Advertisement

الأغاني 011



[ الأغاني - الأصفهاني ]
الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبي الفرج الأصفهاني
الناشر : دار الفكر - بيروت
الطبعة الثانية
تحقيق : سمير جابر
عدد الأجزاء : 24 ( أجارةَ أهلي بالقَصِيْمَةِ لا يكن ... عليَّ ولم أظلِمْ لسانُكِ مِبْرَدا ) - طويل -
صوت
( أعاذِلَتي أَلا لا تَعذُلِينا ... أقِلّي اللومَ إنْ لم تَنْفَعينا )
( فقد أكثْرتِ لو أغنيْتِ شيئاً ... ولستُ بقابلٍ ما تأمُرِينا ) - وافر -
الشعر لأرطاة بن سهية والغناء لمحمد بن الأشعث خفيف رمل بالبنصر من نسخة عمرو بن بانة
(13/31)

أخبار أرطاة ونسبه
هو أرطاة بن زفر بن عبد الله بن مالك بن شداد بن عقفان بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان وقد تقدم هذا النسب في عدة مواضع من هذا الكتاب وسهية أمه وهي بنت زامل بن مروان بن زهير بن ثعلبة بن حديج بن أبي جشم بن كعب بن عوف ابن عامر بن عوف سبية من كلب وكانت لضرار بن الأزور ثم صارت إلى زفر وهي حامل فجاءت بأرطاة من ضرار على فراش زفر فلما ترعرع أرطاة جاء ضرار إلى الحارث بن عوف فقال له
( يا حارِثُ افْكُكْ ليْ بُنَيَّ من زُفَرْ ... )
( ويروى يا حار أطلق لي ... )
( في بعضِ مَنْ تُطلِقُ مِن أَسْرَى مُضَرْ ... )
( إنَّ أباه امرُؤُ سَوْءٍ إن كفرْ ... ) - رجز
(13/32)

فأعطاه الحارث إياه وقال انطلق بابنك فأدركه نهشل بن حري بن غطفان فانتزعه منه ورده إلى زفر وفي تصداق ذلك يقول أرطاة لبعض أولاد زفر
( فإذا خَمِصْتمْ قلْتُمُ يا عمَّنا ... وإذا بَطِنتُمْ قلْتُمُ ابنَ الأَزْوَرِ ) - كامل -
قال ولهذا غلبت أمه سهية على نسبه فنسب إليها وضرار بن الأزور هذا قاتل مالك بن نويرة الذي يقول فيه أخوه متمم
( نِعْمَ القتيلُ إذا الرِّياحُ تَناوَحَتْ ... تحت البيوت قَتلْتَ يا بنَ الأزْوَرِ )
منزلته في الشعر
وأرطاة شاعر فصيح معدود في طبقات الشعراء المعدودين من شعراء الإسلام في دولة بني أمية لم يسبقها ولم يتأخر عنها وكان أمرأ صدق شريفا في قومه جوادا
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان رفيع بن سلمة الملقب بدماذ قال حدثنا أبو عبيدة قال دخل أرطاة بن سهية على عبد الملك بن مروان فاستنشده شيئا مما كان يناقض به شبيب بن البرصاء فأنشده
(13/33)

( أبي كان خيراً من أبيكَ ولم يَزَلْ ... جَنيباً لآبائي وأنت جنيبُ )
فقال له عبد الملك بن مروان كذبت شبيب خبر منك أبا ثم أنشده
( وما زلتُ خيراً منك مذ عَضَّ كَارِهاً ... برأسك عاديُّ النِّجاد رَسوب ) - كامل -
فقال له عبد الملك صدقت أنت في تفسك خير من شبيب فعجب من عبد الملك من حضر ومن معرفته مقادير الناس على بعدهم منه في بواديهم وكان الأمر على ما قال كان شبيب أشرف أبا من أرطاة وكان أرطاة أشرف فعلا ونفسا من شبيب
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عمرو بن بحر الجاحظ ودماذ أبو غسان قالا جميعا قال أبو عبيدة دخل أرطاة بن سهية على عبد الملك بن مروان فقال له كيف حالك يا أرطاة وقد كان أسن فقال ضعفت أوصالي وضاع مالي وقل مني ما كنت أحب كثرته وكثر مني ما كنت أحب قلته قال فكيف أنت في شعرك فقال والله يا أمير المؤمنين ما أطرب ولا أغضب ولا أرغب ولا أرهب وما يكون الشعر إلا من نتائج هذه الأربع وعلى أني القائل
( رأيتُ المرءَ تأكُلُه اللَّيالي ... كأكْلِ الأرضِ سَاقِطةَ الحديدِ )
( وما تَبْغي المَنيَّةُ حينَ تأتي ... على نَفْسِ ابن آدمَ من مَزِيدِ )
(13/34)

( وأعْلمُ أنها ستَكُرُّ حتَّى ... تُوَفِّي نَذْرَها بأبي الوَليدِ )
فارتاع عبد الملك ثم قال بل توفي نذرها بك ويلك مالي ولك فقال لا ترع يا أمير المؤمنين فإنما عنيت نفسي وكان أرطاة يكنى أبا الوليد فسكن عبد الملك ثم استعبر باكيا وقال أما والله على ذلك لتلمن بي
أخبرني به حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان محمد بن يحيى عن عبد العزيز بن أبي ثابت فذكر قريبا منه يزيد وينقص ولا يحيل معنى
مدحه مروان بن الحكم
أخبرني عبد الملك بن مسلمة القرشي الهشامي بأنطاكية قال أخبرني أبي عن أهلنا أن أرطاة بن سهية دخل على مروان بن الحكم لما اجتمع له أمر الخلافة وفرغ من الحروب التي كان بها متشاغلا وصمد لإنفاذ الجيوش إلى ابن الزبير لمحاربته فهنأه وكان خاصا به وبأخيه يحيى بن الحكم ثم أنشده
( تَشَكَّى قَلُوصِي إليَّ الوَجَى ... تَجُرُّ السّريح وتُبْلي الخِدامَا )
(13/35)

( تَزُورُ كريماً له عندها ... يدٌ لا تُعَدُّ وتُهدِي السَّلامَا )
( وقَلَّ ثواباً له أنَّها ... تُجِيدُ القَوافِيَ عاماً فعامَا )
( وسَادَتْ مَعَدًّا على رَغْمها ... قُرَيشٌ وسُدْتَ قريشاً غُلاَمَا )
( جُعِلْتَ على الأمرِ فيه صَغاً ... فما زال غَمْزُك حتى استقاما )
( لَقِيْتَ الزُّحوفَ فقاتلْتَها ... فجرَّدْت فِيهنَّ عَضْباً حُسَامَا )
( تَشُقُّ القَوانسَ حتى تَنا ... لَ ما تحتها ثم تَبرِي العِظَاما )
( نَزَعْتَ على مَهَلٍ سابقاً ... فما زَادَكَ النَّزْعُ إلاّ تمَاما )
( فزاد لَكَ اللهُ سُلطانَهُ ... وزاد لك الخيرَ منه فَدامَا ) - متقارب -
فكساه مروان وأمر له بثلاثين ناقة وأوقرهن له برا وزبيبا وشعيرا
هجاؤه شبيب بن البرصاء
قال وكان أرطاة يهاجي شبيب بن البرصاء ولكل واحد منهما في صاحبه هجاء كثير وكان كل واحد منهما ينفي صاحبه عن عشيرته في أشعاره فأصلح بينهما يحيى بن الحكم وكانت بنو مرة تألفه وتنتجعه لصهره فيهم فلما افترقا سبعه شبيب عند يحيى بن الحكم فقال أرطاة له
( رَمتْكَ فلم تُشْوِ الفؤادَ جَنوبُ ... وما كلُّ من يَرْمي الفؤادَ يُصيبُ )
( وما زَوَّدَتْنا غيرَ أنْ خَلَطَتْ لنا ... أحاديثَ منها صادقٌ وكَذوبُ )
( ألا مُبْلِغٌ فِتيانَ قَوْمِيَ أنَّني ... هَجَانِي ابنُ بَرْصاءِ اليَدَينِ شَبيبُ )
( وفي آل عَوْفٍ من يَهودَ قَبيلةٌ ... تَشابَهَ منها ناشِئون وشِيبُ )
(13/36)

( أبِي كان خيراً من أبيكَ ولم يَزَلْ ... جَنيباً لآبائي وأنت جَنِيبُ )
( وما زلتُ خيراً منكَ مذ عَضَّ كارهاً ... برأسك عادِيُّ النِّجاد رَسوبُ )
( فما ذَنْبُنا إنْ أُمَّ حمزةَ جاورَتْ ... بيَثْرِبَ أتياساً لهنَّ نَبِيبُ )
( وإنَّ رجالاً بين سَلْعٍ وواقِمٍ ... لأيْرِ أبيهمْ في أبيكَ نَصيبُ )
( فلو كنتَ عَوْفيًّا عَمِيتَ وأَسْهلَتْ ... كُداكَ ولكنَّ المُريب مُريب ) - طويل -
فأخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن العتبي قال لما قال هذا الشعر أرطاة في شبيب بن البرصاء كان كل شيخ من بني عوف يتمنى أن يعمى وكان العمى شائعا في بني عوف كلما أسن منهم رجل عمي فعمر أرطاة ولم يعم فكان شبيب يعيره بذلك ثم مات أرطاة وعمي شبيب فكان يقول بعد ذلك ليت أرطاة عاش حتى يراني أعمى فيعلم أني عوفي
ونسخت من كتاب ابن الأعرابي في شعر أرطاة قال كان شبيب بن البرصاء يقول وددت أني جمعني وابن الأمة أرطاة بن سهية يوم قتال فأشفي منه غيظي فبلغ ذلك أرطاة فقال له
( إنْ تَلْقَني لا تَرَى غيري بناظِرةٍ ... تَنْسَ السلاحَ وتَعرِفْ جبهةَ الأَسدِ )
(13/37)

( ماذا تظنُّكَ تُغني في أخي رَصَد ... من أُسْد خفّانَ جابِي العَيْن ذي لبد )
جابي العين وجائب العين شديد النظر
( أبي ضَراغِمَةٍ غُبْرٍ يُعَوِّدُها ... أكْلَ الرجال متى يَبْدأْ لها يَعُدِ )
( يا أيها المتمنّي أنْ يُلاقينَي ... إن تَنأَ آتِكَ أو إن تَبْغِني تَجِدِ )
( نَقْضِ اللُبانةَ من مُرٍّ شرائعُه ... صَعب المَقادة تَخشاه فلا تَعُدِ )
( متى تَرِدْنيَ لا تَصْدُرْ لمَصْدَرة ... فيها نجاةٌ وإن أُصْدِرْكَ لا ترد )
( لا تحسبَنِّي كفَقْع القاع يَنقُره ... جانٍ بإصبَعه أو بَيْضةِ البَلد )
( أنا ابن عُقْفانَ معروفٌ له نَسبي ... إلا بما شاركَتْ أمٌّ على وَلد )
( لاقى الملوكَ فأَثْأَى في دمائِهُمُ ... ثم استقرَّ بلا عَقْل ولا قَوَد )
( مِن عُصْبة يَطعنُون الخيلَ ضاحِيةً ... حتى تَبَدَّدَ كالمَزْؤُودة الشُّرُد )
( ويَمنعون نساءَ الحَيّ إنْ عَلِمتْ ... ويَكشفون قَتامَ الغارة العمد )
( أنا ابنُ صِرْمة إن تَسألْ خِيارَهُمُ ... أضربْ برِجلي في ساداتِهِمْ ويَدي )
(13/38)

( وفي بني مالكٍ أمٌّ وزافِرةٌ ... لا يدفع المجد من قَيْس إلى أحد )
( ضربْت فيهمْ بأَعراقَي كما ضَربَتْ ... عُروقُ ناعمة في أبطَح ثَئِد )
( جَدِّي قضاعةُ معروفٌ ويعرفني ... جَبا رفيدةَ أهلِ السَّرْو والعَدد ) - بسيط -
حبه لوجزة
أخبرني عمي قال حدثنا محمد بن عبد الله الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه قال كان أرطاة بن سهية يتحدث إلى امرأة من غني يقال لها وجزة وكان يهواها ثم افترقا وحال الزمان بينهما وكبر أرطاة ثم اجتمعت غني وبنو مرة في دار فمر أرطاة بوجزة وقد هرمت وتغيرت محاسنها وافتقرت فجلس إليها وتحدث معها وهي تشكو إليه أمرها فلما أراد الانصراف أمر راعيه فجاء بعشرة من إبله فعقلها بفنائها وانصرف وقال
( مررْتُ على حِدْثي برَمّانَ بعدما ... تَقطَّعَ أقرانُ الصِّبَا والوَسائلُ )
( فكنتُ كظبْيٍ مُفْلِتٍ ثمَّ لم يزلْ ... به الحَيْن حتى أُعْلِقَتْهُ الحبائل )
قال أبو الفرج الأصفهاني وقد ذكر أرطاة بن سهية وجزة هذه ونسب بها في مواضع من شعره فقال في قصيدة
( وداويّةٍ نازعْتُها الليلَ زائراً ... لِوجزةَ تَهْديني النجومُ الطوامسُ )
(13/39)

( أعُوجُ بأصحابي عن القصد تعتلي ... بنا عُرضَ كِسْرَيْها المَطِيُّ العَرامِسُ )
( فقد تَرَكْتنِي لا أعِيجُ بمشرب ... فأَروَى ولا ألهو إلى من أُجَالسُ )
( ومِن عجبِ الأيام أَنْ كل منزل ... لوجزةَ من أكناف رَمّانَ دارسُ )
( وقد جاورَتْ قصرَ العُذَيْب فما يُرى ... بَرمّانَ إلا ساخِطُ العيش بائِسُ )
( طِلابٌ بعيدٌ واختلافٌ من النوى ... إذا ما أتى مِن دونَ وَجْزةَ قادِسُ )
( لَئِنْ أنَجْحَ الواشون بيني وبينها ... وطال التنائي والنفُوسُ النوافس )
( لَقَدْ طالما عِشْنا جَميعاً ووُدُّنَا ... جميعٌ إذا ما يبتغي الأُنسَ آنِس )
( كذلك صَرْفُ الدهر ليس بتارِكٍ ... حبيباً ويبقى عمرُه المتقاعِسُ ) - طويل -
وقال ابن الأعرابي كانت بين أرطاة بن سهية وبين رجل من بني أسد يقال له حيان مهاجاة فاعترض بينهما حباشة الأسدي فهجا أرطاة فقال فيه أرطاة
(13/40)

( أبلِغْ حُبَاشةَ أَني غيرُ تارِكِه ... حتى أُذَلِّلَهُ إذا كان ما كانا )
( الباعثَ القولِ يُسْدِيه ويُلْحمه ... كالمُجْتَدِي الثُّكلَ إذ حاورْتُ حيّانا )
( إنْ تدْعُ خِنْدِفَ بغياً أو مكاثَرَةً ... ادعُ القبائل من قيسِ بنِ عَيْلانا )
( قد نَحْبِس الحقَّ حتى ما يجاوِزنا ... والحقُّ يحبسنا في حيثُ يلقانا )
( نبني لآخِرِنا مَجْداً نُشَيِّدُه ... إنَّا كذاك ورِثْنا المجدَ أُولانا ) - بسيط -
وقال ابن الأعرابي وفد أرطاة بن سهية إلى الشأم زائرا لعبد الملك بن مروان عام الجماعة وقد هنأه بالظفر ومدحه فأطال المقام عنده وأرجف أعداؤه بموته فلما قدم وقد ملأ يديه بلغه ما كان منهم فقال فيهم
( إذا ما طَلَعْنا من ثَنِيَّةِ لَفْلَفٍ ... فخبِّرْ رجالاً يَكْرهُون إيابي )
( وخَبِّرهُمُ أني رجعْتُ بغبطة ... أُحَدِّدُ أَظْفَاري ويَصْرُفُ نابي )
( وإني ابنُ حرب لا تزالُ تَهِرُّني ... كلابُ عدوِّي أو تَهِرُّ كلابي ) - طويل -
وقال أبو عمرو الشيباني وقع بين زميل قاتل ابن دارة وبين أرطاة
(13/41)

ابن سهية لحاء فتوعده زميل وقال إني لأحسبك ستجرع مثل كأس ابن دارة فقال له أرطاة
( يا زمْلُ إني إنْ أكُنْ لك سائقاً ... تَرْكُضْ بِرِجْلَيْك النجاة والْحَق )
( لا تحسَبَنِّي كامرئٍ صادفْتَهُ ... بِمَضِيعَةٍ فَخَدَشْتَهُ بالمِرْمَق )
( إنِّي امرؤٌ أُوفِي إذا قارعتكُمْ ... قَصَبَ الرِّهَان وما أشأْ أَتَعَرَّقِ ) - كامل -
فقال له زميل
( يا أَرْطَ إن تكُ فاعلاً ما قلتَهُ ... والمرء يستحيي إذا لم يَصْدُقِ )
( فافعلْ كما فعل ابنُ دارةَ سالمٌ ... ثم امش هَوْنَك سادراً لا تَتَّقِ )
( وإذا جعلتُكَ بين لَحْيَيْ شابِك الأنياب ... فارعُد ما بدا لك وابرُقِ ) - كامل -
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال قال أرطاة بن سهية للربيع بن قعنب
( لقد رأيتُك عُرْياناً ومؤْتَزِرا ... فما عرفْتُ أأُنْثى أنتَ أمْ ذَكرُ ) - بسيط
(13/42)

فقال له الربيع لكن سهية قد عرفتني فغلبه وانقطع أرطاة
أخبرني عمي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا قعنب بن المحرز عن الهيثم بن الربيع عن عمرو بن جبلة الباهلي قال تزوج عبد الرحمن بن سهيل بن عمرو أم هشام بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب وكانت من أجمل نساء قريش وكان يجد بها وجدا شديدا فمرض مرضته التي هلك فيها فجعل يديم النظر إليها وهي عند رأسه فقالت له إنك لتنظر إلي نظر رجل له حاجة قال أي والله إن لي إليك حاجة لو ظفرت بها لهان علي ما أنا فيه قالت وما هي قال أخاف أن تتزوجي بعدي قالت فما يرضيك من ذلك قال أن توثقي لي بالإيمان المغلظة فحلفت له بكل يمين سكنت إليها نفسه ثم هلك فلما قضت عدتها خطبها عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة فأرسلت إليه ما أراك إلا وقد بلغتك يميني فأرسل إليها لك مكان كل عبد وأمة عبدان وأمتان ومكان كل علق علقان ومكان كل شيء ضعفه فتزوجته فدخل عليها بطال بالمدينة وقيل بل كان رجلا من مشيخة قريش مغفلا فلما رآها مع عمر جالسة قال
( تبدَّلْتِ بعد الخيْزرانِ جريدةً ... وبعدَ ثيابِ الخزِّ أحلامَ نَائِم ) - طويل -
فقال له عمر جعلتني ويلك جريدة وأحلام نائم فقالت أم هشام ليس كما قلت ولكن كما قال أرطاة بن سهية
( وكائنْ تَرَى من ذاتِ بثٍّ وعَوْلَةٍ ... بكت شجوها بعد الحنين المُرجَّعِ )
( فكانت كَذاتِ البَوِّ لماَّ تعطَّفتْ ... على قِطَعٍ من شِلْوِهِ المُتَمَزَّعِ )
(13/43)

( مَتى لا تَجِدْه تَنْصَرِفْ لِطياتِها ... مِنَ الأرض أو تَعمِد لإِلف فَتَرْبَعِ )
( عَن الدهرِ فاصفح إنه غيرُ مُعْتِبٍ ... وفي غيرِ مَن قد وَارَتِ الأرضُ فاطمَع ) - طويل -
وهذه الأبيات من قصيدة يرثي بها أرطاة ابنه عمراً
قيامه عند قبر ابنه ورثاؤه له
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل قال حدثنا قعنب بن المحرز عن أبي عبيدة قال كان لأرطاة بن سهية ابن يقال له عمرو فمات فجزع عليه أرطاة حتى كاد عقله يذهب فأقام على قبره وضرب بيته عنده لا يفارقه حولا ثم إن الحي أراد الرحيل بعد حول لنجعة بغوها فغدا على قبره فجلس عنده حتى إذا حان الرواح ناداه رح يا بن سلمى معنا فقال له قومه ننشدك الله في نفسك وعقلك ودينك كيف يروح معك من مات مذ حول فقال أنظروني الليلة إلى الغد فأقاموا عليه فلما أصبح ناداه أغد يا بن سلمى معنا فلم يزل الناس يذكرونه الله ويناشدونه فانتضى سيفه وعقر راحلته على قبره وقال والله لا أتبعكم فامضوا إن شئتم أو أقيموا فرقوا له ورحموه فأقاموا عامهم ذلك وصبروا على منزلهم وقال أرطاة يومئذ في ابنه عمرو يرثيه
( وقفتُ على قبرِ ابن سلمى فلم يَكُنْ ... وقوفي عليه غيرَ مَبْكًى ومَجْزَع )
( هل أنتَ ابنَ سلمى إنْ نظرتُكَ رائحٌ ... مع الركبِ أو غادٍ غداةَ غدٍ معي )
( أأنسى ابنَ سَلْمَى وهو لم يأتِ دونَه ... من الدهر إلا بعضُ صيف ومَرْبَع )
( وقفتُ علىجُثمان عمرو فلم أجد ... سوى جَدَثٍ عافٍ ببَيْدَاء بلقع )
( ضربْتُ عَمُوْدَيْ بانةٍ سَمَوَا معاً ... فخرَّت ولم أُتبعْ قَلُوصي بدَعْدَعِ )
(13/44)

( ولو أنها حادت عن الرَّمْسِ نِلْتُها ... ببادرةٍ من سيفِ أشهبَ مُوْقَع )
( تركتكِ إن تَحْيَيْ تَكُوسِي وإن تَنُؤْ ... على الجُهْد تَخْذُلهْا توالٍ فَتُصْرعِ )
( فدع ذكرَ مَنْ قد حالت الأرضُ دونه ... وفي غير من قد وارت الأرضُ فاطمَع ) - طويل -
وقد أخبرني بهذا الخبر محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة فذكر أن أرطاة كان يجيء إلى قبر ابنه عشيا فيقول هل أنت رائح معي يا ابن سلمى ثم ينصرف فيغدو عليه ويقول له مثل ذلك حولا ثم تمثل قول لبيد
( إلى الحَوْل ثمَّ اسمُ السلام عليكُما ... ومن يبك حَوْلا كاملاً فقد اعتذَرْ ) - طويل -
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا المدائني قال قال أرطاة بن سهية يوما للربيع بن قعنب كالعابث به
( لقد رأيتك عُرْياناً ومُؤْتَزِراً ... فما دريْتُ أأنثى أنت أم ذَكَرُ ) - بسيط -
فقال له الربيع
( لكنْ سُهَيَّةُ تدري إذ أتيتكُمُ ... على عُرَيجاءَ لما انحلَّت الأُزُرُ ) - بسيط -
فغلبه الربيع ولج الهجاء بينهما فقال الربيع بن قعنب يهجو أرطاة
( وما عاشَت بَنُو عُقْفانَ إلا ... بأحلامٍ كأحلامِ الجَوَاري )
( وما عُقْفَانُ من غَطَفَانَ إلا ... تَلَمُّس مُظْلمٍ بالليل ساري )
( إذا نَحَرَتْ بنو غيظٍ جَزُوراً ... دَعَوْهُمْ بالمراجل والشِّفار )
(13/45)

( طُهاة اللحم حتى يُنْضِجُوه ... وطاهي اللحم في شُغْلٍ وعار ) - وافر -
فقال أرطاة يجيبه ويعيره بأن أمه من عبد القيس
( وهذا الفَسْوُ قد شاركْتَ فيه ... فمن شاركْتَ في أَير الحمارِ )
( وأيُّ الناس أخبثُ مِنْ هِبَلٍّ ... فزاريٍّ وأخبثُ ريحَ دار ) - وافر -
مسرف بن عقبة يطرده مع قومه
أخبرني عبد الله بن محمد اليزيدي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال حدثنا المدائني عن أبي بكر الهذلي قال قدم مسرف بن عقبة المري المدينة وأوقع بأهل الحرة فأتاه قومه من بني مرة وفيهم أرطاة فهنأوه بالظفر واسترفدوه فطردهم ونهرهم وقام أرطاة بن سهية ليمدحه فتجهمه بأقبح قول وطرده وكان في جيش مسرف رجل من أهل الشام من عذرة يقال له عمارة قد كان رأى أرطاة عند معاوية بن أبي سفيان وسمع شعره وعرف إقبال معاوية عليه ورفده له فأومأ إلى أرطاة فأتاه فقال له لا يغررك ما بدا لك من الأمير فإنه عليل ضجر ولو قد صح واستقامت الأمور لزال عما رأيت من قوله وفعله وأنا بك عارف وقد رأيتك عند أمير المؤمنين يعني معاوية ولن تعدم مني ما تحب ووصله وكساه وحمله على ناقة فقال أرطاة يمدحه ويهجو مسرفا
(13/46)

( لحَا الله فَوْدَي مُسْرفٍ وابنِ عمه ... وآثارَ نَعْلَيْ مَسْرفٍ حيث أثَّرا )
( مررْتُ على رَبْعَيْهما فكأنَّني ... مررْتُ بجبَّارَيْن من سَرْو حِمْيرا )
ويروى تضيفت جبارين
( على أن ذَا العَلْيَا عُمَارةَ لم أجِدْ ... على البُعْد حُسْنَ العهد منه تَغَيَّرا )
( حباني ببُرْدَيْه وعَنْسٍ كأنما ... بنى فوق مَتْنَيْها الوليدان قَهقرا ) - طويل -
وقال أبو عمرو الشيباني خاصمت امرأة من بني مرة سهية أم أرطاة بن سهية وكانت من غيرهم أخيذة أخذها أبوه فاستطالت عليها المرأة وسبتها فخرج أرطاة إليها فسبها وضربها فجاء قومه ولاموه وقالوا له مالك تدخل نفسك في خصومات النساء فقال لهم
( يُعَيِّرُني قَومي المَجَاهل وَالخَنَا ... عليهمْ وقالوا أنتَ غيرُ حليم )
( هلِ الجهلُ فيكمْ أن أُعاقِبَ بعدما ... تُجُوِّزَ سَبِّي واسْتُحِلَّ حريمي )
( إذا أَنا لَم أَمْنع عَجُوزِيَ منكُمُ ... فكانت كَأُخْرى في النساءِ عقيم )
(13/47)

( وقد عَلِمَتْ أفناءُ مُرَّة أننا ... إذا ما اجتدانا الشرَّ كلُّ حميم )
( حماةٌ لأحسابِ العشيرة كلِّها ... إذا ذُمَّ يومَ الرَّوعِ كلُّ مُليم ) - طويل -
وتمام الأبيات التي فيها الغناء المذكورة قبل أخبار أرطاة بن سهية وذكرت في قوله في قتلى من قومه قتلوا يوم بنات قين هو
( فَلاَ وأبيكَ لا نَنَفكُّ نَبْكِي ... على قتْلى هُنَا لكَ ما بَقينَا )
( على قَتْلَى هنا لك أَوْجَعَتْنا ... وأَنْسَتْنا رِجَالاً آخرينَا )
( سَنَبْكِي بالرِّماحِ إذا التقينا ... على إخواننا وعلى بَنِينا )
( بطعنٍ تَرْعُد الأحشاءُ منه ... يردُ البِيضَ والأبدانَ جُونا )
( كأنّ الخيلَ إِذْ آنسْن كَلْباً ... يَريْنَ وراءهُمْ ما يبتغينا ) - وافر -
صوت
( عجبْتُ لِمَسْراها وأَنَّى تَخَلَّصت ... إِليَّ وبابُ السجن بالقُفْل مُغْلَقُ )
(13/48)

( ألَمَّتْ فحيَّت ثم قامت فَوَدَّعتْ ... فلما تولَّتْ كادت النفسُ تَزْهَقُ ) - طويل -
الشعر لجعفر بن علبة الحارثي والغناء لمعبد ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وذكر عمرو بن بانة أن فيه خفيفا ثقيلا أول بالوسطى لابن سريج وذكر حماد بن إسحاق أن فيه خفيف الثقيل للهذلي
(13/49)

أخبار جعفر بن علبة الحارثي ونسبه
هو جعفر بن علبة بن ربيعة بن عبد يغوث الشاعر أسير يوم الكلاب ابن معاوية بن صلاءة بن المعقل بن كعب بن الحارث بن كعب ويكنى أبا عارم وعارم ابن له قد ذكره في شعره وهو من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية شاعر مقل غزل فارس مذكور في قومه وكان أبوه علبة بن ربيعة شاعرا أيضا وكان جعفر قتل رجلا من بني عقيل قيل إنه قتله في شأن أمة كانا يزورانها فتغايرا عليها وقيل بل في غارة أغارها عليهم وقيل بل كان يحدث نساءهم فنهوه فلم ينته فرصدوه في طريقه إليهن فقاتلوه فقتل منهم رجلا فاستعدوا عليه السلطان فأقاد منه وأخباره في هذه الجهات كلها تذكر وتنسب إلى من رواها
(13/50)

أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني أبي قال حدثني الحسن بن عبد الرحمن الربعي قال حدثنا أبو مالك اليماني قال شرب جعفر بن علبة الحارثي حتى سكر فأخذه السلطان فحبسه فأنشأ يقول في حبسه
( لقد زَعَمُوا أني سكرتُ ورُبمَّا ... يكونُ الفَتَى سَكرانَ وهْوَ حَليم )
( لعمرُك ما بالسّكرِ عارٌ على الفتى ... ولَكِنَّ عاراً أن يُقَال لئيمُ )
( وإنّ فَتىً دامت مواثيقُ عهده ... على دونِ ما لاقيتُه لكريمُ ) - طويل -
قال ثم حبس معه رجل من قومه من بني الحارث بن كعب في ذلك الحبس وكان يقال له دوران فقال جعفر
( إذا بابُ دَوْرانٍ ترنّم في الدّجَى ... وشُدَّ بأغلاقٍ علينا وأقفالِ )
( وأظلم ليلٌ قامَ علِجٌ بِجُلْجُلٍ ... يدورُ به حتّى الصباحِ بإعمالِ )
( وحراسُ سَوْءٍ ما ينامون حَوْلَهُ ... فكيفَ لمظلومٍ بحيلة مُحْتالِ )
( ويصبرُ فيه ذُو الشجاعةِ والنّدى ... على الذّلِ للمأمور والعِلْجِ والوالي ) - طويل -
اغارته على بني عقيل
فأما ما ذكر أن السبب في أخذ جعفر وقتله في غارة أغارها على بني عقيل فإني نسخت خبره في ذلك من كتاب عمرو بن أبي عمرو الشيباني
(13/51)

يأثره عن أبيه قال خرج جعفر بن علبة وعلي بن جعدب الحارثي القناني والنضر بن مضارب المعاوي فأغاروا على بني عقيل وإن بني عقيل خرجوا في طلبهم وافترقوا عليهم في الطريق ووضعوا عليهم الأرصاد على المضايق فكانوا كلما أفلتوا من عصبة لقيتهم أخرى حتى انتهوا إلى بلاد بني نهد فرجعت عنهم بنو عقيل وقد كانوا قتلوا فيهم ففي ذلك يقول جعفر
( ألا لا أُبالِي بعدَ يومٍ بسَحْبَلٍ ... إذا لم أُعَذَّبْ أنْ يجيء حِماميا )
( تركْتُ بأعلى سَحْبَلٍ ومَضيقه ... مُرَاقَ دَمٍ لا يبرح الدّهرَ ثاويا )
( شَفَيْتُ بهِ غَيْظي وجُرِّب موطني ... وكان سناءً آخرَ الدهر باقيا )
( أرادوا لِيَثْنوني فقلت تجنبوا ... طريقي فمالي حاجةٌ من ورائيا )
( فِدىً لبني عمٍّ أجابوا لدعوتي ... شَفَوا من بني القَرعاء عمّي وخاليا )
( كأَنّ بني القرعاء يوم لقيتُهمْ ... فِراخُ القطا لاقَيْن صَقْراً يمانيا )
(13/52)

( تركْناهُمُ صَرْعى كأنَّ ضَجيجَهُمْ ... ضجيجُ دَبارَى الثَّيْب لاقت مُداويا )
( أقولُ وقد أَجْلَتْ من اليومِ عركة ... لِيُبْكِ العُقَيْلِيِّين مَنْ كان باكيا )
( فإنّ بقُرَّى سَحْبلٍ لإمارةً ... ونَضْحَ دمَاء منهُمُ ومَحَابيا )
المحابي آثارهم حبوا من الضعف للجراح التي بهم
( ولم أتَّرِك لي ريبةً غير أنني ... وددْتُ مُعَاذاً كان فيمن أتانيا )
أراد وددت أن معاذا كان أتاني معهم فأقتله
( شفيْتُ غليلِي من خُشَيْنةَ بعد ما ... كسوْتُ الهُذَيْلَ المَشْرَفِيَّ اليمانيا )
(13/53)

( أحقًّا عبادَ الله أن لست رائيا ... صحاريَّ نجدٍ والرّياحَ الذوارِيا )
( ولا زائراً شُمَّ العرانين أنتمي ... إلى عامر يحلُلْنَ رَمْلاً مُعاليا )
( إذا ما أتيْتَ الحارثيّاتِ فَانْعَنِي ... لهنَّ وخبِّرْهُنَّ أن لا تَلاقيا )
( وقوِّدْ قَلُوْصي بينهنَّ فإنها ... سَتُبْرِدُ أكباداً وتُبْكِي بواكيا )
( أوصِّيكُمُ إنْ متُّ يوماً بعارمٍ ... ليُغْنِيَ شيئاً أو يكونَ مكانيا )
ويروى
( وعطِّلْ قَلُوصي في الرّكاب فإنها ... سَتُبْرِدُ أكباداً وتُبْكي بواكيا ) - طويل -
وهذا البيت بعينه يروى لمالك بن الريب في قصيدته المشهورة التي يرثي بها نفسه وقال في ذلك جعفر أيضا
( وسائلةٍ عنا بغَيْبٍ وسائلٍ ... بمَصْدَقِنا في الحرب كيف نحُاول )
( عشية قُرَّى سَحْبَلٍ إذ تعطَّفتْ ... علينا السرايا والعدوُّ المُباسِل )
(13/54)

( ففرَّجَ عنا الله مَرْحَى عدوِّنا ... وضربٌ ببيضِ المَشْرَفِيَّةِ خابِل )
( إذا ما قَرىَ هامَ الرؤوس اعتِرامُها ... تعاوَرَهَا منهمْ أكفُّ وكاهل )
( إذا ما رُصِدْنا مَرْصداً فرَّجَتْ لنا ... بأيماننا بِيضٌ جَلَتْها الصياقل )
( ولما أبوا إلا المُضِيَّ وقد رأوا ... بأن ليس منا خشيةَ الموتِ ناكل )
( حلفْتُ يميناً بَرّةً لم أُرِدْ بها ... مقالَة تسميعٍ ولا قولَ باطِل )
( لِيَخْتَضِمَنّ الهُنْدُوانيّ منهُمُ ... مَعاقِدَ يخشاها الطبيبُ المزاولُ )
( وقالوا لنا ثِنتان لا بدّ منهما ... صدور رماح أُشْرِعت أو سلاسلُ )
( فقلنا لهمُ تلكُمْ إذاً بعد كرةٍ ... تُغَادِرُ صرعى نَهْضُهَا مُتَخاذِل )
( وقتلى نفوسٍ في الحياةِ زهيدةٍ ... إذا اشتجر الخَطِّيُّ والموت نازل )
( نُراجِعُهُمْ في قالةٍ بدأوا بِهَا ... كما راجع الخصمَ البذيَّ المُنَاقِلُ )
( لهمْ صدرُ سيفي يوم بَطْحَاءِ سَحْبلٍ ... ولي منه ما ضمَّت عليه الأنامل ) - طويل -
عامل مكة يأخذ بحق بني عقيل
قال فاستعدت عليهم بنو عقيل السري بن عبد الله الهاشمي عامل
(13/55)

مكة لأبي جعفر فأرسل إلى أبيه علبة بن ربيعة فأخذه بهم وحبسه حتى دفعهم وسائر من كان معهم إليه فأما النضر فاستقيد منه بجراحه وأما علي بن جعدب فأفلت من الحبس وأما جعفر بن علبة فأقامت عليه بنو عقيل قسامة أنه قتل صاحبهم فقتل به وهذه رواية أبي عمرو
وذكر ابن الكلبي أن الذي هاج الحرب بين جعفر بن علبة وبني عقيل أن إياس بن يزيد الحارثي وإسماعيل بن أحمر العقيلي اجتمعا عند أمة لشعيب ابن صامت الحارثي وهي في إبل لمولاها في موضع يقال له صمعر من بلاد بلحارث فتحدثا عندها فمالت إلى العقيلي فداخلتهما مؤاسفة حتى تخانقا بالعمائم فانقطعت عمامة الحارثي وخنقة العقيلي حتى صرعه ثم تفرقا وجاء العقيليون إلى الحارثيين فحكموهم فوهبوا لهم ثم بلغهم بيت قيل وهو
( ألم تسأل العبدَ الزياديّ ما رأى ... بصمْعرَ والعبدُ الزياديُّ قائمُ ) - طويل -
فغضب إياس من ذلك فلقي هو وابن عمه النضر بن مضارب ذلك العقيلي وهو إسماعيل بن أحمر فشجه شجتين وخنقه فصار الحارثيون إلى العقيليين فحكموهم فوهبوا لهم ثم لقي العقيليون جعفر بن علبة الحارثي فأخذوه فضربوه وخنقوه وربطوه وقادوه طويلا ثم أطلقوه وبلغ ذلك إياس بن يزيد فقال يتوجع لجعفر
( أبا عارمٍ كيف اغتررْتَ ولم تكن ... تُغَرُّ إذا ما كانَ أمرٌ تحاذرُهْ )
(13/56)

( فلا صلْحَ حتى يخفِقَ السيفُ خَفْقَةً ... بكفِّ فَتىً جُرَّتْ عليه جرائرُهْ ) - طويل -
ثم إن جعفر بن علبة تبعهم ومعه ابن أخيه جعدب والنضر بن مضارب وإياس بن يزيد فلقوا المهدي بن عاصم وكعب بن محمد بحبر وهو موضع بالقاعة فضربوهما ضربا مبرحا ثم انصرفوا فضلوا عن الطريق فوجدوا العقيليين وهم تسعة فاقتتلوا قتالا شديدا حتى خلى لهم العقيليون الطريق ثم مضوا حتى وجدوا من عقيل جمعا آخر بسحبل فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل جعفر بن علبة رجلا من عقيل يقال له خشينة فاستعدى العقيليون إبراهيم بن هشام المخزومي عامل مكة فرفع الحارثيين الأربعة من نجران حتى حبسهم بمكة ثم أفلت منه رجل فخرج هاربا فأحضرت عقيل قسامة حلفوا أن جعفر قتل صاحبهم فأقاده إبراهيم بن هشام قال وقال جعفر بن علبة قبل أن يقتل وهو محبوس
( عجِبتُ لمسراها وأنّى تخلّصت ... إليَّ وبابُ السجن بالقُفْل مُغْلقُ )
( ألَمّتْ فحيّتْ ثم قامتْ فودّعتْ ... فلما تولَّتْ كادتِ النفسُ تَزْهَقُ )
( فلا تحسبي أني تخشّعتُ بعدَكُمْ ... لشيء ولا أنِّي من الموتِ أفرَقُ )
( وكيف وفي كفِّي حُسامٌ مُذَلَّقٌ ... يَعضُّ بهاماتِ الرجال ويعلَقُ )
( ولا أنَّ قلبي يَزْدهيه وعيدُهُمْ ... ولا أنّني بالمشي في القيد أخرقُ )
(13/57)

( ولكنْ عرتني من هواكِ صبابةٌ ... كما كنتُ ألقَى منك إذ أنا مُطْلَقُ )
( فأما الهوى والودُّ مني فطامحٌ ... إليكِ وجُثْماني بمكةَ مُوثَقُ ) - طويل -
وقال جعفر بن علبة لأخيه ماعز يحرضه
( وقل لأبي عونٍ إذا ما لقيتَه ... ومن دونه عرْضُ الفلاة يَحُولُ )
في نسخة ابن الأعرابي
( . . . إذا ما لقيته ... ودونه من عرض الفلاة مُحولُ )
بالميم وبشم الهاء في دونه بالرفع وتخفيفها وهي لغتهم خاصة
( تَعَلَّمْ وَعَدَّ الشّكّ أَنِّي يَشُفُّنِي ... ثلاثةُ أحراسٍ معاً وكُبولُ )
( إذا رُمْتُ مشياً أو تبوَّأتُ مَضْجعاً ... يبيتُ لها فوق الكِعاب صَليل )
( وَلَوْ بِكَ كانت لابتعثْتُ مطيَّتِي ... يَعُودُ الحفَا أخفَافَها وتجُول )
( إلى العدل حتى يَصْدُرَ الأمر مَصْدَراً ... وتبرأ منكم قَالةٌ وعُدُول ) - طويل -
ونسخت أيضا خبره من كتاب للنضر بن حديد فخالف هاتين الروايتين وقال فيه كان جعفر بن علبة يزور نساء من عقيل بن كعب وكانوا متجاورين هم وبنو الحارث بن كعب فأخذته عقيل فكشفوا دبر قميصه وربطوه إلى جمته وضربوه بالسياط وكتفوه ثم أقبلوا به وأدبروا على النسوة اللاتي كان يتحدث إليهن على تلك الحال ليغيظوهن ويفضحوه عندهن فقال لهم يا قوم لا تفعلوا فإن هذا الفعل مثلة وأنا أحلف
(13/58)

لكم بما يثلج صدوركم ألا أزور بيوتكم أبدا ولا ألجها فلم يقبلوا منه فقال لهم فإن لم تفعلوا ذلك فحسبكم ما قد مضى ومنوا علي بالكف عني فإني أعده نعمة لكم ويدا لا أكفرها أبدا أو فاقتلوني وأريحوني فأكون رجلا اذى قوما في دارهم فقتلوه فلم يفعلوا وجعلوا يكشفون عورته بين أيدي النساء ويضربونه ويغرون به سفهاءهم حتى شفوا أنفسهم منه ثم خلوا سبيله فلم تمض إلا أيام قليلة حتى عاد جعفر ومعه صاحبان له فدفع راحلته حتى أولجها البيوت ثم مضى فلما كان في نقرة من الرمل أناخ هو وصاحباه وكانت عقيل أقفى خلق الله لأثر فتبعوه حتى انتهوا إليه وإلى صاحبيه والعقيليون مغترون وليس مع أحد منهم عصا ولا سلاح فوثب عليهم جعفر بن علبة وصاحباه بالسيوف فقتلوا منهم رجلا وجرحوا آخر وافترقوا فاستعدت عليهم عقيل السري بن عبد الله الهاشمي عامل المنصور على مكة فأحضرهم وحبسهم فأقاد من الجارح ودافع عن جعفر بن علبة وكان يحب أن يدرأ عنه الحد لخؤولة أبي العباس السفاح في بني الحارث ولأن أخت جعفر كانت تحت السري بن عبد الله وكانت حظية عنده إلى أن أقاموا عليه قسامة أنه قتل صاحبهم وتوعدوه بالخروج إلى أبي جعفر والتظلم إليه فحينئذ دعا بجعفر فأقاد منه وأفلت علي بن جعدب من السجن فهرب قال وهو ابن أخي جعفر بن علبة فلما أخرج جعفر للقود قال له غلام من قومه أسقيك شربة من ماء بارد فقال له أسكت لا أم لك إني إذا لمهياف وانقطع شسع نعله فوقف فأصلحه فقال له رجل أما يشغلك عن هذا ما أنت فيه فقال
(13/59)

( أَشُدُّ قِبالَ نَعْلِيَ أن يراني ... عَدُوِّي للحوادث مُسْتكينا ) - وافر -
قال وكان الذي ضرب عنق جعفر بن علبة نحبة بن كليب أخو المجنون وهو أحد بني عامر بن عقيل فقال في ذلك
( شفى النفس ما قال ابنُ عُلبةَ جعفرٌ ... وقَوْلِي له اصْبر ليس ينفعَكَ الصبُر )
( هَوَى رأسُه من حيثُ كان كما هوى ... عُقابٌ تدلَّى طالباً جانبَ الوكرِ )
( أبا عارمٍ فينا عُرامٌ وشدّة ... وبَسْطَةُ إيمانٍ سواعدها شُعْرُ )
( همُ ضربُوا بالسيف هامةَ جعفرٍ ... ولم يُنْجِه بَرٌّ عريضٌ ولا بحرُ )
( وقُدْناهُ قَوْدَ البَكْرِ قسراً وعَنْوَةً ... إلى القبر حتى ضم أثوابَه القبرُ ) - طويل -
وقال علبة يرثي ابنه جعفرا
( لعمرُكَ إني يوم أسلمتُ جعفراً ... وأصحابَه للموت لمَّا أقَاتِلِ )
( لمجتنبٌ حبَّ المَنَايا وإنما ... يهيج المنايا كلُّ حقٍّ وباطل )
( فراح بهمْ قومٌ ولا قومَ عندهمْ ... مُغَلَّلَةٌ أيديهُمُ في السلاسلِ )
( وربَّ أخٍ لي غاب لو كان شاهداً ... رآه التَّباليّون لي غيرَ خاذِل ) - طويل -
وقال علبة أيضا لامرأته أم جعفر قبل أن يقتل جعفر
( لعمركِ إن الليلَ يا أمّ جعفرٍ ... عليّ وإنْ علَّلْتنِي لطويلُ )
( أحاذِرُ أخباراً من القوم قد دَنَتْ ... ورجعةَ أنقاضٍ لهنَّ دليلُ ) - طويل
(13/60)

فأجابته فقالت
( أبا جعفر أسلمْتَ للقومِ جعفراً ... فمُتْ كَمَدًا أو عش وأنت ذليلُ ) - طويل -
بنت يحيى بن زياد ترثيه بشعره
قال أبو عمرو في روايته وذكر شداد بن إبراهيم أن بنتا ليحيى بن زياد ابن عبيد الله الحارثي حضرت الموسم في ذلك العام لما قتل فكفنته واستجادت له الكفن وبكته وجميع من كان معها من جواريها وجعلن يندبنه بأبياته التي قالها قبل قتله
( أحقاً عبادَ الله أن لستُ رائِياً ... صَحَاريَّ نجدٍ والرياحَ الذَّوارِي ) - طويل -
وقد تقدمت في صدر أخباره وفي هذه القصيدة يقول جعفر
( وددْتُ مُعاذاً كان فيمن أتانيا ... )
فقال معاذ يجيبه عنها بعد قتله ويخاطب أباه ويعرض له أنه قتل ظلما لأنهم أقاموا قسامة كاذبة عليه حين قتل ولم يكونوا عرفوا القاتل من الثلاثة بعينه إلا أن غيظهم على جعفر حملهم على أن ادعوا القتل عليه
( أبا جعفرٍ سَلِّبْ بنَجْرانَ واحتسبْ ... أبا عارمٍ والمُسْمَنَاتِ العواليا )
( وَقوِّد قَلُوصاً أتلفَ السَّيفُ ربَّها ... بغير دمٍ في القوم إلا تَماريا )
( إذا ذكرتْهُ مُعصِرٌ حارثيَّةٌ ... جرى دمعُ عَيْنَيْها على الخد صافيا )
( فلا تحسَبَنَّ الدَّيْنَ يا عُلْبَ مُنْسَأً ... ولا الثائَر الحرّانَ يَنْسَى التقاضيا )
(13/61)

( سنقتُلُ منكُمْ بالقتيل ثلاثةً ... ونُغْلي وإن كانت دماءً غواليا )
( تمنيْتَ أن تَلقى مُعاذاً سفاهَةً ... ستلقَى مُعاذاً والقضيبَ اليمانيا ) - طويل -
ووجدت الأبيات القافية التي فيها الغناء في نسخة النضر بن حديد أتم مما ذكره أبو عمرو الشيباني وأولها
( ألا هَلْ إلى فتيانِ لهوٍ ولذّةٍ ... سبيلٌ وتَهْتَافِ الحَمامِ المُطَوَّقِ )
( وشربةِ ماءٍ من خَدُوراءَ باردٍ ... جرى تحتَ أظلالِ الأراكِ المُسَوَّقِ )
( وسَيْري مع الفتيان كلَّ عشيةٍ ... أُبَاري مَطاياهُمْ بصهباءَ سَيْلقِ )
( إذا كَلَحَتْ عن نابها مَجَّ شِدْقُها ... لُغاماً كَمُحِّ البيضةِ المُتَرَقْرق )
( وأصهبَ جَوْنيٍّ كأن بُغَامَه ... تَبَغُّمُ مطرودٍ من الوحشِ مُرْهَق )
(13/62)

( بَرى لحمَ دَفَّيْه وأدمَى أَظَلَّه اجتبابي ... الفيافي سمَلْقا بعدَ سَمْلق ) - طويل -
وذكر بعده الأبيات الماضية وهذا وهم من النضر لأن تلك الأبيات مرفوعة القافية وهذه مخفوضة فأتيت بكل واحدة منهما مفردة ولم أخلطهما لذلك
أخبرني الحسين بن يحيى المرداسي عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عبيدة قال لما قتل جعفر بن علبة قام نساء الحي يبكين عليه وقام أبوه إلى كل ناقة وشاة فنحر أولادها وألقاها بين أيديها وقال ابكين معنا على جعفر فما زالت النوق ترغو والشاء تثغو والنساء يصحن ويبكين وهو يبكي معهن فما رئي يوما كان أوجع وأحرق مأتما في العرب من يومئذ
صوت
( عَلّلاني إنما الدنيا عَلَلْ ... واسقياني عَلَلاَ بعد نَهَلْ )
( أَصْحَبُ الصاحب ما صاحبني ... وأكفُّ اللومَ عنه والعَذَلْ ) - رمل -
الشعر للعجير السلوي والغناء لابن سريج ثقيل أول بالوسطى عن حبيش وذكر الهشامي أنه من منحول يحيى المكي
(13/63)

أخبار العجير السلولي ونسبه
نسبه
هو فيما ذكر محمد بن سلام العجير بن عبد الله بن عبيدة بن كعب بن عائشة بن الربيع بن ضبيط بن جابر بن عبد الله بن سلول ونسخت نسبه من نسخة عبيد الله بن محمد اليزيدي عن ابن حبيب قال هو العجير بن عبيد الله بن كعب بن عبيدة بن جابر بن عمرو بن سلول بن مرة ابن صعصعة أخي عامر بن صعصعة شاعر مقل إسلامي من شعراء الدولة الأموية وجعله محمد بن سلام في طبقة أبي زبيد الطائي وهي الخامسة من
(13/64)

طبقات شعراء الإسلام
أخبرني أبو خليفة في كتابه إلي قال حدثنا محمد بن سلام الجمحي قال حدثنا أبو الغراف قال كان العجير السلولي دل عبد الملك بن مروان على ماء يقال له مطلوب وكان لناس من خثعم فأنشأ يقول
( لا نومَ إلا غِرارُ العينِ ساهِرةً ... إن لم أرَوِّعْ بغيظٍ أهل مَطْلوب )
( إن تَشْتُمُوني فقد بدَّلْتُ أَيْكَتَكُمْ ... ذَرْقَ الدَّجاجِ بحَفَّان اليعاقيب )
( وكنتُ أخبِركُمْ أنْ سوف يعمُرها ... بَنُو أميةَ وَعْداً غيرَ مكذُوبِ ) - بسيط -
قال فركب رجل من خثعم يقال له أمية إلى عبد الملك حتى دخل عليه فقال يا أمير المؤمنبن إنما أراد العجير أن يصل إليك وهو شويعر سأل وحربه عليه فكتب إلى عامله بأن يشد يدي العجير إلى عنقه ثم يبعثه في الحديد فبلغ العجير الخبر فركب في الليل حتى أتى عبد الملك فقال له يا أمير المؤمنين أنا عندك فاحتبسني وابعث من يبصر الأرضين
(13/65)

والضياع فإن لم يكن الأمر على ما أخبرتك فلك دمي حل وبل فبعث فاتخذ ذلك الماء فهو اليوم من خيار ضياع بني أمية
اقامة الحد عليه وهربه
نسخت من كتاب عبيد الله بن محمد اليزيدي عن ابن حبيب عن ابن الأعرابي قال هجا العجير قوما من بني حنيفة وشتمهم فأقاموا عليه البينة عند نافع بن علقمة الكناني فأمرهم بطلبه واحضاره ليقيم عليه الحد وقال لهم إن وجدتموه أنتم فأقيموا عليه الحد وليكن ذلك في ملأ يشهدون به لئلا يدعي عليكم تجاوز الحق فهرب العجير منهم ليلا حتى أتى نافع بن علقمة فوقف له متنكرا حتى خرج من المسجد ثم تعلق بثوبه وقال
( إليك سَبَقْنا السّوْطَ والسجْنَ تحتنا ... حيالٌ يُسَاميْن الظلالَ ولُقَّحُ )
( إلى نافعٍ لا نرتجي ما أصابنا ... تحومُ علينا السانحاتُ وتبرحُ )
( فإن أك مجلوداً فكن أنت جالدي ... وإن أكُ مذبوحاً فكن أنت تَذبح ) - طويل -
فسأله عن المطر وكيف كان أثره فقال له
( يا نافعٌ يا أكرمَ البريّهْ ... والله لا أَكْذِبُكَ العَشِيّهْ )
( إنا لَقِيْنا سنةً قَسِيَّهْ ... ثم مُطِرْنا مَطْرةً رويَّهْ )
( فنبت البقْلُ ولا رعيّهْ ... ) - زجر
(13/66)

يعني أن المواشي هلكت قبل نبات البقل فقال له انج بنفسك فإني سأرضي خصومك ثم بعث إليهم فسألهم الصفح عن حقهم وضمن لهم أن لا يعاود هجاءهم
أخبرني الحرمي بن العلاء قال
حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمر بن إبراهيم السعدي عن عباس ابن عبد الصمد السعدي قال قال هشام بن عبد الملك للعجير السلولي أصدقت فيما قلته لابن عمك قال نعم يا أمير المؤمنين إلا أني قلت
( فتىً قُدَّ قَدّ السيف لا متضائلٌ ... ولا رَهِلٌ لبَّاتُه وبآدلهُ ) - طويل -
هذا البيت يروى لأخت يزيد بن الطثرية ترثيه به
(13/67)

( جميلً إذا استَقْبَلْتَهُ من أمامه ... وإن هو ولَّى أَشْعَثُ الرأس جافلهْ )
( طويلٌ سطيُّ الساعدين عَذَوَّرٌ ... على الحيّ حتى تستقلَّ مراجله )
( ترى جازِرَيْه يُرْعَدَان ونارُه ... عليها عداميلُ الهشيم وصامِلُه )
( يَجُرَّانِ ثِنْياً خيرُها عَظْمُ جاره ... على عينه لم تَعْدُ عَنها مشاغلهْ )
(13/68)

( تركنا أبا الأضيافِ في كل شتوة ... بِمَرٍّ ومِرْدَى كلِّ خَصْمٍ يجادله )
( مقيماً سلبناه دَرِيْسَيْ مُفاضةٍ ... وأبيضَ هندِيًّا طوالاً حمائله ) - طويل -
فقال هشام هلك والله الرجل
ونسخت من كتاب ابن حبيب قال ابن الأعرابي اصطحب العجير وشاعر من خزاعة إلى المدينة فقصد الخزاعي الحسن بن الحسن بن علي عليهم السلام وقصد العجير رجلا من بني عامر بن صعصعة كان قد نال سلطانا فأعطى الحسن بن الحسن الخزاعي وكساه ولم يعط العامري العجير شيئا فقال العجير
( يا ليتني يوم حزَّمْتُ القَلُوصَ له ... يَمَّمْتُها هاشميًّا غير ممذوق )
( محضَ النَّجار من البيت الذي جُعِلَتْ ... فيه النبوَّةُ يَجْري غَير مَسبوق )
(13/69)

( لا يُمْسك الخيرَ إلا ريثَ يُسْأَلهُ ... ولا يُلاطمُ عند اللّحم في السوق ) - بسيط -
فبلغت أبياته الحسن فبعث إليه بصلة إلى محلة قومه وقال له قد أتاك حظك وإن لم تتصد له
أمر بنحر جمله وقال شعرا
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا محمد بن الحسن بن دينار الأحوال قال حدثني بعض الرواة أن العجير بن عبد الله السلولي مر بقوم يشربون فسقوه فلما انتشى قال انحروا جملي وأطعمونا منه فنحروه وجعلوا يطعمونه ويسقونه ويغنونه بشعر قاله يومئذ وهو
( علِّلاني إنما الدنيا عَلَلْ ... واسقياني عَلَلاً بعد نَهَلْ )
( وانشُلا ما اغبّر من قِدْرَيْكما ... واصبحاني أبعد اللهُ الجملْ )
( أَصحبُ الصاحب ما صاحبني ... وأكفُّ اللّومَ عنه والعَذَل )
( وإذا أتلف شيئاً لم أقلْ ... أبداً يا صاحِ ما كان فعل ) - رمل -
قال فلما صحا سأل عن جمله فقيل له نحرته البارحة فجعل يبكي ويصيح واغربتاه وهم يضحكون منه ثم وهبوا له بعيرا فارتحله وانصرف إلى أهله
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال حج العجير السلولي فنظر إلى امرأته وكان قد حج بها معه وهي تلحظ فتى من بعد وتكلمه فقال فيها
(13/70)

( أيا ربّ لا تغفرْ لعَثْمةَ ذنبهَا ... وإن لم يعاقبها العجير فعاقِبِ )
( أشارت وعَقدُ الله بيني وبينها ... إلى راكب من دونه ألفُ راكبِ )
( حرامٌ عليكِ الحجُّ لا تقرَبِنَّه ... إذا حان حَجُّ المسلمات التوائب ) - طويل -
العجير يكل زواج ابنته إلى خالها ثم يطلقها
وقال ابن الأعرابي غاب العجير غيبة إلى الشأم وجعل أمر ابنته إلى خالها وأمره أن يزوجها بكفء فخطبها مولى لبني هلال كان ذا مال فرغبت أمها فيه وأمرت خال الصبية الموصى إليه بأمرها أن يزوجها منه ففعل فلاذت الجارية بأخيها الفرزدق بن العجير وبرجال من قومها وبابن عم لها يقال له قيل فمنعوا جميعا منها سوى ابن عمها القيل فإنه ساعد أمها على ما أرادت ومنع منها الفرزدق فلما قدم العجير أخبر بما جرى ففسخ النكاح وخلع ابنته من المولى وقال
( ألا هل لبَعجانَ الهلالِيّ زاجرٌ ... وبعجانُ مأْدومُ الطعام سمينُ )
( أليس أميرُ المؤمنين ابنَ عمها ... وبالحِنْو آسادٌ لها وعرينُ )
( وعاذت بِحَقْوَيْ عامرٍ وابن عامرٍ ... ولله قد بَتَّت عليَّ يمينُ )
( تنالونها أو يخضِبَ الأرضَ منكُمُ ... دمٌ خرَّ عنه حاجبٌ وجبين ) - طويل -
وقال أيضا في ذلك
( إذا ما أتيْتَ الخاضبات أَكُفَّها ... عليهنّ مقصورُ الحجال المروَّقُ )
( فلا تدعوَنَّ القَيْلَ إلا لمشربٍ ... رَواءٍ ولكنّ الشجاع الفرزدق )
(13/71)

( هو ابنٌ لِبَيْضاءِ الجبين نجَيبةٍ ... تَلَقَّت بطُهر لم يجىءْ وهْو أحمق )
( تداعى إليه أكرمُ الحيِّ نسوةً ... أطفْنَ بِكِسْرَيْ بيتها حِين تُطْلَقُ )
( فجاءت بعُريانِ اليدين كأنّه ... من الطير بازٍ ينفُض الطّلّ أزرق ) - طويل -
قوله في رفيقه أصبح
وقال ابن الأعرابي كان للعجير رفيق يقال له أصبح وكانا يصيبان الطريق وفيه يقول العجير
( ومنخرِقٍ عن مَنْكِبيه قميصُه ... وعن ساعِديه للأخلاّء واصلِ )
( إذا طال بالقوم المطافي تَنُوفَةٍ ... وطولُ السُّرى ألفَيْتَهُ غيرَ ناكلِ )
( دعوْتُ وقد دبّ الكَرى في عِظامه ... وفي رأسه حتّى جرى في المفاصلِ )
( كما دبّ صافي الخمر في مخّ شاربٍ ... يميل بِعِطْفَيْه عن اللّبِّ ذاهِل )
( فلبَّى لِيَثْنيني بِثِنْيَيْ لسانه ... ثقيلين من نومٍ غَلوب الغياطِل )
( فقلتُ له قُمْ فارتحل ليس ها هنا ... سوى وقفةِ السّاري مُناخٌ لنازِلِ )
( فقام اهتزازَ الرمح يسرُو قميصَه ... ويحسِر عن عاري الذّراعين ناحلِ ) - طويل -
وقال ابن الأعرابي كانت للعجير امرأة يقال لها أم خالد فأسرع في ماله فأتلفه وكان جوادا ثم جعل يدان حتى أثقل بالدين ومد يده إلى مالها فمنعته منه وعاتبته على فعله فقال في ذلك
( تقولُ وقد غالبْتُها أمُّ خالد ... على مالها أُغرقْتَ دَيْناً فأقْصِرِ )
(13/72)

( أبى الْقَصْرَ مَن يأوي إذا اللّيل جَنَّني ... إلى ضوءِ ناري مِنْ فقير ومُقْترِ )
( أيا موقدَيْ ناري ارْفَعاها لعلّها ... تُشَبُّ لِمُقْوٍ آخر الليل مقفِر )
( أمِن راكبٍ أمسى بظهر تَنُوفةٍ ... أُوَارِيكِ أم من جاريَ الْمُتَنَظِّر )
( ولا قِدْرَ دون الجار إلاَّ ذميمةٌ ... وهذا المُقاسي ليلةً ذاتَ منكر )
( تكاد الصَّبَا تَبْتَزُّه مِنْ ثيابه ... على الرَّحْل إلا من قميصٍ ومئزر )
( وماذا علينا أن يخالِس ضوءَها ... كريمٌ نثاه شاحبُ المُتَحَسِّرِ )
المتحسر ما انكشف وتجرد من جسمه
( فيخبِرنا عمّا قليل ولو خلت ... له القِدْرُ لم نعجب ولم نتخَبَّر ) - طويل -
صوت
( سلِي الطارِقَ المُعْتَرَّ يا أمَّ مالكٍ ... إذا ما أتاني بين قِدْري ومَجْزِري )
( أَأَبْسُطَ وجهي أنّه أول القِرَى ... وأبذلُ معروفي له دون مُنْكري )
( فلا قَصْرَ حتّى يَفرجَ الغيثُ مَنْ أوى ... إلى جنب رَحْلي كلّ أشعث أغبر )
( أقِي العِرضَ بالمال التِّلادِ وما عسى ... أخوك إذا ما ضيّع العِرْضَ يشتري )
( يُؤدِّي إليَّ النَّيلُ قُنْيانَ ماجِدٍ ... كريم ومالي سارحاً مالُ مقتر )
(13/73)

القنيان ما اقتنى من المال يقول إنه لبذله القرى كأنه موسر وإذا سرح ماله علم أنه مقتر
( إذا مُتُّ يوماً فاحضُري أمَّ خالد ... تُراثَكِ من طِرْفٍ وسيفٍ وأقدَرِ ) - طويل -
قال ابن حبيب من الناس من يروي هذه الأبيات الأخيرة التي أولها
( سلِي الطارقَ المعتَرّ يا أمَّ مالك ... )
لعروة بن الورد وهي للعجير
وفوده على عبد الملك وإقامته ببابه
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن هشام بن محمد قال وفد العجير السلولي وسلول بنو مرة بن صعصعة على عبد الملك بن مروان فأقام ببابه شهرا لا يصل إليه لشغل عرض لعبد الملك ثم وصل إليه فلما مثل بين يديه أنشد
( ألا تلك أمُّ الهِبْرِزِيّ تَبَيَّنَتْ ... عِظامي ومنها ناحِلٌ وكسيرُ )
( وقالتْ تضاءلْتَ الغداةَ ومَنْ يكُنْ ... فتىً قبلَ عامِ الماءِ فَهْو كبيرُ )
(13/74)

( فقلتُ لها إنّ العُجيَر تقلّبتْ ... به أبطنٌ أبليْنَه وظهورُ )
( فمنهنّ إدلاجي على كُلِّ كوكبٍ ... له من عُمَانيِّ النجومِ نظيرُ )
( وَقَرْعي بكفِّي بابَ مَلْك كأنمّا ... به القومُ يرجون الأَذِينَ نُسُورُ )
( ويومٍ تبارى أَلْسُنُ القوم فيهِمُ ... وللموت أرحاءٌ بهنّ تدورُ )
( لَوَ أنَّ الجِبالَ الصُّمَّ يسْمعْن وَقْعَها ... لَعُدْن وقد بانت بهنّ فُطورُ )
( فرحتُ جَواداً والجوادُ مثابرٌ ... على جَرْيه ذو عِلَّة ويَسِيرُ ) - طويل -
فقال له يا عجير ما مدحت إلا نفسك ولكنا نعطيك لطول مقامك وأمر له بمائة من الإبل يعطاها من صدقات بني عامر فكتب له بها
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا محمد بن سعد الكراني قال حدثنا العمري عن العتبي قال نظر أبي إلى فتى من بني العباس يسحب مطرف خز عليه وهو سكران وكان فتى متهتكا فحرك رأسه مليا
(13/75)

ثم قال لله در العجير السلولي حيث يقول
( وما لبسَ الناسُ من حُلّة ... جدِيدٍ ولا خَلَقاً يُرْتَدَى )
( كمثل المُرُوءةِ للاّبسيْنَ ... فدعني من المُطْرَف المُسْتَدى )
( فليسَ يُغَيِّر فضلَ الكريم ... خُلُوقَةُ أثوابِهِ والبِلى )
( وليس يُغَيِّر طبعَ اللّئيم ... مطارِفُ خزٍ رِقاقُ السَّدَى )
( يجود الكريمُ على كلّ حالٍ ... ويكبو اللئيمُ إذا ما جرى ) - متقارب -
قوله في ابنه الفرزدق
أخبرني عمي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثني أبو القاسم اللهبي عن أبي عبيدة قال كان العجير السلولي له ابن يقال له الفرزدق وفيه يقول العجير
( ولقد وضعْتُك غير مُتَّركٍ ... من جابر في بيتها الضّخم )
( واخترتُ أمّكَ من نسائِهمْ ... وأبوك كلَّ عَذَوَّرٍ شهم )
( فلئن كذبْتَ المنحَ من مائةٍ ... فلتقبلَنَّ بسائغ وَخْم )
( إن الندى والفضل غايتُنا ... ونجاتُنا وطرِيقُ من يحمي )
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال قال الحرمازي وقف العجير السلولي لبعض الأمراء وقد علق به غريم له من أهله فقال له
(13/76)

( أتيتك إنّ الباهلي يسوقني ... بدَيْنٍ ومطلوبُ الدُّيون رقيقُ )
( ثلاثتُنا إنْ يسَّر اللَّهُ فائزٌ ... بأجرٍ ومُعْطًى حقَّه وعتيقُ ) - طويل -
فأمر بقضاء دينه
ابنة عمه تفضل العامري عليه ليساره
وقال ابن الأعرابي كانت للعجير بنت عم وكان يهواها وتهواه فخطبها الى أبيها فوعده وقاربه ثم خطبها رجل من بني عامر موسر فخيرها أبوها بينه وبين العجير فاختارت العامري ليساره فقال العجير في ذلك
( ألمِاَّ على دارٍ لزينبَ قد أتى ... لها بِلِوَى ذي الْمَرْخ صيفٌ ومَرْبَع )
( وقُولا لها قد طالما لم تَكَلَّمي ... وراعاك بالعين الفُؤادُ المُرَوَّع )
( وقولا لها قال العجير وخَصَّني ... إليك وإرسال الخلِيلَيْن ينفع )
( أأنتِ التي استودعتُك السّرَّ فانتحى ... لي الخَوْنَ مَرَّاحٌ من القوم أفرع )
( إذا متُّ كان الناسُ نِصفين شامتٌ ... ومُثْنٍ بما قد كنت أُسدِي وأَصنع )
( ومستلحَمٍ قد صَكَّه القومُ صكّةً ... بِعيدِ الموالي نِيْلَ ما كان يمنع )
( رددْتُ له ما أفرط القتل بالضحى ... وبالأمس حتى اقتاله فهو أصلعُ )
( ولست بمولاه ولا بابنِ عمِّه ... ولكنْ متى ما أملك النفع أنفع ) - طويل
(13/77)

وقال ابن الأعرابي كان العجير يتحدث إلى امرأة من بني عامر يقال لها جمل فألفها وعلقها ثم انتجع أهلها نواحي نصيبين فتتبعتها نفسه فسار إليهم فنزل فيهم مجاورا ثم رأوه منازلا ملازما محادثة تلك المرأة فنهوه عنها وقالوا قد رأينا أمرك فإما أن انقطعت عنها أو ارتحلت عنا أو فأذن بحرب فقال ما بيني وبينها ما ينكر وإنما كنت أتحدث إليها كما يتحدث الرجل الكريم إلى المرأة الحرة الكريمة فأما الريبة فحاش لله منها ثم عاود محادثتها فانتهبوا ماله وطردوه فأتى محمد بن مروان بن الحكم وهو يومئذ يتولى الجزيرة لأخيه عبد الملك بن مروان فأتاه مستعديا على بني عامر وعلى الذي أخذ ماله خصوصية وهو رجل من بني كلاب يقال له ابن الحسام وأنشده قوله
( عفا يافِعٌ من أهله فطَلوبُ ... وأقفَرَ لو كان الفؤادُ يثوب )
( وقفتُ بها مِن بَعْدِ ما حلّ أهْلُها ... نَصِيبِين والرّاقي الدموعَ طبيب )
( وقد لاح معروفُ القتِير وقد بدتْ ... بك اليومَ من ريب الزمان نُدوب )
( وسَالمْتُ روحاتِ المطيّ وأحْمَدَتْ ... مناسمُ منها تشتكي وصُلوب )
(13/78)

( وما القلب أَمْ ما ذِكرُهُ أمَّ صِبْيَةٍ ... أُرَيْكَةُ منها مسكنٌ فهَروبُ )
( حَصَان الحُمَيَّا حرةٌ حال دُونَها ... حلِيلٌ لها شاكي السلاح غضوب )
( شَموسٌ دُنُّو الفَرْقدين اقترابُها ... لغَيِّ مقاريفِ الرجال سَبوب )
( أحقًّا عبادَ اللَّه أن لستُ ناظراً ... إلى وجهها إلا عليّ رقيبُ )
( عدتْني العِدا عنها بُعَيْدَ تساعف ... وما أرتجي منها إليّ قريبُ )
( لقد أحسنتْ جُمْلٌ لَوَ أنَّ تبِيْعَها ... إذا ما أرادت أن تُثِيب يثيب )
( تَصُدّين حتَّى يذهبَ البأسُ بالمنى ... وحتّى تكادَ النفسُ عنكِ تطِيب ) - طويل -
هذا البيت يروى لابن الدمينة وهو بشعره أشبه ولا يشاكل أيضا هذا المعنى ولا هو من طريقه لأنه تشكى في سائر الشعر قومها دونها وهذا بيت يصف فيه الصد منها ولكن هكذا هو في رواية ابن الأعرابي
( وأنتِ المُنَى لو كنتِ تستأنِفيننا ... بخير ولكِنْ مُعْتفاكِ جدِيب )
( أيؤكلُ مالي وابنُ مروانَ شاهدٌ ... ولم يقْضِ لي وابن الحُسَام قرِيب )
( فتىً مَحْضُ أطرافِ العُرُوق مُساوِرٌ ... جبالَ العلا طَلْقُ اليدين وهوب )
(13/79)

فأمر محمد بن مروان بإحضار ابن الحسام الكلابي فأحضر فحبسه حتى رد مال العجير وأمر العجير بالانصراف إلى حيه وترك النزول على المرأة أو في قومها قال وقال العجير فيها أيضا
( هاتيك جّمْلٌ بأرضٍ لا يُقَرِّبُها ... إلاّ هَبلَّ من العِيدِيِّ مُعْتقِدُ )
( ودونَها مَعشرٌ خزرٌ عيونُهُمُ ... لو تخمُدُ النار من حَرٍّ لما خمدوا )
( عدُّوا علينا ذنوباً في زيارتها ... ليحجبوها وفي أخلاقهِمْ نَكَد )
( وحال مِنْ دونها شَكْسٌ خلائقُه ... كأنّه نَمِرٌ في جِلده الرِّبَد )
( فليس إلا عويلٌ كلما ذُكِرَتْ ... أو زفْرَةٌ طالما أنَّتْ بها الكبد )
( وتيّمتِنيَ جُمْلٌ فاستمرَّ بها ... شَحْطٌ من الدار لا أَمٌّ ولاصَدَدُ )
( قالوا غداة استقلت ما لِمُقْلَتِهِ ... أمن قذى هَمَلَتْ أم عارَها رَمَد )
( فقلت لا بل غَدَتْ سلمى لِطيَّتِهَا ... فليتهُمْ مثل وجدي بُكرةً وَجَدوا )
( إن كان وصلُكِ أَبلى الدّهرُ جِدّته ... وكلُّ شيءٍ جديدٍ هالكٌ نَفَد )
( فقد أُرانِي ووجْدِي إذْ تفارقني ... يوماًكوجدِ عجوز درْعُها قِدَد )
(13/80)

( تبكي على بَطَلٍ حُمَّتْ منِيَّتُه ... وكان واترَ أعداءٍ به ابتَرَدوا )
( وقد خلا زمنٌ لو تَصرِمين له ... وَصْلي لأيقْنتُ أنِّي ميّتٌ كَمِدُ )
( أزمانَ تعجبُني جُمْلٌ وأكتمُهُ ... جُمْلاً حياءً وما وَجْدٌ كما أجدُ )
( فقد برِئتُ على أني إذا ذُكِرَتْ ... ينهلُّ دمعي وتَحيا غُصَّةٌ تَلَدُ )
( من عهد سَلمى التي هام الفؤادُ بها ... أزْمانَ أزمانَ سلمى طِفلةٌ رُؤُد )
( قد قلت للكاشِح المبدِي عداوتَه ... قد طالما كان منك الغِشُّ والحسد )
( ألا تُبَيِّنُ لي لا زِلْتَ تُبْغِضني ... حتّامَ أنت إذا ما ساعفَتْ ضَمِد ) - بسيط -
وصية عبد الملك لمؤدب ولده
وقال ابن حبيب قال عبد الملك لمؤدب ولده إذا رويتهم شعرا فلا تروهم إلا مثل قول العجير السلولي
( يَبِين الجارُ حِين يبِين عنّي ... ولم تأنسْ إليّ كلابُ جاري )
( وتظعنُ جارتي من جَنب بيتي ... ولم تُسْتَرْ بسترٍ من جِداري )
( وتأمن أن أطالع حين آتي ... عليها وَهي واضعةُ الخمار )
( كذلك هَدْيُ آبائي قديماً ... تَوَارثه النَّجارُ عن النِّجار )
( فهدبي هديُهُمْ وهُمُ افْتَلَوْني ... كما افْتُلِي العتيقُ من المِهارِ ) - وافر -
وقال ابن حبيب أيضا نزل العجير بقوم فأكرموه وأطعموه وسقوه فلما
(13/81)

سكر قام إلى جمله فعقره وأخرج كبده وجبّ سنامه فجعل يشوي ويأكل ويطعم ويغني
( عَلّلاني إنما الدنيا عَلَلْ ... واسقياني عَلَلاً بعد نَهَلْ )
( وانشِلا لي اللحم من قِدْرَيْكما ... واصبحاني أبعد اللَّهُ الجمل ) - رمل -
فلما أفاق سأل عن جمله فأخبر ما صنع به فجعل يبكي ويصيح واغربتاه وهم يضحكون منه ثم أعطوه جملا وزودوه فانصرف حتى لحق بقومه
أخبرني عمي بهذا الخبر قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا الحكم بن موسى بن الحسين بن يزيد السلولي قال حدثني أبي عن عمه فقال فيه
مر العجير بفتيان من قومه يشربون نبيذا لهم فشرب معهم وذكر باقي القصة نحوا مما ذكر ابن حبيب ولم يقل فيها فلما أصبح جعل يبكي ويصيح واغربتاه ولكنه قال فلما أصبح ساق قومه إليه ألف بعير مكان بعيره
اعجاب سليمان بن عبد الملك بشعره
أخبرني عمي وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني الحكم بن موسى بن الحسين السلولي قال حدثني أبي عن عمه قال عرض العجير لسليمان بن عبد الله وهو في الطواف وعلى العجير بردان يساويان مائة وخمسين دينارا فانقطع شسع نعله فأخذها بيده ثم هتف بسليمان فقال
(13/82)

( ودلّيْتُ دلوي في دِلاٍء كثيرة ... إليك فكان الماءُ ريّانَ مُعلما ) - طويل -
فوقف سليمان ثم قال لله دره ما أفصحه والله ما رضي أن قال ريان حتى قال معلما والله إنه ليخيل الي أنه العجير وما رأيته قط الا عند عبد الملك فقيل له هو العجير فأرسل إليه أن صر إلينا إذا حللنا فصار إليه فأمر له بثلاثين ألفا وبصدقات قومه فردها العجير عليهم ووهبها لهم
رثاء العجير لابن عمه
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني هرون بن موسى الفروي قال كان ابن عم للعجير السلولي إذا سمع بأضياف عند العجير لم يدعهم حتى يأتي بجزور كوماء فيطعن في لبتها عند بيته فيبيتون في شواء وقدير ثم مات فقال العجير يرثيه
( تركنا ابا الأضيافِ في ليلةالصَّبا ... بمَرٍّ ومِرْدَى كلِّ خَصْمٍ يجادلهْ )
( وأُرعيه سمعي كلّما ذُكر الأسَى ... وفي الصّدرِ مني لوعةٌ ما تزايلُهْ )
( وكُنت أعِيرُ الدّمعَ قبلك مَن بكى ... فأنت على مَنْ مات بعدك شاغلُه ) - طويل -
هكذا ذكر هرون بن موسى في هذا الخبر والبيت الثالث من هذه الأبيات للشمردل بن شريك لا يشك فيه من قصيدة له طويلة فيه غناء قد ذكرته في أخباره
صوت
( فتاةٌ كأنَّ رضابَ العبِيرِ ... بفيها يُعَلُّ به الزنجبيلُ )
(13/83)

( قتلْتُ أباها على حبِّها ... فتبخلُ إن بخِلَتْ أو تُنيل ) - متقارب -
الشعر لخزيمة بن نهد والغناء لطويس خفيف رمل بالنصر عن يحيى المكي
(13/84)

أخبار خزيمة بن نهد ونسبه
نسبه
هو خزيمة بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة شاعر مقل من قدماء الشعراء في الجاهلية وفاطمة التي عناها في شعره هذا فاطمة بنت يذكر بن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار كان يهواها فخطبها من أبيها فلم يزوجه إياها فقتله غيلة وإياها عنى بقوله
( إذا الجوزاءُ أَرْدَفَتِ الثُّريا ... ظننْتُ بآل فاطمةَ الظُّنُونا ) - وافر -
تشبيبه بفاطمة بنت يذكر
أخبرني بخبره محمد بن خلف وكيع قال حدثنا عبيد الله بن سعد
(13/85)

الزبيري قال حدثني عمي قال حدثني أبي أظنه عن الزهري قال كان بدء تفرق بني إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام عن تهامة ونزوعهم عنها إلى الآفاق وخروج من خرج منهم عن نسبه أنه كان أول من ظعن عنها وأخرج منها قضاعة بن معد وكان سبب خروجهم أن خزيمة بن نهد بن زيد بن سود ابن أسلم بن الحاف بن قضاعة بن معد كان مشؤوما فاسدا متعرضا للنساء فعلق فاطمة بنت يذكر بن عنزة واسم يذكر عامر فشبب بها وقال فيها
( إذا الجوزاء أردفَتِ الثريا ... ظننْتُ بآل فاطمة الظنونا )
( وحالت دون ذلك مِنْ همومي ... همومٌ تُخْرِج الشَّجَن الدّفينا )
( أرى ابنة يذكرٍ ظَعَنَتْ فحلَّت ... جَنوبَ الحَزْن يا شَحَطا مبينا ) - وافر -
سبب القتال بين قضاعة ونزار
قال فمكث زمانا ثم إن خزيمة بن نهد قال ليذكر بن عنزة أحب أن تخرج معي حتى نأتي بقرظ فخرجا جميعا فلما خلا خزيمة بن نهد بيذكر بن عنزة قتله فلما رجع وليس معه سأله عنه أهله فقال لست أدري فارقني وما أدري أين سلك فكان في ذلك شر بين قضاعة ونزار ابني معد وتكلموا فيه فأكثروا ولم يصح على خزيمة عندهم شيء يطالبون به حتى قال خزيمة بن نهد
( فتاة كأنَّ رضابَ العبيرِ ... بفيها يُعَلُّ به الزنجبيلُ )
( قتلْتُ أباها على حبِّها ... فتبخلُ إنْ بَخِلَتْ أو تنيلُ ) - متقارب
(13/86)

فلما قال هذين البيتين تثاور الحيان فاقتتلوا وصاروا أحزابا فكانت نزار ابن معد وهي يومئذ تنتسب فتقول كندة بن جنادة بن معد وجاؤوهم يومئذ ينتمون فيقولون حاء بن عمرو بن أد بن أدد وكانت قضاعة تنتسب إلى معد وعك يومئذ تنتمي إلى عدنان فتقول عك عدنان بن أد والأشعريون ينتمُون إلى الأشعر بن أدد وكانوا يتبدون من تهامة إلى الشأم وكانت منازلهم بالصفاح وكان مر وعسفان لربيعة بن نزار وكانت قضاعة بين مكة والطائف وكانت كندة تسكن من الغمر إلى ذات عرق فهو إلى اليوم يسمى غمر كندة وإياه يعني عمر بن أبي ربيعة بقوله
( إذا سَلَكَتْ غَمْرُ ذي كِنْدَةٍ ... مع الصبح قَصْدٌ لها الفَرْدَقدُ )
( هنا لك إما تُعَزِّي الهوى ... وإما على إثرهمْ تَكْمَدُ ) - متقارب -
وكانت منازل حاء بن عمرو بن أدد والأشعر بن أدد وعك بن عدنان بن أدد فيما بين جدة إلى البحر
قال فيذكر بن عنزة أحد القارظين اللذين قال فيهما الهذلي
(13/87)

( وحتىّ يؤوبَ القارظانِ كلاهما ... ويُنْشَرَ في القتلى كليبٌ لوائلِ ) - طويل -
والآخر من عنزة يقال له أبو رهم خرج يجمع القرظ فلم يرجع ولم يعرف له خبر
قال فلما ظهرت نزار على أن خزيمة بن نهد قتل يذكر بن عنزة قاتلوا قضاعة أشد قتال فهزمت قضاعة وقتل خزيمة بن نهد وخرجت قضاعة متفرقين فسارت تيم اللات بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران ابن الحاف بن قضاعة وفرقة من بني رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة وفرقة من الأشعريين نحو البحرين حتى وردوا هجر وبها يومئذ قوم من النبط فنزلت عليهم هذه البطون فأجلتهم فقال في ذلك مالك بن زهير
( نَزَعنا مِن تِهامةَ أيَّ حيٍّ ... فلم تحفِلْ بذاك بنو نزارِ )
( ولم أك من أنيسكُمُ ولكنْ ... شرينا دارَ آنسةٍ بدار ) - وافر -
الزرقاء تتحدث بقول الكهان
فلما نزلوا هجر قالوا للزرقاء بنت زهير وكانت كاهنة ما تقولين يا زرقاء قالت سعف وإهان وتمر وألبان خير من الهوان ثم أنشأت تقول
(13/88)

( ودِّع تِهامةَ لا وَداعَ مُخَالِقٍ ... بِذمامه لكنْ قِلىً وملامِ )
( لا تُنْكري هَجَراً مُقام غرِيبةٍ ... لن تعدَمي من ظاعنين تَهَامِ ) - كامل -
فقالوا لها فما ترين يا زرقاء فقالت مقام وتنوخ ما ولد مولود وأنقفت فروخ إلى أن يجيء غراب أبقع أصمع أنزع عليه خلخالا ذهب فطار فألهب ونعق فنعب يقع على النخلة السحوق بين الدور والطريق فسيروا على وتيرة ثم الحيرة الحيرة فسميت تلك القبائل تنوخ لقول الزرقاء مقام وتنوخ ولحق بهم قوم من الأزد قصاروا إلى الآن في تنوخ ولحق سائر قضاعة موت ذريع وخرجت فرقة من بني حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة يقال لهم بنو تزيد فنزلوا عبقر من أرض الجزيرة فنسج نساؤهم الصوف وعملوا منه الزرابي فهي التي يقال لها العبقرية وعملوا البرود التي يقال لها التزيدية وأغارت عليهم الترك فأصابتهم وسبت منهم فذلك قول عمرو بن مالك
(13/89)

( ألاَ للَّه ليلٌ لَمْ نَنَمْهُ ... على ذاتِ الخِضَاب مُجَنِّبينا )
( وليلتُنا بآمِدَ لَم نَنَمْها ... كليلتنا بِمَيَّا فارِقِينا ) - وافر -
وأقبل الحارث بن قراد البهراني ليعيث في بني حلوان فعرض له أباغ بن سليح صاحب العين فاقتتلا فقتل أباغ ومضت بهراء حتى لحقوا بالترك فهزموهم واستنقذوا ما في أيديهم من بني تزيد فقال الحارث بن قراد في ذلك
( كَأَنَّ الدهر جُمِّع في ليالٍ ... ثلاثٍ بِتُّهُنَّ بَشْهَرزُورِ )
( صَففْنا للأَعاجمِ من مَعَدٍّ ... صفوفاً بالجزيرة كالسّعير ) - وافر -
وسارت سليح بن عمرو بن الحاف بن قضاعة يقودها الحدرجان بن سلمة حتى نزلوا ناحية فلسطين على بني أذينة بن السميذع من عاملة وسارت أسلم ابن الحاف وهي عذرة ونهد وحوتكة وجهينة والحارث بن سعد حتى نزلوا من الحجر إلى وادي القرى ونزلت تنوخ بالبحرين سنتين ثم أقبل غراب في رجليه حلقتا ذهب وهم في مجلسهم فسقط على نخلة في الطريق فينعق نعقات ثم طار فذكروا قول الزرقاء فارتحلوا حتى نزلوا الحيرة فهم أول من
(13/90)

اختطها منهم مالك بن زهير واجتمع إليهم لما بتنوا بها المنازل ناس كثير من سقاط القرى فأقاموا بها زمانا ثم أغار عليهم سابور الأكبر فقاتلوه فكان شعارهم يومئذ يا آل عباد الله فسموا العباد وهزمهم سابور فصار معظمهم ومن فيه نهوض إلى الحضر من الجزيرة يقودهم الضيزن بن معاوية التنوخي فمضى حتى نزل الحضر وهو بناء بناه الساطرون الجرمقاني فأقاموا به وأغارت حمير على بقية قضاعة فخيروهم بين أن يقيموا على خراج يدفعونه إليهم أو يخرجوا عنهم فخرجوا وهم كلب وجرم والعلاف وهم بنو زبان ابن تغلب بن حلوان وهو أول من عمل الرحال العلافية وعلاف لقب زبان فلحقوا بالشام فأغارت عليهم بنو كنانة بن خزيمة بعد ذلك بدهر فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وانهزموا فلحقوا بالسماوة فهي منازلهم إلى اليوم
صوت
( إني امرؤ كفَّنِي ربي ونزَّهني ... عن الأمور التي في غِبِّها وَخَم )
(13/91)

( وإنما أنا إنسانٌ أعيش كما ... عاش الرجالُ وعاشت قبْلِيَ الأمم ) - بسيط -
الشعر للمغيرة بن حبناء من قصيدة مدح بها المهلب بن أبي صفرة والغناء لأبي العبيس بن حمدون ثقيل أول بالبنصر وهو من مشهور أغانيه وجيدها
(13/92)

نسب المغيرة بن حبناء وأخباره
المغيرة بن حبناء بن عمرو بن ربيعة بن أسيد بن عبد عوف بن ربيعة ابن عامر بن ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم وحبناء لقب غلب على أبيه واسمه جبير بن عمرو ولقب بذلك لحبن كان أصابه وهو شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية وأبوه حبناء بن عمرو شاعر وأخوه صخر ابن حبناء شاعر وكان يهاجيه ولهما قصائد يتناقضانها كثيرة سأذكر منها طرفا وكان قد هاجى زيادا الأعجم فأكثر كل واحد منهما على صاحبه وأفحش ولم
(13/93)

يغلب أحد منهما صاحبه كانا متكافئين في مهاجاتهما ينتصف كل واحد منهما من صاحبه
مدحه لطلحة الطلحات
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني عبيد الله بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني الحسن بن جهور عن الحرمازي قال قدم المغيرة ابن حبناء على طلحة الطلحات الخزاعي ثم المليحي أحد بني مليح فأنشده قوله فيه
( لقد كنتُ أسعى في هواكَ وأبتغي ... رضاكَ وأرجو منكَ ما لسْتُ لاقيا )
( وأبذلُ نفسي في مواطِنَ غيرُها ... أَحَبُّ وأعصي في هواكَ الأدانيا )
( حِفاظاً وتمسيكاً لما كان بيننا ... لِتَجْزيَنِي ما لا إخالُكَ جازياً )
( رأيتُكَ ما تنفكُّ منك رَغيبةٌ ... تقصِّر دوني أو تحلُّ ورائيا )
( أُراني إذا استمطرْتُ منك رَغيبةً ... لتُمْطِرَني عادتْ عَجَاجاً وسافِيا )
( وَأدْليْتُ دَلْوِي في دِلاء كثيرة ... فَأُبْنَ مِلاءً غيرَدلوي كما هِيا )
( ولستُ بلاقٍ ذا حِفاظٍ ونَجدةٍ ... من القوم حُرًّا بالخسِيسة راضيا )
( فإن تَدْنُ مني تَدْنُ منكَ مودتي ... وإن تَنْأَ عني تُلفنِي عنكَ نائيا ) - طويل
(13/94)

قال فلما أنشده هذا الشعر قال له أما كنا أعطيناك شيئا قال لا فأمر طلحة خازنه فأخرج درجا فيه حجارة ياقوت فقال له اختر حجرين من هذه الأحجار أو أربعين ألف درهم فقال ما كنت لأختار حجارة على أربعين ألف درهم فأمر له بالمال فلما قبضه سأله حجرا منها فوهبه له فباعه بعشرين ألف درهم ثم مدحه فقال
( أرى الناس قد مَلُّوا الفَعال ولا أرى ... بني خَلَفٍ إلا رِواءَ المواردِ )
( إذا نفعوا عادوا لمن ينفعونه ... وكائن ترى من نافع غير عائد )
( إذا ما انجلتْ عنهُمْ غمامةُ غَمْرةٍ ... من الموت أجلتْ عن كرامٍ مَذَاوِدِ )
( تسود غطاريفَ الملوك ملوكُهُمْ ... وما جِدهُمْ يعلو على كل ماجد ) - طويل -
مدحه للمهلب بن أبي صفرة
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي عن رواة باهلة أن المهلب بن أبي صفرة لما هزم قطري بن الفجاءة
(13/95)

بسابور جلس للناس فدخل إليه وجوههم يهنئونه وقامت الخطباء فأثنت عليه ومدحته الشعراء ثم قام المغيرة بن حبناء في أخرياتهم فأنشده
( حال الشّجا دونَ طَعْم العيش والسهرُ ... واعتاد عينَكَ مِن إدمانها الدِّررُ )
( واستَحْقَبَتْكَ أمورٌ كنتَ تكرهها ... لو كان ينفعُ منها النّأيُ والحذر )
( وفي الموارد للأقوامِ تَهْلُكةٌ ... إذا المواردُ لم يُعْلم لها صَدَر )
( ليس العزيزُ بمن تُغْشَى محارِمُه ... ولا الكريمُ بمن يُجْفى ويُحْتَقَرُ )
حتى انتهى إلى قوله
( أمسى العِبادُ بشرٍّ لا غِياثَ لهُمْ ... إلا المهلَّبُ بعد اللَّه والمطرُ )
( كلاهما طيّبٌ تُرْجى نوافله ... مباركٌ سَيْبُهُ يرجى ويُنتظر )
( لايَجْمُدانِ عليهمْ عند جَهدِهِمُ ... كِلاهما نافعٌ فيهمْ إذا افتقروا )
( هذا يذودُ ويحمي عن ذِمارِهِمُ ... وذا يعِيش به الأَنعام والشَّجر )
( واستسلم الناسُ إذ حلَّ العدوُّ بهمْ ... فلا ربيعتُهمْ تُرجَى ولا مضرُ )
( وأنت رأسٌ لأهل الدين منتخَبٌ ... والرأسُ فيه يكون السمع والبصر )
( إن المهلَّب في الأيام فضَّله ... على منازلِ أقوام إذا ذُكروا )
(13/96)

( حَزْمٌ وجودٌ وأيامٌ له سلفتْ ... فيها يُعَدُّ جسيمُ الأمر والخطرُ )
( ماضٍ على الهولِ ما ينفكُّ مرتحِلاً ... أسبابَ معضلةٍ يعيا بها البشر )
( سهلُ الخلائق يعفو عِند قدرتِهِ ... منه الحياء ومن أخلاقه الخفَرُ )
( شهابُ حربٍ إذا حلّت بساحته ... يُخْزِي به اللَّه أقواماً إذا غدروا )
( تزيدُهُ الحربُ والأهوال إن حضرت ... حزماً وعزماً ويجلو وجهَه السفر )
( ما إن يزالُ على أرجاءِ مُظْلِمةٍ ... لولا يُكَفْكِفُها عن مِصرهمْ دَمَروا )
( سهلٌ إليهمْ حليمٌ عن مجاهلهمْ ... كأنما بينهُمْ عثمانُ أو عمر )
( كَهْفٌ يلوذون من ذُلّ الحياةِ به ... إذا تكنَّفهم مِن هولها ضرر )
( أَمْنٌ لخائِفِهِمْ فَيْضٌ لسائلهِمْ ... ينتاب نائِلَه البادون والحَضرَ ) - بسيط -
فلما أتى على آخرها قال المهلب هذا والله الشعر لا ما نعلل به وأمر له بعشرة آلاف درهم وفرس جواد وزاده في عطائه خمسمائة درهم
والقصيدة التي منها البيتان اللذان فيهما الغناء المذكور بذكره أخبار المغيرة من قصيدة له مدح بها المهلب بن أبي صفرة أيضا وأولها
( أمِن رسومِ ديارٍ هاجَكَ القِدَمُ ... أَقْوَتْ وأقفر منها الطَّفُّ والعَلَمُ )
( وما يَهيجُك من أطلالِ مَنْزِلَةٍ ... عفَّى معالِمَهَا الأرواحُ والديمُ )
(13/97)

( بئس الخليفةُ من جارٍ تضنُّ به ... إذا طرِبْتَ أثافي القِدْرِ والحُمَم )
( دارُ التي كاد قلبي أن يُجَنَّ بها ... إذا ألمَّ به مِن ذِكرها لَمَم )
( إذا تذكَّرها قلبي تضيّفه ... همٌّ تضِيق به الأحشاء والكَظَم )
( والبينُ حين يروعُ القلبَ طائِفُه ... يبدي ويظهِر منهمْ بعضَ ما كتموا )
( إني امرؤ كفّني ربي وأكرمني ... عن الأمور التي في غِبِّهَا وَخَمْ )
( وإنما أنا إنسانٌ أعيش كما ... عاش الرجال وعاشت قبليَ الأمم ) - بسيط -
وهي قصيدة طويلة وكان سبب قوله إياها أن المهلب كان أنفذ بعض بنيه في جيش لقتال الأزارقة وقد شدت منهم طائفةة تغير على نواحي الأهواز وهو مقيم يومئذ بسابور وكان فيهم المغيرة بن حبناء فلما طال مقامه واستقر الجيش لحق بأهله فألم بهم وأقام عندهم شهرا ثم عاود وقد قفل الجيش إلى المهلب فقيل له إن الكتاب خطوا على اسمه وكتب إلى المهلب أنه عصى وفارق مكتبه بغير إذن فمضى إلى المهلب فلما لقيه أنشده هذه القصيدة واعتذر إليه فعذره وأمر باطلاق عطائه وإزالة العتب عنه وفيها يقول يذكر قدومه إلى أهله بغير إذن
( ما عاقني عن قُفُولِ الجندِ إذ قفلوا ... عِيٌّ بما صنعوا حولي ولا صَمَمُ )
( ولو أردْتُ قفولاً ما تجهَّمَني ... إذن الأمير ولا الكتابُ إذ رقموا )
(13/98)

( إني ليعرِفني راعي سريرِهِمُ ... والمُحْدِجون إذا ما ابتلّت الحُزُمُ )
( والطالبون إلى السلطان حاجتَهُمْ ... إذا جفا عنهُمُ السلطان أو كَزِموا )
( فسوف تُبْلِغُك الأنباءَ إن سلِمتْ ... لك الشواحِج والأنفاسُ والأدم )
( إنَّ المهلّب إنْ أشتقْ لرؤيتهِ ... أو امتدِحْهُ فإنَّ الناس قد علموا )
( إن الكريم من الأقوامِ قد علموا ... أبو سعيد إذا ما عُدَّت النِّعم )
( والقائلُ الفاعلُ الميمونُ طائره ... أبو سعيدٍ وإنْ أعداؤه زَغموا )
( كم قد شهدْتُ كراماً من مواطنه ... ليست بغيب ولا تقوالهِمْ زعموا )
( أيّامَ أيامَ إذ عضَّ الزمان بهمْ ... وإذ تمنَّى رجالٌ أنهم هُزِموا )
( وإذ يقولون ليتَ اللَّه يُهْلكهُمْ ... واللَّه يعلم لو زَلَّت بهمْ قَدَمُ )
( أيامَ سابورَ إذ ضاعت رَباعَتْهُمْ ... لولاه ما أَوْطَنوا داراً ولا انتقموا )
( إذ ليس شيء من الدنيا نصول به ... إلا المغافِرُ والأبدانُ واللُّجُم )
( وعاتراتٍ من الخَطّيِّ مُحْصَدَةٍ ... نفضي بهنَّ إليهمْ ثم نَدَّعِم )
(13/99)

سبب التهاجي بينه وبين زياد الأعجم
هكذا ذكر عمرو بن أبي عمرو الشيباني في خبر هذه القصيدة ونسخت من كتابه وذكر أيضا في هذا الكتاب أن سبب التهاجي بين زياد الأعجم والمغيرة بن حبناء أن زيادا الأعجم والمغيرة بن حبناء وكعبا الأشقري اجتمعوا عند المهلب وقد مدحوه فأمر لهم بجوائز وفضل زيادا عليهم ووهب له غلاما فصيحا ينشد شعره لأن زيادا كان ألكن لا يفصح فكان راويته ينشد عنه ما يقوله فيتكلف له مؤونة ويجعل له سهما في صلاته فسأل المهلب يومئذ أن يهب له غلاما كان له يعرفه زياد بالفصاحة والأدب فوهبه له فنفسوا عليه ما فضل به فانتدب له المغيرة من بينهم فقال للمهلب أصلح الله الأمير ما السبب في تفضيل الأمير زيادا علينا فوالله ما يغني غناءنا في الحرب ولا هو بأفضلنا شعبا ولا أصدقنا ودا ولا أشرفنا أبا ولا أفصحنا لسانا فقال له المهلب أما إني والله ما جهلت شيئا مما قلت وإن الأمر فيكم عندي لمتساو ولكن زيادا يكرم لسنه وشعره وموضعه من قومه وكلكم كذلك عندي وما فضلته بما ينفس به وأنا أعوضكم بعد هذا بما يزيد على ما فضلته به فانصرف وبلغ زيادا ما كان منه فقال يهجوه
( أرى كلَّ قومٍ يَنْسلُ اللؤمُ عندهُمْ ... ولؤمُ بني حَبْنَاءَ ليس بناسِلِ )
( يَشبُّ مع المولودِ مثلَ شبابه ... ويَلقاه مولوداً بأيدي القوابل )
( ويُرْضعُهُ من ثَدْي أمِّ لئيمةٍ ... ويُخْلَقُ من ماءِ امرئ غير طائل )
( تعالَوا فعدّوا في الزمان الذي مضى ... وكل أناسٍ مجدُهُمْ بالأوائل )
(13/100)

( لَكَمْ بفعالٍ يَعْرِفُ الناس فضله ... إذا ذُكِر الأَملاءُ عِند الفضائل )
( فغازيكُمُ في الجيش أَلأَم مَنْ غزا ... وقافِلكُمْ في الناس أَلأَم قافل )
( وما أنتُمُ مِنْ مالكٍ غيرَ أنكُمْ ... كمغرورةٍ بالبَوِّ في ظلٍ باطل )
( بنو مالكٍ زُهر الوجوه وأنتُمُ ... تَبيَّنَ ضاحي لؤمِكُمْ في الجحافل ) - طويل -
يعني برصا كان بالمغيرة بن حبناء
أخبرني عبيد الله بن محمد الرازي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال حدثني المدائني قال عير زياد الأعجم المغيرة بن حبناء في مجلس المهلب بالبرص فقال له المغيرة إن عتاق الخيل لا تشينها الأوضاح ولا تعير بالغرر والحجول وقد قال صاحبنا بلعاء بن قيس لرجل عيره بالبرص إنما أنا سيف الله جلاه واستله على أعدائه فهل تغني يا بن العجماء غنائي أو تقوم مقامي ثم نشب الهجاء بينهما
نسخت من نسخة ابن الأعرابي قال كان المغيرة بن حبناء يوما يأكل مع المفضل بن المهلب فقال له المفضل
( فلم أر مِثلَ الحنظلِيّ ولونِهِ ... أكِيلَ كرامٍ أو جليس أميرِ ) - طويل
(13/101)

فرفع المغيرة يده وقام مغضباً ثم قال له
( إني امرؤٌ حنظِليٌّ حين تنسُبُنِي ... لامِ العِتيك ولا أخوالِيَ العَوَقُ )
العوق من يشكر وكانوا أخوال المفضل
( لا تحسبَنَّ بياضاً فيَّ منقصةً ... إن اللّهاميم في ألوانها بلقُ ) - بسيط -
وبلغ المهلب ما جرى فتناول المفضل بلسانه وشتمه وقال أردت أن يتمضغ هذا أعراضنا ما حملك على أن أسمعته ما كره بعد مواكلتك إياه أما إن كنت تعافه فاجتنبه أو لا تؤذه ثم بعث إليه بعشرة آلاف درهم واستصفحه عن المفضل واعتذر إليه عنه فقبل رفده وعذره وانقطع بعد ذلك عن مواكلة أحد منهم
رجع الخبر إلى سياقته مع زياد والمغيرة فقال المغيرة يجيب زيادا
( أزيادُ إنَّك والذي أنا عبدُهُ ... ما دون آدَم من أبٍ لك يُعلمُ )
( فالحَقْ بأرضِك يا زيادُ ولا تَرُمْ ... ما لا تطيق وأنت عِلجٌ أعجمُ )
( أظننْتَ لؤْمَك يا زيادُ يسدُّه ... قوسٌ ستْرتَ بها قفاك وأسهمُ )
( عِلْجٌ تعصَّبَ ثم راق بقوسه ... والعِلْجُ تعرفه إذا يَتعمَّمُ )
( ألْقِ العصابة يا زيادُ فإنما ... أخزاك ربِّي إذ غدوْتَ تَرَنَّمُ )
(13/102)

( واعلم بأنك لست مِنِّي ناجياً ... إلا وأنت ببَظْرِ أمك ملجَمُ )
( تهجو الكرام وأنت ألأمُ مَنْ مَشَى ... حسباً وأنت العِلْجُ حين تَكَلَّمُ )
( ولقد سألْتُ بني نزارٍ كلّهُمْ ... والعالمِين من الكهول فأقسموا )
( باللَّه مالَكَ في معدٍّ كلِّها ... حَسَبٌ وإنك يا زياد مُوَذَّمُ ) - كامل -
فقال زياد يجيبه
( ألم تَرَ أنِّني وتَّرْتُ قَوْسي ... لأِبقعَ من كلاب بني تميم )
( عوَى فَرَمَيْتُهُ بسهامِ موتٍ ... كذاك يُرَدُّ ذو الحُمْقِ اللئيمُ )
( وكنتُ إذا غَمَزْتُ قناةَ قوم ... كَسَرْتُ كعوبها أو تستقيمُ )
( هُمُ الحَشْوُ القليلُ لكلِ حيٍّ ... وَهُمْ تَبَعٌ كزائدة الظليمِ )
( فلستَ بِسابِقي هَرِماً ولمّا ... يَمُرَّ على نواجذك القَدومُ )
( فحاوِلْ كيف تنجُو مِن وقاعِي ... فإنّك بعد ثالثةٍ رميمُ )
(13/103)

( سراتُكُمُ الكلابُ البُقْعُ فيكُمْ ... للؤمِكُمُ وليس لكُمْ كريمُ )
( فقد قَدُمَتْ عُبودتُكُمْ ودُمْتُمْ ... على الفَحْشاء والطبعِ اللّئيمِ ) - وافر -
أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا المدائني قال قال زياد الأعجم يهجو المغيرة بن حبناء
( عجبْتُ لأبْيَضِ الخُصْيَيْنِ عبدٍ ... كأنّ عِجانَهُ الشِّعْرَى العبورُ ) - وافر -
فقيل له يا أبا أمامة لقد شرفته إذ قلت فيه
( كأنّ عجانه الشِّعْرى العبور ... )
ورفعت منه فقال سأزيده رفعةً وشرفا ثم قال
( لا يبرحُ الدّهرَ خارئٌ أبداً ... إلاّ حسْبتَ على بابِ استِه القمرا ) - بسيط -
قال وتقاولا في مجلس المهلب يوما فقال المغيرة لزياد
( أقول له وأنكَرَ بعضَ شأني ... ألم تعرفْ رِقاب بني تميمِ ) - وافر -
فقال له زياد
(13/104)

( بلَى فعرفْتُهُنَّ مقصَّراتٍ ... جِباهَ مَذَلَّةٍ وسِبالَ لومِ ) - وافر -
ربيعة تحرض زياد الأعجم على هجو المغيرة
نسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو الشيباني قال كانت ربيعة تقول لزياد الأعجم يا زياد أنت لساننا فاذبب عن أعراضنا بشعرك فإن سيوفنا معك فقال المغيرة بن حبناء فيه وقد بلغه هذا القول من ربيعة له
( يقولون ذبِّبْ يا زيادُ ولم يكن ... لِيوقِظَ في الحرب الملمَّةِ نائما )
( ولو أنَّهم جاؤوا به ذا حفيظةٍ ... فيمنعَهُمْ أو ماجداً أو مراغماً )
( ولكنّهم جاؤوا بأقلَفَ قد مضت ... له حِججٌ سبعون يُصبح رازِما )
( لئيماً ذميماً أعجميّاً لسانُه ... إذا نال دَنًّا لم يبال المكارما )
( وما خلْتُ عبد القيس إلا نُفايةً ... إذا ذَكَر الناس العُلا والعظائِما )
( إذا كنتَ للعبدِيّ جاراً فلا تَزلْ ... على حَذَرٍ منه إذا كان طاعما )
( أناساً يُعدُّون الفساء لجارهمْ ... إذا شَبعوا عند الجُبَاةِ الدراهما )
( من الفَسوِ يقضُون الحقَوق عليهمُ ... ويُعْطُونَ مولاهُمْ إذا كان غارما )
( لهمْ زجَلٌ فيه إذا ما تجاوَبُوا ... سمعتْ زفيراً فيهمُ وهَماهِما )
( لعمركَ ما نجَّى ابن زرْوان إذ عَوَى ... ربيعةُ منِّ يوم ذلك سالما )
( أظَنَّ الخبيثُ ابنُ الخبِيثَينِ أنَّني ... أسلِّمُ عرْضي أو أهابُ المقاوِما )
( لعمركَ لا تَهدي ربِيعةُ للحجا ... إذا جعلوا يستنصِرون الأعاجما ) - طويل -
شعره بعد اعتذار عبد قيس له
قال فجاءت عبد القيس إلى المغيرة فقالوا يا هذا ما لنا ولك
(13/105)

تعمنا بالهجاء لأن نبحك منا كلب فقال وقلت قد تبرأنا إليك منه فإن هجاك فاهجه وخل عنا ودعنا وأنت وصاحبك أعلم فليس منا له عليك ناصر فقال
( لعمرُك إنِّي لابنِ زرْوان إذ عوى ... لَمُحْتَقِرٌ في دعوة الودِّ زاهدُ )
( وما لك أصلٌ يا زياد تعدُّه ... وما لك في الأرضِ العريضة والدُ )
( ألم تَرَ عبد القيس منك تبرّأتْ ... فلاقيتَ ما لم يَلْقَ في الناس واحدُ )
( وما طاشَ سهمي عنك يوم تبرّأت ... لُكَيزُ بنُ أفصى منك والجند حاشدُ )
( ولا غابَ قرنُ الشَّمس حتى تحدَّثت ... بِنفيِك سُكانُ القُرى والمساجدُ )
رفع المساجد لأنه جعل الفعل لها كأنه قال وأهل المساجد كما قال الله عز و جل ( واسأل القرية ) وتحدثت المساجد وإنما يريد من يصلي فيها
( فأصبحْتَ عِلجاً من يُزرْك ومن يَزُرْ ... بناتِك يَعْلَمْ أنَّهن ولائد )
( وأصبحْن قُلْفاً يغتزِلْن بأُجرة ... حواليكَ لم تَجْرَحْ بهن الحدائد )
( نَفَرْنَ من المُوْسى وأقررْنَ بالتي ... يقِرّ عليها المقرِفاتُ الكواسد )
( بِإصْطَخْرَ لم يَلبَسْنَ من طُول فاقةٍ ... جديداً ولا تُلقَى لهنَّ الوسائد )
(13/106)

( وما أنتَ بالمنسوب في آلِ عامِرٍ ... ولا ولدَتْكَ المُحْصَناتُ المواجدُ )
( ولا ربَّبتَكْ الحنظليّةُ إذْ غذتْ ... بنيها ولا جِيْبَتْ عليك القلائدُ )
( ولكن غذاكَ المشركون وزاحمتْ ... قَفاكَ وخدَّيك البُظورُ العواردُ )
( ولم أرَ مِثْلي يا زياد بِعِرضِه ... وعِرضِك يَسْتَبَّان والسيف شاهد )
( ولو أنّني غشّيْتُك السيفَ لم يُقَلْ ... إذا متَّ إلاّ مات عِلْجٌ مُعاهِدُ ) - طويل -
المغيرة يعنف أخاه صخرا بعد أن تلاحيا
ونسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو أيضا قال رجع المغيرة بن حبناء إلى أهله وقد ملأ كفيه بجوائز المهلب وصلاته والفوائد منه وكان أخوه صخر بن حبناء أصغر منه فكان يأخذ على يده وينهاه عن الأمر ينكر مثله ولا يزال يتعتب عليه في الشيء بعد الشيء مما ينكره عليه فقال فيه صخر بن حبناء
( رأيُتك لّما نلْتَ مالاً وعَضَّنا ... زمانٌ نرى في حدِّ أنيابِه شغْبا )
( تجنَّى عليّ الدّهرُ أَنِّيَ مُذْنِب ... فأَمْسِكْ ولا تجعلْ غِناك لن ذَنْبا ) - طويل -
فقال المغيرة يجيبه
( لحا اللَّه أنآنا عن الضَّيفِ بالقِرى ... وأقصَرَنا عن عِرْضِ والده ذَبّا )
(13/107)

( وأجدَرَنا أن يدخُلَ البيتَ باستهِ ... إذا القُفُّ دلّى مِن مخارِمه رَكْبا )
( أَأَنْبَأَكَ الأفّاكُ عنِّي أنَّني ... أحرِّكُ عرْضي إن لعبْتَ به لِعْبا ) - طويل -
ونسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو قال جاءت أخت المغيرة بن حبناء إليه تشكو أخاها صخرا وتذكر أنه أسرع في مالها وأتلفه وإنها منعته شيئا يسيرا بقي لها فمد يده إليها وضربها فقال له المغيرة معنفا
( ألا من مبلِغٌ صخرَ بنَ ليلى ... فإني قد أتاني مِن نَثَاكا )
( رسالةَ ناصحٍ لك مستجيبٍ ... إذا لم تَرْعَ حرمتَه رعاكا )
( وصولٍ لو يراك وأنت رهنٌ ... تُباع بماله يوماً فَدَاكا )
( يرى خيراً إذا ما نلتَ خيراً ... ويَشْجَى في الأمور بما شجاكا )
( فإنّك ترى أسماءَ أختاً ... ولا تَرَيَنَّنِي أبداً أخاكا )
( فإن تعنُفْ بها أو لا تصِلْها ... فإنّ لأمِّها وَلَداً سِواكا )
( يَبَرُّ ويستجيبُ إذا دعته ... وإنْ عاصيْتَه فيها عصاكا )
( وكنت أرى بها شرفاً وفضلاً ... على بَعضِ الرِّجال وفوق ذاكا )
( جزاني اللَّهُ منك وقد جزاني ... ومِنِّي في مَعَاتبنا جَزَاكا )
( وأعقَبَ أصدَقَ الخَصْمينِ قولاً ... وولىَّ اللؤمَ أولانا بذاكا )
( فَلا واللَّه لو لم تَعْصِ أمري ... لكنْتَ بمعزِلٍ عمَّا هُناكا ) - وافر
(13/108)

قال فأجابه أخوه صخر بن حبناء فقال
( أتاني عن مُغِيرةَ ذَرْوُ قولٍ ... تَعمَّدَه فقلْت له كذاكا )
( يعمُّ به بني ليلى جميعاً ... فولِّ هجاءهُمْ رجلاً سِواكا )
( فإنْ تكُ قد قَطَعْتَ الوصلَ منِّي ... فهذا حينَ أخلفَني مُناكا )
( تُمنِّيني إذا ما غبْتَ عنيَ ... وتُخلفِني منايَ إذا أراكا )
( وتُوليني مَلامَة أهلِ بيتي ... ولا تعطِي الأقاربَ غيرَ ذاكا )
( فإن تكُ أختُنا عتبَتْ علينا ... فلا تَصْرِمِ لِظِنّتها أخاكا )
( فإن لها إذا عتبَتْ علينا ... رِضاها صابِرينَ لها بذاكا )
( وإن تك قد عتبْتَ عليَّ جهلاً ... فلا واللَّهِ لا أبغي رضاكا )
( فقد أعلنْتُ قولكَ إذ أتاني ... فأعلِنْ مِن مقالي ما أتاكا )
( سيُغنِي عنك صخراً ربُّ صخرٍِ ... كما أغناك عن صخرٍ غناكا )
( ويغنِينِي الذي أغناكَ عنِّي ... ويكفِيني الإلهُ كما كفاكا )
( ألم تَرَني أجودُ لكُمْ بمالي ... وأرمِي بالنَّواقِر من رماكا )
( وإنِّي لا أقودُ إليك حرباً ... ولا أَعصيك إنْ رجلٌ عصاكا )
( ولكنِّي وراءك شِمَّرِيٌّ ... أُحامي قد علِمْتَ على حِماكا )
( وأدفعُ ألسنَ الأعداء عنكُمْ ... ويَعنيني العدوُّ إذا عناكا )
(13/109)

( وقد كانت قُريبةُ ذات حق ... عليكَ فلَمْ تطالعْها بذاكا )
( رأيتُ الخيرَ يُقصَر منك دوني ... وتبلُغني القوارصُ مِن أذاكا ) - وافر -
ونسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو أيضا قال كان حبناء بن عمرو قد غضب على قومه في بعض الأمر فانتقل إلى نجران وحمل معه أهله وولده فنظرت امرأته سلمى إلى غلام من أهل نجران يضرب ابنه المغيرة وهو يومئذ غلام فقالت لحبناء قد كنت غنيا عن هذا الذل وكان مقامك بالعراق في قومك أو في حي قريب من قومك أعز لك فقال حبناء في ذلك
( تقول سُليمى الحنظِليَّةُ لابنها ... غلامٌ بنجرانَ الغداةَ غريبُ )
( رأتْ غِلمةً ثاروا إليه بأرضهمْ ... كما هَرَّ كلبُ الدارِ بين كَليبِ )
( فقالت لقد أجْرَى أبوك لمِا ترى ... وأنت عزيزٌ بالعراقِ مَهيبُ ) - طويل -
وقال أيضا
( لعمركَ ما تدرِي أشيءٌ تريده ... يلِيك أمِ الشيءُ الذي لا تحاوِلُهْ )
( متى ما يَشَأْ مستقبِس الشرِّ يَلْقَهُ ... سريعاً وتَجْمَعْهُ إليه أناملُهْ ) - طويل -
زياد الاعجم يهجو اسرة المغيرة بادوائهم
أخبرني عيسى بن الحسن الوراق قال حدثنا محمد بن القاسم بن
(13/110)

مهرويه قال حدثني أبو الشبل النضري قال كان المغيرة بن حبناء أبرص وأخوه صخر أعور وأخوه الآخر مجذوما وكان بأبيهم حبن فلقب حبناء واسمه جبير بن عمرو فقال زياد الأعجم يهجوهم
( إنّ حبناءَ كان يُدْعَى جُبيراً ... فَدَعَوْه من لؤمه حبناءَ )
( ولَدَ العُورَ منه والبُرْصَ والجَذْمَى ... وذو الداء يُنتِج الأدواءَ ) - خفيف -
فيقال إن هذه الأبيات كانت آخر ما تهاجيا به لأن المغيرة قال قد بلغه هذا الشعر ما ذنبنا فيما ذكره هذه أدواء ابتلانا الله عز و جل بها وإني لأرجو أن يجمع الله عليه هذه الأدواء كلها فبلغ ذلك زيادا من قوله وإنه لم يهجه بعقب هذه الأبيات ولا أجابه بشيء فأمسك عنه وتكافآ
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه وأخبرني به الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن أبيه عن الأصمعي قال
لم يقل أحد في تفضيل أخ على أخيه وهما لأب وأم مثل قول المغيرة بن حبناء لأخيه صخر
( أبوك أبي وأنت أخي ولكِنّ ... تفاضَلَتِ الطّبائعُ والظُّروفُ )
( وأمُّكَ حين تُنْسَب أمُّ صدْقٍ ... ولكنْ ابنها طَبِعٌ سخيفُ ) - وافر -
قال وكان عبد الملك بن مروان إذا نظر إلى أخيه معاوية وكان ضعيفا يتمثل بهذين البيتين
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني أحمد بن محمد بن جدان
(13/111)

قال حدثني أحمد بن محمد بن مخلد المهلبي قال نظر الحجاج إلى يزيد ابن المهلب يخطر في مشيته فقال لعن الله المغيرة بن حبناء حيث يقول
( جمَيلُ المحيَّا بَختِريٌّ إذا مشى ... وفي الدِّرعِ ضخمُ المَنْكبين شِناق )
فالتفت إليه يزيد فقال إنه يقول فيها
( شديدُ القوى من أهلِ بيتٍ إذا وهَى ... من الدِّين فَتْقٌ حُمِّلوا فأطاقوا )
( مَراجيحُ في اللأَواء إن نَزَلَتْ بهمْ ... ميامينُ قد قادُوا الجيوش وساقوا ) - طويل -
مصرع ابن حبناء
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني من حضر ابن حبناء لما قتل وهو يجود بنفسه فأخذ بيده من دمه وكتب بيده على صدره أنا المغيرة بن حبناء ثم مات
صوت
( بَسَطَتْ رابعةُ الحبَلْ لنا ... فوصَلْنا الحبلَ منها ما اتسعْ )
( كيف تَرجُون سِقاطي بَعْدَما ... جَلّلَ الرأسَ بياضٌ وصلعْ )
( رُبَّ من أنضجْتُ غيظاً صَدْرَه ... قد تمنَّى لِيَ موتاً لم يُطَعْ )
( وَيَرانِي كالشَّجا في حَلْقهِ ... عَسِراً مَخْرَجُهُ ما يُنْتَزَعْ )
(13/112)

( ويُحَيِّينِي إذا لاقيتُهُ ... وإذا أُمْكِنَ من لحمي رَتعْ )
( وأبِيتُ اللّيلَ ما أهجَعُه ... وبعينِّي إذا النَّجْم طَلَعْ ) - رمل -
الحبل ها هنا الوصل والحبل أيضا السبب يتعلق به الرجل من صاحبه يقال علقت من فلان بحبل والحبل العهد والميثاق والعقد ويكون بين القوم وهذه المعاني كلها تتعاقب ويقوم بعضها مقام بعض والشجا كل ما اغتص به من لقمة أو عظم أو غيرهما
الشعر لسويد بن أبي كاهل اليشكري والغناء لعلويه ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو بن بانة في الأول والثاني من الأبيات وليونس الكاتب في الثالث والرابع والثاني ماخوري بالوسطى عن علي بن يحيى والهشامي ولمالك فيها ثقيل بالبنصر عن الهشامي أيضا ولابن سريج فيها خفيف ثقيل عن علي بن يحيى
(13/113)

أخبار سويد بن أبي كاهل ونسبه
سويد بن أبي كاهل بن حارثة بن حسل بن مالك بن عبد سعد بن جشم بن ذبيان بن كنانة بن يشكر وذكر خالد بن كلثوم أن اسم أبي كاهل شبيب ويكنى سويد أبا سعد
أنشدني وكيع عن حماد عن أبيه لسويد بن أبي كاهل شاهدا بذلك
( أنا أبو سَعْدٍ إذَا اللَّيلُ دجا ... دخلْتُ في سرباله ثُمّ النّجا ) - رجز -
وجعله محمد بن سلام في الطبقة السادسة وقرنه بعنترة العبسي وطبقته
وسويد شاعر متقدم من مخضرمي الجاهلية والإسلام كذلك ذكر ابن حبيب وكان أبوه أبو كاهل شاعرا وهو الذي يقول
( كأنّ رَحْلي على صَقْعاءَ حادرةٍ ... طَيَّا قد ابتلَّ من طَلٍّ خَوافيها ) - بسيط
(13/114)

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا محمد بن إسحاق البغوي قال حدثنا أبو نصر صاحب الأصمعي أنه قرأ شعر سويد بن أبي كاهل على الأصمعي فلما قرأ قصيدته
( بَسطَتْ رابعةُ الحبلَ لنا ... فوصَلْنا الحبلَ منها ما اتّسعْ ) - رمل -
فضلها الأصمعي وقال كانت العرب تفضلها وتقدمها وتعدها من حكمها ثم قال الأصمعي حدثني عيسى بن عمر أنها كانت في الجاهلية تسمى اليتيمة
بين سويد وزياد الأعجم
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني محمد بن الهيثم بن عدي قال حدثنا عبد الله بن عباس قال قال زياد الأعجم يهجو بني يشكر
( إذا يشكُريٌّ مسَّ ثوبَك ثوبُهُ ... فلا تذكرنَّ اللَّه حَتَّى تَطَهَّرا )
( فلو أنَّ مِن لؤمٍ تموتُ قبيلةٌ ... إذاً لأَماتَ اللؤمُ لا شكَّ يشكُرا ) - طويل -
قال فأتت بنو يشكر سويد بن أبي كاهل ليهجو زيادا فأبى عليهم فقال زياد
( وأُنبِئتُهمْ يَستصرِخون ابنَ كاهلٍ ... ولِلؤمٍ فيهمْ كاهلٌ وسَنامُ )
(13/115)

( فإنْ يأتِنا يرجِعْ سويدٌ ووجهُه ... عليه الخَزايا غُبْرَةٌ وقَتامُ )
( دعِيٌّ إلى ذُبيانِ طوراً وتارة ... إلى يشكرٍ ما في الجميع كِرامُ ) - طويل -
فقال لهم سويد هذا ما طلبتم لي وكان سويد مغلبا وأما قوله
( دَعيٌّ إلى ذُبيان طوراً وتارةً ... إلى يشكر )
سبب تسميته سويدا
فإن أم سويد بن أبي كاهل كانت امرأة من بني غبر وكانت قبل أبي كاهل عند رجل من بني ذبيان بن قيس بن عيلان فمات عنها فتزوجها أبو كاهل وكانت فيما يقال حاملا فاستلاط أبو كاهل ابنها لما ولدته وسماه سويدا واستلحقه فكان إذا غضب على بني يشكر ادعى إلى بني ذبيان وإذا رضي عنهم أقام على نسبه فيهم
وذكر علان الشعوبي أنه ولد في بني ذبيان وتزوجت أمه أبا كاهل وهو غلام يفعة فاستلحقه أبو كاهل وادعاه فلحق به
ولسويد بن أبي كاهل قصيدة ينتمي فيها إلى قيس ويفتخر بذلك وهي التي أولها
( أبَى قلبُه إلاّ عميرةَ إن دنتْ ... وإن حَضرتْ دارَ العِدا فهو حاضرُ )
( شَمُوسٌ حَصانُ السِّرِّ ريّا كأنها ... مُرَبَّبةٌ مِما تضمَّن حائِر )
(13/116)

ويقول فيها أيضا
( أنا الغَطَفَاني زَيْنُ ذُبْيانَ فابعدوا ... فَللزِّنجُ أدنَى منكُمُ ويُحابِرُ )
( أبتْ ليَ عبسٌ أن أسامَ دَنيّةً ... وسعدٌ وذبيانُ الهِجانُ وعامرُ )
( وحيٌّ كرامٌ سادةٌ من هَوازِنٍ ... لهمْ في الملِمَّاتِ الأُنُوفُ الفواخرُ ) - طويل -
هجاؤه لبني شيبان
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن معتب الأودي عن الحرمازي أن سويد بن أبي كاهل جاور في بني شيبان فأساؤوا جواره وأخذوا شيئا من ماله غصبا فانتقل عنهم وهجاهم فأكثر وكان الذي ظلمه وأخذ ماله أحد بني محلم فقال يهجوهم وإخوتهم بني أبي ربيعة
( حَشَر الإِله مع القُرودِ محلِّماً ... وأبا ربيعةَ ألأمَ الأقوامِ )
( فَلأُهدِيَنَّ مع الرِّياحِ قصيدة ... منِّي مُغلغَلة إلى هَمّامِ )
( الظاعنين على العمى قُدّامهمْ ... والنازلين بِشرِّ دارِ مُقامِ )
( والوارِدين إذا المياه تُقُسِّمت ... نُزُحَ الرَّكيِّ وعاتِمَ الأسدامِ ) - كامل
(13/117)

وقال يهجو بني شيبان
( لعمرِي لبئس الحيُّ شيبانُ إنْ علا ... عُنيزةَ يومٌ ذو أهاربِيَّ أغبرُ )
( فلما التقَوا بالمَشْرَفِيَّةِ ذَبذبتْ ... مولِّيةً أستاهُ شيبانَ تقطُرُ ) - طويل -
يعني يوم عنيزة وكان لبني تغلب على بني شيبان وفيه يقول مهلهل
( كأنّا غُدْوةً وبني أبينا ... بجنب عُنيزةٍ رَحَيَا مُديرِ )
وقال أيضا
( فأدُّوا إلى بهراءَ فيكُمْ بناتِهِ ... وأبناءه إنَّ القضاعيَّ أحمرُ )
كانت بهراء أغارت على بني شيبان فأخذوا منهم نساء واستاقوا نعما ثم إنهم اشتروا منهم النساء وردوهن فعيرهم سويد بأنهم رددن حبالى فقال
( ظَللْنَ يُنازِعْنَ العضاريطَ أُزْرَها ... وشيبانُ وسطَ القُطقُطانةِ حُضّرُ )
(13/118)

( فمنا يزِيدٌ إذ تحدَّى جُموعَكُمْ ... فلم تُفرِحوه المرزُبان المسوِّرُ ) - طويل -
يزيد رجل من يشكر برز يوم ذي قار إلى أسوار وحمل على بني شيبان فانكشفوا من بين يديه
فاعترضه اليشكري دونهم فقتله وعادت شيبان إلى موقفها ففخر بذلك عليهم فقال
( وأَحْجَمْتُمُ حتّى علاهُ بصارمٍ ... حُسامٍ إذا مَسَّ الضّريبةَ يبتُر )
( ومنّا الذي أوصى بثُلثِ تُراثِه ... على كلّ ذي باع يقِلُّ ويكثر )
( لياليَ قُلتمْ يا ابن حِلِّزةَ ارتحِلْ ... فزابِنْ لنا الأعدءَ واسمَعْ وأبصرِ )
( فأدَّى إليكُمْ رهْنَكُمْ وسْطَ وائل ... حباه بها ذُو الباع عمرُو بنُ منذرِ ) - طويل -
يعني الحارث بن حلزة لما خطبه دون بكر بن وائل حتى ارتجع رهائنهم وقد ذكر خبره في ذلك في موضعه
بنو شيبان تستعدي عليه عامر بن مسعود
قال فاستعدت بنو شيبان عليه عامر بن مسعود الجمحي وكان والي الكوفة فدعا به فتوعده وأمره بالكف عنهم بعد أن كان قد أمر بحبسه فتعصبت له قيس وقامت بأمره حتى تخلصته فقال في ذلك
( يكفُّ لساني عامرٌ وكأنمّا ... يكفُّ لساناً فيه صابٌ وعلقم )
( أتتركُ أولادَ البغايا وغيبتي ... وتحبِسُني عنهمْ ولا أتكلّمُ )
( ألم تعلموا أنِّي سويدٌ وأنّني ... إذا لم أجد مُستأخَراً أتقدَّمُ )
(13/119)

( حسِبتُمْ هِجائي إذ بَطِنتمْ غنيمةً ... عليَّ دماءُ البُدْنِ إن لم تَنَدَّموا ) - طويل -
قال الحرمازي في خبره هذا وهاجى سويد بن أبي كاهل حاضر بن سلمة الغبري فطلبهما عبد الله بن عامر بن كريز فهربا من البصرة ثم هاجى الأعرج أخا بني حمال بن يشكر فأخذهما صاحب الصدقة وذلك في أيام ولاية عامر بن مسعود الجمحي الكوفة فحبسهما وأمر أن لا يخرجا من السجن حتى يؤديا مائة من الإبل فخاف بنو حمال على صاحبهم ففكوه وبقي سويد فخذله بنو عبد سعد وهم قومه فسأل بني غبر وكان قد هجاهم لما ناقض شاعرهم فقال
( مَن سَرَّه النَّيكُ بغير مالِ ... فالغُبَريّاتُ على طِحال )
( شواغرُ يَلْمَعْنَ للقُفَّالِ ) - رجز -
عبس وذبيان تستوهبه لمديحه لهم
فلما سأل بني غبر قالوا له يا سويد ضيعت البكار بطحال فأرسلوها مثلا أي إنك عممت جماعتنا بالهجاء في هذه الأرجوزة فضاع منك ما قدرت أنا نفديك به من الإبل فلم يزل محبوسا حتى استوهبته عبس وذبيان لمديحه لهم وانتمائه إليهم فأطلقوه بغير فداء
(13/120)

صوت
( أخضْني المُقامَ الغَمْرَ إنْ كان غَرَّني ... سَنا خُلَّبٍ أو زلَّتِ القَدَمانِ )
( أتتركُني جَدْبَ المعيشةِ مُقْفِراً ... وكَفّاك مِن ماء النَّدَى تَكِفانِ ) - طويل -
الشعر للعتابي والغناء لمخارق ثاني ثقيل بالوسطى وقيل إن فيه للواثق ثاني ثقيل آخر
(13/121)

أخبار العتابي ونسبه
هو كلثوم بن عمرو بن أيوب بن عبيد بن حبيش بن أوس بن مسعود ابن عمرو بن كلثوم الشاعر وهو ابن مالك عتاب بن سعد بن زهير بن جشم ابن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب شاعر مترسل بليغ مطبوع متصرف في فنون الشعر ومقدم من شعراء الدولة العباسية ومنصور النمري تلميذه وراويته وكان منقطعا إلى البرامكة فوصفوه للرشيد ووصلوه به فبلغ عنده كل مبلغ وعظمت فوائده منه ثم فسدت الحال بينه وبين منصور وتباعدت وأخبار ذلك تذكر في مواضعها
وأخبرني الحسن بن علي قال حدثني القاسم بن مهرويه قال حدثني جعفر بن المفضل عن رجل من ولد إبراهيم الحراني قال كثر
(13/122)

الشعراء بباب المأمون فأوذن بهم فقال لعلي بن صالح صاحب المصلى اعرضهم فمن كان منهم مجيدا فأوصله إلي ومن كان غير مجيد فاصرفه وصادف ذلك شغلا من علي بن صالح كان يريد أن يتشاغل به عن أمر نفسه فقال مغضبا وقال والله لأعمنهم بالحرمان ثم جلس لهم ودعا بهم فجعلوا يتغالبون على القرب منه فقال لهم على رسلكم فإن المدى أقرب من ذلك هل فيكم من يحسن أن يقول كما قال أخوكم العتابي
( ماذا عسى مادحٌ يُثْني عليك وقد ... ناداك في الوَحْي تقديسٌ وتطهيرُ )
( فُتَّ المَمَادحَ إلاّ أنَّ ألسننَا ... مُسْتَنْطَقاتٌ بما تحوي الضَّمائير ) - بسيط -
قالوا لا والله ما بنا أحد يحسن أن يقول مثل هذا قال فانصرفوا جميعا
قيل في شعره تكلف ونفاه آخرون
أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أبو بكر أحمد ابن سهل قال تذاكرنا شعر العتابي فقال بعضنا فيه تكلف ونصره بعضنا فقال شيخ حاضر ويحكم أيقال إن في شعره تكلفا وهو القائل
( رُسُلُ الضَّمير إليك تَتْرَى ... بالشّوق ظالعةٌ وحَسْرَى )
( متَزجِّياتٍ ما يَنيْنَ ... على الوَجَى من بُعدِ مَسْرى )
(13/123)

( ما جَفّ للعينينِ بَعْدك ... يا قريرَ العينِ مَجْرى )
( فاسلَمْ سَلِمْتَ مبرّأ ... مِن صَبْوتي أبداً مُعَرَّى )
( إن الصَّبابة لم تَدَعْ ... مِنِّي سِوى عَظْمٍ مُبَرَّى )
( ومدامعٍ عَبْرَى على ... كَبِدٍ عليك الدّهر حَرّى ) - مجزوء الكامل -
في هذين البيتين غناء أو يقال إنه متكلف وهو الذي يقول
( فلو كان للشكرِ شخصٌ يَبِينُ ... إذَا ما تأمّلَه النّاظرُ )
( لمثَّلْتُه لك حتَّى تراه ... لِتعلم أنِّي امرؤٌ شاكرُ ) - متقارب -
الغناء في هذين البيتين لأبي العبيس ثقيل أول ولرذاذ خفيف ثقيل فحدثني أبو يعقوب إسحاق بن يعقوب النوبجي عن أبي الحسن علي بن العباس وغيره من أهله قالوا لما صنع رذاذ لحنه في هذا الشعر
( فلو كان للشُّكر شخصٌ يبين ... )
فتن به الناس وكان هجيراهم زمانا حتى صنع أبو العبيس فيه الثقيل الأول فأسقط لحن رذاذ وغلب عليه
المأمون يكتب في إشخاصه
أخبرني إبراهيم بن أيوب عن عبد الله بن مسلم وأخبرني علي بن سليمان الأخفش عن محمد بن يزيد قالوا جميعا كتب المأمون في إشخاص كلثوم بن عمرو العتابي فلما دخل عليه قال له يا كلثوم بلغتني وفاتك فساءتني ثم بلغتني وفادتك فسرتني فقال له العتابي يا أمير المؤمنين لو قسمت هاتان الكلمتان على أهل الأرض لوسعتاها فضلا
(13/124)

وإنعاما وقد خصصتني منهما بما لا يتسع له أمنية ولا يبسط لسواه أمل لأنه لا دين إلا بك ولا دنيا إلا معك فقال له سلني فقال يدك بالعطاء أطلق من لساني بالسؤال فوصله صلات سنية وبلغ به التقديم والإكرام أعلى محل
وذكر أحمد بن أبي طاهر عن عبد الله بن أبي سعد الكراني أن عبد الله بن سعيد بن زرارة حدثه عن محمد بن إبراهيم اليساري قال لما قدم العتابي مدينة السلام على المأمون أذن له فدخل عليه وعنده إسحاق بن إبراهيم الموصلي وكان العتابي شيخا جليلا نبيلا فسلم فرد عليه وأدناه وقربه حتى قرب منه فقبل يده ثم أمره بالجلوس فجلس وأقبل عليه سأئله عن حاله وهو يجيبه بلسان ذلق طلق فاستظرف المأمون ذلك وأقبل عليه بالمداعبة والمزاح فظن الشيخ أنه استخف به فقال يا أمير المؤمنين الإيناس قبل الإبساس فاشتبه على المأمون قوله فنظر إلى إسحاق مستفهما فأومأ إليه وغمزه على معناه حتى فهم فقال يا غلام ألف دينار فأتي بذاك فوضعه بين يدي العتابي وأخذوا في الحديث وغمز المأمون إسحاق بن إبراهيم عليه فجعل العتابي لا يأخذ في شيء إلا عارضه فيه إسحاق فبقي العتابي متعجبا ثم قال يا أمير المؤمنين أتأذن لي في سؤال هذا الشيخ عن اسمه قال نعم سل فقال لإسحاق يا شيخ من أنت وما اسمك قال أنا من الناس واسمي كل بصل فتبسم العتابي وقال أما أنت فمعروف وأما الاسم فمنكر فقال إسحاق ما أقل إنصافك أتنكر أن يكون اسمي كل بصل واسمك كل ثوم
(13/125)

حذف
(13/126)

( أخِضْنِي المُقَام الغَمْر إن كان غرّني ... سنا خُلّبٍ أو زَلّتِ القَدَمان )
( أتتركُني جَدْبَ المعيشةِ مُقْتِراً ... وكفّاك من ماء النّدَى تَكِفان )
( وتجعلُنِي سَهْمَ المَطامع بعد ما ... بَلَلْتَ يمينِي بالنّدَى ولساني ) - طويل -
قال فأعجب الرشيد قوله وخرج وعليه الخلع وقد أمر له بجائزة فما رأيت العتابي قط أبسط منه يومئذ
بشار يحقد على العتابي
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني ابن مهرويه قال حدثنا أحمد ابن خلاد قال حدثني أبي قال جاء العتابي وهو حدث إلى بشار فأنشده
( أَيصْدِفُ عن أمامةَ أمْ يُقِيمُ ... وعهدُك بالصِّبا عهدٌ قديمُ )
( أقول لِمُستَعارِ القَلبِ عَفَّى ... على عَزَماتِه السّيرُ العديمُ )
( أما يكفيكَ أنَّ دموعَ عيني ... شآبيبٌ يفيض بها الهموم )
( أشِيمُ فلا أردُّ الطرف إلاّ ... على أرجائِه ماءٌ سَجُوم ) - وافر -
قال فمد بشار يده إليه ثم قال له أنت بصير قال نعم قال عجبا لبصير ابن زانية أن يقول هذا الشعر فخجل العتابي وقام عنه
أخبرني محمد بن يونس الأنباري الكاتب قال حدثني الحسن بن يحيى أبو الحمار عن إسحاق قال كلم العتابي يحيى بن خالد في حاجة بكلمات قليلة فقال له يحيى لقد ندر كلامك اليوم وقل فقال له وكيف لا يقل وقد تكنفني ذل المسألة وحيرة الطلب وخوف الرد فقال والله لئن قل كلامك لقد كثرت فوائده وقضى حاجته
(13/127)

سخريته من الناس
وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا عثمان الوراق قال رأيت العتابي يأكل خبزا على الطريق بباب الشام فقلت له ويحك أما تستحي فقال لي أرأيت لو كنا في دار فيها بقر كنت تستحي وتحتشم أن تأكل وهي تراك فقال لا قال فاصبر حتى أعلمك أنهم بقر فقام فوعظ وقص ودعا حتى كثر الزحام عليه ثم قال لهم روى لنا غير واحد أنه من بلغ لسانه أرنبة أنفه لم يدخل النار فما بقي واحد إلا وأخرج لسانه يومئ به نحو أرنبة أنفه ويقدره حتى يبلغها أم لا فلما تفرقوا قال لي العتابي ألم أخبرك أنهم بقر
أخبرني الحسن حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أبو عصام محمد بن العباس قال قال يحيى بن خالد البرمكي لولده إن قدرتم أن تكتبوا أنفاس كلثوم بن عمرو العتابي فضلا عن رسائله وشعره فلن تروا أبدا مثله
أخبرني أبي قال أخبرنا الحارث بن محمد عن المدائني وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الخراز عن أبن الأعرابي قال
أنكر العتابي على صديق له شيئا فكتب إليه إما إن تقر بذنبك فيكون إقرارك حجة علينا في العفو عنك وإلا فطب نفسا بالانتصاف منك فإن الشاعر يقول
( أقرِرْ بذَنبك ثمّ اطلُبْ تجاوُزَنا ... عنه فإنَّ جحودَ الذَّنْبِ ذَنْبانِ )
أخبرنا الحسن بن علي أخبرنا ابن مهرويه قال حدثني عبد الواحد ابن محمد قال وقف العتابي بباب المأمون يلتمس الوصول إليه فصادف يحيى بن أكثم جالسا ينتظر الإذن فقال له إن رأيت أعزك الله أن تذكر أمري لأمير المؤمنين إذا دخلت فافعل قال له لست أعزك الله بحاجبه قال فإن لم تكن حاجبا فقد يفعل مثلك ما سألت واعلم أن الله عز و جل
(13/128)

جعل في كل شيء زكاة وجعل زكاة المال رفد المستعين وزكاة الجاه إغاثة الملهوف واعلم أن الله عز و جل مقبل عليك بالزيادة إن شكرت أو التغيير إن كفرت وإني لك اليوم أصلح منك لنفسك لأني أدعوك إلى ازدياد نعمتك وأنت تأبى فقال له يحيى أفعل وكرامة وخرج الإذن ليحيى فلما دخل لم يبدأ بشيء بعد السلام إلا أن استأذن المأمون للعتابي فأذن له
أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أبو الشبل قال
قال العتابي لرجل اعتذر إليه إني إن لم أقبل عذرك لكنت ألأم منك وقد قبلت عذرك فدم على لوم نفسك في جنايتك نزد في قبول عذرك والتجافي عن هفوتك
قال وقيل له لو تزوجت فقال إني وجدت مكابدة العفة أيسر علي من الاحتيال لمصلحة العيال
تقدير المأمون له وكثرة حساده
أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال قال جعفر بن المفضل قال لي أبي رأيت العتابي جالسا بين يدي المأمون وقد أسن فلما أراد القيام قام المأمون فأخذ بيده واعتمد الشيخ على المأمون فما زال ينهضه رويدا رويدا حتى أقله فنهض فعجبت من ذلك وقلت لبعض الخدم ما أسوأ أدب هذا الشيخ فمن هو قال العتابي
أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني محمد بن الأشعث قال قال دعبل ما حسدت أحدا قط على شعر كما حسدت العتابي على قوله
( هَيْبةُ الإِخوانِ قاطِعةٌ ... لأخي الحاجاتِ عن طَلبِهْ )
(13/129)

( فإذا ما هِبْتُ ذا أمَلٍ ... مات ما أمّلْتُ من سَببِهْ ) - مجزوء المديد -
قال ابن مهرويه هذا سرقه العتابي من قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه الهيبة مقرونة بالخيبة والحياء مقرون بالحرمان والفرصة تمر مر السحاب
حدثني محمد بن داود عن أبي الأزهر عن عيسى بن الحسن بن داود الجعفري عن أخيه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بذلك
أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه عن أبي الشبل قال دخل العتابي على عبد الله بن طاهر فمثل بين يديه وأنشده
( حُسْنُ ظني وحُسْنُ ما عوّدَ اللهُ ... سِوائي ملك الغداةَ أتَى بي )
( أيُّ شيءٍ يكونُ أحسَن مِن حُسنِ ... يقينٍ حدا إليك رِكابي ) - خفيف -
قال فأمر له بجائزة ثم دخل عليه من الغد فأنشده
( وُدُّكَ يكفِينِيكَ في حاجتي ... ورؤيتي كافيةٌ عن سؤالْ )
( وكيف أخشَى الفقْر ما عِشْتَ لِي ... وإنَّما كفّاك لي بَيْتُ مالْ ) - سريع -
فأمر له بجائزة ثم دخل في اليوم الثالث فأنشده
( بَهِجاتُ الثِّيابِ يُخلِقُها الدّهْرُ ... وثَوْبُ الثّناءِ غَضٌّ جديدُ )
( فاكسُنِي ما يَبِيدُ أصلحَكَ اللَّهُ ... فالله يكسُوك ما لا يبِيدُ ) - خفيف
(13/130)

فأمر له بجائزة وأنعم عليه بخلعة سنية
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني عبد الله بن أحمد قال حدثني أبو دعامة قال قال طوق بن مالك للعتابي أما ترى عشيرتك يعني بني تغلب كيف تدل علي وتتمرغ وتستطيل وأنا أصبر عليهم فقال العتابي أيها الأمير إن عشيرك من أحسن عشرتك وإن عمك من عمك خيره وإن قريبك من قرب منك نفعه وإن أخف الناس عندك أخفهم ثقلا عليك وأنا الذي أقول
( إنِّي بلوْتُ النّاس في حالاتهمْ ... وخَبَرْتُ ما وصلوا من الأسبابِ )
( فإذا القرابةُ لا تقرِّب قاطعاً ... وإذا المودّةُ أقربُ الأنساب ) - كامل -
أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا الرياشي قال شكا منصور النمري العتابي إلى طاهر بن الحسين فوجه طاهر إلى العتابي فأحضره وأخفى منصورا في بيت قريب منهما وسأل طاهر العتابي أن يصالحه فشكا سوء فعله به فسأله أن يصفح عنه فقال لا يستحق ذلك فأمر منصورا بالخروج فخرج وقال للعتابي لم لا أستحق هذا منك فأنشأ العتابي يقول
( أصْحَبْتُك الفضلَ إذ لا أنت تعرِفُه ... حقاًّ ولا لك في استِصحابه أرَبُ )
( لم تَرتَبِطْك على وصلِي محافظة ... ولا أعاذَكَ مما اغتالك الأدَبُ )
( ما مِن جمَيلٍ ولا عُرْفٍ نطقْتَ به ... إلا إليّ وإن أنكرْتَ ينتسِبُ ) - بسيط -
قال فأصلح طاهر بينهما وكان منصور من تعليم العتابي وتخريجه وأمر طاهر للعتابي بثلاثين ألف درهم
(13/131)

أخبرني عمر عن عبد الله بن أبي سعد عن الحسين بن يحيى الفهري عن العباس بن أبي ربيعة السلمي قال شكا منصور النمري كلثوم بن عمرو العتابي إلى طاهر ثم ذكر مثله
تفضيله العلم والأدب على المال
أخبرني علي بن صالح بن الهيثم الأنباري الكاتب قال حدثني أبو هفان قال
كان العتابي جالسا ذات يوم ينظر في كتاب فمر به بعض جيرانه فقال أيش ينفع العلم والأدب من لا مال له فأنشد العتابي يقول
( يا قاتل اللَّهُ أَقْواماً إذا ثَقِفُوا ... ذا اللبِّ ينظر في الآداب والحكمِ )
( قالوا وليس بِهِمْ إلاّ نفاستُه ... أنافعٌ ذا من الإِقتار والعَدَم )
( وليس يَدْرُون أنَّ الحظَّ ما حُرِموا ... لحاهمُ اللَّه مِنْ عِلْم ومِن فَهَمِ ) - بسيط -
قوله في عزل طاهر بن علي
أخبرني علي بن صالح وعمي قالا حدثنا أحمد بن طاهر قال حدثنا أبو حيدرة الأسدي قال قال العتابي في عزل طاهر بن علي وكان عدوه
( يا صاحباً متلوِّنا ... متبايناً فِعْلي وفِعلُهْ )
( ما إنْ أحِبُّ له الرّدَى ... ويَسُرُّني واللَّهِ عَزْلُهْ )
( لم تَعْدُ فيما قلْتَ لي ... وفعلْتَ بي ما أنت أهلُه )
( كَم شاغلٍ بك عَدْوَتَيْهِ ... وفارِغٌ مَنْ أنت شُغْلُه ) - مجزوء الكامل
(13/132)

أخبرني أحمد بن الفرج قال حدثني أحمد بن يحيى بن عطاء الحراني عن عبيد الله بن عمار قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني عبد الرحيم بن أحمد بن زيد بن الفرج قال لما سعى منصور النمري بالعتابي إلى الرشيد اغتاظ عليه فطلبه فستره جعفر بن يحيى عنه مدة وجعل يستعطفه عليه حتى استل ما في نفسه وأمنه فقال يمدح جعفر بن يحيى
( ما زلْتُ في غَمَراتِ الموتِ مُطَّرَحاً ... قد ضاق عني فسيحُ الأرضِ مِن حِيَلي )
( ولم تَزلْ دائباً تَسْعَى بلُطْفك لي ... حتَّى اختلسْتَ حياتي من يَدَيْ أَجَلِي ) - بسيط -
عودة عبد الله بن طاهر له في مرضه
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أحمد ابن خلاد عن أبيه قال عاد عبد الله بن طاهر وإسحاق بن إبراهيم بن مصعب كلثوم بن عمرو العتابي في علة اعتلها فقال الناس هذه خطرة خطرت فبلغ ذلك العتابي فكتب إلى عبد الله بن طاهر
(13/133)

( قالوا الزِّيارةُ خَطْرةٌ خطرَت ... ونِجارُ بِرِّكَ ليس بالخَطْرِ )
( أَبْطِلْ مقالتَهمْ بثانيةٍ ... تستنفدِ المعروفَ من شُكرِي ) - كامل -
فلما بلغت أبياته عبد الله بن طاهر ضحك من قوله وركب هو وإسحاق ابن إبراهيم فعاداه مرة ثانية
أخبرني الحسين بن القاسم الكواكبي قال حدثني أبو العيناء قال حدثني أبو العلاء المعري قال عتب عبد الله بن هشام بن بسطام التغلبي على كلثوم بن عمرو التغلبي في شيء بلغه عنه فكتب إليه
صوت
( لقَدْ سُمْتَنِي الهِجرانَ حتى أذقْتَني ... عقوباتِ زَلاّتي وسُوءِ مناقبي )
( فها أنا ساعٍ في هواكَ وصابرٌ ... على حدِّ مصقولِ الغِراريْنِ قاضبِ )
( ومنصرف عمّا كرهْتَ وجاعلٌ ... رِضاك مِثالاً بين عيني وحاجبي ) - طويل -
قال فرضي عنه ووصله صلة سنية
الغناء في هذه الأبيات لأبي سعيد مولى فائد ثاني ثقيل بالبنصر عن يحيى المكي وذكر الهشامي أنه منحول يحيى وذكر أحمد بن المكي في كتابه أنه لأبي سعيد وجعله في باب الثقيل الأول بالبنصر ولعله على مذهب إبراهيم بن المهدي ومن قال بقوله
أخبرني الحسين بن القاسم قال حدثني محمد بن عبد الرحمن بن يونس السراج قال أخبرني الحسين بن داود الفزاري عن أبيه قال كان أخوان من فزارة يخفران قرية بين آمد وسميساط يقال لها تل حوم فطال
(13/134)

مقامهما بها حتى أثريا فحسدهما قوم من ربيعة وقالوا يخفران هذان الضياع في بلدنا فجمعوا لهما جمعا وساروا إليهما فقاتلوهما فقتل أحدهما وعلى الجزيرة يومئذ عبد الملك بن صالح الهاشمي فشكا القيسي أمره إلى وجوه قيس وعرفهم قتل ربيعة أخاه وأخذهم ماله فقالوا له إذا جلس الأمير فادخل إليه ففعل ذلك ودخل على عبد الملك وشكا ما لحقه ثم قال له وحسب الأمير أنهم لما قتلوا أخي وأخذوا مالي قال قائل منهم
( إشربا ما شربْتُما إنَّ قيساً ... من قتيلٍ وهالكٍ وأسيِر )
( لا يَحوزَنَّ أمرَنا مُضَرِيٌّ ... بخفيرٍ ولا بغيرِ خفيِر ) - خفيف -
فقال عبد الملك أتندبني إلى العصبية وزبره فخرج الرجل مغموما فشكا ذلك إلى وجوه قيس فقالوا لا ترع فوالله لقد قذفتها في سويداء قلبه فعاوده في المجلس الآخر فزبره وقال له قوله الأول فقال له إني لم آتك أندبك للعصبية وإنما جئتك مستعديا فقال له حدثني كيف فعل القوم فحدثه وأنشده فغضب فقال كذب لعمري ليحوزنها ثم دعا بأبي عصمة أحد قواده فقال اخرج فجرد السيف في ربيعة فخرج وقتل منها مقتلة عظيمة فقال كلثوم بن عمرو العتابي قصيدته التي أولها
( ماذَا شجاكِ بحُوَّارِين من طَللٍ ... ودِمْنةٍ كشفَتْ عنها الأعاصير )
(13/135)

يقول فيها
( هذي يمينُك في قرباك صائلةٌ ... وصارمٌ من سيوف الهندِ مشهورُ )
( إنْ كان منّا ذَوُو إفْكٍ ومارقةٌ ... وعصْبَةٌ دِينُها العُدوان والزُّورُ )
( فإنَّ منَّا الذي لا يُستَحَثُّ إذا ... حُثَّ الجِيادُ وَضمَّتْها المضاميُر )
( مُستنبِط عَزَماتِ القلبِ من فِكَرٍ ... ما بينهنَّ وبين اللَّه معمورُ ) - بسيط -
يعني عبد الله بن هشام بن بسطام التغلبي وكان قد أخذ قوادهم
فبلغت القصيدة عبد الملك فأمر أبا عصمة بالكف عنهم فلما قدم الرشيد الرافقة أنشده عبد الملك القصيدة فقال لمن هذه فقال لرجل من بني عتاب يقال له كلثوم بن عمرو فقال وما يمنعه أن يكون ببابنا فأمر بإشخاصه من رأس عين فوافى الرشيد وعليه قميص غليظ وفروة وخف وعلى كتفه ملحفة جافية بغير سراويل فلما رفع الخبر بقدومه أمر الرشيد بأن تفرش له حجرة وتقام له وظيفة ففعلوا فكانت المائدة إذا قدمت إليه أخذ منها رقاقة وملحا وخلط الملح بالتراب فأكله بها فإذا كان وقت النوم نام على الأرض والخدم يتفقدونه ويتعجبون من فعله وسأل الرشيد عنه فأخبروه بأمره فأمر بطرده فخرج حتى أتى يحيى بن سعيد العقيلي وهو في منزله فسلم عليه وانتسب له فرحب به وقال له ارتفع فقال لم آتك
(13/136)

للجلوس قال فما حاجتك قال دابة أبلغ عليها إلى رأس عين فقال يا غلام أعطه الفرس الفلاني فقال لا حاجة لي في ذلك ولكن تأمر أن تشتري لي دابة أتبلغ عليها فقال لغلامه امض معه فابتع له ما يريد فمضى معه فعدل به العتابي إلى سوق الحمير فقال له إنما أمرني أن أبتاع لك دابة فقال له إنه أرسلك معي ولم يرسلني معك فإن عملت ما أريد وإلا انصرف فمضى معه فاشترى حمارا بمائة وخمسين درهما وقال ادفع إليه ثمنه فدفع إليه فركب الحمار عريا بمرشحه عليه وبرذعة وساقاه مكشوفتان فقال له يحيى بن سعيد فضحتني أمثلي يحمل مثلك على هذا فضحك وقال ما رأيت قدرك يستوجب أكثر من ذلك ومضى إلى رأس عين
لوم زوجته له
وكانت تحته امرأة من باهلة فلامته وقالت هذا منصور النمري قد أخذ الأموال فحلى نساءه وبنى داره واشترى ضياعا وأنت ها هنا كما ترى فأنشأ يقول طويل
( تلوم على تَرْكِ الغِنى باهليّةٌ ... زَوى الفَقْرُ عنها كلَّ طِرْفٍ وتالد )
( رأْتَ حَولها النِّسوانَ يرْفُلْنَ في الثَّرى ... مقلّدةً أعناقُها بالقلائد )
( أسَرَّكِ إنِّي نلْتُ ما نال جعفرٌ ... من العيشِ أو ما نال يَحيى بنُ خالد )
( وإنَّ أمير المؤمِنين أغَصَّنِي ... مُغَصَّهُما بالمُشْرِقاتِ البوارد )
( رأيت رفيعاتِ الأمور مشوبةً ... بِمستودَعَاتٍ في بُطون الأساوِد )
(13/137)

( دعيني تَجئْنِيَ مِيتَتِي مطمئِنةً ... ولم أتجشَّمْ هَوْلَ تلك الموارد ) - طويل -
وهذا الخبر عندي فيه اضطراب لأن القصيدة المذكورة التي أولها
( ماذا شجاكَ بِحُوَّارِين من طلل ... )
للعتابي في الرشيد لا في عبد الملك ولم يكن كما ذكره في أيام الرشيد متنقصا مئة وله أخبار معه طويلة وقد حدثني بخبره هذا لما استوهب رفع السيف عن ربيعة جماعة على غير هذه الرواية
عتب الرشيد عليه وقطعه الهبات
أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني مسعود ابن إسماعيل العدوي عن موسى بن عبد الله التميمي قال عتب الرشيد على العتابي أيام الوليد بن طريف فقطع عنه أشياء كان عوده إياها فأتاه متنصلا بهذه القصيدة
( ماذا شَجاكِ بحُوَّارِين من طَلَلٍ ... ودِمْنةٍ كشفَتْ عنها الأعاصيرُ )
( شجاكِ حتى ضميرُ القلب مشترَكٌ ... والعين إنسانُها بالماء مغمورُ )
( في ناظِريَّ انقباضٌ عن جفونهما ... وفي الجفون عن الآماق تقصير )
( لو كنتِ تدرين ما شوقي إذَا جَعَلَتْ ... تنأى بنا وبكِ الأوطانُ والدُّورُ )
( علمْتِ أنَّ سُرَى ليلى ومُطلعي ... من بيت نجرانَ والغَوْرَيْن تغوير )
( إذِ الركائبُ مَخْسوفٌ نواظرها ... كما تضمّنتِ الدُّهْنَ القواريرُ )
( نادتك أرحامُنا اللاتي نَمُتُّ بها ... كما تنادي جِلادَ الجِلّةِ الخُورُ )
(13/138)

( مُستنبِطٌ عَزَماتِ القلبِ من فِكَرٍ ... ما بينهنَّ وبينَ الله معمورُ )
( فُتَّ المدائحَ إلا أنّ أنفسنا ... مستنطَقاتٌ بما تحوي الضّمائيرُ )
( ماذا عَسى مادحٌ يُثني عليك وقد ... ناداك في الوحي تقديسٌ وتطهير )
( إنْ كان منّا ذَوُو إفْكٍ ومارقةٌ ... وعصْبَةٌ دِينُها العُدْوانُ والزُّور )
( فإنّ منّا الذي لا يُسْتحَثُّ إذا ... حُثَّ الجياد وحَازتها المضامير )
( ومن عرائقه السّفّاح عندكُمُ ... مجرّبٌ من بَلاء الصِّدق مخبور )
( الآن قد بعدَتْ في خطوِ طاعتكُمْ ... خُطاهُمُ حيثُ يحتلُّ الغشامير ) - بسيط -
يعني يزيد بن مزيد وهشام بن عمرو التغلبي وهو من ولد سفيح بن السفاح قال فرضي عنه ورد أرزاقه ووصله
صوت
( تطاول ليلي لم أنمْهُ تقلُّباً ... كأنّ فِراشي حال من دونه الجَمْرُ )
( فإن تكنِ الأيامُ فَرَّقْنَ بيننا ... فقد بانَ مني في تذكُّرهِ العُذْرُ ) - طويل -
الشعر للأبيرد الرياحي والغناء لبابويه ثقيل أول بالوسطى عن عمرو وفيه رمل نسبه يحيى المكي إلى ابن سريج وقيل أنه منحول
(13/139)

أخبار الأبيرد ونسبه
الأبيرد بن المعذر بن قيس بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم شاعر فصيح بدوي من شعراء الإسلام وأول دولة بني أمية وليس بمكثر ولا ممن وفد إلى الخلفاء فمدحهم
وقصيدته هذه التي فيها الغناء يرثي بها بريدا أخاه وهي معدودة من مختار المراثي
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال
كان الرياحي يهوى امرأة من قومه ويجن بها حتى شهر ما بينهما فحجبت عنه وخطبها فأبوا أن يزوجوها إياه ثم خطبها رجل من ولد حاجب ابن زرارة فزوجته فقال الأبيرد في ذلك
( إذا ما أردْتَ الحُسْنَ فانظر إلى التي ... تَبغَّى لقيطٌ قوْمَه وتخيّرا )
( لها بَشَرٌ لو يدرُجُ الذَّرُّ فوقه ... لبانَ مكانُ الذَّرِّ فيه فأثَّرا )
(13/140)

( لعمري لقد أمكنْتِ منا عدوَّنا ... وأقررْتِ للعادي فأخْنَى وأهجرا ) - طويل -
أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب في كتابه إلي قال حدثنا محمد ابن سلام الجمحي قال قدم الأبيرد الرياحي على حارثة بن بدر فقال أكسني بردين أدخل بهما على الأمير يعني عبيد الله بن زياد وكساه ثوبين فلم يرضهما فقال فيه
( أحارِث أمسِكْ فَضْلَ بُرْدَيْك إنما ... أجاعَ وأعرى اللَّهُ مَنْ كُنْتَ كاسيا )
( وكنتُ إذا استمطرْتُ منك سحابةً ... لِتُمْطِرني عادت عَجَاجًا وسافيا )
( أحارثُ عاود شُرْبَكَ الخمْرَ إنني ... ارى ابن زيادٍ عنك أصبح لاهيا ) - طويل -
فبلغت أبياته هذه حارثة فقال قبحه الله لقد شهد بما لم يعلم وإنما أدع جوابه لما لا يعلم هكذا ذكر محمد بن سلام
هجا الابيرد حارثة بن بدر فمنع عنه الكسوة
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا الأصمعي قال هجا الأبيرد الرياحي حارثة بن بدر فقال طويل
( أحارثُ راجعْ شُرْبَكَ الخمرَ إنني ... أرى ابنَ زيادٍ عنك أصبح لاهيا )
( أرى فيك رأياً من أبيه وعمه ... وكان زيادٌ ماقِتاً لك قَالَيا ) - طويل -
وذكر البيتين الآخرين اللذين ذكرهما محمد بن سلام وقال في خبره هذا فكان حارثة يكسوه في كل سنة بردين فحبسهما عنه في تلك السنة فقال حارثة بن بدر يجيبه
(13/141)

( فإن كنْتَ عن بُرْدَيَّ مستغْنِياً لقد ... أراكَ بأَسمالِ الملابس كاسيا )
( وعشْتَ زماناً أنْ أعيِّنْكَ كُسوتي ... قنعْتَ بأخلاقٍ وأمسيْتَ عاريا )
( وبُرْدَيْن من حَوْك العراق كَسَوْتَها ... على حاجةٍ منها لأمِّك باديا ) - طويل -
فقال الأبيرد يهجو حارثه بن بدر
( زَعَمَتْ غُدانةُ أنَّ فيها سيداً ... ضخماً يواريه جَناحُ الجُنْدُب )
( يُرْويه ما يُرْوي الذّبابَ وينتشي ... لؤماً ويشبِعه ذراعُ الأرنب ) - كامل -
وقال أيضا لحارثة بن بدر
( ألا ليت حَظِّي من غُدانةَ أنها ... تكون كَفافاً لا عليَّ ولاليا )
( أبى اللَّهُ أن يهدِي غُدانةَ للهدى ... وأن لا تكونَ الدهرَ إلا مَوَاليا )
( فلو أنني ألقى ابنَ بدرٍ بموطنٍ ... نَعُدُّ به من أوّلينا المساعيا )
( تقاصَرَ حتى يستقيدَ وبَذَّه ... قُرُومٌ تَسامَى من رياحٍ تَساميا )
( أيا فارطَ الحيِّ الذي قد حشا لكُمْ ... من المجد أنهاءً ملاءَ الخوابيا )
(13/142)

( وعَمِّي الذي فكّ السَّمَيْذعَ عنوةً ... فلستَ بنعمَى يا ابن عَقْرَب جازيا )
( كِلانا غَنيٌّ عن أخيه حياتَه ... ونحنُ إذا مِتْنا أشدُّ تغانيا )
( ألم تَرَنا إذ سقْتَ قومَك سائلاً ... ذَوِي عددٍ للسائلين مَعاطِيا )
( بني الرِّدْفِ حَمَّالِينَ كلَّ عظيمةٍ ... إذا طلعتْ والمُتْرِعينَ الجوابيا )
( وإنا لنعطي النَّصْفَ من لو نَضِيمه ... أقرَّ ولكنا نحب العوافيا ) - طويل -
الردف الذي عناه ها هنا جده عتاب بن هرمي بن رياح كان ردف ابن المنذر إذا ركب ركب وراءه وإذا جلس جلس عن يمينه وإذا غزا كان له المرباع وإذا شرب الملك سقي بكأسه بعده وكان بعده ابنه قيس بن عتاب يردف النعمان وهو جد الأبيرد أيضا
الابيرد وسعد العجلي
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا أبو غسان عن أبي عبيدة قال كانت بنو عجل قد جاورت بني رياح بن يربوع في سنة أصابت عجلا فكان الأبيرد يعاشر رجلا منهم يقال له سعد ويجالسه وكان قصده امرأة سعد هذا فمالت إليه فومقته وكان الأبيرد شابا جميلا ظريفا طريرا وكان سعد شيخا هما فذهب بها كل مذهب حتى ظهر أمرهما وتحدث بهما
(13/143)

واتهم الأبيرد بها فشكاه إلى قومه واستعذرهم منه فقالوا له مالك تتحدث إلى امرأة الرجل فقال وما بأس بذلك وهل خلا عربي منه قالوا قد قيل فيكما ما لا قرار عليه فاجتنب محادثتها وإياك أن تعاودها فقال الأبيرد إن سعدا لا خير فيه لزوجته قالوا وكيف ذلك قال لأني رأيته يأتي فرسه البلقاء ولا فضل فيه لامرأته فهي تبغضه لفعله وهو يتهمها لعجزه عنها فضحكوا من قوله وقالوا له وما عليك من ذلك دع الرجل وامرأته ولا تعاودها ولا تجلس إليها فقال الأبيرد في ذلك
( ألم تَرَ أنَّ ابنَ المعذَّر قد صحا ... وودَّعَ ما يَلْحَى عليه عواذِلُهْ )
( غدا ذو خلاخيلٍ عليَّ يلومُني ... وما لومُ عَذّالٍ عليه خلاخلُهْ )
( فدع عنك هذا الحَلْي إن كنْتَ لائمي ... فإنِّي امرؤ لا تزدهيني صَلاصِلهْ )
( إذا خَطَرَتْ عَنْسٌ به شَدَنيَّةٌ ... بمطَّرِدِ الأرواح ناءٍ مناهلهْ )
( تبيَّنَ أقوامٌ سفاهةَ رأيهمْ ... ترحَّلَ عنهمْ وَهْوَ عفٌّ منازله )
( لهم مجلسٌ كالرُّدْن يجمع مجلساً ... لئاماً مساعيه كثيراً هَتَامله )
( تَبَرَّأْتُ من سَعْدٍ وخُلَّة بيننا ... فلا هو معطيني ولا أنا سائلهْ )
(13/144)

( متى تُنتَجُ البلقاءُ يا سعدُ أم متى ... تُلَقَّحُ من ذات الرِّباطِ حوائله )
( يحدِّث سعدٌ أنَّ زوجته زَنَتْ ... ويا سعدُ إنّ المرء تُزْنَى حلائله )
( فإن تَسْمُ عيناها إليّ فقد رأت ... فتىً كحسام أخلصَتْه صياقله )
( فتى قُدَّ قدَّ السَّيف لا متضائلٌ ... ولا رَهِلٌ لَبَّاتُهُ وأباجله ) - طويل -
وهذا البيت الأخير يروى للعجير السلولي ولأخت يزيد بن الطثرية فاعترضه سلمان العجلي فهجاه وهجا بني رياح فقال
( لعمرك إنّني وبني رياحٍ ... لكالعاوي فصادفَ سَهْمَ رامِ )
( يسوقون ابنَ وجرةَ مزمئراً ... ليحميَهمْ وليس لهمْ بحامِ )
( وكم من شَاعرٍ لبني تميمٍ ... قصير الباع من نفرٍ لئامِ )
( كَسَوْنا إذ تخرَّقُ ملْبَساه ... دواهيَ يبْتَرِينَ من العظام )
( وإنْ يُذكَرْ طعامُهُمُ بِشَرٍّ ... فإنَّ طعامهُمْ شرُّ الطعام )
( شَرِيجٌ من مَنِيِّ أبي سُواجٍ ... وآخرُ خالصٌ من حَيْض آم )
(13/145)

( وسوداء المغابن من رياحٍ ... على الكُرْدُوسِ كالفأس الْكَهام )
( إذا ما مرَّ بالقعقاع رَكْبٌ ... دعتهمْ مَنْ ينيكُ على الطَّعام )
( تداوَلَها غواةُ النّاس حتَّى ... تؤوبَ وقد مضَى ليل التِّمام ) - وافر -
وقال الأبيرد أيضا مجيبا له
( عَوى سَلمانُ من جَوٍّ فلاقى ... أخو أهلِ اليمامةِ سَهْمَ رامي )
( عوى مِن جُبْنه وَشَقِيَّ عجْلٍ ... عُواءَ الذئب مُختلَطَ الظلام )
( بنو عجِلٍ أذلُّ من المطايا ... ومن لَخْمِ الجَزورِ على الثُّمام )
( تَحَيَّا المسلمون إذا تلاقَوا ... وعِجْلٌ ما تَحَيَّا بالسَّلام )
( إذا عجليَّةٌ وَلَدَتْ غلاماً ... إلى عِجْلٍ فَقُبِّحَ من غلام )
( يَمَصُّ بثديها فَرْخٌ لئيمٌ ... سُلالةُ أَعْبُدٍ ورضيعُ آم )
( خبيث الريح ينشأ بالمخازي ... لئيمٌ بين آباء لئام )
( أنا ابن الأكرمِين بني تميمٍ ... ذوي الآكال والهمم العظام )
( وكائِنْ من رئيسٍ قَطَّرَتْهُ ... عواملُنا ومن مَلْكٍ هُمام )
( وجيشٍ قد ربَعناه وقومٍ ... صبَحْناه بذي لجَبٍ لُهام ) - وافر
(13/146)

وقال أيضا الأبيرد مجيبا له
( أخذنا بآفاق السماء فلم ندَعْ ... لسلمانَ سلمانِ اليمامة مَنْظرا )
( من القُلْح فسَّاء ضروطٌ يُهِرُّهُ ... إذا الطيرُ مراتٍ على الدوح صَرْصَرا )
( وأقلحُ عجليٌّ كأنَّ بخطْمِهِ ... نواجذَ خنزير إذا ما تكشّرا )
( يزِلُّ النوى عن ضِرْسه فيردُّه ... إلى عارضٍ فيه القوادح أبخرا )
( إذا شرب العِجْلِيُّ نَجَّس كأسَه ... وظلَّتْ بكَفَّيْ جَأْنَبٍ غيرِ أزهرا )
( شديد سوادِ الوجه تحسب وجهَه ... من الدم بين الشارِبِين مقَيَّرا )
( إذا ما حساها لم تزِدْه سماحة ... ولكن أَرَتْهُ أنْ يصرَّ ويَحْصَرا )
( فلا يَشْرَبَنْ في الحيِّ عِجْلٌ فإنّه ... إذا شرب العِجْليُّ أخنى وأهجرا )
( يقاسي نداماهُمْ وتَلقى أُنُوفهمْ ... من الجَدْع عند الكأس أمْراً مذكّرا )
( ولم تك في الإشراك عِجْلٌ تذوقها ... لياليَ يَسْبِيها مقاولُ حميرا )
( ويُنفق فيها الحنظليُّونَ مالَهمْ ... إذا ما سعى منهمْ سفيهٌ تجبَّرا )
(13/147)

( ولكنها هانت وحُرِّم شرْبُها ... فمالت بنو عِجْلٍ لِمَا كان أكفَرا )
( لعمري لئن أُزْنِنْتُمُ أو صَحَوْتُمْ ... لَبِئْسَ النّدامى كنتُمُ آلَ أبجرا ) - طويل -
أخبرني عبيد الله بن محمد الرازي قال حدثنا أحمد بن الحارث قال حدثنا المدائني قال كان مجائل بن مرة بن محكان السعدي وابن عم له يقال له عرادة وقد كان عرادة اشترى غنما له فأنهبها وكانت مائة شاة فاشترى مرة بن محكان مائة من الإبل فأنحر بعضها وأنهب باقيها وقال أبو عبيدة إنهما تفاخرا فغلبه مرة فقال الأبيرد لعرادة
( شَرَى مائةً فأنْهَبَها جميعاً ... وبِتَّ تُقَسِّمُ الحَذَفَ النِّقَادَا ) - وافر -
فبعث عبيد الله بن زياد فأخذ مرة بن محكان فحبسه وقيده ووقع بعد ذلك من قومه لحاء فكانت بينهم شجاج ثم تكافأوا وتوافقوا على الديات فأنبئ مرة بن محكان وهو محبوس فعرف ذلك فتحمل جميعها في ماله فقال فيه الأبيرد
( لله عينا مَنْ رأى مِنْ مكبَّلٍ ... كمُرّةَ إذ شُدَّتْ عليه الأداهمُ )
( فأبلغْ عبيدَ الله عني رسالةً ... فإنك قاضٍ بالحكومةِ عالمُ )
( فإن أنتَ عاقبْتَ ابنَ مَحكانَ في الندى ... فعاقبْ هداك اللَّه أعظمَ حاتم )
(13/148)

( تعاقِب خِرْقاً أنْ يجود بماله ... سعى في ثَأىً من قومه متفاقم )
( كأنَّ دماء القوم إذ علقتْ به ... على مُكْفَهِرٍّ من ثنايا المخارمِ ) - طويل -
الابيرد والأحوص يحرضان على سحيم الرياحي
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي قال حدثنا عمي قال أتى رجل الأبيرد الرياحي وابن عمه الأخوص وهما من رهط ردف الملك من بني رياح يطلب منهما قطرانا لإبله فقالا له إن أنت بلغت سحيم بن وثيل الرياحي هذا الشعر أعطيناك قطرانا فقال قولا فقالا اذهب فقل له
( فإنَّ بُداهَتي وجِراءَ حَوْلي ... لذو شِقٍّ على الحُطَمِ الحرون ) - وافر -
قال فلما أتاه وأنشد الشعر أخذ عصاه وانحدر في الوادي وجعل يقبل فيه ويدبر ويهمهم بالشعر ثم قال اذهب فقل لهما
( فإنَّ عُلالتي وجِراء حَوْلي ... لذو شِقٍّ على الضَّرَعِ الظَّنونِ )
( أنا ابن الغُرِّ من سَلَفَيْ رياحٍ ... كنَصْل السيف وضّاحُ الجبينِ )
( أنا ابنُ جلا وطلاّعُ الثنايا ... متى أضعِ العِمامةَ تعرفوني )
( وإنَّ مكاننا مِنْ حمْيريٍّ ... مكانُ الليث من وَسَط العَرينِ )
(13/149)

( وإنَّ قناتنا مَشِظٌّ شظاها ... شديدٌ مدُّها عُنُقَ القرين )
قال الأصمعي إذا مسست شيئا خشنا فدخل في يدك قيل مشظت يدي والشظا ما تشظى منها
( وإني لا يعود إليَّ قِرْني ... غداةَ الغِبِّ إلا في قرين )
( بذي لِبَدٍ يصدُّ الركب عنه ... ولا تُؤتَى فريسته لحين )
( عَذرْتُ البُزْلَ إذ هي صاوَلتْني ... فما بالي وبالُ ابنَيْ لَبون )
( وماذا تبتغي الشّعراءُ منِّي ... وقد جاوزتُ رَأسَ الأربعين )
( أخو الخمسين مُجْتَمِعٌ أشُدِّي ... ونَجَّذني مداورةُ الشؤون )
( سأحيا ما حييتُ وإنّ ظهري ... لذو سنَدٍ إلى نَضَدٍ أمين ) - وافر -
قال فأتياه فاعتذرا إليه فقال إن أحدكم لا يرى أن يصنع شيئا حتى يقيس شعره بشعرنا وحسبه بحسبنا ويستطيف بنا استطافة المهر الأرن فقالا له فهل إلى النزع من سبيل فقال إننا لم تبلغ أنسابنا
(13/150)

قال اليزيدي أبيات سحيم هذه من اختيارات الأصمعي
الابيرد يرثي أخاه
والقصيدة التي رثى بها الأبيرد أخاه بريدا وفي أولها الغناء المذكور من جيد الشعر ومختار المراثي المختار منها قوله
( تطاوَلَ لَيْلِي لم أنمْهُ تَقَلُّباً ... كأنَّ فِراشي حالَ من دونه الجَمْرُ )
( أُراقِب من ليل التِّمام نجومَه ... لَدُنْ غابَ قرنُ الشّمس حتّى بدا الفجْرُ )
( تذكرْتُ قَرْماً بانَ منّا بنَصْرِه ... ونائِلِه يا حبّذا ذلك الذُّكْرُ )
( فإنْ تكنِ الأيامُ فَرَّقْنَ بَيْنَنا ... فقد عَذَرَتْنا في صَحابتنا العُذْرُ )
( وكنت أرى هَجْراً فِراقَكَ ساعةً ... ألاَ لا بلِ الموتُ التفَّرُّق والهَجْرُ )
( أحقًّا عبادَ اللَّه أنْ لستُ لاقيا ... بُرَيْدا طَوَالَ الدهر ما لأَلأَ العَفْرُ )
( فتىً إن استغنى تَخَرَّق في الغِنى ... فإنْ قلَّ مالاً لم يَؤُدْ مَتْنَه الفَقْرُ )
(13/151)

( وسامَى جَسِيمات الأمور فَنَالَها ... على العُسْر حتى أدرك العُسُرَ اليُسْرُ )
( ترى القومَ في العَزَّاء ينتظرونه ... إذا ضلّ رأيُ القوم أو حَزَبَ الأمر )
( فليتك كنتَ الحيَّ في الناس باقيا ... وكنتُ أنا الميْتَ الذي غَيَّبَ القبرُ )
( فتىً يشتري حُسْنَ الثناء بماله ... إذا السَّنةُ الشَّهْباءُ قلَّ بها القَطْر )
( كأنْ لم يُصاحِبْنا بُريْدٌ بغبطة ... ولم يأتنا يوماً بأخباره السَّفْرُ )
( لَعَمْري لَنِعْمَ المرءُ عالَى نَعِيَّه ... لنا ابنُ عزيز بعد ما قَصرَ العصر )
(13/152)

( تمضَّت به الأخبارُ حتى تَغَلْغَلَتْ ... ولم تَثْنِه الأطباعُ دوني ولا الجُدْر )
( ولما نَعَى الناعي بُريْداً تغوَّلَتْ ... بيَ الأرض فَرْطَ الحُزْن وانقطع الظهر )
( عساكرُ تَغْشَى النفسَ حتى كأنني ... أخو سَكْرةٍ طارت بهامَتِه الخمْر )
( إلى اللَّه أشكو في بُرَيْدٍ مُصِيبتي ... وبَثِّي وأحزاناً تضمَّنها الصدْرُ )
( وقد كنت أَسْتَعْفي إلهي إذا شكا ... من الأجر لي فيه وإنْ سَرّنِي الأجْرُ )
( وما زال في عينَّي بَعْدُ غِشاوةٌ ... وسَمْعِي عَمَّا كنْتُ أسمعه وَقْر )
( على أنني أقْنَى الحياءَ وأتَّقي ... شَماتة أعداءٍ عُيُونُهُمُ خُزر )
( فحياّكَ عنِّي الليلُ والصبحُ إذْ بدا ... وهُوجٌ من الأرواح غُدْوَتُها شهْر )
(13/153)

( سَقَى جَدَثاً لو أستطيع سَقَيْتُه ... بِأُوْدٍ فَرَوّاه الروافد والقَطْر )
( ولا زال يُرْعَى منْ بلادٍ ثوى بها ... نباتٌ إذا صاب الربيعُ بها نضْر )
( حَلَفْتُ برب الرافِعينَ أكُفَّهُمْ ... وربِّ الهدايا حيث حلَّ بها النحرُ )
( ومُجْتَمَعِ الحُجَّاج حيثُ توافَقَتْ ... رِفاقٌ من الآفاق تكبيرُها جأرُ )
( يَمِينَ امرِئٍ آلَى وليس بكاذب ... وما في يمين قالها صادقٌ وِزْرُ )
( لئن كان أمسى ابنُ المُعَذَّر قد ثَوَى ... بُرَيْدٌ لَنِعْمَ المرءُ غَيَّبه القبْرُ )
( هو الخلَفُ المعروفُ والدين والتُّقى ... ومِعْسَرُ حرب لا كَهامٌ ولا غُمْر )
( أقام فنادى أهلُه فتحمَّلوا ... وصُرِّمَتِ الأسبابُ واختلط النَّجْرُ )
( فتىً كان يُغْلي اللحمَ نيْئاً ولحمُه ... رخيصٌ لجادِيهِ إذا تُنْزَلُ القِدْر )
( فتى الحيِّ والأضيافِ إنْ روَّحَتْهُمُ ... بَلِيلٌ وزادُ السَّفْرِ إنْ أَرْمَلَ السَّفْرُ )
(13/154)

( إذا جارةٌ حَلّتْ لديه وَفَى بها ... فآبت ولم يُهْتَكْ لجارته ستْرُ )
( عفيفٌ عن السَّوْءاتِ ما التبسَتْ به ... صَلِيبٌ فما يُلْفَى لِعُودٍ به كَسْرُ )
( سَلَكْتَ سبيلَ العالمين فما لَهُمْ ... وراء الذي لاقيْتَ مَعْدًى ولا قَصْرُ )
( وكلُّ امرىءٍ يوماً سَيَلْقَى حِمامَه ... وإن نأتِ الدعوى وطال به العُمْرُ )
( وأبليْتَ خيراً في الحياة وإنما ... ثوابُكَ عندِي اليومَ أنْ ينطِقَ الشِّعْرُ ) - طويل -
وقال يرثيه أيضا وهي قصيدة طويلة
( إذا ذكَرت نفسي بُرَيْداً تحاملَتْ ... إليّ ولم أملك لعينيَّ مَدْمَعَا )
( وذكَّرَنِيك الناسُ حين تحامَلُوا ... عليّ وأضحَوْا جلْدَ أجربَ مُولعا )
( فلا يُبْعِدَنْكَ اللَّه خيرَ أخي امرىءٍ ... فقد كنْتَ طلاّع النِّجادِ سَمَيْذَعا )
(13/155)

( وَصُولاً لذي القُرْبَى بعيداً عن الخَنَى ... إذا ارتادك الجادي من الناس أمْرَعا )
( أخو ثقة لا ينتحِي القومُ دونه ... إذا القَوم خالوا أو رجا الناسُ مَطمعا )
( ولا يركب الوجناءَ دونَ رفيقِه ... إذا القومُ أزْجَوْهُنَّ حَسْرَى وظُلَّعا ) - طويل -
صوت مخلع
( يا زائِرَيْنا من الخِيامِ ... حَيَّاكُما اللَّهُ بالسلامِ )
( يَحْزُنُنِي أنْ أَطَفْتُما بِي ... ولم تنالا سِوَى الكلامِ )
( بُورِك هارونُ من إمامٍ ... بطاعة اللَّه ذي اعتصامِ )
( له إلى ذي الجلال قُرْبَى ... ليست لِعَدْلٍ ولا إمام ) - مخلع البسيط -
الشعر لمنصور النمري والغناء لعبد الله بن طاهر رمل ذكر ذلك عبيد الله ابنه ولم ينسبه إلى الأصابع التي بنى عليها وفيه للرف خفيف رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة وفيه ثقيل أول بالبنصر مجهول الأصابع ذكر حبش أنه للرف أيضا
(13/156)

أخبار منصور النمري ونسبه
منصور بن الزبرقان بن سلمة وقيل منصور بن سلمة بن الزبرقان ابن شريك بن مطعم الكبش الرخم بن مالك بن سعد بن عامر بن سعد الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار وإنما سمي عامر الضحيان لأنه كان سيد قومه وحاكمهم وكان يجلس لهم إذا أضحى النهار فسمي الضحيان وسمي جد منصور مطعم الكبش الرخم لأنه أطعم ناسا نزلوا به ونحر لهم ثم رفع رأسه فإذا رخم يحمن حول أضيافه فأمر بأن يذبح لهم كبش ويرمى به بين أيديهم ففعل ذلك فنزلن عليه فمزقنه فسمي مطعم الكبش الرخم وفي ذلك يقول أبو نعيجة النمري يمدح رجلا منهم
( أبوك زعيمُ بني قاسطٍ ... وخالك ذو الكَبْشِ يَقْرِي الرَّخَمْ ) - متقارب
(13/157)

وكان منصور شاعرا من شعراء الدولة العباسية من أهل الجزيرة وهو تلميذ كلثوم بن عمرو العتابي وراويته وعنه أخذ ومن بحره استقى وبمذهبه تشبه والعتابي وصفه للفضل بن يحيى بن خالد وقرضه عنده حتى استقدمه من الجزيرة واستصحبه ثم وصله بالرشيد وجرت بعد ذلك بينه وبين العتابي وحشة حتى تهاجرا وتناقصا وسعى كل واحد منهما على هلاك صاحبه وأخبار ذلك تذكر في مواضعها من أخبارهما إن شاء الله تعالى وكان النمري قد مدح الفضل بقصيدة وهو مقيم بالجزيرة فأوصلها العتابي إليه واسترفده له وسأله استصحابه فأذن له في القدوم فحظي عنده وعرف مذهب الرشيد في الشعر وإرادته أن يصل مدحه إياه بنفي الإمامة عن ولد علي بن أبي طالب عليهم السلام والطعن عليهم وعلم مغزاه في ذلك مما كان يبلغه من تقديم مروان بن أبي حفصة وتفضيله إياه على الشعراء في الجوائز فسلك مذهب مروان في ذلك ونحا نحوه ولم يصرح بالهجاء والسب كما كان يفعل مروان ولكنه حام ولم يقع وأومأ ولم يحقق لأنه كان يتشيع وكان مروان شديد العداوة لآل أبي طالب وكان ينطق عن نية قوية يقصد بها طلب الدنيا فلا يبقي ولا يذر
منصور النمري يمدح الرشيد
أخبرني محمد بن جعفر النحوي صهر المبرد قال حدثنا محمد بن موسى بن حماد قال حدثني عبد الله بن أبي سعد الكراني وأخبرني به عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد حديث محمد بن جعفر النحوي أنه قال حدثني محمد بن عبد الله بن آدم بن جشم العبدي قال حدثنا ثابت ابن الحارث الجشمي قال
كان منصور النمري مصافيا للبرامكة وكان مسكنه بالشأم فكتب
(13/158)

يسألهم أن يذكروه للرشيد فذكروه ووصفوه فأحب أن يسمع كلامه فأمرهم بإقدامه فقدم ونزل عليهم فأخبروا الرشيد بموضعه وأمرهم بإحضاره وصادف دخوله إليه يوم نوبة مروان على ما سمعه من بيانه وكان مروان يقول قبل قدومه هذا شامي وأنا حجازي أفتراه يكون أشعر مني ودخله من ذلك ما يدخل مثله من الغم والحسد واستنشد الرشيد منصورا فأنشده
( أميَر المؤمنين إليك خُضْنَا ... غِمَارَ الهَوْل من بلدٍ شَطيرِ )
( بخُوصٍ كالأهلَّة خافقاتٍ ... تلين على السُّرى وعلى الهجيرِ )
( حَمَلْنَ إليك أحمالاً ثِقالاً ... ومثل الصخر الدرِّ النثيرِ )
( فقد وَقف المديحُ بمنتهاه ... وغايتِه وصار إلى المصير )
( إلى مَن لا يشير إلى سِواه ... إذا ذُكِر النَّدَى كفُّ المشيرِ ) - وافر -
فقال مروان وددت والله أنه أخذ جائزتي وسكت
وذكر في القصيدة يحيى بن عبد الله بن حسن فقال
( يذلِّل من رقاب بني عليٍّ ... ومَنٍّ ليس بالمنِّ الصغيرِ )
( مَنَنْتَ على ابن عبد الله يحيى ... وكانَ من الحُتُوفِ على شفير )
(13/159)

مروان ينشد الرشيد وعدم اهتمام النمري به
قال مروان فما برحت حتى أمرني هارون أمير المؤمنين أن أنشده وكان يتبسم في وقت ما كان ينشده النمري ويأخذ على بطنه وينظر إلى ما قال فأنشدته
( موسى وهارونُ هما اللذانِ ... في كتب الأخبارِ يوجدان )
( من وَلَد المهديِّ مَهْدِيّان ... قُدّا عِنانَيْنِ على عِنان )
( قد أطلق المهديُّ لي لساني ... وشدّ أزري ما به حَبانِي )
( من اللُّجَيْن ومن العِقْيان ... عِيديَّةً شاحِطةَ الأثمانِ )
( لو خايَلَتْ دجلَة بالألبان ... إذاً لقيل اشتبه النهران ) - رجز -
قال فوالله ما عاج النمري بذلك ولا احتفل به فأومأ إلي هارون أن زده فأنشدته قصيدتي التي أقول فيها
( خَلُّوا الطريقَ لمعشرٍ عاداتهمْ ... حَطمُ المناكب كل يومِ زحامِ )
( إرضَوْا بما قسم الإلهُ لكُمْ به ... ودَعوا وِراثةَ كلِّ أَصْيَدَ حامِ )
( أنَّي يكون وليس ذاك بكائنٍ ... لبني البنات وراثةُ الأعمام ) - كامل -
قال فوالله ما عاج بشيء منها وخرجت الجائزتان فأعطى مروان مائة ألف وأعطى النمري سبعين ألفا وقال أنت مزيد في ولد علي
قال ولقد تخلص النمري إلى شيء ليس عليه فيه شيء وهو قوله
( فإن شكروا فقد أَنْعَمْتَ فيهمْ ... وإلاَّ فالنَّدامةُ للكَفورِ )
(13/160)

( وإن قالوا بنو بنتٍ فحقٌّ ... ورُدُّوا ما يناسب للذُّكورِ ) - وافر -
قال فكان مروان يتأسف على هذا المعنى أن يكون قد سبقه إليه وإلى قوله
( وما لبني بناتٍ من تراثٍ ... مع الأعمام في وَرَق الزَّبور ) - وافر -
أخبرني بهذا الخبر محمد بن عمران الصيرفي قال حدثني الغنوي عن محمد بن محمد بن عبد الله بن آدم عن أبي معشر العبدي فذكر القصة قريبا مما ذكره محمد بن جعفر النحوي يزيد وينقص والمعنى متقارب
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن طهمان السلمي قال حدثني أحمد بن سيار الشيباني الشاعر قال كان هارون أمير المؤمنين يحتمل أن يمدح بما تمدح به الأنبياء فلا ينكر ذلك ولا يرده حتى دخل عليه نفر من الشعراء فيهم رجل من ولد زهير بن أبي سلمى فأفرط في مدحه حتى قال فيه
( فكأنّه بعد الرسول رَسولُ ... ) - كامل -
فغضب هارون ولم ينتفع به أحد يومئذ وحرم ذلك الشاعر فلم يعطه شيئا وأنشد منصور النمري قصيدة مدحه بها وهجا آل علي وثلبهم فضجر هارون وقال له يا ابن اللخناء أتظن أنك تتقرب إلي بهجاء قوم أبوهم أبي ونسبهم نسبي وأصلهم وفرعهم أصلي وفرعي فقال وما شهدنا إلا بما علمنا فازداد غضبه وأمر مسرورا فوجأ في عنقه وأخرج ثم وصل إليه يوما آخر بعد ذلك فأنشده
( بني حسنٍ ورَهْطَ بني حُسينٍ ... عليكُمْ بالسَّداد من الأمورِ )
(13/161)

( فقد ذُقْتُم قِراعَ بني أبيكمْ ... غداةَ الرَّوْع بالبِيض الذُّكور )
( أحينَ شَفَوْكُمُ من كلِّ وِتْرٍ ... وضمُّوكُمْ إلى كَنَف وَثير )
( وجادوكُمْ على ظمإٍ شديد ... سُقيتُمْ من نوالِهِمُ الغزيرِ )
( فما كان العقوقُ لهمْ جزاءً ... بفعلهِمُ وادَى للثؤور )
( وإنك حِين تُبلغهم أذاةً ... وإن ظلموا لمحزون الضمير ) - وافر -
فقال له صدقت وإلا فعلي وعلي وأمر له بثلاثين ألف درهم
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال حدثني عبد الصمد بن المعذل قال دخل مروان بن أبي حفصة وسلم الخاسر ومنصور النمري على الرشيد فأنشده مروان قصيدته التي يقول فيها
( أنَّى يكون وليس ذاك بكائنٍ ... لبني البناتِ وِراثةُ الأعمامِ ) - كامل -
وأنشده سلم فقال
(13/162)

( حَضَر الرّحيل وشُدَّت الأحداجُ ... ) - كامل -
وأنشده النمري قصيدته التي يقول فيها
( إن المكارمَ والمعروف أوديةٌ ... أحَلَّكَ اللَّهُ منها حيثُ تجتمعُ ) - بسيط -
فأمر لكل واحد منهم بمائة ألف درهم فقال له يحيى بن خالد يا أمير المؤمنين مروان شاعرك خاصة قد ألحقتم به قال فليزد مروان عشرة آلاف
إعجاب الرشيد بشعر النمري
أخبرني عمي قال أخبرنا ابن أبي سعد قال حدثني علي بن الحسن الشيباني قال أخبرني أبو حاتم الطائي عن يحيى بن ضبيئة الطائي عن الفضل قال حضرت الرشيد وقد دخل منصور النمري عليه فأنشده
( ما تنقضِي حَسْرَةٌ مني ولا جَزَعُ ... إذا ذكرْتُ شباباً ليس يُرتَجعُ )
( بانَ الشّبابُ وفاتَتْني بلذّته ... صُرُوفُ دهرٍ وأيامٌ لها خُدَع )
( ما كنت أوفِي شبابي كُنْهَ غِرَّته ... حتّى انقضى فإذا الدنيا له تَبعُ ) - بسيط -
قال فتحرك الرشيد لذلك ثم قال أحسن والله لا يتهنأ أحد بعيش حتى يخطر في رداء الشباب
(13/163)

أخبرني عمي قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا محمد بن عبد الله بن آدم العبدي عن أبي ثابت العبدي عن مروان بن أبي حفصة قال خرجنا مع الرشيد إلى بلاد الروم فظفر الرشيد وقد كاد أن يعطب لولا الله عز و جل ثم يزيد بن مزيد فقال لي وللنمري أنشدا فأنشدته قولي
( طرقَتْك زائرةً فحيِّ خيالها ... غَرَّاءُ تخلِط بالحياءِ دلالها ) - كامل -
ووصفت الرجال من الأسرى كيف أسلموا نساءهم والظفر الذي رزقه فقال عدوا قصيدته فكانت مائة بيت فأمر لي بمائة ألف درهم ثم قال للنمري كيف رأيت فرسي فإني أنكرته فقال النمري
( مُضِزٌّ على فأسِ اللجامِ كأنّه ... إذا ما اشتكت أيدي الجيادِ يطِير )
( فظلَّ على الصّفصاف يومٌ تباشرتْ ... ضِباعٌ وذُؤبانٌ به ونسور )
( فأقسِمُ لا يَنْسَى لك اللَّه أجرها ... إذا قُسِّمت بين العبادِ أجورُ )
قال النمري ثم قلت في نفسي ما يمنعني من إذكاره بالجائزة فقلت
( إذا الغَيْثُ أكْدَى واقشعرّتْ نجومُه ... فغيْثُ أميرِ المؤمنين مَطيرُ )
(13/164)

( وما حلَّ هارونُ الخليفةُ بلدةً ... فأخلفَها غيثٌ وكاد يضير ) - طويل -
فقال أذكرتني ورأيته متهللا لذلك قال فألحقني بمروان وأمر لي بمائة ألف درهم
أخبرني عمي قال حدثني ابن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن طهمان قال حدثني محمد الراوية المعروف بالبيدق وكان قصيرا فلقب بالبيدق لقصره وكان ينشد هارون أشعار المحدثين وكان أحسن خلق الله إنشادا قال دخلت على الرشيد وعنده الفضل بن الربيع ويزيد بن مزيد وبين يديه خوان لطيف عليه جديان ورغفان سميد ودجاجتان فقال لي أنشدني فأنشدته قصيدة النمري العينية فلما بلغت إلى قوله
( أيُّ امرئٍ بات من هارونَ في سَخَط ... فليس بالصلواتِ الخَمْسِ ينتفعُ )
( إنَّ المكارمَ والمعروفَ أوديةٌ ... أحلَّكَ اللَّهُ منها حيث تتسع )
( إذا رفعْتَ امرأً فاللَّه يرفعه ... ومَنْ وَضَعْتَ من الأقوام مُتَّضِع )
( نفسي فداؤُك والأبطالُ مُعَلِمَة ... يوم الوغى والمنايا بيْنَها قُرَعُ ) - بسيط -
قال فرمى بالخوان بين يديه وصاح وقال هذا والله أطيب من كل طعام وكل شيء وبعث إليه بسبعة آلاف دينار فلم يعطني منها ما يرضيني
(13/165)

وشخص إلى رأس العين فأغضبني وأحفظني فأنشدت هارون قوله
( شاءٌ من الناسِ راتِعٌ هاملْ ... يُعَللِّون النفوسَ بالباطلْ )
فلما بلغت إلى قوله
( إلاّ مساعيرَ يغضَبُون لها ... بَسلَّةِ البِيضِ والقنا الذابِلْ ) - منسرح -
قال أراه يحرض علي ابعثوا إليه من يجيء برأسه فكلمه فيه الفضل ابن الربيع فلم يغن كلامه شيئا وتوجه إليه الرسول فوافاه في اليوم الذي مات فيه ودفن قال وكان إنشاد محمد البيدق يطرب كما يطرب الغناء
سبب غضب الرشيد على النمري
أخبرني عمي قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثنا علي بن الحسين الشيباني قال أخبرني منصور بن جمهور قال سألت العتابي عن سبب غضب الرشيد عليه فقال لي استقبلت منصورا النمري يوما من الأيام فرأيته مغموما واجما كئيبا فقلت له ما خبرك فقال تركت امرأتي تطلق وقد عسر عليها ولادها وهي يدي ورجلي والقيمة بأمري وأمر منزلي فقلت له لم لا تكتب على فرجها هارون الرشيد قال ليكون ماذا قال لتلد على المكان قال وكيف ذلك قلت لقولك
(13/166)

( إن أخْلَفَ الغيث لم تُخلِف مخايِله ... أو ضاق أمرٌ ذكرناه فيتَّسعُ ) - بسيط -
فقال لي يا كشخان والله لئن تخلصت امرأتي لأذكرن قولك هذا للرشيد فلما ولدت امرأته خبر الرشيد بما كان بيني وبينه فغضب الرشيد لذلك وأمر بطلبي فاستترت عند الفضل بن الربيع فلم يزل يسأل في حتى أذن لي في الظهور فلما دخلت عليه قال لي قد بلغني ما قلته للنمري فاعتذرت إليه حتى قبل ثم قلت والله يا أمير المؤمنين ما حمله على التكذب علي إلا وقوفي على ميله إلى العلوية فإن أراد أمير المؤمنين أن أنشده شعره في مديحهم فعلت فقال أنشدني فأنشدته قوله
( شاءٌ من الناس راتع هاملْ ... يعلّلون النفوس بالباطلْ ) - منسرح - حتى بلغت إلى قوله
( إلاّ مساعيرَ يغضبون لها ... بسَلَّة البِيضِ والقنا الذّابلْ )
فغضب من ذلك غضبا شديدا وقال للفضل بن الربيع أحضره الساعة فبعث الفضل في ذلك فوجده قد توفي فأمر بنبشه ليحرقه فلم يزل الفضل يلطف له حتى كف عنه
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا يحيى بن الحسن بن عبد الخالق قال حدثني بعض الزينبيين قال حبس الرشيد منصورا النمري بسبب الرفض فتخلصه الفضل بن الربيع ثم بلغه شعره
(13/167)

في آل علي عليه السلام فقال للفضل اطلبه فستره الفضل عنده وجعل الرشيد يلح في طلبه حتى قال يوما للفضل ويحك يا فضل تفوتني النمري قال يا سيدي هو عندي قد حصلته قال فجئني به وكان الفضل قد أمره أن يطول شعره ويكثر مباشرة الشمس ليشحب وتسوء حالته ففعل فلما أراد إدخاله عليه ألبسه فروة مقلوبة وأدخله عليه وقد عفا شعره وساءت حالته فلما رآه قال السيف فقال الفضل يا سيدي من هذا الكلب حتى تأمر بقتله بحضرتك قال أليس هو القائل
( إلاّ مساعيرَ يغضبون لها ... بسَلَّةِ البِيضِ والقنا الذابلْ )
فقال منصور لا يا سيدي ما أنا قائل هذا ولقد كذب علي ولكني القائل مخلع
( يا منزل الحي ذا المغاني ... انعم صباحاً على بِلاكا )
( هارونُ يا خير من يُرَجَّى ... لم يُطِعِ الله منْ عَصاكا )
( في خير دِينٍ وخير دنيا ... مَنِ اتَّقى اللَّهَ واتقاكا ) - مخلع بسيط -
فأمر بإطلاقه وتخلية سبيله فقال منصور يمدح الفضل بن الربيع
( رأيْتُ المُلْك مُذْ آزرْتَ ... قد قامت مَحانيهِ )
( هو الأوحد في الفضلِ ... فما يعرف ثانِيهِ ) - هزج -
عفة النمري
أخبرني عمي قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثني علي بن مسلم ابن الهيثم الكوفي عن محمد بن أرتبيل قال اجتمع عند المأمون قبل
(13/168)

خلافته وذلك في أيام الرشيد منصور النمري والخريمي والعباس بن زفر وعنده جعفر بن يحيى فحضر الغداء فأتي المأمون بلون من الطعام فأكل منه فاستطابه فأمر به فوضع بين يدي جعفر بن يحيى فأصاب منه ثم أمر به فوضع بين يدي العباس فأكل منه ثم نحاه فأكل منه بعده الخريمي وغيره ولم يأكل منه النمري وذلك بعين المأمون فقال له لم لم تأكل فقال لئن أكلت ما أبقى هؤلاء إني لنهم قال فهل قلت في هذا شيئا قال نعم قلت
( لَهْفي أَتُطْعِمُها قيساً وآكلها ... إني إذاً لدنيءُ النفسِ والخَطَرِ )
( ما كان جدِّي ولا كان الهُمام أبي ... ليأكلا سؤرَ عباسٍ ولا زُفْرِ )
( شتّانَ مِن سُؤْرِ عباسٍ وفَضْلَتِه ... وسُؤْر كَلْبٍ مُغطّى العين بالوَبَرِ )
( ما زال يَلْقَمُ والطّبّاخُ يلحظُه ... وقد رأى لُقَماً في الحلق بالعُجَر ) - بسيط -
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي وعمي قالا حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال أخبرني علقمة بن نصر بن واصل النمري قال سمعت أشياخنا يقولون إن منصور بن بجرة بن منصور بن صليل بن أشيم ابن قطن بن سعد بن عامر الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر ابن قاسط قال هذه القصيدة
( ما تنقضِي حسرة مني ولا جَزَعُ ... إذا ذكرْتُ شباباً ليس يُرتجعُ )
( بان الشباب وفاتتني بِشِرَّتهِ ... صروفُ دهرٍ وأيام لها خُدَع )
(13/169)

( ما كنت أولَ مسلوبٍ شبيبتَهُ ... مَكْسُوِّ شيبٍ فلا يذهبْ بك الجَزَعُ ) - بسيط -
فسمعها منصور بن سلمة بن الزبرقان بن شريك بن مطعم الكبش الرخم بن مالك بن سعد بن عامر الضحيان فاستحسنها فاستوهبها منه فوهبها له وكان منصور بن بجرة هذا موسرا لا يتصدى لمدح ولا يفد إلى أحد ولا ينتجعه بالشعر وكان هارون الرشيد قد جرد السيف في ربيعة فوجه منصور بن سلمة هذه القصيدة إلى الرشيد وكان رجلا تقتحمه العين جدا ويزدريه من رآه لدمامة خلقه فأمر الرشيد لما عرضت عليه بإحضار قائلها قال منصور فلما وصلت إليه عرفني الحاجب أنه لما عرضت عليه قرأها واختارها على جميع شعر الشعراء جميعا وأمره بإدخالي فلما قربت من حاجبه الفضل بن الربيع آزدراني لدمامة خلقي وكان قصيرا أزرق أحمر أعمش نحيفا قال فردني وأمر بإخراجي فأخرجت فمر بي ذات يوم يزيد بن مزيد الشيباني فصحت به يا أبا خالد أنا رجل من عشيرتك وقد لحقني ضيم وعذت بك فوقف فعرفته خبري وسألته أن يذكرني إذا مرت به رقعتي ويتلطف في إيصالي ففعل ذلك فلما دخلت على أمير المؤمنين أنشدته هذه القصيدة
( أتسلو وقد بانَ الشبابُ المزايلُ ... ) - طويل -
الرشيد يرفع السيف عن ربيعة
فقال لي غدا إن شاء الله آمر برفع السيف عن ربيعة وخرج يزيد يركض فما جاءت العصر من الغد حتى رفع السيف عن ربيعة بنصيبين وما يليها وأنشدته القصيدة فلما صرت إلى هذا الموضع
(13/170)

( يُجرِّد فينا السيفَ من بين مارقٍ ... وعانٍ بُجُودٌ كلهمْ متحاملُ )
قالوا فلما سمع الجلساء هذا البيت قالوا ذهب الأعرابي وافتضح فلما قلت
( وقد علم العُدْوان والجَوْرُ والخَنَا ... بأنّك عيّافٌ لهنّ مُزايِلُ )
( ولو علِموا فينا بأمرك لم يكن ... يَنال برِيًّا بالأذى متناولُ )
( لنا منكَ أرحامٌ ونعتدُّ طاعةً ... وبأساً إذا اصطكَّ القنا والقنابلُ )
( وما يَحفظ الأَنسابَ مثلَك حافظٌ ... ولا يصِلُ الأرحامَ مثلك واصلُ )
( جعلناك فامنعنا مَعَاذاً ومَفْزَعاً ... لنا حين عَضَّتْنا الخطوبُ الجلائِل )
( وأنت إذا عاذت بوجهك عُوَّذٌ ... تَطامنَ خوفٌ واستقرّت بَلابِلُ ) - طويل -
فقال الجلساء أحسن والله الأعرابي يا أمير المؤمنين فقال الرشيد يرفع السيف عن ربيعة ويحسن إليهم
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني علي ابن الحسن بن عبيد البكري قال أخبرني أبو خالد الطائي عن الفضل قال كنا عند الرشيد وعنده الكسائي فدخل إليه منصور النمري فقال له الرشيد أنشدني فأنشده قوله
( ما تنقضي حَسرةٌ مني ولا جَزَعُ ... إذا ذَكَرْتُ شباباً ليس يُرتَجَعُ )
فتحرك الرشيد ثم أنشده حتى انتهى إلى قوله
(13/171)

( ما كنت أُوفِي شبابي كُنْهَ عِزّته ... حتّى انقضى فإذا الدُّنيا له تَبعُ ) - بسيط -
فطرب الرشيد وقال أحسنت والله وصدقت لا والله لا يتهنا أحد بعيش حتى يخطر في رداء الشباب وأمر له بجائزة سنية
الشعراء يتهكمون عليه لعدم شربه
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد ابن عبد الله بن طهمان السلمي قال حدثني أحمد بن سنان البيساني وأخبرني عمي قال أخبرنا ابن أبي سعد قال حدثنا مسعود بن عيسى عن موسى بن عبد الله التميمي أن جماعة من الشعراء اجتمعوا ببغداد وفيهم النمري وكانوا على نبيذ فأبى منصور أن يشرب معهم فقالوا له إنما تعاف الشرب لأنك رافضي وتسمع وتصغي إلى الغناء وليس تركك النبيذ من ورع فقال منصور
صوت
( خَلا بين نَدْمانِيَّ موضعُ مجلِسِي ... ولم يَبْقَ عندي للِوصال نصيبُ )
( وَرُدَّتْ على السّاقي تفيض وربَّما ... رَددْتُ عليه الكاسَ وهي سليب )
( وأيُّ امرئ لا يستَهِشُّ إذا جرتْ ... عليه بَنانٌ كفُّهُنَّ خَضِيبُ ) - طويل -
الغناء لإبراهيم خفيف ثقيل مطلق من مجرى البنصر ومن الناس من ينسبه إلى مخارق هكذا في الخبر
قصيدة للعتابي كتبها للنمري
وقد حدثني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد
(13/172)

المبرد قال كتب كلثوم بن عمرو العتابي إلى منصور النمري قوله
( تَقَضّتْ لُباناتٌ ولاح مَشِيبُ ... وأشفَى على شمسِ النّهار غروبُ )
( وَوَدَّعْتُ إخوانَ الصِّبا وتصرَّمَتْ ... غَواية قلبٍ كانَ وهو طروبُ )
( ورُدَّتْ على الساقي تفيض وربَّما ... رددْتُ عليه الكأس وهي سليب )
( وممّا يَهِيج الشّوق لي فيَرُدّه ... خفيفٌ على أيدي القِيان صَخوبُ )
( عَطَوْنَ بهِ حتّى جرى في أديمه ... أصابيغ في لبّاتِهِنَّ وطِيْبُ ) - طويل -
فأجابه النمري وقال
( أوحشَةُ نَدْمانيك تبكِي فربمَّا ... تلاقيهما والحِلمُ عنك عَزُوب )
( ترى خَلَفاً من كل نَيْلٍ وثروةٍ ... سماعَ قيان عُودُهُنَّ قريبُ )
( يُغَنِّيك يا بنتي فتستصحب النُّهى ... وتحتازك الآفاتُ حِين أغيبُ )
( وإنَّ امرأً أودى السماعُ بلُبِّه ... لَعُريانُ من ثَوْبِ الفلاح سليبُ ) - طويل -
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا محمد ابن عبد الله بن آدم بن جشم العبدي أبو مسعر قال أتى النمري يزيد بن مزيد ويزيد يومئذ في إضاقة وعسرة فقال اسمع مني جعلت فداك فأنشده قصيدة له يقول فيها
(13/173)

( لو لم يكن لبني شيبانَ من حَسَب ... سوى يزيدَ لفاتوا الناسَ في الحسبِ )
( تأوِي المكارم من بكْرٍ إلى مَلِكٍ ... من آل شيبانَ يحويهنّ من كَثَب )
( أبٌ وعمٌّ وأخوالٌ مناصِبُهُمْ ... في منبت النَّبع لا في منبت الغَرَبِ )
( إنّ أبا خالدٍ لما جَرى وجرتْ ... خيلُ الندى أحرَزَ الأُولَى من القَصَب )
( لمّا تلغَّبَهُنَّ الجَرْيُ قَدَّمَه ... عِتْقٌ مُبينٌ وَمحْضٌ غيرُ مؤتشَب )
( إن الذين اغتَزَوا بالحُرّ غرّته ... كمغتزِي الليث في عِرِّيسِهِ الأَشِب )
( ضرباً دِرَاكاً وشَدّاتٍ على عَنَقٍ ... كأنّ إيقاعها النِّيرانُ في الحطب )
( لا تَقْرَبَنَّ يزيداً عند صَوْلته ... لكِنْ إذا ما احتبى للجُود فاقترب ) - بسيط -
فقال يزيد والله ما أصبح في بيت مالي شيء ولكن انظر يا غلام كم عندك فهاته فجاءه بمائه دينار وحلف أنه لا يملك يومئذ غيرها
تحسره على شبابه
وقد أخبرني عمي بهذ الخبر قال حدثني محمد بن علي بن حمزة العلوي قال حدثني عمي عن جدي قال قال لي منصور النمري كنت واقفا على جسر بغداد أنا وعبيد الله بن هشام بن عمرو التغلبي وقد وخطني الشيب يومئذ وعبيد الله شاب حديث السن فإذا أنا بقصرية
(13/174)

ظريفة قد وقفت فجعلت أنظر إليها وهي تنظر إلى عبيد الله بن هشام ثم انصرفت وقلت فيها
( لمّا رأيْتِ سَوَامَ الشيبِ منتشِراً ... في لِمّتي وعبيدَ اللَّه لم يَشِبِ )
( سَللْتِ سَهْمَيْنِ من عَيْنَيْكِ فانتضلا ... على سَبيبَة ذي الأذيال والطرب )
( كذا الغواني نرى منهنَّ قاصدة ... إلى الفروع مُعَرّاة عن الخشب )
( ولا أنتِ أصبحْتِ تَعْتَدِّيْننا أَرَباً ... ولا وعيشِك ما أصبحْتِ من أربي )
( إحدى وخمسين قد أنضيْتُ جِدّتها ... تَحُول بيني وبين اللهو واللعبِ )
( لا تَحْسبنِّي وإن أغضيْتُ عن بصري ... غفَلْتُ عنك ولا عن شأنك العجبِ )
ثم عدلت عن ذلك فمدحت فيها يزيد بن مزيد فقلت
( لو لم يكن لبني شيبانَ من حسبِ ... سوى يزيدَ لفاقوا الناسَ بالحسَب )
( لا تحسبِ الناسَ قد حابَوْا بني مطرٍ ... إذ أسلمَ الجودُ فيهمْ عاقد الطُّنُبِ )
( الجود أخشَنُ لَمْساً يا بني مطر ... من أن تَبُزَّكُموهُ كَفُّ مُسْتَلِب )
( ما أعرفَ الناسَ أنَّ الجُودَ مَدفَعةٌ ... للذمِّ لكنّه يأتِي على النشب ) - بسيط
(13/175)

قال فأعطاني يزيد عشرة آلاف درهم
حدثني عمي قال حدثني محمد بن عبد الله التميمي الحزنبل قال حدثني عمرو بن عثمان الموصلي قال حدثني ابن أبي روق الهمداني قال قال لي منصور النمري دخلت على الرشيد يوما ولم أكن أعددت له مدحا فوجدته نشيطا طيب النفس فرمت شيئا فما جاءني ونظر إلي مستنطقا فقلت
( إذا اعتاصَ المديحُ عليك فامدَحْ ... أميَر المؤمنين تَجِدْ مقالا )
( وعُدْ بفِنائه واجنَحْ إليه ... تَنَلْ عُرْفاً ولم تُذْلِلْ سؤالا )
( فِناءٌ لا تزال به رِكابٌ ... وضَعْنَ مدائحاً وحَمَلْنَ مالا ) - وافر -
فقال والله لئن قصرت القول لقد أطلت المعنى وأمر لي بصلة سنية
صوت
( طَرِبْتَ إلى الحيِّ الذين تحمّلوا ... بِبُرقةِ أحواذٍ وأنت طروب )
( فبِتُّ أُسَقَّاها سُلافاً مُدامةً ... لها في عظامٍ الشَّاربين دبيب ) - طويل -
الشعر لعبد الله بن الحجاج الثعلبي والغناء لعلويه رمل بالوسطى عن الهشامي وفيه لسليم خفيف رمل مطلق في مجرى الوسطى
(13/176)

نسب عبد الله بن الحجاج وأخباره
هو عبد الله بن الحجاج بن محصن بن جندب بن نصر بن عمرو بن عبد غنم بن جحاش بن بجالة بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض ابن الريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر ويكنى أبا الأقرع شاعر فاتك شجاع من معدودي فرسان مضر ذوي البأس والنجدة فيهم وكان ممن خرج مع عمرو بن سعيد على عبد الملك بن مروان فلما قتل عبد الملك بن مروان عمرا خرج مع نجدة بن عامر الحنفي ثم هرب فلحق بعبد الله بن الزبير فكان معه إلى أن قتل ثم جاء إلى عبد الملك متنكرا واحتال عليه حتى أمنه
وأخباره تذكر في ذلك وغيره ها هنا
أخبرني بخبره في تنقله من عسكر إلى عسكر ثم استئمانه جماعة من شيوخنا فذكروه متفرقا فابتدأت بأسانيدهم وجمعت خبره من روايتهم
فأخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني اليزيدي أبو عبد الله محمد بن العباس ببعضه قال حدثني سليمان ابن أبي شيخ قال حدثنا يحيى بن سعيد الأموي وأخبرنا محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا محمد بن معاوية الأسدي قال حدثنا محمد بن كناسة وأخبرني عمي قال حدثنا عبد الله
(13/177)

ابن أبي سعد قال حدثني علي بن مسلم بن الهيثم الكوفي عن محمد بن أرتبيل ونسخت بعض هذه الأخبار من نسخة أبي العباس ثعلب والألفاظ تختلف في بعضها والمعاني قريبة قالوا
كان عبد الله بن الحجاج الثعلبي شجاعا فاتكا صعلوكا من صعاليك العرب وكان متسرعا إلى الفتن فكان ممن خرج مع عمرو بن سعيد بن العاص فلما ظفر به عبد الملك هرب إلى ابن الزبير فكان معه حتى قتل ثم اندس إلى عبد الملك فكلم فيه فأمنه
احتياله في الدخول على عبد الملك
هذه رواية ثعلب وقال العنزي وابن أبي سعد في روايتهما لما قتل عبد الله بن الزبير وكان عبد الله بن الحجاج من أصحابه وشيعته احتال حتى دخل على عبد الملك بن مروان وهو يطعم الناس فدخل حجرة فقال له مالك يا هذا لا تأكل قال لا أستحل أن آكل حتى تأذن لي قال إني قد أذنت للناس جميعا قال لم أعلم فآكل بأمرك قال كل فأكل وعبد الملك ينظر إليه ويعجب من فعاله فلما أكل الناس وجلس عبد الملك في مجلسه وجلس خواصه بين يديه وتفرق الناس جاء عبد الله بن الحجاج فوقف بين يديه ثم استأذنه في الإنشاد فأذن له فأنشده
( أبلِغْ أميرَ المؤمِنين فإنّني ... مما لقيتُ مِن الحوادثِ موجَعُ )
( مُنِعَ القَرَارُ فجئتُ نحوك هارباً ... جيْشٌ يَجُرُّ ومِقْنَبٌ يَتَلَمَّع ) - كامل -
فقال عبد الملك وما خوفك لا أم لك لولا أنك مريب فقال عبد الله
( إنّ البلادَ عليَّ وهْي عريضةٌ ... وَعُرَتْ مذاهبُها وسُدّ المطلعُ ) - كامل
(13/178)

فقال له عبد الملك ذلك بما كسبت يداك وما الله بظلالمٍ للعبيد فقال عبد الله
( كنا تَنَحّلْنا البصائرَ مرّةً ... وإليك إذ عمِي البصائرُ نَرْجِعُ )
( إن الذي يَعْصِيك منا بعدها ... مِن دينه وحياته متودِّع )
( آتِي رِضاك ولا أعودُ لمثلها ... وأطيعُ أمرَك ما أمرْتَ وأسمعُ )
( أُعْطِي نصيحتِيَ الخليفةَ ناخِعاً ... وخِزامةَ الأنف المَقُودِ فَأَتْبَعُ ) - كامل -
فقال له عبد الملك هذا لا نقبله منك إلا بعد المعرفة بك وبذنبك فإذا عرفت الحوبة قبلنا التوبة فقال عبد الله
( ولقد وطئْتَ بني سعيد وَطْأةً ... وابنَ الزبير فَعَرْشُه متضَعْضِعُ ) - كامل -
فقال عبد الملك لله الحمد والنمة على ذلك فقال عبد الله
( ما زلْتَ تَضْرِبُ مَنْكِباً عن مَنْكِبٍ ... تعلو ويسفل غيركُمْ ما يُرْفَعُ )
( ووَطِئتُمُ في الحرب حتى أصبحوا ... حَدَثاً يَكُوسُ وغابراً يتجعجع )
( فحوى خلافَتَهُمْ ولم يظلمْ بها ... ألقَرْمُ قَرْمُ بني قُصِيِّ الأنزعُ )
(13/179)

( لا يستوي خاوي نجومٍ أُفَّلٍ ... والبدرُ منبلجاً إذا ما يطلع )
( وُضِعَتْ أميّةُ واسطين لقومهمْ ... وَوُضِعْتَ وَسْطَهمُ فَنِعْمَ الموضع )
( بيتٌ أبو العاصي بناه بِرَبْوةٍ ... عالي الْمَشارف عِزُّه ما يُدْفع )
فقال له عبد الملك إن توريتك عن نفسك لتريبني فأي الفسقة أنت وماذا تريد فقال
( حَرَبَتْ أُصَيْبِيَتِي يدٌ أرسلْتُها ... وإليك بعد مَعادِها ما ترجع )
( وأرى الذي يرجو تُراثَ محمدٍ ... أَفَلَتْ نجومُهُم ونجمُكَ يَسْطع ) - كامل -
فقال عبد الملك ذلك جزاء أعداء الله فقال عبد الله بن الحجاج
( فانعِشْ أُصَيْبِيَتِي الأُلاءِ كأنّهُمْ ... حَجَلٌ تَدَرَّجُ بالشَّرَبَّةِ جُوَّعُ ) - كامل -
فقال عبد الملك لا أنعشهم الله وأجاع أكبادهم ولا أبقى وليدا من نسلهم فإنهم نسل كافر فاجر لا يبالي ما صنع فقال عبد الله
( مالٌ لهمْ مما يُضَنُّ جَمَعْتُهُ ... يومَ القليب فَحِيزَ عنهُمْ أَجْمَعُ ) - كامل
(13/180)

فقال له عبد الملك لعلك أخذته من غير حله وأنفقته في غير حقه وأرصدت به لمشاقة أولياء الله وأعددته لمعاونة أعدائه فنزعه منك إذ استظهرت به على معصية الله فقال عبد الله
( أدنو لِتَرْحَمَني وتُجْبِرَفاقتي ... فأراك تَدْفَعُنِي فأين المَدْفَعُ ) - كامل -
فتبسم عبد الملك وقال له إلى النار فمن أنت الآن قال أنا عبد الله بن الحجاج الثعلبي وقد وطئت دارك وأكلت طعامك وأنشدتك فإن قتلتني بعد ذلك فأنت وما تراه وأنت بما عليك في هذا عارف ثم عاد إلى إنشاده فقال
( ضاقت ثيابُ المُلبِسين وفضلُهُمْ ... عنِّي فألبِسْني فَثَوْبُكَ أَوْسَعُ ) - كامل -
فنبذ عبد الملك إليه رداء كان على كتفه وقال البسه لا لبست فالتحف به ثم قال له عبد الملك أولى لك والله لقد طاولتك طمعا في أن يقوم بعض هؤلاء فيقتلك فأبى الله ذلك فلا تجاورني في بلد وانصرف آمنا قم حيث شئت
قال اليزيدي في خبره قال عبد الله بن الحجاج ما زلت أتعرف منه ما أكره حتى أنشدته قولي
( ضاقت ثيابُ الملبِسين وفضلُهُمْ ... عني فألبِسْني فَثَوْبُكَ أوسعُ )
فرمى عبد الملك مطرفه وقال البسه فلبسته
(13/181)

ثم قال آكل يا أمير المؤمنين قال كل فأكل حتى شبع ثم قال أمنت ورب الكعبة فقال كن من شئت إلا عبد الله بن الحجاج قال فأنا والله هو وقد أكلت طعامك ولبست ثيابك فأي خوف علي بعد ذلك فأمضى له الأمان
ونسخت من كتاب أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابي قال
كان عبد الله بن الحجاج قد خرج مع نجدة بن عامر الحنفي الشاري فلما انقضى أمره هرب وضاقت عليه الأرض من شدة الطلب فقال في ذلك
( رأيْتُ بلادَ اللَّه وهْيَ عريضةٌ ... على الخائفِ المطرودِ كفّةَ حابِل )
( تودِّي إليه أن كلَّ ثنيّة ... تَيَمَّمها ترْمِي إليه بقاتِل ) - طويل -
التجاؤه إلى أحيح وهجاؤه بعد غدره به
قال ثم لجأ إلى أحيح بن خالد بن عقبة بن أبي معيط فسعى به إلى الوليد بن عبد الملك فبعث إليه بالشرط فأخذ من دار أحيح فأتي به الوليد فحبسه فقال وهو في الحبس
( أقول وذاك فَرْطُ الشوقِ منّي ... لِعَيْنِي إذ نَأَتْ ظَمْيَاءُ فِيضِي )
( فما للقلب صبرٌ يوم بانتْ ... وما للدمع يُسفَحُ من مَغِيض )
( كأنَّ مُعَتَّقاً من أَذْرِعاتٍ ... بماءِ سحابةٍ خَصِرٍ فضيضِ )
(13/182)

( بِفيها إذ تُخافِتُنِي حياءً ... بسرٍّ لا تبوحُ به خفيِض )
يقول فيها
( فإن يُعْرِضَ أبو العبّاسِ عنّي ... ويركبْ بي عَروضاً عن عَروضِ )
( ويجعلْ عُرْفَهُ يوماً لِغيِري ... ويُبْغِضْني فإنِّي مِن بغِيضِ )
( فإنِّي ذو غِنىً وكريمُ قومٍ ... وفِي الأكفاءِ ذو وجهٍ عرِيضِ )
( غلبْتَ بني أبي العاصي سَمَاحاً ... وفي الحرب المذكَّرةِ العضوضِ )
( خرجْتَ عليهِمُ في كلْ يومٍ ... خروجَ القِدْح من كفِّ الْمُفيضِ )
( فِدًى لك مَنْ إذا ما جئْتُ يوماً ... تلّقاني بجامعةٍ رَبوضِ )
( على جنب الْخُوان وذاك لؤمٌ ... وبْئِسَتْ تُحفَة الشيخ المريضِ )
( كأني إذْ فزِعْتُ إلى أُحَيْحٍ ... فزعْتُ إلى مُقَوْقِيَةٍ بَيُوض )
( إِوزةِ غَيْضةٍ لَقِحَتْ كِشافاً ... لِقُحْقُحِها إذا دَرَجَتْ نقيضُ ) - وافر -
قال فدخل أحيح على الوليد بن عبد الملك فقال يا أمير المؤمنين أن عبد الله بن الحجاج قد هجاك قال بماذا فأنشده قوله
( فإنْ يُعرضْ أبو العباس عنّي ... ويركبْ بي عَروضاً عن عروضِ )
( ويجعلْ عُرْفَه يوماً لغيري ... ويُبْغِضْني فإني من بغيض )
(13/183)

فقال الوليد وأي هجاء هذا هو من بغيض إن أعرضت عنه أو أقبلت عليه أو أبغضته ثم ماذا فأنشده
( كأني إذ فزعْتُ إلى أحيح ... فَزِعْتُ إلى مُقَوْقِيَةٍ بَيُوضِ ) - وافر - فضحك الوليد ثم قال ما أراه هجا غيرك فلما خرج من عنده أحيح أمر بتخلية سبيل عبد الله بن الحجاج فأطلق وكان الوليد إذا رأى أحيحا ذكر قول عبد الله فيه فيضحك منه
هجاؤه لكثير بن شهاب
حدثنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا خلاد بن يزيد الأرقط عن سالم بن قتيبة وحدثني يعقوب بن القاسم الطلحي قال حدثني غير واحد منهم عبد الرحمن بن محمد الطلحي قال حدثني أحمد بن معاوية قال سمعت أبا علقمة الثقفي يحدث قال أبو زيد وفي حديث بعضهم ما ليس في حديث الآخر وقد ألفت ذلك قال كان كثير بن شهاب بن الحصين بن ذي الغصة بن يزيد بن شداد بن قنان بن سلمة بن وهب بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن كعب على ثغر الري ولاه إياه المغيرة بن شعبة إذ كان خليفة معاوية على الكوفة وكان عبد الله بن الحجاج معه فأغار الناس على الديلم فأصاب عبد الله بن الحجاج رجلا منهم فأخذ سلبه فانتزعه منه كثير وأمر بضربه فضرب مائة سوط وحبس فقال عبد الله في ذلك وهو محبوس
( تسائِلُ سلمى عن أبيها صِحابَه ... وقد علِقَتْه من كَثِيرٍ حبائِلُ )
( فلا تسألِي عنّي الرفاقَ فإنّه ... بأبهَرَ لا غازٍ ولا هو قافِلُ )
(13/184)

( أَلَسْتُ ضربْتُ الدَّيلميَّ أمامَهُمْ ... فَجَدَّلْتُه فيه سِنانٌ وعامِل ) - طويل -
فمكث في الحبس مدة ثم أخلي سبيله فقال
( سأترك ثغر الري ما كنت واليا ... عليه لأمرٍ غالني وشجاني )
( فإن أنا لم أُدْرِك بثأري وأَتَّئِرْ ... فلا تَدْعُنِي للصَّيْدِ من غَطَفَان )
( تمنَّيتَنِي يا ابنَ الحصيْنِ سَفاهةً ... ومالك بي يا ابنَ الحصيِن يدان )
( فإنِّي زعيمٌ أنْ أجَلِّلَ عاجلاً ... بسيفي كِفاحاً هامةَ ابنِ قَنَان ) - طويل -
قال فلما عزل كثير وقدم الكوفة كمن له عبد الله بن الحجاج في سوق التمارين وذلك في خلافة معاوية وإمارة المغيرة بن شعبة على الكوفة وكان كثير يخرج من منزله إلى القصر ليحدث المغيرة فخرج يوما من داره إلى المغيرة يحدثه فأطال وخرج من عنده ممسيا يريد داره فضربه عبد الله بعمود حديد على وجهه فهتم مقاديم أسنانه كلها وقال في ذلك
( مَنْ مُبْلِغٌ قَيْساً وخِنْدفَ أنني ... ضَرَبْتُ كَثِيراً مَضْرِبَ الظَّرَبانِ )
( فأُقسِمُ لا تَنْفَكُّ ضَرْبَةُ وجهِه ... تُذِلُّ وتُخْزِي الدَّهرَ كلَّ يمَانِ )
( فإن تَلقنِي تَلْقَ امرِأً قد لقيته ... سريعاًإلى الهيجاء غير جبانِ )
(13/185)

( وتَلْقَ امرأً لم تَلْقَ أمُّك بِرَّه ... على سابحٍ غَوْجِ اللَّبان حِصان )
( وحوليَ مِن قيسٍ وخِنْدِفَ عصبةٌ ... كرامٌ على البَأْساء والحدثان )
( وإن تَكُ للسِّنْخِ الذي غَصَّ بالحصَى ... فإنِّي لِقَرْمٍ يا كَثِيرُ هِجَانِ )
( أنا ابنُ بني قيسٍ عليَّ تعطَّفَتْ ... بَغِيضُ بن ريثٍ بعدَ آل دجان ) - طويل -
وقال في ذلك أيضا عبد الله بن الحجاج
( مَنْ مبلغ قيساً وخِنْدِفَ أنني ... أدركْتُ مَظلِمَتي من ابن شهابِ )
( أدركتُهُ أجري على مَحْبُوكةٍ ... سُرُحِ الجِراءِ طويلةِ الأقرابِ )
( جرْداءَ سُرْحوبٍ كأنّ هُوِيَّها ... تعلُو بجُؤْجُئِهَا هُوِيُّ عُقاب )
( خُضْتُ الظلامَ وقد بَدَت لي عورةٌ ... منه فَأَضْرِبه على الأنياب )
( فتركْتُه يكبُو لِفِيهِ وأَنفِهِ ... ذَهِلَ الجَنان مضرّجَ الأثواب )
( هلا خشِيتَ وأنت عادٍ ظالمٌ ... بقصور أبْهَرَ نَصْرَتي وعقابي )
( إذ تستحِلُّ وكان ذاك مُحَرَّماً ... جَلَدي وتَنزعُ ظالماً أثوابي )
( ما ضرّه والحُرُّ يطلب وتْرَهُ ... بأشمَّ لا رَعِشٍ ولا قَبْقابِ ) - كامل
(13/186)

انتصار معاوية لعبد الله بن الحجاج
قال فكتب ناس من اليمانية من أهل الكوفة إلى معاوية إن سيدنا ضربه خسيس من غطفان فإن رأيت أن تقيدنا من أسماء بن خارجة فلما قرأ معاوية الكتاب قال ما رأيت كاليوم كتاب قوم أحمق من هؤلاء وحبس عبد الله بن الحجاج وكتب إليهم إن القود ممن لم يجن محظور والجاني محبوس حبسته فليقتص منه المجني عليه فقال كثير بن شهاب لا أستقيدها إلا من سيد مضر فبلغ قوله معاوية فغضب وقال أنا سيد مضر فليستقدها مني وأمن عبد الله بن الحجاج وأطلقه وأبطل ما فعله بابن شهاب فلم يقتص ولا أخذ له عقلا
قال أبو زيد وقال خلاد الأرقط في حديثه إن عبد الله بن الحجاج لما ضربه بالعمود قال له أنا عبد الله بن الحجاج صاحبك بالري وقد قابلتك بما فعلت بي ولم أكن لأكتمك نفسي وأقسم بالله لئن طالبت فيها بقود لأقتلنك فقال له أنا أقتص من مثلك والله لا أرضى بالقصاص إلا من أسماء بن خارجة وتكلمت اليمانية وتحارب الناس بالكوفة فكتب معاوية إلى المغيرة أن أحضر كثيرا وعبد الله بن الحجاج فلا يبرحان من مجلسك حتى يقتص كثير أو يعفو فأحضرهما المغيرة فقال قد عفوت وذلك لخوفه من عبد الله بن الحجاج أن يغتاله قال وقال لي يا أبا الأقيرع والله لا نلتقي أنت ونحن جميعا أهتمان وقد عفوت عنك
ونسخت من كتاب ثعلب عن ابن الأعرابي قال كان لعبد الله بن الحجاج ابنان يقال لأحدهما عوين والثاني جندب فمات جندب وعبد الله حي فدفنه بظهر الكوفة فمر أخوه عوين بحراث إلى جانب قبر جندب
(13/187)

فنهاه أن يقربه بفدانه وحذَّره ذلك فلما كان الغد وجده قد حرث جانبه وقد نبشه وأضر به فشد عليه فضربه بالسيف وعقر فدانه وقال
( أقول لحرَّاثَيْ حريمي جنِّبا ... فَدَانَيْكما لا تُحْرِثا قبر جندبِ )
( فإنكما إِنْ تحرثاه تُشَرَّدا ... ويذهبْ فَدَانٌ منكما كلَّ مذهب ) - طويل -
استعطافه عبد الملك
قال فأخذ عوين فاعتقله السجان فضربه حتى شغله بنفسه ثم هرب فوفد أبوه إلى عبد الملك فاستوهب جرمه فوهبه وأمر بألا يتعقب فقال عبد الله بن الحجاج يذكر ما كان من ابنه عوين
( لَمِثْلُكَ يا عويْنُ فَدَتْك نفسِي ... نجا من كُرْبَةٍ إن كان ناجي )
( عَرَفْتُك من مُصاصِ السِّنْخِ لما ... تركْتُ ابن العُكامِسِ في العَجاج )
قال ولما وفد عبد الله بن الحجاج إلى عبد الملك بسبب ما كان من ابنه عوين مثل بين يديه فأنشده
( يابن أبي العاصي ويا خير فَتَى ... أنت النجيبُ والخِيارُ المصطفى )
( أنت الذي لم تدَعِ الأمرَ سُدَى ... حينَ كشفْتَ الظُّلُمَاتِ بالهدى )
( ما زلْتَ إن نازٍ على الأمر انتزَى ... قَضَيْته إنَّ القضاء قد مضى )
( كما أذقْتَ ابن سعيدٍ إذ عصى ... وابنَ الزبير إذ تسمَّى وطغى )
(13/188)

( وأنتَ إن عُدَّ قديم وبِنَى ... من عبد شمس في الشَّماريخ العُلَى )
( جِيبَتْ قريشٌ عنكُمُ جَوْبَ الرَّحَى ... هل أنت عاف عن طريدٍ قد غوى )
( أهْوَى على مَهْواةِ بِئرٍ فهَوَى ... رَمَى به جُوْلٌ إلى جُول الرَّجا )
( فتجبرَ اليومَ به شيخاً ذَوَى ... يعوِي مع الذئب إذ الذئبُ عوى )
( وإن أراد النومَ لم يَقْضِ الكرى ... من هَوْلِ ما لاقى وأهوال الردى )
( يشكُر ذاك ما نفَتْ عينٌ قذَى ... نفسي وآبائي لك اليوم الفِدا ) - رجز -
فأمر عبد الملك بتحمل ما يلزم ابنه من غرم وعقل وأمنه
ونسخت من كتاب ثعلب عن ابن الأعرابي قال وفد عبد الله بن الحجاج إلى عبد العزيز بن مروان ومدحه فأجزل صلته وأمره بأن يقيم عنده ففعل فلما طال مقامه اشتاق إلى الكوفة وإلى أهله فاستأذن عبد العزيز فلم يأذن له فخرج من عنده غاضبا فكتب عبد العزيز إلى أخيه بشر أن يمنعه عطاءه فمنعه ورجع عبد الله لما أضر به ذلك إلى عبد العزيز وقال يمدحه
( تركت ابنَ ليلى ضَلَّةً وحَرِيمَه ... وعند ابنِ ليلى معقِل ومُعَوَّلُ )
( ألم يَهْدِني أنَّ الْمُرَاغَم واسعٌ ... وأنّ الديار بالمقيم تَنَقَّلُ )
(13/189)

( سأحكم أمري إنْ بدا لي رُشْدُه ... وأختارُ أهلَ الخيرِ إن كنتُ أعقل )
( وأترك أوطاري وألحقُ بامرىءٍ ... تَحَلَّبُ كفّاه النَّدَى حين يُسْأَل )
( أَبَتْ لك يا عبدَ العزيزِ مآثرٌ ... وجَريٌ شأَى جرْيَ الجياد وأوّلُ )
( أبي لك إذْ أكْدَوْا وقلَّ عطاؤُهُمْ ... مواهبُ فَيّاضٍ ومجدٌ مؤثَّل )
( أبوك الذي يَنْميك مروانُ للعلى ... وسَعْدُ الفتى بالخال لا مَنْ يُخَوَّل ) - طويل -
فقال له عبد العزيز أما إذ عرفت موضع خطئك واعتزمت به فقد صفحت عنك وأمر باطلاق عطائه ووصله وقال له أقم ما شئت عندنا أو انصرف مأذونا لك إذا شئت
ونسخت من كتابه أيضا
كان عمر بن هبيرة بن معية بن سكين قد ظلم عبد الله بن الحجاج حقا له واستعان عليه بقومه فلقوه في بعلبك فعاونوا عبد الله بن الحجاج عليه وفرقوه بالسياط حتى انتزعوا حقه منه فقال عبد الله في ذلك
( ألا أبلِغْ بني سعدٍ رسولاً ... ودونهُمُ بُسَيْطةُ فالمعاط )
( أميطُوا عنكُمُ ضَرْطَ ابن ضرطٍ ... فإنّ الخُبْثَ مِثْلهمُ يُماط )
(13/190)

( ولي حقٌّ فَرَاطةُ أوّلِينا ... قديماً والحقوق لها افتراط )
( فما زالت مباسطتي ومَجْدي ... وما زال التهايُط والمِياط )
( وجدِّي بالسياط عليك حتّى ... تُرِكْتَ وفي ذُناباكَ انبساط )
( مَتى ما تعترِضْ يوماً لحقِّي ... تلاقِكَ دونَه سُعْرٌ سِباط )
( من الحيَّينِ ثعلبةَ بن سَعْدٍ ... ومرَّةَ أخذ جمعِهِمُ اعتباط )
( تراهُمْ في البيوت وهُمْ كسالىَ ... وفي الهيجا إذا هِيجوا نِشاط ) - وافر -
والقصيدة التي فيها الغناء بذكر أمر عبد الله بن الحجاج أولها
( نَأَتْك ولم تخشَ الفِراقَ جَنوبُ ... وشطَّتْ نَوًى بالضاعنين شَعُوب )
( طَرِبْتَ إلى الحيِّ الذين تحمَّلوا ... بِبُرْقَة أحوازٍ وأنت طروب )
( فظَلْتُ كأنِّي ساوَرَتْني مُدامةٌ ... تمنى بها شَكْسُ الطِّباع أريب )
( تُمرُّ وتستحلي على ذاك شَرْبُها ... لوجه أخيها في الإِناء قُطوبُ )
( كُمَيْتٌ إذا صُبَّتْ وفي الكأس وردةٌ ... لها في عظام الشاربين دبيب )
( تَذَكَّرْتُ ذِكرَى من جنوبَ مصيبة ... ومالك من ذكرى جنوبَ نصيبُ )
( وأنىَّ ترجَّي الوصلَ منها وقد نأتْ ... وتبخلُ بالموجود وَهْيَ قريب )
( فما فوقَ وَجْدي إذ نأتْ وَجْدُ واجدٍ ... من النّاس لو كانت بذاك تثيب )
(13/191)

( برَهْرَهَةٌ خَوْدٌ كأنَّ ثيابها ... على الشَّمس تبدو تارةً وتغيب )
وهي قصيدة طويلة
الحجاج يحرض عبد الملك عليه
ونسخت من كتاب ثعلب عن ابن الأعرابي قال كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يعرفه آثار عبد الله بن الحجاج وبلاءه من محاربته وأنه بلغه أنه أمنه ويحرضه ويسأله أن يوفده إليه ليتولى قتله وبلغ ذلك عبد الله بن الحجاج فجاء حتى وقف بين يدي عبد الملك ثم أنشده
( أعوذُ بثوْبَيْك اللَّذَيْنِ ارتداهما ... كريمُ الثَّنا مِن جَيْبه المِسْكُ ينفحُ )
( فإن كنتُ مأكولاً فكن أنتَ آكلي ... وإن كنتُ مذبوحاً فكن أنتَ تذبحُ ) - طويل -
فقال عبد الملك ما صنعت شيئا فقال عبد الله
( لأنتَ وخيرُ الظّافرين كرامُهُمْ ... عن المُذْنِبِ الخاشي العقابَ صَفُوحُ )
( ولو زَلِقَتْ من قَبْلِ عفوك نعلُه ... ترامى به دَحْض المَقَام بَريحُ )
( نمى بك إن خانت رجالاً عُرُوقهمْ ... أُرُومٌ ودِينٌ لم يَخُنْكَ صحيح )
( وَعَرْفٌ سَرَى لم يَسْرِ في الناس مثلُه ... وشأوٌ على شأو الرجال مَتوح )
( تدارَكَني عفوُ ابن مروانَ بعدما ... جَرَى لي من بعد الحياة سنيح )
( رفعتُ مريحاً ناظريَّ ولم أَكَدْ ... من الهمِّ والكَرْب الشديد أريح ) - طويل
(13/192)

فكتب عبد الملك إلى الحجاج إني قد عرفت من خبث عبد الله وفسقه ما لا يزيدني علما به إلا أنه اغتفلني متنكرا فدخل داري وتحرم بطعامي واستكساني فكسوته ثوبا من ثيابي وأعاذني فأعذته وفي دون هذا ما حظر علي دمه وعبد الله أقل وأذل من أن يوقع أمرا أو ينكث عهدا في قتله خوفا من شره فإن شكر النعمة وأقام على الطاعة فلا سبيل عليه وإن كفر ما أوتي وشاق الله ورسوله وأولياءه فالله قاتله بسيف البغي الذي قتل به نظراؤه ومن هو أشد بأسا وشكيمة منه من الملحدين فلا تعرض له ولا لأحد من أهل بيته إلا بخير والسلام
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني قال كانت في القريتين بركة من ماء وكان بها رجل من كلب يقال له دعكنة لا يدخل البركة معه أحد إلا غطّه حتى يغلبه فغط يوما فيها رجلا من قيس بحضرة الوليد بن عبد الملك حتى خرج هاربا فقال ابن هبيرة وهو جالس عليها يومئذ اللهم اصبب علينا أبا الأقيرع عبد الله بن الحجاج فكان أول رجل انحدرت به راحلته فأناخها ونزل فقال ابن هبيرة للوليد هذا أبو الأقيرع والله يا أمير المؤمنين أيهما أخزى الله صاحبه به فأمره الوليد أن ينحط عليه في البركة والكلبي فيها واقف متعرض للناس وقد صدوا عنه فقال له يا أمير المؤمنين إني أخاف أن يقتلني فلا يرضى قومي إلا بقتله أو أقتله فلا ترضى قومه إلا بمثل ذلك وأنا رجل
(13/193)

بدوي ولست بصاحب مال فقال دعكنة يا أمير المؤمنين هو في حل وأنا في حل فقال له الوليد دونك فتكأكا ساعة كالكارة حتى عزم عليه الوليد فدخل البركة فاعتنق الكلبي وهوى به إلى قعرها ولزمه حتى وجد الموت ثم خلى عنه فلما علا غطه غطة ثانيه وقام عليه ثم أطلقه حتى تروح ثم أعاده وأمسكه حتى مات وخرج ابن الحجاج وبقي الكلبي فغضب الوليد وهم به فكلمه يزيد وقال أنت أكرهته أفكان يمكن الكلبي من نفسه حتى يقتله فكف عنه فقال عبد الله بن الحجاج في ذلك
( نجَّاني اللَّهُ فَرْداً لا شريك له ... بالقريتين ونفسٌ صُلْبَةُ العود )
( وذِمَّةٌ مِن يزيدٍ حالَ جانِبُها ... دوني فأنجِيتُ عفواً غيرَ مجهود )
( لولا الإلهُ وصبري في مغاطستِي ... كان السليمَ وكنت الهالكَ المُودِي ) - بسيط -
صوت
( يا حَبَّذا عملُ الشيطان من عملٍ ... إنْ كان من عملِ الشيطان حُبِّيها )
( لَنظرةٌ من سليمى اليومَ واحدةٌ ... وأشهَى إليَّ من الدُّنيا وما فيها ) - بسيط -
الشعر لناهض بن ثومة الكلابي أنشدنيه هاشم بن محمد الخزاعي قال أنشدنا الرياشي قال أنشدنا ناهض بن ثومة أبو العطاف الكلابي هذين البيتين لنفسه وأخبرني بمثل ذلك عمي عن الكراني عن الرياشي والغناء لأبي العبيس بن حمدون ثقيل أول ينشد بالوسطى
(13/194)

أخبار ناهض بن ثومة ونسبه
هو ناهض بن ثومة بن نصيح بن نهيك بن إمام بن جهضم بن شهاب بن أنس بن ربيعة بن كعب بن بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة شاعر بدوي فارس فصيح من الشعراء في الدولة العباسية وكان يقدم البصرة فيكتب عنه شعره وتؤخذ عنه اللغة روى عنه الرياشي وأبو سراقة ودماذ وغيرهم من رواة البصرة وكان يهجوه رجل من بني الحارث بن كعب يقال له نافع بن أشعر الحارثي فأثرى عليه ناهض فمما قاله في جواب قصيدة هجا بها قبائل قيس قصيدة ناهض التي أولها
( ألا يا اسلما يأيُّها الطَّلَلاَنِ ... وهلْ سالمٌ باقٍ على الحَدَثانِ )
( أبيْنا لنا حُيِّيتُما اليومَ إننا ... مبينان عن مَيْلٍ بما تَسَلانِ )
( متى العهدُ مِنْ سلمى التي بَتَّت القُوى ... وأسماءَ إن العهد منذ زمان )
( ولا زال ينهلُّ الغمامُ عليكما ... سبيلَ الرُّبَى من وابلٍ ودِجانِ )
( فإنْ أنتما بيَّنتما أو أجبْتما ... فلا زلتما بالنبْتِ ترتديان )
( وجُرَّ الحريرُ والفِرِنْدُ عليكما ... بأذيالِ رَخْصَاتِ الأكُفِّ هِجان )
(13/195)

( نظرْتُ ودوني قِيدُ رُمْحَيْن نظرةً ... بعينين إنساناهما غَرِقان )
( إلى ظُعُنٍ بالعاقِرَيْن كأنّها ... قرائنُ من دوحِ الكثيبِ ثمانِ )
( لسلمى وأسماءَ اللتين أَكَنّتَا ... بقلبي كَنِينَيْ لوعةٍ وضمان )
( عسى يُعقِبُ الهجرُ الطويل تدانيا ... ويا ربَّ هجرٍ مُعْقِبٍ بتداني )
( خليليَّ قد أكثرْتما اللومَ فاربَعا ... كَفَانِيَ ما بي لو تُرِكْتُ كفاني )
( إذا لم تصلْ سَلمى وأسماءُ في الصِّبا ... بحبليْهما حَبْلي فَمَنْ تَصِلانِ )
( فَدَعْ ذا ولكن قد عجبْتُ لنافع ... ومَعواه من نَجرانَ حيث عواني )
( عوى أَسَداً لا يزدهيه عِواؤه ... مقيماً بِلَوْذَيْ يَذْبُلٍ وذِقان )
( لعمري لقد قال ابنُ أشعَرَ نافعٌ ... مقالةَ مَوْطُوءِ الحريم مهان )
(13/196)

( أيزعم أنّ العامريّ لفعله ... بِعاقِبةٍ يُرْمَى به الرَّجَوان )
( ويذكر إنْ لاقاه زلّةَ نعلِه ... فجىءْ للذي لم يستبنْ ببيان )
( كذبتَ ولكِن بابن علبةَ جعفرٍ ... فدَع ما تمنّى زَلَّتِ القَدَمان )
( أُصِيْبَ فلم يُعْقَلْ وطُلّ فلم يُقَدْ ... فذاك الذي يَخزَى به الأَبَوان )
( وحُقَّ لمن كان ابنُ أشعر ثَائِراً ... به الطَّلُّ حَتَّى يحشر الثَّقَلانِ )
( ذليلٌ ذليلُ الرهط أعمَى يسومُه ... بنو عامر ضَيْماً بكل مكان )
( فلم يَبْقَ إلاّ قوله بلسانه ... وما ضَرَّ قولٌ كاذبٌ بلسانِ )
( هجا نافعٌ كعباً ليدرك وِتْرَه ... ولم يَهْجُ كعبٌ نافعاً لآوان )
( ولم تَعْفُ من آثار كعبٍ بوجهه ... قوارعُ منها وُضَّحٌ وقوان )
( وقد خضَّبوا وجهَ ابنِ علبةَ جعفرٍ ... خضابَ نجيعٍ لا خضابَ دِهان )
( فلم يَهْجُ كعباً نافعٌ بعد ضربةٍ ... بسيفٍ ولم يَطْعُنْهمُ بِسِنان )
( فما لك مَهْجًى يا ابن أشعرَ فاكتعِمْ ... على حَجَرٍ واصبر لكل هوان )
( إذا المرء لم ينهض فيثأرْ بعمِّه ... فليس يُجَلَّى العارُ بالهَذَيان )
( أبي قيسُ عيلانٍ وعمِّيَ خِنْدِفٌ ... ذَوا البَذْخِ عند الفخر والخَطَران )
( إذا ما تجمَّعْنا وسارتْ حِذاءنا ... ربيعة لم يُعدَلْ بنا أخوانِ )
( أليس نبيُّ اللَّه منّا محمدٌ ... وحمزةُ والعباسُ والعمرانِ )
(13/197)

( ومنا ابنُ عباسٍ ومنا ابن عمِّه ... عليٌّ إمامُ الحق والحَسَنانِ )
( وعثمان والصِّدِّيقُ مناوإننا ... لنعلم أنَّ الحقَّ ما يَعدان )
( ومنا بنو العباس فضلاً فمن لكُمْ ... هَلُمُّوه أوْلا يَنْطِقَنَّ يمان ) - طويل -
قال فأنشد ناهض هذه االقصيدة أيوب بن سليمان بن علي بالبصرة وعنده خال له من الأنصار فلما ختمها بهذا البيت قال الأنصاري أخرسنا أخرسه الله وكان جده نصيح شاعرا وهو الذي يقول
( ألا مَن لقلبٍ في الحِجاز قسيمُه ... ومنه بأكنافِ الحجاز قسيمُ )
( معاوِدِ شكوى أنْ نأتْ أمُّ سالِمٍ ... كما يَشْتكِي جُنحَ الظلامِ سليم )
( سليمٌ لِصِلٍّ أَسْلَمَتْهُ لما بِهِ ... رُقىً قَلَّ عنه دَفْعُها وتميم )
( فلم تَرِمِ الدارَ البُرَيْصَاءَ فالصفا ... صَفاها فخَلاَّها فأين ترِيمُ )
( وقفْتُ عليها بازلاً ناهِجِيَّةً ... إذا لم أزُعْها بالزمامِ تَعُوم )
( كنازاً من الاتي كأنَّ عِظامها ... جُبِرْنَ على كسرٍ فَهُنَّ عثوم ) - طويل -
الفضل بن العباس يتحدث في بداوة ناهض
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن القاسم قال حدثني الفضل بن العباس الهاشمي من ولد قثم بن جعفر بن سليمان
(13/198)

عن أبيه قال
كان ناهض بن ثومة الكلابي يفد على جدي قثم فيمدحه ويصله جدي وغيره وكان بدويا جافيا كأنه من الوحش وكان طيب الحديث فحدثه يوما أنهم انتجعوا ناحية الشام فقصد صديقا له من ولد خالد بن يزيد بن معاوية كان ينزل حلب فإذا نزل نواحيها أتاه فمدحه وكان برا به قال فمررت بقرية يقال لها قرية بكر بن عبد الله الهلالي فرأيت دورا متباينة وخصاصا قد ضم بعضها إلى بعض وإذا بها ناس كثير مقبلون ومدبرون عليهم ثياب تحكي ألوان الزهر فقلت في نفسي هذا أحد العيدين الأضحى أو الفطر ثم ثاب إلي ما عزب عن عقلي فقلت خرجت من أهلي في بادية البصرة في صفر وقد مضى العيدان قبل ذلك فما هذا الذي أرى فبينا أنا واقف متعجب أتاني رجل فأخذ بيدي فأدخلني دارا قوراء وأدخلني منها بيتا قد نجد في وجهه فرش ومهدت وعليها شاب ينال فروع شعره منكبيه والناس حوله سماطان فقلت في نفسي هذا الأمير الذي حكي لنا جلوسه على الناس وجلوس الناس بين يديه فقلت وأنا ماثل بين يديه السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته فجذب رجل يدي وقال اجلس فإن هذا ليس بأمير قلت فما هو قال عروس فقلت واثكل أماه لرب عروس رأيته بالبادية أهون على أهله من هن أمه فلم أنشب أن دخل رجال يحملون هنات مدورات أما ما خف منها فيحمل حملا وأما ما كبر وثقل فيدحرج فوضع ذلك أمامنا وتحلق القوم عليه حلقا ثم أتينا بخرق بيض فألقيت بين
(13/199)

أيدينا فظننتها ثيابا وهممت أن أسأل القوم منها خرقا أقطعها قميصا وذلك أني رأيت نسجا متلاحما لا يبين له سدى ولا لحمة فلما بسطه القوم بين أيديهم إذا هو يتمزق سريعا وإذا هو فيما زعموا صنف من الخبز لا أعرفه ثم أتينا بطعام كثير بين حلو وحامض وحار وبارد فأكثرت منه وأنا لا أعلم ما في عقبه من التخم والبشم ثم أتينا بشراب أحمر في عساس فقلت لا حاجة لي فيه فإني أخاف أن يقتلني وكان إلى جانبي رجل ناصح لي أحسن الله جزاءه فإنه كان ينصح لي من بين أهل المجلس فقال يا أعرابي إنك قد أكثرت من الطعام وإن شربت الماء همى بطنك فلما ذكر البطن تذكرت شيئا أوصاني به أبي والأشياخ من أهلي قالوا لا تزال حيا ما كان بطنك شديدا فأذا اختلف فأوص فشربت من ذلك الشراب لأتداوى به وجعلت أكثر منه فلا أمل شربه فتداخلني من ذلك صلف لا أعرفه من نفسي وبكاء لا أعرف سببه ولا عهد لي بمثله واقتدار على أمري أظن معه أني لو أردت نيل السقف لبلغته ولو ساورت الأسد لقتلته وجعلت ألتفت إلى الرجل الناصح لي فتحدثني نفسي بهتم أسنانه وهشم أنفه وأهم أحيانا أن أقول له يا بن الزانية فبينا نحن كذلك إذ هجم علينا شياطين أربعة أحدهم قد علق في عنقه جعبة فارسية مشنجة الطرفين دقيقة الوسط مشبوحة بالخيوط شبحا منكرا ثم بدر الثاني فاستخرج من كمه
(13/200)

هنة سوداء كفيشلة الحمار فوضعها في فيه وضرط ضراطا لم أسمع وبيت الله أعجب منه فاستتم بها أمرهم ثم حرك أصابعه على أجحرة فيها فأخرج منها أصواتا ليس كما بدأ تشبه بالضراط ولكنه أتى منها لما حرك أصابعه بصوت عجيب متلائم متشاكل بعضه لبعض كأنه علم الله ينطق ثم بدا ثالث كز مقيت عليه قميص وسخ معه مرآتان فجعل يصفق بيديه إحداهما على الأخرى فخالطتا بصوتهما ما يفعله الرجلان ثم بدا رابع عليه قميص مصون وسراويل مصونة وخفان أجذمان لا ساق لواحد منهما فجعل يقفز كأنه يثب على ظهور العقارب ثم التبط به على الأرض فقلت معتوه ورب الكعبة ثم ما برح مكانه حتى كان أغبط القوم عندي ورأيت القوم يحذفونه بالدراهم حذفا منكرا ثم أرسل النساء إلينا أن أمتعونا من لهوكم هذا فبعثوا بهم وجعلنا نسمع أصواتهن من بعد وكان معنا في البيت شاب لا آبه له فعلت الأصوات بالثناء عليه والدعاء فخرج فجاء بخشبة عيناها في صدرها فيها خيوط أربعة فاستخرج من خلالها عودا فوضعه خلف أذنه ثم عرك آذانها وحركها بخشبة في يده فنطقت ورب الكعبة وإذا هي أحسن قينة رأيتها قط وغنى عليها فأطربني حتى استخفني من مجلسي فوثبت فجلست بين يديه وقلت بأبي أنت وأمي ما هذه الدابة فلست أعرفها للأعراب وما أراها خلقت إلا قريبا فقال هذا
(13/201)

البربط فقلت بأبي أنت وأمي فما هذا الخيط الأسفل قال الزير قلت فالذي يليه قال المثنى قلت فالثالث قال المثلث قلت فالأعلى قال البم قلت آمنت بالله أولا وبك ثانيا وبالبربط ثالثا وبالبم رابعا
قال فضحك أبي والله حتى سقط وجعل ناهض يعجب من ضحكه ثم كان بعد ذلك يستعيده هذا الحديث ويطرف به إخوانه فيعيده ويضحكون منه
وقد أخبرني بهذ الخبر أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا علي بن محمد النوفلي عن أبيه قال كان محمد بن خالد بن يزيد بن معاوية بحلب فأتاه أعرابي فقال له حدث أبا عبد الله يعني الهيثم بن النخعي بما رأيت في حاضر المسلمين فحدثه بنحو من هذا الحديث ولم يسم الأعرابي باسمه وما أجدره بأن يكون لم يعرفه باسمه ونسبه أو لم يعرفه الذي حدث به النوفلي عنه
الكعبي يستعدي قومه على من عقر إبله
نسخت من كتاب لعلي بن محمد الكوفي فيه شعر ناهض بن ثومة قال كان رجل من بني كعب قد تزوج امرأة من بني كلاب فنزل فيهم ثم أنكر منها بعض ما ينكره الرجل من زوجته فطلقها وأقام بموضعه في بني كلاب وكانوا لا يزالون يستحفون به ويظلمونه وإن رجلا منهم أورد إبله الماء
(13/202)

فوردت إبل الكعبي عليها فزاحمته لكنها ألفته على ظهره فتكشف فقام مغصباً بسيفه إلى إبل الكعبي فعقر منها عدة وجلاها عن الحوض ومضى الكعبي مستصرخا بني كلاب على الرجل فلم يصرخوه فساق باقي إبله واحتمل بأهله حتى رجع إلى عشيرته فشكا ما لقي من القوم واستصرخهم فغضبوا له وركبوا معه حتى أتوا حلة بني كلاب فاستاقوا إبل الرجل الذي عقر لصاحبهم ومضى الرجل فجمع عشيرته وتداعت هي وكعب للقتال فتحاربوا في ذلك حربا شديدا وتمادى الشر بينهم حتى تساعى حلماؤهم في القضية فأصلحوها على أن يعقل القتلى والجرحى وترد الإبل وترسل من العاقر عدة الإبل التي عقرها للكعبي فتراضوا بذلك واصطلحوا وعادوا إلى الإلفة فقال في ذلك ناهض بن ثومة
( أمِنْ طَلَلٍ بأخطبَ أبَّدَتْهُ ... نِجاءُ الوَبْل والدِّيَمُ النِّضاحُ )
( ومَرُّ الدهر يوماً بعد يوم ... فما أبقى المساءُ ولا الصباح )
( فكل محَلَّة غَنيَتْ بسلمى ... لِرَيْدات الرياح بها نُواح )
(13/203)

( تَطُلُّ على الجفون الحُزْنَ حتى ... دموعُ العين ناكزةٌ نزاح )
وهي طويلة يقول فيها
( هنيئاً للعدَى سخطٌ وزَعْمٌ ... وللفَرْعَيْن بينهما اصطلاحُ )
( وللعين الرقادُ فقد أطالت ... مساهرةً وللقلب انتجاحُ )
( وقد قال العُداةُ نرى كلاباً ... وكعباً بين صلحهما افتتاحُ )
( تداعَوْا للسَّلام وأمرِ نُجْحٍ ... وخيرُ الأمر ما فيه النجاح )
( ومدُّوا بينهم بحبال مَجْدٍ ... وثديٍ لا أَجَدُّ ولا ضَيَاح )
( ألم تَرَ أنَّ جمع القوم يُحشى ... وأنَّ حَريم واحدهمْ مباح )
( وأن القِدْح حين يكون فرداً ... فيُصْهر لا يكون له اقتداح )
( وإنك إن قبضْتَ بها جميعاً ... أَبَتْ ما سُمْتَ واحدَها القداح )
( أنا الخَطَّارُ دون بني كلابٍ ... وكعبٍ إنْ أتيح لهمْ مُتاحُ )
( أنا الحامي لهمْ ولكل قَرْمٍ ... أخٌ حَامٍ إذا جَدَّ النِّضَاحُ )
( أنا الليثُ الذي لا يزدهيه ... عُواءُ العاويات ولا النُّبَاح )
( سلِ الشعراءَ عني هل أَقَرَّتْ ... بقلبي أو عَفَتْ لهمُ الجراح )
( فما لكواهلِ الشُّعراءِ بُدٌّ ... من القَتَب الذي فيه لَحَاح )
(13/204)

( ومن تَوْرِيكِ راكبِهِ عليهمْ ... وإن كرهوا الركوب وإنْ ألاحوا ) - وافر -
شعره في وقعة بين بني نمير وكلاب
ونسخت من هذا الكتاب الذي فيه شعره أن وقعة كانت بين بني نمير وبني كلاب بنواحي ديار مضر وكانت لكلاب على بني نمير وأن نميرا استغاثت ببني تميم ولجأت إلى مالك بن زيد سيد تميم يومئذ بديار مضر فمنع تميما من إنجادهم وقال ما كنا لنلقي بين قيس وخندف دماء نحن عنها أغنياء وأنتم وهم لنا أهل وإخوة فإن سعيتم في صلح عاونا وإن كانت حمالة أعنا فأما الدماء فلا مدخل لنا بينكم فيها فقال ناهض بن ثومة في ذلك
( سلامُ اللَّه يا مالِ بنَ زيد ... عليك وخيرُ ما أُهْدي السلاما )
( تعلم أَيُّنا لكُمُ صديقٌ ... فلا تستعجلوا فينا الملاما )
( ولكنَّا وحيُّ بني تميم ... عداةٌ لا نرى أبداً سلاما )
( وإن كنا تَكافَفْنا قليلاً ... كحرف السِّيفِ ينهار انهداما )
( وهَيْضُ العظم يُصبح ذا انصداع ... وقد ظَنَّ الجهول بهِ التئاما )
( فلن ننسى الشبابَ الْمُوْدَ مِنَّا ... ولا الشِّيبَ الجحاجِحَ والكِراما )
( ونَوْحَ نوائحٍ منّا ومنهمْ ... مآتِم ما تجِفّ لهمْ سِجاما )
( فكيف يكون صلحٌ بعد هذا ... يرجِّي الجاهلون لهم تِماما )
(13/205)

( ألا قل للقبائِل من تميمٍ ... وخُصَّ لمالِكٍ فيها الكلاما )
( فزِيدُوا يا بني زيدٍ نمُيراً ... هَوانا إنه يُدْني الفِطاما )
( ولا تُبقوا على الأعداء شيئاً ... أعزَّ اللَّهُ نَصْرَكُمُ وداما )
( وجدْتُ المجدَ في حَيِّيْ تميمٍ ... ورَهْطِ الهَذْلَقِ المُوفي الذَّماما )
( نجوم القوم مازالوا هُداةً ... وما زَالُوا لآبيهم زِماما )
( هُمُ الرأسُ المُقَدَّم من تميمٍ ... وغاربُها وأوفاها سَناما )
( إذا ما غاب نجْمٌ آب نجمٌ ... أغرُّ ترى لطلعتِه ابتساما )
( فهذي لابن ثُومَةَ فانسُبُوها ... إليه لا اختفاءَ ولا اكتتاما )
( وإن رَغِمَتْ لذاك بنو نُمَيْرٍ ... فلا زالتْ أُنُوفُهُمُ رَغاما )
قال يعني بالهذلق الهذلق بن بشير أخا بني عتيبة بن الحارث بن شهاب وابنيه علقمة وصباحا
قال وكانت بنو كعب قد اعتزلت الفريقين فلم تصب كلابا ولا نميرا فلما ظفرت كلاب قال لهم ناهض
( ألا هل أتى كعباً على نَأْي دارهمْ ... وخُذْلانهمْ أَنَّا سَرَرْنا بني كَعْبِ )
( بما لَقِيَتْ منا نميرٌ وجمعُها ... غَداةَ أتيْنا في كتائبنا الغُلْب )
( فيا لك يوماً بالحمى لا نرى له ... شبيهاً وما في شَيْبانَ من عَتْب )
(13/206)

( أقامتْ نمير بالحمى غير رغبة ... فكانَ الذي نالتْ نميرٌ من النَّهْب )
( رؤوسٌ وأوصالٌ يزايل بينها ... سباعٌ تدلَّت من أبانَيْنِ والهضْب )
( لنا وَقَعاتٌ في نميرٍ تتابعتْ ... بضيْمٍ على ضَيْمٍ ونَكْبٍ على نَكْب )
( وقد علمتْ قيسُ بنُ عيلان كلُّها ... وللحرب أبناءٌ بأنَّا بنو الحَرْبِ )
( ألم تَرَهُمْ طُرًّا علينا تحزّبوا ... وليس لنا إلا الرُّدَيْنيُّ من حزْبِ )
( وإنا لنقتادُ الجيادَ على الوَجَى ... لأعدائنا مَن لا مُدانٌ ولا صَقْبُ )
( ففي أيِّ فجٍّ ما رَكَزْنا رماحَنا ... مَخُوْفٍ بِنَصْبٍ للعِدا حين لا نَصْب ) - طويل -
أخبرنا جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب قال حدثني أبو هفان قال حدثني غرير بن ناهض بن ثومة الكلابي قال كان شاعر من نمير يقال له رأس الكبش قد هاجى عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير زمانا وتناقضا الشعر بينهما مدة فلما وقعت الحرب بيننا وبين بني نمير قال عمارة يحرض كعبا وكلابا ابني ربيعة على بني نمير في هذه الحرب التي كانت بينهم فقال
( رأيتكما يابنَيْ ربيعةَ خُرْتُما ... وعَوَّلْتُما والحربُ ذات هريرِ )
(13/207)

( وَصَدَّقْتُما قول الفرزدق فيكما ... وكذَّبْتُما بالأمس قول جريرِ )
( فإنْ أنتما لم تَقْذِعا الخيلَ بالقنا ... فِصيرا مع الأنباط حيث تصير )
( تسومكما بغْياً نميرٌ هضيمةً ... ستُنجدُ أخبارٌ بهمْ وتغور ) - طويل -
قال فارتحلت كلاب حين أتاها هذا الشعر حتى أتوا نميرا وهم في هضبات يقال لهن واردات فقتلوا واجتاحوا وفضحوا نميرا ثم انصرفوا فقال ناهض بن ثومة يجيب عمارة عن قوله
( وَيَحْضُضنا عُمارةُ في نميرٍ ... ليَشْغَلَهُمْ بنا وبه أرابوا )
( ويزعمُ أننا خرْنا وأنّا ... لهم جارُ المقربّة المصابُ )
( سلَوا عنا نميراً هل وَقَعْنا ... بنزوتها التي كانت تُهاب )
( ألم تخضعْ لهم أَسَدٌ ودانت ... لهم سَعْدٌ وضَبَّةُ والرباب )
( ونحن نكُرُّها شُعْثاً عليهمْ ... عليها الشِّيبُ منا والشباب )
( رَغِبْنا عن دماء بني قُرَيع ... إلى القَلْعَينْ إنهما اللُّبابُ )
( صَبَحْنَاهُمْ بأرعنَ مكفهرٍّ ... يدفُّ كأنَّ رايتَه العُقَاب )
(13/208)

( أجشَّ من الصواهل ذي دويٍّ ... تلوح البِيضُ فيه والحِراب )
( فأشْعَلَ حين حلّ بوارداتٍ ... وثار لنقعه ثَمَّ انصبابُ )
( صَبَحْناهُمْ بها شُعْثَ النواصي ... ولم يُفْتَق من الصبح الحجابُ )
( فلم تُغمَدْ سيوفُ الهندِ حتى ... تعيلَتِ الحليلةُ والكَعَاب ) - وافر -
صوت
( أَعَرَفْتَ من سلمى رسومَ ديارِ ... بالشَّطِّ بين مُخْفِّقٍ وصَحارِ )
( وكأنما أَثَرُ النِّعاج بجَوِّها ... بمَدَافع الرَّكَبَيْنِ وَدْعُ جواري )
( وسألْتُها عن أهلها فوجدْتُها ... عمياءَ جاهلةً عن الأخبار )
( فكأنَّ عيني غَرْبُ أدهمَ داجنٍ ... متعوِّد الإقبال والإدبار ) - كامل -
الشعر للمخبل السعدي والغناء لإبراهيم هزج بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق قال الهشامي فيه لإبراهيم ثقيل أول ولعنان بنت خوط خفيف رمل
(13/209)

أخبار المخبل ونسبه
قال ابن الكلبي اسمه الربيع بن ربيعة وقال ابن دأب اسمه كعب ابن ربيعة وقال ابن حبيب وأبو عمرو اسمه ربيعة بن مالك بن ربيعة بن عوف بن قتال بن أنف الناقة بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة ابن تميم شاعر فحل من مخضرمي الجاهلية والإسلام ويكنى أبا يزيد وإياه عنى الفرزدق بقوله
( وَهَبَ القصائدَ لي النَّوابغُ إذ مَضَوْا ... وأبو يزيدَ وذو القُرُوح وجَرْوَلُ )
ذو القروح امرؤ القيس وجرول الحطيئة وأبو يزيد المخبل وذكره ابن سلام فجعله في الطبقة الخامسة من فحول الشعراء وقرنه بخداش بن زهير والأسود بن يعفر وتميم بن مقبل وهو من المقلين وعمر في الجاهلية والإسلام عمرا كثيرا وأحسبه مات في خلافة عمر أو عثمان رضي الله عنهما وهو شيخ كبير وكان له ابن فهاجر إلى الكوفة في أيام
(13/210)

عمر فجزع عليه جزعا شديدا حتى بلغ خبره عمر فرده عليه
هجره ولده وجزعه عليه
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه وأخبرني به هاشم بن محمد الخزاعي عن أبي غسان دماذ عن ابن الأعرابي قال هاجر شيبان بن المخبل السعدي وخرج مع سعد بن أبي وقاص لحرب الفرس فجزع عليه المخبل جزعا شديدا وكان قد أسن وضعف فافتقر إلى ابنه فافتقده فلم يملك الصبر عنه فكاد أن يغلب على عقله فعمد إلى إبله وسائر ماله فعرضه ليبيعه ويلحق بابنه وكان به ضنينا فمنعه علقمة بن هوذة بن مالك وأعطاه مالا وفرسا وقال أنا أكلم أمير المؤمنين عمر في رد ابنك فإن فعل غنمت مالك وأقمت في قومك وإن أبى استنفقت ما أعطيتك ولحقت به وخلفت إبلك لعيالك ثم مضى إلى عمر رضوان الله عليه فأخبره خبر المخبل وجزعه على ابنه وأنشده قوله
( أَيُهْلِكُني شيبانُ في كلِّ ليلة ... لقلبِيَ من خوف الفِراق وَجيبُ )
( أشيبانُ ما أدراك أنْ كلُّ ليلة ... غَبَقْتُك فيها والغَبوق حبيبُ )
( غَبَقْتُك عُظْماها سناماً أو انبرى ... برِزقك بَرَّاق المُتُون أريبُ )
( أشيبانُ إن تأبى الجيوش بحدّهمْ ... يقاسون أياماً لهنَّ خطوب )
( ولا هَمَّ إلا البَزُّ أو كلُّ سابح ... عليه فتىً شاكي السلاحِ نجيبُ )
( يَذُودُون جُند الْهُرْمُزَانِ كأنّما ... يذودون أوراد الكلاب تلوب )
(13/211)

( فإن يكُ غُصْني أصبحَ اليوم ذاوياً ... وغُصْنُكَ من ماء الشباب رطيبُ )
( فإنِّي حَنَتْ ظهري خطوبٌ تتابعت ... فَمَشْيِي ضعيفٌ في الرجال دبيبُ )
( إذا قال صَحْبي يا ربيعُ ألا ترى ... أرى الشخص كالشخْصين وهو قريب )
( ويخبرني شيبانُ أنْ لن يعقَّني ... تَعُقُّ إذا فارقْتَني وتحوب )
( فلا تُدْخِلنَّ الدَهرَ قبرَك حوبة ... يقوم بها يوماً عليك حسيب ) - طويل -
يعني بقوله حسيب الله عز ذكره
قال فلما أنشد عمر بن الخطاب هذه الأبيات بكى ورق له فكتب إلى سعد يأمره أن يقفل شيبان بن المخبل ويرده على أبيه فلما ورد الكتاب عليه أعلم شيبان ورده فسأله الإغضاء عنه وقال لا تحرمني الجهاد فقال له أنها عزمة من عمر ولا خير لك في عصيانه وعقوق شيخك فانصرف إليه ولم يزل عنده حتى مات
وأخبرني بهذا الخبر أحمد بن عبيد الله بن عمار والجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة أن شيبان بن المخبل كان يرعى إبل أبيه فلا يزال أبوه يقول أحسن رعية إبلك يا بني فيقول أراحني الله من رعية إبلك ثم فارق أباه وغزا مع أبي موسى وانحدر إلى البصرة وشهد فتح تستر
(13/212)

فقال فذكر أبوه الأبيات وزاد فيها قوله
( إذا قلتُ تَرعَى قال سوف تريحني ... من الرَّعي مِذْعانُ العشي خَبُوب ) - طويل -
قال أبو يزيد وحدثناه عتاب بن زياد قال حدثنا ابن المبارك قال حدثنا مسعود عن معن بن عبد الرحمن فذكر نحوه ولم يقل شيبان بن المخبل ولكنه قال انطلق رجل إلى الشام وذكر القصة والشعر
الزبرقان يرفض تزويج اخته للمخبل
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله عن ابن حبيب قال خطب المخبل السعدي إلى الزبرقان بن بدر أخته خليدة فمنعه إياها ورده لشيء كان في عقله وزوجها رجلا من بني جشم بن عوف يقال له مالك بن أمية بن عبد القيس من بني محارب فقتل رجلا من بني نهشل يقال له الجلاس بن مخربة بن جندل بن جابر بن نهشل اغتيالا ولم يعلم به أحد ففقد ولم يعلم له خبر فبينما جار الزبرقان الذي من عبد القيس قاتل الجلاس ليلة يتحدث إذ غلط فحدث هزالا بقتله الرجل وذلك قبل أن يتزوج هزال إلى الزبرقان فأتى هزال عبد عمرو بن ضمرة بن جابر بن نهشل فأخبره فدعا هزال قاتل الجلاس فأخرجه عن البيوت ثم اعتوره هو وعبد عمرو فضرباه حتى قتلاه ورجع هزال إلى الحي وضرب عبد عمرو حتى لجأ إلى أخواله بني عطارد بن عوف فقالت امرأة مالك بن أمية المقتول
( أجيرانَ ابنِ ميَّةَ خبِّروني ... أَعَيْنٌ لابن مَيّةَ أم ضِمارُ )
(13/213)

( تجلّل خزيَها عوفُ بنُ كعب ... فليس لنسلِهمْ منها اعتذارُ ) - وافر -
قال فلما زوج الزبرقان أخته خليدة هزالا بعد قتله جاره عيب عليه وعير به وهجاه المخبل فقال
( لَعَمْرُكَ إِنَّ الزِّبرِقانَ لدَائِمٌ ... على الناس تعدو نَوْكُه ومَجاهلهْ )
( أَأَنْكَحْتَ هَزَّالا خُلَيْدةَ بعدما ... زَعمْتَ بظهر الغيب أنك قاتلُهْ )
( فأنكحْتَه رَهْواً كأنَّ عِجَانها ... مَشَقٌّ إهابٍ أَوْسَعَ السَّلْخَ ناجِلُهْ )
( يلاعبها فوق الفراش وجارُكُمْ ... بذي شُبْرُمَانٍ لم تَزَيَّلْ مفاصِلُهْ ) - طويل -
قال ولج الهجاء بين المخبل والزبرقان حتى تواقفا للمهاجاة واجتمع الناس عليهما فاجتمعا لذلك ذات يوم وكان الزبرقان أسودهما فابتدأ المخبل فأنشده قصيدته
( أُنْبِئْتُ أن الزِّبْرِقانَ يسُبُّني ... سَفِهاً ويَكْرَهُ ذو الحِرَيْن خِصالي ) - كامل -
قال وإنما سماه ذا الحرين لأنه كان مبدنا فكان له ثديان عظيمان فسبه بهما وشبههما بالحرين ويقال إنه إنما عيره بأخته وابنته ولم يكن للمخبل ابن في الجاهلية قال
( أفلا يفاخرني ليعلم أيُّنا ... أدنى لأكرمِ سُودَدٍ وفِعالِ )
(13/214)

فلما بلغ إلى قوله
( وأبوك بدرٌ كان مُشْتَرِطَ الخُصَى ... وأبي الجوادُ ربيعةُ بنُ قِتالِ ) - كامل -
فلما أنشده هذا البيت قال
( وأبوك بدرٌ كان مُشْتَرِطَ الخُصَى ... وأبي )
ثم انقطع عليه كلامه إما بشرق أو انقطاع نفس فما علم الناس ما يريد أن يقوله بعد قوله وأبي فسبقه الزبرقان قبل أن يتم ويبين فقال صدقت وما في ذاك إن كان شيخانا قد اشتركا في صنعه فغلبه الزبرقان وضحكوا من قوله وتفرقوا وقد انقطع بالمخبل قوله
أخبرنا اليزيدي قال حدثني عمي عن عبيد الله عن ابن حبيب قال كان زرارة بن المخبل يليط حوضه فأتاه رجل من بني علباء بن عوف فقال له صارعني فقال له زرارة إني عن صراعك لمشغول فجذب بحجزته وهو غافل فسقط فصاح به فتيان الحي صرع زرارة وغلب فأخذ زرارة حجرا فأخذ به رأس العلباوي فسأل المخبل بغيض بن عامر بن شماس أن يتحمل عن ابنه الدية فتحملها وتخلصه وكسا المخبل حلة حسنة وأعطاه ناقة نجيبة فقال المخبل يمدحه
( لعمرُ أبيك لا ألقى ابن عَمٍّ ... على الحدَثَانِ خيراً من بَغِيضِ )
( أقلَّ ملامةً وأعزَّ نصراً ... إذا ما جئْتُ بالأمر المريض )
( كساني حُلَّةً وحبا بعَنْس ... أَبُسُّ بها إذا اضطربَتْ غُرُوضي )
(13/215)

( غداةَ جنى بُنَيَّ عليَّ جُرْماً ... وكيف يَدايَ بالحرب العَضُوض )
( فقد سدَّ السبيلَ ابوحُمَيْد ... كما سدّ المخاطَبةَ ابنُ بيض ) - وافر -
خبر ابن بيض
أبو حميد بغيض بن عامر وأما قوله كما سد المخاطبة ابن بيض فإن ابن بيض رجل من بقايا قوم عاد كان تاجرا وكان لقمان بن عاد يجيز له تجارته في كل سنة بأجر معلوم فأجازه سنة وسنتين وعاد التاجر ولقمان غائب فأتى قومه فنزل فيهم ولقمان في سفره ثم حضرت التاجر الوفاة فخاف لقمان على بنيه وماله فقال لهم إن لقمان صائر إليكم وإني أخشاه إذا علم بموتي على مالي فاجعلوا ماله قبلي في ثوبه وضعوه في طريقه إليكم فإن أخذه واقتصر عليه فهو حقه فادفعوه إليه واتقوه وإن تعداه رجوت أن يكفيكم الله إياه ومات الرجل وأتاهم لقمان وقد وضعوا حقه علي طريقه فقال سد ابن بيض الطريق فأرسلها مثلا وانصرف وأخذ حقه وقد ذكرت ذلك الشعراء فقال بشامة بن عمرو
( كثوبِ ابنِ بِيضٍ وَقاهُمْ بِهِ ... فسدّ على السالكين السبيلا ) - متقارب -
قال ابن حبيب ولما حشدت بنو علباء للمطالبة بدم صاحبهم حشدت بنو قريع مع بغيض لنصر المخبل ومشت المشيخة في الأمر وقالوا هذا قتل خطأ فلا تواقعوا الفتنة واقبلوا الدية فقبلوها وانصرفوا فقال زرارة بن المخبل يفخر بذلك
( فاز المُخالِسُ لمَّا أنْ جرى طَلَقاً ... أمّا حُطَيْمُ بن عِلْباء فقد غُلبا )
(13/216)

( إني رَمَيْتُ بِجُلمودٍ على حَنَقٍ ... مِني إليه فكانت رِمْيةً غَرباً )
( لَيْثاً إليَّ يَشُقُّ الناسَ منفرِجاً ... لحياهُ عنَّانةٌ لا يَتَّقي الخشَبا )
( فَأَوْرَثَتْنِي قتيلاً إن لقيتُ وإن ... أَمَّلْتُ كانت سماع السَّوء والحَرَبَا ) - بسيط -
ثم أخذ بنو حازم جارا لبني قشير فأغار عليه المنتشر بن وهب الباهلي فأخذ إبله فسأل في بني تميم حتى انتهى إلى المخبل فلما سأله قال له إن شئت فاعترض إبلي فخذ خيرها ناقة وإن شئت سعيت لك في إبلك فقال بل إبلي فقال المخبل
( إنّ قُشَيْراً من لِقاح ابن حازِم ... كراحِضة حَيْضاً وليست بطاهرِ )
( فلا يَأْكُلَنْها الباهِليُّ وتَقعدوا ... لدي غرضٍ أَرْمِيكُمُ بالنواقِر )
( أغرّك أَنْ قالوا لعزة شاعرٍ ... فناك أباه من خفيرٍ وشاعرِ ) - طويل -
فلما بلغهم قول المخبل سعوا بإبله فردها عليهم حزن بن معاوية بن خفاجة بن عقيل فقال المخبل في ذلك
( تدارك حزْنٌ بالقنا آل عامر ... قَفَا خَضَنٍ والكرُّ بالخيل أعسرُ )
(13/217)

( فإنِّي بذا الجار الخفاجِيِّ واثقٌ ... وقلبي من الجارِ العِباديّ أوجر )
( إذا ما عُقَيْلِيٌّ أقامَ بِذِمّةِ ... شريكيْنِ فيها فالعِبادِيُّ أوجر )
( لعمري لقد خارَت خفاجةُ عامراً ... كما خِيرَ بيتٌ بالعراق المشقَّرُ )
( وإنّك لو تعطي العِباديَّ مِشْقصا ... لراشىَ كما راشىَ على الطبع أبخر ) - طويل -
راشى من الرشوة
المخبل وخليدة بنت بدر
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال مر المخبل السعدي بخليدة بنت بدر أخت الزبرقان ابن بدر بعد ما أسن وضعف بصره فأنزلته وقربته وأكرمته ووهبت له وليدة وقالت له إني آثرتك بها يا أبا يزيد فاحتفظ بها فقال ومن أنت حتى أعرفك وأشكرك قالت لا عليك قال بلى والله أسألك قالت أنا بعض من هتكت بشعرك ظالما أنا خليدة بنت بدر فقال واسوأتاه منك فإني أستغفر الله عز و جل وأستقيلك وأعتذر إليك ثم قال
( لقد ضلَّ حِلمِي في خُلَيْدةَ إنَّني ... سَأُعْتِبُ نفسي بعدها وأموت )
( فأقسمُ بالرحمن إنِّي ظلمْتُها ... وجُرْتُ عليها والهِجاءُ كَذوبُ ) - طويل
(13/218)

والقصيدة التي فيها الغناء المذكور بشعر المخبل وأخباره يمدح بها علقمة بن هوذة ويذكر فعله به وما وهبه له من ماله ويقول
( فَجَزَىَ الإِلهُ سَراةَ قومي نَضْرةً ... وسقاهُمُ بمشارب الأبرارِ )
( قومٌ إذا خافوا عِثارَ أخِيهُمُ ... لا يُسْلمونَ أخاهُمُ لِعثارِ )
( أمثالُ عَلقمةَ بنِ هوذةَ إذْ سعى ... يخشى عَليَّ متالفَ الأبصار )
( أَثْنَوْا عليَّ وأحسنوا وترافَدُوا ... لي بالمَخَاض البُزْلِ والأبكارِ )
( والشَّوْلِ يتبعُها بناتُ لَبُونِها ... شَرِقاً حناجِرُها من الجَرْجار ) - كامل -
أخبرنا أبو زيد عن عبد الرحمن عن عمه وأخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله عن ابن حبيب وأخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن لقيط قالوا اجتمع الزبرقان بن بدر والمخبل السعدي وعبدة بن الطبيب وعمرو بن الأهتم قبل أن يسلموا وبعد مبعث النبي فنحروا جزورا واشتروا خمرا ببعير وجلسوا يشوون ويأكلون فقال بعضهم لو أن قوما طاروا من جودة أشعارهم لطرنا فتحاكموا إلى أول من يطلع عليهم فطلع عليهم ربيعة بن حذار الأسدي وقال اليزيدي فجاءهم رجل من بني يربوع يسأل عنهم فدل عليهم وقد نزلوا
(13/219)

بطن واد وهم جلوس يشربون فلما رأوه سرهم وقالوا له أخبرنا أينا أشعر قال أخاف أن تغضبوا فآمنوه من ذلك فقال أما عمرو فشعره برود يمنية تنشر وتطوى وأما أنت يا زبرقان فكأنك رجل أتى جزورا قد نحرت فأخذ من أطايبها وخلطه بغير ذلك
وقال لقيط في خبره قال له ربيعة بن حذار وأما أنت يا زبرقان فشعرك كلحم لم ينضج فيؤكل ولم يترك نيئا فينتفع به وأما أنت يا مخبل فشعرك شهب من نار الله يلقيها على من يشاء وأما أنت يا عبدة فشعرك كمزادة أحكم خرزها فليس يقطر منها شيء
أخبرنا اليزيدي عن عمه عن ابن حبيب قال كان رجل من بني امرئ القيس يقال له روق مجاورا في بكر بن وائل باليمامة فأغاروا على إبله وغدروا به فأتى المخبل يستمنحه فقال له إن شئت فاختر خير ناقة في إبلي فخذها وإن شئت سعيت لك فقال أن تسعى بي أحب إلي فخرج المخبل فوقف على نادي قومه ثم قال
( أدُّوا إلى رَوْح بن حَسْسانَ ... بن حارثةَ بن مُنْذرْ )
( كَوْماءَ مُدْفأةً كأنْنَ ... ضروعَها حَمَّاءُ أجفرْ )
( تأبى إلى بصص تَسُحْحُ ... المَحْضَ باللبن الفَضَنْفَرْ ) - مجزوء الكامل -
فقالوا نعم ونعمة فجمعوا له بينهم الناقة والناقتين من رجلين حتى أعطوه بعدة إبله
(13/220)

وقال ابن حبيب في هذه الرواية كان رجل من بني ضبة
صوت
( أُسْلُ عن ليلى علاك المَشِيبُ ... وتصابي الشيخِ شيءٌ عجيبُ )
( وإذا كان النسيبُ بِسلمى ... لذَّ في سلمىوطَابَ النسيبُ )
( إنما شبَّهْتُها إذ تراءت ... وعليها من عيونٍ رقيبُ )
( بطلوع الشَّمس في يومِ دَجْنٍ ... بُكرةً أو حان منها غروبُ )
( إنني فاعلم وإنْ عزَّ أهلي ... بالسُّويداءِ الغداةَ غريب ) - مديد -
الشعر لغيلان بن سلمة الثقفي وجدت ذلك في جامع شعره بخط أبي سعيد السكري والغناء لابن زرزور الطائفي خفيف ثقيل أول بالوسطى عن يحيى المكي وفيه ليونس الكاتب لحن ذكره في كتابه ولم يجنسه
(13/221)

أخبار غيلان ونسبه
غيلان بن سلمة بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسي وهو ثقيف وأمه سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف بن قصي أخت أمية بن عبد شمس بن عبد مناف
أدرك الإسلام فأسلم بعد فتح الطائف ولم يهاجر وأسلم ابنه عامر قبله وهاجر ومات بالشام في طاعون عمواس وأبوه حي
وغيلان شاعر مقل ليس بمعروف في الفحول
وبنته بادية بنت غيلان التي قال هيت المخنث لعمر بن أم سلمة أم المؤمنين أو لأخيه سلمة إن فتح الله عليكم الطائف فسل رسول
(13/222)

الله أن يهب لك باديه بنت غيلان فإنها كحلاء شموع نجلاء خمصانة هيفاء إن مشت تثنت وإن جلست تبنت وإن تكلمت تغنت تقبل بأربع وتدبر بثمان وبين فخذيها كالإناء المكفإ
وغيلان فيما يقال أحد من قال من قريش للنبي وآله ( لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين )
قال ابن الكلبي حدثني أبي قال تزوج غيلان بن سلمة خالدة بنت أبي العاص فولدت له عمارا وعامرا فهاجر عمار إلى النبي فلما بلغه خبره عمد خازن كان لغيلان إلى مال له فسرقه وأخرجه من حصنه فدفنه وأخبر غيلان أن ابنه عمارا سرق ماله وهرب به فأشاع ذلك غيلان وشكاه إلى الناس وبلغ خبره عمارا فلم يعتذر إلى أبيه ولم يذكر له براءته مما قيل له فلما شاع ذلك جاءت أمه لبعض ثقيف إلى غيلان فقالت له أي شيء لي عليك إن دللتك على مالك قال ما شئت قالت تبتاعني وتعتقني قال ذلك لك قالت فاخرج معي فخرج معها فقالت إني رأيت عبدك فلانا قد احتفر ها هنا ليلة كذا وكذا ودفن شيئا وإنه لا يزال يعتاده ويراعيه ويتفقده في اليوم مرات وما أراه إلا المال فاحتفر الموضع فإذا هو بماله
(13/223)

فأخذه وابتاع الأمة فأعتقها وشاع الخبر في الناس حتى بلغ ابنه عمارا فقال والله لا يراني غيلان أبدا ولا ينظر في وجهي وقال
( حلفْتُ لهمْ بما يقولُ محمدٌ ... وباللَّه إنَّ اللّهَ ليس بغافل )
( بَرِئْتُ مِن المالِ الذي يَدفنونه ... أُبرِّىءُ نفسي أنْ أَلِطَّ بباطِلِ )
( ولو غيرُ شيخي من معدٍّ يقولُه ... تَيَمَّمْتُهُ بالسيفِ غير مُواكِلِ )
( وكيف انطِلاقي بالسِّلاح إلى امرِىءٍ ... تُبَشِّره بِي يَبْتَدِرْنَ قوابلي ) - طويل -
رثاؤه لولده عامر
فلما أسلم غيلان خرج عامر وعمار مغاضبين له مع خالد بن الوليد فتوفي عامر بعمواس وكان فارس ثقيف يومئذ وهو صاحب شنوءة يوم تثليث وهو قتل سيدهم جابر بن سنان أخا دمنة فقال غيلان يرثي عامرا
( عيني تجودُ بدمعها الهتّانِ ... سَحَّاً وتبكي فارِسَ الفُرسانِ )
( يا عامِ مَنْ للخيل لمَّا أَحْجَمَت ... عن شَدّةٍ مرهوبة وطِعان )
( لو أستطيعُ جعلْتُ مِنِّي عامراً ... بين الضُّلوع وكلُّ حيٍّ فان )
( يا عينُ بَكِّى ذا الحزامة عامراً ... للخيل يومَ تواقُفٍ وطِعان )
(13/224)

( وله بتثليثاتِ شدَّةُ مُعْلَمٍ ... منه وطعنةُ جابر بن سنان )
( فكأنَّه صافي الحديدة مِخْذَمٌ ... مما يُحِيرُ الفُرْسَ للباذان ) - كامل -
نسخت من كتاب أبي سعيد السكري قال كان لغيلان بن سلمة جار من باهلة وكانت له إبل يرعاها راعيه في الإبل مع إبل غيلان فتخطى بعضها إلى أرض لأبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب فضرب أبو عقيل الراعي واستخف به فشكا الباهلي ذلك إلى غيلان فقال لأبي عقيل
( ألا من يرى ترى رأي امرىءٍ ذي قرابة ... أبى صدرُه بالضِّغْن إلاَّ تطلُّعَا )
( فَسِلْمَك أرجو لا العداوةَ إنمَّا ... أبوك أبي وإنمَّا صَفْقُنا معا )
( وإن ابنَ عمِ المرءِ مثلُ سلاحِه ... يقيه إذا لاقى الكميَّ المقنَّعا )
( فإنْ يكثرِ المولى فإنّك حاسدٌ ... وإنْ يفتقرْ لا يُلْفِ عندك مَطْمَعا )
( فهذا وعيدٌ وادّخارٌ فإن تعُدْ ... وَجَدِّكَ أَعْلَمْ ما تسلَّفْتَ أجمعا ) - طويل -
تهديده لامرأته
ونسخت من كتابه قال لما أسن غيلان وكثرت أسفاره ملته زوجته وتجنت عليه وأنكر أخلاقها فقال فيها
( يا ربَّ مثلكِ في النِّساء غرِيرةٍ ... بيضاءَ قد صبَّحْتُها بطلاقِ )
( لم تَدْرِ ما تحتَ الضُّلوع وغَرَّها ... مني تحمُّل عِشْرَتي وخَلاقي ) - كامل -
ونسخت من كتابه إن بني عامر بن ربيعة جمعوا جموعا كثيرة من
(13/225)

أنفسهم وأحلافهم ثم ساروا إلى ثقيف بالطائف وكانت بنو نصر بن معاوية أحلافا لثقيف فلما بلغ ثقيفا ميسر بني عامر استنجدوا بني نصر فخرجت ثقيف إلى بني عامر وعليهم يومئذ غيلان بن سلمة بن معتب فلقوهم وقاتلتهم ثقيف قتالا شديدا فانهزمت بنو عامر بن ربيعة ومن كان معهم وظهرت عليهم ثقيف فأكثروا فيهم القتل فقال غيلان في ذلك ويذكر تخلف بني نصر عنهم
( ودِّع بِذَمٍّ إذا ما حانَ رِحلتُنا ... أهلَ الحظائر من عَوْفٍ ودُهْمانا )
( ألقائلينَ وقد حلَّتْ بساحتهمْ ... جَسْرٌ تَحَسْحَسَ عن أولاد هِصَّانا )
( والقائلين وقد رابَتْ وِطابُهُمُ ... أَسَيْفَ عَوْفٍ ترى أم سَيْفَ غيلانا )
( أَغْنُوا المواليَ عنَّا لا أبالَكُمُ ... إنّا سنُغنِي صريحَ القوم مَن كانا )
( لا يمنعُ الخطرَ المظلومُ قُحْمَته ... حتّى يرى بالعين من كانا ) - بسيط -
شعره في هزيمة خثعم
ونسخت من كتابه قال جمعت خثعم جموعا من اليمن وغزت ثقيفا بالطائف فخرج إليهم غيلان بن سلمة في ثقيف فقاتلهم قتالا شديدا فهزمهم وقتل منهم مقتلة عظيمة وأسر عدة منهم ثم من عليهم وقال في ذلك
( ألا يا أُختَ خَثعَمَ خَبِّرينا ... بأيِّ بلاءِ قومٍ تفخرينا )
(13/226)

( جَلَبْنا الخيلَ من أكنافِ وَجٍّ ... ولِيثٍ نحوكُمْ بالدَّارِعِينا )
( رأيناهنَّ مُعْلَمَةً روحاً ... يُقِيتانِ الصباحِ ومُعْتَدينا )
( فأمستْ مُسْيَ خامسةٍ جميعاً ... تُضَابعُ في القياد وقد وَجِينا )
( وقد نَظَرَتْ طوالعكُمْ إلينا ... بأعينهمْ وحقَّقْنا الظنونا )
( إلى رجراجةٍ في الدار تُعْشي ... إذا استنَّتْ عيونَ الناظرينا )
( تركْنَ نساءكمْ في الدار نَوْحاً ... يُبَكُّون البُعولةَ والبنينا )
( جَمعتُمْ جَمعكُمْ فطلبتُمُونا ... فهل أُنبِئْتَ حالَ الطَّالبينا ) - وافر -
أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال أخبرني محمد بن سعد الشامي قال حدثني أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمرو الثقفي قال خرجت مع كيسان بن أبي سليمان أسايره فأنشدني شعر غيلان بن سلمة ما أنشدني لغيره حتى صدرنا عن الأبلة ثم مر بالطف وهو يريد
(13/227)

الطابق فأنشدني له
( وليلةٍ أرَّقَتْ صِحَابَكَ بالطْطَفِّ ... وأُخرى بجنْب ذي حُسَمِ )
( فالجسرُ فالقَصْرانِ فالنَّهَرُ المُرْبَدُّ ... بين النَّخيل والأَجَم )
( معانقٌ الواسط الْمُقَدَّمَ أو ... أدنو من الأرض غيرَ مقتحم )
( أستعمِلُ العَنْسَ بالقِياد إلى الآفاق ... أرجو نوافلَ الطَّعَمِ ) - منسرح -
وصيته لبنيه
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أحمد ابن عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال حدثني عمر بن عبد العزيز بن أبي ثابت عن أبيه قال لما حضرت غيلان بن سلمة الوفاة وكان قد أحصن عشرا من نساء العرب في الجاهلية قال يا بني قد أحسنت خدمة أموالكم وأمجدت أمهاتكم فلن تزالوا بخير ما غذوتم من كريم وغذا منكم فعليكم ببيوتات العرب فإنها معارج الكرم وعليكم بكل رمكاء مكينة ركينة أو بيضاء رزينة في خدر بيت يتبع أوجد يرتجى وإياكم والقصيرة الرطلة فإن أبغض الرجال إلي أن يقاتل عن إبلي أو يناضل عن حسبي
(13/228)

القصير الرطل ثم أنشأ يقول
( وحُرّةِ قومٍ قد تَنَوَّق فِعلها ... وزيَّنَها أقوامُها فتزيّنتْ )
( رَحلْتُ إليها لا تُرَدُّ وسيلتي ... وحَمّلتُها من فوقها فتحمَّلَتْ ) - طويل -
وفوده على كسرى
أخبرني عمي قال حدثنا محمد بن سعد الكراني قال كان غيلان بن سلمة الثقفي قد وفد إلى كسرى فقال له ذات يوم يا غيلان أي ولدك أحب إليك قال الصغير حتى يكبر والمريض حتى يبرأ والغائب حتى يقدم قال له ما غذاؤك قال خبز البر قال قد عجبت من أن يكون لك هذا العقل وغذاؤك غذاء العرب إنما البر جعل لك هذا العقل
قال الكراني قال العمري روى الهيثم بن عدي هذا الخبر أتم من هذه الرواية ولم أسمعه منه قال الهيثم حدثني أبي قال خرج أبو سفيان ابن حرب في جماعة من قريش وثقيف يريدون العراق بتجارة فلما ساروا ثلاثا جمعهم أبو سفيان فقال لهم أنا من مسيرنا هذا لعلى خطر ما قدومنا على ملك جبار لم يأذن لنا في القدوم عليه وليست بلاده لنا بمتجر ولكن أيكم يذهب بالعير فإن أصيب فنحن برآء من دمه وإن غنم فله نصف الربح فقال غيلان بن سلمة دعوني إذا فأنا لها فدخل الوادي فجعل يطوفه ويضرب فروع الشجر ويقول
( ولو رآني أبو غيلانَ إذْ حَسَرتْ ... عني الأمورُ إلى أمرٍ له طَبَق )
( لقال رُغْبٌ ورُهْبٌ يُجمعان معاً ... حبُّ الحياة وهَوْلُ النَّفس والشَّفَقُ )
( إمّا بقيتَ على مجدٍ ومَكرمة ... أو أسوة لك فيمن يَهْلِك الورق ) - بسيط
(13/229)

ثم قال أنا صاحبكم ثم خرج في العير وكان أبيض طويلا جعدا ضخما فلما قدم بلاد كسرى تخلق ولبس ثوبين أصفرين وشهر أمره وجلس بباب كسرى حتى أذن له فدخل عليه وبينهما شباك من ذهب فخرج إليه الترجمان وقال له يقول لك الملك من أدخلك بلادي بغير إذني فقال قل له لست من أهل عداوة لك ولا أتيتك جاسوسا لضد من أضدادك وإنما جئت بتجارة تستمتع بها فإن أردتها فهي لك وإن لم تردها وأذنت في بيعها لرعيتك بعتها وإن لم تأذن في ذلك رددتها قال فإنه ليتكلم إذ سمع صوت كسرى فسجد فقال له الترجمان يقول لك الملك لم سجدت فقال سمعت صوتا عاليا حيث لا ينبغي لأحد أن يعلو صوته إجلالا للملك فعلمت أنه لم يقدم على رفع الصوت هناك غير الملك فسجدت إعظاما له قال فاستحسن كسرى ما فعل وأمر له بمرفقة توضع تحته فلما أتي بها رأى عليها صورة الملك فوضعها على رأسه فاستجهله كسرى واستحمقه وقال للترجمان قل له إنما بعثنا إليك بهذه لتجلس عليها قال قد علمت ولكني لما أتيت بها رأيت عليها صورة الملك فلم يكن حق صورته على مثلي أن يجلس عليها ولكن كان حقها التعظيم فوضعتها على رأسي لأنه أشرف أعضائي وأكرمها علي فاستحسن فعله جدا ثم قال له ألك ولد قال نعم قال فأيهم أحب إليك قال الصغير حتى يكبر والمريض حتى يبرأ والغائب حتى يؤوب فقال كسرى زه ما أدخلك علي ودلك على هذا القول والفعل إلا حظك فهذا فعل
(13/230)

الحكماء وكلامهم وأنت من قوم جفاة لا حكمة فيهم فما غذاؤك قال خبز البر قال هذا العقل من البر لا من اللبن والتمر ثم اشترى منه التجارة بأضعاف ثمنها وكساه وبعث معه من الفرس من بنى له أطما بالطائف فكان أول أطم بني بها
رثي نافع بن سلمة
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمر بن أبي بكر الموصلي عن عبد الله بن مصعب عن أبيه قال استشهد نافع بن سلمة الثقفي مع خالد بن الوليد بدومة الجندل فجزع عليه غيلان وكثر بكاؤه وقال يرثيه
( ما بالُ عَيْنِي لا تُغَمِّضُ ساعةً ... إلاَّ اعترتْنِي عَبْرةٌ تَغْشانِي )
( أرعَى نجوم الليل عندَ طُلوعِها ... وَهْناً وهُنَّ من الغُروب دوانِ )
( يا نافعاً مَن للفوارس أحُجَمَتْ ... عَن فارس يعلو ذُرَى الأقران )
( فلو استطعْتُ جعلْتُ منِّي نافعاً ... بين اللَّهاةِ وبين عَكْدِ لِساني ) - كامل -
قال وكثر بكاؤه عليه فعوتب في ذلك فقال والله لا تسمح عيني بمائها فأضن به على نافع فلما تطاول العهد انقطع ذلك من قوله فقيل له فيه فقال بلي نافع وبلي الجرع وفني وفنيت الدموع واللحاق به قريب
(13/231)

صوت
( ألا علِّلاني قبل نوح النوادبِ ... وقبل بُكاء المُعْوِلاتِ القرائب )
( وقبلَ ثوائي في تُرابٍ وجَنْدلِ ... وقبلَ نشوزِ النفس فوق الترائب )
( فإنْ تأتني الدُّنيا بيومي فُجاءة ... تَجِدْني وقد قضَّيْتُ منها مآربي ) - طويل -
الشعر لحاجز الأزدي والغناء لنبيه هزج بالبنصر عن الهشامي
(13/232)

أخبار حاجز ونسبه
هو حاجز بن عوف بن الحارث بن الأخثم بن عبد الله بن ذهل بن مالك بن سلامان بن مفرج بن مالك بن زهران بن عوف بن ميدعان بن مالك ابن نصر بن الأزد وهو خليف لبني مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي وفي ذلك يقول
( قومي سَلامانُ إما كنتِ سائِلةً ... وفي قريش كريمُ الحِلْفِ والحَسبِ )
( إنّي متَى أَدْعُ مخزوماً تَرَيْ عُنُقاً ... لا يَرْعَشون لضربِ القوم من كَثَب )
( يُدعى المغيرةُ في أولى عدِيدِهمُ ... أولادُ مَرْأَسةٍ ليسوا من الذَّنَبِ ) - بسيط -
وهو شاعر جاهلي مقل ليس من مشهوري الشعراء وهو أحد الصعاليك المغيرين على قبائل العرب وممن كان يعدو على رجليه عدوا يسبق به الخيل
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني العباس بن هشام عن أبيه عن عوف بن الحارث الأزدي أنه قال لابنه حاجز بن عوف أخبرني يا بني بأشد عدوك قال نعم أفزعتني خثعم فنزوت نزوات ثم
(13/233)

استفزتني الخيل واصطف لي ظبيان فجعلت أنهنههما بيدي عن الطريق ومنعاني أن أتجاوزها في العدو لضيق الطريق حتى اتسع واتسعت بنا فسبقتهما فقال له فهل جاراك أحد في العدو قال ما رأيت أحدا جاراني إلا أطيلس أغيبر من النقوم فإنا عدونا معا فلم أقدر على سبقه
قال النقوم بطن من الأزد من ولد ناقم واسمه عامر بن حوالة بن الهنو بن الأزد
نسخت أخبار حاجز من رواية ابي عمرو الشيباني
من كتاب بخط الموهبي الكوكبي قال أغار عوف بن الحارث بن الأخثم على بني هلال بن عامر بن صعصعة في يوم داج مظلم فقال لأصحابه انزلوا حتى أعتبر لكم فانطلق حتى أتى صرما من بني هلال وقد عصب على يد فرسه عصابا ليظلع فيطمعوا فيه فلما أشرف عليهم استرابوا به فركبوا في طلبه وانهزم من بين أيديهم وطمعوا فيه فهجم بهم على أصحابه بني سلامان فأصيب يومئذ بنو هلال وملأ القوم أيديهم من الغنائم ففي ذلك يقول حاجز بن عوف
( صباحكِ واسلمي عنا أماما ... تحيّةَ وامقٍ وعِمِي ظلاما )
( بَرَهْرَهَةُ يحار الطَّرْفُ فيها ... كحُقّةِ تاجر شُدَّتْ ختاما )
(13/234)

( فإن تُمْسِ ابنةُ السهميّ منَّا ... بعيداً لا تكلِّمنا كلاما )
( فإنّكِ لا محالةَ أن تَرَيْني ... ولو أمستْ حبالكُمُ رِماما )
( بناجِية القوائم عَيْسَجُورٍ ... تَدَارَكَ نِيُّها عاماً فعاما )
( سلي عنِّي إذا اغبَّرتْ جُمادَى ... وكان طعام ضيفِهِمُ الثُّماما )
( السْنا عِصْمةَ الأضياف حتى ... يُضَحَّى مالُهمْ نَفَلاً تُواما )
( أبي رَبَعَ الفوارِسَ يوم داجٍ ... وعمِّي مالكٌ وَضَعَ السِّهاما )
( فلو صاحَبْتِنا لَرَضيتِ منا ... إذا لم تَغْبُقُ المائةُ الغلاما ) - وافر -
يعني بقوله وضع السهام أن الحارث بن عبد الله بن بكر بن يشكر ابن مبشر بن صقعب بن دهمان بن نصر بن زهران كان يأخذ من جميع الأزد إذا غنموا الربع لأن الرياسة في الأزد كانت لقومه وكان يقال لهم الغطاريف وهم أسكنوا الأسد بلد السراة وكانوا يأخذون للمقتول منهم ديتين ويعطون غيرهم دية واحدة إذا وجبت عليهم فغزتهم بنو فقيم بن عدي ابن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة فظفرت بهم فاستغاثوا ببني سلامان فأغاثوهم حتى هزموا بني فقيم وأخذوا منهم الغنائم وسلبوهم فأراد
(13/235)

الحارث أن يأخذ الربع كما كان يفعل فمنعه مالك بن ذهل بن مالك بن سلامان وهو عم أبي حاجز وقال هيهات ترك الربع غدوة فأرسلها مثلا فقال له الحارث أتراك يا مالك تقدر أن تسود فقال هيهات الأزد أمنع من ذاك فقال أعطني ولو جعبا والجعب البعر في لغتهم لئلا تسمع العرب أنك منعتني فقال مالك فمن سماعها أفر ومنعه الربيع فقال حاجز في ذلك
( ألا زعمت أبناءُ يشكرَ أننا ... بِربعِهِمُ باؤوِا هنالك ناضِل )
( ستمنعنا منكُمْ ومن سوءِ صُنعكُمْ ... صفائحُ بيضٌ أَخْلَصَتْها الصياقلُ )
( وأسمرُ خطِّيٌّ إذا هُزّ عاسلٌ ... بأيدي كُماةٍ جرَّبَتْها القبائِل ) - طويل -
وقال أبو عمرو جمع حاجز ناسا من فهم وعدران فدلهم على خثعم فأصابوا منهم غرة وغنموا ما شاؤوا فبلغ حاجزا أنهم يتوعدونه ويرصدونه فقال
( وإنِّيَ من إرعادِكُمْ وبروقِكُمْ ... وإيعادُكُمْ بالقتل صُمٌّ مسامِعي )
( وإني دَليلٌ غيرُ مُخْفٍ دَلالتي ... على ألفِ بيتٍ جَدُّهمْ غيرُ خاشع )
( تَرى البيض يركُضْنَ المجاسِدَ بالضّحى ... كذا كلُّ مشبوح الذراعين نازعِ )
( على أيِّ شيء لا أبَا لأبيكُمُ تشيرون نحوي نحوكُمْ بالأصابع ) - طويل -
طعنه واحاطة خثعم به
وقالوا أبو عمرو أغارت خثعم على بني سلامان وفيهم عمرو بن معد
(13/236)

يكرب وقد استنجدت به خثعم على بني سلامان فالتقوا واقتتلوا فطعن عمرو بن معد يكرب حاجزا فأنفذ فخذه فصاح حاجز يا آل الأزد فندم عمرو وقال خرجت غازيا وفجعت أهلي وانصرف فقال عزيل الخثعمي يذكر طعنة عمرو حاجزا فقال
( أَعَجْزٌ حاجِزٌ مِنّا وفيهِ ... مشلشِلةٌ كحاشِية الإِزارِ )
( فعز عليّ ما أَعْجَزْتَ مِنِّي ... وقد أقسمْتُ لا يضربْك ضارِ ) - وافر -
فأجابه حاجز فقال
( إنْ تذكروا يومَ القَرِيّ فإنه ... بَواءٌ بأيامٍ كثيٍر عديدها )
( فنحن أبحنا بالشخيصةِ واهِناً ... جهاراً فجئنا بالنساءِ نَقُودها )
( ويوم كِرَاء قد تداركَ ركضُنا ... بني مالكٍ والخيلُ صُعْرٌ خدودها )
( ويوم الأراكاتِ اللواتِي تأخّرتْ ... سراةُ بني لهبانَ يدعو شريدُها )
( ونحن صبَحْنا الحيَّ يَوْمَ تَنومةٍ ... بملمُوْمَةٍ يُهوي الشجاعَ وئيدُها )
(13/237)

( ويوم شَرُوم قد تركنا عِصابة ... لدى جانب الطَّرْفاء حُمراً جلودها )
( فما رغمت حلفاً لأمرٍ يصيبها ... من الذل إلا نحنُ رغماً نزيدها ) - طويل -
وقال أبو عمرو بينما حاجز في بعض غزواته إذ أحاطت به خثعم وكان معه بشير ابن أخيه فقال له يا بشير ما تشير قال دعهم حتى يشربوا ويقفلوا ويمضوا ونمضي معهم فيظنونا بعضهم ففعلا وكانت في ساق حاجز شامة فنظرت إليها امرأة من خثعم فصاحت يا آل خثعم هذا حاجز فطاروا يتبعونه فقالت لهم عجوز كانت ساحرة أكفيكم سلاحه أو عدوه فقالوا لا نريد أن تكفينا عدوه فإن معنا عوفا وهو يعدو مثله ولكن اكفينا سلاحه فسحرت لهم سلاحه وتبعه عوف بن الأغر بن همام بن الأسربن عبد الحارث بن واهب بن مالك بن صعب بن غنم بن الفزع الخثعمي حتى قاربه فصاحت به خثعم يا عوف ارم حاجزا فلم يقدم عليه وجبن فغضبوا وصاحوا يا حاجز لك الذمام فاقتل عوفا فإنه قد فضحنا فنزع في قوسه ليرميه فانقطع وتره لأن المرأة الخثعمية كانت قد سحرت سلاحه فأخذ قوس بشير ابن أخيه فنزع فيها فانكسرت وهربا من القوم ففاتاهم ووجد حاجز بعيرا في طريقه فركبه فلم يسر في الطريق الذي يريده ونحا به نحو خثعم فنزل حاجز عنه فمر فنجا وقال في ذلك
( فِدى لكما رجْليَّ أمي وخالتي ... بسعيِكما بين الصفا والأثائب )
( أوانَ سمعتُ القوم خلفي كأنّهمْ ... حريقُ إباءٍ في الريّاحِ الثواقب )
(13/238)

( سيوفُهُمُ تُعْشي الجبان وَنبلُهُمْ ... يُضيء لدى الأقوامِ نارَ الحُباحِب )
( فَغَيْرُ قتالي في المضِيقِ أغاثني ... ولكنْ صَريحُ العَدْو غيرُ الأكاذِب )
( نجوْتُ نجاءً لا أبِيك تبثُّه ... وينجو بشيٌر نَجْوَ أزعرَ خاضِبِ )
( وجدْتُ بعيراً هامِلاً فركِبته ... فكادت تكون شرَّ رِكبةِ راكب ) - طويل -
وقال أبو عمرو اجتاز قوم حجاج من الأزد ببني هلال بن عامر بن صعصعة فعرفهم ضمرة بن ماعز سيد بني هلال فقتلهم هو وقومه وبلغ ذلك حاجزا فجمع جمعا من قومه وأغار على بني هلال فقتل فيهم وسبى منهم وقال في ذلك يخاطب ضمرة بن ماعز
( يا ضَمْرَ هل نِلْناكُمُ بدمائنا ... أم هل حَذَوْنا نَعْلكُمْ بمثالِ )
( تبكي لِقتلي من فُقَيْمٍ قُتِّلوا ... فاليوم تبْكِي صادقاً لهلال )
( ولقد شفاني أنْ رأيْتُ نِساءكُمْ ... يبكين مُرْدَفَةً على الأكفال )
( يا ضَمْرَ إن الحرب أَضْحَتْ بيننا ... لَقِحَتْ على الدكّاء بعد حِيال ) - كامل -
اخته ترثيه بعد انقطاع أخباره
قال أبو عمرو خرج حاجز في بعض أسفاره فلم يعد ولا عرف له
(13/239)

خبر فكانوا يرون أنه مات عطشا أو ضل فقالت أخته ترثيه
( أحيٌّ حاجزٌ أم ليس حيًّا ... فيسلك بين جَنْدَفَ والبهيمِ )
( ويشربَ شربةً من ماءَ ترْجٍ ... فيصدرَ مِشية السَّبِعِ الكليم ) - وافر -
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال كان حاجز الأزدي مع غاراته كثير الفرار لقي عامرا فهرب منهم فنجا وقال
( ألا هل أتَى ذاتَ القلائِد فَرَّتي ... عشيةَ بين الجُرْفِ والبحر من بَعْرِ )
( عشيةَ كادت عامرٌ يقتلوننِي ... لدى طَرَفِ السَّلْماءِ راغية البَكْرِ )
( فما الظبي أَخْطَتْ خِلْفة الصَّقْر رِجْلَهُ ... وقد كاد يلقي الموتَ في خِلْفة الصَّقْر )
( بِمثلي غداةَ القومِ بين مُقْنَّعٍ ... وآخرَ كالسكرانِ مرتكِزٍ يَفْري ) - كامل -
وفر من خثعم وتبعه المرقع الخثعمي ثم الأكلبي ففاته حاجز وقال في ذلك
(13/240)

( وكأنما تَبِعَ الفوارسُ أرنباً ... أو ظَبْيَ رابيةٍ خُفافاً أشعبا )
( وكأنّما طردوا بذي نَمِرَاتِهِ ... صَدَعاً من الأروَى أُحَسَّ مكلِّبا )
( أَعْجَزْتُ منهمْ والأكفُّ تنالني ... ومضتْ حياضُهُمُ وآبوا خُيَّبا )
( أدعو شَنوءةَ غثَّها وسمينَها ... ودعا المرقِّعُ يوم ذلك أكلُبا ) - كامل -
وقال يخاطب عوض أمسى
( أبلِغ أميمةَ عوض أمسَى بزَّنا ... سَلْباً وما إن سَرَّها أن نُنكبا )
( لولا تقاربُ رأفةٍ وعيونُها ... حمشا مصعدا ومصوِّبا ) - كامل -
صوت
( يا دارُ من ماوِيَّ بالسَّهْبِ ... بُنِيَتْ على خَطْبٍ من الخَطْبِ )
( إذ لا ترى إلا مُقَاتلةً ... وعَجَانسا يُرْقِلْنَ بالرَّكْب )
( ومُدَجّجاً يسعى بِشكّتِه ... مُحْمَرَّةً عيناهُ كالكَلْبِ )
( ومعاشراً صَدَأَ الحديدُ بِهمْ ... عَبَقَ الهِناءِ مَخَاطِمَ الجُرْبِ ) - كامل
(13/241)

الشعر للحارث بن الطفيل الدوسي والغناء لمعبد رمل بالبنصر من رواية يحيى المكي وفيه لابن سريج خفيف ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق والله أعلم
(13/242)

أخبار الحارث بن الطفيل ونسبه
هو الحارث بن الطفيل بن عمرو بن عبد الله بن مالك بن فهم بن غنم ابن دوس بن عبد الله بن عدثان بن عبيد الله بن زهران بن كعب بن الحارث ابن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد شاعر فارس من مخضرمي شعراء الجاهلية والإسلام وأبوه الطفيل بن عمرو شاعر أيضا وهو أول من وفد من دوس على النبي فأسلم وعاد إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام
أخبرني عمي قال حدثنا الحزنبل بن عمرو بن أبي عمرو عن أبيه واللفظ في الخبر له والله أعلم
وفود الطفيل على رسول الله
وأخبرني به محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني عمي عن العباس ابن هشام عن أبيه أن الطفيل بن عمرو بن عبد الله بن مالك الدوسي خرج حتى أتى مكة حاجا وقد بعث رسول الله وهاجر إلى المدينة وكان رجلا يعصو والعاصي البصير بالجراح ولذلك يقال لولده بنو العاصي فأرسلته قريش إلى النبي وقالوا انظر لنا ما هذا الرجل وما عنده فأتى النبي فعرض عليه الإسلام فقال له إني رجل شاعر فاسمع ما أقول فقال له النبي هات فقال
(13/243)

( لا وإله الناس نألَمُ حربَهمْ ... ولو حاربَتْنا مُنهِبٌ وبنو فَهْمِ )
( ولمَّا يكنْ يومٌ تزول نجومُه ... تطير بهِ الرُّكبانُ ذو نبأٍ ضخمِ )
( أَسِلْماً على خَسْفٍ ولستُ بِخالِدٍ ... وماليَ من واقٍ إذا جاءني حَتْمي )
( فلا سلْمَ حتّى نحفِزَ الناسَ خِيفةٌ ... ويصبحَ طيٌر كانِساتٍ على لحم ) - طويل -
فقال له رسول الله وأنا أقول فاستمع ثم قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) ثم قرأ ( قل أعوذ برب الفلق ) ودعاه إلى الإسلام فأسلم وعاد إلى قومه فأتاهم في ليلة مطيرة ظلماء حتى نزل بروق وهي قرية عظيمة لدوس فيها منبر فلم يبصر أين يسلك فأضاء له نور في طرف سوطه فبهر الناس ذلك النور وقالوا نار أحدثت على القدوم ثم على بروق لا تطفأ فعلقوا يأخذون بسوطه فيخرج النور من بين أصابعهم فدعا أبويه إلى الإسلام فأسلم أبوه ولم تسلم أمه ودعا قومه فلم يجبه إلا أبو هريرة وكان هو وأهله في جبل يقال له ذو رمع فلقيه بطريق يزحزح وبلغنا أنه كان يزحف في العقبة من الظلمة ويقول
( يا طولها من ليلةٍ وعناءها ... على أنها من بلدةِ الكَفْرِ نَجَّتِ ) - طويل
(13/244)

ثم أتى الطفيل بن عمرو على النبي ومعه أبو هريرة فقال له ما وراءك فقال بلاد حصينة وكفر شديد فتوضأ النبي ثم قال اللهم اهد دوسا ثلاث مرات قال أبو هريرة فلما صلى النبي خفت أن يدعو على قومي فيهلكوا فصحت واقوماه فلما دعا لهم سري عني ولم يحب الطفيل أن يدعو لهم لخلافهم عليه فقال له لم أحب هذا منك يا رسول الله فقال له إن فيهم مثلك كثيراً وكان جندب بن عمرو بن حممة بن عوف بن غوية ابن سعد بن الحارث بن ذيبان بن عوف بن منهب بن دوس يقول في الجاهلية إن للخلق خالقا لا أعلم ما هو فخرج حينئذ في خمسة وسبعين رجلا حتى أتى النبي فأسلم وأسلموا قال أبو هريرة ما زلت ألوي الآجرة بيدي ثم لويت على وسطي حتى كأني بجاد أسود وكان جندب يقربهم إلى النبي رجلا رجلا فيسلمون
وهذه الأبيات التي فيها الغناء من قصيدة للحارث بن الطفيل قالها في حرب كانت بين دوس وبين بني الحارث بن عبد الله بن عامر بن الحارث ابن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران
وكان سبب ذلك فيما ذكر عن أبي عمرو الشيباني أن ضماد بن مسرح ابن النعمان بن الجبار بن سعد بن الحارث بن عبد الله بن عامر بن الحارث ابن يشكر سيد آل الحارث كان يقول لقومه أحذركم جرائر أحمقين من آل الحارث يبطلان رياستكم وكان ضماد يتعيف وكان آل الحارث يسودون العشيرة كلها فكانت دوس أتباعا لهم وكان القتيل من آل الحارث تؤخذ له ديتان ويعطون إذا لزمهم عقل قتيل من دوس دية واحدة فقال غلامان من
(13/245)

بني الحارث يوما ائتوا شيخ بني دوس وزعيمهم الذي ينتهون إلى أمره فلنقتله فأتياه فقالا يا عم إن لنا أمرا نريد أن تحكم بيننا فيه فأخرجاه من منزله فلما تنحيا به قال له أحدهما يا عم إن رجلي قد دخلت فيها شوكة فأخرجها لي فنكس الشيخ رأسه لينتزعها وضربه الآخر فقتله فعمدت دوس إلى سيد بني الحارث وكان نازلا بقنونى فأقاموا له في غيضة في الوادي وسرحت إبله فأخذوا منها ناقة فأدخلوها الغيضة وعقلوها فجعلت الناقة ترغو وتحن إلى الإبل فنزل الشيخ إلى الغيضة ليعرف شأن الناقة فوثبوا عليه فقتلوه ثم أتوا أهله وعرفت بنو الحارث الخبر فجمعوا لدوس وغزوهم فنذروا بهم فقاتلوهم فتناصفوا وظفرت بنو الحارث بغلمة من دوس فقتلوهم ثم إن دوسا اجتمع منهم تسعة وسبعون رجلا فقالوا من يكلمنا من يمانينا حتى نغزو أهل ضماد فكان ضماد قد أتى عكاظ فأرادوا أن يخالفوه إلى أهله فمروا برجل من دوس وهو يتغنى
( فإنَّ السِّلْمَ زائِدة نواها ... وإنَّ نوى المحارب لا تروب ) - وافر -
فقالوا هذا لا يتبعكم ولا ينفعكم ان تبعكم أما تسمعون غناءه في السلم فأتوا حممة بن عمرو فقالوا أرسل إلينا بعض ولدك فقال وأنا إن شئتم وهو عاصب حاجبيه من الكبر فأخرج معهم ولده جميعا وخرج معهم وقال لهم تفرقوا فرقتين فإذا عرف بعضكم وجوه بعض فأغيروا
(13/246)

وإياكم والغارة حتى تتفارقوا لا يقتل بعضكم بعضا ففعلوا فلم يلتفتوا حتى قتلوا ذلك الحي من آل الحارث وقتلوا ابنا لضماد فلما قدم قطع أذني ناقته وذنبها وصرخ في آل الحارث فلم يزل يجمعهم سبع سنين ودوس تجتمع بازائه وهم مع ذلك يتغاورون ويتطرف بعضهم بعضا وكان ضماد قد قال لابن أخ له يكنى أبا سفيان لما أراد أن يأتي عكاظ إن كنت تحرز أهلي وإلا أقمت عليهم فقال له أنا أحرزهم من مائة فإن زادوا فلا وكانت تحت ضماد امرأة من دوس وهي أخت مربان بن سعد الدوسي الشاعر فلما أغارت دوس على بني الحارث قصدها أخوها فلاذت به وضمت فخذها على ابنها من ضماد وقالت يا أخي اصرف عني القوم فإني حائض لا يكشفوني فنكز سية القوس في درعها وقال لست بحائض ولكن في درعك سخلة بكذا من آل الحارث ثم أخرج الصبي فقتله وقال في ذلك
( ألا هل أتى أمَّ الحُصَيْن ولو نأتْ ... خِلافتُنا في أهلِه ابنُ مُسَرَّحِ )
( ونضرةُ تدعو بالفِنَاءِ وطَلْقُها ... ترائبه ينفحْنَ من كلِّ مَنْفَح )
( وفرّ أبو سفيانَ لما بدا لنا ... فِرارَ جبانٍ لأمِّهِ الذلُّ مُقْرَحِ ) - طويل -
يوم حضرة الوادي
قال فلم يزالوا يتغاورون حتى كان يوم حضرة الوادي فتحاشد الحيان ثم أتتهم بنو الحارث ونزلوا لقتالهم ووقف ضماد بن مسرح في
(13/247)

رأس الجبل وأتتهم دوس وأنزل خالد بن ذي السبلة بناته هندا وجندلة وفطيمة ونضرة فبنين بيتا وجعلن يستقين الماء ويحضضن وكان الرجل إذا رجع فارا أعطينه مكحلة ومجمرا وقلن معنا فانزل إي إنك من النساء وجعلت هند بنت خالد تحرضهم وترتجز وتقول
( مَنْ رجلٌ ينازِل الكتيبهْ ... فذلِكُمْ تَزني به الحبيبهْ ) - رجز -
فلما التقوا رمى رجل من دوس رجلا من آل الحارث فقال خذها وأنا أبو الزبن فقال ضماد وهو في رأس الجبل وبنو الحارث بحضرة الوادي يا قوم زبنتم فارجعوا ثم رجل آخر من دوس فقال خذها وأنا أبو ذكر فقال ضماد ذهب القوم بذكرها فاقبلوا رأيي وانصرفوا فقال قد جبنت يا ضماد ثم التقوا فأبيدت بنو الحارث هذه رواية أبي عمرو
وأما الكلبي فإنه قال كان عامر بن بكر بن يشكر يقال له الغطريف ويقال لبنيه الغطاريف وكان لهم ديتان ولسائر قومه دية وكانت لهم على دوس أتاوة يأخذونها كل سنة حتى إن كان الرجل منهم ليأتي بيت الدوسي فيضع سهمه أو نعله على الباب ثم يدخل فيجيء الدوسي فإذا أبصر ذلك انصرف ورجع عن بيته حتى أدرك عمرو بن حممة بن عمرو فقال لأبيه ما هذا التطول الذي يتطول به أخواننا علينا فقال يا بني هذا شيء قد مضى عليه أوائلنا فأعرض عن ذكره فأعرض عن هذا الأمر وإن رجلا من
(13/248)

دوس عرس بابنة عم له فدخل عليها رجل من بني عامر بن يشكر فجاء زوجها فدخل على اليشكري ثم أتى عمرو بن حممة فأخبره بذلك فجمع دوسا وقام فيهم فحرضهم وقال إلى كم تصبرون لهذا الذل هذه بنو الحارث تأتيكم الآن تقاتلكم فاصبروا تعيشوا كراما أو تموتوا كراما فاستجابوا له وأقبلت إليهم بنو الحارث فتنازلوا واقتتلوا فظفرت بهم دوس وقتلتهم كيف شاءت فقال رجل من دوس يومئذ
( قد عَلِمَتْ صفراءُ حَرْشاءُ الذَّيْلْ ... شرّابةُ المَحْضِ تَرُوكٌ للقَيْل )
( تُرْخي فروعاً مِثْلَ أذنابِ الخَيْلْ ... إنّ بَرُوقاً دونها كالويل )
( ودونها خَرْطُ القَتادِ بالليل ... ) - رجز -
وقال الحارث بن الطفيل بن عمرو الدوسي في هذا اليوم عن أبي عمرو
( يا دار مِن ماوِيَّ بالسَّهْبِ ... بُنِيَتْ على خَطْبٍ من الخَطْبِ )
( إذ لا ترى إلا مُقاتلةً ... وعَجانِسا يُرْقِلْنَ بالرَّكْبِ )
( ومُدَجّجاً يَسْعَى بِشِكَّتِه ... مُحْمَرَةً عيناه كالكلب )
( ومَعَاشراً صدأ الحدِيدُ بهمْ ... عَبَقَ الْهِناءِ مَخاطِمَ الْجُرْبِ )
( لما سمعْتُ نَزَالِ قد دُعِيَتْ ... أيقنْتُ أَنَّهمُ بنو كعبِ )
( كعبِ بنِ عمروٍ لا لِكعْبِ بنِي العنقاء ... والتِّبْيانُ في النَّسب )
(13/249)

( فَرَمَيْتُ كَبْشَ القوم مُعْتَمِداً ... فمضى وراشوهُ بذي كَعْبِ )
( شكّوا بحَقْوَيْه القِدَاحَ كما ... ناط المُعَرِّضُ أقْدَحَ القُضْبِ )
( فكأنّ مُهْري ظلّ مُنْغَمساً ... بِشَبَا الأسِنّة مَغْرَةُ الجأب )
( يا رُبَّ موضوع رفعْتُ ومَرْفوعٍ ... وضعْتُ بمنزل اللَّصْبِ )
( وحَلِيلِ غانِيةٍ هتكْتُ قرارها ... تحت الوغى بِشديدةِ العَضْبِ )
( كانت على حُبّ الحياة فقد ... أَحْلَلْتُها في منزِلٍ غرْبِ )
( جانِيك مَنْ يَجْنِي عليكِ وقد ... تُعْدي الصِّحاحَ مبارِكُ الجُرْبِ ) - كامل -
هذا البيت في الغناء في لحن ابن سريج وليس هو في هذه القصيدة ولا وجد قي الرواية وإنما ألحقناه بالقصيدة لأنه في الغناء كما تضيف المغنون شعرا إلى شعر وإن لم يكن قائلها واحدا إذا اختلف الروي والقافية
(13/250)

صوت
( صَرَفْتُ هواكَ فانصرفا ... ولم تَدَعِ الذي سَلَفا )
( وبِنْتَ فلم أمتْ كَلِفا ... عليك ولم تَمُتْ أَسَفا )
( كلانا واجد في الناس ... مِمّن ملَّه خلفا ) - مجزوؤ الوافر -
الشعر لعبد الصمد بن المعذل والغناء للقاسم بن زرزور رمل بالوسطى وفيه لعمر الميداني هزج
(13/251)

أخبار عبد الصمد بن المعذل ونسبه
عبد الصمد بن المعذل بن غيلان بن الحكم بن البختري بن المختار ابن ذريح بن أوس بن همام بن ربيعة بن بشير بن حمران بن حدرجان بن عساس بن ليث بن حداد بن ظالم بن ذهل بن عجل بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة ابن نزار وقيل ربيعة بن ليث بن حمران
وجدت في كتاب بخط أحمد بن كامل حدثني غيلان بن المعذل أخو عبد الصمد قال كان أبي يقول أفصى أبو عبد القيس هو أفصى بن جديلة ابن أسد وأفصى جد بكر بن وائل هو أفصى بن دعمي والنسابون يغلطون في قولهم عبد القيس بن أفصى بن دعمي ويكنى عبد الصمد أبا القاسم وأمه أم ولد يقال لها الزرقاء شاعر فصيح من شعراء الدولة العباسية بصري المولد والمنشأ وكان هجاء خبيث اللسان شديد العارضة وكان أخوه أحمد أيضا شاعرا إلا أنه كان عفيفا ذا مروءة ودين وتقدم في المعتزلة وله جاه واسع في بلده وعند سلطانه لا يقاربه عبد الصمد فيه
(13/252)

فكان يحسده ويهجوه فيحلم عنه وعبد الصمد أشعرهما وكان أبو عبد الصمد المعذل وجده غيلان شاعرين وقد روي عنهما شيء من الأخبار واللغة والحديث ليس بكثير والمعذل بن غيلان هو الذي يقول
( إلى اللَّه أشكو لا إلى الناس أنني ... أرى صالح الأعمال لا أستطِيعها )
( أرى خلّةً في إخوة وأقارِبٍ ... وذي رَحِمٍ ما كان مِثلي يُضِيعُها )
( فلو سَاعَدَتني في المكارم قُدْرَةٌ ... لَفَاضَ عليهِمْ بالنوالِ ربيعها ) - طويل -
أنشدنا ذلك له علي بن سليمان الأخفش عن المبرد وأنشدناه محمد ابن خلف بن المرزبان عن الربعي أيضا قالا وهو القائل
( ولستُ بميّالٍ إلى جانِب الغِنى ... إذا كانت العلياءُ في جانِبِ الفَقْرِ )
( وإنِّي لَصَبّارٌ على ما ينوبُني ... وحسبُكَ أنَّ اللَّه أثنى على الصبر ) - طويل -
التهاجي بينه وبين ابان
أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا النخعي وإسحاق قال هجا أبان اللاحقي المعذل بن غيلان فقال
( كنْتُ أمشي مع المعذَّل يوماً ... ففسا فَسْوةً فكدْتُ أطيرُ )
( فَتَلَفَّتُّ هل أرى ظَرِبانا ... من ورائي والأرضُ بي تستدير )
( فإذا ليس غيرهُ وإذا إعْصارُ ... ذاك الفُساءِ منه يفورُ )
( فتعجَّبْتُ ثم قُلْتُ لقد أعرِفُ ... هذا فيما أرى خنزيرُ ) - خفيف -
فأجابه المعذل فقال
(13/253)

( صَحَّفَتْ أمُّك إذْ سمْ ... مَتْك بالمَهْد أبانا )
( قد عَلِمْنا ما أرادتْ ... لم تُرِدْ إلا أتانا )
( صَيَّرتْ باءً مكان ال ... تاء واللَّهِ عِيانا )
( قَطَع اللّه وشيكا ... مِن مُسمِّيْك اللسانا ) - مجزوء الرمل -
أخبرني عمي قال حدثنا المبرد قال مر المعذل بن غيلان بعبد الله بن سوار العنبري القاضي فاستنزله عبد الله وكان من عادة المعذل أن ينزل عنده فأبى وأنشده
( أمِن حق المودةِ أن نُقَضِّي ... ذِمامَكُمُ ولا تَقْضُوا ذِماما )
( وقد قال الأديبُ مقالَ صِدْقٍ ... رآه الآخَرُون لهمْ إماما )
( إذا أكرمتُكُمْ وأَهَنْتُموني ... ولم أغْضَبْ لِذُلَّكُمُ فذاما ) - وافر -
قال وانصرف فبكر إليه عبد الله بن سوار فقال له رأيتك أبا عمرو مغضبا فقال أجل ماتت بنت أختي ولم تأتني قال ما علمت ذلك قال ذنبك أشد من عذرك ومالي أنا أعرف خبر حقوقك وأنت لا تعرف خبر حقوقي فما زال عبد الله يعتذر إليه حتى رضي عنه
حدثني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا ابن مهرويه عن الحمدوني قال كان شروين حسن الغناء والضرب وكان من أراد أن يغنيه حتى يخرج من جلده جاء بجويرية سوداء فأمرها أن تطالعه وتلوح له بخرقة حمراء ليظنها امرأة تطالعه فكان حينئذ يغني أحسن ما يقدر عليه تصنعا لذلك فغضب عليه عبد الصمد في بعض الأمور فقال يهجوه
( مَن حلَّ شَرْوِينُ له منزلاً ... فَلْتَنْهَهُ الأولى عن الثانيهْ )
( فليسَ يدعوه إلى بيته ... إلاّ فتىً في بيته زانيهْ ) - سريع
(13/254)

أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أبو عمرو البصري قال قال عبد الصمد بن المعذل في رجل زان من أهل البصرة كانت له امرأة تزني فقال
( إن كنْتِ قد صفَّرْتِ أُذْنَ الفتى ... فطالما صَفَّرَ آذانا )
( لا تعجبي إن كنْتِ كَشْخَنْتِهِ ... فإنَّما كَشْخنْتِ كَشْخانا ) - سريع -
أخبرني جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب قال حدثنا سوار بن أبي شراعة قال كان بالبصرة رجل يعرف بابن الجوهري وكانت له جارية مغنية حسنة الغناء وكان ابن الجوهري شيخا هما قبيح الوجه فتعشقت فتى كاتبا كان يعاشره ويدعوه وكان الفتى نظيفا ظريفا فاجتمعت معه مرارا في منزله وكان عبد الصمد يعاشره فكان الفتى يكاتمه أمره ويحلف له أنه لا يهواها فدخلت عليهما ذات يوم بغتة فبقي الفتى باهتا لا يتكلم وتغير لونه وتخلج في كلامه فقال عبد الصمد
( لسانُ الهوى ينطقُ ... وَمَشْهَدُه يَصدقُ )
( لقد نمَّ هذا الهوى ... عليك وما يُشْفقُ )
( إذا لم تكن عاشقاً ... فقلبُك لِمْ يخفقُ )
( ومالَكَ إمَّا بدَتْ ... تَحارُ فلا تنطِقُ )
( أَشَمْسٌ تجلَّتْ لنا ... أمِ القمرُ المشرقُ ) - مجزوء المتقارب -
الغناء في هذه الأبيات لرذاذ ويقال للقاسم بن زرزور رمل مطلق
(13/255)

قال ثم طال الأمر بينهما فهربت إليه جملة فقال عبد الصمد في ذلك
( إلى امرىءٍ حازم رَكِبَتْ ... أيَّ امرىء عاجزٍ تركَتْ )
( فتنةُ ابن الجوهريِّ لقد ... أظهرَتْ نُصحاً وقد أفِكَتْ )
( أكذبَتْهَا عزمةٌ ظهرت ... لا تبالي نفسَ مَن سفكتْ )
( ظفِرتْ فيها بما هوِيَتْ ... ونَجَت من قُرْبِ من فَرِكت )
( ثمّ خدودٌ بعدها لُطِمَتْ ... وجيوبٌ بعدها هُتكتْ )
( وعيون لا يُرقَّأْنَ على ... حُسْنِ وجه فاتَهُنَّ بَكَتْ )
( خرجَتْ والليل مُعْتَكِرٌ ... لم يَهُلْها أيَّةً سلكتْ )
( وعيونُ النّاس قد هَجَعَتْ ... وَدُجَى الظَّلْماء قد حَلكتْ )
( لم تَخفْ وَجْداً بعاشقها ... حُرمةَ الشَّهرِ الذي انتهكتْ )
( ورأَتْ لمّا سَقَتُ كَمداً ... أنَّها في دينها نَسَكتْ )
( مُلِّئَت كفٌّ بها ظَفِرت ... دونَ هذا الخلق ما مَلَكتْ )
( أيُّ ملك إذا خلا وخلَتْ ... فشكا أشجانَه وشَكَتْ )
( تَجتلي من وجهِهِ ذهباً ... وَهْوَ يَجلُو فضّةً فتكت )
( هكذا فعلُ الفتاة إذا ... هي في عُشّاقها مَحَكَت )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني بعض أصحابنا قال
نظر عبد الصمد بن المعذل إلى جار له يخطر في مشيته خطرة منكرة وكان فقيرا رث الحال فقال فيه
(13/256)

( يتمشَّى في ثَوْبِ عَصْبٍ من العُرْي ... على عظْمِ ساقِهِ مَسْدولِ )
( دبّ في رأسه خُمارٌ من الجوعِ ... سُرَى خُمرةِ الرحيق الشَّمُولِ )
( فبكى شَجْوَه وحنَّ إلى الخُبز ... ونادى بزفرةٍ وعويل )
( مَن لقلبٍ متيَّم برغيفين ... ونَفْسٍ تاقت إلى طِفْشِيلِ )
( ليس تسمُو إلى الولائم نفسي ... جلَّ قَدْرُ الأعراس عن تأميلي )
( هاتِ لوناً وقُلْ لتلكَ تغنِّي ... لَسْتُ أبكي لدارسات الطُّلول ) - خفيف -
رثاؤه لأبي سلمة الطفيلي
أخبرنا سوار بن أبي شراعة قال كان بالبصرة طفيلي يكنى أبا سلمة وكان إذا بلغه خبر وليمة لبس لبس القضاة وأخذ ابنيه معه وعليهما القلانس الطوال والطيالسة الرقاق فيقدم ابنيه فيدق الباب أحدهما ويقول افتح يا غلام لأبي سلمة ثم لا يلبث البواب حتى يتقدم الآخر فيقول افتح ويلك فقد جاء أبو سلمة ويتلوهم فيدقون جميعا الباب ويقولون بادر ويلك فإن أبا سلمة واقف فإن لم يكن عرفهم فتح لهم وهاب منظرهم وإن كانت معرفته إياهم قد سبقت لم يلتفت إليهم ومع كل واحد منهم فهر مدور يسمونه كيسان فينتظرون حتى يجيء بعض من
(13/257)

دعي فيفتح له الباب فإذا فتح طرحوا الفهر في العتبة حيث يدور الباب فلا يقدر البواب على غلقه ويهجمون عليه فيدخلون فأكل أبو سلمة يوما على بعض الموائد لقمة حارة من فالوذج وبلعها لشدة حرارتها فجمعت أحشاؤه فمات على المائدة فقال عبد الصمد بن المعذل يرثيه
( أحزان نفسي عليها غيرُ مُنْصَرِمهْ ... وأدمُعي من جفونِي الدَّهرَ مُنْسَجِمَهْ )
( على صديقٍ ومولًى لي فُجِعْتُ بهِ ... ما إنْ لهُ في جميع الصالحين لُمَه )
( كم جفنةٍ مِثلِ جَوفِ الحوض مُتْرَعَةٍ ... كوماءَ جاء بها طَبَّاخُها رذِمه )
( قد كَلَّلَتْها شحومٌ مِن قَلِيَّتها ... ومن سَنامِ جَزُوْرٍ عَبْطةٍ سَنِمَهْ )
( غُبِّبْتَ عنها فلم تَعرف له خبراً ... لهفي عليكَ وويلي يا أبا سلمه )
( ولو تكون لها حيًّا لما بَعُدَتْ ... يوماً عليك ولو في جاحمٍ حُطَمه )
( قد كنت أعلم أنَّ الأكل يقتله ... لكنَّنِي كنت أخشى ذاك من تُخَمه )
( إذا تعمَّم في شِبْلَيْهِ ثم غدا ... فإنَّ حوزةَ من يأتيه مُصْطَلِمَه ) - بسيط -
عشق فتى فقال فيه الشعر
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه قال كان عبد الصمد بن المعذل يتعشق فتى من المغنين يقال له أحمد فغاضبه الفتى وهجره فكتب إليه
(13/258)

صوت
( سَلْ جَزَعي مُذْ صَدَدْتَ عن حالي ... هل خَطَر الصَبْرُ على بالي )
( لا غيَّرَ اللَّه سوءَ فِعلِك بي ... إن كنْتُ أعتبْتُ فيك عُذَّالي )
( ولا ذَمَمْتُ البكا لي عليك ولا ... حَمِدْتُ حُسنَ السلُوِّ من سالِ )
( لو كنْتُ أبغي سِواكَ ما جهِلَتْ ... نفسيَ أنَّ الصُّدود أعفى لي ) - رمل مطلق -
لجحظة في هذه الأبيات رمل مطلق
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني علي بن محمد النوفلي فقال هجا عبد الصمد بن المعذل قينة بالبصرة قال فيها
( تَفْتَرُّ عن مَضْحَكِ السِّدْرِيِّ إن ضحكتْ ... كَرْفَ الأَتان رأت إدلاءَ أعيارِ )
( يَفوحُ ريحُ كنيفٍ من ترائبها ... سوداءُ حالكةٌ دَهْمَاءُ كالقار ) - بسيط -
قال فكسدت والله تلك القينة بالبصرة فلم تدع ولم تستتبع حتى أخرجت عنها
عتابة لبعض الأمراء
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا المبرد قال كتب عبد الصمد بن المعذل إلى بعض الأمراء رقعة فلم يجبه عنها لشيء كان بلغه
(13/259)

عنه فكتب إليه
( قد كتبتُ الكتاب ثم مَضَى اليوم ... ولم أَدْرِ ما جوابُ الكتابِ )
( ليتَ شِعري عن الأمير لماذا ... لا يراني أهلاً لردِّ الجوابِ )
( لا تدَعْني وأنت رفَّعْتَ حالي ... ذا انخفاضٍ بهجرتي واجتنابي )
( إن أكنْ مذنباً فعندي رجوعٌ ... وبلاءٌ بالعذر والإِعْتاب )
( وأنا الصادقُ الوفاءِ وذو العهدِ ... الوثيقِ المؤكَّد الأسباب ) - خفيف -
أخبرني الحرمي بن علي قال حدثني أبو الشبل قال كان بالبصرة رجل من ولد المهلب بن أبي صفرة يقال له صبيانة وكان له بستان سري في منزله فكان يدعو الفتيات إليه فلا يعطيهن شيئا من الدراهم ويقصر بهن على ما يحملنه من البستان معهن مثل الرطب والبقول والرياحين فقال فيه عبد الصمد قوله
( قومٌ زُناةٌ مالهُمْ دراهِمُ ... جَذْرُهُمُ النَّمَّامُ والحَمَاحِمُ )
( أنذلُ من تَجْمَعُهُ المواسمُ ... خَسُّوا وخسَّتْ منهمُ المطاعِمُ )
( فعدلُهمْ إن قِسْتَه المظالِمُ ... ) - رجز -
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني سوار بن أبي شراعة وأخبرنا به سوار إجازة قال حدثني أبي قال لما هجا الجماز عبد الصمد بن المعذل جاءني فقال لي أنقذني منه فقلت له أمثلك يفرق من الجماز فقال نعم لأنه لا يبالي بالهجاء ولا يفرق منه ولا عرض له وشعره ينفق على
(13/260)

من لا يدري فلم أزل حتى أصلحت بينهما بعد أن سار قوله فيه
( ابن المعذَّل مَنْ هُو ... وَمَنْ أبوه المعذَّلْ )
( سألْتُ وَهْبانَ عنه ... فقال بَيضٌ مُحَوَّلْ ) - مجتث -
قال وكان وهبان هذا رجلا يبيع الحمام فجمع جماعة من أصحابه وجيرانه وجعل يغشى المجالس ويحلف أنه ما قال إن عبد الصمد بيض محول ويسألهم أن يعتذروا إليه فكان هذا منه قد صار بالبصرة طرفة ونادرة فجاءني عبد الصمد يستغيث منه ويقول لي ألم أقل لك إن آفتي منه عظيمة والله لدوران وهبان على الناس يحلف لهم أنه ما قال إني بيض محول أشد علي من هجائه لي فبعثت إلى وهبان فأحضرته وقلت له يا هذا قد علمنا أن الجماز قد كذب عليك وعذرناك فنحب أن لا تتكلف العذر إلى الناس في أمرنا فإنا قد عذرناك فانصرف وقد لقي عبد الصمد بلاء
أخبرني محمد بن جعفر الصيدلاني النحوي صهر المبرد قال حدثني إسحاق بن محمد النخعي قال قال لي أبو شراعة القيسي بلغ أبا جعفر مضرطان أن عبد الصمد بن المعذل هجاه واجتمعا عند أبي واثلة السدوسي فقال له مضرطان بلغني أنك هجوتني فقال له عبد الصمد من أنت حتى أهجوك قال هذا شر من الهجاء فوثب إلى عبد الصمد يضربه فقال الحمدوي وهو إسماعيل بن إبراهيم بن حمدويه وحمدويه جده وهو الذي كان يقتل الزنادقة
( ألذُّ مِن صُحبة القَنَانِي ... أوِ اقتراحٍ على قِيانِ )
(13/261)

( لَكْزُ فتىً من بني لُكَيْزٍ ... يُهْدَى له أهون الهوان )
( أهوَى له بازلٌ خِدَبٌّ ... يطحَنُ قَرْنيه بالجران )
( فنال منه ثُؤُورَ قوم ... باليد طوراً وباللِّسان )
( وكان يفسُو فصار حَقّاً ... يضرِطُ من خوفِ مَضْرَطان ) - مخلع بسيط -
قال وبلغ عبد الصمد شعر الحمدوي فقال أنا له ففزع الحمدوي منه فقال
( تَرَحٌ طُعْنَتُ به وهمٌّ واردُ ... إذْ قيل إنّ ابنَ المُعَذّل واجدُ )
( هيهاتَ أن أجدَ السّبيلَ إلى الكَرى ... وابنُ المعذَّلِ من مِزاحي حارِدُ ) - كامل -
فرضي عنه عبد الصمد
تهاجي الجماز والمعذل
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثني إبراهيم بن عقبة اليشكري قال قال لي عبد الصمد بن المعذل هجاني الجماز ببيتين سخيفين فسارا في أفواه الناس حتى لم يبق خاص ولا عام إلا رواهما وهما
( ابنُ المعذل مَنْ هو ... ومن أبوه المعذّلْ )
( سألْتُ وَهْبانَ عنه ... فقال بَيْضٌ مُحَوَّلْ ) - مجتث
(13/262)

فقلت أنا فيه شعرا تركته يتحاجى فيه كل أحد فما رواه أحد ولا فكر فيه وذلك لضعته وهو قولي
( نَسَبُ الجمّاز مقصورٌ ... إليه مُنْتَهاهُ )
( يتراءَى نَسَبُ الناس ... فما يخفَى سِواهُ )
( يتحاجى في أبي الجَمَاز ... من هُوْ كاتباهُ )
( ليس يَدْري مَنْ أبو الجَمَاز ... إلا مَن يراه ) - مجزوء الكامل -
أخبرني الأخفش قال كان لعبد الصمد بستان نظيف عامر فأنشدنا لنفسه فيه
( إذا لم يزرنِيَ نَدْمانِيَهْ ... خَلَوْتَ فنادمْتُ بستانِيَهْ )
( فنادمْتُه خَضِراً مُؤنقا ... يُهَيِّجُ لي ذكرَ أشجانِيَهْ )
( يقرِّب مَفْرَحَةَ الْمُسْتَلِذِّ ... ويُبعِد هَمِّي وأحزانِيَهْ )
( أرى فيه مثلَ مدارِي الظِّباءِ ... تظلُّ لأطلائها حانيه )
( ونَوْرَ أقاح شتيتِ النباتِ ... كما ابتسمَتْ عجباً غانيه )
( ونرجسُهُ مثلُ عين الفتاة ... إلى وجهِ عاشقها رانِيَه ) - متقارب -
أخبرني جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب قال كان يزيد بن عبد الملك المسمعي يهوى جارية من جواري القيان يقال لها عليم وكان يعاشر عبد الصمد ويزيد يومئذ شاب حديث السن وكان عبد الصمد يسميه ابني
(13/263)

ويسمي الجارية ابنتي فباع الفتى بستانا له في معقل وضيعة بالقندل فاشترى الجارية بثمنها فقال عبد الصمد
( بُنيَّتي أصبحَتْ عَرُوساً ... تُهدَى من ابني إلى عروسِ )
( زُفَّتْ إليه لخيرِ وقتٍ ... فاجتمعا ليلةَ الخميس )
( يا معشرَ العاشِقين أنتُمْ ... بالمنزل الأرذلِ الخسيس )
( يزيدُ أضحى لكُمْ رئيساً ... فاتَّبعوا مَنْهج الرئيس )
( مَن رام بَلاًّ لرأسِ أيْرٍ ... ذلَّل نفساً بِحَلِّ كِيس ) - مخلع البسيط -
أخبرني محمد بن خلف بن المزربان قال حدثني يزيد بن محمد المهلبي قال بلغ عبد الصمد بن المعذل أن أبا قلابة الجرمي تدسس إلى الجماز لما بلغه تعرضه له وهجاؤه إياه فحمله على الزيادة في ذلك ويضمن له أن ينصره ويعاضده وقد كان عبد الصمد هجا أبا قلابة حتى أفحمه فقال عبد الصمد فيهما
( يا مَن تركْتُ بصخرة ... صَمّاءَ هامَتَهُ أمِيمَهْ )
( إن الذي عاضدْتَهُ ... أشبهْتَه خُلُقاً وشيمهْ )
( وكفِعل جدَّتك الحديثة ... فعلُ جدّته القديمهْ )
( فتناصرا فابنُ اللئيمة ... ناصرٌ لابْنِ اللئيمهْ ) - مجزوء الكامل
(13/264)

حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني أبو العيناء قال كان لعبد الصمد بن المعذل صديق يعاشره ويأنس به فتزوج إليه أمير البصرة وكان ولد سليمان بن علي فنبل الرجل وعلا قدره وولاه المتزوج إليه عملا فكتب إليه عبد الصمد
( أَحُلْتَ عمّا عهدْتُ من دأبكْ ... أم نلْتَ مُلْكاً فَتِهْتَ في كُتبِكْ )
( أم هل ترى أنَّ في مناصفة الإخْوانِ ... نَقْصاً عليك في حَسَبِكْ )
( أم كان ما كان منك عن غضبٍ ... فأيُّ شيء أدناك من غَضَبِك )
( إنَّ جفاءً كتابَ ذي ثقة ... يكون في صدره وأمتعَ بك )
( كيفَ بإنصافنا لديكَ وقد ... شاركْتَ آلَ النبيِّ في نسبِك )
( قلْ للوفاء الذي تقدِّرهُ ... نفسك عندي مَلِلت من طلبك )
( أتْعبْتَ كفَّيْكَ في مواصلتي ... حسبُك ماذا كفيت من تعبك ) - منسرح -
فأجابه صديقه
( كيف يَحُول الإِخاء يا أملي ... وكلُّ خيرٍ أنال من نسبِكْ )
( إن يَكُ جهلٌ أتاك مِن قِبَلِي ... فامنُنْ بفضلٍ عليَّ من أدبك )
( أنكرْتَ شيئاً فلسْتُ فاعِلهُ ... ولا تراه يَخُطُّ في كتبك ) - منسرح -
حدثني الأخفش قال حدثنا المبرد قال كان لعبد الصمد بن المعذل صديق كثير الكذب كان معروفا بذلك فوعده وعدا فأخلفه ومطله به مطلا طويلا فقال عبد الصمد
( لي صاحبٌ في حديثه البركَهْ ... يزيدُ عند السُّكون والحركَهْ )
( لو قال لا في قليلِ أحرُفِها ... لردَّها بالحُروف مشتبِكهْ ) - منسرح
(13/265)

هجاؤه لبني المنجاب
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني سوار بن أبي شراعة قال كان يحيى بن عبد السميع الهاشمي يعاشر عبد الصمد بن المعذل ويجتمعان في دار رجل من بني المنجاب له جارية مغنية وكان ينزل رحبة المنجاب بالبصرة ثم استبد بها الهاشمي دون عبد الصمد فقال فيهم عبد الصمد
( قل ليحيى مَلِلْتُ من أحبابي ... فَلْيُنِكْهُمْ ما شاء من أصحابي )
( قد تَرَكْنا تَعَشُّقَ الْمُرْدِ لمَّا ... أنْ بَلَوْنا تنعُّم العزَّاب )
( وَشِنئْنا المؤاجِرين فَمِلْنا ... بعد خُبْرٍ إلى وصالِ القِحاب )
( حبّذا قَيْنةٌ لأهل بني المِنجابِ ... حَلّتْ في رحبة المِنجاب )
( صدَّقْتَ إذ يقول لي خُلِقَ الأحراح ... ليس الفِقاحُ للأزباب )
( حبّذا تلك إذ تُغَنِّيك يا يحيى ... وتَسْقيك من ثنايا عِذاب )
( ذكَرَ القلبُ ذُكْرَةً أُمَّ زيدٍ ... والمطايا بالسَّهْب سَهْبِ الرِّكاب )
( حبّذا إذ ركبْتَها فتجافتْ ... تتشكى إليكَ عند الضِّراب )
( وتَغَنَّتْ وأنت تدفَعُ فيها ... غيرَ ذي خِيفة لهمْ وارتقاب )
( وإنَّ جَنْبِي عَنِ الفراش لنَابي ... كتجافي الأَسَرِّ فوق الظِّراب )
(13/266)

( ليت شعري هل أسمعَنَّ إذا ما ... زاحَ عني وساوسُ الكتّاب )
( مِنْ فتاةٍ كأنها خُوطُ بانٍ ... مَجَّ فيها النعيمُ ماءَ الشبابِ )
( إذْ تُغَنِّيك خَلْفَ سَجْفٍ رقيق ... نَغَماتٍ تحبُّها بصواب )
( شَفَّ عنها مُحَقَّقٌ جَنَدِيٌّ ... فَهْي كالشَّمس من خلال سَحاب )
( رُبَّ شِعْرٍ قد قُلْتُه بتباهٍ ... ويُغَرَّى به ذوو الألباب )
( قد تركْتُ الملحِّنين إذا ما ذكروه قاموا على الأذناب ) - خفيف -
قال وشاعت الأبيات بالبصرة فامتنع مولى الجارية من معاشرة الهاشمي وقطعه بعد ذلك
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي وأحمد بن يحيى بن علي بن يحيى قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني أحمد بن صالح الهاشمي قال كان الحسين بن عبد الله بن العباس بن جعفر بن سليمان مائلا إلى عبد الصمد بن المعذل وكان عبد الصمد يهجو هشاما الكرنباني فجرى بين ابني هشام الكرنباني وهما أبو واثلة وإبراهيم وبين الحر بن عبد الله لحاء في أمر عبد الصمد لأنهما ذكراه وسباه فامتعض له الحسين وسبهما عنه فرميا الحسين بابن المعذل ونسباه إلى أن عبد الصمد يرتكب القبيح وبلغ الحسين ذلك فلقيهما في سكة المربد فشد عليهما بسوطه وهو راكب فضربهما ضربا مبرحا وأفلت أبو واثلة ووقع سبيب السوط
(13/267)

في عين إبراهيم فأثر فيها أثرا قبيحا فاستعان بمشيخة من آل سليمان بن علي وهرب أبو واثلة إلى الأمير علي بن عيسى وهو والي البصرة فوجه معه بكتابه ابن فراس إلى باب الحسين بن عبد الله فطلبه وهرب حسين إلى المحدثة فلما كان من الغد جاء حسين إلى صالح بن إسحاق بن سليمان وإلى ابن يحيى بن جعفر بن سليمان ومشيخة من آل سليمان فصاروا معه إلى علي بن عيسى وأقبل عبد الصمد بن المعذل لما رآهم فدخل معهم لنصرة حسين فكلموا علي بن عيسى في أمره وقام عبد الصمد فقال أصلح الله الأمير هؤلاء أهلك وأجلة أهل مصرك تصدوا إليك في ابنهم وابن أخيهم وهو إن كان حدثا لا ينبسط للحجة بحداثته فإن ها هنا من يعبر عنه وقد قلت أبياتا فإن رأى الأمير أن يأذن في إنشادها فعل قال قل فأنشده عبد الصمد قوله
( يا ابنَ الخلائف وابنَ كلِّ مُبَارَكٍ ... رأسَ الدعائم سابِقَ الأغصانِ )
( إنَّ العلوجَ على ابنِ عمك أصفَقُوا ... فأَتوْك عنه بأعظم البهتان )
( قَرفُوه عندَك بالتعدِّي ظالماً ... وهُمُ ابتدَوْه بأعظمِ العدوان )
( شَتَموا له عِرْضاً أغَرَّ مُهَذَّباً ... أعراضُهُمْ أولى بكلِّ هوان )
( وسَمَوْا بأجسامٍ إليه مَهِينةٍ ... وُصِلتْ بأَلأمِ أَذْرُعٍ وبَنان )
( خُلِقَتْ لمدِّ القَلْس لا لتناوُل ... عِرْض الشّريف ولا لمدِّ عنان )
( لم يحفَظُوا قرباه منك فينتهوا ... إذْ لم يَهابُوا حُرْمَةَ السُّلطان )
(13/268)

( أَيُذَلُّ مظلوماً وجدُّك جَدُّه ... كيما يعزَّ بِذُلِّهِ عِلْجان )
( وينال أقلفُ كَربلاءُ بلادُه ... ذلَّ ابنِ عمِّ خليفةِ الرحمن )
( إني أُعيذُك أن تُنَالَ بك التي ... تَطْغَى العلوجُ بها على عَدْنان ) - كامل -
فدعا علي بن عيسى حسينا فضمه إليه فقال انصرف مع مشايخك ودعا بهشام الكرنباني وابنيه فعذلهم في أمره ثم أصلح بينهم بعد ذلك
أخبرني علي بن سليمان قال حدثنا محمد بن يزيد قال كان عبد الصمد بن المعذل يعاشر عبد الله بن المسيب ويألفه فبلغه أنه اغتابه يوما وهو سكران وعاب شيئا أنشده من شعره فقال فيه وكتب بها إليه
( عَتْبي عليك مُقارِنُ العُذْرِ ... قد زال عند حفيظتي صَبْرِي )
( لك شافعٌ منِّي إليّ فما ... يَقْضي عليك بهفوةٍ فكري )
( لمّا أتاني ما نطقْتَ به ... في السُّكر قلْتُ جنايةُ السكر )
( حاشا لعبدِ اللَّه يذكُرني ... مُسْتَعْذِباً بنقيصتي دكري )
( إنْ عابَ شعري أَوْ تَحَيَّفَهُ ... فَلْيَهْنهِ ما عابَ مِن شعري )
( يا ابنَ المُسَيَّب قد سبقْتَ بما ... أصبحْتَ مرتهِناً به شكري )
( فمتى خُمِرْتَ فأنتَ في سَعةٍ ... ومتى هَفوْتَ فأنت في عُذْرِ )
( تَرْكُ العتاب إذا استحَقَّ أخٌ ... منك العتابَ ذريعةُ الهَجْرِ ) - كامل -
أخبرني الأخفش قال حدثنا المبرد قال دعا عبد الصمد بن المعذل شروين المغني وكان محسنا متقدما في صناعته فتعالل عليه ومضى إلى غيره فقال عبد الصمد والله لأسمنه ميسما لا يدعوه بعده أحد بالبصرة إلا بعد أن يبذل عرضه وحريمه فقال فيه
( مَنْ حَلَّ شَرْوِينُ له منزلاً ... فَلْتَنْهَهُ الأولى عن الثانيهْ )
( فليس يدعوه إلى بيته ... إلا فتىً في بيته زانيهْ ) - سريع
(13/269)

فتحاماه أهل البصرة حتى اضطر إلى أن خرج إلى بغداد وسر من رأى
هجاؤه لأبي رهم
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي وأحمد بن العباس العسكري قالا حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا الفضل بن أبي جرزة قال كان أبو قلابة الجزمي وعبد الصمد بن المعذل وعبد الله بن محمد بن أبي عيينة المهلبي أرادوا المسير إلى بيت بحر البكراوي وكانت له جارية مغنية يقال لها جلبة وكان أبو رهم إليها مائلا يتعشقها ثم اشتراها بعد ذلك فلما أرادوا الدخول إليها وافاهم أبو رهم فأدخلوه وحده وحجبوهم فانصرفوا إلى بستان ابن أبي عيينة فقال أبو قلابة لا بد أن نهجو أبا رهم فقالوا قل فقال
( ألا قل لأبي رِهْمٍ ... سيهوى نَعْتَكَ الوصفُ )
( كما حالفك الغيُّ ... كذا جانَبَك الظَّرْفُ )
( أتانا أنه أهدى ... إلى بحرٍ من الشَّغْفِ )
( حُزَيْماتٍ من الصِّير ... فهلاَّ معهُ رُغْفُ )
( فنادَوْا اقسمي فينا ... فقد جاءكم اللُّطْفُ ) - هزج -
فقال له عبد الصمد سخنت عينك أيش هذا الشعر بمثل هذا يهجى من يراد به الفضيحة فقال أبو قلابة هذا الذي حضرني فقل أنت ما يحضرك فقال أفعله وأجود فكان هذا سبب هجاء عبد الصمد أبا رهم وأول قصيدة هجاه بها قوله
(13/270)

( دَعُوا الإسلامَ وانتَحِلُوا المجوسا ... وأَلقُوا الرَّبْطَ واشتَمِلُوا القُلوسا )
( بني العبدِ المُقيم بنهر تِيْرَى ... لقد أَنْهَضْتُ طيركُمُ نحوسا )
( حرامٌ أن يَبِيتَ لكُمْ نزِيلٌ ... فلا يُمسِي بأمِّكمُ عَروسا )
( إذا ركَدَ الظلامُ رأت عُسيْلاً ... يَحُثُّ على نَداماهُ الكؤوسا )
( ويُذْكِرُهُمْ أبو رِهْمٍ بهجوٍ ... فيستدعي إلى الحُرَمِ النُّفوسا )
( ويُخْلِيهمْ هِشامٌ بالغواني ... ويُحمي الفضلُ بينهمُ الوطيسا )
( فتسمع في البيوت لهمْ هبيبا ... كما أهملْتَ في الزَّربِ التيوسا )
( لقد كان الزناةُ بلا رئيس ... فقد وجد الزناةُ بهمْ رئيسا )
( هُمُ قَبَلُوا الزّناد وأنشأوه ... وهُمُ وسموا بجبهته حبيسا )
( لئن لم تنْفِ دعوتَهم سَدُوسٌ ... لقد أخزى الإله بهمْ سَدوسا ) - هزج -
وقال فيه
(13/271)

( لو جادَ بالمال أبو رِهْمٍ ... كجُوْدِهِ بالأخت والأمِّ )
( أضحى وما يُعرَفُ مِثْلٌ لَه ... وقيل أسخى العُرْبِ والعُجْمِ )
( مَنْ بَرَّ بالحرْمَةِ إخوانَه ... أحَقُّ أن يُشْكر بالشتْمِ ) - سريع -
وله فيه من قصيدة طويلة
( هو واللَّه مُنْصِفٌ ... زَوْجُهُ زَوْجُ زوجتِهْ )
( يقسم الأيرَ عادلاً ... بين حِرْها وفُقْحَتِهْ ) - مجزوء الخفيف -
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا العنزي قال حدثني أبو الفضل بن عبدان قال خرج عبد الصمد بن المعذل مع أهله إلى نزهة وقال
( قد نَزَلْنا بِروضةٍ وغديرٍ ... وَهَجَرْنا القصرَ المنيف المشِيدا )
( بعريشٍ ترى من الزاد فيه ... زُكْرَتَيْ خَمرةٍ وصَقْراً صَيُودا )
( وغَرِيرَيْن يطربان الندامى ... كلما قلْتُ أَبْدِيا وأَعِيدا )
( غنِّياني فَغَنَّياني بلحْنٍ ... سَلِسِ الرَّجْعِ يصدع الجلمودا )
( لا ذَعَرْتُ السَّوامَ في فلق الصُّبْحِ ... مُغِيراً ولا دُعِيتُ يزيدا )
( حَيِّ ذا الزَّوْرَ وانهَه أن يعودا ... إنّ بالباب حارسين قعودا )
( من يزُرْنا يجدْ شِواءَ حُبارَى ... وقَدِيراَ رَخصاً وخَمْرا عتيدا )
(13/272)

( وكِراماً مُعَذَّلين وبِيضاً ... خلعوا العُذْر يسحبون البُرودا )
( لستُ عن ذا بمُقْصِرٍ ما جزائي ... قرَّبَتْ لي كريمةٌ عنقودا ) - خفيف -
شعره في الافشين
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال نظر عبد الصمد بن المعذل إلى الأفشين بسر من رأى وهو غلام أمرد وكان من أحسن الناس وهو واقف على باب الخليفة مع أولاده القواد فأنشدنا لنفسه فيه قال
( أيها اللاحِظِي بطرْفٍ كليلِ ... هل إلى الوصل بيننا مِن سبيلِ )
( عَلِمَ اللَّهُ أنني أتمنَّى ... زَوْرةً منكَ عند وقتِ المَقِيلِ )
( بعد ما قد غدوْتَ في القُرْطَق الجَونِ ... تَهادَى وفي الحسام الصقِيل )
( وتكفَّيْتَ في المواكب تَخْتالُ ... عليها تميل كلَّ مَمِيل )
( وأطلْتَ الوقوف منك بِباب القصْر ... تَلْهُو بكلِّ قال وقيْلِ )
( وتحدّثْتَ في مطاردة الصَّيد ... بِخُبْرٍ به ورأي أصيلِ )
( ثمَّ نازعْتَ في السِّنان وفي الرمح ... وعِلْمٍ بِمُرْهَفاتِ النُّصُولِ )
( وتكلَّمْتَ في الطِّراد وفي الطَّعن ... ووثْبٍ على صِعابِ الخيولِ )
( فإذا ما تفرّقَ القومُ أقبلْتَ ... كريحانةٍ دَنَتْ لذبول )
(13/273)

( قد كساك الغبارُ منه رِدّاءً ... فوقَ صُدغ وجَفْنِ طرْفٍ كحِيل )
( وبَدَتْ وُرْدَةُ القَسامة من خَدْدِكَ ... في مُشْرقٍ نقيٍّ أسيل )
( ترشَحُ المِسْكَ منه سالفةُ الظبْي ... وجِيدُ الأُدمانة العُطْبُول )
( فَأَسُوفُ الغبار ساعة ألقاكَ ... برشْفِ الخدّين والتقبيل )
( وأحُلُّ القَباَء والسَّيفَ من خَصرِكَ ... رِفْقاً باللُّطف والتعليل )
( ثم تُؤتى بما هويتَ من التَّشريفِ ... عندي والبرِّ والتبجيل )
( ثم أجلوكَ كالعروسِ على الشَّرْبِ ... تَهادَى في مُجْسَدٍ مصقول )
( ثم أَسقيك بعد شُرْبِيَ مِنْ رِيقِك ... كأساً من الرحيق الشمول )
( وأغنِّيك إن هَوِيتَ غِناءً ... غيَر مستكرَه ولا مملول )
( لا يزال الخَلخال فوق الحشايا ... مثل أثناء حَيَّةٍ مقْتول )
( فإذا ارتاحتِ النفوسُ اشتياقاً ... وتمنَّى الخَليلُ قُرْبَ الخليل )
( كان ما كان بيْننا لا أسمِّيهِ ... ولكنّه شفاءُ الغليل ) - خفيف -
شعره في متيم
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني الحسن بن عليل العنزي والمبرد وغيرهما قالوا كانت متيم جارية لبعض وجوه أهل البصرة فعلقها عبد الصمد بن المعذل وكانت لا تخرج إلا منتقبة فخرج عبد
(13/274)

الصمد يوما إلى نزهة وقدمت متيم إلى عبيد الله بن الحسن بن أبي الحر القاضي فاحتاج إلى أن يشهد عليها فأمرها بأن تسفر فلما قدم عبد الصمد قيل له لو رأيت متيم وقد أسفرها القاضي لرأيت شيئا حسنا لم ير مثله فقال عبد الصمد قوله
( ولما سَرَتْ عنها القناعَ مُتَيَّمٌ ... تَروَّحَ منها العنبريُّ متيَّما )
( رأَى ابنُ عبيدِ اللَّه وهو مُحَكَّمٌ ... عليها لها طَرْفاً عليه محكَّما )
( وكان قديماً كالحَ الوجهِ عابساً ... فلما رأى منها السفُورَ تبسَّما )
( فإن يَصْبُ قلبُ العنبريِّ فقبلَه ... صبا باليتامى قلبُ يحيى بنِ أكثما ) - طويل -
فبلغ قوله يحيى بن أكثم فكتب إليه عليك لعنة الله أي شيء أردت مني حتى أتاني شعرك من البصرة فقال لرسوله قل له متيم أقعدتك على طريق القافية
أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثني عبد الله بن أحمد العبدي قال حدثني الأنيسي قال كنت عند إسحاق بن إبراهيم وزاره أحمد بن المعذل وكان خرج من البصرة على أن يغزو فلما دخل على إسحاق بن إبراهيم أنشده
( أفضلْتَ نُعمَى على قومٍ رَعَيْتَ لَهُمْ ... حقًّا قديماً من الودّ الذي دَرَسا )
( وحرمةَ القصْدِ بالآمال إنّهمُ ... أَتَوْا سواكَ فما لاقَوْا به أَنَسا )
( لأنت أكرمُ منه عند رفعته ... قَوْلاً وفعلاً وأخلاقاً ومُغْتَرسا ) - بسيط -
فأمر له بخمسمائة دينار فقبضها ورجع إلى البصرة وكان خرج عنها
(13/275)

ليجاور في الثغر وبلغ عبد الصمد خبره فقال فيه
( يُرِي الغزاةَ بأنَّ اللّه هِمّتُه ... وإنما كان يَغزو كيسَ إسحاقِ )
( فباعَ زُهداً ثواباً لا نَفادَ له ... وابتاعَ عاجل رِفدِ القوم بالباقي ) - بسيط -
فبلغ إسحاق بن إبراهيم قوله فقال قد مسنا أبو السم عبد الصمد بشيء من هجائه وبعث إليه بمائة دينار فقال له موسى بن صالح أبى الأمير إلا كرما وظرفا
شعره في الهجاء
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل قال حدثني الحسن الأسدي قال قدم أبو نبقة من البحرين وقد أهدى إلى قوم من أهل البصرة هداياه ولم يهد إلى عبد الصمد شيئا فكتب إليه
( أما كان في قَسْبِ اليمامةِ والتمر ... وفي أَدَمِ البحرين والنَّبَقِ الصُّفْرِ )
( ولا في مناديلٍ قسَمْتَ طريفَها ... وأهدَيْتَها حَظُّ لنا يا أبا بكْرِ )
( سَرَتْ نحو أقوامٍ فلا هَنَأْنهُمُ ... ولم ينتصف منها الْمُقِلُّ ولا المثري )
( أأنتَ إلى طالوتَ ذِي الوفْرِ والغِنى ... وآلِ أبي حَرْبٍ ذوي النَّشَب الدثر )
( ولم تأتِني ولا الرياشيِّ تمرةٌ ... غَصِصْتَ بباقي ما ادَّخرْتَ من التمرِ )
( ولم يُعْطَ منها النهشليُّ إِداوةً ... تكون له القَيْظِ ذُخْراً مَدَى الدهر )
( أقول لفتيانٍ طَوَيْتُ لطيِّهمْ ... عُرِى البِيد منشورَ المخافةِ والذعر )
(13/276)

( لئن حُكّم السدريُّ بالعدل فيكُمُ ... لما أنصف السدريُّ في ثَمَر السِّدْرِ )
( لئن لم تكنْ عيناك عذرَكَ لم تكن ... لدينا بمحمودٍ ولا ظاهرِ العذرِ ) - طويل -
أخبرنا الحسن بن عليل قال حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي قال وقع بين أبي وبين عبد الصمد بن المعذل تباعد فهجاه ونسبه إلى الشؤم وكان يقال ذلك في عبد الصمد فقال فيه
( يقول ذَوُو التَّشؤُّمِ ما لقينا ... كما لقي ابن سهلٍ مِن يَزيدِ )
( أتته منيَّةُ المأمونِ لمَّا ... أتاه يزيدُ من بلدٍ بعيدِ )
( فصيَّر منه عسكرَه خلاءً ... وفرَّق عنه أفواجَ الجنودِ )
( فقلت لهمْ وكم مشؤومِ قَوْمٍ ... أبَادَ لهمْ عَديداً من عدِيدِ )
( رأيتَ ابنَ المعذَّلِ يالَ عمروٍ ... بشُؤمٍ كان أسرعَ في سعيد )
( فمنه موتُ جِلَّةِ آل سَلْمٍ ... ومنه قَضُّ آجامِ البريد )
( ولم ينزل بدارٍ ثم يمسي ... ولمَّا يستمعْ لَطْمَ الخدود )
( وكلُّ مديح قومٍ قال فيهم ... فإنّ بعَقْبه يا عينُ جودي )
( إذا رجلٌ تسمَّع منه مدْحاً ... تنسَّمَ منه رائحةَ الصعيد )
( فلو حَصْفُ الذين يُبِيح فيهمْ ... اثاروا منه رائحة الطريد )
( فليس العزُّ يمنع منه شؤماً ... ولا عَتباً بأبواب الحديد ) - وافر -
حدثني الأخفش قال حدثنا المبرد قال مر أحمد بن المعذل بأخيه عبد الصمد وهو يخطر فأنشأ يقول
( إن هذا يَرَى أُرَى ... أنّه ابن المهلَّب )
(13/277)

( أنت واللّه مُعْجِبٌ ... ولنا غيرُ مُعْجِب ) - مجزوء الخفيف -
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا أبي وغيره وحدثني به بعض آل المعذل قال مر عبد الصمد ابن المعذل بغلام يقال له المغيرة حسن الصوت حسن الوجه وهو يقرأ ويقول القصائد فأعجب به وقال فيه
( أيها الرافع في المسجد ... بالصَّوتِ العَقِيره )
( قتلَتْنِي عينُك النَّجلاءُ ... والقَتْلُ كبيرهْ )
( أيُّها الحكّام أنتمْ ... فاصِلُو حُكْمِ العشِيرهْ )
( أَحَلاَلاً ما بقلبي ... صَنَعَتْ عينا مُغِيرهْ ) - مجزوء الرمل -
وصفه للحمى
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا زكريا بن مهران بن يحيى قال جاءنا عبد الصمد بن المعذل إلى منزل محمد بن عمر الجرجرائي فأنشدنا قصيدة له في صفة الحمى فقال لي محمد بن عمر امض إلى منزل عبد الصمد حتى تكتبها فمضيت إليه حتى كتبتها وهي
( هجرْتُ الصِّبا أيَّما هَجْرهْ ... وعِفْتُ الغَوانِيَ والخمرهْ )
( طوتْنيَ عن وَصْلِها سكرهْ ... بكأس الضّنا أيَّما سَكرهْ ) - متقارب -
تهاجيه مع أبي تمام
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني عبد الله بن يزيد الكاتب قال جمع بين أبي تمام الطائي وبين عبد الصمد بن المعذل مجلس وكان عبد الصمد سريعا في قول الشعر وكان في أبي تمام إبطاء فأخذ عبد الصمد القرطاس وكتب فيه
( أنت بين اثنتين تبرُز للناس ... وكلتاهما بوجهٍ مُذالِ )
(13/278)

( لسْتَ تنفَكُّ طالباً لِوُصْلَةٍ ... من حبيبٍ أو طالباً لِنَوَالِ )
( أيُّ ماءٍ لِحُرِّ وجهك يَبْقى ... بين ذُلِّ الهوى وذل السؤال ) - خفيف -
قال فأخذ أبو تمام القرطاس وخلا طويلا وجاء به وقد كتب فيه
( أفيّ تنظِمُ قولَ الزُّور والفَنَدِ ... وأنت أنْزَرُ من لا شَيءَ في العدد )
( أشرجْتَ قلبك مِن بُغْضي على حُرَقٍ ... كأنَّها حَرَكاتُ الرُّوح في الجسد ) - بسيط -
فقال له عبد الصمد يا ماص بظر أمه يا غث أخبرني عن قولك أنزر من لا شيء وأخبرني عن قولك أشرجت قلبك قلبي مفرش أو عيبة أو حرح فأشرجه عليك لعنة الله فما رأيت أغث منك فانقطع أبو تمام انقطاعا ما يرى أقبح منه وقام وانصرف وما راجعه بحرف
قال أبو الفرج الأصبهاني كان في ابن مهرويه تحامل على أبي تمام لا يضر أبا تمام هذا منه وما أقل ما يقدح مثل هذا في مثل أبي تمام
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثني العنزي قال كان عبد الصمد بن المعذل يستثقل رجلا من ولد جعفر بن سليمان بن علي يعرف بالفراش وكان له ابن أثقل منه وكانا يفطران عند المنذر بن عمرو وكان يخلف بعض أمراء البصرة وكان الفراش هذا يصلي به ثم يجلس فيفطر هو وابنه عنده فلما مضى شهر رمضان انقطع ذلك عنهما فقال عبد الصمد بن المعذل
( غَدَرَ الزمان وَلَيْتَهُ لم يَغْدرِ ... وحَدَا بشهر الصوم فِطْرُ المُفْطِرِ )
(13/279)

( وثوَتْ بقلبك يا محمّدُ لوعةٌ ... تَمْرِي بوادرَ دْمعِك المتحدِّر )
( وَتَقَسَّمْتَكَ صبابتان لِبينِهِ ... أسفُ المَشُوق وخَلَّة المتفكر )
( فاستبق عينك واحشُ قلبَكَ يأسه ... واقْرَ السلامَ على خُوان المنْذر )
( سَقْياً لدهرك إذ تَرَوَّحَ يومُه ... والشّمسُ في عَلياءَ لم تتهوّر )
( حتى تُنِيخَ بكلكلٍ متزاورٍ ... وَتُمدَّ بُلعُوما قَمُوصَ الحَنْجَرِ )
( وَتُرود منك على الخِوان أناملٌ ... تَدَع الخوانَ سَرابَ قاعٍ مُقْفرِ )
( وَيْح الصِّحافِ من ابن فَرَّاش إذا ... أنْحَى عليها كالهِزَبْرِ الهَيْصَر )
( ذو دُرْبة طَبٌّ إذا لمعَتْ له ... بُشُرُ الخِوان بَدَا بحَلِّ المئزر )
( ودّ ابنُ فَرّاش وفرّاشٌ معاً ... لو أنَّ شهرَ الصوم مدّةُ أشهر )
( يُزرِي على الإِسلامِ قِلّةَ صبره ... وتراه يحمَد عِدّة الْمُتَنَصِّر )
( لا تَهْلِكنَّ على الصِّيام صبابةً ... سيعود شهرُك قابلاً فاستبشر )
( لا دَرَّ دَرُّك يا محمّدُ من فتى ... شَيْنِ المغيب وغيِر زَيْنِ المَحْضَرِ ) - كامل -
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان حدثني محمد البصري وكان جارا لعبد الصمد بن المعذل قال كان يزيد بن محمد المهلبي يعادي عبد الصمد ويهاجيه ويسابه ويرمي كل واحد منهما صاحبه بالشؤم وكان يزيد بالبصرة وأبوه يتولى نهر تيرى ونواحيها فقال عبد الصمد يهجوه
(13/280)

( أبوك أميُر قريةِ نهر تِيرَى ... ولسْتَ على نسائك بالأميِر )
( وأرزاقُ العباد على إله ... لَهُمْ وعليك أرزاقُ الأيور )
( فكم في رزق ربك من فقيٍر ... وما في أهل رزقك من فقيرِ ) - وافر -
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني محمد بن عبد الرحمن قال حدثني أحمد بن منصور قال شرب علي بن عيسى بن جعفر وهو أمير البصرة الدهن فدخل إليه عبد الصمد بن المعذل بعد خروجه عنه فأنشده قوله
( بأيمنِ طائرٍ وَأَسَرِّ فالِ ... وأعلى رُتبةٍ وأجَلِّ حالِ )
( شربْتَ الدهنَ ثم خرجْتَ عنه ... خروجَ المشرفيِّ من الصقال )
( تَكَشَّفَ عنك ما عانَيْتَ عنه ... كما انكشف الغمامُ عن الهلال )
( وقد أهديْتُ ريحاناً طريفاً ... به حاجيْتُ مستمِعاً سؤالي )
( وما هو غيرَ ياءٍ بعد حاء ... وقد سبقا بميمٍ قبل دال )
( وريحانُ الشباب يعيش يوماً ... وليس يموت ريحانُ المقال )
( ولم يك مؤْثراً تُفّاحَ شمٍّ ... على تفّاح أسماع الرجال ) - وافر -
أخبرني جحظة قال حدثني ميمون بن مهران قال حدثني أحمد بن المغيرة العجلي قال كنت عند أبي سهل الإسكافي وعنده عبد الصمد بن المعذل فرفع إليه رجل رقعة فقرأها فإذا فيها
( هذا الرحيلُ فهل في حاجتي نَظَرُ ... أو لا فَأَعْلَمَ ما آتي وما أذَرُ ) - بسيط -
فدفعها إلى عبد الصمد وقال الجواب عليك فكتب فيها
( النفس تسخو ولكن يمنع العُسُرُ ... والحرُّ يعْذِر من بالعُسْر يعتذر ) - بسيط
(13/281)

ثم قال عبد الصمد لعلي بن سهل هذا الجواب قولا وعليك أعزك الله الجواب فعلا ونجح سعي الآمل حق واجب على مثلك فاستحيا وأمر للرجل بمائة دينار
هجاؤه لابن أخيه
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وعلي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد الأزدي قال كان لابن المعذل ابن ثقيل تياه شديد الذهاب بنفسه وكان مبغضاً عند أهل البصرة فمر يوما بعمه عبد الصمد فلما رآه قال لمن معه
( إنَّ هذا يَرَى أُرَى ... أنّه ابنُ المهلَّب )
( أنت واللَّهِ مُعْجِبٌ ... ولنا غير مُعْجِب ) - مجزوء الخفيف -
قال وقال فيه أيضا
( لو كان يُعطَى المُنَى الأعمامُ في ابن أخٍ ... أصبحْتَ في جوف قُرقوزٍ إلى الصين )
( قد كان همًّا طويلاً لا يقامُ له ... لو كان رؤيتُنا إياك في الحِينِ )
( فكيفَ بالصَّبر إذْ أصبحْتَ أكثَرَ في ... مجال أعينِنا من رَمْلِ يَبْرينِ )
( يا أبغَضَ النّاسِ في عُسْرٍ ومَيْسَرةٍ ... وأقذَرَ الناس في دُنْيَا وفي دِين )
( لو شاء ربيِّ لأضحَى واهباً لأخي ... بمُرِّ ثُكْلِكَ أَجْراً غيرَ ممنون )
( وكان خيراً له لو كان مؤتزِراً ... في السّالِفات على غُرْمولِ عنِّينِ )
( وقائلٍ ليَ ما أضناكَ قلتُ له ... شخصٌ ترى وَجْهَه عيني فَيُضْنِيني )
( إن القلوبَ لتُطوَى منك يا ابن أخي ... إذا رأتْكَ على مثل السّكاكينِ )
(13/282)

صوت
( أَتَتْكَ العِيسُ تنفُخ في بُراها ... تَكَشَّفُ عن مناكبها القُطُوعُ )
( بأبيضَ مِن أميَّةِ مَضْرحِيٍّ ... كأنَّ جَبِينَهُ سيفٌ صَنيعُ ) - وافر -
الشعر لعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص والغناء لابن المهربد رمل بالبنصر عن الهشامي والله أعلم
(13/283)

أخبار عبد الرحمن ونسبه
وهو عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وأمه أم أخيه مروان آمنة بنت صفوان بن أمية بن محرث بن شق ابن رقبة بن مخدج من بني كنانة ويكنى عبد الرحمن أبا مطرف شاعر إسلامي متوسط الحال في شعراء زمانه وكان يهاجي عبد الرحمن بن حسان ابن ثابت فيقاومه وينتصف كل واحد منهما من صاحبه
أخبرني محمد بن العباس العسكري قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي عن العمري عن العتبي والهيثم بن عدي عن صالح بن حسان
عتابه لمعاوية بعد قدومه عليه
وأخبرني به عمي عن الكراني عن العمري عن الهيثم عن صالح ابن حسان قال قدم عبد الرحمن بن الحكم على معاوية بن أبي سفيان وقد عزل أخاه مروان عن الحجاز وولى سعيد بن العاص وكان مروان وجه به وقال له القه أمامي فعاتبه لي واستصلحه وقال عمي في خبره كان عبد الرحمن بدمشق فلما بلغه خبر أخيه خرج إليه فتلقاه وقال له أقم حتى أدخل إلى الرجل فإن كان عزلك عن موجدة دخلت إليه منفردا وإن كان عن غير موجدة دخلت إليه مع الناس قال فأقام مروان ومضى عبد الرحمن
(13/284)

أمامه فلما قدم عليه دخل إليه وهو يعشي الناس فأنشأ يقول
( أتتك العِيسُ تنفُحُ في بُرَاها ... تَكَشَّفُ عن مناكبها القُطُوع )
( بأبيضَ من أمَيَّة مَضْرحِيٍّ ... كأنَّ جبيَنُه سَيفٌ صنيعُ ) - وافر -
فقال معاوية أزائرا جئت أم مفاخرا أم مكاثرا فقال أي ذلك شئت فقال له ما أشاء من ذلك شيئا وأراد معاوية أن يقطعه عن كلامه الذي عن له فقال على أي الظهر أتيتنا قال على فرسي قال وما صفته قال أجش هزيم يعرض بقول النجاشي له
( ونجَّى ابنَ حَرْبٍ سابحٌ ذو عُلالة ... أجَشُّ هزيمٌ والرماحُ دَواني )
( إذا خِلْتَ أطرافَ الرِّماح تنالُه ... مَرَتْه به السَّاقانِ والقدمانِ ) - طويل -
فغضب معاوية وقال أما إنه لا يركبه صاحبه في الظلم إلى الريب ولا هو ممن يتسور على جاراته ولا يتوثب على كنائنه بعد هجعة الناس وكان عبد الرحمن يتهم بذلك في امرأة أخيه فخجل عبد الرحمن وقال يا أمير المؤمنين ما حملك على عزل ابن عمك ألجناية أوجبت سخطا أم لرأي رأيته وتدبير استصلحته قال لتدبير استصلحته قال فلا بأس
(13/285)

حذف
(13/0)

بذلك وخرج من عنده فلقي أخاه مروان فأخبره بما جرى بينه وبين معاوية فاستشاط غيظا وقال لعبد الرحمن قبحك الله ما أضعفك أعرضت للرجل بما أغضبه حتى إذا انتصف منك أحجمت عنه ثم لبس حلته وركب فرسه وتقلد سيفه ودخل على معاوية فقال له حين رآه وتبين الغضب في وجهه مرحبا بأبي عبد الملك لقد زرتنا عند اشتياق منا إليك قال لاها الله ما زرتك لذلك ولا قدمت عليك فألفيتك إلا عاقا قاطعا والله ما أنصفتنا ولاجزيتنا جزاءنا لقد كانت السابقة من بني عبد شمس لآل أبي العاص والصهر برسول الله لهم والخلافة فيهم فوصلوكم يا بني حرب وشرفوكم وولوكم فما عزلوكم ولا آثروا عليكم حتى إذا وليتم وأفضى الأمرإليكم أبيتم إلا أثرة وسوء صنيعة وقبح قطيعة فرويدا رويدا قد بلغ بنو الحكم وبنو بنيه نيفا وعشرين وإنما هي أيام قلائل حتى يكملوا أربعين ويعلم امرؤ أين يكون منهم حينئذ ثم هم للجزاء بالحسنى وبالسوء بالمرصاد
قال عمي في خبره فقال له معاوية عزلتك لثلاث لو لم يكن منهن إلا واحدة لأوجبت عزلك إحداهن إني أمرتك على عبد الله بن عامر وبينكما ما بينكما فلم تستطع أن تشتفي منه والثانية كراهتك لأمر زياد والثالثة أن ابنتي رملة استعدتك على زوجها عمرو بن عثمان فلم تعدها فقال له مروان أما ابن عامر فإني لا أنتصر في سلطاني ولكن إذا تساوت الأقدام علم أين موقعه وأما كراهتي أمر زياد فإن سائر بني أمية كرهوه ثم جعل الله لنا في ذلك الكره خيرا كثيرا وأما استعداء رملة على عمرو فوالله إني لتأتي علي سنة أو أكثر وعندي بنت عثمان فما أكشف لها ثوبا يعرض بأن رملة إنما تستعدي عليه طلبا للنكاح فقال له معاوية يا بن الوزغ لست هناك
(13/286)

فقال له مروان هو ذاك الآن والله إني لأبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة وقد كاد ولدي أن يكملوا العدة يعني أربعين ولو قد بلغوها لعلمت أين تقع مني فانخزل معاوية ثم قال
( فإن أَكُ في شرارِكُمُ قليلاً ... فإنِّي في خياركُمُ كثيرُ )
( بُغاثُ الطَّير أكثرُها فِراخاً ... وأمُّ الصَّقرِ مِقْلاتٌ نزورُ ) - وافر -
قال فما فرغ مروان من كلامه حتى استخذى معاوية في يده وخضع له وقال لك العتبي وأنا رادك إلى عملك فوثب مروان وقال له كلا والله وعيشك لا رأيتني عائدا إليه أبدا وخرج فقال الأحنف لمعاوية ما رأيت لك قط سقطة مثلها ما هذا الخضوع لمروان وأي شيء يكون منه ومن بني أبيه إذا بلغوا أربعين وأي شيء تخشاه منهم فقال له أدن مني أخبرك بذلك فدنا منه فقال له إن الحكم بن أبي العاص كان أحد من وفد مع أختي أم حبيبة لما زفت إلى النبي وهو الذي تولى نقلها إليه فجعل رسول الله يحد النظر إليه فلما خرج من عنده قيل له يا رسول الله لقد أحددت النظر إلى الحكم فقال ابن المخزومية ذلك رجل إذا بلغ ولده ثلاثين أو قال أربعين ملكوا الأمر بعدي فوالله لقد تلقاها مروان من عين صافية فقال له الأحنف لا يسمعن هذا أحد منك فإنك تضع من قدرك وقدر ولدك بعدك وإن يقض الله عز و جل أمرا يكن فقال له معاوية فاكتمها علي يا أبا بحر إذاً فقد لعمري صدقت ونصحت
(13/287)

اخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني يعقوب بن القاسم الطلحي قال حدثني ثمال عن أيوب بن درباس ابن دجاجة قال
شخص مروان بن الحكم ومعه أخوه عبد الرحمن إلى معاوية ثم ذكر نحوا من الحديث الأول ولم يذكر فيه مخاطبة معاوية في أمرهم للأحنف وزاد فيه فقال عبد الرحمن في ذلك
( أتَقطُر آفاقُ السماءِ له دماً ... إذا قيل هذا الطَّرْفُ أَجْرَدُ سابحُ )
( فحتَّى متَّى لا نَرفع الطَّرْفَ ذِلَّةً ... وحتَّى متى تَعْيا عليك المنادِح ) - طويل -
بكاؤه حين رأى رأس الحسين
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعيد قال حدثنا علي بن الصباح عن ابن الكلبي عن أبيه قال كان عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاصي عند يزيد بن معاوية وقد بعث إليه عبيد الله بن زياد برأس الحسين بن علي عليهما السلام فلما وضع بين يدي يزيد في الطشت بكى عبد الرحمن ثم قال
( أبلغْ أميرَ المؤمنين فلا تكُنْ ... كَمُوْتِرِ أقواسٍ وليس لها نَبْل )
( لَهَامٌ بجنب الطَّفِّ أدنى قرابةً ... مِن ابن زيادِ الوغْدِ ذي الحسب الرَّذْل )
(13/288)

( سُمَيّةُ أمسَى نسلُها عَدَدَ الحصى ... وبنتُ رسولِ اللَّه ليس لها نَسْلُ ) - طويل -
فصاح به يزيد اسكت يا ابن الحمقاء وما أنت وهذا
أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني هارون بن معروف قال حدثنا بشر بن السري قال حدثنا عمر بن سعيد عن أبي مليكة قال رأيتهم يعني بني أمية يتتايعون نحو ابن عباس حين نفى ابن الزبير بني أمية عن الحجاز فذهبت معهم وأنا غلام فلقينا رجلا خارجا من عنده فدخلنا عليه فقال له عبيد بن عمير مالي أراك تذرف عيناك فقال له إن هذا يعني عبد الرحمن بن الحكم قال بيتا أبكاني وهو
( وما كنت أخشَى أن تَرى الذُّلَّ نِسْوتي ... وعَبْدُ مُنافٍ لم تَغُلْها الغوائلُ ) - طويل -
فذكر قرابة بيننا وبين بني عمنا بني أمية وإنا إنما كنا أهل بيت واحد في الجاهلية حتى جاء الإسلام فدخل الشيطان بيننا أيما دخل
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم قال حدثني أخي عباس أن عبد الرحمن بن الحكم كان يولع بجارية لأخيه مروان يقال لها شنباء ويهيم بمحبتها فبلغ ذلك مروان فشتمه وتوعده وتحفظ منه في أمر الجارية وحجبها فقال فيها عبد الرحمن
( لعَمْرُ أبي شَنْباء إنِّي بذِكرها ... وإن شَحَطَتْ دارٌ بها لَحَقِيقُ )
( وإني لها لا ينزع اللَّه ما لها ... عليّ وإن لم تَرْعه لصدِيقُ )
( ولمّا ذَكَرْتُ الوصلَ قالت وأعرَضَتْ ... متى أنت عن هذا الحديث مُفِيقُ ) - طويل
(13/289)

غضب معاوية عليه
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا الخليل بن أسد عن العمري ولم أسمعه من العمري عن الهيثم بن عدي قال لما ادعى معاوية زيادا قال عبد الرحمن بن الحكم في ذلك والناس ينسبونها إلى ابن مفرغ لكثرة هجائه إلى زياد وذلك غلط قال
( ألا أَبْلغ معاويةَ بنَ حربٍ ... مُغَلغَلةً من الرجُل الهِجانِ )
( أتغضبُ أن يقالَ أبوك عفٌّ ... وترضَى أن يقاَل أبوك زانِ )
( فأشهَدُ أنَّ رِحْمَكَ من زِيادٍ ... كرِحْمِ الفيلِ من وَلَدِ الأتانِ )
( وأشهدُ أنَّها ولدَتْ زِياداً ... وصخرٌ من سُمَيَّةَ غيرُ دانِي ) - وافر -
فبلغ ذلك معاوية بن حرب فحلف ألا يرضى عن عبد الرحمن حتى يرضى عنه زياد فخرج عبد الرحمن إلى زياد فلما دخل عليه قال له إيه يا عبد الرحمن أنت القائل
(13/290)

( ألا أبلِغْ معاويةَ بنَ حربٍ ... مُغَلغَلةً من الرجُل الهِجانِ )
قال لا أيها الأمير ما هكذا قلت ولكني قلت
( ألا من مُبْلغٌ عني زِياداً ... مُغَلغَلةً من الرّجُلِ الهجان )
( مِن ابن القَرْم قَرْم بني قُصَيِّ ... أبي العاصي بنِ آمنةَ الحَصانِ )
( حلفْتُ بربِّ مكّةَ والمصلَّى ... وبالتَّوراة أحلفُ والقُرانِ )
( لأنت زيادةٌ في آل حرب ... أحبُّ إليَّ من وُسْطَى بنانِي )
( سُرِرْتُ بقُربه وفرِحْتُ لمّا ... أتاني اللَّه منهُ بِالبيانِ )
( وقلتُ له أخو ثقةٍ وعمٌّ ... بعون اللَّه في هذا الزمانِ )
( كذاك أراكَ والأهواءُ شتَّى ... فما أدري بغَيْبٍ ما ترانِي ) - وافر -
فرضي عنه زياد وكتب له بذلك إلى معاوية فلما دخل عليه بالكتاب قال أنشدني ما قلت لزياد فأنشده فتبسم ثم قال قبح الله زيادا ما أجهله والله لما قلت له أخيرا حيث تقول
( لأَنْتَ زيادةٌ في آل حرب ... )
شر من القول الأول ولكنك خدعته فجازت خديعتك عليه
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال استعمل معاوية بن أبي سفيان الحارث بن الحكم بن أبي العاصي على غزاة البحر فنكص واستعفى فوجه مكانه ابن أخيه عبد الملك بن مروان فمضى وأبلى وحسن بلاؤه فقال عبد الرحمن بن الحكم لأخيه الحارث
( شَنِئتُك إذ رأيتك حَوْتَكِيّا ... قريبَ الخُصْيَتَيْن من الترابِ )
(13/291)

( كأنّك قملةٌ لَقِحَت كِشافاً ... لبُرغوثٍ ببعرةٍ أو صُؤابِ )
( كفاكَ الغزو إذا أحجَمْتَ عنه ... حديثُ السن مُقَتَبلُ الشَّبابِ )
( فليتك حَيْضَةٌ ذهبَتْ ضلالاً ... وليتَكَ عند مُنقَطَع السَّحابِ ) - وافر -
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال لطم عبد الرحمن بن الحكم مولى لأهل المدينة حناطا وأخوه مروان يومئذ وال لأهل المدينة فاستعداه الحناط عليه فأجلسه مروان بين يديه وقال له الطمه وهو أخو مروان لأبيه وأمه فقال الحناط والله ما أردت هذا وإنما أردت أن أعلمه أن فوقه سلطانا ينصرني عليه وقد وهبتها لك قال لست أقبلها منك فخذ حقك فقال والله لا ألطمه ولكني أهبها لك فقال له مروان إن كنت ترى أن ذلك يسخطني فوالله لا أسخط فخذ حقك فقال قد وهبتها لك ولست والله لا طمه قال لست والله قابلها فإن وهبتها فهبها لمن لطمك أو لله عز وعلا فقال قد وهبتها لله تعالى فقال عبد الرحمن يهجو أخاه مروان
( كلُّ ابنِ أمٍ زائدٌ غير ناقصٍ ... وأنت ابنُ أمٍّ ناقصٌ غير زائدِ )
( وهبْتُ نصيبي منك يامرْوَ كلَّه ... لعَمْروٍ وعثمانَ الطّويلِ وخالِدِ ) - طويل -
رثاؤه لقتلى قريش يوم الجمل
أخبرني هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال نظر عبد الرحمن بن الحكم إلى قتلى قريش يوم الجمل فبكى وأنشأ يقول
(13/292)

( أيا عينُ جُودِي بدَمْعٍ سَرَبْ ... على فِتيةٍ من خِيار العربْ )
( وما ضَرَّهم غيرَ حَيْنِ النّفوس ... أيُّ أميرَيْ قريشٍ غَلَبْ ) - متقارب -
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني المدائني عن شيخ من أهل مكة قال
عرض معاوية على عبد الرحمن بن الحكم خيله فمر به فرس فقال له كيف تراه فقال هذا سابح ثم عرض عليه آخر فقال هذا ذو علالة ثم مر به آخر فقال وهذا أجش هزيم فقال له معاوية قد علمت ما أردت إنما عرضت بقول النجاشي في
( ونجَّى ابنَ حَرْبٍ سابحٌ ذو عُلالةٍ ... أجشُّ هَزيمٌ والرماحُ دوانِي )
( سَليمُ الشَّظى عَبْلُ الشَّوَى شَنِجُ النَّسا ... كَسِيدِ الغَضَى باقٍ على النَّسَلانِ ) - طويل -
أخرج عني فلا تساكني في بلد فلقي عبد الرحمن أخاه مروان فشكا إليه معاوية وقال له عبد الرحمن وحتى متى نستذل ونضام فقال له مروان هذا عملك بنفسك فأنشأ يقول
( أتَقطُرُ آفاقُ السَّماءِ لنا دماً ... إذا قُلْتُ هذا الطِّرْفُ أجْرَدُ سابحُ )
(13/293)

( فحتِّى متى لا نَرفع الطّرْفَ ذِلّةً ... وحَتَّى متى تَعيا عليك المنادح ) - طويل -
فدخل مروان على معاوية فقال له مروان حتى متى هذا الاستخفاف بآل أبي العاصي أما والله إنك لتعلم قول النبي وآله فينا ولقل ما بقي من الأجل فضحك معاوية وقال لقد عفوت لك عنه يا أبا عبد الملك والله أعلم بالصواب
صوت
( قولاَ لقائِلَ ما تَقضِينَ في رجُلٍ ... يَهوى هواكِ وما جَنّبْتهِ اجتَنَبا )
( يُمسِي معي جَسدِي والقلبُ عندكُمُ ... فَما يعيشُ إذا ما قَلْبُه ذَهَبا ) - بسيط -
الشعر لمسعدة بن البختري والغناء لعبادل ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق وفيه لعريب ثقيل أول آخر عن ابن المعتز ولها فيه أيضا خفيف رمل عنه
(13/294)

أخبار مسعدة ونسبه
هو مسعدة بن البختري بن المغيرة بن أبي صفرة بن أخي المهلب بن أبي صفرة وقد مضى نسبه متقدما في نسب يزيد بن محمد المهلبي وابن أبي عيينة وغيرهما
وهذا الشعر يقوله في نائلة بنت عمر بن يزيد الأسيدي وكان يهواها
أخبرني بخبره في ذلك أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثني عيسى بن إسماعيل تينة عن القحذمي قال كان مسعدة بن البختري بن المغيرة بن أبي صفرة يشبب بنائلة بنت عمر بن يزيد الأسيدي أحد بني أسيد ابن عمرو بن تميم وكان أبوها سيدا شريفا وكان على شرط العراق من قبل الحجاج وفيها يقول
( أنائلَ إنَّني سَلْمٌ ... لأهلِكِ فاقبلي سَلْمِي ) - مجزوء الوافر -
قال القحذمي وأم نائلة هذه عاتكة بنت الفرات بن معاوية البكائي وأمها الملاءة بنت زرارة بن أوفى الجرشية وكان أبوها فقيها محدثا من التابعين وقد شبب الفرزدق بالملاءة وبعاتكة ابنتها
قصة الملاءة وابنتها عاتكة
قال عيسى فحدثني محمد بن سلام قال لا أعلم أن امرأة شبب بها
(13/295)

وبأمها وجدتها غير نائلة فأما نائلة فقد ذكر ما قال فيها مسعدة وأما عاتكة فإن يزيد بن المهلب تزوجها فقتل عنها يوم العقر وفيها يقول الفرزدق طويل
( إذا ما المَزُونِّيات أصبَحْنَ حُسَّراً ... وبَكَّيْنَ أشلاءً على غير نائل )
( فكم طالبٍ بنتَ المُلاءةِ إنَّها ... تَذَكَّرُ رَيْعانَ الشّبابِ المزايِلِ )
وفي الملاءة أمها يقول الفرزدق بسيط
( كم للمُلالاءةِ من طَيْفٍ يؤرِّقني ... إذا تَجرْثَمَ هادِي الليل واعتكرا )
أخبرني الحرمي بن العلاء قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله قال خرجت عاتكة بنت الملاءة إلى بعض بوادي البصرة فلقيت بدويا معه سمن فقالت له أتبيع هذا السمن فقال نعم قالت أرناه ففتح نحيا فنظرت إلى ما فيه ثم ناولته إياه وقالت افتح آخر ففتح فتظرت إلى ما فيه ثم ناولته إياه فلما شغلت يديه أمرت جواريها فجعلن يركلن في استه وجعلت تنادي يا لثارات ذات النحيين
قال الزبير تعني ما صنع بذات النحيين في الجاهلية فإن رجلا يقال له خوات بن جبير رأى رأى امرأة معها بحيا سمن فقال أرني هذا ففتحت له إحدى النحيين فنظر إليه ثم قال أريني الآخر ففتحته ثم دفعه
(13/296)

فلما شغل يديها وقع عليها فلا تقدر على الامتناع خوفا من أن يذهب السمن فضربت العرب المثل بها وقالت أشغل من ذات النحيين فأرادت عاتكة بنت الملاءة أن هذا لم يفعله أحد من النساء برجل كما يفعله الرجل بالمرأة غيرها وأنها ثأرت للنساء ثأرهن من الرجال بما فعلته
الملاءة وعمر بن أبي ربيعة
أخبرني علي بن صالح بن الهيثم قال حدثنا أبو هفان عن إسحاق الموصلي عن الزبير والمسيبي ومحمد بن سلام وغيرهم من رجاله أن الملاءة بنت زرارة لقيت عمر بن أبي ربيعة بمكة وحوله جماعة ينشدهم فقالت لجارية من هذا قالت عمر بن أبي ربيعة المتنقل من منزله من ذات وداد إلى أخرى الذي لم يدم على وصل ولا لقوله فرع ولا أصل أما والله لو كنت كبعض من يواصل لما رضيت منه بما ترضين وما رأيت أدنا من نساء أهل الحجاز ولا أقر منهن بخسف والله لأمة من إمائنا آنف منهن فبلغ ذلك عمر عنها فراسلها فراسلته فقال
( حَيِّ المنازل قد عَمِرْنَ خرابا ... بين الجُرَيْنِ وبين رُكْنِ كُسابا )
( بالثِّنْي من مَلِكَانَ غَيَّر رَسمها ... مَرُّ السحابِ المُعقِباتِ سحابا )
(13/297)

( وذيولُ مُعصِفةِ الرّياح تجرُّها ... دُقَقا فَأَصْبَحَتِ العِراصُ يبابا )
( ولقد أُراها مَرّةً مأهولةً ... حَسَناً جَنابُ مَحلِّها مِعشابا )
( دارُ التي قالتْ غداةَ لقيتُها ... عند الجِمار فما عَيِيتُ جوابا )
( هذا الذي باعَ الصَّديقَ بغيره ... ويريد أن أرضَى بذاك ثوابا )
( قلت اسمعي منِّي المَقالَ ومَن يُطعْ ... بصديقه المتملِّقَ الكَذّابا )
( وتكنْ لديه حبالُه أُنْشوطةً ... في غير شيءٍ يقطع الأسبابا )
( إن كنْتِ حاولْتِ العتاب لتعلمي ... ما عندنا فلقد أطلْتِ عتابا )
( أو كان ذلك للبِعاد فإنّه ... يكفيكِ ضرْبُكِ دونك الجِلْبابا )
( وأرى بوجهك شَرْقَ نُورٍ بيّنٍ ... وبوجهِ غيِرك طَخْيةً وضبابا ) - كامل -
صوت
( أسعِداني يا نخلَتَيْ حُلوانِ ... وارِثيا لي من رَيْبِ هذا الزمانِ )
(13/298)

( واعلما أنَّ رَيْبَهُ لم يزل يَفْرُقُ ... بين الأُلاَّفِ والجيران )
( أَسْعِداني وأَيْقِنَا أنَّ نَحْساً ... سوف يلقاكما فتفترقانِ )
( ولَعمرِي لو ذُقتما ألَمَ الفُرْقَةِ ... أبكاكُما كما أبكاني )
( كم رمَتْني به صروفُ الليالي ... من فراق الأحبابِ والخُلاَّن ) - خفيف -
الشعر لمطيع بن أياس والغناء لحكم الوادي هزج بالوسطى عن عمرو والهشامي
(13/299)

أخبار مطيع بن إياس ونسبه
هو مطيع بن إياس الكناني ذكر الزبير بن بكار أنه من بني الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وذكر إسحاق الموصلي عن سعيد بن سلم أنه من بني ليث بن بكر والديل وليث أخوان لأب وأم أمهما أم خارجة واسمها عمرة بنت سعد بن عبد الله بن قراد بن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن الغوث ابن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان وهي التي يضرب بها المثل فيقال أسرع من نكاح أم خارجة وقد ولدت عدة بطون من العرب حتى لو قال قائل إنه لا يكاد يتخلص من ولادتها كبير أحد منهم لكان مقاربا فممن ولدت الديل وليث والحارث وبنو بكر بن عبد مناة بن كنانة وغاضرة بن مالك
(13/300)

ابن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة والعنبر وأسيد والهجيم بنو عمرو بن تميم وخارجة بن يشكر وبه كانت تكنى ابن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن مزيقيا وهو أبو المصطلق
قال النسابون بلغ من سرعة نكاحها أن الخاطب كان يأتيها فيقول لها خطب فتقول له نكح
وزعموا أن بعض أزواجها طلقها فرحل بها ابن لها عن حيه إلى حيها فلقيها راكب فلما تبينته قالت لابنها هذا خاطب لي لا شك فيه أفتراه يعجلني أن أنزل عن بعيري فجعل ابنها يسبها
ولا أعلم أني وجدت نسب مطيع متصلا إلى كنانة في رواية أحد إلا في حديث أنا ذاكره فإن راويه ذكر أن أبا قرعة الكناني جد مطيع فلا أعلم أهو جده الأدنى فأصل نسبه به أم هو بعيد منه فذكرت الخبر على حاله
تشاحن ابن الزبير وجد مطيع
أخبرني به عيسى بن الحسن الوراق قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني العمري وأبو فراس عمي جميعا عن شراحيل بن فراس أن أبا قرعة الكناني واسمه سلمى بن نوفل قال وهو جد مطيع بن إياس الشاعر كانت بينه وبين ابن الزبير قبل أن يلي مقارضة فدخل سلمى وابن الزبير يخطب الناس وكان منه رجلا فرماه ابن الزبير ببصره حتى جلس فلما انصرف من المجلس دعا حرسيا فقال امض إلى موضع كذا وكذا من المسجد فادع لي سلمى بن نوفل فمضى فأتاه به فقال له
(13/301)

الزبير إيها أيها الضب فقال إني لست بالضب ولكن الضب بالضمر من صخر قال إيها أيها الذيخ قال إن أحدا لم يبلغ سني وسنك إلا سمي ذيخا قال إنك لها هنا يا عاض بظر أمه قال أعيذك بالله أن يتحدث العرب أن الشيطان نطق على فيك بما تنطق به الأمة السفلة وايم الله ما ها هنا داد أريده على المجلس أحد إلا قد كانت أمه كذلك
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن أبيه قال كان إياس بن مسلم أبو مطيع بن إياس شاعرا وكان قد وفد إلى نصر بن سيار بخراسان فقال فيه
( إذا ما نِعالِي من خُراسانَ أقبلتْ ... وجاوزْتُ منها مَخْرَماً ثم مَخْرما )
( ذَكَرْتُ الذي أوليتَنِي ونَشَرْتُه ... فإنْ شئْتَ فاجعلني لشُكرِكَ سُلَّما ) - طويل -
فأما نسب أبي قرعة هذا فإنه سلمى بن نوفل بن معاوية بن عروة بن صخر بن يحمر بن نفاثة بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة ذكر ذلك المدائني وكان سلمى بن نوفل جوادا وفيه يقول الشاعر
( يُسَوَّدُ أقوامٌ وليسوا بسادةٍ ... بل السيِّد الميمونُ سلمى بن نوفلِ ) - طويل
(13/302)

رجع الخبر إلى سياقة نسب مطيع بن إياس وأخباره
وهو شاعر من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية وليس من فحول الشعراء في تلك ولكنه كان ظريفا خليعا حلو العشرة مليح النادرة ماجنا متهما في دينه بالزندقة ويكنى أبا سلمى ومولده ومنشؤه الكوفة وكان أبوه من أهل فلسطين الذين أمد بهم عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف في وقت قتاله ابن الزبير وابن الأشعث فأقام بالكوفة وتزوج بها فولد له مطيع
صلته بالخلفاء واعجاب الوليد بن يزيد به
أخبرني بذلك الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه وكان منقطعا إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك ومتصرفا بعده في دولتهم ومع أوليائهم وعمالهم وأقاربهم لا يكسد عند أحد منهم ثم انقطع في الدولة العباسية إلى جعفر بن أبي جعفر المنصور فكان معه حتى مات ولم أسمع له مع أحد منهم خبرا إلا حكاية بوفوده على سليمان بن علي وأنه ولاه عملا وأحسبه مات في تلك الأيام
حدثني عمي الحسن بن محمد قال حدثني محمد بن سعد الكراني عن العمري عن العتبي عن أبيه قال قدم البصرة علينا شيخ من أهل الكوفة لم أر قط أظرف لسانا ولا أحلى حديثا منه وكان يحدثني عن مطيع بن إياس ويحيى بن زياد وحماد الراوية وظرفاء الكوفة بأشياء من أعاجيبهم وطرفهم فلم يكن يحدث عن أحد بأحسن مما كان يحدثني عن مطيع بن إياس فقلت له كنت والله أشتهي أن أرى مطيعا فقال والله لو رأيته للقيت منه بلاء عظيما قال قلت وأي بلاء ألقاه من رجل أراه قلت كنت ترى رجلا يصبر عنه العاقل إذا رآه ولا يصحبه أحد إلا افتضح به
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا أبو سعيد السكري عن
(13/303)

محمد بن حبيب قال سألت رجلا من أهل الكوفة كان يصحب مطيع بن إياس عنه فقال لا ترد أن تسألني عنه قلت ولم ذاك قال وما سؤالك إياي عن رجل كان إذا حضر ملكك وإذا غاب عنك شاقك وإذا عرفت بصحبته فضحك
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني عبد الله بن عمرو قال حدثني أبو توبة صالح بن محمد عن محمد بن جبير عن عبد الله بن العباس الربيعي قال حدثني إبراهيم بن المهدي قال قال لي جعفر بن يحيى ذكر حكم الوادي أنه غنى الوليد بن يزيد ذات ليلة وهو غلام حديث السن فقال
( إكليلُها ألوانُ ... ووجْهُها فَتّانُ )
( وخالهُها فريدٌ ... ليس لها جِيرانُ )
( إذا مشَتْ تثنَّتْ ... كأنّها ثعْبانُ ) - مجزوء الرجز -
فطرب حتى زحف عن مجلسه إلي وقال أعد فديتك بحياتي فأعدته حتى صحل صوتي فقال لي ويحك من يقول هذا فقلت عبد لك يا أمير المؤمنين أرضاه لخدمتك فقال ومن هو فديتك فقلت مطيع بن إياس الكناني فقال وأين محله قلت الكوفة فأمر أن يحمل إليه على البريد فحمل إليه فما أشعر يوما إلا برسوله قد جاءني فدخلت إليه ومطيع بن إياس واقف بين يديه وفي يد الوليد طاس من ذهب يشرب به فقال له غن هذا الصوت يا وادي فغنيته إياه فشرب عليه ثم قال لمطيع من يقول هذا الشعر قال عبدك أنا يا أمير المؤمنين فقال له ادن مني فدنا
(13/304)

منه فضمه الوليد وقبل فاه وبين عينيه وقبل مطيع رجله والأرض بين يديه ثم أدناه منه حتى جلس أقرب المجالس إليه ثم تم يومه فاصطبح أسبوعا متوالي الأيام على هذا الصوت
لحن هذا الصوت هزج مطلق في مجرى البنصر والصنعة لحكم وقد حدثني بخبره هذا مع الوليد جماعة على غير هذه الرواية ولم يذكروا فيها حضور مطيع
حدثني به أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا علي بن محمد النوفلي عن أبيه قال بلغني عن حكم الوادي وأخبرني الحسن بن يحيى ومحمد بن مزيد بن أبي الأزهر قالا حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني أحمد بن يحيى المكي عن أمه عن حكم الوادي قال وفدت على الوليد بن يزيد مع المغنين فخرج يوما إلينا وهو راكب على حمار وعليه دراعة وشي وبيده عقد جوهر وبين يديه كيس فيه ألف دينار فقال من غناني فأطربني فله ما علي وما معي فغنوه فلم يطرب فاندفعت وأنا يومئذ أصغرهم سنا فغنيته
( إكليلها ألوانُ ... ووجهُها فَتّانُ )
( وخالهُها فريدٌ ... ليس له جيرانُ )
( إذا مشَتْ تثنَّتْ ... كأنًّها ثعْبانُ ) - مجزوء الرجز -
فرمى إليه بما معه من المال والجوهر ثم دخل فلم يلبث أن خرج إلي رسوله بما عليه من الثياب والحمار الذي كان تحته
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال كان مطيع ابن إياس ويحيى بن زياد الحارثي وابن المقفع ووالبة بن الحباب يتنادمون ولا يفترقون ولا يستأثر أحدهم على صاحبه بمال
(13/305)

ولا ملك وكانوا جميعا يرمون بالزندقة
صلته بعبد الله بن معاوية
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه وعمومته أن مطيع بن إياس وعمارة بن حمزة من بني هاشم وكانا مرميين بالزندقة نزعا إلى عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب لما خرج في آخر دولة بني أمية وأول ظهور الدولة العباسية بخراسان وكان ظهر على نواح من الجبل منها أصبهان وقم ونهاوند فكان مطيع وعمارة ينادمانه ولا يفارقانه
قال النوفلي فحدثني إبراهيم بن يزيد بن الخشك قال دخل مطيع بن إياس على عبد الله بن معاوية يوما وغلام واقف على رأسه يذب عنه بمنديل ولم يكن في ذلك الوقت مذاب إنما المذاب عباسية قال وكان الغلام الذي يذب أمرد حسن الصورة يروق عين الناظر فلما نظر مطيع إلى الغلام كاد عقله يذهب وجعل يكلم ابن معاوية ويلجلج فقال
( إنِّي وما أعْمَلَ الحجيجُ له ... أخشى مُطيعَ الهوى على فرج )
( أخشَى عليه مُغامِساَ مَرِساً ... ليس بذي رِقْبةٍ ولا حَرَج ) - منسرح -
أخبرني أحمد بن عبيد الله قال حدثنا علي بن محمد النوفلي قال حدثني أبي عن عمه عيسى قال كان لابن معاوية صاحب شرطة يقال له قيس بن عيلان العنسي النوفلي وعيلان اسم أبيه وكان شيخا كبيرا دهريا لا يؤمن بالله وكان إذا عس لم يبق أحد إلا قتله فأقبل يوما فنظر إليه ابن معاوية
(13/306)

ومعه عمارة بن حمزة ومطيع بن إياس قال
( إنَّ قيْساً وإنْ تَقَنَّع شيباً ... لَخَبِيثُ الهَوَى على شَمَطِهْ )
أجز يا عمارة فقال
( إبْنُ سبعينَ منظراً ومَشِيباً ... وابنُ عَشْرٍ يُعَدُّ في سَقْطِهْ )
فأقبل على مطيع فقال أجز فقال
( وله شُرطةٌ إذا جَنّه الليلُ ... فعُوذوا باللَّه من شُرَطِهْ ) - خفيف -
قال النوفلي وكان مطيع فيما بلغني مأبونا فدخل عليه قومه فلاموه على فعله وقالوا له أنت في أدبك وشرفك وسؤددك وشرفك ترمى بهذه الفاحشة القذرة فلو أقصرت عنها فقال جربوه أنتم ثم دعوا إن كنتم صادقين فانصرفوا عنه وقالوا قبح الله فعلك وعذرك وما استقبلتنا به
ما حدث بينه وبين ظبية الوادي وهجاؤه حمادا
أخبرني عيسى بن الحسين قال حدثنا حماد عن أخيه عن النضر بن حديد قال أخبرني أبو عبد الملك المرواني قال حدثني مطيع بن إياس قال قال لي حماد عجرد هل لك في أن أريك خشة صديقي وهي المعروفة بظبية الوادي قلت نعم قال إنك إن قعدت عنها وخبثت عينك في النظر أفسدتها علي فقلت لا والله لا أتكلم بكلمة تسوؤك ولأسرنك فمضى وقال والله لا أتكلم لئن خالفت ما قلت لأخرجنك قال قلت إن خالفت ما تكره
(13/307)

فاصنع بي ما أحببت قال امض بنا فأدخلني على أظرف خلق الله وأحسنهم وجها فلما رأيتها أخذني الزمع وفطن لي فقال أسكن يا ابن الزانية فسكنت قليلا فلحظتني ولحظتها أخرى فغضب ووضع قلنسيته عن رأسه وكانت صلعته حمراء كأنها است قرد فلما وضعها وجدت للكلام موضعا فقلت
( وَارِ السَّوأَة السوآءَ ... يا حَمَّادُ عن خُشَّهْ )
( عن الأُتْرُجَّةِ الغَضّةِ ... والتفاحةِ الهشَّهْ ) - مجزوء الوافر -
فالتفت إلي وقال فعلتها يا ابن الزانية فقالت له أحسن والله ما بلغ صفتك بعد فما تريد منه فقال لها يا زانية فقالت له الزانية أمك وثاورته وثاورها فشقت قميصه وبصقت في وجهه وقالت له ما تصادقك وتدع مثل هذا إلا زانية وخرجنا وقد لقي كل بلاء وقال لي ألم أقل لك يا ابن الزانية إنك ستفسد علي مجلسي فأمسكت عن جوابه وجعل يهجوني ويسبني ويشكوني إلى أصحابنا فقالوا لي أهجه ودعنا وإياه فقلت فيه
( ألا يا ظبيةَ الوادي ... وذاتِ الجسد الرادِ )
( وزيْنَ المِصْر والدّارِ ... وزيْنَ الحيِّ والنادي )
( وذاتَ المَبْسِم العَذْبِ ... وذاتَ المِيسَم البادي )
(13/308)

( أمَا باللَّه تستحْيِيْ ... ن من خُلَّة حَمّاد )
( فحمّادٌ فتىً ليس ... بذي عِزٍّ فتَنْقادِي )
( ولا مالٍ ولا عزٍّ ... ولا حَظٍّ لمرتاد )
( فتُوبِي واتَّقي اللَّهَ ... وَبُتِّي حَبْلَ جَرّاد )
( فقد مُيِّزْتِ بالحسن ... عن الخَلْق بإفراد )
( وهذا البيْنُ قد حُمَّ ... فُجودي منكِ بالزّادِ ) - مجزوء الوافر -
في الأول والثاني والسابع والثامن من هذه الأبيات لحكم الوادي رمل
قال فأخذ أصحابنا رقاعا فكتبوا الأبيات فيها وألقوها في الطريق وخرجت أنا فلم أدخل إليهم ذلك اليوم فلما رآها وقرأها قال لهم يا أولاد الزنا فعلها ابن الزانية وساعدتموه علي
قال وأخذها حكم الوادي فغنى فيها فلم يبق بالكوفة سقاء ولا طحان ولا مكار إلا غنى فيها ثم غنيت مدة وقدمت فأتاني فما سلم علي حتى قال لي يا ابن الزانية ويلك أما رحمتني من قولك لها
( أمَا باللَّه تستحْيِيْنَ ... من خُلَّة حمّادِ )
بالله قتلتني قتلك الله والله ما كلمتني حتى الساعة قال قلت اللهم أدم هجرها له وسوء آرائها فيه وآسفه عليها وأغره بها فشتمني ساعة قال مطيع ثم قلت له قم بنا حتى أمضي بك فأريك أختي قال مطيع فمضينا فلما خرجت إلينا دعوت قيمة لها فأسررت إليها في أن تصلح لنا طعاما
(13/309)

وشرابا وعرفتها أن الذي معي حماد فضحكت ثم أخذت صاحبتي في الغناء وقد علمت بموضعه وعرفته فكان أول صوت غنت
( أمَا باللَّه تستحْيِيْنَ ... من خُلَّة حَمّادِ )
فقال لها يا زانية وأقبل علي فقال لي وأنت يا زاني يا ابن الزانية وشاتمته صاحبتي ساعة ثم قامت فدخلت وجعل يتغيظ علي فقلت أنت ترى أني أمرتها أن تغني بما غنت قال أرى ذلك وأظنه ظنا لا والله ولكني أتيقنه فحلفت له بالطلاق على بطلان ظنه فقالت وكيف هذا فقلت أراد أن يفسد هذا المجلس من أفسد ذلك المجلس فقالت قد والله فعل وانصرفنا
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن رجل من أصحابه قال
قال يحيى بن زياد الحارثي لمطيع بن إياس انطلق بنا إلى فلانة صديقتي فإن بيني وبينها مغاضبة لتصلح بيننا وبئس المصلح أنت فدخلا إليها فأقبلا يتعاتبان ومطيع ساكت حتى إذا أكثر قال يحيى لمطيع ما يسكتك أسكت الله نأمتك فقال لها مطيع
( أنتِ مُعتَلَّة عليه ومازال ... مُهِيناً لنفسه في رضاكِ ) - خفيف -
فأعجب يحيى ما سمع وهش له مطيع
( فدَعِيه وواصلي ابنَ إياسٍ ... جُعِلتْ نفسيَ الغداةَ فِداكِ )
فقام يحيى إليه بوسادة في البيت فما زال يجلد بها رأسه ويقول ألهذا جئت بك يا ابن الزانية ومطيع يغوث حتى مل يحيى والجارية تضحك
(13/310)

منهما ثم تركه وقد سدر
حدثني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني محمد بن عمر الجرجاني قال مرض حماد عجرد فعاده أصدقاؤه جميعا إلا مطيع بن إياس وكان خاصة به فكتب إليه حماد
( كفاكَ عيادتي مَن كان يرجو ... ثَوابَ اللَّه في صِلة المريضِ )
( فإن تُحدِثْ لك الأيامُ سُقْماً ... يَحُولُ جريضُه دونَ القريض )
( يكن طولُ التأوُّهِ منك عندي ... بمنزلة الطَّنِينِ من البعوض ) - وافر -
أخبرني محمد بن أبي الأزهر عن حماد عن أبيه قال قدم مطيع بن إياس من سفر فقدم بالرغائب فاجتمع هو وحماد عجرد بصديقته ظبية الوادي وكان عجرد على الخروج مع محمد بن أبي العباس إلى البصرة وكان مطيع قد أعطى صاحبته من طرائف ما أفاد فلما جلسوا يشربون غنت ظبية الوادي فقالت
( أظنُّ خليلي غُدْوةً سيسير ... وربَّي على أن لا يسير قَديرُ ) - طويل -
فلما فرغت من الصوت حتى غنت صاحبة مطيع
( ما أبالي إذا النَّوى قَرَّبَتْهُمْ ... ودَنَوْنا مَنْ حَلَّ منهمْ وساروا ) - خفيف -
فجعل مطيع يضحك وحماد يشتمها
(13/311)

نسبة هذا الصوت
صوت
( أظُنُّ خليلي غُدْوَةً سيسير ... وربِّي على أن لا يسيرَ قديرُ )
( عجبْتُ لمن أمسى محبًّا ولم يكن ... له كفَنٌ في بيته وسريرُ ) - طويل -
غنى في هذين البيتين إبراهيم الموصلي ولحنه ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر وفيهما لحن يمان قديم خفيف رمل بالوسطى
حدثني الحسن قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني إبراهيم بن المدبر عن محمد بن عمر الجرجاني قال كان لمطيع بن إياس صديق يقال له عمر بن سعيد فعاتبه في أمر قينة يقال لها مكنونة كان مطيع يهواها حتى اشتهر بها وقال له إن قومك يشكونك ويقولون إنك تفضحهم بشهرتك نفسك بهذه المرأة وقد لحقهم العيب والعار من أجلها فأنشأ مطيع يقول
( قد لامَنَي في حبيبتي عُمَرُ ... واللَّوْمُ في غيرِ كُنْهِهِ ضجَرُ )
( قال أفِقْ قلتُ لا قال بلى ... قد شاعَ في الناس عنكما الخبرُ )
( قلتُ قد شاع فاعتذارِيَ ممّا ... ليس لي فيه عندهم عُذُرُ )
( عَجزٌ لعمرِي وليس ينفعُني ... فكُفَّ عني العتابَ يا عمرُ )
( وارجعْ إليهم وقُلْ لهُمْ قد أبَى ... وقال لي لا أُفيقُ فانتحروا )
( أعشِق وحدي فيُؤخَذون به ... كالتُّرْك تَغزُو فيُقتل الخَزَرُ ) - منسرح -
رأيه في النساء
أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني ابن أبي أحمد عن أبي العبر الهاشمي قال حدثني أبي أن مطيع بن إياس مر بيحيى بن زياد وحماد
(13/312)

الراوية وهما يتحدثان فقال لهما فيم أنتما قالا في قذف المحصنات قال أو في الأرض محصنة فتقذفانها
حدثني عيسى بن الحسن الوراق قال حدثني عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات وحدثنيه الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني محمد بن هارون قال أخبرني الفضل بن إياس الهذلي الكوفي أن المنصور كان يريد البيعة للمهدي وكان ابنه جعفر يعترض عليه في ذلك فأمر بإحضار الناس فحضروا وقامت الخطباء فتكلموا وقالت الشعراء فأكثروا في وصف المهدي وفضائله وفيهم مطيع بن إياس فلما فرغ من كلامه في الخطباء وإنشاده في الشعراء قال للمنصور يا أمير المؤمنين حدثنا فلان عن فلان أن النبي قال المهدي منا محمد بن عبد الله وأمه من غيرنا يملؤها عدلا كما ملئت جورا وهذا العباس بن محمد أخوك يشهد على ذلك ثم أقبل على العباس فقال له أنشدك الله هل سمعت هذا فقال نعم مخافة من المنصور فأمر المنصور الناس بالبيعة للمهدي
قال ولما انقضى المجلس وكان العباس بن محمد لم يأنس به قال أرأيتم هذا الزنديق إذ كذب على الله عز و جل ورسوله حتى استشهدني على كذبه فشهدت له خوفا وشهد كل من حضر علي بأني كاذب وبلغ الخبر جعفر بن أبي جعفر وكان مطيع منقطعا إليه يخدمه فخافه وطرده عن خدمته قال وكان جعفر ماجنا فلما بلغه قول مطيع هذا غاظه وشقت عليه البيعة لمحمد فأخرج أيره ثم قال إن كان أخي محمد هو المهدي فهذا القائم من آل محمد
أخبرني عيسى بن الحسين قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال كان مطيع بن إياس يخدم جعفر بن أبي جعفر المنصور وينادمه فكره أبو جعفر ذلك لما شهر به مطيع في الناس وخشي أن يفسده فدعا بمطيع وقال له عزمت على أن تفسد ابني علي وتعلمه زندقتك فقال أعيذك بالله يا أمير
(13/313)

المؤمنين من أن تظن بي هذا والله ما يسمع مني إلا ما إذا وعاه جمله وزينه ونبله فقال ما أرى ذلك ولا يسمع منك إلا ما يضره ويغره فلما رأى مطيع إلحاحه في أمره قال له أتؤمنني يا أمير المؤمنين عن غضبك حتى أصدقك قال أنت آمن قال وأي مستصلح فيه وأي نهاية لم يبلغها في الفساد والضلال قال ويلك بأي شيء قال يزعم أنه ليعشق امرأة من الجن وهو مجتهد في خطبتها وجمع أصحاب العزائم عليها وهم يغرونه ويعدونه بها ويمنونه فوالله ما فيه فضل لغير ذلك من جد ولا هزل ولا كفر ولا إيمان فقال له المنصور ويلك أتدري ما تقول قال الحق والله أقول فسل عن ذلك فقال له عد إلى صحبته واجتهد أن تزيله عن هذا الأمر ولا تعلمه أني علمت بذلك حتى أجتهد في إزالته عنه
إصابة جعفر بن المنصور بالصرع
أخبرني عمي قال حدثني الكراني عن ابن عائشة قال كان مطيع بن إياس منقطعا إلى جعفر بن أبي جعفر المنصور فدخل أبوه المنصور عليه يوما فقال لمطيع قد أفسدت ابني يا مطيع فقال له مطيع إنما نحن رعيتك فإذا أمرتنا بشيء فعلنا
قال وخرج جعفر من دار حرمه فقال لأبيه ما حملك على أن دخلت داري بغير إذن فقال له أبو جعفر لعن الله من أشبهك ولعنك فقال والله لأنا أشبه بك منك بأبيك قال وكان خليعا فقال أريد أن أتزوج امرأة من الجن فأصابه لمم فكان يصرع بين يدي أبيه والربيع واقف فيقول له يا ربيع هذه قدرة الله
وقال المدائني في خبره الذي ذكرته عن عيسى بن الحسين عن أحمد بن الحارث عنه فأصاب جعفرا من كثرة ولعه بالمرأة التي ذكر أنه يتعشقها من
(13/314)

الجن صرع فكان يصرع في اليوم مرات حتى مات فحزن عليه المنصور حزنا شديدا ومشى في جنازته فلما دفن وسوي عليه قبره قال للربيع أنشدني قول مطيع بن إياس في مرثية يحيى بن زياد فأنشده
( يا أهليَ ابُكوا لقلبيَ القَرِحِ ... وللدّموع الذَّوارف السُّفُحِ )
( راحُوا بِيَحْيَى ولو تطاوِعُني ال ... أقدارُ لم يَبْتَكِرْ ولم يَرُحِ )
( يا خيرَ من يَحْسُنُ البكاءُ له اليومَ ... ومَن كان أمس لِلمدَحِ ) - منسرح -
قال فبكى المنصور وقال صاحب هذا القبر أحق بهذا الشعر
أخبرني به عمي أيضا عن الخزاز عن المدائني فذكر مثله
شعره في جارية
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن إسرائيل قال حدثني المغيرة بن هشام الربعي قال سمعت ابن عائشة يقول مر مطيع بن إياس بالرصافة فنظر إلى جارية قد خرجت من قصر الرصافة كأنها الشمس حسنا وحواليها وصائف يرفعن أذيالها فوقف ينظر إليها إلى أن غابت عنه ثم إلتفت إلى رجل كان معه وهو يقول
(13/315)

( لَمَّا خَرجْنَ من الرُّصافة ... كالتَّماثيل الحسان )
( يَحفُفْنَ أحْوَرَ كالغزالِ ... يميسُ في جُدُل العِنانِ )
( قطّعْنَ قلبي حسرةً ... وتقسُّماً بين الأماني )
( ويلي على تلك الشمائِلِ ... واللَّطيفِ من المعاني )
( يا طُولَ حَرِّ صبابتي ... بين الغواني والقيانِ ) - مجزوء الكامل -
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني عبد الله ابن أبي سعيد عن ابن توبة صالح بن محمد قال حدثني بعض ولد منصور بن زياد عن أبيه قال قال محمد بن الفضل بن السكوني رحل مطيع ابن إياس إلى هشام بن عمرو وهو بالسند مستميحا له فلما رأته بنته قد صح العزم على الرحيل بكت فقال لها
( أسْكُتي قد حَزَزْتِ بالدَّمع قلبي ... طالما حَزَّ دَمْعُكُنَّ القُلوبا )
( وَدَعِي أنْ تُقَطِّعي الآنَ قلبي ... وتُرِيني في رِحْلتي تعذيبا )
( فعسى اللَّهُ أن يُدافِعَ عني ... رَيْبَ ما تحذرينَ حَتَّى أَأوْبا )
( ليس شيءٌ يشاؤه ذو المعالي ... بِعزيزٍ عليه فادعِي المُجيبا )
( أنا في قبضةِ الإله إذ ما ... كنْتُ بُعداً أو كنت منك قريبا ) - خفيف -
ووجدت هذه الأبيات في شعر مطيع بغير رواية فكان أولها
( ولقد قلْتُ لابنتي وهي تَكوِي ... بانسِكابِ الدُّموعِ قلباً كئيباً )
وبعده بقية الأبيات
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني علي بن محمد النوفلي عن صالح الأصم قال كان مطيع بن إياس مع إخوان له على نبيذ وعندهم قينة تغنيهم فأومأ إليها
(13/316)

مطيع بقبلة فقالت له تراب فقال مطيع
صوت
( إنَّ قلبي قد تصابَى ... بعد ما كان أنابا )
( ورَماه الحبُّ منه ... بسهامٍ فأصابا )
( قد دَهاه شادِنٌ يَلبَس ... في الجِيد سِخابا )
( فَهْوَ بدرٌ في نِقابِ ... فإذا ألقى النقابا )
( قُلْتُ شمسٌ يوم دَجْنٍ ... حَسَرتْ عنها السَّحابا )
( ليتني منه على كَشْحَيْن ... قد لانا وطابا )
( أحضَرُ النّاس بما أكرَهُهُ ... منهُ جوابا )
( فإذا قلتُ أنِلْنِي ... قُبْلةً قال ترابا ) - مجزوء الرمل -
لحكم الوادي في هذه الأبيات هزج بالبنصر من رواية الهشامي
سرعة بديهته
أخبرنا أبو الحسن الأسدي قال ذكر موسى بن صالح بن سنح بن عميرة أن مطيع بن إياس كان أحضر الناس جوابا ونادرة وأنه ذات يوم كان جالسا يعدد بطون قريش ويذكر مآثرها ومفاخرها فقيل له فأين بنو كنانة قال
( بِفَلسْطين يُسرِعون الرُّكوبا ... ) - خفيف -
أراد قول عبيد الله بن قيس الرقيات
( حَلَقٌ من بني كنانةَ حولِي ... بِفَلسْطين يُسرِعون الرُّكوبا )
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني عن العمري عن العتبي قال
(13/317)

كان أبو دهمان صديقا لمطيع وكان يظهر للناس تألها ومروءة وسمتا حسنا وكان ربما دعا مطيعا ليلة من الليالي أن يصير إليه ثم قطعه عنه شغل فاشتغل وجاء مطيع فلم يجده فلما كان من الغد جلس مطيع مع أصحابه فأنشدهم فيه
( ويلِيَ ممَّنْ جفاني ... وحُبُّه قد براني )
( وطَيْفُه يلقاني ... وشخصُة غير دان )
( أغَرُّ كالبدرِ يعْشَى ... بحسنه العينان )
( جارَيَّ لا تَعْذِلاني ... في حبِّه ودعاني )
( فربَّ يومٍ قصيرٍ ... في جَوْسق وجِنان )
( بالراح فيه يُحَيَّا ... والقصفِ والريحان )
( وعندنا قَيْنَتَانِ ... وَجْهاهما حَسَنانِ )
( عُوداهُما غَرِدان ... كأنَّهما ينطقانِ )
( وعندَنا صاحبانِ ... للدَّهر لا يَخضَعان )
( فكنت أوّل خامٍ ... وأوّلَ السَّرَعانِ )
( في فتيةٍ غيِر مِيلٍ ... عند اختلافِ الطِّعان )
( من كلِّ خوفٍ مُخيفٍ ... في السرِّ والإعلانِ )
( حَمّالِ كلِّ عظيم ... تضيق عنه اليدانِ )
( وإنْ ألحَّ زمانٌ ... لم يَسْتَكِنْ للزمانِ )
( فزالَ ذاك جميعاً ... وكلُّ شيء فان )
(13/318)

( مَن عاذرِي مِن خليلٍ ... مُوافقٍ مِلْدان )
( مُداهنٍ متوانٍ ... يكنى أبي دُهْمان )
( متى يَعِدْك لقاءً ... فالنّجمُ والفرقدانِ )
( وليس يُعْتِمُ إلاَّ ... سكرانَ مَعْ سكرانِ )
( يسقيه كلُّ غلامٍ ... كأنّه غُصْنُ بان )
( مِن خَنْدَريسٍ عُقَارٍ ... كحُمْرة الأرجُوان ) - مجتث -
قال فلقيه بعد ذلك أبو دهمان فقال عليك لعنة الله فضحتني وهتفت بي وأذعت سري لا أكلمك أبدا ولا أعاشرك ما بقيت فما تفرق بين صديقك وعدوك
أخبرني أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجلي العطار بالكوفة قال حدثني علي بن عمروس عن عمه علي بن القاسم قال كنت آلف مطيع بن إياس وكان جاري وعنفني في عشرته جماعة وقالوا لي إنه زنديق فأخبرته بذلك فقال وهل سمعت مني أو رأيت شيئا يدل على ذلك أو هل وجدتني أخل بالفرائض في صلاة أو صوم فقلت له والله ما اتهمتك ولكني خبرتك بما قالوا واستحييت منه فعجل على السكر ذات يوم في منزله فنمت عنده ومطرنا في جوف الليل وهو معي فصاح بي مرتين أو ثلاثا فعلمت أنه يريد أن يصطبح فكسلت أن أجيبه فلما تيقن أني نائم جعل يردد على نفسه بيتا قاله وهو قوله
(13/319)

( أصبَحْتُ جَمَّ بلابلِ الصَّدرِ ... عَصْراً أكاتمُه إلى عَصْر ) - كامل -
فقلت في نفسي هذا يعمل شعرا في فن من الفنون فأضاف إليه بيتا ثانيا وهو قوله
( إن بُحْتُ طُلَّ دمي وإن تُرِكَتْ ... وَقَدَتْ عليَّ توقُّدَ الجمْرِ )
فقلت في نفسي ظفرت بمطيع فتنحنحت فقال لي أما ترى هذا المطر وطيبه اقعد بنا حتى نشرب أقداحا فاغتنمت ذلك فلما شربنا أقداحا قلت له زعمت أنك زنديق قال وما الذي صحح عندك أني زنديق قلت قولك إن بحت طل دمي وأنشدته البيتين فقال لي كيف حفظت البيتين ولم تحفظ الثالث فقلت والله ما سمعت منك ثالثا فقال بلى قد قلت ثالثا قلت فما هو قال
( ممَّا جنَاه علَى أبي حسنٍ ... عُمَرٌ وصاحبُه أبو بكرِ )
وحدثني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني إبراهيم بن المدبر قال حدثني محمد بن عمر الجرجاني قال جاء مطيع بن إياس إلى إخوان له وكانوا على شراب فدخل الغلام يستأذن له فلما سمع صاحب البيت بذكره خرج مبادرا فسمعه يقول
( أَمْسَيْتُ جمَّ بلابلِ الصَدْرِ ... دَهْراً أزجِّيه إلى دَهْرِ )
( إن فُهْتُ طُلَّ دمي وإن كُتِمَتْ ... وقَدَتْ عليَّ توقُّدَ الجمرِ )
فلما أحس مطيع بأن صاحب البيت قد فتح له استدرك البيتين بثالث فقال
(13/320)

( فما جناه عَلَى أبي حسن ... عُمَرٌ وصاحبُه أبو بَكْرِ )
وكان صاحب البيت يتشيع فأكب على رأسه يقبله ويقول جزاك الله يا أبا مسلم خيرا
وذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الكاتب أن الرشيد أتي ببنت مطيع ابن إياس في الزنادقة فقرأت كتابهم واعترفت به وقالت هذا دين علمنيه أبي وتبت منه فقبل توبتها وردها إلى أهلها
قال أحمد ولها نسل بجبل في قرية يقال لها الفراشية قد رأيتهم ولا عقب لمطيع إلا منهم
دعوته للشراب
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني عن ابن عائشة قال كان مطيع بن إياس نازلا بكرخ بغداد وكان بها رجل يقال له الفهمي مغن محسن فدعاه مطيع ودعا بجماعة من إخوانه وكتب إلى يحيى بن زياد يدعوه بهذه الأبيات قال
( عندنا الفهميُّ مَسرُورٌ ... وزَمّارٌ مُجيدُ )
( ومُعاذٌ وعِياذٌ ... وعُمَيرٌ وسعيد )
( ونَدامى يُعْمِلون القَلْزَ ... والقَلْزُ شديد )
( بعضُهُمْ ريحانُ بعضٍ ... فَهُمُ مِسكٌ وعُودُ ) - مجزوء الرمل -
قال فأتاه يحيى فأقام عنده وشرب معهم وبلغت الأبيات المهدي فضحك منها وقال تنايك القوم ورب الكعبة
قال الكراني القلز المبادلة
(13/321)

وجدت هذا الخبر بخط ابن مهرويه عن إبراهيم بن المدبر عن محمد ابن عمر الجرجاني فذكر أن مطيعا اصطبح يوم عرفة وشرب يومه وليلته واصطبح يوم الأضحى وكتب إلى يحيى من الليل بهذه الأبيات
( قد شربْنا ليلةَ الأضحَى ... وساقينا يزيدُ )
( عندنا الفَهْميُّ مَسرُورٌ ... وزَمّار مُجيدُ )
( وسليمانُ فَتَانا ... فهو يُبدي ويُعيدُ )
( ومُعاذٌ وعِياذٌ ... وعُمَيْرٌ وسَعيد )
( وندامَى كلُّهُمْ يَقْلِزُ ... والقَلْزُ شديد )
( بعضهُمْ ريحانُ بعضٍ ... فَهُمُ مِسكٌ وعودُ )
( غالت الأنْفُسُ عنهمْ ... وتلقَّتْهمْ سُعودُ )
( فترى القوم جُلوسا ... والخنى عنهمْ بعيدُ )
( ومطيعُ بنُ إياس ... فهو بالقَصْف ولِيدُ )
( وعلى كرِّ الجديديْنِ ... وما حَلَّ جليدُ ) - مجزوء الرمل -
ووجدت في كتاب بعقب هذا وذكر محمد بن عمر الجرجاني أن عوف ابن زياد كتب يوما إلى مطيع أنا اليوم نشيط للشرب فإن كنت فارغا فسر إلي وإن كان عندك نبيذ طيب وغناء جيد جئتك فجاءته رقعته وعنده حماد الراوية وحكم الوادي وقد دعوا غلاما أمرد فكتب إليه مطيع
( نَعَمْ لنا نبيذٌ ... وعندنَا حمّادُ )
(13/322)

( وخيْرُنا كثيرٌ ... والخير مُستزادُ )
( وكُلّنا من طَرَبٍ ... يطيُر أو يكاد )
( وعندنا واديُّنا ... وهو لنا عِمادُ )
( ولَهْوُنا لذيذٌ ... لم يَلْهُهُ العِبادُ )
( إنْ تَشْتَهِ فَساداً ... فعندَنا فسادُ )
( أو تَشْتَهِ غلاماً ... فعندنا زيادُ )
( ما إنْ به التواءٌ ... عنا ولا بِعاد )
قال فلما قرأ الرقعة صار إليهم فأتم به يومه معهم
مدحه للغمر بن يزيد
أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو بكر العامري عن عنبسة القرشي الكريزي عن أبيه قال مدح مطيع بن إياس الغمر بن يزيد بقصيدته التي يقول فيها
( لا تَلْحَ قلبك في شَقائِهْ ... ودَعِ المتيَّيَم في بلائهْ )
( كَفْكِفْ دموعَك أنْ يَفِضْنَ ... بناظرٍ غَرِقٍ بمائه )
( وَدَعِ النسيبَ وذكرَهُ ... فبحَسْب مِثلك من عنائِهْ )
( كم لذّةٍ قد نِلْتَها ... ونعيم عيشٍ في بهائه )
( بنَوَاعمٍ شبْهِ الدُّمَى ... والليلُ في ثِنْيَيْ عمائه )
( وأذكر فتىً بيمينه ... حَتْفُ الزمان لدى التوائه )
( وإذا أُمَيَّةُ حُصِّلتْ ... كان المهذَّبَ في انتمائه )
( وإذا الأمورُ تفاقَمَتْ ... عِظَماً فمصدَرُها برائه )
( وإذا أردْتَ مديحه ... لم يُكْدِ قولُك في بنائه )
(13/323)

( في وجهه عَلَمُ الهدى ... والمجدُ في عِطْفَيْ ردائه )
( وكأنَّما البدر المنير ... مُشَبَّهٌ بهِ في ضيائه ) - مجزوء الكامل -
فأمر له بعشرة آلاف درهم فكانت أول قصيدة أخذ بها جائزة سنية وحركته ورفعت من ذكره ثم وصله بأخيه الوليد فكان من ندمائه
أنشدني محمد بن العباس اليزيدي عن عمه لمطيع بن إياس يستعطف يحيى بن زياد في هجرة كانت بينهما وتباعد
( يا سمِيَّ النبيِّ الذي خَصْصَ ... به اللَّهُ عبدَه زكريا )
( فدعاه الإلهُ يحيى ولم يَجْعَلْ ... له اللّه قبلَ ذاك سَمِيّا )
( كنْ بصبٍّ أمسى بحبكَ برًّا ... إنَّ يحيى قد كان بَرًّا تقيا ) - خفيف -
رثاؤه ليحيى بن زياد
وأنشدني له يرثي يحيى بعد وفاته
( قد مضى يَحْيَى وغودِرْتُ فردا ... نُصْبَ ما سَرَّ عيونَ الأعادي )
( وأرى عَيْنِيَ مُذْ غابَ يحيى ... بُدِّلَتْ من نَومها بالسُّهادِ )
( وسَّدتْهُ الكفُّ منِّي تراباً ... ولقد أرثي له من وِساد )
( بين جِيرانٍ أقاموا صُمُوتاً ... لا يُحيرونَ جواب المنادِي )
( أيُّها المُزْنُ الذي جاد حَتَّى ... أعشبَتْ منه مُتُونُ البوادي )
( إسْقِ قبراً فيه يحيى فإنِّي ... لك بالشكرِ مُوَافٍ مُغاد )
شعره في جوهر وريم
نسخت من نسخة بخط هارون بن محمد بن عبد الملك قال لما بيعت
(13/324)

جوهر التي كان مطيع بن إياس يشبب بها قال فيها وفيه غناء من خفيف الرمل أظنه لحكم
( صاح غرابُ البينِ بالبيْنِ ... فكدْتُ أنقدُّ بنصفينِ )
( قد صار لي خِدْنانِ مِن بَعدهم ... همٌّ وغمٌّ شرُّ خِدْنَيْنِ )
( أفدِي التي لم ألْقَ مِن بعدها ... أُنْساً وكانت قُرَّةَ العيْنِ )
( أصبحْتُ أشكو فرقةَ البين ... لمَّا رأت فُرقَتَهمْ عيني )
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا العباس بن ميمون بن طائع قال حدثني ابن خرداذبة قال خرج مطيع بن إياس ويحيى بن زياد حاجين فقدما أثقالهما وقال أحدهما للآخر هل لك في أن نمضي إلى زرارة فنقصف ليلتنا عنده ثم نلحق أثقالنا فما زال ذلك دأبهم حتى انصرف الناس من مكة قال فركبا بعيريهما وحلقا رؤوسهما ودخلا مع الحجاج المنصرفين وقال مطيع في ذلك
( ألم ترني ويَحْيَى قد حَججْنا ... وكان الحجُّ من خيرِ التجارهْ )
( خرجْنا طالِبَيْ خيٍر وبرٍّ ... فمال بنا الطريقُ إلى زُراره )
( فعادَ الناس قد غنموا وحَجُّوا ... وأُبْنا مُوْقَرَينَ من الخساره )
وقد روي هذا الخبر لبشار وغيره
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الفضل بن محمد اليزيدي عن إبراهيم الموصلي عن محمد بن الفضل قال خرج جماعة من الشعراء في أيام المنصور عن بغداد في طلب المعاش فخرج يحيى بن زياد إلى محمد ابن العباس وكنت في صحابته فمضى إلى البصرة وخرج حماد عجرد إليها
(13/325)

معه وعاد حماد الراوية إلى الكوفة وأقام مطيع بن إياس ببغداد وكان يهوى جارية يقال لها ريم لبعض النخاسين وقال فيها
( لولا مكانُكِ في مدينتهِمْ ... لظعنْتُ في صَحبِي الألى ظَعَنُوا )
( أوطنْتُ بَغْداداً بحبِّكُمُ ... وبغيرها لولاكُمُ الوطن ) - كامل -
قال وقال مطيع في صبوح اصطبحه معها
( ويومٍ ببغدادٍ نعِمْنا صباحَه ... على وجه حوراءِ المدامع تُطْرِبُ )
( ببيتٍ ترى فيه الزُّجاجَ كأنه ... نجومُ الدُّجى بين النَّدامى تَقَلّبُ )
( يُصَرِّف ساقينا ويقطب تارةً ... فيا طيبَها مقطوبةً حين يَقْطِبُ )
( علينا سحيقُ الزعفران وفَوقَنا ... أكاليلُ فيها الياسَمين الْمُذَهَّبُ )
( فما زِلْتُ أُسقَى بين صَنْجٍ ومِزْهَرٍ ... من الرَّاح حتَّى كادتِ الشمسُ تغرُب )
وفيها يقول
( أمسى مطيعُ كلِفَا ... صبًّا حزيناً دَنِفا )
( حُرٌّ لمن يعشَقُه ... بِرِقِّه معترفا )
( يا ريمُ فاشفِي كَبِداً ... حَرَّى وقلباً شُغِفا )
(13/326)

( ونوَّليني قبلةً ... واحدةً ثمَّ كفَى ) - مجزوء الرجز -
قال وفيها يقول
( يا ريمُ قد أتلفْتِ رُوحي فما ... منها معي إلاَّ القليلُ الحقيرْ )
( فأذْنِبي إن كنتِ لم تُذْنِبي ... فيَّ ذُنوباً إنَّ ربِّي غفورْ )
( ماذا على أهلِكِ لو جُدْتِ لي ... وزُرْتِني يا ريمُ فيمن يزورْ )
( هل لك في أجرٍ تُجازَيْ به ... في عاشقٍ يرضيه منكِ اليسيرْ )
( يَقبَل ما جُدْتِ به طائعاً ... وهو وإن قلَّ لديه الكثيرْ )
( لعمريَ مَن أنتِ له صاحبٌ ... ما غاب عنه في الحياة السُّرورْ ) - سريع -
قال وفيها يقول
( يا ريمُ يا قاتلِتي ... إن لم تجودِي فَعِدِي )
( بَيَّضْتِ بالمَطْل وإخلافِكِ ... وَعْدي كَبِدي )
( حالَفَ عيني سُهُدي ... وما بها من رَمَدِ )
( يا ليتَني في الأحد ... أبليْتِ منِّي جسدي )
( لمن به من شِقْوتي ... أخذْتُ حَتْفي بيَدي ) - مجزوء الرجز -
أنشدني علي بن سليمان الأخفش قال أنشدني محمد بن الحسن بن الحرون عن ابن النطاح لمطيع بن إياس يقوله في جوهر جارية بربر
( يا بأبي وجهُك مِن بينهِمْ ... فإنَّه أحسنُ ما أبصِرُ )
( يا بأبي وجهكِ من رائع ... يشبِهه البدرُ إذا يَزْهَر )
( جاريةٌ أحسَنُ من حَلْيها ... والحْليُ فيه الدرُّ والجوهرُ )
( وجِرْمُها أطيبُ من طيبها ... والطِّيب فيه المسكُ والعنبر )
(13/327)

( جاءت بها بَرْبُر مكنونةً ... يا حبَّذا ما جَلبَتْ بَربرُ )
( كأنّما رِيقَتُها قَهْوَةٌ ... صُبَّ عليها باردٌ أسمر ) - سريع -
أخبرني الحسين بن القاسم قال حدثنا ابن أبي الدنيا قال حدثني منصور بن بشر العمركي عن محمد بن الزبرقان قال كان مطيع بن إياس كثير العبث فوقف على أبي العمير رجل من أصحاب المعلى الخادم فجعل يعبث به ويمازحه إلى أن قال
( ألاَ أبلِغْ لديك أبا العُميرِ ... أراني اللَّهُ في استِكَ نصفَ أَيْرِ ) - وافر -
فقال له أبو العمير يا أبا سلمى لو جدت لأحد بالأير كله لجدت به إلى ما بيننا من الصداقة ولكنك بحبك لا نريده كله إلا لك فأفحمه ولم يعاود العبث به
قال وكان مطيع يرمى بالأبنة
مدحه جرير بن يزيد
قال وسقط لمطيع حائط فقال له بعض أصدقائه أحمد الله على السلامة قال أحمد الله أنت الذي لم ترعك هدته ولم يصبك غباره ولم تعدم أجرة بنائه
أخبرني إسماعيل بن يونس بن أبي اليسع الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال وفد مطيع بن إياس إلى جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري وقد مدحه بقصيدته
( أمِن آل ليلى عَزمْتَ البُكورا ... ولم تَلْقَ ليلى فَتَشْفِي الضَّمِيرا )
( وقد كنْتَ دهرك فيما خلا ... لليلَى وجاراتِ ليلى زَؤُورا )
(13/328)

( ليالي أنت بها مُعْجَبٌ ... تَهيم إليها وتَعصِي الأميرا )
( وإذْ هي حوراءُ شِبْهُ الغزالِ ... تُبصِرُ في الطَّرف منها فُتُورا )
( تقول ابنتي إذْ رأت حالتي ... وقرَّبْتُ للبين عَنْساً وكُورا )
( إلى مَن أراكَ وَقَتْكَ الْحُتوفَ ... نفسي تجشَّمْتَ هذا المَسيرا )
( فقلتُ إلى البَجَلِّي الذي ... يَفُكُّ العُناة ويُغنِي الفقيرا )
( أخِي العُرْف أشْبهَ عند الندَى ... وحَمْل المِئينَ أَباهُ جديرا )
( عَشِيرِ الندى ليس يُرْضي النَّدى ... يدَ الدّهرِ بعد جَريرٍ عشيرا )
( إذا استكثر المجتدُون القليلَ ... للمُعْتَفِينَ استقلَّ الكثيرا )
( إذا عَسُر الخير في المجتَدين ... كانَ لديه عَتيداً يسيرا )
( وليس بمانعِ ذِي حاجةٍ ... ولا خاذلٍ مَن أتى مُستجِيرا )
( فَنَفْسي وَقَتْك أبا خالدٍ ... إذا ما الكُماةُ أغاروا النُّمورا )
( إلى ابن يزيدَ أبي خالدٍ ... أخي العُرْفِ أعملْتُها عيسجورا )
( لِنَلْقَى فواضلَ من كفِّه ... فصادفْتَ منه نوالاً غزيرا )
( فإن يَكُنِ الشُّكْرُ حُسْنَ الثّناءِ ... بالعُرْف مِنِّي تجدْني شكورا )
( بصيراً بما يستلذُّ الرّواةُ ... من مُحْكَم الشِّعر حتَّى يسيرا ) - متقارب - فلما بلغ يزيد خبر قدومه دعا به ليلا ولم يعلم أحد بحضوره ثم قال له عرفت خبرك وإني متعجل لك جائزتك ساعتي هذه فإذا حضرت
(13/329)

غدا فإني سأخاطبك مخاطبة جفاء وأزودك نفقة طريقك وأصرفك لئلا يبلغ أبا جعفر خبري فيهلكني فأمر له بمائتي دينار فلما أصبح أتاه فاستأذنه في الإنشاد فقال له يا هذا لقد رميت بآمالك غير مرمى وفي أي شيء أنا حتى ينتجعني الشعراء لقد أسأت إلي لأني لا أستطيع تبليغك محابك ولا آمن سخطك وذمك فقال له تسمع ما قلت فإني أقبل ميسورك وأبسط عذرك فاستمع منه كالمتكلف المتكره فلما فرغ قال لغلامه يا غلام كم يبلغ ما بقي من نفقتنا قال ثلاثمائة درهم قال أعطه مائة درهم لنفقة طريقه ومائة درهم ينصرف بها إلى أهله واحتبس لنفقتنا مائة درهم ففعل الغلام ذلك وانصرف مطيع شاكرا ولم يعرف أبو جعفر خبره
أنشدني وكيع عن حماد بن إسحاق عن أمه لمطيع بن إياس وفيه غناء
( واهاً لشخص رجوْتُ نائلَه ... حَتَّى أنثنى لي بودِّه صَلَفَا )
( لانَتْ حواشيهِ لي وأطمَعَنِي ... حتَّى إذا قلْتُ نلْتُه انصرفا ) - منسرح -
قال وأنشدني حماد أيضا عن أبيه لمطيع بن إياس وفيه غناء أيضا
( خليلِي مخلفٌ أبدا ... يمنِّيني غداً فغَدا )
( وبعد غدٍ وبعد غدٍ ... كذا لا ينقضِي أبَدا )
( له جَمْرٌ على كبِدي ... إذا حَرَّكْتُه وَقَدا )
( وليس بلابثٍ جَمْرُ الغَضَى ... أن يُحرِق الكَبِدا ) - مجزوء الوافر -
وفي هذه الأبيات لعريب هزج
(13/330)

أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا العنزي عن مسعود بن بشر قال قال الوليد بن يزيد لمطيع بن إياس أي الأشياء أطيب عندك قال صهباء صافية تمزجها غانية بماء غادية
قال صدقت
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو عبد الله التميمي قال حدثنا أحمد بن عبيد وأخبرني عمي قال حدثنا الكراني عن العمري عن العتبي قال
سكر مطيع بن إياس ليلة فعربد على يحيى بن زياد عربدة قبيحة وقال له وقد حلف بالطلاق
( لا تحلِفاً بطلاقِ مَنْ ... أمسَتْ حوافِرُها رقيقهْ )
( مَهْلاً فقد علم الأنَامُ ... بأَنَّها كانت صديقهْ )
فهجره يحيى وحلف ألا يكلمه أبدا فكتب إليه مطيع
( إنْ تصِلْنِي فمثلُك اليوم يُرْجَى ... عَفْوُهُ الذَّنْبَ عن أخيه ووَصْلُهْ )
( ولئن كنْتَ قد هممْتَ بهجري ... لِلذي قد فعلْتُ إنِّي لأَهلُهْ )
( وأحَقُّ الرِّجال أن يَغفِر الذَّنْبَ ... لإخوانه الموفَّرُ عقلُهْ )
( الكريمُ الذي له الحَسَبُ الثّاقبُ ... في قومه ومن طاب أصلُهْ )
( ولئن كنتَ لا تصاحِب إلاَّ ... صاحبا لا تَزِلّ ما عاشَ نعلُهْ )
( لا تَجِدْه وإن جَهِدْتَ وأَنِّي ... بالذي لا يكاد يُوجَد مثلُهْ )
( إنَّما صاحبي الذي يغفر الذَّنْ ... بَ ويكفيه من أخيه أقلُّهْ )
(13/331)

( الذي يَحفظُ القديمَ من العهد ... وإنْ زَلَّ صاحبٌ قلَّ عَذْلُهْ )
( ورعَى ما مضى مِن العهد مِنه ... حين يؤذِي من الجهالة جهلُه )
( ليس مَن يُظهِرُ المودّةَ إِفْكاً ... وإذا قال خالفَ القولَ فِعلُه )
( وَصْلُه للصَّديق يوماً فإنْ طالَ ... فيومانِ ثم يَنْبَتُّ حَبْلُهْ ) - خفيف -
قال فصالحه يحيى وعاود عشرته
نزوله بدير كعب
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدثني أبو أيوب المدني قال حدثني أحمد بن إبراهيم الكاتب قال حدثني أبي عن رجل من أهل الشأم قال كنت يوما نازلا بدير كعب قد قدمت من سفر فإذا أنا برجل قد نزل الدير ومعه ثقل وآلة وعيبة فكان قريبا من موضعي فدعا بطعام فأكل ودعا الراهب فوهب له دينارين وإذا بينه وبينه صداقة فأخرج له شرابا فجلس يشرب ويحدث الراهب وأنا أراهما إذ دخل الدير رجل فجلس معهما فقطع حديثهما وثقل في مجلسه وكان غث الحديث فأطال فجاءني بعض غلمان الرجل النازل فسألته عنه فقال هذا مطيع بن إياس فلما قام الرجل وخرج كتب مطيع على الحائط شيئا وجعل يشرب حتى سكر فلما كان من غد رحل فجئت موضعه فإذا فيه مكتوب
( طَرْبةَ ما طرِبْتُ في دَيْر كعبِ ... كدْتُ أقضي من طَرْبتي فيه نَحْبِي )
( وتذكَّرْتُ إخوتي ونَدَامايَ ... فهاج البكاءَ تَذْكارُ صحبي )
( حينَ غابوا شَتَّى وأصبحْتُ فرداً ... ونأَوْا بينَ شرْقِ أرضٍ وغَرْبِ )
( وهُمْ ما هُمُ فحسبي لا أبْغي ... بدِيلاً بِهِمْ لعمرُكَ حسبي )
(13/332)

( طلحةُ الخيِر منهُمُ وأبو المُنْذِرِ ... خِلِّي ومالكٌ ذاكَ تِربِي )
( أيُّها الداخِلُ الثقيلُ علينا ... حينَ طاب الحديثُ لي ولِصَحْبي )
( خِفَّ عنَّا فأنت أثقَلُ واللَّهِ ... علينا من فَرسَخَيْ دَيْر كعبِ )
( ومِن النّاس مَن يَخِفُّ ومِنهمْ ... كَرَحى البَزْرِ رُكِّبت فوقَ قلبي )
أخبرنا الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا عمر بن محمد قال حدثنا الحسين بن إياس ويحيى بن زياد وزاد العمل حتى حلف يحيى بن زياد عل بطلان شيء كلمه به مما دار بينهما فقال مطيع
( لا تَحْلِفاً بطلاقِ مَنْ ... أمْسَتْ حوافِرُها رقيقهْ )
( هيهاتَ قد علِمَ الأميرُ ... بأَنَّها كانت صدِيقهْ ) - مجزوء الكامل -
فغضب يحيى وحلف ألا يكلم مطيعا أبدا وكانا لا يكادان يفترقان في فرح ولا حزن ولا شدة ولا رخاء فتباعد ما بين يحيى وبينه وتجافيا مدة فقال مطيع في ذلك وندم على ما فرط منه إلى يحيى فكتب إليه بهذا الشعر قال
( كنت وَيَحْيَى كَيَدٍ واحدهْ ... نَرْمِي جميعاً وتَرانا معا )
( إنْ عضَّني الدّهرُ فقد عَضَّه ... يُوجِعُنا ما بعضَنا أوجعا )
(13/333)

( أو نامَ نامتْ أعينٌ أربعٌ ... منَّا وإن أَسْهَرْ فلن يَهْجَعا )
( يسرُّني الدَّهرُ إذا سَرَّه ... وإنْ رماه فَلَنَا فَجَّعا )
( حَتَى إذا ما الشَّيْب في مَفرِقي ... لاحَ وفي عارضه أسْرَعا )
( سَعى وُشاةٌ فمَشوا بيننا ... وكاد حَبْلُ الودِّ أن يُقْطَعا )
( فَلَمْ أَلُمْ يَحْيَى على فِعْلِه ... ولم أقُلْ مَلَّ ولا ضَيَّعا )
( لكنَّ أعداءً لنا لم يكن ... شيطانُهُمْ يَرَى بنا مَطْمَعا )
( بينا كذا غاش على غِرّة ... فأوقَدَ النِّيرانَ مُسْتَجْمِعا )
( فلم يزل يُوقِدُها دائباً ... حَتَّى إذا ما اضطرمَتْ أقلعا ) - سريع -
أخبرنا الحسين بن يحيى المرداسي عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن الفضل السكوني وأخبرنا محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال إسحاق في خبره دخل على إخوان يشربون وقال الأصمعي دخل سراعة بن الزندبور على مطيع بن إياس ويحيى بن زياد وعندهما قينة تغنيهما فسقوه أقداحا وكان على الريق فاشتد ذلك عليه فقال مطيع للقينة غني سراعة فقالت له أي شيء تختار فقال غني
( طبيبيَّ داويْتُما ظاهراً ... فمن ذا يداوي جَوًى باطنا ) - متقارب -
ففطن مطيع لمعناه فقال أبك أكل قال نعم فقدم إليه طعاما فأكل
(13/334)

ثم شرب معهم والله أعلم
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني محمد بن هارون الأزرقي مولى بني هاشم أخي أبي عشانة قال حدثني الفضل بن محمد بن الفضل الهاشمي عن أبيه قال كان مطيع بن إياس يهوى ابن مولى لنا يقال له محمد بن سالم فأخرجت أباه إلى ضيعة لي بالري لينظر فيها فأخرجه أبوه معه ولم أكن عرفت خبر مطيع معه حتى أتاني فأنشدني لنفسه
( أيا ويحَه لا الصَّبر يملك قلبه ... فيصبرَ لَمَّا قِيل سار محمدُ )
( فلا الحزنُ يُفنيه ففي الموت راحةٌ ... فحتَّى متى في جهده يتجلَّد )
( قَدَ أضحى صريعاً بادياتٍ عظامُه ... سِوى أنَّ روحاً بينها تتردّد )
( كئيباً يمثِّي نفسَه بلقائه ... على نأيه واللَّهُ بالحزن يشهد )
( يقول لها صبراً عَسى اليوم آئبٌ ... بإلفك أو جاءٍ بطلعته الغَدُ )
( وكنتَ يداً كانت بها الدهرَ قُوّتي ... فأصبحْتُ مُضنًى منذ فارقني يدِي ) - طويل -
في أخبار مطيع التي تقدم ذكرها آنفا أغان أغفلت عن نسبتها حتى انتهيت إلى هذا الموضع فنسبتها فيه
صوت
( طبيبيَّ داويتُما ظاهرا ... فمن ذا يداوي جوًى باطنا )
( فقوما اكوياني ولا تَرْحَمَا ... من الكيِّ مُسْتَحْصِفاً راصِنا )
( ومُرَّا على منزل بالغُمَيم ... فإنِّي عهدْتُ به شادنا )
( فَتورَ القيام رَخِيمَ الكلامِ ... كانَ فؤادي به راهنا ) - متقارب
(13/335)

الشعر فيما ذكر عبد الله بن شبيب عن الزبير بن بكار لعمرو بن سعيد ابن زيد بن عمرو بن نفيل القرشي العدوي والغناء لمعبد ولحنه ثقيل أول بالوسطى في مجراها عن إسحاق وعمرو وفيه لأبي العبيس بن حمدون ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر وهو من صدور أغانيه ومختارها وما تشبه فيه بالأوائل ولو قال قائل إنه أحسن صنعة له صدق
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه أن غيلان بن خرشة الضبي دخل إلى قوم من إخوانه وعندهم قينة فجلس معهم وهو لا يدري فيم هم حتى غنت القينة
( طبيبيَّ داويتُما ظاهراً ... فمن ذا يداوي جوًى باطنا )
وكان أعرابيا جافيا به لوثة فغضب ووثب وهو يقول السوط ورب غيلان يداوي ذلك الجوى وخرج من عندهم
وهذا الخبر مذكور في أخبار معبد من كتابي هذا وغيره ولكن ذكره ها هنا حسن فذكرته
ومما فيها من الأغاني قول مطيع
صوت
( أَمْسَيْتُ جَمَّ بلابلِ الصَّدْرِ ... دَهْراً أزجّيهِ إلى دَهْرِ )
( إن فُهْتُ طلّ دمي وإن كُتِمَتْ ... وقَدَتْ عليّ توقُّد الجمر ) - كامل -
الغناء لحكم الوادي هزج بالبنصر عن حبش الهشامي
(13/336)

مطيع وجوهر المغنية
أخبرني ابن الحسين قال حدثنا حماد بن إسحاق عن صباح بن خاقان قال
دخلت علينا جوهر المغنية جارية بربر وكانت محسنة جميلة ظريفة وعندنا مطيع بن إياس وهو يلعب بالشطرنج وأقبل عليها بنظره وحديثه ثم قال
( ولقد قُلْتُ مُعلناً ... لسعيدٍ وجعفرِ )
( إن أتتني مَنيّتي ... فدمِي عند بربر )
( قتلْتِني بمنعها ... لِيَ من وصْل جوهر )
قال وجوهر تضحك منه
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا عبد الله بن أبي سعيد عن أبي توبة قال بلغ مطيع بن إياس أن حماد عجرد عاب شعراً ليحيى بن زياد قاله في منقذ بن بدر الهلالي فأجابه منقذ عنه بجواب فاستخفهما حماد عجرد وطعن عليهما فقال فيه مطيع
( أيها الشاعِرُ الذي ... عاب يحيىَ ومُنقِذا )
( أنتَ لو كنتَ شاعراً ... لم تَقُلْ فيهما كذا )
( لستَ واللَّه فاعلَمَنْنَ ... لذي النقد جِهْبذا )
( تعدِل الصبرَ بالرضَى ... شائِبَ الصَّفوِ بالقذى ) - مجزوء الخفيف -
أخبرني عيسى بن الحسين قال حدثنا عبد الله بن أبي توبة عن ابن أبي منيع الأحدب قال كنت جالسا مع مطيع بن إياس فمرت بنا مكنونة
(13/337)

جارية المروانية وكان مطيع وأصحابنا يألفونها فلم تسلم وعبث بها مطيع ابن إياس فشتمته فالتفت إلي وأنشأ يقول
( فَدَّيْتُ مَنْ مَرَّ بنا ... يوماً ولم يتكلم )
( وكان فيما خلا منه ... كلّما مَرَّ سلّمْ )
( وإنْ رآنِيَ حيَّا ... بطَرْفِهِ وتبسّمْ )
( لقد تبدّل فيما ... أظنّ واللَّه أعلمْ )
( فليت شِعريَ ماذا ... عليّ في الود ينقم )
( يا ربِّ إنك تعلمْ ... أني بمكنونَ مغرَمْ )
( وأنني في هواها ... ألقَى الهوان وأعظَم )
( يا لائِمي في هواها ... إحفظْ لسانك تَسْلم )
( واعلم بأنك مهما ... أكرمْتَ نفسَك تُكرَم )
( إنّ المَلُولَ إذا ما ... ملّ الوصالَ تجرَّمْ )
( أولا فمالِي أُجْفَى ... من غير ذنب وأُحرَم ) - مجتث -
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال كان مطيع ابن إياس يألف جواري بربر ويهوى منهن جاريتها المسماة جوهر وفيها يقول ولحكم فيه غناء
( خافِي اللَّهَ يا بربرْ ... لقد أَفْسَدْتِ ذا العسكرْ )
( إذا ما أقبلَتْ جوهرْ ... يفوح المسكُ والعنبرْ )
( وجوهرُ دُرّة الغوّاص ... مَنْ يَمْلكُها يُحْبَرْ )
( لها ثغْرٌ حكى الدرَّ ... وعَيْنا رَشَأٍ أحورْ ) - مجزوء الوافر
(13/338)

في هذه الأبيات هزج لحكم الوادي قال وفيها يقول
( أنتِ يا جوهرُ عندي جوهرهْ ... في قياس الدُّرَر المشْتَهِرهْ )
( أو كشمسٍ أشرقت في بيتها ... قذفَتْ في كل قلب شرَرَهْ )
( وكأنّي ذائقٌ من فمها ... كلما قبَّلْتُ فاها سُكْره )
( وكأنِّي حين أخلو معها ... فائز بالجنّة المختَضِرَه ) - رمل -
قال فجاءها يوما فاحتجبت عنه فسأل عن خبرها فعرف أن فتى من أهل الكوفة يقال له ابن الصحاف يهواها متخل معها فقال مطيع يهجوها
( ناك واللَّه جوهرَ الصّحَافُ ... وعليها قميصُها الأفوافُ )
( شامَ فيها أَيراً له ذا ضُلوع ... لم يَشِنْه ضُعْفٌ ولا إخطافُ )
( جَدَّ دفْعاً فيها فقالت ترفَّقْ ... ما كذا يا فتى تُناك الظِّرافُ ) - خفيف -
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال قال محمد بن صالح بن النطاح أنشد المهدي قول مطيع بن إياس
( خافي اللَّهَ يا بربرْ ... لقد أفتنْتِ ذا العسكْر )
( بريح المسك والعنبرْ ... وظبي شادنٍ أحْوَر )
( وجَوْهَرُ درّةُ الغوَّاص ... من يَملكُها يُحْبَر )
( أما واللَّه يا جوهَرْ ... لقد فُقْتِ على الجوهر )
( فلا واللَّه ما المهديُّ ... أولَى منك بالمِنبر )
( فإن شِئْتِ ففي كفيْكِ ... خلعُ ابنِ أبي جعفر ) - مجزوء الوافر
(13/339)

فقال المهدي اللهم العنهما جميعا ويلكم اجمعوا بين هذين قبل أن تخلعنا هذه القحبة وجعل يضحك من قول مطيع ووجدت أبيات مطيع الثلاثة التي هجا بها جوهر في رواية يحيى بن علي أتم من رواية إسحاق وهي بعد البيتين الأولين
( زعموها قالت وقد غاب فيها ... قائماً في قيامه استحصافُ )
( وهو في جارة استِها يتلظَّى ... يا فتى هكذا تُناك الظراف )
( ناكها ضيفُها وقبَّل فاها ... يا لقَومِي لقد طغَى الأضياف )
( لم يزَل يرهَز الشهيَّةَ حتى ... زال عنها قميصُها والعِطاف ) - خفيف -
وقال هارون بن محمد في خبره بيعت جوهر جارية بربر فاشترتها امرأة هاشمية من ولد سليمان بن علي كانت تغني بالبصرة وأخرجتها فقال مطيع فيها
( لا تبعدي يا جوهرُ ... عنَّا وإن شَطَّ المزارُ )
( ويْلِي لقد بَعُدَتْ ديارُك ... سُلِّمت تلك الديار )
( يُشفي بريقتها السَّقامُ ... كأنَّ ريْقَتَها العُقار )
( بيضاءُ واضحة الجبينِ ... كأن غُرّتها نهار )
( القلب قلبي وهْو عند ... الهاشميّةِ مستعار ) - مجزوء الكامل -
مطيع يهجو كلواذي
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثنا علي ابن منصور المؤدب أن صديقا لمطيع دعاه إلى بستان له بكلواذى فمضى إليها فلم يستطبها فقال يهجوها
( بلْدَةٌ تُمطِر الترابَ على الناس ... كما يُمْطِرُ السماءُ الرَّذاذا )
(13/340)

( وإذا ما أعاذ ربي بلاداً ... من خرابٍ كبعضِ ما قد أعاذا )
( خرِبتْ عاجلاً ولا أُمْهِلَتْ يوماً ... ولا كان أهلُها كَلْواذى ) - خفيف -
أخبرني محمد بن جعفر النحوي قال حدثنا طلحة بن عبد الله أبو إسحاق الطلحي قال حدثني عافية بن شبيب بن خاقان التميمي أبو معمر قال كان لمطيع بن إياس معامل من تجار الكوفة فطالت صحبته إياه وعشرته له حتى شرب النبيذ وعاشر تلك الطبقة وأفسدوا دينه فكان إذا شرب يعمل كما يعملون وقال كما يقولون وإذا صحا تهيب ذلك وخافه فمر يوما بمطيع بن إياس وهو جالس على باب داره فقال له من أين أقبلت قال شيعت صديقا لي حج ورجعت كما ترى ميتا من ألم الحر والجوع والعطش فدعا مطيع بغلامه وقال له أي شيء عندك فقال له عندي من الفاكهة كذا ومن البوارد والحار كذا ومن الأشربة والثلج والرياحين كذا وقد رش الخيش وفرغ من الطعام فقال له كيف ترى هذا فقال هذا والله العيش وشبه الجنة قال أنت الشريك فيه على شريطة إن وفيت بها وإلا انصرفت قال وما هي قال تشتم الملائكة وتنزل فنفر التاجر وقال قبح الله عشرتكم قد فضحتموني وهتكتموني ومضى فلم يبعد حتى لقيه حماد عجرد فقال له مالي أراك نافرا جزعا فحدثه حديثه فقال أساء مطيع قبحه الله وأخطأ وعندي والله ضعف ما وصف لك فهل لك فيه فقال أجل بي والله إليه أعظم فاقة قال أنت الشريك فيه على أن تشتم الأنبياء فإنهم تعبدونا بكل أمر معنت متعب ولا ذنب للملائكة فنشتمهم فنفر التاجر وقال أنت أيضا فقبحك الله لا أدخل ومضى فاجتاز بيحيى بن زياد الحارثي فقال له ما لي أراك يا أبا فلان مرتاعا فحدثه
(13/341)

بقصته فقال قبحهما الله لقد كلفاك شططا وأنت تعلم أن مروءتي فوق مروءتهما وعندي والله أضعاف ما عندهما وأنت الشريك فيه على خصلة تنفعك ولا تضرك وهي خلاف ما كلفاك إياه من الكفر قال وما هي قال تصلي ركعتين تطيل ركوعهما وسجودهما وتصليهما وتجلس فنأخذ في شأننا فضجر التاجر وتأفف وقال هذا شر من ذاك أنا تعب ميت تكلفني صلاة طويلة في غير بر ولا طاعة يكون ثمنها أكل سحت وشرب خمر وعشرة فجرة وسماع مغنيات قحاب وسبه وسبهما ومضى مغضبا فبعث خلفه غلاما وأمره برده فرده كرها وقال انزل الآن على ألا تصلي اليوم بتة فشتمه أيضا وقال ولا هذا فقال انزل الآن كيف شئت وأنت ثقيل غير مساعد فنزل عنده ودعا يحيى مطيعا وحمادا فعبثا بالتاجر ساعة وشتماه ثم قدم الطعام فأكلوا وشربوا وصلى التاجر الظهر والعصر فلما دبت الكاس فيه قال له مطيع أيما أحب إليك تشتم الملائكة أو تنصرف فشتمهم فقال له حماد أيما أحب إليك تشتم الأنبياء أو تنصرف فشتمهم فقال له يحيى أيما أحب إليك تصلي ركعتين أو تنصرف فقام فصلى الركعتين ثم جلس فقالوا له أيما أحب إليك تترك باقي صلاتك اليوم أو تنصرف قال بل أتركها يا بني الزانية ولا أنصرف فعمل كل ما أرادوه منه
رأي المهدي في أخلاقه
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن الفضل السكوني قال رفع صاحب الخبر إلى المنصور أن مطيع بن إياس زنديق وأنه يعاشر ابنه جعفراً وجماعة من أهل بيته ويوشك أن يفسدوا أديانهم وينسبوا إلى مذهبه فقال له المهدي أنا به عارف أما الزندقة فليس من أهلها ولكنه خبيث الدين فاسق مستحل للمحارم قال فأحضره وانهه عن صحبة جعفر وسائر أهله فأحضره المهدي وقال له يا خبيث يا فاسق
(13/342)

قد أفسدت أخي ومن تصحبه من أهلي والله لقد بلغني أنهم يتقادعون عليك ولا يتم لهم سرور إلا بك فقد غررتهم وشهرتهم في الناس ولولا أني شهدت لك عند أمير المؤمنين بالبراءة مما نسبت إليه بالزندقة لقد كان أمر بضرب عنقك وقال للربيع اضربه مائتي سوط واحبسه قال ولم يا سيدي قال لأنك سكير خمير قد أفسدت أهلي كلهم بصحبتك فقال له إن أذنت وسمعت احتججت قال قل قال أنا امرؤ شاعر وسوقي إنما تنفق مع الملوك وقد كسدت عندكم وأنا في أيامكم مطرح وقد رضيت فيها مع سعتها للناس جميعا بالأكل على مائدة أخيك لا يتبع ذلك عشيرة وأصفيته على ذلك شكري وشعري فإن كان ذلك عائبا عندك تبت منه فأطرق ثم قال قد رفع إلي صاحب الخبر أنك تتماجن على السؤال وتضحك منهم قال لا والله ما ذلك من فعلي ولا شأني لا جرى مني قط إلا مرة فإن سائلا أعمى اعترضني وقد عبرت الجسر على بغلتي وظنني من الجند فرفع عصاه في وجهي ثم صاح اللهم سخر الخليفة لأن يعطي الجند أرزاقهم فيشتروا من التجار الأمتعة ويربح التجار عليهم فتكثر أموالهم فتجب فيها الزكاة عليهم فيصدقوا علي منها فنفرت بقلبي من صياحه ورفعه عصاه في وجهي حتى كدت أسقط في الماء فقلت يا هذا ما رأيت أكثر فضولا منك سل الله أن يرزقك ولا تجعل هذه الحوالات والوسائط التي لا يحتاج إليها فإن هذه المسائل فضول فضحك الناس منه ورفع علي في الخبر قولي له هذا فضحك المهدي وقال خلوه ولا يضرب ولا يحبس فقال له أدخل عليك لموجدة وأخرج عن رضى وتبرأ ساحتي من عضيهة وأنصرف بلا جائزة قال لا يجوز هذا أعطوه مائتي دينار ولا
(13/343)

يعلم بها الأمير فيتجدد عنده ذنوبه قال وكان المهدي يشكو له قيامه في الخطباء ووضعه الحديث لأبيه في أنه المهدي فقال له أخرج عن بغداد ودع صحبة جعفر حتى ينساك أمير المؤمنين غدا فقال له فأين أقصد قال أكتب لك إلى سليمان بن علي فيوليك عملا ويحسن إليك قال قد رضيت فوفد إلى سليمان بكتاب المهدي فولاه الصدقة بالبصرة وكان عليها داود بن أبي هند فعزله به
حدثني محمد بن هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل تينة عن ابن عائشة أن مطيع بن إياس قدم على سليمان بن علي بالبصرة وواليها على الصدقة داود بن أبي هند فعزله وولى عليها مطيعا
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أبو توبة عن بعض البصريين قال كان مالك بن أبي سعدة عم جابر الشطرنجي جميل الوجه حسن الجسم وكان يعاشر حماد عجرد ومطيع بن إياس وشرب معهما فأفسد بينهما وبينه وتباعد فقال حماد عجرد يهجوه
( أتوبُ إلى اللَّه من مالكٍ ... صديقاً ومن صُحبتِي مالكا )
( فإن كنْتُ صاحَبْتُهُ مرةٍ ... فقد تبْتُ يا ربِّ من ذلكا ) - متقارب -
قال وأنشدها مطيعا فقال له مطيع سخنت عينك هكذا تهجو الناس قال فكيف كنت أقول قال كنت تقول
( نظرةً ما نظرْتُها ... يوم أبصرْتُ مالكا )
( في ثيابٍ مُعَصْفَراتٍ ... على الوجه بارِكا )
( تركتْنِي ألُوط من ... بعد ما كنتُ نَاسكا )
( نظرةً ما نظرْتُها ... أوردتْني المهالكا ) - مجزوء الخفيف -
مطيع يشكو الفقر
أخبرني عيسى بن الحسين قال حدثنا حماد عن أبيه عن الهيثم بن عدي قال كان مطيع بن إياس منقطعا إلى جعفر بن المنصور فطالت صحبته
(13/344)

له بغير فائدة فاجتمع يوما مطيع وحماد عجرد ويحيى بن زياد فتذاكروا أيام بني أمية وسعتها ونضرتها وكثرة ما أفادوا فيها وحسن مملكتهم وطيب دارهم بالشأم وما هم فيه ببغداد من القحط في ايام المنصور وشدة الحر وخشونة العيش وشكوا الفقر فأكثروا فقال مطيع بن إياس قد قلت في ذلك شعراً فاسمعوا قالوا هات فأنشدهم
( حبّذَا عيشُنا الذي زال عنا ... حبذا ذاك حين لاحَبَّذا ذا )
( أين هذا من ذاك سَقْياً لهذاك ... ولسْنا نقول سَقياً لهذا )
( زاد هذا الزمانُ عُسْراً وشرّاً ... عنْدنا إذ أحلَّنا بغْدَاذَا )
( بَلْدَةٌ تُمطر التُرابَ على الناس ... كما يُمْطِرُ السماءُ الرّذاذا )
( خَرِبتْ عاجلاًوأَخرب ذو العرش ... بأعمالِ أهلِها كَلْواذى )
أخبرني عيسى بن الحسين عن حماد بن أبيه قال لما خرج حماد بن العباس إلى البصرة عاشر جماعة من أهلها وأدبائها وشعرائها فلم يجدهم كما يريد ولم يستطب عشرتهم واستغلظ طبعهم وكان هو ومطيع بن إياس وحماد الراوية ويحيى بن زياد كأنهم نفس واحدة وكان أشدهم أنسا به مطيع بن إياس فقال حماد يتشوقه
( لستُ واللَّهِ بناسِ ... لِمطيع بن إياسِ )
( ذاك إنسانٌ له فضْلٌ ... على كلِّ أُناس )
(13/345)

( غرَسَ اللَّه له في ... كبدي أحلَى غِراس )
( فإذا ما الكاسُ دارتْ ... واحتساها مَن أُحاسِي )
( كان ذِكرانا مُطيعاً ... عندها رَيحانَ كاسي ) - مجزوء الرمل -
حدثنا عيسى بن الحسين عن حماد عن أبيه قال دعا مطيع بن إياس صديقا له من أهل بغداد إلى بستان له بالكرخ يقال له بستان صباح فأقام معه ثلاثة أيام في فتيان من أهل الكرخ مرد وشبان ومغنين ومغنيات فكتب مطيع إلى يحيى بن زياد الحارثي يخبره بأمره ويتشوقه قال
( كم ليلةٍ بالكَرْخ قد بِتُّها ... جَذْلانَ في بستانِ صَبَّاح )
( في مجلسٍ تنفَحُ أرواحُه ... يا طِيْبَها من ريح أرْواحِ )
( يُدِير كأساً فإذا ما دَنَتْ ... حُفَّتْ بأكوابٍ وأقداح )
( في فِتيةٍ بيْضٍ بهاليلَ ما ... إنْ لَهُمُ في الناس مِنْ لاحِ )
( لم يَهْنِني ذاك لِفَقْدِ إمرىءٍ ... أَبْيَضَ مثلِ البدر وضّاحِ )
( كأنما يُشرق من وجهه ... إذا بدا لِي ضوءُ مِصْباحِ ) - سريع -
قال فلما قرأ يحيى هذه الأبيات قام من وقته فركب إليهم وحمل إليهم ما يصلحهم من طعام وشراب وفاكهة فأقاموا فيه أيام على قصفهم حتى ملوا ثم انصرفوا
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن الفضل قال قال مطيع بن إياس جلست أنا ويحيى بن زياد إلى فتى من أهل الكوفة كان ينسب إلى الصبوة ويكتم ذاك ففاوضناه وأخذنا في أشعار العرب ووصفها البيد وما أشبه ذلك فقال
(13/346)

( لأحسَنُ من بِيدٍ يَحارُ بِها القَطا ... ومِن جَبَليْ طَيٍّ ووصْفِكما سَلْعا )
( تَلاحُظُ عَيْنَيْ عاشِقَيْن كلاهما ... له مُقْلَةٌ في وجه صاحبِه تَرْعَى ) - طويل -
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني أبو المضاء قال عاتب المهدي مطيع بن إياس في شيء بلغه عنه فقال له يا أمير المؤمنين إن كان ما بلغك عني حقا فما تغني المعاذير وإن كان باطلا فما تضر الأباطيل فقبل عذره وقال فإنا ندعك على حملتك ولا نكشفك والله أعلم
حدثني عمي الحسن بن محمد قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي قال اجتمع حماد الراوية ومطيع بن إياس ويحيى بن زياد وحكم الوادي يوما على شراب لهم في بستان بالكوفة وذلك في زمن الربيع ودعوا جوهر المغنية وهي التي يقول فيها مطيع
( أنتِ يا جوهرُ عندي جوهرهْ ... في قياسِ الدّررِ المشتهرَه ) - رمل -
فشربوا تحت كرم معروش حتى سكروا فقال مطيع في ذلك
صوت
( خرجْنا نمتطِي الزَّهَرَا ... ونَجْعَلُ سَقْفَنا الشجرَا )
( ونَشْرَبُها مُعتَّقَةً ... تَخالُ بكأسِها شرَرا )
( وجوهرُ عندنا تحكي ... بِدَارةِ وَجْهِها القمرا )
( يزيدك وَجْهُها حُسْنا ... إذا ما زِدْتَه نظرا )
( وجوهرُ قد رأيناها ... فلم نر مثلَها بَشَرا ) - مجزوء الوافر
(13/347)

غنى فيه حكم غناء خفيفا فلم يزالوا يشربون عليه بقية يومهم وقد روي أن بعض هذا الشعر للمهدي وأنه قال منه واحدا وأجازه بالباقي بعض الشعراء وهذا أصح لحن حكيم في هذا الشعر خفيف رمل بالوسطى
حدثنا محمد بن خلف وكيع قال حدثني حماد عن أبيه قال كان مطيع ابن إياس عاقا بأبيه شديد البغض له وكان يهجوه فأقبل يوما من بعد ومطيع يشرب مع إخوان له فلما رآه أقبل على أصحابه فقال
( هذا إياسٌ مَقبلاً ... جاءتْ به إحدى الهَنَاتْ )
( هَوَّزُ فُوْهُ وأنفُه ... كَلَمُنَّ في إحدى الصّفاتْ )
( وكأنّ سَعْفَصَ بطْنُه ... والثَّغْرَ شِيْنُ قُرَيِّشاتْ )
( لما رأيتك أتيا ... أيْقَنْتُ أنكَ شرُّ آتْ ) - مجزوء الكامل -
مدحه لمعن بن زائدة
حدثني جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن الفضل السكوني قال مدح مطيع بن إياس معن بن زائدة بقصيدته التي أولها
( أهْلاً وسهلاً بسيّد العربِ ... ذِي الغُرَرِ الواضحاتِ والنّجُبِ )
( فتى نزارٍ وكهْلِها وأخِي الجودِ ... حَوَى غَايَتَيْهِ من كَثَبِ )
( قيل أتاكُمْ أبو الوَليد فقال ... الناس طُرًّا في السهل والرَّحَب )
( أبو العُفاةِ الذي يلوذُ به ... من كانَ ذا رغْبةٍ وذا رَهَب )
(13/348)

( جاء الذي تُفرَجُ الهمومُ به ... حين يُلَزُّ الوَضِينُ بالْحَقَبِ )
( جاء وجاء المضاءُ يَقْدُمُه ... رأيٌ إذا همَّ غيرُ مؤتَشِب )
( شهْمٌ إذا الحربُ شبَّ دائرُها ... أعادها عَوْدةً على القُطُب )
( يُطفىء نيرانَها ويُوقِدُها ... إذا خبَتْ نارُها بلا حَطَبِ )
( إلاّ بِوقعِ المُذكَّراتِ يُشَبْبَهْنَ ... إذا ما انتُضِيْنَ بالشُّهُب )
( لم أرَ قِرْنا له يُبارِزُه ... إلا أراه كالصَّقْر والخَرَبِ )
( ليْثٌ بخَفَّانَ قد حَمَى أَجَمًا ... فصار منها في منزل أشِبِ )
( شِبْلاه قد أُدّبا به فَهُما ... شِبْهاهُ في جِدِّه وفي لَعِب )
( قد وَمِقا شكلَه وسيرتَه ... وأحكما منه أكرمَ الأدب )
( نِعْمَ الفتى تُقْرَنُ الصِّعابُ به ... عند تَجَاثِي الخصومِ للرُّكَبِ )
( ونِعْمَ ما ليلةُ الشتاءِ إذا اسْتُنْبِحَ ... كلبُ القِرى فلم يُجِبِ )
( لا ونَعْمَ عنده مخالفة ... مثل اختلاف الصعود والصَّبَب )
( يَحْصَرُ مِن لا فلا يُهِمُّ بها ... ومنه تُضْحَى نَعَمْ على أَرَب )
( ترى له الحِلْمَ والنُّهَى خُلُقا ... في صولة مثل جاحِم اللَّهَب )
( سيف الإِمامين ذاكَ وذَا إذا ... قلَّ بُناةُ الوفاءِ والحسبِ )
( ذا هوُدَةٍ لا يُخاف نَبْوَتُها ... ودينُه لا يُشابُ بالرِّيَبِ ) - منسرح
(13/349)

فلما سمعها معن قال له إن شئت مدحناك كما مدحتنتوإن شئت أثبناك فاستحيا مطيع من اختيار الثواب على المديح وهو محتاج إلى الثواب فأنشأ يقول لمعن
( ثناءٌ من أميٍر خيرُ كسْبٍ ... لصاحبِ فاقةٍ وأخي ثراءِ )
( ولكنّ الزمانَ بَرَى عِظامِي ... وما مِثلُ الدراهمِ من دواءِ ) - وافر -
فضحك معن حتى استلقى وقال لقد لطفت حتى تخلصت منها صدقت لعمري ما مثل الدراهم من دواء وأمر له بثلاثين ألف درهم وخلع عليه وحمله
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني المهلبي عن أبيه عن إسحاق قال كان لمطيع بن إياس صديق من العرب يجالسه فضرط ذات يوم وهو عنده فاستحيا وغاب عن المجلس فتفقده مطيع وعرف سبب انقطاعه فكتب إليه وقال
( أظهرْتَ منك لنا هَجْراً ومَقْلِيةً ... وغبْتَ عنا ثلاثاً لسْتَ تغشانا )
( هَوِّن عليك فما الناس ذو إبلٍ ... إلا وأيْنَقُهُ يَشردْن أحيانا ) - بسيط -
مجونه وأصحابه في الصلاة
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثني العباس بن ميمون طائع قال حدثنا بعض شيوخنا البصريين الظرفاء وقد ذكرنا مطيع بن إياس فحدثنا عنه قال
اجتمع يحيى بن زياد ومطيع بن إياس وجميع أصحابهم فشربوا أياما تباعا فقال لهم يحيى ليلة من الليالي وهم سكارى ويحكم ما صلينا منذ ثلاثة أيام فقوموا بنا حتى نصلي فقالوا نعم فقام مطيع فأذن وأقام ثم
(13/350)

قالوا من يتقدم فتدافعوا ذلك فقال مطيع للمغنية تقدمي فصلي بنا فتقدمت تصلي بهم عليها غلالة رقيقة مطيبة بلا سراويل فلما سجدت بان فرجها فوثب مطيع وهي ساجدة فكشف عنه وقبله وقطع صلاته ثم قال
( ولما بدا فَرْجُها جاثماً ... كرأس حلِيقٍ ولم نَعتمِدْ )
( سجَدْتُ إليه وقبَّلتُهُ ... كما يفعل الساجدُ المجتهدْ ) - متقارب -
فقطعوا صلاتهم وضحكوا وعادوا إلى شربهم
حدثني عمي الحسن بن محمد قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن القاسم مولى موسى الهادي قال كتب المهدي إلى أبي جعفر يسأله أن يوجه إليه بابنه موسى فحمله إليه فلما قدم عليه قامت الخطباء تهنئه والشعراء تمدحه فأكثروا حتى آذوه وأغضبوه فقام مطيع بن إياس فقال
( أَحْمَدُ اللَّهَ إلهَ الخَلْقِ ... رَبِّ العالمِينَا )
( الذي جاء بموسى ... سالماً في سالمينا )
( الأميرِ ابن الأميِر ابن ... أميِر المؤمنينا ) - مجزوء الرمل -
فقال المهدي لا حاجة بنا إلى قول بعد ما قاله مطيع فأمسك الناس وأمر له بصلة
نصحه ليحيى بن زياد
قال أبو الفرج ونسخت من كتاب لأبي سعيد السكري بخطه قال حدثني ابن أبي فنن أخبرني يحيى بن علي بن يحيى بهذا الخبر فيما أجار لنا أن يرويه عنه عن أبي أيوب المدائني عن ابن أبي الدواهي وخبر السكري أتم واللفظ له قال كان بالكوفة رجل يقال له أبو الأصبغ له قيان وكان له ابن وضيء حسن الصورة يقال له الأصبغ لم يكن بالكوفة أحسن وجها منه
(13/351)

وكان يحيى بن زياد ومطيع بن إياس وحماد عجرد وضرباؤهم يألفونه ويعشقونه ويطرفونه وكلهم كان يعشق ابنه أصبغ حتى كان يوم نوروز وعزم أبو الأصبغ على أن يصطبح مع يحيى بن زياد وكان يحيى قد أهدى له من الليل جداء ودجاجاً وفاكهة وشرابا فقال أبو الأصبغ لجواريه إن يحيى ابن زياد يزورنا اليوم فأعددن له كل ما يصلح لمثله ووجه بغلمان له ثلاثة في حوائجه ولم يبق بين يديه أحد فبعث بابنه أصبغ إلى يحيى يدعوه ويسأله التعجيل فلما جاءه استأذن له الغلام فقال له يحيى قل له يدخل وتنح أنت وأغلق الباب ولا تدع الأصبغ يخرج إلا بإذني ففعل الغلام ودخل الأصبغ فأدى إليه رسالة أبيه فلما فرغ راوده يحيى عن نفسه فامتنع فثاوره يحيى وعاركه حتى صرعه ثم رام حل تكته فلم يقدر عليها فقطعها وناكه فلما فرغ أخرج من تحت مصلاه أربعين دينار فأعطاه إياها فأخذها وقال له يحيى امض فإني بالأثر فخرج أصبغ من عنده فوافاه مطيع بن إياس فرآه يتبخر ويتطيب ويتزين فقال له كيف أصبحت فلم يجبه وشمخ بأنفه وقطب حاجبيه وتفخم فقال له ويحك مالك أنزل عليك الوحي أكلمتك الملائكة أبويع لك بالخلافة وهو يوميء برأسه لا لا في كل كلامه فقال له كأنك قد نكت أصبغ بن أبي الأصبغ قال أي والله الساعة نكته وأنا اليوم في دعوة أبيه فقال مطيع فامرأته طالق إن فارقتك أو نقبل متاعك فأبداه له يحيى حتى قبله ثم قال له كيف قدرت
(13/352)

عليه فقال يحيى ما جرى وحدثه بالحديث وقام يمضي إلى منزل أبي الأصبغ فتبعه مطيع فقال له ما تصنع معي والرجل لم يدعك وإنما يريد الخلوة فقال أشيعك إلى بابه ونتحدث فمضى معه فدخل يحيى ورد الباب في وجه مطيع فصبر ساعة ثم دق الباب فاستأذن فخرج إليه الرسول وقال له يقول لك أنا اليوم على شغل لا أتفرغ معه لك فتعذر قال فابعث إلي بدواة وقرطاس فكتب إليه مطيع
( يا أبا الأصبغ لا زلْتَ على ... كل حال ناعماً مُتْبعا )
( لا تصيِّرْنيَ في الودّ كمن ... قَطعَ التِّكَّة قَطْعاً شَنِعا )
( وأتَى ما يشتهي لم يَثْنِه ... خيفةٌ أو حفظُ حقٍّ ضَيِّعا )
( لو ترى الأصبَغَ مُلقًى تحتَه ... مستكيناً خجِلاً قد خَضَعا )
( ولَهُ دَفْعٌ عليه عَجِل ... شَبِقٌ شَاءكَ ما قد صنعَا )
( فادعُ بالأصبغِ واعلَمْ حالَه ... ستَرى أمراً قبيحاً شَنِعا ) - رمل -
قال فقال أبو الأصبغ ليحيى فعلتها يا بن الزانية قال لا والله فضرب بيده إلى تكة ابنه فرآها مقطوعة وأيقن يحيى بالفضيحة فتلكأ الغلام فقال له يحيى قد كان الذي كان وسعى بي إليك مطيع ابن الزانية وهذا ابني وهو والله أفره من ابنك وأنا عربي ابن عربية وأنت نبطي ابن نبطية فنك ابني عشر مرات مكان المرة التي نكت ابنك فتكون
(13/353)

قد ربحت الدنانير وللواحد عشرة فضحك وضحك الجواري وسكن غضب أبي الأصبغ وقال لابنه هات الدنانير يابن الفاعلة فرمى بها إليه وقام خجلا وقال يحيى والله لا أدخل مطيع الساعي ابن الزانية فقال أبو الأصبغ وجواريه والله ليدخلن فقد نصحنا وغششتنا فأدخلناه وجلس يشرب ومعهم يحيى يشتمهم بكل لسان وهو يضحك والله أعلم
أخبرني عمي الحسن بن محمد قال حدثنا الكراني عن العمري عن العتبي قال حضر مطيع بن إياس وشراعة بن الزندبوذ ويحيى بن زياد ووالبة ابن الحباب وعبد الله بن العياش المنتوف وحماد عجرد مجلسا لأمير من أمراء الكوفة فتكايدوا جميعا عنده ثم اجتمعوا على مطيع يكايدونه ويهجونه فغلبهم جميعا حتى قطعهم ثم هجاهم بهذين البيتين وهما
( وخَمسةٍ قد أبانوا لي كِيَادَهُمُ ... وقد تلظّى لهمْ مِقْلىً وطِنْجيرُ )
( لو يقدرون على لحمي لمزّقه ... قِرْدٌ وكلبٌ وجِرْواهُ وخِنزيرُ ) - بسيط -
أخبرني وكيع عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن الفضل قال دخل صديق لمطيع بن إياس فرأى غلاما تحته ينيكه وفوق مطيع غلام له يفعل كذلك فهو كأنه في تخت فقال له ما هذا يا أبا سلمى قال هذه اللذة المضاعفة
تعريض حماد بابنة مطيع
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال كان حماد الراوية قد هجر مطيعا لشيء بلغه عنه وكان مطيع حلقيا فأنشد شعرا ذات يوم وحماد حاضر فقيل له من يقول هذا يا أبا سلمى قال الحطيئة قال حماد نعم
(13/354)

هذا شعر الحطيئة لما حضر الكوفة وصار بها حلقيا يعرض حماد بأنه كذاب وأنه حلقي فأمسك مطيع عن الجواب وضحك
حدثني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني محمد بن إسحاق البغوي قال حدثنا ابن الأعرابي عن الفضل قال جاء رجل إلى مطيع بن إياس فقال قد جئتك خاطبا قال لمن قال لمودتك قال قد أنكحتكها وجعلت الصداق ألا تقبل في قول قائل ويقال أن الأبيات التي فيها الغناء المذكور بذكرها أخبار مطيع بن إياس يقولها في جارية له يقال لها جودانة كان باعها فندم فذكر الجاحظ أن مطيعا حلف أنها كانت تستلقي على ظهرها فيشخص كتفاها ومأكمتاها فتدحرج تحتها الرمان فينفذ إلى الجانب الآخر ويقال أنه قالها في امرأة من أبناء الدهاقين كان يهواها وشعره يدل على صحة هذا القول والقول الأول غلط
إشتياقه لجاريته جودانه
أخبرني بخبره مع هذه الجارية أبو الحسن الأسدي قال حدثنا حماد إبن إسحاق عن أبيه عن سعيد بن سالم قال أخبرني مطيع بن إياس الليثي وكان أبوه من أهل فلسطين من أصحاب الحجاج بن يوسف أنه كان مع سلم بن قتيبة فلما خرج إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام كتب إليه المنصور يأمره باستخلاف رجل على عمله والقدوم عليه في خاصته على البريد قال مطيع وكانت لي جارية يقال لها جودانه كنت أحبها فأمرني سلم بالخروج معه فاضطررت إلى بيع الجاريه فبعتها وندمت على ذلك بعد خروجي وتمنيت أن أكون أقمت
(13/355)

وتتبعتها نفسي ونزلنا حلوان فجلست على العقبة أنتظر ثقلي وعنان دابتي في يدي وأنا مستند إلى نخلة على العقبة وإلى جانبها نخلة أخرى فتذكرت الجارية وأشتقتها وقلت
( أسعِدَاني يا نخلتَيْ حُلْوانِ ... وابكيا لِي من ريْبِ هذا الزمانِ )
( واعلما أنَّ ريْبَه لم يزل يفْرُق ... بين الألأف والجيران )
( ولَعمري لو ذُقْتُما ألمَ الفُرقة ... أَبْكاكُما الذي أبكاني )
( أَسْعِداني وأيقِنا أنَّ نَحْساً ... سوف يلقاكُما فتفترقان )
( كم رَمَتْني صروفُ هذِي الليالي ... بفراق الأحبابِ والخُلاَّنِ )
( غير أني لم تَلْقَ نفسِي كما لاقَيْتُ ... من فُرقة ابنة الدُّهقان )
( جارةِ لي بالرّيّ تُذْهِبُ همِّي ... ويُسَلِّي دُنُوُّها أحزاني )
( فجعتني الأيامُ أغبطَ ما كنْتُ ... بصدعٍ للبين غَيْرَ مُدانِ )
( وبرغمي أن أَصْبَحَتْ لا تراها العينُ ... مني وأصبحَتْ لا تَراني )
( انْ نكنْ ودّعتْ فقد تركتْ بي ... لَهباً في الضمير ليس بوان )
(13/356)

( كحريق الضّرام في قصب الغاب ... زَفَتْهُ رَيحَانِ تختلفان )
( فعليكِ السلامُ مِنِّيَ ما ساغَ ... سلاماً عقلي وفاض لساني ) - خفيف -
هكذا ذكر أبو الحسن الأسدي في هذا الخبر وهو غلط
نسخت خبر هذا من خط أبي أيوب المدائني عن حماد ولم يقل عن أبيه عن سعيد بن سالم عن مطيع قال كانت لي بالري جارية أيام مقامي بها مع سلم بن قتيبة فكنت أتستر بها وكنت أتعشق امرأة من بنات الدهاقين كنت نازلا إلى جنبها في دار لها فلما خرجنا بعت الجارية وبقيت في نفسي علاقة من المرأة التي كنت أهواها فلما نزلنا عقبة حلوان جلست مستندا إلى إحدى النخلتين اللتين على العقبة فقلت
( أَسْعِداني يا نَخْلَتَيْ حُلْوانِ ... وارْثيا لي من ريْبِ هذا الزمانِ )
وذكر الأبيات فقال لي سلم ويلك فيمن هذه الأبيات أفي جاريتك فاستحييت أن أصدقه فقلت نعم فكتب من وقته إلى خليفته أن يبتاعها لي فلم ألبث أن ورد كتابه أني وجدتها قد تداولها الرجال فقد عزفت نفسي عنها فأمر لي بخمسة آلاف درهم ولا والله ما كان في نفسي منها شيء ولو كنت أحبها لم أبال إذا رجعت إلي بمن تداولها ولم أبالي لو ناكها أهل منى كلهم
أخبرني عمي عن الحسن عن أحمد بن أبي طاهر عن عبد الله بن أبي سعد عن محمد بن الفضل الهاشمي عن سلام الأبرش قال لما خرج الرشيد إلى طوس هاج به الدم بحلوان فأشار عليه الطبيب أن يأكل جمارا
(13/357)

فأحضر دهقان حلوان وطلب منه جمارا فأعلمه أن بلده ليس بها نخل ولكن على العقبة نخلتان فمر بقطع إحداهما فقطعت فأتي الرشيد بجمارتها فأكل منها وراح فلما انتهى إلى العقبة نظر إلى إحدى النخلتين مقطوعة والأخرى قائمة وإذا على القائمة مكتوب
( أسْعداني يا نَخْلَتَيْ حُلْوان ... وابكيا لي من ريْبِ هذا الزمانِ )
( أَسعداني وأيْقِنا أنَّ نحساً ... سوف يلقاكُما فتفترقان )
فاغتم الرشيد وقال يعز علي أن أكون نحستكما ولو كنت سمعت بهذا الشعر ما قطعت هذه النخلة ولو قتلني الدم
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الحارثي بن أبي أسامة قال حدثني محمد بن أبي محمد القيسي عن أبي سمير عبد الله بن أيوب قال لما خرج المهدي فصار بعقبة حلوان استطاب الموضع فتغدى ودعا بحسنة فقال لها أما ترين طيب هذا الموضع غنيني بحياتي حتى أشرب ها هنا أقداحا فأخذت محكة كانت في يده وأوقعت على مخدة وغنته
( أيا نخلتَيْ وادي بُوانةَ حبَّذا ... إذا نام حُرّاسُ النخيل جَناكُما ) - طويل -
فقال أحسنت ولقد هممت بقطع هاتين النخلتين يعني نخلتي حلوان فمنعني منهما هذا الصوت وقالت له حسنة أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن تكون النحس المفرق بينهما فقال لها وما ذاك فأنشدته أبيات مطيع هذه فلما بلغت قوله
(13/358)

( أسعداني وأيْقِنا أنَّ نَحْساً ... سوف يَلْقَاكُما فتفترقانِ ) - خفيف -
قال أحسنت والله فيما قلت إذ نبهتني على هذا والله لا أقطعهما أبدا ولأوكلن بهما من يحفظهما ويسقيهما ما حييت ثم أمر بأن يفعل فلم يزل في حياته على ما رسمه إلى أن مات
نسبة هذا الصوت الذي غنته حسنة
( أيا نخلتي وادي بُوانةَ حبّذا ... إذا نام حُرّاسُ النخيل جناكُما )
( فطيبكُمُا أَرْبَى على النَّخْل بهجةً ... وزاد على طُول الفَتاءِ فَتاكما ) - طويل -
يقال إن الشعر لعمر بن أبي ربيعة والغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو بن بانة وفيه لعطرد رمل بالوسطى من روايته ورواية الهشامي
أشعار في نخلتي حلوان
أخبرني عمي عن أحمد بن طاهر عن الخراز عن المدائني أن المنصور اجتاز بنخلتي حلوان وكانت إحداهما على الطريق فكانت تضيقه وتزحم الأثقال عليه فأمر بقطعهما فأنشد قول مطيع
( واعلما ما بقيتما أنّ نحساً ... سوف يلقاكُما فتفتَرقانِ ) - خفيف -
قال لا والله ما كنت ذلك النحس الذي يفرق بينهما وتركهما
وذكر أحمد بن إبراهيم عن أبيه عن جده إسماعيل بن داود أن المهدي قال قد أكثر الشعراء في نخلتي حلوان ولهممت أن آمر بقطعهما فبلغ قوله المنصور فكتب إليه بلغني أنك هممت بقطع نخلتي حلوان ولا فائدة لك في قطعهما ولا ضرر عليك في بقائهما فأنا أعيذك بالله أن تكون النحس الذي يلقاهما فتفرق بينهما يريد قول مطيع
(13/359)

ومما قالت الشعراء في نخلتي حلوان قول حماد عجرد وفيه غناء قد ذكرته في أخبار حماد
( جعلَ اللَّهُ سِدْرَتَيْ قصر شِيرينَ ... فداءً لنخلتَيْ حُلْوانِ )
( جئْتُ مُسْتَسْعِداً فلم يُسْعداني ... ومطيعٌ بَكَتْ له النخلتان ) - خفيف -
وأنشدني جحظة ووكيع عن حماد عن أبيه لبعض الشعراء ولم يسمه
( أيُّها العاذلان لا تعذلاني ... ودعاني من الملام دَعاني )
( وابكيا لي فإنَّني مستحق ... منْكُما بالبكاء أن تسعداني )
( إنني منكما بذلك أَوْلَى ... من مطيع بِنَخْلَتَي حُلوان )
( فهما تجهلان ما كان يشكو ... من هَواه وأنتما تعلمان ) - خفيف -
وقال فيهما أحمد بن إبراهيم الكاتب في قصيدة
( وكذاك الزمانُ ليس وإنْ ألْلَفَ ... يبقى عليه مُؤْتَلِفانِ )
( سَلَبت كفُّه الغَريَّ أخاه ... ثم ثَنَّى بِنَخْلَتَي حُلوان )
( فكأنَّ الغَرِيَّ قد كان فَرداً ... وكأنْ لم تُجاور النخلتان ) - خفيف -
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني مصعب الزبيري عن أبيه قال جلس مطيع بن إياس في العلة التي مات فيها في قبة خضراء وهو على قرش خضر فقال له الطبيب أي شيء تشتهي اليوم قال أشتهي ألا أموت قال ومات في علته هذه وذلك بعد ثلاثة أشهر مضت له من خلافة الهادي
(13/360)

قال أبو الفرج ما وجدت فيه غناء من شعر مطيع قال
صوت
( أَمَرّ مدامةً صِرْفاً ... كأنّ صبِيبها وَدَجُ )
( كأنّ الْمِسك نَفْحَتُها ... إذا بزِلَتْ لها أرُجُ )
( فَظَلَّ تخالُهُ مَلِكاً ... يُصَرِّفُها ويمتزج ) - مجزوء الوافر -
الغناء لإبراهيم ثاني ثقيل بالخنصر والوسطى عن ابن المكي وفيه لحن آخر لابن جامع وهذه الطريقة بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق
صوت
( جُدِلَت كجدْل الخيزران ... وثُنِّيَتْ فَتَثَنَّتِ )
( وَتيقَّنَتْ أنَّ الفؤاد ... يُحبُّها فَأَدَلَّتِ ) - مجزوء الكامل -
الغناء لعبد الله بن عباس الربيعي خفيف رمل وذكر حبش أنه لمقامة
صوت
( أيها المبتغِي بَلوْمي رشادِي ... أُلْهُ عنّي فما عليك فسادي )
( أنتَ خِلْوٌ مِنَ الذي به وما يعلم ... ما بي إلا القريحُ الفؤادِ ) - خفيف -
الغناء ليونس رمل بالبنصر من كتابة ورواية الهشامي
صوت
( ألا إنَّ أهلَ الدارِ قد ودَّعوا الدارا ... وقد كان أهلُ الدار في الدار أَجْوَارا )
(13/361)

( يبكِّي على إِثْرِ الجَميعِ فلا يرى ... سوى نفسه فيها من القوم ديّارا ) - طويل -
الغناء لإبراهيم خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو بن بانة وذكر ابن المكي أن فيه لابن سريج لحنا من الثقيل الأول بالبنصر
انقضت أخبار مطيع ولله الحمد
صوت
( فيّ انقباضٌ وحشْمَةٌ فإذا ... صادفْتُ أهلَ الوَفَاءِ والكرمِ )
( أرْسلْتُ نفسي على سجِيَّتها ... وقلْتُ ما قلتُ غيَر محتشِم ) - منسرح -
الشعر لمحمد بن كناسة الأسدي والغناء لقلم الصالحية ثقيل أول بالوسطى وذكر ابن خرداذبه أن فيه لإسماعيل بن صالح لحنا
(13/362)

أخبار محمد بن كناسة ونسبه
هو محمد بن كناسة واسم كناسة عبد الله بن عبد الأعلى بن عبيد الله بن خليفة بن زهير بن نضلة بن أنيف بن مازن بن صهبان واسم صهبان كعب بن دويبة بن أسامة بن نصر بن قعين بن الحارث بن ثعلبة ابن دودان بن أسد بن خزيمة ويكنى أبا يحيى شاعر من شعراء الدولة العباسية كوفي المولد والمنشأ قد حمل عنه شيء من الحديث وكان إبراهيم بن أدهم الزاهد خاله وكان امرأ صالحا لا يتصدى لمدح ولا لهجاء وكانت له جارية شاعرة مغنية يقال لها دنانير وكان أهل الأدب وذوو المروءة يقصدونها للمذاكرة والمساجلة في الشعر
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني إبراهيم بن أبي عثمان قال حدثني مصعب الزبيري قال قلت لمحمد بن كناسة الأسدي ونحن بباب أمير المؤمنين أأنت الذي تقول في إبراهيم بن أدهم العابد
( رأيتُك ما يُغْنِيكَ ما دونه الغِنَى ... وقد كان يُغني دون ذاك ابن أدهما )
( وكان يرى الدنيا صغيراً عظيمها ... وكان لِحَقِّ اللَّه فيها مُعَظِّما )
(13/363)

( وأكْثَرُ ما تلقاه في القوم صامتاً ... فإن قال بذّ القائلينَ وأحْكَما ) - طويل -
فقال محمد بن كناسة أنا قلتها وقد تركت أجودها فقال
( أهان الهوَى حتى تجنّبه الهوَى ... كما اجتنب الجاني الدّم الطالبَ الدّما )
رأيه في حديثه
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني علي بن مسرور العتكي قال حدثني أبي قال قال ابن كناسة لقد كنت أتحدث بالحديث فلو لم يجد سامعه إلا القطن الذي على وجه أمه في القبر لتعلل عليه حتى يستخرجه ويهديه إلي وأنا اليوم أتحدث بذلك الحديث فما أفرغ منه حتى أهيء له عذرا
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان إجازة قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثني عبيد الله بن يحيى بن فرقد قال سمعت محمد بن كناسة يقول كنت في طريق الكوفة فإذا أنا بجويرية تلعب بالكعاب كأنها قضيب بان فقلت لها أنت أيضا لو ضعت لقالوا ضاعت جارية ولو قالوا ضاعت ظبية كانوا أصدق فقالت ويلي عليك يا شيخ وأنت أيضا تتكلم بهذا الكلام فكسفت والله إلى بالي ثم تراجعت فقلت
( وإنّي لحُلوٌ مخبَري إن خَبِرْتِني ... ولكنْ يُغَطّيني ولا ريْبَ بي شيَخْ ) - طويل -
فقالت لي وهي تلعب وتبسمت فما أصنع بك أنا إذا فقلت لا شيء وانصرفت
أخبرنا ابن المرزبان قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال سألت
(13/364)

محمد بن كناسة عن قول الشاعر
( إذا الجوزاءُ أَرْدَفَتِ الثريَّا ... ظننْتُ بآل فاطمة الظنونا ) - وافر -
فقال يقول إذا صارت الجوزاء في الموضع الذي ترى فيه الثريا خفت تفرق الحي من مجمعهم والثريا تطلع بالغداة في الصيف والجوزاء تطلع بعد ذلك في أول القيظ
تعريضه بامرأته
أخبرني ابن المرزبان قال حدثني ابن أبي سعد قال حدثني صالح ابن أحمد بن عباد قال مر محمد بن كناسة في طريق بغداد فنظر إلى مصلوب على جذع وكانت عنده امرأة يبغضها وقد ثقل عليه مكانها فقال يعنيها
( أيا جِذْعَ مَصْلُوبٍ أتى دون صَلْبه ... ثلاثون حَوْلاً كامِلاً هل تُبادِلُ )
( فما أنت بالحِمْل الذي قد حمَلْتَه ... بأضجَر مني بالذي أنا حامل ) - طويل -
أخبرني ابن المرزبان قال حدثنا عبد الله بن محمد وأخبرني الحسن ابن علي عن ابن مهرويه عن محمد بن عمران عن عبيد بن حسن قال رأى رجل محمد بن كناسة يحمل بيده بطن شاة فقال هاته أحمله عنك فقال لا ثم قال
( لا يَنقُصُ الكامِلَ من كمالِهِ ... ما جرّمن نَفْعٍ إلى عيالهِ ) - رجز -
أخبرني وكيع قال أخبرني ابن أبي الدنيا قال حدثني محمد بن علي ابن عثمان عن أبيه قال كنت يوما عند ابن كناسة فقال لنا أعرفكم شيئا من فهم دنانير يعني جاريته قلنا نعم فكتب إليها إنك أمة ضعيفة
(13/365)

لكعاء فإذا جاءك كتابي هذا فعجلي بجوابي والسلام فكتبت إليه ساءني تهجينك إياي عند أبي الحسين وإن من أعيا العي الجواب عما لا جواب له والسلام
دنانير ترثي صديق أبي الحسين
أخبرني وكيع قال أخبرني ابن أبي الدنيا قال كتب إلي الزبير بن بكار أخبرني علي بن عثمان الكلابي قال جئت يوما إلى منزل محمد بن كناسة فلم أجده ووجدت جاريته دنانير جالسة فقالت لي مالك محزونا يا أبا الحسين فقلت رجعت من دفن أخ لي من قريش فسكتت ساعة ثم قالت
( بكيْتَ على أخٍ لكَ من قريشٍ ... فأبكانا بكاؤُك يا عليُّ )
( فماتَ وما خبَرْناهُ ولكنْ ... طهارةُ صَحْبِهِ الخبرُ الجَليُّ ) - وافر -
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني محمد بن عمران الضبي قال أملق محمد بن كناسة فلامه قومه في القعود عن السلطان وانتجاعه الأشراف بأدبه وعلمه وشعره فقال لهم مجيبا عن ذلك
( تُؤنِّبني أَنْ صُنْتُ عِرْضِي عِصابةٌ ... لها بين أطنابِ اللئام بَصِيصُ )
( يقولون لو غَمَّضْتَ لازدَدْتَ رِفعةً ... فقلْتُ لهمْ إني إذنْ لَحرِيصُ )
( أَتَكْلِمُ وجْهِي لا أبا لأبيكُمُ ... مطامعُ عنها للكرامِ محيصُ )
( مَعاشِي دُوينَ القوت والعِرْضُ وافرٌ ... وبْطنِيَ عن جدوَى اللئَام خَمِيصُ )
(13/366)

( سألقَى المنايا لم أخالط دَنِيّةً ... ولم تَسْرِ بي في المخزِيات قلُوصُ ) - طويل -
حدثنا الحسن بن علي قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني محمد بن عمر الجرجاني قال حدثني إسحاق الموصلي قال أنشدني محمد بن كناسة لنفسه قال
( فيَّ انقباضٌ وحِشْمةٌ فإذا ... صادفْتُ أهلَ الوفاءِ والكرمِ )
( أرْسلْتُ نفسِي على سَجِيّتها ... وقلْتُ ما قلْتُ غيرَ مُحْتَشِم ) - منسرح -
قال إسحاق فقلت لابن كناسة وددت أنه نقص من عمري سنتان وأني كنت سبقتك الى هذين البيتين فقلتهما
رثاؤه إبراهيم بن أدهم
حدثني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني محمد بن عمران الضبي قال حدثني محمد بن المقدام العجلي قال كانت أم محمد بن كناسة امرأة من بني عجل وكان إبراهيم بن أدهم خاله أو ابن خاله فحدثني ابن كناسة أن إبراهيم بن أدهم قدم الكوفة فوجهت أمه إليه بهدية معه فقبلها ووهب له ثوبا ثم مات إبراهيم فرثاه ابن كناسة فقال
( رأيْتكَ ما يَكْفِيكَ ما دونه الغِنَى ... وقد كان يكفِي دون ذاك ابنَ أدهما )
( وكان يرى الدنيا قليلاً كثيُرها ... فكان لأمرِ اللَّه فيها مُعظِّما )
( أمات الهوى حتى تجنِّبه الهوَى ... كما اجتنب الجانِي الدّم الطالبَ الدّما )
( وللحلم سلطانٌ على الجهل عنده ... فما يستطيعُ الجهلُ أن يَتَرَمْرَما )
( وأكْثَرُ ما تلقاه في القوم صامتاً ... وإن قال بَذَّ القائلين وأحْكَمَا )
(13/367)

( يُرَى مُسْتَكِيناً خاضِعاً متواضِعاً ... ولَيْثاً إذا لاقى الكَتيبة ضيغَما )
( على الجدَث الغربيّ من آل وائلٍ ... سلامٌ وبِرٌّ ما أبرّ وأكرما ) - طويل -
أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني زكريا بن مهران قال عاتب محمد بن كناسة صديق له شريف كان ابن كناسة يزوره ويألفه على تأجره عنه فقال ابن كناسة
( ضَعُفْتُ عن الإِخوان حتى جفوْتُهُمْ ... على غير زُهْدٍ في الوفاءِ ولا الودِّ )
( ولكِنَّ أيامِي تخرَّمْنَ مُنَّتِي ... فما أبلُغُ الحاجاتِ إلا على جَهْدِ ) - طويل -
رأيه في الدنيا
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني محمد بن عمران الضبي قال أنشدني ابن كناسة قال الضبي وكان يحيى يستحسنها ويعجب بها
( ومِنْ عجَبِ الدنيا تَبَقِّيك للبِلَى ... وأنّك فيها للبقاء مُرِيدُ )
( وأيّ بنِي الأيامِ إلا وعندَه ... من الدهر ذَنْبٌ طارِفٌ وتَلِيدُ )
( ومنْ يأمنِ الأيامَ أما انبياعُها ... فَخَطْرٌ وأما فَجْعُها فعتيد )
( إذا اعتادت النفسُ الرِّضاع من الهوى ... فإنَّ فِطَام النفسِ عنه شديد ) - طويل -
حدثني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني محمد بن عمران الضبي قال قال لي عبيد بن الحسن قال لي ابن كناسة ذات يوم في زمن الربيع اخرج بنا ننظر إلى الحيرة فإنها حسنة في هذا الوقت فخرجت معه حتى بلغنا الخورنق فلم يزل ينظر إلى البر وإلى رياض الحيرة وحمرة الشقائق فأنشأ يقول
(13/368)

( الآن حين تزيّن الظَّهْر ... مَيْثَاؤُه وبِرَاقُه العُفْرُ )
( بسط الربيعُ بها الرياض كما ... بُسطتْ قُطُوعَ اليَمْنةِ الخمرُ )
( بَرِّيّةٌ في البحر نابتة ... يُجْبى إليها البرُّ والبحرُ )
( وجرى الفراتُ على مياسرها ... وجرى على أَيْمَانِها الزهْرُ )
( وبدا الخورنق في مطالِعها ... فَرْداً يلوح كأنه الفجر )
( كانت منازلَ للملوك ولم ... يُعْلمْ بها لمَملَّكٍ قَبْرُ ) - كامل -
قال ثم قال يصف تلك البلاد
( سَفُلَتْ عَنْ بَرْدِ أرضٍ ... زادها البَرْدُ عذابا )
( وعَلَتْ عن حرِّ أُخرى ... تُلْهِبُ النارَ التهابا )
( مُزِجَت حيناً ببرْدٍ ... فصفَا العيْشُ وطابا ) - مجزوء الرمل -
نصحه لابنه في اختيار الأصدقاء
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني إسحاق بن محمد الأسدي قال حدثني عبد الأعلى بن محمد ابن كناسة قال
رآني أبي مع أحداث لم يرضهم فقال لي
( يُنْبِيكَ عن عَيْب الفتَى ... تَرْكُ الصلاة أو الخَدِينُ )
( فإذا تهاون بالصّلا ... ة فما لهُ في الناس دينُ )
( ويُزَنُّ ذو الحدثِ المريبِ بما يُزَنُّ به القرينُ )
( إنَّ العفيفَ إذا تَكَنْنَفه المريبُ هو الظَّنِينُ ) - مجزوء الكامل
(13/369)

أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني أحمد بن خلاد قال أخبرنا عباد بن الحسين بن عباد بن كناسة قال كان محمد بن كناسة عم أبيه قال كان يجيء إلى محمد بن كناسة رجل من عشيرته فيجالسه وكان يكتب الحديث ويتفقه ويظهر أدبا ونسكا وظهر محمد بن كناسة منه على باطن يخالف ظاهره فلما جاءه قال له
( ما مَنْ روَى أدباً فلم يعملْ به ... ويكفّ عن دفع الهوى بأديبِ )
( حتى يكونَ بما تعلَّمَ عاملاً ... من صالح فيكونَ غيرَ مَعِيبِ )
( ولقلما يُغني إصابةُ قائل ... وأفعالُه أفعالُ غيرِ مُصيبِ ) - كامل -
خبره مع امرأة من بني أود
أخبرني محمد بن خلف بن المزربان قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن ابن كناسة عن أبيه عن جده قال أتيت امرأة من بني أود تكحلني من رمد كان أصابني فكحلتني ثم قالت اضطجع قليلا حتى يدور الدواء في عينك فاضطجعت ثم تمثلت قول الشاعر
( أمُخْتَرِمي رَيْبُ المنونِ ولم أزُرْ ... طبيبَ بني أَوْدٍ على النَّأْيِ زينَبا ) - طويل -
فضحكت ثم قالت أتدري فيمن قيل هذا الشعر قلت لا والله فقالت في والله قيل وأنا زينب التي عناها وأنا طبيب أود أفتدري من الشاعر قلت لا قالت عمك أبو سماك الأسدي
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا الزبير بن بكار قال أخبرني علي بن عثام الكلابي قال كانت لابن كناسة جارية شاعرة مغنية يقال لها دنانير وكان له صديق يكنى أبا الشعثاء وكان عفيفا مزاحا فكان يدخل إلى ابن كناسة يسمع غناء جاريته ويعرض لها بأنه يهواها فقالت فيه
( لأبي الشعثاءِ حُبٌّ باطنٌ ... ليس فيه نَهْضَةٌ للمتّهِمْ )
(13/370)

( يا فؤادي فازدَجِرْ عنه ويا ... عَبَثَ الحبّ به فاقعُد وقمْ )
( زارني منه كلامٌ صائبٌ ... ووَسيلاتُ المحبّين الكَلِمْ )
( صائدُ تأمنُهُ غِزْلانُه ... مثلَ ما تأمنُ غِزْلانُ الحَرَمْ )
( صَلِّ إن أحببْتَ أن تُعطَى المُنَى ... يا أبا الشَّعْثاءِ للَّه وصُمْ )
( ثُمَّ مِيعادُك يوم الحشْرِ في ... جَنّةِ الخلْدِ إنِ اللَّهُ رَحِمْ )
( حيثُ ألقاك غلاماً ناشئاً ... يافعاً قد كُملت فيه النِّعم ) - رمل -
أخبرني أحمد بن العباس العسكري المؤدب قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني أحمد بن محمد الأسدي قال حدثني جدي موسى ابن صالح قال ماتت دنانير جاريه ابن كناسة وكانت أديبة شاعرة فقال يرثيها بقوله
( الحمدُ للَّه لا شَرِيكَ له ... يا ليْتَ ما كان منكِ لم يَكُنِ )
( إن يَكُنْ القولُ قلَّ فيكِ فما ... أفحمنِي غيرُ شِدّة الحَزَنِ ) - منسرح -
روايته للحديث
قال أبو الفرج وقد روى ابن كناسة حديثا كثيرا وروى عنه الثقات من المحدثين فممن روى ابن كناسة عنه سليمان بن مهران الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد وهشام بن عروة بن الزبير ومسعر بن كدام وعبد العزيز بن أبي داود وعمر بن ذر الهمداني وجعفر بن برقان وسفيان الثوري وفطر بن خليفة ونظراؤهم
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن سعد العوفي قال حدثنا محمد بن كناسة قال حدثنا الأعمش عن شقيق بن سلمة عن أبي موسى الأشعري قال قلت يا رسول الله إن الرجل يحب القوم ولم يلحق بهم قال المرء مع من أحب
أخبرني الحسن قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن
(13/371)

كناسة قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال قال رسول الله خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائنا خديجة والله أعلم
أخبرني الحسن قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا ابن كناسة قال حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن زر بن حبيش قال كانت في أبي بن كعب شراسة فقلت له يا أبا المنذر اخفض جناحك يرحمك الله وأخبرنا عن ليلة القدر فقال هي ليلة سبع وعشرين وقد روى حديثا كثيرا ذكرت منه الأحاديث فقط ليعلم صحة ما حكيته عنه وليس استيعاب هذا الجنس مما يصلح ها هنا
(13/372)

أخبار قلم الصالحية
كانت قلم الصالحية جارية مولدة صفراء حلوة حسنة الغناء والضرب حاذقة قد أخذت عن إبراهيم وابنه إسحاق ويحيى المكي وزبير بن دحمان وكانت لصالح بن عبد الوهاب أخي أحمد بن عبد الوهاب كاتب صالح بن الرشيد وقيل بل كانت لأبيه وكانت لها صنعة يسيرة نحو عشرين صوتا واشتراها الواثق بعشرة آلاف دينار
اعجاب الواثق بها
فأخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثني رذاذ أبو الفضل المغني مولى المتوكل على الله قال حدثني أحمد بن الحسين بن هشام قال كانت قلم الصالحية جارية صالح بن عبد الوهاب إحدى المغنيات المحسنات المتقدمات فغني بين يدي الواثق لحن لها في شعر محمد بن كناسة قال
( فيَّ انقباضٌ وَحِشْمةٌ فَإذا ... صادفْتُ أهلَ الوفاءِ والكرمِ )
( أرسلْتُ نفسِي على سجيَّتِها ... وقُلْتُ ما قلتُ غيرَ مُحْتَشِمِ ) - منسرح -
فسأل لمن الصنعة فيه فقيل لقلم الصالحية جارية صالح بن عبد الوهاب فبعث إلى محمد بن عبد الملك الزيات فأحضره فقال ويلك من صالح بن عبد الوهاب هذا فأخبره قال أين هو قال إبعث فأشخصه
(13/373)

وأشخص معه جاريته فقدما على الواثق فدخلت عليه قلم فأمرها بالجلوس والغناء فغنت فاستحسن غناءها وأمر بابتياعها فقال صالح أبيعها بمائة ألف دينار وولاية مصر فغضب الواثق من ذلك ورد عليه ثم غنى بعد ذلك زرزور الكبير في مجلس الواثق صوتا الشعر فيه لأحمد بن عبد الوهاب أخي صالح والغناء لقلم وهو
( أبتْ دارُ الأحبَّةِ أَنْ تبينا ... أجِدَّك ما رأيتَ لها مُعينا )
( تَقَطّعُ نفسُه من حبِّ ليلى ... نفوساً ما أُثِبْنَ ولا جُزينا ) - وافر -
فسأل لمن الغناء فقيل لقلم جارية صالح فبعث إلى ابن الزيات أشخص صالحا ومعه قلم فلما أشخصهما دخلت على الواثق فأمرها أن تغنيه هذا الصوت فغنته فقال لها الصنعة فيه لك قالت نعم يا أمير المؤمنين قال بارك الله عليك وبعث إلى صالح فأحضر فقال أما إذا وقعت الرغبة فيها من أمير المؤمنين فما يجوز أن أملك شيئا له فيه رغبة وقد أهديتها إلى أمير المؤمنين فإن من حقها علي إذا تناهيت في قضائه أن أصيرها ملكه فبارك الله له فيها فقال له الواثق قد قبلتها وأمر ابن الزيات أن يدفع له خمسة آلاف دينار وسماها احتياطا فلم يعطه ابن الزيات المال ومطلبه به فوجه صالح إلى قلم من أعلمها ذلك فغنت الواثق وقد اصطبح صوتا فقال لها بارك الله فيك وفيمن رباك فقالت يا سيدي وما نفع من رباني مني إلا التعب والغرم علي والخروج مني صفرا قال أو لم آمر له بخمسة آلاف دينار قالت بلى ولكن ابن الزيات لم يعطه شيئا فدعا بخادم من خاصة الخدم ووقع إلى ابن الزيات بحمل الخمسة آلاف الدينار إليه وخمسة آلاف دينار أخرى معها قال صالح فصرت مع الخادم إليه
(13/374)

بالكتاب فقربني وقال أما الخمسة الآلاف الأولى فخذها فقد حضرت والخمسة الآلاف الأخرى أنا أدفعها إليك بعد جمعة فقمت ثم تناساني كأنه لم يعرفني وكتبت أقتضيه فبعث إلي أكتب لي قبضا بها وخذها بعد جمعة فكرهت أن أكتب قبضا بها فلا يحصل لي شيء فاستترت وهو في منزل صديق لي فلما بلغه استتاري خاف أن أشكوه إلى الواثق فبعث إلي بالمال وأخذ كتابي بالقبض ثم لقيني الخادم بعد ذلك فقال لي أمرني أمير المؤمنين أن أصير إليك فأسألك هل قبضت المال قلت نعم قد قبضته قال صالح وابتعت بالمال ضيعة وتعلقت بها وجعلتها معاشي وقعدت عن عمل السلطان فما تعرضت منه لشيء بعدها
علي بن الجهم يمدح الواثق
أخبرني محمد بن يحيى قال أخبرني ابن إسحاق الخراساني قال وحدثني محمد بن مخارق قال لما بويع الواثق بالخلافة دخل عليه علي بن الجهم فأنشده قوله
( قد فازَ ذو الدّنيا وذو الدّين ... بدولةِ الواثِقِ هارونِ )
( وعمَّ بالإحسان مِنْ فِعْلِهِ ... فالناسُ في خفْضٍ وفي لِينِ )
( ما أكثرَ الداعي له بالبَقَا ... وأكثرَ التَّالِي بآمينِ ) - سريع -
وأنشده أيضا قوله فيه
( وَثِقَتْ بالمَلكِ الواثِقِ ... باللَّه النُّفوسُ )
( مَلِكٌ يشقَى به المالُ ... ولا يشقَى الجَلِيسُ )
( أَسَدٌ تضْحَك عن شَدْدَاتِه ... الحَرْبُ العَبُوسُ )
( أَنِس السيفُ به واستوْحَش ... العِلْقُ النفيسُ )
(13/375)

( يا بَني العباس يأبى اللهُ ... إلاّ أنْ تَسُوْسُوا ) - مجزوء الرمل -
قال فوصله الواثق صلة سنية
وتغنت قلم جارية صالح بن عبد الوهاب في هذين الشعرين فسمع الواثق الشعرين واللحنين من غيرها فأراد شراءها وأمر محمد بن عبد الملك الزيات بإحضار مولاها وإحضارها واشتراها منه بعشرة آلاف دينار
صوت
( وكنت أُعِيرُ الدمعَ قبلك مَنْ بَكَى ... فأنت على من مات قبلك شاغِلُهْ )
( سَقَى جدَثاً أعرافُ غَمْرَةَ دونه ... ببيشة دِيماتُ الربيعِ ووابِلُهْ )
( وما بِيَ حُبُّ الأرضِ إلا جوارُها ... صَدَاهُ وقولٌ ظَنَّ أنِّيَ قائلُهْ ) - طويل -
الشعر للشمردل بن شريك من قصيدة طويلة مشهورة يرثي بها أخاه والغناء لعبد الله بن العباس الربيعي ثقيل أول بالوسطى ابتداؤه نشيد ولمقاسة بن ناصح فيه خفيف رمل بالوسطى جميعا عن الهشامي وذكر حبش أن خفيف الرمل لخزرج
(13/376)

أخبار الشمردل ونسبه
الشمردل بن شريك بن عبد الملك بن رؤبة بن سلمة بن مكرم بن ضبارى بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع وهو شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية كان في أيام جرير والفرزدق
هجاؤه وكيع بن أبي سود
أخبرني أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ واسمه رفيع بن سلمة عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال كان الشمردل بن شريك شاعرا من شعراء بني تميم في عهد جرير والفرزدق وكان قد خرج هو وإخوته حكم ووائل وقدامة إلى خراسان مع وكيع بن أبي سود فبعث وكيع أخاه وائلا في بعث لحرب لترك وبعث أخاه قدامة إلى فارس في بعث آخر وبعث أخاه حكما في بعث إلى سجستان فقال له الشمردل إن رأيت أيها الأمير أن تنفذنا معا في وجه واحد فإنا إذا اجتمعنا تعاونا وتناصرنا وتناسبنا فلم يفعل ما سأله وأنفذهم إلى الوجوه التي أرادها فقال الشمردل يهجوه وكتب بها إلى أخيه حكم مع رجل من بني جشم بن أد بن طابخة
(13/377)

( إني إليك إذا كتبْتُ قصيدة ... لم يأتني لجوابها مَرْجُوعُ )
( أَيُضِيعُها الجُشَمِيّ فيما بيننا ... أم هل إذا وَصَلَتْ إليك تَضيعُ )
( ولقد علمْت ُوأنت عنِّي نازحٌ ... فيما أتى كِبْدُ الحمار وكيعُ )
( وبنو غُدانةَ كان معروفاً لهمْ ... أن يُهْضَموا ويَضِيمَهُمْ يَربوع )
( وعُمارة العبد المبَيَّن إنه ... واللؤم في بدن القميص جميعُ ) - كامل -
رثاؤه لاخوته
قال أبو عبيدة ولم ينشب أن جاءه نعي أخيه قدامة من فارس قتله جيش لقوهم بها ثم تلاه نعي أخيه وائل بعده بثلاثة أيام فقال يرثيهما
( أعاذلُ كم من روعةٍ قد شهدْتها ... وغُصّةِ حُزْنٍ في فِراق أخِ جَزْلِ )
( إذا وقعت بين الحيازيم أَسْدَفَتْ ... عليّ الضحى حتى تُنَسِّيَنِي أهلي )
( وما أنا إلا مثلُ من ضُرِبتْ له ... أُسَى الدهر عن ابْنَيْ أب فارقا مثل )
( أقول إذا عزّيتُ نفسي بإخوة ... مضوْا لا ضعافٍ في الحياة ولا عُزْل )
( أبى الموتُ إلا فَجْعَ كلًّ بني أب ... سَيُمْسُون شتّى غبرَ مجتمعي الشَّمْل )
( سبيل حبيبَيَّ اللَّذين تبرّضَا ... دمُوعِيَ حتى أسرعَ الحُزْنُ في عقلي )
( كأن لم نسِرْ يوماً ونحنُ بغبطةٍ ... جميعاً وينزلْ عند رحليْهما رَحْلي )
( فعينَيّ إِنْ أَفْضَلْتُما بعد وائلٍ ... وصاحبه دمعاً فعُودَا على الفضْل )
( خليليَّ من دون الأخِلاّء أصبحا ... رهينَيْ وفَاءٍ من وفاةٍ ومن قتْل )
( فلا يبعدا لِلدَّاعِيَيْن إليهما ... إذا اغبرَّ آفاقُ السماءِ من المحْل )
(13/378)

( فقد عَدِم الأضيافُ بعدهما القِرى ... وأخمد نارَ الليل كلُّ فتىً وَغْل )
( وكانا إذا أيدِي الغضابِ تحطَّمَتْ ... لواغِرِ صدرٍ أو ضغائنَ من تَبْل )
( تَحاجزُ أيدِي جُهَّل القومِ عنهما ... إذا أتعب الحلْمَ التترّعُ بالجهل )
( كمستأسِدَي عِرِّيسةٍ لهما بها ... حِمىً هابه مَنْ بالحُزُونةِ والسَّهْلِ ) - طويل -
ومنها الصوت الذي ذكرت أخباره بذكره
قال أبو عبيدة وقال يرثي أخاه وائلا وهي من مختار المراثي وجيد شعره
( لعمري لَئِنْ غالتْ أخي دارُ فُرْقةٍ ... وآب إلينا سيْفُه ورواحلُهْ )
( وحلّتْ به أثقالَها الأرضُ وانتهى ... بمثواه منها وهْو عفٌّ مآكلهْ )
( لقد ضُمِّنَتْ جَلْدَ القُوى كان يُتّقَى ... به جانبُ الثَّغْر المخوفِ زلازلُهْ )
( وَصُولٌ إذا استغنى وإن كان مُقْتِراً ... من المال لم يُحْفِ الصديقَ مسائله )
( محلٌّ لأضيافِ الشّتاء كأنما ... هُمُ عنده أيتامه وأراملُه )
( رخِيصٌ نضيجِ اللحم مُغْلٍ بِنِيئهِ ... إذا بردت عند الصِّلاءِ أناملُه )
( أقولُ وقد رَجّمْتُ عنه فأسرعَتْ ... إليّ بأخبارِ اليقين محاصله )
( إلى اللَّهِ أشكو لا إلى الناس فَقْدَه ... ولوْعةَ حُزْنٍ أوجعَ القلبَ داخلُهْ )
( وتحقيقُ رؤيا في المنام رأيْتُها ... فكان أخي رُمْحاً ترفَّضَ عاملُه )
(13/379)

( سقَى جدثاً أعرافُ غَمْرَةَ دونه ... ببيشةَ دِيمَاتُ الربيع ووابلُهْ )
( بمثوَى غريبٍ ليس منا مزارُه ... بدانٍ ولا ذُو الودّ مِنّا مواصلُه )
( إذا ما أتى يومٌ من الدهرِ دونه ... فحيّاك عنا شَرْقُه وأصائلُه )
( سَنا صبحِ إشراقٍ أضاء ومَغربٌ ... من الشمس وافى جَنْحَ ليلٍ أوائلُه )
( تحيةَ من أدّى الرسالةَ حُبِّبت ... إليه ولم ترجع بشيءٍ رسائلُه )
( أبَى الصبرَ أن العين بعدَك لم يزَلْ ... يخالط جَفْنَيْها قذًى لا يزايلُه )
( وكنْتُ أُعِيْرُ الدمعَ قبلَك مَنْ بكى ... فأنت على مَنْ مات بعدك شاغلُهْ )
( يُذَكَّرُني هَيْفُ الجنوب ومُنتهى ... مسيرِ الصَّبا رَمْساً عليه جنادلُه )
( وهتَّافةُ فوق الغصونِ تفجّعتْ ... لفقدِ حمامٍ أَفْرَدَتْها حبائلُه )
( من الوُرْق بالأصْياف نَوّاحة الضحى ... إذا الغرقد التفت عليه غياطله )
( وسَوْرةُ أيدِي القوم إذ حُلَّتِ الحُبا ... حُبا الشِّيبِ واستعْوَى أخا الحلم جاهله )
( فعينيّ إذ أبكاكما الدهرُ فابكيا ... لمن نَصرُه قد بان منا ونائله )
( إذا استعبرَتْ عُوذُ النساء وشمّرت ... مآزر يوم ما تَوارَى خلاخلُه )
( وأصبح بيت الهجرِ قد حال دونه ... وغال امرأ ما كان يُخْشى غوائلُهْ )
(13/380)

( وثِقْن به عند الحفيظةِ فارعوَى ... إلى صوته جاراته وحلائله )
( إلى ذائد في الحرب لم يَكُ خاملاً ... إذا عاذ بالسيف المجرَّد حامله )
( كما ذاد عن عرِّيسة الغِيل مُخْدِر ... يخافُ الردى ركبانُه ورواحله )
( فما كنت أُلِفي لامرىء عِند مَوطنٍ ... أخاً بأخي لو كان حيّاً أبادله )
( وكنت بِه أغشى القتال فعزَّنِي ... عليه من المقدار من لا أقاتله )
( لعمركَ إنّ الموتَ منا لمولَعٌ ... بمن كان يُرجى نَفْعُه ونوافله )
( فما البعد إلا أننا بعد صحبة ... كأنْ لم نُبايتْ وائلاً ونقايله )
( سقى الضَّفِراتِ الغيْثُ ما دام ثاوياً ... بهنّ وجَادتْ أهلَ شُوْكٍ مَخَايلُه )
( وما بِيَ حبُّ الأرض إلاَّ جوارُها ... صَدَاهُ وقولٌ ظُنَّ أنّي قائلُه ) - طويل -
قال أبو عبيدة ثم قتل أخوه حكم أيضا في وجهه وبرز بعض عشيرته إلى قاتله فقتله وأتى أخاه الشمردل أيضا نعيه فقال يرثيه
( يقولون احتسِبْ حَكَماً وراحوا ... بأبيضَ لا أراهُ ولا يراني )
( وقبْلَ فراقِه أيقنْتُ أنِّي ... وكلّ ابنَيْ أبٍ متفارِقان )
( أخٌ لِيَ لوْ دعوْتُ أجابَ صوتِي ... وكنْتُ مجيبَه أنَّى دعانِي )
( فقد أفنى البكاءُ عليه دمعي ... ولوْ أني الفقيدُ إذاً بكانِي )
( مضى لسبيله لم يُعْطَ ضَيْماً ... ولم تَرهَبْ غَوائلَه الأدَاني )
( قَتلْنا عنه قاتلَه وكنّا ... نصُولُ به لدى الحرْبِ العَوَانِ )
(13/381)

( قتيلاً ليس مثل أخي إذا ما ... بدا الخَفِرات مِنْ هول الجَنَان )
( وكنتَ سِنانَ رُمْحي من قناتي ... وليس الرّمحُ إلا بالسِّنانِ )
( وكنت بَنانَ كَفِّي من يميني ... وكيف صلاحُها بعد البَنان )
( وكان يَهَابُك الأعداءُ فينا ... ولا أخشَى وراءك منْ رَماني )
( فقد أبْدَوْا ضغائنَهُمْ وشدُّوا ... إليَّ الطَّرْفَ واغْتمزوا لَيَاني )
( فِدَاك أخٌ نبا عنه غَناه ... ومولًى لا تصولُ له يدانِ ) - وافر -
ادعاء الفرزدق بيتا له بعد تهديده
حدثني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان عن أبي عبيدة عن أبي عمرو وأبي سهيل قالا وقف الفرزدق على الشمردل وهو ينشد قصيدة له فمر فيها هذا البيت
( وما بين مَنْ لم يُعْط سَمْعاً وطاعة ... وبين تميمٍ غَيْرُ جَزِّ الحلاقمِ ) - طويل -
فقال له الفرزدق والله يا شمردل لتتركن لي هذا البيت أو لتتركن لي عرضك فقال خذه لا بارك الله لك فيه فادعاه وجعله قصيدة ذكر فيها قتيبة بن مسلم التي أولها
( تحِنُّ بزوراءِ المدينهِ ناقتي ... حَنِينَ عجولٍ تبتغي البَوَّ رائمِ ) - طويل -
حدثنا هاشم قال حدثنا أبو غسان عن أبي عبيدة قال رأى الشمردل فيما يرى النائم كأن سنان رمحه سقط فعبره على بعض من يعبر الرؤيا فأتاه نعي أخيه وائل فذلك قوله
(13/382)

( وتَحقيقُ رؤيا في المنام رأيتُها ... فكانَ أخي رُمْحاً ترفَّضَ عاملُهْ ) - طويل -
حدثنا هاشم قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال كان الشمردل مغرما بالشراب وكان له نديمان يعاشرانه في حانات الخمارين بخراسان أحدهما يقال له ديكل من قومه والآخر من بني شيبان يقال له قبيصة فاجتمعوا يوما على جزور ونحروه وشربوا حتى سكروا وانصرف قبيصة حافيا وترك نعله عندهم وأنسيها من السكر فقال الشمردل
( شربْتُ ونادمْتُ الملوكَ فلم أجِدْ ... على الكأس نَدْمانا لها مثلَ دَيْكَلِ )
( أقَلَّ مِكَاساً في جَزور وإن غَلَتْ ... وأسرعَ إنضاجاً وإنزالَ مِرْجَلِ )
( ترى البازلَ الكَوْماء فوق خُوانه ... مفصَّلةً أعضاؤها لم تُفَصَّل )
( سَقَيْناه بعد الرَّي حتى كأَنما ... يرى حين أمسى أَبْرَقَيْ ذاتِ مأسَل )
( عشية أَنْسَيْنا قَبيصةَ نَعْلَه ... فَراحَ الفتى البكريُّ غيرَ مُنعَّل ) - طويل -
هجاؤه هلال بن أحوز
حدثنا هاشم قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال مدح الشمردل بن شريك هلال بن أحوز المازني واستماحه فوعده الرفد ثم ردده زمانا طويلا حتى ضجر ثم أمر له بعشرين درهما فدفعها إليه وكيله غلة فردها وقال يهجوه
(13/383)

( يقول هلالٌ كُلَّما جئْتُ زائراً ... ولا خيرَ عند المازني أعاودُهْ )
( ألا ليتني أُمسي وبيني وبينه ... بعيدُ مناطِ الماءِ غُبْرٌ فدافدُهْ )
( غَدَاً نصفُ حولٍ منه إن قال لي غداً ... وبعد غدٍ منه كَحَوْلٍ أُراصدُهْ )
( ولو أنني خُيِّرْتُ بين غَداته ... وبين بِرازي ديْلميًّا أجالدُهْ )
( تَعَوَّضْتُ من ساقَيَّ عشرين درهماً ... أتاني بها من غَلَّة السُّوق ناقِدُهْ )
( ولو قِيلَ مِثلاَ كنزِ قارونَ عنده ... وقيل التمس مَوْعُودَهُ لا أعاوده )
( ومثلك منقوص اليدين رددْتُه ... إلى مَحتدٍ قد كان حيناً يُجَاحِده ) - طويل -
هجاؤه للضبي حين شمت بمصرع اخوته
حدثنا هاشم قال حدثنا أبو غسان عن أبي عبيدة أن رجلا من بني ضبة كان عدوا للشمردل وكان نازلا في بني دارم بن مالك ثم خرج في البعث الذي بعث مع وكيع فلما قتل أخوة الشمردل وماتوا بلغه عن الضبي سرور بذلك وشماتة بمصيبته فقال
( يا أيُّها المبتغي شَتْمِي لأشتُمه ... إن كان أعمى فأنِّي عنك غيرُ عَمِ )
( ما أرضعَتْ مرْضِعٌ سَخْلاً أعقَّ بها ... في الناس لا عَرَبٍ منها ولا عجمِ )
( من ابن حنكلةٍ كانت وإن عَرِبَتْ ... مُذالةٌ لِقُدور الناس والحُرَمِ )
( عَوَى ليَكسِبَها شرّاً فقلْتُ له ... منْ يكسِبِ الشرَّ ثَدْيَيْ أمِّه يُلَمِ )
( ومن تعرّض شتمي يَلْقَ معْطِسُهُ ... من النَّشُوق الذي يشفي من اللَّمَمِ )
( متى أجئْك وتسمعْ ما عُنيتَ به ... تُطْرِقْ على قَذَعٍ أو تَرْضَ بالسَّلَمِ )
(13/384)

( أَوْلاَ فَحسْبُك رَهْطاً أن يفيدَهُمُ ... لا يغدِرون ولا يوفون بالذمم )
( ليسوا كثعلبةَ المغبوطِ جارُهُمُ ... كأنه في ذُرى ثَهْلانَ أو خِيَم )
( يُشَبِّهون قريشاً من تَكلّمهِم ... وطولِ أنْضِيةِ الأعناق والأمم )
( إذا غدا المسْك يجرِي في مفارقِهِمْ ... راحوا كأنهم مَرْضَى من الكَرمِ )
( جزُّوا النواصيَ من عجْلٍ وقد وطِئوا ... بالخيل رَهْطَ أبي الصَّهْباءِ والحُطَم )
( ويوم أَفْلَتَهُنَّ الحَوْفَزانُ وقد ... شالت عليه أكفُّ القوم بالجِذَم )
( إني وإن كنْتُ لا أنسى مُصابَهُمُ ... لم أدفعِ الموت عن زِيقٍ ولا حكم )
(13/385)

( لا يَبْعُدَا فَتَيَا جُودٍ ومَكْرُمَةٍ ... لدفعِ ضَيْمٍ وقَتْل الجوعِ والقَرَم )
( والبُعْدُ غالهما عني بمنزلةٍ ... فيها تفرّقُ أحياءٍ ومُخْترمِ )
( وما بناءٌ وإن سَدَّتْ دعائمُه ... إلا سيصبح يوماً خاوِيَ الدِّعمَ )
( لئن نجوْتَ من الأحداث أو سلمَتْ ... منهنّ نَفْسُك لم تسلمْ من الهرَمِ ) - بسيط -
رثاؤه لعمر بن يزيد
حدثنا هاشم قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال كان عمر بن يزيد الأسيدي صديقا للشمردل بن شريك ومحسناً إليه كثير البر به والرفد له فأتاه نعيه وهو بخراسان فقال يرثيه
( لبس الصّباحَ وأَسْلَمَتْه ليلةٌ ... طالت كأنّ نجومها لا تَبْرَحُ )
( من صولة يجتاح أخرى مثلها ... حتى ترى السّدَفَ القيامُ النُّوَحُ )
( عَطَّلْنَ أيْدِيَهُنَّ ثم تفجَّعَتْ ... ليلَ التَّمام بهنّ عبْرى تَصْدَحُ )
( وحليلةٍ رُزِئت وأُختٌ وابنةٌ ... كالبدر تنظره عيونٌ لُمَّح )
( لا يبعَدِ ابنُ يزيدَ سيِّدُ قومه ... عند الحفاظِ وحاجةٍ تُستنجَح )
( حامي الحقيقةِ لا تزال جيادُه ... تغْدو مسوَّمة به وتُروّح )
( للحرب محتسبُ القتال مشمِّرٌ ... بالدرع مُضْطَمِرُ الحوامل سُرّح )
( ساد العراق وكان أوّل وافد ... تأتي الملوكَ به المهاري الطُّلَّحُ )
(13/386)

( يُعْطى الغِلاء بكل مجد يشترى ... إن المُغالِيَ بالمكارمِ أربحُ ) - كامل -
شعره في وصف الصقر والقنص
حدثنا هاشم قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال كان الشمردل صاحب قنص وصيد بالجوارح وله في الصقر والكلب أراجيز كثيرة وانشدنا له قوله
( قد أغتدي والصبحُ في حجابه ... والليلُ لم يأو إِلى مآبِهِ )
( وقد بدَا أبْلقَ من مُنُجَابِه ... بتَوَّجِيٍّ صادَ في شبابِهِ )
( مُعاودٍ قد ذلّ في إصعابه ... قد خَرَّق الصِّفارَ من جِذَابهِ )
( وعَرف الصوت الذي يُدعى به ... ولَمْعَةَ المُلْمِع في أثوابه )
( فقلْتُ للقانِص إذ أتى به ... قبل طُلوع الآل أو سرابه )
( ويْحَكَ ما أبصر إذ رأى به ... من بَطْنِ مَلحوبٍ إلى لبابِه )
( قَشْعاً ترى التبَّتَ من جنابِه ... فانقضَّ كالجلمود إذ علا به )
( غضبان يوم قِنْيةٍ رمى به ... فهنّ يلقيْن من اغتصابه )
( تحت جديد الأرض أو ترابه ... من كلِّ شَحَّاج الضُّحى ضغّابه )
( إذ لا يزال حربه يشقى به ... منتزع الفؤاد من حجابه )
(13/387)

( جاد وقد أنشب في إهابه ... مَخالباً ينشبْنَ في إنشابه )
( مثل مُدَى الجزّار أو حِرابه ... كأنما بالحلق من خضابه )
( عصفرة الفؤاد أو قضابه ... حوى ثمانين على حسابه )
( من خَرَبٍ وخُزَرٍ يعلى به ... لفتَيةٍ صَيْدُهُمُ يدعى به )
( واعَدَهمْ لمنزل بِتْنا به ... يطهى به الخِرْبان أو يُشْوَى به )
( فقام للطبخ ولاحتطابه ... أروع يهتاج إذا هجْنا به ) - رجز -
أخبرنا هاشم قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال كان ذئب قد لازم مرعى غنم للشمردل فلا يزال يفرس منها الشاة بعد الشاة فرصده ليلة حتى جاء لعادته ثم رماه بسهم فقتله وقال فيه
( هل خُبِّر السِّرحانُ إذ يستخبِرُ ... عني وقد نام الصِّحَاب السُّمَّرُ )
( لما رأيت الضَّأنَ منه تنفِر ... نهضْتُ وسْنانَ وطارَ المِئْزرُ )
( وراع منها مَرِحٌ مُسْتَيْهِرُ ... كأنه إعصار ريح أغبرُ )
( فلم أزل أطردُه ويعكر ... حتى إذا استيقنْتُ ألا أعذرُ )
( وإنّ عَقْرَى غنمِي ستكثر ... طار بكفي وفؤادي أوجر )
( ثُمَّتَ أهويْتُ له لا أُزجَر ... سهما فولّى عنه وهْوَ يعثرُ )
( وبتُّ ليلي آمناً أُكبِّرُ ... ) - رجز
(13/388)

أخبرنا أبو الحسن الأسدي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال قال الشمردل بن شريك وكان يستجيد هذه الأبيات ويستحسنها ويقول إنها لمن ظريف الكلام
( ثم استقلّ منعَّماتٌ كالدُّمى ... شُمُسُ العتاب قليلة الأحقادِ )
( كُذُب المواعدِ ما يزال أخو الهوى ... منهنَّ بين مودّة وبِعادِ )
( حتى ينالَ حِبالَهنّ مُعَلِّقاً ... عَقْلَ الشّريد وَهَنَّ غيرُ شِرَادِ )
( والحبُّ يصلح بعد هجرٍ بيننا ... ويهيجُ معتَبةً بغير بعادِ ) - كامل -
صوت
( خليليّ لا تستعجلا أن تَزَوّدا ... وأن تَجمعا شملي وتنتظرا غدا )
( وإن تَنظُراني اليوم أقْضِ لُبانةً ... وتَسْتوجِبا منَّا عليّ وتُحمَدَا ) - طويل -
الشعر للحصين بن الحمام المري والغناء لبذل الكبرى ثاني ثقيل بالبنصر من روايتها ومن رواية الهشامي
(13/389)

بسم الله الرحمن الرحيم
أخبار الحصين بن الحمام ونسبه
هو الحصين بن الحمام بن ربيعة بن مساب بن حرام بن وائلة بن سهم بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن الريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال
كان الحصين بن الحمام سيد بني سهم بن مرة وكان خصيلة بن مرة وصرمة بن مرة وسهم بن مرة أمهم جميعا حرقفة بنت مغنم بن عوف بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة فكانوا يدا واحدة على من سواهم وكان حصين ذا رأيهم وقائدهم ورائدهم وكان يقال له مانع الضيم
وحدثني جماعة من أهل العلم أن ابنه أتى باب معاوية بن أبي سفيان فقال لآذنه استأذن لي على أمير المؤمنين وقل ابن مانع الضيم فاستأذن له فقال له معاوية ويحك لا يكون هذا إلا ابن عروة بن الورد العبسي
(14/5)

أو الحصين بن الحمام المري أدخله فلما دخل إليه قال له ابن من أنت قال أنا ابن مانع الضيم الخضين بن الحمام فقال صدقت ورفع مجلسه وقضى حوائجه
وقائع حرب قومه مع بني صرمة بن مرة
أخبرني ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال كان ناس من بطن من قضاعة يقال لهم بنو سلامان بن سعد بن زيد بن الحاف بن قضاعة وبنو سلامان بن سعد إخوة عذرة بن سعد وكانوا حلفاء لبني صرمة بن مرة ونزولا فيهم وكان الحرقة وهم بنو حميس بن عامر بن جهينة حلفاء لبني سهم بن مرة وكانوا قوما يرمون بالنبل رميا سديدا فسموا الحرقة لشدة قتالهم وكانوا نزولا في حلفائهم بني سهم بن مرة وكان في بني صرمة يهودي من أهل تيماء يقال له جهينة بن أبي حمل وكان في بني سهم يهودي من أهل وادي القرى يقال له غصين بن حي وكانا تاجرين في الخمر وكان بنو جوشن أهل بيت من عبد الله بن غطفان جيرانا لبني صرمة وكان يتشائم بهم ففقدوا منهم رجلا يقال له خصيلة كان يقطع الطريق وحده وكانت أخته وإخوته يسألون الناس عنه وينشدونه في كل مجلس وموسم فجلس ذات يوم أخ لذلك المفقود الجوشني في بيت غصين بن حي جار بني سهم يبتاع خمرا فبينما هو يشتري إذ مرت أخت المفقود تسأل عن أخيها خصيلة فقال غصين
(14/6)

( تُسائل عن أخيها كلَّ ركبٍ ... وعند جُهَينة الخبرُ اليقينُ )
فأرسلها مثلاً يعني بجهينة نفسه فحفظ الجوشني هذا البيت ثم أتاه من الغد فقال له نشدتك الله ودينك هل تعلم لأخي علما فقال له لا وديني لا أعلم فلما مضى أخو المفقود تمثل
( لَعَمْرُك ما ضَلَّتْ ضلالَ ابن جَوْشنِ ... حَصاةٌ بليلٍ أُلْقِيَتْ وَسْطَ جَنْدَلِ )
أراد أن تلك الحصاة يجوز أن توجد وأن هذا لا يوجد أبدا فلما سمع الجوشني ذلك تركه حتى إذا أمسى أتاه فقتله وقال الجوشني
( طَعَنْتُ وقد كاد الظلامُ يُجِنُّني ... غُصَيْنَ بنِ حَيٍّ في جِوار بني سهمِ )
فأتي حصين بن الحمام فقيل له إن جارك غصينا اليهودي قد قتله ابن جوشن جار بني صرمة فقال حصين فاقتلوا اليهودي الذي في جوار بني صرمة فأتوا جهينة بن أبي حمل فقتلوه فشد بنو صرمة على ثلاثة من حميس بن عامر جيران بني سهم فقتلوهم فقال حصين أقتلوا من جيرانهم بني
(14/7)

سلامان ثلاثة نفر ففعلوا فاستعر الشر بينهم قال وكانت بنو صرمة أكثر من بني سهم رهط الحصين بكثير فقال لهم الحصين يا بني صرمة قتلتم جارنا اليهودي فقتلنا به جاركم اليهودي فقتلتم من جيراننا من قضاعة ثلاثة نفر وقتلنا من جيرانكم بني سلامان ثلاثة نفر وبيننا وبينكم رحم ماسة قريبة فمروا جيرانكم من بني سلامان فيرتحلون عنكم ونأمر جيراننا من قضاعة فيرتحلون عنا جميعا ثم هم أعلم فأبى ذلك بنو صرمة وقالوا قد قتلتم جارنا ابن جوشن فلا نفعل حتى نقتل مكانه رجلا من جيرانكم فإنك تعلم أنكم أقل منا عددا وأذل وإنما بنا تعزون وتمنعون فناشدهم الله والرحم فأبوا وأقبلت الخضر من محارب وكانوا في بني ثعلبة بن سعد فقالوا نشهد نهب بني سهم إذا انتهبوا فنصيب منهم وخذلت غطفان كلها حصينا وكرهوا ما كان من منعه جيرانه من قضاعة وصافهم حصين الحرب وقاتلهم ومعه جيرانه وأمرهم ألا يزيدوهم على النبل وهزمهم الحصين وكف يده بعدما أكثر فيهم القتل وأبى ذلك البطن من قضاعة أن يكفوا عن القوم حتى أثخنوا فيهم وكان سنان بن أبي حارثة خذل الناس عنه لعداوته قضاعة وأحب سنان أن يهب الحيان من قضاعة وكان عيينة بن حصن وزبان بن سيار بن عمرو بن جابر ممن خذل عنه أيضا فأجلبت بنو ذبيان على بني سهم مع بني صرمة وأجلبت محارب بن خصفة معهم فقال الحصين بن الحمام في ذلك من أبيات
(14/8)

( أَلاَ تَقبَلون النِّصْفَ منّا وأَنْتُمُ ... بنو عمّنا لا بَلَّ هامَكُم القَطْرُ )
( سنأبَى كما تَأْبَوْن حتى تُلِينَكم ... صفائحُ بُصْرَى والأسِنَّةُ والأًصْرُ )
( أيُؤكَلُ مولانا ومولَى ابنِ عمنا ... مُقيمٌ ومنصورٌ كما نُصِرت جَسْرُ )
( فتلك التي لم يعلم الناسُ أنني ... خَنَعت لها حتى يُغيِّبَني القبرُ )
( فليتكُمُ قد حال دون لِقائكم ... سِنُونَ ثمانٍ بعدها حِجَجٌ عَشْرُ )
( أجَدِّيَ لا ألقاكُمُ الدهرَ مَرَّةً ... على مَوْطِنٍ إلاّ خدودُكُمُ صُعْرُ )
( إذا ما دُعُوا للبغي قاموا وأشرقَتْ ... وجوهُهُم والرُّشْدُ وِرْدٌ له نَفْرُ )
( فواعَجَبا حتَّى خُصَيلةُ أصبحتْ ... مَوالِيَ عِزٍّ لا تَحِلُّ لها الخمرُ )
قوله موالي عز يهزأ بهم ولا تحل لهم الخمر أراد فحرموا الخمر على أنفسهم كما يفعل العزيز وليسوا هناك
( أَلَمَّا كَشَفنا لأَمَةَ الذُّلِّ عنكُمُ ... تجرَّدتَ لا بِرٌّ جميلٌ ولا شكر )
( فإنْ يكُ ظَنِّي صادقاً تَجْزِ منكُمُ ... جَوازِي الإلهِ والخيانةُ والغدر )
(14/9)

انتصاره على بني عمه وافتخاره بذلك
قال فأقاموا على الحرب والنزول على حكمهم وغاظتهم بنو ذيبان ومحارب بن خصفة وكان رئيس محارب حميضة بن حرملة ونكصت عن حصين قبيلتان من بني سهم وخانتاه وهما عدوان وعبد عمرو ابنا سهم فسار حصين وليس معه من بني سهم إلا بنو وائلة بن سهم وحلفاؤهم وهم الحرقة وكان فيهم العدد فالتقوا بدارة موضوع فظفر بهم الحصين وهزمهم وقتل منهم فأكثر وقال الحصين بن الحمام في ذلك
( جَزَى الله أفناءَ العشيرةِ كلِّها ... بِدَارَةِ موضوعٍ عُقوقاً ومَأْثَما )
( بني عمِّنا الأدْنَيْنَ منهم ورَهْطَنَا ... فزارةَ إذ رامت بنا الحربَ مُعْظَما )
( ولمّا رأيت الودّ ليس بنافعي ... وإن كان يوماً ذا كَواكِبَ مُظلما )
( صبَرنا وكان الصبرُ منا سَجِيَّةً ... بأسيافنا يَقْطَعْنَ كَفاً ومِعْصَما )
( نُفَلِّق هاماً من رجالٍ أَعِزَّةٍ ... علينا وهم كانوا أعَقَّ وأظلَما )
( نُطاردهم نستنقِذُ الجُرْدَ بالقَنَا ... ويستنقذون السَّمْهرِيَّ المُقوِّما )
نستنقذ الجرد أي نقتل الفارس فنأخذ فرسه ويستنقذون السمهريَّ وهو القنا الصلب أي نطعنهم فتجرُّهم الرماح
(14/10)

( لَدُنْ غُدْوَةٍ حتى أتى الليلُ ما ترى ... من الخيل إلاّ خارِجيّاً مُسَوَّما )
( وَأَجْرَدَ كالسِّرْحان يَضرِبُه النَّدَى ... ومحبوكةً كالسيِّدِ شَقاءَ صِلْدِما )
( يَطَأْن من القَتْلَى ومن قِصَدِ القنا ... خَباراً فما يجرين إلا تَقَحُّما )
( عليهنّ فتيانٌ كساهم مُحَرِّقٌ ... وكان ذا يكسو أجاد وأكرما )
( صفائح بُصْرَى أخلَصَتْهَا قُيُونُها ... ومُطَّرِداً من نَسج داودَ مُبْهَما )
( جزى الله عنا عبدَ عمرو ملامةً ... وعَدْوانَ سَهْمٍ ما أذَلَّ وألأَما )
( فلستُ بمبتاع الحياةِ بسُبَّةٍ ... ولا مُرْتِقٍ من خشية الموت سُلَّما )
شعره في رثاء نعيم بن الحارث
وقال أبو عبيدة وقتل في تلك الحرب نعيم بن الحارث بن عباد بن حبيب بن وائلة بن
(14/11)

سهل قتلته بنو صرمة يوم دارة موضوع وكان وادا للحصين فقال يرثيه
( قَتَلْنَا خمسةً ورَمَوْا نُعيماً ... وكان القتلُ للفتيان زَيْنَا )
( لعمرُ الباكيات على نعيم ... لقد جلَّتْ رَزيَّتُه علينا )
( فلا تَبْعَدْ نُعَيْمُ فكلُّ حَيٍّ ... سَيَلْقى من صروف الدهرِ حَيْنَا )
قال أبو عبيدة ثم إن بني حميس كرهوا مجاورة بني سهم ففارقوهم ومضوا فلحق بهم الحصين بن الحمام فردهم ولامهم على كفرهم نعمته وقتاله عشيرته عنهم وقال في ذلك
( إنَّ أمرأ بعدي تبَدَّلَ نصرَكم ... بنصر بني ذُبْيان حَقاً لخاسِرُ )
( أولئك قومٌ لا يُهانُ ثَوِيُّهُمْ ... إذا صَرَّحَتْ كَحْلٌ وَهَبَّ الصَّنابِرُ )
وقال لهم أيضا
( أَلاَ أَبْلِغْ لديك أبا حُمَيْسٍ ... وعاقبةُ الملامة للمُليمِ )
( فهل لكُمُ إلى مَوْلًى نَصُورٍ ... وخَطْبُكُم من الله العظيمِ )
( فإنَّ دياركم بجَنُوب بُسٍّ ... إلى ثَقْفٍ إلى ذات العُظُومِ )
(14/12)

بُسٌ بناء بنته غطفان شبهوه بالكعبة وكانوا يحجونه ويعظمونه ويسمونه حرما فغزاهم زهير بن جناب الكلبي فهدمه
( غَذَتكم في غَداةِ الناس حُجًّا ... غِذاءَ الجائع الجَدِعِ اللئيم )
( فسِيروا في البلاد وودِّعونا ... بقَحْطِ الغيث والكَلإِ الوَخِيم )
لومه بني حميس وتذكيرهم بفضله عليهم
قال أبو عبيدة قال عمرو زعموا أن المثلم بن رباح قتل رجلا يقال له حباشة في جوار الحارث بن ظالم المري فلحق المثلم بالحصين بن الحمام فأجاره فبلغ ذلك الحارث بن ظالم فطلب الحصين بدم حباشة فسأل في قومه وسأل في بني حميس جيرانه فقالوا إنا لا نعقل بالإبل ولكن إن شئت أعطيناك الغنم فقال في ذلك وفي كفرهم نعمته
( خليليّ لا تستعجِلا أن تَزَوَّدَا ... وأن تجمعا شَمْلي وتنتظرا غَدَا )
( فما لَبَثٌ يوماً بسائقِ مَغْنَم ... ولا سرعةٌ يوماً بسابِقَةٍ غدا )
( وإن تُنْظِرَانِي اليومَ أقضِ لُبانَةً ... وتستوجبا مَنّاً عليَّ وتُحْمَدا )
( لعمرُك إنِّي يوم أغدو بِصِرْمَتِي ... تناهَى حُمَيْسٌ بادئين وعُوَّدا )
(14/13)

( وقد ظهرتْ منهم بوائقُ جَمَّةٌ ... وأَفْرَعَ مولاهم بنا ثم أَصْعَدا )
( وما كان ذنبي فيهمُ غيرَ أنَّني ... بسطْتُ يداً فيهم وأتبعْتُها يدا )
( وأَنِي أُحامِي مِن وراء حَرِيمهم ... إذا ما المُنادِي بالمُغِيرَة نَدَّدا )
( إذا الفَوْجُ لا يحميه إلاّ مُحافِظٌ ... كريمُ المُحَيَّا ماجِدٌ غيرُ أجردا )
( فإنْ صَرَّحَت كَحْلٌ وَهَبَّت عَرِيَّةٌ ... مِنَ الرِّيح لم تترك لِذي العَرْض مَرْفَدا )
( صَبَرْتُ على وَطْءِ الموالي وخَطْبِهم ... إذا ضَنَّ ذو القربى عليهم وأَجْمَدَا )
أخبرني ابن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال كان البرج بن الجلاس الطائي خليلاً للحصين بن الحمام ونديما له على الشراب وفيه يقول البرج بن الجلاس
( ونَدْمَانٍ يَزيد الكَأْسَ طِيباً ... سَقَيْتُ وقد تَغَوَّرَتِ النجومُ )
( رفعتُ برأسه فكشفْتُ عنه ... بمُعْرَقَةٍ ملامةَ من يلوم )
( ونشْرَب ما شَرِبْنَا ثم نصحو ... وليس بجانبيَّْ خَدّي كُلُومُ )
( ونجعل عِبْأَها لبني جُعَيْلٍ ... وليس إذا انتَشَوْا فيهم حليمُ )
(14/14)

كانت للبرج أخت يقال لها العُفاطة وكان البرج يشرب مع الحصين ذات يوم فسكر وانصرف إلى أخته فافتضها وندم على ما صنع لما أفاق وقال لقومه أي رجل أنا فيكم قالوا فارسنا وأفضلنا وسيدنا قال فإنه إن علم بما صنعت أحد من العرب أو أخبرتم به أحدا ركبت رأسي فلم تروني أبدا فلم يسمع بذلك أحد منهم ثم إن أمة لبعض طيئ وقعت إلى الحصين بن الحمام فرأت عنده البرج الطائي يوما وهما يشربان فلما خرج من عنده قالت للحصين إن نديمك هذا سكر عندك ففعل بأخته كيت وكيت وأوشك أن يفعل ذلك بك كلما أتاك فسكر عندك فزجرها الحصين وسبها فأمسكت ثم إن البرج بعد ذلك أغار على جيران الحصين بن الحمام من الحرقة فأخذ أموالهم وأتى الصريخ الحصين بن الحمام فتبع القوم فأدركهم فقال للبرج ما صبك على جيراني يا برج فقال له وما أنت وهم هؤلاء من أهل اليمن وهم منا وأنشأ يقول
( أَنَّى لك الحُرُقات فيما بيننا ... عَنَنٌ بعيدٌ منك يا بنَ حُمام )
( أقبلتَ تُزْجِي ناقة متباطئاً ... عُلْطاً تزجِّيِها بغيرِ خِطام )
تزجي تسوق علطا لا خطام عليها ولا زمام أي أتيت هكذا من العجلة فأجابه الحصين بن الحمام
( بُرْجٌ يُؤَْثمني ويَكفُرُ نعمتي ... صَمِّي لما قال الكفيلُ صَمَامِ )
( مَهْلاً أبا زيدٍ فإنَّك إنْ تَشَأْ ... أُورِدْك عُرْضَ مناهِلٍ أَسْدامِ )
(14/15)

( أُورِدْكَ أَقْلِبَةً إذا حافلْتَها ... خَوْضَ القَعُودِ خَبِيثةَ الأخصامِ )
( أقبلتُ من أرض الحجاز بذَمَّةٍ ... عُطُلاً أُسوِّقها بغيرِ خِطامِ )
( في إثْرِ إخوانٍ لنا من طيئ ... ليسوا بأكفاء ولا بكرامِ )
( لا تحسبَنَّ أخا العَفاطة أنني ... رَجُلٌ بخُبْرك ليس بالعَلاَّمِ )
( فاستنزلوكَ وقد بَلَلْتَ نِطاقها ... عن بنتِ أُمِّكَ والذيولُ دوامي )
ثم ناصب الحصينُ بن الحمام البرج الحرب فقتل من أصحاب البرج عدة وهزم سائرهم واستنقذ ما في أيديهم وأسر البرج ثم عرف له حق ندامه وعشرته إياه فمن عليه وجز ناصيته وخلى سبيله فلما عاد البرج إلى قومه وقد سبه الحصين بما فعل بأخته لامهم وقال أشعتم ما فعلت بأختي وفضحتموني ثم ركب رأسه وخرج من بين أظهرهم فلحق ببلاد الروم فلم يعرف له خبر إلى الآن
وقال ابن الكلبي بل شرب الخمر صرفا حتى قتلته
أغار على بني عقيل وبني كعب
أخبرني ابن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال جمع الحصين بن الحمام جمعا من بني عدي ثم أغار على بني عقيل
(14/16)

وبني كعب فأثخن فيهم واستاق نعما كثيرا ونساء فأصاب أسماء بنت عمرو سيد بني كعب فأطلقها ومن عليها وقال في ذلك
( فِدًى لِبَنِي عديٍّ رَكْضُ ساقي ... وما جَمَّعتُ من نَعَمٍ مُراحِ )
( ترَكْنَا من نساء بني عُقَيْلٍ ... أَيَامى تبتغي عَقْدَ النكاحِ )
( أَرُعْيانَ الشَّوِيِّ وجدتمونا ... أمَ اصحابَ الكريهة والنِّطاحِ )
( لقد علمتْ هَوازِنُ أنَّ خيلي ... غَداةَ النَّعْفِ صادقةُ الصَّباحِ )
( عليها كلُّ أَرْوَعَ هِبْرِزِيٍّ ... شديدٍ حَدُّه شاكي السِّلاحِ )
( فكَرَّ عليهمُ حتَّى التقينا ... بمصقولٍ عوارضُها صِباحِ )
( فأُبْنا بالنهِّاب وبالسَّبايا ... وبالبِيض الخرائِدِ واللِّقاحِ )
( وأعتقنا ابنة العَمْريِّ عمرٍو ... وقد خُضْنا عليها بالقِداحِ )
(14/17)

في شعره دلالة على أنه أدرك الإسلام
أخبرنا ابن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة أن الحصين بن الحمام أدرك الإسلام قال ويدل على ذلك قوله
( وقافيةٍ غيرِ إِنْسِيَّةٍ ... قَرَضْتُ من الشِّعر أمثالَها )
( شَرُودٍ تَلَمَّعُ بالخافقَيْنِ ... إذا أنْشِدَتْ قيل من قالها )
( وحيرانَ لا يهتدي بالنهار ... من الظَلْع يَتْبَعُ ضُلاَّلَها )
( وداعٍ دعا دعوةَ المستغيثِ ... وكنتُ كمن كان لَبَّى لها )
( إذا الموتُ كان شَجاً بالحُلُوقِ ... وبادَرتِ النفسُ أشغالَها )
( صبَرْتُ ولم أكُ رِعديدَةً ... وللصَّبْرُ في الرَّوع أَنْجَى لها )
( ويومٍ تَسَعَّرُ فيه الحروبُ ... لَبِسْتُ إلى الرَّوْعِ سِرْبَالها )
( مُضعَّفةَ السَّرْدِ عاديَّةً ... وعَضْبَ المضَارِبِ مِفْصالَها )
( ومُطَّرِداً من رُدَيْنِيَّة ... أذودُ عن الوِرْد أبطالَها )
(14/18)

( فلم يبق من ذاكَ إلا التُّقَى ... ونفسٌ تُعالج آجالَها )
( أُمورٌ من اللَّهِ فوق السماء ... مقاديرُ تنزلُ أنْزَالَهَا )
( أعوذُ بربِّي من المُخْزِيات ... ِ يوم ترى النفسُ أعمالَها )
( وخَفّ الموازينُ بالكافرين ... وزُلْزلتِ الأرْضُ زِلزَالَهَا )
( ونادى مُنادٍ بأهل القبور ... فهبُّوا لتُبْرِزَ أثقالَها )
( وسُعِّرَت النارُ فيها العذابُ ... وكان السلاسلُ أغلالَها )
حدثنا ابن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال مات حصين بن الحمام في بعض أسفاره فسمع صائح في الليل يصيح لا يعرف في بلاد بني مرة
( أَلاَ هَلَك الحُلْو الحَلاَلُ الحُلاَحِلُ ... ومَن عَقْدُه حَزْمٌ وعَزْمٌ ونائلُ )
الحلو الجميل والحلال الذي ليس عليه في ماله عيب والحلاحل الشريف العاقل
( ومَنْ خَطبهُ فَصْلٌ إذا القوم أُفحِموا ... يُصيب مَرَادِي قوله مَن يُحاوِلُ )
المرادي جمع مرادة وهي صخرة تردى بها الصخور أي تكسر قال فلما سمع أخوه معية بن الحمام ذلك قال هلك والله الحصين ثم قال يرثيه
(14/19)

( إذا لاقيتُ جمعاً أو فِئَاماً ... فإنِّي لا أرى كأبي يَزِيدا )
( أشدَّ مهابةً وأعزَّ ركناً ... وأصلبَ ساعةَ الضَّرَّاءِ عُودا )
( صَفِيِّي وابنُ أُمِّي والمُواسِي ... إذا ما النفسُ شارفتِ الوريدا )
( كَأَنَّ مُصَدَّراً يحبو ورائي ... إلى أشباله يبغي الأسودا )
المصدر العظيم الصدر شبه أخاه بالأسد
صوت
( لاَ أَرَّق الله عيْنَيْ منْ أرِقْتُ له ... ولا مَلاَ مثلَ قلبي قلبَه تَرَحَا )
( يَسُرُّني سوءُ حالي في مسرَّته ... فكلَّما ازددت سُقْماً زادني فرحا )
الشعر لمحمد بن يسير والغناء لأحمد بن صدقة رمل بالوسطى
(14/20)

أخبار محمد بن يسير ونسبه
محمد بن يسير الرياشي يقال إنه مولى لبني رياش الذين منهم العباس بن الفرج الرياشي الأخباري الأديب ويقال إنه منهم صلبية وبنو رياش يذكرون أنهم من خثعم ولهم بالبصرة خطة وهم معروفون بها وكان محمد بن يسير هذا شاعرا ظريفا من شعراء المحدثين متقلل لم يفارق البصرة ولا وفد إلى خليفة ولا شريف منتجعا ولا تجاوز بلده وصحبته طبقته وكان ماجنا هجاء خبيثا
خبره مع محمد بن أيوب والي البصرة
أخبرني عمي الحسن بن محمد قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني علي بن القاسم بن علي بن سليمان طارمة قال بعث إلي محمد بن أيوب بن سليمان بن جعفر بن سليمان وهو يتولى البصرة حينئذ في ليلة صبيحتها يوم سبت فدخلت إليه وقد بقي من الليل ثلثه أو أكثر فقلت له أنمت وانتبهت أم لم تنم بعد فقال قد قضيت حاجتي من
(14/21)

النوم وأريد أن أصطبح وابتدىء الساعة بالشرب وأصل ليلتي بيومي محتجباً عن الناس وعندي محمد بن رباح وقد وجهت إلى إبراهيم بن رياش وحضرت أنت فمن ترى أن يكون خامسنا قلت محمد بن يسير فقال والله ما عدوت ما في نفسي فقال لي ابن رباح أكتب إلى محمد بن يسير بيتين تدعوه فيهما وتصف له طيب هذا الوقت وكان يوم غيم والسماء تمطر مطرا غير شديد ولا متتابع فكتب إليه ابن رباح
صوت
( يومُ سَبتٍ وشَنْبَذٍ ورَذَاذٍ ... فعلامَ الجلُوسُ يا بن يسيرِ )
( قم بنا نأخذ المُدامةَ من كَفّ ... غزالٍ مُضَمَّخٍ بالعَبِيرِ )
في هذين البيتين لعباس أخي بحر ثقيل أول بالبنصر وبعث إليه بالرقعة فإذا الغلمان قد جاؤوا بالجواب فقال لهم بعثتكم لتجيئوني برجل فجئتموني برقعة فقالوا لم نلقه وإنما كتب جوابها في منزله ولم تأمرنا بالهجوم عليه فنهجم فقرأها فإذا فيها
( أجيءُ على شَرْطٍ فإن كنتَ فاعلاً ... وإلاَّ فإنِّي راجِعٌ لا أُناظِرُ )
( لِيُسْرَجْ ليَ البِر ذَوْنُ في حال دُلْجتي ... وأنت بدُلْجاتي مع الصبح خابِرُ )
(14/22)

( لأقضِيَ حاجاتي إليه وأنثني ... إليك وحَجَّامٌ إذا جئتُ حاضرُ )
( فيأخذ من شَعري ويُصلِحُ لِحْيتي ... ومن بعدُ حَمَّامٌ وطِيبٌ وجامِرُ )
( ودَسْتِيجَةٌ من طيِّب الراح ضخمةٌ ... يُرَوِّدنيها طائعاً لا يُعاسِرُ )
فقال محمد بن أيوب ما تقول فقلت إنك لا تقوَى على مطاولته ولكن اضمن له ما طلب فكتب إليه قد أعد لك وحياتك كل ما طلبت فلا تبطئ فإذا به قد طلع علينا فأمر محمد بن أيوب بإحضار المائدة فلما أحضرت أمر بمحمد بن يسير فشد بحبل إلى أسطوانة من أساطين المجلس وجلسنا نأكل بحذائه فقال لنا أي شي يخلصني قلنا تجيب نفسك عما كتبت به أقبح جواب فقال كفوا عن الأكل إذا ولا تستبقوني به فتشغلوا خاطري ففعلنا ذلك وتوقفنا فأنشأ يقول
( أيا عَجَبا مِنْ ذا التَّسَرِّي فإنَّه ... له نَخوةٌ في نفسه وتَكابُرُ )
( يُشارِطُ لمَّا زار حتَّى كأنه ... مُغَنٍّ مُجِيدٌُ أو غلام مُؤاجَرُ )
( فلولا ذمامٌ كان بيني وبينه ... لَلطَّمَ بَشَّارٌ قَفاه ويَاسِرُ )
فقال محمد حسبك لم نرد هذا كله ثم حله وجلس يأكل معنا وتممنا يومنا
هجاؤه لشاة أكلت زرعه ودخلت داره
أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني علي بن محمد بن
(14/23)

سليمان النوفلي قال كان محمد بن يسير من شعراء أهل البصرة وأدبائهم وهو من خثعم وكان من بخلاء الناس وكان له في داره بستان قدره أربعة طوابيق قلعها من داره فغرس فيه أصل رمان وفسيلة لطيفة وزرع حواليه بقلا فأفلتت شاة لجار له يقال له منيع فأكلت البقل ومضغت الخوص ودخلت إلى بيته فلم تجد فيه إلا القراطيس فيها شعره وأشياء من سماعاته فأكلتها وخرجت فعدا إلى الجيران في المسجد يشكو ما جرى عليه وعاد فزرع البستان وقال يهجو شاة منيع
( ليَ بستانٌ أَنيقٌ زاهرٌ ... ناضِرُ الخُضْرة رَيَّان تَرِفْ )
( رَاسخُ الأعراقِ رَيَّان الثَّرَى ... غَدِقٌ تُرْبَتُه ليست تجِفّ )
( لِمجاري الماءِ فيه سُنَنٌ ... كيفما صَرَّفتَه فيه انصرفْ )
( مُشرِق الأنوار ميّاد النَّدَى ... مُنْثَنٍ في كلِّ ريح مُنْعَطِفْ )
( تملِكُ الريحُ عليه أمرَه ... فإذا لم يُؤْنِسِ الريحَ وقفْ )
( يكتسي في الشرق ثوبَيْ يُمْنَةٍ ... ومع الليل عليها يَلْتَحِفْ )
(14/24)

( ينطوي الليلُ عليه فإذا ... واجَهَ الشرقَ تجلَّى وانكشَفْ )
( صابِرٌ ليس يُبالِي كَثرةً ... جُزّ بالمِنْجَل أو منه نُتِفْ )
( كلما أُلْحِفَ منه جانبٌ ... لم يتلبَّثْ منه تعجيلُ الخَلَفْ )
( لا ترى للكفِّ فيه أَثَراً ... فيه بل يَنْمِي على مسِّ الأَكُفّ )
( فترى الأطباقَ لا تُمْهِله ... صادراتٍ وارداتٍ تختلِفْ )
( فيه للخارِفِ من جيرانه ... كلَّما احتاج إليه مُخْتَرَفْ )
( أُقْحُوانٌ وبَهَارٌ مُونِقٌ ... وسوى ذلك من كلّ الطُّرَفْ )
( وهو زَهْرٌ للنَّدَامَى أصُلاً ... بِرِضا قاطِفِهم ممَّا قَطَفْ )
( وهو في الأيدي يُحَيُّون به ... وعلى الآنافِ طَوْراً يُسْتَشَفّ )
( أَعْفِه يا ربِّ مِنْ واحدةٍ ... ثم لا أَحْفِلُ أنواعَ التَّلَفْ )
( اكْفِه شاةَ مَنيعٍ وَحْدَها ... يوم لا يُصْبِحُ في البيت عَلَفْ )
( اكْفِه ذاتَ سُعالٍ شَهْلةً ... مُتِّعتْ في شرِّ عيش بالخَرَفْ )
( اكْفِهْ يا رَبِّ وَقْصاءَ الطُّلَى ... أَلْحِمِ الكِتْفين منها بالكَتِفْ )
(14/25)

( وكَلُوحٌ أبداً مُفْتَرٌَّ ... لك عن هُتْمٍ كَلِيلاتٍ رُجُفْ )
( وَنَؤُوس الأنفِ لا يَرْقَا ولا ... أبداً تُبْصرُه إلاَّ يَكِفْ )
( لم تَزَلْ أظلافُها عافِيَةً ... لم يُظَلِّفْ أهلُها منها ظِلَفْ )
( فترى في كل رِجْلٍ ويدٍ ... من بقاياهنّ فوق الأرض خُفّ )
( تَنسِف الأرَضَ إذا مرَّت به ... فلها إعْصارُ تُرْبٍ مُنتسِفْ )
( تُرْهِجُ الطُّرْقَ على مُجْتازِها ... بِيَدٍ في المشي والخَطْوِ القَطِفْ )
( في يَدَيْها طَرَقٌ مِشْيتُها ... حَلْقةٌُ القوس وفي الرجل حَنَفْ )
( فإذا ما سَعَلَتْ واحْدَوْدَبَتْ ... جاوبَ البَعْرُ عليها فخُصِفْ )
(14/26)

( وأُحِصَّ الشعرُ منها جِلدُها ... شَنَّةٌ في جوف غارٍ مُنْخسِفْ )
( ذات قَرْنٍ وهي جَمَّاءُ أَلاَ ... إنّ ذا الوصفَ كوصفٍ مُخْتَلِفْ )
( وإذا تدنو إلى مُسْتَعْسِبٍ ... عافَها نَتْناً إذا ما هُو كَرَفْ )
( لا ترى تَيْساً عليها مُقْدماً ... رُمَيَتْ من كل تيس بالصَّلَفْ )
( شُوهة الخِلقة ما أبصَرَها ... مِن جميع الناس إلاَّ وحَلَفْ )
( ما رأى شاةً ولا يعلمُها ... خُلِقَتْ خِلْقَتَها فيما سَلَفْ )
( عَجَباً منها ومن تأليفها ... عجباً مِن خَلْقها كيف ائتلَفْ )
( لو يُنادُون عليها عجَباً ... كَسَبوا منها فُلُوساً ورُغُفْ )
( ليتَها قد أَفلتتْ في جَفْنةٍ ... من عجينٍ أو دقيق مُجْتَرَفْ )
( فتلقَّتْ شَفْرةً مِن أهله ... قَدَرَ الإصبع شيئاً أو أَشَفّ )
( أَحكَمَتْ كَفّا حكِيمٍ صُنْعَها ... فأتت مجدولةً فيها رَهَفْ )
( أُدْمِجَتْ من كلِّ وجه غيرَ ما ... أَلَّلَ الأقْيانُ من حَدِّ الطَّرَفْ )
(14/27)

( قابِضُ الرَّونق فيها ماتِعٌ ... يَخطفُ الأبصارَ منها يُستَشَف )
( لَمَحَتْها فاسْتَخفَّتْ نحوَها ... عَجَلاً ثم أحالت تنتسِف )
( فتناهَتْ بين أضعاف الِمعَى ... وتَبَوَّتْ بين أثناء الشَّغَفْ )
( أو رَمَتْها قَرْحةٌ زادت لها ... ذَوَباناً كلَّ يومٍ ونَحَفْ )
( كل يوم فيه يدنو يومُها ... أو تُرَى واردةً حَوضَ الدَّنَفْ )
( بينما ذاك بها إذ أصبَحَتْ ... كَحَمِيتٍ مُفْعَمٍ أو مثلَ جُفْ )
( شاغِراً عُرْقوبُها قد أُعْقِبَتْ ... بِطْنَةً من بعد إدمان الهَيَفْ )
( وغَدَا الصِّبيةُ من جيرانها ... ليجرُّوها إلى مأوى الجِيَفْ )
( فتراها بينهم مسحوبةً ... تَجرُفُ التُّرْب بجَنْبٍ منجرِفْ )
( فإذا صاروا إلى المأوى بها ... أعمَلُوا الآجُرَّ فيها والخَزَفْ )
( ثم قالوا ذَا جَزاءٌ للتي ... تأكلُ البستانَ منا والصُّحُفْ )
( لا تلوموني فلو أبصرتُ ذا ... كلَّه فيها إذن لم أنتصفْ )
شعره لامرأته بعد أن كتبت إليه تعاتبه
أخبرني علي بن سليمان قال حدثنا محمد بن يزيد قال حدثنا عبد الله بن
(14/28)

محمد بن يسير وحدثني سوار بن أبي شراعة قال حدثني عبد الله بن محمد بن يسير قال
هوي أبي قينة من قيان أبي هاشم بالبصرة فكتبت إليه أمي تعاتبه فكتب إليها
( لا تَذْكُرِي لَوْعةً إِثْرِي ولا جَزَعا ... ولا تُقاسِنَّ بعدي الهمَّ والهَلَعا )
( بَلِ ائتِسِي تجدي إنِ ائْتسيتِ أُساً ... بمثل ما قد فُجِعْتِ اليوم قد فُجِعا )
( ما تصنَعين بعَينٍ عنك قد طَمَحَتْ ... إلى سواكِ وقلبٍ عنكِ قد نَزَعا )
( إن قُلتِ قد كنتُ في خَفْضٍ وتَكْرِمَةٍ ... فقد صدَقتِ ولكنْ ذاكِ قد نُزِعا )
( وأيُّ شيءٍ من الدنيا سمعتِ به ... إلا إذا صار في غاياته انقطعا )
( ومَن يُطيقُ خَليعاً عند صَبْوته ... أم مَن يقوم لِمستورٍ إذا خَلُعَا )
أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن يسير أن أباه دعي إلى وليمة وحضرها مغن يقال له أبو النجم فعبث بأبي وباغضه وأساء أدبه فقال يهجوه
( نَشَتْ بأبي النَّجم المغنِّي سحابةٌ ... عليه من الأيدي شآبِيبُها القَفْدُ )
( نَشَا نَوءُها بالنَّحْس حتى تصرَّمتْ ... وغابت فلم يَطْلُعْ لها كَوكبٌ سَعْدُ )
(14/29)

( سَقَتْه فجادتْ فارتَوَى من سِجالِها ... ذُرَا رأسه والوجهُ والجِيدُ والخدُّ )
( فلا زال يَسْقِيه بها كلَّ مجلس ... به فِتيةٌ أمثالَها الهَزْلُ والجِدُّ )
أراد به يسقيانه
قصته مع صديقه داود
أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال وحدثني عبد الله بن محمد بن يسير قال كان لأبي صديق يقال له داود من أسمج الناس وجها وأقلهم أدبا إلا أنه كان وافر المتاع فكان القيان يواصلنه ويكثرن عنده ويهدين إليه الفواكه والنبيذ والطيب فيدعو بأبي فيعاشره فهويته قينة من قيان البصرة كانت من أحسن الناس وجها فبعثت إلى داود برقعة طويلة جدا تعاتبه فيها وتستجفيه وتستزيره فسأل أبي أن يجيبها عنه فقال أبي أكتب يا بني قبل أن أجيب عنها
( وابلائي مِن طول هذا الكتاب ... أَسْعِدُوني عليه يا أصحابي )
( أَسْعِدُوني على قِرَاةِ كتابٍ ... طولُه مثل طولِ يوم الحساب )
( إنَّ فيه منِّي البَلاءَ مُلَقَّى ... ولغيري فيه الهوَى والتَّصابي )
( وله الودُّ والهوى وعلينا ... فيه للكاتبين رَدُّ الجواب )
( ثم ممن يا سيِّدي وإلى من ... مِن هَضِيم الحَشَا لَعُوبٍ كَعَاب )
(14/30)

( وإلى مَنْ إنْ قلتُ فيه بِعَيْب ... لم أُحِطْ في مقالتي بالصواب )
( لا يُساوي على التأمُّل والتفتيش ... يوماً في الناس كفَّ تراب )
فقال عبد الله وكان أبي إذا انصرف من مجلس فيه داود هذا أخذه معه فيمشي قدامه فإن كان في الطريق طين أو بئر أو أذى لقي داود شره وحذره أبي فمات داود وانصرف أبي ذات ليلة وهو سكران فعثر بدكان وتلوث بطين ودخل في رجله عظم ولقي عنتا فقال يرثي داود
رثاؤه لداود
( أقول والأرضُ قد غَشَّى وَجَلَّلَها ... ثوبُ الدُّجَى فَهْو فوق الأرض ممدود )
( وسَدَّ كلَّ فُروج الجوِّ مُنْطَبِقاً ... وكلُّ فَرْجٍ به في الجوِّ مسدود )
( وفي الوَدَاع وفي الإبداءِ لي عَنَتٌ ... دون المسير وبابُ الدار مسدود )
( مَن لِي بداودَ في ذي الحال يُرْشِدني ... مَن لي بداود لَهْفي أين داودُ )
( لَهْفي على رِجْله أَلاَّ أَقدِّمَها ... قُدَّامَ رجلي فَتَلْقَاها الجَلامِيدُ )
( إذ لا أزال إذا أقبلتُ ينكُبُنِي ... حَرْفٌ وجُرْفٌ ودُكَّانٌ وأُخدود )
( فإن تكن شوكةٌ كانت تحُل به ... أو نكتةٌ في سواد الليل أو عُودُ )
(14/31)

أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني القاسم بن الحسن مولى جعفر بن سليمان الهاشمي قال هجمت شاة منيع البقال على دار ابن يسير وهو غائب وكانت له قراطيس فيها أشعار وآداب مجموعة فأكلتها كلها فقال في ذلك
( قل لبُناة الآداب ما صَنَعَتْ ... منها إليكم فلا تُضِيعُوها )
( وضمِّنوها صُحْفَ الدَّفاتر بالحِبر ... وحُسْنَ الخُطوطِ أَوعُوها )
( فإن عجزتم ولم يكن عَلَفٌ ... تُسِيغُه عندكم فبِيعوها )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني ابن شبل البرجمي قال كان محمد بن يسير يعاشر يوسف بن جعفر بن سليمان وكان يوسف أشد خلق الله عربدة وكان يخاف لسان ابن يسير فلا يعربد عليه ثم جرى بينهما ذات يوم كلام على النبيذ ولحاء فعربد يوسف عليه وشجه فقال ابن يسير يهجوه
( لا تجلسَنْ مع يوسفٍ في مجلسٍ ... أبداً ولم تحملْ دَمَ الأخَوَيْنِ )
( رَيْحانُه بدم الشباب مُلَطَّخٌ ... وتحيَّةُ النَّدْمانِ لَطْمُ العَين )
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني الحسين بن يحيى المنجم قال حدثني أبو علي بن الخراساني قال
(14/32)

كان لمحمد بن يسير البصري بابان يدخل من أحدهما وهو الأكبر ويدخل إليه إخوانه من الباب الآخر وهو الأصغر ومن يستشرط من المرد فجاء يوما غلام قد خرجت لحيته كانت عادته أن يدخل من الباب الأصغر فمر من ذلك الباب فجعل يخاصم لدالته وبلغ ابن يسير فكتب إليه
( قُلْ لِمَنْ رامَ بجَهْلٍ ... مَدْخَلَ الظَّبي الغريرِ )
( بعد أن عَلَّق في خَدَّيه ... مِخلاةَ الشَّعيرِ )
( ليتَه يدخل إنْ جاء ... من الباب الكبيرِ )
وأخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني القاسم بن الحسن مولى جعفر بن سليمان قال كنا في مجلس ومعنا محمد بن يسير وعمرو القصافي وعندنا مغنية حسنة الوجه شهلة تغني غناء حسنا فكنا معها في أحسن يوم وكان القصافي يعين في كل شيء يستحسنه ويحبه فما برحنا من المجلس حتى عانها فانصرفت محمومة شاكية العين فقال ابن يسير
( إنّ عمراً جَنَى بعينيه ذنباً ... قَلَّ منِّي فيه عليه الدُّعاءُ )
( عانَ عَيْناء فعينُه للتي عان ... فِدًى وقَلَّ منه الفِداءُ )
( شرُّ عينٍ تَعِينُ أحسنَ عينٍ ... تَحمِلُ الأرضُ أو تُظِلُّ السماءُ )
(14/33)

شعره في حمار أبى عليه
أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا القاسم بن الحسن قال استعار ابن يسير من بعض الهاشميين من جيرانه حمارا كان له ليمضي عليه في حاجة أرادها فأبى عليه فمضى إليها ماشيا وكتب إلى عمرو القصافي وكان جارا للهاشمي وصديقا يشكوه إليه ويخبره بخبره
( إنْ كنتُ لا عَيْرَ لي يوماً يُبلِّغني ... حاجي وأَقضِي عليه حقَّ إخوانِي )
( وضَنَّ أهلُ العَواري حين أسألهُم ... من أهل ودّي وخُلْصاني وجيراني )
( فإنَّ رِجْلَيَّ عندي لا عَدمْتُهما ... رِجْلاَ أخي ثقةٍ مُذْ كان جَوْلاني )
( تُبَلِّغانِيَ حاجاتي وإن بَعُدتْ ... وتُدْنيانِيَ مما ليس بالداني )
( كأنَّ خَلْفِي إذا ما جدَّ جِدُّهما ... إعصارَ عاصفةٍ مما تُثِيران )
( رجلايَ لم تَأْلَمَا نَكْباً كأنَّهما ... قَطّاً وقَدّاً وإدماجاً مَدَاَكانِ )
( كأن ما بهما أخطو إذا ارتَهَيا ... في سِكَّةٍ من أي ذاك سماكان )
( إنْ تُبْعَثا في دَهَاسٍ تَبْعَثَا رَهَجاً ... أو في حُزُونٍ ذَكَا فيها شِهابانِ )
( فالحمدُ للهِ يا عمرُو الذي بهما ... عن العواري وعن ذا الناسِ أغناني )
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن داود بن الجراح قال حدثني محمد بن سعد الكراني قال
(14/34)

كنا في حلقة التوزي فلما تقوضت أنشدنا محمد بن يسير لنفسه قوله
( جُهْدُ المُقِلِّ إذا أعطاه مصطبراً ... ومُكْثِرٌ من غِنىً سِيَّانِ في الجود )
( لا يَعْدَمُ السائلون الخيرَ أفْعَلهُ ... إمَّا نَوالِي وإمّا حُسْنَ مردود )
فقلنا له ما هذا التكارم وقمنا إلى بيته فأكلنا من جلة تمر كانت عنده أكثرها وحملنا بقيتها فكتب إلى والي البصرة عمر بن حفص
( يا أبا حَفْصٍ بِحُرْمتنا ... عَنِّ نَفْساً حين تَنْتَهِكُ )
( خُذْ لنا ثَأْراً بجُلَّتنا ... فبِكَ الأوتارُ تُدَّرَكُ )
( كَهْفُ كفِّي حين تَطْرَحُها ... بين أيدِي القوم تَبْتَرِكُ )
( زارنا زَوْرٌ فلا سَلِموا ... وأُصِيبوا أَيَّةً سَلَكُوا )
( أكلوا حتَّى إذا شبِعُوا ... أخذوا الفضلَ الذي تركوا )
قال فبعث إلينا فأحضرنا فأغرمنا مائة درهم وأخذ من كل واحد منا جلة تمر ودفع ذلك إليه
(14/35)

أخباره مع أحمد بن يوسف وأبي عمرو المديني
أخبرني الأخفش قال حدثنا أبو العيناء قال كان بين محمد بن يسير وأحمد بن يوسف الكاتب شر فزجه أحمد يوما بحماره تعرضا لشره وعبثا به فأخذ ابن يسير بأذن الحمار وقال له قل لهذا الحمار الراكب فوقك لا يؤذي الناس فضحك أحمد ونزل فعانقه وصالحه
أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني محمد بن علي الشامي قال طلب محمد بن يسير من ابن أبي عمرو المديني فراخا من الحمام الهداء فوعده أن يأخذها له من المثنى بن زهير ثم نور عليه أي أعطاه فراخا غير منسوبة دلسها عليه وأخذ المنسوبة لنفسه فقال محمد بن يسير
( يا رَبِّ رَبِّ الرائحينَ عِشيَّةً ... بالقومِ بين مِنًى وبين ثَبِير )
( والواقفين على الجبالِ عشيةً ... والشمسُ جانحةٌ إلى التغوير )
( حتى إذا طفَلَ العَشِيُّ ووجَّهَتْ ... شمسُ النهار وآذَنَتْ بغُؤُورِ )
( رحلوا إلى خَيْفٍ نَواحِلَ ضَمَّها ... طُولُ السِّفارِ وبُعْدُ كلِّ مَسِيرِ )
(14/36)

( ابْعَثْ على طير المَدِينِيِّ الذي ... قال المُحَال وجاءني بِغُرورِ )
( ابعث على عَجَلٍ إليها بعدما ... يأخُذْنَ زينَتَهنَّ في التحسيرِ )
( في كل ما وَصَفُوا المراحِلَ وابتَدَوْا ... في المُبْتَدِينَ بِهِنَّ والتكسيرِ )
( ومَضَيْنَ عن دُورِ الخُرَيْبةِ زُلْفةً ... دونَ القصورِ وَحَجْرَةِ الماخُورِ )
( مع كلِّ ريح تَغتدِي بهبُوبها ... في الجوِّ بين شَواهِنِ وصُقورِ )
( من كلِّ أكلَفَ بات يَدْجُنُ ليلُهُ ... فغدا بغُدْوَةِ ساغِبٍ ممطور )
( ضَرِمٍ يقلِّب طَرْفَه مُتَأَنِّساً ... شيئاً فكُنَّ له من التقديرِ )
( يأتي لهنَّ مَيَامِناً ومَيَاسراً ... صَكّاً بكل مُزَلَّقٍ مَمْكُورِ )
( مِنْ طائِرٍ مُتَحَيِّرٍ عن قصدِهِ ... أو ساقِطٍ خَلِج الجَنَاح كَسِيرِ )
( لم ينجُ منه شريدُهن فإنْ نجا ... شيءٌ فصار بِجانبات الدُّورِ )
(14/37)

( لمُشَمِّرين عن السواعد حُسَّرٍ ... عنها بكل رَشِيقةِ التَّوتيرِ )
( سُدُدِ الأكُفِّ إلى المَقاتِل صُيَّبٍ ... سَمْتَ الحُتوفِ بجُؤْجُؤٍ ونُحورِ )
( ليس الذي تُخطِي يداه رَمِيَّةً ... منهم بمعدودٍ ولا معذورِ )
( يَتَبوَّعُون وتمتطي أيديهِمُ ... في كل مُعْطِية الجِذابِ نَتُورِ )
( عُطُفَ السِّياتِ دوائراً في عِطْفها ... تُعْزَى صناعتُها إلى عُصْفُورِ )
( يَنْفُثْنَ عن جَذْبِ الأكُفِّ ثواقباً ... مُتَشَابِهَاتِ القَدِّ والتدويرِ )
( تجري بها مُهَجُ النفوس وإنَّها ... لَنواصِلٌ سُلْتٌ من التَّحبيرِ )
( ما إن تُقَصِّرُ عن مَدَى مُتَبَاعِدٍ ... في الجوّ يَحْسُرُ طَرْفَ كلِّ بصير )
( حتَّى تراه مُزَمَّلاً بدِمائه ... فكأنَّه مُتَضَمِّخٌ بِعَبيرِ )
( فَيَظَلُّ يومُهُمُ بعيشٍ ناصبٍ ... نُصُبَ المَرَاجِلِ مُعْجَلِي التنويرِ )
(14/38)

( ويؤوبُ ناجِيهنّ بين مُضَرَّجٍ ... بِدَمٍ ومخلوبٍ إلى مَنْسُورِ )
( عارِي الجَنَاحِ من القَوَادِمِ والقَرَا ... كَاسٍ عليه مائِرُ التَّامُورِ )
( فيؤوده مُتَبَهْنِسٌ في مشيه ... خَطِفُ المؤخَّرِ مُشْبَعُ التصديرِ )
( ذو حُلْكة مثلِ الدُّجى أو غُبْثَةٍ ... شَغِبٌ شديدُ الجِدِّ والتشميرِ )
( فيمرُّ منها في البَرَارِي والقُرَى ... من كل أَعْصَلَ كالسِّنان هَصُورِ )
( في حين تُؤْذيها المَبَايِتُ مَوْهِناً ... أو بعد ذلك آخِرَ التسحيرِ )
( يختصّ كلَّ سليلِ سابقِ غايةٍ ... مَحْضِ النِّجار مُجَرَّبٍ مخبُورِ )
( عَجِّلْ عليه بما دعوتُ له به ... أَرِه بذاك عقوبة التَّنويرِ )
( حتى يقولَ جميعُ مَنْ هو شامِتٌ ... هذِي إجابةُ دعوة ابنِ يسيرِ )
( فَلأَلْفِيَنَّكَ عند حَالَيْ حَسْرَةٍ ... وتأسُّفٍ وتَلَهُّفٍ وزَفِيرِ )
( وَلتُلْفَيَنَّ إذا رَمَتْكَ بسهمها ... أيدي المصائب منك غيرَ صبور )
أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني القاسم بن الحسن مولى جعفر بن سليمان قال
(14/39)

خرجنا مع بعض ولد النوشجاني إلى قصر له في بستانهم بالجعفرية ومعنا محمد بن يسير وكان ذلك القصر من القصور الموصوفة بالحسن فإذا هو قد خرب واختل فقال فيه محمد بن يسير
( ألا يا قصرُ قَصْرَ النُّوشَجَانِي ... أرى بك بعد أَهْلِكَ ما شجاني )
( فَلَوْ أعفَى البلاءُ ديارَ قومٍ ... لفضلٍ منهمُ ولعُظْمِ شانِ )
( لَمَا كَانت تُرَى بك بَيِّناتٍ ... تلوح عليك آثارُ الزمان )
ماذا قال في رثاء نفسه
أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا محمد بن أبي حرب قال أنشدنا يوما محمد بن يسير في مجلس أبي محمد الزاهد صاحب الفضيل بن عياض لنفسه قال
( وَيْلٌ لِمَنْ لم يرحَمِ الله ... ومَنْ تكونُ النارُ مَثواهُ )
( وَاغَفلَتَا في كلّ يومٍ مضى ... يُذْكِرُني الموتَ وأنساهُ )
( مَنْ طالَ في الدُّنيا بِهِ عُمْرُه ... وعاشَ فالموتُ قُصارَاهُ )
( كَأَنَّهُ قد قيلَ في مجلسٍ ... قد كُنْتُ آتِيهِ وأغْشَاهُ )
( محمدُ صارَ إلى رَبِّهِ ... يَرْحَمُنَا اللهُ وإيَّاهُ )
قال فأبكى والله جميع مَن حضر
(14/40)

قصته مع داود بن أحمد بن أبي داود
أخبرني الحسن بن علي وعمي قالا حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أبو الشبل قال كان محمد بن يسير صديقا لداود بن أحمد بن أبي دواد كثير الغشيان له ففقده أهله أياما وطلبوه فلم يجدوه وكان مع أصحاب له قد خرجوا يتنزهون فجاؤوا إلى داود بن أحمد يسألونه عنه فقال لهم أطلبوه في منزل حسن المغنية فإن وجدتموه وإلا فهو في حبس أبي شجاع صاحب شرطة خمار التركي فلما كان بعد أيام جاءه ابن يسير فقال له إيه أيها القاضي كيف دللت علي أهلي قال كما بلغك وقد قلت في ذلك أبياتا قال أو فعلت ذلك أيضا زدني من برك هات أيش قلت فأنشده
( ومُرسلةٍ تُوجِّهُ كلَّ يومٍ ... إليَّ وما دعا للصبح داعي )
( تُسائلني وقد فَقَدوه حتَّى ... أرادوا بعده قَسْمَ المَتاعِ )
( إذا لم تَلْقَه في بيت حُسْنٍ ... مقيماً للشَّرابِ وللسَّماعِ )
( ولم يُرَ في طريق بني سَدُوسٍ ... يَخُطُّ الأرضَ منه بالكُراعِ )
(14/41)

( يَدُقُّ حُزونَها بالوجه طَوْراً ... وطَوْراً باليدين وبالذِّراعِ )
( فقد أعياك مَطْلَبُه وأمسى ... فلا تَغْلَط حَبِيسَ أبي شُجاعِ )
قال فجعل ابن يسير يضحك ويقول أيها القاضي لو غيرك يقول لي هذا لعرف خبره ثم لم يبرح ابن يسير حتى أعطاه داود مائتي درهم وخلع عليه خلعة من ثيابه
أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني علي بن القاسم طارمة قال كنت مع المعتصم لما غزا الروم فجاء بعض سراياه بخبر عمه فركب من فوره وسار أجد سير وأنا أسايره فسمع منشدا يتمثل في عسكره
( إنَّ الأمور إذا انْسَدَّتْ مَسالِكُها ... فالصبرُ يَفْتَحُ منها كلَّ ما ارتَتَجا )
( لا تيأَسَنَّ وإنْ طالتْ مطالبَةٌ ... إذا استعنتِ بصبر أن ترى فَرَجا )
فسر بذلك وطابت نفسه ثم التفت إلي وقال لي يا علي أتروي هذا الشعر قلت نعم قال من يقوله قلت محمد بن يسير فتفاءل باسمه ونسبه وقال أمر محمود وسير سريع يعقب هذا الأمر ثم قال أنشدني الأبيات فأنشدته قوله
(14/42)

( ماذا يكلِّفُكَ الرَّوْحاتِ والدُّلَجَا ... البَرَّ طوْراً وطوراً تركَبُ اللُّجَجَا )
( كَمْ مِنْ فَتىً قَصُرَتْ في الرِّزْقِ خُطْوَتُهُ ... ألفيتَهُ بِسِهامِ الرزق قد فَلَجا )
( لا تَيْأَسَنَّ وإنْ طالَتْ مُطالبَةٌ ... إذا استعنَت بصبر أن ترى فَرَجا )
( إنَّ الأمور إذا انْسَدَّتْ مسالِكُها ... فالصبرُ يفتح منها كلَّ ما ارْتَتَجا )
( أَخْلِقْ بذي الصبرِ أن يحظَى بحاجته ... ومُدْمِنِ القَرْعِ للأبواب أن يَلِجَا )
( فاطْلُبْ لرجلك قبل الخَطْوِ مَوْضِعَها ... فَمَنْ عَلاَ زَلَقاً عن غِرَّة زَلجَا )
( ولا يَغُرَّنْك صَفْوٌ أنت شارِبُهُ ... فربّما كان بالتكدير مُمْتَزِجَا )
( لا يُنْتَجُ النَّاسُ إلا من لِقاحِهِمُ ... يبدو لِقاحُ الفتى يوماً إذا نتِجَا )
متفرقات من شعره
أخبرني عيسى بن الحسين والحسن بن علي وعمي قالوا حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبو الشبل قال كنا عند قثم بن جعفر بن سليمان ذات يوم ومعنا محمد بن يسير ونحن على شراب فأمر أن نبخر ونطيب فأقبلت وصيفة له حسنة الوجه فجعلت تبخرنا وتغلفنا بغالية كانت معه فلما غلفت ابن يسير وبخرته التفت إلي وكان إلى جنبي فأنشدني
(14/43)

( يا باسطاً كفَّه نَحْوِي يُطَيِّبني ... كَفَّاكَ أطيبُ يا حبِّي من الطِّيب )
( كفَّاكَ يجري مكانَ الطيبِ طِيبُهما ... فلا تزِدْنِي عليها عند تطييبي )
( يا لائمي في هواها أنتَ لم ترها ... فأنت مُغْرىً بتأنيبي وتعذيبي )
( أُنْظُرْ إلى وجهها هل مِثْلُ صورتها ... في الناس وجهٌ مُجَلَّى غيرُ محجوبِ )
فقلت له أسكت ويلك لا تصفع والله وتخرج فقال والله لو وثقت بأن نصفع جميعا لأنشدنه الأبيات ولكني أخشى أن أفرد بالصفع دونك
أخبرني عيسى بن الحسين قال حدثنا الكراني قال حدثنا الرياشي قال كان محمد بن يسير جالسا في حلقتنا في مسجد البصرة وإلى جانبنا حلقة قوم من أهل الجدل يتصايحون في المقالات والحجج فيها فقال ابن يسير اسمعوا ما قلت في هؤلاء فأنشدنا قوله
( يا سائلي عن مقالة الشِّيَعِ ... وعن صنوفِ الأهواء والبِدَعِ )
( دَعْ عَنْكَ ذِكْرَ الأهواء ناحيةً ... فليس ممن شَهِدتُ ذو وَرَعِ )
( كلُّ أُناسٍ بَدِيُّهم حَسَنٌ ... ثم يصيرونَ بعدُ للسُّمَعِ )
( أكثرُ ما فيه أن يقالَ لهم ... لم يك في قوله بِمُنْقَطِعِ )
أخبرني عيسى بن الحسين قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني محمد بن علي الشامي قال كان محمد بن يسير يصف نفسه بالذكاء والحفظ والاستغناء عن تدوين شيء يسمعه من ذلك قوله
( إذا ما غدا الطُّلاَّبُ للعلم ما لهم ... من الحظِّ إلا ما يُدَوَّن في الكُتْبِ )
(14/44)

( غدوتُ بتشمير وجِدٍّ عليهمُ ... فَمِحْبَرتي أُذْنِي ودَفْتَرُها قلبي )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني إبراهيم بن المدبر قال كان إبراهيم بن رياح إذا حزبه الأمر يقطعه بمثل قول محمد بن يسير
( تُخْطِي النفوسُ مع العيانِ ... وقد تُصيب معَ المَظِنَّهْ )
( كم من مَضِيقٍ في الفضاء ... ومَخْرَجٍ بين الأَسِنَّهْ )
أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني الحسن بن أبي السري قال مر ابن يسير بأبي عثمان المازني فجلس إليه ساعة فرأى من في مجلسه يتعجبون من نعل كانت في رجله خلق وسخة مقطعة فأخذ ورقة وكتب فيها
( كم أرى ذا تَعَجُّبٍ من نِعالي ... ورضائي منها بِلُبْسِ البَوَالِي )
( كلُّ جَرْداء قد تكتفيها ... من أقطارِها بسود النِّقال )
( لا تُداني وليس تُشْبِه في الخِلْقةِ ... إن أُبْرِزَتْ نِعالَ المَوالِي )
( مَنْ يُغالِ من الرجالِ بِنَعْلٍ ... فسِوَايَ إذاً بِهِنَّ يُغالي )
(14/45)

( لو حَذَاهُنَّ للجَمالِ فإنِّي ِّ ... في سواهُنَّ زينتي وجَمالي )
( في إخائي وفي وفائي ورأيي ... ولساني ومَنْطِقِي وفعالي )
( ما وقاني الحَفَا وبلَّغني الحاجةَ ... منها فإنَّني لا أُبالي )
أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني عبد الله بن محمد بن يسير قال دعا قثم بن جعفر بن سليمان أبي فشرب عنده فلما سكر سرق منه ألواح آبنوس كانت تكون في كمه فقال في ذلك
( عَيْنٌ بَكِّي بِعَبْرَةٍ تَسْفَاحِ ... وأقيمي مآتِمَ الألواحِ )
( أوْحَشَتْ حُجْزَتي ورُدْنايَ منها ... في بُكُورِي وعند كُلِّ رَوَاحِ )
( واذكُريها إذا ذَكَرْتِ بما قد ... كان فيها من مَرْفِقٍ وصلاحِ )
( آبُنُوسُ دَهْماءُ حالِكَةُ اللَّوْن ... لُبَابٌ من اللِّطافِ المِلاحِ )
( ذاتُ نفع خفيفةُ القَدْرِ والمَحْمِلِ ... حُلْكُوكَةُ الذُّرَا والنواحي )
( وسريعٌ جُفُونُها إنْ محاها ... عند مُمْلٍ مُستعجِلُ القوم ماحي )
( هي كانت على عُلوميَ والآدابِ ... والفقهِ عُدَّتي وسِلاحِي )
(14/46)

( كنت أغدو بها على طلب العِلمِ ... إذا ما غَدوتُ كلَّ صباحِ )
( هي كانت غِذَاءَ زَوْرِي إذا زارَ ... َ وَرِيَّ النديم يومَ اصطباحي )
يعني أنه يعمل فيها الشعر ويطلب لزواره المأكول والمشروب
( آبَ عُسْرِي وغاب يُسْري وجُودي ... حين غابتْ وغاب عنِّي سَماحِي )
هجاؤه أحمد بن يوسف
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال كان محمد بن يسير يعادي أحمد بن يوسف فبلغه أنه يتعشق جارية سوداء مغنية فقال ابن يسير يهجوه
( أقولُ لمَّا رأيتُهُ كَلِفاً ... بكلِّ سوداءَ نَزْرةٍ قَذِرَهْ )
( أهْلٌ لعمري لِمَا كَلِفتَ به ... عند الخنازير تَنْفُقُ العَذِرَهْ )
أخبرني وكيع قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا أبو العواذل قال عوتب محمد بن يسير على حضور المجالس بغير ورق ولا محبرة وأنه لا يكتب ما يسمعه فقال
( ما دخلََ الحَمَّامَ مِنْ عِلْمِي ... فذاكَ ما فازَ به سَهْمِي )
( والعِلْمُ لا ينفَعُنِي جَمْعُهُ ... إذا جَرَى الوهمُ على فهمي )
(14/47)

أخبرني علي بن سليمان الاخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال كان محمد بن يسير يعاشر ولد جعفر بن سليمان فأخذ منه قثم بن جعفر ألواح آبنوس كان يكتب فيها بالليل فقال ابن يسير في ذلك
( أبقتِ الألواحُ إذْ أُخِذَتْ ... حُرْقَةً في القلبِ تَضْطَرِمُ )
( زانَها فَصَّانِ من صَدَفٍ ... واحْمِرَارُ السَّيْرِ والقلمُ )
( وتولَّى أخذَها قُثَمٌ ... لا تولَّى نفعَها قُثَمُ )
أخبرني الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال كان محمد بن يسير يعاشر بعض الهاشميين ثم جفاه الهاشمي لملال كان فيه فكتب إليه ابن يسير قوله
( قد كنتُ مُنْقَبِضاً وأنتَ بَسَطْتَنِي ... حتى انبسطتُ إليكَ ثم قَبَضْتَنِي )
( أَذْكَرْتَنِي خُلُق النِّفاقِ وكان لي ... خُلُقاً فقد أحسنتَ إذ أَذْكَرْتَنِي )
( لو دامَ ودّك وانبسطتُ إلى امرئٍ ... في الودّ بعدك كنتَ أنت غَرَرْتَنِي )
( فَهَلُمَّ نَجْتَذِبُ التَّذاكُرَ بَيْنَنَا ... ونعود بعدُ كأنَّنا لم نَفْطَنِ )
شعره بعد أن أفاق من سكره
أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا مسعود بن يسير قال
(14/48)

شرب محمد بن يسير نبيذا مع قوم فأسكروه حتى خرج من عندهم وهو لا يعقل فأخذ رداءه وعثر في طريقه وأصاب وجهه آثار فلما أفاق أنشأ يقول
( شاربتُ قوماً لم أُطِقْ شُرْبَهُمْ ... يَغْرَقُ في بَحْرِهِمُ بَحْرِي )
( لمَا تَجَارَيْنا إلى غايةٍ ... قصَّر عن صَبْرِهمُ صبري )
( خرجتُ من عندهم مُثْخَناً ... تَدْفَعُني الجُدْرُ إلى الجُدْرِ )
( مُقَبَّحَ المَشي كَسِيرَ الخُطَا ... تَقْصُر عند الجِدِّ عن سَيْرِي )
( فلستُ أنسَى ما تجشَّمْتُ مِنْ ... كَدْحٍ ومن جُرْحٍ ومن أُثْرِ )
( وشَقَِّ ثوبٍ وتَوَى آخَرٍ ... وسَقْطَةٍ بانَ بها ظُفْرِي )
حدثني عمي وجحظة عن أحمد بن الطبيب قال حدثنا بعض أصحابنا عن مسعود بن يسير ثم ساق الخبر مثله سواء
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو العيناء قال اجتمع جعيفران الموسوس ومحمد بن يسير في بستان فنظر إلى محمد بن يسير وقد انفرد ناحية للغائط ثم قام عن شيء عظيم خرج منه فقال جعيفران
( قد قلتُ لابن يَسِيرٍ ... لمّا رمَى من عِجانِهْ )
(14/49)

( في الأرض تَلَّ سَمادٍ ... عَلاَ على كُثْبانهْ )
( طُوبَى لصاحب أرضٍ ... خَرِئْتَ في بُستانه )
قال فجعل ابن يسير يشتم جعيفران ويقول أي شيء أردت مني يا مجنون يا بن الزانية حتى صيرتني شهرة بشعرك
كتب شعرا إلى والي البصرة يستسقيه فيه نبيذا
أخبرني جحظة قال حدثني سوار بن أبي شراعة قال حدثني عبد الله بن محمد بن يسير قال كان أبي مشغوفا بالنبيذ مشتهرا بالشرب وما بات قط إلا وهو سكران وما نبذ قط نبيذا وإنما كان يشربه عند إخوانه ويستسقيه منهم فأصبحنا بالبصرة يوما على مطر هاد ولم تمكنه معه الحركة إلى قريب من إخوانه ولا بعيد وكاد يجن لما فقد النبيذ فكتب إلى والي البصرة وكان هاشميا وهو محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان قال
( كَمْ في عِلاجِ نَبيذِ التمرِ لي تَعَبٌ ... الطبخُ والدَّلْكُ والمِعْصارُ والعَكَرُ )
( وإنْ عَدَلْتُ إلى المطبوخ مُعْتَمِداً ... رأيتُني منه عند الناسِ أشتهِرُ )
( نَقْلُ الدِّنانِ إلى الجيِرانِ يَفْضَحُني ... والقِدْرُ تتركني في القوم أعتذِرُ )
( فصِرْتُ في البيت أستسقِي وأطلبه ... من الصَّدِيقِ ورُسْلي فيه تَبْتَدِرُ )
(14/50)

( فمنهُم باذِلٌ سَمْحٌ بحاجتنا ... ومنهمُ كاذبٌ بالزُّور يَعْتذِر )
( فَسقِّني رِيَّ أَيَّامٍ لتَمنَعَني ... عمَّنْ سِواكَ وتُغْنينِي فقد خَسِروا )
( إن كَان زِقٌّ أو فوافِرَةٌ ... من الدَّساتِيج لا يُزْرِي بها الصَّفَرُ )
( وإنْ تَكُنْ حاجتي ليستْ بحاضرةٍ ... وليس في البَيْتِ من آثارها أَثَرُ )
( فاسْتَسْقِ غيرَك أو فاذْكُرْ له خَبَري ... إنِ اعْتَرَاكَ حَياءٌ منه أو حَصَرُ )
( ما كان من ذلكم فليأتني عَجِلاً ... فإنَّني واقفٌ بالبابِ أنتظرُ )
( لاَ لي نبيذٌ ولا حُرٌّ فيدعوَني ... وقد حَمَانِيَ من تَطْفِيليَ المَطَرُ )
قال فضحك لما قرأها وبعث إليه بزق نبيذ ومائتي درهم وكتب إليه اشرب النبيذ وأنفق الدراهم إلى أن يمسك المطر ويتسع لك التطفيل ومتى أعوزك مكان فاجعلني فيئة لك والسلام
صوت
( أنتَ حَدِيثِي في النومِ واليَقظَهْ ... أتْعَبْتُ ممَّا أَهْذي بك الحَفَظَهْ )
( كم واعظٍ فيك لي ووَاعظةٍ ... لو كنتُ ممن تنهاه عنك عِظَةْ )
الشعر لديك الجن الحمصي والغناء لعريب هزج ذكر ذلك ذكاء وجه الرزة وقمري جميعا والله أعلم
(14/51)

أخبار ديك الجن ونسبه
ديك الجن لقب غلب عليه واسمه عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب بن عبد الله بن رغبان بن يزيد بن تميم وكان جده تميم ممن أنعم الله عز و جل عليه بالإسلام من أهل مؤتة على يدي حبيب بن مسلمة الفهري وكان شديد التشعب والعصبية على العرب يقول ما للعرب علينا فضل جمعتنا وإياهم ولادة إبراهيم صلى الله عليه و سلم وأسلمنا كما أسلموا ومن قتل منهم رجلا منا قتل به ولم نجد الله عز و جل فضلهم علينا إذ جمعنا الدين
(14/52)

وهو شاعر مجيد يذهب مذهب أبي تمام والشاميين في شعره من شعراء الدولة العباسية وكان من ساكني حمص ولم يبرح نواحي الشام ولا وفد إلى العراق ولا إلى غيره منتجعا بشعره ولا متصديا لأحد وكان يتشيع تشيعا حسنا وله مراثِ كثيرة في الحسين بن علي عليهما السلام منها قوله
( يا عينُ لا لِلقَضَا ولا الكُتُبِ ... بُكَا الرَّزَايَا سِوَى بُكَا الطَّرَب )
وهي مشهورة عند الخاص والعام ويناح بها وله عدة أشعار في هذا المعنى وكانت له جارية يهواها فاتهمها بغلام له فقتلها واستنفد شعره بعد ذلك في مراثيها
هجاؤه ابن عمه
قال أبو الفرج ونسخت خبره في ذلك من كتاب محمد بن طاهر أخبره بما فيه ابن أخ لديك الجن يقال له أبو وهب الحمصي قال كان عمي خليعا ماجنا معتكفا على القصف واللهو متلافا لما ورث عن آبائه واكتسب بشعره من أحمد وجعفر ابني علي الهاشميين وكان له ابن عم يكنى أبا الطيب يعظه وينهاه عما يفعله ويحول بينه وبين ما يؤثره ويركبه من لذاته وربما هجم عليه وعنده قوم من السفهاء والمجان وأهل الخلاعة فيستخف بهم وبه فلما كثر ذلك على عبد السلام قال فيه
(14/53)

( مَولاتُنا يا غلامُ مُبْتَكِرَهْ ... فباكِرِ الكأسَ لي بلا نَظِرَه )
( غَدَتْ على اللهو والمجونِ على ... أن الفتاةَ الحَيِيَّةُ الخَفِرَهْ )
( لِحُبِّها لا عَدِمْتُها حُرَقٌ ... مطويَّةٌ في الحَشَا ومُنْتَشِرَهْ )
( ما ذُقْتُ منها سوى مُقَبَّلِها ... وضَمِّ تلك الفُروعِ مَنْحَدِرَهْ )
( وانْتَهرَتْني فَمِتُّ من فَرَقٍ ... يا حُسْنَها في الرِّضا ومُنْتَهِرَهْ )
( ثم انثنتْ سَوْرَةُ الخُمار بنا ... خِلال تلك الغَدائِرِ الخَمِرَهْ )
( وليلةٍ أشرفتْ بَكَلْكَلِها ... عَلَيَّ كالطَّيْلَسان مُعْتَجِرَهْ )
( فَتَقْتُ دَيْجُورَها إلى قَمَرٍ ... أثوابُهُ بالعَفَافِ مُسْتَتِرَهْ )
( عُجْ عَبَراتِ المُدام نحوِيَ مِن ... عَشْرِ وعِشْرين واثنَتَيْ عَشَرَهْ )
( قد ذُكرَ الناسُ عن قِيامِهِمُ ... ذِكْرى بعَقْلي ما أصبحَتْ نَكرَهْ )
( مَعْرفتي بالصوابِ مَعْرِفَةٌ ... غَرَّاءُ إمَّا عَرَفْتُمُ النَّكرهْ )
( يا عجباً من أبي الخبيثِ ومِنْ ... سُرُوحِه في البَقَائر الدَّثِره )
(14/54)

( يَحْمِلُ رأساً تنبو المَعاوِلُ عن ... صَفْحته والجلامِدُ الوَعِرَه )
( لَوِ البِغالُ الكُمْتُ ارتقتْ سَنَداً ... فِيهِ لَمَدَّتْ قَوائماً خَدِرَهْ )
( ولا المجَانِيقُ فِيهِ مُغْنِيةٌ ... ألفٌ تَسَامَى وأَلفُ مُنْكَدِرَهْ )
( أنظر إلى موضعِ المِقَصِّ من الهامَةِ ... تلك الصَّفيحةُ العَجِرَهْ )
( فلَوْ أخذتمْ لها المَطَارِقَ حَرّانِيَّةً ... صَنْعةَ اليَدِ الخَبِرَهْ )
( إذاً لراحتْ أَكُفُّ جِلَّتِهِمْ ... كَلِيلةً والأداةُ مُنْكَسِرَهْ )
( كَمْ طَرَباتٍ أَفْسَدْتَهُنَّ وكَمْ ... صَفْوةِ عَيْشٍ غادرتَها كَدِرَهْ )
( وكَمْ إذَا ما رَأوْكَ يا مَلَكَ الْمَوْتِ ... لهم مِنْ أَنامِلٍ خَصِرَهْ )
( وكَمْ لهم دَعْوة عليكَ وكَمْ ... قَذْفةِ أُمٍّ شَنْعاءَ مُشْتَهِرَهْ )
( كريمةٍ لؤمُك استخَفَّ بها ... ونالها بالمَثالِبِ الأشِرَهْ )
( قِفُوا على رَحْلِه تَرَوْا عَجَباً ... في الجَهْلِ يَحكِي طَرائِفَ البَصرَهْ )
(14/55)

( يا كُلَّ مَنْيٍ وكلَّ طَالعةٍ ... نَحْسٍ ويا كُلَّ ساعةٍ عَسِرَهْ )
( سبحانَ مَنْ يُمْسِكُ السماءَ على الأرض ... وفيها أخلاقُك القَذِرَهْ )
خبره مع زوجه ورد
قال وكان عبد السلام قد اشتهر بجارية نصرانية من أهل حمص هويها وتمادى به الأمر حتى غلبت عليه وذهبت به فلما اشتهر بها دعاها إلى الإسلام ليتزوج بها فأجابته لعلمها برغبته فيها وأسلمت على يده فتزوجها وكان اسمها وردا ففي ذلك يقول
( انظر إلى شمسِ القُصورِ وبَدْرِها ... وإلى خُزَامَاها وبَهْجَةِ زَهْرِها )
( لم تَبْلُ عينُك أبيضاً في أسوَدٍ ... جَمَع الجمالَ كوَجْهِها في شَعْرِها )
( وَرْدِيَّةُ الوَجَنات يَخْتَبِرُ اسمَها ... من رِيقِها مَنْ لا يُحيط بخُبْرِها )
( وتمايلتْ فضَحِكْتُ من أَردافِها ... عَجَباً ولكنِّي بَكيْتُ لِخَصْرِها )
( تَسْقيك كأْسَ مُدَامةٍ من كَفِّها ... وَرْدِيَّةٍ ومُدامة من ثَغْرِها )
قال وكان قد أعسر واختلت حاله فرحل إلى سلمية قاصدا لأحمد بن علي الهاشمي فأقام عنده مدة طويلة وحمل ابن عمه بغضه إياه بعد مودته له وإشفاقه عليه بسبب هجائه له على أن أذاع على تلك المرأة التي تزوجها عبد السلام أنها تهوى غلاما له وقرر ذلك عند جماعة من أهل بيته وجيرانه وإخوانه وشاع ذلك الخبر حتى أتى عبد السلام فكتب إلى أحمد بن علي
(14/56)

شعرا يستأذنه في الرجوع إلى حمص وبعلمه ما بلغه من خبر المرأة من قصيدة أولها
( إنَّ رَيْبَ الزمان طال انتكاثُه ... كَمْ رمتني بحادثٍ أحداثُهْ )
يقول فيها
( ظَبْيُ إنسٍ قلبي مَقِيلُ ضُحَاهُ ... وفُؤادي بَرِيرُهُ وكَبَاثُهْ )
وفيها يقول
( خِيفَةً أن يخونَ عَهْدِي وأن يُضْحِي ... لغيري حُجُولُه ورعاثُهْ )
ومدح أحمد بعد هذا وهي طويلة فأذن له فعاد إلى حمص وقدر ابن عمه وقت قدومه فأرصد له قوما يعلمونه بموافاته باب حمص فلما وافاه خرج إليه مستقبلا ومعنفا على تمسكه بهذه المرأة بعد ما شاع من ذكرها بالفساد وأشار عليه بطلاقها وأعلمه أنها قد أحدثت في مغيبه حادثة لا يجمل به معها المقام عليها ودس الرجل الذي رماها به وقال له إذا قدم عبد السلام ودخل منزله فقف على بابه كأنك لم تعلم بقدومه وناد باسم ورد فإذا قال من أنت فقل أنا فلان فلما نزل عبد السلام منزله وألقى ثيابه سألها عن الخبر وأغلظ عليها فأجابته جواب من لم يعرف من القصة شيئا فبينما هو في ذلك إذ قرع الرجل الباب فقال من هذا فقال أنا فلان فقال لها عبد السلام يا زانية زعمت أنك لا تعرفين من هذا الأمر شيئا ثم اخترط سيفه فضربها به حتى قتلها وقال في ذلك
( ليتَني لم أكُنْ لِعَطْفكِ نِلْتُ ... وإلى ذلك الوِصالِ وصلتُ )
(14/57)

( فالذي منِّيَ اشتملت عليه ... أَلِعَارٍ ما قَدْ عليهِ اشتملتُ )
( قال ذو الجهل قد حَلُمْتَ ولا أَعْلَمُ ... أَنِّي حَلُمْتُ حتى جَهِلْتُ )
( لاثمٌ لي بجهله ولماذا ... أنا وَحْدي أحببتُ ثم قتلتُ )
( سوف آسَى طولَ الحياة وأبكيكِ ... على ما فعلت لا ما فعلتُ )
وقال فيها أيضا
( لَكِ نفسٌ مُواتِيَهْ ... والمَنَايَا مُعَادِيَهْ )
( أيّها القلب لا تَعُدْ ... بِهوَى البِيضِ ثَانِيَهْ )
( ليس بَرْقٌ يكون أخلبَ ... من بَرْقِ غانِيَهْ )
( خُنْتِ سِرِّي ولم أَخُنْك ... ِ فمُوتِي عَلاَنِيَهْ )
قال وبلغ السلطان الخبر فطلبه فخرج إلى دمشق فأقام بها أياما وكتب أحمد بن علي إلى أمير دمشق أن يؤمنه وتحمل عليه بإخوانه حتى يستوهبوا جنايته فقدم حمص وبلغه الخبر على حقيقته وصحته واستيقنه فندم ومكث شهرا لا يستفيق من البكاء ولا يطعم من الطعام إلا ما يقيم رمقه وقال في ندمه على قتلها
( يا طلعةً طلع الحِمامُ عليها ... وجَنَى لها ثَمَرَ الرَّدَى بِيَدَيْهَا )
( رَوَّيْتُ من دَمِها الثَّرَى ولطالَما ... رَوَّى الهوى شَفَتَيَّ من شَفَتَيْها )
( قد بات سَيْفِي في مَجال وشاحِها ... ومَدامِعِي تجري على خَدَّيْها )
( فوَحَقِّ نَعْلَيْها وما وطئ الحَصَى ... شيءٌ أَعَزُّ عَلَيَّ من نَعْلَيْها )
(14/58)

( ما كان قَتْلِيها لأني لم أكُنْ ... أبكِي إذا سَقَطَ الذُّبابُ عليها )
( لكنْ ضَنَنْتُ على العيون بحُسْنها ... وأنِفْتُ من نَظَر الحسودِ إليها )
وهذه الأبيات تروى لغير ديك الجن
أخبرني بها محمد بن زكريا الصحاف قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن منصور قال كان من غطفان رجل يقال له السليك بن مجمع وكان من الفرسان وكان مطلوبا في سائر القبائل بدماء قوم قتلهم وكان يهوى ابنة عم له وكان خطبها مدة فمنعها أبوها ثم زوجه إياها خوفا منه فدخل بها في دار أبيها ثم نقلها بعد أسبوع إلى عشيرته فلقيه من بني فزارة ثلاثون فارسا كلهم يطلبه بذحل فحلقوا عليه وقاتلهم وقتل منهم عددا وأثخن بالجراح آخرين وأثخن هو حتى أيقن بالموت فعاد إليها فقال ما أسمح بك نفسا لهؤلاء وإني أحب أن أقدمك قبلي قالت افعل ولو لم تفعله أنت لفعلته أنا بعدك فضربها بسيفه حتى قتلها وأنشأ يقول
( يا طلعة طلع الحمام عليها ... )
وذكر الأبيات المنسوبة إلى ديك الجن ثم نزل إليها فتمرغ في دمها وتخضب به ثم تقدم فقاتل حتى قتل وبلغ قومه خبره فحملوه وابنة عمه فدفنوهما قال وحفظت فزارة عنه هذه الأبيات فنقلوها قال وبلغني أن قومه أدركوه وبه رمق فسمعوه يردد هذه الأبيات فنقلوها وحفظوها عنه وبقي عندهم يوما ثم مات
(14/59)

وقال ديك الجن في هذه المقتولة
( أشفقتُ أن لِبَليَّتِي يَرِدَ الزمانُ بغَدْرِهِ ... أو أبْتَلَى بعد الوِصالِ بهَجْرِهِ )
( قَمَرٌ أنا استخرجْتُه من دَجْنِهِ ... لِبَلِيَّتِ وجَلَوتُه من خدْرِهِ )
( فقتلته وله عليَّ كرامةٌ ... مِلْءَ الحَشَى وله الفؤادُ بِأَسْرِهِ )
( عَهْدِي به مَيْتاً كأحسنِ نائمٍ ... والحُزْن يَسْفَحُ عَبْرتِي في نحْرِهِ )
( لو كانَ يَدْري المَيتُ ماذا بعدَه ... بالحيّ حَلَّ بَكَى له في قَبْرِهِ )
( غُضَصٌ تكاد تفيظ منها نفسه ... وتكادُ تُخْرِج قَلْبَه مِنْ صَدْرِهِ )
وقال فيها أيضا
( أساكِنَ حُفْرةٍ وقَرارِ لَحْدِ ... مُفارِقَ خُلَّةٍ من بعد عهدِ )
( أجِبْنِي إن قَدَرْتَ على جوابي ... بحقِّ الوُدِّ كيف ظَلِلْتَ بَعْدي )
( وأين حَلَلْتَ بعدَ حلول قلبي ... وأحشائي وأضلاعي وكبْديِ )
( أمَا واللهِ لو عاينتَ وَجْدِي ... إذَا استعبرتُ في الظُّلُمات وَحدِي )
( وجَدَّ تَنَفُّسِي وعلا زَفِيرِي ... وفاضتْ عَبْرتي في صَحنِ خَدِّي )
( إذاً لعلِمْتَ أنِّي عن قريبٍ ... ستُحْفَرُ حُفْرتي ويُشَقُّ لَحْدِي )
( ويَعْذِلُني السفيهُ على بُكائي ... كأنِّي مبتلًى بالحزن وحدي )
( يقول قتلتَها سَفَهاً وجهلاً ... وتَبكيها بكاءً ليس يُجدي )
( كصيَّاد الطُّيورِ له انتحابٌ ... عليها وَهْوَ يذبحُها بِحدِّ )
(14/60)

وقال فيها أيضا
( ما لامرِئ بِيَدِ الدَّهْرِ الخَؤونِ يَدُ ... ولا على جَلَدِ الدُّنيَا له جَلَد )
( طُوبَى لأحبابِ أقوامٍ أصابَهُمُ ... من قَبْلِ أن عَشِقوا موتٌ فقد سَعِدوا )
( وحَقِّهم إنَّه حقٌّ أَضِنُّ به ... لأُنْفِدَنَّ لهم دمعي كما نَفِدوا )
( يا دهرُ إنَّك مَسْقِيٌّ بكأسهِمُ ... ووَارِدٌ ذلك الحوضَ الذي وَرَدُوا )
( الخَلْق ماضُونَ والأيامُ تَتْبَعُهُمْ ... نَفْنَى جميعاً ويبقَى الواحدُ الصَّمَدُ )
وقال فيها
( أمَا آنَ للطَّيْفِ أن يأتِيَا ... وأن يَطْرُقَ الوَطَنَ الدَّانِيَا )
( وإنِّي لأحْسَبُ ريبَ الزَّمانِ ... ِ يتركُني جَسَداً باليا )
( سأشكر ذلكَ لا ناسِياً ... جميلَ الصَّفاء ولا قاليا )
( وقد كنتُ أنشرُه ضاحكاً ... فقد صِرْتُ أنشره باكِيا )
وقال أيضا
( قُلْ لِمَنْ كان وجهُه كضياء الشَّمْسِ ... في حُسْنِه وبَدْرٍ مُنيرِ )
( كنت زَيْنَ الأحياءِ إذ كنتَ فيهمْ ... ثم قَدْ صِرْتَ زَيْنَ أهلِ القُبورِ )
( بأبي أنت في الحياة وفي المَوْت ... وتحتَ الثرى ويوم النُّشورِ )
( خُنْتَنِي في المَغِيب والخَوْنُ نُكْرٌ ... وذمِيمٌ في سالفاتِ الدُّهورِ )
(14/61)

( فشفاني سَيْفي وأسرعَ في حزِّ ... التَّراقي قَطْعاً وحَزِّ النُّحورِ )
قال أبو الفرج ونسخت من هذا الكتاب قال
تشبيبه بغلام له
كان ديك الجن يهوى غلاما من أهل حمص يقال له بكر وفيه يقول وقد جلسا يوما يتحدثان إلى أن غاب القمر
( دَعِ البَدْرَ فَلْيَغْرُبْ فأنتَ لنا بَدْرُ ... إذا ما تجلَّى منْ مَحَاسِنِكَ الفجرُ )
( إذا ما انقضَى سِحْرُ الذين ببابلٍ ... فطرْفُكَ لي سِحْرٌ ورِيقُكَ لي خمر )
( ولو قيل لي قُمْ فادْعُ أحسنَ من ترى ... لصِحتُ بأعلى الصوت يا بَكْرُ يا بَكْرُ )
قال وكان هذا الغلام يعرف ببكر بن دهمرد قال وكان شديد التمنع والتصون فاحتال قوم من أهل حمص فأخرجوه إلى متنزه لهم يعرف بميماس فاسكروه وفسقوا به جميعا وبلغ ديك الجن الخبر فقال فيه
( قُلْ لهضِيم الكَشْحِ مَيَّاسُ ... انْتَقَضَ العهدُ من النَّاسِ )
( يا طلعةَ الآس التي لم تَمِدْ ... إلاَّ أذَلَّتْ قُضُبَ الآس )
( وَثِقْتَ بالكأس وشُرَّابها ... وحَتْفُ أمثالِك في الكاس )
( وحال مِيماسُ ويا بعدما ... بين مغيثيك وميماس )
(14/62)

( تَقْطِيعُ أَنْفاسِك في أثْرِهِمْ ... ومَلْكِهِمْ قَطَّعَ أنفاسي )
( لا بأسَ مولايَ على أنها ... نِهايةُ المكروهِ والباسِ )
( هي اللَّيالي ولها دولةٌ ... ووحشة من بعد إيناسِ )
( بَيْنَا أنافتْ وعَلَتْ بالفَتَى ... إذْ قيل حَطَّتْه على الرَّاس )
( فالهُ ودَعْ عنكَ أحاديثَهم ... سَيُصْبِحُ الذَّاكرِ كالنَّاسِي )
وقال فيه أيضا
( يا بكرُ ما فعلتْ بك الأرطالُ ... يا دارُ ما فعلتْ بك الأيامُ )
( في الدارِ بَعْدُ بَقِيَّةٌ نستامُها ... إذ ليس فيك بَقِيَّةٌ تُستام )
( عَرِمَ الزَّمانُ على الدِّيار برَغْمِهِمْ ... وعليكَ أيضاً للزَّمان عُرَامُ )
( شغَلَ الزمانَ كَراكَ في ديوانه ... فَتَفَرَّغتْ لِدَواتِكَ الأقلامُ )
وقال فيه أيضا
( قُولاَ لِبَكرِ بن دهْمرْدٍ إذا اعتكرتْ ... عَسَاكِرُ اللَّيْلِ بين الطَّاسِ والجامِ )
( ألم أَقُلْ لك إنَّ البغيَ مَهْلَكةٌ ... والبغيُ والعُجْبُ إفسادٌ لأقوام )
( قد كنتَ تَفْرَقُ مِن سَهْمٍ بغانيةٍ ... فصِرْتَ غيرَ رَميمٍ رُقْعَةَ الرامي )
(14/63)

( وكنت تَفْزَعُ من لَمْسٍ ومن قُبَلٍ ... فقد ذَلَلْتَ لإسراجٍ وإلجام )
( إن تَدْمَ فَخْذَاكَ مِن رَكْضٍ فَرُبَّتَمَا ... أُمْسِي وقلبي عليك المُوجَعُ الدامِي )
أخبرني أبو المعتصم عاصم بن محمد الشاعر بأنطاكية وبها أنشدني قصيدة البحتري
( مَلاَمَك إنَّه عهدٌ قريبُ ... ورُزْءٌ ما انقضتْ منه النُّدوبُ )
وأنشدني لديك الجن يعزي جعفر بن علي الهاشمي
( نَغْفُلُ والأيَّامُ لا تَغْفُلُ ... ولا لَنَا من زَمَنٍ مَوْئِلُ )
( والدَّهْرُ لا يَسْلَمُ من صَرْفِهِ ... أعصمُ في القُنَّةِ مُسْتَوْعِلُ )
( يَتَّخذُ الشِّعْرَى شِعارا له ... كأنما الأُفْقُ له مَنْزِلُ )
( كأنَّه بين شَنَاظِيرِها ... بارقةٌ تَكْمُنُ أو تَمْثُلُ )
( ولا حَبَابٌ صَلَتَانُ السُّرَى ... أرقمُ لا يعرف ما يَجْهَلُ )
( نَضْناضُ فَيْفاءَ يرى أنَّه ... بالرمل غانٍ وهُوَ المُرْمِلُ )
(14/64)

( يَطْلُبُ من فاجِئةٍ مَعْقِلاً ... وَهْوَ لما يطلُب لا يَعْقِلُ )
( والدَّهرُ لا يسلَمُ من صَرْفِهِ ... مُسَرْبَلٌ بالسَّرْدِ مستبسِلُ )
( ولا عَقْنَبَاةُ السُّلاَمى لها ... في كُلِّ أفْقٍ عَلَقٌ مُهْمَلُ )
( فَتْخاءُ في الجَوِّ خدارِيَّةٌ ... كالغَيْم والغَيْمُ لها مُثْقِلُ )
( آمَنُ مَنْ كان لِصَرْفِ الرَّدَى ... أنزلَها من جَوِّها مُنْزِلُ )
( والدَّهْرُ لا يَحْجُبُه مانِعٌ ... يحجُبُه العامِلُ والمُنْصُلُ )
( يُصْغي جَدِيدَاهُ إلى حُكْمِهِ ... ويَفْعَلُ الدهرُ بما يَفْعَلُ )
( كأنَّه مِنْ فَرْط عِزِّ به ... أشْوَسُ إذ أقبلَ أو أقْبَلُ )
الأقبل الذي في عينه قبل وهو دون الحول
( في حَسَبٍ أَوْفَى له جَحْفَلٌ ... يَقْدُمُه من رَأْيه جحفلُ )
( بينَا على ذلك إذ عَرَّشتْ ... في عَرْشِه داهِيَةٌ ضِئْبِلُ )
( إنْ يَكُ في العِزِّ له مِشْقَصٌ ... ماضٍ فقدْ تاحَ له مَقْتَلُ )
( جادَ على قَبْرِكَ مِنْ مَيِّتٍ ... بالرَّوْحِ ربٌّ لكَ لا يبْخَلُ )
(14/65)

( وَحَنَّت المُزْنُ على قبرِهِ ... بِعَارِضٍ نَجْوَتُه مَحْفِلُ )
( غيثٌ تَرى الأرضَ على وَبْلِهِ ... تضحكُ إلا أنَّه يَهْمِلُ )
( يَصِلُّ والأرضُ تُصَلِّي له ... مِن صَلَوَاتٍ مَعَه تَسْأَلُ )
( أنت أبا العَبَّاس عَبَّاسُها ... إذا استطار الحَدَثُ المُعْضِلُ )
( وأنت يَنْبُوع أفانِينِها ... إذا هُمُ في سَنةٍ أمحلوا )
( وأنتَ عَلاَّمُ غُيوبِ النَّثَا ... يوماً إذا نَسْأَلُ أو نُسْألُ )
( نحن نُعَزِِّّيكَ ومنك الهُدَى ... مُسْتَخْرَجٌ والنُّورُ مُسْتَقْبَلُ )
( نقول بالعقلِ وأنت الَّذِي ... نأوِي إليه وبِهِ نَعْقِلُ )
( نحن فِدَاءٌ لك مِنْ أُمَّةٍ ... والأرضُ والآخِرُ والأوّلُ )
( إذا غفا عنكَ وأَوْدَى بها ... ذا الدهرُ فَهْوَ المُحْسِنُ المُجْمِلُ )
شعره في رثاء جعفر بن علي الهاشمي
قال أبو المعتصم ثم مات جعفر بن علي الهاشمي فرثاه ديك الجن فقال
( على هذه كانتْ تدور النوائبُ ... وفي كلِّ جمع للذهابِ مذاهبُ )
(14/66)

( نَزَلْنا على حُكْمِ الزَّمانِ وأَمْرِهِ ... وهل يَقْبَلُ النِّصْفَ الأَلَدُّ المُشاغِبُ )
( وتَضْحَكُ سِنُّ المرءِ والقلبُ مُوجَعٌ ... ويرضَى الفَتَى عن دَهْره وهو عاتبُ )
( أَلاَ أَيُّها الرُّكبانُ والرَّدُّ واجبٌ ... قِفُوا حَدِّثُونَا ما تقولُ النَّوادِبُ )
( إلى أيِّ فِتْيَانِ النَّدَى قَصَدَ الرَّدَى ... وأَيَّهمُ نابتْ حِمَاهُ النَّوائِبُ )
( فَيَا لأبي العَبَّاسِ كَمْ رُدَّ راغِبٌ ... لِفَقْدِكَ ملهوفاً وكَمْ جُبَّ غارِبُ )
( وَيَا لأبي العَبَّاسِ إنّ مَناكِباً ... تُنُوءُ بما حَمَّلْتَها لَنَوَاكِبُ )
( فيا قبرَه جُدْ كلَّ قبرٍ بِجَوْدِهِ ... فَفِيك سماءٌ ثَرَّةٌ وسَحَائِبُ )
( فَإنَّكَ لَوْ تَدْرِي بما فيك مِن عُلاً ... عَلَوْتَ وباتَتْ في ذَرَاكَ الكَوَاكِبُ )
( أخاً كُنْتُ أبْكِيهِ دماً وهو نائمٌ ... حِذَاراً وَتَعْمَى مُقْلَتِي وهو غائبُ )
( فماتَ ولا صَبْرِي على الأَجْرِ واقفٌ ... ولا أنا في عُمْرٍ إلى الله راغِبُ )
( أأسعى لأِحْظَى فيك بالأجْرِ إِنَّهُ ... لَسَعيٌ إذن مِنِّي لدى الله خائب )
( ومَا الإِثْمُ إلاَّ الصّبرُ عنكَ وإنَّما ... عواقبُ حَمْدٍ أن تُذَمَّ العواقبُ )
( يقولون مِقْدَارٌ على المرءِ واجِبٌ ... فقلتُ وإعوالٌ على المرءِ واجبُ )
( هو القلبُ لَمّا حُمَّ يومُ ابنِ أُمِّهِ ... وهي جانِبٌ منه وأُسْقِمَ جانِبُ )
( تَرَشَّفْتُ أيَّامِي وهُنَّ كوالِحٌ ... عليك وغالبتُ الرَّدَى وهو غالِبُ )
( ودافعتُ في صدر الزَّمانِ وَنَحْرِهِ ... وأيُّ يَدٍ لي والزمانُ مُحارِبُ )
( وقلت له خَلِّ الجَوَادَ لِقَوْمِهِ ... وهأنذا فَازْدَد فإنَّا عَصَائِبُ )
(14/67)

( فواللهِ إخلاصاً من القولِ صادقاً ... وإلاَّ فَحُبِّي آلَ أَحْمدَ كاذِبُ )
( لَوْ أنّ يَدِي كانت شِفاءَكَ أو دَمِي ... دَمَ القَلْبِ حَتَّى يَقْصِبَ القلبَ قاضِبُ )
( لَسَلَّمتُ تسليمَ الرِّضا وتَخِذْتُها ... يداً للرَّدى ما حَجَّ لله راكِبُ )
( فَتًى كان مثلَ السيفِ من حيثُ جِئْتَه ... لنائبةٍ نابتْكَ فَهْوَ مُضَارِبُ )
( فَتًى هَمُّه حمدٌُ على الدَّهْرِ رابِحٌ ... وإن غاب عنهُ مالُهُ فهو عازِبُ )
( شمائِلُ إن يَشْهدْ فَهُنَّ مَشَاهِدٌ ... عِظامٌ وإن يَرْحَلْ فَهُنَّ كتائِبُ )
( بكاكَ أَخٌ لم تَحْوِهِ بِقَرَابَةٍ ... بَلَى إنَّ إخوانَ الصَّفاءِ أقارِبُ )
( وأظلمتِ الدُّنْيَا التي كنتَ جارَها ... كأنَّكَ للدُّنيا أخٌ ومُنَاسِبُ )
( يُبَرِّدُ نيرانَ المصائبِ أنَّني ... أرى زمناً لم تبقَ فيه مصائِبُ )
قال أبو الفرج ونسخت من كتاب محمد بن طاهر عن أبي طاهر إن خطيب أهل حمص كان يصلي على النبي على المنبر ثلاث مرات في خطبته وكان أهل حمص كلهم من اليمن لم يكن فيهم من مضر إلا ثلاثة أبيات فتعصبوا على الإمام وعزلوه فقال ديك الجن
( سَمِعُوا الصَّلاةَ على النَّبيِّ تَوَالَى ... فَتَفَرَّقُوا شِيَعاً وقالُوا لاَلاَ )
( ثم استمرَّ على الصلاةِ إمامُهم ... فتحزَّبوا ورَمَى الرِّجالُ رجالاَ )
( يا آلَ حِمْصَ تَوَقَّعُوا مِنْ عارِها ... خِزْياً يَحِلُّ عليكُمُ ووبَالاَ )
( شاهتْ وجوهُكُم وجوهاً طالَما ... رَغِمَتْ معاطِسُها وساءتْ حالا )
(14/68)

صوت
( أيا بنةَ عبدِ اللهِ وابنةَ مالِكٍ ... ويا بْنَةَ ذي البُرْدَيْنِ والفَرَسِ الوَرْدِ )
( إذا ما صنعتِ الزادَ فالتَمِسِي له ... أَكِيلاً فَإِنِّي لستُ آكِلَهُ وَحْدِي )
عروضه من الطويل
الشعر لقيس بن عاصم المنقري والغناء لعلويه ثقيل أول بالوسطى
(14/69)

أخبار قيس بن عاصم ونسبه
هو قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن مقاعس واسم مقاعس الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ويكنى أبا علي وأمه أم أصعر بنت خليفة بن جرول بن منقر
وهو شاعر فارس شجاع حليم كثير الغارات مظفر في غزواته أدرك الجاهلية والإسلام فساد فيهما وهو أحد من وأد بناته في الجاهلية وأسلم وحسن إسلامه وأتى النبي وصحبه في حياته وعمر بعده زمانا وروى عنه عدة أحاديث
وأد كل بناته في الجاهلية
أخبرني عمي الحسن بن محمد قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني علي بن الصباح عن ابن الكلبي عن أبيه قال وفد قيس بن عاصم على رسول الله فسأله بعض الأنصار عما يتحدث به عنه من الموءودات التي وأدهن من بناته فأخبر أنه ما ولدت له بنت قط إلا وأدها ثم أقبل على رسول الله يحدثه فقال له كنت أخاف سوء الأحدوثة والفضيحة في البنات فما ولدت لي
(14/70)

بنت قط إلا وأدتها وما رحمت منهم موءودة قط إلا بنية لي ولدتها أمها وأنا في سفر فدفعتها أمها إلى أخوالها فكانت فيهم وقدمت فسألت عن الحمل فأخبرتني المرأة أنها ولداً ميتا ومضت على ذلك سنون حتى كبرت الصبية ويفعت فزارت أمها ذات يوم فدخلت فرأيتها وقد ضفرت شعرها وجعلت في قرونها شيئا من خلوق ونظمت عليها ودعا وألبستها قلادة جزع وجعلت في عنقها مخنقة بلح فقلت من هذه الصبية فقد أعجبني جمالها وكيسها فبكت ثم قالت هذه ابنتك كنت خبرتك أني ولدت ولدا ميتا وجعلتها عند أخوالها حتى بلغت هذا المبلغ فأمسكت عنها حتى اشتغلت عنها ثم أخرجتها يوما فحفرت لها حفيرة فجعلتها فيها وهي تقول يا أبت ما تصنع بي وجعلت أقذف عليها التراب وهي تقول يا أبت أمغطي أنت بالتراب أتاركي أنت وحدي ومنصرف عني وجعلت أقذف عليها التراب ذلك حتى واريتها وانقطع صوتها فما رحمت أحدا ممن واريته غيرها فدمعت عينا النبي ثم قال إن هذه لقسوة وإن من لا يرحم لا يرحم \ ح \ أو كما قال
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني عمي أبو فراس محمد بن فراس عن عمر بن أبي بكار عن شيخ من بني تميم عن أبي هريرة
(14/71)

أن قيس بن عاصم دخل على رسول الله وفي حجره بعض بناته يشمها فقال له ما هذه السخلة تشمها فقال هذه ابنتي فقال والله لقد ولد لي بنون ووأدت بنيات ما شممت منهن أنثى ولا ذكرا قط فقال رسول الله فهل إلا أن ينزع الله الرحمة من قلبك
قال أحمد بن الهيثم قال عمي فحدثني عبد الله بن الأهتم أن سبب وأد قيس بناته أن المشمرج اليشكري أغار على بني سعد فسبى منهم نساء واستاق أموالا وكان في النساء امرأة خالها قيس بن عاصم وهي رميم بنت أحمر بن جندل السعدي وأمها أخت قيس فرحل قيس إليهم يسألهم أن يهبوها له أو يفدوها فوجد عمرو بن المشمرج قد اصطفاها لنفسه
فسأله فيها فقال قد جعلت أمرها إليها فإن اختارتك فخذها فخيرت فاختارت عمرو بن المشمرج فانصرف قيس فوأد كل بنت وجعل ذلك سنة في كل بنت تولد له واقتدت به العرب في ذلك فكان كل سيد يولد له بنت يئدها خوفا من الفضيحة
خبره مع زوجه منفوسة
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني عمي عن العباس بن هشام عن أبيه عن جده قال تزوج قيس بن عاصم المنقري منفوسة بنت زيد الفوارس الضبي وأتته في الليلة الثانية من بنائه بها بطعام فقال فأين أكيلي فلم تعلم ما يريد فأنشأ يقول
(14/72)

( أيابْنَةَ عبدِ اللهِ وابنَةَ مالِكٍ ... ويابْنَةَ ذي البُرْدَيْنِ والفَرَسِ الوَرْدِ )
( إذا ما صَنَعْتِ الزادَ فالتمسِي له ... أكِيلاً فإنِّي لستُ آكِلَهُ وَحْدِي )
( أخاً طارقاً أو جارَ بيتٍ فإنَّني ... أخاف مَلاَماتِ الأحاديثِ مِنْ بَعْدِي )
( وَإِنِّي لعبدُ الضَّيْفِ من غيرِ ذِلَّةٍ ... وما بِيَ إلاَّ تلك من شِيَمِ العَبْدِ )
قال فأرسلت جارية لها مليحة فطلبت له أكيلا وأنشأت تقول له
( أَبَى المَرْءُ قَيْسٌ أن يذوقَ طَعَامَهُ ... بغيرِ أَكِيلٍ إنَّهُ لَكَرِيمُ )
( فَبُورِكْتَ حَيّاً يا أَخَا الجُودِ والنَّدَى ... وبُورِكْتَ مَيْتاً قد حَوَتْكَ رُجومُ )
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال جاور رجل من بني القين من قضاعة قيس بن عاصم فأحسن جواره ولم ير منه إلا خيرا حتى فارقه ثم نزل عند جوين الطائي أبي عامر بن جوين فوثب عليه رجال من طيئ فقتلوه وأخذوا ماله فقال العباس بن مرداس يهجوهم ويمدح قيسا
(14/73)

( لَعَمْرِي لقد أوفَى الجوادُ ابنُ عاصم ... وأَحْصَنَ جاراً يومَ يَحْدِجُ بَكْرَهْ )
( أقامَ عزيزاً مُنْتَدَى القومِ عِنْدَهُ ... فلم يَرَ سَوْءاتٍ ولم يخشَ غَدْرَهْ )
( أقامَ بِسَعْدٍ يَشربَ الماءَ آمناً ... ويأكل وُسْطَاهَا ويَرْبِضُ حَجْرَهْ )
( فإنَّك إذ بادلتَ قيسَ بنَ عاصِمٍ ... جُوَيْناً لَمُخْتَارَ المنازلِ شَرَّه )
( فأصبحَ يحدو رَحْلَهُ بِمَفَازِةٍ ... وماذا عَدَا جاراً كريماً وأُسْرَهْ )
( يَظَلُّ بأرض الغَدْرِ يأكُلُ عَهْدَهُ ... جُوَيْنٌ وشَمْخٌ خارِبَيْنِ بِوَجْرَهْ )
( يُذِمّان بالأزواد والزادُ مَحْرَمٌ ... سَرُوقانِ من عِرق شروراً وفَجْرَهْ )
ضرب المثل بحلمه
أخبرني محمد بن أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني دماذ عن أبي عبيدة قال قال الأحنف ما تعلمت الحلم إلا من قيس بن عاصم المنقري فقيل له وكيف ذلك يا ابا بحر فقال قتل ابن أخ له ابنا له فأتي بابن أخيه مكتوفا يقاد إليه فقال
(14/74)

ذعرتم الفتى ثم أقبل عليه فقال يا بني نقصت عددك وأوهيت ركنك وفتت في عضدك وأشمت عدوك وأسأت بقومك خلوا سبيله واحملوا إلى أم المقتول ديته قال فانصرف القاتل وما حل قيس حبوته ولا تغير وجهه
أخبرني عبيد الله الرازي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن ابن جعدبة وأبي اليقظان قالا وفد قيس بن عاصم على رسول الله فقال النبي عليه الصلاة و السلام هذا سيد أهل الوبر / ح /
خبره مع تاجر خمار
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن أبي حاتم قال
(14/75)

جاور داري كان يتجر في أرض العرب قيس بن عاصم فشرب قيس ليلة حتى سكر فربط الداري وأخذ ماله وشرب من شرابه فازداد سكرا وجعل من السكر يتطاول ويثاور النجوم ليبلغها وليتناول القمر وقال
( وتاجِرٍ فاجِرٍ جاءَ الإلهُ بِهِ ... كأن عُثْنونَه أذنابُ أَجْمالِ )
ثم قسم صدقة النبي في قومه وقال
( ألاَ أَبْلِغَا عَنِّي قُرَيْشاً رسالَةً ... إذا ما أتَتْهُم مُهْدِيَاتُ الوَدَائِعِ )
( حَبَوْتُ بما صَدَّقْتُ في العامِ مِنْقَراً ... وأيأستْ منها كلَّ أَطلسَ طامِع )
قال فلما فعل بالداري ما فعل وسكر جعل ماله نهبى فلم تزل امرأته تسكنه حتى نام فلما أصبح أخبر بما كان منه فآلى ألا يدخل الخمر بين أضلاعه أبدا
أخبرني وكيع قال حدثنا المدائني قال ولي قيس بن عاصم على عهد رسول الله صدقات بني مقاعس والبطون كلها وكان الزبرقان بن بدر قد ولي صدقات عوف
(14/76)

والأبناء فلما توفي رسول الله وقد جمع كل واحد من قيس والزبرقان صدقات من ولي صدقته دس إليه الزبرقان من زين له المنع لما في يده وخدعه بذلك وقال له إن النبي قد توفي فهلم نجمع هذه الصدقة ونجعلها في قومنا فإن استقام الأمر لأبي بكر وأدت العرب إليه الزكاة جمعنا له الثانية
ففرق قيس الإبل في قومه فانطلق الزبرقان إلى أبي بكر بسبعمائة بعير فأداها إليه وقال في ذلك
( وَفَيْتُ بِأَذوَادِ النَّبيِّ محمدٍ ... وكُنْتُ امرأً لا أُفْسِدُ الدِّينَ بالغَدْرِ )
فلما عرف قيس ما كاده به الزبرقان قال لو عاهد الزبرقان أمه لغدر بها
أخبرني عبد الله بن محمد الرازي قال حدثنا الحارث بن أسامة قال حدثنا المدائني وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال قيل لقيس بن عاصم بماذا سدت قال ببذل الندى وكف الأذى ونصر الموالي
أخبرني وكيع قال حدثنا العمري عن الهيثم قال كان قيس بن عاصم يقول لبنيه إياكم والبغي فما بغى قوم قط إلا قلوا وذلوا فكان بعض بنيه يلطمه قومه أو غيرهم فينهى إخوته عن أن ينصروه
أتى رسول الله فرحب به وأدناه
أخبرني عبيد الله بن محمد الرازي قال حدثنا الحارث عن المدائني عن ابن جعدبة أن قيس بن عاصم قال
(14/77)

أتيت رسول الله فرحب بي وأدناني فقلت يا رسول الله المال الذي لا يكون علي فيه تبعة ما ترى في إمساكه لضيف إن طرقني وعيال إن كثروا علي فقال نعم المال الأربعون والأكثر الستون وويل لأصحاب المئين ثلاثا إلا من أعطى من رسلها وأطرق فحلها وأفقر ظهرها ومنح غزيرتها وأطعم القانع والمعتر \ ح \ له يا رسول الله ما أكرم هذه الأخلاق إنه لا يحل بالوادي الذي أنا فيه من كثرتها قال فكيف تصنع في الإطراق قلت يغدو الناس فمن شاء أن يأخذ برأس بعير ذهب به قال فكيف تصنع في الإفقار فقلت إني لأفقر الناب المدبرة والضرع الصغيرة قال فكيف تصنع في المنيحة قلت إني لأمنح في السنة المائة قال إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت \ ح \
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال قيس بن عاصم هو الذي حفز الحوفزان بن شريك الشيباني طعنه في
(14/78)

استه في يوم جدود
شعره في يوم جدود
وكان من حديث ذلك اليوم أن الحارث بن شريك بن عمرو الصلب بن قيس بن شراحيل بن مرة بن همام كانت بينه وبين بني يربوع موادعة ثم هم بالغدر بهم فجمع بني شيبان وبني ذهل واللهازم قيس بن ثعلبة وتيم الله بن ثعلبة وغيرهم ثم غزا بني يربوع فنذر به عتيبة بن الحارث بن شهاب بن شريك فنادى في قومه بني جعفر بن ثعلبة من بني يربوع فوادعه وأغار الحارث بن شريك على بني مقاعس وإخوتهم بني ربيع فلم يجيبوهم فاستصرخوا بني منقر فركبوا حتى لحقوا بالحارث بن شريك وبكر بن وائل وهم قائلون في يوم شديد الحر فما شعر الحوفزان إلا بالأهتم بن سمي بن سنان بن خالد بن منقر واسم الأهتم سنان وهو واقف على رأسه فوثب الحوفزان إلى فرسه فركبه وقال للأهتم من أنت فانتسب له وقال هذه منقر قد أتتك فقال الحوفزان فأنا الحارث بن شريك فنادى الأهتم يا آل سعد ونادى الحوفزان يا آل وائل وحمل كل واحد منهما على صاحبه ولحقت بنو منقر فاقتتلوا أشد قتال وأبرحه ونادت نساء بني ربيع يا آل سعد فاشتد
(14/79)

قتال بني منقر لصياحهن فهزمت بكر بن وائل وخلوا من كان في أيديهم من بني مقاعس وما كان في أيديهم من أموالهم وتبعتهم بنو منقر بين قتل وأسر فأسر الأهتم حمران بن عبد عمرو وقصد قيس بن عاصم الحوفزان ولم يكن له همة غيره والحارث على فرس له قارح يدعى الزبد وقيس على مهر فخاف قيس أن يسبقه الحارث فحفزه بالرمح في استه فتحفز به الفرس فنجا فسمي الحوفزان
وأطلق قيس أموال بني مقاعس وبني ربيع وسباياهم وأخذ أموال بكر بن وائل وأساراهم وانتقضت طعنة قيس على الحوفزان بعد سنة فمات وفي هذا اليوم يقول قيس بن عاصم
( جَزَى الله يَرْبوعاً بأسوأ فِعْلِها ... إذا ذُكِرتْ في النائباتِ أمورُها )
( ويومَ جَدُودٍ قد فضحتم ذِمَارَكُم ... وسالَمْتُمُ والخيلُ تَدْمَى نُحورُها )
( سَتَخْطِمُ سعدٌ والرِّبابُ أنوفَكم ... كما حزَّ في أنف القَضِيبِ جَرِيرُها )
وقال سوار بن حيان المنقري
( ونحن حَفَرنا الحوفزانَ بطَعْنَةٍ ... سَقَتْه نَجِيعاً من دَمِ الجَوْفِ أَشْكَلاَ )
( وحُمْرَانُ قَسْراً أنزلتْه رِماحُنا ... فَعَالَجَ غُلاًّ في ذِرَاعَيْهِ مُقْفَلاَ )
قال وأغار قيس بن عاصم أيضا على اللهازم فتبعه بنو كعب بن سعد بالنباج وثيتل فتخوف أن يكره أصحابه لقاء بكر بن وائل وقد كانوا
(14/80)

يتناجون في ذلك فقام ليلا فشق مزادهم لئلا يجدوا بدا من لقاء العدو فلما فعل ذلك أذعنوا بلقائهم وصبروا له فأغار عليهم فكان أشهر يوم يوم ثيتل لبني سعد وظفر قيس بما شاء وملأ يديه من أموالهم وغنائمهم وفي ذلك يقول ابنه علي بن قيس بن عاصم
( أنا ابنُ الذي شقَّ المَزَادَ وقد رأى ... بثَيْتَلَ أحياءَ اللَّهازم حُضَّرَا )
( فصَبَّحَهم بالجيش قيسُ بنُ عاصمٍ ... وكان إذا ما أورد الأمرَ أَصْدَرَا )
قال وأغار قيس أيضا ببني سعد على عبد القيس وكان رئيس بني سعد يومئذ سنان بن خالد وذلك بأرض البحرين فأصابوا ما أرادوا واحتالت عبد القيس في أن يفعل ببني تميم كما فعل بهم بالمشقر حين أغلق عليهم بابه فامتنعوا فقال في ذلك سوار بن حيان
( فيا لَك من أَيَّامِ صِدْقٍ أَعُدُّها ... كيومِ جُؤاثَى والنِّباجِ وَثَيْتَلا )
قال وكان قيس بن عاصم رئيس بني سعد يوم الكلاب الثاني فوقع بينه وبين الأهتم اختلاف في أمر عبد يغوث بن وقاص بن صلاءة الحارثي حين أسره عصمة بن أبير التيمي ودفعه إلى الأهتم فرفع قيس قوسه فضرب فم الأهتم بها فهتم أسنانه فيومئذ سمي الأهتم
(14/81)

وصيته لأبنائه حين حضرته الوفاة
أخبرنا هشام بن محمد الخزاعي قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة وأخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن عدي قال جمع قيس بن عاصم ولده حين حضرته الوفاة وقال يا بني إذا مت فسودوا كباركم ولا تسودوا صغاركم فيسفه الناس كباركم وعليكم بإصلاح المال فإنه منبهة للكريم ويستغنى به عن اللئيم وإذا مت فادفنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها وأصوم وإياكم والمسألة فإنها آخر مكاسب العبد وإن امرأ لم يسأل إلا ترك مكسبه وإذا دفنتموني فأخفوا قبري عن هذا الحي من بكر بن وائل فقد كان بيننا خماشات في الجاهلية ثم جمع ثمانين سهما فربطها بوتر ثم قال اكسروها فلم يستطيعوا ثم قال فرقوا ففرقوا فقال اكسروها سهما سهما فكسروها فقال هكذا أنتم في الاجتماع وفي الفرقة ثم قال
( إنما المجدُ ما بَنَى والدُ الصِّدْق ... ِ وأحيا فَعالَه المولودُ )
( وتَمامُ الفضلِ الشجاعةُ والحِلْمُ ... إذا زانَه عَفَافٌ وجُودُ )
( وثلاثون يا بَنيَّ إذا ما ... جَمَعتْهم في النائباتِ العُهودُ )
( كثلاثين من قِدَاحٍ إذا ما ... شَدَّها للزمان قِدْحٌ شديد )
( لم تَكَسَّرْ وإن تَفرَّقتِ الأسْهُمُ ... أوْدَى بجمعِها التبديد )
( وذوو الحلمِ والأكابرُ أولَى ... أن يُرَى منكُمُ لهم تسويدُ )
(14/82)

( وعليكمْ حِفْظَ الأصاغر حتَّى ... يَبْلُغَ الحِنْثَ الأصغرُ المجهود )
ثم مات فقال عبدة بن الطبيب يرثيه
( عليكَ سلامُ الله قَيْسَ بن عاصمٍ ... ورحمتُه ما شاء أن يَتَرَحَّما )
( تحيَّة من أوليته منك نعمةً ... إذا زار عن شَحْطٍ بلادَك سَلَّما )
( فما كان قَيْسٌ هُلْكُه هُلْكُ واحدٍ ... ولكنَّه بُنْيانُ قومٍ تَهَدَّما )
أخبرني عبيد الله بن محمد الرازي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال لما مات عبد الملك بن مروان اجتمع ولده حوله فبكى هشام حتى اختلفت أضلاعه ثم قال رحمك الله يا أمير المؤمنين فأنت والله كما قال عبدة بن الطبيب
( وما كان قَيْسٌ هُلْكُه هُلْكُ واحدٍ ... ولكنَّه بُنْيَانُ قومٍ تَهَدَّما )
فقال له الوليد كذبت يا أحول يا مشْؤوم لسنا كذلك ولكنا كما قال الآخر
( إذَا مُقْرَمٌ مِنًّا ذَرَا حَدُّ نابِه ... تَخَمَّطَ فينا نابُ آخَرَ مُقْرَمِ )
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن ابن الكلبي عن أبيه قال
(14/83)

كان بين قيس بن عاصم وعبدة بن الطبيب لحاء فهجره قيس بن عاصم ثم حمل عبدة دما في قومه فخرج يسأل فيما تحمله فجمع إبلا ومر به قيس بن عاصم وهو يسأل في تمام الدية فقال فيم يسأل عبدة فأخبر فساق إليه الدية كاملة من ماله وقال قولوا له ليستمتع بما صار إليه وليسق هذه إلى القوم فقال عبدة أما والله لولا أن يكون صلحي إياه بعقب هذا الفعل عارا علي لصالحته ولكني أنصرف إلى قومي ثم أعود فأصالحه ومضى بالإبل ثم عاد فوجد قيسا قد مات فوقف على قبره وأنشأ يقول
( عليكَ سلامُ الله قَيْسَ بن عاصمٍ ... ورحمتُه ما شاء أنْ يترحَّما )
الأبيات
حرم الخمر على نفسه وسبب ذلك
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال ذكر عاصم بن الحدثان وهشام بن الكلبي عن أشياخهما أن قيس بن عاصم المنقري سكر من الخمر ليلة قبل أن يسلم فغمز عكنة ابنته أو قال أخته فهربت منه فلما صحا منها فقيل له أو ما علمت ما صنعت البارحة قال لا فأخبروه بصنعه فحرم الخمر على نفسه وقال في ذلك
( وجدتُ الخمرَ جامحةً وفيها ... خِصَالٌ تَفْضَحُ الرَّجُلَ الكريما )
( فلاَ واللهِ أشْرَبُها حَياتي ... ولا أدعو لها أبداً نَدِيمَا )
( ولا أُعْطي بها ثمناً حياتي ... ولا أُشْفي بها أبداً سقِيما )
( فإنَّ الخمر تَفْضَحُ شَارِبِيها ... وتَجْشِمُهُمْ بها أمراً عظيما )
(14/84)

( إذا دراتْ حُمَيَّاها تَعَلَّتْ ... طَوَالِعُ تُسْفِهُ الرَّجُلَ الحليما )
أخبرني محمد بن مزيد عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن عاصم بن الحدثان قال قال الزبرقان إن تاجرا ديافيا مر بحمل خمر على قيس بن عاصم فنزل به فقال قيس اصبحني قدحا ففعل ثم قال له زدني فقال له أنا رجل تاجر طالب ربح وخير ولا أستطيع أن أسقيك بغير ثمن فقام إليه قيس فربطه إلى دوحة في داره حتى أصبح فكلمته أخته في أمره فلطمها وخمش وجهها وزعموا أنه ارادها على نفسها وجعل يقول
( وتاجرٍ فاجرٍ جاء الإلهُ به ... كَأَنَّ لِحْيَتَه أذنابُ أجمالِ )
فلما أصبح قال من فعل هذا بضيفي قالت له أخته الذي صنع هذا بوجهي أنت والله صنعته وأخبرته بما فعل فأعطى الله عهداً ألا يشرب الخمر أبدا فهو أول عربي حرمها على نفسه في الجاهلية وهو الذي يقول
( فواللهِ لا أحسو يَدَ الدَّهْرِ خمرةً ... ولا شَرْبةً تُزْرِي بِذِي اللُّبِّ والفخرِ )
( فكيف أذوق الخمر والخمرُ لم تَزَلْ ... بصاحبِها حتى تَكَسَّعَ في الغَدْرِ )
( وصارتْ به الأمثالُ تُضْرَبُ بَعْدَما ... يكونُ عميدَ القومِ في السِّرِّ والجَهْرِ )
(14/85)

( ويَبْدُرُهُمْ في كل أمرٍ يَنُوبُهم ... ويَعْصِمُهم ما نَابهم حادثُ الدَّهْرِ )
( فيا شارِب الصَّهْباء دَعْهَا لأهلها الغُواةِ ... وسَلِّمْ للجسيم من الأمرِ )
( فإنَّك لا تَدْري إذا ما شَرِبْتَها ... وأكثرتَ منها ما تَرِيشُ وما تَبْرِي )
فارقته امرأته بعد أن أسلم
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن منصور قال أخبرني أبو جعفر المباركي قال أخبرني المدائني عن مسلمة بن محارب قال قال الأحنف بن قيس ذكرت بلاغة النساء عند زياد فحدثته أن قيس بن عاصم أسلم وعنده امرأة من بني حنيفة فأبى أهلها وأبوها أن يسلموا وخافوا إسلامها فاجتمعوا إليها وأقسموا إنها إن أسلمت لم يكونوا معها في شيء ما بقيت فطالبت قيسا بالفرقة ففارقها فلما احتملت لتلحق بأهلها قال لها قيس أما والله لقد صحبتني سارة ولقد فارقتني غير عارة لا صحبتك مملولة ولا أخلاقك مذمومة ولولا ما اخترت ما فرق بيننا إلا الموت ولكن أمر الله ورسوله أحق أن يطاع فقالت له أنبئت بحسبك وفضلك وأنت والله إن كنت للدائم المحبة الكثير المودة القليل اللائمة المعجب الخلوة البعيد النبوة ولتعلمن أني لا أسكن بعدك إلى زوج فقال قيس ما فارقت نفسي شيئا قط فتبعته كما تبعتها
(14/86)

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني أبو فراس قال كان قيس بن عاصم يكنى أبا علي وكان خاقان بن الأهتم إذا ذكره قال بخ من مثل أبي علي
( تُطِيفُ به كَعْبُ بن سعد كأنَّما ... يُطِيفون عُمَّاراً ببيتٍ مُحَرَّمِ )
وقال علان بن الحسن الشعوبي بنو منقر قوم غدر يقال لهم الكوادن ويلقبون أيضا أعراف البغال وهم أسوأ خلق الله جوارا يسمون الغدر كيسان وفيهم بخل شديد
أوصى بنيه بحفظ المال
وأوصى قيس بن عاصم بنيه فكان أكثر وصيته إياهم أن يحفظوا المال والعرب لا تفعل ذلك وتراه قبيحا وفيهم يقول الأخطل بن ربيعة بن النمر بن تولب
( يا منْقَرُ بنَ عُبَيْدٍ إنَّ لُؤمَكُمُ ... مُذْ عَهْدِ آدَمَ في الدِّيوانِ مكتوبُ )
( للضَّيْفِ حَقٌّ على مَنْ كان ذا كرمٍ ... والضَّيْفُ في مِنْقَرٍ عُرْيانُ مسلوبُ )
وقال النمر بن تولب يذكر تسميتهم الغدر كيسان في قصيدة هجاهم بها
(14/87)

( إذا ما دَعَوْا كَيْسَانَ كانتْ كُهُولُهُمْ ... إلى الغَدْرِ أدْنَى من شَبَابِهِمُ المُرْدِ )
قال وهذا شائع في جميع بني سعد إلا أنهم يتدافعونه إلى بني منقر وبنو منقر يتدافعونه إلى بني سنان بن خالد بن منقر وهو جد قيس بن عاصم
وحكى ابن الكلبي أن النبي لما افتتح مكة قدمت عليه وفود العرب فكان فيمن قدم عليه قيس بن عاصم وعمرو بن الأهتم ابن عمه فلما صارا عند النبي تسابا وتهاترا فقال قيس لعمرو بن الأهتم والله يا رسول الله ما هم منا وإنهم لمن أهل الحيرة فقال عمرو بن الأهتم بل هو والله يا رسول الله من الروم وليس منا ثم قال له
( ظَلِلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْباء تَشْتُمُنِي ... عند الرَّسول فلم تَصْدُقْ ولم تُصِبِ )
الهلباء يعني استه يعيره بذلك وبأن عانته وافية
( إن تُبْغِضُونا فإنَّ الرُّوم أصلُكُمُ ... والرُّوم لا تملِك البغضاءَ للعَرَب )
( سُدْنا فسُودَدُنا عَوْدٌ وسُودَدُكُمْ ... مُؤَخَّرٌ عند أصل العَجْبِ والذَّنَبِ )
قال وإنما نسبه إلى الروم لأنه كان أحمر فيقال إن النبي نهاه عن هذا القول في قيس وقال إن إسماعيل بن إبراهيم صلى الله عليه و سلم كان أحمر فأجابه قيس بن عاصم فقال
( ما في بَنِي الأَهْتَمِ من طائلٍ ... يُرْجَى ولا خَيْرٍ لَهُ يَصْلُحونْ )
( قُلْ لبني الحِيريِّ مَخْصوصةً ... تُظْهِرُ منهم بعضَ ما يَكْتُمُونْ )
(14/88)

( لولاَ دِفاعي كنتُمُ أَعْبُداً ... مَسْكَنُها الحِيرةُ فالسَّيْلَحونْ )
( جاءت بكم عَفْرةُ من أَرْضِها ... حِيرِيَّةً ليست كما تزعُمون )
( في ظاهر الكَفِّ وفي بَطنها ... وَسْمٌ من الدَّاء الذي تَكْتُمون )
ارتد عن الإسلام بعد وفاة النبي
وذكر علان أن قيسا ارتد بعد النبي عن الإسلام وآمن بسجاح وكان مؤذنها وقال في ذلك
( أضحتْ نَبِيَّتُنا أُنْثَى نُطِيفُ بها ... وأصبحتْ أنبياءُ الله ذُكْرَانَا )
قال ثم لما تزوجت سجاح بمسيلمة الكذاب الحنفي وآمنت به آمن
(14/89)

به قيس معها فلما غزا خالد بن الوليد اليمامة وقتل الله مسيلمة أخذ قيس بن عاصم أسيرا فادعى عنده أن مسيلمة أخذ ابنا له فجاء يطلبه فأحلفه خالد على ذلك فحلف فخلى سبيله ونجا منه بذلك
قال ومما يعيرون به أن عبادة بن مرثد بن عمرو بن مرثد أسر قيس بن عاصم وسبى أمه وأختيه يوم أبرق الكبريت ثم من عليهم فأطلقهم بغير فداء فلم يثبه قيس ولم يشكره على فعله بقول يبلغه فقال عبادة في ذلك
( على أَبْرَقِ الكِبْرِيتِ قيسَ بنَ عاصمٍ ... أسَرْتُ وأطرافُ القَنَا قِصَدٌ حُمْرُ )
( مَتَى يَعْلَقِِ السَّعْدِيُّ منكَ بذِمَّةٍ ... تَجِدْهُ إذا يَلْقَى وشِيمَتُه الغَدْرُ )
قال وكان قيس بن عاصم يسمى في الجاهلية الكودن
وكان زيد الخيل الطائي خرج عن قومه وجاور بني منقر فأغارت عليهم بنو عجل وزيد فيهم فأعانهم وقاتل بني عجل قتالا شديدا وأبلى بلاء حسنا حتى انهزمت عجل فكفر قيس فعله وقال ما هزمهم غيري فقال زيد الخيل يعيره ويكذبه في قصيدة طويلة
( ولستُ بوَقَّافٍ إذا الخيلُ أحْجمَتْ ... ولستُ بكَذَّابٍ كقَيْس بنِ عاصمِ )
(14/90)

ومما روى قيس بن عاصم عن النبي حدثنا حامد بن محمد بن شعيب البلخي قال حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب قال حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان الثوري عن الأغر المنقري عن خليفة بن حصين بن قيس بن عاصم عن أبيه عن جده أنه أسلم على عهد النبي فأمره النبي عليه السلام أن يغتسل بماء وسدر
وحدثنا حامد قال حدثنا أبو خيثمة قال حدثنا جرير عن المغيرة عن أبيه شعبة عن التوأم قال سأل قيس بن عاصم رسول الله عن الحلف فقال لا حلف في الإسلام ولكن تمسكوا بحلف الجاهلية \ ح \
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا ابن عائشة قال حدثني رجل من الرباب قال ذكر رجل قيس بن عاصم عند النبي فقال لقد هممت أن آتيه فأفعل به وأصنع به كأنه توعده فقال له النبي إذا تحول سعد دونه بكراكرها \ ح \
قال ولما مات قيس رثاه مرداس بن عبدة بن منبه فقال
( وما كان قَيْسٌ هُلْكه هُلْك واحدٍ ... ولكنَّه بُنْيَانُ قومٍ تَهَدَّمَا )
(14/91)

صوت
( خُذْ من العَيْشِ ما كَفَى ... ومِنَ الدَّهْر ما صَفَا )
( حَسُنَ الغَدْرُ في الأَنَامِ ... كما اسْتُقْبِحَ الوَفَا )
( صِلْ أخا الوَصْلِ إنَّه ... ليس بالهَجْرِ مِنْ خَفَا )
( عَيْنُ مَنْ لا يُريدُ وَصْلَك ... َ تُبْدِي لَكَ الجَفَا )
الشعر لمحمد بن حازم الباهلي والغناء لابن القصار الطنبوري رمل بالبنصر أخبرني بذلك جحظة
(14/92)

أخبار محمد بن حازم ونسبه
هو محمد بن حازم بن عمرو الباهلي ويكنى أبا جعفر وهو من ساكني بغداد مولده ومنشؤه البصرة أخبرني بذلك ابن عمار أبو العباس عن محمد بن داود بن الجراح عن حسن بن فهم
وهو من شعراء الدولة العباسية شاعر مطبوع إلا أنه كان كثير الهجاء للناس فاطرح ولم يمدح من الخلفاء إلا المأمون ولا اتصل بواحد منهم فيكون له نباهة طبقته وكان ساقط الهمة متقللا جدا يرضيه اليسير ولا يتصدى لمدح ولا طلب
حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال سمعت محمد بن حازم الباهلي في منزلنا يقول بعث إلي فلان الطاهري وكنت قد هجوته فأفرطت بألف دينار وثياب وقال أما ما قد مضى فلا سبيل إلى رده ولكن أحب ألا تزيد عليه شيئا فبعثت إليه بالألف الدينار والثياب وكتبت
( لا ألبَسُ النعماءَ مِن رجلٍ ... ألبستُه عاراً على الدَّهْرِ )
63 - أخباره مع أحمد بن سعيد وسعد بن مسعود
أخبرني أحمد بن عبيدالله بن عمار حدثنا أبو علي وسقط اسمه من
(14/93)

كتابي قال قرأت في كتاب عمي قال لي محمد بن حازم الباهلي مر بي أحمد بن سعيد بن سالم وأنا على بابي فلم يسلم علي سلاما أرضاه فكتبت رقعة وأتبعته بها وهي
( وباهليٍّ من بني وائلٍ ... أفادَ مالاً بعد إِفلاسِ )
( قَطَّبَ في وجْهِيَ خَوْفَ القِرَى ... تَقْطِيبَ ضِرْغامٍ لَدَى البَاسِ )
( وأظهرَ التِّيهَ فتايَهْتُهُ ... تِيهَ امرئٍ لم يَشْقَ بالنَّاسِ )
( أعَرتُه إعْراضَ مُسْتَكْبِرٍ ... في مَوْكِب مرَّ بكَنَّاسِ )
أخبرني ابن عمار قال حدثني أبو علي قال
لقيت محمد بن حازم في الطريق فقلت له يا أبا جعفر كيف ما بينك وبين صديقك سعد بن مسعود اليوم وهو أبو إسحاق بن سعد وكان يكتب للنوشجاني فأنشدني
( رَاجَع بالعُتْبَى فأعتَبْتُه ... ورُبَّما أعْتَبَك المُذْنبُ )
( وإن في الدَّهْر على صَرْفه ... بين الصَّدِيقَيْن لمُسْتَعْتَبُ )
شعره في مدح الشباب وذم الشيب
أخبرني محمد بن القاسم الأنباري وابن الوشاء جميعا قالا حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال
(14/94)

قال ابن الأعرابي أحسن ما قال المحدثون من شعراء هذا الزمان في مديح الشباب وذم الشيب
( لا حِينَ صَبْرٍ فَخَلَّ الدَّمْعَ يَنْهَمِلُ ... فَقْدُ الشَّبابِ بيوم المرءِ مُتَّصِلُ )
( سَقْياً ورَعْياً لأيَّام الشَّبَابِ وإنْ ... لم يَبْقَ منه له رسمٌ ولا طَلَلُ )
( جَرّ الزَّمانُ ذُيولاً في مَفَارِقِهِ ... ولِلزَّمانِ على إحسانِهِ عِلَلُ )
( ورُبَّما جَرَّ أذيالَ الصِّبَا مَرَحاً ... وبين بُرْدَيْهِ غُصْنٌ ناعِمٌ خَضِلُ )
( يُصْبي الغَوَاني ويَزْهَاه بِشِرَّتِهِ ... شَرْخُ الشَّبَابِ وثوبٌ حالِكٌ رَجِلُ )
( لا تَكْذِبَنَّ فما الدُّنْيَا بأجمعِها ... من الشَّبابِ بيَوْمٍ واحدٍ بَدَلُ )
( كَفَاكَ بالشَّيْبِ عيباً عند غانيةٍ ... وبالشَّبابِ شَفِيعاً أيُّها الرَّجُلُ )
( بانَ الشَّبابُ ووَلَّى عنكَ بَاطِلُهُ ... فليس يَحْسُنُ منك اللَّهْو والغَزَلُ )
( أمَّا الغواني فقد أعرَضْنَ عنك قِلىً ... وكان إعراضَهُنَّ الدَّلُّ والخَجَلُ )
( أعرْنَكَ الهَجْرَ ما لاحتْ مُطَوَّقةٌ ... فلاَ وِصَالٌ ولا عَهْدٌ ولا رُسُلُ )
( ليتَ المَنَايَا أصابَتْنِي بأَسْهُمها ... فكُنَّ يَبْكِينَ عَهْدي قبلَ أكْتَهِلُ )
( عَهْدَ الشَّبابِ لقد أبقيتَ لي حَزَناً ... ما جَدَّ ذكرُك إلاَّ جَدَّ لي ثَكَلُ )
( إنَّ الشَّبابَ إذا ما حلَّ رائدُه ... في مَنْهَلٍ رادَ يقفو إثْرَهُ أَجَلُ )
قال ابن الوشاء خاصة وما أساء ولا قصر عن الأولى حيث يقول في هذا المعنى
(14/95)

( أبكِي الشَّبابَ لِنَدْمانٍ وغانيةٍ ... وللمَغَانِي وللأَطلال والكُثُبِ )
( وللصَّريخ وللآجام في غَلَسٍ ... وللقَنَا السُّمْرِ والهنْدِيَّة القُضُبِ )
( وللخَيال الذي قد كَان يَطْرُقُني ... وللنَّدامَى ولِلذَّاتِ والطَّرَبِ )
( يا صاحباً لم يَدَعْ فَقْدي له جَلَداً ... أُضِعتُ بَعدك إنَّ الدهرَ ذُو عُقَبِ )
( وقد أكونُ وشَعْبانا معاً رَجُلاً ... يومَ الكريهةِ فَرَّاجاً عَنِ الكُرَبِ )
هجاؤه ابن حميد
أخبرني ابن عمار عن العنزي قال كان محمد بن حازم الباهلي مدح بعض بني حميد فلم يثبه وجعل يفتش شعره فيعيب فيه الشيء بعد الشيء وبلغه ذلك فهجاه هجاء كثيرا شنيعاً منه قوله
( عَدُوَّاكَ المَكَارمُ والكِرَامُ ... وخِلُّكَ دونَ خُلَّتِكَ اللِّئامُ )
( ونَفْسُك نَفْسُ كلبٍ عند زَوْرٍ ... وعُقْبَى زائرِ الكلبِ الْتِدَام )
( تَهِرُّ على الجليسِ بلا احترامٍ ... لِتَحْشِمَه إذا حَضَر الطَّعامُ )
(14/96)

( إذا ما كانت الهِمَمُ المَعَالي ... فهَمُّك ما يكون به المَلامُ )
( قَبُحْتَ ولا سَقَاك الله غيثاً ... وجانَبَك التحيَّةُ والسلامُ )
قال فبعث إليه ابن حميد بمال واعتذر إليه وسأله الكف فلم يفعل ورد المال عليه وقال فيه
( موضعُ أسرارِك المُرِيبُ ... وحَشْوُ أثوابِك العُيوبُ )
( وتمنَع الضيفَ فضلَ زادٍ ... ورَحْلُك الواسعُ الخَصِيبُ )
( يا جامعاً مانِعاً بَخِيلاً ... ليس له في العُلاَ نَصيبُ )
( أبِالرُّشَا يُسْتَمالُ مِثلي ... كَلاَّ ومَنْ عنده العُيوبُ )
( لا أرتدي حُلَّةً لمُثْنٍ ... بوجهه من يَدِي نُدوبُ )
( وبين جنبيه لي كُلومٌ ... دامِيةٌ ما لَها طَبِيبُ )
( ما كنتُ في موضِع الهَدَايا ... منكَ ولا شَعْبُنَا قَرِيبُ )
( أنّى وقد نَشَّتِ المَكَاوِي ... عن سِمَةِ شأنُها عَجِيبُ )
( وسار بالذَّمِّ فيك شِعْرِي ... وقيل لي مُحْسِنٌ مُصِيبُ )
( مالُكَ مالُ اليتيمِ عندي ... ولا أرى أَكْلَهُ يَطِيبُ )
( حَسْبُكَ من مُوجِزٍ بليغ ... يَبْلُغُ ما يبلُغُ الخَطِيبُ )
حدثني عمي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني علي بن الحسين الشيباني قال بعث الحسن بن سهل محمد بن حميد في وجهة وأمره بجباية مال
(14/97)

وبحرب قوم من الشراة فخان في المال وهرب من الحرب فقال فيه محمد بن حازم الباهلي
( تَشَبَّه بالأَسَدِ الثعلبُ ... فغادَرَهُ مُعْنَقا يُجْنَبُ )
( وحاوَلَ ما ليس في طَبْعِهِ ... فَأَسْلَمَهُ النابُ والمِخْلَبُ )
( فَلَمْ تُغْنِ عنه أباطيلُهُ ... وحاصَ فَأَحْرَزَهُ المَهْرَبُ )
( وكانَ مَضِيَّاً على غَدْرِهِ ... فَعُيِّبَ والغادِرُ الأَخْيَبُ )
( أيابنَ حُمَيْدٍ كفرتَ النَّعِيمَ ... جهلاً ووسْوَسَكَ المَذْهَبُِ )
( وَمَنَّتْكَ نفسُك ما لاَ يَكُونُ ... وبعضُ المُنَى خُلَّبٌ يَكْذِبُ )
( وما زلْتَ تسعَى على مُنْعِمٍ ... بِبَغْيٍ وتُنْهَى فلا تُعْتِبُ )
( فأصبحتَ بالبَغْيِ مستبدلاً ... رشاداً وقد فات مُسْتَعْتَبُ )
قال وقال فيه لما شخص إلى حيث وجهه الحسن بن سهل
( إذا استقلَّتْ بك الرِّكابُ ... فحيثُ لادَرتِ السحابُ )
( زالتْ سِراعاً وزُلْتَ يَجْرِي ... بِبَيْنِكَ الظَّبْيُ والغُرابُ )
( بحيثُ لا يُرْتَجَى إيابٌ ... وحيثُ لا يبلغُ الكتابُ )
( فقَبْلَ معروفِكَ امتنانٌ ... ودُونَ معروفِكَ العذابُ )
(14/98)

( وخيرُ أخلاقِكَ اللَّواتِي ... تعاف أمثالَها الكلابُ )
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني أبي قال قال يحيى بن أكثم لمحمد بن حازم الباهلي ما نعيب شعرك إلا أنك لا تطيل فأنشأ يقول
( أبى لِيَ أن أُطِيلَ الشعرَ قَصْدِي ... إلى المَعْنَى وعِلْمِي بالصَّوابِ )
( وإيجازِي بِمُخْتَصَرٍ قريبٍ ... حذفتُ به الفضولَ من الجَوابِ )
( فَأَبْعَثُهُنَّ أربعةً وَخَمْساً ... مُثَقَّفَةً بألفاظٍ عِذابِ )
( خَوَالِدَ ما حدَا ليلٌ نهاراً ... وما حَسُنَ الصِّبَا بأخي الشَّبابِ )
( وهُنَّ إذا وَسَمْتُ بهنَّ قوماً ... كأطواقِ الحمائم في الرِّقابِ )
( وهُنَّ إذا أقمتُ مسافراتٌ ... تَهَادَتْهَا الرُّواةُ مع الرِّكابِ )
خبره مع أبي ذؤيب
حدثني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال
كان بالأهواز رجل يعرف بأبي ذؤيب من التتار وكان مقصد الشعراء وأهل الأدب فقصده محمد بن حازم فدخل عليه يوما وعليه ثياب بذة وهيئة رثة ولم يعرف نفسه وصادفهم يتكلمون في شيء من معاني الشعر وأبو ذؤيب يتكلم متحققا بالعلم بذلك فسأله محمد بن حازم وقد دخل عليه
(14/99)

يوما عن بيت من شعر الطرماح جهله فرد عليه جوابا محالا كالمستصغر له وازدراه فوثب عن مجلسه مغضبا فلما خرج قيل له ماذا صنعت بنفسك وفتحت عليها من الشر أتدري لمن تعرضت قال ومن ذاك قيل محمد بن حازم الباهلي أخبث الناس لسانا وأهجاهم فوثب إليه حافيا حتى لحقه فحلف له أنه لم يعرفه واستقاله فأقاله وحلف أنه لا يقبل له رفدا ولا يذكره بسوء مع ذلك أبدا وكتب إليه بعد أن افترقا
( أَخْطا وَرَدَّ عليَّ غيرَ جوابي ... وزَرَى عليّ وقال غيرَ صوابِ )
( وسكنتُ من عَجَبٍ لذاك فزادني ... فيما كَرِهْتُ بِظَنّه المُرتابِ )
( وقضى عليَّ بظاهِرٍ من كُسْرَةٍ ... لم يَدْرِ ما اشتملتْ عليه ثيابي )
( من عِفَّةٍ وتَكَرُّمٍ وتَحَمُّلٍ ... وتَجَلدٍ لمصيبةٍ وعِقابِ )
( وإذا الزمان جنى عليَّ وجدتَني ... عُوداً لبعض صفائِحِ الأقتابِ )
( ولئن سألت لَيُخْبِرَنَّكَ عالِمٌ ... أَنِّي بحيثُ أحبّ من آدابِ )
( وإذا نَبَا بِيَ مَنْزِلٌ خَلَّيْتُهُ ... قَفْراً مجالَ ثَعالِبٍ وذِئابِ )
( وأكون مُشْتَرَكَ الغِنَى مُتَبَذِّلاً ... فإذا افتقرتُ قعدتُ عن أصحابي )
( لكنَّه رجعتْ عليه ندامةٌ ... لَمَّا نُسِبْتُ وخاف مَضَّ عِتابي )
(14/100)

( فأقَلْتُه لمّا أقرَّ بذنبه ... ليس الكريمُ على الكريمِ بنابِ )
أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا النوفلي قال كان سعد بن مسعود القطربلي أبو إسحاق بن سعد صديقا لمحمد بن حازم الباهلي فسأله حاجة فرده عنها فغضب محمد وانقطع عنه فبعث إليه بألف درهم وترضاه فردها وكتب إليه
( مُتَّسِعُ الصَّدرِ مُطِيقٌ لِمَا ... يَحارُ فيه الحُوَّلُ القُلَّبُ )
( راجعَ بالعُتْبَى فأعتبتُه ... وربَّما أعتبَك المُذْنِبُ )
( أجَلْ وفي الدَّهرِ على أنه ... موكَّل بالبين مُسْتَعْتَبُ )
( سَقْياً ورَعْياً لزمانٍ مَضَى ... عَنِّي وسَهْمُ الشَّامِتِ الأخيبُ )
( قد جاءني منكَ مُوَيْلٌ فلم ... أَعْرضْ له والحُرُّ لا يَكْذبُ )
( أَخْذِيَ مالاً منكَ بعد الَّذِي ... أَوْدَعْتَنِيهِ مَرْكَبٌ يَصْعُبُ )
( أَبَيْتُ أن أشربَ عند الرضا ... والسُّخْطِ إلاَّ مَشْرَباً يَعْذُبُ )
( أَعَزَّني اليأس وأغْنَى فما ... أرجو سِوَى اللهِ ولا أَهْرُبُ )
( قارونُ عندي في الغِنَى مُعْدِمٌ ... وهمَّتي ما فوقَها مَذْهَبُ )
( فأيّ هاتَيْنِ تَرَانِي بها ... أصبو إلى مالِكِ أو أَرْغبُ )
قصته مع أحمد بن يحيى
حدثنا محمد بن العباس اليزيدي وعيسى بن الحسين الوراق واللفظ له
(14/101)

قالا حدثنا الخليل بن أسد النوشجاني قال حدثنا حماد بن يحيى قال حدثنا أحمد بن يحيى قال آخر ما فارقت عليه محمد بن حازم أنه قال لم يبق شيء من اللذات إلا بيع السنانير فقلت له سخنت عينك أيش لك في بيع السنانير من اللذات قال يعجبني أن تجيئني العجوز الرعناء تخاصمني وتقول هذا سنوري سرق مني وأخاصمها وأشتمها وتشتمني وأغيظها وأباغضها ثم أنشدني
( صِلْ خَمرةً بِخُمَارٍ ... وصِلْ خُمَاراً بخمرِ )
( وخُذْ بِحَظِّكَ منها ... زاداً إلى حيث تدري )
قال قلت إلى أين ويحك قال إلى النار يا أحمق
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني الحسن بن أبي السري قال كان إسحاق بن أحمد بن أبي نهيك آنسا بمحمد بن حازم الباهلي يدعوه ويعاشره مدة فكتب إليه يستزيره ويعاتبه عتابا أغضبه وبلغه أنه غضب فكتب إليه
( ما مُسْتَزِيرُكَ في وُدٍّ رأى خَلَلاً ... في موضع الأُنْسِ أهلاً منك للغَضَبِ )
(14/102)

( قد كُنْتَ تُوجِبُ لي حَقّاً وتَعْرِفُ لي ... قَدْري وتَحْفَظُ مِنِّي حُرْمَةَ الأَدَبِ )
( ثم انحرفتَ إلى الأُخْرَى فأَحْشَمَنِي ... ما كان منكَ بلا جُرْمٍ ولا سَبَبِ )
( وإنَّ أدنَى الذي عندِي مُسَامَحَةٌ ... في حاجتي بعد أن أعذرتُ في الطَّلبِ )
( فاخْتَرْ فعنديَ من ثِنْتَيْنِ واحدةٌ ... عُذْرٌ جميلٌ وشُكْرٌ ليس باللَّعِبِ )
( فإنْ تُجَدِّد كما قد كُنْتَ تفعلُهُ ... )
خبره مع الحسن بن سهل
حدثني محمد بن يونس الأنباري المعروف بمحصنة قال حدثني ميمون بن هارون قال قال محمد بن حازم الباهلي عرضت لي حاجة في عسكر أبي محمد الحسن بن سهل فأتيته وقد كنت قلت في السفينة شعرا فلما دخلت على محمد بن سعيد بن سالم انتسبت له فعرفني فقال ما قلت فيه شيئا فقال له رجل كان معي بلى قد قال أبياتا وهو في السفينة فسألني أن أنشده فأنشدته قولي
( وقالوا لو مدحتَ فَتَىً كريماً ... فقلتُ وكيف لي بفَتىً كريم )
( بَلَوْتُ الناسَ مُذْ خمسين عاماً ... وحَسْبُكَ بالمُجَرِّبِ من عليمِ )
( فما أحدٌ يُعَدُّ ليومِ خيرٍ ... ولا أحدٌ يعود ولا حميمُ )
( ويعجبني الفتى وأظنّ خيراً ... فأكشف منه عن رجل لئيم )
( تَقَيَّلَ بعضُهم بعضاً فَأَضْحَوْا ... بني أَبَوَيْنِ قُدّاً من أَدِيمِ )
(14/103)

( فطافَ الناسُ بالحَسَنِ بن سَهْلٍ ... طَوَافَهُمُ بِزَمْزَمَ والحَطِيمِ )
( وقالوا سَيِّدٌ يُعْطِي جزيلاً ... ويَكْشِفُ كُرْبَةَ الرجلِ الكظيمِ )
( فقلتُ مضى بِذَمِّ القومِ شِعْري ... وقد يُؤْتَى البَرِيءُ مِنَ السَّقيمِ )
( وما خَبَرٌ تُرَجِّمُهُ ظُنُونِي ... بأشْفَى من مُعايَنةِ الحَليمِ )
( فجئتُ وللأمورِ مُبَشِّراتٌ ... ولن يخفَى الأَغْرٌّ من البَهِيمِ )
( فَإِنْ يَكُ ما تَنَشَّر عنه حَقّاً ... رجعت بأُهْبَةِ الرجلِ المُقِيمِ )
( وإنْ يكُ غيرُ ذاكَ حَمِدتُ رَبِّي ... وزال الشكُّ عن رجلٍ حكيم )
( وما الآمال تَعْطِفُنِي عليه ... ولكنَّ الكريمَ أخو الكريمِ )
قال فلما أنشدته هذا الشعر قال لي بمثل هذا الشعر تلقى الأمير والله لو كان نظيرك لما جاز أن تخاطبه بمثل هذا فقلت صدقت فكذلك قلت إنني لم أمدحه بعد ولكنني سأمدحه مدحا يشبه مثله قال فافعل وأنزلني عنده ودخل إلى الحسن فأخبره بخبري وعجبه من جودة البيت الأخير فأعجبه فأمر بإدخالي إليه بغير مدح فأدخلت إليه فأمرني أن أنشد هذا الشعر فاستعفيته فلم يعفني وقال قد قنعنا منك بهذا القدر إذ لم تدخلنا في جملة من ذممت وأرضيناك بالمكافأة الجميلة فأنشدته إياه فضحك وقال ويحك مالك وللناس تعمهم بالهجاء حسبك الآن من هذا النمط وأبق عليهم فقلت وقد وهبتهم للأمير قال قد قبلت وأنا أطالبك بالوفاء مطالبة من أهديت إليه هدية فقبلها وأثاب عليها ثم وصلني فأجزل وكساني فقلت في ذلك وأنشدته ( وهبتُ القومَ للحَسَن بن سَهْلٍ ... فَعَوَّضَنِي الجزيلَ من الثَّوابِ )
(14/104)

( وقال دَعِ الهجاءَ وقُلْ جَميلاً ... فإنَّ القَصْدَ أقربُ للثوابِ )
( فقلت له برِئتُ إليكَ منهمْ ... فليتَهُمُ بمُنْقَطَعِ التُّرابِ )
( ولولا نعمةُ الحَسَنِ بن سهلٍ ... عليَّ لَسُمْتُهُمْ سُوءَ العذاب )
( بِشعْرٍ يَعْجَبُ الشعراءُ منه ... يُشَبَّه بالهجاء وبالعِتابِ )
( أَكِيدُهُمُ مُكَايَدة الأعادي ... وأَخْتِلُهُمْ مُخاتلةَ الذِّئابِ )
( بَلَوْتُ خيارَهم فَبَلَوْتُ قوماً ... كُهولُهُمُ أَخَسُّ من الشَّبابِ )
( وما مُسِخُوا كِلاباً غيرَ أَنِّي ... رأيتُ القومَ أشباهَ الكِلابِ )
قال فضحك وقال ويحك الساعة ابتدأت بهجائهم وما أفلتوا منك بعد فقلت هذه بغية طفحت على قلبي وأنا كاف عنهم ما أبقى الله الأمير
شعره في صديق علا قدره فجفاه
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني علي بن الحسن الشيباني قال كان لمحمد بن حازم الباهلي صديق على طول الأيام فنال مرتبة من السلطان وعلا قدره فجفا محمدا وتغير له فقال في ذلك محمد بن حازم
( وَصْلُ المُلُوكِ إلى التَّعالي ... ووَفَا المُلُوكِ من المُحَالِ )
( مالي رَأَيْتُكَ لا تَدُومُ ... على المَوَدَّةِ للرِّجَالِ )
( إنْ كَانَ ذا أَدَبٍ وظَرفٍ ... قلتَ ذاكَ أخو ضَلاَلِ )
(14/105)

( أو كان ذا نُسُكٍ ودِينٍ ... قلتَ ذاك من الثِّقالِ )
( أو كان في وَسَطٍ من المْرَيْنِ ... قلتَ يُريغُ مالي )
( فَبِمِثْلِ ذا ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ... َ تبتغي رُتَبَ المعالي )
حدثني الحسن قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني الحسن بن علي الشيباني قال كان محمد بن حازم الباهلي قد نسك وترك شرب النبيذ فدخل يوما على إبراهيم بن المهدي فحادثه وناشده وأكل معه لما حضر الطعام ثم جلسوا للشراب فسأله إبراهيم أن يشرب فأبى وأنشأ يقول
( أبعد خمسين أصبو ... والشَّيْبُ للجهل حَرْبُ )
( سِنٌّ وشَيْبٌ وجَهْلٌ ... أمرٌ لَعَمْرُكَ صَعْبُ )
( يابنَ الإمامِ فَهَلاَّ ... أَيَّامَ عُودِيَ رَطْبُ )
( وَشَيْبُ رأسي قليلٌ ... ومَنْهَلُ الحُبِّ عَذْبُ )
( وإذْ سِهامِي صِيَابٌ ... ونَصْلُ سَيْفِيَ عَضْبُ )
( وإذْ شِفاءُ الغَوَانِي ... مِنِّي حديثٌ وقُرْبُ )
( فالآن لمّا رأى بي العُذَّالُ ... ُ لي ما أَحَبوا )
( وأقْصَرَ الجهلُ مِنِّي ... وساعدَ الشَّيْبَ لُبُّ )
( وآنَسَ الرُّشْدَ مِنِّي ... قومٌ أُعاب وأصبوا )
( آليتُ أشربُ كأساً ... ما حَجَّ للَّهِ رَكْبُ )
حدثني الحسن قال حدثنا ابن مهروية قال حدثني الحسن بن أبي السري قال
(14/106)

وعد النوشجاني محمد بن حازم شيئا سأله إياه ثم مطله وعاتبه فلم ينتفع بذلك واقتضاه فأقام على مطله فكتب إليه
( أبَا بْشرٍ تَطاوَلَ بِي العِتَابُ ... وطال بِيَ التَّرَدُّدُ والطِّلاَبُ )
( ولم أَتْرُكْ من الأعذارِ شيئاً ... أُلام به وإنْ كَثُرَ الخِطَابُ )
( سَأَلْتُكَ حاجةً فَطَوَيْتَ كَشْحاً ... على رَغْمٍ وللدَّهْرِ انْقِلاَبُ )
( وسُمْتَني الدَّنِيَّةَ مُسْتَخِفّاً ... كما خُزِمتْ بآنفها الصِّعابُ )
( كأنَّك كنتَ تطلُبني بثأر ... وفي هذا لك العَجَبُ العُجَابُ )
( فإنْ تَكُ حاجتي غَلَبَتْ وأعيَتْ ... فمعذورٌ وقد وَجَبَ الثوابُ )
( وإنْ يكُ وَقْتُهَا شَيْبَ الغُرابِ ... فلا قُضِيتْ ولا شابَ الغُرابُ )
( رجوتُكَ حين قيل لي ابنُ كِسْرَى ... وإنِّكَ سِرُّ مُلْكِهِمُ اللُّبَابُ )
( فَقَدْ عَجَّلْتَ لي من ذاكَ وَعْداً ... وأقربُ من تَنَاولِهِ السَّحابُ )
( وكلٌّ سوف يُنْشَرُ غيرَ شَكٍّ ... ويَحْمِلُهُ لِطِيَّتِهِ الكتابُ )
أخبرني الحسن قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني الحسن بن أبي السري قال قصد محمد بن حازم بعض ولد سعيد بن سالم وقد ولي عملا واسترفده فأطال مدته ولم يعطه شيئا وانصرف عنه وقال
(14/107)

( أَللِدُّنْيَا أُعِدُّكَ يا بنَ عَمِّي ... فَأَعْلَمَ أم أُعِدُّكَ للحسابِ )
( إلى كَمْ لاَ أراكَ تُنِيل حَتَّى ... أَهُزَّكَ قد بَرِئتُ من العتابِ )
( وما تنفكُّ من جَمْعٍ ووضعٍ ... كأنَّك لستَ تُوقِنُ بالإيابِ )
( فَشَرُّكَ عن صديقك غيرُ ناءٍ ... وخَيْرُكَ عند مُنْقَطَعِ الترابِ )
( أتيتُكَ زائراً فأتيتُ كلباً ... فَحَظِّي من إخائِكَ لِلْكِلاَبِ )
( فبئس أخو العشيرةِ ما عَلِمْنَا ... وأخبثُ صاحبٍ لأخي اغترابِ )
( أَيَرْحَلُ عنك ضَيْفُكَ غيرَ راضٍ ... ورَحْلُكَ واسِعٌ خِصْبُ الجنابِ )
( فقد أصبحتَ من كرمٍ بعيداً ... ومن ضِدّ المكارِمِ في اللُّبابِ )
( وما بَيَ حاجةٌ لجَدَاك لكن ... أَرُدُّكَ عن قَبِيحِك للصَّوابِ )
حدثني عمي قال حدثني يزيد بن محمد المهلبي قال كنا عند المتوكل يوما وقد غاضبته قبيحة فخرج إلينا فقال من ينشدني منكم شعرا في معنى غضب قبيحة علي وحاجتي أن أخضع لها حتى ترضى فقلت له لقد أحسن محمد بن حازم الباهلي يا أمير المؤمنين حيث يقول
( صفحتُ بِرَغْمِي عنكَ صَفْحَ ضرورةٍ ... إليك وفي قلبي نَدُوبٌ من العَتْبِ )
( خضعتُ وما ذَنْبِي إن الحُبّ عَزَّنِي ... فأغضيتُ صفحاً عن معالَجة الحبِّ )
( وما زال بي فقرٌ إليك مُنَازعٌ ... يُذَلِّلُ مِنِّي كلَّ مُمْتَنِعِ صَعْبِ )
( إلى اللهِ أشكو أنّ وُدِّي مُحَصَّلٌ ... وقلبي جميعاً عند مُقْتَسِمِ القَلْبِ )
الغناء لعبيدة الطنبورية رمل بالوسطى قال أحسنت وحياتي يا يزيد وأمر بأن يغنى فيه وأمر لي بألف دينار
(14/108)

شعره في هجاء بني نمير
حدثني الحسن بن علي قال حدثني ابن مهرويه قال حدثنا علي بن خالد البرمكي قال سافر محمد بن حازم الباهلي سفرا فمر بقوم من بني نمير فسلوا منه بعيرا له عليه ثقله فقال يهجوهم
( نُمَيْر أجُبْنا حيث يختلف القنا ... ولُؤْماً وبُخْلاً عند زادٍ ومِزْوَدِ )
( ومنْعَ قِرَى الأضياف من غير علَّةٍ ... ولا عَدَمٍ إلا حِذَارَ التَّعَوُّدِ )
( وبَغْياً على الجار الغريب إذا طَرَا ... عليكم وَخَتْلَ الرَّاكب المُتَفَرِّدِ )
( على أنَّكُم تَرْضَوْنَ بالذُّلِّ صاحباً ... وتُعْطُونَ مَنْ لا حاكمُ الضَّيمَ عن يَدِ )
( أمَا وأبي إنَّا لَنَعْفُو وإنَّنَا ... على ذاكِ أحياناً نَجُورُ ونعتدي )
( نَكِيدُ العِدَا بالحِلْمِ من غيرِ ذِلَّةٍ ... ونَغْشَى الوَغَى بالصِّدْقِ لا بالتَّوَعُّدِ )
( نَفَى الضَّيْمَ عَنَّا أنفسٌ مُضَرِيَّةٌ ... صِرَاحٌ وطَعْنُ الباسِلِ المُتَمَرِّدِ )
( وإنَّا لمن قَيْسِ بن عَيْلاَن في التي ... هي الغايةُ القُصْوَى بِعَزٍّ وسُودَدِ )
( وإنَّ لنا بالتُّرْكِ قَبْرَاً مُبَاركاً ... وبالصِّينِ قَبراً عِزَّ كلِّ مُوَحِّدِ )
( وما نابَنَا صَرْفُ الزَّمانِ بِسَيِّدٍ ... بَكَيْنَا عليه أو يُوَافِي بسَيِّدِ )
( ولو أنَّ قوماً يَسْلَمُونَ من الرَّدَى ... سَلِمْنَا ولكنَّ المَنَايَا بِمَرْصَدِ )
(14/109)

( أَبَى الله أن يَهْدِي نُمَيْرَاً لِرُشْدِها ... ولا يَرْشُدُ الإنسانُ إلاَّ بِمُرْشِدِ )
هجاؤه عامل الأهواز
حدثني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم ورجل من ولد البختكان من الأهوازيين أن محمد بن حامد ولي بعض كور الأهواز في أيام المأمون وأن محمد بن حازم الباهلي قدم عليه زائرا ومدحه فوصله وأحسن إليه وكتب له إلى تستر بحنطة وشعير فمضى بكتابه وأخذ ما كتب له به وتزوج هناك امرأة من الدهاقين فزرع الحنطة والشعير في ضيعتها وولى محمد بن حامد رجلا من أهل الكوفة الخراج بتستر فوكل بغلة محمد بن حازم وطالبه بالخراج فأداه فقال يهجوه
( زَرَعنا فلمَّا سلَّم الله زَرْعَنا ... وأوفى عليه مِنْجَلٌ بِحَصَادِ )
( بُلِينَا بِكُوفِيٍّ حَليفِ مجاعَةٍ ... أَضَرَّ علينا من دَباً وجَرادِ )
( أتى مُسْتَعِدَّاً ما يُكَذِّبُ دونه ... ولَجَّ بإرغَامٍ له وبِعَادِ )
( فَطَوْراً بإلحاحٍ عليَّ وغِلْظَةٍ ... وطوراً بِخَبْطٍ دائم وفسادِ )
( ولولا أبو العبَّاس أعني ابنَ حامِدٍ ... لَرَحَّلْتُهُ عن تُسْتَرٍ بِسَوَادِ )
( فَكُفُّوا الأذى عن جارِكم وتَعَلَّمُوا ... بِأَنِّي لكم في العالمين مُنَادِي )
فبعث محمد بن حامد إلى عامله فصرفه عن الناحية وقال له عرضتني لما أكره واحتمل خراج محمد بن حازم
(14/110)

أخبرني محمد بن الحسين بن الكندي المؤدب قال حدثنا الرياشي قال سمعت الأصمعي يقول قال هذا الباهلي محمد بن حازم في وصف الشيب شيئا حسنا فقال له أبو محمد الباهلي تعني قوله
( كفاكَ بالشَّيْبِ ذنباً عند غانيةٍ ... وبالشَّبَابِ شفيعاً أيُّها الرَّجُلُ )
فقال إياه عنيت فقال له الباهلي ما سمعت لأحد من المحدثين أحسن منه
حدثني عمي قال حدثنا حسين بن فهم قال حدثني أبي قال دخل محمد بن حازم على محمد بن زبيدة وهو أمير فدعاه إلى أن يشرب معه فامتنع وقال
( أبعد خمسين أصبو ... والشَّيْبُ للجهل حَرْبُ )
( سِنٌّ وشَيْبٌ وجهلٌ ... أمرٌ لَعَمْرُكَ صَعْبُ )
( يابْنَ الإمامِ فَهَلاَّ ... أيَّامَ عُودِيَ رَطْبُ )
( وشيبُ رأسي قليلٌ ... ومَنْهَلُ الحُبِّ عَذْبُ )
( وإذْ شِفَاءُ الغَوَانِي ... مِنِّي حديثٌ وشُرْبُ )
( الآن حين رأى بي ... عواذِلِي ما أَحَبُّوا )
آليتُ أشْرَبُ كأساً ... ما حَجَّ للهِ رَكْبُ )
قال فأعطاه محمد بن زبيدة ووصله
(14/111)

أخبار ابن القصار ونسبه
اسمه فيما أخبرني به أبو الفضل بن برد الخيار سليمان بن علي وذكره جحظة في كتاب الطنبوريين فتله في نفسه وأخلاقه ومدح صنعته وقال مما أحسن فيه قوله
( أَرِقْتُ لِبَرْقٍ لاَحَ في فَحْمَةِ الدُّجَى ... فأذْكَرَنِي الأحبابَ والمنزلَ الرَّحبا )
قال وهذا خفيف رمل مطلق
ومما أحسن فيه أيضا
( تعالَيْ نُجَدِّدُ عهدَ الصِّبَا ... ونَصْفَحُ للحُبِّ عمّا مَضَى )
وهو خفيف رمل مطلق أيضا وذكر أنه كان مع أبيه قصارا وتعلم الغناء فبرع فيه ومن طيب ما ثلبه به جحظة وتنادر عليه به وأراها مصنوعة أنه مر يوما على أبيه ومعه غلام يحمل قاطرميز نبيذ
(14/112)

وجوامرجة مذبوحة مسموطة فقال الحمد لله الذي أراني ابني قبل موتي يأكل لحم الجواميرات ويشرب نبيذ القاطرميزات
وحدث عن بعض جيرانه أن ابن القصار غنى له يوما بحبل ودلو وأن إسماعيل بن المتوكل وهب له مائتي أترجة كانت بين يديه فباعها بثلاثة دنانير وأنه يحمل بلبكيذه إلى دار السلطان وله فيه خبز وجبن فيأكله ويحمل في البلبكيذ ما يوضع بين يديه في دار السلطان فيدعو إخوانه عليه وأكثر من ثلب الرجل مما لا فائدة فيه ولو أراد قائل أن يقول فيه ما لا يبعد من هذه الأخلاق لوجد مقالا واسعا ولكنه مما يقبح ذكره سيما وقد لقيناه وعاشرناه عفا الله عنا وعنه
أخبرنا ذكاء وجه الرزة قال كنا نجتمع مع جماعة في الطنبوريين ونشاهدهم في دور الملوك وبحضرة السلطان فما شاهدت منهم أفضل من المسرور وعمر الميداني وابن القصار
قصته مع قمرية زوجة البلوري
وحدثتني قمرية البكتمرية قالت كنت لرجل من الكتاب يعرف بالبلوري وكان شيخا وكانت ستي التي ربتني مولاته وكانت مغنية شجية الصوت حسنة الغناء وكانت تعشق ابن القصار وكانت علامة مصيره إليها أن يجتاز في دجلة وهو يغني فإن قدرت على لقائه أوصلته إليها وإلا مضى فأذكره وقد اجتاز بنا في ليلة مقمرة وهو يغني خفيف رمل قال
(14/113)

( أنا في يُمْنَى يَدَيْهَا ... وهي في يُسْرَى يَدَيَّهْ )
( إنَّ هذا لقَضَاءٌ ... فيه جَوْرٌ يا أُخَيَّهْ )
ويغني في آخر رده
( وَيْل وَيْلِي يا أبَيَّهْ ... )
وكانت ستي واقفة بين يدي مولاها فما ملكت نفسها أن صاحت أحسنت والله يا رجل فتفضل وأعد ففعل وشرب رطلا وانصرف وعلم أنه لا يقدر على الوصول إليها وكان مولاها يعرف الخبر فتغافل عنها لموضعها من قلبه فلا أذكر أني سمعت قط أحسن من غنائه
صوت
( باح بالوجدِ قلبُك المُسْتَهامُ ... وجرت في عِظامك الأسقامُ )
( يوم لا يملك البكاءَ أخو الشَّوْقِ ... فيُشْفَى ولا يُرَدُّ سلامُ )
لم يقع إلي قائل هذا الشعر والغناء لمعبد اليقطيني ثاني ثقيل بالبنصر عن أحمد بن المكي
(14/114)

أخبار معبد
كان معبد اليقطيني غلاما مولدا خلاسيا من مولدي المدينة اشتراه بعض ولد علي بن يقطين وقد شدا بالمدينة وأخذ الغناء عن جماعة من أهلها وعن جماعة أخرى من علية المغنين بالعراق في ذلك الوقت مثل إسحاق وابن جامع وطبقتهما ولم يكن فيما ذكر بطيب المسموع ولا خدم أحدا من الخلفاء إلا الرشيد ومات في أيامه وكان أكثر انقطاعه إلى البرامكة
خبره مع غلام من المدينة
أخبرني عمي الحسن بن محمد قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي قال حدثني معبد الصغير المغني مولى علي بن يقطين قال كنت منقطعا إلى البرامكة آخذ منهم وألازمهم فبينا أنا ذات يوم في منزلي إذا بابي يدق فخرج غلامي ثم رجع إلي فقال على الباب فتى ظاهر المروءة يستأذن عليك فأذنت له فدخل علي شاب ما رأيت أحسن وجها منه ولا أنظف ثوبا ولا أجمل زيا منه من رجل دنف عليه آثار السقم ظاهرة
(14/115)

فقال لي إني أرجو لقاك منذ مدة فلا أجد إليه سبيلا وإن لي حاجة قلت ما هي فأخرج ثلثمائة دينار فوضعها بين يدي ثم قال أسألك أن تقبلها وتصنع في بيتين قلتهما لحنا تغنيني به فقلت هاتهما فأنشدهما وقال
صوت
( واللهِ يا طَرْفِيَ الجانِي على بَدَنِي ... لَتُطْفِئَنَّ بِدَمْعِي لوعةَ الحَزَنِ )
( أو لأبُوحَنَّ حَتَّى يَحْجُبُوا سَكَنِي ... فلا أراه ولو أُدْرِجْتُ في كَفَنِي )
الغناء فيه لمعبد اليقطيني ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى قال فصنعت فيهما لحنا ثم غنيته إياه فأغمي عليه حتى ظننته قد مات ثم أفاق فقال أعد فديتك فناشدته الله في نفسه وقلت أخشى أن تموت
فقال هيهات أنا أشقى من ذاك وما زال يخضع لي ويتضرع حتى أعدته فصعق صعقة أشد من الأولى حتى ظننت أن نفسه قد فاظت فلما أفاق رددت الدنانير عليه ووضعتها بين يديه وقلت يا هذا خذ دنانيرك وانصرف عني فقد قضيت حاجتك وبلغت وطرا مما أردته ولست أحب أن أشرك في دمك فقال يا هذا لا حاجة لي في الدنانير فقلت لا والله ولا بعشرة أضعافها إلا على ثلاث شرائط قال وما هن قلت أولها أن تقيم عندي وتتحرم بطعامي والثانية أن تشرب أقداحا من النبيذ تشد قلبك وتسكن ما بك والثالثة أن تحدثني بقصتك فقال أفعل ما تريد فأخذت الدنانير ودعوت بطعام فأصاب منه إصابة معذر ثم دعوت بالنبيذ فشرب أقداحا وغنيته بشعر غيره في معناه وهو يشرب ويبكي ثم قال الشرط أعزك الله فغنيته فجعل يبكي أحر بكاء
(14/116)

وينشج أشد نشيج وينتحب فلما رأيت ما به قد خف عما كان يلحقه ورأيت النبيذ قد شد من قلبه كررت عليه صوته مرارا ثم قلت حدثني حديثك فقال أنا رجل من أهل المدينة خرجت متنزها في ظاهرها وقد سال العقيق في فتية من أقراني وأخداني فبصرنا بقينات قد خرجن لمثل ما خرجنا له فجلسن حجرة منا وبصرت فيهن بفتاة كأنها قضيب قد طله الندى تنظر بعينين ما ارتد طرفهما إلا بنفس من يلاحظهما فأطلنا وأطلن حتى تفرق الناس وانصرفن وانصرفنا وقد أبقت بقلبي جرحا بطيئا اندماله
فعدت إلى منزلي وأنا وقيذ
وخرجت من الغد إلى العقيق وليس به أحد فلم أر لها ولا لصواحباتها أثرا
ثم جعلت أتتبعها في طرق المدينة وأسواقها فكأن الأرض أضمرتها فلم أحس لها بعين ولا أثر وسقمت حتى أيس مني أهلي
ودخلت ظئري فاستعلمتني حالي وضمنت لي حالها والسعي فيما أحبه منها فأخبرتها بقصتي فقالت لا بأس عليك هذه أيام الربيع وهي سنة خصب وأنواء وليس يبعد عنك المطر وهذا العقيق فتخرج حينئذ وأخرج معك فإن النسوة سيجئن
فإذا فعلن ورأيتها تبعتها حتى أعرف موضعها ثم أصل
(14/117)

بينك وبينها وأسعى لك في تزويجها
فكأن نفسي اطمأنت إلى ذلك ووثقت به وسكنت إليه فقويت وطمعت وتراجعت نفسي وجاء مطر بعقب ذلك فأسال الوادي وخرج الناس وخرجت مع إخواني إليه فجلسنا مجلسنا الأول بعينه فما كنا والنسوة إلا كفرسي رهان
وأومأت إلى ظئري فجلست حجرة منا ومنهن وأقبلت على إخواني فقلت لقد أحسن القائل حيث قال
( رَمَتْنِي بسهم أَقْصَدَ القلبَ وانْثَنَتْ ... وقد غادرتْ جُرْحاً به ونُدُوبَا )
فاقبلت على صواحباتها فقالت أحسن والله القائل وأحسن من أجابه حيث يقول
( بِنَا مثلُ ما تَشْكُو فَصَبْراً لَعَلَّنا ... نرى فَرَجاً يَشْفى السَّقامَ قَرِيبَا )
فأمسكت عن الجواب خوفا من أن يظهر مني ما يفضحني وإياها وعرفت ما أرادت
ثم تفرق الناس وانصرفنا وتبعتها ظئري حتى عرفت منزلها وصارت إلي فأخذت بيدي ومضينا إليها
فلم تزل تتلطف حتى وصلت إليها
فتلاقينا وتداورنا على حال مخالسة ومراقبة
وشاع حديثي وحديثها وظهر ما بيني وبينها فحجبها أهلها وتشدد عليها أبوها
فما زلت أجتهد في لقائها فلا أقدر عليه
وشكوت إلى أبي لشدة ما نالني حالي وسألته خطبتها لي
فمضى أبي ومشيخة أهلي إلى أبيها فخطبوها
فقال لو كان بدأ بهذا قبل أن يفضحها ويشهرها لأسعفته بما التمس ولكنه قد فضحها فلم أكن لأحقق قول الناس فيها بتزويجه إياها فانصرفت على يأس منها ومن نفسي
قال معبد فسألته أن ينزل فحبرني وصارت بيننا عشرة
ثم جلس جعفر بن يحيى للشرب فأتيته فكان أول صوت غنيته صوتي في شعر الفتى فطرب
(14/118)

عليه طربا شديدا وقال ويحك إن لهذا الصوت حديثا فما هو فحدثته فأمر بإحضار الفتى فأحضر من وقته واستعاده الحديث فأعاده عليه
فقال هي في ذمتي حتى أزوجك إياها فطابت نفسه وأقام معنا ليلتنا حتى أصبح
وغدا جعفر إلى الرشيد فحدثه الحديث فعجب منه وأمر بإحضارنا جميعا فأحضرنا وأمر بأن أغنيه الصوت فغنيته وشرب عليه وسمع حديث الفتى فأمر من وقته بالكتاب إلى عامل الحجاز بإشخاص الرجل وابنته وجميع أهله إلى حضرته فلم يمض إلا مسافة الطريق حتى أحضر
فأمر الرشيد بإيصاله إليه فأوصل وخطب إليه الجارية للفتى وأقسم عليه ألا يخالف أمره فأجابه وزوجه إياها وحمل إليه الرشيد ألف دينار لجهازها وألف دينار لنفقة طريقه وأمر للفتى بألف دينار وأمر جعفر لي وللفتى بألف دينار
وكان المدني بعد ذلك في جملة ندماء جعفر بن يحيى
صوت
هل نَفْسُكَ المستهامة السَّدِمَهْ ... ساليةٌ مَرَّةً ومُعْتَزمَهْ )
( عن ذِكْرِ خَوْدٍ قَضَى لها المَلِكُ الْخَالِقُ ... أَلاَّ تُكِنَّها ظُلُمَهْ )
الشعر لابن أبي الزوائد والغناء لحكم رمل بالوسطى عن الهشامي
(14/119)

أخبار ابن أبي الزوائد ونسبه
اسمه سليمان بن يحيى بن زيد بن معبد بن أيوب بن هلال بن عوف بن نضلة بن عصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور
ويقال له ابن أبي الزوائد أيضا
شاعر مقل من مخضرمي الدولتين وكان يؤم الناس في مسجد رسول الله
ذكره لجارية تعشقها في شعره
أخبرني بذلك محمد بن خلف وكيع قال حدثنا ابن أبي خيثمة عن بعض رجاله عن الأصمعي وأخبرني وكيع قال حدثني طلحة بن عبد الله الطلحي قال أخبرني أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل قال
كان ابن أبي الزوائد يتعشق جارية سوداء مولاة الصهيبيين وكان
(14/120)

يختلف إليها وهي في النخل بحاجزة فلما حان الجداد قال
( حُجَيْجُ أمسَى جَدَادُ حاجزةٍ ... فليتَ أنَّ الجَدَاد لم يَحِنِ )
( وشَتَّ بَيْنٌ وكُنْتِ لي سَكَناً ... فيما مَضَى كان ليس بالسَّكَنِ )
( قد كانَ لي مِنْكِ ما أُسَرُّ به ... وليتَ ما كان مِنْكِ لم يَكُنِ )
( نَعِفُّ في لَهْوِنا ويَجْمَعُنَا المَجْلِسُ ... بين العريش والجرُنِ )
( يُعْجِبُنَا اللَّهْوُ والحديثُ ولا ... نَخْلِط في لَهْوِنَا هَنًا بِهنِ )
( لَوْ قَدْ رحلتُ الحمارَ منكشفاً ... لم أَرَها بَعْدَها ولم تَرَني )
فقال له أبو محمد الجمحي إن الشعراء يذكرون في شعرهم أنهم رحلوا الإبل والنجائب وأنت تذكر أنك رحلت حمارا
فقال ما قلت إلا حقا والله ما كان لي شيء أرحله غيره
قال وقال فيها أيضا
( يا ليتَ أنَّ العرَبَ اسْتَلْحَقُوا ... رِيمَ الصُّهَيْبِيِّينَ ذاكَ الأجَمّ )
( وكان منهم فتزوَّجْتُه ... أو كنتُ من بعض رجال العَجَمْ )
أخبرني وكيع قال حدثني طلحة بن عبد الله بن الزبير بن بكار عن عمه قال
(14/121)

كان أبو عبيدة بن عبد الله بن ربيعة صديقا لابن أبي الزوائد ثم تباعد - ما بينهما لشيء بلغ أبا عبيدة عنه فهجره من أجله فهجاه فقال
( قَطَع الصفاء ولم أكن ... أهلاً لذاك أبو عُبَيْدَهْ )
( لا تَحْسَبَنَّكَ عاقلاً ... فلأنتَ أحمقُ من حُمَيْدَهْ )
حميدة امرأة كانت بالمدينة رعناء يضرب بها المثل في الحمق
شعر قبيح في قيان حماد بن عمران وهجاؤه لامرأته )
حدثني عمي ووكيع قالا حدثنا الكراني عن أبي غسان دماذ عن أبي عبيدة قال
دخل ابن أبي الزوائد إلى حماد بن عمران الطليحي وكان يلقب بعطعط وكان له قيان يسمعهن الناس عنده فرآهن ابن أبي الزوائد فقال فيهن
( أقولُ وقد صُفَّتِ البُظْرُلي ... أَلِلْبُظْرِ أدخلني عُطْعُطُ )
( فإنِّي امرؤٌ لا أحِبُّ الزِّنَا ... ولا يَسْتَفِزُّنِي البَرْبَطُ )
( ولو بَعْضُهُنَّ ابتغى صَبْوَتِي ... لَخالَطَ هَامَتَها المِخْبَطُ )
( لبئس فعالُ امرئٍ قد قَرَا ... وهَمَّتْ عَوَارِضُهُ تَشْمَطُ )
( وما كنتُ مفترشاً جارتي ... وسَيِّدُها نائمٌ يَضْرِطُ )
( أَأُفْرِغُ في جارتي نُطْفَةً ... حَراماً كما يُفْرَغُ المُسْعُطُ )
(14/122)

أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثني أبو هفان قال حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال حدثني المسيبي
أن ابن أبي الزوائد كانت عنده امرأة أنصارية فطال لبثها عنده حتى ملها وأبغضها فقال يهجوها
( يا رَمْلُ أنتِ الغُولُ بين رِمَالِ ... لم تَظْفَرِي بِتُقًى ولا بِجَمَالِ )
( يا رَمْل لو حُدِّثْتُ أَنَّكِ سَلْفَعٌ ... شَوْهَاءُ كالسِّعْلاةِ بين سَعَالي )
( ما جاء يطلبُكَ الرسولُ بِخِطْبَةٍ ... مِنِّي ولا ضُمَّت عليكِ حبالي )
( ولقد نَهَى عنكِ النَّصيحُ وقال لي ... لا تَقْرِنَنَّ بَذِيَّةً بِعِيالِ )
( لَمَّا هَزَزْتُ مُهَنَّدي وقذفتُهُ ... فيها وقد ارهفتُه بصِقَالِ )
( رَجَعَ المُهَنَّدُ ما لَه من حيلةٍ ... وهناك تَصْعُبُ حِيلةُ المحتالِ )
( وكأنَّما أولجتُهُ في قُلَّةٍ ... قد بُرِّدَتْ للصومِ أو بوقالِ )
( ورأيتُ وجهاً كاسفاً مُتَغَيِّراً ... وحِراً أشَقَّ كَمِرْكَنِ الغَسَّالِ )
( ما كان أَيْرُ الفيل بالِغَ قَعْرِهِ ... بِتَحَامُلٍ عَنْهُ ولا إدخالِ )
( ولقد طعنت مبالَها بسُلاحِها ... فوجدتُ أخبثَ مَسْلَح ومَبَالِ )
قال وقال لها وقد فخرت
( هلاَّ سألتِ مَنَازِلاً بِغُرارِ ... عَمَّنْ عَهِدْتُ به من الأَحْرَارِ )
( أينَ انْتَأَوْا ونحاهُمُ صَرْفُ النَّوَى ... عَنَّا وصَرْفُ مُقَحِّمٍ مِغْيَارِ )
(14/123)

( كَرِهَ المُقَامَ وظَنَّ بي وبأهلِها ... ظَنّاً فكان بنا على إصْرارِ )
( عُدِّي رجالَكِ واسْمَعِي يا هَذِهِ ... عَنِّي مَقَالَةَ عالمٍ مِفْخَارِ )
( سأعُدُّ ساداتٍ لنا ومَكارِماً ... وأُبوّةً ليستْ عليَّ بِعَارِ )
( قَيْسٌ وخِنْدِفُ والدايَ كِلاهُما ... والعَمُّ بَعْدُ ربيعةُ بنُ نزارِ )
( مَنْ مِثْلُ فارِسنا دُرَيْدٍ فارساً ... في كلِّ يومِ تَعَانُقٍ وكِرارِ )
( وبنو زِيادٍ مَنْ لِقَوْمِكِ مِثْلُهُمْ ... أو مِثْلُ عَنترةَ الهِزَبْرِ الضَّاري )
( والحيُّ من سعدٍ ذُؤابةُ قَوْمِهِمْ ... والفَخْرُ منهم والسَّنامُ الواري )
( المانِعُونَ من العَدُوِّ ذِمَارَهُمْ ... والمُدْرِكُونَ عَدُوَّهم بالثَّارِ )
( والناكحونَ بناتِ كلِّ مُتَوَّجٍ ... يومَ الوَغَى غَصْباً بلا إِمهارِ )
( وبنو سُلَيْم نُكْلُ مَنْ عاداهُمُ ... وحَيَا العُفَاةِ ومَعْقِلُ الفُرَّارِ )
( ليسوا بأنكاسٍ إذا حاسَتْهُمُ المَوْتَ ... العُدَاةُ وصَمَّمُوا لِمُغَارِ )
(14/124)

أخبرني عيسى بن الحسين قال حدثنا الزبير بن بكار عن عمه قال
كان ابن أبي الزوائد وفد إلى بغداد في ايام المهدي فاستوخمها فقال يتشوق إلى المدينة ويخاطب أبا غسان محمد بن يحيى وكان معه نازلا
( يابْنَ يحيى ماذا بدا لَكَ ماذا ... أَمُقَامٌ أم قد عَزَمْتَ الخِياذَا )
( فالبراغيثُ قد تَثَوَّرَ منها ... سامرٌ ما نَلُوذ منها مَلاَذَا )
( فَنَحُكُّ الجُلُودَ طَوْراً فَتَدْمَى ... وَنَحُكُّ الصُّدُورَ والأفخاذَا )
( فَسَقَى الله طَيْبَةِ الوَبْلَ سَحّاً ... وسقى الكَرْخَ والصَّرَاةَ الرَّذاذَا )
( بلدةٌ لا ترى بها العَيْنُ يوماً ... شارباً للنَّبيذِ أو نَبَّاذَا )
( أو فَتًى ماجناً يرى اللَّهْوَ والباطِلَ مجداً أو صاحباً لَوَّاذا )
( هذه الذال فاسمعوها وهاتُوا ... شاعِراً قال في الرَّويِّ على ذَا )
( قالها شاعرٌ لَوَ أنَّ القوافي ... كُنَّ صخراً أطارَهُنَّ جُذَاذَا )
سكر فشعر
قال الزبير وأنشدني له أبو غسان محمد بن يحيى وكان قد دخل إلى
(14/125)

رجلين من أهل الحجاز يقال لأحدهما أبو الجواب والآخر أبو ايوب فسقياه نبيذا على أنه طري لا يسكر فأسكره فقال
( سَقَانِي شربةً فَسَكِرْتُ منها ... أبو الجَوَّابِ صاحِبيَ الخبيثُ )
( وعاوَنَهُ أبو أيُّوبَ فيها ... ومِنْ عاداته الخُلُقُ الخَبِيثُ )
( فلمَّا أن تَمَشَّتْ في عِظامِي ... وهَمَّتْ وثْبَتِي منها تَرِيثُ )
( علمتُ بأنَّني قد جئتُ أمراً ... تسوءُ به المقالةُ والحديثُ )
( فَدَعْهُم لا أبا لك واجْتَنِبْهُمْ ... فإنَّ خَلِيطَهُمْ لَهُوَ اللّوِيثُ )
وتمام الأبيات التي فيها الغناء بعد البيتين المذكورين
( كالشمس في شَرْقِها إذا سَفَرَتْ ... عنها ومِثْلُ المَهَاةِ مُلْتَثِمَهْ )
( ما صَوَّرَ الله حين صَوَّرها ... في سائر النَّاسِ مثلَها نَسَمَهْ )
( كلَّ بلادِ الإلهِ جئتُ فما ... أبصرتُ شِبْهاً لها وقد عَلِمَهْ )
( أنْثَى من العالمين تُشْبِهُهَا ... عابسةً هَكَذَا ومُبْتَسِمَهْ )
( فَتَّانَةُ المُقْلَتَيْنِ مُخْطَفَةُ الأحشاءِ ... منها البَنَانُ كالعَنَمَهْ )
( إذا تعاطتْ شيئاً لتأخذَه ... قلتَ غَزَالٌ يَعْطُو إلى بَرَمَهْ )
(14/126)

( يا طِيبَ فِيها وطِيبَ قُبْلتها ... والقُرْبِ مِنْها في اللَّيلة الشَّبِمَهْ )
( إنَّ من اللَّذَّةِ التي بَقِيتْ ... غِشيانَكَ الخَوْدَ من بني سَلَمَهْ )
( لا تَهْجُرِ الخَوْدَ إنْ تُغالِ بها ... بعد سُلُوٍّ وقبلَ ذاك فَمَهْ )
( آتِي مُعِدّاً لها الكلامَ فما ... أنْطِقُ من هَيبةٍ ولا كَلِمَهْ )
( أُحِبُّ واللهِ أن أزورَكُمُْ ... وَحْدِي كذا أو أَزُورَكُم بِلُمَهْ )
( هذا الجمالُ الذي سمعتَ به ... سبحانَ ذي الكِبْرِيَاءِ والعَظَمَهْ )
( مَنْ أبصرتْ عَيْنُه لها شَبَهاً ... حَلَّ عليه العذابُ والنَّقِمَهْ )
صوت
( يا هِنْدُ يا هِنْدُ نَوِّلِي رَجُلاً ... وكيف تنويلُ مَنْ سَفَكْتِ دَمَهْ )
( أو تُدْرِكِي نَفْسه فقد هَلَكتْ ... أو تَرْحَمِيهِ فمِثْلُكم رَحِمهْ )
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن جعفر بن قادم مولى بني هاشم قال حدثني عمي أحمد بن جعفر عن ابن دأب قال
أمر المنصور أن لا تتزوج منافية إلا منافياً
خرجت أنا وأخي يحيى وابن أبي السعلاء ومعنا مصعب بن عبد الله النوفلي وثابت والزبير ابنا خبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير وابن أبي الزوائد السعدي وابن أبي ذئب متنزهين إلى العقيق وقد سال يومئذ إذ أتانا آت ونحن جلوس فسألناه عن الخبر بالمدينة فقال ورد كتاب أمير المؤمنين
(14/127)

المنصور أن لا تتزوج منافية إلا منافيا
قال ابن أبي ذئب إذن والله لا يخطب قرشي إلا من لا يحبها ولا يرغب فيمن لا يرغب فيها ممن لا فضل له عليها وكان غير حسن الرأي في بني هاشم
وتكلم ابنا خبيب بمثل ذلك وقال أحدهما إن نسبنا من بني عبد مناف قد طال فأدالنا الله منهم
قال فغضب مصعب النوفلي وكان أحول فازدادت عيناه انقلابا فقال أما أنت يابن أبي ذئب فوالله ما شرفتك جاهلية ولا رفعك إسلام فيقع في بال أحد أنك عنيت بما جرى
وأما أنتما يا بني خبيب فبغضكما لبني عبد مناف تالد موروث ولا يزال يتجدد كلما ذكرتم قتل الزبير وإنكم لمن طينتين مختلفتين أما إحداهما فمن صفية وهي الطينة الأبطحية السنية تنزعان إليها إذا نافرتما وتفخران بها إذا افتخرتما والأخرى الطينة العوامية التي تعرفانها ولو شئت أن أقول لقلت ولكن صفية تحجزني فأحسنا الشكر لمن رفعكما ولا تميلا عليه بمن وضعكما
فقالا له مهلا فوالله لقديمنا في الإسلام أفضل من قديمك ولحظنا فيه بالزبير أفضل من حظك
فقال مصعب والله ما تفخران في نسبكما إلا بعمتي ولا تفضلان في دينكما إلا بابن عمي فمفاخره لي دونكما
ثم تفرقوا فقال ابن أبي الزوائد
(14/128)

( لَعَمْرُكُما يابني خُبَيبِ بن ثابتٍ ... تجاوزتما في الفَخْرِ جَهْلاً مَداكما )
( وأنكرتُما فضلَ الذين بِفَضْلِهِمْ ... سَمَتْ بين أيدي الأكْرَمِين يَداكُمَا )
( فإنَّكما لم تَعْرِفَا إذ سَمَوْتُمَا ... إلى العِزِّ مِنْ آل النبيِّ أباكما )
( ولم تَعْرِفَا الفضلَ الذي قد فَخَرْتُما ... فليس من العَوَّامِ حَقّاً أتاكما )
( فلولا الكِرامُ الغُرُّ من آل هاشمٍ ... فلا تجهلا لَمْ تدفَعا مَنْ رَماكما )
صوت
( مُحبٌّ صَدَّ آلِفُهُ ... فليس لِلَيْلِه صُبْحُ )
( يُقلِّبُه على مَضَضٍ ... مَوَاعِدُ ما لَها نُجْحُ )
( له في عَيْنِه غَرْبٌ ... وفي أحشائه جُرْحُ )
( صحَا عنه الَّذي يرجو ... وما يَصْحُو )
الشعر لأبي الأسد والغناء لعلويه هزج بالوسطى وخفيف ثقيل بالوسطى
(14/129)

أخبار أبي الأسد ونسبه
اسمه فيما ذكر لنا عيسى بن الحسين الوراق عن عيسى بن إسماعيل تينة عن القحذمي نباتة بن عبد الله الحماني
وذكر أبو هفان المهزمي أنه من بني شيبان
وهو شاعر مطبوع متوسط الشعر من شعراء الدولة العباسية من أهل الدينور
وكان طبا مليح النوادر مزاحا خبيث الهجاء وكان صديقا لعلويه المغني الأعسر ينادمه ويواصل عشرته ويصله علويه بالأكابر ويعرضه للمنافع وله صنعة في كثير من شعره
شعره في جارية وعدته أن تزوره ليلا
فأخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد الأبزاري قال
كان أبو الأسد الشاعر صديقا لعلويه وكان كثيرا ما يغني في شعره
فدعانا علويه ليلة ووعدته جارية لآل يحيى بن معاذ وكانت تأخذ عنه الغناء أن تزوره تلك الليلة وكانت من أحسن الناس وجها وغناء وكان علويه يهيم بها فانتظرناها حتى أيسنا منها احتباسا
فقال علويه لأبي الأسد قل في هذا شعرا فقال
(14/130)

( محبٌّ صدَّ آلِفُه ... فليس لِلَيْلِه صُبْحُ )
( صحا عنه الذي يرجو ... زيارتَه وما يصحو )
قال فصنع علويه فيه لحنا من خفيف الثقيل هو الآن مشهور في ايدي الناس وغنانا فيه فلم نزل نشرب عليه حتى أصبحنا
وصنع في تلك الليلة بحضرتنا فيه الرمل في شعر أبي وجزة السعدي
( قَتَلتْنِي بغير ذنبٍ قَتُولُ ... وحَلاَلٌ لها دَمِي المطلُولُ )
( ما على قاتلٍ أصابَ قَتِيلاً ... بدَلاَلٍ ومُقْلَتَيْنِ سَبِيلُ )
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أبو هفان قال
كتب أبو الأسد وهو من بني حمان إلى موسى بن الضحاك
( لِموسَى أَعْبُدٌ وأنَا أخُوهُ ... وصاحِبه وما لي غيرُ عَبْدِ )
( فلو شاء الإلهُ وشاء موسى ... لآنَسَ جانِبي فَرَجٌ بِسَعْدِ )
قال وفرج غلام كان لأبي الأسد وسعد غلام كان لموسى فبعث إليه موسى بسعد وقاسمه بعده بقية غلمانه فأخذ شطرهم وأعطاه شطرهم
أخبرني محمد الخزاعي قال حدثني العباس بن ميمون طائع قال
هجا أبو الأسد أحمد بن أبي دواد فقال
(14/131)

( أنت امرؤ ٌغَثَّ الصَّنِيعَةِ رَثُّها ... لا تُحْسِنُ النُّعْمَى إلى أمثالي )
( نُعْمَاك لا تَعْدُوكَ إلاَّ في امرئٍ ... في مَسْكِ مِثْلِك من ذَوي الأَشْكَالِ )
( وإذا نظرتَ إلى صَنيعِك لم تَجِدْ ... أَحَداً سَمَوْتَ به إلى الإفْضالِ )
( فاسْلَمْ بغير سَلاَمةٍ تُرْجَى لها ... إلاَّ لِسَدِّكَ خَلَّةَ الأَنْذَالِ )
قال فأدى إليه سلامة وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عائشة هذه الأبيات عن أبي الأسد فبعث إليه ببرد واستكفه وبعث بابن عائشة إلى مظالم ماسبذان وقال له قد شركته في التوبيخ لنا فشركناك في الصفقة فإن كنتما صادقين في دعواكما كنتما من الأنذال وإن كنتما كاذبين فقد جزيتما بالقبيح حسنا
سبب هجائه أحمد بن أبي دواد
حدثني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن الحسن بن الحرون قال كان سبب هجاء أبي الأسد أحمد بن أبي دواد أنه مدحه فلم يثبه ووعده بالثواب ومطله فكتب إليه
( ليتَك إذ نُبْتَنِي بواحدةٍ ... تُقْنِعُنِي منك آخِرَ الأَبَدِ )
( تَحْلِفُ ألاَّ تَبَرَّني أبداً ... فإنّ ! َ فيها بَرْداً على كَبِدي )
( اشْفِ فُؤادي مِنِّي فإنَّ به ... منِّي جُرْحاً نَكَأْتُه بِيَدِي )
( إنْ كان رِزْقي إليكَ فارْمِ به ... في نَاظِرَيْ حَيَّةٍ على رَصَد )
(14/132)

( قد عشْتُ دهراً وما أقدِّر أنْ ... أرضَى بما قد رَضِيتُ من أحدِ )
( فكيف أخطأتُ لا أَصبتُ ولا ... نَهَضْتُ من عَثْرَةٍ إلى سَدَدِ )
( لو كنتُ حُرّاً كما زعمتُ وقد ... كَدَدْتَنِي بالمِطَالِ لم أَعُدِ )
( صَبَرْتُ لمَّا أسأتَ بي فإذا ... عُدْتُ إلى مِثْلِها فعُدْ وعُدِ )
( فإنَّنِي أهلُ ذاكَ في طَمَعِي ... وفي خَطَائي سبيلَ مُعْتَمِدِ )
( أَبْعَدَنِي اللهُ حين يَحْمِلُني ... حرْصِي على مِثْلِ ذَا من الأَوَدِ )
( الآنَ أيقنتُ بعد فِعْلِكَ بي ... أَنِّيَ عَبْدٌ لأعْبُدٍ قُفُد )
( فصِرْتُ من سُوء ما رُمِيتُ به ... أُكْنَى أبا الكَلْبِ لا أبا الأَسَدِ )
أخبرني علي بن الحسين بن عبد السميع المروزي الوراق قال حدثني عيسى بن إسماعيل تينة عن القحذمي قال
كان أبو الأسد الشاعر واسمه نباتة بن عبد الله الحماني منقطعا إلى الفيض بن صالح وزير المهدي وفيه يقول
( ولائمةٍ لامَتْكَ يا فَيْضُ في النَّدَى ... فقلتُ لها لن يَقْدَحَ اللَّوْمُ في البَحْرِ )
( أرادتْ لِتَنْهَى الفَيْضَ عن عادةِ النَّدَى ... ومَنْ ذا الذي يَثْني السَّحَابَ عن القَطْرِ )
( مَوَاقِعُ جُودِ الفَيْضِ في كلِّ بلدةٍ ... مَوَاقِعُ ماءِ المُزْنِ في البَلَدِ القَفْرِ )
( كأنَّ وُفودَ الفَيْضِ لما تَحَمَّلُوا ... إلى الفيض لاقَوْا عندَه ليلةَ القَدْرِ )
وكان أبو الأسد قبله منقطعا إلى أبي دلف مدة فلما قدم عليه علي بن
(14/133)

جبلة العكوك غلب عليه وسقطت منزلة أبي الأسد عنده فانقطع إلى الفيض بعد عزله عن الوزارة ولزومه منزله وذلك في أيام الرشيد وفيه يقول
( أتيتُ الفَيْضَ مُشْتَكِياً زَمَاني ... فأَعْدَانِي عليهِ جُودُ فَيْضِ )
( وفاضتْ كَفُّهُ بالبَذْلِ منه ... كما كَفُّ ابنِ عيسى ذاتُ غَيْضِ )
مدح حمدون بن إسماعيل وهجاء علي بن المنجم
أخبرني عيسى بن الحسين قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني علي بن الحسن بن الأعرابي قال
سأل أبو الأسد بعض الكتاب وهو علي بن يحيى المنجم حاجة يسأل فيها بعض الوزراء فلم يفعل
وبلغ حمدون بن إسماعيل الخبر فسأل له فيها مبتدئا ونجزها وأنفذها إليه
فقال أبو الأسد يهجو الرجل الذي كان سأله الحاجة ويمدح حمدون بن إسماعيل
( صُنْعٌ من اللهِ أَنِّيِ كنتُ أَعْرِفكم ... قبلَ اليَسَارِ وأنتمْ في التَّبَابينِ )
(14/134)

( فما مضتْ سَنَةٌ حتَّى رأيتكُمُ ... تَمْشُون في القَزِّ والقُوهِيّ واللِّينِ )
( وفي المَشَارِيق ما زالتْ نساؤكُم ... يَصِحْن تحت الدَّوالي بالوَرَاشِينِ )
( فصرْنَ يَرْفُلْنَ في وَشْي العِرَاقِ وفي ... طَرائِف الخَزِّ من دُكْنٍ وطَارُونِي )
( أُنْسِينَ قَطْعَ الحُلاَوَى من مَعَادِنها ... وحَمْلَهُنَّ كَشُوثاً في الشَّقابين )
( حتى إذا أيسروا قالوا وقدكذبوا ... نحن الشَّهاريجُ أولادُ الدّهاقِين )
( في آسْتِ امِّ ساسانَ أَيْرِي إنْ أقرّبكم ... وأيْرُ بَغْلٍ مُشِظٍّ في آسْتِ شِيرين )
( لو سِيلَ أوْضَعُهُم قَدْراً وأنْذَلُهم ... لقال من فَخْرِه إنِّي ابنُ شُوبِينِ )
( وقال أقطَعني كِسْرَى وَورَّثني ... فَمَنْ يُفَاخِرُني أَمْ مَنْ يُنَاوِيني )
(14/135)

( من ذَا يُخَبِّر كسْرَى وهو في سَقَر ... دعوى النَّبيط وهم بَيْضُ الشياطين )
( وأنهم زعموا أنْ قد ولدتَهُمُ ... كما ادَّعى الضب إني نُطْفةُ النُّونِ )
( فكان يَنْحَزُ جَوْفَ النار واحدةً ... تَفْرِي وتَصْدَعُ خوفاً قلبَ قارون )
( أما تراهم وقد حَطُّوا بَرادِعَهُمْ ... عن أُتْنهمْ واستبدُّوا بالبَرَاذِينِ )
( وأفرجوا عن مَشارات البُقول إلى ... دُورِ المُلوك وأبواب السَّلاطِينِ ) تَغْلي على العُرْب من غَيْظٍ مَرَاجِلُهُمْ ... عداوةً لِرسول الله في الدِّين )
( فقل لهم وهُم أهلٌ لتَزْنِيَةٍ ... شَرَّ الخَلِيقةِ يا بُخْرَ العَثَانِين )
( ما النَّاسُ إلا نِزارٌ في أَرومَتها ... وهاشمٌ سُرْجُها الشُّمُّ العَرَانينِ )
( والحَيُّ من سَلَفَيْ قَحْطَانَ إنَّهمْ ... يُزْرُونَ بالنّبَطِ اللُّكْنِ المَلاَعِين )
( فما على ظهرها خَلْقٌ له حَسَبٌ ... مما يُناسب كِسْرَى غيرُ حَمْدون )
(14/136)