك الليلة في أيديهم فكتموه وأرسلوا إلى عباد بن مسعود ومالك بن ربعي ومالك بن عوف والقعقاع بن معبد فعرضوا عليهم الدية فقالوا وما الدية وصاحبنا حي قالوا فإن صاحبكم ليس بحي فأمسكوا وقالوا ننظر ثم جاؤوا إلى رباب فقالوا أوصنا بما بدا لك قال دعوني أصلي قالوا صل فصلى ركعتين ثم قال أما والله إني إلى ربي لذو حاجة وما منعني أن أزيد في صلاتي إلا أن تروا أن ذلك فرق من الموت فليضربني منكم رجل شديد الساعد حديد السيف فدفعوه إلى أبي خزيمة بن نسير المكني بأبي بدال فضرب عنقه فدفنوه وذلك في الفتنة بعد مقتل عثمان بن عفان فقال الأشهب يرثي أخاه ويلوم نفسه في دفعه إليهم لتسكن الحرب
( أَعَيْنَيَّ قَلَّتْ عَبْرةٌ من أخيكما ... بأن تسهرَا ليلَ التَّمام وتَجْزَعا )
( وباكيةٍ تَبْكي الرَّبابَ وقائلٍ ... جَزَى اللهُ خيراً ما أعفَّ وأمْنَعا )
(9/310)

( وأَضْرَبَ في الهَيْجا إذا حَمِس الوَغَى ... وأَطعَمَ إذ أَمْسىَ المَرَاضِيعُ جُوَّعا )
( إذا ما اعترضْنا من أخينا أخاهُم ... رَوِينا ولم نَشْفِ الغَلِيلَ فَيَنْقَعا )
( قَرَوْنا دماً والضَّيْف منتظِرُ القِرَى ... ودعوةِ داعٍ قد دعانا فأسمعا )
( مَرَدْنا وكانت هفوةً من حُلومنا ... بِثَدْيٍ إلى أولاد ضَمْرَة أَقْطعا )
( وقد لامنِي قومي ونفسي تَلُومُني ... بما فال رأيي في ربابٍ وضَيَّعا )
( فلو كان قلبي من حديدٍ أذابَه ... ولو كان من صُمِّ الصَّفَا لتصدَّعا )
مضى الحديث
اصوات عمر في سعاد
ونسخت من كتاب محمد بن الحسن الكاتب حدثني محمد بن أحمد بن يحيى المكي عن أبيه قال لعمر بن عبد العزيز في سعاد سبعة ألحان
منها
( يا سُعادُ التي سَبَتْنِي فؤادي ... ورُقَادي هَبِي لعيني رُقادي )
ولحنه رمل مطلق
ومنها
( حظُّ عيني من سُعاد ... أبداً طولُ السُّهَاد )
ولحنه رمل بالسبابة في مجرى البنصر
ومنها
( سبحان ربيِّ بَرَا سُعادا ... لا تعرف الوصلَ والودادا )
ولحنه خفيف رمل
(9/311)

ومنها
( لعَمْرِي لئن كانت سعادُ هي المُنَى ... وجنَّةَ خُلْد لا يُمَلُّ خلودُها )
ولحنه ثقيل أول
ومنها
( أسُعادُ جُودِي لا شَقِيتِ سُعَادا ... واجْزِي مُحِبَّكِ رأفةً وودادَا )
ولحنه خفيف رمل
ومنها
( ألِمَّا صاحبيّ نَزُرْ سُعادَا ... )
ومنها
( ألاَ يا دِينَ قلبُكَ من سُلَيْمَى ... )
وقد ذكرت طريقتهما
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز حديث كثير وفقه وحمل عنه أهل العلم
أخبرنا محمد بن جرير الطبري قال حدثنا عمران بن بكار الكلاعي قال حدثنا خالد بن علي قال حدثنا بقية بن الوليد عن مبشر بن إسماعيل عن بشر ابن عمر بن عبد العزيز عن أبيه عمر عن جده عبد العزيز عن معاوية بن أبي سفيان قال قال رسول الله من أحب أن تمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي وعمي قالا حدثنا العنزي قال حدثني وزير بن محمد أبو هاشم الغساني قال حدثني محمد بن أيوب بن سعيد
(9/312)

السكري عن عمر بن عبد العزيز عن أمه عن أبيها عاصم بن عمر عن أبيه عمر ابن الخطاب قال قال رسول الله نعم الإدام الخل
وممن حكي عنه أنه صنع في شعره غناء يزيد بن عبد الملك ولم يأت ذلك برواية عمن يحصل قوله كما حكي عن عمر بن عبد العزيز وإنما وجد في الكتب أنه صنع لحنا في شعره وذكره من لا يوثق به ولم نروه عن أحد فلم نأت بأخباره هاهنا مشروحة وأتيت بها في أخبار ه مع حبابة بحيث يصلح وأما اللحن الذي ذكر أنه صنعه فهو
صوت
( أبلغْ حَبَابةَ أَسْقَى رَبْعَهَا المطرُ ... ما للفؤاد سِوى ذكراكُم وَطَرُ )
( إن سار صَحْبِيَ لم أمْلَلْ بذكركُم ... أو عرَّسوا فهمومُ النفسِ والفِكَرُ )
في هذين البيتين ثقيل أول يقال إنه ليزيد بن عبد الملك وذكر ابن المكي أنه لحبابة
وحكي عن الهيثم بن عدي أن يزيد بن عبد الملك لما رأى حبابة تعلقها ولم يقدر على ابتياعها خوفا من أخيه سليمان أو من عمر بن عبد العزيز وقال فيها هذين البيتين وهو راحل عن الحجاز وغناه فيهما معبد فوصله بعد ذلك بما كان يغنيه وأخذته حبابة وغيرها عنه وذكر الهشامي أنه مما لا يشك فيه من غناء معبد وقد مضت أخبار يزيد بن عبد الملك وحبابة في صدر هذا الكتاب فاستغني عن إعادتها هنا
(9/313)

وممن غنى منهم الوليد بن يزيد
وله أصوات صنعها مشهورة وقد كان يضرب بالعود ويوقع بالطبل ويمشي بالدف على مذهب أهل الحجاز
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني عبد الله بن أبي سعد عن الفطراني عن محمد بن جبر قال حدثني من سمع خالد صامة يقول كنت يوما عند الوليد بن يزيد وأنا أغنيه
( أَرانِي الله يا سَلْمَى حياتي ... )
وهو يشرب حتى سكر ثم قال لي هات العود فدفعته إليه فغناه أحسن غناء فنفست عليه إحسانه ودعوت بطبل فجعلت أوقع عليه وهو يضرب حتى دفع العود وأخذ الطبل فجعل يوقع به أحسن إيقاع ثم دعا بدف فأخذه ومشى به وجعل يغني أهزاج طويس حتى قلت قد عاش ثم جلس وقد انبهر فقلت يا سيدي كنت أرى أنك تأخذ عنا ونحن الآن نحتاج إلى الأخذ عنك فقال اسكت ويلك فوالله لئن سمع هذا منك أحد ما دمت حيا لأقتلنك فوالله ما حكيته عنه حتى قتل
أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى قال أخبرنا أبو أيوب المديني قال ذكر أبو الحسن المدائني أن يحيى مولى العبلات المعروف بقيل وهو الذي غنى
( أَزْرَى بنا أننا شالتْ نَعامتُنا ... )
كان مقيما بمكة فلما قدمها الوليد بن يزيد سأل عن أحسن الناس غناء
(9/314)

وحكاية لابن سريج فقيل له فيل فدعاه وقال له امش لي بالدف ففعل ثم قال له الوليد هاته حتى أمشى به فإن أخطأت فقومني فمشى به أحسن من مشية فيل فقال له يحيى جعلت فداءك ايذن لي حتى أختلف إليك لأتعلم منك
فمن مشهور صنعته في شعره
( وَصَفْراءَ في الكأس كالزعفران ... سباها التُّجِيبيُّ من عَسْقَلانْ )
( تُريكَ القَذاةَ وعَرْضُ الإِ ناء ... سِتْر لها دون لمْسِ البنانْ )
لحنه فيه خفيف رمل وفيه لأبي كامل ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق ويونس ولعمر الوادي فيه ثقيل أول بالوسطى عن يونس والهشامي وقد مضت أخباره مشروحة في المائة الصوت المختارة
وممن دونت صنعته من خلفاء بني العباس الواثق بالله
ولم نعلمه حكي ذلك عن أحد منهم قبله إلا ما قدمنا سوء العهدة فيه عن ابن خرداذبة فإنه حكى أن للسفاح والمنصور وسائرهم غناء وأتى فيها بأشياء غثة لا يحسن لمحصل ذكرها
(9/315)

وأخبرني يحيى بن محمد الصولي قال حدثني أحمد بن محمد بن إسحاق قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال دخلت يوما دار الواثق بغير إذن إلى موضع أمر أن أدخله إذا كان جالسا فسمعت صوت عود من بيت وترنما لم أسمع أحسن منه قط فأطلع خادم رأسه ثم رده وصاح بي فدخلت فإذا الواثق فقال أي شيء سمعت فقلت الطلاق لازم لي وكل مملوك لي حر لقد سمعت ما لم أسمع مثله قط حسنا فضحك فقال وما هو إنما هذه فضلة أدب وعلم مدحه الأوائل واشتهاه أصحاب رسول الله ورحمهم والتابعون بعدهم وكثر في حرم الله ومهاجر رسول الله أتحب أن تسمعه مني قلت إي والذي شرفني بخطابك وجميل رأيك فقال يا غلام هات العود وأعط إسحاق رطلا فدفع الرطل إلي وضرب وغنى في شعر لأبي العتاهية بلحن صنعه فيه
( أضحتْ قبورهُم من بعد عِزِّهمُ ... تَسْفِي عليها الصَّبا والحَرْجَف السَّمَلُ )
( لا يَدْفَعون هَوَاماً عن وجوههمُ ... كأنهمْ خَشَبٌ بالقاع مُنْجَدِلُ )
فشربت الرطل ثم قمت فدعوت له فأجلسني وقال أتشتهي أن تسمعه
(9/316)

ثانية فقلت إي والله فغنانيه ودعا لي برطل ففعلت كما فعلت ثانية ثم ثالثة وصاح ببعض خدمه وقال له احمل إلى إسحاق ثلثمائة ألف درهم ثم قال يا إسحاق قد سمعت ثلاثة أصوات وشربت ثلاثة أرطال وأخذت ثلثمائة ألف درهم فانصرف إلى أهلك ليسروا بسرورك فانصرفت بالدراهم
أخبرني محمد قال سمعت أحمد بن محمد بن الفرات يقول سمعت عريب تقول
الواثق له صنعة جيدة في الغناء
صنع الواثق مائة صوت ما فيها صوت ساقط ولقد صنع في هذا الشعر
( هل تعلمين وراء الحبِّ منزلةً ... تُدْنِي إليكِ فإنّ الحبَّ أقصاني )
( هذا كتابُ فتًى طالتْ بَلِيَّتُه ... يقول يا مُشْتَكَى بَثى وأحزاني )
لحنا من الرمل تشبه فيه بصنعة الأوائل
نسبة هذا الصوت
الشعر ليعقوب بن إسحاق الربعي المخزومي والغناء للواثق رمل بالوسطى من رواية الهشامي
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي والحرمي بن أبي العلاء وعلي بن سليمان الأخفش قالوا حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال قال الزبير بن بكار كتب ابن أبي مسرة المكي إلى أهل المدينة ببيتين وهما
( هذا كتابُ فتًى طالتْ بَلِيَّتُه ... يقول يا مُشْتَكَى بَثِّي وأحزاني )
( هل تعلمين وراءَ الحبِّ منزلةً ... تُدني إليكِ فإنّ الحبّ أقصاني )
قال الزبير وكنت غائبا فلما قدمت قال لي أهل المدينة ذلك فقلت
(9/317)

لهم أيكتب إليكم صاحبكم يعاتبكم فلا تجيبونه
أنشدني يعقوب بن إسحاق الربعي المخزومي لنفسه
( قال الوُشاةُ لهندٍ عن تَصَارُمِنَا ... ولستُ أنسَى هوى هندٍ وتنساني )
( يعقوبُ ليس بمتبولٍ ولا كَلِفٍ ... وَيْحَ الوُشاةِ فإنّ الداء أضناني )
( ما بي سوى الحبِّ من هندٍ وإن بَخِلْت ... حُبِّي لهندٍ برى جسمي وأبلاني )
( قد قلتُ حين بدا لي بُخْلُ سيِّدتي ... وقد تتابع بي بَثِّي وأحزاني )
( هل تعلمين وراء الحبِّ منزلةً ... تُدْنِي إليكِ فإنّ الحبَّ أقصاني )
( قالت نعم قلتُ ما ذاكم أسيِّدتي ... وطاعةُ الحبِّ تَنفي كلَّ عِصْيان )
( قالت فدَعْنا بلا صُرْمٍ ولا صِلَةٍ ... ولا صدودٍ ولا في حال هِجران )
( حتى يَشُكَّ وُشاةٌ قد رَمَوْك بنا ... وأعلنوا بك فينا أيَّ إعلان )
ومن غناء الواثق بالله
صوت
( خليليَّ عُوجَا من صدور الرَّواحِل ... بجَرْعاءِ حُزْوى وابكيا في المنازِل )
( لعلّ انحدارَ الدمع يُعْقب راحةً ... من الوَجْدِ أو يَشْفِي نَجِي البَلابِل )
(9/318)

الشعر لذي الرمة والغناء للواثق بالله رمل مطلق في مجرى الوسطى عن الهشامي ولإسحاق فيهما رمل بالسبابة في مجرى البنصر ولحن الواثق منهما الذي أوله البيت الثاني وهو اللحن المحثوث المسجح وله ردة في لعل ولحن إسحاق أوله البيت الأول ثم الثاني وهو أشدهما إمساكا وفيه صياح
أخبرنا أبو أحمد يحيى بن علي بن يحيى قال حدثنا أبو أيوب المديني قال حدثنا محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي قال حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي أنه دخل على إسحاق بن إبراهيم الطاهري وقد كان تكلم له في حاجة فقضيت فقال له أعطاك الله أيها الأمير ما لم تحط به أمنية ولم تبلغه رغبة قال فاشتهى هذا الكلام فاستعاده فأعدته قال ثم مكثنا ما شاء الله وأرسل الواثق إلى محمد بن إبراهيم يأمره بإشخاصي إليه في الصوت الذي أمرني أن أتغنى فيه وهو
( لقد بَخِلت حتى لَوَ أنِّي سألتُها ... )
فأمر لي بمائة ألف درهم فأقمت ما شاء الله ليس أحد من مغنيهم يقدر على أن يأخذ هذا الصوت مني فلما طال مقامي قلت يا أمير المؤمنين ليس أحد من هؤلاء المغنين يقدر على أن يأخذ هذا الغناء مني فقال لي ولم ويحك قلت لأني لا أصححه ولا تسخو نفسي لهم به فما فعلت يا
(9/319)

أمير المؤمنين في الجارية التي أخذتها مني يعني شجا وهي التي كان أهداها إلى الواثق وعمل لها المصنف الذي في أيدي الناس لإسحاق قال وكيف فقلت لأنها تأخذه مني وأطيب به لها نفسا وهم يأخذونه منها قال فأمر بها فأخرجت وأخذته على المكان فأمر لي بمائة ألف درهم أخرى وأذن لي في الانصراف وكان إسحاق بن إبراهيم الطاهري حاضرا عنده فقلت له عند وداعي إياه أعطاك الله يا أمير المؤمنين ما لم تحط به أمنية ولم تبلغه رغبة فالتفت إلي إسحاق بن إبراهيم فقال لي ويحك يا إسحاق تعيد الدعاء فقلت إي والله أعيده قاص أنا أو مغن فانصرفت إلى بغداد وأقمت حتى قدم إسحاق فجئته مسلما فقال ويلك يا إسحاق أتدري ما قال أمير المؤمنين بعد خروجك من عنده قلت لا أيها الأمير قال قال لي ويحك كنا أغنى الناس عن أن نبعث إسحاق على لحننا فيفسده علينا هذه رواية أبي أيوب
قال أبو أحمد يحيى بن علي بن يحيى وأخبرني أبي رحمه الله عن إسحاق أنه قال لما صنعت لحني في
( خليلي عُوجَا من صدور الرواحل ... )
غنيته الواثق فاستحسنه وعجب من صحة قسمته ومكث صوته أياما ثم قال لي يا إسحاق قد صنعت لحنا في صوتك وفي إيقاعه وأمر فغنيت به فقلت يا أمير المؤمنين بغضت إلي لحني وسمجته عندي وقد كنت استأذنته مرات في الانحدار إلى بغداد بعد أن ألقيت اللحن الذي كان أمرني بصنعه في
( لقد بَخِلت حتى لَوَ اني سألتها ... )
فمنعني ودافعني بذلك فلما صنع لحنه الرمل في
( خليليّ عُوجَا من صدور الرّواحل ... )
(9/320)

قلت له يا أمير المؤمنين قد والله اقتصصت وزدت فأذن لي بعد ذلك قال أبو الحسن علي بن يحيى قلت لإسحاق فأيهما أجود الآن لحنك فيه أو لحنه فقال لحني أجود قسمة وأكثر عملا ولحنه أظرف لأنه جعل ردته من نفس قسمته فليس يقدر على أدائه إلا متمكن من نفسه قال أبو الحسن فتأملت اللحنين بعد ذلك فوجدتهما كما ذكر إسحاق قال وقال لي إسحاق ما كان يحضر مجلس الواثق أعلم منه بالغناء
فأما نسبة هذين الصوتين فإن أحدهما قد مضى ومضت نسبته والآخر
صوت
( أيا مُنْشِرَ الموتى أقِدْني من التي ... بها نَهِلتْ نفسي سَقاماً وعَلَّتِ )
( لقد بَخِلتْ حتى لَوَ أنّي سألتُها ... قَذَى العين من ضاحِي الترُّاب لضَنَّتِ )
الشعر لأعرابي رواه إسحاق عنه ولم يذكر اسمه والناس يغلطون فينسبونه إلى كثير ويظنونه من قصيدته التي أولها
( خليليَّ هذا رَسْمُ عَزّةَ فاعْقِلاَ ... قَلُوصَيْكما ثم ابكيا حيث حَلَّتِ )
وهذا خطأ ممن قال ذلك والغناء للواثق ثاني ثقيل بالوسطى ولإسحاق في البيت الثاني وبعده بيت ألحقه به ليس من الشعر ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى والبيت الذي ألحقه إسحاق به من شعره
( فإن بَخِلتْ فالبخلُ منها سَجِيةٌ ... وإن بَذَلتْ أعطتْ قليلاً وأكْدَتِ )
أخبرني عمي رحمه الله قال حدثني أبو جعفر بن الدهقانة النديم قال كان الواثق إذا أراد أن يعرض صنعته على إسحاق نسبها إلى غيره وقال وقع إلينا صوت قديم من بعض العجائز ما سمعه أحد ويأمر من يغنيه إياه وكان إسحاق يأخذ نفسه في ذلك بقول الحق أشد أخذ فإن كان جيدا من
(9/321)

صناعته قرظه ووصفه واستحسنه وإن كان مطرحا أو فاسدا أو متوسطا ذكر ما فيه فربما كان للواثق فيه هوى فيسأله عن تقويمه وإصلاح فساده وربما اطرحه بقول إسحاق فيه إلى أن صنع لحنا في قول الشاعر
( لقد بَخِلت حتى لو أنّي سألتها ... قَذَى العين من ضاحِي التراب لضَنَّتِ )
فأعجب به واستحسنه وأمر المغنين فغنوا فيه وأمر بإشخاص إسحاق إليه من بغداد ليسمعه فكاده مخارق عنده وقال يا أمير المؤمنين إن إسحاق شيطان خبيث داهية وإن قولك له فيما تصنعه هذا صوت وقع إلينا لا يخفى عليه به أن الصوت لك ومن صنعتك ولا يوقع في فهمه أنه قديم فيقول لك وبحضرتك ما يقارب هواك فإذا خرج عن حضرتك قال لنا ضد ذلك فأحفظ الواثق قوله وغاظه وقال له أريد على هذا القول منك دليلا قال أنا أقيم عليه الدليل إذا حضر فلما قدم به وجلس في أول مجلس اندفع مخارق يغني لحن الواثق
( لقد بَخِلتْ حتَّى لَوَ انّي سألتُها ... )
فزاد فيه زوائد أفسدت قسمته فسادا شديدا وخفيت على الواثق لكثرة زوائد مخارق في غنائه فسأله الواثق عنه فقال هذا غناء فاسد غير مرضي عندي فغضب الواثق وأمر بإسحاق فسحب حتى أخرج من المجلس فلما كان من الغد قالت فريدة للواثق يا أمير المؤمنين إن إسحاق رجل يأخذ نفسه بقوله الحق في صناعته على كل حال ساءته أو سرته لا يخاف في ذلك ضررا ولا يرجو نفعا وما لك منه عوض وقد كاده مخارق عندك فزاد في صدر الصوت من زوائده التي تعرف وتركه في المصراع الثاني على حاله ونقص من البيت الثاني وقد تبينت ذلك وأنا أعرضه على إسحاق وأغنيه إياه على صحته واسمع ما يقول وما زالت تلطف للواثق حتى رضي عنه وأمر بإحضاره فغنته إياه فريدة كما صنعه الواثق فلما سمعه قال هذا صوت صحيح الصنعة والقسمة والتجزئة وما هكذا سمعته في المرة الأولى ثم
(9/322)

أخبر الواثق عن مواضع فساده حينئذ وأبان ذلك له بما فهمه وغنته فريدة عدة أصوات من القديم والحديث كلها يقول فيها بما عنده من مدح لبعضها وطعن على بعض فاستحسن الواثق ذلك وأجازه يومئذ وحباه وجفا مخارقا مدة لما فعله به
منزلة إسحاق عنده
أخبرني جحظة قال حدثني ابن المكي عن أبيه قال كان الواثق إذا صنع شيئا من الغناء أخبر إسحاق به وعرضه عليه حتى يصلح ما فيه ثم يظهره
وقد أخبرني الحسن بن علي عن يزيد بن محمد المهلبي بهذا الخبر فذكر نحو ما ذكرته ها ههنا وفي ألفاظه اختلاف وقد تقدم ذكره وابتدأناه في أخبار إسحاق والأبيات الثانية التي غنى فيها الواثق وإسحاق أنشدنيها علي بن سليمان الأخفش وعلي بن هارون بن علي بن يحيى جميعا عن هارون بن علي بن يحيى عن أبيه عن إسحاق لأعرابي وأنشدناها محمد بن العباس اليزيدي قال أنشدني أحمد بن يحيى ثعلب لبعض الأعراب
( ألاَ قاتل اللهُ الحمامةَ غُدْوةً ... على الغصن ماذا هَيَّجَتْ حين غَنَّتِ )
( فغَنَّتْ بصوتٍ أعجميٍّ فهيَّجتْ ... هَوايَ الذي كانت ضُلوعي أكَنَّتِ )
( فلو قَطَرتْ عين امرِئ من صَبابةٍ ... دَماً قطَرتْ عيني دماً وألَمَّتِ )
( فما سكتتْ حتى أوَيتُ لصوتها ... وقلتُ أرى هذِي الحمامةَ جُنَّتِ )
( ولي زَفَراتٌ لو يَدُمْنَ قتْلنَنِي ... بشوقٍ إلى نادي التي قد تَولَّتِ )
( إذا قلتُ هذِي زفرةُ اليوم قد مضتْ ... فمَنْ لي بأُخرَى في غدٍ قد أَظلَّتِ )
( أيا مُنْشِرَ الموتَى أعِنِّي على التي ... بها نَهِلَتْ نفسي سَقاماً وعَلَّت )
( لقد بَخِلَتْ حتى لَوَ انّي سألتُها ... قَذَى العين من سَافِي الترابِ لضَنَّتِ )
( فقلتُ ارْحَلاَ يا صاحبَيَّ فليتنِي ... أرى كلَّ نفس أُعطِيَتْ ما تمنَّت )
(9/323)

( حلَفتُ لها بالله ما أُمُّ واحدِ ... إذا ذكرتْه آخرَ الليل أَنَّتِ )
( وما وَجْدُ أعرابيّةٍ قَذَفتْ بها ... صُروفُ النَّوَى من حيثُ لم تَكُ ظَنَّت )
( إذا ذكرتْ ماءَ العِضَاهِ وطِيبَه ... وبطن الحَصَى من بطن خَبْت أَرَنَّتِ )
( بأعظمَ من وجدي بها غيرَ أنني ... أُجَمْجِمُ أحشائي على ما أجَنَّت )
أخبرني جحظة وابن أبي الأزهر ويحيى بن علي والحسين بن يحيى قالوا جميعا أخبرنا حماد بن إسحاق عن أبيه وقد جمعت روايتهم في هذا الخبر وزدت فيه ما نقصه كل واحد منهم حتى كملت ألفاظه قال ما وصلني أحد من الخلفاء بمثل ما وصلني به الواثق وما كان أحد منهم يكرمني إكرامه ولقد غنيته لحني
( لعلَّكَ إن طالتْ حياتُك أن تَرى ... بِلاداً بها مَبْدًى لليلَى ومَحْضَرُ )
فاستعاده مني ليلة لا يشرب على غيره ثم وصلني بثلثمائة ألف درهم ولقد قدمت عليه في بعض قدماتي فقال لي ويحك يا إسحاق أما اشتقت إلي فقلت بلى والله يا سيدي وقلت في ذلك أبياتا إن أمرتني أنشدتها قال هات فأنشدته
( أشكو إلى الله بُعْدِي عن خليفتِه ... وما أقاسيه من هَمٍّ ومن كِبَرِ )
( لا أستطيع رَحيلاً إن هَمَمتُ به ... يوماً إليه ولا أقوَى على السفر )
( أنوي الرحيلَ إليه ثم يمنَعني ... ما أَحْدثَ الدهرُ والأيّامُ في بصري )
ثم استأذنته في إنشاد قصيدة مدحته بها فأذن لي فأنشدته قصيدتي التي أقول فيها
( لمّا أمرتَ بإشخاصي إليك هَوَى ... قلبي حَنيناً إلى أهلي وأولادي )
(9/324)

( ثم اعتزمتُ فلم أَحْفلْ ببَيْنِهُمُ ... وطابت النفسُ عن فَضْلٍ وحَمّاد )
( كم نعمةٍ لأبيك الخَيْرِ أفردني ... بها وخَصَّ بأخْرَى بعد إفرادي )
( فلو شكرتُ أيادِيكم وأَنْعُمَكم ... لَمَا أحاط بها وصفي وتَعْدادي )
( لأشكرنَّك ما غار النجومُ وما ... حَدَا على الصُّبْحِ في إثر الدُّجَى حاد )
قال علي بن يحيى خاصة في خبره فقال لي أحمد بن إبراهيم يا أبا الحسن أخبرني لو قال الخليفة لإسحاق أحضر لي فضلا وحمادا أليس كان يفتضح إسحاق يعني من دمامة خلقتهما وتخلف شاهدهما
الواثق وإسحاق في طريقهما إلى النجف
قال إسحاق ثم انحدرت مع الواثق إلى النجف فقلت يا أمير المؤمنين قد قلت في النجف قصيدة فقال هاتها فأنشدته قولي
( يا راكبَ العِيسِ لا تَعْجَلْ بنا وِقفِ ... نُحَيِّ داراً لسُعْدَي ثم ننصرِف )
( لم يَنْزِلِ الناسُ في سهلٍ ولا جبلٍ ... أَصْفَى هواءً ولا أَغْذَى من النَّجَفِ )
( حُفَّتْ ببرٍّ وبحرٍ في جوانبها ... فالبَرُّ في طَرَفٍ والبحرُ في طَرَفِ )
( ما إن يزال نسيمٌ من يَمانِيةٍ ... يأتيك منها بَريَّا رَوْضةٍ أُنُفِ )
حتى انتهيت إلى مديحه فقلت وقد انتهيت إلى قولي فيه
( لا يَحْسَبُ الجودَ يُفنِي مالَه أبداً ... ولا يرى بَذْلَ ما يَحْوِي من السَّرَفِ )
فقال لي أحسنت يا أبا محمد فكناني وأمر لي بألف درهم وانحدرنا إلى الصالحية التي يقول فيها أبو نواس
(9/325)

( فالصالحيّةُ من أكناف كَلْواذا ... )
وذكرت الصبيان وبغداد فقلت
( أتَبْكِي على بغدادَ وهي قريبةٌ ... فكيف إذا ما ازددتَ منها غداً بُعدا )
( لَعَمْرُك ما فارقتُ بغدادَ عن قِلًى ... لَوَ انّا وجدنا من فِراقٍ لها بُدّا )
( إذا ذَكرتْ بغدادَ نفسي تَقَطَّعتْ ... من الشوقِ أو كادت تموت بها وجدا )
( كفى حَزَناً أن رُحْتَ لم تستطع لها ... وَدَاعاً ولم تُحْدِثْ لساكنها عهدا )
فقالت لي يا موصلي لقد اشتقت إلى بغداد فقلت لا والله يا أمير المؤمنين ولكني اشتقت إلى الصبيان وقد حضرني بيتان فقال هاتهما فقلت
( حَنَنتَ إلى الأُصَيْبيةِ الصِّغار ... وشاقكَ منهمُ قُرْبُ المَزَارِ )
( وكلُّ مُفارِقٍ يزداد شوقاً ... إذا دنت الدِّيار من الديار )
فقال لي يا إسحاق سر إلى بغداد فأقم شهرا مع صبيانك ثم عد إلينا وقد أمرت لك بمائة ألف درهم
أخبرني جحظة عن ابن حمدون أن إسحاق كان يحضر مجالس الخلفاء إذا جلسوا للشرب في جملة المغنين وعوده معه إلى أيام الواثق فإنه كان إذا قدم عليه يحضر مع الجلساء بغير عود ويدنيه الواثق ولا يغني حتى
(9/326)

يقول له غن فإذا قال له غن جاؤوه بعود فغنى به وإذا فرغ رفع العود من بين يديه إكراما من الواثق له
أخبرني الحسين بن يحيى عن وسواسة بن الموصلي عن حماد بن إسحاق قال كتب حمدون بن إسماعيل إلى أبي إن أمير المؤمنين الواثق يأمرك أن تصنع لحنا في هذا الشعر
( لقد بَخِلَتْ حتى لَوَ انّي سألتُها ... )
وقد كان الواثق غنى فيه غناء أعجبه فغنى فيه أبي فلما سمعه الواثق قال أفسد علينا إسحاق ما كنا أعجبنا به من غنائنا قال حماد ثم لم أعلم أن أبي صنع بعده غناء حتى مات
ومن مشهور أغاني الواثق
صوت
( سقَى العَلَمَ الفردَ الذي في ظِلاَلِه ... غزالان مكحولانِ مؤتلِفانِ )
( أرَغْتُهما خَتْلاً فلم أستطعهما ... ورَمْياً ففاتاني وقد رَمَياني )
ولحنه فيه من الثقيل الأول ولإسحاق فيه رمل
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال أخبرني محمد بن منصور بن علية القرشي قال أخبرني جعفر بن عبيد الله بن جعفر الهاشمي عن إسحاق بن سليمان بن علي قال
(9/327)

لقيت أعرابيا بالسمية فصيحا فاستخففته وتأملته فإذا هو مصفر شاحب ناحل الجسم فاستنشدته فأنشدني الشيء بعد الشيء على استكراه مني له فقلت له ما بالك فوالله إنك لفصيح فقال أما ترى الجبلين قلت بلى قال في ظلالهما والله ما يمنعني من إنشادك ويشغلني ويذهلني عن الناس قلت وما ذاك قال بنت عم لي قد تيمتني وذهبت بعقلي والله إنه لتأتي علي ساعات ما أدري أفي السماء أنا أم في الأرض ولا أزال ثابت العقل ما لم يخامر ذكرها قلبي فإذا خامره بطلت حواسي وعزب عني لبي قلت فما يمنعك منها أقلة ما في يدك قال والله ما يمنعني منها غير ذلك قلت وكم مهرها قال مائة ناقة قلت فأنا أدفعها إليك إذا لتدفعها إليهم قال والله لئن فعلت ذلك إنك لأعظم الناس علي منة فوعدته بذلك واستنشدته ما قال فيها فأنشدني أشياء كثيرة منها قوله
( سقى العَلَمَ الفردَ الذي في ظلاله ... غَزَالانِ مكحولانِ مؤتلفانِ )
البيتان فقلت له يا أعرابي والله لقد قتلتني بقولك ففاتاني وقد قتلاني وأنا برئ من العباس إن لم أقم بأمرك ثم دعوت بمركوب فركبته وحملت معي الأعرابي فصرنا إلى أبي الجارية في جماعة من أهلي وموالي حتى زوجته إياها وضمنت عنه الصداق واشتريت له مائة ناقة فسقتها عنه وأقمت عندهم ثلاثا ونحرت لهم ثلاثين جزورا ووهبت للأعرابي عشرة آلاف درهم وللجارية مثلها وقلت استعينا بهذا على اتصالكما وانصرفت فكان الأعرابي يطرقنا في كل سنة وامرأته معه فأهب له وأصله وينصرف
غناؤه في شعر حسان
ومن أغانيه أخبرني به ذكاء وجه الرزة عن أحمد بن أبي العلاء عن مخارق وأنه أخذه عنه
(9/328)

صوت
( إنّ التي عاطيتَها فرَدَدْتُها ... قُتِلتْ قُتِلْتَ فهاتِها لم تُقْتَلِ )
( كلتاهما حَلَبُ العَصير فعاطِني ... بزجاجةٍ أرخاهما للمَفْصِل )
يروى كلتاهما جلب العصير وحلب العصير ويروى للمفصل وللمفصل والمفصل الواحد من المفاصل والمفصل هو اللسان ذكر ذلك علي بن سليمان الأخفش عن محمد بن الحسن الأحول عن ابن الأعرابي
الشعر لحسان بن ثابت والغناء للواثق خفيف رمل بالبنصر وفيه لإبراهيم الموصلي رمل مطلق في مجرى الوسطى وهذه الأبيات من قصيدة حسان المشهورة التي يمدح بها بني جفنة وأولها
( أسألتَ رسمَ الدار أم لم تسألِ ... )
وهي من فاخر المديح منها قوله
( أولادُ جَفْنةَ عند قبر أبيهمُ ... قبرِ ابن ماريَةَ الكريمِ المُفْضِلِ )
( يَسْقُون مَنْ ورَد البَرِيصَ عليهمُ ... بَرَدَى يُصفَّق بالرَّحيق السَّلْسَلِ )
( بِيضُ الوجوهِ كريمةٌ أنسابُهم ... شُمُّ الأنوفِ من الطَّرازِ الأوّلِ )
( يُغْشَوْن حتى ما تَهِرُّ كِلابُهم ... لا يَسألون عن السَّواد المُقْبِلِ )
نسخت من كتاب الشاهيني حدثني ابن عليل العنزي قال حدثني أحمد بن عبد الملك بن أبي السمال السعدي قال حدثني أبو ظبيان الحماني قال اجتمعت جماعة من الحي على شراب لهم فتغنى رجل منهم بشعر حسان
(9/329)

( إنّ التي عاطيتَني فرددتُها ... قُتِلَتْ قُتِلْتَ فهاتها لم تُقتَلِ )
( كلتاهما حَلَبُ العَصير فعاطِني ... بزجاجةٍ أرخاهما للمَفْصِل )
فقال رجل من القوم ما معنى قوله إن التي عاطيتني فجعلها واحدة ثم قال كلتاهما حلب العصير فجعلهما ثنتين فلم يعلم أحد منا الجواب فقال رجل من القوم امرأته طالق ثلاثا إن بات أو يسأل القاضي عبيد الله بن الحسن عن تفسير هذا الشعر قال أبو ظبيان فحدثني بعض أصحابنا السعديين قال فأتيناه نتخطى إليه الأحياء حتى أتيناه وهو في مسجده يصلي بين العشاءين فلما سمع حسنا أوجز في صلاته ثم أقبل علينا وقال ما حاجتكم فبدأ رجل منا كان أحسننا بقية فقال نحن أعز الله القاضي قوم نزعنا إليك من طرف البصرة في حاجة مهمة فيها بعض الشيء فإن أذنت لنا قلنا قال قولوا فذكر يمين الرجل والشعر فقال أما قوله إن التي ناولتني هي الخمرة وقوله قتلت يعني مزجت بالماء وقوله كلتاهما حلب العصير يعني به الخمر ومزاجها فالخمر عصير العنب والماء عصير السحاب قال الله عز و جل ( وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ) انصرفوا إذا شئتم
أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه قال غنى مخارق يوما بحضرة الواثق
( حتى إذا الليلُ خَبا ضوءهُ ... وغابتِ الجَوْزاءُ والمِرْزَمُ )
(9/330)

( خرجتُ والوطءُ خَفِيٌّ كما ... ينسابُ من مَكْمَنه الأرقمُ )
فاستملح الواثق الشعر واللحن فصنع في نحوه
( قالت إذا الليلُ دَجَا فأْتِنا ... فجئتُها حين دجا الليلُ )
( خَفِيَّ وطءِ الرِّجلِ من حارسٍ ... ولو درَى حلَّ بيَ الويل )
ولحنه فيه من الرمل وصنع فيه الناس ألحانا بعده منها لعريب خفيف رمل ومنها ثقيل أول لا أعلم لمن هو وسمعت ذكاء ومحمد بن إبراهيم قريضا يغنيانه وذكرا أنهما أخذاه عن أحمد بن أبي العلاء ولا أدري لمن هو
حدثني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني أبي قال سرت إلى سر من رأى بعد قدومي من الحج فدخلت إلى الواثق فقال بأي شيء أطرفتني من أحاديث الأعراب وأشعارهم فقلت يا أمير المؤمنين جلس إلي فتى من الأعراب في بعض المنازل فحادثني فرأيت منه أحلى ما رأيت من الفتيان منظرا وحديثا وأدبا فاستنشدته فأنشدني
( سقَى العَلَمَ الفَرْدَ الذي في ظِلاله ... غزالان مكحولان مؤتلِفان )
( إذا أمِنَا التفّا بجِيدَيْ تَواصُلٍ ... وطَرْفاهما للرَّيْب مُسترِقان )
( أرغْتُهما خَتْلاً فلم أستطعهما ... ورمياً ففاتاني وقد قتلاني )
ثم تنفس تنفسا ظننت أنه قد قطع حيازيمه فقلت مالك بأبي أنت
(9/331)

فقال إن لي وراء هذين الجبلين شجنا وقد حيل بيني وبين المرور به ونذروا دمي وأنا أتمتع بالنظر إلى الجبلين تعللا بهما إذا قدم الحاج ثم يحال بيني وبين ذلك فقلت له زدني مما قلت في ذلك فأنشدني
( إذا ما وردتَ الماءَ في بعض أهله ... حَضُورُ فعرِّض بي كأنّك مازحُ )
( فإنْ سألتْ عنّي حَضُورُ فقُلْ لها ... به غُبَّرٌ من دائه وهو صالح )
فأمرني الواثق فكتبت له الشعرين فلما كان بعد أيام دعاني فقال قد صنع بعض عجائز دارنا في أحد الشعرين لحنا فاسمعه فإن ارتضيته أظهرناه وإن رأيت فيه موضع إصلاح أصلحته فغني لنا من وراء الستار فكان في نهاية الجودة وكذلك كان يفعل إذا صنع شيئا فقلت له أحسن والله صانعه يا أمير المؤمنين ما شاء فقال بحياتي فقلت وحياتك وحلفت له بما وثق به وأمر لي برطل فشربته ثم أخذ العود فغناه ثلاث مرات وسقاني ثلاثة أرطال وأمر لي بثلاثين ألف درهم فلما كان بعد أيام دعاني فقال قد صنع أيضا عندنا في الشعر الآخر وأمر فغني به فكانت حالي فيه مثل الحال في الأول فلما استحسنته وحلفت له على جودته ثلاث مرات سقاني ثلاثة أرطال وأمر لي بثلاثين ألف درهم ثم قال لي هل قضيت حق هديتك فقلت نعم يا أمير المؤمنين فأطال الله بقاءك وتمم نعمتك ولا أفقدنيها منك وبك ثم قال لكنك لم تقض حق جليسك الأعرابي ولا سألتني معونته على أمره وقد سبقت مسألتك وكتبت بخبره إلى صاحب الحجاز وأمرته بإحضاره وخطبت المرأة له وحمل صداقها إلى قومها عنه من مالي فقبلت يده وقلت السبق إلى المكارم لك وأنت أولى بها من عبدك ومن سائر الناس
نسبة ما في هذه الأخبار من الأغاني
منها الصوتان اللذان في الأخبار المتقدمة
(9/332)

شوت
( حتى إذا الليلُ خَبَا ضوءهُ ... وغابتِ الجَوْزاءُ والمِرْزَمُ )
( أقبلتُ والوطءُ خَفِيٌّ كما ... ينساب من مَكْمَنة الأرقَمُ )
ذكر يحيى المكي أن اللحن لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى البنصر وذكر الهشامي أنه منحول
طرب شيخ فرمى بنفسه في الفرات
فأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار وإسماعيل بن يونس وغيرهما قالوا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم عن ابن كناسة قال
اصطحب شيخ مع شباب في سفينة في الفرات ومعهم مغنية فلما صاروا في بعض الطريق قالوا للشيخ معنا جارية لبعضنا وهي مغنية فأحببنا أن نسمع غناءها فهبناك فإن أذنت لنا فعلنا قال أنا أصعد إلى طلل السفينة فاصنعوا أنتم ما شئتم فصعد وأخذت الجارية عودها فغنت
( حتى إذا الصبحُ بدا ضوءهُ ... وغابت الجَوْزاءُ والمِرْزَمُ )
( أقبلتُ والوطءُ خفيٌّ كما ... ينساب من مَكْمَنه الأرقم )
فطرب الشيخ وصاح ثم رمى بنفسه بثيابه في الفرات وجعل يغوص في الفرات ويطفو ويقول أنا الأرقم أنا الأرقم فألقوا أنفسهم خلفه فبعد لأي ما استخرجوه وقالوا له يا شيخ ما حملك على ما صنعت فقال إليكم عني فإني والله أعرف من معاني الشعر ما لا تعرفون وقال إسماعيل في خبره فقلت له ما أصابك فقال دب شيء من قدمي إلى رأسي كدبيب النمل ونزل في رأسي مثله فلما وردا على قلبي لم أعقل ما عملت
وأما ما في الخبر من الصنعة في قالت إذا الليل دجا فإن لحن الواثق
(9/333)

هو المشهور وما وجدت في كتب الأغاني غيره بل سمعت محمد بن إبراهيم المعروف بقريض وذكاء وجه الرزة يغنيان فيه لحنا من الثقيل الأول المذموم فسألتهما عن صانعه فلم يعرفاه وذكرا جميعا أنهما أخذاه عن أحمد بن أبي العلاء
الواثق أعلم الخلفاء بالغناء
وأخبرني الصولي عن أحمد بن محمد بن إسحاق عن حماد بن إسحاق قال كان الواثق أعلم الخلفاء بالغناء وبلغت صنعته مائة صوت وكان أحذق من غنى بضرب العود قال ثم ذكرها فعد منها
( يفرَح الناسُ بالسَّماع وأبكى ... أنا حُزْناً إذا سمعتُ السَّماعا )
( ولها في الفؤاد صَدْعٌ مُقيمٌ ... مثُل صَدْع الزُّجاج أَعْيا الصَّنَاعا )
الشعر للعباس بن الأحنف والغناء للواثق خفي ثقيل وفيه لأبي دلف خفيف رمل
ومنها
( ألاَ أيُّها النفسُ التي كادها الهوى ... أفآنتِ إذا رمتُ السُلُوَّ غَريمي )
(9/334)

( أَفِيقي فقد أفنيتِ صبري أو اصبري ... لِما قد لقَيتيه عليَّ ودُومي )
الشعر والغناء للواثق خفيف رمل
ومنها
( سَقَى العَلَمَ الفردَ الذي في ظلاله ... غزالانِ مكحولان مؤتلِفان )
( أرغتُهما خَتْلاً فلم أستطعْهما ... ورمياً ففاتاني وقد قتلاني )
الغناء للواثق ثقيل أول وفيه لإسحاق رمل وهو من غريب صنعته يقال إنه صنعه بالرقة
ومنها
( كلَّ يومٍ قَطيعةٌ وعِتابُ ... ينقضي دهرُنا ونحن غِضابُ )
( ليت شعري أنَا خُصِصْتُ بهذا ... دون ذا الخلقِ أم كذا الأحبابُ )
( فاصبِر النفسَ لا تكونَنْ جَزُوعاً ... إنما الحبّ حَسْرةٌ وعذاب )
فيه للواثق رمل ولزرزور ثقيل أول ولعريب هزج
ومنها
( ولم أر لَيْلَى بعد موقف ساعةٍ ... بخَيْفِ مِنىً ترمي جِمارَ المحصَّب )
( ويُبْدِي الحَصَى منها إذا قذَفتْ به ... من البُرْد أطرافَ البَنان المُخَضَّب )
( فأصبحتُ من ليلَى الغَدَاةَ كناظرٍ ... مع الصبح في أَعْقاب نجم مغرِّب )
( ألاَ إنما غادرِتِ يا أمَّ مالكٍ ... صَدىً أينما تذهبْ به الريحُ يَذْهب )
الصنعة في هذا الشعر ثقيل أول وهو لحن الواثق فيما أرى ونسبه
(9/335)

حبش وهو قليل التحصيل إلى ابن محرز في موضع وإلى سليم في موضع آخر وإلى معبد في موضع ثالث
ومنها
( أمستْ وُشَاتُكِ قد دَبَّتْ عقاربُها ... وقد رَمَوْكِ بعين الغِشّ وابتَدروا )
( تُرِيكِ أعيُنهم ما في صدورهم ... إنّ الصدور يؤدِّي غيبَها النظر )
الشعر للمجنون والغناء للواثق ثاني ثقيل وفيه لمتيم ثقيل أول وقد نسب لحن كل واحد منهما إلى الآخر
ومنها
( عجبتُ لِسَعْي الدهر بيني وبينها ... فلمّا انقضى ما بيننا سكَن الدهرُ )
( فيا هجَرَ لَيْلَى قد بلغتَ بي المَدَى ... وزدتَ على ما لم يكن بلَغ الهجر )
الغناء للواثق رمل وفيه لمعبد ثاني ثقيل بالوسطى ولابن سريج ثقيل أول بالبنصر ولعريب ثقيل أول آخر
ومنها
( كأنّ شخصي وشخصه حَكَيا ... نظامَ نِسْرِينَتَيْنِ في غُصُنِ )
( فليت لَيْلىِ وليلَه أبداً ... دام ودُمْنا به فلم نَبِن )
الشعر أظنه لعلي بن هشام أو لمراد ولحن الواثق فيه ثقيل أول وفيه لعريب ثقيل أول آخر وفيه لأبي عيسى بن الرشيد ولمتيم لحنان لم يقع إلي جنسهما
ومنها
( اهابُكِ إجلالاً وما بِكِ قدرةٌ ... عليّ ولكن ملءُ عينٍ حَبيبُها )
(9/336)

( وما فارقتْكِ النفسُ يا ليلُ أنها ... قَلَتْكِ ولكن قَلَّ منكِ نصيبُها )
لحن الواثق فيه ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى وفيه لغيره لحن
ومنها
( في فمي ماءٌ وهل يَنطِق ... مَنْ في فيه ماءُ )
( أنا مملوكٌ لمملوكٍ ... عليه الرُّقَباءُ )
( كنت حُرًّا هاشميًّا ... فاسترقَّتْني الإِماءُ )
( وسباني مَنْ له كان ... على الكُرْه السِّباءُ )
( أَحْمَد اللهَ على ما ... ساقه نَحْوِي القضاءُ )
( ما بعينيَّ دموعٌ ... أنفد الدمعَ البكاء )
الغناء للواثق رمل
ومنها
( أيُّ عَوْنٍ على الهموم ثلاثُ ... مُتْرَعاتٌ من بعدهنَّ ثلاثُ )
( بعدها أربعٌ تَتِمةُ عَشْرٍ ... لا بطاءٌ لكنهنَّ حِثَاثُ )
فيه رمل ينسب إلى الواثق وإلى متيم
ومنها
( أيا عَبْرة العينين قد ظَمِئ الحدُّ ... فما لكما من أن تُلِمَّا به بُدُّ )
( ويا مُقْلةً قد صار يُبْغضها الكَرَى ... كأن لم يكن من قبلُ بينهما وُدّ )
( لئن كان طولُ العهد أحدث سَلْوةً ... فموعدُ بينِ العينِ والعَبْرة الوُجْد )
( وما أنا إلاّ كالذين تُخُرِّموا ... على أنّ قلبي من قلوبهمُ فَرْد )
الشعر والغناء للواثق رمل وفيه لأبي حشيشة هزج ذكر ذلك الهشامي
(9/337)

الملقب بالمسك وأخبرني جحظة أنه للمسدود وأخبرني جحظة أن من صنعة أبي حشيشة في شعر الواثق خفيف رمل وهو
( سألتُه حُوَيْجةً فأعرضا ... وعَلقِ القلبُ به وَمَرِضَا )
( فاستَلَّ منّي سيفَ عزمٍ مُنْتضى ... فكان ما كان وكابرْنا القَضَا )
قال وفي هذا الشعر أيضا بعينه للواثق رمل ولقلم الصالحية فيه هزج وقد غلط جحظة في هذا الشعر وهو لسعيد بن حميد مشهور وله فيه خبر قد ذكرناه في موضعه
أخبرني عمي عن علي بن محمد بن نصر عن جده ابن حمدون عن أبيه حمدون بن إسماعيل قال كان الواثق يحب خادما له كان أهدي إليه من مصر فغاضبه يوما وهجره فسمع الخادم يحدث صاحبا له بحديث أغضبه عليه إلى أن قال له والله إنه ليجهد منذ أمس على أن أصالحه فما أفعل فقال الواثق في ذلك
( يا ذا الذي بعذابي ظلَّ مفتخرَا ... هل أنت إلاّ مليكٌ جار إذ قَدَرَا )
( لولا الهوى لتجازَيْنا على قَدَرٍ ... وإن أَفِقْ مَرّةً منه فسوف تَرَى )
قال وغنى الواثق وعلويه فيه لحنين ذكر الهشامي أن لحن الواثق خفيف ثقيل وفي أغاني علويه لحنه في هذا الشعر خفيف رمل
(9/338)

حدثني الصولي قال حدثني ابن أبي العيناء عن أبيه عن إبراهيم بن الحسن ابن سهل قال كنا وقوفا على رأس الواثق في أول مجالسه التي جلسها لما ولي الخلافة فقال من ينشدنا شعرا قصيرا مليحا فحرصت على أن أعمل شيئا فلم يجئني فأنشدته لعلي بن الجهم
( لو تنصَّلتَ إلينا ... لَوَهَبْنا لكَ ذَنْبَكْ )
( ليتني أملِك قلبي ... مثلَما تملِك قلبَكْ )
( أيُّها الواثق بالله ... لقد ناصحتَ رَبَّكْ )
( سيِّدي ما أبغض العيشَ ... إذا فارقتُ قُربَكْ )
( أصبحتْ حُجَّتُك العُلْيا ... وحِزْبُ الله حِزْبَكْ )
فاستحسنها وقال لمن هذه فقلت لعبدك علي بن الجهم فقال خذ ألف دينار لك وله وصنع فيها لحنا كنا نغني به بعد ذلك
أخبرني محمد بني يحيى بن أبي عباد قال حدثني أبي قال لما خرج المعتصم إلى عمورية استخلف الواثق بسر من رأى فكانت أموره كلها كأمور أبيه فوجه إلى الجلساء والمغنين أن يبكروا إليه يوما حدد لهم
(9/339)

ووجه إلى إسحاق فحضر الجميع فقال لهم الواثق إني عزمت على الصبوح ولست أجلس على سرير حتى أختلط بكم ونكون كالشيء الواحد فاجلسوا معي حلقة وليكن كل جليس إلى جانبه مغن فجلسوا كذلك فقال الواثق أنا أبدأ فأخذ عودا فغنى وشربوا وغنى من بعده حتى انتهى إلى إسحاق فأعطي العود فلم يأخذه فقال دعوه ثم غنوا دورا آخر فلما بلغ الغناء إلى إسحاق لم يغن وفعل هذا ثلاث مرات فوثب الواثق فجلس على سريره وأمر بالناس فأدخلوا فما قال لأحد منهم اجلس ثم قال علي بإسحاق فلما رآه قال يا خوزي يا كلب أتنزل لك وأغني وترتفع عني أترى لو أني قتلتك كان المعتصم يقيدني بك أبطحوه فبطح فضرب ثلاثين مقرعة ضربا خفيفا وحلف ألا يغني سائر يومه سواه فاعتذر وتكلمت الجماعة فيه فأخذ العود وما زال يغني حتى انقضى ذلك اليوم وعاد الواثق إلى مجلسه
وجدت في بعض الكتب عن ابن المعتز قال كان الواثق يهوى خادما له فقال فيه
( سأمنع قلبي من مودَّةِ غادر ... تعبَّدني خُبْثاً بمكرِ مُكاشِرِ )
( خطبتُ إليه الوصل خِطْبةَ راغبٍ ... فَلاَحَظَنِي زَهْواً بِطَرْفِ مُهَاجِر )
قال أبو العباس عبد الله بن المعتز وللواثق في هذا الشعر لحن من الثقيل الأول
أخبرني محمد بني يحيى قال حدثني الحسين بن يحيى أبو الحمار قال حدثني عبد أم غلام الواثق قال
(9/340)

دعا بنا الواثق مع صلاة الغداة وهو يستاك فقال خذوا هذا الصوت ونحن عشرون غلاما كلنا يغني ويضرب ثم ألقى علينا
( أشكو إلى الله ما ألقَى من الكَمَدِ ... حَسْبِي بربيِّ فلا أشكو إلى أحدِ )
فما زال يردده حتى أخذنا عنه
نسبة هذا الصوت
( أشكو إلى الله ما أَلْقَى من الكَمَدِ ... حَسْبِي بربيِّ فلا أشكو إلى أحد )
( أين الزمانُ الذي قد كنت ناعمةً ... مُهِلَّةً بدُنُوِّي منك يا سَنَدي )
( وأسألُ الله يوماً منكِ يُفْرِحُني ... فقد كَحَلْتِ جُفونَ العين بالسَّهَد )
( شوقاً إليكِ وما تَدْرِين ما لقيتْ ... نفسي عليكِ وما بالقلب من كَمَد )
الغناء للواثق ثقيل أول بالبنصر وفيه لعريب أيضا ثقيل أول بالوسطى
أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني محمد بن أحمد المكي قال حدثني أبي قال كان الواثق يعرض صنعته على إسحاق فيصلح الشيء بعد الشيء مما يخفى على الواثق فإذا صححه أخرجه إلينا وسمعناه
حدثنا جحظة قال حدثني حماد بن إسحاق قال حدثني مخارق قال لما صنع الواثق لحنه في
( حَوْراءُ مَمْكورَةٌ مُنَعَّمةٌ ... كأنما شَفّ وجهَها نُزُفُ )
(9/341)

وصنع لحنه في سأذكر سربا طال ما كنت فيهم أمرني وعلويه وعريب أن نعارض صنعته فيهما ففعلنا واجتهدنا ثم غنيناه فضحك فقال أمنا معكم أن نجد من يبغض إلينا صنعتنا كما بغض إسحاق إلينا أيا منشر الموتى قال حماد هذا آخر لحن صنعه أبي يعني الذي عارض به لحن الواثق في أيا منشر الموتى
أخبرني جحظة قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال دخلت يوما إلى الواثق وهو مصطبح فقال لي غنني يا إسحاق بحياتي عليك صوتا غريبا لم أسمعه منك حتى أسر به بقية يومي فكأن الله أنساني الغناء كله إلا هذا الصوت
( يا دارُ إن كان البِلَى قد مَحَاكْ ... فإنه يُعْجبني أن أراكْ )
( أَبْكِي الذي قد كان لي مَأْلَفاً ... فِيكِ فأتِي الدارَ من أجل ذاكْ )
والغناء في هذا اللحن للأبجر رمل بالوسطى عن ابن المكي وهو الصواب وذكر عمرو بن بانة أنه لسليم قال فتبينت الكراهية في وجهه وندمت على ما فرط مني وتجلد فشرب رطلا كان في يده وعدلت عن الصوت إلى غيره فكان والله ذلك اليوم آخر جلوسي معه
وممن حكي عنه أنه صنع في شعره وشعر غيره المنتصر فإني ذكرت ماروي عنه أنه غنى فيه على سوء العهدة في ذلك وضعف
(9/342)

الصنعة لئلا يشذ عن الكتاب شيء قد روي وقد تداوله الناس فمما ذكر عنه أنه غنى فيه
صوت
( سُقِيتُ كأساً كَشَفَتْ ... عن ناظريَّ الخُمُرَا )
( فنَشَّطَتْنِي ولقد ... كنتُ حزينا خاثِرا )
الشعر للمنتصر وهو شعر ضعيف ركيك إلا أنه يغني فيه
المنتصر متخلف في قول الشعر
وحدثني الصولي عن أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه قال كان طبع المنتصر متخلفا في قول الشعر وكان متقدما في كل شيء غيره فكان إذا قال شعرا صنع فيه وأمر المغنين بإظهاره وكان حسن العلم بالغناء فلما ولي الخلافة قطع ذلك وأمر بستر ما تقدم منه من ذلك صنعته في شعره وهو من الثقيل الأول المذموم
( سُقِيتُ كأساً كَشَفَتْ ... عن ناظريَّ الخُمُرَا )
قال ومن شعره الذي غنى فيه ولحنه ثاني ثقيل
صوت
( متى تَرْفَعُ الأيّامُ مَنْ قد وضعْنَه ... وينقادُ لي دهرٌ عليّ جَموحُ )
( أُعَلِّل نفسي بالرجاء وإنني ... لأغدو على ما ساءني وأروحُ )
قال وكان أبي يستجيد هذين البيتين ويستحسنهما ونذكر هاهنا شيئا من أخبار المنتصر في هذا المعنى دون غيره أسوة ما فعلنا في نظرائه
(9/343)

أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني محمد بن يحيى بن أبي عباد قال حدثني أبي قال أراد المنتصر أن يشرب في الزقاق فوافى الناس من كل وجه ليروه ويخدموه فوقف على شاطئ دجلة وأقبل على الناس فقال
( لَعَمْرِي لقد أَصْحرتْ خيلُنا ... بأكناف دِجْلَةَ لِلمَلْعَبِ )
والشعر بأكناف دجلة للمصعب ولكنه غيره لأنه تطير من ذكر المصعب
( فمَنْ يَكُ مِنّا يَبِتْ آمِناً ... وَمَنْ يَكُ من غيرنا يهرُبِ )
قال فعلم أنه يريد الخلوة بالندماء والمغنين فانصرفوا فلم يبق معه إلا من يصلح للأنس والخدمة
حدثني الصولي قال حدثني أحمد بن يزيد المهلبي قال كان أبي أخص الناس بالمنتصر وكان يجالسه قبل مجالسته المتوكل فدخل المتوكل يوما على المنتصر على غفلة فسمع كلامه فاستحسنه فأخذه إليه وجعله في جلسائه وكان المنتصر يريد منه أن يلازمه كما كان فلم يقدر على ذلك لملازمته أباه فعتب عليه لتأخره عنه على ثقة بمودة وأنس به فلما أفضت إليه الخلافة استأذن عليه فحجبه وأمر بأن يعتقل في الدار فحبس أكثر يومه ثم أذن له فدخل وسلم وقبل الأرض بين يديه ثم قبل يده فأمره بالجلوس ثم التفت إلى بنان ابن عمرو وقال له غن وكان العود في يده
( غَدَرْتَ ولم أغدِر وخُنْتَ ولم أَخُنْ ... ورُمْتَ بَدِيلاً بي ولم أَتَبَدَّلِ )
قال والشعر للمنتصر فغناه بنان وعلم أبي أنه أراده بذلك فقام فقال والله ما اخترت خدمة غيرك ولا صرت إليها إلا بعد إذنك فقال صدقت إنما قلت هذا مازحا أتراني أتجاوز بك حكم الله عز و جل إذ يقول
(9/344)

( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما ) ثم استأذنه في الإنشاد فأذن له فأنشده
( أَلاَ يا قَوْمِ قد بَرِح الخفاء ... وبان الصبرُ منَّي والعزاءُ )
( تَعَجَّبَ صاحبي لضياع مثلي ... وليس لداء محروم دواء )
( جفاني سَيّدٌ قد كان بَرًّا ... ولم أُذْنِبْ فما هذا الجفاء )
( حَلَلْتُ بداره وعلمتُ أنِّي ... بدار لا يَخيبُ بها الرجاء )
( فلمّا شاب رأسي في ذَرَاه ... حُجِبتُ بعُقْبِ ما بَعُد اللِّقاء )
( فإن تَنْأَى سُتورُ الإِذن عنّا ... فما نأتِ المحبّةُ والثناء )
( وإن يَكُ كادني ظلماً عَدُوٌّ ... فعند البحث يَنكشف الغِطاء )
( ألم تر أنّ بالآفاق منّا ... جَماجِمَ حَشْوُ أقْبُرِها الوفاء )
( وقد وَصَف الزمانَ لنا زِيادٌ ... وقال مقالةً فيها شفاء )
( ألاَ يا رُبَّ مغمومٍ سيَحْظَى ... بدولتنا ومسرورٍ يُساء )
( أمنتصِر الخَلائِف جُدْتَ فينا ... كما جادت على الأرض السماء )
(9/345)

( وَسِعْتَ الناسَ عدلاً فاستقاموا ... بأحكامٍ عليهنّ الضياء )
( وليس يفوتنا ما عِشْتَ خيرٌ ... كفانا أن يطول لك البقاء )
قال فقال له المنتصر والله إنك لمن ذوي ثقتي وموضع اختياري ولك عندي الزلفى فطب نفسا قال ووصلني بثلاثة آلاف دينار
من شعر حسين بن الضحاك في المنتصر
حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد الكندي قال لما ولي المنتصر الخلافة دخل عليه الحسين بن الضحاك فهنأه بالخلافة وأنشده
( تجدَّدتِ الدنيا بِمُلْكِ محمدِ ... فأَهْلاً وسَهْلاً بالزمان المجدَّدِ )
( هي الدولة الغَرّاءُ راحتْ وبَكّرتْ ... مُشَهرةً بالرُّشْد في كل مَشْهَد )
( لَعَمْرِي لقد شَدَّتْ عُرَا الدِّين بَيْعةٌ ... أعزَّ بها الرحمنُ كلَّ موحِّد )
( هَنَتْكَ أميرَ المؤمنين خلافةٌ ... جَمَعْتَ بها أهواءَ أُمّة أحمد )
قال فأظهر إكرامه والسرور به وقال له إن في بقائك بهاء للملك وقد ضعفت عن الحركة فكاتبني بحاجاتك ولا تحمل على نفسك بكثرة الحركة ووصله بثلاثة آلاف دينار ليقضي بها دينا بلغة أنه عليه
قال وقال الحسين بن الضحاك فيه وقد ركب الظهور وراء الناس وهو آخر شعر قاله
( أَلاَ ليتَ شعري أَبَدْرٌ بَدَا ... نهاراً أم المَلِكُ المنتصرْ )
( إمامٌ تَضَمَّنُ أثوابُه ... على سَرْجه قمراً من بشرْ )
( حَمى اللهُ دولةَ سلطانِه ... بجُنْدِ القضاء وجُنْد القَدَر )
( فلا زال ما بَقِيتْ مدّةٌ ... يروح بها الدهرُ أو يَبْتَكِرْ )
قال وغنى فيه بنان وعريب
(9/346)

حدثني الصولي قال حدثني أحمد بن يزيد المهلبي قال أول قصيدة أنشدها أبي في المنتصر بعد أن ولي الخلافة
( لَيَهْنِكَ مُلْكٌ بالسعادة طائرُهْ ... مَوَارِدُه محمودةٌ وَمَصَادِرُهْ )
( فأنت الذي كنّا نُرَجِّي فلم نَخِبْ ... كَما يُرتَجَى من واقع الغيث باكره )
( بمنتصرٍ بالله تَمّتْ أمورُنا ... وَمَنْ ينتصرْ بالله فاللهُ ناصره )
فأمر المنتصر عريب أن تغني نشيدا في أول الأبيات وتجعل البسيط في البيت الأخير فعملته وغنته به
حدثني الصولي قال حدثني أحمد بن يزيد قال صلى المنتصر بالناس في الأضحى سنة سبع وأربعين ومائتين فأنشده أبي لما انصرف
( ما استشرف الناسُ عيداً مثلَ عِيدِهم ... مع الإِمامِ الذي بالله ينتصرُ )
( غَدَا بِجَمْعٍ كجُنْحِ الليل يقدمُه ... وجهٌ أغرُّ كما يجلو الدُّجَى القمرُ )
( يَؤُمُّهم صادعٌ بالحق أَحْكَمه ... حزمٌ وعلمٌ بما يأتي وما يَذَرُ )
( لو خُيِّر الناسُ فاختاروا لأنفسهم ... أحظَّ منك لِما نالوه ما قدَروا )
قال فأمر له بألف دينار وتقدم إلى ابن المكي أن يغني في الأبيات
حدثني الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى قال حدثني بنان بن عمرو المغني قال غنيت يوما بين يدي المنتصر
( هل تَطْمِسون من السماء نجوَمتها ... بأكُفِّكم أو تستُرون هِلالَها )
فقال لي إياك وأن تغني بحضرتي هذا الصوت وأشباهه فما أحب أن أغنى إلا في أشعار آل أبي حفصة خاصة
وممن هذه سبيله في صنعة الغناء المعتز بالله فإني لم أجد له منها شيئا إلا ما ذكره الصولي في أخباره فأتيت بما حكاه
(9/347)

للعلة التي قدمتها من أني كرهت أن يخل الكتاب بشيء قد دونه الناس وتعارفوه فمما ذكر أنه غنى فيه
صوت
( لَعَمْرِي لقد أَصْحرتْ خيلُنا ... بأكناف دجْلَةَ للمُصْعَبِ )
( فمَنْ يَكُ مِنّا يَبِتْ آمناً ... ومن يَكُ من غيرنا يَهرُبِ )
الشعر لعدي بن الرقاع والغناء للمعتز خفيف رمل وهذه الأبيات من قصيدة لعدي يقولها في الوقعة التي كانت بين عبد الملك بن مروان والمصعب ابن الزبير بطسوج مسكن فقتل فيها مصعب بقرية من مسكن يقال لها دير الجاثليق وذكرته الشعراء في هذه الأبيات
( لَعَمْرِي لقد أَصْحرتْ خيلُنا ... بأكناف دِجْلَةَ للمُصْعَبِ )
(9/348)

( يهزُّون كلَّ طويل القناةِ ... لَدْنٍ ومعتدلِ الثَّعْلَبِ )
( فِداؤك أُمِّي وأبناؤُها ... وإن شئتَ زدتُ عليها أبي )
( وما قلتُها رهبةً إنما ... يَحُلّ العقابُ على المذْنِب )
( إذا شئتُ نازلتُ مُسْتقتِلاً ... أُزاحِمُ كالجمل الأجربِ )
( فمن يَكُ منّا يَبِتْ آمِناً ... ومن يَكُ من غيرنا يهرُبِ )
(9/349)

أخبار عدي بن الرقاع ونسبه
هو عدي بن زيد بن مالك بن عدي بن الرقاع بن عصر بن عك بن شعل بن معاوية بن الحارث وهو عاملة بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد وأم معاوية بن الحارث عاملة بنت وديعة من قضاعة وبها سموا عاملة ونسبه الناس إلى الرقاع وهو جد جده لشهرته أخبرني بذلك أبو خليفة عن محمد بن سلام
طبقته بين الشعراء
وكان شاعرا مقدما عند بني أمية مداحا لهم خاصا بالوليد بن عبد الملك وله بنت شاعرة يقال لها سلمى ذكر ذلك ابن النطاح وجعله محمد بن سلام في الطبقة الثالثة من شعراء الإسلام وكان منزله بدمشق وهو من حاضرة الشعراء لا من باديتهم وقد تعرض لجرير وناقضه في مجلس الوليد بن عبد الملك ثم لم تتم بينهما مهاجاة إلا أن جريرا قد هجاه تعريضا في قصيدته
( حَيِّ الهِدَمْلَةَ من ذات الموَاعِيسِ ... )
(9/350)

ولم يصرح لأن الوليد حلف إن هو هجاه أسرجه وألجمه وحمله على ظهره فلم يصرح بهجائه
أخبرني أبو خليفة إجازة قال حدثنا محمد بن سلام قال أخبرني أبو الغراف قال دخل جرير على الوليد بن عبد الملك وهو خليفة وعنده عدي بن الرقاع العاملي فقال الوليد لجرير أتعرف هذا قال لا يا أمير المؤمنين فقال الوليد هذا عدي بن الرقاع فقال جرير فشر الثياب الرقاع قال ممن هو قال العاملي فقال جرير هي التي يقول فيها الله عز و جل ( عاملة ناصبة تصلى نارا حامية ) ثم قال
( يُقَصِّر باعُ العامليِّ عن النَّدَى ... ولكنَّ أَيْرَ العماملِّي طويلُ )
فقال له عدي بن الرقاع
( أَأُمُّكَ كانت أخبرتْك بطُوله ... أَمَ أنت امرؤٌ لم تَدْرِ كيف تقول )
فقال لا بل أدري كيف أقول فوثب العاملي إلى رجل الوليد فقبلها وقال أجرني منه فقال الوليد لجرير لئن شتمته لأسرجنك ولألجمنك حتى يركبك فيعيرك الشعراء بذلك فكنى جرير عن اسمه فقال
( إني إذا الشاعر المغرورُ حرّبني ... جارٌ لقبرٍ على مَرَّانَ مَرْمُوس )
( قد كان أشْوَسَ آباءٍ فورَّثنا ... شَغْباً على الناس في أبنائه الشَّوس )
(9/351)

( أَقْصِرْ فإنّ نِزاراً لن يفاضلَها ... فرعٌ لئيمٌ وأصلٌ غيرُ مغروس )
( وابن اللَّبُون إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ... لم يَستطِعْ صَوْلةَ البُزْلِ القَنَاعِيس )
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال قال أبو عبيدة
دخل جرير على الوليد بن عبد الملك وعنده عدي بن الرقاع العاملي فقال له الوليد أتعرف هذا قال لا فمن هو قال هذا ابن الرقاع قال فشر الثياب الرقاع فممن هو قال من عاملة قال أمن التي قال الله تعالى فيها ( عاملة ناصبة تصلى نارا حامية ) فقال الوليد والله ليركبنك لشاعرنا ومادحنا والراثي لأمواتنا تقول هذه المقالة يا غلام علي بإكاف ولجام فقام إليه عمر بن الوليد فسأله أن يعفيه فأعفاه فقال والله لئن هجوته لأفعلن ولأفعلن فلم يصرح بهجائه وعرض فقال قصيدته التي أوليها
( حَيِّ الهِدَمْلَةَ من ذاتِ الموَاعِيسِ ... )
وقال فيها يعرض به
( قد جَرَّبَتْ عَرْكَتِي في كلِّ مُعْتَرَكٍ ... غُلْبُ الأُسودِ فما بالُ الضَّغَابِيسِ )
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني سليمان بن عياش السعدي قال ذكر كثير وعدي بن الرقاع العاملي في مجلس بعض خلفاء بني أمية فامتروا فيهما أيهما أشعر وفي المجلس جرير فقال جرير لقد قال كثير بيتا هو أشهر وأعرف في الناس من عدي بن الرقاع نفسه ثم أنشد قول كثير
(9/352)

( أأن زُمَّ أجمالٌ وفارق جِيرةٌ ... وصاح غرابُ البين أنت حزينُ )
قال فحلف الخليفة لئن كان عدي بن الرقاع أعرف في الناس من بيت كثير ليسرجن جريرا وليلجمنه وليركبن عدي بن الرقاع على ظهره فكتب إلى واليه بالمدينة إذا فرغت من خطبتك فسل الناس من الذي يقول
( أأن زُمَّ أجمالٌ وفارق جِيرةٌ ... وصاح غرابُ البين أنت حزينُ )
وعن نسب ابن الرقاع فلما فرغ الوالي من خطبته قال إن أمير المؤمنين كتب إلي أن أسألكم من الذي يقول
( أأن زُمَّ أجمالٌ وفارق جِيرةٌ ... )
قال فابتدروا من كل وجه يقولون كثير كثير ثم قال وأمرني أن أسأل عن نسب ابن الرقاع فقالوا لا ندري حتى قام أعرابي من مؤخر المسجد فقال هو من عاملة
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه قال قال لي محمد بن المنجم ما أحد ذكر لي فأحببت أن أراه فإذا رأيته أمرت بصفعه إلا عدي بن الرقاع قلت ولم ذلك قال لقوله
( وعلمتُ حتى ما أُسائل عالماً ... عن علم واحدةٍ لكي أزدَادَها )
فكنت أعرض عليه أصناف العلوم فكلما مر به شيء لا يحسنه أمرت بصفعه
حدثني إبراهيم بن محمد بن أيوب قال حدثنا عبد الله بن مسلم قال
(9/353)

كان عدي بن الرقاع ينزل بالشام وكانت له بنت تقول الشعر فأتاه ناس من الشعراء ليماتنوه وكان غائبا فسمعت بنته وهي صغيرة لم تبلغ دور وعيدهم فخرجت إليهم وأنشأت تقول
( تجمّعتُمُ من كل أوْبٍ وبَلْدةٍ ... على واحدٍ لا زلتُم قِرْنَ واحِدِ )
فأفحمتهم
عدي بن الرقاع شاعر المطية
وقال عبد الله بن مسلم وما ينفرد به ويقدم فيه وصف المطية فإنه كان من أوصف الشعراء لها
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا محمد بن عباد بن موسى قال كنت عند أبي عمرو أعرض أو يعرض عليه رجل بحضرتي من شعر عدي ابن الرقاع وقرأت أو قرأ هذه الأبيات
( لولا الحياءُ وأنّ رأسيَ قد عَسَا ... فيه المشِيبُ لزُرْتُ أمَّ القاسمِ )
( وكأنها وَسْطَ النساء أعارَها ... عينيه أَحْورُ من جآذِرِ جاسِم )
( وَسْنانُ أَقْصدَه النُّعاسُ فَرَنَّقتْ ... في عِينه سِنَةٌ وليس بنائم )
فقال أبو عمرو أحسن والله فقال رجل كان يحضر مجلسه أعرابي كأنه مدني أما والله لو رأيته مشبوحا بين أربعة وقضبان الدفلى تأخذه لكنت أشد له استحسانا يعني إذا كان يغنى به على العود
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني عبد الله بن أبي سعد عن علي بن المغيرة قال
(9/354)

كان أبو عبيدة يستحسن بيت عدي بن الرقاع
( وَسْنانُ أَقْصدَه النُّعاسُ فَرَنَّقتْ ... في عِينه سِنَةٌ وليس بنائم )
جدا ويقول ما قال أحد في مثل هذا المعنى أحسن منه في هذا الشعر وفي هذا الشعر غناء نسبته
صوت
( لولا الحياءُ وأنّ رأسيَ قد عَسَا ... فيه المشِيبُ لزُرْتُ أمَّ القاسِم )
( وكأنّها وَسْطَ النساء أعارَها ... عينيه أَحْورُ من جآذِرِ جاسِم )
( وَسْنانُ أَقْصدَه النُّعاسُ فَرَنَّقتْ ... في عِينه سِنَةٌ وليس بنائم )
( أَلْمِمْ على طَلَلٍ عَفَا مُتَقادِمِ ... بين الذُّؤَيْبِ وبين غَيْب النَّاعِم )
عروضه من الكامل الجآذر جمع جؤذر وهي أولاد البقر الوحشية وجاسم موضع ويروى في هذا الشعر عاسم مكان جاسم والوسنان النائم والوسن النوم الواحدة منه سنة والترنيق الدنو من الشيء يريد أن يفعله يقال رنقت العقاب لصيدها إذا دنت منه وترنيقها أيضا أن تقصر عن الخفقان بجناحيها ويقال طير مرنقة إذا جاءت تطير ثم أرادت الوقوع ومدت أجنحتها فلم تخفق وترجحت ويقال للقوم إذا قصروا في سيرهم وللسابح إذا قصر في الخفق بيديه ورجليه قد رنقوا ترنيقا الشعر لعدي بن الرقاع والغناء لابن مسجح خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وفيه ثقيل أول بالبنصر ينسب إليه أيضا وذكر الهشامي أنه من منحول يحيى بن المكي إليه
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني محمد بن عبد الله المعروف بالحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو قال
(9/355)

كنت عند أبي ورجل يقرأ عليه شعر عدي بن الرقاع فلما قرأ عليه القصيدة التي يقول فيها
( لولا الحياءُ وأنّ رأسيَ قد عَسَا ... فيه المشيبُ لزرتُ أمَّ القاسم )
قال أبي أحسن والله عدي بن الرقاع قال وعنده شيخ مدني جالس فقال الشيخ والله لئن كان عدي أحسن لما أساء أبو عباد قال أبي ومن هو أبو عباد قال معبد والله لو سمعت لحنه في هذا الشعر لكان طربك أشد واستحسانك له أكثر فجعل أبي يضحك
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن جرير عن محمد بن سلام قال عزل الوليد بن عبد الملك عبيدة بن عبد الرحمن عن الأردن وضربه وحلقه وأقامه للناس وقال للمتوكلين به من أتاه متوجعا وأثنى عليه فأتوني به فأتى عدي بن الرقاع وكان عبيدة إليه محسنا فوقف عليه وأنشأ يقول
( فما عزَلوك مسبوقاً ولكن ... إلى الخيرات سَبَّاقاً جَوَادَا )
( وكنتَ أخي وما ولدتْك أُمِّي ... وَصْولاً باذلاً لي مسترادا )
( وقد هِيضتْ لِنَكْبتك القُدَامَى ... كذاك الله يفعل ما أراد )
فوثب المتوكلون به إليه فأدخلوه إلى الوليد وأخبروه بما جرى فتغيظ عليه الوليد وقال له أتمدح رجلا قد فعلت به ما فعلت فقال يا أمير المؤمنين إنه كان إلي محسنا ولي مؤثرا وبي برا ففي أي وقت كنت أكافئه بعد هذا اليوم فقال صدقت وكرمت فقد عفوت عنك وعنه لك فخذه وانصرف فانصرف به إلى منزله
رأي جرير فيه
أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني أحمد بن يحيى ثعلب قال قال نوح بن جرير لأبيه يا أبت من أنسب الشعراء قال له أتعني ما
(9/356)

قلت قال إني لست أريد من شعرك إنما أريد من شعر غيرك قال ابن الرقاع في قوله
( لولا الحياء وأنّ رأسيَ قد عَسَا ... فيه المَشِيب لزُرْتُ أُمَّ القاسم )
الثلاثة الأبيات ثم قال لي ما كان يبالي أن لم يقل بعدها شيئا
أخبرني الحسن بن علي عن هارون بن محمد بن عبد الملك عن أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال قال جرير سمعت عدي بن الرقاع ينشد
( تُزْجِي أَغَنَّ كأنّ إبرةَ رَوْقِه ... )
فرحمته من هذا التشبيه فقلت بأي شيء يشبهه ترى فلما قال
( قلمٌ أصاب من الدَّواةِ مِدادَها ... )
رحمت نفسي منه
أخبرني اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله عن ابن حبيب عن أبي عبيدة قال مال روح بن زنباع الجذامي إلى يزيد بن معاوية لما فصل بين الخطبتين فقال يا أمير المؤمنين ألحقنا بإخوتنا من معد فإنا معديون والله ما نحن من قصب الشأم و من زعاف اليمن فقال يزيد إن أجمع قومك على ذلك جعلناك حيث شئت فبلغ ذلك عدي بن الرقاع فقال
( إنَّا رَضِينا وإن غابت جماعتُنا ... ما قال سيِّدُنا رَوْح بن زِنْباع )
( يرعَى ثمانين ألفاً كان مثلُهُمُ ... مّما يُخالفِ أحياناً على الرّاعي )
قال فبلغ ناتل بن قيس الجذامي فجاء يركض فرسه حتى دخل
(9/357)

المقصورة في الجمعة الثانية فلما قام يزيد على المنبر وثب فقال أين الغادر الكاذب روح بن زنباع فأشاروا إلى مجلسه فأقبل عليه وعلى يزيد ثم قال يا أمير المؤمنين قد بلغني ما قال لك هذا وما نعرف شيئا منه ولا نقر به ولكنا قوم من قحطان يسعنا ما يسعهم ويعجز عنا ما يعجز عنهم فأمسك روح ورجع عن رأيه فقال عدي بن الرقاع في ذلك
( أضلالُ ليلٍ ساقطٍ أكنافُه ... في الناس أعْذَرُ أم ضلالُ نهارِ )
( قَحْطانُ والدُنا الذي نُدْعَى له ... وأبو خُزَيْمةَ خِنْدِفُ بن نِزار )
( أنبيع والدَنا الذي نُدْعَى له ... بأبي مَعَاشِرَ غائبٍ مُتوارِي )
( تلك التجارةُ لا زَكَاءَ لمثلها ... ذهبٌ يباع بآنُكٍ وإبار )
فقال له يزيد غيرت يابن الرقاع قال إن ناتلا والله علي أعزهما سخطا وأنصحهما لي ولعشيرتي قال أبو عبيدة الإبار جمع إبرة
عدي بن الرقاع وابن سريج في حضرة الوليد
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن جده إبراهيم أن الأحوص وابن سريج قدما المدينة فنزلا في بعض الخانات ليصلحا من شأنهما وقد قدم عدي بن الرقاع وكانت هذه حاله فنزل عليهما فلماكان في بعض الليل أفاضوا في الأحاديث فقال عدي بن الرقاع لابن سريج والله لخروجنا كان إلى أمير المؤمنين أجدى علينا من المقام معك يا مولى بن نوفل قال وكيف ذلك قال لأنك توشك أن تلهينا فتشغلنا عما قصدنا له فقال له ابن سريج أو قلة شكر أيضا فغضب عدي وقال إنك لتمن علينا أن نزلنا
(9/358)

عليك وإني أعاهد الله ألا يظلني وإياك سقف إلا أن يكون بحضرة أمير المؤمنين وخرج من عندهما وقدم الوليد من باديته فأذن لهما فدخلا وبلغه خبر ابن الرقاع وماجرى بينه وبين ابن سريج فأمر بابن سريج فأخفي في بيت ودعا بعدي فأدخله فأنشده قصيدة امتدحه بها فلما فرغ أومأ إلى بعض الخدم فأمر ابن سريج فغنى في شعر عدي بن الرقاع يمدح الوليد
( عَرَف الديارَ تَوَهُّماً فاعتادها ... من بعدِ ما شَمِل البِلَى أبلادَها )
فطرب عدي وقال لا والله ما سمعت يا أمير المؤمنين بمثل هذا قط ولا ظننت أن يكون مثله طيبا وحسنا ولولا أنه في مجلس أمير المؤمنين لقلت طائف من الجن أيأذن لي أمير المؤمنين أن أقول قال قل قال مثل هذا عند أمير المؤمنين وهو يبعث إلى ابن سريج يتخطى به قبائل العرب فيقال ابن سريج المغني مولى بني نوفل بعث أمير المؤمنين إليه فضحك ثم قال للخادم أخرجه فخرج فلما رآه عدي أطرق خجلا ثم قال المعذرة إلى الله وإليك يا أخي فما ظننت أنك بهذه المنزلة وإنك لحقيق أن تحتمل على كل هفوة وخطيئة فأمر لهم الوليد بمال سوى بينهم فيه ونادمهم يومئذ إلى الليل
نسبة هذا الصوت المذكور في هذا الخبر وسائر ما مضى في أخبار عدي قبله من الأشعار التي فيها غناء
صوت
( عَرَف الديارَ تَوَهُّماً فاعتادها ... من بعدِ ما شَمِل البِلَى أبلادَها )
( إلاّ رَوَاكِدَ كلُّهن قد اصطَلى ... حمراءَ أَشْعل أهلُها إيقادَها )
عروضه من الكامل الشعر لعدي بن الرقاع والغناء لابن محرز خفيف ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق
(9/359)

أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثني أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال أنشد عدي بن الرقاع الوليد بن عبد الملك قصيدته التي أولها
( عرَف الديارَ تَوَهُّماً فاعتادها ... )
وعنده كثير وقد كان يبلغه عن عدي أنه يطعن على شعره ويقول هذا شعر حجازي مقرور إذا أصابه قر الشأم جمد وهلك فأنشده إياها حتى أتى على قوله
( وقصيدةٍ قد بِتُّ أجمع بينها ... حتى أقوِّمَ مَيْلَها وسِنَادَها )
فقال له كثير لو كنت مطبوعا أو فصيحا أو عالما لم تأت فيها بميل ولا سناد فتحتاج إلى أن تقومها ثم أنشد
( نَظَرَ المثقِّف في كُعوب قَنَاته ... حتى يُقِيمَ ثِقافُهُ مُنْآدَها )
فقال له كثير لا جرم أن الأيام إذا تطاولت عليها عادت عوجاء ولأن تكون مستقيمة لا تحتاج إلى ثقاف أجود لها ثم أنشد
( وعلمتُ حتى ما أُسائل واحداً ... عن علم واحدةٍ لكي أزدادَها )
فقال كثير كذبت ورب البيت الحرام فليمتحنك أمير المؤمنين بأن يسألك عن صغار الأمور دون كبارها حتى يتبين جهلك وما كنت قط أحمق منك الآن حيث تظن هذا بنفسك فضحك الوليد ومن حضر وقطع بعدي بن الرقاع حتى ما نطق
(9/360)

أخبار المعتز في الأغاني ومع المغنين وما جرى هذا المجرى
حدثني محمد بني يحيى الصولي قال حدثني علي بن محمد بن نصر قال حدثني جدي حمدون بن إسماعيل قال اصطبح المعتز في يوم ثلاثاء ونحن بين يديه ثم وثب فدخل واعترضته جارية كان يحبها ولم يكن ذلك اليوم من أيامها فقبلها وخرج فحدثني بما كان وأنشدني لنفسه في ذلك
صوت
( إني قَمَرْتُكَ يا سؤلي ويا أَمَليِ ... أمراً مُطاعاً بلا مَطْلٍ ولا عِلَلِ )
( حتّى متى يا حبيبَ النفس تَمطُلني ... وقد قمرتك مَرّاتٍ فلم تَفِ لي )
( يومُ الثلاثاء يومٌ سوف أشكره ... إذ زارني فيه مَنْ أهوى على عَجَلِ )
( فلم أَنَلْ منه شيئاً غَيرَ قُبْلته ... وكان ذلك عندي أعظمَ النَّفَلِ )
قال وعمل فيه لحن خفيف وشربنا عليه سائر يومنا الغناء في هذه الأبيات لعريب رمل عن الهشامي ولأبي العبيس في الثالث والرابع هزج
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني أحمد بن يزيد المهلبي قال حدثني أبي قال
(9/361)

كان المعتز يشرب على بستان مملوء من النمام وبين النمام شقائق النعمان فدخل إليه يونس بن بغا وعليه قباء أخضر فقال المعتز
صوت
( شبّهْتُ حُمرةَ خدّه في ثوبه ... بشقائق النُّعمان في النَّمّامِ )
ثم قال أجيزوا فابتدر بنان المغني وكان ربما عبث بالبيت بعد البيت فقال
( والقَدُّ منه إذا بدا في قَرْطَقٍ ... كالغصن في لِينٍ وحسن قَوامِ )
فقال له المعتز فغن فيه الآن فعمل فيه لحنا لحن بنان في هذين البيتين من خفيف الثقيل الثاني وهو الماخوري
أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني محمد بن يحيى بن أبي عباد قال حدثني عمر بن محمد بن عبد الملك قال شرب المعتز ويونس بن بغا بين يديه يسقيه والجلساء والمغنون بين يديه وقد أعد الخلع والجوائز إذ دخل بغا فقال يا أمير المؤمنين والدة عبدك يونس في الموت وهي تحب أن تراه فأذن له فخرج وفتر المعتز ونعس بعده وقام الجلساء وتفرق المغنون إلى أن صليت المغرب وعاد المعتز إلى مجلسه ودخل يونس وبين يديه الشموع فلما رآه المعتز دعا برطل فشربه وسقى يونس رطلا وغناه المغنون وعاد المجلس أحسن ما كان فقال المعتز
صوت
( تَغِيبُ فلا أَفْرَحُ ... فليْتَك ما تَبْرَحُ )
(9/362)

( وإنْ جِئتَ عَذَّبتَني ... بأَنّك لا تَسْمح )
( فأصحبتُ ما بين ذَيْنِ ... لي كبد تُجْرَحُ )
( على ذاك يا سيِّدي ... دُنُوُّك لي أصلَحُ )
ثم قال غنوا فيه فجعلوا يفكرون فقال المعتز لسليمان بن القصار الطنبوري ويلك ألحان الطنبور أملح وأخف فغن فيه أنت فغنى فيه لحنا فدفع إليه دنانير الخريطة وهي مائة دينار مكية ومائتان مكتوب على كل دينار منها ضرب هذا الدينار بالجوسق بخريطة أمير المؤمنين المعتز بالله ثم دعا بالخلع والجوائز لسائر الناس فكان ذبلك المجلس من أحسن المجالس
لحن سليمان بن القصار في هذه الأبيات رمل مطلق
حدثني الصولي قال حدثني محمد بن عبد السميع الهاشمي قال حدثني أبي قال لما قتل بغا دخلنا فهنأنا المعتز بالظفر فاصطبح ومعه يونس بن بغا وما رأينا قط وجهين اجتمعا أحسن من وجهيهما فما مضت ثلاث ساعات حتى سكر ثم خرج علينا المعتز فقال
( ما إنْ تَرَى مَنْظَراً إن شئتَه حسناً ... إلاّ صَريعاً يُهَادَى بين سُكْرَينِ )
( سُكْرِ الشراب وسكرٍ من هَوَى رَشَأٍ ... تخاله والذي يَهْواهُ عُصْنَين )
(9/363)

ثم أمر فتغنى فيه بعض المغنين
حدثني الصولي قال حدثني أحمد بن محمد بن إسحاق الخراساني قال حدثني الفضل بن العباس بن المأمون قال كنت مع المعتز في الصيد فانقطع عن الموكب وأنا ويونس بن بغا معه ونحن بقرب قنطرة وصيف وكان هناك دير فيه ديراني يعرفني وأعرفه نظيف ظريف مليح الأدب واللفظ فشكا المعتز العطش فقلت يا أمير المؤمنين في هذا الدير ديراني أعرفه خفيف الروح لا يخلو من ماء بارد أفترى أن نميل إليه قال نعم فجئناه فأخرج لنا ماء باردا وسألني عن المعتز ويونس فقلت فتيان من أبناء الجند فقال بل مفلتان من حور الجنة فقلت له هذا ليس في دينك فقال هو الآن في ديني فضحك المعتز فقال لي الديراني أتأكلون شيئا قلت نعم فأخرج شطيرات وخبزا وإداما نظيفا فأكلنا أطيب أكل وجاءنا بأطراف أشنان فاستظرفه المعتز وقال لي قل له فيما بينك وبينه من تحب أن يكون معك من هذين لا يفارقك فقلت له فقال كلاهما وتمرا فضحك المعتز حتى مال على حائط الدير فقلت للديراني لا بد من أن تختار فقال الاختيار والله في هذا دمار وماخلق الله عقلا يميز بين هذين ولحقهما الموكب فارتاع الديراني فقال له المعتز بحياتي لا تنقطع عما كنا فيه فإني لمن ثم مولى ولمن هاهنا صديق فمزحنا ساعة ثم أمر له بخمسمائة ألف درهم فقال والله ما أقبلها إلا على شرط قال وما هو قال يجيب أمير المؤمنين دعوتي مع من أراد قال ذلك لك فأتعدنا ليوم جئناه فيه فلم يبق غاية وأقام للموكب كله ما احتاج إليه وجاءنا بأولاد النصارى يخدموننا ووصله المعتز يومئذ صلة سنية ولم يزل يعتاده ويقيم عنده
(9/364)

ولي الخلافة وهو صغير
حدثني الصولي قال حدثنا عبد الله بن المعتز قال بويع للمعتز بالخلافة وله سبع عشرة سنة كاملة وأشهر فلما انقضت البيعة قال
( تَوَحَّدكَ الرحمنُ بالعز والعُلاَ ... فأنت على كل الأنام أميرُ )
هكذا ذكر الصولي في قافية الشعر ووجدته في أغاني بنان مرفوع القافية وله فيه صنعة ولعل المعتز قال البيت فأضاف بنان إليه آخر وجعل المخاطبة عن نفسه للمعتز فقال
صوت
( تَوَحَّدنِي الرحمنُ بالعِزِّ والعُلاَ ... فأصبحتُ فوق العالمين أميرَا )
( تُقاتِلُ عنك التُّرْكُ والخُزْرُ كلُّها ... كأنّهُم أُسْدٌ لهنّ زَئيرُ )
الغناء لبنان لحنان خفيف ثقيل وخفيف رمل ومما قاله المعتز وغنى فيه قوله ذكر الصولي أن عبد الله بن المعتز أنشده إياه لأبيه
صوت
( ألاَ حيِّ الحبيبَ فَدَتْه نفسي ... بكأسٍ من مُدامة خَانِقِينَا )
( فإنيّ قد بَقِيتُ مع الليالي ... أُقاسي الهَمَّ في يده سِنينا )
الغناء فيه لعريب خفيف رمل ولبنان هزج
(9/365)

وممن ذكر أن له صنعة من الخلفاء المعتمد
قال محمد بن يحيى الصولي ذكر عبد الله بن المعتز عن القاسم بن زرزور أن المعتمد ألقى عليه لحنا صنعه في هذا الشعر وهو
( ليس الشَّفِيعُ الذي يأتيكَ مُؤْتزِرا ... مثلَ الشَّفِيع الذي يأتيكَ عُرْيانَا )
الشعر للفرزدق والغناء للمعتمد ولحنه فيه خفيف ثقيل هذه حكاية الصولي
وفي غناء عريب لها في هذا البيت خفيف ثقيل ولا أعلم لمن هو منهما على صحة إلا أن المشهور في أيدي الناس أنه لعريب ولم اسمع للمعتمد غناء إلا من هذه الجهة التي ذكرتها
(9/366)

ذكر أخبار الفرزدق في هذا الشعر خاصة دون غيره
لأن أخباره كثيرة جدا فكرهت أن أثبتها هاهنا في غناء مشكوك فيه فذكرت نسبه وخبره في هذا الشعر خاصة وأخباره تأتي بعد هذا في موضع مفرد يتسع لطول أحاديثه
الفرزدق لقب غلب عليه واسمه همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة ابن مالك بن زيد مناة بن تميم
وهو وجرير والأخطل أشعر طبقات الإسلاميين والمقدم في الطبقة الأولى منهم وأخباره تذكر مفردة في موضع آخر يتسع لها ونذكر هاهنا خبره في هذا المعنى فأخبرني خبره في ذلك جماعة فممن أخبرني به أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة وأخبرني به أبو خليفة إجازة عن محمد بن سلام وأخبرني به محمد بن العباس اليزيدي عن السكري عن محمد بن حبيب عن أبي عبيدة وابن الأعرابي قال عمر بن شبة خاصة في خبره حدثني محمد بن يحيى قال حدثني أبي أن عبد الله بن الزبير تزوج تماضر بنت منظور بن زبان وأمها مليكة بنت خارجة بن سنان بن أبي حارثة فخاصم الفرزدق امرأته النوار إلى ابن الزبير هكذا ذكر محمد بن يحيى ولم يذكر السبب في الخصومة وذكرها عمر بن شبة ولم يروها عن أحد وذكرها ابن حبيب عن أصحابه وذكرها
(9/367)

أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة أن رجلا من بني أمية خطب النوار بنت أعين المجاشعية فرضيته وجعلت أمرها إلى الفرزدق فقال لها أشهدي لي بذلك على نفسك شهودا ففعلت واجتمع الناس لذلك فتكلم الفرزدق ثم قال اشهدوا أني قد تزوجتها وأصدقتها كذا وكذا فأنا ابن عمها وأحق بها فبلغ ذلك النوار فأبته واستترت من الفرزدق وجزعت ولجأت إلى بني قيس بن عاصم المنقري فقال فيها
( بَني عاصمٍ لا تُلْجِئوها فإنكم ... مَلاجيءُ للسَّوْءات دُسْمُ العمائِم )
( بني عاصمٍ لو كان حيًّا أبوكُم ... لَلاَمَ بَنِيه اليومَ قيسُ بن عاصم )
فقالوا والله لئن زدت على هذين البيتين لنقتلنك غيلة فنافرته إلى عبد الله بن الزبير وأرادت الخروج إليه فتحامى الناس كراءها ثم إن رجلا من بني عدي يقال له زهير بن ثعلبة وقوما يعرفون ببني أم النسير أكروها فقال الفرزدق
( ولولا أن تقول بنو عَدِيٍّ ... أليستْ أُمْ حَنْظَلةَ النّوارُ )
( أتتكم يا بني مِلْكانَ عنِّي ... قوافٍ لا تُقَسِّمها التِّجَارُ )
يعني بالنوار هاهنا بنت جل بن عدي بن عبد مناة وهي أم حنظلة بن مالك بن زيد مناة وهي إحدى جداته وقال فيها أيضا
( سَرَى بالنَّوَار عَوْهُجِيٌّ يَسُوقه ... عُبَيْدٌ قَصِيُر الشِّبْرِ نائي الأقاربِ )
( تؤمُّ بلادَ الأمن دائبةَ السُّرَى ... إلى خير والٍ من لُؤَيِّ بن غالب )
( فدونكَ عِرْسِي تبتغي نَقْضَ عُقْدتي ... وإبطالَ حقِّي باليمين الكواذب )
(9/368)

وقال أيضا
( ولولا أنّ أمِّي من عَدِيٍّ ... وأني كارِهٌ سُخْطَ الرِّباب )
( إذاً لأتَى الدواهِي من قَريبٍ ... جزاءً غيرَ مُنْصَرِف العِقاب )
( وصُلْتُ على بني مِلْكانَ منِّي ... بجيش غير مُنْتَظَر الإِياب )
وقال لزهير أيضا
( لبئس العِبْءُ يحمله زُهَيرٌ ... على أعجاز صِرْمته نَوارُ )
( لقد أَهْدتْ وليدتُنا إليكم ... عوائرَ لا تقسِّمها التِّجَار )
وقال لبني أم النسير
( لَعمْرِي لقد أَرْدَى النَّوارَ وساقها ... إلى الغَوْر أحلامٌ خِفافٌ عقولُها )
( أطاعت بنِي أُمِّ النُّسَير فأصبحتْ ... على قَتَبٍ يعلو الفَلاة دليلُها )
( وقد سَخِطتْ مِنِّي النَّوَارُ الذي ارتضَى ... به قبلها الأزواجُ خبابَ رَحِيلُها )
( وإن امرأً أمسى تحبَّبَ زوجتي ... كماش إلى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتبيلها )
( ومن دوِن أبوالِ الأسود بَسالةٌ ... وبَسْطةُ أيدٍ يمنَع الضَّيمَ طُولُها )
( وإنّ أمير المؤمنين لعالمٌ ... بتأويل ما أَوْصَى العبادَ رسولها )
( فدونكها يابن الزُّبَير فإنها ... مولَّعةٌ يُوهي الحجارةَ قِيلُها )
فلما قدمت مكة نزلت على بنت منظور بن زبان واستشفعت بها إلى
(9/369)

زوجها عبد الله وانضم الفرزدق إلى حمزة بن عبد الله بن الزبير وأمه بنت منظور هذه ومدحه فقال
( أصبحتُ قد نزلت بحَمْزَة حاجتي ... إنّ المنوّه باسمِه الموثوقُ )
الأبيات وقال فيه أيضا
( يا حَمْزُ هل لك في ذي حاجة غَرِضتْ ... أنضاؤه بمكانٍ غير ممطورِ )
( فأنت أَحْرَى قريشٍ أن تكون لها ... وأنت بين أبي بَكْر ومنظور )
( بين الحَوَاريِّ والصِّدِّيقِ في شُعَبٍ ... نَبَتْنَ في طيِّب الإِسلامِ والخِير )
هذه الأبيات كلها من رواية أبي زيد خاصة قالوا جميعا وقال في النوار
( هَلُمِّي لابن عمِّك لا تكوني ... كمختارٍ على الفرسِ الحِمارا )
وقال فيها أيضا
( تُخاصمُني النَّوَارُ وغاب فيها ... كرأس الضَّبِّ يلتمس الجرادا )
قال أبو زيد في خبره خاصة فجعل أمر الفرزدق يضعف وأمر النوار يقوى وقال الفرزدق
( أمّا بَنُوه فلم تُقْبَلْ شفاعتهم ... وشفعت بنتَ منظورِ بنِ زَبَّانَا )
صوت
( ليس الشَّفِيعُ الذي يأتيكَ مُؤْتزِراً ... مثلَ الشَّفِيع الذي يأتيك عُرْيانَا )
(9/370)

غنت في هذا البيت عريب خفيف ثقيل أول بالبنصر فبلغ ابن الزبير هذا فدعا النوار فقال إن شئت فرقت بينكما وقتلته فلا يهجونا أبدا وإن شئت سيرته إلى بلاد العدو فقالت ما أريد واحدة منهما قال فإنه ابن عمك وهو فيك راغب أفأزوجه إياك قالت نعم فزوجه إياها فكان الفرزدق يقول خرجنا متباغضين ورجعنا متحابين
أخبرني أحمد قال حدثني عمر بن شبة قال قال عثمان بن سليمان
شهدت الفرزدق يوم نازع النوار فتوجه القضاء عليه فأشفق من ذلك وتعرض لابن الزبير بكلام أغضبه وكان ابن الزبير حديدا فقال له ابن الزبير أيا ألأم الناس وهل أنت وقومك إلا جالية العرب وأمر به فأقيم وأقبل علينا فقال إن بني تميم كانوا وثبوا على البيت قبل الإسلام بمائة وخمسين سنة فاستلبوه وأجمعت العرب عليها لما انتهكت ما لم ينتهكه أحد قط فأجلتها من أرض تهامة فلما كان في طائفة من ذلك اليوم لقيني الفرزدق فقال هيه أيعيرنا ابن الزبير جلاءنا عن البيت اسمع ثم قال
( فإن تَغْضَبْ قريشٌ ثم تغضبْ ... فإنّ الأرض ترعاها تميمُ )
( همُ عَدَدُ النجوم وكلُّ حيٍّ ... سواهم لا تُعَدُّ لهم نجوم )
( فلولا بنتُ مُرٍّ من نِزارٍ ... لَمَا صحَّ المنَابتُ والأديم )
( بها كثر العَديدُ وطاب منكم ... وغيركُم أحذُّ الرِّيشِ هِيم )
( فمهلاً عن تذلُّل مَنْ عَزَزْتُم ... بخُولَتِه وعَزَّ به الحَميم )
( أعبدَ الله مهلاً عن أَذَاتي ... فإنِّي لا الضعيف ولا السَّؤُوم )
( ولكنّي صَفاةٌ لم تُؤَبَّس ... تَزِلُّ الطيرُ عنها والعُصُوم )
(9/371)

( أنا ابن العاقرِ الخُورِ الصَّفَايَا ... بصَوأَرَ حيث فُتِّحت العُكوم )
وذكر الزبير بن بكار عن عمه أن عبد الله بن الزبير لما حكم على الفرزدق قال إنما حكمت علي بهذا لأفارقها فتثب عليها وأمر به فأقيم وقال له ما قال في بني تميم قال ثم خرج عبد الله بن الزبير إلى المسجد فرأى الفرزدق في بعض طرق مكة وقد بلغته أبياته التي قالها فقبض ابن الزبير على عنقه فكاد يدقها ثم قال
( لقد أصبحتْ عِرْسُ الفرزدق ناشِزاً ... ولو رضيتْ رَمْحَ استِه لاستقرّتِ )
قال الزبير وهذا الشعر لجعفر بن الزبير
أخبرنا أبو خليفة قال أخبرنا ابن سلام قال أخبرنا إبراهيم بن حبيب الشهيد قال قال ابن الزبير للفرزدق ما حاجتك بها وقد كرهتك كن لها أكره وخل سبيلها فخرج وهو يقول ما أمرني بطلاقها إلا ليثب عليها فبلغ ذلك ابن الزبير فخرج وقد استهل هلال ذي الحجة ولبس ثياب الإحرام يريد البيت الحرام فألفى الفرزدق بباب المسجد عند الباعة فأخذ بعنقه فغمزها حتى جعل رأسه بين ركبتيه وقال
(9/372)

( لقد أصبحتْ عِرْسُ الفرزدق ناشِزاً ... ولو رضيتْ رَمْحَ استِه لاستقرَّتِ )
قال الزبير وهذا البيت لجعفر بن الزبير
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة عن محمد بن يحيى عن أبيه قال لما قال الفرزدق في ابن الزبير
( أمّا بنوه فلم تُقْبَل شفاعتُهم ... وشُفِّعتْ بنتُ منظورِ بن زَبَّانَا )
قال جعفر بن الزبير
( ألا تِلْكُمُ عِرْسُ الفرزدقِ جامِحاً ... ولو رضيتْ رمحَ استِه لاستقرَّتِ )
فقال عبد الله بن الزبير أتجزرنا كلبا من كلاب بني تميم لئن عدت لم أكلمك أبدا
قال وتماضر التي عناها الفرزدق أم خبيب وثابت ابني عبد الله بن الزبير وماتت عند عبد الله فتزوج أختها أم هاشم فولدت له هاشما وحمزة وعبادا
قال وفي أم هاشم يقول الفرزدق يستعينها على ابن الزبير ويشكو طول مقامه
( تروَّحتِ الرُّكْبانُ يا أُمَّ هاشم ... وهُنَّ مُناخَاتٌ لهنَّ حَنِينُ )
( وخُيِّسْنَ حتى ليس فيهنّ نافِقٌ ... لبَيْعٍ ولا مركوبُهن سَمِينُ )
قال وهذا يدل على أن النوار كانت استعانت بأم هاشم لا بتماضر
فلما أذنت النوار لعبد الله في تزويجها بالفرزدق حكم لها عليه بمهر
(9/373)

مثلها عشرة آلاف درهم فسأل هل بمكة أحد يعينه فدل على سلم بن زياد وكان ابن الزبير حبسه فقال فيه
( دَعِي مُغْلِقِي الأبوابِ دون فَعالهم ... ومُرِّي تَمَشَّيْ بي هُبِلْتِ إلى سَلْمِ )
( إلى من يَرى المعروفَ سَهْلاً سبيلُه ... ويفعل أفعال الكرام التي تَنْمي )
ثم دخل على سلم فأنشده فقال له هي لك ومثلها نفقتك ثم أمر له بعشرين ألفا فقبضها فقالت له زوجته أم عثمان بنت عبد الله بن عثمان بن أبي العاصي الثقفية أتعطي عشرين ألفا وأنت محبوس فقال
( ألاَ بَكرت عِرْسِي تَلُوم سَفاهةً ... على ما مضَى منِّي وتأمر بالبخل )
( فقلت لها والجودُ منِّي سَجِيّةٌ ... وهل يمنع المعروفَ سُؤَّاله مثلي )
( ذَرِيني فإنّي غير تارِكِ شِيمتِي ... ولا مُقْصِرٍ عن السَّماحةِ والبَذْل )
( ولا طاردٍ ضَيْفِي إذا جاء طارقاً ... فقد طرَق الأضيافُ شَيْخِيَ من قبلي )
( أأبخَل إنّ البخل ليس بمُخْلِدٍ ... ولا الجُود يُدْنِيني إلى الموت والقتل )
( أَبِيع بني حَرْبٍ بآل خُوَيْلِدٍ ... وما ذاكَ عند الله في البيع بالعدل )
( وأشْرِي ابنَ مروان الخليفةَ طائعا ... بنَجْل بني العَوَّام قُبِّح من نَجْل )
( فإن تُظْهِروا لي البخلَ آلَ خُوَيلدٍ ... فما دَلُّكم دَلِّي ولا شَكْلُكم شكلي )
( وإن تَقْهَروني حيث غابت عَشيرتي ... فمن عَجَبِ الأيام أن تَقْهَروا مثلي )
(9/374)

لم تحسن النوار عشرته فتزوج عليها
قال دماذ في خبره ثم اصطلحا ورضيت به وساق إليها مهرها ودخل بها وأحبلها قبل أن تخرج من مكة ثم خرج بها وهما عديلان في محمل فكانت لا تزال تشاره وتخالفه لأنها كانت صالحة حسنة الدين وكانت تكره كثيرا من أمره فتزوج عليها حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن عبد الله بن عمرو بن الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان فتزوجها على مائة من الإبل فقالت له النوار ويلك تزوجت أعرابية دقيقة الساقين بوالة على عقبيها على مائة بعير فقال الفرزدق يفضلها عليها ويعيرها أنها كانت تربيها أمة
( لَجاريةٌ بين السَّلِيل عُروقُها ... وبين أبي الصَّهْباء من آل خالد )
( أحقُّ بإغلاء المُهور من التي ... رَبَتْ وهي تَنْزَو في حُجور الولائد )
ومدحها أيضا فقال
( عَقِيلةٌ من بني شَيْبانَ ترفعها ... دَعائمٌ للعُلاَ من آل هَمّام )
( من آل مُرَّةَ بين المُستضاء بهم ... من رَهْطِ صيدٍ مَصَاليتٍ وحُكّام )
( بين الأحَاوِص من كَلبٍ مُرَكَّبُها ... وبين قيس بن مسعودٍ وبسْطام )
وقال أيضا يمدحها ويعرض بالنوار
(9/375)

( لعَمْري لأعرابيَّةٌ في مِظَلَّة ... تَظَلُّ بأعلى بيتها الرِّيحُ تَخْفُقُ )
( كأُمِّ غَزالٍ أو كَدُرَّةِ غائص ... إذا ما أتَتْ مثلَ الغَمامة تُشْرِق )
( أحبُّ إلينا من ضِنَاكٍ ضِفِنَّة ... إذا وُضِعتْ عنها المراوحُ تَعْرَق )
فقال بعض باهلة يجيبه
( أعوذ بالله من غُولٍ مُغَوِّلةٍ ... كأَنَّ حافرَها في الحدِّ ظُنْبُوبُ )
( تَسْتَرْوِحُ الشاةَ من مِيلٍ إذا ذُبِحْت ... حُبَّ اللِّحامِ كما يَسْتَرْوِحُ الذِّيبُ )
وأغضب الفرزدق النوار بمدحه إياها فقالت والله لأخزينك يا فاسق وبعثت إلى جرير فجاءها فقالت ألا ترى ما قال لي الفاسق وشكت إليه فقال
( فلا أنا مُعْطى الحُكْمِ عَن شِفِّ مَنْصِبٍ ... ولا عن بنات الحَنْظَلِيّين راغبُ )
( وهنّ كماء المُزْن يُشْفَى به الصَّدَى ... وكانت مِلاحاً غيرَهُنَّ المَشاربُ )
( لقد كنتَ أهلاً أن تَسُوقَ دِيَاتِكم ... إلى آل زِيق أن يَعِيبَك عائب )
( وما عَدَلتْ ذاتُ الصَّلِيب ظعينةً ... عُتَيْبةُ والرِّدْفانِ منها وحاجب )
( ألاَ رُبَّما لم نُعْطِ زِيقاً بحُكْمِه ... وأدَّى إلينا الحُكْمَ والغُلُّ لازِبُ )
(9/376)

( حَوَيْنا أبا زِريقٍ وزِيقاً وعمَّه ... وجَدَّةُ زِيقٍ قد حوتْها المَقَانِبُ )
فأجابه الفرزدق بقصيدة منها
( ألستَ إذ القَعْساء أَنْسَلَ ظهرُها ... إلى آل بِسْطام بن قيس بخاطبِ )
( فنَلْ مثلَها من مثلهم ثم لُمْهمُ ... بملْكك من مالٍ مُرَاحٍ وعازِب )
( فلو كنتَ من أكفاء حَدْراءَ لم تَلُمْ ... على دَارِميٍّ بين ليلى وغالب )
( وإني لأخشى إن خطبتَ إليهمُ ... عليك التي لاقى يَسَارُ الكواعب )
يسار كان عبدا لبني ددانة فأراد مولاته على نفسها فنهته مرة بعد مرة وألح فوعدته فجاء فقالت له إني أريد أن أبخرك فإن رائحتك متغيرة فوضعت تحته مجمرة وقد أعدت له حديدة حادة فأدخلت يدها فقبضت على ذكره وهو يرى أن ذلك لشيء فقطعته بالموسى فقالت صبرا على مجامر الكرام فذهبت مثلا عاد الشعر
( ولو قَبِلوا منِّي عَطَّيةَ سُقْتُهُ ... إلى آلِ زِيقٍ من وَصيفٍ مُقَارِبِ )
( همُ زوَّجوا قبلي ضِراراً وأنْكَحوا ... لَقِيطاً وهم أكفاؤنا في المَناسب )
( ولو تُنكِح الشمسُ النجومَ بناتِها ... إذاً لنكحناهنّ قبل الكواكب )
وقال جرير
( يا زِيقُ أَنْكحتَ قَيْناً باستِه حَمَمٌ ... يا زِيقُ وَيْحَكَ مَنْ أَنْكحتَ يا زِيقُ )
( غاب المثنَّى فلم يَشْهَدْ نَجِيَّكما ... والحَوْفَزانُ ولم يشهَدْك مفروق )
(9/377)

( أين الأُلَى أَنْزلوا النعمانَ مُقْتَسَراً ... أم أين أبناءُ شَيْبَانَ الغَرَانِيقُ )
( يا رُبَّ قائلةٍ بعد البِناء بها ... لا الصِّهْرُ راضٍ ولا ابنُ القَيْنِ معشوق )
وقال الفرزدق لجرير في هذا
( إن كان أنفُك قد أعْياكَ مَحْمَلُه ... فاركبْ أتانَك ثم اخطُبْ إلى زِيقِ )
قال ولامه الحجاج وقال أتزوجت ابنة نصراني على مائة ناقة قال وما هي في جود الأمير قال فاشترى الإبل وساقها فلما كان في بعض الطريق ومعه أوفى بن خنزير أحد بني التيم بن شيبان بن ثعلبة دليله رأى كبشا مذبوحا فقال يا أوفى هلكت والله حدراء قال مالك بذلك من علم فلما بلغ قال له بعض قومها هذا البيت فانزل وأما حدراء فهلكت وقد عرفنا الذي يصيبكم في دينكم من ميراثها وهو النصف فهو لك عندنا فقال لا والله لا أرزأ منه قطميرا وهذه صدقتها فاقبضوها فقال يا بني دارم والله ما صاهرنا أكرم منكم قال وفي هذه القصة يقول الفرزدق
( عجبتُ لحادِينا المقحِّمِ سيره ... بنا مُوجَفاتٍ من كَلاَل وظُلَّعَا )
( ليُدْنِيَنَا ممن إلينا لقاؤه ... حبيبٌ ومن دارٍ أَرَدْنَا لتجمَعا )
( ولو يعلم الغَيْبَ الذي مِنْ أمامِنا ... لكرَّ بنا حادِي المطِّي فأَسْرَعا )
( يقولون زُرْ حَدْراءَ والتُّرْبُ دونَها ... وكيف بشيءٍ وصلُه قد تقطَّعا )
( وما مات عند ابنِ المَرَاغة مثلُها ... ولا تبعتْه ظاعناً حيث ودّعا )
( يقول ابنُ خِنْزيرٍ بكيتَ ولم تكن ... على امرأةٍ عيَنا أخيك لتدْمَعا )
( وأهونُ رُزْءٍ لامرئٍ غيرِ جازعٍ ... رَزِيَّةُ مُرْتَجِّ الرَّوادِفِ أَفْرعا )
(9/378)

وقال ابن سلام فيما أخبرنا به أبو خليفة عنه قال حدثني حاجب بن زيد وأبو الغراف قالا تزوج الفرزدق حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس ابن خالد بن ذي الجدين وهو عبد الله بن عمرو بن الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان على حكم أبيها فاحتكم مائة من الإبل فدخل علىالحجاج فعذله فقال أتزوجتها على حكمها وحكم أبيها مائة بعير وهي نصرانية وجئتنا متعرضا أن نسوقها عنك اخرج ما لك عندنا شيء فقال عنبسة بن سعيد بن العاصي وأراد نفعه أيها الأمير إنها من حواشي إبل الصدقة فأمر بها فوثب عليه جرير فقال
( يا زِيقُ قد كنتَ من شَيْبَان في حَسَبٍ ... يا زِيقُ وَيْحَكَ مَنْ أَنْكحتَ يا زِيقُ )
( أَنْكحتَ وَيْحَكَ قَيْناً باستِه حَمَمٌ ... يا زِيقُ وَيْحَكَ هل بارتْ بكَ السُّوقُ )
ثم ذكر باقي القصيدة بمثل رواية دماذ
قال ابن سلام وأراد الفرزدق أن تحمل فاعتلوا عليه وقالوا ماتت كراهة أن يهتك جرير أعراضهم فقال جرير
( وأقْسِم ما ماتتْ ولكنّه الْتوَى ... بحدْراءَ قومٌ لم يَرَوْك لها أهلاَ )
( رأوا أن صِهْرَ القَيْن عارٌ عليهمُ ... وأن لِبسطامٍ على غالبٍ فضلا )
( إذا هي حَلَّتْ مُسْحُلانَ وحاربتْ ... بشَيْبان لاقى القومُ من دونها شُغْلا )
(9/379)

وحدراء هذه هي التي ذكرها الفرزدق في أشعاره ومن ذلك قوله
صوت
( عَزَفْتَ بأَعْشاشٍ وما كِدْتَ تَعْزُفُ ... وأنكرتَ من حَدْراءَ ما كنتَ تعرِفُ )
( ولَجّ بك الهِجْرانُ حتى كأنَّما ... ترى الموتَ في البيت الذي كنتَ تألَفُ )
عروضه من الطويل عزفت عن الشيء انصرفت عنه عزف يعزف عزوفا الشعر للفرزدق والغناء لسلسل ثاني ثقيل بالوسطى وفيه لحن للغريض من الثقيل الأول بالبنصر من رواية حبش
الفرزدق وابن أبي بكر بن حزم
أخبرني علي بن سليمان الأخفش ومحمد بن العباس اليزيدي قالا حدثنا أبو سعيد السكري قال حدثنا محمد بن حبيب وأبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال قال اليربوعي قال إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص الزهري قدم الفرزدق المدينة في إمارة أبان بن عثمان قال فإني والفرزدق وكثيرا لجلوس في
(9/380)

المسجد نتناشد الأشعار إذ طلع علينا غلام شخت آدم في ثوبين ممصرين أي مصبوغين بصفرة غير شديدة ثم قصد نحونا حتى جاء إلينا فلم يسلم فقال أيكم الفرزدق فقلت مخافة أن يكون من قريش أهكذا تقول لسيد العرب وشاعرها فقال لو كان كذلك لم أقل هذا له فقال له الفرزدق ومن أنت لا أم لك قال رجل من بني الأنصار ثم من بني النجار ثم أنا ابن أبي بكر بن حزم بلغني أنك تزعم أنك أشعر العرب وتزعم مضر ذلك لك وقد قال صاحبنا حسان شعرا فأردت أن أعرضه عليك وأؤجلك سنة فإن قلت مثله فأنت أشعر العرب وإلا فأنت كذاب منتحل ثم أنشده قول حسان
( لنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضُّحَى ... وأسيافُنا يَقْطُرْنَ من نَجْدةٍ دَمَا )
( مَتَى ما تَزُرْنا من مَعَدٍّ عِصابةٌ ... وغسّانَ نَمْنَع حَوْضَنا أن يُهَدَّما )
قيل إن قوله وغسان هاهنا قسم أقسم به لأن غسان لم تكن تغزوهم مع معد
( أبَى فعلُنا المعروفَ أن نَنْطق الخَنَا ... وقائلنا بالعُرْف إلاّ تكَلُّما )
( ولَدْنا بني العَنْقاءِ وابنَيْ مُحَرِّقٍ ... فأَكْرِمْ بنا خالاً وأَكْرِمْ بنا ابنَمَا )
فأنشده القصيدة إلى آخرها وقال له إني قد أجلتك بها حولا ثم انصرف وانصرف الفرزدق مغضبا يسحب رداءه ما يدري أي طريق يسلك حتى خرج من المسجد قال فأقبل كثير علي فقال قاتل الله الأنصاري ما أفصح لهجته وأوضح حجته وأجود شعره قال فلم نزل في حديث الفرزدق والأنصاري بقية يومنا حتى إذا كان الغد خرجت من منزلي إلى مجلسي الذي كنت فيه بالأمس وأتاني كثير فجلس معي فإنا لنتذاكر الفرزدق ونقول ليت شعري ما فعل إذ طلع علينا في حلة أفواف
(9/381)

يمانية موشاة له غديرتان حتى جلس في مجلسه بالأمس ثم قال ما فعل الأنصاري قال فنلنا منه وشتمناه فقال قاتله الله ما رميت بمثله ولا سمعت بمثل شعره فارقتكما فأتيت منزلي فأقبلت أصعد وأصوب في كل فن من الشعر فلكأني مفحم أو لم أقل قط شعرا حتى نادى المنادي بالفجر فرحلت ناقتي ثم أخذت بزمامها فقدتها حتى أتيت ذبابا ثم ناديت بأعلى صوتي أخاكم أبا لبنى وقال سعدان أبا ليلى فجاش صدري كما يجيش المرجل ثم عقلت ناقتي وتوسدت ذراعها فما قمت حتى قلت مائة وثلاثة عشر بيتا فبينا هو ينشدنا إذ طلع علينا الأنصاري حتى انتهى إلينا فسلم ثم قال أما إني لم آتك لأعجلك عن الأجل الذي وقته لك ولكني أحببت ألا أراك إلا سألتك عما صنعت فقال اجلس ثم أنشده
( عزَفْتَ بأَعْشاشٍ وما كِدْتَ تَعْزِفُ ... )
فلما فرغ الفرزدق من إنشاده قام الأنصاري كئيبا فلما توارى طلع أبوه وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في مشيخة من الأنصار فسلموا علينا وقالوا يا أبا فراس قد عرفت حللنا ومكاننا من رسول الله ووصيته بنا وقد بلغنا أن سفيها من سفهائنا تعرض لك فنسألك بالله لما حفظت فينا وصية النبي ووهبتنا له ولم تفضحنا قال إبراهيم بن محمد فأقبلت أكلمه أنا وكثير فلما أكثرنا عليه قال اذهبوا فقد وهبتكم لهذا القرشي قال وقد كان جرير قال
( ألاَ أيُّها القلبُ الطَّروبُ المُكَلَّفُ ... أفِقْ رُبّما ينأى هواكَ ويُسْعِفُ )
( ظَلِلتَ وقد خَبَّرْتَ أن لستَ جازعاً ... لِرَبْع بسُلْمَانَيْنِ عَيْنُك تَذْرفُ )
فجعل الفرزدق هذه القصيدة نقيضة لها
(9/382)

نسبة ما في هذا الخبر من الأصوات
صوت
منها
( لنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضُّحَى ... وأسيافُنا يَقْطُرْنَ من نَجْدةٍ دمَا )
( ولَدْنا بني العَنْقاءِ وابنَيْ مُحَرِّقٍ ... فأَكْرِمْ بنا خالاً وأَكْرِمْ بنا ابنَمَا )
عروضه من الطويل الشعر لحسان بن ثابت والغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بالبنصر عن عمرو بن بانة
النابغة وحسان بسوق عكاظ
أخبرني عمي الحسن بن محمد قال حدثني محمد بن سعد الكراني عن أبي عبد الرحمن الثقفي وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة وأخبرنا إبراهيم بن أيوب الصائغ عن ابن قتيبة أن نابغة بني ذبيان كان تضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ يجتمع إليه فيها الشعراء فدخل إليه حسان بن ثابت وعنده الأعشى وقد أنشده شعره وأنشدته الخنساء قولها
( قَذىً بعينِك أم بالعين عُوّارُ ... ) حتى انتهت إلى قولها
( وإنّ صخراً لتأْتمُّ الهُداةُ به ... كأنه عَلَمٌ في رأسه نار )
( وإنّ صخراً لمولانا وسيِّدُنا ... وإن صخراً إذا نَشْتُو لَنحّار )
فقال لولا أن أبا بصير أنشدني قبلك لقلت إنك أشعر الناس أنت
(9/383)

والله أشعر من كل ذات مثانة قالت الله ومن كل ذي خصيتين فقال حسان أنا والله أشعر منك ومنها قال حيث تقول ماذا قال حيث أقول
( لنا الجَفَناتُ الغُرّ يَلْمَعْنَ بالضُّحَى ... وأسيافُنا يَقْطُرْنَ من نَجْدةٍ دَمَا )
( ولَدْنا بني العَنْقاءِ وابنَيْ مُحَرِّقٍ ... فأَكْرِمْ بنا خالاً وأَكْرِمْ بنا ابنَمَا )
فقال إنك لشاعر لولا أنك قللت عدد جفانك وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك وفي رواية أخرى فقال له إنك قلت الجفنات فقللت العدد ولو قلت الجفان لكان أكثر وقلت يلمعن في الضحى ولو قلت يبرقن بالدجى لكان أبلغ في المديح لأن الضيف بالليل أكثر طروقا وقلت يقطرن من نجدة دما فدللت على قلة القتل ولو قلت يجرين لكان أكثر لانصباب الدم وفخرت بمن ولت ولم تفخر بمن ولدك فقام حسان منكسرا منقطعا
مما يغنى فيه من قصيدة الفرزدق الفائية قوله
صوت
( تَرَى الناسَ ما سِرْنا يَسِيُرون خَلْفَنا ... وإن نحن أَوْمَأْنا إلى الناس وَقَّفُوا )
فيه رمل بالوسطى يقال إنه لابن سريج وذكر الهشامي أنه من منحول يحي المكي
أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني أبو مسلمة موهوب بن رشيد الكلابي قال وقف الفرزدق على جميل والناس مجتمعون عليه وهو ينشد
( تَرَى الناسَ ما سِرْنا يَسيُرون خَلْفَنا ... وإن نحن أَوْمَأنا إلى الناس وَقَّفُوا )
فأشرع إليه رأسه من وراء الناس وقال أنا أحق بهذا البيت منك قال أنشدك الله يا أبا فراس فمضى الفرزدق وانتحله
(9/384)

الفرزدق وكثير والبيت المسروق
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير قال حدثني أبي عن جدي أن الفرزدق لقي كثيرا فقال له ما أشعرك يا كثير في قولك
( أُريد لأنسَى ذكرَها فكأنّما ... تَمَثَّلُ لي لَيْلَى بكلّ سبيل )
فعرض له بسرقته إياه من جميل
( أريد لأنسى ذكرها فكأنّما ... تَمَثَّلُ لي لَيْلَى على كلِّ مَرْقَبِ )
فقال له كثير أنت يا فرزدق أشعر مني في قولك
( تَرَى الناسَ ما سِرْنا يَسِيُرون خَلْفَنا ... وإن نحن أَوْمَأنا إلى الناس وَقَّفوا )
قال وهذا البيت لجميل سرقه الفرزدق فقال الفرزدق لكثير هل كانت أمك ترد البصرة قال لا ولكن أبي كان نزيلا لأمك
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز عن ابن شهاب عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال لقي الفرزدق كثيرا بقارعة البلاط وأنا وهو نمشي فقال له الفرزدق يا أبا صخر أنت أنسب العرب حيث تقول
( أريد لأَنْسَى ذكرَها فكأنّما ... تَمَثَّلُ لي ليلى بكلِّ سبيلِ )
قال وأنت يا أبا فراس أفخر العرب حيث تقول
( تَرَى الناسَ ما سِرْنا يَسِيُرون خَلْفَنا ... وإن نحن أَوْمَأْنا إلى الناس وَقَّفوا )
قال عبد العزيز وهذان البيتان جميعا لجميل سرق أحدهما الفرزدق وسرق الآخر كثير فقال له الفرزدق يا أبا صخر هل كانت أمك
(9/385)

ترد البصرة قال لا ولكن أبي كان كثيرا يردها قال طلحة فوالذي نفسي بيده لقد تعجبت من كثير وجوابه وما رأيت أحدا قط أحمق منه لقد دخلت عليه يوما في نفر من قريش وكنا كثيرا نهزأ به وكان يتشيع تشيعا قبيحا فقلنا له كيف تجدك يا أبا صخر فقال بخير هل سمعتم الناس يقولون شيئا قلت نعم يتحدثون أنك الدجال قال والله إن قلت ذلك إني لأجد في عيني هذه ضعفا منذ أيام
ولجرير قصيدة يناقض بها هذه القصيدة في أولها غناء نسيته
( ألاَ أيُّها القلب الطَّرُوب المكلَّفُ ... أفِقْ رُبَّما يَنْأَى هواك ويُسعِفُ )
( ظَلِلْتَ وقد خَبَّرتَ أنْ لستَ جازعاً ... لرَبْعٍ بِسُلْمانَيْنِ عينُك تَذْرِفُ )
الشعر لجرير والغناء لمحمد بن الأشعث الكوفي ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو بن بانة وقال حبش فيه ثقيل أول بالوسطى وليس ذلك بصحيح
رجع الحديث إلى سياقة حديث الفرزدق والنوار
قال دماذ وتزوج الفرزدق على النوار امرأة من اليرابيع وهم بطن من النمر بن قاسط حلفاء لبني الحارث بن عباد القيني وقد انتسبوا فيهم فقالت له النوار وما عسى أن تكون القينية فقال
( أرتك نجومَ اللَّيلِ والشمسُ حيَّةٌ ... زِحامُ بناتِ الحارث بن عُبادا )
( نساءٌ أبوهنّ الأغرُّ ولم تكن ... من الحُتِّ في أجبالها وهَدَادِ )
( ولم يكن الجَوْفُ الغموضُ مَحَلَّها ... ولا في الهِجَاريِّين رَهْطِ زياد )
( أبوها الذي أدْنَى النَّعامةَ بعدما ... أبَتْ وائلٌ في الحرب غيرَ تَمَاد )
يعني بأبيها الذي أدنى النعامة الحارث بن عباد وأراد قوله
( قرِّبا مَرْبِطَ النَّعَامةِ منّي ... )
(9/386)

( عدلتُ بها مَيْلَ النَّوَار فأصبحتْ ... مُقارِبةً لي بعد طول بعادِ )
( وليست وإنْ أَنبأتُ أنِّي أحِبُّها ... إلى دَارِمِّيات النِّجار جيادِ )
وقال أبو عبيدة حدثني أعين بن لبطة قال تزوج الفرزدق مضارة للنوار امرأة يقال لها رهيمة بنت غنيم بن درهم من اليرابيع قوم من النمر بن قاسط في بني الحارث بن عباد وأمها الحميضة من بني الحارث فنافرته الحميضة فاستعدت عليه فأنكرها الفرزدق وقال أنا منها بريء وطلق ابنتها وقال
( إنّ الحميضة كانت لي ولابنتِها ... مثلَ الهَرَاسةِ بين النَّعل والقَدَمِ )
( إذا أتتْ أهلَها منِّي مُطَلَّقةً ... فلن أَرُدَّ عليها زَفْرَةَ النَّدمِ )
مضى الحديث ولم أجد لأحد من الخلفاء الذين ذكرتهم والذين لم أذكرهم بعد الواثق صنعة يعتد بها إلا المعتضد فإنه صنع صنعة متقنة عجيبة أبرت على صنعة سائر الخلفاء سوى الواثق وفضل فيها أكثر أهل الزمان الذي نشأ فيه وإنما ذكرت صنعة من بينهما لأنها قد رويت فأما حقيقة الغناء الجيد فليس بينهما مثلهما وذكر عبيد الله بن عبد الله بن طاهر صنعة المعتضد فقرظها وقال لم أجد لحنا قديما قد جمع من النغم ما جمعه لحن ابن محرز في شعر مسافر بن أبي عمرو وهو
( يا مَنْ لِقَلْبٍ مُقْصِرٍ ... تَرك المُنَى لفواتها )
فإنه جمع من النغم العشر ثمانيا ولحن ابن محرز أيضا في شعر كثير
( توهَّمتُ بالخَيْف رَسْماً مُحِيلاَ ... لِعزَّةَ تَعْرِفُ منه الطُّلُولا )
وهو أيضا يجمع ثمانيا من النغم وقد تلطف بعض من له دربة وحذق بهذه الصناعة حتى جمع النغم العشر في هذا الصوت الأخير متوالية وجمعها في صوت آخر غير متوالية وهو في شعر ابن هرمة
(9/387)

( فإنّكِ إذ أطمعتِني منكِ بالرضا ... وأيأستنِي من بعد ذلك بالغضبْ )
وأعجب من ذلك ما عمله أمير المؤمنين المعتضد بالله فإنه صنع في رجز دريد بن الصمة يا ليتني فيها جذع لحنا من الثقيل الأول يجمع النغم العشر فأتى به مستوفى الصنعة محكم البناء صحيح الأجزاء والقسمة مشبع المفاصل كثير الأدوار لاحقا بجيد صنعة الأوائل وإنما زاد فضله على من تقدمه لأنه عمله في ضرب من الرجز قصير جدا واستوفى فيه الصنعة كلها على ضيق الوزن فصار أعجب مما تقدمه إذ تلك عملت في أوزان تامة وأعاريض طوال يتمكن الصانع فيها من الصنعة ويقتدر على كثرة التصرف وليس هذا الوزن في تمكنه من ذلك فيه مثل تلك
نسبة هذا اللحن
صوت
( يا ليتني فيها جَذَعْ ... أَخُبُّ فيها وأَضَعْ )
( أَقُود وَطْفاءَ الزَّمَعْ ... كأنها شاةٌ صَدَعْ )
الشعر لدريد بن الصمة والغناء للمعتضد ولحنه ثقيل أول يجمع النغم العشر
(9/388)

بسم الله الرحمن الرحيم
أخبار المنخل ونسبه
هو المنخل بن عمرو ويقال المنخل بن مسعود بن أفلت بن عمرو بن كعب بن سواءة بن غنم بن حبيب بن يشكر بن بكر بن وائل
وذكر أبو محلم النسابة أنه المنخل بن مسعود بن أفلت بن قطن بن سوءة بن مالك بن ثعلبة بن حبيب بن غنم بن حبيب بن كعب بن يشكر وقال ابن الأعرابي هو المنخل بن الحارث بن قيس بن عمرو بن ثعلبة بن عدي بن جشم بن حبيب بن كعب بن يشكر
اتهمه النعمان بامرأته المتجردة فقتله
شاعر مقل من شعراء الجاهلية وكان النعمان بن المنذر قد اتهمه بامرأته المتجردة وقيل بل وجده معها وقيل بل سعي به إليه في أمرها فقتله وقيل بل حبسه ثم غمض خبره فلم تعلم له حقيقة إلى اليوم فيقال إنه دفنه حيا ويقال إنه غرقه والعرب تضرب به المثل كما تضربه بالقارظ العنزي
(10/5)

وأشباهه ممن هلك ولم يعلم له خبر وقال ذو الرمة
( تُقارِب حتى تُطمِعَ التابعَ الصّبا ... وليست بأدنى من إياب المنخّلِ )
وقال النمر بن تولب
( وقَوْلِي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم ... تلاقونه حتى يؤوبَ المنخّلُ )
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني أحمد بن زهير قال أخبرني عبد الله بن كريم قال أخبرني أبو عمرو الشيباني قال
كان سبب قتل المنخل أن المتجردة واسمها ملوية وقيل عند بنت المنذر بن الأسود الكلبية كانت عند ابن عمر لها يقال له حلم وهو الأسود بن المنذر بن حارثة الكلبي وكانت أجمل أهل زمانها فرآها المنذر بن المنذر الملك اللخمي فعشقها فجلس ذات يوم على شرابه ومعه حلم وامرأته المتجردة فقال المنذر لحلم إنه لقبيح بالرجل أن يقيم على المرأة زمانا طويلا حتى لا يبقى في رأسه ولا لحيته شعرة بيضاء إلا عرفتها فهل لك أن تطلق امرأتك المتجردة وأطلق امرأتي سلمى قال نعم فأخذ كل واحد منهما على صاحبه عهدا قال فطلق المنذر امرأته سلمى وطلق حلم امرأته المتجردة فتزوجها المنذر ولم يطلق لسلمى أن تتزوج حلما
(10/6)

وحجبها وهي أم ابنه النعمان بن المنذر فقال النابغة الذبياني يذكر ذلك
( قد خادعوا حُلماً عن حرّة خَرِدٍ ... حتى تبطَّنها الخدّاع ذو الحُلُمِ )
قال ثم مات المنذر بن المنذر فتزوجها بعده النعمان بن المنذر ابنه وكان قصيرا دميما أبرش وكان ممن يجالسه ويشرب معه النابغة الذبياني وكان جميلا عفيفا والمنخل اليشكري وكان جميلا وكان يتهم بالمتجردة
فأما النابغة فإن النعمان أمره بوصفها فقال قصيدته التي أولها
( مِن آل ميّةَ رائح أو مغتدي ... عجلانَ ذا زاد وغيرَ مزوَّد )
ووصفها فأفحش فقال
( وإذا طعنتَ طعنتَ في مستهدِفٍ ... رابي المَجسّة بالعَبير مُقَرمَدِ )
( وإذا نزعتَ نزعتَ عن مستحصِفٍ ... نزع الحَزَوّر بالرشاء المحصَدِ )
فغار المنخل من ذلك وقال هذه صفة معاين فهم النعمان بقتل النابغة حتى هرب منه وخلا المنخل بمجالسته وكان يهوى المتجردة وتهواه وقد ولدت للنعمان غلامين جميلين يشبهان المنخل وكانت العرب تقول إنهما منه
فخرج النعمان لبعض غزواته قال ابن الأعرابي بل خرج متصيدا فبعثت المتجردة إلى المنخل فأدخلته قبتها وجعلا يشربان فأخذت خلخالها وجعلته في رجله وأسدلت شعرها فشدت خلخالها إلى خلخاله الذي في رجله من شدة إعجابها به و
دخل النعمان بعقب ذلك فرآها
(10/7)

على تلك الحال فأخذه فدفعه إلى رجل من حرسه من تغلب يقال له عكب وأمره بقتله فعذبه حتى قتله فقال المنخل يحرض قومه عليه
( ألا مَن مبلِغ الحيين عنّي ... بأن القوم قد قتلوا أُبَيّا )
( فإن لم تثأروا لي من عِكَبٍّ ... فلا رَوّيتُمُ أبدا صَدِيا )
وقال أيضا
( ظلّ وسْط النديّ قتلَى بِلا جُرْم ... وقومي يُنتِّجون السِّخالا )
وقال في المتجردة
( دِيارٌ لِلّتي قتلتك غصباً ... بلا سيف يُعَدّ ولا نِبالِ )
( بطَرفٍ ميِّت في عين حَيٍّ ... له خَبَل يزيدُ على الخَبالِ )
وقال أيضا
( ولقد دخلتُ على الفتاة ... الخِدرَ في اليومِ المطيرِ )
( الكاعبِ الخنساء ترفُلَ ... في الدِّمَقْس وفي الحرير )
( دافعتُها فتدافَعتْ ... مَشْيَ القطاةِ إلى الغدير )
( ولثمتُها فتنفّست ... كتنفّس الظبي البَهير )
( ورَنَت وقالت يا مُنخّل ... هل بجسمك من فتور )
(10/8)

( ما مس جسمي غيرُ حُبّك ... فاهدئي عنِّي وسيري )
( يا هندُ هل من ناثلٍ ... يا هند للعاني الأسير )
( وأُحبّها وتُحبّني ... ويُحبّ ناقتَها بعيري )
( ولقد من شربتُ من المدامة ... بالكبير وبالصغير )
( فإذا سكرتُ فإنني ... ربُّ الخورنق والسدير )
( وإذا صحوتُ فإنني ... ربّ الشُّوَيهة والبعير )
( يا رُبَّ يومٍ للمنخّل ... قد لها فيه قصيرِ )
رواية أخرى عن علاقته بالمتجردة وشعره فيها
وأخبرني بخبر المنخل مع المتجردة أيضا علي بن سليمان الأخفش قال
أخبرني أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي قال
كانت المتجردة امرأة النعمان فاجرة وكانت تتهم بالمنخل وقد ولدت للنعمان غلامين جميلين يشبهان المنخل فكان يقال إنهما منه وكان جميلا وسيما وكان النعمان أحمر أبرش قصيرا دميما
وكان للنعمان يوم يركب فيه فيطيل المكث وكان المنخل من ندمائه لا يفارقه وكان يأتي المتجردة في ذلك اليوم الذي يركب فيه النعمان فيطيل عندها حتى إذا جاء النعمان آذنتها بمجيئه وليدة لها موكلة بذلك فتخرجه
فركب النعمان ذات يوم وأتاها المنخل كما كان يأتيها فلاعبته وأخذت
(10/9)

قيدا فجعلت إحدى حلقتيه في رجله والأخرى في رجلها وغفلت الوليدة عن ترقب النعمان لأن الوقت الذي يجيء فيه لم يكن قرب بعد وأقبل النعمان حينئذ ولم يطل في مكثه كما كان يفعل فدخل إلى المتجردة فوجدها مع المنخل قد قيدت رجلها ورجله بالقيد فأخذه النعمان فدفعه إلى عكب صاحب سجنه ليعذبه وعكب رجل من لخم فعذبه حتى قتله
وقال المنخل قبل أن يموت هذه الأبيات وبعث بها إلى ابنيه
( ألا مَن مبلغ الحُرّين عنّي ... بأن القوم قد قتلوا أُبيا )
( وإن لم تثأروا لي من عِكَبٍّ ... فلا أَرويتما أبداً صَدِيّا )
( يُطوّف بي عِكبٌّ في معدٍّ ... ويطعن بالصُّملّة في قَفَيّا )
قال ابن حبيب وزعم ابن الجصاص أن عمرو بن هند هو قاتل المنخل والقول الأول أصح
وهذه القصيدة التي منها الغناء يقولها في المتجردة وأولها قوله
( إن كنتِ عاذلتي فسيري ... نحوَ العراق ولا تَحورِي )
( لا تسألي عن جُلّ ما ... لي واذكري كرَمي وخِيري )
( وإذا الرياح تناوحَتْ ... بجوانب البيت الكسير )
( ألفيتِني هشّ النديِّ ... بِمرّ قدِحي أو شجيري )
الشجير القدح الذي لم يصلح حسنا ويقال بل هو القدح العارية
(10/10)

( ونَهَى أبو أفعى فقلّدنِي ... أبو أفعى جريري )
( وجُلالة خطّارة ... هوجاءَ جائلةَ الضُّفور )
( تعدو بأشعثَ قد وهَى ... سِر بالُه باقي المسير )
( فُضُلا على ظهر الطريق ... إليك علقمةَ بنَ صير )
( الواهب الكومِ الصّفايا ... والأوانس في الخُدور )
( يُصفيك حين تجيئه ... بالعَصْب والحَلْي الكثير )
( وفوارسٍ كأْوار حرِّ ... النار أحلاسِ الذُّكور )
( شدُّوا دوابرَ بيضهم ... في كلّ محكمةِ الفتير )
( فاستلأموا وتَلبَّبُوا ... إن التلبّب للمغير )
( وعلى الجياد المضمَرات ... فوارسٌ مثل الصقور )
( يَخرجن من خَلَل الغبار ... يَجِفْن بالنَّعَم الكثير )
( فشفيتُ نفسي من أولئك ... والفوائح بالعبير )
(10/11)

( يرفُلن في المسك الذكيّ ... وصائكٍ كدَمِ النّحير )
( يعكُفن مثل أساود التَّنُّومِ ... لم تُعكَف لِزور )
( ولقد دخلتُ على الفتاة ... الخدرَ في اليوم المطير )
( الكاعبِ الخنساء ترفل في الدّمَقْس وفي الحرير )
( فدفَعتُها فتدافعتْ ... مشيَ القطاة إلى الغدير )
( ولثمتُها فنتفّسَتْ ... كتنفّس الظبي البَهير )
( فدنّتْ وقالت يا منخّل ... ما بجسمك من حَرور )
( ما شفّ جسمي غيرُ حبّك ... فاهدئي عنّي وسيري )
( ولقد شرِبتُ من المُدامة ... بالصغير وبالكبير )
( ولقد شرِبتُ الخمر بالخيل ... الإناث وبالذُّكور )
( ولقد شرِبتُ الخمر بالعبد الصحيح وبالأسير )
( فإذا سكِرتُ فإنني ... ربُّ الخَوَرْنَق والسدير )
( وإذا صحوتُ فإنني ... ربّ الشّوَيهة والبعير )
( يا رُبَّ يوم للمنخّل قد لها فيه قصير )
( يا هند هل من نائل ... يا هند للعاني الأسير )
ومن الناس من يزيد في هذه القصيدة
( وأُحبّها وتُحبّني ... ويحبّ ناقتَها بعيري )
ولم أجده في رواية صحيحة
(10/12)

صوت
( لِمَن شيخان قد نَشَدا كلابا ... كتابَ الله لو قَبِل الكتابا )
( أُناشده فيُعرِض في إباءٍ ... فلا وأَبِي كلابٍ ما أصابا )
الشعر لأمية بن الأسكر الليثي والغناء لعبد الله بن طاهر رمل بالوسطى
صنعه ونسبه إلى لميس جاريته وذكر الهشامي أن اللحن لها وذكره عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في جامع أغانيهم ووقع إلي فقال الغناء فيه للدار الكبيرة وكذلك كان يكني عن أبيه وعن إسحاق بن إبراهيم ابن مصعب وجواريهم ويكني عن نفسه وجاريته شاجي وما يصنع في دور إخوته بالدار الصغيرة
(10/13)

أخبار أمية بن الأسكر ونسبه
هو أمية بن حرثان بن الأسكر بن عبد الله بن سرابيل الموت بن زهرة ابن زبينة بن جندع بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر بن نزار
شاعر فارس مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام وكان من سادات قومه وفرسانهم وله أيام مأثورة مذكورة
وكان له أخ يقال له أبو لاعق الدم وكان من فرسان قومه وشعرائهم وابنه كلاب بن أمية أيضا أدرك النبي فأسلم مع أبيه ثم هاجر إلى النبي فقال أبوه فيه شعرا ذكر أبو عمرو الشيباني أنه هذا الشعر وهو خطأ إنما خاطبه بهذا الشعر لما غزا مع أهل العراق لقتال الفرس وخبره في ذلك يذكر بعد هذا
قال أبو عمرو في خبره فأمره بصلة أبيه وملازمته طاعته
وكان عمر بن الخطاب استعمل كلابا على الأبلة فكان أبواه ينتابانه يأتيه أحدهما في كل سنة ثم أبطآ عليه وكبرا فضعفا عن لقائه فقال أبياتا وأنشدها عمر فرق له ورده إليهما فلم يلبث معهما إلا مدة حتى
(10/14)

نهشته أفعى فمات وهذا أيضا وهم من أبي عمرو وقد عاش كلاب حتى ولي لزياد الأبله ثم استعفى فأعفاه
وسأذكر خبره في ذلك وغيره ها هنا إن شاء الله تعالى
شعره لابنه كلاب لما طالت غيبته
فأما خبره مع عمر فإن الحسن بن علي أخبرني به قال حدثني الحارث بن محمد قال حدثني المدائني عن أبي بكر الهذلي عن الزبيري عن عروة بن الزبير قال
هاجر كلاب بن أمية بن الأسكر إلى المدينة في خلافة عمر بن الخطاب فأقام بها مدة ثم لقي ذات يوم طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام فسألهما أي الأعمال أفضل في الإسلام فقالا الجهاد فسأل عمر فأغزاه في جيش وكان أبوه قد كبر وضعف فلما طالت غيبة كلاب عنه قال
( لِمَن شيخان قد نشدا كلابا ... كتابَ الله إن قَبِل الكتابا )
( أناديه فيُعرض في إباء ... فلا وأبي كلابٍ ما أصابا )
( إذا سجعَتْ حمامةُ بطنِ وادٍ ... إلى بَيْضاتها دعَوَا كلابا )
( أتاه مهاجران تكنّفاه ... ففارق شيخه خَطِئا وخابا )
( تركتَ أباك مُرعَشةً يداه ... وأُمَّك ما تُسيغ لها شرابا )
( تُمَسّح مُهره شفقَاً عليه ... وتجنبُه أبا عرَها الصعابا )
(10/15)

قال تجنبه وتجنبه واحد من قول الله عز و جل ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) قال
( فإنك قد تركت أباك شيخاً ... يطارق أينُقا شُزُبا طِرابا )
( فإنك والتماسَ الأجرِ بَعدي ... كباغي الماء يتّبع السرابا )
شعره في استرحام عمر لاسترداد ابنه
فبلغت أبياته عمر فلم يردد كلابا وطال مقامه فأهتر أميه وخلط جزعا عليه ثم أتاه يوما وهو في مسجد رسول الله وحوله المهاجرون والأنصار فوقف عليه ثم أنشأ يقول
( أعاذلَ قد عذَلْتِ بغير قدرٍ ... ولا تدرِين عاذلَ ما أُلاقي )
( فإمّا كنتِ عاذلتي فَرُدِّي ... كِلاباً إذ توجَّه للعراق )
( ولم أَقضِ اللُّبانة من كِلابٍ ... غداةَ غدٍ وأُذّن بالفِراق )
( فتى الفِتيان في عُسْرٍ ويُسرٍ ... شديدُ الرُّكن في يوم التلاقِي )
( فلا والله ما باليتَ وَجدي ... ولا شفقي عليكَ ولا اشتياقِي )
( وإبقائي عليكَ إذا شتَونا ... وضمَّك تحت بحري واعتناقي )
( فلو فَلق الفؤادَ شَدِيدُ وجْدٍ ... لهَمَّ سوادُ قلبي بانفلاق )
( سأَستعدي على الفاروق ربًّا ... له دُفِعَ الحجيجُ إلى بُساقِ )
(10/16)

( وأدعو الله مجتهداً عليه ... ببطن الأخشبَين إلى دُفاق )
( إنِ الفاروقُ لم يردد كلاباً ... إلى شيخين هامُهما زَواق )
قال فبكى عمر بكاء شديدا وكتب برد كلاب إلى المدينة فلما قدم دخل إليه فقال ما بلغ من برك بأبيك قال كنت أوثره وأكفيه أمره وكنت أعتمد إذا أردت أن أحلب له لبنا أغزر ناقة في إبله وأسمنها فأريحها وأتركها حتى تستقر ثم أغسل أخلافها حتى تبرد ثم أحتلب له فأسقيه
فبعث عمر إلى أمية من جاء به إليه فأدخله يتهادى وقد ضعف بصره وانحنى
فقال له كيف أنت يا أبا كلاب قال كما تراني يا أمير المؤمنين
قال فهل لك من حاجة قال نعم أشتهي أن أرى كلابا فأشمه شمة وأضمه ضمة قبل أن أموت
فبكى عمر ثم قال ستبلغ من هذا ما تحب إن شاء الله تعالى
ثم أمر كلابا أن يحتلب لأبيه ناقة كما كان يفعل ويبعث إليه بلبنها ففعل فناوله عمر الإناء وقال دونك هذا يا أبا كلاب
فلما أخذه وأدناه إلى فمه قال لعمر والله يا أمير المؤمنين إني لأشم رائحة يدي كلاب من هذا الإناء فبكى عمر وقال هذا كلاب عندك حاضرا قد جئناك به فوثب إلى ابنه وضمه إليه وقبله وجعل عمر يبكي ومن حضره وقال لكلاب الزم أبويك فجاهد فيهما ما بقيا ثم شأنك بنفسك بعدهما وأمر له بعطائه وصرفه مع أبيه فلم يزل معه مقيما حتى مات أبوه
(10/17)

أصيبت ابله بالهيام فأخرجه قومه
ونسخت من كتاب أبي سعيد السكري أن أمية كانت له إبل هائمة أي أصابها الهيام وهو داء يصيب الإبل من العطش فأخرجته بنو بكر مخافة أن يصيب إبلهم فقال لهم يا بني بكر إنما هي ثلاث ليال ليلة بالبقعاء وليلة بالفرع وليلة بلقف في سامر من بني بكر فلم ينفعه ذلك وأخرجوه فأتى مزينة فأجاروه وأقام عندهم إلى أن صحت إبله وسكنت فقال يمدح مزينة
( تكنّفها الهُيام وأخرجوها ... فما تأوي إلى إبل صِحاحِ )
( فكان إلى مُزَينةَ منتهاها ... على ما كان فيها من جُناح )
( وما يكن الجُناحُ فإنّ فيها ... خلائقَ ينتمين إلى صلاح )
( ويوما في بني ليث بن بكرٍ ... تُراعى تحت قعقعة الرماح )
( فإمّا أُصبِحَنْ شيخا كبيرا ... وراء الدار يُثقلنِي سلاحي )
( فقد آتي الصريخَ إذا دعاني ... على ذي مَنْعة عَتِدٍ وَقاح )
( وشرُّ أخي مؤامرةٍ خَذولٌ ... على ما كان مؤتِكلٌ ولاح )
عمر حتى خرف وسخر منه
أخبرني عمي قال حدثنا محمد بن عبد الله الحزنبل عن عمرو بن أبي
(10/18)

عمرو الشيباني عن أبيه وأخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أبو توبة عن أبي عمرو قال عمر أمية بن الأسكر عمرا طويلا حتى خرف فكان ذات يوم جالسا في نادي قومه وهو يحدث نفسه إذ نظر إلى راعي ضأن لبعض قومه يتعجب منه فقام لينهض فسقط على وجهه فضحك الراعي منه واقبل ابناه إليه فلما رآهما أنشأ يقول
( يا بْنَي أمية إني عنكما غانِ ... وما الغنى غير أني مُرعَشٌ فانِ )
( يا بْني أمية إلاّ تحفظا كِبَري ... فإنما أنتما والثُّكلُ سِيّان )
( هل لكما في تُراثٍ تذهبان به ... إن التراث لِهَيّان بنِ بَيّان )
يقال هيان بن بيان وهي ترى للقريب والبعيد
( أصبحت هُزْءاً لراعي الضأن يَسخَر بِي ... ماذا يَربيك مِنِّي راعيَ الضّان )
( أعجَبْ لغيريَ إني تابع سلفي ... أعمامَ مجد وأجدادي وإخواني )
( وانعَقْ بضأنك في أرض تُطِيف بها ... بين الأَساف وأنتجها بِجلْذان )
جلذان موضع بالطائف
( ببلدة لا ينام الكالئان بها ... ولا يقَرُّ بها أصحابُ ألوان )
إعجاب الإمام علي بشعره
وهذه الأبيات تمثل بها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه في خطبة له على المنبر بالكوفة
حدثنا بها أحمد بن عبيد الله بن عمار وأحمد بن عبد العزيز الجوهري
(10/19)

قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن أبي رجاء قال حدثنا إبراهيم بن سعد قال قال عبد الله بن عدي بن الخيار
شهدت الحكمين ثم أتيت الكوفة وكانت لي إلى علي عليه السلام حاجة فدخلت عليه فلما رآني قال مرحبا بك يا ابن أم قتال أزائرا جئتنا أم لحاجة فقلت كل جاء بي جئت لحاجة وأحببت أن أجدد بك عهدا وسألته عن حديث فحدثني على ألا أحدث به واحدا
فبينا أنا يوما بالمسجد في الكوفة إذا علي صلوات الله عليه متنكب قرنا له فجعل يقول الصلاة جامعة
وجلس على المنبر فاجتمع الناس وجاء الأشعث بن قيس فجلس إلى جانب المنبر
فلما اجتمع الناس ورضي منهم قال فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنكم تزعمون أن عندي من رسول الله ما ليس عند الناس ألا وإنه ليس عندي إلا ما في قرني هذا ثم نكت كنانته فأخرج منها صحيفة فيها المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم
من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين
فقال له الأشعث بن قيس هذه والله عليك لا لك دعها تترحل فخفض علي صلوات الله عليه إليه بصره وقال ما يدريك ما علي مما لي عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين حائك ابن حائك منافق ابن منافق كافر ابن كافر
والله لقد
(10/20)

أسرك الإسلام مرة والكفر مرة فما فداك من واحد منهما حسبك ولا مالك ثم رفع إلي بصره فقال يا عبيد الله
( أصبحتُ قِنًّا لراعي الضأن يلعب بي ... ماذا يَريبك منِّي راعيَ الضان )
فقلت بأبي أنت وأمي قد كنت والله أحب أن أسمع هذا منك
قال هو والله ذلك قال
( فما قِيلَ لي من بعدها من مقالة ... ولا عَلِقتْ مني جديدا ولا دَرْسا )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الحارث عن المدائني قال
لما مات أمية بن الأسكر عاد ابنه كلاب إلى البصرة فكان يغزو مع المسلمين منها مغازيهم وشهد فتوحات كثيرة وبقي إلى أيام زياد فولاه الأبلة فسمع كلاب يوما عثمان بن أبي العاص يحدث أن داود نبي الله عليه السلام كان يجمع أهله في السحر فيقول ادعوا ربكم فإن في السحر ساعة لا يدعو فيها عبد مؤمن إلا غفر له إلا أن يكون عشار أو عريفا
فلما سمع ذلك كلاب كتب إلى زياد فاستعفاه من عمله فأعفاه
قال المدائني ولم يزل كلاب بالبصرة حتى مات والمربعة المعروفة بمربعة كلاب بالبصرة منسوبة إليه
وقال أبو عمرو الشيباني كان بين بني غفار قومه وبني ليث حرب فظفرت بنو ليث بغفار فحالف رحضة بن خزيمة بن خلاف بن حارثة بن
(10/21)

غفار وقومه جميعا بني أسلم بن أفصى بن خزاعة فقال أمية بن الأسكر في ذلك وكان سيد بني جندع بن ليث وفارسهم
( لقد طِبتَ نفساً عن مواليك يا رَحْضا ... وآثرتَ أذناب الشوائل والحمضا )
( تُعللنا بالنّصر في كل شتوة ... وكلّ ربيع أنت رافضنا رفضا )
( فلولا تأسّينا وحدُّ رماحنا ... لقد جلاّ قوم لحمنا تَرِباً قَضَّا )
القض والقضيض الحصا الصغار
تمثل عبد الله بن الزبير بشعره
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني أحمد بن زهير قال حدثنا مصعب بن عبد الله عن أبيه قال
افتعل عمرو بن الزبير كتابا عن معاوية إلى مروان بن الحكم بأن يدفع إليه مالا فدفعه إليه فلما عرف معاوية خبره كتب إلى مروان بأن يحبس عمرا حتى يؤدي المال فحبسه مروان وبلغ الخبر عبد الله بن الزبير فجاء إلى مروان وسأله عن الخبر فحدثه به فقال مالكم في ذمتي فأطلق عمرا وأدى عبد الله المال عنه وقال والله إني لأؤديه عنه وإني لأعلم أنه غير شاكر ثم تمثل قول أمية بن الأسكر الليثي
( فلولا تأسّينا وحدّ رماحنا ... لقد جرّ قوم لحمنا تَرِبا قَضّا )
وقال ابن الكلبي حدثنا بعض بني الحارث بن كعب قال
(10/22)

سيدان يخطبان ابنة له جميلة
اجتمع يزيد بن عبد المدان وعامر بن الطفيل بموسم عكاظ فقدم أمية بن الأسكر ومعه بنت له من أجمل أهل زمانها فخطبها يزيد وعامر فقالت أم كلاب امرأة أمية من هذان الرجلان قال هذا ابن الديان وهذا عامر بن الطفيل
قالت أعرف ابن الديان ولا أعرف عامرا
قال هل سمعت بملاعب الأسنة قالت نعم والله
قال فهذا ابن أخيه
وأقبل يزيد فقال يا أمية أنا ابن الديان صاحب الكثيب ورئيس
(10/23)

مذحج ومكلم العقاب ومن كان يصوب أصابعه فتنطف دما ويدلك راحتيه فتخرجان ذهبا
قال أمية بخ بخ
فقال عامر جدي الأحزم وعمي أبو الأصبع وعمي ملاعب الأسنة وجدي الرحال وأبي فارس قرزل
قال أمية بخ بخ مرعى ولا كالسعدان فأرسلها
مثلا
فقال يزيد يا عامر هل تعلم شاعرا من قومي رحل بمدحه إلى رجل من قومك قال لا قال فهل تعلم أن شعراء قومك يرحلون بمدحهم إلى قومي قال نعم قال فهل لك نجم يمان أو برد يمان أو سيف يمان أو ركن يمان فقال لا قال فهل ملكناكم ولم تملكونا قال نعم فنهض يزيد وقام ثم قال
( أُميّ يا بنَ الأسكر بنِ مُدلج ... لا تجعلَنْ هوازنا كَمذحِجِ )
( إنك إن تلهج بأمر تلجَجِ ... ما لنّبع في مغرِسه كالعَوْسج )
( ولا الصّريحُ المحضُ كالممزَّج ... )
وقال مرة بن دودان العقيلي وكان عدوا لعامر بن الطفيل
(10/24)

( يا ليت شعري عنك يا يزيدُ ... ماذا الذي من عامر تريدُ )
( لكلّ قوم فخرُهم عتيدُ ... أمُطلَقون نحن أم عبيدُ )
( لا بل عَبيدٌ زادُنا الهَبيد ... )
فزوج أمية يزيد فقال يزيد في ذلك
( يا لَلرجال لطارق الأحزان ... ولِعامر بن طفيلٍ الوسنانِ )
( كانت إتاوةُ قومه لمحرِّق ... زمنا وصارت بعدُ للنعمان )
( عَدّ الفوارسَ من هوازن كلّهَا ... كثَفْا عليّ وجئتُ بالديان )
( فإذا ليَ الفضلُ المبين بوالدٍ ... ضخمِ الدَّسِيعة أزأنيِّ ويمان )
( يا عامِ إنك فارسٌ متهوّرٌ ... غضُّ الشباب أخونَديً وقيان )
( واعلم بأنك يا بن فارس قرْزَل ... دون الذي تسمو له وتُداني )
( ليستْ فوارسُ عامر بمُقِرَّةٍ ... لك بالفضيلة في بني عَيْلان )
( فإذا لقيتَ بني الخميس ومالكا ... وبني الضِّباب وحيَّ آل قنان )
( فاسأل مَنِ المرءُ المُنَوَّه باسمه ... والدافعُ الأعداء عن نَجران )
( يُعطَى المَقادةَ في فوارس قومِه ... كرما لعمرك والكريم يمان )
فقال عامر بن الطفيل مجيبا له
( يا للرجال لطارق الأحزان ... ولِما يجيء به بنو الدّيانِ )
( فخروا عليَّ بِحَبْوة لمحَرِّق ... وإتاوة سلفت من النعمان )
( ما أنت وابنَ محرقٍ وقبيلَه ... وإتاوةَ اللخميِّ في عَيْلان )
(10/25)

( فاقصِد بذَرْعك قَصْد أمرك قصده ... ودعِ القبائل من بني قحطان )
( إذ كان سالفُنا الإتاوة فيهم ... أولى ففخرك فخر كل يمان )
( وافخر بَرِهط بني الحَماس ومالك ... وابن الضِّباب وزعبل وقيان )
( وأنا المنخل وابنُ فارس قُرْزُلٍ ... وأبو نزار زانني ونماني )
( وإذا تعاظمت الأمور موازنا ... كنتُ المنوَّهَ باسمه والثاني )
فلما رجع القوم إلى بني عامر وثبوا على مرة بن دودان وقالوا أنت شاعر بني عامر ولم تهج بني الديان فقال
( تكلّفني هوازنُ فخْرَ قومٍ ... يقولون الأنامُ لنا عبيدُ )
( أبوهم مَذْحِج وأبو أبيهم ... إذا ما عُدّت الآباءُ هودُ )
( وهل لي إن فخَرتُ بغير فخر ... مقالٌ والأنام له شهود )
( فإنّا لم نزل لهمُ قطينا ... تجيء إليهمُ منا الوفود )
( فإنّا نضرب الأحلام صفحا ... عن العلياء أو من ذا يكيد )
( فقولوا يا بني عَيلان كنا ... لكم قِنًّا وما عنكم محيد )
وهذا الخبر مصنوع من مصنوعات ابن الكلبي والتوليد فيه بين وشعره شعر ركيك غث لا يشبه أشعار القوم
وإنما ذكرته لئلا يخلو الكتاب من شيء قد روي
شعره في يوم المريسيع
وقال محمد بن حبيب فيما روى عنه أبو سعيد السكري ونسخته من كتابه قال أبو عمرو الشيباني
أصيب قوم من بني جندع بن ليث بن بكر بن هوازن رهط أمية بن
(10/26)

الأسكر يقال لهم بنو زبينة أصابهم أصحاب النبي يوم المريسيع في غزوته بني المصطلق وكانوا جيرانه يومئذ ومعهم ناس من بني لحيان من هذيل ومع بني جندع رجل من خزاعة يقال له طارق فاتهمه بنو ليث بهم وأنه دل عليهم
وكانت خزاعة مسلمها ومشركها يميلون إلى النبي على قريش
فقال أمية بن الأسكر لطارق الخزاعي
( لعمرك إني والخزاعيَّ طارقا ... كنَعجة عادٍ حتفَها تتحفّر )
( أثارت عليها شَفرةً بِكُراعها ... فظلّت بها من آخر الليل تجزَر )
( شَمِتَّ بِقومٍ هم صديقك أُهلِكوا ... أصابهمُ يوم من الدهر أعسر )
( كأنك لم تُنبأ بيوم ذُؤالة ... ويومٍ الرّجيع إذ تنحّر حبتر )
( فهلاّ أباكم في هذيل وعمَّكم ... ثأرتُمْ وهمْ أعدى قلوبا وأوتر )
( ويوم الأراك يوم أُردِف سبيكم ... صميمُ سَراة الدِّيل عبدٌ ويعمرُ )
( وسَعْد بن ليث إذ تُسَلُّ نساؤكم ... وكلب بن عوف نحرّوكم وعقّروا )
( عجبت لشيخ من ربيعةَ مُهْتَرٍ ... أُمِرّ له يومٌ من الدهر منكَر )
فأجابه طارق الخزاعي فقال
( لعمرك ما أدري وإني لقائل ... إلى أيِّ مَن يظُنّني أتعذَّر )
(10/27)

( أُعنَّف أَنْ كانت زبِينة أُهلكت ... ونال بني لحيانَ شرّ ونُفّروا )
وهذه الأبيات الابتداء والجواب تمثل بابتدائها ابن عباس في رسالة إلى معاوية وتمثل بجوابها معاوية في رسالة أجابه بها
حدثني بذلك أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجلي العطار بالكوفة قال حدثنا الحسين بن نصر بن مزاحم المنقري قال حدثنا زيد بن المعذل النمري قال حدثنا يحيى بن شعيب الخراز قال حدثنا أبو مخنف قال
لما بلغ معاوية مصاب أمير المؤمنين علي عليه السلام دس رجلا من بني القين إلى البصرة يتجسس الأخبار ويكتب بها إليه فدل على القيني بالبصرة في بني سليم فأخذ وقتل
وكتب ابن عباس من البصرة إلى معاوية
أما بعد فإنك ودسك أخا بني القين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش مثل الذي ظفرت به من يمانيتك لكما قال الشاعر
) لعمرك إني والخزاعيَّ طارقا ... كنعجة عاد حتفَها تتحفّر )
( أثارت عليها شَفرةً بكُراعها ... فظلّت بها من آخر الليل تُجزَر )
( شمِتَّ بقوم هم صديقك أُهُلكوا ... أصابهمُ يوم من الدهر أمعر )
فأجابه معاوية أما بعد فإن الحسن قد كتب إلي بنحو مما كتبت به وأنبني بما لم أجن ظنا وسوء رأي وإنك لم تصب مثلنا ولكن مثلنا ومثلكم كما قال طارق الخزاعي
( فوالله ما أدري وإني لصادق ... إلى أيِّ من يَظَّنني أتعذر )
( أُعَنّف أَن كانتَ زبينةُ أُهلِكت ... ونال بني لِحيان شرّ ونُفِّروا )
(10/28)

صوت
( أبُنيّ إني قد كبِرتُ ورابني ... بَصري وفيّ لمُصلح مستمتَعُ )
( فلئن كبِرتُ لقد دنوتُ من البلى ... اوحَلَّتْ لكم منَّي خَلائقُ أربع )
عروضه من الكامل والشعر لعبدة بن الطبيب والغناء لابن محرز ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالبنصر في مجراها عن إسحاق وفيه لمعبد خفيف ثقيل أول بالبنصر في مجراها عنه أيضا
(10/29)

نسب عبدة بن الطبيب وأخباره
هو فيما ذكر ابن حبيب عن ابن الأعرابي وأبو نصر أحمد بن حاتم عن الأصمعي وأبي عمرو الشيباني وأبي فروة العكلي عبدة بن الطبيب والطبيب اسمه يزيد بن عمرو بن وعلة بن أنس بن عبد الله بن عبد تيم بن جشم بن عبد شمس
ويقال عبشمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم
وقال ابن حبيب خاصة وقد أخبرني أبو عبيدة قال
تميم كلها كانت في الجاهلية يقال لها عبد تيم وتيم صنم كان لهم يعبدونه
أجاد الشعر ولم يكثر
وعبدة شاعر مجيد ليس بالمكثر وهو مخضرم أدرك الإسلام فأسلم وكان في جيش النعمان بن المقرن الذين حاربوا معه الفرس بالمدائن
وقد ذكر ذلك في قصيدته التي أولها
( هل حَبلُ خَوْلةَ بعد الهَجر موصولُ ... أم أنت عنها بَعيدُ الدار مشغولُ )
(10/30)

( حلّت خُويْلة في دارٍ مجاوِرةً ... أهلَ المدينة فيها الديك والفيل )
( يقارعون رؤوس العُجْم ضاحيةً ... منهم فوارس لا عُزْلٌ ولا مِيل )
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال
أرثى بيت قالته العرب قول عبدة بن الطبيب
( فما كان قيس هُلْكهُ هُلكَ واحدٍ ... ولكنه بُنيانُ قوم تهدَّما )
وتمام هذه الأبيات أنشدناه علي بن سليمان الأخفش عن السكري والمبرد والأحول لعبدة يرثي قيسا
( عليك سلامُ الله قيسَ بنَ عاصم ... ورحمتُه ما شاء أن يترحّما )
( تحيةَ من أوليتَه منك نعمةً ... إذا زار عن شَحْطٍ بلادَك سلَّما )
( وما كان قيس هُلكهُ هلكَ واحد ... ولكنه بُنيانُ قوم تهدَّما )
كان يترفع عن الهجاء ويراه ضعة
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو عثمان الأشنانداني عن التوزي عن أبي عبيدة عن يونس قال
قال رجل لخالد بن صفوان كان عبدة بن الطبيب لا يحسن أن يهجو فقال لا تقل ذاك فوالله ما أبى من عي ولكنه كان يترفع عن الهجاء ويراه ضعة كما يرى تركه مروءة وشرفا قال
(10/31)

( وأجرأ من رأيتُ بظَهْر غيبٍ ... على عيب الرجال أولو العيوب )
أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابي أن عبد الملك بن مروان قال يوما لجلسائه
أي المناديل أشرف فقال قائل منهم مناديل مصر كأنها غرقئ البيض وقال آخرون مناديل اليمن كأنها نور الربيع فقال عبد الملك مناديل أخي بني سعد عبدة بن الطبيب قال
( لمّا نزلنا نصبنا ظلّ أخبيةٍ ... وفارَ لِلقوم باللحم المراجيلُ )
( وَرْدٌ وأشقرُ ما يؤنيه طابخهُ ... ما غيَّر الغليُ منه فهو مأكول )
( ثُمّتَ قمنا إلى جُرْد مُسوَّمةٍ ... أعرافُهنّ لأيدينا مناديل )
يعني بالمراجيل المراجل فزاد فيها الياء ضرورة
صوت
( إن الليالي أسرعَت في نقضي ... أخذن بعَضِي وتركن بعِضي )
( حَنَيْنَ طُولي وطَوَين عَرْضي ... أقعدْنني مِن بعد طول نهض )
عروضه من الرجز الشعر للأغلب العجلي والغناء لعمرو بن بانة هزج بالبنصر
(10/32)

أخبار الأغلب ونسبه
هو فيما ذكر ابن قتيبة الأغلب بن جشم بن سعد بن عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل
وهو أحد المعمرين عمر في الجاهلية عمرا طويلا وأدرك الإسلام فأسلم وحسن إسلامه وهاجر ثم كان فيمن توجه إلى الكوفة مع سعد ابن أبي وقاص فنزلها واستشهد في وقعة بنهاوند فقبره هناك في قبور الشهداء
هو أول من رجز الأراجيز من العرب
ويقال إنه أول من رجز الأراجيز الطوال من العرب وإياه عنى الحجاج بقوله مفتخرا
( إني أنا الأغلب أَمسى قد نشد ... )
(10/33)

قال ابن حبيب كانت العرب تقول الرجز في الحرب والحداء والمفاخرة وما جرى هذا المجرى فتأتِي منه بأبيات يسيرة فكان الأغلب أول من قصد الرجز ثم سلك الناس بعده طريقته
أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي أبو خليفة في كتابه إلينا قال أخبرنا محمد بن سلام قال حدثنا الأصمعي
وأخبرنا أحمد بن محمد أبو الحسن الأسدي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا معمر بن عبد الوارث عن أبي عمرو بن العلاء قال
كانت للأغلب سرحة يصعد عليها ثم يرتجز
( قد عرَفَتْني سَرْحتي فأطَّتِ ... وقد شَمِطتُ بعدها واشمطَّتِ )
فاعترضه رجل من بني سعد ثم أحد بني الحارث بن عمرو بن كعب ابن سعد فقال له
أنشد من شعر الجاهلية فأنقص عمر عطاءه
( قَبُحتَ من سالِفةٍ ومن قفا ... عبدٌ إذا ما رسب القوم طفا )
( كما شِرار الرِّعْي أطرافُ السّفَى ... )
(10/34)

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن عباد بن حبيب المهلبي قال حدثني نصر بن ناب عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال
كتب عمر بن الخطاب إلى المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة أن اشتنشد من قبلك من شعراء قومك ما قالوا في الإسلام فأرسل إلى الأغلب العجلي فاستنشده
فقال ( لقد سألتَ هيِّنا موجودا ... أرجَزاً تريد أم قصيدا )
ثم أرسل إلى لبيد فقال له إن شئت مما عفا الله عنه يعني الجاهلية فعلت
قال لا أنشدني ما قلت في الإسلام
فانطلق لبيد فكتب سورة البقرة في صحيفة وقال أبدلني الله عز و جل بهذه في الإسلام مكان الشعر
فكتب المغيرة بذلك إلى عمر فنقص عمر من عطاء الأغلب خمسمائة وجعلها في عطاء لبيد فكتب إلى عمر يا أمير المؤمنين أتنقص عطائي أن أطعتك فرد عليه خمسمائة وأقر عطاء لبيد على ألفين وخمسمائة
أخبرني محمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال
(10/35)

حدثنا محمد بن حاتم قال حدثنا علي بن القاسم عن الشعبي قال
دخل الأغلب على عمر فلما رآه قال هيه أنت القائل
( أرجزاً تريد أم قصيدَا ... لقد سألتَ هيّنا موجوداا )
فقال يا أمير المؤمنين إنما أطعتك فكتب عمر إلى المغيرة أن أردد عليه الخمس المائة وأقر الخمس المائة للبيد
شعره في سجاح حين تزوجت مسيلمة الكذاب
أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال قال الأغلب العجلي في سجاح لما تزوجت مسيلمة الكذاب
( لقد لقيتْ سجاح من بعد العمى ... مُلَوَّحا في العين مجلود القَرا )
( مثل العَتيق في شبابٍ قد أتى ... من اللُّجَيْميّين أصحابِ القِرَى )
( ليس بذي واهنة ولا نَسا ... نشا بلحم وبخبز ما اشترى )
(10/36)

( حتى شتا يَنتح ذِفراه الندى ... خاظى البضيع لحمهُ خظابظا )
( كأنما جمَّع من لحم الخُصى ... إذا تمطَّى بين بُرديه صأى )
( كأنَّ عِرق أيره إذا ودى ... حَبلُ عجوز ضَفَّرت سبعَ قُوى )
( يمشي على قوائمٍ خمس زَكا ... يرفع وُسطاهنّ من بَرد النَّدى )
( قالت متى كنت أبا الخير متى ... قال حديثا لم يغيِّرني البِلى )
( ولم أفارق خُلَّة لي عن قِلَى ... فانتُسفَتْ فَيشتُه ذاتُ الشَّوى )
( كأن في أجلادها سبعَ كُلَى ... ما زال عنها بالحديث والمُنى )
( والخلُقِ السَّفسافِ يُردِي في الردى ... قال ألا تَرينَه قالت أرى )
( قال ألا أدخله قالت بلى ... فشام فيها مثلَ محراث الغضى )
( يقول لما غاب فيها واستوى ... لمِثلها كنتُ أُحسِّيك الحَسا )
من أخبار سجاح
وكان من خبر سجاح وادعائها النبوة وتزويج مسيلمة الكذاب إياها ما أخبرنا به إبراهيم بن النسوي يحيى عن أبيه عن شعيب عن سيف
(10/37)

أن سجاح التميمية ادعت النبوة بعد وفاة رسول الله واجتمعت عليها بنو تميم فكان فيما ادعت أنه أنزل عليها يأيها المؤمنون المتقون لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ولكن قريشا قوم يبغون
واجتمعت بنو تميم كلها إليها لتنصرها
وكان فيهم الأحنف بن قيس وحارثة بن بدر ووجوه تميم كلها
وكان مؤذنها شبيب بن ربعي الرياحي فعمدت في جيشها إلى مسيلمة الكذاب وهو باليمامة وقالت يا معشر تميم اقصدوا اليمامة فاضربوا فيها كل هامة وأضرموا فيها نارا ملهامة حتى تتركوها سوداء كالحمامة
وقالت لبني تميم إن الله لم يجعل هذا الأمر في ربيعة وإنما جعله في مضر فاقصدوا هذا الجمع فإذا فضضتموه كررتم على قريش
فسارت في قومها وهم الدهم الداهم
وبلغ مسيلمة خبرها فضاق بها ذرعا وتحصن في حجر حصن اليمامة
وجاءت في جيوشها فأحاطت به فأرسل إلى وجوه قومه وقال ما ترون قالوا نرى أن نسلم هذا الأمر إليها وتدعنا فإن لم نفعل فهو البوار
وكان مسيلمة ذا دهاء فقال سأنظر في هذا الأمر
ثم بعث إليها إن الله تبارك وتعالى أنزل عليك وحيا وأنزل علي
فهلمي نجتمع فنتدارس ما أنزل الله علينا فمن عرف الحق تبعه واجتمعنا فأكلنا العرب أكلا بقومي وقومك
(10/38)

فبعثت إليه أفعل فأمر بقبة أدم فضربت وأمر بالعود المندلي فسجر فيها وقال أكثروا من الطيب والمجمر فإن المرأة إذا شمت رائحة الطيب ذكرت الباه ففعلوا ذلك
وجاءها رسوله يخبرها بأمر القبة المضروبة للاجتماع فأتته فقالت هات ما أنزل عليك
فقال ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى أخرج منها نطفة تسعى بين صفاق وحشا من بين ذكر وأنثى وأموات وأحيا ثم إلى ربهم يكون المنتهى
قالت وماذا قال ألم تر أن الله خلقنا أفواجا وجعل النساء لنا أزواجا فنولج فيهن الغراميل إيلاجا ونخرجها منهن إذا شئن إخراجا
قالت فبأي شيء أمرك قال
( ألا قومي إلى النَّيكِ ... فقد هُيِّي لك المضجعْ )
( فإن شئتي ففي البيت ... وإن شئتي ففي المُخدعْ )
( وإن شئتي سلقناك ... وإن شئتي على أربعْ )
( وإن شئتي بثلثيه ... وإن شئتي به أجمعْ )
قال فقالت لا إلا به أجمع
قال فقال كذا أوحى الله إلي فواقعها
فلما قام عنها قالت إن مثلي لا يجري أمرها هكذا فيكون وصمة على قومي وعلي ولكني مسلمة النبوة إليك فاخطبني إلى أوليائي يزوجوك ثم أقود تميما معك
(10/39)

فخرج وخرجت معه فاجتمع الحيان من حنيفة وتميم فقالت لهم سجاح إنه قرأ علي ما أنزل عليه فوجدته حقا فاتبعته ثم خطبها فزوجوه إياها وسألوه عن المهر فقال قد وضعت عنكم صلاة العصر فبنو تميم إلى الآن بالرمل لا يصلونها ويقولون هذا حق لنا ومهر كريمة منا لا نرده
قال وقال شاعر من بني تميم يذكر أمر سجاح في كلمة له
( أضحَتْ نَبِيّتنا أنثى نطيف بها ... وأصبحت أنبياءُ الله ذُكْرانا )
قال وسمع الزبرقان بن بدر الأحنف يومئذ وقد ذكر مسيلمة وما تلاه عليهم فقال الأحنف والله ما رأيت أحمق من هذا النبي قط فقال الزبرقان والله لأخبرن بذلك مسيلمة
قال إذا والله أحلف أنك كذبت فيصدقني ويكذبك
قال فأمسك الزبرقان وعلم أنه قد صدق
قال وحدث الحسن البصري بهذا الحديث فقال أمن والله أبو بحر من نزول الوحي
قال فأسلمت سجاح بعد ذلك وبعد قتل مسيلمة وحسن إسلامها
صوت
( كم ليلةٍ فيكِ بِتُّ أسهرها ... ولوعةٍ من هواك أُضمِرُها )
( وحُرقةٍ والدموعُ تُطفئها ... ثم يعود الجوى فيُسعِرها )
(10/40)

( بيضاء رُود الشباب قد غُمسَت ... في خَجل دائب يعصفرها )
( الله جارٌ لها فما امتلأَت ... عيناي إلا من حيثُ أُبصرُها )
الشعر للبحتري والغناء لعريب رمل مطلق من مجموع أغانيها وهو لحن مشهور في أيدي الناس والله أعلم
(10/41)

أخبار البحتري ونسبه
هو الوليد بن عبيد الله بن يحيى بن عبيد بن شملال بن جابر بن سلمة بن مسهر بن الحارث بن خيثم بن أبي حارثة بن جدي بن تدول بن بحتر بن عتود بن عثمة بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن جلهمة وهو طيىء بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان
هجاؤه جيد على ندرته
ويكنى أبا عبادة شاعر فاضل فصيح حسن المذهب نقي الكلام مطبوع كان مشايخنا رحمة الله عليهم يختمون به الشعراء وله تصرف حسن فاضل نقي في ضروب الشعر سوى الهجاء فإن بضاعته فيه نزرة وجيده منه قليل
وكان ابنه أبو الغوث يزعم أن السبب في قلة بضاعته في هذا الفن أنه لما حضره الموت دعا به وقال له اجمع كل شيء قلته في الهجاء
ففعل فأمره بإحراقه ثم قال له يا بني هذا شيء قلته في وقت فشفيت به غيظي وكأفات به قبيحا فعل بي وقد انقضى أربي في ذلك وإن بقي روي وللناس أعقاب يورثونهم العداء والمودة
(10/42)

وأخشى أن يعود عليك من هذا شيء في نفسك أو معاشك لا فائدة لك ولي فيه قال فعلمت أنه قد نصحني وأشفق علي فأحرقته
أخبرني بذلك علي بن سليمان الأخفش عن أبي الغوث
وهذا كما قال أبو الغوث لا فائدة لك ولا لي فيه لأن الذي وجدناه وبقي في أيدي الناس من هجائه أكثره ساقط مثل قوله في ابن شير زاد
( نفقْتَ نُفُوق الحمار الذّكَرْ ... وبان ضُراطُك عنا فمرْ )
ومثل قوله في علي بن الجهم
( ولو أعطاك ربُّك ما تمَنَّى ... لزادك منه في غِلَظ الأيورِ )
( عَلامَ طَفِقْت تهجوني مليًّا ... بما لفقّت من كذبٍ وزُورِ )
وأشباه لهذه الأبيات ومثلها لا يشاكل طبعه ولا تليق بمذهبه وتنبيء بركاكتها وغثاثة ألفاظها عن قلة حظه في الهجاء وما يعرف له هجاء جيد إلا قصيدتان إحداهما قوله في ابن أبي قماش
( مرّت على عَزْمِها ولم تقفِ ... مُبدِيةً للشِّنان والشَّنَفِ )
يقول فيها لابن أبي قماش
(10/43)

( قد كان في الواجب المُحقَّق أن ... تعرف ما في ضميرها النّطفِ )
( بما تَعاطيتَ في العيوب وما ... أُوتِيت من حكمة ومن لَطَفِ )
( أمَا رأيت المرّيخَ قد مازج الزّهرة في الجدّ منه والشّرَفِ )
( وأخبرتك النّحوسُ أنكما ... في حالتي ثابت ومُنْصَرَف )
( من أين أعلمت ذا وأنت على ... التَّقْويم والزِّيج جِدّ مُنْعكفِ )
( أما زجرتَ الطّير العلا أو تَعَيَّفْت ... المها اَو نظرت في الكَتِفِ )
( رذُلت في هذه الصناعةِ أو ... أكديتَ أو رمتَها على الخَرَفِ )
( لم تَخْطُ باب الدّهليز منصرِفاً ... إلا وخَلخالُها مع الشَّنَفِ )
وهي طويلة ولم يكن مذهبي ذكرها إلا للإخبار عن مذهبه في هذا الجنس وقصيدته في يعقوب بن الفرج النصراني فإنها وإن لم تكن في أسلوب هذه وطريقتها تجري مجرى التهكم باللفظ الطيب الخبيث المعاني وهي
( تظنّ شُجُونِيَ لم تَعْتَلِجْ ... وقد خلج البَيْنُ من قد خَلَجْ )
وكان البحتري يتشبه بأبي تمام في شعره ويحذو مذهبه وينحو نحوه في البديع الذي كان أبو تمام يستعمله ويراه صاحبا وإماما ويقدمه على نفسه ويقول في الفرق بينه وبينه قول منصف إن جيد أبي تمام خير من جيده ووسطه ورديئه خير من وسط أبي تمام ورديئه وكذا حكم هو على نفسه
(10/44)

من أشعر هو أو أبو تمام
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني الحسين بن علي الياقطاني قال
قلت للبحتري أيما أشعر أنت أو أبو تمام فقال جيده خير من جيدي ورديئي خير من رديئه
حدثني محمد بن يحيى قال حدثني أبو الغوث يحيى بن البحتري قال
كان أبي يكنى أبا الحسن وأبا عبادة فأشير علي في أيام المتوكل بأن أقتصر على أبي عبادة فإنها أشهر فاقتصرت عليها
حدثني محمد قال
سمعت عبد الله بن الحسين بن سعد يقول للبحتري وقد اجتمعنا في دار عبد الله بالخلد وعنده المبرد في سنة ست وسبعين ومائتين وقد أنشد البحتري شعرا لنفسه قد كان أبو تمام قال في مثله أنت والله أشعر من أبي تمام في هذا الشعر قال كلا والله إن أبا تمام للرئيس والأستاذ والله ما أكلت الخبز إلا به فقال له المبرد لله درك يا أبا الحسن فإنك تأبى إلا شرفا من جميع جوانبك
حدثني محمد قال حدثني الحسين بن إسحاق قال
قلت للبحتري إن الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام فقال والله ما ينفعني هذا القول ولا يضر أبا تمام والله ما أكلت الخبز إلا به ولوددت أن الأمر كان كما قالوا ولكني والله تابع له آخذ منه لائذ به نسيمي يركد عند هوائه وأرضي تنخفض عند سمائه
حدثني محمد بن يحيى قال حدثني سوار بن أبي شراعة عن
(10/45)

البحتري قال وحدثني أبو عبد الله الألوسي عن علي بن يوسف عن البحتري قال
كان أول أمري في الشعر ونباهتي أني صرت إلى أبي تمام وهو بحمص فعرضت عليه شعري وكان الشعراء يعرضون عليه أشعارهم فأقبل علي وترك سائر من حضر فلما تفرقوا قال لي أنت أشعر من أنشدني فكيف بالله حالك فشكوت خلة فكتب إلى أهل معرة النعمان وشهد لي بالحذق بالشعر وشفع لي إليهم وقال امتدحهم فصرت إليهم فأكرموني بكتابه ووظفوا لي أربعة آلاف درهم فكانت أول مال أصبته
وقال علي بن يوسف في خبره فكانت نسخة كتابه يصل كتابي هذا على يد الوليد أبي عبادة الطائي هو على بذاذته شاعر فأكرموه
حدثني جحظة قال سمعت البحتري يقول كنت أتعشق غلاما من أهل منبج يقال له شقران واتفق لي سفر فخرجت فيه فأطلت الغيبة ثم عدت وقد التحى فقلت فيه وكان أول شعر قلته
( نبَتَتْ لِحْيةُ شُقرانَ ... شَقِيقِ النَّفْسِ بَعْدِي )
( حُلِقت كيف أتته ... قبل أن يُنجِزَ وعدِي )
كيف تم التعارف بينه وبين أبي تمام
وقد روي في غير هذه الحكاية أن اسم الغلام شندان
حدثني علي بن سليمان قال حدثني أبو الغوث بن البحتري عن
(10/46)

أبيه وحدثني عمي قال حدثني علي بن العباس النوبختي عن البحتري وقد جمعت الحكايتين وهما قريبتان قال
أول ما رأيت أبا تمام أني دخلت على أبي سعيد محمد بن يوسف وقد مدحته بقصيدتي
( أأفاق صبٌّ من هَوًى فاُفِيقَا ... أو خان عهداً أو أطاع شفيقا )
فسر بها أبو سعيد وقال أحسنت والله يا فتى وأجدت قال وكان في مجلسه رجل نبيل رفيع المجلس منه فوق كل من حضر عنده تكاد تمس ركبته ركبته فأقبل علي ثم قال يا فتى أما تستحي مني هذا شعر لي تنتحله وتنشده بحضرتي فقال له أبو سعيد أحقا تقول قال نعم وإنما علقه مني فسبقني به إليك وزاد فيه ثم اندفع فأنشد أكثر هذه القصيدة حتى شككني علم الله في نفسي وبقيت متحيرا فأقبل علي أبو سعيد فقال يا فتى قد كان في قرابتك منا وودك لنا ما يغنيك عن هذا فجعلت أحلف له بكل محرجة من الأيمان أن الشعر لي ما سبقني إليه أحد ولا سمعته منه ولا انتحلته فلم ينفع ذلك شيئا وأطرق أبو سعيد وقطع بي حتى تمنيت أني سخت في الأرض فقمت منكسر البال أجر رجلي فخرجت فما هو إلا أن بلغت باب الدار حتى خرج الغلمان فردوني فأقبل علي الرجل فقال الشعر لك يا بني والله ما قلته قط ولا سمعته إلا منك ولكنني ظننت أنك تهاونت بموضعي فأقدمت على الإنشاد بحضرتي من غير معرفة كانت بيننا تريد بذلك مضاهاتي ومكاثرتي حتى عرفني الأمير نسبك وموضعك ولوددت ألا تلد أبدا طائية إلا مثلك وجعل أبو سعيد يضحك ودعاني أبو تمام وضمني إليه وعانقني وأقبل
(10/47)

يقرظني ولزمته بعد ذلك وأخذت عنه واقتديت به هذه رواية من ذكرت
وقد حدثني علي بن سليمان الأخفش أيضا قال حدثني عبد الله بن الحسين بن سند القطربلي
أن البحتري حدثه أنه دخل على أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري وقد مدحه بقصيدة وقصده بها فألفى عنده أبا تمام وقد أنشده قصيدة له فيه فاستأذنه البحتري في الإنشاد وهو يومئذ حديث السن فقال له يا غلام أتنشدني بحضرة أبي تمام فقال تأذن ويستمع فقام فأنشده إياها وأبو تمام يسمع ويهتز من قرنه إلى قدمه استحسانا لها فلما فرغ منها قال أحسنت والله يا غلام فممن أنت قال من طيء فطرب أبو تمام وقال من طيء الحمد لله على ذلك لوددت أن كل طائية تلد مثلك وقبل بين عينيه وضمه إليه وقال لمحمد بن يوسف قد جعلت له جائزتي فأمر محمد بها فضمت إلى مثلها ودفعت إلى البحتري وأعطى أبا تمام مثلها وخص به وكان مداحا له طول أيامه ولابنه بعده ورثاهما بعد مقتليهما فأجاد ومراثيه فيهما أجود من مدائحه وروي أنه قيل له في ذلك فقال من تمام الوفاء أن تفضل المراثي المدائح لا كما قال الآخر وقد سئل عن ضعف مراثيه فقال كنا نعمل للرجاء نحن نعمل اليوم للوفاء
وبينهما بعد
حدثني حكم بن يحيى الكنتحي قال
(10/48)

بعض من صفاته
كان البحتري من أوسخ خلق الله ثوبا وآلة وأبخلهم على كل شيء وكان له أخ وغلام معه في داره فكان يقتلهما جوعا فإذا بلغ منهما الجوع أتياه يبكيان فيرمي إليهما بثمن أقواتهما مضيقا مقترا ويقول كلا أجاع الله أكبادكما وأعرى أجلادكما وأطال إجهادكما
قال حكم بن يحيى وأنشدته يوما من شعر أبي سهل بن نوبخت فجعل يحرك رأسه فقلت له ما تقول فيه فقال هو يشبه مضغ الماء ليس له طعم ولا معنى
وحدثني أبو مسلم محمد بن بحر الأصبهاني الكاتب قال
دخلت على البحتري يوما فاحتبسني عنده ودعا بطعام له ودعاني إليه فامتنعت من أكله وعنده شيخ شامي لا أعرفه فدعاه إلى الطعام فتقدم وأكل معه أكلا عنيفا فغاظه ذلك والتفت إلي فقال لي أتعرف هذا الشيخ فقلت لا قال هذا شيخ من بني الهجيم الذين يقول فيهم الشاعر
( وبَنو الهُجَيْم قبيلةٌ مَلْعونةٌ ... حُصُّ اللِّحى مُتشابهو الأَلْوانِ )
( لو يسمعون بأكلة أو شَرْبة ... بعُمانَ أصبح جَمعُهم بُعمانِ )
قال فجعل الشيخ يشتمه ونحن نضحك
وحدثني جحظة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال
(10/49)

اجتازت جارية بالمتوكل معها كوز ماء وهي أحسن من القمر فقال لها ما اسمك
قالت برهان قال ولمن هذا الماء قالت لستي قبيحة قال صبيه في حلقي فشربه عن آخره ثم قال للبحتري قل في هذا شيئا فقال البحتري
( ما شَرْبَةٌ من رَحِيق كأسُها ذَهَبٌ ... جاءت بها الحُورُ من جَنَّات رِضْوان )
( يوما بأطيبَ من ماءٍ بلا عَطَش ... شربتُه عبثاً من كف بُرْهان )
أخبرني علي بن سليمان الأخفش وأحمد بن جعفر جحظة
قالا حدثنا أبو الغوث بن البحتري قال
كتبت إلى أبي يوما أطلب منه نبيذا فبعث إلي بنصف قنينة دردي وكتب إلي دونكها يا بني فإنها تكشف القحط وتضبط الرهط
قال الأخفش وتقيت الرهط
خبره مع أحمد بن علي الإسكافي
حدثني أبو الفضل عباس بن أحمد بن ثوابة قال
قدم البحتري النيل على أحمد بن علي الإسكافي مادحا له فلم يثبه ثوابا يرضاه بعد أن طالت مدته عنده فهجاه بقصيدته التي يقول فيها
( ما كسبنا من أحمدَ بنِ عَلِيٍّ ... ومن النَّيلِ غيرَ حُمَّى النَّيلِ )
(10/50)

وهجاه بقصيدة أخرى أولها
( قِصَّةُ النّيلِ فاسمعوهَا عُجابَه ... )
فجمع إلى هجائه إياه هجاء أبي ثوابة وبلغ ذلك أبي فبعث إليه بألف درهم وثياب ودابة بسرجها ولجامها فرده إليه وقال قد أسلفتكم إساءة لا يجوز معها قبول رفدكم فكتب إليه أبي أما الإساءة فمغفورة وأما المعذرة فمشكورة والحسنات يذهبن السيئات وما يأسو جراحك مثل يدك
ولقد رددت إليك ما رددته علي وأضعفته فإن تلافيت ما فرط منك أثبنا وشكرنا وإن لم تفعل احتملنا وصبرنا
فقبل ما بعث به وكتب إليه كلامك والله أحسن من شعري وقد أسلفتني ما أخجلني وحملتني ما اثقلني وسيأتيك ثنائي
ثم غدا إليه بقصيدة أولها
( ضَلالٌ لها ماذا أرادت إلى الصّد ... )
وقال فيه بعد ذلك
( برقٌ أضاء العقيقَ من ضَرَمِه ... )
وقال فيه أيضا
( دانٍ دعا داعي الصَّبا فأجابَهْ )
قال ولم يزل أبي يصله بعد ذلك ويتابع بره لديه حتى افترقا
شعره في نسيم غلامه
أخبرني جحظة قال
كان نسيم غلام البحتري الذي يقول فيه
(10/51)

( دَعا عَبْرتي تجرِي على الجَور والقصد ... ظنُّ نسيماً قارفَ الهمَّ من بعدي )
( خلاَ ناظِري من طيفِه بعد شخصِه ... فيا عجبا للدَّهْر فقدٌ على فَقْدِ )
غلاما روميا ليس بحسن الوجه وكان قد جعله بابا من أبواب الحيل على الناس فكان يبيعه ويعتمد أن يصيره إلى ملك بعض أهل المروءات ومن ينفق عنده الأدب فإذا حصل في ملكه شبب به وتشوقه ومدح مولاه حتى يهبه له فلم يزل ذلك دأبه حتى مات نسيم فكفي الناس أمره
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال
كتب البحتري إلى أبي محمد بن علي القمي يستهديه نبيذا فبعث إليه نبيذا مع غلام له أمرد فجمشه البحتري فغضب الغلام غضبا شديدا دل البحتري على أنه سيخبر مولاه بما جرى فكتب إليه
( أبا جعفرٍ كان تَجْمِيشُنا ... غلامَك إحدى الهَنات الدَّنِيّهْ )
( بعثتَ إلينا بشمس المُدامِ ... تضيء لنا مع شمس البُرِيّهْ )
( فليت الهديّة كان الرّسول ... وليتَ الرسولَ إلينا الهَدِيّهْ )
فبعث إليه محمد بن علي الغلام هدية فانقطع البحتري عنه بعد ذلك مدة خجلا مما جرى فكتب إليه محمد بن علي
( هجرتَ كأنّ البِرّ أعقب حِشمَةً ... ولم أرَ وَصْلاً قبل ذا أعقب الهَجْرا )
فقال فيه قصيدته التي أولها
(10/52)

( فتى مَذْحج عَفْواً فتى مذحجٍ غُفْرا )
وهي طويلة
وقال فيه أيضا
( أمواهبٌ هاتيك أم أَنواءُ ... هُطُلٌ وأخذٌ ذَاكَ أم إعطاءُ )
( إن دَامَ ذا أو بَعضُ ذا من فعل ذا ... ذهب السخاءُ فلا يُعَدُّ سَخاءُ )
( ليس الذي حلّت تمِيمٌ وسْطَه الدّهناء ... لكن صدرُكَ الدهناءُ )
( ملك أغرّ لآل طَلحة مَجدُه ... كفّاه بحرُ سماحةٍ وسماءُ )
( وشريف أشراف إذا احتكَّت بهم ... جُرْبُ القبائل أحسنوا وأساءوا )
( أمحمدُ بنَ عليَّ اسمَعْ عُذْرَةً ... فيها شفاءٌ للمُسيء ودَاءُ )
( مالي إذا ذُكِر الكرامُ رأيتُني ... مالي مع النّفر الكرام وَفاءُ )
( يضفو عليَّ العَذْلُ وهو مُقاربٌ ... ويَضيق عني العُذْرُ وهْو فَضاءُ )
( إنّي هجرتُك إذ هجرتُك حِشْمةً ... لا العَوْدُ يُذهِبُها ولا الإِبداءُ )
( أخجلتَني بَنَدى يديْك فسَّودَت ... ما بيننا تلك اليدُ البَيضاءُ )
( وقطعَتني بالبرّ حتى إنّني ... متوهّم أن لا يكون لقاءُ )
( صِلَةٌ غَدَت في الناس وَهْي قطِيعَةٌ ... عجباً وبِرٌّ راح وَهْو جَفاء )
( ليواصِلنَّك رَكْبُ شِعريَ سائرا ... تُهدَى به في مدحك الأَعداءُ )
( حتى يتمّ لك الثّناءُ مُخَلَّداً ... أبداً كما دامت لك النّعماء )
( فتظلَّ تَحسُدك الملوكُ الصيدُ بي ... وأظَلَّ يحْسدُني بك الشُّعراء )
مات في السكتة
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال سألني القاسم بن عبيد الله عن
(10/53)

خبر البحتري وقد كان أسكت ومات من تلك العلة فأخبرته بوفاته وأنه مات في تلك السكتة فقال ويحه رمي في أحسنه
أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني محمد بن علي الأنباري قال
سمعت البحتري يقول أنشدني أبو تمام يوما لنفسه
( وسابحٍ هطل التَّعداء هَتّان ... على الجراء أمِينٍ غير خوَّانِ )
( أظْمى الفصُوصِ ولم تظمأ قوائِمهُ ... فخلِّ عينيك في ظمآنَ رَيّانِ )
( فلو تراه مُشِيحا والحصى زِيَمٌ ... بين السّنابك من مثنًى وؤُحدان )
( أيقنتَ إنْ لم تثَبَّتْ أنّ حافَره ... من صَخْر تَدْمُر أو من وَجْه عثمان )
ثم قال لي ما هذا الشعر قلت لا أدري قال هذا هو المستطرد أو قال الاستطراد
قلت وما معنى ذلك قال يريك أنه يريد وصف الفرس وهو يريد هجاء عثمان وقد فعل البحتري ذلك فقال في صفة الفرس
( ما إن يَعافُ قَذًى ولو أوردتَه ... يوماً خلائقَ حَمْدَوَيْهِ الأَحول )
وكان حمدويه الأحول عدوا لمحمد بن علي القمي الممتدح بهذه القصيدة فهجاه في عرض مدحه محمدا
والله أعلم
(10/54)

رأي أبي تمام في شاعريته
حدثني علي بن سليمان الأخفش
قال حدثني أبو الغوث بن البحتري قال حدثني أبي قال قال لي أبو تمام بلغني أن بني حميد أعطوك مالا جليلا فيما مدحتهم به فأنشدني شيئا منه فأنشدته بعض ما قلته فيهم فقال لي كم أعطوك فقلت كذا وكذا فقال ظلموك والله ما وفوك حقك فلم استكثرت ما دفعوه إليك والله لبيت منها خير مما أخذت ثم أطرق قليلا ثم قال لعمري لقد استكثرت ذلك واستكثر لك لما مات الناس وذهب الكرام وغاضت المكارم فكسدت سوق الأدب أنت والله يا بني أمير الشعراء غدا بعدي فقمت فقبلت رأسه ويديه ورجليه وقلت له والله لهذا القول أسر إلى قلبي وأقوى لنفسي مما وصل إلي من القوم
حدثني محمد بن يحيى عن الحسن بن علي الكاتب قال قال لي البحتري أنشدت أبا تمام يوما شيئا من شعري فتمثل ببيت أوس بن حجر
( إذا مُقرَمٌ منا ذرا حدُّ نابِه ... تخمَّطَ فينا نابُ آخَر مُقرَمِ )
ثم قال لي نعيت والله إلي نفسي فقلت أعيذك بالله من هذا القول فقال إن عمري لن يطول وقد نشأ في طيء مثلك أما علمت أن خالد
(10/55)

ابن صفوان رأى شبيب بن شيبة وهو من رهطه يتكلم فقال يا بني لقد نعى إلي نفسي إحسانك في كلامك لأنا أهل بيت ما نشأ فينا خطيب قط إلا مات من قبله فقلت له بل يبقيك الله ويجعلني فداءك
قال ومات أبو تمام بعد سنة
شعره في المتوكل
حدثني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني أبو العنبس الصيمري قال كنت عند المتوكل والبحتري ينشده
( عن أيّ ثغر تبتَسِمْ ... وبأيّ طرفٍ تحتكمْ )
حتى بلغ إلى قوله
( قل للخلِيفَة جعفر المتوكّلِ ... بنِ المعتصم )
( المُبْتدِي للمُجْتَدِي ... والمنعِم بنِ المُنْتقِم )
( اسلَمْ لدِينِ محمدٍ ... فإذا سلمتَ فقد سَلِمْ )
قال وكان البحتري من أبغض الناس إنشادا يتشادق ويتزاور في مشيه مرة جانبا ومرة القهقرى ويهز رأسه مرة ومنكبيه أخرى ويشير بكمه ويقف عند كل بيت ويقول أحسنت والله ثم يقبل على المستمعين فيقول ما لكم لا تقولون أحسنت هذا والله ما لا يحسن أحد
(10/56)

أن يقول مثله فضجر المتوكل من ذلك وأقبل علي وقال أما تسمع يا صيمري ما يقول فقلت بلى يا سيدي فمرني فيه بما أحببت فقال بحياتي اهجه على هذا الروي الذي أنشدنيه فقلت تأمر ابن حمدون أن يكتب ما أقول فدعا بدواة وقرطاس وحضرني على البديهة أن قلت
المتوكل يأمر الصيمري أن يهجوه
( أدخلتَ رأسك في الرّحم ... وعلمتَ أنّك تنهَزمْ )
( يا بحتريُّ حَذارِ وَيْحَك ... من قُضاقِضةٍ ضُغُم )
( فلقد أَسلْتَ بواديَيْك ... من الهِجا سَيْلَ العَرِمْ )
( فبأيِّ عِرْضٍ تَعتصمْ ... وبَهْتِكه جَفَّ القَلَمْ )
( والله حِلْفَةً صادقٍ ... وبقبرِ أحمد والحرَمْ )
( وبحقّ جعفرٍ الإمامِ ... ابن الإمام المعتَصِمْ )
( لأصَيّرنَّك شُهرةً ... بين المَسيِل إلى العَلَمْ )
( حَيّ الطّلول بذي سلَمْ ... حيث الأراكةُ والخِيَمْ )
( يا بنَ الثَّقِيلَة والثقيل ... على قُلوبِ ذَوِي النّعَم )
( وعلى الصغير مع الكبير ... من المَوالي والحَشَمْ )
( في أي سَلْح ترتطمْ ... وبأيّ كفّ تلتقِمْ )
( يا بنَ المُباحةِ للورَى ... أمن العفاف أم التُّهَم )
( إذ رَحْلُ أختك للعَجَم ... وفراشُ أمّك في الظُّلَم )
(10/57)

( وبباب دَارِك حانَةٌ ... في بَيْتِه يُؤْتَى الحَكَمْ )
قال فغضب وخرج يعدو وجعلت أصيح به
( أدخلت رأسك في الرّحِمْ ... وعلمتَ أنّك تَنْهَزِم )
والمتوكل يضحك ويصفق حتى غاب عن عينه
هكذا حدثني جحظة عن أبي العنبس
ووجدت هذه الحكاية بعينها بخط الشاهيني حكاية عن أبي العنبس فرأيتها قريبة اللفظ موافقة المعنى لما ذكره جحظة والذي يتعارفه الناس أن أبا العنبس قال هذه الأبيات ارتجالا وكان واقفا خلف البحتري فلما ابتدأ وأنشد قصيدته
( عن ايّ ثغرٍ تبتسِمْ ... وبأيّ طرْف تحتكِم )
صاح به أبو العنبس من خلفه
( في أيّ سَلْح ترتَطِم ... وبأيّ كَفٍّ تَلْتَقِمْ )
( أدخلتَ رأسَك في الرّحِم ... وعلمتَ أنك تنهزِمْ )
فغضب البحتري وخرج فضحك المتوكل حتى أكثر وأمر لأبي العنبس بعشرة آلاف درهم والله أعلم
وأخبرني بهذا الخبر محمد بن يحيى الصولي وحدثني عبد الله بن أحمد بن حمدون عن أبيه قال وحدثني يحيى بن علي عن أبيه
أن البحتري أنشد المتوكل وأبو العنبس الصيمري حاضر قصيدته
( عن أيّ ثَغْر تَبْتَسم ... وبأيّ طَرْف تحتكم )
إلى آخرها وكان إذا أنشد يختال ويعجب بما يأتي به فإذا فرغ من القصيدة رد البيت الأول فلما رده بعد فراغه منها
وقال
(10/58)

( عن أيّ ثغر تبتسم ... وبأيّ طرف تحتكم )
قال أبو العنبس وقد غمزه المتوكل أن يولع به
( في أي سَلْحٍ تَرْتَطِم ... وبأي كفٍّ تَلْتَقمْ )
( أدخلت رأسك في الرّحم ... وعلمتَ أنّك تَنْهَزِمْ )
فقال نصف البيت الثاني فلما سمع البحتري قوله ولى مغضبا فجعل أبو العنبس يصيح به
( وعلمتَ أنك تنهزم ... )
فضحك المتوكل من ذلك حتى غلب وأمر لأبي العنبس بالصلة التي أعدت للبحتري
قال أحمد بن زياد فحدثني أبي قال
جاءني البحتري فقال لي يا أبا خالد أنت عشيرتي وابن عمي وصديقي وقد رأيت ما جرى علي أفتأذن لي أن أخرج إلى منبج بغير إذن فقد ضاع العلم وهلك الأدب فقلت لا تفعل من هذا شيئا فإن الملوك تمزح بأعظم مما جرى ومضيت معه إلى الفتح فشكا إليه ذلك فقال له نحوا من قولي ووصله وخلع عليه فسكن إلى ذلك
الصيمري يصر على هجائه بعد موت المتوكل
حدثني جحظة عن علي بن يحيى المنجم قال
لما قتل المتوكل قال أبو العنبس الصيمري
(10/59)

( يا وحشةَ الدنيا على جَعْفَرٍ ... على الهمام الملك الأزْهرِ )
( على قتيلٍ من بني هاشمٍ ... بين سرير المُلْك والمِنْبَرِ )
( واللّهِ ربّ البَيْتِ والمَشْعَر ... والله أن لو قُتِل البُحْتُرِي )
( لثارَ بالشّام له ثائِرٌ ... في ألف نَغْلٍ من بني عَضْ خَرى )
( يقدُمهم كُلُّ أخي ذِلّة ... على حمارٍ دابِرٍ أعورِ )
فشاعت الأبيات حتى بلغت البحتري فضحك ثم قال هذا الأحمق يرى أني أجيبه على مثل هذا فلو عاش امرؤ القيس فقال من كان يجيبه
(10/60)

ذكر نتف من أخبار عريب مستحسنة
منزلتها في الغناء والشعر والخط
كانت عريب مغنية محسنة وشاعرة صالحة الشعر وكانت مليحة الخط والمذهب في الكلام ونهاية في الحسن والجمال والظرف وحسن الصورة وجودة الضرب وإتقان الصنعة والمعرفة بالنعم والأوتار والرواية للشعر والأدب لم يتعلق بها أحد من نظرائها ولا رئي في النساء بعد القيان الحجازيات القديمات مثل جميلة وعزة الميلاء وسلامة الزرقاء ومن جرى مجراهن على قلة عددهن نظير لها وكانت فيها من الفضائل التي وصفناها ما ليس لهن مما يكون لمثلها من جواري الخلفاء ومن نشأ في
(10/61)

قصور الخلافة وغذي برقيق العيش الذي لا يدانيه عيش الحجاز والنش بين العامة والعرب الجفاة ومن غلظ طبعه وقد شهد لها بذلك من لا يحتاج مع شهادته إلى غيره
أخبرني محمد بن خلف وكيع عن حماد بن إسحاق قال قال لي أبي
ما رأيت امرأة أضرب من عريب ولاأحسن صنعة ولا أحسن وجها ولا أخف روحا ولا أحسن خطابا ولا أسرع جوابا ولا ألعب بالشطرنج والنرد ولا أجمع لخصلة حسنة لم أر مثلها في امرأة غيرها
قال حماد فذكرت ذلك ليحيى بن أكثم في حياة أبي فقال صدق أبو محمد هي كذلك قلت أفسمعتها قال نعم هناك يعني في دار المأمون قلت أفكانت كما ذكر أبو محمد في الحذق فقال يحيى هذه مسألة الجواب فيها على أبيك فهو أعلم مني بها فأخبرت بذلك أبي فضحك ثم قال ما استحييت من قاضي القضاة أن تسأله عن مثل هذا
أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى قال حدثني أبي قال
قال لي إسحاق كانت عندي صناجة كنت بها معجبا واشتهاها أبو إسحاق المعتصم في خلافة المأمون فبينا أنا ذات يوم في منزلي إذ أتاني إنسان يدق الباب دقا شديدا فقلت أنظروا من هذا فقالوا رسول أمير المؤمنين فقلت ذهبت صناجتي تجده ذكرها له ذاكر فبعث إلي فيها
فلما مضى بي الرسول انتهيت إلى الباب وأنا مثخن فدخلت فسلمت فرد علي السلام ونظر إلى تغير وجهي فقال لي اسكن فسكنت فقال
(10/62)

لي غن صوتا وقال لي أتدري لمن هو فقلت أسمعه ثم أخبر أمير المؤمنين إن شاء الله ذلك فأمر جارية من وراء الستارة فغنته وضربت فإذا هي قد شبهته بالغناء القديم فقلت زدني معها عودا آخر فإنه أثبت لي فزادني عودا آخر فقلت هذا الصوت محدث لامرأة ضاربة قال من أين قلت ذاك قلت لما سمعت لينه عرفت أنه محدث من غناء النساء ولما رأيت جودة مقاطعه علمت أن صاحبته ضاربة وقد حفظت مقاطعه وأجزاءه ثم طلبت عودا آخر فلم أشك فقال صدقت الغناء لعريب
عدت أصواتها فكانت ألفا
قال ابن المعتز وقال يحيى بن علي
أمرني المعتمد على الله أن أجمع غناءها الذي صنعته فأخذت منها دفاترها وصحفها التي كانت قد جمعت فيها غناءها فكتبته فكان ألف صوت
وأخبرني علي بن عبد العزيز عن ابن خرداذبه
أنه سأل عريب عن صنعتها فقالت قد بلغت إلى هذا الوقت ألف صوت
وحدثني محمد بن إبراهيم قريض أنه جمع غناءها من ديواني ابن المعتز وأبي العبيس بن حمدون وما أخذه عن بدعة جاريتها التي أعطاها إياها بنو هاشم فقابل بعضه ببعض فكان ألفا ومائة وخمسة وعشرين صوتا
وذكر العتابي أن أحمد بن يحيى حدثه قال
(10/63)

سمعت أبا عبد الله الهشامي يقول وقد ذكرت صنعة عريب صنعتها مثل قول أبي دلف في خالد بن يزيد حيث يقول
( يا عينُ بَكى خالِدا ... أَلْفا ويُدعَى واحدَا )
يريد أن غناءها ألف صوت في معنى واحد فهي بمنزلة صوت واحد
وحكى عنه أيضا هذه الحكاية ابن المعتز
وهذا تحامل لا يحل ولعمري إن في صنعتها لأشياء مرذولة لينة وليس ذلك مما يضعها ولا عري كبير أحد من المغنين القدماء والمتأخرين من أن يكون في صنعته النادر والمتوسط سوى قوم معدودين مثل ابن محرز ومعبد في القدماء ومثل إسحاق وحده في المتأخرين وقد عيب بمثل هذا ابن سريج في محله فبلغه أن المغنين يقولون إنما يغني ابن سريج الأرمال والخفاف وغناؤه يصلح للأعراس والولائم فبلغه ذلك فتغنى بقوله
( لقد حبَّبَتْ نُعمٌ إلينا بوجهها ... مساكنَ ما بين الوتائِر فالنَّقْعِ )
ثم توفي بعدها وغناؤه يجري مجرى المعيب عليه
وهذا إسحاق يقول في أبيه على عظيم محله في هذه الصناعة وما كان إسحاق يشيد به من
(10/64)

ذكره وتفضيله على ابن جامع وغيره ولأبي ستمائة صوت منها مائتان تشبه فيها بالقديم وأتى بها في نهاية من الجودة ومائتان غناء وسط مثل أغاني سائر الناس ومائتان فلسية وددت أنه لم يظهرها وينسبها لنفسه فأسترها عليه فإذا كان هذا قول إسحاق في أبيه فمن يعتذر بعده من أن يكون له جيد ورديء وما عري أحد في صناعة من الصناعة من حال ينقصه عن الغاية لأن الكمال شيء تفرد الله العظيم به والنقصان جبلة طبع بني آدم عليها وليس ذلك إذا وجد في بعض أغاني عريب مما يدعو إلى إسقاط سائرها ويلزمه اسم الضعف واللين وحسب المحتج لها شهادة إسحاق بتفضيلها وقلما شهد لأحد أو سلم خلق وإن تقدم وأجمع على فضله من شينه إياه وطعنه عليه لنفاسته في هذه الصناعة واستصغاره أهلها فقد تقدم في أخباره مع علوية ومخارق وعمرو بن بانة وسليم بن سلام وحسين بن محرز ومن قبلهم ومن فوقهم مثل ابن جامع وإبراهيم بن المهدي وتهجينه إياهم وموافقته لهم على خطئهم فيما غنوه وصنعوه مما يستغنى به عن الإعادة في هذا الموضع فإذا انضاف فعله هذا بهم وتفضيله إياها كان ذلك أدل دليل على التحامل ممن طعن عليها وإبطاله فيما ذكرها به ولقائل ذلك وهو أبو عبد الله الهشامي سبب كان يصطنعه عليها فدعاه إلى ما قال نذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى
ومما يدل على إبطاله أن المأمون أراد أن يمتحن إسحاق في المعرفة
(10/65)

بالغناء القديم والحديث فامتحنه بصوت من غنائها من صنعتها فكاد يجوز عليه لولا أنه أطال الفكر والتلوم واستثبت مع علمه بالمذاهب في الصنعة وتقدمه في معرفة النغم وعللها والإيقاعات ومجاريها
وأخبرنا بذلك يحيى بن علي بن يحيى قال حدثني أبي عن إسحاق
فأما السبب الذي كان من أجله يعاديها الهشامي فأخبرني به يحيى بن محمد بن عبد الله بن طاهر قال ذكر لأبي أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر عمي أن الهشامي زعم أن أحسن صوت صنعته عريب
( صَاحِ قد لمتَ ظالما ... )
وأن غناءها بمنزلة قول أبي دلف في خالد
( يا عينُ بكى خالدا ... ألفاً ويُدعَى واحِدا )
فقال ليس الأمر كما ذكر ولعريب صنعة فاضلة متقدمة وإنما قال هذا فيها ظلما وحسدا وغمطها ما تستحقه من التفضيل بخبر لها معه طريف فسألناه عنه فقال أخرجت الهشامي معي إلى سر من رأى بعد وفاة أخي يعني أبا محمد بن عبد الله بن طاهر فأدخلته على المعتز وهو يشرب وعريب تغني فقال له يا بن هشام غن فقال تبت من الغناء مذ قتل سيدي المتوكل فقالت له عريب قد والله أحسنت حيث تبت فإن غناءك كان قليل المعنى لا متقن ولا صحيح ولا مطرب فأضحكت أهل المجلس جميعا منه فخجل فكان بعد ذلك يبسط لسانه فيها ويعيب
(10/66)

صنعتها ويقول هي ألف صوت في العدد وصوت واحد في المعنى
وليس الأمر كما قاله إن لها لصنعة تشبهت فيها بصنعة الأوائل وجودت وبرزت فيها منها
( أئن سكنت نَفْسِي وقلَّ عَويلُها ... )
ومنها
( تقول هَمِّي يومَ وَدَّعتها ... )
ومنها
( إذا أردت انتصافا كان ناصركم ... )
ومنها
( بأبي من هو دائي ... )
ومنها
( أسلموها في دمشقَ كما ... )
ومنها
( فلا تتعنّتي ظلما وزورا ... )
ومنها
( لقد لام ذا الشوق الخَلِيُّ من الهوى ... )
ونسخت ما أذكره من أخبارها فأنسبه إلى ابن المعتز من كتاب دفعه إلي محمد بن إبراهيم الجراحي المعروف بقريض وأخبرني أن عبد الله بن المعتز دفعه إليه من جمعه وتأليفه فذكرت منها ما استحسنته من أحاديثها إذ كان فيها حشو كثير وأضفت إليه ما سمعته ووقع إلي غير مسموع مجموعا ومتفرقا ونسبت كل رواية إلى راويها
(10/67)

نسبها
قال ابن المعتز حدثني الهشامي أبو عبد الله وأخبرني علي بن عبد العزيز عن ابن خرداذبة قالا
كانت عريب لعبد الله بن إسماعيل صاحب مراكب الرشيد وهو الذي رباها وأدبها وعلمها الغناء
قال ابن المعتز وحدثني غير الهشامي عن إسماعيل بن الحسين خال المعتصم أنها بنت جعفر بن يحيى وأن البرامكة لما انتهبوا سرقت وهي صغيرة
قال فحدثني عبد الواحد بن إبراهيم بن محمد بن الخصيب قال
حدثني من أثق به عن أحمد بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي أن أم عريب كانت تسمى فاطمة وكانت قيمة لأم عبد الله بن يحيى بن خالد وكانت صبية نظيفة فرآها جعفر بن يحيى فهويها وسأل أم عبد الله أن تزوجه إياها ففعلت وبلغ الخبر يحيى بن خالد فأنكره وقال له أتتزوج من لا تعرف لها أم ولا أب اشتر مكانها مائة جارية وأخرجها فأخرجها وأسكنها دارا في ناحية باب الأنبار سرا من أبيه
ووكل بها من يحفظها وكان يتردد إليها فولدت عريب في سنة إحدى وثمانين ومائة فكانت سنوها إلى أن ماتت ستا وتسعين سنة قال وماتت أم عريب في حياة جعفر فدفعها إلى امرأة نصرانية وجعلها داية لها فلما حدثت الحادثة بالبرامكة باعتها من سنبس النخاس فباعها من المراكبي
(10/68)

قال ابن المعتز وأخبرني يوسف بن يعقوب
أنه سمع الفضل بن مروان يقول كنت إذا نظرت إلى قدمي عريب شبهتهما بقدمي جعفر بن يحيى قال وسمعت من يحكي أن بلاغتها في كتبها ذكرت لبعض الكتاب فقال فما يمنعها من ذلك وهي بنت جعفر بن يحيى
وأخبرني جحظة قال دخلت إلى عريب مع شروين المغني وأبي العبيس بن حمدون وأنا يومئذ غلام علي قباء ومنطقة فأنكرتني وسألت عني فاخبرها شروين وقال هذا فتى من أهلك هذا ابن جعفر بن موسى ابن يحيى بن خالد وهو يغني بالطنبور فأدنتني وقربت مجلسي ودعت بطنبور وأمرتني بأن أغني فغنيت أصواتا فقالت قد أحسنت يا بني ولتكونن مغنيا ولكن إذا حضرت بين هذين الأسدين ضعت أنت وطنبورك بين عوديهما وأمرت لي بخمسين دينارا
قال ابن المعتز وحدثني ميمون بن هارون
قال
حدثتني عريب قالت بعث الرشيد إلى أهلها تعني البرامكة رسولا يسألهم عن حالهم وأمره ألا يعلمهم أنه من قبله قالت فصار إلى عمي الفضل فسأله فأنشأ عمي يقول
صوت
( سأَلُونا عن حالنا كيف أنتمُ ... مَنْ هَوَى نَجمهُ فكيفَ يكونُ )
( نحن قومٌ أصابنا عَنَتُ الدّهر ... فَظَلْنا لريبه نَسْتكينُ )
(10/69)

ذكرت عريب أن هذا الشعر للفضل بن يحيى ولها فيه لحنان ثاني ثقيل وخفيف ثقيل كلاهما بالوسطى وهذا غلط من عريب ولعله بلغها أن الفضل تمثل بشعر غير هذا فأنسيته وجعلت هذا مكانه
فأما هذا الشعر فللحسين بن الضحاك لا يشك فيه يرثي به محمدا الأمين بعد قوله
( نحن قوم أصابنا حادثُ الدَّهر ... فظلْنا لرَيْبه نَسْتكِينُ )
( نتمَنَّى من الأَمين إياباً ... كلَّ يوم وأينَ منّا الأَمينُ )
وهي قصيدة
هربت إلى معشوقها ومكثت عنده زمانا
قال ابن المعتز وحدثني الهشامي
أن مولاها خرج إلى البصرة وأدبها وخرجها وعلمها الخط والنحو والشعر والغناء فبرعت في ذلك كله وتزايدت حتى قالت الشعر وكان لمولاها صديق يقال له حاتم بن عدي من قواد خراسان وقيل إنه كان يكتب لعجيف على ديوان الفرض فكان مولاها يدعوه كثيرا ويخالطه ثم ركبه دين فاستتر عنده فمد عينه إلى عريب فكاتبها فأجابته وكانت المواصلة
(10/70)

بينهما وعشقته عريب فلم تزل تحتال حتى اتخذت سلما من عقب وقيل من خيوط غلاظ وسترته حتى إذا همت بالهرب إليه بعد انتقاله عن منزل مولاها بمدة وقد أعد لها موضعا لفت ثيابها وجعلتها في فراشها بالليل ودثرتها بدثارها ثم تسورت من الحائط حتى هربت فمضت إليه فمكثت عنده زمانا قال وبلغني أنها لما صارت عنده بعث إلى مولاها يستعير منه عودا تغنيه به فأعاره عودها وهو لا يعلم أنها عنده ولا يتهمه بشيء من أمرها فقال عيسى بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي وهو عيسى ابن زينب يهجو أباه ويعيره بها وكان كثيرا ما يهجوه
( قاتلَ الله عَرِيبَا ... فعَلت فِعْلاً عَجِيبَا )
( رَكِبت والليلُ دَاجٍ ... مركباً صَعْباً مهوبا )
( فارتقَت مُتّصِلا بالنَّجم ... أو منه قريبا )
( صبرت حتى إذا ما ... أقصد النّومُ الرَّقيبا )
( مَثَّلت بين حَشَايَا ... هالِكيلا تَسْترِيبَا )
( خَلفاً منها إذا نودِيَ ... لم يُلفَ مُجيبَا )
( ومضت يحملها الخوفُ ... قَضِيباً وكَثِيبا )
( مُحَّةً لو حُرّكت خِفْتَ ... عليها أن تَذوبا )
( فتدلّت لمُحِبّ ... فتلقّاها حَبِيبَا )
( جَذِلاً قد نال في الدُّنْيا ... من الدُّنيا نصِيبا )
( أيّها الظَّبْي الذي تَسْحَرُ ... عيناه القُلُوبَا )
( والذي يأكل بعضا ... بَعضُه حُسناً وطِيبا )
(10/71)

( كُنتَ نَهْباً لذئابٍ ... فَلَقَد أطعمْتَ ذِيَبا )
( وكذا الشاةُ إذا لم ... يَكُ راعيها لَبيبَا )
( لا يُبالِي وبَأَ المَرْعَى ... إذا كان خَصيبا )
( فلقد أصبح عبدُ الله ... كشخانَ حَريبَا )
( قد لعمري لَطَم الوَجهَ ... وقد شَقَّ الجُيوبَا )
( وجرت منه دُموعٌ ... بلّت الشَّعْر الخَضِيبا )
وقال ابن المعتز حدثنا محمد بن موسى بن يونس
أنها ملته بعد ذلك فهربت منه فكانت تغني عند أقوام عرفتهم ببغداد وهي متسترة متخفية فلما كان يوم من الأيام اجتاز ابن أخ للمراكبي ببستان كانت فيه مع قوم تغني فسمع غناءها فعرفه فبعث إلى عمه من وقته وأقام هو بمكانه فلم يبرح حتى جاء عمه فلببها وأخذها فضربها مائة مقرعة وهي تصيح يا هذا لم تقتلني أنا لست أصبر عليك أنا امرأة حرة إن كنت مملوكة فبعني لست أصبر على الضيقة فلما كان من غد ندم على فعله وصار إليها فقبل رأسها ورجلها ووهب لها عشرة آلاف درهم ثم بلغ محمدا الأمين خبرها فأخذها منه قال وكان خبرها سقط إلى محمد في حياة أبيه فطلبها منه فلم يجبه إلى ما سأل وقبل ذلك ما كان طلب منه خادما عنده فاضطغن لذلك عليه فلما ولي الخلافة جاء المراكبي ومحمد راكب ليقبل يده فأمر بمنعه ودفعه ففعل ذلك الشاكري فضربه المراكبي وقال له أتمنعني من يد سيدي أن أقبلها فجاء الشاكري لما نزل محمد فشكاه فدعا محمد بالمراكبي وأمر بضرب عنقه فسئل في أمره
(10/72)

فأعفاه وحبسه وطالبه بخمسمائة ألف درهم مما اقتطعه من نفقات الكراع وبعث فأخذ عريب من منزله مع خدم كانوا له فلما قتل محمد هربت إلى المراكبي فكانت عنده قال وأنشدني بعض أصحابنا لحاتم بن عدي الذي كانت عنده لما هربت إليه ثم ملته فهربت منه وهي أبيات عدة هذان منها
( ورُشُّوا على وَجْهي من الماء واندُبُوا ... قتيلَ عَريبٍ لا قتيلَ حُروبِ )
( فليتكِ إن عجَّلتني فقتَلتِني ... تَكونِين ... من بعد الممات نصِيبي )
قال ابن المعتز وأما رواية إسماعيل بن الحسين خال المعتصم فإنها تخالف هذا وذكر أنها إنما هربت من دار مولاها المراكبي إلى محمد بن حامد الخاقاني المعروف بالخشن أحد قواد خراسان قال وكان أشقر أصهب الشعر أزرق وفيه تقول عريب ولها فيه هزج ورمل من روايتي الهشامي وأبي العباس
( بأبي كلّ أزرقٍ ... أَصهبِ اللون أشقرِ )
( جُنّ قلبي به وليسَ ... جُنُوني بمُنْكَرِ )
تقول الشعر الفاحش
قال ابن المعتز وحدثني ابن المدبر قال
خرجت مع المأمون إلى أرض الروم أطلب ما يطلبه الأحداث من الرزق فكنا نسير مع العسكر فلما خرجنا من الرقة رأينا جماعة من الحرم
(10/73)

في العماريات على الجمازات وكنا رفقة وكنا أترابا فقال لي أحدهم على بعض هذه الجمازات عريب فقلت من يراهنني أمر في جنبات هذه العماريات وأنشد أبيات عيسى ابن زينب
( قاتل الله عرِيبَا ... فعلت فعلاً عجيبَا )
فراهنني بعضهم وعدل الرهنان وسرت إلى جانبها فأنشدت الأبيات رافعا صوتي بها حتى أتممتها فإذا أنا بامرأة قد أخرجت رأسها فقالت يا فتى أنسيت أجود الشعر وأطيبه أنسيت قوله
( وعَرِيبٌ رَطْبةُ الشَّفْرَيْنِ ... قد نِيكت ضُروبا )
اذهب فخذ ما بايعت فيه ثم ألقت السجف فعلمت أنها عريب وبادرت إلى أصحابي خوفا من مكروه يلحقني من الخدم
شعر في مظلومة رقيبة عريب
أخبرني إسماعيل بن يونس قال قال لنا عمر بن شبة
كانت للمراكبي جارية يقال لها مظلومة جميلة الوجه بارعة الحسن فكان يبعث بها مع عريب إلى الحمام أو إلى من تزوره من أهله ومعارفه فكانت ربما دخلت معها إلى ابن حامد الذي كانت تميل إليه فقال فيها بعض الشعراء وقد رآها عنده
( لقد ظلموكِ يا مظلومَ لمّا ... أقاموكِ الرَّقيبَ على عَريبِ )
(10/74)

( ولو أَوْلَوكِ إنصافاً وَعَدْلا ... لما أخلوْكِ أنت من الرّقيبِ )
( أتَنْهَين المُرِيبَ عن المعاصي ... فكيف وأنتِ من شأنِ المُريبِ )
( وكيف يُجانِبُ الجاني ذنوباً ... لديك وأنت داعِيَةُ الذُّنوبِ )
( فإن يَسْترقِبُوكِ على عَرِيبٍ ... فما رَقَبُوك من غيب القلوبِ )
وفي هذا المعنى وإن لم يكن من جنس ما ذكرته ما أنشدنيه علي بن سليمان الأخفش في رقيبة مغنية استحسنت وأظنه للناشئ
( فديتُكِ لو أنهم أنصَفُوا ... لقد منعوا العينَ عن ناظرَيْكِ )
( ألم يقرءوا ويحهم ما يرون ... من وحي طَرْفك في مُقْلَتَيْكِ )
( وقد بعثوك رَقِيباً لنا ... فمن ذا يكون رَقِيباً عليكِ )
( تصُدّين أعْيُنَنا عن سواك ... وهل تنظر العينُ إلا إليكِ )
محمد الأمين يبعث في إحضارها وإحضار مولاها
قال ابن المعتز وحدثني عبد الواحد بن إبراهيم عن حماد بن إسحاق عن أبيه وعن محمد بن إسحاق البغوي عن إسحاق بن إبراهيم
أن خبر عريب لما نمي إلى محمد الأمين بعث في إحضارها وإحضار مولاها فأحضرا وغنت بحضرة إبراهيم بن المهدي تقول
( لكلّ أُناسٍ جَوْهَر متنافسٌ ... وأنتِ طرازُ الآنساتِ المَلائح )
فطرب محمد واستعاد الصوت مرارا وقال لإبراهيم يا عم كيف سمعت قال يا سيدي سمعت حسنا وإن تطاولت بها الأيام وسكن روعها ازداد غناؤها حسنا فقال للفضل بن الربيع خذها إليك وساوم بها ففعل فاشتط مولاها في السوم ثم أوجبها له بمائة ألف دينار وانتقض
(10/75)

أمر محمد وشغل عنها وشغلت عنه فلم يأمر لمولاها بثمنها حتى قتل بعد أن افتضها فرجعت إلى مولاها ثم هربت منه إلى حاتم بن عدي وذكر باقي الخبر كما ذكره من تقدم
وقال في خبره إنها هربت من مولاها إلى ابن حامد فلم تزل عنده حتى قدم المأمون بغداد فتظلم إليه المراكبي من محمد بن حامد فأمر بإحضاره فأحضر فسأله عنها فأنكر فقال له المأمون كذبت قد سقط إلي خبرها
وأمر صاحب الشرطة أن يجرده في مجلس الشرطة ويضع عليه السياط حتى يردها فأخذه وبلغها الخبر فركبت حمار مكار وجاءت وقد جرد ليضرب وهي مكشوفة الوجه وهي تصيح أنا عريب إن كنت مملوكة فليبعني وإن كنت حرة فلا سبيل له علي فرفع خبرها إلى المأمون فأمر بتعديلها عند قتيبة بن زياد القاضي فعدلت عنده وتقدم إليه المراكبي مطالبا بها فسأله البينة على ملكه إياها فعاد متظلما إلى المأمون وقال قد طولبت بما لم يطالب به أحد في رقيق ولا يوجد مثله في يد من ابتاع عبدا أو أمة
وتظلمت إليه زبيدة وقالت من أغلظ ما جرى علي بعد قتل محمد ابني هجوم المراكبي على داري وأخذه عريبا منها
فقال المراكبي إنما أخذت ملكي لأنه لم ينقدني الثمن فأمر المأمون بدفعها إلى محمد بن عمر الواقدي وكان قد ولاه القضاء بالجانب الشرقي فأخذها من قتيبة بن زياد فأمر ببيعها ساذجة فاشتراها المأمون بخمسين ألف درهم فذهبت به كل مذهب ميلا إليها ومحبة لها
قال ابن المعتز ولقد حدثني علي بن يحيى المنجم أن المأمون قبل
(10/76)

في بعض الأيام رجلها قال فلما مات المأمون بيعت في ميراثه ولم يبع له عبد ولا أمة غيرها فاشتراها المعتصم بمائة ألف درهم وأعتقها فهي مولاته
وذكر حماد بن إسحاق عن أبيه أنها لما هربت من دار محمد حين قتل تدلت من قصر الخلد بحبل إلى الطريق وهربت إلى حاتم بن عدي
وأخبرني جحظة عن ميمون بن هارون
أن المأمون اشتراها بخمسة آلاف دينار ودعا بعبد الله بن إسماعيل فدفعها إليه وقال لولا أني حلفت ألا أشتري مملوكا بأكثر من هذا لزدتك ولكني سأوليك عملا تكسب فيه أضعافا لهذا الثمن مضاعفة ورمى إليه بخاتمين من ياقوت أحمر قيمتهما ألف دينار وخلع عليه خلعا سنية فقال يا سيدي إنما ينتفع الأحياء بمثل هذا وأما أنا فإني ميت لا محالة لأن هذه الجارية كانت حياتي وخرج عن حضرته فاختلط وتغير عقله ومات بعد أربعين يوما
قال ابن المعتز فحدثني علي بن يحيى قال حدثني كاتب الفضل بن مروان قال
حدثني إبراهيم بن رباح قال
كنت أتولى نفقات المأمون فوصف له إسحاق بن إبراهيم الموصلي عريب فأمره أن يشتريها فاشتراها بمائة ألف درهم فأمرني المأمون بحملها وأن أحمل إلى إسحاق مائة ألف درهم أخرى ففعلت ذلك ولم أدر كيف أثبتها فحكيت في الديوان أن المائة الألف خرجت في ثمن جوهرة والمائة الألف الأخرى خرجت لصائغها ودلالها فجاء الفضل بن مروان إلى
(10/77)

المأمون وقد رأى ذلك فأنكره وسألني عنه فقلت نعم هو ما رأيت فسأل المأمون عن ذلك وقال أوجب وهب لدلال وصائغ مائة ألف درهم وغلظ القصة فأنكرها المأمون فدعاني ودنوت إليه وأخبرته أن المال الذي خرج في ثمن عريب وصلة إسحاق وقلت أيما أصوب يا أمير المؤمنين ما فعلت أو أثبت في الديوان أنها خرجت في صلة مغن وثمن مغنية فضحك المأمون وقال الذي فعلت أصوب ثم قال للفضل بن مروان يا نبطي لا تعترض على كاتبي هذا في شيء
بعض من أخبارها
وقال ابن المكي حدثني أبي عن نحرير الخادم قال
دخلت يوما قصر الحرم فلمحت عريب جالسة على كرسي ناشرة شعرها تغتسل فسألت عنها فقيل هذه عريب دعا بها سيدها اليوم فافتضها
قال ابن المعتز فأخبرني ابن عبد الملك البصري
أنها لما صارت في دار المأمون احتالت حتى وصلت إلى محمد بن حامد وكانت قد عشقته وكاتبته بصوت قالته ثم احتالت في الخروج إليه وكانت تلقاه في الوقت بعد الوقت حتى حبلت منه وولدت بنتا وبلغ ذلك المأمون فزوجه إياها
وأخبرنا إبراهيم بن القاسم بن زرزور عن أبيه وحدثني به المظفر بن كيغلغ عن القاسم بن زرزور قال
لما وقف المأمون على خبرها مع محمد بن حامد أمر بإلباسها جبة
(10/78)

صوف وختم زيقها وحبسها في كنيف مظلم شهرا لا ترى الضوء يدخل إليها خبز وملح وماء من تحت الباب في كل يوم ثم ذكرها فرق لها وأمر بإخراجها فلما فتح الباب عنها وأخرجت لم تتكلم بكلمة حتى اندفعت تغني
( حجبوه عن بصري فمُثِّل شَخصُه ... في القلب فهْو محجَّبٌ لا يُحَجَبُ )
فبلغ ذلك المأمون فعجب منها وقال لن تصلح هذه أبدا فزوجها إياه
نسبة هذا الصوت
صوت
( لو كان يَقدرُ أن يَبُثَّك ما به ... لرأيتَ أحسن عاتب يتعَتَّبُ )
( حجبوه عن بَصَري فمُثِّل شَخصُه ... في القَلْب فهو مُحجَّب لا يُحجبُ )
الغناء لعريب ثقيل أول بالوسطى
قال ابن المعتز وحدثني لؤلؤ صديق علي بن يحيى المنجم قال حدثني أحمد بن جعفر بن حامد قال
لما توفي عمي محمد بن حامد صار جدي إلى منزله فنظر إلى تركته وجعل يقلب ما خلف ويخرج إليه منها الشيء بعد الشيء إلى أن أخرج إليه سفط مختوم ففض الخاتم وجعل يفتحه فإذا فيه رقاع عريب إليه فجعل يتصفحها ويبتسم فوقعت في يده رقعة فقرأها ووضعها من يده وقام لحاجة فقرأتها فإذا فيها قوله
(10/79)

صوت
( وبلي عليكَ ومِنْكَا ... أوقعت في الحق شَكّا )
( زعمتَ أنّي خئونٌ ... جَوْراً عليّ وإِفْكَا )
( إن كان ما قلتَ حقّا ... أو كنت أزمعتُ تَرْكَا )
( فأبدلَ الله ما بي ... من ذِلَّة الحبّ نُسْكَا )
لعريب في هذه الأبيات رمل وهزج عن الهشامي والشعر لها
قصة بيت من الشعر
قال ابن المعتز وحدثني عبد الوهاب بن عيسى الخراساني عن يعقوب الرخامي قال
كنا مع العباس بن المأمون بالرقة وعلى شرطته هاشم رجل من أهل خراسان فخرج إلي وقال يا أبا يوسف ألقي إليك سرا لثقتي بك وهو عندك أمانة قلت هاته قال كنت واقفا على رأس الأمين وبي حر شديد فخرجت عريب فوقفت معي وهي تنظر في كتاب فما ملكت نفسي أن أومأت إليها بقبلة فقالت كحاشية البرد فوالله ما أدري ما أرادت فقلت قالت لك طعنة
قال وكيف ذاك قلت أرادت قول الشاعر
( رَمَى ضرعَ نابٍ فاستمرّ بطعنةٍ ... كحاشية البُرْد اليمانِي المُسهّم )
وحكى هذه القصة أحمد بن أبي طاهر عن بشر بن زيد عن عبد الله
(10/80)

ابن أيوب بن أبي شمر أنهم كانوا عند المأمون ومعهم محمد بن حامد وعريب تغنيهم فغنت تقول
( رمى ضَرع نابٍ فاستمرّ بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهّم )
فقال لها المأمون من أشار إليك بقبلة فقلت له طعنة فقالت له يا سيدي من يشير إلي بقبلة في مجلسك فقال بحياتي عليك قالت محمد بن حامد فسكت
أحبت أميرا وتزوجت خادما
قال ابن المعتز وحدثني محمد بن موسى قال
اصطبح المأمون يوما ومعه ندماؤه وفيهم محمد بن حامد وجماعة من المغنين وعريب معه على مصلاه فأومأ محمد بن حامد إليها بقبلة فاندفعت تغني ابتداء
( رَمَى ضَرْع نابٍ فاستَمرَّ بطَعْنةٍ ... كحاشية البرد اليمانيّ المسهّم )
تريد بغنائها جواب محمد بن حامد بأن تقول له طعنة فقال لها المأمون أمسكي فأمسكت ثم أقبل على الندماء فقال من فيكم أومأ إلى عريب بقبلة والله لئن لم يصدقني لأضربن عنقه فقام محمد فقال أنا يا أمير المؤمنين أومأت إليها والعفو أقرب للتقوى فقال قد عفوت
فقال كيف استدل أمير المؤمنين على ذلك قال ابتدأت صوتا وهي لا تغني ابتداء إلا لمعنى فعلمت أنها لم تبتدئ بهذا الصوت إلا لشيء أومئ به إليها ولم يكن من شرط هذا الموضع إلا إيماء بقبلة فعلمت أنها أجابت بطعنة
(10/81)

قال ابن المعتز وحدثني علي بن الحسين
أن عريب كانت تتعشق أبا عيسى بن الرشيد وروى غيره أنها كانت لا تضرب المثل إلا بحسن وجه أبي عيسى وحسن غنائه وكانت تزعم أنها ما عشقت أحدا من بني هاشم وأصفته المحبة من الخلفاء وأولادهم سواه
قال ابن المعتز وحدثني بعض جوارينا
أن عريب كانت تتعشق صالحا المنذري الخادم وتزوجته سرا فوجه به المتوكل إلى مكان بعيد في حاجة له فقالت فيه شعرا وصاغت لحنه في خفيف الثقيل وهو
صوت
( أَمَّا الحبيبُ فقد مضى ... بالرغم منّيَ لا الرّضا )
( أخطأت ُ في تركِي لمن ... لم ألق منه مُعَوّضا )
قال فغنته يوما بين يدي المتوكل فاستعاده وجعل جواريه يتغامزن ويضحكن فأصغت إليهن سرا من المتوكل فقالت يا سحاقات هذا خير من عملكن
قال وحدثت عن بعض جواري المتوكل أنها دخلت يوما على عريب فقالت لها تعالي ويحك إلي فجاءت
قال فقالت قبلي هذا الموضع مني فإنك تجدين ريح الجنة فأومأت إلى سالفتها ففعلت ثم قالت لها ما السبب في هذا قالت قبلني صالح المنذري في ذلك الموضع
(10/82)

قال ابن المعتز وأخبرني أبو عبد الله الهشامي قال حدثني حمدون بن إسماعيل قال
حدثني محمد بن يحيى الواثقي قال
قال لي محمد بن حامد ليلة أحب أن تفرغ لي مضربك فإني أريد أن أجيئك فأقيم عندك ففعلت ووافاني فلما جلس جاءت عريب فدخلت
وقد حدثني به جحظة قال حدثني أبو عبد الله بن حمدون
أن عريب زارت محمد بن حامد وجلسا جميعا فجعل يعاتبها ويقول فعلت كذا وفعلت كذا فقالت لي يا محمد هذا عندك رأي ثم أقبلت عليه فقالت يا عاجز خذ بنا فيما نحن فيه وفيما جئنا إليه
وقال جحظة في خبره
اجعل سراويلي مخنقتي وألصق خلخالي بقرطي فإذا كان غد فاكتب إلي بعتابك في طومار حتى أكتب إليك بعذري في ثلاثة ودع هذا الفضول فقد قال الشاعر
صوت
( دَعِي عَدَّ الذّنوب إذا التقينا ... تعاليْ لا أعدُّ ولا تعدِّي )
وتمام هذا قوله
( فأقسِم لو هممت بمدّ شعري ... إلى نار الجحيم لقُلْتِ مُدِّي )
(10/83)

الشعر للمؤمل والغناء لعريب خفيف رمل وفيه لعلوية رمل بالبنصر من رواية عمرو بن بانة
عاشرت ثمانية من الخلفاء
أخبرني أبو يعقوب إسحاق بن الضحاك بن الخصيب قال
حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات قال كنت يوما عند أخي أبي العباس وعنده عريب جالسة على دست مفرد لها وجواريها يغنين بين يدينا وخلف ستارتنا فقلت لأخي وقد جرى ذكر الخلفاء قالت لي عريب ناكني منهم ثمانية ما اشتهيت منهم أحدا إلا المعتز فإنه كان يشبه أبا عيسى بن الرشيد
قال ابن الفرات فأصغيت إلى بعض بني أخي فقلت له فكيف ترى شهوتها الساعة فضحك ولمحته فقالت أي شيء قلتم فجحدتها
فقالت لجواريها أمسكن ففعلن فقالت هن حرائر لئن لم تخبراني بما قلتما لينصرفن جميعا وهن حرائر إن حردت من شيء جرى ولو أنها تسفيل فصدقتها
فقالت وأي شيء في هذا أما الشهوة فبحالها ولكن الآلة قد بطلت أو قالت قد كلت عودوا إلى ما كنتم فيه
شرطان فاحشان
وحدثني الحسن بن علي بن مودة قال حدثني إبراهيم بن أبي العبيس قال حدثنا أبي قال
دخلنا على عريب يوما مسلمين فقالت أقيموا اليوم عندي حتى
(10/84)

أطعمكم لوزينجة صنعتها بدعة بيدها من لوز رطب وما حضر من الوظيفة وأغنيكم أنا وهي قال فقلت لها على شريطة قالت وما هي قلت شيء أريد أن أسألك عنه منذ سنين وأنا أهابك قالت ذاك لك وأنا أقدم الجواب قبل أن تسأل فقد علمت ما هو فعجبت لها وقلت فقولي فقالت تريد أن تسألني عن شرطي أي شرط هو فقلت إي والله ذاك الذي أردت
قالت شرطي أير صلب ونكهة طيبة فإن انضاف إلى ذلك حسن يوصف وجمال يحمد فقد زاد قدره عندي وإلا فهذان ما لا بد لي منهما
وحدثني الحسن بن علي عن محمد بن ذي السيفين إسحاق بن كنداجيق عن أبيه قال
كانت عريب تولع بي وأنا حديث السن فقالت لي يوما يا إسحاق قد بلغني أن عندك دعوة فابعث إلي نصيبي منها قال فاستأنفت طعاما كثيرا وبعثت إليها منه شيئا كثيرا فأقبل رسولي من عندها مسرعا فقال لي لما بلغت إلى بابها وعرفت خبري أمرت بالطعام فأنهب وقد وجهت إليك برسول وهو معي فتحيرت وظننت أنها قد استقصرت فعلي فدخل الخادم ومعه شيء مشدود في منديل ورقعة فقرأتها فإذا فيها بسم الله الرحمن الرحيم يا عجمي يا غبي ظننت أني من الأتراك ووخش الجند فبعثت إلي بخبز ولحم وحلواء الله المستعان عليك يا فدتك نفسي قد وجهت إليك زلة من حضرتي فتعلم ذلك من الأخلاق ونحوه من الأفعال ولا تستعمل أخلاق العامة في رد الظرف فيزداد العيب والعتب عليك إن شاء الله فكشفت المنديل فإذا طبق ومكبة من ذهب منسوج على عمل الخلاف
(10/85)

وفيه زبدية فيها لقمتان من رقاق وقد عصبت طرفيهما وفيها قطعتان من صدر دراج مشوي ونقل وطلع وملح
وانصرف رسولها
تحلم ثلاث مرات في النوم بحبيبها
قال ابن المعتز حدثني الهشامي أبو عبد الله عن رجل ذكره عن علوية قال
أمرني المأمون وسائر المغنين في ليلة من الليالي أن نصير إليه بكرة ليصطبح فغدونا ولقيني المراكبي مولى عريب وهي يومئذ عنده فقال لي يأيها الرجل الظالم المعتدي أما ترق ولا ترحم ولا تستحي عريب هائمة تحلم بك في النوم ثلاث مرات في كل ليلة قال علوية فقلت أم الخلافة زانية
ومضيت معه فحين دخلت قلت استوثق من الباب فإني أعرف خلق الله بفضول البوابين والحجاب وإذا عريب جالسة على كرسي تطبخ وبين يديها ثلاث قدور من دجاج فلما رأتني قامت تعانقني وتقبلني ثم قالت أيما أحب إليك أن تأكل من هذه القدور أو تشتهي شيئا يطبخ لك فقلت بل قدر من هذه تكفينا فغرفت قدرا منها وجعلتها بيني وبينها فأكلنا ودعونا بالنبيذ فجلسنا نشرب حتى سكرنا ثم قالت يا أبا الحسن صنعت البارحة صوتا في شعر لأبي العتاهية فقلت وما هو فقالت هو
( عَذِيري من الإنسان لا إن جفوته ... صَفا لي ولا إن كنت طوعَ يديه )
(10/86)

وقالت لي قد بقي فيه شيء فلم نزل نردده أنا وهي حتى استوى ثم جاء الحجاب فكسروا باب المراكبي واستخرجوني فدخلت على المأمون فلما رأيته أقبلت أمشي إليه برقص وتصفيق وأنا أغني الصوت فسمع وسمع من عنده ما لم يعرفوه واستظرفوه وسألني المأمون عن خبره فشرحته له
فقال لي ادن وردده فرددته عليه سبع مرات فقال في آخر مرة يا علوية
خذ الخلافة واعطني هذا الصاحب
نسبة هذا الصوت
صوت
( عَذِيري من الإنسان لا إن جَفَوتُه ... صفا لي ولا إن كُنتُ طَوعَ يديه )
( وإنّي لمشتاقٌ إلى قُربِ صاحِبٍ ... يَرُوق ويَصْفُو إن كَدرْتُ عليه )
الشعر من الطويل وهو لأبي العتاهية والغناء لعريب خفيف ثقيل أول بالوسطى ونسبه عمرو بن بانة في هذه الطريقة والأصبغ إلى علويه
سبب غضب الواثق والمعتصم عليها
قال ابن المعتز وحدثني القاسم ين زرزور قال حدثتني عريب قالت كنت في أيام محمد ابنة أربع عشرة سنة وأنا حينئذ أصوغ الغناء
قال القاسم وكانت عريب تكايد الواثق فيما يصوغه من الألحان وتصوغ في ذلك الشعر بعينه لحنا فيكون أجود من لحنه فمن ذلك
( لم آتِ عامدةً ذَنْباً إليك بَلَى ... أُقِرّ بالذنب فاعفُ اليوم عن زَللي )
لحنها فيه خفيف ثقيل ولحن الواثق رمل ولحنها أجود من لحنه ومنها
(10/87)

( أشكو إلى الله ما أَلْقَى من الكَمَدِ ... حَسْبِي بِرَبِّي ولا أشكو إلى أحَدِ )
لحنها ولحن الواثق جميعا من الثقيل الأول ولحنها أجود من لحنه
نسبة هذين الصوتين
صوت
( لم آتِ عامدةً ذنباً إليك بلى ... أُقِرُّ بالذّنب فاعفُ اليوم عن زللي )
( فالصّفح من سَيّدٍ أولى لمُعتَذرٍ ... وقاك رَبُّك يوم الخوفِ والوَجَلِ )
الغناء للواثق رمل ولعريب خفيف ثقيل وذكر ذكاء وجه الرزة أن لطالب ابن يزداد فيه هزجا مطلقا
صوت
( أشكو إلى الله ما ألقَى من الكَمَد ... حَسْبي بربي ولا أشكُو إلى أحد )
( أين الزمان الذي قد كنت ناعمةً ... في ظِلّه بدنُوّي منك يا سَندي )
( وأسأَلُ الله يوما منك يُفْرِحني ... فقد كحلتُ جفونُ العين بالسَّهَد )
( شوقا إليك وما تدري بما لقيت ... نفسي عليك وما بالقلب من كمد )
الغناء لعريب ثقيل أول بالوسطى وللواثق ثقيل أول بالبنصر
قال ابن المعتز وكان سبب انحراف الواثق عنها
وكيادها إياه وانحراف المعتصم عنها أنه وجد لها كتابا إلى العباس بن المأمون ببلد الروم اقتل أنت العلج ثم حتى أقتل أنا الأعور الليلي ها هنا
تعني الواثق وكان يسهر بالليل وكان المعتصم استخلفه ببغداد
قال وحدثني أبو العبيس بن حمدون قال
(10/88)

غضبت عريب على بعض جواريها المذكورات وسماها لي فجئت إليها يوما وسألتها أن تعفو عنها فقالت في بعض ما تقوله مما تعتد به عليها من ذنوبها يا أبا العبيس إن كنت تشتهي أن ترى زناي وصفاقة وجهي وجراءتي على كل عظيمة أيام شبابي فانظر إليها واعرف أخبارها
أجادت ركوب الخيل
قال ابن المعتز وحدثني القاسم بن زرزور قال حدثني المعتمد قال
حدثتني عريب أنها كانت في شبابها يقدم إليها برذون فتطفر عليه بلا ركاب
قال وحدثني الأسدي قال حدثني صالح بن علي بن الرشيد المعروف بزعفرانة قال
تمارى خالي أبو علي مع المأمون في صوت فقال المأمون أين عريب فجاءت وهي محمومة فسألها عن الصوت فقالت فيه بعلمها فقال لها غنيه فولت لتجيء بعود فقال لها غنيه بغير عود فاعتمدت على الحائط للحمى وغنت فأقبلت عقرب فرأيتها قد لسعت يدها مرتين أو ثلاثا فما نحت يدها ولا سكتت حتى فرغت من الصوت ثم سقطت وقد غشي عليها
قال ابن المعتز وحدثني أبو العباس بن الفرات قال
(10/89)

قالت لي تحفة جارية عريب كانت عريب تجد في رأسها بردا فكانت تغلف شعرها مكان العلة بستين مثقالا مسكا وعنبرا وتغسله من جمعة إلى جمعة فإذا غسلته أعادته وتتقسم الجواري غسالة رأسها بالقوارير وما تسرحه منه بالميزان
حدثني أحمد بن جعفر جحظة عن علي بن يحيى المنجم قال
دخلت يوما على عريب مسلما عليها فلما اطمأننت جالسا هطلت السماء بمطر عظيم فقالت أقم عندي اليوم حتى أغنيك أنا وجواري وابعث إلي من أحببت من إخوانك فأمرت بدوابي فردت وجلسنا نتحدث فسألتني عن خبرنا بالأمس في مجلس الخليفة ومن كان يغنينا وأي شيء استحسنا من الغناء فأخبرتها أن صوت الخليفة كان لحنا صنعه بنان من الماخوري فقالت وما هو فأخبرتها أنه
صوت
( تُجافِي ثم تَنطَبِقُ ... جفونٌ حَشوُها الأرقُ )
( وذي كَلَفٍ بكى جَزَعاً ... وسَفْرُ القوم مُنطلِقُ )
( به قَلَقٌ يُمَلْمِلُه ... وكان وما به قَلَقُ )
( جوانحُهُ على خَطَرٍ ... بِنارِ الشَّوق تَحترِقُ )
فوجهت رسولا إلى بنان فحضر من وقته وقد بلته السماء فأمرت بخلع فاخرة فخلعت عليه وقدم له طعام فاخر فأكل وجلس يشرب معنا وسألته عن الصوت فغناها إياه فأخذت دواة ورقعة وكتبت فيها
( أجاب الوابِلُ الغَدِقُ ... وصاح النّرجس الغَرقُ )
(10/90)

( وقد غنّى بنان لنَا ... جُفونٌ حَشوُها الأَرقُ )
( فهاتِ الكأسَ مُترعةً ... كَأنَّ حُبابَها حدَقْ )
قال علي بن يحيى فما شربنا بقية يومنا إلا على هذه الأبيات
ترد على من دعاها برموز
حدثني محمد بن خلف بن المرزبان عن عبد الله بن محمد المروزي قال
قال لي الفضل بن العباس بن المأمون زارتني عريب يوما ومعها عدة من جواريها فوافتنا ونحن على شرابنا فتحادثنا ساعة وسألتها أن تقيم عندي فأبت وقالت دعاني جماعة من إخواني من أهل الأدب والظرف وهم مجتمعون في جزيرة المؤيد فيهم إبراهيم بن المدبر وسعيد بن حميد ويحيى بن عيسى بن منارة وقد عزمت على المسير إليهم فحلفت عليها فأقامت عندنا ودعت بداوة وقرطاس فكتبت
بسم الله الرحمن الرحيم وكتبت بعد ذلك في سطر واحد ثلاثة أحرف متفرقة لم تزد عليها وهي
أردت ولولا ولعلي
ووجهت به إليهم فلما وصلت الرقعة عيوا بجوابها فأخذ إبراهيم بن المدبر الرقعة فكتب تحت أردت ليت وتحت لولا ماذا وتحت لعلي
(10/91)

أرجو ووجهوا بالرقعة فصفقت ونعرت وشربت رطلا وقالت لنا أأترك هؤلاء وأقعد عندكم إذا تركني الله من يديه ولكني أخلف عندكم من جواري من يكفيكم وأقوم إليهم ففعلت ذلك وخلفت عندنا بعض جواريها وأخذت معها بعضهن وانصرفت
أخبرنا محمد بن خلف عن سعيد بن عثمان بن أبي العلاء عن أبيه قال
عتب المأمون على عريب فهجرها أياما ثم اعتلت فعادها فقال لها كيف وجدت طعم الهجر فقالت يا أمير المؤمنين لولا مرارة الهجر ما عرفت حلاوة الوصل ومن ذم بدء الغضب أحمد عاقبة الرضا قال فخرج المأمون إلى جلسائه فحدثهم بالقصة ثم قال أترى هذا لو كان من كلام النظام ألم يكن كبيرا
هجرت المأمون أياما لأنها غضبت منه
حدثني محمد بن خلف عن أبي العيناء عن أحمد بن أبي دؤاد قال
جرى بين عريب وبين المأمون كلام فكلمها المأمون بشيء غضبت منه فهجرته أياما قال أحمد بن أبي داود فدخلت على المأمون فقال لي
(10/92)

يا أحمد اقض بيننا فقالت عريب لا حاجة لي في قضائه ودخوله فيما بيننا وأنشأت تقول
( وتخلِط الهجرَ بالوصال ولا ... يدْخُل في الصُّلح بَينَنا أَحدُ )
حدثني محمد بن خلف قال حدثني محمد بن عبد الرحمن عن أحمد بن حمدون عن أبيه قال
كنت حاضرا مجلس المأمون ببلاد الروم بعد صلاة العشاء الآخرة في ليلة ظلماء ذات رعود وبروق فقال لي المأمون اركب الساعة فرس النوبة وسر إلى عسكر أبي إسحاق يعني المعتصم فأد إليه رسالتي في كيت وكيت قال فركبت ولم تثبت معي شمعة وسمعت وقع حافر دابة فرهبت ذلك وجعلت أتوقاه حتى صك ركابي ركاب تلك الدابة وبرقت بارقة فأضاءت وجه الراكب فإذا عريب فقلت عريب قالت نعم حمدون قلت نعم
ثم قلت من أين أقبلت في هذا الوقت قالت من عند محمد ابن حامد قلت وما صنعت عنده قالت عريب ياتكش عريب تجيء من عند محمد بن حامد في هذا الوقت خارجة من مضرب الخليفة وراجعة إليه تقول لها أي شيء عملت عنده صليت معه التراويح أوقرأت عليه أجزاء من القرآن أو دارسته شيئا من الفقه يا أحمق تعاتبنا وتحادثنا واصطلحنا ولعبنا وشربنا وغنينا وتنايكنا وانصرفنا فأخجلتني وغاظتني وافترقنا ومضيت فأديت الرسالة ثم عدت إلى المأمون وأخذنا في الحديث وتناشد الأشعار وهممت والله أن أحدثه حديثها ثم هبته فقلت أقدم قبل ذلك تعريضا بشيء من الشعر فأنشدته
(10/93)

( ألا حيِّ أطلالاً لواسعة الحبل ... أَلوفٍ تسوّي صالح القوم بالرَّذْل )
( فلو أَن من أَمسَى بجانب تلعَة ... إلى جبليْ طيٍّ فساقطة الحَبْلِ )
( جلوس إلى أَن يَقْصر الظّلّ عندها ... لراحوا وكُلّ القوم منها على وصْل )
فقال لي المأمون اخفض صوتك لا تسمعك عريب فتغضب وتظن أنا في حديثها فأمسكت عما أردت أن أخبره وخار الله لي في ذلك
حدثني محمد بن أحمد الحكيمي قال أخبرني ميمون بن هارون قال قال لي ابن اليزيدي
حدثني أبي قال خرجنا مع المأمون في خروجه إلى بلد الروم فرأيت عريب في هودج فلما رأتني قالت لي يا يزيدي أنشدني شعرا قلته حتى أصنع فيه لحنا فأنشدتها
( ماذا بقلبي من دوامِ الخفْق ... إذَا رأَيتُ لمعانَ البَرْقِ )
( من قِبَل الأردُنِّ أو دِمشْق ... لأَنّ من أَهوَى بذاك الأفْق )
( فإنّ فيه وهو أَعزّ الخَلْق ... عليّ والزّورُ خلاف الحقّ )
( ذاك الذي يَملِك بني رِقِّي ... ولست أَبغِي ما حَييتُ عِتْقِي )
قال فتنفست تنفسا ظننت أن ضلوعها قد تقصفت منه فقلت هذا والله تنفس أعشق فقالت اسكت يا عاجز أنا عاشق والله لقد نظرت نظرة مريبة في مجلس فادعاها من أهل المجلس عشرون رئيسا طريفا
شعر لعباس بن الأحنف يصلح بينها وبين حبيبها
حدثني محمد بن خلف قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثني أحمد بن حمدون قال
(10/94)

وقع بين عريب وبين محمد بن حامد شر وكان يجد بها الوجد كله فكادا يخرجان من شرهما إلى القطيعة وكان في قلبها منه أكثر مما في قلبه منها فلقيته يوما فقالت له كيف قلبك يا محمد قال
أشقى والله ما كان وأقرحه فقالت له استبدل تسل فقال لها لو كانت البلوى باختيار لفعلت فقالت لقد طال إذا تعبك فقال وما يكون أصبر مكرها أما سمعت قول العباس بن الأحنف
( تَعَبٌ يطول مع الرجاء بذي الهَوى ... خَيرٌ له من رَاحةٍ في الياسِ )
( لولا كرامتُكم لما عاتَبتكُم ... ولكنتُمُ عندي كبَعْضِ النّاسِ )
قال فذرفت عيناها واعتذرت إليه وأعتبته واصطلحا وعادا إلى أفضل ما كانا عليه
اختلاف في تقييم فنها
حدثني أحمد بن جعفر جحظة قال قال لي أبو العباس بن حمدون وقد تجاذبنا غناء عريب ليس غناؤها مما يعتد بكثرته لأن سقطه كثير وصنعتها ساذجة فقلت له ومن يعرف في الناس كلهم من مغني الدولة العباسية سلمت صنعته كلها حتى تكون مثله ثم جعلت أعد ما أعرفه من جيد صنعتها ومتقدمها وهو يعترف بذلك حتى عددت نحوا من مائة صوت مثل لحنها في
( يا عزّ هل لك في شيخٍ فتًى أبدا ... )
(10/95)

و
( سيسليك عما فات دولةَ مفضل ... ) و
( صاح قد لمت ظالما ... ) و
( وضحك الزمان وأشرقت ... )
ونحو هذا ثم قال لي ما خلفت عريب بعدها امرأة مثلها في الغناء والرواية والصنعة فقلت له لا ولا كثيرا من الرجال أيضا
ولعريب في صنعتها
( يا عزّ هل لكِ في شيخٍ فتى أبدا ... )
خبر أخبرني ببعضه أحمد بن عبيد الله بن عمار عن ميمون بن هارون
وذكر ابن المعتز أن عبد الواحد بن إبراهيم بن الخصيب حدثه عمن يثق به عن أحمد بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي قال
قالت لي عريب حج بي أبوك وكان مضعوفا فكان عديلي وكنت في طريقي أطلب الأعراب فأستنشدهم الأشعار وأكتب عنهم النوادر وسائر ما أسمعه منهم فوقف شيخ من الأعراب علينا يسأل فاستنشدته فأنشدني
( يا عزّ هل لك في شيخ فَتًى أبدا ... وقد يكون شَبابٌ غَيرُ فِتيان )
فاستحسنته ولم أكن سمعته قبل ذلك قلت فأنشدني باقي الشعر فقال لي هو يتيم فاستحسنت قوله وبررته وحفظت البيت وغنيت فيه صوتا من الثقيل الأول ومولاي لا يعلم بذلك لضعفه
فلما كان في ذلك اليوم عشيا قال لي ما كان أحسن ذلك البيت الذي أنشدك إياه الأعرابي وقال لك إنه يتيم
أنشدينيه إن كنت حفظته فأنشدته إياه وأعلمته أني قد غنيت فيه ثم غنيته له فوهب لي ألف درهم بهذا السبب وفرح بالصوت فرحا شديدا
قال ابن المعتز قال ابن الخصيب
فحدثني هذا المحدث أنه قد حضر بعد ذلك بمجلس أبي عيسى بن المتوكل
(10/96)

ومن ها هنا تتصل رواية ابن عمار عن ميمون وقد جمعت الروايتين إلا أن ميمون بن هارون ذكر أنهم كانوا عند جعفر بن المأمون وعندهم أبو عيسى وكان عندهم علي ابن يحيى وبدعة جارية عريب تغنيهم فذكر علي بن يحيى أن الصنعة فيه لغير عريب وذكر أنها لا تدعي هذا وكابر فيه فقام جعفر بن المأمون فكتب رقعة إلى عريب ونحن لا نعلم يسألها عن أمر الصوت وأن تكتب إليه بالقصة ففعلت فكتبت إليه بخطها
بسم الله الرحمن الرحيم
( هَنِيًّا لأرباب البيوت بُيوتُهم ... وللعَزَب المسكين ما يَتَلمَّسُ )
أنا المسكينة وحيدة فريدة بغير مؤنس وأنتم فيما أنتم وقد أخذتم أنسي ومن كان يلهيني تعني جاريتيها بدعة وتحفة فأنتم في القصف والعزف وأنا في خلاف ذلك هناكم الله وأبقاكم وسألت مد الله في عمرك عما اعترض فيه فلان والقصة في هذا الصوت كذا وكذا وقصت قصتها مع الأعرابي كما حدثت به ولم تخرم حرفا منها فجاء الجواب إلى جعفر بن المأمون فقرأه وضحك ثم رمى به إلى أبي عيسى ورمى به أبو عيسى إلي وقال اقرأه وكان علي بن يحيى جالسا إلى جنبي فأراد أن يستلب الرقعة فمنعته وقمت ناحية فقرأتها فأنكر ذلك وقال ما هذا فورينا الأمر عنه لئلا تقع عربدة وكان عفا الله عنا وعنه مبغضا لها
تعرف خبر صوت لا يعرفه أحد على وجه الأرض
قال ابن المعتز وحدثني أبو الخطاب العباس بن أحمد بن الفرات قال حدثني أبي قال
كنا يوما عند جعفر بن المأمون نشرب وعريب حاضرة إذ غنى بعض من كان هناك
(10/97)

( يا بدرُ إنّك قد كُسِيت مشابِهاً ... من وجه ذاك المستنيرِ اللاّئحِ )
( وأَراك تمصَح بالمحاق وحسنُها ... باقٍ على الأيام ليس ببارح )
فضحكت عريب وصفقت وقالت ما على وجه الأرض أحد يعرف خبر هذا الصوت غيري فلم يقدم أحد منا على مسألتها عنه غيري فسألتها فقالت أنا أخبركم بقصته ولولا أن صاحب القصة قد مات لما أخبرتكم إن أبا محلم قدم بغداد فنزل بقرب دار صالح المسكين في خان هناك فاطلعت أم محمد ابنة صالح يوما فرأته يبول فأعجبها متاعه وأحبت مواصلته فجعلت لذلك علة بأن وجهت إليه تقترض منه مالا وتعلمه أنها في ضيقة وأنها ترده إليه بعد جمعة فبعث إليها عشرة آلاف درهم وحلف أنه لو ملك غيرها لبعث به فاستحسنت ذلك وواصلته وجعلت القرض سببا للوصلة فكانت تدخله إليها ليلا وكنت أنا أغني لهم فشربنا ليلة في القمر وجعل أبو محلم ينظر إليه ثم دعا بدواة ورقعة وكتب فيها قوله
( يا بدرُ إنك قد كُسِيتَ مشابها ... من وَجْهِ أُمّ محمد ابنةِ صَالحَ )
والبيت الآخر وقال لي غني فيه ففعلت واستحسناه وشربنا عليه فقالت لي أم محمد في آخر المجلس يا أختي قد تنبلت في هذا الشعر إلا أنه سيبقى علي فضيحة آخر الدهر فقال أبو محلم وأنا أغيره فجعل مكان أم محمد ابنة صالح
( ذاك المستنير الائح ... )
وغنيته كما غيره وأخذه الناس عني ولو كانت أم محمد حية لما أخبرتكم بالخبر
فأما نسبة هذا الصوت
فإن الشعر لأبي محلم النسابة والغناء لعريب ثقيل أول مطلق في مجرى
(10/98)

الوسطى من رواية الهشامي وغيره وأبو محلم اسمه عوف بن محلم
كتبت إلى حبيبها تستزيره
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي عن ميمون بن هارون قال
كتبت عريب إلى محمد بن حامد الذي كانت تهواه تستزيره فكتب إليها إني أخاف على نفسي فكتبت إليه
صوت
( إذا كنتَ تحذرُ ما تحذرُ ... وتزعُم أنك لا تَجسُرُ )
( فمالي أُقيِمُ على صَبْوَتي ... ويَومُ لِقائِك لا يُقدَرُ )
فصار إليها من وقته
لعريب في هذين البيتين وبيتين آخرين بعدهما لم يذكرا في الخبر رمل ولشارية خفيف رمل جمعا من رواية ابن المعتز والبيتان الآخران
( تبيَّنتَ عذري وما تَعذِر ... وأبليتَ جسمي وما تشعرُ )
( ألِفْتَ السُّرورَ وخَلَّيْتَني ... ودَمْعِي من العين ما يَفترُ )
وذكر ميمون في هذا الخبر أن محمد بن حامد كتب إليها يعاتبها في شيء كرهه فكتبت إليه تعتذر فلم يقبل فكتبت إليه بهذين البيتين الآخرين اللذين ذكرتهما بعد نسبة هذا الصوت
صوت
( أَحببتُ من شعر بَشّار لحبكمُ ... بَيْتا كلِفت به من شِعْرِ بَشّار )
(10/99)

( يا رحمةَ اللّهِ حُلِّي في مَنازِلنا ... وجاوِرِينا فدَتْكِ النَّفسُ من جارِ )
( إذا ابتهلتُ سألتُ اللَّهَ رحمتَه ... كنيتُ عنك وما يَعدُوك إضماري )
الشعر لأبي نواس منه البيت الأول والثاني لبشار ضمنه أبو نواس والغناء لعريب ثقيل أول بالبنصر ولعمرو بن بانة في الثاني والثالث رمل
وهذا الشعر يقوله أبو نواس في رحمة ابن نجاح عم نجاح بن سلمة الكاتب
أخبرني بخبره علي بن سليمان الأخفش عن محمد بن يزيد النحوي قال
كان بشار يشبب بامرأة يقال لها رحمة وكان أبو نواس يتعشق غلاما اسمه رحمة بن نجاح عم نجاح بن سلمة الكاتب وكان متقدما في جماله وكان أبوه قد ألزمه وأخاه رجلا مدنيا وكان معهم كأحدهم وأكثر أبو نواس التشبيب برحمة في إقامته ببغداد وشخوصه عنها وكان بشار قد قال في رحمة المرأة التي يهواها
( يا رحمةَ اللّه حُلّي في منازلنا ... حَسْبي برائحة الفِرْدَوْس من فِيك )
( يا أطيبَ الناسِ ريقاً غيرَ مُخْتَبَرٍ ... إلا شِهادةَ أطرافِ المساويكِ )
فقال أبو نواس وضمن بيت بشار
( أحببت من شعر بشار لُحبِّكم ... بَيْتا كَلِفْت به من شِعْر بَشّار )
الأبيات الثلاثة
وقال فيه
( يا مَن تأهّب مُزمعاً لِرواحَ ... مُتَيَمّما بغدادَ غيرَ مُلاحِ )
( في بَطْن جَارية كَفَتْك بسَيْرها ... رَمَلاً وكلَّ سِباحة السَّبّاح )
( بُنيت على قَدَرٍ ولاءم بينها ... صِنْفان من قارٍ ومن ألواحِ )
(10/100)

( وكأنها والماء ينضح صدرَها ... والخَيزُرانة في يَدِ الملاَّحِ )
( جُونٌ من الغِربان يبتدر الدّجى ... يَهْوِي بصَوْتٍ واصطِفاقِ جَناحِ )
( سلّم على شاطئ الصّراة وأهلِها ... واخصُص هناك مَدِينةَ الوَضَّاح )
( واقصدْ هُديت ولا تكن متحيّرا ... في مقصِدٍ عن ظَبْي آل نَجاحِ )
( عن رحمة الرحمن واسأل مَنْ ترى ... سِيماه سيما شارِب للرّاح )
( فإذا دُفِعْتَ إلى أغنَّ وألثغٍ ... ومُنَعَّم ومُكَحَّل ورَداح )
( وكشَمْسِنا وكبدرنا حاشى التي ... سَمَّيْتَها منه بنَوْر أَقاحي )
( فاقصِد لوقت لِقائه في خَلْوة ... لِتَبوح عني ثَمَّ كلّ مباحِ )
( واخبرْ بما أحبَبْت عن حالي التي ... ممسَايَ فيها واحدٌ وصبَاحِي )
قال فافتدى أبو رحمة من أبي نواس ذكر ابنه بأن عقد بينه وبينه حرمة ودعاه إلى منزله فجاءه أبو نواس والمديني لا يعرفه فمازحه مزاحا أسرف عليه فيه فقام إليه رحمة فعرفه أنه أبو نواس فأشفق المديني من ذلك وخاف أن يهجوه ويشهر اسمه فسأل رحمة أن يكلمه في الصفح له والإغضاء عن الانتقام فأجابه أبو نواس وقال
( اذهبْ سلمتَ من الهجاء ولذعِه ... وأَمَا ولَثغةِ رحمةَ بنِ نجاح )
( لولا فُتورٌ في كلامك يُشتَهى ... وتَرفُّقِي لك بعدُ واستِملاحِي )
( وَتكَسُّرٌ في مقلتيك هو الذي ... عَطَف الفُؤاد عليكَ بعد جِماح )
(10/101)

( لعَلِمت أنك لا تمازِح شاعِراً ... في ساعةٍ ليست بحينِ مُزاحِ )
صوت
( أَأبكاك بالعُرُف المنزلُ ... وما أنت والطَّلَلُ المُحولُ )
( وما أنتَ ويْك ورسمُ الدّيَارِ ... وسِنُّك قد قاربت تَكمُلُ )
عروضه من المتقارب والشعر للكميت بن زيد الأسدي والغناء لمعقل بن عيسى أخي أبي دلف العجلي ولحنه من الثقيل الأول بالبنصر وهذان البيتان من قصيدة مدح الكميت بهما عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاصي بن أمية
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني الحسن بن عليل العنزي عن علي بن هشام عن محمد بن عبد الأعلى بن كناسة قال
كان بين بني أسد وبين طيء بالحص وهي قريبة من قادسية الكوفة حرب فاصطلحوا وبقي لطيء دماء رجلين فاحتمل ذلك رجل من بني أسد فمات قبل أن يؤديه فاحتمله الكميت بن زيد فأعانه فيه عبد الرحمن بن عنبسة فمدحه بقوله
( أَأبكاك بالعُرُفِ المنزلُ ... وما أنت والطّلل المحوِلُ )
فأعانه الحكم بن الصلت الثقفي فمدحه بقصيدته التي أولها
( رأيت الغوانيَ وحشا نَفُورا ... )
وأعانه زياد بن المغفل الأسدي فمدحه بقصيدته التي أولها
(10/102)

( هل للشباب الذي قد فات من طلب ... )
ثم جلس الكميت وقد خرج العطاء فأقبل الرجل يعطي الكميت المائتين والثلاث المائة وأكثر وأقل قال وكانت دية الأعاربي حينئذ ألف بعير ودية الحضري عشرة آلاف درهم وكانت قيمة الجمل عشرة دراهم فأدى الكميت عشرين ألفا عن قيمة ألفي بعير
نسبة ما في أشعار الكميت هذه من الأغاني
صوت
منها
( هل للشباب الذي قد فات من طلبِ ... أم ليس غابرُه الماضي بمُنقلبِ )
( دَعِ البكاء على ما فات من طلب ... فالدّهر يأتي بألوان من العَجبِ )
غناه إبراهيم الموصلي خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى من رواية إسحاق
(10/103)

ذكر معقل بن عيسى
كان شاعرا ومغنيا
كان معقل بن عيسى فارسا شاعرا جوادا مغنيا فهما بالنغم والوتر وذكره الجاحظ مع ذكر أخيه أبي دلف وتقريظه في المعرفة بالنغم وقال إنه من أحسن أهل زمانه وأجود طبقته صنعة إذ سلم ذلك له أخوه معقل وإنما أخمل ذكره ارتفاع شأن أخيه وهو القائل لأبي دلف في عتب عتبه عليه
( أُخَيَّ مالكَ ترميني فتُقصِدَني ... وإن رَمَيتُك سهماً لم يجزْ كبدِي )
( أُخيَّ مالَكَ مجبولاً على تِرتي ... كأن أجسادنا لم تُغْذَ من جسدِ )
وهو القائل لمخارق وقد كان زار أبا دلف إلى الجبل ثم رجع إلى العراق أخبرني بذلك علي بن سليمان الأخفش عن أبي سعيد السكري
صوت
( لعمري لئن قَرَّتْ بقُربك أعينٌ ... لقد سَخِنت بالبَيْن منك عُيونُ )
(10/104)

( فَسِرْ أو أقِم وقفٌ عليك محبَّتي ... مكانُك من قلبي عليك مَصونُ )
( فما أوحشَ الدنيا إذا كنتَ نازحاً ... وما أحسنَ الدنيا بحيثُ تكونُ )
عروضه من الطويل والشعر لمعقل بن عيسى والغناء لمخارق ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى وفيه لحن لمعقل بن عيسى خفيف رمل وفيه ثاني ثقيل يقال إنه لمخارق ويقال إنه لمعقل
ومن شعر معقل قوله يمتدح المعتصم وفيه غناء للزبير بن دحمان من الثقيل الأول بالبنصر
صوت
( الدارُ هاجك رسمُها وطلولُها ... أم بَيْنُ سُعْدَى يوم جَدَّ رحِيلُها )
( كُلٌّ شجاك فقل لعينك أَعوِلي ... إن كان يُغنِي في الديار عَوِيلُها )
( ومحمدٌ زينُ الخَلائِف والذي ... سَنَّ المكارمَ فاستَبان سَبِيلُها )
صوت
( أليسَ إلى أجبال شمخٍ إلى اللّوى ... لِوَى الرَّمل يوما للنُّفوس مَعادُ )
( بِلادٌ بها كُنّا وكنا مِنَ أهلِها ... إذِ النّاسُ ناسٌ والبلادُ بلادُ )
الشعر لرجل من عاد فيما ذكروا والغناء لابن محرز ولحنه من الثقيل الأول بالبنصر عن ابن المكي وقيل إنه من منحوله إليه
أخبرني ابن عمار عن أبي سعد عن محمد بن الصباح قال حدثنا يحيى بن سلمة بن أبي الأشهب التيمي عن الهيثم بن عدي قال أخبرني حماد الراوية قال
حدثني ابن أخت لنا من مراد قال وليت صدقات قوم من العرب فبينا أنا أقسمها في أهلها إذ قال لي رجل منهم ألا أريك عجبا قلت بلى فأدخلني في
(10/105)

شعب من جبل فإذا أنا بسهم من سهام عاد من فتى قد نشب في ذروة الشعب وإذا على الجبل تجاهي مكتوب
( ألا هَلْ إلى أبياتِ شمخ إلى اللّوى ... لِوى الرّمل يوماً للنفوس معادُ )
( بلاد بها كُنَّا وكنا مِنَ أهلها ... اذِ النّاسُ ناسٌ والبلاد بلادُ )
ثم أخرجني إلى ساحل البحر وإذا أنا بحجر يعلوه الماء طورا ويظهر تارة وإذا عليه مكتوب يا بن آدم يا بن عبد ربه اتق الله ولا تعجل في أمرك فإنك لن تسبق رزقك ولن ترزق ما ليس لك ومن البصرة إلى الديل ستمائة فرسخ فمن لم يصدق بذلك فليمش الطريق على الساحل حتى يتحققه فإن لم يقدر على ذلك فلينطح برأسه هذا الحجر
صوت
( يا بيت عاتكَة الذي أتعَزَّل ... حَذَر العِدا وبه الفُؤادُ موكَّلُ )
( إني لأمنحُكَ الصّدودَ وإنني ... قَسماً إليك مع الصّدود لأميَلُ )
أتعزله أتجنبه وأكون بمعزل عنه
العدا جمع عدو ويقال عدا بالضم وعدا بالكسر وأمنحك أعطيك
والمنيحة العطية
وفي الحديث أن رجلا منح بعض ولده شيئا من ماله فقال له النبي أكل ولدك منحت مثل هذا قال لا قال فارجعه
الشعر للأحوص بن محمد الأنصاري من قصيدة يمدح بها عمر بن عبد العزيز الغناء لمعبد ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق ويونس وغيرهما وفيه لابن سريج خفيف ثقيل الأول بالبنصر عن الهشامي وابن المكي وعلي بن يحيى
(10/106)

الأحوص وبعض أخباره
سرق أبيات سليمان بأعيانها وأدخلها في شعره وغير قوافيها فقط
أخبرني بخبر الأحوص في هذا الشعر الحرمي عن الزبير قال حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي وأخبرنا به الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن مصعب الزبيري عن المؤملي عن عمر بن أبي بكر الموصلي عن عبد الله بن أبي عبيدة بن عمار بن ياسر قال
خرجت أنا والأحوص بن محمد مع عبد الله بن الحسن بن الحسن إلى الحج فلما كنا بقديد قلنا لعبد الله بن الحسن لو أرسلت إلى سليمان بن أبي دباكل فأنشدنا شيئا من شعره فأرسل إليه فأتانا فاستنشدناه فأنشدنا قصيدته التي يقول فيها
( يا بيتَ خَنْساءَ الذي أتجنَّب ... ذهب الشباب وحُبُّها لا يَذْهب )
( أصبحت أمنَحُكِ الصدودَ وإنّني ... قَسماً إليك مع الصّدود لأجنُبُ )
( ما لي أحنّ إلى جِمالِك قُرِّبت ... وأصُدُّ عنك وأنت مِنّيَ أقربُ )
( لله درُّك هل لديك مُعوَّلٌ ... لمتَيَّم أم هل لوُدّك مَطلبُ )
(10/107)

( فلقد رأيتك قبل ذاكَ وإنني ... لمُوكَّل بهواك أو مُتَقَرّب )
( إذ نحن في الزمن الرخيّ وأنتُم ... متجاورون كلامُكم لا يُرقَبُ )
( تبكي الحمامةُ شَجوها فتَهِيجُني ... ويروح عازبُ همِّيَ المتأوِّبُ )
( وتَهبُّ جاريةُ الرياح مِنَ أرضكم ... فأرى البلاد لها تُطِلُّ وتُخصِب )
( وأرى السّمية باسمكم فيزيدُني ... شوقاً إليك رجاؤك المُتَنسّبُ )
( وأرى العدوَّ يودّكم فأودّه ... إن كان يُنسب منك أو لا يُنسبُ )
( وأُخالِف الوَاشِينَ فيك تجمُّلا ... وهُم عليَّ ذَوُو ضغائِن دُؤَّبُ )
( ثم اتخذتِهم عليَّ وَليجةً ... حتى غَضِبت ومثلُ ذلك يُغضِبُ )
قال فلما كان من قابل حج أبو بكر بن عبد العزيز بن مروان فقدم المدينة فدخل عليه الأحوص واستصحبه فأصحبه فلما خرج الأحوص قال له بعض من عنده ماذا تريد بنفسك تقدم بالأحوص الشام وبها من ينافسك من بني أبيك وهو من الأفن والسفه على ما قد علمت فيعيبونك به
فلما رجع أبو بكر من الحج دخل عليه الأحوص متنجزا لما وعده من الصحابة فدعا له بمائة دينار وأثواب وقال يا خال إني نظرت فيما سألتني من الصحابة فكرهت أن أهجم بك على أمير المؤمنين من غير إذنه فيجبهك فيشمت بك عدوي من أهل بيتي ولكن خذ هذه الثياب والدنانير وأنا مستأذن لك أمير المؤمنين فإذا أذن لك كتبت إليك فقدمت علي فقال له الأحوص لا ولكن قد سبعت عندك ولا حاجة لي بعطيتك ثم خرج من عنده فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز فأرسل إلى الأحوص وهو يومئذ أمير المدينة فلما دخل عليه أعطاه مائة دينار وكساه ثيابا فأخذ ذلك ثم قال له
(10/108)

يا أخي هب لي عرض أبي بكر قال هو لك ثم خرج الأحوص فقال في عروض قصيدة سليمان بن أبي دباكل قصيدة مدح بها عمر بن عبد العزيز
وقال حماد قال أبي سرق أبيات سليمان بأعيانها فأدخلها في شعره وغير قوافيها فقط فقال
( يا بيتَ عاتكة الذي أتعزَّل ... حذَر العِدَا وبه الفؤاد موكَّل )
( أصبحتُ أمنحُك الصّدودَ وإنَّني ... قسَماً إليك مع الصّدود لأَمْيَل )
( فصددتُ عنك وما صددتُ لِبغْضةٍ ... أخشى مقالةَ كاشحٍ لا يَعْقِلُ )
( هل عيشُنا بك في زمانك راجعٌ ... فلقد تفاحش بعدك المتعلّل )
( إني إذا قُلتُ استقام يحُطُّه ... خُلْفٌ كما نظر الخِلافَ الأقبَلُ )
( لو بالّذي عالجت ليِنَ فؤاده ... فأبَى يُلانُ بِه لَلانَ الْجَنْدلُ )
( وتَجنُّبي بَيتَ الحبيبِ أودُّه ... أُرضِي البغيضَ به حديثٌ مُعْضِلُ )
( ولئن صددتُ لأنتِ لولا رِقبتي ... أهوَى من اللائي أزورُ وأدْخُل )
( إنّ الشَّبابَ وعيشَنا اللذَّ الذي ... كُنَّا به زمنا نُسرُّ ونَجذَلُ )
( ذهبت بشاشتُه وأَصبَح ذكرُه ... حُزْنا يُعلُّ به الفؤاد وينهلُ )
( إلاَّ تَذَكُّرَ ما مضى وصبابة ... مُنِيَتْ لقلْب متيَّمٍ لا يَذْهلُ )
( أودَى الشبابُ وأخلقَتْ لذَّاتُه ... وأنا الحزِينُ على الشباب المُعْوِلُ )
( يبكِي لما قَلَب الزمانُ جديدَه ... خَلقاً وليس على الزّمان مُعوَّلُ )
( والرأس شامِلُه البَياضُ كأنه ... بعد السّواد به الثَّغامُ المُحْجِل )
(10/109)

( وسفيهةٍ هبَّت عليَّ بسُحْرةٍ ... جَهْلاً تلوم على الثّواء وتعذلُ )
( فأجبتُها أن قلتُ لستِ مُطاعةً ... فذرِي تنصُّحكَ الذي لا يُقبَلُ )
( إنّي كَفانِي أن أعالج رِحْلَةً ... عُمَرٌ ونبوةُ من يضنّ ويبخل )
( بِنَوال ذي فجرٍ تكون سِجالُه ... عَمَمًا إذا نزل الزَّمانُ الممحلُ )
( ماضٍ على حدث الأمور كأنه ... ذو رَوْنق عَضْبٌ جَلاهُ الصَّيْقَلُ )
( تُبدي الرجال إذا بدا إعظامه ... حذَرّ البُغاث هَوَى لهنّ الأجْدَلُ )
( فيرون أنّ له عليهم سورةً ... وفضيلَةً سَبَقَت له لا تُجْهَلُ )
( مُتَحمِّل ثِقَلَ الأمورِ حوى له ... سبقَ المكارم سابِقٌ مُتَمَهّلُ )
( وله إذا نُسِبَت قريشٌ منهم ... مجد الأرومة والفَعالُ الأفضلُ )
( وله بمكة إذْ أميّة أهلُها ... إرثٌ إذا عُدَّ القديمُ مُؤثّلُ )
( أعيت قرابَتُه وكان لُزومُه ... أمْراً أبانَ رَشَادَه مَنْ يَعْقِل )
( وسموتَ عن أخلاقهم فتركتهم ... لنداك إنّ الحازمَ المتحوّلُ )
( ولقد بدأتُ أريدُ وُدَّ معاشِرٍ ... وَعَدُوا مواعِدَ أخلفت إن حُصِّلوا )
( حتى إذا رجع اليقينُ مطامِعي ... يأساً وأخلَفَني الذين أُؤمّلُ )
( زايلتُ ما صَنَعوا إليك برحلةٍ ... عَجْلَى وعندك عنهمُ مُتَحوَّلُ )
( ووعدتَني في حاجةٍ فصَدَقْتَني ... ووفيتَ إذ كَذَبُوا الحديثَ وبَدَّلوا )
( وشكوتُ غُرماً فادحاً فحملتَه ... عَنِّي وأنت لمثلِه مُتَحمِّل )
( فلأشكرنَّ لك الذي أوليتَني ... شُكراً تُحلُّ به المطيُّ وتُرحَلُ )
(10/110)

( مِدَحاً تكون لكم غرائبُ شعرها ... مَبْذُولَةً ولغيركم لا تبذل )
( فإذا تَنَحَّلْتُ القريضَ فإنّه ... لكم يكون خِيارُ ما أَتَنَحَّلُ )
( ولعمرُ مَن حَجَّ الحجيجُ لِبَيْته ... تَهْوِي به قُلُص المَطِيّ الذُّمَّلُ )
( إنَّ امرأً قد نال منك قرابةً ... يَبْغي منافِعَ غيرها لمُضَلَّلُ )
( تَعْفُو إذا جَهِلُوا بحملك عنهم ... وتُنِيل إن طلبوا النّوال فتُجزِلُ )
( وتكون مَعْقِلَهمْ إذا لم يُنجِهم ... من شَرّ ما يخشون إلاّ المَعْقِل )
( حتى كأنك يُتَّقى بك دونهمْ ... من أُسْدِ بِيشة خادِرٌ مُتَبَسِّل )
( وأَراكَ تفعلُ ما تقول وبَعضُهم ... مَذِقُ الحديث يقول ما لا يَفْعل )
( وأرى المدينةَ حين صِرْت أميرَها ... أمِنَ البَرِيءُ بها ونام الأعزل )
فقال عمر ما أراك أعفيتني مما استعفيت منه قال لأنه مدح عمر وعرض بأخيه أبي بكر
نسبة ما مضى في هذه الأخبار من الأغاني
صوت
( مالي أحِنُّ إذا جِمالُك قُرِّبت ... وأصدّ عنك وأنت مني أقربُ )
( وأرى البلادَ إذا حللتِ بغيرها ... وَحْشاً وإن كانت تُظَلّ وتُخصِبُ )
( يا بيت خنساءَ الذي أتجنَّب ... ذهب الشباب وحُبُّها لا يذهَبُ )
( تبكي الحمامةُ شجوَها فتَهيجُني ... ويَرُوحُ عازب هَمِّيَ المتأوِّبُ )
(10/111)

الشعر لسليمان بن أبي دباكل والغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بالبنصر عن عمرو
وقال ابن المكي فيه خفيف ثقيل آخر لابن محرز وأوله
( تبكي الحمامة شجوها فتهيجني ... )
من هي عاتكة التي يذكرها الأحوص في شعره
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد قرأت على أبي وقال محمد بن كناسة حدثني أبو دكين بن زكريا بن محمد بن عمار بن ياسر قال رأيت عاتكة التي يقول فيها الأحوص
( يا بيت عاتكة الذي أَتعزل ... )
وهي عجوز كبيرة وقد جعلت بين عينيها هلالا من نيلج تتملح به
أخبرني الحرمي عن الزبير عن محمد بن محمد العمري قال
عاتكة التي يشبب بها الأحوص عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية
أخبرني الحرمي عن الزبير عن إسحاق بن عبد الملك
أن الأحوص كان لينا وأن عاتكة التي ينسب بها ليست عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية وإنما هو رجل كان ينزل قرى كانت بين الأشراف كنى عنه بعاتكة
أخبرني الحرمي عن الزبيري عن يعقوب بن حكيم قال
كان الأحوص لينا وكان يلزم نازلا بالأشراف فنهاه أخوه عن ذلك فتركه فرقا من أخيه وكان يمر قريبا من خيمة النازل بالأشراف ويقول
(10/112)

( يا بيت عاتكة الذي أتعزّل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكل )
يكني عنه بعاتكة ولا يقدر أن يدخل عليه
الفرزدق وكثير يزوران الأحوص
أخبرني الحرمي عن الزبيري عن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم قال حدثني عبد العزيز بن عمران قال
قدم الفرزدق المدينة فقال لكثير هل لك بنا في الأحوص نأتيه ونتحدث عنده فقال له وما نصنع به إذا والله نجد عنده عبدا حالكا أسود حلوكا يؤثره علينا ويبيت مضاجعه ليلته حتى يصبح قال الفرزدق فقلت إن هذا من عداوة الشعراء بعضهم لبعض قال فانهض بنا إليه إذا لا أب لغيرك قال الفرزدق فأردفت كثيرا ورائي على بغلتي وقلت تلفف يا أبا صخر فمثلك لا يكون رديفا فخمر رأسه وألصق في وجهه فجعلت لا أجتاز بمجلس قوم إلا قالوا من هذا وراءك يا أبا فراس فأقول جارية وهبها لي الأمير فلما أكثرت عليه من ذلك واجتاز على بني زريق وكان يبغضهم فقلت لهم ما كنت أقول قبل ذلك كشف عن رأسه وأومض وقال كذب ولكني كرهت أن أكون له رديفا وكان حديثه لي معجبا فركبت وراءه ولم تكن لي دابة أركبها إلا دابته فقالوا لا تعجل يا أبا صخر ههنا دواب كثيرة تركب منها ما أردت فقال دوابكم والله أبغض إلي من ردفه فسكتوا عنه
وجعل يتغشم عليهم حتى جاوز أبصارهم فقلت والله ما قالوا لك بأسا فما
(10/113)

الذي أغضبك عليهم فقال والله ما أعلم نفرا أشد تعصبا للقرشيين من نفر اجتزت بهم قال فقلت له وما أنت لا أم لك ولقريش قال أنا والله أحدهم قلت إن كنت أحدهم فأنت والله دعيهم قال دعيهم خير من صحيح نسب العرب وإلا فأنا والله من أكرم بيوتهم أنا أحد بني الصلت بن النضر قلت إنما قريش ولد فهر بن مالك فقال كذبت
فقال ما علمك يا بن الجعراء بقريش هم بنو النضر بن كنانة ألم تر إلى النبي انتسب إلى النضر بن كنانة ولم يكن ليجاوز أكرم نسبه قال فخرجنا حتى أتينا الأحوص فوجدناه في مشربة له فقلنا له أنرقى إليك أم تنزل إلينا قال لا أقدر على ذلك عندي أم جعفر ولم أرها منذ أيام ولي فيها شغل فقال كثير أم جعفر والله بعض عبيد الزرانيق فقلنا له فأنشدنا بعض ما أحدثت به فأنشدنا قوله
( يا بَيْتَ عاتكةَ الذي أتعزّل ... حذرَ العِدا وبه الفُؤادُ مُوكَّل )
حتى أتى على آخرها فقلت لكثير قاتله الله ما أشعره لولا ما أفسد به نفسه قال ليس هذا إفسادا هذا خسف إلى التخوم فقلت صدقت وانصرفنا من عنده فقال أين تريد فقلت إن شئت فمنزلي وأحملك على البغلة وأهب لك المطرف وإن شئت فمنزلك ولا أرزؤك شيئا فقال بل منزلي وأبذل لك ما قدرت عليه وانصرفنا إلى منزله فجعل يحدثني وينشدني حتى جاءت الظهر فدعا لي بعشرين دينارا وقال استعن بهذه يا أبا فراس على مقدمك قلت هذا أشد من حملان بني زريق قال والله إنك ما تأنف من أخذ هذا من أحد غير الخليفة قال الفرزدق فجعلت أقول في
(10/114)

نفسي تالله إنه لمن قريش وهممت ألا أقبل منه
فدعتني نفسي وهي طمعة إلى أخذها منه فأخذتها
معنى قول كثير للفرزدق يا بن الجعراء يعيره بدغة وهي أم عمرو بن تميم وبها يضرب المثل في الحماقة فيقال هي أحمق من دغة وكانت حاملا فدخلت الخلاء فولدت وهي لا تعلم ما الولد وخرجت وسلاها بين رجليها وقد استهل ولدها فقالت يا جارتا أيفتح الجعر فاه فقالت جارتها نعم يا حمقاء ويدعو أباه فبنو تميم يعيرون بذلك ويقال للمنسوب منهم يا بن الجعراء
ملاحاة بينه وبين السري بن عبد الرحمن
أخبرني الحرمي عن الزبير قال حدثني سليمان بن داود المجمعي قال
اجتاز السري بن عبد الرحمن بن عتبة بن عويم بن ساعدة الأنصاري بالأحوص وهو ينشد قوله
( يا بيتَ عاتكةَ الذي أتعزّل ... )
فقال السري
( يا بيت عاتكة المُنَوَّهَ باسْمِه ... اقعُد على مَنْ تحتَ سَقْفِك واعْجَل )
فواثبه الأحوص وقال في ذلك
( فأنت وشتمي في أَكارِيسِ مالك ... وسَبّي به كالكَلْب إذ يَنبح النَّجْما )
(10/115)

( تَداعَى إلى زَيْد وما أنتَ منهم ... تَحُقُّ أَباً إلاّ الولاءَ ولا أما )
( وإنَّك لو عَدَّدْتَ أَحسابَ مالك ... وأيامها فيها ولم تنطق الرَّجْما )
( أعادتْك عَبْداً أو تنَقَّلت كاذِباً ... تَلمَّسُ في حيٍّ سوى مالك جِذْما )
( وما أنا بالمحْسوس في جِذْمِ مالك ... ولا بالمُسمَّى ثم يلتزم الإِسْمَا )
( ولكن أَبِي لَوْ قد سألتَ وجدتَه ... توسَّط منها العِزَّ والحَسَب الضَّخْما )
فأجابه السري فقال
( سألتُ جميعَ هذا الخلق طُرًّا ... متى كان الأُحَيْوص من رجالي )
وهي أبيات ليست بجيدة ولا مختارة فألغيت ذكرها
شعره يسعف دليل المنصور
أخبرني محمد بن أحمد بن الطلاس أبو الطيب عن أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني وأخبرني به الحرمي عن الزبير قال حدثني عمي وقد جمعت روايتيهما
أن المنصور أمر الربيع لما حج أن يسايره برجل يعرف المدينة وأهلها وطرقها ودورها وحيطانها فكان رجل من أهلها قد انقطع إلى الربيع زمانا وهو رجل من الأنصار فقال له تهيأ فإني أظن جدك قد تحرك إن أمير المؤمنين قد أمرني أن أسايره برجل يعرف المدينة وأهلها وطرقها وحيطانها
(10/116)

ودورها فتحسس موافقته ولا تبتدئه بشيء حتى يسألك ولا تكتمه شيئا ولا تسأله حاجة فغدا عليه بالرجل وصلى المنصور فقال يا ربيع الرجل فقال ها هو ذا فسار معه يخبره عما سأل حتى ندر من أبيات المدينة فأقبل عليه المنصور فقال من أنت أولا فقال من لا تبلغه معرفتك هكذا ذكر الخراز وليس في رواية الزبير فقال مالك من الأهل والولد فقال والله ما تزوجت ولا لي خادم قال فأين منزلك قال ليس لي منزل قال فإن أمير المؤمنين قد أمر لك بأربعة آلاف درهم فرمى بنفسه فقبل رجله فقال له اركب فركب فلما أراد الانصراف قال للربيع يا أبا الفضل قد أمر لي أمير المؤمنين بصلة قال إيه قال إن رأيت أن تنجزها لي قال هيهات قال فأصنع ماذا قال لا أدري والله وفي رواية الخراز أنه قال ما أمر لك بشيء ولو أمر به لدعاني فقال أعطه أو وقع إلي فقال الفتى هذا هم لم يكن في الحساب فلبثت أياما ثم قال المنصور للربيع ما فعل الرجل قال حاضر قال سايرنا به الغداة ففعل وقال له الربيع إنه خارج بعد غد فاحتل لنفسك فإنه والله إن فاتك فإنه آخر العهد به فسار معه فجعل لا يمكنه شيء حتى انتهى إلى مسيره ثم رجع وهو كالمعرض عنه فلما خاف فوته أقبل عليه فقال يا أمير المؤمنين هذا بيت عاتكة قال وما بيت عاتكة قال إن أمرأ الذي يقول فيه الأحوص
( يا بيتَ عاتكة الذي أتعزل ... )
قال فمه قال إنه يقول فيها
( أنّ أمراً قد نال منك وسيلةً ... يرجُو منافعَ غَيرِها لمضلّلُ )
( وأراكَ تفعَلُ ما تقول وبَعضُهم ... مَذِقُ الحديث يقول ما لا يَفْعَل )
فقال الزبير في خبره فقال له لقد رأيتك أذكرت بنفسك يا سليمان
(10/117)

ابن مخلد أعطه أربعة آلاف درهم فأعطاه إياها وقال الخراز في خبره فضحك المنصور وقال قاتلك الله ما أظرفك يا ربيع أعطه ألف درهم فقال يا أمير المؤمنين إنها كانت أربعة آلاف درهم فقال ألف يحصل خير من أربعة آلاف لا تحصل
وقال الخراز في خبره حدثني المدائني قال
أخذ قوم من الزنادقة وفيهم ابن لابن المقفع فمر بهم على أصحاب المدائن فلما رآهم ابن المقفع خشي أن يسلم عليهم فيؤخذ فتمثل
( يا بيتَ عاتكةَ الذي أتعزَّلُ ... حذرَ العِدا وبه الفؤادُ مُوكَّلُ )
الأبيات ففطنوا لما أراد فلم يسلموا عليه ومضى
هو ومعبد المغني في حضرة يزيد بن عبد الملك
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن ابن شبة قال
بلغني أن يزيد بن عبد الملك كتب إلى عامله أن يجهز إليه الأحوص الشاعر ومعبدا المغني
فأخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدثنا عبد الله بن شبيب قال حدثني إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني أبي قال حدثنا سلمة بن صفوان الزرقي عن الأحوص الشاعر وذكر إسماعيل بن سعيد الدمشقي أن الزبير بن بكار حدثه عن ابن أبي أويس عن أبيه عن مسلمة بن صفوان عن الأحوص وأخبرني به الحرمي عن الزبير عن عمه عن جرير المديني المغني وأبو مسكين قالوا جميعا
كتب يزيد بن عبد الملك في خلافته إلى أمير المدينة وهو عبد الواحد ابن عبد الله النصري أن يحمل إليه الأحوص الشاعر ومعبدا المغني مولى
(10/118)

ابن قطن قال فجهزنا وحملنا إليه فلما نزلنا عمان أبصرنا غديرا وقصورا فقعدنا على الغدير وتحدثنا وذكرنا المدينة فخرجت جارية من بعض تلك القصور ومعها جرة تريد أن تستقي فيها ماء قال الأحوص فتغنت بمدحي في عمر بن عبد العزيز
( يا بيت عاتكةَ الذي أتعزل ... )
فتغنت بأحسن صوت ما سمعته قط ثم طربت فألقت الجرة فكسرتها فقال معبد غنائي والله وقلت شعري والله فوثبنا إليها وقلنا لها لمن أنت يا جارية قالت لآل سعيد بن العاص وفي خبر جرير المغني لآل الوليد بن عقبة ثم اشتراني رجل من آل الوحيد بخمسين ألف درهم وشغف بي فغلبته بنت عم له طرأت عليه فتزوجها على أمري فعاقبت منزلتها منزلتي ثم علا مكانها مكاني فلم تزدها الأيام إلا ارتفاعا ولم تزدني إلا اتضاعا فلم ترض منه إلا بأن أخدمها فوكلتني باستقاء الماء فأنا على ما تريان أخرج أستقي الماء فإذا رأيت هذه القصور والغدران ذكرت المدينة فطربت إليها فكسرت جرتي فيعذلني أهلي ويلومونني
قال فقلت لها أنا الأحوص والشعر لي وهذا معبد والغناء له ونحن ماضيان إلى أمير المؤمنين وسنذكرك له أحسن ذكر
وقال جرير في خبره ووافقه وكيع ورواية عمر بن شبة قالوا فأنشأت الجارية تقول
( إن تروني الغداةَ أسعى بجرٍّ ... أستَقِي الماءَ نحو هذا الغدير )
( فلقد كنتُ في رخاء من العيش ... وفي كل نعمةٍ وسُرورِ )
( ثم قد تُبصِران ما فيه أمْسَيْتُ ... وماذا إليه صار مَصِيري )
( فإلى الله أَشتكي ما ألاقي ... من هَوانٍ وما يُجِنُّ ضَمِيري )
( أبلغا عَنّي الإمامَ وما يعرف ... صِدقَ الحَديث غيرُ الخَبير )
(10/119)

( أنني أَضرَبُ الخَلائِق بالعُود ... وأَحْكاهُم بِبَمٍّ وزِير )
( فلعلّ الإلهَ يُنقِذ مما ... أنَا فيه فإنّني كالأسير )
( ليتني مِتّ يوم فارقتُ أهلي ... وبلادي فزُرت أهلَ القُبورِ )
( فاسمعا ما أقول لفَّا كما ... الله نجاحاً في أحسن التيسير )
فقال الأحوص من وقته
صوت
( إنّ زينَ الغدير من كسر الجرْ ... وَغَنَّى غِناء فحلٍ مُجِيد )
( قلتُ من أنتِ يا ظعينُ فقالت ... كنتُ فيما مضى لآل الوليدِ )
وفي رواية الدمشقي
( قلت من أَيْن يا خَلوبُ فقالت ... كنتُ فيما مضى لآل سعيد )
( ثم أصبحْتُ بعد حَيِّ قريشٍ ... في بني خالد لآل الوحيد )
( فغِنائي لمعبَد ونَشِيدي ... لفتى الناس الأحْوَص الصِنّديد )
( فتباكيْتُ ثم قلت أنا الأحْوص ... والشيخ مَعْبَدٌ فأعِيدي )
( فأعادت لنا بصوتٍ شجِيٍّ ... يتركُ الشيخَ في الصِّبا كالوَليدِ )
وفي رواية أبي زيد
( فأعادت فأحسنَتْ ثم ولَّتْ ... تَتهادَى فقلتُ قولَ عميدِ )
( يعجِزُ المالُ عن شِراكِ ولكن ... أنتِ في ذِمّة الهُمام يزيدِ )
( ولك اليومَ ذِمّتي بوفاءٍ ... وعلى ذاكِ من عِظام العهودِ )
(10/120)

( أَنْ سَيجْرِي لك الحديثُ بِصوت ... مَعبديّ يَرُدُّ حَبْلَ الوريدِ )
( يفعل الله ما يشاء فَظُنِّي ... كُلَّ خير بنا هناكَ وزيدِي )
( قالت القَينةُ الكَعَابُ إلى ... اللَّهِ أُمورِي وأرتْجِي تَسْديدِي )
غناه معبد ثاني ثقيل بالبنصر من رواية حبش والهشامي وغيرهما وهي طريقة هذا الصوت وأهل العلم بالغناء لا يصححونه لمعبد
قال الأحوص وضع فيه معبد لحنا فأجاده فلما قدمنا على يزيد قال يا معبد أسمعني أحدث غناء غنيت وأطراه فغناه معبد
( إنّ زيَن الغدير من كَسَرَ الجرَّ ... وغنى غناء فحْل مُجيدِ )
فقال يزيد إن لهذا لقصة فأخبراني بها فأخبراه فكتب لعامله بتلك الناحية إن لآل فلان جارية من حالها ذيت وذيت فاشترها بما بلغت فاشتراها بمائة ألف درهم وبعث بها هدية وبعث معها بألطاف كثيرة فلما قدمت على يزيد رأى فضلا بارعا فأعجب بها وأجازها وأخدمها وأقطعها وأفرد لها قصرا قال فوالله ما برحنا حتى جاءتنا منها جوائز وكسا وطرف
وقال الزبير في خبره عن عمه قال
أظن القصة كلها مصنوعة وليس يشبه الشعر شعر الأحوص ولا هو من طرازه وكذلك ذكر عمر بن شبة في خبره
أخبرني الحرمي عن الزبير قال
سمعت هشام بن عبد الله بن عكرمة يحدث عن عتبة بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال
(10/121)

ينذر بزوال الدولة الأموية
كنت مع يزيد بن عمر بن هبيرة ليلة الفرات فلما انهزم الناس التفت إلي فقال يا أبا الحارث أمسينا والله وهم كما قال الأحوص
( أبْكِي لما قَلَبَ الزمانُ جديدَه ... خَلَقاً وليس على الزمان مُعَوَّلُ )
أخبرني الحرمي عن الزبير عن محمد بن محمد العمري
أن عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية رئيت في النوم قبل ظهور دولة بني العباس على بني أمية كأنها عريانة ناشرة شعرها تقول
( أين الشَّبابُ وعيشُنا اللّذُّ الذي ... كُنَّا به زَمناً نُسَرُّ ونُجذَل )
( ذهبت بَشاشتُه وأصبَح ذِكرُه ... حُزْناً يُعَلُّ به الفؤادُ ويُنْهَل )
فتأول الناس ذلك بزوال دنيا بني أمية فكان كما قالوا
أخبرني بهذا الخبر الحسن بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الجمحي عن شيخ من قريش
أنه رأى في النوم امرأة من ولد عثمان بن عفان على منايم على دار عثمان المقبلة على المسجد وهي حاسرة في يديها عود وهي تضرب به وتغني
( أينَ الشباب وعيشنا اللّذ الذي ... كنا به يوماً نُسرّ ونجذل )
( ذهبت بشاشته وأصبح ذكره ... حُزناً يُعلَّ به الفؤاد وينهل )
قال فما لبثنا إلا يسيرا حتى خرج الأمر عن أيديهم وقتل مروان
(10/122)

قال إسحاق المنامة الدكان وجمعها منايم
صوت
( يا هندُ إنَّكِ لو علمتِ ... بعاذلَيْنِ تتابعا )
( قالا فلمْ أسْمَعْ لِمَا ... قالا وقلتُ بل اسْمَعا )
( هندٌ أحبُّ إِليَّ من ... مالي وروحيَ فارْجِعَا )
( ولقد عَصَيْتُ عَواذِلي ... وأطعْتُ قلباً مُوجَعا )
الشعر لعبد الله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام والغناء لابن سريج ولحنه فيه لحنان أحدهما من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق والآخر رمل بالوسطى عن عمرو وفيه خفيف ثقيل ذكر أبو العبيس أنه لابن سريج وذكر الهشامي وابن المكي أنه للغريض وذكر حبش أن لإبراهيم فيه رملا آخر بالبنصر وقال أحمد بن عبيد الذي صح فيه ثقيل الأول وخفيفه ورمله وذكر إبراهيم أن فيه لحنا لابن عباد
(10/123)

ذكر عبد الله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام ونسبه وأخباره وخبر هذا الشعر
عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام وقد مضى نسبه في أخبار عمه الحسين صلوات الله عليه في شعره الذي يقول فيه
( لعمرُكَ إنني لأُحِبُّ دارا ... تَحلُّ بِهَا سُكَيْنَةُ والرَّبابُ )
ويكنى عبد الله بن الحسن أبا محمد وأم عبد الله بن الحسن بن الحسن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام وأمها أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله وأمها الجرباء بنت قسامة بن رومان عن طيء
لماذا سميت جدته الجرباء
أخبرني أحمد بن سعيد قال حدثنا يحيى بن الحسن قال
إنما سميت الجرباء لحسنها كانت لا تقف إلى جنبها امرأة وإن كانت جميلة إلا استقبح منظرها لجمالها وكان النساء يتحامين أن يقفن إلى جنبها فشبهت بالناقة الجرباء التي تتوقاها الإبل مخافة أن تعديها
وكانت أم إسحاق من أجمل نساء قريش وأسوئهن خلقا ويقال إن نساء بني تيم كانت لهن حظوة عند أزواجهن على سوء أخلاقهن ويروى أن
(10/124)

أم إسحاق كانت ربما حملت وولدت وهي لا تكلم زوجها
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار عن عمه بذلك قال
وقد كانت أم إسحاق عند الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه قبل أخيه الحسين عليه السلام فلما حضرته الوفاة دعا بالحسين صلوات الله عليه فقال له يا أخي إني أرضى هذه المرأة لك فلا تخرجن من بيوتكم فإذا انقضت عدتها فتزوجها
فلما توفي الحسن عنها تزوجها الحسين عليه السلام وقد كانت ولدت من الحسن عليه السلام ابنه طلحة بن الحسن فهو أخو فاطمة لأمها وابن عمها وقد درج طلحة ولا عقب له
ومن طرائف أخبار التيميات من نساء قريش في حظوتهن وسوء أخلاقهن ما أخبرنا به الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار عن محمد بن عبد الله قال
كانت أم سلمة بنت محمد بن طلحة عند عبد الله بن الحسن وكانت تقسو عليه قسوة عظيمة وتغلظ له ويفرق منها ولا يخالفها فرأى يوما منها طيب نفس فأراد أن يشكو إليها قسوتها فقال لها يا بنت محمد قد أحرق والله قلبي فحددت له النظر وجمعت وجهها وقالت له أحرق قلبك ماذا فخافها فلم يقدر على أن يقول لها سوء خلقك فقال لها حب أبي بكر الصديق فأمسكت عنه
وتزوج الحسن بن الحسن فاطمة بنت الحسين في حياة عمه وهو عليه السلام زوجه إياها
زواجه فاطمة بنت الحسين
أخبرني الطوسي والحرمي عن الزبير عن عمه بذلك وحدثني أحمد
(10/125)

ابن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن إسماعيل بن يعقوب قال حدثني جدي عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن قال
خطب الحسن بن الحسن إلى عمه الحسين صلوات الله عليه وسأله أن يزوجه إحدى ابنتيه فقال له الحسين عليه السلام
اختر يا بني أحبهما إليك فاستحيا الحسن ولم يحر جوابا فقال له الحسين عليه السلام فإني اخترت منهما لك ابنتي فاطمة فهي أكثر شبها بأمي فاطمة بنت رسول الله
أخبرني الطوسي والحرمي عن الزبير عن عمه مصعب
أن الحسن لما خيره عمه اختار فاطمة وكانوا يقولون إن امرأة سكينة مردودتها لمنقطعة القرين في الجمال
أخبرني الطوسي والحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار وأخبرني محمد بن العباس اليزيدي عن أحمد بن يحيى وأحمد بن زهير عن الزبير وأخبرني أحمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن الزبير بن بكار واللفظ للحسن بن علي وخبره أتم قال قال الزبير حدثني عمي مصعب ولم يذكر أحدا
ماذا قال حين حضرته الوفاة
وأخبرني محمد بن يحيى عن أيوب عن عمر بن أبي الموالي قال الزبير وحدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن يوسف بن الماجشون وقد دخل حديث بعضهم في بعض حديث الآخرين
أن الحسن بن الحسن لما حضرته الوفاة جزع وجعل يقول إني لأجد
(10/126)

كربا ليس إلا هو كرب الموت وأعاد ذلك دفعات فقال له بعض أهله ما هذا الجزع تقدم على رسول الله وهو جدك وعلى علي والحسن والحسين صلوات الله عليهم وهم آباؤك فقال لعمري إن الأمر لكذلك ولكن كأني بعبد الله بن عمرو بن عثمان حين أموت وقد جاء في مضرجتين أو ممصرتين وهو يرجل جمته يقول أنا من بني عبد مناف جئت لأشهد ابن عمي وما به إلا أن يخطب فاطمة بنت الحسين فإذا جاء فلا يدخل علي فصاحت فاطمة أتسمع قال نعم قالت أعتقت كل مملوك لي وتصدقت بكل ملك لي إن أنا تزوجت بعدك أحدا أبدا قال فسكن الحسن وما تنفس ولا تحرك حتى قضى فلما ارتفع الصياح أقبل عبد الله على الصفة التي ذكرها الحسن فقال بعض القوم ندخله
وقال بعضهم لا يدخل وقال قوم لا يضر دخوله فدخل وفاطمة تصك وجهها فأرسل إليها وصيفا كان معه فجاء يتخطى الناس حتى دنا منها فقال لها يقول لك مولاي أبقي على وجهك فإن لنا فيه أربا قال فأرسلت يدها في كمها واختمرت وعرف ذلك منها فما لطمت وجهها حتى دفن صلوات الله عليه
فلما انقضت عدتها خطبها فقالت فكيف لي بنذري ويميني فقال نخلف عليك بكل عبد عبدين وبكل شيء شيئين ففعل وتزوجته وقد قيل في تزويجه إياها غير هذا
أخبرني به أحمد بن محمد بن إسماعيل الهمداني عن يحيى بن الحسن العلوي عن أخيه أبي جعفر عن إسماعيل بن يعقوب عن محمد بن عبد الله البكري
(10/127)

أن فاطمة لما خطبها عبد الله أبت أن تتزوجه فحلفت عليها أمها لتتزوجنه وقامت في الشمس وآلت لا تبرح حتى تتزوجه فكرهت فاطمة أن تحرج فتزوجته
وكان عبد الله بن الحسن بن الحسن شيخ أهله وسيدا من ساداتهم ومقدما فيهم فصلا وعلما وكرما وحبسه أبو جعفر المنصور في الهاشمية بالكوفة لما خرج عليه ابناه محمد وإبراهيم فمات في الحبس وقيل إنه سقط عليه وقيل غير ذلك
انتهى كل حسن إليه
أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن علي بن أحمد الباهلي قال سمعت مصعبا الزبيري يقول
انتهى كل حسن إلى عبد الله بن حسن وكان يقال من أحسن الناس فيقال عبد الله بن الحسن ويقال من أفضل الناس فيقال عبد الله بن الحسن
حدثني محمد بن الحسن الخثعمي الأشناني والحسن بن علي السلولي قالا حدثنا عباد بن يعقوب قال
حدثنا تلميذ بن سليمان قال رأيت عبد الله بن الحسن وسمعته يقول أنا أقرب الناس إلى رسول الله ولدتني بنت رسول الله مرتين
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن إسماعيل ابن يعقوب عن عبد الله بن موسى قال
(10/128)

أول من اجتمعت له ولادة الحسن عليه السلام والحسين صلوات الله عليهما عبد الله بن الحسن عليه السلام
حدثني محمد بن الحسن الأشناني عن عبد الله بن يعقوب عن بندقة ابن محمد بن حجازة الدهان قال
رأيت عبد الله بن الحسن فقلت هذا والله سيد الناس كان مكسوا نورا من قرنه إلى قدمه
قال علي بن الحسين وقد روي ذلك في أخبار أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام وأمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي عليه السلام
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن القاسم بن عبد الرزاق قال
جاء منظور بن زيان الفزاري إلى حسن بن حسن وهو جده أبو أمه فقال له لعلك أحدثت بعدي أهلا قال نعم تزوجت بنت عمي الحسين ابن علي عليهما السلام قال بئسما صنعت أما علمت أن الأرحام إذا التقت أضوت كان ينبغي أن تتزوج في الغرب قال فإن الله جل وعز قد رزقني منها ولدا قال أرنيه فأخرج إليه عبد الله بن الحسن فسر به وقال أنجبت هذا والله ليث غاب ومعدو عليه قال فإن الله تعالى قد رزقني منها ولدا ثانيا قال فأرنيه فأخرج إليه حسن بن حسن بن حسن فسر به وقال أنجبت وهذا دون الأول قال فإن الله قد رزقني منها ولدا ثالثا قال فأرنيه
فأراه إبراهيم بن الحسن
حدثني أبو عبيد محمد بن أحمد الصيرفي قال حدثنا محمد بن علي
(10/129)

ابن خلف قال حدثنا عمر بن عبد الغفار قال حدثنا سعيد بن أبان القرشي قال
كنت عند عمر بن عبد العزيز فدخل عبد الله بن الحسن عليه وهو يومئذ شاب في إزار ورداء فرحب به وأدناه وحياه وأجلسه إلى جنبه وضاحكه ثم غمز عكنة من بطنه وليس في البيت حينئذ إلا أموي فقيل له ما حملك على غمز بطن هذا الفتى قال إني لأرجو بها شفاعة محمد
حدثني عمر بن عبد الله بن جميل العتكي عن عمر بن شبة عن إسماعيل بن جعفر الجعفري قال
حدثني سعيد بن عقبة الجهني قال إني لعند عبد الله بن الحسن إذ أتاني آت فقال هذا رجل يدعوك فخرجت فإذا أنا بأبي عدي الشاعر الأموي فقال أعلم أبا محمد فخرج إليه عبد الله وهم خائفون فأمر له بأربعمائة دينار وهند بمائتي دينار فخرج بستمائة دينار
وقد روى مالك ابن أنس عن عبد الله بن الحسن الحديث
كان يسدل شعره
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن قال
حدثنا علي بن أحمد الباهلي عن مصعب بن عبد الله قال سئل مالك
(10/130)

عن السدل قال رأيت من يرضى بفعله عبد الله بن الحسن يفعله والسبب في حبس عبد الله بن الحسن وخروج ابنيه وقتلهما يطول ذكره
وقد أتى عمر بن شبة منه بما لا يزيد عليه أحد إلا اليسير ولكن من أخباره ما يحسن ذكره ها هنا فنذكره
أخبرني عمر بن عبد الله العتكي عن عمر بن شبة قال حدثني موسى ابن سعيد بن عبد الرحمن وأيوب بن عمر عن إسماعيل بن أبي عمرو قالوا
شعر تمثل به
لما بنى أبو العباس بناءه بالأنبار الذي يدعى الرصافة رصافة أبي العباس قال لعبد الله بن الحسن ادخل فانظر ودخل معه فلما رآه تمثل
( ألم ترَ حَوْشَباً أمْسَى يُبَنِّي ... بِناءً نَفعُه لبنِي نُفَيْله )
( يُؤمّل أن يُعَمَّر عُمْرَ نُوحٍ ... وأمرُ اللّهِ يحدُث كلَّ لَيْلَة )
فاحتمله أبو العباس ولم يبكته بها
أخبرني عمي عن ابن شبة عن يعقوب بن القاسم عن عمرو بن شهاب وحدثني أحمد بن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن الزبير عن محمد ابن الضحاك عن أبيه قالوا
إن أبا العباس كتب إلى عبد الله بن الحسن في تغيب ابنيه
( أرِيد حَياتَه ويُرِيد قَتلِي ... عَذيرَك من خَلِيلك من مُرادِ )
قال عمر بن شبة وإنما كتب بها إلى محمد قال عمر بن شبة فبعثوا إلى عبد الرحمن بن مسعود مولى أبي حنين فأجابه
(10/131)

( وكيف يُرِيدُ ذاكَ وأنتَ منه ... بِمنزلة النِّياط من الفُؤادِ )
( وكيف يُريد ذاكَ وأنتَ منه ... وزَنْدُك حين تقدح من زِنادِ )
( وكيف يُرِيد ذاك وأنتَ منه ... وأنتَ لِهَاشمٍ رأسٌ وَهادِ )
أخبرني عمر بن عبد الله بن شبة عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليهم السلام عن الحسن بن زيد عن عبد الله بن الحسن قال
بينا أنا في سمر أبي العباس وكان إذا تثاءب أو ألقى المروحة من يده قمنا فألقاها ليلة فقمنا فأمسكني فلم يبق غيري فأدخل يده تحت فراشه وأخرج إضبارة كتب وقال اقرأ يا أبا محمد فقرأت فإذا كتاب من محمد بن هشام بن عمرو التغلبي يدعوه إلى نفسه فلما قرأته قلت له يا أمير المؤمنين لك عهد الله وميثاقه ألا ترى منهما شيئا تكرهه ما كانا في الدنيا
أخبرنا العتكي عن ابن شبة عن محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمر عن عبد الله بن عبدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال
لما استخلف أبو جعفر ألح في طلب محمد والمسألة عنه وعمن يؤويه فدعا بني هاشم رجلا رجلا فسألهم عنه فكلهم يقول قد علم أمير المؤمنين أنك قد عرفته بطلب هذا الشأن قبل اليوم فهو يخافك على نفسه ولا يريد لك خلافا ولا يحب لك معصية إلا الحسن بن زيد فإنه أخبره خبره فقال والله ما آمن وثوبه عليك وأنه لا ينام فيه فر رأيك فيه قال ابن أبي عبيدة فأيقظ من لا ينام
(10/132)

أخبرني عمر بن عبد الله بن شبة عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام عن محمد بن عمران عن عقبة بن سلم
أن أبا جعفر دعاه فسأله عن اسمه ونسبه فقال أنا عقبة بن سلم بن نافع بن الأزدهاني قال إني أرى لك هيئة وموضعا وإني لأريدك لأمر أنا به معني قال أرجو أن أصدق ظن أمير المؤمنين قال فأخف شخصك وائتني في يوم كذا وكذا فأتيته فقال إن بني عمنا هؤلاء قد أبوا إلا كيدا بملكنا ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا وكذا يكاتبونهم ويرسلون إليهم بصدقات وألطاف فاذهب حتى تأتيهم متنكرا بكتاب تكتبه عن أهل تلك القرية ثم تسير ناحيتهم فإن كانوا نزعوا عن رأيهم علمت ذلك وكنت على حذر منهم حتى تلقى عبد الله بن الحسن متخشعا وإن جبهك وهو فاعل فاصبر وعاوده أبدا حتى يأنس بك فإذا ظهر لك ما في قلبه فاعجل إلي ففعل ذلك وفعل به حتى أنس عبد الله بناحيته فقال له عقبة الجواب فقال له أما الكتاب فإني لا أكتب إلى أحد ولكن أنت كتابي إليهم فأقرئهم السلام وأخبرهم أن ابني خارج لوقت كذا وكذا فشخص عقبة حتى قدم على أبي جعفر فأخبره الخبر
بماذا أجاب أبا جعفر عندما سأله عن ابنيه
أخبرني العتكي عن عمر بن محمد بن يحيى بن الحارث بن إسحاق قال
سأل أبو جعفر عبد الله بن الحسن عن ابنيه لما حج فقال لا أعلم بهما حتى تغالظا فأمضه أبو جعفر فقال له يا أبا جعفر بأي أمهاتي
(10/133)

تمضني أبخديجة بنت خويلد أم بفاطمة بنت رسول الله أم بفاطمة بنت الحسين عليهم السلام أم بأم إسحاق بنت طلحة قال لا ولا بواحدة منهن ولكن بالجرباء بنت قسامة فوثب المسيب بن زهير فقال يا أمير المؤمنين دعني أضرب عنق ابن الفاعلة فقام زياد بن عبيد الله فألقى عليه رداءه وقال يا أمير المؤمنين هبه لي فأنا المستخرج لك ابنيه فتخلصه منه
قال ابن شبة وحدثني بكر بن عبد الله مولى أبي بكر عن علي بن رباح أخي إبراهيم بن رباح عن صاحب المصلى قال
إني لواقف على رأس أبي جعفر وهو يتغدى بأوطاس وهو متوجه إلى مكة ومعه على مائدته عبد الله بن الحسن وأبو الكرام الجعفري وجماعة من بني العباس فأقبل على عبد الله بن الحسن فقال يا أبا محمد محمد وإبراهيم أراهما قد استوحشا من ناحيتي وإني لأحب أن يأنسا بي ويأتياني فأصلهما وأزوجهما وأخلطهما بنفسي قال وعبد الله يطرق طويلا ثم يرفع رأسه ويقول وحقك يا أمير المؤمنين مالي بهما ولا بموضعهما من البلاد علم ولقد خرجا عن يدي فيقول لا تفعل يا أبا محمد اكتب إليهما وإلى من يوصل كتابك إليهما قال وامتنع أبو جعفر عن عامة غدائه ذلك اليوم إقبالا على عبد الله وعبد الله يحلف أنه لا يعرف موضعهما وأبو جعفر يكرر عليه لا تفعل يا أبا محمد
قال ابن شبة فحدثني محمد بن عباد عن السندي بن شاهك
أن أبا جعفر قال لعقبة بن سلم إذا فرغنا من الطعام فلحظتك فامثل
(10/134)

بين يدي عبد الله فإنه سيصرف بصره عنك فدر حتى تغمز ظهره بإبهام رجلك حتى يملأ عينيه منك ثم حسبك وإياك أن يراك ما دام يأكل ففعل ذلك عقبة فلما رآه عبد الله وثب حتى جثا بين يدي أبي جعفر وقال يا أمير المؤمنين أقلني أقالك الله قال لا أقالني الله إن أقلتك ثم أمر بحبسه
قال ابن شبة فحدثني أيوب بن عمر عن محمد بن خلف المخزومي قال أخبرني العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قال
لما حج أبو جعفر في سنة أربعين ومائة أتاه عبد الله وحسن ابنا حسن فإنهما وإياي لعنده وهو مشغول بكتاب ينظر فيه إذ تكلم المهدي فلحن فقال عبد اله يا أمير المؤمنين ألا تأمر بهذا من يعدل لسانه فإنه يفعل فعل الأمة فلم يفهم وغمزت عبد الله فلم ينتبه وعاد لأبي جعفر فأحفظ من ذلك وقال له أين ابنك قال لا أدري قال لتأتيني به قال لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه قال يا ربيع فمر به إلى الحبس
توفي في محبسه بالهاشمية
أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن قال
توفي عبد الله في محبسه بالهاشمية وهو ابن خمس وسبعين سنة في سنة خمس وأربعين ومائة وهند التي عناها عبد الله في شعره الذي فيه الغناؤ زوجته هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي وأمها قرينة بنت يزيد بن عبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود بن الطلب
وكان أبو عبيدة جوادا وممدحا وكانت هند قبل عبد الله بن الحسن
(10/135)

تحت عبد الله بن عبد الملك بن مروان فمات عنها
فأخبرني الحرمي عن الزبير عن سليمان بن عياش السعدي قال
لما توفي أبو عبيدة وجدت ابنته هند وجدا شديدا فكلم عبد الله بن الحسن محمد بن بشير الخارجي أن يدخل على هند بنت أبي عبيدة فيعزيها ويؤسيها عن أبيها فدخل معه عليها فلما نظر إليها صاح بأبعد صوته
( قومي اضربي عينيك يا هندُ لن تَرَىْ ... أَباً مثلَه تسمُو إليه المَفاخِرُ )
( وكنت إذا أَسبَلْتِ فوقك والدا ... تَزِيني كما زان اليدين الأساورُ )
فصكت وجهها وصاحت بحربها وجهدها فقال له عبد الله بن الحسن ألهذا دخلت فقال الخارجي وكيف أعزي عن أبي عبيدة وأنا أعزى به
أخبرني العتكي عن شبة قال حدثني عبد الرحمن بن جعفر بن سليمان عن علي بن صالح قال
زوج عبد الملك بن مروان ابنه عبد الله هند بنت أبي عبيدة وريطة بنت عبد الله بن عبد المدان لما كان يقال إنه كائن في أولادهما فمات عنهما عبد الله أو طلقهما فتزوج هندا عبد الله ابن الحسن وتزوج ريطة محمد بن علي فجاءت بأبي العباس السفاح
أخبرني العتكي عن عمر بن شبة عن ابن داجة عن أبيه قال
لما مات عبد الله بن عبد الملك رجعت هند بميراثها منه فقال عبد الله بن حسن لأمه فاطمة اخطبي علي هندا فقالت إذا تردك أتطمع في هند وقد ورثت ما ورثته وأنت ترب لا مال لك فتركها ومضى إلى أبي عبيدة
(10/136)

أبي هند فخطبها إليه فقال في الرحب والسعة أما مني فقد زوجتك مكانك لا تبرح ودخل على هند فقال يا بنية هذا عبد الله بن حسن أتاك خاطبا قالت فما قلت له قال زوجته
قالت أحسنت
قد أجزت ما صنعت وأرسلت إلى عبد الله لا تبرح حتى تدخل على أهلك
قال فتزينت له فبات بها معرسا من ليلته ولا تشعر أمه فأقام سبعا ثم أصبح يوم سابعه غاديا على أمه وعليه ردع الطيب وفي غير ثيابه التي تعرف فقالت له يا بني من أين لك هذا قال من عند التي زعمت أنها لا تريدني
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وعمي عبد العزيز بن أحمد بن بكار قالا حدثنا الزبير قال حدثتني ظبية مولاة فاطمة قالت
كان جدك عبد الله بن مصعب يستنشدني كثيرا أبيات عبد الله بن حسن ويعجب بها
( إنّ عيني تعوّدت كُحْل هِنْدٍ ... جَمَعت كَفُّها مع الرِّفق لِينا )
صوت
( يا عِيدُ مالكَ من شوقٍ وإيراقِ ... ومرِّ طَيْفٍ على الأهوال طَراقِ )
( يَسْرِي على الأيْنِ والحيَّات مُحْتفياً ... نفسي فِداؤُك من سارٍ على ساقِ )
عروضه من البسيط
العيد ما اعتاد الإنسان من هم أو شوق أو مرض أو ذكر
والأين والأيم ضرب من الحيات
والأين الإعياء أيضا وروى أبو عمرو
( يا عيد قلبُك من شوق وإيراق ... )
الشعر لتأبط شرا والغناء لابن محرز ثقيل أول بالوسطى من رواية يحيى المكي وحبش وذكر الهشامي أنه من منحول يحيى إلى ابن محرز
(10/137)

أخبار تأبط شرا ونسبه
هو ثابت بن جابر بن سفيان بن عميثل بن عدي بن كعب بن حزن
وقيل حرب بن تميم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس عيلان بن مضر بن نزار
وأمه امرأة يقال لها أميمة يقال إنها من بني القين بطن من فهم ولدت خمسة نفر تأبط شرا وريش بلغب وريش نسر وكعب جدر ولا بواكي له وقيل إنها ولدت سادسا اسمه عمرو
لقبه وسببه
وتأبط شرا لقب لقب به ذكر الرواة أنه كان رأى كبشا في الصحراء فاحتمله تحت إبطه فجعل يبول عليه طول طريقه فلما قرب من الحي ثقل عليه الكبش فلم يقله فرمى به فإذا هو الغول فقال له قومه ما تأبطت يا ثابت قال الغول
قالوا لقد تأبطت شرا فسمي بذلك
وقيل بل قالت له أمه كل إخوتك يأتيني بشيء إذا راح غيرك فقال لها سآتيك الليلة بشيء ومضى فصاد أفاعي كثيرة من أكبر ما قدر عليه
(10/138)

فلما راح أتى بهن في جراب متأبطا له فألقاه بين يديها ففتحته فتساعين في بيتها فوثبت وخرجت فقال لها نساء الحي ماذا أتاك به ثابت فقالت أتاني بأفاع في جراب
قلن وكيف حملها قالت تأبطها قلن لقد تأبط شرا فلزمه تأبط شرا
حدثني عمي قال حدثني علي بن الحسين بن عبد الأعلى عن أبي محلم بمثل هذه الحكاية وزاد فيها
أن أمه قالت له في زمن الكمأة ألا ترى غلمان الحي يجتنون لأهليهم الكمأة فيروحون بها فقال أعطيني جرابك حتى أجتني لك فيه فأعطته فملأه لها أفاعي وذكر باقي الخبر مثل ما تقدم
ومن ذكر أنه إنما جاءها بالغول يحتج بكثرة أشعاره في هذا المعنى فإنه يصف لقاءه إياها في شعره كثيرا فمن ذلك قوله
( فأَصبحت الغُولُ لي جارةً ... فيا جارتا لك ما أَهولا )
( فطالبتُها بُضْعَها فالتوت ... عليَّ وحاولتُ أن أَفعلا )
( فمن كان يسأل عن جارتي ... فإنّ لها باللَّوى مَنْزلَا )
كان أحد العدائين المعدودين
أخبرني عمي عن الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني قال نزلت على حي من فهم إخوة بني عدوان من قيس فسألتهم عن خبر تأبط شرا فقال لي بعضهم وما سؤالك عنه أتريد أن تكون لصا قلت لا ولكن أريد أن
(10/139)

أعرف أخبار هؤلاء العدائين فأتحدث بها فقالوا نحدثك بخبره إن تأبط شرا كان أعدى ذي رجلين وذي ساقين وذي عينين وكان إذا جاع لم تقم له قائمة فكان ينظر إلى الظباء فينتقي على نظره أسمنها لم يجري خلفه فلا يفوته حتى يأخذه فيذبحه بسيفه ثم يشويه فيأكله
وإنما سمي تأبط شرا لأنه فيما حكي لنا لقي الغول في ليلة ظلماء في موضع يقال له رحى بَطان في بلاد هذيل فأخذت عليه الطريق فلم يزل بها حتى قتلها وبات عليها فلما أصبح حملها تحت إبطه وجاء بها إلى أصحابه فقالوا له لقد تأبطت شرا فقال في ذلك
شعره في غول تأبطها
( تأَبَّط شراً ثم راح أو اغْتَدى ... تُوائم غُنْما أو يَشِيف على ذَحْل )
يوائم يوافق ويشيف يقتدر
وقال أيضا في ذلك
( ألا مَنْ مُبلغٌ فِتيانَ فَهمٍ ... بما لاقيتُ عند رَحَى بطانِ )
( وأنِّي قد لقيتُ الغولَ تهوي ... بسَهْب كالصحيفة صحصحانِ )
( فقلت لها : كلانا نِضْو أَيْنٍ ... أخو سفر فخلّى لي مكاني )
( فشدَّت شدَّةً نحوي فاَهْوَى ... لها كفّي بمصقولٍ يَمانِي )
( فأَضربها بلا دَهَشٍ فَخَرّت ... صريعاً لليدين وللجِرانِ )
( فقالت عُد فقلت لها رُوَيْداً ... مكانَك إنني ثَبْت الجنانِ )
( فلم أنفكَّ مُتّكِئاً عليها ... لأنظر مُصبِحاً ماذا أتاني )
(10/140)

( إذا عينان في رأسٍ قبيح ... كرأس الهِرِّ مَشْقوق اللِّسان )
( وساقا مُخدجٍ وشواةُ كلْب ... وثوب من عَباءٍ أو شِنان )
أخبرنا الحسين بن يحيى قال قرأت على حماد وحدثك أبوك عن حمزة ابن عتبة اللهبي قال
قيل لتأبط شرا هذه الرجال غلبتها فكيف لا تنهشك الحيات في سراك فقال إني لأسري البردين
يعني أول الليل لأنها تمور خارجة من حجرتها وآخر الليل تمور مقبلة إليها
قال حمزة ولقي تأبط شرا ذات يوم رجلا من ثقيف يقال له أبو وهب كان جبانا أهوج وعليه حلة جيدة فقال أبو وهب لتأبط شرا بم تغلب الرجال يا ثابت وأنت كما أرى دميم ضئيل قال باسمي إنما أقول ساعة ما ألقى الرجل أنا تأبط شرا فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت فقال له الثقفي أقط قال قط قال فهل لك أن تبيعني اسمك قال نعم فبم تبتاعه قال بهذه الحلة وبكنيتك قال له أفعل ففعل وقال له تأبط شرا لك اسمي ولي كنيتك وأخذ حلته وأعطاه طمرية ثم انصرف وقال في ذلك يخاطب زوجة الثقفي
( ألا هل أتى الحسناءَ أنّ حَلِيلهَا ... تأَبّط شَراًّ واكتنيتُ أبّا وَهْب )
( فهبه تَسمْى اسْمي وسُمِّيتُ باسمِه ... فأَين له صبري على مُعْظَمِ الخطب )
( وأين له بأْسٌ كَبَأْسي وسَوْرتي ... وأين له في كل فادحةٍ قَلْبي )
(10/141)

أحب جارية وعجز عنها
قال حمزة وأحب تأبط شرا جارية من قومه فطلبها زمانا لا يقدر عليها ثم لقيته ذات ليلة فأجابته وأرادها فعجز عنها فلما رأت جزعه من ذلك تناومت عليه فآنسته وهدأ ثم جعل يقول
( مالكَ من أيْرٍ سُلِبْتَ الخلّه ... عجَزْت عن جارية رِفْلّه )
( تمشي إليك مشيةً خوزلّه ... كمشية الأَرخِ تريد العلّهْ )
الأرخ الأنثى من البقر التي لم تنتج
العلة تريد أن تعل بعد النهل أي أنها قد رويت فمشيتها ثقيلة
والعل الشرب الثاني
( لو أنها راعِيةٌ في في ثُلَّه ... تحمل قِلْعَين لها قبَلّه )
( لصرتُ كالهراوة العُتُلّه ... )
خبره مع بجيلة
أخبرني الحسن بن علي عن عبد الله بن أبي سعد عن أحمد بن عمر عن أبي بركة الأشعجي قال
أغار تأبط شرا وهو ثابت بن العميثل الفهمي ومعه ابن براق الفهمي على بجيلة فأطردا لهم نعما ونذرت بهما بجيلة فخرجت في آثارهما ومضيا هاربين في جبال السراة وركبا الحزن وعارضتهما بجيلة في السهل فسبقوهما إلى الوهط وهو ماء لعمرو بن العاص بالطائف فدخلوا لهما في قصبة العين وجاءا وقد بلغ العطش منهما إلى العين فلما وقفا عليها قال تأبط شرا لابن براق أقل من الشراب فإنها ليلة طرد قال وما يدريك قال
(10/142)

والذي أعدو بطيره إني لأسمع وجيب قلوب الرجال تحت قدمي
وكان من أسمع العرب وأكيدهم
فقال له ابن براق ذلك وجيب قلبك
فقال له تأبط شرا والله ما وجب قط ولا كان وجابا وضرب بيده عليه وأصاخ نحو الأرض يستمع فقال والذي أعدو بطيره إني لأسمع وجيب قلوب الرجال فقال له براق فأنا أنزل قبلك فنزل فبرك وشرب وكان أكل القوم عند بجيلة شوكة فتركوه وهم في الظلمة ونزل ثابت فلما توسط الماء وثبوا عليه فأخذوه وأخرجوه من العين مكتوفا وابن براق قريب منهم لا يطمعون فيه لما يعلمون من عدوه فقال لهم ثابت إنه من أصلف الناس وأشدهم عجبا بعدوه وسأقول له أستأسر معي فسيدعوه عجبه بعدوه إلى أن يعدو من بين أيديكم وله ثلاثة أطلاق أولها كالريح الهابة والثاني كالفرس الجواد والثالث يكبو فيه ويعثر فإذا رأيتم منه ذلك فخذوه فإني أحب أن يصير في أيديكم كما صرت إذ خالفني ولم يقبل رأيي ونصحي له قالوا فافعل فصاح به تأبط شرا أنت أخي في الشدة والرخاء وقد وعدني القوم أن يمنوا عليك وعلي فاستأسر وواسني بنفسك في الشدة كما كنت أخي في الرخاء فضحك ابن براق وعلم انه قد كادهم وقال مهلا يا ثابت أيستأسر من عنده هذا العدو ثم عدا فعدا أول طلق مثل الريح الهابة كما وصف لهم والثاني كالفرس الجواد والثالث جعل يكبو ويعثر ويقع على وجهه
فقال ثابت خذوه فعدوا بأجمعهم فلما أن نفسهم عنه شيئا عدا تأبط شرا في كتافه وعارضه ابن براق فقطع كتافه وأفلتا جميعا فقال تأبط شرا قصيدته القافية في ذلك
(10/143)

( يا عيدُ مالك من شوقٍ وإبراقِ ... ومَرّ طيفٍ على الأهوال طرَّاقِ )
( يسري على الأّيْن والحيّاتِ محتفِياً ... نفسي فداؤُك من سارٍ على ساقِ )
( طيْف ابنة الحُرِّ إذ كنّا نواصلُها ... ثم اجْتُنِبْتُ بها من بعد تَفراقِ )
( لتَقرعِنَّ عليَّ السِّنَّ من نَدَمٍ ... إذا تذكّرتِ يوماً بعضَ أخلاقي )
( تالله آمنُ أنثى بعدما حَلَفَتْ ... أسماءُ بالله من عهدٍ وميثاقِ )
( ممزوجَةَ الودِّ بينا واصلَتْ صَرمَتْ ... الأوَّلُ اللّذْ مَضَى والآخِر الباقِي )
( فالأوّلُ اللَّذْ مضى قالٍ مودّتَها ... واللَّذُّ منها هْذاءٌ غير إحقاقِ )
( تُعْطِيك وعدَ أمانيٍّ تَغُرُّ به ... كالقَطْر مَرَّ على صَخْبَانَ برّاقِ )
( إنّي إذا حُلّةٌ ضَنَّتَ بنائلها ... وأَمْسَكِت بضعيف الحَبْل أحْذَاقِ )
( نجوْتُ منها نجائي من بجيلةَ إذ ... ألقيْتُ للقوم يوم الرْوع أرواقي )
وذكرها ابن أبي سعيد في الخبر إلى آخرها
وأما المفضل الضبي فذكر أن تأبط شرا وعمرو بن براق والشنفرى وغيره يجعل مكان الشنفرى السليك بن السلكة غزوا بجيلة فلم يظفروا منهم بغرة وثاروا إليهم فأسروا عمرا وكتفوه وأفلتهم الآخران عدوا فلم يقدروا عليهما فلما علما أن ابن براق قد أسر قال تأبط شرا لصاحبه امض فكن قريبا من عمرو فإني سأتراءى لهم وأطمعهم في نفسي حتى يتباعدوا عنه فإذا فعلوا ذلك فحل كتافه وانجوا ففعل ما أمره به وأقبل تأبط شرا
(10/144)

حتى تراءى لبجيلة فلما رأوه طمعوا فيه فطلبوه وجعل يطمعهم في نفسه ويعدو عدوا خفيفا يقرب فيه ويسألهم تخفيف الفدية وإعطاءه الأمان حتى يستأسر لهم وهم يجيبونه إلى ذلك ويطلبونه وهو يحضر إحضارا خفيفا ولا يتباعد حتى علا تلعة أشرف منها على صاحبيه فإذا هما قد نجوا ففطنت لهما بجيلة فألحقتهما طلبا ففاتاهم فقال يا معشر بجيلة أأعجبكم عدو ابن براق اليوم والله لأعدون لكم عدوا أنسيكم به عدوه ثم عدا عدوا شديدا ومضى وذلك قوله
( يا عيدُ مالَك من شَوقٍ وإبراقٍ ... )
وأما الأصمعي فإنه ذكر فيما أخبرني به ابن أبي الأزهر عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن عمه
أن بجيلة أمهلتهم حتى وردوا الماء وشربوا وناموا ثم شدوا عليهم فأخذوا تأبط شرا فقال لهم إن ابن براق دلاني في هذا وإنه لا يقدر على العدو لعقر في رجليه فإن تبعتموه أخذتموه فكتفوا تأبط شرا ومضوا في أثر ابن براق فلما بعدوا عنه عدا في كتافه ففاتهم ورجعوا
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا أبو سعيد السكري قال حدثنا ابن الأثرم وعن أبيه
وحدثنا محمد بن حبيب عن أبي عمرو قالا
كان تأبط شرا يعدو على رجليه وكان فاتكا شديدا فبات ليلة ذات ظلمة وبرق ورعد في قاع يقال له رحى بطان فلقيته الغول فما زال يقاتلها ليلته إلى أن أصبح وهي تطلبه قال والغول سبع من سباع الجن وجعل يراوغها وهي تطلبه وتلتمس غرة منه فلا تقدر عليه إلى أن أصبح
(10/145)

فقال تأبط شرا
( ألا مَنْ مُبلغٌ فِتيانَ فَهمٍ ... بما لاقيتُ عند رَحَى بِطانِ )
( بأنّي قد لقيتَ الغولَ تَهوِي ... بسهْبٍ كالصحيفة صَحصحانِ )
( فقلت لها كلانا نِضْوُأينٍ ... أخو سَفَر فخَلِّي لي مكاني )
( فشدّت شدّةً نحوي فأهوى ... لها كفّي بمصقولٍ يمانِي )
( فأضربها بلا دَهَشٍ فخّرَّت ... صريعاً لليدين وللجِرانِ )
( فقالت عُدْ فقلتُ لها رويداً ... مكانَك إنني ثَبْتُ الجَنانِ )
( فلم أنفكَّ متّكئاً عليها ... لأنظُرَ مُصبِحاً ماذا أتاني )
( إذا عينان في رأسٍ قبيحٍ ... كرأْس الهِرِّ مشقوق اللّسان )
( وساقا مُخْدِجٍ وشواةُ كلب ... وثوبٌ من عَباءٍ أو شِنان )
غزا بجيلة فقتل رجلا واستاق غنما
قالوا وكان من حديثه انه خرج غازيا يريد بجيلة هو ورجل معه وهو يريد أن يغترهم فيصيب حاجته فأتى ناحية منهم فقتل رجلا ثم استاق غنما كثيرة فنذروا به فتبعه بعضهم على خيل وبعضهم رجالة وهم كثير فلما رآهم وكان من أبصر الناس عرف وجوههم فقال لصاحبه هؤلاء قوم قد عرفتهم ولن يفارقونا اليوم حتى يقاتلونا أو يظفروا بحاجتهم فجعل صاحبه ينظر فيقول ما أتبين أحدا حتى إذ دهموهما قال لصاحبه اشتد فإني سأمنعك ما دام في يدي سهم فاشتد الرجل ولقيهم تأبط شرا وجعل يرميهم حتى نفذت نبله ثم إنه اشتد فمر بصاحبه فلم يطق شدة فقتل صاحبه وهو ابن عم لزوجته فلما رجع تأبط شرا وليس صاحبه معه عرفوا أنه قد قتل فقالت له امرأته تركت صاحبك وجئت متباطئا فقال تأبط شرا في ذلك
(10/146)

( ألا تلكما عرسى منيعةُ ضُمِّنت ... من اللَّهِ إثماً مُستِسراً وعالِنا )
( تقول تركتَ صاحباً لك ضائعاً ... وجئت إلينا فارقاً مُتبَاطِنا )
( إذا ما تركتُ صاحبي لثلاثة ... أو اثْنَيْنِ مثْلَينا فلا أُبْتُ آمِنا )
( وما كنت أبّاء على الخِلّ إذ دعا ... ولا المرءِ يدعوني مُمِرّا مُداهِنا )
( وكَرّي إذا أُكْرِهتُ رهطاً وأَهلَه ... وأرضا يكون العَوْصُ فيها عُجاهِنَا )
( ولمّا سمعت العَوصَ تدعو تنفّرت ... عصافيرُ رأسي من غُواةٍ فَراتِنا )
( ولم أنتظر أن يَدهموني كأنهم ... ورائيَ نَحْل في الخليّة واكِنَا )
( ولا أن تُصِيب النافذاتُ مقاتلي ... ولم أَكُ بالشدِّ الذِليق مُداينا )
( فأرسلتُ مثنيًّا عن الشدّ واهِناً ... وقلتُ تزحزحْ لا تكوننّ حَائِنا )
( وحثحثتُ مشعوفَ النَّجاء كأنه ... هِجفّ رأى قصراً سِمالاً وداجنا )
(10/147)

( من الحُصِّ هِزْروفٌ يطير عِفاؤه ... إذا استدرج الفَيْفا ومّدَ المغابنا )
( أزجُّ زَلوجٌ هذر في زفازفٌ ... هِزَفٌّ يبذُ الناجيات الصوَّافِنا )
( فزحزت عنهم أو تجِئْني مَنِيَّتي ... بغبراءَ أو عرفاءَ تَفْري الدَّفائنا )
( كأنّي أراها الموتَ لا درّ دَرُّها ... إذا أمكنَتْ أنيابَها والبراثنا )
( وقالت لأخرى خلفها وبناتها ... حتوف تُنَقِّي مخّ مَنْ كان واهنا )
( أخاليجُ ورَّادٍ على ذي محافل ... إذا نزعوا مدّوا الدِّلا والشّواطنا )
وقال غيره بل خرج تأبط شرا هو وصاحبان له حتى أغاروا على العوص من بجيلة فأخذوا نعما لهم واتبعتهم العوص فأدركوهم وقد كانوا استأجروا لهم رجالا كثيرة فلما رأى تأبط شرا ألا طاقة لهم بهم شمر وتركهما فقتل صاحباه وأخذت النعم وأفلت حتى أتى بني القين من فهم فبات عند امرأة منهم يتحدث إليها فلما أراد أن يأتي قومه دهنته ورجلته فجاء إليهم وهم يبكون فقالت له امرأته لعنك الله تركت صاحبيك
(10/148)

وجئت مدهنا
وإنه إنما قال هذه القصيدة في هذا الشأن وقال تأبط شرا يرثيهما وكان اسم أحدهما عمرا
( أبعد قتيل العَوصْ آسَى على فتىً ... وصاحِبه أو يأمُلُ الزّادَ طارقُ )
( أأطْرُد فهماً آخر الليل أبتغِي ... عُلالة يوم أن تَعُوقَ العوائق )
( لَعَمرُ فتىً نِلتم كأنّ رداءه ... على سرحةٍ من سرح دومة سامق )
( لأطرُد نَهْباً أو نرودَ بفِتْيةٍ ... بأيمانهم سُمْر القَنا والعقائق )
( مَساعَرةُ شُعْثٌ كأنّ عيونهم ... حريقُ الغضا تُلْفَى عليها الشقّائق )
( فعُدُّوا شهورَ الحُرْمِ ثم تعرّفوا ... قتيل أناسٍ أو فتاةٍ تعانقُ )
محاولة قتله هو وأصحابه بالسم
قال الأثرم قال أبو عمرو في هذه الرواية وخرج تأبط شرا يريد أن يغزو هذيلا في رهط فنزل على الأحل بن قنصل رجل من بجيلة وكان بينهما حلف فأنزلهم ورحب بهم ثم إنه ابتغى لهم الذراريح ليسقيهم فيستريح منهم ففطن له تأبط شرا فقام إلى أصحابه فقال إني أحب ألا يعلم أنا قد فطنا له ولكن سابوه حتى نحلف ألا نأكل من طعامه ثم أغتره فأقتله لأنه إن علم حذرني وقد كان مالأ ابن قنصل رجل منهم يقال له لكيز
(10/149)

قتلت فهم أخاه فاعتل عليه وعلى أصحابه فسبوه وحلفوا ألا يذوقوا من طعامه ولا من شرابه ثم خرج في وجهه وأخذ في بطن واد فيه النمور وهي لا يكاد يسلم منها أحد والعرب تسمي النمر ذا اللونين وبعضهم يسميه البسنتى فنزل في بطنه وقال لأصحابه انطلقوا جميعا فتصيدوا فهذا الوادي كثير الأروى فخرجوا وصادوا وتركوه في بطن الوادي فجاءوا فوجدوه قد قتل نمرا وحده وغزا هديلا فغنم وأصاب فقال تأبط شرا في ذلك
( أقسمتُ لا أنسى وإن طال عيشُنا ... صنيع لكُيْزٍ والأَحلّ بن قنصل )
( نزلنا به يوماً فساء صَبَاحُنا ... فإنك عَمْري قد ترى أيّ منزل )
( بَكَى إذ رآنا نازلين ببابه ... وكَيف بُكاءُ ذي القليل المُعَيَّل )
( فلا وأبيك ما نَزَلنا بعامرٍ ... ولا عامر ولا الرئيس ابن قَوقل )
عامر بن مالك أبو براء ملاعب الأسنة وعامر بن الطفيل وابن قوقل مالك بن ثعلبة أحد بني عوف بن الخزرج
( ولا بالشّليل ربّ مروان قاعداً ... بأحسن عَيْش والنُّفاثيّ نوفَلِ )
رب مروان جرير بن عبد الله البجلي
ونوفل بن معاوية بن عروة بن صخر بن يعمر أحد بني الديل بن بكر
( ولا ابن وَهيب كاسبِ الحمد والعُلاَ ... ولا ابن ضُبَيْعٍ وسط آل المُخبَّل )
( ولا ابنِ حُلَيْسٍ قاعدا في لِقاحه ... ولا ابن جُرَيٍّ وسط آل المغفّل )
(10/150)

( ولا ابنِ رياحٍ بالزُّليفات دارُه ... رِياح بن سعد لا رياح بن مَعْقلِ )
( أولِئك أَعطَى للوَلائد خِلْفَةً ... وأَدْعَى إلى شحم السَّديف المُرَعْبَل )
نجاته من موت محتم
وقال أيضا في هذه الرواية كان تأبط شرا يشتار عسلا في غار من بلاد هذيل يأتيه كل عام وأن هذيلا ذكرته فرصدوه لإبان ذلك حتى إذا جاء هو وأصحابه تدلى فدخل الغار وقد أغاروا عليهم فأنفروهم فسبقوهم ووقفوا على الغار فحركوا الحبل فأطلع تأبط شرا رأسه فقالوا اصعد فقال ألا أراكم قالوا بلى قد رأيتنا
فقال فعلام أصعد أعلى الطلاقة أم الفداء قالوا لا شرط لك قال فأراكم قاتلي وآكلي جناي لا والله لا أفعل قال وكان قبل ذلك نقب في الغار نقبا أعده للهرب فجعل يسيل العسل من الغار ويهريقه ثم عمد إلى الزق فشده على صدره ثم لصق بالعسل فلم يبرح ينزلق عليه حتى خرج سليما وفاتهم وبين موضعه الذي وقع فيه وبين القوم مسيرة ثلاث فقال تأبط شرا في ذلك
( أقول للحيانٍ وقد صَفِرت لهم ... وِطابي ويَوْمي ضَيّق الحَجْر مُعوِرُ )
( هما خُطَّتا إما إسارٌ ومِنَّةٌ ... وإما دَمٌ والقتلُ بالحُرّ أجدَرُ )
( وأُخرى أصادِي النّفسَ عنها وإنها ... لمورِدُ حَزْم إن ظَفِرت ومَصدَرُ )
( فرَشْتُ لها صدري فزَلّ عن الصّفا ... به جؤجؤٌ صَلْبٌ ومتنُ مُخصَّرُ )
( فخالطَ سهلَ الأرض لم يكدح الصَّفا ... به كَدْحَةً والموتُ خَزيانُ يَنْظُر )
(10/151)

( فأُبْتُ إلى فَهمٍ وما كُنتُ آئباً ... وكم مثلها فارقتُها وهي تَصْفِر )
( إذا المرء لم يَحْتلْ وقد جَدّ جِدّه ... أضاع وقاسَى أمرَه وهو مُدبِر )
( ولكن أَخْو الحَزْم الذي ليس نازلاً ... به الأمرُ إلا وهْو للحزم مُبْصِرُ )
( فذاك قَريعُ الدَّهر ما كان حوَّلا ... إذا سُدّ منه مَنْخِرٌ جاش مَنْخرُ )
( فإنّك لو قَايَسْت باللِّصب حِيلَتي ... بلُقْمان لم يُقصِر بي الدهرَ مُقْصِرُ )
قتل هو وأصحابه نفرا من العوص
وقال أيضا في حديث تأبط شرا إنه خرج في عدة عن فهم فيهم عامر ابن الأخنس والشنفرى والمسيب وعمرو بن براق ومرة بن خليف حتى بيتوا العوص وهم حي من بجيلة فقتلوا منهم نفرا وأخذوا لهم إبلا فساقوها حتى كانوا من بلادهم على يوم وليلة فاعترضت لهم خثعم وفيهم ابن حاجز وهو رئيس القوم وهم يومئذ نحو من أربعين رجلا فلما نظرت إليهم صعاليك فهم قالوا لعامر بن الأخنس ماذا ترى قال لا أرى لكم إلا صدق الضراب فإن ظفرتم فذاك وإن قتلتم كنتم قد أخذتم ثأركم قال تأبط شرا بأبي أنت وأمي فنعم رئيس القوم أنت إذا جد الجد وإذا كان قد أجمع رأيكم على هذا فإني أرى لكم أن تحملوا على القوم حملة واحدة فإنكم قليل والقوم كثير ومتى افترقتم كثركم القوم فحملوا عليهم فقتلوا منهم في حملتهم فحملوا ثانية فانهزمت خثعم وتفرقت وأقبل ابن حاجز فأسند في الجبل فأعجز فقال تأبط شرا في ذلك
(10/152)

( جَزَى الله فِتيانا على العوْص أمطرت ... سَماؤُهُم تحت العَجاجة بالدَّم )
( وقد لاح ضَوءُ الفجر عَرْضا كأنه ... بلَمْحته إقراب أبْلَق أدْهَم )
( فإنَّ شِفَاء الداء إدراك ذَحْلةً ... صباحاً على آثار حوم عَرَمْرَم )
( وضاربْتُهم بالسفحِ إذ عارَضَتْهُمُ ... قبائلُ من أبناء قسرٍ وخثعم )
( ضِرابا عَدَا منه ابنُ حاجز هاربا ... ذُرا الصَّخر في جوف الوجين المُديَّم )
وقال الشنفرى في ذلك
( دَعيني وقُولي بَعدُ ما شئتِ إنّني ... سَيُغدّى بنَعْشِي مرةً فأُغيَّب )
( خرجنَا فلم نعهد وقَلَّت وصاتنا ... ثمانيةٌ ما بعدها مُتعَتَّب )
( سراحينُ فتيانٍ كأن وُجوهَهم ... مصابيحُ أو لونٌ من الماء مذهب )
( نَمُرّ برَهوْ الماء صَفْحاً وقد طَوَتْ ... ثمائِلُنا والزّادُ ظَنٌّ مُغَيَّبُ )
( ثلاثاً على الأَقدام حتى سما بنا ... على العَوْص شَعْشاعٌ من القوم مِحْربُ )
( فثاروا إلينا في السواد فَهجْهَجُوا ... وصَوَّت فينا بالصّباح المُثوّب )
( فشنَّ عليهم هذة السيف ثابِتٌ ... وصَمَّم فيهم بالحُسام المُسيِّبُ )
( وظَلْتُ بفتيانٍ معي أتّقيهمُ ... بهنّ قليلا ساعة ثم جنبوا )
(10/153)

( وقد خَرّ منهم راجلان وفارسٌ ... كميّ صرعناه وحَوْم مسلّب )
( يَشُقُّ إليه كلّ رَبْعٍ وقَلْعَةٍ ... ثمانيةٌ والقوم رَجْلٌ ومِقْنبُ )
( فلما رآنا قومنا قيل أفلَحُوا ... فقلنا : اسألوا عن قائل لا يُكَذَّبُ )
وقال تأبط شرا في ذلك
( أرى قدمَيَّ وقَعهُما خَفيفٌ ... كتحليل الظَّليم حَدَا رِئالَه )
( أرى بهما عذاباً كلّ يومٍ ... بخَثْعَم أو بَجِيلَةَ أو ثُمالَه )
ففرق تأبط شرا أصحابه ولم يزالوا يقاتلونهم حتى انهزمت خثعم وساق تأبط شرا وأصحابه الإبل حتى قدم بها عليا مكة
وقال غيره إنما سمي تأبط شرا ببيت قاله وهو
( تأبط شراً ثم راح أو اغتدىَ ... يُوائِم غُنْما أو يَشِيفُ على ذَحْل )
شعره عندما هرب من مراد إلى قومه
قال وخرج تأبط شرا يوما يريد الغارة فلقى سرحا لمراد فأطرده ونذرت به مراد فخرجوا في طلبه فسبقهم إلى قومه وقال في ذلك
( إذا لاقيتَ يومَ الصّدق فارْبَع ... عليه ولا يَهمّك يومُ سَوِّ )
( على أنِّي بِسَرْح بني مرادٍ ... شجوتهُم سِباقاً أيَّ شجوِ )
( وآخر مثله لا عيبَ فيه ... بَصَرتُ به ليوم غيرِ زوِّ )
( خَفَضتُ بساحةٍ تجري علينا ... أباريق الكرامة يومَ لَهْوِ )
(10/154)

أغار تأبط شرا وحده على خثعم فبينا هو يطوف إذ مر بغلام يتصيد الأرانب معه قوسه ونبله فلما رآه تأبط شرا أهوى ليأخذه فرماه الغلام فأصاب يده اليسرى وضربه تأبط شرا فقتله وقال في ذلك
( وكادت وبيتِ الله أطناب ثابت ... تقوّضُ عن لَيْلَى وتبكي النَّوائح )
( تمنّى فتى منّا يلاقي ولم يَكد ... غلامٌ نَمَتْه المُحْصنات الصّرائِح )
( غلام نَمى فوق الخماسيِّ قدره ... ودون الذي قد تَرْتَجِيه النّوَّاكحُ )
( فإن تك نالته خطاطِيف كفّه ... بأبيض قصّال نمى وهو فادح )
( فقد شد في إحدى يديه كِنانه ... يُداوَى لها في أسود القلب قادح )
هذه الأبيات أن تكون لقوم المقتول أشبه منها بتأبط شرا
خبره مع امرأة من هذيل
قال وخطب تأبط شرا امرأة من هذيل من بني سهم فقال لها قائل لا تنكحيه فإنه لأول غدا يفقد فقال تأبط شرا
( وقالوا لها لا تَنكَحِيه فإنّه ... لأول نَصْل أن يُلاقى مَجمَعا )
( فلم تَرَ مِنْ رأيٍ فتيلا وحاذرت ... تأَيّمها من لابس الليلِ أَرْوَعا )
(10/155)

( قليل غِرارِ النّوم أكبر هَمّه ... دَمُ الثّأر أو يلقى كَمِيا مُقَنَّعا )
( قليلِ ادّخَارِ الزَّادِ إلاّ تَعِلَّة ... وقد نَشَزَ الشُّرسُوفُ والتصق المِعَى )
( تُناضِله كلٌّ يشجّع نفسَه ... وما طبُّه في طرْقه أن يُشجَّعا )
( يبيت بمغنى الوحش حتى ألفْنه ... ويصبح لا يحمي لها الدهرَ مرتعا )
( رأين فتىً لا صَيْدُ وحش يَهمّه ... فَلَوْ صافحت إنْسا لصافَحْنَه معا )
( ولكنّ أربابَ المخاض يشقّهم ... إذا افتقدوه أو رأوه مُشيّعا )
( وإني ولا عِلمٌ لأَعلَمُ أنني ... سألقَى سِنانَ الموت يرشُق أضلعا )
( على غِرّةٍ أو جَهْرةٍ من مُكاثِرٍ ... أطال نِزالَ الموت حتى تَسَعْسَعا )
تسعسع فني وذهب
يقال قد تسعسع الشهر ومنه حديث عمر رضي الله عنه حين ذكر شهر رمضان فقال ( إن هذا الشهر قد تسعسع )
( وكنت أظن الموت في الحي أو أرى ... أَلَذّ وأُكرَى أو أَمُوتَ مُقَنَّعا )
( ولست أبيتُ الدَّهر إلا على فتى ... أسلِّبه أو أُذغِرُ السِرْبَ أجمَعَا )
( ومن يَضربُ الأبطالَ لا بدّ أنه ... سيَلْقى بهم من مَصْرع الموت مَصْرعا )
قال وخرج تأبط شرا ومعه صاحبان له عمرو بن كلاب أخو المسيب
(10/156)

وسعد بن الأشرس وهم يريدون الغارة على بجيلة فنذروا بهم وهم في جبل ليس لهم طريق عليهم فأحاطوا بهم وأخذوا عليهم الطريق فقاتلوهم فقتل صاحبا تأبط شرا ونجا ولم يكد حتى أتى قومه
فقالت له امرأته وهي أخت عمرو بن كلاب إحدى نساء كعب بن علي بن إبراهيم بن رياح هربت عن أخي وتركته وغررته أما والله لو كنت كريما لما أسلمته فقال تأبط شرا في ذلك
( ألا تِلكما عِرْسي مَنيعة ضُمِّنَت ... من الله خِزياً مُسْتسرّاً وعاهنا )
وذكر باقي الأبيات
وإنما دعا امرأته إلى أن عيرته أنه لما رجع بعد مقتل صاحبيه انطلق إلى امرأة كان يتحدث عندها وهي من بني القين بن فهم فبات عندها فلما أصبح غدا إلى امرأته وهو مدهن مترجل فلما رأته في تلك الحال علمت أين بات فغارت عليه فعيرته
غارته على خثعم
وذكروا أن تأبط شرا أغار على خثعم فقال كاهن لهم أروني أثره حتى آخذه لكم فلا يبرح حتى تأخذوه فكفئوا على أثره جفنة ثم أرسلوا إلى الكاهن فلما رأى أثره قال هذا ما لا يجوز في صاحبه الأخذ فقال تأبط شرا
( ألا أبلغ بني فَهْم بن عمرو ... على طولِ التَّنائي والمقَالَهْ )
(10/157)

( مقَال الكاهن الجامِيّ لمّا ... رأى أثري وقد أُنهِبتُ مالَهْ )
( رأى قدمَيّ وقعُهما حثيثٌ ... كتحليل الظليم دعا رئاله )
( أرى بهما عذاباً كلَّ عام ... لخثعمَ أو بجيلةَ أو ثُمالهْ )
( وشرٌّ كان صُبَّ على هذيل ... إذا علقت حِبالهمُ حِبالَه )
( ويَومُ الأزد منهم شرّ يوم ... إذا بَعُدوا فقد صَدَّقتُ قاله )
فزعموا أن ناسا من الأزد بئوا لتأبط شرا ربيئة وقالوا هذا مضيق ليس له سبيل إليكم من غيره فأقيموا فيه حتى يأتيكم فلما دنا من القوم توجس ثم انصرف ثم عاد فنهضوا في أثره حين رأوه لا يجوز ومر قريبا فطمعوا فيه وفيهم رجل يقال له حاجز ليث من ليوثهم سريع فأغروه به فلم يلحقه فقال تأبط شرا في ذلك
( تَتعتعتُ حِضْنَيْ حاجزٍ وصحابِه ... وقد نبذوا خُلقانَهم وتشنَّعوا )
( أَظن وإن صادفتُ وعثاً وأَنْ جرّى ... بِيَ السّهلُ أو متنٌ من الأرض مَهْيَع )
( أُجارِي ظلالَ الطير لو فات واحدٌ ... ولو صدقوا قالوا له هو أسرع )
( فلو كان من فتيان قيسٍ وخِنْدفٍ ... أَطاف به القُنَّاصُ من حيث أُفزِعوا )
( وجاب بلادا نصف يوم وليلة ... لآب إليهم وهو أشوس أروع )
( فلو كان منكم واحدٌ لكُفِيتُه ... وما ارتجعوا لو كان في القوم مطمع )
فأجابه حاجز
(10/158)

( فإن تك جاريْتَ الظلال فربما ... سُبِقْتَ ويومُ القِرْن عُريان أسْنَع )
( وخلَّيْتَ إخوان الصفاء كأنهم ... ذبائحُ عَنزٍ أو فَحِيلٌ مُصرَّع )
( تبكيِّهمُ شجوَ الحمامة بعدما ... أرحْتَ ولَم تُرفَع لهم منك إصْبَع )
( فهذي ثلاثٌ قد حويت نجاتَها ... وإن تنجُ أخرى فهي عندك أربع )
خير أيامه
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال ذكر علي بن محمد المدائني عن ابن دأب قال
سئل تأبط شرا أي يوم مر بك خير قال خرجت حتى كنت في بلاد بجيلة أضاءت لي النار رجلا جالسا إلى امرأة
فعمدت إلى سيفي فدفنته قريبا ثم أقبلت حتى استأنست فنبحني الكلب فقال ما هذا فقلت بائس
فقال ادنه فدنوت فإذا رجل جلحاب آدم وإذا أضوى الناس إلى جانبه فشكوت إليه الجوع والحاجة فقال اكشف تلك القصعة فأتيت قصعة إلى جنب إبله فإذا فيها تمر ولبن فأكلت منه حتى شبعت ثم خررت متناوما فو الله ما شئت أن أضطجع حتى أضطجع هو ورفع رجله على رجله ثم اندفع يغني وهو يقول
( خَيرُ اللَّيالي إن سألت بليلة ... ليل بخيْمة بين بِيشَ وعَثّرِ )
(10/159)

( لِضجيعِ آنسةٍ كأَنَّ حَدِيثَها ... شَهدٌ يُشاب بمزجةٍ من عَنْبر )
( وضجيعِ لاهيةٍ أُلاعِب مِثلَها ... بيضاءَ واضحةٍ كَظِيظ المِئْزَر )
( ولأَنْت مثلُهما وخَيرٌ منهما ... بعد الرُّقاد وقبل أَن لم تُسْحِري )
قال ثم انحرف فنام ومالت فنامت فقلت ما رأيت كالليلة في الغرة فإذا عشر عشراوات بين أثلاث فيها عبد واحد وأمه فوثبت فانتضيت سيفي وانتحيت للعبد فقتلته وهو نائم ثم انحرفت إلى الرجل فوضعت سيفي على كبده حتى أخرجته من صلبه ثم ضربت فخذ المرأة فجلست فلما رأته مقتولا جزعت فقلت لا تخافي أنا خير لك منه
قال وقمت إلى جل متاعها فرحلته على بعض الإبل أنا والأمة فما حللت عقده حتى نزلت بصعدة بني عوف بن فهر وأعرست بالمرأة هناك وحين اضطجعت فتحت عقيرتي وغنيت
( بحَليلة البجليّ بِتْ من ليلِها ... بين الإِزار وكَشِحْها ثم الصَقِ )
( بأَنسيةٍ طُوِيت على مَطْويّها ... طيَّ الحمالةِ أو كطيّ المِنْطَقِ )
( فإذا تقوم فصَعدةٌ في رَمْلَة ... لبَدَت برِيّق دِيمة لم تُغدِق )
(10/160)

( وإذا تجيءُ تجيء شحب خلفها ... كالأَيْم أصْعَد في كَثِيبٍ يَرْتَقِي )
( كَذَب الكوَاهِنُ والسَّواحِرُ والهُنا ... أن لا وفاء لعاجِزٍ لا يَتَّقِي )
قال فهذا خير يوم لقيته
وشر يوم لقيت أني خرجت حتى إذا كنت في بلاد ثمالة أطوف حتى إذا كنت من الفقير عشيا إذا بسبع خلفات فيهن عبد فأقبلت نحوه وكأني لا أريده وحذرني فجعل يلوذ بناقة فيها حمراء فقلت في نفسي والله إنه ليثق بها
فأفوق له ووضع رجله في أرجلها وجعل يدور معها فإذا هو على عجزها
وأرميه حين أشرف فوضعت سهمي في قلبه فخر وندت الناقة شيئا وأتبعتها فرجعت فسقتهن شيئا ثم قلت والله لو ركبت الناقة وطردتهن وأخذت بعثنون الحمراء فوثبت فساعة استويت عليها كرت نحو الحي تريع وتبعتها الخلفات وجلعت أسكنها وذهبت فلما خشيت أن تطرحني في أيدي القوم رميت بنفسي عنها فانكسرت رجلي وانطلقت والذود معها
فخرجت أعرج حتى انخنست في طرف كثيب وجازني الطلب فمكثت مكاني حتى أظلمت وشبت لي ثلاثة أنوار فإذا نار عظيمة ظننت أن لها أهلا كثيرا ونار دونها ونويرة صغيره فهويت للصغرى وأنا أجمر فلما نبحني الكلب نادى رجل فقال من هذا فقلت بائس فقال ادنه فدنوت وجلست وجعل يسائلني إلى أن قال والله إني لأجد منك ريح دم
فقلت لا والله ما بي دم
فوثب إلي فنفضني ثم نظر في جعبتي فإذا
(10/161)

السهم فقلت رميت العشية أرنبا فقال كذبت هذا ريح دم إنسان ثم وثب إلي ولا أدفع الشر عن نفسي فأوثقني كتافا ثم علق جعبتي وقوسي وطرحني في كسر البيت ونام فلما أسحرت حركت رجلي فإذا هي صالحة وانفتل الرباط فحللته ثم وثبت إلى قوسي وجعبتي فأخذتهما ثم هممت بقتله فقلت أنا ضمن الرجل وأنا أخشى أن أطلب فأدرك ولم أقتل أحدا أحب إلي فوليت ومضيت
فو الله إني لفي الصحراء أحدث نفسي إذا أنا به على ناقة يتبعني فلما رأيته قد دنا مني جلست على قوسي وجعبتي وأمنته وأقبل فأناخ راحلته ثم علقها ثم أقبل إلي وعهده بي عهده فقلت له ويلك ما تريد مني فأقبل يشتمني حتى إذا أمكنني وثبت عليه فما ألبثته أن ضربت به الأرض وبركت عليه أربطه فجعل يصيح يا لثمالة لم أر كاليوم
فجنبته إلى ناقته وركبتها فما نزعت حتى أحللته في الحي وقلت
( أغرّكَ منّي يا بن فَعْلة عِلَّتي ... عَشِيَّةَ أَن رابت عليَّ روائِبِي )
( وَ موقد نيران ثَلاثٍ فشَرُّهَا ... وألأَمُها إذ قُدْتُها غير عازِبِ )
( سلبتَ سِلاحِي بَائِساً وشَتَمْتَنِي ... فيا خَيْر مَسْلُوب ويا شَرَّ سَالِب )
( فإن أَكُ لم أخْضِبك فيها فإنَّها ... نُيوبُ أساوِيد وشَوْل عَقارِب )
( ويا رَكْبة الحَمْراء شَرَّة رَكْبةٍ ... وكادَتْ تكون شَرّ ركبةِ راكِبِ )
(10/162)

غارته على الأزد
قال وخرج تأبط غازيا يريد الغارة على الأزد في بعض ما كان يغير عليهم وحده فنذرت به الأزد فأهملوا له إبلا وأمروا ثلاثة من ذوي بأسهم حاجزين أبي وسواد بن عمرو بن مالك وعوف بن عبد الله أن يتبعوه حتى ينام فيأخذوه أخذا فكمنوا له مكمنا وأقبل تأبط شرا فبصر بالإبل فطردها بعض يومه
ثم تركها ونهض في شعب لينظر هل يطلبه أحد فكمن القوم حين رأوه ولم يرهم فلما لم ير أحدا في أثره عاود الإبل فشلها يومه وليلته والغد حتى أمسى ثم عقلها وصنع طعاما فأكله والقوم ينظرون إليه في ظله ثم هيأ مضطجعا على النار ثم أخمدها وزحف على بطنه ومعه قوسه حتى دخل بين الإبل وخشي أن يكون رآه أحد وهو لا يعلم ويأبى إلا الحذر والأخذ بالحزم فمكث ساعة وقد هيأ سهما على كبد قوسه فلما أحسوا نومه أقبلوا ثلاثتهم يؤمون المهاد الذي رأوه هيأه فإذا هو يرمي أحدهم فيقتله وجال الآخران ورمى آخر فقتله وأفلت حاجز هاربا وأخذ سلب الرجلين وأطلق عقل الإبل وشلها حتى جاء بها قومه وقال تأبط في ذلك
( تُرَجِّى نِساءُ الأَزْدِ طلعةَ ثابتِ ... أسِيراً ولم يَدْرِين كيف حَوِيلي )
( فإنّ الأُلي أَوصَيْتُم بَيْن هارِبٍ ... طَرِيدٍ ومَسْفُوح الدَّماءِ قَتِيلَ )
( وخدتُ بهم حتى إذا طال وَخْدُهم ... ورابَ عليهم مَضْجَعِي وَمَقِيلِي )
( مَهدتُ لهم حتى إذا طاب رَوعُهم ... إلى المهْد خَاتلْت الضِّيا بِخَتِيل )
(10/163)

( فلما أحسُّوا النَّوم جاءُوا كأنَّهم ... سِباعٌ أَصابت هجمةً بِسَلِيلِ )
( فَقلّدتُ سَوَّارَ بنَ عَمْرو بنِ مَالِكٍ ... بأَسْمَر جَسْر القُذَّتَين طَمِيل )
( فخَرَّ كأنّ الفِيَل ألقى جِرانَه ... عليه بريّان القِواء أسيلِ )
( وظل رعاع المَتْن من وقع حاجِزٍ ... يخرُّ ولو نَهْنَهْتَ غَيْر قَلِيل )
( لأبتَ كما آبا ولو كُنتَ قَارِناً ... لجئتَ وما مالكتَ طول ذَميلِي )
( فسرك ندماناك لما تتابعا ... وأنك لم ترجع بعوص قتيل )
( سَتأتي إلى فَهْمٍ غَنِيمَةُ خلْسَة ... وفي الأزد نَوْحُ وَيْلةٍ بِعَوِيلِ )
فقال حاجز بن أبي الأزدي يجيبه
( سألت فلم تُكلِّمني الرُّسوم ... )
وهي في أشعار الأزد
فأجابه تأبط شرا
( لقد قال الخِليُّ وقال خَلْساً ... بظهر الليل شُدَّ به العُكومُ )
( لِطَيفٍ من سُعادَ عَناك منها ... مُراعاةُ النُّجوم ومَنْ يَهِيمُ )
(10/164)

( وتلك لئن عُنِيتَ بها رَداحٌ ... من النّسوان مَنْطِقُها رَخِيمُ )
( نِياقُ القُرطِ غَرَّاءُ الثَّنايَا ... ورَيْداءُ الشَّباب ونِعْم خِيم )
( ولكن فاتَ صاحبُ بَطْن رَهْوٍ ... وصاحبه فأنتَ به زَعِيم )
( أُؤاخِذُ خُطَّة فيها سواء ... أَبِيتُ وَليلُ واترها نَؤُومُ )
( ثأرتُ بها وما اقْتَرفَت يَدَاه ... فَظلَّ لها بنا يومٌ غَشُومُ )
( نَحزُّ رِقابَهم حتى نَزَعْنا ... وأنفُ المَوْت مَنْخِرُه رَمِيمُ )
( وإن تَقع النّسورُ عليَّ يوْماً ... فلَحْم المعنْفِي لَحْم كَرِيمُ )
( وَذِي رَحمٍ أحالَ الدَّهْر عنه ... فلَيْس له لذي رَحِمِ حَرِيم )
( أصاب الدَّهرُ آمنَ مَرْوَتَيْه ... فألقاه المصاحِب والحَمِيمُ )
( مَددتُ له يَميناً من جَناحي ... لها وَفرُ وكافَيةٌ رَحُومُ )
( أُواسيه على الأيَّام إني ... إذا قَعَدت به اللُّؤَما أَلومُ )
رثاؤه لأخيه عمرو
ذكروا انه لما انصرف الناس عن المستغل وهي سوق كانت العرب
(10/165)

تجتمع بها قال عمرو بن جابر بن أخو سفيان تأبط شرا لمن حضر من قومه لا واللات والعزى لا أرجع حتى أغير على بني عتير من هذيل ومعه رجلان من قومه هو ثالثهما فأطردوا إبلا لبني عتير فأتبعهم أرباب الإبل فقال عمرو أنا كار على القوم ومنهنهم عنكما فامضيا بالإبل
فكر عليهم فنهنهم طويلا فجرح في القوم رئيسا ورماه رجل من بني عتير بسهم فقتله فقالت بنو عتير هذا عمرو بن جابر ما تصنعون أن تلحقوا بأصحابه أبعدها الله من إبل فإنا نخشى أن نلحقهم فيقتل القوم منا فيكونوا قد أخذوا الثأر فرجعوا ولم يجاوزوه
وكانوا يظنون أن معه أناسا كثيرا فقال تأبط لما بلغه قتل أخيه
( وحرّمتُ النساءَ وإن أُحِلّت ... بشَور أو بمزج أو لَصابِ )
( حياتي أو أزور بني عُتَير ... وكاهلها بَجمْع ذي ضباب )
( إذا وَقَعت لكَعْب أو خثيمٍ ... وسيار يَسُوغ لها شَرابِي )
( أَظُنّي مَيِّتا كَمداً ولَمّا ... أطالِعْ طلعةً أهلَ الكِراب )
( ودُمْتُ مُسَيَّرا أهدِي رعيلا ... أؤم سوادَ طَوْدٍ ذِي نِقاب )
فأجابه أنس بن حذيفة الهذلي
( لعلّك أن تَجِيء بك المَنايَا ... تُساق لِفِتْية منا غضابِ )
( فتنزلَ في مَكَرِّهُم صريعاً ... وتنزلَ طُرْقةَ الضَّبعُ السّغابِ )
(10/166)

( تأبَّطَ سَوْأةً وحملتَ شَرًّا ... لعلك أن تكون من المُصاب )
ثم أن السمع بن جابر أخا تابط شرا خرج في صعاليك من قومه يريد الغارة على بني عتير ليثأر بأخيه عمرو بن جابر حتى إذا كان ببلاد هذيل لقي راعيا لهم فسأله عنهم فأخبره بأهل بيت من عتير كثير مالهم فبيتهم فلم يفلت منهم مخبر واستاقوا أموالهم فقال في ذلك السمع بن جابر
( بأعلى ذي جماجم أهلُ دارٍ ... إذا ظَعنَت عشيرتُهم أقاموا )
( طرقْتُهمُ بفتيانٍ كِرامٍ ... مَساعِيرٍ إذا حَمِي المُقامُ )
( متى ما أدعُ من فَهْم تُجِبْني ... وعدوان الحماةِ لهم نِظامُ )
أصابته في غارته غلى الأزد
ذكروا أن تأبط شرا خرج ومعه مرة بن خليف يريدان الغارة على الأزد وقد جعلا الهداية بينهما فلما كانت هداية مرة نعس فجار عن الطريق ومضيا حتى وقعا بين جبال ليس فيها جبل متقارب وإذا فيها مياه يصيح الطير عليها وإذا البيض والفراخ بظهور الأكم فقال تأبط شرا هلكنا واللات يا مرة ما وطيء هذا المكان إنس قبلنا ولو وطئته إنس ما باضت الطير بالأرض فاختر أية هاتين القنتين شئت وهما أطول شيء يريان من الجبال فأصعد إحداهما وتصعد أنت الأخرى فإن رأيت الحياة فألح بالثوب وإن رأيت الموت فألح بالسيف فإني فاعل مثل ذلك فأقاما يومين
ثم إن تأبط شرا ألاح بالثوب وانحدرا حتى التقيا في سفح الجبل فقال مرة ما رأيت يا ثابت قال دخانا أو جرادا
قال مرة
(10/167)

إنك إن جزعت منه هلكنا فقال تأبط شرا أما أنا فإني سأخرم بك من حيث تهتدي الريح فمكثا بذلك يومين وليلتين ثم تبعا الصوت فقال تأبط شرا النعم والناس
أما والله لئن عرفنا لنقتلن ولئن أغرنا لندركن فأت الحي من طرف وأنا من الآخر ثم كن ضيفا ثلاثا فإن لم يرجع إليك قلبك فلا رجع ثم أغر على ما قبلك إذا تدلت الشمس فكانت قدر قامة وموعدك الطريق
ففعلا حتى إذا كان اليوم الثالث أغار كل واحد منهما على ما يليه فاستاقا النعم والغنم وطردا يوما وليلة طردا عنيفا حتى أمسيا الليلة الثانية دخلا شعبا فنحرا قلوصا فبينا هما يشويان إذ سمعا حسا على باب الشعب فقال تأبط الطلب يا مرة إن ثبت فلم يدخل فهم مجيزون وإن دخل فهو الطلب فلم يلبث أن سمع الحس يدخل فقال مرة هلكنا ووضع تأبط شرا يده على عضد مرة فإذا هي ترعد فقال ما أرعدت عضدك إلا من قبل أمك الوابشية من هذيل خذ بظهري فإن نجوت نجوت وإن قتلت وقيتك
فلما دنا القوم أخذ مرة بظهر تأبط وحمل تأبط فقتل رجلا ورموه بسهم فأعلقوه فيه وأفلتا جميعا بأنفسهما فلما أمنا وكان من آخر الليل قال مرة ما رأيت كاليوم عنيمة أخذت على حين أشرافنا على أهلنا وعض مرة عضده وكان الحي الذين أغاروا عليهم بجيلة وأتى تأبط امرأته فلما رأت جراحته ولولت فقال تأبط في ذلك
( وبالشِّعب إذ سدّت بجِيلةُ فَجَّهُ ... ومِن خَلفه هَضبٌ صغار وجامل )
( شدّدْتُ لنفس المرء مُرَّةَ حَزْمَه ... وقد نُصِبت دون النَّجاء الحبائل )
( وقلت له كن خلفَ ظهري فإنني ... سأفديك وانظر بعدُ ما أنتَ فاعِل )
(10/168)

( فعاذ بَحدّ السيف صاحبُ أمرهم ... وَخلَّوْا عن الشيء الذي لم يحاولوا )
( وأخطأهم قَتِلى ورفَّعتُ صاحبي ... على الليل لم تُؤخذ عليه المخاتلُ )
( واخطأ غُنْم الحَيّ مُرَّة بعدما ... حوته إليه كفُّه والأناملُ )
( يعض على أطرافه كيف زَوْلُه ... ودون الملا سهلٌ من الأرض ماثل )
( فقلت له هذي بتلك وقد يَرَى ... لها ثَمَنا من نفسه ما يُزاول )
( تُوَلْوِل سُعدى أن أتيتُ مُجرَّحا ... إليها وقد مَنَّت عليّ المَقاتلُ )
( وكائِنْ أتاها هارِباً قبل هذه ... ومن غانمٍ فأين مِنْكِ الوَلاوِل )
أراد هو وأصحابه الأخذ بثأر صاحبيهم
فلما انقضت الأشهر الحرم وخرج تأبط والمسيب بن كلاب في ستة نفر يريدون الغارة على بجيلة والأخذ بثأر صاحبيهم عمرو بن كلاب وسعد بن الأشرس
فخرج تأبط والمسيب بن كلاب وعامر بن الأخنس وعمرو بن براق ومرة ابن خليف والشنفرى بن مالك والسمع وكعب بن حدار ابنا جابر أخوا تأبط
فمضوا حتى أغاروا على العوص فقتلوا منهم ثلاثة نفر فارسين وراجلا وأطردوا لهم إبلا وأخذوا منهم امرأتين فمضوا بما غنموا حتى إذا كانوا على يوم وليلة من قومهم عرضت لهم خثعم في نحو من أربعين رجلا فيهم أبي بن جابر الخثعمي وهو رئيس القوم فقال تأبط يا قوم لا تسلموا لهم ما في أيديكم حتى تبلوا عذرا وقال عامر بن الأخنس عليكم بصدق الضراب وقد أدركتم بثأركم وقال
(10/169)

المسيب اصدقوا القوم الحملة وإياكم والفشل وقال عمرو بن براق ابذلوا مهجكم ساعة فإن النصر عند الصبر وقال الشنفرى
( نحن الصَّعالِيك الحُماةُ البُزَّلُ ... إذا لَقِينا لا نُرَى نُهَلّلُ )
وقال مرة بن خليف
( يا ثابتَ الخَيْر ويا بنَ الأخنسِ ... ويا بنَ بَرّاق الكَريمِ الأشْوسِ )
( والشّنفَرى عند حُيودِ الأنفسِ ... أنا ابن حَامِي السِّربِ في المغمَّسِ )
( نحن مساعِيرُ الحُروبِ الضُّرّس ... )
وقال كعب حدار أخو تأبط
( يا قوم أَمَّا إذ لَقِيتم فاصْبِرُوا ... ولا تَخيِمُوا جزَعاً فتُدْبِروا )
وقال السمع أخو تأبط
( يا قوم كونوا عندها أَحْرارا ... لا تُسلِموا العُونَ ولا البِكارا )
( ولا القَنَاعيسَ ولا العِشَارا ... لخَثْعمٍ وقد دَعَوْا غِرَارَا )
( ساقوهُم المَوْت معاً أحرارا ... وافتخِرُوا الدَّهْر بها افْتِخارا )
(10/170)

فلما سمع تأبط مقالتهم قال بأبي أنتم وأمي نعم الحماة إذا جد الجد أما إذا أجمع رأيكم على قتال القوم فاحملوا ولا تتفرقوا فإن القوم أكثر منكم فحملوا عليهم فقتلوا منهم ثم كروا الثانية فقتلوا ثم كروا الثالثة فقتلوا فانهزمت خثعم وتفرقت في رؤوس الجبال ومضى تأبط وأصحابه بما غنموا وأسلاب من قتلوا فقال تأبط في ذلك
( جَزَى اللَّهُ على فِتْياناً على العَوْصِ أشرقت ... سيوفهم تحت العَجاجَة بالدَّمِ )
الأبيات
وقال الشنفرى في ذلك
( دَعِيني وقُولي بعد ما شئتِ إنني ... سيفدى بنَفْسي مَرَّةً فأُغيَّبُ )
الأبيات
وقال الشنفرى أيضا
( ألا هل أَتَى عَنَّا سُعادَ ودُونَها ... مهامِهُ بِيدٍ تعْتَلي بالصعالِكِ )
( بأَنّا صَبَحْنا القوم في حُرّ دارِهِم ... حِمامَ المنايا بالسُّيوف البَواتِك )
( قَتَلْنا بعمرو منهمُ خيْرَ فارس ... يزيدَ وسعدا وابنَ عوفٍ بمالك )
( ظَلَلْنا نُفَرِّي بالسّيوف رُؤوُسَهم ... ونَرشُقهم بالنَّبْل بين الدَّكَادِك )
كان ضعيفا أمام النساء
قال وخرج تأبط في سرية من قومه فيهم عمرو بن براق ومرة بن خليف والمسيب بن كلاب وعامر بن الأخنس وهو رأس القوم وكعب
(10/171)

حدار وريش كعب والسمع وشريس بنو جابر إخوة تأبط شرا وسعد ومالك ابنا الأقرع حتى مروا ببني نفاثة بن الديل وهم يريدون الغارة عليهم فباتوا في جبل مطل عليهم فلما كان في وجه السحر أخذ عامر بن الأخنس قوسه فوجد وترها مسترخيا فجعل يوترها ويقول له تأبط بعض حطيط وترك يا عامر وسمعه شيخ من بني نفاثة فقال لبنات له أنصتن فهذه والله غارة لبني ليث وكان الذي بينهم يومئذ متفاقما في قتل حميصة بن قيس أخي بلعاء وكانوا أصابوه خطأ وكانت بنو نفاثة في غزوة والحي خلوف وليس عندهم غير أشياخ وغلمان لا طباخ بهم فقالت امرأة منهم اجهروا الكلام والبسوا السلاح فإن لنا عدة فو اللات ما هم إلا تأبط وأصحابه
فبرزن مع نوفل وأصحابه
فلما بصر بهم قال انصرفوا فإن القوم قد نذروا بكم فأبوا عليه إلا الغارة فسل تأبط سيفه وقال لئن أغرتم عليهم لأتكئن على سيفي حتى أنفذه من ظهري فانصرفوا ولا يحسبون إلا أن النساء رجال حتى مروا بإبل البلعاء بن قيس بقرب المنازل فأطردوها فلحقهم غلام من بني جندع بن ليث فقال يا عامر بن الأخنس أتهاب نساء بني نفاثة وتغير على رجال بني ليث هذه والله إبل لبلعاء بن قيس
فقال له عامر أو كان رجالهم خلوفا قال نعم قال أقرئ بلعاء مني السلام وأخبره بردي إبله وأعلمه أني قد حبست منها بكرا لأصحابي فإنا قد أرملنا فقال الغلام لئن حبست منها هلبة لأعلمنه ولا أطرد منها بعيرا أبدا
فحمل عليه تأبط فقتله ومضوا بالإبل إلى قومهم فقال في ذلك تأبط
( ألا عَجِب الفِتْيان من أمّ مالك ... تقول أراك اليوم أشعثَ أغبرا )
(10/172)

( تَبوعاً لآثار السَّريَّة بعد ما ... رأيتُك بَرَّاق المَفارق أَيْسرا )
( فقلتُ له يَوْمان يَومُ إقامة ... أهزّ به غُصْناً من البانِ أخضرا )
( ويومٌ أهزّ السَّيفَ في جيد أغيد ... له نِسوةٌ لم تلق مثلي أنكرا )
( يخفن عليه وهو ينزِع نفسَه ... لقد كنت أبّاء الظلامة قَسْورا )
( وقد صِحْت في آثار حَوْم كأنها ... عَذارَى عُقيل أو بَكارةُ حِمْيرا )
( أبعد النّفاثيَين آمل طرقةً ... وآسَى على شيء إذا هو أَدْبَرا )
( أكفكِف عنهم صُحْبَتي وإخالهم ... من الذلّ يَعْراً بالتّلاعة أَعْفَرَا )
( فلو نالت الكَفَّان أصحابَ نوفل ... بمهمهةٍ من بطن ظَرْء فعَرْعَرَا )
( ولمّا أَبَى الليثيُّ إلا تَهَكُّماً ... بِعرضي وكان العِرضُ عِرضي أوفرا )
( فقلت له حقَّ الثناءُ فإنّني ... سأذهب حتى لم أجد متأخَّرَا )
( ولما رأيتُ الجَهْلَ زاد لَجاجةً ... يقول فلا يأْلوك أَن تَتَشَوَّرَا )
( دنوت له حتى كَأنَّ قَميصَه ... تَشرَّب من نضح الأَخادِع عُصْفُرا )
( فمن مُبَلغٌ ليثُ بنَ بكرٍ بأننَّا ... تركنا أخاهم يوم قِرْنٍ مُعَفَّرا )
(10/173)

قال غزا تأبط بني نفاثة بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهم خلوف ليس في دارهم رجل وكان الخبر قد أتى تأبط فأشرف فوق جبل ينظر إلى الحي وهم أسفل منه فرأته امرأة فطرح نفسه فعلمت المرأة أنه تأبط وكانت عاقلة فأمرت النساء فلبسن لبسة الرجال ثم خرجن كأنهن يطلبن الضالة وكان أصحابه يتفلتون ويقولون اغز وإنما كان في سرية من بين الستة إلى السبعة فأبى أن يدعهم وخرج يريد هذيلا وانصرف عن النفاثيين فبينا هو يتردد في تلك الجبال إذ لقي حليفا له من هذيل فقال له العجب لك يا تأبط قال وما هو قال إن رجال بني نفاثة كانوا خلوفا فمكرت بك امرأة وأنهم قد رجعوا
ففي ذلك يقول
( ألا عَجِب الفِتيان من أمّ مالك ... تقول لقد أصبحت أشعثَ أغبرا )
وذكر باقي الأبيات المتقدمة
وقال غيره لا بل قال هذه القصيدة في عامر بن الأخنس الفهمي وكان من حديث عامر بن الأخنس انه غزا في نفر بضعة وعشرين رجلا فيهم عامر بن الأخنس وكان سيدا فيهم وكان إذا خرج في غزو رأسهم وكان يقال له سيد الصعاليك فخرج بهم حتى باتوا على بني نفاثة بن عدي بن الديل ممسين ينتظرون أن ينام الحي حتى إذا كان في سواد الليل مر بهم راع من الحي قد أغدر فمعه غديرته يسوقها فبصر بهم وبمكانهم فخلى الغديرة وتبع الضراء ضراء الوادي حتى جاء الحي فأخبرهم بمكان القوم وحيث رآهم فقاموا فاختاروا فتيان الحي فسلحوهم وأقبلوا نحوهم حتى إذا دنوا منهم قال رجل من النفاثيين والله ما قوسي بموترة
فقالوا فأوتر
(10/174)

قوسك فوضع قوسه فأوترها فقال تأبط لأصحابه
اسكتوا واستمع فقال أتيتم والله قالوا وما ذلك قال أنا والله أسمع حطيط وترقوس
قالوا والله ما نسمع شيئا قال بلى والله إني لأسمعه يا قوم النجاء قالوا لا والله ما سمعت شيئا فوثب فانطلق وتركهم ووثب معه نفر وبيتهم بنو نفاثة فلم يفلت منهم إنسان وخرج هو وأصحابه الذين انطلقوا معه وقتل تلك الليلة عامر بن الأخنس
قال ابن عمير وسألت أهل الحجاز عن عامر بن الأخنس فزعموا أنه مات على فراشه
فلما رجع تأبط قالت له امرأته تركت أصحابك فقال حينئذ
( ألا عَجِب الفِتيان من أُمّ مالِك ... تقول لقد أصبحْتَ أشعثَ أغْبَرا )
مصرعه على يد غلام
فلما رجع تأبط وبلغه ما لقي أصحابه قال والله ما يمس رأسي غسل ولادهن حتى أثأر بهم
فخرج في نفر من قومه حتى عرض لهم بيت من هذيل بين صوى جبل فقال اغنموا هذا البيت أولا قالوا لا والله ما لنا فيه أرب ولئن كانت فيه غنيمة ما نستطيع أن نسوقها
فقال إني أتفاءل أن أنزل ووقف وأتت به ضبع من يساره فكرهها وعاف على غير الذي رأى فقال أبشري أشبعك من القوم غدا
فقال له أصحابه ويحك انطلق فو الله ما نرى أن نقيم عليها
قال لا والله لا أريم حتى أصبح وأتت
(10/175)

به ضبع عن يساره فقال أشبعك من القوم غدا فقال أحد القوم والله إني أرى هاتين غدا بك فقال لا والله لا أريم حتى أصبح
فبات حتى إذا كان في وجه الصبح وقد رأى أهل البيت وعدهم على النار وأبصر سواد غلام من القوم دون المحتلم وغدوا على القوم فقتلوا شيخا وعجوزا وحازوا جاريتين وإبلا
ثم قال تأبط إني قد رأيت معهم غلاما فأين الغلام الذي كان معهم فأبصر أثره فاتبعه فقال له أصحابه ويلك دعه فإنك لا تريد منه شيئا فاتبعه واستتر الغلام بقتادة إلى جنب صخرة وأقبل تأبط يقصه وفوق الغلام سهما حين رأى انه لا ينجيه شيء وأمهله حتى إذا دنا منه قفز قفزة فوثب على الصخرة وأرسل السهم فلم يسمع تأبط إلى الحبضة فرفع رأسه فانتظم السهم قلبه وأقبل نحوه وهو يقول لا بأس فقال الغلام لا بأس والله لقد وضعته حيث تكره وغشيه تأبط بالسيف وجعل الغلام يلوذ بالقتادة ويضر بها تأبط بحشاشته فيأخذ ما أصابت الضربة منها حتى خلص إليه فقتله ثم نزل إلى أصحابه يجر رجله فلما رأوه وثبوا ولم يدروا ما أصابه فقالوا مالك فلم ينطق ومات في أيديهم فانطلقوا وتركوه فجعل لا يأكل منه سبع ولا طائر إلا مات فاحتملته هذيل فألقته في غار يقال له غار رخمان فقالت ريطة أخته وهي يومئذ متزوجة في بني الديل
( نِعْم الفَتَى غادَرتُم برُخمانْ ... ثابتٌ بنُ جابرِ بنِ سُفْيانْ )
(10/176)

وقال مرة بن خليف يرثيه
( إن العَزيمةَ والعَزَّاءَ قد ثَوَيا ... أكفانَ ميت غدا في غار رُخْمانِ )
( إلاّ يَكُن كُرسفٌ كُفِّنتَ جَيّدَه ... ولا يكن كَفَنٌ من ثَوْبِ كَتَّانِ )
( فإن حُراًّ من الأَنْساب ألبسه ... ريش الندى والنَّدَى من خير أَكفان )
( وليلةٍ رأسُ أفعاها إلى حجرٍ ... ويومِ أورِ من الجوزاءِ رنَّان )
( أمضيتَ أولَ رهطٍ عند آخره ... فَي إثر عاديةٍ أو إثر فتيان )
وقالت أم تأبط ترثيه
( وابناهُ وابنَ اللَّيْل ... )
قال أبو عمرو الشيباني لا بل كان من شأن تأبط وهو ثابت بن جابر بن سفيان وكان جزيئا شاعرا فاتكا انه خرج من أهله بغارة من قومه يريدون بني صاهلة بن كاهل بن الحارث بن سعيد بن هذيل وذلك في عقب شهر حرام مما كان يحرم أهل الجاهلية حتى هبط صدر أدم وخفض عن جماعة بني صاهلة فاستقبل التلاعة فوجد بها دارا من بني نفاثة بن عدي ليس فيها إلا النساء غير رجل واحد فبصر الرجل بتأبط وخشيه وذلك في الضحى فقام الرجل إلى النساء فأمرهن فجعلن رؤوسهن جمما وجعلن دروعهن أردية وأخذن من بيوتهن عمدا كهيئة السيوف فجعلن لها حمائل ثم تأبطنها ثم نهض ونهضن معه يغريهن كما يغري القوم وأمرهن أن لا يبرزن
(10/177)

خدا وجعل هو يبرز للقوم ليروه وطفق يغري ويصيح على القوم حتى أفزع تأبط شرا وأصحابه وهو على ذلك يغري في بقية ليلة أوليلتين من الشهر الحرام فنهضوا في شعب يقال له شعب وشل وتأبط ينهض في الشعب مع أصحابه ثم يقف في آخرهم ثم يقول يا قوم لكأنما يطردكم النساء فيصيح عليه أصحابه فيقولون انج أدركك القوم وتأبى نفسه فلم يزل به أصحابه حتى مضى معهم فقال تأبط في ذلك
( أبعد النّفاثيين أزجر طائرا ... وآسَى على شيء إذا هو أدبرا )
( أُنهنهِ رِجلي عنهم وإخالهم ... من الذّلَ يعراً بالتّلاعة أعفرا )
( ولو نالت الكَفّان أصحابَ نوفل ... بمَهْمَهَة من بين ظَرْء وعرعرا )
قال ثم طلعوا الصدر حين أصبحوا فوجدوا أهل بيت شاذ من بني قريم ذنب نمار فظل يراقبهم حتى أمسوا وذلك البيت لساعدة بن سفيان أحد بني حارثة بن قريم فحصرهم تأبط وأصحابه حتى أمسوا
قال وقد كانت قالت وليدة لساعدة إني قد رأيت اليوم القوم أو النفر بهذا الجبل فبات الشيخ حذرا قائما بسيفه بساحة أهله
وانتظر تأبط وأصحابه أن يغفل الشيخ وذلك آخر ليلة من الشهر الحرام فلما خشوا أن يفضحهم الصبح ولم يقدروا على غرة مشوا إليه وغروه ببقية الشهر الحرام وأعطوه من مواثيقهم ما أقنعه وشكوا إليه الجوع فلما اطمأن إليهم وثبوا عليه فقتلوه وابنا له صغيرا حين مشى قال ومضى تأبط شرا إلى ابن له ذي ذؤابة كان أبوه قد أمره فارتبأ
(10/178)

من وراء ماله يقال له سفيان بن ساعدة
فأقبل إليه تأبط شرا مستترا بمجنة فلما خشي الغلام أن يناله تأبط بسيفه مع الغلام سيف وهو مفوق سهما رمى مجن تأبط بحجر فظن تأبط انه قد أرسل سهمه فرمى مجنة عن يده ومشى إليه فأرسل الغلام سهمه فلم يخط لبته حتى خرج منه السهم ووقع في البطحاء حذو القوم وأبوه ممسك فقال أبو الغلام حين وقع السهم أخاطئه سفيان فحرد القوم فذلك حين قتلوا الشيخ وابنه الصغير ومات تأبط
أمه ترثيه
فقالت أمه وكانت امرأة من بني القين بن جسر بن قضاعة ترثيه
( قتِيلٌ ما قتِيلُ بني قُرَيْمٍ ... إذا ضَنّت جُمادى بالقَطارِ )
( فتى فَهْمٍ جميعا غادَروُه ... مقيما بالحُرَيْضَةِ من نُمارِ )
وقالت أمه ترثيه أيضا
( ويلُ امِّ طِرف غادروا برُخْمانْ ... بثابت بن جابر بن سفيان )
( يجدِّل القرِنَ ويُروِي النَّدمانْ ... ذو مأْقِطٍ يحمي وراء الإِخوان )
وقالت ترثيه أيضا
(10/179)

وابناه ابن الليل ليس بزميل شروب للقيل رقود بالليل وواد ذي هول أجزت بالليل تضرب بالذيل برجل كالثول
قال وكان تأبط شرا يقول قبل ذلك
( ولقد علمتُ لتعدُوَنَّم ... عليّ شتْمٌ كالحساكل )
( ياكلنَ أوصالا ولحما ... كالشَّكاعِي غيرَ جاذِل )
( يا طيرُ كُلْنَ فإنني ... سُمٌّ لَكُنّ وذو دَغَاوِل )
وقال قبل موته
( لعلي ميِّتٌ كمداً ولَّما ... أطالع أهلَ ضيم فالكرابِ )
( وإن لم آتِ جمع بني خُثيم ... وكاهلها برَجْل كالضّباب )
( إذا وقعتُ بكعب أو قُرَيْمٍ ... وسيَّارٍ فياسَوْغَ الشّراب )
فأجابه شاعر من بني قريم
( تأَبّطَ سَوْأَةً وحملْتَ شرًّا ... لعلك أن تكونَ من المُصابِ )
( لعلك أن تجيءَ بك المنايا ... تُساقُ لفتيةٍ منا غِضاب )
( فتُصْبحَ في مَكَرِّهمُ صريعاً ... وتصبحَ طرفة الضَّبُعِ السَّغاب )
(10/180)

( فزلتم تهربون ولو كرهتم ... تسوقون الحَرائمَ بالنقاب )
( وزال بأَرضكم منّا غلامٌ ... طليعةُ فتْيَةٍ غُلْبِ الرقاب )
ونذكر ها هنا بعد أخبار تأبط شرا أخبار صاحبيه عمرو بن براق والشنفرى ونبدأ بما يغنى فيه من شعريهما ونتبعه بالأخبار
فأما عمرو بن براق فمما يغنى فيه من شعره قوله
صوت
( متى تجمع القلبَ الذكيَّ وصارما ... وأنفا حَمِيَّا تجتنبْك المَظالِمُ )
( وكنت إذا قومٌ غَزوْني غَزَوتهم ... فهل أنا في ذا يا لَهَمْدَانَ ظَالِم )
( كذبتُم وبيتِ الله لا تأخذونها ... مراغمةً ما دام للسيف قائِم )
( ولا صُلْحَ حتى تعثُر الخَيلُ بالقَنا ... وتُضْرَبَ بالبِيضِ الرّقاقِ الجَماجِمُ )
عروضه من الطويل الشعر لابن براق وقيل ابن براقة
والغناء لمحمد ابن إسحاق بن عمرو بن بزيع ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى عن الهشامي
(10/181)

عمرو بن براق
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا السكري عن ابن حبيب قال واخبرنا الهمداني ثعلب عن ابن الأعرابي عن المفضل قالا
سلب منه ماله ثم استرده
فقال في ذلك
أغار رجل من همدان يقال له حريم على إبل لعمرو بن براق وخيل فذهب بها فأتى عمرو امرأة كان يتحدث إليها ويزورها فأخبرها أن حريما أغار على إبله وخيله فذهب بها وأنه يريد الغارة عليه فقالت له المرأة ويحك لا تعرض لتلفات حريم فإني أخافه عليك قال فخالفها وأغار عليه فاستاق كل شيء كان له فأتاه حريم بعد ذلك يطلب إليه أن يرد عليه ما أخذه منه فقال لا أفعل وأبى عليه فانصرف فقال عمرو في ذلك
( تقول سُلَيمى لا تعَرَّضْ لتَلفةٍ ... وليلُك عن ليل الصعاليك نائمُ )
( وكيف ينامُ الليلَ من جُلّ مالِهِ ... حُسامٌ كلون المِلح أَبيضُ صارمُ )
( صَمُوتٌ إذا عضَّ الكريهةَ لم يَدَعْ ... لها طَمعاً طوعُ اليمينِ ملازمُ )
( نَقدْتُ به ألْفاً وسامحتُ دونه ... على النقدِ إذ لا تُستطاع الدراهمُ )
(10/182)

( ألم تَعلمي أنّ الصعاليكَ نومُهم ... قليلٌ إذا نام الدَّثُور المُسالِمْ )
( إذا الليل أدجى واكفهرّت نجومه ... وصاح من الإِفراطِ هامٌ جواثم )
( ومال بأصحاب الكرى غالباتُه ... فإني على أمر الغَواية حازم )
( كذبتم وبيتِ الله لا تأخذونها ... مُراغمةً ما دام للسيف قائمُ )
( تَحالفَ أقوامٌ عليّ ليسمَنُوا ... وجروا عليَّ الحَرْبَ إذا أَنَا سَالِمُ )
( أَفَالآن أُدْعى للهَوادة بعدما ... أُجِيل على الحيّ المَذاكِي الصَّلادمُ )
( كأنّ حُريماً إذ رجا أن يَضُمَّها ... ويُذْهِبَ مالي يا بنَة القوم حالِمُ )
( متى تجمعِ القلبَ الذَّكِيَّ وصارِماً ... وأنفاً حَميًّا تَجْتَنْبك المظالِمُ )
( ومَن يَطلبِ المالَ المُمَنَّع بالقَنَا ... يَعِشْ ذا غِنىً أو تَخْتَرِمْه المَخارِمُ )
( وكنتُ إذا قومٌ غَزوني غزَوْتُهم ... فهل أنا في ذا يالَهمْدان ظالم )
( فلا صُلْح حتى تعثر الخَيل بالقنا ... وتُضْرب بالبِيض الرِّقاقِ الجَماجِمُ )
وأما الشنفرى فإنه رجل من الأزد ثم من الأواس بن الحجر بن الهنو بن الأزد
ومما يغنى فيه من شعره قوله
(10/183)

صوت
( ألا أمٍّ عَمْرو أزمعت فاستقَلَّت ... وما ودَّعت جِيرانها إذ تولّت )
( فوانَدَما بانَت أُمامةُ بعدما ... طَمِعتُ فهَبْها نِعْمةً قد تولّتِ )
( وقد أعجَبتْنِي لا سَقُوطاً خِمارُها ... إذا ما مشَت ولا بذاتِ تَلَفُّتِ )
غنى في هذه الأبيات إبراهيم ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو بن بانة
(10/184)

أخبار الشنفرى ونسبه
أخبار في غير قومه
وأخبرني بخبره الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا أبو يحيى المؤدب وأحمد ابن أبي المنهال المهلبي عن مؤرج عن أبي هشام محمد بن هشام النميري
أن الشنفرى كان من الأواس بن الحجر بن الهنو بن الأزد بن الغوث أسرته بنو شبابة بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان فلم يزل فيهم حتى أسرت بنو سلامان بن مفرج بن عوف بن ميدعان بن مالك بن الأزد رجلا من فهم أحد بني شبابة ففدته بنو شبابة بالشنفرى قال فكان الشنفرى في بني سلامان بن مفرج لا تحسبه إلا أحدهم حتى نازعته بنت الرجل الذي كان في حجره وكان السلامي اتخذه ولدا وأحسن إليه وأعطاه فقال لها الشنفرى اغسلي رأسي يا أخية وهو لا يشك في أنها أخته فأنكرت أن يكون أخاها ولطمته فذهب مغاضبا حتى أتى الذي اشتراه من فهم فقال له الشنفرى اصدقني ممن أنا قال أنت من الأواس بن الحجر فقال أما إني لن أدعكم حتى أقتل منكم مائة بما استعبدتموني ثم إنه ما زال يقتلهم حتى قتل تسعة وتسعين رجلا وقال الشنفرى للجارية السلامية التي لطمته وقالت لست بأخي
(10/185)

( ألا ليتَ شِعْري والتّلَهّفُ ضَلّةٌ ... بما ضَربتْ كَفُّ الفتاة هَجِينَها )
( ولو علمت قُعسوسُ أنساب والدي ... ووالدِها ظَلّت تقاصَرُ دونها )
( أنا ابن خيار الحُجْر بيتا ومَنْصِبا ... وأمي ابنةُ الأحرار لوْ تعْرِفينها )
قال ثم لزم الشنفرى دار فهم فكان يغير على الأزد على رجليه فيمن تبعه من فهم وكان يغير وحده أكثر من ذلك وقال الشنفرى لبني سلامان
( وإني لأهوىَ أن أَلُفَّ عجَاجتي ... على ذي كساء من سَلامانَ أَو بُرد )
( وأصبحَ بالعضْدَاء أبغي سَراتَهم ... وأسلكَ خَلاًّ بين أَرباع والسّرد )
فكان يقتل بني سلامان بن مفرج حتى قعد له رهط من الغامديين من بني الرمداء فأعجزهم فأشلوا عليه كلبا لهم يقال له حبيش ولم يضعوا له شيئا ومر وهو هارب بقرية يقال لها دحيس برجلين من بني سلامان بن مفرج فأرادهما ثم خشي الطلب فقال
( قتيلَيْ فِجارٍ أنتُما إن قُتِلتُما ... بجوف دَحِيس أو تبالةَ يا اسمعا )
يريد يا هذان اسمعا وقال فيما كان يطالب به بني سلامان
( فإلا تزرني حَتْفتي أو تُلاقني ... أُمشِّ بدَهْرٍ أو عذافَ فنوَّرا )
( أمشي بأطراف الحماطِ وتارةً ... تُنفِّضُ رجلي بَسْبُطاً فعَصَنْصَرا )
(10/186)

( وأبغي بني صَعب بن مُرّ بلادَهم ... وسوف أُلاقيهم إنِ اللَّهُ يسّرا )
( ويوما بذاتِ الرَّأس أو بطن مِنجَلٍ ... هنالك تَلْقى القاصيَ المُتِغَوّرا )
سملوا عينه ثم قتلوه
قال ثم قعد له بعد ذلك أسيد بن جابر السلاماني وخازم الفهمي بالناصف من أبيدة ومع أسيد ابن أخيه فمر عليهم الشنفرى فأبصر السواد بالليل فرماه وكان لا يرى سوادا إلا رماه كائنا ما كان فشك ذراع ابن أخي أسيد إلى عضده فلم يتكلم فقال الشنفرى إن كنت شيئا فقد أصبتك وإن لم تكن شيئا فقد أمنتك وكان خازم باطحا يعني منبطحا بالطريق يرصده فنادى أسيد يا خازم أصلت يعني اسلل سيفك
فقال الشنفرى لكل أصلت فأصلت الشنفرى
فقطع إصبعين من أصابع خازم الخنصر والبنصر وضبطه خازم حتى لحقه أسيد وابن أخيه نجدة فأخذ أسيد سلاح الشنفرى وقد صرع الشنفرى خازما وابن أخي أسيد فضبطاه وهما تحته وأخذ أسيد برجل ابن أخيه فقال أسيد رجل من هذه فقل الشنفرى رجلي فقال ابن أخي أسيد بل هي رجلي يا عم فأسروا الشنفرى وأدوه إلى أهلهم وقالوا له أنشدنا فقال إنما النشيد على المسرة فذهبت مثلا ثم ضربوا يده فتعرضت أي اضطربت فقال الشنفرى في ذلك
( لا تَبْعَدي إِمّا ذَهَبْتِ شامَهْ ... فرُبّ وادٍ نَفَرَتْ حَمامَه )
( ورُبَّ قِرْنٍ فَصَلتْ عِظامَهْ ... )
(10/187)

ثم قال له السلامي أأطرفك ثم رماه في عينه فقال الشنفرى له كأن كنا نفعل أي كذلك كنا نفعل وكان الشنفرى إذا رمى رجلا منهم قال له أأطرفك ثم يرمي عينه
ثم قالوا له حين أرادوا قتله أين نقبرك فقال
( لا تَقبُروني إنّ قَبري مُحرَّم ... عليكم ولكن أبشرِي أُمَّ عامر )
( إذا احْتمَلَتْ رأسي وفي الرأس أكثَري ... وغُودِر عند المُلْتَقَى ثَمّ سائِرِي )
( هنالك لا أرجو حياةً تَسُرُّنِي ... سَمِيرَ الليالي مُبْسَلاً بالجَرَائِر )
تأبط شرا يرثيه
وقال تأبط شرا يرثي الشنفرى
( على الشَّنْفَرَى ساري الغمام ورائحٌ ... غزيرُ الكلى وَصَيِّبُ الماء باكر )
( عليك جزاءٌ مثلُ يومِكَ بالجَبَا ... وقد أُرعِفتْ منك السُّيوفُ البواتر )
( ويومِكَ يومِ العَيْكَتَيْن وعطفةٍ ... عطفتَ وقد مَسَّ القلُوبَ الحناجِرُ )
(10/188)

( تجول ببز الموت فيهم كأَنهم ... بشوكتك الحُدّى ضَئِينٌ نوافرُ )
( فإنك لو لاقيتني بعدما ترى ... وهل يُلقَيْن مَنْ غَيَّبته المقابر )
( لألفيتني في غارة أنتمي بها ... إِليك وإمّا راجعاً أنا ثاِئرُ )
( وإن تكُ مأْسورا وظلْت مُخَيِّماً ... وأبْليت حتى ما يكيدك واتِرُ )
( وحتى رماك الشَّيبُ في الرأس عانسا ... وخيرُك مبسوطٌ وزادك حاضر )
( وأجملُ موتِ المرء إذ كان ميتا ... ولا بد يوما مَوتُه وهو صابر )
( فلا يَبعَدنّ الشَّنْفَري وسِلاحُه الْحَديدُ ... وَشدٌّ خَطْوُه متواتر )
( إذا راع رَوْعُ الموت راع وإن حَمَى ... معه حُرٌّ كريم مُصابِرُ )
خبر آخر عن سبب اسره ومقتله
قال وقال غيره لا بل كان من أمر الشنفرى وسبب أسره ومقتله أن الأزد قتلت الحارث بن السائب الفهمي فأبوا أن يبوءوا بقتله فباء بقتله رجل منهم يقال له حزام بن جابر قبل ذلك فمات أخو الشنفرى فأنشأت أمه تبكيه فقال الشنفرى وكان أول ما قاله من الشعر
( ليس لوالدة هوءُها ... ولا قولُها لابنها دَعْدَع )
(10/189)

( تُطيف وتُحدِث أحوالهَ ... وغيْرُكِ أملكُ بالمَصْرَع )
قال فلما ترعرع الشنفرى جعل يغير على الأزد مع فهم فيقتل من أدرك منهم ثم قدم منى وبها حزام بن جابر فقيل له هذا قاتل أبيك فشد عليه فقتله ثم سبق الناس على رجليه فقال
( قتلتُ حزاماً مُهْدِياً بمُلَبِّدٍ ... ببطن مِنىً وسْط الحجيج المُصَوّتِ )
قال ثم إن رجلا من الأزد أتى أسيد بن جابر وهو أخو حزام المقتول فقال تركت الشنفرى بسوق حباشة فقال أسيد بن جابر والله لئن كنت صادقا لا نرجع حتى نأكل من جنى أليف أبيدة فقعد له على الطريق هو وابنا حزام فأحسوه في جوف الليل وقد نزع نعلا ولبس نعلا ليخفي وطأه فلما سمع الغلامان وطأه قالا هذه الضبع فقال أسيد ليست الضبع ولكنه الشنفرى ليضع كل واحد منكما نعله على مقتله حتى إذا رأى سوادهم نكص مليا لينظر هل يتبعه أحد ثم رجع حتى دنا منهم فقال الغلامان أبصرنا فقال عمهما لا والله ما أبصركما ولكنه أطرد لكيما تتبعاه فليضع كل وحدا منكما نعله على مقتله
فرماهم الشنفرى فخسق في النعل ولم
(10/190)

يتحرك المرمي
ثم رمى فانتظم ساقي أسيد فلما رأى ذلك أقبل حتى كان بينهم فوثبوا عليه فأخذوه فشدوه وثاقا ثم إنهم انطلقوا به إلى قومهم فطرحوه وسطهم فتماروا بينهم في قتله فبعضهم يقول أخوكم وابنكم فلما رأى ذلك أحد بني حزام ضربه ضربة فقطع يده من الكوع وكانت بها شامة سوداء فقال الشنفرى حين قطعت يده
( لا تَبَعدي إمّا هلكت شامَهْ ... فربَّ خَرقٍ قَطَعتُ قتامَهْ )
( وربَّ قِرْنٍ فصَلت عظامَه ... )
وقال تأبط شرا يرثيه
( لا يبعَدنَّ الشَّنفرى وسلاحُه الحديدُ ... وشَدٌّ خَطْوُه مُتواتر )
( إذا راع رَوْعَ الموت رِاعَ وإن حَمى ... حَمى معه حُرٌّ كريمٌ مُصابِرُ )
قال وذرع خطو الشنفرى ليلة قتل فوجد أول نزوة نزاها إحدى وعشرين خطوة ثم الثانية سبع عشرة خطوة
قال وقال ظالم العامر في الشنفرى وغاراته على الأزد وعجزهم عنه ويحمد أسيد بن جابر في قتله الشنفرى
( فما لَكُم لم تدركوا رٍِجْلَ شنفرى ... وأنتم خِفاف مثلُ أجنحة الغُرْبِ )
( تعاديتم حتى إذا ما لحقتُم ... تباطأَ عنكم طالبٌ وأبو سَقْب )
( لعمركَ للَسَّاعي أُسَيدُ بن جابِرٍ ... أحقُّ بها مِنْكم بَنِي عقبِ الكلب )
(10/191)

قال ولما قتل الشنفرى وطرح رأسه مر به رجل منهم فضرب جمجمة الشنفرى بقدمه فعقرت قدمه فمات منها فتمت به المائة
شعره لما قتل حزاما قاتل أبيه
وكان مما قاله الشنفرى فيهم من الشعر وفي لطمه المرأة التي أنكرته الذي ذكرته واستغني عن إعادته مما تقدم ذكره من شعر الشنفرى وقال الشنفرى في قتله حزاما قاتل أبيه
( أرى أُمَّ عمرو أجمعت فاستقلَّتِ ... وما ودّعت جيرانَها إذْ تولّتِ )
( فقد سبقتنا أُمُّ عمرو بأَمرها ... وقد كان أعناقُ المَطيِّ أظلَّت )
( فواندمَا على أميمةَ بعدما ... طمِعتُ فَهبْها نِعمةَ العيش ولَّت )
( أُميمةُ لا يُخزِي نَثاها حَليلها ... إذا ذُكِر النسوان عَفَّت وجَلّت )
( يَحُلّ بمنجاةٍ من اللّوم بيتُها ... إذا ما بُيوتٌ بالمَلامة حُلَّت )
( فقد أعجبتني لا سَقُوطٌ قِناعُها ... إذا ما مَشت ولا بذات تَلَفُّت )
( كأَنّ لها في الأرض نِسْياً تَقُصُّه ... إذا ما مشت وإن تُحدِّثْك تَبْلِت )
النسي الذي يسقط من الإنسان وهو لا يدري أين هو يصفها بالحياء وأنها لا تلتفت يمينا ولا شمالا ولا تبرج
ويروى
( تقصه على أمها وإن تُكلِّمك ... )
( فدَقَّت وجلَّت واسْبَكرَّت وأُكمَلتْ ... فلو جَنَّ إنسانٌ من الحُسْن جُنَّتِ )
(10/192)

( تبيتُ بُعَيْدَ النوم تُهدِي غَبُوبَها ... لجاراتِها إذا الهديّة قَلَّت ) الغبوب ما غب عندها من الطعام أي بات ويروى غبوقها
( فبتنا كأنَّ البيت حُجِّر حولنا ... بريحانةٍ راحت عِشاءً وطُلَّتِ )
( بريحانةٍ من بطن حلْيةَ أُمْرِعت ... لها أرجُ مِنْ حَولِها غيْرُ مُسْنت )
( غدوتُ من الوادي الذي بين مَشْعَل ... وبين الجبَا هيهات أنْسأتُ سُربتي )
( أمشِّي على الأرض التي لن تضيرَني ... لأكسِبَ مالا أو أُلاقِيَ حُمَّتِي )
( إذا ما أتتني حَتْفتي لم أُبالها ... ولم تُذْرِ خالاتي الدموع وعَمَّتِي )
( وهُنِّيءَ بي قومٌ وما إن هنأْتُهم ... وأصبحت في قوم وليسوا بمنْبِتي )
( وأُمَّ عيالٍ قد شهدتُ تَقُوتُهم ... إذا أطَعَمتْهم أوْتَحَتْ وأقلَّت )
( تخاف علينا الجوعَ إن هيَ أكثرت ... ونحن جياعٌ أيَّ أَلْيٍ تأَلَّت )
( عُفَاهيَةٌ لا يقصرُ السّترُ دونها ... ولا تُرتَجى للبَيْت إن لم تُبَيَّت )
( لها وَفْضَةٌ فيها ثلاثون سَلْجَماً ... إذَا ما رأَت أُولى العَدِي اقْشَعَرَّت )
(10/193)

( وتأتي العَدِيَّ بارزاً نصفُ ساقِها ... كَعدْو حِمار العانةِ المتفَلِّت )
( إذا فُزِّعت طارت بأَبيضَ صارمٍ ... وراحت بما في جُفرها ثم سَلَّت )
( حُسامٍ كلون الملح صافٍ حديدُه ... جُرَازٍ من أقطار الحديد المنعَّت )
( تراها كأَذناب المَطِيّ صوادراً ... وقد نهِلتْ منَ الدّماء وعلّت )
( سنجزي سَلامانَ بنَ مُفْرِجَ قرضَهم ... بما قدَّمت أيديهم وأَزَلَّت )
( شفَيْنا بعبد الله بعضَ غليلِنا ... وعوفٍ لدى لمَعْدَى أوانَ استهلَّت )
( قتلنا حزاما مُهدِيا بمُلَبّدٍ ... محلّهما بين الحجيج المصوِّت )
( فإن تُقبلوا تُقبِل بمَنْ نِيلَ منهمُ ... وإن تُدبروا فأُمّ مَنْ نيلَ فُتّت )
( ألا لا تزرني إن تشكيت خُلَّتي ... كفاني بأَعلى ذي الحُمَيرةِ عُدْوَتي )
( وإني لُحلوٌ إن أُرِيدت حلاوتي ... ومُرٌّ إذا النفس الصَّدوفُ استَمرَّت )
( أبيّ لما آبى وشيكٌ مَفِيئَتي ... إلى كُلِّ نفس تَنْتَحِي بمودّتي )
وقال الشنفرى أيضا
( ومرقبةٍ عَنْقاء يَقصُرُ دونها ... أخو الضَّرْوة الرّجْل الخفيُّ المخَفَّف )
(10/194)

( نَميتُ إلى أعلى ذراها وقد دنا ... من الليل ملتَفُّ الحدِيقةِ أسدَف )
( فبِتُّ على حَدّ الذّراعين أحدباً ... كما يَتَطَوَّى الأرقَم المُتَعَطِّفُ )
( قليلُ جَهازِي غيرُ نعلين أَسحقَت ... صُدورُهما مخصورةً لا تُخصَّفُ )
( ومِلْحَفَةٍ دَرْسٍ وَجَرْدِ مُلاَءةٍ ... إذا أنهجت من جانب لا تَكفّفُ )
( وأبيضُ من ماء الحديد مهنّدُ ... مِجدٌّ لأطراف السّواعد مِقطفُ )
( وصفراءُ من نبعٍ أبيُّ ظَهيرةٌ ... تُرِنّ كإرنان الشّجيَ وَتَهْتِفُ )
( إذا طال فيها النزع تأتي بعَجْسها ... وترمي بذَرْوَيْهَا بهنّ فتَقْذِفُ )
( كأَنّ حفِيفَ النَّبل من فوق عَجْسها ... عوازبُ نحلٍ أخطأَ الغارَ مُطْنِفُ )
( نأت أمُّ قيسِ المرْبَعَين كليهما ... وتحذَر أن يَنأَى بها المتصيَّفُ )
( وإنك لو تَدرينَ أنْ رُبَّ مشربٍ ... مخوفٍ كداء البطن أو هو أخوفُ )
( وردتُ بمأثورٍ ونبِلٍ وضالةٍ ... تخيَّرتها مما أَرِيش وأرصُفُ )
( أُركِّبها في كل أحمر عاتِرٍ ... وأقذف منهن الذي هو مقرِف )
( وتابعتُ فيه البّرْيَ حتى تركتُه ... يَزِفُّ إِذا أنفذتُه ويزفزفُ )
(10/195)

( بِكفّيَ منها للبغيض عُراضَةٌ ... إذا بعتُ خلاَّ ما له مُتَخَوَّفُ )
( ووادٍ بعيدِ العُمق ضنكٍ جِماعُه ... بواطِنُه للجنّ والأسْدِ مأْلَفُ )
( تعسَّفتُ منه بعد ما سقط الندى ... غَماليل يخشى غِيلَها المُتعسِّفُ )
( وإني إذا خَامَ الجبانُ عن الرّدى ... فلِي حيث يُخشى أن يُجاوزَ مخسَف )
( وإن امرأً أجار سعدَ بنَ مالكٍ ... عليّ وأثوابِ الأُقَيْصِرِ يَعْنُف )
وقال الشنفرى أيضا
( ومُستبسلٍ ضافي القميصِ ضَغَتُّه ... بأَزرقَ لا نِكسٍ ولا مُتَعَوِّج )
( عليه نُسارِيٌ على خُوطِ نَبْعةٍ ... وفُوقٌ كعرقوب القطاة مُحَدْرَج )
( وقاربتُ من كفَّيَّ ثم فَرَجتها ... بنزع إذا ما استُكرِه النزعُ مُخْلِج )
( فصاحت بكفي صيحةً ثم رجَّعَت ... أنينَ الأمِيم ذي الجراح المُشجَّج )
وقد روى فناحت بكفي نوحة
رواية ثالثة في مقتله
وقال غيره لا بل كان من أمر الشنفرى انه سبت بنو سلامان بن مفرج
(10/196)

ابن مالك بن هوازن بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد الشنفرى وهو أحد بني ربيعة بن الحجر بن عمران بن عمرو بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد وهو غلام فجعله الذي سباه في بهمة يرعاها مع ابنه له فلما خلا بها الشنفرى أهوى ليقبلها فصكت وجهه ثم سعت إلى أبيها فأخبرته فخرج إليه ليقتله فوجده وهو يقول
( أَلاَ هل أَتى فِتيانَ قومي جَماعةً ... بما لطمت كفُّ الفتاة هجينها )
( ولو علمتْ تلك الفتاةُ مَناسبي ... ونسبتها ظلَّت تقَاصَرُ دونها )
( أليس أبي خيرَ الأَواسِ وغيرِها ... وأُميّ ابنةُ الخَيْرِينَ لو تَعلمينها )
( إذا ما أَرُومُ الودَّ بيني وبينها ... يؤمُّ بياضُ الوجه منّي يمينَها )
قال فلما سمع قوله سأله ممن هو فقال أنا الشنفرى أخو بني الحارث بن ربيعة وكان من أقبح الناس وجها فقال له لولا أني أخاف أن يقتلني بنو سلامان لأنكحتك ابنتي
فقال علي إن قتلوك أن أقتل بك مائة رجل منهم فأنكحه ابنته وخلى سبيله فسار بها إلى قومه فشدت بنو سلامان خلافه على الرجل فقتلوه فلما بلغه ذلك سكت ولم يظهر جزعا عليه وطفق يصنع النبل ويجعل أفواقها من القرون والعظام ثم إن امرأته بنت السلاماني قالت له ذات يوم لقد خست بميثاق أبي عليك فقال
( كأَن قَدْ فلا يغْرُرْكِ مني تمَكُّثِي ... سلكتُ طريقا بين يُرْبَغ فالسَّردِ )
(10/197)

( وإنِّي زعيمٌ أن تثور عَجاَجتي ... على ذي كِساءٍ من سَلامان أو بُرد )
( همُ عرفوني ناشئاً ذا مَخيِلة ... أُمشِّي خلال الدار كالفرس الوَرْدِ )
( كأَني إذا لم يُمسِ في الحي مالك ... بتيهاء لا أُهدَي السَّبِيلَ ولا أَهدِي )
قال ثم غزاهم فجعل يقتلهم ويعرفون نبله بأفواقها في قتلاهم حتى قتل منهم تسعة وتسعين رجلا ثم غزاهم غزوة فنذروا به فخرج هاربا وخرجوا في إثره فمر بامرأة منهم يلتمس الماء فعرفته فأطعمته أقطا ليزيد عطشا ثم استسقى فسقته رائبا ثم غيبت عنه الماء ثم خرج من عندها وجاءها القوم فأخبرتهم خبره ووصفت صفته وصفة نبله فعرفوه فرصدوه على ركي لهم وهو ركي ليس لهم ماء غيره فلما جن عليه الليل أقبل إلى الماء فلما دنا منه قال إني أراكم وليس يرى أحدا إنما يريد بذلك أن يخرج رصدا إن كان ثم فأصاخ القوم وسكتوا
ورأى سوادا وقد كانوا أجمعوا قبل إن قتل منهم قتيل أن يمسكه الذي إلى جنبه لئلا تكون حركة قال فرمى لما أبصر السواد فأصاب رجلا فقتله فلم يتحرك أحد فلما رأى ذلك أمن في نفسه وأقبل إلى الركي فوضع سلاحه ثم انحدر فيه فلم يرعه إلا بهم على رأسه قد أخذوا سلاحه فنزا ليخرج
فضرب بعضهم شماله فسقطت فأخذها فرمى بها كبد الرجل فخر عنده في القليب فوطئ على رقبته فدقها
وقال في قطع شماله
(10/198)

( لا تبعَدِي إِمَّا ذهبتِ شامهْ ... فرُبَّ وادٍ نَفَرتْ حَمَامَهُ )
( وربّ قِرْنٍ فَصَلَتْ عظامَهْ ... وربَّ حيٍّ فرَّقت سَوامَهْ )
قال ثم خرج إليهم فقتلوه وصلبوه فلبث عاما أو عامين مصلوبا وعليه من نذره رجل قال فجاء رجل منهم كان غائبا فمر به وقد سقط فركض رأسه برجله فدخل فيها عظم من رأسه فعلت عليه فمات منها فكان ذلك الرجل هو تمام المائة
صوت
( ألا طرقتْ في الدّجى زينبُ ... وأحببْ بزينبَ إذ تَطْرُقُ )
( عجبتُ لزينبَ أَنَّى سَرَت ... وزينبُ من ظلّها تَفرَق )
عروضه من المتقارب الشعر لابن رهيمة والغناء لخليل المعلم رمل بالبنصر عن الهشامي وأبي أيوب المدني
(10/199)

أخبار الخليل ونسبه
هو الخليل بن عمرو مكي مولى بني عامر بن لؤي مقل لا تعرف له صنعة غير هذا الصوت
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني القطراني المغني عن محمد بن حسين قال
عمل في تأديب الصبيان وتعليم الجواري الغناء
كان خليل المعلم يلقب خليلان وكان يؤدب الصبيان ويلقنهم القرآن والخط ويعلم الجواري الغناء في موضع واحد فحدثني من حضره قال كنت يوما عنده وهو يردد على صبي يقرأ بين يديه ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ) ثم يلتفت إلى صبية بين يديه فيردد عليها
( اعتادَ هذا القلبَ بلبالُهُ ... أن قُرِّبتْ للبَيْنِ أَجمالُهُ )
فضحكت ضحكا مفرطا لما فعله فالتفت الي فقال ويلك مالك فقلت أتنكر ضحكي مما تفعل والله ما سبقك إلى هذا أحد ثم قلت أنظر أي
(10/200)

شيء أخذت على الصبي من القرآن وأي شيء هوذا على الصبية والله إني لأظنك ممن يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله فقال أرجو ألا أكون كذلك إن شاء الله
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال حدثني عبد الصمد بن المعذل قال
كان خليلان المعلم أحسن الناس غناء وأفتاهم وأفصحهم فدخل يوما على عقبة بن سلم الأزدي الهنائي فاحتبسه عنده فأكل معه ثم شرب وحانت منة التفاتة فرأى عودا معلقا فعلم أنه عرض له به فدعا به وأخذه فغناهم
( يا بنةَ الأزديّ قلبي كَئِيبُ ... مُستَهام عندها ما يُنيِبُ )
وحانت منه التفاتة فرأى وجه عقبة بن سلم متغيرا وقد ظن أنه عرض به ففطن لما أراد فغنى
( ألا هّزِئت بِنا قُرَشِيَّة ... يهتزُّ موكِبُها )
فسري عن عقبة وشرب فلما فرغ وضع العود من حجره وحلف بالطلاق ثلاثا أنه لا يغني بعد يومه ذلك إلا لمن يجوز حكمه عليه
نسبة هذين الصوتين
( يا بنةَ الأَزدْيِّ قلبي كئيبُ ... مستهام عندها ما يُنِيبُ )
( ولقد لاموا فقلتُ دعوني ... إنّ مَنْ تَنهوْنَ عنه حَبِيبُ )
( إنما أبلَى عِظامِي وجٍسْمِي ... حُبُّها والحُبُّ شيءٌ عَجِيبُ )
( أيها العائِبُ عندي هواهاَ ... أنتَ تَفدي مَن أراك تَعِيبُ )
(10/201)

عروضه من المديد والشعر لعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه والغناء لمعبد ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه لمالك خفيف ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر عنه وفيه خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى لم ينسبه إسحاق إلى أحد ووجدته في روايات لا أثق بها منسوبا إلى حنين وقد ذكر يونس أن فيه لحنين ولمالك كلاهما ولعل هذا أحدهما وذكر حبش أن خفيف الرمل لابن سريج وذكر الهشامي وعلي بن يحيى أن لحن مالك الآخر ثاني ثقيل وذكر الهشامي أن فيه لطويس هزجا مطلقا في مجرى البنصر وذكر عمرو بن بانة أن لمالك فيه ثقيلا أول وخفيفه ولمعبد خفيف ثقيل آخر
صوت
( ألا هزِئت بنا قُرَشِيَّةٌ ... يهتزُّ موكبُها )
( رأت بي شيْبَةً في الرأس ... منّي ما أُغَيّبُها )
( فقالت لي ابنُ قَيْسٍ ذا ... وبَعضُ الشيب يُعجِبها )
( لها بعلٌ خَبِيثُ النَّفْس ... يحصُرُها ويحْجُبُها )
( يراني هكذا أمشي ... فيُوعِدُها ويَضْرِبُها )
عروضه من الوافر الشعر لابن قيس الرقيات والغناء لمعبد خفيف
(10/202)

ثقيل بالخنصر في مجرى الوسطى وفيه ليونس ثقيل أول عن إسحاق بن إبراهيم والهشامي
صوت
( هل ما علمتَ وما استُودِعْتَ مكتومُ ... أم حَبلُها إذ نأتك اليومَ مَصرومُ )
( أم هل كئيبٌ بكى لم يقضِ عبرتَهُ ... إثْر الأَحِبَّة يوم البين مَشْكومُ )
( يحملن أترُجّةً نَضْخُ العبير بها ... كأنَّ تَطيابَها في الأنف مَشْموم )
( كأنّ فَأْرةَ مسكٍ في مفارقها ... للباسط المُتعاطى وَهْو مزكوم )
( كأن إبريقَهم ظبيٌ على شرف ... مُفَدَّمٌ بسَبَا الكتّان ملثُوم )
( قد أشْهدُ الشَّربَ فيهم مِزْهرٌ صَدِحٌ ... والقومُ تصرعهم صهباءُ خُرطومُ )
الشعر لعلقمة بن عبدة والغناء لابن سريج وله فيه لحنان أحدهما في الأول والثاني خفيف ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق
(10/203)

والآخر رمل بالخنصر في مجرى البنصر في الخامس والسادس من الأبيات وذكر عمرو بن بانة أن في الأربعة الأبيات الأول المتوالية لمالك خفيف ثقيل بالوسطى وفيها ثقيل أول نسبه الهشامي إلى الغريض وذكر حبش أن لحن الغريض ثاني ثقيل بالبنصر وذكر حبش أن في الخامس والسادس خفيف رمل بالبنصر لابن سريج
(10/204)

أخبار علقمة ونسبه
هو علقمة بن عبدة بن النعمان بن ناشرة بن قيس بن عبيد بن ربيعة ابن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار
وكان زيد مناة بن تميم وفد هو وبكر بن وائل وكانا لدة عصر واحد على بعض الملوك وكان زيد مناة حسودا شرها طعانا وكان بكر بن وائل خبيثا منكرا داهيا فخاف زيد مناة أن يحظى من الملك بفائدة ويقل معها حظه فقال له يا بكر لا تلق الملك بثياب سفرك ولكن تأهب للقائه وادخل عليه في أحسن زينة ففعل بكر ذلك وسبقه زيد مناة إلى الملك فسأله عن بكر فقال ذلك مشغول بمغازلة النساء والتصدي لهن وقد حدث نفسه بالتعرض لبنت الملك فغاظه ذلك وأمسك عنه ونمى الخبر إلى بكر بن وائل فدخل إلى الملك فأخبره بما دار بينه وبين زيد مناة وصدقه عنه واعتذر إليه مما قاله فيه عذرا قبله فلما كان من غد اجتمعا عند الملك فقال الملك لزيد مناة ما تحب أن أفعل بك فقال لا تفعل ببكر شيئا إلا فعلت بي مثليه وكان بكر أعور العين اليمنى قد أصابها ماء فذهب بها فكان لا يعلم من رآه أنه أعور فأقبل الملك على بكر بن وائل فقال له ما تحب أن أفعل بك يا بكر قال تفقأ عيني اليمنى وتضعف لزيد مناة فأمر بعينه
(10/205)

العوراء ففقئت وأمر بعيني زيد مناة ففقئتا فخرج بكر وهو أعور بحاله وخرج زيد مناة وهو أعمى
سبب تلقيبه بالفحل
واخبرني بذلك محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة
ويقال لعلقمة بن عبدة علقمة الفحل سمي بذلك لأنه خلف على امرأة امرئ القيس لما حكمت له على امرئ القيس بأنه أشعر منه في صفة فرسه فطلقها فخالفه عليها وما زالت العرب تسميه بذلك وقال الفرزدق
( والفحلُ عَلمقةُ الذي كانت له ... حُلَلُ الملوك كلامُه يتنحل )
علقمة يحكم قريشا في شعره
أخبرني عمي قال حدثني النضر بن عمرو قال حدثني أبو السوار عن أبي عبيد الله مولى إسحاق بن عيسى عن حماد الراوية قال
كانت العرب تعرض أشعارها على قريش فما قبلوه منها كان مقبولا وما ردوه منها كان مردودا فقدم عليهم علقمة بن عبدة فأنشدهم قصيدته التي يقول فيها
( هل ما علمتَ وما استُودعْتَ مكتوم ... أم حَبْلُها أَنْ نأتكَ اليومَ مصرومُ )
(10/206)

فقالوا هذه سمط الدهر ثم عاد إليهم العام المقبل فأنشدهم
( طحابك قلب في الحِسَان طروبُ ... بُعَيْد الشَّباب عَصْرَ حان مَشِيبُ )
فقالوا هاتان سمطا الدهر
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك عن حماد بن إسحاق قال سمعت أبي يقول
سرق ذو الرمة قوله
( يطفو إذا ما تلقَّته الجراثيم ... )
من قول العجاج
( إذا تلقَّتْه العقاقيلُ طفا ... )
وسرقه العجاج من علقمة بن عبدة في قوله
( يطفو إذا ما تلقته العقاقِيل ... )
(10/207)

هو امرؤ القيس يتحاكمان إلى زوجته
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن لقيط وأخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو عبيدة قال
( كانت تحت امرئ القيس امرأة من طيء تزوجها حين جاور فيهم فنزل به علقمة الفحل بن عبدة التميمي فقال كل واحد منهما لصاحبه أنا أشعر منك فتحاكما إليها فأنشد امرؤ القيس قوله
( خليليَّ مُرّا بي على أُمّ جُنْدُبِ )
حتى مر بقوله
( فللسَّوط أُلهوبٌ وللسَّاق دِرَّةٌ ... وللزَّجر منه وَقْعُ أخْرجَ مُهذِب )
ويروى أهوج منعب
فأنشدها علقمة قوله
( ذَهَبْتَ من الهِجران في غير مَذْهَب ... )
حتى انتهى الى قوله
( فأدركه حتى ثنى من عِنانه ... يمُرُّ كغيث رائحٍ مُتَحَلَّب )
فقالت له علقمة أشعر منك قال وكيف قالت لأنك زجرت فرسك وحركته بساقك وضربته بسوطك
وأنه جاء هذا الصيد ثم أدركه ثانيا من عنانه فغضب امرؤ القيس وقال ليس كما قلت ولكنك هويته فطلقها فتزوجها علقمة بعد ذلك وبهذا لقب علقمة الفحل
(10/208)

ربيعة بن حذار يصنف الشعراء
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن لقيط قال
تحاكم علقمة بن عبدة التميمي
والزبرقان بن بدر السعدي والمخبل وعمرو بن الأهتم إلى ربيعة بن حذار الأسدي فقال أما أنت يا زبرقان فإن شعرك كلحم لا أنضج فيؤكل ولا ترك نيئا فينتفع به وأما أنت يا عمرو فإن شعرك كبرد حبرة يتلألأ في البصر فكلما أعدته فيه نقص وأما أنت يا مخبل فإنك قصرت عن الجاهلية ولم تدرك الإسلام وأما أنت يا علقمة فإن شعرك كمزادة قد أحكم خرزها فليس يقطر منها شيء
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني عمي عن العباس بن هشام عن أبيه قال
(10/209)

مر رجل من مزينة على باب رجل من الأنصار وكان يتهم بامرأته فلما حاذى بابه تنفس ثم تمثل
( هل ما علمتَ وما اسْتُوْدِعْتَ مكتومُ ... أم حبلُها إذ نأتك اليوم مصرومُ )
قال فتعلق به الرجل فرفعه إلى عمر رضوان الله عليه فاستعداه عليه فقال له المتمثل وما علي في أن أنشدت بيت شعر فقال له عمر رضي الله عنه مالك لم تنشده قبل أن تبلغ بابه ولكنك عرضت به مع ما تعلم من القالة فيه ثم أمر به فضرب عشرين سوطا
صوت
( فو الله لا أنسَى قتِيلاً رُزِيتُه ... بجانب قَوسَى ما حييتُ على الأرض )
( بلى إنها تَعْفُو الكلُومُ وإنما ... نُوكَّلُ بالأدنى وإن جَلَّ ما يَمضِي )
( ولم أدرِ مَن أَلْقَى عليه رداءَه ... ولكنه قد بُزَّ عن ماَجدٍ محضِ )
الشعر لأبي خراش الهذلي والغناء لابن محرز خفيف ثقيل أول بالوسطى من رواية عمرو بن بانة وذكر يحيى بن المكي أنه لابن مسجح وذكر الهشامي أنه ليحيى المكي لحنه ابن مسجح وفي أخبار معبد إن له فيه لحنا
(10/210)

ذكر أبي خراش الهذلي وأخباره
نسبه وموته
أبو خراش اسمه خويلد بن مرة أحد بني قرد واسم قرد عمرو بن معاوية بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار
شاعر فحل من شعراء هذيل المذكورين الفصحاء مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام فأسلم وعاش بعد النبي مدة ومات في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهشته أفعى فمات وكان ممن يعدو فيسبق الخيل في غارات قومه وحروبهم
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وعمي والحسن بن علي قالوا
حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا أحمد بن عمير بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال حدثني أبو بركة الأشجعي من أنفسهم قال
خرج أبو خراش الهذلي من أرض هذيل يريد مكة فقال لزوجته أم خراش ويحك إني أريد مكة لبعض الحاجة وإنك من أفك النساء وإن بني الديل يطلبونني بترات فإياك وأن تذكريني لأحد من أهل مكة حتى نصدر منها قالت معاذ الله أن أذكرك لأهل مكة وأنا أعرف السبب
(10/211)

قال فخرج بأم خراش وكمن لحاجته وخرجت إلى السوق لتشتري عطرا أو بعض ما تشتريه النساء من حوائجهن فجلست إلى عطار فمر بها فتيان من بني الديل فقال أحدهما لصاحبه أم خراش ورب الكعبة وإنها لمن أفك النساء وإن كان أبو خراش معها فستدلنا عليه قال فوقفا عليها فسلما وأحفيا المسألة والسلام فقالت من أنتما بأبي أنتما فقالا رجلان من أهلك من هذيل قالت بأبي أنتما فإن أبا خراش معي ولا تذكراه لأحد ونحن رائحون العشية فخرج الرجلان فجمعا جماعة من فتيانهم وأخذوا مولى لهم يقال له مخلد وكان من أجود الرجال عدوا فمكنوا في عقبة على طريقه فلما رآهم قد لاقوه في عين الشمس قال لها قتلتني ورب الكعبة لمن ذكرتني فقالت والله ما ذكرتك لأحد إلا لفتيين من هذيل فقال لها والله ما هما من هذيل ولكنهما من بني الديل وقد جلسا لي وجمعا علي جماعة من قومهم فاذهبي أنت فإذا جزت عليهم فإنهم لن يعرضوا لك لئلا أستوحش فأفوتهم فاركضي بعيرك وضعي عليه العصا والنجاء النجاء
قال فانطلقت وهي على قعود عقيلي يسابق الريح فلما دنا منهم وقد ثلثموا ووضعوا تمرا على طريقه على كساء فوقف قليلا كأنه يصلح شيئا وجازت بهم أم خراش فلم يعرضوا لها لئلا ينفر منهم ووضعت العصا على قعودها وتواثبوا إليه ووثب يعدو
قال فزاحمه على المحجة التي يسلك فيها على العقبة ظبي فسبقه أبو خراش وتصايح القوم يا مخلد أخذا أخذا
قال ففات الأخذ
فقالوا ضربا ضربا فسبق الضرب فصاحوا رميا
(10/212)

رميا فسبق الرمي وسبقت أم خراش إلى الحي فنادت ألا إن أبا خراش قد قتل فقام أهل الحي إليها وقام أبوه وقال ويحك ما كانت قصته فقالت إن بني الديل عرضوا له الساعة في العقبة قال فما رأيت أو ما سمعت قالت سمعتهم يقولون يا مخلد أخذا أخذا قال ثم سمعت ماذا قالت ثم سمعتهم يقولون ضربا ضربا قال ثم سمعت ماذا قالت سمعتهم يقولون رميا رميا قال فإن كنت سمعت رميا رميا فقد أفلت وهو منا قريب ثم صاح يا أبا خراش فقال أبو خراش يا لبيك وإذا هو قد وافاهم على أثرها
وقال أبو خراش في ذلك
شعره في نجاته من خصومه
( رَفَوْنِي وقالوا يا خُويْلدُ لم تُرَعْ ... فقلت وأنكرتُ الوجوهَ هُم هُم )
رفوني بالفاء سكنوني وقالوا لا بأس عليك
( فغارَرْتُ شيئَاً والدّريسُ كأنما ... يزعزعُه وعْكٌ من المُومِ مُرْدِمُ )
غاررت تلبثت
والدريس الخلق من الثياب ومثله الجرد والسحق والحشيف
ومردم لازم
( تذكرتُ ما أينَ المفرُّ وإنني ... بحبل الذي يُنْجِي من الموت مُعْصِم )
( فواللَّهِ ما ربْدَاءُ أو عِلْجُ عَانَةٍ ... أقبٌّ وما إنْ تَيْسُ رَمْلٍ مُصَمِّم )
(10/213)

( بأسرعَ منّي إذ عرفت عَدِيَّهُم ... كأني لأَولاهُمْ من القُرْبِ تَوْأَم )
( وأجودَ مِنِّي حينَ وافيْتُ ساعِياً ... وأخطأني خَلْف الثَّنِيَّة اسهُم )
( أُوَائِلُ بالشَّدِّ الذَّلِيقِ وحَثَّنِي ... لدى المتن مشبوحَ الذراعين خَلْجَمُ )
( تَذَكَّرَ ذَحْلاً عندنا وهْو فاتكٌ ... من القوم يَعرُوه اجتراءٌ ومَأْثم )
( تقول ابنتي لما رأتني عشيَّةً ... سلمتَ وما إن كِدتَ بالأمس تَسلمُ )
( فقلتُ وقد جاوزت صَارَى عشيَّةً ... أجاوزتُ أولَى القوم أم أنا أحلُم )
( فلولا دِرَاكُ الشدّ آضتْ حليلَتي ... تخيَّر في خُطَّابِها وَهْيَ أيِّمُ )
( فستخَطُ أو ترضَى مكانِي خليفةً ... وكادَ خِراشٌ عند ذلك يَيْتَم )
عدا بين فرسين فسبقهما
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي ومحمد بن الحسين الكندي خطيب المسجد الجامع بالقادسية قالا حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال حدثني رجل من هذيل قال
دخل أبو خراش الهذلي مكة وللوليد بن المغيرة المخزومي فرسان يريد أن يرسلهما في الحلبة فقال للوليد ما تجعل لي إن سبقتهما قال إن فعلت فهما لك فأرسلا وعدا بينهما فسبقهما فأخذهما
(10/214)

قال الأصمعي إذا فاتك الهذلي أن يكون شاعرا أو ساعيا أو راميا فلا خير فيه
وأخبرني بما أذكره من مجموع أخبار أبي خراش علي بن سليمان الأخفش عن أبي سعيد السكري وأخبرني بما أذكره من مجموع أشعارهم وأخبارهم فذكره أبو سعيد عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي عن أبي حاتم عن أبي عبيدة وعن ابن حبيب عن أبي عمرو
واخبرني ببعضه محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الرياشي عن الأصمعي وقد ذكرت ما رواه في أشعار هذيل وأخبارها كل واحد منهم عن أصحابه في مواضعه قال السكري فيما رواه عن ابن حبيب عن أبي عمرو قال
نزل أبو خراش الهذلي دبية السلمي وكان صاحب العزى التي في غطفان وكان يسدنها وهي التي هدمها خالد بن الوليد لما بعثه رسول الله إليها فهدمها وكسرها وقتل دبية السلمي قال فلما نزل عليه أبو خراش أحسن ضيافته
ورأى في رجله نعلين قد أخلقتا فأعطاه نعلين من حذاء السبت فقال أبو خراش يمدحه
( حذَانِيَ بعد ما خَذِمَتْ نِعالي ... دُبَيَّةُ إِنَّه نِعمَ الخليلُ )
( مُقابَلَتين من صَلوَيْ مُشِبٍّ ... من الثيران وصلُهما جميلُ )
(10/215)

( بمثلهما يروح المرءُ لَهواً ... ويقْضِي الهمَّ ذو الأربِ الرّجيل )
( فنعم مُعرَّسُ الأضياف تُذْحِي ... رحالَهُم شآميةُ بَلِيلُ )
( يُقاتل جوعَهم بمكلَّلاَتٍ ... من الفُرْنِّي يَرْعَبُها الجميل )
قال أبو عمرو الجميل الإهالة ولا يقال لها جميل حتى تذاب إهالة كانت أو شحما وقال أبو عمرو ولما بعث رسول الله خالد بن الوليد فهدم عزى غطفان وكانت ببطن نخلة نصبها ظالم بن أسعد بن عامر بن مرة وقتل دبية فقال أبو خراش الهذلي يرثيه
( مَا لِدُبَيَّةَ منذُ اليوم لم أَرَهُ ... وسْطَ الشُّرُوب ولم يُلْمِمْ ولم يطفِ )
( لو كان حياًّ لغاداهم بمُترعَةٍ ... فيها الرّواوِيق من شِيزَى بني الهَطِف )
بنو الهطف قوم من بني أسد يعملون الجفان
( كَابِي الرماد عظيمُ القِدْرِ جَفْنَتُه ... حين الشتاء كحَوْضِ المُنْهَلِ اللَّقِف )
المنهل الذي إبله عطاش
واللقف الذي يضرب الماء أسفله فيتساقط وهو ملآن
( أمسى سَقامٌ خَلاءً لا أنيسًَ به ... إلا السّباعُ ومَرُّ الريح بالغَرَفِ )
(10/216)

يرثي زهير بن العجوة
وقال الأصمعي وأبو عمرو في روايتهما جميعا
أخذ أصحاب رسول الله في يوم حنين أسارى وكان فيهم زهير بن العجوة أخو بني عمرو بن الحارث فمر به جميل بن معمر بن حبيب بن وهب نب حذافة بن جمح وهو مربوط في الأسرى وكانت بينهما إحنة في الجاهلية فضرب عنقه فقال أبو خراش يرثيه
( فَجَّع أصحابي جميلُ بن معْمَر ... بذي فَجَرٍ تأويِ إليه الأَراملُ )
( طويلُ نِجادِ السيف ليس بحيْدَرٍ ... إذا قام واستنَّت عليه الحمائِلُ )
( إلى بَيْتِهِ يأوي الغريبُ إذا شتا ... ومُهتَلِكٌ بالي الدّريسَيْن عائِلُ )
( تروَّحَ مقرورا وراحت عشيّة ... لها حَدَبٌ تحتثُّه فيُوائِلُ )
( تكاد يداه تُسْلِمَان رداءَه ... من القُرِّ لمّا استقبلْته الشمائل )
( فما بالُ أهلِ الدّار لم يتصدَّعوا ... وقد خفّ منها اللّوذعيٌّ الحُلاَحلُ )
( فأُقسِمُ لو لاقيتَه غيرَ موثَقٍ ... لآبك بالجِزْع الضّباعُ النّواهلُ )
( لظلّ جميلٌ أَسوأَ القوم تَلَّةً ... ولكنَّ ظَهْرَ القِرْنِ للمَرْء شاغلُ )
( فليس كعهدِ الدار يا أمَّ مالكٍ ... ولكنْ أحاطت بالرقاب السلاسل )
(10/217)

( وعاد الفتى كالكهل ليس بقائلٍ ... سوى الحقِّ شيئا فاستراح العواذلُ )
( ولم أَنْسَ أياماً لا وليالياً ... بِحَلْيَةَ إذ نلقَى بها ما نحاول )
وقال أيضا يرثيه
( أَفِي كلِّ ممَسى ليلةٍ أنا قائل ... من الدهر لا يبعَدْ قتيلُ جميلِ )
( فما كنتُ أخشى أن تصيبَ دماءَنا ... قريشٌ ولما يُقتلوا بقتيل )
( فأبرحُ ما أُمِّرْتُمُ وعَمَرتُمُ ... مدَى الدهر حتى تُقْتَلُوا بِغلِيلِ )
شعره في إنقاذ أسرى
وقال أبو عمرو في خبره خاصة أقبل أبو خراش وأخوه عروة وصهيب القردي في بضعة عشر رجلا من بني قرد يطلبون الصيد فبينا هم بالمجمعة من نخلة لم يرعهم إلا قوم قريب من عدتهم فظنهم القرديون قوما من بني ذؤيبة أحد بني سعد بن بكر بن هوازن أو من بني حبيب أحد بني نصر فعدا الهذليون إليهم يطلبونهم وطمعوا فيهم حتى خالطوهم وأسروهم جميعا وإذا هم قوم من بني ليث بن بكر فيهم ابنا شعوب أسرهما صهيب القردي فهم بقتلهما وعرفهم أبو خراش فاستنقذهم جميعا من أصحابه وأطلقهم فقال أبو خراش في ذلك يمن على ابني شعوب أحد بني شجع بن عامر بن ليث فعله بهما
( عدونَا عدوةَ لا شكَّ فيها ... وخِلناهمْ ذُؤيبةَ أو حَبيبا )
( فنُغرِي الثائرين بهم وقلنا ... شفاءُ النفس أنْ بَعَثوا الحروبا )
(10/218)

( مَنَعْنا من عدِيِّ بني حُنَيفٍ ... صِحابَ مضرّسٍ وابني شَعوبا )
( فأَثْنُوا يا بني شِجْعٍ عَلَيْنَا ... وحقُّ ابني شَعُوب أنْ يُثيِبا )
( وسائلْ سَبرةَ الشِّجْعِيِّ عنا ... غداة نخالهم نَجْواً جَنيبا )
( بأن السابق القردي ألقى ... عليه الثوب إذ ولى دبيبا )
( ولولا ذاكَ أرهقَه صُهيبٌ ... حسامَ الحَدِّ مطروراً خشيبا )
شعره في زهده
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال أقفر أبو خراش الهذلي من الزاد أياما ثم مر بامرأة من هذيل جزلة شريفة فأمرت له بشاة فذبحت وشويت فلما وجد بطنه ريح الطعام قرقر فضرب بيده على بطنه وقال إنك لتقرقر لرائحة الطعام والله لاطعمت منه شيئا ثم قال يا ربة البيت هل عندك شيء من صبر أو مر قالت تصنع به ماذا قال أريده فأتته منه بشيء فاقتمحه ثم أهوى إلى بعيره فركبه فناشدته المرأة فأبى فقالت له يا هذا هل رأيت بأسا أو أنكرت شيئا قال لا والله ثم مضى وأنشأ يقول
( وإني لاْثوي الجوعَ حتى يَملَّني ... فأحيا ولم تدنَس ثيابي ولا جِرمي )
( وأصْطَبحُ الماءَ القَراحَ فأكتفي ... إذا الزادُ أضحَى للمزلَّجِ ذَا طَعْم )
( أردُّ شجاعَ البطن قد تَعلمينه ... وأوثر غيرِي من عِيالِك بالطُّعْم )
(10/219)

( مخافَة أن أحيا برَغمٍ وذلّةٍ ... فلَلْمَوتُ خيرٌ من حياةٍ على رَغُم )
يفتدي أخاه عروة بن مرة
وأخبرني عمي بن هارون بن محمد الزيات عن أحمد بن الحارث عن المدائني بنحو مما رواه الأصمعي
وقال أبو عمرو
أسرت فهم عروة بن مرة أخا أبي خراش وقال غيره بل بنو كنانة أسرته فلما دخلت الأشهر الحرم مضى أبو خراش إليهم ومعه ابنه خراش فنزل بسيد من ساداتهم ولم يعرفه نفسه ولكنه استضافه فأنزله وأحسن قراه فلما تحرم به انتسب له وأخبره خبر أخيه وسأله معاونته حتى يشتريه منهم فوعده بذلك وغدا على القوم مع ذلك الرجل فسألهم في الأسير أن يهبوه له فما فعلوا فقال لهم فبيعوينه فقالوا أما هذا فنعم فلم يزل يساومهم حتى رضوا بما بذله لهم فدفع أبو خراش إليهم ابنه خراشا رهينة وأطلق أخاه عروة ومضيا حتى أخذ أبو خراش فكاك أخيه وعاد به إلى القوم حتى أعطاهم إياه وأخذ ابنه
فبينما أبو خراش ذات يوم في بيته إذ جاءه عبد له فقال إن أخاك عروة جاءني وأخذ شاة من غنمك فذبحها ولطمني لما منعته منها فقال له دعه فلما كان بعد أيام عاد فقال له قد أخذ أخرى فذبحها فقال دعه فلما أمسى قال له إن أخاك اجتمع مع شرب من قومه فلما انتشى جاء إلينا وأخذ ناقة من إبلك لينحرها لهم فعاجله فوثب أبو خراش إليه فوجده قد أخذ الناقة لينحرها فطردها أبو خراش فوثب أخوه عروة إليه فلطم وجهه وأخذ الناقة فعقرها وانصرف أبو خراش فلما كان من غد لامه قومه وقالوا له بئست لعمر الله المكافأة كانت منك لأخيك رهن ابنه فيك وفداك بماله ففعلت به ما فعلت فجاء عروة يعتذر إليه فقال أبو خراش
(10/220)

( لَعلَّكَ نافعي يا عُروَ يوماً ... إذا جاورْتُ مَنْ تحتَ القبور )
( أخذتَ خُفَارَتِي ولطمتَ عَيْني ... وكيف تُثِيبُ بالمنِّ الكبيرِ )
( ويومٍ قد صبْرتُ عليكَ نفسي ... لدى الأشْهَاد مُرْتَدِيَ الحرورِ )
( إذا ما كان كَسُّ القوم رَوْقاً ... وجالت مقلتا الرجل البصير )
( بما يممتُه وتركْتُ بِكْرى ... وما أُطْعِمْتَ من لحم الجَزُور )
قال معنى قوله بكري أي بكر ولدي أي أولهم
كان بنو مرة عشرة
وقال الأصمعي وأبو عبيدة وأبو عمرو وابن الأعرابي
كان بنو مرة عشرة أبو خراش وأبو جندب وعروة والأبح والأسود وأبو الأسود وعمرو وزهير وجناد وسفيان وكانوا جميعا شعراء دهاة سراعا لا يدركون عدوا فأما الأسود بن مرة فإنه كان على ماء من داءة وهو غلام شاب فوردت عليه إبل رئاب بن ناضرة بن المؤمل من بني لحيان ورئاب شيخ كبير فرمى الأسود ضرع ناقة من الإبل فعقرها فغضب رئاب فضربه بالسيف فقتله وكان أشدهم أبو جندب فعرف خبر أخيه فغضب غضبا شديدا وأسف فاجتمعت رجال هذيل إليه يكلمونه وقالوا خذ عقل أخيك واستبق ابن عمك فلم يزالوا به حتى قال نعم اجمعوا العقل فجاؤوه به في مرة واحدة فلما أراحوه عليه صمت فطال صمته فقالوا
(10/221)

له أرحنا اقبضه منا فقال إني أريد أن أعتمر فاحبسوه حتى أرجع فإن هلكت فلأم ما أنتم هذه لغة هذيل يقولون إم بالكسر ولا يستعملون الضم وإن عشت فسوف ترون أمري وولى ذاهبا نحو الحرم فدعا عليه رجال من هذيل وقالوا اللهم لا ترده فخرج فقدم مكة فواعد كل خليع وفاتك في الحرم أن يأتوه يوم كذا وكذا فيصيب بهم قومه فخرج صادرا حتى أخذته الذبحة في جانب الحرم فمات قبل أن يرجع فكان ذلك خبره
خبر أخيه زهير
قالوا واما زهير بن مرة فخرج معتمرا قد جعل على جسده من لحاء الحرم حتى ورد ذات الأقير من نعمان فبينا هو يسقي إبلا له إذ ورد عليه قوم من ثمالة فقتلوه فله يقول أبو خراش وقد انبعث يغزو ثمالة ويغير عليهم حتى قتل منهم بأخيه أهل دارين أي حلتين من ثمالة
( خذوا ذلكم بالصّلْحِ إني رأيتكُمُ ... قتلتم زُهيرا وهو مهْدٍ ومُهْمِل )
مهد أي أهدى هديا للكعبة
ومهمل قد أهمل إبله في مراعيها
( قتلتم فتى لا يفجُرُ الله عامداً ... ولا يجتويه جارُه عامَ يُمْحِل )
ولهم يقول أبو خراش
( إنّي امرؤٌ أَسْاَلُ كيما أعلَما ... مَنْ شَرُّ رهْطٍ يَشْهَدُون الموسِمَا )
(10/222)

( وجدتُهم ثُمالةَ بنَ أسلمَا )
وكان أبو خراش إذا لقيهم في حروبه أوقع بهم ويقول
( إليك أمَّ ذِبَّان ... ما ذاكِ من حلْبِ الضَّانْ )
( لكن مَصاع الفِتيانْ ... بكل لِيْنٍ حَرّان )
خبر أخيه عروة
قال وأما عروة بن مرة وخراش بن أبي خراش فأخذهما بطنان من ثمالة يقال لهما بنو رزام وبنو بلال وكانوا متجاورين فخرج عروة بن مرة وابن أبي خراش أخيه مغيرين عليهم طمعا في أن يظفروا من أموالهم بشيء فظفر بهما الثماليون فأما بنو رزام فنهوا عن قتلهما وأبت بنو بلال إلا قتلهما حتى كاد يكون بينهم شر فألقى رجل من القوم ثوبه على خراش حين شغل القوم بقتل عروة ثم قال له انج وانحرف القوم بعد قتلهم عروة إلى الرجل وكانوا أسلموه إليه فقالوا أين خراش فقال أفلت مني فذهب فسعى القوم في أثره فأعجزهم فقال أبو خراش في ذلك يرثي أخاه عروة ويذكر خلاص ابنه
( حمدتُ إلَهِي بعد عُروةَ إذ نجا ... خراشٌ وبعضُ الشر أهونُ من بعض )
( فواللهِ لا أنسىَ قتيلاً رُزِيتَه ... بجانب قَوْسَى ما حييتُ على الأرض )
( بلى إنها تَعفو الكلومُ وإنما ... نُوكلُّ بالأدْنى وإن جلَّ ما يَمضِي )
(10/223)

( ولم أدر مَن أَلْقَى عليه رداءَهُ ... سوى أنه قد سُلَّ عن ماجِد محضِ )
( ولم يك مثلوجَ الفؤاد مهبَّلاً ... أضاع الشبابَ في الرّبِيلَةِ والخفض )
( ولكنهُ قد نازعته مَجَاوعٌ ... على أنه ذو مرة صادق النهض )
قال ثم إن أبا خراش وأخاه عروة استنفرا حيا من هذيل يقال لهم بنو زليفة بن صبيح ليغزوا ثمالة بهم طالبين بثأر أخيهما فلما دنوا من ثمالة أصاب عروة ورد حمى وكانت به حمى الربع فجعل عروة يقول
( أصبحتُ موروداً فقرّبُوني ... إلى سواد الحيِّ يَدْفِنوني )
( إنّ زهيراً وسطَهم يَدعوني ... رَبَّ المخاض والِلَّقاحِ الجُون )
فلبثوا إلى أن سكنت الحمى ثم بيتوا ثمالة فوجدوهم خلوفا ليس فيهم رجال فقتلوا من وجدوا من الرجال وساقوا النساء والذراري والأموال وجاء الصائح إلى ثمالة عشاء فلحقوهم وانهزم أبو خراش واصحابه وانقطعت بنوزليفة فنظر الأكنع الثمالي وكان مقطوع الأصبع إلى عروة فقال يا قوم ذلك والله عروة وأنا والله رام بنفسي عليه حتى يموت أحدنا وخرج يمعج نحو عروة فصلح عروة بأبي خراش أخيه أي
(10/224)

أبا خراش هذا والله الأكنع وهو قاتلي فقال أبو خراش أمضه وقعد له على طريقه ومر به الأكنع مصمما على عروة وهو لا يعلم بموضع أبي خراش فوثب عليه أبو خراش فضربه على حبل عاتقه حتى بلغت الضربة سحره وانهزمت ثمالة ونجا أبو خراش وعروة
وقال أبو خراش يرثي أخاه ومن قتلته ثمالة وكنانة من أهله وكان الأصمعي يفضلها
( فَقَدْتُ بني لُبْنَى فلما فقدتُهم ... صبَرتُ فلم أقطعُ عليهم أبَاجِلي )
الأبجل عرق في الرجل
( رماحٌ من الخطِّيِّ زُرْقٌ نِصالُها ... حِدادٌ أعاليها شِدادُ الأسافل )
( فلَهفِي على عمرِو بن مُرَّة لهفةً ... ولهْفِي على ميْتٍ بقَوسَى المعاقل )
( حِسانُ الوجوه طيِّبٌ حُجُزِاتُهُم ... كريمٌ نَثاهم غيرُ لُفِّ مَعازلِ )
( قتلتَ قتيلاً لا يُحاِلِفُ غَدْرَةً ... ولا سُبَّةً لا زِلتَ أسفلَ سافل )
( وقد أَمِنُوني واطمأنّتْ نفوسُهم ... ولم يعلموا كلّ الذي هو داخلي )
( فمن كان يرجو الصلْحَ مِنِّي فإنه ... كأحمرِ عاد أو كُلَيْبِ بن وائل )
( أُصيبتْ هُذيلٌ بابن لُبْنَى وجُدّعت ... أنوفُهُمُ باللَّوْذعيِّ الحُلاَحِل )
(10/225)

( رأيتُ بني العَلاَّتِ لما تضافروا ... يَحوزون سَهْمي دونَهمُ بالشَّمائل )
أخبار سائر اخوته
قالوا وأما أبو الأسود فقتلته فهم بياتا تحت الليل وأما الأبح فكان شاعرا فأمسى بدار بعرعر من ضيم فذكر لسارية بن زنيم العبدي أحد بني عبد بن عدي ابن الديل فخرج بقوم من عشيرته يريده ومن معه فوجدوهم قد ظعنوا
وكان بين بني عبد بن عدي بن الديل وبينهم حرب فقال الأبح في ذلك
( لعمرُكَ سارِيَ بْنَ أبيِ زُنَيْمٍ ... لأَنْتَ بعَرْعَرَ الثأرُ المنيمُ )
( تركتَ بني معاويةَ بنِ صخرٍ ... وأنت بمربَعٍ وهُمُ بضِيمِ )
( تُساقيهمْ على رَصَفٍ وظُرٍّ ... كدابغةٍ وقد حَلِم الأَديمُ )
رصف وظر ماءان ومربع وضيم موضعان
( فلم نتركهُمُ قصداً ولكنْ ... فرِقْتَ من المصالِت كالنّجوم )
( رأيتَهُم فوارسَ غيرَ عُزْلٍ ... إذا شَرِقَ المُقاتِلُ بالكُلومِ )
فأجابه سارية قال
(10/226)

( لعِلك يا أَبَحُّ حسِبْتَ أنّي ... قتلتُ الأسودَ الحسَن الكريمَا )
( أخذتُمْ عقلَه وتركتُمُوه ... يسوق الظُّمْيَ وسْطَ بني تميمَا )
عيرهم بأخذ دية الأسود بن مرة أخيهم وأنهم لم يدركوا بثأره وبنو تميم من هذيل
قالوا وأما جنادة وسفيان فماتا وقتل عمرو ولم يسم قاتله
قالوا وأمهم جميعا لبنى إلا سفيان بن مرة فإن أمه أم عمرو القردية وكان أيسر القوم وأكثرهم مالا
وقال أبو عمرو وغزا أبو خراش فهما فأصاب منهم عجوزا وأتى بها منزل قومه فدفعها إلى شيخ منهم وقال احتفظ بها حتى آتيك وانطلق لحاجته فأدخلته بيتا صغيرا وأغلقت عليه وانطلقت فجاء أبو خراش وقد ذهبت فقال
( سَدَّتْ عليه دَوْلَجاً ثم يَمَّمَت ... بنيِ فالج بالليث أهلَ الخزائم )
الدولج بيت صغير يكون للبهم والليث ماء لهم والخزائم البقر واحدتها خزومة
( وقالت له دَنِّخْ مكانَكَ إنني ... سألقاك إن وافيتَ أهلَ المواسم )
يقال دنخ الرجل ودمخ إذا أكب على وجهه ويديه
وقال أبو عمرو دخلت أميمة امرأة عروة بن مرة على أبي خراش وهو يلاعب ابنه فقالت له يا أبا خراش تناسيت عروة وتركت الطلب بثأره ولهوت مع ابنك أما والله لو كنت المقتول ما غفل عنك ولطلب قاتلك حتى يقتله فبكى أبو خراش وأنشأ يقول
(10/227)

( لعمري لقد راعتْ أُميمةَ طلعَتِي ... وإنّ ثَوَائي عندها لقليلُ )
( وقالت : أُراه بعد عُرْوة لاهِياً ... وذلك رُزْءٌ لو علمْت جليلُ )
( فلا تحسبي أني تناسيْتُ فقْدَهُ ... ولكنَّ صبرِي يا أُميْمَ جميلُ )
( ألم تعلمِي أنْ قدْ تفرّق قبلَنَا ... نديما صفاءٍ مالكٌ وعَقيلُ )
( أبى الصبرَ أنّى لا يزال يَهِيجُنِي ... مبيتٌ لنا فيما خلا ومَقيلُ )
( وأني إذا ما الصَبحُ آنَسْتُ ضوءَه ... يعاودني قُطْعٌ عليّ ثقيلُ )
قال أبو عمرو فأما أبو جندب أخو أبي خراش فإنه كان جاور بني نفاثة ابن عدي بن الديل حينا من الدهر ثم إنهم هموا بأن يغدروا به وكانت له إبل كثيرة فيها أخوه جنادة فراح عليه أخوه جنادة ذات ليلة وإذا به كلوم فقال له أبو جندب حتى أتى جيرانه من بني نفاثة فقال لهم يا قوم ما هذا الجوار لقد كنت أرجو من جواركم خيرا من هذا أيتجاور أهل الأعراض بمثل هذا
فقالوا أو لم يكن بنو لحيان يقتلوننا فو الله ما قرت دماؤنا وما زالت تغلي والله إنك للثأر المنيم فقال أما إنه لم يصب أخي إلا خير ولكنما هذه معاتبة لكم وفطن للذي يريد القوم من الغدر به وكان بأسفل دفاق فأصبحوا ظاعنين وتواعدوا ماء ظر فنفذ الرجال إلى الماء وأخروا
(10/228)

النساء لأن يتبعنهم إذا نزلوا واتخذوا لحياض للإبل فأمر أبو جندب أخاه جنادة وقال له اسرح مع نعم القوم
ثم توقف وتأخر حتى تمر عليك النعم كلها وأنت في آخرها سارح بإبلك واتركها متفرقة في المرعى فإذا غابوا عنك فاجمع إبلك واطردها نحو أرضنا وموعدك نجد ألوذثنية في طريق بلاده وقال لامرأته أم زنباع وهي من بني كلب بن عوف اظعني وتمكثي حتى تخرج آخر ظعينة من النساء
ثم توجهي فموعدك ثنية يدعان من جانب النخلة وأخذ أبو جندب دلوه وورده مع الرجال فاتخذ القوم الحياض واتخذ أبو جندب حوضا فملأه ماء ثم قعد عنده فمرت به إبل ثم إبل فكلما وردت إبل سأل عن إبله فيقولون قد بلغت تركناها بالضجن
ثم قدمت النساء كلما قدمت ظعينة سألها عن أهله فيقولون بلغتك تركناها تظعن حتى إذا ورد آخر النعم أتخر الظعن قال والله لقد حبس أهلي حابس أبصر يا فلان حتى أستأنس أهلي وإبلي وطرح دلوه على الحوض
ثم ولى حتى أدرك القوم بحيث وعدهم فقال أبو جندب في ذلك
( أقول لأُمِّ زِنْبَاعٍ أَقِيمي ... صُدورَ العِيسِ شطرَ بني تميم )
( وغَرَّبْتُ الدّعَاءَ وأَيْنَ منَّي ... أُناسٌ بين مرَّ وذي يَدومِ )
غربت الدعاء دعوت من بعيد
( وَحَيٍّ بالمناقب قد حمُوْها ... لدى قُرَّانَ حتى بطنِ ضِيمِ )
(10/229)

( وأحياءٍ لدى سعْدِ بن بكر ... بأَملاحٍ فظاهرةِ الأديم )
( أُولئِكَ معشري وهُمُ أرومي ... وبعض القوم ليس بذي أُروم )
( هنالِكَ لو دَعَوْت أَتَاك منهم ... رجالٌ مثل أَرمِيةِ الحميمِ )
الأرمية السحاب الشديد الوقع واحدها رمي والحميم مطر القيظ
( أَقلَّ الله خَيْرَهُم أَلمَّا ... يَدَعْهُم بعضُ شرّهُم القديم )
( أَلمَّا يَسلم الجيرانُ منهم ... وقد سال الفِجاج من الغميم )
( غداةَ كأنَّ جنَّادَ بن لُبنى ... به نضخُ العبيرِ من الكُلوم )
( دعى حَوْلي نفاثةُ ثم قالوا ... لعلك لسْتَ بالثّأْر المنيمِ )
المنيم الذي إذا أدرك استراح أهله وناموا
( نعوْا مَنْ قَتَّلَتْ لِحَيانُ منهم ... ومن يغترُّ بالْحرب القروم )
قالوا جميعا وكان أبو جندب ذا شر وبأس وكان قومه يسمونه المشؤوم فاشتكى شكوى شديدة وكان له جار من خزاعة يقال له حاطم فوقعت به بنو لحيان فقتلوه قبل أن يستبل أبو جندب من مرضه واستاقوا أمواله وقتلوا امرأته وقد كان أبو جندب كلم قومه فجمعوا لجاره غنما فلما أفاق أبو جندب من مرضه خرج من أهله حتى قدم مكة ثم جاء يمشي
(10/230)

حتى استلم الركن وقد شق ثوبه عن استه فعرف الناس أنه يريد شرا فجعل يصيح ويقول
( إنّي امرؤ أبكي على جارَيَّهْ ... أبكِي على الكعبيِّ والَكعبيَّهْ )
( ولو هَلكتُ بَكَيا عليَّهْ ... كَانا مكَان الثوب من حَقْويَّه )
فلما فرغ من طوافه وقضى حاجته من مكة خرج في الخلعاء من بكر وخزاعة فاستجاشهم على بني لحيان فقتل منهم قتلى وسبى من نسائهم وذراريهم سبايا وقال في ذلك
( لقد أمسى بنو لِحْيان منّي ... بحمد الله في خِزْيٍ مُبين )
( تركتهمُ على الرّكَباتِ صُعْراً ... يُشِيبُون الذَوائب بالأنِين )
يشكو إلى عمر شوقه إلى ابنه
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي قال حدثني عمي قال
هاجر خراش بن أبي خراش الهذلي في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغزا مع المسلمين فأوغل في أرض العدو فقدم أبو خراش المدينة فجلس بين يدي عمر وشكا إليه شوقه إلى ابنه وأنه رجل قد انقرض أهله وقتل إخوته ولم يبق له ناصر ولا معين غير ابنه خراش وقد غزا وتركه وأنشأ يقول
(10/231)

( ألا مَن مُبلغٌ عني خِراشاً ... وقد يأْتيك بالنّبأ البعيدُ )
( وقد يأتيكَ بالأخبار مَنْ لا ... تُجَهِّزُ بالحِذاء ولا تُزِيدُ )
تزيد وتزود واحد من الزاد
( يُناديه ليَغْبِقَه كَلِيبٌ ... ولا يأتِي لقد سَفُه الوليدُ )
( فردَّ إناءَه لا شيءَ فيه ... كأنّ دموعَ عينيه الفَريد )
( وأصبحَ دون عابقِه وأمسى ... جبالٌ من حِرارِ الشام سُود )
( ألا فاعلم خِراشُ بأنّ خيرَ المهاجر ... بعد هجرته زهيد )
( رأيتكَ وابتغاءَ البِرِّدوني ... كمحصور اللِّبان ولا يصيد )
قال فكتب عمر رضي الله عنه بأن يقبل خراش إلى أبيه وألا يغزو من كان له أب شيخ إلا بعد أن يأذن له
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا الأصمعي
وأخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن ابن الكلبي عن أبيه
وأخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ قال أبو عبيدة
وأخبرني أيضا هاشم قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي
(10/232)

عن عمه وذكره أبو سعيد السكري في رواية الأخفش عنه عن أصحابه قالوا جميعا
أسلم أبو خراش فحسن إسلامه ثم أتاه نفر من أهل اليمن قدموا حجاجا فنزلوا بأبي خراش والماء منهم غير بعيد فقال يا بني عمي ما أمسى عندنا ماء ولكن هذه شاة وبرمة وقربة فردوا الماء وكلوا شاتكم ثم دعوا برمتنا وقربتنا على الماء حتى نأخذها قالوا والله ما نحن بسائرين في لبلتنا هذه وما نحن ببارحين حيث أمسينا فلما رأى ذلك أبو خراش أخذ قربته وسعى نحو الماء تحت الليل حتى استقى ثم أقبل صادرا فنهشته حية قبل أن يصل إليهم فأقبل مسرعا حتى أعطاهم الماء وقال اطبخوا شاتكم وكلوا ولم يعلمهم بما أصابه فباتوا على شاتهم يأكلون حتى أصبحوا وأصبح أبو خراش في الموت فلم يبرحوا حتى دفنوه وقال وهو يعالج الموت
( لعمرُكَ والمنايا غالباتُ ... على الإنسان تطلُع كلَّ نجدِ )
( لقد أهلكْتِ حيّةَ بطنِ أنفٍ ... على الأَصحاب ساقاً ذاتَ فقد )
وقال أيضا
( لقد أهلكتِ حيةَ بطن أنفٍ ... على الأصحاب ساقاً ذاتَ فضلِ )
( فما تركتْ عدوًّا بين بُصْرَى ... إلى صنعاءَ يطلبُهُ بذَحْل )
(10/233)

قال فبلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه خبره فغضب غضبا شديدا وقال لولا أن تكون سبة لأمرت ألا يضاف يمان أبدا
ولكتبت بذلك إلى الآفاق
إن الرجل ليضيف أحدهم فيبذل مجهوده فيسخطه ولا يقبله منه ويطالبه بما لا يقدر عليه كأنه يطالبه بدين أو يتعنته ليفضحه فهو يكلفه التكاليف حتى أهلك ذلك من فعلهم رجلا مسلما وقتله ثم كتب إلى عامله باليمن بأن يأخذ النفر الذين نزلوا بأبي خراش فيغرمهم ديته ويؤدبهم بعد ذلك بعقوبة تمسهم جزاء لأعمالهم
صوت
( تهيمُ بها لا الدهرُ فانٍ ولا المنى ... سواها ولا يُنسيك نَأْيٌ ولا شُغلُ )
( كبيضةِ أُدحيٍّ بِميثِ خميلةٍ ... يحفَّفها جَوْنٌ بجؤجؤه صَعْلُ )
الشعر لعبد الرحمن بن مسافع بن دارة والغناء لابن محرز ثقيل أول بالوسطى عن ابن المكي
(10/234)